Advertisement

الإبهاج في شرح المنهاج 001



الكتاب: الإبهاج في شرح المنهاج ((منهاج الوصول إلي علم الأصول للقاضي البيضاوي المتوفي سنه 785هـ))
المؤلف: تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن حامد بن يحيي السبكي وولده تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب
الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت
عام النشر: 1416هـ - 1995 م
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
المجلد الأول
مدخل
مقدمة المؤلف
...
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم قال الشيخ الإمام العالم العلامة القدوة المحقق الحافظ شيخ الإسلام بقية العلماء الأعلام قدوة الأئمة آآخر المجتهدين حجة الله على العالمين سيدنا ومولانا قاضي القضاة تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي بن علي بن تمام بن سوار بن سوار بن مسوار الأنصاري الخزرجي الشافعي نضر الله وجهه قاضي القضاة بالشام المحروس.
قال رحمه الله تعالى الحمد لله الذي أسس بنيان دينه على أثبت قواعد وأعلى أعلام ملته فخضعت لها أعناق كل جاحد وأحكم أصول شريعته فأعيا تفريعها كل معاند ورفع قدر علمائها فعد كل واحد منهم بألف كما عد ألف من غيرهم بواحد أحمده على نعمه التي عمت كل صادر ووارد واعترف بالعجز عن شكره ولا يبلغ معشار عشره حمد كل حامد وأستغفره استغفار عبد في بحر الذنوب راكد لا يجد ملجأ من الله إلا إليه قد أحاطت به الشدائد وقعد له عدوه بالمراصد وسولت له نفسه بالمكايد وغلب عليه هواه الفاسد ونادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وأنك أنت الإله الواحد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له توحيدا أنا له في صميم القلب واجد وعليه في الدنيا والآخرة شاهد وأصفه بما وصف به نفسه من صفات الكمال والمحامد وأنزهه عن كل ما لا يليق بحاله وأقدس له عن وضر التشبيه والتعطيل ما تكنه القلوب من العقائد وأستودعه ذلك ليوم لا يجزى فيه ولد ولا والد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي قدره على جميع الخلائق صاعد وشرفه بين البرية ناهد المصطفى من خير القبائل الأماجد والمجتبى من خير البطون الأقارب والأباعد المبرأ في نسبه
(1/3)

وذاته عن كل شين يتعلق به حاسد المقدم على الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين في جميع المشاهد والمبعوث إلى كل إنسي وجني والمنقذ لهم من ربقة الشيطان المارد الهادي إلى سبيل الرشاد ولولاه لم يكن أحد منا براشد.
صلى الله عليه وسلم ما سجد لله ساجد ودام في الجنان خالد ورضي الله على أصحابه الذين كل منهم في الله جاهد مجاهد وحامي حوزة الدين من كل مارق في الدين مجالد الذين قاموا بجلالة نبيه في جميع المعاهد وشيدوا أركان دينه وحفظوا شرائعه في جميع المصادر والموارد وقاموا بأعباء الملة الحنيفية وذبوا عنها كل زائد وحموا حماها عن الشبهات ووقفوا عند حدودها تحصيلا للمصالح ودرأ للمفاسد رضي الله عنهم أجمعين وعن جميع علماء المسلمين الذين خلفوا الصحابة والتابعين في تمهيد القواعد واستخراج الفوائد وضبط الأصول الشوارد وتبيين الأدلة والمقاصد والتوسع في علوم القرآن التي يتيه في بحارها كل عالم ناقد ومعرفة السنة ولا يخطئ بعضها إلا من هو أسهد الليل مكايد.
وقد تجرد لذلك في المائة الثانية جماعة من العلماء ما منهم إلا من جاهد وجاهد وكد ودأب ونصب واجتهد والله لسعيه شاهد وكان من أعظمهم منة على من بعده من طلاب الفوائد الإمام الشافعي رضي الله عنه فإن له أجمل العوائد لجمعه بين الحديث والفقه وكان غيره يقتصر منهما على واحد ولبناية كلامه على أصول هو أول من صنفها لما سأله ابن مهدي فصنف له الرسالة وكم فيها من الفوائد فهو أول من صنف في أصول الفقه لا يمتري في ذلك إلا معاند1.
__________
1 من المسلم به أن أصول الفقه باعتباره قواعد ونظريات وكيفية استنباط الأحكام من الأدلة بوجه عام، نشأ في عصر الصحابة –رضي الله عنهم- حيث كان مصاحباً للفقه، فإن من الصحابة من كان يتصدر للفتيا والقضاء بين الناس، كعمر بن الخطاب، وابن مسعود، وعلي بن أبي طالب وغيرهم، وكانوا على دراية تامة بقواعد اللغة العربية، التي نزل بها القرآن الكريم، وبأسباب النزول، وبالناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، وسائر المباحث التي تكفل ببيانها علم "أصول الفقه" فيما بعد. وهكذا كان لكل إمام من الأئمة المجتهدين قواعده وأصوله التي يسير عليها في اجتهاده، إلا أنه كان هناك خلاف حاد بين اتجاه أهل الحديث بالحجاز، وأهل الرأي=
(1/4)

.................................................................................
__________
=بالعراق، حتى أخذ كل فريق في الطعن على طريقة الفريق الآخر، فأهل الرأي يعيبون على أهل الحديث الإكثار من الرواية التي تدل على عدم الفهم والتدبر، كما أن أهل الحديث يعيبون على أهل الرأي بأنهم يأخذون في دينهم بالظن ويحكمون العقل في الدين.
وظهر المتعصبون لكلا الفريقين، فاتسع الخلاف واحتدم النزاع، حتى قيض الله لهذا الأمة من أخذ بيدها إلى الطريق السوي، ويبين القواعد القوانين التي يحتكم إليها الجميع، وهو الإمام الشافعي رضي الله عنه –بعد أن كتب له الإمام الحافظ عبد الرحمن بن مهدي المتوفى سنة 198هـ. وهو أحد أئمة الحديث في الحجاز، أرسل إلى الإمام الشافعي أن يضع له كتاباً يبين فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب "الرسالة".
= قال علي بن المديني: قلت لمحمد بن إدريس: أجب عبد الرحمن بن مهدي عن كتابه، فقد كتب إليك وهو متشوق إلى جوابك، قال: فأجابه الشافعي. وأرسل الكتاب إلى الإمام ابن مهدي مع الحارث بن سريج النقال الخوارزمي، ثم البغدادي وبسبب ذلك سمي النقال.
وعلى ذلك يتبين عدم صحة ما ينقله بعض العلماء من أن هناك من سبق الإمام الشافعي في التأليف في علم الأصول، كالإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين، المتوفى سنة 114هـ. وكالإمامين أبي يوسف، ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة رضي الله تعالى عنهم. فإن هذا من قبيل القواعد والمناهج التي كان يسير عليها الأئمة، والتي سبق أن أشرنا إليها، وأنها كانت موجودة حتى في عصر الصحابة رضي الله عنهم.
فالتحقيق أن أول من ألف في ذلك كتاباً مستقلا متكاملاً هو الإمام الشافعي رضي الله عنه، كما قال الإمام السبكي وكما هو المتفق عليه بين الأئمة.
راجع: الخطيب البغدادي 2/64-65، معجم الأدباء 6/788، ورسالة الإمام الشافعي بتحقيق الشيخ أحمد شاكر من 907،625،573،418،96، مناقب الإمام الشافعي للرازي ص21. الفهرست لابن النديم ص286، الشيعة وفنون الإسلام ص565، عقيدة أهل السنة في الإمام الصادق ص292، الشافعي للشيخ أبي زهرة ص179، أصول الفقه –نشأته وتطوره- للدكتور شعبان محمد إسماعيل ص23-35.
(1/5)

فائدة علم الأصول
وإن علم أصول الفقه وهو من أعظم العلوم ثلاثة أصناف عقلية محضة كالحساب والهندسة والنجوم والطب ولغوية كعلم اللغة والنحو والتصريف والعروض والقوافي والبيان وهي علوم القرآن والسنة وتوابعهما.
ولا ريب في أن الشريعة أشرف الأصناف الثلاثة في الوسائل والمقاصد وأشرف العلوم الشرعية بعد الاعتقاد الصحيح وأنفعها معرفة الأحكام التي
(1/5)

تجب للمعبود على العابد ومعرفة ذلك بالتقليد ونقل الفروع المجردة تستفرغ جمام الذهن ولا ينشرح الصدر له لعدم أخذه بالدليل وأين سامع الخبر من المشاهد وأين أجر من يأتي بالعبادة لفتوى إمامه أنها واجبة أو سنة من الذي يأتي بها وقد ثلج صدره عن الله ورسوله بأن ذلك دينه تالله إن أجر هذا لزائد وهذا لا يحصل إلا بالاجتهاد ولا يكمل فيه إلا الواحد بعد الواحد وكل العلماء في حضيض عنه إلا من نغلغل بأصل الفقه وكرع من مناهله الصافية بكل الموارد وسبح في بحره ودرى من الإله وبات يعل به وطرفه ساهد وإني لم أزل منذ نشأت محبا في هذا العلم مولعا بالبحث فيه مع كل زائد.
وقد أكثر الناس من التصنيف فيه فكم من تصنيف فيه مبسوط ومختصر وناقص وزائد ومن أحسن مختصراته كتاب المنهاج في الوصول إلى العلم الأصول الذي صنفه القاضي الفاضل ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد البيضاوي رحمه الله فلقد أحسن فيه المعاقد وقد قرئ على مرات كثيرة من جماعات حتى سمحت أقرأه من كثرة الموارد وانتشرت طلبته فلم أقتنع من واحد وفي هذا الوقت شرع في الاشتغال به ولدي أبو حامد1 أعطاه الله من خير الدنيا والآخرة ما هو قاصد وزاده مما ليس في حسابه كل خير إنه الكريم الماجد فأحببت أن أضع له شرحا لينتفع هو وغيره به إن شاء الله.
وعسى دعوة من أخ في الله تنفعني وأنا في القبر راقد وسميته الإبهاج في شرح المنهاج وأخذت هذا الاسم
من قول ذي الرمة:
تزداد للعين إبهاجا إذا سفرت ... ومخرج العبن فيها يلتفت
وذلك من قصيدته التي قرأتها على أبي محمد الحسن عبد الكريم سبط زيادة في سنة سبع وسبعمائة عن عيسى بن عبد العزيز بن عيسى قال أخبرنا السلفي قال أخبرنا جعفر السراج قال أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال
__________
1 هو: بهاء أبو حامد: أحمد بن علي السبكي، كان صاحب يد طولى في علوما للسان العربي، والمعاني. والبيان، وأسند إليه إفتاء دار العدل، وقضاء العسكر، وقضاء الشام، وخطابه جامع ابن طولونز توفي سنة 773هـ.
(1/6)

قرأت على أبي الحسن علي بن عيسى الرماني قال سمعت ديوان ذي الرمة على أبي بكر دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء عن ذي الرمة واسمه غيلان ابن عقبة العدوي.
فإن قلت: قد عظمت أصول الفقه وهل هو إلا نبذ جمعت من علوم متفرقة نبذة من النحو وهي الكلام في معاني الحروف التي يحتاج إليها الفقيه والكلام في الاستفتاء وما أشبه ذلك ونبذة من علم الكلام وهي الكلام في الحسن والقبيح والكلام في الحكم الشرعي وأقسامه وبعض الكلام في النسخ وأفعاله ونحو ذلك ونبذة من اللغة وهي الكلام في معنى الأمر والنهي وصيغ العموم والمجمل والمبين والمطلق والمقيد وما أشبه ذلك ونبذة من علم الحديث وهي الكلا في الأخبار والعارف بهذه العلوم لا يحتاج إلى أصول الفقه في الإحاطة بها فلم يبق من أصول الفقه إلا الكلام في الإجماع وهو من أصول الدين أيضا وبعض الكلام في القياس والتعارض مما يستقل به الفقيه فصارت فائدة الأصول بالذات قليلة جدا بحيث لو جرد الذي ينفرد به ما كان إلا شيئا يسيرا.
قلت: ليس كذلك فإن الإصوليين دققوا في فهم أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون فإن كلام العرب متسع جدا والنظر فيه متشعب فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصول واستقراء زائد على استقراء اللغوي مثاله ودلالة صيغة "أفعل" على الوجوب "ولا تفعل" على التحريم وكون "كل وإخوتها للعموم" يوما أشبه ذلك مما ذكر السائل أنه من اللغة لو فتشت كتب اللغة لم تجد فيها شفاء في ذلك ولا تعرضا لما ذكره الأصوليون وكذلك كتب النحو لو طلبت معنى الاستثناء وأن الإخراج هل هو قبل الحكم أبو بعد الحكم ونحو ذلك من الدقائق التي تعرض لها الأصوليون وأخذوها باستقراء خاص من كلام العرب وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو فهذا ونحوه مما تكفل به أصول الفقه ولا ينكر أن له استمداد من تلك العلوم ولكن تلك الأشياء التي استمدها
(1/7)

منها لم تذكر فيه بالذات بل بالعرض والمذكور فيه بالذات ما أشرنا إليه مما لا يوجد إلا فيه ولا يصل إلى فهمها إلى من يلتف به.
فإن قلت: قد كانت العلماء في الصحابة والتابعين وأتباع التابعين من أكابر المجتهدين ولم يكن هذا العلم حتى جاء الشافعي وصنف فيه فكيف تجعله شرطا في الاجتهاد؟
قلت: الصحابة ومن بعدهم كانوا عارفين به بطباعهم كما كانوا عارفين النحو بطباعهم قبل مجئ الخليل وسيبويه فكانت ألسنتهم قويمة وأذهانهم مستقيمة وفهمهم لظاهر كلام العرب ودقيقه عتيد لأنهم أهله الذي يؤخذ عنهم وأما بعدهم فقد فسرت الألسن وتغيرت الفهوم فيحتاج إليه كما يحتاج إلى النحو.
(1/8)

شروط المجتهد
واعلم أن كمال رتبة الاجتهاد تتوقف على ثلاثة أشياء:
أحدها: التأليف في العلوم التي يتهذب بها الذهن كالعربية وأصول الفقه وما يحتاج إليه من العلوم العقلية في صيانة الذهن عن الخطأ بحيث تصير هذه العلوم ملكة الشخص فإذ ذاك يثق بفهمه لدلالات الألفاظ من حيث هي هي وتحريره تصحيح الأدلة من فاسدها والذي نشير إليه من العربية وأصول الفقه كانت الصحابة أعلم به منا من غير تعلم وغاية المتعلم منا أن يصل إلى بعض فهمهم وقد يخطئ وقد يصيب.
الثاني: الإحاطة بمعظم قواعد الشريعة حتى يعرف أن الدليل الذي ينظر فيه مخالف لها أو موافق.
الثالث: أن يكون له منة الممارسة والتبع لمقاصد الشريعة ما يكسبه قوة يفهم منها مراد الشرع من ذلك وما يناسب أن يكون حكما له في ذلك المحل وإن لم يصرح به كما أن من عاشر ملكا ومارس أحواله وخبر أموره إذا سئل عن رأيه في القضية الفلانية يغلب على ظنه ما يقوله فيها وإن لم يصرح له به،
(1/8)

لكن بمعرفته بأخلاقه وما يناسبها من تلك القضية فإذا وصل الشخص إلى هذه الرتبة وحصل على الأشياء الثلاثة فقد حاز رتبة الكاملين في الاجتهاد ولا يشترط العلم بأحوال الرواة من حيث هو فإن الصحابة كانوا مجتهدين ولم يحتاجوا إلى ذلك وإنما الذين بعدهم يحتاجون إلى ذلك في إيقاع الاجتهاد لا في حصول الصفة لهم وذاك العلم بمواقع الإجماع والاختلاف وكان محل الكلام على هذا في أواخر الكتاب ولكنا تعجلناه هنا1.
ومن المعلوم أن الصحابة كانوا أكمل الناس في هذه الأشياء الثلاثة أما الأول فبطباعهم وأما الثاني والثالث فلمشاهدتهم الوحي ومعرفتهم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم.
ولما كان الفقه مستندا إلى الكتاب والسنة ويحتاج الفقيه في أخذه منهما إلى قواعد جمعت تلك القواعد في علم وسميته "أصول الفقه" وهي تسمية صحيحة مطابقة لتوقف الفقه عليها وتلك القواعد منها ما لا يعرف إلا من الشرع ومنها ما يعرف من اللغة بزيادة على ما تصدى له النحاة واللغويون فالذي لا يعرف إلا من الشرع إثبات كون الخبر الواحد حجة وكون الإجماع حجة والقياس حجة وكثير من المسائل التي تذكر فيه والذي يعرف من اللغة ما يذكر فيه من دلالات الألفاظ اللغوية وما فيه من علم الكلام ونحوه فاقتضاه انجرار الكلام إليه وتوقف فهم بعض مسائل هذا العلم عليه.
وهأنا أبتدئ في شرح هذا الكتاب مستعينا بالله تعالى وذلك في يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وسبعمائة وإلى الله أتضرع وأنا أسأل أن ينفع به بمنه وكرمه إنه قريب مجيب.
__________
1 ما ذكره الشارح هنا هو نبذة سريعة ومجملة عن شروط المجتهد، ولكن البيضاوي عقد للاجتهاد باباً خاصاً في الكتاب السابع من كتاب "المنهاج" ذكر فيه اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم –وموقف العلماء منه، وكذا الصحابة رضي الله عنهم- في حضرته – صلى الله عليه وسلم- أو في غيبته، وشروط الاجتهاد، وحكمه، والأمور التي يجري فيها الاجتهاد وغير ذلك. فليراجع تفصيل ما أجمله الشارح في أواخر الكتاب. وبالله التوفيق.
اهـ. محققه.
(1/9)

شرح ديباجة الكتاب
"تقدس من تمجد بالعظمة والجلال" تقدس: أي تطهر ومن أسمائه تعالى التي نطق بها القرآن القدوس وفيه لغتان: ضم القاف وهي أشهر وكان "س"1 يقول بفتحها وأصل الكلمة من القدس بضم الدال وبسكونها وهو الطهارة سمي جبريل روح القدس لطهارته في تبليغ الوحي إلى الرسل عليهم السلام والأرض المقدسة المطهرة وبيت المقدس بيت الطهارة من الذنوب لتطهيره من الكفار بالمسلمين وقال تعالى: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} 2 أي نقدسك إن جعلت اللام زائدة أو نقدس أنفسنا لك إن لم ترض زيادتها ومعنى تقديس الله تنزيهه من كل ما لا يليق بكماله سبحانه وتعالى فنزهه عن كل وصف يدركه حس أو يصوره خيال وهم أو يختلج به ضميره وننزهه عن كل ما نسبه إليه المبطلون من الشركاء والأنداد والصحابة والأولاد وعن كل محال نسبه إليه أهل الضلال مما يشير إلى نقص أو يومئ إلى عيب.
ولولا ما وقع فيه أهل الكفر والضلال من ذلك لكان الأدب بنا تنزيه عن أن ننطق بنفي ذلك عنه لأن نفي الوجود يكاد يوهم بإمكان الوجود وتطرق العيب والنقص إليه محال لا يخطر بالبال تصوره فضلا عن كونه ينفيه
__________
1 هكذا في جميع النسخ؛ ويقصد بذلك "سيبويه" وهو: عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي، الملقب "سيبويه" إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو- ولد في إحدى قرى "شيراز" وقدم البصرة فلزم الخليل بن أحمد ففاقه، وصنف كتابه المسمى "كتاب سيبويه" في النحو. لم يصنع قبله ولا بعده مثله. توفي بالأهواز سنة 180هـ راجع: القاموس المحيط- فصل القاف باب السين، وفيات الأعيان 1/385، تاريخ بغداد 12/195، الأعلام للزركلي 5/252.
2 آية 30 من سورة البقرة وتمامها: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} .
(1/10)

ويقدره. وقولنا تنزيهه عن كل ما لا يليق بكماله عبارة محررة من قول من يقول: بأوصاف الكمال فإن أكثر ما يتصور الناس من أوصاف الكمال ما هو كمال لأنفسهم كعلمهم وسمعهم وبصرهم والله تعالى منزه عنها فإن صفاته تعالى لا تشبه صفات البشر وعلمه وسمعه وبصره مباين لسمعهم وبصرهم وعلمهم فتنزيه كثير من الجهال يحتاج إلى تنزيه ومجامع التقديس أن تقدسه عن الشركاء والأضداد والنظير والولد وإحاطة الأبصار والحاجة إلى غيره وغير ذلك مما يستحيل عليه وأكثر الناس يعتقدون أن معنى القدوس الطاهر ولا شك أنه يدل على ذلك ولكنه ليس كل معناه فإن بناء طاهر لازم وقدوس مأخوذ من فعل متعد فمعناه مطهر بكسر الهاء أي أنه تعالى مقدس لنفسه بإخباره عنها التوحيد والإجلال والإكرام واستحالة النقائض عليه وعجز الأوهام عنه وخالق الأدلة على ذلك ومقدس لخلقه عن اعتقادهم فيه ما لا يليق بذاته والأول صفة ذات والثاني والثالث صفتا فعل وعن ابن عباس وقتادة القدس الذي منه البركات.
إذا عرفت ذلك فقوله تقدس لا يجوز أن يكون مطاوعا لقدس فإن المطاوع شرطه التأثر مثل كسرته فتكسر وذلك مفقود هنا والتقديس هنا مثل التصديق في أن المراد منه الإخبار عن الصدق فلا يأتي منه مضارع لكن يصح استعمال تقدس لموافقة المجرد وقال الراجز: "الحمد لله العلي القادس" ومن جملة معاني تفعل أن يوافق المجرد وإن لم ينطق بالمجرد ههنا في الفعل وقد قال القرافي في قوله تبارك وتعالى أن معناه تقدس وللمصنف في القرآن أسوة في استعماله تقدس وكذلك السهيلي وهو من المتقنين في العلم وقع في كلامه تقدس سبحانه عن مضاهاة الأجسام وقدوس مثل سبوح كان "س"1 يفتح أولهما والمشهور الضم فيها والتسبيح التنزيه ولم يرد السبوح في القرآن ولا في حديث أبي هريرة ولكن جاء التسبيح واختلف العلماء هل كونه سبوحا قدوسا يرجع إلى معنى خاص يسمى قدسا وسبحة أو وضعه بذلك يرجع إلى نفي محض وتنزيه عن النقائض ومعنى ذلك أنه هل هو صفة ثبوتية أو سلبية.
__________
1 هكذا بالأصل والمقصود به "سيبويه" كما تقدم. وانظر القاموس فصل السين باب الحاء.
(1/11)

وقوله: "تمجد" الكلام فيه كالكلام في تقدس وهو مأخوذ من اسم المجيد وقد نطق به القرآن والسنة وأجمعت الأمة عليه والمجد معناه الشرف والعظمة والكثرة والارتفاع سمي تعالى بذلك لكثرة جلاله وشرفه وعلوه بما يخرج عن طوق البشر واختلف العلماء هل هو صفة خاصة كالعلم والقدرة أو هو عبارة عن استجماع صفات المعالي ووجوه نفي النقائص فلا كمال إلا له ولا نقص إلا وهو منزه عنه.
وقوله: "بالعظمة والجلال" متعلق بتمجيد واسم العظيم نطق به القرآن والسنة وهو تعالى عظيم في ذاته وصفاته وقهره وسلطانه فكل عظيم بالنسبة إلى عظمته عدم محض واسم الجميل لم يرد في القرآن ولا في حديث أبي هريرة لكن في الحديث: "إن الله جميل يحب الجمال" 1 وورد أيضا في بعض طرق أبي هريرة.
ولما كان تعالى كاملا في ذاته وصفاته وأفعاله وصف بالجمال وهو تعالى مقدس عن الصورة وعن الصفات البشرية.
ومشاهدة صفة الجمال يثير المحبة ومشاهدة صفة الجلال يثير الهيبة والعظمة تثير الهيبة أيضا فلهذا قرن المصنف العظمة بالجلال لتفيده معنى زائدا على الجلال فالباء يحتمل أن تكون بمعنى في أي تمجد في عظمته وجلاله فارتفع بهما على كل عظيم وجليل ويحتمل أن تكون للسببية على معنى أنه ارتفع بعظمته وجلاله على كل شيء فلا شيء إلا وهو مجد تعالى وهو تعالى مجيد بذاته عظيم بذاته فليس المعنى أن بعض الصفات أثر في بعض وإنما لما كانت هذه الصفات تشير إلى مجموع معان وملاحظة كل منها يوجب العلم بالكمال بها حسن ذلك كله.
"وتنزه من تفرد بالقدم والكمال" التنزيه بمعنى التسبيح وقد ورد مصرحا
__________
1 ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يدخل الجنة من كان في قبله مثقال ذرة من كبر". فقال رجل: إنا لرجل يجب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة، فقال: "إن الله تعالى جميل يحب الجمال" رواه مسلم.
(1/12)

به في الحديث أنه كان يصلي من الليل فلا يمر بآية فيها تنزيه لله إلا نزهه وأصل النزهة البعد وتنزيه الله تبعيده عن ما لا يليق به ولا يجوز عليه فمعنى تنزه بعد والتفرد الانفراد يقال تفرد به واستفرد به بمعنى واحد والقدم وجود لا أول له وكل شيء سوى الله وصفاته فهو حادث لوجوده أول وصفاته لا يقال فيها إنه غيره والكمال المطلق ليس إلا لله تعالى فهو الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله وكل ما سواه مفتقر إليه والافتقار ينافي الكمال فله حدوثه عن العدم وغير ذلك مما للمخلوق من صفات النقص.
"عن مشابهة الأشباه والأمثال ومصادمة الحدوث والزوال" هذا متعلق بقوله: "تنزه" وأما تقدس فإما أن يجعل كلاما تاما وإما أن يجعل من باب التنازع ويضمر في تقدس كما ذكره هنا والمشابهة المشاكلة والشبه الشبه والشبيه بمعنى واحد وهو ما يشبه الشيء وبينهما شبه بالتحريك وكل منها يجمع على أشباه والمثل والمثل كالشبه والشبه وهو ما يساوي الشيء ويقوم كل منهما مقام الآخر في حقيقته وما هيته كالأجسام متساوية في الجسمية وإن اختلفت بالألوان والأشكال وغيرها من الأعراض واختلافها بذلك لا يخرجها عن التماثل في الحقيقة هذا حقيقة المثلين وبه تزول شبهات يوردها المجسمة وكثير ممن وقع في التشبيه ظانا أنه سالم منه والمصادمة المماسة والمراد بها ههنا الإلصاق واللحاق والحدوث وجود مسبوق بعدم فهو ضد الأزلية والزوال طريان العدم وهو ضد الأبدية والأولية والأبدية واجبان لله تعالى لأنه يقال واجب لذاته يستحيل عليه العدم لا أولا ولا آخرا.
"مقدر الأرزاق والآجال ومدبر الكائنات في أزل الآزال" هذا مما لا يجحده مسلم ولا كافر تفرد الرب سبحانه وتعالى به وما فيه من عظيم العلم والقدرة والمنة والأزل المقدم والأزل القديم وأصل هذه الكلمة قولهم للقديم لم يزل ثم نسب إلى هذا فلم يستقم إلا باختصار قالوا يزلي ثم أبدلت الياء ألفا لأنها أخف فقالوا أزلي كما قالوا في الرمح المنسوب إلى ذي يزن أذني وقوله الآزال على سبيل المبالغة في اللفظ.
"عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال" الغيب والشهادة قيل السر
(1/13)

والعلانية وقيل الدنيا والآخرة وقيل ما غاب عن العباد وما شهدوا وقيل الغيب المعدوم والشهادة الموجود والمدرك كأنه مشاهد والكبير الكامل في ذاته وصفاته المتقدم في المنزلة والسبق في المرتبة من كبر بضم الباء والمتعال المستعلي على كل شيء بقدرته كبر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها.
"نحمده على فضله المترادف المتوال على ما عمنا من الأنعام والأفضال" الحمد: الثناء بجميل الصفات والأفعال ولا يكون إلا بالقول سواء كان ذلك الجميل في المحمود خاصة به أو كان واصلا منه إلى غيره والثاني شكر والشكر يكون بالقول والفعل والاعتقاد فبينه وبين الحمد عموم وخصوص من وجه وبين الحمد والمدح فرق آخر أدعاه السهيلي وهو أن الحمد يشترط فيه أن يكون صادرا عن علم وأن تكون الصفات محمودة صفات كمال ولهذين الشرطين لا يوجد الحمد لغير الله والله هو المستحق الحمد على الإطلاق والمدح قد يكون عن ظن وبصفة مستحسنة وإن كان فيها نقص ما والإتيان بالنون في هذا الفعل ينبغي أن يقصد به أن جميع الخلائق حامدون وليست للتعظيم والمترادف المتتابع والمتوالي كذلك فينبغي أن يكون مقصوده بالمترادف الذي يأتي بعده في أثر بعض ليسلم من التأكيد ويفيد كثرة الفضل في الزمان الواحد واستمرار ذلك في كل زمان وفضل الله هكذا هو وفي عمنا ضمير مرفوع عائد على الموصول أي عمنا هو ومن الأنعمام والأفضال بيان لذلك في محل رفع وقد قدمنا أن بين الحمد والشكر عموما من وجه وأنهما يتفقان فيما كان منه فيسمى حمدا وشكرا وقد استعمل المصنف هذا الحمد على ما هو منة واستعمل الشكر بالقول فتوافقا في هذا المحل وإن تغايرا في وصفهما والفضل من قوله: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} 1 ومن قوله: {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} 2 وكان فضل الله عليك عظيما والأفضال الإحسان والتفضل وقد استعمل الفضل على خلاف النقص فيكون الثناء عليه حمدا مباينا للشكر لكنه ليس المراد هنا لقوله المترادف المتوال فإنهما يقتضيان الوصول إلى الغير.
__________
1 سورة النساء 32.
2 سورة النساء 113.
(1/14)

"ونصلي على محمد الهادي إلى نور الإيمان في ظلمات الكفر والضلال" معنى نصلي هنا نطلب الصلاة من الله تعالى لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل كيف نصلي عليك قال: "قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل م محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد" 1 ومعنى نطلب إنشاء الطلب وكذلك نحمد معناه إنشاء الحمد وليس معناه الخبر فعطف إنشاء على إنشاء ووصفه صلى الله عليه وسلم بالهداية لقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 2 وبين الهداية والضلال والنور والظلمات والإيمان والكفر ما لا يخفى من الطباق.
"وعلى آله وصحبه خير صحب وآل" آله صلى الله عليه وسلم: بنو هاشم وبنو المطلب هذا اختيار الشافعي وأصحابه وقيل عترته وأهل بيته وقيل جميع أمته وهو قول مالك والصحيح إضافة الآل إلى مضمر كما استعمله المصنف وقال جماعة من أهل العربية لا يصح إضافته إلا إلى مظهر والصحب جمع صاحب وهو كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مسلما وقيل من طالت مجالسته والصحيح الأول بخلاف التابعي لا يكفي فيه رؤية الصحابي والفرق شرف الصحبة وعظم رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن رؤية الصالحين لها أثر عظيم فكيف روية سيد الصالحين فإذا رآه مسلم ولو لحظة انطبع قلبه على الاستقامة لأنه بإسلامه متهيء للقبول فإذا قابل ذلك النور العظيم أشرق عليه وظهر أثره في قلبه وعلى جوارحه.
وقوله: خير صحب وآل صحيح لأنه ليس في أصحاب الأنبياء مثل أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم ولأجل السجع قدم الصحب على الآل في الثاني وجاء على أحد طريقي العرب وهو رد الأول على الثاني والثاني على الأول ولولا هذا لقال خير آل وصحب فرد الأول للأول والثاني للثاني وهما طريقان للعرب جائزان.
__________
1 رواه مسلم وأحمد من حديث أبي سعيد البدري.
2 سورة الشورى 52.
(1/15)

"وبعد فأولى ما تهم به الهمم العوالي وتصرف فيه الأيام والليالي تعلم المعالم الدينية والكشف عن حقائق الملة الحنيفية والغوص في تيار بحار مشكلاته والفحص عن أستار أسرار معضلاته"، بعد ضم الدال على الصحيح مقطوع عن الإضافة أي بعد ما سبق من التقديس والتنزيه والحمد والصلاة والعامل فيه فعل مقدر تقديره أقول وهو معطوف بالواو على نحمد ونصلي وبعده فعل آخر مقدر تقديره تنبه هو معمول القول لأجله دخلت الفاء على أولى وفي الفاء فائدة أخرى وهي رفع توهم اضافة بعد إلى أولى.
وقوله: تهم بضم الهاء يقال هم بالأمر يهم هما أي أراده فأما بكسر الهاء فهو من الهميم وهو الدبيب والهمم جمع همة وهي الواحدة تقول همة مثل جلسة بالفتح للمرة وبالكسر للهيأة والجمع لها وإسناد الفعل للهمم وهو في الحقيقة لفاعلها من باب قولهم: "شعر شاعر" والمعالم جمع معلم وهو ما جعل علامة للطرق والحدود مثل أعلام الحرم ومعالمه المضروبة عليه ويقال المعلم الأثر وهو راجع إلى معنى العلامة ولا خلاف في المعنى والمعالم الدينية الأدلة الشرعية وكل ما يهدي إليها وتعلمها تعرفها والملة الحنيفية هذه الملة قال صلى الله عليه وسلم: "بعث بالحنيفية السهلة السمحة" 1 وسميت حنيفية لأنها على ملة إبراهيم والحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم عليه السلام وسمي إبراهيم عليه السلام حنيفا لميله عن دين الصابئة وهم عباد الكواكب وسمى أتباعه حنفاء لذلك ولميلهم عن اليهودية والنصرانية قال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً} 2.
والملة الدين والدليل على أن هذه الملة ملة إبراهيم قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} 3 وادعى بعض العلماء أنها موافقة لها في الأصول والفروع والمشهور أنها موافقة لها في الأصول فقط وعلى هذا لا اختصاص لملة إبراهيم بذلك لأن دين الأنبياء كلهم واحد في الأصول وإنما اختلفت
__________
1 أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة وعائشة- رضي الله عنهم.
2 سورة آل عمران 67.
3 سورة النحل 123.
(1/16)

الشرائع في الفروع ويكون تسميته هذه الملة حنيفية لمخالفتها ما كان عليه أهل الشرك واليهود والنصارى كمخالفة إبراهيم من كان في زمانه من الكفار وهم الصابئة وإتباعه دين الأنبياء قبله وبعده وهو الإسلام وحقائقها على هذا أصول الدين ولا تشمل أصول الفقه الذي تصدى له والمعالم الدينية شاملة له وإن جعلنا اسم الملة شاملا للأصول والفروع وكلا الأمرين أعني المعالم الدينية وحقائق الملة شاملا للأصول والفروع فيندرج فيه أصول الفقه الذي تصدى له وهو أحسن ليكون مناسبته للتصنيف الذي تصدى له أكثر ويشهد له قوله: "بعثت بالحنيفية السمحة" فإنه يشير إلى الأصول والفروع جميعا ولا يلزم من ذلك موافقتها لشريعة إبراهيم في جميع الأشياء بل لموافقتها الأصول سميت بذلك وحقائقها على هذا جميع أحكامها ومعانيها وأسرارها والضمير في مشكلاته ومعضلاته عائد على الكشف لأن الأشكال والأعضال فيه لا فيها فإنها بينة جلية بيضاء نقية إذا ارتفع الحجاب عن الناظر رآها ولا خفاء بحسن استعاراته وترشيحها في الغوص في تيار البحار والفحص عن أستار الأسرار وكم من بحر لا يدرك له قرار وسر تتغيب في أستاره الأفكار.
"وإن كتابنا هذا منهاج الوصول إلى علم الأصول الجامع بين المعقول والمشروع والمتوسط بين الأصول والفروع" المنهاج: الطريق جعل علما على هذا الكتاب والوصول إلى الشيء إنما يكون عند انتهاء طريقه فقوله منهاج الوصول معناه الطريق التي يتوصل فيها إلى الوصول إلى علم الأصول كما تقول طريق مكة أي المتوصل فيها إلى مكة فليس الوصول فيه ولكنه غايته.
وقوله منهاج خبر إن ويجوز إطلاق ذلك على هذا الكتاب بمعناه الأصلي غير علم لأن الاشتغال به يوصل إلى ذلك وقوله الجامع مخفوض صفة لعلم الأصول ولا خفاء في جمعه بين المعقول والمشروع فإنه نتج من نكاح نور الشرع لصافي بنات الفكر فجاء عريق الاصالة شديد البسالة وتوسطه بين الأصول أي أصول الدين والفروع وهذا يستمد من الأول ويمد الثاني.
"وهو إن صغر حجمه وكبر علمه وكثرت فوائده وجلت عوائده" قوله:
(1/17)

وهو يعني هذا الكتاب وصغر بضم الغين وكذلك كبر الباء لأنه بمعنى عظم وأصل كبر بضم الباء لكبر الجثة ثم استعمل في كبر المعنى وأما كبر السن فلا يقال فيه إلا كبر بكسر الباء وراعى المطابقة بين صغر وكبر لتضادهما واجتمعا لرجوع الصغر إلى الجثة والكبر إلى المعنى والعوائد جمع عائدة وهي العطف والمنفعة يقال هذا أعود عليك من كذا أي أنفع وفلان ذو عائدة أي تعطف ونفع وإن هذا الكتاب لكما وصف.
"جمعته رجاء أن يكون سببا لرشاد المستفيدين ونجاتي يوم الدين والله تعالى حقيق بتحقيق رجاءه وقوله حقيق بتحقيق أي خليق له وخليق وجدير وحري وحر كل ذلك بمعنى واحد وقصد المصنف التجانس بين حقيق وتحقيق وإطلاق ذلك على الله ينبئ على أن الأسماء توقيفية أولا".
(1/18)

تعريف أصول الفقه
"أصول الفقه معرفة دلائل الفقه إجمالا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد".
هذه العبارة بعينها عبارة تارج الدين الأرموي في الحاصل ولنقدم مقدمة وهي أنه ينبغي أن يذكر في ابتداء كل علم حقيقة ذلك العلم ليتصورها الذي يريد الاشتغال به قبل الخوض فيه فمن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل فلا جرم احتاج إلى تعريف أصول الفقه في أوله وههنا خمسة أشياء:
أحدها: لفظ أصول الفقه قبل أن يسمى به هذا العلم مركب من مضاف ومضاف إليه.
والثاني: هذا اللفظ بعد أن سمي به فإنه صار اسما للعلم وكل من المضاف والمضاف إليه بهذا الاعتبار صار كالزاي والدال من زيد لا معنى له وكل مركب سمي به معنى فقد يتطابق معناه حال التركيب وحال التسمية كعبد الله مسمى به رجل فهو صادق عليه بالاعتبارين وقد لا يتطابقان كأنف الناقة مسمى به رجل ولفظ أصول الفقه مما تطابق فيه معناه حال التركيب ومعناه حال التسمية من بعض الوجوه كما سنبينه.
الثالث: معنى أصول الفقه قبل التسمية.
الرابع: معنى أصول الفقه بعد التسمية مع قطع النظر عن أجزاء اللفظ المطلق عليه.
الخامس: معناه بعد التسمية مع الالتفات إلى أجزاء اللفظ المطلق عليه لأن اللفظ يدل عليه باعتبارين كما قدمناه فإذا أخذ المعنى بأحد الاعتبارين
(1/19)

كان مغايرا له بالاعتبار الآخر فيصدق على المعنى المذكور أنه إضافي لقبي باعتبارين لكن صدق اللفظ عليه بالإضافة إنما هو بطريق المجاز لأنه أخص من معناه الحقيقي والحد إنما هو للمعنى دون اللفظ فالمقصود بيان المعاني الثلاثة ويعبر عن المعنى الأول بالإضافي لأن المعنى مركب من مضاف ومضاف إليه في الذهن كما أن لفظه كذلك في النطق ويعبر عن المعنى الثاني باللقبي باعتبار أنه ملقب بهذا الاسم فإن اللفظ المركب جعل اسما عليه زلقبا له وعلما كسائر أعلام الأجناس أو أسماء الأجناس فإن علم الجنس هو الذي يقصد به تمييز الجنس من غيره من غير نظر إلى أفراده واسم الجنس الذي يقصد به مسمى الجنس باعتبار وقوعه على أفراده حتى إذا دخلت عليه الألف واللام الجنسية الدالة على الحقيقة ساوى علم الجنس هذا هو الذي نختاره في الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس ويستنتج منه أن علم الجنس لا يثنى ولا يجمع لأنه إنما يثنى ويجمع الأفراد وجعله اسم جنس أولى من جعله علم جنس لأنه لو كان علما لما دخلت عليه الألف واللام وكذلك سائر أسماء العلوم من فقه ونحو وغير ذلك ويعبر عن المعنى الثالث بالإضافي بالاعتبارين كما سبق.
إذا عرفت هذه المقدمة فهمت ثلاثة مباحث:
أحدهما: في تعريف معنى أصول الفقه التركيبي قبل التسمية ولا بد في ذلك من تعريف المضاف والمضاف إليه والإضافة لأن العلم بالمركب يتوقف على العلم بالمفرد ونبدأ ذلك بتعريف المضاف وليس كما توهم بعض الناس من أنه يعتني بالبداءة بالمضاف إليه محتجا بأن المضاف يتعرف بتعريف المضاف إليه لأنا نقول التعريف تعريف مقابل التنكير وهو الذي يكتسبه المضاف من المضاف إليه وتعريف مقابل الجهل وهو المقصود هنا وهذا لا يكتسبه المضاف من المضاف إليه فنقول الأصول جمع وتعرفه بتعريف مفرده والأصل ما يتفرع عنه غيره وهذه العبارة أحسن من قول أبي الحسين ما يبنى عليه غيره لأنه لا يقال إن الولد يبنى على الوالد ويقال إنه فرعه وأحسن من قول صاحب الحاصل ما منه الشيء لاشتراك من بين
(1/20)

الابتداء والتبعيض وأحسن من قول الإمام1: "المحتاج إليه" لأنه إن أريد بالاحتياج ما يعرف في علم الكلام من احتياج الأثر إلى المؤثر والموجود إلى الموجد لزم إطلاق الأصل على الله تعالى وإن أريد ما يتوقف عليه الشيء لزم إطلاقه على الجزء والشرط وانتفاء المانع وإن أريد ما يفهمه أهل العرف من الاحتياج لزم إطلاقه على الأكل واللبس ونحوهما وكل هذه اللوازم مستنكرة وكل هذه التعريفات للأصل بحسب اللغة وإن كان أهل اللغة لم يذكروها في كتبهم وهو مما ينبهنا على أن الأصوليين يتعرضون لأشياء لم يتعرض لها أهل اللغة.
وأما في العرف فالأصل مستعمل في ذلك ولم يترك أهل العرف الاستعمال في ذلك لكن العلماء يطلقونه مع ذلك على شيئين أخص منه:
أحدهما: الدليل والثاني المحقق الذي يشك في ارتفاعه لتفرع المدلول على الدليل والاستصحاب على اليقين السابق.
والفقه تعريفه سيأتي في كلام المصنف والإضافة تفيد الاختصاص فإن كان المضاف اسما جامدا أفادت مطلق الاختصاص كحجر زيد وإضافة الأعلام إذا وقعت من هذا القبيل كقول الشاعر:
علا زيدنا يوم النقا ... رأس زيدكم
وإن كان المضاف اسما مشتقا أفادت الإضافة اختصاص المضاف بالمضاف إليه في المعنى المشتق منه كغلام زيد تفيد اختصاص الغلام بزيد في معنى الغلامية وكانت للملك وتفيد هنا اختصاص الأصول بالفقه في معنى لفظة الأصول وهو كون الفقه متفرعا عنه وظهر بهذا أن أصول الفقه بالمعنى التركيبي ما يتفرع عنه الفقه والفقه كما يتفرع عن دليله يتفرع عن العلم بدليله فيسمى كل منهما أصلا للفقه ولا فرق في الأدلة في هذا المقام بين الإجمالية
__________
1 هو: فخر الدين، محمد بن عمر الحسيني الرازي، المتوفى سنة: 606هـ صاحب كتاب "المحصول، في أصول الفقه، وهو الذي يعتبر كتاب "منهاج الوصول" للبيضاوي ملخصاً له. فكلمة "الإمام" إذا أطلقت في أصول الفقه، فالمراد: فخر الدين الرازي. اهـ. محققة.
(1/21)

والتفصيلية فإن كلا منهما يتفرع الفقه عنه وعن العلم به فصار أصول الفقه بالمعنى التركيبي يشمل أربعة أشياء الأدلة الإجمالية وعلمها والأدلة التفصيلية وعلمها وهذا ليس هو المصطلح ولا يصح تعريف هذا العلم بمدلول أصول الفقه الإضافي لأنه أعم منه إلا إذا أخذ بعد التسمية كما سيأتي.
"البحث الثاني": في تعريف معنى أصول الفقه اللقبي وهو المصطلح عليه ولا شك أن كلا من الأدلة التفصيلية والعلم بها غير داخل فيه لأن ذلك من وظيفة الفقيه والخلافي فلم يوضع أصول الفقه في الاصطلاح لكل ما يحتاج إليه الفقه بل لبعض ما يحتاج كدأب أهل العرف في تخصيص الأسماء العرفية ببعض مدلولاتها في اللغة والأدلة التفصيلية مثل: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} ودلالته على وجوب الصلاة ونحو ذلك ولما استفيد إخراج الأدلة التفصيلية وعلمها من الوضع تبقى الإجمالية وعلمها والمراد بالإجمالبة كليات الأدلة فإن قوله: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى} {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ونهيه صلى الله عليه وسلم: "عن قتل النساء والصبيان" وإطلاق الرقبة في موضع وتقييدها بالإيمان في موضع وصلاته صلى الله عليه وسلم في الكعبة وإجمال الصلاة في الآية المذكورة وبيان جبريل لها ونسخ التوجه إلى بيت المقدس والإجماع على أن بنت الابن لها السدس مع الثلث عند عدم العاصب وخبر ابن مسعود في ذلك وقياس الأرز على البر ومرسل سعيد بن المسيب في النهي عن بيع اللحم بالحيوان وقول عثمان في بيع الفراء والمصلحة المرسلة في التترس والأخذ بالأخف في دية اليهودي والاستحسان في التحليف على المصحف ونحو ذلك كلها أدلة معينة وجزئيات مشخصة والعلم بها ليس من أصول الفقه في شيء وإنما هي وظيفة الفقه ولهذه الأدلة وأمثالها كليات وهي مطلق الأمر والنهي والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد والفعل والإجمال والتبيين والنسخ والإجماع وخبر الواحد والقياس والمرسل وقول الصحابي والمصلحة المرسلة والأخذ بالأخف والاستحسان عند من يقول به وهذه الكليات داخلة في الجزئيات فإن الكلي الطبيعي موجود في الخارج وفي الذهن في ضمن مشخصاته ففي الأدلة اعتباران:
أحدهما: من حيث كونها معينة وهذه وظيفة الفقيه وهي الموصلة القريبة
(1/22)

إلى الفقه والفقيه قد يعرفها بأدلتها إذا كان أصوليا وقد يعرفها بالتقليد ويتسلمها من الأصول ثم هو يرتب الأحكام فمعرفتها حاصلة عنده.
والاعتبار الثاني: من حيث كونها كلية أعني يعرف ذلك الكلي المندرج فيها وإن لم يعرف شيئا من أعيانها وهذه وظيفة الأصولي فمعلوم الأصولي الكلي ولا معرفة له بالجزئي من حيث كونه أصوليا ومعلوم الفقيه الجزئي ولا معرفة له بالكلي من حيث كونه فقيها ولا معرفة له بالكلي إلا لكونه مندرجا في الجزئي المعلوم وأما من حيث كونه كليا فلا فالأدلة الإجمالية هي الكلية سميت بذلك لأنها تعلم من حيث الجملة لا من حيث التفصيل وهي توصله بالذات إلى حكم الإجمالي مثل كون كل ما يؤمر به واجبا وكل منهي عنه حراما ونحو ذلك وهذا لا يسمى فقها في الاصطلاح ولا توصل إلى الفقه بالتفصيلي وهو معرفة سنية الوتر أو وجوبه والنهي عن بطلان بيع الغائب أو صحته مثلا إلا بواسطة فقبدية الإجمال مأخوذة في الأدلة والمعرفة معا أيضا وليست مأخوذة في الفقه ولذلك لا يلزم من النظر في الأصول حصول الفقه والحكم الكلي متوقف على الأصول توقفا ذاتيا والحكم التفصيلي وهو الفقه موقوف عليه أيضا وعلى غيره كلية قد يكون بالتقيد للأصولي كما أشرنا إليه وبهذا يظهر أن الاجتهاد في الفقه على الإطلاق شرطه الأصول ومعرفتها بالاجتهاد وأما بدون ذلك فيكون مقلدا وإن اجتهد في تفريع المسائل.
ثم هذه الأدلة الكلية لها حقائق في أنفسها من حيث دلالتها وتعلق العلم بها فهل وضع أصول الفقه لتلك الحقائق في أنفسها أو للعلم بها كلام المصنف يقتضي الثاني وكلام الإمام وغيره يقتضي الأول ولكل منهما وجه فإن الفقه كما يتوقف على الأدلة يتوقف على العلم بها وقد يرجح ما فعله المصنف بأن العلم بالأدلة لا يوصل إلى المدلول إلا بواسطة العلم بها لأن الفقه علم لكن أهل العرف يسمون المعلوم أصولا وكذلك يسمون المعلوم فقها ونقول هذا كتاب أصول وكتاب فقه والأولى جعل الأصول للأدلة والفقه للعلم لأنه أقرب إلى الاستعمال اللغوي ثم الأدلة لها اعتباران أحدهما حقيقتها في نفسها والثاني من حيث دلالتها على الفقه والمأخوذ في حد أصول الفقه والمأخوذ في حد أصول الفقه إنما هو هذا الثاني وهو مستفاد من الإضافة
(1/23)

في قولنا أدلة الفقه لما قدمناه أن الإضافة تفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه في معنى لفظة المضاف فالشرط في الأصولي معرفة أدلة الفقه من حيث دلالتها على الفقه خاصة وقد يكون لها عوارض أخرى لا يجب معرفته بها ثم معرفة الأدلة من حيث كونها أدلة لا بد معه من كيفية الاستدلال ومعظمها يذكر في باب التعارض والترجيح فجعلت جزءا آخر من أصول الفقه لتوقف الفقه عليها وليس كل أحد يتمكن من الاستدلال ولا يحصل له الفقه بمجرد علم تلك الأدلة وكيفية الاستدلال لأنها أدلة ظنية ليس بينها وبين مدلولاتها ربط عقلي فلا بد من اجتهاد يحصل به ظن الحكم فالفقه موقوف على الاجتهاد والاجتهاد له شروط يحتاج إلى بيانها فجعلت جزءا ثالثا من أصول الفقه لتوقف الفقه عليها.
وهذا مجموع ما يذكر في أصول الفقه الأدلة وكيفية الاستدلال وكيفية حال المستدل والإمام ومن وافقه يجعلون أصول الفقه عبارة عن الثلاثة والمصنف وطائفة يجعلونه عبارة عن معرفة الثلاثة فالمعارف الثلاثة عندهم هي أصول الفقه وقد تقدم البحث في ذلك.
فقول المصنف: "وكيفية الاستفادة" معطوف على دلائل الفقه أي ومعرفة كيفية الاستفادة وكذا قوله: وحال المستفيد أي ومعرفة حال المستفيد والمراد بالمستفيد المجتهد لأنه الذي يستفيد الأحكام من أدلتها ويقع في بعض النسخ حال المستدل وفي بعضها حال المستفيد فجمع بعض النساخ بينهما واقتضى هذا الغلط أن يحمل المستدل على المجتهد والمستفيد على المقلد لأنه يستفيد من المجتهد لكن يجوز أن يكون جزءا من أصول الفقه بخلاف الاجتهاد فإن الفقه موقوف عليه نعم إذا عرف المجتهد عرف أن من سواه مقلد وهذا جاء بالعرض لا بالقصد أعني معرفة المقلد نعم بعض الناس قد سمى علم المقلد فقها فمن هذا الوجه يحسن إدراجه في أصول الفقه لتوقف فقهه عليه وفيه فائدة لا تذكر إلا فيه وهي حكمه إذا اختلفت عليه المجتهدون ونحو ذلك.
وقول المصنف: "دلائل" لو قال أدلة كان أحسن لأن فعيلا لا يجمع على
(1/24)

فعائل إلا شاذا1. وقوله إجمالا مصدر في موضع الحال أو تمييز من معرفة أو دلائل وكل منهما يصح أن يراد به على ما بينا ويزداد وعلى جعله من معرفة وجه آخر وهو أن يكون نعتا لمصدر محذوف تقديره عرفانا إجمالا وإعرابه تمييز أقوى لأنه يبين جهة الإضافة كقولك هذا أخوك رضاعة أو نسبا وهذا القيد أعني قوله إجمالا لإخراج العلم بالأدلة على التفصيل فليس من أصول الفقه ولا هو الفقه كما وقع في عبارة بعض شارحي هذا الكتاب لأن الفقه غيره بل هو يذكر في الفقه ومن وظيفة الفقيه وأصول الفقه الأدلة الإجمالية وعلمها وهل أصول الفقه بحسب الاصطلاح يصدق على القليل من ذلك والكثير أو لا يصدق إلا على المجموع اختيار الإمام الثاني فلم يجعل أصول الفقه يطلق على بعضه وهذا إنما يظهر بأخذ مضافا ومضافا إليه أما إذا أخذ إسما على هذا العلم فينبغي أن يصدق على القليل والكثير كسائر العلوم ولهذا إذا رأيت مسألة واحدة منه تقول هذا أصول فقه والاعتذار عن الجمع في لفظة الأصول بأمرين:
أحدهما: أن بعد التسمية لا يجب المحافظة على معنى الجمع.
والثاني: أنه جمع مضاف إلى معرفة فيعم والعموم صادق على كل فرد وكلام المصنف محتمل لما قاله الإمام ولما قلناه بالطريق المذكور.
وعدول المصنف عن علم إلى معرفة نقدم عليه مقدمة وهي أن المعرفة تتعلق بالذوات وهي التصور والعلم يتعلق بالنسب وهو التصديق فإن أراد أن علم الأصول تصور محض فليس كذلك لأن العلم بكون الأمر للوجوب والنهي للتحريم من أصول الفقه وهو تصديق فالإتيان بلفظ العلم في هذا المقام
__________
1 قال ابن مالك في شرح الكافية الشافية: لم يأت فعائل جمعاً لاسم جنس على وزن فعيل فيما أعلم، لكنه بمقتضى القياس جائز في العلم المؤنث كعسائد، جمع عسيد اسم امرأة. نهاية السول 1/14-15.
والذي يترجح عندي أن "دلائل" ليس جمعاً لدليل، وإنما هو جمع "دلالة" وهي الإمارة وهي أعم منا دليل، فلو عبر بالأدلة لخرج كثير من أصول الفقه العمومات، وأخبار للآحاد، والقياس، والاستصحاب، وغير ذلك، فإنها أمارات على الدليل، ولذلك قال الإمام الرازي في المحصول. طرق الفقه يتناول الأدلة والأمارات. اهـ. محققة.
(1/25)

أحسن لأنه أعم من المعرفة ولهذا ينقسم العلم إلى التصور والتصديق ويقول النحاة في العلم إذا لم يكن عرفانا ثم سواء قلنا علم أو معرفة أو أدلة أو طرق كما قال الإمام يرد على جميع ذلك سؤال قوي وهو أن الطريق ما يفضي النظر الصحيح فيه إلى علم المدلول أو ظنه والدليل ما يفضي النظر الصحيح فيه إلى المدلول وعلم الدليل أو الطريق كذلك والمدلول هنا هو الفقه لقوله أدلة الفقه أو طرق الفقه وقد قدمنا أن الفقه بحسب الاصطلاح لا يصدق إلا على معرفة الأحكام التفصيلية فيلزم من هذا أن يكون أصول الفقه معرفة أدلة الأحكام التفصيلية وأن من عرفها عرف ضرورة بما قررناه من أن النظر في الدليل يوجب العلم بالمدلول فيلزم أن يكون الأصول فقها وأن يكون كل أصولي فقيها وهذا ظاهر البطلان ولا ينجى عن هذا قيد الإجمال في المعرفة أو في الدلالة لأن الإجمالي إن كان دليلا للتفصيلي لزم من تحصيله حصوله وإن لم يكن دليلا للتفصيلي فسدت إضافته إلى الفقه لأن الفقه تفصيلي ودليل الفقه مجموع أمرين:
أحدهما: الإجمالية، والثاني: التفصيلية، والأول مندرج في الثاني فكل من علم الثاني علم الأول تقليدا أو اجتهادا ولا يحصل الفقه إلا بعلمهما والأصول في الأول فقط وقد سلم من هذا السؤال ابن الحاجب حيث قال إن حده لقبا العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية ومع ذلك يرد عليه أن من القواعد النحوية وغيرها ما هو كذلك ولم تدخل في أصول الفقه فالحد غير مانع وغير جامع أيضا لأنه أخرج الأدلة عن الأصول جملة.
فإن قلت: هل من اعتذار عن المصنف والإمام وغيرهما في السؤال الذي قدمته قلت نعم وهو أن الأدلة التفصيلية التي يحصل عنها الفقه لها جهتان: إحداهما أعيانها والثانية كلياتها وكل دليل هكذا فليست الأدلة منقسمة إلى ما هو إجمالي غير تفصيلي وتفصيلي غير إجمالي بل كلها شيء واحد له جهتان فالأصولي يعلمه من إحدى الجهتين والفقيه يعلمه من الأخرى ويصدق على ذي الجهتين أنه معلوم من وجه فالمراد بالأدلة التفصيلية التي هي موصلة إلى الفقه والأصولي يعرفها من جهة الإجمالي فلها اعتباران والنظر في
(1/26)

الدليل إنما يفيد العلم بالمدلول إذا نظر فيه على سبيل التفصيل والأصولي لم ينظر فيه كذلك فلم يحصل له الفقه لانتفاء شرط نظره لا لانتفاء كون المنظور فيه دليلا في نفسه وهذا جواب حسن مصحح لمعرفة الأدلة وإن كان جعله للأدلة صحيحا أيضا باعتبار أن للأدلة نسبتين كما قدمنا فهي باعتبار إحدى النسبتين غيرها باعتبار الأخرى هذا كله في تعريف المعنى اللقبي إذا قطعنا النظر عن أجزاء اللفظ وكذلك إذا لاحظناها مع التخصيص الذي أشرنا إليه فيما سبق فإن التعريف يحصل بما ذكره أيضا وليس من شرط الحد أن يكون بأجزاء محمولة كما ظنه بعضهم بل بأجزاء داخلة في الحقيقة وأجزاء المحدود هنا وهي المعارف الثلاث كذلك والمعرفة جنس الأصول وما أضيف إليه من الأدلة والكيفيتين فصول تقديره معرفة متعلقة بالأدلة والكيفيتين فالمتعلقة فصل وإنما جعلناه فصلا لأن التعلق داخل في ذات العلم فإن جعلته خارجا كان خاصة وكان التعريف رسما تاما.
البحث الثالث
في الفرق بين المعاني الثلاثة وتعريفاتها وما بينها من النسب.
أما المعنى الأول وهو معنى أصول الفقه قبل التسمية فهو أعم مطلقا من الثاني والثالث اللذين هما بعد التسمية وتعريفه أعم من تعريفهما ولا يحصل به تعريف هذا العلم كما سبق وإطلاقه عليه إطلاق الأعم على الأخص ولم يذكر المصنف ولا غيره ممن أراد تحديد علم أصول الفقه ذلك إلا على سبيل التقدمة كما فعله الإمام فإنه ذكر المفردات ثم ذكر تعريف أصول الفقه بعد مسمى به ولذلك أخذ فيه قيد الإجمال ولو راعى مدلوله قبل التسمية لم يأخذ فيه قيد الإجمال وأما معناه اللقبي ومعناه الإضافي بعد التسمية إذا لوحظت أجزاء لفظه فهما سواء وتعريفهما سواء فسرنا الأصول بالأدلة أم بالمحتاج إليه فيصح على كل من التقديرين هذا أن نجعل أصول الفقه اسما للأدلة وهي محتاج إليها فيتحد المعنى اللقبي والإضافي أما الإضافي فظاهر وأما اللقبي فلتسمية الأدلة بذلك ويصح أن نجعله اسما للمعرفة فيتحدان أيضا أما اللقبي فظاهر وأما الإضافي فظاهر إن جعلنا الأصل المحتاج إليه وإن جعلناه الدليل فنكون قد سمينا به العلم بالدليل من باب تسمية العلم باسم المعلوم.
(1/27)

فإن قلت: إذا جعلنا الأصول للأدلة والتسمية للمعرفة تغاير المعنى اللقبي والإضافي قطعا فيجب أن يكون لكل منهما حد قلت ليس المراد بالإضافي معناه قبل التسمية وإلا لورد المعنى الأول وقد قدمنا أنه خارج قطعا فإنما المراد تعريف المعنى اللقبي باعتبار ملاحظة أجزاء اللفظ فلا بد أن يوجد فيها تعبير إما بمجاز أو بتخصيص حتى يوافق اللقب وحينئذ يتحد التعريفان ويستحيل أن يكون لعلم أصول الفقه المصطلح عليه حدان أحدهما باعتبار الإضافة قبل التسمية والثاني باعتبار اللقب.
(1/28)

تعريف الفقه
"والفقه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية".
في معنى الفقه بحسب اللغة ثلاثة أقوال:
أحدها: مطلق الفهم.
والثاني: فهم الأشياء الدقيقة.
والثالث: فهم غرض المتكلم من كلامه وقولنا غرض المتكلم من كلامه إشارة إلى أنه زائد على مجرد دلالة اللفظ الوضعية فإنه يشترك في معرفتها الفقيه وغيره ممن عرف الوضع وبهذا الاعتبار يسلب عمن اقتصر على ذلك من الظاهرية اسم الفقيه وأما في الاصطلاح فقد ذكره المصنف والكلام عليه من وجوه:
أحدها: قوله: العلم جنس يشمل التصور والتصديق القطعي وإنما قلنا ذلك لأن العلم صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض ويلزمها التعلق بمعلوم فإن كان المعلوم ذاتا أو معنى مفردا أو نسبة غير خبرية فهو التصور وإن كان نسبة خبرية فهو التصديق القطعي مثاله العالم حادث وههنا أربعة ذات العالم ومعنى الحدوث في نفسه والارتباط بينهما من غير حكم بثبوته أو بانتفائه والعلم بهذه الثلاثة تصور والرابع هو ثبوت ذلك الارتباط أو انتفاؤه وهو النسبة الخبرية وهو التصديق وهكذا في كل قضية موضوعها ومحمولها مفردا والارتباط بينهما نسبة تقييدية وهو من قبيل المفرد ووقوع تلك النسبة
(1/28)

أو عدم وقوعها أمر رابع فتعلق العلم بتلك الثلاث تصور وتعلقه بالرابع تصديق والفرق بين الثالث والرابع دقيق فإنك تقول علمت حدوث العالم بمعنى تصورته وعلمت حدوث العالم بمعنى صدقت به فالنسبة واحدة ولكن التصور علمها في نفسها والتصديق علم حصولها فحقيقة المعلوم في التصديق كحقيقة المخبر به في الخبر بل هي حقيقة واحدة إن تعلق بها الكلام سمي خبرا وإن تعلق بها العلم سمي تصديقا والتصور أخص من العلم مطلقا والتصديق أخص منه من وجه لأن التصديق قد يكون بالخبر وليس بعلم لخروجه من حد العلم وتفسير التصديق بما قلناه وهو العلم بالنفي والإثبات يصحح انقسام العلم الذي هو الإدراك إلى التصور والتصديق بخلاف ما إذا فسرناه بالحكم أو بالحكم مع التصور فلا يصح انقسام العلم إليه إلا إذا قيل إن العلم بالنفي أو الإثبات حكم والمعروف أن الحكم إيقاع النسبة.
وكشف اللبس في ذلك أن الحكم هو نسبة أمر إلى أمر بالإثيات أو النفي وهو قسم من أقسام الكلام قد يكون بالنفس وقد يكون باللسان فإذا قلنا حكم الذهن فإنما نريد الإخبار النفساني ثم إن هذا الإخبار محتمل للتصديق والتكذيب والتصديق والتكذيب إما بالإخبار بأن يقال لقائله صدقت أو كذبت وإما بالعلم والاعتقاد فإن من علم صدق المخبر يقال له مصدق له ومن علم كذبه يقال أنه مكذب له فسمى العلم المتعلق بذلك الخبر أو بمضمون الخبر تصديقا لما قلناه لأنه مصدق له فالعلم يتعلق بالحكم أو بمضمونه لا ينقسم إليه وقولنا بمضمونه لأن العلم قد يتعلق بالنسبة الخارجية وقد يتعلق بالخبر عنها فالثاني تصديق للخبر والأول تصديق لمضمونه والحكم منه ما هو تصديق وهو الأخبار بصدق الصادق ومنه ما ليس بتصديق وهو تقييد الأحكام وأنما شاع في العرف إطلاق التصديقات على القضايا مطلقا لأنها قابلة لأن تصدق فكأنهم قالوا الصادقة ومن هنا يتبين أن أحق القضايا باسم التصديق ما كان مقطوعا به لأنه الذي يصدقه العلم أما المظنونة والمشكوك فيها والموهومة فلا يوثق بأيها إذا عرضت على العلم بصدقها أو بكذبها فإن أطلق عليها اسم التصديق فإنما هو بطريق احتمالها له وإنما تسمى حكما وجميع الأشياء معروضة على العلم وهو الميزان لها فالمفردات بتصورها والأحكام الصحيحة بصدقها والباطلة بصدق نقيضها.
(1/29)

ولما كان دائما في القضايا مصدقا لها ولنقيضها سمي تعلقه بها تصديقا وترك لفظ التكذيب للاستغناء عنه بنقيضه ولهجر لفظه وإنما سمى العلم بالصدق تصديقا لأن به يصدق فهو الأصل في الأصل في التصديق وإطلاق التصديق على الحكم بالصدق للزومه له وإطلاقه على الحكم بذلك بطريق الظن فيه بعيد وإطلاقه على الحكم مطلقا سواء كان تصديقا بخبر أم لا بعيد عن اسم التصديق.
وقد أطلنا في هذا لأنا لم نجد من حققه هكذا.
وفي العلم اصطلاح آخر خاص لا يندرج فيه التصور يقال فيه الاعتقاد الجازم المطابق لموجب وهذا هو أحد قسمي العلم العام وهو العلم التصديقي فإنا قدمنا أنه لا بد وأن يكون قطعيا فقولنا جازم مخرج الظن والشك والوهم وقولنا مطابق مخرج الجهل وقولنا لموجب مخرج التقليد.
ومنهم من يقول الثابت: بدل قولنا لموجب لأن اعتقاد المقلد غير ثابت لأنه يمكنه اعتقاد نقيضه واليقين لا يمكن اعتقاد نقيضه وهذا النوع من العلم لا يكون معلومه إلا حكما بإسناد أمر إلى أمر محتملا للتصديق والتكذيب أو مضمون ذلك الحكم وهو وقوع تلك النسبة في نفس الأمر كما بيناه.
إذا عرفت الاصطلاحين في العلم فلك أن تجعله في كلام المصنف بالمعنى الأعم ويخرج التصور بما بعده وهو الذي سلكه الإمام وعليه سؤال سنورده ولك أن تجعله بالمعنى الأخص فلا يكون التصور داخلا فيه ولا يكون قوله بالأحكام مخرجا لشيء بل توطئة للشرعية وعلى كلا التقديرين لا يندرج الظن فيه ولذلك أورد عليه السؤال الذي سيأتي.
وقد يطلق العلم باصطلاح ثالث على الصناعة كما تقول علم النحو أي صناعته فيندرج فيه الظن واليقين وكل ما يتعلق بنظر في المعقولات لتحصيل مطلوب يسمى علما ويسمى صناعة وعلى هذا الاصطلاح لا يرد سؤال الظن لكنهم كلهم أوردوه فكأنهم لم يريدوا هذا الاصطلاح أو أرادوه ولحظوا معه معنى العلم في الأصل ويطلق النحاة العلم أيضا على المعرفة وقد أصابوا
(1/30)

ولكن ليس فيها اعتقاد ولا ظن بل تصور محض ولا يجوز أن تكون هي المراد ههنا لأن الفقه تصديق لا تصور.
"الوجه الثاني من الكلام على التعريف" الباء في قوله بالأحكام ولنقدم مقدمة وهي أن علم فعل متعد بنفسه وأما الباء في قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} 1 فاحتمل زيادتها واحتمل بأن يكون علم مضمنا معنى أحاط ومما يتنبه له إن علم المتعدية إلى مفعولين لم يدخلوا الباء على واحد من مفعوليها إذا ذكرا صريحين ودخلت على أن وصلتها السادة مسدهما لدلالتها على النسبة التي هي المعلومة وهذا يقوي التضمين ويقوي قول أكثر النحويين أنها سادة مسد المفعولين ويضعف قول من يقدر معها مفعولا ثانيا لأن المفعول الأول لا يدخل عليه الباء وليس هو المعلوم أعني المخبر بعلمه إنما المخبر بعلمه نسبة الثاني إليه وإذا علمت قيام زيد بمعنى أنه قام أو يقوم جاز دخول الباء في المفعول كما يدخل على إن لأن المعلوم فيهما ثبوت النسبة وإذا كانت علم بمعنى عرف جاز دخول الباء على مفعولها وتكون زائدة كقولك عرفته وعرفت به فإن أردت غيره صح أن يكون علم على حقيقتها.
إذا علمت هذا فدخولها في قوله: العلم بالأحكام لا بد منه أما على طريقة التضمين في الفعل فظاهر وأما على طريقة الزيادة في الفعل فلأن المصدر المعرف بالألف واللام ضعيف العمل جدا وإذا ضعف تقوى بالحرف كقوله: {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ} 2 {وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} 3 وعلى كل تقدير هي متعلقة بالعلم وأما تقدير محذوف يتعلق به كقولنا العلم المتعلق بالأحكام فلا حاجة إليه إلا إذا فسرنا العلم بالصناعة فيظهر تقديره.
"الوجه الثالث قوله بالأحكام" يخرج به العلم بالذوات والصفات الحقيقية والإضافية غير الحكم "والأفعال" وإنما قلنا غير الحكم لأن الحكم الشرعي كلام يتعلق به فهو صفة عرضت لها الإضافة.
__________
1 سورة العلق 14.
2 سورة يوسف عليه السلام 43.
3 سورة المائدة 46.
(1/31)

"وهنا تنبيهات" منها: أن الحكم يطلق على النسبة الخبرية وهي معلوم التصديق وبه يخرج التصور كله وعلى إنشاء الأمر والنهي والتخيير ومنه الحكم الشرعي والعلم قد يتعلق به على جهة التصور ألا ترى إلى قول المصنف ولا بد للأصولي من تصور الأحكام الشرعية ليتمكن من إثباتها ونفيها وعلى هذا لا تكون الأحكام مخرجة للتصورات وإنما تخرج بقوله بعد ذلك المكتسب من أدلتها فإن التصور يكتسب من التعريفات لا من الأدلة وعلى كل من تكلم على الحد جعل قوله الأحكام مخرجا للتصورات هذا سؤال قوي وجوابه أن الحكم لفظ مشترك والمراد به ههنا المعنى الأول.
فإن قيل: الألفاظ المشتركة لا تستعمل في الحدود من غير بيان وأيضا قال الفقه العلم بالأحكام الشرعية ثم عرف الحكم الشرعي بالخطاب فاستحال أن يكون غيره وإلا لما انتظم قلت ينتظم من جهة أنه إذا عرفت أن الحكم الشرعي الخطاب الموصوف ترتب عليه حكما بثبوت ذلك الخطاب أو نفيه وهذا هو المراد بقولنا: "الفقه العلم بالأحكام الشرعية" وسمي شرعيا لكونه لم يعرف إلا من الشرع والمتعلق به تصديق لا تصور والمذكور في حد الحكم هو حكم الله القائم بذاته وهو طلب أو تخيير وسمي شرعيا لأنه ناشئ من الشارع والعلم المتعلق به تصور وإنما ذكر لنعرف به الحكم المذكور في حد الفقه لتعلقه به والقاضي أبو بكر1 يجعل حكم الله إخباره يجعله الحكم لفعل كذلك فيستغني عن هذا التكلف وأما سؤال الإشتراك فهنا قرينة تبين المراد وهي أن الفعل متعد إلى مفعولين ولا يجوز دخول الباء على مفعوله إلا إذا تضمن نسبة بنفي أو إثبات كما تقدمت الإشارة إليه في الوجه الثاني فلما دخلت الباء هنا مع لفظ العلم الذي ظاهره التعدي إلى مفعولين على لفظ الحكم الذي هو ظاهر في النسبة كان ذلك قرينة على أن المراد بالأحكام ثبوتها لا تصورها ومن هنا يتبين لك أن المطلوب من الفقه علمه هو كون الشيء واجبا أو حراما أو مباحا وهو المذكور في حد الفقه ويقرب دعوى القطع فيه،
__________
1 هو أب بكر: محمد بن الطيب بن جعفر بن القاسم، المعروف الباقلاني، شيخ أهل السنة، من مؤلفاته في الأصول: "التقريب والإرشاد" وقد اختصره في التقريب والإرشاد الأوسط والصغير. توفي سنة 403هـ وفيات الأعيان 3/400، الأعلام المزركلي 3/909.
(1/32)

لأن المراد العمل والمذكور في حد الحكم هو إيجاب الله أو تحريمه أو إباحته وهو صفة قائمة بذاته تعالى ويطلب تحقيقها من الأصولي لا من الفقيه والمطلوب تصورها ودعوى القطع في العلم بتعلقها بما علمه الفقيه غيره ولو قال قائل المراد بالأحكام هنا هو المذكور عند حد الحكم ونقدر بإثبات الأحكام ويستدل على هذا التقدير بما قلناه كان صحيحا والله أعلم.
"ومن التنبيهات" أن الإمام ممن ادعى أن قوله بالأحكام يخرج العلم بالذوات والصفات ثم أورد السؤال كون الفقه مظنونا فيقال إن إراد بالعلم الاعتقاد الجازم فيرد سؤال الظن ولا يحسن وأن يقال خرج بالأحكام العلم والتصديق فيصح ما ادعاه من الإخراج ولا يرد سؤال الظن لأن الظن قسم من أقسام التصديق الذي هو قسم من العلم وجواب هذا بالتزام الثاني ومنع كون الظن من أقسام العلم بيناه في الوجه الأول.
"ومن التنبيهات" أيضا أن بعض شرح من هذا الكتاب قال إن الأحكام تخرج العلم بالذوات والصفات كعلمنا بأن الأسود ذات والسواد صفة وهذه عبارة غير محررة فإن العلم بأن الأسود ذات والسواد صفة تصديق والعلم التصوري بنفس الذات ونفس الصفة متمثلة في الذهن.
"ومن التنبيهات" أن الألف واللام في الأحكام للجنس هذا هو الذي نختاره والألف واللام الجنسية إذا دخلت على جمع قيل تدل على مسمى الجمع ويصلح للإستغراق ولا يقتصر به على الواحد والاثنين محافظة على الجمع والمختار أنه متى وقصد الجنس يجوز أن يراد به بعضه إلى الواحد ولا يتعين الجمع كما لو دخلت على المفرد نعم قد تقوم قرينة تدل على مراعاة الجمع مع الجنس فيقارب بذلك المفرد على ما قلناه ويصدق على العلم بحكم مسألة واحدة من الفقه أنها فقه ولا يلزم أن يسمى العالم به فقيها لأن فعيلا صفة مبالغة مأخوذة من فقه بضم القاف إذا صار له الفقه سجية وقال بعضهم إنها للعموم والمراد التمكن أي يكون له قوة قريبة من الفعل يصدق عليه بها للعلم بجميع الأحكام إذا نظر كما هي وظيفة المجتهد وهذا احسن في اسم فقيه اسم الفاعل المقصود
(1/33)

به المبالغة لا في اسم الفقه المصدر وقال بعضهم إنها للعهد والمراد جملة غالبة بحكم أهل العرف عندها يصدق الاسم وهذا ليس بشيء.
"ومن التنبيهات" أن قولنا العلم بالأحكام يصدق على ثلاثة أشياء:
أحدها: تصور الأحكام وقد تحيلنا في إخراجه.
والثاني: إثباتها بمعنى اعتقاده أن الله أوجب وحرم وأباح من غير علم بأنه أوجب كذا أو حرم كذا أو أباح كذا وهذا أيضا ليس من الفقه في شيء بل هو من أصول الفقه.
الثالث: وهو المقصود إثباتها معينة لموضوعات معينة وقد عبر بعضهم عن هذا بقوله الأحكام الجزئية وأشار إلى أن هذا لا بد من زيادته في الحد.
"الوجه الرابع قوله الشرعية" يخرج الأحكام العقلية مثل كون فعل العبد عرضا أو حسنا وغير ذلك والمراد بالشرعية ما يتوقف معرفتها على الشرع والشرع هو الحكم والشارع هو الله تعالى ورسوله مبلغ عنه فلذلك يطلق الشارع على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وبما ذكرناه يندفع قول من قال إن الأحكام العقلية شرعية باعتبار أن الله خلقها وأنها تحت قضائه وقدره وقد وقفت على شرح لهذا الكتاب فيه أن قوله الشرعية احتراز عن الأحكام العقلية وتنبيه على أن المراد الأحكام بحسب الشرع لا بحسب العقل كما هو مذهب المعتزلة.
وأعلم أن المعتزلة لا ينكرون أن الله تعالى هو الشارع للأحكام وإنما يقولون إن العقل يدرك أن الله شرع أحكام الأفعال بحسب ما يظهر من مصالحها ومفاسدها فهي طريق عندهم إلى العلم بالحكم الشرعي فليس قوله الشرعية تنبيها على خلاف قول المعتزلة وإن كان قول المعتزلة باطلا ولعله استند في هذا إلى قول الإمام فإنه قال قولنا الشرعية احتراز عن العلم بالأحكام العقلية كالتماثل والاختلاف والعلم بقبح الظلم وحسن الصدق عند من يقول بكونهما عقليين وكلام الإمام هذا صحيح وسعناه أن الحسن والقبح لا يدركان بالعقل عندنا فلا يحترز عنهما وأما عند المعتزلة فيدركان بالعقل وهما حكمان عقليان يحترز عنهما وليس العلم بهما فقها والحكم الشرعي تابع لهما على رأي المعتزلة لا عينهما فما كان حسنا جوزه الشرع وما كان قبيحا منعه
(1/34)

فصار عند المعتزلة حكمان أحدهما عقلي والآخر شرعي تابع له والفقه هو العلم بالثاني فلذلك احترز عن الأول عندهم وكلام هذا الشارح يقتضي أنهم يطلقون على العلم بالأحكام العقلية فقها وليس كذلك فإذا تؤمل كلام الإمام كان ردا على ما قاله هذا الشارح وهذا المعتمد وغيره من كتب المعتزلة وفيها اعتبار الأحكام الشرعية في تعريف الفقه وقال هذا الشارح أيضا إن وجه نسبة الأحكام إلى الشرع أن تعلقاتها التنجيزية أو العلم بتعلقاتها التنجيزية مستفاد من الشرع لا أن نفس الأحكام أو تعلقاتها العلمية مستفاد من الشرع فإن الشرع حادث والأحكام وتعلقاتها العلمية قديمة والقديم لا يستفاد من الحادث انتهى ما قاله وكأنه لما رأى الأصحاب يقولون لا حكم قبل الشرع وأمثال هذه العبارة قاصدين لا حكم قبل البعثة توهم أن الشرع هو البعثة فقال إنه حادث وليس كما قاله ولا كما توهمه وإنما الشرع ما قدمناه.
وأما قول الأصحاب فمرادهم به لا حكم قبل العلم بالشرع أو عبروا بالشرع عن البعثة على سبيل المجاز لأن بها يعرف ويظهر وهذا هو الأظهر من مرادهم وصاحب هذا الكلام لم يذكر كلام الأصحاب هذا ولكني أنا ذكرته جاحدا له ودفعته فإني استنكرت قول الشرع حادث أما سمع قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} 1 فإن كان الشرع حادثا فالحكم حادث وهو لا يقول به وإن قال به رد عليه ثم مضمون كلام هذا القائل أن يكون الأحكام في الأزل ثابتة وهي غير شرعية وهذا شيء لم يقل به أحد أما أن ذلك مضمون كلامه فلأنه صرح بأن الأحكام قديمة وفسر نسبتها إلى الشرع بشيء حادث وأما أن ذلك لم يقل به أحد فلأن الناس منهم من قال الحكم الشرعي قديم ومنهم من قال الحكم حادث أما قدم الحكم وحدوث كونه شرعيا فلا قائل به فإن قال نسميه شرعيا لأنه بصدد أن يستفاد من الشرع الحادث قلنا نسميه شرعيا لأنه حكم من الشارع الحقيقي القديم.
"الوجه الخامس قوله العملية" قيل يم يذكره ابن الباقلاني وذكره غيره وقال الإمام أنه احتراز عن العلم بكون الإجماع حجة والقياس حجة فإن كل ذلك أحكام
__________
1 سورة الشورى 13.
(1/35)

شرعية مع أن العلم بها ليس علما بكيفية عمل وأشار الغزالي1 إلى ما أذكره وهو تبيين أن المراد بالأحكام الشرعية هنا ما استفيد من الشرع وهو أعم من تفسير الحكم الشرعي الذي سيأتي فإنه لو أريد ذلك لاستغنى عن قوله هنا العملية وأخص من مطلق الحكم ويصير لفظ الحكم الشرعي مشتركا بين ما ذكره هنا وهناك وكان شيخنا أبو الحسن الباجي2 يختار أن قيد العملية احتراز عن أصول الدين لأن منه ما يثبت بالعقل وحده كوجود الباري تعالى ومنه ما يثبت بكل واحد من العقل والسمع كالوحدانية ومنه وجوب اعتقاد ذلك ومنه ما لا يثبت إلا بالسمع لقصور العقل عن معرفته فأما الأول والثاني فخرجا بقولنا الشرعية وتفسيرنا إياها بما هو متوقف على الشرع وأما الرابع فقد يقال إنه داخل في الشرعية والأولى أن يجعل هو والأولان خارجة عنها بأن يراد بالحكم الإنشائي لا الخبري ولا شيء من الثلاثة بإنشاء وأما وجوب اعتقاد ذلك فهو حكم شرعي إنشائي فإن كان ذلك لا يسمى فقها فلا بد من إخراجه وما في الحد ما يخرجه إلا القيد المذكور ويرد على إخراجها وإخراج أصول الفقه بذلك إن أريد بالعمل عمل الجوارح والقلب فلا تخرج لدخولها في أعمال القلوب وإن أريد عمل الجوارح فقط خرجت النية وكثير من المسائل التي تكلم الفقهاء فيها كالردة وغيرها مما يتعلق بالقلب ولذلك ترى الآمدي وابن الحاجب لفظ العملية وقالا الفرعية لأن النية من مسائل الفروع وإن كانت عمل القلب ولعل الفقهاء إنما ذكروا ذلك لما يترتب عليه من الصحة والبطلان والمؤاخذة المتعلقات بالأعمال كما يذكر في بعض العلوم ما يتعلق به من علم آخر ثم إن كون الإجماع حجه مثل كون الزنا سببا لوجوب الحد وقد
__________
1 هو: محمد بن محمد، أبو حامد الغزالي، صاحب إحياء علوم الدين والتصانيف العديدة في الأصول وغيره، مثل: المستصفى، والمنخول، وشفاء الغليل وغيره ذلك.
ولد سنة 450هـ وتوفي سنة 505هـ.
البداية والنهاية 12/173، شذرات الذهب 1/10-13.
2 هو: علي بن محمد بن عبد الرحمن بن خطاب، علاء الدين الباجي، المولود في سنة إحدى وثلاثين وستمائة، كان عالماً بسائر العلوم النقلية والعقلية، الفقه والأصول، والمناظرة وغير ذلك. وكان أعلم أهل الأرض بمذهب الإمام أبي الحسن الأشعري في علم الكلام. توفي بالقاهرة سادس ذي القعدة سنة أربع عشرة وسبعمائة.
طبقات الشافعية 10/339، حسن المحاضرة 1/544،الدرر الكامنة 3/176.
(1/36)

منع الإمام بعد ذلك أنه حكم شرعي فعلى طريقة لا حاجة له إلى إخراجه فطريق الجواب عنه أن مراده هناك أنه ليس بحكم زائد على أبحاث الحد وكذا كون الإجماع حجة معناه إيجاب العمل به وبمقتضاه فيجب الاحتراز عنه.
"الوجه السادس قوله المكتسب من أدلتها" صفة للعلم وفي بعض النسخ المكتسبة صفة للأحكام والأول أحسن بل يتعين وإلا لاحتاج الحد إلى زيادة قوله: إذا حصل بالاستدلال وعلى كلا التقديرين فهو احتراز عن علم الله تعالى وما يلقيه في قلب الملائكة والأنبياء من الأحكام من غير اكتساب واحتراز أيضا عن العلم بوجوب الصلاة والزكاة والصوم ونحوه مما هو معلوم من الدين بالضرورة لأن لفظ الفقه يشعر بالعلم بما فيه دقة ولا دقة في ذلك ولأن العوام يعلمون ذلك ولا تسمى فقهاء وقال التبريزي1 في هذا القسم المعلوم بالضرورة إنه فقه وإن لم يسم المتصف به فقيها فذلك لأن العلماء في اسم الفقيه عرفا كما أن لهم في اسم الفقيه عرفا وكون تلك العلوم ضرورية لا يخرجها عن كونها فقها فإن معظم علوم الصحابة شرائع الأحكام كان كذلك وهذا الذي قاله التبريزي هو المختار وإن ذلك يسمى فقها ولذلك يذكر في كتب الفقه وإنما لا يطلق على العالم به وحده اسم فقيه لما فيه من المبالغة وفقيه اسم فاعل من فقه بضم القاف إذا صار الفقه له سجية وهو وصف له في نفسه لا يتعدى إلى غيره والفقه هو مطلق الفهم وهو صفة يتعدى إلى المفهوم والضمير في أدلتها للأحكام ولو قال من أدلته لصح أيضا على ما في النسخ المشهورة من جعل المكتسب صفة للعلم.
"الوجه السابع قوله التفصيلية" جعله الجمهور احترازا عن اعتقاد المقلد فإنه اعتبار وحكم شرعي عملي مكتسب من دليل إجمالي وهو أن هذا أفتاني به المفتي وكل ما أفتاني به المفتي فهو حكم الله في حقي وهو دليل عام لا
__________
1 هو: علي بن عبد الله بن أبي الحسن بن أبي بكر الأردبيلي، تاج الدين التبريزي، كان من العلماء المجيدين لفنون العلوم، من المنقول والمعقول، كالفقه، والأصول، والفرائض، والنحو والحساب، وعني في آخر حياته بدراسة علوم الحديث.
توفي بالقاهرة في شهر رمضان سنة ست وأربعين وسبعمائة.
طبقات الشافعية لابن السبكي 10/137-138، الدرر الكامنة 3/143، شذرات الذهب 6/148 الأعلام للزركلي 5/121.
(1/37)

يختص بمسألة بعينها ومقدمته الأولى حسية والثانية إجماعية ولذلك قال الإمام هنا إن هذا القيد يخرج ما للمقلد من العلوم فجعل الحاصل عند المقلد علما وأدرجه في جنس حد الفقه وأخرجه بهذا الفصل لكنه بعد ذلك جعله قسيم العلم فإنه لغير موجب والعلم لموجب وإذا لم يكن إعتقاد المقلد علما لم يدخل في الجنس وهو قوله العلم فلا يحتاج إلى إخراجه بالفصل إلا أن يريد بالعلم الإعتقاد الجازم المطابق أعم من أن يكون لموجب أولا وهنا تم الحد وعلى النسخة التي فيها المكتسبة بالهاء لا يتم الحد هنا لأن المسائل التي يعلمها المقلد هي مستدل عليها في نفس الأمر بأدلة تفصيلية مكتسبة لغيره فلا يخرج إلا بأن تقول إذا حصلت أو حصل علمها بالاستدلال.
"قيل الفقه من باب الظنون" هذا سؤال على قوله العلم فاقتضى أنه لا شيء من الفقه بظني ونحن نبين لك أنه ظني لأنه موقوف على الظني والموقوف على الظني ظني أما كون الموقوف على الظني ظنيا فلأن الظني يحتمل العدم وعلى تقدير عدمه يعدم الموقوف عليه فلزم كونه ظنيا غير مقطوع به وأما كون الفقه موقوفا على الظني فلأنه موقوف على أدلته وأدلته نص أو إجماع أو قياس فالقياس كله ظني والإجماع اختلف فيه وعلى تسليم أنه قطعي فوصوله إلينا بالظن على أنه في غاية الندور والنص قسمان: أحاد لا يفيد إلا الظن ومتواتر وهو مقطوع المتن ظنون الدلالة وإن اقترن به قرائن حتى أفاد العلم التحق بالمعلوم من الدين ضرورة وأنتم قلتم أنه لا يكون فقها ومقتضى ذلك أن يكون كل الفقه مظنونا ولا شيء منه بمعلوم على عكس ما اقتضاه الحد وفي بعض النسخ قيل من باب الظنون أي الفقه وحذفه لدلالة الكلام عليه.
"قلنا المجتهد إذا ظن الحكم وجب عليه الفتوى والعمل به للديل القاطع على وجوب اتباع الظن فالحكم مقطوع والظن في طريقه" مضمون هذا الجواب أن الفقه كله قطعي لا ظني وهذه المقالة تنسب إلى أكثر الأصوليين وحاصل كلامهم ومداره ما قاله المصنف وتقريره بالمثال أن نقول في الوتر مثلا الوتر يصلي على الراحلة فهو سنة فالوتر سنة والمقدمة الأولى ثابتة بخبر الواحد والثانية بالاستقراء وهما لا تفيدان إلا الظن فالنتيجة ظنية لتوقفها على الظن
(1/38)

وهذا الظن الذي أراده المصنف بقوله والظن في طريقه وأكثر الناس إذا وصلوا إلى هذه النتيجة وقفوا عندها واعتقدوا أنها الفقه وهو الظاهر من اصطلاح الفقهاء وعليه بنى السائل سؤاله والأصوليون لم يقفوا عند ذلك لأن الظن لا يجوز اعتماده حتى يدل عليه دليل فنظروا وراء ذلك وقالوا لما حصلت هذه النتيجة وهي اعتقاد كون الوتر سنة ظنا ركبنا قياسا آخر من مقدمتين هكذا الوتر مظنون سنيته وكل ما هو مظنون سنيته فهو سنة في حق من ظنه.
والمقدمة الأولى قطعية لأنها وجدانية فإن الظان يجد من نفسه الظن كما يجد الجوع والشبع والمقدمة الثانية قطعية لقيام الإجماع على أن حكم الله في كل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده وفي حق من قلده حتى لو اعتقد خلاف الإجماع لدليل كان حكم الله في حقه إلى أن يطلع على مخالفته وهذا الإجماع نقله الشافعي في الرسالة والغزالي في المستصفى وإذا تقررت المقدمتان كانت النتيجة الوتر سنة في حق من ظنه وهي قطعية لأنها تابعة لمقدمتين قطعيتين ولا يضرها وقوع الظن في مقدمتي القياس الأول ونتيجته وهي طريق القياس الثاني لأن الظن إنما يضر إذا كان في مقدمات الدليل وهنا مقدمتا القياس قطعيتان والمظنون خارج عنهما ووجود الظن الذي هو حاصل مقدمة القياس الثاني ليس مظنونا وهذا التقرير على حسنه إنما يفيدنا القطع بوجوب العمل فلذلك اختار جماعة أن الفقه هو العلم أو الظن والإنصاف أنهما مقامان اعتقاد كون الحكم عند الله كذا لا يمكن دعوى القطع فيه واعتقاد وجوب العمل بما ظنه من ذلك دعوى القطع فيه ممكنة والفقهاء نظروا للأول والأصوليون نظروا للثاني ولا مشاححة في الاصطلاح ولم يتوارد اختلافهما على شيء واحد على أني أقول قولهم حكم الله في حق كل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده سبيله أنه يجب عليه اتباعه ودعواهم الإجماع بهذا التفسير صحيح وبغير هذا التفسير ممنوع فإذا قلنا المصيب واحد والمخطيء معفو عنه لا يستمر هذا الإطلاق وإن كان بعضهم قال إنه يتعين التكليف ولكن يجب حمله على أنه يأثم بترك ما ظنه واجبا وبفعل ما ظنه حراما لجراءته على ربه بحسب اعتقاده وأما أن ذلك يصير في حقه كالواجب والحرام في نفس الأمر فلا يمكن وإذا ظن زوجه أجنبيه فوطئها يأثم ولكن أيميز إثمه أو يساوي إثم الزاني.
(1/39)

وقول المصنف للدليل القاطع على وجوب اتباع الظن يقربه إلى الإجماع الذي جعلناه دليل المقدمة الثانية من القياس الثاني ومنع بعض الناس قطعيا قطعية هذا الدليل ليس يجمل لأنه لا بد لنا من دليل قاطع على اتباع الظن دفعا للتسلسل أو اثبات الظن بنفسه فلا بد من قاطع أما إجماع وحده وإما مع قرائن تحتف به تفيد القطع وهذا المعنى والتقرير يحصل في كل مسألة من مسائل الفقه سواء كان دليلها نصا أم قياسا أم غيرهما مما يفيد الظن وقوله مقطوع أي مقطوع به ولكنه حذف الجار وتوسع بتعدية الفعل إلى الضمير.
"ودليله المتفق عليه بين الأئمة الكتاب والسنة والإجماع والقياس" قوله المتفق عليه إشارة إلى أن ثم أدلة مختلفا فيها وسنذكرها وقوله بين الأئمة أي المعتبرين وإلا فقد أنكر بعض الناس القياس وبعضهم الإجماع ولعله لا يسمى من أنكر ذلك إماما وهو حق لأن الإمام من يقتدى به وهؤلاء لا يقتدى بهم فلذلك طلق الأئمة ووقع في بعض النسخ الأمة والأول أصح لبعد التجوز في الثاني.
"ولا بد للأصولي من تصور الأحكام الشرعية ليتمكن من إثباتها ونفيها" لا بد أمعناه لا فراق ولذلك قال ابن عبد السلام إنه إذا حلف لا بد أن يفعل كذا ولم يفعله على الفور حنث والمختار أنها لا تفيد الفور المعروف والأصولي نسبة إلى الجمع لأنه مسمى به كالأنصاري والأنماري ولو لم يسم به لم تجز النسبة إلا إلى المفرد فيقال أصلي والحكم على الشيء بالإثبات أو النفي مسبوق يتصوره والأصولي يريد أن يثبت الوجوب مثلا للأمر والتحريم المنهى أو ينفيهما وكذلك بقية الأحكام فلذلك لا بد أن يتصورها أولا وقصد وبهذا وجه الحاجة إلى تقدم هذه المقدمة.
"لا جرم رتبناه على مقدمة وسبعة كتب".
الذي يسبق إلى الذهن من لا جرم في هذا الموضع أن معناها لأجل ذلك أي لأجل ما سبق رتبناه على كتب وقد جاءت لا جرم في القرآن في خمسة مواضع متلوة بأن واسمها ولم يجئ بعدها فعل والذي ذكره المفسرون واللغويون في معناها أقوال:
(1/40)

أحدها: أن لا نافية وجرم فعل معناه حق وأن ما في حيزه فاعلة وهذا مذهب الخليل وسيبويه والأخفش فقوله تعالى لا جرم أنهم معناه رد على الكفرة وتحقق بخسرانهم.
والثاني: أن لا زائدة وجرم معناه كسب أي كسب لهم عملهم الندامة فإن ما في حيزها على هذا القول في موضع نصب وعلى الأول في موضع رفع.
الثالث: أن لا جرم كلمتان ركبتا وصار معناهما حقا وكثيرا ما يقتصر المفسرون على ذلك.
الرابع: أن لا جرم معناه لا بد وإن الواقعة بعدها في موضع نصب بإسقاط حرف الجر قال الفراء لا جرم كلمة كانت في الأصل بمعنى لا بد ولا محالة فكثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقا تقول لا جرم لآتينك قال الواحدي وضع موضع القسم في قولهم لا جرم لافعلن كما قالوا حقا لأفعلن وأنت إذا تأملت هذه الأقوال لم ينطبق شيء منها على معنى التعليل الذي قصده المصنف والذي يظهر أن التعليل مستفاد من ترتيب الحكم على الوصف وتصحيح كلام المصنف بأن يقدر فلا جرم أنا رتبناه فإضمار الفاء لإفادة التعليل وتقدير أن واسمها لتوافق موقعها من القرآن أو ينزل الفعل منزلة المصدر ويستغنى عن إضمار أن والتقدير فحقا رتبناه والمقدمة بكسر الدال وفتحها وهو أشهر فالكسر لأنها تقدم الناظر فيها إلى ما بعدها والفتح لأن الناظر يقدمها بين يديه إلى مقصوده هذا في مقدمة الكتاب ومقدمة الدليل أما مقدمة الجيش فلم يجعل الجوهري فيها إلا كسر الدال لأنها تقدم الجيش.
ووجه تقديم المقدمة في أول الكتاب كونه لا بد لكل أصولي من تصور الأحكام والكتب السبعة منها الأربعة التي قدمها الكتاب والسنة والإجماع والقياس كل منها كتاب.
والخامس: الأدلة المختلف فيها وهذه الخمسة هي الأدلة التي تضمنها المعرفة الأولى من أصول الفقه.
والسادس: في التعادل والتراجيح المقصود بالمعرفة الثانية.
(1/41)

والسابع: في الاجتهاد المقصود بالمعرفة الثالثة.
وهذا جملة أصول الفقه.
"أما المقدمة ففي الأحكام ومتعلقاتها وفيها بابان".
لما كانت متعلقات الأحكام يحتاج إليها ذكرها معها وإن لم يبين فيما سبق إلا وجه الحاجة إلى تصور الأحكام.
(1/42)

المقدمة
الاب الأول قي الحكم
الفصل الأول: في تعريف الحكم
...
الباب الأول في الحكم وفيه فصول
الفصل الأول في تعريفه
"الحكم خطاب الله القديم المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير".
لما كان الكلام في الحكم الشرعي لم يحتج إلى تقييده وقد تقدم الكلام في كونه إنشائيا أو خبريا وتفسيره بالخطاب وتقسيمه إلى الاقتضاء أو التخيير يدل على أن المراد الإنشائي والخطاب مصدر خاطب يخاطب خطابا مخاطبة وفي تسمية كلام الله تعالى في الأزل خطابا خلاف قال القاضي أبو بكر الكلام يوصف بأنه خطاب دون وجود مخاطب ولذلك أجزنا أن بكون كلام الله في أزله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم في وقته مخاطبة على الحقيقة وأجزنا كونه أمرا أو نهيا وعلى هذا لا يقال للموصي إنه مخاطب بما يودعه وصيته ويقال أمر من تفضي إليه الوصية انتهى فعلى هذا لا يصح أن يؤخذ الخطاب في حد الحكم لأن الحكم عندنا قديم ويجب أن يقال الكلام والمصنف تبع الإمام في لفظ الخطاب وكأن الإمام رأى أنه يقال في القديم باعتبار ما يصير إليه وإذا قلنا لا يطلق الخطاب في الأزل فهو يطلق بعد ذلك عند وجود المأمور والمنهي ينبغي أن يقال إن حصل إسماعه لذلك كما في موسى عليه السلام فيسمى خطابا بلا شك وإلا فلا على قياس قول القاضي وإذا سمينا ما يحصل إسماعه خطابا فلا يخرجه ذلك عن كونه قديما على أصلنا في جواز إسماع الكلام القديم وفي بعض نسخ الكتاب خطاب الله القديم كأنه رأى أن الخطاب يطلق على الكلام
(1/43)

القديم على غير مذهب القاضي وعلى الأصوات والحروف الدالة على ذلك وهي حادثة فقال القديم ليخرجها وفي بعض النسخ لم يقل القديم نظرا إلى أن الخطاب هو الكلام والكلام حقيقة في النفساني فقط وهو المشهور عند المتكلمين فلا حاجة إلى قوله القديم فحصل في الخطاب قولان:
أحدهما: أنه الكلام وهو ما تضمن نسبة إسنادية.
والثاني: أنه أخص منه وهو ما وجه من الكلام نحو الغير لإفادته وإضافته إلى الله بخرج خطاب غيره والمتعلق بأفعال المكلفين يخرج المتعلق بذاته تعالى والجمادات وذوات المكلفين وفعله كقوله الله لا إله إلا هو ويوم نسير الجبال ولقد خلقناكم والمراد بالمكلفين من كان بالغا عاقلا ولنا في الصبي خلاف هل هو مأمور بالصلاة والصوم بأمر الشارع أو بأمر الولي وعلى كل تقدير ليس تكليفا لأن أمر الندب لا كلفة فيه ومن رأى أنه مأمور بأمر الشرع قال في حد الحكم الخطاب المتعلق بأفعال العباد ولا يرد على المجنون لأنه لم يوجه له خطاب ومنهم من يقول بأفعال الإنسان لأن كلامنا فيما يتعلق بهم وإن كانت الملائكة والجن مكلفين لكنهم خارجون عن نظرنا.
وقوله: "بالاقتضاء أو التخيير" يخرج قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} 1 فإنه خطاب متعلق بأعمالنا على وجه الإخبار عنها بكونها مخلوقة لكنه ليس اقتضاء ولا تخييرا فخرج عن الحد والمراد بالاقتضاء الطلب فيشمل طلب الفعل إيجابا أو ندبا وطلب الترك تحريما أو كراهة والمراد بالتخيير الإباحة.
"قالت المعتزلة خطاب الله قديم عندكم والحكم حادث لأنه يوصف به ويكون صفة لفعل العبد ومعللا به كقولنا حلت بالنكاح وحرمت بالطلاق" هذا سؤال على الحد مركب وعلى مقدمتين الأولى مسلمة وإن كانت المعتزلة لا يقولون بها فإنا نقول بقدم الكلام والثانية لا نقول نحن بها فاستدلوا عليها بثلاثة:
__________
1 سورة الصافات 96.
(1/44)

أحدها: أن الحكم يوصف به أي بالحدوث فنقول حلت هذه المرأة بعد أن لم تكن حلالا وحرمت بعد أن لم تكن حراما والبعدية تصريح بالحدوث.
والثاني: أنه أي الحكم يكون صفة لفعل العبد فتقول هذا الفعل حلال وهذا فعل حلال أو حرام والعبد حادث ففعله أولى أن يكون حادثا فصفة فعله أولى بأن تكون حادثة.
والثالث: أنه أي الحكم يكون معللا به أي بالحادث كقولنا حلت بالنكاح فالنكاح علة في الحل وحرمت بالطلاق فالطلاق علة في التحريم.
"وأيضا فموجبية الدلوك ومانعية النجاسة وصحة البيع وفساده خارجة عنها". هذا سؤال ثان وهو أن الحد غير جامع والحد يجب أن يكون جامعا لجميع أفراد المحدود مانعا من دخول غيره فيه فمتى خرج منه شيء أو دخل فيه غيره فيفسد والمراد بالدلوك زوال الشمس هذا هو الصحيح وقيل غروبها وكل منهما موجب لصلاة وغيره ذكر مع ذلك شرطية الطهارة والمراد أن هذه الخمسة أحكام شرعية غير الخمسة الأولى التي تضمنها الحد.
"وأيضا فيه الترديد وهو ينافي التحديد" هذا سؤال ثالث على قوله بالاقتضاء أو التخيير أو للترديد والترديد ينافي التحديد لأن المقصود بالتحديد الإيضاح والبيان والمقصود بالترديد الشك والإبهام.
واعلم أن مدلول "أو" إما شك كقولك جاء زيد أو عمرو وإما إبهام كقوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} 1 وإما تبيين قسمة كقولك العدد زوج أو فرد وإما إباحة كجالس الحسن أو ابن سيرين وإما تخيير كخذ درهما أو دينارا فالشك والإبهام منافيان للبيان بلا إشكال والتقسيم ليس فيه بيان المقسم والحد إنما يؤتى فيه بما يفيد البيان أو التخيير والإباحة لا محل لهما هنا وفيهما الترديد فلا يدخلان في الحدود.
"قلنا الحادث التعلق" هذا جواب عن الوجه الأول من تقرير المقدمة
__________
1 سورة سبأ 24.
(1/45)

