Advertisement

الإبهاج في شرح المنهاج 002


المجلد الثاني
(تابع) الكتاب الأول في القرآن الكريم
الباب الثاني في الأوامر والنواهي
الفصل الأول في لفظ الأمر
المسألة الأولى في حقيقة الأمر
...
الباب الثاني في الأوامر والنواهي
الباب الثاني: في الأوامر والنواهي وفيه فصول:
الأول: في لفظ الأمر وفيه مسئلتان:
الأولى: أنه حقيقة في القول الطالب للفعل واعتبرت1 المعتزلة العلو وأبو الحسين الاستعلاء ويفسدهما قوله تعالى حكاية عن فرعون: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} .
الكلام عند أصحابنا يطلق على اللساني والنفساني واختلفوا هل هو حقيقة فيهما أو في أحدهما على مذاهب قيل في اللساني فقط وذهب المحققون منا كما نقله الإمام في أول اللغات إلى أنه مشترك بينهما وذهب آخرون إلى أنه حقيقة في النفساني فقط وكلا القولين منقول عن الشيخ ويدل على أنه حقيقة في النفساني قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ} 2 وقوله تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ} 3 وقال عمر يوم السقيفة كنت زورت في نفسي كلاما.
__________
1 في بعض نسخ المتن واعتبر بدون تاء وكلاهما صحيح فإن الفعل إذا أسند إلى جمع التكثير جاز تأنيثه وتذكيره فإثبات التاء لتأوله بالجماعة وحذفها لتأوله بالجمع.
شرح ابن عقيل 1/409,408.
2 سورة المجادلة آية: 8.
3 سورة الملك آية:13.
(2/3)

وقال الأخطل1:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
قال أصحابنا ولسنا نستدل بهذه الأدلة على إثبات الكلام النفسي فان هذه الأدلة قابلة للتأويل ولكنا لما دللنا بالبراهين القاطعة المودعة في الكتب الكلامية على إثبات معنى في النفس يزيد على العلوم والقدر والإرادات دللنا بهذه الألفاظ على أنه سمي كلاما فهي أدلة على إثبات التسمية لا على إثبات الحقيقة.
وأما قول الإمام هنا المختار أنه حقيقة في اللساني فقط فغير مغاير لما نقله في اللغات عن المحققين لأنه قال هناك الكلام بالمعنى القائم في النفس مما لا حاجة في أصول الفقه إلى البحث عنه وإنما الذي يبحث عنه اللساني وقوله هنا فقط أي ولا يكون حقيقة في الشيء والقصة والشأن والطريق كما ذهب إليه أبو الحسين وحاصل الأمر أن الكلام هنا ليس إلا في اللساني قوله في لفظ الأمر أي لفظ أمر لا في مدلولها الذي هو افعل ولا في نفس الطلب وهذا اللفظ يطلق مجازا على الفعل وغيره مما سيأتي ان شاء الله تعالى فسمي الأمر لفظ وهو صيغة افعل ومسمى صيغة افعل هو الوجوب أو غيره على الاختلاف فيه فقوله القول جنس يدخل فيه الأمر وغيره نفسانيا كان أو غيره ويستفاد من هذه العبارة أن الطلب بالإشارة والقرائن المفهمة لا يكون أمرا حقيقة وقوله الطالب فصل يخرج به الخبر وشبهه وقوله للفعل فصل ثان يخرج به النهي إذ هو طالب للترك وهذا مدخول من جهة أن النهي طلب فعل أيضا ولكن فعل هو كف فلو قال فعل غير كف كما فعل ابن
__________
1 هو غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة بن عمرو من بني تغلب شاعر مصقول الألفاظ حسن الديباجة في شعره إبداع اشتهر في عهد بني أمية وأكثر من مدح ملوكهم وهو أحد الثلاثة المتفق على أنهم أشعر اهل عصرهم:جرير والفرزدق والأ خطل.
توفي سنة 90هـ.
دائرة المعارف الإسلامية 1/515 الإعلام للزركلي 5/318.
(2/4)

الحاجب لسلم من هذا الاعتراض ويعترض عليه أيضا بقول القائل أوجبت عليك كذا وأنا طالب منك كذا فإنه يصدق عليه التعريف مع كونه خبرا فكان ينبغي أن يقول بالذات كما فعل في تقسيم الألفاظ.
واعلم أن هذا التعريف يدخل فيه النفساني فكان ينبغي أن يأتي بفصل يخرجه وليس لقائل أن يقول النفسانى نفس الطلب لا الطالب فقد خرج بقوله الطالب لأنا نقول يصدق على النفساني أنه طالب.
ولئن قلت: إنه ليس بطالب حقيقة.
قلت: وكذا اللساني إنما الطالب حقيقة المتكلم وقد زاد الإمام في الحد قيدا آخر عند قوله إن الحق أن الأمر اسم لمطلق اللفظ الدال على الطلب لا اللفظ العربي الدال على الطلب بدليل أن الفارسي إذا طلب من عبده شيئا يلقنه يسميه العربي أمرا وأنه لو حلف لا يأمر فأمر بالفارسية حنث فقال الحق أنه اسم لمطلق اللفظ الدال على الطلب المانع من النقيض لا لمطلق اللفظ الدال على مطلق الطلب.
قال: وذلك إنما يظهر ببيان أن الأمر للوجوب وهذا ماش على ما اقتضته طريقته من أن لفظ الأمر هو صيغة افعل والتحقيق أنهما مسألتان كما سبق ومما يدل عليه ذهاب الجمهور ومنهم القاضي إلى أن المندوب مأمور به مع قول الجمهور إن صيغة افعل حقيقة في الوجوب وقول القاضي إنها مترددة بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد صرح به في مختصر التقريب بل صرح في مختصر التقريب بما قلناه.
وهذه عبارته: الأمر الحقيقي معنى قائم بالنفس وحقيقة اقتضاء الطاعة ثم ذلك ينقسم إلى ندب ووجوب لتحقيق الاقتضاء فيهما.
وأما العبارة الدالة على المعنى القائم بالنفس نحو قول القائل افعل فمترددة بين الدلالة على الوجوب والندب والإباحة والتهديد فيتوقف فيها حتى يثبت بقيود المقال أو قرائن الحال تخصصها ببعض المقتضيات هذا ما نرتضيه من المذهب انتهى قوله.
(2/5)

واعتبرت شرطت المعتزلة في الأمر العلو وقالوا لا يصدق إلا به أي بأن يكون الطالب أعلى مرتبة من المطلوب منه فآما إن كان مساويا له فهو إلتماس وإن كان دونه فهو سؤال.
وقد تابعهم على ذلك من أصحابنا الشيخان أبو إسحاق الشيرازي1 وأبو نصر بن الصباغ2 كما نص عليه في عدة العالم وشرط أبو الحسين من المعتزلة الاستعلاء دونه العلو والفرق بين الاستعلاء والعلو واضح فالعلو أن يكون الآمر في نفسه أعلى درجة والاستعلاء أن يجعل نفسه عاليا بكبرياء أو غيره وقد لا يكون في نفس الأمر كذلك فالعلو من الصفات العارضة للناطق والاستعلاء من صفات كلامه
وهذا الذي قاله أبو الحسين صححه الآمدي وابن الحاجب وكذلك الإمام إلا أنه في أوائل المسألة الخامسة قال وقال أصحابنا لا يشترط العلو ولا الاستعلاء لنا قوله حكاية عن فرعون وأخذ يستدل للأصحاب بهذه الصيغة فظن ظانون الاضطراب في كلامهم والظاهر أن صيغة لنا إنما أتى بها من أصحابه
تنبيه ما نقله المصنف هنا عن أبي حيان لا يناقض ما اختاره في تقسيم الألفاظ لأن الكلام هنا في مدلوله اللغوي وأما هناك فالكلام في مدلوله الاصطلاحي ألا ترى إلى ذكره هناك المتواطىء والمشكك والاسم والفعل والحرف وكل هذه أسماء مصطلح عليها بين العلماء
وقد رد المصنف على المذهبين أعني مذهب المعتزلة وأبى الحسين بأنه
__________
1 تقدمت ترجمته في الجزء الأول.
2 هو عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد: كنيته أبو نصر وعرف بابن الصباغ لأن أحد أجداده كان صباغا كان بارعا في الفقه والأصول ثقة حجة صالحا ورعا حتى فضله بعض العلماء على أبي اسحاق الشيرازي.
من مؤلفاته: الكامل في الخلاف بين الحنفية والشافعية والعمدة في أصول الفقه.
توفي ببغداد سنة 477هـ.
طبقات ابن السبكي 3/23 الفتح المبين 1/371.
(2/6)

