Advertisement

أصول الفقه لابن مفلح 003


الجزء الثالث
(3/879)

التخصيص
قصر العام على بعض أجزائه.
ولعله مراد من قالوا: "مسمياته" (1)؛ فإِن مُسَمَّى العام جميع ما يصلح له اللفظ لا بعضه.
وعند أبي الحسين (2) المعتزلي: "إِخراج بعض ما يتناوله الخطاب عن الخطاب"، لشموله -بتقدير (3) وجود المخصص- جميع الأفراد في نفسه، والمخصِّص أخرج بعضها عنه.
وقيل (4): "أراد ما يتناوله بتقدير عدم المخصص، نحو قولهم: خص العام (5) ". فيرد -إِذًا- دور لا جواب عنه.
وعند الآمدي (6): تعريف أن العموم للخصوص.
فيرد الدور؛ لأنهما لمعنى واحد.
أجيب: المراد في الحد التخصيص لغة أُخِذ في حَدِّه اصطلاحا، والله أعلم.
* * *
ويطلق "التخصيص" على قصر لفظ غير عام على بعض مسماه، كما يطلق "عام" على لفظ غير عام ك "عشرة" و"المسلمين" (7) للعهد، زاد
__________
(1) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 87.
(2) قالوا في المعتمد/ 251 - 252: التخصيص إِخراج بعض ما تناوله الخطاب مع كونه مقارنا له.
(3) في (ب): بتقديره.
(4) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 87.
(5) ولا شك أن ما خص ليس بعام، لكن المراد به كونه عاما لولا تخصيصه.
(6) قالوا في الإِحكام 2/ 282: تعريف أن المراد باللفظ الموضوع للعموم حقيقة إِنما هو للخصوص.
(7) نهاية 257 من (ح).
(3/880)

بعضهم (1): "وضمائر الجمع (2)؛ لأنها لا تدل بنفسها"، وليس كذلك كما سبق (3)؛ لأنها متابعة للمظهر.
* * *
ولا تخصيص إِلا فيما يصح توكيده ب "كل" وهو: ما له شمول حسا -نحو: جاءني القوم- أو حكماً نحو: اشتريت العبد.
* * *
قالوا ابن عقيل (4): التخصيص والنسخ في الحقيقة إِنما يتناول أفعالنا الواقعة في الأزمان والأعيان فقط، والفقهاء والمتكلمون أكثروا القول بأن النسخ يتناول الأزمان فقط (5)، والتخصيص يتناول الجميع (6)، وإِنما يستعمله المحصلون (7) تجوزًا (8).
__________
(1) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 87.
(2) في (ب): الجميع.
(3) في ص 767.
(4) انظر: الواضح 1/ 49 ب.
(5) دون الأعيان.
(6) يعني: الأعيان والأزمان والأحوال.
(7) في (ح): المحصولون.
(8) قال: وهذا إِنما يستعمله المحصلون لعلم هذا الباب على سبيل التجوز والاتساع؛ لأن الأزمان والأعيان -باتفاق- ليست من أفعال العباد ومقدوراتهم ولا مما يدخل تحت تكاليف، وإذا كان كذلك وجب أن يتناول النسخ على الحقيقة رفع فعل في بعض=
(3/881)

مسألة
التخصيص جائز عند الأئمة الأربعة وغيرهم، خلافًا لبعض الشافعية وبعض الأصوليين في الخبر، وعن بعضهم: وفي الأمر.
لنا: استعمال الكتاب والسنة.
قالوا: يوهم (1) في الخبر الكذب، وفي الأمر (2) البداء (3).
رد: بالمنع.
قالوا: كنسخ الخبر.
وأجاب أبو الخطاب (4) وابن عقيل (5) والآمدي (6): بالمنع (7).
ثم: التخصيص يبين المراد باللفظ، والنسخ رفع.
__________
=الأزمان دون رفع الزمان، وكذلك فإِنما يدخل التخصيص في إِسقاط فعل في بعض الأعيان.
(1) نهاية 123 أمن (ب).
(2) نهاية 90 أمن (ظ).
(3) في لسان العرب 18/ 70 - 71: بدا لي بَداء: أي تغير رأيي عما كان عليه. ويقال: بدالي من أمرك بداء، أي: ظهر لي ... والبداء: استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم.
(4) انظر: التمهيد/ 64 ب.
(5) انظر: الواضح 2/ 114 أ.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 283.
(7) بل يجوز نسخ الخبر، كالوعيد: يجوز نسخه بالعفو.
(3/882)

مسألة
يجوز تخصيص العام إِلى أن يبقى واحد عند أصحابنا، قال الحلواني (1): "هو قول الجماعة"، قالوا ابن برهان (2): هو المذهب المنصور.
ومنع أبو بكر الرازي الحنفي والقفال (3) والغزالي (4) النقص من أقل الجمع، واختاره بعض أصحابنا (5)، قالوا أبو المعالي (6): "جمهور الفقهاء أن صيغ الجمع نصوص في الأقل لا تقبل تأويلا، ظاهرة فيما عداه تقبل تأويلا"، ثم: في مسألة "أقل الجمع" (7) اختار الأول.
واختار القاضي في الكفاية (8) -في جميع صيغ العموم-: لا بد أن يبقى كثرة وإن لم تُقَدَّر (9)، وصححه بعض أصحابنا (10)، وحكاه عن أبي
__________
(1) انظر: المسودة/ 116 - 117.
(2) انظر: المرجع السابق/ 117.
(3) انظر: اللمع/ 18.
(4) انظر: المستصفى 2/ 91.
(5) انظر: المسودة/ 117.
(6) انظر: البرهان/ 321، والمسودة/ 117.
(7) انظر: البرهان/ 351 - 354.
(8) انظر: المسودة/ 117.
(9) قالوا: إِلا أن تستعمل في الواحد على سبيل التعظيم.
(10) انظر: المرجع السابق.
(3/883)

الحسين (1) المعتزلي (2) وصاحب المحصول (3)، وحكاه ابن برهان (4) عن أكثر المعتزلة.
وذكر الآمدي (5) عن أبي الحسين: كثرة تقرب من مدلول اللفظ، وأن إِليه ميل أبي المعالي وأكثر أصحابهم. واختاره بعض أصحابنا.
وجه الأول: لو امتنع لكان: لأنه مجاز، أو لاستعماله في غير موضوعه، فيمتنع تخصيصه مطلقًا.
واعترض: المنع لعدم استعماله فيه لغة.
وجوابه: بالمنع، ثم: لا فرق.
وأيضًا: أكرم الناس إِلا الجهال (6).
واعترض: خص بالاستثناء (7).
وجوابه: المعروف التسوية (8)، ثم: لا فرق.
__________
(1) انظر: المعتمد/ 254.
(2) نهاية 258 من (ح).
(3) انظر: المحصول 1/ 3 / 16.
(4) انظر: المسودة/ 117.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 283 - 284.
(6) يجوز وإن كان العام واحدًا اتفاقا.
(7) وفرق بينه وبين غيره.
(8) في الجواز.
(3/884)

واستدل: بقوله: (الذين قالوا لهم الناس) (1)، وأريد (2): نعيم بن مسعود.
رد: ليس بعام؛ لأنه لمعهود.
واستدل: بقوله: (وإنا له لحافظون) (3).
أجيب: أطلق الجمع عليه للتعظيم، ومحل النزاع في الإِخراج منه.
واستدل (4): يجوز: "أكلت الخبز وشربت الماء" لأقل.
رد: المراد بعض مطابق لمعهود ذهني (5).
القائل بأقل الجمع: ما سبق (6) فيه (7).
__________
(1) سورة آل عمران: آية 173.
(2) قاله مجاهد ومقاتل وعكرمة والكلبي وغيرهم. انظر: زاد المسير 1/ 504، والاستيعاب/ 1508، وتفسير القرطبي 4/ 279، وفتح القدير 1/ 400.
وقيل: المراد ب (الناس) ركب لقيهم أبو سفيان، فضمن لهم ضمانا لتخويف النبي وأصحابه. قاله ابن عباس وابن إِسحاق.
وقيل: إِنهم المنافقون، لما رأوا النبي يتجهز نهوا المسلمين عن الخروج، وقالوا: إِن أتيتموهم في ديارهم لم يرجع منكم أحد. وهذا قول السدي. انظر: زاد المسير 1/ 504 - 505، وتفسير القرطبي 4/ 279 - 280.
(3) سورة الحجر: آية 9.
(4) نهاية 123 ب من (ب).
(5) فليس محل النزاع.
(6) في ص 777 وما بعدها.
(7) كأنه جعله فرعا لكون الجمع حقيقة في الثلاثة أو في الاثنين.
(3/885)

رد: ليس الجمع بعام ليطلق العام على ما يطلق عليه (1).
القائل بالكثرة: لو قال: "قتلت كل من في البلد" أو: "أكلت كل رمانة " أو: "من دخل فأكرمه" -وفسره بثلاثة- عُدّ قبيحا لغة.
أجاب الآمدي (2): بالمنع مع قرينة (3)؛ بدليل ما سبق من إِرادة نعيم بن مسعود ب (الناس)، وصحة: أكلت الخبز.
وأجاب في التمهيد (4): يلزم الاستثناء (5)؛ قبيح (6) لغة، ويجوز عند الخصم. وبأنه قد يقول ذلك وإن أكل قليلاً كقول مريض: "أكلت اللحم" يريد: قليلاً (7). وفي هذا الموضع يقول الخصم: "المراد أكل الجنس"، فلا يلزمه.
* * *
المخصِّص: المُخْرِج، وهو إِرادة المتكلم، ويطلق على ما دل عليها مجازًا.
* * *
__________
(1) فالكلام في أقل مرتبة يخصص إِليها العام، لا في أقل مرتبة يطلق عليها الجمع.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 285.
(3) فليس قبيحا.
(4) انظر: التمهيد/ 64 ب.
(5) يعني: لو قال -مثلاً-: له علي ألف إِلا تسعمائة وتسعين.
(6) غيرت في (ب) و (ظ) إِلى: فيه.
(7) نهاية 259 من (ح).
(3/886)

وهو: متصل، ومنفصل.
وخصه بعض أصحابنا بالمنفصل، وقال: هو اصطلاح كثير من الأصوليين (1)؛ لأن الاتصال منعه العموم، فلم يدل إِلا متصلاً، فلا يسمى عاما مخصوصًا، وقال أيضًا: لا يدخل في التخصيص المطلق (2).
وفي التمهيد (3): العموم بدون ذلك ليس حقيقة ولا مجازًا، بل المجموع الحقيقة؛ لأن المتكلم أراد البعض بالمجموع. واحتج بهذا على أنه لا يصح الاستثناء من غير الجنس.
وفي الروضة (4) -في كلامه على الشرط- معنى ذلك.
* * *
والمتصل: الاستثناء المتصل، والشرط، والصفة، والغاية.
وزاد بعضهم (5): بدل (6) البعض.
وقد قيل: المُبْدل في حكم المطَّرح (7).
__________
(1) نهاية 90 ب من (ظ).
(2) (المطلق) صفة ل (التخصيص).
(3) انظر: التمهيد/ 59 أ.
(4) انظر: روضة الناظر/ 259.
(5) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 88.
(6) في (ظ): وبدل.
(7) فلا يعم ولا يخص.
(3/887)

مسألة
لا يصح الاستثناء من غير الجنس عند أحمد (1) وأصحابه وزفر (2) ومحمد (3)، وذكره الآمدي (4) عن الأكثر، وذكر التميمي (5): أن أصحاب أحمد اختلفوا فيه.
وعن أحمد: يصح نقد من آخر، ففي روضة الفقه لبعض أصحابنا: بناء على أنهما جنس أو جنسان (6)، وفي العدة (7) والواضح (8): لأنهما كالجنس في أشياء (9)، وفي المغني (10): يمكن حملها على ما إِذا كان أحدهما يعبر به عن الآخر، أو يُعلم قدره منه.
وقال بعض أصحابنا: يلزم منها صحة نوع من آخر، وقال أبو الخطاب (11): صحة استثناء ثوب وغيره.
__________
(1) انظر: العدة/ 673، والمسودة/ 156.
(2) انظر: بدائع الصنائع/ 4565.
(3) انظر: أصول السرخسي 2/ 44، وكشف الأسرار 3/ 136، والهداية 3/ 184.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 291.
(5) هو: أبو محمَّد التميمي.
(6) نهاية 124أمن (ب).
(7) انظر: العدة/ 677 - 678.
(8) انظر: الواضح 2/ 148أ.
(9) مثل: كونهما قيم الأشياء والأروش ونحو ذلك.
(10) و (11) انظر: المغني 5/ 114.
(3/888)

وقاله المالكية (1) وابن الباقلاني (2) وجماعة (3) من المتكلمين والنحاة (4).
وللشافعية (5) كالقولين.
قالوا ابن برهان (6): (7) عدم صحته قول عامة أصحابنا والفقهاء قاطبة وهو المنصور. وحكاه جماعة (8) عن أبي حنيفة، والأشهر عنه (9): صحته في مكيل أو موزون من أحدهما فقط.
وجه الأول: أن الاستثناء صرف اللفظ بحرفه (10) عما يقتضيه لولاه، أو إِخراج؛ لأنه مأخوذ من الثني (11) من قولهم: ثنيت فلانا عن رأيه، وثنيت
__________
(1) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 241.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 291.
(3) نهاية 260 من (ح).
(4) انظر: شرح الرضي على الكافية 1/ 224، والإِحكام للآمدي 2/ 291.
(5) انظر: اللمع/ 23، والتبصرة/ 165، والمستصفى 2/ 166، والمحصول 1/ 3/ 43، والإِحكام للآمدي 2/ 291.
(6) انظر: الوصول لابن برهان/ 129، والمسودة/ 156.
(7) في (ب) و (ظ): قال ابن برهان: قول عدم صحته قول ... إِلخ.
(8) انظر: روضة الناظر/ 253، والبلبل/ 111.
(9) انظر: أصول السرخسي 2/ 44، وكشف الأسرار 3/ 136، والهداية 3/ 184.
(10) يعني: بحرف الاستثناء.
(11) في (ظ): الشيء.
(3/889)

عنان دابتي.
ولأن الاستثناء إِنما يصح لتعلقه بالأول، لعدم استقلاله، وإِلا لصح كل شيء من كل شيء؛ لاشتراكهما في معنى عام.
ولأنه لو قال: "جاء الناس إِلا الكلاب أو إِلا الحمير" عُدّ قبيحًا لغة وعرفا.
ورد الأول: بأنه (1) محل النزاع، وبأنه مشتق من التثنية كأنه ثنى الكلام به، ولا يلزم من الاشتقاق لمعنى نفي كونه حقيقة لمعنى آخر ولا الاطراد (2).
وقُبْح ما ذكر لا يمنع (3) لغة كقول الداعي: "يا رب الكلاب والحمير"، ثم: إِن امتنع من اللفظ مطابقة لا يمتنع من لازم له.
ولا يلزم استثناء كل شيء من كل شيء، لاعتبار (4) مناسبة بينهما كقول القائل: "ليس لي بنت (5) إِلا ذكر"، بخلاف قوله: إِلا أني بِعْتُ داري.
واحتج أصحابنا وغيرهم: بأنه تخصيص فلا يصح في (6) غير داخل.
__________
(1) في (ظ): لأنه.
(2) يعني: لا يلزم أن يكون كل شيء وجد فيه معنى التثنية أنه استثناء.
(3) يعني: لا يمنع الجواز لغة. وفي (ح): لا يمتنع.
(4) يعني: ما المانع أن تكون صحة الاستثناء مشروطة بمناسبة بين المستثنى والمستثنى منه؟.
(5) في (ب): بيت.
(6) في (ح): لغير.
(3/890)

وجه (1) الثاني: وقوعه، كقوله: (إِلا رمزا (2)) (3)، (أن يقتل مؤمنا إِلا خطئا) (4)، (من علم إِلا اتباع الظن) (5)، (من سلطان إِلا أن دعوتكم) (6).
وقول العرب: ما بالدار أحد إِلا الوَتَد، وما جاءني زيد إِلا عمرو.
ولأنه لو أقر (7) بمائة درهم إِلا ثوبا لَغَا على الأول، (8) مع إِمكان تصحيحه بأن معناه: "قيمة ثوب"، لا سيما إِن أراده.
ورد: أن "إِلا" في ذلك بمعنى "لكن" عند النحاة، منهم: الزجاج (9) وابن (10) قتيبة (11)، وقال: "هو قول
__________
(1) نهاية 124 ب من (ب).
(2) في (ب): زمرا.
(3) سورة آل عمران: آية 41.
(4) سورة النساء: آية 92.
(5) سورة النساء: آية 157.
(6) سورة إِبراهيم: آية 22.
(7) نهاية 91 أمن (ظ).
(8) نهاية 261 من (ح).
(9) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج 2/ 97، 140.
(10) في كتابه (الجامع في النحو). انظر: العدة/ 676 - 677.
(11) هو: أبو محمَّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أديب نحوي، ولد ببغداد سنة 213 ه، وتوفي بها سنة 276 ه.=
(3/891)

سيبويه" (1)، وهو استدراك، ولهذا لم يأت إِلا بعد نفي أو بعد إِثبات (2) بعده جملة.
ولا مدخل للاستدراك في إِقرار، فبطل ولو مع جملة بعده كقوله: "له مائة درهم إِلا ثوبا لي عليه"، فيصح إِقراره وتبطل دعواه، كتصريحه (3) بذلك بغير استثناء.
وفي (4) العدة والتمهيد (5): لو صح لصح إِذا أقر بثوب وأراد قيمته، زاد في التمهيد: وقد قيل يصح ذلك، لا على وجه الاستثناء، بل للفظِ المُقِرّ كمن أقر بمائة ثم فَسَّرها. كذا قالا.
والمذهب الأول أظهر؛ لسبق المتصل إِلى الفهم، وهو دليل الحقيقة (6)، لكن عند تعذره في العمل بالمنقطع نظر.
وعلى المذهب الثاني: قال قوم: مشترك؛ لأن المتصل إِخراج، والمنقطع
__________
=من مؤلفاته: تأويل مختلف الحديث، والمعارف، وأدب الكاتب.
انظر: تاريخ بغداد 10/ 170، ووفيات الأعيان 1/ 251، ومرآة الجنان 2/ 191، والنجوم الزاهرة 3/ 75، والبداية والنهاية 11/ 48.
(1) انظر: الكتاب 1/ 363، 366 - 368، وشرح الفصل 2/ 80.
(2) يعني: ولم يأت في الإثبات إِلا إِذا كان بعده جملة.
(3) في (ظ): لتصريحه.
(4) في (ب): في.
(5) انظر: التمهيد/ 59 ب.
(6) يعني: فيكون حقيقة فيه مجازا في المنقطع.
(3/892)

مخالفة، فلا اشتراك معنوي بينهما.
وقال قوم: متواطئ لتقسيم الاستثناء إِليهما، والأصل عدم الاشتراك والمجاز.
ورد: بسبق المتصل، وبتقسيم اسم الفاعل، وهو مجاز في المستقبل، وبما سبق في رد "الأمر (1) في الفعل (2) ومطلق الطلب" (3).
* * *
ثم: يعتبر لصحة المنقطع مخالفة في نفي الحكم نحو: "ما جاءني القوم إِلا حمارًا"، أو أنه (4) حكم آخر له مخالفة (5) كقول العرب: ما زاد إِلا ما نَقَص، وما نفع إِلا ما ضَرّ". قال سيبويه (6): "ما" الأولى (7) نافية، والثانية مصدرية، وفاعلهما مضمر أي: فلان، ومفعولهما محذوف أي: إلا نقصانًا ومضرة (8).
* * *
__________
(1) يعني: كون الأمر متواطئًا في الفعل ... إلخ.
(2) انظر: ص 647 من هذا الكتاب.
(3) انظر: ص 667 من هذا الكتاب.
(4) يعني: المستثنى.
(5) للمستثنى منه بوجه.
(6) انظر: الكتاب 1/ 367، وشرح المفصل 2/ 81.
(7) نهاية 125أمن (ب).
(8) نهاية 262 من (ح).
(3/893)

حد الاستثناء على التواطؤ: ما دل على مخالفة ب "إِلا" - غير الصفة (1) أو أحد أخواتها.
وعلى المجاز والاشتراك: يجمع بينهما في حد لفظا، فيقال: المذكور بعد "إِلا" أو أحد أخواتها.
ولا يجمع بينهما معنى؛ لاختلاف الحقيقتين، فيحد المنقطع بالأول بزيادة: من غير إِخراج.
والمتصل: كلام ذو صيغ محصورة يدل على أن المذكور به لم يرد بالقول الأول، ذكره القاضي (2) وابن عقيل (3) والغزالي (4).
ومرادهم: أدوات الاستثناء بأحدها، ولهذا قال القاضي (5) وابن عقيل (6): لا يرد ما اتصل بالواو؛ لأنها محصورة ليس الواو منها، فلا ينتقض طرده بالتخصيص بالشرط والوصف ب "الذين" والغاية، ك "أكرم بني فلان إِن دخلوا والذين وإلى (7) أن يدخلوا" و"قاموا ولم يقم زيد" مع
__________
(1) إِنما قيد (إلا) ب (غير الصفة) ليخرج نحو: (لو كان فيهما آلهة إِلا الله لفسدتا)؛ لأنه بمعنى: غير الله، فتكون صفة لا استثناء. انظر: شرح العضد 2/ 133.
(2) انظر: العدة / 659.
(3) انظر: الواضح 2/ 137 أ.
(4) انظر: المستصفى 2/ 163.
(5) انظر: العدة/ 660.
(6) انظر: الواضح 2/ 137 أ.
(7) في (ح): أو إِلى.
(3/894)

أنه مراد (1) مع الشرط والوصف، ولا عكسه ب "أكرمهم (2) إِلا زيدا" (3).
واختار الآمدي (4): لفظ متصل بجملة لا يستقل بنفسه قال -على أن مدلوله غير مراد بما اتصل به- بحرف "إِلا" أو أحد أخواتها. قال: ولا غبار عليه (5).
ونقض عكسه ب "ما جاء إِلا زيد"؛ لأنه (6) لم يتصل بجملة؛ لأن "زيدًا" فاعل.
وقال بعض أصحابنا (7) وغيرهم: إِخراج ب "إِلا" أو أحد أخواتها.

مسألة
الاستثناء إِخراج ما تناوله المستثنى منه، يبين أنه لم يُرَدْ به، كالتخصيص عند القاضي (8) وغيره.
__________
(1) يعني: هذا سبب ثان لعدم ورودهما على الطرد.
(2) في (ظ): بأكرههم.
(3) فإِنه ليس بذي صيغ. فيجاب: بأن المراد بالصيغ أدوات الاستثناء.
(4) انظر: منتهى السول له / 2/ 41، وقال في الإِحكام 2/ 287: الاستثناء عبارة عن لفظ متصل بجملة لا يستقل بنفسه قال بحرف (إِلا) أو أخواتها على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به ليس بشرط ولا صفة ولا غاية.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 288.
(6) نهاية 91 ب من (ظ).
(7) انظر: البلبل / 111.
(8) انظر: العدة/ 673 - 674.
(3/895)

وفي التمهيد (1) أيضاً: "ما لولاه لدخل في اللفظ، كالتخصيص" ومراده: كالأول، ومعناه قاله (2) صاحب الروضة (3) وغيرها، وذكره بعضهم عن أكثر العلماء.
وعند ابن الباقلاني (4): "عشرة إِلا ثلاثة" مركب لسبعة (*)، فلها اسمان: مركب، ومفرد.
ومعناه في الروضة (5) في كلامه (6) على الشرط.
وسبق (7) كلامه في التمهيد في المخصِّص.
وحكي عن الشافعي (8): إِخراج لشيء دل عليه صدر الجملة بالمعارضة، فمعنى "عشرة إِلا ثلاثة" فإِنها ليست عَلَيَّ، وعلى الأول: معناه: سبعة.
__________
(1) انظر: التمهيد/ 59أ.
(2) نهاية 125 ب من (ب).
(3) انظر: روضة الناظر/ 253، 254.
(4) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 89، ومختصره 2/ 134.
(*) فالاستثناء عنده ليس تخصيصا.
(5) انظر: روضة الناظر/ 259.
(6) نهاية 263 من (ح).
(7) في ص 887.
(8) انظر: تخريج الفروع على الأصول/ 152. وقال في فواتح الرحموت 1/ 316: حكاه مشايخنا عن الشافعي. فانظر: أصول السرخسي 2/ 36، 44، وكشف الأسرار 3/ 121، 123، وتيسير التحرير 1/ 293.
(3/896)

وقيل: المراد ب "عشرة" مجموع آحادها، ثم أخرج منها ثلاثة، وأسند بعد إِخراجه، فالمسند إِليه سبعة. فعلى هذا: قيل: يحتمل أن الاستثناء تخصيص كالمذهب الأول؛ لقصر لفظ المستثنى منه بعد الإِسناد على بعض مسماه، ويحتمل: لا، كالمذهب الثاني؛ لأنه أريد به تمام مسماه.
وجه الأول: لو أريد عشرة كاملة امتنع مثل: (فلبث فيهم ألف سنة إِلا خمسين عامًا) (1)؛ لأنه يلزم كذب أحدهما، ولم نقطع بأنه إِنما أقر بسبعة (2).
رد ذلك: بأن الصدق والكذب والحكم بالإِقرار باعتبار الإِسناد لا باعتبار العشرة، والإِسناد بعد الإِخراج.
وجه الثاني: ما سبق، وضعف أدلة غيره (3).
وجه الثالث: أن الاستثناء من النفي إِثبات وبالعكس -لما يأتي (4) - فوجب كونه معارضًا لصدر (5) الجملة في بعض.
رد: معارض بقولهم: تكلم (6) بالباقي بعد (7) الثُّنْيا (8).
__________
(1) سورة العنكبوت: آية 14.
(2) وقد قطعنا بذلك.
(3) يعني: إِذا بطل أن يكون عشرة وبطل أن يكون سبعة تعين أن يكون الجميع سبعة.
(4) انظر: ص 930.
(5) في (ظ): لمصدر.
(6) يعني: الاستثناء تكلم ... إِلخ.
(7) الثنيا: اسم من الاستثناء. انظر: لسان العرب 18/ 135، وتيسير التحرير 1/ 294.
(8) فهذا يعارض كونه من الإِثبات نفيا، ومن النفي إِثباتا.
(3/897)

وجه الأخير: ضعف ما سبق:
أما الأول: فلأنه يلزم من قال: "اشتريت الشيء إِلا نصفه" أن يريد استثناء نصفه من نصفه، ولتسلسله إِذًا، وللقطع بأن الضمير للشيء (1) البيع كاملاً، ولإِجماع النحاة (2): أنه إِخراج بعض من كل، ولإِبطال النصوص (3)، وللقطع بأنا نسقط الخارج (4)، فالمسند (5) إِليه ما بقي، ولو كان المراد بالمستثنى منه هو الباقي لم نعلم بالإِسقاط أن المسند إِليه ما بقي؛ لتوقف إِسقاطه على حصول خارج، ولا خارج إِذًا.
رد ذلك: أن المستثنى منه هو الجميع بحسب ظاهره، والاستثناء بين أن المراد به النصف، فجميع ذلك بحسب الظاهر، فلا منافاة.
ولا يلزم (6) (7) إِبطال نص وهو: ما لا يحتمل إِلا معنى واحداً عند عدم (8) قرينة.
__________
(1) نهاية 126 أمن (ب).
(2) انظر: شرح الرضي على الكافية 1/ 225.
(3) كله؛ إِذ ما من لفظ إلا ويمكن الاستثناء لبعض مدلوله، فيكون المراد هو الباقي، فلا يبقى نصا في الكل، ونحن نعلم أن نحو "عشرة" نص في مدلوله.
(4) يعني: نسقط الخارج من العشرة عنها.
(5) يعني: فيعلم أن المسند إِليه ما بقي.
(6) في (ظ): ويلزم.
(7) نهاية 264 من (ح).
(8) في (ظ): عام.
(3/898)

وأما ضعف الثاني: فخروجه (1) عن اللغة؛ إِذ ليس فيها كلمة واحدة مركبة من ثلاث، وأولها معرب أيضًا ولا إِضافة (2)، ولأنه يعود الضمير في "إِلا نصفه" على جزء الاسم، وهو ممتنع، ولإِجماع النحاة: أنه إِخراج (3).

مسألة
الاستثناء إِخراج ما لولاه لوجب دخوله -عند أصحابنا والأكثر- لا ما جاز دخوله، خلافاً لقوم.
واحتج أصحابنا: باللغة، وبأنه لا يصح الاستثناء من جمع منكّر ك "اضرب رجالا إِلا زيدا" -وقال في التمهيد (4): قال: "إِلا" بمعنى "ليس" أي: ليس زيد منهم- كما لا يصح: اضرب رجلاً إِلا زيدًا.
واعترض: ب "مَنْ دخل داري أكرمته" لا تدخل الملائكة والجن.
فأجاب القاضي (5): خرجوا بدليل؛ لعدم جواز دخولهم.
__________
(1) في (ظ): لخروجه.
(2) يعني: من غير إِضافة.
(3) نهاية 92 أمن (ظ).
(4) انظر: التمهيد/ 51 ب، 55 ب.
(5) انظر: العدة/ 500، 503، قال: لفظة (مَنْ) إذا استعملت في الاستفهام نحو: من عندك؟ صلح أن يجيب بذكر كل عاقل، فثبت أن اللفظ يتناول الجميع، وكذلك إِذا استعملت في المجازاة نحو: "من دخل داري أكرمته" صلح استثناؤهم؛ لأن الاستثناء يخرج من اللفظ ما لولاه كان داخلاً فيه، ألا تراه لما لم يتناول غير العقلاء لم يصح استثناوهم. فإِن قيل: لا نسلم أن صيغة (مَنْ) لكل من يعقل؛ لأن ممن يعقل=
(3/899)

وفي التمهيد (1): يصح، وإذا قلنا: "لا يصح" (2) فلمانع (3)؛ لأن المتكلم ما عناهم، ثم (4) يلزمهم صحة استثنائهم؛ لأنه يصلح دخولهم.
وأبطل أبو البقاء (5) النصب في: (لو كان فيهما آلهة إِلا الله) (6)؛ لأنه (7) لا يصح الاستثناء من جمع منكّر عند جماعة من المحققين (8)؛ لأنه لا يعم.
__________
=الجن والملائكة، ولا يدخلون فيه. قيل: الصيغة تناولت كل هؤلاء، وإنما خرج ذلك بدليل؛ لأنه إِنما يسأله عمن يجوز أن يكون عنده وعمن يجوز دخوله.
(1) قال في التمهيد/ 52 أ: فإِن قيل: لو كان الاستثناء لا يخرج إِلا ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ لحسن أن يقول: (من دخل داري ضربته إِلا الجن والملائكة)؛ لأنهم يدخلون تحت لفظة (من). قيل: يصح.
(2) يعني: فإِنما يخرج الاستثناء ما لولاه لتناوله الكلام ولم يمنع مانع من دخوله تحته، والملائكة والجن يمنع مانع من دخولهم تحت اللفظ، وهو: علمنا أن المتكلم قبل الاستثناء لم يردهم ولا عناهم، فلم يكن في الاستثناء فائدة.
(3) في (ح): فللمانع.
(4) قال: ثم يلزمهم مثل هذا؛ لأن الاستثناء لو أخرج من الكلام ما لولاه لصلح دخوله لوجب إِذا استثنى الملائكة والجن أن يصح؛ لأن دخولهم في قوله: (من دخل داري ضربته) يصح ويصلح أن يدخلوا فيه، فكل ما يلزمنا يلزمهم.
(5) انظر: إِملاء ما من به الرحمن 2/ 132.
(6) سورة الأنبياء: آية 22.
(7) في (ب) و (ظ): الآية.
(8) نهاية 126 ب من (ب).
(3/900)

وسلّم القاضي (1) وابن عقيل (2) [أيضًا] (3) -في الجمع المنكر- صحة الاستثناء؛ لأنه قد يكون إِخراج بعضٍ من بعضٍ الذي هو أقل الجمع.

مسألة
شرط الاستثناء الاتصال لفظاً أو حكماً -كانقطاعه بتنفس أو سعال ونحوه- عند الأئمة الأربعة وغيرهم والمتكلمين.
وروى سعيد: ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن مجاهد عن ابن (4) عباس: أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة (5).
__________
(1) انظر: العدة/ 525، والمسودة/ 159.
(2) انظر: الواضح 2/ 94 ب.
(3) ما بين المعقوفتين من (ح).
(4) نهاية 265 من (ح).
(5) أخرجه الحاكم في مستدركه 4/ 303 ... عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 10/ 48 من طريق سعيد بن منصور، وأخرجه الطبري في تفسيره 15/ 151 وفيه: قيل للأعمش: سمعته من مجاهد؟ فقال: ثني به ليث بن أبي سليم.
وقد ورد عن ابن عباس خلاف هذا، فقد أخرج الطبراني في معجمه عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس -في قوله تعالى: (واذكر ربك إِذا نسيت) - قال: إِذا شئت الاستثناء فاستثن إِذا ذكرت، وهي لرسول الله، وليس لنا أن نستثني إِلا بصلة اليمين. ا. ه. قال الزيلعي: وقد استوفينا الروايات عن ابن عباس في ذلك والكلام عليها في أحاديث الأصول. انظر: نصب الراية 3/ 303. وفي مجمع الزوائد=
(3/901)

الأعمش مدلّس (1).
ومعناه قول طاوس (2) ومجاهد.
وقال بعض المالكية (3): يصح اتصاله بالنية وانفصاله (4) لفظا فيديّن، قال الآمدي (5): ولعله مذهب ابن عباس.
وعن أحمد (6) -في الاستثناء في اليمين-: يصح منفصلاً في زمن
__________
=4/ 182: وعن ابن عباس: (واذكر ربك إِذا نسيت) الاستثناء فاستثن إِذا ذكرت. قال: هي خاصة لرسول الله، وليس لأحد أن يستثني إِلا في صلة. رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه عبد العزيز بن حصين وهو ضعيف. وانظر: المعتبر/ 54 أ-ب، وقال الزركشي فيه بعد كلام طويل: وتحصل من هذا أن إِطلاق النقل عن ابن عباس في هذه المسألة ليس بجيد لأمرين: أحدهما: أنه لم يقل ذلك في الاستثناء، وإِنما قاله في تعليق المشيئة، قال ابن جرير: ولو صح عنه فهو محمول على أن السنة أن يقول الحالف: "إن شاء الله" ولو بعد سنة، ليكون آتيا بسنة الاستثناء حتى ولو كان بعد الحنث لا أن يكون رافعا لحنث اليمين ومسقطا للكفارة. وثانيهما: أنه جعل ذلك من الخصائص النبوية.
(1) انظر: ميزان الاعتدال 2/ 224.
(2) انظر: المصنف لعبد الرزاق 8/ 517، والمحلى لابن حزم 8/ 408 - 409.
(3) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 91، ومختصره 2/ 137، وشرح تنقيح الفصول/ 242، والإحكام للآمدي 2/ 289.
(4) في هامش (ب) و (ظ): أصله: وانقطاعه.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 289.
(6) انظر: العدة/ 660 - 661.
(3/902)

يسير، ولم يختلط كلامه بغيره.
وعنه (1) أيضاً: وفي المجلس، وذكره في الإِرشاد قول بعض أصحابنا، وهو عن الحسن وعطاء (2)، وفي المبهج لبعض أصحابنا: ولو تكلم.
وفي المستوعب (3) لبعض أصحابنا (4): يعتبر للاستثناء في الإِقرار الاتصال كاليمين.
وفي الواضح (5) لابن الزاغوني (6) -في الإِقرار-: إِن سكت ما يمكنه الكلام فروايتان، أصحهما: لا يصح استثناؤه، والثانية: يصح، كما لو تقارب ما بينهما، أو منع مانع. كذا قال.
وقال بعض أصحابنا (7) -عن الروايتين السابقتين في اليمين-: يجب إِجراؤهما في جميع صلات الكلام المغيرة له من تخصيص وتقييد، والأحكام تدل على ذلك كسكوته (8) في
__________
(1) انظر: العدة / 661.
(2) حكاه الحلواني، فانظر: المسودة/ 152.
(3) المستوعب: كتاب في الفقه الحنبلي - لمحمد بن عبد الله السامري الحنبلي، المتوفى سنة 616 ه. توجد منه نسخة مخطوطة بدار الكتب الظاهرية بدمشق، برقم 2738. وقد حقق في رسائل دكتوراه -بقسم الفقه بكلية الشريعة بالرياض- لكل من: د/ مساعد الفالح، د/ فهد السنيدي، د / محمَّد الشمراني، د/ عبد الرحمن الداود.
(4) انظر: المستوعب 3/ 161 ب.
(5) الواضح: كتاب في الففه الحنبلي. ولم أعثر عليه.
(6) في (ب): لابن الزاغوي.
(7) انظر: المسودة/ 152 - 153.
(8) في (ح): لسكوته.
(3/903)

الفاتحة (1)، وهو (2) شبيه بمجلس العقود من الإِيجاب والقبول أو أقصر منه (3).
لنا: قوله - عليه السلام -: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها (4) فليكفر عن يمينه) (5). متفق عليه، احتج به أحمد والأئمة، فلو صح
__________
(1) يعني: لو سكت في أثنائها سكوتا يسيرا لم يخل بالمتابعة الواجبة، ولو طال أو فصل بأجنبي أخل.
(2) يعني: اعتبار الزمان القريب وعدم الأجنبي.
(3) لأن ارتباط كلام المتكلم الواحد بعضه ببعض إِن لم تكن موالاته أشد من موالاة كلام المتكلمين لم تكن دونه.
(4) نهاية 127 أمن (ب).
(5) أخرج البخاري في صحيحه 18/ 147 - 148، ومسلم في صحيحه/ 1273 - 1274 عن عبد الرحمن بن سمرة مرفوعًا: (وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأْتِ الذي هو خير وكفّر عن يمينك). وأخرج مسلم في صحيحه/ 1272 عن أبي هريرة مرفوعاً: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأْت الذي هو خير وليكفر عن يمينه). وأخرجه -بمثل هذا اللفظ- النسائي في سننه 7/ 11 عن عدي بن حاتم مرفوعًا، وأخرجه النسائي أيضًا في سننه 7/ 10 عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً، إِلا أنه قال: (فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير). وأخرجه الترمذي في سننه 3/ 43 عن أبي هريرة مرفوعًا، بلفظ: ... (فليكفر عن يمينه وليفعل). وأخرجه ابن ماجه في سننه/ 681 عن عدي مرفوعاً، بلفظه السابق، وأخرجه -كذلك- أيضاً الدارمي في سننه 2/ 107، وأحمد في مسنده 4/ 256. وأخرجه مالك في الموطأ/ 478 عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: (فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير).
(3/904)

لم يعين الكفارة وأرشده إِلى الاستثناء؛ لأنه أسهل، لعدم حنثه (1) (2).
وعن ابن عمر مرفوعًا: (من حلف -فقال: إِن شاء الله- فلا حِنْث عليه). رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه (3)، (4) وإسناده جيد، والأشهر وقفه (5). والفاء للتعقيب، وإلا (6) كانت الواو أولى، لكثرة الفائدة وعدم (7) اللبس.
ولَمَا تَمَّ إِقرار ولا طلاق ولا عتاق.
ولما علم صدق ولا كذب لإِمكان الاستثناء.
ولأنه غير مستعمل لغة.
__________
(1) في (ظ): خبثه. والحِنْث في اليمين: نقضها والنَّكْث فيها.
انظر: النهاية في غريب الحديث 1/ 449.
(2) يعني: لأنه لا حنث بالاستثناء.
(3) انظر: مسند أحمد 2/ 6، 48، 153، وسنن النسائي 7/ 12، وسنن الترمذي 3/ 43 - 44، وأخرجه أبو داود في سننه 3/ 575 - 576، وابن ماجه في سننه/ 680، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 287)، والشافعي (انظر: بدائع السنن 2/ 142)، والحاكم في مستدركه 4/ 303 وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه هكذا. ووافقه الذهبي.
(4) نهاية 266 من (ح).
(5) انظر: سنن الترمذي 3/ 44، ونصب الراية 3/ 301، والتلخيص الحبير 4/ 168.
(6) نهاية 92 ب من (ظ).
(7) في (ظ): ولعدم.
(3/905)

ولأنه غير مستقل، كالجزاء مع الشرط والخبر مع المبتدأ.
وجوّزه بعض أصحابنا (1) فيهما (2) بزمن يسير.
قالو ا: لو لم يصح لم يفعله - عليه السلام - في: (لأغزون قريشًا)، ثم سكت، قال: (إِن شاء الله)، ثم لم يغزهم. رواه أبو داود (3) من حديث شريك (4) عن
__________
(1) انظر: المسودة/ 153.
(2) يعني: في المبتدأ والخبر، والشرط والجزاء.
(3) انظر: سنن أبي داود 3/ 589 - 591. وأخرجه ابن حبان في صحيحه موصولا (انظر: موارد الظمآن/ 288)، والبيهقي في سننه 10/ 47 - 48 موصولاً ومرسلاً. وأخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده وابن عدي في الكامل موصولاً.
انظر: نصب الراية 3/ 303. وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء: هذا حديث رواه شريك ومسعر، فأسنداه مرة، وأرسلاه أخرى. ا. ه. وذكره ابن القطان في كتابه -وفيه عبد الواحد بن صفوان- ثم قال: وعبد الواحد هذا ليس بشيء، والصحيح مرسل. ا. ه. انظر: نصب الراية 3/ 303. وقال أبو حاتم: روي مرسلاً وهو أشبه. فانظر: العلل لابنه 1/ 440، وراجع: المعتبر/ 55 أ- ب.
(4) هو: أبو عبد الله شريك بن عبد الله بن أبي شريك النخعي الكوفي القاضي، روى عن أبي إِسحاق السبيعي وسماك بن حرب والأعمش وغيرهم، وعنه: ابن مهدي ووكيع وابنه عبد الرحمن بن شريك وغيرهم، توفي سنة 177 ه. قال أحمد: هو في أبي إِسحاق أوثق من زهير. وقال ابن معين: ثقة يغلط. وقال العجلي: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة سيئ الحفظ. قال ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة. انظر: ميزان الاعتدال 2/ 270، وتهذيب التهذيب 4/ 333، وتقريب التهذيب 1/ 351
(3/906)

سِمَاك (1) عن عكرمة عن ابن عباس مرسلاً وموصولاً.
رد: إِن صح فسكوته لعارض، أو التقدير: أفعل إِن شاء الله.
قال: لولا صحته لم يقل به ابن عباس.
رد: قال ابن عمر بخلافه، رواه سعيد (2) من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد.
__________
(1) هو: أبو المغيرة سماك بن حرب بن أوس الذهلي البكري الكوفي، روى عن جابر بن سمرة وأنس والنعمان بن بشير وغيرهم، وعنه: ابنه سعيد والثوري وشريك وغيرهم، توفي سنة 123 ه. وثقه أبو حاتم وابن معين في رواية ابن أبي خيثمة وابن أبي مريم. وقال أبو طالب عن أحمد: مضطرب الحديث. قال ابن حجر في التقريب: صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة. وقد تغير بأخرة فكان ربما يلقن.
انظر: ميزان الاعتدال 2/ 232، وتهذيب التهذيب 4/ 232، وتقريب التهذيب 1/ 332.
(2) أخرج الدارقطني في سننه 4/ 162: نا إِسماعيل بن محمَّد الصفار نا عمر بن مدرك نا سعيد بن منصور نا ابن أبي الزناد عن أبيه عن سالم عن ابن عمر قال: كل استثناء غير موصول فصاحبه حانث. قال في نصب الراية 3/ 303: وعمر بن مدرك ضعيف. وفي المعرفة للبيهقي: وروى سالم عن ابن عمر أنه قال: كل استثناء موصول فلا حنث على صاحبه، وكل استثناء غير موصول فصاحبه حانث. فانظر: نصب الراية 3/ 303.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 10/ 47: أخبرنا أبو نصر بن قتادة أنبأنا أبو منصور النضروي ثنا أحمد بن نجدة ثنا سعيد بن منصور ... إِلخ. وأخرج -أيضاً- من طريق آخر عن ابن عمر قال: إِذا حلف الرجل فاستثنى فقال: "إِن شاء الله" ثم وصل الكلام بالاستثناء ثم فعل الذي حلف عليه لم يحنث.
(3/907)

ثم: إِن صح فلعل مراده: "أفعل إِن شاء الله"، أو ما سبق (1).
وذكر الآمدي (2): اتفاق أهل اللغة -سواه- على إِبطاله.
ونقض بعضهم بصفة وغاية. كذا قال.
واحتج بعض أصحابنا (3): بأن الاتصال والموالاة (4) في الأقوال لا يخل بهما (5) فصل يسير كما في (6) الأفعال، وقوله - عليه السلام -: (إِلا الإِذخر) (7)، وقوله -عن سليمان عليه السلام -: (لو قال: "إِن شاء الله" لم يحنث) (8)، وقوله: (إِلا سهيل (9)
__________
(1) وهو ما ذكره الآمدي في ص 902.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 291.
(3) انظر: المسودة / 152، 153.
(4) في (ب): المولاة.
(5) في (ح): بها.
(6) يعني: كالاتصال والموالاة في الأفعال؛ إِذ المتقارب متواصل.
(7) أخرج البخاري في صحيحه 4/ 104 - 105، ومسلم في صحيحه/ 986 - 987 عن ابن عباس: أن النبي قال -عن بلد مكة- (لا يختلى خلاه)، فقال العباس: يا رسول الله، إِلا الإِذخر، فإِنه لقينهم وبيوتهم، فقال: (إِلا الإِذخر).
(8) وتتمته: (وكان دَرَكا لحاجته). أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 146 - 147، ومسلم في صحيحه/ 1275 عن أبي هريرة مرفوعاً.
(9) هو: الصحابي سهيل بن بيضاء القرشي، وبيضاء أمه، واسمها وعد، واسم أبيه وهب ابن ربيعة الفهري القرشي، توفي بالمدينة سنة 9 ه.
انظر: الاستيعاب/ 667، والإِصابة 3/ 208.
(3/908)

ابن بيضاء (1) ,
__________
(1) أخرجه الترمذي في سننه 4/ 335 - 336 من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه -في شأن أسارى بدر- وفيه: فقال رسول الله: (لا ينفلتن أحد منهم إِلا بفداء أو ضرب عنق). فقال عبد الله بن مسعود: فقلت: يا رسول الله، إِلا سهيل ابن بيضاء؛ فإِني سمعته يذكر الإِسلام، قال: فسكت رسول الله، قال: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليّ حجارة من السماء مني في ذلك اليوم حتى قال رسول الله: (إِلا سهيل بن البيضاء ...) قال الترمذي: حديث حسن، وأبو عبيدة بن عبد الله لم يسمع من أبيه.
وأخرجه أحمد في مسنده 1/ 383 - 384، والطبري في تفسيره 14/ 61 - 62ط: دار المعارف، والحاكم في مستدركه 3/ 21 - 22 وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه .. ووافقه الذهبي.
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 6/ 86 - 87، وقال: ورواه أبو يعلى بنحوه، ورواه الطبراني أيضاً، وفيه أبو عبيدة ولم يسمع من أبيه، ولكن رجاله ثقات. وانظر: الإصابة 3/ 209.
ملاحظة: قول المؤلف: (سهيل بن بيضاء) كذا ورد -أيضًا- في الروايات. أقول: ولعله الصحابي سهل بن بيضاء أخو سهيل، قال ابن سعد في الطبقات 4/ 1/ 156: سهل بن بيضاء: أسلم بمكة وكتم إِسلامه، فأخرجته قريش معها في نفير بدر، فشهد بدرًا مع المشركين، فأسر يومئذ، فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه يصلي بمكة، فخلي عنه. والذي روى هذه القصة في سهيل بن بيضاء قد أخطأ؛ سهيل بن بيضاء أسلم قبل عبد الله بن مسعود ولم يستخف بإسلامه، وهاجر إِلى المدينة، وشهد بدرا مع رسول الله مسلما لا شك فيه، فخلط من روى ذلك الحديث ما بينه وبين أخيه؛ لأن سهيلا أشهر من أخيه سهل، والقصة في سهل. ا. ه.
(3/909)

وبما [سبق (1)] (2) من الأحكام.
ويجاب عن القياس: بالمنع، وبأنه (3) خلاف ما سبق (4) من النص واللغة.
و (إِلا الإِذخر) ونحوه: من بيان الفقه، وهو أسهل، ولهذا اكتفي فيه بالإِشارة في أحكام الحج.
ولم يحنث سليمان؛ لوجود ما حلف عليه لقوله: (وكان دركا لحاجته) (5).
والأحكام تعمها أدلة الإِجزاء، ولا يختل المقصود بها، والجمع (6) متعين.
وأجاب ابن عقيل (7) -عن كون المجلس كحالة الكلام بدليل (8) الصرف (9) -: بما (10)
__________
(1) في ص 903 - 904.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(3) نهاية 127 ب من (ب).
(4) في ص 904 - 905.
(5) نهاية 267 من (ح).
(6) بين أدلتها وأدلة وجوب الاتصال.
(7) انظر: الواضح 2/ 140أ.
(8) يعني: بدليل قبض ثمن الصرف.
(9) ضرب على (الصرف) في (ظ).
(10) في (ب) و (ظ): ما.
(3/910)

سبق (1)، وأن ذلك (2) لا يعقل معناه. والله أعلم.

مسألة
لا يصح الاستثناء إِلا نطقا (3) عند الأئمة الأربعة وغيرهم، لما سبق، إِلا في اليمين لخائف من نطقه.
وقال بعض المالكية -في اليمين-: قياس مذهب مالك (4) صحته بالنية.
* * *
ويجوز تقديمه عندهم، كقوله - عليه السلام -: (إِني والله إِن شاء الله لا أحلف على يمين) الحديث (5)، متفق عليه.
__________
(1) من تشبيه الاستثناء بالشرط والجزاء ... انظر: ص 906.
(2) قال: وبأن ذلك تعبد لا يعقل معناه، فأين هو من صلة الكلام بعضه ببعض من طريق اللغة والوضع؟
(3) في هامش (ظ): مراده -والله أعلم-: إِذا كان المستثنى منه عددا صريحًا، بخلاف ما إِذا كان المستثنى منه عاما، فإِنه يصح الاستثناء منه بالنية على ما ذكروه في كتب الفقه فيما إِذا قال: (أنت طالق ثلاثاً) واستثنى بقلبه: (إِلا واحدة) فإِنه لا يديّن على المقدم، خلافا لأبي الخطاب، وإذا قال: (نسائي طوالق) واستثنى بقلبه واحدة فإِنه يدين؛ لأن (نسائي) عام، فإِن قال: (نسائي الأربع) لم يدين على المقدم؛ لكونه صرح بالعدد بقوله: (الأربع)، والله أعلم.
(4) في المدونة 2/ 109: قال مالك: وإن استثنى في نفسه ولم يحرك به لسانه لم ينتفع بذلك.
(5) وتمامه: (فأرى غيرها خيرا منها إِلا أتيت الذي هو خير وتحللتها). أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 147، ومسلم في صحيحه/ 1270 عن أبي موسى مرفوعاً.
(3/911)

وكقول الكميت (1):
فما لي إِلا آل أحمد شيعة (2).

مسألة
استثناء الكل باطل إِجماعًا.
ثم: إِذا استثني منه: فهل يبطل الجميع؛ لأن الثاني فرع الأول، أم يرجع إِلى ما قبله؛ لأن الباطل كالعدم، أم يعتبر ما تؤول إِليه الاستثناءات (3)؟ فيه أقوال لنا وللعلماء.
وقال ابن أبي طلحة (4)
__________
(1) هو: أبو المستهل -أو أبو السهيل- الكميت بن زيد بن خنيس الأسدي، شاعر رافضي متعصب، ولد سنة 60 ه، وتوفي سنة 126 ه.
انظر: الشعر والشعراء 2/ 581، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي/ 45.
(2) هذا صدر من بيت عجزه:
وما لي إِلا مشعب الحق مشعب
وقد نسبه إِليه المبرد في المقتضب 4/ 398، وابن يعيش في شرح المفضل 2/ 79، وابن منظور في لسان العرب 1/ 483، وخالد الأزهري في التصريح 1/ 355.
ويروى بلفظ:
وما لي إِلا مذهب الحق مذهب
فانظر: شرح شذور الذهب/ 263، ومعجم شواهد العربية 1/ 35.
(3) في (ب): الاستثناءان.
(4) كذا في النسخ، ولعل صوابه: ابن طلحة، فانظر: شرح تنقيح الفصول/ 244.=
(3/912)

المالكي (1) -في: أنت طالق ثلاثاً إِلا ثلاثاً-: في لزوم الثلاث قولان.
قال بعض المالكية (2): عدمه (3) يقتضي استثناء الجميع (4).
* * *
والأكثر -أيضًا- باطل عند أحمد (5) وأصحابه، وقاله أبو يوسف (6) وعبد الملك (7) بن الماجشون وأكثر النحاة (8)، وذكر (9) ابن هبيرة: أنه قول
__________
=وهو: أبو بكر عبد الله بن طلحة بن محمَّد اليابري الإشبيلي، فقيه أصولي مفسر، روى عن أبي الوليد الباجي، ورحل إِلى المشرق، وروى عنه أبو الحجاج يوسف بن محمَّد القيرواني، وكان سماعه منه سنة 516 ه، استوطن مصر، ثم رحل إلى مكة وتوفي بها، ولم أقف على تاريخ وفاته.
من مؤلفاته: المدخل في الفقه، وسيف الإِسلام على مذهب مالك.
انظر: نيل الابتهاج بتطريز الديباج/ 131 - 132، وشجرة النور الزكية 130.
(1) قال ذلك في كتابه: المدخل. انظر: شرح تنقيح الفصول/ 244، 246.
(2) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 244 - 245.
(3) يعني: عدم اللزوم.
(4) يعني: جواز استثناء الجميع من الجميع.
(5) انظر: العدة/ 666، والمسودة/ 154.
(6) انظر: بدائع الصنائع / 4562.
(7) نقله عنه المازري. انظر: المسودة/ 155.
(8) انظر: همع الهوامع 1/ 228.
(9) انظر: الإفصاح 2/ 17.
(3/913)

أهل (1) اللغة.
وعند أكثر الفقهاء والمتكلمين -منهم: الأئمة الثلاثة-: يصح، واختاره أبو بكر الخلال من أصحابنا.
وجه الأول: أنه لغة، فمن ادعاه فعليه (2) البيان.
ثم نقول: لا يعرف لما سبق (3)، وأنكره الزجاج (4) وابن قتيبة (5) وابن (6) درستويه (7) وابن (8) جني.
فإِن قيل: جوزه (9) أكثر الكوفيين.
__________
(1) نهاية 93 أمن (ظ).
(2) نهاية 128 أمن (ب).
(3) من أن أهل اللغة قالوا بخلافه.
(4) في كتابه: معاني القرآن إعرابه. انظر: العدة/ 667.
(5) في كتابيه: (جوابات المسائل، والجامع في النحو). انظر: العدة/ 667 - 668.
(6) انظر: العدة/ 666.
(7) هو: أبو محمَّد عبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسي، نحوي مشهور، توفي سنة 347 ه. من مؤلفاته: الإرشاد في النحو، وغريب الحديث.
انظر: وفيات الأعيان 2/ 247، وطبقات النحويين واللغويين/ 116، وبغية الوعاة 2/ 36، وإنباه الرواة 2/ 113.
(8) انظر: العدة/ 667.
(9) انظر: شرح الرضي على الكافية 1/ 240، والتسهيل لابن مالك/ 103، وهمع الهوامع 1/ 228.
(3/914)

قيل: (1) نمنع ثبوته عنهم في الأعداد (2)، ثم: عليهم الدليل، والبصريون (3) أثبت في اللغة -كالخليل (4) وسيبويه (5) - وقد منعوه، وأنكره من تتبعه كما سبق.
وأيضًا: وضع للاستدراك والاختصار، فمن أقر بألف إِلا تسعمائة تسعة (6) وتسعين، فهو خلاف الوضع، ولهذا يعد قبيحًا عرفًا، والأصل التقرير.
واستدل: بأنه خلاف الأصل؛ لأنه إِنكار بعد إِقرار فصح في الأقل لأنه قد ينساه فينضر (7) إِن لم يصح.
__________
(1) في (ب) و (ظ): يمتنع.
(2) نهاية 268 من (ح).
(3) انظر: همع الهوامع 1/ 228.
(4) هو: أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الأزدي الفراهيدي البصري، واضع علم العروض، إِمام في العربية، توفي سنة 170 ه.
من مؤلفاته: كتاب العين، والعروض.
انظر: المعارف/ 541، ومعجم الأدباء 11/ 72، ووفيات الأعيان 2/ 15، وطبقات النحويين واللغويين/ 47، وإنباه الرواة 1/ 341.
(5) انظر: المسودة / 154 - 155.
(6) كذا في النسخ. ولعلها: وتسعة.
(7) في (ب) و (ظ): فينضر في الأقل إِن لم يصح.
(3/915)

رد: بالمنع؛ فإِنهما كجملة (1)، وهو (2) تكلم بالباقي.
ثم: بمنع مخالفة الأصل، فيصح في الأكثر؛ لئلا ينضر، وصدقه ممكن.
قالوا: وقع في قوله: (إِلا من اتبعك من الغاوين) (3)، وقوله: (إِلا عبادك منهم المخلصين) (4)، وأيهما كان الأكثر فقد استثناه، أو أن الغاوين أكثر لقوله: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) (5).
رد: الخلاف في الاستثناء من عدد، وهذا تخصيص بصفة، وفرق بينهما؛ لأنه يستثنى بالصفة مجهولا من معلوم ومن مجهول والجميع أيضًا، فلو قال "اقتل من في الدار إِلا بني تميم أو إِلا البيض" -فكانوا كلهم بني تميم أو بيضًا- لم يجز قتلهم بخلاف العدد، ثم: الجنس ظاهر والعدد صريح، فلهذا فرقت اللغة بينهما.
ثم: هو استثناء منقطع أي: لكن.
ثم: قوله: (إِلا عبادك منهم) (6) يعني: ولد آدم، وفي الآية الأخرى (7) أضاف العباد إِليه، والملائكة منهم، فاستثنى الأقل فيهما.
__________
(1) في (ظ): كحكمه.
(2) يعني: الاستثناء.
(3) سورة الحجر: آية 42.
(4) سورة الحجر: آية 40.
(5) سورة يوسف: آية 103.
(6) سورة الحجر: آية 40.
(7) وهي قوله تعالى: (إِن عبادي ليس لك عليهم سلطان). سورة الحجر. آية 42.
(3/916)

واعتمد في العدة (1) والتمهيد (2) وغيرهما على الجواب الأول، وبه يجاب عن (3) قوله تعالى: (كلكم جائع إِلا من أطعمته). رواه مسلم من حديث أبي ذر (4).
ولم يعرج عليه (5) صاحب الروضة (6).
وبعض الناس ذكر فيه (7) خلافاً، كذا قال -[وفي الواضح (8): لا خلاف فيه (*)] (9) - لكن (10) اتفقوا: أنه لو أقر بهذه الدار إِلا هذا البيت صح، ولو كان أكثر، بخلاف "إِلا ثلثيها"، فإِنه على الخلاف، ولهذا قال
__________
(1) انظر: العدة/ 669 - 670.
(2) انظر: التمهيد/ 58أ.
(3) نهاية 128 ب من (ب).
(4) انظر: صحيح مسلم/ 1994. وأخرجه أحمد في مسنده 5/ 16. وهذا حديث قدسي.
(5) يعني: على الجواب الأول.
(6) انظر: روضة الناظر/ 256.
(7) يعني: في استثناء بعض الجملة التي لم ينص فيها على عدد.
(8) انظر: الواضح 2/ 143 أ-ب.
(*) يعني: استثناء بعض الجملة التي لم ينص فيها على عدد لا في المستثنى منه ولا الاستثناء، وإنما تعلم الكثرة بالاستدلال، وإنما الخلاف في استثناء الأكثر من جملة ذات عدد محصور منطوق به ويستثنى منها بعدد منصوص عليه. كذا قال في الواضح.
(9) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(10) نهاية 269 من (ح).
(3/917)

صاحب المحرر (1): لا خلاف في جوازه إِذا كانت الكثرة من دليل خارج، لا من اللفظ.
قالوا: كالتخصيص، كاستثناء الأقل.
وجوابه واضح.
وعجبٌ ممن (2) ذكر الخلاف ثم يحتج بالإِجماع: أن من أقر بعشرة إِلا درهمًا يلزمه تسعة (3).
* * *
وفي صحة استثناء النصف وجهان لنا (4)، وذكر ابن هبيرة (5) الصحة ظاهر المذهب.
والمنع قول أكثر البصريين (6) وابن الباقلاني (7) -وذكره أبو الطيب (8)
__________
(1) انظر: المسودة/ 155.
(2) في (ب) و (ظ): من.
(3) كذا في النسخ. وفي المنتهى لابن الحاجب/ 91: من أقر بعشرة إِلا تسعة لم يلزمه إِلا درهم.
(4) انظر: العدة/ 270.
(5) انظر: الإِفصاح 2/ 17.
(6) انظر: شرح الرضي على الكافية 1/ 240، والتسهيل لابن مالك/ 103، وهمع الهوامع 1/ 228.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 297، وشرح العضد 2/ 138.
(8) انظر: المسودة/ 155.
(3/918)

الشافعي عن أحمد- لقول الزجاج (1): لم يأت إِلا في القليل.
وجه الأول: قوله: (قم الليل إِلا قليلاً * نصفه) (2)، ف (نصفه) بدل من (3) "قليل"؛ لأنه لو كان بدلا من (الليل) كان الاستثناء منه (4)، فقوله: (أو انقص منه) (5)، (أو زد عليه) (6) الهاء فيهما للنصف، أي: انقص من نصفه (7) قليلاً -أي: على (8) الباقي- والقليل المستثنى ليس (9) بمقدر فيعقل (10) النقصان منه.
وقيل: "نصفه إِلا قليلاً" (أو انقص منه قليلاً) (11) معناها واحد. كذا قيل.
* * *
__________
(1) في كتابه: معاني القرآن وإعرابه. انظر: العدة/ 667.
(2) سورة المزمل: الآيتان 2، 3.
(3) نهاية 93 ب من (ظ).
(4) يعني: من النصف.
(5) سورة المزمل: آية 3.
(6) سورة المزمل: آية 4.
(7) انظر: زاد المسير 8/ 388، وتفسير القرطبي 19/ 35، وإملاء ما من به الرحمن 2/ 271.
(8) في (ح): أي على القليل الباقي.
(9) في (ح): وليس.
(10) يعني: فالنقصان منه لا يعقل، فكان المؤلف يقول: والقليل المستثنى ليس مقدر حتى يعقل النقصان منه.
(11) سورة المزمل: آية 3.
(3/919)

وعن جماعة من أهل اللغة (1) لا يصح استثناء عقد ك "عشرة" من "مائة"، بل بعضه ك "خمسة".

مسألة
الاستثناء -إِذا تعقب جملاً بالواو العاطفة- لجميعها عند أصحابنا والمالكية (2) والشافعية (3).
وعند الحنفية (4): للأخيرة، قال صاحب المحرر (5): وهو (6) أقوى.
وسبق (7) في الواو اختلاف أصحابنا: هل تجعل الجُمَل كجملة؟ وذكروا على هذا الأصل مسائلٍ (8) في الطلاق والإِقرار.
وقال جماعة من المعتزلة، منهم: عبد الجبار وأبو الحصين (9) -ومعناه
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 297، والمسودة/ 155.
(2) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 249.
(3) انظر: اللمع/ 24، والتبصرة/ 172، والمستصفى 2/ 174، والمحصول 1/ 3/ 63، والإِحكام للآمدي 2/ 300.
(4) انظر: أصول السرخسي 2/ 44، وكشف الأسرار 3/ 133.
(5) انظر: المسودة/ 156.
(6) نهاية 129أمن (ب).
(7) انظر: ص 131 - 132 من هذا الكتاب.
(8) نهاية 270 من (ح).
(9) انظر: المعتمد/ 264، والإِحكام للآمدي 2/ 300.
(3/920)

قول القاضي في الكفاية (1) -: إِن تبين إِضراب (2) عن الأولى فللأخيرة، وإلا فللجميع، والإِضراب: أن يختلفا نوعاً كالأمر والخبر نحو: "أكرم بني تميم، وجاء القوم إِلا الطوال"، أو اسمًا نحو: "أكرم بني تميم، وأهن بني زيد إِلا الطوال"، وليس الاسم في الثانية ضميراً للاسم في الأولى ك "أكرم بني تميم، واستأجرهم إِلا الطوال"، أو حكماً ك "أكرم واستأجر"، ولم تشترك الجملتان في غرض ك "أكرم الضيف، وتصدق على الفقراء إِلا الفاسق"، فالغرض: الحمد (3).
وتوقف ابن الباقلاني (4) والغزالي (5) وجماعة من الشافعية (6) القاضي (7) عن الأشعرية.
قال ابن عقيل (8) وغيره: هو مُحْدَث بعد الإِجماع (9).
__________
(1) انظر: المسودة/ 156.
(2) في (ظ) ونسخة في هامش (ب): الإِضراب.
(3) في (ب): الجمل. وفي (ظ): الحمل.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 301، ومختصر ابن الحاجب 2/ 139.
(5) انظر: المستصفى 2/ 177 - 178 وقال: وإن لم يكن بد من رفع التوقف فمذهب المعممين أولى.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 301.
(7) انظر: العدة/ 679.
(8) انظر: الواضح 2/ 150 ب.
(9) يعني: هو إِحداث قول آخر.
(3/921)

وقال المرتضى (1) الشيعي: بالاشتراك.
واختار الآمدي (1): إِن ظهر أن الواو للابتداء -كالقسم الأول- فللأخيرة، أو عاطفة فللجميع، وإِن أمكنا فالوقف.
وقيل: إِن كان بينهما تعلق ك "أكرم العلماء والزهاد، وأنفق عليهم إِلا المبتدعة" فللجميع وإلا فللأخيرة (2).
وجه الأول: أن العطف يجعل الجميع كواحد.
رد: هذا في المفردات، وفي الجمل محل النزاع.
قالوا: كالشرط فإِنه للجميع.
رد: بالمنع (3)، ثم: قياس في اللغة، ثم: الشرط رتبته التقديم لغة بلا شك، فالجمل هي الشرط، والجزاء لها.
قالوا: لو كرر الاستثناء كان مستهجنًا قبيحًا لغة، ذكره في الروضة (4) باتفاقهم.
رد: بالمنع لغة، قاله الآمدي (5)، (6) ولهذا روى سعيد عنه - عليه
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 301.
(2) في (ح): فلاخيرة.
(3) يعني: منع أنه كالشرط.
(4) انظر: روضة الناظر/ 258.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 302.
(6) نهاية 129 ب من (ب).
(3/922)

السلام -: (لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه إِلا بإِذنه، ولا يقعد على تكرمته في بيته إِلا بإِذنه) (1).
ثم: (2) عند قرينة اتصال الجمل.
ثم: الاستهجان لترك (3) الاختصار؛ لأنه يمكن بعد الجمل: "إِلا كذا في الجميع".
قالوا: صالح للجميع، فكان له كالعام، فبعضه تحكّم.
رد: لا ظهور (4)، بخلاف العام، والجملة الأخيرة (5) أولى لقربها.
قالوا: "خمسة وخمسة إِلا ستة" للجميع إِجماعًا -ذكره في التمهيد (6) - فدل أن المراد بالجمل ما يقبل الاستثناء، لا الجمل النحوية، ولهذا ذكر القاضي (7) وغيره الأعداد من صورها، وسوى بين قوله: "رجل
__________
(1) وأخرجه -بدون تكرار الاستثناء- مسلم في صحيحه / 465، وأبو داود في سننه 1/ 390 - 391، والترمذي في سننه 1/ 149 - 150 وقال: حسن صحيح، والنسائي في سننه 2/ 76، 77، وابن ماجه في سننه 133/ 314 من حديث أبي مسعود البدرى مرفوعًا.
(2) يعني: إِنما يكون مستهجنا عند قرينة اتصال الجمل.
(3) نهاية 271 من (ح).
(4) يعني: صلاحيته لا توجب ظهوره.
(5) نهاية 94 أمن (ظ).
(6) انظر: التمهيد / 60أ.
(7) انظر: العدة/ 680.
(3/923)

ورجل "وقوله: "رجلين".
ورد: مفردات، والخلاف في الجمل، واختاره بعض أصحابنا (1)، وقال: فرق بين: "أكرم هؤلاء وهؤلاء إِلا الفساق" وبين: "أكرم هؤلاء، وأكرم هؤلاء إِلا الفساق".
وإن سلم (2) فلتعذره (3) ليصح الكلام.
واقتصر الآمدي (4) على منع صحة الاستثناء.
واحتج بعض أصحابنا (5)؛ فقال: من تأمل غالب الاستثناءات في الكتاب والسنة واللغة وجدها للجميع، والأصل إِلحاق الفرد (6) بالغالب (7)،
__________
(1) انظر: المسودة/ 157 - 158.
(2) يعني: وإن سلم أنها من الباب فإنما قيل: يعود الاستثناء إِلى الجميع لتعذره ...
(3) يعني: تعذر عوده إِلى الأخير فقط.
(4) في منتهى السول 2/ 46. وقال في الإِحكام 2/ 303: لا نسلم صحة الاستثناء على رأي لنا، وإن سلمنا فإِنما عاد إِلى الجميع لقيام الدليل عليه، وذلك لأنه لا بد من إِعمال لفظه مع الإِمكان، وقد تعذر استثناء الستة من الجملة الأخيرة؛ لكونه مستغرقًا لها، وهو صالح للعود إِلى الجميع، فحمل عليه، ومع قيام الدليل على ذلك فلا نزاع، وإنما النزاع فيما إِذا ورد الاستثناء مقارنا للجملة الأخيرة من غير دليل يوجب عوده إِلى ما تقدم.
(5) انظر: مجموع المتاوى 13/ 167.
(6) في (ب) و (ظ): المفرد.
(7) قال: لأن الاستثناء إِما أن يكون موضوعا لهما حقيقة فالأصل عدم الاشتراك، أو يكون موضوعًا للأقل فقط فيلزم أن يكون استعماله في الباقي مجازًا، والمجاز على=
(3/924)

فإِذا جعل حقيقة في الغالب (1) مجازًا فيما قل (2) عمل (3) بالأصل النافي للاشتراك والأصل النافي للمجاز (4)، وهو أولى من تركه مطلقًا.
القائل "يخص بالجملة الأخيرة": لم يرجع في آية القذف (5) إِلى الجلد، فكذا غيرها، دفعا للاشتراك والمجاز.
رد: بالمنع في رواية عن أحمد.
ثم: لأنه حق آدمي فلا يسقط بتوبة، ولهذا عاد إِلى غيره.
قال: (اللاتي دخلتم بهن) (6) شرط في الربائب دون أمهات النساء.
رد: ليس باستثناء.
ثم: لأنه من تتمة نعت الربائب.
__________
=خلاف الأصل، فكثرته على خلاف الأصل، فإِذا جعل حقيقة ... إِلخ.
(1) يعني: فيما غلب استعماله فيه.
(2) يعني: قل استعماله فيه.
(3) يعني: كنا قد عملنا بالأصل ...
(4) في صور التفاوت.
(5) قال تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون* إِلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم) سورة النور: الآيتان 4، 5.
(6) قال تعالى: (وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) الآية. سورة النساء: آية 23.
(3/925)

ولأن (نسائكم) (1) (2) الأولى مجرورة بالإِضافة، والثانية ب "مِنْ"، فتمتنع الصفة؛ لاختلاف الجر، كاختلاف العمل.
ثم: للنص (3). (4)
__________
(1) قال تعالى: (وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) الآية. سورة النساء: آية 23.
(2) نهاية 130أمن (ب).
(3) أخرج الترمذي في سننه 2/ 393: حدثنا قتيبة أخبرنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي قال: (أيما رجل نكح امرأة فدخل بها فلا يحل له نكاح ابنتها، فإِن لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها، وأيما رجل نكح امرأة فدخل بها أو لم يدخل بها فلا يحل له نكاح أمها). وأخرجه البيهقي في سننه 7/ 160 من طريق ابن لهيعة ومن طريق المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، وأخرجه الطبري في تفسيره 4/ 222 من طريق المثنى.
قال الترمذي: هذا حديث لا يصح من قبل إِسناده، وإنما رواه ابن لهيعة والمثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، والمثنى بن الصباح وابن لهيعة يضعفان في الحديث، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم.
وقال ابن حجر في التلخيص الحبير 3/ 166 - بعد ذكره كلام الترمذي السابق-: وقال غيره: يشبه أن يكون ابن لهيعة أخذه عن المثنى ثم أسقطه؛ فإِن أبا حاتم قد قال: لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب.
وقال البيهقي -عن المثنى بن الصباح-: وهو غير قوي.
وقال الطبري: وهذا خبر وإن كان في إِسناده ما فيه فإِن في إِجماع الحجة على صحة القول به مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره.
(4) نهاية 272 من (ح).
(3/926)

قال: "علي عشرة إِلا أربعة إِلا اثنين" للأخير (1).
رد: لا عطف، ومفردات.
ثم: لتعذره؛ لأن الاستثناء من الإِثبات نفي ومن النفي إِثبات، ولو تعذر الأخير فالأول ك "عشرة إِلا اثنين إِلا اثنين".
قالوا: الجملة الثانية فاصلة كالسكوت.
رد: الجمل كجملة، ثم: يجب أن لا يعود إِلى الجميع في موضع.
قالوا: ثبت حكم الأولى، وعوده إِليها مشكوك فيه.
رد: بالمنع (2)، ثم (3): إِنما ثبت (4) بالسكوت من غير استثناء، ذكره في العدة (5) والتمهيد (6) والروضة (7) وغيرها، قال بعض أصحابنا (8): هذا جيد؛ فإِنه مانع لا رافع.
__________
(1) في (ظ): للأخيرة.
(2) يعني: لم يثبت مع الجواز للجميع.
(3) في (ح): بل.
(4) في (ح): يثبت.
(5) انظر: العدة/ 681.
(6) انظر: التمهيد/ 60 ب.
(7) انظر: روضة الناظر/ 258.
(8) انظر: المسودة/ 159.
(3/927)

ومنع ابن عقيل (1) كالأول (2)، ثم عارض بتخصيص قاطع بظاهر.
ثم: يبطل بالشرط (3).
قالوا: عَوْده لعدم استقلاله، فتندفع الضرورة بالأقل، وما يليه متيقن.
رد: بالمنع، بل لصلاحيته وظهوره (4)، والجمل كجملة، ثم: يبطل بالشرط.
القائل بالاشتراك: حسن الاستفهام عن عوده.
رد: لعدم العلم (5)، أو لرفع الاحتمال.
قالوا: أطلق، والأصل الحقيقة.
رد: سبق (6) تعارض الاشتراك والمجاز.
* * *
__________
(1) قال في الواضح 2/ 152أ: لا نسلم ثبوت العموم مع اتصال الاستثناء ... ، ولأنا نعارضهم بمثله في العموم، فنقول: إِنه كما يخص بالقطع -وهو خبر التواتر ودليل العقل- يخص بالقياس وخبر الواحد، وليس بقطع بل ظن، وفي مسألتنا ما خصصناه إِلا بظن، فأما بشك فلا؛ لأن الترجيح لا يبقى معه شكٌّ.
(2) يعني: كالجواب الأول.
(3) حيث يلزم أن لا يعود على باقي الجمل.
(4) وليس لعدم استقلاله.
(5) يعني: للجهل بحقيقته.
(6) في ص 86 من هذا الكتاب.
(3/928)

وقولنا في فرض المسألة: "الواو العاطفة" -كذا [في] (1) العدة (2) والتمهيد (3) وغيرهما في بحث المسألة-: أن واو العطف تجعل الجمل كجملة، وكذا بحثوا في الواو: أنها للجمع المطلق لا ترتيب فيها، وأنه هو المعنى الموجب جعل الجمل كجملة، وبنوا على ذلك "أنت طالق وطالق وطالق إِلا واحدة": هل (4) يصح الاستثناء؟ وأنه لو أتى ب "الفاء" أو "ثم" لم يصح؛ لأن الترتيب أفرد (5) الأخيرة عما قبلها، فاختص بها الاستثناء (6) فلم يصح، وكذا لم أجد (7) إِلا من خَصّ الواو بذلك، إِلا ما قال بعض أصحابنا (8): إِن أصحابنا وغيرهم أطلقوا، فموجب ما ذكروه: لا فرق، وأنه يلزم من التفرقة أن لا تشرك الفاء و"ثم" حيث تشرك الواو، وهو خلاف اللغة، وأن من فرق -وهو أبو المعالي- قوله بعيد جداً (9)، وأنه اعترف بأن الأئمة أطلقوا. كذا قال، ويأتي (10) في الشرط.
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(2) انظر: العدة/ 680، 683.
(3) انظر: التمهيد/ 60 أ.
(4) نهاية 94 ب من (ظ).
(5) في (ظ): افراد.
(6) نهاية 130 ب من (ب).
(7) من العلماء من أطلق ولم يقيد بالواو، فانظر: تيسير التحرير 1/ 302، وفواتح الرحموت 1/ 332، وشرح المحلي 2/ 17.
(8) انظر: المسودة/ 158، ومجموع الفتاوى 13/ 158 - 159.
(9) نهاية 273 من (ح).
(10) انظر: ص 940.
(3/929)

مسألة
مثل: "بنو تميم وربيعة أكرمهم إِلا الطوال" للجميع.
وجعله في التمهيد (1) أصلاً للمسأله قبلها. كذا قال.
وقال بعض أصحابنا (2): لو قال: "أدخل بني هاشم ثم بني المطلب ثم سائر قريش وأكرمهم" فالضمير للجميع؛ لأنه (3) موضوع لما تقدم (4)، وليس من المسألة قبلها (5)

مسألة
الاستثناء من النفي إِثبات وبالعكس عند أصحابنا والمالكية (6) والشافعية (7)،
__________
(1) انظر: التمهيد/ 60أ.
(2) انظر: مجموع الفتاوى 31/ 147.
(3) يعني: الضمير.
(4) في الجملة.
(5) يعني: مسألة الاستثناء المتعقب جملاً.
(6) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 93، وشرح تنقيح الفصول/ 247.
وقال في الفروق 2/ 93: اعلم أن مذهب مالك: أن الاستثناء من النفي إِثبات في غير الأيمان، هذه قاعدته في الأقارير، وقاعدته في الأيمان: أن الاستثناء من النفي ليس بإِثبات.
(7) انظر: المحصول 1/ 3/ 56، والإِحكام للآمدي 2/ 308.
(3/930)

خلافاً للحنفية (1) في الأولى (2)، وسَوّى بعض الحنفية بينهما (3).
لنا: اللغة (4)، وأن قول القائل: "لا إِله إِلا الله" توحيد، وتبادر فَهْم من سمع "لا عالم إِلا زيد" و"ليس لك عليَّ شيء إِلا درهم" إِلى علمه وإِقراره.
فإِن قيل: فلو قال: "أليس له عليَّ أو عندي عشرة إِلا خمسة".
قيل: لنا وللشافعية (5) خلاف:
قيل: لا يلزمه شيء؛ لأن قصده نفي الخمسة وإِلا لأتى بكلام العرب: "ليس له عليّ إِلا خمسة".
وقيل: يلزمه خمسة؛ لأنه إِثبات من نفي؛ لأن (6) التقدير: ليس له عشرة لكن خمسة.
قالوا: لو كان لزم من قوله - عليه السلام -: (لا صلاة إِلا بطهور)
__________
(1) انظر: أصول السرخسي 2/ 36، وكشف الأسرار 3/ 122، 130، وتيسير التحرير 1/ 294، والتوضيح 2/ 289، وفتح الغفار 1/ 124، وفواتح الرحموت 1/ 326. وقد ذهبت طائفة من محققيهم إِلى قول الجمهور.
(2) وهي: الاستثناء من النفي إِثبات.
(3) في عدم إِثبات نقيض المحكوم به بعد "إِلا".
(4) يعين: النقل عن أهل العربية أنه كذلك، وهو المعتمد في إِثبات مدلولات الألفاظ.
(5) انظر: التمهيد للأسنوي/ 387، ونهاية المحتاج 5/ 105، ومغني المحتاج 2/ 258.
(6) في (ح): ولأن. وكانت كذلك في (ظ)، ثم ضرب على الواو.
(3/931)

ثبوتها بالطهارة، ومثله: (لا نكاح إِلا بولي) (1)، و (لا تبيعوا البر بالبر إِلا سواء بسواء) (2).
رد: لا يلزم؛ لأنه (3) استثناء من غير الجنس، وإنما سيق (4) لبيان اشتراط (5) الطهور للصلاة، ولا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط (6).
__________
(1) أخرجه الترمذي في سننه 2/ 280، 281، 282 من حديث أبي موسى مرفوعاً، وقال: وفي الباب عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة وعمران بن حصين وأنس، وقال: وحديث أبي موسى حديث فيه اختلاف ... وقال: وحديث عائشة حديث حسن. وأخرجه عن أبي موسى -أيضًا- أبو داود في سننه 2/ 568، وابن ماجه في سننه/ 605، والدارمي في سننه 2/ 62، والطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 1/ 305)، والحاكم في مستدركه 2/ 169 - 172، ووصفه بأنه الأصل الذي لم يسع الشيخين إِخلاء الصحيحين عنه، وأطال الكلام عليه، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 304). وانظر: سنن البيهقي 7/ 105 وما بعدها.
(2) أخرج مسلم في صحيحه/ 1210 عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ينهى عن بيع الذهب بالذهب ... والبر بالبر ... إِلا سواء بسواء. وأخرجه النسائي في سننه 7/ 275، وابن ماجه في سننه/ 757، والدارمي في سننه 2/ 174. وأخرج الشافعي (انظر: بدائع المنن 2/ 177) عن عبادة مرفوعاً: (لا تبيعوا الذهب بالذهب ... ولا البر بالبر ... إِلا سواء بسواء). وأخرجه -هكذا- البيهقي في سننه 5/ 276.
(3) في (ب): لا يلزم لا استثناء ...
(4) في (ب): سبق.
(5) نهاية 131 أمن (ب).
(6) وإن لزم من فواته ذوات المشروط.
(3/932)

وقال في الروضة (1): هذه صيغة الشرط، ومقتضاها نفيها (2) عند نفيها (3) ووجودها (4) عند وجودها ليس منطوقًا بل من المفهوم، فَنَفْي شيء لانتفاء شيء لا يدل على إِثباته عند وجوده، بل يبقى كما قبل النطق، بخلاف: "لا عالم إِلا زيد" (5).
قال بعض أصحابنا (6): "جعله المثبت من قاعدة المفهوم ليس (7) بجيد"، وكذا جعله ابن عقيل في الفصول في قول أحمد: كل شيء يباع قبل قبضه إِلا ما كان مأكولا.
وقد احتج القاضي (8) -في أن النكاح لا يفسد بفساد المهر-: بقوله: (لا نكاح إِلا بولي وشاهدي عدل (9))، قال: فاقتضى الظاهر
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 270 - 271.
(2) يعني: نفي الصلاة.
(3) يعني: نفي الطهارة.
(4) يعني: وأما وجودها.
(5) فهو صريح في الإِثبات والنفي.
(6) انظر: المسودة / 354.
(7) نهاية 274 من (ح).
(8) انظر: المسودة/ 160.
(9) سبق تخريج قوله: (لا نكاح إِلا بولي) في ص 932. أما الحديث بهذه الزيادة (وشاهدي عدل) فقد أخرجه الدارقطني في سننه 3/ 221 - 222، 225 - 227 من حديث ابن عباس مرفوعًا -ثم قال الدارقطني: رفعه علي بن الفضل ولم=
(3/933)

صحته (1)، ولم يفرق (2).
قال بعض أصحابنا (3): هذه دلالة ضعيفة (4).
فإِن قيل: فيه إِشكال سوى ذلك، وهو: أن المراد المنفي الأعم، أي: لا صفة للصلاة (5) معتبرة إِلا صفة الطهارة، فنفى الصفات المعتبرة وأثبت الطهارة.
__________
=يرفعه غيره- ومن حديث ابن مسعود وابن عمر وعائشة مرفوعاً. وقد تكلم في أسانيدها، فانظر: التعليق المغني على الدارقطني، ونصب الراية 3/ 189. وأخرجه الشافعي (انظر: بدائع المنن 2/ 317) موقوفاً على ابن عباس. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 305) من حديث عائشة مرفوعًا، وانظر: نصب الراية 3/ 167. وأخرجه البيهقي في سننه 7/ 111، 112 عن علي موقوفاً وعن ابن عباس موقوفاً، وأخرجه في سننه 7/ 125 من حديث عائشة وأبي هريرة مرفوعاً. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه 6/ 196 من حديث عمران بن حصين مرفوعاً.
وراجع: نصب الراية 3/ 188، 189، والتلخيص الحبير 3/ 156، 162، ومجمع الزوائد 4/ 286، والفتح الرباني 16/ 156.
(1) إِذا حضر الولي والشهود.
(2) بين أن يكون المهر صحيحا وأن يكون فاسدًا.
(3) انظر: المسودة/ 160.
(4) قال: لكن قد يظن أن هذا يعكّر على قولنا: "إِن الاستثناء من النفي إِثبات"، وليس كذلك.
(5) نهاية 95 أمن (ظ).
(3/934)

قيل: المراد من نفيها المبالغة في إِثبات تلك الصفة، وأنها آكدها.
والقول ب "أنه استثناء منقطع، فلا إِشكال" بعيد؛ لأنه مُفَرَّغ، فهو من تمام الكلام، ومثله: "ما زيد إِلا قائم" ونحوه.

مسألة
من استثنى استثناء بعد استثناء -وعطف الثاني- أضيف إِلى الأول، ف "عشرة إِلا ثلاثة وإلا اثنين" ك "عشرة إِلا خمسة"، و"أنت طالق ثلاثاً إِلا واحدة وإلا واحدة" يلغو الثاني إِن بطل استثناء الأكثر.
وإن لم يعطفه فاستثناء من استثناء يصح إِجماعًا، ف "عليه عشرة إِلا ثلاثة إِلا درهما" يلزمه ثمانية؛ لأنه من إِثباتٍ نفيٌ (1) ومن نفيٍ إِثباتٌ، و"أنت طالق ثلاثاً إِلا واحدة إِلا واحدة" قيل: يلغو (2) الثاني، فتقع اثنتان، وقيل: لا، فتقع ثلاث؛ لأنه من نفي إِثبات.

التخصيص بالشرط
قال في التمهيد (3): الشرط ما وجد الحكم بوجوده وعدم (4) بعدمه (5).
__________
(1) نهاية 131 ب من (ب).
(2) على أنه استثناء الكل.
(3) انظر: التمهيد/ 11أ.
(4) في (ب): وعدمه.
(5) قال: مع قيام سببه.
(3/935)

وفي الروضة (1) -وقاله الغزالي (2) -: ما لا يوجد المشروط دونه، ولا يلزم وجوده بوجوده.
وهو دور، وتعريف بالأخفى؛ لأن المشروط مشتق منه.
ونقض طرده (3): بجزء السبب (4). (5)
وقيل (6): ما يقف عليه تأثير (7) المؤثر في تأثيره لا في ذاته.
ونقض عكسه: بالحياة القديمة، شرط للعلم القديم، ولا (8) تأثير ولا مؤثر.
ولا ينتقض طرده بالمؤثر ومؤثر المؤثر؛ لإِشعار ذكر "تأثير المؤثر" بخروجهما؛ فإِن المؤثر لا يقف تأثيره على نفسه ولا [على] (9) مؤثره، بل
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 259.
(2) انظر: المستصفى 2/ 181 - 182.
(3) فهو غير مانع.
(4) وليس بشرط.
(5) نهاية 275 من (ح).
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 309.
(7) كذا -أيضاً- في الإحكام للآمدي. وقال الشيخ عبد الرزاق عفيفي في تعليقه عليه: كان فيه تحريفا، ولعل الصواب: ما يتوقف عليه المؤثر في تأثيره لا في ذاته، وفي معناه ما قاله غيره: ما يتوقف تأثير المؤثر عليه. أ. ه. فانظر: المنتهى لابن الحاجب/ 93.
(8) في (ظ): لا.
(9) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(3/936)

يقف وجوده على مؤثره.
واختار الآمدي (1) وغيره: ما يلزم من نفيه نفي أمر على وجه لا يكون سبباً لوجوده ولا داخلاً فيه (2).
فيدخل: شرط الحكم، وشرط السبب.
وهو: عقلي كالحياة للعلم، وشرعي كالطهارة للصلاة، ولغوي ك: أنت طالق إِن دخلتِ.
والشرط اللغوي أغلب استعماله في السببية العقلية نحو: "إِذا طلعت الشمس فالعالم مضيء"، والشرعية: (وإن كنتم جنبًا فاطهروا) (3).
واستعمل لغة في شرط لم يبق للمسبَّب سواه، أي: في الشرط الأخير، نحو: إِن تأتني أُكْرِمك.
* * *
والشرط مخصِّص يخرج به ما لولاه لدخل ك "أكرم بني تميم إِن دخلوا" فيقصره الشرط على من دخل، و"أكرمهم أبدًا إِن قدرت" وإِن خرج عدم القدرة بالعقل لا ينافي الدخول لغة.
* * *
ويتحد الشرط ويتعدد على الجمع والبدل، فهذه ثلاثة أقسام، كل منها
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 309.
(2) يعني: في السبب.
(3) سورة المائدة: آية 6.
(3/937)

مع الجزاء (1) كذلك، فهي تسعة.
* * *
وللشرط صدر الكلام، يتقدم على الجزاء لفظًا؛ لتقدمه في الموجود طبعا.
فإِن تأخر لفظا: فأكثر النحاة: أن ما تقدم (2) ليس بجزاء بل قام مقامه ودَلَّ عليه، وهو محذوف (3).
* * *
والشرط كالاستثناء في اعتبار اتصاله بالمشروط.
* * *
وإن تعقب جملاً متعاطفة فللجميع عند الأئمة الأربعة، وذكره في التمهيد (4) إِجماعًا، وفي الروضة (5): سلّمه الأكثر.
وفي المغني (6): "أنتِ عليّ حرام (7) ووالله لا أكلمك إِن شاء الله"
__________
(1) نهاية 123أمن (ب).
(2) في (ح): ما يقدم.
(3) نهاية 95 ب من (ظ).
(4) انظر: التمهيد/ 59 ب.
(5) انظر: روضة الناظر/ 258.
(6) انظر: المغني 8/ 15.
(7) في (ظ): حرام والله لا أكلمك ...
(3/938)

الاستثناء لهما في أحد (1) الوجهين؛ لأنه إِذا تعقب جملا عاد إِليها إِلا أن ينوي (2).
ولعل مراده بالخلاف لاختلاف اليمين.
واحتج في الواضح (3) لخصمه في الاستثناء: ب "امرأتي طالق وأعط زيدًا درهما إِن قام" (4). فأجاب: لعدوله عن إِيقاع الطلاق إِلى الأمر (5)، بخلاف: "امرأتي طالق ومالي صدقة على فلان الفقير إِن قام" (6).
ويأتي (7) في "على (8) أنه" مثله.
واختار الآمدي (9) وغيره كما سبق (10) في الاستثناء، قال: وبعض النحاة خصه بالجملة التي تليه متقدمة أو متأخرة.
__________
(1) نهاية 276 من (ح).
(2) الاستثناء في بعضها، فيعود إِليه وحده.
(3) انظر: الواضح 2/ 151 ب- 152 أ.
(4) فلا يرجع الشرط إِلى الطلاق، بل يقع الطلاق، ويقف دفع الدرهم على القيام، فكذا هنا أي: في الاستثناء.
(5) فعلمنا أنه لم يصل الثاني بالأول، وإنما بدأ بأمر علَّقه على شرط.
(6) وهذا وزان مسألتنا.
(7) في ص 943.
(8) في (ب) و (ح): علي أنه.
(9) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 311.
(10) في ص 922.
(3/939)

ثم: أطلق الجميع العطف، لكن أحالوه على الاستثناء.
وصرح بعضهم بالواو.
وسبق (1) كلام بعض أصحابنا في الاستثناء، وفيه (2) أيضاً: لو حلف "لأضربن زيدًا ثم عمرًا ثم بكرًا إِن شاء الله" كان للجميع، وغير ذلك من الصور.
وإِن قال (3) لمدخول [بها] (4): "إِن دخلت فأنت طالق فطالق فطالق" -قد خلت- وقع ثلاث إِجماعًا.
وإِن أتى ب "ثم" فكذلك عند جماعة من أصحابنا والشافعية (5) وأبي يوسف ومحمد (6)، وذكر القاضي (7) وجماعة من أصحابنا: وقعت الثانية والثالثة في الحال، وتعلقت الأولى بالدخول؛ لأن "ثم" للتراخي، فكأنه سكت، ثم قال (8) أنت طالق.
__________
(1) في ص 929.
(2) انظر: مجموع الفتاوى 13/ 148 - 149، 150 - 151، 155، 160.
(3) استقى المؤلف هذه الفروع من المغني 7/ 482.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(5) انظر: التمهيد للأسنوي / 396.
(6) انظر: بدائع الصنائع/ 1882.
(7) انظر: المغني 7/ 482.
(8) نهاية 132 ب من (ب).
(3/940)

وغير المدخول بها: إِن دخلت وقع بالفاء واحدة فقط، للترتيب. وعند أبي يوسف (1) ومحمد: ثلاث كالواو، خلافاً لأبي حنيفة (1) فيهما (2).
وكذا يقع ب "ثم" واحدة عند جماعة من أصحابنا.
وعند القاضي (3) وجماعة: إِن أخر الشرط فواحدة في الحال، وبطل ما بعدها، وإِن قَدَّمه تعلقت الأولى بالدخول، ووقعت الثانية في الحال، وبطلت الثالثة؛ بناء على أن "ثُمَّ" كسكتة.

التخصيص بالصفة
نحو: "أكرم بني تميم الداخلين"، فيقصر عليهم.
قال بعض أصحابنا (4) والآمدي (5) وغيرهم: وهي كالاستثناء (6).
وفي الروضة (7): سَلَّم الأكثر: تعود إِلى الجميع.
__________
(1) انظر: بدائع الصنائع/ 1878، 1881.
(2) يعني: فيما إِذا أتى بالواو أو بالفاء، فقال: يقع واحدة.
(3) انظر: المغني 7/ 482، ومجموع الفتاوى 13/ 151.
(4) انظر: المسودة/ 157.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 312.
(6) يعني: في عودها إِلى الجمل المذكورة قبلها.
(7) انظر: روضة الناظر/ 258.
(3/941)

التخصيص بالغاية
ك "أكرم بني تميم حتى أو إِلى أن يدخلوا"، فيقصر (1) على غيرهم (2)؛ لأن (3) ما بعد الغاية يخالف ما قبلها، وإلا لم تكن غاية بل وسطًا بلا فائدة.
* * *
والغاية والمُغَيَّا -أي: المقيد بها- يتحدان ويتعددان، تسعة أقسام كالشرط.
* * *
قال بعض أصحابنا والآمدي (4) وغيرهم: وهي كالاستثناء بعد جمل.

مسألة
قال بعض أصحابنا (5): والتوابع المخصصة للأسماء المتقدمة -كالبدل وعطف البيان- كالاستثناء (6)، (7) والشروط المعنونة (8) بحروف الجر
__________
(1) نهاية 277 من (ح).
(2) يعني: غير الداخلين.
(3) في (ب): لا ما بعد.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 313.
(5) انظر: المسودة/ 157، ومجموع الفتاوى 13/ 156 - 157.
(6) يعني: في العود إِلى ما تقدم.
(7) نهاية 96 أمن (ظ).
(8) في (ح): المعنوية. ولم تنقط الكلمة في (ظ).
(3/942)

-كقوله: "على أنه" أو "بشرط أنه"- أو بحروف العطف كقوله: "ومن شرطه (1) كذا" فهذا كالشرط، ف "أكرم بني تميم وبني أسد وبني بكر المؤمنين" أمكن كونه تمامًا ل "بكر" فقط، و"بشرط كونهم مؤمنين" أو "على أنهم" متعلق بالإِكرام، وهو للجميع معا، كقوله: "إِن كانوا مؤمنين"، وكذا تتعلق حروف الجر المتأخرة بالفعل المتقدم، وهو قوله: "وقفت (2) "، وهو الكلام والجملة، فيجب الفرق بين ما تعلق بالاسم وما تعلق بالكلام.
قال (3): والوقف على جمل أجنبيات (4) -كالوقف على أولاده ثم أولاد فلان ثم المساكين، على أنه لا يعطى منهم إِلا صاحب عيال- يقوى اختصاص الشرط بالجملة الأخيرة؛ لأنها أجنبية من الأولى.

مسألة
الإِشارة ب "ذلك" بعد الجمل: سبق (5) في الحقيقة الشرعية.
وقال ابن عقيل -في الوعد والوعيد من الإِرشاد، في قوله: (ومن يفعل ذلك يلق أثاما) (6) -: يجب عوده إِلى جميع ما تقدم، وعوده إِلى
__________
(1) في (ب): ومن شرط.
(2) وذلك في المثال المذكور في مجموع الفتاوى 13/ 100، 157.
(3) انظر: مجموع الفتاوى 13/ 157.
(4) نهاية 133 أمن (ب).
(5) في ص 99 من هذا الكتاب.
(6) سورة الفرقان: آية 68.
(3/943)

بعضه ليس بلغة العرب، ولهذا لو قال: "من دخل وخدمني وأكرمني فله درهم" لم يعد إِلى الدخول فقط.
وذكره -أيضاً- في الواضح (1) في مخاطبة الكفار، وقال: إِذا عاد للجميع فالمؤاخذة بكل من الجمل (2)، فالخلود للكفر، والمضاعفة في قدر العذاب لما ذكره من الذنوب.
وقال ابن الجوزي (3) -في قوله: (وعلى الوارث مثل ذلك) (4) -: قيل: الإِشارة إِلى أجرة الرضاع والنفقة، وقيل: إِلى النهي عن الضرار، وقيل: إِلى الجميع -اختاره القاضي- لأنه (5) على المولود له (6)، وهذا معطوف عليه، فيجب الجميع.
وقال أبو البقاء (7) -في: (ذلكم فسق) (8) -: إِشارة إِلى الجميع، ويجوز أن يرجع إِلى الاستقسام (9).
__________
(1) انظر: الواضح 1/ 306أ، 307أ.
(2) المذكورة.
(3) انظر: زاد المسير 1/ 273.
(4) سورة البقرة: آية 233.
(5) يعني: الجميع من النفقة والكسوة وعدم الضرار.
(6) نهاية 278 من (ح).
(7) انظر: إِملاء ما من به الرحمن 1/ 207.
(8) سورة المائدة: آية 3.
(9) يعني: الاستقسام بالأزلام، والأزلام هي القداح، واحدها زَلَم وزُلَم،=
(3/944)

وقال أبو يعلى الصغير من أصحابنا -في قتل مانع الزكاة، في آية الفرقان (1) المذكورة-: ظاهر اللفظ يقتضي عود العذاب والتخليد إِلى الجميع، وكل واحد منه، لكن قام دليل على أن التخليد لا يكون إِلا بالكفر، فخصت به الآية. [كذا قال] (2).