الثانية من السؤال الأول وهو أن الحكم يوصف بالحدوث فمنع ذلك وقال الحادث إنما هو التعلق فإذا قلنا حلت هذه المرأة بعد أن لم تكن حلالا فليس معناه أن إحلالها حدث وإنما معناه أنه تعلق بالعبد وهذا اختيار من المصنف أن التعلق حادث وهو المذكور في المحصول هنا وفي موضع آخر خلافه وهو المختار1 ولو كان التعلق حادثا لكان الخطاب المتعلق حادثا ضرورة أخذ التعلق قيدا فيه ويلزم على هذا أن يكون الحكم حادثا وهو قد فر منه وأن الكلام في الأزل لا يسمى حكما ومن ضرورته ألا يكون أمرا ولا نهيا ونحن لا نقول به ولا ينجى من هذا إلا أن يقال وصف الحكم في الأزل بالتعلق على سبيل الصلاحية ولكن هذا لا ضرورة إليه فالمختار أن الإحلال مثلا قديم وكذلك تعلقه وأن التعلق نسبة فهو يستدعي حصول متعلقه في العلم لا في الخارج وإنما الذي يحدث بعد ذلك الحل وهو غير الإحلال وإنما ينشأ عنه بشروط كلما وجدت وجد كما لو قلت أذنت لك أن تبيع عبدي هذا يوم الخميس فالإذن قبل الخميس موجود متعلق به وأثره يظهر يوم الخميس وعلى هذا يجب أن يحمل قولهم بحدوث التعلق فلا يكون بين الكلامين مخالفة في المعنى وكأن للتعلق طرفين من جهة المتكلم يتقدم ومن جهة المخاطب قد يتأخر.
"والحكم متعلق بفعل العبد لا صفته كالقول المتعلق بالمعدومات".
هذا جواب عن قوله ويكون صفة لفعل العبد فأجاب بأن الحكم قول متعلق بالفعل لا صفة للفعل لأن معنى الإحلال قول الله رفعت الحرج عن فاعله وهذا القول صفة لله تعالى قائم بذاته متعلق بغيره لا صفة كالقول
__________
1 في هامش النسخة المطبوعة: والمنسوب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه قديم، وعليه مدار كلام الأئمة، وفي ابن الحاجب التصريح به في مسألة أمر المعدوم، وهو الحق، ولو قيل: إن التعلق لا يوصف بقدم ولا حدوث، لكونه نسبة لم يبعد، إذ النسب والأمور الاعتبارية المختار فيها كذلك، لأنها عدمية، كما هو الحق، وقد فاه بذلك جميع متأخري علمائنا، لكن المشهور القول بالحدوث فليتأمل اهـ.
(1/46)

المتعلق بالمعدومات إذا أخبرت عنها مثلا فليس القول صفة لها وإلا لزم قيام الموجود بالمعدوم وأما كون للقديم متعلقا بالحادث فلا يمتنع.
"والنكاح والطلاق ونحوهما معرفات له كالعالم للمصانع".
هذا جواب عن الدليل الثالث وهو قوله: "ومعللا به" أي بالحادث كقولنا حلت بالنكاح وحرمت بالطلاق فأجاب بأن هذه العلل شرعية والعلل الشرعية معرفات لا مؤثرات وكأن الله تعالى قال إذا تزوج فلان بفلانة بشروط كيت وكيت فاعلموا أني حللتها له فإذا وجد النكاح بتلك الشروط عرفنا الإحلال الأزلي ويجوز أن يكون الحادث معرفا للقديم كما أن العالم يعرفنا وجود الباري سبحانه وتعالى ووحدانيته فليس علة له.
واسم الصانع اشتهر على ألسنة المتكلمين في هذا المثال ولم يرد في الأسماء وقرئ في الشواذ: "صنعه الله"1 بالنون فمن اكتفى في الأسماء بورود الفعل يكتفي بمثل ذلك وما ذكره المصنف من الجواب يحسن إيراده على وجهين:
أحدهما: على سبيل المنع ابتداء فيقال لا نسلم أن النكاح والطلاق ونحوهما علل وإنما هي معرفات.
والثاني: على سبيل الاستفسار فيقال إن أردت بالعلل المعرفات فمسلم ولا يفيدك وإن أردت المؤثرات فممنوع والعلة تطلق بمعنى المعرف والداعي والمؤثر والمتكلمون ينكرون المؤثر بناء على أن الأفعال كلها من الله تعالى وهو تعالى فاعل بالاختيار لا مؤثر بالذات ولا وجود للعلة المؤثرة هذا مذهب أهل السنة والحكماء2 وكثير من المتكلمين غير أن أهل السنة تثبتها وإلا اختلف مدركهم وهذا تمام الأدلة الثلاثة التي قرر بها السؤال الأول.
__________
1 آية 138 من سورة البقرة وهي قوله تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} وهي القراءة الصحيحة المتواترة.
أما قراءة صنعة الله بالنون فهي قراءة شاذة مروية عن الحجة في القراءات السبع لابن طالون 1/228.
2 المقصود بالحكماء هنا: الفلاسفة.
(1/47)

"والموجبية والمانعية أعلام الحكم لا هو وإن سلم فالمعنى بهما اقتضاء الفعل والترك وبالصحة إباحة الانتفاع وبالبطلان حرمته".
هذا جواب عن السؤال الثاني بأحد طريقين: إما بأن تلك الأشياء التي ادعى خروجها عن الحد ليست أحكاما بل إعلاما بالحكم فلا معنى لكون الدلوك واجبا إلا أن الله تعالى أعلمنا به الوجوب ولا معنى لكون الوضوء شرطا إلا أن الله أعلمنا بعدمه بطلان الصلاة وإما بأن نسلم أنها حكم ونقول إنها ليست خارجة عن الحد بل راجعة إليه بتأويل وهو أن المعني بالموجبية اقتضاء الفعل وبالمانعية اقتضاء الترك ومعنى هذا أن موجبية الدلوك مثلا بمنزلة جعلت الدلوك معرفا لوجوب الصلاة والاقتضاء المذكور في الحد معناه وجبت الصلاة عند الدلوك وحاصل العبارتين سواء فبذلك يكون الحد جامعا وكلام المصنف ناطق بهاتين الطريقتين في الموجبية والمانعية وأما الصحة والبطلان فاقتصر فيهما على الجواب الثاني وهو رجوعهما إليه بتأويل وهو أن صحة البيع لا معنى لها إلا إباحة الانتفاع وفساده لا معنى له إلا حرمة الانتفاع وفيه نظر لأنا نعلل إباحة الانتفاع بالصحة وحرمته بالفساد والعلة غير المعلول ولأن بتمام الإيجاب والقبول تحصل الصحة ولا يباح الانتفاع حينئذ حتى يتم الخيار ويقبض ولم يذكر المصنف صحة العبادة وفسادها والسؤال وارد فيها أيضا وقد ذكر المصنف بعد هذا ما هو المعتمد في تفسير الصحة وهو أنها استتباع الغاية ومعناه أن العبادة أو العقد بحيث يترتب عليه أثره وهو الغاية المقصودة منه وغاية البيع مثلا إباحة الانتفاع فإن وقع البيع بحيث يكون كذلك كان صحيحا وإلا كان فاسدا وبهذا يصح تعليل إباحة الانتفاع بالصحة ويندفع توقف الإباحة على الخيار والقبض لأنه قد ينعقد السبب بحيث يترتب عليه مقصوده وإن توقف على شرط إذا وجد ذلك الشرط أضيف المشروط إلى السبب السابق إذا عرفت هذا فكون البيع بحيث يترتب عليه حل الانتفاع حكم ليس اقتضاء ولا تخيير فهو خارج عن الحد ورجوعه إليه بالطريق التي تقدمت في الدلوك وهو أن نقول الصحة نزلت منزلة قول الشارع جعلته مبيحا للانتفاع أي معرفا للإباحة والتخيير المذكور في الحد معناه إباحة الانتفاع عنده وحاصل العبارتين سواء.
(1/48)

بقي هنا نظر آخر وهو كون البيع بحيث يترتب عليه حل الانتفاع هل هو معنى شرعي زائد على الإيجاب والقبول وسائر ما يعتبر معه أو هو تلك الأشياء فقط بغير زيادة أو مجموعهما يحصل به ذلك فإن كان الأول وهو المشهور عند الجمهور كان ذلك المعنى حكما شرعيا مفارقا لذات الدلوك مساويا لجعل الدلوك معرفا للوجوب فلذلك تعللت بطلب الطريق للثاني إذ لا يمكن إنكار كون ذلك شرعيا وإن كان الثاني وهو مقتضى كلام بعضهم ساوى الدلوك من كل وجه أمكن أن يقال حينئذ إن معنى الصحة الإعلام بإباحة الانتفاع عند اجتماع تلك الأمور وليست حكما بل إعلاما بالحكم وكذلك إن جعلنا الصحة وقوع البيع أو العبادة على وفق الوجه المشروع وقلنا إن هذا معنى عقلي لا شرعي فيأتي الطريقان أيضا في الجواب.
"والترديد في أقسام المحدود لا في الحد".
هذا جواب عن السؤال الثالث وبيانه أن الترديد المنافي للتحديد هو الترديد في الحد وهنا ليس كذلك لأن الترديد إنما يكون في الحد لو كانت أو داخلة بين الجنس والفصل أو بين الفصول وههنا إنما وقعت بين أقسام الفصل الآخر وذلك أنه لما كان الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين يشمل الاقتضاء والتخيير وغيرهما أتى بالفصل الآخر ليخرج غيرهما ويصير الفصل أحدهما من غير تعيين أعم من كونه اقتضاء أو تخييرا فهذا القدر المطلق هو الفصل ولا ترديد فيه ولكنه ينقسم إلى اقتضاء وتخيير فأتت أو بين قسميه فلا يحصل بها إخلال في الحد والفصل مساو للمحدود وكل ما كان أقساما لشيء كان أقساما لمساويه فلذلك قال المصنف إنها في أقسام المحدود ولم يكن الحد بدون أحدهما مانعا فلذلك لا بد من الفصل بأحدهما مطلقا وأو داخلة بين المعنيين وكل منهما معينا أخص من أحدهما مطلقا ولو وجد عبارة تشملهما أو تخرج غيرهما استراح من هذا السؤال وجوابه وقد خطر لي أن يكون الإنشاء فإنه يخرج الخبر ويشمل الاقتضاء والتخيير فيقال هذا الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الإنشاء،
(1/49)

ويندرج فيه خطاب الوضع وكون الشيء سببا وشرطا ومانعا والحكم بالصحة والفساد سواء قلنا إن ذلك يرجع بتأويل إلى الاقتضاء والتخيير أم لا ويندرج فيه مثل قوله تعالى: {زَوَّجْنَاكَهَا} فتزويج الله لنبيه "زينب" حكم شرعي.
(1/50)

الفصل الثاني: في تقسيم الحكم
التقسيم الأول: الخطاب إن اقتضى الوجود
...
الفصل الثاني في تقسيماته الأول
"الخطاب إن اقتضى الوجود ومنع النقيض فوجوب وإن لم يمنع فندب وإن اقتضى الترك ومنع النقيض فحرمة وإلا فكراهة وإن خير فإباحة".
لما فرغ من تعريف الحكم الشرعي شرع في تقسيمه وحذف قوله وهو من وجوه لدلالة الكلام عليه والألف واللام في الخطاب للمعهود السابق في حد الحكم وهذا التقسيم بحسب ذات الحكم والاقتضاء هو الطلب وقابل المصنف الوجود بالترك ولو جعل موضع الوجود الفعل أو موضع الترك العدم لكان أحسن من حيث اللفظ وأما المعنى ففيه تسمح على التقديرين لأن الترك فعل وجودي فلا يكون تقسيما لا للفعل ولا للوجود ولذلك قال غيره المطلوب إما فعل غير كف وإما كف وهذا بحسب حقيقة الفعل عقلا وأهل العرف يقابلون بين الفعل والترك المطلقين والأولى اعتماده في هذا التقسيم1 وعدم التقييد بكونه كفا وغير كف وقوله فوجوب صوابه فإيجاب فإنه الحكم والوجوب أثره تقول أوجبه الله إيجابا فوجب وجوبا وكذلك قوله حرمه صوابه تحريم ووجه الحصر بين
"ويرسم الواجب بأنه الذي يذم شرعا تاركه قصدا مطلقا".
لما ذكر الإيجاب والندب والتحريم والكراهة والإباحة في التقسيم المذكور بأن به ماهية كل واحد منها فالإيجاب طلب الفعل المانع من النقيض
__________
1 في هامش النسخة المطبوعة: "عبارة غيره: فالأول أن يعتمد في هذا التقسيم، ولعله الأول كما لا يخفى".
(1/51)

والتحريم طلب الترك المانع من النقيض والإباحة هي التخيير بين الفعل والترك ولك أن تجعل مكان المانع من النقيض الجازم في جميع المواضع فهما مترادفان والأفعال التي هي متعلق هذه الأحكام هي الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح تظهر ماهيتها بذلك أيضا فيقال الواجب المطلوب الفعل طلبا جازما والمندوب المطلوب الفعل طلبا غير جازم والحرام المطلوب الترك طلبا جازما والمكروه المطلوب الترك طلبا غير جازم والمباح المخير فيه ولكنه ذكر لها رسوما أخرى تظهر بها حقائقها وبدأ بالواجب
وترك ذكر الجنس وهو الفعل لدلالة الكلام عليه واكتفى بذكر الخواص فقوله الذي صفة لمحذوف أي الفعل الذي فالفعل جنس يشمل الخمسة والذي يذم تاركه أخرج المندوب والحرام والمكروه والمباح وعادة الأصوليين يقولون الذي يذم يخرج المندوب والمكروه والمباح وتاركه يخرج الحرام وكان الباجي يشرحه كذلك وأنا لا أختار هذا لأن الذي يذم وحده لا يصلح أن يكون فصلا ألا ترى أنك لو قلت الفعل الذي يذم لم بكن جنسا للمحدود ولا مفيدا للمقصود وقوله شرعا احترازا عن مذهب المعتزلة فإن عندهم الذم بالعقل فأشار بهذا إلى قاعدة الأشاعرة وهي أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع وقدم شرعا على تاركه حتى يتبين أن انتصابه عن يذم وقوله قصدا متعلق تاركه وهو قيد ليس في المحصول ولا في الحاصل وأراد به إدخال الواجب إذا ترك سهوا فإنه لا يذم ولا يخرجه ذلك عن الواجب ولو لم يقل ذلك لكان الرسم مطردا وغير منعكس لأن ما لا يذم تاركه قد يكون واجبا بأن يتركه سهوا وإطلاق تاركه مع ما فيه من العموم المستفاد من الإضافة يقتضي أن ما لا يذم كل تارك له ليس بواجب فقيد التارك بالقصد وكل قيد في الفصل يكثر به المحدود بخلاف زيادة الفصول فإنه ينقص بها الحدود وصار الرسم بهذا القيد مطردا منعكسا أما اطراده فلأن كل ما يذم تاركه قصدا ليس بواجب.
فإن قلت الساهي غير مكلف فليس الفعل في حقه واجبا فلا يوصف بترك الواجب قلت إما أن يكون بني هذا على رأى الفقهاء فإنهم يقولون الصلاة واجبة على الساهي والنائم ولذلك يجب القضاء عليهما وإما أن يفرض
(1/52)

فيهن سهى عن الصلاة بعد دخول وقتها ووجوبها عليه واستمر سهوه حتى خرج الوقت فالوجوب قد تحقق وتحقق الترك ولا معصية بسبب السهو كمن مات في أثناء الوقت لا يعصى على الصحيح فطريان السهو في أثناء الوقت كطريان الموت وكذا إذا طرأ النوم عن غلبة وإنما قيدت بقولي عن غلبة لأنه إذا قصد النوم حيث يحتمل عنده أن يستيقظ قبل خروج الوقت وألا يستيقظ والاحتمالان على السواء فإنه إذا نام يكون قد عرضها للفوات فيظهر عصيانه وهذا قلته تفقها ثم وجدته في فتاوى أبي عمرو بن الصلاح1 واستدل بما جاء في الحديث في العشاء أنه نهى عن النوم قبلها وإن غلب على ظنه أو يستيقظ قبل خروج الوقت2 فالذي يظهر جواز النوم ولا يعصى إذا استغرق به النوم على ندور حتى خرج الوقت ويحمل الحديث على ما سوى هذه الصورة أو على أنه نهى تنزيه وإن ظن أنه لا يستيقظ حرم بلا إشكال مهما نام بعد الوقت أما إذا نام قبله فلا لأن التكليف لم يتعلق به ودع3 من يعلم من عادته أنه لا يستيقظ إلا بعد الوقت لقول النبي صلى الله عليه وسلم "إذا استيقظت فصل" فإن قلت هل هذا القيد الذي زاده المصنف لا بد منه حتى يكون الحد بدونه فاسدا قلت ينبني على شيء وهو أن عدم الفعل أعم من تركه فمن مات ونام غلبه أو أقبل الوقت حتى خرج يقال في حقه لم يصل ولا يقال ترك الصلاة ومن اشتغل بضدها وهو ذاكر لها فقد تركها قصدا ومن نام عن اختيار في أثناء الوقت مع علمه من عادته ألا يستيقظ داخل في ذلك وأما الساهي وهو الذي اشتغل بضدها قاصدا لذلك الضد ولم يخطر بباله الصلاة فيقال إنه لم يصل وهل يقال
__________
1 هو عثمان بن عبد الرحمن، أبو موسى الشهرزوري، المعروف بابن الصلاح، أحد العلماء المبرزين في التفسير، والحديث، والفقه، أسماء الرجال وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية.
من مؤلفاته: "معرفة أنوع علم الحديث" والمعروف مقدمة ابن الصلاة، والفتاوى، وشرح الوسيط في فقه الشافعية، طبقات الفقهاء الشافعية.
توفي رحمه الله تعالى سنة 643هـ وفيات الأعيان 1/312، الأعلام 4/369.
2 روى عن أبي برزة الأسلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها" رواه الجماعة.
3 في هامش النسخة المطبوعة: في شرح ابن النحوي: ودع بصيغة الأمر والمعنى –والله أعلم- واترك من يعلم من عاداته إلخ فلا تقيد به". اهـ.
(1/53)

إنه تارك الصلاة لأجل تلبسه بضدها مختارا له أولا لا يقال ذلك لعدم قصده لها فأشبه من لا ينسب إليه فعل هذا محل نظر فإن أطلقنا عليه اسم التارك فلا بد من القيد المذكور وإلا فلا حاجة إليه وهو الأولى لأن قولنا الواجب ما يذم على تركه معناه على تركه حين كونه واجبا والناس حين نسيانه لم يكن الفعل واجبا عليه فتركه الذي لم يذم عليه والوجوب لم يجتمعا في زمن واحد ولذلك أن القاضي أبو بكر وغيره من الأئمة لم يذكروا هذا القيد.
"وقوله مطلقا" متعلق أيضا بتاركه وهو قيد في الفصل زائد في المحدود كما أشرنا إليه من قبل وأن مقتضاه الإدخال لا الإخراج وقصد به إدخال الواجب الموسع والمخير وفرض الكفاية فإن كلا منها قد يتركه قصدا تركا مقيدا فلا يذم كما إذا ترك الموسع في أول الوقت وفعله في آخره وترك خصلة من خصال المخير وفعل الأخرى وترك فرض الكفاية وقام به غيره لا يأثم في الصور الثلاث وإنما يأثم في الموسع إذا ترك هو لا غيره فإنه يصح حينئذ إطلاق الترك عليه والنوع الرابع من أنواع الواجبات وهو الواجب المضيق إطلاق الترك صادق عليه حيث ترك فلا قيد فشمل كلامه الواجبات الأربعة وهذا القيد وهو قوله مطلقا قاله صاحب الحاصل1 وحذف قول الأصحاب على بعض الوجوه لأن به يستغنى عنه وهم يجعلون على بعض الوجوه متعلقا بذم وفائدة هذا الرسم أنه إذا لم يرد من الشارع طلب لفعل ولكن ورد ذمه أو ذم فاعله لأجله استدللنا بذلك على وجوبه والذم معروف لغة وعرفا فلا حاجة إلى تفسيره والمعتزلة فسروه بأنه قول أو فعل أو ترك قول أو ترك فعل ينبني على إيضاح حال الفاعل ولأصحابنا معهم مشاححات متكلفة وأورد في المحصول أنه يدخل في هذا التحديد السنة فإن الفقهاء قالوا إن أهل محلة إذا اتفقوا على ترك سنة الفجر بالإصرار فإنهم يحاربون بالسلاح وهذا الذي قاله في سنة الفجر لم أر من الفقهاء ولا من غيرهم من قاله غيره وإنما قالوه في الأذان والجماعة ونحوهما من الشعائر الظاهرة ومع ذلك الصحيح عندهم إذا قلنا بسنتيها إنهم لا يقاتلون
__________
1 هو تاج الدين محمد بن حسين الأرموي، المتوفى سنة 656هـ اختصر كتاب "المحصول" للإمام الرازي في كتاب سماه "الحاصل" لا يزال مخطوطاً.
(1/54)

على تركها خلافا لأبي إسحاق المروزي1 ويجاب على هذا القول بأن المقاتلة على ما يدل عليه ذلك من الاستهانة بالدين المحرمة لا على ترك السنة.
"ويرادفه الفرض وقالت الحنيفة الفرض ما ثبت بقطعي والواجب بظني" قال أبو زيد الدبوسي2 من الحنفية الفرض والتقدير والوجوب السقوط فخصصنا اسم الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع لأنه الذي يعلم من حاله أن الله قدره علينا والذي عرف وجوبه بدليل ظني نسميه بالواجب لأنه ساقط علينا ولا نسميه بالفرض لأنا لا نعلم أن الله قدره قلنا الفرض المقدر أعم من كونه علما أو ظنا والواجب هو الساقط أعم من كونه علما أو ظنا فتخصيص كل من اللفظين بأحد القسمين تحكم ولو قالوا إن هذا مجرد اصطلاح لم نشاححهم والنزاع في موافقته للأوضاع اللغوية ثم زادوا وادعوا أن الفرض والواجب مختلفان بالحقيقية وقصدهم من هذا أن الوتر واجب وليس بفرض وقراءة الفاتحة في الصلاة واجبة بالحديث3 وأصل القراءة فرض بقوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} 4 ولو سلم لهم الاختلاف في الطريق لم
__________
1 هو: إبراهيم بن أحمد المروزي، صاحب المزني، أحد أئمة الشافعية، من مصنفاته "الفصول في معرفة الأصول" توفي 340هـ.
الأعلام للزركلي 10/10، الفهرست لابن النديم ص313.
2 هو: عبد الله بن عمر بن عيسى، أبو زيد أول من وضع علم الخلاف، كان فقيها باحثا. ألف "تأسيس النظر" فيما اختلف فيه الفقهاء، أبو حنيفة وصاحباه، ومالك والشافعي. و"الأسرار" في الأصول والفروع عند الحنفية، و"تقويم الأدلة" في الأصول.
توفي رحمه الله تعالى سنة 430هـ.
وفيات الأعيان 1/253، الأعلام 4/248.
3 صح في قراءة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة أحاديث كثيرة منها:
أعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه –أن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". رواه الجماعة.
ب وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال، قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم: "من صلى لم يقرأ فيها بأم القرآن" - وفي رواية: "بفاتحة الكتاب" - فهي خداج، هي خداج غير تمام". رواه الشيخان وأحمد.
قال الخطابي: هي خداج: ناقصة نقص بطلان وفساد. فقه السنة 1/135.
4 سورة المزمل 20.
(1/55)

يلزم منه الاختلاف في الحقيقة ثم لم يستمروا على ذلك وجعلوا القعدة في الصلاة فرضا ومسح ربع الرأس فرضا ولم يثبتا بقاطع.
وقد جاء في الحديث فريضة الصدقة يعني النصب والمقادير ويلزم الحنفية ألا يكون شيء من ذلك فرضا وألزمهم القاضي ألا يكون شيء مما ثبت وجوبه بالسنة كنية الصلاة ودية الأصابع والعاقلة فرضا وأن يكون الاشهاد عند السامع ونحوه من المندوبات الثابتة بالقرآن فرضا لما ادعوا أن الفرض ما ثبت بالقرآن والواجب ما ثبت بالسنة.
"والمندوب ما يحمد فاعله ولا يذم تاركه" لك أن تجعل ما بمعنى الذي كما قال في الواجب وأن تجعلها نكرة أي فعل وهو جنس للخمسة ويحمد فاعله خرج به المباح والحرام والمكروه ولا يذم تاركه خرج به الواجب والعموم المستفاد من النفي في قوله: ولا يذم تاركه أغنى عن التقييد بقوله قصدا مطلقا وفي بعض النسخ يمدح مكان يحمد وقد تقدم الكلام في الخطبة على الحمد والمدح ولا بد من قوله شرعا وكأنه لما ذكرها في حد الواجب اكتفى به عن ذكرها في الأربعة مع إرادتها1 وظن شيخنا الجزري2 أن الناسخ أسقطها فلحقها بالأصل.
__________
1 وأقول: إن البضاوي ذكر كلمة "شرعاً" مرتين وليس مرة واحدة كما قال السبكي، وكان البيضاوي دقيقاً في تعبيره، حيث ذكرها مرة في أول الأقسام وهو الواجب، الذي هو أعلى مراتب الفعل المطلوب تحصيله.
ولما طال العهد ذكرها مرة أخرى عند تعريف الحرام، وهو أعلى مراتب الفعل المطلوب تركه، ليشمل كل منهما ما تحته، والملحوظ كالملفوظ تماماً، وبهذا يندفع ما أورده الإسنوى على البيضاوي من اعتراض حيث قال: وأيضاً فقد تعرض المصنف لقوله شرعاً في رسمي الواجب والحرام، دون رسم المندوب والمكروه والمباح، مع أن المدح على الفعل في المندوب، وعلى الترك في المكروه لا يثبت عندنا إلا بالشرع، وكذلك نفي المدح، فالصواب ذكرها في الجميع، كما فعل صاحب الحاصل والتحصي.
نهاية السول الشيخ بحيث 1/82.
2 هو: محمد بن يوسف بن عبد الله بن محمود الجزري، المتوفى سمة 711هـ كان أحد علماء القرن السابع الهجري، ومن المبرزين في سائر العلوم النقلية والعقلية، وهو أحد شيوخ الإمام السبكي.
من مؤلفاته: شرح على "منهاج الوصول للبيضاوي يسمى "معراج المنهاج" وهو من أقدم =
(1/56)

"ويسمى سنة ونافلة" من أسمائه أيضا أنه مرغب فيه وتطوع ومستحب والترادف في هذه الأسماء عند أكثر الشافعية وجمهور الأصوليين.
وقال القاضي حسين1 من الشافعية السنة ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم والمستحب ما فعله مرة أو مرتين والتطوع ما ينشئه الإنسان باختياره ولم يردد فيه نقل وقالت المالكية السنة ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم على فعله مظهرا له والنافلة عندهم وله رتبة من الفضيلة التي هي أنزل رتبة من السنة وللحنفية اصطلاح آخر في الفرق بين السنة والمستحب والصحيح ما قدمناه أولا لقوله صلى الله عليه وسلم: "من سن سنة" 2 ولقوله: "ولكن أنسى لأسن" 3 فانظر
__________
= الشروح التي وضعت على المنهاج. وقد وفقني الله تعالى لتحقيقه على نسختين مخطوطتين بدار الكتب المصري، ومكتبة الأزهر، لكنه لم يطبع حتى الآن اهـ. محققه.
راجع في ترجمة الجزري: الوافي بالوفيات 5/263 طبقات الشافعية للاسنوي 1/383 ولابن السبكي 6/31 شذرات الذهب 6/42.
1 هو: الحسين بن محمد بن أحمد، أبو علي القاضي، أحد أعلام المذهب الشافعي، كان جبل فقه منيعاً صاعداً، تفقه على القفال المروزي.
قال عنه الرافعي: "وكان يقال له حبر الأمة".
توفي – رحمه الله تعالى- في المحرم سنة 462هـ.
من شعره.
إذا ما رماك الدهر يوماً بكنية ... فأوسع لها صدراً وأحسن لها صبراً
فإن إله العالمين بفضله ... سيعقب بعد العسر من فضله يسراً
طبقات الشافعية للسبكي 4/356-1365، شذرات الذهب 3/310، وفيات الأعيان 1/400.
2 أخرجه الإمام مسلم في حديث طويل من رواية عمرو بن جرير بن عبد الله وفيه "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء؛ ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".
3 رواه الإمام مالك في الموطأ – كتاب السهو حديث 4 ص83- ولفظه: " إني لأنسى أو أنسي لأسن" ورواه الغزالي بلفظ: "إني لا أنسى ولكن أنسى لأسن" ثم قال: وظاهر هذا الحديث أنه –صلى الله عليه وسلم- لا ينسى بباعث البشرية، وإنما ينسيه الله ليشرع، وعلى هذا فهو مخالف لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود مرفوعاً "إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني" سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني 2/4.
ويبدو لي أنه لا تنافي بين الأحاديث الثلاثة، وأنها في جملتها تفيد أن الرسول – صلى الله عليه وسلم- كان =
(1/57)

كيف جعل السنة بما يحصل نسيانا وهو أندر شيء يكون وأما المندوب فلا شك في عمومه لجميع ما ذكر والأصل المندوب إليه ولكنه حذف إليه وتوسع فيه فقبل المندوب وفي السنة اصطلاح وهو ما علم وجوبه أو ندبيته بيته بأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
"والحرام ما يذم شرعا فاعله" فبقوله يذم فاعله خرجت الأربعة وكان ينبغي للمصنف على طريقته أن يقول قصدا لأن وطء الشبهة يصفه بعض الفقهاء بالتحريم ولا يذم عليه الصواب حذفها من الموضعين وأما قوله في الواجب مطلقا فلإدخال الواجب المخير والموسع وفرض الكفاية وليس ذلك في الحرام إلا أن الآمدي1 نقل خلافا في الحرام المخير فأصحابنا أثبتوه في نكاح الأختين والمعتزلة نفوه وكان الباجي يقول الحق نفيه لأن المحرم الجمع بينهما كما نطق به القرآن لا إحداهما ولا كل واحدة منهما بخلاف الواجب المخير فإن الواجب إما أحدهما وإما كل منهما على التخيير فلذلك الذي قال على بعض الوجوه في الواجب لم يذكرها في الحرام ولم يحتج المصنف إلى زيادة قيد آخر وأنا أقول في الأختين كذلك إن الحرام الجمع فقط وأثبت الحرام المخير كما أثبته القاضي أبو بكر وغيره من الأشعرية وأمثله بما إذا أعتق إحدى أمتيه فإنه يجوز له وطء إحداهما ويكون الوطء تعيينا للعتق في الأخرى وكذا إذا طلق إحدى امرأتيه وقلنا الوطء تعيين على أحد القولين ففي هذين المثالين الحرام واحدة لا بعينها.
__________
= ينسيه الله عز وجل في بعض الأمور لحكم كثيرة لأجل تعليم الأمة وتشريع الأحكام المترتبة عليها، وأن الحديث الذي رواه الغزالي ليس المراد منه نفي حكم النسيان بالجملة، وإنما فيه نفي لفظه وكراهة لقبه، كقوله صلى الله عليه وسلم: "بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا، ولكنه نسى" أو نفي الغفلة وقلة الاهتمام ويؤيد ذلك قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى. إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى} الأعلى: 6-7 هـ هـ. محققة.
1 هو: أبو الحسن، علي بن أبي علي محمد بن سالم التغلبي الأمدي، أحد العلماء المبرزين في العلوم النقلية والعقلية، من مؤلفاته في الأصول كتاب "الإحكام في أصول الأحكام" والذي لا يستغني عنه أي باحث.
توفي رحمه الله تعالى سنة 631هـ. الأعلام للزركلي 2/694.
(1/58)

وقسم القاضي الأفعال إلى متماثلة ومختلفة فالمتماثلة لا يتعلق الأمر باثنين مبهما ولا جمعا بلا تخيير كاللونين في مكان واحد لعدم غيرهما والمختلفان كاللون والكلام يصح الأمر والنهي عنهما جمعا وتخييرا والضدان يجوز النهي تخييرا والنهي عنهما جميعا ولا يصح الأمر بهما جميعا وصورة التحريم المخير صريحا يقول حرمت هذا أو هذا وكذا لو قال لا تفعل كذا أو لا تفعل كذا فإن قال لا تفعل أو تفعل كذا بإسقاط أو كذا أو قال لا تفعل كذا أو كذا احتمل النهي المخير والنهي عن كل منهما وهو في الثاني أظهر وعلى ذلك قوله: {وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} 1 وقريب من هذا في المأخذ وإن اختلفا في الصورة قولك ما ضربت زيدا أو عمرا محتمل فإن قلت ولا عمرا كان نصا في أنه لم يضرب واحدا منهما وعند عدمها لا نص ولا ظهور في ذلك.
"والمكروه ما يمدح تاركه ولا يذم فاعله" فبقوله يمدح خرج الواجب والمندوب والمباح وبقوله ولا يذم فاعله خرج الحرام وليس معنى المكروه أن الله لم يرد فعله وإنما معناه ما ذكرناه وليس هو حسنا ولا قبيحا وفي المكروه ثلاثة اصطلاحات:
أحدها: الحرام فيقول الشافعي أكره كذا وكذا ويريد التحريم وهو غالب إطلاق المتقدمين تحرزا عن قول الله تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} 2 فكرهوا لفظ التحريم.
الثاني: ما نهى عنه نعي تنزيه وهو المقصود هنا.
الثالث: ترك الأولى كترك صلاة الضحى لكثرة الفضل في فعلها والفرق بين هذا والذي قبله ورود النهي المقصود والضابط ما ورد فيه نهي مقصود يقال فيه مكروه وما لم يرد فيه نهي مقصود يقال ترك الأولى ولا يقال مكروه وقولنا مقصود احتراز من النهي التزاما فإن الأمر بالشيء ليس إلا نهيا عن ضده التزاما فالأولى مأمور به وتركه منهي عنه التزاما لا مقصودا.
__________
1 سورة الإنسان 24.
2 سورة النحل 116.
(1/59)

"والمباح ما لا يتعلق بفعله وتركه مدح ولا ذم" لا بد من الإتيان بلا بين الفعل والترك وبين المدح والذم وبذلك تخرج الأحكام الأربعة فإن الواجب يتعلق بفعل مدح وبتركه ذم والحرام عكسه والمندوب يتعلق بفعله مدح ولا ذم في تركه والمكروه يتعلق بتركه مدح ولا ذم في فعله هذا تمام الرسوم وفيها زيادة على ما اقتضاه التقسيم من تعريف حقائقها وهي فائدة جليلة كما إذا رأينا فعلا لم يرد في الشرع في فعله مدح ولا ذم ولا في تركه أو ورد مدح أو ذم فيحكم بمقتضى ذلك وإن لم تأت صيغة طلب ولا تخيير وقد تقدم التنبيه على أنه لا بد من التقييد في الشرع في الكل وقد تعرض له الإمام في المندوب وصاحب الكتاب تعرض له في الواجب والحرام لأن الذم فيهما وكما أن الذم الذي ثبوته علامة الواجب والحرام هو الذم الشرعي وهو أخص من انتفاء الذم مطلقا فبدون هذا القيد يكون الرسم غير جامع لخروج المباحات التي انتفى الذم الشرعي فيها ووجد فيها ذم عقلي أو عرفي وأعني بالتقييد أن يكون كل من الوصفين المذكورين في طرفي الأحكام الثلاثة ثابتا بالشرع والتنبيه لذلك في قول المصنف المباح ما لا يتعلق بفعله وبتركه مدح ولا ذم إن أراد به عرف من الشرع انتفاء ذلك فصحيح وإن أراد أنه لم يوجد في الشرع مدح ولا ذم كذلك فلا يلزم كونه مباحا فقد يكون باقيا على حكم الأشياء قبل ورود الشرع ولذلك قال الإمام المباح ما علم فاعله أنه لا حرج في فعله ولا في تركه ولا نفع في الآخرة وقول الإمام هذا احتراز عن فعل البهيمة وغير المكلف فلا يكفي في الإباحة عدم الحكم بذلك بل الحكم بعدمه ويحتاج في المندوب والمكروه أن يأتي بقوله شرعا في طرفي الفعل والترك جميعا وتصحيح كلام المصنف أن يحمل على أنه أراد ذلك فإنه محتمل له على أني أقول إن ما لم يوجد في الشرع دليل على مدح ولا ذم في فعله ولا في تركه مباح بأدلة شرعية وإنما أورد عليه فعل غير المكلف كالساهي والنائم والبهائم وطريق الاعتذار عنه ما ذكرته أو يقال إنه إنما يتكلم في فعل المكلف.
(1/60)

التقسيم الثاني: باعتبار الحسن والقبيح
...
التقسيم الثاني للحكم باعتبار الحسن والقبيح
"الثاني ما نهى عنه شرعا فقبيح وإلا فحسن كالواجب والمندوب والمباح وفعل غير المكلف".
الحكم ينقسم بذاته إلى التحسين والتقبيح وتنقسم صفة الفعل الذي هو متعلقه إلى الحسن والقبيح ويتبع ذلك انقسام اسمه إلى حسن وقبيح فلذلك قسم الفعل إلى ما نهى عنه شرعا وهو القبيح وما لم ينه عنه شرعا وهو الحسن ومنه يعرف الحسن والقبيح والتحسين والتقبيح وإطلاق الحسن على الواجب والمندوب لا شك فيه وعلى المباح فيه خلاف والأصح إطلاقه عليه للإذن فيه والجواز الثناء على فاعله وإن لم يؤمر بالثناء عليه وفعل الله تعالى حسن باتفاق من به يعتمد لوجوب الثناء عليه وفعل ما سواه من غير المكلف كالنائم والساهي والبهيمة فيه خلاف مرتب على الخلاف في المباح وأولى بالمنع وهو الذي اختاره إمام الحرمين1 ولا شك في عدم إطلاق القبح في المباح وفعل غير المكلف فإذا أخرجناهما عن قسم الحسن كانا واسطة بين الحسن والقبح وأما المكروه فقال إمام الحرمين إنه ليس بحسن ولا قبيح فإن القبيح ما يذم عليه وهو لا يذم عليه والحسن ما يسوغ الثناء عليه وهذا لا يسوغ الثناء عليه ولم أر أحدا يعتمد خالف إمام الحرمين فيما قال إلا ناسا أدركناهم قالوا إنه قبيح لأنه منهى عنه والنهي أعم من نهي تحريم وتنزيه وعبارة المصنف بإطلاقها
__________
1 هو: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، الفقيه، الشافعي، شيخ الإمام الغزالي، ولد سنة 419هـ وتوفي بنيسابور سنة 478هـ.
طبقات الشافعية للإسنوي 4091- الأعلام للزركلي 2/598.
(1/61)

تقتضي ذلك وليس أخذ الحكم المذكور من هذا الإطلاق بأولى من رد هذا الإطلاق بقول إمام الحرمين.
فإن قلت: إدراج المصنف وغيره لفعل غير المكلف لا يتعلق به الحكم لأن الحكم هو المتعلق بأفعال المكلفين قلت: الفعل الذي هو متعلق الحكم والفعل الحسن بينهما عموم وخصوص من وجه فقسمنا الأول إلى حسن وغيره والحسن من هذه القسمة لا يشمل فعل غير المكلف ثم قسمنا مسمى الحسن مطلقا إلى فعل المكلف وغيره مما ليس متعلقا بالحكم فخرج من التقسيمين أن الواجب والمندوب والمباح من قسم الحسن المحكوم فيه وأن فعل غير المكلف من قسم الحسن غير المحكوم فيه وهذا شأن العام من وجه حيث وقع وإنما يلزم أن يكون المقسم إلى المقسم إلى الشيء صادقا على ذلك الشيء مطلقا إذا كان التقسيم في الأعم والأخص مطلقا.
"والمعتزلة قالوا ما ليس للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله وما له أن يفعله وربما قالوا الواقع على صفة توجب الذم والمدح فالحسن بتفسيرهم الأخير أخص".
يعني أن المعتزلة قالوا إن القبيح ما ليس للقادر عليه للعالم بحاله أن يفعله والحسن ما للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله هذا تفسيرهم الأول والإمام نقله عن أبي الحسين1 واعترض عليه بأن قولك ليس له أن تفعله تقال للعاجز عن الفعل للقادر عليه إذا منع منه وإذا كان شديد النفرة وإذا زجره الشرع عنه والأولان غير مرادين ولا الثالث لأن الفعل قد يكون حسنا مع النفرة الطبيعية عنه والرابع يصير القبيح مفسرا بالمنع الشرعي يعني وهو قولنا وأنتم لا تقولون به فصار الحد غير كاشف عن مرادكم وأصل هذا أن صفة الحسن والقبح عندهم بالعقل وعندنا بالشرع فلا بد لهم من بيانها وذكر الإمام تفسيرهم الأخير أيضا عن أبي الحسين واعترض عليه بأنه يجب تفسير الاستحقاق فقد
__________
1 هو: محمد بن علي الطيب، القاضي أبو الحسن البصري، شيخ المعتزلة، ولد بالبصرة وسكن بغداد، من مؤلفاته في علم الأصول "المعتمد" شرح "العمد" للقاضي عبد الجبار.
توفي سنة 426هـ وفيات الأعيان 1/609- شذرات الذهب 3/259.
(1/62)

يقال: الأثر يستحق المؤثر أي يفتقر إليه لذاته والمالك يستحق الانتفاع بملكه أي يحسن منه والأول ظاهر الفساد والثاني يقتضي تفسير الاستحقاق بالحسن مع أنه فسر الحسن بالاستحقاق حيث قال الحسن هو الذي لا يستحق فاعله الذم فيلزم الدور فإن أراد معنى ثالثا فليبينه ثم نازعهم في تفسير الذم قال وهذه الإشكالات غير واردة على قولنا والمصنف أخذ معنى الحد الثاني دون لفظه ومراده أن القبيح هو الواقع على صفة توجب الذم والحسن هو الواقع على صفة توجب المدح وفي بعض نسخ المنهاج "فالحسن بتفسيرهم أخص" وفي بعضها "فالحسن بتفسيرهم الأخير أخص" وكلاهما صحيح فإن الحسن بتفسيرهم الأخير أخص منه بتفسيرهم الأول لدخول المباح في الأول دون الأخير والحسن بتفسيرهم أخص منه بتفسيرنا لدخول فعل غير المكلف في تفسيرنا دون تفسيرهم ولم يتعرض للقبيح ما حاله على التفسيرين ولا شك أنه بالتفسير الأخير لا يقع على غير الحرام وبتفسيرهم الأول هل يختص به فيستوي على التفسيرين أو يقع عليه وعلى المكروه فيكون بتفسيرهم الأخير أخص كالحسن فيه احتمال والأقرب الأول وقد نقل إمام الحرمين عن بعض المعتزلة أنه ارتكب إطلاق القبيح على فعل البهيمة وهذا يخالف التفسيرين ولعله يرتكب ذلك في الحسن.
(1/63)

التقسيم الثالث: إلى السبب والمسبب
...
التقسيم الثالث للحكم إلى السبب والمسبب
"الثالث: قيل الحكم إما سبب وإما مسبب كجعل الزنا سببا لإيجاب الجلد على الزاني فإن أريد بالسببية الإعلام فحق وتسميتها حكما بحث لفظي وإن أريد التأثير فباطل لأن الحادث لا يؤثر في القديم ولأنه مبني على أن للفعل توجب الحسن والقبح وهو باطل.
هذا تقسيم آخر للحكم باعتبار أنه كما يكون بالاقتضاء أو التخيير يكون بالوضع كجعل الزنا سببا وقد تقدم الكلام في هذا في تعريف الحكم وهذا التقسيم منسوب إلى الأشعرية وهو مطرد في كل حكم عرفت علته فلله فيه حكمان.
أحدهما: الحكم بالسببية واختلف الناس في جواز القياس:
والثاني: الحكم بالمسبب والقياس عليه جائز باتفاق القايسين واتفق الأشعرية على أنه ليس المراد من الأول كون السبب موجبا للحكم لذاته أو لصفة ذاتية بل المراد منه إما المعرف وعليه الأكثرون وإما الموجب لا لذاته أو لصفة ذاتية ولكن يجعل الشرع إياه موجبا وهو اختيار الغزالي والإمام وافق الأكثرين معنى وخالفهم لفظا وخالف العزالي معنى ولفظا وإلى موفقة الأكثرين في المعنى دون اللفظ أشار المصنف بقوله "فإن أريد بالسببية الإعلام فحق وتسميتها حكما بحث لفظي" وإلى مخالفة الغزالي لفظا ومعنى أشار ببقية كلامه فإن الإمام زيف كلام الغزالي من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الزنا حادث والإيجاب قديم والحادث لا يؤثر في القديم.
(1/64)

الثاني: أن الزنا قبل الجعل لم يكن مؤثرا فإن بقي بعد الجعل كما كان وجب ألا يصير مؤثرا وإن لم يبق كان إعداما لتلك الحقيقة والشيء بعد عدمه لا يكون مؤثرا.
الثالث: أنه لو جعل الزنا علة فالصادر بعد الجعل إما الحكم فالمؤثر في الحكم هو الشارع فلم يكن الزنا مؤثرا وإما شيء يوجب الحكم فيكون المؤثر في الحكم وصفا حقيقيا وهو قول المعتزلة في الحسن والقبح وهو باطل وإن لم يكن الحكم ولا ما يوجبه فهو محال لأن الشرع لما أثر في شيء غير الحكم وغير مستلزم للحكم لم يكن لذلك الشيء تعلق بالحكم أصلا والمصنف اقتصر على الأول وأخذ أقسام الثالث لأنها صفوة الكلام قال سراج الدين1 "ولقائل أن يقول على الأول لعلهم أرادوا جعل الزنا سببا لتعلق الحكم به وعلى الثاني أنه يجوز بقاء الحقيقة مع طريان صفة المؤثرية به وعلى الثالث أن الصادر من الشارع وهي غيرهما ولهما تعلق بالحكم" ولك أن تقول على الأول إن التعلق قديم فالسؤال بحاله وعلى الثاني إن المؤثرية نسبة والمؤثر لا بد أن يشتمل على صفة حقيقية لأجلها يصدر الأثر عنه والمؤثرية بدون ذلك محال وعلى الثالث أن المؤثرية بدون صفة حقيقية محال لما سبق ومعها يوافق قول المعتزلة وكلام الإمام يرشد إلى هذا فإنه قال إن كان الصادر ما يوجب الحكم كان المؤثر في الحكم وصفا حقيقيا فدخل في قوله ما يوجب الحكم المؤثر والمؤثرية ولذلك لم يقل كان وصفا حقيقيا بل قال كان المؤثر في الحكم فأخذ الإمام على التقديرين وقال إنه هل يعقل تأثير من غير أن يكون المؤثر مؤثرا بذاته أو بصفة قائمة أو لا يعقل ذلك وعلى هذا ينبني كون العبد موجدا لفعل نفسه باقدار الله تعالى له وخلقه له ما يقتضي تأثيره في الفعل من غير أن يكون العبد مؤثرا بذاته وبصفة ذاتية فأصحابنا ينكرون ذلك ويقولون
__________
1 هو محمود بن أبي بكر الأرموي المتوفى سنة 682هـ اختصر كتاب "المحصول" للإمام الرازي في كتاب سماه "التحصيل" وعلى هذا الكتاب شرح للإمام محمد بن يوسف الجزري المتوفى سنة 711هـ لكنه مفقود لم أعثر عليه بعد البحث الطويل.
معجم المطبوعات ص919.
(1/65)

الصادر عنه فعل الله والمعتزلة لا يتحاشون من القول بتأثيره بذاته أو بصفة وشذوذ منا توسطوا فقالوا بمثل ما قالوا به هنا في الحكم بالسببية ويلزمهم ما لزم هذا ما يتعلق بكلام الإمام وأما المصنف وقوله أنه ينبني على أن للفعل جهات توجب الحسن والقبح فيحتاج إلى مقدمة وهي أن المعتزلة مع إجماعهم على القول بالحسن والقبح العقليين افترقوا فطائفة منهم قالوا إن الفعل لذاته يكون حسنا أو قبيحا من غير صفة وطائفة قالوا بصفة وطائفة قالوا بوجوه واعتبارات وهو الذي أشار إليه المصنف ويلزم من بطلان قولهم في ذلك بطلان قولهم في الصفة وفي الذات من طريق الأولى فما سلكه أتم في الزام مذهب المعتزلة مما سلكه الإمام في الصفة لأنه قد لا يوافق قائل هذه المقالة المعتزلة في الذات والصفة الحقيقية ويوافقهم في الوجوه والاعتبارات فإذا بين بطلان قولهم فيه بطل قوله والمراد بالوجوه أن الوطء مثلا له جهة نكاح وجهة زنا فيحسن بالأولى ويقبح بالثانية.
(1/66)

التقسيم الرابع: بعتبار الصحة والفساد
...
التقسيم الرابع للحكم باعتبار الصحة والفساد
"الرابع: الصحة استتباع الغاية وبإزائها البطلان والفساد وغاية العبادة موافقة الأمر عند المكلمين وسقوط القضاء عند الفقهاء فصلاة من ظن أنه متطهر صحيحة على الأول لا الثاني".
تفسير الصحة باستتباع الغاية جيد من جهة كونه شاملا للعبادات والمعاملات إلا أن الأولى في تحرير العبارة أن يقال كون ذلك الشيء يستتبع غايته فإن استتباع الغاية يقتضي حصول التبعية وقد يتوقف ذلك على شرط كالعقد في زمن الخيار وكونه يستتبع الغاية صحيح وإن توقفت التبعية على شرط لأن معناه أنه بهذه الحيثية وتفسير المتكلمين جيد لأن الصحة في اللغة مقابلة للمرض وعلى هذا النحو ينبغي أن يكون في الاصطلاح فما وافق الأمر لا خلل فيه فيسمى صحيحا وجب قضاؤه أم لم يجب وما لم يوافق الأمر فيه خلل فيسمى فاسدا والخلاف بين الفريقين في التسمية ولا خلاف في الحكم وهو وجوب القضاء على من صلى ظانا الطهارة فتبين حدثه إذا كانت الصلاة فريضة وتسمية الفقهاء إياها فاسدة ليس لاعتبارهم سقوط القضاء في حد الصحة كما ظنه الأصوليون بل لأن شرط الصلاة الطهارة في نفس الأمر والصلاة بدون شرطها فاسدة ولا مأمور بها بل هو ظن أنه متطهر فترتب عليه الحكم بمقتضى ظنه وأمره ظاهرا بها كأمر المجتهد المخطئ بما ظنه وغايته أنه سقط عنه الإثم وأما أنه أتى بالمأمور به فلا وقولهم إن المامور به صلاة على مقتضى ظنه فممنوع بل صلاة على شروطها في نفس الأمر ويسقط عنه الإثم بظنه وجودها وقد رأينا الفقهاء قيدوا فقالوا كل من صحت صلاته صحة مغنية عن القضاء جاز الاقتداء به وهذا التقييد يقتضي انقسام الصحة إلى ما
(1/67)

يغني عن القضاء وما لا يغني وقالوا فيمن لم يجد ماء ولا ترابا إنه يصلي على حسب حاله ويقضي وحكى إمام الحرمين في هذه الصلاة هل توصف بالصحة أو الفساد وجهين وهو غريب والمشهور وصفها بالصحة وكيف نأمره بالإقدام على صلاة يحكم بفسادها هذا لا عهد به وليس بمثابة الإمساك تشبها بالصائمين.
والفرق بين هذه الصلاة وصلاة من ظن الطهارة أن هذا عالم بحاله والظان جاهل فالعالم أتى بجميع ما كلف به الآن وبقي شرط أسقط عنه لعجزه ووجب استدراكه بعد ذلك بالقضاء والظان لم يأت بما هو الآن فريضة فالصواب أن يكون حد الصحة عند الفريقين موافقة الأمر غير أن الفقهاء يقولون ظان الطهارة مأمور بها مرفوع عنه الإثم بتركها والمتكلمون يقولون ليس مأمورا فلذلك يكون صلاته صحيحة عند المتكلمين لا الفقهاء ومن أمرناه بصلاة بلا طهارة ولا تيمم حيث يجب القضاء صحيحة على المذهبين وإن أوجب القضاء فليس كل صحيح يسقط.
واقتصر المصنف على غاية العبادة لذكر الخلاف ولم يذكر غاية العقود والمراد من كون العقد صحيحا عند المتكلمين على ما اقتضاه كلام القاضي أبي بكر وقوعه على وجه يوافق حكم الشرع من الإطلاق له وعند الفقهاء كونه بحبث يترتب أثره عليه وهو معنى إطلاقهم ترتب أثره.
والباطل هو الذي لا يترتب أثره عليه والبطلان والفساد لفظان مترادفان والإزاء والحذاء والمقابل ألفاظ مترادفة وجعل المصنف هذا تقسيما رابعا للحكم يقتضي أن الصحة والبطلان حكمان شرعيان ويكون الحكم تارة بالصحة وتارة بالبطلان وقد تقدم الكلام في رده إلى الاقتضاء والتخيير أو في كونه زائدا عليه وخالف ابن الحاجب1 الجمهور فقال إن الصحة والبطلان
__________
1 هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، المشهور بابن الحاجب، نشر العلم بين ربوع مصر وإسنا والقاهرة والإسكندرية والشام حتى توفي سنة 646هـ.
وله العديد من المؤلفات، ومن أشهرها في الأصول "منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل" وقد اختصره في كتاب آخر سماه "مختصر منتهى السول والأمل" وقد طبع عدة طبعات ووضع عليه العلماء الشروح والحواشي.
ابن خلكان 1/314، الأعلام للزركلي 2/629.
(1/68)

أو الحكم بهام أمر عقلي وقال في المنتهى "القول بأن الحكم بالصحة والبطلان حكم شرعي بعيد" وحجته أن الموافقة أمر عقلي وقد فسرنا الصحة بها وأورد عليه أن العقلي ما لا مدخل للشرع فيه وهذا للشرع فيه مدخل فتسميته شرعيا غير بعيد وفهم بعض من شرح كتابه أنه لا يطرد قوله في صحة العقود لأن ترتب الأثر شرعي ولا يبعد طرده لأن الصحة ليست ترتب الأثر بل كونه بحيث يترتب الأثر عليه ومعنى ذلك وقوعه على وجه مخصوص وذلك أمر عقلي لكن تسميته شرعيا باعتبار أن للشرع مدخلا كما قلنا في العبادات.
وأعلم أن الإمام وأتباعه ومنهم المصنف أنكروا كون الصحة حكما زائدا على الاقتضاء والتخيير وأنكروا الحكم بالسببية كما سبق في الموضعين فلم يبق للصحة معنى عندهم في العقود إلا إباحة الانتفاع وهو شرعي ومن يفسر الصحة بكونه مبيحا للانتفاع يلزمه أن يوافق الغزالي في الحكم بالسببية أو يقول إنها عقلية وحكم القاضي مثلا بصحة عقد إنما يصح إذا قصد المعنى الشرعي لأنه الذي يثبته القاضي بخلاف الأمر العقلي وليس للقاضي أن يحكم إلا بما يصح أن يكون حكما من الشارع من اقتضاء أو تخيير أو خطاب وضع إن قلنا به وإذا جعلت الصحة عقلية لم يكن للقاضي الحكم بها بل بأثر الصحيح.
"وأبو حنيفة ما لم يشرع بأصله ووصفه كبيع الملاقيح باطلا وما شرع بأصله دون وصفه كالزنا فاسدا"
عند الحنفية إن كان العوضان غير قابلين للبيع كبيع الملاقيح بالدم مثلا فهو باطل قطعا وكذا إن كان المبيع وحده كبيع الملاقيح بالدراهم على الصحيح عندهم وإن كانا قابلين للبيع ولكن جاء الخلل من أمر آخر كبيع درهم بدرهمين كل من العوضين قابل للبيع والخلل من الزيادة فهو فاسد قطعا وكذا إن كان الثمن فقط كبيع ثوب بدم على الصحيح عندهم والفاسد عندهم إذا اتصل بالقبض يفيد الملك الخبيث والباطل لا يفيد شيئا وعندنا الباطل والفاسد سواء في المعنى والحكم ولا يفيد شيء منهما الملك.
(1/69)

والملاقيح ما في بطون الأمهات وقد علمت المراد بأصله وهو كون المبيع يصح بيعه ووصفه هو الصحيح
وأما فرق أصحابنا بين الباطل والفاسد في الكتابة فلا يضرنا في نصب الخلاف في البيع ومحل الرد عليهم في ذلك كتب الفقه وكتب الخلاف.
(1/70)

تعريف الأجزاء
"والأجزاء هو الأداء الكافي التعبد به وقيل سقوط القضاء ورد بأن القضاء حينئذ لم يجب لعدم الموجب فكيف سقط فإنكم تعللون سقوط القضاء به والعلة غير المعلول"
لما كان الإجزاء معناه قريب من معنى الصحة ذكره معها ولم يفرده بتقسيم ولكن الصحة أعم فإنها تطلق على المعاملات ولا يطلق الإجزاء في المعاملات.
وقوله الأداء يجب حمله على الأداء اللغوي لأن الإجزاء كما يكون في الأداء يكون في القضاء والإعادة فلو قال الفعل كان أحسن والضمير في به يعود على الأداء وما أورده من أن القضاء إذا لم يجب لا يقال سقط صحيح وهو وارد من حد الصحة بسقوط القضاء أيضا وما أورده من تعليل سقوط القضاء بالإجزاء تبع فيه الحاصل وعبارة المحصول لأنا نعلل وجوب القضاء بأن الفعل الأول لم يكن مجزئا والعلة مغايرة للمعلول فظن بعض الناس أنه انقلب على الإمام وكان الباجي يقول إنها إحدى عقد المحصول ويحتج بحلها زاعما أنه لو ادعى تعليل سقوط القضاء بالإجزاء منعه الخصم وقال هذا عين النزاع فأخذ مقابلها وأثبت التغاير بينهما وهو خارج عن محل النزاع ثم ينقل التغاير إلى محل النزاع لثبوت تغاير المقابلين ومن ضرورة ذلك تغاير مقابليهما ووأيا ما كان فقد أورد عليه أن العلة قد تكون لشيء وقد تكون لحكمنا كما إذا قلت هذا إنسان وسئلت لم حكمت عليه بذلك فتقول لأنه حيوان ناطق فالمغايرة هنا بين العلة وحكمك لا بينها وبين المحكوم به وهذا الإجزاء عن لحكمنا بسقوط القضاء لا لسقوط القضاء نفسه وليس هذا بالقوى.
في المحصول إيراد ثالث وهو أنه لو أتى بالفعل عند اختلال بعض
(1/71)

شرائطه ثم مات لم يكن الفعل مجزئا مع سقوط القضاء ولك أن تمنع سقوط القضاء هنا بل يبقى في ذمته إن كان مفرطا.
وقول المصنف لعدم الموجب يعني أن القضاء إنما يجب بأمر جديد بعد خروج الوقت إذا ترك ولم يوجد.
"وإنما يوصف به وبعدمه ما يحتمل وجهين كالصلاة لا المعرفة ورد الوديعة".
الصلاة تقع تارة على وجه يكفي في سقوط التعبد بها وتارة على وجه لا يكفي فوصفت بالأجزاء وبعدمه لاحتمالها للوجهين المذكورين وأما المعرفة فلا يقال فيها مجزئة وغير مجزئة لأنه إن تعلق العلم بالله تعالى فهو المعرفة وإلا فلا معرفة بل الجهل وكذلك رد الوديعة والمغصوب إن حصل إلى المالك أو وكيله برئ وإلا فلا رد وقال الأصفهاني1 في شرح المحصول إنه لا يقال في العبادة المندوب إليها إنها مجزئة أو غير مجزئة وهذا الذي قاله بعيد وكلام الفقهاء يقتضي أن المندوب يوصف بالإجزاء كالفرض وقد ورد في الحديث: "أربع لا تجزئ في الأضاحي" 2 واستدل به من قال بوجوب الأضحية وأنكر عليه
__________
1 هو: محمد بن محمود بن محمد بن عياد السلماني، أبو عبد الله الأصفهاني من فقهاء الشافعية بأصفهان، ولد وتعلم بها، ثم رحل إلى بغداد والشام وتولى قضاء "نبج" وقوص بصعيد مصر، ثم استقر آخر الأمر بالقاهرة مدرساً.
من مؤلفاته: شرح المحصول في أصول الفقه، والقواعد في أصول الفقه والدين والمنطق والجدل.
توفي سنة 688هـ.
البداية والنهاية 13/315، الأعلام 7/308-309.
2 وتمام الحديث كما رواه الترمذي وحسنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أربع لا تجزيء في الأضاحي: العوراء البيّن عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والعجفاء التي لا تنقى" العجفاء التي ذهب مخها من شدة الهزال.
ويلحق بهذه الأربعة:
1- الغضباء: التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها.
2- الهتماء: وهي التي ذهبت ثنايا من أصلها.
3- العصماء: وهي التي انكسر غلاف قرنها.
4- العمياء: التي لا ترى.
5- التولاء: وهي التي تدور في المرعى ولا ترعى.
فقها لسنة 3/322 طبعة بيروت.
(1/72)

وفي حديث أبي بردة "يجزئ عنك" 1 ضبطه ابن الأثير بالوجهين بضم الياء مع الهمزة وفتحها مع الياء يقال: أجزأ بمعنى كفى وجزا بمعنى قضى ولا توصف المعاملات بالأجزاء وإنما يوصف به ما كان مأمورا به فالصحة أعم محلا منه لأنها تكون في المعاملات والعبادات ولا يوصف بها أيضا إلا ما يحتمل وجهين أن يقع صحيحا وفاسدا كالصلاة والعقود فإنها إن وقعت مستجمعة الأركان والشروط كانت صحيحة وإن وقعت على غير ذلك الوجه كانت فاسدة بخلاف المعرفة ليس لها إلا وجه واحد وهو إذا جعلنا اسم الصلاة موضوعا للصحيح والفساد ظاهر وأما إذا قلنا هو موضوع للصحيح فقط ولا يطلق على الفاسد إلا مجازا فإنه لا يكون لها إلا وجه واحد فكأنهم نظروا إلى المعنى الأعم الموجب للإطلاق المجازي وجعلوه مورد التقسيم إلى الصحيح وغيره ولا يرد هذا السؤال في الإجزاء لإنقسام الصحيح إلى مجزئ وغير مجزئ كصلاة المتيمم في الحضر ونحوه.
وعند أبي حنيفة كل صلاة وجب قضاؤها لا يجب أداؤها وكل صلاة يجب أداؤها لا يجب قضاؤها فيستوي عنده الصحة والإجزاء فيكون انقسام العبادة إليها بالإعتبار الآخر.
__________
1 ولفظ الحديث- كما رواه أبو داود- عن أبي بردة بن نيار أنه قال يا رسول الله: إن عندي عناقاً جذعاً هي خير من شاتي لحم، فقال صلى الله عليه وسلم: "تجزئك ولا تجزيء عن أحد بعدك".
فقد أفاد هذا الحديث أن العناق وهي: الأنثى من أولاد المعز والغنم من حين الولادة إلى تمام الحول، لا تجزيء في الأضحية، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم، بين في هذا الحديث أنها تجزيء عن أبي بردة وحده، لخصوصية قد لا توجد في غيره، ومن هنا نص علماء الأصول على أن هذا الحكم مقصور على من قيل في حقه الحديث المتقدم. اهـ. محققة.
(1/73)

التقسيم الخامس: إلى الأداء والإعادة والقضاء
...
التقسيم الخامس للحكم إلى الأداء والإعادة والقضاء
"الخامس العبادة إن وقعت في وقتها المعين ولم تسبق بأداء مختل وإلا فإعادة وإن وقعت بعده ووجد فيه سبب وجوبها فقضاء وجب أداؤه كالظهر المتروكة قصدا أو لم يجب وأمكن كصوم المسافر والمريض أو امتنع عقلا كصلاة النائم أو شرعا كصوم الحائض".
هذا تقسيم آخر للعبادة التي هي متعلق الحكم ويصح جعله تقسيما للحكم من جهة أن الأمر قد يكون بالإعادة.
وقوله: العبادة يشمل الفرض والنفل فكل منهما إذا كان مؤقتا يوصف بالثلاثة وزعم بعضهم أنه لم يوصف بشيء من الثلاثة إلا الواجب وزعم بعضهم أن القضاء لا يوصف به إلا الواجب وكل ذلك خطأ والصواب أن الواجب والمندوب كل منهما يوصف بالأداء والإعادة والقضاء.
وقوله: إن وقعت لو قال إن أوقعت كان أحسن لأن الأداء والإعادة والقضاء أنواع للإيقاع لا للوقوع لكن لك أن تنتصر لتصحيح كلامه بأن العبادة فعل الفاعل ففعلها وإيقاعها وأداؤها ووقوعها سواء.
وقوله: في وقتها المعين الأحسن عندي في تفسيره أنه الزمان المنصوص عليه لفعلها من جهة الشرع فإن المأمور به تارة يعين الأمر وقته كالصلوات الخمس وتوابعها وصيام رمضان وزكاة الفطر فإن جميع ذلك قصد فيه زمان معين وتارة يطلب الفعل من غير تعرض للزمان وإن كان الأمر يدل على الزمان بالالتزام ومن ضرورة الفعل وقوعه في زمان ولكنه ليس مقصودا للشارع ولا مأمورا به قصدا فالقسم الأول يسمى مؤقتا والقسم الثاني يسمى غير مؤقت وسواء قلنا في القسم الثاني إن الأمر يقتضي الفور والتراخي أو كان قد
(1/74)

دل على ذلك قرينة كإنقاذ الغريق ونحو ذلك وإلا فإن المقصود من هذا كله إنما هو الفعل من غير تعرض إلى الزمان والقسم الأول قصد فيه الفعل والزمان إما لمصلحة اقتضت تعيين ذلك الزمان وإما تعبدا محضا والقسم الثاني ليس فيه إلا قصد الفعل فالقسم الثاني لا يوصف فعله بأداء ولا قضاء لأنهما فرعا الوقت ولا وقت له وينبغي أن يوصف بالإعادة إذا تقدم فعل مثله على ما سأبينه.
ومن هذا القسم الإيمان فإنه لا وقت له والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان وقته وقت سببه ولكنه ليس وقتا معينا من حيث هو وإنما هو حضوره وكذا زكاة المال إذا حال الحول كل هذه واجبات فورية غير مؤقتة وكذا الواجبات على التراخي بلا حد وقد أطلق الفقهاء على الحج الأداء متى أوقع حجة الإسلام في عمره والقضاء في صورتين:
أحداهما: إذا قضي عنه بعد موته.
والثانية: إذا حج العبد وأفسد حجه ثم عتق فحج عن حجة الإسلام ثم عن القضاء.
وعندي أن إطلاقهم الأداء والقضاء في ذلك بطريق المجاز فإن الحج من القسم الثاني الذي لم يقصد فيه غير الفعل وإن وسع فيه مدة العمر عندنا أو ضيق وجب فيه الفور عند غيرنا فإن ذلك لا يصير الوقت مقصودا فيه وأما إذا أفسد حجة الإسلام وأمرناه بقضائها فقد صرحوا أن ذلك ليس بقضاء يعنون بل هو أداء معاد.
وإذا عرفت هذا فلنتكلم في مقصودنا وهو القسم الأول مؤقت بوقت معين سواء كان مضيقا كصوم رمضان أو موسعا كالصلاة فإن فعل في وقته فهو أداء سواء فعله مرة أخرى قبل ذلك أم لا هذا هو الذي تختاره وهو مقتضى إطلاقات الفقهاء ومقتضى كلام الأصوليين القاضي أبي بكر في التقريب والإرشاد والغزالي في المستصفى والإمام في المحصول ولكن الإمام لما أطلق ذلك ثم قال إنه إن فعل ذلك ثانيا بعد ذلك سمي إعادة ظن صاحبا الحاصل والتحصيل أن هذا مخصص للإطلاق المتقدم فقيداه وتبعهما
(1/75)

المصنف فإنه كثيرا ما يتبع الحاصل وليس لهم مساعد من اطلاقات الفقهاء ولامن كلام الأصوليين فالصواب أن الأداء اسم لما وقع في الوقت مطلقا مسبوقا كان أو سابقا أو منفردا وقد قال القاضي حسين من الشافعية إنه إذا شرع في الصلاة ثم أفسدها ثم صلاها في وقتها كانت قضاء وتبعه غيره على ذلك ومأخذه في ذلك أنه لما شرع فيها تعين ذلك الوقت لها حتى لا يجوز له الخروج منها ولم يبق لها وقت شروع وإنما بقي وقت استدامة فإذا أفسدها أو فسدت وقد فات وقت الشروع لم يكن فعلها بعد ذلك إلا قضاء لأن وقت الاستدامة وحده لا يكفي ولا يكون إلا مبنيا على وقت الشروع كما أن المغرب عند العراقيين من أصحابنا لها وقت ابتداء بقدر ما يشرع فيها ووقت استدامة فإذا أخرها مقدار الشروع صارت قضاء عندهم وإن بقي قدر ركعتين وشيء.
هذا مأخذ القاضي حسين ومع ذلك هو مردود بوجهين:
أحدهما: على رأي الإمام والغزالي أعني قولهما إنه يجوز الخروج من الفريضة إذا أمكن تداركها في الوقت فلا يصح ما احتج به له.
والثاني: أن تعين ذلك الوقت بالشروع بفعله لا بأمر الشرع له أن يفعله وبهذا فارقت المغرب وبما ذكرناه من مأخذ القاضي حسين يعلم أنه ليس مخالفا لما ذكرنا في حد الأداء فإنه إنما قال بالقضاء وعدم الأداء لظنه أن الوقت قد خرج فلا مخالفة في المصطلح وإذا قلنا بقول القاضي حسين فلو دخل في الجمعة ثم أفسدها وأراد إعادتها في الوقت فعلى مقتضى قول القاضي يكون قضاء فإن قال بأنه يعيدها جمعة وهو الذي يظهر فيدخل القضاء في جمعة ولم أر أحدا من الأصحاب تعرض له وإن قال أنه يعيدها ظهرا فبعيد لأن وقت الجمعة على الجملة باق.
وقول المصنف: "وإلا فإعادة" أي وإن سبقت بأداء مختلف فإعادة ومراده بالمختل ما فقد ركنا أو شرطا هكذا صرح القاضي أبو بكر فمعنى المختل الفاسد فالإعادة على قول المصنف في الوقت فعل مثل ما مضى فاسدا وقد يورد على هذا بأن الثاني صحيح فليس مثلا للفاسد ويجاب بأنهما اشتركا في الحقيقة الموصوفة بالصحة والفساد وجعل اسم الصلاة شاملا للصحيح والفاسد
(1/76)

"حقيقة أو مجازا" ولو صلى في أول الوقت صلاة صحيحة ثم صلاها في الوقت إما على وجه أكمل من الأول أو على خلافه فكلام الأصوليين يقتضي أنها لا تسمى إعادة بل أداء والأقرب إلى إطلاقات الفقهاء أنه تصدق الإعادة عليها واللغة تساعد على ذلك فليكن هذا هو المعتمد ولا يجئ مثل هذا في الصوم ولا في الحج فان من حج صحيحا ثم حج تائبا كانت حجته الأولى غير الثانية بخلاف الصلاة فان الثانية هي الأولى ولهذا ينوي فيه الفرض ولعل الأصوليين لا يوافقون على نية الفرض في الثانية ويقولون إن الثانية صلاة مبتدأة فلذلك عرفوا الإعادة بما ذكروه ولكن نفس الشريعة تخالفه ولو حج فاسدا ثم حج فقد قلنا إنه لا يسمى قضاء حقيقية وأما تسميته إعادة فلا يمتنع وهذا هو الذي وعدنا به من قبل فخرج من هذا أن الإعادة فعل مثل ما مضى فاسدا كان الماضي أو صحيحا أداه أو غيره فبين الأداء والإعادة عموم وخصوص من وجه ينفرد الأداء في الفعل الأول وتنفرد الإعادة فيما مضى إذا قضى صلاة وأفسدها ثم أعادها وفي الحج كما صورناه ويجتمعان في الصلاة الثانية في الوقت على ما أخترناه خلافا للمصنف ومن وافقه وكذا يكون بين الإعادة والقضاء عموم وخصوص من وجه.
وقد تكلم الفقهاء في إعادة صلاة الجنازة ولا أداء فيها إذ لا وقت يتعين ولا يسمى القضاء الأول إعادة لأن القضاء بأمر جديد فهو غير المأمور به في الوقت وإن سميناه قضاء للمشابهة كانت الاعادة تستدعي من المماثلة أكثر مما يستدعي القضاء وقول المصنف وإن وقعت بعده ووجد فيه سبب وجوبها فقضاء موافق لقول المحصول إن الفعل لا يسمى قضاء إلا إذا وجد سبب وجوب الأداء مع أنه لم يوجد الأداء ومن هنا توهم بعضهم أن المندوب لا يسمى قضاء وأن قول الفقهاء بقضاء الرواتب مجاز والذي يقتضيه كلام الأكثرين والاصطلاح أنه لافرق بين الواجب والمندوب فينبغي أن يقال ووجد فيه سبب الأمر بها.
واعلم أن الشرط المذكور أعني تقدم السبب يذكر في شيئين:
أحدهما: في الأمر بالقضاء فلا يؤمر بقضاء عبادة إلا إذا تقدم سبب الأمر
(1/77)

بأدائها ونعني بالسبب ما هو مقتضى لوجوبها أو الندب إليها سواء أقارنه مانع من ترتب الحكم عليه أم لا ومتى تقدم السبب ولم تفعل أمر بقضائها ومتى لم يتقدم السبب أصلا لم يؤمر بالقضاء فلذلك تارك الصلاة عمدا يقضي لوجود السبب والوجوب والنائم يقضي لوجود السبب الذي قارنه مانع الوجوب وهو النوم والطفل لم يوجد في حقه السبب أصلا فلا يؤمر بالقضاء بعد البلوغ لا إيجابا ولا ندبا ولو أن المميز ترك الصلاة ثم بلغ فالظاهر أنه يستحب له قضاؤها كما كان يستحب له أداؤها إن قلنا كان مأمورا بأمر الشرع والحائض لا يستحب لها بعد الطهر قضاء الصلاة لأن سقوطها في حقها عزيمة فليست من أهل الصلاة فلم يوجد سبب الوجوب والمجنون سقوط القضاء في حقه رخصة لأنه إنما سقط عنه تخفيفا.
الثاني: مما يذكر فيه تقدم السبب تسمية القضاء اقتضى كلام الإمام أنه لا يسمى قضاء إلا إذا وجد السبب فيقتضي هذا أن الطفل لو أراد أن يقضي ما فاته في طفوليته لا يسمى ذلك قضاء ولا يصح قضاء بل إن صح صح فعلا مطلقا وهذا صحيح لأن القضاء يستدعي تقدم أمر وفوات أدائه فمتى لم يوجد استحالت هذه التسمية فقد تحرر أن الأداء فعل العبادة في وقتها والقضاء فعل العبادة خارج وقتها ولا حاجة إلى قيد آخر لأنه متى لم يتقدم سببها لا يكون المفعول بعد الوقت تلك العبادة بل غيرها والإعادة فعل العبادة من بعد أخرى إذا كانت أداء وقضاء أو غيرهما وقولنا فعل العبادة نعني به الواقعة فخرج به إنشاء التطوع التطوع بحج بعد حج الفرض أو بصلاة مطلقة بعد الفريضة والراتبة وظهر أن الإعادة تدخل في جميع العبادات والأداء والقضاء يدخلان في المؤقتة فقط وكل عبادة يصح وصفها بالأداء والقضاء إلا الجمعة فإنها توصف بالأداء ولا توصف بالقضاء لأنها لا تقضي وأورد على هذا أنه لا يوصف بالشيء إلا ما أمكن وصفه بضده كالأجزاء والصحة لا يوصف بهما إلا ما أمكن وقوعه غير مجزئ وغير صحيح فكيف توصف الجمعة بالأداء إذ لا تقع غير مؤداة والجواب من وجهين:
أحدهما: منع تلك القاعدة على الإطلاق فقد يوصف بالشيء ما لا يوصف بضده وإنما خصوص الأجزاء والصحة اقتضى ذلك.
(1/78)

والثاني: أن الجمعة تقضي ظهرا وبين الجمعة والظهر اشتراك في الحقيقة فقبلت الوصف بذلك في الجملة وأيضا لو أنها وقعت بعد الوقت جمعة بجهل من فاعلها فنسميها قضاء فاسدا فصح وصف الجمعة بالأداء كما صح وصف الصلاة بالفساد وبقي من الاقسام الممكنة أن تقع العبادة المؤقتة قبل وقتها تعجيلا كإخراج صدقة الفطر في رمضان فلا يوصف بأداء ولا قضاء مع صحتها ووقوع الظهر قبل وقتها لا يوصف بأداء ولا قضاء مع فسادها وقول المصنف وأمكن أي الفعل ومثل المسافر والمريض ليتيبن أنه لا فرق بين كون مانع الوجوب من جهة العبد كالسفر أو من جهة الله تعالى كالمرض وسيأتي إن شاء الله تعالى في المسألة السابعة من الفصل الثالث من هذا الباب الكلام في منع الفقهاء القائلين بأنه يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر.
وقوله: "أو امتنع أي الفعل" فإن النائم يمتنع منه عقلا أن يصلي والفقهاء يطلقون أن الصلاة واجبة عليه ولا يجب لذلك إلا ثبوتها في ذمته كما تقول الدين واجب على المعسر وقد ذكر القاضي أبو بكر أن الفقهاء يطلقون التكليف على ثلاثة معان:
أحدها: المطالبة بالفعل أو الترك.
والثاني: بمعنى أن عليه فيما سهى عنه أو نام فرضا وإنما يخاطب بذلك قبل زوال عقله وبعده فيقال له إذا نسيت أو نمت في وقت لو كنت فيه ذاكرا أو يقظان لزمتك فقد وجب عليك قضاؤها.
والثالث: على الفعل الذي ينوب مناب الواجب كصلاة الصبي وصوم المريض وجمعة العبد إذا حضرها وفعلها وحج غير المستطيع ويطلقون التكليف في ذلك وهذا الذي نقله القاضي من اصطلاحهم فائدة توجب رفع الخلاف بين الفريقين في المعنى وامتناع الصوم شرعا على الحائض بالإجماع فيحرم عليها ولا يصح وإمكانه من المسافر وصحته والاعتداد به لم يخالف فيه إلا
(1/79)

الظاهرية فقالوا إنه لا يجزئه لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} 1 وهو محجوبون بالأخبار التي تدل على الصوم في السفر في رمضان ومعنى الآية فأفطر فعدة من أيام أخر.
"ولو ظن المكلف أنه لا يعيش إلى آخر الوقت تضيق عليه فإن عاش وفعل في آخره فقضاء عند القاضي أداء عند الحجة إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه".
قوله: تضيق عليه معناه يقضي بالتأخير عنه والحجة هو الغزالي والحق معه في هذه المسألة وبدليله يعرف أن التضيق ليس في نفس الأمر والقاضي هو ابن الباقلاني ورأيته في كلامه في التقريب وهو إنما يعتبر الظاهر فيحكم بالتضييق فيكون الوقت قد خرج وهو ضعيف لأنا نعرف من نفس الشرع الفرق بين اسم الزاني والواطئ لامرأته يظنها أجنبية فالثاني إنما يأثم بجرأته بحسب ظنه والأول يأثم بجرأته وبحصول المفسدة التي نهى الشرع عنها.
__________
1 وتمام الآيات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} سورة البقرة 183/185.
(1/80)

التقسيمالسادس: إلى العزيمة والرخصة
...
التقسيم السادس للحكم إلى العزيمة والرخصة
"السادس الحكم إن يثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصة كحل الميتة للمضطر والقصر والفطر للمسافر واجبا ومندوبا ومباحا وإلا فعزيمة".
الرخصة بإسكان الخاء وضمها مع ضم الراء التسهيل فرخصة الله تسهيله على عباده هكذا يقتضيه كلام أهل اللغة وهو يقتضي أن الرخصة من أقسام الحكم كما اقتضاه كلام المصنف لا من أقسام متعلقاته كما اقتضاه قول غيره الرخصة ما جاز الإقدام عليه مع قيام المانع ولم أر لهذا الثاني مستندا من اللغة إلا قولهم هذا رخصتي من الماء أي شربي منه ويناسبه قول بعض الأصوليين إنها اليسر والسهولة وأما بفتح الخاء فلم أرها في اللغة ولا حفظ هذا الوزن إلا في الثلاثي المجرد كلقطة وهزأة ولمزة وهمزة وحطمة وخدعة وهو يكون للفاعل وللمفعول فإن ثبت هنا فقياسه أن يكون للشخص الكبير الترخيص على غيره أو المرخص فيه وذكر الإمام أن الرخصة ما جاز فعله مع قيام المقتضي للمنع فأورد عليه الحدود والتقادير الجائزة مع تكريم الآدمي المقتضى للمنع منها فقيده بعضهم باشتهار المانع وبعضهم بكونه لضرورة أو حاجة وبعضهم بكونه لغرض التوسع وربما زيد فيه في حالة جريه احتراز من القصاص والعفو فإنه تخفيف من الله ورحمة ولا يسمى رخصة لأنه فاعله بدله وقولنا مع قيام المانع احتراز من أن يكون منسوخا كالآصار التي كانت على من قبلنا ونسخت في شريعتنا تيسيرا وتسهيلا ولا يسمى ناسخها رخصة.
وقول المصنف على خلاف الدليل هو معنى قولنا مع قيام المانع وقوله لعذر يريد به التسهيل في بعض الأحوال فيخرج به التخصيص ونحوه ويستقيم به حد
(1/81)

الرخصة وقوله كحل لو قال كإحلال كان أحسن لأن نوع الحكم الإحلال لا الحل وقد عهد له مثل هذا التسمح من تفسير الرخصة بالتيسير فيكون الحل مطابقا بغير تسمح وقوله والقصر والفطر لك أن تعطفهما على حل أي وكالقصر وعلى الميتة أي وكحل القصر وقوله واجبا ومندوبا ومباحا أحوال إما من قوله فرخصة وإما من حل إن لم يعطف عليه وتكون قد استعملته في القدر المشترك بين الثلاثة وإما أن يتعدد صاحب الحال لتعددها فتقدر كحل الميتة للمضطر واجبا والقصر مندوبا والفطر مباحا.
واعلم أن الإيجاب والندب واستواء الطرفين أو رجحان أحدهما أمر زائد على معنى الرخصة لأن معناها التيسير وذلك بحصول الجواز للفعلى أو الترك يرخص في الحرام بالإذن في فعله وفي الواجب بالإذن في تركه وأدلة الوجوب والندب وغيرها تؤخذ من أدلة أخرى ولهذا اقتصر الكتاب العزيز على الجواب في قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} 1 وقوله: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} 2 فاقتصر كما نراه على نفي الإثم والجناح ولم يصرح بالإذن فعلنا الجواز برفع الاثم والجناح وإنما يكون القصر مندوبا إذا بلغ سفره ثلاثة أيام وإباحة الفطر قد يكون مع رجحانه إذا كان المسافر يجهده الصوم وقد يكون مع مرجوحيته إذا كان يطيقه ويسهل عليه وقوله وإلا فعزيمة أي وإن ثبت لا على خلاف الدليل أو على خلاف الدليل لكن ليس لعذر على وجه التيسير فعزيمة سواء كان واجبا أو مندوبا أو مباحا أم مكروها أم حراما من جهة أنه يجزم أمره أي قطع وحتم سهل على المكلف أم شق مأخوذ من العزم وهو القصد المصمم والعزيمة مصدر عزم فهي أيضا قسم من أقسام الحكم لا من أقسام الفعل الذي هو متعلقه.
وقول غيره العزيمة ما جاز الإقدام عليه لا مع قيام المانع فيه من التسمح قدمناه
__________
1 سورة البقرة آية 173.
2 سورة النساء آية 101.
(1/82)

الفصل الثالث: في أحكام الحكم
المسألة الأولى: الواجب المعين والمخير
...
الفصل الثالث في أحكام الحكم وفيه عدة مسائل
الأولى الواجب المعين والمخير
"الفصل الثالث في أحكامه وفيه مسائل الأولى الوجوب قد يتعلق بمعين وقد يتعلق بمبهم من أمور معينة كخصال الكفارة ونصب أحد المستعدين للإمامة وقالت المعتزلة الكل واجب على معنى أنه لا يجوز الإخلال بالجميع ولا يجب الإتيان به خلاف في المعنى وقيل الواجب معين عند الله تعالى دون الناس ورد بأن التعين يحيل ترك ذلك الواحد والتخيير يجوزه وثبت اتفاقا في الكفارة فانتفى الأول قيل يحتمل أن المكلف يختار المعين أو يعين ما يختاره أو سقط بفعل غيره وأجيب عن الأول بأنه يوجب تفاوت المكلفين فيه وهو خلاف النص والإجماع وعن الثاني بأن الوجوب محقق قبل اختياره وعن الثالث بأن الآتي بأيهما آت بالواجب إجماعا قيل إن أتى بالكل معا فالامتثال أما بالكل فالكل واجب أو بكل واحد فيجتمع مؤثرات على أثر واحد أو بواحد غير معين ولم يوجد أو بواحد معين وهو المطلوب وأيضا الوجوب معين فيستدعي محلا معينا وليس الكل ولا كل واحد وكذا الثواب على الفعل والعقاب على الترك فإذا الواجب واحد معين وأجيب عن الأول بأن الامتثال بكل واحد وتلك معرفات وعن الثاني بأنه يستدعي أحدها لا بعينه كالمعلول المعين المستدعي علة من غير تعيين وعن الآخرين بأنه يستحق ثواب وعقاب أمور لا يجوز ترك كلها ولا يجب فعلها".
قوله في أحكامه يعني في أحكام الحكم وذكر في هذا الفصل سبع مسائل
(1/83)

والإمام ذكرها بعينها في باب الأوامر في القسم الثاني منه في المسائل المعنوية وجعل المسائل الثلاث الأولى في أقسام الوجوب لأنه بحسب المأمور به ينقسم إلى معين ومخير وبحسب وقت المأمور ينقسم إلى مضيق وموسع وبحسب المأمور ينقسم إلى واجب على التعيين وواجب على الكفاية وجعل المسائل الأربع الأخيرة في أحكام الوجوب ولو فعل المصنف كذلك كان أحسن وكأن عذره في ذلك المخير والموسع وفرض الكفايةف مما وقع الكلام فيه وفي تحقيق عروض ذلك الواجب فحسن البحث في أن الوجوب هل له ذلك أو لا وهو حكم وبعد ثبوت هذا الحكم تصير الثلاثة المذكورة أقساما للوجوب الذي هو قسم من أقسام الحكم فصح كل من الاعتبارين وقوله بمعين يعني معين النوع وإلا فالتعيين بالشخص لا يتعلق الوجوب به لأن الشخص دخل في الوجود وما دخل في الوجود لا يصح التكليف به لمراده المعين المعلوم المتميز وقوله وقد يتعلق بمبهم إشارة إلى أن المختار أو الواجب لا بعينه ونقل القاضي إجماع سلف الأمة وأئمة الفقهاء عليه خلافا لكثير من المعتزلة وقوم من نوابذ الفقهاء المعينين لهم على بدعتهم في قوله أن الكل واجب وحرر بعض المتأخرين معنى الإبهام في ذلك فقال إن متعلق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال ولا تخيير فيه ومتعلق التخيير خصوصيات الخصال ولا وجوب فيها وعندي زيادة تحرير أخرى وهو أن القدر المشترك يقال على المتواطئ كالرجل فلا إبهام فيه فإن حقيقته معلومة متميزة عن غيرها من الحقائق ويقال على المبهم بين شيئين أو أشياء كأحد الرجلين والفرق بينهما أن الأول لم يقصد فيه إلا الحقيقة التي هي مسمى الرجولية.
والثاني: قصد فيه أخص من ذلك وهو أحد الشخصين بعينه وإن لم يعين وولذلك سمي مبهما لأنه أبهم علينا أمره والأول لم يقل أحد بأن الوجوب يتعلق بخصوصياته كالأمر بالإعتاق فإن مسمى الإعتاق ومسمى الرقبة متواطئ كالرجل فلا يتعلق للأمر بالخصوصيات لا على التعيين ولا على التخيير ولا يقال فيه واجب مخير ولا يأتي فيه الخلاف وأكثر أوامر الشريعة من ذلك.
(1/84)

والثالث: متعلق بالخصوصيات فلذلك وقع الخلاف فيه وأجمعت الأمة على إطلاق الواجب المخير عليه ولا منافاة بين ما قلناه وما حكيناه عن بعض المتأخرين من تعلق الوجوب بالقدر المشترك لكن ما قلناه زيادة وهي تبيين أن ذلك القدر المشترك أخص منظور فيه إلى الخصوصيات وقول المصنف من أمور معينة إنما قيد بقوله معينة لأنها إذا كانت غير معينة فإما أن يقع التكليف بالقدر المشترك بينها من غير نظر إلى الخصوصيات فذلك لا يسمى إيهاما بل هو كالإعتاق على ما سبق وليس كلامنا فيه وإما أن ينظر إلى الخصوصيات كما ذكرناه في غير الإبهام فيستحيل لعدم العلم بها ونحن مرادنا هنا بالمعينة المعلومة المتميزة فلذلك قيد بقوله المعينة ليبين صورة المسألة وخصال الكفارة يعني كفارة اليمين وهي الإعتاق والإطعام والكسوة فإنها يخير فيها وكذا ما هو على التخيير من كفارات الحج وقوله ونصب أحد المستعدين للامامة يعني إن خلا الوقت عن إمام وهناك جماعة يجب نصب واحد وكذا قال غيره وهو صحيح إلا أنه من القسم الأول الذي قلنا إن الوجوب فيه متعلق بالقدر المشترك من غير نظر إلى الخصوصيات كاعتاق رقبة فينبغي ألا يمثل به وجماعة من أصحابنا ومن المعتزلة ذكروا أمثلة من الواجب المخير بين القسمين جميعا والصواب ما قدمته نعم في أهل الشورى الذي جعل عمر رضي الله عنه الأمر فيهم ونحوه يتعلق الأمر بأعيانهم فيحسن أن يكون مثالا للواجب المخير وقول المعتزلة إن الكل واجب على المعنى المذكور مأخذهم فيه أن الحكم يتبع الحسن والقبح فإيجاب شيء يتبع لحسنه الخاص به فلو كان واحد من الثلاثة واجبا والاثنان غير واجبين لخلا اثنان عن المقتضى للوجوب فلا بد أن يكون كل واحد لخصوصه مشتملا على صفة تقتضي وجوبه وكل منهما يقوم مقام الآخر فيوصف كل منهما بالوجوب والتخيير معا.
وتحقيق هذا الكلام إنما ينتج أن المشتمل على الحسن المقتضي للوجوب هو أحدها لا خصوص كل منها فلذلك كان معنى كلامهم إيجاب أحدها على الإبهام وإنما قصدوا الفرار من لفظ يوهم أن بعضها واجب وبعضها ليس بواجب وأنه لا يخير بين الواجب وبين غيره وأصحابنا لا يراعوان الحسن والقبح ويجوزون التخيير
(1/85)

بين ما يظن أن فيه مصلحة وبين ما لا مصلحة فيه ومع ذلك لم يقولوا بوجوب واحد معين وإنما قالوا بوجوب أحدها من غير تعيين لأنه مدلول لفظ الأمر ومدارهم في إثبات الأحكام فإذا نظرنا إلى مجرد ذلك لم يكن فرق في المعنى بين مذهب أصحابنا ومذهب المعتزلة وبذلك صرح طوائف منا ومنهم وتبعهم المصنف وإذا دققنا البحث وقررنا ما قدمناه من الفرق بين أن يراد مع القدر المشترك الخصوصيات أولا أمكن أن يقال في خصال الكفارة احتمالان:
أحدهما: أن يكون الواجب القدر المشترك بين الخصال.
والثاني: أن يكون كل خصلة واجبة على تقدير ألا نفضل عنها وكل من الاحتمالين يمكن أن يقرر على مذهبنا ومذهبهم والأقرب إلى الكلام الفقهاء الثاني وبه يفترق الحال بينه وبين إعتاق رقبة فإن الثابت فيه الأول لا غير وقول المصنف فلا خلاف في المعنى قد علمت أنه يمكن تمشيته ويمكن التوقف فيه لظهور معنيين يمكن أن يذهب إلى كل منهما ذاهب والأوفق بقواعد المعتزلة الأول وهو تعلق الوجوب بالقدر المشترك لا غير حتى يكون هو الموصوف بالحسن وبقواعدنا يصح ذلك وغيره وهو الأقرب إلى كلام الفقهاء وهو المختار وإن يكن بين المعنيين تباعد لكن يظهر أثره في أمور منها أنه إذا فعل خصلة يقال على ما اخترناه إنها الواجب وأما على المعنى الآخر فينبغي أن يقال إن الواجب تأدى بها لا أنها هي الواجب.
وقوله: قيل الواجب معين عند الله دون الناس هو قول ترويه المعتزلة عن أصحابنا ويرويه أصحابنا عن المعتزلة واتفق الفريقان على فساده وعندي أنه لم يقل به قائل وإنما المعتزلة تضمن ردهم علينا ومبالغتهم في تقرير تعلق الوجوب بالجميع ذلك فصار معنى يرد عليه وأما رواية أصحابنا عن المعتزلة فلا وجه له لمنافاته قواعدهم.
وقوله: رد بأن التعيين يحيل ترك الواحد أي لأن الواجب لا يجوز تركه والتخيير يجوزه أي يجوز الترك ضرورة فلازم التعيين ولازم التخيير لا يجتمعان فالملزومان وهما التعيين والتخيير لا يجتمعان لأنهما لو اجتمعا لاجتمع لازمهما لأنه
(1/86)

يلزم من وجود الملزوم وجود اللازم والتخيير ثابت بالإتفاق في الكفارة فانتفى التعيين.
وقوله: قيل يحتمل أن المكلف يختار المعين أو يعين ما يختاره أو يسقط بفعل غيره يعني وعلى كل من الاحتمالات الثلاثة لا يتنافى التعيين والتخيير أما في الأول فلأن التعيين في نفس الأمر والتخيير في الظاهر وأما الثاني فلأن التخيير قبل الاختيار والتعيين بعده وأما الثالث فلأنا نمنع أن الواجب لا يجوز تركه مطلقا بل هو الذي لا يجوز تركه بغير بدل.
وقوله: وأجيب عن الأول بأنه يوجب تفاوت المكلفين فيه أي إذا اختار بعضهم الإطعام وبعضهم الكسوة وبعضهم الإعتاق يكون الواجب على كل منهم ما اختاره معينا عند الله وهو خلاف الإجماع لإجماع العلماء على أن حكم الله في كفارة اليمين واحد بالنسبة إلى الجميع وعن الثاني بأن الوجوب تحقق قبل اختياره وإلا لما أثم بتركه فإما أن يكون معينا أو مخيرا إن كان معينا عاد الكلام وإلا بطل قولهم وعلى الثالث أن الآتي بأيها آت بالواجب لأنه في ضمنه وعلى كل التقديرين لا يكون الواجب خارجا عنه فلا يسقط بفعل غيره وليس كالسنة المجزئة عن الفرض ولا كالبدل المجزئ عن المبدل.
وقوله: قيل إن أتى بالكل معا يعني دفعة واحدة إما بنفسه إن أمكن ذلك أو بوكلاء فالامتثال إما بالكل أي المجموع فالمجموع واجب ومن ضرورته وجوب كل واحد وإن كان الامتثال بكل واحد فيجتمع مؤثرات على أثر واحد وهو محال لأن المؤثر التام يستغني به الأثر عن غيره مع احتياجه إليه فلو اجتمع مؤثران على أثر واحد لاحتاج إليهما واستغنى عنهما ويلزم أن يقع بهما وإن لا يقع بهما فيجتمع النقيضان وإن كان الامتثال بواحد غير معين فغير المعين لا وجود له لأن كل موجود معين كما أن ما ليس بمعين ليس بموجود لأنه عكس نقيضه ولما بطلت هذه الأقسام الثلاثة تعين الرابع وهو أن الامتثال بواحد معين وهو المطلوب لأن ما وقع به هو المأمور به وأيضا الوجوب صفة الواجب وهو صفة معينة فلا بد أن يكون موصوفها معينا وليس المجموع ولا
(1/87)

كل واحد ولا واحدا غير معين لما سبق فثبت أنه معين وأيضا إذا أتى بالجميع فإن أثيب ثواب الواجب على المجموع أو على كل فرد أو على غير معين لزم ما سبق فلا يثاب إلا على واحد معين وأيضا إذا تركت الجميع إن عوقب على المجموع أو على كل واحد أو على واحد معين لزم ما سبق فلا يعاقب إلا على ترك واحد معين فهذه أربعة أدلة استدل بها القول المردود.
وقوله: وأجيب عن الأول بأن الامتثال بكل واحد وتلك الخصال معرفات لا مؤثرات فلا يلزم اجتماع مؤثرات على أثر واحد وأما المعرفات فيجوز اجتماعها على الشيء كافراد العالم للصانع وهذا الجواب يحتمل أمرين أن يكون المقصود منه الرد على الاستدلال فقط من غير بيان ما يعتقده من أن الامتثال بماذا وكأنه يقول دليلك لا ينتج أن الواجب واحد معين لاحتمال أن يكون الواجب كل واحد ويكون الامتثال بكل واحد ولا يلزم اجتماع مؤثرات على أثر واحد وهذا إذا فسرنا الامتثال بفعل الواجب يلزم عليه أن ما يقع به الامتثال واجب ويكون الجواب على هذا جدليا والجواب التحقيقي أن الامتثال بواحد لا بعينه وهو موجود في ضمن كل واحد.
الثاني: أن يكون جوابا تحقيقيا فإن الامتثال معناه إما فعل يتضمن مثل المأمور به إذا جعلناه افتعالا من المثل الذي هو الشبه وإما الانتصاب والقيام لأداء المأمور به إذا جعلناه من مثل على وزن ضرب أي انتصب وعلى كلا التقديرين لا يستلزم أن يكون الممتثل به هو الواجب بل أن يكون الواجب يحصل به ولا شك أن الواجب حاصل في هذه الصورة بكل واحد لتضمنه له وقصده فيكون الامتثال بكل واحد وبالمجموع أيضا لتضمنه الواجب وهذا واحد لا بعينه أو يكون الإمتثال بكل واحد وكل واحد واجبا على معنى ما قدمناه عن الفقهاء فيصير جوابا تحقيقيا على المذهبين وفي الوجه الأول هو جواب جدلي على المذهبين.
وقوله: بواحد غير معين ولم يوجد جوابه أن غير المعين له معنيان:
أحدهما: المقيد بقيد عدم التعيين وهذا هو الذي لم يوجد.
(1/88)

والثاني: أخذه لا بقيد عدم التعيين وهذا موجود في ضمن المعين وهو المقصود هنا فقولك ولم يوجد ممنوع وهذا جواب تحقيقي على المعنى المتفق عليه في المذهبين وقوله بواحد معين وهو المطلوب وعللناه بأن ما وقع الامتثال به هو الواجب يتوجه عليه منع لما قدمناه في تفسير الامتثال وقوله عن الثاني يعني الوجوب وصفه معين فيستدعي محلا معينا فإنه يستدعي أحدها لا بعينه كالحرارة وهي معلول معين يستدعي إما الشمس وإما النار فهي علة غير معينة.
واعلم أن المعين يطلق على الشخص وليس هو المراد هنا في الطرفين ويطلق على المعلوم التمييز فإنه له تعين بوجه ما ويطلق على أحدها أيضا أنه يتعين بهذا الاعتبار ويطلق على ما ليس بينه وبين غيره إبهام فأحدها بهذا التفسير غير معين والوجوب معين فلذلك جرى البحث ولا يلزم أن يكون المحل مساويا للحال في ذلك وقوله عن الآخرين يعنى الثواب والعقاب بأنه مستحق ثواب أمور ولا يجوز ترك كلها ولا يجب فعلها يعني ثواب واجبات مخيرة وهو أزيد من ثواب بعضها سواء اقتصر عليه أو ضم إليه نفلا آخر أو نقص من ثواب الواجبات المعينة ولكل منها رتبة من الثواب عند الله تعالى وكذا العقاب إذا تركها يستحق فالعقاب على ترك مجموع أمور كان المكلف مخيرا بين ترك أي واحد شاء منها بشرط فعل الآخر.
وقال بعضهم: في الثواب والعقاب إنه يستحق ثواب الواجب على فعل أكثرها ثوابا ويستحق على الترك عقاب أدونها عقابا فأما ما قاله في العقاب فيظهر اتجاهه وما قاله في الثواب مراده به الثواب على الواجب وما عداه تطوع يثاب عليه ثواب التطوع وبهذا يعلم أن الخلاف في الثواب خلاف في أنه إذا فعل الجميع ما الذي يقع واجبا وحكي القاضي قولا ثالثا أن الذي يقع واجبا هو العتق لأنه أعظم ثوبا لأنه أنفع وأشق على النفس وأرد عليه بأنه قد لا يكون كذلك ويحتمل عندي قول رابع وهو أنه لا يثاب ويعاقب إلا على أحدها لأنه الواجب على قولهم وهذا الخلاف شبيه بالخلاف فيما إذا طول الطمأنينة في الصلاة أو مسح جميع الرأس في الوضوء هل يقع الجميع واجبا أولا ويعلم أن
(1/89)

محل الأقوال الأربعة إذا فعل الجميع أما قيد الفعل فليس إلا ما قدمناه من أحدها والجميع.
"فرع": إذا باع قفيزا من صبرة فالمعقود عليه قفيز لا بعينه يعني القدر المشترك بين أقفزة الصبرة وقالوا إن معناه كل واحد منها على البدل كما قالوا في خصال الكفارة وعندي أنه كعتق الرقبة وقد تقدم تحريره وإذا اختار المشتري واحدا منها لا يقول إنه كان معينا بل يعين فيه إبهامه وكذا إذا دعت المرأة إلى تزويجها من كفؤين زوجت من أحدهما كالمستعدين للإمامة وإذا طلق إحدى امرأتيه أو أعتق إحدى عبديه فهو كخصال الكفارة سواء والاختصاص للطلاق والعتق بواحد معين فإذا اختار تعين ما يختاره.
(1/90)

تذنيب
"الحكم قد يتعين على الترتيب فيحرم الجمع كأكل المذكى والميتة أو يباح كالوضوء والتيمم أو يسن ككفارة الصوم"
التذنيب: من قولهم الرجل عمامته إذا أفضل منها شيئا فأرخاه كالمذنب وذنبت البسرة بدأ فيها الإرطاب من قبل ذنبها فالتذنيب هنا معناه تتمة للمسألة وليس فرعا منها لأنها في المخير وهو في المرتب ولكن التخيير والترتيب اشتركا في أن كلا منهما حكم يتعلق بأمور فإباحة الميتة مرتبة على إباحة المضطر ويحرم الجمع بينهما الاضطرار المبيح الميتة ووجوب التميم وإباحته مرتب على الوضوء لاختصاصه بحالة العجز وقال المصنف إنه يباح الجمع بينهما وكذا في المحصول وغيره وكنت أصور هذا للطلبة بما إذا خاف من استعمال الماء لمرض ولم ينته خوفه إلى أن يظن المانع من جواز استعمال الماء فإنه يباح له التيمم لأجل الخوف ولا يمتنع الوضوء لعدم تحقق الضرر فإذا تيمم صح تيممه فإذا أراد أن يتوضأ بعد ذلك جاز كما قيل في قوله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} وإذا جعلناه خطابا لمن يمكنه الصوم ولا يطيقه كالشيخ الكبير فيجوز له الفطر والفدية ولو حمل على نفسه وصام كان خيرا له ولا يقال فكان على قياس هذا أن يسن الجمع لأن الوضوء أفضل لأنا نقول صحيح إن الوضوء أفضل لكن كلامه في الجمع وهو يحصل بإضافة التيمم إليه وليس بأفضل بل هو مباح وهذا التصوير على حسنه يخدش فيه شيء واحد وهو أنه إذا توضأ بطل التيمم فإنها طهارة ضرورة ولا ضرورة هنا فلم يجمع الوضوء والتيمم وإذا لم يكن اجتماعهما لا يوصف بالإباحة ولا بغيرها.
قوله: ككفارة الصوم يعني ككفارة الوقاع في صوم رمضان يجب به الإعتاق
(1/91)