يفسرهما قوله تعالي حكاية عن قول فرعون لقومه: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} 1 فأطلق الأمر على ما يقولونه في مجلس المشاورة ومن المعلوم انتفاء العلو إذا كان فرعون في تلك الحالة أعلى رتبة منهم وقد جعلهم آمرين له وانتفاء الاستعلاء إذ لم يكونوا مستعلين عليه والأصل في الإطلاق الحقيقة فدل ذلك على عدم اعتبار كل واحد من العلو والاستعلاء ومما يدل على ذلك قول عمرو بن العاص لمعاوية رضي الله عنهما:
أمرتك أمرا جازما فعصيتني ... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
وابن هاشم هذا رجل من بني هاشم خرج من العراق على معاوية رضي الله عنه فامسكه فأشار عليه عمرو بقتله فخالفه معاوية لشدة حلمه وكثرة عفوه فأطلقه فخرج عليه مرة أخرى فأنشده عمرو البيت في ذلك لا في علي رضي الله عنه وإنما نبهنا على ذلك مخافة أن يتوهمه متوهم.
وقال دريد بن الصمة2 لنظرائه ولمن هو فوقه:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... وهل يستبان الرشد إلا ضحى الغد
وقال الآخر مخاطبا يزيد بن المهلب أمير خراسان والعراق:
أمرتك أمرا جازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
وقد قيل في إبطال مذهب أبي الحسين على الخصوص في الكتاب العزيز في غاية التلطف ونهاية الاستجلاب بتذكير النعم والوعيد بالنقم كما في قوله تعالى: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} 3 وقوله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} 4 إلى غير ذلك من الآيات
المنافية لاشتراط الاستعلاء وإلا يلزم أبا الحسين أن يخرجها عن كونها أوامر بل يلزمه أن
__________
1 سورة الأعراف 110 والشعراء 35.
2 هو: دريد بن الصمة الجشمي البكري من هوازن ومن الشعراء المعمرين في الجاهلية كان السيد بني جشم وقائدهم غزا نحو مائة غزوة لم يهزم في واحدة منها أدرك الإسلام ولم يسلم قتل على دين الجاهلية في غزوة حنين سنة 8هـ. الأغاني 10/3-40 طبعة دار الكتب الأعلام للزركلي 3/16, 17.
3 سورة البقرة آية 21.
4 سورة آل عمران آية 31.
(2/7)

يخرج كل صيغة لا يدل معها دليل على وجود الاستعلاء الذي هو هيئة قائمة بالأمر وأكثر الأوامر لا يوجد فيها ذلك.
قال: وليس حقيقة في غيره دفعا للإشتراك وقال بعض الفقهاء إنه مشترك بينه وبين الفعل أيضا لأنه يطلق عليه مثل وما أمرنا وما أمر فرعون
الأصل في الإطلاق الحقيقة قلنا المراد الشأن مجازا.
قال البصري: إذا قيل أمر فلان ترددنا بين القول والفعل والشيء والشأن والصفة وهو آية الاشتراك قلنا لا بل بتبادر القول.
قد عرفت أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص وذلك باتفاق.
قال المصنف: فلا يكون حقيقة في غيره دفعا للاشتراك وقال بعض الفقهاء إنه مشترك بين القول المخصوص والفعل ونقل الأصفهاني في شرح المحصول عن ابن برهان أنه قال كافة العلماء ذهبوا إلى أنه حقيقة في الفعل والشأن والقصة والمقصود والغرض ولم أر ذلك في كلام ابن برهان واستدل القائل بأنه حقيقة في الفعل بأنه يطلق عليه كما في قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} 1 أي فعلنا وقوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} 2 أي فعله والأصل في الإطلاق الحقيقة وأجاب في الكتاب بأن المراد بالأمر هنا هو الشأن الشامل للقول والفعل ويكون مجازا من باب إطلاق الخاص وإرادة العام والمجاز خير من الاشتراك وهذا الجواب وان كان صحيحا فلا يحتاج إليه من يقول المراد بالأمر في هاتين الآيتين هو القول.
أما الأولى فلأنه لو أريد الفعل للزم أن يكون فعله سحابة واحدة وهو في السرعة كلمح البصر وذلك باطل ضرورة ثبوت تعدد أفعاله وحدوث بعضها بالرفق والتدريج وإذا حمل على القول لا يلزم منه محذور.
وأما الثانية فإرادة القول فيها ظاهرة يدل عليها قوله: {فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ} وأبو الحسين وهو المشار إليه بقول البصري زعم ان لفظ الأمر مشترك بين
__________
1 سورة القمر آية 50.
2 سورة هود آية 97.
(2/8)

القول المخصوص كما سبق وبين الشيء كقولنا تحرك هذا الجسم لأمر أي لشيء والصفة كقول الشاعر:
لأمر ما يسود من يسود
أي لصفة من صفات الكمال والشأن والطريق كذا نص عليه في المعتمد إذ قال ما نصه وأنا اذهب إلى أن قول القائل أمر مشترك بين الشيء والصفة والشأن والطريق وبين جملة الشأن والطريق وبين القول المخصوص انتهى ومقتضى ذلك أنه مشترك عنده بين خمسة أشياء لكنه في شرح المعتمد فسر الشأن والطريق بمعنى واحد فيكون الأقسام عنده أربعة فلذلك حذف المصنف الطريق وذلك من محاسنه.
واستدل البصري على ما ذهب إليه بأن من سمع قول القائل هذا أمر فلان تردد ذهنه بين هذه المعاني ما لم يضف إلى قرينة معينة لواحد منها تعين المراد منه وذلك أنه الاشتراك أي علامته.
وأجاب عنه المصنف بمنع تردد الذهن عن عدم القرينة بل يتبادر فهم القول المخصوص منه إلى الذهن وقوله في الكتاب إذا قيل أمر فلان أمر هنا بإسكان الميم لا غير وما نقله المصنف عن أبي الحسين من أن الأمر موضوع للفعل بخصوصه حتى يكون مشتركا غلط فالذي نص أبو الحسين عليه أنه غير موضوع له وانما يدخل في الشأن فقال مجيبا عن اعتراض لخصومه ما نصه اسم الأمر ليس يقع على الفعل من حيث هو فعل لا على سبيل المجاز ولا على سبيل الحقيقة وإنما يقع على جملة الشان حقيقة وهو المراد بقول الناس أمور فلان مستقيمة انتهى.
(2/9)