التخصيص بالمنفصل
مسألة
يجوز التخصيص بالعقل عند أصحابنا والجمهور، قال أحمد (3) -في قوله: (وهو الله في السماوات وفي الأرض) (4) -: "قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها شيء من (5) عظمة الله"، قال القاضي (6): فخص (7)
__________
=والاستقسام: استفعال من القَسْم (قسم الرزق والحاجات) ومعناه: أن يضرب بها، فيعمل بما يخرج فيها من أمر أو نهي، فكانوا إِذا أرادوا أن يقتسموا شيئًا بينهم -فأحبوا أن يعرفوا قسم كل امرئ- تعرفوا ذلك منها، فأخذ الاستقسام من القسم وهو النصيب. انظر: زاد المسير 2/ 284.
(1) سورة الفرقان: آية 68.
(2) ما بين المعقوفتين من (ح).
(3) انظر: الرد على الجهمية والزنادقة/ 135، والعدة/ 548.
(4) سورة الأنعام: آية 3.
(5) نهاية 133 ب من (ب).
(6) انظر: العدة/ 548.
(7) في العدة: فعارض.
(3/945)

الظاهر بالعقل.
ومنع منه قوم من المتكلمين، قال أبو الخطاب (1): وهو ظاهر قول من يقول: "لا يحسن ولا يقبح، وأن الشرع يرد بما لا يقتضيه العقل"، وهو مذهب أصحابنا والأشعري. كذا قال، مع أنه لا يرد بما يحيله كما سبق (2) آخر مسألة التحسين.
وقال بعض أصحابنا (3): المعرفة (4) إِنما تعم ما أوجبه التعريف، فقول الله: (يا أيها الناس) (5) إِنما يعم من ثبت أن الله يخاطبه، والصبيان والمجانين لم يخاطبوا، فلا يشملهم اللفظ.
قال (6): ومن لم (7) يجعل العقل مخصصا؛ فلأنه -والله أعلم- كمخصِّص (8) لفظي متصل، وهو نظير ما قاله القاضي وغيره من أصحابنا والشافعية، لما قيل لهم: لا يجوز تأخير بيان النسخ إِلا أن يقترن به بيان النسخ؛ فيقول: "صلوا إِلى بيت المقدس ما لم أنسخه عنكم"، فقالوا: هذا
__________
(1) انظر: التمهيد/ 61أ.
(2) في ص 165 من هذا الكتاب.
(3) يعني: ابن تيمية شيخ الإِسلام. انظر: المسودة/ 101.
(4) نهاية 96 ب من (ظ).
(5) سورة البقرة: آية 21.
(6) انظر: المسودة/ 118 - 119.
(7) في المسودة: الذين يجعلون العقل مخصصا.
(8) في (ح) و (ظ): لمخصص.
(3/946)

خطأ؛ لأنه (1) مقرون بكل خطاب، وإن لم ينطق به الخاطِب (2)، فهما سواء. قال: فجعلوا التقييد (3) المعلوم بالعقل كتقييد لفظي، وذلك يمنع اللفظ (4) دالا على غير المقيد.
وقال جده صاحب المحرر -في شرح الهداية (5)، في إِمامة الصبي-: والذي عليه أهل العلم أن الصبيان لا يدخلون في مطلق الخطاب.
وجه الأول: (الله خالق كل شيء) (6)] (وهو على كل شيء قدير) (7)، والعقل قاطع باستحالة كون القديم مخلوقاً أو مقدورًا بلا خلاف بين العقلاء، فالمخالف موافق على معنى التخصيص مخالف في التسمية.
وأيضًا: (ولله على الناس حج البيت) (8)، وكل من طفل ومجنون غير مراد بالعقل؛ لعدم الفهم.
__________
(1) في المسودة: لأن هذا.
(2) قال: لأن الدليل قد دل على جواز النسخ، فصار ذلك مقدرًا في خطاب صاحب الشريعة ومقرونا به وإِن لم يذكره، فوجب أن يكونا سواء، فيجب أن يجري هذا في العموم.
(3) نهاية 279 من (ح).
(4) في المسودة: كون اللفظ.
(5) الهداية: كتاب في الفقه الحنبلي - لأبي الخطاب الحنبلي، المتوفى سنة 510 ه. والكتاب مطبوع. ولم أعثر على شرحه هذا.
(6) سورة الرعد: آية 16.
(7) سورة المائدة: آية 120.
(8) سورة آل عمران: آية 97.
(3/947)

واعترض: بأرش الجناية وضمان المتلَف لازم للصبي، وبصحة صلاته وحجه.
رد الأول: بعصمة المحل، فهو من خطاب الوضع، والمخاطَب الولي بتمرينه.
قالوا: لو خَصّ العقل (1) لأريد المخصص لغة؛ لأن اللفظ لا دلالة له بالذات (2)، والعاقل لا يريد ما يخالف العقل.
رد: اللفظ متناول (3) للمفرد لغة (4)، وما نسب إِليه المفرد (5) مانع من إِرادته، فلا منافاة.
قالوا: لو خَصّ العقل لكان متأخرًا؛ لأنه بيان.
رد: إِن أريد تأخير بيانه فمسلَّم، أو تأخير ذاته منع.
قالوا: لو خص لنسخ.
رد: النسخ محجوب عن العقل بخلاف التخصيص.
قال ابن عقيل (6): والعقل يجوّز بقاء الحكم (7)، وأجمع [العقلاء] (8)
__________
(1) نهاية 134 أمن (ب).
(2) بل: بإِرادة المتكلم.
(3) يعني: للمخصَّص.
(4) نحو: كل شيء.
(5) من المخلوقية أو المقدورية.
(6) انظر: الواضح 2/ 101 ب.
(7) قال: إِذ قد اجتمع العقلاء ...
(8) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(3/948)

من أهل الشرائع أنه لا يجوز أن يرد الشرع بما لا يجيزه العقل (1).
قالوا: تعارض العام والعقل.
رد: فيجب تأويل المحتمل -وهو العام- جمعًا بينهما (2).

مسألة
وبالحس، نحو: (وأُوتيت من كل شيء) (3)] (تدمر كل شيء) (4).

مسألة
إِذا ورد خاص وعام (5) مقترنين (6) قدم الخاص (7) عند عامة الفقهاء والمتكلمين.
__________
(1) قال: فإِذا جوز ذلك وعلم أن الواضع له الحاكم الأزلي الذي لا يصدر عنه ما يقضي عليه العقل بل يقضي به العقل فلا سبيل إِلى نسخ ذلك الحكم بالعقل، فأما إِذا قال: (يا أيها الناس اتقوا ربكم) حسن أن يشعر العقل بتخصيص هذا الأمر العام بإخراج من لا يسوغ في العقل خطابه من الأطفال والمجانين.
(2) ضرب في (ب) و (ظ) على (بينهما)، وكتب: (بين الأدلة).
(3) سورة النمل: آية 23.
(4) سورة الأحقاف: آية 25.
(5) في (ب): مقربين.
(6) زمانا.
(7) يعني: خص الخاص العام.
(3/949)

وعن بعضهم: تعارض الخاص بما قابله من العام.
* * *
وإن لم يقترنا قدم الخاص مطلقا في ظاهر كلام أحمد (1) (2) في مواضع، وعليه أصحابه والشافعي (3) وأصحابه وجماعة من الحنفية (4)، منهم: أبو زيد (5).
وعند أكثر الحنفية (6) والمعتزلة (7) وابن الباقلاني (8) وأبي المعالي: إِن تأخر العام نَسَخ، أو الخاص نَسَخ العام بقدره، والوقف (9) إِن جهل التاريخ،
__________
(1) انظر: العدة/ 615.
(2) نهاية 280 من (ح).
(3) انظر: المحصول 1/ 3/ 164، 170، والإِحكام للآمدي 2/ 318.
(4) انظر: تيسير التحرير 1/ 272، وفواتح الرحموت 1/ 345.
(5) هو: عبد الله أو عبيد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي، أصولي فقيه، توفي ببخارى سنة 430 ه.
من مؤلفاته: تقويم الأدلة في أصول الفقه، وتأسيس النظر، والأسرار في الفروع.
انظر: وفيات الأعيان 2/ 251، والفوائد البهية/ 109، وتاج التراجم/ 36، وشذرات الذهب 3/ 245.
(6) انظر: تيسير التحرير 1/ 272، وفواتح الرحموت 1/ 345.
(7) انظر: المعتمد / 276 وما بعدها.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 319، والمنتهى لابن الحاجب/ 95، ومختصره 2/ 147.
(9) نهاية 97 أمن (ظ).
(3/950)

قالت الحنفية (1): ويؤخر المحرّم احتياطا.
وقال أحمد (2) -في رواية عبد الله بعد كلام طويل-: يؤخذ بهما حتى تأتي دلالة بأن الخبر قبل الخبر، فيكون الأخير أولى.
وتأولها (3) القاضي (4) على أن الخبرين خاصان، قال في التمهيد (5): "وفيه نظر"، وقال بعض أصحابنا (6): فاسد (7)، لتمثيله أول الرواية بخبر (8) حكيم (9) -وهو عام في البيع- مع (10) السلم (11)، وهو
__________
(1) انظر: تيسير التحرير 1/ 272، وفواتح الرحموت 1/ 345 - 346.
(2) انظر: مسائل الإِمام أحمد - رواية عبد الله/ 15.
(3) يعني: تأول قوله: (الأخير أولى).
(4) انظر: العدة/ 620.
(5) انظر: التمهيد/ 66 ب.
(6) انظر: المسودة/ 136.
(7) يعني: تأويل القاضي.
(8) وهو قول الرسول: (لا تبع ما ليس عندك). أخرجه أبو داود في سننه 3/ 768 - 769، والترمذي في سننه 2/ 350 - 351 وقال: حسن صحيح، والنسائي في سننه 7/ 289، وابن ماجه في سننه/ 737، والطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 1/ 264) من حديث حكيم بن حزام مرفوعًا.
(9) هو: الصحابي حكيم بن حزام.
(10) في (ب): من.
(11) أحاديث جواز السلم: أخرجها البخاري في صحيحه 3/ 85 من حديث ابن عباس وابن أبزي وابن أبي أوفى مرفوعًا، ومسلم في صحيحه/ 1226 من حديث ابن عباس مرفوعاً.
(3/951)

خاص (1)، وبخبر المصراة -وهو خاص- مع (الخراج بالضمان (2)، وهو عام في كل ضمان.
وفي الروضة (3) رواية: يقدم المتأخر كقول أكثر الحنفية -وخرجه بعض أصحابنا (4) على قول من منع من تأخير البيان عن وقت الخطاب إِلى وقت الحاجة من أصحابنا، وقاله بعض المالكية (5) وبعض الشافعية (6) (7) - فإِن جهل التاريخ اقتضت تعارضهما.
__________
(1) نهاية 134 ب من (ب).
(2) هذا الحديث روته عائشة مرفوعًا. أخرجه -بهذا اللفظ- أبو داود في سننه 3/ 777 - 780، وابن ماجه في سننه / 754، وأحمد في مسنده 6/ 49، والشافعي (انظر: بدائع المنن 2/ 166)، والطحاوي في شرح معاني الآثار 4/ 21 - 22، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 275)، والحاكم في مستدركه 2/ 14 - 15 وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرجه -بلفظ: قضى أن الخراج بالضمان- الترمذي في سننه 2/ 376 - 377 وقال: حسن -وأورده من طريق آخر، وقال: صحيح غريب من حديث هشام بن عروة- والنسائي في سننه 7/ 254 - 255.
قال في التلخيص الحبير 3/ 22: وصححه ابن القطان، وقال ابن حزم: لا يصح.
(3) انظر: روضة الناظر/ 245.
(4) انظر: المسودة/ 136.
(5) كابن نصر (عبد الوهاب المالكي). انظر: المرجع السابق.
(6) كأبي الطيب. انظر: المرجع السابق.
(7) ما بين الشرطتين جاء في (ح) بعد قوله: اقتضت تعارضهما.
(3/952)

وقال بعض أصحابنا (1): منصوص أحمد: إِن فقد التاريخ يقدم الخاص، وإلا (2) قدم (3) المتأخر، وهو أقوى -كذا قال- وقاله بعض الحنفية وبعض المعتزلة، قال (4): ويقدم الخاص لجهل التاريخ -وإن قلنا: العام المتأخر ينسخ- لأن (5) العام لم يعلم ثبوته في قدر الخاص؛ لجواز اتصالهما أو تقدم العام أو تأخره (6) مع بيان التخصيص مقارنًا.
ومنع بعض الناس من تخصيص الكتاب بمالكتاب مطلقًا.
وجه الأول: أن: (والمحصنات (7) من الذين) (8) خَصَّ (ولا تنكحوا المشركات) (9)، (10) قال ابن الجوزي: على هذا عامة الفقهاء، وروي معناه عن جماعة من الصحابة، منهم: عثمان وطلحة (11) وحذيفة وجابر وابن
__________
(1) انظر: المسودة/ 136.
(2) يعني: وإن علم التاريخ.
(3) في (ظ): وإلا يقدم.
(4) انظر: المسودة/ 137.
(5) يعني: لأن الخاص قد علم ثبوته، والعام لم يعلم ... إِلخ.
(6) يعني: تأخر العام.
(7) في (ظ): والمخصات.
(8) سورة المائدة: آية 5.
(9) سورة البقرة: آية 221.
(10) نهاية 281 من (ح).
(11) هو: الصحابي طلحة بن عبيد الله.
(3/953)

عباس (1).
وأيضاً: الخاص قاطع، أو أشد تصريحًا وأقل احتمالاً.
ولأنه لا فرق -لغة- بين تقديم الخاص وتأخيره.
قال: في النسخ إِعمال للدليلين في زمانين، وفي التخصيص إِبطال للعموم في بعض أفراده.
ولأنه لو قال: "لا تقتل زيداً المشرك"، ثم قال: "اقتل المشركين" كان في قوة "اقتل زيدًا"، وأنه نسخ.
رد: شرطه (2) المساواة وعدم الجمع.
ثم: التخصيص مانع، والنسخ رافع، والدفع أسهل منه (3)، وهو أغلب، والنسخ نادر.
قالوا: عن ابن عباس عنه - عليه السلام - (4): أنه صام في سفر ثم أفطر، قال: "وكان صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره". رواه مسلم (5).
__________
(1) انظر: زاد المسير 1/ 247. وراجع: تفسير الطبري 4/ 362 ط: دار المعارف، وسنن البيهقي 7/ 171 - 173، وتفسير القرطبي 3/ 68، والدر المنثور 1/ 256.
(2) يعني: شرط النسخ.
(3) يعني: من الرفع.
(4) نهاية 135 أمن (ب).
(5) انظر: صحيح مسلم/ 784 - 785. وأخرجه مالك في الموطأ/ 294، والدارمي في سننه 1/ 34.=
(3/954)

وفي البخاري (1) عن الزهري: "وإنما يؤخذ من أمره - عليه السلام - بالآخر فالآخر".
واحتج به (2) أحمد في رواية عبد الله السابقة (3).
رد: بحمله على غير المخصّص (4) جمعاً بين الأدلة.
المانع منه في الكتاب: لو جاز لم يكن - عليه السلام - مبينًا (5) ,وقد قال: (لتبين للناس) (6).
عورض: بقوله: (تبيانًا لكل شيء) (7).
ثم: هو - عليه السلام - مبيِّن بهما (8).
__________
=وقد ذكر أن: (وكان صحابة رسول الله ...) من قول الزهري، فانظر: صحيح مسلم -الموضع السابق- وفتح الباري 4/ 181.
(1) انظر: صحيح البخاري 5/ 146، وصحيح مسلم/ 785.
(2) يعني: بقوله: (يؤخذ بالأحدث ... إِلخ).
(3) في ص 951.
(4) يعني: على ما لا يقبل التخصيص.
(5) إِذ التخصيص تبيين.
(6) سورة النحل: آية 44.
(7) سورة النحل: آية 89.
(8) يعني: بالكتاب والسنة.
(3/955)

مسألة
يجوز تخصيص السنة بالسنة. والخلاف (1) كالتي قبلها.
* * *
وتخصيص السنة بالكتاب عند الجمهور، خلافًا لبعض أصحابنا (2) وبعض الشافعية وبعض المتكلمين، وذكره ابن حامد (3) والقاضي (4) رواية عن أحمد، قال بعض أصحابنا (5): وهو مقتضى قول مكحول (6) ويحيى بن أبي كثير: "السنة تقضي على الكتاب، والكتاب لا يقضي على السنة"، قال (7): وهو الأغلب على كلام الشافعي.
والأدلة كالتي قبلها.
__________
(1) نهاية 97 ب من (ظ).
(2) انظر: المسودة/ 122.
(3) انظر: العدة/ 570، والمسودة/ 122.
(4) انظر: العدة/ 570.
(5) انظر: المسودة/ 123.
(6) هو: أبو عبد الله مكحول بن عبد الله الدمشقي، تابعي فقيه، توفي سنة 112 ه، وثقه جماعة، وضعفه آخرون، قال ابن حجر في التقريب: ثقة كثير الإِرسال.
انظر: مشاهير علماء الأمصار/ 114، ووفيات الأعيان 4/ 368، وحلية الأولياء 5/ 177، وتذكرة الحفاظ/ 107، وتقريب التهذيب 2/ 273.
(7) نهاية 282 من (ح).
(3/956)

مسألة
يجوز تخصيص الكتاب بالمتواتر (1) إِجماعًا.
وبخبر الواحد عند أحمد (2) والشافعي (3) وأصحابهما والمالكية (4)، وذكره ابن نصر (5) المالكي عن كثير من الحنفية.
وعن أحمد: المنع -ذكره ابن شهاب العكبري (6) في مسألة الدباغ،
__________
(1) في (ب): بالمواتر.
(2) انظر: العدة / 551.
(3) انظر: اللمع/ 19، والتبصرة/ 132، والمستصفى 2/ 114، والمحصول 1/ 3/ 131، والإحكام للآمدي 2/ 322.
(4) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 96، وشرح تنقيح الفصول/ 206، 208، ومفتاح الوصول/ 59.
(5) وهو: عبد الوهاب. انظر: المسودة/ 119.
(6) في طبقات الحنابلة وذيلها شخصان بهذا النسب وهذه النسبة:
أحدهما: أبو علي الحسن بن شهاب بن الحسن، فقيه محدث أديب، ولد بعكبرا سنة 335 ه، وتوفي بها سنة 428 ه له مصنفات في الفقه والفرائض والنحو.
انظر: طبقات الحنابلة 2/ 186.
والثاني: أبو علي الحنبلي، صاحب كتاب (عيون المسائل)، ينقل من كلام القاضي أبي يعلى وأبي الخطاب، قال ابن رجب: ما وقفت له على ترجمة.
انظر: ذيل طبقات الحنابلة 1/ 172، والمنهج الأحمد 2/ 233.
(3/957)

وهي فيها في الانتصار (1) وجه (2) لنا، وقال الفخر من أصحابنا: له ظهور واتجاه- وقاله بعض المتكلمين.
وعند الحنفية (3): إِن كان خص بدليل مجمع عليه (4) جاز، وإلا فلا.
وعن الكرخي (5): إِن كان خص بمنفصل.
ووقف القاضي (6).
[وقيل: لم يقع] (7).
لنا: أنه إِجماع الصحابة، كما خصوا: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) (8)
__________
(1) انظر: الانتصار 1/ 20أ.
(2) في (ب) و (ظ): ووجه.
(3) بناء على أن العام عندهم قطعي الدلالة. انظر: أصول السرخسي 1/ 141، وكشف الأسرار 1/ 294، وتيسير التحرير 1/ 267، وفواتح الرحموت 1/ 349.
(4) يعني: قبل التخصيص بخبر الواحد، لتضعف دلالته.
(5) حكاه عنه الآمدى في الإِحكام 2/ 322، وابن الحاجب في المنتهى/ 96.
(6) يعني: المؤلف ب (القاضي) -هنا-: ابن الباقلاني؛ فإِن القاضي أبا يعلى يقول بالجواز -انظر: العدة/ 550 - وابن الباقلاني يقول بالوقف، انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 149. فخالف المؤلف بهذا ما ذكره في مقدمة كتابه من أنه إِذا ذكر (القاضي) فالمراد به: أبو يعلى.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(8) سورة النساء: آية 24.
(3/958)

بحديث أبي (1) هريرة: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) متفق عليه (2)، وآية السرقة (3) بما دون النصاب (4)، وقتل المشركين (5) بإِخراج المجوس، وغير ذلك.
وقاس ابن عقيل (6) على ظاهر أمر ونهي. كذا قال.
قالوا: رد عمر خبر (7) فاطمة بنت قيس: "أنه - عليه السلام - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة"؛ لتخصيصه لقوله: (أسكنوهن) (8)، ولهذا قال: "كيف نترك كتاب الله لقول امرأة؟! ".
__________
(1) نهاية 135 ب من (ب).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 12، ومسلم في صحيحه/ 1029 مرفوعًا، واللفظ لمسلم، وبلفظ مسلم أخرجه ابن ماجه في سننه/ 621.
(3) سورة المائدة: آية 38.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 160 عن عائشة مرفوعًا: (تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا). وأخرجه مسلم في صحيحه/ 1312 - 1313 بألفاظ منها: (لا تقطع يد السارق إِلا في ربع دينار فصاعداً).
(5) كما في سورة التوبة: آية 5.
(6) قال في الواضح 2/ 104 أ: رجحنا الصريح -يعني: الخاص- على الظاهر المظنون، كما تصرف صيغ الأوامر التي في الكتاب عن الإِيجاب إِلى الندب، والنواهي عن التحريم إِلى التنزيه، بأدلة مظنونة.
(7) في (ح): حديث.
(8) سورة الطلاق: آية 6.
(3/959)

رد: لتردده في صحته، أو مخالفته سنة عنده، ولهذا: في مسلم (1): "لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة، لعلها حفظت أو نسيت"، مع أن أحمد ضَعَّفه (2)، وذكر (3) ابن عقيل (4) عنه: أنه أجاب بأنه احتياط منه.
وضعف الدارقطني (5) قوله: "وسنة نبينا".
ولا يصح: "صدقت (6) أو كذبت" (7).
__________
(1) انظر: صحيح مسلم/ 1119.
(2) انظر: مسائل الإِمام أحمد - لأبي داود/ 302، والتعليق المغني على الدارقطني 4/ 23. وقال ابن أبي حاتم في العلل 1/ 438: سئل أبي عن حديث عمر: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا"، فقال: الحديث ليس بمتصل، فقيل له: حديث الأسود عن عمر، قال رواه عمارة بن رزيق عن أبي إِسحاق وحده، لم يتابع عليه.
(3) في (ب): وذكره.
(4) انظر: الواضح 2/ 102 ب.
(5) انظر: العلل له 1/ 42ب-43أ، وسننه مع التعليق المغني 4/ 26 - 27، وشرح النووي على صحيح مسلم 10/ 95.
(6) في (ح): أصدقت.
(7) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/ 67 بلفظ: "لا ندري لعلها كذبت"، ولم يتكلم على هذا اللفظ. وقال الزركشي في المعتبر/ 57 ب- 58 أ: وأما قوله: "ولا ندري أصدقت أم كذبت" مما أنكروه على المصنف -يعني: ابن الحاجب- فإن المحفوظ: "لا ندري أحفظت أم نسيت" كما رواه مسلم وغيره، وليس بمنكر؛ فقد رواه الحازمي في مسنده: أنا أحمد بن محمَّد بن سعيد الهمداني ثنا الحسن بن حماد بن حكيم الطالقاني ثنا أبي ثنا خلف بن ياسين الزيات عن أبي حنيفة عن حماد=
(3/960)

قالوا: العام قطعي، والخبر ظني، لا سيما إِن ضعف بتخصيصه.
رد: دلالته (1) ظنية، والتخصيص فيها، والخبر دلالته قطعية.
قال [بعض] (2) أصحابنا: وحكمه ثبت بأمر (3) قاطع، فالجمع أولى.
القائل بالوقف: كلاهما قطعي ظني من وجه.
رد: الجمع أولى.

مسألة
الجمهور: أن الإِجماع مخصِّص، أي تَضَمَّنه، لا أنه في نفسه مخصص؛ لأنه لا يعتبر زمن الوحي.
ولو عمل أهل الإِجماع بخلاف نص خاص: تضمن (4) ناسخًا.

مسألة
العام يخص بالمفهوم عند القائل به، وقاله أحمد (5) وأصحابه
__________
=عن إِبراهيم عن الأسود قال: قال عمر بن الخطاب: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري: صدقت أم كذبت ... قال صاحب التنقيح: وهذا إِسناد مظلم إِلى أبي حنيفة، وأحمد بن محمَّد بن سعيد هو ابن عقدة، وهو مجمع الغرائب والمناكير.
(1) يعني: دلالة العام.
(2) ما بين المعقوفتين من (ظ).
(3) نهاية 283 من (ح).
(4) يعني: تضمن عملُهم.
(5) انظر: المسودة/ 127.
(3/961)

والشافعية (1) وغيرهم، خلافا للقاضي في الكفاية (2) والمالكية (3) وابن حزم (4)، وقاله أبو الخطاب (5) أيضًا.
لنا: أنه (6) خاص، وفيه جمع بينهما، فكان أولى.
قالوا: العام مجمع (7) على دلالته.
رد: بالمنع، ثم: الفرض: أن المفهوم حجة.
* * *
فإِن كانت صورة السكوت أولى بالحكم من المنطوق فهو التنبيه، وهو أولى من المفهوم، أو اقتضى القياس استواءهما (8) فهو (9) أولى من المفهوم،
__________
(1) انظر: اللمع/ 20، والمستصفى 2/ 105، والمحصول 1/ 3/ 159، والإِحكام للآمدي 2/ 328.
(2) انظر: المسودة/ 127.
(3) قال في المسودة / 127: فيما ذكروه في مسألة الماء والتيمم.
وقال القرافي في شرح تنقيح الفصول/ 215: في التخصيص بالمفهوم نظر وإن قلنا: إِنه حجة؛ لكونه أضعف من المنطوق. وذكر التلمساني المالكي في مفتاح الوصول / 60 - عن أكثر أصحابهم-: يخص به.
(4) انظر: الإِحكام لابن حزم/ 1153.
(5) انظر: التمهيد/ 69أ، والمسودة/ 127.
(6) يعني: المفهوم.
(7) نهاية 98 أمن (ظ).
(8) نهاية 136أمن (ب).
(9) يعني: القياس.
(3/962)

كنهيه عن بيع (1) الطعام مع نهيه (2) عن بيع ما لم يقبض، وقوله -في اختلاف البائعين-: (والسلعة قائمة (3)).
__________
(1) نهي الرسول عن بيع الطعام قبل قبضه: ورد من حديث ابن عمر وابن عباس مرفوعاً، أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 68، ومسلم في صحيحه/ 1159 - 1161.
(2) نهي الرسول عن بيع ما لم يقبض: أخرج الدارقطني في سننه 3/ 8 - 9 عن حكيم بن حزام: أنه قال: يا رسول الله، إِني أشتري هذه البيوع، فما تحل لي منها وما تحرّم علي؟ قال: (يابن أخي، إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه). وأخرجه الطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 1/ 264)، والبيهقي في سننه 5/ 313، وأحمد في مسنده 3/ 402، والنسائي في السنن الكبرى وابن حبان في صحيحه. انظر: نصب الراية 4/ 32.
وقد قال ابن عباس -في الحديث السابق الذي أخرجه البخاري ومسلم، في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه-: ولا أحسب كل شيء إِلا مثله.
وأخرج أبو داود في سننه 3/ 765 عن زيد بن ثابت: أن رسول الله نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إِلى رحالهم. وأخرجه الدارقطني في سننه 3/ 12 - 13، وابن حبان في صحيحه (انظر: مواد الظمآن/ 274)، والحاكم في مستدركه 2/ 40 وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص.
وانظر: نصب الراية 4/ 32 - 33، والتلخيص الحبير 3/ 25.
(3) أخرج ابن ماجه في سننه/ 737 عن ابن مسعود مرفوعاً: (إِذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة والبيع قائم بعينه فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع). وأخرجه الدارمي في سننه 2/ 166، والدارقطني في سننه 3/ 20 - 21، والبيهقي في سننه 5/ 333 - 334 وضعف هذه الزيادة (والبيع قائم بعينه)، وأحمد في مسنده 1/ 466، والطبراني في المعجم الكبير 10/ 215 بلفظ: (والسلعة قائمة).
(3/963)

ذكر (1) ذلك القاضي (2).
وفي الواضح (3): نهيه عن بيع الطعام مع الحاجة إِليه تنبيه على غيره، فقدم (4)، والتحالف مع تلف السلعة أولى؛ لإِمكان الدلالة على صدق أحدهما بقيمتها الشاهدة بالثمن لمثلها.
قال بعض أصحابنا (5): ويجب أن يخرج في (6) تقديم القياس على المفهوم وجهان، كتخصيص العموم بالقياس، بل أولى (7).
__________
=وأخرج أبو داود في سننه 3/ 780 - 783 عن ابن مسعود مرفوعًا: (إِذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركان).
وأخرجه الترمذي في سننه 2/ 371 عن عون بن عبد الله عن ابن مسعود مرفوعًا، قال: هذا حديث مرسل؛ عون لم يدرك ابن مسعود. وأخرجه النسائي في سننه 7/ 302 - 303، والدارقطني في سننه 3/ 20، وأحمد في مسنده 1/ 466، والبيهقي في السنن الكبرى 5/ 333، والشافعي (انظر: بدائع المنن 2/ 63)، والحاكم في مستدركه 2/ 45 وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص. وانظر: التلخيص الحبير 3/ 30 - 32.
(1) في (ب): ذكره.
(2) انظر: العدة/ 634 - 635، والمسودة / 144.
(3) انظر: الواضح 2/ 129 ب- 130أ.
(4) على دليل الخطاب.
(5) انظر: المسودة/ 144.
(6) في المسودة: من.
(7) لأنهم قدموا المفهوم على العموم، فلأن يقدموه على القياس الذي هو دون العموم -على أحد الوجهين- أولى.
(3/964)

وصرح القاضي (1): بأن تقديم القياس (2) مأخوذ من تقديمه (3) على العموم، وقاله في التمهيد.
وفي القياس من الواضح (4): لا عدة على ذمية قبل الدخول قياسًا على المؤمنة، تقديماً له على المفهوم، قال: ولم يذكر الله قذف المحصنين من الرجال، فنظر القائمون إِلى المعنى، ومنه قياس عبد على أمة في تنصيف الحد، وقاس الجمهور استعمال آنية ذهب وفضة في غير أكل وشرب عليهما، وغير الحجر عليه في الاستجمار، والظفر على الشعر في الإِحرام.
قال بعض أصحابنا: تخصيص العموم بالمفهوم إِنما هو في كلامين منفصلين من متكلم واحد أو في حكم الواحد ككلام الله ورسوله، لا في كلام واحد متصل ولا متكلمين يجب اتحاد مقصودهما كبينة (5) شهدت "أن جميع الدار لزيد" وأخرى "أن الموضع الفلاني منها (6) لعمرو" فإِنهما يتعارضان في ذلك الموضع، قال: وغلط بعض الناس فجمع بينهما (7)؛ لأنه من باب العام والخاص، كما غلط بعضهم في كلام متكلم متصل.
__________
(1) انظر: العدة/ 635 - 636، والمسودة/ 144.
(2) على المفهوم.
(3) يعني: تقديم القياس.
(4) انظر: الواضح 1/ 147 ب، 148 أ، 149 أ-ب.
(5) في (ح): لبينة.
(6) نهاية 284 من (ح).
(7) يعني: قال بالجمع.
(3/965)

مسألة
فعله - عليه السلام - يخص العموم عند الأئمة الأربعة، كما لو قال: "كشف الفخذ حرام على (1) كل مسلم" (2)، ثم فعل (3)؛ لأن فعله كقوله في الدلالة، فاستويا في التخصيص، والظاهر أنه وأمته سواء فيه.
وقد خص أحمد (4) قوله: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) (5) بفعله عليه السلام (6)، وقال: دل على أنه أراد الجماع.
__________
(1) نهاية 136 ب من (ب).
(2) قال البخاري في صحيحه 1/ 79: ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي: (الفخذ عورة). وأخرجه الترمذي في سننه 4/ 197 - 198 من حديث جرهد -وقال: حسن- ومن حديث ابن عباس، وقال: حسن غريب، وأخرجه أبو داود في سننه 4/ 303، وأحمد في مسنده 3/ 478 من حديث جرهد، وأخرج أبو داود في سننه 4/ 303، وأحمد في مسنده 1/ 146، وابن ماجه في سننه / 469 عن علي مرفوعًا: (لا تكشف فخذك ولا تنظر إِلى فخذ حي ولا ميت).
(3) أخرج البخاري في صحيحه 1/ 79، ومسلم في صحيحه/ 1043 - 1044 عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حسر عن فخذه.
(4) انظر: العدة/ 574.
(5) سورة البقرة: آية 222.
(6) فقد كان الرسول يباشر زوجته وهي حائض. أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 63 - 64، ومسلم في صحيحه/ 242 - 243 من حديث عائشة وميمونة.
(3/966)

ومنعه الكرخي (1) وابن برهان (2) وغيرهما (3)؛ تخصيصًا (4) لدليل الاتباع العام (5) بهذا العام (6)، جمعاً بينهما.
وتوقف عبد الجبار (7).
أما [إِن] (8) ثبت وجوب اتباع الأمة في الفعل بدليل خاص، فالدليل ناسخ للعام.
واختار الآمدي (9): أنه لا وجه للخلاف في التخصيص بفعله؛ لأنه إِن وجب التأسي فنسخ، وإلا فلا تخصيص، قال: والأظهر الوقف؛ لأن دليل وجوب التأسي عام أيضاً، فتعارضا، فقيل له: الفعل مع أدلة التأسي أخص
__________
(1) انظر: المعتمد/ 391، والإِحكام للآمدى 2/ 329.
(2) انظر: المسودة / 125. وفي الوصول لابن برهان/ 31 ب: اختار أنه يخص، فقال: وعمدتنا أن فعل الرسول دليل معمول به، وهو أخص من اللفظ، فكان مقدما على اللفظ العام، فإنه متى تقابل دليلان -واحد الدليلين مصرح بالحكم، والدليل الآخر قد تناوله تناولا ظاهرًا- فالمصرح أولى.
(3) في (ب): وغيرها.
(4) يعني: تخصيصًا منهم، فقالوا: نخصص دليل الاتباع العام.
(5) في الفعل.
(6) يعني: العام القولي، كقوله -مثلاً- كشف الفخذ حرام.
(7) انظر: المعتمد/ 391.
(8) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(9) انظر: الإحكام للآمدى 2/ 329 - 331.
(3/967)

من اللفظ العام (1)، فأجاب: لا دلالة للفعل على وجوب التأسي، والموجب (2) مساو للعام.
وسبق (3) الأشهر عن التميمي (4) من أصحابنا: لا يثبت فعله في حقنا (5).
وحكى القاضي (6) عنه منع نسخ القول به، وأجاز تخصيصه به.
وأجازهما القاضي (7)، وهو ظاهر كلام أحمد (8).
ومنع ابن عقيل (9) نسخ القول به؛ لأن دلالته دونه، واختاره بعض أصحابنا (10).
وسبق (11) كلام أبي الخطاب في تعارضهما.
__________
(1) نهاية 98 ب من (ظ).
(2) وهو: أدلة التأسي العامة.
(3) في ص 337، 347 من هذا الكتاب.
(4) وهو: أبو الحسن التميمي.
(5) فمدلول هذا: أنه لا يخص العموم بالفعل.
(6) انظر: العدة/ 838.
(7) انظر: المرجع السابق.
(8) انظر: المرجع السابق/ 573، 838.
(9) انظر: الواضح 2/ 270 ب، والمسودة/ 229.
(10) انظر: المسودة/ 229.
(11) في ص 360 - 361 من هذا الكتاب.
(3/968)

مسألة
تقريره عليه السلام ما فعل واحد من أمته بحضرته مخالفاً لعموم -ولم ينكره مع علمه- مخصِّص عند الجمهور، وهو أقرب من نسخه (1) مطلقًا أو عن فاعله.
لنا: دليل (2) جوازه، وإلا لوجب إِنكاره.
قالوا: التقرير لا صيغة له، فلا يقابل الصيغة.
رد: بجوازه (3) -زاد الآمدي (4): قطعا- فجاز تخصيصه.
ثم: قال في الروضة (5): "يعم غيره (6) "، على ما سبق (7).
وذكر الآمدي (8): إِن لم يفهم معنى لم يتعد؛ لعدم دليله (9)، وللجمع
__________
(1) نهاية 285 من (ح).
(2) يعني: التقرير دليل جوازه.
(3) يعني: جواز ما أقر الشخص عليه وإن كان لا صيغة له.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 332.
(5) انظر: روضة الناظر/ 248.
(6) يعني: ما أقر عليه واحداً من أمته يعم غيره.
(7) في ص: 862 وما بعدها.
(8) انظر: الإِحكام للآمدى 2/ 332.
(9) يعني: دليل التعدية، وهو القياس.
(3/969)

بينهما (1) -زاد غيره (2): (3) على المختار- وإن فُهِم معنى (4) فمثله مُشَارِكُه فيه (5)، ولو عم الأمة كان نسخاً لا تخصيصًا كما ظن بعضهم.
وقال غيره: يكون ناسخًا إِن جاز النسخ بالقياس.

مسألة
مذهب الصحابي يخص العموم إِن قيل: "هو حجة"، وإلا فلا في مذهب الأئمة الأربعة.
ومنعه بعض الشافعية (6) مطلقًا؛ لأنه يترك مذهبه للعموم، كترك ابن عمر المخابرة لخبر رافع.
وأجاب أصحابنا: لا يتركه إِلا لنص؛ لأن قوله عن دليل نص أو قياس -ويخص بهما العموم- أو عموم فالترجيح.
وخرج بعض أصحابنا (7) من الرجوع إِلى قوله مطلقًا -إِذا كان الراوي
__________
(1) يعني: بين العموم وبين ما أقر عليه.
(2) انظر: مختصر ابن الحاجب 2/ 151.
(3) نهاية 137 أمن (ب).
(4) قال: إِن أمكن تعقل معنى أوجب جواز مخالفة ذلك الواحد للعموم.
(5) يعني: في المعنى، بالقياس على ذلك الشخص عند من يرى جواز تخصيص العام بالقياس على محل التخصيص.
(6) انظر: اللمع/ 21.
(7) انظر: المسودة/ 128.
(3/970)

للخبر، وتَرَكه- مثله (1) هنا؛ لأنه إِنما يخالف لدليل فيخص، وِإلا فسق، فيجب الجمع.
رد: لدليل في ظنه يلزمه اتباعه لا غيره؛ بدليل صحابي آخر.
وقال بعض أصحابنا (2): يخصه إِن سمع العام وخالفه، وإلا فمحتمل.

وقد ترجم بعض أصحابنا وبعض الحنفية (3) وابن برهان (4) المسألة: هل يخص العموم بمذهب الراوي؟
مسألة
العادة (5) لا تخص العموم ولا تقيد المطلق -نحو: "حرمت الربا في
__________
(1) فيخص العموم.
(2) انظر: المسودة/ 127.
(3) انظر: أصول السرخسي 2/ 5، وكشف الأسرار 3/ 65.
(4) انظر: الوصول لابن برهان/ 35 ب، والمسودة/ 127.
(5) في التعريفات/ 63: العادة: ما استمر الناس عليه وعادوا إِليه مرة بعد أخرى. وفي التقرير والتحبير 1/ 282: هي الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية.
وفي التعريفات/ 63: العرف: ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول.
والعرف والعادة -في استعمالات الفقهاء- بمعنى واحد، ومنهم من خص العادة بالعرف العملي، والعرف بالعرف القولي، كابن الهمام في التحرير، انظر: تيسير التحرير 1/ 317. وقال صاحب التلويح 1/ 175: "أو عادة": يشمل العرف العام والخاص، وقد يفرق بينهما باستعمال العادة في الأفعال، والعرف في الأقوال.
(3/971)

الطعام" (1)، وعادتهم البر- عند أصحابنا والشافعية (2) والجمهور، خلافاً للحنفية (3) والمالكية (4)، ولهذا: لا نقض بنادر (5) عند المالكية (6)، قصرًا للغائط على المعتاد، وذكره (7) القاضي في مواضع؛ فقال في النقض بالنوم (8): "المراد به النوم المعتاد، وهو المضطجع؛ لأنه المعقول من قولك: نام فلان" وقاله -أيضًا- بعض أصحابنا (9)، وقال: إِن (10) كتب القاضي التي في الفقه على هذا، وأنه ذكر في الوصية لأقاربه وبعض مسائل الأيمان: أن العام يخص بعادة المتكلم وغيره في الفعل (11).
وجه الأول: العموم (12) لغة (13) وعرفا، والأصل عدم مخصِّص.
__________
(1) انظر: ص 1244 من هذا الكتاب.
(2) انظر: اللمع/ 22، والبرهان 446، والمستصفى 2/ 111، والمحصول 1/ 3/ 198، والإِحكام للآمدي 2/ 334.
(3) انظر: تيسير التحرير 1/ 317، وفواتح الرحموت 1/ 345.
(4) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 211. وقد ذكر القرافي في المسألة تفصيلاً.
(5) مثل: الدم والدود والحصاة التي لا أذى عليها.
(6) انظر: الكافي لابن عبد البر/ 145.
(7) يعني: التخصيص بالعادة.
(8) نهاية 286 من (ح).
(9) انظر: المسودة/ 123 - 124.
(10) ضرب على (ان) في (ظ).
(11) يعني: لا في الخطاب.
(12) يعني: اللفظ عام لغة وعرفا.
(13) نهاية 137 ب من (ب).
(3/972)

قالوا: المراد ظاهر عرفًا، فيخصص (1) (*) به (2) كالدابة (3).
رد: بما سبق (4)، فلم يتخصص الاسم، فلو تخصص كالدابة اختص به، فهو تخصيص بالنسبة إِلى اللغة بعرف قولي، والأول بعرف فعلي.
ومنه مسألة من حلف "لا يأكل رأسا وبيضا" -قاله بعض أصحابنا (5)، قال: وكذا لحمًا- هل يحنث بمحرم غير (6) معتاد؟ على وجهين. كذا قال، والمعروف حنثه.
وفي الفقه مثل هذه مسائل مختلفة، فيتوجه القول بأن هذه المسألة في عرف الشارع، وكلام المكلف يعمل فيه بعرفه أو عرف خاص أو عام (7) -ولهذا قيل للقاضي في تعليقه في الطلاق قبل النكاح: "ليس مطلقا؛ بدليل ما لو علّق عتق عبده بطلاقها، فعلّقه، لم يعتق"، فقال: لفظ الحالف يحمل
__________
(1) لم تنقط هذه الكلمة في (ح) و (ظ). وكانت في (ب): (فتخصص) ثم حولت إِلى: (فيخصص).
(*) نهاية 99 أمن (ظ).
(2) يعين: بالعرف.
(3) خصت بالعرف بذوات الأربع.
(4) من أن اللفظ عام لغة وعرفا.
(5) انظر: المسودة/ 125.
(6) في (ب): غيره.
(7) كتب -هنا- في (ح): (أو أن تلك المسائل من العرف القولي، ولهذا لا يحنث في مذهب الأئمة الثلاثة برأس كل مأكول وبيضه).=
(3/973)

على المستعمل المعهود، وهو الإِيقاع (1) والوقوع، ولفظ الشارع يحمل على العموم فيهما، ولو حرم الله أكل الرؤوس عم، وعندهم (2): لا يحنث إِلا بأكل رؤوس الأنعام- أو أن تلك المسائل من العرف القولي (3)، ولهذا لا يحنث في مذهب الأئمة الثلاثة (4) برأس (5) كل مأكول وبيضه.
قال بعض أصحابنا (6): ومثل المسألة قصر الحكم على المعتاد زمنه عليه السلام، ومنه قصر أحمد لنهيه - عليه السلام - عن البول في الماء الدائم، على غير المصانع المحدثة، وله نظائر. كذا قال، وفيه نظر؛ للعلم بأنه لم يرد كل ماء، فلم يخالف الأصحاب أحمد في هذا، وقال أيضًا -لما قيل له: اليمين بالطلاق حدثت بعد الشارع، فلم يتناولها كلامه- فقال: يتناولها.
__________
=وهو موجود فيها -أيضاً- بنفس ترتيب الكلام في النسختين الأخريين، فتكرر. وكأن أحد قراء النسخة نقله -هنا- لطول الفصل.
(1) كذا في النسخ. ولعلها: لا الوقوع.
(2) يعني: يحمل لفظ المكلفين الحالفين على المستعمل المعهود.
(3) فيخصص العام.
(4) انظر: الهداية 2/ 81، وبدائع الصنائع/ 1698، والكافي لابن عبد البر/ 451، والمهذب 2/ 134.
(5) يعني: لا يعم اليمين كل الرؤوس، بل يختص ببعضها.
(6) انظر: المسودة/ 125.
(3/974)

مسألة
العام لا يخص بمقصوده عند الجمهور -لما سبق- خلافاً لعبد (1) الوهاب وغيره من المالكية (2) وغيرهم.
وقال صاحب المحرر (3): "المتبادر إِلى الفهم (4) من لمس (5) النساء ما يقصد منهن غالبًا من الشهوة، ثم: لو عمت خصت به"، وخَصَّه حفيده (6) -أيضًا- بالمقصود، وكذا قاله في آية المواريث (7): مقصودها بيان مقدار (8) أنصباء المذكورين إِذا كانوا ورثة، وقوله: (وأحل الله
__________
(1) نهاية 287 من (ح).
(2) انظر: المسودة/ 132.
(3) في (ب): المحرز.
(4) نهاية 138أمن (ب).
(5) في سورة المائدة: آية 6.
(6) وهو: شيخ الإِسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي الحنبلي، كان واسع العلم محيطًا بالفنون والمعارف النقلية والعقلية، صالحًا تقيًا مجاهدًا، توفي سنة 728 ه.
من مؤلفاته: مجموع الفتاوى، ومنهاج السنة النبوية، ودرء تعارض العقل والنقل، ورفع الملام عن الأئمة الأعلام.
انظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/ 387، وفوات الوفيات 1/ 62، والبدر الطالع 1/ 63.
(7) سورة النساء: الآيتان 11، 12.
(8) في (ب): مقداره.
(3/975)

البيع) (1) قصده الفرق بينه وبين الربا، و: (فيما سقت السماء العشر (2)) قصده ما يجب فيه العشر ونصفه، وكذا قاله بعض أصحابنا، فلا يحتج (3) بعموم ذلك.

مسألة
إِذا وافق خاص عامًّا لم يخصصه في مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، خلافاً لأبي ثور (4)، كقوله: (أيما إِهاب دبغ فقد طهر) وقوله في شاة ميمونة: (دباغها طهورها) (5).
__________
(1) سورة البقرة: آية 275.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 126 من حديث ابن عمر مرفوعًا، ومسلم في صحيحه/ 675 من حديث جابر، وأبو داود في سننه 2/ 252 من حديث ابن عمر، والترمذي في سننه 2/ 75 - 76 من حديث أبي هريرة وابن عمر، والنسائي في سننه 5/ 41 - 42 من حديث ابن عمر وجابر، وابن ماجه في سننه/ 580 - 581 من حديث أبي هريرة وابن عمر.
(3) في (ب): فلا يجتمع.
(4) انظر: المحصول 1/ 3/ 195، والإِحكام للآمدي 2/ 335، والمسودة / 142.
(5) قول الرسول هذا: ورد مجردًا عن قصة شاة ميمونة، أخرجه مسلم في صحيحه/ 278، والدارمي في سننه 2/ 13، 171، والدارقطني في سننه 1/ 43 من حديث ابن عباس. وأخرجه الدارقطني -أيضًا- في سننه 1/ 44، 46، 48 من حديث عائشة وسلمة بن المحبق وزيد بن ثابت وابن عمر. وأخرجه أبو داود في سننه 4/ 369 من حديث سلمة بن المحبق، والنسائي في سننه 7/ 174 من حديث عائشة، وأحمد في مسنده 3/ 476، 6/ 155 من حديث سلمة بن المحبق وعائشة.=
(3/976)

لنا: لا تعارض، فيعمل بهما.
قالوا: المفهوم يخص العموم.
رد: لا مفهوم فيه، ثم: مفهوم لقب ليس بحجة، ثم: دلالة العموم أقوى (1) منه.

مسألة
رجوع الضمير إِلى بعض العام المتقدم لا يخصصه عند أصحابنا وأكثر
__________
=وفي التعليق المغني على الدارقطني 1/ 43: وجزم الرافعي وبعض أهل الأصول أن هذا اللفظ ورد في شاة ميمونة، ولكن لم أقف على ذلك صريحًا مع قوة الاحتمال فيه؛ لكون الجميع -يقصد ما رواه الدارقطني في ذلك الموضع- من رواية ابن عباس. ا. ه. وقال العراقي في تخريج أحاديث المنهاج/ 293: "حديث: (دباغها طهورها)، قاله في شاة ميمونة" أبو بكر البزار في مسنده من حديث ابن عباس: ماتت شاة ميمونة. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير 1/ 50: وروى البزار والطبراني والبيهقي من حديث يعقوب بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس قال: ماتت شاة لميمونة، فقال رسول الله: (ألا استمتعتم بإِهابها؛ فإِن دباغ الأديم طهوره؟) وابن عطاء ضعفه يحيى بن معين وأبو زرعة. وانظر: المعتبر/ 60أوفيه: قال البزار: "لا نعلم رواه عن يعقوب عن أبيه عن ابن عباس إِلا شعبة". وهذا لا يضره؛ لأنه إِمام. نعم: العلة يعقوب، ضعفه أحمد وغيره، لكن ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وهو ممن يكتب حديثه. فحصل من هذا أنه حديث حسن.
(1) في (ب): أقوم.
(3/977)

الشافعية (1) وعبد الجبار وغيره من المعتزلة (2) -كقوله: (وبعولتهن) (3)، (إِلا أن (4) يعفون) (5)، (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) (6) - خلافاً للقاضي في الكفاية (7)، وذكره (8) هو (9) وأبو الخطاب (10) عن أحمد، لقوله (11) في رواية أبي طالب: "يأخذون بأول الآية ويدعون آخرها"، وقوله (12) في آية النجوى (13): "هو علمه؛ لقوله (14) في أولها
__________
(1) انظر: اللمع/ 22، والإِحكام للآمدي 2/ 336.
(2) انظر: المعتمد/ 306، والإِحكام للآمدي 2/ 336.
(3) سورة البقرة: آية 228.
(4) نهاية 99 ب من (ظ).
(5) سورة البقرة: آية 237.
(6) سورة الطلاق: آية 1.
(7) انظر: المسودة/ 138.
(8) في (ب): وذكر.
(9) انظر: العدة/ 614، والمسودة/ 138.
(10) انظر: التمهيد/ 68 ب، والمسودة/ 139.
(11) في (ب) و (ظ): كقوله.
(12) انظر: العدة/ 614، والمسودة/ 141.
(13) سورة المجادلة: آية 7.
(14) في (ظ): كقوله.
(3/978)

وآخرها (1) "، [وذكره (2) في الواضح (3) المذهب، وخَطَّأ من خالفه؛ لأنه أقرب من آية أخرى] (4).
وقال القاضي (5) -أيضًا-: إِنما قال ذلك (6) بدليل (7)، وعَضَّده بسياق الآية (8).
وللحنفية (9) القولان.
وتوقف أبو المعالي (10) وأبو الحسين (11) البصري.
وجه الأول (12): أن المظهر عام، والأصل بقاؤه، فلا يلزم من تخصيص المضمر تخصيصه.
__________
(1) في (ب): واخر لها.
(2) يعني: حمل العام على الخاص.
(3) انظر: الواضح 2/ 125 ب.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(5) انظر: العدة / 615.
(6) يعني: قوله: يأخذون بأول الآية ... إِلخ.
(7) دل على ذلك.
(8) ولم يقل ذلك لأنه يجب تخصيص أول الآية بآخرها.
(9) انظر: تيسير التحرير 1/ 320، وفواتح الرحموت 1/ 356.
(10) انظر: الإِحكام للآمدي 2/ 336.
(11) انظر: المعتمد/ 306.
(12) نهاية 138 ب من (ب).
(3/979)

قال: يلزم، وإلا لم يطابقه.
رد: لا يلزم، كرجوعه مظهرًا.
الوقف: تعارضا -كما سبق- ولا ترجيح.
رد: الأول أولى؛ لأن دلالة الظاهر على العموم أقوى من المضمر (1).

مسألة
يخص العام بالقياس عند أصحابنا والمالكية (2) وأكثر الشافعية (3) والأشعري (4) وأبي هاشم (5) وأبي الحسين (5) البصري.
ومنعه ابن حامد وجماعة من أصحابنا -قاله القاضي (6) - والجبائي (7) وبعض الشافعية (8).
__________
(1) نهاية 288 من (ح).
(2) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 98، وشرح تنقيح الفصول / 203، ومفتاح الوصول/ 60.
(3) انظر: اللمع / 21، والتبصرة/ 137، والمستصفى 2/ 122، والمحصول 1/ 3/ 148، والإِحكام للآمدي 2/ 337.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 337، وشرح ننقيح الفصول/ 203.
(5) انظر: المعتمد/ 811.
(6) انظر: العدة/ 562.
(7) انظر: المعتمد/ 811.
(8) انظر: التبصرة/ 138.
(3/980)

وأطلق القاضي في الكفاية (1) روايتين.
وأطلق أبو إِسحاق (2) من أصحابنا وجهين، ثم حكى عنه المنع وجوازه إِن كان المقيس عليه مُخْرجا من العموم، كقول بعضهم.
وعند الحنفية (3): إِن كان خُص بدليل مجمع عليه جاز.
جوزه ابن سريج (4) بقياس جلى، واختاره بعض أصحالنا (5).
وتوقف ابن الباقلاني (6) وأبو المعالي (7).
وجوزه الآمدي (8) إِن ثبتت العلة بنص أو إِجماع، زاد بعض من تبعه (9): أو كان الأصل مخصّصا (10)، أو ظهر ترجيح خاص للقياس.
__________
(1) انظر: المسودة/ 119.
(2) انظر: العدة/ 563، والمسودة/ 120.
(3) انظر: أصول السرخسي 1/ 141، وكشف الأسرار 1/ 294، وتيسير التحرير 1/ 321، وفواتح الرحموت 1/ 357.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 337.
(5) انظر: البلبل/ 109 - 110.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 337، والمنتهى لابن الحاجب/ 98.
(7) انظر: البرهان/ 429.
(8) انظر: الإحكام للآمدي 2/ 337.
(9) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 98، ومختصره 2/ 153.
(10) يعني: مخرجا عن العموم.
(3/981)

وكذا صرف ظاهر -غير عموم- إِلى احتمال مرجوح بقياس.
وجه الأول: أنه (1) خاص لا يحتمل التخصيص، وفيه جمع بينهما، فقُدِّم.
وادعى بعضهم إِجماع الصحابة، وليس كذلك.
وجه الثاني: لو قدم لقدم الأضعف، لما سبق (2) في تقديم خبر الواحد عليه (3).
رد: بما سبق، ثم: ذلك عند إِبطال أحدهما، والتخصيص إعمال لهما.
وألزم بعضهم (4) الخصم تخصيص الكتاب بالسنة، والمفهوم لهما.
قالوا وأجيب: بما سبق (5) في المفهوم (6).
وكاستصحاب الحال (7).
رد: بأنه دليل عند عدم دليل شرعي (8).
__________
(1) يعني: القياس.
(2) في ص 630.
(3) يعني: على القياس.
(4) انظر: المنتهى لابن الحاجب / 98.
(5) في ص 962.
(6) نهاية 139 أمن (ب).
(7) فقالوا: لم يخص به.
(8) فلهذا لم يخص به لوجود الدليل.
(3/982)

واقتصر في التمهيد (1) على أنه ليس دليلاً.
واحتج الحنفية: بما سبق (2) في خبر الواحد.
وجه الوقف: للتعارض.
رد: بما سبق، على أنه خلاف الإِجماع (3).
وجه الأخير: أن العلة كذلك (4) كنص خاص.
وللمخالف: المنع.
واستدل (5): المستنبطة مرجوحة أو مساوية -فلا تخصيص- أو راجحة، ووقوع واحد من اثنين (6) أقرب من واحد معين (7).
رد: بلزومه في كل تخصيص (8) (9).
__________
(1) انظر: التمهيد/ 63 ب.
(2) في ص 958، 961.
(3) لأنه إِحداث قول ثالث.
(4) يعني: إِذا ثبتت بنص أو إِجماع، أو كان الأصل مخرجاً ... إِلخ.
(5) على أن المستنبطة لا تخصص.
(6) وهما: كونها مرجوحة، وكونها مساوية.
(7) وهو كونها راجحة.
(8) وقد رجحتم الاحتمال الواحد فيها على الاحتمالين.
(9) نهاية 289 من (ح).
(3/983)

وبأنها راجحة (1) أو مساوية، والجمع أولى.

وهذه المسألة ونحوها ظنية؛ لأن أدلتها ظنية، قطعيهَ عند ابن الباقلاني (2)؛ للقطع بالعمل بالظن (3) الراجح.
مسألة
يخص العموم بقضايا الأعيان.
قال بعض أصحابنا (4): ويحتمل منعه على منعه بفعله عليه السلام - والخطاب له بلفظ يخصه، وكلام أحمد يحتمله في الحريم (5) للحِكَّة (6).
__________
(1) يعني: نجعل الاثنين: كونها راجحة، وكونها مساوية.
(2) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 99.
(3) نهاية 100 أمن (ظ).
(4) انظر: المسودة/ 118، 130.
(5) فقد ورد نهي الرسول عن لبس الحرير للرجال. أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 149 - 150، ومسلم في صحيحه/ 1635 وما بعدها من حديث جمع من الصحابة مرفوعًا. وأخرج البخاري في صحيحه 7/ 151، ومسلم في صحيحه/ 1646 عن أنس قال: رخص رسول الله للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير، لحكة كانت بهما.
(6) في (ب): للحكمة.
(3/984)

المطلق والمقيد
المطلق: لفظ دل على شائع في جنسه.
فتخرج المعرفة ب "شائع".
وقوله: "في جنسه" -أي: له أفراد يماثله كل واحد بعد حذف ما به صار فردًا- يخرج العام؛ فإِنه ليس له ذلك، لاستغراقه.
ودخل ما دل على الماهية من حيث هي، ونكرة لواحد غير معين.
وقيل: المطلق: نكرة في إِثبات، لا نحو: رأيت رجلاً (1).
* * *
والمقيد: بخلافه.
فالعام مقيد بالحد الأول.
ويطلق المقيد -أيضًا- على ما دل على مفهوم المطلق بصفة زائدة عليه ك: (ورقبة مؤمنة) (2)
* * *
__________
(1) لأنه لا يتصور الإِطلاق في معرض الخبر المتعلق بالماضي نحو هذا المثال ضرورة تَعَيّنه من إِسناد الرؤية إِليه.
(2) سورة النساء: آية 92.
(3/985)

وما ذكر في تخصيص العموم -من متفق عليه، ومختلف فيه، ومختار (1)، ومزيِّف- جارٍ في تقييد المطلق.

مسألة
إِذا ورد مطلق ومقيد:
فإِن اختلف حكمهما لم يحمل أحدهما على الآخر، قال في (2) العدة (3) والتمهيد (4) والواضح (5): كالخاص والعام، وفي الروضة (6): لأن القياس شرطه اتحاد الحكم.
قال الآمدي (7): لا يحمل بلا خلاف، إِلا في صورة نحو: "أعتق في الظهار رقبة"، [ثم] (8): "لا تعتق رقبة كافرة" بلا خلاف.
وسواء اتفق السبب -كالتتابع في الصيام، وإطلاق الإِطعام- أو اختلف كامره بالصيام متتابعا وبالصلاة مطلق، ولهذا عن أحمد (9) رواية: لا يحرم
__________
(1) في (ظ): ومجاز.
(2) نهاية 139 ب من (ب).
(3) انظر: العدة/ 636.
(4) انظر: التمهيد/ 69 ب.
(5) انظر: الواضح 2/ 1130.
(6) انظر: روضة الناظر/ 262.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 4.
(8) ما بين المعقوفتين من (ح).
(9) انظر: العدة/ 636.
(3/986)

وطء من ظاهر منها قبل تكفيره بالإِطعام، واختاره أبو بكر (1) وأبو إِسحاق (2) من أصحابنا، وأبو ثور (3)، واحتج بها القاضي (4) وأصحابه هنا.
ومذهب الأئمة الأربعة (5): يحرم، وقاسوه على العتق والصوم (6).
واحتج القاضي في تعليقه لهذا: يحمل المطلق على المقيد، وللذي قبله: بعكسه.
وادعى بعض متأخرى أصحابنا اتفاق الحكم هنا؛ لأنها أنواع الواجب، لا فَرْق إِلا الأسماء.
* * *
وإن لم يختلف حكمهما:
فإِن اتحد سببهما وكانا مثبتين -نحو: "أعتق في الظهار رقبة"، ثم قال: "أعتق رقبة مؤمنة"- حمل المطلق على المقيد عند الأئمة الأربعة، وذكره صاحب (7) المحرر إِجماعًا، وقال الآمدي (8): لا أعرف فيه خلافا.
__________
(1) العدة / 636.
(2) انظر: المرجع السابق/ 639.
(3) انظر: المغني 8/ 12.
(4) انظر: العدة/ 636.
(5) انظر: المغني 8/ 12، والهداية 2/ 17، 19، والكافي لابن عبد البر/ 606، 607، والأم 5/ 285، والمهذب 2/ 114.
(6) نهاية 290 من (ح).
(7) انظر: المسودة/ 146.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 4.
(3/987)

وقيل للماضي في تعليقه (1) -في خبر ابن عمر (2) -: أمر المحرم بقطع الخف، وأطلق في خبر ابن عباس (3)، فيحمل عليه، فقال: إِنما يحمل إِذا لم يمكن تأويله، وتأولنا (4) التقييد على الجواز (5)، وعلى أن المروذي قال: احتججت على أبي عبد الله بخبر ابن عمر هذا، وقلت: فيه زيادة، فقال: "هذا حديث وذاك حديث"، وظاهر هذا: أنه لم يحمل المطلق على (6) المقيد.
وأجاب في الانتصار: لا يحمل، نص (7) عليه في رواية المروذي، وإِن سلّمنا -على رواية- فإِذا لم يمكن التأويل.
وقيل له (8) - (9) في التحالف لاختلاف المتبايعين-: المراد: والسلعة قائمة؛ لقوله: (والسلعة قائمة). فقال: لا يحمل على وجه لنا.
__________
(1) انظر: التعليق الكبير للقاضي 4/ 112 - 113 مخطوط.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 137، ومسلم في صحيحه/ 834 مرفوعًا.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 16، ومسلم في صحيحه/ 835 مرفوعاً.
وانظر: في الموقف من الحديثين-: فتح الباري 3/ 403، 4/ 57.
(4) في (ظ): وتأويلنا.
(5) يعني: دون الإِيجاب.
(6) نهاية 140أمن (ب).
(7) في (ظ): النص.
(8) يعني: لأبي الخطاب.
(9) نهاية 100 من (ظ).
(3/988)

وللمالكية (1) خلاف [في حمله]. (2)
لنا: أنه عمل بالصريح واليقين (3)، مع الجمع بينهما (4).
فإِن قيل: الأمر بالإِيمان (5) للندب؛ لأجل المطلق.
رد: بما سبق (6).
.................
ثم: إِن كان المقيد آحادًا والمطلق تواترا: انبني على مسألة الزيادة: هل هي نسخ؟، وعلى النسخ للتواتر بالآحاد.
والمنع: قول الحنفية (7).
__________
(1) انظر: الإِشارات للباجي/ 42. وقد ذكر الطرطوشي: أن أصحابه اختلفوا في حمل المطلق على المقيد مع اتحاد السبب والحكم. فانظر: المسودة/ 147. وانظر -أيضًا-: شرح تنقيح الفصول/ 266 - 267.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(3) وهو المقيد.
(4) لأنه يلزم من العمل بالمقيد العمل بالمطلق.
(5) يعني: إِن قيل: يحمل: (رقبة مؤمنة) على الندب بقرينة المطلق.
(6) يعني: بأنه الصريح واليقين ... الخ.
(7) لأنهم يرون أن الزيادة نسخ -ويأتي في ص 1179 - ويمنعون نسخ التواتر بالآحاد. فانظر: أصول السرخسي 2/ 77، وفتح الغفار 2/ 134، والتلويح 2/ 36، وفواتح الرحموت 2/ 76، والمسودة/ 136.
(3/989)

والأشهر: أن المقيد بيان للمطلق لا نسخ له كتخصيص العام، وكما لا يكون تأخير المطلق نسخا للمقيد مع رفعه لتقييده، فكذا عكسه.
قال (1): فيكون المراد بالمطلق المقيد، فيكون مجازًا.
رد: بلزومه في تقييد الرقبة بالسلامة، وفيما إِذا تقدم المقيد؛ فإِنه بيان له عندهم (2).
وبأن المجاز أولى من النسخ (3).
* * *
وإن اتحد سببهما -وكانا نهيين نحو: "لا تعتق مكاتبا"، "لا تعتق مكاتبا كافراً"، أو "لا تكفر [بعتق] (4) "، "لا تكفر بعتق كافراً - فالمقيد (5) دل بالمفهوم.
قال أبو الخطاب (6): فمن لا يراه حجة -قال صاحب المحرر (7): أو لا يخص العموم- يعمل بمقتضى الإِطلاق، وإلا بالمقيد.
__________
(1) يعني: من قال: إِنه نسخ لا بيان.
(2) فيجب أن تكون دلالته عليه مجازا.
(3) نهاية 291 من (ح).
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(5) في (ح): فالقيد.
(6) انظر: التمهيد / 69 أ- ب.
(7) انظر: المسودة / 146.
(3/990)

واختار في الكفاية (1): يعمل بالمطلق؛ لأنه لا يخص الشيء بذكر بعض ما دخل تحته.
وذكر الآمدي (2): بالمقيد بلا خلاف.
قال بعض أصحابنا (3): والإِباحة والكراهة كالنهي، وفي الندب نظر.
* * *
وإِن اختلف سببهما، كالرقبة في الظهار والقتل:
فعن أحمد (4): يحمل عليه لغة -اختاره القاضي (4)، وقال: أكثر كلام أحمد عليه (5) - وروي عن مالك (6) وقاله بعض الشافعية (7)، لأن اللغة كقوله: (والذاكرات) (8) أي: لله، وقوله: (ولنبلونكم) إِلى قوله:
__________
(1) انظر: المسودة/ 146 - 147.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 5.
(3) انظر: المسودة/ 147.
(4) انظر: العدة/ 638.
(5) نهاية 140 ب من (ب).
(6) ذكر ابن نصر المالكي: أنه روي عن مالك ما يحتمل أن يكون أراد به أن المطلق يتقيد بنفس تقييد المقيد، ويحتمل أن يرد إِليه قياسًا، وذكر أن الصحيح عند أصحابه أنه يحمل عليه قياسًا. انظر: المسودة/ 145.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 5.
(8) سورة الأحزاب: آية 35.
(3/991)

(والأنفس والثمرات) (1) أي: بعضهما (2).
رد: للعطف، أو عدم استقلاله، أو لدليل.
وأيضًا: القرآن كالكمة الواحدة.
رد: إِن عني في عدم تناقضه فصحيح، أو في تقييده فالخلاف، وإلا لزم المحال.
وأيضًا: كخبرين عام وخاص في حكم واحد.
وأجاب في التمهيد (3): هما كمسألتنا.
وكذا قال القاضي (4) وابن عقيل (5): العام نحو: (فيما سقت السماء العشر)، والخاص (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (6) كالمطلق والمقيد على الخلاف.
وعن أحمد (7): قياسًا بجامع بينهما، واختاره أكثر أصحابنا
__________
(1) سورة البقرة: آية 155.
(2) في (ح) و (ظ): بعضها. أقول: لعل الصواب: نقصهما.
(3) انظر: التمهيد/ 70 أ.
(4) انظر: العدة/ 639 - 640.
(5) انظر: الواضح 2/ 130 ب.
(6) أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 107، ومسلم في صحيحه/ 674 من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا.
(7) انظر: المسودة/ 145.
(3/992)

والمالكية (1) وأكثر الشافعية (2)، كتخصيص العموم بالقياس على ما سبق (3)، واختاره الآمدي (4) وتبعه (5)، وأبو المعالى (6): الوقف.
وعن أحمد (7) رواية ثالثة: لا يحمل عليه -واختاره أبو إسحاق (8) وابن عقيل في فنونه، قال: لجواز قصد الباري للتفرقة لمعنى باطن أو ابتلاء- وقاله الحنفية (9)؛ لأنه رفع لمقتضاه بالقياس، وهو نسخ به،
__________
(1) سبق كلام ابن نصر المالكي قد هامش 6 من ص 991. وفي الإِشارات/ 41: فإِن تعلق بسببين مختلفين -نحو أن يقيد الرقبة في القتل بالإيمان ويطلقها في الظهار- فإِنه لا يحمل المطلق على المقيد عند أكثر أصحابنا إِلا بدليل يقتضي ذلك. وفي شرح تنقيح الفصول/ 267: الذي حكاه عبد الوهاب في الإِفادة والملخص عن المذهب: عدم الحمل إِلا القليل من أصحابنا. واختار ابن الحاجب في المنتهى/ 99: الحمل عليه قياسا. وذكر في نشر البنود 1/ 268: أن جل المالكية لا يحملون المطلق على المقيد مع اتحاد الحكم إِذا اختلف السبب.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 5.
(3) في ص 980.
(4) انظر: الإحكام للآمدى 3/ 7.
(5) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 99.
(6) انظر: البرهان/ 440.
(7) انظر: العدة/ 638.
(8) انظر: المرجع السابق/ 639.
(9) انظر: أصول السرخسي 1/ 267، وكشف الإصرار 2/ 287، وفواتح الرحموت 1/ 365، والتوضيح 1/ 63.
(3/993)

فلا يجوز (1)، وقد سبق (2).
* * *
وإن كان مقيدان (3) -كتتابع صوم (4) الظهار (5) وتفريق (6) صوم المتعة (7)، وقضاء رمضان (8) مطلق- فلا يحمل لغة بلا خلاف، وقياسا بجامع معتبر: الخلاف.
وحكى بعضهم عن أبي الخطاب: قياس قضاء رمضان على كفارة اليمين في التتابع أولى منه على المتعة في عدمه.
* * *
وقد عرف مما سبق دلالة المطلق وأنه كالعام في تناوله، وأطلقوا عليه "العموم" لكنه على البدل.
وسبق (9) في "إِن أكلت": هل يعم الزمان والمكان؟.
__________
(1) في (ح): ولا يجوز.
(2) انظر: ص 989 - 990. ويأتي النسخ بالقياس في ص 1160.
(3) في (ظ): (مقيدا) بعد أن مسحت النون.
(4) نهاية 292 من (ح).
(5) في سورة المجادلة: آية 4.
(6) نهاية 101 أمن (ظ).
(7) في سورة البقرة: آية 196.
(8) في سورة البقرة: آية 184.
(9) في ص 839.
(3/994)

وقيل للقاضي (1) -وقد احتج على القضاء في المسجد بقوله: (وأن احكم بينهم) (2) -: لا يدل على المكان (3)، فقال: هو أمر بالحكم في عموم الأمكنة والأزمنة إِلا ما خصه الدليل.
وقال في التمهيد (4): المطلق مشتمل على جميع صفات الشيء وأحواله.
وأجاب في المغني (5) -لمن احتج بآية القصاص (6) والسرقة (7) والزنا (8) في الملتجىء إِلى الحرم-: الأمر بذلك مطلق في الأمكنة (9) والأزمنة يتناول مكانا (10) ضرورة إِقامته، فيمكن في غير الحرم، ثم: لو عم خُصّ (11).
والمعروف في كلامه وكلام غيره هو الثاني.
__________
(1) انظر المسودة: 98.
(2) سورة المائدة: آية 49.
(3) نهاية 141 أمن (ب).
(4) انظر: التمهيد/ 70أ.
(5) انظر: المغني 9/ 101، 102، 103.
(6) سورة البقرة: آية 178.
(7) سورة المائدة: آية 38.
(8) سورة النور: آية 2.
(9) في (ح): في الأزمنة والأمكنة.
(10) يعني: غير معين.
(11) بنحو: (ومن دخله كان آمنا) سورة آل عمران: آية 97.
(3/995)

وسبق (1) كلام بعض أصحابنا في "إِن أكلت"، وفيه: أن المطلق تناول أفراده على البدل لزومًا عقليًا، وأوصاف الرقبة لم يدل عليها لفظها بنفي ولا إِثبات، فإِيجاب الإِيمان إِيجاب لما لم يوجبه اللفظ ولم ينفه، فلو قال: "أعط هذا لفقير (2) "، ثم قال: "لا تعطه كافرا" فلا تنافي، ولو قال: "أعطه أي فقير كان"، ثم قال: "لا تعطه كافرا" تنافيا؛ لقصده ثبوت الحكم لكل فرد، والمطلق قصد ثبوته للمعنى العام، فإِذا شرط فيه شرطًا لم يتنافيا، وقال -أيضًا-: التقييد زيادة حكم، والتخصيص نقص، فلو كان بعد المطلق جاز بخبر الواحد، وحمله -لجهل التاريخ- على التأخر أولى.

مسألة
قال بعض أصحابنا (3) وغيرهم: المطلق من الأسماء (4) يتناول الكامل من المسميات في إِثبات لا نفي كالماء والرقبة، وعقد النكاح الخالي عن وطء يدخل في قوله: (ولا تنكحوا) (5)، لا (6): (حتى تنكح) (7).
__________
(1) في ص 840.
(2) في (ح) و (ظ): الفقير.
(3) انظر: المسودة/ 99.
(4) نهاية 293 من (ح).
(5) سورة البقرة: آية 221.
(6) في (ح) و (ظ): الا.
(7) سورة البقرة: آية 230.
(3/996)

ولو حلف: "لا (1) يتزوج" حنث بمجرد العقد عند الأئمة الأربعة (2).
ولو حلف: "ليتزوجن" يبر (3) بمجرده عند أحمد (4) ومالك.
وكذا قال بعض أصحابنا: الواجبات المطلقة تقضي السلامة من العيب في عرف (5) الشارع؛ بدليل الإِطعام في الكفارة (6)، والزكاة.
وصرح القاضي وابن عقيل وغيرهما: أن إِطلاق الرقبة في الكفارة يقتضي الصحة، بدليل المبيع وغيره.
وسبق خلافه من كلام الآمدي (7) وغيره، وكذا لابن (8) عقيل (9) في الزيادة على النص.
وحكي عن داود (10): أنه جوز عتق كل رقبة، لإِطلاق اللفظ، وسلّمه
__________
(1) في (ب): ولا يتزوج.
(2) انظر: المغني 9/ 528، والهداية 2/ 89، وبدائع الصنائع/ 1755، والكافي لابن عبد البر/ 449، والمهذب 2/ 138.
(3) في (ح) و (ب): لم يحنث. وقد كانت في (ظ) كذلك، ثم غيرت.
(4) انظر: المغني 9/ 528، والكافي لابن عبد البر/ 449.
(5) في (ب): عرق.
(6) نهاية 141 ب من (ب).
(7) انظر: ص 720، والإِحكام للآمدي 3/ 7.
(8) في (ح): ابن.
(9) انظر: الواضح 2/ 251أ- ب.
(10) انظر: المغني 8/ 22، والمحلى 6/ 290.
(3/997)

في المغني (1) وغيره، وقيدوه قياسًا على الإِطلاق (2)، واختار (3) في "ليتزوجن": يحنث (4) بالعقد كالنفي؛ لأن المسمى واحد، فما تناوله النفي تناوله الإِثبات (5).
أما المعاملة -كالبيع- فإِطلاق الدرهم مختص بعرفها. والله أعلم.
__________
(1) انظر: المغني 8/ 22.
(2) فإنه لا يجزء أن يطعم مسوسا ولا عفنا.
(3) انظر: المغني 9/ 528.
(4) كذا في النسخ. ولعلها: يبر. فانظرك المغني.
(5) نهاية 101 ب من (ظ).
(3/998)

المجمل
هو لغة (1): المجموع -من: أجملت الحساب- وقيل: أو المبهم.
واصطلاحاً: [ما] (2) لم تتضح دلالته.
وفي التمهيد (3): ما أفاد جملة من الأشياء.
وفي العدة (4): ما لا يعرف معناه من لفظه.
وفي الروضة (5): ما لا يفهم منه عند الإِطلاق معنى، قال: وقيل: ما احتمل أمرين لا مزية لأحدهما، مثل: المشترك.
وقيل: ما لا يعرف المراد منه إِلا ببيان غير اجتهادي.
فيخرج "المشترك"؛ لجواز التأويل باجتهاد (6)، وما أريد مجازه، للنظر في الوضع (7) والعلاقة.
وقيل: لفظ لا يفهم منه عند إِطلاقه شيء.
__________
(1) انظر: الصحاح/ 1662، ومعجم مقاييس اللغة 1/ 481.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(3) انظر: التمهيد / 76 ب.
(4) انظر: العدة/ 143.
(5) انظر: روضة الناظر/ 180.
(6) في (ح): باجتهاده.
(7) في (ب) و (ظ): الموضع.
(3/999)

ونقض طرده: بالمهمل والمستحيل، وعكسه: بجواز فهم أحد محامله كقوله: (وآتوا حقه) (1)، وقيامه - عليه السلام - من الثانية ولم يتشهد (2)، لاحتمال جوازه وسهوه (3).
* * *
والإِجمال يكون في مفرد ك "القرء" (4) و"العين" و"المختار" يصلح فاعلاً ومفعولاً.
وفي مركب، كقوله: (أو يعفو (5)) (6).
وفي مرجع الضمير، نحو: ضرب زيد عمرًا وأكرمني.
ومرجع الصفة، نحو: "زيد طبيب (7) ماهر"، ف "ماهر" صفة ل "طبيب " أو لصفة أخرى.
وفي تعدد المجاز عند تعذر الحقيقة.
__________
(1) سورة الأنعام: آية 141.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 161 - 162، ومسلم في صحيحه/ 399 من حديث عبد الله بن بعينة مرفوعاً.
(3) فتقييد حد المجمل ب "اللفظ" يخرجه عن كونه جامعًا؛ لأن الإِجمال يعم الأقوال والأفعال.
(4) نهاية 294 من (ح).
(5) سورة البقرة: آية 237.
(6) فهو متردد بين الزوج والولي.
(7) في (ح): للطبيب.
(3/1000)

والعام المخصوص بمجهول.
والمستثنى المجهول (1)، نحو: (إِلا ما يتلى عليكم) (2).
والصفة المجهولة، نحو: (محصنين) موجِب للإِجمال في: (وأحل لكم) (3).
قال في الروضة (4) وغيرها: والواو للعطف والابتداء، و"مِنْ" لمعان.

مسألة
لا إِجمال في إِضافة التحريم إِلى الأعيان -نحو: (حرمت عليكم الميتة) (5) و (أمهاتكم) (6) - خلافا لأكثر الحنفية (7) -الكرخي (8) وغيره- ولأبي عبد الله البصري (9).
__________
(1) نهاية 142 أمن (ب).
(2) سورة المائدة: آية 1.
(3) سورة النساء: آية 24.
(4) انظر: روضة الناظر/ 181.
(5) سورة المائدة: آية 3.
(6) سورة النساء: آية 23.
(7) ذكر في تيسير التحرير 1/ 661، وفواتح الرحموت 2/ 33: أن المختار: لا إِجمال. ونقل -فيهما- القول بالإجمال عن الكرخي. وانظر: أصول السرخسي 1/ 195، وكشف الأسرار 2/ 106.
(8) انظر: تيسير التحرير 1/ 166، وفواتح الرحموت/ 332.
(9) انظر: المعتمد/ 333.
(3/1001)

ثم: هو عام عند ابن عقيل (1) والحلواني (2) وغيرهما من أصحابنا.
وقال (3) في التمهيد (4) والروضة (5) والمالكية (6) وجماعة من المعتزلة (7): ينصرف إِطلاقه في كل عين إِلى المقصود اللائق بها؛ لأنه متبادر لغة (8) وعرفا.
وللشافعية (9) وجهان.
وذكر أبو الطيب (10) -منهم- العموم عن قوم من الحنفية.
وللقاضي (11): الأقوال الثلاثة.
__________
(1) انظر: الواضح 2/ 191، والمسودة/ 95.
(2) انظر: المسودة/ 95.
(3) في (ح): قال.
(4) النظر: التمهيد/ 77 أ.
(5) انظر: روضة الناظر/ 181.
(6) انظر: المنهاج للباجي/ 103، والمنتهى لابن الحاجب/ 100، وشرح تنقيح الفصول/ 275، ومفتاح الوصول/ 39.
(7) انظر: المعتمد/ 333.
(8) في (ح): أو عرفا.
(9) انظر: اللمع/ 30، والتبصرة/ 201، والمحصول 1/ 3/ 241، والإِحكام للآمدي 3/ 12.
(10) انظر: المسودة/ 95.
(11) انظر: العدة/ 106، 145، والتمهيد/ 76 ب، والمسودة/ 94 - 95.
(3/1002)

واختار أبو الفرج المقدسي: الإِجمال.
وحكى القاضي (1) عن أبي الحسن التميمي: أن وصف الأعيان بالحل والحظر مجاز، كما قاله البصري (2).
قالوا: التحريم إِنما يتعلق بأفعال مقدورة، والأعيان غير مقدورة، فلا بد من إِضمار للضرورة، والمضمر لها يتقدر بقدرها، فلا يضمر الجميع، ولا أولوية لبعضه.
رد: بوصف العين بالحل والحظر حقيقة، فهي محظورة علينا ومباحة كوصفها بطهارة ونجاسة وطيب وخبث، فالعموم في لفظ التحريم (3)، اختاره بعض أصحابنا (4) وغيرهم.
ثم: بمنع الحاجة إِلى الإِضمار مع تبادر الفهم.
ثم: يضمر الجميع؛ لأن الإِضمار واقع إجماعاً (5)، بخلاف الإِجمال، وأكثر وقوعا منه، ولإِضماره (6) في قوله: (لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم، فَجَمَلوها، فباعوها) (7)،
__________
(1) انظر: العدة/ 518، والمسودة/ 93.
(2) وهو أبو عبد الله البصري.
(3) نهاية 295 من (ح).
(4) انظر: المسودة/ 93.
(5) نهاية 102 أمن (ظ).
(6) يعني: إِضمار الجميع.
(7) أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 170، ومسلم في صحيحه/ 1207 من حديث ابن عباس مرفوعًا
(3/1003)

وإلا (1) لما لعنهم ببيعها، ولو كان الإِجمال أولى منه (2) كان خلاف الأولى.
ثم: بعضه أولى بالعرف.

مسألة (3)
لا إِجمال في نحو: (وامسحوا برؤسكم) (4)، خلافا للحنفية -أو لبعضهم (5) -لتردده (6) بين مسح كله وبعضه، وبَيَّنه - عليه السلام - بفعله (7).
رد: بما يأتي.
ثم: حقيقة اللفظ مسح كله عند أحمد (8) ومالك (9) وأصحابهما وغيرهم؛ لأن الياء -لغة- زائدة لإِلصاق المسح به، وحقيقة الرأس كله،
__________
(1) يعني: لو لم يدل ذلك على إِضمار جميع التصرفات المتعلقة بالشحوم.
(2) يعني: من إِضمار الكل.
(3) نهاية 142 ب من (ب).
(4) سورة المائدة: آية 6.
(5) خالف بعض الحنفية في ذلك. فانظر: كشف الأسرار 1/ 83، 2/ 169، وتيسير التحرير 1/ 166، وفواتح الرحموت 2/ 35.
(6) في (ظ): كتردده.
(7) يعني: مسح على ناصيته. انظر: حاشية التفتازاني على شرح العضد 2/ 159.
(8) انظر: المغني: 1/ 93.
(9) انظر: المدونة 1/ 16، والكافي لابن عبد البر/ 166 - 167، والمنتهى لابن الحاجب/ 101.
(3/1004)

كآية التيمم: (فامسحوا بوجوهكم) (1).
وعند الشافعي (2) وأصحابه: يكفي مسح بعضه -وللمعتزلة (3) القولان- لأنه العرف نحو: مسحت بالمنديل.
رد: لأنه آلة، والعمل بالآلة يكون ببعضها، بخلاف: مسحت بوجهي.
وأما "الباء للتبعيض" فلا يعرف لغة، وأنكره (4) أهلها، وعنهم يؤخذ، فلا يقال: "شهادة نفي"، والمثبِت عليه الدليل والأصل عدمه.
وقال أبو المعالي (5): هو (6) خلف (7) من الكلام.
وبعض الشافعية -واختاره صاحب المحصول (8) -: تفيد التبعيض إِذا دخلت على فعل يتعدَّى بدونها.
والتبعيض في: شربن بماء البحر (9) استفيد من القرينة، ك شربن ماء
__________
(1) سورة المائدة: آية 6.
(2) انظر: الأم 1/ 26، والمهذب 1/ 17، والإِحكام للآمدي 3/ 14.
(3) انظر: المعتمد/ 334، والإِحكام للآمدي 3/ 14.
(4) في (ب) و (ح): أنكره.
(5) انظر: البرهان/ 180.
(6) يعني: كونها للتبعيض.
(7) الخَلْف: الرديء من القول. انظر: لسان العرب 10/ 433.
(8) انظر: المحصول 1/ 1/ 532.
(9) هذا جزء من صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي في وصف السحاب، وهو:=
(3/1005)

البحر (*).

مسألة
لا إِجمال في (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) عند الجمهور.
وسبق في تحريم العين (1) ودلالة الإِضمار (2).

مسألة
لا إِجمال في نحو: (لا صلاة إِلا بطهور)، (إِلا بفاتحة الكتاب (3)، (لا
__________
=شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نثيج
وورد بروايات أخرى.
انظر نسبته إِليه في: شرح أشعار الهذليين 1/ 129، والخصائص 2/ 85، والتصريح 2/ 2، وخزانة الأدب 3/ 193، ولسان العرب 1/ 469 - 470. وأبو ذؤيب هو: خويلد بن خالد، شاعر جاهلي إِسلامي. انظر: الشعر والشعراء 2/ 653 تحقيق: أحمد شاكر.
(*) فالتبعيض مفهوم بدون الباء.
(1) في ص/ 100 وما بعدها.
(2) في ص 828 - 838.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 147 - 148، ومسلم في صحيحه/ 295 عن عبادة بن الصامت مرفوعًا: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
وأخرجه -باللفظ الذي ذكره المؤلف- ابن عدي في الكامل عن أبي سعيد مرفوعًا (انظر: نصب الراية 1/ 363)، والطبراني في كتابه مسند الشاميين عن عبادة مرفوعاً (انظر: نصب الراية 1/ 364، ومجمع الزوائد 2/ 115)، وأبو محمَّد الحارثي في مسنده عن أبي سعيد مرفوعًا. انظر: نصب الراية 1/ 367.
(3/1006)

نكاح إِلا بولي)، ويقتضي نفي الصحة عند أحمد ومالك (1) والشافعي (2) وأصحابهم، واختاره أبو المعالي (3).
وقيل: عام في نفي الموجود والحكم، خص الوجود بالعقل، قال أبو المعالي (4): قاله جمهور الفقهاء. كذا قال
وقيل: عام في نفي الصحة والكمال، وهو في كلام القاضي (5) -أيضًا وابن عقيل (6)؛ بناء على عموم المضمَر.
وعند بعض (7) الشافعية (8) والجبائية وابن الباقلاني (9) وأبي عبد الله البصري (10): مجمل، وقاله الحنفية أو بعضهم (11).
__________
(1) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 101، وشرح تنقيح الفصول/ 276.
(2) انظر: اللمع / 30، والتبصرة/ 203.
(3) انظر: البرهان/ 306.
(4) انظر: المرجع السابق/ 307.
(5) انظر: العدة/ 515، 517.
(6) انظر: الواضح 2/ 91 أ، 176 ب.
(7) نهاية 296 من (ح).
(8) انظر: التبصرة/ 203.
(9) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 17، والمنتهى لابن الحاجب/ 101.
(10) انظر: المعتمد/ 335.
(11) جاء في تيسير التحرير 1/ 681، وفواتح الرحموت 2/ 38: لا إِجمال فيه. ولم يذكرا لهم خلافا.
(3/1007)

وجه عدم الإِجمال: أنه (1) عرف (2) الشارع [فيه] (3) نفي الصحة، أي: لا عمل شرعي، وإن لم يثبت (4) فعرف اللغة نفي الفائدة نحو: "لا علم إِلا ما نفع"، ولو قدر عدمهما (5) -وأنه لا بد من إِضمار- فنفي الصحة أولى؛ لأنه يصير كالعدم، فهو أقرب إِلى الحقيقة المتعذرة، وليس هذا إِثباتًا للغة بالترجيح، بل إِثبات لأولوية أحد المجازات بعرف استعماله.
قال: العرف مختلف في الصحة والكمال.
رد: بالمنع، بل اختلف العلماء.
ثم: نفي الصحة أولى؛ لما سبق (6).
وقيل: بالإِجمال؛ لاقتضائه نفي العمل حسا. وهو ضعيف. (7)
* * *
ومثل المسألة (8): قوله - عليه السلام -: (إِنما الأعمال بالنية) ونحوه.
__________
(1) كذا في النسخ. ولعلها: أن.
(2) نهاية 143 أمن (ب).
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(4) يعني: وإن لم يثبت عرف الشارع ...
(5) يعني: عدم العرفين.
(6) من أنه أقرب إِلى نفي الذات.
(7) نهاية 102 ب من (ظ).
(8) انظر: التمهيد/ 77 ب، والمسودة/ 107، واللمع / 30، والتبصرة/ 203، والإحكام للآمدي 3/ 18.
(3/1008)

وفيه في التمهيد (1): أن نفيه يدل على عدمه وعدم إِجزائه.

مسألة
رفع إِجزاء الفعل نص، فلا ينصرف إِلى عدم إِجزاء الندب إِلا بدليل.

مسألة
نفي قبول الفعل يقتضي عدم الصحة، ذكره ابن عقيل (2) في مسألة "النهي للفساد"، قال: "وإنما يلزم من قال: الصلاة في الدار المغصوبة تصح ولا تقبل"، ثم حكى عن قوم: لا يمنع الصحة، لكنه لا ثواب.

مسألة
لا إِجمال في: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (3).
وعند بعض الأصوليين: لفظ "القطع" و"اليد" مجمل.
وفي التمهيد (4): قيل: مجمل فيهما، وقال قوم: لا.
وجه الأول: أن "اليد" إِلى المنكب حقيقة، وما دونه بعض اليد، ولهذا لما نزلت آية التيمم (5) تيممت الصحابة معه - عليه السلام - إِلى
__________
(1) انظر: التمهيد/ 77 ب.
(2) انظر: الواضح 2/ 40 ب، 41أ، 42أ.
(3) سورة المائدة: آية 38.
(4) انظر: التمهيد/ 77 ب.
(5) سورة المائدة: آية 6.
(3/1009)

المناكب (1).
و"القطع" حقيقة في إِبانة المتصل.
وأيضًا: لو كان مشتركًا (2) في الكوع والمرفق والمنكب لزم الإِجمال، والمجاز أولى منه على ما سبق (3).
واستدل: يحتمل الاشتراك والتواطو وحقيقة أحد هما (4)، ووقوع واحد من اثنين (5) أقرب من معين (6). (7)
رد: إِثبات لغة بالترجيح، وبنفي المجمل. وفيه نظر؛ لاختصاص هذا الدليل بلفظ أطلق (8) علي معان اختلف في ظهوره في بعضها.
__________
(1) أخرجه أبو داود في سننه 1/ 224 - 227، والنسائي في سننه 1/ 167 - 168، وابن ماجه في سننه/ 187، وأحمد في مسنده 4/ 263 - 264، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 110 وما بعدها، والبيهقي في السنن الكبرى 1/ 208 عن عمار بن ياسر.
وانظر: نصب الراية 1/ 155 - 156.
(2) نهاية 297 من (ح).
(3) في ص 86 من هذا الكتاب.
(4) ومجازية الآخر.
(5) وهما: التواطؤ، وحقيقة أحدهما.
(6) وهو: الاشتراك (الإِجمال).
(7) نهاية 143 ب من (ب).
(8) في (ظ): المطلق.
(3/1010)

قالوا: "اليد" للثلاث (1)، و"القطع" للإبانة والجرح، والأصل عدم مرجح.
رد: بظهوره بما سبق.
وسلم الآمدي (2): أن قطع السارق خلاف الظاهر، وأنه أولى من الإِجمال.
وفي التمهيد (3): قام الدليل عليه (4)، قال: ولأنه رجب حمله على أقل ما يقع عليه الاسم وهو الكف؛ لأن من أمر بفعل يقع على أشياء -والعقل يحظره- وجب فعل أقلها.
وسبق (5) خلافه في عموم جمع منكر.

مسألة
لا إِجمال في: (وأحل الله البيع) (6)، خلافا للحلواني (7) وبعض الشافعية (8)؛ لأن الله حكى عنهم (9): أنه (مثل الربا)، فاعتبر ما يميز
__________
(1) يعني: تطلق عليها.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 20.
(3) انظر: التمهيد/ 78 أ.
(4) يعني: على أنه من الكوع.
(5) في ص775.
(6) سورة البقرة: آية 275.
(7) انظر: المسودة/ 178.
(8) انظر: اللمع/ 29، والتبصرة/ 200.
(9) يعني: عن المشركين.
(3/1011)

بينهما.
رد (1): فرقوا بينهما في الاسم، وقالوا: هو مثله في المعنى.
واختلف كلام القاضي (2).
وعزي هذا الاختلاف إِلى الشافعي، قاله ابن برهان (3) وأبو المعالي (4) , وقال (5): كل بيع فيه زيادة فمجمل، وإلا (6) عام.
قال بعض أصحابنا (7): وكلام القاضي المذكور يوافقه.

مسألة
اللفظ لمعنى تارة ولمعنيين أخرى (8) -ولا ظهور- مجمل في ظاهر كلام أصحابنا، وقاله الغزالي (9) وجماعة.
__________
(1) يعني: فما احتججتم به فهو عليكم؛ لأنهم فرقوا ...
(2) انظر: العدة/ 110، 148، والتمهيد/ 78أ، والمسودة/ 178.
(3) انظر: المسودة/ 178.
(4) انظر: البرهان/ 422. وراجع: أحكام القرآن للشافعي 1/ 135.
(5) يعني: أبا المعالي.
(6) يعني: وإلا فاللفظ عام لجميع صور المبايعات.
(7) قال في المسودة/ 178: وكلام القاضي يوافق هذا؛ فإِنه قال: لما قال -وهم أهل اللسان-: (إِنما البيع مثل الربا) افتقر إِلى قرينة تفسره وتميز بينه وبين الربا. فانظر: لعدة/ 148 - 149.
(8) مثل: (الدابة) يراد بها الفرس تارة، والفرس والحمار أخرى.
(9) انظر: المستصفى 1/ 355.
(3/1012)

وقال الآمدي (1): ظاهر في المعنيين -وذكره قول الأكثر- لتكثير الفائدة.
رد: إِثبات لغة بالترجيح، ثم: الحقائق لمعنى واحد أكثر.
قال وأجيب: بما سبق (2) في "السارق" من (3) احتمال الاشتراك وغيره.