فإن لم يجد فالصيام فإن لم يجد فالإطعام وكذا كفارة الظهار ولو مثل بها المصنف كان أحسن للنص عليها في القرآن وكفارة والوقاع قال بالتخيير فيها يمكن حمل كلام المصنف على الصوم في كفارة اليمين فإنه مرتب على الخصال الثلاث المخير فيها وأيا ما كان فالحكم بأن الجمع سنة يحتاج إلى دليل ولا أعلمه ولم أر أحدا من الفقهاء صرح باستحباب الجمع وإنما الأصوليون ذكروه ويحتاجون إلى دليل عليه ولعال مرادهم الورع والإحتياط بتكثير أسباب براءة الذمة كما أعتقت عائشة رضي الله عنها عن نذرها في كلام ابن الزبير رقابا كثيرة وكانت تبكي حتى تبل دموعها خمارها.
وهذه الأقسام الثلاثة التي ذكرها المصنف في المرتب ولعلهم أيضا لم يريدوا أن الجمع قبل فعله مطلوب بل إذا وقع كان بعضه فرضا وبعضه ندبا وعبارة القاضي تقتضي هذا ويكون هذا من باب النوافل المطلقة ومثل القاضي بالمسح والغسل أيضا فإن أراد مسح الخف فالقول بأنه إذا فعله بعد غسل الرجل يكون مندوبا في غاية البعد وإذا كفرنا بالعتق صار بنية الكفارة ينبغي أن يأتي فيه الخلاف المشهور في أنه إذا بطل الخصوص هل يبطل العموم وهذه الأقسام الثلاثة التي ذكرها المصنف في المرتب ذكر في المحصول مثلها في المخير أيضا ومثل المحرم بتزويج المرأة من كفؤين والمباح بستر العورة بثوب بعد ثوب المندوب بالجمع بين خصال كفارة الحنث وحكمه بندب الجمع في خصال كفارة اليمين يحتاج إلى دليل كما قدمناه وتمثيله المخير بالتزويج من كفؤين والستر بثوبين مبني على ما سبق منه ومن غيره.
وعندي أن الواجب القدر المشترك كما سبق لكن التمثيل صحيح فيه أيضا.
(1/92)

المسألة الثانية: الوجب الموسع والمضيق
...
المسألة الثانية في الواجب الموسع والمضيق
"الثانية: الوجوب إن تعلق بوقت فإما إن يساوي الفعل كصوم رمضان وهو المضيق أو ينقص عنه فيمنعه من يمنع التكليف بالمحال إلا لغرض القضاء كوجوب الظهر على الزائل عذره وقد بقي قدر تكبيرة أو يزيد عليه فيقتضي إيقاع الفعل في جزء من أجزائه لعدم أولوية البعض وقال المتكلمون يجوز تركه في الأول بشرط العزم وإلا لجاز ترك الواجب بلا بدل ورد بأن العزم لو صح بدلا لتأدى الواجب به وبأنه لو وجب العزم في الجزء الثاني لتعدد البدل والمبدل واحد ومنا من قال يختص بالأول وفي الآخر قضاء وقالت الحنفية يختص بالآخر وفي الأول تعجيل وقال الكرخي1 الآتي في الأول إن بقي على صفة الوجوب يكون ما فعله واجبا احتجوا بأنه لو وجب في أول الوقت لم يجز تركه قلنا المكلف مخير بين أدائه في أي جزء من أجزائه".
كما أن الواجب ينقسم إلى معين ومخير كذلك ينقسم إلى مضيق وموسع والمضيق والموسع بالحقيقة هو الوقت ويوصف به الواجب والوجوب مجازا ومقصوده بالواجب الفعل الواجب إن زاد وقته على قدره فهو الموسع وإلا فهو المضيق وعلى هذا قسمان:
أحدهما: أن يساويه فيجوز التكليف به وقد وقع كصوم نهار رمضان لا يزيد الزمان على الواجب ولا الواجب على الزمان.
__________
1 هو: أو الحسن، عبيد الله بن الحسين الكرخي، انتهت إليه رئاسة الحنفية بعد أبي حازم، وأبي سعيد البردعي. من مصنفاته: المختصر. والجامع الكبير والصغير.
توفي سنة 340هـ تاج التراجم ص114.
(1/93)

والثاني: أن ينقص الوقت عن الفعل فإن كان الغرض من ذلك وقوع الفعل جميعه في الزمان الذي لا يسعه فلم يقع هذا في الشريعة وهو تكليف ما لا يطاق يجوزه من جوزه ويمنعه من منعه وإن كان الغرض أن يبتدئ في ذلك الوقت ويتمه بعد ذلك أو يثبت في ذمته ويفعله كله بعد ذلك فهذا جائز وواقع بينهما فيما لو أسلم الكافر أو أفاق المجنون أو بلغ الصبي أو طهرت الحائض وقد بقي من الوقت مقدار ركعة ووسع ما بعده بقيتها فإن تلك الصلاة تجب وكذا إذا بقي مقدار تكبيرة على أصح القولين كالركعة وهذا يطرد في الصلوات الخمس وإذا كان كذلك في آخر وقت صلاة يجمع ما قبلها معها كالعصر والعشاء فتجب الأولى أيضا فيها الظهر والمغرب وكذلك مثل المصنف بالظهر وأطلق القضاء حتى يشتمل وقت الضرورة وهو وقت العصر بالنسبة إليها.
والضمير في قول المصنف يساوي وينقص ويزيد للوقت وفي قوله وهو تصح إعادته للوقت والوجوب وللواجب وهو مقصوده على ما سبق.
وقوله: لغرض كأنه بنى على قول من يقول إن الصلاة إذا وقع بعضها خارج الوقت يكون قضاء أما كلها وإما الخارج عنها والصحيح من مذهب الشافعي أنه متى وقع ركعة منها في الوقت فالكل أداء ولم يقل بأن وقت الصبح مثلا يخرج بطلوع الشمس مطلقا بل قال إن طلعت الشمس ولم يصل منها ركعة فقد خرج وقتها واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" 1 وقليل من الفقهاء اليوم من يحرر هذا بل يعتقد أن الحكم بالأداء يجعل ما بعد الوقت تابعا للركعة الواقعة في الوقت مع
__________
1 رواه البخاري بمعناه. وروى الجماعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة".
وهذا يشمل جميع الصلوات.
وللبخاري: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته".
والمراد بالسجدة الركعة، لأن السجود هو تمام الركعة.
(1/94)

خروج الوقت ولو حمل كلام المصنف على القضاء اللغوي انتفى عنه هذا الاعتراض.
وقوله: للظهر قد بينا أنه لا اختصاص لهذا الحكم بها وقوله الزائل عذره مستنده تسمية الفقهاء الأشياء المذكورة أعذارا وإن كان الفكر ليس بعذر وقوله تكبيرة بناء على الأصح.
وقوله: فيقتضي من هنا إلى آخر الكلام في حكم الواجب الموسع.
واعلم أن الناس اختلفوا فمنهم من اعترف به ومنهم من أنكره أما المعترفون به فجمهور الفقهاء وجمهور المتكلمين من الأشعرية ومن المعتزلة وهؤلاء المعترفون اختلفوا في جواز تركه أول الوقت بلا بدل مع اتفاقهم على أنه يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء كان فجمهور الفقهاء قالوا بجواز تركه في أوله بلا بدل ولا يعصى حتى يخلو الوقت كله عنده وهذا الذي قدمه المصنف وجمهور المتكلمين قالوا لا يجوز تركه إلا ببدل واتفقوا على أن ذلك البدل هو العزم فإذا تضيق الوقت تعين الفعل ونصر القاضي هذا القول ورده الإمام وغيره بأن العزم لو صلح بدلا لتأدى الواجب به وفي هذا الرد نظر لأن لهم أن يقولوا هو بدل عن فعله في أول الوقت لا عن فعله مطلقا إلا أن ذلك يعكر عليهم لأن فعله في أول الوقت لخصومه ليس بواجب فلا يحتاج تركه فيه إلى بدل فالجواب المحرر أن يقال إما أن يكون الفعل في الأول واجبا أولا إن لم يكن فلا حاجة إلى البدل وإن كان فإما أن يكون كل الواجب أولا إن كان فيتأدى ببدله وإلا فيلزم أن يكون واجبان ولا دليل عليه.
وقوله: لو وجب العزم في الجزء الثاني لتعدد البدل والمبدل واحد ممنوع أن المبدل واحد لأن العزم في الجزء الأول بدل عن الفعل في الجزء الأول والعزم في الجزء الثاني بدل عن الفعل في الجزء الثاني فالبدل متعدد والمبدل متعدد وإنما الوجوب ما ذكرناه وهنا فرغ الكلام على الفرق المعترفين بالواجب الموسع وأما المنكرون له فقد تضمنهم قوله: ومنا إلى آخره وجميعهم ثلاث طوائف وزاد غيره رابعة وفرقة خامسة قالوا يختص بالأول فإن فعله فيه كان أداء وإن أخره وفعله في آخر الوقت كان قضاء وهذا القول نسب إلى
(1/95)

بعض أصحابنا وقد كثر سؤال الناس من الشافعية عنه فلم يعرفوه ولا يوجد في شيء من كتب المذهب ولى حين من الدهر أظن أن الوهم سرى إلى ناقله من قول أصحابنا إن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا.
وقول بعضهم تجب في أول الوقت وينصبون الخلاف في ذلك مع الحنفية وقولهم إنما يجب بآخره وقصد أصحابنا بقولهم تجب الصلاة في أول الوقت كون الوجوب في أول الوقت لا كون الصلاة في أول الوقت واجبة فحصل الالتباس في العبارة ومتعلق الجار والمجرور ثم وقفت في الأم في كتاب الحج في ذلك الجزء الخامس. قال الشافعي: ذهب بعض أهل الكلام أن فرض الحج على المستطيع إذا لزمه في وقت يمكنه فتركه في أول ما يمكنه كان آثما1 كمن ترك الصلاة حتى ذهب الوقت ويجزئه حجة بعد أول سنة من مقدرته قضاء كالصلاة بعد ذهاب الوقت ثم أفادنا بعضهم ذلك في الصلاة إذا دخل وقتها الأول فتركها وإن صلاها في الوقت وفيما نذر من صوم أو وجب عليه بكفارة أو قضاء فقال فيه كله متى أمكنه فأخره فهو عاص بتأخيره ثم قال في المرأة يجبر أبوها وزوجها على تركها لهذا المعنى وقاله معه غيره ممن يفتي انتهى.
فقد ثبت بنقل الشافعي هذا المذهب عن غيره فلعل بعض الناس نقل ذلك عن نقل الشافعي فالتبس ذلك على بعده وظن أنه من مذهب الشافعي وعلى كل تقدير لايخرج نقله عن أصحابنا عن الوهم ثم ظاهر كلام الشافعي كما ترى أن القائل به يقول بالإثم والعصيان بالتأخير عن أول الوقت والقاضي أبو بكر نقل إجماع الأمة على أن المكلف لا يأثم بتأخيره عن أول الوقت ولذلك قال بعضهم إنه في آخر الوقت يسد مسد الأداء وما نقله الشافعي أثبت وأولى وينبغي إسقاط هذه اللفظة والإقتصار على قوله قضاء كما فعل المصنف وعدم نسبة ذلك إلى بعض أصحابنا بل ينقله قولا مطلقا كما نقله القاضي قولا مطلقا.
ولم يرد المصنف على هذا القول ووجه الرد عليه عدم دلالة الأمر المطلق
__________
1 في هامش الطبعة الأولى "ونقل المصنف عن شارح المنهاج للنووي عن القاضي أبي الطيب الطبري الإجماع على أن الحج يقع أداء، ونقل الشافعي رحمه الله تعالى – ينازع فيه" راجع الجزء الأول ص63 من الطبعة الأولى.
(1/96)

على الفور مع ظهور الأدلة من الكتاب وسير السلف على جواز التأخير إلى أثناء وقت الصلاة.
الفرقة الثانية الحنفية:
قالوا يختص بالآخر وفي الأول تعجيل يسقط الفرض به أو نفل يمنع من الوجوب على اختلاف عنهم في المنقول.
الثالثة: مقالة الكرخي:
المقالة الرابعة: حكيت عن الكرخي أن الواجب يعين بالفعل في أي وقت كان.
المقالة الخامسة: أن الوجوب يختص بالجزء الذي يتصل الأداء به وإلا فآخر الوقت الذي يسع الفعل ولا يفضل عنه وهذا هو المشهور عند الحنفية لأن سبب الوجوب عندهم كل جزء من الوقت على البدل إن اتصل به الأداء وإلا فآخره وإنما عدت هذه الفرقة من المنكرين للواجب الموسع مع قولهم إن الصلاة مهما أديت في الوقت كانت واجبة لأنهم لم يجوزوا أن يكون الوقت فاضلا عن الفعل وقول المصنف احتجوا أي الحنفية ومن قال قريبا من قولهم كالكرخي وبقية المقالات التي حكيناها.
وقولهم: وجب في أول الوقت فيه ما نبهنا عليه من الإلباس لأن فيه معنيين:
أحدهما: لو وجب في أول الوقت فعله في أول الوقت وهذا هو الذي قصدوه وقولهم مع ذلك لم يجز تركه يمكن منعه على مذهب المتكلمين لأن الواجب لا يجوز تركه وترك بدله أما تركه وحده مع الإتيان ببدله فجائز ويمكن تسليمه ولا يضرنا.
والمعنى الثاني: لو وجد في أول الوقت فعله في أي جزء كان وهذا مقصودنا ومع هذا لا يصح قولهم لم يجز تركه في أول الوقت لأن الذي لا
(1/97)

يجوز تركه هو الواجب وفعله أول الوقت ليس بواجب والواجب هو الفعل في أي جزء كان وهذا يجوز تركه وهذا معنى قول المصنف قلنا المكلف بخير.
فائدة: قول المصنف إن تعلق بوقت يحتمل أن يريد به أن تعلق الوقت على سبيل القصد كما فسرنا العبارة المؤقتة به فيما سبق ويحترز به عما لا يكون لذلك فلا يقال فيه ينقسم إلى مضيق وموسع وإن كان يلزمه الوقت لأن الفعل لا بد له من وقت وعلى هذا الواجب على الفور الذي لم ينص على وقته لا يقال فيه موسع ويحتمل أن يريد أنه متى تعين وقته سواء كان تعيينه بالنص عليه أم بدلالة الأمر عند من يراه فينقسم إلى مضيق وموسع ويكون كل واجب مضيقا أو موسعا فما كان للتراخي فهو موسع بلا إشكال وما كان للفور ليس بموسع والحج من قال بفوريته إن أطلق يلزمه ذلك وإن أراد إيقاعه في السنة الأولى من سني الإمكان يصير أشهر الحج من تلك السنة بالسنة إلى ابتدائه كالوقت الموسع لكن ينبغي أن يعذر في التأخير إلى آخرها لأنه مغيا بيوم عرفة وأما التوسعة فيما بعد السنة الأولى فلا وجه لها مع القول بالفور.
فرع: الموسع قد يسعه العمر كالحج وقضاء الفائت فله التأخير ما لم يتوقع فواته إن أخر لكبر أو مرض إذا أثبتنا الواجب الموسع فقد يكون وقته محدودا بغاية تعلق به كالصلاة وقد يكون مدة العمر كالحج وقضاء الفائت حيث قلنا بأنه على التراخي وهو إذا فات يعذر على الصحيح دون الفائت بغير عذر فإنه على الفور على الصحيح عندهم وهذكا فصلوا في الكفارات بين ما سببها معصية وغيرها وحيث جوزنا التأخير في ذلك وفي النذور مدة العمر فإن حكمنا بأنه لا يعصى إذا مات لم يتحقق معنى الوجوب وإن قلنا يضيق عليه عند الانتهاء إلى غاية معينة من غير دليل لزم تكليف ما لا يطاق كذا في المحصول قال فلم يبق إلا أن نقول يجوز له التأخير بشرط أن يغلب على ظنه أنه يبقى سواء بقي أم لا وإذا ظنه أنه لايبقى عصى بالتأخير سواء مات أم لا وهذا الذي قاله قول والصحيح أنه إذا مات عصى سواء غلب على ظنه قبل ذلك البقاء أم لا ولا يلزم التكليف بما لا يطاق لأنه كان يمكنه المبادرة فالتمكن موجود وجواز التأخير بشرط سلامة العاقبة وتبين خلافه فتبين عدم الجواز
(1/98)

والوجوب تحقق مع التمكن فيقضى والفرق بينه وبين ما إذا مات في أثناء وقت الصلاة فإنه لا يعصى على الصحيح بأن الموت خرج وقت الحج وبالموت في أثناء وقت الصلاة لم يخرج وقتها ونظير الحج أن يفوت آخر وقت الصلاة فإنه يعصى بخروج الوقت وقول المصنف فله التأخير على رأي الإمام ظاهرا وباطنا وعلى رأينا ظاهرا فقط والباطن مجهول الحال ولا يلزم تكليف ما لا يطاق لما قلناه.
وقوله ما لم يتوقع يعني فواته يعني فلا يجوز التأخير كما قدمناه عن الإمام وعبارة الإمام إذا غلب ظنه وهو صحيح وأما التوقع فلا يلزم منه الظن بل قد يحصل خوف فقط من غير غلبة ظن كما قدمناه في الكلام على الواجب المخير والمرتب فكان الصواب أن يقول المصنف ما لم يظن فواته وإن أخر وهي الحالة التي قدمها في الصلاة أنه إذا غلب على ظنه أنه لا يعيش إلى آخر الوقت تضيق عليه فصار الموسع بالعمر يعصى فيه شيئين:
أحدهما: الموت على الصحيح.
والثاني: التأخير عن وقت يظن فوته بعده والموسع بما دون العمر يعصى فيه لشيئين:
أحدهما: خروج وقته.
والثاني: تأخيره عن وقت يظن فوته بعده كالموسع بالعمر ومن القضاء ما لا يجوز تأخيره مدة العمر كقضاء رمضان لا يجوز تأخيره حتى يجيء رمضان آخر فهو بالنسبة إلى المعصية بالتأخير كالصلاة وبالنسبة إلى عدم فواته كالحج.
(1/99)

المسألة الثالثة: الوجب العيني والواجب الكفائي
...
المسألة الثالثة في الواجب العيني والواجب الكفائي
"الثالثة: الوجوب إن تناول كل واحد كالصلوات الخمس أو أحدا معينا كالتهجد فيسمى فرض عين أو غير معين كالجهاد يسمى فرضا على الكفاية فإن ظن كل طائفة أن غيره فعل سقط عن الكل وإن ظن أنه لم يفعل وجب" قيل إن الوجوب على الكفاية مخالف بالحقيقة للوجوب على الأعيان وأن اسم الوجوب صادق عليهما بالاشتراك المعنوي وزعم بعضهم أن المخاطب بفرض الكفاية طائفة لا بعينها وهو ظاهر قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} والصحيح أن المخاطب به الجميع لتعذر خطاب المجهول بخلاف خطاب المعين بالشيء المجهول فإنه يمكن كالكفارة وإنما يفترق فرض الكفاية وفرض العين في أن فرض الكفاية المقصود منه تحصيل مصلحته من غير نظر إلى فاعله وفي تحقيقه ثلاثة معان:
أحدها: أن كل مكلف يخاطب بالجهاد مثلا فإن قام به طائفة سقط عن الباقين رخصة وتخفيفا ولحصول المقصود.
والثاني: أن كل مكلف مخاطب به إن لم يقم غيره به وعلى هذا إذا قام غيره به تبين أنه لم يكن مخاطبا ليس أنه خوطب ثم سقط.
والثالث: أن كل مكلف غير مخاطب به ومجموعهم مخاطبون بأن يكون من بينهم طائفة تقوم بهذا الفعل ولا يقال يلزم أن يكون الشخص مكلفا بفعل غيره لأنا نقول كلفوا بما هو أعم من فعلهم وفعل غيرهم وذلك مقدور تحصيله منهم ولأنهم قادرون أن يخرجوا طائفة منهم لذلك وفرض العين المقصود منه
(1/100)

امتحان كل واحد بما خوطب به لحصول ذلك الفعل منه بنفسه لا يقوم غيره مقامه وقد يكون من فرائض الأعيان على جماعة ما يشترط في فعل غيره كالجمعة لا تصح إلا من جماعة وصارت الواجبات ثلاثة:
أحدها: ما يجب على الشخص ويسقط بفعل غيره وهو فرض الكفاية.
والثاني: ما لا يعتبر معه غيره أصلا.
والثالث: ما يعتبر في الأداء وكلاهما فرض العين ولا يسقط بفعل الغير.
إذا عرفت هذا فنقول إن قوله: إن تناول كل واحد فيسمى فرض عين لك أن تعترض عليه فيه لما علمت أن فرض الكفاية كذلك على الصحيح وتعتذر عنه بأنه استغنى بالمثال بالصلوات الخمس.
وقوله: أو واحدا معينا كالتهجد قاله جماعة غيره وهو تفريغ على أن التهجد كان واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده وأن ذلك من خصائصه وهذا وإن كان مشهورا عند أكثر المتأخرين من الشافعية فالصحيح الذي نص عليه الشافعي خلافه وأن وجوب التهجد منسوخ عنه صلى الله عليه وسلم وعن غيره وحين كان واجبا كان عليه وعلى غيره وقد اختص النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب أشياء لا خلاف فيها منها التخيير لنسائه وغيره وقوله أو غير معين إنما يتم عند من يرى أن فرض الكفاية ليس على الجميع وقد بينا أن الصحيح خلافه.
ثم إن كل ما يتناول المعين يتناول غير المعين لدخوله في المعين فالعبارة المحررة أن تقول ويراد بالقصد ما قدمناه من مقصود فرض الكفاية أما إذا أريد معنى خوطب فلا يصح أيضا لما بينا أن الخطاب فيهما للجميع وقوله فإن ظن إلى آخره قاله الإمام مستدلا بأن تحصيل العلم بأن الغير هل فعل أولا غير ممكن إنما الممكن تحصيل الظن ولك أن تقول الوجوب على الكل معلوم فلا يسقط إلا بالعلم وليس فيه تكلف بما لا يمكن لأن الفعل يمكن فيه حصول العلم ثم قولهم إنه يسقط بفعل البعض يوهم أن فعل غيرهم بعد ذلك يقع نفلا وليس كذلك فإن كل من جاهد أو طلب يقع فعله
(1/101)

فرضا وإن كان فيمن سبقه كفاية وكذا إذا صلى على الجنازة ظائفة ثم طائفة وقع فعل الثانية فرضا كالأولى هذا تحقيق أن الخطاب للجميع وإنما يسقط الإثم بفعل من فيه كفاية رخصة وتخفيفا.
وقول المصنف: فإن ظن كل طائفة أن غيره إما أن يكون ذكر على لفظ كل أو على معنى طائفة وأنها تطلق على الواحد فإن كان الأول فالذي أجمع عليه النحاة أن لفظ كل إذا أضيف إلى نكرة وجب مراعاة المضاف إليه وإن كان الثاني فالحق أن معنى طائفة لا يكون للواحد لأنها مأخوذة من معنى الطواف والإحاطة وذلك لا يكون بالواحد ولو سلم صدقها على الواحد فلا اختصاص فيه بل يصدق على الجمع كما يصدق على الواحد فلا وجه للتذكير إلا إذا أريد الواحد وليس هو المراد هنا فكان التأنيث في هذا المكان أولى.
(1/102)

المسألة الرابعة: مقدمة الواجب
...
المسألة الرابعة في مقدمة الواجب
"الرابعة وجوب الشيء مطلقا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به وكان مقدورا" قوله مطلقا احتراز من الوجوب المقيد بشرط كالزكاة وجوبها متوقف على النصاب ولا يجب تحصيله وجوبها متوقف على الجماعة والإقامة ولا يجب تحصيلهما وهذا متفق عليه وقوله وكان مقدورا احتراز من قدرة العبد على الفعل وداعيته المخلوقتين لله تعالى لا تتم الواجبات المطلقة عليه وغيرها إلا بهما ولا يجب تحصيلهما ولا يتوقف الوجوب عليهما وجملة ما يتوقف عليه الفعل إما أن يكون من فعل الله أو فعل العبد وكل منهما إما أن يتوقف عليه الوجوب أو لا فالذي من فعل الله يتوقف عليه الوجوب كالعقل وسلامة الأعضاء التي بها الفعل والذي لا يتوقف عليه الوجوب كخلق قدرة العبد وداعيته والذي من فعل العبد ويتوقف عليه الوجوب كما سبق والذي لا يتوقف عليه الوجوب إما أن يكون مقدورا أو لا فغير المقدور لا يتحقق معه وجوب الفعل إلا على القول بتكليف ما لا يطاق وحينئذ يصح وجوب غير المقدور مما يتوقف عليه الواجب فلا يصح اشتراط كونه مقدورا لذلك لم أر مثالا يصح اجتماع الوجوب معه إلا القدرة الداعية ورأيت جماعة خبطوا في ذلك وقولنا ما لا يتم الشيء إلا به يشمل بالوضع ثلاثة أشياء الجزء والسبب والشرط لكن الجزء ليس مرادا هنا لأن الأمر بالكل أمر به تضمنا ولا تردد في ذلك وإنما المراد السبب والشرط وأن الأمر بالشيء هل يستلزم الأمر بسببه أو شرطه أو لا ولذلك عبر بعضهم بالمقدمة والمقدمة خارجة عن الشيء مقدمة عليه بخلاف الجزء فإنه داخل فيه والمختار وجوب السبب والشرط كما ذكر المصنف.
والجزء إذا لم يكن مقدورا سقط وجوبه إذا لم نقل بتكليف ما لا يطاق من
(1/103)

ضرورة ذلك عدم وجوب الكل حينئذ لكن بقي وجوب ما سواه من الأجزاء لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
وهذا آخر ما كتبه الشيخ الإمام العلامة المجتهد شيخ الإسلام والمسلمين تقي الدين بقية المجتهدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الشافعي رحمه الله ورحم أموات المسلمين وتممه ولده قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب فسح الله في مدته ونفع به آمين.
(1/104)

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين رب يسر قال سيدنا ومولانا الشيخ الإمام العلامة الأوحد البارع الحافظ شيخ الإسلام مفتي الأنام قدوة الأئمة حبر الأمة ناصر السنة قامع البدعة علامة العلماء وارث الأنبياء فريد دهره ووحيد عصره قاضي القضاة تاج الدين ابت سيدنا ومولانا قاضي القضاة أوحد العلماء العاملين آخر المجتهدين تقي الدين أبي الحسن السبكي الشافعي متع الله بحياته المسلمين وأيده وأمده بعونه وأدام النفع به آمين.
الحمد لله رب العالمين الحمد لله الذي جعل لنا من هذا الدين القيم شرعة ومنهاجا ووأطلع لنا في سماء العلم الشريف من الكتاب والسنة سراجا وهاجا وقدر للفقيه أن يكون على الإجماع محتالا وإلى القياس محتاجا نحمده على نعمه التي خصنا بعمومها ورجحنا على من سوانا بأدلة مفهومها واستوعب لنا ما وجد منها عند سبرها وتقسيمها ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ظاهرة غير مؤولة دائمة نستصحب أحكاما غير مبدلة نامية الثواب يوم المعاد فلا يحتاج إلى بيان أحكامها المجملة ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي نسخ شرع من قبله بشرعه المؤيد وأمر ونهى فأوجب وندب وحرم وأباح وأطلق وقيد واجتهد في إبلاغ ما أمر به فذب العقل عن فعل ما قرره وشيد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه الذين فهموا خطاب وضعه وقاموا بشرائط دينه وعلموا أدلة شرعه واتبعوه فما منهم إلا من قال بموجب أصله وفرعه صلاة تصل أخبارها إليهم بكرة وعشيا وتفد أجناسها المتنوعة بفصولها المتميزة عليهم فتسلك صراطا سويا وتخلص فتخلص قائلها من الأهوال يوم يموت ويوم يبعث حيا دائمة ما افتقر فرع إلى الرجوع إلى أصله واحتاج المجادل إلى تجويد نصه كما يحتاج المجالد إلى تجريد نصله باقية لا ينعكس طردها ولا يشتبه محكمها
(1/105)

بترهات الملحد وزخرف قوله: ورضي الله عن التابعين لهم بإحسان المقتفين آثارهم الحسان وخص بمزيد الرضوان العلماء الحامين حمى الشريعة أن يضام أو يضاع الوارثين بالدرجة الرفيعة هدى النبوة الذي لا يرام ولا يراع الوافدين على حياطته بالهمة الشريفة حتى لا ينفك أو يشان ويشاع لا سيما الإمام المطلبي مستخرج علم أصول الفقه محمد بن إدريس الشافعي الذي ساد المجتهدين بما أصل وأنشأ وسار نبأ مجده والبرق وراءه يتحرق عجله وهو أمامه على مهل يتمشى وساق إلى سواء السبيل بعلومه التي غشاها من تقوى الله ما غشى وقدس أرواح أصحابه الذين زينوا أسماء العلوم من أنفسهم بزينة الكواكب وهاموا باتباع مذهبه المذهب وللناس فيما يعشقون مذاهب.
وذادوا عن بيان ما أجمله وإيضاح ما أشكله والعلوم عطايا من الله ومواهب رضا يتكفل بنجاة كل منهم ونجاحه ويمر بروض الإيمان فيتعطر بأنفاسه رياحه ويفخر عقد الجوزاء إذا كان درة في وشاحه.
أما بعد فإن العلوم وإن كانت تتعالى شرفا وتطلع في افق الفخار من كواكبها شرفا فلا مرية في أن الفقه نتيجة مقدماتها وغاية نهاياتها وواسطة عقدها ورابطة حلها وعقدها به يعرف الحرام من الحلال وتستبين مصابيح الهدى من ظلام الضلال وهيهات أن يتوصل طالب وإن جد المسير إليه أو يتحصل بعد الإعيا والنصب عليه إلا بعد العلم بأصول الفقه والمعرفة والنهاية فيه فإنه صفته وكيف يفارق الموصوف الصفة وقد نظرنا فلم نر مختصرا أعذب لفظا وأسهل حفظا وأجدر بالاعتناء وأجمع لمجامع الثناء من كتاب منهاج الوصول إلى علم الأصول للشيخ الإمام العالم العلامة قاضي القضاة ناصر الدين البيضاوي بيض الله وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وروض تربته بغمام الغفران حتى يأتي يوم القيامة وما ثلم جانبه ولا فض فوه فإنه موضوع على أحسن منهاج محمول على الأعين وليس له منها من هاج بعبارة أعذب من ماء السحاب وألعب من ابنة الكرم بعقول أولي الألباب آل فضل البلاغة إليه وآلى فضل الخطاب ألا يتمثل إلا بين يديه وقد رأيت شراحه على كثرتهم مالوا إلى الإيجاز وقالوا وكأنما ضاق بهم الفضاء الواسع فعد مقالهم
(1/106)

في الألغاز قنع كل منهم بحاجة في نفسه من اسم التصنيف قضاها وجمع نفسه على ما شف به سجل الكتاب من تقارير إذ أنصف من نفسه لا يرضاها فشروحهم تحتاج إلى من يشرحها وكلماتهم تريد بسطة في العلم والجسم توضحها.
وقد كان الشيخ الإمام والدي رحمه الله شرع في وضع شرح عليه أبهى وأبهج من الوشي المرقوم وأسرى وأسرع إلى الهداية من طوالع النجوم عديد شهب لائحه ورسل سحب سائحه وسماه علم يهتدى بكوكبه وعلاء قدر أخذ بلمة الفخر ولم يزاحمه بمنكبه لا تنقشع عارضته ولا نتوقع معارضته خضعت رقاب المعاني لكلامه وخشعت الأصوات وقد رأته جاوز الجوزاء وما رضيها دار مقامه لكنه أحسن الله إليه ما غاص في بحره إلى القرار ولا أوصل هلاله إلى ليلة البدار بل أضرب عنه صفحا بعد لأي قريب وتركه طرحا وهو الدر اليتيم بين إخوانه كالغريب وقد حدثتني النفس بالتذييل على هذه القطعة وأحاديث النفس كثيرة وأمرتني الأمارة بالتكميل عليها ولكني استصغرتها عن هذه الكبيرة وقلت للقلم أين تذهب وللفكر أين تجول أطنب لسانك أم أسهب ووقفت وقفة العاجز والنفس تأبى إلا المبادرة بما به أشارت وجرت على تيارها منادية أئت بما أمرتك بما استطعت وتوارى اللسان وما توارت فلما تعارض المانع والمقتضى وعلمت أن الحال إذا حاولت مجهودها قام لها العذر الواضح فيما استقبلته ومضى أي مضى أعلمت الفكرة في الدجنة والوجه والليل كلاهما كالح وشرعت فيه وقلت لعل الغرض يتم ببركته وبقصده الصالح وجردت همة ما ورد رائدها إلا وقد سئم من النشاط ولا أغمد مهندها إلا وقد ترك ألف طريح على البساط ولا عاد نصلها إلا وقد قضى المأمول ولا فترت عزائمها إلا وقد حصلت على نهاية السول وأعلمنا هذه الهمة في مدلهم الديجور وصرفنا قلمها بشهادة النجوم وفلكها يدور فلم تنشب ليالي أسبلت جلبابها وأرخت نقابها معدودة ساعاتها ممدودة بالألطاف الخفية أوقاتها إلى أن انهزمت تلك الليالي ودارت الدائرة عليها وجاء من النسيم العليل بشير الصبح متقدما بين يديها فوافى الصباح بكل معنى مبتكر وجلا عرائس بدائعه فشنف السمع وشرف البصر وجاء كتابا ساطعا نور شمسه وشمس السماء في غروب طالعا
(1/107)

في أفق الفخار على أحسن أسلوب جائزا لما يراد منه في كل طريقه جائزا حقا على مقالات المتقدمين والمتأخرين وحسبك بمن مجازه حقيقة فأسأل الله تعالى أن يعم النفع به وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم موجبا للفوز لديه وقد وصل والدي الشيخ الإمام جزاه الله الخير إلى مسألة مقدمة الواجب ونحن نتلوه والله الموفق المعين بخفي ألطافه والمحقق لرجاء العبد بإسعاده وإسعافه.
(1/108)

قال المصنف رحمه الله
"الرابعة وجوب الشيء مطلقا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به وكان مقدورا".
قال والدي تغمده الله برحمته قوله مطلقا احتراز من الوجوب المقيد كشرط الزكاة وجوبها متوقف على النصاب ولا يجب تحصيله والجمعة وجوبها متوقف على الجماعة والاقامة في بلد ولا يجب تحصيلهما وهذا متفق عليه وقوله: "وكان مقدورا" احتراز من قدرة العبد على الفعل وداعيته المخلوقتين لله تعالى لا تتم الواجبات المطلقة عليه كالصلاة وغيرها إلا بهما ولا يجب تحصيلهما ولا يتوقف الوجوب عليهما وجملة ما يتوقف عليه الفعل اما أن يكون من فعل الله تعالى أو فعل العبد وكل منهما إما أن يتوقف عليه الوجوب اولا فالذي من فعل الله تعالى ويتوقف عليه الوجوب كالعقل وسلامة الأعضاء التي بها الفعل والذي لا يتوقف عليه الوجوب خلق قدرة العبد وداعيته والذي من فعل العبد ويتوقف عليه الوجوب أما أن يكون مقدورا أولا فغير المقدور لا يتحقق معه وجوب الفعل إلا على القول بتكليف ما لا يطاق وحينئذ يصح وجوب غير المقدور مما يتوقف عليه الواجب فلا يصح اشتراط كونه مقدورا فلذلك لم أر مثالا يصح اجتماع الوجوب معه إلا القدرة والداعية ورأيت جماعة خطبوا في ذلك.
وقولنا: ما لا يتم الشيء إلا به يشمل بالوضع ثلاثة أشياء الجزء والسبب والشرط لكن الجزء ليس مرادا هنا لأن الأمر بالكل أمر به تضمنا ولا تردد في ذلك وإنما المراد السبب والشرط وأن الأمر بالشيء هل يستلزم الأمر بسببه أو شرطه أو لا ولذلك عبر بعضهم عنه بالمقدمة والمقدمة خارجة عن الشيء
(1/109)

متقدمة عليه بخلاف الجزء فانه داخل فيه والمختار وجوب السبب والشرط كما ذكره المصنف والجزء إذا لم يكن مقدورا سقط وجوبه إذا لم نقل بتكليف ما لا يطاق ومن ضرورة ذلك عدم وجوب الكل حينئذ لكن يبقى وجوب ما سواه من الأجزاء لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 1.
قلت: هذا ما وقف عنده والدي الشيخ الإمام تغمده الله برحمته ورضوانه ومن هنا أبتدئ وبالله التوفيق فأقول لا مزيد على حسن ما ذكره وأما قوله: إذا لم يجب الكل لعدم القدرة على الجزء يبقى وجوب ما سواه من الأجزاء فصحيح ومستنده الحديث الذي أورده وهو القاعدة التي يذكرها الفقهاء: "الميسور لا يسقط بالمعسور" وسنلتفت إن شاء الله في ذيل المسألة إليها
قال: "قيل يوجب السبب دون الشرط وقيل لا فيهما".
عرفت المذهب المختار وقال قوم يوجب السبب ولا يوجب الشرط سواء كان شرطا شرعيا كالوضوء للصلاة أو عقليا كترك ضد الواجب أو عاديا كغسل جزء من الرأس لغسل الوجه وقيل لا يوجبه مطلقا هذه المذاهب التي حكاها المصنف وفي المسألة مذهب رابع ارتضاه إمام الحرمين واختار ابن الحاجب2 أن وجوب الشيء مطلقا يوجب الشرط الشرعي دون العقلي أو العادي.
قال: "لنا أن التكليف بالمشروط دون محال قيل يختص بوقت وجود
__________
1 حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" كما أخرجه ابن حبا، كما ذكره الحافظ ابن حجر الفتوحات الربانية للنووي 1/80.
2 هو: عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، جمال الدين بن الحاجب، فقيه مالكي، من كبار العلماء بالعربية، كردي الأصل، ولد في إسنا بصعيد مصر، ونشأ في القاهرة ثم رحل إلى دمشق، وكان أبوه حاجباً فعرف به.
من مؤلفاته: "القافية، والشافية، مختصر الفقه، منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، ومختصر المنتهى" توفي بالإسكندرية سنة:646هـ وفيات الأعيان 1/314، الأعلام 4/374.
(1/110)

الشرط قلنا خلاف الظاهر قيل إيجاب المقدمة أيضا كذلك قلنا لا فان اللفظ لم يدفعه".
لما اشترك المذهبان اللذان حكاهما آنفا في عدم إيجاب الشرط رد عليهما بالدليل المذكور وقوله التكليف بالمشروط دون الشرط هذه العبارة تحتمل ثلاثة معان:
أحدهما: التكليف بالمشروط دون التكليف بالشرط ونقرر استحالته بأنه إذا لم يجب الشرط جاز تركه فنقدر هذا الجائز واقعا فيصير واقعا كالمعنى الثاني وسنقرر إن شاء الله استحالته ولكن هذا المعنى ليس مراده لأنه محل النزاع فلو أراده لكان مصادرا على المطلوب ولأنه يحوج إلى إضمار ولأن قوله بعد ذلك قيل يختص بوجود الشرط يرشد إلى خلافه ولأن الإمام صرح بالمقصود فقال حال عدم المقدمة.
المعنى الثاني: أن يكون التكليف حال عدم الشرط وهذا هو المقصود وهو على قسمين أيضا:
أحدهما: وهو الثاني من المعاني يكلف وقت عدم الشرط بايقاع المشروط حينئذ ولا شك أن هذا تكليف بما لا يطاق والاستحالة جاءت من تضاد متعلق التكليف ووقته لا من خصوصه ولا من خصوص وقته وقريب من هذه العبارة أن يختص التكليف بوقت عدم الشرط.
والثاني: من القسمين وهو الثالث من المعاني أن يكلف وقت عدم الشرط بايقاع المشروط مطلقا ومقتضى ذلك ألا يختص التكليف بوقت بل يوجد حال وجود الشرط وعدمه والمكلف به في القسمين المشروط من حيث هو لا بقيد الشرط ولا بقيد عدمه والتقييد يقيد عدمه مستحيل في نفسه ويقيد وجوده يلزم منه طلب الشرط كما هو المدعى أعني إذا كان المطلوب المشروط ووقت طلبه غير مقيد.
إذا عرفت ذلك فنقول لو لم يوجب إيجاب الشيء مطلقا ما يتوقف عليه ذلك الشيء لكنا قد كلفنا بالمشروط من غير التكليف بالشرط وهو تكليف
(1/111)

بمحال لأنه إذا كان المشروط مكلفا به دون الشرط لم يحبب الإتيان بالشرط وإذا جاز ترك الشرط لزم منه جواز ترك المشروط لأن انتفاء الشرط مستلزم لانتفاء المشروط فيلزم كون المشروط جائز الترك واجب الفعل وهو تكليف بما يلزم من المحال فتعين أن يكون التكليف بالمشروط موجبا للتكليف بالشرط وإن أثبت ذلك في الشرط ففي السبب بطريق أولى فإن من قال بوجوب الشرط قال بوجوب السبب من غير عكس.
هذا تقرير الدليل وقول المصنف التكليف بالمشروط دون الشرط محال فيه نظر لأنا نفرق بين التكليف بالمحال والتكليف المحال فالأول هو تكليف العاقل الذي يفهم الخطاب بما لا يطيقه وهو محل الخلاف في تكليف ما لا يطاق لأن المخاطب به يعلم أنه مكلف بذلك.
والثاني: مثل تكليف الميت والجماد ومن لا يعقل من الأحياء فهذا تكليف المحال واتفق أهل الحق قاطبة على أنه لا يصح نقل هذا الاتفاق القاضي أبو بكر رحمه الله فكان الأحسن للمصنف أن يقول تكليف محال كما قررناه وعذره في ذلك أنه فرع على تكليف ما لا يطاق فإن الأصحاب وإن أقروا بتكليف ما لا يطاق في موضعه لا يفرعون عليه ويحيلون ما لزم عنه لكونه غير واقع في الشريعة فحينئذ التكليف به محال عند المانعين منه فيصح كلامه.
قوله: قيل يختص بوقت وجود الشرط اعترض الخصم على الدليل المذكور بأنه لم لا يجوز أن يختص التكليف بالمشروط بحال وجود الشرط ولا امتناع في ذلك فإن غايته أن يقيد الأمر ببعض الأحوال لمقتض قام وهو الفرار من تكليف المحال وأجاب المصنف بأن اللفظ مطلق لا اختصاص له بوقت وجود الشرط خلاف الظاهر واعترض الخصم أيضا بأن إيجابكم المقدمة أيضا خلاف الظاهر لأن ظاهر الأمر لا يدل عليه فإذا جاز مخالفة الظاهر من هذا الوجه فلم لا يجوز من الوجه الذي ذكرناه وأجاب المصنف بأن مخالفة الظاهر عبارة عن إثبات ما ينفيه اللفظ أو نفي ما يثبته اللفظ ظاهرا وأما إثبات ما لم يتعرض اللفظ له بنفي ولا إثبات فليس مخالفة للظاهر وحينئذ لا يكون إيجاب المقدمة مخالفة للظاهر إذ لم يدل اللفظ عليه بنفي ولا إثبات بخلاف تخصيص
(1/112)

الأمر بوقت وجود الشرط فإن اللفظ يقتضي الوجوب مطلقا فتقييده بوقت وجود الشرط دون ما سواه مخالفة للظاهر فإن قلت كيف يكون حمل المطلق الصادق بصورة على أحد صوره خلاف الظاهر وليس فيه إثبات ما ينفيه اللفظ ولا نفي ما يثبته قلت لما اقتضى الإطلاق من كل صوره صار تقييده هـ بصورة منافر لكونه مطلقا قال:
تنبيه
"مقدمة الواجب إما أن يتوقف عليها وجوده شرعا كالوضوء للصلاة أو عقلا كالمشي للحج أو العلم به كالإتيان بالخمس إذا ترك واحدة ونسي وستر شيء من الركبة لستر الفخذ".
عبر الإمام عن هذا بالفرع ووجهه أنه مندرج تحت أصل كلي ووجه التعبير عنه بالتنبيه أن الكلام السابق نبه عليه على سبيل الإجمال حاصله أن مقدمة الواجب تنقسم إلى أمرين:
أحدهما: أن يتوقف عليه وجوب الواجب وهو نوعان:
أحدهما: أن يتوقف عليه شرعا كالوضوء مع الصلاة.
الثاني: أن يتوقف عليه عقلا كالسير إلى الحج وعبارة المصنف المشي وقد يناقش فيها والأمر سهل.
القسم الثاني: أن يتوقف عليها العلم بوجود الواجب لا نفس وجود الواجب فلذلك إما لالتباس الواجب بغيره كالإتيان بالصلوات الخمس إذا ترك واحدة ونسي عينها فإن العلم بأنه أتى بالصلاة المنسية لا يحصل إلا بالإتيان بالخمس وإما أن يكون لتقارب ما بين الواجب وغيره بحيث لا يظهر حد مفرق بينهما وذلك كستر شيء من الركبة لستر الفخذ فإن الفخذ والركبة متقاربان فالعلم بستر جميع الفخذ الذي هو واجب إنما يحصل بستر شيء من الركبة للتقارب المذكور هذا ما ذكره وهو مبني على أن الفخذ نفسه عورة وذلك في المرأة بلا خلاف وفي الرجل على الصحيح وعلى أن الركبة نفسها ليست بعورة وهو الصحيح أيضا فإن قلت القول بإيجاب الخمس على من نسي
(1/113)

أحدها وجهل عينها عند من يوجب المقدمة واضح وأما من لا يوجبها فماذا يفعل وما فائدة الخلاف قلت قد لا ينظر الفقيه إلى الخلاف الأصولي في كثير من الفروع ولا يجعل لها به تعلقا البتة وقد يقال بظهور فائدة الخلاف في أنه هل يصلي الخمس بتيمم واحد أو بخمس تيممات لكن الصحيح إيجاب تيمم واحد وقضية القول بوجوب المقدمة إيجاب خمس تيممات فإن قلت ما وجه القصور في الإيجاب على تيمم واحد والخمس فرائض ولا يصلي بتيمم واحد أكثر من فريضة واحدة قلت الأربعة من حيث إنها لم ترد لنفسها منحطة عن مراتب الفرائض ولذلك قيل صلاة ركعتين تطوعا أفضل من إحدى الصلوات الأربع التي هي غير واجبة في نفس الأمر وعد ذلك موضعا يفضل الندب فيه الواجب ونحن لنا في هذا نظر ليس هذا موضعه.
فروع فقهية
قال:" فروع الأول لو اشتبهت المنكوحة بالأجنبية حرمتا على معنى أنه يجب عليه الكف عنهما".
أما الأجنبية فواضح وأما المنكوحة فلاشتباهها بالأجنبية فالكف عنهما هو طريق حصول العلم بالكف عن الأجنبية وإنما قال على معنى أنه يجب عليه الكف عنهما لأن الحرام عليه في نفس الأمر هي الأجنبية فقط فمعنى تحريمهما عليه وجوب الكف عنهما فنبه عليه واعلم أن هذا النوع في الحرمة لما لا يتم الواجب إلا به شبيه في الوجوب للإتيان بالخمس إذا ترك واحدة ونسي عينها.
قال: " الثاني إذا قال إحداكما طالق حرمتنا تغليبا للحرمة والله تعالى يعلم أن سيعين إحداهما لكن ما لم يعين لم تتعين".
إذا قال: إحداكما طالق ولم ينو إحداهما على التعيين حرمت الزوجتان عليه إلى حين التعيين لأن كل واحدة منهما يحتمل أن تكون هي المطلقة فتحرم أو غير المطلقة فلا تحرم وإذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام والفرق بين هذا والذي قبله أن إحدى المرأتين في الصورة الأولى ليست محرمة بطريق الأصالة
(1/114)

بل للاشتباه بخلاف الفرع الثاني فإنهما في ذلك سواء وأيضا فالزوج غير قادر على إزالة التحريم في الأول دون الثاني وهذا الذي جزم به المصنف حكاه الإمام مذهبا لبعضهم وقال يحتمل أن يقال يحل وطؤها لأن الطلاق شيء معين فلا يحصل إلا في محل معين فقبل التعيين لا يكون الطلاق نازلا في واحدة منهن ويكون الموجود قبل التعيين ليس هو الطلاق بل أمر له صلاحية التأثير في الطلاق عند اتصال البيان به لا إنه طلاق وإذا لم يوجد الطلاق قبل التعيين وكان الحل موجودا أوجب القول لبقائه فيحل وطؤها معا معا هذا كلامه ونقل ابن رفعة1 عن كتاب الوزير ابن هبيرة الذي حكى فيه ما اجتمع عليه الأئمة الأربعة وما اختلفوا فيه أن ابن هبيرة2 من أصحابنا قال إذا طلق واحدة من نسائه لا بعينها أو بعينها ثم أنسيها طلاقا رجعيا أنه لا يحال بينه وبين وطئهن وله وطء أيتهن شاء وإذا وطيء واحدة انصرف الطلاق إلى صاحبتها وهذا يعضد ما حاوله الإمام وهو ضعيف لأنا نقول محل الطلاق القدر المشترك بينهما وهو إحداهما لا بعينه وهو متعين بالنوع وإن لم يكن متعينا بالشخص واستدعاء الطلاق من حيث كونه وصفا متعينا محلا معينا يكفي فيه التعيين بالنوع.
سلمنا أنه يقتضي تعينا بالشخص ولكن نقول هو عند الله متعين
__________
1 هو: أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة، فقيه شافعي، من فضلاء مصر، كان محتسب القاهرة ونائباً في الحكم.
من مؤلفاته: "بدل النصائح الشرعية في ما على السلطان وولاة الأمور وسائر الرعية" و"الكفاية في شرح التنبيه".
توفي سنة 710هـ.
الدار الكامنة 1/284، الأعلام 1/213.
2 هو: يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة الذهلي، الشيباني، أبو المظفر، من كبار الوزراء في الدولة العباسية كان عالماً بالفقه والأدب، استوزره المقتفي سنة 544هـ فقام بشؤون الوزارة خير قيام، ولما توفي "المقتفي" وبويع "المستنجد" أقره في الوزارة. وكان يحضر مجلسه الفضلاء على اختلاف فنونهم. ألف العديد من الكتب، منها: الإيضاح والتبيين في اختلاف الأئمة المجتهدين" و"الإشراف على مذاهب الأشراف" في الفقه.
توفي سنة 560هـ وفيات الأعيان 2/246، شذرات الذهب 4/191، الأعلام 9/222.
(1/115)

بالشخص ونحن في الخارج لا نعلمه حتى يعينه العبد بالطلاق النازل لوجوده من قادر على التصرف في محل قابل فينفذ ولا نفوذ له إلا بوقوعه في الخارج منجزا لأنه كذلك أوقعه فلو لم يقع كما أوقعه لما نفذ التصرف ولكن لا نحكم ببطلان الزوجية إلا من حين علمنا بذلك الشخص الذي كان مبهما علينا ولا ينعطف على ما مضى لجهلنا في الماضي بالحال.
قوله: والله تعالى يعلم أنه سيعين جواب عن سؤال مقدر ويمكن أن يقرر على وجهين:
أحدهما: إن الله تعالى يعلم المرأة التي سيعينها الزوج بعينها فتكون هي المطلقة في علم الله تعالى وإنما هو مشتبه علينا وهذا سؤال أورده الإمام على نفسه في قوله بالإباحة فإن الاشتباه يقتضي التحريم وهو خلاف ما مال إليه وجوابه أن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه فلا يعلم غير المعين معينا لأن ذلك جهل وهو محال في حق الله تعالى بل علمه في الحال بأنه سيعين في المستقبل وهذا التقرير ماش على ما في المحصول إلا أنه يلزم منه أن يكون المصنف أورد سؤالا على دعوى لم يدعها ولم يذكرها البتة وهي القول بالإباحة.
والثاني: أن يقال لا فارق هذا الفرع والفرع الذي قبله إلا أن إحدى المرأتين في ذلك وهي الأجنبية محرمة في نفس الأمر وكل واحدة منهما هنا على حد سواء ونحن لا نسلم أن كل واحدة منهما محتملة الحل والحرمة حتى يحصل ما ذكرت بل الله يعلم المحرمة فهي معينة في علمه تعالى فلا فرق لتعيين المحرمة في نفس الأمر كونها يقع عليها الطلاق لا كونها مطلقة الآن لما عرفته وهذا التقرير لا معترض فيه على المصنف إلا أنه مع التعسف مخالف لما في المحصول.
قال: " الثالث: الزائد على ما ينطلق عليه الإسم من المسح غير واجب وإلا لم يجز تركه وجه تفريغ هذا على مقدمة الواجب أنه لما كان الواجب لا ينفك غالبا عن حصول زيادة فيه كانت هذه الزيادة مقدمة للعلم بحصول الواجب وقد أورد على المصنف أنه إذا كان الزائد عنده مقدمة الواجب فيلزم أن يحكم
(1/116)

عليه بالوجوب كستر شيء من الركبة وأجيب عنه بأن مراده بالمقدمة هناك غير القسم الذي يكون التوقيف فيه من حيث الإعادة إذا عرفت هذا فنقول الواجب إما أن يتقدر بقدر كغسل الرجلين واليدين ولا كلام فيه أولا كمسح الرأس وكإخراج البعير عن الشاة الواجبة في الزكاة وكذبح المتمتع بدنه بدل الشاة وحلقه جميع الرأس وتطويل أركان الصلاة زيادة على ما يجوز الاختصار عليه والبدنة المضحى بها بدلا عن الشاة المنذورة فنقول اختلفوا في القدر الزائد على الذي يعاقب على تركه وهو في أمثلتنا ما يعد أقل ما ينطلق عليه الاسم من المسح وقدر قيمة الشاة من البعير والبدنة وفوق الشعرات الثلاث في الحلق وفوق قدر الوجوب في الطمأنينة هل يوصف بالوجوب فذهب الإمام وأتباعه ومنهم المصنف إلى أنه لا يوصف بذلك لأن الواجب لا يجوز تركه وهذه الزيادة جائزة الترك وقال آخرون يوصف بالوجوب لأنه إذا زاد على القدر الذي يسقط به الفرض لا يتميز جزء عن جزؤ لسقوط الفرض به لصلاحية كل جزء لذلك فتخصيص بعض الأجزاء بوصف الواجب ترجيح من غير مرجح.
فإن قلت: ما محل الخلاف في مسح الرأس هل هو ما إذا وقع الجميع دفعة واحدة حتى إذا وقع مرتبا يكون الزائد نفلا جزما أم هو جار في الصورتين؟.
قلت: للأصحاب في ذلك وجهان فإن قلت ما فائدة الخلاف في هذه الصورة.
قلت:
منها: الثواب فإن ثواب الفريضة أكثر من ثواب النافلة بسبعين درجة كما حكى النووي1 عن إمام الحرمين.
__________
1 هو: يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحزامي الحوارني، النووي، الشافعي، أبو زكريا، محي الدين، علامة بالفقه والحديث، وولد وتوفي في "نوا" قرية من قرى "حوران بسوريا".
من كتبه "تهذيب الأسماء واللغات" و"منهاج الطالبين" في فقه الشافعية. "تصحيح التنبيه" "المنهاج في شرح صحيح مسلم" "رياض الصالحين" وغير ذلك مما لا يخفى على أحد. توفي سنة 676هـ.
مفتاح السعادة 1/398، النجوم الزاهرة 7/278، الأعلام /184-185.
(1/117)

ومنها: إذا عجل البعير عن شاة واقتضى الحال الرجوع فهل يرجع بجميعه أم بسبعة وفيه وجهان في شرح المهذب.
ومنها: لو أخرج بعيرا عن عشر من الإبل أو خمسة عشر أو عشرين هل يجزيه فيه وجهان مبنيان على هذا الخلاف إن قلنا بوقوعه كله فرضا فيما إذا أخرجه عن الخمس فلا يكفي بعير واحد بل لا بد في العشرة من بعيرين أو بعير وشاة وهكذا وإن قلنا الفرض قدر خمسة فيجزئ ويكون متبرعا في العشرة بثلاثة أخماس على أن إمام الحرمين وغيره أنكروا هذا البناء وليس هذا محل القول فيه.
واعلم أنه يضاهي قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب صور في الفقه منها مؤونة الكيل الذي يفتقر إليه القبض على البائع كمؤونة إحضار المبيع الغائب ومؤونة وزن الثمن على المشتري وفي أجرة نقد الثمن وجهان.
ومنها: إذا خفي عليه موضع النجاسة من الثوب أو البدن غسله كله.
ومنها: إذا اكترى دابة للركوب فأطلق الاكتراء أن على المكري الإكاف والبرذعة والحزام وما ناسب ذلك لأنه لا يتمكن من الركوب دونها وهي صور عديدة من أراد الإحاطة فعليه بكتابنا الأشباه والنظائر أتمه الله تعالى وقد كنا في أول المسألة وعدنا بالالتفات إلى قاعدة أن الميسور لا يسقط بالمعسور والصور تحتها كثيرة ونحن نحيل طالبها بعد ذكر القليل منها على كتابنا المذكور1.
فمنها: لو عجز عن الركوع والسجود دون القيام لعلة بظهره تمنعه الانحناء لزم القيام خلافا لأبي حنيفة.
ومنها: لو لم يقدر على الانتصاب بأن تقوس ظهره لكبر أو زمانة فصار في حد الراكعين فقد قال الغزالي تبعا لإمامه أن يقعد وقال غيرهما لا يجوز له
__________
1 راجع في هذه القاعدة وما يتفرع عليها من فروع فقيهة في: الأشباه والنظائر للسيوطي 8 ص159، 160 مطبعة الحلبي 1959م. وكذلك في الأشباه والنظائر لابن نجيم. والقواعد لابن رجب الحنبلي.
(1/118)

القعود فإن الوقوف راكعا أقرب إلى القيام من القعود فلا ينزل عن الدرجة القربى إلى البعدى.
ومنها: لو وجد الجنب من الماء ما لا يكفيه لغسله أو المحدث ما لا يكفيه لوضوئه فأصح القولين أن يجب استعماله ثم يتيمم لأن القدرة على البعض لا تسقط بالعجز عن الباقي.
ومنها: لو اطلع على عيب البيع ولم يتيسر له المبادرة بالرد ولا الإشهاد ففي وجوب التلفظ بالفسخ وجهان جاريان هنا وفي الشفعة.
ومنها: لو لم يفضل معه في الفطرة عما لا يجب عليه إلا بعض صاع لزمه إخراجه على الأصح.
ومنها: إذا اشترى الشقص بثمن مؤجل فهل يأخذه الشفيع مؤجلا كما أشتراه المشتري وأصح الأقوال أن الشفيع بالخيار بين أن يعجل ويأخذ الشقص في الحال وبين الصبر إلى حيلولة الأجل وعلى هذا فهل يجب تنبيه المشتري على الطلب وجهان.
ومنها: إذا كان يحسن آية فلا خلاف أنه يقرؤها وهل يضيف إليها من الذكر ما يتم به قدر الفاتحة أو يكررها سبعا فيه قولان.
فإن قلت: لم لا جرى قول أنه لا يقرأ تلك الآية بل يأتي ببدل الفاتحة كلها كما إذا قدر على بعض وضوئه ونظائره؟
قلت: كل آية من الفاتحة يجب قراءتها بنفسها فلا يأتي ببدلها مع القدرة عليها والله أعلم.
(1/119)

السألة الخامسة: وجوب الشىء يستلزم حرمة نقيضه
...
المسألة الخامسة وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه
قال: "الخامسة وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه لأنها جزؤه فالدال عليه يدل عليها بالتضمن قالت المعتزلة وأكثر أصحابنا الموجب قد يغفل عن نقيضه قلنا لا فإن الإيجاب بدون المنع من نقيضه محال وإن سلم فمنقوض بوجوب المقدمة".
هذه هي المسألة المعروفة بأن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟
أعلم أنه لا نزاع في أن الأمر بالشيء نهي عن تركه بطريق التضمن وإنما احتلفوا في انه هل هو نهي عن ضده الوجودي على مذاهب:
أحدها: أن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده.
والثاني: أنه غيره ولكن يدل عليه بالالتزام وهو رأي الجمهور منهم الإمام وصاحب الكتاب وعلى هذا فالأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده لانتفاء حصول المقصود إلا بانتفاء كل ضد والنهي عن الشيء أمر بأحد أضداده لحصول المقصود بفعل ضد واحد فالأولى التعبير بهذه العبارة وبها صرح إمام الحرمين.
والثالث: أنه لا يدل عليه أصلا ونقله في الكتاب عن المعتزلة وأكثر أصحابنا واختاره ابن الحاجب واستدل المصنف على اختياره بأن حرمة النقيض جزء من الوجوب لأن الواجب هو الذي يجوز فعله ويمتنع تركه وإذا كان كذلك فالدال على الوجوب يدل على حرمة النقيض بالتضمن لأن المراد من دلالة التضمن أن اللفظ يدل على جزء ما وضع له والمراد بدلالة
(1/120)

الالتزام هنا دلالة اللفظ على كل ما يفهم منه غير المسمى سواء كان داخلا فيه أو خارجا عنه فيصدق قوله يدل بالتضمن مع قوله بالالتزام.
واحتجت المعتزلة بأن الموجب للشيء قد يكون غافلا عن نقيضه فلا يكون النقيض منهيا عنه لأن النهي عن الشيء مشروط بتصوره وأجاب عنه بأنا لا نسلم أن الموجب للشيء قد يغفل عن نقيضه لأن الموجب للشيء ما لم يتصور الوجوب لا يحكم به ويلزم من تصور الوجوب تصور المنع من النقيض لأنه جزؤه وتصور الكل مستلزم لتصور الجزء ولو سلمنا أنه يجوز أن يكون الموجب للشيء قد يغفل عن نقيضه فذلك لا يمنع حرمة النقيض بدليل وجوب المقدمة أعني ما لا يتم الواجب إلا به فإن الموجب للشيء قد يكون غافلا عن مقدمته مع استلزام وجوبه لوجوبها كما تقدم هذا شرح ما في الكتاب.
واعلم أنه قد تردد كلام الأصوليين في المراد من الأمر المذكور في هذه المسألة هل هو النفساني فيكون الأمر النفساني نهيا عن الضد نهيا نفسانيا أو اللساني فيكون نهيا عن الأضداد بطريق الالتزام وهذا هو الذي ذكره الإمام حيث صرح بلفظ الصيغة.
وإذا عرفت هذا فنقول: إن كان الكلام في النفساني تعين التفصيل بين من يعلم بالأضداد ومن لا يعلم فالله تعالى بكل شيء عليم وكلامه واحد وهو أمر ونهي وخبر فأمره عين نهيه وعين خبره غير أن التعلقات تختلف فالأمر عين النهي باعتبار الصفة المتعلقة نفسها التي هي الكلام وهو غيره باعتبار أن الكلام إنما يصير أمرا بإضافة تعلق خاص وهو تعلق الكلام بترجيح طلب الفعل وإنما يصير نهيا بتعلقه بطلب الترك والكلام يقيد التعلق الخاص غيره بالتعلق الآخر فهذه الأقسام والتفاصيل لا ينبغي الخلاف فيها لمن تصورها وأن أمر الله تعالى بالشيء نهى عن ضده باعتبار أنه لا بد من حصول التعلق بالضد المنافي وأما من لا شعور له بضد المأمور فلا يتصور منه النهي عن جميع الأضداد بكلامه النفسي تفصيلا لعدم الشعور بها ولكن يصدق أنه نهى عنها بطريق الإجمال لأنه طالب للمأمور على التفصيل ولتحصيله بكل طريق مفض إلى ذلك ومن جملتها اجتناب الأضداد وإن كان في اللساني فلا يتجه
(1/121)

أن يقال الأمر تحرك ليست صيغة قولنا في الشيء نهي عن ضده فإن صيغته قولنا لا تسكن والمكابر في ذلك المنزل منزلة منكري المحسوسات وإنما يتجه الخلاف في أن صيغة الأمر هل دلت التزاما.
وهذا الذي قررناه هو الذي اقتضاه كلام إمام الحرمين فإنه حكى اختلاف أصحابنا في أن الأمر بالشيء نهي عن أضداد المأمور به ثم قال وأما المعتزلة فالأمر عندهم هو العبارة وهو قول القائل أفعل أصوات منظومة معلومة وليس هي على نظم الأصوات في قول القائل لا تفعل ولا يمكنهم أن يقولوا الأمر هو النهي وهذا هو مقتضى كلامه في التخليص الذي اختصره من التقريب والإرشاد للقاضي أبي بكر فحصلنا من هذا على أن القائل بأن الأمر بالشيء هو نفس النهي عن ضده إنما كلامه في النفسي وأن المتكلمين في النفسي يقع اختلافهم على مذاهب:
أحدها: أن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده واتصافه بكونه أمرا نهيا بمثابة اتصاف الكون الواحد بكونه قريبا من شيء بعيدا من غيره.
والثاني: وهو الذي مال إليه اختيار القاضي في آخر مصنفاته أنه ليس هو ولكن يتضمنه.
الثالث: أنه لا يدل عليه أصلا وإليه ذهب إمام الحرمين والغزالي ويتعين أن تكون هذه المذاهب في الكلام النفسي بالنسبة إلى المخلوق وأما الله تعالى فكلامه واحد كما عرفت لا يتطرق الغيرية إليه ولا يمكن أن يأمر بشيء إلا وهو مستحضر لجميع أضداده لعلمه بكل شيء بخلاف المخلوق فإنه يجوز أن يذهل ويغفل عن الضد وبهذا الذي قلناه صرح الغزالي وهو مقتضى كلام إمام الحرمين والجماهير.
وأما المتكلمون في اللساني فيقع اختلافهم على قولين:
أحدهما: أنه يدل عليه بطريق الالتزام وهو رأي المعتزلة.
والثاني: أنه لا يدل عليه أصلا ولبعض المعتزلة مذهب ثالث وهو أن أمر الإيجاب يكون نهيا عن أضداده ومقبحا لها بكونها مانعة من فعل الواجب
(1/122)

بخلاف المندوب فإن أضداده مباحة غير منهي عنها لا نهي تحريم ولا نهي تنزيه ولم يقل أحد هنا إن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده لكون مكابرة وعنادا كما قررناه واختار الآمدي أن يقال إن جوزنا تكليف ما لا يطاق فالأمر بالفعل ليس نهيا عن الضد ولا مستلزما للنهي عنه بل يجوز أن يؤمر بالفعل وبضده في الحالة الواحدة وإن منع فالأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضده.
هذا خلاصة ما يجده الناظر في كتب الأصول من المنقول في هذه المسألة وهو هنا على أحسن تهذيب وأوضحه ومنهم من أجرى الخلاف في جانب النهي هل هو أمر بضد المنهي عنه وقال إمام الحرمين من قال النهي عن الشيء أمر يأخذ أضداده فقد اقتحم أمرا عظيما وباح بالتزام مذهب الكعبي1 في نفي الإباحة فإنه إنما صار إلى ذلك من حيث قال لا شيء يقدر مباحا إلا وهو ضد محظور فيقع من هذه الجهة واجبا ومن قال الأمر بالشيء نهي عن الأضداد ومتضمن لذلك من حيث تفطن لقائله الكعبي فقد ناقض كلامه فإنه كما يستحيل الإقدام على المأمور به دون الإنكفاف عن أضداده فيستحيل الانكفاف عن المنهي دون الإنصاف بأحد أضداده ونختم الكلام في المسألة بفوائد:
أحدها: قال القاضي عبد الوهاب2 في الملخص بعد أن حكى عن الشيخ أبي الحسن3 أن الأمر بالشيء نهي عن ضده إن كان ذا ضد واحد
__________
1 هو: عبد الله بن أحمد بن محمود، المكنى بأبي القاسم الكعبي، من عيون المعتزلة، وإليه تنسب طائفة الكعبية، توفي ببلخ سنة 1319هـ.
شذرات الذهب 2/281، البغدادي 9/384.
2 هو: عبد الوهاب بن علي بن نضر الثعلبي البغدادي، قاض من فقهاء المالكية، له نظم ومعرفة بالأدب. من مؤلفاته: كتاب تلقين في فقه المالكية شرح المدونة للإمام مالك الإشراف على مسائل الخلاف شرح فصول الأحكام توفي سنة 422هـ.
فوات الوفيات 1/21، الأعلام 4/335.
3 هو الشيخ الإمام: علي بن إسماعيل بن أبي بشر، شيخ طريقة أهل السنة، والجماعة، وإمام المكلمين، أخذ عن الحبائي حتى برع في علم الكلام والجدل على طريقة المعتزلة، ثم شرح الله صدره فانخلع عما كان يعتقده، وانتصب للدفاع عن عقيدة أهل السنة.
توفي ببغداد سنة 324هـ.
ابن خلكان 1/411، البغدادي 11/346.
(1/123)

واضداده إن كان ذا أضداد أن الشيخ شرط في ذلك أن يكون واجبا لا ندبا قال القاضي عبد الوهاب: "وقد حكى عن الشيخ أنه قال في بعض كتبه إن الندب حسن وليس مأمورا به وعلى هذا القول لا يحتاج إلى اشتراط الوجوب في الأمر إذ هو حينئذ لا يكون إلا واجبا" قال القاضي عبد الوهاب: ولا بد أن يشترط الشيخ في ذلك أن يكون مع وجوبه مضيقا مستحق العين لأجل أن الواجب الموسع ليس ينهى عن ضده قال ولا بد أيضا من اشتراط كونه نهيا عن ضده وضد البدل الذي منه هو بدل لهما إذا كان أمرا على غير وجه التخيير انتهى.
وما قاله من اشتراط كونه نهيا عن ضده وضد البدل منه لا يحتاج إليه بعد معرفة صورة المسألة فإن صورتها في الأمر الذي غير وجه التخيير كما صرح به القاضي في مختصر التقريب والإرشاد لإمام الحرمين فإنه قيد الكلام بالأمر على التنصيص لا على التخيير ثم قال وإنما قيدنا الكلام بانتفاء التخيير لأن الأمر المنطوي على التخيير قد يتعلق بالشيء وضده ويكون الواجب أحدهما لا بعينه فلا سبيل لك إلى أن تقول فيما هذا وصفه إنه نهي عن ضده إذا خير المأمور بينه وبين ضده ولقائل أن يقول محل التخيير لا وجوب فيه فأين الأمر حتى يقال ليس نهيا عن ضده ومحل الوجوب لا تخيير فيه وهو نهي عن ضده وما قاله القاضي عبد الوهاب من اشتراط التضييق لم يتضح لي وجهه فإن الموسع إن لم يصدق عليه أنه واجب فأين الأمر حتى يستثنى من قولهم الأمر بالشيء نهى عن ضده وإن صدق عليه أنه واجب بمعنى أنه لا يجوز إخلاء الوقت عنه فضده الذي يلزم من فعله تقويته منهي عنه وحاصل هذا أنه إن صدق الأمر عليه انقدح كونه نهيا عن ضده وإلا فلا وجه لاستثنائه كما قلنا في المخير.
الثانية: قال النقشواني لو كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده للزم أن يكون
(1/124)

الأمر للتكرار وللفور لأن النهي كذلك وأجاب القرافي1 بأن القاعدة أن أحكام الحقائق التي تثبت لها حالة الاستقلال لا يلزم أن تثبت لها حالة التبعية.
الثالثة: سأل القرافي في مسألة مقدمة الواجب عن الفرق بينها وبين هذه المسألة فإن عدم الضد مما يتوقف عليه الواجب وأجيب بأن ما لا يتم الواجب إلا به وسيلة للواجب لازم التقدم عليه فيجب التوصل به إلى الواجب لئلا يعتقد أن حالة عدم المقدمة خال عن التكليف لزعمه بأن الأصل ممتنع الوقوع وهو غير مكلف بالمقدمة فقلنا هذا غلط بل أنت قادر على تحصيل الأصل بتقديم هذه المقدمة فعليك فعلها فكان إيجاب المقدمة تحقيقا لإيجاب الأصل مع تقدير عدم المقدمة وترك الضد أمور يتبع حصوله حصول المأمور به من غير قصد وهذا أصلح وجهين أجاب بهما في شرح المحصول.
الرابعة: سأل القرافي عن الفرق بين هذه المسألة وقولهم متعلق النهي فعل الضد لا نفس لا تفعل فإن قولهم نهي عن ضد معناه أنه تعلق بالضد وقولهم متعلقة ضد المنهي عنه هو الأول بعينه وسنستقصي الجواب عن هذا في كتاب الأمر والنهي إن شاء الله تعالى فإن المصنف ذكر تلك المسألة ثمة.
الخامسة: من فوائد الخلاف في هذه المسألة من الفروع ما إذا قال لزوجته إن خالفت نهي فأنت طالق ثم قال قومي فقعدت ففي وقع الطلاق خلاف مستند إلى هذا الأصل.
__________
1 هو: شهاب الدين، أبو العباس، أحمد بن إدريس القرافي، المتوفى سنة 684هـ من مؤلفاته في الأصول: "تنقيح الفصول في اختصار المحصول" ووضع عليه شرحاً نفيسا سماه شرح تنقيح الفصول طبع أخيراً بمكتبة للكليات الأزهرية بتحقيق طه سعد عبد الرؤوف.
(1/125)

المسألة السادسة إذا نسخ الوجوب بقي الجواز
قال: "السادسة: الوجوب إذا نسخ بقي الجواز خلافا للغزالي لأن الدال على الوجوب يتضمن الجواز والناسخ لا ينافيه فإنه يرتفع الوجوب بارتفاع المنع من الترك".
ذهب الأكثرون إلى أنه إذا نسخ وجوب الشيء بقي جوازه وخالف الغزالي وقال إنه إذا نسخ رجع الأمر إلى ما كان قبل الوجوب من تحريم أو إباحة وصار الوجوب بالنسخ كأن لم يكن وهذا الذي ذهب إليه الغزالي نقله القاضي في التقريب عن بعض الفقهاء وقال تشبث صاحبه بكلام ركيك تزدريه أعين ذوي التحقيق واحتج المصنف على اختياره بأن الجواز جزء من ماهية الوجوب إذ الوجوب مركب من جواز الفعل مع المنع من الترك فاللفظ الذي دل على الوجوب يدل التضمن على الجواز والناسخ وإنما ورد على الوجوب وهو لا ينافي الجواز لارتفاع الوجوب بارتفاع المنع من الترك ضرورة أن المركب يرتفع بارتفاع أحد جزئيه ونحن نقول إن أراد القوم بالجواز الذي يبقى التخيير بين الفعل والترك كما صرح به بعضهم وهو مقتضى كلام الغزالي في الرد عليهم حيث قال حقيقة الجواز التخيير بين الفعل والترك والتساوي بينهما بتسوية الشرع فالحق مع الغزالي لأن التخيير بين الفعل والترك قسم للوجوب ولم يكن ثابتا به فما وجه قولهم يبقى بعده وهذا الدليل الذي ذكروه عليه لا يثبت به مدعاهم لأن التخيير بين الفعل والترك ليس في ضمن الوجوب وإنما الذي في ضمن الوجوب رفع الحرج وإن أرادوا رفع حرج الفعل فلا ينبغي أن يخالفوا في ذلك فإن الوجوب أخص منه ولما ثبت بالإيجاب الأول ثبت به الأعم
(1/126)

الذي هو رفع الحرج ضرورة كونه ضمنه ثم ارتفاعه لا يوجب ارتفاع الأعم والظاهر أنه لم يريدوا غير هذا القسم حيث جعلوا شبهة الخصم فيه أن الجنس يتقوم بالفصل ولا يحسن ذكر هذه الشبهة إلا إذا كان النزاع في رفع الحرج الذي هو جنس غير مقيد بالتخيير وحينئذ قد يضعف قول الغزالي في الرد عليهم أن هذا بمنزلة قول القائل كل واجب فهو ندب وزيادة فإذا نسخ الوجوب بقي الندب ولا قائل به لأنا نقول المدعي بقاء الجواز الذي هو قدر مشترك بين الندب والإباحة والكراهة في ضمن واحد من الأنواع الثلاثة لا بقاء نوع منها على التعيين فإنه لا بد له من دليل خاص فكيف يكون هذا بمنزلة قول القائل إذا نسخ الوجوب بقي الندب فإن قلت تحرر من هذا أن القوم يقولون ببقاء مطلق الجواز مكتسبا من دلالة الواجب عليه والغزالي ينكر كونه مكتسبا من دلالة الواجب عليه ولا تنازع في بقاء رفع الحرج فالخلاف حينئذ لفظي قلت الغزالي كما سلفت الحكاية عنه يقول إن الحال يعود إلى ما كان عليه من تحريم وإباحة فهو منازع في أصل بقاء الجواز ويظهر فائدة الخلاف فيما إذا كان الحال قبل الوجوب تحريما فعند الغزالي الفعل الآن يعود محرما كما كان وعند القوم أن مطلق الجواز الذي كان داخلا في ضمن الوجوب باق يصادق ما دل على التحريم فوضع أن الخلاف معنوي.
واعلم أن الغزالي قد يقول إذا اقتضى الأمر مجموع الشيئين أعني الأعم والأخص فالذي يزيل الواحد نازل منزلة المخصص بالقياس إلى اللفظ العام ولذلك يجوز اقترانه بالأمر بأن يراد صيغة افعل ويقترن بها ما يدل على أنه لا حرج في تركه فإنا نحملها على الندب أو الإباحة ولو كان ناسخا لما جاز اقترانه به لأن من شروط الناسخ التراخي فإن قلت نحن نسلم أن هذا القيد إذا اقترن لم يكن نسخا ولكن لم قلت إنه إذا تأخر وثبت لا يكون نسخا قلت بقي النزاع في هذا ولعل الغزالي لا يسمي بالنسخ إلا ما رفع حكم الخطاب السابق بالكلية ويعود النزاع لفظيا قال: "قيل: الجنس يتقوم بالفصل فيرتفع بارتفاعه قلنا لا وإن سلم فيتقوم بفصل عدم الحرج".
(1/127)

احتج من قال بأن الجواز لا يبقى فيما إذا قال نسخت الوجوب أوحرمة الترك بأن كل فصل فهو علة لوجود الجنس لاستحالة وجود جنس مجرد عن الفصول كالحيوانية المطلقة وإليه أشار بقوله يتقوم بالفصل أي يوجد به وإذا علم هذا فالجواز جنس للواجب والمكروه والمندوب والمباح وعلة وجوده في كل منها فصله فالعلة في وجوده في الواجب فصل الحرج على الترك فإذا زال ذلك الفصل زال الجواز ضرورة زوال المعلول بزوال علته وأجاب أولا بأنا لانسلم أن الجنس يتقول بالفصل وتقرير ذلك محال على الكتب الحكمية ولئن سلمنا أنه علة له فلا نسلم أنه يلزم من ارتفاع هذا الفصل ارتفاع الجنس لجواز بقائه بفصل آخر يخلف ذلك الفصل وهو عدم الحرج على الترك فإنه إذا ارتفع قيد الوجوب بقي جنس الجواز ولا دليل على الحرج فيتقوم بفصل عدم الحرج ولا يكون جنسا مجردا.
واعلم أن خلاف الأصوليين في هذه يناظر اختلاف الفقهاء في أنه إذا بطل الخصوص هل يبقى العموم وذلك فيمن صلى الظهر قبل الزوال فإنها لا تنعقد ظهرا وفي انعقادها نفلا هذا الخلاف ويضاهيه مسائل:
منها: إذا أحال المشتري البائع بالثمن على رجل ثم وجد بالمبيع عيبا فرده فالأصح أن الحوالة تبطل وهل للمحتال قبضه للمالك بعموم الإذن الذي تضمنه خصوص الحوالة فيه هذا الخلاف.
ومنها: إذا عجل الزكاة بلفظ هذه زكاتي المعجلة فقط فهل له الرجوع إذا عرض مانع أصح الوجهين نعم.
والثاني: يقع نفلا وقربهما إمام الحرمين من القولين فيما إذا نوى الظهر قبل الزوال هل ينعقد نفلا؟
ومنها: الصحيح أنه لا يصح تعليق الوكالة على شرط ولو علق وتصرف الوكيل بعد حصول الشرط فأصح الوجهين الصحة لأن الإذن حاصل وإن فسد العقد وخالف الشيخ أبو محمد وقال لا اعتبار بما يتضمن العقد الفاسد من الإذن.
(1/128)

ومنها: لو قالت وكلتك بتزويجي قال الرافعي فالذين لقيناهم من الأئمة لا يعتدون به إذنا لأن توكيل المرأة في النكاح باطل قال لكن الفرع غير مسطور ويجوز أن يعتد به إذنا لما ذكرناه في الوكالة.
قلت: ويتجه بناء فروع على هذا الأصل لم أر من بناها.
منها قال الماوردي إذا فسدت الشركة بطل أصل الإذن في التصرف ولم يجز لواحد منهما التصرف في جميع المال وينقدح لك أن تحكم بجريان الخلاف في الوكالة.
ومنها: إذا باع بلفظ السلم فإنه ليس بسلم قطعا وفي انعقاده بيعا قولان أظهرهما لا وبناهما الأصحاب على أن الإعتبار باللفظ أو بالمعنى ويتجه بناؤهما على هذا الأصل أيضا.
ومنها إذا شرطا الخيار لثالث وأبطلناه فهل يكون الخيار لهما لكونهما شرطا مطلق الخيار يتجه فيه هذا البناء.
ومنها: إذا أحال بالدراهم على الدنانير أو بالعكس لم يصح سواء قلنا الحوالة استيفاء أم اعتياض.
قال صاحب التتمة: ونعني بقولنا إنها غير صحيحة أن الحق لا يتحول بها من الدنانير إلى الدراهم وبالعكس ولكنها إذا جرت فهي حوالة على من لا دين عليه وفيها خلاف.
قلت وإنما تكون حوالة على من لا دين عليه ببطلان خصوص الحوالة على الوجه الذي أورده إذا قلنا إن الخاص إذا ارتفع يبقى العام.
(1/129)

المسألة السابعة: الواجب لا يجوز تركه
...
المسألة السابعة الوجوب لا يجوز تركه
قال: "السابعة: الواجب لا يجوز تركه قال الكعبي فعل المباح ترك الحرام وهو واجب قلنا لا بل به يحصل".
القصد بهذه المسألة أن ما يجوز تركه لايكون فعله واجبا والخلاف في هذا الفصل مع فرقتين.
الأولى: الكعبية فنقول لاح من قول أبي القاسم الكعبي وهو البلخي وشيعته إنكار المباح وقد خالفوا في ذلك عصابة المسلمين حيث أجمعوا على انقسام الأحكام إلى الخمسة ولا بد من تخليص محل النزاع ليقع الحجاج على محز واحد.
واعلم أن إنكارهم المباح يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه ليس فعل من أفعال المكلفين بمباح وقد صرح بحكاية هذا عن الكعبي جماعة منهم إمام الحرمين في البرهان فإنه قال إن الكعبي أنكر المباح في الشريعة وكذلك نقل أبو الفتح بن برهان1 في الوجيز والآمدي وغيرهم وهذا ظاهر الفساد.
__________
1 هو: أحمد بن علي بن برهان، فقيه، أصولي، كان يضرب به المثل في حل الإشكال في علم الأصول.
من مؤلفاته: "البسيط، والوسيط، والوجيز" في الفقه والأصول.
ومن آرائه الأصولية: أن العامي لا يلزمه التقيد بمذهب معين.
توفي ببغداد سنة 518هـ.
إرشاد الأريب 1:260، الأعلام 1/167.
(1/130)

والثاني: وهو الذي أشعر به دليله أن كل فعل يوصف بأنه مباح باعتبار ذاته فهو واجب باعتبار أنه يترك به الحرام ولا يكون الكعبي حينئذ مفاجئا بإنكار المباح وقد نقل القاضي في مختصر التقريب والغزالي في المستصفى أن المباح مأمور به دون الأمر بالندب والندب دون الأمر بالإيجاب وقد صرح في مختصر التقريب بأنه لا يسمى المباح واجبا ولا الإباحة إيجابا إذا عرفت ذلك فقد استدل الكعبي على هذا بأن فعل المباح ترك الحرام لأنه ما من مباح إلا وهو ترك لمحظور وترك الحرام واجب فيلزم أن يكون فعل المباح واجبا من جهة وقوعه تركا لمحظور.
وأجاب عنه المصنف بأنا لا نسلم أن فعل المباح هونفس ترك الحرام يعني أنه يلزم من فعل المباح ترك الحرام ولا يلزم من ترك الحرام فعل المباح لجواز تركه بواجب أو مندوب فلا يكون المباح ترك الحرام بل شيئا يحصل به تركه لما عرفت من أن تركه قد يحصل به وقد يحصل بغيره فلم ينحصر تركه في المباح وقد ضعف الآمدي وغيره هذا الجواب وقالوا هو صادر ممن لم يعلم غور كلامه فإنه إذا ثبت أن ترك الحرام واجب وأنه لا يتم بدون التلبس بضد من أضداده وقد تقرر أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فالتلبس بضد من أضداده واجب غايته أن الواجب من الأضداد غير معين قبل تعيين المكلف له ولكن لا خلاف في وقوعه واجبا بعد التعيين وقال لا خلاص عنه إلا بمنع وجوب المقدمة قال وغاية ما ألزم أنه لو كان الأمر على ما ذكرت لكان المندوب بل المحرم إذا ترك به محرم آخر كالزنا إذا حصل به ترك القتل أن يكون واجبا وكان يجب أن تكون الصلاة حراما على هذه القاعدة عندما إذا ترك بها واجبا آخر وله أن يجيب بأنه لا مانع من الحكم على الفعل الواحد بالوجوب والتحريم بالنظر إلى جهتين مختلفتين كما في الصلاة في الدار المغصوبة قال وبالجملة إن استعيد فهو في غاية الغوص والإشكال وعسى أن يكون عند غيري حله.
قلت: وهو صحيح ولكنا نقول للكعبي نحن لا ننكر أن الإباحة تقع ذرائع إلى الانكفاف عن المحظور كغيرها من الأفعال التي يلزم منها الانكفاف
(1/131)

عن غيرها ووقوعها كذلك لا يخرجها عن أن تكون في نفسها مباحة فترك الحرام الذي لزم عن فعل المباح ليس هو نفس فعل المباح بل أمر وراءه وإن زعم أنها ذات جهتين فلا تنازعه في ذلك ولكن ننكر عليه تخصيصه المباح بذلك وقد بينا أنه لايختص به ويعظم النكير عليه تخصيصه المباح بذلك وقد بينا أن لا يختص به ويعظم النكير عليه في إنكاره أصل المباح في الشريعة إن صح عنه وما ذكره من الدليل لا يقتضي ذلك.
قال: "وقالت الفقهاء: يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر لأنهم شهدوا الشهر وهو موجب وأيضا عليهم للقضاء بقدره قلنا العذر مانع والقضاء يتوقف على السبب لا الوجوب وإلا لما وجب قضاء الظهر على من نام جميع الوقت".
الفرقة الثانية: كثير من الفقهاء فإنهم خالفوا في ذلك وزعموا أن الصوم واجب على الحائض والمسافر والمريض مع أنهم يجوز لهم تركه وقد احتجوا على مذهبهم بأن هؤلاء شهدوا الشهر فيجب الصوم عليهم لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} 1 القضاء يجب عليهم بقدر ما فاتهم وذلك دليل على أنه بدل عنه.
وأجاب بأن شهود الشهر إنما يكون موجبا للصوم عند انتفاء الأعذار والعذر هنا قائم أما في الحائض فلأن الشرع منعها من الصوم وأما في المسافر فلأنه جعل السفر مانعا من تحتم الصوم فيه2 وأما في المريض فلعدم القدرة إن كان عاجزا أو بمنع الشرع إن أفضى به إلى هلاك نفسه أو بمنع الشرع من الإيجاب كالمسافر إن لم يفض إلى ذلك وعن الثاني بأن القضاء إنما يتوقف على تحقيق سبب الوجوب في الوقت وسبب الوجوب وهو شهود الشهر متحقق فيما نحن فيه الوقت ولا يتوقف على وجوب الأداء وإلا لما وجب قضاء الظهر على من نام جميع الوقت لعدم تحقق الوجوب عليه لإفضائه إلى تكليف الغافل وذهب
__________
1 البقرة آية 185.
2 وذلك في قوله تعالى في آية الصوم من سورة البقرة: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} . وعلى ذلك فلابد من وجود السبب، وهو شهود الشهر، وانتفاء الموانع، التي منها الحيض والنفاس، أو المرض، أو السفر وسائر الأمور التي تبيح الفطر.
(1/132)

الإمام إلى أنه يجب على الحائض والمريض البتة ويجب على المسافر صوم أحد الشهرين إما الحاضر أو آخر غيره وأيهما أتى به فهو الواجب كما في الكفارات وهذا هو مذهب القاضي نص عليه في التقريب ونقل الشيخ أبو إسحاق1 في شرح اللمع هذا بعض الأشعرية2 فإن قلت هذا مدخل لأن المريض يجوز له الصوم كالمسافر فليسو الإمام بينهما قلت المريض إن أفضى به الصوم إلى هلاك نفسه أو عضوه فإنه يحرم عليه الصوم ويساوي الحائض والحالة هذه وإن لم يفض به إلى ذلك بل خاف منه مجرد زيادة العلة أو طول البرء فالمسألة مختلف فيها وكذا لو خاف المرض المخوف فلعل الإمام يرى في كل هذه الصور أنه لا يجوز له لا إفطار فلا معترض عليه وقد قال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع إن الخلاف في هذه المسألة مما يعود إلى العبارة ولا فائدة له لأن تأخير الصوم حالة العذر جائز بلا خلاف والقضاء بعد زواله واجب بلا خلاف قلت وقد نقل ابن الرفعة أن بعضهم قال بظهور فائدة الخلاف إذا قلنا أنه يجب التعرض للأداء أو القضاء في النية3 وقد يقال بظهور فائدة الخلاف أيضا فيما إذا طافت المرأة ثم حاضت قبل ركعتي الطواف هل تقضيهما فقد حكى النووي في شرح المهذب عن ابن القاص4
__________
1 هو: إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزبادي الشيرازي، العلامة المناظر كان مرجع الطلاب ومفتي الأمة في عصره، واشتهر بقوة الحجة في الجدل والمناظرة. من مؤلفاته: "التبصرة" واللمع" في أصول الفقه و"المهذب" في فقه الشافعية.
توفي سنة 476هز
وفياتا لأعيان 1/4، الأعلام 1/45،44.
2 راجع: المستصفى للغزالي 1/6 المنتهى لابن الحاجب ص 24، تيسير التحرير 2/380.
3 وأقول: إن الصحيح في المذهب أنه لا يجب التعرض في النية للأداء والقضاء، ولكن الفائدة تظهر في الأيمان والتعاليق، بأن يقول لزوجته: متى وجب عليك صوم فأنت طالق.
راجع: الإقناع للخطيب الشربيني 1/219.
4 هو: أحمد بن أبي أحمد الطبري، أبو العباس بن القاص، إمام عصره، وصاحب التصانيف المشهورة، منها: "التخيص" و"المفتاح" و"أدب القاضي" وله مؤلفات كثيرة في الفقه والأصول.
توفي سنة: 335هـ بطرسوس.
النجوم الزاهرة 3/294، طبقات الشافعية لابن السبكي 3/59.
(1/133)

والجرجاني1 في المعاياة إن ركعتي الطواف تقضيهما الحائض لأنهما لا يتكرران قال وأنكر الشيخ أبو علي السنجي2 هذا وقال الوجوب لم يكن في زمان الحيض فكيف يسمى قضاء قال النووي وما قاله الشيخ أبو علي هو الصواب لأن ركعتي الطواف لا يدخل وقتهما إلا بالفراغ من الطواف قال فإن قدر أنها طافت ثم حاضت عقب الفراغ من الطواف صح ما ذكرناه إن سلم لهما ثبوت ركعتي الطواف في هذه الصورة.
__________
1 هو أحمد بن محمد بن أحمد أبو العباس الجرجاني قاضي البصرة وشيخ الشافعية بها في عصر من مؤلفاته التحرير والبلغة والمعاياة كلها في الفقه توفي 482 هـ. طبقات الشافعية لابن السبكي 3/31 الأعلام 1/207.
2 هو الحسين بن شعيب بن محمد السنجي أب علي فقيه شافعي نسبته إلى سنج من قرى مرو
من مؤلفاته شرح الفروع لابن الحداد وشرح التلخيص لابن القاص. توفي سنة 427 هـ.
وفيات الأعيان 1/145 – الأعلام 2/258.
(1/134)

الباب الثاني فيما لا بد للحكم منه
الحاكم
الحسن والقبيح
...
الباب الثاني فيما لا بد للحكم منه وهو الحاكم والمحكوم عليه وبه
الفصل الأول في الحاكم
قال الباب الثاني فيما لا بد للحكم منه وهو الحاكم والمحكوم عليه وبه وفيه ثلاثة فصول الأول في الحاكم وهو الشرع دون العقل لما بينا من فساد الحسن والقبح العقليين في كتاب المصباح.
هذا الباب معقود لأركان الحكم وهي ثلاثة الحاكم والمحكوم عليه والمحكوم به الأول في الحاكم وهو الشرع فلا تحسين ولا تقبيح بغيره وذهبت المعتزلة إلى أن العقل له صلاحية الكشف عنهما وأنه لا يفتقر معرفة أحكام الله تعالى إلى ورود الشرائع وإنما الشرائع مؤكدة لما تقضي به العقول إما بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار أو بالنظر كحسن الكذب النافع أو باستعانة الشرع كحسن صوم آخر يوم من رمضان وقبح أول يوم من شوال.
واعلم أن الحسن والقبح قد يراد بهما كون الشيء ملائما للطبع ومنافرا أو كون الشيء صفة كمال أو صفة نقص كقولنا العلم حسن والجهل قبيح وبهذا التفسير لا نزاع في كونهما عقليين إنما النزاع في كون الفعل متعلق الذم عاجلا والعقاب آجلا ولذلك قال القاضي في مختصر التقريب إنما المقصد تحقيق ما يحسن في قضية التكليف ويقبح وتفاصيل هذه المسألة وحجج الأصحاب فيها
(1/135)

مبسوطة في الكتب الكلامية والمصنف أحال القول في ذلك على كتابه مصباح الأرواح1.
فإن قلت قد علم مذهب أهل السنة رضي الله عنهم في أن الأحكام إنما تثبت من جهة الشرع ولا شيء منها عقلي فما معنى ما يأتي في عبارة أهل السنة من الفقهاء من قولهم هذا حرام بالعقل وهذا جائز بالعقل وما شابه ذلك قلت هذا سؤال لنا غرض صحيح في الجواب عنه لوقوف جماعة من الشاكين في الفقه على أمثال هذه العبارة ووقوع الريب في قلوبهم من قائلها والكلام عليه وإن كان كالدخيل في هذا الشرح إلا أن غيرنا لا يقوم به فلنفده طالبه فنقول المراد من ذلك إما القياس وإما أن القاعدة الكلية لما ثبتت من الشرع ورأينا الفرع الجزئي من جملة أقسامها أدرك العقل دخوله في القاعدة فقيل ثبت بالعقل وهذا معناه كما نقول الوتر يصلى على الراحلة وكل ما يصلى على الراحلة فهو سنة فالوتر سنة بالعقل بمعنى أن العقل أدرك النتيجة لا أنه جعل الوتر سنة ومن هذا القبيل أن الشافعي رضي الله عنه أطلق القول في المختصر بتعصية الناجش2 وهو الذي يزيد في ثمن السلعة المعروضة للبيع وهو غير راغب فيها ليخدع الناس ويرغبهم فيها وشرط في تعصية من باع على بيع أخيه أن يكون عالما بالحديث الوارد فيه قال الشارحون السبب فيه أن النجش خديعة وتحريم الخديعة واضح لكل أحد معلوم من الألفاظ العامة وإن لم يعلم هذا الخبر بخصوصه والبيع على بيع الأخ إنما عرف تحريمه من الخبر الوارد فيه فلا يعرفه من لا يعرف الخبر وذكر بعضهم أن تحريم الخداع يعرف بالعقل وإن لم يرد الشرع واعترض الرافعي على هذا بأنه ليس معتقدنا ولك أن تجمع بين
__________
1 وهو كتاب في علم الكلام أوله: "الحمد لله الأول قبل كل موجود......" رتبه على مقدمة وثلاثة كتب وقد شرحه كثير من العلماء منهم القاضي عبيد الله بن محمد التبريزي المعروف بالعبري المتوفى سنة 743 هـ.
كشف الظنون ص 1705.
2 في هامش النسخة المطبوعة ص 86 ما نصه "هذا الذي أطلقه في المختصر من تعصية الناجش قد صرح في الأم بخلافه فنص في اختلاف العراقيين على أن النجش لا يحرم إلا على من علم النهي فيحمل إطلاق المختصر على تقييد الأم.
(1/136)

كلام الشارحين وهذا الكلام بأن الخديعة لما كانت محرمة من الألفاظ العامة أدرك العقل تحريم النجش لأن كل نجش خديعة وكل خديعة حرام ينتج النجش حرام ومراده بقوله وإن لم يرد شرع أي خبر خاص لا القول بأن العقل يحسن ويقبح كما فهمه الرافعي1 فإن قلت فالبيع على بيع الأخ إضرار وكما يعرف تحريم النجش من الألفاظ العامة في تحريم الخداع يعلم تحريم البيع على البيع من الألفاظ العامة في تحريم الإضرار قلت كذا اعترض به الرافعي رحمه الله لكن لقائل أن يقول لا يوجد البيع على بيع الأخ من الألفاظ العامة في الإضرار بخلاف النجش والفرق أن النجش لا يجلب للناجش مصلحة لأنه لا غرض له إلا الزيادة في ثمن السلعة ليجلب نفعا لصاحبها يلزم منه الإضرار بالمشتري وجلب منفعة لشخص بإضرار آخر حرام واضح من القواعد المقررة.
وأما البيع على البيع فهو يدعو أخاه إلى فسخ البيع ليبيعه خيرا منه بأرخص ففيه جلب منفعة له من حيث ترويج سلعته وللمشتري من جهة شراء الأجود بأرخص فهاتان مصلحتان لم يعارضهما إلا مفسدة وهي غير محققة لجواز أن البائع الأول يبيع سلعته إذا فسخ البيع فيها من مشتر آخر بذلك الثمن أو أزيد فلا يلزم من تحريم جلب منفعة واحد لازمها وقوع مفسدة في صورة النجش تحريم جلب منفعة اثنين بمجرد ظن ترتب مفسدة عليها فوضح أن العقل لم يكن قبل ورود الخبر الخاص في البيع على البيع ليدرك تحريمه لما ذكرناه بخلاف النجش.
واعلم أيضا أنه يأتي في عبارات بعض الأصحاب ما يؤخذ منه قاعدة التحسين والتقبيح أو يستلزم قاعدة التحسين والتقبيح أو يستلزم قاعدة التحسين
__________
1 هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم أبو القاسم الرافعي القزويني كان فقيها من كبار الشافعية وكان له مجلس في قزوين للتفسير والحديث يتصلى نسبه برافع بن خديج الصحابي الجليل.
من مؤلفاته التدوين في ذكر أخبار قزوين والإيجاز في أخطاء الحجاز والمحرر في فقه الشافعية توفي سنة 623 هـ.
فوات الوفيات 2/3 الأعلام للزركلي 4/179.
(1/137)

والتقبيح كقول أبي العباس بن سريح1 وأبي علي بن أبي هريرة2 والقاضي أبي حامد المروزي3 إن شكر المنعم واجب عقلا وقول القفال4 إن القياس يجب العمل به عقلا وقوله إن خبر الواحد يجب العمل به عقلا إلى غير ذلك من المسائل وسببه كما قال الأستاذ أبو إسحاق في كتابه في أصول الفقه في مسألة شكر المنعم هذه الطائفة من أصحابنا إنما ذهبت إلى هذه الآراء لأنهم كانوا يطالعون كتب المعتزلة لشغفهم بمسائل هذا العلم فربما عثروا على هذه العبارة وهي شكر المنعم على النعمة قبل ورود السمع فاسحسنوها فذهبوا إليها ولم يقفوا على القبائح والفضائح التي تحتها هذا كلام الأستاذ وكذلك ذكر القاضي أبو بكر في التخليص الذي اختصره إمام الحرمين من كتابه التقريب في مسألة حكم الأفعال قبل ورود الشرع فإنه قال مال بعض الفقهاء إلى الحظر وبعضهم إلى الإباحة وهذا لغفلتهم عن تشعب ذلك عن أصول المعتزلة مع علمنا بأنهم ما استحسنوا مسالكهم وما اتبعوا مقاصدهم انتهى وهذه فائدة عظيمة جليلة.
__________
1 هو العباس بن عمر بن سريج من فقهاء الشافعية ومتكلميهم كان شيخ الشافعية في عصره توفي ببغداد سنة 36 هـ البغداد 4/287.
2 هو الحسن بن الحسين المكنى بأبي علي المعروف بابن أبي هريرة تتلمذ على يد أبي العباس ابن سريج انتهت إليه رئاسة الشافعية ببغداد. توفي سنة 345 هـ.
البغداد 7/298 طبقات الشافعية لابن هداية الله ص 21.
3 هو أحمد بن محمد بن أحمد الاسفراييني أبو حامد أعلام الشافعية ولد في اسفرانني بالقرب من نيسابور ورحل إلى بغداد فتفقه فيها وعظمت مكانته من مؤلفاته الرونق في الفقه والأصول.
توفي ببغداد سنة 401 هـ الأعلام 1/203.
4 هو محمد بن علي بن إسماعيل القفال الكبير الشاشي أحد أئمة الدهر كان عالما بالتفسير والحديث والكلام والأصول وسائر العلوم العربية. توفي سنة 365 هـ.
طبقات الشافعية لابن السبكي 3/200 شذرات الذهب لابن العماد 3/51.
(1/138)

فرعا الحسن والقبيح. الفرع الأول: شكر المنعم ليس بواجب عقلا
...
فرعان على الحسن والقبح
قال فرعان على التنزل
الأول شكر المنعم ليس بواجب عقلا
إذ لا تعذيب قبل الشرع لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} ولأنه لو وجب لوجب إما لفائدة المشكور وهو منزه أو للشاكر في الدنيا وأنه مشقة بلا حظ أو في الآخرة ولا استقلال للعقل لها.
هذان فرعان على قاعدة الحسن والقبح جرت عوائد الأصحاب بذكرهما بعد إبطال مذهب المعتزلة فيها لشدة سخافة مذهب المعتزلة بالنسبة إليهما ولهذا يقال إنهما على التنزل أي الافتراض والتكليف في النزول عن المذهب الحق الذي هو الذروة إلى مذهبهم الباطل الذي هو في الحضيض الأول شكر المنعم غير واجب عقلا خلافا للمتزلة وبعض الحنفية وأما وجوبه شرعا فمتفق عليه والمراد بوجوب الشكر عقلا أنه يجب على المكلف تجنب المستقبحات العقلية وفعل المستحسنات العقلية كذا نقله بعض أصحابنا عنهم قال صفي الدين الهندي1 ولا يبعد أن يراد به ما نريد به نحن في الشرع وهو أن الشكر يكون باعتقاد أن ما به من نعمة فمن الله وأنه المتفضل بذلك عليه فإن نعمة الخلق والحياة والصحة غير مستحق عليه وفاقا ويكون بالفعل وهو بامتثال أوامره واجتناب مناهيه وبالقول وهو أن يتحدث بنعمة ربه واحتج في الكتاب على ما ذهب إليه بوجهين.
الأول: قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} 2.
ووجه الدلاله فيه ظاهر وتقريره أنا مفرعون على القول بالحسن والقبح والشرع على القول بأن العقل يحكم كاشف وقد أخبر أن التعذيب منتف قبل البعثة فدل على أن العقل اقتضى ذلك ولو وجب شكر المنعم لحصل التعذيب بتركه ولم يتوقف على بعثه الرسل فاضبط هذا التقرير ولا تعدل به.
__________
1 هو حمد بن عبد الرحيم بن محمد الشيخ صفي الدين الهندي الأموي كان أعلم الناس بمذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وأدراهم بأسراره.
من مؤلفاته الزبدة في علم الكلام والنهاية في أصول الفقه.
توفي بدمشق سنة 715 هـ حسن المحضرة 1/544 طبقات الشافعية لابن السبكي 9/162, 163.
2 سورة الاسراء: الآية15.
(1/139)