المسألة الثانية في تعريف الطلب
...
قال: الثانية: الطلب بديهي التصور وهو غير العبارات المختلفة وغير الإرادة خلافا للمعتزلة.
لنا: أن الإيمان من الكافر مطلوب وليس بمراد لما عرفت وأن الممهد لعذره في ضرب عبده يأمره ولا يريد.
ولما ذكر أن مدلول الأمر القول الطالب للفعل احتاج إلى بيان الطلب تتميما لإيضاح مدلول الأمر فقال الطلب بديهي التصور وهذا قد صار إليه
(2/9)

الجمهور واستدلوا عليه بأن كل عاقل مارس الحدود والرسوم أو لم يمارس شيئا البتة يأمر وينهى ويفرق بالبديهة بين طلب الفعل وطلب الترك وبينهما وبين المفهوم من الخبر وهذا الدليل قد أكثر الإمام التعويل عليه وهو مدخول من وجوه:
أحدها: أنه لا يلزم من الحكم بالتفرقة بين الشيئين بالبديهة معرفة كنه حقيقتهما بل قد لا يعرف الحكم بالتفرقة ماهية ذلك الشيء فضلا عن أن يعرفه بالبديهة ألا ترى أن كل أحد يعلم من نفسه أنه موجود بالبديهة ويفرق بين الإنسان والملك والطائر والفرس ولا يدري ماهية نفسه ولا ماهية الملك ولا الطائر والفرس معرفة خاصيته بالجنس والفصل.
الثاني: أن قوله يفرق بين طلب الفعل وطلب الترك بالبديهة وكذا بينهما وبين الخبر يلزم منه أن تكون هذه الأشياء بديهة على ما قرر وإذا كان كذلك فلم حد ماهية الأمر قبل ذلك.
الثالث: أن بحثه عن هذا المعنى هو بحث عن هذا الكلام وهذا متناقض ثم هو اعني الطلب مغاير للعبارات المختلفة باختلاف النواحي والأمم ومغاير للإرادة أما مغايرته للعبارات فواضح فإن ماهية الطلب معنى قائم بقلب المتكلم لا يختلف بذلك بخلاف العبارات المختلفة.
هذا شرح قول المصنف.
وقوله: المختلفة ليس لإخراج شيء صفة جاءت للتوضيح أي أن شأن العبارات أنها مختلفة ولو قال بدل ذلك لاختلافها لكان أصرح وأحسن وأما مغايرته للإرادة والخلاف فيه مع المعتزلة فلوجهين:
أحدهما: أن الإيمان من الكفار مطلوب بالإجماع ومنهم من أخبر الله تعالى بأنه لا يؤمن فكان إيمانه ممتنعا لإخبار الله تعالى بعدمه كما عرفت في مسألة تكليف المحال والممتنع لا يكون مرادا لله تعالى لأن الإرادة صفة مخصصة لحدوث الفعل بوقت حدوثه والشيء إذا لم يوجد لكونه ممتنعا امتنعت إرادته لعدم تخصصه بوقت الحدوث ويلزم من هذا مغايرة الطلب الذي هو مدلول
(2/10)

الأمر للإرادة لتحققه دونها هذا تقريره وهو ضعيف لأن حاصله الاستدلال على عدم الإرادة بعدم الوقوع وذلك مصادرة على المطلوب.
والوجه الثاني: أن الطلب قد يتحقق بدون الإرادة وذلك لأنه قد يجتمع مع كراهيته ويستحيل أن تجتمع إرادته مع كراهته فالأمر غير الإرادة وبيان ذلك أن السيد الذي لامه السلطان على ضرب عبده إذا اعتذر إلى السلطان عنه بتمرد العبد وعصيانه عن امتثال أوامره وكذبه السلطان فأراد إظهار صدقه بالتجربة فإنه إذا أمره بشيء عند السلطان لا يريد ذلك الفعل قطعا لاستحالة ألا يريد تمهيد عذره حالة كونه مريدا له فإنه ما أمره إلا لتمهيد عذره وفي إرادة فعله عدم إرادة تمهيد عذره فيستحيل إرادته ولأن العاقل لا يريد ما فيه مضرة من غير ضرورة ملجئة إليه.
وهذا الدليل كما يدل على أن الأمر غير الإرادة كذلك يدل على أنه غير مشروط بها.
وقد اعترض على هذا الدليل بوجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم أنه وجد الأمر في الصورة المذكورة وان كانت صورته صورة الأمر والصورة لا توجب أن يكون أمرا حقيقيا كما في التهديد.
وأجيب عنه بأن تمهيد العذر إنما يحصل بالأمر لا بغيره فدل على أنه أمر وهذا جواب ضعيف فإن قوله التمهيد إنما يحصل بالأمر إن أراد النفسي فممنوع لأن مجرد سماع العبد اللساني يحصل التجربة وإن أراد اللساني فالفرق بينه وبين الإرادة مسلم.
وثانيهما: ذكره الآمدي فقال هذا لازم على أصحابنا في تفسيرهم الأمر بأنه طلب الفعل من جهة أن السيد أيضا أمر في مثل هذه الصورة لعبده مع علمنا بأنه يستحيل منه طلب الفعل من عبده لما فيه من تحقيق عقابه وكذبه والعاقل لا يطلب ما فيه مضرته وإظهار كذبه.
قال صفي الدين الهندي وهو اعتراض ضعيف لأنا لا نسلم أنه يستحيل من العاقل أن يطلب ما فيه مضرته إذا لم يكن مريدا له.
(2/11)

قال: وهذا لأن طلب المضرة لا ينافي غرضه بل قد يوافقه كما هو واقع فيما ذكرنا من الصورة وإنما المنافي لغرضه وقوع المضرة والطلب لا يوجبه فالحاصل أن طلب المضرة من حيث إنه طلب لا ينافي غرض العاقل لا بالذات ولا بالغرض بخلاف الإرادة فإنها وان لم تنافه بالذات لكنها منافية له بالغرض لكونها توجب وقوع المضرة ضرورة أن الإرادة صفة تقتضي وقوع المراد نعم الطلب والإرادة في الأكثر يتلازمان فيظن أنه يستحيل أن تجتمع مع الكراهة كما يستحيل أن تجتمع الإرادة معها.
فائدة استدل القاضي أبو الطيب الطبري في شرح الكفاية وتبعه الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع على أن الأمر مغاير للإرادة بأن من حلف ليقضين زيدا دينه غدا وقال إن شاء الله ولم يقضه لا يحنث في يمينه مع كونه مأمورا بقضاء دينه فلو كان الله تعالى قد شاء ما أمره به وجب أن يحنث في يمينه وهذا ظاهر إذا كان الدين حالا وصاحبه مطالب به أما إن كان مؤجلا فإنا لا نسلم وجوب الوفاء في غد إذا لم يكن عند محل الأجل وأما إذا كان حالا وصاحبه غير مطالب له ففي وجوب الوفاء على الفور إختلاف معروف في المذهب مذكور في صدر كتاب التفليس من ابن الرفعة عن الروياني وإمام الحرمين فان لم نوجبه فقد يمنع الوجوب أيضا فينبغي أن يقتصر على الاستدلال بمن عليه دين حال وصاحبه مطالب به والمديون متمكن من الإيفاء ليخرج أيضا ما إذا لم يتمكن كالمعسر فإنه لا يجب عليه مع عدم التمكن.
قال: واعترف أبو علي وابنه بالتغاير وشرطا الإرادة في الدلالة ليتميز عن التهديد. قلنا: كونه مجازا كاف.
اعترف أبو على وابنه أبو هاشم وتابعهما القاضي عبد الجبار وأبو الحسين بأن الأمر مغاير لإرادة المأمور به ولكن شرطوا إرادة المأمور به في دلالة الأمر عليه وقالوا لا ينفك الأمر عن الإرادة محتجين بأن الصيغة كما ترد للطلب ترد للتهديد مع خلوه عن الطلب فلا بد من مميز بينهما ولا مميز سوى الإرادة
(2/12)