مسألة
ما له محمل (4) (5) لغة، ويمكن حمله على حكم شرعي -ك: (الطواف بالبيت صلاة) (6) يحتمل: كالصلاة حكماً، ويحتمل: أنه صلاة
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 21.
(2) في ص 1010.
(3) نهاية 298 من (ح).
(4) في (ظ): مجمل.
(5) نهاية 103أمن (ظ).
(6) أخرجه الترمذي في سننه 2/ 217، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 247)، والحاكم في المستدرك 1/ 459، 2/ 267 - وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد وفقه جماعة. ووافقه الذهبي - والبيهقي في سننه 5/ 85، 87، والدارمي في سننه 2/ 374 عن ابن عباس مرفوعًا. قال الترمذي: وقد روي عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعاً إِلا من حديث عطاء بن السائب.
وقد اختلف في رفع هذا الحديث ووقفه. فراجع: نصب الراية 3/ 57 - 58، والتلخيص الحبير 1/ 129 - 131.
(3/1013)

لغة؛ للدعاء فيه، وكقوله (1): (الاثنان جماعة) -لا إِجمال فيه عند أصحابنا والأكثر- خلافا للغزالي (2) -لأنه عليه السلام (3) بعث لتعريف الأحكام [لا اللغة] (4)، وفائدة التأسيس أولى.
قالوا: يصلح لهما، والأصل عدم النقل.
رد: بما سبق (5)

مسألة
ما له حقيقة لغة وشرعًا -كالصلاة- غير مجمل، وهو للشرعي عند صاحب التمهيد (6) والروضة (7) وغيرهما والحنفية (8)؛ لما في التي قبلها.
وظاهر كلام أحمد (9) -قال بعض (10) أصحابنا: بل نصه-: مجمل،
__________
(1) في (ب) و (ظ): كقوله.
(2) انظر: المستصفى 1/ 357.
(3) نهاية 144 أمن (ب).
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ). وفي (ب): لا للغة.
(5) من دليلنا. وانظر: ص 87 وما بعدها من هذا الكتاب.
(6) انظر: التمهيد/ 14 ب.
(7) انظر: روضة الناظر: 174.
(8) انظر: تيسير التحرير 1/ 172، وفواتح الرحموت 2/ 41.
(9) انظر: العدة/ 143.
(10) انظر: المسودة 1/ 177.
(3/1014)

وقاله الحلواني (1)، وحكي عن ابن عقيل (1)؛ لما في التي قبلها.
وللشافعية (2) وجهان.
واختلفكلام القاضي (3): فتارة بناه على إِثبات الحقيقة الشرعية -كابن عقيل (4) - وتارة قال بالإِجمال ولو أثبتها (5)، وفي جامعه الكبير: نفاها وجعله للشرعي، وقاله ابن عقيل في تقسيم الأدلة من الواضح (6)، وفيه -في آخر العموم (7) -: مجمل قبل البيان مفسر بعده.
والغزالي (8): في الإِثبات -مثل: (إِني إِذًا لصائم (9)) - للشرعي، وفي
__________
(1) انظر: المسودة/ 177.
(2) انظر: اللمع/ 30، والتبصرة/ 198، والإِحكام للآمدي 3/ 23.
(3) انظر: العدة/ 143، 259.
(4) انظر: المسودة/ 17.
(5) يعني: الحقيقة الشرعية.
(6) انظر: الواضح 1/ 125 أ.
(7) انظر: المرجع السابق 2/ 176 أ.
(8) انظر: المستصفى 1/ 359.
(9) أخرج مسلم في صحيحه/ 809 عن عائشة قالت: وقف علي النبي ذات يوم، فقال: (هل عندكم شيء؟) فقلنا: لا. قال: (فإِني إِذاً صائم). وأخرجه -عنها - أبو داود في سننه 2/ 824، والترمذي في سننه 2/ 1118 - 1119 وقال: حسن، والنسائي في سننه 4/ 193 وما بعدها، وابن ماجه في سننه/ 543.
(3/1015)

النهي -كصوم يوم النحر (1) - مجمل، لتعذُّر حمله على الشرعي، وإِلا لزم صحته.
رد: ليس معنى "الشرعي" الصحيح، وإلا لزم في قوله للحائض: (دعي الصلاة) الإِجمال.
والآمدي (2): كالغزالي، إِلا في النهي فلغوي، لتعذر الشرعي، للزوم صحته كبيع الحر (3) والخمر (4)، واللغوي أولى من الإِجمال.
رد: ليس معنى "الشرعي" الصحيح.
وبلزوم اللغوي في"دعي الصلاة"، وهو باطل.
فإن قيل: يعم المعنيين.
قيل: ظاهر في الشرعي.
__________
(1) النهي عن صوم يوم النحر: أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 42 - 43، ومسلم في صحيحه/ 799 - 800 من حديث عمر وأبي سعيد مرفوعًا.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 23.
(3) أخرج البخاري في صحيحه (انظر: فتح الباري 4/ 417) عن أبي هريرة عن النبي قال: (قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه ...) وأخرجه ابن ماجه في سننه/ 816، وأحمد في مسنده 2/ 358.
(4) النهي عن بيع الخمر: أخرجه البخاري في صحيحه (انظر: فتح الباري 4/ 313، 424)، ومسلم في صحيحه/ 1206 من حديث عائشة وجابر مرفوعًا.
(3/1016)

ثم: لم يقل (1) به أحد، قاله في التمهيد (2).
وفي الواضح (3) عن بعض الشافعية: عام. وأبطله: بأنه لم يُرَد به.
* * *
والأقوال (4) السابقة: في مجاز مشهور وحقيقة لغوية، وسبق معناه في كلام القاضي (5).
وإن لم يكن مشهورًا عمل بالحقيقة.
وفي اللامع (6) لأبي عبد الله بن حاتم (7) -تلميذ ابن الباقلاني-: اختلف فيه أصحابنا، فمنهم من قال: لا يصرف إِلى واحد منهما إِلا (8) بدليل.
__________
(1) يعني: بالعموم.
(2) انظر: التمهيد/ 81 أ.
(3) انظر: الواضح 2/ 176أ.
(4) نهاية 299 من (ح).
(5) انظر: ص 1015، 88 - 89 من هذا الكتاب.
(6) انظر: المسودة/ 565. واللامع: كتاب في أصول الفقه، ورد ذكره عدة مرات في المسودة.
(7) هو: الحسين بن حاتم الأزدي، أصولي أشعري، بعثه ابن الباقلاني من بغداد إِلى دمشق للوعظ والتذكير في مسائل التوحيد، فعقد مجلس التذكير في جامع دمشق، وأقام بها مدة، ثم توجه إِلى المغرب فنشر العلم بتلك الناحية، واستوطن القيروان إلى أن مات بها. من مؤلفاته: اللامع في أصول الفقه.
انظر: تبيين كذب المفترى/ 216، وكشف الظنون/ 1536.
(8) نهاية 144 ب من (ب).
(3/1017)

البيان
يطلق على [فعل] (1) المُبَيِّن وهو التبيين، وعلى الدليل، وعلى المدلول، فلهذا قال في العدة (2): إِظهار المعنى للمخاطب [وإيضاحه له] (3).
وفي التمهيد (4): إِظهار المعلوم للمخاطب منفصل (5) عما يشكل به (6).
ومعناه في الواضح (7)، ولم يقل: للمخاطب.
وقال الشافعي (8): اسم جامع لمعانٍ مجتمعة الأصول متشعبة الفروع، فأقل ما فيها (9) أنها بيان لمن خوطب، وبعضها آكد بيانا.
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب) و (ظ).
(2) انظر: العدة/ 100.
(3) ما بين المعقوفتين من (ح). وقد ورد في (ب) و (ظ) متأخرًا، وسأشير إِليه بعد قليل. وقد جاء في (ح) -بعد هذا-: (ومعناه في الواضح) إِلى قوله -في الصفحة التالية-: (هذبه)، ثم أتى: وفي التمهيد ...
(4) انظر: التمهيد/ 10 أ.
(5) كذا في النسخ. ولعل الصواب: منفصلاً.
(6) في (ب) و (ظ): عما يشكل به وإيضاحه له.
(7) انظر: الواضح 1/ 40أ.
(8) انظر: الرسالة/ 21.
(9) يعني: ما في تلك المعاني المجتمعة المتشعبة.
(3/1018)

ورد ابن عقيل (1) على من اعترض عليه -كابن داود (2) - وقال: الشافعي أبو هذا العلم وأول من هذبه.
وقال أبو بكر (3) (4) من أصحابنا وابن عقيل (5) -أيضًا- والصيرفي (6): إِخراج المعنى من حيّز الإِشكال إِلى حيّز التجَلّي.
ورده القاضي (7): بالبيان ابتداء.
ورده غيره: بالتجوزب "الحيز (8)، فإِنه حقيقة للجوهر لا للعَرَض.
وقال أبو عبد الله البصري (9) وغيره: العلم الحاصل عن دليل.
وقال الأكثر -منهم: أكثر المعتزلة (10) وأكثر الأشعرية (11) -: الدليل،
__________
(1) انظر: الواضح 1/ 40 أ- ب.
(2) انظر: العدة/ 103.
(3) انظر: المرجع السابق / 105.
(4) نهاية 103 ب من (ظ).
(5) انظر: الواضح 2/ 179 أ.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 25.
(7) انظر: العدة/ 105.
(8) في (ظ): بالخبر.
(9) في المعتمد/ 318: قال: هو العلم الحادث.
(10) انظر: المعتمد / 317.
(11) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 25.
(3/1019)

لصحة إِطلاقه عليه لغة وعرفا مع عدم ما سبق، والأصل الحقيقة، واختاره أبو الحسن التميمي (1) من أصحابنا، وزاد: المظهر للحكم.
ورده القاضي (2): بالمجمل.
وفي التمهيد (3): له (4) أن يقول: المجمل ليس دليلاً.
......................
والمبين: نقيض المجمل، مفرد أو مركب أو فعل.

مسألة
الفعل يكون بيانا عند العلماء.
ومنعه الكرخي (5) وبعض الشافعية (5).
لنا: أنه - عليه السلام - بين به الصلاة والحج، ولهذا قال: (صلوا كما رأيتموني [أصلي]) (6)، و (خذوا عني).
ولأنه أدل، ولهذا قال - عليه السلام -: (ليس الخبر كالمعاينة)، رواه
__________
(1) انظر: التمهيد/ 10 أ. وحكى في العدة/ 106 عنه: البيان هو الدلالة.
(2) انظر: العدة/ 106.
(3) انظر: التمهيد/ 10أ.
(4) في (ب): أنه.
(5) انظر: التبصرة/ 247.
(6) ما بين المعقوفتين من (ظ).
(3/1020)

أحمد (1) من حديث ابن عباس، والطبراني (2) من حديث أنس (3)، وقال -للسائل عن مواقيت الصلاة- (4): (صل (5) معنا هذين اليومين). رواه مسلم (6).
قال: الفعل يطول، فيتأخر البيان.
رد: بما سبق، ثم: لم يتأخر لشروعه فيه، ثم: قد يطول بالقول، ثم: الفعل أقوى (7)، ولم يتأخر عن وقت الحاجة.
__________
(1) انظر: المسند 1/ 215، 271. وأخرجه من حديث ابن عباس -أيضًا- ابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 510)، والحاكم في مستدركه 2/ 321 - وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص- والبزار في مسنده (انظر: كشف الأستار 1/ 111)، والطبراني في الكبير والأوسط. انظر: مجمع الزوائد 1/ 153.
(2) انظر: مجمع الزوائد 1/ 153 وفيه: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات.
(3) وانظر -عن الحديث-: مجمع الزوائد 1/ 153، والمقاصد الحسنة/ 351، وفيض القدير 5/ 357، وكشف الخفاء 2/ 236.
(4) نهاية 300 من (ح).
(5) في (ظ): صلى.
(6) من حديث بريدة. انظر: صحيح مسلم/ 428 - 429. وأخرجه الترمذي في سننه 1/ 102، وابن ماجه في سننه/ 219.
(7) نهاية 145 أمن (ب).
(3/1021)

مسألة
القول والفعل بعد المجمل: إِن اتفقا وعُرف أسبقهما فهو البيان، والثاني تأكيد.
وإن جهل فأحدهما.
وعند الآمدي (1): يتعين للتقديم غير الأرجح؛ لأن المرجوح لا يكون تأكيدًا، لعدم الفائدة.
رد: يجوز (2) بمرجوح مستقل.
وعند ابن عقيل (3): القول أولى؛ لدلالته بنفسه، وعمومها (4) لنا (5)، وبيانه عما في النفس.
وبعض الشافعية (6): مثله، وبعضهم: الفعل.
..............................
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 28.
(2) يعني: يجوز التأكيد.
(3) انظر: الواضح 2/ 209 ب- 211أ، لكن صدّر المسألة بقوله: إِذا تعارض القول والفعل في البيان فالقول أولى من الفعل.
(4) كذا في النسخ. ولعلها: (وعمومه) أي: عموم القول.
(5) في (ب) و (ظ): وعمومها ولنا بيانه ...
(6) انظر: التبصرة/ 249.
(3/1022)

وإن لم يتفقا -كما لو طاف عليه السلام بعد آية (1) الحج قارنًا
طوافين (2)، وأمر القارن بطواف واحد (3) - فقوله بيان، وفعله ندب أو واجب مختص به.
__________
(1) سورة الحج: آية 29.
(2) أخرج النسائي في سننه الكبرى -في مسند علي- عن حماد ابن عبد الرحمن الأنصاري عن إِبراهيم بن محمَّد الحنفية قال: طفت مع أبي -وقد جمع الحج والعمرة- فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وحدثني: أن عليًّا فعل ذلك، وقد حدّثه: أن رسول الله فعل ذلك. انظر: نصب الراية 3/ 110. وحماد ضعفه الأزدي، وذكره ابن حبان في الثقات. انظر: تهذيب التهذيب 3/ 18. وفي نصب الراية: قال بعض الحفاظ: هو مجهول، والحديث من أجله لا يصح.
وأخرج الدارقطني في سننه 2/ 258 عن ابن عمر: أنه جمع بين حجه وعمرته معا، فطاف لهما طوافين، وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله صنع كما صنعت. وأخرج الدارقطني -أيضًا- في سننه 2/ 263 عن علي: أن النبي كان قارنا، فطاف طوافين، وسعى سعيين. وأخرج -أيضاً- في سننه 2/ 264 عن ابن مسعود قال: طاف رسول الله لعمرته وحجته طوافين وسعى سعيين. وأخرج -أيضاً- في سننه 2/ 264 عن عمران بن حصين: أن النبي طاف طوافين، وسعى سعيين. وقد تكلم في أسانيد هذه الأحاديث، فراجع: سنن الدارقطني في المواضع السابقة، ونصب الراية 3/ 110 - 111.
(3) أخرج الترمذي في سننه 2/ 213 عن ابن عمر قال: قال رسول الله: (من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد حتى يحل منهما جميعًا). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح تفرد به الدراوردي على ذلك اللفظ، وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر ولم يرفعوه، وهو أصح. أ. ه. وأخرجه ابن ماجه في سننه/ 990، وأحمد في مسنده 2/ 67، والدارقطني في سننه 2/ 257.
(3/1023)

وعند أبي الحسين (1) البصري: المتقدم منهما بيان.
ويلزمه نسخ الفعل المتقدم؛ لوجوب الطوافين ورفع أحدهما بالقول المتأخر، مع إِمكان الجمع، وهو أولى من النسخ.

مسألة
يجوز عند أصحابنا والأكثر كون البيان أضعف.
واعتبر الكرخي (2) المساواة.
لنا: تبيين السنة لمجمل القرآن.
وسبق تخصيص العام (3) وتقييد المطلق (4).
ويعتبر كون المخصص والمقيد أقوى عند القائل به، وإلا لزمه تقديم الأضعف (5) أو التحكم (6).
واختار الآمدي (7) وغيره هذا التفصيل، وأحسبه اتفاقا.
..................
__________
(1) انظر: المعتمد/ 340.
(2) حكاه عنه الآمدي في الأحكام 3/ 31، وابن الحاجب في المنتهى/ 103.
(3) انظر: ص 957، 980.
(4) انظر: ص 989.
(5) عند كون المخصص أضعف.
(6) عند التساوي.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 31.
(3/1024)

ولا تعتبر مساواة البيان للمبين في الحكم (1) -قاله في التمهيد (2) وغيره- لتضمنه صفته، والزائد بدليل، خلافاً لقوم (3).

مسألة
لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، إِلا عند القائل بتكليف ما لا يطاق.
قال بعض أصحابنا (4): ولمصلحة (5) هو البيان الواجب أو المستحب، كتأخيره للأعرابي المسيء في صلاته إِلى ثالث مرة (6)، ولأنه إِنما يجب لخوف فوت الواجب المؤقت في وقته.
.......................
ويجوز تأخيره إِلى وقت الحاجة عند ابن (7) حامد (8) والقاضي (9) وابن
__________
(1) نهاية 104 أمن (ظ).
(2) انظر: التمهيد/ 85 ب.
(3) نهاية 301 من (ح).
(4) انظر: المسودة/ 181 - 182.
(5) يعني: وتأخيره لمصلحة ...
(6) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 154، ومسلم في صحيحه/ 298 من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
(7) نهاية 145 ب من (ب).
(8) انظر: العدة/ 725، والمسودة/ 178.
(9) انظر: العدة/ 726.
(3/1025)

عقيل (1) -وحكاه عن جمهور الفقهاء- وأبي الخطاب (2) والحلواني (3) وصاحب الروضة (4)، وذكره صاحب (5) المحرر عن أكثر الأصحاب، وقاله أكثر الشافعية (6) والأشعري (7) وأصحابه.
ومنعه أبو بكر (8) وأبو الحسن (9) التميمي (10) من أصحابنا وداود (11) وأصحابه وأكثر المعتزلة (12) وبعض الشافعية (13).
ولأحمد (14) روايتان.
__________
(1) انظر: الواضح 2/ 178 ب.
(2) انظر: التمهيد / 86أ.
(3) انظر: المسودة/ 178.
(4) انظر: روضة الناظر/ 186.
(5) انظر: المسودة/ 178.
(6) انظر: اللمع/ 31، والتبصرة/ 207، والإِحكام للآمدي 3/ 32.
(7) انظر: البرهان/ 166، والمستصفى 1/ 368.
(8) انظر: العدة/ 725.
(9) في (ظ): وأبو الحسين.
(10) انظر: العدة/ 725.
(11) انظر: الأحكام لابن حزم/ 94، والعدة/ 726.
(12) انظر: المعتمد/ 342، واللمع/ 31.
(13) انظر: اللمع/ 31، والتبصرة/ 207، والإحكام للآمدي 3/ 32.
(14) انظر: العدة/ 725، والمسودة/ 178.
(3/1026)

وللحنفية (1) والمالكية (2) القولان.
ومنعه أكثر الحنفية وبعض الشافعية (3) في غير المجمل.
وأبو الحسين (4): مثله، إِلا أنه منع تأخير بيانه (5) إِجمالاً (6) نحو: هذا العموم مخصوص، والمطلق مقيد، والحكم سَيُنسخ.
ومنعه بعض الشافعية (7) في المجمل فقط.
ومنعه الجبائي (8) وابنه في غير النسخ.
ومنعه قوم في الخبر فقط، وقوم: بالعكس.
لنا: (فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) (9)، ثم بَيَّن -عليه
__________
(1) انظر: أصول السرخسي 2/ 28، وكشف الأسرار 3/ 108، وتيسير التحرير 3/ 174، وفواتح الرحموت 2/ 49.
(2) ذكر ابن الحاجب في المنتهى/ 103، والقرافي في شرح تنقيح الفصول/ 282: الجواز.
(3) انظر: التبصرة/ 207.
(4) انظر: المعتمد/ 343.
(5) يعني: بيان غير المجمل.
(6) وأجاز تأخير بيانه التفصيلي.
(7) انظر: التبصرة/ 208، والتمهيد للأسنوي/ 423.
(8) انظر: المعتمد/ 342.
(9) سورة الأنفال: آية 41.
(3/1027)

السلام- في الصحيحين: "أن السلَب للقاتل (1) "، ولأحمد وأبي داود بإِسناد حسن: "أنه لم يخمسه (2) ".
ولما أعطى بني المطلب (3) مع (4) بني هاشم (5) من سهم ذي القربى -ومنع بني نوفل (6) وبني عبد شمس (7) - سُئِل، فقال: (بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد)، رواه البخاري (8)، ولأحمد وأبي (9) داود والنسائي (10) بإِسناد صحيح: (إِنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إِسلام).
__________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 92، ومسلم في صحيحه/ 1370، 1371 من حديث أبي قتادة مرفوعًا.
(2) أخرجه أحمد في مسنده 4/ 90، 6/ 26، وأبو داود في سننه 3/ 165 عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد مرفوعاً.
(3) ابن عبد مناف بن قصي. انظر: كتاب نسب قريش/ 92.
(4) في (ب): معي.
(5) ابن عبد مناف بن قصي. انظر: المرجع السابق/ 15.
(6) ابن عبد مناف بن قصي. انظر: المرجع السابق/ 197.
(7) ابن عبد مناف بن قصي. انظر: المرجع السابق/ 97.
(8) من حديث جبير بن مطعم مرفوعًا. فانظر: صحيح البخاري 4/ 91. وأخرجه أبو داود في سننه 3/ 382، والنسائي في سننه 7/ 130، وابن ماجه في سننه 961.
(9) في (ب): ولأبي.
(10) انظر: مسند أحمد 4/ 81، وسنن أبي داود 3/ 383 - 384، وسنن النسائي 7/ 131. وراجع: نصب الراية 3/ 425 - 426.
(3/1028)

ولم (1) ينقل بيان إِجمالي مقارن، ولو كان نُقِل، والأصل عدمه.
وكذا الحجة من إِطلاق الأمر بالصلاة والزكاة والحج والجهاد، ثم بَيَّن ذلك.
وكذا بيع ونكاح وميراث وسرقة، وكل عموم قرآن وسنة.
وفي الصحيحين (2) -من حديث عائشة-: أن جبريل قال للنبي -عليهما السلام-: اقرأ، قال: (ما أنا بقارئ)، وكرر ثلاثاً، ثم قال: (اقرأ باسم ربك) (3).
واعترض: هذه الأوامر ظاهرها متروك؛ لتأخير البيان عن وقت الخطاب وهو وقت الحاجة إِن كان للفور، أو (4) للتراخي (5): فالفعل (6) جائز في الوقت الثاني، فيمتنع تأخيره عنه.
__________
(1) نهاية 302 من (ح).
(2) انظر: صحيح البخاري 1/ 3، وصحيح مسلم / 139 وما بعدها.
(3) سورة العلق: آية 1.
(4) نهاية 146 أمن (ب).
(5) في (ح): التراخي.
(6) يعني: فإِن الوجوب يتراخى دون الجواز، بل جواز الفعل يثبت بالفور، فإِن أحداً لم يقل بوجوب التأخير، والجواز -أيضًا- حكم يحتاج إِلى البيان كما يحتاج الوجوب إِليه لا فرق بينهما في ذلك، فيمتنع تأخيره -أيضاً- لأنه تأخير عن وقت الحاجة. انظر: شرح العضد 2/ 164.
(3/1029)

رد: الأمر -قبل بيان المأمور به- لا يجب به [شيء (1)] (2)، وهو كثير عرفا كقول السيد: "افعلْ" فقط.
واحتج في التمهيد (3) وغيره: بقصة ابن الزبعري، وسبقت -هي والاعتراض فيها- في العموم (4).
واعترض: بأنه خبر واحد، والمسألة علمية.
وجوابه: المنع، مع أنه متلقَّى بالقبول.
وأيضًا: لو امتنع لكان لعدم البيان (5)، وليس بمانع بدليل النسخ.
واعترض: بما يأتي (6).
فإِن قيل: يعتبر الإِشعار بالناسخ.
رد: بالمنع، وبأنه خلاف الواقع.
واستدل: بقوله: (أن تذبحوا بقرة) (7)، والمراد: "معينة"؛ بدليل
__________
(1) لا بالفور ولا بالتراخي.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(3) انظر: التمهيد/ 86 ب.
(4) انظر: ص 761 وما بعدها.
(5) نهاية 104 ب من (ظ).
(6) من الفرق بين تأخير بيان المجمل وبيان النسخ، ويأتي في أدلة القائل بمنع تأخير بيان المجمل.
(7) سورة البقرة: آية 67.
(3/1030)

تعيينها بسؤالهم المتأخر عن الأمر بذبحها، وبدليل أنهم لم يؤمروا بمتجدد، وبدليل مطابقة الأمور بها لما ذبح.
رد: بمنع التعيين، فلم يتأخر بيان، لتأخيره (1) عن وقت الحاجة لفورية الأمر، وبدليل (بقرة) والنكرة غير معينة ظاهراً، وبدليل قول المفسرين (2): "لو ذبحوا أي بقرة أجزأت"، وروي نحوه عن ابن عباس (3)، وبدليل أن من طلب البيان لا يُعَنَّف، وعَنَّفه بقوله: (وما كادوا يفعلون) (4).
واستدل: لو امتنع لكان لذاته أو لغيره بضرورةٍ أو نظرٍ، وهما منتفيان.
رد: لو جاز إِلى آخره.
واستدل: لو (5) امتنع لامتنع مع زمن قصير، وبعد جمل معطوفة، وبكلام طويل.
رد: لأنه ليس مُعْرِضا عن كلامه الأول، فهو كجملة (6)، وإِنما يجوز بكلام طويل للمصلحة.
__________
(1) يعني: تأخير البيان.
(2) انظر: تفسير الطبري 2/ 182 ط: دار المعارف.
(3) أخرجه -عنه- الطبري في تفسيره 2/ 204، 206. وانظر: تفسير القرطبي 1/ 448، وتفسير ابن كثير 1/ 100، والمعتبر/ 64 ب- 65 ب، والدر المنثور 1/ 77، وفتح القدير 1/ 110.
(4) سورة البقرة: آية 71.
(5) نهاية 303 من (ح).
(6) وأيضاً: الجمل المعطوفة كجملة.
(3/1031)

واحتج ابن عقيل (1): بأن المسألة أولى من تجويز خطاب المعدوم.
القائل بمنع تأخير سمان الظاهر: لو جاز لكان إِلى مدة معينة، وهو تحكم لا قائل به، أو إِلى الأبد، فيلزم التجهيل، لعمل المكلف أبدًا بعام أريد به الخاص.
رد: إلى مدة معينة عند الله (2)، وهو وقت وجوب العمل على المكلف وقت الحاجة، وقبله لا عمل له بل هو مجرد اعتقاد، فلا يمتنع، بدليل النسخ.
قالوا: لو جاز لكان الشارع مفهماً بخطابه، لاستلزامه (3) الإِفهام، وظاهره يوقع في الجهل؛ لأنه غير مراد، وباطنه لا طريق إِليه.
رد: يجرى الدليل في النسخ، لظهوره في الدوام (4).
وبأنه أريد إِفهام الظاهر مع تجويز التخصيص عند الحاجة، فلا يلزم شيء (5).
واعترض: التخصيص يوجب شكاً في كل شخص: هل هو مراد من العام؟ بخلاف النسخ.
رد: يوجبه على البدل، وفي النسخ يوجبه في الجميع، لاحتمال الموت
__________
(1) انظر: الواضح 2/ 182 ب-183 أ.
(2) نهاية 146 ب من (ب).
(3) يعني: لاستلزام الخطاب الإِفهام.
(4) مع أنه غير مراد.
(5) من الجهالة والإِحالة.
(3/1032)

قبل وقت العبادة المستقبلة، فهو أولى (1).
القائل بمنع تأخير بيان المجمل: لأنه يُخِل بفعل العبادة في وقتها للجهل بصفتها، بخلاف النسخ.
رد: وقتها وقت بيانها.
قال: لو جاز (2) لجاز الخطاب بالمهمل، ثم يبيّنه؛ لأنه لا يُفهم منهما شيء.
رد: المجمل مخاطب بأحد معانيه، فيطيع ويعصي بالعزم، والمهمل لا يفيد شيئًا.
ولأصحابنا منع وتسليم في جواز خطاب فارسي بعربية، لعدم الفائدة، أو لعلمه أنه أراد منه شيئًا سيبيّنه، ولهذا خاطبهم -عليه السلام- بالقرآن (3). (4)

مسألة
يجوز -على المنع (5) - تأخير إِسماع المخصص الموجود عندنا وعند عامة العلماء.
__________
(1) يعني: فالنسخ أولى بالمنع.
(2) يعني: تأخير بيان المجمل.
(3) في (ظ): في القرآن.
(4) نهاية 105 أمن (ظ)، ونهاية 304 من (ح).
(5) وعلى الجواز أولى.
(3/1033)

ومنعه أبو الهذيل (1) (2) والجبائي، ووافقا على المخصص العقلي.
لنا: يحتمل سماعه (3) بخلاف المعدوم (4).
وسمعت فاطمة: (يوصيكم الله في أولادكم) (5)، ولم تسمع المخصص (6).
وسمع الصحابة الأمر بقتل الكفار (7) إِلى الجزية، ولم يأخذ عمر الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف: أنه -عليه (8) السلام - أخذ ها منهم. رواه البخاري (9).
__________
(1) هو: محمَّد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العلاف العبدي، من أئمة المعتزلة، وتنسب إِليه فرقة (الهذلية) منهم، توفي سنة 235 ه.
انظر: فرق وطبقات المعتزلة/ 54، والفرق بين الفرق/ 102، ونكت الهميان/ 277.
(2) انظر: المعتمد/ 360.
(3) يعني: سماع المخصص الموجود.
(4) وقد جاز مع العدم.
(5) سورة النساء: آية 11.
(6) وهو قول الرسول: (لا نورث ما تركناه صدقة). فقد أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 79، ومسلم في صحيحه / 1380 عن عائشة: أن فاطمة بنت الرسول سألت أبا بكر بعد وفاة الرسول أن يقسم لها ميراثها، فقال لها أبو بكر: إِن رسول الله قال: (لا نورث ما تركناه صدقة).
(7) في سورة التوبة: آية 29.
(8) نهاية 147 أمن (ب).
(9) انظر: ص 505 من هذا الكتاب.
(3/1034)

وروى مالك (1) في الموطأ والشافعي (2) عنه عن جعفر (3) بن محمَّد عن أبيه (4): أن عمر ذكرهم، فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فشهد عبد الرحمن بأنه - عليه السلام - قال: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب). منقطع (5).
__________
(1) انظر: الموطأ/ 278.
(2) انظر: بدائع المنن 2/ 126.
(3) هو: أبو عبد الله جعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الصادق المدني، روى عن أبيه ومحمد بن المنكدر والزهري وغيرهم، وعنه شعبة والسفيانان وأبو حنيفة وغيرهم، توفي سنة 148 ه عن 68 عامًا. قال الشافعي وابن معين وأبو حاتم: ثقة. انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 87، وميزان الاعتدال 1/ 414، وتهذيب التهذيب 2/ 103.
(4) هو: أبو جعفر محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الباقر، روى عن أبيه والحسن بن علي -جده لأمه- والحسين جده لأبيه وغيرهم، وعنه ابنه جعفر والزهري والأوزاعي وغيرهم، توفي سنة 114 ه. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العجلي: ثقة.
انظر: تهذيب التهذيب 9/ 350، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 352.
(5) لأن أبا جعفر لم يلق عمر ولا عبد الرحمن؛ لأنه ولد بعد وفاتهما. انظر: تهذيب التهذيب 9/ 351.
وقال ابن حجر في فتح البارى 6/ 261: وهذا منقطع مع ثقة رجاله، ورواه ابن المنذر والدارقطني في "الغرائب" من طريق أبي علي الحنفي عن مالك، فزاد فيه: "عن جده"، وهو منقطع -أيضًا- لأن جده علي بن الحسين لم يلحق عبد الرحمن بن عوف ولا عمر، فإِن كان الضمير في "جده" يعود على محمَّد بن علي فيكون=
(3/1035)

مسألة
يجوز -على المنع- تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - تبليغ الحكم إِلى وقت الحاجة عند القاضي (1) والمالكية (2) والمعتزلة (3) وأبي المعالي (4) -وذكره الآمدي (5) قول المحققين- خلافاً لبعضهم؛ لأنه لا يلزم منه محال، والأصل الجواز عقلاً، والأمر بالتبليغ (6) -بعد تسليم أنه للوجوب والفور- المراد به القرآن؛ لأنه المفهوم من لفظ "المُنزَل".
ومنعه أبو الخطاب (7) وابن عقيل (8) مطلقًا؛ لأنه يُخِل أن لا يعتقد المكلف شيئًا، وهو إِهمال، بخلاف تأخير البيان، ولهذا يجوز تأخير النسخ لا تبليغ المنسوخ.
__________
=متصلاً؛ لأن جده -الحسين بن علي- سمع من عمر ومن عبد الرحمن، وله شاهد من حديث مسلم بن العلاء بن الحضرمي، أخرجه الطبراني بلفظ: (سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب).
(1) انظر: العدة/ 732.
(2) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 105، وشرح تنقيح الفصول/ 285.
(3) انظر: المعتمد/ 341.
(4) انظر: البرهان/ 166، والمسودة/ 180.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 48.
(6) قال تعالى: (يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إِليك من ربك) سورة المائدة: آية 67.
(7) انظر: التمهيد/ 85 ب.
(8) انظر: الواضح 2/ 190 أ- ب.
(3/1036)

مسألة
يجوز -على الجواز- التدريج في البيان عندنا وعند المحققين، لوقوعه (1)، والأصل عدم مانع.
قالوا: تخصيص بعض بذكره يوهم نفي غيره ووجوب استعمال اللفظ في الباقي، وهو تجهيل للمكلف (2).
رد: بذكر العام بلا مخصص (3).

مسألة
هل يجب اعتقاد العموم والعمل به قبل أن يبحث فلا يجد ما يخصه؟ فيه روايتان عن أحمد (4):
__________
(1) فقد قال تعالى: (فاقتلوا المشركين) سورة التوبة: آية 5، ثم بين خروج الذمي والعبد والمرأة بالتدريج، فقد أخرج البخاري في صحيحه (انظر: فتح الباري 6/ 269) عن ابن عمرو: أن النبي قال: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة). وأخرج البخاري في صحيحه (انظر: فتح الباري 6/ 148)، ومسلم في صحيحه/ 1364 عن ابن عمر: (أن امرأة وجدت في بعض مغازي الرسول مقتولة، فأنكر رسول الله قتل النساء والصبيان). وأخرج أبو داود في سننه 3/ 121 - 122، وابن ماجه في سننه/ 948 عن رباح بن ربيع: أنه - عليه السلام - بعث رجلاً لخالد بن الوليد، وقال: (قل لخالد: لا يقتلن امرأة ولا عسيفًا).
(2) نهاية 305 من (ح).
(3) فإِنه يوهم الاستعمال في الجميع.
(4) انظر: العدة/ 525.
(3/1037)

الوجوب: قول أبي بكر (1) والقاضي (2) وابن عقيل (3) وصاحب الروضة (4) من أصحابنا والصيرفي (5) الشافعي والسرخسي (6) الحنفي.
والمنع: قول أبي الخطاب (7) والحلواني (8) وغيرهما من أصحابنا وأكثر الشافعية (9)، وذكره بعضهم إِجماعًا.
وذكر الآمدي (10) عن الصيرفي: يجب اعتقاد عمومه جزمًا (11) قبله (12)، وهو خطأ؛ لاحتمال إِرادة خصوصه، قال: ولا نعرف خلافاً في امتناع العمل به قبل بحثه عن مخصص.
وقال الجرجاني (13): إِن سمعه منه - عليه السلام - على طريق تعليم
__________
(1) انظر: العدة/ 526.
(2) انظر: المرجع السابق/ 528.
(3) انظر: الواضح 2/ 94 ب- 95 أ.
(4) انظر: روضة الناظر/ 242.
(5) انظر: اللمع/ 16.
(6) هو: أبو سفيان. فانظر: العدة/ 528، والمسودة/ 109.
(7) انظر: التمهيد / 57أ.
(8) انظر: المسودة/ 109.
(9) انظر: اللمع/ 16.
(10) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 50.
(11) نهاية 147 ب من (ب).
(12) يعني: قبل ظهور المخصص.
(13) انظر: العدة/ 527، والمسودة/ 109.
(3/1038)

الحكم وجب اعتقاد عمومه في الحال، وإلا فلا؛ لمنع تأخير (1) بيان التخصيص منه (2).
رد: يجوز (3)، ثم: الراوي عنه مثله.
وجه الأول: الموجب للاستغراق لفظ العموم، والمخصص معارض، والأصل عدمه.
أجاب بعض أصحابنا (4): لكن النفي لا يحكم به قبل البحث.
وأجاب في التمهيد (5): إِنما يفيده بشرط تجرده عن مخصص، وما نعلمه (6) إِلا أن نبحث فلا نجده.
وكذلك [قال] (7) بعض أصحابنا (8): عدم المخصِّص شرط في العموم أو هو (9) من باب المعارض؟ فيه قولان، كما في تخصيص العلة (10).
__________
(1) في (ب) و (ظ): لمنع بيان تأخير التخصيص منه.
(2) يعني: من الرسول.
(3) يعني: يجوز تأخير البيان.
(4) انظر: المسودة/ 112.
(5) انظر: التمهيد/ 57أ.
(6) نهاية 105 ب من (ظ).
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(8) انظر: المسودة / 113.
(9) يعني: المخصص.
(10) غيرت في (ب) و (ظ) إِلى: العام.
(3/1039)

ثم ذكر القاضي (1): اللفظ الدال على العموم هو المجرد عن قرينة، فلا يوجد إِلا وهو قال عليه، وإنما يدل على الخصوص بقرينة.
ثم ذكر -أيضًا (2) -: الموجب للعموم قصد المتكلم، فيكفي في الخصوص عدم قصد العموم، أو يقال: الموجب للخصوص قصد المتكلم، فيكفي في العموم عدم قصد الخصوص.
كلام القاضي (3) يقتضي: أن اللفقالا يتصف في نفسه بعموم ولا خصوص إِلا بقصد المتكلم.
قال (3): وهذا جيد، فيفرق بين إِرادة عدم الصورة المخصوصة أو عدم إِرادتها. كذا قال
[وأيضاً] (4): كما يجب حمله على عموم الزمان وإن جاز نسخه في بعضه.
أجاب في التمهيد (5): ما يخص الأعيان يرد معه وقبله، فيجب البحث، والنسخ لا يرد إِلا بعد ورود الصيغة، فلا يجب، كما لا يتوقف فيمن ثبتت عدالته حتى يرد عليه الفسق.
__________
(1) انظر: العدة / 507.
(2) في الكفاية. فانظر: المسودة/ 114.
(3) انظر: المسودة/ 115.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(5) انظر: التمهيد/ 57 ب.
(3/1040)

قال بعض أصحابنا (1): فيه نظر بعد (2) النبي - صلى الله عليه وسلم -، لِتَقَدُّم معرفة الناسخ والمنسوخ على الفتوى.
وقال (3) ابن عقيل (4): النسخ قد يخفى عن البعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يلزمه التوقف وإن [كان] (5) ذلك لا يفوت أصل العمل عن ورود النسخ.
واحتج القاضي (6) بأسماء الحقائق، وذكر عن خصمه منعًا وتسليمًا.
واحتج ابن عقيل (7) -وفي الروضة (8) -: بها، وبالأمر والنهي.
وقال بعض أصحابنا (9): يجب أن نقول: "جميع الظواهر كالعموم"، وكلام أحمد في مطلق الظاهر من غير فرق.
وكذا جزم به الآمدي (10) وغيره.
__________
(1) انظر: المسودة/ 110.
(2) نهاية 148 أمن (ب).
(3) نهاية 306 من (ح).
(4) انظر: الواضح 2/ 95أ، ب- 96 أ.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(6) انظر: العدة/ 528 - 529.
(7) انظر: الواضح 2/ 95أ، ب.
(8) انظر: روضة الناظر/ 243.
(9) انظر: المسودة / 110.
(10) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 51.
(3/1041)

وفي التمهيد (1): جميع ذلك كمسألتنا، وإن سلمنا أسماء الحقائق فقط فلأن لفظ العموم حقيقة فيه ما لم نجد مخصصا وحقيقة فيه وفي الخصوص (2).
وأيضاً: لا يلزمه طلب ما لا يعلمه كطلب: هل بحث الله رسولاً؟
وأجاب في التمهيد (3): يلزمه (4)، كما يلزمه هنا طلب المخصص في بلده.
قيل له: فلو ضاق الوقت عن طلبه (5).
فقال: الأشبه: يلزمه العمل بالعموم، وإلا لما أسمعه الله إِيّاه قبل تمكنه من المعرفة بالمخصِّص؛ لأنه وقت الحاجة إِلى البيان.
قال: ويحتمل: لا يعمل حتى يطلبه؛ كمجتهد ضاق وقت اجتهاده، لا يقلِّد غيره.
* * *
وظاهر كلام أصحابنا -وقاله الأكثر-: يكفي بحثٌ يظن معه انتفاؤه.
واعتبر ابن الباقلاني (6) وجماعة: القطع.
__________
(1) انظر: التمهيد/ 57 أ.
(2) وأسماء الحقائق لا تستعمل في غيرها إِلا مجازاً.
(3) انظر: التمهيد/ 89 أ- ب.
(4) يعني: في بلده.
(5) يعني: طلب المخصص.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 50، والمنتهى لابن الحاجب/ 106.
(3/1042)

لنا: لا طريق إِليه، فشَرْطه يبطل العمل بالعموم.
قالوا: ما كثر البحث بين العلماء فيه (1) يفيد القطع عادة، وإلا فبحث المجتهد يفيده لاستحالة أن لا ينصب الله عليه دليلاً ويبلغه للمكلف.
رد الأول: بمنع الاطلاع عليه (2)، (3) ثم: لو اطلع بعضهم فنقله غير قاطع.
والثاني: بمنع نصب دليل (4) ولزوم الاطلاع (5) ونقله، وقد يجد مخصِّصا (6) يرجع به عن العموم، ولو قَطَع لم يرجع (7).
__________
(1) يعني: ولم يوجد مخصص.
(2) مع وجوده.
(3) نهاية 148 ب من (ب).
(4) يعني: وإن سلمنا فلا نسلم لزوم الاطلاع.
(5) يعني: وبتقدير ذلك لا نسلم لزوم نقله.
(6) نهاية 106أمن (ظ).
(7) نهاية 307 من (ح).
(3/1043)

الظاهر والتأويل
الظاهر لغة (1): الواضح.
واصطلاحاً: ما دل دلالة ظنية وضعًا -كأسد- أو عرفًا كغائط.
* * *
والتأويل لغة (2): من "آل يؤول" أي: رجع، كقوله: (وابتغاء تأويله) (3) (4).
واصطلاحًا: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح.
فإِن أردت التأويل الصحيح زدْتَ: بدليل يصيّره راجحًا على مدلوله الظاهر.
وحَدّه الغزالي (5) -وفي الروضة (6) -: احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من الظاهر.
__________
(1) انظر: معجم مقاييس اللغة 3/ 471.
(2) انظر: معجم مقاييس اللغة 1/ 159 - 162.
(3) سورة آل عمران: آية 7.
(4) أي: ما يؤول إليه.
(5) انظر: المستصفى 1/ 387.
(6) انظر: روضة الناظر/ 178.
(3/1044)

ويرد: أن الاحتمال شرط التأويل لا نفسه.
وليس بجامع، لخروج تأويل مقطوع به.
* * *
ثم: الاحتمال المرجوح: إِن قرب التأويل ترجَّح بأدنى مرجِّح، وإن بَعْدَ افتقر إِلى الأقوى، وإن تعذر رُدَّ.
فمن التأويل البعيد: تأويل الحنفية (1) قوله - عليه السلام - لغيلان بن سلمة -وقد أسلم على عشر نسوة (2) -: (اختر (3) -وفي لفظ: (أمسك (4) - (منهن أربعًا، وفارق سائرهن) على ابتداء النكاح أو إِمساك الأوائل؛ لأن (5) الفرقة لو وقعت (6) بالإسلام لم يخيره (7)، والمتبادر من
__________
(1) انظر: تيسير التحرير 1/ 145، وفواتح الرحموت 2/ 31.
(2) انظر: ص 564، 801، 802 من هذا الكتاب.
(3) أخرجه -بهذا اللفظ- ابن ماجه في سننه/ 628، والحاكم في المستدرك 2/ 192، والبيهقي في سننه 7/ 149، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 311) من حديث ابن عمر.
(4) أخرجه -بهذا اللفظ- الشافعي (انظر: بدائع المنن 2/ 351)، والبيهقي في سننه 7/ 181 من حديث ابن عمر.
(5) هذا وجه البعد.
(6) في (ب): وقت.
(7) لتوقف النكاح على رضا الزوجة.
(3/1045)

"الإِمساك" الاستدامة (1)، والسؤال وقع عنه (2)، وحصر التزويج فيهن، ولم يبين له شروط النكاح مع الحاجة لقرب إِسلامه، ولم ينقل تجديد نكاح، وروى الشافعي (3) أنه قاله لمن أسلم على خمس نسوة، قال: فعمدت إِلى أقدمهن عندي ففارقتها (4).
وأبعد من هذا: تأويلهم (5) ما روي من قوله لفيروز الديلمي -وقد أسلم على أختين-: (اختر (6) أيتهما شئت) (7)؛ لقوله (8): (أيتهما (9).
ومنه: تأويلهم (10) في: (فإِطعام ستين مسكينًا) (11) أي: إِطعام
__________
(1) دون التجديد.
(2) يعني: عن "الإِمساك" بمعنى: الاستدامة، لا بمعنى تجديد النكاح.
(3) أخرج الشافعي (انظر: بدائع المنن 2/ 351)، والبيهقي في سننه 7/ 184 عن نوفل بن معاوية الديلمي قال: أسلمت وتحتي خمس نسوة، فسألت النبي، فقال: (فارق واحدة وأمسك أربعًا)، فعمدت ...
(4) فهذا يرد إِمساك الأوائل.
(5) انظر: تيسير التحرير 1/ 145، وفواتح الرحموت 2/ 31.
(6) أخرجه أبو داود في سننه 2/ 678، والترمذي في سننه 2/ 299 - وقال: حسن غريب- وابن ماجه في سننه/ 627، والبيهقي في سننه 7/ 184 - 185، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 310) من حديث فيروز الديلمي مرفوعًا.
(7) نهاية 149أمن (ب).
(8) هذا وجه البعد.
(9) فدل على أن الترتيب غير معتبر.
(10) انظر: أصول السرخسي 1/ 239، وتيسير التحرير 1/ 146، وفواتح الرحموت 2/ 24.
(11) سورة المجادلة: آية 4.
(3/1046)

طعام ستين مسكينًا؛ لأن المقصود دفع (1) الحاجة، ودفع حاجة ستين كحاجة واحد في ستين يومًا، فجعلوا المعدوم -وهو: طعام- مذكرراً مفعولاً به، والمذكرر -قوله: (ستين) - معدومًا، لم يجعلوه مفعولاً، مع ظهور قصد (2) العدد لفضل الجماعة وبركتهم وتظافر قلوبهم على الدعاء للمحسن.
ومنلى: تأويلهم (3): (في أربعين شاة شاة) (4) أي: قيمة شاة كما
__________
(1) نهاية 308 من (ح).
(2) في (ب): قصهده. وفي (ظ): قصده.
(3) انظر: تيسير التحرير 1/ 146، وفواتح الرحموت 2/ 22.
(4) ورد في كتاب عمرو بن حزم الذي بعث به النبي معه إِلى أهل اليمن. أخرجه النسائي في الديات وأبو داود في مراسيله (راجع: نصب الراية 2/ 339)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 202 - 203)، والحاكم في مستدركه 1/ 395 - 342.
وورد في حديث ابن عمر مرفوعًا. أخرجه أبو داود في سننه 2/ 225، والترمذي في سننه 2/ 66 - 67 وقال: حسن، وابن ماجه في سننه/ 577 - 578، وابن أبي شيبة في مصنفه 3/ 131.
وورد في حديث علي -شك زهير أحد رواته في رفعه أخرجه أبو داود في سننه 2/ 228، والبيهقي في سننه 4/ 99. وانظر: نصب الراية 2/ 352.
وورد في حديث أنس مرفوعًا. أخرجه الطبراني في الأوسط. انظر: مجمع الزوائد 3/ 73، ونصب الراية 2/ 355 - 356.
(3/1047)

سبق (1)، وهو أبعد؛ لأنه يلزم أن لا تجب الشاة، وكل فرع استنبط من أصل يبطل ببطلانه.
ومنه: تأويلهم (2): (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إِذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل، فإِن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها) (3) على الصغيرة والأمة والكاتبة، و (باطل) لمصيره إِليه (4) غالبًا لاعتراض الولي إِن تزوتجما بغير كفء؛ لأنها (5) مالكة لبضعها فكان كبيع مالها. فالصغيرة (6) لا تسمى امرأة، ونكاحها موقوف (7) عندهم، ومهر الأمة للسيد، والمكاتبة
__________
(1) من أن المقصود دفع الحاجة.
(2) انظر: تيسير التحرير 1/ 147، وفواتح الرحموت 2/ 25.
(3) هذا الحديث روته عائشة مرفوعاً. أخرجه أبو داود في سننه 2/ 566 - 568، والترمذي في سننه 2/ 380 - 381 وقال: حسن، وابن ماجه في سننه/ 605، وأحمد في مسنده 6/ 47، والدارمي في سننه 2/ 62، والدارقطني في سننه 3/ 221، والطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 1/ 305)، والحاكم في مستدركه 2/ 168 - وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه- والطحاوي في شرح معاني الآثار 3/ 7، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 305).
وانظر -أيضًا-: نصب الراية 3/ 184 - 185، والتلخيص الحبير 3/ 156 - 157، والتعليق المغني على الدارقطني 3/ 211.
(4) يعني: إِلى البطلان.
(5) هذا تعليل للتأويل.
(6) هذا وجه البعد.
(7) انظر: جامع أحكام الصغار 1/ 28.
(3/1048)

نادرة، فأبطلوا ظهور قصد التعميم لظهور "أي" مؤكدة ب "ما" وتكرير لفظ البطلان، وحَمْله على نادر يعد كاللغز (1) -بضم اللام وفتحها مع سكون العنِن وضمها، وأصله: جحر اليربوع، يخفي مكانه بتلك (2) الألغاز- وليس مثل هذا من كلام العرب، ولا يجوز.
ومعنى كلام أصحابنا -وقاله الآمدي (3) -: لا يصح الاستثناء بحيث لا يبقى إِلا النادر، مع إِمكان قصد النبي - صلى الله عليه وسلم - منع (4) استقلال المرأة فيما يليق بمحاسن العادات (5) وهو النكاح (6).
وأقرب من [هذا] (7) التأويل -مع بعده-: تأويلهم (8): (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل (9)) على القضاء
__________
(1) انظر: معجم مقاييس اللغة 5/ 257، ولسان العرب 7/ 273.
(2) نهاية 106 ب من (ظ).
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 58.
(4) في (ظ): مع.
(5) في (ظ): العبادات.
(6) نهاية 149 ب من (ب).
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(8) انظر: تيسير التحرير 1/ 148، وفواتح الرحموت 2/ 26.
(9) أخرج أبو داود في سننه 2/ 823 - 824 عن ابن عمر عن حفصة أن رسول الله قال: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له). وذكر أبو داود أنه روي موقوفًا على حفصة. ونقل ابن حجر في التلخيص 2/ 188 عنه أنه قال: لا يصح رفعه.=
(3/1049)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
__________
=وقال الخطابي في معالم السنن 2/ 824: أسنده عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، وزيادات الثقات مقبولة. وأخرجه -عنها- الترمذي في سننه 2/ 117 بمثل لفظ أبي داود، ثم قال: حديث حفصة حديث لا نعرفه مرفوعًا إِلا من هذا الوجه، وقد روي عن نافع عن ابن عمر قوله، وهو أصح. وذكر ابن حجر في التلخيص 2/ 188: أن الترمذي نقل عن البخاري أنه قال: هو خطأ وهو حديث فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف. وانظر: التاريخ الصغير للبخاري/ 68 - 69. وأخرجه -عنها- النسائي في سننه 4/ 196 - 197 بلفظ: (من لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له). ورواه -أيضاً- موقوفاً على حفصة. وفي التلخيص الحبير 2/ 188: قال النسائي: الصواب عندي موقوف، ولم يصح رفعه. وأخرجه -عنها- ابن ماجه في سننه بلفظ: (لا صيام لمن لم يفرضه من الليل). وأخرجه -عنها- أحمد في مسنده 6/ 287. ونقل ابن حجر في التلخيص 2/ 188 عنه قوله: ما له عندي ذلك الإِسناد. وأخرجه -عنها- الدارمي في سننه 1/ 339، والدارقطني في سننه 2/ 172 - وأخرجه أيضاً عن عائشة، وقال: كل رجاله ثقات- والطحاوي في شرح معاني الآثار 2/ 54. وأخرجه مالك في الموطأ/ 288 عن ابن عمر وحفصة وعائشة موقوفًا. وأخرجه -عن حفصة مرفوعًا- البيهقي في سننه 4/ 202 وقال: وهذا حديث قد اختلف على الزهري في إِسناده وفي رفعه إِلى النبي، وعبد الله بن أبي بكر أقام إِسناده ورفعه، وهو من الثقات الأثبات. وأخرجه البيهقي -أيضاً- في سننه 4/ 203 عن عائشة مرفوعًا بمثل حديث الدارقطني.
والخلاصة: أن هناك اختلافاً بين العلماء في رفع هذا الحديث ووقفه، فذهب فريق إِلى أنه مرفوع، منهم: الحاكم والدارقطني وابن خزيمة وابن حزم، وذهب فريق إِلى أنه موقوف ولا يصح رفعه، منهم: البخاري والترمذي وأبو داود والنسائي. انظر: نصب الراية 2/ 433 - 435، والتلخيص الحبير 2/ 188، وفتح الباري 4/ 142.
(3/1050)

والنذر المطلق (1)، لعمومه، ووجوبهما بسبب عارض، وادعوا ثبوت صحة الصوم بنية من النهار.
ومنه: تأويلهم (2): (ولذي القربى) (3) على الفقراء منهم؛ لأن المقصود سد الخلّة، ولا خلة مع الغنى، فأبطلوا العموم مع ظهور أن القرابة هي العلة لتعظيمها وتشريفها مع إِضافته بلام التمليك.
ولا يلزمنا والمالكية (4) والشافعية (5) في اليتم (6)، للخلاف فيه، ثم (7): هو (8) مع قرينة دفع المال مشعر بالحاجة (9)، ولا يصلح مجرده (10) علة.
ومن التأويل البعيد عندنا -وذكره الآمدي (11) وغيره-: تأويل
__________
(1) نهاية 309 من (ح).
(2) انظر: تيسير التحرير 1/ 148، وفواتح الرحموت 2/ 28.
(3) سورة الأنفال: آية 41.
(4) انظر: الكافي لابن عبد البر/ 478.
(5) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 61.
(6) حيث اشترطنا الحاجة.
(7) في (ح): بم.
(8) يعني: اليتم.
(9) فاعتبرناها.
(10) يعني: مجرد اليتم.
(11) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 60.
(3/1051)

المالكية (1) والشافعية (2): (من ملك ذا رحم فهو حر (3)) على عمودي نسبه، لعمومه وظهور (4) قصده (5) للتنبيه على حرمة المَحْرم وصلته.
__________
(1) انظر: الكافي لابن عبد البر/ 971، ومواهب الجليل 6/ 333.
(2) انظر: البرهان/ 539، والمستصفى 1/ 405.
(3) أخرجه أبو داود في سننه 4/ 259 - 260 ... عن حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي قال: (من ملك ذا رحم محرم فهو حر). وكذا أخرجه الترمذي في سننه 2/ 409 - 410، وابن ماجه في سننه/ 843، والبيهقي في سننه 10/ 489، والطحاوي في شرح معاني الآثار 3/ 109، والحاكم في مستدركه 2/ 214 وسكت عنه، وصححه الذهبي في التلخيص. قال أبو داود: لم يحدث ذلك الحديث إِلا حماد بن سلمة وقد شك فيه؛ فإِن موسى بن إِسماعيل -الذي حدث أبا داود بهذا الحديث- قال في موضع آخر: عن سمرة فيما يحسب حماد. وقد رواه شعبة مرسلاً عن الحسن عن النبي، وشعبة أحفظ من حماد. انظر: سنن أبي داود 4/ 260، ونصب الراية 3/ 279. وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مسنداً إِلا من حديث حماد بن سلمة، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن قتادة عن الحسن عن عمر. وقد أخرجه ابن ماجه في سننه/ 844 عن ضمرة بن ربيعة عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي. وكذا أخرجه الترمذي في سننه 2/ 410، والبيهقي في سننه 10/ 289، والطحاوي في شرح معاني الآثار 3/ 109، والحاكم في مستدركه 2/ 214 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وفي زوائد ابن ماجه "في إِسناده من تكلم فيه". وقال الترمذي: ولا يتابع ضمرة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث.
وقد أخرج هذا القول -موقوفًا على عمر- أبو داود في سننه 4/ 261؛ والبيهقي في سننه 10/ 289، 290، والطحاوي في شرح معاني الآثار 3/ 110.
(4) في (ب): ظهور.
(5) يعني: قصد التعميم.
(3/1052)

وَعَدَّ الآمدي (1) حمل أبي حنيفة (2) ومالك (3) والأصح عن أحمد (إنما الصدقات للفقراء) -الآية (4) - على بيان المصرِف (5) (6)، من ذلك، لإِضافتها (7) إِليهم بلام التمليك، والعطف المقتضي للتشريك.
وقال بعضهم (8): سياق الآية -من الرد على لمزهم في المعطِين، ورضاهم في إِعطائهم، وسخطهم في منعهم- يدل عليه (9).
قال الآمدي (10): لا نسلم أنه لا مقصود من الآية سواه (11).
فيقال: فسرها حذيفة كقولنا (12)،
__________
(1) انظر الإحكام للآمدي 3/ 56.
(2) انظر: تيسير التحرير 1/ 148، وفواتح الرحموت 2/ 30.
(3) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 107.
(4) سورة التوبة: آية 60.
(5) فيجوز الاقتصار على بعض الأصناف.
(6) يعني: لا الاستحقاق.
(7) هذا وجه البعد.
(8) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 107.
(9) يعني: على الحمل، فلا تأويل.
(10) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 57.
(11) يعني: سوى بيان المصرف.
(12) أخرج الطبري في تفسيره 14/ 322 - ط: دار المعارف - ... عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش عن حذيفة في قوله: (إنما الصدقات للفقراء ...) قال:=
(3/1053)

رواه (1) سعيد، وعارضها: (وتؤتوها الفقراء) الآية (2)، وحديث معاذ في الصحيحين (3): (فترد على فقرائهم) (4)، فالجمع وحملها على الندب أولى، وترك ظاهرها لو فرقها الساعي (5)، وفي استيعاب (6) من أمكن من الأصناف، وتفضيل بعضهم على بعض، فيلزم التسوية أو الفرق.
وعَدّ الآمدي (7) (8) من التأويل البعيد: قول القائلين بوجوب غسل
__________
=إِن شئت جعلته في صنف واحد أو صنفين أو ثلاثة. وأخرج عنه -أيضاً-: إِذا وضعتها في صنف واحد أجزأ عنك. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 3/ 182. وفي تفسير القرطبي 8/ 168: روى المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش عن حذيفة في قوله: (إِنما الصدقات ...) قال: إِنما ذكر الله هذه الصدقات لتعرف، وأي صنف منها أعطيت أجزأك.
وراجع: تفسير ابن كثير 2/ 364، والدر المنثور 3/ 250 - 251.
(1) في (ح): ورواه.
(2) سورة البقرة: آية 271.
(3) في (ب) و (ظ): في الصحيح.
(4) انظر: صحيح البخاري 2/ 104، 119، وصحيح مسلم / 50 - 51.
(5) يعني: إِذا أخذها الساعي وفرقها فإِنه لا يجب صرفها إِلى جميع الأصناف، فكذلك إِذا فرقها المالك.
(6) يعني: استيعاب أهل كل صنف.
(7) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 63.
(8) نهاية 150 أمن (ب).
(3/1054)

الرجلين (1): "إِنه المراد من آية (2) الوضوء"؛ لترك (3) ظاهر التشريك في المسح بلا ضرورة.
فقيل له: لا يوجب العطف الاشتراك في تفاصيل حكم المعطوف عليه.
فقال: هذا الأصل.
وجوابه: المنع. وسبقت (4) في العموم.
ثم: قراءة نصب "الأرجل" صريحة أو ظاهرة، وقراءة الجر محتملة.
ثم: إِن سلم ظهورها (5) تعين الغسل بالسنة المتواترة وإِجماع الصحابة.
.........................
__________
(1) نهاية 310 من (ح).
(2) سورة المائدة: آية 6.
(3) هذا وجه البعد.
(4) انظر: ص 853 - 856، 858.
(5) يعني: في المسح.
(3/1055)

المفهوم
الدلالة:
منطوق: وهو ما دل عليه اللفظ في محل النطق.
والمفهوم: ما دل عليه لا في محل النطق.
....................
والمنطوق:
صريح: وهو ما وضع اللفظ له.
وغير الصريح: ما يلزم عنه:
فإِن (1) قصده المتكلم -وتوقف صدقه عليه نحو: (رفع عن أمتي الخطأ)، أو الصحة العقلية (2) نحو: (واسأل القرية) (3)، أو الصحة الشرعية نحو: "أعتق عبدك عني على مائة"؛ لاستدعائه سبق الملك لتوقف العتق عليه- فدلالة اللفظ عليه دلالة اقتضاء.
وإن لم يتوقف -واقترن الملفوظ به بحكم لو لم يكن لتعليله استبعد من الشارع مثله- فتنبيه وإِيماء. وسيأتي في القياس (4).
__________
(1) في (ب): فإنه.
(2) نهاية 107أمن (ظ).
(3) سورة يوسف: آية 82.
(4) في ص 1259.
(3/1056)

وإن لم يقصد فدلالة إِشارة، كما رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في سننه عنه - عليه السلام -: (النساء ناقصات عقل ودين)، قيل: وما نقصان دينهن؟ قال: (تمكث إِحداهن شطر عمرها لا تصلي) (1). لم
__________
(1) أخرج البخاري في صحيحه 1/ 64، 3/ 35 من حديث أبي سعيد مرفوعاً: (... أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها). وأخرجه مسلم في صحيحه/ 86 - 87 من حديث ابن عمر، وفيه: (وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين).
أما لفظ: (تمكث إِحداهن شطر عمرها لا تصلي) فقد قال ابن الجوزي في التحقيق 1/ 201: ذكره أصحابنا، وهذا لفظ لا أعرفه. وأقره صاحب التنقيح عليه. وقال الشيرازي في المهذب: لم أجده بهذا اللفظ إِلا في كتب الفقه. قال النووي: حديث باطل لا يعرف. فانظر: المجموع شرح المهذب 2/ 389. وقال ابن حجر في التلخيص 1/ 162: لا أصل له بهذا اللفظ، قال الحافظ أبو عبد الله بن منده -فيما حكاه عنه ابن دقيق العيد في الإِمام-: "ذكر بعضهم هذا الحديث، ولا يثبت بوجه من الوجوه"، وقال البيهقي في المعرفة: "هذا حديث يذكره بعض فقهائنا، وقد تطلبته كثيراً فلم أجده في شيء من كتب الحديث، ولم أجد له إِسنادًا"، وقال المنذري: "لم يوجد له إِسناد بحال"، وأغرب الفخر ابن تيمية في شرح الهداية لأبي الخطاب، فنقل عن القاضي أبي يعلى أنه قال: ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم البستي في كتاب السنن له. كذا قال، وابن أبي حاتم ليس بستيا، وإنما هو رازي، وليس له كتاب يقال له: السنن. وراجع: كشف الخفاء 1/ 379 - 380، والمقاصد الحسنة/ 1 - 165.
وقال الزركشي في المعتبر/ 70 ب: زعم جماعة من الحفاظ -منهم: البيهقي- أنه بهذا اللفظ لا أصل له ... وقد ذكرت في الذهب الإِبريز أصله.
(3/1057)

يقصد - عليه السلام - بيان أكثر الحيض وأقل (1) الطهر، لكنه لزم من اقتضاء المبالغة (2) ذكر ذلك.
وكذا: (وحمله وفصاله (3) ثلاثون شهرًا) (4) مع: (وفصاله في عامين) (5) يلزم أن أقل مدة الحمل ستة أشهر.
وكذا: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث) (6) يلزم منه جواز الإِصباح جنبًا. ومثله: (فالآن باشروهن) إِلى (حتى يتبين لكم) (6).
وسَمَّى في العدة (7) الإِضمار مفهوم الخطاب وفحواه ولحنه (8).
وسماه في التمهيد (9) لحن الخطاب، قال (10): ومعنى الخطاب القياس.
قال -هو (11) وابن عقيل (12) -: والنص هو الصريح، لا
__________
(1) في (ب): وأكثر.
(2) في نقصان دينهن.
(3) نهاية 311 من (ح).
(4) سورة الأحقاف: آية 15.
(5) سورة لقمان: آية 14.
(6) سورة البقرة: آية 187.
(7) انظر: العدة/ 152 - 153.
(8) نهاية 150 ب من (ب).
(9) انظر: التمهيد/ 4 أ.
(10) انظر: التمهيد/ 4 ب.
(11) انظر: المرجع السابق / 2أ- ب.
(12) انظر: الواضح 1/ 8أ، 22أ، 124 ب، 126أ.
(3/1058)

يعدل [عنه] (1) إِلا بنسخ.
وفي العدة (2): الصريح في حكم وإن احتمل غيره.
واختار (3) في الروضة (4): ما أفاد بنفسه بلا احتمال أو احتمال لا دليل عليه. قال: وقد يطلق على الظاهر، ولا مانع منه؛ فإِنه (5) في اللغة: الظهور. قال (6): وما فهم منه التعليل يسمى: إِيماء وإشارة وفحوى الكلام ولحنه. والله أعلم.
* * *
والمفهوم: [مفهوم] (7) موافقة، ومفهوم مخالفة.
فالأول: أن يكون المسكوت موافقاً في الحكم -ويسمى: فحوى الخطاب ولحن الخطاب، قال الآمدي (8): "أي معنى الخطاب"، وسماه في العدة (9)
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(2) انظر: العدة/ 138.
(3) في (ب): واختاره.
(4) انظر: روضة الناظر/ 177.
(5) يعني: النص.
(6) انظر: المرجع السابق/ 262 - 263.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 66.
(9) انظر: العدة/ 153.
(3/1059)

كالإِضمار، ومثله في التمهيد (1) أيضًا (2)، وسماه في الروضة (3): فحواه -كتحريم الضرب من قوله: (فلا تقل لهما أفٍّ) (4)، وكالجزاء بما فوق المثقال من قوله: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره) (5)، وكتأدية ما دون القنطار من قوله: (يؤده إليك) وعدم الآخر (6) من: (لا يؤده إِليك) (7)، وهذا تنبيه بالأعلى، وما قبله بالأدنى، فلهذا: الحكم في المسكوت أولى منه في الملفوظ.
ويعرف الحكم في المسكوت بمعرفة المعنى المقصود من الحكم في النطق، وأنه أولى فيه.
.....................
وهو حجة -ذكره بعضهم إِجماعًا- لتبادر فهم العقلاء.
واختلف النقل عن داود (8).
.....................
__________
(1) انظر: التمهيد / 4أ.
(2) في (ح): أيضًا في التمهيد.
(3) انظر: روضة الناظر/ 263.
(4) سورة الإِسراء: آية 23.
(5) سورة الزلزلة: آية 7.
(6) في (ب): الآخرة.
(7) سورة آل عمران: آية 75.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 67، والمسودة/ 346.
(3/1060)

ثم: دلالته لفظية عند القاضي (1) والحنفية (2) والمالكية (3) وبعض الشافعية (4) وجماعة من المتكلمين والظاهرية (5) -قال بعض أصحابنا (6): (7) نص عليه أحمد في مواضع- واختاره ابن عقيل (8)، وذكره عن أصحابنا، واختاره الآمدي (9) وغيره؛ لفهمه لغة قبل شرع القياس، ولاندراج أصله في فرعه نحو: "لا تعطه ذرة" (10).
واحتج ابن عقيل (11) وغيره: بأنه لا يحسن الاستفهام، ويشترك في
__________
(1) انظر: العدة/ 480 وما بعدها، 205 أ- ب، والتمهيد/ 160أ، وروضة الناظر/ 263.
(2) انظر: أصول السرخسي 1/ 241، وكشف الأسرار 1/ 73، وتيسير التحرير 1/ 94، وفواتح الرحموت 1/ 410، وفتح الغفار 2/ 45.
(3) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 108، والإِشارات/ 92، ونشر البنود 1/ 96.
(4) انظر: اللمع/ 25، والتبصرة/ 227، والآيات البينات 2/ 20، وشرح المحلي 1/ 243.
(5) انظر: الأحكام لابن حزم/ 1210 وما بعدها، والتبصرة/ 227.
(6) انظر: المسودة/ 389.
(7) نهاية 312 من (ح).
(8) انظر: الواضح 2/ 149.
(9) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 68.
(10) في (ب): ذرة ابن عقيل واحتج ابن عقيل ...
(11) انظر: الواضح 2/ 49 أ- ب، 52 ب.
(3/1061)

فهمه (1) اللغوي وغيره بلا قرينة -وضعف ابن عقيل (2) وغيره ما حكوه عن قوم "أنه مستفاد من اللفظ": أنه لم يلفظ به (3)، ولهذا افتقر إِلى استدلال وعلم قصد المتكلم وسياقه- ويفهم بأول وهلة.
فقيل (4) له: لو قال لمدعي دينارًا (*): "لا يستحق عَلَيَّ حبَّة" لم يجبه (5).
فقال (6): لأنه لا يكتفى في دفع الدعوى بظاهر بل بنص، ولهذا لو حلف "والله إِني لصادق فيما ادعيته عليه" أو حلف المنكر "إنه لكاذب فيما ادعاه عَلَيّ" لم يُقبل.
وخالفه بعض أصحابنا (7)، فقال: إِنه (8) يعم من باب الفحوى، إِلا أن يقال: يعم حقيقة عرفية (9).
__________
(1) نهاية 151 أمن (ب).
(2) انظر: الواضح 2/ 50 ب، 51 ب.
(3) نهاية 107 ب من (ظ).
(*) كذا في النسخ. ولعل الصواب: دينار.
(4) انظر: الواضح 2/ 52 ب.
(5) يعني: ولو كان مستفادًا من فحوى اللفظ لكان قد أجابه.
(6) انظر: الواضح 2/ 52 ب- 53 أ.
(7) انظر: المسودة/ 172.
(8) يعني: قوله -مثلاً-: لا يستحق علي حبَّة.
(9) يعني: لا من باب الفحوى.
(3/1062)

ولنا وجهان (1) في اللعان في اعتبار قوله: "فيما رميتها به" (2).
وعند ابن أبي موسى (3) وأبي الحسن (3) الخرزي وأبي الخطاب (4) والحلواني (5) وغيرهم من أصحابنا والشافعي (6) وأكثر أصحابه: هو قياس جلي؛ لأنه لم يلفظ به، وإنما حكم بالمعنى المشترك.
رد: المعنى شرط لدلالة الملفوظ عليه لغة (7)، بخلاف القياس (8).
وقال بعض أصحابنا (9): إِن قصد التنبيه (10) فليس قياساً؛ لأنه
__________
(1) انظر: المغني 8/ 87. والفروع 5/ 509.
(2) بعد قوله: (لمن الصادقين) سورة النور: آية 6.
(3) انظر: المسودة/ 348
(4) في التمهيد/ 160أ: رجح أنه قياس الأولى. وفيه / 101أ: صرح بأن التنبيه ليس بقياس. وفي المسودة/ 346: حكى عنه أنه مستفاد من اللفظ، ثم حكى عنه فيها/ 348: أنه قياس. وانظر: التمهيد/ 76أ.
(5) انظر: المسودة/ 348.
(6) انظر: اللمع/ 27، والتبصرة/ 227، والإبهاج 2/ 19، والآيات البينات 2/ 20، وشرح المحلي 1/ 242. وحكاه -عن الشافعي- ابن برهان وأبو الطيب الطبري.
فانظر: المسودة/ 346 - 347.
(7) لا أنه يثبت به الحكم فيكون قياسًا. انظر: فواتح الرحموت 1/ 411.
(8) ومن ثم قال به النافي للقياس.
(9) انظر: المسودة/ 347.
(10) بالأدنى على الأعلى.
(3/1063)

المراد (1)، وإن قصد الأدنى فقياس، كاحتجاج أحمد في رهن المصحف عند الذمي: بنهيه (2) - عليه السلام - عن السفر بالقرآن إِلى أرض العدو، مخافة أن تناله أيديهم، فهذا قاطع، واحتجاجه -في أن لا شفعة لذمي على مسلم- بقوله في الصحيحين: (وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إِلى أضيقه (3))، فهذا مظنون.
وزعم أبو محمَّد البغدادي (4) من أصحابنا في جدله: ليس فيه قطعي.
وأما "إِذا ردت شهادة الفاسق فالكافر أولى" فقيل: ظني، وقيل فاسد.
وكذا إِيجاب الكفارة [في قتل العمد واليمين الغموس.
ومن الفاسد نحو: "إِذا] (5) جاز السلم مؤجلاً فحالّ أولى؛ لبُعْده من الغرر (6)
__________
(1) يعني: بالخطاب.
(2) أخرج البخاري في صحيحه 4/ 56، ومسلم في صحيحه/ 1490 - 1491 عن ابن عمر: أن رسول الله نهى أن يسافر بالقرآن إِلى أرض العدو.
(3) هذا الحديث رواه أبو هريرة مرفوعًا. أخرجه مسلم في صحيحه/ 1707، وأبو داود في سننه 5/ 383 - 384، والترمذي في سننه 4/ 142 وقال: حسن صحيح، والطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 1/ 362)، وأحمد في مسنده 2/ 263.
ولم أجده في صحيح البخاري، وإنما وجدته قد أخرجه في الأدب المفرد/ 378، 380.
(4) انظر: المسودة/ 348.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(6) في (ح): العرض.
(3/1064)

وهو (1) المانع"، والحكم (2) لا يثبت لانتفائه (3) بل لمقتضيه، وهو الارتفاق (4) بالأجل (5).
* * *
مفهوم المخالفة: أن يكون المسكوت مخالفاً للمنطوق في الحكم.
ويسمى (6): دليل الخطاب.
.......................
وشرطه -عند القائلين [به] (7) -: أن لا تظهر أولوية ولا مساواة في المسكوت، فيكون موافقة.
ولا خرج مخرج الأغلب -ذكره الآمدي (8) اتفاقاً- نحو: (وربائبكم اللاتي في حجوركم) (9)، (فإِن خفتم ألا يقيما) (10)، وقوله: (أيما
__________
(1) يعني: الغرر.
(2) هذا بيان وجه فساده.
(3) يعني: لانتفاء المانع.
(4) في لسان العرب 11/ 409: ارتفق به: ترفق به، وانتفع به.
(5) فإِذا انعدم الأجل انعدم الرفق.
(6) نهاية 151 ب من (ب).
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(8) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 100.
(9) سورة النساء: آية 23.
(10) سورة البقرة: آية 229.
(3/1065)

امرأة (1) نكحت نفسها بغير إِذن وليها).
وقال أبو المعالي (2): له مفهوم؛ ترجيحًا لما أشعر به اللفظ على القرينة العرفية.
وقال بعض أصحابنا (3): يظهر أنه من مسالك التأويل، فيخف على المتأول ما يبديه (4) من الدليل العاضد.
فعلى الأول: لا يعم (*)، ولهذا احتج العلماء من أصحابنا (5) وغيرهم لداود (6) -على اختصاص تحريم الربيبة بالحجر- بالآية، وأجابوا: لا حجة فيها؛ لخروجها على الغالب.
وفي المغني (7): تجوز خطبة مسلم على ذمي.
فقيل له: النهي (8) على الغالب.
__________
(1) نهاية 311 من (ح).
(2) انظر: البرهان/ 477 - 478.
(3) انظر: المسودة / 362. وقد ورد هذا الكلام في البرهان/ 477.
(4) في المسودة: ما يبذله.
(*) كذا في النسخ. ولعل الصواب: يعم.
(5) انظر: المغني 7/ 111.
(6) في (ظ): كداود.
(7) انظر: المغني 7/ 46.
(8) أخرج البخاري في صحيحه 7/ 19، ومسلم في صحيحه/ 1029 عن أبي هريرة أن النبي قال: (لا يخطب الرجل على خطبة أخيه).
(3/1066)

فقال: هو خاص بالسلم، وإلحاق غيره به إِنما يصح إِذا كان مثله.
واحتج في الانتصار -على نشر الحرمة بلبن الميتة- بقوله: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) (1)، فقيل له: الآية حجتنا؛ لاقتضائها تعلق التحريم بفعلها للإِرضاع، فقال: عَلَّقه (2) لأنه الغالب كالربيبة، ولهذا: لو حلب منها ثم سقي نشر.
وأجاب أبو (3) الفتح بن المني من أصحابنا -من احتج لصحة النكاح (4) بلا إِذن (5) بالمفهوم-: بأن المفهوم ليس بحجة على أصلنا، ثم: هذا خرج مخرج الغالب، فيعم ويصير كقوله: (وربائبكم اللاتي في حجوركم) (6)، لما خرج مخرج الغالب عَمّ. كذا قال.
وشرطه -أيضًا-: أن لا يخرج جوابًا لسؤال -ذكره صاحب (7) المحرر من أصحابنا في صلاة التطوع من شرحه (8) اتفاقاً، وذكر القاضي (9)
__________
(1) سورة النساء: آية 23.
(2) نهاية 108 أمن (ظ).
(3) في (ب): وأبو.
(4) في (ح): نكاح.
(5) كذا في النسخ. ولعل الصواب: بالأذن.
(6) سورة النساء: آية 23.
(7) انظر: المسودة/ 361.
(8) يعني: شرح الهداية لأبي الخطاب.
(9) في الجزء الذي صنفه في المفهوم. انظر: المسودة/ 361.
(3/1067)

احتمالين- ولا لحادثة كما (1) روي أنه مر بشاة ميمونة فقال: (دباغها طهورها)، ولا لتقدير جهل المخاطب بأن علم وجوب زكاة المعلوفة لا السائمة، ولا لرفع خوف كالقول -للخائف عن ترك الصلاة (2) أول الوقت (3) -: جاز ترك الصلاة أول الوقت" (4)، وغير ذلك مما يقتضي تخصيصه بالذكر.
وقال بعض أصحابنا (5): إِن تقدم ما يقتضي التخصيص من سؤال أو حاجة إِلى بيان -كقوله: (إِن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) - فلا مفهوم له، واحتج [به] (6) القاضي وغيره من المالكية والشافعية على الوصية للقاتل (7)، هي دلالة ضعيفة. هذا كلامه، وهو حسن.
واحتج في الروضة (8) للمفهوم: بسؤاله - عليه السلام -: "ما يلبس المحرم من الثياب (9) "؟، وبقوله (10) - عليه السلام -: (يقطع الصلاة
__________
(1) في (ح): كما لو روي.
(2) في (ح): للصلاة.
(3) نهاية 152أمن (ب).
(4) 314 من (ح).
(5) انظر: المسودة/ 361.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(7) في (ب): للقايل.
(8) انظر: روضة الناظر/ 267.
(9) فقال الرسول: (لا يلبس القميص ولا العمامة ...) الحديث. أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 35، 2/ 137، ومسلم في صحيحه/ 834 - 835 من حديث ابن عمر مرفوعًا.
(10) في (ب): ويقول.
(3/1068)

الكلب الأسود)، فسأله أبو ذر: "ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر؟ " فقال: (شيطان) (1).
وقد قال أحمد (2) -عن (لا وصية لوارث) -: يدل على أن الوصية لمن لا يرث.
* * *

والمفهوم أقسام
مفهوم الصفة: أن يقترن بعام صفة خاصة كقوله: (في الغنم في سائمتها الزكاة) (3).
قال به أحمد (4) ومالك (5) والشافعي (6) وأكثر أصحابهم، وذكره في
__________
(1) هذا الحديث رواه أبو ذر مرفوعًا. أخرجه مسلم في صحيحه/ 365، وأبو داود في سننه 1/ 450 - 451، والترمذي في سننه 1/ 212 وقال: حسن صحيح، والنسائي في سننه 2/ 63 - 64، وابن ماجه في سننه/ 306، وأحمد في مسنده 5/ 149.
(2) انظر: العدة/ 449.
(3) هذا جزء من حديث رواه أنس مرفوعًا، وهو الحديث الذي روي في كتاب أبي بكر، وفيه بيّن أحكام الزكاة التي فرضها رسول الله. أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 118، وأبو داود في سننه 2/ 214 - 221، والنسائي في سننه 5/ 18 - 21، 27 - 29، والدارقطني في سننه 2/ 113 - 116، والحاكم في مستدركه 1/ 390 - 392، والبيهقي في سننه 4/ 86. وانظر: نصب الراية 2/ 335 - 337.
(4) انظر: العدة/ 449.
(5) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 270.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 72.
(3/1069)

الروضة (1) عن أكثر المتكلمين.
ثم: مفهومه عند الجميع: لا زكاة في معلوفة الغنم؛ لِتعلّق الحكم بالسوم والغنم، فهما العلة.
ولنا وجه -واختاره ابن عقيل (2)، وذكره القاضي (3) ظاهر (4) كلام أحمد-: لا زكاة في معلوفة كل حيوان -وقاله بعض الشافعية (5) - بناء على أن السوم العلة.
فعلى هذا قال القاضي (*): يلزم (6) لا زكاة في غير سائمة الغنم من حيوان وغيره، وقد لا يلزم.
وهل يعتبر البحث عما يعارضه؟ هو كالعموم، ذكره في التمهيد (7) وغيره.
وزعم الآمدي (8): (9) أنه لا يعتبر عند من قال به.
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 264.
(2) انظر: الواضح 2/ 66أ.
(3) انظر: العدة/ 473 - 474.
(4) في (ب): ظاهره.
(*) انظر: العدة/ 474.
(5) انظر: المحصول 1/ 2/ 249، ونهاية السول 1/ 319.
(6) يعني: على هذا القول.
(7) انظر: التمهيد / 74 أ.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 77.
(9) نهاية 315 من (ح).
(3/1070)

وإن كانت الصفة غير مقصودة فلا مفهوم، كقوله: (لا جناح عليكم إِن طلقتم النساء) الآية (1)، أراد: نفي الحرج عمن طلق ولم يمس، وإيجاب المتعة تبعاً (2)، ذكره القاضي (3) وغيره من المتكلمين (4).
ولم يقل بمفهوم الصفة أبو حنيفة (5) وأصحابه وجماعة من المالكية (6) وابن داود (7) وابن سريج (8) والقفال وابن الباقلاني (9) وأبو المعالي (10)
__________
(1) سورة البقرة: آية 236.
(2) فصار كأنه مذكور ابتداء من غير تعليق على صفة.
(3) انظر: المسودة/ 363 - 364.
(4) نهاية 152 ب من (ب).
(5) انظر: أصول السرخسي 1/ 256، وكشف الأسرار 2/ 256، وتيسير التحرير 1/ 98، 103، وفواتح الرحموت 1/ 414.
(6) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 270.
(7) انظر: العدة/ 454.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 72.
(9) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 72، والمنتهى لابن الحاجب/ 109.
(10) قال في البرهان/ 466 - 469: إِذا كانت الصفات مناسبة للأحكام المنوطة بالموصوف بها مناسبة العلل لمعلولاتها فذكرها يتضمن انتفاء الحكم عند انتفائها كقوله: (في سائمة الغنم زكاة)، وكل صفة لا يفهم منها مناسبة للحكم فالموصوف بها كالملقب بلقبه، والقول في تخصيصه بالذكر كالقول في تخصيص المسميات بألقابها، فقول القائل: "زيد يشبع إِذا أكل" كقوله: "الأبيض يشبع"؛ إِذ لا أثر للبياض، فيما ذكركما لا أثر للتسمية ب "زيد" فيه.
(3/1071)

والغزالي (1) والشاشي (2) (3) وأكثر المعتزلة (4) وأبو الحسن التميمي (5) من أصحابنا والآمدي (6)، وقال في الانتصار (7) في مسألة الولي: "هو (8) إِحدى الروايتين"، وذكره في التمهيد (9) عن أكثر المتكلمين.
واختلف النقل عن الأشعري (10).
وأثبته أبو عبد الله البصري (11) إِن كان للبيان ك "السائمة"، أو للتعليم
__________
(1) انظر: المستصفى 2/ 192.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 72.
(3) هو: أبو بكر فخر الإِسلام محمَّد بن أحمد بن الحسين بن عمر، فقيه أصولي، من كبار أئمة الشافعية، توفي سنة 507 ه. من مؤلفاته: حلية العلماء.
انظر: العبر 4/ 13، ووفيات الأعيان 3/ 356، وتبيين كذب المفترى/ 306، وطبقات الشافعية للسبكي 6/ 80، وتذكرة الحفاظ/ 1241.
(4) انظر: المعتمد/ 162، والإِحكام للآمدي 3/ 72.
(5) انظر: العدة/ 455.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 85.
(7) انظر: المسودة/ 351.
(8) نهاية 108 ب من (ظ).
(9) انظر: التمهيد/ 72 ب.
(10) انظر: العدة / 454، والبرهان/ 450، والمستصفى 2/ 191، والإِحكام للآمدي 3/ 72، والمسودة/ 351.
(11) انظر: المعتمد/ 166 - 169، والإِحكام للآمدي 3/ 72.
(3/1072)

ك "تحالف المتبايعين إِذا اختلفا"، أو دخل ما عدا الصفة تحتها ك "الحكم بالشاهدين" يدخل شاهد واحد، وإلا فلا.
الوجه الأول: لو لم يدل لغة لما فهمه أهلها؛ قال - عليه السلام - (لَيّ الواجد يُحِل عرضه وعقوبته) -حديث حسن رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه (1) - أي: مطل الغني.
وفي الصحيحين (2): (مطل الغني ظلم).
وفيهما: الآن يمتلئ جوف [أحدكم] (3) قيحاً خير له من أن يمتلئ شعرا) (4).
قال أبو عبيد (5) في الأول: يدل أن لَيَّ من ليس بواجد لا يحل عقوبته
__________
(1) من حديث الشريد بن سويد الثقفي مرفوعًا. فانظر: مسند أحمد 4/ 222، وسنن أبي داود 4/ 45 - 46، وسنن النسائي 7/ 316 - 317، وسنن ابن ماجه/ 811. وعلقه البخاري في صحيحه 3/ 118: ويذكر عن النبي: (لي الواجد يحل عقوبته وعرضه).
(2) من حديث أبي هريرة مرفوعاً. فانظر: صحيح البخاري 3/ 94، 118، وصحيح مسلم/ 1197.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 36 - 37 من حديث ابن عمر وأبي هريرة مرفوعًا، ومسلم في صحيحه/ 1769 - 1770 من حديث أبي هريرة وسعد وأبي سعيد مرفوعًا.
(5) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد 2/ 174 - 175، والعدة/ 463.
(3/1073)

وعرضه، وفي الثاني (1): مثله (2).
وقيل له في الثالث: المراد (2) الهجاء وهجاء النبي عليه (3) السلام، فقال: لو (4) كان كذلك لم (5) يكن (6) لِذِكْر الامتلاء معنى؛ لأن قليله كذلك (7).
فألزم أبو عبيد من تقدير الصفة المفهوم، قَدّر الامتلاء صفة للهجاء، وهو -والشافعي- من أئمة اللغة.
وذكره (8) (9) الآمدي (10) قول جماعة من أهل العربية.
فالظاهر أنهم فهموا ذلك لغة، فتثبت (11) اللغة به، واحتمال البناء على
__________
(1) وهو قوله: (مطل الغني ظلم).
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 73، والمنتهى لابن الحاجب / 109.
(3) في (ب): علي.
(4) في (ب): له.
(5) في (ب): لن.
(6) نهاية 316 أمن (ح).
(7) فقد فهم أبو عبيد من ذكر الامتلاء أن ما عداه بخلافه.
(8) في (ب): وذكر.
(9) يعني: القول بالمفهوم.
(10) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 72.
(11) في (ب): فثبتت. ولم تنقط الكلمة في (ظ).
(3/1074)

الاجتهاد مرجوح، [وإنما ذكره في كتب اللغة لا الأحكام، وهي نقل] (1).
وقد حكاه القاضي (2) عن أبي عمرو بن العلاء وثعلب، وأن أبا عبيد حكى عن العرب القول به.
عورض بمذهب الأخفش؛ قال (3): قول القائل: "ما جاءني غير (4) زيد" لا يدل على مجيء زيد.
رد: بمنع ثبوته، ثم: [هو (5)] (6) نحوي، ثم: من ذكرناهم أكثر، وبعضهم أفضل، ثم: المثبِت أولى.
وأيضًا: لو لم يدل كان تخصيص محل النطق بالذكر بلا فائدة، وهو ممتنع من آحاد البلغاء، فالشارع أولى.
واعترض: بأن هذا إِثبات للوضع بما (7) فيه من الفائدة، والفائدة مترتبة عليه (8).
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2) في الجزء الذي ألفه في المفهوم. انظر: المسودة / 360.
(3) انظر: العدة/ 464، والإحكام للآمدي 3/ 73 - 74، والمنتهى لابن الحاجب/ 109.
(4) نهاية 153أمن (ب).
(5) يعني: الأخفش.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(7) يعني: بسبب ما فيه من الفائدة.
(8) فلا يثبت الوضع بما فيه من الفائدة.
(3/1075)

رد: يعرف بالاستقراء: إِذا لم يكن للفظ فائدة غير واحدة تعينت إِرادتها به.
وبأن دلالة الإِيماء ثبتت بالاستبعاد -كما سبق (1) في الصريح (2) - فهذا أولى.
واعترض: بمفهوم اللقب.
رد: بأنه حجة، ثم (3) فائدته حصول الكلام به؛ لأنه (4) يختل بعدمه (5)، بخلاف الصفة، أو لم يحضره المسكوت، أو قياس في اللغة.
واعترض: فائدته (6) تقوية دلالة ما جعل الوصف وصفاً له، حتى لا يُتوهم تخصيصه.
رد: بأن (7) هذا إِذا كان الاسم المقيد بالصفة عامًا (8)، ولا قائل به.
__________
(1) في ص 1056.
(2) كذا في النسخ. ولعله: (في غير الصريح) يعني: في المنطوق غير الصريح.
(3) يعني: على تسليم أنه ليس حجة.
(4) يعني: الكلام.
(5) يعني: اللقب.
(6) يعني: فائدة ذكر الوصف.
(7) يعني: إِنما يكون هذا إِذا كان الاسم ... إِلخ.
(8) مثل: الغنم.
(3/1076)

ثم (1): الفرض: لا شيء يقتضي (2) تخصيصه سوى المخالفة، كذا أجاب بعضهم (3).
والآمدي (4) إِنما اعترض بأن فائدته معرفة حكم المنطوق والمسكوت بنصين مختلفين؛ لأنه أدل (5)، للخلاف (6) في العموم وإمكان تخصيص محل الصفة وغيره باجتهاد، وليس مراد التخصيص.
وجوابه: أن العموم لغة العرب، والخلاف فيه حادث، فمثل هذا لا يقصد.
ثم: العرب لا تقصد قطع التوهُّم، ولهذا تتكلم بالحقيقة مع توهم (7) غيرها.
واعترض: فائدته ثواب الاجتهاد بالقياس، فإِن تخصيصه يشعر بأنه علة.
__________
(1) يعني: لو سلم العموم في بعض الصور فهو خارج عن محل النزاع؛ لأن الفرض ... إِلخ.
(2) نهاية 316 ب من (ح).
(3) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 109، ومختصر 25/ 175.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 78.
(5) على المقصود من التعميم.
(6) في (ب): للخلال.
(7) نهاية 109 أمن (ظ).
(3/1077)

رد: إِن ساوى الفرع الأصل خرج (1)، وإلا فهو مما لا فائدة له سوى المخالفة.
وفيه نظر (2)؛ لأنه لا يخرج إِلا مع ثبوته لغة، والقياس يثبته عقلاً.
وأجاب في التمهيد (3): الكلام في اللغة، وقال أيضًا: الظاهر ما ذكرنا.
وأجاب في الروضة (4): النبي - عليه السلام - بعث لتبيين الأحكام، والاجتهاد ثبت ضرورة.
وأيضًا: الترتيب يدل على العلِّيَّة، وانتفاؤها يدل على انتفاء معلولها.
واستدل: لو لم يدل (5) لزم مشاركة المسكوت للمنطوق؛ لعدم واسطة بينهما، ولا مشاركة اتفاقا.
رد: بالمنع (6)، فلا يدل على حصر (7) ولا اشتراك، وبأنه يجري في اللقب.
وأما لفظ "السائمة" فلا يتناول المعلوفة اتفاقا (8).
__________
(1) عن محل النزاع؛ لأننا شرطنا عدم المساواة وعدم رجحان المسكوت عنه.
(2) نهاية 153 ب من (ب).
(3) انظر: التمهيد/ 73 ب، 74 أ- ب.
(4) انظر: روضة الناظر/ 269.
(5) في (ح): لو لم يكن.
(6) ضرب على (بالمنع) في (ظ).
(7) يعني: على مفهوم المخالفة.
(8) وليس محل النزاع.
(3/1078)

واستدل: لو لم يدل لم تنفر الشافعية من قول: "الفقهاء الحنفية فضلاء".
رد: النفرة لتركهم على الاحتمال، كتقديم (1) الحنفية عليهم، أو لتوهم ذلك من يرى المفهوم.
واستدل: بما في الصحيحين: أنه - عليه السلام - لما قام يصلي على (2) عبد الله بن أبي (3) فقال (4) له عمر، فقال: (خَيَّرني الله، وسأزيد على السبعين)، وفي البخاري: (خُيِّرت، فاخترت، لو أعلم أني إِن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها) (5)، ففهم أن ما زاد بخلافه.
رد: بالمنع؛ لأن الآية (6) مبالغة في أن السبعين وما فوقها سواء.
وقال: (لأزيدن) استمالة للاحياء (7)، أو فَهْم لبقاء وقوع المغفرة بالزيادة على أصله في الجواز قبل الآية.
__________
(1) يعني: كما تنفر من التقديم.
(2) نهاية 317 من (ح).
(3) هو: المنافق عبد الله بن أبي بن سلول، توفي سنة 9 ه.
انظر: البداية والنهاية 5/ 34.
(4) كذا في النسخ. ولعل الصواب: قال
(5) انظر: ص 575 من هذا الكتاب.
(6) سورة التوبة: آية 80.
(7) وترغيبا لهم في الدين.
(3/1079)

ويجاب: بأنه خلاف الظاهر.
قال ابن عقيل (1): "لم يقصد فيها (2)، بل بعد هذا في سورة المنافقين (3) ".
وفيه نظر.
واستدل: بقول يعلى (4) بن أمية لعمر: (فليس عليكم جناح أن تقصروا) (5)، فقد أَمِن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت (6) النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال (7): (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته)، رواه مسلم (8)، فَفَهِما عدم القصر لعدم الخوف، وأقر عليه السلام.
__________
(1) انظر: الواضح 2/ 58 أ.
(2) يعني: لم يقصد فيها الإِياس.
(3) سورة المنافقون: آية 6.
(4) هو: الصحابي أبو صفوان التميمي الحنظلي.
(5) سورة النساء: آية 101.
(6) في (ب): فسأل.
(7) في (ب): ... وسلم صدقة فقال تصدق.
(8) انظر: صحيح مسلم/ 478. وأخرجه أبو داود في سننه/ 712، والترمذي في سننه 4/ 309 وقال: حسن صحيح، والنسائي في سننه 3/ 116 - 117، وابن ماجه في سننه / 339، والدارمي في سننه 1/ 292 - 293، وأحمد في مسنده 1/ 25، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 415. وراجع: نصب الراية 2/ 190.
(3/1080)

رد: لا يتعين من المفهوم، لجواز استصحابهما (1) وجوب الإِتمام، فعَجِبا لمخالفة الأصل.
أجيب: لم يدل القرآن على أنه الأصل.
وعند المخالف: الأصل القصر، وقد قال عمر: "صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمَّد - صلى الله عليه وسلم -" -حديث حسن رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (2) - وفي الصحيحين (3) عن عائشة: "فرضت ركعتين، فأُقرّت صلاة السفر، وأُتمّت صلاة الحضر"، وفي مسلم (4) عن ابن عباس: "فرضت في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين".
ثم: هو خلاف الظاهر.
واستدل: دلالته على المسكوت فيه فائدة، فهو أولى تكثيرًا للفائدة،
__________
(1) نهاية 154أمن (ب).
(2) انظر: مسند أحمد 1/ 37، وسنن النسائي 3/ 111، 1118، 183، وسنن ابن ماجه/ 338. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (انظر. موارد الظمآن/ 144)، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 421، والطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 1/ 124).
(3) انظر: صحيح البخاري 2/ 44، وصحيح مسلم/ 478.
(4) انظر: صحيح مسلم/ 279. وأخرجه النسائي في سننه 3/ 118 - 119، وابن ماجه في سننه/ 339، وأحمد في مسنده 1/ 355، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 421.
(3/1081)

وهي (1) تدل على الوضع على ما سبق (2) في المجمل في: "اللفظ لمعنى تارة ولمعنيين أخرى".
ورد: بأنه دور؛ لتوقف دلالته على (3) المسكوت (4) على الوضع، وهو (5) على تكثير الفائدة، وهي على دلالته على المسكوت.
أجيب: يلزم في كل موضع، فيقال: دلالة اللفظ تتوقف على الوضع، وهو على الفائدة لوضع اللفظ لها، وهي على الدلالة لعدم الفائدة بعدم اللفظ.
وبأن دلالة اللفظ على المسكوت تتوقف على تعقل تكثير الفائدة، لا على حصولها، وتعقلها لا يتوقف (6) بل حصولها.
واستدل: لو لم يكن مخالفاً لم تكن السبع -فيما رواه مسلم (7):
__________
(1) يعني: تكثير الفائدة.
(2) في ص 1012 - 1013.
(3) نهاية 318 من (ح).
(4) نهاية 109 ب من (ظ).
(5) يعني: الوضع.
(6) على الدلالة.
(7) من حديث أبي هريرة مرفوعًا. فانظر: صحيح مسلم/ 234. وأخرجه البخاري في صحيحه 1/ 41 بلفظ: (إِذا شرب الكلب في إِناء أحدكم فليغسله سبعًا). وأخرجه أبو داود في سننه 1/ 57، والترمذي في سننه 1/ 61 وقال: حسن صحيح، والنسائي في سننه 1/ 52 - 54، وابن ماجه في سننه/ 130.
(3/1082)

(طهور إِناء أحدكم إِذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعًا) - مطهرة، لتطهيره بما دونها.
رد: لا يلزم، لجواز عدم الطهارة فيما دونها بدليل.
وجوابه: خلاف الظاهر، والأصل عدمه.
ومثله: "خمس رضعات يحرمن". رواه مسلم (1).
واحتج ابن عقيل (2) وغيره: بأنه إِجماع الصحابة؛ فإِن بعضهم لم يَرَ الغسل بدون إِنزال (3)؛ لقوله: (الماء من الماء) (4)، وخالفهم غيرهم بأنه منسوخ.
__________
(1) أخرج مسلم في صحيحه/ 1075 عن عائشة قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات ... وأخرجه أبو داود في سننه 2/ 551 - 552، والترمذي في سننه 2/ 409، والنسائي في سننه 6/ 100، وابن ماجه في سننه 625.
(2) انظر: الواضح 2/ 54أ - ب.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه/ 62، ومسلم في صحيحه/ 271 - 272، وابن أبي شيبة في مصنفه 1/ 89، وعبد الرزاق في مصنفه 1/ 248، والبيهقي في سننه 1/ 66.
(4) أخرجه مسلم في صحيحه/ 269، وأبو داود في سننه 1/ 148، وأحمد في مسنده 3/ 29، والبيهقي في سننه 1/ 167 من حديث أبي سعيد مرفوعاً. وأخرجه النسائي في سننه 1/ 115، وابن ماجه في سننه/ 199، وأحمد في مسنده 5/ 416، والدارمي في سننه 1/ 159 من حديث أبي أيوب مرفوعًا.
(3/1083)

وجه الثاني: لو ثبت لثبت بدليل، وهو: عقلي أو نقلي إِلى (1) آخره.
رد: تثبت (*) اللغة بالآحاد -وذكره بعض أصحابنا (2) عن الجمهور، وذكره ابن عقيل (3) عن جماعة (4) العلماء- لأن التواتر في البعض تحكّم لا قائل به، وفي الجميع متعذر، فيتعطل أكثر الكتاب والسنة واللغة، وهو فوق (5) محذور قبول خبر (6) الواحد، وذكر الآمدي (7): لم تزل العلماء عليه.
وذكره أبو الفرج المقدسي من أصحابنا إِجماع (8) أهل اللغة، وأن عندنا تثبت بالعقل، وذكره الآمدي (9) منعاً.
وذكر (10) القاضي (11) في مسألة العموم عن السِّمْناني (12): لا تثبت بالآحاد.
__________
(1) نهاية 154 ب من (ب).
(*) في (ب): ثبتت.
(2) انظر: المسودة/ 564.
(3) انظر: الواضح 2/ 62 ب.
(4) في (ظ): جماعة من العلماء.
(5) في (ب) و (ظ): فرق.
(6) في (ظ): الخبر.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 81.
(8) في (ب): إِجماعًا.
(9) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 80 - 81.
(10) في (ظ): وذكره.
(11) انظر: المسودة/ 564.
(12) هو: أبو جعفر محمَّد بن أحمد بن محمَّد، فقيه حنفي أشعري، أصله من سمنان العراق، ولد سنة 361 ه، ونشأ ببغداد، وولي القضاء بالموصل إِلى أن توفي بها سنة 444 ه.
انظر: تبيين كذب المفترى/ 259، والجواهر المضية 2/ 21، ونكت الهميان/ 237.
(3/1084)