والثاني: أنه لو وجب لوجب لفائدة أن التفريع على القول بقاعدة الحسن والقبح والإيجاب على القول بها يستدعي فائدة وإن شئت قلت لو وجب لوجب إما بلا فائدة وهو عبث مستقبح عقلا ولكن يلزم على هذا أن يكون المصنف أخل بأحد الأقسام وأما لفائدة عائدة إلى المشكور وهوسبحانه وتعالى وهو محال لتنزهه عن الفوائد والأغراض أو عائدة إلى العبد الشاكر في الدنيا وهو أيضا باطل لأنه مشقة وكلفة على النفس من غير حظ ونفع أو عائدة إليه في الآخرة وهو أيضا باطل إذ لا استقلال للعقل بمعرفة الفوائد الأخروية على وجه التفصيل وهذا مسلم لكن ليس من شرط الوجوب العلم بالفوائد التفصيلية وإن أريد الإجمالية فلا نسلم أن العقل لا يستقل بمعرفتها وذلك لأن القول في هذا مبني على قاعدة الحسن والقبح وهي تقطع باتصال الثواب بفعل الواجبات العقلية والعقاب بتركها ولقائل أن يقول العقل لا يستقل بإدراك الآخرة وكيف يستقل بالحكم بوجود دار أخرى مخلوقة للجزاء والإحسان وإذ لم يستقل بإدراكها لم يحكم بما يترتب عليها.
قال قيل يدفع ظن ضرر الآجل قلنا قد يتضمنه لأنه تصرف في ملك الغير وكاستهزاء لحقارة الدنيا بالنسبة إلى كبريائه ولأنه ربما لا يقع لائقا قيل ينتقض بالوجوب الشرعي قلنا إيجاب الشرع لا يستدعي فائدة.
اعترض على الوجه الآخر بوجهين.
أحدهما: أنا نقول بعود الفائدة إلى العبد الشاكر في الدنيا.
قوله مشقة وكلفة بلا حظ قلنا لا نسلم أنه لا حظ لها في الشكر وذلك لأن فائدة الشكر اندفاع ظن العقاب في الآخرة على تركه لأن العقاب على ترك الشكر احتمال راجح يوجب للنفس القلق وعدم الطمأنينة بل مجرد توهم العقاب قد يحصل فيه ذلك وأجاب المصنف بأن ترك الشكر كما أنه يستدعي ما ذكرتم كذلك الإقدام عليه وذلك لأن من أقدم على الشكر فقد استعمل الأعضاء والقوى المملوكة لربه سبحانه وتعالى وتصرف فيها بغير إذنه والتصرف في ملك الغير بغير إذنه يوجب ما ذكرتم وأيضا فالشكر لأنعمه تعالى منزل منزلة المستهزئ بالمنعم لأن نعم الدنيا وإن جل خطبها فهي بالنسبة إلى كبريائه تعالى أقل من لقمة بالنسبة إلى ملك عظيم لأن نسبة ما يتناهى إلى
(1/140)

مثله أقل من نسبته إلى ما لا نهاية له ولا ريب في أن القائم في المحافل يشكر الملك بسبب ما أسداه إليه من لقمة خبز معدود من المستهزئين مستوجب للتأديب وأيضا فالشكر للملك العظيم إنما يكون على وجه لائق بجنابه وقد لا تهتدي العقول إلى ذلك الوجه اللائق بجلاله سبحانه وتعالى فيستحق العقاب بسببه.
فإن قلت لما فسر الشكر باجتناب القبيح وإتيان الحسن عقلا اندفع ما ذكرتم للعلم بالشكر اللائق حينئذ كما هو معلوم بعد ورود الشرع قلت هب أن الأمر كما ذكرت لكن الإتيان بما ذكرت من الشكر يتوقف على استقباح العقل وتحسينه فربما يستقبح الحسن ويستحسن القبيح لأن العقول غير معصومة عن الخطأ لا يقال قد تعارضت الاحتمالات والمواظبة على الخدمة أنجى من الإعراض والإهمال لأنا نقول ذلك في مشكور يسره الشكر ويسوؤه الكفران والله تعالى مبرأ عن ذلك.
الوجه الثاني: أن ما ذكرتم منقوض بوجوب الشكر شرعا فلو كان ما ذكرتموه صحيحا لم يجب بعين ما قررتم بأن يقال لو وجب شكر المنعم شرعا لوجب لفائدة إلى آخر ما أوردتم وأجاب بأن الدليل المذكور لا يطرد في الوجوب الشرعي لأنه لا تعلل أحكام الله تعالى ولا أفعاله فإيجاب الشرع ليس لاستدعاء فائدة بل له بحكم المالكية أن يفعل ما يشاء وهذا جواب صحيح ماش على اللائق بأصول المتكلمين فإنهم لا يجوزون تعليل أفعال الله تعالى وهو الحق لأن من فعل فعلا لغرض كان حصوله بالنسبة إليه أولى سواء كان ذلك لغرض عائدا إليه أم إلى الغير وإذا كان كذلك يكون ناقصا في نفسه مستكملا في غيره تعالى الله عن ذلك.
وأما قول المصنف في القياس تبعا للإمام دل الاستقراء على أن الله شرع الأحكام لمصالح العباد تفضلا وإحسانا فهو من كلام الفقهاء وإطلاقتهم والصواب ما ذكره هنا.
فائدة قال الإمام أبو الحسن الطبري المعروف بالكيال في تعليقه في
(1/141)

الأصول وفي خط ابن الصلاح1 نقلت ذلك مسألة شكر النعم غير مسألة التحسين والتقبيح بيانه إنا نقول ليس الشكر اللفظ فما معناه قالوا المعرفة قلنا المعرفة تراد للشكر فكيف تكون نفس الشكر فلا بد أن تتقدم على الشكر فإنما شكر من عرف وإن قالوا نعني بالشكر ما تعنون أنتم قلنا الشكر عندنا امتثال أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه وإن قالوا فنحن نقول الشكر هو الإقدام على المستحسنات واجتناب المستقبحات قلنا فهذه هي مسألة التحسين والتقبيح بعينها قال لكنا أفردناها بالكلام على عادة المتقدمين.
__________
1 هو عثمان بن عبد الرحمن بن موسى الشهرزوري الكردي الشرخاني تقي الدين المعروف بان الصلاح أحد فضلاء المقدمين في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال.
من مؤلفاته أدب المفتي والمستفتي وشرح الوسيط في فقه الشافعية توفي سنة 643 هـ.
وفيات الأعيان 1/312 الأعلام 4/369.
(1/142)

الفرع الثاني: الأفعال الختيارية قبل البحث
...
الفرع الثاني
قال الفرع الثاني: الأفعال الإختيارية قبل البعثة مباحة عند البصرية وبعض الفقهاء محرمة عند البغدادية وبعض الإمامية وابن أبي هريرة وتوقف الشيخ والصيرفي وفسره الإمام بعدم الحكم والأولى أن يفسر بعدم العلم لأن الحكم قديم عنده ولا يتوقف تعلقه عن البعثة لتجويزه التكليف بالمحال.
هذا الفرع في حكم الأشياء قبل ورود الشرع وقد ذهب أهل السنة والجماعة إلى أنه لا حكم فيها لأن الحكم عندهم عبارة عن الخطاب على ما تقدم تفسيره فحيث لا خطاب لا حكم وأما المعتزلة فقسموا الأفعال إلى اضطرارية واختيارية.
الأولى: الاضطرارية وهي التي تقع بغير اختيار المكلف ولا قدرة له على تركها كالتنفس في الهواء قال الإمام وذلك مما لا بد من القطع بأنه غير ممنوع إلا إذا جوزنا تكليف ما لا يطاق.
الثانية: الاختيارية وهي الواقعة بإرادة المكلف مع قدرته على تركها
(1/142)

ومثل لها بأكل الفاكهة وبهذا يعرف أن القدر الذي لا يعيش المكلف بدونه من الأكل والشرب وغيرهما من قسم الاضطراري ومنهم من جعل ما يحصل به الاغتذاء من قسم الاختياري المتنازع فيه وتبعهم المصنف كما سنراه في كلامه إن شاء الله ولعل مرادهم الاغتذاء ما يقع فوق الضرورة إذا عرفت ذلك فقد قسموا الاختيارية إلى ما يقضي فيها العقل بحسن أو قبح واتبعوا فيها حكم العقل وتقسيمه إياها إلى الأحكام الخمسة وإلى ما لا يقضي العقل فيها بواحد منهما وهذه صورة مسألة الكتاب فقوله الاختيارية احتراز عن الاضطرارية وفاته أن يقول التي لا يقضي العقل فيها بحسن ولا قبح فنقول ذهبت معتزلة البصرة وبعض الفقهاء من الشافعية والحنفية إلى أنها على الإباحة قبل ورود الشرع وذهب معتزلة بغداد وبعض الإمامية والشيخ أبو علي ابن أبي هريرة من الشافعية إلى أنها محرمة وقد سلف اعتذار القاضي والأستاذ عمن قضى في هذه المسألة بإباحة أو حظر من الفقهاء وتوقف الشيخ أبو الحسن الأشعري وأبو بكر الصيرفي1 في ذلك والخلاف في هذه المسألة جار في خطاب التكليف وخطاب الوضع على حد سواء وفسر الإمام توقف الشيخ بعدم الحكم أي بانتفاء الأحكام وهذا ما قاله النووي في أوائل باب الربا في شرح المهذب أنه الصحيح عند أصحابنا أعني انتفاء الأحكام قال صاحب الكتاب والأولى أن نفسر التوقف بعدم العلم أي بأن لها حكما قبل ورود الشرع ولكنا لا نعلم ما هو وعلل ذلك بأن الحكم قديم عند الشيخ فتفسير التوقف بعدم الحكم يلزم عنه أن يكون الحكم حادثا وهو خلاف مذهبه ثم استشعر المصنف سؤالا فأجاب عنه وتقريره أن الحكم وإن كان قديما عند الشيخ لكن تعلقه حادث لأنه متوقف على بعثة الرسل والمراد بأنه لا حكم قبل ورود الشرع أنه لا تعلق فلا يكون تفسير التوقف بعدم الحكم مخالفا لمذهب الشيخ وتقرير جوابه أن التعلق عند الشيخ لا يتوقف على البعثة لتجويزه
__________
1 هو محمد بن عبد الله البغدادي المكنى بأبي بكر الملقب بالصيرفي الأصولي الفقيه من مؤلفاته شرح الرسالة للإمام الشافعي – رضي الله عنه – توفي بمصر سنة 330 هـ.
تاريخ بغداد 5/449 شذرات الذهب 2/325.
(1/143)

التكليف بالمحال فيجوز أن يتعلق الحكم بأفعال المكلفين قبل ورود الشرع مع عدم شعورهم بذلك.
ولقائل أن يقول هذا حينئذ تكليف الغافل لا تكليف بالمحال والشيخ إنما يجوز الثاني ثم إن الشيخ لا يقول بوقوع التكليف بالمحال بل الحل تفسير التوقف بعدم الحكم وبه صرح القاضي في مختصر التقريب فقال صار أهل الحق إلى أنه لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع وعبروا عن نفي الأحكام بالتوقف ولم يريدوا بذلك الوقف الذي يكون حكما في بعض مسائل الشرع وإنما عنوا به انتفاء الأحكام انتهى وهو مصرح ببطلان ما ذهب إليه المصنف من التفسير وكذا قال إمام الحرمين في البرهان لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع وليس مراده إلا الوقف لعدم الحكم وقال الغزالي إن أراد أصحاب الوقف أن الحكم موقوف على ورود السمع ولا حكم في الحال فصحيح وإن أرادوا عدم العلم فهو خطأ فإن قلت الوقف هو الإمساك عن الحكم بشيء فلا يناسب تفسيره بالجزم بأن لا حكم قلت معنى الوقف يرجع إلى أن فعل المكلف قبل البعث لا يوصف بإباحة ولا حرمة لعدم التعلق به فالتوقف إنما هو في وصف الفعل لا في وجود الحكم وعدمه لكن لما كان السبب في هذا الوقف بعدم الحكم بمعنى عدم التعلق فسرنا التوقف بعدم الحكم تجوزا فإن قلت هذا لا يجامع اختياركم إن التعلق قديم قلت المراد بالتعلق هنا هو التعلق الذي يظهر أثره في المحكوم عليه وهو منتف قبل البعثة فلذلك اخترنا انتفاء الحكم قبل البعثة وفسرنا توقف الشيخ به فإن قلت هل الحكم بنفي الحكم قبل البعثة عقلي أو شرعي قلت هو عقلي لا شرعي بقي مما ننبه عليه هنا أن ما نقله المصنف عن الإمام ليس بجيد فإنه حكى في المحصول قول الوقف ثم قال هذا الوقف تارة يفسر بأنه لا حكم وهذا لا يكون وقفا بل قطعا بعدم الحكم وتارة بأنا لا ندري هل هنا حكم أم لا وإن كان هناك حكم فلا ندري أنه إباحة أو حظر انتهى فليس فيه اختيار ما نقله المصنف عنه.
فإن قلت ما عذر المصنف في ذلك؟
(1/144)

قلت الظاهر أنه تبع صاحب الحاصل1 حيث قال فيه التوقف مرة يفسر بأنا لا ندري الحكم ومرة بعدم الحكم وهو الحق وظن أن صاحب الحاصل اتبع الإمام على عادته فنسب اختيار هذا القول إلى الإمام ويحتمل أن المصنف وقف للإمام على اختيار ذلك في كلام له في غير هذا الموضع أو أنه أراد بالإمام إمام الحرمين فإنه اختار ذلك في البرهان حيث قال لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع وهما احتمالان بعيدان.
__________
1 صاحب الحاصل هو تاج الدين محمد بن حسين الأرموي المتوفى سنة 656 هـ اختصر كتاب المحصول للإمام الرازي في كتاب سماه الحاصل.
(1/145)

أدلة القائلين بالإباحة
قال احتج الأولون بأنه انتفاع خال عن إمام المفسدة ومضرة المالك فيباح كالاستظلال بجدار الغير والاقتباس من ناره وأيضا المآكل اللذيذة خلقت لغرضنا لامتناع العبث واستغنائه تعالى وليس للإضرار اتفاقا فهو للنفع وهو إما التلذذ أو الاغتذاء أو الاجتناب مع الميل أو الاستدلال ولا يحصل إلا بالتناول وأجيب عن الأول بمنع الأصل وعليه الأوصاف والدوران ضعيف وعن الثاني أن أفعاله لا تعلل بالغرض وإن سلم فالحصر ممنوع.
احتج الأول وهم القائلون بالإباحة بوجهين:
أحدهما: أنها انتفاع خال عن إمارة المفسدة فإن الكلام مفروض في فعل لا يظهر له مفسدة وخال عن مضرة المالك لأن المالك هو الله المنزه عن المضار المبرأ عن المنافع فتكون مباحه قياسا على الاستظلال بجدار الغير والاستضاءة بناره بغير إذنه فإنه أبيح لخلوه عن أمارات المفسدة ومضرة المالك فلما وجدنا الإباحة دائرة مع هذه الأوصاف وجودا وعدما والدوران يدل على علية المدار للدائر دل على عليتها لإباحة الأفعال وهي صورة النزاع فيلزم الإباحة فيها وتمثيل المصنف بالاقتباس فيه نظر لأن الاقتباس أخذ جزء من النار وهو لا يجوز بغير الإذن فالأولى التمثيل بالاستضاءة كما ذكرنا.
وقد ذكر الرافعي جواز الاستظلال بجدار الغير والاستضاءة بناره والاستناد وإسناد المتاع في أثناء كلام في القسم الثاني في الجدار المشترك من كتاب الصلح وذكر القفال المسألة في الفتاوى في واقعة جرت له مع السلطان محمود وأنه يجوز السعي في أرض الغير إن لم يخش أن تتخذ بذلك طريقا وإلا
(1/146)

لزم منه الضرر قال وكذلك النظر في مرآة الغير والإيقاد من ناره والاستظلال بجداره والالتقاط من حبوب الزرع المتناثر ذكر القفال في الفتاوى أيضا أنه يجوز إسناد خشبة إلى جدار الغير.
الوجه الثاني: أن المواكيل اللذيذة إن خلقت لا لغرض كان عبثا محالا وإن خلقت لغرض فلا جائز أن يعود إلى الباري لتنزهه عن الأغراض فتعين أن يكون لغرضنا وليس هو الإضرار باتفاق العقلاء فهو حينئذ النفع وذلك النفع إما أن يكون دنيويا كالتلذذ والاغتذاء أو أخرويا يتعلق بالعمل كالاجتناب لكون تناولها مفسدة مع الميل فيستحق الثواب باجتنابها أو أخرويا يتعلق بالعلم كالاستدلال بها على وجود الصانع كمال قدرته وكل ذلك لا يحصل إلا بالتناول فواضح.
وأما توقف الاجتناب عليه فلأن المكلف إنما يستحق الثواب بتجنبها إذا دعت نفسه إليها وإنما يكون ذلك بعد التناول كذا قيل والحق أن تارك المعاصي امتثالا لأمر الله تعالى مع عدم ميلانه إليها يثاب على تركها بل هو عند قوم أعلى درجة من الذي فعلها ثم انزجر عنها وأما توقف الاستدلال فلأنه إنما يكون مع معرفتها هذا تقرير الوجهين.
قال في الكتاب وأجيب عن الأول بأنا لا نسلم ثبوت الحكم في المقيس عليه فإن الاستظلال بجدار الغير والاقتباس من ناره من جملة الأفعال الاختيارية الداخلة تحت صور النزاع ولئن سلمنا ثبوت الحكم في الأصل فلا نسلم أنه معلل بهذه الأوصاف واستدلالكم على ذلك بالدوران لا يفيدكم لأن الدوران وإن كان حجة فالظن الحاصل منه ضعيف لا يستدل بمثله على هذه المسألة.
واعلم أن هذا لا يخالف قوله في القياس بحجة الدوران لأن القائل بحجته معترف بأنه جار في مجاري الظنون الضعيفة التي يستدل بها على الفروع الفقهية الجزئية دون المسائل الأصولية وأما من قال بأنه مفيد للقطع فلا مبالاة بمعتقده الفاسد وأجيب عن الثاني بأن الدليل المذكور مبني على تعليل أفعال الله تعالى
(1/147)

بالأغراض وقد بينا فيما سلف أنه لا يجوز تعليلها ولقائل أن يقول إذا كان الكلام في هذا الفرع مفرعا على القول بقاعدة التحسين والتقبيح وجب المشي فيه على قاعدة القوم وهم يعللون أفعال الله تعالى ويزعمون أنها تابعة للمصالح ثم قال المصنف ولئن سلمنا جواز تعليلها فلا نسلم انحصار الغرض فيما ذكرتم وجاز أن يكون الغرض في خلقها هو التنزه بمشاهدتها أو غير ذلك.
(1/148)

أدلة القائلين بحرمتها
قال وقال الآخرون تصرف بغير إذن المالك فيحرم كما في الشاهد ورد بأن الشاهد يتضرر به دون الغائب.
احتج القائلون بأنها محرمة بأن الأفعال الاختيارية تصرف في ملك الغير بغير إذن فيحرم قياسا على التصرف في ملك الشاهد الذي هو الإنسان بغير إذنه والجامع بين ورد هذا بالفرق وهو أن حرمة التصرف في ملك الشاهد بغير إذنه إنما كانت لتضرره بذلك وهذا بخلاف الغائب وهو الله لتنزهه عن الإضرار وقد علم الواقف على هذا برد المصنف على الفريقين أنه يختار الوقف.
واعلم أنه لا خلاف في الحقيقة بين الواقفية والقائلين بالإباحة كما قال إمام الحرمين قال فإنهم لم يعنوا بالإباحة ورود خبر عنها وإنما أرادوا استواء الأمر في الفعل والترك والأمر على ما ذكروه نعم لو قالوا حق على المالك أن يبيح فهذا ينعكس الآن عليهم بالتحكم في تفاصيل النفع والضرر على من لاينتفع ولا يستضر.
قال تنبيه عدم الحرمة لا يوجب الإباحة لأن عدم المنع أعم من الإذن.
هذا إشارة إلى جواب عن سؤال مقدر ذكره الفريقان على الواقفية بمعنى لا حكم ولك أن تقول المصنف غني عن ذكر هذا إذ هو لا يفسر التوقف بمعنى عدم الحكم بل بمعنى عدم العلم وتقرير السؤال أن الأفعال إن كانت ممنوعا منها فهي محرمة وإلا فهي مباحة.
والجواب أنا لا نسلم أنها إذا لم تكن ممنوعا منها تكون مباحة لأن المباح
(1/149)

هو ما أعلم فاعله أو دل على أنه لا حرج في فعله ولا تركه ولا يلزم من عدم المنع الإذن لأن عدم المنع أعم من الإذن والعام لا يستلزم الخاص.
(1/150)

المحكوم عليه
المسألة الأولى: الاحكم على المعدوم
...
الفصل الثاني في المحكوم عليه وفيه عدة مسائل
الأولى: في الحكم على المعدوم
قال الفصل الثاني في المحكوم عليه وفيه مسائل:
الأولى: يجوز الحكم على المعدوم كما أنا مأمورون بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال أصحابنا المعدوم يجوز أن يحكم عليه لا بمعنى أن حال كونه معدوما يكون مأمورا فإنه معلوم الفساد بالضرورة بل بمعنى أنه يجوز أن يكون الأمر موجودا في الحال ثم إن الشخص الذي يوجد بعد ذلك يصير مأمورا بذلك وأما سائر الفرق فقد أنكروه وعظموا النكير على شيخنا أبي الحسن1 حتى انتهى الأمر إلى انكفاف طائفة من الأصحاب عن هذا المذهب منهم أبو العباس القلانسي من قدماء الأصحاب وقال كلام الله في الأزل لا يتصف بكونه أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا وإنما ثبتت هذه الصفات فيما لا يزال عند وجود المخاطبين كما يتصف الباري بكونه خالقا رازقا فيما لا يزال وجعل ذلك من صفات الأفعال وهذا ضعيف لأنه إثبات لكلام خارج عن كونه أمرا ونهيا ووعدا وعيدا إلى استتمام أقسام الكلام وذلك مستحيل قطعا فلئن جاز ذلك فما المانع من المصير إلى أن الصفة الأزلية ليست كلاما أزليا ثم يستجد كونها كلاما فيما لا يزال وذهب بعض الفقهاء كما حكاه القاضي في مختصر التقريب إلى أن الأمر قبل وجود المأمور أمر إنذار وإعلام وليس بأمر إيجاب وهو
__________
1 يقصد بذلك الشيخ أبا الحسن الأشعري شيخ طريقة أهل السنة والجماعة وتقدمت ترجمته.
(1/151)

ضعيف لأن ما فروا منه في الإيجاب يلزمهم في الإعلام فإنه كما يستبعد إلزام المعدوم يستبعد إعلامه واحتج أصحابنا بأن الواحد منا يصير مأمورا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم مع أن ذلك الأمر ما كان موجودا إلا حال عدمنا.
قال قيل الرسول أخبر بأن من سيولد فالله سيأمره قلنا أمر الله في الأزل معناه أن فلانا إذا وجد فهو مأمور بكذا قيل الأمر في الأزل ولا سامع ولا مأمورا عبث بخلاف أمر الرسول عليه السلام قلنا مبني على القبح العقلي ومع هذا فلاسفة في أن يكون في النفس طلب التعلم من أين سيولد.
اعترض الخصوم على الدليل المتقدم بأنه لا يصح قياس أمر الله على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه صلى الله عليه وسلم مبلغ لأمر الله تعالى فيكون مخبرا عن الله بأن فلانا إذا وجد وانخرط في سلك من يفهم الخطاب فالله يأمره بكذا وإذا كان كذلك لم يكن أمرا للمعدوم بشيء وأجاب المصنف بأنا أيضا نقول أمر الله في الأزل معناه أنه أخبر بأن من سيوجد ويستعد لتعلق الأمر به يصير مأمورا بأمري كما قلتم في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فإن قلت إذا كان أمر الله بمعنى الإخبار فلا يكون أمرا حقيقيا قلت كذلك ذهب إليه بعض الأشاعرة وضعفه الإمام بوجهين.
أحدهما: أنه إن كان مخبرا لنفسه فهو سفه أو لغيره فمحال إذ ليس ثم غيره ولهذا ذهب من صار إلى أن كلام الله في الأزل لم يكن أمرا ولا نهيا ثم صار فيما لا يزال كذلك واعترض عليه القرافي بأنا نقول إنه مخبر لنفسه والقائل يشتغل في فكره طول ليله ونهاره ولا معنى لذلك إلا الإخبارات وأجمع العقلاء مع ذلك على حسنه فلا يكون في حق الله تعالى قبيحا بل الله تعالى عالم بجميع معلوماته ويخبر عن كل معلوم بخصائص صفاته وأحواله ولا استحالة في ذلك ولم يزل الله تعالى في الأزل وأبدا ولا يسمع ذلك إلا الله تعالى بسمعه القديم وإلى هذا الإخبار أشار عليه السلام بقوله "لا أحصى ثناء عليك أنت
(1/152)

كما أثنيت على نفسك 1 فالله تعالى يثني على نفسه دائما أزلا وأبدا ولا معنى للثناء إلا الإخبار قال وهذا واجب حق لا ينكره إلا من لم يربض بالعلوم العقلية الكلامية.
والثاني: من اعتراض الإمام أنه لو كان بمعنى الإخبار لقبل الصدق والكذب ولكن يلزم ألا يجوز العفو لأن الخلف في خبر الله محال وهو ضعيف لأنا نقول الأمر عبارة عن الإخبار بنزول العقاب إذا لم يحصل عفو ذكره الأصفهاني2 في شرح المحصول ثم اعترض الخصم على الجواب بأن الأمر بالمعنى الذي ذكرتموه أيضا محال في حق الله تعالى دون رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه تعالى إذا أخبر في الأزل يكون قد أخبر ولا سامع ولا مأمور ومنهى وصار كمن خلا بنفسه يحدثها وذلك عبث بخلاف أمر الرسول فإن بين يديه من يسمع ويمتثل ويبلغ وأجاب بأن تقبيح هذا مبني على مسأله التحسين والتقبيح وهي منهدمة الأركان ولقائل أن يقول إن ثبت قبح هذا فهو صفة نقص ولا خلاف كما سلف في أن التحسين والتقبيح على معنى صفات الكمال والنقص عقلي وما تقدم من كلام القرافي يصلح جوابا هنا.
ثم أجاب المصنف ثانيا بأن أمر الله تعالى هو المطلب القائم بذاته على رأي
__________
1 هذا بعض حديث من دعاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رواه مسلم في صحيحه عن عائشة – رضي الله عنها – قالت تفقدت النبي – صلى الله عليه وسلم – ذات ليلة فتحسست فإذا هو راكع أو ساجد يقول: "سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت" وفي رواية في مسلم – أيضا – فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: "اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" الفتوحات الربانية 2/269 – 270.
2 هو شمس الدين محمد بن محمود بن عباد كان من العلماء الأجلاء المبرزين في سائر العلوم النقلية والعقلية تلقى العلم عن والده بأصفهان ثم رحل إلى بغداد وبلاد الروم وأخذ عن فلمائها كما رحل إلى القاهرة ونال من حكامها كل تقدير وإجلاء من مؤلفاته شرح المحصول للإمام الرازي وكتاب القواعد الأربعة علم أصول الفقه وأصول الدين والخلاف والمنطق.
توفي بالقاهرة سنة 688 هـ كشف الظنون ص 1359.
(1/153)

أهل الحق ولا سفه في قيام طلب الفعل بذاته ممن سيوجد كما أنه لا سفه في أن يقوم بذات الأب طلب تعلم العلم من الولد الذي سيوجد ولو قدر بقاء ذلك الطلب حتى وجد الولد صار مطالبا بذلك الطلب ومأمورا فكذلك المعنى القائم بذات الله الذي هو اقتضاء الطاعة من العباد قديم تعلق بعباد على تقدير وجودهم فإذا صاروا مأمورين بذلك الاقتضاء وهذا الجواب الصحيح إلا أن قياس الغائب على الشاهد لا يصح فإنا نسلم أنه يقوم بذات الأب طلب للتعلم من ابن سيولد وإن كان الغزالي في طائفة قالوا إن ذلك ثبت للذاهبين إلى كلام النفس بل يقول إنما يقوم بذاته أنه لو وجد لطلب منه فإن قلت إنما كان ذلك لأن الشاهد غالبا لا يستيقن وجود ولد له إذ لا علم له بالغيب بخلاف من يعلم أن فلانا يوجد في الوقت الفلاني لا محالة بتقديري وإرادتي ونحن نفرض شخصا أخبره صادق بأنه يولد لك علم ولا بدع أن يقوم في نفسه والحالة هذه ما ذكرناه.
قلت ولو فرضت ذلك لم نسلم صحة قيام ذلك في نفسه وكيف يطلب ولا مطلوبا منه.
فإن قلت فما الفارق والحالة هذه بين الغائب والشاهد حيث أجزتم صحة قيام ذلك بذات الله بخلاف الشاهد؟
قلت الله تعالى ليس كلامه إلا النفسي ولا يمكن أن يكون قيامه بذاته حادثا وإلا يلزم أن يكون محلا للحوادث تعالى الله عن ذلك فلذلك لزم من هاتين المقدمتين أعني امتناع كون كلامه غير نفسي وامتناع كونه محلا للحوادث أن يكون الأمر قائما بالذات في القدم وتعلقه بالمأمور حادث على حسب استعداده وأما الشاهد الذي لا يستحيل على ذاته قيام الحوادث بها وأمره يصدق طورا باللسان وطورا بالجنان فلا ضرورة بنا إلى تقدير قيام الطلب بذاته من معدوم ومالنا لا نؤخره إلى حين يوجد ذلك المعدوم فوضح السر في كون أمر الله تعالى من الأزل وثبوت الفارق بين الغائب والشاهد وأنه لا يصح قياس أحدهما على الآخر وما ذكره الخصوم من الحسن والقبح والهذيان
(1/154)

والسفه والانتظام والاتساق في أمر ولا مأمور وغيرها كلها من نعوت المحثات والقديم يتقدس عنه ويحقق هذا أن من أحب أن يحيط علما بقطر البحار وأوراق الأشجار عد سفيها واستقبح منه ما أتى به بخلاف الرب سبحانه وتعالى فالمعدوم الذي وجد أنه متوقف على أمره وقد قدر وجوده في وقت معلوم لا يتخلف عنه على صفة معلومة لا انفكاك لها دون أمره نازل عنده منزلة الموجود فهو يأمره وينهاه ولا قبح هذا في جانب الباري سبحانه وتعالى وهذا واضح لمن تدبره ومن أراد الزيادة فالكتب الكلامية التي وضعها أصحابنا بين أظهرنا.
وإمام الحرمين قال إن هذا الموضع مما يستخير الله فيه ووعد بإملاء مجموع عليه وقال قول القائل إنه مأمور على تقدير الوجود تلبس فإنه إذا وجد لم يبق معدوما ولا شك أن الوجود شرط في كون المأمور مأمورا وإذ لاح ذلك بقي النظر في أمر بلا مأمور وهذا معضل إذن فإن الأمر من الصفات المتعلقة وفرض متعلق ولا متعلق له محال انتهى وفيما أوردناه كفاية.
فائدة قال إمام الحرمين في التخليص المختصر من التقريب والإرشاد ذهب بعض من لا تحقيق له إلى أن الأمر إنما يتعلق بالمعدوم بشرط أن يتعلق بموجود واحد فصاعد ثم يتبعه المعدومون على شرط الوجود وسقوط هذا واضح.
تنبيه: قد يسأل عن الفرق بين هذه المسألة وبين قولنا لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع فإن الأزل قبل ورود الرسل بالضرورة وقد نفينا الأحكام قبل ورودهم ثم وأثبتناها هنا في الأزل والجواب ما تقدم في خلال الكلام من أن معنى قولنا لاحكم قبل ورود الشرع أن الخطاب إنما يتعلق بما بعد البعثة لا بما قبلها فالمنفي هناك تعلق الأحكام لا ذواتها فلا تناقض بين الكلامين.
(1/155)

المسألة الثانية: تكليف الغافل
...
المسألة الثانية في تكليف الغافل
قال الثانية لا يجوز تكليف الغافل من أحال تكليف المحال فإن الإتيان بالفعل امتثالا يعتمد العلم ولا يكفي مجرد الفعل لقوله عليه السلام "إنما الأعمال بالنيات" ونوقض بوجوب المعرفة وأجيب بأنه مستثنى
اتفق الكل حتى القائلون بجواز التكليف بما لا يطاق على أنه يشترط في المأمور أن بكون عاقلا بفهم الخطاب أو يتمكن من فهمه لأن الأمر بالشيء يتضمن إعلام المأمور بأن الآمر طالب للمأمور به منه سواء أمكن حصوله منه أو لم يمكن كما في التكليف بما لا يطاق وإعلام من لا عقل له ولا فهم متناقض إذ يصير التقدير يا من لا فهم له افهم ويا من لا عقل له اعقل المأمور به فعلى هذا لا يجوز أمر الجماد والبهيمة لعدم العقل والفهم وعدم استعدادهما ولا أمر المجنون والصبي الذي لا يميز لعدم العقل والفهم التامين وإن كانا مستعدين لهما وقد نسب المصنف امتناع تكليف الغافل إلى من يحيل تكليف المحال وهو يفهم أن الذي لا يحيله لا يمنعه وليس الأمر كذلك بل المختار منعه وإن فرعنا على صحة التكليف بالمحال.
وعلى المصنف في قوله تكليف المحال معترض آخر وهو أن تكليف المحال هو ما رجع إلى المأمور وهو تكليف الغافل فكان الأولى أن يقول التكليف بالمحال1
__________
1 فعلى هذا يفهم أن التكليف المحال: هو ما رجع إلى المكلف نفسه أما التكليف بالمحال بزيادة الباء فهو ما كان راجعا إلى المأمور به وهو الفعل اهـ محققه.
(1/156)

واستدل المصنف على المختار بأن مقتضى التكليف الإتيان بالمأمور به على وجه الامتثال للآمر وذلك لا يتصور إلا إذا علم المكلف أن المكلف أمره به والغافل لا يعلم ذلك فلا يمكنه الإتيان بالمأمور به على جهة الامتثال.
قوله ولا يكفي مجرد الفعل هذا جواب على سؤال مقدر تقديره أنا لا نسلم توقف الإتيان بالمأمور به على العلم لجواز أن يصدر عنه ما كلف من غير علم وتوجيه الجواب أن مجرد الإتيان بالمأمور به لا يكفي في حصول الامتثال بل لابد معه من النية لما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الإعمال بالنيات" 1 وقد نقض الخصم هذا الدليل بوجود معرفة الله تعالى فإنها واجبة ولا يمكن أن يكون وجوبه بعد حصولها للزوم تحصيل الحاصل وإذا كان قبل حصولها استحال معرفة هذا الأمر لأن معرفة أوامر الله بدون معرفة الله محال فقد كلف بما هو غافل عنه وأجاب المصنف بأنه مستثنى من القاعدة لقيام دليل عليه يخصه وقد ضعف هذا الجواب بأن النقض ولو بصورة قادح في الدليل وقيل الحق في الجواب أن يقال نختار أن التكليف بها يرد حال حصول العلم ولا يلزم تحصيل الحاصل لجواز أن يكون المأمور به معلوما بوجه ما ويكون التكليف واردا بتحصيل المعرفة من غير ذلك الوجه وقد نجز شرح ما في الكتاب.
والذي نص عليه الشافعي رضي الله عنه أن السكران مخاطب مكلف ولكن الأصوليين على طبقاتهم منهم القاضي في مختصر التقريب صرحوا بخروج السكران الخارج عن حد التمييز عن قضية التكليف والتسوية بينه وبين سائر من لا يفهم قال الغزالي بل السكران أسوأ حالا من النائم الذي يمكن تنبيهه فإما أن يكون ما قاله الشافعي قولا ثالثا مفصلا بين السكران وغيره للتغليظ عليه أو يحمل كلامه على السكران الذي لا ينسل عن رتبة التمييز دون الطافح المغشي عليه.
__________
1 اخرجه البخاري من حديث عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وقد رواه البخاري في صحيحه سبع مرات إحداها في كيف كان بدء الوحي 1 – 2.
(1/157)

ولا ينبغي أن يظن ظان من ذلك أن الشافعي يجوز تكليف الغافل مطلقا فقدره رضى الله عنه يجل عن ذلك وأظهر الرأيين عندنا أن الشافعي فصل بين السكران وغيره ثم إنا نقول لعل ذلك هو الحق دالين عليه بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} 1 فإن قلت لعل المراد بالسكران في الآية النشوان الذي لا ينسل عن رتبة التمييز قلت هذا التأويل ينافي سياق الآية فإن الرب تعالى قال: {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} وليس عندي على من قال إن السكران مكلف إلا إشكال دقيق لولاه لجزمت القول بأنه مكلف وهو أنه يلزم من قال إنه مكلف أن يأمره بالوضوء ويطالبه بالصلاة ويرد عليه إذن قوله تعالى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} فإن تحريم الصلاة عليه لا يجامع مطالبته بها فالآية تصلح معتصما للفريقين فمن يكلفه يقول الله خاطبه ومن يمنع يقول قد أمره بألا يقرب الصلاة فإن قلت كيف لا تكلفون النائم وهو يضمن ما يتلفه في نومه ويقضي الصلوات التي تمر عليه مواقيتها إلى غير ذلك من الأحكام؟
قلت الذي قلناه إنه لا يخاطب في حال نومه ولكن يتوجه عليه الخطاب بعد ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "من ترك صلاة أو نسيها فليصلها إذ ذكرها".
فإن قلت إنما يخاطب في اليقظة بسبب ما تقدم في النوم.
قلت مقصدنا نفي الخطاب في حال النوم فأما ثبوت أسباب يستند إليها تثبت الأحكام في اليقظة فمما لا ننكره ويوضح هذا أن الصبي الذي لا يميز لو أتلف شيئا لطالبناه ببدله فوجوب الزكوات والغرم والنفقات ليس من التكليف بل الإتلاف وملك النصاب سبب لثبوت هذه الحقوق في ذمة الصبيان بمعنى مخاطبة الولي في الحال بالأداء ومخاطبة الصبي بعد البلوغ وذلك غير محال وليس كقولك لمن لا يفهم افهم فإن أهلية ثبوت الأحكام في الذمة تستفاد من الإنسانية التي لها يستعد بقبول قوة العقل الذي به قوة فهم التكليف في ثاني الحال حتى أن البهيمة لما لم يكن لها قوة فهم الخطاب بالفعل ولا
__________
1 سورة النساء: 43.
(1/158)

بالقوة لم تتهيأ لإضافة الحكم إلى ذمتها بخلاف النطفة التي في الرحم إذا ثبت لها الملك بالإرث والوصية والحياة غير موجودة بالفعل ولكن بالقوة وكذا الصبي مصيره إلى العقل فصح إضافة الحكم إلى ذمته ومطالبته في ثاني الحال ولم يصلح للتكليف في الحال فإن قلت لو انتفخ ميت وتكسر بسبب انتفاخه قارورة فينبغي إيجاب ضمانها كالطفل يسقط على قارورة قلت يحتمل أن يقال بذلك وأن يطالب به الورثة كما يجب الضمان على العاقلة والفعل لم يصدر منهم ولكن قال الأصحاب لا يجب وفرقوا بينه وبين الطفل بأن للطفل فعلا بخلاف الميت وإيجاب الضمان على من لا فعل له غير معقول وهو متجه فإن قلت فالصبي المميز يفهم الخطاب فلم منعت تكليفه؟
قلت العقل لا يمنع ولكن الشرع رفع ذلك عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاث" الحديث1.
وقد قال البيهقي إن الأحكام إنما نيطت بخمس عشرة سنة من عام الخندق وأنها كانت قبل ذلك تتعلق بالتمييز وبهذا يجاب عن سؤال من يقول الرفع يقتضي تقدم وضع ولم يتقدم على الصبي وضع فإن قلت ما الحكمة في تقدير الرفع بالبلوغ وهو إذا قارب البلوغ عقل قلت قال القاضي أبو بكر إن عدم بلوغه دليل على قلة عقله وهو تصريح منه بأن العقل يزيد ويكمل بلحظة وليس يتجه ذلك كما قاله الغزالي لأن انفصال النطفة لا يزيد عقلا لكن حط الخطاب عنه تخفيفا وزيادة العقل ونقصانه إلى حد يناط به التكليف أمر خفي لا يمكن الاطلاع عليه بغتة لكونه يزيد على التدريج وقد علم من عوائد الشرع أنه يعلق الحكم على مظانها المنضبطة لا على أنفسها والبلوغ مظنة كمال العقل فعقل الشارع الأمر عليه وإن جاز وجود الحكمة قبله
__________
1 ولفظه عن علي – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يشيب وعن المعتوه حتى يعقل".
وأخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم كما أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والطبراني بروايات مختلفة.
صحيح الجامع الصغير للألباني 3 – 179.
(1/159)

بلحظة أو بعده بلحظة وفي الشريعة صور كثيرة تضاهي ذلك بل ربما شذت الصورة عن الحكمة بحيث بقي الوصف فيها كضرب من التعبد وفي ذلك فروع:
منها لو كمل وضوءه إلا إحدى الرجلين ثم غسلها وأدخلها الخف فإنه ينزع الأولى ثم يلبسها ليكون قد أدخلهما على طهارة كاملة.
ومنها لو اصطاد صيدا وهو محرم ولا امتناع لذلك الصيد فإنه يرسله ويأخذه إذا شاء.
ومنها إذا تيقن عدم الماء حواليه فإنه على وجه يلزمه الطلب وقد عددنا في الأشباه والنظائر كمله الله من ذلك كثيرا.
فإن قلت كيف أمرت الصبي بالصلاة وهو ابن سبع سنين وضربته عليها وهو ابن عشر.
قلت قد علمت أن العقل بعد بلوغه سن التمييز لا يمنع من ذلك ومن محاسن الشريعة النظر في مصلحته وتمرينه على مايخاطب به حتما فيما يؤل وليس المقصود من هذا الخطاب غير ذلك ولذلك لا نقول إنها واجبة عليه بل على الولي أن يأمره بها ولا تبعة على الصبي في آخرته بتركها والله أعلم.
فإن قلت كيف منعتم تكليف الغافل الداخل في قالب الموجودات وجوزتم تكليف المعدوم؟
قلت تكليف المعدوم بمعنى تعلق الخطاب به في الأزل على تقدير وجوده والمنع من تكليف الغافل إنما هو في زمن غفلته.
فإن قلت الدهري مكلف بالإيمان وهو لا يعرف المكلف فكيف يفهم التكليف.
قلت المعتبر التمكن من الفهم وهو متمكن بواسطة النظر1.
__________
1 وخلاصة ذلك: أن العلماء اتفقوا على شرط التكليف أن يكون المكلف عاقلا فاهما لأن التكليف خطاب وخطاب من لا يعقل له ولا فهم محال كالجماد والبهيمة كذلك من شرط التكليف فهم أصل الخطاب جملة لا تفصيلا وأن يكون مقتضيا للثواب والعقاب ومن كون..................................=
(1/160)

.............................................................................
__________
= الآمر هو الله تعالى وكون المأمور به على صفة معينة.
فالصبي وإن كان يفهم ما لا يفهم غير المميز إلا أنه غير فاهم فهما كاملا لوجود الله تعالى وكونه متكلما مخاطبا مكلفا بالعبادة ومن وجود الرسول الصادق المبلغ عن ربه عز وجل – وغير ذلك مما يتوقف عليه مقصود التكليف.
ولما كان الفعل والفهم فيه خفيا لا يظهران جعل له الشارع ضابطا يعرف به وهو البلوغ وحط عنه التكليف قبله تخفيفا عليه كما في الحديث المتقدم.
ويستفاد من ذلك:
"أ" أن العقل عماد التكليف فمن لا يعقل لا يمكن توجه الخطاب إليه.
"ب" أن العقل ينمو ويتدرج وأنه لا يصل إلى حد التكليف إلا إذا تكامل نوه=
= "ج" أن نمو العقل شيء خفي فلا بد له من ضابط ظاهر وهو البلوغ "د" أن الخلاف في هذه المسألة إنما هو في الحكم التكليفي أما الحكم الوضعي فلا خلاف بين العلماء في أنه ليس من شرطه العقل فإن المجنون والصبي غير المميز تتعلق بهما الأحكام الوضعية فإذا أتلف أحدهما شيئا وجب ضمانه على وليهما.
"هـ" ما نسب إلى الإمام الشافعي من أنه يجوز تكليف الغافل – أخذا من كلامه في وقوع طلاق السكران.
فإنا نجل الإمام الشافعي من أن يقول إن من لا يفهم الخطاب يكون مكلفا فلعل الإمام الشافعي يقصد التغليظ على السكران المتعدي بسكره عقوبة له وزجرا عن العودة إلى مثل ذلك لأن رفع التكليف رخصة والرخصة لا تناط بالمعاصي.
ويدل على ما قلناه ما قاله الإمام الشافعي نفسه في كتاب الأم:
"إن قال قائل: فهذا مغلوب على عقله والمريض والمجنون مغلوب على عقله".
قيل: المريض مأجور ومكفر عنه بالمرض.
مرفوع عنه القلم إذا ذهب عقله وهذا آثم أي السكران مضروب على السكر غير مرفوع عنه القلم فكيف يقاس عن عليه العقاب بمن له الثواب" الأم 5/253 ط بيروت.
فعلى هذا يجب أن يفهم كلام الشافعي في هذا المسألة وبالله التوفيق اهـ محققه.
(1/161)

المسألة الثالثة: الإكراه الملجىء يمنع التكليف
...
المسألة الثالثة الإكراه الملجئ يمنع التكليف
قال الثالثة الإكراه الملجئ يمنع التكليف لزوال القدرة.
الإكراه إن انتهى إلى حد الإلجاء بحيث صارت نسبة فاعله إلى الفعل المكره عليه كنسبة المرتعش إلى حركته منع التكليف في المكره عليه أو ضده والقول في جوازه مبني على التكليف بما لا يطاق واستدل المصنف على امتناعه بزوال القدرة فإن الفعل يصير واجب الوقوع ويصير عدمه ممتنعا والتكليف بالواجب والممتنع تكليف بما لا يطاق وقال القاضي في مختصر التقريب إن هذا القسم لا يسمى عند المحققين إكراها لأن الإكراه لا يتحقق إلا مع تصور اقتدار فلا يوصف ذو الرعشة الضرويرية بالإكراه وانما المكره من يخوف ويضطر إلى أن يحرك يده على اقتدار واختيار وقد ذهب أصحابنا إلى أن ذلك لا يمنع التكليف صرح به طوائف منهم القاضي وإمام الحرمين وأبو إسحق الشيرازي والغزالي وجماعة ومال إليه الإمام وذهبت المعتزلة إلى أنه يمنع التكليف وهذا ما أفهمه كلام المصنف كذا نقله جماعة وحكاية إمام الحرمين عنهم أن المكره على العبادة لا يجوز أن يكون مكلفا بها قال وبنوا ذلك على أصولهم في وجوب إثابة المكلف والمحمول على الشيء لا يثاب عليه قال وقد ألزمهم القاضي المكره على القتل فإنه منهي عنه وآثم به لو أقدم عليه وهذه هفوة عظيمة فإنهم لا يمنعون النهي عن الشيء مع الحمل عليه فإن ذلك أشد في المحنة واقتضاء الثواب وإنما الذي منعوه الإضرار إلى فعل مع الأمر به انتهى وقد تابع القاضي جماعة من الأصحاب على إلزام المعتزلة بذلك وهو صحيح وما ذكره إمام الحرمين حق من هذا الوجه ولكن الملزمون لم يوردوه
(1/162)

على هذا المأخذ بل هو من جهة أنهم منعوا أن المكره قادر على عين الفعل المكره عليه فبين الملزمون أنه قادر لأن المعتزلة كلفوه بالضد وعندهم أن الله تعالى لا يكلف العبد إلا بعد خلق القدرة على الفعل والقدرة عندهم على الشيء قدرة على ضده فإذا قدر على ترك القتل قدر على القتل.
قال الغزالي وهذا ظاهر ولكن فيه غور وهو أن الامتثال إنما يكون طاعة إذا كان الانبعاث له بباعث الأمر والتكليف دون باعث الإكراه فالآتي بالفعل مع الإكراه إن أتى به لداعي الإكراه فلا يكون مجيبا داعي الشرع فصحيح قال بعض المتأخرين وهذا الذي ذكره إنما هو في العبادات المشروط فيها النية كرد المغصوب والودائع وتسليم المبيع وحبس المعتدة فالمقصود فيه واقع قصد أو لم يقصد فيخرج من عهده التكليف به مع الإكراه هذا كلام الأصوليين وأما الفقهاء فقالوا لا يباح بالإكراه الزنا والقتل ويباح شرب الخمر والإفطار إتلاف مال الغير والخروج من الصلاة والتلفظ بكلمة الردة وقد يجب بعض ذلك فإن قلت قد قال الفقهاء إن الإكراه يسقط أثر التصرف قلت لا يلزم من كونه مسقطا أثر التصرف ألا يجامع التكليف والضابط في خطاب المكره وتصرفاته والجمع بين كلام الأصوليين والفقهاء فيه يستدعي مزيد بسط لعلنا نستقصي القول فيه في كتابنا الأشباه والنظائر على أن الفقهاء قد استثنوا مسائل من هذه القاعدة منها الإكراه على القتل على أصح القولين ومنها الإكراه على الكلام في الصلاة على الأصح ومنها الرضاع.
ومنها على الحدث وقد حكى الرافعي عن الحناطي1 وجهين في انتقاض الوضوء بمس الذكر ناسيا فلا يبعد أن يقال بجريانهما في حالة الإكراه.
ومنها الإكراه على الزنا إن قلنا يتصور الإكراه عليه.
__________
1 هو الحسين بن محمد بن عبد الله الشيخ الإمام أبو عبد الله الحناطي الطبري كان إماما جليلا حافظا لكتب الإمام الشافعي – رضي الله عنه -.
توفي بعد الأربعمائة هجرية.
تاريخ بغداد 8/103 طبقات الشافعية لابن السبكي 4/267 – 371.
(1/163)

ومنها: قال في الاستقصاء نقلا عن الإيضاح إذا تبايعا في عقد الصرف وتفارقا قبل القبض يبطل سواء كان في حالة الاختيار أم الإكراه وقد يعترض على هذا بأن الإكراه لا يبطل خيار المجلس في البيع على الصحيح ويجاب بضيق باب الربا والمسألة في شرح المنهاج لوالدي بطلت مبسوطة.
ومنها: إذا أكره ففعل أفعالا كبيرة في الصلاة بطلت بلا خلاف.
ومنها: لو أكره على التحول عن القبلة أو على ترك القيام في الفريضة مع القدرة فصلى قاعدا لزمه الإعادة لأنه عذر وهذه كالتي قبلها.
ومنها: إذا أكره حتى أكل بنفسه وهو صائم أو أكرهت المرأة حتى مكنت من نفسها ففي الفطر قولان.
ومنها: إذا حلف بالله مكرها انعقدت يمينه على وجه حكاه ابن الرفعة.
(1/164)

المسألة الرابعة: وقت توجيه الخطاب إلى المكلف
...
المسألة الرابعة في وقت توجه الخطاب إلى المكلف
قال الرابعة التكليف يتوجه حال المباشرة وقالت المعتزلة بل قبلها.
المسألة من مشكلات المواضع وفيها اضطراب في المنقول وغور في المعقول ونحن نذكر مقالات الناس والتنبيه على جهة الاختلاف ثم نعمد إلى الرأي الأسد فنناضل عنه فنقول قال القاضي في مختصر التقريب باختصار إمام الحرمين الفعل مأمور به في حال حدوثه ثم قال المحققون من أصحابنا الأمر قبل حدوث الفعل المأمور به أمر إيجاب وإلزام ولكنه يتضمن الاقتضاء والترغيب والدلالة على امتثال المأمور به وإذا تحقق الامتثال فالأمر يتعلق به ولكن لايقتضي ترغيبا مع تحقيق المقصود ولا يقتضي دلالة بل يقتضي كونه طاعة الأمر المتعلق وذهب بعض من ينتمي إلى أهل الحق إلى أن الأمر إنما يقتض الإيجاب على التحقيق إذا قارن حدوث الفعل وإذا تقدم عليه فهو أمر إنذار وإعلام بحقيقة الوجوب عند الوقوع وهذا باطل والذي نختاره تحقق الوجوب قبل الحدوث وفي حال الحدوث وإنما يفترق الحالتان فيما قدمناه من الترغيب والاقتضاء والدلالة فإن ذلك يتحقق قبل الفعل ولا يتحقق معه وزعمت القدرية بأسرها أن الفعل في حال حدوثه يستحيل أن يكون مأمورا به ولا يتعلق به الأمر إلا قبل وجوده ثم طردوا مذهبهم في جملة الأحكام الشرعية فلم يصفوا كائنا بحظر ولا وجوب ولا ندب وإنما أثبتوا هذه الأحكام قبل تحقق الحدوث ثم افترقوا فيما بين أظهرهم فقال بعضهم:
لا يصح تقدم الأمر على المأمور به بأكثر من وقت واحد وصار الأكثرون منهم إلى جواز تقدمه عليه بأوقات ثم الذين صاروا إلى هذا المذهب اختلفوا في
(1/165)

أنه هل يشترط بقاء المكلف في الأوقات المتقدمة على حدوث المأمور به على أوصاف التكليف فمنهم من شرط كونه مستجمعا لشرائط التكليف في كل الأوقات المتقدمة.
وزعم بعضهم أنا لا نشترط ذلك وإنما نشترط اجتماع الأوصاف عند حدوث الفعل ويشترط في الأوقات المتقدمة عليه كون المخاطب ممن يفهم الخطاب ثم افترقوا بعد ذلك في أصل آخر وذلك أنهم قالوا هل يجوز أن يتقدم الأمر على المأمور به بأوقات من غير أن يكون فيه لطف ومصلحة زائدة على التبليغ من المبلغ والقبول من المخاطب؟
فمنهم من شرط أن يكون في ذلك لطف يعلمه الله ومنهم من لم يشترط ذلك انتهى وهو أثبت منقول في المسألة وصريح نقل إمام الحرمين في البرهان أن مذهب أصحاب الشيخ أن الفعل في حال حدوثه مأمور به ثم ذكر في تعليله ما يدل على أنه ليس بمأمور به قبل حدوثه وهذا هو الذي يقتضيه أصلهم وهو أن الاستطاعة عندهم مع الفعل لا قبله.
فإن قلت أصلهم الآخر وهو تحويز التكليف بما لا يطاق يقتضي جواز الأمر بالفعل حقيقة قبل الاستطاعة فعلى هذا يكون المأمور مأمورا قبل التلبس بالفعل.
قلت لعلهم فرعوا هذا على استحالته أو أنهم وإن جوزوه فلم يقولوا بوقوعه ويكون كلامهم هنا بناء على عدم الوقوع ثم اختار إمام الحرمين مذهب المعتزلة من الأمر بالحادث قبل الحدوث وعدم الأمر به مع الحدوث وقال إما أن يتجه القول في تعلق الأمر به طلبا واقتضاء مع حصوله مذهب لا يرتضيه لنفسه عاقل وأما الغزالي فإنه قال بوجود الأمر قبل الفعل وسلم مقارنة القدرة للفعل ومن هنا خالف قول إمامه فإن إمامه رأى أن القدرة هي التمكن وحالة الوجود تنافي التمكن من الفعل والترك فيتعين الوقوع كذا قال القرافي وهذه عبارة الغزالي لا أمر إلا بمعدوم يمكن حدوثه وهل يكون الحادث في أول حال حدوثه مأمورا كما كان قبل الحدوث أو يخرج عن كونه مأمورا كما في
(1/166)

الحالة الثانية في الوجود اختلفوا فيه وفي بحث كلامي لا يليق بمقاصد أصول الفقه ذكره.
وأما الإمام فقال ذهب بعض أصحابنا إلى أن المأمور إنما يصير مأمورا حالة زمان الفعل وأما قبل ذلك فلا يكون أمرا بل هو إعلام له بأنه في الزمان الثاني سيصير مأمورا.
وقالت المعتزلة إنما يكون مأمورا بالفعل قبل وقوعه ثم استدل على أنه على أنه لا يمتنع كونه مأمورا حال حدوث الفعل وإذا تؤمل دليله أرشد إلى أنه اختار ما حكاه عن بعض الأصحاب من أن التكليف يتوجه حال المباشرة ولا يتوجه قبلها وهذا هو المذهب الذي حكاه القاضي عن بعض ما ينتمي إلى أهل الحق وقال إمام الحرمين لا يرتضيه لنفسه عاقل ولم يتعرض الإمام إلى حكاية القول الذاهب إلى أنه مأمور قبل الحدوث ومع الحدوث وهو الذي ذهب إليه المحققون من أصحابنا كما قاله القاضي بل حاصل ما فعل أنه اختار أحد مذهبي الأصحاب واقتصر مع حكايته على حكاية مذهب المعتزلة.
وقال الآمدي اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه سوى شذوذ من أصحابنا انتهى وهذا الذي ادعى الاتفاق على خلافه إلا عن شذوذ هو أحد شقي ما اختاره الإمام ونصبه محل النزاع مع المعتزلة قال وعلى امتناعه بعد حدوث الفعل واختلفوا في جواز تعلقه في أول زمان حدوثه فأثبته أصحابنا ونفاه المعتزلة انتهى.
وهو ما أشعر به كلام الغزالي المتقدم وهو نقل متقن محرر واتبعه عليه ابن الحاجب إلا أنه نسب القول بانقطاع التكليف حال حدوث الفعل إلى الشيخ وليس بجيد فليس للشيخ في المسألة صريح الكلام وإن كان ذلك يتلقى من قضايا مذهبه.
وقال ابن برهان في أصوله الحادث في حال حدوثه مأمور به خلافا للمعتزلة انتهى ولم يتعرض له قبل الحدوث وأما صاحب الكتاب فمن شعار الإمام نبغ وقد أوردنا من النقول في المسألة ما فيه كفاية للمتبصر.
(1/167)

أدلة القائلين بتوحه الخطاب
...
أدلة القائلين بتوجه الخطاب عند المباشرة
قال لنا أن القدرة حينئذ قبل التكليف في الحال بالإيقاع في ثاني الحال قلنا الإيقاع إن كان نفس الفعل فمحال في الحال وإن كان غيره فيعود الكلام إليه ويتسلسل قالوا عند المباشرة واجب الصدور قلنا حال القدرة والداعية كذلك.
قد علمت اتباعه للإمام في اختيار أن التكليف إنما يتوجه حال المباشرة ولا يتوجه قبلها واستدل عليه بأن التكليف مشروط بحصول قدرة المكلف وحينئذ فيكون التكليف متوجها حال المباشرة ولا يكون متوجها قبلها أما تحقق القدرة حال المباشرة فلأن المراد من القدرة التمكن من الفعل والتمكن حاصل حينئذ وأما انتفاؤها قبل المباشرة فلأن الفعل قبل المباشرة ممتنع الوقوع إذ لو كان ممكن الوقوع لأمكن أن يفرض وقوعه ويكون ما فرضته أنه قبل المباشرة هو حال المباشرة وهذا خلف فوضح أن الفعل قبل المباشرة ممتنع الوقوع والممتنع لا قدرة عليه.
قوله قبل التكليف أجاب الخصم عن القول بأنه إذا كان ممتنعا قبل المباشرة فلا يكلف به بأن التكليف الذي ادعينا أنه ثابت قبل المباشرة ليس هو التكليف بنفس الفعل حتى يلزم ما ذكرتم بل التكليف في الحال يعني قبل المباشرة تكليف بالإيقاع في ثاني الحال يعني حال المباشرة.
واعترض المصنف على هذا الجواب بأن الإيقاع المكلف به إذا كان نفس الفعل فالتكليف به في الحال أي حال قبل الفعل محال وذلك لأنه يلزم من
(1/168)

امتناع التكليف بالفعل قبل مباشرته امتناع التكليف بالإيقاع إذ الفرض أن الإيقاع هو نفس الفعل وإن كان الإيقاع غير الفعل فيعود الكلام إليه أي إلى هذا الإيقاع الذي كلف به ويقال هذا الإيقاع الذي وقع التكليف به إن وقع التكليف به حال وقوع الإيقاع لزم المدعي وهو توجه التكليف حال المباشرة وإن وقع التكليف به قبله لزم أن يكون مكلفا بما لا قدرة له عليه لأنا قررنا أن القدرة مع الفعل.
فإن قلت التكليف قبل الإيقاع بإيقاع الإيقاع في ثاني الحال.
قلت يعود الكلام إليه أيضا ويقال إيقاع الإيقاع الذي كلف به إما أن يكون نفس الفعل أو غيره ويتسلسل فتعين أن يكون توجه التكليف حال المباشرة لا قبلها.
قوله إشارة إلى حجة ذكرها المعتزلة وهي أن الفعل حال المباشرة واجب الصدور عن المكلف لامتناع الترك منه حينئذ وكل ما كان واجب الوقوع فليس بمقدور وما ليس بمقدور لا يتوجه التكليف نحوه فلا يتوجه التكليف نحو الفعل حال المباشرة وأجاب بأنه لما كانت القدرة هي التمكن من الفعل والداعية هي ميل الإنسان إلى الفعل أو الترك إذا علم أو ظن أن له في الفعل مصلحة أو مفسدة وإذا اجتمعت القدرة والداعية سميت علة تامة وإذا وجدت فقيل يجب وقوع الفعل وقيل لا يجب بل يكون الفعل أولى وإذا عرفت هذا فنقول الفعل يترتب وجوده على وجود القدرة مع الداعية فيكون مأمورا حال القدرة والداعية عند الخصم لكونه من جملة الأزمان التي قبل الفعل مع أن الفعل واجب الصدور في تلك الحالة فانتفى ما ذكرتموه ويمكن أن يقرر على وجه آخر فيقال القدرة مع الداعي مؤثرة في وجود الفعل ولا امتناع في كون المؤثر مقارنا للأثر فتكون القدرة مقارنة للفعل مع كونه واجب الوقوع فبطل دعواكم أن ما كان واجب الصدور لا يكون مقدورا والتقرير الأول أقرب إلى كلام المصنف وهو يتمشى على تقدير التزام الخصم أن العلة مع المعلول والثاني يتمشى على تقدير قوله: العلة قبل المعلول وتوجيه كلام المصنف على
(1/169)

التقرير الثاني أن يقال فإما يكون التكليف حال القدرة والداعية معه ويلزم من مجموعهما وجوب الوقوع وقد اعترض العبري بأنه إذا كان الفعل قبل المباشرة غير مقدور عليه وعند المباشرة واجب الوقوع فيلزم التكليف بالممتنع أو الواجب وهو محال هذا شيء ما في الكتاب على الاختصار والمسألة دخيلة في هذا العلم والكلام فيها مما لا يكثر جدواه والذي نقوله هو أن الحق في أحد جهتين مرجعهما.
أحداهما: القول بأن التكليف متوجه قبل المباشرة وحال المباشرة أيضا وهو المنقول عن المحققين.
والثانية: أن التكليف لا يتوجه إلا حال المباشرة وهو مختار الإمام وصاحب الكتاب وهو عندنا منقدح لا يمنعنا عن الجزم به إلا ما سنذكره بعد سؤال وجواب نوردهما إن شاء الله تعالى.
فإن قلت هذا يؤدي إلى أن المكلف لا يعصى بترك مأمور به لأنه إن أتى به كان ممتثلا وإن لم يأت كان مغدورا لعدم التكليف.
قلت هذا من الأسئلة التي قامت بها الشناعة على القائل بهذه المقالة وجوابه عندنا دقيق فنقول إذا كان التكليف متوجها حال المباشرة فهو في حال ترك المأمور به مباشر للترك والترك فعل وهو حرام فقد باشر الترك فتوجه عليه التكليف بالحرمة حال مباشرة الترك والعقاب ليس إلا على الترك وهذا في غاية الحسن وقد أشار إليه إمام الحرمين في مسألة تكليف ما لا يطاق وهو أجل ما يستفاد من شرحنا في هذه المسألة وليس عندي فيه إلا أنه يلزم منه أن يقال تارك الصلاة مثلا غير مكلف بالصلاة بترك ترك الصلاة الذي يلزم منه الصلاة وقد ادعى إمام الحرمين اتفاق أهل الإسلام على أن القاعد في حال قعوده مأمور بالقيام فإن صح الإجماع هكذا فهل يصد عن القول بأن التكليف لا يتوجه إلا حال المباشرة.
وإن أمكن رده إلى ترك الترك كما قررنا فهذا المذهب منقدح.
(1/170)

المحكوم به
المسألة الأولى: جواز التكليف بالمحال
...
الفصل الثالث في المحكوم به وفيه عدة مسائل
الأولى: في جواز التلكيف بالمحال
قال الفصل الثالث في المحكوم به وفيه مسائل:
الأولى: التكليف بالمحال جائز لأن حكمه لا يستدعي غرضا قيل لا يتصور وجوده فلا يطلب قلنا إن لم يتصور امتنع الحكم باستحالته.
ما لا يقدر العبد عليه قد يكون معجوزا عنه متعذرا عادة لا عقلا كالطيران في الهواء وقد يكون متعذرا عقلا ممكنا عادة كمن علم الله تعالى أنه لا يؤمن فإن إيمانه مستحيل والحالة هذه عقلا لتعلق علم الله به وإذا سئل ذوو العوائد عنه حكموا بأن الإيمان في إمكانه وهكذا كل طاعة قدر في الأزل عدمها وقد يكون متعذرا عادة وعقلا كالجمع بين السواد والبياض.
إذا عرفت هذا فمحمل النزاع في التكليف بالمستحيل إنما هو المتعذر عادة سواء كان معه التعذر العقلي أم لا أما المتعذر عقلا فقط لتعلق علم الله به فأطبق العقلاء عليه وقد كلف الله الثقلين أجمعين بالإيمان مع قوله: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} 1 فنقول ذهب جماهير الأصحاب إلى أنه يجوز التكليف بالمحال وذهبت المعتزلة إلى امتناع التكليف بالمحال مطلقا وإليه ذهب بعض أصحابنا كالشيخ أبي حامد وإمام الحرمين والغزالي واختاره الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد2 كما صرح به في شرح العنوان وذهب قوم
__________
1 سورة يوسف عليه السلام آية 103.
2 هو محمد بن علي بن وهب بن مطيع المنفلوطي المصري نشأ في قوص بصعيد مصر ولد في...........=
(1/171)

إلى أنه إن كان ممتنعا لذاته لم يجز وإلا جاز واختاره الآمدي وادعى أن الغزالي مال إليه وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه لا يجوز أن يرد التكليف بالمحال فإن ورد لا نسميه تكليفا بل يكون علامة نصبها الله على عذاب من كلف بذلك واستدل في الكتاب على الجواز مطلقا بأن امتناع التكليف عند القائل به إنما هو لكونه عبثا وذلك مبني على تعليل أفعال الله تعالى بالأغراض وهو باطل وهذا يصلح ردا على من بنى الامتناع على ذلك وهم المعتزلة وأما من وافقهم مع أصحابنا فلهم مأخذ آخر.
واحتج المعتزلة ومن وافقهم بأن المحال لا يتصور لأن كل ما يتصور بالعقل فهو معلوم إذ التصور من جملة أقسام العلم وكل معلوم متميز وكل متميز ثابت لأن التميز صفة وجودية ولا بد لها من موصوف موجود ضرورة عدم قيام الموجود بالمعدوم فلو كان متصورا لكان ثابتا ولكنه غير ثابت فلا يكون متصورا وإذا كان غير متصور فلا يكلف به لأنه والحالة هذه مجهول.
قال الغزالي والمطلوب ينبغي أن يكون مفهوما للمكلف بالاتفاق وأجاب المصنف بأنه إن كان غير متصور كما ذكرتم فيمتنع منكم الحكم عليه لأن الحكم على الشيء فرع تصوره فلم حكمتم عليه بالاستحالة؟
ولقائل أن يقول الحكم بالاستحالة إنما يتوقف على تصوره في الذهن لا على تصور وجوده في الخارج ولا يمتنع تصوره في الذهن وليس المراد من قوله لا يتصور وجوده الوجود الذهني بل الخارجي وهذا حق وجوابه أن لا نسلم أن كل ما لا يتصور وجوده في الخارج لا يطلب وهل النزاع إلا فيه.
__________
= شعبان سنة 625 هـ بينبع من أرض الحجاز وكان والده في رحلة الحج فطاف به حول الكعبة داعيا له فاستجاب الله دعاه فكان ولده من العلماء العالمين وذاع صيته واشتهر بالصلاح والتقى حتى لقب بـ تقي الدين.
من مؤلفاته شرح كتاب عمدة الأحكام الإمام والإلمام في أحاديث الأحكام مقدمة المطرزي في أصول الفقه.
توفي رحمه الله تعالى في صفر سنة 702 بالقاهرة ودفن بالقرافة الصغرى شذرات الذهب 5/6 الدرة الكامنة 4/94 درة الحجال 2/15.
(1/172)

قال غير واقع بالممتنع لذاته كإعدام القديم وقلب الحقائق.
اختلف القائلون بجواز التكليف بالمحال في وقوعه فذهب الجمهور إلى عدم وقوعه والمختار عند المصنف التفصيل الذي ذكره وهو عدم الوقوع بالممتنع لذاته كقلب الحقائق مع بقاء الحقيقة الأولى وإعدام القديم هذا ما ذكره وهو يفهم وقوع الممتنع لغيره والحق فيه التفصيل أيضا فإن كان مما قضت العادة بامتناعه كحمل الصخرة العظيمة للرجل النحيف فحكمه حكم الممتنع لذاته في الجواز وعدم الوقوع وأما ما امتنع لتعلق العلم به فذاك ليس محل النزاع بل هو واقع بالإجماع كما سلف.
فائدة قد عرفت ما عليه جمهور الأصحاب من تجويز للتكليف بالمحال واختلافهم في الوقوع على الوجه الذي رأيت فأما التجويز فهو المنقول عن أبي الحسن وهو لازم على قضايا مذهبه وأما الوقوع فقد نقلوا اختلافا عنه فيه.
قال إمام الحرمين وهذا لسوء معرفة مذهب الرجل فإن مقتضى مذهبه أن التكاليف كلها واقعة عنده على خلاف الاستطاعة.
قال ويتقرر هذا من وجهين:
أحدهما: أن الاستطاعة عنده لا تتقدم على الفعل والأمر بالفعل يتوجه على المكلف قبل وقوعه وهو إذ ذاك غير مستطع قال ولا يدفع ذلك قول القائل إن الأمر بالفعل نهي عن أضداده والمأمور بالفعل قبل الفعل إن لم يكن قادرا على الفعل فهو قادر على ضد من أضداده ملابس له فإنا سنوضح أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن اضداده قال وأيضا فإن القدرة إذا قارنت الضد لم تقارن الأمر بالفعل والفعل مقصود مأمور به وقد تحقق طلبه قبل القدرة عليه.
والثاني: أن القدرة الحادثة غير مؤثرة في مقدورها بل مقدورها مخلوق الله تعالى والعبد مطالب بما هو من فعل ربه قال ولا معنى للتمويه بالكسب فإنا سنوضح سر ما نعتقده في خلق الأفعال انتهى.
(1/173)

ولقائل أن يقول على الأول قولكم ليس الأمر بالشيء نهيا عن ضده قلنا الكلام على رأي الشيخ وهو يرى ذلك لا على رأيكم قال صفي الدين الهندي بل الجواب عنه أن ما هو متلبس به عند ورود الخطاب ليس ضدا له وهو الآن ضده الوجودي المنهي عنه وهو الذي يستلزم للتلبس به تركه في الزمان الذي أمر بإيقاع الفعل فيه وهو في زمان ورود الخطاب لم يتلبس به لأن زمان الفعل هو الزمان الثاني إن كان الأمر للفور سلمنا أن ذلك ضده المنهي عنه لكنه حاصل عند ورود الخطاب والأمر بترك الحاصل محال اللهم إلا أن يقال إنه مأمور بترك ما هو متلبس به في المستقبل وذلك إنما يكون بإقدامه على المأمور به وحينئذ يعود المحذور المذكور.
واعلم أن الوجه الأول لا يلزم على الشيخ إلا إذا قال بتوجه الأمر قبل الفعل وفيه ما تقدم من النزاع في المسألة المتقدمة وأما الوجه الثاني فلا يلزم تجويز التكليف بالممتنع لذاته أو الممتنع عادة.
(1/174)

أدلة القائلين بعدم الوقوع
قال للإستقراء ولقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} .
استدل على أنه غير واقع بالممتنع لذاته بوجهين:
أحدهما: الاستقراء فإنا استقرينا فلم نجد في التكاليف الشرعية ما هو متعلق بالممتنع لذاته.
والثاني: قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} 1 والممتنع لذاته غير وسع المكلف أي غير مقدور له فلا يكلف به ولك أن تقول هذه الآية تدل على عدم التكليف بالممتنع لذاته والممتنع لغيره لا الممتنع لذاته فقط فيلزم من استدل بها منع الوقوع فيهما ما لم يأت بدليل يخرج الممتنع لغيره.
__________
1 سورة البقرة آية 286.
(1/174)

دليل القائلين بالوقوع
قيل أمر أبا لهب بالإيمان بما أنزل ومنه أنه لا يؤمن فهو جمع بين النقيضين قلنا لا نسلم أنه أمر به بعد ما أنزل أنه لا يؤمن.
هذا دليل القائلين بوقوع التكليف بالمحال لذاته ويصلح أن يكون اعتراضا على الدليل الأول وهو الاستقراء وتقريره أن أبا لهب مأمور بالجمع بين التقيضين لأنه مأمور بالإيمان والإيمان عبارة عن تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ولا يتم تصديقه في ذلك إلا بعدم الإيمان فوجب أن يؤمن وأن لا يؤمن وهو جمع بين النقيضين.
وأجاب بأن أمر أبي لهب بالإيمان لم يكن في حال الإخبار بعدم الإيمان بحسب الزمان فلم يقع التكليف بالجمع بين النقيضين وهو جواب باطل فإن أبا لهب مأمور بالإيمان قبل الإخبار وبعده الإجماع وإنما الجواب أن هذا ليس من باب الممتنع لذاته بل من الممتنع لغيره وذلك أنه تعالى أخبر أنه لا يؤمن فاستحال إيمانه ضررورة صدق خبر الله تعالى وعدم وقوع الخلف في خبره فإذا أمره بالإيمان والحالة هذه فقد أمره بما هو ممكن في نفسه وإن كان مستحيلا لغيره كما قلناه فيمن علم أنه لا يؤمن وها هنا تنبيهان:
أحدهما: وذكره القرافي أن الجمع بين النقيضين على ما قرروه إنما يتم أن لو كان مكلفا بأن يؤمن وبأن لا يؤمن وهو ليس بجيد بل الصواب حذف الواو فيقال كلف بأن يؤمن بأن لا يؤمن وهو مدلول الأمر بالإيمان وإذا كان مكلفا بأن يصدق الخبر بأنه لا يؤمن لا يلزم أن يكون مكلفا بجعل الخبر صادقا ألا ترى أن الصادق إذا أخبرك أن زيدا سيكفر بالله غذا فإنه يجب عليك تصديقه فيما أخبر به ولا يجب عليك أن تجعل زيدا كافرا بل يحرم عليك وأبو لهب والحالة هذه إنما كلف بأن يصدق بأنه لا يؤمن إلا بأن يجعل الخبر صادقا ويسعى في عدم إيمان نفسه.
(1/175)

والثاني تعبير المصنف بالنقيضين غير مستقيم فإنه نظر إلى وقوع التكليف بالإيمان وعدمه وهما نقيضان ولكن العدم غير مقدور عليه فلا يكلف به بل المكلف به على التقدير الذي أشار إليه كف النفس عن الإيمان والكف فعل وجودي فالصواب التعبير بالضدين كما فعل الإمام.
فائدة ناقش القرافي في التمثيل بأبي لهب وقال إنما يتوهم أن الله أخبر بعدم إيمانه من قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} 1 ولا دليل فيه لأن التب هو الخسران وقد يخسر الإنسان ويدخل النار وهو مؤمن لمعاصيه وأما قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} 2 فمخصوصة ولقائل أن يقول لا مشاحة في المثال ولا شك أنه تعالى أخبر عن أقوام أنهم لا يؤمنون من الآية التي ذكرها وإن كانت مخصوصة وذلك كاف في المثال فإن أولئك الذين أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون مأمورون بالإيمان إجماعا بل لمن يشاحح القرافي أن يقول إخباره تعالى عن أبي لهب أنه سيصلى نارا أقل أحواله أن يكون صليه إياها بمعاص صدرت منه كما ذكرتم والآية نزلت وهو كافر فيكون العقاب على معاص تصدر منه في حال الكفر فنقول حينئذ إن قلنا إن الكافر غير مكلف بالفروع فهذا منتصف ولا بد أن تكون النار التي استوجبها بعدم الإيمان وإن قلنا أنه مكلف فلو قدر إسلامه بعد ذلك كما فرضتم لكان غير معاقب على تلك المعاصي التي صدرت منه في حال الكفر لأن الإسلام يجب ما قبله فتعين أن يكون العقاب على ترك الإيمان وهو المطلوب.
__________
1 سورة المسد آية 1.
2 سورة البقرة آية 6.
(1/176)

المسألة الثانية: تكليف الكفار
...
المسألة الثانية في تكليف الكفار
قال الثانية الكافر مكلف بالفروع خلافا للحنفية وفرق قوم بين الأمر والنهي.
أطبق المسلمون على أن الكفار بأصول الشرائع مخاطبون وباعتبارها مطالبون ولا اعتداد بخلاف مبتدع يشبب بأن العلم بالعقائد يقع اضطرارا فلا يكلف به وأجمعت الأمة كما نقله القاضي أبو بكر على تكليفهم بتصديق الرسل وبترك تكذيبهم وقتلهم وقتالهم ولم يقل أحد إن التكليف بذلك متوقف على معرفة الله تعالى.
وأما فروع الدين فقال الشافعي ومالك وأحمد إنهم مخاطبون بها وخالفت الحنفية وهو قول الشيخ أبي حامد الاسفرايني من أصحابنا وذهب قوم إلى أن النواهي متعلقة بهم دون الأوامر وربما ادعى بعضهم أنه لا خلاف في تعلق النواهي وإنما الخلاف في الأوامر قال والدي رحمه الله وهي طريقة جيدة وفي المسألة مذهب رابع أن المرتد مكلف دون غيره لالتزام المرتد أحكام الإسلام ولا معنى لذلك لأن مأخذ المنع فيهما سواء وهو جهله بالله تعالى وزعم القرافي أنه مر به في بعض الكتب حكاية قوم وأنهم مكلفون بما عدا الجهاد دون الجهاد لامتناع قتالهم أنفسهم.
واعلم أن هذه المسألة إنما ذكرت على صفة المثال لأصل وهو أنه هل حصول الشرط الشرعي شرط في صحة التكليف أم لا وهي مسألة مشهورة وهنا مباحثتان:
(1/177)

احدهما: أن تكليف الكافر بالصلاة والصوم والحج ونحوها لا إشكال فيه لتمكنه من إزالة المانع والفعل بعده كالمحدث وحصول الشرط الشرعي غير مشروط في صحة التكليف على الرأي الصحيح أما الزكاة فقد يقال في تكليفهم بها إشكال لأن شرطها بعد ملك النصاب مضي الحول وإنما يجب بتمامه فإذا تم الحول وهو كافر كيف يكلف بزكاته وهو لا يمكنه فعلها في حال الكفر ولا بعده لأنه لا أسلم اشترط مضي حول من وقت إسلامه وهذا بخلاف الصلاة حيث يمكن فعلها في الوقت وجواب هذا الإشكال بأنه إذا تم الحول كلف بإخراجها بأن يسلم ويخرجها بعده فالتكليف بإخراجها بعد الإسلام الآن متحقق ولكنه إذا أسلم تسقط ويكون بمثابة نسخ الشيء قبل إمكان فعله وذلك جائز فما كلفناه بمستحيل بل بممكن فإن استمر على كفره كان التكليف مستمرا وإن أسلم سقط ويظهر بهذا معنى قول الأصوليين كما ستعرفه إن شاء الله.
الفائدة تضعيف العذاب في الآخرة ومضي الحول ليس من شرطه الإسلام والذي يستأنف حوله بعد الإسلام زكاة الحول الثاني.
أما الأول فقد استقر وجوبه وهو متمكن من الإخراج.
وفي الزكاة ثلاثة أشياء:
الخطاب بأدائها وهو حاصل لما بيناه.
والثاني: ثبوتها في الذمة وهو حاصل أيضا لا يفترق الحال بين المسلم والكفار فيه.
الثالث: تعلقها بالمال وهذا يظهر أنه في المسلم خاصة دون الكافر لما سنعرفه على الأثر إن شاء الله فنقول:
والمباحثة الثانية: أن إطلاق الخلاف بخطاب الكفار بالفروع ربما يتوهم منه أن من يقول بتكليفهم بالفروع يقول كل حكم ثبت في حق المسلمين ثبت في حقهم ومن لا يقول بذلك يقول لا يثبت في حقهم شيء من فروع الأحكام
(1/178)

وليس الأمر على هذا التوهم وكشف الغطاء في ذلك أن الخطاب على قسمين:
خطاب تكليف وخطاب وضع فخطاب التكليف بالأمر والنهي هو محل الخلاف وليس كل تكليف أيضا بل ما لم نعلم اختصاصه بالمؤمنين أو ببعض المؤمنين وإنما المراد العامة التي شملهم لفظا هل يكون الكفر مانعا من تعلقها بهم.
أولا: وأما خطاب الوضع فمنه ما يكون سببا لأمر أو نهي مثل كون الطلاق سببا لتحريم الزوجة قال والدي رحمه الله فهذا من محل الخلاف أيضا والفريقان مختلفان في أنه هل هو سبب في حقهم أيضا وربما يقول المانع من التكليف هو سبب ولكن قارنه مانع والعبارتان إن وقع فيهما تشاجر فهو لفظي.
ومن خطاب الوضع كون اختلافهم وجناياتهم سببا في الضمان وهذا ثابت في حقهم إجماعا بل ثبوته في حقهم أولى من ثبوته في حق الصبي وكون وقوع العقد على الأوضاع الشرعية سببا فيه في البيع والنكاح وغيرهما فهذا لا نزاع فيه وفي ترتب الأحكام الشرعية عليه في حقهم كما في حق المسلم وكذا كون الطلاق سببا للفرقة فإن الفرقة تثبت إذا قلنا بصحة أنكحتهم ومن هذا القبيل الإرث والملك به ولولا ذلك لما شاع بيعهم لمواريثهم وما يشترونه ولا معاملتهم وكذا صحة أنكحتهم إذا صدرت على الأوضاع الشرعية والخلاف في ذلك لا وجه له.
قال والدي بل ما أظن أحدا يتحقق عنه القول بأن النكاح الصادر منهم على الأوضاع الشرعية يكون فاسدا والصحة حكم شرعي وهي ثابتة في حقهم ومن يقول بأن الصحة حكم عقلي مراده مطابقة الأمر فهي حاصلة في حقهم لمطابقة عقدهم الوجه المشروع وأوضح دليل على ثبوت الصحة في حقهم من غير نزاع أن أبا حنيفة قال بها في الأنكحة وهو صدر القائلين بعدم تكليفهم بالفروع وأما صحة البيع ونحوه إذا جرى على الوضع الشرعي فلا تعلم من يقول بفساده في حقهم.
(1/179)

ومن خطاب الوضع ثبوت المال في ذمتهم في الديون وفي الكفارات عند حصول أسبابها ولا نزاع في ثبوت ذلك حقهم كما ثبتت في حق المسلمين وكذلك تعلق الحقوق التي يطالبون بأدائها فأموالهم مثل تعلق أروش الجنايات برقاب الجناة ونحوذلك وعكس هذا تعلق الزكاة بالمال تعلق رهن كما قاله بعض الفقهاء أو جناية كما قاله بعضهم أو شركة كما هو الأصح من مذهب الشافعي فظهر أنه لا يثبت في حقهم وإن قلنا إنهم مخاطبون بالزكاة لأمرين.
أحدهما: أن المقصود أنهم يأثمون بتركها وليس المقصود أنهم تؤخذ منهم في كفرهم والتعلق المذكور إنما يقصد به تأكيد الوجوب لأجل الأخذ ليصان الواجب عن الضياع فلا معنى لإثباته في حق الكافر لأنه إن دام على الكفر لم يوجد منه وإن أسلم سقطت وما كان كذلك لا معنى للتعلق الذي هو توثقة فيه والموجود في حق الكفار إنما هو الأمر بأدائها وهذا مشترك بينهم وبين المسلمين وثبوتها في الذمة قدر زائد على ذلك قد يقال به في الكافر أيضا وإثبات تعلقها بالدين أمر ثالث يختص بالمسلم لا وجه للقول به في الكافر.
الثاني: أن المعتمد في ثبوت الشركة قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} 1 ولا مرية في أن الكافر لا يدخل في ذلك وكتاب أنس الذي كتبه له أبو بكر رضي الله عنه وفيه هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين وفيه كل خمس شاة ولا يلزم من إثبات هذا التعلق في حق المسلمين إثباته في حق الكافرين لظهور الفرق على ما قدمناه ولا شك أن الأدلة الواردة في أحكام الشريعة.
منها ما يتناول لفظه الكفار مثل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} ونحوه فيتعلق بهم حكمه على القول بتكليفهم بالفروع
ومنها ما لا يشملهم لفظه كما ذكرناه من الآية والحديث كالآيات التي فيها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ونحوه فلا تتناولهم لفظا.
__________
1 سورة التوبة: آية 103.
(1/180)

قال والدي رحمه الله ولا يثبت حكمها لهم وإن قلنا إنهم مخاطبون بالفروع إلا بدليل منفصل أو تبين عدم الفرق بينهم وبين غيرهم والاكتفاء بعموم الشريعة لهم ولغيرهم وأما حيث يظهر الفرق أو يمكن معنى غير شامل لهم فلا يقال بثبوت ذلك الحكم لهم لأنه يكون إثبات حكم بغير دليل والتعلق قدر زائد على الوجوب فلا نثبته في حقهم بغير دليل ولا معنى.
ومن خطاب الوضع كون الزنا سببا لوجوب الحد وذلك ثابت في حقهم ولذلك رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين1 ولا يحسن القول ببناء ذلك على تكليفهم بالفروع فإنه كيف يقال بإسقاط الإثم عنهم فيما يعتقدون تحريمه لكفرهم وهذا في الكتابي الذي يعتقد شرعا أما من لا يعتقد شيئا فيجري الخلاف في تعلق التحريم به في جميع المحرمات وقد قال الأستاذ أبو إسحق في أصوله لا خلاف أن خطاب الزواجر من الزنا والقذف يتوجه عليهم كما هو في المسلمين ونص الشافعي على أن حد الزنا لا يسقط بالإسلام.
فانظر هذه المواضع وتأملها ونزل كلام العلماء عليها ولا يظنن الظان مخالفة ما ذكرناه لعبارات الأصوليين لأنهم إنما قالوا التكليف بالفروع فلا يرد خطاب الوضع عليهم.
__________
1 أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – "ما تجدون في التوراة؟ " قالوا نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم قالوا صدق فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما.
فتح القدير للشوكاني 2/43, 44.
(1/181)

أدلة القائلين بتكليف الكفار
قال لنا أن الآيات الآمرة بالعبادة تتناولهم والكفر غير مانع لإمكان إزالته وأيضا الآيات الموعدة بترك الفروع كثيرة مثل فويل للمشركين وأيضا فإنهم كلفوا بالنواهي لوجوب حد الزنا عليهم فيكونون مكلفين بالأمر قياسا.
استدل على المختار بأوجه.
الأول: أن المقتضى لتناول الكفار قائم مثل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} 1 وغيرها والكفر لا يمنع من التناول للتمكن من إزالته فأشبه الحدث مانع من الصلاة إذ كل منهما مانع ممكن الزوال وما قال أحد من المسلمين إن المحدث لا يكلف بالصلاة حتى نبغ أبو هاشم2 وقال منكرا من القول وزورا قلت والاستدلال بنحو: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} مستقيم وأما ما حكى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال كل ما جاء في القرآن يا أيها الناس فالمراد المؤمنين فلم يصح عنه3.
__________
1 سورة البقرة: آية 21.
2 هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجباني وإليه تنسب طائفة الهاشمية من المعتزلة ويقال لهم الذمية لقولهم باستحقاق الذم لا على فعل.
توفي ببغداد سنة 321 هـ.
ابن خلكان 1/367 البغداد 11/55.
3 يؤيد ذلك ما رواه الحافظ ابن كثير عند تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} قال: وقال مجمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين.
تفسير ابن كثير ج 1 ص 86 ط الشعب.
(1/182)

الثاني: أن الآيات الموعدة بترك الفروع مثل قوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ*الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} 1 ومثل قوله: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ*قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} 2 دلت على أنهم كلفوا ببعض الفروع فيكونون مكلفين بالباقي إذ لا قائل بالفرق أو بالقياس.
الثالث: وهو دليل على من فصل وقال تتناولهم المناهي دون الأوامرولك أن تجعله دليلا على الفريقين وبه يشعر إيراد المصنف حيث استدل بتناول النهي ولو جعله دليلا على من وافق في النهي لم يحتج إلى الإستدلال وتقريره أن الدليل على أن النهي يتناولهم وجوب حد الزنا عليهم فيلحق به الأمر بجامع مطلق الطلب.
فإن قلت لانسلم بأنه يتناول الكافر النهي ولا يرد وجوب حد الزنا لأنه التزم أحكامنا بعقد الجزية أو غيرها ولذلك لا نحد الحربي.
قلت الالتزام بمجرده لا يوجب الحد.
فإن قلت قال أبو عبد الله بن خويد ومنداذ المالكلي إنهم إنما يقطعون السرقة ويقتلون في الحرابة من باب الدفع فهو تعزيز لا حد لأن الحدود كفارات لأهلها وليست هذه كفارات ومقتضى ذلك ألآ يجب حد الزنا لما ذكره.
قلت مقالته هذه فاسدة فإن الحدود إنما تكون كفارة لأهلها إذا كانوا مسلمين كما صرح به الشافعي والكافر ليس من أهل الأجر ولا الثواب ولا الطهرة وإنما هي في حقه كالديون اللازمة ولذلك نلزمه بكفارة الطهار ونحوها ولا يزول عنه بها إثم.
قال قيل الانتهاء أبدا ممكن دون الامتثال وأجيب بأن مجرد الفعل
__________
1 سورة فصلت: آية 6, 7.
2 سورة المدثر آية 42, 43.
(1/183)

والترك لا يكفي فاستويا وفيه نظر قيل لا يصح مع الكفر ولا قضاء بعده.
قلنا الفائدة تضعيف العذاب.
لما قاس الأمر على النهي بالجامع الذي بينه اعترض الخصم وزعم ثبوت الفرق من جهة أن النهي من باب التروك فلا يحتاج إلى النية بخلاف الأمر وإذن يمكن للكافر الانتهاء عن المنهيات مع كفره ولا يمكنه الإتيان بالمأمورات وأجيب عن هذا الاعتراض بأنك إن عنيت بقولك يمكنه الانتهاء عن المنهيات أنه يتمكن من تركها من غير اعتبار النية فكذلك المأمورات وإن عنيت أنه متمكن من الانتهاء عن المنهي لغرض امتثال قول الشرع فهذا حالة الكفر متعذر فاستوى المأمور والمنهي في أن الإتيان بهما من حيث الصورة غير متوقف على الإيمان والإتيان بهما لغرض الامتثال متوقف على الإيمان فبطل الفرق قال صاحب الكتاب وفي هذا الجواب نظر ووجهه أن المكلف إذا ترك المنهي عنه سقط عنه العقاب ولم ينو بخلاف المأمور به فإنه لا يحصل الأجر إذا لم ينو.
واحتج من قال بعدم تكليف الكفار بالفروع بأنها لو وجبت عليهم لكانت إما في حال الكفر أو بعده والأول باطل لامتناع الإتيان بها في تلك الحالة وكذلك الثاني لإجماعنا على أن الكافر إذا أسلم لا يؤمن بالقضاء لقوله عليه السلام: "الإسلام يجب ما قبله" 1 وأجاب المصنف بأن فائدة قولنا إنهم مكلفون بالفروع تضعيف العذاب عليهم يوم القيامة ولقائل أن يقول التعذيب في الآخرة متوقف على سبق التكليف لا محالة ويعود الكلام إلى أن التكليف بها إما في حالة الكفر أو بعده بل الجواب أنا نقول هو مكلف بإيقاع ذلك.
__________
1 حديث الإمام أحمد في مسنده عن عمرو بن العاص 4/199, 204, 205.
ويؤيده حديث ابن مسعود أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ لما عمل في الجاهلية ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" صحيح البخاري كتاب استتابة المرتدين 9/17, 18 ومسلم كتاب الإيمان باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية 1/77.
كما يؤيد ذلك كله قول الله تبارك وتعالى {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} لأنفال:38
(1/184)

بأن يسلم ويوقع وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يجب ما قبله" فحجة لنا لأن قوله يجب يقتضي سبق التكليف به ولكن يسقط ترغيبا في الإسلام ومن الدلائل الواضحة على أن الكافر مكلف بالفروع مطلقا ولم أر من ذكره قوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} 1 إذ لا يمترى الفهم في أن زيادة هذا العذاب إنما هو بالافساد الذي هو قدر زائد على الكفر إما الصد أو غيره وأما قول الأصوليين الفائدة تضعيف العذاب في الآخرة فصحيح ولم يريدوا أنه لا يظهر فائدة الخلاف إلا في الآخرة وإن أفهمته عبارة طوائف منهم فينبغي أن يخصص كلامهم ويعلم أنه جواب عما ألزم به الخصوم في فروع خاصة لا يظهر فيها فائدة للخلاف فيها كالزكاة ونحوها وقد فرع الأصحاب على الخلاف الأصولي مسائل عديدة.
واعلم أن الأقوال الثلاثة في خطاب الكفار بالفروع أوجه للأصحاب حكاها النووي في أوائل الصلاة من شرح المهذب وسبقه الشيخ أبو إسحق في شرح اللمع فوضح وجه اختلافهم في المسائل التي بنوها حسب اختلافهم في الأصول.
منها ذهب الأستاذ أبو إسحق إلى أنه يجب على الحربي ضمان النفس والمال تخريجا من أن الكفار مخاطبون بالفروع وعزى هذا إلى المزني2 في المنثور.
ومنها إذا اغتسلت الذمية لتحل لمن يحل له وطؤها من المسلمين فهل يجب عليها إعادة الغسل إذا أسلمت فيه وجهان وفرق إمام الحرمين بين هذه وبين ما لو وجب على الذمي كفارة فأخرجها ثم أسلم لا يجب عليه الإعادة قطعا بأن الكفارة إنما تكون بالمال ولا تخلو الكفارة عن قصد شرعي من إطعام محتاج أو كسوة عار أو تخليص رقبة عن قيد رق وهذه المصلحة لا تختلف باختلاف
__________
1 سورة النحل آية 88.
2 هو إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني صاحب الإمام الشافعي من أهل مصر كان عالما مجتهدا قوي الحجة له الجامع الكبير والصغير.
توفي سنة 264 هـ الأعلام 1/115, 116 وفيات الأعيان 1/223.
(1/185)

أحوال فاعليها فإذا وجدت لا حاجة إلى إعادتها بخلاف ما تعبد به في حق الشخص نفسه كمسألتنا وكالصوم.
ومنها لو اغتسل الكافر عن جناية أو توضأ أو تيمم ثم أسلم فالمذهب الصحيح وجوب الإعادة.
والثالث: الفرق بين الوضوء والغسل.
ومنها هل يمكث الكافر الجنب في المسجد فيه وجهان.
ومنها هل يؤخذ في الجزية وفي ثمن الشقص المشفوع مما تيقنا أنه من ثمن الخمر المذهب أنا لا نأخذه وفيه وجه.
ومنها التصرف في الخمر حرام عليهم خلافا لأبي حنيفة وصرح في التتمة ببناء المسألة على الأصل المذكور فإن قلت لم لا جرى فيها خلاف مذهبي؟
قلت شفاء الغليل في ذلك من وظائف كتابنا الأشباه والنظائر فعليك به.
ومنها إذا دخل الكافر الحرم وقتل صيدا لزمه الضمان وقال في المهذب يحتمل ألا يلزمه.
خاتمة قول المصنف وغيره الفائدة تضعيف العذاب قد يفهم أن الخلاف في تكليفهم بالفروع يختص بما يترتب عليه حرج من مأمور ومنهي ويقتضي أن الإباحة لا تتعلق بهم لاسيما على قولنا إنها ليست من التكليف والظاهر تعلق الإباحة بهم فيما هو مباح قال والدي وقد يقال إن أقدامهم على المباح وهم غير مستندين فيه إلى الشرع الذي يجب عليهم اتباعه حرام لقيام الإجماع على أن المكلف لا يحل له الإقدام على فعل حتى يعلم حكم الله فيه فإن صح هذا فهم آثمون على جملة أفعالهم وهذا البحث عام في الكتابيين والمشركين قال والدي وهو مما لم أره لغيري وفيه عندي توقف ولا ينافي القول به الحكم بصحة أنكحتهم ومعاملاتهم لأن أثرها في الدنيا والمقصود عقابهم في الآخرة.
(1/186)

المسألة الثالثة امتثال الأمر يوجب الإجزاء
قال الثالثة امتثال الأمر يوجب الإجزاء لأنه إن بقي متعلقا به فيكون أمرا بتحصيل الحاصل أو بغيره فلم يمتثل بالكلية قال أبو هاشم لا يوجبه كما لا يوجب النهي الفساد والجواب طلب الجامع ثم الفرق.
إتيان المكلف بالمأمور بالمأمور به على الوجه المشروع موجب للإجزاء عند الجمهور وخالفهم أبو هاشم وعبد الجبار1 وحجة الجمهور أنه لو لم يكن الامتثال موجبا للإجزاء لكان الأمر بعد الامتثال مقتضيا إما لذلك المأتي به ويلزم تحصيل ا. لحاصل أو لغيره ويلزم ألا يكون الإتيان به بتمام المأمور به بل ببعضه والفرض خلافه
وأعلم أن الإجزاء له تفسيران:
أحدهما: سقوط التعبد به وهو الذي اختاره المصنف في أوائل الكتاب.
والثاني: سقوط القضاء وقد ضعفه ثم والخلاف في هذه المسألة إنما هو مبنى على تفسيره بسقوط القضاء أما إذا فسر بما اختاره المصنف فامتثال الأمر يكون محصلا للإجزاء من غير خلاف وإنما خالف أبو هاشم وأتباعه إذا بنى على ذلك التفسير فقالوا لايمتنع الأمر بالقضاء أيضا مع فعله فحاصل ما يقوله أبو هاشم أنه لا يدل على الإجزاء وإنما الإجزاء مستفاد من عدم دليل
__________
1 هو أبو الحسين عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني شيخ المعتزلة في زمانه. طج
من مؤلفاته تنزيه القرآن عن المطاعن العمد في أصول الفقه.
توفي بالري سنة 415 هـ الأعلام 2/476.
(1/187)

يدل على وجوب الإعادة ولا خلاف بين أبي هاشم وغيره في براءة الذمة عند الإتيان بالمأمرو به1 وقد شبه القرافي هذا الخلاف في مفهوم الشرط كما إذا قال إن دخلت الدار فأنت حر فمن قال لا مفهوم للشرط قال عدم عقته ما لم يأت بالمشروط مستفاد من الملك السابق ومن قال له مفهوم قال هو مستفاد من ذلك ومن مفهوم الشرط أيضا وكذلك الخلاف الذي هنا وإذا عرفت ذلك أن أبا هاشم لا يقول ببقاء شغل الذمة بعد الفعل لأن الأمر بمجرده لا يدل عليه وحينئذ فدليل المصنف عليه دليل في محل الوفاق لا معترض به عليه وهذا هو التحرير في نقل مذهب أبي هاشم وكذلك نطق به جماعة منهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العبد في شرح العنوان واحتج أبو هاشم على مذهبه بأن النهي لا يدل على الفساد بدليل البيع وقت النداء فكذلك الأمر لا يدل على الإجزاء وإليه الإشارة بقوله لا يوجبه أي لا يوجب الأمر الإجزاء كما لا يوجب النهي الفساد.
والجواب أولا طلب الجامع بين المقيس والمقيس عليه وهو الأمر والنهي فإن أتى به بأن قال الجامع أن كلا منهم طلب لا إشعار له بذلك أو أنهما متضادان والشيء محمول على ضده كما هو محمول على مثله أجبنا ثانيا بالفرق وهو أن مقتضى الأمر الإتيان بالمأمور به فلو لم يكن موجبا للإجزاء لم يكن للأمر فائدة لأنه حينئذ يكون كأنه قال افعل هذا وإن فعلت فكأنك لم تفعل بخلاف النهي فإن مقتضاه الانكفاف عن المنهي وقد يكون الانكفاف بحكم آخر كالنهي عن البيع وقت النداء مع مجامعته للصحة ولهذا يصح أن يقال لا تفعل هذا وإن فعلته يكون فعلك صحيحا.
__________
1 اتفق الجميع على أن الإتيان بالمأمور به على وجه الصحيح يدل على الإجزاء بمعنى امتثال الأمر واتفقوا على عدم الإجزاء بمعنى عدم سقوط القضاء إذا اختل شرط في المأمور به وإنما الخلاف في الإجزاء بمعنى القضاء فيما إذا أتى المكلف بالمأمور به على صفة الكمال فهل الإتيان به على الوجه المأمور به يستلزم سقوط القضاء؟ فالجمهور من الأصوليين والفقهاء على أنه يستلزمه وعليه أكثر المعتزلة وقال بعض المعتزلة ومنهم أبو هاشم لا يوجبه.
وانظر الإحكام للآمدي 2/162.
(1/188)

فإن قلت الحاج إذا فسد فهو مأمور بالمضي في فاسد الحج وإذا مضى فيه كما أمر لزمه في مستقبل الزمان حج صحيح ولم يقع إذن مضيه مجزئا وإن كان مأمورا به.
قلت قال إمام الحرمين هذا قول من يتلقى الحقائق في الأصول من خيالات في مضطرب الظنون المتعلقة بالفروع فنقول إن كان ما خاض أولا حجا مفروضا فالخطاب بإيقاع حج صحيح قائم والإفساد مناف لحق الامتثال وليس المضي في الفاسد مقتضى الأمر بالحج الصحيح وإنما هو متلقى من أمر جديد يختص بالحج فيثبت الجريان في الفاسد بأمر جديد وبقي على المفسد حق القيام بالأمر الأول وإن كان الحج تطوعا فيجب القضاء على المفسد بأمر جديد وليس ذلك من مقتضى الأمر بالمضي قال وهذا لا غموض فيه وقد يتعارض على الفقيه الفرق بين الفساد والفوات والتحلل بعد الإحصار وحظ الأصولي من هذه المسائل تقرير أمر جديد في كل ما لا يتلقى من الأمر الأول وهذا ليس بالعسر بل هو مقطوع به والله أعلم وبه التوفيق.
(1/189)