والجواب أن المميز حاصل بدون الإرادة لأن صيغة الأمر حقيقة في القول المخصوص ومجاز في غيره وهذا كاف في التمييز لأنها إن وجدت بغير قرينة حملت على مدلولها الحقيقي أو بقرينة حملت على ما دلت القرينة عليه.
واعلم أن محل الخلاف إنما هو في إرادة الامتثال واما إرادة الدلالة الصيغة على الأمر احتراز عن التهديد والتسخير وغيرهما من المحامل فالنزاع فيها ليس مع المعتزلة بل مع غيرهم من المتكلمين والفقهاء وأما إرادة إحداث الصيغة احترازا عن النائم ومن جرى لسانه إليه من غير قصد فتلك شرط من غير توقف وقد حكى قوم فيها الاتفاق ولكن حكى ابن المطهر هذا المتأخر المنسوب إلى الرفض في كتاب له مبسوط في أصول الفقه وقفت عليه من مدة ولم يحضرني حالة التصنيف عن بعضهم أنه لم يشترط إرادة إيجاد الصيغة وهذا شيء ضعيف لا يعتمد عليه وكيف يجعل ما يجري على لسان النائم والساهي أمرا يترتب عليه مقتضاه اللهم أن يلتزم أن مقتضاه لا يترتب عليه وحينئذ يجيء الخلاف النحوي في أنه هل من شرط الكلام القصد فابن مالك يشترطه وشيخنا أبو حيان لا يشترطه.
(2/13)

الفصل الثاني: في صيغة أفعل
المسألة الأولى في معاني صيغة أفعل
...
الفصل الثاني: في صيغة أفعل
قال: الفصل الثاني في صيغته وفيه مسائل:
الأولى: أن صيغة أفعل ترد لستة عشر معنى
الأول: الإيجاب أقيموا الصلاة.
الثاني: الندب: فكاتبوهم ومنه: كل مما يليك.
الثالث: الإرشاد: واستشهدوا.
الرابع: الإباحة: كلوا.
الخامس: التهديد: اعملوا ما شئتم ومنه: قل تمتعوا.
السادس: الامتنان: كلوا مما رزقكم الله.
السابع: الإكرام: ادخلوها.
الثامن: التسخير: كونوا قردة.
التاسع: التعجيز: فأتوا بسورة.
العاشر: الإهانة: ذق.
الحادي عشر: التسوية: اصبروا أو لا تصبروا.
الثاني عشر: الدعاء: اللهم اغفر لي.
الثالث عشر: التمني:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى.
(2/15)

الرابع عشر: الاحتقار: بل ألقوا
الخامس عشر: التكوين: كن فيكون
السادس عشر: الخبر: فاصنع ما شئت وعكسه: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} "لا تنكح المرأة المرأة".
تقدم أن الأمر اسم للقول للطالب للفعل وهذا شروع في ذكر صيغته وهي أفعل ويقوم مقامها اسم الفعل كصه والمضارع المقرون باللام مثل ليقم زيد.
وقد نقل عن الشيخ أبي الحسن أنه لا صيغة للأمر تخص به وأن قول القائل افعل متردد بين الأمر والنهي وإن فرض حمله على غير النهي فهو متردد بين جميع محتملاته ثم اختلف أصحابه في تنزيل مذهبه فقال قائلون اللفظ صالح لجميع المحامل صلاح اللفظ المشترك للمعاني التي هيئت اللفظة لها.
وقال آخرون ليس المعنى بتوقف أبي الحسن في المسألة إلا أنا لا ندري على أي وضع جرى قول القائل افعل في اللسان فهو مشكوك فيه على هذا الرأي ثم نقل عن أبى الحسن ناقلون انه يستمر على القول بالوقف مع فرض القرائن.
قال إمام الحرمين وهو زلل بين في النقل ثم قال إمام الحرمين الذي أراه في ذلك قاطعا به أن أبا الحسن لا ينكر صيغة مشعرة بالوجوب الذي هو مقتضى الكلام القائم بالنفس نحو قول القائل أوجبت أو ألزمت أو ما شاكل ذلك وإنما الذي تردد فيه مجرد قول القائل افعل من حيث ألقاه في وضع اللسان مترددا وإذا كان كذلك في الظن به إذا اقترن بقول القائل افعل لفظا وألفاظ من القبيل الذي ذكرناه مثل أن يقول افعل حتما أو افعل واجبا نعم قد يتردد المتردد في الصيغة التي فيها الكلام إذا اقترنت بالألفاظ التي ذكرناها فالمشعر بالأمر النفسي الألفاظ المقترنة بقول القائل أفعل أم هي في حكم التفسير لقول القائل افعل وهذا تردد قريب ثم ما نقله النقلة يختص بقرائن المقال على مافيه من الخبط فأما قرائن الأحوال فلا ينكرها أحد.
(2/16)

وهذا هو التنبيه على سر مذهب أبى الحسين والقاضي وطبقة الواقفية1.
هذا كلام إمام الحرمين ثم قال المصنف صيغة افعل ترد لستة عشر معنى:
الأول: الإيجاب كقوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} 2.
الثاني: الندب كقوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} 3 فإن الكتابة مستحبة لهذه الآية وحكى صاحب التقريب قولا للشافعي أنها واجبة إذا طلبها قوله ومنه أي ومن المندوب التأديب كقوله صلى الله عليه وسلم لعمر بي أبى سلمة: "كل مما يليك" رواه البخاري ومسلم فإن الأدب مندوب إليه وقد جعله بعضهم قسيما للمندوب والحق أن افتراقها افتراق العام والخاص لما ذكرناه.
واعلم أن التمثيل بالأكل مما يليه ليس بجيد فان الذي نص عليه الشافعي رضي الله عنه في غير موضع أن من أكل مما لا يليه عالما بنهي النبي صلى الله عليه وسلم كان آثما عاصيا وذكره شارح الرسالة أبو بكر الصيرفي وأقره عليه والشافعي نص عليه على هذه المسألة في أخوات لها غريبات أخرجهن والدي رحمه الله وأطال الله بقاه وصف فيهن كتابه المسمى بكشف اللبس عن المسائل الخمس ونص المنصوص وقد ذكرنا عيون ذلك المختصر في ترجمة البويطي من كتابنا طبقات الفقهاء.
الثالث: الإرشاد: كقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} 4والفرق بين الندب والإرشاد أن المندوب مطلوب لثواب الآخرة والإرشاد لمنافع الدنيا ولا يتعلق به ثواب البتة لأنه فعل متعلق بغرض الفاعل ومصلحة نفسه
__________
1 الواقفة: فرقة من فرق الخوارج ينتمون إلى فرقة تسمى العجاردة.
انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص24وما بعدها طبعة صبيح بتحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد.
2 سورة البقرة آية 43.
3 سورة النور آية 33.
4 سورة البقرة آية 282.
(2/17)