وفي التمهيد (1): (2) ثبت ذلك باستقراء كلامهم ومعرفة مرادهم، وفهمته الصحابة وهم أهل اللسان.
قالوا: لو ثبت لثبت في الخبر؛ لتقييد كل منهما بصفة نحو: "في الغنم (3) السائمة" أو "زيد الطويل في [الدار] (4) ". (5)
رد: بالتزامه (6)، وقاله في العدة (7) والتمهيد (8)، وذكر ابن عقيل (9) أن المذهب القول به في الخبر وفي الأسماء والحكم (10) كالاستثناء والتخصيص، ثم فرق -هو (11) وغيره- بين الأمر والخبر بأنه (12) قد لا يعلم غيره، ويقصد بالأمر البيان والتمييز.
__________
(1) انظر: التمهيد / 74أ.
(2) هذا رد على دليلهم.
(3) في المنتهى لابن الحاجب/ 111: رأيت الغنم السائمة. وفي مختصره 2/ 179: في الشام الغنم السائمة.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(5) نهاية 319 من (ح).
(6) في (ب): لتزامه.
(7) انظر: العدة/ 476 - 477.
(8) انظر: التمهيد/ 74 ب.
(9) انظر: الواضح 2/ 63 ب.
(10) كتضحية بحيوان بعينه يدل على نفي التضحية عن غيره.
(11) انظر: الواضح 2/ 63 ب-164 أ.
(12) يعني: المخبر.
(3/1085)

وبأن هذا قياس لغة، وقال بعضهم (1): ليس به.
وفرق بعض (2) أصحابنا (3) بين أسماء الأعلام والأجناس.
وفرق في التمهيد (4): بأنه لا يخبر عنه لئلا ينضر.
وفرق بعضهم (5): بأن الخبر لا يلزم (6) عدم حصوله للمسكوت؛ لأن له خارجياً، بخلاف الحكم، فإِنه إِذا لم يدل على المخالفة لم يحصل للمسكوت؛ لأنه [لا] (7) خارجي له.
قالوا: لو (8) دل امتنع: "أَدِّ (9) زكاة السائمة والمعلوفة"؛ لعدم الفائدة، وللتناقض، كما يمتنع: "لا تقل لهما أف واضربهما".
رد: الفائدة عدم تخصيص المعلوفة باجتهاد، والتناقض في القاطع (10).
__________
(1) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 111، ومختصره 2/ 179.
(2) في (ب): بعضهم أصحابنا.
(3) انظر: المسودة/ 361.
(4) انظر: التمهيد/ 74 ب.
(5) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 111.
(6) من دلالته على أن المسكوت غير مخبر به.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب). وقد مسح من (ظ).
(8) في (ب): له.
(9) في (ب) و (ظ): إِذ.
(10) فلا تناقض في الظواهر، ودلالة المفهوم ظاهر.
(3/1086)

قالوا: لو دل لما ثبت خلافه للتعارض، والأصل عدمه، وقد ثبت في نحو: (لا تأكلوا الربا (1) أضعافاً مضاعفة) (2)، واعتمد عليه الآمدي (3)، وعلى بيان دليل (4)، والأصل (5) عدمه.
رد: هو دليل ظاهر عارضه قاطع، والأصل (6) يخالف لدليل.
قال: لو كان دليلاً لم يبطل ببطلان المنطوق.
رد: ذكر القاضي (7) وجهين، قال: وبطلانه أشبه -جزم به في الروضة (8) في نسخ المنطوق- لأنه فرعه، وعَدَمه كالخطابين، واختاره ابن فُورك.
قالوا: لو دل لم يحسن الاستفهام.
رد: ذكر أصحابنا منعاً كالصريح (9) وتسليمًا لرفع الاحتمال، وجزم به
__________
(1) نهاية 155 أمن (ب).
(2) سورة آل عمران: آية 130.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 85.
(4) يعني: دليل للمفهوم.
(5) نهاية 110 أمن (ظ).
(6) وهو عدم التعارض.
(7) انظر: العدة/ 472 - 473.
(8) انظر: روضة الناظر/ 88.
(9) في (ب): لصريح.
(3/1087)

في الواضح (1)؛ لأن معنى الخطاب (2) مقدم عليه عند جمهور العلماء، ويحسن الاستفهام فيه نحو: "لا تشرب الخمر؛ لأنه يوقع العداوة"، فيقول: "فهل أشرب النبيذ؟ "، ولا ينكر أحد استفهامه هذا.
وفي التمهيد (3): يحتمل أن [لا] (4) يحسن (5)، ولهذا يحسن الإِنكار عليه.
ويتوجه تخريج حُسْن إِنكاره على الخلاف.
قال: ليس في اللغة كلمة تفيد أمرين متضادين (6).
رد: بالمنع؛ بدليل: الغاية، والأمر بشيء نهي عن ضده، والمشترك.
ثم: لم تفده من طريق واحد.
* * *
التقسيم - نحو: (الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن (7)) -:
__________
(1) انظر: الواضح 2/ 63أ.
(2) وهو القياس.
(3) انظر: التمهيد/ 75 أ-ب.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(5) يعني: الاستفهام.
(6) نهاية 320 من (ح).
(7) هذا الحديث رواه ابن عباس مرفوعاً. أخرجه مسلم في صحيحه/ 1037، وأبو داود في سننه 2/ 577، والترمذي في سننه 2/ 387 وقال: حسن صحيح، والنسائي في=
(3/1088)

كالذي قبله -ذكره في الروضة (1) - لأن الحكم لو عَمّ انتفت الفائدة (2).
* * *
الصفة (3) العارضة المجردة (4) -كقوله: "السائمة فيها الزكاة"- كالصفة المقترنة بالعام عند أصحابنا وغيرهم، وذكره الآمدي (5) وغيره، مع أن الأول أقوى دلالة عندهم، مع أن ظاهر كلام جماعة من أصحابنا وغيرهم: التسوية.
وقال [به] (6) أبو المعالي (7) مع مناسبة الصفة للحكم، وإلا فليس بحجة.
وذكره بعض أصحابنا (8) ظاهر اختيار القاضي في موضع.
* * *
__________
=سننه 6/ 84، 85، وابن ماجه في سننه/ 601، والدارمي في سننه 2/ 63، ومالك في الموطأ/ 524، والشافعي (انظر: بدائع المنن 2/ 321 - 322)، والدارقطني في سننه 3/ 239 - 320.
(1) انظر: روضة الناظر/ 274.
(2) يعني: فائدة التقسيم.
(3) انظر: المسودة/ 353، وشرح الكوكب المنير 3/ 504، والإحكام للآمدي 3/ 87.
(4) عن الموصوف.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 87.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(7) انظر: البرهان/ 466 وما بعدها.
(8) انظر: المسودة/ 360.
(3/1089)

مفهوم (1) الشرط: نحو: (وإن كن أولات حمل) (2).
وهو أقوى من الصفة، فلهذا قال به ابن سريج وغيره من الشافعية (3) والكرخي وغيره من الحنفية (4) وأبو الحسين (5) البصري.
ولم يقل [به] (6) الجرجاني (7) وغيره من الحنفية (8) -وهو أشهر لهم- وابن الباقلاني (9) والآمدي (10)، وحكاه صاحب المحصول (11) عن أكثر المعتزلة.
القائل به: ما سبق (12).
__________
(1) نهاية 155 ب من (ب).
(2) سورة الطلاق: آية 6.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 88.
(4) انظر: كشف الأسرار 2/ 271، وفواتح الرحموت 1/ 421 - 422.
(5) انظر: المعتمد/ 152.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(7) انظر: العدة/ 454.
(8) انظر: أصول السرخسي 1/ 260، وكشف الأسرار 2/ 271، وتيسير التحرير 1/ 100، وفواتح الرحموت 1/ 421.
(9) انظر: المحصول 1/ 2/ 205، والمنتهى لابن الحاجب/ 111، وشرح تنقيح الفصول/ 270.
(10) انظر: الإِحكام للآمدى 3/ 88.
(11) انظر: المحصول 1/ 2/ 205.
(12) في (ح): ما سبق في مفهوم الشرط.
(3/1090)

ولأنه يلزم من عدم الشرط عدم المشروط.
فإِن قيل: يحتمل أنه سبب لمسبَّب، فلا تلازم.
رد: خلاف الظاهر.
ثم: إِن قيل باتحاد السبب فأولى بالنفي؛ لأنه موجب للمسبَّب، وإن (1) قيل بتعدده فالأصل عدمه (2).
وقوله (3): (إِن أردن تحصّناً (4)) أي: تعفُّفًا، شرط إِرادته في الإِكراه لا في تحريمه؛ لاستحالة الإِكراه إِلا عند إِرادته، وإلا (5) فهي تبغي طبعًا (6).
وقيل: النهي لسبب؛ قال جابر: "كان عبد الله بن أبيّ يقول لجارية (7) له: اذهبي فابغنا (8) شيئًا، فنزلت الآية" (9).
__________
(1) في (ظ): فإِن.
(2) يعني: عدم غير ذلك السبب.
(3) هذا جواب اعتراض مقدر، وهو: أن قوله: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إِن أردن تحصنا) لو ثبت مفهوم الشرط فيه لثبت جواز الإِكراه عند عدم إِرادة التحصن، والإِكراه عليه غير جائز بحال من الأحوال إِجماعًا.
(4) سورة النور: آية 33.
(5) يعني: إِن لم يردن التحصن.
(6) فلا إِكراه.
(7) نهاية 321 من (ح).
(8) كذا في النسخ. وفي صحيح مسلم: فابغينا.
(9) أخرجه مسلم في صحيحه/ 2320، والطبري في تفسيره 18/ 103، والواحدي في أسباب النزول / 187. وراجع: تفسير ابن كثير 3/ 288، وفتح القدير 4/ 31.
(3/1091)

وقيل: عارض ظاهر الآية إِجماع قطعي.
وبنى صاحب المحصول (1) الخلاف على أصل، وهو أن عندنا وعند الشافعية: الشرط (2) مانع من الحكم، وعند الحنفية (3): من انعقاد السبب، فالتعليق سبب، وعندهم: عند وجود (4) الشرط، فعدمُ الحكم مضاف إِلى انتفاء شرطه مع وجود سببه، وعندهم: إِلى عدم سببه، وقالوا: شرط الخيار في البيع خلاف القياس؛ لعدم إِمكان تعليق البيع؛ لأنه [إيجاب] (5)، والغرض التدارك، فجعل داخلاً على الحكم لمنع اللزوم، وقالوا: لو علق طلاقها بقيامها ثم قال: "إِن طلقتها فعبدي حر" -ثم قامت- فالقياس: "يعتق (6) "؛ لأنه طلقها، لكن تركناه؛ لأن الأيمان تحمل على العرف والعادة إِنما يعقد يمينه (7) على ما يمكنه الامتناع منه (8)، وبنوا على هذا صحة
__________
(1) انظر: المحصول 1/ 2/ 205، ولم أجد فيه ما ذكر هنا. والمذكور -بتفاصيله- قد أورده فخر الإِسلام البزدوي في أصوله (انظر: كشف الأسرار 2/ 271 وما بعدها)، فيظهر أن المؤلف وجد هذا الكلام منسوبًا للفخر، فظنه الفخر الرازي. والله أعلم.
(2) يعني: عدم الشرط.
(3) انظر: أصول السرخسي 1/ 260 وما بعدها، وكشف الأسرار 2/ 271 وما بعدها، وتيسير التحرير 1/ 119 وما بعدها، وفواتح الرحموت 1/ 423 وما بعدها.
(4) نهاية 110 ب من (ظ).
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(6) في (ب): تعتق.
(7) كقوله: إِن طلقتها ... إِلخ.
(8) والطلاق هنا لا يمكنه الامتناع منه؛ لأنه معلق بالقيام.
(3/1092)

تعليق (1) الطلاق بالملك (2) وامتناع تعجيل كفارة اليمين (3) وأن طول الحرة لا يمنع من نكاح الأمة.
وبنى صاحب المحصول (4) الخلاف في الصفة على هذا؛ لمنعها من عمل اللفظ المطلق، فهي كالشرط، وعند الحنفية (5): غايتها علة، ولا أثر لها في النفي.
* * *
مفهوم الغاية -نحو: (حتى تنكح) (6) - أقوى من الشرط، فلهذا قال به من لا يقول به كقوم من الحنفية (7) وعبد الجبار (8) المعتزلي.
__________
(1) نهاية 156أمن (ب).
(2) نحو: إِن تزوجتك فأنت طالق.
(3) بعد اليمين وقبل الحنث.
(4) اختار الفخر الرازي في مسألة الصفة مذهب الحنفية، فانظر: المحصول 1/ 2/ 229. وما ذكره المؤلف -هنا- قد ذكره فخر الإِسلام البزدوي في أصوله (انظر: كشف الأسرار 2/ 256 وما بعدها)، فيظهر لي أن المؤلف وجد هذا الكلام منسوبًا للفخر، فظنه الفخر الرازي. والله أعلم.
(5) انظر: أصول السرخسي 1/ 258.
(6) سورة البقرة: آية 230.
(7) انظر: تيسير التحرير 1/ 105، وفواتح الرحموت 1/ 432.
(8) انظر: المعتمد/ 157.
(3/1093)

وأكثر الحنفية (1) (2) وجماعة من الفقهاء والمتكلمين والتميمي (3) من أصحابنا -ذكره عنه (4) ابن شهاب من أصحابنا- والآمدي (5) وغيرهم: على المنع.
قال الحنفية (6): هو من قبيل الإِشارة، وهي: ما (7) استفيد من اللفظ غير مقصود به -كما سبق (8) - لا المفهوم.
القائل به: ما سبق في الصفة.
واستدل: بأن معنى "صوموا إِلى أن تغيب الشمس": "صوموا صوماً آخره غيبوبة الشمس"، فلو وجب صوم بعدها كانت وسطاً لا آخراً.
ورده الآمدي (9): بأن هذا معناه، وإنما الخلاف: هل نفي الحكم بعد الغاية لازم من التقييد بها؛ وهي غاية للصوم المأمور به أولاً (10)، وإنما تصير
__________
(1) انظر: تيسير التحرير 1/ 100، وفواتح الرحموت 1/ 432.
(2) في (ب): وأكثر الحنفية وجماعة من الحنفية وجماعة من الفقهاء والمتكلمين ...
(3) لعله: أبو الحسن التميمي.
(4) في (ب): عن.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 92.
(6) انظر: فواتح الرحموت 1/ 432.
(7) نهاية 322 من (ح).
(8) في ص 1057.
(9) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 93.
(10) فلا يلزم من وجود صوم بعد الغاية أن تصير الغاية وسطاً.
(3/1094)

وسطاً لو استند الصوم بعدها إِلى الخطاب قبلها، وليس كذلك.
وجوابه: أن هذا ظاهر التقييد ما لم يعارضه دليل، ولهذا يتبادر إِلى الفهم ولا يحسن الاستفهام فيما بعدها.
وسلم الآمدي (1) أنه لا يحسن، لكن لعدم دلالة اللفظ عليه (2).
وفيه نظر؛ لاحتماله [له] (3) عنده.
وقال ابن عقيل (4): لا يحسن التصريح بأن ما بعدها كما قبلها.
وهو خلاف ما في التمهيد (5) فيه وفي الشرط، ونقض بهما (6) في الصفة.
وقال الآمدي (7): لا مانع منه (8) إِجماعًا.
* * *
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 93.
(2) حيث إِن ما بعد الغاية غير متعرض له بنفي ولا إِثبات.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(4) انظر: الواضح 2/ 56أ.
(5) انظر: التمهيد/ 74 ب.
(6) يعني: التصريح بأن ما بعد الغاية كما قبلها وأن الحكم بدون الشرط كما هو مع الشرط.
(7) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 92.
(8) يعني: من ورود الخطاب فيما بعد الغاية بمثل الحكم السابق قبل الغاية.
(3/1095)

مفهوم العدد الخاص (1) -ك (ثمانين جلدة) (2) - قال به أحمد وأكثر أصحابه ومالك (3) وداود (4) وبعض الشافعية (5)، وذكره أبو المعالي (6) عن الشافعي، واختياره: أنه من قسم الصفات -وكذا قال أبو الطيب (7) وغيره- لأن قَدْر الشيء صفته.
ونفاه الحنفية (8) والمعتزلة (9) والأشعرية (10) وأكثر الشافعية، واختاره القاضي (11) في جزء صنقه في المفهوم، وذكره أبو الخطاب (12) عن أبي إِسحاق (13) من أصحابنا في (14) مسألة: "الزيادة على النص هل هي نسخ؟ ".
__________
(1) نهاية 156 ب من (ب).
(2) سورة النور: آية 4.
(3) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 270.
(4) نقله في العدة/ 453، والمسودة/ 358. وذكر ابن حزم في الأحكام/ 1153: أن جمهور أصحابهم قال: دليل الخطاب ليس بحجة.
(5) انظر: المنخول/ 209، ونهاية السول 1/ 324.
(6) انظر: البرهان/ 453، 454.
(7) انظر: المسودة/ 352.
(8) انظر: تيسير التحرير 1/ 100، وفواتح الرحموت 1/ 432.
(9) انظر: المعتمد/ 157.
(10) انظر: المحصول 1/ 2/ 216، والإِحكام للآمدي 3/ 94.
(11) انظر: المسودة/ 359. وقد تردد فيها ذكر هذا الجزء للقاضي.
(12) انظر: التمهيد / 102 ب.
(13) الذي وجدته في التمهيد -في هذا الموضع-: عن أبي الحسن التميمي.
(14) نهاية 323 من (ح).
(3/1096)

القائل به: ما سبق (1) في الصفة من قوله: (لأزيدن على السبعين) (2).
ولئلا يعرى عن فائدة.
* * *
مفهوم اللقب (3): حجة عند أكثر أصحابنا، وذكروه (4) عن أحمد، وقاله مالك (5) وداود (6)، واختاره أبو بكر الدقاق وغيره من الشافعية، ذكره أبو المعالي (7).
ونفاه أكثر العلماء، واختاره القاضي (8) في الجزء الذي صنفه (9)، وابن عقيل (10) في تقسيم الأدلة، وصاحب الروضة (11)، وقال: ولو كان مشتقًا كالطعام.
__________
(1) في ص 1079 - 1080.
(2) نهاية 111 أمن (ظ).
(3) أي: الاسم. قال في تيسير التحرير 1/ 131: المراد باللقب -هنا- ما ليس بصفة.
(4) في (ظ): وذكره.
(5) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 270.
(6) نقله في العدة/ 453. وقد ذكر ابن حزم في الإِحكام/ 1153: أن جمهور أصحابهم قال: دليل الخطاب ليس بحجة.
(7) انظر: البرهان/ 453 - 454، واللمع/ 28، والإحكام للآمدي 3/ 95.
(8) انظر: المسودة/ 359.
(9) في المفهوم.
(10) انظر: الواضح 1/ 131 أ-ب.
(11) انظر: روضة الناظر/ 275.
(3/1097)

وقيده بعض أصحابنا (1) بغير المشتق.
قال بعض أصحابنا (1): فيصير في المشتق اللازم كالطعام -هل هو من الصفة أو اللقب؟ - وجهان.
وقال صاحب المحرر (2) وغيره من أصحابنا -وقال: أشار إِليه أبو الطيب في موضع-: إِنه حجة بعد سابقة ما يعمه -كقوله: (وترابها طهوراً) بعد قوله: (جعلت لي الأرض مسجدًا (3))، وكما لو قيل: يا رسول الله، [هل] (4) في بهيمة الأنعام زكاة؟ فقال: "في الإِبل زكاة"، أو: هل نبيع الطعام بالطعام (5)؟ فقال: "لا تبيعوا البر بالبر"- تقوية للخاص بالعام كالصفة بالموصوف. قال: وأكثر ما جاء عن أحمد في مفهوم اللقب لا يخرج عن هذا.
وجعله (6) بعض أصحابنا (7) حجة في اسم جنس لا اسم عين؛ لأن
__________
(1) انظر: المسودة/ 352.
(2) انظر: المرجع السابق / 352 - 353.
(3) هذا الحديث رواه حذيفة بن اليمان مرفوعًا. أخرجه مسلم في صحيحه/ 371، والدارقطني في سننه 1/ 175 - 176، وابن خزيمة في صحيحه 1/ 133، وأبو عوانة في مسنده 1/ 303، والبيهقي في سننه 1/ 213.
وراجع: التلخيص الحبير 1/ 148 - 149، ونصب الراية 1/ 158 - 159.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(5) يعني: متفاضلاً.
(6) نهاية 157 أمن (ب).
(7) انظر: المسودة/ 359.
(3/1098)

خطاب الشارع إِنما يجيء عاما لا مشخصًا.
وجه الأول: لو تعلق الحكم بالعام لم يتعلق بالخاص؛ (1) لأنه (2) أخصر وأعم.
ولأنه يميز مسماه كالصفة.
فإِن قيل: الصفة يجوز جعلها علة.
قيل: وكذا الاسم، فالتراب علة.
واحتج ابن عقيل (3): لو قال لمن يخاصمه: "ما أمي بزانية" فهم نسبة الزنا إِلى أمه، وحُدّ عند مالك (4) وأحمد.
رد هذا: للقرينة.
القائل "ليس بحجة" (5): ما سبق (6) من الفرق بينه وبين الصفة.
واستدل: يلزم كفر من قال: "محمَّد رسول الله" و"زيد موجود" ظاهرًا.
__________
(1) هذا تعليل لعدم تعليقه بالخاص.
(2) يعني: التعليق بالعام.
(3) انظر: الواضح 2/ 64 ب.
(4) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 112.
(5) نهاية 324 من (ح).
(6) في ص 1076.
(3/1099)

رد: لا يكفر؛ لأنه لم يتنبه للدلالة أو لم يُرِدْها.
واستدل: يلزم إِبطال القياس، لظهور الأصل في مخالفة الفرع له ظاهرًا.
رد: سبق (1) في تخصيص العام بالمفهوم: يقدم القياس، أو يتعارضان.
وسبق (2) في الصفة: أن مع المساواة لا مفهوم.
وأجاب في العدة (3): يبطل بالصفة تمنع (4) القياس (5)، كذا هنا (6).
وأجاب أيضًا (7) -وفي التمهيد (8) -: بأنه يدل لغة وبمنعه شرعًا وبأنه حجة ما لم يُسقط القياس.
واستدل: لو دل لم يحسن الخبر عن أكل زيد إِلا بعد علمه بنفيه عن غيره.
رد: للقرينة.
واستدل: لا يدل على نفيه عن عمرو.
__________
(1) في ص 962 وما بعدها.
(2) في ص 1078.
(3) انظر: العدة/ 477.
(4) في (ب): بمنع.
(5) فيما عداها.
(6) يمنع الاسم القياس فيما عداه، ولا فرق بينهما.
(7) انظر: العدة/ 477.
(8) انظر: التمهيد/ 72 ب.
(3/1100)

أجاب في التمهيد (1) بمنعه إِن أخبر عنهما نحو: دعوتهما فأكل زيد.
ثم: هذا في الخبر بخلاف التكليف.
* * *
إِذا خص نوع بالذكر بحكم مدح أو ذم -أو غيره مما لا يصلح للمسكوت- فله مفهوم، كقوله: (كلا إِنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون) (2)، فالحجاب عذاب، فلا يحجب من لا يعذب، ولو حجب الجميع لم يكن عذابًا.
قال مالك (3): لما حجب أعداءه تجلى لأوليائه حتى رأوه (4).
وقال الشافعي (5): لما حجب قومًا بالسخط دل على أن قوماً يرونه بالرضا.
وكذا احتج بها أحمد (6) وغيره في الرؤية.
__________
(1) انظر: المرجع السابق.
(2) سورة المطففين: آية 15.
(3) انظر: زاد المسير 9/ 56، وتفسير القرطبي 19/ 261.
(4) نهاية 157 ب من (ب).
(5) انظر: أحكام القرآن للشافعي 1/ 40، وزاد المسير 9/ 56، وتفسير القرطبي 19/ 261، وتفسير ابن كثير 4/ 485 - 486.
(6) انظر: الرد على الجهمية والزنادقة/ 129.
(3/1101)

وقال الزجاج (1): لولا ذلك لم يكن فيها فائدة، ولا خَسّت منزلتهم بحجبهم.
* * *
إِذا اقتضى الحال أو (2) اللفظ عموم الحكم لو عم (3) فتخصيص بعضٍ بالذكر (4) له مفهوم (5)، كقوله: (وفضلناهم على كثير) (6)، و (ألم تر أن الله (7) يسجد له) إِلى قوله: (وكثير من الناس) (8)، ذكره بعض أصحابنا (9) وغيرهم (10).
* * *
__________
(1) انظر: زاد المسير 9/ 56، وتفسير القرطبي 19/ 261.
(2) نهاية 111 ب من (ظ).
(3) يعني: الحكم.
(4) مع قيام المقتضي للبعض الآخر.
(5) يعني: يكون دليلاً على انتفاء الحكم فيه.
(6) سورة الإِسراء: آية 70.
(7) جاء أول الآية في النسخ هكذا (لله يسجد).
(8) سورة الحج: آية 18.
(9) انظر: المسودة/ 364.
(10) نهاية 325 من (ح).
(3/1102)

فعله - عليه السلام - له دليل، ذكره أصحابنا، منهم: القاضي (1)، وأخذوه من قول أحمد (2): لا يصلى على ميت بعد شهر؛ لحديث أم (3) سعد (4).
وضَعَّف هذه الدلالة بعض أصحابنا (5) وغيرهم.
وأكثر كلام ابن عقيل (6) مثله، وجَوَّز أن المستند استصحاب الحال، وقال: ليس للفعل صيغة تخص ولا تعم فضلاً أن نجعل لها دليل خطاب.
* * *
وذكر بعضهم ضهوم قِران العطف. وسبقت المسألة في العموم (7).
__________
(1) و (2) انظر: العدة/ 478.
(3) هي: الصحابية عمرة بنت مسعود بن قيس، والدة سعد بن عبادة.
(4) أخرج الترمذي في سننه 2/ 251 - وسكت عنه- والبيهقي في سننه 4/ 48 - 49 عن سعيد بن المسيب -مرسلاً-: أن أم سعد ماتت والشعبي غائب، فلما قدم صلى عليها، وقد مضى لذلك شهر. قال البيهقي: وهو مرسل صحيح. قال: ورواه سويد بن سعيد عن يزيد بن زريع عن شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس موصولاً ... والمشهور: عن قتادة عن ابن المسيب عن النبي مرسلاً. وحكى أبو داود عن أحمد أنه قيل له: حدث به سويد عن يزيد بن زريع، قال: لا تحدث بمثل هذا.
(5) انظر: المسودة/ 353.
(6) انظر: الواضح 2/ 68 أ-ب، والمسودة/ 353.
(7) في ص 856.
(3/1103)

مسألة
" إنما" تفيد الحصر نطقًا عند صاحب التمهيد (1) والروضة (2) والفخر إِسماعيل (3) وغيرهم، وقاله الجرجاني (4) وغيره من الحنفية (5) والغزالي (6) وغيره من الشافعية (7).
وعند ابن عقيل (8) والحلواني (9) من أصحابنا: تفيده بالمفهوم، وقاله بعض الشافعية وجماعة من المتكلمين، وذكره في العدة (10)، وذكر في العمدة (11) احتمالين (12).
__________
(1) انظر: التمهيد/ 4 ب، 75 ب.
(2) انظر: روضة الناظر/ 271.
(3) انظر: المسودة/ 354.
(4) انظر: العدة/ 479، والمسودة/ 354.
(5) انظر: تيسير التحرير 1/ 132، وفواتح الرحموت 1/ 434.
(6) انظر: المستصفى 2/ 207.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 97.
(8) انظر: الواضح 2/ 69أ.
(9) انظر: المسودة/ 354.
(10) انظر: العدة/ 205، 478 - 479.
(11) العمدة: كتاب في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى. انظر: مقدمة تحقيق العدة/ 10.
(12) انظر: المسودة/ 354.
(3/1104)

وعند أكثر (1) الحنفية (2): لا تفيد الحصر، وتؤكد الإِثبات، واختاره بعض أصحابنا (3) والآمدي (4) وغيرهما (5).
القائل بالحصر: تبادر الفهم بلا دليل.
عورض: هذا لو انحصر دليل الحصر في "إِنما".
وجوابه: الأصل عدم غيره، والفرض فيه.
واحتج ابن عباس على إِباحة (6) ربا الفضل (7) بقوله - عليه السلام -: (إِنما الربا في النسيئة) (8) -وشاع في الصحابة ولم ينكر، وعُدِل إِلى دليل- وهو في الصحيحين، لكن فيهما: (لا ربا إِلا في النسيئة) (9).
__________
(1) ضرب على (أكثر) في (ب) و (ظ).
(2) قال في تيسير التحرير 1/ 132: "نسب للحنفية"، ثم تعقبه.
وانظر: فواتح الرحموت 1/ 434.
(3) انظر: البلبل/ 125.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 97.
(5) في (ب): وغيره.
(6) نهاية 158 أمن (ب).
(7) تقدمت مسألة إِباحة ابن عباس لربا الفضل في ص 507.
(8) أخرجه مسلم في صحيحه/ 1218، والنسائي في سننه 7/ 28، وابن ماجه في سننه / 759، والطحاوي في شرح معاني الآثار 4/ 64 من حديث أسامة مرفوعًا.
(9) أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 74 - 75، والنسائي في سننه 7/ 281، وأحمد في مسنده 5/ 202، والطحاوي في شرح معاني الآثار 4/ 64 من حديث أسامة مرفوعاً=
(3/1105)

واستدل: بأن "إِن" للإِثبات، و"ما" للنفي.
رد: تحكم؛ لأن "ما" لها أقسام.
ثم: يلزم نفي طلب المجد في قول امرئ القيس (1):
ولكنما أسعى لمجد مؤثَل (2)
وهو يناقض ما قبله وما بعده.
ثم: "ما" -هنا- زائدة عند النحاة (3)، تكف "إِنّ" عن العمل.
وبأن كلا منهما له صدر الكلام فلا يجمع بينهما، ك "لام الابتداء" مع (4) "إِنّ"، لكن تدخل، "لام الابتداء (5) " على خبرها، وتدخل عليه "ما"
__________
=وأخرجه مسلم في صحيحه/ 1217 - 1218 بلفظ: (الربا في النسيئة) وبلفظ: (إِنما الربا في النسيئة). وانظر: فتح الباري 4/ 381.
(1) هو: امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندي، الشاعر الجاهلي المشهور. انظر: الشعر والشعراء 1/ 52 - 86، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 1/ 125، والمزهر 2/ 443.
(2) هذا صدر بيت عجزه:
وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي.
وهو من قصيدة مطلعها:
ألا عِمْ صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يَعِمَنْ من كان في العُصُر الخالي
فانظر: ديوان امرئ القيس / 39.
والمؤثل: المثمر الذي له أصل، وهو الكثير أيضًا.
(3) انظر: المقتضب 1/ 54، 2/ 363.
(4) في (ب): من.
(5) في (ظ): الابتنا.
(3/1106)

إِن كان جملة، و"إِنّ" لتأكيد مضمونها.
وفي التمهيد (1) والروضة (2) وغيرهما: "إِنما" كأداة الاستثناء.
رد: عين الدعوى.
القائل بعدمه: "إِنما زيد قائم" بمعنى: "إِن زيدًا قائم" (3)، و"ما" زائدة، فهي كالعدم.
ولأنها ترد للحصر وغيره، فيلزم منه المجاز أو الاشتراك، وهما خلاف الأصل.
رد: بما سبق، ويخالف الأصل بدليل.

مسألة
مثل قوله: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم (4))، وقول القائل:
__________
(1) انظر: التمهيد/ 4 ب، 75 ب.
(2) انظر: روضة الناظر/ 271.
(3) نهاية 326 من (ح).
(4) هذا جزء من حديث رواه علي مرفوعاً. أخرجه أبو داود في سننه/ 49 - 50، والترمذي في سننه 1/ 5 - وقال: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن- وابن ماجه في سننه/ 101، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 273، والبيهقي في سننه 2/ 173، 379، وأحمد في مسنده 1/ 123، 129، والدارقطني في سننه 1/ 360، وابن أبي شيبة في مصنفه 1/ 229. ورواه أبو سعيد مرفوعًا. أخرجه الترمذي في سننه 1/ 151، وابن أبي شيبة في مصنفه 1/ 229، وابن ماجه في سننه/ 101، والبيهقي في سننه 2/ 280، والدارقطني في سننه 1/ 359. وراجع: نصب الراية 1/ 307 - 308.
(3/1107)

"العالم زيد وصديقي زيد" -ولا قرينة عهد- يفيد الحصر نطقًا (1)، على كلام القاضي في تعليقه في قوله (2): (الشفعة فيما لم يقسم)، واختاره صاحب الروضة (3) والمحرر (4) من أصحابنا -وذكره قول المحققين- وأبو المعالي (5) والغزالي (6) وجماعة.
وقيل: يفيده بالفهوم، ولهذا احتج ابن عقيل (7) -أن المفهوم حجة- بأن الصحابة احتجت (8) بقوله: (الماء من الماء) على أنه لا غسل بغير إِنزال.
وعند الحنفية (9) -أو أكثرهم- وابن الباقلاني (10) والآمدي (11) وغيرهم: لا يفيد الحصر.
__________
(1) في (ظ): قطعاً.
(2) في (ب): قول.
(3) انظر: روضة الناظر/ 272.
(4) انظر: المسودة/ 363.
(5) انظر: البرهان/ 478.
(6) انظر: المستصفى 2/ 207.
(7) انظر: الواضح 2/ 54 أ - ب، والمسودة/ 363.
(8) نهاية 112 أمن (ظ).
(9) انظر: تيسير التحرير 1/ 134، وفواتح الرحموت 1/ 434.
(10) انظر: المستصفى 2/ 207، والإِحكام للآمدي 3/ 98.
(11) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 98.
(3/1108)

القائل بالحصر: التعريف (1) باللام والإِضافة للاستغراق، وخبر المبتدأ يجب كونه مساويا للمبتدأ أو أعم، لا يجوز أخص نحو: "الحيوان إِنسان"، ولهذا احتجت به الصحابة.
وسلمه الآمدي (2) لو ثبت أن اللام للجنس، لكن هي ظاهرة في البعض.
وجوابه: ما سبق (3) في عمومها.
واستدل: لو لم يفده لأخبر عن الأعم بالأخص، لتعذر كون اللام للجنس لعدم صدق "كل عالم زيد" و"كل صديقي زيد"، ولا قرينة عهد، فوجب جعله لمعهود ذهني بمعنى: الكامل والمنتهي في العلم والصداقة.
رد: المعروف جعله لمعهود بعضي نحو: أكلت الخبز.
ثم: بتسليمه (4)، واللام للمبالغة، فلا حصر (5).
ونص سيبويه (6) في "زيد الرجل": اللام للمبالغة، أي: الكامل في الرجولية.
__________
(1) نهاية 158 ب من (ب).
(2) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 98.
(3) في ص 769 - 770.
(4) يعني: تسليم ما ذكرتم.
(5) في (ح): ولا حصر.
(6) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 112.
(3/1109)

ويلزم الخصم الحصر بما ذكره في "زيد العالم" (1).
فإِن قال: اللام فيه للماهية، فيخبر بالأعم عن الأخص.
فجوابه: (2) شرطه (3) تنكير الأعم (4) ليعم على البدل.
فإِن قال: اللام فيه للعهد بقرينة تقديم "زيد".
فجوابه: يمنع منه استقلاله (5) بالتعريف، وإلا لتوقف تعريفه على تقديم (6) قرينة "زيد".
القائل بعدمه: ما سبق: لو أفاده لأفاده عكسه.
وأيضاً: لكان التقديم يغير مدلول نفس الموضوع والمحمول.
وجواب: منع أن الدلالة لا تختلف بالتركيب.
__________
(1) في (ح): شرط.
(2) فيقال: يلزم الأخبار بالعام عن الخاص ... إِلخ.
(3) يعني: شرط جواز الأخبار بالأعم عن الأخص.
(4) نهاية 327 من (ح).
(5) يعني: وجوب استقلاله.
(6) في (ح) و (ظ): تقدم.
(3/1110)

النسخ
لغة (1): الرفع والإِزالة "نسخت الشمس الظل"، والنقل "نسخت النحل (2) " (3)، ومنه: المناسخات في المواريث.
فعند أصحابنا وأبي الحسين (4) وغيرهم: حقيقة في الأول.
وعند القفال (5) الشافعي: في الثاني.
وعند ابن الباقلاني (5) والغزالي (6) وغيرهما: مشترك.
.....................
وشرعًا: رفع حكم شرعي بقول الشارع (7) أو فعله متراخيًا.
فيخرج: مباح (8) بحكم الأصل، والرفع لعدم الفهم (9)، وبنحو: صَلِّ إِلى آخر الشهر.
__________
(1) انظر: معجم مقاييس اللغة 5/ 424.
(2) في (ح): النخل.
(3) إذا نقلته من خلية إِلى أخرى.
(4) انظر: المعتمد/ 394.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 102.
(6) انظر: المستصفى 1/ 107.
(7) نهاية 159 أمن (ب).
(8) يعني: رفع مباح.
(9) يعني: بالنوم والغفلة مثلاً.
(3/1111)

والمراد ب "الحكم" ما تعلق بالمكلف بعد وجوده أهلاً، فالتكليف المشروط بالعقل عدم عند عدمه.
فلا يرد: الحكم قديم، فلا يرتفع.
ولا ينتقض عكسه بتخصيص متأخر؛ لأنه بيان لا رفع عند أصحابنا وغيرهم، خلافاً لبعضهم.
وهذا معنى حدّ أبي الخطاب (1)، وزاد: "رفع مِثْل الحكم"؛ لئلا يرد البَدَاء -وهو ظهور ما لم يكن- لأنه رفع نفس الحكم، وقال: على وجه لولاه لكان ثابتًا.
وأبطله الآمدي (2): بأن إِزالة المِثْل قبل وجوده وبعد عدمه محال، وكذا معه؛ لأنها إِعدام.
وفيه نظر، لكن يلزم منع نسخ أمر مقيد بمرة قبل فعله.
وقال بعض أصحابنا: منع استمرار [حكم] (3) خطاب شرعي بخطاب شرعي متراخ عنه.
وهو مراد الآمدي (4) بحدّه.
__________
(1) انظر: التمهيد/ 93أ - ب.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 104.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(4) انظر: المرجع السابق 3/ 107.
(3/1112)

وكذا في الروضة (1): رفع حكم ثابت بخطاب [بخطاب] (2) متراخ عنه.
وقال القاضي (3): بيان انقضاء (4) مدة العبادة (5) التي ظاهرها الإِطلاق، أو: بيان ما لم يرد باللفظ العام في الأزمان.
وقال -أيضاً- (6): إِخراج ما لم يرد باللفظ العام في الأزمان، مع تراخيه عنه.
وغَلّط من قال: "ما أريد (7) باللفظ"؛ لإِفضائه إِلى البَدَاء.
وهو خلاف ما قاله في النسخ قبل الوقت (8) وما قاله أكثر الأصحاب وغيرهم.
وقال أبو المعالي (9): لفظ قال على ظهور انتفاء شرط دوام الحكم الأول.
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 69.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب) و (ظ).
(3) انظر: العدة/ 155 - 156.
(4) نهاية 328 من (ح).
(5) نهاية 112 ب من (ظ).
(6) انظر: العدة / 778 - 779.
(7) يعني: إِخراج ما أريد باللفظ.
(8) انظر: العدة/ 810 - 811، والمسودة/ 195.
(9) انظر: البرهان/ 1297.
(3/1113)

فيرد: أن اللفظ دليل النسخ لا نفسه.
ونقض طرده بقول العدل: "نُسِخ حكم كذا"، وعكسه (1): بفعله عليه السلام.
ثم: حاصله: "اللفظ الدال على النسخ (2) "؛ لأنه فَسَّر "شرط دوام الحكم" بانتفاء النسخ، فانتفاء شرط (3) دوامه (4) حصوله (5). (6)
وقال ابن الباقلاني (7) وابن عقيل (8) والغزالي (9): خطاب قال على ارتفاع حكم ثابت بخطاب متقدم، على وجه لولاه لكان ثابتًا، مع تراخيه عنه.
وأُورد: الثلاث السابقة على أبي المعالي، وأن قوله: "على وجه إِلى آخره" زيادة.
__________
(1) نهاية 159 ب من (ب).
(2) فيكون تعريفًا للشيء بنفسه.
(3) شرط دوامه: هو انتفاء النسخ.
(4) يعني: دوام الحكم.
(5) قوله (حصوله) خبر لقوله (فانتفاء).
(6) يعني: حصول النسخ.
(7) انظر الإِحكام للآمدي 3/ 105، والمنتهى لابن الحاجب/ 113.
(8) انظر: الواضح 1/ 44 ب- 45 أ.
(9) انظر: المستصفى 1/ 107.
(3/1114)

وأجاب الآمدي (1) عن الأول: بمنع أن النسخ ارتفاع الحكم، بل (2) نفس الرفع -وهو الفعل- صفة الرافع، وهو الخطاب الدال على الارتفاع -ومستلزم له (3) - وهو الانفعال صفة المرفوع المفعول، على نحو فسخ العقد وانفساخه، وأن فعله - عليه السلام - لا يدل على الارتفاع، بل على الخطاب الدال عليه، والزيادة لا تخل بصحة الحد، وفيها فائدة.
وحكي عن الفقهاء (4): النص الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعي مع التأخر عن زمن وروده.
فيرد: الأول والثالث.
فإِن فرّوا من "الرفع (5) " -لِقِدم الحكم وتعلقه (6) عقلاً -فانتهاء أمد الوجوب [ينافي بقاء الوجوب] (*) على المكلف، وهو معنى الرفع.
وإن فروا -لأنه لا يرتفع تعلق بمستقبل- لزم منع النسخ قبل الفعل (7).
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 106 - 107.
(2) تكرر (بل) في (ب).
(3) يعني: للارتفاع.
(4) انظر: البرهان/ 1293.
(5) إِلى الانتهاء.
(6) يعني: وقدم تعلقه.
(*) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(7) وهو خلاف مذهبهم.
(3/1115)

وإن فروا -لأنه ينافي (1) أمد تعلق الحكم بالمستقبل المظنون دوامه- فلا بد من زوال التعلق، فصح إِطلاق الرفع عليه.
وقالت المعتزلة (2): خطاب قال على أن مِثْل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتًا.
فيرد: ما على الغزالي.
وأورد: الأمر المقيد بمرة ينسخ قبل فعله (3). وهم يمنعونه (4).
وفي الواضح (5): حَدُّهم يصرح بأن الناسخ يزيل ما ثبت بالخطاب الأول، وكلهم يقول: "ما أزاله لم يثبت بالأول، ولو ثبت به لم يجز زواله (6) [للبَدَاء] (7) على الله"، وهذه مناقضة.
* * *
__________
(1) في المنتهى لابن الحاجب 1/ 13، ومختصره بشرح العضد 2/ 186، 187: لأنه بيان أمد ... إِلخ.
(2) انظر: المعتمد/ 395، 396، 397، والبرهان/ 1294.
(3) ولم يتناوله الحد.
(4) يعني: لا يجيزون نسخه.
(5) انظر: الواضح 1/ 46أ.
(6) نهاية 160أمن (ب).
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(3/1116)

والناسخ -حقيقة- هو: الله عندنا وعند الأشعرية (1)، وطريق معرفته عند (2) المعتزلة (3).

مسألة
أهل الشرائع على جواز النسخ عقلاً ووقوعه شرعًا.
وخالف أكثر اليهود (4) في الجواز، وأبو مسلم (5) الأصفهاني في الوقوع (6).
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 108.
(2) نهاية 329 من (ح).
(3) انظر: المعتمد / 369، والإحكام للآمدي 3/ 108.
(4) قال العطار في حاشيته على شرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 121: نبه البلقيني على أن حكايته خلاف اليهود في كتب أصول الفقه مما لا يليق؛ لأن الكلام في أصول الفقه فيما هو مقرر في الإسلام وفي اختلاف الفرق الإسلامية، أما حكايته خلاف الكفار فالمناسب ذكرها في أصول الدين.
(5) هو: محمَّد بن بحر، معتزلي متكلم بليغ، ولد سنة 254 ه، وتوفي سنة 322 ه.
من مؤلفاته: جامع التأويل لمحكم التنزيل، وهو كتاب في التفسير على مذهب المعتزلة.
انظر: فرق وطبقات المعتزلة/ 299، ولسان الميزان/ 895، وطبقات المفسرين للداودي 2/ 106.
(6) كثرت النقول عن أبي مسلم في مسألة جواز النسخ وعدمه، فقيل: يمنعه بين الشرائع، في الشريعة الواحدة، وقيل: في القرآن خاصة، وحرر ابن السبكي في رفع الحاجب 2/ 132 ب المسألة، وردّ الخلاف فيها إِلى الخلاف اللفظي، فقال: الإِنصاف أن الخلاف=
(3/1117)

لنا: القطع بعدم استحالة تكليف في وقت (1) ورفعه.
وإن قيل: "أفعال الله متابعة لمصالح العباد -كالمعتزلة-" فالمصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات.
وفي التوراة: أنه أمر آدم بتزويج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك.
واستدل: بتحريم السبت، وكان مباحًا، وبجواز الختان مطلقًا، ثم وجب في ثامن الولادة عندهم، وبجواز جمع الأختين، ثم حرم.
رد: رفع مباح الأصل ليس بنسخ إِجماعًا.
قالوا: لو صح بطل قول موسى المتواتر: إِن شريعته مؤبدة.
__________
=بين أبي مسلم والجماعة لفظي؛ وذلك أن أبا مسلم يجعل ما كان مُغَيّا في علم الله تعالى كما هو مُغَيّا باللفظ، ويسمي الجميع تخصيصًا، ولا فرق عنده بين أن يقول: "وأتموا الصيام إِلى الليل" وأن يقول: "صوموا مطلقًا"، وعلمه محيط بأنه سينزل: "لا تصوموا وقت الليل"، والجماعة يجعلون الأول تخصيصًا والثاني نسخًا، ولو أنكر أبو مسلم النسخ بهذا المعنى لزمه إِنكار شريعة المصطفى، وإنما يقول: كانت شريعة السابقين مغياة إِلى مبعثه عليه السلام، وبهذا يتضح لك الخلاف الذي حكاه بعضهم في أن هذه الشريعة مخصصة للشرائع أو ناسخة، وهذا معنى الخلاف. انتهى كلام ابن السبكي، وهو من أدرى الناس بكلام الأصفهاني؛ إِذ قد وقف على تفسيره واطلع على آرائه كما ذكر ذلك في رفع الحاجب.
انظر: تعليق الدكتور -محمَّد حسن هيتو- على التبصرة/ 251، وراجع: شرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 88 - 89.
(1) نهاية 113أمن (ظ).
(3/1118)

رد: موضوع؛ للقطع -عادة- بأنه لو صح عارضوا به محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، ولَمَا أسلم علماؤهم كابن سلام (1) وكعب (2) ووهب (3).
ثم: المراد نحو التوحيد، أو: مؤبدة ما لم تنسخ.
قالوا: إِن نسخ لحكمة ظهرت بعد أن لم تكن فهو البَدَاء، وإلا فعبث (4)، ولا يجوز البداء على الله -وهو تجدّد العلم- إِلا عند الرافضة، وهو كفر، ومن كذبهم حكايته (5) عن موسى بن جعفر (6)
__________
(1) هو: الصحابي أبو يوسف عبد الله بن سلام.
(2) هو: أبو إِسحاق كعب بن ماتع الحميري، المعروف بكعب الأحبار، قال ابن حجر: أدرك النبي رجلاً، وأسلم في خلافة أبي بكر، وقيل: في زمن النبي، والراجح أن إِسلامه كان في خلافة عمر. أ. ه. كان يهوديًا قبل إِسلامه، وتوفي بحمص سنة 32 ه.
انظر: الإِصابة 5/ 647.
(3) هو: أبو عبد الله وهب بن منبه بن كامل اليماني الصنعاني الذماري، عالم أهل اليمن، تابعي حافظ، كان عنده من علم أهل الكتاب شيء كثير، فإِنه صرف عنايته إِلى ذلك، وكان ثقة واسع العلم ينظر بكعب الأحبار في زمانه، توفي بصنعاء سنة 116 ه، وكان مولده سنة 34 ه.
انظر: حلية الأولياء 4/ 23، والعبر 1/ 143، وتذكرة الحفاظ/ 100، وتهذيب التهذيب 11/ 166، وشذرات الذهب 1/ 50.
(4) ضرب على (وإلا فعبث) في (ب) و (ظ)، ثم كتب متأخرًا على ما سيأتي في الصفحة التالية.
(5) في (ظ): حكايتهم.
(6) هو: أبو الحسن موسى بن جعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن=
(3/1119)

وعن علي (1)، وذكره ابن عقيل (2) عن المختار (3) وغيره، وأن بعضهم جَوّزه فيما لم يطلعنا عليه (4).
رد: إِن سلم اعتبار المصلحة فهو لحكمة علمها قديمًا تكون عند نسخه؛ لاختلاف الأوقات والأحوال، فلم يظهر ما لم يكن.
__________
=أبي طالب، الكاظم، توفي ببغداد سنة 183 ه.
انظر: تاريخ بغداد 13/ 27، ووفيات الأعيان 2/ 131، وصفة الصفوة 1/ 103، والبداية والنهاية 10/ 183.
(1) انظر: الواضح 2/ 223أ، والإِحكام للآمدى 3/ 109 - 110.
(2) انظر: الواضح 2/ 223 ب.
(3) هو: أبو إِسحاق المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، من زعماء الثائرين على بني أمية، ولد سنة اه، وسكن البصرة بعد علي، ولما قتل الحسين سنة 61 ه انحرف المختار عن عبيد الله بن زياد -أمير البصرة- فقبض عليه ابن زياد وجلده، ثم نفاه إِلى الطائف، ولما مات يزيد بن معاوية سنة 64 ه -وقام عبد الله بن الزبير في المدينة يطلب الخلافة- ذهب إِليه المختار وعاهده، ثم خرج إِلى الكوفة فتتبع قتلة الحسين، واشتهر أمره، واستبد بالسلطة، فقاتله مصعب بن الزبير- أمير البصرة بالنيابة عن أخيه- حتى قتله سنة 67 ه بالكوفة.
انظر: تاريخ الأمم والملوك 7/ 58، 93، 112، 130، 133، 140، 146، والكامل في التاريخ 4/ 168، 211، 246، 258، 267، والإِصابة 6/ 349.
(4) في (ب) و (ظ): لم يطلعنا عليه، وإلا فعبث. وسبقت الإِشارة إلى هذا في هامش 4 من الصفحة السابقة.
(3/1120)

قالوا: إِنْ قيد الأول بوقت فلا نسخ؛ لانتهائه بانتهاء وقته (1)، وإن دل على التأبيد فلا نسخ؛ لاجتماع الإِخبار بالتأبيد ونفيه، وهو تناقض، ولأنه يؤدي إِلى تعذر الإِخبار بالتأبيد لاحتمال النسخ، وإلى أنه لا يوثق بتأبيد حكم، وإلى نسخ شريعتكم.
رد: مطلق، فيدل على تعلق الوجوب، لا على البقاء ونفيه.
ثم: لو دل على التأبيد فالأمر بشيء في المستقبل أبداً لا يستلزم دوامه، بل إِن الفعل فيه (2) متعلق الوجوب (3)، فزوال التعلق به بنسخ ليس مناقضة كالموت، إِنما التناقض في خبره ببقاء الوجوب أبدًا ثم ينسخه.
ونسخ شريعتنا محال؛ للتواتر بأن محمدًا خاتم النبيين.
قالوا: لو جاز لكان قبل الفعل، ولا رفع لما لم يوجد، ولا بعده لعدمه، ولا معه، وإلا ارتفع حال وجوده.
رد: المراد زوال التكليف الثابت بعد أن لم يكن (4)، كزواله بالموت، لا ارتفاع الفعل.
قالوا: إِن عُلِم دوامه أبدًا فلا نسخ، أو إِلى مدة معينة فارتفاع الحكم بوجود غايته ليس بنسخ.
__________
(1) نهاية 160 ب من (ب).
(2) يعني: في المستقبل أبدًا.
(3) نهاية 330 من (ح).
(4) يعني: بعد أن لم يكن التكليف قد ثبت.
(3/1121)

رد: يعمله مستمراً إِلى وقت ارتفاعه بالنسخ، وعلمه بارتفاعه به يحقق النسخ (1).
ولنا -على الأصفهاني-: الإِجماع أن شريعتنا ناسخة لما خالفها.
ونسخ [التوجه] (2) إِلى بيت المقدس (3)، وتقديم الصدقة لمناجاته عليه السلام (4)، وصوم عاشوراء (5)، وغيره.
__________
(1) لا يمنعه.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(3) قال تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) سورة البقرة: آية 144.
وقد أخرج خبر نسخ التوجه إِلى بيت المقدس البخاري في صحيحه 1/ 84، ومسلم في صحيحه/ 374 من حديث البراء بن عازب.
(4) قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إِذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلكم خير لكم وأطهر فإِن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم * أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإِذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون) سورة المجادلة: الآيتان 12، 13.
وخبر نسخ تقديم الصدقة: أخرجه الترمذي في سننه 5/ 80 - 81، والطبري في تفسيره 28/ 14 - 16، ومجاهد في تفسير5/ 660 - 661.
وانظر: أسباب النزول للواحدي/ 234 - 235، والمعتبر 179أ- ب.
(5) نسخ صوم عاشوراء: أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 43، ومسلم في صحيحه/ 792 من حديث عائشة مرفوعًا.
(3/1122)

مسألة
بيان الغاية المجهولة -كقوله: (حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً) (1) - اختلف كلام أصحابنا وغيرهم: هل هو نسخ أم لا؟ والأظهر النفي.

مسألة (2)
يجوز النسخ قبل الفعل بعد دخول الوقت، ذكره القاضي (3) وابن عقيل (4) إِجماعًا، وفي التمهيد (5): "لا أعلم فيه خلافاً"، قال: ولا فرق -عقلاً- بين (6) أن يعصَي أو يطيع.
وجزم بعضهم بالمنع (7)؛ لعصيانه.
....................
__________
(1) سورة النساء: آية 15.
(2) نهاية 113 ب من (ظ).
(3) انظر: العدة/ 807.
(4) انظر: الواضح 2/ 264أ.
(5) انظر: التمهيد / 95 ب- 96أ.
(6) نهاية 161 أمن (ب).
(7) يعني: منع النسخ.
(3/1123)

ويجوز قبل وقت الفعل عند أصحابنا، وذكره القاضي (1) ظاهر قول أحمد: "إِذا شاء الله نسخ من كتابه ما أحبّ" -وفيه نظر- وقاله الأشعرية (2) وأكثر الشافعية، وذكره الآمدي (3) قول أكثر الفقهاء.
ومنعه أكثر الحنفية (4) والمعتزلة (5)
ولأبي الحسن (6) التميمي من أصحابنا قولان.
لنا: ما تواتر (7) -وفي الصحيحين (8) وغيرهما- من نسخ فرض
__________
(1) انظر: العدة/ 807.
(2) انظر: اللمع/ 33، والتبصرة/ 260، والمنخول 297، والمستصفى 1/ 112، والإِحكام للآمدي 3/ 126.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 126.
(4) نقل عن جمهورهم القول بالجواز. فانظر: أصول السرخسي 2/ 63، وتيسير التحرير 3/ 87، ومسلم الثبوت (فواتح الرحموت 2/ 61).
وقال في فواتح الرحموت -بعد أن حكى صاحب السلم القول بالمنع عن بعض الحنفية-: بل رؤسائهم كالكرخي والماتريدي والجصاص والدبوسي، قال: وقولهم هو الحق المتلقى بالقبول.
(5) انظر: المعتمد/ 407.
(6) انظر: العدة/ 808. والمسودة/ 207.
(7) في (ح) و (ظ): ما تواترا وفي.
(8) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 74 - 75، 4/ 109 - 110، 135 - 136، ومسلم في صحيحه/ 145 وما بعدها، والترمذي في سننه 1/ 137، والنسائي في سننه=
(3/1124)

خمسين [صلاة] (1) في السماء ليلة الإِسراء بخمس قبل تمكّنه - عليه السلام - من الفعل.
والإِسراء يقظة (2) عند أحمد وأصحابه وعامة السلف والخلف، وهو ظاهر الأخبار.
وفي فنون ابن عقيل: إِن الرواية عن أحمد اختلفت فيه. كذا قال.
وفي رواية شريك (3): "وهو نائم". رواه البخاري (4).
__________
=1/ 217 وما بعدها، وابن ماجه في سننه/ 448، وأحمد في مسنده 3/ 149، 5/ 144 من حديث أنس مرفوعًا.
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(2) انظر: تفسير الطبري 15/ 13، وشرح الطحاوية/ 246، والمعراج للقشيري/ 65، وتفسير القرطبي 10/ 208، وفتح الباري 13/ 484.
(3) هو: أبو عبد الله شريك بن عبد الله بن أبي نمر القرشي -وقيل: الليثي- المدني، تابعي روى عن أنس وسعيد بن المسيب وعكرمة وغيرهم، وعنه الثوري ومالك والدراوردي وغيرهم، توفي سنة 144 ه. قال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو داود: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي: إِذا روي عنه ثقة فإِنه ثقة. قال ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ.
انظر: ميزان الاعتدال 2/ 269، وتهذيب التهذيب 4/ 337، وتقريب التهذيب 1/ 351.
(4) أخرج البخاري في صحيحه 9/ 149 - 150 ... عن شريك قال: سمعت أنس بن مالك يقول ليلة أسري برسول الله من مسجد الكعبة: إِنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إِليه وهو نائم في المسجد الحرام ... وفي آخره: واستيقظ وهو في المسجد الحرام.=
(3/1125)

وأنكرها العلماء، ثم: يحتمل أول وصول الملك إِليه.
وفي الواضح (1): من منعه يقظة منع ذلك.
ولا يجوز النسخ قبل علم المكلف بالمأمور [به] (2)؛ لعدم الفائدة باعتقاد الوجوب (3) والعزم على الفعل.
وجوزه الآمدي (4)؛ لعدم مراعاة الحِكَم في أفعاله تعالى.
__________
=وأخرجه مسلم في صحيحه/ 148 باللفظ السابق إِلى قوله: "وهو نائم في المسجد الحرام"، ثم قال: وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البناني، وقدم فيه وأخر وزاد ونقص.
ونقل ابن حجر في فتح الباري 13/ 484 عن عبد الحق قال: زاد فيه -يعني شريكًا- زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى الإسراء جماعة من الحفاظ فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ. ثم ذكر ابن حجر ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين -ومن ذلك كونه مناماً- وأفاض في ذلك.
وقال ابن القيم في زاد المعاد 2/ 55: وقد غلَّط الحفاظ شريكًا في ألفاظ من أحاديث الإسراء.
(1) انظر: الواضح/ 2/ 267 ب.
(2) ما بين المعقوفتين من (ظ).
(3) نهاية 331 من (ح).
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 132.
(3/1126)

وفي البخاري (1) عن أبي هريرة: أنه - عليه السلام - بعثه في بعث، وقال: (إِن وجدتم فلانًا وفلاناً فأحرقوهما بالنار)، ثم قال -حين أردنا الخروج-: (إِن النار لا يعذب بها إِلا الله، فإِن وجدتموهما فاقتلوهما).
وأمر -عليه [السلام] (2) - بكسر قدور من لحم حمر إِنسية، فقال [رجل] (3): أو نغسلها؟ فقال: (اغسلوا). متفق عليه (4).
ولأحمد (5): أنه - عليه السلام - بعث أبا بكر يبلغ "براءة"، فسار ثلاثاً (6)، ثم قال لعلي: (الحقه وبلّغها أنت).
وأيضًا: كما يجوز رفعه بالموث وغيره.
__________
(1) انظر: صحيح البخاري 4/ 61. وأخرجه أبو داود في سننه 3/ 125، والترمذي في سننه 3/ 67 وقال: حسن صحيح، والدارمي في سننه 2/ 141، وأحمد في مسنده 2/ 307.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 136، ومسلم في صحيحه/ 1540 من حديث سلمة بن الأكوع.
(5) أخرجه أحمد في مسنده 1/ 3 من حديث أبي بكر. وأخرج -نحوه- الترمذي في سننه 4/ 339 من حديث أنس -وقال: حسن غريب من حديث أنس- والطبري في تفسيره 14/ 106، 108 - 109 (ط: دار المعارف) من حديث زيد بن يثيع وأبي جعفر محمَّد بن علي بن حسين بن علي والسدي.
(6) نهاية 161 ب من (ب).
(3/1127)

ولأن كل نسخ قبل الفعل؛ لاستحالته بعده -لتحصيل الحاصل- ومعه؛ لامتناع الفعل ونفيه.
واحتج أصحابنا وغيرهم: بأن إِبراهيم أمر بذبح الولد بإِجماع علماء النقل، بدليل: (افعل ما تؤمر) (1)، ولإِقدامه عليه، ونُسِخ قبل وقته، وإلا لعصى بتأخيره.
رد: لم ينسخ؛ لأن الأمر قائم لم ينته، ولم يحصل بمحله للفداء لا للنسخ.
وجوابه: منع بقاء الأمر بذبحه، بل نسخ بالفداء.
وسلّم الآمدي (2): أنه نسخ، لكن بعد تمكنه، وإنما يكون قبله (3) لو اقتضى الأمر الفور (4) وتضيّق وقت الإِمكان.
ورد: لو كان موسعًا قضت العادة بتأخيره (5) رجاء نسخه أو موته لِعِظَم الأمر، ولم يمنع (6) رفع تعلق الوجوب بالمستقبل لبقاء الأمر على المكلف (7) لعدم
__________
(1) سورة الصافات: آية 102.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 129.
(3) يعني: قبل تمكنه.
(4) في (ب): الفوت.
(5) ولم يقدم عليه.
(6) يعني: لو كان موسعًا لم يمنع ... إِلخ.
(7) نهاية 114 أمن (ظ).
(3/1128)

فعله، وبقاء الأمر هو المانع عندهم (1).
قال: لم يؤمر، ولهذا قال: (إِني أرى في المنام) (2)، أو أُمر بمقدمات الذبح؛ لقوله: (صَدقْتَ الرؤيا) (3).
رد: منام النبي وحي.
وأراد ب (أرى): رأيت، ولهذا أقدم.
وقيل: (افعل ما تؤمر) (4) أي: ما أُمرت، أو وقتاً بعد وقت.
ولو أُمر بمقدماته (5) لم يقل: (أذبحك) (6)، ولم يحتج إِلى فداء.
وصَدَّق الرؤيا باعتقاد جازم وبكل فعل أمكنه.
وهو (7) جواب قولهم: "ذبحه والتحم"، مع أنه كان يشتهر لأنه معجزه (8).
قال: صفّح عنقه بنحاس منعه منه.
__________
(1) من النسخ، فإِذا نسخ عنه فقد نسخ تعلق الوجوب بالمستقبل، وجاز ما قال بامتناعه.
(2) سورة الصافات: آية 102.
(3) سورة الصافات: آية 105.
(4) سورة الصافات: آية 102.
(5) نهاية 332 من (ح).
(6) الصافات: آية 102.
(7) يعني: لو كان ذبحه لم يحتج إِلى فداء.
(8) في (ح): معجز.
(3/1129)

رد: فيكون تكليفًا بما لا يطاق، ونسخاً قبل الفعل، وكان يشتهر.
قالوا: إِن أمر بالفعل وقت (1) نسخه توارد النفي والإِثبات، وإلا فلا نسخ (2) لعدم رفع شيء.
رد: يبطل ب "صُمْ رمضان" ونسخه فيه.
وبأنه ليس مأمورا ذلك الوقت (3) بل قبله، وانقطع (4) بالناسخ عند وقته (5) كالموت.

مسألة
يجوز نسخ أمر مقيد بالتابيد -نحو: "صوموا أبداً"- عند الجمهور؛ لأنه يجوز في المطلق -وظاهره التأبيد- ولو قبل الوقت، فمثله هذا، والعادة والعرف التأكيد للمبالغة نحو: "الزمْ فلاناً أو السوق أبدًا"، وكما يجوز تخصيص عموم مؤكد ب "كل".
قالوا: متناقض؛ لأن التأبيد للدوام، والناسخ بيان انتهائه ويقطعه، فالمنافاة ثابتة بين تكليفين ضرورة، بخلاف قطعه بالموت.
__________
(1) في (ظ): قبل.
(2) نهاية 162 أمن (ب).
(3) أي: وقت النسخ.
(4) يعني: وانقطع التكليف.
(5) يعني: وقت الناسخ.
(3/1130)

رد: بمنع التأبيد عرفاً.
وبالإِلزام بتخصيص عموم مؤكد. والجواب واحد.
قالوا: كالخبر.
وجوابه: اختلفوا في نسخه: فمنعه جمهور الفقهاء والأصوليين، واختاره جماعة من أصحابنا، منهم: أبو بكر بن الأنباري (1) وابن الجوزي (2)، وجزم به في الروضة (3).
وجوزه قوم، ولعلهم أرادوا ما قاله القاضي (4): إِن صَحَّ تَغَيُّره -كالخبر عن زيد بأنه مؤمن وكافر- جاز نسخه، وإِلا فلا، كصفات الله وخبر ما كان وما يكون؛ لأنه الذي يفضي إِلى الكذب، واختاره بعض أصحابنا (5)، ويخرج عليه نسخ المحاسبة بما في النفوس في قوله: (وإِن تبدوا ما في أنفسكم) (6) كقول جماعة من الصحابة (7) والتابعين، فهو في مسلم (8)
__________
(1) انظر: زاد المسير 1/ 344، والمسودة/ 197.
(2) من قوله (واختاره جماعة) إِلى قوله (الجوزي) ورد في (ح) بعد قوله (الروضة).
(3) انظر: روضة الناظر/ 73.
(4) انظر: العدة/ 825.
(5) انظر: المسودة/ 196.
(6) سورة البقرة: آية 284.
(7) انظر: تفسير الطبري 6/ 103 - 112، ط: دار المعارف، وفتح الباري 8/ 206.
(8) انظر: صحيح مسلم/ 115 - 116. وأخرجه أحمد في مسنده 2/ 412، والطبري في تفسيره 3/ 95.
(3/1131)

عن أبي هريرة وفي البخاري (1) عن ابن عمر.
وذكر ابن عقيل (2) كالأول، ثم اختار: إِن تعلَّق بمستقبل جاز فيه نوع احتمال كعفو في وعيد وصفة (3) وشرط (4)، حتى وقع في "الأبد" خلاف وأنه أبد (5) من الآباد، ولا احتمال في ماض.
وكذا قال بعض الشافعية (6): يجوز خلافاً لأبي هاشم (7)، لاحتمال: "لأعاقبنه (8) أبدًا"، ثم يقول: "أردت سنة". كذا قال.
وِإيهام الكذب (9) لا يمنع كالأمر البداء (10).
__________
(1) انظر: صحيح البخاري 6/ 33.
(2) انظر: الواضح 2/ 240أ، ب، 241 أ- ب.
(3) نهاية 162 ب من (ب).
(4) يعني: يقع الخبر من الله مطلقًا، ويكشف البيان عن أنه أراد به خبرًا على صفة وشرط نحو: (إِن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى) مشروط بقوله: (ولا تقربا هذه الشجرة)؛ لأنه عرى وبدت له سوأته.
(5) في معجم مقاييس اللغة 1/ 34: الأبد: الدهر، ؤجمعه: آباد.
(6) كالبيضاوي في منهاجه. انظر: نهاية السول 2/ 177.
(7) انظر: المعتمد/ 420.
(8) في (ب): لا عاقبته.
(9) نهاية 114 ب من (ظ).
(10) يعني: كإِيهام الأمر البداء.
(3/1132)

فلو قيد (1) الخبر بالتأبيد لم يجز، خلافاً للآمدي (2).
وفي التمهيد (3): إِفادة الدوام (4) فيهما (5) لا يمنع من دليل أن المراد به غير ظاهره كالعموم، ثم: مطلق الخبر كالمقيد بالتأييد، فالأمر مثله (6)، ثم: مطلق الأمر يُنسخ، فكذا مقيده.
وجواز تأبيد التكليف بلا غاية مبني على وجوب الجزاء، وجوزه ابن عقيل (7) وغيره، وأنه قول الفقهاء والأشعرية (8)، وخالف بعض أصحابنا والمعتزلة (9).
__________
(1) في (ب): قيل.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 135.
(3) انظر: التمهيد/ 95 أ.
(4) نهاية 333 من (ح).
(5) يعني: الأمر والخبر المقيد بن بالتأبيد.
(6) يعني: يجب أن يكون مطلق الأمر مثل المقيد بالتأبيد.
(7) انظر: المسودة/ 55، وقال: حكاه ابن عقيل في أواخر كتابه.
وانظر: الواضح 2/ 16 ب- 17 أ.
(8) انظر: المعتمد/ 413 - 415.
(9) انظر: البرهان/ 1313.
(3/1133)

مسألة
الجمهور: جواز النسخ من غير بدل.
ومنعه بعضهم؛ وذكره أبو المعالي (1) عن جمهور المعتزلة.
ومنعه بعضهم في العبادة، بناء على أن النسخ يجمع معنى الرفع والنقل.
لنا: ما اعتمد عليه في إِثبات النسخ.
ولأنه نسخ تقديم الصدقة أمام المناجاة وتحريم ادخار (2) لحوم الأضاحي (3).
وفي البخاري (4): أنه كان إِذا دخل وقت الفطر -فنام قبل أن يفطر-
__________
(1) انظر: البرهان/ 1313.
(2) في (ب): الادخار.
(3) كذا -أيضًا- في مختصر ابن الحاجب 2/ 193. وقال الزركشي في المعتبر/ 76 أ: واعلم أن في جعل هذا من النسخ نظرًا، وإنما هو من باب ارتفاع الحكم لارتفاع علته، وعَوْده إِذا عادت، لا من باب النسخ الذي إِذا ارتفع لا يعود أبدًا، ولهذا قال - عليه السلام -: (إِنما نهيتكم من أجل الدافة)، فدل على أنه لم يرفعه أبدًا، فلو قدم على أهل بلد محتاجون في زمن الأضحية امتنع الادخار، وعلى هذا نص الشافعي في الأم؛ فإِنه قال: فإِذا دفت الدافة ثبت النهي عن إِمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث، وإذا لم تدف الدافة فالرخصة ثابتة بالأ كل والتزود والادخار. هذا كلامه.
(4) هذا الحديث رواه البراء بن عازب. أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 28، وأبو داود في سننه 2/ 737، والترمذي في سننه 4/ 278 - 279 وقال: حسن صحيح، والنسائي في سننه 4/ 147 - 148، والدارمي في سننه 1/ 337 - 338.
(3/1134)

حرم الطعام والشراب وإتيان النساء إِلى الليلة الآتية، ثم نسخ (1).
واحتج الآمدي (2) على عادته: أنه لو فرض وقوعه لم يلزم منه محال.
ورده بعض أصحابنا وغيرهم: بأنه مجرد دعوى، وأن إِمكان هذا ذهني بمعنى عدم العلم بالامتناع، ليس إِمكانه خارجيًا بمعنى العلم به خارجًا؛ فإِنه يكون للعلم بوجوده أو نظيره (3) أو أولى منه كما يذكر في القرآن.
قالوا: (نأتِ بخير منها أو مثلها) (4).
رد: الخلاف في الحكم لا في اللفظ (5)، ثم (6): ليس عامًا في كل حكم، ثم: مخصوص بما سبق (7)، ثم: يكون نسخه بغير بدل خيرًا لمصلحة علمها، ثم: إِنما تدل الآية أنه لم يقع لا أنه لا يجوز.
__________
(1) بقوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث) إِلى قوله: (من الفجر) سورة البقرة: آية 187.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 135.
(3) نهاية 163 أمن (ب).
(4) سورة البقرة: آية 106.
(5) ومراد الآية: نأت بلفظ خير منها.
(6) يعني: على تسليم أن معناها: نأت بحكم.
(7) مما نسخ إِلى غير بدل.
(3/1135)

مسألة
الجمهور: جواز النسخ بأثقل، خلافاً لبعض الشافعية (1) وابن داود (2) وغيره من الظاهرية (3)، وذكره ابن برهان (4) عن المعتزلة.
ومنعه قوم شرعًا، وقوم عقلاً.
لنا: ما سبق.
ووقع كنسخ تخيير (5) الصحيح بين صوم رمضان والفدية بصومه (6)، وعاشوراء برمضان، والحبس في البيوت (7) بالحد (8)، والصفح عن
__________
(1) انظر: التبصرة / 258، والإِحكام للآمدي 3/ 137.
(2) انظر: العدة/ 786، والمسودة/ 201.
(3) حكاه ابن حزم عن قوم من أصحابهم، ثم خَطَّأهم، فانظر: الإِحكام له / 602.
(4) انظر: المسودة/ 201. وفي الوصول لابن برهان/ 52أ: عن بعض المتكلمين.
(5) نهاية 334 من (ح).
(6) أخرجه البخاري في صحيحه (انظر: فتح الباري 8/ 181)، ومسلم في صحيحه/ 802 عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) -سورة البقرة: آية 184 - كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها، فنسختها.
(7) في سورة النساء: آية 15.
(8) قال تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) سورة النور: آية 2.
وأخرج النسخ بهذه الآية الطبرى في تفسيره 8/ 74 - ط: دار المعارف - وأبو داود في سننه 4/ 569 عن ابن عباس.=
(3/1136)

الكفار (1) بقتل مقاتلهم (2) ثم بقتالهم كافة (3).
قال: أبعد من المصلحة وأشق.
رد: لازم في ابتداء التكليف.
وإن اعتبرت المصلحة فقد تكون في الأثقل كمرض (4) وغيره.
قالوا: (نأتِ بخير منها) (5)، قال ابن عباس (6): "بأيسر على
__________
=وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله: (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم).
أخرجه مسلم في صحيحه/ 1316 - 1317، وأبو داود في سننه 4/ 569 - 571، والترمذي في سننه 2/ 445 وقال: صحيح، وابن ماجه في سننه/ 852، والدارمي في سننه 2/ 101، وأحمد في مسنده 3/ 476، والشافعي (انظر: بدائع المنن 2/ 286)، والطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 1/ 298)، والطبري في تفسيره 8/ 76 وما بعدها، ط: دار المعارف.
(1) في سورة الزخرف: آية 89.
(2) في سورة البقرة: الآيتان 190، 191.
(3) في سورة التوبة: آية 36.
(4) بعد صحة.
(5) سورة البقرة: آية 106.
(6) انظر: زاد المسير 1/ 128. وأخرج الطبري في تفسيره 2/ 481 عن ابن عباس: (نأت بخير منها أو مثلها) يقول: خير لكم في المنفعة وأرفق بكم. وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي. راجع: الدر المنثور 1/ 104.
(3/1137)

الناس"، وقال غيره (1): (أو مثلها) أي: في الثواب، والحكمة في تبديلها الاختبار (2).
وجوابه: ما سبق في التي قبلها (3).
وإن ثبت عن ابن عباس فمعناه: "غالبًا"؛ لما سبق (4)، وهو خير باعتبار الثواب (5)، وقاله القاضي (6) [أيضًا] (7)، وقال: وفي بعضه من الإِعجاز أكثر من بعض.
وقال ابن عقيل (8) هذا والذي قبله، قال: كالمرسِل واحد، والمرسَلون بعضهم أفضل.
وقال القاضي -أيضًا-: لا يجوز أن يتفاضل ثوابه، وجميعه صفة لله.
__________
(1) انظر: زاد المسير 1/ 128.
(2) في (ب): الاختيار.
(3) من أن الخلاف في الحكم لا في اللفظ، ومراد الآية: اللفظ.
(4) من ثبوت النسخ بالأثقل.
(5) نهاية 115 أمن (ظ).
(6) انظر: العدة/ 787، 792.
(7) ما بين المعقوفتين من (ح).
(8) انظر: الواضح 2/ 237 ب- 238أ، 247 ب.
(3/1138)

مسألة
يجوز نسخ التلاوة دون الحكم وعكسه عند العلماء، خلافاً لبعض المعتزلة (1).
ولم يخالفوا في نسخهما معاً، خلافًا لما حكاه الآمدي (2) عنهم.
لنا (3): ما سبق.
ولأن التلاوة حكم، وما تعلق بها من الأحكام حكم آخر، فجاز نسخهما ونسخ أحدهما كغيرهما.
وأيضًا: وقع؛ عن عمر: "كان فيما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها، ورجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورجمنا بعده، ثم إِنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: أن (4) لا ترغبوا عن آبائكم، فإِنه كُفْر بكم أن ترغبوا عن آبائكم". متفق عليه (5).
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 141. وما ذكر أبو الحسين في المعتمد/ 418 موافق لقول الجمهور.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 141.
(3) نهاية 163 ب من (ب).
(4) في (ظ): لئلا.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 168 - 169. وأخرجه مسلم في صحيحه/ 1317 دون قوله: ثم إِنا كنا نقرأ ... الحديث.
(3/1139)

ولمالك والشافعي وابن ماجه (1): "الشيخ والشيخة إِذا زنيا فارجموهما ألبتة".
قال في الواضح (2): علّقه على الشيخين لإِحصانهما غالبًا.
وسبق (3) في العمل بالشاذ: "متتابعات".
ونسخ آية الاعتداد (4) بالحول (5)، (6) وحبس الزواني بالحد.
__________
(1) انظر: الموطأ/ 824، وبدائع المنن 2/ 283 - 284، وسنن ابن ماجه/ 853 - 854.
وأخرج أحمد في مسنده 5/ 132، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 435) من حديث أبي بن كعب: لقد قرأنا فيها -أي: في سورة الأحزاب- آية الرجم: "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم". وفي إِسناده: عاصم بن أبي النجود، وقد ضعف.
وأخرج أحمد في مسنده 5/ 183، والدارمي في سننه 2/ 100، والحاكم في مستدركه 4/ 360 عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله يقول: الشيخ والشيخة إِذا زنيا فارجموهما البتة. قال الحاكم: حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص.
(2) انظر: الواضح 1/ 53 أ.
(3) في ص 314 من هذا الكتاب.
(4) نهاية 335 من (ح).
(5) سورة البقرة: آية 240.
(6) بآية الاعتداد بأربعة أشهر وعشراً. سورة البقرة: آية 234.
(3/1140)

وعن عائشة: "كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات يُحَرِّمْن، ثم نُسِخ بخمس". رواه مسلم.
وفي جواز مس محدث ما نسخ لفظه -وتلاوة جنب له- قولان لنا ولغيرنا.
وجه ابن عقيل (1) المنع؛ لبقاء حرمته كبيت المقدس، نسخ كونه قبلة، وحرمته باقية، والجواز، لعدم (2) حرمة كتبه في المصحف.
قالوا: التلاوة مع حكمها متلازمان كالعلم مع العالِمية والحركة مع المتحرِّكية والمنطوق مع المفهوم.
رد: العلم هو العالمية، والحركة هي المتحركية.
ومنع أن المنطوق لا ينفك عن المفهوم.
سلمنا المغايرة (3) وأن المنطوق لا ينفك، فالتلاوة أمارة الحكم ابتداء لا دوامًا، فلا يلزم من نفيها نفيه (4)، وبالعكس.
قالوا: بقاء التلاوة يوهم بقاء الحكم، فيؤدي إِلى التجهيل وإبطال فائدة القرآن.
__________
(1) انظر: الواضح 2/ 234أ.
(2) في (ب) و (ظ): كعدم.
(3) بين العلم والعالمية، وبين الحركة والمتحركية.
(4) يعني: فلا يلزم من نفي التلاوة نفي الحكم.
(3/1141)

رد: مبني على التحسين، ثم: لا جهل مع الدليل للمجتهد، وفرض المقلِّد التقليد، والفائدة: الإِعجاز وصحة الصلاة به.

مسألة (1)
سبق (2) نسخ الخبر في نسخ الأمر المقيد بالتأبيد.
وقال الآمدي (3): نسخ تلاوة خبر ماض أو مستقبل وتكليف (4) الإِخبار به -تغيَّر مدلوله أوْ لا- جائز بلا خلاف.
ويجوز نسخ تكليفنا بالإِخبار عما لا يتغير بتكليفنا بالإِخبار بنقيضه.
ومنعه المعتزلة (5)؛ بناء على التحسين العقلي ورعاية المصلحة في أفعاله تعالى.
ونسخ مدلول خبر لا يتغير محال إِجماعًا، وإلا جاز (6) عند عبد الجبار وأبي عبد الله وأبي الحسين (7) من المعتزلة والآمدي (8)،
__________
(1) نهاية 164 أمن (ب).
(2) في ص 1131.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 144.
(4) يعني: ونسخ تكليف الإخبار به.
(5) انظر: المعتمد/ 419.
(6) نهاية 115 ب من (ظ).
(7) انظر: المعتمد/ 419، والإِحكام للآمدي 3/ 144.
(8) انظر: الأحكام للآمدى 3/ 145.
(3/1142)

لتكرُّر (1) مدلوله كما في الأمر، وكالخبر بمعنى الأمر.
ومنعه ابن الباقلاني (2) والجبائية (3) وجماعة من الفقهاء والمتكلمين.
ومنعه بعضهم في الخبر الماضي (4).

مسألة
يجوز نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بمثلها، والآحاد بمثلها وبالمتواتر.
......................
ويجوز نسخ المتواتر بالآحاد عقلاً، ذكره الآمدي (5) اتفاقًا.
وذكر الباجي (6) المالكي فيه خلافا.
ولا يجوز شرعًا، ذكره ابن برهان (7) وأبو المعالي (8) إِجماعًا.
__________
(1) فيكون عائد، فالناسخ يكون مبيناً لإخراج بعض ما تناوله اللفظ.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 144، والمنتهى لابن الحاجب/ 117.
(3) انظر: المعتمد/ 420.
(4) نهاية 336 من (ح).
(5) انظر: الإِحكام للآمدى 3/ 146.
(6) انظر: إِحكام الفصول/ 54أ.
(7) انظر: الوصول لابن برهان/ 55 ب، والمسودة / 206.
(8) انظر: البرهان/ 1311.
(3/1143)

وجوزه داود (*) والظاهرية.
وقيل: يجوز زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، واختاره الباجي (1)، قال: لا يجوز بعده إِجماعًا.
........................
ولا يجوز نسخ القرآن بالآحاد.
وجزم القاضي (2) بجوازه في مسألة تخصيصه به، وقال: "نص أحمد على هذا؛ قال: يجب العمل به، ثم ذكر قصة قباء، وخبر الخمر (3) أهْرَقوها ولم ينظروا (4) غيره (5) "، قال: فاحتج بقصة قباء وأن الصحابة أخذت بالخبر وإن كان فيه نسخ.
وكذا ابن (6) عقيل (7)، وأنه مذهب أحمد، وقال: "وهي تشبه مذهبه
__________
(*) انظر: الإِحكام لابن حزم/ 617، والوصول لابن برهان/ 55 ب، والإِحكام للآمدي 3/ 146.
(1) انظر: إِحكام الفصول/ 54أ، والإِشارات/ 74.
(2) انظر: العدة/ 554.
(3) في (ب) و (ظ): الحمر.
(4) ينظروا: بمعنى ينتظروا. انظر: معجم مقاييس اللغة 5/ 444، ولسان العرب 7/ 73.
(5) هذا الخبر رواه أنس. أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 105، ومسلم في صحيحه/ 1570 - 2572.
(6) نهاية 164 ب من (ب).
(7) انظر: الواضح 1/ 48 أ- ب، 2/ 146 أ.
(3/1144)

في إِثبات الصفات بها، وهو أكثر من النسخ"، وقرره في فنونه (1)، وقال -فيه (2) وفي القياس-: يصير كأن الشارع قال: "اقطعوا بحكم كلامي ما لم يضاده خبر واحد أو قياس"، هذا هو التحقيق، وبناه على أن العمل بهما (3) قطعي.
وذكر أبو الخطاب (4) النسخ بالآحاد عن بعض الظاهرية، وقال: في هذه المسألة نظر؛ لأن دليل المخالف فيها قوي ظاهر.
وقال بعض أصحابنا: الأصح عن أحمد وقوعه. كذا قال.
وقال في قراءة الفاتحة من الانتصار (5) -وقاله القاضي (6) -: الثابت باليقين كان يحتمل الرفع بخبر واحدٍ زمنه عليه السلام؛ لأنه ثابت لعدم (7) دلالة الرفع، فيرتفع بأدنى دليل، ألا ترى إِلى قصة قباء.
وذكر (8) ابن الباقلاني (9) -فيما ذكر ابن حاتم في اللامع (10) -: "أن
__________
(1) انظر: المسودة/ 203.
(2) يعني: في خبر الواحد.
(3) يعني: بخبر الواحد والقياس.
(4) انظر: التمهيد / 99 ب، 100أ.
(5) انظر: الانتصار 1/ 216أ، والمسودة/ 205.
(6) انظر: المسودة/ 205.
(7) يعني: ثبوته إِنما كان لعدم دلالة دليل على الرفع.
(8) في (ظ): وذكره.
(9) نهاية 337 من (ح).
(10) انظر: المسودة / 204.
(3/1145)

الآحاد التي قامت الحجة على ثبوتها كالمتواتر هنا، وعن أبي يوسف المنع بها" (1).
قال بعض أصحابنا (2): هذا يقتضي أن من أصله (3) أن بعض الآحاد كالمتواتر (4).
احتج المانع: بما سبق (5) في منع التخصيص به.
وأيضًا: قاطع، فلا يرفع بالظن.
رد: خبر الواحد دلالته قطعية، فيرفع دلالة ظنية (6).
فإِن قيل: فيكون مخصِّصاً.
رد: يكون نسخاً إِذا ورد بعد العمل بقرآن أو متواتر عامين.
واحتج ابن عقيل (7): بأن رد الصحابة لبعض قراءة ابن مسعود تنبيه لرد روايته في نسخه.
__________
(1) يعني: بالآحاد، وقال: لا يجوز إِلا بأخبار متواترة.
(2) انظر: المسودة/ 204.
(3) يعني: أصل الباقلاني.
(4) في (ب): كالتواتر.
(5) في ص 959.
(6) وهي البقاء.
(7) انظر: الواضح 2/ 261 ب.
(3/1146)

احتج (1) المجوز: بقصة قباء السابقة (2) في خبر الواحد.
رد: يحتمل أنه - عليه السلام - كان (3) وعدهم أو أخبرهم بنسخه إِذا جاءهم رسوله، أو أعلن الناس به، وهم بقرب مسجده.
وأيضًا: سبق (4): أنه كان يبعث الآحاد لتبليغ الأحكام.
رد: إِن كان منها ناسخ لمتواتر فمعلوم بالقرائن.
وأيضًا: (قل لا أجد في ما أوحي إِليّ مُحَرَّماً) (5) نُسِخ بنهيه عن كل ذي ناب من السباع (6).
رد: ليس فيها إِباحة الجميع (7)، وبالتخصيص، وبأن (لا أجد) للحال (8)، وتحريم مباح الأصل ليس بنسخ.
__________
(1) نهاية 116أمن (ظ).
(2) في ص 507.
(3) نهاية 165 أمن (ب).
(4) في ص 511.
(5) سورة الأنعام: آية 145.
(6) نهى الرسول عن كل ذي ناب من السباع: أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 96 من حديث أبي ثعلبة الخشني، ومسلم في صحيحه 1533 - 1534 من حديث أبي ثعلبة وابن عباس، وأبو داود في سننه 4/ 151، 159 - 160 من حديث خالد بن الوليد وأبي ثعلبة وابن عباس، والترمذي في سننه 3/ 60 من حديث أبي ثعلبة، والنسائي في سننه 7/ 200 - 201، 206 من حديث أبي ثعلبة وابن عباس، وابن ماجه في سننه / 1077 من حديث أبي ثعلبة وابن عباس.
(7) في (ب): والجميع.
(8) في (ح): (وبأن معناها لا أجد الآن)، وكتب فوقها: وبأن (لا أجد) للحال.
(3/1147)

مسألة
يتعين الناسخ بعلم تأخره (1) -زاد بعض أصحابنا: أو ظنِّه- أو بقوله -عليه السلام-: "هذا ناسخ"، أو معناه نحو: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها) (2)، أو بالإِجماع، أو بقول (3) الراوي: "كان هذا وقت كذا، وهذا وقت كذا"، وتقدُّم أحدهما معلوم.
وإن قال الصحابي: "هذه (4) الآية منسوخة" لم يُقبل حتى يخبر بماذا نُسِخت، قال القاضي (5): "أومأ إِليه أحمد، كقول الحنفية والشافعية (6) ".
وذكر ابن عقيل (7) رواية: يُقبل كقول بعضهم؛ لعلمه فلا احتمال.
__________
(1) في (ح): تأخيره.
(2) هذا جزء من حديث رواه بريدة مرفوعًا. أخرجه مسلم في صحيحه/ 672، 1564، وأبو داود في سننه 3/ 558، 4/ 97 - 98، والترمذي في سننه 2/ 259 - وقال: حسن صحيح- والنسائي في سننه 4/ 89.
وقد أخرجه ابن ماجه في سننه/ 501 من حديث ابن مسعود مرفوعًا.
وأخرجه مالك في الموطأ/ 485، والشافعي (انظر: بدائع المنن 1/ 220) من حديث أبي سعيد مرفوعًا.
(3) في (ح): أو يقول.
(4) نهاية 338 من (ح).
(5) انظر: العدة/ 835 - 836.
(6) انظر: اللمع/ 36.
(7) انظر: الواضح 2/ 270أ.
(3/1148)

وقاله بعض أصحابنا (1) إِن كان هناك نص يخالفها، عملاً بالظاهر.
.....................
وإن قال: "نزلت هذه بعد هذه" قُبِل، ذكره القاضي (2) وغيره، وهو ظاهر قول من سبق، وجزم به بعض الشافعية (3).
وجزم الآمدي (4) بالمنع؛ لتضمنه (5) نسخ متواتر بآحاد.
وذكر (*) بعضهم تردداً؛ للعلم بنسخ أحدهما (6)، وخبر الواحد معين للناسخ (7).
وذكر الباجي (8) المالكي قولاً: إِنْ ذكر الناسخ لم يقع به نسخ، وإلا وقع.
.........................
وإن قال: "هذا الخبر منسوخ" فكالآية.
__________
(1) انظر: المسودة/ 230.
(2) انظر: العدة/ 832.
(3) كالبيضاوي في منهاجه. انظر: نهاية السول 2/ 193.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 181.
(5) في (ب): كتضمنه.
(*) في (ظ): وذكره.
(6) كذا في النسخ. ولعلها: إِحداهما.
(7) في (ب): الناسخ.
(8) انظر: إِحكام الفصول / 54أ.
(3/1149)

وجزم أبو الخطاب (1): يُقبل، كالرواية الثانية. (2)
......................
وإن قال: "كان كذا ونسِخ" قُبِل قوله في النسخ في قياس مذهبنا -قاله بعض أصحابنا (3) - وقاله الحنفية (4).
وقال (5) ابن برهان (6): لا يقبل عندنا. وجزم به الآمدي (7).
وقال القاضي (8): خبر الواحد إِذا أخبر به صحابي وقال: "منسوخ" قُبِل عند من يجوّز رواية الخبر بالمعنى، وإِلا فلا.
......................
ولا يثبت كون الحكم منسوخًا بقبليته في المصحف.
ولا كونه ناسخًا بحداثة الصحابي، ولا بتأخر إِسلامه -خلافاً للروضة (9) فيه (10) - ولا بموافقته للأصل، ولا بعقل وقياس.
__________
(1) انظر: التمهيد/ 127 ب.
(2) نهاية 165 ب من (ب).
(3) انظر: المسودة/ 231.
(4) انظر: فواتح الرحموت 2/ 95.
(5) في (ب): وقاله.
(6) انظر: الوصول لابن برهان / 157، والمسودة/ 231.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 181.
(8) انظر: العدة/ 837.
(9) انظر: روضة الناظر/ 89.
(10) يعني: في حالة تأخر إسلامه.
(3/1150)

وإِذا لم يعلم وقف أو يتخير. ويأتي (1).
.................

مسألة
ويعتبر: تأخر الناسخ، وإلا فاستثناء أو تخصيص.
والتعارض، فلا نسخ إِن أمكن الجمع.
ومن قال: "نُسِخ صوم عاشوراء برمضان" فالمراد: [وافق] (2) نسخ عاشوراء فرض رمضان، فحصل النسخ معه لا به.
وأن (3) لا يكون أضعف من المنسوخ.
وفي التمهيد (4): اشترطه أصحابنا كنسخ قرآن بآحاد (5). كذا قال (6).

مسألة
مذهب الأئمة الأربعة وعامة الفقهاء والمتكلمين: جواز نسخ السنة بالقرآن.
__________
(1) في ص 1501 - 1502.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(3) في (ظ): أن لا يكون.
(4) انظر: التمهيد/ 94أ.
(5) نهاية 339 من (ح).
(6) نهاية 117 ب من (ظ).
(3/1151)

وعن أحمد (1) والشافعي (2) وبعض الشافعية (3): المنع.
لنا: لا يلزم عنه محال لذاته، والأصل عدم مانع لغيره (4).
ووجوب التوجه إِلى بيت المقدس -وتأخيره صلاة الخوف يوم الخندق (5)، وتحريم المباشرة ليلاً في رمضان، وصوم عاشوراء- نُسِخ بالقرآن.
عورض: بجواز نسخه بسنة وافقت القرآن.
رد: خلاف الظاهر، والأصل عدمه، وبأنه يمنع تعيين ناسخ (6).
وأيضًا: القرآن أعلى.
__________
(1) انظر: المسودة/ 206.
(2) انظر: الرسالة/ 108، والإِحكام للآمدي 3/ 150.
(3) انظر: اللمع/ 35، والتبصرة/ 272.
(4) في (ح): كغيره.
(5) تأخير صلاة الخوف يوم الخندق: رواه أبو سعيد الخدري. أخرجه النسائي في سننه 2/ 17، والدارمي في سننه 1/ 296، وأحمد في مسنده 3/ 25، والشافعي (انظر: بدائع المنن 1/ 55)، وابن خزيمة في صحيحه 2/ 99، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 94).
ثم نسخ تأخيرها بالقرآن، قال تعالى: (فإِن خفتم فرجالاً أو ركبانًا) سورة البقرة: آية 239، وقال تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمتَ لهم الصلاة) الآية. سورة النساء: آية 102. وانظر: تفسير الطبري 5/ 237، 9/ 141 ط: دار المعارف.
(6) يعني: لو صح ما ذكر لما أمكن تعيين ناسخ أبداً؛ لتطرق مثل ذلك الاحتمال إِليه، وهو خلاف الإِجماع.
(3/1152)

قالوا: (لتبين للناس) (1)، (2) والنسخ رفع.
رد: معناه: "لتبلغ"، ثم: النسخ بيان، ثم: ليس (3) فيه منع النسخ (4). (5)
قالوا: مُنَفِّر عنه عليه [السلام] (6).
رد: يبطل بأصل النسخ (7)، ولا نفرة مع العلم بأنه مبلغ.
قالوا: يشترط كون الناسخ من جنس المنسوخ.
رد: بالمنع، قال في التمهيد (8): ولهذا يُنْسخ حكم العقل بالشرع، وهم لا يسمونه نسخًا، والنسخ رفع، وقد وجد.
ثم (8): ليس الكلام في الأسماء (9).
__________
(1) سورة النحل: آية 44.
(2) فالرسول عمله البيان.
(3) نهاية 166 أمن (ب).
(4) في (ب) و (ظ): للنسخ.
(5) يعني: كونه مبينًا لا ينفي كونه ناسخًا أيضاً؛ لأنه قد يكون مبينًا لما ثبت من الأحكام ناسخًا لما ارتفع منها، ولا منافاة بينهما.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(7) فلو امتنع نسخ السنة بالقرآن -لدلالته على أن ما شرعه أولاً غير مرضي- لامتنع نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة، وهو خلاف إجماع القائلين بالنسخ.
(8) انظر: التمهيد/ 100 أ.
(9) فالناسخ -هنا- من جنس المنسوخ، وإن اختلف الاسم، فالكل وحي.
(3/1153)

مسألة
يجوز -عقلاً- نسخ قرآن بخبر مواتر، قاله القاضي (1)، وقال: ظاهر كلام أحمد منعه.
واختلفت الشافعية (2)، قال ابن الباقلاني (3): منهم من منعه تبع القدرية في الأصلح.
....................
ويجوز شرعًا في رواية عن أحمد -اختارها أبو الخطاب (4) - وقاله أكثر الفقهاء والمتكلمين (5)، منهم: الحنفية (6) وأكثر المالكية (7).
ثم: قيل: وقع، واختاره ابن عقيل (8)، وذكره في المغني (9) عن أصحابنا في حد الزنا.
__________
(1) انظر: العدة/ 801، وروضة الناظر/ 84.
(2) انظر: اللمع/ 35، والإِحكام للآمدي 3/ 153.
(3) انظر: المسودة/ 204.
(4) انظر: التمهيد/ 97 ب.
(5) نهاية 340 من (ح).
(6) انظر: أصول السرخسي 2/ 67، وكشف الأسرار 3/ 167.
(7) انظر: الإِشارات/ 71، والمنتهى لابن الحاجب/ 118، وشرح تنقيح الفصول/ 313.
(8) انظر: الواضح 2/ 246 ب، 260 أ.
(9) انظر: المغني 9/ 34.
(3/1154)

وقيل: لا، واختاره أبو الخطاب (1).
ومنعه أحمد (2) في الأشهر عنه -واختاره ابن أبي موسى (3) والقاضي (4) وصاحب الروضة (5) - وقاله الشافعي (6) وأكثر أصحابه وأكثر الظاهرية (7).
وجه الأول: ما سبق: لا يلزم عنه محال.
وأيضاً: (لتبين للناس) (8).
وللقطع بأن القاطع يرفع القاطع، ولا أثر للفضل، ككلام النبي المسموع منه والمتواتر.
واستدل: بأن (لا وصية لوارث) نَسَخ الوصية للوالدين والأقربين (9)،
__________
(1) انظر: التمهيد/ 99 أ.
(2) انظر: العدة/ 788.
(3) انظر: المسودة/ 202.
(4) انظر: العدة/ 788.
(5) انظر: روضة الناظر/ 84 - 85.
(6) انظر: الرسالة/ 106، والتبصرة/ 264، والإِحكام للآمدي 3/ 153.
(7) كذا -أيضًا- حكى عنهم الآمدي في الإِحكام 3/ 153. والذي ذكره ابن حزم في الإِحكام/ 617 هو الجواز.
(8) سورة النحل: آية 44.
(9) قال الزركشي في المعتبر/ 178: في جعل هذا -يعني: النسخ ب (لا وصية لوارث) - من نسخ القرآن بالسنة وأنه أبطل الوصية للأقربين نظر من وجهين:=
(3/1155)

ورجم المحصن نسخ الجلد (1).
أجيب: آحاد (2).
وبنسخ الوصية بآية الميراث (3)، أو بقوله بعدها: (تلك حدود الله) (4) إِلى قوله: (ومن يعص الله) الآية (5).
والجلد لم ينسخ، أو دل عدم فعله على ناسخ.
__________
=أحدهما: أنه من نسخ القرآن بالقرآن، والناسخ آية المواريث، وفي صحيح البخاري ما يدل عليه. الثاني: أن هذا ليس من باب النسخ، وغايته أنه مجمل فسرته الوصية أو عام خصص به، قال الأستاذ أبو إِسحاق الإسفراييني: لا يجوز أن يقال: "الوصية للوارث منسوخة بآية المواريث"؛ لإِمكان الجمع.
(1) قال الزركشي في المعتبر/ 78 ب- 79أ: يعني أن الجلد كان ثابتًا بالقرآن لكل زان محصن وغيره، وهو قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا)، ثم نسخ بالسنة المتواترة بحديث ماعز والغامدية وحديث (خذوا عني ...)، وفي التمثيل بهذا نظر من وجهين: أحدهما: أن ابن بطال حكى عن بعضهم أن الرجم ثابت بالقرآن، إِما بقوله: (ويدرأ عنها العذاب)، أو بما كان قرآنًا ونسخت تلاوته لحديث عمر: "الشيخ والشيخة إِذا زنيا فارجموهما". ولهذا قال النبي -في قصة العسيف-: (لأقضين بينكم بكتاب الله)، وجعل على المرأة الرجم.
الثاني: سلمنا، لكن دعوى النسخ ممنوعة لإمكان الجمع، إِذ المرفوع من قوله: (الزانية والزاني) حكم المحصن، فهو تخصيص؛ لأنه رفع البعض، لا نسخ؛ لأنه لم يرفع الكل.
(2) وهو خلاف الفرض، إِذ فرض المسألة في المتواتر.
(3) سورة النساء: آية 11.
(4) سورة النساء: آية 13.
(5) سورة النساء: آية 14.
(3/1156)

قالوا: (نأتِ بخير منها أو مثلها) (1).
أجيب: لا عموم، (2) وليس فيه ما يدل أن ما يأتي هو الناسخ، ولا أنه من جنس المنسوخ، والمراد: حكم أنفع للمكلف، والجميع من الله (3).
رد الأولان: خلاف الظاهر، قال ابن عقيل (4): "والمماثلة تقتضي إِطلاقها من كل وجه"، وقاله القاضي (5) وغيره، مع قول بعضهم: قد يتفاوتان شدة كالحركتين والسوادين، قال الجوهري (6): "مثل" (*) كلمة تسوية.
قالوا (7): (قل ما يكون لي أن أبدله) (8).
أجيب: أي الوحي (9)، ثم: السنة بوحي.
وبه يجاب عن قولهم: "القرآن أصل (10) "، ثم: المنسوخ ليس أصلاً.
__________
(1) سورة البقرة: آية 106.
(2) نهاية 166 ب من (ب).
(3) هذا جواب اعتراض مقدر، وهو: أنه قال: (نأت)، والضمير لله.
(4) انظر: الواضح 2/ 247 أ.
(5) انظر: العدة/ 790، 791.
(6) انظر: الصحاح/ 1816.
(*) نهاية 117 أمن (ظ).
(7) في (ظ): قال.
(8) سورة يونس: آية 15.
(9) يعني: لفظه، بأن يضع ما لم ينزل مكان ما نزل.
(10) يعني: فالسنة أصل أيضًا.
(3/1157)

قالوا: القرآن أقوى؛ لإِعجازه ويثاب بعد حفظه على تلاوته، بخلاف السنة -قالوا القاضي (1): بلا خلاف- فلا مماثلة، وكذا ذكر ابن عقيل (2) وغيره: "يثاب على تلاوته دونها"، واقتصر بعضهم على أنها دونه.
رد: الخلاف في الحكم، جزم به في الروضة (3) والآمدي (4) وغيرهما، وقاله في التمهيد (5)؛ لأن اللفظ لا يمكن رفعه إِلا أن يشاء الله، قالوا: ويحتمل أن يجوز بأن يقول - عليه السلام -: "لا تقرؤوا هذه الآية"، وجزم القاضي (6) بهذا وأن الخلاف في الجميع، ومعناه لابن عقيل (7).
وفي التمهيد (8): بعض آية لا إِعجاز فيها، ويجوز نسخ آية فيها إِعجاز بآية لا إِعجاز فيها (9)، ومن سلم اعتبار (10) المماثلة (11)؟
قالوا: عن جابر مرفوعًا: (كلامي لا ينسخ كلام الله، وكلام الله ينسخ
__________
(1) انظر: العدة/ 795.
(2) انظر: الواضح 2/ 247 ب، 261 ب.
(3) انظر: روضة الناظر/ 85.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 159.
(5) انظر: التمهيد/ 99 أ.
(6) انظر: العدة/ 794.
(7) انظر: الواضح 2/ 248أ، 258 ب.
(8) انظر: التمهيد/ 98أ، ب.
(9) نهاية 341 من (ح).
(10) في (ب) و (ظ): اعتبر.
(11) هذا جواب سؤال مقدر، وهو: الآيات متماثلة، والقرآن والسنة غير متماثلين.
(3/1158)

كلامي، وكلام الله ينسخ بعضه بعضًا). رواه الدارقطني (1).
رد: موضوع (2)، فيه جبرون (3) بن واقد.