الكتاب الأول في القرآن الكريم
مدخل
...
الكتاب الأول في الكتاب وهو القرآن الكريم
قال الكتاب الأول في الكتاب والاستدلال به يتوقف على معرفة اللغة وأقسامهما وهو ينقسم إلى أمر ونهي وعام وخاص ومجمل ومبين وناسخ ومنسوخ وبيان ذلك في أبواب.
الكتاب هو القرآن وهو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه وقد خرج بقولنا المنزل الكلام النفسي وكلام البشر وبالإعجاز الأخبار الربانية وسائر الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور إن لم يقل إنها معجزة وقولنا بسورة منه أي ببعض ولو ساوى أقصر سورة منه كالكوثر وخرج بذلك سائر الكتب المنزلة إن قيل بإعجازها فإنها حينئذ وإن أنزلت للإعجاز لكن لم يكن الإعجاز بسورة منها وهذا التعريف صادق على الآية وعلى بعضها أيضا لأنه يصدق عليها أن قدر سورة من نوعه معجزة ولما كان الكتاب منزلا على لغة العرب احتاج المستدل به إلى معرفتها والاستدلال به أيضا متوقف على معرفة أقسامه من جملة أقسام اللغة وهو ينقسم إلى خبر وإنشاء ولاحظ للأصولي في الخبر وإنما كلامه في الإنشاء وهو ينقسم باعتبارت ثلاث.
الأول: بالنظر إلى ذاته إلى أمر ونهي فنقول هذا القول أمر أونهي فيجعل مورد القسمة ذات القول.
والثاني: بالنظر إلى عوارضه ونعني بها متعلقاته وبهذا ينقسم إلى العام والخاص فنقول المعني بهذا القول جميع متعلقاته وهو العام أو بعضها وهو الخاص.
(1/190)

والثالث: بالنظر إلى النسبة بين الذات والمتعلق وبهذا ينقسم إلى المجمل والمبين فنقول دلالة القول على متعلقاته إما ظاهرة غنية عن المبين وذلك المبين أو غير غنية وذلك المجمل ثم إن أحكام الله تعالى لما كانت تارة في جانب النفي وطورا في قالب الإثبات إما لكونها تابعة للمصالح تفضلا وإحسانا عند من يعلل أحكامه سبحانه وتعالى أو بحسب إرادته وقضاياه التي لا تعلل عندنا فيرد حكم يرفع حكما فالرافع ناسخ والمرفوع منسوخ.
فهذا وجه انقسام الإنشاء في الكتاب إلى هذه الأمور وليس التقسيم مختصا بالكتاب بل السنة كذلك وقد بين المصنف ذلك في كتاب السنة بقوله سبق مباحث القول.
(1/191)

اللغات
الفصل الأول: الوضع
*
...
الباب الأول في اللغات وفيه فصول
الفصل الأول في الوضع
قال الباب الأول في اللغات وفيه فصول الفصل الأول في الوضع.
وجه تقديم باب اللغات على غيره أن معرفة ماهية الشيء سابقة على معرفة أقسامه وأحكامه واللغات جمع لغة وإنما جمعها وإن كان الغرض الكلام في لغة العرب وهي واحدة لاشتراك مباحثه بين جميع اللغات وقد أودع هذا الباب تسعة فصول أولها في الوضع وهو عبارة عن تخصيص الشيء بالشيء بحيث إذا أطلق الأول فهم منه الثاني وهذا تعريف سديد فإنك إذا أطلقت قولك قام زيد فهم منه صدور القيام منه.
فإن قلت مدلول قولنا قام زيد صدور قيامه سواء أطلقنا هذا اللفظ أم لم نطلقه فما وجه قولكم بحيث إذا أطلق.
قلت الكلام قد يخرج عن كونه كلاما بالزيادة والنقصان وقد لا يخرج عن كونه كلاما ولكن يتغير معناه بالتقييد فإنك إذا قلت قام الناس اقتضى إطلاق هذا اللفظ إخبارك بقيام جميعهم فإذا قلت إن قيام الناس خرج عن كونه كلاما بالكلية فإن قلت قام الناس إلا زيدا لم يخرج عن كونه كلاما ولكن خرج عن اقتضاء قيام جميعهم إلى قيام ما عدا زيدا فعلمت بهذا أن لإفادة قام الناس للإخبار بقيام جميعهم شرطين:
أحدهما: ألا يبتدئه بما يخالفه.
(1/192)

والثاني: ألا يختمه بما يخالفه وله شرط ثالث أيضا وهو أن يكون صادرا عن قصد فلا اعتبار بكلام الساهي والنائم فهذه ثلاثة شروط لا بد منها وعلى السامع التنبه لها فوضح بهذا أنك لا تستفيد قيام الناس من قوله: قام الناس إلا بإطلاق هذا القول فلذلك اشترطنا ما ذكرناه.
فإن قلت من أين لنا اشتراط ذلك واللفظ وحده كلف في ذلك لأن الواضع وضعه لذلك؟
قلت وضع الواضع له معناه أنه جعله متهيئا لأن يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له على الوجه المخصوص والمفيد في الحقيقة إنما هو المتكلم واللفظ كالآلة الموضوعة لذلك.
فإن قلت لو سمعنا قام الناس ولم يعلم من قائله هل قصده أو لا أو ابتداه وختمه بما يغيره أو لا هل لنا أن نخبر عنه بأنه قال قام الناس أو لا قلت فيه نظر يحتمل أن يقال بجوازه لأن الأصل عدم الابتداء والختم بما يغيره ويحتمل أن يقال لا يجوز لأن العمدة ليس هو اللفظ ولكن الكلام النفساني القائم بذات المتكلم وهو حكمه واللفظ دليل عليه مشروط بشروط ولم تتحقق ويحتمل أن يقال إن العلم بالقصد لا بد منه لأنه شرط والشك في الشرط يقتضي الشك في المشروط والعلم بعدم الإبتداء والختم بما يخالفه لا يشترط لأنهما مانعان والشك في المانع لا يقتضي الشك في الحكم لأن الأصل عدمه واختار والدي أيده الله أنه لا بد من أن يعلم الثلاثة ويؤيده ما حكاه الروياني عن صاحب الحاوي فيما إذا قال الرجل لزوجته طلقتك ثم قال سبق لساني وإنما أردت طلبتك أن المرأة إن ظنت صدقه بأمارة فلها أن تقبل قوله ولا تخاصمه وإن من عرف ذلك منه إذا عرف الحال يجوز أن يقبل قوله ولا يشهد عليه قال الروياني وهذا هو الاختيار وهذه الأسئلة من إيرادي في مجلس مباحثة على الشيخ الإمام والدي والأجوبة له.
(1/193)

أسباب وضع اللغات
والموضوع والموضوع له وفائدة الوضع
قال لما مست الحاجة إلى التعاون والتعارف وكان اللفظ أفيد من الإشارة والمثال لعمومه وأيسر لأن الحروف كيفيات تعرض للنفس الضروروي وضع بإزاء المعاني الذهنية لدورانه معها.
يتعلق بالوضع أمور ستة:
أحدها: سببه وقد خلق الله نوع الإنسان وصيره محتاجا إلى أمور لا يستقل بها بل يفتقر إلى المعاونة عليها ولا بد في المعاونة من الاطلاع على مضمرات النفوس وذلك إما باللفظ أو بالإشارة أو بالمثال قوله وكان اللفظ هذا هو الأمر الثاني في الموضوع ومن لطف الله تعالى إحداث الموضوعات لأنها أفيد هذه الثلاثة وأيسرها أما كونها أفيد فلأنها تعم كل شيء معلوم موجود ومعدوم إلى غير ذلك لإمكان وضع اللفظ بإزاء ما أريد من تلك المعاني بخلاف الإشارة فإنها مخصوصة بالموجودات المحسوسة وبخلاف المثال وهو أن نجعل لما في الضمير شكلا فإنه أيضا كذلك لا يعسر بل يتعذر أن يجعل لكل شيء مثال يطابقه وأما كونها أيسر موافقة للأمر الطبيعي لأن الجروف كيفيات تعرض للنفس الضروري ولا شك في أن الموافق للأمر الطبيعي أسهل من غيره.
قوله وضع.
هذا هو الأمر الثالث الموضوع له وإذا ثبت ما ذكرناه فنقول وضع اللفظ بإزاء المعاني الذهنية وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي بل بإزاء الخارجية واستدل المصنف على الأول بدوران الألفاظ مع المعاني الذهنية فإن من رأى
(1/194)

شبحا من بعيد واعتقده مثلا حيوانا مخصوصا أطلق عليه اسم ذلك الحيوان فإذا تغير ذلك الاعتقاد باعتقاد آخر أطلق عليه بحسب ذلك الاعتقاد اسما آخر وهذا الدليل أيضا يدل على بطلان القول بأنها موضوعة بإزاء الخارجية لأنها لو كانت موضوعة بإزاء المعاني الخارجية لامتنع تسمية ذلك بحيوان مخصوص وقد عرف أن ذلك لا يمتنع مع عدم الشعور بكونه إنسانا ولكان يمتنع اختلاف الألفاظ عند عدم اختلاف الأمر الخارجي وقد أجيب عن هذا الدليل بأن هذا الاختلاف إنما هو لاعتقاد أنها في الخارج كذلك لا لمجرد اختلافها في الذهن.
قال ليفيد النسب والمركبات دون المعاني المفردة وإلا فيدور.
اللام في قوله ليفيد متعلقة بقوله قبل ذلك وضع وهذا هو الأمر الرابع في فائدة الوضع فنقول ليس الغرض من وضع الألفاظ المفردة أن يفاد بها معانيها المفردة لأن إفادتها لها متوقفة على العلم بها ضرورة أن العلم بالنسبة يستدعي العلم بالمنتسبين فلو استفيد العلم بها منها لزم الدور بل الغرض منه التمكن من إفادة المعاني المركبة بتركيبها والدور غير لازم هنا إذ يكفي من تلك الإفادة العلم بوضع تلك الألفاظ المفردة وانتساب بعضها إلى بعض بالنسبة المخصوصة والحركات المختصة.
(1/195)

الواضع للغات وآراء العلماء فيها
قال ولم يثبت تعيين الواضع والشيخ زعم أنه تعالى وضعه ووقف عباده عليه لقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} ، {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} ، {وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ} ولأنها لو كانت اصطلاحية لاحتيج في تعريفها إلى اصطلاح آخر ويتسلسل ولجاز التغيير فيرتفع الأمان عن الشرع وأجيب بأن الأسماء سمات الأشياء وخصائصها أو ما سبق وضعها والذم للاعتقاد والتوقيف يعارضه الإقدار والتعليم بالترديد والقرائن كما للأطفال والتغيير لو وقع لاشتهر وقال أبو هاشم الكل مصطلح وإلا فالتوقيف إما بالوحي فيتقدم البعثة وهي متأخرة لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} أو بخلق علم ضروري في عاقل فيعرفه تعالى ضرورة فلا يكون مكلفا أو في غيره وهو بعيد وأجيب بأنه يلهم العاقل بأن واضعا وضعها وإن سلم لم يكن بالمعرفة فقط وقال الأستاذ ما وقع به التنبيه إلى الاصطلاح توقيفي والباقي مصطلح.
هذا الفصل باحث عن الوضع وهو الأمر الخامس فنقول ذهب عباد بن سليمان الصيمري ومن وافقه إلى أن دلالة اللفظ على المعنى لمناسبة طبيعية بينهما وهذا يحتمل وجهين:
أحدهما: وهو الذي اقتضاه نقل الآمدي عنه أن تلك المناسبة الطبيعية حاملة للواضع على الوضع وهو أقل نكيرا ولا يمكن ادعاؤه في كل الألفاظ واللغات إذ لو كان كذلك لما وقع المشترك بين الضدين ولما اختلفت دلالات الألفاظ على معانيها باختلاف الأمم والأزمنة إذ المناسبة الطبيعية لا تختلف باختلافها.
(1/196)

والثاني: وهو أعظم نكيرا أن تلك المناسبة الطبيعية وحدها كافية في كون تلك الألفاظ دالة على تلك المعاني من غير احتياج إلى الوضع وهو معلوم الفساد هو الذي اقتضاه نقل الإمام عنه واحتج عباد بأنه لو لم يكن بين الأسماء والمسميات مناسبة بوجه ما لكان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين ترجيحا لأحد طرفي الجائز على الآخر من غير مرجح والجواب أن الواضع إن كان هو الله تعالى كان تخصيص الاسم المعين بالمسمى المعين كتخصيص وجود العالم بوقت مقدر دون غيره وإن كان الناس فيحتمل أن يكون السبب حضور ذلك اللفظ بالبال في ذلك الوقت دون غيره إذا بطلت المناسبة الطبيعية وظهر أن مستند تخصيص بعض الألفاظ ببعض المعاني إنما هو الوضع الاختياري حان النظر في الكلام في الواضع وفيه كلام الكتاب فالواضع إن كان هو الله تعالى فهو مذهب الشيخ أبي الحسن ومن وافقه وهو المسمى بالتوقيف وإن كان هو العبد فهو مذهب الشيخ أبي هاشم وهو المسمى بالاصطلاح والتواطؤ وإن كان منهما فإما أن يكون ابتداء الوضع من الله والباقي من العبد وهو رأي الأستاذ أبي إسحاق أو العكس وهو مذهب ضعيف لم يذكره في الكتاب وأما جمهور المحققين كالقاضي فمن بعده فقد توقفوا في الكل وقالوا بإمكان كل واحد من هذه الاحتمالات الأربعة وهو الذي اختاره في الكتاب حيث قال ولم يثبت تعيين الواضع وقال ابن الحاجب الظاهر قول الأشعري ومعنى هذا القول بالوقف لعدم القطع بواحد من هذه الاحتمالات ويرجح مذهب الأشعري بغلبة الظن وقد كان بعض الضعفاء يقول إن هذا الذي قاله ابن الحاجب مذهب لم يقل به أحد لأن العلماء في المسألة بين متوقف وقاطع بمقالته فالقول بالظهور لا قائل به وهذا ضعيف فإن المتوقف لعدم قاطع قد يرجح بالظن ثم إن كانت المسألة ظنية اكتفى في العمل بها لذلك الترجيح وإلا توقف عن العمل بها.
(1/197)

الأدلة
وقد احتج الشيخ رضوان الله عليه بأوجه
الأول: قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} 1 الآية دلت على أن التعليم من الله تعالى وإذا ثبت هذا في الأسماء ثبت أيضا في الأفعال والحروف لأنه لا قائل بالفرق ولأن التكلم بالأسماء وحدها متعذر فلا بد مع تعليم الأسماء من تعليم الأفعال والحروف ولأن الاسم إنما سمي إسما لكونه علامة على مسماه والأفعال والحروف كذلك فهي أسماء وأما تخصيص لفظ الاسم ببعض الأقسام فهو اصطلاح محدث للنحاة واللغويين
الثاني: قوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} 2 ذمهم على تسميتهم بعض الأسماء بما سموها به من تلقاء أنفسهم فلولا التوقيف في كلها لما استحقوا الذم بذلك ولقائل أن يقول في الاستدلال بهذا اعتراف بكون البعض اصطلاحا
الثالث قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} 3 ولا يجوز أن يكون المراد اختلاف تأليفات الألسنة وتركيبها لأن ذلك في غيرالألسن أبلغ وأكمل فلا يفيد تخصيص الألسنة بالذكر فبقي أن يكون المراد اختلاف اللغات إما بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أو إطلاق اسم العلة على المعلول أو اسم المحل على الحال وحينئذ فلولا أنها توقيفية لما امتن علينا بها.
__________
1 سورة البقرة: آية 31.
2 سورة النجم: آية 23.
3 سورة الروم: آية 22.
(1/198)

الرابع: أنها لو كانت اصطلاحية لاحتاج الواضع في تعليمها إلى اصطلاح آخر بينه وبين من يعلمه ثم إن الفرض أن ذلك الطريق أيضا لا يفيد لذاته فلابد من اصطلاح آخر ويلزم التسلسل ولقائل أن يقول هذا الدليل يبطل مذهب أبي هاشم ولا يثبت مذهب الشيخ.
الخامس: وهو كالرابع أنها لو كانت اصطلاحية لجاز التغيير إذ لا حجر في الاصطلاح وحينئذ يرتفع الوثوق عن الشرع فإن كل لفظ شرعي يستعمله في معنى جاز والحالة هذه أن يكون مستعملا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غير ذلك المعنى.
وأجاب في الكتاب عن الوجه الأول بأن المراد من الأسماء في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ} علامات الأشياء وخصائصها فيعلمه مثلا أن الخيل تصلح للكر والفر والجمال للحمل والثيران للزرع وهذا لأن الاسم مشتق من السمة أو من السمو وعلى كل تقدير فكل ما يعرف ماهية ويكشف عن حقيقة اسما وتخصيص الاسم بهذه الألفاظ عرف حادث ولو سلمنا أن المراد بالأسماء ما ذكرتم فلا يلزم التوقيف إذ من الجائز أن يكون من الأسماء التي علمها الله لآدم قد وضعتها طائفة مخلوقة قبله وفي هذين الجوابين نظر.
أما الأول: فإنه خلاف الظاهر إذا الظاهر من الأسماء الألفاظ.
وأما الثاني: فالأصل عدم استعمال سابق ومنهم من أجاب بجواب آخر وهو أن المراد من التعليم أنه تعالى ألهمه الاحتياج إلى هذه الألفاظ وأعطاه من المعلوم ما لأجله قدر على الوضع قال الإمام وليس لأحد أن يقول التعليم إيجاد العلم بل التعليم فعل صالح لأن يترتب عليه حصول العلم ولذلك يقال علمته فلم يتعلم وهذا أيضا خلاف الظاهر إذ الظاهر من التعليم الإيجاد الأول للإلهام.
قال بعضهم وأصل التعليل لإثبات أثر الثلاثي المشتق يقال سودته فتسود وقول الأمام يقال علمته فلم يتعلم ممنوع.
قلت وهذا المنع غير منقدح وقد كان الإمام علاء الدين الباجي يقول أو لم يصح علمته فما تعلم لما صح علمته فتعلم لأنه إذا كان التعليم يقتضي
(1/199)

إيجاد العلم وهو علة فيه فمعلوله وهو التعلم يوجد معه بناء على العلة مع المعلول والفاء في قولنا فتعلم تقتضي تعقيب التعلم وإن قلنا إن المعلول يتأخر فنقول لا فائدة في قولنا فتعلم لأن التعلم قد فهم من قولنا علمته فوضح أنه لو لم يصح علمته فما تعلم لكان أما ألا يصح علمته فتعلم بناء على أن العلة مع المعلول أو لا يكون في قولنا فتعلم فائدة بناء على تأخر المعلول.
فإن قلت أليس أنه يقال كسرته فما انكسر فما وجه صحة قولنا مع ذلك علمته فما تعلم؟
قلت فرق والدي أحسن الله إليه بينهما بأن العلم في القلب من الله يتوقف على أمور من المعلم ومن المتعلم وكان علمته موضوعا للجزء الذي من المعلم فقط لعدم إمكان فعل من المخلوق يحصل به العلم ولا بد بخلاف الكسر فإن أثره لا واسطة بينه وبين الانكسار وهو جواب دقيق والإنصاف أن هذه ظاهرة فيما ادعاه الشيخ فالمتوقف إن توقف لعدم القطع فهو مصيب وإن ادعى عدم الظهور فغير مصيب هذا هو الحق الذي فاه به جماعة من المتأخرين منهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح العنوان وأجاب عن الثاني وهو التمسك بقوله: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} بأنا لا نسلم أنه ذمهم على تسميتهم بعض الأشياء إنما ذمهم على اعتقادهم كونها آلهة وإليه أشار بقوله والذم للاعتقاد وعن الثالث وهو التمسك بقوله: {وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ} بأنه إذا انتفت الحقيقة وهي أن يكون المراد بها الجارحة وثبت العدول إلى المجاز فليس صرفك إياه إلى اللغات أولى من صرفنا إياه إلى الإقدار على اللغات أو مخارج اللغات وإليه أشار بقوله والتوقيف يعارضه الإقدار والقائل أن يقول مجاز المستدل أدنى لأنه أقل إضمارا وما ذكرتموه يلزم منه كثرة الإضمار والمجاز معا إذ يصير تقدير الآية واختلاف اقتدار ألسنتكم باللغات أو اختلاف اقتداركم باللغات على أنه أطلق اللسان وأراد الاقتدار كما في إطلاق اليد وإرادة القدرة فعلى الأول يلزم كثرة الإضماره وعلى الثاني يلزم المجاز والإضمار معا وأما على ما ذكره الشيخ فلا يلزم إلا الإضمار الذي هو أقل من إضماركم لأنه يصير تقدير الآية على ما ذكره واختلاف لغات ألسنتكم فكان أولى.
(1/200)

فإن قلت لعله من إطلاق اسم العلة على المعلول أو المحل على المعلول أو المحل على الحال كما ذكرتم في تقرير الاستدلال.
قلت حينئذ يقع التعارض بين الإضمار والمجاز والمجاز أولى.
قال صفي الدين الهندي والأولى أن يجاب بأنا لا نسلم أن اختلاف اللغات إنما يكون آية أن لو كانت اللغات توقيفية وهذا لأن واضعها وإن كان هو العبد فهي مخلوقة لله تعالى على مذهب أهل الحق في أفعال العباد وأجاب المصنف عن الرابع بأنا لا نسلم أنه يحتاج في تعليمها إلى اصطلاح آخر بل يحصل العلم بترديد اللفظ وهو تكراره مرة أخرى مع القرائن كالإشارة إلى المسمى ونحوها وبهذا الطريق تعلمت الأطفال ولو سلمنا ذلك فما ذكرتم من الدلالة لا يقتضي أن جميعها بالتوقيف كما تدعون بل بعضها لأنه يمكن تعريف ما هو بالاصطلاح بذلك البعض كما هو قول الأستاذ وعن الخامس بأنا لا نسلم ارتفاع الأمان عن الشرع فإن التغيير لو وقع لاشتهر لكونه من مهمات الأمور وأما أبو هاشم فقد احتج على مذهبه بأنها لو لم تكن اصطلاحية لكانت توقيفية أو البعض والبعض لعدم الواسطة بينهما والقول بالتوقيف باطل مطلقا فثبت كونها اصطلاحية وإنما قلنا ببطلان التوقيف لأنه إما أن يكون بالوحي أو بخلق علم ضروري في عاقل أو في غير عاقل والكل باطل.
أما الأول: فلاقتضائه تقدم البعثة على اللغة وهي متأخرة عنها لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} 1.
وأما الثاني: فلأنه اقتضى ألا يكون ذلك العاقل مكلفا لأنه إذا علم بالضرورة أنه تعالى وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى فلا بد وأن يعرف الله ضرورة وإذا عرفه ضرورة لم يكن مكلفا بالمعرفة لحصولها.
وأما الثالث فبعيد جدا أن يصير غير العاقل عالما بهذه الكيفيات العجيبة والجواب أن يجوز أنه يكون الله تعالى ألهم العاقل بأن واضعا ما وضع هذه
__________
1 سورة إبراهيم عليه السلام آية 4.
(1/201)

الألفاظ بإزاء هذه المعاني لا أن الله تعالى هو الواضع حتى يلزم عدم التكليف ولو سلمنا ما ذكرتم فإنما رفع التكليف بالمعرفة لا رفع التكليف مطلقا وهذا الجواب ضعيف لأن معرفة الله تعالى واجبة قطعا والتوقيف بخلق العلم الضروري مستبعد لكونه خلاف المعتاد فالأولى في الجواب أن يقال إنه حصل بطريق الوحي ولا يلزم ما ذكره لأن الآية وإن دلت على تقدم اللغة على بعثة الرسل بالرسالة فلا يدل على تقدمها على بعثة الأنبياء فيجوز تقدم نبوة آدم وإيحاء اللغات إليه ثم إن آدم عليه السلام يعلمها لغيره ثم يرسل إليهم باللسان الذي تعلموه منه وأما الأستاذ فذكر في الكتاب مقالته مجردة عن الدليل لإمكان استخراج دليله من حجيج الفريقين بأن يقال إذا بطل التوقيف والاصطلاح في الكل تعين أن يكون البعض والبعض فحينئذ فنقول القدر الذي وقع به التنبيه إلى الاصطلاح توقيفي وإلا يلزم التسلسل لاحتياج التعليم في كل اصطلاح إلى اصطلاح سابق عليه وأما الباقي فمصطلح وجوابه يعلم مما سبق وبتقرير الأجوبة عن أدلة الجازمين يتعين الوقف الذي اختاره صاحب الكتاب ويقال بظهور فائدة الخلاف في هذه المسألة في جواز قلب اللغة فعند الشيخ لا يجوز دون القائلين بالاصطلاح وبنى بعضهم على الخلاف فيها ما إذا اعتقد صداقا في السر وصداقا في العلانية المسألة المشهورة ويلتحق بذلك ما إذا استعملا لفظ المفاوضة وأراد شركة العنان حيث نص الشافعي على جوازه والحق أن بناء المسألتين على هذا الأصل غير صحيح فإن هذا الأصل في أن هذه اللغات الواقعة بين أظهرنا هل هي بالاصطلاح أو التوقيف لا في شخص خاص اصطلح مع صاحبه على إطلاق لفظ الثوب على الفرس أو الألف على الألفين مثلا.
(1/202)

طريق معرفة اللغات
قال وطريق معرفتها النقل المتواتر والآحاد واستنباط العقل من النقل كما إذا نقل أن الجمع المعرف باللام يدخله الاستثناء وأنه إخراج بعض ما يتناوله اللفظ فيحكم بعمومه وأما العقل الصرف لا يجدي.
هذا هو الأمر السادس في بيان كيفية الطريق إلى معرفة وضع الألفاظ لمعانيها وذلك بطريق الحصر إما النقل الصرف أو العقل الصرف أو المركب منهما.
الأول: النقل وهو إما متواتر أو آحاد الأول المتواتر كالسماء والأرض والحر والبرد وهو مفيد للقطع.
الثاني: الآحاد كالفرس ونحوه وهو مفيد للظن الثاني العقل الصرف قال في الكتاب وهو لا يجدي أي لا ينفع إذ لا مجال للعقل في معرفة الموضوعات اللغوية.
الثالث: المركب منهما كما إذا نقل إلينا أن الجمع المعرف بالألف واللام يجوز أن يدخله الاستثناء ونقل إلينا أن الاستثناء إخراج ما يتناوله اللفظ فإن العقل يدرك بذلك أن الجمع المحلى بالألف واللام للعموم وقد بلغنا أن الإمام العلامة زين الدين بن الكتنامي رحمه الله اعترض على التمثيل بهذا وقال هاتان المقدمتان نقليتان وإذا تركب الدليل من مقدميتين نقليتين لم يصح أن يقال إنه مركب من العقل والنقل وهذا عجيب فإنه لولا العقل لما صح الاستنتاج من المقدمتين النقليتين وتركيبهما على الوجه المنتج وبيان صحة الإنتاج من فعل العقل والجزء الصوري القياس عقلي.
(1/203)

الفصل الثاني: تقسيم الألفاظ
...
الفصل الثاني في تقسيم الألفاظ
قال الفصل الثاني في تقسيم الألفاظ دلالة اللفظ على تمام مسماه مطابقة وعلى جزئه تضمن وعلى لازمه الذهني التزام.
تقسيم دلالة اللفظ تقسيم للفظ فلذلك صح ذكر تقاسيم دلالة الألفاظ في فصل تقاسيم الألفاظ والدلالة معنى يعرض للشيء بالقياس إلى غيره ومعناه كون الشيء يلزم من فهمه فهم شيء آخر وهي تنقسم إلى لفظية وغير اللفظية قد تكون وضعبة كدلالة وجود المشروط على وجود الشرط وقد تكون عقلية كدلالة الأثر على المؤثر والعكس مثل دلالة الدخان على النار وبالعكس وليس الكلام إلا في اللفظية وللإحتراز عن هذين القسمين أشار في الكتاب بقوله دلالة اللفظ ثم إن اللفظية تنقسم إلى أقسام ثلاثة عقلية كدلالة الصوت على حياة صاحبه وطبيعية كدلالة أح أح على وجع الصدر ووضعية وهي المرادة هنا فلو أن المصنف قال دلالة اللفظ الوضعية لكان أحسن على أن الإمام قال الوضعية هي دلالة المطابقة وأما الباقيتان فعقليتان لأن اللفظ إذا وضع للمسمى انتقل الذهن من المسمى إلى لازمه ولازمه إن كان داخلا فيه فهو التضمن أو خارجا فهو الالتزام وهذا واضح لا إشكال فيه وقال بعضهم دلالة التضمن لفظية أيضا وهو ضعيف فإن الحكم عليها بذلك إن استند إلى أن الجزء مفهوم من اللفظ ومتلقى بواسطته فدلالة الالتزام كذلك وإن كان لأجل أن اللفظ موضوع له بالوضع المختص بالحقيقة فهو باطل أو بالوضع المشترك بين الحقيقة والمجاز فكذلك اللازم وإن كان لأجل دخول الجزء في المسمى وخروج اللازم عنه فهو تحكم محض ثم هذه الدلالة عبارة عن
(1/204)

كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه المعنى من كان عالما بالوضع وإنما قلنا إنها عبارة عن كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه ولم نقل إنها نفس الفهم كما قال ابن سينا1 لأن الدلالة نسبة مخصوصة بين اللفظ والمعنى ومعناها صفة تجعل اللفظ يفهم المعنى ولهذا يصح تعليل فهم المعنى من اللفظ بدلالة اللفظ عليه والعلة غير المعلول وإذا كانت الدلالة غير فهم المعنى من اللفظ لم يجز تفسيرها به إذا عرفت ذلك فنقول الدلالات اللفظية منحصرة في المطابقة والتضمن والالتزام لأن اللفظ إما أن يدل على تمام ما وضع له أو لا والأول المطابقة كدلالة البيت على المجموع المركب من السقف والجدار والأس.
والثاني: إما أن يكون على جزء مسماه أولا والأول دلالة التضمن كدلالة البيت على الجدار فقط والثاني أن يكون خارجا عن مسماه وهي دلالة الالتزام كدلالة الأسد على الشجاعة.
واعلم أن ذلك إنما يتصور في اللازم الذهني وهو الذي ينتقل الذهن إليه عند سماع اللفظ سواء كان لازما في الخارج أيضا كالسرير والارتفاع من الأرض إذ السرير مهما وجد في الخارج فهو مرتفع أم لم يكن لازما في الخارج كالسواد إذا أخذ بقيد كونه ضدا للبياض فإن تصوره من هذه الحيثية يلزم تصور البياض فهما متلازمان في الذهن وليسا بمتلازمين في الخارج بل متنافيين ولا يتصور ذلك في اللازم الخارجي فقط كالسرير مع الإمكان فإنه مهما وجد السرير في الخارج فهو ممكن ضرورة وقد يتصور السرير ويذهل عن إمكانه وإذا عرفت هذا علمت أن قوله: وعلى لازمه الذهني غير مستقيم لإيهامه وجود الدلالة مع اللزوم الخارجي وهو باطل وبهذا التقسيم تعرف حد كل واحد منها.
تنبيهات الأول قال الإمام هذا اللزوم شرط لا سبب وقرر القرافي هذا بأن الشرط يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته
__________
1 هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسين بن علي بن سينا صاحب التصانيف المشهورة في الطب والفلسفة توفي في همذان سنة 428 هـ.
الأعلام للزركلي 1/250.
(1/205)

فاحترز بالقيد الأول من المانع وبالثاني من السبب وبالثالث من مقارنة وجوده للسبب فإنه يحصل الوجود ولكن ليس لذات الشرط بل لوجود السبب والسبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته فالقيد الأول احتراز عن الشرط والثاني عن المانع والثالث عن مقارنة وجوده فقدان الشرط فلا يلزم الوجود أو مقارنة عدمه إخلاف سبب آخر فلا يلزم العدم وذلك ليس لذاته بل لأمر خارج والمانع ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته فالقيد الأول احتراز من السبب والثاني من الشرط والثالث من مقارنة عدمه عدم السبب فيلزم العدم لكن لا لذاته بل لعدم السبب وإذا اتضحت هذه الحقائق فالملازمة الذهنية يلزم من عدمها العدم لأن اللفظ إذا أفاد معنى غير مستلزم لآخر لا ينتقل الذهن لذلك الآخر إلا بسبب منفصل فيكون إفادته مضافة لذلك المنفصل لا للفظ فلا يكون فهمه دلالة للفظ بل أثرا للمنفصل فلا يلزم من وجود الملازمة وجود الدلالة عند عدم الإطلاق فإن الملازمة في نفس الأمر والفهم معدوم من اللفظ إذ اللفظ معدوم فهي حينئذ شرط والإطلاق هو السبب.
فإن قلت هذا التقرير بعينه يتقرر في اللفظ فإنه يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود الدلالة إذا فقدت الملازمة فيمكن أن يقال الإطلاق شرط والملازمة سبب فلم لا عكستم أو سويتم؟
قلت الإطلاق قد يستقل بالدلالة في المطايقة والتضمن فيثبت له السببية والملازمة لم تستقل في صورة فيترجح الإطلاق على الملازمة الذهنيه بوجوده في الصورتين.
الثاني: في التقسيم الذي ذكره مناقشات من وجوه:
منها أن قوله تمام ليس بجيد لأنه إن لم يحترز به عن شيء فهو زيادة بلا معنى وإن احترز به عن جزء المسمى فليس جزء المسمى نفس المسمى وكذا فعل ابن الحاجب حيث قال كمال مسماه وكان ينبغي أن يقول على مسماه.
(1/206)

ومنها أن اللفظ جنس بعيد لدخول المستعمل والمهمل فيه وهو مجتنب في الحدود فكان ينبغي أن يقول دلالة القول كما فعله شيخنا أبو حيان في مختصراته في تعريف الكلمة معترضا على من ذكر اللفظ بما قلناه.
ومنها كان ينبغي أن يقول في المطابقة من حيث هو تمامه وفي التضمن من حيث هو جزؤه وفي الالتزام من حيث هو لازمه ليحترز به عن اللفظ المشترك بين الشيء وجزئه مثل وضع الممكن للعام والخاص فإنه يصير به للفظ المسمى علة جزئه دلالتان دلالة تضمن باعتبار الوضع الأول ومطابقة باعتبار الوضع الثاني فقد يدل على بعض المسمى دلالة مطابقة باعتبار الوضع الثاني فلا بد وأن يقول من حيث هو كذلك وليحترز به أيضا عن المشترك بين اللازم والملزوم كالشمس بين القرص والضوء المستفاد منه وهكذا فعل صاحب التحصيل وأما الإمام فلم يقيد دلالة المطابقة وقيد الباقيتين قال القرافي وهو قيد لم يذكره أحد ممن تقدمه وإنما اكتفى المتقدمون بقرينة التمامية والجزئية واللازمية قال فيقال له إن كانت هذه القرائن كافية فيلزم الاستغناء عن هذه القيود في الدلالات الثلاث وإلا فيلزم الاحتياج في الثلاث فما وجه تخصيص التضمن والالتزام فإنا نقول في المطابقة كما يمكن وضع العشرة للخمسة يمكن وضعها للخمسة عشر أيضا فيصير لها على العشرة دلالتان مطابقة باعتبار الوضع الأول وتضمن باعتبار الثاني الثالث جميع ما تقدم في دلالة اللفظ أما الدلالة باللفظ فهي استعمال اللفظ إما في موضوعه وهو الحقيقة أو غير موضوعه لعلاقة وهو المجاز والباء في قولنا الدلالة باللفظ للسببية والاستعانة لأن اللافظ يدلنا على ما في نفسه بإطلاقه اللفظ فإطلاق اللفظ آلة للدلالة كالقلم للكتابة والقدوم للنجارة والفرق بين الدلالة باللفظ ودلالة اللفظ من وجوه.
أحدها: المحل فمحل دلالة اللفظ القلب ومحل الدلالة باللفظ اللسان.
وثانيها: من جهة الوجود فكلما وجدت دلالة اللفظ وجدت الدلالة باللفظ ولا يوجد دلالة اللفظ في الألفاظ المجملة والأعجمية.
(1/207)

وثالثها: من جهة الأنواع فدلالة اللفظ ثلاثة أنواع المطابقة والتضمن والالتزام وللدلالة باللفظ نوعان الحقيقة والمجاز.
ورابعها: من جهة السببية فالدلالة باللفظ سبب ودلالة اللفظ مسبب عنها.
وخامسها: من جهة الموصوف فدلالة اللفظ صفة للسامع باللفظ صفة للمتكلم.
قال واللفظ إن دل جزؤه على جزء المعنى فمركب وإلا فمفرد.
هذا تقسيم آخر للفظ باعتبار التركيب والإفراد وذلك لأنه إن دل جزؤه على جزء المعنى المستفاد منه فهو المركب سواء كان التركيب إسناد مثل قام زيد وزيد قائم أو تركيب مزج مثل خمسة عشر أم تركيب إضافة مثل غلام زيد وقد أورد بعض الفضلاء على هذا حيوان ناطق إذا جعل علما لإنسان فإنه مفرد مع أن جزأه يدل على جزء معناه فمنهم من قبل هذا الإيراد وقال الصواب أن يزاد في الرسم المذكور حين هو جزء ومنهم من رده وقال دلالة اللفظ على المعنى متعلقة بإرادة اللافظ فيما يتلفظ به ويراد به معنى ما ويفهم عنه ذلك المعنى يقال إنه دال عليه وما سوى ذلك المعنى مما لا يتعلق به إرادة اللافظ لا يقال إنه دال عليه وإن كان ذلك اللفظ أو جزء منه موضوعا له بحسب تلك اللغة أو لغة أخرى وحينئذ لا يرد الحيوان الناطق نقضا لأن المتلفظ به حال كونه علما لا يقصد شيئا من جزأيه بقيد الوحدة وإنما يقصد بمجموع اللفظين الشخص المسمى به فلا فرق حينئذ بينه وبين عبد الله العلم في ذلك.
قوله وإلا فمفرد أي وإن لم يكن جزؤه على جزء المعنى فهو المفرد.
فإن قلت الزاي مثلا من زيد لا تدل على جزء المعنى فوجب ألا يكون زيد قائما مركبا.
قلت أجاب الجاربردي شارح الكتاب بأن جزأه لا يفيد العموم فلا
(1/208)

يجب أن يدل كل جزء من أجزائه على جزء من أجزاء المعنى وهو ضعيف لأن جزأه مفرد مضاف والمختار في ذلك إفادة العموم بل الحق أن المراد بجزئه ما صار به اللفظ مركبا كزيد وحده وقائم وحده.
فإن قلت الزاي مثلا جزء الجزء وجزء الجزء جزء.
قلت صحيح ولكن المفهوم من إطلاق الجزء جزء الأصل الذي ليس هو جزء الجزء والأمر في مثل هذا قريب.
قال والمفرد إما ألا يستقل بمعناه وهو الحرف أو يستقل وهو الفعل إن دل بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة وإلا فاسم.
بدأ بعد تقسيم اللفظ إلى المفرد والمركب بأقسام المفرد لتقدمه على المركب بالطبع وتقسيم المفرد يقع من وجوه:
منها ما هو باعتبار أنواعه وهو تقسيمه إلى الاسم والفعل والحرف ووجه انحصاره في هذه الثلاثة أن اللفظ المفرد إما ألا يستقل بالمفهومية فهو الحرف أو يستقل فإما أن يدل بهيئته أي بحالته التصريفية على أحد الأزمنة الثلاثة الماضي والحال والاستقبال فهو الفعل أو لا يدل فهو الاسم سواء لم يدل على زمان أصلا كالسماء والأرض وزيد أو دل لكن لا بهيئته بل بذاته كالصبوح والغبوق وأمس والآن والمستقبل.
قال كلي إن اشترك معناه متواطيء إن استوى ومشكك إن تفاوت وجنس إن دل على ذات غير معينة كالفرس ومشتق إن دل على ذي صفة معينة كالفارس.
هذا تقسيم الاسم فنقول هو إما كلي وإما جزئي وذلك لأنه إما ألا يمنع نفس تصوره من اشتراك كثيرين فيه أو يمنع والأول الكلي وهو تارة يقع فيه الشركة كالحيوان وتارة لا يقع إما مع الإمكان كالشمس أو مع الاستحالة كالآلة وبهذا يعلم أن قول المصنف إن اشترك معناه ليس بجيد وأنه كان الأحسن أن يقول إن قبل معناه الشركة ثم الكلي يمكن تقسيمه من وجهين:
(1/209)

أحدهما: وإليه أشار بقوله ومتواطئ أو مشكك لأنه إن كان حصول معناه في أفراده الدهنية والخارجية على التسوية كالإنسان إذ كل فرد من الأفراد لا يزيد على الآخر في الإنسانية فهو المتواطئ وإن لم يكن على السوية بل كان في بعض أفراده أقدم أو أولى أو أشد فهو المشكك وسمى بذلك لكونه يشكك الناظر هل هو متواطؤ لوحدة الحقيقة فيه أو مشترك لما بينهما من الاختلاف وذلك كالبياض الذي هو الثلج أشد منه في العاج وكالوجود فإن معناه واحد في أشياء كثيرة مع اختلافه في تلك الأشياء فإن وجود الجوهر أقدم من وجود العرض والموجود بالذات أولى من الموجود بالغير والوجود القار أقوى وأشد من غير القار كالحركة مثلا وتجتمع هذه الأنواع من الاختلاف بالنسبة إلى الخالق والمخلوق.
فإن قلت الأبيض مثلا إذا أطلق على الثلج فإما أن يكون استعماله فيه مع ضميمة تلك الزيادة أو لا فإن لم يكن فهو المتواطئ وإن كان فهو المشترك فإذن لا الحقيقة لهذا القسم المسمى بالمشكك.
قلت كذا أورده ابن التلمساني ونحن نقول المتواطئ أن يضع الواضع للقدر المشترك بقيد عدم الاختلاف في المحال مع اختلاف المحال في أمور من غير جنس المسمى كامتياز أفراد الإنسان بالذكورة والأنوثة وهذا معنى قولهم المتواطئ ما استوى محاله والمشكك أن يضع للقدر المشترك بقيد الاختلاف في المحال بأمور من جنس المسمى كأجزاء النور في الشمس واستحالة التغير في الواجب فاشترك القسمان في أن الوضع في كل منهما للقدر المشترك وافترقا بقيديهما.
الوجه الثاني الكلي إما جنس أي اسم جنس أو مشتق لأنه إما أن يدل على الماهية وهو اسم الجنس كالإنسان والفرس أو على موصوفية الماهية بصفة دون خصوصية الماهية وهو المشتق فإنه لا يدل على خصوصية الماهية بل على اتصافها بالمصدر كالأسود مثلا فإنه يدل على ذات متصفة بالسواد وأما على جسمية الذات فلا.
(1/210)

هذا تقرير ما ذكر وقوله في اسم الجنس إنه ما يدل على ذات غير معينة كالفرس منتقض بعلم الجنس فإنه دال على ذات عين معينة فإنك تقول رأيت ثعالة أي ثعلبا مع أنه ليس باسم جنس بل علم جنس يعامل في اللفظ معاملة الأعلام.
فإن قلت وما الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس مع أن كلا منهما يصدق على ما لا يتناهى ومسماه كلي؟
قلت المختار في التفرقة بينهما أن علم الجنس هو الذي يقصد به تمييز الجنس من غيره من غير نظر إلى أفراده واسم الجنس ما يقصد به مسمى الجنس باعتبار وقوعه على أفراده حتى إذا أدخلت عليه الألف واللام الجنسية الدالة على الحقيقة ساوى علم الجنس كذا ذكره والدي أحسن الله إليه في الفرق بينهما.
قال ويستنتج منه أن علم الجنس لا يثنى ولا يجمع لأنه إنما يثنى ويجمع الأفراد.
فائدة اعلم أنا إذا قلنا على الإنسان حيوان وأنه كلي فهنا اعتبارات ثلاثة:
أحدها: أن يراد به الحصة من الحيوانية التي شارك باعتبارها الإنسان غيره وهذا يقال له الكلي الطبيعي وتارة يراد به أنه غير مانع من الشركة وهذا هو الكلي المنطقي وتارة يراد به الأمران أعني الحيوانية التي وقعت بها الشركة مع كونها غير مانعة وهذا هو الكلي العقلي فالأول موجود في الخارج لأنه جزء من الإنسان الموجود وجزء الموجود موجود.
والثاني: لا وجود له في الخارج لاشتماله على ما لا يتناهى ومنهم من زعم أنه موجود في الخارج.
والثالث: في وجوده في الخارج أيضا اختلاف والظاهر أنه لا وجود له أيضا لاشتماله على ما لا يتناهى وزعم أفلاطون أنه موجود في الأعيان وأن الإنسان الكلي موجود في الخارج.
(1/211)

قال جزئي إن لم يشترك هذا مقابل لقوله كلي أي الذي لا يشترك في معناه كثيرون هو الجزيء.
وإن شئت قلت الجزيء ما يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه كزيد العلم مثلا.
قال علم إن استقل ومضمر إن لم يستقل الجزيء إما علم أو مضمر لأنه إما أن يستقل في دلالته على المعنى الجزئي فهو العلم كزيد وإما ألا يستقل في ذلك بل يحتاج إلى قرينة تكلم أو خطاب أو غيبة فهو المضمر كأنا وأنت وهو هذا شرح ما أورده وفيه مناقشات من وجوه.
أحدها: أن هذا التقسيم كله في الاسم وقد قدم أن الاسم هو الذي يستقل فكيف يقسم ما يستقل إلى ما لا يستقل.
الثاني: أن عجم الاستقلال موجود في أسماء الإشارة والأسماء الموصولة وغيرها وليست مضمرات.
الثالث: أن عدم الاستقلال قد جعله أولا رسما للحرف فإن أراد بالاستقلال ذاك فالاعتراض لائح وإن أراد غيره فليبينه.
الرابع: أنه أهمل في تقسيم الكلي إلى اسم جنس ومشتق ذكر علم الجنس كما عرفت.
الخامس: أنه جعل المضمر من أقسام الجزئي ولقائل أن يقول وحدة المضمر بالنوع لا بالشخص فإن أنت مثلا معناه المخاطب المذكر الفرد من غير تعين فيصح إطلاقه على من كان كذلك والناس مختلفون في أن المضمر جزئي أو كلي وحجة المصنف في جعله جزئيا أن الكلي نكرة والمضمرات أعرف المعارف.
قال تقسم آخر اللفظ والمعنى إما أن يتحدا وهو المنفرد أو يتكثرا وهي المتباينة تفاصلت معانيها كالسواد والبياض أو تواصلت كالسيف والصارم والناطق والفصيح أو تكثر اللفظ واتحد المعني وهي المترادفة أو بالعكس فإن
(1/212)

وضع للكل كالعين فمشترك وإلا فإن نقل لعلاقة واشتهر في الثاني سمي بالنسبة إلى الأول منقولا عنه وإلى الثاني منقولا إليه وإلا فحقيقة ومجاز.
هذا تقسيم ثان للفظ وهو باعتبار وحدته ووحدة مدلوله وتعددهما وينقسم بهذا الاعتبار إلى أربعة أقسام وذلك لأنك إذا نسبت اللفظ إلى المعنى فإما أن يتحدا أو يتكثرا أو يتكثر اللفظ ويتحد المعنى أو بالعكس فأما الأول وهو أن يتحدا ومثاله لفظة الله فإنها واحدة ومدلولها واحد ويسمى هذا بالمنفرد لانفراد لفظه بمعناه وهو ينقسم إلى كلي وجزئي على ما مر في التقسيم السابق.
أو ما الثاني: وهو أن يتكثر اللفظ والمعنى فهي الألفاظ المتباينة كالإنسان والفرس وغير ذلك من الألفاظ المختلفة الموضوعة لمعان مختلفة وحينئذ إما أن يمتنع اجتماعها كالسواد والبياض أو لا يمتنع بأن يكون بعضها اسما للذات وبعضها اسما للذات إذا اتصفت بصفة خاصة كالسيف والصارم فإن السيف اسم للذات والصارم للسيف القاطع كما قاله الجوهري1 في الصحاح وغيره وقد يجتمعان في سيف واحد أو يكون بعضها اسما للصفة وبعضها اسما لصفة الصفة كالناطق بالفعل والفصيح فإن الناطق بالفعل صفة للإنسان وقد لا يكون فصيحا فالأولى التي لا يمكن اجتماعها هي المسماة بالمتباينة المتفاصلة لتفاصل معانيها بالذات.
والثانية: التي لا يمتنع اجتماعها هي المسماة بالمتابينة المتواصلة لتواصل معانيها وقد بينا أنها على نوعين.
وأما القسم الثالث وهو أن يكون اللفظ كثيرا والمعنى واحدا فهي الألفاظ
__________
1 هو إسماعيل بن حماد الجوهري من أئمة اللغة أشهر كتبه الصحاح أصله من فاراب ودخل العراق صغيرا وسافر إلى الحجاز فطاف البادية وهو أول من حاول للطيران حيث صنع جناحين من خشب وربطهما بحبل وصعد سطح داره ونادى في الناس لقد صنعت ما لم أسبق إليه وسأطير الساعة فاجتمع الناس إليه فتأبط الجناحين ونهض بهما فخانه اختراعه فسقط إلى الأرض قتيلا.
وكان ذلك في سنة 393 هـ الأعلام 1/309, 310.
(1/213)

المترادفة كالإنسان والبشر الواحد سواء كانت من لغة واحدة أو من لغات مختلفة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في فصل الترادف.
وأما الرابع: وهو أن يكون اللفظ واحدا والمعنى كثيرا فلا يخلو إما أن يكون قد وضع للكل أي لكل واحد من تلك المعاني أو لا والأول المشترك كالمعين لمدلولاتها المتعددة.
والثاني: وهو ألا يوضع لكل واحد بل لمعنى ثم ينقل إلى غيره فإما أن ينقل لعلاقة أو لا فإن لم ينقل لعلاقة وقد أهمله المصنف فهو المرتجل كذا قال الإمام.
قال القرافي وفيه نظر لأن المرتجل في الاصطلاح هو اللفظ المخترع الذي لم يتقدم له وضع وإن نقل لعلاقة فإما أن يشتهر في الثاني فإن اشتهر في الثاني كصلاة سمى بالنسبة إلى المعنى الأول منقولا عنه وبالنسبة إلى المعنى الثاني منقولا إليه إما شرعيا أو عرفيا عاما أو خاصا بحسب اختلاف الناقلين كما سيتبين لك إن شاء الله تعالى في حد المجاز وإن لم يشتهر في الثاني كالأسد فهو حقيقة بالنسبة إلى الأول أعني الحيوان المفترس مجاز بالنسبة إلى الثاني وهو الرجل الشجاع هذا تقرير ما في الكتاب والنظر فيه من وجوه:
منها اشتراطه المناسبة في المنقول وهو غير شرط ألا ترى أن كثيرا من المنقولات لا مناسبة بينها وبين المنقول عنها كالجوهر إذ هو في اللغة الشيء النفيس وفي اصطلاح المتكلمين قسيم العرض.
وأما قول الأصفهاني إن قيامه بنفسه نفاسة فهو إن صح ودفع صحة التمثيل بالجوهر لا يدفع أصل الدعوى.
ومنها أن كلامه يقتضي أن المجاز لا يشتهر وهو مردود بل رب مجاز أشهر من الحقيقة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح.
ومنها أن كلامه ناطق بأن المجاز موضوع وسوف يأتي ما يخالفوه إن شاء الله تعالى.
(1/214)

ومنها أنه يقتضي أن المجاز يوضع لا لعلاقة إذ قال وإلا فحقيقة ومجاز أي وإن لم يوضع لعلاقة فحقيقة ومجاز وليس كذلك إذ لا بد من العلاقة في المجاز ويمكن أن يجاب عن هذا بأن قوله لعلاقة إنما ذكر لتحقيق معنى النقل لا لتنويعه أي لا يتحقق النقل ولا يعتبر إلا بالعلاقة لكن يتعين على هذا أن يكون قوله وإلا فحقيقة ومجاز معطوفا على قوله: واشتهر أي وإن لم يشتهر فمجاز ويجيء الإيراد الثاني.
قال والثلاثة الأول المتحدة المعنى نصوص وأما الباقية فالمتساوي الدلالة مجمل والراجح ظاهر والمرجوح مؤول.
الثلاثة الأول المتحدة اللفظ والمعنى والمتكثرة اللفظ والمعنى والمتكثرة اللفظ دون المعنى نصوص لأن لكل لفظ منها فردا معينا لا يحتمل غيره وهذا هو المعنى بالنص سمى به لارتفاعه على غيره من الألفاظ في الدلالة من قولهم نصت الظبية جيدها إذا رفعت ومنه منصة العروس وقد يطلق النص على ما يدل على معنى قطعا ويحتمل غيره كصيغ العموم في الجموع فإنه لا بد لها من ثلاثة ويحتمل الزيادة وقد جمع الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد رضي الله عنه في شرح العنوان الاصطلاحات في النص فقال هي ثلاث:
أحدها: ألا يحتمل اللفظ إلا معنى واحدا.
الثاني: اصطلاح الفقهاء وهو اللفظ الذي دلالته قوية الظهور.
قلت وهو الذي مشى عليه الإمام والمصنف في كتاب القياس كما سينتهي الشرح إليه إن شاء الله تعالى.
الثالث: اصطلاح الجدليين فإن كثيرا من متأخريهم يريدون بالنص مجرد لفظ الكتاب والسنة وقد احترز في الكتاب بقوله المتحدة المعنى عن العين والقرء فإنها متباينة مع أنها ليست بنصوص لأن كل لفظ منها مشترك بين معان وكذلك المترادفة الألفاظ قد تكون مشتركة كلفظة العين والناظر.
قوله وأما الباقية أي متحدة اللفظ متكثرة المعنى وإنما قال الباقية وأراد.
(1/215)

القسم الرابع: لأن تحته أقساما عدة كالمشترك والمنقول عنه وإليه والحقيقة والمجاز وحاصل هذا أن هذا القسم إما أن تكون دلالته على كل واحد من المعاني على السوية فهو المجمل أو لا فإن كانت دلالته على بعض المعاني أرجح فالطرف الراجح ظاهر والمرجوح مؤول لأنه يؤول إلى الظهور عند مساعدة الدليل له.
قال والمشترك بين النص والظاهر المحكم وبين المجمل والمؤول المتشابه.
لا شك في اشتراك النص والظاهر في رجحان الإفادة وإنما النص راجح لا يحتمل غيره والظاهر راجح يحتمل والقدر المشترك بينهما من الرجحان يسمى المحكم لإحكام عبارته وإتقانه فالمحكم جنس لنوعين النص والظاهر ومقابلهما المجمل والمؤول فإنهما اشتركا في أن كلا منهما يفيد معناه إفادة غير راجحة إلا أن المؤول مرجوح والمجمل ليس مرجوحا بل مساويا والقدر المشترك بينما من عدم الرجحان يسمى بالمتشابه فالمتشابه جنس لنوعين المجمل والمؤول وأصل هذا الاصطلاح مأخوذ من قوله: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} 1.
قال تقسيم آخر مدلول اللفظ إما معنى أو لفظ أو مركب مستعمل أو مهمل نحو الفرس والكلمة وأسماء الحروف والخبر والهذيان.
اللفظ المفرد باعتبار حقيقة مدلوله ينقسم إلى خمسة أقسام لأن مدلوله إما معنى أو لفظ والأول قد تقدم الكلام فيه من كونه كليا أو جزئيا.
والثاني: إما أن يكون اللفظ الذي هو مدلوله مفردا أو مركبا وكل منهما إما أن يكون مهملا أو مستعملا الأول كالفرس فإنه لفظ مدلوله معنى.
والثاني: نحو الكلمة فإنها مدلوله لفظ مفرد مستعمل وهو الاسم والفعل والحرف وقد عرفت في التقسيم السابق وجه انحصار انقسام الكلمة في الاسم والفعل والحرف وأجمعت النحاة على انحصارها في ذلك.
__________
1 سورة آل عمران: آية 7.
(1/216)

قال شيخنا أبو حيان رحمه الله وحكى لنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير شيخنا عن صاحبه أبي جعفر بن صابر أنه كان يذهب إلى أن ثم رابعا وهو الذي نسميه نحن اسم فعل وكان يسميه خالفة إذ ليس هو عنده واحدا من هذه الثلاثة.
والثالث: كأسماء حروف التهجي فذلك مدلوله لفظ مفرد مهمل ألا ترى أن حروف جلس لم توضع لمعنى مع أن كلا منها قد وضع له اسم فللأول الجيم وللثاني اللام وللثالث السين.
فإن قلت فيكون قول الأستاذ لتلميذه قل أب ت عبثا إذ لا معنى لهذه الألفاظ.
قلت لما كانت آلة يتوصل باجتماعها على الترتيب المعتبر إلى الكلام المفيد لم يكن تعليمها عبثا.
والرابع: كلفظ الخبر فإن مدلوله لفظ مركب مستعمل نحو قام زيد.
والخامس: أن يكون المدلول لفظا مركبا مهملا.
قال الإمام والأشبه أنه غير موجود لأن التركيب إنما يصار إليه لغرض الإفادة فحيث لا إفادة لا تركيب قال صفي الدين الهندي وهذا حق إن عني بالمركب ما يكون جزؤه دالا على جزء المعنى حين هو جزؤه وإن عني به ما يكون لجزئه دلالة في الجملة ولو في غير معناه أو ما يكون مؤتلفا من لفظتين كيف كان التأليف وإن لم يكن لشيء من أجزائه دلالة فهو باطل.
أما الأول: فمثل عبد الله إذا كان علما فإن اسم العلم يدل عليه وهو لفظ مركب على هذا التقدير غير دال على المعنى المركب.
وأما الثاني: فكلفظ الهذيان فإنه يدل على المركب من مهملتين أو من لفظة مهملة ومستعملة وهو غير دال على المعنى المركب أما إن أراد أنه لا يدل على معنى أصلا وأراد باللفظ المركب المعنى فينتقض بالثاني دون الأول انتهى والمصنف حاول ذلك فخالف الإمام ومثل الهذيان كما قررناه فإنه لفظ موضوع للمهمل المركب كما عرفت.
(1/217)

قال والمركب صيغ للإفهام شرع في تقسيم المركب ولا ريب فيما ذكر من أن المتكلم إنما صاغ المركب من المفردات ليفهم ما في ضميره.
قال فإن أفاد بالذات طلبا فالطلب للماهية استفهام وللتحصيل مع الاستعلاء أمر ومع التساوي التماس ومع التسفل سؤال وإلا فمحتمل التصديق والتكذيب خبر وغيره تنبيه ويندرج فيه الترجي والتمني والقسم والنداء.
المركب تارة يفيد طلبا بالذات أي بالوضع وإن شئت قلت إفادة أولية وطورا يفيد غير ذلك فإن أفاد طلبا بذاته فإن كان الطلب لماهية في الذهن وأحسن من هذه العبارة أن يقول طلب ذكر ماهية الشيء فهو الاستفهام كقولك ما هذا ومن هذا وإن كان لتحصيل أمر ما من الأمور فإن كان مع الاستعلاء فأمر كقول المتعاظم المستعلي لآخر افعل كذا سواء كان مع الاستعلاء عاليا في نفس الأمر أم لم يكن وإن كان مع التساوي كقول القائل لمماثله افعل كذا فهو التماس وتسمية التساوي بالالتماس اصطلاح خاص كما قال ابن دقيق العيد في شرح العنوان وإن كان من التسفل كقول من يجعل نفس دون المطلوب منه فهو سؤال سواء كان دونه في نفس الأمر كقول الداعي رب اغفر لي أو لم يكن وإن لم يفد بالذات طلبا فإما أن يحتمل التصديق والتكذيب أو لا.
القسم الأول: أن يحتملها فهو الخبر وزعم قوم أن تعبير المصنف ومن وافقه بالتصديق والتكذيب أحسن من قول غيره الصدق والكذب لأن من الأخبار ما لا يحتمل إلا الصدق كخبر الصادق وما لا يحتمل إلا الكذب كقول من قال الواحد نصف العشرة مع احتمال تصديق ذي المكابرة وقولنا الواحد نصف الإثنين ويحتمل التكذيب من الكفار والمعاند وهذا عندي غير مرضي فإن الحكم على الخبر من حيث هو والخبر من حيث هو خبر محتمل لذلك وسقوط أحد الاحتمالين في بعض الأفراد لخصوصية ومزية لا يخرج احتمال ماهية الخبر من حيث هي لمحتملاتها ثم إن التصديق والتكذيب عبارة عن الإخبار بكون الكلام صدقا أو كذبا فتعريفه به دور.
(1/218)

فإن قلت التصديق والتكذيب والصدق والكذب نوعان للخبر والنوع إنما يعرف بعد معرفة الجنس فلو عرف الجنس به لزم الدور.
قلت أجاب القرافي بأن الحد هو شرح ما دل اللفظ الأول عليه بطريق الإجمال لأن من سمع لفظ إنسان وجهل مسماه يقال له هو الحيوان الناطق فإن كان جاهلا بالحيوان الناطق فسد الحد لأن الحد بالمجهول لا يصح فتعين أن يكونا معلومين له ومتى كانا معلومين فمن علم الحيوان والناطق فقد عرف الإنسان لأنه ليس شيئا غيرهما فعلمنا أن كان عارفا بحقيقة الإنسان وإنما كان جاهلا بمسمى اللفظ على التفصيل وكان يعلمها من حيث الإجمال جاز أن يكون السائل عالما بمدلول لفظ الصدق والكذب وجاهلا بمدلول لفظ الخبر فيبين له مدلول لفظ الخبر بمدلول لفظ الصدق والكذب.
قال ولا يقال العلم بالنوع يستلزم العلم بالجنس لاستلزام العلم بالمركب العلم بالمفرد لأن الجهل هنا إنما وقع من وضع لفظ الخبر للخبر لا في نفس الخبر ولا تنافي بين العلم بالخبر والجهل بوضع لفظه له فإن المرء قد يعلم حقيقة ولا يعلم اسمها.
فإن قلت الصدق والكذب ضدان يستحيل اجتماعهما فلا يقبل محلهما إلا أحدهما أم هما معا فلا وإذا كان المحل لا يقبل إلا أحدهما المتعين في الحد صيغة أو التي لأحد الشيئين دون الواو التي للشيئين معا هو الذي ارتضاه إمام الحرمين وقال من قال الصدق والكذب أوهم اتصالهما بخبر واحد فإذا ردد ونوع فقال ما يدخله الصدق أو الكذب فقد تحرز.
قلت ما ذكرناه هو الصواب وذلك لأنه لا يلزم من تنافي المقبولين تنافي القبولين ألا ترى أن الممكن قابل للوجود والعدم ولو وجد أحد القبولين دون الآخر للزم من نفي ذلك القبول ثبوت استحالة ذلك المقبول فإن كان ذلك المستحيل هو الوجود لزم كون الممكن مستحيلا وإن كان مستحيلا هو العدم
(1/219)

لزم كون الممكن واجب الوجود فلا يتصور الإمكان إلا باجتماع القبولين وإن بتنافى القبولان فيتعين الواو وإنما الشبهة التي وقعت لإمام الحرمين التباس القبولين بالمقبولين وإنه يلزم من يقدر اجتماع المقبولين بقدر اجتماع القبولين وليس كذلك ولذلك نقول كل جسم قابل لجميع الأضداد وقبولاتها كلها مجتمعة له وإنما المتعاقبة على سبيل البدل هي المقبولات لا القبولات فتأمل ذلك.
فإن قلت لم سمى الأصوليون ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبارا معظمها أوامر ونواهي؟
قلت أجاب القاضي بوجهين:
أحدهما: أن حاصل جميعها آيل إلى الخبر فالمأمور به في حكم المخبر عن وجوبه وكذا القول في النواهي والسر فيه أنه صلى الله عليه وسلم ليس آمرا على سبيل الاستقلال وإنما الآمر حقا الله تعالى وصيغ الأمر من المصطفى عليه السلام في حكم الإخبار عن الله تعالى.
والثاني: أنها سميت أخبارا لنقل المتوسطين وهم يخبرون عمن يروي لهم ومن عاصر النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بلغه أمر لا يقول أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أمرنا نقلول فالمنقول إذا استجد اسم الخبر في المرتبة الثانية إلى حيث انتهى.
القسم الثاني: ألا يحتمل التصديق والتكذيب فهو تنبيه ويندرج في التنبيه لا على وجه الحصر التمني مثل ليت الشباب يعود.
والترجي والقسم والنداء وأمثلتهن معروفة.
فإن قلت ما الفرق بين الترجي والتمني؟
قلت الترجي لا يكون في المستحيلات والتمني يكون في المستحيلات وفي الممكنات وأما لفظ الكتاب فقوله بالذات احتراز عما يفيد الطلب باللازم كقولك أنا طالب منك أن تذكر لي حقيقة الإنسان فإنه لا يسمى استفهاما أو أن تسقيني الماء إذ لا يسمى أمرا أو ألا تفعل كذا فإنه لا يسمى نهيا بل هذه إخبارات وكذلك الأقسام الباقية من التمني والترجي القسم والنداء كلها
(1/220)

تفيد الطلب باللازم وعلى كلامه اعتراضات منها أنه اشترط في حقيقة الأمر الاستعلاء وذلك مذهب زيفه في باب الأوامر كذا أورده بعض الشراح وسنبين في كتاب الأوامر إن شاء الله وجه صحة كلامه وعدم اضطرابه ومنها أنه جعل التساوي قسيما للاستعلاء والتسفل وإنما هو قسيم للعول والنزول لأن الاستعلاء جعل الطالب نفسه عاليا ولا يلزم من ذلك كونه عاليا في نفس الأمر والتسفل عكسه.
ومنها أن قوله: وللتحصيل مع الاستعلاء أمر وإن أراد به تحصيل الفعل الذي ليس بكف فالتقسيم غير حاصل لخروج طالب الكف بالنهي عنه وإن أراد تحصيل الفعل مطلقا كفا كان أو غيره لزم دخول النهي في حد الأمر وهما حقيقتان مختلفتان وقد يقول من ينصره بدخول النهي في حقيقة الأمر وأن مغايرتها مغايرة العام والخاص لا مغايرة المتباينين بناء على أن الأمر هو ما يطلب به فعل سواء كان الفعل كفا أم غير كف والنهي ما يطلب به فعل خاص وهو الكف.
خاتمة قال القرافي في الفروق اعتقد جماعة من الفقهاء من قولنا في حد الخبر إنه المحتمل للصدق والكذب أو هذين الاحتمالين مستفادان من الخبر بالوضع اللغوي وأن الوضع اللغوي اقتضى له ذلك قال وليس كذلك بل لا يحتمل الخبر من حيث الوضع إلا الصدق لإجماع ذوي اللسان على أن معنى قولنا قام زيد حصول القيام في الزمان الماضي ولم يقل أحد إن معناه صدور القيام أو عدمه ولقائل أن يقول لا نسلم أن مدلول قولنا قام زيد حصول القيام وإنما مدلوله الحكم بحصول القيام وذلك يحتمل الصدق والكذب والله أعلم.
(1/221)

الفصل الثالث: الأشتقاق
تعريف الاشتقاق
...
الفصل الثالث في الاشتقاق
قال الفصل الثالث في الاشتقاق له في حروفه الأصلية ومناسبته في المعنى.
الاشتقاق في اللغة الاقتطاع وفي الاصطلاح ما ذكره فقوله رد لفظ جنس وقول لموافقته في حروفه الأصلية فصل احترز به عن الألفاظ المترادفة كالإنسان والبشر إذ لا اشتراك فيها في الحروف كذا ذكر الشراح ولقائل أن يقول الألفاظ المترادفة لم تدخل في الكلام قبل ذلك حتى تخرج بهذا القيد فإن أحد المترادفين ليس مردود اللفظ إلى الآخر وقوله الأصلية إشارة إلى أن الاعتبار في موافقة الحروف إنما هو بالحروف الأصلية فقط ولا عبرة بالحروف الزائدة وقوله ومناسبته في المعنى احتراز عن المعدول لأن المناسبة تقتضي المغايرة ولا مغايرة بين المعدول والمعدول عنه في المعنى وهذا الحد الذي ذكره أسد من تعريف الميداني1 الذي ارتضاه الإمام وهو قوله أن تجد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب فترد أحدهما إلى الآخر أن يعترض على هذا بأن الاشتقاق ليس هو نفس الوجدان بل الرد عند الوجدان.
وأعلم أن الاشتقاق أربعة أركان ذكرها في الكتاب:
__________
1 هو أحمد بن محمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري الأديب البحاث صاحب مجتمع الأمثال الذي لم يؤلف مثله في موضوعه.
ومن مؤلفاته نزهة الطرف في علم الصرف وشرح المفضليات والسامي في الأسامي وغير ذلك.
توفي سنة 518 هـ.
وفيات الأعيان 1/46 بغية الوعاة ص 155 الأعلام 1/208.
(1/222)

المشتق والمشتق منه والموافقة في الحروف الأصلية مع المناسبة في المعنى والرابع التغيير فقوله رد لفظ هو الركن الأول ودخل فيه الاسم والفعل وقوله إلى لفظ آخر هو الركن الثاني وهو المشتق منه ويوجد منه الركن الرابع وهو التغيير لأنه لو انتفى التغيير بينهما لم يصدق عليه أنه لفظ آخر بل هو هو ودخل فيه أيضا الاسم والفعل وقوله لموافقته في حروفه الأصلية هو الركن الثالث واحترز به عما عرفت أولا.
قال ولا بد من تغيير بزيادة أو نقصان حرف أو حركة أو كليهما أو زيادة أحدهما ونقصانه أو نقصان الآخر أو بزيادته أو نقصانه بزيادة الآخر ونقصانه أو بزيادتهما ونقصانهما نحو كاذب ونصر وضارب وخف وضرب على مذهب الكوفيين وغلا ومسمات وحذر وعاد ونبت واضرب وخاف وعد وكال وارم.
لا بد من تغيير بين اللفظين والتغيير المعنوي إنما يحصل بطريق التبع والإمام لم يذكر من أقسام التغيير غير تسع وليست الأقسام منحصرة في تلك وقد زاد المصنف عليه ستة أقسام فجعلها خمسة عشر وأورد لكل منها مثالا وفي أكثر أمثلته نظر وقد وضع والدي أطال الله بقاه في هذا الفصل أرجوزة حسنة.
قوله بزيادة أو نقصان حرف أو حركة أو كليهما دخل فيه ستة أقسما.
أربعة تغييرها فرادى واثنان ثنائيان فإن قوله بزيادة ليس منونا بل هو مضاف إلى حرف وحركة وكليهما وكذا نقصان مضاف إلى الثلاثة فكانت ستة أقسام زيادة الحرف وزيادة الحركة وزيادتهما معا وهكذا النقصان قوله أو بزيادة أحدهما ونقصانه أو نقصان الآخر يدخل فيه أربعة أقسام ثنائية أيضا زيادة أحدهما أو نقصانه يدخل فيه زيادة الحرف ونقصانه وزيادة الحركة ونقصانها ويدخل في زيادة أحدهما ونقصان الآخر قسمان:
زيادة الحرف ونقصان الحركة وعكسه قوله: أو بزيادته أونقصانه أو نقصان أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه بزيادة الآخر ونقصانه تقديره أو بزيادة
(1/223)

أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه فيدخل فيه أربعة أقسام ثلاثية التغيير لأن زيادة أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه يدخل فيه صورتان زيادة الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها والثانية زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه.
ويدخل في نقصان أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه صورتان أيضا:
إحداهما: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها.
والثانية نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه.
وقوله أو بزيادتهما ونقصانهما أي بزيادة الحرف والحركة معا ونقصانهما معا وهو قسم واحد رباعي التغيير وبه تكلمت الأقسام خمسة عشر.
قوله نحو كاذب شرع في المثل للأقسام المذكورة.
الأول: زيادة الحرف فقط نحو كاذب من الكذب زيدت الألف.
الثاني: زيادة الحركة نحو نصر الماضي من النصر زيدت حركة الصاد.
الثالث: زيادة الحرف والحركة معا مثل ضارب من الضرب زيد الألف وحركة الراء.
الرابع: نقصان الحرف نحو خف فعل أمر من الخوف نقصت الواو.
وقد اعترض على المصنف بأن الفاء صارت في هذا ساكنة بعد أن كانت متحركة فاجتمع في هذا المثال نقصان الحرف والحركة معا فإن اعتذر بأن مثل هذا لا يعتبر لكونه نقصانا لحركة الإعراب.
قلنا سيأتي إن شاء الله تعالى في القسم العاشر ما يخالفه فالأولى تمثيله بذهب من الذهاب أو حسب من الحساب.
الخامس: نقصان الحركة نحو ضرب المصدر من ضرب الماضي نقصت حركة الراء قال في الكتاب وهذا لا يتأتى إلا على مذهب الكوفيين يعني في اشتقاقهم المصدر من الفعل عكس مذهب البصريين وذهب أبو بكر بن أبي طلحة إلى مذهب ثالث وهو أن كلا من المصدر والفعل أصل بنفسه ليس أحدهما مشتقا من الآخر حكاه شيخنا أبو حيان في الارتشاف.
(1/224)

السادس: نقصان الحركة والحرف معا نحو غلا ماضي غليان نقصت الألف والنون ونقصت فتحة الياء ومن أمثلته أيضا سر من السير نقصت الياء وحركة العين.
السابع: زيادة الحرف ونقصانه أي نقصان حرف آخر ومثل في الكتاب له بمسلمات زيدت الألف والتاء للجمع ونقصت منه تاء كانت في المفرد في قولك مسلمة ولك أن تقول الجمع غير مشتق من مفرده فلا يصح ما ذكره مثالا فالأولى التمثيل بقولك مدحرج من الدحرجة نقصت هاء التأنيث وزادت الميم وكذا مزخرف من الزخرفة نقصت التاء وزادت الميم.
الثامن: زيادة الحركة ونقصانها أي نقصان حركة أخرى نحو حذر من الحذر زيدت فيه كسرة الذال المعجمة ونقصت منه فتحته وكذلك رمى من الرمي نقصت حركت الياء من الرمي وزيدت حركة الميم وسعى من السعي.
التاسع: زيادة الحرف ونقصان الحركة نحو عاد بالتشديد من العدد زيدت الألف بعد العين ونقصت حركة الدال الأولى.
العاشر: زيادة الحركة ونقصان الحرف نحو نبت من النبات زيدت فيه فتحة الباء ونقصت منه الألف كذا ذكره في الكتاب ولك أن تقول فتحة الباء جاءت عوض الكسرة فليس ثم غير نقصان الألف وليس له أن يقول لا يعتد بالحركة الإعرابية إذ سبق منه في القسم الرابع ما يخالف ذلك.
الحادي عشر: زيادة الحرف الحركة جميعا مع نقصان حركة أخرى مثل أضرب من الضرب زيدت فيه ألف الوصل وكسرة الراء ونقصت منه حركة الضاد.
الثاني عشر: زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه مثل خاب ماضي من الخوف زيدت الألف وحركة الفاء وحذفت الواو.
الثالث عشر: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها مثل عد فعل أمر من الوعد زيدت كسرة العين ونقصت الواو وحركت الدال.
(1/225)

الرابع عشر: نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه نحو كال بتشديد اللام وهو اسم فاعل من الكلال نقصت حركة اللام الأولى وكذا الألف التي بين اللامين وزيدت ألف قبل اللامين.
الخامس عشر: زيادة الحرف والحركة معا نحو ارم من الرمي زيدت الهمزة وحركة الميم ونقصت الياء وحركة الراء والله أعلم.
(1/226)

أحكام الاشتقاق
قال وأحكامه في مسائل
الأولى شرط المشتق صدق أصله
خلافا لأبي علي وابنه فإنهما قالا بعالمية الله تعالى دون علمه وعلاها فينابه لنا أن الأصل جزؤه فلا يوجد دونه.
شرط صدق المشتق اسما كان أو فعلا صدق أصله المشتق منه فلا يصدق قائم على ذات إلا إذا صدق القيام على تلك الذات وسواء كان الصدق في الماضي أم في الحال أو في الاستقبال والكلام في أن صدق ذلك هل هو بطريق الحقيقة أو المجاز من وظائف المسألة التالية لهذه وهذا هو السر في قول المصنف صدق أصله دون وجود أصله كما قال غيره إذ لو قال وجود أصله لورد عليه إطلاقه باعتبار المستقبل إذ هو جائز مع عدم وجوده حالة الإطلاق والكلام في المسألة مع أبي علي الجبائي1 وابنه أبي هاشم وهما لم يصرحا بالمخالفة في ذلك ولكن وقع ذلك منهما ضمنا حيث ذهبا هما ومن تبعهما من المعتزلة إلى القول بعالمية الله تعالى دون علمه أي قالا إن الله تعالى عالم ولم يقولا بحصول العلم الذي اشتق منه العالم له والحاصل أن هذه الطائفة ينفون عن الله تعالى الصفات الحقيقية الزائدة على الذات كالعلم والقدرة والحياة وقد يجمعهما قول الشاطبي رحمه الله:
حي عليم قدير والكلام له ... باق سميع بصير ما أراد جزاء
فرارا من أن تكون الذات قابلا وفاعلا من أشياء زعموها لازمة ويقولون
__________
1 هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن عبد السلام بن خالد بن حمدان بن أبان الجبائي شيخ المعتزلة كان فقيها ورعا وإليه تنسب طائفة الجبائية من المعتزلة توفي سنة 303 هـ.
شذرات الذهب 2/241 الفرق بين الفرق ص 183.
(1/227)

بثبوت العاملية والقادرية والحيية له وبناء على أنها نسب وإضافات لا وجود لها في الخارج بخلاف العلم والقدرة والحياة فإنها صفات حقيقية ويقولون عالمية الله غير معللة بالعلم لأن العالمية له واجبة والواجب لا يعلل بالغير بخلاف عالميتنا فإنها معللة بالعلم إذ هي غير واجبة.
وقال أهل السنة وقوم من المعتزلة إن لله سبحانه وتعالى صفات مغايرة لذاته تعالى وهي العلم والقدرة والحياة وغيرها من الصفات الثبوتية ثم قال الذين نفوا الحال العاملية والقادرية والحيية نفس العلم والقدرة والحياة وقال مثبتوها عالمية الله حالة معللة بمعنى قائم به وهو العلم وكذا القادرية بالقدرة والحيية بالحياة وإذا عرفت هذا ظهر أن الأشاعرة ومن وافقهم قالوا إن الله تعالى عالم بالعلم قادر بالقدرة حي بالحياة والجبائيان قالا إنه تعالى عالم بالذات لا بالعلم قادر بالذات لا بالقدرة هي بالذات بالحياة فقد جوزوا صدق المشتق الذي هو العالم بدون صدق المشتق منه الذي هو العلم واستدل في الكتاب على امتناع إطلاق المشتق بدون المشتق منه بأنه لو صح المشتق بدون صدق أصله للزم وجود الكل بدون الجزء لأن الأصل الذي هو المشتق منه جزء للمشتق لأن المشتق يدل على الأصل وعلى ذات متصفة به كالعالم مثلا فإن مدلوله ذات متصفة بالعلم فالعلم الذي هو أصل العالم جزء من مجموع معناه فلو صح العالم بدون العلم للزم ما ذكرناه ولا ينقض هذا بصحة إطلاق اسم الكل على الجزء لأن ذلك من باب المجاز والكلام في صحة الإطلاق الحقيقي.
قال الثانية شرط كونه حقيقة دوام أصله
خلافا لابن سينا وأبي هاشم لأنه يصدق نفيه عند زواله فلا يصدق إيجابه قيل مطلقتان فلا يتناقضان.
قلنا مؤقتتان بالحال فإن أهل العرف ترفع أحدهما بالآخر.
المسألة السابقة في اشتراط صدق المشتق منه في كون المشتق حقيقة سواء دام معنى المشتق منه إلى حالة الإطلاق أم لم يدم وهذه في اشتراط دوام معنى
(1/228)

المشتق منه إلى حالة إطلاق المشتق فهي أخص من تلك فنقول إطلاق الاسم المشتق باعتبار الحال حقيقة بالإجماع وباعتبار المستقبل مجاز بالإجماع وأما إطلاقه باعتبار الماضي كإطلاق الضارب على من صدر منه الضرب وانتهى فقال الجمهور إنه غير حقيقة قال الإمام وهو الأقرب واختاره في الكتاب وقال ابن سينا وأبو هاشم ووالده أبو على إنه حقيقة وفي المسألة مذهب ثالث أن معنى المشتق منه إن كان مما يمكن بقاؤه كالقيام والقعود اشترط بقاؤه في كون المشتق حقيقة وإلا فلا حكاه الآمدي والإمام ذكره بحثا من جهة الخصم ثم أجاب عنه بأن أحدا من الأمة لم يقل بهذا الفرق فيكون باطلا.
وأعلم أن محل الخلاف في المسألة إنما هو في صدق الاسم فقط أعني هل يسمى من ضرب أمس الآن بضارب وهو أمر راجع إلى اللغة وليس النزاع في نسبة المعنى أعني في أن الضارب أمس هل هو الآن ضارب فإن ذلك لا يقوله عاقل وإذا تبين أن محل النزاع إنما هو في صدق الاسم فاعلم أيضا أن الذي يتجه أن الخلاف أيضا ليس في الصفات القارة المحسوسة كالبياض والسواد لأنا على قطع بأن اللغوي لا يطلق على الأبيض بعد اسوداده أنه أبيض وقد قال الإمام في آخر المسألة لا يصح أن يقال لليقظان إنه نائم اعتبارا بالنوم السابق وادعى الآمدي في ذلك الإجماع فقال لا يجوز تسمية النائم قاعدا والقاعد نائما بإجماع المسلمين وأهل اللسان وهذا واضح من اللغة وإنما الخلاف في الضرب ونحوه من الأفعال المقتضية فإطلاق المشتق على محلها من باب الأحكام فلا يبعد إطلاقه حال خلوه من مفهومه لأنه أمر حكمي وتبين من هنا وجه انفصال الماضي عن المستقبل حيث كان إطلاقه باعتبار الماضي أولى لأن من حصل منه الضرب في الماضي قد يستصحب حكمه وأما المستقبل فلم يثبت له حكم حتى يستصحب.
إذا عرفت ذلك فنقول استدل المصنف على ما اختاره من أنه ليس بحقيقة بأنه يصدق نفي المشتق عند زوال المشتق منه فيقول زيد ليس بضارب فلو صدق في الإيجاب حقيقة وهو زيد ضارب للزم اجتماع
(1/229)

النقيضين أهني صدق نفي الضرب وإثباته فتقرر أنه إنما يصدق مجازا لأن صحة النفي من أمارات المجاز واعترض على هذا بأن قولنا ضارب وليس بضارب قضيتان مطلقتان لم يتحد وقت الحكم فيهما فلا يتناقضان لجواز أن يكون وقت السلب غير وقت الإثبات وأجاب في الكتاب بأنهما مؤقتتان بحال التكلم.
وأغنى عن هذا التقييد فهم أهل العرف أن لو لم يكن كذلك لما جاز استعمال كل واحد منهما في تكذيب الآخر ورفعه لكن أهل العرف يستعملون ذلك فيكونان متناقضين وهو المطلوب.
فإن قلت سلمنا أنهما مؤقتتان بالحال وأنهما متناقضتان ولكن لا نسلم أنه حينئذ يصح إطلاقهما لأنه لا يصح ليس بضارب في الحال وهل قولكم إن ذلك يصح إلا مصادرة على المطلوب؟
قلت صدق ليس بضارب في الحال لا يقبل المنازعة إلا ممن لم يفهم معنى هذا الكلام وذلك لأنا لم نعن بذلك إطلاق الاسم حتى يقال إنه مصادرة على المطلوب بل إن المعنى غير ثابت في الحال وقد قدمنا أنه لا ينازع في ذلك عاقل ويقرر عندك أن المعنى بقولنا يصدق ليس بضارب في الحال تحقق المعنى لا صدق الإطلاق إذا الخصوم سلموا هذه المقدمة لما ذكرها الإمام وغيره وما اعترض أحد بهذا السؤال.
فإن قلت سلمنا أنه يصح ليس بضارب في الحال ولكن لا نسلم استلزامها صحة ليس بضارب.
قلت لأن ليس بضارب مطلقة وليس بضارب في الحال مؤقتة والمطلقة جزء من المؤقتة ولو صح ذلك فنقول إذا قيدت في الإيجاب أو في السلب بزمان ولم تجعل الزمان جزءا من المحمول كانت القضية موجهة مؤقتة وإن لم يقيد كانت القضية مطلقة وهي جزء من المؤقتة والقيد المذكور في المؤقتة كقولنا زيد ضارب الآن أو ليس بضارب الآن إذا جعلناه جهة معناه تقييد نسبة المحمول الذي هو ضارب إلى الموضوع الذي هو زيد إيجابا أو سلبا.
فإذا قلت زيد ضارب الآن فمعناه أن نسبة ضارب إلى زيد ثابتة الآن.
(1/230)

وإذا قلت زيد ليس بضارب الآن فمعناه أن نسبة ضارب إلى زيد ممتنعة الآن والآن ظرف للنتفاء لا للتفي فإن النفي هو الحكم وهو حاصل الآن وانتفاء مدلوله وهو يحسبه قد يكون الآن كما في هذا المثال وقد يكون أمس أو غدا على حسب ما تأتي المؤقتة وقد يأتي الظرف جزءا من المحمول كقولك زيد ضارب الآن تريد أن ضربه الآن ثابت أو ليس بضارب الآن تريد ضربه الآن منتف فهذه ليست موجهة والمنفي فيها أخص من النفي في الموجهة والمثبت بأخص من المثبت ولنزد ذلك إيضاحا فنقول:
إذا قلت ليس زيد ضاربا الآن أو يوم الجمعة فلا يجوز أن يكون الآن أو يوم الجمعة ظرفا لحكمك ألا ترى أنك تقول يوم الجمعة وأنت غير حاكم فيه وبقي بعد هذا أن يوم الجمعة إما أن يكون ظرفا لانتفاء الضرب المقيد بذلك الوقت أو المطلق والمعنى أن زيدا يصدق يوم الجمعة أنه ليس بضارب ومن ضرورة انتفائه انتفاء المقيد وإذ وضح أن المطلقة جزء من المؤقتة صح تعبير الإمام في المحصول بالكل والجزء ودعواه استلزام الكل الجزء ليس مراده الجزء من حيث اللفظ بل من حيث المعنى.
فإن قلت المطلقة أعم من المؤقتة فكيف تستلزمها المؤقتة.
قلت أصل المطلقة كذلك ولكن قد يعرض لها تقييدها لغة أو عرفا وقد ادعيناه هنا حيث قلنا إن العرف يؤقتهما بحال التكلم ودللنا عليه فالمطلقة وإن كانت مطلقة في اللفظ فهي مقيدة بحسب العرف وكان ذلك منطوقا به فسارت المؤقتة وإنما دلالة المؤقتة صريحة في الوقت ودلالة المطلقة ظاهرة ولهذا المعنى لم يأت الإمام في المحصول بلفظ الأعم والأخص لأنه يضره فإنه يدعى تساويهما عرفا ولغة فكيف يقول إن أحدهما أعم من الآخر بل ترك ذلك وعدل إلى الكل والجزء فإنه صحيح على التقديرين أعني من حيث القل والأصل ومن حيث الاستعمال والجزء قد يكون مساويا في الوجود كالناطق فإنه جزء الانسان ومساو له بخلاف الأعم فإنه قد يوجد بدون الأخص.
فإن قلت قد فهم أصحاب الإمام أن مراده الأعم والأخص ومنهم
(1/231)

صاحب التحصيل فقال يصدق ليس بضارب لصدق الأخص منه وهو ليس بضارب في الحال.
قلت قال والدي رضي الله عنه في كتابه الاتساق في مقاربة الاشتقاق وهو مختصر وضعه في هذه المسألة إنهم ما فهموا جيدا وأطال النفس في ذلك وأجاب عن سؤال لصاحب التحصيل ذكره على هذا وعظم خطبه ونحن لم نذكر السؤال لكونه مبنيا على ما فهمه صاحب التحصيل من أن الكل أعم والجزء أخص وقد بينا أن الإمام لم يرد بالكل والجزء الأعم والأخص وأن الجزء قد يكون مساويا.
قال وعورض بوجوه
الأول أن الضارب من له الضرب وهو أعم ورد بأنه أعم في المستقبل أيضا وهو مجاز اتفاقا.
الثاني: أن النحاة منعوا عمل النعت للماضي ونوقض بأنهم أعملوا المستقبل.
الثالث: أنه لو شرط لم يكن المتكلم ونحوه حقيقة وأجيب بأنه لما تعذر استعمال أجزائه اكتفى بآخر جزء.
الرابع: أن المؤمن يطلق حالة الخلو عن مفهومه وأجيب بأنه مجاز وإلا لأطلق الكافر على أكابر الصحابة حقيقة.
عارض الخصم دليلنا بأوجه زعم أنها تدل على مطلوبه.
الأول: أن الضارب عبارة عمن ثبت له الضرب وهو أعم من أن يكون دائما أو لا فيكون إطلاقه على أفراده على سبيل الحقيقة كإطلاق العام على أفراده وأجاب بأن ذلك منقوض بأنه أعم من المستقبل أيضا فيلزم أن يكون حقيقة فيه ولا قائل به ولقائل أن يقول إذا كان الضارب من ثبت له الضرب فهو غير صادق باعتبار المستقبل لأنه ما ثبت له فلا يتجه قولكم أنه أعم من المستقبل أيضا.
الثاني: أن جمهور النحاة قالوا النعت أي المشتق كاسم الفاعل واسم
(1/232)

المفعول إذا كان بمعنى الماضي وليس معه ال فهو لا ينصب مفعوله بل يتعين أن يجر بالإضافة إليه تقول مررت برجل ضارب زيد أمس وهذا يدل على جواز استعماله بمعنى الماضي والأصل في الاستعمال الحقيقة وأجاب بأن هذا منتقض بإجماعهم على إعماله إذا كان بمعنى الاستقبال ما قلتموه في الماضي يأتي بعينه في المستقبل مع أنه مجاز اتفاقا.
الثالث: لو كان المشتق منه شرطا في صحة إطلاق المشتق حقيقة لاستحال إطلاق المتكلم والمخبر بطريق الحقيقة على شيء أصلا لأن المشتق وهو الكلام والخبر لا يمكن بقاؤهما لأنهما من الموجودات التي هي غير قارة الذات وأجاب بمنع الملازمة وذلك لأن الشرط أحد الأمرين أما بقاء المشتق منه وذلك فيما يمكن بقاؤه أو بقاء آخر جزء من أجزائه إن لم يكن بقاؤه بالكلية لأن وضع اللغة غير مبني على المضايقة في مثل هذه الأمور وهذا كإطلاقهم الحال على الزمان المعين مع أن الموجود منه ليس إلا جزءا واحدا.
الرابع: أنه لو اشترط بقاء المشتق منه في صحة إطلاق المشتق حقيقة للزم ألا يصح إطلاق المؤمن بطريق الحقيقة على من خلا عن مفهومه بالنوم مثلا ولكن ذلك باطل لأنهم يطلقونه عليه والأصل في الإطلاق الحقيقة وأجاب بأن إطلاقه ليس على سبيل الحقيقة بل هو مجاز وإلا لصح إطلاق الكافر على أكابر الصحابة حقيقة بسبب كفر تقدم إذ الإطلاق من لوازم الحقيقة ولقائل أن يقول إن الإيمان الطارئ بعد الكفر يضاده لذلك لم يصح إطلاق الكافر على من صدر منه في الماضي إذ هو وصف وجودي يصاد الأول فكان كإطلاقك على الأسود أنه أبيض باعتبار بياضه المتقدم وقد قدمنا أن ذلك ليس من محل النزاع.
فوائد أحدها اعلم أنا لا نعني بالحال حال نطقنا بل حال اتصافه بالمشتق منه.
فإذا قلت اقتلوا المشركين فمعناه الأمر بقتل من اتصف بالشرك وإن لم يكن وقت قولك اقتلوا المشركين متصفا به وقد خفى ذلك على بعض الفضلاء فظن أنه لا يشمل من يأتي بعد ذلك إلا مجازا.
(1/233)

الثانية: الحقيقة والمجاز إنما هما باعتبار الاستعمال.
فإذا قلت زيد ضارب فهنا أمران.
أحدهما: استعمال ضارب في معناه أو غير معناه وهو محل الحقيقة والمجاز.
والثاني: حمل ضارب على زيد وهذا لا يوصف بحقيقة ولا مجاز ولا دلالة له على حال ولا مضي ولا استقبال بل هو مطلق بالنسبة إليها والقضية إن أطلقت احتملت الثلاثة إلا أنا نحمله عند الإطلاق على زمان النطق لغة وعرفا ولأنه ليس غيره أولى منه وأما المحمول الذي هو ضارب فإن أريد به معناه ممن هو متصف بالضرب في الحال كان حقيقة إما صدقا إن طابق أو كذبا إن لم يطابق وإن أريد به غير معناه كان مجازا والأمر في السلب في جميع ذلك على اقررناه لا يختلف.
الثالثة: إذا قلت زيد ضارب أمس أو غدا فقد يطلق المطلق أنه مجاز لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال والتصريح بأمس أو غدا إنما هو قرينة لإرادة المجاز كقولك رأيت أسدا يرمي بالنشاب وقد يطلق أنه حقيقة لأنه اتصل بمعموله والحق خلاف الإطلاقين لأن الحمل لا حقيقة فيه ولا مجاز كما عرفت فحكمك على زيد الآن بأنه ضارب غذا لا حقيقة ولا مجاز والمحكوم به هو ضارب غدا إن أريد معناه وهو أن يحصل منه الضرب غذا كان حقيقة مثل زيد سيضرب غدا وإن أريد به غير معناه كان مجازا وهكذا ضارب أمس ولا يمكنك أن تريد أن الضرب الثابت الذي يقع غدا هو ثابت الآن فذلك مستحيل لكن تريد أنه الآن محكوم عليه بالضرب في غذ والحكم غير موصوف بحقيقة ولا مجاز فإن أردت أن تصفه الآن بضربه في غد كان مجازا والله أعلم.
فروع يتجه بناؤها على الأصل المذكور.
لو عزل القاضي فقال امرأة القاضي طالق هل يقع طلاقه فيه وجهان في فروع الطلاق من الرافعي.
لو قال إن كانت امرأتي في المأتم فأمتي حرة وإن كانت أمتي في الحمام
(1/234)

فامرأتي طالق وكانتا عند التعليق كما ذكرنا عتقت الأمة ولم تطلق المرأة عتقت عند تمام التعليق الأول وخرجت عن أن تكون أمته فلم يحصل شرط الطلاق وهو الآن أمته لا تكون حقيقة إلا لمن يملكها في الحال ولو قدم ذكر الأمة فقال إن كانت أمتي في المأتم فامرأتي طالق وإن كانت امرأتي في الحمام فأمتي حرة وكانتا كما ذكر طلقت المرأة ثم إن كانت رجعية عتقت الأمة أيضا وإلا فلا والفرع مسطور في فروع الطلاق أيضا وإنما يعتق الأمة في هذه الحالة لصدق لفظ الزوجة على الرجعية.
لو حلف لا رأيت منكرا إلا رفعته إلى القاضي فلان ولم ينو أنه يرفعه إليه وهو قاض وتمكن من الرفع إليه فلم يرفع حتى عزل ثم رفع إليه ففي الحنث وجهان إذا مات ولم يرفع إليه إلا وهو معزول.
لو حلف لا يدخل مسكن فلان فدخل ملكا له لم يكن ساكنه فثلاثة أوجه ثالثها: إن كان سكنه في الماضي ساعة ما حنث وإلا فلا قال المتولي1 لو وقف على عبد فلان وقلنا العبد يملك صح وكان الاستحقاق متعلقا بكونه عبد فلان حتى لو باعه أو وهبه زال الاستحقاق.
قال الثالثة لا يشتق اسم الفاعل لشيء والفعل قائم بغيره للاستقراء
قالت المعتزلة الله متكلم بكلام يخلقه في جسم كما أنه الخالق والخلق المخلق قلنا الخلق هو التأثير.
لا يجوز إطلاق اسم الفاعل الذي هو المشتق على شيء والفعل الذي هو المشتق منه قائم بغيره واستدل الأصحاب على ذلك بالاستقراء فإنا تتبعنا
__________
1 هو عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري المعروف بالمتولي فقيه مناظر عالم بالأصول تولى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد من مؤلفاته تتمة الإبانة للفوراتي في فقه الشافعية وله كتب أخرى في الفقه والأصول.
توفي ببغداد سنة 478 هـ.
وفيات الأعيان 1/277 الأعلام 4/98.
(1/235)

مواقع استعمال المشتقات فلم نجد موقعا اشتق له اسم الفاعل والفعل المشتق منه قائم بغيره فدل على أن ذلك خارج عن كلام العرب فيكون ممنوعا وقد لزم المعتزلة الخلاف في ذلك حيث قالوا إن الله تعالى متلكم بكلام قائم بغيره لا بذاته وإلا لكانت ذاته محلا للحوادث وذلك على أصلهم في أن الكلام حادث لأنهم لا يعترفون بالكلام النفسي واحتجوا على ما ذهبوا إليه من أنه يجوز إطلاق المتكلم على الله بسبب كلام يخلقه في جسم بأنه يطلق عليه الخالق بالحقيقة والخالق مشتق من الخلق والخلق لم يقم بذاته سبحانه وتعالى لأن الخلق هو المخلوق وهو الأثر البائن عن ذات الله تعالى ومنه قوله تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} أي مخلوق الله وأجاب بأن الخلق لم يقم بذاته سبحانه وتعالى لأن الخلق هو المخلوق وهو الأثر البائن عن ذات الله تعالى ومنه قوله تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} أي مخلوق الله وأجاب بأن الخلق ليس هو المخلوق بل هو التأثير الله تعالى وأما الإطلاق الواقع في الآية فإنه مجاز.
قال قالوا قدم العالم وإلا لافتقر إلى خلق آخر وتسلسل قلنا هو نسبة فلم يحتج إلى تأثير آخر.
قالت المعتزلة لو كان الخلق هو التأثير كما ذكرتم لزم أحد محالين إما قدم العالم أو التسلسل وذلك لأنه إما قديم أو حادث إذ كل مفهوم وجوديا كان أو عدميا لا يخلو عن أحدهما لأنه إن كان مسبوقا بالعدم سبقا زمانيا فهو الحادث وإلا فهو القديم فإن كان قديما لزم قدم العالم لأن المؤثر قديم والتأثير فرضناه قديما وإذا وجد المؤثر والتأثير استحال تخلف الأثر وهو العالم فيلزم من وجودهما في الأزل وجود العالم فيه ولأن التأثير نسبة بين الخالق والمخلوق وقدم النسبة يقتضي قدم المنتسبين ضرورة افتقارها إليهما ولأن العالم هو ما سوى الله تعالى والتأثير غير الله تعالى إذ التأثير غير المؤثر وإن كان حادثا افتقر في حدوثه إلى تاثير والكلام فيه كالكلام في الأول فيلزم التسلسل وأجاب المصنف بأنه نسبة إلى آخره أي يختار أنه حادث ويمنع لزوم التسلسل وذلك لأن التأثير نسبة والنسبة لكونها من الأمور الاعتبارية التي لا وجود لها في الخارج غير مفتقرة إلى تأثير مؤثر فيها ثم إن الأمور الاعتبارية لا يمتنع التسلسل فيها لذلك وهذا كما أن الواحد نصف الاثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة وهلم جرا إلى ما لا نهاية له من الأعداد
(1/236)

واعلم أن الإمام لم يجب عن الشبهة المذكورة ثم قال ومما يدل على أنه ليس من شرط المشتق منه قيامه بمن له الاشقاق أن المفهوم من اسم المشتق ليس إلا أنه ذو ذلك المشتق منه ولفظة ذو لا يقتضي الحلول ولأن لفظ ملابن والتامر والمكي والمدني والحداد مشتق من الأمور التي يمتنع قيامها بمن له الاشقاق هذا كلامه وقد أوهم اختيار مذهب المعتزلة ومناقضته في ذلك لما اختاره في كتبه الكلامية حتى قال الشيخ شمس الدين الأصفهاني في شرح المحصول الحق مذهب الأشاعرة لا ما اختار المصنف تقريره ههنا من مذهب المعتزلة والذي نقوله إنه لا يلزم من عدم ذكر الجواب اختيار مذهبهم كيف وقد صرح بخلافه وأما ما قاله من أن المفهوم من الاسم المشتق ليس إلا ذو المشتق منه فهو مدخول لأنه اعترف بأن قولنا مكي ومدني مشتق من مكة والمدينة وليس المفهوم من المكي ذو مكة ولأنه يناقض ما التزمه سابقا من أن بقاء وجه الاشتقاق شرط لصدق الاسم المشتق فإن قولنا زيد قيسي أو تميمي يكون حينئذ مشتقا من قيس وتميم والمشتق منه غير باق والحق أن دعواه أن لفظة ذو لا تقتضي الحلول غير مسلمة له على الإطلاق لأن المفهوم من قولنا زيد ذو علم أو فهم قيامهما به وحلولهما فيه فلفظة ذو تقتضي الحلول في أسماء المعاني كما ذكرناه وكلامنا في المشتقات من المصادر التي هي أسماء المعاني ويخرج بهذا الجواب عن مثل مكي ومدني فإنها مشتقة من أسماء الذوات فليست في شيء مما نحن فيه.
فروع يتجه بناؤها على الأصل المذكور.
لو حلف لا يبيع أو لا يضارب فوكل فيه غيره حتى فعل لم يحنث في أظهر القولين لأنه لم يباشر والثاني إن كان ممن لا يتولى ذلك بنفسه كالسلطان حنث.
ولو حلف لا يحلق رأسه فأمر غيره فحلق فقد قيل في حنثه القولان وقيل يحنث قولا واحدا وبه أجاب الماوردي وطرده في كل ما جرت العادة فيه بالأمر دون المباشرة من جميع الناس كقوله والله لا احتجمت أولا اقتصدت أو لا بنيت داري.
(1/237)

الفصل الرابع: الترادف
تعريفه
...
الفصل الرابع في الترادف
قال الفصل الرابع في الترادف وهو توالي الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد كالإنسان والبشر.
توالي الألفاظ هو تتابعها لأن اللفظ الثاني تبع الأول في مدلوله وقوله توالي الألفاظ جنس يشمل المترادف وقوله المفردة احتراز عن المركبة كالحد مع المحدود والرسم مع المرسوم فإن الحد والمحدود غير مترادفين على المذهب المختار إذ المحدود دال على الماهية من حيث هي والحد دال عليها باعتبار دلالته على أجزائها فالاعتباران مختلفان وقوله الدالة على شيء واحد احتراز عن توالي الألفاظ المتباينة المتفاصلة فإنها تدل على الأشياء المتعددة كالإنسان والفرس والحمار وقوله باعتبار واحد يمكن أن يحترز به عن الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد لا باعتبار واحد بل أحدهما بطريق الحقيقة والآخر بطريق المجاز كالأسد والشجاع لكن قال الإمام احترزنا به عن اللفظين المفردين إذا دلا على شيء واحد باعتبار صفتين كالصارم والمهند أو باعتبار الصفة وصفة الصفة كالفصيح والناطق فإنهما من المتباينة يعني أن كلا من المهند والصارم يدل على الشكل المعروف لكن المهند والسيف يدلان عليه سواء كان قاطعا أم لا والصارم لا يدل عليه إلا إذا كان قاطعا.
هذا شرح التعريف وفيه نظر فإنه أتى المفردة ليحترز عما أشرنا إليه وهو غير مضرور إلى ذلك فإن ذلك خرج بقوله باعتبار واحد إذ الحد والمحدود يدلان على معنى واحد لكن باعتبارين كما عرفت ثم إن هذه اللفظة أعني
(1/238)