وقد يقال إنه يثاب عليه لكونه ممتثلا ولكن يكون ثوابه أنقص من ثواب الندب لأن امتثاله مشوب بحظ نفسه ويكون الفارق إذا بين الندب والإرشاد إنما هو مجرد أن أحدهما مطلوب لثواب الآخرة والآخر لمنافع الدنيا والتحقيق أن الذي فعل ما أمر به إرشادا إن أتى به لمجرد غرضه فلا ثواب له وإن أتى به لمجرد الامتثال غير ناظر إلى مصلحته ولا قاصد سوى مجرد الانقياد لأمر ربه فيثاب وإن قصد الأمرين أثيب على أحدهما دون الآخر ولكن ثوابا أنقص من ثواب من لم يقصد غير مجرد الامتثال.
(2/18)

المسألة الثانية: صيغة أفعل حقيقة في الوجوب
...
واعلم أن صيغة افعل حقيقة في الوجوب مجاز في غيرها على الصحيح كما ستعرفه إن شاء الله تعالى والعلاقة التي بين الواجب والمندوب والإرشاد حتى أطلقت عليهما صيغة افعل هي المشابهة المعنوية.
الرابع: الإباحة كقوله تعالى: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} 1
الخامس: التهديد: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} 2. ومن التهديد الإنذار كقوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} 3 وقد جعله جماعة قسما آخر ولا شك في ثبوت الفرق بينهما إذ التهديد هو التخويف والإنذار هو الإبلاغ لكن لا يكون إلا في التخويف فقوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُوا} أمر بإبلاغ هذا الكلام المخوف الذي عبر عنه بالأمر وقال صفي الدين الهندي وغيره الفرق بينهما أن الإنذار يجب أن يكون مقرونا بالوعيد كما في الآية المذكورة والتهديد لا يجب فيه ذلك بل قد يكون مقرونا وقد لا يكون وقيل في الفرق بينهما إن التهديد في العرف أبلغ من الوعيد والغضب من الإنذار وكلها فروق صحيحة والعلاقة بين التهديد والوجوب المضادة لأن المهدد عليه إما حرام أو مكروه كذا قيل وعندي أن المهدد عليه لا يكون إلا حراما وكذلك الإنذار وكيف وهو مقترن بالوعيد بل قد ذهب قوم إلى أن الكبائر هي المتوعد عليها.
__________
1 سورة المؤمنون آية 51.
2 سورة فصلت آية 40.
3 سورة إبراهيم آية 30.
(2/18)

السادس: الامتنان: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} 1 والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة مجرد إذن وأنه لا بد من اقتران الامتنان بذكر احتياج الخلق إليه وعدم قدرتهم عليه ونحو ذلك كالتعرض في هذه الآية إلى أن الله تعالى هو الذي رزقه والعلاقة بين الامتنان والوجوب المشابهة في الإذن أن الممنون لا يكون إلا مأذونا فيه.
السابع: الإكرام: {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} 2 فإن قرينة قوله بسلام آمنين يدل عليه والعلاقة أيضا الإذن.
الثامن: التسخير: مثل: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} 3 والفرق بينه وبين التكوين أن التكوين سرعة الوجود عن العدم وليس فيها انتقال إلى حالة ممتهنة بخلاف التسخير فإنه لغة الذلة والامتهان في العمل والعلاقة فيه وفي التكوين المشابهة المعنوية وهي تحتم الوقوع وقد سمى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين هذا القسم بالتكوين.
التاسع: التعجيز: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} 4 والعلاقة المضادة إذ لا يكون التعجيز إلا في الممتنع
العاشر: الإهانة: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} 5
الحادي عشر: التسوية: {فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا} 6
الثاني عشر: الدعاء: مثل القائل: اللهم اغفر لي وقوله تعالى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا} 7
الثالث عشر: التمني: مثل قول امرىء القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا أنجلي8
__________
1 سورة المائدة آية 88.
2 سورة الحجر آية46.
3 سورة البقرة آية 65.
4 سورة البقرة آية 23.
5 سورة الدخان آية 49.
6 سورة الطور آية 16.
7 سورة الأعراف آية 89.
8 البيت لامرئ القيس – حندج – بضم الحاء والدال بينهما نون سا كنة – بن حجر بن الحارث=
(2/19)

وقد يقال لم جعل المصنف هذا الشاعر متمنيا ولم يجعله مترجيا مع أن التمني مختص بالمستحيل وانجلاء الليل غير مستحيل والجواب أن المحب ينزل ليله لطوله منزلة ما يستحيل انجلاؤه ولهذا قال الشاعر:
ليل المحب بلا آخر
الرابع عشر: الإحتقار: كقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام يخاطب السحرة: {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} 1 يعني أن السحر وإن عظم ففي مقابلة ما أتى به موسى عليه السلام حقير والفرق بينه وبين الإهانة أن الإهانة إنما تكون بالقول أو الفعل أو بتركهما دون مجرد الاعتقاد والاحتقار إما مختص بمجرد الاعتقاد أو لا بد من الاعتقاد بدليل أن من اعتقد في شيء أنه لا يعبأ به ولا يلتفت إليه يقال إنه احتقره ولا يقال أهانه ما لم يصدر منه قول أو فعل ينبي عن ذلك.
الخامس عشر: التكوين: كن فيكون. وقد سما الغزالي إلى هذا القسم بكمال القدرة وتبعه الآمدي.
السادس عشر: الخبر مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" 2
أي صنعت ما شئت.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام هو هذا تهكم إذ معناه اعرضه على نفسك فإن استحيت منه لو اطلع عليه فلا تفعله وإن لم تستح فاصنع ما شئت من هذا الجنس وعلى هذا التفسير يحتاج هذا القسم إلى مثال وأمثلة كثيرة.
__________
= بن عمر المتوفى سنة 80 ق. هـ وهو من معلقته المشهورة التي مطلعها:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
1 سورة الأعراف 116, ويونس 80 والشعراء 43 وفي الأصل بل ألقوا وهو زائد عن النص القرآني لذا حذفته من الأصل. 1هـ. محققة.
2 رواه البخاري كتاب الأدب باب: إذا لم تستح فاصنع ماشئت 8/35 وأبو داود في كتاب الأدب باب في الحياء 2/552.
(2/20)

قوله وعكسه أي قد يستعمل الخبر ويراد به الأمر مثل قوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} 1 المعنى والله أعلم ليرضع الوالدات أولادهن وهذا أبلغ من عكسه لأن الناطق بالخبر مريدا به الأمر كأنه نزل المأمور به منزلة الواقع قوله: "لا تنكح المرأة المرأة" 2 يعني أن الخبر قد يأتي مرادا به النهي كما قد يقع مرادا به الأمر وذلك أعني مجيئه مرادا به النهي كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة بإسناد جيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها" فإن صيغته خبر لوروده مضموم الجيم ولو كان نهيا لكان مجزوما مكسورا لالتقاء الساكنين والمراد به النهي فهذا شرح الأقسام الستة عشر التي في الكتاب وهي في الحقيقة أكثر لاشتمال بعض أقسامها على نوعين كما عرفت وقد زاد إمام الحرمين في البرهان الأمر بمعنى الإنعام كقوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} 3 قال هذا وإن كان فيه معنى الإباحة فان الظاهر منه تذكير النعمة وزاد أيضا الأمر بمعنى التعويض كقوله: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} 4 وزاد صفي الدين الهندي تاسع عشر وهو التعجب ومثل له بقوله تعالى: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} 5 وهذا المثال جعله الآمدي وابن برهان من قسم التعجيز ورأيت في طبقات الفقهاء لأبى عاصم العبادي في ترجمة أبى إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي زيادات أخر منها التعجب كما قال الشيخ الهندي لكن مثل له بقوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ} 6 ومنها الأمر بمعنى التكذيب مثل قوله تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 7 وقوله: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا} 8 ومنها الأمر بمعنى المشورة مثل:
__________
1 سورة البقرة 233.
2 رواه ابن ماجة في كتاب النكاح باب: لانكاح إلا بولي 1/605 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه – بلفظ لا تزوج بإسناد ضعيف كما رواه الدارقطني بإسناد على شرط مسلم انظر: سبل السلام 3/119-121.
3 سورة البقرة آية 172.
4 سورة طه آية 72.
5 سورة الإسراء آية 50.
6 سورة الإسراء آية 48.
7 سورة آل عمران آية 93.
8 سورة الأنعام آية 150.
(2/21)

{فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} 1 وزاد أبو عاصم أيضا في غير هذه الترجمة الأمر بمعنى الاعتبار مثل قوله: {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} 2 والأمر بمعنى التسليم مثل:
{فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} وهذا قد تقدم عن إمام الحرمين وقد وصلت الأقسام بزيادات أبى عاصم وإمام الحرمين والقسم الذي ذكره الهندي إلى اثنين وعشرين.
قال: الثانية: أنها حقيقة في الوجوب مجاز في البواقي وقال أبو هاشم:
إنه للندب وقيل للإباحة وقيل مشترك بين الوجوب والندب وقيل للقدر المشترك بين الوجوب والندب وقيل للقدر المشترك بينهما وقيل لأحدهما ولا نعرفه وهو قول الحجة وقيل مشترك بين الثلاثة وقيل بين الخمسة.
أجمعوا على أن صيغة أفعل ليست حقيقة في جميع المعاني التي أوردناها وإنما الخلاف في بعضها وقد اختلفوا فيه على مذاهب:
أحدها: أنه حقيقة في الوجوب فقط مجاز في البواقي وهو المحكي عن الشافعي رضي الله عنه.
وقال إمام الحرمين: في التلخيص المختصر من التقريب والإرشاد وأما الشافعي فقد أدعى كل من أهل المذاهب أنه على وفاقه وتمسكوا بعبارات متفرقة له في كتبه حتى اعتصم القاضي بألفاظ له من كتبه واستنبط منها مصيره إلى الوقف وهذا عدول عن سنن الإنصاف فان الظاهر والمأثور من مذهبه حمل مطلق الأمر على الوجوب انتهى ونقله الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع وابن برهان في الوجيز عن الفقهاء واختاره الإمام واتباعه منهم المصنف.
قال الشيخ أبو اسحاق وهو الذي أملاه الشيخ أبو الحسن على أصحاب أبى إسحاق يعني المروزي ببغداد ثم اختلف القائلون بهذا المذهب في أن اقتضاها الوجوب هل هو بوضع اللغة أم بالشرع على مذهبين وصحح الشيخ أبو إسحاق أنه بوضع اللغة ونقله إمام الحرمين عن الشافعي.
__________
1 سورة الصا فات آية 102.
2 سورة الأنعام آية 199.
(2/22)

والثاني: أنها حقيقة في الندب. قال الغزالي ومنهم من نقله عن الشافعي وقد نقله في الكتاب عن أبي هاشم والغزالي نقله عن كثير من المتكلمين دهماؤهم المعتزلة أي دهماء الكثير من المتكلمين وجماعة من الفقهاء.
قال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع الذي تحكي الفقهاء عن المعتزلة أنها تقتضي الندب وليس هذا مذهبهم على الاطلاق بل ذلك بواسطة أن الأمر عندهم يقتضي الإرادة والحاكم لا يريد الا الحسن والحسن ينقسم إلى واجب ومندوب فيحمل على المحقق من الاسم وهو الندب فليست الصيغة عندهم مقتضية للندب الا على هذا التقدير.
قلت: ويلزمهم أو أكثرهم على هذا التقدير القول بالإباحة لأن المباح عند أكثرهم حسن كما سبق في أوائل الكتاب.
الثالث: أنها حقيقة في الإباحة التي هي أدنى المراتب.
الرابع: أنها مشتركة بالاشتراك اللفظي بين الوجوب والندب وهو المحكي عن المرتضى من الشيعة وقال الغزالي صرح الشافعي في كتاب أحكام القرآن بتردد الأمر بين الوجوب الندب.
الخامس: أنها حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو الطلب فيكون متواطئا وهو رأي الإمام أبى منصور الماتريدي.
السادس: حقيقة إما في الوجوب وإما في الندب وإما فيهما جميعا بالاشتراك اللفظي لكنا لا ندري ما هو الواقع من هذه الأقسام الثلاثة:
ويعرفون ان لا رابع وهذا محكي عن طائفة من الواقعية كالشيخ والقاضي واختاره الغزالي والآمدي هذا هو تحرير هذا المذهب وقول المصنف في حكايته وقيل لأحدهما ولا نعرفه غير مرضي بوجهين:
أحدهما: تصريحه يتردد هذا المذهب بين شيئين وليس كذلك بل بين ثلاثة كما سقناه.
وثانيهما: أنه على تقدير صحة هذا بأن يكون بعض الناس ذهب إلى تردد بين
(2/23)

شيئين فليس قول الغزالي إنما اختار الغزالي ما أوردناه وهذه عبارة المستصفي وقد ذهب ذاهبون إلى أن وضعه للوجوب وقال قوم بل للندب وقال قوم يتوقف فيه ثم منهم من قال هو مشترك كلفظ العين ومنهم من قال لا ندري أيضا أنه مشترك أو وضع لأحدهما واستعمل في الثاني مجازا والمختار أنه يتوقف فيه انتهى.
وقد حكى الشيخ الهندي عن الشيخ والقاضي وإمام الحرمين والغزالي التوقف في أنه حقيقة في الوجوب فقط أو الندب فقط أو فيهما بالاشتراك اللفظي أو المعنوي وهذا مغاير لهذا الذي سقناه عن الغزالي لتردده بين أربعة لا ثلاثة والذي في المستصفي ما رأيته وأما الشيخ والقاضي فقد ذكرنا النقل عنهما في أول هذا الفصل من كلام إمام الحرمين وأما إمام الحرمين فالذي صرح باختياره ما نصه من أنكر أن العرب ما فصلت بين قول القائل افعل وبين قوله لا تفعل فليس من التحقيق في شيء فإنا على اضطرار نعلم الفصل في ذلك كما نعلم الفصل بين قول القائل فعل وبين قوله ما فعل ولا معنى لبسط ذلك مع وضوحه فإذا سقط هذا رددنا القول إلى الإباحة التي هي تخيير ولا اقتضاء فيها ولا طلب وقلنا لا شك في فصل العرب بين قول من يقول لا حرج عليك فعلت أو تركت وبين قول افعل فان الصيغة الأخيرة مقتضاها طلب لا محالة وليس في الإباحة من الطلب شيء فقد لاح سقوط الإباحة عن متضمن الصيغة ولم يبق الا الندب والندب من ضرورة معناه التخيير في الترك وليس في قول القائل افعل تخيير في الترك أصلا وقد تعين الآن أن نبوح بالغرض الحق ونقول افعل طلب محض لا مساغ له لتقدير الترك فهذا مقتضى اللفظ المجرد عن القرائن فان قيل هذا مذهب الشافعي واتباعه وهو المصير إلى اقتضاء اللفظ إيجابا قلنا ليس كذلك فان الوجوب عندنا لا يعقل دون التقييد بالوعد على الترك وليس ذلك مقتضى تمحيص الطلب فإذا الصيغة لتمحيص الطلب والوجوب مدرك من الوعيد هذا لفظه ثم قال وأنا أبني على منتهى الكلام شيئا يقرب ما اخترته من مذهب الشافعي فأقول ثبت في موضوع الشرع أن التمحص في الطلب موعد على تركه وكلما يكون كذلك فلا يكون إلا واجبا انتهى.
(2/24)