مسألة
أصحابنا والجمهور: أن الإِجماع لا ينسخ؛ لأنه إِن نُسِخ بنص أو إِجماع قاطعين فالأول خطأ، وهو باطل، وإلا (4) (5) فالقاطع مقدم.
قالوا: لو أجمعوا على قولين فهي اجتهادية إِجماعًا، فلو اتفقوا [على] (6) أحدهما كان نسخًا لحكم الإِجماع.
رد: بمنع انعقاد إِجماع ثان.
ثم: شرط الإِجماع الأول عدم إِجماع ثان، فانتفى لانتفاء (7) شرطه.
__________
(1) انظر: سنن الدارقطني 4/ 145.
(2) انظر: ميزان الاعتدال 1/ 388، والتعليق المغني على الدارقطني 4/ 145.
(3) الإفريقي، روى عن سفيان بن عيينة، وعنه محمَّد بن داود القنطري، قالوا الذهبي: متهم. وفي "المغني في الضعفاء": ليس بثقة.
انظر: ميزان الاعتدال 1/ 387، والمغني في الضعفاء 1/ 127.
(4) يعني: وإن لم يكن الناسخ نصًا أو إِجماعًا قاطعين.
(5) نهاية 167أمن (ب).
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(7) في (ظ): بانتفاء.
(3/1159)

مسألة
أصحابنا والجمهور: أن الإِجماع لا يُنسخ به؛ لأنه إِن كان عن نص فهو الناسخ، وإن كان عن قياس فالمنسوخ إِن كان قطعيًا فالإِجماع خطأ -لانعقاده بخلافه- وإن كان ظنيًا زال شرط العمل به، وهو رجحانه على معارضه الذي هو سند الإِجماع، وإلا يكون الإِجماع خطأ (1)، ومع زواله لا (2) ثبوت له، فلا نسخ.
قالوا: ما سبق (3) في أقل الجمع من قول ابن عباس لعثمان وردّه عليه.
أجيب: حجب الأم عن الثلث إِنما يكون نسخًا لو ثبت المفهوم (4)، وأن الأخوين ليسا بإِخوة قطعًا، فيجب (5) تقدير نص دل على حجبها عن الثلث، وإلا كان الإِجماع خطأ (6)، فالنص الناسخ (7).

مسألة
أصحابنا والجمهور: أن القياس لا يُنسخ به.
وجوزه ابن سريج (8)، وحكاه ابن برهان (8) عن أصحابه.
__________
(1) إِذ كيف يجمع على قياس مع رجحان غيره عليه؟.
(2) في (ب): ولا.
(3) في ص 781.
(4) يعني: بأن تفيد الآية عدم حجب ما ليس بإِخوة قطعًا.
(5) يعني: لو سلم وجب تقدير نص ... إِلخ.
(6) لمخالفته للقاطع.
(7) في (ب): ناسخ.
(8) انظر: المسودة/ 225.
(3/1160)

وجوزه أبو (1) القاسم الأنماطي (2) (3) الشافعي بقياس جلي، ومعناه اختيار الباجي (4) المالكي والآمدي (5).
وعن طائفة: ما جاز التخصيص به جاز النسخ.
ونقض: بالعقل (6) والحس.
وجه الأول: أن المنسوخ: إِن كان قطعيًا لم ينسخ بمظنون، وإن كان ظنيًا فالعمل به مقيد برجحانه على معارضه، وتبين بالقياس زوال شرط العمل به -وهو رجحانه- فلا ثبوت له، فلا نسخ.
.......................
وأما القياس فلا يُنسخ- ذكره القاضي (7)، وذكره الآمدي (8) عن
__________
(1) انظر: التبصرة/ 274.
(2) هو: عثمان بن سعيد بن بشار، صاحب المزني والربيع، أصولي فقيه، اشتهرت به كتب الشافعي ببغداد، وعليه تفقه ابن سريج. توفي سنة 288 ه.
انظر: تاريخ بغداد 11/ 292، والعبر 2/ 81، ووفيات الأعيان 2/ 406، وطبقات الشافعية للسبكي 2/ 301، ومرآة الجنان 2/ 215.
(3) نهاية 342 من (ح).
(4) انظر: إِحكام الفصول/ 54 ب. وقال في الإِشارات/ 75: فأما القياس فلا يصح النسخ به جملة.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 164.
(6) نهاية 117 ب من (ظ).
(7) انظر: العدة/ 827.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 163.
(3/1161)

أصحابنا- لبقائه (1) ببقاء أصله.
وعن بعض المعتزلة (2): الجواز والمنع.
واختار أبو الخطاب (3): لا نسخ إِلا إِن ثبت القياس في وقته -عليه السلام- بنصه على العلة أو تنبيهه، فيجوز نسخه بنصه، ك "حرمتُ التفاضل (4) في البُرِّ؛ لأنه مطعوم"، ثم يقول: "بيعوا الأرز بالأرز متفاضلاً".
وقاله ابن عقيل (5) -وأن قومًا قال: يكون تخصيصًا للعلة بالطعم في البُرِّ- وابن برهان (6) وأبو الحسين (7)، وقال: "ويجوز نسخه بقياس أمارته أقوى من أمارة الأول"، وقاله الآمدي (8)، قال: إِلا أن من ذهب إِليه (9) بعد النبي عليه السلام -ثم بان ناسخه- نتبين أنه كان منسوخًا (10)، قال: وسواء
__________
(1) نهاية 167 ب من (ب).
(2) انظر: المعتمد/ 434، والإِحكام للآمدي 3/ 163.
(3) انظر: التمهيد/ 100 ب.
(4) في (ب) و (ظ): الفضل.
(5) انظر: المسودة/ 215 وقال: قاله ابن عقيل في أواخر كتابه.
(6) انظر: الوصول لابن برهان/ 56 أ- ب.
(7) انظر: المعتمد/ 434.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 163 - 164.
(9) يعني: إِلى القياس.
(10) لا أن النسخ تجدد، وفرق ما بين الأمرين.
(3/1162)

قلنا: " [إِن] (1) كل مجتهد مصيب" أوْ لا. وكذا لم يفرق أصحابنا.
وقال أبو الحسين (2): من لم يقل به (3) لا يقول بتعبده بالقياس الأول، فرفْعه لا يُعلم (4).
وفي الروضة (5): ما ثبت بالقياس: إِن نُصّ على علته فكالنص -يُنسخ ويُنسخ به- وإلا فلا.

مسألة
ما حكم به الشارع مطلقًا أو في أعيان لا يجوز تعليله بعلة مختصة بذلك الوقت عندنا وعند الشافعية.
وجوزه الحنفية والمالكية؛ ذكروه في مسألة التخليل (6)، وذكره المالكية في حكمه (7) بتضعيف الغرم على سارق الثمر
__________
(1) ما بين المعقوفتين من (ظ).
(2) انظر: المعتمد/ 435، والإِحكام للآمدي 3/ 163.
(3) يعني: بأن كل مجتهد مصيب.
(4) يعني: لا يكون رفعه متحققًا.
(5) انظر: روضة الناظر/ 87.
(6) يعني: تخليل الخمر. فقد قالوا: إِن النهي الوارد عن تخليلها إِنما كان في ابتداء التحريم منعاً لهم من أن يحوموا حول الخمور. فانظر: العناية على الهداية 8/ 167، وبداية المجتهد 1/ 492.
(7) في (ب) و (ظ): حكم.
(3/1163)

المعلق (1) ومانع الزكاة (2) (3)
__________
(1) ورد من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا. أخرجه أبو داود في سننه 4/ 550 - 551، والنسائي في سننه 8/ 85 - 86، وابن ماجه في سننه/ 865 - 866، وابن الجارود في المنتقى/ 281، والدارقطني في سننه 3/ 195، والبيهقي في سننه 8/ 278، وأحمد في مسنده 2/ 180، والحاكم في مستدركه 4/ 381 وقال: هذه سنة تفرد بها عمرو بن شعيب بن محمَّد عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، إِذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب ثقة فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر. ووافقه الذهبي في التلخيص.
(2) نهاية 343 من ح.
(3) أخرج البخاري في صحيحه 2/ 122 عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله بالصدقة، فقيل: منع ابن جميل وعباس بن عبد الطلب. فقال النبي: (... وأما العباس فعَمُّ رسول الله، فهي عليه صدقة ومثلها معها). وأخرجه مسلم في صحيحه/ 676 - 677 بلفظ: (فهي علي ومثلها معها).
قال ابن حجر في فتح الباري 3/ 333: فعلى الرواية الأولى (فهي عليه صدقة ومثلها معها) يكون - عليه السلام - ألزمه بتضعيف صدقته ليكون أرفع لقدره وأنبه لذكره وأنفى للذم عنه، فالمعنى: فهي صدقة ثابتة عليه سيصّدّق بها ويضيف إِليها مثلها كرماً. ودلت رواية مسلم على أنه - عليه السلام - التزم بإِخراج ذلك عنه، لقوله: (فهي علي)، وفيه تنبيه على سبب ذلك وهو قوله: (إِن العم صنو الأب). ثم قال ابن حجر في الفتح 3/ 334: وأبعد الأقوال كلها قول من قال: كان هذا في الوقت الذي كان فيه التأديب بالمال، فألزم العباس -بامتناعه من أداء الزكاة- بأن يؤدي ضعف ما وجب عليه، لعظم قدره وجلالته، كما في قوله تعالى -في نساء النبي-: (يضاعف لها العذاب ضعفين) الآية. سورة الأحزاب: آية 30.
وقد ذكر ابن قدامة في المغني 2/ 428: أن إِسحاق بن راهويه وأبا بكر عبد العزيز قالا -فيمن منع الزكاة-: يأخذها الإمام وشطر ماله؛ لما روى بهز بن حكيم عن أبيه عن=
(3/1164)

وتحريق متاع (1) الغال (2).
وهو شبهة من يقول: انقطع حكم المؤلَّفة.
لنا: لا يجوز رفع حكم شرعي بغير دليل شرعي.
__________
=جده -معاوية بن حيدة- عن النبي أنه قال: (... ومن أباها -أي: الزكاة- فإِني آخذها وشطر ماله). أخرجه أبو داود في سننه 2/ 333، وأحمد في مسنده 5/ 2، 4، والبيهقي في سننه 4/ 105، وابن الجارود في المنتقى/ 125، والحاكم في مستدركه 1/ 398 وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود 2/ 194: وبهز بن حكيم وثقه بعضهم وتكلم فيه بعضهم. فانظر: ميزان الاعتدال 1/ 353.
وقال ابن قدامة في المغني 2/ 428: واختلف أهل العلم في العذر عن هذا الخبر، فقيل: كان في بدء الإِسلام حيث كانت العقوبات في المال، ثم نسخ ... وراجع: معالم السنن 2/ 233 - 234.
(1) انظر: تفسير القرطبي 2/ 259 - 260.
(2) أخرج أبو داود في سننه 3/ 157 عن عمر عن النبي قال: (إِذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه). وأخرجه الترمذي في سننه 3/ 11 - وقال: غريب لا نعرفه إِلا من هذا الوجه، وسألت محمدًا "يعني البخاري" فقال: إِنما روى هذا صالح بن محمَّد بن زائدة، وهو أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث - والدارمي في سننه 2/ 149، وأحمد في مسنده 1/ 22، والبيهقي في سننه 9/ 102 - 103 وضعفه، والحاكم في مستدركه 2/ 127 - 128 وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرج أبو داود في سننه 3/ 158، والبيهقي في سننه 9/ 102 عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه. وروي عنه مرسلاً.
(3/1165)

ثم: قيل: قد تزول العلة ويبقى الحكم، كالرَّمَل والاضطباع.
وقيل: النطق حكم مطلق، وإن كان سببه خاصًا.
وتمسّك الصحابة بنهيه (1) عن الادخار في العام القابل (2). قال (3) بعض أصحابنا (4): وهل يجوز تعليل حكم مطلق بعلة قد زالت، لكن إِذا عادت يعود (5)؟ فيه نظر، وعكسه: تعليل الناسخ بعلة مختصة بذلك الزمان بحيث إِذا زالت العلة زال النسخ، لكن وقوعه في خطاب عام فيه نظر.
__________
(1) أخرج مسلم في صحيحه/ 1560 عن ابن عمر عن النبي قال: (لا يأكل أحد من لحم أضحيته فوق ثلاثة أيام). وأخرجه البخاري -بنحوه- في صحيحه 7/ 104.
(2) أخرج البخاري في صحيحه 7/ 103، ومسلم في صحيحه/ 1563 عن سلمة بن الأكوع: ... فلما كان في العام المقبل قال: يا رسول الله أنفعل كما فعلنا عام أول؟ فقال: (لا؛ إِن ذاك عام كان الناس فيه بجهد فأردت أن يفشو فيهم).
وأخرج مسلم في صحيحه/ 1561 عن عائشة قالت: قال رسول الله: (ادخروا ثلاثاً، ثم تصدقوا بما بقي)، فلما كان بعد ذلك قال: يا رسول الله، إِن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويجملون منها الودك، فقال رسول الله: (وما ذاك؟) قال: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. فقال: (إِنما نهيتكم من أجل الدافة).
(3) نهاية 168أمن (ب).
(4) انظر: المسودة: 228.
(5) في (ب): تعود.
(3/1166)

مسألة
الفحوى يُنسخ وينسخ به، ذكره الآمدي (1) اتفاقاً.
وفي التمهيد (2): المنع عن بعض الشافعية. وذكره في العدة (3) عن الشافعية -قال: فيما حكاه الإِسفراييني- واختاره بعض أصحابنا.
لنا: أنه كالنص.
وإن قيل: "قياس" فقطعي، ولهذا (4) قال الشافعي (5): "لا يجوز أن يرد الشرع بخلافه، وينتقض به حكم الحاكم": وكذا قال أبو الخطاب (6): لا يحسن المنع منه -وإن نُهي عن القياس الشرعي- لمناقضته (7) (8) التعليل، وِإن لم يكن مناقضًا في اللفظ.
وقال بعض أصحابنا (9): هذا يقتضي أنه مع تسميته قياسًا وانه (10)
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدى 3/ 165.
(2) انظر: التمهيد/ 101أ.
(3) انظر: العدة/ 828.
(4) نهاية 118 أمن (ظ).
(5) حكاه عنه ابن برهان وأبو الطيب. انظر: المسودة/ 346 - 347.
(6) انظر: التمهيد/ 160 ب.
(7) في (ب): لمناقضة.
(8) يعني: لمناقضة المنع.
(9) انظر: المسودة/ 387.
(10) في المسودة: فإِنه.
(3/1167)

مستفاد من دلالة اللفظ، حتى مع النهي عن القياس، فصارت المذاهب ثلاثة. كذا قال.

مسألة
يجوز نسخ أصل الفحوى -كالتأفيف- دونه، كالضرب، ذكره أبو محمَّد (1) البغدادي من أصحابنا، وعليه أكثر كلام ابن عقيل (1)، وقاله القاضي (2)، وحكي عن الحنفية (3) وغيرهم.
وفي الروضة (4): المنع، وذكره الآمدي (5) قول الأكثر.
ويجوز نسخ الفحوى دون أصله في ظاهر كلام أصحابنا (6).
وجزم بعض أصحابنا بالمنع، وحكي عن الحنفية (7) وغيرهم.
واختلف كلام عبد الجبار (8) المعتزلي، ومنعه أبو الحسين (8) منهم، وهو أظهر.
__________
(1) انظر: المسودة/ 221.
(2) انظر: العدة/ 197 أ- ب، والمسودة/ 221.
(3) انظر: تيسير التحرير 3/ 214، وفواتح الرحموت 2/ 87، والمسودة/ 221.
(4) انظر: روضة الناظر/ 88.
(5) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 165.
(6) نهاية 344 من (ح).
(7) انظر: تيسير التحرير 3/ 214، وفواتح الرحموت 2/ 87.
(8) انظر: المعتمد/ 437.
(3/1168)

ومنع بعضهم هنا (1)؛ لأن تحريم التأفيف يستلزم تحريم الضرب؛ لأنه (2) معلوم منه، وجوازه (3) لا يستلزم جوازه (4)؛ لأنه (4) أكثر أذى.
قالوا: دلالتان، فجاز رفع كل منهما (5).
رد: بمنعه (6) مع الاستلزام، لامتناع بقاء ملزوم (7) بدون لازمه (8).
قالوا: الفحوى تابع لأصله، فيرتفع به.
رد: تابع (9) لدلالة المنطوق على حكمه، لا لحكمه، ودلالته باقية.
__________
(1) يعني: وأجاز هناك.
(2) نهاية 168 ب من (ب).
(3) يعني: التأفيف.
(4) يعني: الضرب.
(5) يعني: إِفادة اللفظ للأصل والفحوى دلالتان متغايرتان، فجاز رفع كل منهما بدون الأخرى ضرورة.
(6) يعني: منع دلالة التغاير على رفع كل واحد منهما دون الآخر مع الاستلزام.
(7) كتحريم التأفيف.
(8) كتحريم الضرب.
(9) يعني: دلالة اللفظ على الفحوى متابعة لدلالته على الأصل، وليس حكمها تابعًا لحكمه، فإِن فَهْمنا لتحريم الضرب حصل من فهمنا لتحريم التأفيف لا أن الضرب إِنما كان حراماً لأن التأفيف حرام ولولا حرمة التأفيف لما كان الضرب حراماً، والذي يرتفع هو حكم تحريم التأفيف، لا دلالة اللفظ عليه، فإِنها باقية، فالمتبوع لم يرتفع، والمرتفع ليس بمتبوع.
(3/1169)

مسألة
إِن ثبت حكم المفهوم جاز نسخه، وإلا فلا نسخ.
قال في التمهيد (1): يجوز نسخه مع بقاء اللفظ؛ لأنه لا ينقض الغرض به، كقول الصحابة في: (الماء من الماء).
وسبق (2) في المفهوم: هل يبطل ببطلان أصله؟

مسألة
إِذا نسخ حكم أصل القياس تبعه حكم الفرع عند أصحابنا والشافعية (3)، خلافًا للحنفية (4) -أو لبعضهم-[وبعض (5) الشافعية] (6).
وقال القاضي (7) -في إِثبات القياس عقلاً-: لا يمتنع عندنا بقاء حكم الفرع مع نسخ حكم الأصل.
__________
(1) انظر: التمهيد/ 101 أ.
(2) في ص 1087.
(3) انظر: التبصرة/ 275.
(4) اختار في تيسير التحرير 3/ 215: أنه لا يبقى حكم الفرع. وفي مسلم الثبوت: (ونسب -يعني: بقاء حكم الفرع عند نسخ حكم الأصل- إِلى الحنفية). قال في فواتح الرحموت: أشار إِلى أن هذه النسبة لم تثبت. انظر: فواتح الرحموت 2/ 86.
(5) انظر: التبصرة/ 275.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(7) انظر: العدة / 197أ- ب.
(3/1170)

وفي التمهيد (1): "يحتمل أن يثبت النسخ في الفرع"، ثم منعه.
وَمَثّله أصحابنا -وذكره ابن عقيل (*) عن المخالف- ببقاء حكم النبيذ المطبوخ في الوضوء بعد نسخ النَّيء (2)، وصوم رمضان بنية من النهار بعد نسخ عاشوراء (3) عندهم.
وقال بعض (4) أصحابنا (5): المنسوخ عندهم تجويز شربه، فتتبعه الطهورية، فإِنها نفس المسألة، وقال (6): جاز الوضوء بهما، ثم حرم الأصل، فالمعنى الناسخ اختص به (7).
__________
(1) انظر: التمهيد/ 152أ، والمسودد/ 220. وفي التمهيد/ 101 أ: مسألة: إِذا ثبت الحكم في عين من الأعيان بعلة نص عليها، وقيس عليه غيره، ثم نسخ ذلك الحكم في تلك العين: بطل الحكم في فروعه.
(*) انظر: الواضح 2/ 254 ب- 255أ.
(2) بقوله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا) سورة المائدة: آية 6. انظر: العدة/ 821، وبدائع الصنائع / 114 وما بعدها.
(3) فالرسول أجاز صوم عاشوراء بنية من النهار، أخرج البخاري في صحيحه 3/ 44، ومسلم في صحيحه/ 798 عن سلمة بن الأكوع قال: أمر النبي رجلاً من أسلم أن أذن في الناس: (أن من كان أكل فليصم بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء).
(4) انظر: المسودة/ 213.
(5) قال: الأولى صحيحة، وفيها نظر أيضًا؛ فإِن المنسوخ عندهم ... إِلخ.
(6) انظر: المسودة/ 218.
(7) يعني: بالأصل.
(3/1171)

قال (1): والصحيح في الثانية أن ذلك لا يوجب نسخ ذلك الحكم، والمنسوخ وجوب صوم عاشوراء، فسقط إِجزاؤه (2) [بنية] (3) من النهار لعدم المحل، فأما إِجزاء الواجب بنية من النهار فلم يتعرض لنسخه.
وقال (4) -أيضًا-: التحقيق أن هذا من باب نسخ الأصل نفسه -الذي هو حكم- هل هو نسخ لصفاته؟.
قال (5): ويشبه نسخ نفس (6) الأصل قرعة يونس، فإِنها لا تجوز في شرعنا؛ لأن المذنب لو عرفناه لم نُلْقِه، فهل نسخ القرعة (7) في هذا الأصل نسخ لجنس القرعة؟ قد احتج أصحابنا (8) بها (9) على القرعة، وقرعة زكريا -كانوا أجانب، وكان لهم في شرعهم ولاية حضانة المحررة (10) - فارتفاع الحكم في غير
__________
(1) انظر: المسودة/ 213.
(2) نهاية 118 ب من (ظ).
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(4) انظر: المسودة/ 218.
(5) انظر: المرجع السابق/ 213 - 214.
(6) في المسودة: بعض.
(7) نهاية 169 أمن (ب).
(8) نهاية 345 من (ح).
(9) أي: بالآية التي فيها القرعة، وهي آية 141 من سورة الصافات.
(10) في تفسير القرطبي 4/ 66: (محرراً) أي: عتيقًا خالصاً لله خادماً للكنيسة حبيساً عليها مفرغاً لعبادة الله، وكان ذلك جائزاً في شريعتهم، وكان على أولادهم أن يطيعوهم، والأنثى لا تصلح لخدمة الكنيسة.
(3/1172)

الأصل لارتفاع الأصل لا يكون رفعاً له في مثل ذلك الأصل إِذا وجد.
قال: (1) ومثله نهيه لمعاذ عن الجمع بين الائتمام وإمامة قومه (2) -إِذا كان للتطويل عليهم-: هل هو نسخ لما دل الجمع عليه من ائتمام مفترض بمتنفل (3)؟.
وذكر في التمهيد (4) -في آخر مسألة القياس- ما سبق (5) عن الأصحاب احتمالاً، ثم سلم.
__________
(1) انظر: المسودة/ 214.
(2) أخرجه أحمد في مسنده 5/ 74 عن معاذ بن رفاعة عن رجل من بني سلمة -يقال له سليم-: أنه قال للرسول: إِن معاذًا يطول علينا في الصلاة. فقال - عليه السلام - لمعاذ: (إِما أن تصلي معي وإما أن تخفف على قومك). وكذا أخرجه ابن حزم في المحلى 4/ 325. قال ابن حجر في فتح الباري 2/ 194: وفيه أنه استشهد بأحد، وهذا مرسل لأن معاذ بن رفاعة لم يدركه. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 409 عن معاذ بن رفاعة أن رجلاً من بني سلمة، فذكره مرسلاً. وكذا أخرجه الطبراني في المعجم الكبير. انظر: مجمع الزوائد 2/ 72. قال الطحاوي: قال: (إِما أن تصلي معي) أي: ولا تصل بقومك، (وإما أن تخفف على قومك) أي: ولا تصل معي. قال ابن حجر في فتح الباري 2/ 197: فيه نظر؛ لأن لمخالفه أن يقول: "بل التقدير: إِما أن تصلي معي فقط إِذا لم تخفف، وإما أن تخفف على قومك فتصلي معي" وهو أولى من تقديره؛ لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف؛ لأنه هو المسؤول عنه المتنازع فيه.
(3) في (ح): لمتنفل.
(4) انظر: التمهيد/ 152أ.
(5) في ص 1170. وفي (ب): ما سيق.
(3/1173)

وضعّف -أيضًا- في الانتصار منع أصحابنا من نسخ عاشوراء وبقاء حكمه (1) في رمضان: بأنه إِذا ثبت جواز النية نهاراً في صوم واجب لا يزول بنقل الواجب من محل إِلى محل وزمن إِلى زمن.
وفرق ابن عقيل وغيره: بأن رمضَان وجد سبب إِيجابه قبل شروعه فيه، فالنية فيه كحكم وضعها في كل واجب.
وإن قلنا بقول أصحابنا ومحققي الشافعية (2): "إِن عاشوراء كان نفلاً" فواضح. (3)
واختار بعض أصحابنا (4): إِن نص على العلة لم يتبعه الفرع، إِلا أن يعلّل في نسخه بعلة، فيتبعها النسخ.
وجه الأول: خروج العلة عن اعتبارها، فلا فرع، وإلا وجد المعلول بلا علة.
فإِن قيل: أمارة، فلم يحتج إِليها دوامًا.
__________
(1) في (ب): حكم.
(2) انظر: المجموع 6/ 443.
(3) جاء -بعد هذا- في (ب): (وبعض الشافعية، ومثله أصحابنا -وذكره ابن عقيل عن المخالف- ببقاء حكم النبيذ المطبوخ في الوضوء بعد نسخ النبي، وصوم رمضان بنية من النهار بعد نسخ عاشوراء). وهو -ماعدا قوله: وبعض الشافعية- تكرار لما سبق في ص 1171. وقد ضرب عليه أحد قراء النسخة.
(4) انظر: المسودة/ 220.
(3/1174)

رد: باعثة.
قالوا: الفرع تابع للدلالة لا للحكم، كما سبق (1) في (2) الفحوى.
رد: زال الحكم بزوال حكمته (3).
وفي التمهيد (4) -أيضًا- لا يسمى نسخًا كزوال حكم بزوال علته.
ومعناه في العدة (5).

مسألة
لا حكم للناسخ مع جبريل اتفاقاً.
فإِذا بلَّغه النبي - عليه السلام - لم يثبت [حكمه] (6) في حق من لم يبلغه في ظاهر كلام أحمد (7) -لأنه أخذ بقصة أهل قباء، والقبلة وإن جاز تركها لعذر لكن يعيد (8) عند الخصم- وقاله أصحابنا والحنفية (9) وأكثر
__________
(1) في ص 1169.
(2) نهاية 169 ب من (ب).
(3) فيزول الحكم مطلقًا لانتفاء حكمته.
(4) انظر: التمهيد/ 101أ.
(5) انظر: العدة/ 823.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(7) انظر: العدة/ 823.
(8) في (ح): بعيد.
(9) انظر: تيسير التحرير 3/ 216، وفواتح الرحموت 2/ 89.
(3/1175)

العلماء.
وللشافعية (1) وجهان.
واختار أبو الطيب (2) وابن برهان (3) ثبوته.
وخرّجه أبو الخطاب (4) من عزل الوكيل قبل العلم في إِحدى الروايتين.
وليس بتخريج دوري كما قالوا بعضهم (5).
وفرق الأصحاب (6): بأن أمر الشارع يتعلق به ثواب وعقاب، فاعتبر العلم، وحق الآدمي يتعلق به الضمان.
وقال أبو الخطاب (7): للخصم (8) أن يقول: إِذن الموكل يتعلق به صحة التصرف وفساده (9)، فلا فرق.
__________
(1) انظر: التبصرة/ 282، والمستصفى 1/ 120، والإِحكام للآمدي 3/ 168.
(2) انظر: المسودة/ 223.
(3) انظر: الوصول لابن برهان/ 57 ب، والمسودة/ 223.
(4) انظر: التمهيد/ 101 ب- 102أ، والمسودة/ 223.
(5) قالوا بعضهم: إِنه تخريج دوري؛ لأن هذه المسألة أصولية، ومسألة الوكيل فرعية، فهي فرع على مسألة النسخ؛ لأن الأصل تخريج الفروع على الأصول، فلو خرجنا هذا الأصل المذكور في النسخ على ما في الوكالة لزم الدور.
(6) انظر: العدة/ 825.
(7) انظر: التمهيد/ 102 أ.
(8) نهاية 119 أمن (8).
(9) وذلك يعتبر فيه علم الوكيل.
(3/1176)

قال: (1): وقال (2) شيخنا (3): حكم الخطاب يلزم المعدوم ولم (4) يوجد.
كذا قال.
وقال بعض أصحابنا (5): كلام القاضي يقتضي أن هذا [لا] (6) يختص بمسألة النسخ، ويشمل الحكم المبتدأ.
وجه الأول: لو ثبت لزم وجوب شيء وتحريمه في وقت واحد؛ لأنه لو نُسخ واجب بمحرم أثم بترك الواجب اتفاقًا، وأيضًا: يأثم بعمله بالثاني اتفاقًا.
قالوا: إسقاط حق لا يعتبر فيه رضا من يسقط عنه، فكذا علمه، كطلاق وإبراء.
رد: إِنما هو تكليف تضمن رفع حكم خطاب.
ثم: يلزم قبل تبليغ جبريل.
قالوا: كما يثبت حكم إِباحة الآدمي (7) قبل العلم -فيمن حلف: "لا
__________
(1) انظر: التمهيد/ 101 ب.
(2) نهاية 346 من (ح).
(3) يعني: القاضي أبا يعلى. انظر: العدة/ 386.
(4) في التمهيد: ومن لم يوجد.
(5) انظر: المسودة/ 223.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(7) لآدمي آخر.
(3/1177)

خرجت إِلا بإِذنه (1) "- وإباحة ماله (2).
رد: بالمنع.
قالوا: رفع الحكم بالناسخ.
رد (3): بشرط العلم.
قالوا: الناسخ حكم، فلم يتوقف ثبوته على عِلْم المكلف كبقية الأحكام.
رد: إِن أريد بثبوته تعلقه بالمكلف تَوَقَّفَ؛ لاعتبار التمكّن من الامتثال.

مسألة
زيادة عبادة مستقلة ليست نسخًا عند العلماء.
وعن بعض العراقيين (4): صلاة سادسة نسخ: [لتغير الوسط] (5).
رد: بزيادة عبادة (6).
* * *
__________
(1) ثم خرج قبل علمه بإِذنه لم يحنث.
(2) كما لو قال: "أبحت ثمرة بستاني لكل من دخله"، فإِنه يباح لكل داخل وإن لم يعلم ذلك.
(3) نهاية 170أمن (ب).
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 170، وكشف الأسرار 3/ 191.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(6) لإِخراج الأخيرة عن كونها أخيرة.
(3/1178)

وزيادة غيرها ليست نسخاً عند أصحابنا والمالكية (1) والشافعية (2) والجبائية (3).
وعند الحنفية (4): "نسخ"، مع اعتبارهم الفقر في ذوي القربى قياسًا (5).
وقيل: إِن رفعت الزيادة مفهوم المخالفة فنسخٌ.
وقيل: إِن غيرت حكم المزيد عليه في المستقبل -كالتغريب (6) على
__________
(1) انظر: المنتهى لابت الحاجب/ 120، وشرح تنقيح الفصول/ 317 ومفتاح الوصول / 77.
(2) انظر: اللمع/ 37، والتبصرة / 276، والمستصفى 1/ 117، والمحصول 1/ 3/ 540، والإِحكام للآمدي 3/ 170.
(3) انظر: المعتمد / 437.
(4) انظر: أصول السرخسي 2/ 82، وكشف الأسرار 3/ 191، وتيسير التحرير 3/ 218، وفواتح الرحموت 2/ 91.
(5) انظر: ص 1051 من هذا الكتاب، والهداية 2/ 148.
(6) التغريب ورد في أحاديث، منها: حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا، وفيه: (البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة). وقد تقدم تخريجه في هامش ص 1137.
ومنها حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف، وفيه قول الرسول: (وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام). أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 167 - 168، ومسلم في صحيحه / 1324 - 1325.
(3/1179)

الحد، وزيادة عدد الجلد- فنسخ (1)، وإلا فلا (2).
وقيل: إِن غيّرتْه حتى صار وجوده (3) كعدمه شرعًا -كركعة على ركعتي الفجر- فنسخ، وإلا فلا.
وقيل: إِن غيرته حتى ارتفع التعدد بينهما -كركعة على ركعتي الفجر- فنسخ، وإلا فلا (4).
واختار أبو الحسين (5) والآمدي (6) وغيرهما: إِن رفعت الزيادة حكماً شرعيًا بعد ثبوته بدليل شرعي فنسخ، وإلا فلا، ومعناه لبعض أصحابنا (7)، وكلام الباقين نحوه.
* * *
فقوله (8): "في السائمة زكاة" ثم قوله: "في المعلوفة زكاة" نسخ
__________
(1) لتغيره من الكل إِلى البعض.
(2) كزيادة وجوب ستر الركبة بعد وجوب ستر الفخذ، فإِنها لا تكون نسخًا لوجوب ستر كل الفخذ؛ لأن ستر الفخذ لا يتصور بدون ستر بعض الركبة، فلا تكون الزيادة مغيرة للحكم الأول في المستقبل، بل تكون مقررة له.
(3) يعني: دونها.
(4) كزيادة عشرين جلدة على حدِّ القذف.
(5) انظر: المعتمد/ 442 - 443.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 171.
(7) انظر: المسودة/ 208.
(8) بدأ المؤلف في ذكر بعض الأمثلة التطبيقية على المسألة.
(3/1180)

للمفهوم إِن علم أنه (1) مراد، وإِلا فلا.
ومثله (2): "اجلدوا مائة" (3).
قال في العدة (4) والروضة (5): استقراره (6) بتأخير البيان (7) نسخ.
وفي التمهيد (8) والواضح (9): نسخٌ لمنع الزيادة (10)، والمفهوم ينسخ بخبر الواحد والقياس.
وفي العدة (11) (12): ربما قال قائل: "تخصيص؛ لرفعه (13) بقياس وخبر واحد"، قال: والصحيح نسخٌ كالخطاب.
__________
(1) يعني: المفهوم.
(2) نهاية 347 من (ح).
(3) في حدّ الزنا.
(4) انظر: العدة/ 820.
(5) انظر: روضة الناظر/ 80، 81.
(6) يعني: دليل الخطاب.
(7) بما يرد بعده مما يوجب تركه.
(8) انظر: التمهيد/ 102 ب-103أ.
(9) انظر: الواضح 2/ 253أ، 254 أ.
(10) المفهوم من التقييد بالعدد.
(11) انظر: العدة/ 820.
(12) نهاية 170 ب من (ب).
(13) يعني: دليل الخطاب.
(3/1181)

وقال بعض أصحابنا (1): تراخي البيان لا يوجب أنه (2) مراد في ظاهر المذهب لجوازه (3)، وإلا (4) وجب (5).
........................
ولو زيد ركعة في الفجر فليس بنسخ (6) عند أصحابنا وأبي الحسين (7) وغيرهم؛ لعدم رفع حكم شرعي، بل ضم إِليه حكم.
وعند الآمدي (8): نسخ، لرفع وجوب التشهد عقب الركعتين.
رد: التشهد آخر الصلاة للخروج منها، فلا نسخ.
ثم: يلزم زيادة التغريب على الحد.
وقيل (9): نسخ لتحريم الزيادة.
رد: لم تحرم بالأمر بالركعتين، بل لدليل.
__________
(1) انظر: المسودة/ 210، 212.
(2) يعني: دليل الخطاب.
(3) يعني: تأخير البيان.
(4) يعني: وإن لم نجوز تأخير البيان.
(5) أن يكون مراداً.
(6) نهاية 119 ب من (ظ).
(7) انظر: المعتمد/ 445 - 446.
(8) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 172 - 173.
(9) يعني: زيادة الركعة نسخ لتحريم الزيادة.
(3/1182)

وقيل: نسخ؛ لرفع الصحة والإِجزاء.
رد: لم يثبتا (1) بالخطاب، بل بالاستصحاب (2)، زاد بعض أصحابنا (3): والمفهوم.
وأجاب في الروضة (4): بأن النسخ رفع جميع موجب الخطاب لا رفع بعضه، وبأنه إِنما يكون نسخًا إِذا استقر (5) وثبت، ومن المحتمل أن دليل الزيادة كان مقارنًا (6). كذا قال.
...................
وزيادة التغريب على الجلد ليست نسخًا -واختاره الآمدي (7) - لما سبق، خلافاً لبعضهم.
قال بعض أصحابنا: قصد بالزيادة تعبد المكلف بها لا رفع استقلال ما كان قبلها، بل حصل (8) ضرورة وتبعاً، والمنسوخ مقصود بالرفع (9)، ولا
__________
(1) يعني: الصحة والإجزاء.
(2) يعني: استصحاب النفي الأصلي من أنه لا يجب شيء غيرهما، فليس حكماً شرعيًا.
(3) انظر: المسودة/ 209، 210.
(4) انظر: روضة الناظر/ 81.
(5) يعني: الإِجزاء.
(6) في (ظ): مقرنًا.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 173.
(8) في (ح): حصلت.
(9) ورفع الاستقلال لم يقصد.
(3/1183)

يلزم من قصدها (1) قصد لازمها، وهو رفع الاستقلال، لتصور الملزوم غافل (2) عن لازمه. والله أعلم.
.....................
ولو أوجب غسل الرجل عيْنًا، ثم خيّر بينه وبين المسح: فذكر الآمدي (3): أنه نسخ؛ لأن التخيير رفع الوجوب.
ولعل المراد: عَيَّنَه مع الخف (4)، وإلا فلا نسخ.
.......................
وقوله: (واستشهدوا شهيدين) (5)، ثم حكمه - عليه السلام - بشاهد ويمين (6): ليس بنسخ؛ لأنه لم يرفع شيئًا، ولو ثبت مفهومه ومفهوم (فإِن لم يكونا رجلين) الآية (7)؛ لأنه ليس فيه منع الحكم بغيره، بل حصر الاستشهاد.
__________
(1) يعني: الزيادة.
(2) (غافل) فاعل للمصدر (تصور). وفي (ح): غافلاً.
(3) في منتهى السول 2/ 92. وقال في الإِحكام 3/ 174: ليس بنسخ.
(4) نهاية 171 أمن (ب).
(5) سورة البقرة: آية 282.
(6) تقدم تخريجه في ص 609. وأخرجه -أيضاً- مسلم في صحيحه / 1337، وأبو داود في سننه 4/ 33، وابن ماجه في سننه/ 793 من حديث ابن عباس.
(7) سورة البقرة: آية 282.
(3/1184)

وقال الآمدي (1): إِن كان المفهوم حجة فرفعه نسخ، ولا يجوز بخبر الواحد. كذا قال
.....................
ولو زيد في الوضوء اشتراط غسل عضو -أو شَرْط في الصلاة- فلا نسخ؛ لما سبق.
...................
وفرضية الفاتحة واشتراط الطهارة للطواف ليس بنسخ، خلافًا للحنفية (2) في جميع ذلك وغيره. وسبق (3) في المطلق (4).

مسألة
نسخ جزء العبادة أو شرطها ليس نسخاً لجميعها عند أصحابنا وأكثر الشافعية (5) والكرخي (6) وأبي الحسين البصري (7).
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 175.
(2) انظر: أصول السرخسي 2/ 82، وكشف الأسرار 3/ 191، وتيسير التحرير 3/ 218، وفواتح الرحموت 2/ 91.
(3) في ص 989 - 990.
(4) نهاية 348 من (ح).
(5) انظر: اللمع/ 37، والتبصرة/ 281، والإحكام للآمدي 3/ 178، والمستصفى 1/ 116، والمحصول/ 1/ 3/ 556.
(6) انظر: المعتمد/ 477، والتبصرة/ 281، والإِحكام للآمدي 3/ 178.
(7) انظر: المعتمد/ 448.
(3/1185)

وعن بعض المتكلمين والغزالي (1) -وحكاه ابن برهان (2) عن الحنفية (3) -: نسخ.
وعن عبد الجبار (4): نسخ بنسخ جزئها (5).
وقال بعض أصحابنا (6): الخلاف في شرط متصل كالتوجه، ومنفصل -كوضوء- ليس نسخًا لها إِجماعًا.
وذكره الآمدي (7) فيهما.
لنا: بقاء وجوبها، ولا يفتقر إِلى دليل ثان إِجماعًا، ولم يتجدد وجوب، وكنسخ سنتها (8) اتفاقاً.

مسألة
يستحيل تحريم معرفته (9) -إِلا على تكليف المحال- لتوقفه (10) على معرفته، وهو دور.
__________
(1) انظر: المستصفى 1/ 116.
(2) انظر: المسودة/ 213.
(3) انظر: تيسير التحرير 3/ 220، وفواتح الرحموت 2/ 94.
(4) انظر: المعتمد/ 447 - 448.
(5) يعني: لا شرطها.
(6) انظر: المسودة/ 213.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 178.
(8) في (ح): سننها.
(9) يعني: معرفة الله تعالى.
(10) يعني: توقف التحريم.
(3/1186)

وما حسن أو قبح لذاته -كمعرفته والكفر- يجوز نسخ وجوبه وتحريمه عند القائل بنفي الحسن والقبح (1) ورعاية الحكمة في أفعاله، ومن أثبته منعه، ذكره الآمدي (2).
وقيل للقاضي (3): لو جاز النسخ لجاز في اعتقاد التوحيد، (4) فقال: التوحيد مصلحة لجميع المكلفين في جميع الأوقات، ولهذا لا يجوز الجمع بين إِيجابه والنهي عن مثله [في] (5) المستقبل، بخلاف الفعل الشرعي.
ومعناه لابن عقيل (6).
قالوا بعض أصحابنا (7): ويجوز نسخ جميع التكاليف -سوى معرفة الله- على أصل أصحابنا وسائر أهل الحديث، خلافاً للقدرية في قولهم: مصالح، فلا يجوز رفعها.
قال ابن عقيل: وإن قلنا بالمصالح فلا يمتنع، لعلمه أن التكاليف (8)
__________
(1) نهاية 120أمن (ظ).
(2) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 180.
(3) انظر: العدة/ 776.
(4) نهاية 171 ب من (ب).
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(6) انظر: الواضح 2/ 231 ب-232أ.
(7) انظر: المسودة/ 200.
(8) في (ح): التكليف.
(3/1187)

تفسدهم (1)، وكجنون بعضهم وموته، وكنسخه منها بحسب بالأصلح.
وقال الآمدي (2): وبعد تكليف العبد بها اختلفوا في جواز نسخ جميع التكاليف.
واختار الغزالي (3) المنع -وقال بعض أصحابنا: نحن بمنعه أولى- لأنه لا بد من بقاء وجوب معرفة النسخ والناسخ.
ورد: لا يمتنع معرفته، وإن لم يكن مكلّفاً به.
........................
__________
(1) في (ب): يفسدهم.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 180.
(3) انظر: المستصفى 1/ 123.
(3/1188)

القياس
لغة (1): التقدير، فهو نسبة وإصافة بين شيئين بالمساواة.
واصطلاحًا:
قيل: إِصابة الحق.
وقيل: بذل الجهد في استخراجه.
وقيل: العلم عن نظر.
ويبطل ذلك بالنص والإِجماع، وبأن إِصابة الحق والعلم فرع للقياس وثمرته، مع أن أكثره ظن، والبذل حال القائس.
أبو هاشم (2): حمل الشيء على غيره بإِجراء حكمه عليه، وزاد عبد الجبار (2): بضرب من الشبه.
وأُبطلا: بخروج قياس فرعه معدوم ممتنع لذاته، فإِنه ليس بشيء (3)، ويحتاج الأول: بجامع.
وفي العدة (4): رد فرع إِلى أصل بعلة جامعة.
__________
(1) انظر: معجم مقاييس اللغة 5/ 40، ولسان العرب 8/ 70.
(2) انظر: المعتمد/ 697.
(3) نهاية 349 من (ح).
(4) انظر: العدة/ 174.
(3/1189)

وقاله في التمهيد (1)، وفيه: تحصيل (2) حكم الأصل في الفرع؛ لاشتباههما في علة الحكم، وقيل: حمل فرع على أصل بعلة الأصل، قال: ومعناهما سواء.
واختار أبو الحسين (3) البصري الأول، ومراده: تحصيل مثل حكم الأصل، ومعناه في الواضح (4)، وقال: "إِنه أسد ما رآه"، لكن: هو نتيجة القياس لا نفسه.
وفي الروضة (5): حمل فرع على أصل في حكم بجامع.
ابن الباقلاني (6) -وتبعه أكثر الشافعية-: حمل معلوم على معلوم في إِثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إِثبات حكم أو صفة أو نفيهما.
ورد: بأن المراد من الحمل إِثبات الحكم، وهو ثمرة القياس.
ورد أيضًا: بأن قوله: "في إِثبات حكم لهما" يُشعر بأن الحكم في الأصل والفرع بالقياس.
__________
(1) انظر: التمهيد/ 4 ب، 145أ.
(2) نهاية 172 أمن (ب).
(3) انظر: المعتمد/ 697.
(4) انظر: الواضح 1/ 131 ب.
(5) انظر: روضة الناظر/ 275.
(6) انظر: البرهان/ 745، والإِحكام للآمدي 3/ 186، والمنتهى لابن الحاجب/ 123.
(3/1190)

وبأن "بجامع" كاف؛ لأنه المعتبر في ماهية القياس، لا أقسامه.
وأجاب الآمدي (1) عن الأول: بالمنع لما علم: مم يتركب منه القياس (2)؟
وعن الثاني: بأنه زيادة إِيضاح، ولا يلزم منه ذكر أقسام الحكم والصفة، لعدم وجوبه.
قال (3): لكن يرد (4) إِشكال لا محيص عنه، وهو: أنه أخذ في الحد ثبوت حكم الفرع، وهو فرع القياس، وهو دور.
ورد: بأن المحدود القياس الذهني وثبوت حكم الفرع الذهني، والخارجي ليس فرعاً للقياس الذهني.
وقال ابن المنِّي من أصحابنا: مساواة معلوم لمعلوم في معلوم ثالث يلزم من مساواة الثاني للأول فيه مساواته في حكمه.
وهو معنى من قال: "مساواة فرع لأصل في علة حكمه"، وقول الآمدي (5) (6): الاستواء بين الفرع والأصل في العلة المستنبطة من حكم الأصل. ويحتاج: أو غيرها.
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 189، 190.
(2) وهو: الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والوصف الجامع.
(3) انظر: المرجع السابق 3/ 190.
(4) نهاية 120 ب من (ظ).
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 190.
(6) نهاية 172 ب من (ب).
(3/1191)

ومن قال بتصويب كل مجتهد لزمه (1) زيادة: "في نظر المجتهد"؛ لأنه صحيح ولو تبين غلطه ورجوعه عن الحكم.
وإن أريد تعريف الفاسد مع الصحيح قيل: تشبيه إِلى آخره.
...................
وقياس الدلالة (2) لم يرد بالحد.
وقيل: ليس بقياس حقيقة.
وقيل: داخل؛ لتضمنه المساواة في العلة، كالجمع بين الخمر والنبيذ بالرائحة الدالة على الشدة المطربة.
......................
وقياس العكس -مثل: لما (3) وجب الصيام في الاعتكاف بالنذر وجب بغير نذر، عكسه الصلاة لما لم تجب فيه بالنذر لم تجب بغير نذر- لم يرد بالحد.
وقيل: ليس بقياس حقيقة.
وفي التمهيد (4): لا يسمى قياسًا؛ لاختلاف الحكم والعلة، قال: وسماه
__________
(1) في (ح): يلزمه.
(2) قالوا الآمدى في الإِحكام 4/ 4: قياس الدلالة: ما كان الجامع فيه دليل العلة لا العلة.
(3) نهاية 350 من (ح).
(4) انظر: التمهيد/ 145أ.
(3/1192)

بعض الحنفية قياسًا مجازاً، قال: وحَدَّ أبو الحسين (1) البصري القياس بحد يشملهما، فقال: إِثبات الحكم في الشيء باعتبار تعليل غيره، قال: فعلى هذا حدُّه: إِثبات نقيض حكم الشيء في غيره، لافتراقهما في علة الحكم.
وأولى منه قول بعض أصحابنا والآمدي (2): تحصيل نقيض حكم المعلوم في غيره، لافتراقهما في علة الحكم.
وقيل: داخل؛ لأن القصد مساواة الاعتكاف بغير نذرِ الصوم في اشتراط الصوم له بنذر الصوم، بمعنى: "لا فارق بينهما"، أو السبر، فيقال: الموجب للصوم الاعتكاف لا نذره بدليل الصلاة، فالصلاة ذكرت لبيان إِلغاء النذر، فالأصل اعتكاف بنذر صوم، والفرع بغير نذره، والحكم اشتراطه (3)، والعلة الاعتكاف، أو أن القصد قياس الصوم بنذر على الصلاة بنذر (4)، فيقال: بتقدير عدم وجوب الصوم في الاعتكاف لا يجب فيه بنذر كصلاة، والعلة: أنهما عبادتان.
* * *
__________
(1) انظر: المعتمد/ 1031.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 183.
(3) في (ب): واشتراطه.
(4) نهاية 173أمن (ب).
(3/1193)

أركان القياس
أصل وفرع وعلة وحكم
فإِذا قسنا النبيذ على الخمر بعلة الإِسكار:
فالأصل: الخمر، وهو محل الحكم المشبه به، وذكره الآمدي (1) عن الفقهاء، وأنه أشبه، لافتقار الحكم والنص إِليه.
وقيل: الأصل ليل الحكم، وحكي عن (2) المتكلمين.
وقيل: حكم المحل.
وذكر الآمدي (3): أنه ليس بالوصف الجامع اتفاقًا.
وحكي قول.
وقال بعض أصحابنا (4): الأصل يقع على الجميع.
واختار ابن عقيل (5): أنه الحكم والعلة.
والفرع: النبيذ، وهو المحل المشبه.
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 192.
(2) نهاية 121 أمن (ظ).
(3) انظر: المرجع السابق 3/ 191.
(4) انظر: المسودة/ 371.
(5) انظر: الواضح 1/ 133 ب-134أ، والمسودة/ 370 - 371.
(3/1194)

وقيل: حكمه، واختاره الآمدي (1).
والأقوال متوجهة؛ لأن الأصل ما ينبني عليه غيره، ولهذا كان الجامع فرعًا (2) للأصل؛ لأخذه منه، وهو أصل للفرع اتفاقًا؛ لبناء حكمه عليه.
قال ابن عقيل (3): والمعلول الحكم لا (4) المحكوم فيه، خلافاً لأبي علي الطبري الشافعي؛ لأنها أثارته، ويقال: "بِمَ تُعلل الحكم؟ واعتل فلان لحكمه بكذا"، وعلة المريض تقوم به وتؤثر فيه، فلهذا كان الجسم معلولاً.

شروط القياس
من شرط حكم الأصل: كونه شرعيًا؛ لأنه القصد من القياس الشرعي، قالوا في الروضة (5): والعقلي ومسائل الأصول قطعية لا تثبت بظني، وكذا لا يثبت به (6) أصل القياس وأصل خبر الواحد.
..........................
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 192.
(2) نهاية 351 من (ح).
(3) انظر: الواضح 1/ 134أ.
(4) في (ب): على.
(5) انظر: روضة الناظر: 318.
(6) يعني: بالقياس.
(3/1195)

ومنه: كونه [غير] (1) منسوخ؛ لأنه زال اعتبار الجامع. (2)
...................
ومنه: كونه غير فرع، اختاره القاضي (3) في مقدمة المجرد، وقال: هو ظاهر قول أحمد -وقيل له: يقيس الرجل بالرأي؟ - فقال: "لا، هو أن يسمع الحديث فيقيس عليه"، ثم ذكر أنه يجوز أن يستنبط من الفرع المتوسط علة ليست في الأصل، ويقاس عليه، وذكر -أيضًا- (4) في مسألة القياس جواز كون الشيء أصلاً لغيره في حكم وفرعاً لغيره في حكم آخر لا في حكم واحد.
وجوزه القاضي (5) -أيضاً- وأبو محمَّد البغدادي، وقال: لأنه (6) لا يخل بنظم القياس (7) وحقيقته.
وكذا أبو الخطاب (8)، ومنعه (9) أيضًا، (10) وقال في سؤال
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(2) نهاية 173 ب من (ب).
(3) انظر: المسودة/ 395.
(4) انظر: العدة/ 203 أ.
(5) انظر: العدة/ 209 ب.
(6) في (ظ): انه.
(7) في (ظ): القرآن.
(8) انظر: التمهيد/ 155 ب.
(9) انظر: المرجع السابق/ 165أ، والمسودة/ 396.
(10) جاء -هنا- في (ظ): (وقال على أصلنا) إِلى قوله (على مثله) وهو الكلام الآتي بعد سطر.
(3/1196)

المعارضة (1): "يقاس عليه بغير العلة التي ثبت بها، وإلا كان باطلاً"، وقاله ابن عقيل (2)، وقال: على أصلنا، وأنه قول أبي عبد الله البصري وأحد وجهي الشافعية، كأصل ثبت بنص، لصحة تعليله بعلتين، ولأنه لا مزية لأحدهما (3)، كمنصوص على (4) مثله.
واختار في الروضة (5) منعه مطلقًا إِلا باتفاق الخصمين، وذكره بعض أصحابنا (6) عن أكثر الجدليين، وقال -أيضاً-: إِن كانا (7) قياس علة (8) لم يجز، وإلا جاز.
والمنع: قاله الكرخي والآمدي (9)، وذكره عن أكثر أصحابهم.
والجواز: قاله الرازي (10) والجرجاني (11) وأبو عبد الله البصري (12).
__________
(1) انظر: التمهيد/ 186 ب- 187أ.
(2) انظر: المسودة/ 397.
(3) يعني لأحد الفرعين.
(4) في (ظ): عليه.
(5) انظر: روضة الناظر/ 315.
(6) انظر: المسودة/ 395، 396.
(7) في (ب): كان.
(8) قال الآمدي في الإحكام 4/ 4: قياس العلة: هو ما كان الجامع فيه العلة الباعثة على الحكم في الأصل.
(9) انظر: الأحكام للأمدي 3/ 194.
(10) انظر: أصول الجصاص/ 274 ب، والعدة/ 209 ب، والمسودة/ 394.
(11) انظر: العدة/ 201 ب، والمسودة/ 394.
(12) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 194.
(3/1197)

وقال ابن برهان (1): يجوز عندنا، خلافاً للحنفية والصيرفي من أصحابنا، قال: وحرف المسألة تعليل الحكم بعلتين.
وجه المنع: إِن اتحدت العلة فالوسط لغو، كقول شافعي: "السفرجل مطعوم، فيكون ربوياً كالتفاح"، ثم يقيس التفاح على البر.
وإن لم تتحد فسد (2) القياس؛ لأن الجامع بين الفرع الأخير والمتوسط (3) لم يثبت اعتباره؛ لثبوت (4) الحكم في الأصل الأول بدونه، والجامع بين المتوسط وأصله ليس في فرعه، كقول (5) شافعي: "الجذام عيب يفسخ به البيع، فكذا النكاح كالرَّتَق"، ثم (6) يقيس الرتق على الجبّ بفوات الاستمتاع.
وإنما يجوز تعليل الحكم بعلتين مع ظن اعتبارهما (7) بثبوت الحكم على وفقهما (8)، وهو ثابت [في أصلها] (9) بغيرها (10).
__________
(1) انظر: المسودة/ 398.
(2) نهاية 174 أمن (ب).
(3) نهاية 121 ب من (ظ).
(4) في (ظ): كثبوت.
(5) في (ب): كقوله.
(6) نهاية 352 من (ح).
(7) في (ح): اعتبارها.
(8) في (ح): على وفقها.
(9) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(10) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 195.
(3/1198)

أما إِن كان حكم الأصل لا يقول به المستدل -كقول حنفي في صوم رمضان بنية نفل: أتى بما أمر به كفريضة حج بنية نفل- ففاسد، لفساد أصله عنده.
ومنه ذكره إِلزامًا لخصمه بقوله: "علة الأصل عندك في الفرع، فيلزم الاعتراف بحكمه أو إِبطالها لتخلف الحكم بلا معارض، فيمتنع ثبوت حكم الأصل"، فلخصمه أن يقول: "حكم الأصل ثبت بغيرها"، فَيُصدّق؛ لأنه عدل أعرف بمأخذ مذهبه، ولو ثبت بها (1) فليس تخطئته في حكم الفرع وتصويبه فيها أولى من العكس.
ويأتي (2) في النقض: هل له أن يُلزم خصمه ما لا يقول به؟
..................
ومنه: كونه (3) معدولاً به عن سنن القياس لا يعقل معناه، كشهادة خزيمة (4) وحده (5)، وأعداد الركعات، وتقدير نصاب زكاة وحدٍّ وكفارة.
__________
(1) يعني: ولو ثبت حكم الأصل بهذه العلة.
(2) في ص 1374.
(3) كذا في النسخ. ولعل الصواب: ومنه كونه غير معدول به. أو: ومنه عدم كونه معدولاً به.
(4) هو: الصحابي خزيمة بن ثابت الأنصاري.
(5) فقد جعل النبي شهادته بشهادة رجلين. أخرجه أبو داود في سننه 4/ 31 - 32 من حديث عمارة بن خزيمة عن عمه، وهو من أصحاب النبي، وأخرجه النسائي في سننه 7/ 301 - 302، والبيهقي في سننه 10/ 145 - 146، وأحمد في مسنده=
(3/1199)

ومنه (1): كونه لا نظير له، أي: لم يوجد ما يساويه في العلة، له معنى ظاهر -كرخص السفر للمشقة- أوْ لا، كاليمين في القسامة، والدية على العاقلة.
وما خُص من القياس (2) يجوز القياس عليه وقياسه على غيره عند أصحابنا والشافعية (3) وبعض الحنفية وإسماعيل (4) بن إِسحاق المالكي (5)؛
__________
=5/ 215 - 216.
وأخرج البخاري في صحيحه 4/ 19 - 20، وعبد الرزاق في مصنفه 8/ 367، وأحمد في مسنده 5/ 188، 189 عن زيد بن ثابت قال: نسخت الصحف في المصاحف، ففقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله يقرأ بها، فلم أجدها إِلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله شهادته شهادة رجلين. وأخرج البيهقي في سننه 10/ 146 من حديث عمارة بن خزيمة عن أبيه: أن رسول الله قال: (من شهد له خزيمة أو شهد عليه فهو حسبه). وأخرجه الطبراني وابن شاهين. انظر: فتح الباري 8/ 519. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه 8/ 366 - 367 من حديث محمَّد بن عمارة عن خزيمة بن ثابت.
(1) يعني: مما هو معدول به عن سنن القياس.
(2) نهاية 174 ب من (ب).
(3) انظر: اللمع / 60، والتبصرة/ 448.
(4) انظر: المسودة/ 400.
(5) الجهضمي الأزدى، فقيه جليل، ولد بالبصرة سنة 200 ه، واستوطن بغداد وولي قضاءها، وبها توفي سنة 282 ه.
من مؤلفاته: الموطأ، وأحكام القرآن، والمبسوط في الفقه.=
(3/1200)

لأن الظن الخاص أرجح، ولهذا قُدم أصله. وسبق (1) في تخصيص العموم بقياس.
فالأول: كقول أحمد (2) -فيمن نذر ذبح نفسه-: يفدي بكبش (3).
والثاني: كتجويزه شراء أرض السواد لا بيعها، قال: "استحسان"، واحتج بتجويز الصحابة شراء المصاحف لا بيعها (4).
ومنعه الحنفية (5) وأكثر المالكية (6)، إِلا أن يكون معللاً -كقوله: (إِنها من الطوافين (7)) - أو مجمعاً على قياسه،
__________
=انظر: ترتيب المدارك 3/ 167، والديباج المذهب/ 92، وتاريخ بغداد 6/ 284.
(1) في ص 981، 982.
(2) انظر: العدة/ 216 ب، والمسودة/ 400.
(3) قياسًا على من نذر ذبح ولده.
(4) أخرج بعض الآثار في ذلك عبد الرزاق في مصنفه 8/ 110 - 114، والبيهقي في سننه 6/ 16 - 17.
(5) انظر: كشف الأسرار 4/ 11، واللمع/ 60.
(6) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 415، ومفتاح الوصول/ 93 - 95.
(7) هذا جزء من حديث رواه أبو قتادة مرفوعًا، وفيه: قال النبي: (إِنها -يعني: الهرة- ليست بنجس، إِنها من الطوافين عليكم والطوافات).
أخرجه -بهذا اللفظ- أبو داود في سننه 1/ 60، والدارقطني في سننه 1/ 70، والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 18 - 19، والحاكم في مستدركه 1/ 160 وقال: صحيح ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرجه -بلفظ: (إِنما هي) =
(3/1201)

كالتحالف (1) في الإِجارة كالبيع.
وهو (2) لنا وجه في التمهيد (3)، قال: ولهذا لا نقيس على لحم الإِبل في نقض الوضوء، وغير ذلك من أصولنا.
كذا قال، وفيه نظر؛ لعدم فهم المعنى أو اختلافه أو مساواته، ولهذا نقيس في الأشهر لنا -أو العنب (4) فقط- على العرايا.
وقد قاس الحنفية (5) القدَّر -كالموضِحة (6) - على دية النفس في حمل العاقلة.
__________
=الترمذي في سننه 1/ 62 وقال: حسن صحيح، والنسائي في سننه 1/ 178، ومالك في الموطأ / 22 - 23، وابن خزيمة في صحيحه 1/ 55، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 60). وأخرجه -بلفظ: (هي من الطوافين) - ابن ماجه في سننه/ 131.
وورد الحديث -أيضًا- من رواية عائشة. أخرجه أبو داود في سننه/ 61.
(1) في (ب): كالتخالف.
(2) نهاية 353 من (ح).
(3) انظر: التمهيد/ 156 أ.
(4) ضرب على (أو العنب فقط) في (ب) و (ظ).
(5) واستدلوا -أيضاً- بالنص. انظر: الهداية 4/ 229.
(6) الموضحة: الشجة التي توضح العظم، أي: تبينه. وفيها: خمس من الإبل. انظر: الهداية 4/ 182.
(3/1202)

وذكر القاضي (1) -في أثناء المسألة-: لا يقاس على غيره في إِسقاط حكم النص، ويقاس غيره عليه.
* * *
ولا يعتبر اتفاق الأمة على حكم الأصل، ويكفي اتفاق الخصمين.
واعتبره قوم، وسموا ما اتفق عليه الخصمان قياسًا مركبًا، وهو: أن يكتفي المستدل (2) بموافقة خصمه في الأصل مع منعه علة الأصل أو منعه وجودها في الأصل.
فالأول: مركب الأصل، قيل: سمي مركبًا لاختلافهما في علته، وقيل: في تركيب الحكم عليها في الأصل؛ فعند المستدل: هي فرع له، والمعترض: بالعكس.
وسمي "مركب الأصل" للنظر في علة حكمه.
مثاله: "عبد، فلا (3) يقتل به الحر كالمكاتب"، فيقول الحنفي: "العلة جهالة المستحق من السيد والورثة، فإِن صحت بطل قياسك، وإن بطلت منعت حكم الأصل لانتفاء مُدْرَكه، فيمتنع القياس لعدم العلة في الفرع أو منع الأصل".
__________
(1) انظر: العدة / 228أ.
(2) نهاية 122أمن (ظ).
(3) نهاية 175 أمن (ب).
(3/1203)

والثاني: مركب الوصف، سمي به لاختلافهما فيه، كقوله في تعليق الطلاق بالنكاح: "تعليق، فلا يصح قبل النكاح، كما لو قال: زينب التي أتزوجها طالق"، فيقول الحنفي: العلة التعليق (1)، وفي الأصل تنجيز (2)، فإِن صح هذا بطل قياسك، وإن بطل منعت حكم الأصل، فيمتنع القياس؛ لعدم العلة في الأصل أو منع الأصل.
وضَعَّف في الروضة (3) هذا القول؛ لندرة المجمع عليه، وبأن كلاً منهما مقلِّد، فليس له منع حكمٍ ثبت مذهباً لإِمامه؛ لأنه لا يعلم مأخذه (4)، ثم: لا يلزم من عجزِه عجزُه، ثم: لا يتمكن أحدهما من إِلزام ما لم يجمع عليه.
وكذا قال الآمدي (5): المختار -بعد إِبطال معارضة الخصم في الأول وتحقيق وجود ما يدعيه في الأصل في الثاني- أن المقلد ليس له المنع وتخطئة إِمامه.
وجزم بعضهم (6): بأن المقلد إِن سلم دليل المستدل، أو أثبت المستدل وجود العلة في الأصل في الثاني: قامت الحجة عليه لاعترافه، كما لو كان
__________
(1) في نسخة في هامش (ب): تعليق.
(2) فالعلة عندي مفقودة في الأصل.
(3) انظر: روضة الناظر/ 316، 317.
(4) نهاية 354 من (ح).
(5) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 199.
(6) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 124، ومختصره 2/ 211.
(3/1204)

مجتهدًا (1).
وهذا القياس المركب ليس بحجة.
وقال بعض أصحابنا (2): القياس المركب أصله ليس بحجة عند محققي الشافعية والحنفية، وأشار إِليه أبو الخطاب، وجوزه أبو إِسحاق الإِسفراييني وجماعة (3) من الطرديين، وهو كثير في كلام القاضي وغيره من أصحابنا. والله أعلم
و [قال] (4) في الواضح (5): يجوز جعل وصف مركب علة، وهو أولى من أصل مركب، نحو: "العلي لا زكاة فيه لصغير، فكذا كبير كجوهر"، لكن تقف صحة كونه علة على دليل كغيره (6)، وهل تجب مساواة كبير وصغير في زكاة (7)؟ والله أعلم.
ولو أثبت المستدل حكم الأصل بنص، ثم أثبت العلة بأحد طرقها: جاز، ونهض دليله على الخصم، زاد بعضهم: المجتهد؛ لجواز اعتقاد القلد دفع إِمامه دليلَ المستدل.
__________
(1) يعني: وظن ذلك، فإِنه لا يسعه المخالفة.
(2) انظر: المسودة/ 399.
(3) نهاية 175 ب من (ب).
(4) ما بين المعقوفتين من (ظ).
(5) انظر: الواضح 1/ 142 أ.
(6) يعني: كغيره من الأوصاف.
(7) يعني: أو لا تجب.
(3/1205)

ومنع قوم القياس على مختلف فيه، لنقل الكلام.
لنا (1): لو لم يُقبل من المستدل لم يُقبل منه مقدمة يثبتها بعد منع خصمه، فلا يُقبل (2) إِلا البديهي.
* * *
ومن شرط حكم الأصل: كون دليله غير شامل حكم الفرع؛ لأنه لا أولوية (3)، ولا (4) قيام دليل على تعليله وجواز القياس عليه، خلافاً لبعضهم.
ولو قاس على مجمع عليه، فقيل: "بيّن مستنده، لعله يعمّ الفرع": لم يلزمه، ذكره ابن عقيل.
لنا: أنه (5) أصل كالنص.
قالوا: الإِجماع عن دليل، فيجب طلبه لاحتمال تناوله للفرع، أو لا يتعدى معناه.
__________
(1) انظر: مختصر ابن الحاجب بشرح العضد 2/ 213.
(2) نهاية 122 ب من (ظ).
(3) في (ظ): أولية.
(4) كذا في النسخ. ولعل الصواب: لا قيام. أي: لا يشترط قيام دليل ... إِلخ. النظر: الإحكام للآمدي 3/ 199.
(5) يعني: الإجماع.
(3/1206)

أجاب في التمهيد (1): تناوله للفرع لا يمنع القياس بل يقوِّيه، وإن كان معنى لا يتعدى لم يمنع أن هناك معنى (2) يتعدى.
.................
ويجوز القياس على عام خُصّ، كاللائط ومن أتى بهيمة على الزاني، قال ابن عقيل (3): هو الأصح لنا وللشافعية.
وقيل: لا، لضعف معناه، للخلاف (4) فيه.
..................
وليس من شرطه أن يكون فيه نص.
وذكر ابن برهان (5) عن بعض أصحابهم: يشترط، حتى لو أجمعت (6) الأمة عليه لم يجز القياس عليه. (7)
.....................
__________
(1) انظر: التمهيد/ 155 ب.
(2) يعني: معنى آخر غيره.
(3) انظر: الواضح 1/ 143 ب.
(4) نهاية 176 أمن (ب).
(5) انظر: المسودة/ 408.
(6) في (ح) و (ظ): اجتمعت.
(7) نهاية 355 من (ح).
(3/1207)

شروط علة الأصل
هل من شرطها كونها باعثة -أي: مشتملة على حكمة مقصودة للشارع من شرع الحكم- أم هي مجرد أمارة وعلامة نَصَبَها الشرع دليلاً على الحكم؟ سبق (1) أول مسألة التحسين.
والثاني: قول أصحابنا، زاد ابن عقيل (2) وغيره: مع أنها موجِبة لمصالح ودافعة لمفاسد، ليست من جنس الأمارة الساذجة (3).
واختار الآمدي (4) وغيره الأول؛ لأنه لا فائدة في الأمارة سوى تعريف الحكم، وقد عُرِف بالخطاب، ولأنها معرِّفة لحكم الأصل، فهو (5) فرعها، وهي مستنبطة منه، فهي فرعه، فيلزم الدور.
وفيه (6) نظر؛ لجواز كون فائدتها تعريف حكم الفرع.
فإِن قيل: يلزم منه تعريفها لحكم الأصل، وإلا لم يكن للأصل مدخل في الفرع، لعدم توقف ثبوت الوصف فيه وتعريفه لحكمه على حكم الأصل، لعدم تعريفه لحكم الأصل.
__________
(1) في ص 152 من هذا الكتاب.
(2) انظر: المسودة/ 385.
(3) يعني: العاطلة عن الإِيجاب.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 202.
(5) في (ح): فهي.
(6) في (ب): فيه.
(3/1208)

قيل: إِلا أن (1) الوصف مستفاد من الأصل.
وبنى أصحابنا على قولهم صحة التعليل بالاسم، وأنه ظاهر قول أحمد (2): "يجوز الوضوء بماء الباقِلاء والحِمَّص؛ لأنه ماء"، وقول أكثر الحنفية والشافعية (3)، وذكره الجرجاني (4) والإِسفراييني (4) عن أصحابهما، وذكر ابن برهان (5) الجواز عندهم، قال: وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
وقال ابن البنا (6) من أصحابنا: اختلف في التعليل بالاسم اللقب على وجهين، قال: ومذهبنا جوازه، نص عليه أحمد، كما لو نص عليه الشرع بقوله: "حرمت التفاضل في البر لكونه براً"، فإِنه اتفاق (7)، وليست موجبة بخلاف العلة العقلية.
قال ابن عقيل وغيره: العقوبة (8) لما لم يجز كونها معللة بإِحسان المُحسِن لم يجز ورود الشرع بها (9).
.......................
__________
(1) في (ظ): إِلا أن يكون الوصف.
(2) انظر: العدة/ 206 أ.
(3) انظر: اللمع/ 63، والتبصرة/ 454.
(4) انظر: العدة/ 206أ، والمسودة/ 393.
(5) انظر: الوصول لابن برهان/ 86 ب، والمسودة/ 393.
(6) نهاية 176 ب من (ب).
(7) نهاية 356 من (ح).
(8) نهاية 123أمن (ظ).
(9) قال ابن عقيل في الواضح 1/ 134 ب: وقال قوم: "إِن الاسم العلم لا يجوز أن يكون علة؛ لأن العلة ما أفادت معنى يتعلق به الحكم، والاسم إِنما هو مواضعة بين أهل=
(3/1209)

هل يجوز التعليل بحكمة مجردة عن وصف ضابط لها؟
اختلف أصحابنا وغيرهم:
قال الآمدي (1): "منعه الأكثر، وجوزه الأقل"، ثم اختار قول من جوزه بحكمة ظاهرة منضبطة، وإلا فلا، وذكره بعض أصحابنا (2) عن طائفة من أصحابنا وغيرهم والمالكية.
وجه الأول (3): رَدُّ الشارع في ذلك إِلى المظان الظاهرة دفعاً للعسر واختلاف الأحكام، ولهذا لم يرخّص للحَمَّال ونحوه للمشقة.
ولأنه يكون الوصف الظاهر المنضبط عدم التأثير، استغناء بأصل الحكمة.
__________
=اللغة للتعريف، وما كان للتعريف لم يقتض التعليل كقولنا: "زيد وعمرو"، ولهذا كان موجودا قبل الشرع"، وهذا ليس بصحيح؛ لأن العلل الشرعية أمارات من جهة صاحب الشرع جعلت علامات على الأحكام وصارت علة بجعل جاعل، ولذلك لو ورد التعليل به من صاحب الشرع -فقال: "أزيلوا النجاسة بالماء لا بغيره؛ لأنه ماء، وتيمموا بالتراب؛ لأنه تراب"- كان تعليلاً صحيحًا، وإذا جاز ورود الشرع لم يجز المنع من كونه علة، ألا ترى أن العقوبة لما لم يجز أن تكون معللة بإِحسان المحسن وطاعة المطيع لم يجز أن يرد الشرع بها، فيقول: عاقبوا زيدًا؛ لأنه أحسن، أو لأنه وَحَّد الله.
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 202.
(2) انظر: المسودة/ 424.
(3) وهو: المنع.
(3/1210)

ولأن فيه حرجًا بالبحث عنها، فينتفي بالآية (1).
ورد (2): بأنه يلزم في الوصف؛ للزوم معرفتها (3) في جعله (4) علة، بل المشقة (5) أكثر.
والاطلاع (6) على الوصف أسهل، فلا يلزم منه المنع.
أجيب: تعتبر معرفة كميتها وخصوصيتها، لئلا يختلف الأصل والفرع فيها، ولا يمكن (7)، بخلافه في الوصف. كذا قيل.
ويلزم من كونه أسهل تأخير الحكم لو علّل بها (8)، وهو ممتنع.
وجه الثالث (9): أنها مع ظهورها وانضباطها كالوصف أو (10) أولى؛ لأنها المقصودة من شرع الحكم.
__________
(1) قال تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) سورة الحج: آية 78.
(2) هذا رد على الوجه الأول.
(3) يعني: معرفة الحكمة.
(4) يعني: جعل الوصف.
(5) وفي هذا رد على الوجه الثالث.
(6) في هذا رد على الوجه الثاني، حيث قالوا: لا حاجة إِليه، استغناء بأصل الحكمة.
(7) يعني: في الحكمة الخفية المضطربة.
(8) فيؤخر الحكم إلى زمان إِمكان الاطلاع على الحكمة مع إِمكان اتباعه بالضابط في أقرب زمان.
(9) وهو التفصيل.
(10) نهاية 177أمن (ب).
(3/1211)

رد: لا يمكن ذلك (1)، لرجوعها إِلى الحاجة إِلى المصلحة ودفع المفسدة، وهي مختلفة.
ثم: نادر، وفيه حرج، فينتفي بالآية (2).
أجيب: الفرض: أنها (3) ظاهرة منضبطة، فلا محذور. وفيه نظر.
* * *
يصح تعليل الحكم الثبوتي بالعلم عند أصحابنا، وذكره ابن برهان (4) عن الشافعية (5)، والمنع عن الحنفية، واختاره الآمدي (6) وغيره، ولم يذكره في التمهيد (7) إِلا عن بعض الشافعية.
واستثنى بعض الحنفية (8) مثل قول محمَّد بن الحسن -في ولد المغصوب (9) -: "لم يُغصب"، وفيما لا خمس فيه من اللؤلؤ: "لم
__________
(1) يعني: التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة.
(2) انظر: هامش 1 من الصفحة السابقة.
(3) في (ظ): بأنها.
(4) انظر: المسودة/ 418.
(5) نهاية 357 من (ح).
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 206.
(7) انظر: المسودة/ 418، والتمهيد/ 164أ.
(8) انظر: كشف الأسرار 3/ 375، وتيسير التحرير 4/ 4، وفواتح الرحموت 2/ 274.
وقد نسب إِلى الحنفية أنهم يمنعون التعليل بالعلم مطلقًا.
(9) يعني: في عدم ضمانه.
(3/1212)

يُوجف (1) عليه دخيل ولا ركاب (2) ".
القائل بالصحة: كنص الشارع عليه.
وكالأحكام تكون (3) نفياً.
وكالعلة العقلية، مع أنها موجبة.
وكتعليل العدم به، ذكره بعضهم اتفاقًا نحو: "لم أفعل هذا لعدم الداعي إِليه" و"لم أسلم على فلان لعدم رؤيته"؛ لأن نفي الحكم لنفي مقتضيه أكثر من نفيه لوجود منافيه.
ولأنه يصح تعليل ضربه لعبده بعدم امتثاله.
ولأن العلة أمارة، فالعدمية تُعَرِّف الحكم كالوجودية، وإن اعتبر الباعث فالعدم المقابل للوصف الوجودي -الظاهر المنضبط المشتمل على مصلحة أو دفع مفسدة- مشتمل على نقيض اشتمل عليه، فإِن اشتمل الوجودي على مصلحة فعدمه عدمها، وهو مفسدة، وإلا (4) فعدم المفسدة (5) مصلحة، وهو مقدور للمكلف، فيصح التعليل به كالوجودي.
__________
(1) الإِيجاف بالخيل والركاب: الإِسراع بها في السير، من الوجف، وهو: سرعة السير. انظر: لسان العرب 11/ 267 - 268.
(2) فإِن الخمس إِنما يجب فيما أخذ من أيدي الكفار بإِيجاف الخيل والركاب، والمستخرج من البحر ليس في أيديهم. انظر: تيسير التحرير 4/ 4.
(3) في (ب): يكون.
(4) يعني: وإن اشتمل على مفسدة فعدمه عدمها، فعدم الفسدة مصلحة.
(5) نهاية 123 ب من (ظ).
(3/1213)

وقد يجيب الخصم (1) عن الأول والثاني والثالث: بالمطالبة (2) بصحة القياس وبالمانع أو بالمنع.
وأجاب الآمدي (3) عن الرابع: بأن وجود الرؤية والداعي شرط لا علة، وأضيف عدم الأثر إِليه بلام التعليل مجازاً؛ لافتقار الأثر إِلى كل منهما جمعًا بين الأدلة.
وعن الخامس: بأن تعليله بامتناعه وكف نفسه عنه، وهو ثبوتي.
وعن السادس: بأنه تعليل بالإِعدام المقدور، وهو وجودي، لا عدم محض لا قدرة للمكلف عليه، وليس محل النزاع. كذا قال.
وخالفه بعض (4) من يتبعه، فاحتج به للمنع (5)، فقال: لو كان عدماً لكان مناسباً أو مظنته، وتقرير الثانية: أن العدم إِن كان مطلقًا فباطل؛ لأنه لا يختص ببعض الأحكام الثبوتية، وإن كان مخصَّصاً بأمر -أي: مضافاً إِليه- فإِن كان وجوده منشأ مصلحة فباطل؛ لأن عدمه عدمها، وإن كان منشأ مفسدة فمانع، وعدم المانع ليس علة -زاد بعضهم: اتفاقاً- وإن كان وجوده ينافي وجود المناسب للحكم الثبوتي لم يصلح عدمه مظنة لنقيضه المناسب؛ لأن المناسب إِن كان ظاهرًا فهو علة بلا مظنة، وإلا لاجتمع علتان على معلول
__________
(1) نهاية 177 ب من (ب).
(2) في (ظ): بالمطابقة.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 208.
(4) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 124، ومختصره 2/ 214.
(5) نهاية 358 من (ح).
(3/1214)

واحد، وإن كان خفياً فنقيضه -الأمر العدم- خفي، والخفي ليس مظنة للخفي، وإن لم يناف وجوده وجود المناسب فوجوده كعدمه، فليس (1) مناسبًا ولا مظنته.
وجوابه: بمنع المقدمة الأولى (2).
وبأن المناسب هو: الظاهر المنضبط، فكيف يقول: وإن كان خفياً؟!.
ولا يلزم من خفاء أحد المتقابلين خفاء الآخر، وإنما يلزم في المتضايفين يلزم من تصوُّر أحدهما تصوُّر الآخر، فإِن ادعى أنه المراد بطل قوله: "وإن لم يكن فوجوده كعدمه"، وقد جعل في الدليل المنافي للمناسب قسيماً لما هو منشأ مفسدة، وهو منه.
قالوا: "لا علة" عدم، فنقيضه وجود، فلو كان العدم علة اتصف المعدوم (3) بالوجودي.
رد: سبق (4) مثله في مسألة التحسين.
قالوا: فيلزم سبر الأعدام.
__________
(1) يعني: العدم.
(2) نهاية 178أمن (ب).
(3) يعني: اتصف المعدوم بالعلة وهي أمر وجودي.
(4) في 160، 161 من هذا الكتاب.
(3/1215)

أجاب بعض أصحابنا (1): يلزم.
ثم: لعدم تناهيها، لا لعدم صلاحيتها علة، وجزم به بعضهم.
قالوا: الأعدام لا تتميز.
رد: بالمنع لتميز عدم لازم عن عدم ملزوم.
فعلى هذا: لا يكون العدم جزءًا منها، لما سبق.
قالوا (2): انتفاء معارضة المعجزة جزء من المعرِّف بها؛ لأنها فعل خارق (3) مع التحدي ونفي (4) المعارض، والدوران جزؤه -وهو العكس- عدم.
رد: شرط، لا جزء (5).
وقال بعضهم: العدم علة في قياس الدلالة لا قياس العلة، ذكره بعض أصحابنا (6) في قاعدة له في التوحيد، وقال: هذا فصل الخطاب، فلا يكون العدم علة تامة في قياس العلة بل جزءًا منها.
* * *
__________
(1) انظر: البلبل/ 155.
(2) يعني: من جوز أن يكون العدم جزءًا منها.
(3) نهاية 124أمن (ظ).
(4) نهاية 359 من (ح).
(5) في (ظ): الآخر.
(6) انظر: مجموع الفتاوى 14/ 25.
(3/1216)

ويشترط أن لا تكون محلَّ الحكم ولا جزأه، وذكره الآمدي (1) عن الأكثر، وجوزه آخرون، ثم اختار: امتناعه بالمحل دون الجزء.
وجه الأول (2): لو كانت المحل كانت قاصرة؛ لأنه لو تحقق (3) بخصوصه في الفرع اتحدا، وكذا جزؤه، أطلقه بعضهم (4)، ولعله مراده: "الخاص به" كقول بعضهم، لإِمكان وجود الجزء المشترك في الفرع.
وتجوز القاصرة (5)؛ لجواز استلزام محل الحكم لحكمة داعية إِليه، زاد الآمدي (6): كاستلزام (7) التعليل به لاحتمال عمومه للأصل والفرع.
وقال بعض الحنفية (8) في القاصرة: نحن منعناه مطلقًا.
وأطلق بعضهم: لا يُعلل بالمحلّ؛ لأن القابل لا يفعل.
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 201.
(2) نهاية 178 ب من (ب).
(3) يعني: لو تحقق المحل.
(4) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 124.
(5) يعني: يجوز أن تكون محل الحكم.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 201.
(7) كذا في النسخ. وفي الإِحكام للآمدي 3/ 201: كاستلزام الأوصاف العامة لمحل لأصل والفرع، وأما الجزء فلا يمتنع التعليل به لاحتمال عمومه للأصل والفرع.
(8) يأتي الخلاف في التعليل بالعلة القاصرة في الصفحة التالية.
(3/1217)

رد: بالمنع، ثم: العلة المعرف (1).
..................
يصح التعليل بعلة قاصرة مستنبطة عند صاحب التمهيد (2) والروضة (3) والمحرر (4) -وقال: ثبت مذهباً لأحمد؛ حيث علل الربا في النقد بن بالثمنية- وقاله الشافعي (5) وأكثر أصحابه والمالكية (6) وعبد الجبار (7) وأبو الحسين (8) والآمدي (9)، وذكره عن أكثر الفقهاء والمتكلمين.
ومنعه أكثر أصحابنا وأبو حنيفة (10) وأكثر أصحابه.
__________
(1) يعني: لا الفاعل.
(2) انظر: التمهيد/ 165 ب.
(3) انظر: روضة الناظر/ 319 - 323.
(4) انظر: المسودة/ 411.
(5) انظر: اللمع/ 63، والتبصرة/ 452، والمستصفى 2/ 345، والمنخول/ 419، والمحصول 2/ 2/ 423، والإِحكام للآمدي 3/ 216.
(6) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 126، وشرح تنقيح الفصول/ 409، ومفتاح الوصول/ 102.
(7) انظر: المعتمد / 801.
(8) انظر: المرجع السابق/ 801 - 805.
(9) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 216.
(10) انظر: أصول السرخسي 2/ 158، وكشف الأسرار 3/ 315، وتيسير التحرير 4/ 5، وفواتح الرحموت 2/ 276.
(3/1218)

وجه الأول: حصول الظن بأن الحكم لأجلها، ولا معنى للصحة سوى هذا.
وكالثابتة (1) بنص أو إِجماع اتفاقاً.
ورده الآمدي (2): بتحققها إِذًا، وبأنه قياس في الأسباب.
وجوابه: الظن كاف (3)، وهو إِلحاق بعدم الفارق.
ولأن دوران الحكم مع الوصف القاصر علة كالمتعدي. ويأتي (4) الدوران.
واستدل: لو وقفت صحتها على تعديتها لم تنعكس (5)؛ للدور، وتنعكس اتفاقا.
رد: إِنما يلزم لو كان التوقف مشروطاً بتقدم كل منهما على (6) الآخر، لا في توقف المعية كالمتضايفين.
قالوا: لو صحت لأفادت، والحكم (7) في الأصل بنص أو إِجماع، ولا فرع؛ لقصورها.
__________
(1) في (ظ): أو كالثابتة.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 217.
(3) نهاية 360 من (ح).
(4) في ص 1297.
(5) يعني: لم تكن تعديتها موقوفة على صحتها.
(6) نهاية 179أمن (ب).
(7) (ظ): الحكم.
(3/1219)

رد: يلزم في القاصرة بنص.
وبأن فائدته معرفة الباعث ليكون أسرع قبولاً.
وبأنه يمتنع لأجلها تعدية الحكم إِلى الفرع.
وبأنه إِذا قُدِّر في محلها وصف آخر متعد اعتبر دليلٌ لاستقلاله (1).
وفي التمهيد (2): وربما حدث جنس يجعل ثمناً، فتكون تلك علته (3).
وقيل: ثبت حكم الأصل بها، والنص أو الإِجماع دليل الدليل.
ورد: ثبت بالنص، ثم: هي به، فلو ثبت بها دار.
...................
النقض: وجود العلة بلا حكم.
واختلف قول أحمد وأصحابه في جواز تخصيص (4) العلة المستنبطة ونقضها به.
والمنع: اختاره أبو الحسن الخوزي (5) وابن حامد (6)، وقاله أكثر
__________
(1) يعني: اشترط دليل يدل على استقلاله.
(2) انظر: التمهيد/ 166 أ.
(3) في (ظ): علة.
(4) نهاية 124 ب من (ظ).
(5) انظر: العدة/ 214أ، والمسودة/ 412.
(6) انظر: المسودة/ 415.
(3/1220)

الحنفية (1) والمالكية (2) والشافعية (3)، وذكره ابن برهان (4) عن الشافعي.
والجواز: اختاره أبو الخطاب (5) وبعض الحنفية والمالكية والشافعية، وذكره الآمدي (6) عن أكثر أصحابنا.
واختلف اختيار القاضي (7).
فعلى الأول: في المنصوصة قولان لنا ولغيرنا.
وعلى الثاني: إِن لم يكن في محل التخصيص مانع ولا عدم شرط: اختلف كلام أبي الخطاب (8) وغيره، والمنع قاله الأكثر.
وعليه -أيضًا-: يجوز تخصيص المنصوصة، ذكره الآمدي (9) (10) اتفاقًا، وخالف بعضهم.
__________
(1) انظر: أصول السرخسي 2/ 208، وكشف الأسرار 4/ 32، وتيسير التحرير 4/ 9، وفواتح الرحموت 2/ 277.
(2) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 126، وشرح تنقيح الفصول/ 399، ومفتاح الوصول/ 101.
(3) انظر: التبصرة/ 466، والمستصفى 2/ 336، والإِحكام للآمدي 3/ 218.
(4) انظر: المسودة/ 413، والوصول لابن برهان / 85 أ.
(5) انظر: التمهيد / 166أ.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 218.
(7) انظر: العدة/ 214أ، والمسودة/ 412، 414 - 415.
(8) انظر: المسودة/ 412، 413.
(9) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 419.
(10) نهاية 361 من (ح).
(3/1221)

اختار في الروضة (1) وغيرها: تخصيص المنصوصة، ومنع المستنبطة إِلا لمانع أو (2) فوات شرط، واختاره (3) الآمدي (4) وغيره.
واختار أبو محمَّد البغدادي (5) من أصحابنا: المنع إِلا في المنصوصة، أو فيما استثني عن القواعد كالمصراة والعاقلة.
وجه ما في الروضة: أن المنصوصة كظاهر عام، ولا يبطل بالتخصيص.
ولأنه جمع بين دليلين.
وكما لا تبطل العلة القاطعة كعلل القصاص (6).
والمستنبطة لا يثبت كونها علة عند تخلف الحكم إِلا بمانع -لبقاء (7) الظن معه (8) - أو عدم شرط، وإلا فَلِعَدمِ المقتضي، ويمتنع تخلف المعلول عن العلة عند الشرط وعدم المانع.
القائل بالمنع: النقض يلزم فيه مانع أو عدم شرط، وإلا فلا علة، ونقيض أحدهما جزء من العلة، لتوقف الحكم عليه، والكل -وهو العلة- ينتفي
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 324.
(2) نهاية 179 ب من (ب).
(3) في (ح): اختاره.
(4) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 219.
(5) انظر: المسودة/ 414.
(6) للتخلف في الوالد.
(7) في (ب) و (ظ): كبقاء.
(8) يعني: لبقاء ظن العلية مع المانع.
(3/1222)

بعدم جزئه.
رد: إِن أريد بالعلة "الباعث" فليس جزء أحدهما (1) منها، ولا يقدح، وإن أريد ما يثبت الحكم فمنها، ويقدح، فالنزاع لفظي.
قالوا: لو جاز لزم الحكم في صورة النقض؛ لاستلزام العلة معلولها.
رد: بالمنع (2)؛ لأنها باعثة (3). وإن قيل: "تامة (4) " فلفظي.
قالوا: سقط دليل اعتبارها وإبطالها بتعارضهما (5).
رد: انتفاء الحكم لمعارض (6) لا ينافي دليل اعتبارها.
قالوا: كالعقلية.
رد: باقتضائها معلولها بالذات، قال ابن عقيل (7): "فلا يجوز تخصيصها عند أحد، ولا تفتقر إِلى شرط، وتنعكس، كالحركة علة كون المحل القائمة (8) به متحركاً، فما لم تقم (9) به ليس متحركاً، وهي مقارنة
__________
(1) كذا في النسخ. ولعل الصواب: فليس أحدهما جزءاً منها، أو: فليس نقيض أحدهما منها.
(2) يعني: منع كونه من لوازم العلية.
(3) يعني: لأن مرادنا بها كونها باعثة، لا لزوم الحكم لها مطلقًا.
(4) يعني: مشروطة بعدم المانع ووجود الشرط.
(5) في (ب) و (ح) بتعارضها.
(6) في (ب): لعارض.
(7) انظر: الواضح 1/ 84 ب- 85أ- ب.
(8) في النسخ: المحل القائم متحركاً. والمثبت من نسخة في هامش (ب).
(9) في (ب): لم يقم.
(3/1223)

لحكمها موجبة له بنفسها، فلا (1) توجب حكمين، والشرعية بوضع الشارع" (2).
وجوز الآمدي (3) تخلف حكم العقلية عنها عند عدم القابل له.
وكذا منعها (4) في التمهيد (5) لأن علة هبوط الحجر ثِقَله، ثم قد لا يهبط في موضع لمانع.
وفي الواضح (6): لا يجوز تخصيصها عند أحد.
القائل "يجوز في المنصوصة": صحة المستنبطة تتوقف على المانع -وإلا (7) لم يتخلف الحكم -وهو علتها (8)؛ لأن المانع إِنما يكون مانعاً مع المقتضي، فدار.
رد: توقف معية.
__________
(1) نهاية 180 أمن (ب).
(2) يعني: باختياره لحكمين مختلفين معلقين عليها مع اتحادها.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 228.
(4) نهاية 125 أمن (ظ).
(5) انظر: التمهيد/ 167 ب.
(6) انظر: الواضح 1/ 84 ب.
(7) نهاية 362 من (ح).
(8) كذا في النسخ. ولعل الصواب: عليها. وقد كانت في (ح): "عليها"، ثم غيرت إلى: علتها.
(3/1224)

وبأن صحتها لا تتوقف على المانع، بل دوام ظنها عند تخلف الحكم وتحقق المانع يتوقف على ظهور صحتها، فلا دور، كإِعطاء فقير يظن أنه لفقره، فإِن لم يُعط آخر وقف الظن، فإِن بأن مانع عاد، وإلا فلا.
القائل "يجوز في المستنبطة (1) ": دليل المنصوصة عام (2).
رد: إِن دل على العلة قطعاً لم يقبل النقض، وإلا قبل.
القائل "يجوز في المستنبطة (3) ": لأنها علة بدليل ظاهر هو المناسبة، وتخلف الحكم يحتمل لعدم العلة ولمعارض (4)، فلا يعارض الظاهر.
رد: بتساوي الاحتمال (5)؛ لأن الشك في أحد المتقابلين، شك في الآخر.
قالوا: لا يتوقف كونها أمارة على ثبوت الحكم في محل النقض؛ لأنه إِن انعكس (6) فدور، وإلا تحكم.
رد: دور معية.
وبأن دوام الظن بكونه أمارة يتوقف على المانع في محل النقض، وثبوت
__________
(1) يعني: دون المنصوصة. انظر: شرح العضد 2/ 220.
(2) يعني: فلا يقبل التخصيص.
(3) يعني: وإن لم يكن لمانع ولا لعدم شرط. انظر: شرح العضد 2/ 218، 220.
(4) يعني: أنه مشكك.
(5) يعني: تخلف الحكم ظاهر في أنها ليست بعلة، والمناسبة والاستنباط مشكك.
(6) يعني: فتوقف في محل النقض على ثبوته في غيره.
(3/1225)