المفردة تصير الحد غير جامع إذ يخرج بها بعض المترادفات مثل خمسة ونصف العشرة وأيضا قوله: الألفاظ جمع وأقله على رأيه ثلاثة وقد يكون الترادف من لفظين ثم إنها جنس بعيد فلو أتى بالقول وقال توالي كلمتين فصاعدا لسلم من هذين الإيرادين وإنما قال توالي الألفاظ ولم يقل الألفاظ المتوالية لأنه شرع في حد المعنى وهو الترادف لا في حد اللفظ وهو المترداف وعبر الألفاظ ليشمل ترادف الأسماء كالبر والقمح والأفعال كجلس وقعد والحروف مثل في والباء في بعض المواضع كما في قوله تعالى: {مُصْبِحِينَ*وَبِاللَّيْلِ} 1.
واعلم أن المصنف إنما ذكر حد الترادف مع تقدمه في تقسيم الألفاظ ليفرق بينه وبين التأكيد قوله كالإنسان والبشر هذا مثال للترادف من جهة اللغة فإن الإنسان يطلق على الواحد رجلا كان أو امرأة وكذلك البشر وأهمل المصنف التمثيل للمترادفين بحسب الشرع كالفرض والواجب عندنا2 وبحسب العرف.
قال والتأكيد يقوي الأول والتابع لا يفيد.
لما كان التأكيد والتابع فيهما شبه بالمترادف حتى ظن بعض الناس أن التابع من قبيل المترادف ذكر المصنف الفرق بينهما وحاصله أن المترادفين يفيدان فائدة واحدة من غير تفاوت والمؤكد لا يفيد غير فائدة الأول بل تقويته وهو على نوعين لفظي وهو ما يكون لفظه لفظ المؤكد ومعنوي وهو ما يكون بغير ذلك اللفظ مثل كلهم وأما الفرق بين المترادف والتابع مثل قولنا شيطان ليطان ونظائره فهو أن التابع لا يفيد كذا أطلقه في الكتاب وزاد الإمام فقال بل شرط كونه مفيدا تقدم الأول عليه وأما الآمدي فإنه قال
__________
1 سورة الصافات: آية 137 138.
2 أي عند الشافعية فإن الفرض والواجب لفظان مترادفان إلا في الحج فإن الفرض غير الواجب.
وذهب الحنفية إلى أن الفرض ما ثبت بدليل كوجوب الصلاة الخمس والواجب ما ثبت بدليل ظني كوجوب الوتر فإنه واجب لأنه ثابت بالسنة.
راجع أصول السرخسي 1/110 تيسير التحرير 2/135.
(1/239)

التابع قد لا يفيد معنى أصلا بإثبات قد قال ولهذا قال ابن دريد1 سألت أبا حاتم عن معنى قولهم بسن أي من قولهم حسن بسن فقال لا أدري ما هو والتحقيق أن التابع يفيد التقوية فإن العرب لا تضعه سدى وجهل أبي حاتم بمعناه لا يضر بل مقتضى قوله: إنه لا يدري معناه أن له معنى وهو لا يعرفه.
فإن قلت فصار كالتأكيد لأنه أيضا إنما يفيد قلت التأكيد يفيد مع التقوية نفي احتمال المجاز فإنك إذا قلت قام القوم احتمل أن يريد البعض مجازا وينتفي هذا الاحتمال بقولك بعد ذلك كلهم وأيضا فالتابع من شرطه أن يكون على زنه المتبوع والتأكيد لا يكون كذلك وقول المصنف التأكيد يقوي ليس بجيد بل كان ينبغي أن يقول التأكيد تقوية أو المؤكد يقوي.
__________
1 هو محمد بن الحسن بن دريد الأزدي من أزد عمان من أئمة اللغة والأدب يقول: ابن دريد: أشعر العلماء وأعلم الشعراء وهو صاحب المقصورة الدريدية.
ومن كتبه الاشتقاق في الأنساب والمقصور والممدود وشرحه والجمهرة في اللغة وغير ذلك.
وفيات الأعيان 1/497 الأعلام 6/310.
(1/240)

أحكام المتردفات
...
أحكام المترادف
قال وأحكامه في مسائل:
الأولى: في سببه المترادفان وإما من واضعين والتبسا أو واحد لتكثير الوسائل والتوسع في محل البديع.
ذهب بعض الناس إلى إنكار المترادف في اللغة العربية وزعم أن كل ما يظن من المترادفات فهو من المتباينات التي تتباين بالصفات كما في الإنسان والبشر فإن الأول موضوع باعتبار النسيان أو باعتبار أنه يؤنس.
والثاني: باعتبار أنه بادي البشرة وكذا الخندريس والعقار فإن الأول باعتبار الفتق والثاني باعتبار عقر الدن لشدتها وتكلف لأكثر المترادفات بمثل هذا المقال العجيب وقد اختار هذا المذهب أعني إنكار المترادف أبو الحسين أحمد بن فارس1 في كتابه الذي ألفه في فقه اللغة والعربية وسنن العرب وكلامها ونقله عن شيخه أبي العباس ثعلب2 وهذا الكتاب كتب منه ابن
__________
1 هو أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي من أئمة اللغة والأدب قرأ عليه البديع الهمذاني والصاحب بن عباد وغيرهما من أعيان البيان.
من تصانيفه مقاييس اللغة والصاحبي في علم العربية جامع التأويل في تفسير القرآن توفي سنة 395 هـ.
2 هو أحمد بن يحيى بن زيد سيار الشيباني الولاء أبو العباس المعروف بثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغة كان راوية للشعر محدثا مشهورا بالحفظ وصدق اللهجة ثقة حجة ولد ومات في بغداد.
من كتبه الفصيح وقواعد الشعر وشرح ديوان الأعشى ومعاني القرآن توفي سنة 291 هـ.
تذكرة الحفاظ 3/214 الأعلام 1/252.
(1/241)

الصلاح نكتا منها هذه وعلقت أنا ذلك من خط ابن الصلاح فيما علقته من خطه ونحن نقول أما الجواز فلا يظن بعاقل المنازعة فيه ضرورة أنه لا يلزم من فرض وقوعه محال وأما الوقوع ففي مسميات تخرج عن حد الحصر.
إذا عرفت ذلك فلوقوع المترادفة سببان:
أحدهما: أن تكون من واضعين.
قال الإمام ويشبه أن يكون هو السبب الأكثري مثل أن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين والأخرى الاسم الآخر للمسمى الواحد من غير أن تشعر إحداهما بالأخرى ثم يشتهر الوضعان ويخفي الواضعان أو يلتبس وضع أحدهما بوضع الآخر ولا يخفى عليك أن هذا السبب مبني على كون اللغات اصطلاحية.
والثاني: أن يكون من واضع واحد وهو السبب الأقلي كما ذكر الإمام وله فوائد:
منها أن تكثر الوسائل أي الطرق إلى الإخبار عما في النفس فإنه ربما نسي أحد اللفظين أو عسر عليه النطق به وقد كان بعض الأذكياء في الزمن السالف ألثغ فلم يحفظ عليه أنه نطق بحرف الراء ولولا المترادفات تعينه على ما قصده لما قدر على ذلك.
ومنها التوسع في مجال البديع أي في سلوك طرق الفصاحة وأساليب البلاغة في النظم والنثر وذلك لأن اللفظ الواحد قد يتأني باستعماله مع لفظ آخر للسجع والقافية أو التجنيس والترصيع وغير ذلك من أصناف البديع ولا يتأنى ذلك باستعمال مرادفه مع ذلك اللفظ.
قال الثانية أنه خلاف الأصل لأنه تعريف المعرف ومحوج إلى حفظ الكل.
نقل الإمام أن من الناس من قال الترادف وإن كان واقعا لكنه على خلاف الأصل وبه جزم في الكتاب وحينئذ إذا دار اللفظ بين كونه مترادفا
(1/242)

للفظ آخر ومباينا له فحمله على المباين له أولى واستدل على كونه على خلاف الأصل بوجهين:
أحدهما: أن المقصود لما حصل بأحد اللفظين فالأصل عدم الثاني لئلا يلزم تعريف المعرف.
والثاني: أنه موجب للمشقة لأنه يوجب حفظ جميع تلك الألفاظ إذ لو لم يحفظ جميعها احتمل أن يكون الذي اقتصر على حفظه خلاف ما اقتصر عليه الآخر فعند التخاطب يجهل كل واحد منها مراد صاحبه.
قال الثالثة اللفظ يقوم بدل مرادفه من لغته إذ التركيب يتعلق بالمعنى دون اللفظ.
هل يجب صحة إقامة كل واحد من المترادفين مكان الآخر فيه ثلاث مذاهب:
أحدها: أنه غير واجب قال الإمام وهو الحق.
والثاني: أنه واجب بمعنى أنه يصح مطلقا وهو اختيار ابن الحاجب وقال الإمام إنه الأظهر في أول النظر.
والثالث: وهو اختيار المصنف وصفي الدين الهندي إن كانا من لغة واحدة صح وإلا فلا أما صحته إذا كانا من لغة واحدة فلأن المقصود من التركيب إنما هو المعنى دون اللفظ فإذا صح المعنى مع أحد اللفظين وجب أن يصح مع الآخر لاتحاد معناهما وأما عدم صحته إذا كانا من لغتين فلأن اختلاط اللغتين يستلزم ضم مهمل إلى مستعمل فإن إحدى اللغتين بالنسبة إلى اللغة الأخرى بمثابة المهمل.
فإن قلت التركيب كما يتعلق بالمعنى كذلك يتعلق باللفظ كما في أنواع البلاغة من الترصيع والتجنيس وغير ذلك فإن رعاية هذه الأمور غرض يقصده اللبيب.
قلت رعاية هذه الأمور خارجة عن المقصود الأصلي من الكلام فإنها من
(1/243)

محسنات الكلام لا من مصححاته وفي قول المصنف إذ التركيب إشارة إلى أن الخلاف إنما هو في حال التركيب وأما في حال الإفراد كما في تعديد الأشياء فلا خلاف في جواز ذلك هذا كلام الأصوليين في المسألة وأما الفقهاء فلا خلاف عندهم في إقامة كل واحد من المترادفين المختلفي اللغة مقام الآخر فيما تشترط فيه الألفاظ كعقود البيوعات وغيرها وأما ما وقع النظر في أن التعبد هل وقع بلفظه فليس من هذا الباب لأن المانع إذ ذاك من إقامة أحد المترادفين مقام الآخر ليس أنه لا يصح إقامة مرادف مقام صاحبه بل لما وقع من القيد لسبيله لفظه كالخلاف في أن لفظ النكاح كلي ينعقد بالعجمية واللغات للقادر على العربية ونظائر ذلك.
قال الرابعة التوكيد تقوية مدلول ما ذكر بلفظ ثان فإما أن يكون بنفسه مثل قوله عليه السلام: "والله لأغزون قريشا ثلاثا" أو بغيره للمفرد كالنفس والعين وكلا وكلتا وكل وأجمعين وإخواته والجملة كان.
لك أن تقول الفصل معقود للترادف فلا مدخل لأحكام التوكيد فيه فكان ينبغي أن يقول الفصل الرابع في أحكام الترادف والتأكيد كما فعل الإمام والخطب في ذلك يسير.
اعلم أن التوكيد عبارة عن تقوية مدلول اللفظ المذكور أولا بلفظ مذكور ثانيا هكذا قاله صاحب الحاصل وتبعه المصنف وقد أورد عليهما أن التابع يدخل في هذا لأنه يفيد تقوية الأول كما حررناه فكان من حقه أن يقول بلفظ ثان مستقل بالإفادة وأورد عليه أيضا القسم وإن واللام تؤكد الجملة وليس ذلك بلفظ ثان بل أول ولا يمكنه أن يقول بدل ثان بلفظ آخر لأنه يوهم أنه يشترط في المؤكد أن يكون بلفظ مغاير لذلك فيخرج التأكيد اللفظي ولك أن تجيب أولا بأن الثاني هنا بمعنى واحد كما في قوله: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} 1
__________
1 جاء في قوله تعالى في حق أبي بكر في هجر ته مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} التوبة: 40.
(1/244)

والأكثر أن يكون مع المؤكد فاعل الأول أو ضميره نحو قام زيد قام زيد أو قام زيد قام وقد يكون فاعل المؤكد والمؤكد ضميرين كقولك صل, صل الصديق وقد يستغنى بفاعل أحدهما وقد اجتمع الأمران في قول الشاعر:
فأين إلى أين النجاة ببغلتي ... أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس1
أو حرفا كقول الشاعر:
فلا والله لا يلفى لما بي ... ولا للما بهم أبدا دواه2
الثاني: التأكيد المعنوي وهو بغير ذلك اللفظ الأول وذلك قسمان:
أحدهما: أن يكون مؤكدا للمفرد فإما أن يكون مؤكدا للواحد مثل جاء زيد بنفسه ومحمد عينه أو للمثنى مثل جاء الزيدان كلاهما أو المرأتان كلتاهما أو المجمع مثل جاء القوم كلهم أو أجمعون قال الله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} 3 ومن ذلك أخوات أجمعين كأكتعين وأبصعين وأبتعين.
والثاني: أن يكون مؤكدا للجملة كأن نحو قوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} 4 ولام الابتداء والجملة القسمية.
قال وجوازه ضروري ووقوعه في اللغات معلوم.
أنكر بعض الملاحدة التوكيد والخلاف معه إما في الجواز وهو ضروري أو في الوقوع لمن استقرأ لغة العرب وجدها مشحونة به وله فوائد تعرف من تتبع خواص تراكيب الكلام وأدناها بعد احتمال المجاز أو نفيه فإنك إن قلت إذا قلت قام زيد احتمل أن يريد غلامه مجازا فإذا قلت نفسه فإن لم يقتض ذلك انتفاء احتمال المجاز فلا أقل من اقتضائه ضرورة هذا الاحتمال مرجوحا ضعيفا ولذلك نقول زيد قائم لمن يكتفي بهذا الخبر فإن أردت أن تقرر عند ذلك لم تجد بدا من التأكيد بإن فتقول إن زيدا قائم فإذا توهمت منه نكيرا لم تلف
__________
1 يذكرها النحويون من شواهد التوكيد اللفظي. شرح ابن عقيل ص 131.
2 ينسب هذا البيت لبعض بني أسد شرح الشواهد للعيني على الأشموني 3/83.
3 سورة الحجر آية:30.
4 سورة الأحزاب آية: 56.
(1/246)

غنى عن الزيادة اللام فتقول إن زيدا لقائم ولذلك قال بعض أصحابنا إذا قال استأجرتك لكذا أو لتفعل كذا لم يكن الحاصل به إجارة عين بل ذمة وإن اقتضى ذلك الإضافة إلى المخاطب وأنه لا يحصل إجارة العين إلا إذا قال استأجرت عنك أو نفسك أو لتعمل بنفسك كذا.
فائدتان إحداهما: عن شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام1 رحمة الله أنه قال اتفق الأدباء على أن التأكيد في لسان العرب إذا وقع بالتكرار لا يزيد على ثلاث مرات قال وأما قوله تعالى في سورة المرسلات: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} في جميع السورة فذلك ليس تأكيدا بل كل آية قيل فيها: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} في هذه السورة فالمراد المكذبون بما تقدم ذكره قيل هذا القول ثم يذكر الله تعالى معنى آخر ويقول: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} أي بهذا فلا يجتمعان على معنى واحد فلا تأكيد وكذلك: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} في سورة الرحمن.
الثانية: سأل بعض الفضلاء فيما إذا قال الزوج أنت طالق انت طالق وقصد بالثانية التأكيد فإنه لا يقع إلا واحدة والحالة هذه فقال الجملة الثانية لا جائز أن تكون خبرية لأن الجملة الخبرية غير الإنشائية وشرط التأكيد أن يكون من جنس الأول ولا أن تكون إنشائية وإلا وقع طلقتان ويمكن أن يجاب باختيار أنها إنشائية ولا يلزم ما ذكر فإنها إنشاء للتأكيد ولا يقع بإنشاء التأكيد شيء وليست بإنشاء الإيقاع فاشتركت مع الأولى في أصل الإنشاء وافترقنا فيما أنشأه
__________
1 هو عبد العزيز عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي عز الدين الملقب بسلطان العلماء فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد.
ألف الكثير من الكتب منها: الإمام في أدلة الأحكام مختصر صحيح مسلم قواعد الأحكام في مصالح الأنام.
توفي – رحمة الله عليه – في العاشر من جمادى الأولى سنة 660 هـ بالقاهرة ودفن بالقرافة الكبرى في سفح جبل المقطم.
فوات الوفيات 1/287 التجوم الزاهرة 7/208.
(1/247)

الفصل الخامس: الاشتراك
...
الفصل الخامس في الاشتراك
قال الفصل الخامس في الاشتراك.
المشترك هو اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين أو أكثر دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة سواء كانت الدلالتان مستفادتين من الوضع الأول أو من كثرة الاستعمال أو كانت إحداهما مستفادة من الوضع الأول أو من كثرة الاستعمال أو كانت إحداهما مستفادة مع الوضع والأخرى من كثرة الاستعمال ومن قولنا الواحد احتراز عن الأسماء المتباينة والمترادفة فإنه يتناول الماهية وهي معنى واحد وإن اختلفت محالها وقولنا عند أهل تلك اللغة إلى آخره إشارة إلى أن المشترك قد يكون بين حقيقتين لغويتين أو عرفيتين أو عرفية ولغوية والمصنف قدم حد الاشتراك في تقسيم الألفاظ فلم يحتج إلى إعادته هنا.
قال وفيه مسائل:
المسألة الأولى في إثباته أوجبه قوم لوجهين:
أحدهما: أن المعاني غير متناهية والألفاظ متناهية فإذا وزع لزم الاشتراك ورد بعد تسليم المقدمتين بأن المقصود بالوضع متناه.
والثاني: أن الوجود يطلق على الواجب والممكن وجود الشيء عينه ورد بأن الوجود زائد مشترك وإن سلم فوقوعه لا يقتضي وجوبه وأحاله آخرون لأنه لا يفهم الغرض فيكون مفسدة ونوقض بأسماء الأجناس.
اختلف الناس في اللفظ المشترك هل هو واجب أم لا وبتقدير ألا يكون
(1/248)

واجبا فهل هو ممتنع أم ممكن وبتقدير إمكانه فهل هو واقع فهذه احتمالات أربعة بحسب الانقسام العقلي وقد صار إلى كل منها صائر واحتج من قال بالوجوب بشيئين:
أحدهما: أن المعاني غير متناهية وهذا واضح فإن الأعداد وهي لا تصل إلى نهاية والألفاظ لأنها مركبة من الحروف المتناهية والمركب من المتناهي متناه وحينئذ فإذا وزعنا الألفاظ على المعاني فلا بد وأن يستوعبها وإلا يلزم خلو بعض المعاني المقصودة عن الألفاظ ومتى كانت مستوعبة لها لزم الاشتراك لأنه لا بد حينئذ من لفظ واحد بإزاء معان كثيرة وهو الاشتراك وأجاب المصنف أولا بمنع المقدمتين أي لا نسلم أن المعاني غير متناهية ولا أن الألفاظ متناهية وسند المنع الأول أن حصول ما لانهاية له في الوجود محال وأما قوله: الأعداد غير متناهية فمسلم لكن بمعنى أنه لا مرتبة من مراتبه إلا ويمكن أن يوجد بعدها مرتبة أخرى مع أن المراتب الداخلة في الوجود منه أبدا قد تكون متناهية لا بمعنى أن الحاصل منه في الوجود غير متناه ولا يلزم من كون الأعداد غير متناهية بالمعنى الذي تقدم ذكره أن تكون المعاني الموجودة غير متناهية وأيضا فأصولها متناهية وهي الآحاد والعشرات والمئات والآلاف والوضع للمفردات لا للمركبات ولمسند المنع الثاني وهو قولهم الألفاظ متناهية والمركب من المتناهي متناه أن كونها مركبة من الحروف المتناهية لا يقتضي أن تكون متناهية كما أن أسماء الأعداد غير متناهية وأصولها متناهية وأجاب ثانيا بأن المقصود بالوضع متناه أي ولئن سلمنا صحة المقدمتين فلا يلزم ما ذكرتم لأن المعاني التي يقصدها الواضع بالتسمية متناهية إذ الوضع للمعاني فرع تصورها وتصور ما لا يتناهى محال ويمكن أن يقرر على وجه آخر فيقال إنما يلزم الاشتراك أن لو حصل استيعاب جميع المعاني بالوضع ونحن نقول الوضع إنما هو لما يشتد الحاجة إليه وهو متناه وليس الوضع لكل معنى بل جاز خلو بعض المعاني عن الوضع ألا ترى ألا نجد لكثير من المعاني كأنواع الروائح أسماء مستقلة لا مشتركة ولا مفردة بعد الاستقراء والبحث التام
(1/249)

الثاني: أن الوجود يطلق على وجود الواجب سبحانه وتعالى ووجود الممكن بطريق الحقيقة فيهما ووجود كل شيء عين ماهيته كما تقرر في علم الكلام وهو مذهب أبي الحسن ولا ريب في مخالفة حقيقة الواجب لحقيقة الممكن فيكون إطلاق الوجوب عليهما بطريق الاشتراك وأجاب أولا بأنا لا نسلم أن وجود كل شيء عين ماهيته بل هو زائد عليهما وذلك الزائد معنى واحد يشترك فيه الواجب والممكن فيكون متواطئا لا مشتركا وهذا المنع منه مبني على اختياره وقد نقله في كتابه الطوالع عن الجمهور والحق مذهب الشيخ وليس هذا موضع تقريره وأجاب ثانيا بأنا سلمنا أن وجود كل شيء عين ماهيته ولا يلزم مطلوبكم إذ لا يقتضي غير وقوع الاشتراك ووقوعه لا يقتضي وجوبه وأنتم ادعيتم وجوبه.
قوله وأحاله آخرون إلى آخره.
احتج ما أحاله وهم فرقة قليلون ومنهم ثعلب وأبو زيد البلخي1 والأبهري2 على ما حكاه ابن الفارض المعتزلي في كتابه النكت بأن وقوعه يقتضي المفسدة لأن المقصود من الألفاظ ووضعها إنما هو التفاهم حالة التخاطب والمشترك لو وقع وسمعه السامع لم يحصل له الفهم لأن المشترك متساوي الدلالة بالنسبة إلى معانيه فلو فهم منه المعنى الذي هو غرض المتكلم دون غيره لزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر من غير مرجح ولو فهم غيره
__________
1 هو أحمد بن سهل أبو زيد البلخي أحد علماء الإسلام الذين جمعوا بين الشريعة والفلسفة والأدب والفنون.
مؤلفاته أقام العلوم شرائع الأديان كتاب السياسة الكبير والصغير أدب السلطان والرعية. توفي سنة 322 هـ.
معجم الأدباء 3/65 – 86 الأعلام 1/131.
2 هو محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح أبو بكر التميمي الأبهري شيخ المالكية في العراق له مؤلفات في مذهب الإمام مالك والرد على مخالفيه. توفي سنة 375 هـ.
تاريخ بغداد 5/462 الأعلام 7/97.
(1/250)

لأدى إلى وقوع المفسدة ففعل ما لم يطلب منه وربما كان ممنوعا منه وأجاب بالنقض بأسماء الأجناس وتقريره أنه إن أردتم أنه لا يفهم الغرض على جهة التفصيل فمسلم لكن هذا لا يوجب عدم وضع المشترك فإن أسماء الأجناس أيضا لا تفهم الغرض على وجه التفصيل مع كونها موضوعة وإن أردتم أنه لا يفهم الغرض أصلا فممنوع فإن المشترك يفيد فهم الغرض على سبيل الإجمال وذلك مطلوب ليستعد السامع للامتثال قبل البيان.
فإن قلت اسم الجنس موضوع للقدر المشترك وهو مفهوم من اللفظ بخلاف المشترك إذ المقصود منه فرد معين وهو غير معلوم من اللفظ.
قلت اسم الجنس وإن دل على القدر المشترك إلا أنه لا دلالة على خصوصية الأفراد تساوي المشترك في عدم الدلالة التفصيلية.
قال والمختار إمكانه لجواز أن يقع من واحد من واضعين أو واحد لغرض الإبهام حيث يجعل التصريح سببا لمفسدة.
المذهب الثالث: وهو ما اختاره الأكثرون منهم المصنف أنه ممكن الوقوع لجواز أن يقع إما من واضعين بأن وضع أحدهما لفظا لمعنى ثم وضعه الآخر لمعنى آخر ثم اشتهر ذلك اللفظ ما بين الطائفتين في إفادته المعنيين ولا يخفى عليك أن هذا إنما يجيء إذا قلنا اللغات غير توقيفية وإما من واضع لواحد لغرض الإبهام على السامع حيث يكون التصريح سببا للمفسدة كما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد سأله رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم وقت ذهابهما إلى الغار من هذا قال هذا رجل يهديني السبيل.
قال ووقعه للتردد في المراد من القرء ونحوه ووقع في القرآن مثل ثلاثة قروء والليل إذا عسعس.
قوله ووقعه عطف على قوله والمختار إمكانه وهذا هو المذهب الرابع أنه واقع والخلاف فيه مع من سلم إمكان المشترك ومنع وقوعه لنا أنا نتردد في المراد من القرء ونحوه عند السماع بغير قرينة بين الطهر والحيض على السواء فلو كان حقيقة في أحدهما فقط أو في القدر المشترك لما كان ذلك وما يقال لعل
(1/251)

التردد حصل بسبب عرف طارئ لكثرة الاستعمال في المجاز فهو وإن كان محتملا لكنه على خلاف الأصل إذ الأصل عدم التغيير ولأن التردد حاصل في مفهومات ألفاظ قل ما يستعملها أهل العرف كما في عسعس الليل فإنا لا نفهم منه الإقبال والإدبار على التعيين إلا بقرينه ولا يجوز إحالته إلى استعمال أهل العرف ثم إذا ثبت وقوعه فهل وقع في القرآن منهم من منع والمختار خلافه بدليل قوله تعالى: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} 1 عند من يجعل القرء مشتركا بينهما كما هو مقتضى اللغة وهو الصحيح وكذلك قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} 2 أي أقبل وأدبر وإنما أتى المصنف بهذين المثالين لأن الأول من الأسماء والثاني من الأفعال ولأن أحدهما مفرد والآخر جمع ليفهم بذلك وقوع النوعين في القرآن وأنه مشحون بالمشترك على اختلاف أنواعه واحتج من منع وقوعه في القرآن بأنه إن وقع مبينا بذكر قرينة كان تطويلا من غير فائدة إذ يمكن التعبير عن المراد بلفظ مفرد وضع له فقط وإن وقع غير مبين كان غير مفيد وذلك عيب والجواب أنا نقول لا يذكر معه قرينة ولا نسلم أن غير المبين غير مفيد مطلقا بل هو مفيد لفهم المعنى على سبيل الإجمال والفهم الإجمالي أيضا مقصود في فهم الألفاظ لاشتماله على فوائد.
منها استعداد المكلف للبيان وغير ذلك وأيضا فإنه كأسماء الأجناس.
وأعلم أن المانع من وقوعه في كلام الله تعالى هو المانع من وقوعه في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وعلته المذكورة شاملة لذلك وإنما لم يذكر المصنف أن الخصم مانع في المكانين بل اكتفى بذكر أحدهما لأن لا قائل بالتفصيل كما صرح به صفي الدين الهندي وغيره.
قال الثانية أنه بخلاف الأصل وإلا لم يفهم ما لم يستفسر ولامتنع الاستدلال بالنصوص ولأنه أقل بالاستقراء ويتضمن مفسدة السامع لأنه ربما لم يفهم وهاب استفساره واستنكف أو فهم غير مراده وحكى لغيره
__________
1 سورة البقرة: آية: 228.
2 سورة التكوير آية: 17.
(1/252)

فيؤدي إلى جهل عظيم واللافظ لأنه قد يحوجه إلى الإفراد أيضا ويؤدي إلى الإضرار إذ يعتمد فهمه فيضيع غرضه فيكون مرجوحا.
هذه المسألة في تبيين أن الاشتراك على خلاف الأصل والمعنى به أن اللفظ إذا دار بين أن يكون مشتركا أو لا يكون كذلك كأن ظن عدم الاشتراك أغلب ويدل عليه وجوده.
أحدها: أنه لو كان احتمال الاشتراك مساويا لاحتمال الانفراد لما حصل التفاهم بين أرباب اللسان حال التخاطب في أغلب الأحوال من غير استفسار واستكشاف عما أراده المتكلم وقد علمناه حصول ذلك فإن الفهم يحصل بمجرد إطلاق اللفظ فكان الغالب على الظن حصول الانفراد.
الثاني: لو تساوى الاحتمالان لامتنع الاستدلال بالنصوص على إفادة الظن فضلا عن اليقين لاحتمال أن تكون الألفاظ مشتركة بين ما ظهر لنا وبين غيره وعلى هذا التقدير يحتمل أن يكون المراد غير ما ظهر لنا فلا يبقى التمسك بالأخبار والآثار مفيدا ظنا فضلا عن يقين.
الثالث: أن الاستقراء دل على أن الألفاظ في الأكثر مفردة لا مشتركة والكثرة تفيد ظن الرجحان.
الرابع: أن المشترك يتضمن مفسدة السامع واللافظ ومتضمن المفسدة على خلاف الأصل لأن الأصل عدمها والدليل على أنه يتضمن مفسدة السامع أنه ربما لم يفهم المقصود وهاب استفسار اللافظ مهيبا أو استنكف أي تعاظم السامع عن استفساره وحينئذ فربما يفهم من اللفظ غير مراد اللافظ ويحكى لغيره ويحكى ذلك الغير لآخر وهكذا فيؤدي إلى وقوع جمع كثير في الغلط وذلك جهل عظيم والدليل على أنه يتضمن مفسدة اللافظ أنه قد يحتاج في تفسير اللفظ المشترك إلى اللفظ المنفرد فيكون المشترك ضائعا وأيضا فإنه يؤدي إلى إضراره إذ يصير دائما مفتقرا إلى التفسير وأيضا فربما ظن اللافظ أن السامع فهم المعنى الذي أراده فيعتمد على ذلك فيضيع غرضه أي غرض اللافظ
(1/253)

قوله فيكون مرجوحا أي إذا ثبت هذا كله كان المشترك مرجوحا أي على خلاف الأصل.
قال الثالثة مفهوما المشترك إما أن يتباينا كالقرء للطهر والحيض أو يتواصلا فيكون أحدهما جزء الآخر كالإمكان للعام والخاص أو لازمه كالشمس للكوكب وضوئه.
المشترك لا بد له من مفهومين فصاعدا فمفهوماه إما أن يتباين أو يتواصلا.
القسم الأول: أن يتباينا أي لا يمكن اجتمعاعهما في الصدق على شيء واحد كالحيض والطهر فإنهما مدلولا القرء ولا يجوز اجتماعهما أبدا في زمن واحد.
والثاني: أن يتواصلا فإما أن يكون أحد المعنيين جزءا للآخر أو لازما له.
الأول: كالإمكان العام مع الإمكان الخاص فإن لفظ الإمكان موضوع لهما والإمكان العام جزء للإمكان الخاص لأن الإمكان العام سلب الضرورة المطلقة عن الطرف المخالف للحكم والإمكان الخاص سلب الضرورة المطلقة عن الطرفين الموافق للحكم والمخالف له.
فإذا قلنا كل ج ب بالإمكان العام يكون معناه أن سلب المحمول الذي هو كل ج عن الموضوع الذي هو ب غير ضروري.
وإذا قلنا كل ج ب بالإمكان الخاص فمعناه أن ثبوت المحمول للموضوع وسلبه عنه غير ضروري وإذا عرفت ذلك علمت أن الإمكان العام جزء من الإمكان الخاص بالضرورة لأن سلب الضرورة عن أحد الطرفين جزء من سلب الضرورة عن الطرفين جميعا.
والثاني: أن يكون لازما له ومثل له في الكتاب بلفظ الشمس فإنه موضوع لجرم الكوكب ولضوئه وضوء الكوكب لازم لجرمه ومن أمثلته أيضا الكلام فإنه عند المحققين مشترك بين النفساني واللساني مع أن اللساني دليل على النفساني والدليل يستلزم المدلول فيصدق أنه مشترك بين الشيء ولازمه
(1/254)

قال الرابعة جوز الشافعي رحمه الله والقاضيان وأبو علي إعمال المشترك في جميع مفهوماته الغير المتضادة ومنعه أبو هاشم والكرخي والبصري والإمام.
اختلف أهل العلم في صحة إطلاق اللفظة الواحدة من متكلم واحد في وقت واحد إذا كانت مشتركا بين معنيين على المعنيين معا فذهب الشافعي رضي الله عنه والقاضيان أبو بكر الباقلاني وعبد الجبار بن أحمد وأبو علي الجبائي إلى صحة ذلك بطريق الحقيقة بشرط ألا يمتنع الجمع لأمر خارج كما في الضدين والنقيضين وإلى هذا أشار المصنف بقوله الغير المتضادة أي أنه ليس محل الخلاف في المتضادة وإدخال الألف واللام على غير ليس بشائع ولم يتعرض المصنف للنقيضين لأن الإمام زعم أنه لا يجوز أن يكون اللفظ مشتركا بين الشيء ونقيضه وقد مثل لذلك بلفظة إلى على رأي من زعم أنها مشتركة بين إدخال الغاية وعدمه وما استدل به المانع من أن اللفظ المشترك لا يفيد إلا التردد بين مفهوميه والتردد حاصل قبل وضع اللفظ له وسماعه فيكون وضع اللفظ لهما عبثا ضعيف لأنا نمنع حصر الفائدة فيما ذكره من التردد بين هذا لأنه كما يفيد التردد [بين] 1 مفهوميه يفيد أيضا إخراج ما عداهما عن أن يكون مراد المتكلم ألا ترى أن قوله تعالى: {إِلَى الْمَرَافِقِ} 2 كما يفيد التردد بين دخول المرفق وعدمه على تقدير أن يكون مشتركا بينهما يفيد أيضا إخراج العضد عن الأمر بالغسل فدعوى أن الوضع لهما عبث عارية عن التحقيق ما لا يحصل قبله وهو تعين أحدهما بأدنى قرينة حالية أو مقالية بخلاف ما قبل الوضع فإنه لا يزول التردد بذلك سلمنا صحة الدليل لكن إن كان الواضع الله تعالى فلا تعلل ولعل فيه فائدة لم نطلع على غامض سرها وإن كان العباد فالدليل إنما ينفي ما يكون مشتركا بينهما بوضع قبيلة واحدة لا ما يحصل بوضع قبيلتين وأما المتضادة فمثل بعضهم لها بالقرء وهو
__________
1 ما بين المعقوفين ساقط من الأصل.
2 سورة المائدة آية: 6 وهي قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ....} الآية.
(1/255)

فاسد لأن الشارع إذ قال اعتدى بقرء لم يمتنع أن تعتد بالطهر والحيضة وإن كان ضدين في نفسهما والمثال الصحيح لذلك صيغة أفعل عند من يجعلها حقيقة في الطلب وفي التهديد فإنها مشتركة إذن بين معنيين متضادين لا يمكن الجمع بينهما ولا الحمل عليهما وقد يمثل له بما إذا قال اعتدى بقرء في خمسة عشر يوما هذا أحد المذاهب في المسألة أعني أنه يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه بشرط ألا يكون الضدين ولا نقيضين وهو المختار عند المصنف.
وذهب أبو هاشم والكرخي وأبو الحسين البصري والإمام فخر الدين وغيرهم إلى امتناع ذلك.
ثم اختلف المانعون في سبب المنع فمن قائل سبب المنع أمر يرجع إلى القصد أي لا يصح أن يقصد باللفظ المشترك جميع مفهوماته من حيث اللغة لا حقيقة ولا مجازا ولكنه يمكن أن يقصد باللفظ الدلالة على المعنيين جميعا بالمرة الواحدة ويكون قد خالف الوضع اللغوي وابتدأ بوضع جديد ولكل أحد أن يطلق لفظا ويريد به ما شاء.
وهذا ما ذهب إليه الغزالي وأبو الحسين البصري واختاره الإمام ومن قائل سببه الوضع الحقيقي أي أن الواضع لم يضع اللفظ المشترك على الجميع بل على البدل فلا يصح إطلاقه بطريق الحقيقة على الجميع ولكن يجوز أن يراد به جميع محامله على جهة مجاز إذا اتصل بقرينة مشيرة بذلك وهذا ما اختاره ابن الحاجب.
وقال إمام الحرمين ما نصه الذي أراه في اللفظ المشترك إذا ورد مطلقا لم يحمل في موجب الإطلاق على المحاصل فإنه صالح لإفادة آحاد المعاني على البدل ولم يوضع مشعرا بالاحتواء عليها وادعاء إشعاره بالجميع بعيد عن التحصيل وهذا القول يجري في الحقائق وجهات المجاز.
فإن قيل أيجوز أن يراد به جميع محامله؟.
قلنا لا يمتنع ذلك مع قرينة متصلة مشعرة بذلك مثل أن يذكر الذاكر محامل العين فيذكر بعض الحاضرين لفظ العين ويتبين من حاله أنه يريد
(1/256)

تطبيقه على ما جرى انتهى وهو محتمل لكل من المقالتين المتقدمتين وسياقه إلى اختيار الغزالي وأبي الحسين أقرب ومنهم من منع من ذلك مطلقا وقال لا يجوز أن يراد باللفظ المشترك أكثر من معنى واحد في حالة واحدة لا لغة ولا وضعا جديدا ثم عند المجوزين لا فرق بين المفرد والمجموع والمثبت والمنفي ومنهم من فرق وسيأتي في كلام المصنف في آخر المسألة إن شاء الله تعالى وهنا كلامان نذكرهما قبل الخوض في الحجاج:
أحدهما: أن هذا الخلاف في استعمال اللفظ المشترك في معنييه جار في استعماله في مجازيه مثل أن يقول والله لا أشتري ويريد الصوم وشراء الوكيل كما صرح به الإمام أبو المظفر السمعاني1 في القواطع وغيره وفي حقيقته ومجازه مثل أن يطلق النكاح ويريد به العقد والوطء جميعا وقد جرى الشافعي على منوال واحد فجوز استعمال اللفظ في حقيقته وفي حقيقته ومجازه وحمله عند الإطلاق عليهما وأخرج ابن الرفعة نصه على ذلك من الأم عند الكلام فيما إذا عقد لرجلين على امرأة ولم يعلم السابق منهما ذكر ذلك في باب الوصية من المطلب.
وأما القاضي رحمه الله فعظم نكيره على من يرى الحمل على الحقيقة والمجاز جميعا وقال في تحقيق إنكاره اللفظ إنما يكون حقيقة إذا انطبقت على ما وضعت له في أهل اللسان وإنما يصير مجازا إذا تجوز بها عن مقتضى الوضع ويحيل الجمع بين الحقيقة والمجاز محاولة الجمع بين النقيضين وهذا من القاضي تصريح بأنه لا يجوز أن يراد باللفظ الواحد حقيقته ومجازه معا لما يلزم منه من الجمع بين النقيضين.
الثاني: أن محل الخلاف في استعمال اللفظ في كل معانيه إنما هو في الكلي
__________
1 هو منصور بن محمد بن عبد الجبار بن حمد المروزي السمعاني الحنفي ثم الشافعي أبو المظفر من العلماء بالتفسير والحديث.
من مؤلفاته تفسير القرآن الكريم القواطع في أصول الفقه. توفي سنة 389 هـ.
مفتاح السعادة 2/191 الأعلام 8/242.
(1/257)

العددي أي في كل فرد فرد وذلك بأن يجعله يدل على كل منهما على حدته بالمطابقة في الحالة التي يدل على المعنى الآخر بها وليس المراد الكلي المجموعي أي يجعل مجموع المعنيين مدلولا مطابقيا كدلالة الخمسة على آحادها ولا الكلي البدلي أي يجعل كل واحد مدلولا مطابقيا على البدل ذكره صاحب التحصيل1.
وقال الأصفهاني في شرح المحصول أنه رأى في تصنيف آخر لصاحب التحصيل أن الأظهر من كلام الأئمة أن الخلاف في الكلي المجموعي فإن أكثرهم صرحوا بأن المشترك عند الشافعي كالعام كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال لنا الوقوع في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} وهي من الله مغفرة ومن غيره استغفار قيل الضمير متعدد فيتعدد الفعل قلنا معنى لا لفظا وهو المدعي.
استدل على جواز استعمال اللفظ المشترك في معنييه في وقوعه في آيتين إحداهما قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} 2 فإن الصلاة من الله تعالى المغفرة بالاتفاق ومن الملائكة الاستغفار وهما مفهومان متغايران فيكون لفظ الصلاة مشتركا بينهما وقد أطلق عليهما دفعة واحدة فإنه أسندها إلى الله تعالى وإلى الملائكة.
فإن قلت لو كان معنى الصلاة المغفرة والاستغفار لم يعد بعلي لأنهما لا
__________
1 صاحب التحصيل هو سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي المتوفي سنة 582 هـ وكتابه التحصيل مختصر لكتاب المحصول في أصول الفقه للإمام فخر الدين بن عمر الرازي المتوفي سنة 606 هـ.
وعلى كتاب التحصيل شرح في ثلاثة مجلدات للإمام محمد بن يوسف الجزري المتوفى سنة 711 هـ مخطوط ولكني لم أعثر عليه بعد البحث والتدقيق.
بغية الوعاة 1/278 الدرر الكامنة 5/67.
2 سورة الأحزاب آية: 56.
(1/258)

يعديان إلا باللام تقول غفرت لزيد واستغفرت له ولا تقول غفرت عليه واستغفرت عليه قلت لما وقعت موقع التعطف والتحنن حسن تعديتها بعلي.
وأعلم أن وقع في بعض نسخ المنهاج والصلاة من الله مغفرة كما أوردناه وهو الذي أورده الغزالي وفي بعضها رحمة وكذلك ذكر الإمام والتعبير بمغفرة أحسن لأن الصلاة في اللغة الدعاء بخير وهو محال من الله تعالى فحمل على المغفرة وأما حمله على الرحمة فغير ممكن لأن حقيقة الرحمة رقة القلب وهي مستحيلة في حق الله تعالى ولا يطلب عليه إلا مجازا ومن فسر الصلاة بالرحمة فرارا من تفسيرها بالدعاء وقع في هذا الخطأ العظيم وصار كمن فسر قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 1 بمعنى جلس فإنه فسر شيئا ظاهره محال بالمحال ولقائل أن يقول إذا كانت حقيقة الصلاة الدعاء فاستعمالها في المغفرة والرحمة مجاز فيكون الموجود في الآية استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه لا في حقيقته والمحتجون بالآية إنما ساقوها لاستعمال المشترك في معنييه نعم يلزم من جوازه في حقيقته ومجازه جوازه في حقيقته.
واعترض المانعون على هذا الاحتجاج بأن قوله يصلون فيه ضميران:
أحدهما: عائد على الله تعالى.
والثاني: عائد إلى الملائكة وتعدد الضمائر بمنزلة تعدد الأفعال فكأنه قال إن الله يصلي والملائكة يصلون فلا يكون حينئذ استعمل اللفظ الواحد في معنييه بل استعمل لفظين في معنيين وليس النزاع فيه وأجاب في الكتاب بأن الفعل لم يتعدد في اللفظ قطعا وإنما تعدد في المعنى فاللفظ واحد والمعنى متعدد وذلك عين الدعوى واعترض الغزالي على هذا الاحتجاج بجواز أن يكون الصلاة استعملت في قدر مشترك بين المغفرة والاستغفار وهو الاعتناء وإظهار الشرف فقال الأظهر عندنا أن هذا إنما أطلق على المعنيين بإزاء معنى واحد مشترك بين المعنيين وهو العناية بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لشرفه وحرمته والعناية من الله تعالى مغفرة ومن الملائكة استغفار ودعاء قال وكذلك العذر عن
__________
1 سورة طه آية: 5.
(1/259)

السجود يعني في الآية الثانية التي سنذكرها إن شاء الله تعالى وقد أجيب عن هذا الاعتراض بأن إطلاق الصلاة على الاعتناء مجاز لعدم تبادر الذهن إليه والأصل عدم المجاز.
فإن قلت لو لم تحمله على الاعتناء لزم إما الاشتراك أو المجاز وإذا دار اللفظ بين التواطئ وبين الاشتراك والمجاز فحمله على التواطئ أولى.
قلت إنما يكون التواطؤ أولى إذا دار اللفظ بين الثلاثة من غير دليل مقتض لأحدهما بخصوصه أما إذا دل دليل على الاشتراك أو المجاز بخصوصه فيتعين وقد دل الدليل هنا على أن الصلاة مشتركة بين المغفرة والاستغفار لتبادر الذهن إليه عند الإطلاق.
فإن قلت سلمنا أنه غير موضوع للاعتناء بإظهار الشرف وأن استعماله فيه إنما هو بطريق المجاز ولكن المجاز أولى من الاشتراك فليحمل عليه.
قلت هذه مغالطة فإن الحمل على الاعتناء لم يدفع الاشتراك إذ الاشتراك ثابت فيه لما بيناه سواء حملناه على الاعتناء أم لم نحمله نعم لو حملناه عليه لزم حمل اللفظ المشترك على مفهومه المجازي واعترض على الاحتجاج بالآية أبضا بأنه يجوز أن يكون قد حذف الخبر للقرينة كقوله نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف ويكون أصله أن الله يصلي وملائكته يصلون وأجيب بأن الإضمار خلاف الأصل وهذا الجواب لا يحسن ممن يقول الحمل على الجميع بطريق المجاز فإنه يعترض عليه بأن الحمل على المجموع مجاز وهذا مجاز فلم رجح أحد المجازين على الآخر.
قال وفي قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ} الآية قيل حرف العطف بمثابة العامل قلنا إن سلم فبمثابته في العمل بعينه.
الآية الثانية قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} 1 وجه الاحتجاج أنه أسند السجود إلى هؤلاء المذكورين والسجود
__________
1 سورة الحج آية: 18.
(1/260)

مشترك بين وضع الجبهة والخضوع فإما أن يراد به معنى غيرهما أو وضع الجبهة وحده أو الخضوع وحده أو يرادا معا والكل باطل سوى القسم الرابع.
فالأول: لكونه خلاف الأصل إذ الأصل عدمه.
والثاني: كذلك لامتناع إسناده إلى كل واحد.
والثالث: كذلك لأنه حينئذ لا يبقى لتخصيص كثير من الناس بالذكر.
فائدة إذ الخضوع شامل لجميع المخلوقات فإنها خاضعة بلسان الحال لما فيها من الدلالة على الصانع والوحدانية فتعين الرابع وحينئذ يكون اللفظ الواحد مستعملا في مدلوليه المختلفين دفعة واحدة وهو المدعي واعترض الاحتجاج بهذا بأنا لا نسلم أن هذا استعمال للفظ الواحد في معانيه إنما هو استعمال ألفاظ متعددة لأن حرف العطف بمثابة تكرار العامل فيكون التقدير أن الله يسجد له من في السموات ويسجد له من في الأرض إلى آخره ولا نزاع في جواز ذلك وأجاب عنه المصنف بأنا أولا لا نسلم أن حرف العطف بمثابة العامل ولئن سلمنا أن العاطف بمثابة العامل فيلزم على هذا التقدير أن يكون بمثابة العامل الأزل بعينه وهو هنا باطل لأنه يلزم أن يكون المراد من سجود الشمس والقمر والجبال والشجر هو وضع الجبهة لأنه مدلول الأول وفي بعض النسخ بمثابته في العمل أي يقوم مقامه في الإعراب لا في المعنى.
قيل يحتمل وضعه للمجموع أيضا فالأعمال في البعض قلنا فيكون المجموع مستندا إلى كل واحد وهو باطل.
هذا اعتراض على الاحتجاج بالآيتين المذكورتين ووجهه أنه لا حجة فيما استدللتم به لأنه يحتمل أن يكون استعمال الصلاة والسجود في المجموع إنما هو لكون اللفظ قد وضع له أيضا كما وضع للآخر أو بل نقول لا بد من هذا وإلا فيكون اللفظ قد استعمل في غير ما وضع له وحينئذ فيكون السجود موضوعا لثلاثة معان للخضوع منفردا ولوضع الجهة منفردا ولمجموعها وعلى هذا التقدير يكون إعمال اللفظ في المجموع إعمالا له في بعض ما وضع له وهو
(1/261)

خلاف المدعى وأجاب بأنه لو كان كذلك للزم أن يكون المغفرة والاستغفار مستندا إلى كل واحد من الله تعالى والملائكة وهو واضح البطلان ويلزم أيضا أن يكون معنى السجود الذي هو وضع الجهة على الأرض والخضوع مستندا إلى الداوب وهو باطب وفيه نظر فإن هذا الذي ذكره إنما يلزم أن لو أسند المجموع إلى واحد فقط أما إذا استعمل في بعض المعاني مع اتحاد المستند إليه مثل الطير يسجد بمعنى يخشع أو في المجموع مع تعدد المستند إليه ليرجع كل واحد إلى واحد فلا يلزم هذا المحذور والدليلان المذكوران من هذا القبيل.
فالأولى: الجواب أن يمنع وضعه للمجموع وسند المنع أنه خلاف الأصل إذ يلزم منه الاشتراك لأنه يكون موضوعا لكل فرد وللمجموع والاشتراك على خلاف الأصل.
قال احتج المانع بأن الواضع إن لم يضع للمجموع لم يجز استعماله فيه قلنا لم لا يكفي الوضع لكل واحد للاستعمال في الجميع.
احتج من منع استعمال اللفظ في حقيقتيه معا بأن اللفظ الموضوع لهما إما أن يكون موضوعا لمجموع المعنيين معا أيضا أولا.
إن كان الأول فاستعمال اللفظ في المجموع يكون استعمالا له في جميع ما وضع له بل في البعض لأن مدلول اللفظ حينئذ هذا وهذا وحده ومجموعها من حيث هو مجموع بعض ما وضع له وإن كان الثاني لم يجز استعماله لأنه حينئذ يكون استعمالا للفظ في غير ما وضع له وأجاب في الكتاب بأنا لا نسلم أنه لو لم يكن موضوعا للمجموع لم يجز استعماله فيه بل يكون الوضع لكل واحد كافيا في الاستعمال في المجموع مجازا ولكن في هذا الجواب التزام أن استعمال المشترك في معنييه من باب المجاز فلا يحسن ممن يجعله حقيقة ويمكن تقدير الجواب على وجه آخر فيقال الوضع لكل واحد كاف لاستعماله في الجميع ويكون ذلك على الاستعمال استعمالا له فيما وضع له لأن كل واحد من تلك المعاني قد وضع له ذلك اللفظ ولا يلزم من استعماله في المجموع اشتراط الوضع للمجموع وإنما يشترط ذلك أن لو كان المراد أنه يكون مستعملا في
(1/262)

المجموع بحيث يكون المجموع مدلولا مطابقيا واحدا كدلالة الخمسة على آحادها ولكن ليس ذلك المدعى وهذا التقرير بناء على ما قاله صاحب التحصيل من حصر الخلاف في الكلي العددي.
قال ومن المانعين من جوز في الجميع والسلب والفرق ضعيف.
ليس كل من منع استعمال المشترك في معنييه منع مطلقا بل منهم من أطلق منعه وقد تقدم البحث معه ومنهم من فرق وافترق هؤلاء إلى فرقتين:
الفرقة الأولى: فرقت بين النفي والإثبات فقالت يجوز استعمال المشترك في معنييه في السلب دون الإثبات واحتجوا بأن النكرة في سياق النفي تعم فيجوز أن يراد به مدلولاته المختلفة وأجيب بأن هذا الفرق ضعيف لأن السلب لا يرفع إلا ما هو مقتضى الإثبات ومقتضى الإثبات عند هذا القائل أحد المدلولات المختلفة فقط فحينئذ لا يعم السلب والجمع فإن أردتم بعمومه أنه يعم مدلولات اللفظ ففاسد لما ذكرناه وإن أردتم أنه يعم في إفراد مدلول واحد لا في إفراده المدلولات المختلفة فمسلم ولا يجديكم شيئا.
الفرقة الثانية: قالت بجوازه في الجمع دون المفرد واحتجوا بأن الجمع في حكم تعديد الأفراد فقولك ثلاثة عيون في قوة قولك عين وعين وعين فكلما يجوز أن تريد بالأول الجارية مثلا وبالثانية الباصرة وبالثالثة عين الشمس فكذا في الجمع وأجاب بأن هذا الفرق ضعيف لأنا لا نسلم أن الجمع في حكم تعديد الأفراد ولو سلمناه لكنه في حكم تعديد الأفراد نوع واحد كما علم من استقراء اللغة فكما لا يجوز استعمال تلك المفردات في المعاني المختلفة فكذلك استعمال الجمع.
واعلم أن التثنية عند هذا المفصل ملحقة بالجمع والله أعلم.
قال ونقل عن الشافعي والقاضي الوجوب حيث لا قرينة احتياطا.
الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل بين وذلك أن الوضع يقال بالاشتراك على جعل اللفظ دليلا على المعنى كتسمية الولد زيدا وهذا هو
(1/263)

الوضع اللغوي وعلى غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير فيه أشهر من غيره وهذا هو وضع المنقولات الثلاثة الشرعية والعرفيين الخاص والعام والاستعمال إطلاق اللفظ وإرادة مسماه بالحكم وهو الحقيقة أو غير مسماة لعلاقة وهو المجاز والحمل اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه أو ما اشتمل على مراده فالمراد كاعتقاد الشافعي أن الله تعالى أراد بالقرء الطهر واعتقاد أبي حنيفة أنه تعالى أراد الحيض المشتمل نحو حمل من يحمل المشترك على معانيه إذا تجرد عن القرائن لاشتماله على مراد المتكلم احتياطا.
إذا عرفت ذلك فالوضع أمر راجح إلى الواضع وقد سلفه الكلام في وضع المشترك والاستعمال من صفات المتكلم وهو الذي انتهينا من كلامه والحمل من صفات السامع وها نحن نتكلم فيه فنقول:
اختلف مستعملو المشترك في معنييه أنه هل يجب حمله على ذلك إذا تجرد عن قرينة صارفة فنقل عن الشافعي والقاضي وجوب ذلك ونقله الإمام في مناقب الشافعي عن القاضي عبد الجبار أيضا والمصنف في باب العموم في الكلام على الجمع عن الجبائي فافهم ذلك وحجتهم أن لو لم يجب فإما ألا يحتمل على واحد منها ويلزم تعطيل النص أو يحمل على واحد وهو ترجيح بدون مرجح.
وقال بعضهم: لا يجب الحمل ويكون مجملا وبه قال الإمام تفريعا على القول بجواز الاستعمال واحتج عليه بأنه إن لم يكن موضوعا للمجموع لم يجز استعماله فيه وإن كان موضوعا له فهو أيضا موضوعا لكل من الأفراد فاللفظ دائن بين كل واحد من الفردين وبين المجموع فيكون الجزم بإفادته للمجموع دون كل واحد من الفردين ترجيحا من غير مرجح.
فإن قلت حمله على المجموع أحوط فيجب الأخذ به.
قلت الأخذ بالاحتياط سنتكلم عليه هذا كلام الإمام واعترض عليه صاحب التحصيل بأن هذا ينفي جواز الاستعمال فالتمسك به على نفي الوجوب تفريعا على الجواز لا يستقيم بقي في المسألة أن وجوب الحمل عند القائل به هل
(1/264)

هو للاحتياط أو لأنه عنده من باب العموم اضطرب النقل فيه فمن ناقل أنه من باب الاحتياط وعليه جرى في الكتاب ومن ناقل أنه عندهم من باب العموم وبه يشعر إيراد إمام الحرمين فإنه صدر كلامه بقوله ذهب ذاهبون من أصحاب العموم إلى أنه محمول على جميع معانيه وعليه جرى الغزالي فقال الإسم المشترك بين مسميين لا يمكن دعوى العموم فيه عندنا خلافا للشافعي والقاضي وتبعه الآمدي وقد قدمنا أن القاضي فصل بين الحقيقة والمجاز فلم يقل بالجملة فيها وبين المشترك فقال بالحمل فيه ويحصل بهذا التفصيل في الحمل مذاهب.
أحدها: حمل اللفظ على معنييه سواء كان أحدهما مجازا أم كانا حقيقتين وهو رأي الشافعي.
والثاني: عكسه.
والثالث: التفصيل وهو رأي القاضي وهل هو للاحتياطي أو للعموم فيه هذا الخلاف والمختار عندنا أنه للاحتياط وكيف يكون من باب العموم ومسمى العموم واحد والمشترك مسمياته متعددة وأيضا فالمشترك يجب أن يكون أفراده متناهية ولا كذلك العام وأما ما يقال كيف يحسن من القاضي جعل الحمل من باب العموم وهو من منكري صيغ العموم فجوابه أنه إنما ينكر وضعها للعموم ولا ينكر استعمالها والله أعلم ونختم المسألة بفوائد:
أحداها: قد علمت نقل الناقلين عن الشافعي في استعمال اللفظ معنييه وحمله عند الإطلاق عليهما.
وقد قال الرافعي في باب التدبير الأشبه أن اللفظ المشترك لا يراد به جميع معانيه ولا يحمل عند الإطلاق على جميعها ذكره في مسألة إن رأيت عينا فأنت حر.
وقال في أوائل الباب الثاني في أحكام الوصية الصحيحة من كتاب الوصايا في مسألة الوصايا بالعود في المسألة يعني هذه نظر للأصوليين فسياق
(1/265)

كلامه لا يقتضي أن الشافعي رأى ذلك وكيف وقد جعل الأشبه خلاف ذلك.
وأعلم أن الخلاف في المسألة بين أصحابنا وقد حكى الماوردي في الحاوي في أوائل كتاب الأشربة في المسألة أوجها ثالثها: التفرقة بين الجمع والسلب وقد قدمنا أن الفقيه في المطلب أخرج نص الشافعي على الحقيقة والمجاز فليكن المشترك كذلك بطريق أولى.
الثانية: استدل الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح الإمام لاستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه بحديث الأعرابي الذي بال في المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فاهريق عليه وذلك بالرواية التي جاء فيها: "صبوا عليه بذنوب من ماء" 1 ووجه بأن صيغة الأمر توجهت إلى صب الذنوب والقدر الذي يغمر النجاسة واجب في إزالتها فتناول الصيغة له استعمال اللفظ في حقيقته الوجوب والزائد على ذلك مستحب فتناول الصيغة له استعمال لها في الندب وهو مجاز فيه على الصحيح فقد استعملت صيغة الأمر في حقيقتها ومجازها وهذا بناء على زيادة الذنوب على القدر الواجب.
الثالثة: أطلق الأصوليون الخلاف في الحمل على الحقيقة والمجاز من غير تبين لمحله.
واعلم أن المتكلم إذا ذكر لفظا له حقيقة ومجاز فتارة يقصد الحقيقة فقط فيحمل على الحقيقة وحدها بلا نزاع وتارة يقصد بها المجاز فقط فيحمل عليه وحده بلا خلاف أيضا وكل هذا يظهر بدلائل تقوم عليه من قرائن وألفاظ وتارة يقصد المجاز ويسكت عن الحقيقة أو يقصدهما معا فهذا هو محل النزاع وقد أفهم كلام بعضهم أن الخلاف جار وإن لم يقصد المجاز ولم ينفه وهو في غاية البعد فإن اللفظ لا يحمل على المجاز إلا بقرينة
__________
1 أخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه والنسائي وغيرهم.
تيسير الوصول 3/50.
(1/266)

الرابعة: يضاهي الخلاف الأصولي في حمل المشترك على معنييه في الفقه صور:
منها لو وقف على مواليه وله موال من أعلى وموال من أسفل فأوجه أرجحها عند الغزالي بطلانه وهو منقدح على رأي من يمنع استعمال المشترك في معنييه.
والثاني: يصح ويصرف إلى الموالي من أعلى.
والثالث: يصح ويقسم بينهم وهو الأصح عند الشيخ أبي إسحاق وشيخه القاضي أي الطيب وفقا لقاعدة الشافعي.
والرابع: يصرف إلى الموالي من أسفل لاطراد العادة بالإحسان إلى العتقاء.
والخامس: الوقف إلى حين يصطلحوا وهو متجه على رأي من يجوز الاستعمال ويمنع الحمل ووجه مضاهاة هذا الفرع للمسألة التي انتهينا منها أن لفظ الموالي مشترك بين الموالي من أعلى والموالي من أسفل فإن قيل بما قاله بعض الأصحاب بأن صدقه عليهما من قبيل التواطؤ وهو الموالاة والمناصرة زالت المضاهاة.
ومنها قال الإمام في باب التدبير من النهاية ونقله الرافعي عنه الرجل إذا قال لعبده إن رأيت عينا فأنت حر والعين اسم مشترك بين الناظرة وعين الماء والدينار وأحد الإخوة من الأب والأم ولم ينو المعلق شيئا فهل يعتق العبد إذا رأى شيئا منها فيه تردد قال والوجه الحكم بأنه يعتق به.
فإن قلت هل لا قلنا لا يعتق إلا برؤية الجميع جزما لأن رأى صاحب المذهب حمل المشترك على معانيه.
قلت كان السبب في عدم الحمل على جميع معانيه أن الصفة في التعليق تتحقق بأول الأفراد فيقع العتق كما لو قال إن دخلت الدار فأنت حر يعتق بأول الدخول في بعضها وإن لم يدخل الجميع.
ومنها إذا أوصى بعود من عيدانه والعود مشترك بين الخشب والذي
(1/267)

يضرب به والذي يبخر به فهل يحمل على الجميع بناه الرافعي على الخلاف الأصولي والمسألة تحتاج مزيد بسط ومحل ذلك كتابنا الأشباه والنظائر.
الخامسة: قال الأصحاب إذا قال لها أنت طالق في كل قرء طلقة طلقت في كل طهر طلقة وأصح الوجهين عندهم أن القرء حقيقة في الطهر والحيض.
والثاني: أنها مجاز في الحيض حقيقة في الطهر فقد يقال لم لا طلقت في الطهر واحدة وفي الحيض أخرى وفاء بالأصل المتقدم في حمل اللفظ المطلق على حقيقته أو على حقيقته ومجازه ويمكن أن يقال في جوابه إنه غلب استعماله في الطهر فلم يستعمل في الحيض إلا في قليل مثل قوله عليه السلام: "دعي الصلاة أيام أقرائك"1 فلم يكن اللفظ مع هذا الاستعمال الغالب مطلقا والله أعلم.
قال الخامسة المشترك إن تجرد عن القرينة فمجمل وإن قرن به ما يوجب اعتبار واحد تعين أو أكثر فكذا عند من يجوز الإعمال في معنيين وعند المانع مجمل أو إلغاء البعض فينحصر في الباقي أو الكل فيحمل على المجاز فإن تعارضت حمل على الراجح هو أصله فإن تساويا أو ترجح أحدهما واصل الآخر فمجمل.
اللفظ المشترك على قسمين:
الأول: إن تجرد عن القرينة فقال المصنف إنه مجمل وهذا واضح على رأي من يمنع حمل المشترك على معنييه وعليه نبه الإمام بقوله فهو مجمل لما بينا من امتناع حمله على الكل وأما من يرى الحمل فإن جعله من باب العموم لم يكن عنده مجملا بل محمولا على المعاني التي لا تتضاد وإن جعله من باب الاحتياط فقد يقال لا ينافي الحمل على معنيين لأجل الاحتياط كونه مجملا بالنسبة إلى الواحد المعين ويكون وجوب العمل به في الجميع لأجل الإتيان
__________
1 رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي ولفظه: عن عدي بن ثابت عن جده عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ عند كل صلاة وتصوم وتصلي".
(1/268)

بذلك المعين وهذا هو عين الاحتياط والغرض من هذا أنه لا يؤخذ من كلام المصنف هنا أنه لا يختار الحمل.
القسم الثاني: أن تقترن به قرينة فهو على أربعة أضرب:
الأول: أن توجب تلك القرينة اعتبار واحد معين مثل إن رأيت عينا ناظرة فيتعين حمل ذلك اللفظ على ذلك الواحد قطعا وهذا يناظر ما قال الأصحاب فيما إذا قال أعطوه رقيقا فإنه لا يتعين العبد ولا الأمة ويجزي كل منهما فلو قال رقيقا يقاتل أو يخدم في السفر تعين العبد أو رقيقا يستمع به أو يحضن ولده تعينت الأمة.
الثاني: أن توجب اعتبار أكثر من واحد فيتعين ذلك الأكثر عند من يجوز إعمال المشترك في معنييه وإن لم يوجب الحمل لأن القرينة هنا توجب الحمل قطعا عند من يجوزه والخلاف في أنه هل مجمل إنما هو إذا تجرد عن القرينة ويكون مجملا عند من لا يجوزه.
ومثاله إن رأيت عينا صافية فإن الصفاء مشترك بين الباصرة والجارية والشمس والنقد.
الثالث: أن توجب تلك القرينة إلغاء البعض فينحصر المراد في الباقي أي يتعين ذلك الباقي إن كان واحدا مثل دعي الصلاة أيام أقرائك فإن الأمر بتركها قرينة تلغي الطهر وتوجب الحمل على الحيض وكذا إن كان أكثر عند من يجوز الإعمال في معنيين وأما عند المانع فمجمل.
الرابع: وإليه الإشارة بقوله أو الكل فيحمل على مجازه فإن كان ذا مجازات كثيرة وتعارضت فهي إما متساوية أو بعضها راجح فإن كان بعضها راجحا فالحقائق إما متساوية أو بعضها أجلى فإن كانت متساوية حمل على المجاز الراجح وإليه أشار بقوله حمل على الراجح هو أو أصله ومثال هذا القرء فإنه حقيقة لغوية متساوية بالنسبة إلى مدلوليه اللذين هما الطهر والحيض والحيض لغة دم يسيل من رحم المرأة من غير ولادة والطهر ضده وفي الاصطلاح الحيض دم يسيل من الرحم بعد تسع سنين أقله يوم وليلة
(1/269)

وأكثره خمسة عشر يوما وإطلاقه على ما عدا ذلك مجاز عن المعنى الاصطلاحي والطهر هو النقاء المحتوش بدمين وإطلاقه على الصغيرة والآيسة مجاز عن هذا فطهر أن إطلاق الحيض والطهر بالحقيقة اللغوية أعم منه بالاصطلاحية فلو قال لها أنت طالق في قرء وليس هو القرء الإصطلاحي انقدح أن يقال تطلق الآيسة والصغيرة دون المستحاضة ومن رأت دما دون يوم وليلة لغلبة إطلاق الطاهر عليهما وكثرته وقلة إطلاق الحيض على المستحاضة ومن رأت دما دون يوم وليلة والمجاز يرجح على نظيره بمثل هذا وإن لم تكن الحقائق متساوية بل كان بعضها أجلي فالأجلي إن كان حقيقة ذلك المجاز الراجح حمل عليه وهذا أيضا يفهم من قول المصنف حمل على الراجح هو أو من قوله: أو أصله ومثاله ما ذكرناه من القرء إذ قلنا بأنه أجلى بالنسبة إلى الطهر ولم نقل بأنهما متساويان فإنه إذا قال أنت طالق في قرء ليس بطهر ولا حيض بالحقيقة الإصطلاحية يقع التعارض بين مجازي الحقيقتين فيحمل على مجاز الطهر الاصطلاحي لرجحان أصله وإن لم يكن الأصلي حقيقة ذلك الراجح فهو مجمل لاختصاص كل واحد من المجازين بجهة ترجحه إذ أحدهما راجح وأصله غير جلي والآخر بالعكس وإلى هذا القسم أشار بقوله أو ترجح أحدهما وأصل الآخر فمجمل ومثاله لا يخفى مما تقدم وهذا على تقدير أن يكون بعض المجازات راجحا وأما إن تساوت المجازات فإن كان بعض الحقائق أجلى حمل عليه وإن لم يكن بعضها أجلى فمجمل وأشار إلى هذا بقوله فإن تساويا
(1/270)

الفصل الساس: الحقيقة والمجاز
تعريف الحقيقة والمجاز
...
الفصل السادس في الحقيقة والمجاز
قال الفصل السادس في الحقيقة والمجاز:
الحقيقة فعلية من الحق بمعنى الثابت أو المثبت نقل إلى العقد المطابق ثم إلى القول المطابق ثم إلى اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية.
قدم على الكلام في مسائل الفصل مقدمة في الكلام على لفظي الحقيقة والمجاز ومعناهما لغة واصطلاحا.
والمقصد الأعظم أن إطلاق لفظ الحقيقة والمجاز على المعنى المصطلح بين الأصوليين إنما هو على سبيل المجاز فأما الحقيقة فوزنها فعلية اشتقت من الحق إما بمعنى الفاعل من حق الشيء يحق بالضم والكسر إذا أوجب وثبت فمعناه الثابت وإما بمعنى المعقول من حققت الشيء أحقه إذا أثبته فمعناه المثبت ثم إن الحقيقة نقلت من معنى الثابت أو المثبت إلى الاعتقاد المطابق للواقع والعلاقة ثبوته وتقرره ثم نقلت من الاعتقاد المطابق إلى اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب.
قال الإمام لأن في استعماله فيما وضع له تحقيقا لذلك الوضع قال فظهر أن إطلاق لفظ الحقيقة على هذا المعنى المعروف ليس حقيقة لغوية بل مجازا واقعا في الرتبة الثالثة نعم هو حقيقة عرفية ولقائل أن يقول الحق في اللغة موضوع للقدر المشترك بين الجميع وهو الثبوت قال الله تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّتْ
(1/271)

كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ} 1 أي ثبتت وهو من أسمائه تعالى بهذا الاعتبار لأن الثابت أزلا وأبدا لذاته بخلاف غيره من الموجودات ويقال الحق لما يقابل الباطل لأنه جدير بالثبوت كما أن الباطل جدير بالزهوق وإذا كان موضوعا للقدر المشترك فهو موجود في الجميع سلمنا أنه ليس موضوعا للقدر المشترك لكنا لا نسلم أن كل مجاز مأخوذ مما قبله حتى يكون مجازا واقعا في الرتبة الثالثة بل كان مأخوذا من الحقيقة بعلاقة معتبرة وقد علمت تعريف الحقيقة فقوله اللفظ جنس.
وقد قلنا غير مرة إنه جنس بعيد وأن الأحسن أن يأتي بالقول.
وقوله المستعمل يخرج به اللفظ الموضوع قبل الاستعمال فإنه ليس بحقيقة ولا مجاز كما ستعرفه إن شاء الله تعالى.
ويخرج أيضا المهمل وقوله فيما وضع له يخرج به المجاز فإنه مستعمل في غير ما وضع له ولك أن تقول المجاز موضوع فلا يخرج بهذا الفصل وإنما يخرج لو قال وضعا أولا وهو لا يمكنه أن يزيد هذا القيد مخافة أن يورد عليه الحقيقة الشرعية والعرفية لأنهما من غير وضع أول.
وقوله في اصطلاح التخاطب يدخل الحقيقتين الشرعية والعرفية ولقائل أن يقول إن الفصول لا تكون للإدخال وأن الحد غير مانع لصدقه على العلم مع أنه ليس بحقيقة ولا مجاز لدخول المجاز فيه كما عرفت.
قوله والتاء إلى آخره هذا جواب عن سؤال مقدر وتقديره أن يقال إذا كانت الحقيقة بمعنى المثبت فينبغي أن تكون مجردة عن تاء التأنيث لأن فعيلا إذا كان بمعنى مفعول فقياسه أن يسوى فيه بين المذكر والمؤنث تقول رجل جريح وامرأة جريح ورجل قتيل وامرأة قتيل وجوابه أن الحقيقة وإن كانت صفة في الأصل إلا أن الاسمية غلبت عليها وتركت وصفيتها ألا ترى أنك تقول كلمة حقيقة ولفظة حقيقة فإنما جئ بالتاء لذلك وفعيل إنما
__________
1 سورة الزمر آية: 71.
(1/272)

يسوي فيه بين المذكر والمؤنث إذا كان باقيا على وصفيته مستعملا مع موصوفه استغناء بتأنيث الموصوف على تأنيثه وأما إذا غلبت عليها الاسمية وقطعت عن الموصوف فقياسه أن يدخل التاء فيه إذا قصد به المؤنث كما يقال أكيلة ونطيحة ويجوز أن يقال دخول التاء فيه علامة لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية وهو أقرب إلى لفظ الكتاب إلا أنه مدخول فإنه لا دلالة للتاء على النقل.
قال والمجاز مفعل من الجواز بمعنى العبور وهو المصدر أو المكان نقل إلى الفاعل ثم إلى اللفظ المستعمل في معنى غير موضوع له يناسب المصطلح.
إطلاق لفظ المجاز على المعنى المصطلح عليه بين إلا أنه مجاز لغوي حقيقة عرفية وذلك لأن المجاز مشتق من الجواز والجواز معناه التعدي والعبور تقول جزت الدار أي عبرتها ووزن المجاز مفعل لأن أصله مجوز فقلبت واوه ألفا بعد نقل حركتها إلى الجيم والمفعل يستعمل حقيقة في الزمان والمكان والمصدر تقول قعدت مقعد زيد وتريد قعوده أو زمان قعوده أو مكان قعوده فيكون لفظة المجاز في الأصل حقيقة إما في المصدر الذي هو الجواز وإما في مكان التجوز أو زمانه ونقل لفظ المجاز من ذلك إلى الفاعل وهو الجائز أعني المنتقل لما بينهما من العلاقة والعلاقة إن نقل من المصدر هي الجزئية لأن المشتق منه جزء من المشتق كقولك هذا رجل عدل أي عادل وإن نقل من المجاز المستعمل في المكان فهي إطلاق اسم المحل وإرادة الحال مثل سال الوادي.
وأما المجاز المستعمل في الزمان فقد ترك المصنف ذكره كأنه للجزم بأن الجازم غير مأخوذ منه إذ لا علاقة بينهما ثم الجائز حقيقة إنما يطلق على الأجسام إذ الجواز الانتقال من حين إلى حين وأما اللفظ فعرض يمتنع عليه الانتقال فنقل لفظ المجاز من معنى الجائز إلى المعنى المصطلح.
قال صاحب الكتاب وهو اللفظ المستعمل في معنى غير موضوع له يناسب المصطلح وإطلاقه على هذا المعنى على سبيل التشبيه فإن تعدية اللفظ من معنى
(1/273)

إلى معنى كالجائز يتعدى من مكان إلى مكان فيكون إطلاق لفظ المجاز على المعنى للمصطلح مجازا في المرتبة الثانية حقيقة عرفية.
وقوله اللفظ المستعمل قد عرفت شرحهما فيما سبق.
وقوله في معنى غير موضوع له يخرج الحقيقة ويقتضي أن المجاز غير موضوع وكان الأحسن أن يزيد بوضع أول.
وقوله يناسب المصطلح أشار به إلى فوائد.
إحداها: أن يشمل الحد كل مجاز من شرعي وعرفي عام وخاص ولغوي فإن الاصطلاح أعم من أن يكون بالشرع أو العرف أو اللغة.
والثانية: أن ينبه على اشتراط العلاقة في المجاز.
والثالثة: أن يحترز عن العلم المنقول مثل بكر وكلب فإنه ليس بمجاز لأنه لم ينقل لعلاقة والله أعلم.
قال وفيه مسائل:
(1/274)

المسألة الأولى: وجود الحقيقة اللغوية والعرفية
...
الأولى: الحقيقة اللغوية موجودة وكذا العرفية العامة كالدابة ونحوها والخاصة كالقلب والنقض والفرق والجمع.
الحقيقة متعددة بلا خلاف وإلى ما تتعدد فيه اختلاف فقال قائلون إلى ثلاثة اللغوية والعرفية بنوعيها والشرعية.
واقل آخرون الأوليين فقط وقد علمت من هذا الاتفاق على إمكان اللغوية والعرفية وأما الوجود فلا نزاع في وجود اللغوية وكيف ولا شك في وجود ألفاظ مستعملة في معان وذلك إن كان بالوضع فقد حصل الغرض وإلا فيلزم أن يكون مجازا فيها وهو باطل لأن شرط المجاز حصول المناسبة الخاصة بين الموضوع الأصلي والمعنى المجازي وذلك لا يمكن إلا بعد ثبوت الموضوع الأصلي.
وأما العرفية فاعلم أولا أن اللفظة العرفية هي التي نقلت عن موضوعها
(1/274)

الأصلي إلى غيره بعرف الاستعمال وهي منقسمة إلى خاصة وعامة بحسب الناقلين فإن كان الناقل طائفة مخصوصة سميت خاصة وإن كانت عامة الناس سميت عامة وقد ذهب الأكثرون إلى وقوع العرفية العامة وهي على قسمين.
أحدهما: أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام لم يخصص بالعرف العام ببعض أنواعه كلفظ الدابة فإنه موضوع لكل ما يدب على وجه الأرض وخصصها العرف العام بذات الحوافر.
وثانيهما: أن يكون الاسم في أصل اللغة قد وضع لمعنى ثم كثر استعماله فيما له نوع مناسبة وملابسة بحيث لا يفهم المعنى الأول كالغائط فإنه موضوع في الأصل للمكان المطمئن من الأرض التي تقضى فيها الحاجة غالبا وأطلقه العرف على الخارج المستقذر من الإنسان كناية عنه باسم محله لنفرة الطباع عن التصريح به وأما الخاصة فلا نزاع في وقوعها إذ هو معلوم بالضرورة بعد استقراء كلام الطوائف من ذوي العلوم والصناعات التي لا يعرفها أهل اللغة كالقلب والنقض والجمع والفرق في اصطلاح النظار وستعرف معاني هذه الأمور في كتاب القياس إن شاء الله تعالى.
قال واختلف في الشرعية فمنع القاضي وأثبت المعتزلة مطلقا والحق أنها مجازات لغوية اشتهرت لا موضوعات مبتدأة وإلا لم تكن عربية فلا يكون القرآن عربيا وهو باطل لقوله تعالى: {وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا} ونحوه.
الحقيقة الشرعية هي اللفظة التي استفيد وضعها للمعنى من جهة الشرع وأقسامها الممكنة أربعة:
الأول: أن يكون اللفظ والمعنى معلومين لأهل اللغة لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى.
والثاني: أن يكونا غير معلومين لهم.
الثالث: أن يكون اللفظ معلوما لهم والمعنى غير معلوم.
(1/275)

الرابع: عكسه والمنقولة الشرعية من هذه الأقسام إنما هي الأول والثالث فالمنقولة الشرعية أخص من الحقيقة الشرعية ثم من المنقولة ما نقل إلى الدين وأصوله كالإيمان والإسلام والكفر والفسق ويخص بالدينية فهي إذن أخص من المنقولة الشرعية.
فإن قلت فهذه الأقسام الممكنة هل هي واقعة كلها تفريعا على القول بالحقيقة الشرعية؟
قلت قال صفي الدين الهندي الأشبه وقوعها أما الأول فهو كلفظ الرحمن لله فإن هذا اللفظ كان معلوما لهم وكذا صانع العالم كان معلوما لهم بدليل قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} 1 لكن لم يضعوه لله تعالى ولذلك قالوا ما نعرف الرحمن إلى رحمان اليمامة حين نزل قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} 2.
وأما الثاني: فهو كأوائل السور عند من يجعلها اسما لهذا أو للقرآن فإنها ما كانت معلومة على هذا الترتيب ولا القرآن ولا السور.
وأما الثالث فكلفظ الصلاة والصوم وأمثالها فإن هذه الألفاظ كانت معلومة لهم ومستعملة عندهم في معانيها المعلومة ومعانيها الشرعية ما كانت معلومة لهم.
وأما الرابع: فهو كلفظ الأب فإنه قيل إن هذه الكلمة لم تعرفها العرب ولذلك قال عمر رضي الله عنه لما نزل قوله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} 3 هذه الفاكهة فما الأب ومعناه كان معلوما لهم بدليل أن له اسما آخر عندهم نحو العشب هذا كلام صفي الدين الهندي إذا عرفت الحقيقة الشرعية فنقول أما إمكانها فقد نقل جماعة الاتفاق عليه وأبو الحسين البصري لما حكى في المعتمد عن قوم من المرجئة أنهم نفوا الحقائق الشرعية قال ونقض عللهم يدل
__________
1 سورة الزخرف آية: 87.
2 سورة الاسراء آية: 110.
3 سورة عبس آية: 31.
(1/276)

على أنهم أحالوا ذلك وأما وقوعها فذهبت المعتزلة والخوارج وطائفة من الفقهاء إليه مطلقا وقالوا نقل الشارع هذه الألفاظ من الصلاة والصيام وغيرهما من مسمياتها اللغوية وابتدأ وضعها لهذه المعاني فليست حقائق لغوية ولا مجازات عنها وأنكره القاضي أبو بكر مطلقا وزعم أن لفظ الصلاة والصوم وغيرهما في الشرع مستعمل في المعنى اللغوي وهو الدعاء والإمساك لكن الشارع شرط في الاعتداد بهما أمورا أخر نحو الركوع والسجود والكف عن الجماع والنية فهو منصرف بوضع الشرط لا بتغير الوضع وشدد النكير على مخالفيه وقال قد تبعهم شرذمة من الفقهاء الحائدين عن التحقيق وما راموا مرامهم بيد أنهم زلوا عن سواء الطريق وذهب إمام الحرمين والغزالي والإمام وأتباعه منهم صاحب الكتاب إلى التفصيل فاثبتوا من المنقولات الشرعية ما كان مجازا لغويا كما في الحقائق العرفية دون ما ليس كذلك بل كان منقولا عنها بالكلية وهذا معنى قول المصنف مجازات لغوية اشتهرت لا موضوعات مبتدأة أي لم تستعمل في المعنى اللغوي ولم يقطع النظر عنه حالة الاستعمال بل استعملت في هذه المعاني لما بينها وبين المعاني اللغوية من العلاقة فالصلاة مثلا لما كانت في اللغة عبارة عن الدعاء بخير قال الشاعر:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاعتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا
كانت بالمعنى اللغوي جزءا منها بالمعنى الشرعي لاشتمال ذات الأركان على الدعاء فكان إطلاقها على المعنى الشرعي من باب التسمية للشيء باسم بعضه وهو مجاز لغوي اشتهر وصار بالاشتهار حقيقة شرعية وكذلك الصوم فإنه في اللغة الإمساك قال الشاعر:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
وفي الشرع اسم للإمساك عن الطعام والشراب مع انضمام أمور أخر إليه وكذا الحج فإنه في اللغة القصد قال الشاعر:
واشهد من عرف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا
(1/277)

فإن ابن السكيت1 يقول يكثرون الاختلاف إليه وهو في الشرع اسم للمناسك المعروفة من جملتها القصد وكذلك سائر الأسماء الشرعية وذهب الآمدي إلى التوقف في المسألة.
فائدة قال الشيخ أبو إسحاق هذه أول مسألة نشأت في الإعتزال وقالت المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين أي جعلوا الفسق منزلة متوسطة بين الكفران والإيمان لما علموا أن الإيمان في اللغة التصديق والفاسق موحد مصدق.
فقالوا هذه حقيقة الإيمان في اللغة ونقل في الشرع إلى من لم يرتكب شيئا من المعاصي فمن ارتكب شيئا منها خرج عن الإيمان ولم يبلغ الكفر ثم اختار الشيخ أبو إسحاق أن الإيمان يبقى على موضوعه في اللغة وأن الألفاظ التي ذكرناه من الصلاة والصيام والحج وغير ذلك منقولة قال وليس من ضرورة النقل أن يكون في جميع الألفاظ وإنما يكن على حسب ما يقوم عليه الدليل ورأيت في كتاب تعظيم قدر الصلاة للإمام الجليل محمد بن نصر عن أبي عبيد أنه استدل على أن الشارع نقل الإيمان عن معناه اللغوي إلى الشرعي بأنه نقل الصلاة والحج ونحوهما إلى معان أخر.
قال فما بال الإيمان وهذا يدل على تخصيص محل الخلاف بالإيمان وهو الذي وقع فيه النزاع في مبتدأ ظهور الاعتزال قوله: وإلا لم تكن عربية استدل على ما اختاره بأنه لو كانت تلك الألفاظ موضوعات مبتدأة لم تكن عربية والملازمة ظاهرة وإذا كانت غير عربية يلزم أن يكون القرآن غير عربي
__________
1 هو يعقوب بن إسحاق أبو يوسف ابن السكيت إمام في اللغة والأدب أصله من خوزستان بين البصرة وفارس.
من كتبه إصلاح المنطق الألفاظ والأضداد القلب والإبدال شرح المعلقات وغير ذلك كثير.
وفيات الأعيان 2/309 الأعلام 9/255.
(1/278)

لوقوعها فيه وذلك باطل لقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} 1 ونحوه كقوله تعالى: {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} 2 فدل على أنها عربية أعني الصلاة والصيام والحج ونظائرها وهذا فيه نظر لأنه لا يبطل إلا مذهب المعتزلة فقط وقد رد إمام الحرمين على القاضي بأن حملة الشريعة مجمعون على أن الركوع والسجود من الصلاة ومساق ما ذكره أن المسمى بالصلاة الدعاء فحسب وليس الأمر كذلك.
قال قيل المراد بعضه فإن الحالف على ألا يقرأ القرآن يحنث بقراءة البعض قلنا معارض بما يقال أنه بعضه قيل تلك كلمات قلائل فلا تخرجه عن كونه عربيا كقصيدة فارسية فيها ألفاظ عربية قلنا يخرجه وإلا لما صح الاستثناء قيل يكفي في عربيتها استعمالها في لغتهم قلنا تخصيص ألفاظ باللغات بحسب الدلالة قيل منقوض بالمشكاة والقسطاس والإستبراق والسجيل قلنا وضع العرب فيها وافق لغة أخرى.
اعترضت المعتزلة على الدليل الذي أورده في الكتاب بأربعة وجه:
الأول: أن الآية لا تدل على أن القرآن كله عربي بل على أن بعضه عربي لأن القرآن يطلق على مجموعه وعلى كل جزء من أجزائه ويصدق صدق المواطئ على جزئياته ويدل على هذا أن الحالف على ألا يقرأ القرآن يحنث بقراءة بعضه وأجاب بأن ما استدللتم به من صورة الحلف وإن دل على أن المراد بالقرآن البعض فهو معارض بقولنا إلا آية والسورة بعض القرآن فإنه لو أطلق القرآن على ذلك حقيقة لم يكن لإدخال البعض معنى وأيضا فبعض الشيء غير الشيء وإذا تعارضا تساقطا وسلم ما ذكرناه من الدليل.
وأعلم أن ما ذكره المصنف من الحنث في هذه الصورة تبع فيه الإمام وليس كما ذكر فالذي نص عليه الشافعي رضي الله عنه في الأم ونقله
__________
1 سورة يوسف عليه السلام آية: 2.
2 سورة فصلت آية: 44.
(1/279)

الرافعي عنه خلاف ذلك وقد رأيت نصه في الأم في الجزء السابع من باب جامع الترتيب.
قال رضي الله عنه ما نصه ولو قال رجل لعبد له متى مت وأنت بمكة فأنت حر ومتى مت وقد قرأت القرآن فأنت حر فمات السيد والعبد بمكة وقد قرأ القرآن كله كان حرا وإن مات وليس العبد بمكة أو مات ولم يقرأ القرآن كله لم يعتق هذا لفظه.
وقال الشيخ أبو حامد في التعليقة إذا قال لعبده إذا قرأت القرآن فأنت حر لم يعتق إلا بقراءة الجميع وكذا قال المحاملي في التجريد هذا هو المذهب في المسألة ولا يعرف ما يخالفه.
الوجه الثاني: إنا لا نسلم أنه يلزم من كون تلك الألفاظ غير عربية ألا يكون القرآن عربيا فإن تلك كلمات قلائل فلا يخرج القرآن عن كونه عربيا كما أن الألفاظ العربية القليلة إذا وقعت في قصيد فارسية لا تخرجها عن كونها فارسية وأجاب بأنها تخرجه عن كونه عربيا والكلمات القلائل تخرج القصيدة عن أن تكون فارسية والدليل على ذلك صحة الاستثناء ذلك أن تقول القصيدة فارسية إلا موضع كذا منها.
الوجه الثالث: أنه يكفي في كون هذه الألفاظ عربية استعمال العرب لها من حيث الجملة وحينئذ فاستعمال الشارع لها في غير المعنى اللغوي لا يخرجها عن ذلك وأجاب بأن المقدار غير كاف في كونها عربية لأن تخصيص الألفاظ باللغات بحسب دلالتها على معانيها فإن كانت دلالتها من جهة لغة العرب كانت عربية وإلا فلا وشك أن تلك الألفاظ لا تدل على معانيها من تلك الحيثية.
واعلم أن المصنف لم يرتب هذه الاعتراضات الثلاث على الوجه اللائق فإن مقتضى النظم الطبيعي تقدم هذا الثالث ثم الإتيان بالثاني ثم بالأول فيقال لا نسلم أنها غير عربية بل يكفي استعمالها عندهم سلمنا لكن لا
(1/280)

تخرج القرآن عن كونه عربيا لقلتها سلمنا ولكن ذلك غير ممتنع لأن المراد من قوله تعالى: {قُرْآناً عَرَبِيّاً} هو البعض.
الوجه الرابع: أنه لو صح ما ذكرتم لزم ألا يشتمل القرآن على لفظ غير عربي وليس كذلك فإن المشكاة فيه وهي عجمية وكذا القسطاس والإستبرق والسجيل والمشكاة الكوة التي لا تنفذ والقسطاس بالرومية الميزان والإستبرق بالفارسية الديباج الغليظ والسجيل الحجر من الطين وأجاب بأنا لا نسلم أن هذه الألفاظ غير عربية بل غايته أن وضع العرب فيها وافق لغة أخرى كالصابون والتنور وأن اللغات فيها متفقة.
تنبيه: عرفت من هذا أن المصنف يختار أن المعرب لم يقع في القرآن وقد تبع الإمام في ذلك وهو الذي نصره القاضي في كتاب التقريب ونص عليه الشافعي في الرسالة في باب البيان الخامس فقال ما نصه وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به وأقرب إلى السلامة فقال منهم قائل إن في القرآن عربيا وأعجميا والقرآن يدل على أنه ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب ووجدنا قائل هذا القول ومن قبل ذلك منه تقليدا له وتركا للمسألة له عن حجته ومسألة غيره ممن خالفه وبالتقليد أغفل من أغفل منهم والله يغفر لنا ولهم هذا نصه ونقل عن ابن عباس وعكرمة وقوعه وهو الذي اختاره ابن الحاجب واستدل عليه بإجماع النحاة على أن إبراهيم لا ينصرف للعلمية والعجمية وذلك لا يجديه شيئا إذا كان محل الخلاف مقصورا على أسماء الأجناس غير شامل للأعلام.
قال صفي الدين الهندي وهو الذي يجب أن يكون.
قال وعورض بأن الشارع اخترع معاني فلا بد لها من ألفاظ قلنا كفى التجوز.
قد عرفت ما طعنت به المعتزلة في مقدمات الدليل الذي احتج به المصنف وما أجيبوا به وقد انتقلوا الآن إلى المعارضة بوجهين:
أحدهما: وهو إجمالي أن الشارع اخترع معاني لم تكن متعلقة قبل الشرع
(1/281)

بل حدث تعلقها بعده فوجب أن يوضع لها اسم لأنها من جملة المعاني التي تمس الحاجة إلى التعبير عنها وهي الأسامي التي تطلق عليها كالصلاة والحج لا مدخل للعرب في إطلاقها عليها إذ وضع الألفاظ مسبوق بتعلق المعاني وهم لم يتعلقوها قبل الشرع ولا خطرت لهم ببال.
وأجاب بأنه إن عنيتم بقولكم ما يعقلوها ولا خطرت لهم لا من حيث المجموع ولا من حيث الجزء فممنوع فإنهم تعقلوها من حيث الجزء كما في الصلاة وإن عنيتم أنه لم يخطر لهم من حيث المجموع فمسلم ولكن لا نسلم أنه لا مدخل للعرب حينئذ فيها فإنه يكون من باب إطلاق الجزء على الكل وهو أحد أنواع المجاز والتجوز كاف هنا لحصول المقصود الذي هو الإفهام به.
قال وبأن الإيمان لغة هو التصديق وفي الشرع فعل الواجب لأنه الإسلام وإلا لم يقل من مبتغيه لقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} ولم يجز استثناء المسلم من المؤمن وقد قال تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ*فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} 1 والإسلام هو الدين لقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} 2 والدين فعل الواجبات لقوله تعالى: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} 3.
قلنا في الشرع تصديق خاص وهو غير الإسلام والدين فإنهما الانقياد والعمل الظاهر ولهذا قال تعالى: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} 4 وإنما جاز الاستثناء لصدق المؤمن على المسلم بسبب أن التصديق شرط صحة الإسلام.
الوجه الثاني: من وجهي المعارضة وهو تفصيلي وتقريره أن الإيمان في اللغة هو التصديق وفي الشرع فعل الواجبات فتكون الحقيقة الشرعية بمعنى أنها حقائق مبتدأة واقعة وهو المدعى.
__________
1 سورة الذريات آية: 35 36.
2 سورة آل عمران آية: 19.
3 سورة البينة آية: 5.
4 سورة الحجرات آية: 14.
(1/282)

أما المقدمة الأولى: فبالنقل عن أئمة اللغة ومنه قوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} أي بمصدق لنا
وأما الثانية فلأن الإيمان هو الإسلام والإسلام هو الدين والدين هو فعل الواجبات فالإيمان فعل الواجبات إنما قلنا إن الإيمان هو الإسلام لوجهين
أحدهما: أنه لو لم يكن كذلك لم يكن مقبولا من مبتغيه لقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} .
والثاني: أنه تعالى استثنى بعض المسلمين من المؤمنين في قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ*فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ولولا الاتحاد لما صح الاستثناء لأن الاستثناء إخراج بعض الأول.
فإن قلت أين الإستثناء وليس هنا إلا لفظة غير وهي ظاهر في الوصفية قلت هي هنا بمعنى إلا لأنه لو كانت على ظاهرها لكان التقدير فما وجدنا فيها المغاير لبيت المؤمنين أنه فيكون المنفي إذ ذاك بيوت الكفار وهو باطل لأنه وجد فيها بيوتهم فتقرر أنه استثناء مفرغ فيحتاج إلى تقدير شيء عام منفي يكون هو المسنثنى منه ولا بد من تقيد ذلك العام بكونه من المؤمنين وإلا يلزم انتفاء ثبوت الكفار وقد عرفت بطلانه فيكون تقدير الآية والله أعلم فما وجدنا فيها أحدا من المؤمنين إلا أهل بيت من المسلمين أي منهم ويكون قد أوقع الظاهر موقع المضمر وإنما قلنا الدين إن الإسلام هو الدين لقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} وإنما قلنا الدين فعل الواجبات لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} أي دين الملة المستقيمة وقوله ذلك عائد إلى جميع ما تقدم ذكره فوجب أن يكون الكل مسمى بالدين.
قوله قلنا في الشرع إلى آخره هذا هو الجواب عن هذا الوجه الثاني وتقريره أن يقال لا نسلم أن الإيمان في الشرع هو الإسلام وإنما الإيمان في الشرع عبارة عن تصديق خاص وهو تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع ما علم مجيئه بالضرورة وهو بهذا الاعتبار غير الإسلام وغير الدين فإنهما في اللغة الانقياد
(1/283)

وفي الشرع العمل الظاهر وهذا هو التحقيق في انفصال الإسلام عن الإيمان وإن كان كل منهما شرطه الشارع في الاعتبار بالآخر فإن الإسلام عبارة عن التلفظ ولا يعتبر به ما لم يساعده القلب بالاعتقاد والإيمان عبارة عن التصديق بالقلب ولا يكفي ما لم يتلفظ بالشهادتين إذا أمكنه ذلك ويدل على انفصال الإسلام عن الإيمان صريح قوله تعالى في حق المنافقين: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} 1 أي والله أعلم إن الذي وقع منكم ليس بإيمان حتى تقولوا نحن مؤمنون وإنما هو إسلام لأنه فعل ظاهر من غير تصديق بالقلب فلا تقولوا آمنا بل قولوا أسلمنا لأنه هو الذي وقع منكم
فإن قلت وقع من المنافقين إسلام
قلت وقع منهم الإسلام باللسان الذي هو غير معتبر شرعا ويجوز أن يقال لم يقع منهم إسلام ويجعل تصديق القلب ركنا في الإسلام شرعا لا شرطا ولكن يعضد الأول قوله تعالى: {وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} قوله: وإنما جاز الاستثناء جواب عن قولهم لو غاير الإيمان الإسلام لم يجز الاستثناء المسلم من المؤمنين وتوجيهه أن يقال استثناؤه منه لا يدل على أنه هو وإنما بدل على أنه يصدق عليه كقول القائل ملكت الحيوان إلا الفرس فالحيوان غير الفرس لأنه أعم والأعم من حيث هو مغاير للأخص ومع ذلك فقد استثنى منه لصدق الحيوان إذا عرفت هذا فالصدق حاصل في المؤمن مع المسلم لأن شرط صحة الإسلام الذي هو التصديق وهذا مسوغ لاستثناء المسلم من المؤمن لأنه كلما صدق المسلم صدق المؤمن لكونه شرطه ولا ينعكس بدليل من كان مؤمنا تاركا للأفعال الظاهرة فصحة الاستثناء ثابتة لصدق المؤمن على المسلم ولا يلزم كون المسلم مؤمنا أن يكون الإسلام هو الإيمان فإن الكاتب ضاحك والكتابة غير الضحك والنزاع إنما هو الإسلام مع الإيمان لا في المسلم مع المؤمن ولقائل أن يقول الإيمان على هذا شرط صحة الإسلام والاعتداد به لا شرط وجود الإسلام فلا يلزم أن ينتفي الإسلام بانتفاء الإيمان إلا أن يجعلوا
__________
1 سورة الحجرات آية: 14.
(1/284)

الإيمان شرطا في صدق الإسلام لا في صحته أو ركنا في الإسلام وما دللتم على شيء منهما وقد نجز القول في المسألة ولم يذكر المصنف متمسك القاضي أبي بكر ومن متمسكاته أن القرآن مشتمل على هذه الألفاظ فلو كانت حقائق شرعية لكانت غير عربية لفقدان وضع العرب إياها لهذه المعاني فيلزم خروج القرآن عن كونه عربيا بكليته وقد قررتم بطلانه وجواب هذا يعلم مما سبق ومنها لو كانت حقائق شرعية لفهمناها الشارع قبل تكليفنا بها وإلا يلزم أن يكون كلفنا بما لا نفهمه ولا آحاد تدل على وقوع ذلك فضلا عن التواتر.
وأجيب عن هذا بأنه لا يلزم من تفهيم الشارع أن ينقل بتواتر ولا آحاد لجواز حصول التفهم بالقرائن والله أعلم.
وقد علمت بما سبق أن الإيمان في الاصطلاح عبارة عن تصديق الرسول بكل ما جاء به وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن رضوان الله عليه وقال أكثر السلف وعليه بعض المعتزلة والخوارج إنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان وفيه مذاهب أخر كثيرة ليس هذا محلها ورام السهيلي التفرقة بين الإيمان والتصديق من وجهين قررهما:
أحدهما: أن التصديق لا بد وأن يكون في مقابله خبر صادق وقد يكون عن نظر وفكر فإذا نظرت في الصنعة وعرفت بها الصانع آمنت به لم تكن به مصدقا بخبر إذ لا خبر هناك فإذا جاء الخبر كنت به مصدقا ونحن نقول في جواب هذا إن الصنعة لما عرفتنا الصانع كانت مخبرة بلسان الحال فلم يكن التصديق إلا في مقابلة خبر واقع بلسان الحال فإن قال التصديق لا يكون إلا في مقابلة خبر بلسان المقال قلنا من أين لك هذا التقييد.
الثاني: أن التصديق قد يكون بالقلب وأنت ساكت تقول سمعت الحديث فصدقته والإيمان لا بد من اجتماع اللفظ مع العقد لغة وشرعا لتعديه بالباء ونحو ذلك ونحن نجيب عن هذا بأن اللفظ شرط في صحة الإيمان لا ركن منه كما علمت فيما تقدم ويدل عليه مع قوله تعالى: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} قولوا أسلمنا إجماع الأمة على أن من عرف الله بقلبه وعجز عن التلفظ بالشهادتين كان مؤمنا فائزا وبالله التوفيق.
(1/285)

قال فروع الأول النقل خلاف الأصل إذ الأصل بقاء الأول ولأنه يتوقف على الأول ونسخه ووضع ثان فيكون مرجوحا.
هذه مسائل مفرعة على جواز النقل.
الأول: أنه على خلاف الأصل بمعنى أنه إذا دار اللفظ بين احتمال النقل واحتمال عدمه كان احتمال عدمه أرجح لوجهين:
أحدهما: أن الأصل في الوضع الأول المنقول عنه البقاء إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان.
والثاني: أن النقل يتوقف على ثلاثة أشياء الوضع الأصلي ثم نسخه ثم وضع ثان وعدم النقل لا يتوقف إلا على واحد وما كان متوقفا على أمور كان مرجوحا بالنسبة إلى المتوقف على أمر واحد.
قال الثاني: الأسماء الشرعية الموجودة المتواطئة كالحج والمشترك كالصلاة الصادقة على ذات الأركان وصلاة المصلوب والجنازة والمعتزلة سموا أسماء الذوات دينية كالمؤمن والفاسق.
هذا الفرع في أن الشارع هل نقل الأسماء والأفعال والحروف أم نقل البعض دون البعض.
فنقول أما الأسماء فقد وجد النقل فيها وقد قدمنا انقسامها إلى متباينة ومترادفة ومتواطئة ومشتركة ومشككة فلينظر في واحد واحد أما المتباينة ة فقد وجدت كالصوم والصلاة وأهمل في الكتاب ذكر هذا القسم لوضوحه.
وأما المترادفة فقد أهمل ذكرها أيضا فقال الإمام الأظهر أنها لم توجد لأنها ثبتت على خلاف الأصل فتتقدر بقدر الحاجة وتابعه صاحب التحصيل.
وقال صفي الدين الهندي الأظهر أنها وجدت وهذا هو الصحيح لوجد أن الواجب والفرض وهما مترادفان عند الشافعي رضي الله عنه والإمام يوافق على ذلك والإنكاح والتزويج عند الشافعي أيضا وأما المتواطئة فموجودة أيضا ومثل لها المصنف بالحج فإنه يطلق على الإفراد والتمتع والقرآن وهذه الثلاثة
(1/286)

مشتركة في الماهية وهي الإحرام والطواف والوقوف والسعي وأما المشترك فاختلفوا في وقوعها وجزم المصنف بوقوعها.
قال الإمام وهو الحق لأن لفظ الصلاة مستعمل في معاني شرعية لا يجمعها جامع لأن لفظها يتناول ما لا قراءة فيها كصلاة الأخرس وما لا سجود فيه ولا ركوع كصلاة الجنازة وما لا قيام فيه كصلاة القاعد والصلاة بالإيماء على مذهب الشافعي رضي الله عنه وهي التي عبر عنها في الكتاب بصلاة المصلوب فإنه لا شيء من ذلك فيها وليس بين هذه الأشياء قدر مشترك هذا كلام الإمام.
قال الهندي وهو ضعيف لأن كون الفعل واقعا بالتحرم والتحلل منه مشترك بين تلك الصلوات فلم لا يجوز أن يكون مدلولها قال والأقرب أنها متواطئة بالنسبة إلى الكل إذ التواطؤ خير من الاشتراك ثم ذكر الهندي أن الأشبه وقوع المشتركة ومثل لها بإطلاق الطهور على الماء والتراب وعلى ما يدبغ به كان ذلك ليس باشتراك معنوي إذ ليس بينها معنى مشترك يصلح أن يكون مدلول اللفظ ولقائل أن يقول لم اكتفيت بالتحلل والتحرم في الصلاة قدرا مشتركا ولم تكتف باشتراك الماء والتراب وآلة الدباغ في إزالة المانع قدرا مشتركا.
وأما المشككة فالظاهر وقوعها أيضا وقد أهملها المصنف في الكتاب وهي كالفاسق بالنسبة إلى من فعل الكبيرة الواحدة ومن فعل الكبائر العديدة فإن تناوله للثاني بطريق أولى.
قوله والمعتزلة أي أن المعتزلة لما أثبتوا الحقائق الشرعية قسموها إلى أسماء الأفعال وأسماء الذوات المشتقة من تلك الأفعال فالأول كالصوم والصلاة والثاني كاسم الفاعل مثل زيد مؤمن واسم المفعول مثل زيد مقروء عليه وأفعل التفضيل نحو أفضل من عمرو وسموا هذا القسم بالدينية تفرقة بينه وبين الأول وأن اشتراك الكل عندهم في كونه شرعيا هكذا نقل الإمام وتبعه صاحب الكتاب وفيه نظر فإن المنقول عن المعتزلة أن الدينية هي الأسماء المنقولة شرعا إلى أصل الدين كالإيمان والكفر.
(1/287)