وحاصل هذا الذي اختاره حمل الصيغة على الاقتضاء والطلب وقصار المستفاد منها من جهة اللسان الطلب الجازم وكون هذا الطلب موعدا عليه شيء آخر ثابت في أوامر الشرع بالدليل الخارجي فالوجوب مستفاد بهذا التركيب من اللغة والشرع فقد وافق القائلين بالوجوب وإن كان قد خالفهم في هذا التركيب ونقل المازري في شرح البرهان هذا الذي اختاره إمام الحرمين عن الشيخ أبى حامد الإسفرايني وقال إنه صرح به وسبقه إلى اختياره فأشار إلى أن الأمر يقتضي حصر المأمور على الفعل فاقتضاه منه اقتضاء جزما ولكن إذا ثبت هذا من جهة اللسان ثبت بعده الوعيد وهذا هو الذي اختاره الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين هو المختار عندنا فان الوعيد لا يستفاد من اللفظ بل هو أمر خارجي عنه ولكننا نقول المنقول عن الشافعي أن الصيغة تقتضي الوجوب ومراده الصيغة الواردة فى الشرع إذ لا غرض له في الكلام في شيء غيرها ولم يصرح الشافعي بأن اقتضاها للوجوب مستفاد منها فلعله يرتضي هذا التركيب ويقول به ويكون ما ذهب إليه الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين هو الذي ذهب إليه إمامهما.
واعلم أن هذا المذهب المختار مغاير للمذهبين اللذين حكياهما عند حكاية القول بالوجوب في ان ذلك هل هو بالشرع أو اللغة فتصير المذاهب أربعة:
الوجوب بالشرع والوجوب باللغة والوجوب بضم الشرع إلى اللغة وعدم الوجوب.
فان قلت: كيف يقال بأن الوجوب مستفاد من وضع اللغة؟
قلت: هو بعيد كما أشرنا إليه ولكنه هو مذهب مصرح به كما عرفت وممن ذكره الشيخ أبو اسحاق والقاضي أبو بكر في مختصر التقريب لإمام الحرمين وقال إن الأكثرين من القائلين بأن الصيغة تقتضي الوجوب عليه وأنه كذلك بأصل الوضع لأنه قد ثبت في إطلاق أهل اللغة تسمية من خالف مطلق الأمر عاصيا وتقريعه وتوبيخه بالعصيان عند مجرد ذكر الأمر ولا يستوجب التوبيخ لا بترك واجب فاقتضى ذلك دلالة الأمر المطلق على الوجوب وقال المازري:
(2/25)

صرح بعض أصحابنا بأن الوعيد مستفاد من اللفظ كما يستفاد منه الاقتضاء الجازم فقد ثبت هذا المذهب إلا أنه عندنا ساقط.
قال القاضي في مختصر التقريب: ولسنا نسلم أن في إطلاق اللغة ما يقتضي ان مخالف الصيغة المطلقة المعراة عن القرائن يسمى عاصيا ويستوجب التوبيخ ويقول لهم بم تنكرون على من يزعم أنهم وإن وبخوا تارك الامتثال بسمة العصيان فإنما وبخوه عند تركه امتثال أمر شاهد قرائن أحوال الأمر به دالة على اقتضاء الوجوب فليس يمكنكم أن تزعموا أنهم يوبخون بالعصيان في الأمر المجرد عن القرائن.
قال واسم الأمر يصدق على المجرد والمقترن فمن أين لكم أن ما أطلقوه ينصرف إلى الصيغة المطلقة.
قال ثم نقول على وجه التنزل لسنا نسلم أن يثبت سمة العصيان وصف ذم على الاطلاق إذ قد يرد ذلك في غير موضع استحقاق الذم فإنك تقول أشرت على فلان بكذا فعصاني وعصى مشورتي وإن لم يكن لمشورتك موجبا على من أشرت عليه المذهب.
السابع: أنها بين الثلاثة أعني الوجوب والندب والإباحة واختلف القائلون به فقالت طائفة بالاشتراك اللفظي وقال آخرون بالمعنوي وكلام المصنف محتمل للأمرين.
الثامن أنها مشتركة من الخمسة أعني الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم وهو المشار إليه بقول المصنف وقيل بين الخمسة ومراده الأحكام الخمسة فإن الإمام في المحصول هكذا حكى هذه المذاهب المذكوره في الكتاب.
التاسع: أنه أمر مشترك بين الوجوب والندب والإباحة والإرشاد والتهديد حكاه الغزالي.
العاشر: أن أمر الله تعالى للوجوب وأمر النبي صلى الله عليه وسلم للندب إلا ما كان موافقا لنص أو مبينا لمجمل حكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص عن شيخه
(2/26)

أبى بكر الأبهري وكذلك حكاه عنه المازري في شرح البرهان وقال إن النقل اختلف عنه فروي عنه هذا وروي عنه موافقة من قال إنه للندب على الإطلاق هذا ما حضرنا من المذاهب في هذه المسألة.
وقد ادعى الإمام إذ حكى الاتفاق على أن صيغة افعل ليست حقيقة في جميع المحامل المتقدمة أن الخلاف إنما وقع في أمور خمسة الوجوب والندب والإباحة والتنزيه والتحريم وأنت إذا تأملت ما حكيناه من المذاهب علمت أن حصر الخلاف في ذلك ليس بجيد.
(2/27)

أدلة القائلين بأن صيغة "افعل" حقيقة في الوجوب
قال: لنا وجوه: الأول قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} ذم على ترك المأمور فيكون واجبا.
استدل على ما ذهب إليه من أن صيغة أفعل حقيقة في الوجوب لوجوه خمسة:
الأول: قوله تعالى لإبليس: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} 1 ووجه الحجة منه أن الصيغة وإن كانت صيغة استفهام لكن الاستفهام غير مراد منها لاستحالته على من يستحيل عليه الجهل بل المراد منها الذم والتوبيخ وأنه لا عذر له في الإخلال بالسجود بعد ورود الأمر به ولو لم يكن الأمر للوجوب لما حسن الذم والتوبيخ ورد الآمدي هذا الدليل بأنه لا يلزم من كون هذا الأمر اقتضى الوجوب أن يكون كل أمر كذلك والجواب: أنه لا قائل بالفصل.
واعلم أن الشيخ أبا إسحاق في شرح اللمع أورد من جهة المعتزلة أن ما ذكرتموه من الآيات يدل على أوامر الله ورسوله يدلان على الوجوب ونحن لا ننازع في ذلك إنما ننازع في مقتضى اللفظ لغة وأجاب بأنهم متى سلموا ذلك حصل المقصود إذ المطلوب معرفة مقتضى أوامر الله وأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم وغرضنا من ايراد هذا السؤال أنه قد يؤخذ منه أن المعتزلة أو ان الشيخ أبا إسحاق اعتقد انهم لا يخالفون في أن أوامر الله وأوامر رسوله عليه السلام يقتضي الوجوب وذلك عجيب فإن النقل عنه بخلاف ذلك.
قال: الثاني: {ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} قيل: ذم على التكذيب
__________
1 سورة الأعراف آية 12.
(2/28)