الحكم فيه على ظهور كونه أمارة، فلا دور.
وفي التمهيد (1): أمارة، فلا يجب اطرادها، كغيم (2) [رطب] (3) شتاء أمارة على المطر، ومركوب قاض على باب أمير أمارةٌ على كونه عنده، قال: وهذا عمدة المسألة، ومن هنا قال: يجوز زوال الحكم وبقاء العلة كالعكس. والله أعلم.
ثم: العلة عند من لا يخصصها: إِن كانت لجنس الحكم اعتبر طردها وعكسها كالحد.
وإن كانت لعين الحكم: فإِن كانت لإِلحاقه انتقضت بأعيان المسائل.
وإن كانت لإِثبات حكم مجمل لم تنتقض إِلا بنفي مجمل، ولإِثبات مفصل تنتقض بنفي مجمل، ولنفي مجمل تنتقض بإِثبات مجمل أو مفصل، ولنفي مفصل (4) تنتقض بإِثبات مجمل. وأمثلتها في التمهيد (5) وغيره.
__________
(1) انظر: التمهيد/ 166 ب-167 أ.
(2) نهاية 180 ب من (ب).
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(4) في (ح): ولنفي مفصل لم تنتقض. وقد كانت كذلك في (ب) و (ظ)، ثم مسحت (لم) منهما. وانظر: التمهيد/ 174 ب.
(5) انظر: التمهيد/ 174 ب.
(3/1226)

والتعليل (1) لجواز الحكم لا ينتقض بأعيان المسائل، مثل: "الصبي حر مسلم، فجاز أن تجب زكاة ماله كبالغ"، فلا ينتقض بغير الزكوي.
والتعليل (2) لنوع (3) الحكم لا ينتقض بعين مسألة (4)، كقولنا في نقض الطهارة بلحم الإِبل: "نوع عبادة تفسد بالحدث، فتفسد بالأكل كالصلاة"، فلا ينتقض بالطواف (5)؛ لأنه بعض النوع.
* * *
الكسر: وجود الحكمة بلا حكم.
لا يبطل العلة عند أصحابنا، وذكره الآمدي (6) عن الأكثر.
كقول الحنفي -في العاصي بسفره-: "مسافر (7)، فيترخص كغير العاصي"، ثم يبين مناسبة السفر بالمشقة، فيعترض: بمن صَنْعته شاقة حضراً لا يترخص إِجماعًا.
__________
(1) انظر: المسودة/ 416.
(2) المرجع نفسه:/ 416.
(3) غيرت في (ظ) إلى: بنوع.
(4) في (ظ): المسألة.
(5) فإِنه يفسد بالحدث، ولا يفسد بالأكل.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 230.
(7) نهاية 363 من (ح).
(3/1227)

لنا: سبق (1) عدم التعليل بالحكمة، فالعلة (2) السفر، ولا نقض عليه (3).
قالوا: الحكمة هي المقصودة (4) من شرع الحكم.
رد: مساواة قدر حكمة النقض حكمة الأصل مظنون.
ثم: لعل انتفاء حكمه لمعارض، والعلة في الأصل موجودة قطعاً، ولا (5) تعارض بين قطع وظن.
فإِن قيل: لو وجد قدرها قطعاً.
قيل: إِن وقع فذكر الآمدي (6) عن بعض أصحابهم: لا أثر له؛ لندرته وعسره، ثم اختارو هو من تبعه؛ [أنه] (7) يبطل لتعارضهما (8) حينئذ؛ لأن محذور (9) نفي الحكم مع وجود حكمته قطعا -والعكس (10) - فوق المحذور
__________
(1) في ص 729.
(2) نهاية 125 ب من (ظ).
(3) يعني: ولم يرد النقض عليه.
(4) في (ح): المقصود.
(5) نهاية 181 أمن (ب).
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 231 - 232.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(8) في (ح): لتعارضها.
(9) في (ح): محذوره.
(10) وهو إِثبات الحكم مع نفي حكمته.
(3/1228)

اللازم للمجتهد من البحث عن الحكمة في آحاد الصور، إِلا أن يثبت حكم آخر في محل النقض أليق بالحكمة، فلا يبطل (1)، كما لو علل قطع اليد قصاصاً بحكمة الزجر، فيعترض: "بأنها في القتل العمد العدوان أعظم"، فيقول المستدل: "ثبت معها حكم أليق بها، وهو القتل". والله أعلم.
وذكر القاضي (2) -ضمن جواب التسوية- أن سؤال الكسر صحيح، وأن جوابه بالتسوية يصح وفاقاً.
قال أبو الخطاب (3) وغيره: فإِن التزم المعلِّل الكسر لزمه أن يجيب عنه بفرق تضمنته علته نطقًا أو معنًى، كجواب (4) النقض.
وعند بعضهم: يكفيه ولو لم تضمنه؛ واختاره بعض أصحابنا (5). (6)
* * *
النقض المكسور: نقض بعض الأوصاف.
لا يبطل عندنا، وذكره الآمدي (7) عن الأكثر.
__________
(1) في (ح): فلا تبطل.
(2) انظر: العدة / 266 ب، والمسودة/ 421.
(3) انظر: التمهيد/ 179 ب، والمسودة/ 429.
(4) في (ظ): لجواب.
(5) انظر: المسودة/ 429.
(6) نهاية 364 من (ح).
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 233.
(3/1229)

كقولنا -في بيع الغائب-: "مبيع مجهول الصفة عند العاقد، فلا يصح، كقوله: بعتك عبدًا"، فيعترض: بما لو تزوج امرأة لم يَرَها.
لنا: العلة مجموع الأوصاف، ولم ينقضها، فإِن بَيَّن المعترض: لا لكونه بيعاً، فإِن أصر المستدل على التعليل بالوصفين بطل ما (1) علل به؛ لعدم تأثيره لا بالنقض، وإن اقتصر على الوصف المنقوض بطل بالنقض؛ لأن ورد على كل العلة، وإن أتى بوصف لا أثر له في الأصل -ليحترز به من النقض- لم يجز.
وفي مقدمة المجرد (2): يحتمل أن لا يجوز، ويحتمل أن يجوز؛ لأن الأوصاف يحتاج إِليها للتأثير والاحتراز، والحكم يعلق بالمؤثر، فكذا المحترز به.
رد: بمنع ما لا تأثير له.
وأجازه من صحح العلة بالطرد، وبعصهم مطلقًا، ذكره أبو المعالي (3)، ثم اختار (4) تفصيلاً.
* * *
العكس: عدم الحكم لعدم العلة.
اشتراطه مبني على منع تعليل الحكم بعلتين:
__________
(1) نهاية 181 ب من (ب).
(2) انظر: المسودة/ 428.
(3) انظر: البرهان/ 797 - 798.
(4) في (ب): اختاره.
(3/1230)

فمن منعه اشترطه؛ لعدم الحكم لعدم دليله، والمراد بعدم الحكم: عدم العلم (1) أو الظن به؛ لتوقفه على النظر الصحيح في الدليل، ولا دليل، وإِلا فالصنعة دليل وجود الصانع، ولا يلزم من عدمها عدمه.
ومن جوزه لم يشترطه؛ لجواز دليل آخر.
هذا إن كان التعليل لنوع الحكم، نحو: الردة علة لإِباحة الدم.
فأما لجنسه فالعكس شرط، نحو: "الردة علة لجنس إِباحة الدم"، فلا يصح؛ لفوت العكس.
وظاهر ما سبق: أن الخلاف في تعليل الحكم الواحد بعلتين (2) معاً وعلى البدل.
وكذا لم يقيد جماعة المسألة (3) بالمعية.
وقيدها الآمدي (4)، وقال في العكس: "أثبته قوم، ونفاه أصحابنا والمعتزلة"، ثم اختار: أنه إِنما يكون معللاً بعلة على البدل، فلا يلزم من نفيها (5)؛ لجواز بدلها.
* * *
__________
(1) يعني: لا انتفاء نفس الحكم.
(2) نهاية 126أمن (ظ).
(3) نهاية 365 من (ح).
(4) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 234، 235، 236.
(5) يعني: فلا يلزم من نفيها نفي الحكم.
(3/1231)

يجوز تعليل الحكم (1) بعلل، كل صورة بعلة اتفاقاً.
ويجوز تعليل حكم واحد في صورة واحدة بعلتين أو علل معا عند أصحابنا، قال بعضهم (2): "ويقتضيه كلام أحمد في خنزير ميت وغيره"، وذكره (3) ابن عقيل عن جمهور الفقهاء والأصوليين.
ومنعه متقدمو المالكية وابن برهان (4)، واختاره الآمدي (5)، وحكاه -هو وغيره- عن ابن الباقلاني وأبي المعالي ومن تابعهما.
ومنعه في الروضة (6) في المستنبطة فقط، واختاره -أيضًا- بعض أصحابنا والغزالي (7) وصاحب المحصول (8)، وحكاه بعضهم (9) عن ابن الباقلاني.
ومنعه بعضهم (9) في المنصوصة.
__________
(1) نهاية 182أمن (ب).
(2) انظر: المسودة/ 417.
(3) في (ح): قال وذكره ... إِلخ.
(4) انظر: الوصول لابن برهان/ 83 ب.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 336.
(6) انظر: روضة الناظر/ 333 - 334.
(7) انظر: المستصفى 2/ 342 - 344.
(8) انظر: المحصول 2/ 7/ 362، 375.
(9) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 128.
(3/1232)

وحكى بعضهم (1) عن أبي المعالي: جائز عقلاً، ممتنع شرعًا.
القائل بالجواز: وقوعه دليل جوازه، وللحدث علل مستقلة كالبول والغائط والمذي، وكذا للقتل وغيره.
واعترض الآمدي (2): بأن الحكم -أيضًا- متعدد شخصًا متحد نوعًا، ولهذا ينتفي القتل بالردة -بأن (3) ارتد بعد القتل، تم أسلم- ويبقى القصاص، وينتفي القتل بالقصاص -بأن عفا الولي- ويبقى بالردة، وإلإِباحة بجهة القتل حق للآدمي (4)، وبالردة لله، ولا يتصور ذلك في شيء واحد، ويقدم الآدمي في الاستيفاء.
وقاله قبله أبو المعالي (5)، واختاره بعض أصحابنا (6)، قال: وعليه نص الأئمة، كقول أحمد في بعض ما ذكره: "هذا (7) مثل خنزير ميت، حرام من وجهين"، فأثبت تحريمين، وحل الدم متعدد، لكن ضاق المحل، ولهذا (8) يزول واحد ويبقى الآخر، ولو اتحد الحل بقي بعض حل، فلا يبيح، وقول
__________
(1) انظر: المرجع السابق، والبرهان/ 832.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 237.
(3) في (ب): وبأن.
(4) في (ح): لآدمي.
(5) انظر: البرهان/ 828 - 829.
(6) انظر: المسودة/ 417.
(7) نهاية 366 من (ح).
(8) نهاية 182 ب من (ب).
(3/1233)

الفقهاء: "وتتداخل هذه الأحكام" هو دليل تعددها، وإِلا شيء واحد لا يعقل (1) فيه تداخل.
قال (2): وقول أبي بكر من أصحابنا في مسألة الأحداث: "إِذا نوى أحدها ارتفع وحده" يقتضي ذلك، والأشهر لنا (3) وللشافعية (4): يرتفع الجميع، وقاله المالكية (5).
ورد ذلك: بأن الشيء لا يتعدد في نفسه بتعدد إِضافاته (6)، وإلا غاير حدث البول حدث الغائط، وتعدده باختلاف الأحكام المتعلقة فدعوى (7) خاصة لا تفيد (8).
وأجاب في الروضة (9): باستحالة اجتماع مثلين. كذا قال.
وأيضًا: العلة دليل، فجاز تعددها (10) كالأدلة.
__________
(1) في (ظ): ولا يعقل.
(2) انظر: المسودة/ 417، ومجموع الفتاوى 20/ 169 - 171.
(3) في (ب): ولنا.
(4) انظر: المهذب 1/ 15.
(5) انظر: الكافي لابن عبد البر/ 164.
(6) يعني: إِضافة الشيء إِلى أحد دليليه لا يوجب تعددًا.
(7) كذا في النسخ. ولعلها: دعوى.
(8) في (ح): لا تقبل. وفي نسخة في هامشها: لا تفيد.
(9) انظر: روضة الناظر/ 334.
(10) في (ب): فعددها.
(3/1234)

ويعرف جوابه مما سبق.
القائل بالمنع: لو جاز كانت كل منهما مستقلة غير مستقلة؛ لأن معنى استقلالها ثبوت الحكم، فتتناقض بتعددها.
رد: مستقلة حالة الانفراد فقط، فلا تناقض (1).
أجيب: الكلام في حالة الاجتماع. (2)
وأيضًا: لو جاز: فإِن كانتا معاً اجتمع مثلان؛ للزوم كل منهما ما لزم من الأخرى، وهو معلولها، فيلزم التناقض؛ لأن الحكم يكون مستغنياً غير (3) مستغن، لثبوته بكل منهما، وإن تَرَتَّبا ففيه تحصيل الحاصل.
رد: إِنما يلزم في العلل العقلية، ويجوز لمدلول واحد أدلة.
وأيضًا: لو جاز لم تقل الأئمة في علة الربا بالترجيح؛ لصحة استقلال كل منهما (*)، والترجيح (4) ينافيه (5)، وإلا كان الجميع علة.
رد: إِنما تعرضوا (6) للإِبطال (7).
__________
(1) يعني: فلا تناقض في التعدد.
(2) نهاية 126 ب من (ظ).
(3) في (ب): عن.
(*) كذا في النسخ. ولعلها: منها.
(4) نهاية 183 أمن (ب).
(5) يعني: ينافي التعدد.
(6) نهاية 367 من (ح).
(7) يعني: لا للترجيح.
(3/1235)

سلمنا، فلاتحاد علة الربا إِجماعاً، فتعرضوا للترجيح؛ لئلا يلزم جعلها أجزاء علة؛ لأن جعل أحدها (1) علة -بلا مرجِّح- محال.
قالوا: لا يجتمع مؤثِّران على أثر واحد، كمقدور بين قادرين.
أجاب ابن عقيل (2): تستقل منفردة، ومع الاجتماع العلة واحدة؛ لأنها بوضع الشارع، كشدة الخمر، والمقدور بينهما (3) ليس بالجعل والوضع فمن أحاله فلمعنى يعود إِلى نفسه.
وقال ابن عقيل -أيضًا- في مناظراته: التحقيق أن الحكم إِذا استقل بعلة تعطلت الأخرى، كمكان امتلأ بجسم، وفعل وقع بواحد، وكما لا يصح فعل بين فاعلين، هذا مع تساويهما، وإلا فالعلة الضعيفة لا تعمل مع القوية بلا خلاف.
القائل بالمنصوصة: لاستقلال كل منهما بنصه، فكل واحدة علامة، والمستنبطة: إِن عُيّن بنص استقلال كل وصف فمنصوصة، وإلا فإِسناد الحكم إِلى أحدهما تحكم، وإلى كل منهما تناقض؛ لأنه يكون مستغنيًا عن كل منهما غير مستغن، فتعين إِليهما معا، كل منهما جزء علة.
رد: يستنبط استقلالها بثبوت الحكم في محل كل منهما منفردًا.
وسبق جوابه (4).
__________
(1) في (ظ): أحدهما.
(2) انظر: المسودة/ 416 - 417.
(3) يعني: بين قادرين.
(4) وهو قوله -في الصفحة السابقة-: أجيب: الكلام في حالة الاجتماع.
(3/1236)

القائل بالمستنبطة: لاستقلالها؛ لما سبق فيما قبله، والمنصوصة قطعية، ففي استقلالها اجتماع المثلين أو تحصيل الحاصل.
رد: ليس قطعية.
ثم: يجوز اجتماع أدلة قطعية على مدلول واحد.
.....................
ثم: اختلف (1) من قال بوقوع تعليل الحكم الواحد بعلل إِذا اجتمعت: فذكر بعض أصحابنا وغيرهم: كل واحدة علة.
وقيل: جزء، واختاره ابن عقيل (2).
وقيل: واحدة لا بعينها.
وجه الأول: ثبت استقلال كل منهما منفردة.
رد: لم يثبت (3) مجتمعة.
وأيضًا: لامتنع (4) اجتماع الأدلة؛ لأنها (5) أدلة.
وجه الثاني: يلزم من الاستقلال اجتماع مثلين -وسبق (6) دليلاً للقائل
__________
(1) نهاية 183 ب من (ب).
(2) انظر: المسودة/ 416.
(3) نهاية 368 من (ح).
(4) يعني: لو امتنع كون كل واحدة علة لامتنع ... إلخ.
(5) يعني: العلل الشرعية.
(6) في ص 1235.
(3/1237)

بالمنع- أو التحكم إِن ثبت بواحدة، فتعين الجزء.
رد: ثبت بكل واحدة، كأدلة عقلية وسمعية، يثبت المدلول بكل منها.
وجه الثالث: ما يلزم من التحكم أو الجزئية.
وجوابه: ما سبق.
وقد ذكر في التمهيد (1) جواز تعليل الحكم بعلتين، فإِن دلت إِحداهما على حكم الأصل، والأخرى لم تدل -كقولنا في الطلاق قبل النكاح: "من لا ينفذ (2) طلاقه المباشر لا ينفذ المعلق كالصبي"، فيقول (3) الحنفي: "العلة في الصبي أنه غير مكلف"، فيقول الحنبلي: "أقول بالعلتين (4) "- فقال بعضهم: يجوز تعليله (5) بالعلة التي لا تدل (6) عليه (7)؛ لأنها (8) طريق فيه، كالنص على حكمه لا يمنع التعليل ببعض أوصافه المؤثرة، ومنعه بعضهم؛ لأنها لو وجدت وحدها في الأصل لم يثبت حكمه بها، قال: والأول أشبه بأصولنا.
__________
(1) انظر: التمهيد/ 165 ب، والمسودة/ 417 - 418.
(2) في (ح): من لا ينعقد. وفي نسخة في هامشها: من لا ينفذ.
(3) نهاية 127 أمن (ظ).
(4) وهما:
1 - أنه غير مكلف.
2 - أنه لا ينفذ طلاقه المباشر.
(5) يعني: الأصل.
(6) وهي: امتناع وقوع طلاقه المباشر.
(7) يعني: حكم الأصل.
(8) انظر: التمهيد/ 175 ب.
(3/1238)

وبناه بعض أصحابنا (1) على القياس على فرع ثبت بالقياس بعلة غير علته، وسبق (2) لنا فيه قولان.
* * *
يجوز تعليل حكمين بعلة -بمعنى الأمارة- اتفاقًا، كغروب الشمس للفطر والصلاة (3).
واختلفوا فيه بمعنى الباعث.
وجوازه أظهر؛ لأنه لا مانع، كالإِسكار للتحريم والحد.
قالوا: أحد الحكمين حصل الحكمة، فإِن حصلها الثاني فتحصيل الحاصل، وإلا فليست علة (4) له.
رد: يتوقف المقصود عليهما، فلا يحصل جميعها إِلا بهما (5)، أو يحصّل الحكم الثاني حكمة أخرى، فتعدد الحكمة، والوصف ضابط لإِحداهما (6).
* * *
اختلفوا في جواز تأخير علة الأصل عن حكمه، كتعليل ولاية الأب
__________
(1) في المسودة / 418: قلت: على هذا ينبني القياس على فرع .. إلخ.
(2) في ص 1196.
(3) نهاية 184أمن (ب).
(4) نهاية 369 من (ح).
(5) في (ح): إِلا بها.
(6) في (ح): لإِحداها.
(3/1239)

على صغير عَرَضَ له جنون بالجنون (1).
واختار الآمدي (2) وغيره: المنع؛ لاستحالة ثبوت الحكم بلا باعث، وإن جاز التعليل بالأمارة (3) فتعريف المعرَّف؛ لتعريف الحكم بالنص.
وفيه نظر؛ لجواز [كون] (4) فائدتها تعريف حكم الفرع، فيتوجه قول ثالث.
* * *
ومن شروط علة الأصل: أن لا ترجع عليه بالإِبطال؛ لبطلانها به، كما سبق (5) في التأويل بقيمة شاة.
وإن عادت عليه بالتخصيص فالخلاف (6).
وقد قال بعض أصحابنا (7): "ما حكم به الشارع مطلقًا أو في عين أو
__________
(1) يعني: فالولاية ثابتة قبل الجنون.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 241.
(3) والأمارة هي المعرف.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(5) في ص 1048.
(6) ضرب على (فالخلاف) في (ح).
(7) انظر: المسودة/ 227 - 228، وص 1163 من هذا الكتاب.
(3/1240)

فَعَله أو أقرّه، هل يجوز تعليله (1) بعلة مختصة بذلك الوقت بحيث يزول الحكم مطلقًا؟ جوزه الحنفية والمالكية، ذكروه في مسألة التخليل، وذكره المالكية في حكمه بتضعيف الغرم على سارق الثمر المعلق والضالة المكتومة (2) ومانع الزكاة وتحريق متاع الغال، وهو شبهتهم أن حكم المؤلفة انقطع (3)، ومنعه أصحابنا والشافعية، ثم قال بعضهم: قد تزول العلة ويبقى الحكم كالرمل (4)، وقال بعضهم: النطق حكم مطلق وإن كان سببه خاصاً، فقد تثبت العلة مطلقًا. وهذان جوابان لا حاجة إِليهما، واحتج بأن هذا رأي مجرد، وبتمسك الصحابة بنهيه عن ادخار لحم الأضاحي في العام القابل -ومراده: أنه صح عن ابن عمر (5) وأبي سعيد (6) وقتادة (7) بن
__________
(1) من قوله: (وقد قال) إِلى قوله: (تعليله) درس محله في (ح).
(2) أخرج عبد الرزاق في مصنفه 10/ 129 عن معمرعن عمرو بن مسلم عن عكرمة -أحسبه عن أبي هريرة- أن النبي قال: (ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معها). وأخرجه أبو داود في سننه 2/ 339 من طريق عبد الرزاق. قال المنذري في مختصره 2/ 273: لم يجزم عكرمة بسماعه من أبي هريرة، فهو مرسل. وأخرجه البيهقي في سننه 6/ 191 من طريق أبي داود.
(3) نهاية 184 ب من (ب).
(4) في (ب): وكالرمل.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 104، ومسلم في صحيحه/ 1561.
(6) أخرجه البخاري في صحيحه 7/ 103، والنسائي في سننه 7/ 233، والبيهقي في سننه 9/ 292.
(7) أخرجه النسائي في سننه 7/ 234، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد=
(3/1241)

النعمان (1)، وقول جابر: كنا لا نأكل فأرخص لنا (2) - أما تعليله بعلة زالت -لكن إِذا عادت عاد- ففيه نظر، وعكسه: تعليل الناسخ بعلة مختصة بذلك الزمن بحيث إِذا زالت زال، ويقع الفقهاء فيه كثيراً" والله أعلم.
ويأتي (3) كلام أبي الخطاب في استصحاب حكم الإِجماع (4).
وفي واضح ابن عقيل: "ألحق الحنفية النسخ بزوال العلة، كالخمر: حرمت أولاً وألفوا شربها، فنهي عن تخليلها (5) تغليظًا، وزالت باعتياد (6) الترك، فزال الحكم"، ثم أبطله بأنه نسخ بالاحتمال، كمنعه في حدٍّ وفسق ونجاستها.
* * *
__________
=الظمآن/ 260). قال ابن حجر في فتح الباري 10/ 25: فيه قلب للمتن؛ جعل راوي الحديث أبا سعيد، والممتنع من الأكل قتادة، وما في الصحيحين -يعني: كون الممتنع أبا سعيد- أصح.
(1) هو: الصحابي أبو عمرو الأوسي.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه 2/ 172، ومسلم في صحيحه/ 1562.
(3) في ص 1436 - 1437.
(4) نهاية 127 ب من (ظ).
(5) أخرجه مسلم في صحيحه/ 1573، وأبو داود في سننه 4/ 82، والترمذي في سننه 2/ 380، والدارمي في سننه 2/ 43، وأحمد في مسنده 3/ 119 من حديث أنس مرفوعًا. وقال الترمذي: حسن صحيح.
(6) في (ب) و (ح): باعتبار.
(3/1242)

ومن شورط العلة: أن لا يكون للمستنبطة (1) معارض في الأصل؛ لجواز كونه العلة، أو هما.
وقيل: معارض راجح. وفيه نظر.
وقيل: ونفي المعارض في الفرع.
وقيد الآمدي (2) المعارض بكونه راجحاً عند من جوز تخصيص العلة، ليفيد القياس (3)، وقال: ويكفي الظن في نفي معارض في أصل وفرع (4).
................
وأن لا تخالف نصاً أو إِجماعًا.
وأن لا تتضمن زيادة على النص، أي: زاد الاستنباط قيدًا عليه.
وقال الآمدي (5): إِن نافت مقتضاه.
وأن يكون دليلها شرعيًا.
....................
وأن لا يعم دليلها حكم الفرع بعمومه أو بخصوصه -كقول شافعي: "الفواكه مطعومة فجرى الربا كالبر"، ثم أثبت الطعم علة بقوله (لا
__________
(1) في (ظ): المستنبطة.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 248.
(3) يعني: ليكون القياس مفيدًا.
(4) نهاية 185 أمن (ب).
(5) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 245.
(3/1243)

تبيعوا (1) الطعام بالطعام (2))، وكقول حنفي في نجاسة غير السبيل: "خارج نجس، فنقض كالسبيل"، ثم أثبت العلة بما يروى من قوله: (من قاء (3)) - لأنه تطويل بلا فائدة ورجوع عن القياس؛ لثبوت (4) الحكم بدليلها (5).
وقال الآمدي (6): هذه مناقشة جدلية، فلا (7) تمنع صحة القياس، وقد يكون العام مخصوصًا لا يراه المستدل حجة، فيتمسك به في إِثبات العلة.
* * *
__________
(1) نهاية 370 من (ح).
(2) لم أجده بهذا اللفظ، وإنما وجدت ما أخرجه مسلم في صحيحه/ 1214، وأحمد في مسنده 6/ 400، والدارقطني في سننه 3/ 24، والطحاوي في شرح معاني الآثار 4/ 3، والبيهقي في سننه 5/ 283 عن معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول الله يقول: (الطعام بالطعام مثلاً بمثل)، وكان طعامنا يومئذ الشعير.
(3) أخرج ابن ماجه في سننه/ 385 - 386 عن عائشة مرفوعًا: (من أصابه قيء ... فلينصرف فليتوضأ ...) وأخرجه الدارقطني في سننه 1/ 153 - 155 بلفظ: (إِذا قاء أحدكم في صلاته ... فلينصرف فليتوضأ). وأخرجه البيهقي في سننه 1/ 142 - 143 بلفظ: (إِذا قاء أحدكم). ثم أسند البيهقي إِلى أحمد أنه قال: حديث ابن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة أن النبي قال: (من قاء أو رعف ...) الحديث، هكذا رواه ابن عياش، وإنما رواه ابن جريج عن أبيه ولم يسنده، وليس فيه ذكر عائشة. وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في ص 621.
(4) في (ب) و (ظ): كثبوت.
(5) يعني: دليل العلة.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 246.
(7) في (ح): ولا.
(3/1244)

ويجوز كون العلة حكمًا شرعيًا عند قوم، وقاله ابن عقيل (1)، وذكره (2) أبو الخطاب (3) عن أصحابنا، وعقله بأنها أمارة، والعلة التي يحتاج إِلى إِثباتها في الأصل المتعديةُ (4) إِلى الفرع، وأيضًا: قد يدور حكم مع حكم، والدوران علة كما يأتي (5)
ومنعه آخرون -قال بعض أصحابنا (6): أظنه اختيار ابن عقيل وابن المنّي- لأن الحكم المعلّل إِن تقدم أو تأخر فباطل؛ لِتَقَدّم المعلول أو تأخره، ومعه لا أولوية لتعليل (7) أحدهما بالآخر.
رد: يجوز تأخره (8)؛ لأنه معرّف، ولأن الشدة المطربة وإن (9) سبقت التحريم فإِنما هي علة بجعل الشارع، وقد يكون أحدهما أولى لمناسبته للآخر (10) بلا عكس.
__________
(1) انظر: الواضح 1/ 134 ب.
(2) في (ب): ذكره.
(3) انظر: التمهيد/ 163 ب- 164أ، والمسودة/ 411.
(4) يعني: هي المتعدية إلى الفرع.
(5) في ص 1297.
(6) انظر: المسودة/ 411.
(7) في (ح): كتعليل.
(8) في (ح): تأخيره.
(9) في (ظ): ان.
(10) نهاية 185 ب من (ب).
(3/1245)

وأيضاً: يحتمل أن لا علة، أو أنها غير الحكم المعلل به، ووقوع احتمال من اثنين أغلب.
رد: يلزم في التعليل بالأوصاف.
واختار الآمدي (1): يجوز كونه علة له بمعنى الأمارة في غير أصل القياس، نحو: "مهما رأيتم أني حرمت كذا فقد حرمت كذا"، وفيه (2): لا يجوز كما سبق (3)، وإن كان باعثًا عليه فحكم الأصل: إِن كان تكليفيًا لم يجز؛ لأنه لا قدرة للمكلف عليه، وبهذا (4) يمتنع (5) تعليله بوصف لا قدرة له عليه، وإن كان بخطاب (6) الوضع لم يجز إِن بعث على حكم الأصل لدفع مفسدة تلزم (7) من شرع الحكم المعلل به؛ لأنها لو طلب الشرع نفيها بشرع (8) حكم الأصل لم يشرع الحكم المعلل به، وإن بعث عليه لمصلحة جاز؛ لأنه قد يستلزم ترتب أحد الحكمين على الآخر مصلحة لا يستقل بها
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 211.
(2) يعني: في أصل القياس.
(3) في ص 1208 من أنه لا يجوز أن تكون العلة فيه بمعنى الأمارة، بل بمعنى الباعث.
(4) في (ح): ولهذا.
(5) نهاية 371 من (ح).
(6) يعني: ثبت حكم الأصل بخطاب الوضع.
(7) في (ب): يلزم. ولم تنقط الكلمة في (ح) و (ظ). وانظر الإِحكام للآمدي 3/ 212.
(8) نهاية 128أمن (ظ).
(3/1246)

أحدهما، كجعل الحكم بالنجاسة علة في بطلان بيع الخمر؛ لتحصيل مصلحة التنزه عنه.
قال في التمهيد (1): يجوز جعل صفة الاتفاق والاختلاف علة عند أصحابنا والأكثر، كالإِجماع (2): "حادث، وهو دليل"، والاختلاف يتضمن خفة حكمه، وعكسه الاتفاق -واختاره ابن عقيل (3) - كقولنا في المتولد بين الظباء والغنم: "متولد من أصلين يزكي أحدهما إِجماعًا، فوجب فيه كمتولد بين سائمة ومعلوفة"، وكقول الحنفية في الكلب: مختلف في حل لحمه، فلم يجب في ولوغه عدد، كالسَّبُع.
ومنعه بعضهم؛ لحدوثهما (4) بعد الأحكام، وقاله القاضي (5) (6) في تعليقه ضمن مسألة النبيذ لنا.
* * *
__________
(1) انظر: التمهيد / 164أ- ب.
(2) هذا جواب سؤال مقدر: اِن الاتفاق والاختلاف حادثان بعد الرسول، والعلة أمارة شرعية تحتاج إِلى نصب الشرع. فأجاب: بأن هذا وإن كان حادثًا فيجوز أن يكون أمارة دالة، كما أن الإِجماع حادث، وكان دليلاً معلومًا.
(3) انظر: الواضح 1/ 141 ب- 142 أ.
(4) يعني: الاتفاق والاختلاف.
(5) انظر: المسودة/ 410.
(6) نهاية 186 أمن (ب).
(3/1247)

ويجوز تعدد الوصف ووقوعه عندنا وعند الأكثر، كتعليل القصاص بالقتل العمد العدوان؛ لأن طريق إِثبات الواحد يثبت به غيره (1).
قالوا: لو جاز كانت العلية صفة زائدة؛ لأنا نعقل مجموع الأوصاف، ونجهل كونها علة، والمعلوم غير المجهول، ولأنا نصفها بأنها علة، والصفة غير الموصوف، وليست (2) صفة زائدة؛ لأنها إِن قامت بوصف فهو العلة، وإن قامت بكل وصف فكل وصف علة، وإن قام كل بعض منها بوصف لزم تعدد المتحد لقيامه بالتعدد (3) أو اتحاد المتعدد.
رد: يجرى الدليل في امتناع وصف الكلام بكونه خبرًا أو استخبارًا (4).
وبأن (5) العلية قائمة بالمجموع من حيث هو، فلا يلزم شيء.
وبأن معنى العلة قضاء الشرع بالحكم عند الوصف للحكمة، فليست العلية صفة زائدة، ثم (6): ليست وجودية؛ لئلا يقوم العَرَض بالعَرَض؛ لأنها عرض، والأوصاف عرض.
__________
(1) وهو المتعدد.
(2) في (ظ): فليست.
(3) كذا في النسخ. ولعل صوابه: بالمتعدد.
(4) وهو موصوف بذلك مع تعدد ألفاظه وحروفه.
(5) في (ح): أو بأن.
(6) يعني: لو سلم أنها زائدة.
(3/1248)

قالوا: لو جاز (1) لزم أن عدمَ كلِ جزءٍ علةٌ لعدم صفة العلية؛ لانتفائها بعدمه، والتالي باطل؛ لأنه يلزم نقض علية عدم جزء لعدم صفة العلية؛ لأنه لو عدم وصف آخر لم تعدم العلية؛ لعدمها (2) بالأول (3).
رد: كل جزء شرط للعلة، فعدمت لعدمه، وليس عدمه علة لعدم المشروط.
ولو سلم أن عدم كل جزءٍ علةٌ فهو كبول بعد مس وعكسه (4)، كل منهما (5) علة للوضوء؛ لأنها علامات، فتقع معًا ومرتبة، فلا يلزم النقض.
قال الآمدي (6): وسبق (7) أن العدم ليس علة.
* * *
لا يشترط في علة (8) الأصل القطع بحكمه (9)، ولا القطع بها في الفرع، ولا انتفاء مخالفة مذهب صحابي -إِن لم يكن حجة- خلافاً
__________
(1) نهاية 372 من (ح).
(2) في (ح): في الأول.
(3) يعني: بعدم الجزء الأول.
(4) نهاية 186 ب من (ب).
(5) في (ب) و (ح): منها.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 215.
(7) انظر: ص 1212.
(8) في (ظ) ونسخة في هامش (ب): محل.
(9) في (ح): بحكمة.
(3/1249)

لبعضهم في الثلاثة.
ولا النص (1) عليها، أو الإجماع على تعليله، خلافاً للمريسي (2).
* * *
وإذا كانت العلة لنفي الحكم وجود مانع -كعدم القصاص على الأب لمانع- أو عدم شرط، كعدم الرجم (3) لعدم الإِحصان: اختلفوا في اشتراط وجود المقتضي، فيبين بدليل، ونَفْي الشارع للحكم دليل وجوده حملاً له على التأسيس.
واختار الآمدي (4): يشترط؛ لأن الحكم شرع لمصلحة الخلق؛ فما لا فائدة فيه لم يشرع، فانتفى لنفي فائدته.
قالوا: أدلة (5) متعددة، وإذا استقل المانع وعدمُ الشرط مع وجود معارضة المقتضي فمع عدمه أولى.
رد: لا يلزم؛ لما سبق (6).
__________
(1) في (ب): التضمن.
(2) انظر: المعتمد/ 761.
(3) نهاية 128 ب من (ظ).
(4) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 242.
(5) يعني: عدم المقتضي ووجود المانع.
(6) في اختيار الآمدي. وانظر: الإِحكام للآمدي 3/ 242.
(3/1250)

قالوا: يلزم التعارض بينهما، وهو خلاف (1) الأصل.
رد: هو أهون (2)، ولهذا اتفق من خصص العلة على نفي الحكم بالمانع وعدم الشرط مع وجود المقتضي (3)، واختلفوا فيه مع عدمه.
قالوا: لو أحيل نفي الحكم عند انتفاء المقتضي على نفيه (4) -مع مناسبة نفيه من المانع وعدم الشرط- لزم إِهمالهما، وهو خلاف الأصل.
رد: هو (5) أولى، ولهذا يستقل بنفيه عند عدم المعارض اتفاقاً، وفي استقلال (6) المانع وعدم (7) الشرط بنفيه (8) الخلاف في تخصيص العلة.
وإِن قيل: يحال نفيه عليهما (9) معاً.
رد: إِن استقل كل منهما بنفيه ففيه تعليل حكم واحد في صورة بعلتين، وإلا امتنع؛ لخروج المستقل بالنفي -وهو نفي المقتضي عند نفي معارضه- عن الاستقلال.
* * *
__________
(1) نهاية 373 من (ح).
(2) من نفيه لوجود مانع مع ذوات المقتضي.
(3) في (ح): الشرط.
(4) يعني: نفي المقتضي.
(5) يعني: انتفاؤه لنفي المقتضي أولى من انتفائه للمانع.
(6) نهاية 187أمن (ب).
(7) ضرب في (ب) و (ظ) على: عدم الشرط.
(8) في (ب) و (ظ): نفيه.
(9) يعني: على المانع ونفي المقتضي.
(3/1251)

قال ابن عقيل (1): هل يصح كون العلة صورة المسألة نحو: "يصح رهن مشاع كرهنه من شريكه" منعه بعضهم؛ لإِفضائه (2) إِلى تعليلِ المسألة وعدمِه، وصححه بعضهم، قال: وهو أصح.
قال بعضهم: يستدل بوجود العلة على الحكم لا بعليتها، لتوقفها (3) عليه؛ لأنها (4) نسبة.
* * *
حكم الأصل ثابت بالنص عندنا وعند الحنفية (5)؛ لأنه قد يثبت تعبدًا، فلو ثبت بالعلة لم يثبت مع عدمها، ولأنها مظنونة وفرع عليه.
ومرادهم: أنه معرِّف له.
وعند الشافعية (6): بالعلة.
ومرادهم: الباعثة عليه. فالخلاف لفظي.
* * *
__________
(1) انظر: الواضح 1/ 141أ.
(2) يعني: يفضي إِلى أن تكون العلة هي المعلَّل له، فيفضي إِلى التنافي؛ لأنه يؤدي إِلى كون المسألة معللة لا معللة؛ لأنك إِذا قلت: "حرمت الخمر لأنها خمر" فقد بينت أنها معللة، إلا أن قولك: "لأنها خمر" معناه: أنها غير معللة.
(3) يعني: العلية.
(4) في (ب): لأنه.
(5) انظر: تيسير التحرير 3/ 294 - 295، وفواتح الرحموت 2/ 293.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 247. وكذا عند الحنفية السمرقنديين، فانظر: تيسير التحرير 3/ 295.
(3/1252)

شروط الفرع
منها: مساواة علته علة الأصل فيما يقصد من عين العلة أو جنسها، كالشدة المطربة في النبيذ، وكالجناية في قياس قصاص طرف على نفس.
وعن بعض الحنفية (1): يكفي مجرد الشبه.
لنا: اعتبار الصحابة المعنى المؤثر في الحكم.
ولاشتراك العامي والعالم فيه (2).
ولأنه ليس هذا الشبه بأولى من عكسه (3).
وكالقياس العقلي (4).
قالوا: لم تعتبر الصحابة سوى مجرد الشبه.
رد: بالمنع.
* * *
__________
(1) انظر: اللمع/ 62، والتبصرة/ 458.
(2) يعني: إِذا جاز رد الفرع إِلى الأصل من غير علة مخصوصة لم يحتج إِلى النظر والفكر.
(3) قال في التبصرة/ 458: ولأنه لو جاز رد الفرع إِلى الأصل بمجرد الشبه لم يكن حمل الفرع على بعض الأصول بأولى من حمله على البعض؛ لأنه ما من فرع تردد بين أصلين إلا وفيه شبه من كل واحد من الأصلين.
(4) يعني: يعتبر فيه معنى مخصوص.
(3/1253)

ويشترط تأثيرها في أصلها المقيس عليه عند أصحابنا والحنفية (1) (2) والشافعية (3).
واكتفى الحلواني (4) من أصحابنا وأبو الطيب (5) الطبري الشافعي بتأثيرها في أصل ما.
واشترط بعضهم: في أصلها وفي بقية المواضع.
كقول المالكية (6) في الكلب: "حيوان، فكان طاهرًا كالشاة"، تأثيره في الحيوان إِذا مات، ولا تأثير له في (7) الجماد، فالحياة تؤثر في محل دون محل.
* * *
ومنها: مساواة حكمه حكم الأصل فيما يقصد كونه وسيلة للحكمة (8) من عين الحكم أو جنسه، كالقصاص في النفس بالمثقل على
__________
(1) انظر: تيسير التحرير 4/ 134، 151.
(2) نهاية 187 ب من (ب).
(3) انظر: اللمع 671، والتبصرة/ 464.
(4) هو: عبد الرحمن الحلواني. انظر: المسودة/ 438 - 439.
(5) انظر: اللمع/ 67، والمسودة/ 438.
(6) انظر: مفتاح الوصول/ 107، والمسودة/ 422.
(7) نهاية 129أمن (ظ).
(8) نهاية 374 من (ح).
(3/1254)

المحدد، وكالولاية في نكاح الصغيرة على الولاية في مالها. ويأتي (1) في الأسئلة.
..................
ومنها: أن لا يكون منصوصًا على حكمه.
قالت الحنفية (2) وغيرهم -وجزم به الآمدي (3)، وتبعه بعض أصحابنا -: ولا متقدمًا على حكم الأصل، كقياس أصحابنا والشافعية (4) الوضوء على التيمم في اشتراط النية؛ لثبوت حكم الفرع قبل ثبوت العلة؛ لتأخر الأصل.
قال الآمدي (4): إِلا أن يذكره إِلزامًا للخصم.
وفي الروضة (5): الصحيح: يشترط لقياس العلة لا الدلالة، فيقاس الوضوء على التيمم؛ لجواز تأخر (6) الدليل عن المدلول، كحدوث العالم دليل على القديم، والأثر على المؤثر.
وذكر أبو الخطاب (7) وابن عقيل (8) -من الأسئلة الفاسدة-: تأخر
__________
(1) في ص 1393 وما بعدها.
(2) انظر: تيسير التحرير 3/ 299، وفواتح الرحموت 2/ 259.
(3) و (4) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 251.
(5) انظر: روضة الناظر/ 319.
(6) في (ح): تأخير.
(7) انظر: التمهيد/ 181 ب-182أ.
(8) انظر: الواضح 1/ 167 ب، 203أ.
(3/1255)

حكم الأصل عن حكم الفرع؛ لأن الأمارة والدليل يتأخر ويتقدم، كالمعجزة مع النبوة، والعالَم على الصانع، ويمتنع في العلة العقلية، كتحرك الجسم أو سواده لحركة (1) أو سواد يتأخر.
......................
وشرط قوم -وحكوه عن أبي هاشم (2) - ثبوت حكم (3) الفرع بنص جملة لا تفصيلاً، كميراث الأخ مع الجد.
وهو باطل بما يأتي (4) من (5) أدلة القياس، ولا دليل عليه.
واحتج الآمدي (6) وغيره (7): بأن الصحابة قاسوا (8) "أنت حرام" على الطلاق واليمين والظهار.
وجوابه: منع صحته، بل لا يصح.
* * *
__________
(1) في (ح) و (ظ): بحركة.
(2) انظر: المعتمد/ 809 - 810.
(3) نهاية 188 أمن (ب).
(4) في ص 1311 وما بعدها.
(5) في (ب) و (ظ): عن.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 251.
(7) يعني: لإِبطال هذا القول.
(8) سيأتي في ص 1320 الإِشارة إِلى الآثار عن الصحابة في مسألة الحرام.
(3/1256)

مسالك إِثبات العلة
الأول: الإِجماع.
......................
الثاني: النص:
فمنه: صريح، نحو: "لعلة كذا أو لسبب"، قال بعض أصحابنا وغيرهم: وكذا: "لأجْل أو من أجْل أو كي أو إِذًا" لا يحتمل غير التعليل -وكذا اختار أبو محمَّد البغدادي (1): أن "كيلا ولأجل ونحوهما" صريح، وعندنا وذكره الآمدي (2): (3) إِن قام دليل لم يقصد التعليل فمجاز نحو: لم فعلت؟ فيقول: لأني أردت- كقوله: لكذا أو (4) إِن كان كذا أو لكذا (5) أو بكذا نحو: (فبما رحمة) (6).
وكذا "إِنّ"، ذكره القاضي (7) وغيره والآمدي (8)، وذكره في
__________
(1) في (ح): في أن.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 253.
(3) نهاية 375 من (ح).
(4) في (ب) و (ظ): وإن كان.
(5) قوله: (أو لكذا) كذا في (ب) و (ظ). وفي (ح): أو إِن كان كذا لكذا. وعلى أي حال فهذه الزيادة (أو لكذا) مكررة مع قوله: (كقوله: لكذا).
(6) سورة آل عمران: آية 159.
(7) انظر: العدة/ 221 ب.
(8) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 252.
(3/1257)

الروضة (1) عن أبي الخطاب.
وقيل: تنبيه.
وقيل لأبي الفتح بن المنّي من أصحابنا -في زوال البكارة بالزنا-: إِن "إِنّ" موضوعة للتعليل، كقوله: (إِنها من الطوافين).
فقال: لا نسلم، وإنما هي موضوعة للتأكيد، وإنما كان الطواف علة، لعسر الاحتراز عنه؛ لا لفظة (2) "إِنَّ".
وكذا قال أبو محمَّد البغدادي: أجمع علماء العربية أنها لم تأتِ للتعليل، بل للتأكيد أو بمعنى "نعم"، وإنما، جعلنا الطواف علة لأنه قرنه بحكم الطهارة، وهو مناسب.
.....................
ومن التنبيه والإيمان (3) ترتب الحكم عقب وصف بالفاء، فإِنها للتعقيب ظاهراً، ويلزم منه السببية عندنا، وذكره الآمدي (4) وغيره، كقوله: (والسارق والسارقة فاقطعوا) (5)، وقول الراوي: "سها (6) فسجدا)،
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 297.
(2) كذا في النسخ. ولعلها: للفظة.
(3) نهاية 188 ب من (ب).
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 254.
(5) سورة المائدة: آية 38.
(6) نهاية 129 ب من (ظ).
(3/1258)

و"زنى ماعز فرجم" (1)، وقيل: كما قبله (2)، والفقيه وغيره سواء؛ لأنه ظاهر (3) حاله مع دينه وعلمه (4).
* * *
ومنه: اقتران الوصف بحكم لو لم يكن هو أو نظيره علة للحكم كان اقترانه بعيدًا شرعًا ولغة، كقول الأعرابي له - عليه السلام -: وقعت على أهلي في رمضان، فقال: (أعتق رقبة) (5)، فكأنه قيل: "إِذا واقعت فكفّر"؛ لأن الظاهر كونه جوابا، والسؤال معاد فيه.
فإِن حذف (6) بعض الأوصاف -ك "ذلك الشهر، وكونه أعرابيا"-
__________
(1) تقدم تخريج حديث رجم ماعز في ص 863. وهذا اللفظ: "زنى ماعز فرجم" ورد -أيضاً- في مختصر ابن الحاجب. قال الزركشي في المعتبر/ 80 أ: هو مروي بالمعنى في الصحيحين، لكن مقصود ابن الحاجب هذا اللفظ، ولم يَرِد.
(2) يعني: كالصريح.
(3) يعني: ظاهر حاله أنه لو لم يفهم ترتب الحكم على الوصف لم يقله.
(4) يعني: علمه أن الفاء للتعقيب.
(5) قصة الأعرابي الذي جامع في نهار رمضان رواها أبو هريرة، وسبق تخريج ذلك في ص 304. قال الزركشي في المعتبر/ 80 أ: واقعت أهلي في رمضان، فقال: (أعتق رقبة) هو في الكتب الستة، لكن بغير هذه الصيغة، أما بهذه الصيغة ففي سنن ابن ماجه. أ. ه. فانظر: سنن ابن ماجه / 534.
(6) في (ح): حذفت.
(3/1259)

سمي تنقيح المناط، أي: تنقيح ما ناط به حكم الشارع.
وأقر به أكثر منكري القياس، وأجراه أبو حنيفة (1) في الكفارات مع منعه القياس فيها.
وذكر بعضهم (2): أنه أحد مسالك العلة، بأن يبين إِلغاء الفارق.
وقد يقال: العلة إِما المشترك أو المميز، والثاني باطل (3)، فثبت الأول.
ولا يكفي أن يقال: "محل الحكم إِما المشترك أو مميّز الأصل"؛ لأنه لا يلزم من ثبوت المحل ثبوت الحكم.
قيل: لا دليل على عدم عليته (4)، فهو علة.
رد: لا دليل لعليته، فليس بعلة.
قيل: لو كان علة لتأتَّى القياس المأمور به.
رد: هو دور. والله أعلم.
....................
ومن الإِيماء (5): أن يقدّر الشارع وصفاً لو لم يكن للتعليل كان بعيداً لا
__________
(1) انظر: تيسير التحرير 4/ 42، فواتح الرحموت 2/ 298.
(2) انظر: المحصول 2/ 2/ 315.
(3) لأن الفارق ملغى.
(4) يعني: علية الوصف. وانظر: المحصول 2/ 2/ 319 - 320.
(5) نهاية 376 من (ح).
(3/1260)

فائدة (1) فيه، كقوله عليه السلام -لما سئل عن بيع التمر بالرطب- فقال (2): (أينقص الرطب إِذا يبس؟)، قالوا (3): "نعم"، فنهى عن ذلك، صححه الترمذي وغيره.
ومثال التقدير في نظير محل السؤال قول امرأة (4) من جهينة (5) له -عليه السلام -: إِن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: (حجّي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟) قالت: "نعم"، قال: (اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء). متفق عليه (6).
__________
(1) نهاية 189 أمن (ب).
(2) كذا في النسخ. ولعل المناسب حذف كلمة: "فقال".
(3) في (ح): قال.
(4) قيل: اسمها غاثية أو غايثة أو غاينة.
انظر: الإِصابة 8/ 44، وفتح الباري 4/ 65.
(5) جهينة: حي عظيم من قضاعة من القحطانية، وهم: بنو جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحافي بن قضاعة.
انظر: معجم قبائل العرب 1/ 216.
(6) أخرجه البخاري في صحيحه 3/ 18، 9/ 102 من حديث ابن عباس، وأخرجه النسائي في سننه 5/ 116 بمعناه.
ولم أجده في صحيح مسلم، وإِنما وجدت مسلم قد أخرج هذا المعنى من حديث ابن عباس في الصيام في قصة المرأة التي أخبرت الرسول أن أمها ماتت وعليها صوم واجب، فقال - عليه السلام -: (أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقتضينه؟) قالت: نعم، قال: (فدين الله أحق بالقضاء). انظر: صحيح مسلم/ 804.
(3/1261)

وفيه تنبيه على الأصل -وهو دين الآدمي- والفرع، وهو الحج الواجب، والعلة، وهي قضاء الدين عن الميت.
وذكر في التمهيد (1) وغيره: أن من هذا قول عمر له - عليه السلام -: "صنعت اليوم أمراً عظيمًا، قبّلت وأنا صائم"، فقال.: (أرأيت لو تمضمضت بماء، وأنت صائم؟) قلت: "لا بأس"، فقال: (ففيم (2)؟).
وقال الآمدي (3): إِنما هو نقض لما توهمه عمر من إِفساد مقدمة إِفساد الصوم التي هي القُبلة مقدمة الوقاع، فنقض بالمضمضة مقدمة الشرب، ولم يقدّر - عليه السلام - المضمضة لتعليل منع الإِفساد؛ لأنه ليس فيها ما يتخيل مانعاً منه، بل غايتها أن لا تفسد.
.........................
ومن الإِيماء: أن يفرق - عليه السلام - بين حكمين بصفة مع ذكرهما،
__________
(1) انظر: التمهيد/ 159 ب.
(2) أخرجه أبو داود في سننه 2/ 779 - 780 من حديث عمر. قال المنذري في مختصره 3/ 263: "وأخرجه النسائي، وهذا حديث منكر، قال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إِلا من هذا الوجه". وأخرجه أحمد في مسنده 1/ 21، 52، والدارمي في سننه 1/ 345، وابن خزيمة في صحيحه 3/ 245، وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 227)، والحاكم في مستدركه 1/ 431 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 258.
(3/1262)

نحو: (للراجل سهم، وللفارس سهمان (1)، أو مع ذكر أحدهما نحو:
__________
(1) لم أجده من لفظ النبي هكذا، وإنما وجدت ما أخرجه أبو داود في سننه 3/ 174 - 175، 413 عن مجمع بن جارية الأنصاري قال: قسمت خيبر على أهل الحديبية، فأعطى النبي الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهما. قال أبو داود: "حديث أبي معاوية- (وهو ما أخرجه أبو داود في سننه 3/ 172 - 173: حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا أبو معاوية حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم، سهما له، وسهمين لفرسه. وأخرجه البخاري في صحيحه 4/ 30، ومسلم في صحيحه 1383) - أصح، والعمل عليه". وأخرج حديث مجمع أحمد في مسنده 3/ 420، والدارقطني في سننه 4/ 105 - 106، والحاكم في مستدركه 2/ 131 وقال: هذا حديث كبير صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
قال في نصب الراية 3/ 416 - 417: ورواه الطبراني في معجمه وابن أبي شيبة في مصنفه والبيهقي في سننه ... قال ابن القطان في كتابه: وعلة هذا الحديث الجهل بحال يعقوب بن مجمع، ولا يعرف روى عنه غير ابنه، وابنه مجمع ثقة.
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا أبو أسامة وابن نمير قالا: ثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله جعل للفارس سهمين وللراجل سهما. انظر: نصب الراية 3/ 417. ومن طريق ابن أبي شيبة رواه الدارقطني في سننه 4/ 106 ثم قال: قال الرمادي: كذا يقول ابن نمير، قال لنا النيسابورى: هذا عندي وهم من ابن أبي شيبة أو من الرمادي: لأن أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن نمير خلاف هذا -انظر: سنن الدارقطني 4/ 102 - ورواه ابن كرامة وغيره عن أبي أسامة خلاف هذا. انظر: سنن الدارقطني 4/ 102. وأطال الدارقطني الكلام عليه، فراجع: سننه 3/ 106 - 107، ونصب الراية 3/ 418.
(3/1263)

(القاتل لا يرث (1))، أو بالشرط والجزاء نحو: (فإِذا اختلفت هذه الأصناف (2) فبيعوا (3))، أو بغاية: (ولا تقربوهن (4) حتى
__________
(1) ورد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا. أخرجه أبو داود في سننه 4/ 692 - 694. قال المنذري في مختصره 6/ 363: في إِسناده محمَّد بن راشد الدمشقي المكحولي، وقد وثقه غير واحد، وتكلم فيه غير واحد. وانظر: ميزان الاعتدال 3/ 543.
وورد من حديث أبي هريرة مرفوعًا. أخرجه الترمذي في سننه 3/ 288 وقال: هذا حديث لا يصح؛ لا يعرف هذا إِلا من هذا الوجه، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة -أحد رجال الإِسناد- قد تركه بعض أهل العلم، منهم: أحمد بن حنبل. وأخرجه ابن ماجه في سننه/ 883.
وورد من حديث عمرو بن شعيب عن عمر مرفوعاً. أخرجه مالك في الموطأ/ 867، وابن ماجه في سننه/ 884 وفي الزوائد: "إِسناده حسن". وهو منقطع؛ لأن عمرا لم يدرك عمر.
وراجع: الرسالة/ 171، وسنن البيهقي 6/ 219 - 221، وقيل الأوطار 6/ 194، وتحفة الأحوذى 6/ 291.
(2) في (ب): الأوصاف.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه/ 1211 من حديث عبادة مرفوعاً: (الذهب بالذهب ... مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد، فإِذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إِذا كان يدا بيد). وأخرجه أحمد في مسنده 5/ 320، وأبو داود في سننه 3/ 647، وابن الجارود في المنتقى/ 218 - 219، والدارقطني في سننه 3/ 24، والبيهقي في سننه 5/ 278، 284.
(4) نهاية 189 ب من (ب).
(3/1264)

يطهرن) (1)، أو استثناء: (فنصف (2) ما فرضتم إِلا أن يعفون) (3)، أو استدراك: (ولكن (4) يؤاخذكم بما عقدتم) (5).
......................
ومن الإِيماء: ذكره في سياق الكلام شيئًا لو لم يكن علة لذلك الحكم المقصود كان الكلام غير منتظم، كنهيه عن البيع وقت الجمعة (6)، فإِنه علة للمنع عن السعي إِلى الجمعة؛ لا مطلقًا.
......................
ومن الإِيماء: ذكر وصف مناسب مع الحكم، نحو: (لا يقضي القاضي وهو غضبان (7)).
.......................
__________
(1) سورة البقرة: آية 222.
(2) نهاية 377 من (ح).
(3) سورة البقرة: آية 237.
(4) نهاية 130 أمن (ظ).
(5) سورة المائدة: آية 89.
(6) في سورة الجمعة: آية 9.
(7) هذا الحديث رواه أبو بكرة مرفوعًا. أخرجه البخاري في صحيحه 9/ 65 بلفظ: (لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان)، ومسلم في صحيحه/ 1342 - 1343 بلفظ: (لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان)، وابن ماجه في سننه/ 776 بلفظ:=
(3/1265)

فإِن ذكر الوصف صريحًا، والحكم مستنبط منه -نحو: (وأحل الله البيع) (1)، صحته مستنبطة من حله- فهو مُوْمَأ إِليه، واختاره الآمدي (2) وذكره عن المحققين؛ للزوم الصحة للحل كذكره (3).
وخالف قوم، كذكر الحكم صريحًا والوصف مستنبط، فإِنه لا إِيماء (4)، جزم به الآمدي (5)، كعلة الربا مستنبطة من حكه.
رد: بالمنع؛ لأن الإِيماء اقتران الوصف بالحكم، وهو حاصل.
ثم: لا استلزام (6).
......................
وهل تشترط مناسبة الوصف المومأ إِليه؟
أطلق أصحابنا وجهين.
__________
= (لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان)، والشافعي (انظر: بدائع المنن 2/ 232) بلفظ: (لا يقضي القاضي أو لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان).
(1) سورة البقرة: آية 275.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 263.
(3) يعني: كذكر الحكم. وفي (ب): لذكره.
(4) في (ب): لا إيماء بما جزم به الآمدي.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 262.
(6) يعني: في الوصف المستنبط.
(3/1266)

وقال الآمدي (1): "اشترطه قوم، ونفاه آخرون"، ثم اختار: إِن فُهِم التعليل من المناسبة اشترط؛ لأن المناسبة فيه منشأ للإِيماء، وإِلا فلا؛ لأنه بمعنى الأمارة.
ومعناه في الروضة (2) وجدل أبي محمَّد البغدادي.
وقال بعض أصحابنا (3): ترتيب الحكم على اسم مشتق يدل [على] (3/ 1) أن ما منه الاشتقاق علة في قول [أكثر] (4) الأصوليين، واختاره ابن المني، وقال قوم: إِن كان مناسبًا (5)، واختاره أبو الخطاب -في تعليل الربا من الانتصار- وأبو المعالي (6) والغزالي.
كذا قال، وإنما ذكر أبو الخطاب منعًا وتسليماً.
قالوا: لو اشترط لم يُفهَم التعليل من ترتيب الحكم على وصف غير مناسب،: ك "أَهِن العالم وأكرم الجاهل"، ولم يُلَم عليه.
رد: لم يفهم منه، واللوم للإِساءة في الجزاء، ولهذا توجه اللوم لو سكت عن الجزاء في موضع يفهم من السكوت.
* * *
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 261 - 262.
(2) انظر: روضة الناظر/ 297 - 300.
(3) انظر: المسودة/ 438. (3/ 1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب) و (ظ).
(4) ما بين المعقوفتين من نسخة في هامش (ب).
(5) نهاية 378 من (ح).
(6) نهاية 190 أمن (ب).
(3/1267)

المسلك الثالث: السبر والتقسيم.
وهو حصر الأوصاف في الأصل، وإِبطال بعضها بدليل، فيتعين الباقي للعلة.
ويكفي المناظر: "بحثت عن الأوصاف، فلم أجد غير ذلك"؛ لأنه أهلٌ عدل ثقة فيما يقول، فالظاهر صدقه.
أو يقول: الأصل عدم ما سوى ذلك.
فإِن قيل: قوله: "سبرتُ فلم أَجِدْ" عدمُ علمٍ.
ثم: ليس علمًا بالنسبة إِلى الخصم؛ لاحتمال عِلْمه بوصف آخر.
ثم: صحة العلة إِنما تكون بوجود مصحِّحها، وهذا إبطال مُعارِضها، فلا يلزم صحة كون الباقي علة.
قيل: بل هو ظنٌّ بعدمه، فإِن الظن بعدم الشيء لازم للبحث عنه.
والظاهر: لو علم الخصم وصفا آخر أظهره إِفحاماً لخصمه إِظهارًا لعلم، وإلا فهو معاند.
وليس صحة الباقي علة لإِبطال المعارض (1)، بل لأنه لا بد من علة -لما يأتي (2) - فيُظَنُّ انحصارها في الأوصاف، فإِذا بطل بعضها ظُنَّ صحة الباقي.
__________
(1) يعني: ليس كون الباقي علة؛ لأننا أبطلنا المعارض.
(2) في ص 1274.
(3/1268)

وإن بين المعترض وصفا آخر لزم (1) المستدل (2) إِبطاله؛ لا انقطاعه (3)؛ لأنه أبطله.
وأما الناظر (4) المجتهد فيعمل بظنه.
ومتى كان الحصر والإِبطال قطعيًا فالتعليل قطعي، وإلا فظني.
....................
وطرق الحذف:
منها: الإِلغاء، وهو: بيان المستدل إِثبات الحكم بالباقي فقط في صورة، ولم يثبت دونه، فيظهر استقلاله وحده.
وقال الآمدي (5): لا يكفي ذلك في استقلاله بدون طريق من طرق إِثبات العلة، وإلا لكفى في أصل القياس (6)، فإِن بَيَّنه (7) في صورة الإِلغاء بالسبر فالأصل الأول تطويل بلا فائدة، وإن بيَّنه بطريق آخر لزم محذور آخر وهو الانتقال.
__________
(1) نهاية 379 من (ح).
(2) نهاية 130 ب من (ظ).
(3) يعني: لا يكون ذكر ذلك الوصف ملزمًا للمستدل بالانقطاع؛ لأنه إِذا أبطله فقد سَلِم حصره.
(4) نهاية 190 ب من (ب).
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 267 - 268.
(6) ولم يكن إِلى البحث والسير حاجة.
(7) يعني: بين الاستقلال.
(3/1269)

وعلل بعضهم بجواز أن الوصف المحذوف جزء علة وأعم من المعلول، فلا يلزم من وجود الحكم دونه -وعدم الحكم عند وجوده- استقلال الباقي.
ويشبه الإِلغاء نفي العكس؛ لأن كلاً منهما إِثبات الحكم بدون الوصف، وليس هو؛ لأنه لم يقصد في (1) الإِلغاء: لو كان المحذوف علة لانتفى عند انتفائه، بل قصد: لو أن الباقي جزء علة لما استقل.
ومنها: طرد المحذوف، أي: ألفنا عدم اعتباره شرعاً كالطول والقصر، أو بالنسبة إِلى ذلك الحكم كالذكورة (2) في العتق.
ومنها -عند [بعض] (3) الشافعية وغيرهم، وجزم به الآمدي (4) وغيره-: عدم ظهور مناسبته.
ويكفي المناظر (5): بحثت (6).
فإِن ادعى المعترض أن الباقي كذلك: فإِن كان بعد تسليمه (7) مناسبته يقبل، وإلا فَسَبْر المستدل أرجح؛ لموافقته للتعدية، وليس له (8) بيان (9)
__________
(1) في (ح): في للإِلغاء.
(2) في (ب): كالذكورية. وفي (ظ): كذكورية.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 268.
(5) نهاية 380 من (ح).
(6) يعني: فلم أجد له مناسبة.
(7) يعني: تسليم المعترض.
(8) يعني: وليس للمستدل. انظر: الإحكام للآمدي 3/ 269.
(9) نهاية 191 أمن (ب).
(3/1270)

المناسبة؛ لانتقاله إِلى طريق آخر.
وفي الروضة (1): ليس منها؛ لمعارضة خصمه له بمثل كلامه، ولا يكفيه نقضه (2) لاحتمال كونه جزء علة أو شرطاً فيها (3).
..................
والسبر مسلك صحيح لإِثبات العلة في ظاهر كلام القاضي (4) وغيره، وقاله ابن عقيل (5)، وذكره بعضهم عن الأكثر، وجزم به الآمدي (6) وغيره، خلافاً للحنفية (7).
واختار في الروضة (8) -وذكره عن أبي الخطاب-: أنه لا يصح؛ لجواز التعبد، وتعارض قول المستدل بقول المعترض: "بعثت فيما ذكرتَه، فلم أَرَ
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 307.
(2) يعني: نقض علة خصمه.
(3) فلا يستقل بالحكم، ولا يلزم من عدم استقلاله صحة علة المستدل دونه.
(4) انظر: العدة/ 219 ب.
(5) انظر: الواضح 1/ 172أ.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 264.
(7) انظر: تيسير التحرير 4/ 48، وفواتح الرحموت 2/ 299، وفيهما: عن الجصاص والمرغيناني كقول الجمهور.
(8) انظر: روضة الناظر/ 306 - 307.
(3/1271)

ما يصلح علة"، إِلا أن تجمع الأمة على تعليل أصل، فيبطل ما علّل به إِلا واحدة، فيصح؛ لئلا يخرج الحق عن الأمة.
وفي التمهيد (1): إِن لم يجمعوا، لكن علّله بعضهم واختلفوا: فهل إِفساد إِحداهما دليل صحة الأخرى؟ على مذهبين.
قال (2) -وقاله ابن عقيل أيضًا-: فأما إِن أفسد حنبلي علة شافعي في الربا لم يدل على صحة علته؛ لتعليل بعض الفقهاء بغيرهما، وليس إِجماعهما دليلاً على من خالفهما، لكن يكون طريقاً في إِبطال مذهب خصمه وإلزاماً له صحة علته.
وفي الروضة (3) -في هذه الصورة- الخلاف في التي قبلها. وفيه (4) نظر.
وقد ذكر القاضي (5) عن ابن حامد: أن علة الأصل -كعلة الربا- لا تثبت بالاستنباط، قال: وأومأ إِليه أحمد، فسأله مهنا (6): هل يقيس بالرأي؟ قال: "لا، هو أن يسمع الحديث فيقيس عليه"، وعلّله بعدم القطع بصحتها،
__________
(1) انظر: التمهيدا / 16 أ.
(2) انظر: المرجع السابق.
(3) انظر روضة الناظر / 307.
(4) نهاية 381 من (ح).
(5) انظر: الروايتين والوجهين/ 243أ، والمسودة/ 404 - 405.
(6) نهاية 131أمن (ظ).
(3/1272)

ثم اختار (1) أنه يصح، وذكر كلام أحمد في (2) علة الربا.
قال بعض أصحابنا (3): "لا يخالف ابن حامد في استنباط سمعي، وهو التنبيه والإِيماء (4) "، وهذا أشهر.
وعن (5) البخاريين (6): لا يقبل السبر في ظني، وذكره أبو المعالي (7) عن بعض الأصوليين، وذكر -أيضًا- (8) عن النهرواني (9) والقاشاني (10):
__________
(1) يعني: القاضي.
(2) نهاية 191 ب من (ب).
(3) انظر: المسودة/ 402.
(4) يعني: وإنما يخالف في أننا بالعقل نعرف علة الحكم.
(5) انظر: المسودة/ 427.
(6) بخارى: من أعظم مدن ما وراء النهر -نهر جيحون- وأجلها. انظر: معجم البلدان 1/ 353. وفي (ب) و (ظ): النجاريين.
(7) انظر: البرهان/ 816.
(8) انظر: المرجع السابق/ 774 - 775.
(9) هو: أبو الفرج المعافى بن زكريا بن يحيى، ويلقب بالجريري؛ لأنه كان على مذهب ابن جرير الطبري، توفي سنة 390 ه.
انظر: الفهرست/ 236، واللباب 3/ 249، والنجوم الزاهرة 4/ 201، وشذرات الذهب 2/ 134.
(10) هو: أبو بكر محمَّد بن إِسحاق القاشاني نسبة إِلى (قاشان) ناحية مجاورة ل (قم)،=
(3/1273)

لا يقبل في التعليل إِلا الإِيماء (1) وما علم بغير نظر، كبوله في إِناء (2)، ثم يصبّه في ماء، ووافقهما أبو هاشم (3).
وجه الأول: لا بد للحكم من علة، وذكره الآمدي (4) إِجماع الفقهاء، بطريق الوجوب عند المعتزلة، وبطريق اللطف والاتفاق (5) عند الأشعرية. وسبق (6) في مسألة التحسين.
وكذا ذكر أبو الخطاب: أن ما ثبت حكمه بنص أو إِجماع كله معلّل، وتخفى علينا علته نادرًا.
واحتج الآمدي (7) بقوله: (وما أرسلناك إِلا رحمة) (8)، وظاهره جميع
__________
=وبالسين ناحية من نواحي أصبهان، كان ظاهريا ثم صار شافعيا، توفي سنة 280 ه.
من مؤلفاته: كتاب في الرد على داود في إِبطال القياس.
انظر: الفهرست/ 213، وطبقات الفقهاء للشيرازي/ 176، وهدية العارفين 2/ 20، ومعجم المؤلفين 9/ 41.
(1) في (ظ): إِلا إِيماء.
(2) غيرت في (ظ): إِلى: في ماء. وفي نسخة في هامش (ب): في ماء.
(3) انظر: البرهان/ 775 - 776.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 264، 285.
(5) في (ظ): والارتفاق.
(6) في ص 150 وما بعدها، 170 من هذا الكتاب.
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 286.
(8) سورة الأنبياء: آية 107.
(3/1274)

ما جاء به، فلو خلا حكم عن علة لم يكن رحمة (1)؛ لأن التكليف به -بلا حكمة وفائدة- مشقة. كذا قال.
ثم: لو سلم فالتعليل الغالب، قال القاضي: التعليل الأصل تُرِك نادرًا؛ لأن تعقل العلة أقرب إِلى القبول من التعبد، ولأنه الألوف عرفا، والأصل موافقة الشرع له (2)، فيحمل ما نحن فيه على الغالب، ويجب العمل بالظن في علل الأحكام إِجماعًا، على ما يأتي (3) في العمل بالقياس.
وقيل: الأصل عدم التعليل؛ لأن الموجِب الصيغة، وبالتعليل ينتقل حكمه إِلى معناه، فهو كالمجاز من الحقيقة، ونصره بعض الحنفية (4)؛ لأن التعليل لا يجب للنص دائمًا، فيعتبر لدعواه دليل.
وفي (5) واضح ابن عقيل -في مسألة القياس-: أكثر الأحكام غير معلّل.
وقال في فنونه -لمن قاس الزكاة في مال الصبي على العُشْر، وبَيَّن العلة، فأبطلها ابن عقيل، فقال له: فما العلة إِذًا؟ - فقال (6): لا يلزم، ونتبرع فنقول: سؤالك عن العلة قول من يوجب لكل حكم علة، وليس كذلك؛
__________
(1) نهاية 382 من (ح).
(2) يعني: للعرف.
(3) في ص 1338.
(4) انظر: فواتح الرحموت 2/ 293 - 294.
(5) نهاية 192أمن (ب).
(6) كذا في النسخ. ولعل المناسب حذف كلمة (فقال).
(3/1275)

لأن من الناس من يقول: الأصول معللة، [وبعضهم يقول غير معللة]، (1) وبعضهم يقول: "بعضها معلل، وبعضها غير معلل"، فيجوز أن هذا لا علة له، أو له علة خافية عنا.
قالوا: شرع الحكم لا يستلزم الحكمة والمقصود؛ لأنه من صنعه، وهو (2) لا يستلزم ذلك؛ لخلق المعاصي وموت الأنبياء وإِنظار إِبليس والتخليد في النار وتكليف من علم عدم إِيمانه وخلق العالم في وقته المحدود (3) وشكله القدّر (4).
رد: ليست الحكمة قطعية، ولا ملازمة لجميع (5) أفعاله.
سلمنا لزومها، لكن قد تخفى علينا.
وقد قيل (6): القدرة تتعلق بالحدوث والوجود، والمعاصي راجعة إِلى مخالفة نهي الشارع، وذلك ليس من متعلق القدرة.
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(2) يعني: صنعه.
(3) في (ح): المعدود. ثم كتب تحتها: المحدود.
(4) نهاية 383 من (ح).
(5) في (ب): بجميع.
(6) كذا نقل المؤلف هذا القول بهذه الصيغة. وهذا القول قد أجاب به الآمدي في الإِحكام 3/ 290. وقد رد عليه الشيخ عبد الرزاق عفيفي في تعليقه.
(3/1276)

قالوا: لو كان: فإِن وجب الفعل عنده صار غير مختار (1)، وكذا إِن ترجَّح، وهو تسلسل.
رد: لا يجب، وهو تبع لتعلق القدرة والإِرادة، وهو مختار.
قالوا: إِن كان المقصود قديماً لزم (2) قدم الصنع والمصنوع، وإِلا فإِن توقف حدوثه على مقصود آخر تسلسل (3).
رد: حادث، ولا يفتقر إِلى مقصود آخر؛ للتسلسل، وإِن افتقر فذلك المقصود هو نفسه (4). (5)
قالوا: إِن كان قديماً لزم قدم غير الباري وصفاته، وإِلا تَعَلَّل (6) القديم بالحادث.
رد: الحكم: الكلام بصفة التعلق، فكان حادثًا.
ثم: لو كان قديمًا -والمقصود حادثًا- فإِنما يمتنع تعليله به لو أوجب الحكم وأثر فيه، وإنما هو أمارة أو باعث، فلا يمتنع تأخره (7).
__________
(1) في (ظ): مختارا.
(2) نهاية 131 ب من (ظ).
(3) يعني: وإن لم يتوقف فهو المطلوب.
(4) يعني: لا غيره، فلا تسلسل.
(5) نهاية 192 ب من (ب).
(6) في (ب) و (ظ): وإلا تعليل.
(7) في (ح) تأخيره.
(3/1277)

قالوا: إِن كان: فإِن كان فعله معه أولى (1) يلزم استكمال الباري (2)، وإلا فلا أولوية.
رد: بأنه أولى، لكن بالنسبة إِلى المخلوق.
قالوا: ما سبق (3) في منع التعليل (4) بالحكمة.
وسبق جوابه.
قالوا: إن قدر الباري على تحصيل الحكمة بدون الحكم، فالحكم مجرد تعب، وإلا لزم وصفه بالنقص.
رد: طريقان لحصول الفائدة.
قالوا: إِنما تطلب الحكمة فيمن تميل نفسه في فعله إِلى نفعٍ أو دفع ضررٍ، أو في فعلِ من لو خلا فعله عنها ذُمَّ وكان عابثًا.
رد الأول: بل في فعلِ من لو وجدت (5) فيه (6) لم يمتنع، بل وقع غالبًا.
وجواب الثاني: بالمنع.
__________
(1) يعني: أولى من الترك.
(2) يعني: بذلك الصنع، ويكون ناقصًا قبله.
(3) في ص 1210.
(4) نهاية 384 من (ح).
(5) يعني: الحكمة.
(6) يعني: في فعله.
(3/1278)

وأجاب الآمدي (1): إِنما يلزم فيمن تجب رعايتها (2) في فعله، ولا كذلك الباري.
....................
المسلك الرابع: المناسبة، ويرادفها: الإِخالة (3)، وتخريج المناط.
وهو: تعيين علة الأصل بمجرد إِبداء المناسبة من ذات الوصف لا بنص وغيره، كالإِسكار للتحريم، والقتل العمد العدوان للقصاص.
"المناسبة" لغوية، فلا دور.
والمناسب: وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم عليه ما يصلح كونه مقصودًا من شرع الحكم من حصول مصلحة أو دفع (4) مفسدة.
فيمكن إِثباته على الخصم في المناظرة، يكون (5) (6) معاندًا بمنعه (7).
فإِن كان الوصف خفيّا أو غير منضبط فكل منهما غيب عن العقل، فلا
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 293.
(2) يعني: رعاية الحكمة.
(3) الإخالة في اللغة بمعنى الظن. انظر: الصحاح/ 1692 - 1693، ولسان العرب 13/ 240.
(4) نهاية 193أمن (ب).
(5) كذا في النسخ. ولعله: ويكون.
(6) يعني: الخصم.
(7) في (ب): يمنعه.
(3/1279)

يعرف الغيب عنه، وهو الحكم، فيعتبر (1) ملازمه، وهو المظنة كالسفر للمشقة، والفعل المقضي عليه عرفا بالعمد في العمدية.
وقال أبو زيد (2) الحنفي: المناسب ما لو عُرض على العقول السليمة تلقته بالقبول.
فلا يمكن المناظر إِثباته على خصمه.
......................
والمقصود من شرع الحكم: قد يحصل يقينًا -كالبيع الصحيح يحصل منه الملك- وظنا كالقصاص يزجر عن القتل.
وقد يتساوى الحصول وعدمه، كحد الخمر لحفظ العقل.
وقد يكون عدمه أرجح، كنكاح الآيسة لمصلحة التوالد.
وأنكر بعضهم جواز التعليل بهذا والذي قبله، ذكره بعضهم (3)، واحتج عليه: بأن البيع مظنة الحاجة إِلى التعاوض (4)، والسفر مظنة المشقة، واعتبرا، وإن انتفى الظن في بعض الصور. كذا قال.
__________
(1) نهاية 385 من (ح).
(2) انظر: تقويم الأدلة/ 131 أ- 139أ، وكشف الأسرار 3/ 352، وتيسير التحرير 3/ 325، وفواتح الرحموت 2/ 301، والإِحكام للآمدي 3/ 270، وشرح العضد 2/ 239.
(3) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 134، ومختصره 2/ 240.
(4) في (ظ): التعارض.
(3/1280)

والأظهر ما ذكره الآمدي (1): أنه يصح التعليل بهما اتفاقا إِذا ظهر المقصود (2) في غالب صور الجنس، وإلا فلا، أي: لأن احتمال الترتيب وعدمه سواء، أو عدمه (3) أرجح.
والأظهر -أيضًا- ما في الفنون وغيرها: السفر مشقته عامة، ويختلف قدرها، ولذا (4) تحسن التهنئة بالقدوم للجميع، كالمرض بالسلامة.
أما لو فات المقصود يقينًا -وهو ظاهر في غالب الصور- لم يجز التعليل به (5) -قال الآمدي (6): خلافاً للحنفية- لمخالفة عادة الشارع في رعاية الحكمة، ولأن الحكم شُرع لأجلها، فمع عدمها لا يفيد، فلا يشرع.
ومَثَّله الآمدي (6) بلحوق نسب مشرقي بمغربية (7)، واستبراء جارية يشتريها بائعها في المجلس، مع أن مذهب الشافعي: تستبرأ (8)، خلافا للحنفية، ولأ حمد روايتان (9).
.....................
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 272.
(2) يعني: المقصود من الوصف.
(3) نهاية 123أمن (ظ).
(4) في (ظ): وكذا.
(5) نهاية 193 ب من (ب).
(6) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 273.
(7) نهاية 386 من (ح).
(8) في (ح): يستبرى.
(9) انظر: المهذب 2/ 154، والمغني 8/ 150.
(3/1281)

والمقاصد من شرع الحكم:
ضروري أصلاً، وهي أعلى مراتب المناسبات، وهي الخمسة التي روعيت في كل ملة: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، بقتل الكفار وعقوبة المبتدع والقصاص وحد المسكر وشرع الزواجر لزانٍ ومحارب وسارق وغاصب.
ومكمل للضروري: كحفظ العقل بالحد بقليل المسكر.
وغير ضروري:
حاجي: كبيع وِإجارة ومساقاة ومضاربة، وبعضها أبلغ.
وقد يكون ضروريًا، كإِجارة لتربية (1) طفل وشراء مطعوم وملبوس له، زاد غير (2) الآمدي: ولغيره.
ومكمل للحاجي: كرعاية كفاءة ومهرِ مِثْلٍ في تزويج صغيرة؛ لأنه أفضى (3) إِلى دوام النكاح.
وغير حاجي -ولكنه تحسيني-: كسلب العبد أهلية الشهادة؛ لشرفها جرياً على ما أُلِف من محاسن العادات، ذكر ذلك الآمدي (4).
ومثَّل أبو (5) محمَّد البغدادي تتمة الضروري -أيضًا- بمراعاة المماثلة
__________
(1) في (ب): كتربية.
(2) انظر: المنتهى/ 124، ومختصره 2/ 240.
(3) في (ح): افضآ.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 275.
(5) في (ب): ومثل محمَّد البغدادي.
(3/1282)

في القصاص، والحاجي بتسليط الولي على تزويج صغيرة، وتتمَّته كما سبق، ومثَّل التحسيني -هو وغيره (1) - أيضًا: بتحريم تناول القاذورات وسلب المرأة عبارة النكاح.
وكون حفظ العقل من الضروري في كل ملة فيه نظر؛ فإِنه لا يحد عند أهل الكتاب، ولا عندنا على الأصح؛ لاعتقاده إِباحته.
ويتوجه من الضروري حفظ العرض بشرع عقوبة المفتري.
والعبد أهل للشهادة عندنا؛ فما ذكره ممنوع.
وفي الروضة (2): ما لم يشهد الشرع بإِبطاله أو اعتباره: منه: حاجي، كتسليط الولي على تزويج صغيرة تحصيلاً للكفء، ومنه: تحسيني، كاعتبار الولي في نكاح، فلا يُحتج بهما؛ لا نعلم فيه خلافا؛ فإِنه وضع للشرع (3) بالرأي، ومنه: ضروري، وهي الخمسة السابقة، فليست هذه المصلحة بحجة خلافا لمالك وبعض الشافعية.
وفي الواضح (4): ما يسميه (5) الفقهاء "الذرائع"، وأهل الجدل "المؤدي إِلى المستحيل عقلاً أو شرعاً"، ومثَّل بمسألة الولي وغيرها، ثم اعترض على
__________
(1) نهاية 194أمن (ب).
(2) انظر: روضة الناظر/ 169 - 170.
(3) نهاية 387 من (ح).
(4) انظر: الواضح 1/ 138أ.
(5) في (ظ): وفي الواضح تسمية الفقهاء ... إِلخ.
(3/1283)

هذه الدلالة بوجهين.
قال بعضهم (1): والمناسب أخروي -أيضًا- كتزكية النفس، وإِقناعي ينتفي ظنُّ مناسبته بتأمُّله.

مسألة (2)
إِذا اشتمل الوصف على مصلحة ومفسدة راجحة على المصلحة أو مساوية فهل تنخرم مناسبته (3) للحكم؟:
نفاه قوم، واختاره في الروضة (4) وأبو محمَّد البغدادي؛ قالا: لأنها أمر حقيقي، فلا تبطل بمعارض، وجزم به بعض أصحابنا.
وأثبته آخرون، واختاره الآمدي (5) وغيره.
ووجهه (6): حكم العقل بأن (7) لا مناسبة مع مفسدة مساوية، ولهذا ينسب العقلاء الساعي في تحصيل مثل هذه المصلحة إِلى السفه.
__________
(1) انظر: نهاية السول 3/ 52.
(2) نهاية 132 ب من (ظ).
(3) في (ظ): مناسبة.
(4) انظر: روضة الناظر/ 311.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 276.
(6) في (ظ): ووجه.
(7) نهاية 194 ب من (ب).
(3/1284)

قال بعضهم (1): لا يعدم نفعه لقلته، لكن يندفع مقتضاه (2).
قالوا: لو لم يكن لما حَسُن قول العاقل: الداعي إِلى إِثبات الحكم حاصل لولا المانع.
رد: المراد به المصلحة التي في المناسبة لا مصلحة مستقلة بتحقيقها (3)، فالمانع أخلّ بمناسبة المصلحة، فليس الانتفاء محالاً على المفسدة مع المناسبة لفوات شرطها.
قالوا: تصح الصلاة في الدار المغصوبة، فإِن غلب الحرام زادت مفسدتها، وإلا تساوتا.
رد: لم تنشأ مفسدة الغصب عن الصلاة ومصلحة الصلاة عن الغصب، ولو نشأتا من الصلاة لم تصح.
وللمعلل ترجيح وصفه بطريق تفصيلي يختلف باختلاف المسائل، وإجمالي [وهو] (4): لو لم يُقدر رجحان المصلحة ثبت الحكم تعبدًا (5)، ذكره [بعض] (6) أصحابنا وغيرهم، وسبق (7) في السبر.
__________
(1) انظر: نهاية السول 3/ 60.
(2) يعني: لكونه مرجوحًا.
(3) يعني: بتحقيق المناسبة.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(5) يعني: وهو خلاف الأصل. انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 279.
(6) ما بين المعقوفتين من (ظ).
(7) في ص 1275.
(3/1285)

وذكر الآمدي (1): أن لقائلٍ أن يعارضه بعدم الاطلاع على ما به يكون راجحًا مع البحث عنه.
فإِن قيل: بَحْثُنا عن وصف صالح للتعليل لا يتعدى محل الحكم (2)، فهو أولى.
قيل: إِن خرج (3) ما به الترجيح عن محل الحكم لم يتحقق به ترجيح فيه (4)، وإلا اتحد محلّهما، فلا ترجيح (5).
وإن سلم اتحاد محل بحث المستدل فقط: فإِنما يترجح بحثه (6) بتقدير كون ظنه راحجًا؛ لا العكس ولا مساويًا، ووقوع احتمال من اثنين أقرب.
قال (7) (8) واشتراط (9) الترجيح في تحقيق المناسبة إِنما هو عند من لا يخصص العلة، وإلا فلا.
..............
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 269 - 280.
(2) يعني: فمحله متحد، وبحثكم إِنما هو عما به الترجيح، وهو غير منحصر في محل الحكم.
(3) نهاية 388 من (ح).
(4) يعني: في محل الحكم.
(5) يعني: بهذه الجهة.
(6) في (ظ): ظنه.
(7) في (ح): قالوا.
(8) نهاية 195 أمن (ب).
(9) في (ح): فاشتراط.
(3/1286)

والمناسب: مؤثر وملائم وغريب ومرسل؛ لأ نه إِما معتبر، أوْ لا، والمعتبر -بنص، كتعليل الحدث بمس الذكر، أو إِجماع كتعليل ولاية المال بالصِّغَر- يسمى مؤثرًا؛ لأنه ظهر تأثيره في الحكم.
والمعتبر بترتيب الحكم على الوصف فقط (1) -إِن ثبت بنص أو إِجماع اعتبار عينه في جنس الحكم أو بالعكس أو جنسه في جنس الحكم- يسمى ملائمًا؛ لكونه موافقًا لما اعتبره الشارع، وإلا سميَّ غريباً.
وغير المعتبر يسمى مرسلاً، فإِن اعتبر الشارع جنسه البعيد في جنس الحكم سميَّ ملائمًا مرسلاً، وإلا غريبًا مرسلاً، أو مرسلاً ثبت إِلغاؤه.
فالأول من أقسام الملائم: كالتعليل بالصغر في قياس النكاح على المال في الولاية، فعين الصغر معتبر في جنس حكم الولاية إِجماعًا.
والثاني: كالتعليل بعذر (2) الحرج في قياس الحضر بعذر المطر على السفر في الجمع، فجنس الحرج معتبر في عين رخصة (3) الجمع (4) إِجماعًا.
والثالث: كالتعليل بجناية القتل العمل العدوان في قياس المثقل على المحدد في القصاص، فجنس الجناية معتبرة (5) في جنس قصاص النفس، لاشتماله على قصاص النفس وغيرها كالأطراف.
__________
(1) يعني: من غير نص أو إِجماع.
(2) في (ظ): بعلة.
(3) نهاية 133 أمن (ظ).
(4) نهاية 389 من (ح).
(5) كذا في النسخ. ولعل المناسب: معتبر.
(3/1287)

ومثَّله بعضهم (1) بإِيجاب حد القذف في الشرب لكونه مظنة للقذف، والمظنة تقوم مقام المظنون.
والرابع: الغريب من المعتبر، كالتعليل بالإِسكار في قياس النبيذ على الخمر بتقدير عدم نص بعلية الإِسكار (2)، فعين الإِسكار معتبر في عين التحريم بترتيب الحكم عليه فقط، كاعتبار جنس المشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في جنس التخفيف، وهذا المثال (3) دون ما قبله (4)؛ لرجحان الظن باعتبار الخصوص؛ لكثرة ما به الاشتراك.
والخامس: الملائم المرسل، كتعليل تحريم قليل الخمر بأنه يدعو إِلى كثيرها، فجنسه البعيد معتبر في جنس الحكم، كتحريم الخلوة بتحريم الزنا.
والسادس: الغريب المرسل، كالتعليل بالفعل المحرم لغرض فاسد في قياس الباتّ في مرضه على القاتل في الحكم بالمعارضة بنقيض مقصوده، وصار توريث المبتوتة كحرمان القاتل.
والسابع: المرسل الملغى، كإِيجاب صوم شهرين ابتداءً في الظهار على من يسهل عليه العتق، كما أفتى به بعض العلماء.
__________
(1) كالبيضاوي في منهاجه. انظر: نهاية السول 3/ 55.
(2) نهاية 195 ب من (ب).
(3) وهو مثال: الحائض والمسافر.
(4) وهو مثال: النبيذ والخمر.
(3/1288)

فهذا مردود إِجماعًا، ذكره جماعة، وذكره الآمدي (1)، وأن الملائم الأول متفق عليه، مختلف فيما عداه، واختار اعتبار (2) الرابع، وأن ما بعده -وهو المناسب المرسل- لم يشهد الشرع باعتباره وإلغائه؛ ليس بحجة عند الحنفية والشافعية وغيرهم، وهو الحق؛ لتردده بين معتبر وملغى، فلا بد من شاهد قريب بالاعتبار، فإِن قيل: "هو من جنس ما اعتُبر"، قيل: "ومن جنس ما أُلغي، فيلزم اعتبار وصف واحد وإِلغاؤه بالنظر إِلى حكم واحد، وهو محال"، وعن مالك: القول به، وأنكره أصحابه، قال (3) فإِن صح عنه فالأشبه أنه في مصلحة ضرورية كلية قطعية كمسألة التَّتَرُّس (3/ 1).
ومعنى اختياره في الروضة (4) (5) واختيار (6) أبي محمَّد (7) البغدادي (8) من أصحابنا: أن غير الملغى حجة، وذكره بعض أصحابنا (8) عنهما، ويوافقه ما احتج به الأصحاب (9) في الفروع -كالقاضي وأصحابه-
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 282، 284، 285، 4/ 160 - 161.
(2) في (ب): اختبار.
(3) يعني: الآمدى. (3/ 1) في (ظ): الترس.
(4) انظر: روضة الناظر/ 305.
(5) نهاية 196 أمن (ب).
(6) في (ح): اختيار.
(7) نهاية 390 من (ح).
(8) انظر: المسودة/ 408.
(9) جاء -هنا- في (ب): (لما سبق، ولما يأتي، وسبق كلامه في الروضة قريبًا قبل اشتمال لوصف على مصلحة ومفسدة). وقد جاء هذا الكلام في (ح) و (ظ) متأخرا.
(3/1289)

بالقسم الخامس والسادس؛ لما سبق (*)، ولما يأتي (**).
وسبق (1) كلامه في الروضة قريبا قبل "اشتمال الوصف على مصلحة ومفسدة".
ومنع في الانتصار -في أن علة الربا الطعم- التعليلَ بالقسم الرابع كقول الحنفية، ثم قال: الأقوى أن لا تنازع في المناسبة وما يُظن تعليق (2) الحكم عليه.
وسبق (3) (4) قول ابن حامد في السبر.
وقال بعض أصحابنا (5): لا يشترط في المؤثر كونه مناسبًا، وجعله في الروضة (6) من قسم المناسب.
قال: ونظيره تعليق الحكم بوصف مشتق: في اشتراط مناسبته وجهان.
وقد سبقا (7).
__________
(*) في السير في ص 1274.
(**) في ص 1292.
(1) في ص 1283.
(2) في (ظ): بتعليق.
(3) في ص 1272 - 1273.
(4) نهاية 133 ب من (ظ).
(5) انظر: المسودة/ 408.
(6) انظر: روضة الناظر/ 303.
(7) في ص 1266.
(3/1290)

قال: وكلام القاضي والعراقيين يقتضي أنه لا يحتج بالمناسب الغريب، ويحتج بالمؤثر: مناسبا، أوْ لا.
قال: فصار المؤثر المناسب لم يخالف فيه إِلا ابن حامد، والمؤثر غير المناسب أو المناسب غير المؤثر: فيهما أوجه.
وذكر بعض الأصوليين (1): أن القسم السادس مردود اتفاقًا.
وقَبِل أبو المعالي (2) القسم الخامس، وذكره عن المحققين، ويذكر عن مالك (3) والشافعي.
ورده بعضهم (3).
وقبله الغزالي (4) بشرط كون المصلحة ضرورية قطعية كلية، كَتَتَرُّس كفار بمسلمين، مع الجزم لو لم نقتلهم ملكوا جميع بلاد الإِسلام، وقتلوا جميع المسلمين حتى الترس، فَقَتْل الترس مصلحة ضرورية قطعية (5) كلية.
قال القرطبي (6) -في تفسير سورة الفتح-: قال علماؤنا: هذه المصلحة لا ينبغي أن يختلف فيها، ونَفَر منها من لم يُمعن النظر فيها؛
__________
(1) كابن الحاجب في المنتهى/ 135.
(2) انظر: البرهان / 1114.
(3) انظر: المنتهى لابن الحاجب/ 135.
(4) انظر: المستصفى 1/ 294 - 296.
(5) نهاية 391 من (ح).
(6) انظر: تفسير القرطبي 16/ 287 - 288.
(3/1291)

للمفسدة (1).
ويجوز قتل الترس عند إِمامنا أحمد والأكثر؛ للخوف على (2) المسلمين.
ومذهبه: من مات بموضع لا حاكم فيه فلرجلٍ مسلم بيعُ ما فيه مصلحة؛ لأنه ضرورة، كولاية تكفينه.
وجه العمل بالمناسبة: ما سبق (3) في السير من ظهور العلة؛ لأنه لا بد للحكم من علة، ثم: العلة ظاهرة بالمناسبة؛ لأن مناسبة الوصف للحكم [تفيد] (4) ظن كونه علة.
قالوا: لا يلزم كونه علة.
ثم: لو دلّ كانت أجزاء العلة المناسبة عِللاً.
رد: يلزم كونه علة ظاهراً؛ لما سبق.
والعلة مجموع الأوصاف.
....................
__________
(1) يعني: المترتبة عليها.
(2) نهاية 196 ب من (ب).
(3) في ص 1274.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(3/1292)

المسلك الخامس: إِثبات العلة بالشبه:
وهو عند القاضي (1) وابن عقيل (2) وغيرهما: تردد الفرع بين أصلين فيه مناط كل منهما، إِلا أنه يشبه أحدهما في أوصاف أكثر، فإِلحاقه به هو الشبه، كالعبد: هل يَمْلك؟ وهل يضمنه قاتله بأكثر من دية الحر؟.
وقال الآمدي (3): ليس من الشبه في شيء، فإِن كل مناط مناسب، وكثرة المشابهة (4) للترجيح (5).
وفسره بعضهم: ب "ما عُرف مناطه، ويفتقر في بعض الصور إِلى تحقيقه"، كالمِثْل في جزاء الصيد.
وليس منه؛ لأن الكلام في العلة الشبهية، وهنا في تحقيق الحكم الواجب، وهو (6) الأشبه؛ لا في تحقيق المناط، وهو (7) متفق عليه، والشبه مختلف فيه.
__________
(1) انظر: العدة/ 203 ب.
(2) انظر: الواضح 1/ 132 ب- 133أ.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 3/ 295.
(4) في (ح): المشابه.
(5) يعني: كثرة المشابهة ليست إِلا من باب الترجيح لأحد المناطين على الآخر، وذلك لا يخرجه عن المناسب، وإن كان يفتقر إِلى نوع ترجيح.
(6) في (ب): هو.
(7) نهاية 392 من (ح).
(3/1293)

وفسره ابن الباقلاني (1): بقياس الدلالة.
وبعضهم: بما يُوهِم (2) المناسبة.
ويتميز الشبه عن الطردي: بأن وجود الطردي كالعدم.
وعن المناسب الذاتي: بأن مناسبته عقلية يُعْلَم قبل الشرع، كالإِسكار في التحريم.
فالشبه: كقولنا في إِزالة النجاسة (3): طهارة تراد للصلاة، فَتَعَيَّن لها الماء، كطهارة الحدث، فمناسبة الطهارة -وهو الجامع- لِتَعَيُّن الماء غير ظاهرة، واعتبارها للصلاة ومس المصحف يُوهِمها.
قال الآمدي (4): اصطلاحات لفظية، وهذا أقربها، وقاله أكثر المحققين.
................
ثم: قياس علة الشبه حجة عندنا وعند الشافعية (5)، [حتى] (6) قال ابن عقيل (7): "لا عبرة بالمخالف"؛ لما سبق (8) في السير.
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 295.
(2) نهاية 134أمن (ظ).
(3) نهاية 197 أمن (ب).
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 296.
(5) انظر: اللمع / 59، والمحصول 2/ 2 / 280، والإِحكام للآمدي 3/ 297.
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(7) انظر: الواضح 1/ 133 أ.
(8) في ص 1274.
(3/1294)

وذكر القاضي (1) روايتين.
وفساده: قول الحنفية (2) وأبي إِسحاق (3) المروزي الشافعي (4) وابن الباقلاني (5)، وذكره في الروضة (6) اختيار القاضي، وأن للشافعي [قولين] (7).
قال أحمد: (8): إنما يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله.
واكتفى بعض الحنفية (9) بضرب من الشبه.
__________
(1) انظر: العدة/ 203.
(2) انظر: تيسير التحرير 4/ 53، وفواتح الرحموت 2/ 301.
(3) انظر: المسودة 375.
(4) هو إِبراهيم بن أحمد، فقيه انتهت إِليه رئاسة الشافعية بالعراق بعد ابن سريج، ولد بمرو الشاهجان، وأقام ببغداد، وتوفي بمصر سنة 340 ه.
من مؤلفاته: شرح مختصر المزني.
انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي/ 112، ووفيات الأعيان 1/ 4، وطبقات الشافعية للأسنوي 2/ 375، ومرآة الجنان 2/ 331.
(5) انظر: البرهان / 870، والمحصول 2/ 2/ 280.
(6) انظر: روضة الناظر / 314.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(8) انظر: العدة/ 203 ب.
(9) انظر: العدة/ 209 أ، واللمع/ 62، والتبصرة/ 458.
(3/1295)

وذكر الآمدي (1) عن بعض أصحابهم: صحة الشبه إِن اعتبر عينه في عين الحكم فقط؛ لعدم الظن (2)، ولأنه دون المناسب المرسل.
وأجاب: بالمنع؛ لاعتبار الشارع له في بعض الأحكام.
ويلزم من كونه حجة -على تفسير القاضي- التسوية بين شيئين، مع العلم بافتراقهما (3) في صفة أو صفات مؤثرة، لكن لضرورة إِلحاقه بأحدهما، كفعل القافة بالولد، قاله بعض أصحابنا (4)، وقال: القائلون بالأشبه -كالقاضي- سلموا أن العلة لم توجد في الفرع، وأنه حكم بغير قياس، بل بأنه أشبه بهذا من غيره، ويقولون: "لا يعطى حكمهما (5) "، ذكره الشافعية وأصحابنا، وكذا من قال: "ليس بحجة"، وعند الحنفية: يعطى حكمهما (5)، وقاله المالكية، وهو طريقة الشبهيين (5/ 1).
وقال (6) بعض أصحابنا (7): هو كثير في مذهب مالك وأحمد، كتعلق الزكاة بالعين (8) أو بالذمة، والوقف: هل هو ملك لله أو للموقوف عليه؟،
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 297
(2) يعني: إِذا اعتبر جنسه في جنسه.
(3) نهاية 393 من (ح).
(4) انظر: المسودة/ 375 - 376.
(5) في (ح): حكمها. (5/ 1) في المسودة: الشبهين.
(6) نهاية 197 ب من (ب).
(7) انظر: المسودة/ 375 - 376.
(8) في (ظ): بالمعين.
(3/1296)

وملك العبد، وسلك القاضي وغيره هذا في تعليل إِحدى الروايتين فيما إِذا أقر اثنان بنسب أو دين: لا يعتبر لفظ الشهادة والعدالة؛ لأنه يشبه الشهادة، لأنه إِثبات حق على (1) غيره، والإِقرار (2) لثبوت المشاركة [له] (3) فيما بيده من المال، فأعطيناه حكم الأصلين، فاشترطنا العدد كالشهادة؛ لا غير (4) كالإِقرار، وكذا قاله الحنفية، وقاله المالكية في شبه مع فراش.
وقاله بعض أصحابنا (5)، وأنه يعمل بهما إِن أمكن، وإِلا بالأشبه.
* * *
المسلك السادس: الطرد والعكس، وهو الدوران:
وهو: ترتب الحكم على الوصف وجودًا وعدما.
يفيد العلية (6) عند أكثر أصحابنا والمالكية (7) والشافعية (8) والجرجاني (9) والسرخسي (10). (11)
__________
(1) في (ب): لا غيره.
(2) يعني: ويشبه الإقرار.
(3) ما بين المعقوفتين من (ح).
(4) يعني: ولم نشترط فيه غير العدد.
(5) انظر: المسودة/ 376.
(6) في حاشية (ب): أي: ظنا.
(7) انظر: شرح تنقيح الفصول/ 396، ومفتاح الوصول/ 107.
(8) انظر: اللمع/ 65، والمحصول 2/ 2/ 285.
(9) انظر: العدة/ 222 ب، والمسودة/ 427.
(10) هو: أبو سفيان. انظر: العدة/ 222 ب، والمسودة/ 427.
(11) نهاية 394 من (ح).
(3/1297)

وذكر القاضي وجهاً (1): لا يفيدها -وأن أحمد أومأ إِليه: "إِنما يقاس على الشيء إِذا كان مثله في كل أحواله، وأقبل به وأدبر"- وقاله أكثر الحنفية -كالكرخي وأبي زيد (2) - واختاره الآمدي (3)، وذكره قول المحققين من أصحابهم وغيرهم.
وقيل: يفيدها قطعاً.
وجه الأول: لو دُعي رجل باسم فغضب، وبغيره لم يغضب، وتكرر -ولا مانع- دل أنه سبب الغضب.
رد: بالمنع، بل بطريق السير؛ لجواز ملازمة الوصف للعلة كرائحة الخمر مع الشدة المطربة، ولهذا: الدوران في المتضايفين، ولا علة.
أجيب: الجواز لا يمنع الظهور، والقطع بأن (4) الرائحة ليست علة، وكذا الدوران في المتضايفين كالأبوة والبنوة، ولأن كلاً منهما مع الآخر.
وأجاب أبو محمَّد البغدادي عن الأول: بأن العلة الأمارة المعرفة للحكم، فالمُدار معه علة، لكن التعليل بالشدة المطربة، فقدم على الطرد المحض.
وقاس أصحابنا على العلة العقلية.
__________
(1) نهاية 134 ب من (ظ).
(2) انظر: تقويم الأدلة/ 133أ.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 399.
(4) نهاية 198أمن (ب).
(3/1298)

قال الغزالي (1): الطرد سلامته من النقض، وسلامته من مفسد لا يوجب نفي كل مفسد، ولو سلّم فالصحة بمصحِّح، ولا أثر للعكس؛ لأنه غير شرط فيها.
رد: للاجتماع (2) تأثير، كأجزاء العلة.
قال في التمهيد (3) والروضة (4): ويشبه ذلك شهادة الأصول نحو: الخيل لا زكاة في ذكورها منفردة، فكذا إِناثها، كبقية الحيوان.
وصححه القاضي (5)، وللشافعية وجهان.
.................
وديس الطرد وحده دليلاً في مذهب الأربعة والمتكلمين، خلافاً لبعض الحنفية (6) والشافعية (7)، منهم: الصيرفي (8).
__________
(1) انظر: المستصفى 2/ 306، 307، 308.
(2) يعني: اجتماع الطرد والعكس، وإن كان كل واحد لا يؤثر منفردًا.
(3) انظر: التمهيد/ 161 ب.
(4) انظر: روضة الناظر/ 309.
(5) انظر: العدة/ 223 أ.
(6) انظر: كشف الأسرار 3/ 365، والبرهان/ 789، والمسودة/ 427.
(7) انظر: التبصرة/ 460، والمحصول 2/ 2 / 305.
(8) انظر: اللمع/ 66، والتبصرة/ 460.
(3/1299)

وجوزه الكرخي (1) جدلاً؛ لا عملاً أو فتوى (2).
وقيل (3): يكفي مقارنته في صورة.
......................
قال بعض أصحابنا (4) وغيرهم: تنقسم العلة العقلية والشرعية إِلى ما تؤثر في معلولها كوجود علة الأصل في الفرع [مؤثر في نقل حكمه] (5)، وإلى ما يؤثر فيها معلولها كالدوران (6).
* * *
سبق تنقيح المناط في الإِيماء (7)، وتخريج المناط في المناسبة (8)، وهو القياس الآتي (9) المختلف فيه.
وأما تحقيق المناط: فإِن علمت العلة بنص كجهة القبلة -مناط وجوب
__________
(1) انظر: البرهان/ 789، والمسودة/ 427 - 428.
(2) نهاية 395 من (ح).
(3) انظر: المحصول 2/ 2/ 305.
(4) انظر: المسودة/ 389.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(6) فذلك مؤثر في كونه علة حكم الأصل.
(7) في ص 1260.
(8) في ص 1279.
(9) في 1302، 1310.
(3/1300)

استقبالها (1) - ومعرفتها عند الاشتباه مظنون، أو (2) إِجماع كالعدالة -مناط قبول الشهادة- ومظنونة في الشخص المعين، وكالمِثْل في جزاء الصيد (3): فقال في الروضة (4) والآمدي (5): لا نعرف خلافاً في صحة الاحتجاج به.
وذكر أبو المعالي (6): "أن النهرواني والقاشاني لم يقبلا من النظر في مسالك الظن إِلا ترتيب الحكم على اسم مشتق -كآية السرقة (7)، وقول الراوي: زنى ماعز فرجم- وما يعلم أنه في معنى المنصوص بلا نظر كالبول في إِناء ثم صبه في الماء، ووافقهما أبو هاشم (8)، وزاد قسما ثالثًا، وَمَثَّله بطلب القبلة عند الاشتباه والمِثْل في الصيد"، ثم رد عليهم في الحصر، وقال (9): إِنه لم ينكر إِلحاق معنى المنصوص إِلا حشوية لا يبالَى بهم -داود وأصحابه- وأن ابن الباقلاني قال: لا يخرقون الإِجماع.
* * *
__________
(1) في سورة البقرة: آية 144.
(2) نهاية 198 ب من (ب).
(3) في سورة المائدة: آية 95.
(4) انظر: روضة الناظر/ 277.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 302.
(6) انظر: البرهان/ 774 - 775.
(7) سورة المائدة: آية 38.
(8) نهاية 135 أمن (ظ).
(9) انظر: البرهان/ 784.
(3/1301)

القياس: إِن قُطِع بنفي الفارق فيه -كما سبق (1)، وكالأمة على العبد في سراية [العتق] (2) - فهو جلي، وإلا فخفي كالمثقل على المحدد في القود.
وينقسم القياس -أيضًا- إِلى: قياس علة: بأن صرح فيه بالعلة، وقياس دلالة: بأن جُمع فيه بما يلازم العلة كالرائحة الملازمة للشدة، أو جُمع بأحد موجَبي العلة في الأصل لملازمة الآخر ليستدل به عليه، كقياس قطع جماعة بواحد على قتلها بواحد، بواسطة الاشتراك في وجوب الدية عليهم بتقدير إِيجابها، وثبوت حكم الفرع بعلة الأصل أولى؛ لتعدِّيها (3) واطرادها وانعكاسها.
وإلى قياس في معنى الأصل: بأن جُمِع بنفي الفارق، كالأمة في (4) العتق.