وأما الشرعية فكالصلاة والصوم كذا عزاه إليهم طائفة منهم القاضي وإمام الحرمين والغزالي فقال إمام الحرمين:
قالت المعتزلة الألفاظ تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها الألفاظ الدينية وهي الإيمان والكفر والفسق فهي عندهم منقولة إلى قضايا في الدين فالإيمان في اللسان التصديق والكفر من الكفر وهو الستر والفسق الخروج وهذا الذي ذكروه في قواعدهم في أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنا دينا وليس كافرا أيضا وإنما هو فاسق.
والقسم الثاني: الألفاظ اللغوية وهي القارة على قوانين اللسان.
والقسم الثالث: الألفاظ الشرعية وهي الصلاة والصوم وأخواتها فهي مستعملة في فروع الشرع هذا لفظه في البرهان وهو الذي ذكره في كتاب التلخيص الذي اختصره من التقريب والإرشاد للقاضي وكذلك أورده الغزالي وهذا هو التحقيق في نقل مذهب القوم.
قال والحروف لم توجد والفعل يوجد بالتبع تقدم الكلام في الاسم وأما الحرف فلم يوجد واستدل عليه الإمام بالاستقراء.
وأما الفعل فلم يوجد بطريق الأصالة للاستقراء ووجد بطريق التبعية لأن الفعل صغة تدل على صدور المصدر من الفاعل فالمصدر إن كان شرعيا كالصلاة كان الفعل أيضا كذلك كصلى وإن كان لغويا كان مثله فيكون الفعل شرعيا أمر حصل بالعرض لا بالأصالة وكلام المصنف مصرح بأن الحرف لم يوجد لا بطريق الأصالة ولا بطريق التبعية والحق مساواته للفعل فإن نقل متعلق معاني الحروف من المعاني اللغوية إلى المعاني الشرعية مستلزم لنقلها أيضا فلا فرق في ذلك بين الفعل والحرف كما في أنواع المجاز.
فائدة قد تقرر أن الألفاظ هي المستعملة من الشارع أما الأسماء وهي على قسمين منها ما وضعه بإزاء الماهيات الجعلية وذلك معروف كالصلاة وأمثالها ومنها الأسماء المتصلة بالأفعال وسنذكرها إن شاء الله مع الفعل.
(1/288)

وأما الفعل والحرف فقد علمت أن التحقيق فيهما أنهما مستويان والفعل ينقسم إلى ماض وأمر ومضارع والأسماء المتصلة بالأفعال ثمانية المصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعل التفضيل واسم الزمان واسم المكان واسم الآلة أما الفعل المضارع فلم يستعمل في الشرعية في شيء أصلا إلا لفظ أشهد في الشهادة فإنها تعينت ولم يقم غيرها مقامها وكذا في اللعان سواء قلنا إنه يمين أو شهادة أو فيه شائبتان ويجوز في اليمين في أقسم بالله وأشهد ولا يتعين ولا مدخل له في الإنشاءات.
وأما الفعل الماضي فيعمل في الإنشاءات خلا الشهادة واللعان فمن الإنشاءات التي يعمل به فيها العقود كلها والطلاق وأما فعل الأمر فهو مسألة الإيجاب والاستحباب في العقود والطلاق وفي الوكالة لو أتى بصيغة أمر نحو بع واشتر.
قال بعض الأصحاب هنا لا يشترط القبول بخلاف ما إذا أتى بصيغة عند نحو وكلتك والصحيح لا فرق وفعل الأمر يعمل به في كل موضع يعمل بالماضي على الصحيح.
وأما اسم الفاعل ففي الطلاق في قوله: أنت طالق ويعمل به في الضمان.
وأما اسم المفعول فيستعمل الطلاق والعتق والوكالة ويقرب من هذا أنت حرام وأنت حر وأنت علي كظهر أمي.
وأما المصدر فقد استعمل في الطلاق في قوله: أنت الطلاق وهل هو صريح أو كناية فيه خلاف ولا يبعد جريان مثل ذلك في العتق والنظر في هذا الفصل طويل ولعلنا نستوعبه في كتابنا الأشباه والنظائر فإن الشيخ صدر الدين ابن المرحل رحمه الله تعالى ذكر هذا في كتابه الأشباه والنظائر وكتابنا كالتهذيب لكتابه أتمه الله تعالى.
قال الثالثة صيغ العقود كبعث إنشاء إذ لو كان إخبار وكان ماضيا أو حالا لم يقبل وإلا لم يقع وأيضا إن كذبت لم تعتبر وإن صدقت
(1/289)

فصدقها أما بها فيدور أو بغيرها وهو باطل إجماعا وأيضا لو قال للرجعية طلقتك لم يقع كما لو نوى الإخبار.
صيغ العقود والفسوخ مثل بعت واشتريت وتزوجت وطلقت وفسخت ونحو ذلك لامرأته في أنها إخبارات عن أمور واقعة في الزمن الماضي وقد تستعمل في الشرع أيضا للإخبار كما لو صدر البيع من إنسان ثم قال بعت مريدا إخبار عما صدر منه في الزمان الماضي أما إذا استعملت هذه الألفاظ لإحداث أحكام لم تكن قبلها فهل هي إخبارات باقية على وضعها اللغوي أم إنشاءات نقلها الشارع إلى إنشاءات المخصوصة ذهب الأكثرون إلى الثاني وهو ما قطع به المصنف.
وقالت الحنفية إنها إخبارت عن ثبوت الأحكام فمعنى قولك بعت الإخبار عمار في قلبك فإن أصل البيع هو التراضي ووضعت لفظة بعت للدلالة على الرضا فكأنه أخبر بها عما في ضميره فيقدر وجودها قبيل اللفظ للضرورة وغاية ذلك أن يكون مجازا وهو أولى من النقل هذا تحرير مذهبهم فافهمه واستدل الأصحاب على كونه إنشاء بدلائل:
أحدها: أن اللفظ لو كان إخبارا لكان إما عن ماض أو حال أو مستقبل والأولان باطلان وإلا يلزم ألا يقبل الطلاق التعليق لأن التعليق توقف وجود الشيء على شيء آخر والماضي والحال قد وجدا فلا يقبله لكن اللازم منتف لقبوله التعليق إجمالا وإن كان عن مستقبل لم يقع لأن قوله: طلقتك إذن بمنزلة قوله: ستصيرين طالقا والطلاق لا يقع بذلك.
وثانيها: لو كانت هذه الصيغ إخبارات لكانت إما كاذبة أو صادقة فإن كانت كاذبة فلا اعتبار بها وإن كانت صادقة فصدقها إما أن يحصل بنفسها أي يتوقف حصوله على حصول الصيغة أو يحصل بغيرها إن كان الأول لزم الدور لأن كون الخبر صدقا وهو بعتك مثلا موقوف على الخبر عنه وهو وقوع البيع فلو توقف المخبر عنه وهو الوقوع وجود على المخبر وهو بعتك لزم الدور وإن كان الثاني وهو أن يحصل الصدق بغيرها فهو باطل بالإجماع منا ومنهم على عدم الوقوع عند عدم هذه الصيغة
(1/290)

وثالثهما: ان الزوج لو قال لرجعيته في عدتها طلقتك ونوى الإخبار عما مضى لم يقع قطعا وإن لم ينو شيئا أو نوى الأشياء وقع بالاتفاق فلو كان إخبارا لم يقع كما نوى به الإخبار.
فائدتان إحداهما: قال القرافي في الفروق الإنشاء ينقسم إلى متفق عليه ومختلف فيه فالجمع عليه أربعة أقسام:
الأول: نحو قولنا أقسم بالله لقد قدم زيد ونحوه فإن مقتضى هذه الصيغة أنه أخبر بالفعل المضارع سيكون منه قسم في المستقبل فكان ينبغي ألا يلزمه كفارة بهذا القول لأنه وعد بالقسم لا قسم كقول القائل سأعطيك درهما لكن لما وقع الاتفاق على أنه بهذا اللفظ أقسم وأن موجب القسم يلزمه دل ذلك على أنه أنشأ به القسم لا أنه أخبر عن وقوعه في المستقبل وهذا أمر اتفق عليه في الجاهلية والإسلام ولذلك لا يحتمل التصديق والتكذيب ولا يدخله شيء من لوازم الخبر.
قال ولذلك نقول فيه من أحاط به من فضلاء النحاة الخبر القسم جملة إنشائية يؤيد بها جملة خبرية.
الثاني: الأوامر والنواهي.
الثالث: الترجي والتمني والعرض مثل ألا تنزل عندنا فتصيب خيرا.
والتحضيض وصيغته أربع هلا وألا ولوما ولولا.
الرابع: النداء نحو يا زيد اختلف النحاة فيه هل فيه فعل مضمر تقديره أنادي زيدا أو الحرف وحده مفيدا للنداء؟
قلت وقد خطأ الإمام في التفسير الكبير في أوائل البقرة من فسر قولنا يا زيد أنادي زيدا من وجوه:
منها أن أنادي زيدا خبر يحتمل التصديق والتكذيب ويا زيد لا يحتملها.
(1/291)

ومنها أن قولنا يا زيد يقتضي صيرورة زيد مخاطبا منادى في الحال بخلاف أنادي زيدا.
ومنها أن يا زيد يقتضي صيرورة زيد مخاطبا بهذا الخطاب بخلاف أنادي زيدا فإنه لا يمتنع أن يخبر إنسانا آخر بأني أنادي زيدا.
ومنها أن أنادي زيدا إخبار عن النداء والإخبار عن النداء غير النداء والنداء هو قولنا يا زيد فإذا هو غيره.
ولقائل أن يقول حاصل هذه الأوجه ترجع إلى يا زيد إنشاء وقولنا أنادي زيدا خبر ونحن نمنع أن قولنا أنادي زيدا الذي هو بمعنى يا زيد خبر وإنما هو إنشاء.
نعم الخبر أنادي زيدا الذي ليس هو بهذا المعنى.
قال القرافي وأما المختلف فيه هل هو إنشاء أو خبر فهو صيغ العقود كما تقدم.
الثانية ذكر القرافي في التفرقة بين الإنشاء والإخبار وجوها:
أحدها: أن الخبر يقبل التصديق والتكذيب ولا كذلك الإنشاء.
والثاني: أن الخبر تابع لثبوت مخبره في زمانه كيف ما كان ماضيا أو حالا أو مستقبلا والإنشاء متبوع لمتعلقه فيترتب بعده.
والثالث: أن الإنشاء سبب لثبوت متعلقه الذي هو مسببه عقيب آخر حرف أو مع آخر حرف إلا أن يمنع مانع وليس الخبر سببا متعلقا بمخبره وإنما هو مظهر فقط.
خاتمة قال القرافي في الفروق مما يتوهم أنه إنشاء وليس كذلك الظهار في قول القائل لامرأته أنت علي كظهر أمي يعتق الفقهاء أنه إنشاء للظهار كقوله أنت طالق وأن البابين سواء في الإنشاء.
قال وليس كذلك ثم أطال في الدلالة على أنه خبر واستند إلى قوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا
(1/292)

اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} 1
فكذبهم الله تعالى في ثلاثة مواطن بقوله ما هن أمهاتهم وأن قولهم منكر وأنه زور والإنشاء لا يدخله التصديق والتكذيب واعتضد أيضا بالإجماع على تحريم الظهار.
قال ولا سبب لتحريمه إلا انه كذب وإنما يكون الكذب في الإخبار وأورد على نفسه الطلاق الثلاث حيث كان إنشاء مع كونه محرما وأجاب بأن المحرم إنما هو الجمع بين الطلقات الثلاث لا لفظ الطلاق وأمعن الكلام فيما حاوله والذي نقوله في ذلك إن القول القائل أنت علي كظهر أمي يحتمل أن يريد به الخبر المحض ويحتمل أن يريد به أن يجعلها كذلك والظاهر أن المراد الثاني وهو الإنشاء ولكن الشرع ألغي حكمه ولما ألغاه وكان مقصود الناطق به تحقيق معناه الخبري سماه الشرع زورا ويناظر هذا من بعض الوجوه.
قوله أنت علي حرام قصد به إنشاء التحريم والشرع لم يرتب مقتضاه من الحرمة فهذان الإنشاءان لم يرتب الشرع عليهما مقتضاهما الذي قصده المتكلم بل جعل المرتب على الأول أنه إن عاد وجبت الكفارة وحرم الوطء حتى يكفر والمرتب على الثاني حكم اليمين من التكفير وغير هذين الإنشاءين من الطلاق والبيع والنكاح ونحو ذلك إذا أنشأه المكلف رتب الشرع عليه المقتضى الذي اقتضاه كلام المكلف فصارت الإنشاءات على قسمين:
أحدهما: ما اعتبره الشرع وأذن فيه فيفيد كما أراده المنشيء ويترتب عليه حكمه.
والثاني: ما لم يأذن فيه الشرع ولم يعتبره ولكن رتب عليه حكما آخر وهو الظهار والتحريم.
قال والذي أيده الله تعالى وينبغي أن يسمى هذا الإنشاء الثاني باطلا.
__________
1 سورة المجادلة آية: 2.
(1/293)

وأما الإنشاء الأول فإن وقع شروطه الشرعية فصحيح وإلا فهو باطل أو فاسد والباطل لا يترتب عليه أثر أصلا بخلاف الباطل في القسم الثاني وهو الظهار والتحريم حيث ترتب عليهما حكم شرعي لأن البطلان فيهما لإلغاء الشارع إياهما لا لفوات شروط ووجود مفسد والبطلان في البيع والنكاح وغيرهما إما لفوات شرط أو لوجود مفسد.
(1/294)

المسألة الثانية: أنواع المجاز
...
قال الثانية المجاز إما في المفرد مثل الأسد للشجاع أو في المركب مثل:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشى.
أو فيما نحو أحياني اكتحالي بطلعتك.
لما تناهى القول في الحقيقة شرع في المجاز.
والشرح أن المجاز إما أن يقع في مفردات الألفاظ فقط أو في تركيبها أو فيهما جميعا والأول كإطلاق الأسد على الشجاع والثاني كقوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} 1 {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ} 2 {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} 3
ويسمى هذا النوع بالمجاز المركب والإسنادي والعقلي ومثل له في الكتاب بقول الشاعر:
أشاب الصغير وأفنى الكبير ... كر الغداة ومر العشى4
فإن مفردات هذا النوع من المجاز كلها مستعملة في موضوعاتها وإنما التجوز في إسناد بعضها إلى بعض وذلك حكم عقلي ألا ترى أن أشاب والصغير مستعملان في موضوعيهما وكذلك أفنى والكبير لكن إسناد أشاب وأفنى إلى
__________
1 سورة الأنفال آية: 2.
2 سورة إبراهيم عليه السلام آية: 36.
3 سورة الزلزلة آية: 2.
4 البيت لكعب بن زهير بن أبي سلمى المزني شرح لامية كعب بن زهير ص 11.
(1/294)

كر الغداة ومر العشي هو الذي وقع فيه التجوز لكونهما مسندين إلى الله تعالى في نفس الأمر ومثله أنبئت الربيع البقل.
والضابط فيه أنك متى نسبت إلى ما ليس بمنسوب إليه لذاته بضرب من الملاحظة بين الإسنادين كان ذلك مجازا في التركيب وخرج بهذا القيد الأخير قول الدهري أنبت الربيع البقل إذ ذلك ليس عنده لضرب من الكلابسة بل هو أصلي عنده منتسب إلى من ينتسب إليه حقيقة ولهذا اخترنا التمثيل لهذا النوع بآي الكتاب العزيز فإن الإثبات الذي يذكر والأمثلة التي تورد جاز أن يكون قائلهما دهريا على أن البيت المذكور في الكتاب للصلتان العبدي وهو مسلم في قصدته التي هذا البيت منها ما يدل على ذلك وبهذا القيد ينفصل عنه الكذب أيضا لأن الكاذب لم يسند الأثر إلى ما أسنده لمشابهة ذلك الإسناد إسنادا آخر الذي هو أصلي بل إما لأنه أصلي عنده أو وإن لم يكن كذلك إلا أنه لم يلاحظ الملاحظة والملاحظة قد تكون بأن يختص الشيء بأثر يوجد الأثر عند وجوده وينعدم عند عدمه وهو غير صادر عنه لكن الله تعالى أجرى العادة بأن يوجد الأثر عند وجوده ويعدمه عند عدمه كنبات البقل مع الربيع أو بأن يوجد وإن لم ينعدم عند عدمه كالهلاك مع أكل السم في قولهم أهلكه السم أو بأن يكون الشيء سبب التسبب كقولهم كسا الخليفة الكعبة وما أشبه ذلك.
وذهب ابن الحاجب إلى إنكار المجاز في التركيب وهو شاذ.
والثالث: وهو أن يقع المجاز فيها جميعا كقول القائل لمن سرته رؤيته أحياني اكتحالي بطلعتك فإنه استعمل الإحيا في السرور والاكتحال في الرؤية وذلك مجاز ثم أسند الإحيا إلى الاكتحال مع أن المحيي هو الله تعالى.
هذا شرح ما في الكتاب ولك هنا مناقشات:
أحدها على التمثيل بالبيت الذي ذكره من جهة أنه إنما يصلح مثالا للقسم الثالث: لأن المراد بالصغير من تقدم له الصغير.
(1/295)

وثانيهما: أن هذا التقسيم إنما يصح عند من يقول إن المركبات موضوعة وقد اضطرب رأى المصنف في ذلك في هذا الكتاب.
وثالثهما: في تعبيره بالمركب فإن الصواب التعبير بالتركيب وذلك لأنك إذا قلت هلك الأسد تريد أن الشجاع مرض مرضا شديدا فهذا المجاز واقع في المركب لا في النسبة وليس هذا هو المراد بل كل مجاز في غير النسبة فهو مركب فإن الأسد مع قولك رأيت في قولك رأيت الأسد مركب لانضمام غيره إليه وهذا الإيراد إذا انقدح على التعبير بالمركب لدخوله فيه ورد على التعبير بالمفرد لخروجه منه.
قال ومنعه ابن داود في القرآن والحديث لنا قوله تعالى: {جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} 1.
قال فيه إلباس قلنا لا إلباس مع القرينة.
قال لا يقال لله تعالى إنه متجوز.
قلنا لعدم الإذن أو لإيهامه الاتساع فيما لا ينبغي.
اختلف أهل العلم في وقوع المجاز في اللغة العربية على مذاهب:
أحدها وهو المنسوب إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني المنع مطلقا.
قال إمام الحرمين في التخليص الذي اختصره من التقريب والإرشاد للقاضي والظن بالأستاذ أنه لا يصح عنه وفيما علقه من خط ابن الصلاح أن أبا القاسم ابن كج حكى عن أبي علي الفارسي إنكار المجاز كما هو المحكي عن الأستاذ.
والثاني: أنه غير واقع في القرآن وواقع في غيره وإليه ذهب بعض الحنابلة
__________
1 سورة الكهف آية: 77.
(1/296)

وطائفة من الرفضة وحكى عن بعض المالكية وأما أبو بكر بن داود1 الأصفهاني الظاهري فالمشهور عنه أنه منع وقوعه في القرآن خاصة كما هو رأى هؤلاء وحكى عنه الإمام وشيعته منهم المصنف اختيار المنع في القرآن والحديث.
وعلى هذا في المسألة أقوال أربعة:
المنع مطلقا المنع في القرآن وحده المنع في القرآن والحديث دون ما عداهما والرابع أنه واقع مطلقا والحديث وغيرهما وعليه جماهير العلماء سلفا وخلفا.
والمصنف استدل على وقوعه في القرآن ليدل على ما عداه بطريق أولى وقد وقع المجاز في مواضع عديدة من الكتاب العزيز وصنف شيخ الإسلام عز الدين ابن عبد السلام في ذلك مصنفا حافلا اكتفى المصنف بذكر قوله تعالى: {جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} ووجه الحجة أن الإرادة هي الميل مع الشعور وهي ممتنعة في الجدار لكونه جمادا وقد أضافها إليه وأراد بذلك الإشراف على الوقوع وهو مجاز.
فإن قلت لا نسلم امتناع قيام الإرادة بالجدار لقدرة الله تعالى على خلق العلم والقدرة فيه.
قلت هذا من خرق العادات التي لا يكون إلا في زمن النبوة لقصد التحدي لا في عموم الأوقات وهذا لم يكن للتحدي.
قال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع واستدل أبو العباس بن سريج على أبي بكر بن داود بقوله تعالى: {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ} فقال
__________
1 هو محمد بن داود بن علي بن خلف الظاهري أبو بكر أديب مناظر قال عنه الصفدي: الإمام ابن الإمام من أذكياء العالم.
ولما توفي أبوه جلس مكانه في مجلسه وأخذ يدرس على مذهب والده.
من مؤلفاته كتاب الوصول إلى معرفة الأصول الإنذار الإنتصار وغير ذلك.
توفي في رمضان سنة 297 هـ.
النجوم الزاهرة 3/17 الأعلام 6/355.
(1/297)

الصلوات لا تهدم وإنما أراد به مواضع الصلوات وعبر بالصلوات عنها على سبيل المجاز فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
قال فلم يكن له عنه جواب ومن أنصف من نفسه ونفى العصبية عن كلامه أقر بأن القرآن مشحون بالمجاز وكيف لا وهو من توابع العصابة وبدائع كلمات العرب ولا يخلو القرآن من ذلك.
وقد قال القاضي في مختصر التقريب يلزم من إثبات المجاز في اللغة إثباته في القرآن.
واحتج ابن داود رحمه الله على مذهبه بوجهين:
أحدهما: أن المجاز لا يدل بمجرده لعدم وضعه له فلو ورد في القرآن لأدى إلى الإلباس وهو لا يقع من الله تعالى وأجاب في الكتاب بأن الإلباس ينتفي مع القرينة فإن قلت إذا كان مع القرينة ففيه تطويل قلت التطويل لا ينفي إلا كونه على خلاف الأصل ونحن مقرون بذلك نعم لقائل أن يقول هذا الجواب يقتضي أن المجاز لا يقع في القرآن إلا مع القرينة.
وثانيهما: أنه لو جاز وقوع المجاز في القرآن لجاز أن يطلق على الله أنه متجوز لأن المتجوز من يتكلم بالمجاز وأجاب بوجهين:
أحدهما: إن أسماء الله تعالى توقيفية عنه لا بد في إطلاقها من ورود الإذن وهذا لم يرد به إذن فلا نطلقه عليه.
والثاني: سلمنا أن أسماءه تعالى دائرة مع المعني لكن شرطه ألا يوهم نقصا وما نحن فيه يوهم النقص لأن التجوز يوهم تعاطي ما لا ينبغي لأنه مشتق من الجواز وهو التعدي وأما من أنكر المجاز في اللغة مطلقا فليس مراده أن العرب لم تنطق بمثل قولك للشجاع أنه أسد فإن ذلك مكابرة وعناد ولكن هو دائر بين أمرين.
أحدهما: أن يدعي أن جميع الألفاظ حقائق ويكتفي في كونها حقائق بالاستعمال في جميعها وهذا مسلم ويرجع البحث لفظيا فإنه حينئذ يطلق
(1/298)

الحقيقة على المستعمل وإن لم يكن بأصل الوضع ونحن لا نطلق ذلك وإن أراد بذلك استواء الكل في أصل الوضع.
قال القاضي في مختصر التقريب فهذه مزاحمة للحقائق فإنا نعلم أن العرب ما وضعت اسم الحمار للبليد ولو قيل البليد حمار على الحقيقة كالدابة المعهودة وإن تناول الاسم لهما متساو في الوضع فهذا دنو من جحد الضرورة.
قال وكذلك من زعم أن الجدار له إرادة حقيقية تمسكا بقوله تعالى جدارا يريد أن ينقض عد ذلك من مستشنع الكلام.
(1/299)

المسألة الثألثة: شرط المجاز وجود العلاقة
...
قال الثالثة شرط المجاز
العلاقة المعتبر نوعها السببية القابلية
مثل سال الوادي والصورية كتسمية اليد قدرة والفاعلية مثل نزل السحاب والغائية كتسمية العنب خمرا.
لا بد في التجوز من لفظ الحقيقة إلى المجاز من علاقة بينهما ولا يكتفي بمجرد الاشتراك في أمر ما من الأمور والجار إطلاق اسم كل شيء على ما عداه لأنه ما من شيء إلا ويشارك كل ما عداه في أمر من الأمور بل لا بد من المناسبة والمشاركة في أمر خاص ظاهر وهل يكفي وجود تلك العلاقة في التجوز أم لا بد من اعتبار العرب لها أي بأن تستعملها فيه واختلفوا فيه على مذهبين:
اختار الإمام والمصنف أنه لا بد من ذلك وهذا ما أشار إليه بقوله المعتبر نوعها وصحح ابن الحاجب أنه لا يشترط ذلك والخلاف إنما هو في الأنواع لا في جزئيات النوع الواحد وإن أوهمه كلام بعضهم فالقائل بالاشتراط يقول لابد وأن تتجوز العرب بالتسبب عن المسبب مثلا وخصمه يقول يكفي وجود العلاقة وهذا معنى قول المصنف نوعها ومما ننبه عليه قبل الخوض في مقدارها أنا إذا أوردنا مثالا لجهة من الجهات للتجوز فلسنا قاضين عليه بأنه لا يشتمل على جهة أخرى من جهات التجوز بل يجوز اجتماع جهتين وثلاثة فلا نفهم من قولنا مثال الجهة الفلانية كذا الاختصاص بتلك الجهة بل شرطه أن يشتمل على تلك الجهة مع قطع النظر عن غيرها من الجهات وإن كان مشتملا على جهة أخرى فإنما لم ننبه عليها لأنا نذكر لها مثالا آخر
(1/299)

الجهة الأولى السببية: وهي إطلاق اسم السبب على المسبب وإن شئت قلت العلة على المعلول وهي أربعة أقسام قابلية وقد يقال لهذا القسم مادة وعنصرا وصورية وفاعلية وغائية.
أعلم أن كل متكون في الوجود لا بد له من هذه الأسباب الأربعة نحو السرير مادته الخشب والحديد وفاعله النجار وصورته الانسطاح وغايته الاضطجاع عليه فسميت الثلاثة أسبابا لتأثيرها في الإضطجاع فلولا الخشب والحديد ما تماسك ولولا الفاعل ما ترتب ولولا الانسطاح لما تأتي عليه الاضطجاع وسمى الرابع سببا لأنه الباعث على هذه الثلاثة فلولا استشعار النفس راحة الاضطجاع لما وقع في الوجود هذه الثلاثة وهو معنى قولهم أول الفكر آخر العمل ومعنى قولهم العلة الغائية علة العلل الثلاثة في الأذهان ومعلولة العلل الثلاثة في الأعيان.
فإن قلت ما وجه انحصار الأسباب في هذه الأربعة؟
قلت لما كان السبب هنا ما يتوقف عليه وجود الشيء انحصرت في هذه الأقسام لأنه لا يخلو إما أن يكون داخلا في ذلك الشيء أو خارجا.
والأول: إما أن يكون الشيء معه بالقوة وهو القابل أو بالفعل وهو الصورة العارضة له بعد التركيب.
والثاني: إما أن يكون مؤثرا في وجود ذلك الشيء وهو الفاعل كالنجار أو لا يكون وهو الغاية الحاملة للمؤثر على التأثير أي الجلوس على السرير.
مثال الأول وهو تسميته الشيء باسم سببه القابلي قولهم سال الوادي أي ماء الوادي فعبروا عن الماء السائل بالوادي لأن الوادي سبب قابل له إطلاقا لاسم السبب على المسبب هكذا مثل به الإمام وأتباعه منهم المصنف وفيه نظر فإن الوادي ليس جزءا للماء فلا يكون سببا قابلا له والمادي في اصطلاحهم جنس ماهية الشيء كما عرفت في الخشب مع السرير.
مثال الثاني: وهو تسمية الشيء باسم سببه الصوري إطلاق اليد على
(1/300)

القدرة كما في قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} 1 أي قدرة الله فوق قدرتهم فإن اليد صورة خاصة يتأتى بها الاقتدار على الشيء فشكلها مع الاقتدار كشكل السرير مع الاضطجاع وهو سبب صوري فتكون اليد كذلك فإطلاقها على القدرة إطلاق لاسم السبب الصوري على المسبب.
وإذا تأملت هذا فاعلم أن المثال انعكس على الإمام وأتباعه إلا الشيخ صفي الدين الهندي فقالوا ومنهم المصنف كتسميته اليد قدرة والصواب كتسمية القدرة يدا وكذا وقع في الآية الكريمة.
مثال الثالث: وهو تسمية الشيء باسم سببه الفاعل قولهم نزل السحاب أي المطر فإن السحاب في العرف سبب فاعلي في المطر كما تقول النار تحرق الثوب.
مثال الرابع وهو تسمية الشيء باسم سببه الغائي تسميتهم العنب بالخمر كما في قوله تعالى حكاية: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً} فأطلق العنب على الخمر لأن الخمر غاية مقصودة من زراعة العنب وعصره عند بعض الناس.
قال والمسببية كتسمية المرض المهلك بالموت والأول أولى للالتزام على التعيين ومنها الغائية لأنها علة في الذهن ومعلولة في الخارج.
العلاقة الثانية المسببية وهي إطلاق اسم المسبب على السبب مثل تسميتهم المرض المهلك موتا لأن الله تعالى جعل المرض الشديد في العادة سببا للموت وهنا بحثان أشار إليهما في الكتاب:
أحدهما: أن التجوز بلفظ السبب عن المسبب أولى من العكس لأن السبب المعين يستدعي مسببا معينا والمسبب المعين لا يستدعي سببا معينا بل سببا ما ألا ترى أن اللمس يدل على انتقاض الوضوء وانتقاض الوضوء لا يدل على اللمس لجواز أن يكون بمس أو بول أو غيرهما فلما كان فهم المسبب من السبب أسرع كان التجوز به في حالة الإطلاق أولى ولقائل أن يقول:
__________
1 سورة الفتح آية: 10.
(1/301)

هذا واضح على رأي من يجوز تعليل المعلولين المتماثلين بعلتين مختلفتين لأن العلم بالمعلول حينئذ لا يستلزم العلم بالعلة وأما العلم بالعلة المعينة فإنه يستلزم العلم بالمعلول المعين وأما من لم يجوز ذلك فقد يمنع هذا البحث.
الثاني: قد عرفت انقسام العلة الأولى إلى أربع علل وأولاها العلة الغائية وهذا معنى قول المصنف ومنها الغائية أي وأولى منها الغائية لأنها حال كونها ذهنية علة العلل وحال كونها خارجية معلول العلل فقد حصل لها علاتنا العلية والمعلولية وكل واحدة منهما على تحسن التجوز.
قال والمشابهة كالأسد للشجاع والمنقوش ويسمى الاستعارة.
العلاقة الثانية المشابهة وهي تسمية الشيء باسم شبيهه إما في صفة ظاهرة خاصة بمحل الحقيقة كإطلاق اسم الأسد على الشجاع والحمار على البليد وإما في الصورة كإطلاق إسم الأسد أو الفرس مثلا على المنقوش المصور في الحائط بصورته قوله: وتسمى الاستعارة هذا يحتمل أن يعود إلى المنقوش وحده أي ويخص المنقوش الذي الذي هو أحد قسمي المشابهة بتسميته بالاستعارة وهذا لم نر أحدا ذكره ويحتمل أن يعود إلى المشابهة أي أن مجاز المشابهة مسمى بالمستعار.
وأما الإمام فإنه قال إن المسمى بالإستعارة ليس إلا المشابه المعنوي كتسمية الشجاع أسدا وتبعه عليه صفي الدين الهندي وعلى كل حال فالاستعارة بهذا الاصطلاح أخص من المجاز لأنها مختصة ببعض أنواعه وقيل هما متساويان لأن اللفظ إذا وضع لمعنى يستحقه ذلك المعنى بسبب الوضع فيكون استعماله في غيره على وجه العارية.
قال والمضادة وهي تسمية الشيء باسم ضده مثل قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} أطلق على الجزاء سيئة مع أنه ليس بسيئة ومثل قوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} .
قال الإمام ويمكن جعل هذا من مجاز المشابهة لأن جزاء السيئة يشبهها في كونها سيئة بالنسبة إلى من وصل إليه ذلك الجزاء ومن أمثلته الفصل تسميتهم
(1/302)

البرية المهلكة بالمفازة تفاؤلا واستعمالهم صيغة الدعاء على الإنسان بمعنى الدعاء له مثل فولهم قاتله الله ما أحسن ما قال ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "عليك بذات الدين تربت يداك" عند من يقول المقصود بها الدعاء له وبعضهم يقول إن لم تظفر بذات الدين سلبت البركة فافتقرت بذلك كذا حكاه الروياني في أوائل كتاب النكاح من البحر.
وحكى عن ابن شهاب الزهري قولا ثالثا وهو جعل اللفظ على حقيقته وأنه إنما قال ذلك لأنه رأى الفقر خيرا له من الغنى.
قال والكلية كالقرآن لبعضه.
العلاقة الخامسة الكلية وهي إطلاق اسم الكل على الجزء ومثل له الإمام باطلاق لفظ العام وإرادة الخاص وفيه نظر لأن دلالة العموم من باب الكلية لا من باب الكل والفرد منه من باب الجزئية لا من باب الجزء وتحقيق هذا يتلقى من فاتحة كتاب العموم والخصوص من هذا الشرح وسننتهي إليه إن شاء الله تعالى والمصنف مثل له بإطلاق لفظ القرآن على بعضه وليس بجيد أيضا لأن القرآن من الألفاظ المتواطئة يطلق بالحقيقة على كله وعلى بعضه عند التجرد من الألف واللام وعند الاقتران بها إذا أريد بها مطلق الماهية ويطلق على ما يراد منه إذا اقترن بالألف واللام وأريد بها معهود إما كله وإما بعضه فإن اقترن بالألف واللام ولم يكن معهودا ولا أريد مطلق الماهية كانت الألف واللام للعموم فيحمل على جميع القرآن لأنه جميع ما يصلح له اللفظ لأن لفظ القرآن لم يطلق على غير الكتاب العزيز بالحقيقة.
فإن قلت لو كان لفظ القرآن من الألفاظ المتواطئة لحنث الحالف على ألا يقرأ القرآن بقراءة بعضه كالحالف على ألا يشرب الماء والعسل يحنث بقليله وكثيره وقد ذكرتم في الحقيقة الشرعية المنصوص يقتضي خلاف ذلك.
قلت ليس هذا كالحالف على ألا يشرب الماء والعسل وغير ذلك من
(1/303)

الألفاظ المتواطئة حيث يحنث فيها بالبعض لأن تلك الحقائق أفرادها كثيرة لا تتناهى فلا يمكن الحمل فيها على العموم بخلاف لفظ القرآن فإن أفراده سور القرآن وآياته والحمل على العموم فيها ممكن فوجب المصير إليه عند عدم العهد لما قدمنا من أنه لم يطلق على غير الكتاب العزيز وإذا تقرر هذا فنقول كان الأحسن أن يمثل لهذا النوع من المجاز بقوله تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} أي أناملهم.
قال والجزئية كالأسود للزنجي والأول أقوى للاستلزام.
العلاقة السادسة الجزئية وهي إطلاق الجزء وإرادة الكل كقولهم للزنجي أسود ليس كله أسود ألا ترى إلى بياض عينيه وأسنانه فيكون إطلاق الأسود على المجموع المركب من أعضائه ومن الجلد وغيره من باب إطلاق اسم الجزء على الكل هكذا مثل به في الكتاب تبعا للإمام ولقائل أن يقول إطلاق الأسود على الزنجي إنما يكون مجازا أن لو كان المراد به وصف جميع أعضائه بالسواد وليس كذلك بل مفهوم الأسود من قام السواد بظاهر جلده فقط لا جميع أعضائه حتى العينين والأسنان لأن ما ثبت له المشتق شيء له المشتق منه وذلك أعم من كونه ثابتا لكله أو بعضه كما يقول لمكسور إحدى الرجلين أعرج والأولى أن يمثل لهذا النوع بقولهم فلأن يملك كذا رأسا من الغنم أو ذبح كذا رأسا من البقر.
قوله والأولى أي إذا تعارض القسم الخامس والسادس فالأول الذي هو الخامس أولى من السادس لأن الكل مستلزم للخبر والجزء لا يستلزم الكل فكانت دلالة الأول أقوى لذلك.
قال والاستعداد كالمسكر للخمر في الدن.
العلاقة السابعة الاستعداد وهي تسمية الشيء المستعد لأمر باسم ذلك الأمر مثل تسميته الخمر حال كونه في الدن بالمسكر ولقائل أن يقول إذا كان الخمسة اسما لما خامر العقل فلا يصدق حقيقة إلا حال مخامرته المعقل وهي حالة الإسكار فيكون إطلاق الخمر على عصير العنب المودع في الدن مجاز
(1/304)

استعداد ويكون التمثيل بإطلاق الخمر على هذا العصير لا بإطلاق المسكر على الخمر وقد يمثل أيضا بإطلاق الكاتب على العارف بالكتابة عند مباشرته لها وكذا استعمال كل مشتق باعتبار الاستقبال.
قال والمجاورة كالرواية للقربة.
العلاقة الثامنة المجاوره وهي تسمية الشيء باسم ما يجاوره كإطلاق لفظ الرواية على القربة التي هي طرفا للماء فإن الرواية في اللغة اسم للجمل والبغل والحمار الذي يستقى عليه كما قاله الجوهري وأنشد لأبي النجم:
تمشي من الردة مشي الحفل ... مشي الروايا بالمزاد الأثقل
ثم إنه أطلق على القربة لمجاورتها له.
قال وتسمية الشيء باسم ما كان عليه كالعبد.
هذه العلاقة وهي التاسعة ساقطة في كثير من النسخ لتقدمها في كلام المصنف في فصل الاشتقاق وحاصلها أن من المجازات تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه كتسمية العبد الذي عتق بالعبد وتسمية من ضرب بعد انقضاء الضرب بالضارب على ما تقدم البحث فيه.
قال والزيادة والنقصان مثل ليس كمثله شيء وأسأل القرية.
العلاقة العاشرة الزيادة وهو أن يكون الكلام ينتظم بإسقاط شيء منه فيحكم بزيادة ذلك الشيء ومثاله قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} 1.
فإن الكاف زائدة والتقدير ليس كمثله شيء والدليل على أنها زائدة أنه لو لم تكن كذلك لكنا التقدير ليس مثل مثله أن الكاف بمعنى مثل فيكون له تعالى مثل وهو محال والغرض بالكلام نفيه وقد اعترض الناس على هذا التمثيل بأن الكاف في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} غير زائدة وأجابوا عما ذكره بأجوبة عدة استحسن الأذكياء منها جواب من قال لا نسلم أن قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}
__________
1 سورة الشورى آية: 11.
(1/305)

المراد منه نفي المثل بل هو محمول على حقيقته وهو نفي مثل مثله ويلزم من نفي مثل المثل نفي المثل ضرورة أن مثل المثل مثل إذ المماثلة لا تتحقق إلا من الجانبين فمتى كان زيد مثلا لعمرو كان عمرو مثلا له وقد نفى المثل وأورد على هذا الجواب وجهان:
أحدهما: أن يلزم ألا يكون النص مقيدا لنفي المثل ما لم يضم إليه هذه المقدمة والأمة قد عقلت منه نفي المثل بدونها.
وأجاب عنه صفي الدين الهندي بمنع أن الأمة بأسرها عقلت منه ذلك من غير اعتبار تلك المقدمة.
قال وكيف يقال ذلك وفي الأمة من ينكر أن يكون في كلام الله مجاز ومنهم من ينكر أن يكون فيه زيادة لا معنى لها ولا يمكن حمل الآية على نفي المثل إلا بعد الاعتراف بهذين الأصلين جاز أن يفهموا نفي المثل على سبيل الاستقلال وجاز أن يفهموا ذلك منه بواسطة ما ذكرنا من المقدمة.
والثاني: أنه إن كان قد نفى مثل المثل والذات من جملة مثل المثل لزم أن يكون الذات منفية وهو أقوى الإيرادين.
وأجاب بعضهم عن هذا بأن الذات لما كانت ثابتة قطعا بالبرهان القاطع الخارجي نفي ما عداهما منفيا وذكر القرافي في الجواب أنه إنما يلزم نفي الذات من جهة أنه مثل فإنها بقيد المثلية أخص منها من حيث هي ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم فهذا النفي حق ولا يلزم نفي واجب الوجود ثم إن القرافي اعترض على هذا الجواب بما لانطيل بذكره والتحقيق أن الجوابين خارجان عن صواب التحقيق وإنما الجواب الدقيق الذي ليس بعده شيء ما قرره لنا غير مرة والدي أطال الله بقاه فقال تقدير الكلام ليس شيء كمثله فشيء اسم ليس وهو المبتدأ وكمثله الخبر فالشيء الذي هو موضوع نفى عنه المثل الذي هو محمول فهو منفي عنه لا منفى فيكون ثابتا فلا يلزم أن تكون الذات المقدسة منفية وإنما المنفي مثل مثلها ولازمه نفي مثلها وكلاهما منفي عنها والله أعلم.
(1/306)

العلاقة الحادية عشر النقصان أي المجاز بالنقصان في اللفظ مثل قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} تقديره واسأل أهل القرية إذ القرية عبارة عن الأبنية وهي لا تسأل ولقائل أن يقول يحتمل أن الله خلق في القرية قدرة الكلام ويكون ذلك معجزة لذلك النبي ويبقى اللفظ على حقيقته لا يقال الأصل عدم هذا الاحتمال لأنا نقول هذا معارض بأن الأصل عدم المجاز على أن هذا كله مفرع على أن القرية اسم للأبنية المجتمعة.
أما إن قلنا إنها مشتركة بينها وبين الناس المجتمعين إما باشتراك لفظي أو معنوي فلاستدلال ساقط بالكلية ثم الذي يدل على أن القرية حقيقة في الناس المجتمعين أيضا قوله تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} 1 {وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} 2 {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} 3 ولأن القرية مشتقة من القرء وهو الجمع ومنه قرأت الماء في الحوض أي جمعته ومنه القراء وهو الضيافة لاجتماع الناس لها وهذا كله حركة البحث والنظر.
والأول: هو المرتضى أعني أن المراد سؤال أهل القرية كيف والشافعي رضي الله عنه قد نص عليه في الرسالة ونقله عن أهل العلم باللسان وسمى هذه الآية وأمثالها بالصنف الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره فقال ما نصه باب الصنف الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره.
قال الشافعي قال الله جل ثناؤه وهو يحكي قول إخوة يوسف لأبيهم: {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ*وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} 4 فهذه الآية في معنى الآيات قبلها لا يختلف أهل العلم باللسان أنهم إنما يخاطبون أباهم بمسألة أهل القرية وأهل العير لأن القرية والعير لا ينبئان عن صدقهم انتهى وهنا مباحثتان.
أحداهما: أن العادين لهذين النوعين العاشر والحادي عشر ذكروه في
__________
1 سورة الأنبياء آية: 11.
2 سورة الحج آية: 48.
3 سورة القصص آية: 58.
4 سورة يوسف عليه السلام آية: 81 82.
(1/307)

المجاز الإفرادي وكيف يكون ذلك في مجاز النقصان والمجاز في المفرد هو اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأول والمحذوف لم يستعمل البتة والمجاز بالزيادة كذلك لأن الزائد لم يستعمل البتة في شيء وهذا السؤال قد شاع وذاع وأجاب عنه والدي رحمه الله بأن هذا لفظ مستعمل في غير ما وضع له فصدق عليه تعريف المجاز الإفرادي.
قال وذلك لأن قوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} موضوع لسؤالها مستعمل في سؤال أهلها فكان مجازا وليس هو مجاز في التركيب فإن مجاز التركيب مثل قولك أنبت الربيع البقل لفظ مستعمل في مقتضاه إسناد الإنبات إلى البقل ولكنا علمنا بالعقل أنه ليس كذلك وإنما هو من الله تعالى فقلنا إنه مجاز عقلي ولم ترد بقولنا المجاز بالزيادة والنقصان أن اللفظة الزائدة وحدها أو الناقصة وحدها مجاز ومن تأمل قول الإسلام في قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} وفي قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فهم ذلك ولا يقال إنه حينئذ يصير مجازا في التركيب لأنا لا نعني بمجاز التركيب إلا إسناد الفعل إلى الفاعل وهو الذي يكون الإسناد فيه من جهة الموضوع اللغوي صحيحا وإنما جاء المجاز من جهة العقل حتى لو فرض هذا الكلام من كافر يعتقد حقيقته لم يكن مجازا وهذا جواب نفيس.
الثانية: أن الأمام عد المجاز بالزيادة والمجاز بالنقصان مع تغايرهما وتقابلهما نوعا واحدا وبه أشعرت عبارة الكتاب وعليه جرى سائر أتباع الإمام إلا الشيخ صفي الدين الهندي فإنه عدهما نوعين كسائر المحققين وقد يعتذر عن الإمام بأنه لما كان مدار الأمر في هذين المجازين على شيء واحد وهو أن تستفيد الكلمة حركة لأجل إثبات مزيد مستغنى عنه أوحذف شيء لا بد منه جعلا نوعا واحدا لأن الكلمة نقلت عن حكم كان لها إلى حكم آخر لم يكن لها في الأصل وذلك كان في وضعها بالمجاز كما أنها توصف بالمجاز لنقلها عن معناها الأصلي إلى معنى آخر وبيان انتقالها عما كان لها من الحكم إلى غيره أن المثل في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الجر بزيادة الكاف وكان حكمه في الأصل النصب فالجر فيه مجاز والقرية في قوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} اكتسبت النصب
(1/308)

لأجل حذف المضاف وإقامتها مقامه وكان واجبها في الأصل الجر فالنصب فيه مجاز وقد يلوح من هذا التقرير وجه عد هذين النوعين من مجاز الأفراد ويقال المجاز إنما وقع في الجر والنصب بسبب الزيادة والنقصان ولكن هذا بعيد ومع الجواب المتقدم لا يحتاج إلى التشنيع بمثل هذه التخيلات.
قال والتعلق كالخلق للمخلوق.
العلاقة الثانية عشر: التعلق الحاصل بين المصدر واسم المفعول أو اسم الفاعل ويدخل منه أقسام.
أحدها: إطلاق اسم المصدر على المفعول كقوله تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} أي مخلوق آخر: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ} أي مخلوق الله: {كِتَابٌ كَرِيمٌ} أي مكتوب وعلى ذكر هذا القسم اقتصر في الكتاب.
وثانيها: عكسه ومنه قوله تعالى: {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} 1 أي الفتنة وهذا على رأي من يقدر المصدر وأما من يقول الباء زائدة والتقدير أيكم المفتون فلا يصح له التمثيل له.
وثالثها: إطلاق إسم الفاعل على المفعول نحو: {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} أي مدفوق وعيشة راضية أي مرضية.
ورابعها: عكسه مثل قوله تعالى: {حِجَاباً مَسْتُوراً} أي ساترا وقوله: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} أي آتيا.
وخامسها: إطلاق المصدر على اسم الفاعل نحو قولهم رجل عدل أي عادل وصوم أي صائم ومنهم من يقول التقدير ذو عدل وذو صوم فعلى هذا يكون من مجاز الحذف لا مما نحن فيه.
وسادسها: عكسه مثل قم قائما أي قياما واسكت ساكتا أي سكوتا وقد نجز شرح ما أورده المصنف من العلاقات وهي وإن كانت اثنتي عشر علاقة فهي أيضا في الحقيقة اثنان وعشرون قسما لأن العلاقة السببية
__________
1 سورة القلم آية: 6.
(1/309)

مشتملة على أربعة أقسام والمشابهة كما تقدم والاستعداد أيضا على قسمين لأن المستعد للشيء تارة يكون ذلك الشيء قريبا منه كالإسكار بالنسبة إلى العقار في الدن وتارة يكون بعيدا كتسمية الطفل بالكاتب والعالم ولا يخفى أن القريب أولى من البعيد عند التعارض والتعلق على ستة أقسام وأنت قريب العهد به ولتوصل الأقسام إلى ستة وثلاثين فنقول الثالث والعشرون اسم اللازم على الملزوم كالمس على الجماع الرابع والعشرين عكسه كقوله تعالى: {أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ} 1 أي يدل والدلالة لازم من لوازم الكلام الخامس والعشرون تسمية الحال باسم المحل كتسميته الخارج المستقذر بالغائط ومنه لا فض فوك أي أسنانك السادس والعشرين عكسه كقوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 2 أي في الجنة لأنها محل رحمته السابع والعشرون تسمية البدل باسم المبدل مثل يأكلن كل ليلة إكافا أي ثمن إكاف الثامن والعشرين عكسه كتسمية الأداء بالقضاء في قوله: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ} أي أديتم التاسع والعشرين إطلاق المنكر وإرادة المعين مثل: {أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} عند من يقول كانت معينة الثلاثون عكسه مثل: {ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً} عند من زعم أن المأمور به دخول أي باب كان الحادي والثلاثون إطلاق النكرة وإرادة الجنس مثل قوله تعالى: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} 3 الثاني والثلاثون إطلاق الموت باللام وإرادة الجنس مثل الرجل خير من المرأة والدينار خير من الدرهم الثالث والثلاثون إطلاق اسم المقيد على المطلق كقول شريح القاضي أصبحت ونصف الناس على غضبان فإنه أراد بالنصف البعض المطلق لا المقيد بالتعديل والتسوية ومنه قول الشاعر:
إذا مت كان الناس نصفين
...
شامت وآخر مثن بالذي كنت أصنع4
__________
1 سورة الروم آية: 35.
2 سورة آل عمران آية: 107.
3 سورة الانفطار آية: 5.
4 قائل هذا البيت هو العجير بن عبد الله السلولي شرح المقدمة النحوية لابن بابشاذ بتحقيق الدكتور محمد أبو الفتوح شريف ص 306...............................==
(1/310)

الرابع والثلاثون: عكسه كقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} عند من يقول المراد بها رقبة مؤمنة وهذا غير إطلاق المنكر وإرادة المعرف لأن المطلق غير المنكر نعم قد يقال إن المطلق من حيث كونه جزءا للمقيد مذكور فيما تقدم من إطلاق الجزء على الكل
الخامس والثلاثون: إطلاق آلة الشيء على الشيء كإطلاق اللسان على الكلام أو الذكر كما في قوله تعالى: {وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ} 1 وقوله: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} 2 وكما يقال كتب العلم كيت وكيت وقد يقال برجوع ذلك إلى إطلاق اسم المحل على الحال والتحقيق أنه غيره لأن آلة الشيء قد تكون محلا له وقد لا تكون
السادس والثلاثون: تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه كتسمية المريض ميتا في قوله صلى الله عليه وسلم: "اقرءوا على موتاكم يس" 3 ومنه: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً} وهذا غير القسم الذي تقدم في كلام المصنف أعني مجاز الاستعداد لأن المستمد للشيء قد لا يؤول إليه بل هو مستعد له ولغيره كما أن القصير قد لا يؤول إلى الحمزية وإن كان مستعدا لها ولغيرها وابن الحاجب عبر عن مجاز الاستعداد بتسمية الشيء باسم ما يؤول إليه بدليل أنه مثل ب بالخمر وذلك يوهم اتحاد القسمين وكذلك الإمام فإنه عبر بتسمية إمكان الشيء باسم
__________
= ويروى:
إذا مت كان الناس صنفان
...
شامت وآخر مثن بالذي كنت أصنع.
1 سورة الروم آية: 22.
2 سورة الشعراء آية: 84.
3 حديث صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث معقل بن يسار – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: "اقرءوها على موتاكم" يعني يس كما رواه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك ولهذا قال بعض العلماء: من خصائص هذه السورة أنها لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسره الله تعالى وكأن قراءتها عند الميت لتنزل الرحمة والبركة وليسهل عليه خروج الروح.
تفسير ابن كثير 3/563.
(1/311)

وجوده والحق افتراق القسمين والناظر إذا أمعن نظره في جزئيات هذه الأقسام ونظر إلى تفاوتها حصل على عدد كثير وفيما ذكرناه كفاية.
(1/312)

المسألة الرابعة: المجاز بالذات لايكون في الحروف
...
قال الرابعة المجاز بالذات لا يكون في الحرف لعدم الإفادة والفعل المشتق لأنهما يتبعان الأصول والعلم لأنه لم ينقل لعلاقة.
المجاز الواقع في الكلام قد يكون بالذات أي بالأصالة وقد يكون بالتبعية فالمجاز بالذات لا يدخل في أشياء.
أحدها: الحرف وذلك لأن مفهومه غير مستقل بنفسه بل ولا بد وأن يضم إلى شيء آخر ليحصل الفائدة.
قال الإمام فإن ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه كان حقيقة وإلا فهم مجاز في التركيب لا في المفرد وقد اعترض عليه النقشواني بأن الحرف له مسمى في الجملة إذ ما ليس له مسمى فهو مهمل والكلام في اللفظ الموضوع وإذا كان له مسمى واستعمل في موضوعه الأصلي كان حقيقة سواء كان الاستعمال عند ضمه إلى غيره أو عند عدم الضم فإن الاستعمال أعم منها وقد ذكر في حد الحقيقة هذا القدر فكان حقيقة وأما إذا استعمله في غير موضوعه لعلاقة كان مجازا من غير تفاوت.
قال وأقرب مثال لذلك قوله تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ} فإن الصلب مستعمل في موضوعه الأصلي وكذلك جذوع النخل ولم يقع المجاز إلا في حرف في فإنها للظرفية في الأصل وقد استعملت هنا لغير الظرفية.
قال وأيضا لو لم يدخل المجاز في الحرف بالذات لما دخلت فيه الحقيقة بالذات ولو كان كذلك لما صح ما ذكره في باب تفسير الحروف بيان الملازمة أنه لو تعذر دخول المجاز لكون الحرف غير مستقل فهو كما لا يفيد المعنى المجازي بالاستقلال لا يفيد المعنى الحقيقي بالاستقلال فإذا أوجب ذلك عدم دخول المجاز في الحرف وحده أوجب عدم دخول الحقيقة.
قال ثم نقول ما الدليل على أنه إن ضم إلى ما لا ينبغي ضمه إليه يكون مجازا في التركيب لا في المفرد بل الحق أن هذا الضم قرينة على مجاز الأفراد
(1/312)

وهذا كما تقول في لفظة الأسد إذا ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه بأن تقول رأيت أسدا يثب فهذا حقيقة وإن ضم إلى ما لا ينبغي بأن تقول رأيت أسدا يرمي بالنشاب صار ذلك قرينة دالة على أنه أراد بلفظ الأسد معناه المجازي وهذا مجاز في المفرد دون التركيب هذا آخر كلام النقشواني وكله منقدح حسن.
الثاني: الأفعال والمشتقات لأنهما يتبعان أصولهما وأصل كل منهم المصدر فإن كان حقيقة كانا كذلك وإلا فلا.
هذا كلام المصنف تبعا للإمام وقد اعترض عليه النقشواني بأن قولكم هذا لا يدخل المجاز في الفعل إلا بواسطة دخوله في المصدر يناقض قولكم استعمال المشتق بعد زوال المشتق منه مجاز.
فإذا قال القائل إن زيدا ضرب عمرا بعد انقضاء الضرب كان هذا مجازا وليس المجاز في الأسامي إذ كل واحد منهما مستعمل في موضوعه ولا في المصدر لأن المصدر لم يستعمل ههنا أيضا وما لم يستعمل أصلا يمتنع أن يقال استعمل مجازا أو حقيقة وليس أيضا مجازا في التركيب فتعين المجاز ههنا في الفعل فقد دخل في الفعل من غير دخوله في المصدر.
قال وهكذا يرد هذا النقض على المشتقات هذا اعتراضه ولقائل أن يقول إنما صح أن زيدا ضرب عمرا مجاز والحالة هذه لأنه يصح أن يقال زيد ذو ضرب لعمرو مجازا فما يجوز في الفعل إلا وقد صح إطلاق المصدر مجازا.
وقوله إن المصدر لم يستعمل ولا يوصف بحقيقة ولا مجاز.
قلنا صحة استعماله كافية في دخول المجاز في الفعل وليس المدعي غير ذلك أعني أن المجاز لا يدخل في الفعل إلا بواسطة صحة دخوله في المصدر لا بواسطة وقوع دخوله.
الثالث: العلم لأن الأعلام لم تنقل لعلاقة وشرط المجاز العلاقة وهذا فيما إذا كان العلم مرتجلا أو منقولا لغير علاقة وإن نقل لعلاقة كمن سمى ولده بالمبارك لما ظنه فيه من البركة فكذلك بدليل أنه لو كان مجازا لصح كذا في
(1/313)

خط المصنف ولعله سبق قلم والصواب لما صح إطلاقه عند زوال العلاقة وبهذا التقرير يعلم أن قول المصنف لأنه لم ينقل لعلاقة غير كاف في الدليل على مطلوبه بل كان الأحسن أن يقول لأنه إن كان مرتجلا أو منقولا لغير علاقة فواضح وإلا فلصدقه عليه مع زوالها.
وقال الغزالي إن المجاز يدخل في الأعلام الموضوعة للصفة كالأسود والحرث دون الأعلام التي لم توضع إلا للفرق بين الذوات واعترض النقشواني على قولهم إن المجاز لا يدخل في الأعلام بأن القائل يقول جاني تميم أو قيس وهو يريد طائفة بني تميم وهذا مجاز لا حقيقة وتميم اسم علم فقد يطرق المجاز إلى العلم لما بين هؤلاء وبين المسمى بذلك العلم من التعلق وفي هذا الاعتراض نظر.
(1/314)

المسألة الخامسة: المجاز خلاف الأصل
...
قال الخامسة المجاز خلاف الأصل لاحتياجه إلى الوضع الأول والمناسبة والنقل ولإخلاله بالفهم.
الأصل تارة يطلق ويراد به الغالي وتارة يراد به الدليل وقد ادعى المصنف أن المجاز خلاف الأصل إما بمعنى خلاف الغالب والخلاف في ذلك مع ابن جني1 حيث ادعى أن المجاز غالب على اللغات أو بالمعنى الثاني والغرض أن الأصل الحقيقة والمجاز على خلاف الأصل فإذا أراد اللفظ بين احتمال المجاز واحتمال الحقيقة فاحتمال الحقيقة أرجح لوجهين:
أحدهما: أن المجاز يحتاج إلى الوضع الأول وإلى العلاقة يعني المناسبة بين المعنيين وإلى النقل إلى المعنى الثاني والحقيقة محتاجة إلى الوضع الأول فقط وما يتوقف على أمر واحد كان راجحا بالنسبة إلى ما هو متوقف على أمور
__________
1 هو عثمان بن جني الموصلي من أئمة الأدب والنحو كان أبوه مملوكا روميا لسليمان بن فهد الأزدي الموصلي من مؤلفاته شرح ديوان المتنبي والمنهج في اشتقاق أسماء رجال الحماسة المحتسب في شواذ القراءات الخصائص في اللغة المقتضب من كلام العرب. توفي سنة 392 هـ.
وفيات الأعيان 1/313 الأعلام 4/364.
(1/314)

متعددة وقد أهمل صاحب الكتاب ذكر الاستعمال لأن الحقيقة والمجاز مشتركان في افتقارهما إليه.
والثاني: أن الحقيقة لا تخل بالفهم وذلك ظاهر والمجاز يخل بالفهم فيكون مرجوحا والدليل على أنه يخل بالفهم وجهان:
أحدهما: أن اللفظ إذا تجرد عن القرينة فلا جائز أن يحمل على المجاز لعدم القرينة ولا على الحقيقة وإلا لزم الترجيح بدون مرجح إذ الحقيقة والمجاز متساويان على هذا التقدير.
والثاني: أن الحمل على المجاز يتوقف على قرينة تدل على أنه المراد وقد تخفى هذه القرينة على السامع فيحمل اللفظ على المعنى الحقيقي مع إرادة المجاز أو يختبط عليه الحال فيحمل على الذي ليس بمراد.
قال فإن غلب كالاطلاق تساويا والأولى الحقيقة عند أبي حنيفة والمجاز عند أبي يوسف رحمه الله تعالى.
ما تقدم من رجحان الحقيقة على المجاز إنما هو فيما إذا لم يعارض أصالة الحقيقة غلبة المجاز أما إذا غلب المجاز في الاستعمال فقال أبو حنيفة الحقيقة أولى لأن الحقيقة بحسب الأصل راجحة وكونها مرجوحة أمر عارض لا عبرة به.
وقال أبو يوسف المجاز أولى لكونه راجحا في الحال ومن الناس من قال يحصل التعارض لأن كل واحد على الآخر من وجه فيتعادلان ولا يحمل على أحدهما إلا بالنية وهذا ما اختاره المصنف.
قال الهندي وعزى ذلك إلى الشافعي وقد مثل المصنف لذلك بالطلاق فإنه حقيقة في إزالة القيد سواء كان عن نكاح أم ملك يد أم غيرها وخصه العرف بإزالة قيد النكاح ولذلك كان كناية في باب العتق محتاجا إلى النية بخلاف الطلاق هذا كلام المصنف وهو فيما اختاره في هذه المسألة وفيما مثل به متابع للإمام في كتاب المعالم فإنه كذلك فعل ثم أورد على ما ذكر في الطلاق بأنه يلزم ألا يصر إلى المجاز الراجح إلا بالنية وليس كذلك بدليل
(1/315)

أنه لو قال لزوجته أنت طالق طلقت من غير نية وأجاب بأن هذا غير لازم لأنه إذا قال لمنكوحته أنت طالق فإن عنى بهذا اللفظ الحقيقة المرجوحة وهو إزالة مطلق القيد وجب أن يزول مسمى القيد وإذا زال هذا المسمى فقد زال القيد المخصوص وإن عني به المجاز الراجح فقد زال قيد النكاح فلما كان يفيد الزوال على التقديرين استغنى عن النية هذا كلام الإمام في المعالم.
وقد اعترض عليه ابن التلمساني بأن السؤال لازم إذ الكلام مفروض فيما إذا ذكره ولم ينو شيئا ولا خلاف أنه يحمل على الطلاق فقوله إن نوى وإن نوى حيد عن السؤال ولك أن تعترض على الإمام أيضا بأنا لا نسلم أنه إن عنى بذلك الحقيقة المرجوحة يجب زوال القيد المخصوص وإنما يجب ذلك أن لو كان المطلق في سياق الإثبات للعموم الشمولي وإنما هو عموم بدلي فإذا عنى الحقيقة المرجوحة فإنما أراد حصول مطلق الحقيقة وهي أعم من القيد المخصوص فلا تحمل عليه إلا بدليل.
واعلم أن التمثيل بالطلاق من أصله فيه نظر متوقف على تحرير محل النزاع في المسألة وهو مهم وقد حرره المتأخرون من كتب الحنفية.
المجاز أقسام:
الأول: أن يكون مرجوحا.
والثاني: أن يساوي الحقيقة في الاستعمال فلا ريب في تقديم الحقيقة في هذين القسمين ولا خلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف في ذلك وإن حصل وهم من بعض المصنفين في نقل الخلاف عنهما في القسم الثاني فلا يعبأ به.
والثالث: أن تهجر الحقيقة بالكلية بحيث لا تراد في العرف فقد اتفقا على تقديم المجاز مثل من حلف لا يأكل من هذه النخلة فإنه يحنث بثمرها لا بخشبها وإن كان هو الحقيقة لأن المجاز حينئذ إما حقيقة شرعية كالصلاة أو عرفية كالدابة وإذا عرفت هذا فتقول لا يستقيم التمثيل بالطلاق لأنه صار حقيقة عرفية أو شرعية عامة في حل قيد النكاح وهاتان الحقيقتان مقدمتان على الحقيقة اللغوية.
(1/316)

الرابع: أن يكون المجاز راجحا والحقيقة تتعاهد في بعض الأوقات نحو والله لأشربن من هذا النهر فإن شربه منه حقيقة في كرعه من النهر بفيه وإذا اغترف في الكوز وشرب فهو مجاز إذ شربه إنما هو من الكوز لا من النهر وإنما المجاز هنا راجح متبادر إلى الفهم وقد يراد الحقيقة فإن كثيرا من الناس يكرع بفيه فهذا هو محل النزاع.
خاتمة قد علمت أن الأصل في الإطلاق الحقيقة وقد يصرف اللفظ من حقيقته إلى مجازه لقرينة في مثل ما لو قال رهنت الخريطة ولم يتعرض لما فيها والخريطة لا يقصد رهنها في مثل هذا الدين فهل يجعل رهنا لما في الخريطة وإن كان مجازا للقرينة الحالية فيه وجهان.
(1/317)

المسألة السادسة: لأأسباب التي تدعو إلمجاز
...
قال السادسة يعدل إلى المجاز لثقل لفظ الحقيقة
كالخنفقيق أو حقارة معناه كقضاء الحاجة أو لبلاغة لفظ المجاز أو عظمه في معناه كالمجلس العالي أو زيارة بيان كالأسد.
هذه المسألة في السبب الداعي إلى التكلم بالمجاز وهو وجوه:
أحدها: ألا يكون للمعنى الذي عبر عنه بالمجاز لفظ حقيقي.
وثانيها: ألا يعرف المتكلم أو المخاطب لفظه الحقيقي.
وثالثها: أنه قد يكون معلوما لغير المتخاطبين كما هو معلوم لهما والمجاز قد لا يكون معلوما لغيرهما فيعبر عنه لئلا يطلع غيرهما على ذلك المعنى.
ورابعهما أن الإخفاء وإن كان غير مطلوب له لكن قد يثقل لفظه الحقيقة على اللسان سواء كان ذلك لمفردات حروفه أو لتنافر تركيب أو لثقل وزنه وقد ذكر في الكتاب من أمثلة هذا القسم الخنفقيق بفتح الخاء المعجمة وإسكان النون وفتح الفاء بعدها وكسر القاف بعدها ياء آخر الحروف ثم قاف وهو الداهية فلما كان هذا اللفظ أعني الخنفقيق ثقيلا على اللسان لاجتماع هذه الأمور الثلاثة فيه أعني ثقل الحروف والوزن وتنافر التركب حسن العدول عنه إلى المجاز بأن تقول وقع فلان في موت وما أشبهه.
(1/317)

فإن قلت إذا كان موضع الخنفقيق في اللغة الداهية فلا يحسن العدول عنه إلى المجاز مع وجود هذه اللفظة التي ليس فيها شيء من الأشياء الثلاثة.
قلت لعل المجاز هو العدول إلى الداهية.
فإن قلت هذا ينفيه قول الجوهري وهو ما ذكرتموه أن الخنفقيق هو الداهية والداهية ما يصيب الإنسان من نوب الدهر فإن مقتضى هذا أن يكون كل واحد من لفظي الخنفقيق والداهية دالا على النائبة.
قلت لمعنى الداهية لفظان:
أحدهما: يدل عليها بالحقيقة وهو الخنفقيق.
والثاني: بالمجاز وهو الداهية ولعل قول الجوهري الخنفقيق الداهية معناه أن الخنفقيق هو المعنى الذي يطلق عليه الداهية بطريق المجاز.
وخامسها: أن يستحقر لفظ الحقيقة عن أن يتلفظ به لحقارة معناه كما يعبر بالغائط عن الخراة.
وسادسها: أنه قد لا يصلح لفظ الحقيقة للسجع والتجنيس وسائر أصناف البديع أو لإقامة الوزن والقافية بخلاف لفظ المجاز وهذا مراد التصنيف بقوله لبلاغة لفظ المجاز.
وسابعها: أن التعبير بالمجاز قد يكون أدخل في التعظيم وأبلغ في المعنى كالمجلس العالي والجناب الشريف وما أشبه هذه الألفاظ فإنها أبلغ من قولك فلان.
وثامنها: أن يكون لزيادة بيان حال المذكور مثل رأيت أسدا فإنه أبلغ في الدلالة على الشجاعة لمن حكمت عليه بها من قولك رأيت إنسانا كالأسد شجاعة.
وتاسعها: أن المجاز قد يكون أدخل في التحقير.
وعاشرها: أن يكون المجاز أعرف من الحقيقة ولم يذكر في الكتاب من هذه الوجوه غير الرابع والخامس والسادس والسابع والثامن.
(1/318)

المسألة السابعة: اللفظ قدلا يكون حقيقة
...
قال السابعة اللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازا
كما في الوضع الأول والأعلام قد لا يكون حقيقة ومجاز باصطلاحين كالدابة.
اللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازا لغويا وقد يكون حقيقة ومجازا.
أما الأول: فمن اللفظ في أول الوضع قبل استعماله فيما وضع له أو في غيره ليس بحقيقة ولا مجاز لأن شرط تحقق كل واحد من الحقيقة والمجاز الاستعمال كما تقدم في تعريفهما فحيث انتفى الاستعمال انتفيا ومنه الأعلام المتجددة بالنسبة إلى مسمياتها فإنها أيضا ليست بحقيقة لأن مستعملها لم يستعملها فيما وضعت له أو لا بل إما أنه اخترعها من غير سبق وضع كما في الأعلام المرتجلة أو نقلها عما وضعت له كالمنقولة وليست بمجاز لأنها لم تنقل لعلاقة كما مر في المسألة الربعة وقد ظهر أن المراد بالأعلام هنا الأعلام المتجددة دون الموضوعة بوضع أهل اللغة فإنها حقائق لغوية لأسماء الأجناس وعلى هذا لا فرق في ذلك بين الأعلام المنقولة والمرتجلة على خلاف ما ظن الجاريردي شارح الكتاب حيث قال الذي يدور في خلدي أن المراد الأعلام المنقولة.
وأما الثاني: وهو أن اللفظ قد يكون حقيقة ومجازا فذلك بالنسبة إلى معنى واحد باعتبار اصطلاحين لأن اللفظ الموضوع للمعنى العام كالدابة الموضوعة لكل ما دب على الأرض إذا خصه العرف العام أو الشرع ببعض أنواعه كان ذلك اللفظ بالنسبة إلى ذلك المعنى حقيقة العام لغوية ومجازا عرفيا أو شرعيا وبالنسبة إلى ذلك النوع بالعكس ومن هذا يعرف أن الحقيقة قد تصير مجازا وبالعكس.
وأما بالنسبة إلى معنى واحد باعتبار واحد فذلك ممتنع لاستحالة النفي والإثبات.
(1/319)

المسألة الثامنة: علامة الحقيقة والمجاز
...
قال الثامنة علامة الحقيقة سبق الفهم والعراء عن القرينة.
اعلم أن الفرق بين الحقيقة والمجاز إما أن يقع بالتنصيص أو الاستدلال أما التنصيص فمن وجهين:
(1/319)

أحدهما: أن يقول الواضع هذه حقيقة وذاك مجاز وتقول ذلك أئمة اللغة قال الهندي لأن الظاهر أنهم لم يقولوا ذلك إلا عن فقه.
والثاني: أن يقول الواضع هذه حقيقة أو هذا مجاز فيثبت بهذا أحدهما وهو ما نص عليه وزاد الإمام ثالثا وهو أن يذكروا خواصهما وفيه نظر فإنه يندرج في قسم الاستدلال ولا يعد من التنصيص وأما الاستدلال فبالعلامات وهذا القسم هو الذي ذكره المصنف وذكر فيه لكل من الحقيقة والمجاز علامتين:
العلامة الأولى: من علامتي الحقيقة تبادر الذهن إلى فهم المعنى من غير قرينة.
فإن قلت ماذكرتم منقوض طردا وعكسا أما الطرد فلأن المجاز المنقول والمجاز الراجح مما يتبادر معنى كل منهما المجازي من غير قرينة دون حقيقتيهما وأما العكس فلأن المشترك حقيقة في مدلولاته مع عدم تبادر شيء منها إلى فهم.
قلت أما المنقول فغير وارد لأن المنقول إليه إنما يتبادر لأنه حقيقة فيه وكونه مجاز فيه أيضا لا ينافي كونه حقيقة فيه لما عرفت من أن اللفظ الواحد قد يكون حقيقة ومجازا وأما عدم تبادر الحقيقة الأصلية فلصيرورتها الآن مجازا عرفيا وأما المجاز الراجح فقال صفي الدين الهندي هو نادر والتبادر في الأغلب يختص بالحقيقة وتخلف المدلول على الدليل الظني لا يقدح فيه ألا ترى أن الغيم الرطب في الشتاء دليل وجود المطر وتخلفه في بعض الأوقات لا يقدح في كونه دليلا عليه لا سيما في المباحث اللغوية والأمارات الإعرابية وأما اللفظ المشترك فأحسن ما يجب به عنه أن التعريف بالعلامة لا يشترط فيه الانعكاس.
والعلامة الثانية: العراء عن القرينة يعني أنا إذا سمعنا أهل اللغة يعبرون عن معنى واحد بعبارتين ويستعملون إحداهما بقرينة دون الأخرى
(1/320)

فتعرف أن اللفظة في المستعمل حقيقة دول القرينة لأنه لولا استقرار أنفسهم على تعين ذلك اللفظ لذلك المعنى بالوضع لم يقتصروا عليه عادة قال وعلامة المجاز الإطلاق على المستحيل مثل وأسأل القرية والأعمال في المنسى كالدابة للحمار.
العلامة الأولى: من علامتي المجاز إطلاق اللفظ على ما يستحيل تعلقه به إذ الاستحالة تقتضي أنه غير موضوع له فيكون مجازا ومثل في الكتاب له بقوله تعالى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} أي لأنه لما علم امتناع سؤال الأبنية المجتمعة المسماة بالقرية علم أنه مجاز والتقدير وأسأل أهل القرية وفي هذا المثال من النظر ما قدمته.
العلامة الثانية: أن يستعمل اللفظ في المعنى المنسي بأن يكون موضوعا لمعنى له أفراد فيترك أهل العرف استعماله في بعض تلك الأفراد بحيث يصير ذلك البعض منسيا ثم يستعمل اللفظ في ذلك المعنى المنسي فيكون مجازا عرفيا مثال ذلك لفظ الدابة فإنه موضوع لكل ما يدب على الأرض فيترك أهل بعض البلدان استعمالها في الحمار بحيث نسي إطلاقها عليه عندهم.
وأعلم أن إطلاقها على غير المنسي مجاز لغوي لا قصرها على الحمار ببلاد مصر وعلى الفرس بالعراق وضع غير الوضع الأول كذا ذكروه وقد يقال إن استعملها المتكلم ملاحظا للوضع الأول كان حقيقة وإلا مجازا فالوضع الثاني لا يخرج الأول عما وضع له
(1/321)

الفصل السابع: تعارض ما يخل بالفهم
...
الفصل السابع في تعارض ما يخل بالفهم
قال الفصل السابع في تعارض ما يخل بالفهم وهو الاشتراك والنقل والمجاز والإضمار والتخصيص وذلك على عشرة أوجه.
الأحوال اللفظية المخلة بالأفهام الاشتراك والنقل والمجاز والإضمار والتخصيص.
واعلم أن التعارض بين هذه الاحتمالات الخمسة يقع على عشرة أوجه فقد اشتمل كلامنا هذا على دعاء.
والأولى: أن هذه الخمسة مخلة بالأفهام وبيان ذلك أنه على تقدير الاشتراك يحتمل أن يكون المراد غير ما يعنيه وعلى تقدير النقل يحتمل أن يكون المراد الحقيقة وكذلك على تقدير الإضمار والتخصيص.
والثانية: أنه لا يخل بالفهم من الألفاظ سواها وبيانها حصر المخلات في هذه الأقسام بالدوران وذلك بأن يقال كلما حصل أحد هذه الخمسة حصل الإخلال لما ذكرناه وكلما انتفت الخمسة انتفى الإخلال لأن مع زوال الاشتراك والنقل يكون اللفظ حقيقة واحدة ومع انتفاء المجاز والإضمار يكون المراد تلك الحقيقة ومع زوال التخصيص يكون المراد كلها هذه طريقة تدلك على الحصر ولك على ذلك طريقة أخرى وهي الترديد الدائر بين النفي والإثبات وذلك بأن تقول إذا لم يتعين المعنى من اللفظ فلا يخلو إما أن يكون لاحتمال معنى آخر داخل في مفهوم اللفظ أو خارج عنه إن كان
(1/322)

الأول فهو احتمال التخصيص وإن كان الثاني فإما أن يكون لاحتمال حقيقة أخرى أو لا.
والأول: إن كان مسبوقا بوضع آخر فهو احتمال النقل وإلا فاحتمال الاشتراك.
والثاني: إن كان المصير إليه لضرورة لفظية فهو احتمال الإضمار وإلا فاحتمال المجاز.
والثالثة: أن التعارض بينها يقع على عشرة أوجه وبيانها أنه إنما يقع التعارض بين الاشتراك وبين الأربعة الباقية ثم بين النقل وبين الثلاثة الباقية ثم بين المجاز وبين الوجهين الباقيين ثم بين الإضمار والتخصيص فكان المجموع عشرا.
وأعلم أنه هذه الدعوى غير محررة والاعتراض عليها من وجوه:
أحدها: أنه إن أريد أنه إذا انتفت الخمسة حصل الظن بالمدلول لا الجزم فليس بصحيح فإن الظن حاصل مع الاحتمالات وإن أريد أن الخمسة تخل بالجزم بالمدلول لا بظنه فنقول لا يلزم من انتفاء الخمسة انتفاء الاحتمال وحصول الجزم كيف وقد ذكر الإمام أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين إلا بنفي عشرة احتمالات فذكر هذه الخمسة مع التقديم والتأخير والناسخ والمعارض العقلي وتغير الإعراب ومعلوم أنه هذه العشرة إنما تخل باليقين لا بالظن فكان حقه أن يذكر هاهنا العشرة بعينها فالحصر في الخمسة باطل.
فإن قلت لعل المراد أن انتفاء الخمسة يحصل غلبة الظن وتلك رتبة متوسطة بين اليقين وأصل الظن.
قلت هذه الغلبة لا ضابط لها وغلبة الظن لا تخرج عن باب الظن فإن الظنون تتفاوت وهي مشتركة في مشروع واحد.
والثاني: أن ما ذكر من أنه إذا انتفى المجاز والإضمار بقي اللفظ مستعملا فيما وضع له مفهومه أنه إذا وجد أحدهما لا يكون اللفظ مستعملا فيما وضع له وليس كذلك لأن الإضمار على قسمين:
(1/323)

أحدهما: ما يوجب مجازا في اللفظ مثل: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} فإن إضمار الأهل هو الذي صير إسناد السؤال في الظاهر إلى القرية مجازا.
الثاني: هو ما لا يوجب مجازا في اللفظ كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} 1 الآية فإذا أضمرنا فيها محدثين لا يتجدد في اللفظ مجاز وكذلك قوله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فإذا أضمرنا فأفطرتم لا يتجدد في اللفظ مجاز.
الثالث: أن الكلام في هذه المحتملات إن كان في مطلقاتها وأجناسها دون أنواعها وأشخاصها فلا ينبغي أن يذكر الإضمار ولا التخصيص لأنهما نوعان للمجاز فيندرجان تحت مطلقه وعلى هذا يكون الاحتمالات المخلة ثلاثة فقط وإن كان الكلام في أنواعها دون مطلقاتها وأجناسها فلا ينحصر في خمسة لأن أنواع المجاز متعددة كما سبق وقد ذكر فيما تقدم اثني عشر نوعا وأنواع النقل ثلاثة فهذه خمسة عشر اثنين منها فعلم أن الحصر في الخمسة فاسد.
الرابع: أن من جملة الاحتمالات المخلة بالفهم النسخ لأن السامع إذا جوز على حكم اللفظ أنه منسوخ لم يجزم ثبوته ولم يذكروه مع الخمسة والإمام ذكره بعد ذلك وزعم أنه مندرج في التخصيص فلذلك لم يقرره بالذكر وتبعه المصنف في ذلك وهذا لا يستقيم لا على أصله ولا على الحق في نفس الأمر فإن أصله أن صيغة الأمر للقدر المشترك بين المرة والتكرار فلا عموم في الأزمان فلا نسخ وأما على الحق في نفس الأمر فلأنا إذا سيرنا الأوامر لا نجدها تقتضي بصيغتها فعل المأمور أبدا فكان الأحسن أن يعد النسخ وقد نظم بعضهم بيتين في هذه الأقسام وذكر النسخ فقال:
تجوز ثم إضمار وبعدهما
...
نقل تلاه اشتراك فهو يخلفه
وأرجح الكل تخصيص وآخرهم
...
نسخ فما بعده قسم يخلفه
قال الأول النقل أولى من الاشتراك لأفراده في الحالتين كالزكاة.
__________
1 سورة المائدة آية: 6.
(1/324)

شرع في ذكر الوجوه العشرة على الترتيب المذكور فنقول النقل أولى من الاشتراك لأن المنقول مدلوله مقرر في الحالتين أي قبل النقل وبعده أما قبل النقل فلأن مدلوله المنقول عنه وهو اللغوي وأما بعده فلأن مدلوله المنقول إليه وهو الشرعي أو العرفي وإذا كان مدلوله مفردا لم يمتنع العمل به.
وأما المشترك فمدلوله متعدد في كل وقت فيكون المجمل لا يعمل به إلا بقرينة اللهم إلا أن يقال نحمله وما لا يمتنع العمل به أولى من عكسه مثال ذلك لفظ الزكاة فإنه يحتمل أن يكون مشتركا بين النماء والقدر المخرج من النصاب وأن يكون موضوعا للنماء فقط ثم نقله الشرع إلى القدر المخرج من النصاب فإذا تعارضا فالنقل أولى لما ذكرناه ومن أمثلته أن يقول الشافعي الفاتحة ركن في الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" 1 ولفظ الصلاة في عرف الشرع منقول إلى العبارة المخصوصة فوجب أن تكون الفاتحة ركنا فيقول الحنفي مذهب القاضي أن الشرع لم ينقل شيئا من الألفاظ بل الصلاة مشتركة بين الدعاء وبين المتابعة ومنه سمي الثاني في جلية السياق مصليا لكونه تابعا لصلوي الذي قبله وسميت هذه العبارة صلاة لما فيها من المتابعة للأئمة غالبا وذا كانت مشتركة كانت مجملة فيسقط الاستدلال بها حتى يدين الخصم رجحان اللفظ في أحدهما.
فنقول جعلها منقولة إلى العبارة المخصوصة أولى من الاشتراك لما تقرر.
ومنها أن يقول الشافعي الكلب نجس لقوله صلى الله عليه وسلم: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعا" 2 والطهارة في عرف الشرع منقولة إلى
__________
1 حديث صحيح رواه أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن" وفي رواية بفاتحة الكتاب – فهو خداج هي خداج غير تمام".
2 ولفظه كما عند مسلم وأبو داود والبيهقي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب".
(1/325)

إزالة الحدث والخبث ولا حدث فيتعين الخبث فيقول المالكي لفظ الطهارة مشترك في اللغة بين إزالة الأقذار وبين الغسل على وجه التقرب إلى الله تعالى لأنه مستعمل فيهما حقيقة إجماعا والأصل عدم التغيير والتقرب إلى الله تعالى كان معلوما لهم لقوله تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 1 والمشترك مجمل فيسقط الاستدلال د به حتى بين الخصم الرجحان.
فنقول جعله منقولا إلى العبارة المخصوصة أولى من الاشتراك لما مر.
قال الثاني: المجاز خير منه لكثرته وإعمال اللفظ مع القرينة ودونها كذلك.
المجاز أولى من الاشتراك لوجهين:
أحدهما: أنه أكثر في اللغة والأكثرية دليل الرجحان.
والثاني: أنه على تقدير المجاز إن كان اللفظ مع القرينة وجب حمله على المجاز وإن كان مجردا عنها وجب حمله على الحقيقة فهو معمول به على التقديرين بخلاف الاشتراك فإن اللفظ المشترك إذا تجرد عن القرينة وجب التوقف على المختار عندهم وإن عمل به عند البعض احتياطا فليس العمل للاحتياط كالعمل مع التحقيق.
ومن أمثلة الفضل قولنا موطوءة الأب بالزنا يحل للإبن نكاحها لقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} 2 وهذه طابت للإبن.
فإن قلت هذا معارض بقوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} 3 والنكاح حقيقة في الوطء
قلت بل هو حقيقة في العقد لقوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} .
__________
1 سورة الزمر آية: 3.
2 سورة النساء آية: 3.
3 سورة النساء آية: 22.
(1/326)

وغيرها من الآيات وإذا كان حقيقة في العقد لا يكون حقيقة في الوطء وإلا يلزم الاشتراك.
فإن قلت لولا ذلك لزم المجاز.
قلت المجاز خير من الاشتراك لما ذكرناه.
ومنها قولنا لا يجوز التوضؤ بالنبيذ لأن الله تعالى نص على سبيله الماء فوجب حصر السبب فيه عملا بالأصل الثاني لسببية غيره.
وإنما قلنا إن الله تعالى نص على سببية الماء لقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} 1 والطهور هو الذي يتطهر به كالحنوط والسعوط الذي يتحنط به ويتسعط به فيقول الحنفي الأصل في فعول أن يكون تابعا لفاعل في القصر والتعدية وطاهر قاصر فطهور مثله فلو كان ههنا الذي يتطهر به للزم الاشتراك وعلى ما نقوله تكون صيغته هنا مجازا فإنه لا تكرار في طاهرية بماء السماء فالمجاز أولى من الاشتراك لما مر فتقول هو الترجيح مدفوع بقوله تعالى: {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} والباء للسببية فيدل على أن المراد الذي يفعل به التطهير.
قال الثالث: الإضمار خير منه لأن احتياجه إلى القرينة في صورة احتياج الاشتراك إليها في صورتين.
الإضمار أولى من الاشتراك لأنه لا يحتاج إلى القرينة إلا في صورة واحدة وهي صورة إرادة المعنى الإضماري بخلاف المشترك فإنه مفتقر إلى القرينة في جميع صوره إذ ليس البعض فيه أولى من البعض وفي بعض نسخ الكتاب بعد قوله في صوريتن مثل: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} أي أن لفظ القرية يحتمل أن يكون منقولا بالاشتراك على الأهل والأبنية ويحتمل أن يكون حقيقة في الأبنية فقط والأهل مضمر فيقول المناظر الإضمار أولى لما قلناه ومن أمثلته قولنا لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} إلى قوله: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ} 2 وجارية الابن حليلة.
__________
1 سورة الفرقان آية: 48.
2 سورة النساء آية: 23.
(1/327)

لأن الحليلة فعيلة من الحل وهي المرأة التي يحل وطؤها فحليلة الابن المرأة التي يحل وطؤها والجارية المملوكة للإبن كذلك فتكون حليلة له وإذا كانت حليلة للإبن اندرجت تحت الآية فتكون محرمة على الأب فيقول الحنفي حليلة الرجل هي المرأة التي تحل له بالنكاح وهي الزوجة ودليله النقل.
قال الجوهري الحليلة الزوجة فنقول لا نسلم أن إطلاق الحليلة على الزوجة بطريق الحقيقة.
فإن قلت الأصل في الإطلاق الحقيقة قلت نعم لكن لو جعلناه حقيقة فيما ذكرتم فإما أن يكون حقيقة فيما ذكرناه أيضا أو مجازا فيه والثاني باطل لأنه يلزم منه ترجيح الاستعمال في دلالته على الحقيقة على الإشتقاق في دلالته عليها وذلك لأن الظاهر أن الجوهري إنما أخذ أن الحليلة هي الزوجة من استعمال العرب والاستعمال أعم منه أن يكون على سبيل الحقيقة أو المجاز ونحن دللنا باشتقاق لفظ الحليلة المقتضي لما هو أعم من الزوجة فليكن أرجح لبعد الخطأ فيه والأول أيضا باطل لأنه يلزم منه الاشتراك.
فإن قلت لو لم يكن مشتركا بل كان حقيقة فيما ذكرتم مجازا فيما ذكرناه لزم الإضمار لأن جارية الإبن لا تحرم على الأب على التأييد بالإجماع بل ما دامت مملوكة والآية إنما سيقت لبيان المحرمات على التأييد فلا بد من إضمار ما يصح به تحريم جارية الإبن لا على التأييد لجواز أن يقال وحلائل أبنائكم بالنكاح وبملك اليمين مادامت حليلتهم والإضمار أيضا خلاف الأصل فوقع التعارض بين الاشتراك والإضمار.
قلت الإضمار أولى.
ومنها قراءة الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة لقوله صلى الله عليه وسلم "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" وهذه صلاة فوجبت الفاتحة فيها فإن قال الخصم لفظ الصلاة مفهوم مشترك في عرف الشرع لإطلاقه على ما لا ركوع فيه ولا سجود كالجنازة وعلى ما لا تكبير فيه ولا سلام كالطواف وعلى ما لا قيام فيه كصلاة المريض وليس بينهما قدر مشترك فحعل اللفظ حقيقة فيه فيكون
(1/328)

مشتركا مجملا يسقط الاستدلال به قلنا المشترك عندنا يحمل على جميع مسمياته عند عدم القرينة فتندرج صلاة الجنازة تحت عمومه.
فإن قلت وجب جعل اللفظ غير منقول حذرا من الاشتراك ويكون ههنا إضمار تقديره كل صلاة من الصلوات الخمس لم يقرأ فيها بأم القرآن ويكون إطلاق لفظ الصلاة على الصلوات الخمس مجازا لغويا والإضمار أولى من الاشتراك.
فنقول هذا الترجيح مدفوعا بالقياس على الصلوات الخمس.
قال الرابع التخصيص خير لأنه خير من المجاز كما سيأتي مثل ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم فإنه مشترك أو مختص بالعقد وخص عنه الفاسد.
التخصص خيرمن الاشتراك لأن التخصيص خير من المجاز والمجاز خير من الاشتراك ينتج ما ادعيناه.
أما الصغرى فلما سيأتي إنشاء الله تعالى وأما الكبرى فلما مر مثاله أن يقول الحنفي موطوءة الأب بالزنا محرمة على الابن لقوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} وهو حقيقة في الوطء فنقول بل هو حقيقة في العقد لما قررناه كما في قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} 1 وإذا ثبت أنه موضوع للعقد فلم يبق إلا أن يكون مشتركا بين العقد والوطء أو أن يكون مختصا بالعقد وخص عنه الفاسد حتى إذا نكح الأب نكاحا فاسدا فللإبن أن ينكح تلك الموطوءة بالوطء الفاسد والتخصيص أولى من الاشتراك.
قال الخامس: المجاز خير من النقل لعدم استلزامه نسخ الأول كالصلاة.
المجاز الأول خير من النقل لأن النقل ستلزم نسخ الأول مثاله الصلاة فإن المعتزلة ادعت أنها منقولة إلى الأفعال الخاصة وجمهور الأصحاب قالوا إنها مجازات لغوية اشتهرت فمذهبهم أولى لأن المجاز أولى من النقل.
__________
1 سورة النور آية: 32.
(1/329)

ومن أمثلته أن يقول المالكي يجزى رمضان كله نية واحدة من أوله لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لم يبيت الصيام من الليل" 1 ووجه الاحتجاج أن الصيام منقول عن أصل الإمساك إلى الإمساك المخصوص والمعرف بأل يفيد العموم واستغراق الصوم إلى الأبد ورمضان من جملة ذلك فيكون مفهوم ذلك أن من بيت كان له الصوم وهذا قد ثبت فيقول الشافعي لا نسلم أنه منقول بل مجاز في إمساك جزء من الليل قبل الفجر ويكون من مجاز التعبير بالأعم عن الأخص فإن الشرع لم يصرح بتبييت الصوم وما ذكرناه محمل صالح له والمجاز أولى من النقل.
قال السادس: الإضمار خير منه لأنه مثل المجاز كقوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبا} فإن الأخذ مضمر والربا نقل إلى العقد.
الإضمار أولى من النقل لأن الإضمار مساو للمجاز لما سيأتي إن شاء الله تعالى والمجاز أولى من النقل لما مر مثاله قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبا} فإن الربا هو زيادة والزيادة بعينها لا توصف بحل ولا حرمة فلا بد من تأويل فأضمرت طائفة الأخذ وقالت التقدير حرم أخذ الربا فإذا توافق البايع والمشتري على إسقاط الزيادة صح وقالت طائفة الربا نقل إلى العقد المشتمل على الزيادة وذلك لقرينة قوله: {أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} 2 فإذن المنهي عنه نفس العقد سواء اتفقا على خط الزيادة أم لا فالأول أولى لأن الإضمار أولي من النقل.
قال السابع: التخصيص أولى لما تقدم مثل: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} فإنه المبادلة مطلقا وخص الفاسد أو نقل إلى المستجمع لشرائط الصحة.
التخصيص أولى من النقل لأن التخصيص خير من المجاز لما سيأتي إن شاء الله والمجاز خير من النقل لما مر والخير من الخير خير مثاله قوله تعالى: {أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} فمن قائل البيع موضوع للمبادلة مطلقا وخص عنه
__________
1 أخرجه ابن ماجه من حديث حفصة – رضي الله عنها – بلفظ "لا صيام لمن لم يفرضه من الليل".
2 سورة البقرة آية: 275.
(1/330)

الفاسد لكونه غير حلال ومن قائل بل نقل إلى المعارضة المشتمل على الأركان والشرائط فالأول أولى لأن التخصيص أولى من امثلته أن يقول المالكي يلزم الظهار من الأمة وأم الولد لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} الآية وهما من جملة النساء فإذا قال الشافعي لفظ النساء صار منقولا في العرف للحرائر فوجب ألا يتناول محل النزاع ولو لم يكن منقولا للزم أن يكون مخصوصا بذوات المحارم فإنهن من نسائهم ولا يلزمهم فيهن ظهار كان للمالكي أن يقول إذا وتعارض النقل والتخصيص فالتخصيص أولى.
قال الثامن: الإضمار مثل المجاز لاستوائهما في القرينة مثل هذا ابني.
الإضمار مثل المجاز فلا يترجح أحدهما على الآخر إلا بدليل من خارج وإنما قلنا إنهما سيان لاستوائهما في الاحتياج إلى القرينة واحتمال خفائها وهذا ما جزم به في الكتاب تبعا للإمام في المحصول.
وقال الإمام في المعالم يترجح المجاز لكثرته وهذا ما اختاره صفي الدين الهندي وقيل بالعكس وقوله مثل هذا ابني.
أعلم أن هذا المثال لم يذكره الإمام ولا صاحب الحاصل والذي عندي في تقريره أن القائل لعبده هذا ابني والعبد لا يمكن أن يكون ابنه إما لكونه مشهور النسب من غيره أو لكونه أكبر سنا منه فههنا قد انتفت الحقيقة وبقي اللفظ دائرا بين مجازي الإضمار والمجاز إذ يحتمل أن يكون المراد مثل ابني في الحنو أو أنه ابني مجازا لذلك وأما أنه هل يترتب على هذا عتق أو لا يترتب فليس من وظيفة الأصولي التعرض له ولا إرادة المصنف وقد حكى الأصحاب وجهين فيما إذا كان مشهور النسب من غيره واستلحقه هل يعتق لكونه أقر بالنبوة التي لازمها العتق فيؤاخذ باللازم وإن لم يثبت الملزوم ولكن ليس مأخذ الوجهين الإضمار والمجاز كيف وهو إنما أراد باللفظ حقيقته ولكن لم تسمع منه وكذا لو قال أحد الوارثين فلانة بنت أبينا هل يحكم بعتقها وجهان وليس مأخذهما مجاز الإضمار والتخصيص بل شيء غيره وقد
(1/331)

نبهان على ذلك لئلا يغتر به مغتر.
وأما ما ذكره الرافعي في الركن الأول من الباب الثاني في أركان الطلاق عن فتاوى القفال من أنه لو قال يا بنتي وقعت الفرقة بينهما عند احتمال السن كما لو قال لعبده أو أمته واختار النووي أنه لا يعتق بمجرد ذلك لأنه يذكر في العادة للاستيناس والتحنن فهذه المسألة غير المسألة التي نحن فيها وهي قوله: هذا ابني والفرق واضح بينهما وهو ما ذكره النووي من أن بنتي يذكر في العادة للاستيناس والتحنن وهذا ابني ليس كذلك فقد وضح أن مسألة هذا ابني على الوجه المذكور غير معروفة في المذهب فافهم ذلك ونظيرها ما لو قال أوصيت لزيد بنصيب ابني.
وقد اختلف الأصحاب في أن الوصية هل تبطل أو تحمل على مثل نصب ابنه ومن أمثلة تعارض المجاز والإضمار أن يقول الشافعي يجوز قتل الرهبان في الحرب لدخولهم في عموم قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} فإن قال المالكي يلزم على ما ذكرته أن يكون لفظ المشرك مجازا إذا المشترك من جعل الشريك وهذا يصدق على شركاء الزرع والعقار ويكون قد عبر بلفظ المشرك على الكافر بالشرك تعبيرا عن الأخص بلفظ الأعم بل ينبغي أن يكون في الآية إضمار تقديره اقتلوا محاربة المشركين صونا له عن المجاز ولا يندرج صورة النزاع حينئذ كان للشافعي أن يقول المجاز أولى ويتجاذبان أطراف الكلام
ومنها أن يقول الشافعي النية شرط في الوضوء للصلاة لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآية وجه التمسك أنه تعالى يأمر بغسل الأعضاء المذكورة لأجل الصلاة لأنه أمرنا بالغسل لأجل إرادة الصلاة لأن المراد من القيام إلى الصلاة إرادة الصلاة والأمر بالفعل بشرط إرادة فعل آخر يكون أمر بالفعل لأجل الفعل الآخر كما في قولهم إذا دخلت على الخليفة فتأدب أي لأجل الدخول عليه ومنه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} 1 أي لأجل نجواكم فعلم أنه بغسل الأعضاء لأجل الصلاة
__________
1 سورة المجادلة آية: 12.
(1/332)

وجوبا ولا يعني باشتراط النية سوى وجوب غسل الأعضاء الأربعة لأجل الصلاة فإن قال الحنفي لم قلت إن المراد هنا الوجوب.
قلنا ظاهر الأمر الوجوب فإن قال نعم ولكن لو حملناه على الوجوب لزم إضمار الحدث لأن الوضوء لا يجب إلا على المحدث ولو حملناه على الندب لم يلزم الإضمار وإنما يلزم المجاز في لفظ الأمر.
قلنا الإضمار أولى وهو منقول هنا عن عكرمة وابن مسعود ويقع النظر بينهما.
ومنها إذا تحقق الرجل من امرأته النشوز ولكنه لم يتكرر ولم يظهر إصرارها عليه فله مع الوعظ أن يهجرها في المضطجع وفي ضربها وجهان رجح الشيخ أبو حامد والمحاملي أن لايجوز ومال ابن الصباغ والشيخ أبو إسحاق الشيرازي إلى الجواز واختاره النووي والمأخذ قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} 1 فمن قال بالأول قال مجازا كما في قوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً} 2 أي علم وفي الآية إضمار والمعنى واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن فإن نشزن فاهجروهن في المضاجع فإن أصررن فاضربوهن ومن قال بالثاني قال الخوف بمعنى العلم مجازا كما في قوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً} أي علم فتعارض المجاز والإضمار.
قال التاسع التخصيص خير لأن الباقي متعين والمجاز بما لم يتعين مثل: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} فإن أراد التلفظ وخص النسيان أو الذبح.
التخصيص أولى من المجاز لأن الباقي من أفراد العام بعد التخصيص متعين بخلاف المجاز فإنه ربما لم يتعين لأن اللفظ وضع ليدل على المعنى
__________
1 سورة النساء آية: 34.
2 سورة البقرة آية: 182.
(1/333)

الحقيقي فإذا انتفى بقرينة افتقر صرف اللفظ إلى المجاز إلى تأمل لاحتمال تعدد المجازات ولا يقال اللفظ لا يصرف عن الحقيقة إلا بقرينة وتلك القرينة تهدي إلى المجاز فأين التأمل بعد القرينة لأنا نقول قد تجئ القرينة بصرف اللفظ عن ظاهره من غير تعرض إلى تبيين المقصود مثال تعارض التخصيص والمجاز قول الحنفي متروك التسمية عمدا لا يخل بقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} 1 أي ولا تأكلوا مما لم يتلفظ عليه باسم الله.
وقول الشافعي المراد بذكر الله تعالى هو الذبح مجاز لأن الذبح غالبا لا يخلو عن التسمية فيكون نهيا عن أكل غير المذبوح لأنه لولا ذلك وأولنا كما قلتم للزم تخصيص اللفظ إذا سلمتم أن ذبيحة الناس حلال فللحنفي أن يقول التخصيص خير من المجاز ومن أمثلته أيضا أن يقول الشافعي العمرة فرض لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} 2 وظاهر الأمر الوجوب فيقول المالكي تخصيص النص بالحج والعمرة المشروع فيهما لأن استعمال الإتمام في الابتداء مجاز والتخصيص أولى من المجاز للشافعي بعد هذا أن يقول هذا الترجيح معارض بأنهما قد استويا في السياق فوجب أن يستويا في الحكم والحج واجب إجماعا فيجب الآخر عملا بالأصل المستوي بينهما.
قال العاشر التخصيص خير من الإضمار لما مر مثل ولكم في القصاص حياة.
التخصيص خير من الإضمار لأن التخصيص خير من المجاز لما مر والمجاز مساو للإضمار والأولى من المساوي أولى مثاله قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} 3 فإن الأئمة اختلفوا فيه فقال منهم قائل الخطاب عام اختص بالورثة لأنهم إذا اقتصوا حصلت لهم الحياة بدفع شر هذا القاتل الذي صار عدوا لهم
__________
1 سورة الأنعام آية: 121.
2 سورة البقرة آية: 196.
3 سورة البقرة آية: 179.
(1/334)

وقال قائل بل هو عام والمشروعية مضمرة أي ولكم في مشروعية القصاص حياة وذلك لأن الناس إذا سلموا أن القصاص مشروع كان أدعى لاندفاع القتل ما بينهم لأن من هم بالقتل واستحضر أنه يقتص منه انكف عن القتل غالبا.
واعلم أن هذا التأويل الثاني هو الصحيح وإن كان الأول مترجحا من جهة أولوية التخصيص وكذلك كل ما أوردناه من هذا الفصل من الأمثلة فإنا غير حاكمين عليه بالترجيح إلا من جهة ما أوردناه له مثالا ولا يشترط أن يكون مرجوحا من وجه آخر هو أقوى أو مساو لذلك ذكرنا في بعض الأمثلة أن الترجيح يندفع بالأمر الفلاني تنبيها على ما أشرنا إليه الآن ومن أمثلة هذا الوجه العاشر أن يقول المالكي الكلب طاهر لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} 1 والضمير في أمسكن عام في جملة الجوارح فيندرج فيه الكلب فيجوز أكل موضع فمه عملا بالظاهر فيكون طاهرا فيقول الشافعي يلزم على ما ذكرتموه جواز أكل ما أمسك بعد القدرة عليه من غير ذكاة وليس كذلك فيلزم التخصيص بل ههنا إضمار تقديره كلوا من حلال ما أمسكن عليكم وكون موضع فمه من الحلال محل النزاع فللمالكي أن يقول على ما ذكرناه يلزم التخصيص وعلى ما ذكرتموه يلزم الإضمار والتخصيص أولى.
ومنها قولنا لا يصح صوم رمضان إلا بنية الفرض خلافا لأبي حنيفة حيث قال يصح بمطلق النية أو بنية النقل ونية واجب آخر لنا "إنما الأعمال بالنيات" ويقتضي توقف ذات الأعمال على نياتها كما يقال إنما الكتابة بالقلم ويلزم من توقف ذوات الأعمال توقف صحتها لاستحالة وجود الصحة بدون الذات والمراد بالنيات نيات الأعمال فاقتضى توقف صحة كل عمل على نيته فيتوقف الفرض على نية الفرض.
فإن قلت الكمال مضمر في الحديث إذ لو لم يضمر لزم التخصيص بالأعمال التي لا تتوقف على النية كرد الودائع والغصوب.
__________
1 سورة المائدة آية: 4.
(1/335)