مسألة
يجوز التعبد بالقياس في الشرعيات عقلاً عند الأئمة الأربعة وعامة الفقهاء والمتكلمين، خلافا للشيعة (5) وجماعة من معتزلة بغداد، كالنظام (6)
__________
(1) انظر: ص 1260، 1270، 1301.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(3) نهاية 396 من (ح).
(4) نهاية 199 أمن (ب).
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 5.
(6) انظر: المعتمد/ 746.
(3/1302)

والجعفرين (1) (2) ويحيى الإِسكافي (3).
فقيل (4): لعدم معرفة الحكم منه (5)؛ لبنائه على المصلحة التي لا تعرف به (6).
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 4/ 5.
(2) الجعفران هما:
1 - أبو محمَّد جعفر بن مبشر الثقفي، من الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة؛ له آراء انفرد بها وتصانيف، ولد ببغداد، وبها توفي سنة 234 ه.
انظر: تاريخ بغداد 7/ 162.
2 - أبو الفضل جعفر بن حرب الهمداني من الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة، من أهل بغداد، ولد سنة 177 ه، وتوفي سنة 236 ه.
انظر: تاريخ بغداد 7/ 162، ومروج الذهب 2/ 298.
واليهما تنسب (الجعفرية) من فرق المعتزلة. فانظر: الفرق بين الفرق/ 167، وفرق وطبقات المعتزلة/ 78، 81، وميزان الاعتدال 1/ 405، 414.
(3) كذا في الإِحكام للآمدى 4/ 5. وفي العدة/ 195: محمَّد بن عبد الله الإِسكافي. أقول: ولعله الصواب؛ فهو الذي وجدته من معتزلة بغداد بهذه النسبة، وهو: أبو جعفر محمَّد بن عبد الله الإِسكافي -نسبة إِلى إسكاف: ناحية ببغداد- معتزلي من رجال الطبقة السابعة من طبقاتهم، كان عالمًا فاضلاً، تتلمذ على جعفر بن حرب، وصنف في الكلام، وإليه تنسب (الإِسكافية) فرقة من المعتزلة، توفي سنة 240 ه. انظر: المنية والأمل/ 83، والفرق بين الفرق/ 102، والأنساب 1/ 334 - 335، ولسان الميزان 5/ 221.
(4) انظر: المسودة/ 368، 369.
(5) يعني: من القياس.
(6) يعني: بالقياس.
(3/1303)

وقيل: لوجوب الحكم المتضاد.
وقيل: لأنه أَدْون البيانين مع القدرة على أعلاهما (1).
وأوجبه أبو الخطاب (2) والقفال (3) وأبو الحسين (4) البصري، وقاله القاضي أيضًا.
لنا: لا يمتنع عقلاً نحو قول الشارع: "حرمت الخمر لإِسكاره، فقيسوا عليه معناه"، قال ابن عقيل (5) والآمدي (6): لا خلاف بين العقلاء في حسن ذلك.
ولأنه وقع شرعًا كما يأتي (7).
قالوا: العقل يمنع من وقوع ما فيه خطأ؛ لأنه محذور (8).
ردَّ: منع احتياط لا إِحالة.
ثم: لا منع مع ظن الصواب، بدليل العموم وخبر الواحد والشهادة.
قالوا: أمر الشارع بمخالفة الظن، كالحكم بشاهد واحد، وشهادة النساء
__________
(1) انظر: التمهيد/ 146أ.
(2) انظر: الإحكام للآمدي 4/ 5.
(3) انظر: المعتمد/ 707 - 708، 725.
(4) انظر: العدة/ 196 ب-197أ.
(5) انظر: الواضح 1/ 149أ.
(6) انظر: الإحكام للآمدي 4/ 6.
(7) في ص 1312 وما بعدها.
(8) في (ب): محذوف.
(3/1304)

في الزنا، ونكاح أجنبية من عشرٍ فيهن رضيعة مشتبهة.
رد: لمانع شرعي لا عقلي؛ لما سبق (1).
واحتج النظام (2): بأن الشرع فرق بين المتماثلات -كإِيجاب غسل بمني لا ببول، وغسل بول صبية ونضح بول صبي، والجلد بنسبةِ زنا لا كفر، وقطع سارقِ قليل لا غاصبِ كثير، والقتل بشاهدين لا الزنا، وعدَّتَيْ موت وطلاق- وجَمَع بين المختلفات، كردة وزنا في إِيجاب قتل، وقتلِ (3) صيدٍ عمدًا وخطاً في ضمانه، وقاتل وواطىء -في صوم رمضان- (4) ومظاهرٍ في كفارة.
رد: فرق لعدم صلاحية ما وقع جامعًا، أو لعارض له في أصل أو فرع.
وجمع لاشتراك المختلفات في معنى جامع أو اختصاص كل منها بعلة مثلِ حكمِ خلافِه (5).
وألزمه في التمهيد (6) وغيره بالقياس العقلي، كقطع العرق والرفق
__________
(1) من العمل بخبر الواحد والشهادة.
(2) انظر: المعتمد/ 746، والإِحكام للآمدي 4/ 7.
(3) نهاية 199 ب من (ب).
(4) نهاية 135 ب من (ظ).
(5) يعني: فإِن العلل المختلفة لا يمتنع أن توجب في المحال المختلفة حكماً واحداً.
(6) انظر: التمهيد/ 151 ب.
(3/1305)

بالصبي، (1) كل منهما يكون حسنًا وقبيحًا، وهما متفقان، والرفق به وضربه، حسنان (2)، وهما مختلفان معنى.
قالوا: القياس فيه اختلاف؛ لتعدد الأمارة والمجتهد، فَيُرَدّ؛ لقوله: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرًا) (3).
رد: بنقضه بالظاهر.
وبأن مراد الآية (4): "تناقضه (5) أو ما يخل ببلاغته"؛ للاختلاف (6) في الأحكام قطعاً.
قالوا: إِذا اختلف قياس مجتهدين: فإِن كان كل مجتهد مصيباً لزم كون الشيء ونقيضه حقاً، وإلا فتصويب أحد الظنين -مع استوائهما- ترجيح بلا مرجح.
رد: بالظاهر، وحكم الله يختلف لتعدد المجتهد والمقلِّد والزمن، فلا اتحاد، فلا تناقض.
وبأن أحد المجتهدين لا بعينه مصيب، فلا يلزم ترجيح بلا مرجح.
__________
(1) نهاية 397 من (ح).
(2) يعني: يكونان حسنين.
(3) سورة النساء: آية 82.
(4) يعني: مرادها بالاختلاف.
(5) غيرت في (ب) إِلى: يناقضه.
(6) يعني: لأنه حصل الاختلاف.
(3/1306)

قالوا: مقتضى القياس إِن وافق البراءة الأصلية فمستغنَى عنه، وإلا لم يُرفع اليقين بالظن.
رد: بالظاهر.
قالوا: حكم الله يستلزم خبر الله عنه؛ لأنه مفسَّر بخطابه (1)، ويستحيل خبره بلا توقيف.
رد: القياس توقيف؛ لثبوته بنص أو إِجماع.
قالوا: إِن تعارض علتان فالعمل بأحدهما (2) (3) ترجيح بلا مرجح، وبهما تناقض.
رد: بالظاهر.
ثم: لا تناقض إِن تعدد المجتهد، وإلا (4) رجّح، فإِن تعذر وقف.
وذكر الآمدي (5): أنه عرف من مذهب الشافعي وأحمد: يعمل بما شاء.
وكذا خيره ابن عقيل (6) كالكفارة، قال: وهذا لا يجيء
__________
(1) يعني: لأن الحكم مفسر بخطاب الله.
(2) كذا في النسخ. ولعلها: بإحداهما.
(3) نهاية 200 أمن (ب).
(4) يعني: وإن كان واحدا.
(5) انظر: الإحكام للآمدي 4/ 21.
(6) انظر: المسودة/ 447.
(3/1307)

على (1) تصويب كل مجتهد، ونحن وكل من لم يصوبه على أنه لا بد من ترجيح (2)، فعدمه لتقصيره.
قالوا: كالأصول.
رد: لا جامع.
ثم: فيها أدلة تقتضي العلم (3)، ذكره في التمهيد (4) وغيره.
وفي الواضح: ليس في أصلٍ صفة جعلت أمارة لإِثبات أصل آخر، ولو كان قلنا به، فمنعنا لعدم الطريق كما لو عُدمت في الفروع؛ لا لكونه أصلاً.
وقال بعض أصحابنا (5): في كل منهما قياس بحسب مطلوبه، قطعًا في الأول (6)، وظنًا في الثاني.
__________
(1) نقل في المسودة عنه: من قال بالتساوي فحكمه التخيير، وإنما يجيء على قول من يقول: كل مجتهد مصيب. أ. ه. أقول: فلعل صواب العبارة هنا: وهذا لا يجيء إِلا على تصويب كل مجتهد.
(2) يعني: فلا يمكن التساوى.
(3) فلا يكلف فيها بالظن.
(4) انظر: التمهيد/ 146 ب.
(5) انظر: البلبل/ 150.
(6) نهاية 398 من (ح).
(3/1308)

ثم: هذا قياس منكم، فإِن صح صح قولنا.
وقيل: يجرى في العقليات (1) عند أكثر المتكلمين.
قالوا: بيان (2) بالأدنى.
رد: بالظاهر، ثم: قد يكون مصلحة.
قالوا: مبني على المصالح، ولا يعلمها إِلا الله.
رد: تعرف به.
القائل "يجب": النص مُتَنَاهٍ، والأحكام لا تتناهى، فيجب؛ لئلا يخلو بعضها عن حكم، وهو (3) خلاف القصد من بعثة الرسل.
رد: إِنما كلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يمكنه تبليغه خطابا.
وأيضًا: العموم يستوعبها، نحو: (كل مسكر حرام) (4).
أجاب في الروضة (5): إِن تصور فليس بواقع. كذا قال، وذكر بعض أصحابنا اختلاف الناس فيه، فقيل: لا يمكن، وقيل: بلى، فقيل: وقع -قال: وهو الصواب- وقيل: لا، فقيل: النص بقي بالقليل، وقيل: بالكثير أو الأكثر.
__________
(1) نهاية 136أمن (ظ).
(2) في (ظ): إِثبات.
(3) في (ح): وهذا.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه 8/ 30، ومسلم في صحيحه/ 1586 من حديث أبي موسى مرفوعًا.
(5) انظر: روضة الناظر/ 280.
(3/1309)

مسألة (1)
القائل ب "جوازه عقلاً" قال: وقع شرعا، إِلا داود (2) وابنه والقاشاني (3) والنهرواني، فإِن عندهم منع الشرع منه، وقيل: بل لا دليل فيه بجوازه.
وأكثر أصحابنا وغيرهم: وقع التعبد سمعا، وقيل: وعقلاً.
وفي كلام القاضي وأبي الخطاب وابن عقيل: أنه قطعي.
وفي كلامهم -أيضاً-: ظني.
وذكر الآمدي (3) القطع عن الجميع، وعند أبي الحسين: ظني، قال: وهو المختار.
وذكر ابن حامد (4) عن بعض أصحابنا: ليس بحجة؛ لقول (5) أحمد في رواية الميموني (6): "يجتنب المتكلم هذين الأصلين: المجمل، والقياس".
وحمله القاضي (7) وابن عقيل (8) على قياس عارض سنة.
__________
(1) نهاية 200 ب من (ب).
(2) انظر: الإِحكام لابن حزم/ 1208، والإِحكام للآمدي 4/ 24.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 24.
(4) انظر: المسودة/ 372 - 373.
(5) في (ب) و (ظ): كقول.
(6) هو: أبو الحسن عبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الرقي، فقيه، من أصحاب أحمد الذين لازموه ونقلوا عنه، توفي سنة 274 ه.
انظر: طبقات الحنابلة 1/ 212، وشذرات الذهب 2/ 165.
(7) انظر: العدة/ 195 أ.
(8) انظر: المسودة/ 367.
(3/1310)

قال أبو الخطاب (1): والظاهر خلافه.
واحتج القاضي (2) وغيره بقول أحمد: "لا يستغني أحد عن القياس"، وقوله: "ما تصنع به، وفي الأثر ما يغنيك [عنه] (3)؟ "، وقوله في رواية الميموني: "سألت الشافعي عنه، فقال: ضرورة"، وأعجبه ذلك.
لنا: (فاعتبروا) (4)، وهو اختبار شيء بغيره، وانتقال من شيء إِلى غيره، والنظر في شيء ليعرف به آخر من جنسه.
فإِن قيل: هو الاتعاظ؛ لسياق (5) الآية.
رد: مطلق.
فإِن قيل الدال على الكلي لا يدل على الجزئي.
رد: بلى.
ثم: مراد الشارع القياس [الشرعي] (6)؛ لأن خطابه غالبًا بالأمر الشرعي.
وفي كلام أصحابنا وغيرهم: عام؛ لجواز الاستثناء.
__________
(1) انظر: التمهيد / 146أ.
(2) انظر: العدة/ 195 أ-ب، والمسودة/ 367، 368.
(3) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(4) سورة الحشر: آية 2.
(5) نهاية 399 من (ح).
(6) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(3/1311)

ثم: متحقق فيه؛ لأن المتعظ بغيره منتقل من العلم بغيره إِلى نفسه (1)، فالمراد قدر مشترك.
ومنعه الآمدي (2) بمعنى الاتعاظ؛ لقولهم: "اعتبر فلان، فاتعظ"، لشيء لا يترتب على (3) نفسه.
وجوابه: منع صحته.
فإِن قيل: لو كان بمعنى القياس لما حسن ترتيبه (4) في الآية (5).
رد: بالمنع (6) مع تحقق الانتقال في الاتعاظ (7).
وسبق (8) في الأمر ظهور صيغة "افعلْ" في الطلب.
وأيضًا: سبق (9) خبر الخثعمية (10) وغيره في مسالك العلة.
__________
(1) نهاية 136 ب من (ظ).
(2) انظر: الإحكام للآمدي 4/ 30.
(3) نهاية 201أمن (ب).
(4) يعني: على قوله تعالى: (يخربون بيوتهم).
(5) يعني: وإنما يحسن عند إِرادة الاتعاظ.
(6) يعني: لا نسلم امتناع ترتيب القياس.
(7) على ما قدمنا.
(8) في ص 660 وما بعدها.
(9) في ص 1261.
(10) كذا في النسخ. ولعله يريد: الجهنية.
(3/1312)

وسبق (1) خبر معاذ في الإِجماع.
وروى سعيد بإِسناد (2) جيد معنى حديث معاذ عن ابن مسعود قوله (3)، وعن الشعبي (4) عن عمر قوله (5) -وولد لست سنين خلت من خلافته (6)، قال أحمد بن عبد الله العِجْلي (7): مرسله
__________
(1) في ص 393.
(2) في (ظ): بإسناده.
(3) وأخرجه الدارمي في سننه 1/ 54، والخطيب في الفقيه والمتفقه 1/ 200 - 201، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 70 - 71، والحاكم في مستدركه 4/ 94 وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأورده ابن حزم في الإحكام/ 1004 من طريق سعيد.
(4) هو: أبو عمرو عامر بن شراحيل، تابعي كوفي، ثقة فقيه، توفي بالكوفة سنة 103 ه. انظر: حلية الأولياء 4/ 310، وتاريخ بغداد 12/ 229، والمعارف/ 449، ووفيات الأعيان 2/ 227، وتذكرة الحفاظ/ 79.
(5) وأخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه 1/ 199 - 200، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 70، وأورده ابن حزم في الإِحكام/ 1005 من طريق سعيد.
(6) انظر: تهذيب التهذيب 5/ 68.
(7) هو: أبو الحسن الكوفي نزيل طرابلس الغرب، ولد سنة 182 ه، وسمع من والده وحسين بن علي الجعفي ويعلي بن عبيد وطبقتهم، وحدث عنه ولده صالح بمصنفه في "الجرح والتعديل" وحدث عنه سعيد بن عثمان وسعيد بن إِسحاق ومسند الأندلس محمَّد الغافقي، توفي بطرابلس سنة 261 ه.
انظر: العبر 2/ 21، وتذكرة الحفاظ/ 560، وطبقات الحفاظ/ 242.
(3/1313)

صحيح (1) - وبإِسناد جيد معناه عن ابن عباس فعله (2).
وللنسائي قول ابن مسعود (3)، وله عن (4) شريح (5) (6) عن عمر -بعد: "ما قضى به الصالحون"-: "فإِن شئت تَقَدَّم، والتأخير خير لك (7) ".
__________
(1) في تهذيب التهذيب 5/ 67: قال العجلي: ولا يكاد الشعبي يرسل إِلا صحيحاً.
(2) وأخرجه الدارمي في سننه 1/ 55، والخطيب في الفقه والمتفقه 1/ 202 - 203، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 71 - 72، والبيهقي في سننه 10/ 115. وأورده ابن حزم في الإِحكام/ 1005 من طريق سعيد ومن طريق آخر.
(3) انظر: سنن النسائي 8/ 230. وأخرجه البيهقي في سننه 10/ 115، والخطيب في الفقيه والمتفقه، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، فانظر: هامش 3، ص 1313.
(4) في (ب): من.
(5) في (ظ): عن ابن شريح.
(6) هو: أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس الكندي الكوفي، أدرك النبي ولم يلقه على المشهور، روى عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم، ولاه عمر قضاء الكوفة، وتوفي سنة 78ه.
انظر: صفة الصفوة 3/ 38، ووفيات الأعيان 2/ 167، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 1/ 243، وشذرات الذهب 1/ 85.
(7) انظر: سنن النسائي 8/ 231. وأخرج الخطيب نحوه في الفقه والمتفقه 1/ 199 - 200، وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 70 - 71، والدارمي في سننه 1/ 55، والبيهقي في سنة 10/ 115، وابن حزم في الإِحكام/ 1006، 1300. وراجع موقف ابن حزم من هذه الآثار في: الإِحكام/ 1016 - 1017.
(3/1314)

وعن أم سلمة مرفوعاً: (إِنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل عليَّ فيه). حديث حسن، فيه أسامة بن زيد الليثي، مختلف فيه، رواه أبو عبيد (1) وأبو داود (2)، وكذا المعمري (3) والطبراني والبيهقي (4) وغيرهم، وزادوا في آخره: (الوحي).
واحتج القاضي (5) وأبو الخطاب (6) وغيرهما: بقوله - عليه السلام - (إِذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر) (7). رواه مسلم.
__________
(1) في كتاب: أدب القضاء. انظر: العدة/ 198 ب.
(2) انظر: سنن أبي داود 4/ 15. وأخرجه ابن حزم في الإِحكام/ 915 - 116 وقال: حديث ساقط مكذوب؛ لأن أسامة بن زيد هذا ضعيف لا يحتج بحديثه.
(3) هو: أبو علي الحسن بن علي بن شبيب البغدادي، حافظ صدوق، كان إِماما في جمع الحديث وتصنيفه، توفي سنة 295 ه.
انظر: تاريخ بغداد 7/ 369، والعبر 2/ 101، وتذكرة الحفاظ/ 667، وطبقات الحفاظ/ 290.
(4) أخرجه البيهقي في سننه 10/ 260 بلفظ: (إِنما أنا بشر أقضي فيما لم ينزل عليّ فيه شيء برأيي).
وأخرجه الدارقطني في سننه 4/ 239 بلفظ: (إِني إِنما أقضي بينكما برأيي فيما لم ينزل علي).
(5) انظر: العدة / 198أ- ب.
(6) انظر: التمهيد/ 148 ب.
(7) هذا الحديث رواه عمرو بن العاص مرفوعًا، أخرجه البخاري في صحيحه 9/ 108، ومسلم في صحيحه/ 1342.
(3/1315)

فقيل لهم: يحتمل أن اجتهاده في تأويل أو بناء لفظ على لفظ.
فقالوا: عام.
وفي الروضة (1): يتجه عليه أنه (2) يجتهد في تحقيق المناط لا تخريجه.
واحتج أصحابنا وغيرهم: بإِجماع الصحابة، قال بعض أصحابنا والآمدي (3) وغيرهم: هو أقوى (4) الحجج:
فمنه: اختلافهم الكثير الشائع المتباين في ميراث الجد مع الإِخوة، وفي الأكدرية (5)
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 286.
(2) في (ح): أن.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 4/ 40.
(4) نهاية 400 من (ح).
(5) الأكدرية: (زوج، وأم، وأخت، وجد)، سميت بذلك لتكديرها لأصول زيد بن ثابت في الجد، فإنه أعالها، ولا عول عنده في مسائل الجد، وفرض للأخت معه، ولا يفرض لأخت مع جد، وجمع سهامه وسهامها فقسمها بينهما، ولا نظير لذلك، وقيل: سميت بذلك لأن عبد الملك بن مروان سأل عنها رجلاً اسمه الأكدر، فأفتى فيها على مذهب زيد وأخطأ فيها، فنسبت إِليه.
وقد اختلف العلماء في قسمتها، فراجع: من سعيد بن منصور 3/ 1/ 26 - 27، وسنن الدارمي 2/ 258، ومصنف عبد الرزاق 10/ 270، 271، وسنن البيهقي 6/ 251، والمحلى 10/ 377 - 378، والمغني 6/ 313، وكنز العمال 11/ 69.
(3/1316)

والخرقاء (1)، ولا نص عندهم (2)، ولهذا: في الصحيحين (3) أن عمر قال في الخطبة على المنبر: "ثلاث وددت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عهد إِلينا فيهن عهدًا ننتهي إِليه: الجد، والكلالة (4)، وأبواب من أبواب الربا".
وصح عن ابن عمر (5): "أجرؤكم على الجد أجرؤكم على جهنم"، وصح عن ابن المسيب عن عمر وعلي (6)، ورواه سعيد في سننه بإِسناد جيد
__________
(1) الخرقاء: (أم، وأخت، وجد)، سميت بذلك لكثرة اختلاف الصحابة فيها، فكأن الأقوال خرقتها. فراجع: سنن سعيد بن منصور 3/ 1/ 27 - 28، ومصنف عبد الرزاق 10/ 269، 271، وسنن البيهقي 6/ 252، والمحلى 10/ 376 - 377، والمغني 6/ 315، وكنز العمال 11/ 61، 68.
(2) نهاية 201 ب من (ب).
(3) انظر: صحيح البخاري 7/ 106، وصحيح مسلم/ 2322.
(4) في النهاية في غريب الحديث 4/ 197: الكلالة: الوارثون الذين ليس فيهم ولد ولا والد.
(5) أخرج عبد الرزاق في مصنفه 10/ 262 عن معمر عن أيوب عن نافع قال: قال ابن عمر: أجرؤكم على جراثيم جهنم أجرؤكم على الجد.
وانظر: المحلى 10/ 365.
(6) أخرج سعيد في سننه 3/ 1/ 24، وعبد الرزاق في مصنفه 10/ 263، والدارمي في سننه 2/ 254، والبيهقي في سننه 6/ 245 عن سعيد بن جبير عن رجل من مراد قال: سمعت عليا يقول: من سره أن يتقحم جراثيم جهنم فليقض بين الجد والإخوة. وانظر: المحلى 10/ 365، فقد أورد ابن حزم من طريق حماد بن زيد ثنا أيوب السختياني عن حميد بن هلال قال: سألت سعيد بن المسيب عن فريضة فيها جد فقال: ما تصنع=
(3/1317)

عن ابن المسيب مرفوعًا (1)، وضعفه ابن حزم (2). (3)
وضرب زيد لعمر مثلاً (4) بشجرة انشعب من أصلها غصن، ثم انشعب من الغصن خُوْطان (5)، فالغصن (6) يجمع الخُوْطين دون الأصل، واحد الخوطين أقرب إِلى أخيه منه إِلى الأصل.
وضرب علي وابن عباس لعمر مثلاً، معناه: أن سيلا سال، فخلج منه خليج، ثم خَلَج من ذلك الخليج شِعْبان (7). وفيه عبد الرحمن ابن أبي
__________
=إِلى هذا -أو تريد إِلى هذا- إِن عمر بن الخطاب قال: أجرؤكم على الجد أجرؤكم على النار.
(1) انظر: سنن سعيد بن منصور 3/ 1/ 24. وأورده ابن حزم في المحلى 10/ 380 من طريق سعيد.
(2) انظر: المحلى 10/ 380 - 381.
(3) نهاية 137أمن (ظ).
(4) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 10/ 265، والبيهقي في سننه 6/ 247 - 248 من طرق في أحدها عبد الرحمن بن أبي الزناد. وأخرجه الدارقطني في سننه 4/ 93 - 94 بسند ليس فيه ابن أبي الزناد.
(5) الخوط: الغصن الناعم. انظر: معجم مقاييس اللغة 2/ 229، ولسان العرب 9/ 168.
(6) في (ب): والغصن.
(7) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 10/ 265، والبيهقي في سننه 6/ 247 - 248، بسند ليس فيه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وأورده ابن حزم في الإِحكام/ 1317 - 1318. وأورده -أيضًا- في الإِحكام/ 1318 - 1329، والمحلى 10/ 382 من طريق فيها عبد الرحمن بن أبي الزناد. وأخرجه -مختصرًا- الحاكم في مستدركه 4/ 339=
(3/1318)

الزناد، مختلف فيه، وضعفه ابن حزم (1).
وصح عن عمر قوله لعثمان: "رأيت في الجد رأيا، فإِن رأيتم (2) فاتبعوه"، فقلت: "إِن نتبع رأيك فهو رشد، وإن نتبع رأى الشيخ قبلك فنعم ذو الرأي كان". (3)
وسئل عبيدة (4) عن مسألة فيها جد، فقال: "حفظت عن عمر فيه مائة قضية مختلفة" (5).
__________
=بسند فيه ابن أبي الزناد، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
(1) قال في الإِحكام -بعد أن أورده بالإِسنادين-: كلا الإِسنادين ضعيف؛ في الأول -وهو من رواية الشعبي عن عمر- عيسى بن أبي عيسى الخياط، وهو ضعيف، ومع ذلك منقطع؛ لأن الشعبي لم يدرك عمر. والثاني: فيه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو ضعيف ألبتة. وانظر: المحلى 10/ 383 - 384، وملخص إِبطال القياس/ 7.
(2) في (ح): رأيتموه.
(3) أخرجه الدارمي في سننه 2/ 256، وعبد الرزاق في مصنفه 10/ 263 - 264، والبيهقي في سننه 6/ 246، وابن أبي خيثمة في تاريخه الكبير (انظر: المعتبر/ 84 ب- 85أ)، وأورده ابن حزم في المحلى 10/ 367.
(4) هو: أبو عمرو عبيدة بن قيس بن عمرو السلماني المرادي الهمداني، تابعي كبير، أسلم قبل وفاة النبي ولم يره، وسمع عمر وعليا وابن مسعود وابن الزبير، توفي سنة 72 ه.
انظر: تاريخ بغداد 11/ 117، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 1/ 317، وتذكرة الحفاظ/ 50، وشذرات الذهب 1/ 78.
(5) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 10/ 261 - 262، والبيهقي في سننه 6/ 245، وابن حزم في المحلى 10/ 386. وأخرجه الدارمي في سننه 2/ 254 بلفظ "ثمانين" مكان "مائة"، ولم يذكر عمر. وراجع: التلخيص الحبير 3/ 87.
(3/1319)

قال ابن حزم (1): لا إِسناد أصح منه.
وصح عن ابن عباس (2) -واحتج به ابن حزم (3) -: أنه قال لزيد عن قوله في العمريتين (4): "أتقوله برأيك أو تجده في كتاب الله؟ "، قال: "برأيي لا أفضل أمًّا على أب".
ومنه: اختلافهم في قوله لزوجته: "أنت عليّ حرام" (5).
__________
(1) انظر: المحلى 10/ 386.
(2) أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه 1/ 202، وابن حزم في المحلى 10/ 328. وأخرجه البيهقي في سننه 6/ 228 بلفظ: أبكتاب الله قلت أم برأيك؟ فقال: برأيي. فقال ابن عباس: وأنا أقول برأيي. وأخرجه البيهقي -أيضًا- في سننه 6/ 228، ولفظه: فأرسل إِليه ابن عباس: أفي كتاب الله تجد هذا؟ قال: لا، ولكن أكره أن أفضل أما على أب.
وأخرج الدارمي في سننه 2/ 250 عن عكرمة قال: أرسل ابن عباس إِلى زيد بن ثابت: أتجد في كتاب الله للأم ثلث ما بقي؟ فقال زيد: إِنما أنت رجل تقول برأيك، وأنا رجل أقول برأيي. وانظر: جامع بيان العلم وفضله 2/ 72.
(3) انظر: المحلى 10/ 328.
(4) العمريتان:
1 - زوج، وأم، وأب.
2 - زوجة، وأم، وأب.
وسميتا بذلك لأن عمر قضى للأم فيهما بثلث الباقي، فاتبعه على ذلك جمع، وجعل ابن عباس للأم فيهما الئلث كاملا. انظر: المغني 6/ 279.
(5) أخرجه بعض الآثار عن الصحابة في هذه المسألة: البخاري في صحيحه 7/ 44، ومسلم في صحيحه/ 1100، وابن ماجه في سننه/ 670، ومالك في الموطأ/ 552، وابن أبي شيبة في مصنفه 5/ 72 - 75، وعبد الرزاق في مصنفه 6/ 399 - 405، وسعيد في سننه 3/ 1/ 391 - 397، والبيهقي في سننه 7/ 350 - 353. وراجع: المحلى 11/ 384 وما بعدها، والتلخيص الحبير 3/ 215 - 216.
(3/1320)

وعن عبيد الله (1) بن أبي حميد (2) -وهو ضعيف عندهم- عن أبي المليح (3) الهذلي (4): كتب عمر إِلى أبي موسى: "ما لم يبلغك في الكتاب والسنة اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عند ذلك، فاعمد إِلى أحبها إِلى الله وأشبهها بالحق"، وذكر الحديث (5). (6) رواه الدارقطني (7).
__________
(1) غيرت (عبيد الله) في (ب) و (ظ) إِلى: عبيدة.
(2) هو: أبو الخطاب عبيد الله بن أبي حميد غالب الهذلي البصري، روى عن أبي المليح الهذلي، وعنه عيسى بن يونس ووكيع وغيرهما. ضعفه محمَّد بن المثنى ودحيم، وقال البخاري: منكر الحديث، يروى عن أبي المليح عجائب. وقال النسائي: متروك. وقال أحمد: ترك الناس حديثه.
انظر: ميزان الاعتدال 3/ 5، وتهذيب التهذيب 7/ 9.
(3) نهاية 2/ 2 أمن (ب).
(4) هو: عامر بن أسامة بن عمير -وقيل في اسمه غير ذلك- روى عن أبيه ومعقل بن يسار وابن عباس وغيرهم، وعنه سالم بن أبي الجعد وقتادة وأيوب وطائفة، توفي سنة 98 ه. وثقه أبو زرعة.
انظر: تهذيب التهذيب 12/ 246، وتقريب التهذيب2/ 476.
(5) في (ب): الحريث.
(6) نهاية 401 من (ح).
(7) انظر: سنن الدارقطني 4/ 206. وأخرجه البيهقي في المعرفة: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمَّد بن يعقوب ثنا محمَّد بن إِسحاق الصغاني ثنا محمَّد بن عبد الله بن كناسة ثنا جعفر بن برقان عن معمر البصري عن أبي العوام البصري قال: كتب عمر، فذكره. انظر: نصب الراية 4/ 82.
(3/1321)

وقال أحمد: ثنا سفيان بن عيينة ثنا إِدريس الأَوْدي (1) عن سعيد بن أبي بردة (2)، وأخرج الكتاب، فقال: "هذا كتاب عمر"، وذكره. إِسناد جيد، وسعيد لم ير عمر.
ورواه الدارقطني من (3) حديثه (4)، وأبو بكر الخلال من حديث سفيان
__________
(1) هو: إِدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي الزعافري، روي عن أبيه وأبي إِسحاق السبيعي وسماك بن حرب وغيرهم، وعنه ابنه عبد الله والثوري ووكيع وغيرهم، وثقه ابن معين والنسائي وأبو داود، وذكره ابن حبان في الثقات.
انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 21، والكاشف 1/ 101، وتهذيب التهذيب 1/ 195.
(2) هو: سعيد بن عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري الكوفي، روى عن أبيه وأنس بن مالك وأبي وائل وغيرهم، وعنه قتادة وأبو إِسحاق الشيباني وشعبة وغيرهم، وتوفي سنة 138 ه. وثقه ابن معين والعجلي وأبو حاتم.
انظر: تهذيب التهذيب 4/ 8، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال/ 136.
(3) في (ب) و (ظ): من غير حديثه.
(4) يعني: من حديث أحمد. انظر: سنن الدارقطني 4/ 207.
وأخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه 1/ 200، والبيهقي في سننه 10/ 115 كلاهما ... حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا إِدريس ... بالسند السابق.
وأخرجه ابن حزم في الإِحكام/ 1298، والمحلى 10/ 565. وانظر: المعتبر/ 83 ب.
وقد أورد ابن القيم كتاب عمر في إِعلام الموقعين 1/ 85 - 86، وقال: "هذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شيء إِليه وإلى تأمله والتفقه فيه"، ثم شرحه شرحًا مليئًا بالفوائد استغرق بقية الجزء الأول و"183" صفحة من الجزء الثاني.
(3/1322)

وبإِسناد جيد إِلى قتادة (1): أن (2) عمر كتب إِلى أبي موسى، فذكره. منقطع (3).
قال أحمد -في رواية أحمد بن الحسن (4) -: قال عمر بن الخطاب: "اعرف الأمثال والأشباه، وقايس الأمور".
وقال ابن حزم (5): موضوع على عمر، تفرد به عبد الملك بن الوليد بن
__________
(1) هو: أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي، حافظ مفسر ثقة ثبت، ولد سنة 61 ه، وروى عن أنس، وأرسل عن أبي سعيد الخدري وعمران بن حصين، وروى عن سعيد بن المسيب وعكرمة والحسن البصري وغيرهم، وعنه أيوب السختياني وشعبة والأوزاعي وغيرهم، توفي بواسط سنة 117 ه.
انظر: ميزان الاعتدال 3/ 385، والكاشف 2/ 396، وتهذيب التهذيب 8/ 351.
(2) في (ح): وأن.
(3) بين قتادة وعمر؛ لأن قتادة ولد سنة 61 ه.
(4) يوجد في طبقات الحنابلة 1/ 36 - 38 شخصان بهذا الاسم:
1 - أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار بن راشد، ثقة، نقل عن إِمامنا أشياء، وتوفي سنة 306 ه.
2 - أبو الحسن أحمد بن الحسن الترمذي، نقل عن إِمامنا مسائل كثيرة.
(5) انظر: الإِحكام/ 1300، والمحلى 1/ 77. وقال في ملخص إِبطال القياس/ 6: وهذه رسالة لا تصح، تفرد بها عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه، وكلاهما متروك، ومن طريق عبد الله بن أبي سعيد، وهو مجهول، ومثلها بعيد عن عمر.
وساق الكتاب في الإِحكام/ 1298 من طريقين، قال: فأما رسالة عمر فحدثنا بها أحمد بن عمر العذري نا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي نا أبو سعيد الخليل بن=
(3/1323)

معدان (1) -وهو ساقط بلا خلاف- عن أبيه (2)، وهو أسقط منه. كذا قال، فَوَهِم (3).
__________
=أحمد القاضي السجستاني نا يحيى بن محمَّد بن صاعد نا يوسف بن موسى القطان نا عبيد الله بن موسى نا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه قال: كتب عمر إِلى أبي موسى، فذكر الرسالة.
وحدثناها أحمد بن عمر نا عبد الرحمن بن الحسن الشافعي نا القاضي أحمد بن محمَّد الكرخي نا محمَّد بن عبد الله العلاف نا أحمد بن علي بن محمَّد الوراق نا عبد الله بن سعد نا أبو عبد الله محمَّد بن يحيى بن أبي عمر المدني نا سفيان عن إِدريس بن يزيد الأودي عن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: كتب عمر ... وانظر: المحلى 10/ 565.
ثم قال في الإِحكام/ 1299: وهذا لا يصح؛ لأن السند الأول فيه عبد الملك بن الوليد ابن معدان، وهو كوفي متروك الحديث ساقط بلا خلاف، وأبوه مجهول، وأما السند الثاني فمن بين الكرخي إِلى سفيان مجهولون، وهو أيضاً منقطع، فبطل القول به جملة. قال ابن حجر في التلخيص الحبير 4/ 196: ساقه ابن حزم من طريقين، وأعلهما بالانقطاع، لكن اختلاف المخرج فيهما مما يقوي أصل الرسالة؛ لا سيما وفي بعض طرقه أن راويه أخرج الرسالة مكتوبة.
(1) الضبعي البصري، وقد ينسب إلى جده، روى عن أبيه وعاصم بن بهدلة وهارون بن رياب، وعنه أبو داود الطيالسي وغيره، قال ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: ضعيف. وقال البخاري: فيه نظر. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد، لا يحل الاحتجاج به. وقال ابن عدي: روى أحاديث لا يتابع عليها. وقال الأزدي: منكر الحديث. انظر: ميزان الاعتدال 2/ 666، وتهذيب التهذيب 6/ 428.
(2) هو: الوليد بن معدان، حدث عنه ولده عبد الملك. قال الذهبي: انفرد بحديث عمر في كتابه إِلى أبي موسى أن يجتهد رأيه. انظر: ميزان الاعتدال 4/ 349.
(3) انظر: المعتبر/ 84أ.
(3/1324)

وقال أحمد (1) -أيضًا- في رواية بكر (2): على الإِمام والحاكم يَرِد عليه الأمران يقيس ويشبه، كما كتب عمر إِلى شريح (3): "أن قس الأمور وكذا وكذا"، فأما رجل لم يقلّد إِليه هذا فأرجو أن لا يلزمه.
وسئل -في رواية يوسف بن موسى (4) - عن القياس، فقال: ذهب قوم إِليه؛ لأن عمر قال (5): "يشبّه بالشيء"، وقال آخرون: "لا"، قيل: فما تقول؟ قال: اعْفِني، قيل: من فعله يُعَنَّف؟ قال: إِذا وضع الكتب وأكثر.
ومراده: ما سبق (6) أنه ضرورة.
وصح عن عثمان القضاء بتوريث المبتوتة في مرض الموت، رواه (7) مالك
__________
(1) انظر: العدة 1/ 195 أ.
(2) هو: أبو أحمد بكر بن محمَّد، النسائي الأصل، البغدادي النشأة، من أصحاب أحمد الناقلين عنه.
انظر: طبقات الحنابلة 1/ 119.
(3) سبق كتاب عمر إِلى شريح في الاجتهاد بالرأي في ص 1314.
(4) يوجد في طبقات الحنابلة 1/ 420 - 421 شخصان بهذا الاسم:
1 - يوسف بن موسى العطار الحربي.
2 - أبو يعقوب يوسف بن موسى بن راشد القطان الكوفي، المتوفى سنة 253 ه.
وكلاهما من أصحاب أحمد الناقلين عنه.
(5) نهاية 137 ب من (ظ).
(6) في ص 1311.
(7) انظر: الموطأ/ 571 - 572، وبدائع المنن 2/ 229 - 230. وأخرجه عبد الرزاق=
(3/1325)

والشافعي وأحمد.
ورواه البيهقي (1) عن عمر وضعفه (2).
لكن رواه ابن حزم (3) وغيره من حديث جرير (4) عن
__________
=في مصنفه 7/ 61، وابن أبي شيبة في مصنفه 5/ 217، وسعيد في سننه 3/ 2/ 42، 46، والبيهقي في سننه 7/ 362 - 363، والدارقطني في سننه 4/ 64 - 65. وراجع: التلخيص الحبير 3/ 217. وقال في المعتبر / 82أ -بعد أن ذكر ما ورد في الموطأ-: وفيه انقطاع، ووصله أبو عبيد القاسم بن سلام، فقال: حدثنا يحيى القطان ...
(1) نهاية 202 ب من (ب).
(2) انظر: سنن البيهقي 7/ 363 فقد أخرجه ... عن المغيرة عن إِبراهيم أن عمر ... قال البيهقي: وهذا منقطع، ولم يسمعه مغيرة من إِبراهيم، إِنما قال: ذكر عبيدة عن إِبراهيم عن عمر، وعبيدة الضبي ضعيف، ولم يرفعه عبيدة إِلى عمر في رواية يحيى القطان عنه، إِنما ذكره عن إِبراهيم والشعبي عن شريح ليس فيه عمر. أ. ه. وأخرجه البيهقي -كذلك- في سننه 8/ 97.
وأخرجه من هذا الطريق عبد الرزاق في مصنفه 7/ 64، وسعيد في سننه 3/ 2/ 43 - 44. وانظر: المحلى 11/ 556، والمعتبر/ 82 ب، ففيه: أن ابن المديني أخرجه في العلل.
(3) في المحلى 11/ 556 من طريق ابن أبي شيبة الذي أخرجه في مصنفه 5/ 217 - 218. وانظر: الجوهر النقي على سنن البيهقي 7/ 363.
(4) هو: أبو عبد الله جرير بن عبد الحميد الضبي، عالم أهل الري، نشأ بالكوفة، وروى عن أبي إِسحاق الشيباني ومغيرة وعطاء بن السائب وغيرهم، وعنه ابن راهويه وابن=
(3/1326)

مغيرة (1) عن إِبراهيم عن شريح قال: أتاني عروة الباقي (2) من عند عمر، فذكره. صحيح.
ولما حوصر عثمان طلق أم البنين (3)، فَوَرَّثَها علي، وقال: تركها حتى إِذا أشرت على الموت طلقها (4).
وسبق (5) في المحكوم عليه قوله: "إِذا سكر هذى".
__________
=معين وابن المديني، توفي سنة 188 ه. قال ابن حجر في التقريب: ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه.
انظر: ميزان الاعتدال 1/ 182، وتهذيب التهذيب 2/ 75، وتقريب التهذيب 1/ 127.
(1) هو: أبو هشام مغيرة بن مقسم الضبي -بالولاء- الكوفي الفقيه، روى عن أبيه وأبي وائل والنخعي وغيرهم، وعنه: شعبة وجرير وهشيم وغيرهم، توفي سنة 136 ه. قال ابن حجر في التقريب: ثقة متقن إلا أنه كان يدلس، ولا سيما عن إِبراهيم.
انظر: ميزان الاعتدال 4/ 165، وتهذيب التهذيب 10/ 269، وتقريب التهذيب 2/ 270.
(2) هو: الصحابي عروة بن الجعد.
(3) هي: أم البنين بنت عيينة بن حصن الفزارى؛ لوالدها صحبة، ولها إِدراك.
انظر: الإصابة 8/ 178.
(4) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 5/ 218 - 219. ومن طريقه رواه ابن حزم في المحلى 11/ 592.
(5) في ص 285 من هذا الكتاب.
(3/1327)

ولم يُنْكَر شيء مما سبق.
فإِن قيل: آحاد، والمسألة قطعية.
ثم: لعل عملهم بغير القياس.
ثم: من عمل بعض الصحابة.
ثم: لا نسلم عدم الإِنكار، فلعله لم ينقل، ثم: قد نُقِل، فعن الصديق: "أي أرض تُقِلُّني أو أي سماء تُظِلّني إِن قلت في آية من كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم (1)؟! ". قال ابن حزم (2): ثبت عنه.
وفي الصحيح عن الفاروق: "اتهموا الرأي على الدين (3) "، وكذا عن سهل (4) بن حنيف (5).
__________
(1) أخرجه الطبري في مقدمة تفسيره 1/ 27، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 64، وعبد بن حميد (انظر: المعتبر/ 85 ب)، وابن حزم في الإِحكام/ 1018 - 1019.
(2) انظر: المحلى 1/ 80، وملخص إِبطال القياس/ 56 - 57، والإِحكام/ 1018 - 1019.
(3) أخرجه البيهقي في المدخل/ 117، وابن حزم في الأحكام/ 1019، 1022 - 1023، وانظر: ملخص إِبطال القياس/ 57. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 179 وقال: رواه أبو يعلى، ورجاله موثقون وإن كان فيهم مبارك بن فضالة (قال فيه ابن معين: قدرى. وضعفه النسائي وغيره. انظر: ميزان الاعتدال 3/ 431 - 432). وانظر: المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي/ 9أ.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه 5/ 128، 9/ 100، ومسلم في صحيحه/ 1412 - 1413.
(5) هو: الصحابي أبو سعد -ويقال: أبو عبد الله- الأنصاري الأوسي.
(3/1328)

وعن (1) علي: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل (2) الخف أولى بالمسح من أعلاه". إِسناده جيد، رواه (3) أبو داود وغيره.
وعن عمر: "إِياكم وأصحاب الرأي، فإِنهم أعداء السنن" أعْيَتْهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا". فيه مجالد (4)، ضعيف عندهم، رواه جماعة، منهم: الدارقطني وابن عبد البر (5).
__________
(1) في (ظ) و (ح): عن علي.
(2) نهاية 402 من (ح).
(3) هذا الأثر من رواية عبد خير عن علي. أخرجه أبو داود في سننه 1/ 114، والدارقطني في سننه 1/ 199، والبيهقي في سننه 1/ 292 وقال: وعبد خير لم يحتج به صاحبا الصحيح. وأخرجه ابن حزم في الإِحكام / 1020. قال ابن حجر في بلوغ الرام (انظر: حاشية الدهلوي على بلوغ المرام 1/ 37): إِسناده حسن. وقال في التلخيص الحبير 1/ 160: إِسناده صحيح. قال الشوكاني في نيل الأوطار 1/ 218: في إِسناده عبد خير بن يزيد الهمداني، وثقه ابن معين والعجلي، وأما قول البيهقي: "لم يحتج به صاحبا الصحيح" فليس بقادح بالاتفاق.
وقد أخرجه هذا الأثر الخطيب في الفقيه والمتفقه 1/ 181 عن عمر.
(4) هو: أبو عمرو -ويقال: أبو سعيد- مجالد بن سعيد الهمداني الكوفي، توفي سنة 143ه. قال ابن معين وغيره: لا يحتج به. وقال أحمد: يرفع كثيراً مما لا يعرفه الناس، ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بالقوي. وضعفه جماعة. انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 549، وميزان الاعتدال 3/ 439، وتهذيب التهذيب 10/ 39.
(5) انظر: من الدارقطني 4/ 146، وجامع بيان العلم وفضله 2/ 164. وأخرجه البيهقي في المدخل/ 17 أ. وأخرجه الخطيب في الفقه والمتفقه 1/ 180 - 181، وابن حزم=
(3/1329)

وعن ابن مسعود: "يجيء قوم يقيسون الأمور بآرائهم". فيه مجالد، رواه جماعة، منهم: الدارمي (1) (2) وأبو بكر الخلال.
ورووا -أيضًا- بإِسناد جيد عن ابن سيرين: "أول من قاس إِبليس، وما عبدت الشمس والقمر (3) إِلا بالمقاييس". (4)
ورووا -أيضًا- من رواية عيسى الخياط (5) -وهو ضعيف عندهم-
__________
=في الإِحكام/ 1019 - 1020 من طرق ليس في بعضها مجالد. وأخرجه ابن عبد البر -أيضاً- في جامع بيان العلم وفضله 2/ 165 من طريق ليس فيها مجالد.
(1) انظر: سنن الدارمي 1/ 58. وأخرجه البيهقي في المدخل/ 16 ب، والخطيب في الفقيه والمتفقه 1/ 182، وابن حزم في الإِحكام/ 1025، 1378، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 165 - 166. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 1/ 180 وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفيه مجالد بن سعيد، وقد اختلط.
(2) هو: أبو محمَّد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل التميمي السمرقندي، حافظ ثقة، ولد سنة 181ه، وتوفي سنة 255 ه.
من مؤلفاته: السنن.
انظر: تاريخ بغداد 10/ 29، والعبر 2/ 18، والنجوم الزاهرة 3/ 22. وتذكرة الحفاظ / 534، وتهذيب التهذيب 5/ 294.
(3) في (ح): والعجل.
(4) أخرجه الدارمي في سننه 1/ 58، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 93، وابن حزم في الإِحكام/ 1381.
(5) هو: أبو موسى عيسى بن أبي عيسى ميسرة الغفاري المدني، يقال له: "الخياط، والحناط، والخباط"؛ لأنه عمل المعايش الثلاث، روى عن أبيه وأنس والشعبي=
(3/1330)

عن (1) الشعبي: "إِياكم والمقايسة (2) "، وروي عنه نحوه من وجوه (3).
قال ابن حزم (4): "القول بالقياس أو بالرأي لا يحل في الدين، أبطلناه بالنص والعقل، وأجمع الصحابة على إِبطاله؛ لأنهم مصدقون بالقرآن، وفيه: (اليوم أكملت لكم دينكم) (5)، (فإِن تنازعتم في شيء) الآية (6)، وكل رأي جاء عنهم فليس أنه إِلزام أو حق؛ لكنه إِشارة بعفو أو صلح أو تورع"، ثم احتج بخبر عوف بن مالك (7): (تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون (8) الأمور برأيهم، فيحللون
__________
=ونافع وغيرهم، وعنه وكيع وابن أبي فديك وجماعة، توفي سنة 151 ه. ضعفه أحمد وغيره، وقال الفلاس والنسائي: متروك.
انظر: ميزان الاعتدال 3/ 320، وتهذيب التهذيب 8/ 224.
(1) نهاية 203 أمن (ب).
(2) أخرجه الدارمي في سننه 1/ 45، والخطيب في الفقيه والمتفقه 1/ 283، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 94، 167، وابن حزم في الإِحكام / 1381.
(3) انظر: سنن الدارمي 1/ 59، والفقيه والمتفقه 1/ 183 - 184، وجامع بيان العلم وفضله 2/ 94، 167 - 168، والإحكام لابن حزم/ 1025، 1381 - 1382.
(4) انظر: المحلى 1/ 73، 76، 79، 81، 82.
(5) سورة المائدة: آية 3.
(6) سورة النساء: آية 59.
(7) هو: الصحابي أبو محمَّد الأشجعي.
(8) نهاية 138.
(3/1331)

الحرام، ويحرمون الحلال). وفيه نعيم بن حماد (1) عن ابن المبارك (2) عن عيسى بن يونس (3)، والمعروف: نعيم عن عيسى (4). ونعيم وثقه جماعة (5)،
__________
(1) هو: أبو عبد الله نعيم بن حماد بن معاوية الخزاعي المروزي الفرضي، روى عن إِبراهيم بن طهمان وابن المبارك وهشيم وغيرهم، وعنه ابن معين والذهلي والدارمي وغيرهم، توفي سنة 228 ه. وثقه أحمد وابن معين وغيرهما، وضعفه النسائي. قال ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ كثيراً ... وقد تتبع ابن عدي ما أخطأ فيه، وقال: باقي حديثه مستقيم.
انظر: تاريخ بغداد 13/ 316، وتذكرة الحفاظ/ 418، وميزان الاعتدال 4/ 267، وتقريب التهذيب 2/ 305، والنجوم الزاهرة 2/ 257.
(2) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 163، وابن حزم في الإِحكام / 1374. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 179 وقال: رواه الطبراني في الكبير والبزار، ورجاله رجال الصحيح.
(3) هو: أبو عمرو -ويقال: أبو محمَّد- عيسى بن يونس بن أبي إِسحاق السبيعي الكوفي، إِمام صدوق ثقة، سكن الشام، روى عن سليمان التيمي وهشام بن عروة والأعمش وغيرهم، وعنه حماد بن سلمة وابن المديني وابن راهويه وغيرهم، توفي سنة 187 ه.
انظر: ميزان الاعتدال 3/ 328، وتهذيب التهذيب 8/ 237.
(4) أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه 1/ 180، وفي تاريخه 13/ 307 - 311، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 93. وانظر: ميزان الاعتدال 4/ 268، وتهذيب التهذيب 10/ 460.
(5) انظر: ميزان الاعتدال 4/ 267 - 268، وتهذيب التهذيب 10/ 459 - 460.
(3/1332)

وقال النسائي (1) وغيره: لا يحتج به. وقال ابن يونس (2) وغيره: روى مناكير (3)، واتهمه الأزدي (4) بالوضع في مثل هذا (5).
قال ابن معين: لا أصل له، قيل له: كيف يُحَدِّث ثقة بباطل؟
قال: شُبِّه له (6).
__________
(1) انظر: الضعفاء والمتروكين للنسائي/ 305، وتهذيب التهذيب 10/ 461.
(2) هو: أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي المصري، إِمام حافظ ثبت مؤرخ محدث، ولد بالقاهرة سنة 281 ه، وسمع أباه وأبا عبد الرحمن النسائي وأبا يعقوب المنجنيقي وغيرهم، روي عنه ابن مندة وغيره، توفي بالقاهرة سنة 347 ه.
انظر: العبر 2/ 276، وفوات الوفيات 1/ 252، وتذكرة الحفاظ/ 898، وطبقات الحفاظ/ 367.
(3) انظر: تاريخ بغداد 13/ 314، وتهذيب التهذيب 10/ 462.
(4) هو: أبو الفتح محمَّد بن الحسين بن أحمد الموصلي، من حفاظ الحديث، نزيل بغداد، توفي بالموصل سنة 374 ه، وقيل: سنة 367 ه.
من مؤلفاته: تسمية من وافق اسمه اسم أبيه من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المحدثين، ومصنف في الضعفاء.
انظر: تاريخ بغداد 2/ 283، وتذكرة الحفاظ/ 967، وطبقات الحفاظ/ 386، وشذرات الذهب 3/ 84، والأعلام 6/ 98 ط 4 سنة 1979 م.
(5) يعني: في تقوية السنة وذم الرأي. انظر: ميزان الاعتدال 4/ 269، وتهذيب التهذيب 10/ 463.
(6) انظر: تاريخ بغداد 13/ 307 وما بعدها، وتهذيب التهذيب 10/ 460 - 463.
(3/1333)

وقال البيهقي (1): تفرد به وسرقه منه جماعة ضعفاء، وهو منكر.
وقال الخطيب (2): وافقه على روايته سويد (3) وعبد الله بن جعفر (4) عن عيسى.
__________
(1) حكى ابن حجر في تهذيب التهذيب 10/ 460 - 461 نحو هذا الكلام عن ابن عدي.
(2) انظر: تاريخ بغداد 13/ 308.
(3) هو: أبو محمَّد سويد بن سعيد الهروي الحدثاني الأنباري، روى عن مالك وعيسى بن يونس وعبد الرحمن بن أبي الزناد وغيرهم، وعنه مسلم وابن ماجه وأبو زرعة وغيرهم، توفي سنة 240 ه عن 100 عام. احتج به مسلم، وقال أبو حاتم: صدوق كثير التدليس. وقال النسائي: ضعيف. وقال البخاري: حديثه منكر. وعن أحمد: متروك الحديث. وكذبه ابن معين.
انظر: ميزان الاعتدال 2/ 248، وتهذيب التهذيب 4/ 272.
(4) هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن جعفر بن غيلان الرقي القرشي بالولاء، روى عن عبد العزيز الدراوردي وأبي المليح ومعتمر بن سليمان وغيرهم، وعنه أبو زرعة الدمشقي وأبو حاتم الرازي والدارمي وغيرهم، توفي سنة 220 ه.
وثقه ابن معين وأبو حاتم، وقال النسائي: ليس به بأس قبل أن يتغير. وقال هلال بن العلاء: عمي سنة 216 ه، وتغير سنة 218 ه. وقال ابن حبان: اختلط سنة 218 ه، ولم يكن اختلاطه اختلاطا فاحشا.
انظر: ميزان الاعتدال 2/ 403، وتهذيب التهذيب 5/ 173.
(3/1334)

وقال ابن عدي (1): رواه الحكم (2) بن المبارك (3) -ويقال: لا بأس به- عن عيسى.
سلمنا عدم الإِنكار؛ لكنه لا يدل على الموافقة؛ لاحتمال خوف أو غيره.
ثم: لا حجة في إِجماعهم.
ثم: هي أقيسة مخصوصة.
ثم: يجوز لهم خاصة (4).
رد الأول: بتواترها معنى، كشجاعة علي وسخاء حاتم.
ثم: هي ظنية.
ولأصحابنا الجوابان
__________
(1) حكاه الخطيب في تاريخه 13/ 309.
(2) في (ح): الحاكم.
(3) هو: أبو صالح البلخي، حافظ ثقة، روى عن مالك وأبي عوانة وحماد بن زيد، وعنه أبو محمَّد الدارمي وجماعة، توفي سنة 213 ه. ولوح ابن عدي بأنه ممن يسرق الحديث. قال ابن حجر في التقريب: صدوق ربما وهم.
انظر: الكاشف 1/ 247، وميزان الاعتدال 1/ 579، وتهذيب التهذيب 2/ 438، وتقريب التهذيب 1/ 192.
(4) نهاية 403 من (ح).
(3/1335)

والثاني: بأنه دل السياق والقرائن (1) أن العمل به (2)، ولو كان بغيره لظهر واشتهر ونقل.
وسبق الثالث (3) والرابع (4) والخامس (5) والسادس (6) في الإِجماع (7).
والمراد من الإِنكار القياس الباطل، بأن صدر عن غير مجتهد، أو في مقابلة نص، أو فيما اعتبر فيه العلم، أو أصله فاسد، أو على من غلب عليه ولم يعرف الأخبار، أو احتج به قبل طلب نص لا يعرفه مع رجائه لو طلبه -فإِنه لا يجوز عند أحمد والشافعي وفقهاء الحديث، ولهذا جعلوه بمنزلة التيمّم، قال بعض أصحابنا (8): وطريقة الحنفية تقتضي جوازه- بدليل ما سبق (9) جمعا وتوفيقا.
ودعوى ابن حزم باطلة.
__________
(1) نهاية 203 ب من (ب).
(2) يعني: بالقياس.
(3) يعني: يجاب عنه بأن شياعه وتكريره قاطع عادة بالموافقة.
(4) وهو قولهم: لا نسلم عدم الإِنكار. فيجاب: بأن العادة تقتضي نقل مثله.
(5) فيجاب عنه بما سبق في الثالث.
(6) فيجاب عنه بما سبق من حجية الإِجماع.
(7) انظر: ص 371 وما بعدها، 426 وما بعدها.
(8) انظر: المسودة/ 370.
(9) من قولهم بالقياس.
(3/1336)

وجواب ما احتج به من الكتاب: ما سبق (1).
ومن الباطل حجته (2) بقوله: (فلا تضربوا لله الأمثال) (3).
ثم: القياس مأمور به شرعا، وهو دين (4).
وعند أبي الهذيل (5) المعتزلي (6): لا يطلق عليه اسم دين: وهو في بعض كلام القاضي.
وعند الجبائي (6): الواجب منه دين.
وكذا جواب من احتج بقوله: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله (7)) (8)، (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) (9)، (ما فرطنا في الكتاب من شيء) (10)، وقيل: الكتاب: اللوح المحفوظ، وعن ابن
__________
(1) من ورود الأحاديث بالقياس وقول الصحابة به، وانظر: ص 373، 390.
(2) في (ب): حجة.
(3) سورة النحل: آية 74.
(4) انظر: التمهيد/ 158 ب، والإِحكام للآمدي 4/ 68.
(5) في (ح): أبي الحسين الهذلي المعتزلي.
(6) انظر: المعتمد/ 766.
(7) في النسخ: والرسول. وفي هامش (ب): صوابه: ورسوله.
(8) سورة الحجرات: آية 1.
(9) سورة المائدة: آية 49.
(10) سورة الأنعام: آية 38.
(3/1337)

عباس (1) القولان.
وسبق (2) في خبر الواحد النهي عن الظن (3).
قولهم: أقيسة مخصوصة.
رد: بما سبق.
ثم: عملوا لظهورها (4) -كالأدلة الظاهرة- لا لخصوصها (5). (6)
وقولهم: يجوز لهم خاصة.
رد: بما سبق، ثم: لا قائل بالتفرقة.
وأيضًا: ظن تعليل حكم الأصل بعلة توجد في الفرع يوجب التسوية (7)، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والعمل بالمرجوح ممنوع، فالراجح متعين.
قالوا: يؤدي [إِلى] (8) التفرق والمنازعة المنهي عنهما.
__________
(1) انظر: تفسير الطبري 11/ 345، وزاد المسير 3/ 35، والدر المنثور 3/ 11.
(2) في ص 492.
(3) يعني: الاحتجاج بالنهي عن الظن، والجواب عنه.
(4) في (ب): لظهورا.
(5) في (ح) و (ظ): لا بخصوصها.
(6) نهاية 138 ب من (ظ).
(7) نهاية 204 أمن (ب).
(8) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ) و (ب).
(3/1338)

رد: بالمنع، ثم: بخبر الواحد (1) والعموم.
.......................
وقد (2) أثبت قوم القياس في الأحكام لا الحقائق، فقالوا في (3) حياة الشعر (4): "جزء من الحيوان، فنجس بالموت، كالأعضاء"، واحتجوا على الحياة بخصيصتها وهو النماء، وانقطاعه (5) بالموت، كما يحتج بالحركة الاختيارية عليها (6).
ورد: العلم بالخصيصة (7) بتعليل أو باطراد عادة، وهو القياس، فإِن القياس يحتج به على الحكم في الفرع بخصيصته بالعلة (8) أو دليلها.
وفي الصحيحين (9) من حدتحا أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال -للذي أراد الانتفاء من ولده بمخالفة لونه-: (لعله نَزَعه عِرْق)، وهو قياس لجواز
__________
(1) في (ح): ثم بالعموم.
(2) انظر: المسودة/ 366.
(3) نهاية 404 من (ح).
(4) يعني: في إِثبات حياته.
(5) يعني: انقطاع النماء.
(6) يعني: على الحياة.
(7) يعني: إِنما يكون بتعليل ... إِلخ.
(8) يعني: بخصيصته التي هي العلة ...
(9) انظر: صحيح البخاري 7/ 53، 8/ 173، وصحيح مسلم/ 1137 - 1138.
(3/1339)

مخالفة لون الولد للوالد في أحد نوعي الحيوان على نوع آخر، وقياس في الطبيعيات؛ لأن الأصل (1) لا نسب فيه، وعمدة الطب مبناه على القياس، وهو لإِثبات حقيقة الجسم، وعامة أمر الناس في عرفهم في عين وصفة وفعل مبناها عليه. (2)
.....................
فإِن قيل: ما حكم قياس العكس؟
قيل: حجة، ذكره القاضي (3) وغيره والمالكية (4)، وهو المشهور عن الحنفية (5) والشافعية، كالدلالة لطهارة دم السمك بأكله به؛ لأنه لو كان نجساً لما أكل به كالحيوانات النجسة (6) دمها، ونحو: لو سنت السورة في الأخريين لسن الجهر كالأوليين.
وفي مسلم (7) من حديث أبي ذر: (وفي بضع أحدكم صدقة)، قالوا:
__________
(1) وهو الحيوان.
(2) يعني: على القياس.
(3) انظر: العدة/ 219أ.
(4) ذكره عبد الوهاب. انظر: المسودة/ 425.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 3/ 183، والمسودة/ 425.
(6) كذا في النسخ. ولعل الصواب: النجسة دماؤها. أو: النجس دمها.
(7) انظر: صحيح مسلم/ 697 - 698. وأخرجه أحمد في مسنده 5/ 167، 168. وأخرج -نحوه- أبو داود في سننه 2/ 61، 5/ 407.
(3/1340)

يا رسول الله، (1) أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان (2) عليه وِزْر؟ فكذلك إِذا وضعها في الحلال كان له أجر).
ومنع منه قوم، منهم: ابن الباقلاني (3).
وسبق (4) بيانه أول القياس في حده.

مسألة
النص على علة حكم الأصل يكفي في التعدي عند أصحابنا، قال القاضي (5) وابن عقيل: أشار أحمد إِليه: "لا يجوز بيع رطب بيابس"، واحتج بنهيه (6) عن بيع الرطب بالتمر.
وذكره بعض أصحابنا (7) وغيرهم عن الأكثر (8) من مثبتي القياس -كالرازي والكرخي وأكثر الشافعية- ومن منكريه، كالنظام والقاشاني والنهرواني.
__________
(1) نهاية 204 ب من (ب).
(2) في (ظ): كان.
(3) انظر: المسودة/ 425.
(4) في ص 1192.
(5) انظر: العدة / 211أ.
(6) يعني: بنهي النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(7) انظر: المسودة/ 390.
(8) نهاية 139 أمن (ظ).
(3/1341)

وفي الروضة (1): (2) إِن ورد التعبد بالقياس كفى، وإلا فلا. وذكره في التمهيد (3) ضمن مسألة تخصيص العلة، واختاره السرخسي (4)، وذكره عن بعض شيوخه، واختاره الآمدي (5)، وذكره عن أكثر الشافعية، وقاله الجعفران (6) وبعض الظاهرية (7)، وذكره عبد الوهاب المالكي (8) وبعض أصحابنا قول الجمهور ونصروه.
وعند أبي عبد الله البصري (9): يكفي في علة التحريم؛ لا غيرها (10)، قال بعض أصحابنا (11): هو قياس مذهبنا في الأيمان وغيرها؛ لأنه يجب ترك المفاسد كلها، بخلاف المصالح، فإِنما يجب تحصيل ما يُحتاج إِليه.
وسمى ابن عقيل (12) العلة المنصوصة استدلالا، وقال: مذهبنا: ليس بقياس، وأنه قول جماعة من الفقهاء؛ لأن الفأرة كالهرة في الطواف المصرح به.
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 293.
(2) نهاية 405 من (ح).
(3) انظر: التمهيد/ 167أ، 168أ.
(4) هو: أبو سفيان. انظر: العدة/ 211أ، والمسودة/ 390.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 55، 56.
(6) انظر: المعتمد/ 753.
(7) انظر: المعتمد/ 753، والإِحكام للآمدي 4/ 55، والإِحكام لابن حزم/ 1110.
(8) انظر: المسودة/ 391.
(9) انظر: المعتمد/ 753.
(10) كالإِيجاب والندب.
(11) انظر: المسودة/ 391.
(12) انظر: المرجع السابق/ 392.
(3/1342)

وذكر القاضي (1) التنبيه (2) والعلة المنصوصة وما في معنى الأصل -كالزيت مع السمن (3)، والأمة مع العبد، والجوع مع الغضب- مسألة واحدة.
وسبق (4) في التنبيه.
وكذا ذكر أبو المعالي (5) الأمة مع العبد والبول في إِناء وصبه في ماء ونحوهما: في تسميته قياسا مذهبان نحو الخلاف في العلة المنصوصة، ورجح تسميته قياسا، قال: وهي لفظية.
وفي التمهيد (6): لا يجوز المنع من هذا القياس، وإن نهي عن القياس الشرعي.
وقصره ابن الباقلاني (7) وأبو حامد الإِسفراييني وغيرهما على الصورة المعللة، تُعبدنا بالقياس، أوْ لا.
وفي التمهيد (8): لم يقله أحد. كذا قال.
__________
(1) انظر: العدة / 205أ.
(2) في (ب): الشبيه.
(3) نهاية 205أمن (ب).
(4) في ص 1061 وما بعدها. وانظر: المسودة/ 389.
(5) انظر: البرهان/ 785 - 786.
(6) انظر: التمهيد/ 160 ب وفيه: لا يحسن.
(7) انظر: المسودة/ 390.
(8) انظر: التمهيد / 154أ.
(3/1343)

وفي مقدمة المجرد (1): احتمالان، أحدهما: لا يتعدى، حتى يقول: قيسوا عليه، والثاني: يتعدى.
وذكر الشيرازي (2) احتمالين، أحدهما: يتعدى. والثاني: لا، كالوكيل فيه، ورجّحه.
وقال بعض أصحابنا (3): يظهر في: "حرمت السكرّ لحلاوته" التعليل بالحلاوة الخاصة لا المطلقة، بخلاف قوله: "لأنه حلو".
وسوى ابن عقيل (3) وغيره.
وجه الثاني: لا دليل، والأصل عدمه.
وأيضًا: "أعتقت سالما (4) لدينه أو لأنه دَيِّن" لا يتعدى.
ومناقضة العقلاء له لطلب فائدة التخصيص لا للعموم.
وذكر (5) الآمدي (6) عن بعضهم: إِن علم قصده للدين عم، وعن بعضهم: يعم بالنية، وعن بعضهم: يعم إِن قال: "قيسوا عليه كل دَيِّن"،
__________
(1) انظر: المسودة/ 390.
(2) هو: أبو الفرج المقدسي.
(3) انظر: المسودة/ 386.
(4) نهاية 406 من (ح).
(5) نهاية 139 ب من (ب).
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 17.
(3/1344)

واختاره الصيرفي الشافعي.
وفي الروضة (1) -في هذه الصورة-: لا يعم.
وفي العدة (2): يعم.
فإِن احتج به نفاة القياس.
رد: بأن (3) التعبد منع منه مبالغة في صيانة ملك الآدمي بخلاف الأحكام (4)، ولجواز تناقض علته، ولهذا لو قال الشارع: "قيسوا عليه" عم، ولهذا فُهِم القياس لغة وعرفا في غير الملك نحو: "لا تشربه فإِنه مُسْهِل، ولا تجالسه لبدعته".
ولو قال لوكيله: "أعتقه لدينه أو لأنه دين" لم يعم إِجماعًا، ذكره الآمدي (5)
وكذا لو قال: "قس عليه"، أو كان قال له: "إِذا أمرتُك بشيء لعلة فقس عليه"؛ لجواز المناقضة عليه (6) والبداء، ولأن الشرع لم يدل عليه ولم يكلف به.
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 290، 293.
(2) انظر: العدة/ 202أ، 212 ب.
(3) نهاية 205 ب من (ب).
(4) في (ظ): لجواز.
(5) انظر: منتهى السول للآمدي 3/ 37، والإِحكام له 2/ 256.
(6) ضرب في (ظ) على: (عليه).
(3/1345)

وعند أبي الخطاب (1): يعم -وفي كلام القاضي (2) والآمدي (3) ما يوافقه- ككلام الشارع، والأصل عدم البداء، ولأنه كجواز ورود النسخ، ولا يمنع القياس.
قالوا: "حرمت الخمر لإِسكاره" ك"حرمت كل مسكر".
رد: دعوى بلا دليل، ثم: لو كان عتق من سبق.
فإِن قيل: لأنه حق آدمي، فوقف على الصريح.
رد: دعوى، ثم: يلزم التعارض، وهو خلاف الأصل، ثم: الظاهر فيه (4) كالصريح.
قالوا: قوله لابنه: "لا تأكله؛ لأنه مسموم" يتعدى.
رد: لقرينة شفقة الأب، والأحكام يجمع فيها بين مختلفين، ويفرق بين متماثلين؛ لأن المصلحة إِن اعتبرت (5) فقد تختلف بالأوقات.
وألزم ابن عقيل بالزمان.
قالوا: إِن لم يعم فلا فائدة.
رد: فائدته تعقّل المعنى -فإِنه أدعى إِلى القبول- ونفي الحكم عند عدمه.
__________
(1) انظر: التمهيد / 154 ب.
(2) انظر: العدة/ 212 ب.
(3) انظر: الإحكام للآمدي 4/ 18.
(4) يعني: في العتق.
(5) في (ب): اعتبر.
(3/1346)

قالوا: كالتنبيه.
رد: إِنما فهم فيه لقرينة إِكرام الوالدين.
قالوا: كقوله: "الإِسكار علة التحريم" (1).
رد: (2): حكم بالعلة على مسكر، فلا أولوية (3)؛ لتساوي (4) نسبتها إِلى الجميع (5)
واعتمد في التمهيد (6) على قوله: أوجبت أكل السكر كل يوم؛ لأنه حلو. كذا قال.
وقال بعض أصحابنا (7): وفيه نظر؛ لأنه يبطل إِيجاب السكر.
احتج البصري (8): بأن من ترك رمانه لحموضتها لزمه التعميم، بخلاف صدقته على فقير.
رد: لا يلزمه.
__________
(1) في (ظ): للتحريم.
(2) نهاية 407 من (ح).
(3) يعني: للخمر.
(4) نهاية 206 أمن (ب).
(5) يعني: الخمر والنبيذ.
(6) انظر: التمهيد / 154أ.
(7) انظر: المسودة/ 391.
(8) انظر: المعتمد/ 754.
(3/1347)

ثم: لقرينة الأذى، ولا قرينة في الأحكام (1).
احتج من قصره: باحتماله الجزئية.
رد: ظاهر اقتصار الشارع عليه استقلاله، فلا يُترك باحتمال.

مسألة
الحكم المتعدي إِلى (2) الفرع بعلة منصوصة مراد بالنص، كعلة مجتَهَدٍ فيها: فرعها مراد بالاجتهاد؛ لأن الأصل مستتبع لفرعه، خلافا لبعضهم. ذكره أبو الخطاب (3).
قال بعض أصحابنا (4): كلامه يقتضي أنها مستقلة، قال: وهي عندي مبنية على المسألة قبلها، قال: وذكر القاضي أعم من ذلك، فقال: الحكم بالقياس على أصل منصوص عليه (5) مراد بالنص الذي في الأصل، خلافا لبعض المتكلمين.

مسألة
يجري القياس في الكفارات والحدود والأبدال والمقدرات عند أصحابنا
__________
(1) فقد تختص ببعض المحال لأمر لا يدرك.
(2) نهاية 140أمن (ظ).
(3) انظر: التمهيد / 155أ، والمسودة/ 386.
(4) انظر: المسودة/ 386.
(5) يعني: وإن لم ينص على العلة.
(3/1348)

والشافعية والأكثر -وأومأ إِليه أحمد (1) - خلافا للحنفية (2)، مع تقديرهم (3) الجمعة بأربعة، وخرق الخف بثلاث أصابع قياسًا.

وفي الانتصار (4) -في مسألة الموالاة-: "شروط الطهارة لا مدخل للقياس فيها؛ لعدم فهم معناها"، ثم سلّم.
لنا: عموم دليل كون القياس حجة، وقوله: "إِذا سكر هذى"، وكبقية (5) الأحكام.
قالوا: فهم المعنى شرط.
رد: الفرض فهمه، كالقتل بالمثقل وقطع النبَّاش.
قالوا: فيه شبهة، والحد يُدرأ بها.
رد: بخبر الواحد والشهادة.

مسألة
يجرى القياس في الأسباب عند أصحابنا وأكثر الشافعية (6).
__________
(1) انظر: العدة/ 218 ب، والمسودة/ 399.
(2) انظر: تيسير التحرير 4/ 103، وفواتح الرحموت 2/ 317.
(3) انظر: الهداية 1/ 28 - 29، 83، وبدائع الصنائع/ 105، 680 - 681.
(4) انظر: الانتصار 1/ 61أ.
(5) نهاية 206 ب من (ب).
(6) انظر: المحصول 2/ 2/ 465، والإِحكام للآمدي 4/ 65، ونهاية السول 3/ 33.
(3/1349)

ومنعه الحنفية (1)، واختاره الآمدي (2) وغيره.
وفي المغني (3) -في مسألة اللوث (4) -: لا يجوز القياس في المظان؛ لأنه جمع بمجرد الحكمة، وإنما يتعدى الحكم بتعدى سببه.
القائل بالأول: إِطلاق الصحابة، وقول علي: "إِذا سكر افترى"، ولإِفادته للظن.
وأيضاً: لصحة التعليل بالحكمة أو ضابطها.
رد: ذلك مستقل بثبوت الحكم، والوصف الذي جُعل سببا للحكم مستغنى عنه.
وقد (5) يجاب: بأنه لا يمنع الجواز.
القائل (6): ثبت القتل بالمثقل سببا كالمحدد، واللواط سببا كالزنا، وفحو ذلك.
__________
(1) انظر: فواتح الرحموت 2/ 319.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 65.
(3) انظر: المغني 8/ 494.
(4) اللوث: العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعَى عليه، كنحو ما بين القبائل والأحياء. وقيل: اللوث: ما يغلب على الظن صدق المدعي، فتكون العداوة صورة من صوره. انظر: المغني 8/ 491 - 493.
(5) نهاية 408 من (ح).
(6) في (ح) و (ظ): القائل بالثاني: ثبت ... إِلخ. والذي يظهر: أن هذا تابع لدليل القائل بالأول. وانظر: الإِحكام للآمدي 4/ 66، وشرح العضد 2/ 256.
(3/1350)

رد: السبب واحد، وهو القتل العمد العدوان، وإيلاج فرج في فرج.

مسألة
يجوز عند أصحابنا والجمهور ثبوت الأحكام كلها بتنصيص من الشارع؛ لا بالقياس؛ لأنه لا بد له من أصل، ولأن فيها (1) ما لا يعقل معناه.
قالوا: متماثلة يجمعها (2) حد الحكم، فتتساوى (3) فيما جاز (4) على بعضها (5).
رد: قد يجوز باعتبار خصوصيته.
قالوا: الحوادث لا تتناهي، فكيف تنطبق عليها نصوص (6) متناهية؟.
رد: بل متناهية (7)؛ لتناهي التكليف بالقيامة.
ثم: يجوز أن يحدث نصوص لا تتناهى.