قلت التخصيص أولى.
قال تنبيه الاشتراك من النسخ لأنه لا يبطل.
التخصيص الذي سبق ترجيحه على الاشتراك وغيره هو التخصيص في الأعيان لا التخصيص في الأزمان الذي هو النسخ فإن الاشتراك خير منه وذلك لأن الاشتراك لا إبطال فيه بل غايته التوقف إلى القرينة عند من لا يحمله على معنييه بخلاف النسخ فإنه يبطل الحكم السابق بالكلية مثال التبييت شرط في صحة صوم رمضان خلافا لأبي حنيفة وساعدنا على القضاء والنذر فنقيس محل النزاع على محل الوفاق.
فإن عارض بما روي أنه عليه السلام قدم المدينة يوم عاشوراء فرأي اليهود صائمين فسأل عليه السلام عن صومهم ويومهم فقيل هذا يوم أنجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام وأهلك عدوه فرعون وكان موسى عليه السلام يصومه شكرا ونحن نصومه اتباعا له فقال عليه السلام: "نحن أحق بموسى منهم" ثم أمر مناديا ينادي: "ألا من أكل فليمسك بقية النهار ومن لم يأكل فليصم" 1 أمر بالصوم في أثناء النهار ومن المعلوم أن الصوم في أثناء النهار لا يكون إلا بنية من النهار.
قلنا لا نسلم وجوب ذلك اليوم.
فإن قال ظاهر الأمر الوجوب كان لمن يعتقد أن الأمر مشترك بين الوجوب والندب أن يقول كما هو في حقيقة في الوجوب فكذلك في الندب وإذا كان حقيقة فيهما لا يحمل على الوجوب إلا بقرينة زائدة وعندنا صوم النقل يصح بنية من النهار.
فإن قلت الاشتراك خلاف الأصل قلت لو لم يكن مشتركا لزم النسخ فإن صح يوم عاشوراء غير ثابت والاشتراك خير من النسخ.
__________
1 رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
تيسير الوصول 2/304.
(1/336)

قال والاشتراك بين علمين خير منه بين علم ومعنى وخير منه بين معنيين.
هذان فرعان:
الأول: أنه إذا تعارض المشترك بين علمين والمشترك بين علم ومعنى فالمشترك بين علمين أولى لأن الأعلام إنما بين علمين أولى لأن الأعلام إنما تطلق على الأشخاص المخصوصة كزيد وعمرو إذ المراد العلم الشخصي لا الجنسي وهذا بخلاف أسماء المعاني إذا تتناول المسمى في أي ذات كان فكان اختلال الفهم يجعله مشتركا بين علمين أقل الفرع.
الثاني: وإليه أشار بقوله وهو أي المشترك بين علم ومعنى أولى من المشترك بين معنيين لأن الاختلال الحاصل عند الاشتراك من الأول أقل من الثاني هذا ما ذكره المصنف تبعا للإمام في هذين الفرعين وأنت إذا نظرت إلى قولهما المشترك بين علمين وبين علم ومعنى وعلمت أن المشترك لا بد وأن يكون حقيقة في أفراده وتذكرت ما قالاه قبل ذلك من أن العلم ليس بحقيقة ولا مجاز علمت أن الغفلة تطرقت إليهما في ذلك وبالله التوفيق.
(1/337)

الفصل الثامن: تفسير حروف يحتاجه إليها
المسألة الأولى: الواو
...
الفصل الثامن في تفسير حروف يحتاج إليها
قال رحمه الله الفصل الثامن في تفسير حروف يحتاج إليها وفيه مسائل:
الأولى: الواو للجمع المطلق بإجماع النحاة ولأنها تستعمل حيث يمتنع الترتيب مثل تقابل زيد وعمرو وجاء زيد وعمرو قبله ولأنها كالجمع والتثنية وهما لا يوجبان الترتيب.
هذا الفصل معقود لتفسير حروف يشتد حاجة الفقيه إلى معرفتها لكثرة وقوعها في الدلائل وقد أودعه مسائل:
الأولى: في حكم الواو العاطفة وبدأ بها لأنها أصل الباب وفيها مذاهب:
أحدها: أنها للترتيب وهو الذي اشتهر من أصحاب الشافعي كما قال إمام الحرمين وهو قضية كلام الماوردي حيث استدل على الترتيب في الوضوء بآية الوضوء وقال قد عطف بحرف الواو ذلك موجب للترتيب لغة وشرعا.
الثاني: أنها للمعية وعلية الحنفية كما قال إمام الحرمين ثم قال وقد ذل الفريقان يعني القائلين بالترتيب والمعية.
والثالث: وهو المختار أنها لمطلق الجمع لا تدل على ترتيب ولا معية فإذا قلت جاء زيد وعمرو فقد أشركت بينهما في الحكم من غير تعرض لمجيئهما معا أو لمجيء أحدهما بعد الآخر فهي للقدر المشترك بين الترتيب والمعية وهذا ما نقله القاضي أبو الطيب في شرح الكفاية عن أكثر أصحابنا ونقل عن الفراء
(1/338)


أنا للترتيب حيث يمتنع الجمع مثل اركعوا واسجدوا ويشبه ألا يكون هذا مذهبا رابعا مفصلا لأن الموضوع للقدر المشترك بين معنيين إذا تعذر حمله عليه للقرينة موضوعا له بل لتعذر الحمل على صاحبه وانحصار الأمر فيه ونقل بعضهم عن الفراء أنه للترتيب وقد استدل في الكتاب على المذهب المختار بثلاثة أوجه:
أحدها: إجماع النحاة قال أبو علي الفارسي أجمع نحاة البصرة والكوفة على أنها للجمع المطلق وذكر سيبويه في سبعة عشر موضعا من كتابه أنها للجمع المطلق.
الثاني: أنها تستعمل حيث يمتنع الترتيب فإنك تقول تقاتل زيد وعمر والتفاعل يقتضي صدور الفعل من الجانبين معا وذلك ينافي الترتيب وتقول جاء زيد وعمرو هنا أن تكون الواو للترتيب وإلا لزم التناقض وإذا استعملت في غير الترتيب وجب ألا تكون حقيقة في الترتيب رفعا للاشتراك وهذا الدليل لا يثبت المدعى وإنما ينفي كونها للترتيب.
والثالث: أن النحاة قالوا واو العطف في المختلفات بمثابة واو الجمع وياء التثنية في المتغقات ولذلك أنهم لما لم يتمكنوا من جمع الأسماء المختلفة وتثنيتها استعملوا واو العطف ثم إن واو الجمع والتثنية لا يوجبان الترتيب فكذلك واو العطف وهذا الدليل كالذي قبله لا ينفي القول بالمعية وهنا أمور:
أحدها: أنه أطلق الواو والصواب تقييده لواو العطف لتخرج واو مع واو الحال مثل سرت والنيل فإنهما يدلان على المعية بلا شك.
وثانيها: حكايته الإجماع قلد فيه الإمام والإمام حكاه عن الفارسي وكذلك نقله السيرافي والسهيلي وفيه نظر فإن الخلاف موجود عند النحويين في ذلك كما هو عندهم غيرهم.
وقد سبق النقل عن الفراء وكذلك قال شيخنا أبو حيان في الارتشاف
(1/339)

ونقله السهيلي1 والسيرافي2 إجماع النحويين بصريهم وكوفيهم على ذلك غير صحيح.
وثالثها: وهو المقصود الأعظم والمهم الأكبر ذكر الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح الإمام عن بعض الباحثين المتعلقين بعلم المعقول أنه فرق بين مطلق الماء والماء المطلق بما حاصله أن الحكم المعلق بمطلق الماء يترتب على حصول الحقيقة من غير قيد والمرتب على الماء المطلق مرتب على الحقيقة بقيد الإطلاق ولا يلزم من توقف الحكم على مطلق الحقيقة توقفه على الحقيقة المقيد بقيد الإطلاق قلت وقد جرى البحث مع والدي رحمه الله في قاعدة مطلق الشيء والشيء المطلق ولا شك أنه إذا أخذ المطلق قيدا في الشيء كان المراد بالأول حقيقة الماهية وبالثاني هي تقيد الإطلاق فالأول لا يقيد والثاني يقيد لا.
وقولنا يقيد لا يقيد التجرد عن جميع القيود إلا قيد لا وقد لا يراد ذلك بل يراد التجرد عن قيود معروفة ولذلك أمثلة منها مطلق الماء والماء المطلق.
فالأول: ينقسم إلى الطهور والطاهر غير الطهور والنجس وكل الطاهر غير الطهور والنجس ينقسم بحسب ما يتغير به ويخرجه ذلك عن أن يطلق عليه أسم الماء
__________
1 هو عبد الرحمن عبد الله أحمد الخثعمي السهيلي كان عالما باللغة والسير ضريرا.
من كتبه الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام والتعريف والإعلام في ما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام.
توفي سنة 581 هـ.
تذكرة الحفاظ 4/137 الأعلام 4/86.
2 هو الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي نحوي عالم بالأدب وكان معتزليا متعففا لا يأكل إلا من عمل يده.
من مؤلفاته الإقناع في النحو أكمله بعده ابنه يوسف وأخبار النحويين البصريين وصيغة الشعر وغير ذلك.
توفي سنة 368 هـ.
وفيات الأعيان 1/130 الأعلام 2/110, 111.
(1/340)

والثاني: وهو الماء المطلق لا ينقسم إلى هذه الأقسام وإنما يصدق على أحدها وهو الطهور وذلك لأنه أخذ فيه قيد الإطلاق وهو التجرد عن القيود اللازمة التي يمتنع بها أن يقال له ماء إلا مقيدا كقولنا ماء متغير بزعفران أو أشنان أو نحوه وماء اللحم وماء الباقلا وما أشبه ذلك.
ومنها اسم الرقبة وحقيقتها يصدق على السليمة والمعيبة والمطلقة لا يصدق إلا على السليمة فلا يجزى في العتق عن الكفارة إلا رقبة سليمة لإطلاق الشارع إياها والرقبة المطلقة مقيدة بالإطلاق بخلاف مطلق الرقبة.
ومنها الدرهم المذكور في العقود قد يقيد بالناقص والكامل وحقيقية منقسمة إليهما وإذا أطلق يتقيد بالكامل المتعارف ونحوها في الرواج بين الناس.
ومنها الثمن والأجرة والصداق وغيرها من الأعراض المجعولة في الذمة ينقسم إلى الحال والمؤجل وإذا أطلقت إنما تحمل على الحال فالإطلاق قيد اقتضى ذلك.
ومنها حقيقة القرابة يدخل فيها الأب والإبن وغيرهما من القرابات وعند الإطلاق لا يدخل فيها الأب والإبن لأنهما أعلى من أن يطلق فيهما لفظ القرابة لما لهما من الخصوصية المقتضية لمزيد على بقية القرائب فيقال إنهما أقرب الأقارب وأفعل التفضيل يستدعي المشاركة فلولا ما قلناه من تحقق معنى القرابة فيهما لما صدق عليهما أنهما أقرب الأقارب وإنما امتنع إطلاق القرابة عليهما لما يقتضيه الإطلاق من التقييد بالقرابة العامة التي لا مزيد فيها على مجرد القرابة.
هذا ما حرره والدي أيده الله تعالى حال البحث وكان أصل البحث في مسألة القرابة فلذلك أوردناه وقد أوردت عليه إذ ذاك سؤالات وألف مختصرا لطيفا في ذلك وأجاب عنها فلنذكرها على وجه السؤال والجواب.
فإن قلت اللفظ إنما وضع لمطلق الحقيقة لا للحقيقة المطلقة فتقييدكم إياه
(1/341)

عند الإطلاق بالحقيقة المطلقة من أين قلت من جهة إطلاق المتكلم فصار إطلاقه قيدا في اللفظ.
فإن قلت من المعلوم أنه ليس في اللفظ فهل يقولون إن ذلك قرينة حالية أو لفظية وهي متوسطة بين القرائن الملفوظ بها والقرائن الحالية وهي هيئة صادرة من المتكلم عند كلامه وذلك أن الكلام قد يخرج عن كونه كلاما بالزيادة والنقصان وقد لا يخرج عن كونه كلاما ولكن يتغير معناه بالتقييد.
فإنك إذا قلت قام الناس كان كلاما يقتضي إخبارك بقيام جميع الناس فإذا قلت إن قام الناس خرج عن كونه كلاما بالكلية فإذا قلت قام الناس إلا زيدا لم يخرج عن كونه كلاما ولكن خرج عن اقتضاء قيام جميعهم إلى قيام ما عدا زيدا وقد علمت أن لإفادة قام الناس الإخبار بقيام جميعهم شرطين:
أحدهما: ألا يبتدئه بما يخالفه وله شرط ثالث أيضا وهو أن يكون صادرا عن قصد فلا عبرة بكلام الساهي والنائم فهذه ثلاثة شروط.
فإن قلت من أين لنا اشتراط ذلك واللفظ وحده كاف في الإفادة لأن الواضع وضعه لذلك؟
قلت وضع الواضع له معناه أنه جعله متهيأ لأن يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له على الوجه المخصوص والمقيد في الحقيقة إنما هو المتكلم واللفظ كالآلة الموضوعة لذلك.
فإن قلت لو سمعنا قام الناس ولم تعلم من قائله هل قصده وهل ابتدأه أو ختمه بما يغيره هل لنا أن نخبر عنه بأنه قال قام الناس؟
قلت قد تقدم الجواب عن هذا في أول باب اللغات وكذلك ما قبله وبالله التوفيق.
وإنما دعا إلى ذكر هذا البحث جميعه الاعتراض على قول المصنف الجمع المطلق وأنه كان الأسد أن يقول مطلق الجمع فساق النظر إلى ذكر هذه المباحث الجليلة.
(1/342)

قال قيل أنكر ومن عصاهما ملقنا ومن عصى الله ورسوله.
قلنا ذلك لأن الأفراد أشد تعظيما قيل لو قال لغير المدخول بها أنت طالق وطالق طلقت واحدة بخلاف أنت طالق طلقتين.
قلنا الإنشاءات مترتبة بترتيب اللفظ وقوله طلقتين تفسير لطالق.
احتج القائلون بأن الواو للترتيب بوجهين:
الأول: ما روى مسلم في صحيحه أن رجلا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله" 1 وهذا يدل على أنها للترتيب إذ لو كانت للجمع لما حسن الذم.
أجاب بأن ذلك ليس لأنها للترتيب بل لأن الإفراد بالذكر أشد في التعظيم ومما يدل على هذا أنه لا يترتب بين عصيان الله وعصيان نبيه صلى الله عليه وسلم بل معصية الله معصية الرسول صلى الله عليه وسلم لتلازمهما.
فإن قلت ما الجمع بين إنكاره صلى الله عليه وسلم على هذا الخطيب مع قوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" 2.
وقال في حديث آخر: " فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" فقد جمع بينهما في ضمير واحد وقد قلت أجيب بوجهين:
أحدهما: النبي صلى الله عليه وسلم أنكر ذلك على الخطيب لكونه عدل عن الأولى
__________
1 رواه مسلم كتاب الجمعة 6/158 بشرح النووي من حديث عدي بن حاتم منفردا به وذكره الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين كما رواه أبو داود والنسائي 6/71 شرح السيوطي.
2 حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أنس – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" الفتح الكبير 2/49.
(1/343)

والأفضل لا سيما وهو في مقام الخطابة المقتضى للتعليم وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم لا يفعل إلا الأولى فإنه في مقام تشريع وتبيين ففعل الأولى له بتبيينه الأولى ليدل على الجواز.
والثاني: أن حسن الكلام إيجازا وإطنابا مما يختلف باختلاف المقام فرب مقام يقتضي الإطناب وبسط العبارة ورب آخر لا يقتضي ذلك والخطيب كان في مقام الترغيب والدعاء إلى طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فناسب بسط العبارة والمبالغة في الإيضاح.
الوجه الثاني: للقائلين بأن الواو للترتيب أن الرجل إن قال لزوجته التي لم يدخل بها أنت طالق طالق طلقت واحدة على المذهب الصحيح ولو كانت الواو لمطلق الجمع لكان مثل قوله: أنت طالق طلقتين حتى يقعا.
أجاب بأن قوله: وطالق معطوف على الإنشاء فكان إنشاء آخر أتى به بعد تمام الأول وعمله عمله لأن معاني الإنشاء مقاربة لألفاظها فيكون قول ثانيا وطالق إنشاء لإيقاع طلقة أخرى في غير وقت قابل للطلاق لأنها بالأولى بانت إذ هي غير مدخول بها بخلاف قوله: طلقتين أو ثلاثا فإنه تفسير للكلام الأول وبيان لما قصد به لا إنشاء ثان.
خاتمة قد عرفت دعوى إمام الحرمين أن المشتهر في أصحاب الشافعي أن الواو للترتيب وما قاله الماوردي وهذا لعله أخذ من مسألة الترتيب في الوضوء وإن كان ذلك فهو لا يكفي في تسويغ النقل على هذه الصورة فإن للأصحاب مستندا آخر غير كون الواو للترتيب وقد قيل إن الناقلين لكون الواو للترتيب عن الشافعي إنما هم قوم من الحنفية من غير ثبت بل بمجرد ظن من مسألة الترتيب في الوضوء ولذلك قال الأستاذ أبو منصور البغدادي معاذ الله أن يصح هذا النقل عن الشافعي بل الواو عنده لمطلق الجمع.
قلت وهو اللائق بقواعد مذهبه وعليه تدل الفروع وقد اتفق الأصحاب قاطبة على أن قول القائل وقفت على أولادي وأولاد أولادي مقتض للتسوية والتشريك بينهم دون الترتيب ولا نعلم أحدا قال بالترتيب وإن أتى في بعض
(1/344)

الفروع خلاف فمنشأة اختيار من صاحب ذلك الوجه أن الواو للترتيب ومن ذلك قول الأصحاب فيما يقال إن دخلت الدار وكلمت زيدا فأنت طالق لا بد من وجودهما في وقوع الطلاق ولا يقع بهما إلا طلقة ولا فرق بين أن يتقدم الكلام أو يتأخر وفي التتمة ما يقتضي إثبات خلاف فيه لأنه قال من جعل الواو للترتيب فلا بد عنده من أن يتقدم الدخول على الكلام.
قال االرافعي ومن الأصحاب من جعل الواو للترتيب وذكر الرافعي في آخر باب القسم والنشوز أنه لو قال لوكيله خذ مالي ثم طلقها لم يجز تقديم الطلاق ولو قال خذ مالي وطلق فهل يشترط تقديم أخذ المال أو لا يشترط ويجوز تقديم الطلاق كما لو قال طلقها وخذ مالي فيه وجهان:
رجح صاحب التهذيب منهما الأول.
قلت وليس الوجهان في المسألة ناظرين إلى ما نحن ناظرين فيه من اقتضاء الواو للترتيب وإنما القائل بوجوب تقديم المال ناظر إلى أن الموكل قدمه في كلامه والوكيل يراعي المصلحة فليقدم أخذ المال والمخالف ناظر إلى عدم اقتضاء الواو للترتيب ويدل على هذا أنه لا خلاف أنه يجوز تقديم المال في عكسه وهو ما إذا قال طلقها وخذ مالي بل لو صرح بثم التي وضعت للتراخي لجاز له تقديم أخذ المال على الطلاق قال الرافعي لأنه زيادة خير.
فإن قلت قد نقل الرافعي في التدبير عن صاحب التهذيب فيما إذا قال لعبده إن مت ودخلت الدار فأنت حر لا بد أن يقع دخوله الدار بعد موت السيد ولم يحك ما يخالفه فقد جعلوها هنا للترتيب.
قلت هذا مشكل والظاهر أنه مبنى على أن الواو للترتيب وإلا فأي فرق بين هذه المسألة والمسألة التي قدمناها فيما إذا قال إذا دخلت الدار وكلمت زيدا ولم يقل أحد بالترتيب إلا ما أخرجه صاحب التتمة.
وعلى الجملة إن وضح معنى في هذه المسألة فقد حصل الغرض من أن الفرع غير مبني على اقتضاء الواو للترتيب وإلا فما قاله الأصحاب في مسألة إن دخلت الدار وكلمت زيدا يناقضها وهو أصح.
(1/345)

المسألة الثانية: الفاء
...
قال الثانية الفاء للتعقيب إجماعا ولهذا ربط به الجزاء إذا لم يكن فعلا.
وقوله لا تفتروا على الله كذبا فيستحكم مجاز..
الفاء للتعقيب أي يدل على وقوع الثاني عقيب الأول من غير مهلة ولكن في كل بحبسه كقولك دخلت بغداد فالبصرة وقولك قمت فمشيت فالأول أفاد التعقيب على ما يمكن والثاني أفاده على الأثر إذ هو ممكن واستدل في الكتاب على أنها للتعقيب بإجماع أهل اللغة على ذلك وقد قلد في نقل هذا الإجماع الإمام وليس بجيد فقد ذهب الجرمي إلى أنها للترتيب إلا في الأماكن والمطر فلا ترتيب تقول.
عفا مكان كذا فكان كذا وإن كانت عفاهما في وقت واحد ونزل المطر مكان كذا فمكان هكذا وإن كان نزولهما في وقت واحد وزعم الفراء أن ما بعد الفاء يكون سابقا إذا كان في الكلام ما يدل عليه وجعل من ذك قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} 1 ومعلوم أن مجيء البأس سابق للهلاك وزعم الفراء أيضا أن الفعلين إذا كان وقوعهما في وقت واحد ويؤولان إلى معنى واحد فإنك مخير في عطف أيهما شئت على الآخر بالفاء تقول أحسنت إلي فأعطيتني وأعطيتني فأحسنت إلي.
قوله ولهذا أعلم أن الإمام نقل أن منهم من احتج على أن الفاء للتعقيب بأنها لو لم تكن للتعقيب لما دخلت على الجزاء إذا لم تكن بلفظ الماضي والمضارع لكنها تدخل فهي للتعقيب بيان الملازمة أن جزاء الشرط قد يكون بلفظ الماضي كقولك من دخل داري أكرمته أو بلفظ المضارع من دخل يكرم وقد يكون لا بهاتين اللفظتين وحينئذ لا بد من ذكر الفاء كقولك من دخل داري فله درهم.
وأما قول الشاعر
__________
1 سورة الأعراف آية: 4.
(1/346)

من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله سيان1
فقد أنكره المبرد وزعم أن الرواية الصحيحة من يفعل الخير فالرحمن يشكره وإذا أوجب دخول الفاء على الجزاء وثبت أن الجزاء لا بد وأن يحصل عقيب الشرط علمنا أن الفاء للتعقيب قوله وقوله: {لا تَفْتَرُوا} جواب عن سؤال مقدر تقديره أن يقال قد جاءت الفاء بمعنى التعقيب في قوله: {لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} 2 والإسحات لا يقع عقيب الافتراء بل يتراخى إلى الآخره وجوابه أن الفاء قد ثبت بما قررناه من الدليلين أنها حقيقة في التعقيب فوجب حمل ما ذكرتموه على المجاز وذلك لأن الإسحات لما كان متحقق الوقوع جزاء للافتراء نزل منزلة الواقع عقيبه.
فرع قضية اقتضاء الفاء التعقيب أنه إذا قال مثلا إن دخلت الدار فكلمت زيدا فأنت طالق فلا بد من وقوع الطلاق من وقوع كلامها لزيد عقيب دخولها.
وحكى الأصحاب وجهين فيما إذا قال لعبده إذا مت فشئت فأنت حر أصحها عند الأكثرين اشتراط اتصال المشيئة بالموت لكون الفاء تقتضي التعقيب وهما جاريان في سائر التعليقات.
__________
1 قاله كعب بن مالك ويروى:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
والشر بالشر عند الله مثلان
2 سورة طه آية: 61.
(1/347)

المسألة الثالثة: في
...
قال الثالثة في الظرفية ولو تقديرا مثل: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} ولم يثبت مجيئها للسببية.
لفظة في للظرفية تحقيقا نحو الماء في الكوز أو تقديرا مثل قوله تعالى حكاية: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} لتمكن المطلوب على الجذع تمكن الشيء في المكان ومن النحاة من يقول في هنا بمعنى على واختاره الشيخ جمال
(1/347)

الدين بن مالك1 لكن الذي عليه الجمهور وهو مذهب سيبويه الأول.
وقول المصنف في للظرفية ولو تقديرا يحتمل أمورا:
أحدها: أنها تكون حقيقة في للظرفية محققة مجازا في المقدرة وهذا مذهب سيبويه والمحققين.
والثاني: أن تكون مشتركة بينهما.
والثالث: وهو الأقرب إلى الصواب أن تكون حقيقة في القدر المشترك دفعا للاشتراك والمجاز وحينئذ تكون من قبيل المشكك أن معنى الظرفية في المحققة أوضح.
قوله ولم يثبت مجيئها للسببية.
اعلم أن الإمام نقل عن بعض الفقهاء أنها للسببية لقوله عليه السلام في النفس المؤمنة مائة من الإبل وضعفه بأن أحدا من أهل اللغة ما ذكر ذلك مع أن المرجح في هذه المباحث إليهم وهذا الذي ذكره الإمام ضعيف من وجهين:
أحدهما: أنه شهادة نفي وقد رد هو على ابن جني في مسألة الباء بذلك فكيف يرد به هنا.
والثاني: أن ذلك شائع ذائع في لسان العرب في القرآن والسنة وشعر العرب أما القرآن ففي قوله تعالى: {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ} 2 و {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} 3.
__________
1 هو محمد بن عبد الله بن مالك الطائي أبو عبد الله جمال الدين أحد الأئمة في علوم العربية وصاحب الألفية المشهورة.
ولد في جيان بالأندلس ونتقل إلى دمشق حتى توفي بها سنة 672 هـ
بغية الوعاة ص 53 الأعيان 7/111.
2 سورة النور آية: 14.
3 سورة الأنفال آية: 68.
(1/348)

وأما السنة فالحديث الذي أورده وما روي أيضا من قوله صلى الله عليه وسلم: "دخلت امرأة النار في هرة" 1.
وأما العرب فقال الشاعر:
بكرت باللوم تلحانا ... في بعير ضل أو حانا
ومثله:
لوى رأسه عني ومال بوده ... أغاينج خود كان فينابزورها
أغاينج بالغين المعجمة والنون المكسورة والخود بفتح الخاء المعجمة المرأة الجميلة.
وهذا هو الذي اختاره ابن مالك والإنصاف في لفظه في أنها حقيقة في الظرفية مجاز في السببية وقد ذكر بعضهم للفظة في موارد أخرى.
قال الشيخ أبو حيان وتأول أصحابنا كل ذلك وردوه إلى معنى الوعاء.
قال الرابعة من لابتداء الغاية والتبيين والتبعيض وهي حقيقة في التبيين دفعا للاشتراك.
__________
1 حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم وابن وأحمد في مسنده من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: "دخلت امرأة النار في هرة ربطها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت" الفتح الكبير 2/110.
(1/349)

المسألة الرابعة: من
...
لفظة من ترد لابتداء الغاية وللتبيين وللتعيض فأما ورودهما لابتداء الغاية فهو إما في المكان وهو مجمع عليه ومنه قوله تعالى: {مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} 1 وأما في الزمان مثل: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ} 2 {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} 3 وفي الحديث: "فمنظرنا من الجمعة إلى الجمعة وفيه من نصف النهار إلى صلاة العصر".
وقال الثانية تخيرن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم قد جربن كل التجارب وقال الراجز:
تنتهض الرعدة في ظهري من لدن الظهر إلى العصر
وهذا قد أثبته الكوفيون وصححه ابن مالك وشيخنا أبو حيان منعه
__________
1 مفتتح سورة الاسراء.
2 سورة التوبة آية: 108.
3 سورة الروم آية: 4.
(1/349)

البصريون قال شيخنا وتأولهم مجيئها لذلك مع كثرته في لسان العرب نثرها ونظمها كثرة تسوغ القياس ليس لشيء.
واعلم أن من قد تدخل لابتداء الغاية في غير المكان والزما ن نحو قرأن من أول سورة البقرة إلى آخرها وفي الحديث " من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم" وأما ورودها للتبيين فكقوله سبحانه وتعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} 1 وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} 2.
وبهذا قال ابن بابشاذ وابن النحاس وعبد الدايم القيرواني وابن ملك.
قال شيخنا أبو حيان وقد أنكر ذلك أكثر أصحابنا وزعموا أنها لم ترد لهذا المعنى وقالوا هي في قوله: {مِنَ الْأَوْثَانِ} لابتداء الغاية وانتهائها لأن الأوثان نحاس مصوغ أو ذهب أو غير ذلك فليس الرجس ذاتها ولا النجس الذي صنعت منه وإنما وقع الاجتناب على عبادتها ووصف الرجس المعبود منها ومن في الآية كهي في قولك أخذته من التابوت ألا ترى أن اجتناب عبادة الوثن ابتداؤه وانتهاؤه وأما وعد الله الذين آمنوا فنقدر أن الخطاب عام للمؤمنين وأما ورودها للتبعيض فنحو أخذت من الدراهم ومنه قوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} 3 وهو كثير وقد زعم الأخفش الصغير4 والمبرد5 وابن السراج6 والسهيلي وطائفة أن
__________
1 سورة الحج آية: 30.
2 سورة النور آية: 55.
3 سورة البقرة آية: 253.
4 هو علي بن سليمان بن الفضل أبو المحاسن المعروف بالأخفش الأصغر نحوي من العلماء من أهل بغداد أقام بمصر مدة ثم قدم حلب ثم رجع إلى بغداد حتى توفي بها سنة 315 هـ.
وفيات الأعيان 1/332 الأعلام 5/103.
5 هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزجي أبو العباس المعروف بالمبرد إمام العربية ببغداد في زمنه وأحد أئمة الأدب والأخبار ولد بالبصرة سنة 210 هـ
من مؤلفاته الكامل في اللغة والأدب شرح لامية العرب طبقات النحاة البصريين توفي ببغداد سنة 286 هـ
وفيات الأعيان 1/495 الأعلام 8/15.
6 هو محمد بن السري بن سهل أبو بكر أحد أئمة الأدب والعربية من أهل بغداد ويقال ما................=
(1/350)

من لا تكون إلا لابتداء الغاية وصححه ابن عصفور ويعرف كونها لابتداء الغاية بصحة وضع الذي مكانها وكونها للتبعيض بصحة وضع البعض.
ثم قال المصنف تبعا للإمام إنها حقيقة في التبيين لأنه مشترك بين المعاني المتقدمة كلها إذ يتبين في الأول ابتداء الخروج.
وفي الثاني: في مثل: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} تبين المجتنب.
وفي الثالث: مثل أخذت من الدراهم تبيين المأخوذ منه فيكون متواطئا حقيقة في القدر المشترك وإلا فإن كان حقيقة في كل واحد يلزم الاشتراك أو في البعض دون البعض يلزم المجاز فليكن حقيقة في القدر المشترك دفعا للاشتراك ودفعا للمجاز ولم يذكر المصنف المجاز ولا بد منه وقد ذكروا ل من موارد أخرى لا نطيل بتعدادها.
__________
= زال النحو مجنونا حتى عقله ابن السراج بأصوله من مؤلفاته الأصول في النحو والشعراء شرح كتاب سيبويه توفي سنة 361 هـ.
الوافي بالوفيات 3/86 الأعلام 7/6.
(1/351)

المسألة الخامسة: الباء
...
قال الخامسة الباء تعدي اللازم وتجزي المتعدي لما نعلم من الفرق بين مسحت المنديل بالمنديل ونقل إنكاره عن ابن جني ورد بأنه شهادة نفي.
للباء حالتان إحداهما أن تدخل على فعل لا يتعدى بنفسه كقولك كتبت بالقلم ومرت بزيد فلا تقتضي إلا مجرد الإلصاق وهذه الحالة هي التي عبر عنها في الكتاب بقوله الباء تعدي اللازم والتعبير بالإلصاق أحسن ولم يذكر لها سيبويه1 معنى غيره وأما التعبير بتعدية اللازم فليس بجيد فإنها قد لاتكون كذلك كما في المثالين المذكورين وقد تكون كذلك كما قوله تعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} 2.
__________
1 تقدمت ترجمته.
2 سورة البقرة آية: 17.
(1/351)

وكذلك: {بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} فيصير الفاعل مفعولا به فتكون الباء بمعنى الهمزة في قولك أذهب.
الثانية: أن تدخل على فعل يتعدى بنفسه وهو مراد المصنف بقوله تجزي المتعدي أن تقضي التبعيض كقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} وخالفت الحنفية في ذلك لنا أنا نعلم بالضرورة الفرق بين أن يقال مسحت يدي بالمنديل ومسحت المنديل بيدي فإن الأول يفيد التبعيض والثاني يفيد الشمول وهذا الاستدلال ضعيف.
أما أولا فلأنه مناقض لما ذكره في المجمل والمبين كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما ثانيا فلأن مسح يتعدى إلى المفعول بنفسه وإلى ما يمسح به بالباء فتقدير مسحت المنديل مسحت المنديل بيدي فالمنديل ممسوح فيه واليد آلة وتقدير مسحت بالمنديل مسحت وجهي المنديل فالوجه ممسوح والمنديل آلة فلا تكون الباء فيه للتبعيض وإنما هي للتعدية وفهم التبعيض منه إن سلم إنما هو لكون المنديل فيه آلة والعمل في جاري العوائد إنما يكون ببعض الآلة كما تقول أخذت بثوب زيد وإنما أخذت ببعض ثوبه ومنه: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ} .
وقد ذكرنا أن سيبويه لم يذكر لها معنى غير الإلصاق.
قال البصريون لا يكون إلا بمعنى الإلصاق والاختلاط حقيقة أو مجازا إذا لم تكن زائدة وقد يتجرد الإلصاق وقد ينجر معها معان أخر فالإلصاق حقيقة وصلت هذا بهذا أو مجازا مررت بزيد والتصق المرور بمكان بقرب زيد وذكروا أن المعاني التي تنجر مع الإلصاق ستة أنواع النقل ويعبر عنه بالتعدية كما سبق في قول: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} ويكون الفعل قبلها لازما ومتعديا نحو صككت الحجر بالحجر أصله صك الحجر الحجر والإلصاق في هذا واضح والسببية نحو مات زيد بالجوع والاستعانة نحو كتبت بالقلم.
وأدرج ابن مالك هذا في السببية والمصاحبة ويصلح معها مع نحو جاءكم الرسول بالحق والحال نحو وهبتك الفرس بسرجه أي مسرجا
(1/352)

والظرفية وهي التي يصلح مكانها في نحو زيد بالبصرة والقسمية نحو بالله لأقومن ألصقت فعل القسم المحذوف بالقسم به.
هذا كلام شيخنا في الارتشاف وهذه الأقسام سبعة وقد ذكر أنها ستة فما أدرى ما أراد وذكر ابن مالك أنها تأتي للتعليل قال وهو يحسن غالبا في موضع اللام كقوله تعالى: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} 1.
قال شيخنا أبو حيان ولم يذكر أصحابنا هذا وكأن السبب والتعليل عندهم واحد وذكر ابن مالك أيضا أنه تكون للبدل قال وهي التي يصلح مكانها بدل نحو قوله:
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانا وركبانا2
أي بدلهم وللمقابلة وهي الداخلة على الأثمان والأعواض نحو اشتريت الفرس بألف وقد يسمى باء العوض وذهب الكوفيون إلى أن الباء قد تأتي بمعنى عن وذلك بعد السؤال نحو:
وإن تسألوني بالنساء فإنني ... خبير بأحوال النساء طبيب3
أي عن النساء.
وقال الأخفش ومثله فاسأل به خبيرا واستدل ابن مالك لهذا القول بقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} 4 أي عن الغمام وكان الأستاذ أبو علي يقول اسأل بسببه خبيرا وسبب النساء أي لتعلموا حالهن.
وذهب الكوفيون أيضا إلى أن الباء تكون بمعنى على وهو الذي عزاه إمام الحرمين إلى الشافعي واستدل عليه بقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ
__________
1 سورة البقرة آية: 54.
2 قائلة: قريظ بن أنف أحد بني العنبر.
حماسة أبي تمام ص 4.
3 قائل هذا البيت هو عبدة بن الطبيب في معلقته.
المعلقات العشر للتبريزي.
4 سورة الفرقان آية: 25.
(1/353)

إِلَيْكَ} أي على دينار وزعم بعض النحاة أن الباء تدخل على الاسم حيث يراد الشبيه نحو لقيت بزيد الأسد ورأيت به القمر أي لقيت بلقائي إياه الأسد أي شبهه
والصحيح أنها للسبب أي بسبب لقائه وبسبب رؤيته وزعم أيضا أنها تدخل على ما ظاهره أن المراد به غير ذات الفاعل أو ما أضيف إلى ذات الفاعل نحو قول طفيل الغنوي:
إذا ما غزا لم يسقط الروع رمحه
...
ولم يشهد الهيجاء بالموت معصم
الألوث الضعيف ويقال الرجل الذي يمسك بعرف فرسه خوف السقوط معصم بضم الميم بعدها عين مهملة ساكنة ثم صار مهملة مكسورة وقيل المعصم الذي يتحصن بالجبال فيمتنع فيها فظاهره أن فاعل يشهد غير الوث معصم والفاعل في الحقيقة هو ألوث معصم وتكون الباء زائدة كما في قوله تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ} 1 {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ} و {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} و {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} فهذا من أجمع ما ذكره النحاة من موارد الباء.
وأما ورودها للتبعيض فقد ذكره ابن مالك ومن شواهده شرب التريف ببرد ماء الحشرج أي من برد وقال ذلك في التذكرة الفارسي وهو مذهب الكوفيين تبعهم فيه الأصمعي والقتبي في قوله: شربن بماء البحر وتأوله ابن مالك على التضمين أي روين بماء البحر.
وقال إمام الحرمين ذهب بعض فقهائنا إلى أن الباء إذا اتصل بالكلام مع الاستغناء عنه اقتضى تبعيضا وزعموا أنه في قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} يتضمن ذلك وهذا خلاف من الكلام لا حاصل له وقد اشتد نكير ابن جني في سر الصناعة على من قال ذلك فلا فرق بين أن نقول مسحت رأسي ومسحت برأسي والتبعيض يتلقى من غير الباء كما ذكرته في الأساليب انتهى
__________
1 سورة مريم آية: 25.
(1/354)

قوله ونقل أي احتج من زعم أنها ليست للتبعيض بأن أبا الفتح بن جني من أئمة اللغة وقد اشتد نكيره على من قال إنها للتبعيض وقال إنه شيء لا يعرف في اللغة وأجاب المصنف تبعا للإمام بأن ما ذكره ابن جني شهادة على النفي فلا تقبل وهو حيد عن سبيله الإنصاف إذ الواصل في فن إلى نهايته والبالغ فيه إلى أقصى غاياته يقبل قوله: فيه نفيا وإثباتا وقد وافق ابن جني على ذلك صاحب البسيط فقال لم يذكر أحد من النحويين أن الباء للتبعيض.
وقال بعضهم لو كانت للتبعيض لقلت زيد بالقوم تريد من القوم وقبضت بالدراهم أي منها ثم إن المصنف تبعا للإمام أيضا شهد على النفي في مسألة في حيث قال ولم يثبت مجيئها للسببية فليست شهادتهما في لغة العرب على النفي أولى بالقبول من شهادة أبي الفتح بن جني وصاحب البسيط معاذ الله أن يكون ذلك نعم كان الطريق في الرد على ابن جني أن يعرض عليه مواضع من كلامهم ورد ذلك فيها كما في قوله تعالى: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} أي منها.
وقال عمر بن أبي ربيعة:
فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب التريف ببرد ماء الحشرج1
وقال غيره:
شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم2
الدحرضان بضم الدال بعدها حاء مهملة ساكنة ثم راء مهملة مضمومة ثم ضاد معجمة مفتوحة وهما ماءان يقال لأحدهما وسيع وللآخر الدحرض وهما مما غلب فيه أحد القرينين على الآخر كالقمرين والعمرين وقال الآخر:
__________
1 قائله عمر بن أبي ربيعة وقيل لجميل بن معمر.
لسان العرب مادة حشرج.
2 قائله عنترة بن شداد راجع لسان العرب مادة دحرض.
(1/355)

شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لحج خضر لهن تثيج
وقد ذكرنا أن الكوفيين والأصمعي والقتبي وابن مالك ذكروا ذلك.
(1/356)

المسألة السادسة: إنما
...
قال السادسة إنما للحصر لأن إن للإثبات وما للفي فيجب الجمع على ما أمكن.
وقد قال الأعشى وإنما العزة للكاثر وقال الفرزدق.
وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي.
وعورض بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} قلنا المراد الكاملون.
تقييد الحكم بإنما مثل إنما قام زيد هل يفيد حصر الأول في الثاني بمعنى أنه تفيد إثبات الحكم في المحكوم عليه ونفيه عن غيره فيه مذهبان:
أحدهما: تفيد الحصر وبه قال القاضي وأبو إسحاق الشيرازي والغزالي وعليه الإمام وأتباعه منهم صاحب الكتاب.
والثاني: لا بل تفيد الإثبات واختاره الآمدي واحتج الأولون بوجهين:
أحدهما: أن كلمة أن تقتضي الإثبات وما تقتضي النفي فعند تركيبهما يجب بقاء كل منهما على أصله لأن الأصل عدم التغيير وحينئذ يجب الجمع بينهما بقدر الإمكان فلا بد من إثبات شيء ونفي آخر لامتناع اجتماع النفي والإثبات على شيء واحد وحينئذ إما أن نقول كلمة إن تقتضي ثبوت غير المذكور وكلمة ما تقتضي نفي غير المذكور وهو باطل إجماعا أو نقول كلمة إن تقتضي ثبوت المذكور وكلمة ما تقتضي نفي غير المذكور وهذا هو الحصر وهو المراد وقد ضعف هذا الوجه بأن المعروف عند النحويين أن ما ليست نافية بل زائدة كافة موطئة لدخول الفعل وذكر في إفادتها الحصر وجه آخر
(1/356)

أسند إلى علي بن عيسى الربعي1 وهو أن كلمة أن لتأكيد إثبات المسند للمسند إليه ثم لما اتصلت بها ما المؤكدة لا النافية لما ذكرنا تضاعف تأكيدها فناسب أن تضمن معنى القصد لأن قصر الشيء على الشيء ليس إلا تأكيدا للحكم على تأكيد ألا ترى إلى قولك جاء زيد لا عمرو وكيف يكون جاء زيد إثباتا للمجيء صريحا وقولك لا عمرو إثباتا ثانيا لمجيئه ضمنا وهذا الوجه أشد من الأول إلا أن للمعترض عليه أن يقول وجه مناسبة إضمار معنى القصر لائحة ولكن ذلك إنما يقال بعد ثبوت كونها للحصر والكلام فيه ومجرد هذه المناسبة لا يدل عليه.
الوجه الثاني: من الوجهين المذكورين في الكتاب أن العرب استعملتها في الحصر كقول الأعشى عبد الله بن الأعور المازني الصحابي رضي الله عنه:
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر2
ولست بفتح التاء ضبطه الجوهري وقال الفرزدق وهو همام بن غالب التابعي رحمه الله:
__________
1 هو علي بن عيسى بن الفرج بن صالح أو الحسن الربعي عالم بالعربية أصله من شيراز له مؤلفات في النحو منها كتاب البديع وشرح مختصر الجرمي وشرح الإيضاح لأبي علي الفارسي. توفي ببغداد 420 هـ.
وفيات الأعيان 1/343 الأعلام 5/134.
2 ما قاله الشارح عن قائل هذا البيت ليس بصحيح فإن قائله هو الأعشى ميمون بن قيس بن جندل بن سراحيل من الطبقة الأولى في الجاهلية وأحد أصحاب المعلقات أدرك الرسول – صلى الله عليه وسلم – توفي سنة 7 هـ.
وهذا البيت من قصيدة له يهجو بها علقمة بن علامة ويمدح عامر بن الطفيل مطلعها:
شاقك من قتلة أطلالها ... بالشط فالوتر إلى حاجر
الصبح المنير في شعر أبي بصير الأعلام 3/1090.
(1/357)

أنا الذائد الحامي الذمار
...
وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي1
قوله وعورض إشارة إلى حجة الخصم وهو قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} 2 قالوا فلو أفادت الحصر لكان من لا يحصل له الوجل عند ذكر الله تعالى لا يكون مؤمنا وأجاب بأن المراد بالمؤمنين الكاملون في الإيمان جمعا بين الأدلة وعلى هذا يكون قد أفادت الحصر كما هو المدعي.
واعلم أن الذي نقله شيخنا أبو حيان عن البصريين المذهب الثاني وكان مصمما عليه ويتغالى في الرد على من يقول بإفادتها الحصر الذي اختاره والدي أبقاه الله.
الأول: وله كلام مبسوط في المسألة اشتد فيه نكيره على الشيخ أبي حيان وقال إنه استمر على لجاج وأن اللبيب لا يقدر أن يدفع عن نفسه فهم أن إنما للحصر ومن أحسن ما وقع له في الاستدلال على أنها للحصر قوله تعالى: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ} 3 فقال هذه الآية تفيد أن إنما للحصر فإنها لو لم تكن للحصر لكانت بمنزلة قولك وإن تولوا فعليك البلاغ وهو عليه البلاغ تولوا أو لم يتولوا أو إنما الذي رتب على توليهم نفي غير البلاغ ليكون تسلية له ويعلم أن توليهم لا يضر.
قال وهكذا أمثال هذه الآية مما يقطع الناظر بفهم الحصر منها كقوله: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ} {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} {إنما أنت منذر} {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ} {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً} {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ} {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا} {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} {إِنَّمَا
__________
1 قائله فرزدق همام بن غالب بن صعصعة التميمي من شعراء الطبقة الأولى الإسلاميين توفي بالبصرة سنة 110 هـ.
معجم الشعراء للمرزباني ص 465.
2 سورة الأنفال آية: 2.
3 سورة آل عمران آية: 20.
(1/358)

السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ} {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} {إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ} {وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} .
قال فيكاد فهم الحصر من جميع هذه الآيات يسبق إلى القلب قبل السمع لا يرتاب فيه ولا يتمارى.
فائدة إذا قلنا إنما للحصر فهل ذلك للمنطوق أو بالمفهوم فيه مذهبان:
والأول: هو قضية كلام من استدل على ذلك بالوجه المركب من العقل والنقل الذي تقدم ذكره ومنهم صاحب الكتاب والله أعلم.
(1/359)

الفصل التاسع: كيفية الاستدلال بالألفاظ
المسألة الأولى: لا يخطبنا الله تعالى بالمهمل
...
الباب التاسعفي كيفية الاستدلال بالألفاظ
قال الفصل التاسع في كيفية الاستدلال بالألفاظ وفيه مسائل
الأولى لايخاطبنا الله بالمهمل لأنه هذيان احتجت الحشوية بأوائل السور قلنا أسماء وبأن الوقف على قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} واجب وإلا يتخصص المعطوف بالحال قلنا يجوز حيث لا لبس مثل ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وبقوله تعالى كأنه رؤوس قلنا مثل في الاستقباح.
هذا الفصل معقود لبيان كيفية الاستدلال بخطاب الله تعالى وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم على الأحكام وفيه مسائل الأولى والثانية منها يجريان محرى المبادئ للمقصود أما الأولى فنقول لا يجوز أن يخاطبنا الله تعالى بالمهمل أي بما ليس له معنى لأنه نقص والنقص محال على الله تعالى هذا كلام المصنف.
وأما الإمام ففي عبارته قلق وذلك أنه قال لا يجوز أن يتكلم الله بشيء ولا يعني به شيئا والخلاف فيه مع الحشوية لنا وجهان:
أحدهما: أن التكلم بما لا يفيد شيئا هذيان وهو نقص والنقص محال على الله تعالى.
والثاني: أن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى وشفاء وبيانا وذلك لا يحصل فيما لا يفهم معناه انتهى.
ووجه القلق أن أول كلامه يدل على أن الخلاف في جواز التكلم بشيء لا يعني به شيئا وإن كان ذلك الذي تكلم به له معنى يفهم منه وثانيه وثالثه وهما دليلاه يدلان على أن الخلاف في جواز التكلم بما لا يفيد شيئا
(1/360)

وعبارة المصنف توافق ما أدته عبارة الإمام ثانيا وثالثا لا ما اقتضته أولا وبها صرح الآمدي إذ قال لا يتصور اشتمال القرآن الكريم على ما لا معنى له أصلا وقد عرفت أن الخلاف في المسألة نع الحشوية وهم طائفة ضلوا عن سواء السبيل وعميت أبصارهم يجرون آيات الصفات على ظاهرها ويعتقدون أنه المراد سموا بذلك لأنهم كانوا في حلقة الحسن البصري رحمه الله تعالى فوجدهم يتكلمون كلاما ساقطا فقال ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة وقيل سموا بذلك لأن منهم المجسمة أو هم هم والجسم محشو فعلى هذا القياس فيه الحشوية بسكون الشين إذ النسبة إلى الحشو وقيل المراد بالحشوية الطائفة الذين لا يرون البحث في آيات الصفات التي يتعدد إجراؤها على ظاهرها بل يؤمنون بما أراده الله مع جزمهم المعتقد بأن الظاهر غير مراد ولكنهم يفوضون التأويل إلى الله سبحانه وتعالى وعلى هذا فإطلاق الحشوية عليهم غير مستحسن لعدم مناسبته لمعتقدهم1 ولأن ذلك مذهب طوائف السلف من أهل السنة رضي الله عنهم.
إذا عرفت ذلك فقد استدل المصنف على امتناع ذلك بأنه هذيان.
قال الجاريردي شارح الكتاب وهو مصادرة على المطلوب لأن الهذيان هو اللفظ المركب المهمل وهو الذي ادعى امتناعه وهذا اعتراض منقدح ولكن المصنف أخذ هذا الدليل من الإمام والأمام إنما استدل به على ما صدر به المسألة من قوله: لا يتكلم الله بشيء ولا يعني به شيئا وقد بينا أن هذه الدعوى في الحقيق غير دعوى المصنف فليس استدلال الإمام بكونه هذيانا مصادرة على المطلوب نعم هو ضعيف من جهة أنه قد يقال لا نسلم أن الكلام المفيد بالوضع الذي فاه به الناطق إذا لم يعن به شيئا هذيان وإنما يكون هذيانا إذا لم يكن له مدلول في نفسه وقد يقال إن قصد المتكلم بالكلام معناه شرط في كونه كلاما مفيدا وقد سبق البحث في هذا.
واحتجت الحشوية على ما ذهبوا إليه بثلاثة وجه:
__________
1 راجع في ذلك الإرشاد ص 39 – 128.
(1/361)

الأول: زعموا أنه ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى "آلم المص كهيعص طه حم" وأمثالها فإنا لا نفهم لها معنى والجواب أن أقوال أئمة التفسير في ذلك كثيرة مشهورة قال الإمام والحق أنها السماء للسور وتبعه المصنف وهو ما عليه جماعة من المفسرين.
الثاني: قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} 1 وجه الاحتجاج أن الوقف على قوله: {إِلَّا اللَّهَ} واجب وحينئذ فالراسخون مبتدأ ويقولون خبر عنه والدليل على أن يجب الوقف على ذلك أنه لو لم يجب لكان الراسخون معطوفا عليه وحينئذ يتعين أن يكون قوله تعالى: {يَقُولُونَ} جملة حالية والمعنى قائلين وإذا كانت حالية وفإما أن يكون حالا من المعطوف والمعطوف عليه أو من المعطوف فقط والأول باطل لامتناع أن يقول الله تعالى آمنا به والثاني خلاف الأصل لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات وإذا انتفى هذا تعين ما ادعيناه من وجوب الوقف على قوله: {إِلَّا اللَّهَ} وإذا وجب الوقف على ذلك لزم أنه تكلم بما لا يعلم تأويله إلا هو وهو المدعى.
واعلم أن هذا الدليل لا يوافق دعوىالمصنف لأنه يقتضي أن الخلاف في الخطاب بلفظ له معنى لا نفهمه ودعواه فيما ليس له معنى مطلقا ثم إن هذا أعني كون القرآن يشتمل على ما لا يقدر على فهمه مما لا ينازع فيه فالناس في كتاب الله تعالى على مراتب ودرجات بحسب تفاوتهم في الأفهام والتضلع من العلوم فرب مكان يشترك في فهمه الخاص والعام وآخر لا يفهمه إلا الراسخون ويتفاوت العلماء إلى ما لا نهاية له على حسب استعدادهم وأقدارهم إلى أن يصل الأمر إلى ما لا يفهمه أحد غير النبي صلى الله عليه وسلم الذي وقع معه الخطاب فهو يفهم ما خوطب به لا يخفى منه خافية.
وقد أجاب المصنف عن هذا الوجه بأنه إنما يمتنع تخصيص المعطوف بالحال إذا لم تقم قرينة تدل عليه
__________
1 سورة آل عمران آية: 7.
(1/362)

وأما عند قيام القرينة الدافعة للبس فلا يمتنع حينئذ وذلك قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} 1 فإن نافلة حال من يعقوب فقط لأن النافلة ولد الولد وما نحن فيه كذلك إذ العقل قاض بأنه سبحانه وتعالى لا يقول آمنا به.
الثالث: قوله تعالى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ} 2 فإن العرب لا تعلم ما هي رؤوس الشياطين وأجاب بأنا لا نسلم أنه مهمل وإنما هو مثل كانت العرب العرباء تتمثل به في الاستقباح وهو مقيد بهذا الاعتبار.
__________
1 سورة الأنبياء آية: 72.
2 سورة الصافات آية: 65.
(1/363)

المسألة الثانية: لا يعني خلاف الظاهر من غير بيان
...
قال الثانية لا يعني خلاف الظاهر من غير بيان
لأن اللفظ بالنسبة إليه مهمل قالت المرجئة يفيد إحجاما.
قلنا فيرتفع الوثوق عن قوله تعالى.
قد يريد الله بكلامه خلاف ظاهره إذا كانت هناك قرينة يحصل بها البيان ولا يمكن أن يعني لكلامه خلاف ظاهره من غير بيان والخلاف في المسألة مع المرجئة قوم جوزوا ذلك وقالوا:
المراد بظواهر الآيات والأخبار الدالة على عقاب الفاسقين ووعيد العصاة والمذنبين الترهيب فقط كيلا يختل نظام العالم بناء على معتقدهم أن المعصية لا تضر مع الإيمان كما أن الطاعة لا تنفع مع الكفر وإنما سموا مرجئة لأنهم يرجئون العمل أي يؤخرونه ويسقطونه عن الاعتبار والإرجاء التأخير قال الله تعالى: {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} 1.
وقد احتج المصنف بأن اللفظ بالنسبة إلى المعنى الذي لا يفهم مهمل لعدم إفادته له من غير بيان وقد تبين أن الخطاب بالمهمل ممتنع.
وقالت المرجئة لا نسلم أنه بالنسبة إليه مهمل إذ المهمل ما لا يفيد وهذا ليس كذلك لأنه يفيد الإحجام عن المعاصي والإقدام على الطاعة.
__________
1 سورة لأعراف آية: 111 والشعراء آية: 36.
(1/363)

وأجاب بأنا لو فتحنا هذا الباب لارتفع الوثوق من جميع أخبار الله تعالى وأخبار رسوله صلى الله عليه وسلم لأنه لا خبر إلا ويحتمل أن يكون منه أمرا وراء الأفهام ومعلوم أن ذلك ظاهر الفساد.
(1/364)

المسألة الثالثة: دلالة المنطوق والمفهوم
...
قال الثالثة الخطاب إما أن يدل على الحكم بمنطوقه فيحمل على الشرعي ثم العرفي ثم اللغوي ثم المجازي.
هذه المسألة في بيان كيفية دلالة الخطاب على الحكم الشرعي وأقسام دلالته عليه فالخطاب الدال على الحكم إما أن يدل عليه بمنطوقه أي بصيغته أو بمفهومه.
الحالة الأولى أن يدل عليه بمنطوقه فإما أن يكون له مسمى شرعي أو لا.
الأول: يحمل على المسمى الشرعي ما لم يصرف عنه صارف لأن عرف الشارع يعرف المعاني الشرعية لا اللغوية ولأنه مبعوث لبيان الشرعيات وقيل إذا دار بين الشرعي واللغوي فهو مجمل لصلاحيته لكل منهما.
وقال الغزالي إن ورد في الإثبات حمل على الشرعي كقوله صلى الله عليه وسلم "إني إذن أصوم" فإنه إذا حمل على الشرعي يدل على صحة الصوم بنيته من النهار وإن ورد في النهي كان مجملا وذلك مثل لنهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم النحس فإنه لا يمكن حمله على الشرعي وإلا كان دالا على صحته لأنه يستحيل النهي عما لا يتصور وقوعه.
وقال الآمدي في الإثبات يحمل الشرعي وفي النهي على اللغوي والصحيح الذي عليه الجمهور ما ذهب إليه المصنف وقول الغزالي والآمدي إن النهي مستلزم للصحة غير صحيح.
والثاني: وهو الذي ليس له مسمى شرعي إما أن يكون له مسمى عرفي أو لا.
والأول: يحمل على العرفي إن علم اطراد ذلك العرف في زمن ورود
(1/364)

الخطاب لأن الظاهر من حال الخطاب أن يكون مما يتبادر إلى أذهان المخاطبين.
والثاني: يحمل على اللغوي الحقيقي لتعينه حينئذ وكذا إذا كان له مسمى عرفي ولم يمكن حمله عليه لمانع وإن لم يمكن حمله على اللغوي لقرينة صارفة عنه فيتعين حينئذ حمله على المعني المجازي ويكون الترتيب المذكور في الحقائق جاريا في مجازاتها.
واعلم أن من القواعد المشتهرة على ألسنة الفقهاء أن ما ليس له حد في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف قال والدي في شرح المهذب وليس مخالفا لما يقوله الأصوليون من أن لفظ الشارع يحمل على المعنى الشرعي ثم العرفي ثم اللغوي.
قال والجمع بين الكلامين أن مراد الأصوليين إذا تعارض معناه في العرف ومعناه في اللغة قدمنا العرف ومراد الفقهاء إذا لم يعرف حده في اللغة فإنا نرجع فيه إلى العرف ولهذا قالوا كل ما ليس له حد في اللغة ولم يقولوا ليس له معنى فالمراد أن معناه في اللغة لم ينصوا على حده بما يبينه فيستدل بالعرف عليه.
فائدة تنزيل اللفظ على المعنى الشرعي قبل العرفي في مسائل:
منها لو حلف لا يبيع الخمر أو المستولدة فإن أراد أنه لا يتلفظ بلفظ العقد مضافا إليها فإذا باعه حنث وإن أطلق لم يحنث لأن البيع الشرعي لا يتصور فيها وفيه وجه أنه يحنث قال به المزني قال الرافعي هنا وسيأتي خلاف في أنه هل يتعين حمل لفظ العبادات كالصوم والصلاة على الصحيح منها وهذا الخلاف الذي وعد بذكره لم أره حكاه بعد ولا خلاف أنه لو حلف لا يحج يحنث بالفاسد لأنه منعقد يجب المضي فيه كالصحيح.
ومنها لو حلف لا يركب دابة عبد زيد لا يحنث بالدابة المجعولة باسمه إلا أن يريد فإن ملكه السيد دابة فالصحيح أنه يتخرج على أنه هل يملك وقال ابن كج لا يحنث وإن قلنا يملك لأن ملكه ناقص السيد متمكن من إزالته.
(1/365)

وأما الرجوع إلى العرف ففي مسائل تخرج عن حد الحصر وقد أتينا في كتابنا الأشباه والنظائر منها بالعد الكثير.
قال أو بمفهومه وهو إما أن يلزم عن مفرد لوقف عليه عقلا أو شرعا مثل ارم واعتق عبدك عني ويسمى اقتضاء أو مركب موافق وهو فحوى الخطاب كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب وجواز المباشرة إلى الصبح على جواز الصوم جنبا أو مخالف كلزوم نفي الحكم عما عدا المذكور ويسمى ذلك دليل الخطاب.
الحالة الثانية أن يدل الخطاب على الحكم بمفهومه فإن أن يكون ما دل عليه بالمفهوم لازما عن مفرده أو عن مركب واللازم عن المفرد قد يكون المقتضي لكونه لازما هو العقل وقد يكون الشرع واللازم عن المركب قد يكون موافقا للمنطوق فيما اقتضاه من الحكم وقد يكون مخالفا فهذه أقسام.
الأول: اللازم عن المفرد الذي اقتضى العقل كونه لازما عن المفرد بأن يكون شرطا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة مثل قولك ارم فإنه يدل بمفهومه على لزوم تحصيل القوس والمرمى لتوقف الرمي الذي هو مفرد عليهما عقلا إذ يحيل العقل الرمي بدونهما:
الثاني: اللازم عن المفرد باقتضاء الشرع كونه لازما كقولك لمالك العبد اعتق عبدك عني فإنه يدل على استدعاء تمليك العبد إياه لأن العتق شرعا لا يكون إلا في مملوك.
وهذان القسمان اللازمان عن المفرد يسميان في اصطلاح الأصوليين بدلالة الاقتضاء وإليه أشار بقوله ويسمى اقتضاء.
ومن الأصوليين من جعل دلالة اللفظ على مقدر يتوقف عليه صدق الكلام داخلا في قسم الاقتضاء أيضا كدلالة قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ
(1/366)

والنسان 1 " على رفع الإثم وعبارة لا تنافي ذلك ولا تقتضيه لأنها لا تقتضي انحصار الافتضاء في المذكور فيه.
نعم تقتضي أن يكون ذلك من قبيل ما دل عليه اللفظ بمنطوقه لأنه لم يعده في أقسام المفهوم بل في المنطوق الغزالي على الاقتضاء بجملة أقسامه من المفهوم.
الثالث: اللازم عن اللفظ المركب وهو موافق لمدلول ذلك المركب في الحكم ويسمى فحوى الخطاب لأن فحوى الكلام ما يفهم منه قطعا وهذا كذلك ويسمى أيضا لحن الخطاب لأن لحن الكلام عبارة عن معناه ومنه قوله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} 2 أي معناه وربما سماه الشافعي رضي الله عنه بالجلي واختلفوا في أن دلالة النص عليه هل هي لفظية أم قياسية والذي عليه الجمهور أنها قياسية قال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع وهو الصحيح لأن الشافعي سماه القياس الجلي.
وهذا الثالث: أعني مفهوم الموافقة تارة يكون أولى بالحكم من المنطوق كدلالة تحريم التأفيف من قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} على تحريم الضرب وسائر أنواع الأذى الذي هو أبلغ من التأفيف وتارة يكون مساويا له كدلالة جواز المباشرة من قوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} 3 على جواز أن يصبح الرجل صائما جنبا لأن لو لم يجز ذلك لما جاز للصائم مد المباشرة إلى طلوع الفجر بل كان يجب قطعها مقدار ما يسع فيه الغسل قبل طلوع الفجر وإنما ذكر المصنفين مثالين ليعلم أن مفهوم الموافقة قد يكون أولى بالحكم كالمثال الأول وقد يكون مساويا كالثاني وهذا هو المختار.
__________
1 رواه ابن ماجه في كتاب الطلاق باب طلاق المكره والناسي 1/659 بلفظ "إن الله تجوز عن أمتي الخطأ والنسيان" وصححه ابن حبان والحاكم وقال: على شرط الشيخين.
سبل السلام 3/176, 177.
2 سورة محمد آية: 30.
3 سورة البقرة آية: 187.
(1/367)

ومنهم من اشترط الأولوية في مفهوم الموافقة وهو قضية ما نقله إمام الحرمين عن كلام الشافعي رضي الله عنه في الرسالة حيث قال في البرهان نحن نسرد معاني ككلامه في الرسالة ثم قال أما مفهوم الموافقة فهو ما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه موافق الحكم في المنطوق من جهة الأولى انتهى وهو مقتضى كلام الشيخ أبي إسحاق في شرح اللمع وغيره وعليه جرى ابن الحاجب لكنه قال بعد ذلك في مفهوم المخالفة شرطه ألا يظهر أولوية ولا مساواة في المسكوت عنه فيكون موافقة فاضطرب كلامه.
الرابع: اللازم عن المركب وهو مخالف لمدلول المركب في الحكم وهذا هو مفهوم المخالفة ويسمى دليل الخطاب وهو أصناف ذكر المصنف منها أربعة وذهب أبو حنيفة إلى نفس القول بمفهوم المخالفة مطلقا ووافقه جمع من الأصوليين.
قال إمام الحرمين وأما منكروا الصيغ لما يتطرق إليها من تقابل الظنون فلا شك أنهم ينكرون المفهوم فإن تقابل الظنون فيه أوضح فهو بالتوفيق أولى وشيخنا أبو الحسن مقدم الموافقة وقد فعل النقلة عنه رد الصيغة والمفهوم وفي كلامه ما يدل على المفهوم والقول به فإن تعلق في مسألة الرؤية بقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} 1 وقال لما ذكر الحجاب في إذلال الأشقياء أشعر ذلك بنقيضه في السعداء وقد تحققت على طول بحثي عن كلام أبي الحسن أنه ليس من منكري الصيغ على ما اعتقده معظم النقلة ولكنه قال في مفاوضاته مع أصحاب الوعيد بإنكار الصيغ وآل سر مذهبه إلى إنكار التعلق بالظواهر فيما ينبغي القطع فيه ولا نرى له المنع من العمل بقضايا الظوهر في مظان الظنون وقد باح القاضي رضي الله عنه بجحد الصيغ وصرح بنفي المفهوم.
__________
1 سورة المطففين آية: 15.
(1/368)

المسألة الرابعة: تعليق الحكم بالأسم
...
قال الرابعة تعليق الحكم بالاسم
لا يدل على نفيه عن غيره وإلا لما جاز القياس خلافا لأبي بكر الدقاق.
هذه المسألة في مفهوم الاسم ومفهوم الصفة اللذين هما من جملة أصناف
(1/368)

دليل الخطاب أما مفهوم الاسم فنقول تقييد الحكم أو الخبر بالاسم علما كان أو اسم جنس مثل قولك قام زيد أو قام الناس لا يدل على نفي الحكم عما عداه خلافا لأبي بكر الدقاق والحنابلة وقد سفه علماء الأصول الدقاق ومن قال بمقالته وقالوا هذا خروج عن حكم اللسان والسلال عن مفاوضات الكلام فإن من قال رأيت زيدا لم يقتض ذلك أنه لم ير غيره قطعا.
قال إمام الحرمين وعندي أن المبالغة في الرد عليه صرف لأنه لا يظن بذي العقل الذي لا ينحرف كلامه عن سنن الصواب أن يخصص بالذكر ملقيا من غير غرض وحاصل ما اختاره إمام الحرمين أن التخصيص يتضمن غرضا مبهما ولا يتعين انتفاء غير المذكور ثم قال وأنا أقول وراء ذلك لا يجوز أن يكون من غرض المتكلم في التخصيص نفي ما عدي المسمى بلقبه فإن الإنسان لا يقول رأيت زيدا وهو يريد الإشعار بأنه لم ير غيره فإن هو أراد ذلك قال إنما رأيت زيدا أو ما رأيت زيدا هذا كلامه وحكى ابن برهان في كتابه في أثناء المسألة مذهبا ثالثا عن بعض علمائنا وهو التفرقة بين أسماء الأنواع وأسماء الأشخاص فقال إن تخصيص اسم النوع بالذكر دل على نفي الحكم عن غيره ومثل له ابن برهان بما إذا قال في السود من الغنم زكاة وإن تخصيص اسم الشخص مثل قام زيد فلا يدل ثم قال ابن برهان وهذا ليس بصحيح لأن أسماء الأنواع نازلة في الدلالة منزلة أسماء الأشخاص إلا أن مدلول أسماء الأنواع أكثر وهما في الدلالة متساويان إذا عرفت هذا فقد استدل في الكتاب على مذهب الجمهور بأن تعليق الحكم على الاسم لو دل لكان الدليل على ثبوت الحكم في الأصل المقيس عليه كالنص الدال على أن البر ربوي مثالا وإلا على نفي الحكم عن الفرع المقيس كالأرز في مثالنا والفرض أن القياس قاض بإلحاقه فمتى عمل بالمفهوم بطل القياس وقد ضعف هذا الدليل بأن التعارض بين مفهوم اللقب والقياس غير متصور لأن من شرط القياس مساواة الفرع للأصل وشرط مفهوم المخالفة ألا يكون المسكوت عنه أولى ولا مساويا فلا مفهوم إذا مع المساواة ولا قياس مع عدم
(1/369)

المساواة وأبدى والدي رحمه الله في تضعيفه وجها أحسن من هذا لا مزيد على بلاغته فقال للدقاق أن يقول المفهوم يدل على الإباحة فيما عدا البر والقياس إنما يدل على التحريم فيما شارك البر في المعنى كالأرز والحمص دون ما لم يشاركه من الرصاص والنحاس وغيرهما فغاية ما يفعل القياس حينئذ أن يخصص المفهوم ولا بدع في تخصيص المفهوم بالقياس بل ولا في تخصيص المنطوق.
فائدة في كتاب الأستاذ أبي إ سحاق في أصول الفقه أن شيخه ابن الدقاق هذا ادعى في بعض مجالس النظر ببغداد صحة ما قاله من مفهوم اللقب فألزم وجوب الصلاة فإن الباري تعالى أوجب الصلاة فهل له دليل يدل على نفي وجوب الزكاة والصوم وغيرهما قال فبان له غلطة وتوقف فيه.
قال وبإحدى صفتي الذات مثل في سائمة الغنم زكاة يدل ما لم يظهر للتخصيص فائدة أخرى خلافا لأبي حنيفة وابن سريج والقاضي وإمام الحرمين والغزالي.
هذا مفهوم الصفة وهو مقدم المفاهيم ورأسها وقد قال إمام الحرمين ولو عبر معبر عن جميع المفاهيم بالصفة لكان ذلك منقدحا فإن المعدود والمحدود موصوفان بعددهما وحدهما وكذا سائر المفاهيم وقول المصنف وبإحدى هو معطوف على قوله تعليق الحكم بالاسم أي وتعليق الحكم بإحدى صفتي الذات أو أحد أوصافها يدل على نفي الحكم عن الصفة الأخرى مثال مفهوم الصفة قوله صلى الله عليه وسلم: "في سائمة الغنم زكاة" 1 وهو حديث معناه ثابت في الصحيح فإن الغنم ذات والسوم والعلف وصفان يعتورانها وقد علق الحكم بأحدهما وهو السوم وكذلك قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} 2 وقد
__________
1 رواه البخاري بمعناه في كتاب أبي بكر الصديق في كتاب الزكاة باب زكاة الغنم 2/146. ولفظه "في صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة"
كما رواه أبو داود – كتاب الزكاة باب في زكاة السائمة 1/358.
2 سورة النساء آية: 25.
(1/370)

اختلفوا في هذا المفهوم فذهب الجمهور وكبيرهم الشافعي وأبو الحسن وأبو عبيدة معمر بن المثنى وجمع كثير من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه يدل على النفي واختباره المصنف ثم اختلاف هؤلاء في أنه هل يدل على نفي الحكم عما عداه مطلقا سواء كان من جنس المثبت فيه أم لم يكن أو يختص بما إذا كان من جنسه مثاله إذا قلنا في الغنم السائمة زكاة هل يدل على نفي الزكاة عن المعلوفة مطلقا سواء كانت معلوفة الغنم أم الإبل والبقر أو يختص بالنفي عن معلوفة الغنم وهذا الخلاف حكاه الشبخ أبو حامد في كتابه في أصول الفقه عن أصحابنا وقال الصحيح تخصيصه بالنفي عن معلوفة الغنم فحسب وذهب أبو حنيفة والقاضي وأبو بكر وأبو العباس بن سريج إمام أصحابنا والقفال الشاشي والغزالي وجماعة إلى أنه لا يدل واختاره الآمدي وفرق أبو عبد الله البصري فقال بالمفهوم في الخطاب الوارد لبيان المجمل كقوله عليه السلام زكوا عن سائمة الغنم فإنه ورد بيانا لقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} والوارد للتعليم كقوله عليه السلام: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة" 1 الحديث والوارد فيما انتفى عنه الصفة إذا كان داخلا تحت المتصف بها نحو الحكم بالشاهدين والشاهد الواحد فإن الشاهد الواحد داخل تحت الشاهدين وفرق إمام الحرمين بين الوصف المناسب وغير المناسب فقال بمفهوم الأول دونه.
الثاني: وقد اطلعه في الكتاب تبعا للإمام النقل عنه في إنكار مفهوم الصفة وليس بجيد.
وقال الإمام أنه لا يدل على النفي بحسب وضع اللغة لكنه يدل عليه بحسب العرف العام هذا تحرير الخلاف في المسألة وأما محل النزاع فهو كما أشار إليه المصنف بقوله ما لم يظهر أي إنما يدل على القائلين به إذا لم يظهر لتعليق الحكم بالصفة المذكورة فائدة أخرى مغايرة لنفي الحكم عما عداها ككونه جوابا عن سؤال سائل عن حكم إحدى الصفتين أو خارج مخرج الغالب أو
__________
1 رواه أحمد وأبو داود والنسائي ولفظ ابن ماجه "والمبيع قائم بعينه" وفي رواية لأحمد "والسلعة كما هي".
المنتقى من أحاديث الأحكام لابن تيمية ص 457, 458.
(1/371)

غير ذلك مثل قوله: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} فإن قوله: {مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} لا مفهوم له لأن النهي عن موالاة الكافرين عام فيمن وإلى المؤمنين ومن لم يوالهم وإنما معنى قوله: {مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم ففي هذه الأشياء لا يدل على نفي الحكم عما عدا الصفة المذكورة كما نقله المتأخرون من الأصوليين وقد نازع إمام الحرمين فيما إذا خرج مخرج الغالب بعد أن عن الشافعي ما قلناه من أنه لا مفهوم حينئذ وأطال الكلام فيه والشيخ عز الدين ابن عبد السلام قال القاعدة تقتضي العكس وهو أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب يكون له مفهوم بخلاف ما إذا لم يكن غالبا وذلك لأن الوصف الغالب على ثبوته لها عن ذكر اسمه فإذا أتى بها مع أن العادة كافية فيها دل على أنه إنما أتى لتدل على سلب الحكم عما عداه لانحصار غرضه فيه وأما إذا لم يكن عادة فقد يقال إن غرض المتكلم بتلك الصفة أن يفهم السامع أن هذه الصفة ثابتة لهذه الحقيقة.
وقد أجاب القرافي عن هذا بأن الوصف إذا كان غالبا لازما لتلك الحقيقة في الذهن بسبب الشهرة والغلبة فذكره إياه مع الحقيقة عند الحكم عليها لعله لحضوره في ذهنه لا لتخصيص الحكم به وأما إذا لم يكن غالبا فالظاهر أنه لا يذكر مع الحقيقة إلا لتقييد الحكم به لعدم مقارنته للحقيقة في الذهن حينئذ فاستحضاره معه واستجلابه لذكره عند الحقيقة عند الحكم إنما يكون لفائدة والغرض عدم ظهور فائدة أخرى فيتعين التخصيص وهذا الجواب الصحيح.
فإن قلت هذا لا يتضح بالنسبة إلى كلام الله تعالى لعلمه بالغالب وغير الغالب على حد سواء.
قلت هذا السؤال أورده الشيخ صدر الدين بن المرجل في كتابه الأشباه والنظائر وقد ذكر اختلاف الأصوليين في أن العام هل يشمل الصورة النادرة فقال هذا الخلاف لا يبين لي حرمانه في كلام الله تعالى لأنه لا يخفى عليه خافية فهو يعلم ذلك النادر وقال وإنما يتبين لي دخوله في كلام الآدميين وقد
(1/372)

أجبت عنه في كتابي الأشباه والنظائر بما لو عرض على ذوي التحقيق لتلقوه بالقبول.
فقلت الخلاف جار في كلام الله تعالى لا للمعنى الذي ذكره ابن المرحل بل لأن كلام الله تعالى منزل على لسان العرب وقانونهم وأسلوبهم فإذا جاء فيه لفظ عام تحته صورة نادرة وعادة العرب إذا أطلقت ذلك اللفظ لا تمر تلك الصورة ببالها يقول هذه الصورة ليست داخلة في مراد الله تعالى من هذا اللفظ وإن كان عالما بها لأن هذا اللفظ يطلق عند العرب ولا يراد هذه الصورة كما يجيء في القرآن ألفاظ كثيرة يستحيل وقوع معانيها من الله تعالى كالترجي والتمني وألفاظ التشكيك ولك ذلك منتف في جانبه تعالى وإنما تجيء ليكون القرآن على أسلوب كلام العرب.
قال لنا أنه المتبادر من قوله عليه السلام: "مطل الغنى ظلم" ومن قولهم الميت اليهودي لا يبصر وإن ظاهر التخصيص يستدعي فائدة وتخصيص الحكم فائدة وغيرها منتف بالأصل فيتعين وإن الترتيب يشعر بالعلية كما ستعرفه والأصل ينفي علة أخرى فينتفي بانتفائها قيل لو دل لدل إما مطابقة أو التزاما قلنا دل التزاما لما ثبت أن الترتيب يدل على العلية وانتفاء العلة يستلزم انتفاء معلولها المساوي قيل ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ليس كذلك قلنا غير المدعى.
استدل على أن مفهوم الصفة حجة بثلاثة أوجه:
الأول: أن يتبادر إلى الفهم حيث كان كما أن من سمع ما رواه البخاري ومسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: "مطل الغنى ظلم" 1 فهم أن مطل من ليس بغنى ليس ظلما وقد فهم ذلك من الحديث أبو عبيدة وهو من أئمة اللغة
__________
1 رواه البخاري في كتاب الحوالات باب في الحوالة 3/123 ومسلم 5/34 باب تحريم مطل الغني وصحة الحوالة وأبو داود كتاب البيوع باب في المطل 2/222 كما رواه الترمذي تحفة الأحوذي 4/535 والنسائي 7/278 كتاب البيوع باب مطل الغني.
(1/373)

وكذلك الشافعي وهو إمام اللغة وابن بجدتها والتسمك بقول الشافعي وأبي عبيدة أولى من التمسك بقول أعرابي جلف وكذلك أهل العرف يتبادر إلى فهمهم من قول القائل الميت اليهودي لا يبصر أن الميت الذي ليس هو بيهودي يبصر بدليل أنهم يسخرون من هذا الكلام ويضحكون منه وإنما ذكر المصنف هذين المثالين ليبين أن المتبادر إلى الفهم في الأول عند أهل اللغة وفي الثاني عند أهل العرف فيجتمع التبادر من الجهتين وهذا من محاسنه.
وقد اعترض إمام الحرمين على التمسك بفهم الشافعي وأبي عبيدة فقال هذا المسلك فيه نظر فإن الأئمة قد يحكمون على اللسان عن نظر واستنباط وهم في مسالكهم في محل النزاع مطالبون بالدليل والأعرابي الجلف طبعه فيقع التمسك بمنظومه ومنثوره.
الوجه الثاني: أن ظاهر تخصيص الحكم بالصفة يستدعي فائدة صونا للكلام عن اللغو وتلك الفائدة ليست لا نفي الحكم عما عداه لأن غيرها منتف بالأصل فتتعين هي ولأن الكلام فيما إذا لم يظهر للتخصيص فالذكر فائدة أخرى.
فإن قلت هذا يلزمكم في مفهوم اللقب.
قلت اللقب له فائدة تصحيح الكلام إذ الكلام بدونه غير مفيد بخلاف الصفة.
الثالث: أن الحكم المرتب على الخطاب المقيد بالصفة معلول تلك الصفة كما ستعرفه إن شاء الله تعالى في كتاب القياس من أن تريتب الحكم على الوصف يشعر بالعلية والأصل عدم علة أخرى لأنا لز جوزنا التعليل بعليتين فلا شك أن الأصل عدمه وإذا لم يكن له علة غير الوصف لزم انتفاء الحكم فيما انتفى عنه الوصف لأن انتفاء العلة يستلزم انتفاء المعلول.
قال قيل إن احتج الخصم بوجهين:
أحدهما: أنه لو دل تخصيص الحكم بإحدى الصفتين على نفيه عما عداها
(1/374)

لدل عليه إما بالمطابقة او بالالتزام ضرورة انحصار الدلالة فيهما فإن المراد بدلالة الالتزام هنا دلالة اللفظ على لازم مسماه واللازم أعم من الجزء والوصف فيشتمل دلالة التضمن لكنه لا يدل بالمطابقة لأن ثبوت الحكم في إحدى الصفتين ليس عين ثبوته في الأخرى لأن قوله: " زكوا عن الغنم السائمة" غير موضوع لنفي الزكاة عن المعلوفة فالدال على أحدهما بالمطابقة لا يدل على الآخر بها وإنما قلنا إنه لا يدل بالالتزام لأنه إن كان التضمن فواضح لأن نفي الحكم عما عدا المذكور ليس جزءا لثبوته في المذكور وإن كان الالتزام المعرف في تقسيم الألفاظ فلأن شرطه سبق الذهن من المسمى إليه والسامع قد يتصور وجوب الزكاة بنفي أو إثبات بل قد يغفل عن تصور المعلوفة.
وأجاب في الكتاب بأنه يدل عليه بالالتزام لما ثبت من أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية وأن الأصل عدم علة أخرى فانتفاء الحكم عما عدا تلك الصفة من لوازم ثبوته لها لأن انتفاء العلة يستلزم انتفاء معلولها المساوي فالدال على ثبوت الحكم للصفة المخصوصة بالذكر مطابقة يدل على نفيه عما عداها التزاما.
قوله المساوي أراد به ألا يكون له علة أخرى احترازا عما يكون له علة أخرى كالحرارة فإنها معلولة للنار وللشمس فلو كانت له علة أخرى لم يلزم من انتفاء هذه العلة انتفاء المعلول لجواز ثبوته بالعلة الأخرى هذا تقرير الجواب ولقائل أن يقول إنما يتأتى هذا عند من لا يشترط في دلالة الالتزام اللزوم البين ويكتفي باللازم الخارجي سواء كان لزومه بواسطة أو بغير واسطة.
الوجه الثاني: أنه لو دل لما كان حكم المنطوق به ثابتا مع عدم الصفة لكنه ثابت كما في قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} 1 فإن قتل الأولاد محرم في الحالتين.
وأجاب بأن هذا غير المدعى لأنا لم ندع أن مفهوم الصفة حجة إلا فيما إذا
__________
1 سورة الاسراء آية: 31.
(1/375)

لم يظهر له فائدة أخرى كما تقدم وهنا قد ظهرت له فائدة وهي خروجه مخرج الغالب لأن غالب أحوالهم أنهم لا يقتلون أولادهم إلا عند خشية الفقر.
هذا جواب المصنف والحق أن هذا ليس مما نحن فيه لأن دلالته على حرمة القتل عند انتفاء خشية الإملاق من باب الأولى فهو من فحوى الخطاب لا من دليله.
فإن قلت هب أن هذه الآية لا تدل لما ذكرناه ولكن آية أخرى مؤيده ة له وهي قوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ} 1 فلو كان مفهوم الصفة حجة للزمكم القول بأن لهم شفيعا لا يطاع.
قلت هذا الصفة لها فائدة أخرى غير التخصيص فلا يكون من محل النزاع وقال والدي أيده الله في تفسيره هذه الآية ست فوائد لهذه الصفة
احداها: أنها الذي يتشوق إليه نفوس من يقصد أن يشفع فيه فكان التصريح بنفيها نفيا قاطعا لأطماع الظالمين ومظالمهم ليقطعوا إياسهم لأن من كان متشوقا إلى شيء فصرح له بأنه لا يبلغه كان أنكى له من أن يدل عليه بلفظ عام شامل له أو مستلزم إياه فلم يقصد بهذه الصفة التخصيص وإنما قصد ما ذكرناه.
الثانية: أن من الشفعاء من لا يقبل شفاعته فلا غرض فيه أصلا ومنهم مقبول الشفاعة وهو المقصود فنص عليه تحقيقا لمن قصد نفيه وهي صفة مخصصة وقدم هذه الفرض على ما يقتضيه مفهوم الصفة من وجود غيره لقيام الدليل على عدمه وهذه الفائدة مغايرة للأولى لأن هذه في آحاد الشفعاء وتلك في صفة شفاعتهم.
الثالثة: ما يدل عليه مادة يطاع والغالب في الشفاعة استعمال لفظ القبول والنفع وما أشبههما أما الطاعة فإنما تقال في الأمر فكان ذكرها ههنا لنكتة بديعة وهي أنه لما ذكر الظالمين وشأن الظالمين في الدنيا القوة والمتكلم
__________
1 سورة غافر آية: 18.
(1/376)

لهم بمنلة من يأمر فيطاع نفى عنهم ذلك في الآخرة تبكيتا وحسرة فإن النفس إذا ذكرت ما كان عليه وزال عنها وخوطبت به كان أشد عليها.
الرابعة: أنه أشارة إلى قول ذلك اليوم العصيب وأن شدته بلغت مبلغا لا ينفع إلا شفيع له قوة ورتبة أن يطاع لو وجد وهو لا يوجد وهذه قريبة من التي قبلها إلا أنها بحسب الحاضر وتلك بحسب الماضي.
الخامسة: التنبيه على ما فضل الشفيع لأجله كقول المغلوب الذي ليس عنده أحد ما عندي أحد ينصرني تنبيها على أن مقصوده النصرة.
السادسة: فائدة ذكرها الزمخشري وفهمها يتوقف على تحرير كلامه وفيه نظر طويل وقد تكلم عليه الشيخ الإمام والدي أبلغ كلام وأحسنه ولولا خشية التطويل والخروج عن مقصد الشرح لاستوعبنا ذكره فإنه مما يشح به اللبيب ويثبط به ذو الذهن السليم.
قاعدة أصل وضع الصفة أن تجيء إما للتخصيص أو للتوضيح ويكثر مجيئها للتخصيص في النكرات وللتوضيح في المعارف نحو مررت برجل عاقل وبزيد العالم وقد تجيء لمجرد الثناء كصفات الله تعالى أو لمجرد الذم نحو الشيطان الرجيم أو للتوكيد مثل نفخة واحدة أو للتحنن مثل زيد المسكين.
وهذه الأقسام لا مفهوم لها وقد يعبر عن التخصيص بالشرط عن التوضيح بالتعريف والمعنى واحد ولما احتمل كون كل منهما مرادا وقع في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة أماكن اختلف فيها العلماء وفي الحكم المرتب عليها لأجل اختلافهم فيها فمن تلك قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} 1 فقوله: {لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} متردد بين أن يكون للتوضيح أو للتخصيص فإن كان فيه دلالة لمذهب الشافعي رضي الله عنه أن العبد لا يملك شيئا ويكون معنى الآية أن هذا شأن العبد كما في قوله
__________
1 سورة النحل آية: 75.
(1/377)

مملوكا قبل ذلك فإنه للتوضيح لا محالة وإن كان قوله: {لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} للتخصيص كان فيه دلالة مذهب مالك.
والقديم عندنا أن العبد يملك بالتمليك لأن معنى الآية أن العبد قد يملك وقد لا يملك والوصف خصص المثال بمن لا يملك شيئا ولا يقدر عليه.
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لصفوان بن أمية لما استعار منه: "بل عارية مضمونة" ن كان للتوضيح كان فيه دليل المذهب الشافعي أن العارية مضمونة وأن هذا شأنها وإن كان للتخصيص كان مستندا لأبي حنيفة في أنها غير مضمونة ما لم يشترط.
ومنها إذا قال لزوجته إذ تظاهرت من فلانة الأجنبية فأنت علي كظهر أمي ثم تزوجها فظاهر منها فهل يصير مظاهرا من الزوجة الأولى فيه وجهان:
أحدهما: أنه يصير مظاهرا ويكون لفظ الأجنبية للشرط وهو للتخصيص فكأنه علق ظهاره من الزوجة على ظهاره من تلك في حال كونها أجنبية وذلك تعليق على ما لا يكون ظهارا شرعيا فلا يصح من الأولى.
ومنها إذا حلف لا يأكل من لحم هذا الجمل فصار كبشا فأكله ففيه خلاف منهم من خرجه على هذه القاعدة ومنهم من خرجه على تغليب الإشارة والعبارة ومن هنا ينعرج القول إلى مسائل الإشارة والعبارة.
وقد ذكرنا في كتبابنا الأشباه والنظائر عند ذكر هذه القاعدة من مسائلها ما تقر به عين ناظره والله أعلم.
(1/378)

المسألة الخامسة: التخصيص بالشرط
...
قال الخامسة التخصيص لاشرط مثل: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} فإنه ينتفي المشروط بانتفائه قيل تسيمة إن حرف شرط اصطلاح قلنا الأصل عدم النقل قيل يلزم ذلك لو لم يكن الشرط بدل قلنا حينئذ يكون أحدهما وهو غير المدعي قيل: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} ليس كذلك قلنا لا نسلم بل انتفاء الحرمة لامتناع الإكراه.
هذا مفهوم الشرط وهو أقوى من مفهوم الصفة ولذلك قال به بعض من
(1/378)

لا يقول بمفهوم الصفة كابن سريج وبالغ إمام الحرمين في الرد على منكريه وأما الفزاني فإنه صمم على إنكاره فقال الصحيح عندنا ما ذهب إليه القاضي من إنكاره.
واعلم أن محل الخلاف في مفهوم الشرط فيما إذا قال من جاءني أكرمته وأمثالها من صيغ الشرط نحو متى وإذا أن هذه الصيغة الدالة بمنطوقها على إلزام من يجيء هل هي دالة بمفهومها على عدم إكرام من لم يجيء هذا محل النزاع وكذلك في مفهوم الصفة وغيره فالخلاف إنما هو في دلالة حرف الشرط على العدم عند العدم لا على أصل العدم عند العدم فإن ذلك ثابت بالأصل قبل أن ينطق الناطق بكلامه وكذا في سائر المفاهيم مثال مفهوم الشرط قوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} 1 دل بالمنطوق على وجوب النفقة على أولات الأحمال فهل يدل بالمفهوم على العدم عند العدم حتى يستدل به على منع وجوب النفقة للمعتدة الحائل.
والذي اختاره المصنف تبعا للإمام والجماهير وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يدل ودليله أن النحويين قالوا إن كلمة إن حرف شرط ويلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط واعترض الخصم على هذا الدليل بثلاثة وجه
أحدها: أن تسمية إن حرف شرط من الاصطلاحات المجازية كتسميتهم الحركات المخصوصة بالرفع والجر والنصب وإن لم يكن هذه الأسماء موجودة في أصل اللغة وأجاب بأن الأصل أن تكون تسميتهم له حرف شرط مطابقته للوضع اللغوي وألا يلزم النقل وهو خلاف الأصل وهذا الجواب ذكره الإمام وغيره وفي النفس منه شيء فإن المصنف لا يكابر في أن هذه الاصطلاحات حادثة بعد أصل الوضع ولكن سبيل الانفصال عن السؤال أن يقال نحن إنما كلامنا في المعلق على شيء بأداة يفهم منها العرب ما يطلق عليه المصطلحون الشرط وهذا الذي يفهم من الشرط ليس مكسبا من تسميته شرطا
__________
1 سورة الطلاق آية: 6.
(1/379)

والحاصل أن المصطلح إنما هو للتسمية للمعنى السابق المفهوم عند العرب والخلاف في مفهوم الشرط إنما هو في ذلك المعنى الذي كانت العرب إذا أطلقت أداة الشرط تفهمه هل هو الحصول عند الحصول والعدم عند العدم أو مجرد الحصول عند الحصول.
الاعتراض الثاني: أنا لا نسلم أنه يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط على الإطلاق وإنما يلزم ذلك إذا لم يكن للشرط بدل يقوم مقامه أما إذا كان ذا بدل فلا يلزم ذلك كالوضوء فإنه شرط في الصلاة ولا يلزم من انتفائه انتفاؤها لجواز أن توجد بالتيمم وأجاب بأن المدعى أن الشرط يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم وما ذكرتموه لا ينقض هذه الدعوى لأن الشرط في الحالة التي ذكرتموها وهي الصلاة أحد الأمرين وأحد الأمرين لا ينتفي إلا بانتفائهما جميعا وما لم ينتفيا لا ينتفي الشرط لأن مسمى أحدهما باق وهذا غير مدعانا إذ المدعي فيما هو شرط بعينه ويمكن أن يقال وهذا غير مدعانا أي أن الشرط يلزم من انتفائه انتفاء المشروط لأن الشرط والحالة هذه أحدهما ولم ينتف ولو انتفى لم تصح الصلاة وهذا حسن من تقريره على لفظه غير ونسخ الكتاب مختلفة لأن غيرا تصحف بعين.
الاعتراض الثالث: أنه لم لو كان مفهوم الشرط حجة لكنا قوله تعالى: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} 1 دالا على أنهن إذا لم يردن التحصن يجوز إكراههن على البغاء وأجاب بأنا لا نسلم أنه ليس كذلك أي لا نسلم عدم انتفاء الحرمة عند عدم إرادة التحصن بل حرمة الإكراه عند عدم إرادة التحصن منتفية لامتناع تصور الإكراه حينئذ فإن الإكراه إنما يتصور على ما يريده الإنسان المكره لأنه حمل الشخص على مقابل مراده فإذا لم يتصور الإكراه جاز أن يقول ليس بحرام لأنه ليس بمتصور والحرمة فرع كونه متصورا.
فإن قلت ما فائدة قوله: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} حينئذ قلت لعل المراد
__________
1 سورة النور آية: 33.
(1/380)

التنصيص على قبح فعلهم والنداء بتشنيع أمرهم واعلم أن الشرط قد يأتي ولا مفهوم له وهو فيما إذا ظهرت له فائدة غير تخصيص الحكم كما قلنا في مفهوم الصفة وكما في قوله: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} فإن له فائدة وهي ما أشرنا إليه وكما في قوله تعالى: {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} وقول القائل لابنه: أطعني إن كنت ابني والمراد التنبيه على السبب الباعث للمأمور به لا تقييد الحكم فكل هذا ليس من محل النزاع.
(1/381)

المسألة السادسة: التخصيص بالعدد
...
قال السادسة التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص.
اختلفوا في أن تعليق الحكم بعدد مخصوص هل يدل على انتفاء الحكم فيما عدا ذلك العدد زائدا كان أم ناقصا فذهب طوائف إلى أنه يدل وهو المنقول عن الشافعي مما نقله الماوردي في باب بيع الطعام قبل أن يستوفي وإمام الحرمين والغزالي.
وقال آخرون إنه لا يدل وهو رأي القاضي وإمام الحرمين وبه قطع المصنف وأما الإمام فاختار أن الحكم المقيد بعدد إن كان معلول ذلك العدد ثبت في الزائد لوجوده فيه كما لو حرم جلد مائة أو حكم بأن القلتين يدفعان حكم النجاسة وإلا لم يلزم كما لو أوجب جلد مائة والناقص عن ذلك العدد إن كان داخلا فيه وكان الحكم إيجابا أو إباحة ثبت فيه كما لو أوجب أو أباح جلد مائة وإن كان تحريما فلا يلزم وإن لم يكن داخلا فيه كالحكم بشهادة شاهدين واحد فإنه لا يدخل في الحكم بشهادة شاهدين فالتحريم قد ثبت فيه بطريق الأولى والإيجاب والإباحة لا يلزمان.
قال فثبت أن قصر الحكم على العدد لا يدل على نفيه عما زاد أو نقص إلا بدليل منفصل ومن حجج القائلين بهذا المفهوم أنه لما نزل قوله تعالى: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} 1 قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والله لأزيدن على السبعين" فقد فهم سيد العرب العرباء من الآية حكم ما زاد على السبعين بخلافه
__________
1 سورة التوبة آية: 80.
(1/381)

ومن الناس من أجاب عن هذا بأن العدد كما لا يدل على نفي الحكم عما عداه لا يدل على إثباته بل هو مسكوت عنه فلعل النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك رجاء لحصول الغفران لهم بناء على حكم الأصل إذ كان جواز المغفرة ثابتا قبل نزول هذه الآية.
قال الغزالي الأظهر أن الخبر غير صحيح لأنه صلى الله عليه وسلم أعرف الخلق بمعاني الكلام ولفظ السبعين إنما جرى مبالغة في اليأس وقطعا للطمع في الغفران فإن العرب تستعمله في ذلك كقول القائل اشفع أو لا تشفع لو شفعت سبعين مرة لما أفاد.
وقول الغزالي إن الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح متلقى من إمام الحرمين فإنه قال هذا لم يصححه أهل الحديث وإمام الحرمين تلقى ذلك من القاضي أبي بكر فإنه قال في مختصر التقريب هذا الحديث ضعيف غير مدون في الصحاح وهذا باطل فإن الحديث ثابت صحيح مدون في البخاري ومسلم.
وقل الغزالي السبعين للمبالغة في قطع اليأس متلقى من القاضي أيضا فإنه قال من شد طرفا من العربية لم يخف عليه أن المقصود منه قطع موارد الرجاء دون التعليق على السبعين وكيف يخفى مدرك هذا وهو مقطوع به عن أفصح من نطق بالضاد والحق أن الجواب الأول أسد من هذا وقد ذكره القاضي أيضا في مختصر التقريب وأما ما تعلق به القاضي في إنكار للحديث فغير معتصم لأن السبعين وإن نطقت العرب بها للمبالغة تارة فقد نطقت بها للتقيد بالعدد المخصوص تارة أخرى بل العدد المخصوص هو حقيقتها وقول القاضي المقصود قطع موارد الرجاء دون التعليق على السبعين لا يصح مع ثبوت الحديث.
خاتمة قال والدي رحمه الله التحقيق عندي أن مفهوم العدد إنما يكون حجة عند القائل به عند ذكر نفس العدد كاثنين وعشرة أما المعدود فلا يكون مفهومه حجة كقوله صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان فلا يكون عدم تحريم ميتة ثالثة مأخوذا من مفهوم العدد لكن الناس يمثلون لمفهوم العدد بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا
(1/382)

بلغ الماء قلتين" 1 والذي لا يتجه غيره هو ما ذكرناه وذلك لأن العدد شبه الصفة لأن قولك في خمس من الإبل في قوة قولك في إبل خمس تجعل الخمس صفة للإبل وهي إحدى صفتي الذات لأن الإبل قد تكون خمسا وقد تكون أقل أو أكثر فلما قيدت وجوب الشاة بالخمس فهم أن غيرها بخلاف فإذا قدمت لفظ العدد كان الحكم كذلك والمعدود لم يذكر معه أمر زائد يفهم منهم انتفاء الحكم عما عداه فصار كاللقب واللقب لم لا فرق فيه أن يكون واحدا أو مثنى ألا ترى أنك لو قلت رجال لم يتوهم أن صيغة الجمع عدد ولا يفهم منها ما يفهم من التخصيص بالعدد فكذلك المثنى لأنه اسم موضوع لاثنين كما أن الرجال اسم موضوع لما زاد فمن ثم لم يكن قوله: "ميتتان" يدل على نفي ميتة ثالثة كما أنه لو قال أحلت لنا ميتة لم يدل على عدم حل ميتة أخرى نعم هنا بحث ينشأ منه تفصيل وهو أن المثنى من جنس تارة يراد به ذلك الجنس ويكون جانب العدد مغمورا معه وتارة يراد العدد من ذلك الجنس ويظهر هذا بأنك إذا أردت الأول تقول جاءني رجلان لا امرأتان فلا ينافي أن يكون جاءه رجال ثلاثة وإذا أردت الثاني تقول جاءني رجلان لا ثلاثة فلا ينافي ذلك أنه جاءه نسوة وكذلك المفرد تقول جاءني رجل لا امرأة وجاءني رجل لا رجلان فإن كان في الكلام قرينة لفظية أو حالة تبين المراد اتبعت وعمل بحسبها وإلا فلا دليل فيه لواحد منها وقوله أحلت لنا ميتتان سبق لبيان حل هاتين الميتتين وليس فيه إشعار لحكم ما سوى ذلك وقوله: "إذا بلغ الماء فلتين لم يحمل الخبث" فيه شرط يستغنى به عن التمسك بمفهوم العدد لكن الإمام وغيره مثلوا به في العدد وكان لما ذكرته من البحث لأن قرينة الكلام بقوله إذا بلغ يقتضي أنه أراد التقييد بهذا القدر المخصوص فكانت صفة العدد فيه هي المقصودة فلذلك صح التمسك به
__________
1 حديث صحيح رواه أبو داود في كتاب الطهارة باب ما ينجس الماء 1/15 والنسائي في كتاب المياه باب التوقيت في الماء 1/142 وابن ماجه في كتاب الطهارة باب مقدار الماء الذي لا ينجسه شيء ولفظه "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث"
وفي بعض الروايات "لم يحمل خبثا".
(1/383)

المسألة السابعة: استقلال النص بافادة الحكم وعدمه
...
قال السابعة النص إما أن يستقل بإفادة الحكم أو لا والمقارن له إما نص آخر
مثل دلالة قوله: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} مع دلالة: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} على أن تارك الأمر يستحق العقاب كدلالة قوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً} مع قوله: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر أو إجماع كلالة ما دل على أن الخال بمثابة الخالة في إرثها إذا دل نص عليه.
النص المستدل به على حكم قد يدل بمنطوقه وقد يدل بمفهومه وهذان القسمان تقدما وهما داخلان تحت قول المصنف يستقل فإفادة الحكم وذلك كقوله: "زكوا عن الغنم السائمة" فإن منطوقه مستقل بإيجاب زكاتها ومفهومه مستقل بعدم إيجاب زكاة المعلوفة وقد يدل لا بمنطوقه ولا بمفهومه بل بانضمامه إلى آخر وهذا هو الذي لا يستقل بل يحتاج إلى مقارن فتقول ذلك الآخر المقارن إما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا أو قرينة حال التكلم واقتصر في الكتاب على ذكر القسمين الأولين أعني النص والإجماع الأول النص وهو على وجهين:
أحدهما: أن يدل أحد النصين على مقدمة من مقدمتي الدليل والآخر على مقدمة أخرى منه فيتم بهما الدليل مثاله قوله تعالى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} 1 فإنه يدل على أن تارك الأمر عاص فإذا ضمه المستدل إلى قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} 2 فإن هذا يدل على أن العاصي يستحق العقاب وقد دلت الأولى على أن تارك المأمور به يستحق العقاب وثانيهما يدل أحدهما على ثبوت حكم لشيئين والآخر على ثبوت بعض ذلك لأحدهما على التعيين فيتعين الباقي للآخر مثاله قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً} 3 مع قوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ
__________
1 سورة طه آية: 93.
2 سورة الجن آية: 23.
3 سورة الأحقاف آية: 15.
(1/384)

الرَّضَاعَةَ} يدل على أن مدة الفصال حولان فيتعين أن يكون الباقي وهو ستة أشهر مدة الحمل فعلم من مجموع النصين أن أقل مدة الحمل ستة أشهر.
الثاني: الإجماع كدلالة ما روى من قوله صلى الله عليه وسلم: "الخال وارث من لا وارث له" على أن الخال يرث في بعض الأحوال وانعقد الإجماع على أن الخالة بمثابته في الإرث والحرمان فيدل هذا النص بواسطة انضمام الإجماع إليه على أن الخالة أيضا ترث في حالة يرث الخال
الثالث: القياس كإثبات الربا في الأرز بواسطة ثبوته بالنص في البر
الرابع: شهادة حال المتكلم كما إذا جاء في الشرع لفظ تردد بين الشرع وغيره فإنا نحمله على الشرعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لبيان الشرعيات مثل ما روي من قوله صلى الله عليه وسلم: "الاثنان فما فوقهما جماعة" فإنه يحمل على جماعة الصلاة لا على أقل الجمع لأن الأول أمر شرعي وهذا لغوي وقرائن حاله صلى الله عليه وسلم يرجع الحمل على الشرعي لما ذكرناه من كونه مبعوثا لبيان الشرعيات والله أعلم وبه التوفيق.
تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله الباب الثاني في الأوامر والنواهي.
(1/385)