مسألة
النفي: إِن كان أصليا جرى فيه قياس الدلالة -وهو الاستدلال
__________
(1) يعني: في الأحكام.
(2) في (ح): فيجمعها.
(3) في (ح): فيتساوى.
(4) في (ظ): ونسخة في هامش (ب): زاد.
(5) وهو القياس، فقد جاز على بعضها.
(6) نهاية 140 ب من (ظ).
(7) يعني: الحوادث متناهية.
(3/1351)

بانتفاء (1) حكم شيء على انتفائه عن مثله، فيؤكَّد به الاستصحاب- وإلا جرى فيه القياسان؛ لأنه حكم شرعي كالإِثبات.
* * *
ويستعمل القياس على وجه التلازم؛ فيجعل حكم الأصل في الثبوت ملزومًا، وفي النفي نقيضه لازما، نحو: "لما وجبت زكاة مال البالغ للمشترك بينه وبين مال الصبي وجب (2) فيه"، و"لو وجبت في حلي وجبت في جوهر قياسا، واللازم منتف، فينتفي ملزومه".
* * *

الاعتراضات على القياس
خمسة وعشرون:
الاستفسار: وهو طلب معنى لفظ المستدل؛ لإِجماله أو غرابته.
وبيانهما على المعترض باحتماله أو بجهة الغرابة بطريقة؛ لأن الأصل عدمهما (3).
ولا يلزمه (4) بيان تساوي الاحتمال، لعسره.
__________
(1) نهاية 207 أمن (ب).
(2) كذا في النسخ. ولعلها: وجبت.
(3) يعني: الإِجمال والغرابة.
(4) يعني: المعترض.
(3/1352)

ولو قال: "الأصل عدم مرجح (1) " فقيل: جيد.
وقيل: لا؛ لأنه سلّمه لما سلم الاستعمال، والأصل عدم الاشتراك.
رد: لا ينحصر سبب (2) الإِجمال في الاشتراك.
ثم: جواب المستدل: منع احتماله، أو بيان ظهوره في مقصوده بنقل أو عرف أو قرينة، أو تفسيره إِن تعذر إِبطال غرابته.
ولو قال: "يلزم ظهوره في أحدهما -دفعا للإِجمال (3) - أو فيما قصدتُه؛ لعدم ظهوره في الآخر اتفاقًا" كفى، بناء على أن المجاز أولى (4).
ولا يعتد بتفسيره بما لا يحتمله لغة.
* * *
فساد الاعتبار: وهو مخالفة (5) القياس نصا (6).
وجوابه: بضعفه، أو منع ظهوره، أو تأويله، أو القول بموجَبه، أو معارضته بمثله ليسلم القياس، أو يبين ترجيحه على النص بما سبق (7) (8) في خبر الواحد.
__________
(1) يعني: التزم التساوي تبرعًا، وبين التساوي بأن الأصل عدم مرجح.
(2) في (ح): بسبب.
(3) وهو خلاف الأصل.
(4) لأنه يلزم أن يكون مجازاً في الآخر، لكن المجاز أولى من الإجمال.
(5) نهاية 409 من (ح).
(6) يعني: مخالفته لنص.
(7) في ص 632 - 633.
(8) نهاية 207 من (ب).
(3/1353)

وفي الواضح (1): منه اعتبار ما بناؤه على التوسعة أو (2) التضييق بالآخر، أو الابتداء بالدوام، أو الرق بالعتق، أو العتق بالبيع، أو المرأة بالرجل في القتل بالردة مع اختلافهما في كفر أصلي (3).
* * *
فساد الوضع: وهو اعتبار الجامع في نقيض الحكم.
كقول شافعي في مسح الرأس: مسح، فَسُنَّ تكراره كالاستنجاء.
فيعترض: بكراهة تكرار مسح الخف.
وجواب المستدل: ببيان المانع؛ لتعرضه لتلفه (4).
وسؤال فساد الوضع نقض خاص (5)؛ لإِثباته نقيض الحكم.
فإِن ذكر المعترض نقيض الحكم مع أصله -فقال: لا يسن تكرار مسح الرأس كالخف- فهو القلب، لكن اختلف أصلهما (6).
__________
(1) انظر: الواضح 1/ 187 ب- 188أ.
(2) في (ظ): والتضييق.
(3) يعني: هذا الاعتبار يعترض عليه لفساده؛ لمخالفة ما بني على التوسعة لما بني على التضييق، ومخالفة الابتداء للدوام؛ لأن الدوام أقوى، والابتداء أضعف، فلا يعتبر أحدهما بالآخر ... إِلخ.
(4) يعني: تلف الخف.
(5) نهاية 141 أمن (ظ).
(6) ففي القلب يثبت نقيض الحكم بأصل المستدل، وفي فساد الوضع يثبت بأصل آخر.
(3/1354)

وإن بين المعترض مناسبة الجامع للنقيض ولم يذكر أصله: فإِن بَيّنها من جهة دعوى المستدل فهو القدح في المناسبة، وإلا لم يقدح؛ لجواز أن للوصف جهتين، كمحل مشتهى: يناسب حلّه لإِراحة القلب، وتحريمه لكف النفس.
وفسر أبو محمَّد البغدادي فسماد الوضع بجعله القياس دليلاً على منكره، فيمنعه، وجوابه: بيان كونه حجة، وَرَدَّ التفسير السابق إِلى القلب.
* * *

منع حكم الأصل:
ولا ينقطع بمجرده عند أصحابنا والأكثر، فيدل عليه، كمنع (1) العلة أو وجودها، فإِنه (2) إِجماع (3)، ذكره الآمدي (4).
وقيل: ينقطع؛ لانتقاله، واختاره أبو إِسحاق الإِسفراييني (5) مع ظهور المنع.
واختار الغزالي (6): اتباع عُرْف المكان (7).
__________
(1) يعني: كمنع علية العلة أو منع وجودها. وفي (ظ): "منع" بعد أن مسحت الكاف.
(2) يعني: إِثباتها بدليل.
(3) ولا يعد المنع قطعاً له.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 75، ومنتهى السول له 3/ 40.
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 75 - 76.
(6) انظر: المستصفى 2/ 349، والإحكام للآمدي 4/ 76.
(7) فإِن عدوه قطعا فقطع، وإلا فلا؛ لأنه أمر وضعي لا مدخل فيه للشرع والعقل.
(3/1355)

واختار صاحب التنبيه الشافعي (1): لا يُقبل (2) منعه، فلا يلزمه يدل عليه. كذا قال. (3)
قال في الواضح (4): فإِن اعترض على حكم الأصل بأني لا أعرف مذهبي فيه: فإِن أمكن المستدل بيانه، وإلا دل على إِثباته (5).
ثم: أصح القولين: لا ينقطع المعترض بمجرد دلالة المستدل، فله الاعتراض، وليس بخارج عن المقصود الأصلي.
قال أصحابنا (6) والشافعية وغيرهم: للمستدل أن يحتج بدليل عنده
__________
(1) هو: أبو إِسحاق جمال الدين إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفيروز آبادي، فقيه أصولي متقن في علوم شتى، توفي سنة 476 ه.
من مؤلفاته: المهذب، والتنبيه -وهما في الفقه- واللمع، وشرحه، والتبصرة، وهي في أصول الفقه.
انظر: المنتظم 9/ 7، وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 2/ 172، ووفيات الأعيان 1/ 9, وطبقات الشافعية للسبكي 4/ 215، وشذرات الذهب 3/ 349.
وكتابه "التنبيه" من أهم المختصرات الفقيه في المذهب الشافعي، وهو مطبوع. انظر: الإِمام الشيرازي -حياته وآراؤه الأصولية- ص 168.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 76، والمنتهى لابن الحاجب/ 143.
(3) نهاية 208 أمن (ب).
(4) انظر: الواضح 1/ 170 ب.
(5) يعني: حكم الأصل.
(6) انظر: المسودة/ 439 - 440.
(3/1356)

فقط كمفهوم وقياس، فإِن منعه خصمه دَلَّ عليه ولم ينقطع، خلافا لأبي علي الطبري الشافعي إِن كان الأصل خفيا.
وأطلق أبو محمَّد البغدادي المنع عن قوم.
وليس للمعترض أن يلزمه ما يعتقده هو فقط (1)، ولا أن يقول: "إِن سلمتَه وإلا دللتُ عليه"، خلافا لبعض الشافعية (2)، (3) قال: لأنه بالمعارضة كالمستدل.
وقال بعض أصحابنا (4): لم ينقع واحد منهما، فيكون الاستدلال في مهلة النظر في المعارِض.
* * *
التقسيم: وارد عندنا وعند الأكثر.
وهو: احتمال لفظ المستدل لأمرين أحدهما ممنوع.
وبيانه على المعترض كالاستفسار.
مثاله -في الصحيح في الحضر (5) -: وُجِد السبب بتعذر الماء، فجاز التيمم.
__________
(1) ولا يعتقده المستدل.
(2) انظر: المسودة/ 440.
(3) نهاية 410 من (ح).
(4) انظر: المسودة/ 440 قال: والتحقيق أن المستدل إِن أمكنه من ذلك وأجاب انقطع المعترض، وإن لم يمكنه لم ينقطع واحد منهما.
(5) يعني: إِذا لم يجد الماء.
(3/1357)

فيقول المعترض: السبب تعذره مطلقًا، أو في سفر أو مرض (1)، الأول ممنوع.
فهو منع بعد تقسيم.
وجوابه: كالاستفسار.
ولو ذكر (2) المعترض احتمالين لم يدل عليهما لفظ المستدل -كقول المستدل (3): "وُجِد سبب استيفاء القصاص (4) [فيجب] (5) "، فيقول: متى (6)، مع مانع الالتجاء إلى الحرم أو عدمه؟ الأول ممنوع- فإن أورده على لفظ المستدل لم يقبل؛ (7) لعدم تردد لفظ السبب بين الاحتمالين، وإن أورده على دعواه الملازمة بين الحكم ودليله فهو مطالبة بنفي المانع، ولا يلزم المستدل.
وإن استدل المعترض مع ذلك (8) على وجود المعارِض فمعارضة.
* * *
__________
(1) يعني: تعذره في سفر أو مرض.
(2) نهاية 141 ب من (ظ).
(3) في مسألة الملتجئ إِلى الحرم.
(4) وهو القتل العمد العدوان.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(6) يعني: متى كان سببا؟
(7) نهاية 208 ب من (ب).
(8) في (ح): دليل.
(3/1358)

منع وجود ما ادعاه المستدل علة في الأصل: كقوله في الكلب: حيوان يُغسل من ولوغه سبعا، فلا يطهر بالدباغ كالخنزير.
فيمنع (1).
وجوابه: ببيانه بدليله من عقل أو حس أو شرع بحسب حال الوصف.
وله (2) تفسير لفظه بمحتمل.
وذكر الآمدي (3) عن بعضهم: "يُقبل بما له وجود في الأصل ولو لم يحتمله"، وليس بشيء.
* * *
منع كونه علة: وهو أعظم الأسئلة؛ لعموم وروده وتشعب مسالكه، قاله الآمدي (4).
ويقبل عندنا وعند الأكثر؛ لئلا يحتج المستدل بكل طرد، وهو لعب، ولأن الأصل عدم دليل القياس، خُولف فيما نقل عن الصحابة أو أفاد الظن.
وليس (5) القياس رد فرع إِلى أصل بجامع ما، بل بجامع مظنون.
__________
(1) يعني: يمنع أن الخنزير يغسل من ولوغه سبعا.
(2) يعني: للمستدل.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 81.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 82.
(5) هذا جواب دليل مقدر.
(3/1359)

وليس عجز المعارض دليل صحته؛ للزوم صحة كل صورةِ دليلٍ لعجزه (1).
وجوابه: ببيانه بأحد مسالك العلة السابقة (2).
* * *
عدم التأثير:
قال بعض أصحابنا (3): ولا يؤثر في قياس الدلالة على الصحيح فيه -وقاله ابن عقيل (4) - لأنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، وذكره في الانتصار في مسألة عدالة الشهود والنكاح بلفظ الهبة.
وقال أيضًا: لا يرد على القياس النافي للحكم؛ لتعدد سبب انتفائه لعدم العلة أو جزئها، (5) أو وجود مانع أو ذوات شرط، بخلاف سبب ثبوته؛ (6) لأن عدم التأثير إِنما يصح إِذا لم يخلف العلة علة أخرى، ولأنه يرجع إلى قياس الدلالة، والقاضي يفسد كثيراً (7) الجمع والفرق بعدم التأثير في النفي، وهو
__________
(1) يعني: لعجز المعارض.
(2) في ص 1257 وما بعدها.
(3) انظر: انظر: المسودة/ 420، 422.
(4) انظر: الواضح 1/ 175 ب، والجدل على طريقة الفقهاء/ 56.
(5) نهاية 209أمن (ب).
(6) نهاية 411 من (ح).
(7) في (ب) و (ظ): كثير الجمع.
(3/1360)

ضعيف، كالفرق في لبن الآدميات بين الحية والميتة بالنجاسة، فيقول: "لا تأثير لهذا؛ فإِن لبن (1) الرجل والصيد طاهر، ولا يجوز بيعه"، وكالفرق بين اللبن وبين الدمع والعرق بعدم المنفعة، فيقول: "الوقف وأم الولد فيه منفعة، ولا يجوز بيعه".
وقسم الجدليون عدم التأثير أربعة أقسام:
عدم التأثير في الوصف: مثاله: الصبح صلاة لا تقصر، فلا يقدم أذانها على وقتها كالمغرب.
فعدم القصر هنا طردي (2)، فيرجع إِلى سؤال المطالبة (3) قبله.
الثاني: عدم التأثير في الأصل؛ لثبوت حكمه بدونه.
مثاله في بيع الغائب: مبيع غير مرئي، فبطل كالطير في الهواء.
فالعجز عن التسليم مستقل (4).
وقبوله وردُّه مبني على تعليل الحكم بعلتين.
ولم يقبله أبو محمَّد البغدادي (5) بناء على هذا.
__________
(1) نهاية 142 أمن (ظ).
(2) لا أثر له في عدم تقديم الأذان.
(3) يعني: المطالبة بكون الوصف علة.
(4) يعني: كاف في عدم صحة بيع الطير، فكونه غير مرئي وإن ناسب نفي الصحة فلا تأثير له.
(5) انظر: المسودة/ 421.
(3/1361)

وقبله في الروضة (1) وغيرها.
وهو معارضة في الأصل (2).
الثالث: عدم التأثير في الحكم (3):
مثاله في المرتدين: مشركون أتلفوا مالا في دار الحرب، فلا ضمان كالحربي.
ف "دار الحرب" طردي، فيرجع إِلى الأول.
ومثَّله بعض أصحابنا (4) بقولنا في تخليل الخمر: مائع لا يطهر بالكثرة، فلا يطهر بالصنعة كالدهن واللبن.
فقيل للقاضي (4): قولك: "لا يطهر بالصنعة" لا أثر (5) له في الأصل (6).
فقال: هذا (7) حكم العلة، والتأثير يعتبر في العلة دون الحكم.
__________
(1) انظر: روضة الناظر/ 249.
(2) يعني: بإِبداء علة أخرى.
(3) وهو: أن يذكر في الدليل وصفا لا تأثير له في الحكم المعلَل. انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 85.
(4) انظر: المسودة/ 420 - 421.
(5) نهاية 209 ب من (ب).
(6) يعني: فإنه لا يطهر بالصنعة ولا بغيرها.
(7) يعني: قولنا: لا يطهر بالصنعة.
(3/1362)

قال بعض أصحابنا (1): هذا ضعيف، وذكر أبو الخطاب (2) فيه مذهبين، ومثَّله بهذا.
الرابع: عدم التأثير في الفرع (3):
مثاله: زوجت نفسها، فبطل، كما لو زوجت بلا كفء.
وتزويجها نفسها مطلقًا لا أثر له في الأصل (4)، فيرجع إِلى الثاني (5).
قال الآمدي (6): عدم التأثير في محل النزاع، ك "زوجت نفعسها بلا كفء فبطل"، فرده قوم؛ لمنعهم جواز الفرض في الدليل، وقَبِله من لم يمنعه، وهو المختار، ومع ذلك كله فالوصف قد يفيد لقصد دفع النقض أو لقصد الفرض (7) في الدليل. كذا قال.
وقال بعض أصحابنا (8): يجوز الفرض في بعض صور المسألة المسئول عنها عند عامة الأصوليين.
__________
(1) انظر: المسودة/ 421.
(2) انظر: التمهيد/ 174أ.
(3) وهو: أن يكون الوصف المذكور في الدليل لا يطرد في جميع صور النزاع وإن كان مناسبًا. انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 86.
(4) انظر: حاشية التفتازاني على شرح العضد 2/ 266.
(5) وهو: عدم التأثير في الأصل.
(6) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 86.
(7) يعني: فلا يكون عدم التأثير.
(8) انظر: المسودة/ 425.
(3/1363)

وكذا (1) في الروضة (2): له أن يخص الدليل، فيفيد لغرض الفرض ببعض صور الخلاف، إِلا أن يعم الفتيا فلا (3).
وقال أبو محمَّد البغدادي (4): المختار مطابقة الجواب للسؤال، ويجوز أعم، وإن كان أخص: فمنع ابن فورك الفرض في الجواب والدليل، وجوزه غيره، مثل: السؤال (5) عن فسخ النكاح بالعيوب الخمس (6)، فيفرض في واحد منها؛ لأن الدليل قد يساعده في الرتق دون غيره، فله غرض صحيح، وجوز قوم الفرض في الدليل لا الجواب؛ ليطابق، وهو خطأ. ومن جوز الفرض اختلفوا في وجوب بيان (7) ما خرج عنه عليه، ثم اختلف الباقون في كيفية البناء، والمختار: جواز الفرض من غير بناء، وعليه الاصطلاح (8)؛ لإِرفاق (9) المستدل وتقريب الفائدة. هذا كلامه.
__________
(1) نهاية 412 من (ح).
(2) انظر: روضة الناظر/ 349.
(3) لأنه لا يفي بالدليل على ما أفتى به.
(4) انظر: المسودة/ 425.
(5) نهاية 142 ب من (ظ).
(6) كذا في النسخ. ولعلها: الخمسة.
(7) كذا في النسخ. ولعلها: بناء.
(8) في (ح) و (ظ) ونسخة في هامش (ب): الاصلاح.
(9) نهاية 210 أمن (ب).
(3/1364)

وعندنا (1) وعند الأكثر: إِن أتى بما لا أثر له في الأصل -لقصد دفع النقض- لم يجز.
وفي مقدمة المجرد (1): يحتمل أن لا يجوز، ويحتمل أن يجوز؛ لأنه محتاج إِليه كتعليق الحكم بالوصف المؤثر.
وذكر أبو المعالي (2): أنه أجازه من صحح العلة بالطرد، وبعضهم مطلقًا، ثم اختار تفصيلاً.
وفي التمهيد (3): ان أتى في العلة بما لا أثر له، نحو: "الجمعة صلاة مفروضة، فلم تفتقر إِلى إِذن كغيرها": ف "مفروضة" قيل: يضر دخوله؛ لأنه بعض (4) العلة، وقيل: لا، فإِن فيه تنبيها على أن غير الفرض أولى أن لا يفتقر، ولأنه يزيد تقريبه (5) من الأصل (6)، فالأولى ذكره.
وِإن أتى به تأكيدا فكلامه (7) يقتضي منعه، بخلافه لزيادة بيان.
__________
(1) انظر: المسودة/ 428.
(2) انظر: البرهان/ 797 - 798.
(3) انظر: التمهيد/ 174 أ.
(4) كذا في النسخ. ولعل الصواب: لأنه نقص العلة. فقد قال في التمهيد: لأنه نقص العلة بعد أن كانت تامة؛ لأن قوله: "صلاة" يعم الفرائض والنوافل، فإِذا قال: "مفروضة" أخرج النوافل وأوهم.
(5) انظر: التمهيد/ 174أ، والمسودة/ 429.
(6) لأنه يكثر ما يجتمعان فيه.
(7) انظر: التمهيد/ 174أ، والمسودة/ 429.
(3/1365)

ويقتضي كلام ابن عقيل (1) [أن] (2) له ذكره تأكيدا أو لتأكيد العلة، فيتأكد الحكم، وللبيان ولتقريبه من الأصل، وقال (3): إِن جعل الوصف مخصصا لحكم العلة -كتخليل الخمر: "مائع لا يطهر بكثرة، فكذا بصنعة آدمي كخل نجس"، فلا (4) يطهر الأصل مطلقًا- فصححه (5) بعض الجدليين وبعض الشافعية؛ لأن الأثير يطالب به في العلة لا الحكم، وقيل: الحكم عدم الطهارة، وتعلقه بالصنعة من العلة (6)، فيجب بيان تأثيره، قال (7): وهذا أصح.
* * *
القدح في مناسبة الوصف بما يلزم من مفسدة راجحة أو مساوية:
وجوابه: بالترجيح (8)، كما سبق (9) في انخرام المناسبة.
* * *
__________
(1) انظر: الواضح 1/ 178 ب.
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(3) انظر: الواضح 1/ 177 ب-178 أ.
(4) يعني: فيقول المعترض: لا تأثير لقولك: "بصنعة" في الأصل. لأنه لا يطهر بصنعة ولا بغيرها.
(5) يعني: ولم يصحح السؤال.
(6) يعني: من تمامها.
(7) انظر: الواضح 1/ 178 أ.
(8) في (ب): وبالترجيح.
(9) في ص 1284 - 1286.
(3/1366)

القدح في إِفضاء الحكم إِلى ما علّل به من المقصود: كتعليله حرمة المصاهرة أبدا بالحاجة إِلى رفع الحجاب المؤدي (1) إِلى الفجور، فإِذا تَأَبَّد انسد باب الطمع في مقدمات الهمّ بها ونظره إِليها.
فيعترض: بأن سَدَّه أفضى إِلى الفجور؛ (2) لميل النفس إِلى الممنوع.
وجوابه (3): بأن التأبيد يمنع عادة منه؛ لأنه يصير طبيعيا كالأمهات.
* * *
كون الوصف خفيا: كتعليله صحة النكاح بالرضا، ووجوب القود بالقصد.
فيعترض: بأنه خفي، والخفي لا يعرِّف الخفي.
وجوابه: ضبطه بما يدل عليه من صيغة -كإِيجاب وقبول- أو فعل.
* * *
كونه غير منضبط: كتعليله بالحِكَم والمقاصد، كتعليله رخص السفر بالمشقة، وقطع السارق بالزجر.
فيعترض: باختلافها (4) بالأشخاص والأزمان والأحوال.
__________
(1) نهاية 210 ب من (ب).
(2) نهاية 413 من (ح).
(3) نهاية 143أمن (ظ).
(4) في (ظ): باختلافهما.
(3/1367)

وجوابه: ببيان أنه منضبط بنفسه، أو بضابط للحكمة (1) كضبط الحرج بسفر أو مرض.
* * *
النقض: سبق (2) (3) بيانه والخلاف في إِبطال العلة به.
مثاله -في الحلي-: مال غير نام، فلا زكاة، كثياب البذلة (4).
فيعترض: بالحلي المحرم (5).
وجوابه: منع وجود العلة في صورة النقض، أو منع الحكم فيها.
وليس للمعترض الدلالة على وجود العلة فيها؛ لقلب القاعدة بجعله مستدلا، والمستدل معترضا، ذكره في الروضة (6)، وذكره القاضي (7) وأبو الطيب (7) الشافعي إِلا أن يبين (8) مذهب المانع.
وقيل: له ذلك؛ لتحقيق تمام سؤاله ومقصود النظر، وإنما يتقرر المنع بالدلالة،
__________
(1) في (ب): للحكم.
(2) في (ظ): ما سبق.
(3) في ص 1220.
(4) ثياب البذلة: ما يمتهن من الثياب. انظر: الصحاح/ 1632، ولسان العرب 13/ 52.
(5) فإنه غير نام، وتجب فيه الزكاة.
(6) انظر: روضة الناظر / 342.
(7) انظر: المسودة/ 437.
(8) في (ب) و (ظ): إلا أن يبين فيه مذهب المانع. وانظر: المسودة/ 437.
(3/1368)

واختاره الآمدي (1) إِن تعذر الاعتراض بغيره، واختاره بعضهم إِن لم يكن له طريق أولى بالقدح.
ومنعه بعضهم في الحكم الشرعي؛ لأن للمستدل فيه أن (2) يجيبه بتخلف الحكم لمانع أو انتفاء شرط جمعا بين الدليلين؛ بخلاف الحكم العقلي.
وكذا ذكر أبو محمَّد البغدادي: له الجواب بجواز تخلف الحكم فيها لمانع أو انتفاء شرط، وإن قيل: "انتفاء الحكم مع علته خلاف الأصل"، قيل: "وانتفاؤها (3) مع دليلها خلاف الأصل"، وهذا أرجح؛ لإِمكان إحالة الحكم على مانع أو انتفاء شرط، فهو ترك للدليل وأخذ بغيره، وإذا لم يعمل بدليل العلة ترك بالكلية من غير عدول إِلى غيره.
قال: وإن أجاب بأن انتفاء الحكم لمانع أو انتفاء شرط لزمه تحقيقه؛ لأنه كان من حقه (4) أن يحترز عنه أولاً، فلزمه ثانيًا.
قال أهل المناظرة -وتبعهم الآمدي (5) وغيره-: ولو دل المستدل على وجود العلة بدليل موجود في صورة النقض (6)، فقال المعترض: "ينتقض
__________
(1) انظر: الإحكام للآمدي 4/ 89.
(2) نهاية 211أمن (ب).
(3) في (ح): وابتداؤها.
(4) نهاية 414 من (ح).
(5) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 89 - 90.
(6) يعني: ثم نقض المعترض العلة، فقال المستدل: لا أسلم وجودها.
(3/1369)

دليلك (1) "فقد انتقل (2) من نقض العلة إِلى نقض دليلها، فلا يقبل، كقول حنفي في عدم تبييت (*) النية: "أتى بمسمى الصوم -لأنه إِمساك (3) مع النية- فصح كمحل الوفاق"، فينقض المعترض بالنية بعد الزوال، فيجيبه بمنع وجودها فيه، فيقول: ينتقض دليلك.
وقال بعضهم (4): فيه نظر.
وفي الروضة (5): انتقل، ويكفي المستدل دليل يليق بأصله.
أما لو قال المعترض ابتداء: "يلزمك انتقاض علتك أو دليلها" قُبِل.
ولو منع المستدل تخلف الحكم في صورة النقض ففي تمكين المعترض من الدلالة الخلاف في تمكينه يدل على وجود العلة فيها.
وذكر ابن برهان (6): إِن منع الحكم انقطع الناقض، وإن منع الوصف فلا، فيدل عليه، وحكاه بعض أصحابنا (6) عن أبي (7) الخطاب وابن عقيل، وعلّله في التمهيد (8): بأنه بيان للنقض لا من جهة الدلالة عليه، فجاز.
....................
__________
(1) لوجوده في محل النقض بدون مدلوله، وهو وجود العلة.
(2) في (ح): انتقض.
(*) في (ح): تبيت.
(3) نهاية 143ب من (ب).
(4) انظر: المنتهى/ 145، ومختصره 2/ 268.
(5) انظر: روضة الناظر/ 343.
(6) انظر: المسودة/ 431.
(7) نهاية 211 ب من (ب).
(8) انظر: التمهيد/ 175أ.
(3/1370)

ويكفي قول المستدل في دفع النقض: لا أعرف الرواية فيها -ذكره أصحابنا (1) - للشك في كونها من مذهبه.
وفي الواضح (2): لقائل أن يجيب عنه: لا يثبت أنه قياس حتى يعلم سلامته من النقض، بخلاف استصحاب الحال؛ فإِنه تمسك بأصل موضوع، وكذا اختاره بعض الشافعية.
وإن قال: "أنا أحملها على مقتضى القياس، وأقول فيها كمسألة الخلاف" فإِن كان إِمامه يرى تخصيص العلة لم يجز؛ لأنه لا يجب الطرد عنده، وإلا احتمل الجواز -لأنه طرد علته- واحتمل المنع؛ لئلا يثبت لإِمامه مذهبا بالشك، وهو الأظهر عندي، ذكره في التمهيد (3).
وفي الواضح (4): ليس له؛ لأنه إِثبات مذهب بقياس، إِلا أن ينقل عنه أنه علّل بها، فيجريها.
......................
وإن فسر المستدل (5) لفظه بما يدفع النقض -بخلاف ظاهره، كتفسيره العام بالخاص- لم يُقبل، ذكره القاضي (6) وأبو الخطاب (7)
__________
(1) انظر: المسودة/ 435.
(2) انظر: الواضح 1/ 179أ- ب.
(3) انظر: التمهيد/ 175أ.
(4) انظر: الواضح 1/ 179 ب.
(5) نهاية 415 من (ح).
(6) انظر: العدة / 225 ب.
(7) انظر: التمهيد/ 175أ.
(3/1371)

وابن عقيل (1) وأبو الطيب (2) الشافعي وغيرهم؛ لأنه يزيد وصفا لم يكن، وذكره للعلة وقت حاجته، فلا يؤخر عنه بخلاف تأخير الشارع البيان عن وقت خطابه.
وظاهر كلام بعض أصحابنا: يُقبل وفاقا لبعضهم.
وكذا قال أبو محمَّد البغدادي (3): تفسير اللفظ بما يحتمله.
وإن (4) قال المستدل (5): "عللتُ لما سألتني عنه" فيجعل سؤاله من تمام العلة (6)؛ لوجوب استقلالها فلا تحتاج إِلى قرينة ونية.
...................
وإن أجاب المستدل بالتسوية (7) بين الأصل والفرع (8) لدفع النقض جاز عند القاضي (9) والحلواني (10) والحنفية (11).
__________
(1) انظر: الواضح 1/ 180 ب- 181أ.
(2) انظر: المسودة/ 430.
(3) انظر: المسودة/ 407.
(4) في (ب) و (ظ): إِن قال.
(5) انظر: المسودة/ 436.
(6) يعني: فلا يجوز؛ لوجوب ... إِلخ.
(7) نهاية 212 أمن (ب).
(8) نهاية 144أمن (ب).
(9) انظر: العدة/ 226 ب.
(10) انظر: المسودة/ 431.
(11) انظر: أصول السرخسي 2/ 233، 277، 283، وكشف الأسرار 4/ 32، 43،=
(3/1372)

ومنعه الشافعية (1) وابن عقيل (2) -وذكره عن المحققين، والأول عن أصحابنا- وعلّل باشتراط الطرد.
وأجازه أبو الخطاب (3) إِن جاز تخصيص العلة؛ لأن الطرد ليس بشرط للعلة إِذًا، وإلا لم يجز؛ لاشتراطه، فقد وجد النقض -وهو وجود العلة بلا حكم- في الأصل والفرع.
فإِن قيل: من شرطه (4) أن لا يستوي الأصل والفرع.
رد: باطل.
مثاله -في المسح على العمامة-: عضو يسقط في التيمم، فمسح حائله كالقدم، فينقض: بالرأس في الطهارة الكبرى. فيجيبه: يستوي فيها الأصل والفرع (5).
ومثله: بائن، فلزمها الإِحداد كالمتوفَى عنها، فينقض: بالذمية
__________
=وتيسير التحرير 4/ 9، 117، 138، وفواتح الرحموت 2/ 277، 341، والواضح 1/ 181أ، والمسودة/ 431.
(1) انظر: اللمع/ 67، والتبصرة/ 266، والمستصفى 2/ 336، والمحصول 2/ 2/ 323، والإِحكام للآمدي 3/ 218، والواضح 1/ 181أ، والمسودة/ 431.
(2) انظر: الواضح 1/ 181 ب.
(3) انظر: التمهيد/ 176أ.
(4) يعني: شرط النقض.
(5) يعني: في عدم المسح.
(3/1373)

والصغيرة، فيجيبه: بالتسوية (1).
* * *
وليس للمعترض أن يلزم المستدل ما لا يقول به المعترض، كمفهوم وقياس وقول صحابي؛ لأنه احتج واً ثبت الحكم بلا دليل، ولاتفاقهما على تركه؛ لأن أحدهما لا يراه (2) دليلاً، والآخر لَمَّا خالفه دل على دليل أقوى منه، إِلا النقض والكسر على قول من التزمهما؛ لأن الناقض لم يحتجّ بالنقض ولا أثبت الحكم به، ولاتفاقهما على فساد العلة على أصل المستدل بصورة الإِلزام، وعلى (3) أصل المعترض بمحل النزاع، ذكره أصحابنا والشافعية (4) وغيرهم.
وجوز (5) بعض الشافعية (6): معارضته (7) بعلة منتقضة على أصل المعترض، وقاله (8) بعض أصحابنا (9) إِن قصد (10) إِبطال دليل المستدل لا
__________
(1) يعني: في عدم الإحداد.
(2) نهاية 416 من (ح).
(3) في (ح): الالزام على أصل ...
(4) انظر: المسودة/ 432.
(5) في (ح): وجوزه.
(6) انظر: التمهيد / 177 ب، والمسودة / 436.
(7) في (ح): معارضة.
(8) في (ح): وقال.
(9) انظر: المسودة/ 435.
(10) يعني: المعترض.
(3/1374)

إِثبات مذهبه؛ لأن المستدل إِنا يتم دليله إِذا سلم عن المعارضة (1) (2) والمناقضة، فكيف يلزم به غيره؟.
وقال ابن عقيل: إِن احتج بما لا يراه -كحنفي بخبر واحد فيما تعم به البلوى- فاعترض عليه: "لا تقول به"، فأجاب (3): "أنت تقول به، فيلزمك"، فهذا قد استمر عليه أكثر الفقهاء، وعندي: لا يحسن مثل هذا؟ لأنه -إِذًا- إِنما هو مستدل صورة.
قال: ومن نصر الأول قال: على هذا لا يحسن بنا أن نحتج على نبوة نبينا - صلى الله عليه وسلم - بالتوراة والإِنجيل المبدَّلين، لكن نحتج به على أهل الكتاب، لتصديقهم به.
.................
وإن نقض المعترض أو المستدل علة الآخر بأصل نفسه لم يجز عند أصحابنا والشافعية (4)، خلافا للجرجاني (5) الحنفي وبعض الشافعية (6). (7)
__________
(1) من قوله: (وقاله بعض أصحابنا) إِلى قوله: (المعارضة) تكرر في (ب).
(2) نهاية 212 ب من (ب).
(3) في (ح): أجاب.
(4) انظر: المسودة/ 434.
(5) انظر: العدة/ 227أ، والمسودة/ 434.
(6) انظر: المسودة/ 434.
(7) نهاية 144 ب من (ظ).
(3/1375)

قال ابن الباقلاني (1): له وجه، فإِن (2) سلمه خصمه، وإلا دل عليه.
وقال بعض أصحابنا (3): نقض المعترض بأصل نفسه كقياسه على أصل نفسه، وحاصله (4): أن مقدمة الدليل المعارض ممنوعة، وليس ببعيد، كما يجوز ذلك للمستدل. كذا قال.
..................
ولو زاد (5) المستدل وصفا معهودًا [معروفا (6)] (7) في العلة لم يجز.
ذكره في التمهيد (8) والواضح (9).
ويتوجه احتمال -وفاقا لبعض الجدليين وبعض (10) الشافعية- لأنه تركه سهوا أو سبق لسان (11)، فعذر.
.....................
__________
(1) انظر: العدة/ 227أ، والمسودة/ 432.
(2) في (ب): فإِنه.
(3) انظر: المسودة/ 435.
(4) في (ب): وحاصل.
(5) يعني: بعد أن نقضت علته.
(6) أما إِذا لم يكن معروفا فقد اتفقوا على عدم قبوله.
(7) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح)، وترك مكانه خاليا.
(8) انظر: التمهيد/ 175 ب.
(9) انظر: الواضح 1/ 181 ب، والمسودة/ 431.
(10) نهاية 417 من (ح).
(11) في (ح): لسان سهوا. وضرب في (ب) و (ظ) على: سهوا.
(3/1376)

وفي قبول النقض بمنسوخ، وبخاص بالنبي عليه السلام: مذهبان في التمهيد (1) والواضح (2).
....................
ولا نقض برخصة ثابتة على خلاف مقتضى (3) الدليل، ذكره جماعة من أصحابنا (4) وغيرهم.
وقال أبو الخطاب (5): "هل تنتقض العلة بموضع الاستحسان؟ يحتمل وجهين"، ومثّله بما إِذا سوى بين العمد والسهو فيما يبطل العبادة (6)، فينقض بأكل الصائم (7).
وفي الواضح (8): عن أصحابنا والشافعية: لا نقض بموضع استحسان، ومثَّل بهذا، ثم قال: يقول المعترض: النص دل على انتقاضه، فيكون آكد للنقض.
__________
(1) انظر: التمهيد/ 175 ب.
(2) انظر: الواضح 1/ 182أ.
(3) نهاية 213 أمن (ب).
(4) انظر: المسودة/ 437.
(5) انظر: التمهيد / 178أ.
(6) يعني: كالحدث.
(7) فإِنه يبطل عمدا لا سهوا.
(8) انظر: الواضح 1/ 180أ.
(3/1377)

وعند بعض أصحابنا (1): تنتقض المستنبطة إِن لم يبين مانعا كالنقض بالعرايا في الربا، وإِيجاب الدية على العاقلة؛ لاقتضاء المصلحة الخاصة ذلك، أو لدفع مفسدة آكد كحل الميتة للمضطر إِذا نقض بها علة تحريم النجاسة.
.......................
وهل يجب احتراز المستدل في دليله عن النقض؟
قيل: يجب -اختاره في الواضح (2) والروضة (3) وأبو محمَّد البغدادي، وذكره عن معظم الجدليين- لقربه من الضبط.
وقيل: لا؛ لأن انتفاء المعارض ليس من الدليل؛ لحصول العلم أو الظن بدون التعرض له، ولأن الدليل يتم بدونه إِن (4) لم يكن في نفس الأمر، وإلا ورد وإن احترز عنه اتفاقًا.
ومُنعا (5)، وضُعِّف المنع.
وقيل: يجب إِلا في نقض ورد (6) بطريق الاستثناء.
......................
__________
(1) انظر: المسودة/ 414، 437.
(2) انظر: الواضح 1/ 180أ.
(3) انظر: روضة الناظر/ 342.
(4) في (ظ): وإن.
(5) يعني: الدليلين.
(6) في (ظ): وطرد.
(3/1378)

وإن احترز عن النقض بشرط ذكره في الحكم نحو: حران مكلفان محقونا الدم، فيجب القود بينهما في العمد كالمسلمين:
فقيل: لا يصح؛ لاعترافه بالنقض، فإِن الحكم يتخلف عن الأوصاف (1) في الخطأ.
وقيل: يصح؛ لأن الشرط المتأخر متقدم (2) في المعنى كتقديم المفعول على الفاعل (3)، اختاره أبو الخطاب (4)، قال: وإن احترز بحذف (5) الحكم لم يصح كقول حنفي في الإِحداد على المطلقة: "بائن كالمتوفى عنها"، ينقض بصغيرة وذمية، فيقول: "قصدت التسوية بينهما"، فيقال: التسوية بينهما حكم، فيحتاج إِلى أصل يقاس عليه.
* * *
الكسر: نقض المعنى، والكلام فيه كالنقض، وقد سبق (6).
....................
__________
(1) نهاية 418 من (ح)، ونهاية 145أمن (ظ).
(2) في (ح): مقدم.
(3) نهاية 213 ب من (ب).
(4) انظر: التمهيد/ 178 ب، 179 أ.
(5) في نسخة في هامش (ظ): بخلاف.
(6) في ص 1227.
(3/1379)

قال في التمهيد (1): يشبه الكسر من الأسئلة الفاسدة قولهم: لو كان هذا علة في كذا لكان علة في كذا، نحو: لو مَنع عدمُ الرؤية صحة البيع مَنَعَ النكاح.
ويشبه ذلك قولهم: "أخذتَ النفي من الإِثبات أو بالعكس، فلم يجز"، كالقول في الموطوءة مغلوبة: ما فَطَّرها مع العمد لم يفطرها مغلوبة، كالقيء.
وجوابه: يجوز؛ لتضاد (2) حكمهما؛ للاختيار وعدمه، ولهذا: للشارع تفريق الحكم بهما.
ومن ذلك قولهم: "هذا استدلال بالتابع على المتبوع، فلم يجز، بخلاف العكس"، كقولنا في نكاح موقوف: "نكاح لا تتعلق به أحكامه المختصة به (3) كالمتعة"، فيقال: "الأحكام متابعة، والعقد متبوع"، فهذا فاسد بدليل بقية الأنكحة، وتناقضوا؛ فأبطلوا ظهار الذمي ويمينه لبطلان تكفيره، وهو فرع يمينه.
* * *
المعارضة في الأصل بمعنى آخر: مستقل بإِثبات الحكم -كمعارضة علة الطعم في الربا بالكيل- أو غير مستقل، كمعارضة القتل العمد العدوان بوصف الجارح.
__________
(1) انظر: التمهيد/ 180 أ.
(2) في (ب): كتضاد.
(3) يعني: فكان باطلا.
(3/1380)

وهذا القسم الثاني مقبول (1) عندنا وعند أكثر الشافعية (2) والجمهور؛ لئلا يلزم التحكم؛ لأن وصف المستدل ليس بأولى بكونه جزءًا أو مستقلاً (3).
فإِن رجّح استقلاله بتوسعة الحكم في الأصل والفرع فتكثر الفائدة: فللمعترض منع دلالة الاستقلال عليها، ثم (4): له معارضته بأن الأصل انتفاء الأحكام، وباعتبارهما معا، فهو أولى.
قالوا: يلزم منه استقلالهما (5) بالعلية، فيلزم تعدد العلة المستقلة.
رد: بالمنع؛ لجواز اعتبارهما معا، كما لو أعطى قريبا عالماً.
ومثَّل في التمهيد (6) المعارضة في الأصل: بأن الذمي يصح طلاقه فصح ظهاره كالمسلم، فيعترض: بصحة تكفيره، فيجيبه: بأنها علة واقفة لا تصح (7)، وإن قال بصحتها قال: "أقول بالعلتين في الأصل، وتتعدى علتي إِلى الفرع"، فإِن قال: "أقررتَ بصحة علتي، فإِن ادعيت علة أخرى لزمك الدليل" قيل: هذا مطالبة بتصحيح العلة، فيجب تقديمه على المعارضة، وإلا
__________
(1) نهاية 214 أمن (ب).
(2) انظر: المنخول/ 416، والإِحكام للآمدي 4/ 93.
(3) نهاية 419 من (ح).
(4) يعني: لو سلم.
(5) في (ظ): استقلالها.
(6) انظر: التمهيد/ 185 ب- 186أ.
(7) نهاية 145 ب من (ظ).
(3/1381)

خرجت عن مقتضى الجدل. كذا قال.
وقال (1) -وقاله قبله أبو الطيب (2) الشافعي-: إِن عارضه بعلةٍ معلولُها داخل في معلول علته لم يصح، كمعارضة الكيل (3) بالقوت.
ومعنى ذلك كله في الواضح (4).
قال بعض أصحابنا (5): هي كمعارضة متعدية بقاصرة، وهي معارضة صحيحة.
..................
ولا يلزم المعترض بيان نفي وصف المعارضة عن الفرع.
وقيل: يلزمه؛ لأنه قَصَد الفرق، ولا يتم إِلا به.
واختاره الآمدي (6) إِن قَصَد الفرق، وإلا فلا بأن يقول: هو من العلة، فإِن لم يوجد في الفرع ثبت (7) الفرع (8)، وإلا فالحكم فيه بهما.
__________
(1) انظر: التمهيد/ 186 ب.
(2) انظر: المسودة/ 442.
(3) في التمهيد/ 186 ب، والمسودة/ 442: كمعارضة الطعم بالقوت.
(4) انظر: الواضح 1/ 86 ب وما بعدها، 189 ب- 190 أ- ب-194 أ.
(5) انظر: المسودة/ 442.
(6) انظر: الإِحكام للآمدى 4/ 94.
(7) نهاية 214 ب من (ب).
(8) في الإِحكام للآمدي 4/ 94: الفرق.
(3/1382)

وقيل: إِن صرّح بنفيه لزمه (1).
.....................
ولا يحتاج وصف العارضة إِلى أصل (2) عند أصحابنا والأكثر؛ لأن حاصله نفي حكم الفرع (3) لعدم (4) العلة (5) أو منع المستدل من علته (6)، ولأن (7) أصل المستدل أصله (8).
....................
وجواب المستدل عن المعارضة: بمنع وجود الوصف، أو المطالبة بتأثيره إِن أثبت المعترض عليته (9) بمناسبة أو بشبه لا بسبر، أو بخفائه، أو ليس منضبطا، أو منع ظهوره أو انضباطه، أو أنه عدم معارضٍ في الفرع: كقياس
__________
(1) في (ح): لزمته.
(2) يعني: فيبين تأثير وصفه الذكر أبداه في ذلك الأصل.
(3) يعني: بعلة المستدل.
(4) في (ح): كعدم.
(5) ويكفيه أن لا تثبت عليتها بالاستقلال، ولا يحتاج في ذلك إِلى أن يثبت علية ما أبداه بالاستقلال.
(6) لجواز تأثير ما أبداه، والاحتمال كاف.
(7) في (ح): لأن.
(8) بأن يقول: العلة الطعم أو الكيل أو كلاهما، كما في البر بعينه، فإِذًا: مطالبته بأصل مطالبة له بما قد تحقق حصوله، فلا فائدة فيه.
(9) في (ح): علته.
(3/1383)

المكره على المختار بجامع القتل، فيعترض: بالطواعية، فيجيب: بأنها عدم (1) الإِكراه، والإِكراه مناسب لعدم القود الذي هو نقيض وجوبه، فالإِكراه معارض في الفرع، فعدمه عدم معارض فيه، فيكون وصفا طرديا.
أو (2) أنه ملغى.
أو (3) أن ما عداه مستقل في صورة بظاهر نص أو إِجماع، كتعليله بالطعم، فيعترض: بالكيل، فيجيب: باستقلاله بقوله: (لا تبيعوا الطعام بالطعام)، وكتعليله حل القتل بتبديل الدين (4)، فيعترض: بتبديل الإِيمان بالكفر بعده، [فيجيب: باستقلاله] (5) بقوله: (من بدّل دينه فاقتلوه) (6).
واكتفى في الروضة (7) وغيرها -في بيان استقلاله- بإِثبات الحكم في
__________
(1) نهاية 420 من (ح).
(2) في (ح): وأنه.
(3) في (ظ): وأن ما عداه.
(4) يعني: في يهودي صار نصرانياً مثلاً.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(6) هذا الحديث رواه ابن عباس مرفوعًا. أخرجه البخاري في صحيحه 4/ 61 - 62، 9/ 15، وأبو داود في سننه 4/ 520، والترمذي في سننه 3/ 9 - 10 وقال: حسن صحيح، والنسائي في سننه 7/ 104، وابن ماجه في سننه/ 848، والطيالسي في مسنده (انظر: منحة المعبود 1/ 296).
وقد أخرجه الطبراني في معجمه الكبير من حديث معاوية بن حيدة مرفوعاً، وفي معجمه الوسط من حديث عائشة مرفوعاً. راجع: نصب الراية 3/ 456.
(7) انظر: روضة الناظر/ 347.
(3/1384)

صورة دونه؛ لأن الأصل عدم غيره، ويدل عليه عجز المعارض عنه.
وقيل: لا؛ لجواز علة أخرى، ولأجل هذا لو أبدى المعترض وصفا آخر يقوم مقام ما ألغاه المستدل (1) بثبوت (2) الحكم دونه فسد الإِلغاء، ويسمى (3) "تعدد الوضع"؛ لتعدد أصلهما (4)، كقولنا في أمان العبد للكافر: "أمان من مسلم عاقل، فصح كالحر؛ لأنهما (5) مظنتان لإِظهار مصالح الإِيمان (6)، فيعلل بهما"، فيعترض: بالحرية؛ فإِنهما مظنة الفراغ للنظر (7) في المصلحة، فهو أكمل، فنلغيها (8): بعبد أذن له في القتال، فيقول المعترض: قام الإِذن مقام الحرية، فإِنه مظنة لبذل الوسع في النظر، أو مظنة لعلم السيد بصلاحية العبد.
وجواب إفساد الالغاءِ [الالغاءُ] (9) إِلى أن يقف أحدهما.
__________
(1) نهاية 146أمن (ظ).
(2) "بثبوت" جار ومجرور متعلق ب "ألغاه".
(3) نهاية 215 أمن (ب).
(4) في (ب) و (ظ): أصليهما.
(5) يعني: الإِسلام والعقل.
(6) يعني: بذل الأمان وجعله آمنا.
(7) في (ب): لنظر.
(8) يعني: نلغي الحرية. وفي (ب) و (ح): فيلغيها.
(9) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(3/1385)

ولا يفيد المستدل بيان الإِلغاء لضعف المظنة في صورة بعد تسليمها (1)، كقياس المرتدة على المرتد في حل القتل بجامع الردة، فيعترض: بالرجولية، فإِنها مظنة الإِقدام على القتال، فيلغيها (2): بالمقطوع اليدين (3).
ولا يكفي المستدل رجحان وصفه، خلافا للآمدي (4)؛ لقوة (5) بعض أجزاء العلة كالقتل على العمد العدوان.
أما لو اتفقا على كون الحكم معللا بأحدهما قدم الراجح.
ولا يكفيه كونه متعديًا؛ لاحتمال جزئبة القاصر.
........................
ويجوز تعدد أصول المستدل؛ لأنه يقوى الظن يكون وصفه علة.
وقيل: لا؛ للنشر (6) وحصول المقصود بواحد (7).
فعلى الأول: قيل: يجوز اقتصار المعارضة على أصل واحد لإِبطال ما التزمه المستدل من صحة القياس على الجميع (8).
__________
(1) يعني: المظنة.
(2) يعني: يلغي المستدل الرجولية.
(3) فإِنه يقتل مع ضعف مظنة القتال.
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 96.
(5) في (ظ): كقوة.
(6) نهاية 431 من (ح).
(7) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 95.
(8) في (ح): الجمع.
(3/1386)

وقيل: لا -وجزم به في الواضح (1) - لحصول مقصوده بصحة قياس واحد، فقيل: يجب اتحاد المعارض في الجميع؛ للنشر (2)، وقيل: لا؛ (3) للتيسير على المعترض، فقيل: للمستدل الاقتصار في جوابه على أصل واحد (4)، وقيل: لا؛ لما سبق (5).
* * *
التركيب: سبق (6) في شروط حكم الأصل.
وذكره في الروضة (7) من الأسئلة الفاسدة، وقال: هو القياس المركب من اختلاف مذهب الخصم، نحو: "البالغة أنثى، فلا تزوج نفسها كابنة خمس عشرة"، فالخصم يعتقد (8): "لصغرها"، فقيل: فاسد؛ لرد الكلام إِلى سن البلوغ (9)، وليس بأولى من عكسه، وقيل: يصح؛ لأن حاصله
__________
(1) انظر: الواضح 1/ 192أ.
(2) يعني: دفعا للنشر. والنشر: انتشار الكلام. انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 95.
(3) نهاية 215 ب من (ب).
(4) إِذ به يتم مقصوده.
(5) من التزام المستدل صحة القياس على الجميع.
(6) في ص 1203.
(7) انظر: روضة الناظر/ 349.
(8) يعني: يعتقد أنها لا تزوج نفسها لصغرها.
(9) يعني: وما مقداره؟.
(3/1387)

منازعة في الأصل، فيُبطل المستدل ما يدعي المعترض تعليل الحكم به ليسلم ما يدعيه جامعا في الأصل.
واختار بعض أصحابنا (1): الصحة.
وقال أبو محمَّد البغدادي: يرجع إِلى منع الحكم في الأصل أو العلة، ثم: هو غير صحيح (2)؛ لاشتماله على منع حكمٍ على مذهب إِمامٍ نصُّه بخلافه، فلا يجوز.
* * *
التعدية: وهو معارضة وصف المستدل بوصف آخر متعد، مثل: "البكر البالغ بكر، فأجبرت كبكر صغيرة"، فيعترض: بالصغر، وتعديه إِلى الثيب الصغيرة يرجع بالاعتراض إِلى المعارضة في الأصل.
قال الآمدي (3): اختلف فيه، والحق: "لا يخرج عنها (4) "، ولا أثر لزيادة التسوية في التعدية، خلافا للداركي (5).
__________
(1) انظر: البلبل/ 172.
(2) نهاية 146 ب من (ظ).
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 101.
(4) يعني: عن المعارضة في الأصل.
(5) هو: أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله بن محمَّد، أحد أئمة المذهب الشافعي، فقيه مؤرخ، توفي سنة 375 ه. من مؤلفاته: تاريخ نيسابور.
انظر: تاريخ بغداد 10/ 463، والعبر 2/ 370، وطبقات الشافعية للسبكي 3/ 330، وطبقات الفقهاء للشيرازي/ 297.
(3/1388)

منع وجود وصف المستدل في الفرع: مثل: "أمان من أهله كالعبد المأذون"، فيمنع المعترض الأهلية في غير المأذون، فيجيب المستدل: ببيان وجود ما عناه بالأهلية في الفرع، كجواب منع وجود (1) الوصف المدعَى علة في الأصل.
ويمنع المعترض -في الأصح- من تقرير نفي الوصف عن الفرع؛ لأنه مانع من الإِثبات، وتقريره (2) النفي يُوهِم الإِثبات.
* * *
المعارضة في الفرع (3) بما يقتضي نقيض حكم المستدل بأحد طرق إِثبات العلة:
وعندنا وعند الأكثر: تقبل؛ لأنه فائدة المناظرة.
قالوا: صار المعترض مستدلا.
رد: قصده هدم ما بناه المستدل، فلا حجر عليه فيه.
وجواب المستدل: بما يعترض عليه المعترض ابتداء.
ويقبل ترجيح ما ذكره بوجه ترجيح عندنا وعند قوم، واختاره الآمدي (4)؛ لتعيين العمل به وهو المقصود، خلافا لبعضهم.
__________
(1) نهاية 216 أمن (ب).
(2) في (ظ): وتقرير.
(3) نهاية 422 من (ح).
(4) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 102.
(3/1389)

ولا يلزم المستدل الإِيماء إِلى الترجيح في دليله -خلافا لبعضهم- لخروجه عنه، وتوقفُ العمل عليه (1) من توابع ورود المعارضة لدفعها، لا أنه من الدليل.
* * *
الفرق: راجع إِلى المعارضة في الأصل أو الفرع؛ لأنه: جعل أمر مخصوص بالأصل علة أو بالفرع مانعا.
وبنى بعضهم قبول الأول على منع التعليل بعلتين، والثاني على جعل النقض مع المانع قادحاً.
وقيل: بل إِليهما معا، فلهذا: قيل: لا يقبل؛ لأنه جمع بين أسئلة مختلفة، وقيل: يقبل، فقيل: سؤالان جاز الجمع بينهما؛ لأنه أدل على الفرق، وقيل: واحد؛ لاتحاد مقصوده، وهو الفرق.
قال ابن عقيل (2): يحتاج الفرق القادح في الجمع إِلى دلالة وأصل كالجمع، وإِلا فدعوى بلا دليل، خلافا لبعض الشافعية، وإن أحب (3) إِسقاطه (4) عنه طالب (5) المستدل بصحة الجمع.
__________
(1) يعني: على الترجيح.
(2) انظر: الواضح 1/ 202 ب، 1203، 203 ب.
(3) يعني المعترض.
(4) يعني: الأصل والدلالة.
(5) نهاية 216 ب من (ب).
(3/1390)

ومثل: "الصبي غير مكلف، فلا يزكي كمن لم تبلغه (1) الدعوة"، فينقض: بعشر زرعه والفطرة (2): فسؤال صحيح، بخلاف التفرقة (3) بالفسق بين النبيذ والخمر؛ لأنه (4) ليس من حكم العلة، ثم: يجوز جلبها للتحريم فقط؛ لأنه أعم.
ومن يرى أن العلة لا تستدعي أحكامها لا يلزم (5)؛ لأنها تكون علة في موضع دون آخر.
ومثل (6): "النكاح الموقوف لا يحيى، فبطل"، فيقال: "اعتبرت فساد الأصل بفساد الفرع؛ لأن الإِباحة حكم العقد (7) ":
__________
(1) نهاية 147 أمن (ظ).
(2) يعني: يقال: هذه العلة لم تستدع عدم إِيجاب العشر في زرعه وزكاة الفطر في ماله، وهما نظيرا زكاة ربع العشر، فلا تستدعي نفي ربع العشر.
(3) يعني: إِذا علل حنبلي أو شافعي تحريم النبيذ بأن فيه شدة مطربة فكان محرما كالخمر، فيقول المعارض: لو كانت هذه علة التحريم لكانت علة في الفسق، وإنما كان كذلك -أي: فاسدا- لأن الفسق أبطأ من التحريم، والتحريم أسرع من التفسيق؛ لأن لنا محرمات لا تفسق، ولأن مسالك الاجتهاد لا يفسق بها، فهذا وجه فساده ... إِلخ.
(4) يعني: الفسق.
(5) يعني: لا يلزمه هذا السؤال، فيقول في بيان فساده: إِن العلة تكون علة في موضع دون آخر.
(6) هذا تابع لكلام ابن عقيل.
(7) يعني: فلا يكون نفيها موجبا لنفي العقد.
(3/1391)

ففاسد (1)؛ لأن العقد يراد لأحكامه (2). (3)
* * *
اختلاف الضابط في الأصل والفرع:
مثاله -في شهود القود-: "تسببوا (4) بالشهادة كالمكره"، فيقال: ضابط الفرع الشهادة، والأصل الإكراه، فلا يتحقق تساويهما.
وجوابه: بيان أن الجامع التسبب المشترك بينهما، وهو مضبوط عرفا، أو بأن إِفضاء ضابط الفرع إِلى المقصود أكثر، كما لو (5) كان أصل الفرع المغري للحيوان، بجامع التسبب، فإِن انبعاث الولي على القتل بسبب الشهادة للتشفي أكثر من انبعاث الحيوان بالإِغراء؛ لنفرته من الإِنسان، وعدم علمه بجواز القتل وعدمه، فاختلاف أصل التسبب لا يضر، فإِنه اختلاف أصل وفرع.
__________
(1) يعني: سؤال فاسد.
(2) يعني: لا لعينه، فإِذا وجد ولم تتعلق به أحكامه -لا من جهة شرط يحتاج إِليه- دل على فساده.
(3) جاء -بعد هذا- في (ب): (جاز الجمع بينهما؛ لأنه أدل على الفرق، وقيل: واحد لاتحاد مقصوده وهو الفرق). وقد سبق في ص 1390، فهو تكرار، ولا محل له هنا.
(4) نهاية 423 من (ح).
(5) يعني: كما لو جعلنا -في مسألة القصاص من الشهود- الأصل هو المغري للحيوان على القتل.
(3/1392)

ولا يفيد قول المستدل في جوابه: "التفاوت في الضابط مُلْغَى لحفظ النفس، كما ألغي التفاوت بين قطع الأنملة (1) وقطع الرقبة في قود النفس"؛ لأن إِلغاء التفاوت في صورة لا (2) يوجب عمومه، كإِلغاء الشرف (3) وغيره، دون الإِسلام والحرية.
* * *
اختلاف جنس المصلحة:
مثل: أولج فرجا في فرج مشتهى طبعا محرم شرعًا، فيحد كالزاني.
فيقال: حكمة الفرع الصيانة عن رذيلة اللواط، وحكمة الأصل دفع محذور هو اشتباه الإنساب، فقد يتفاوتان في نظر الشرع.
وحاصله: معارضة في الأصل.
وجوابه: بحذفه (4) عن الاعتبار. وسبق (5) في السبر.
* * *
مخالفة حكم الفرع لحكم الأصل: لأن القياس تعدية حكم الأصل إِليه بالجامع.
__________
(1) إِذا مات منه.
(2) نهاية 217 أمن (ب).
(3) فيقتل الشريف بالوضيع.
(4) يعني: حذف خصوص الأصل.
(5) في ص 1269 - 1270.
(3/1393)

وجوابه: بيان اتحاد الحكم عينا -كصحة البيع على النكاح، والاختلاف عائد إِلى المحل، واختلافه (1) شرط فيه- أو جنسا كقطع الأيدي باليد كالأنفس (2) بالنفس.
وتعتبر مماثلة التعدية، ذكره في الروضة (3) وغيرها، وذكره القاضي (4) ومثّله بقول الحنفية -في ضم الذهب إِلى الفضة في الزكاة-: "كصحاح (5) ومكسرة"، فالضم في الأصل بالأجزاء، وفي الفرع بالقيمة عندهم.
ثم: لما نصر (6) جواز قلب التسوية -لأن الحكم التسوية فقط (7)، كقياس الحنفية طلاق المكره على المختار، (8) فيقال: فيجب استواء حكم (9) إِيقاعه وإقراره كالمختار- قال (10): فعلى هذا يجوز قياس الحنفية
__________
(1) يعني: المحل.
(2) في (ب): كالنفس.
(3) انظر: روضة الناظر/ 317 - 318.
(4) انظر: العدة/ 233 أ- ب، والسودة/ 374.
(5) نهاية 147 ب من (ظ).
(6) في (ظ): لما يضر.
(7) وإنما يختلفان في كيفية الاستواء، والكيفية حكم غير الاستواء.
(8) نهاية 424 من (ح).
(9) يعني: استواء حكم إِيقاعه مع حكم إِقراره قياسًا على المختار.
(10) انظر: العدة / 236أ، والمسودة/ 374.
(3/1394)

المذكور (1)، ومن منع هذا القلب -لتضاد حكم الأصل والفرع- لم يجزه (2)؛ لاختلافهما.
قال بعض أصحابنا (3): فصار له قولان، والمنع فيهما قول بعض الشافعية، والجواز قول الحنفية، واختاره في التمهيد (4).
وفي الواضح (5) - (6) في مسألة الضم-: إن اعترض ب "أن حكم الأصل لم يتعدَّ" أجيب: "ألحقتُ في وجوب الضم لا صفته"، ويمكن المعترض أن يقول: الضم في الأصل نوع غير (7) الفرع.
وجعله الآمدي (8) كالقلب الثالث -وسيأتي (9) - ومثّله بقول الحنفي -في إِزالة النجاسة بالخل-: "مائع طاهر مزيل كالماء"، فيقال (10): فيستوي فيه الحدث والخبث كالماء.
__________
(1) في الضم.
(2) يعني: القياس.
(3) انظر: المسودة/ 374.
(4) انظر: التمهيد/ 172 ب، 184 أ- ب، والمسودة/ 426.
(5) انظر: الواضح 1/ 170أ- ب.
(6) نهاية 217 ب من (ب).
(7) يعني: غير النوع الذي في الفرع.
(8) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 109.
(9) في ص 1397، 1398.
(10) يعني: يقال: مائع طاهر مزيل للعين والأثر، فتستوي فيه طهارة الحدث والخبث=
(3/1395)

وجعله في الواضح (1) كالقلب الثاني.
فأما إِن اختلف الحكم جنسا ونوعاً -كوجوب على تحريم، ونفي على إِثبات، وبالعكس- فباطل؛ لأن الحكم إِنما شرع لإِفضائه إِلى مقصود العبد، واختلافه موجب للمخالفة بينهما في الإِفضاء إِلى الحكمة، فإِن كان بزيادة في إِفضاء حكم الأصل إِليها لم يلزم من شرعه شرع حكم (2) الفرع؛ لأن زيادة الإِفضاء مقصودة، ويمتنع (3) كون حكم (4) الفرع أفضى إِلى المقصود، وإلا كان تنصيص الشارع عليه أولى.
فإِن قيل: الحكم لا يختلف؛ لأنه كلام الله وخطابه، بل يختلف تعلُّقه ومتعلَّقه.
قولكم: "كان النص عليه أولى" إِنما يلزم لو لم يقصد التنبيه بالأدنى على الأعلى.
ثم: يحتمل أنه لمانع مختص به.
رد الأول: بأن التعلق داخل في مفهوم الحكم -كما سبق (5) في حد
__________
=كالماء، فإِنه يلزم من القول بالتسوية في الخل بين طهارة الحدث والخبث عدم حصول الطهارة بالخل في الخبث؛ لعدم حصولها به في الحدث، والحكم بالتسوية.
(1) انظر: الواضح 1/ 184 أ- ب.
(2) في (ب): الحكم الفرع. وفي (ظ): الحكم في الفرع.
(3) في (ظ): يمتنع.
(4) في (ظ) كون الحكم أفضى ... إِلخ.
(5) في ص 181 من هذا الكتاب.
(3/1396)

الحكم- فيلزم من اختلافه اختلافُه (1).
والثاني: بأنه لو كان لجاز إِثبات الفرع في الأصل.
والثالث: بأنه يلزم منه امتناع ثبوت حكم الأصل فيه.
* * *
القلب: تعليق نقيض الحكم أو لازمه على العلة إِلحاقا بالأصل.
وهو: قلب لتصحيح مذهبه.
وقلب لإِبطال مذهب المستدل صريحًا (2).
وقلب بالالتزام (3).
فالأول (4): كقول الحنفي -في اعتبار الصوم لصحة الاعتكاف-: لبث، فلا يكون قربة بنفسه كالوقوف بعرفة.
فيقلبه المعترض: بأنه لبث، فلا يعتبر فيه الصوم كالوقوف.
والثاني: كقول الحنفي -في مسح الرأس-: عضو من أعضاء الوضوء (5)، فلا يكفي أقله كبقية الأعضاء.
__________
(1) يعني: اختلاف الحكم.
(2) نهاية 218 أمن (ب).
(3) يعني: لإِبطال مذهب المستدل بالالتزام.
(4) نهاية 425 من (ح).
(5) نهاية 148 أمن (ظ).
(3/1397)

فيقول المعترض: فلا يقدر (1) بالربع كغيره.
والثالث: كقول الحنفي -في بيع المجهول-: عقد معاوضة، فيصح مع جهل المعوَّض كالنكاح.
فيقال: عقد معاوضة، فلا يعتبر فيه خيار الرؤية كالنكاح، فإِذا انتفى اللازم (2) انتفى الملزوم (3).
والقلب نوع معارضة (4) عند أصحابنا (5) وبعض الشافعية (6) -وذكره في الواضح (7) عن أكثر العلماء- بل أولى بالقبول؛ لأنه اشترك فيه الأصل والجامع، وإن نشأ من نفس دليل المستدل لكن لما التزم في دليله وجود الوصف لم يمنعه، وكالشركة في دلالة النص، كاستدلال الحنفي -في مسألة الساجة (8) وعدم نقض بناء الغاصب- بقول: (لا ضرر ولا
__________
(1) في (ب) و (ظ): فلا يتقدر.
(2) وهو ثبوت خيار الرؤية.
(3) وهو الصحة.
(4) في (ب): معاوضة.
(5) انظر: المسودة/ 441.
(6) انظر: اللمع/ 67، والتبصرة/ 475.
(7) انظر: الواضح 1/ 184أ.
(8) الساجة: واحدة الساج، وهو خشب يجلب من الهند، قال ابن الأعرابي: يقال: الساجة الخشبة الواحدة المربعة. انظر: لسان العرب 3/ 127.
(3/1398)

ضرار) (1)، واستدلال غيره به لمنع المغصوب من أخذ ماله.
__________
(1) أخرجه ابن ماجه في سننه/ 784 من حديث ابن عباس مرفوعاً. وفي الزوائد: في إِسناده جابر الجعفي، متهم. وأخرجه -أيضاً- من حديث إِسحاق بن يحيى بن الوليد عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله قضى أن لا ضرر ولا ضرار. وفي الزوائد: هذا إِسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع؛ لأن إِسحاق لم يدرك عبادة. وانظر: ميزان الاعتدال 1/ 204، وتهذيب التهذيب 1/ 256.
وأخرجه مالك في الموطأ/ 745 عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه مرسلاً. ومن طريق مالك أخرجه الشافعي في مسنده، انظر: ترتيب مسند الشافعي 2/ 134.
وأخرجه أحمد في مسنده 5/ 326 - 327 عن إِسحاق بن يحيى بن الوليد عن عبادة مرفوعًا، كابن ماجه، وأخرجه -أيضًا- في مسنده 1/ 313 عن ابن عباس مرفوعاً، وفي سنده: جابر الجعفي.
وأخرجه الدارقطني في سننه 4/ 227 من حديث عائشة مرفوعًا. وفيه: الواقدي. وأخرجه -أيضًا- في سننه 4/ 228 من حديث ابن عباس مرفوعًا، من طريق ليس فيه جابر الجعفي، لكن فيه إِبراهيم بن إِسماعيل بن أبي حبيبة، وفيه مقال، فوثقه أحمد، وضعفه النسائي. وقال الدارقطني: ليس بالقوي -وقال البخاري: عنده مناكير. وضعفه أبو حاتم، وقال: منكر الحديث لا يحتج به، فانظر: ميزان الاعتدال 1/ 19، وتهذيب التهذيب 1/ 104. وأخرجه الدارقطني -أيضًا- في سننه 4/ 228 من حديث أبي سعيد مرفوعًا، وأخرجه -أيضًا- في سننه 4/ 228 من حديث أبي هريرة مرفوعًا، بلفظ: (لا ضرر ولا ضرورة). وفيه: أبو بكر بن عياش، مختلف فيه، فانظر: ميزان الاعتدال 4/ 499 - 500. وأخرجه البيهقي في سننه 6/ 69 من حديث أبي سعيد مرفوعًا. وأخرجه الطبراني في الكبير 2/ 80 - 81 من حديث ثعلبة بن أبي مالك مرفوعًا. وفيه: إِسحاق بن إِبراهيم بن سعيد الصواف، قال أبو زرعة:=
(3/1399)

وقال بعض الشافعية (1): القلب إِفساد لا معارضة، فلا يتكلم عليه بما يُتكلم على العلة المبتدأة؛ لأن العلة الواحدة لا يعلق عليها حكمان متضادان.
رد: ليس القلب بحكمين متضادين من كل وجه، بل لا يمكن الخصم الجمع بينهما بمعنى آخر، فالحجة مشتركة، ولابد لتعلُّق أحمد الحكمين بالعلة (2) ترجيح (3).
__________
=منكر الحديث. وقال أبو حاتم: لين. فانظر: ميزان الاعتدال 1/ 176. وأخرجه في معجمه الوسط من حديث جابر مرفوعًا، وعن القاسم عن عائشة مرفوعًا، وقال لم يروه عن القاسم إِلا نافع بن مالك. فانظر: نصب الراية 4/ 386. وأخرجه أبو داود في المراسيل عن واسع بن حبان عن أبي لبابة عن النبي. فانظر: نصب الراية 4/ 385. قال ابن حجر في الدراية 2/ 282: وهو منقطع بين واسع وأبي لبابة. وأخرجه ابن أبي شيبة: حدثنا معاوية بن عمرو ثنا زائدة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا. فراجع: نصب الراية 4/ 384 - 385. وأخرجه الحاكم في مستدركه 2/ 57 - 58 من حديث أبي سعيد مرفوعًا، وقال: صحيح الإِسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
والحديث حسنه النووي، وقال: له طرق يقوى بعضها بعضًا. فانظر: متن الأربعين النووية/ 54 - 55. وقال المناوي في فيض القدير 6/ 432: قال العلائي: للحديث شواهد ينتهي مجموعها إلى درجة الصحة أو الحسن المحتج به.
(1) انظر: اللمع/ 67، والتبصرة/ 475.
(2) في (ح): بالحكمة.
(3) كذا في النسخ. ولعلها: من ترجيح.
(3/1400)

ومنع آخرون من الشافعية (1) وغيرهم من القلب -واختاره الآمدي (2) - لأنه ليس للمعترض فرض مسألة (3) على المستدل.
رد: بالمشاركة في دلالة النص (4).
ثم: إِنما شاركه في علته وأصله في معنى الحكم الذي فرض فيه.
قالوا: اعترف (5) المعترض باقتضاء الدليل لا رتبه عليه من الحكم، ومحال اقتضاؤه لمقابل (6) ذلك الحكم من جهة احتج بها المستدل؛ لاقتضاء العلة من جهة واحدة (7) للحكم ونقيضه.
ومن (8) جهة أخرى: ليس بقلب؛ لأنه لا بد فيه من اتحاد العلة في القياسين، بل معارضة بدليل منفصل.
أجاب في التمهيد (9): إِنما لا يجتمع الشيء وضده إِذا صرح به، وإِلا
__________
(1) انظر: اللمع/ 67. والتبصرة/ 475.
(2) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 110.
(3) نهاية 218 ب من (ب).
(4) فإِنه يجوز وإن لم يمكن ذلك إلا بفرض مسألة على المستدل.
(5) في (ظ): اعترض.
(6) في (ح): بمقابل.
(7) نهاية 426 من (ح).
(8) في (ح) و (ظ) ك من جهة.
(9) انظر: التمهيد/ 183 ب.
(3/1401)

جاز، وإن أدى أحدهما إِلى نفي الآخر.
وأجاب غيره: بأن التنافي حصل في الفرع لما هو بعرض الاجتماع.
وقلب التسوية سبق (1) في السؤال قبله.
قال أبو الخطاب (2): يصح جعل المعلول علة والعلة معلولاً، مثل: "من صح طلاقه صح ظهاره، ومن صح ظهاره صح طلاقه"، فالسابق في الثبوت علة للآخر، وهذا نوع من القلب لا يفسد العلة عند أصحابنا وأكثر الشافعية، خلافا للحنفية وبعض المتكلمين (3).
ثم احتج (4): بأن العلة أمارة، وكما لو صرح به الشارع، وإنما (5) امتنع في الحكم العقلي؛ لأنه لا يثبت بأكثر من علة (6).
...................
أما قلب (7) الدعوى مع إِضمار الدليل فيها فمثل: "كل موجود مرئي"، فيقال: "كل ما ليس في جهة ليس مرئيًا"، فدليل الرؤية الموجود، وكونه لا في جهة دليلُ منعها.
__________
(1) في ص 1394، 1395.
(2) انظر: التمهيد/ 184 ب- 185أ.
(3) انظر: المسودة/ 446.
(4) انظر: التمهيد/ 184 ب- 185 أ.
(5) في (ب): واما.
(6) نهاية 148 ب من (ظ).
(7) انظر: الإحكام للآمدي 4/ 105 - 106.
(3/1402)

ومع عدم إِضماره مثل: "شكْر المنعم واجب لذاته"، فيقلبه.
وقلب الاستبعاد في الدعوى: كقولنا -في مسألة الإِلحاق-: "تحكيم الولد فيه تحكم بلا دليل"، فيقال: [تحكيم] (1) القائف تحكم بلا دليل.
وقلب الدليل على وجه يكون ما ذكره المستدل يدل عليه فقط: كاستدلاله بقوله: (الخال وارث من لا وارث له) (2)،
__________
(1) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ح).
(2) هذا جزء من حديث أخرجه أبو داود في سننه 3/ 320 - 321 من حديث المقدام بن معد يكرب مرفوعًا. قال المنذري في مختصره 4/ 170: وأخرجه النسائي، واختلف في هذا الحديث فروي عن راشد بن سعد عن أبي عامر الهوزني عن المقدام، وروي عن راشد بن سعد أن رسول الله قال، مرسلاً. وقال أبو بكر البيهقي في هذا الحديث: كان يحيى بن معين يضعفه ويقول: ليس فيه حديث قوي. وأخرجه الترمذي في سننه 3/ 285 من حديث عمر مرفوعًا، وقال: "حسن"، ومن حديث عائشة مرفوعاً، وقال: حسن غريب، وقد أرسله بعضهم ولم يذكر فيه "عن عائشة". وأخرجه النسائي في سننه 2/ 914 - 915 من حديث عمر والمقدام مرفوعًا. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن/ 300 - 301) من حديث عمر والمقدام مرفوعًا. وأخرجه الدارمي في سننه 2/ 274 من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
وأخرجه أحمد في مسنده 1/ 28، 46، 4/ 131 من حديث عمر والمقدام مرفوعًا. وأخرجه الدارقطني في سننه 4/ 84 - 86 من حديث عمر وعائشة والمقدام وأبي هريرة مرفوعًا. وأخرجه الحاكم في مستدركه 4/ 344 من حديث المقدام مرفوعًا، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال الذهبي: قلت: فيه علي بن أبي طلبة، قال أحمد: له أشياء منكرات، قلت: ولم يخرج له البخاري. وانظر: التلخيص الحبير 3/ 80.
(3/1403)

فيقال (1): [يدل] (2) أنه لا يرث بطريق أبلغ؛ لأنه نفي عام، مثل: الجوع زاد من لا زاد له.
وليس بمثال جيد.
وِإن سلم أن ما احتج به المستدل يدل له (3) من وجه فهو الأنواع السابقة (4).
* * *
القول بالموجَب: وهو تسليم دليل المستدل مع بقاء النزاع.
وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يستنتج المستدل من دليله ما يتوهمه محل النزاع أو لازمه.
مثاله -في القتل بالمثقل-: قتل بما (5) يقتل غالبًا، فلا ينافي وجوب (6) القود كالمحدد.
فيرد: أن عدم المنافاة ليس محل النزاع ولا لازمه، فلا يلزم من (7) عدم
__________
(1) نهاية 219 أمن (ب).
(2) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(3) يعني: للمستدل.
(4) يعني: الثلاثة المذكورة في ص 1397. وانظر: الإحكلام للآمدي 4/ 108.
(5) في (ح): بما لا يقتل.
(6) في (ظ): وجود.
(7) نهاية 427 من (ح).
(3/1404)

منافاة بين شيئين ملازمة.
الثاني: أن يستنتجه (1) إِبطال ما يتوهمه مأخذَ الخصم، مثل: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القود كالمتوسل إِليه
فيقول المعترض: أقول بموجب الدليل، ولكن لا يلزم منه وجوبه، فإِنه لا يلزم من إِبطال مانعٍ عدمُ كل مانع ووجودُ الشرائط (2) والمقتضي.
وأكثر القول بالموجب من غلط المأخذ لخفائه، بخلاف الحكم المختلف فيه.
ويصدّق (3) المعترض في أن ما ذهب إِليه المستدل ليس مأخذ إمامه؛ فإِنه أعرف به، ثم: لو لزمه إِبداء المأخذ: فإِن مَكَّنَّا المستدل من إِبطاله صار معترضًا، وإلا فلا فائدة.
وقيل: لا يصدق (4)؛ لاحتمال عناده، واختاره (5) بعض أصحابنا، منهم: أبو محمَّد البغدادي، وقال: فإِن أبطله المستدل، وإلا انقطع.
الثالث: أن يسكت في دليله عن صغرى قياسه وليست مشهورة، مثل (6): "كل قربة شرطها النية"، ويسكت عن: "والوضوء قربة"، فيقول
__________
(1) يعني: يستنتج منه.
(2) في (ظ): الشرط.
(3) في (ب): يصدق.
(4) يعني: فيلزمه إِبداء المأخذ.
(5) في (ب) و (ظ): وأجازه.
(6) يعني: قوله في اشتراط النية للوضوء.
(3/1405)

المعترض: أقول بموجَبه ولا يُنتِج.
ولو ذكر الصغرى لم يرد إِلا منعها (1).
ولا وجه لقول بعضهم: "يلزم في هذا النوع (2) انقطاع أحدهما"؛ لاختلاف مرادهما.
وجواب الأول: بأنه محل (3) النزاع أو لازمه، مثل: "لا يجوز قتل مسلم بذمي"، (4) فيقال بموجبه لأنه يجب، فيقول المستدل: أعني ب "لا يجوز" تحريمه، ويلزم عدم الوجوب.
والثاني: بأنه (5) المأخذ لشهرته.
والثالث: بجواز الحذف.
ويجاب في الجميع: بقرينة أو عهد ونحوه.
وفي (6) التمهيد (7): في مثل قول حنفي في زكاة الخيل: "حيوان تجوز
__________
(1) يعني: الصغرى.
(2) نهاية 149أمن (ظ).
(3) نهاية 219 ب من (ب).
(4) يعني: قياسًا على الحربي.
(5) في (ظ): بأن.
(6) في (ب): في التمهيد.
(7) انظر: التمهيد/ 180 ب.
(3/1406)

المسابقة عليه، فزكّاه كالإِبل"، فيقال بموجبه في زكاة التجارة (1)، فيجيب المستدل بالألف والسلام (2)، والسؤال عن زكاة السوم.
فقيل: لا يصح -وجزم به في الواضح (3) - لوجوب استقلال العلة بلفظها.
وقيل: يصح، وجزم به في الروضة (4) وغيرها.
أما مثل قوله -في إِزالة النجاسة بالخل-: "مائع كالمرق"، فيقال بموجبه في خل نجس: فلا يصح (5).
قال أبو (6) محمَّد البغدادي وغيره: ولو كان حكم العلة فقال به في صورة لم يقل بالموجَب.
* * *
وترد الأسئلة على قياس الدلالة، إِلا ما تعلق بمناسبة الجامع؛ لأنه ليس بعلة فيه (7)، وكذا القياس في معنى الأصل (8)، ولا يرد عليه -أيضًا- ما
__________
(1) يعني: والنزاع إِنما هو في زكاة السوم.
(2) في: "زكاة الخيل"، فإِنهما يستعملان للعهد.
(3) انظر: الواضح 1/ 182 ب.
(4) انظر: روضة الناظر/ 351.
(5) لأن المستدل يقول: ظاهر كلامي إِنما هو النحل الطاهر. انظر: الإحكام للآمدي 4/ 113.
(6) نهاية 428 من (ح).
(7) يعني: قياس الدلالة.
(8) يعني: لا يرد عليه ما تعلق بمناسبة الجامع.
(3/1407)

تعلق بنفس الجامع؛ لعدم ذكره فيه.
* * *
الاعتراضات من جنس -كنقوض ومعارضات- تتعدد اتفاقا.
ومن أجناس -كمنع ومطالبة ونقض ومعارضة- تتعدد إِلا عند أهل (1) سمرقند (2)؛ للخبط.
قال الآمدي (3): ويلزمهم تعددها من جنس (4).
وإن كانت (5) مرتبة (6) منعه الأكثر، ولهذا قال القاضي (7) وغيره وأبو الطيب (8): لو أورد النقض ثم منع وجود العلة لم يقبل؛ لتسليمه للمتقدم، فلا يجاب المعترض لغير الأخير.
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 116.
(2) سمرقند -بفتح أوله وثانيه- مدينة مشهورة فيما وراء النهر بعد بخارى.
انظر: معجم البلدان 3/ 246.
(3) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 116.
(4) فإِنها مقبولة اتفاقًا مع إِفضائها إِلى النشر.
(5) يعني: على تجويز التعدد.
(6) مثل: منع حكم الأصل ومنع العلية؛ إِذ تعليل الحكم بعد ثبوته طبعًا.
انظر: شرح العضد 2/ 280.
(7) انظر: العدة/ 228أ.
(8) انظر: المسودة/ 437.
(3/1408)

وجوزه أبو إِسحاق الإِسفراييني (1) وغيره، واختاره الآمدي (1) وغيره؛ لأن التسليم تقديري.
وإن (2) لم يرتب الاعتراضات فمنع بعد تسليم (3)، (4) كالمطالبة بتأثيره ثم منع وجوده.
واختاره أبو محمَّد البغدادي؛ لأنا نقدرها من جماعة، ولأن مفسدة الاخلال بتقرير الدليل آكد من الاخلال بالترتيب.
وبعضها مقدم طبعا، فليقدم وضعا، فيقدم (5) الاستفسار ليعرف ما يرد على اللفظ، ثم: فساد الاعتبار؛ لأنه نظر في فساده جملة، ثم: فساد الوضع؛ لأنه أخص منه، ثم: ما تعلق بالأصل، ثم: العلة؛ لاستنباطها منه، ثم: الفرع لبنائه عليهما، ويقدم النقض على المعارضة؛ لإِيراده لإِبطال العلة (6)، وهي (7) لإِبطال استقلالها (8).
__________
(1) انظر: الإِحكام للآمدي 4/ 116.
(2) يعني: إِذا عرفنا جواز المرتبة فالواجب إِيرادها مترتبة ورعاية الترتيب في الإِيراد، وإلا كان منعا بعد تسليم. انظر: شرح العضد 2/ 280.
(3) يعني: فلا يسمع.
(4) نهاية 220 أمن (ب).
(5) في (ح): فليقدم.
(6) نهاية 149 ب من (ظ).
(7) يعني: المعارضة.
(8) يعني: العلة.
(3/1409)

وأوجب أبو محمَّد البغدادي ترتيب الأسئلة، فاختار: فساد الوضع، ثم: الاعتبار، ثم: الاستفسار، ثم: المنع، ثم: المطالبة -وهو منع العلة في الأصل- ثم: الفرق، ثم: النقض، ثم: القول بالموجب، ثم: القلب، وَرَدّ التقسيم إِلى الاستفسار أو الفرق، وأن (1) عدم التأثير مناقشة لفظية.
وقال بعض أصحابنا (2): ذكر ابن (3) عقيل وابن المني وجمهور الجدليين: لا يطالبه بطرد دليل إِلا بعد تسليم ما ادعاه من دلالته، فلا ينقضه حتى يسلمه، فلا يقبل المنع بعد التسليم.
قال: وهذا ضعيف؛ لأن السكوت لا يدل على التسليم، ولأنه (4) لو سلم صريحاً جاز -بل وجب- رجوعه للحق كمفت وحاكم وشاهد، ولا عيب فيه، وقد اعترفوا بالفرق بين أسئلة الجدل وأسئلة الاسترشاد، فمن هنا التخبيط، [وإِلا] (5) فلا ينبني (6) الجدل إلا على وجه الإِرشاد والاسترشاد؛ لا الغلبة والاستزلال (7)، والواجب رد الجميع (8) إِلى ما دل عليه كتاب أو سنة، وإِلا فلهم من الحيل والاصطلاح الفاسد أوضاع، كما
__________
(1) في (ظ): فإِن.
(2) انظر: المسودة/ 551، 552 - 553.
(3) نهاية 429 من (ح).
(4) في (ظ): لأنه.
(5) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(6) كذا في النسخ، وفي المسودة أيضًا، ولعلها: فلا ينبغي.
(7) في المسودة: الاستذلال.
(8) يعني: جميع أبواب الجدل والمخاصمة في العلم وفي الحقوق.
(3/1410)

للفقهاء والحكام في الجدل الحكمي، وقد (1) ذكر ابن عقيل (2) في الجدل: أن الجواب إِذا زاد أو نقص لم يطابق السؤال؛ لعدوله عن مطلوبه، ويجيب قوم بمثله ويعدونه جوابا، ولو سئل عن المذهب فذكر دليله فليس بجواب محقق، كما لا يخلط السؤال عن المذهب بالسؤال عن دليله، كقوله: "مذهبي كذا بدليل كذا"، فإِن قال: "والدليل عليه كذا" فهو الإِتباع بجواب ما لم يسأل عنه، كالخلط بما لم يسأل عنه. والصحيح خلاف هذا، وعليه عمل أكثر الجدليين (3). والله أعلم.
* * *
فأما الجدال: فمأمور به لقصد الحق، دل عليه القرآن (4)، وفعله الصحابة والسلف، وذكره بعضهم إِجماعًا.
وقال البربهاري من أصحابنا: المسترشد (5) كَلَّمه وأَرْشده، والمناظر احذره، في المناظرة المراء والجدال والغلبة والخصومة والغضب، وتزيل عن
__________
(1) نهاية 220 ب من (ب).
(2) انظر: الواضح 1/ 63 ب- 64 أ.
(3) انظر: المسودة/ 551.
(4) قال تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسن) سورة النحل: آية 125. وقال تعالى: (قل هاتوا برهانكم) سورة البقرة: آية 111.
(5) قال هذا في كتابه "شرح كتاب السنة" الذي أورد صاحب "طبقات الحنابلة" مقتطفات منه عند الكلام على ترجمته. وانظر ما قاله هنا في الطبقات 2/ 39، 43.
وانظر: الآداب الشرعية للمؤلف 1/ 229، ففيها ما نقل هنا بعبارة أوضح وأوفى.
(3/1411)

الحق، ولم (1) يبلغنا عن أحد من علمائنا أنه فعله، وفيه غلق باب الفائدة، والمجالسة للمناصحة (2) فتح باب الفائدة.
وفي فنون ابن عقيل (3): قال بعض مشايخنا المحققين: إِذا كانت مجالس النظر مشحونة بالمحاباة لأرباب المناصب تَقَربا، وللعوام تَخَوُّنًا (4)، وللنظراء (5) تعملاً وتَجَمُّلا (6)، ثم: إِذا لاح دليل خونتم اللائح وأطفأتم مصباح (7) (8) الحق [الواضح] (9)، هذا والله الإِياس من الخير، مصيبة عمت العقلاء في أديانهم، وترك المحاباة في أموالهم، ما ذاك إِلا لأنهم لم يشموا ريح اليقين.
وقال في الواضح (10): لولا ما يلزم من إِنكار (11) الباطل واستنقاذ
__________
(1) في (ح): ولو لم.
(2) في (ظ): والمناصحة.
(3) انظر: الآداب الشرعية للمؤلف 1/ 228، ففيها ما نقله هنا بعبارة أوضح.
(4) تخونا: أي تنقصا. انظر: معجم مقاييس اللغة 2/ 231، والصحاح/ 2110.
(5) نهاية 430 ص (ح).
(6) التجمل: تكلف الجميل. انظر: الصحاح/ 1662، ولسان العرب 13/ 133.
(7) في (ح): مصابيح.
(8) نهاية 150أمن (ظ).
(9) ما بين المعقوفتين من نسخة في هامش (ب).
(10) انظر: الواضح 1/ 120 ب- 121 أ.
(11) في (ظ): الإنكار.
(3/1412)

الهالك بالاجتهاد في رده عن ضلالته لَمَا حَسُنت المجادلة للإِيحاش فيها غالبا، ولعن فيها أعظم المنفعة إِذا قصد بها نصرة الحق -وقال أيضًا- أو التقوِّي على الاجتهاد، ونعوذ (1) بالله من قصد المغالبة وبيان الفراهة (2)، وينبغي أن يجتنبه.
وقال في الفنون: قال بعض العلماء: يجوز (3) أن يطلب المذهب، ولا يجوز وضع مذهب ويطلب له دليل، ولكن أهل مذهبنا يتبعون مذهبا بالعصبية، ثم يطلبون له أدلة، وصاحب العصبية يقنع بأي شيء تَخَيَّله دليلاً لِما قد حصل في نفسه من نفسه، ويسخر من نفسه لِتَطَلّبِه لما وضعه بما يقويه في نفسه (4).
وقال ابن هبيرة (5): الجدل الذي يقع بين المذاهب أوفق ما يحمل الأمر فيه بأن يخرج مخرج الإِعادة (6) والدرس، فأما اجتماع جمع متجادلين في مسألة -مع أن كلا منهم لا يطمع أن يرجع إِن ظهرت حجة، ولا فيه
__________
(1) نهاية 221أمن (ب).
(2) الفراهة: الحذق بالشيء، وكذلك الأشر والبطر. انظر: الصحاح/ 2242 - 2243.
(3) في (ب): يجب. والمثبت من (ظ) ونسخة في هامش (ب).
(4) جاء -بعد هذا- في (ب) كلام سيأتي في ص 1425، وهو من قوله: "كتقبيحه" إِلى قوله: "وأكل جائع". وقد نبهت على محله.
(5) انظر: المسودة/ 541.
(6) نهاية 221 ب من (ب).
(3/1413)

مؤانسة ومودة وتوطئة القلوب لوعيِ حقٍّ، بل هو على الضد -فتكلم (1) فيه العلماء- كابن بطة (2) -وهو محدث.
وما قاله صحيح، وذكره بعضهم عن العلماء، وعليه يحمل ما رواه أحمد والترمذي وصححه (3) عن أبي غالب (4) -وهو مختلف فيه- عن
__________
(1) في (ظ) و (ب): وتكلم.
(2) هو: أبو عبد الله عبيد الله بن محمَّد العكبري الحنبلي، فقيه محدث، توفي بعكبرا سنة 387 ه. من مؤلفاته: الإبانة في أصول الديانة -كبرى وصغرى- والسنن.
انظر: طبقات الحنابلة 2/ 144، والمنهج الأحمد 2/ 69، وشذرات الذهب 3/ 122.
(3) انظر: مسند أحمد 5/ 252، 256، وسنن الترمذي 5/ 55 - 56 وقال: حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه في سننه/ 19، والطبري في تفسيره 25/ 53، والحاكم في مستدركه 2/ 447 - 448 وقال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. ووافقه والذهبي. وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 119، والخطيب في الفقيه والمتفقه 1/ 230.
(4) هو: صاحب أبي أمامة، قيل: اسمه حزور، وقيل: سعيد بن الحزور، وقيل: نافع، بصري، ويقال: أصبهاني، روى عن أبي أمامة الباهلي وأنس بن مالك، وعنه: الأعمش وحماد بن سلمة وسفيان بن عيينه وغيرهم. وعن ابن معين قال: صالح الحديث. وقال الدارقطني: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال النسائي: ضعيف. وحسن الترمذي بعض أحاديثه، وصحح بعضها. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إِلا فيما وافق الثقات. وقال ابن سعد: كان ضعيفاً. قال ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ. انظر: ميزان الاعتدال 1/ 476، 4/ 560، وتهذيب التهذيب 12/ 197، وتقريب التهذيب 2/ 460.
(3/1414)

أبي أمامة مرفوعًا: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إِلا أوتوا الجدل)، ثم تلا: (ما ضربوه لك) الآية (1).
ولأحمد (2) عن مكحول عن أبي هريرة -ولم يسمع (3) منه- مرفوعًا: (لا يؤمن العبد الإِيمان كله حتى يترك المراء وإن كان (4) مُحِقًّا).
وللترمذي عن ابن عباس مرفوعًا: (لا تُمارِ أخاك) (5).
ولأبي داود (6) -بإِسناد حسن- عن أبي أمامة مرفوعًا: (أنا زعيم ببيت في ربض (7) الجنة لمن ترك المراء وإن كان مُحِقًّا).
__________
(1) سورة الزخرف: آية 58.
(2) انظر: مسند أحمد 2/ 352، 364، وهو بلفظ: (وإن كان صادقًا).
(3) انظر: تهذيب التهذيب 10/ 290 - 291.
(4) نهاية 431 من (ح).
(5) انظر: سنن الترمذي 3/ 242 وقال: غريب لا نعرفه إِلا من هذا الوجه. قال الحافظ العراقي: يعني من حديث ليث بن أبي سليم، وضعفه الجمهور، وقال الذهبي: فيه ضعف من جهة حفظه. انظر: فيض القدير 6/ 421.
(6) أخرجه أبو داود في سننه 5/ 150. وراجع: مجمع الزوائد 1/ 156 - 157.
(7) في النهاية في غريب الحديث 2/ 185: ربض الجنة -بفتح الباء-: ما حولها خارجا عنها تشبيها بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع.
وانظر: لسان العرب 9/ 12.
(3/1415)

ولابن ماجه والترمذي (1) -وحسنه- عن سلمة بن وردان (2) -وهو ضعيف- عن أنس مرفوعاً: (ومن ترك المراء وهو مُحِقّ بُني له في وسط الجنة).
يقال: مارى (3) يماري مماراة ومراء، أي: جادل، والمراء: استخراج غضب المجادل، من قولهم: "مَرَيْتُ الشاة" إذا استخرجت لبنها.
ومن بان له سوء قصد خصمه فيتوجه في تحريم مجادلته خلاف كدخول من لا جمعة عليه (4) مع من تلزمه: لنا فيه (5) وجهان.
ويأتي (6) -في شروط المفتي- جدال المنافق.
__________
(1) انظر: سنن ابن ماجه/ 19 - 20، وسنن الترمذي 3/ 241 - 242 وقال: حديث حسن لا نعرفه إِلا من حديث سلمة بن وردان عن أنس.
(2) هو: أبو يعلى الليثي -بالولاء- المدني، روى عن أنس ومالك بن أوس بن الحدثان، ورأى جابرًا، وعنه ابن وهب والقعنبي وإسماعيل بن أبي أويس وجماعة، توفي سنة 106 ه. قال أبو حاتم: ليس بقوي، عامة ما يرويه عن أنس منكر. وقال أبو داود: ضعيف. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال أحمد: منكر الحديث.
انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ 2/ 227، وميزان الاعتدال 2/ 193، وتهذيب التهذيب 4/ 160.
(3) انظر: معجم مقاييس اللغة 5/ 314، والصحاح/ 2491.
(4) يعني: في البيع بعد نداء الجمعة الثاني.
(5) في (ح): لنا وجهان فيه.
(6) في ص 1548 - 1550.
(3/1416)

قال ابن الجوزي (1) -في قوله: (فلا ينازعنك في الأمر) - (2): أي: في الذبائح، والمعنى: فلا تنازعنهم (3)، ولهذا قال: (وإن جادلوك (4) فقل الله أعلم بما تعملون) (5)، قال: وهذا (6) [وجه] (7) أدب حسن علَّمه الله عباده ليردّوا به من جادل تعنتا (*) ولا يجيبوه.
والجدل (8): فتل الخصم عن قصده (9)، والإِجدال (10) هو الظفر (11) عندهم، وجدلت الحبل أجدُله جدلا: فتلته (12) فتلا محكما، والجَدَالة: الأرض، يقال: طعنه فجَدله -أي: رماه بالأرض- فانجدل أي: سقط، وجادله -أي: خاصمه- مجادلة وجدالاً، والاسم: الجَدَل، وهو شدة (13) الخصومة.
__________
(1) انظر: زاد المسير 5/ 448 - 450.
(2) سورة الحج: آية 67.
(3) في (ح) و (ظ): فلا تنازعهم.
(4) نهاية 222 أمن (ب).
(5) سورة الحج: آية 68.
(6) نهاية 150 ب من (ظ).
(7) ما بين المعقوفتين من (ظ)
(*) في (ظ): تعبثًا.
(8) انظر: معجم مقاييس اللغة 1/ 433 - 434، والصحاح/ 1653.
(9) في (ح): قصد.
(10) كذا في النسخ. ولعلها: الأجدل.
(11) كذ افي (ب). وفي (ح) و (ظ): الضفر. أقول: ولعلها: الصقر.
(12) في (ح): قتله.
(13) في (ب) و (ظ): شدة في الخصومة.
(3/1417)

قال ابن الجوزي: "طلب الرئاسة والتقدم بالعلم مُهْلِك"، ثم ذكر اشتغال أكثرهم بالجدل (*) ورفع أصواتهم في المساجد -وإنما المقصود الغلبة والرفعة- وإفتاء من ليس أهلا.
.........................
والسؤال: طلب الإِخبار، فهو استخبار من مستخبِر.
والجواب لغة (1): القطع، ومنه: (جابوا الصخر بالواد) (2)، والمجيب يقطع لمعنى الخبر بإِثبات أو نفي.
قال ابن عقيل (3): ويبدأ كل منهما بحد الله والثناء عليه، قال (4): وللسائل مضايقته إِلى الجواب (5)، فيلجئه إِليه، أو بأن جهله بتحقيقه، وليس له الجواب تعريضًا لمن أفصح به، ولا يقنع به، وإنما عليه أن يجيبه فيما بينه وبينه فيه خلاف لتظهر حجته فيه، والكلام في هذا الشأن إِنما يعول فيه على الحجة لتُظْهر والشبهة (6) لتُبْطل، وإلا فهدر (7)، وهو الذي رفعت
__________
(*) في (ب) و (ظ): في الجدل.
(1) انظر: معجم مقاييس اللغة 1/ 491، والصحاح/ 104.
(2) سورة الفجر: آية 9.
(3) انظر: الواضح 1/ 121أ.
(4) انظر: المرجع السابق 1/ 63 ب، 65 ب، 71 ب، 73 ب-74أ.
(5) نهاية 432 من (ح).
(6) في (ظ): والشبه.
(7) كذا في النسخ. ولعلها: فهذر.
(3/1418)

بشؤمه (1) ليلة القدر (2)، وإليه انصرف النهي (3) عن قيل وقال.
والحجة (4) لغة (5): القصد، ومنه: (حج البيت) (6).
وقد يقال للشبهة: "حجة داحضة"، ولا يجوز إِطلاقه حتى يبين أنه استعارة.
وما شهد بمعنى حكم آخر: حجة، نحو: "الجسم محدَث" يشهد (7) بأن له محدثًا، وما لا يشهد: دلالة، ك "الجسم موجود"، إِلا أنه كثر فوقعت موضع الحجة، ومن الفرق: إِشارة الهادي إِلى الطريق والنجم والريح على القبلة: دلالة لا حجة.
__________
(1) في (ظ): لشومه.
(2) أخرج البخاري في صحيحه (انظر: فتح الباري 1/ 113) عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله خرج يخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: (إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان فرفعت ...)
وأخرج مسلم نحوه في صحيحه/ 826 - 827 من حديث أبي سعيد.
قال في فتح الباري: (تلاحى) من التلاحي وهو التنازع والخاصمة.
(3) يأتي هذا النهي في ص 1568.
(4) هذا تابع لكلام ابن عقيل.
(5) انظر: معجم مقاييس اللغة 2/ 29 - 31، والصحاح/ 303 - 304.
(6) سورة آل عمران: آية 97.
(7) في (ظ): ليشهد.
(3/1419)

وإن قال المجيب: "لو جاز كذا لجاز كذا" فهو كقول السائل: "إِذا كان كذا (1) فلم لا يجوز كذا؟ " إِلا أنه لا يلزمه أن يأتي بالعلة الموافقة بينهما؛ لأنه من فرض المجيب، ويلزم المجيب أن يبين له، ولو كان للمجيب أن يقول له: "ومن أين اشتبها؟ " لكان له أن يصير سائلاً، وكان على السائل أن يصير مجيبا، وكان له أيضًا: ولِمَ ينكر تشابههما والمجيب مدعيه؟.
وللسائل (2) أن يقول له: "لِمَ ذلك؟ "، فإِن قال: "لأنه لا فرق" فللسائل (3) أن يقول: دعواك لعدم الفرق كدعواك للجمع، ومُخالِفُك فيهما.
فإِن قال المجيب: "لا أجد فرقًا" فللسائل (3) أن يقول: [ليس] (4) كل ما لم تحده يكون باطلاً.
وقال أبو محمَّد البغدادي: لا بد للسائل من الانتماء إِلى مذهبِ ذي مذهب للضبط، وإن كان الأليق بحاله التجرد عن المذاهب (5)، (6) لاسترشاده -كذا قال- وأن لا يسأل (7) عن أمر جلي فيكون معاندا،
__________
(1) نهاية 222 ب من (ب).
(2) في (ظ): ولسائل.
(3) في (ب) و (ح): فلسائل.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(5) في (ح): المذهب.
(6) نهاية 151 أمن (ظ).
(7) نهاية 433 من (ح).
(3/1420)

قال المتنبي (1):
ليس (2) يصح في الأذهان (3) شيء إِذا احتاج النهار إِلى دليل (4) قال: ويكره اصطلاحاً تأخير الجواب عن السؤال كثيراً.
وعند بعض الجدليين: منقطع.
ولا يكفيه عزو حديث إِلى كتب الفقهاء؛ لأن المطلوب منه صنعة المحدِّثين، بل إِلى كتاب منهم غير مشهور بالسقم. كذا قال.
....................
قال في التمهيد (5) وغيره: يعرف انقطاع السائل بعجزه عن بيان السؤال وطلب الدليل وطلب وجه الدليل وطعنه في دليل المستدل ومعارضته.
قال في مكان آخر: "وانتقاله إِلى دليل أو مسألة أخرى"، ومراده: قبل
__________
(1) هو: أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن الجعفي الكندي الكوفي، الشاعر المشهور، توفي سنة 354 ه.
انظر: وفيات الأعيان 1/ 102، وحسن المحاضرة 1/ 560، وشذرات الذهب 3/ 13.
(2) كذا في النسخ. وفي الديوان: وليس.
(3) في الديوان: الأفهام.
(4) انظر: ديوان أبي الطيب المتنبي/ 334.
(5) انظر: التمهيد/ 191 ب.
(3/1421)

تمام الأول، كما ذكره القاضي (1) وابن عقيل (2)، (3) وقال (4): من الانتقال ما ليس انقطاعًا، كمن سئل عن رد اليمين، فبناه على الحكم بالنكول، أو عن قضاء صوم نفل، فبناه على لزوم إِتمامه، وإن طالبه السائل بدليل على ما سأله فانقطاع منه (5)؛ لبناء بعض الأصول على بعض، وليس لكلها دليل يخصها.
وانقطاع (6) المسئول: بعجزه عن الجواب وإِقامة الدليل وتقوية وجه الدليل ودفع اعتراضه.
وانقطاعهما (6): بجحد ما عُرِف من مذهبه أو ثبت بنص أو إِجماع -ومراده: وليس مذهبه خلاف النص- وعجزه عن تمام ما شرع فيه، وخلط كلامه على وجه لا يفهم، وسكوته سكوت حيرة (7) بلا عذر، وتشاغله بما لا يتعلق بالنظر، وغضبه أو قيامه في غير مكانه، وسفهه على خصمه.
وبأن من ذلك القطع بالشغب بالإِبهام بلا شبهة -وقاله ابن عقيل (8)
__________
(1) انظر: العدة/ 238أ
(2) انظر: الواضح 1/ 67 ب-68أ. 1115أ.
(3) نهاية 223أمن (ب)
(4) انظر: الواضح 1/ 204أ.
(5) يعني: من السائل.
(6) التمهيد/ 191 ب.
(7) في (ب): خيرة.
(8) انظر: الواضح 1/ 113أ. 115 ب، 204أ.
(3/1422)

وغيره، وقال: إِن تمادى أعرض عنه، وهو الأولى بذي الرأي والعقل؛ لا سيما إِن أوهم الحاضرين (1) أنه سألك طريق الحجة- وبالاستفسار (2) عما (3) لا يُستفهَم عن مثله لعدم ترديده وغموضه (4).
وفي طريق الحكم من الفصول: لا ينبغي أن يصيح على الخصم (5) في غير موضعه؛ لأنه يمنعه من إِقامة حجته، ولهذا منعناه (6) في المناظرة والجدال وجعلناه من الشغب.
وفي الواضح (7): واحذر الكلام في مجالس الخوف أو التي لا إِنصاف فيها، وكلام من تخافه أو تبغضه أو لا يفهم عنك، واستصغار الخصم، ولا ينبغي كلام مَنْ عادته ظلم خصمه والهزء والتشفي لعداوته والمترصد للمساوئ والتحريف [والتَّزَيُّد] (8) والبهت، وكل جدل وقع فيه ظلم الخصم اختل، فينبغي أن (9) يحترز منه،
__________
(1) في (ظ): الحاضرون.
(2) في (ظ): والاستفسار.
(3) في (ح): عمن.
(4) نهاية 434 من (ح).
(5) في (ح): خصمه.
(6) في (ظ): معناه.
(7) انظر: الواضح 1/ 63 ب- 70أ، 118 ب- 124أ.
(8) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(9) نهاية 151 ب من (ظ).
(3/1423)

وقَدِّر في نفسك (1) الصبر والحلم، ولا تنقص بالحلم إِلا عند جاهل، ولا بالصبر على شغب السائل إِلا عند غبي، وترتفع في نفوس العلماء، وتَنْبُل عند أهل الجدل، ومن خاض في الشغب تعوده، ومن تعوده حُرِم الإصابة واستروح إِليه، ومن (2) عرف به سقط سقوط الذرة، ومن عرف لرئيس فضله وغفر زلة نظير ورفع نفسه عن دنيء سلم من الغضب، وفي رد الغضب الظفر، ولا رأى لغضبان، والغالب في السفه الأسفه كالغالب بالعلم الأعلم، ومع (3) هذا فلا أحد يسلم من الانقطاع إِلا من عصمه الله، وليس حد العالم كونه حاذقا بالجدل؛ فإِنه صناعة، والعلم صناعة، وهو مادة الجدل، والمجادل يحتاج إِلى العلم ولا عكس.
وينبغي [أن] (4) يحترز في كل جدل من حيلة الخصم، وأدب الجدل يزين صاحبه، وتركه يشينه، ولا ينبغي أن ينظر لما اتفق لبعض من تركه [من] (5) الحظوة في الدنيا؛ فإِنه إِن كان رفيعًا عند الجهال فإِنه ساقط عند أولي الألباب.
__________
(1) نهاية 223 ب من (ب).
(2) في (ب): من.
(3) في (ب): ومن.
(4) ما بين المعقوفتين لم يرد في (ب).
(5) مما بين المعقوفتين لم يرد في (ظ).
(3/1424)

واحذر أن تغتر يخطأ الخصم في مذهب، فإِنه لا يدل على الخطأ في (1) غيره.
وإن صد عن الجدل آفة فينبغي إِزالتها، كتقبيحه (2) أو لا نفع فيه أو التقليد أو (3) الإِلف والعادة أو محبة (4) الرئاسة والميل إِلى الدنيا والمفاخرة.
ويجب لكل منهما الإِجمال في خطابه، وِإقباله عليه، وتأمّله لما يأتي به، وترك قطع كلامه والصياح في وجهه والحدة والضجر عليه والإِخراج له عما عليه، والاستصغار له.
وإِذا نفرت النفوس عميت القلوب وخمدت الخواطر وانسدت أبواب الفوائد، وقد قال تعالى عن فرعون: (فقولا له قولاً لينا) (5).
ورياضة الأدون واجبة على العلماء، وتركه سدى مضرة له، فإِن عود (6) ما يستحقه الأعلى أخلد إِلى خطئه (7) ولم يزعه عن الغلط وازع، ومقام التعلم والتأدب تارة بالعنف وتارة باللطف؛ لئلا يفوت أحدهما.
__________
(1) نهاية 435 من (ح).
(2) من قوله: (كتقبيحه) إِلى قوله -في الصفحة التالية-: (وأكل جائع) جاء في (ب) في ورقة 221 ب. وقد سبق التنبيه إِليه في ص 1413.
(3) في (ب) و (ظ): والألف.
(4) في (ح): حجبه.
(5) سورة طه: آية 44.
(6) يعني: الأدون.
(7) في (ح): خطابه.
(3/1425)

وعلل في الفنون عدم العزل بكسر الغرض كتسكيت متكلم عن كلام يشفي به غليله أو يوضح به دليله أو كسر فرس (1) جرى في ميدان وشبهه من كسر الغرض كمدافعة نوم ساهر وأكل جائع.
وقال بعض أصحابنا (2): "انتقال السائل انقطاع عند الجمهور، ويقتضيه كلامه في العدة"، قال: وهو بعيد، وقال الشاشي: "ليس بانقطاع"، فإِن قال: "ظننته لازما فمكنوني من سؤال آخر" ففيه (3) خلاف، قال: والأصح: يمكَّن من أدنى، فأما من أعلى (4) -كانتقاله (5) من المعارضة إِلى المنع- فقيل: لا يمكَّن لتكذيبه لنفسه، وقيل: يمكَّن؛ لأن قصده الاسترشاد.
قال (6): وترك المسئول الدليل لعجز فهم السائل ليس انقطاعا؛ لقصة إِبراهيم، وقيل: بلى؛ لأنه التزم تفهيمه.
قال ابن عقيل في الفنون: لما قابل نمروذ (7) قول الخليل (8) - عليه
__________
(1) في (ح): قوس.
(2) انظر: المسودة / 443.
(3) في (ظ): فيه.
(4) في (ب) و (ظ): الأعلى.
(5) نهاية 152أمن (ظ).
(6) نهاية 224 أمن (ب).
(7) هو: النمروذ بن كنعان -وفي نسبه خلاف بين المفسرين- ملك بابل، وأحد المتجبرين في الأرض. انظر: تفسير القرطبي 3/ 283، والبداية والنهاية 1/ 148.
(8) في سورة البقرة: آية 258.
(3/1426)

السلام - في الحياة الحقيقة (1) بالحياة المجازية انتقل إِلى دليل لا يمكنه يقابل (2) الحقيقة فيه بالمجاز، ومن انتقل من دليل غامض إِلى واضح فذلك طلب للبيان، وليس انقطاعًا.
وقال (3) -أيضًا- في الواضح: انتقل إِلى الدليل (4) الأوضح في تعجيزه.
وقال ابن الجوزي (5): رأى ضعف فهمه -لمعارضته اللفظ بمثله مع اختلاف الفعلين- فانتقل إِلى حجة أخرى قصدًا لقطعه لا عجزا.
قال بعض أصحابنا (6): حاصله: يجوز الانتقال لمصلحة، وليس انقطاعًا.
قال ابن عقيل (7): الانتقال عن السؤال هو الخروج عما يوجبه أوله من ملازمة السنن فيه، مثل قوله: "هل الخمر مال لأهل الذمة؟ "، فيقول:
__________
(1) نهاية 436 من (ح).
(2) في (ظ): فقابل.
(3) انظر: الواضح 1/ 117 أ.
(4) في (ظ): دليل.
(5) انظر: زاد المسير 1/ 308.
(6) انظر: المسودة/ 445.
(7) انظر: الواضح 1/ 67 ب- 68أ.
(3/1427)

"نعم"، فيقول: "وما حد المال؟ "، فهذا انتقال، فإِن أجابه عن ذلك خرج معه أيضًا، وهذا كثير يتم بين المخلين بآداب الجدل.
* * *
(3/1428)