قلنا: الظاهر أنه للترك والويل للتكذيب. قيل: لعل قرينة أوجبت.
قلنا: رتب الذم على ترك مجرد افعل.
الدليل الثاني قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} 1 ووجه التمسك انه تعالى ذم أقواما على ترك ما قيل لهم فيه افعلوا إذ الآية بسياقها تدل على الذم فلو لم تكن الصيغة للوجوب لما حسن ذلك وانما قلنا إن سياق الآية يدل على الذم لأنه ليس المراد من قوله لا يركعون الإعلام والإخبار لأن ترك الركوع من المكذبين معلوم لكل أحد فيكون ذما لهم واعترض عليه بوجهين.
أحدهما: أنا لا نسلم أن الذم على ترك مقتضى الأمر بل على تكذيب الرسل ويؤيده قوله: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} أجاب عنه بأن الظاهر أن الذم على ترك مقتضى الأمر ان رتب الذم على الترك والترتيب يشعر بالغلبة والويل على التكذيب فحينئذ إما ان يكون المكذبون هم التاركين فلهم الويل بسبب التكذيب ولهم العقاب بترك المأمور به إذ الكفار مأمورون بالفروع وإما ان يكونوا غيرهم فيجوز ان يستحق قوم الويل بسبب التكذيب وآخرون العقاب بسبب ترك المأمور به.
هذا تقرير الجواب واعترض النقشواني على الاستدلال بالآية من وجه آخر فقال لا نسلم انه ذمهم على ترك الركوع فقط بل ذمهم على كونهم بحيث لو قيل لهم اركعوا لا يركعون والمراد به انهم غير قابلين للإنذار ونصح الأنبياء وغير ملتفتين إلى دعوتهم قد انطوت جبلتهم على ما يمنعهم من ذلك والرجل قد يتصف بهذه السجية قبل ان يقال له اركع فلا يركع ونحن معترفون بأن هذه الملكة مما يوجب العذاب.
هذا اعتراضه وهو ضعيف وجوابه ما ذكرناه من ان الظاهر ان الذم على ترك مدلول قوله: {ارْكَعُوا} وما ذكره خروج عن حقيقة اللفظ من غير دليل.
والوجه الثاني: وهو يتجه على الدليلين المذكورين هذا الذي نحن فيه والذي تقدم وتوجيهه سلمنا ان الذم على الترك لكن فعل الأمر اقترنت به
__________
1 سورة المرسلات آية 48.
(2/29)

قرينة تقتضي إيجابه فان الصيغة إذا اقترنت بها قرينة صرفتها إلى ما دلت عليه اجماعا أجاب عنه بأنه رتب الذم على مجرد ترك المأمور به وترتيب الحكم على الوصف يشعر بالغلبة فيكون نفس الترك علة وما ادعيتم من القرينة الأصل عدمه.
فإن قلت: هذا الاحتمال وان كان على خلاف الأصل فهو قادح في القطع والمسألة قطعية.
قلت: أما من قال ان المسألة ظنية كأبي الحسين البصري وغيره فيجب بمنع كونها قطعية واما من قال بأنها قطعية فيجب بأن كل واحد مما يذكر من الأدلة وإن كان لا يفيد القطع لكن المجموع يفيده.
قال: الثالث: تارك المأمور به مخالف له كما أن الآتي به موافق على صدد العذاب لقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قيل الموافقة اعتقاد حقيقة الأمر والمخالفة اعتقاد فساده.
قلنا: ذلك دليل الأمر لأنه قبل الفاعل ضمير والذين مفعول.
قلنا: الإضمار خلاف الأصل ومع هذا فلا بد من مرجع قيل الذين يتسللون.
قلنا: هم المخالفون فكيف يؤمرون بالحذر عن أنفسهم وإن سلم فيضيع قوله: {أَنْ تُصِيبَهُمْ} .
قيل: فليحذر لا يوجب.
قلنا: يحسن وهو دليل قيام المقتضى.
قيل: عن أمره لا يعم.
قلنا: عام لجواز الاستثناء.
الدليل الثالث: أن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ومخالف ذلك الأمر على صدد العذاب فبارك المأمور به على صدد العذاب إنما قلنا تارك المأمور به مخالف للأمر لأن موافقة الأمر هي الإيمان بمقتضى الأمر والمخالفة ضد
(2/30)

الموافقة فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه فثبت أن تارك المأمور به مخالف وإنما قلنا مخالف الأمر على صدد العذاب لقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 1 أمر مخالف الأمر بالحذر عن العذاب والحذر عنه إنما يكون بعد قيام المقتضى لوقوعه بدليل أنه يصح الأمر بالحذر عن الشيء بدون وجود المقتضى له ألا ترى أنه يقبح أن يقال لمن جلس تحت سقف قوي غير مائل إحذر أن يقع عليك ولا يقبح أن يقال ذلك لمن جلس تحت سقف مائل في معرض الوقوع وما ذلك إلا لأن المقتضي للوقوع قائم فيه فلولم يكن ترك المأمور به مقتضيا لوقوع العذاب لما حسن الأمر بالحذر عن العقاب ولا معنى لقولنا: إن الأمر يقتضي الوجوب إلا ذلك.
وفي هذا التقدير نظر سيأتي إن شاء الله تعالى.
واعترض الخصم بأربعة اوجه:
أحدها: منع المقدمة الأولى أي لا نسلم ان موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه وإنما هي اعتقاد حقيقته كونه حقا مستوجب القبول فالمخالفة هي إنكار حقيقته يعني اعتقاد أنه فاسد.
قلنا: هذا ليس موافقة للأمر بل موافقة للدليل الدال على حقيقة ذلك الأمر وهو المعجزة الدالة على صدق الرسول فاعتقاد حقية الأمر موافقة الدليل لا موافقة الأمر فإن موافقة الشيء عبارة عما يستلزم تقرير مقتضاه فإذا دل الدليل على حقية الأمر كان الاعتراف بحقيته مستلزما لتقرير مقتضى ذلك الدليل والأمر لما اقتضى دخول فعل المأمور به في الوجود كانت موافقته عبارة عما يقرر دخوله وإدخاله في الوجود يقرر دخوله فكانت موافقة الأمر عبارة عن فعل مقتضاه.
وثانيها: منع المقدمة الثانية وتقريره لا نسلم أنه تعالى أمر المخالف بالحذر
__________
1 سورة النور آية 63.
(2/31)

بل أمر بالحذر عن المخالف فيكون فاعل فليحذر ضميرا والذين في محل النصب بأنه مفعوله أجاب عنه بوجهين:
أحدهما: أن الإضمار خلاف الأصل.
والثاني: أن الضمير لا بد له من اسم ظاهر يعود إليه وهو مفقود هنا قال الخصم لما لا يعود على الذين يتسللون والتقدير فليحذر الذين يتسللون منكم لواذا عن الذين يخالفون عن أمره.
أجاب المصنف عنه بوجهين:
أحدهما: أن الذين يتسللون هم المخالفون وذلك أن المخالفين لما ثقل عليهم المقام في المسجد وسماع الخطبة لاذوا بمن يستأذن للخروج حتى إذا أذن له خرجوا معه من غير إذن فنزل قوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً} وإذا كان كذلك فلو أمر المتسللون بالحذر عن المخالفين لكانوا قد أمروا بالحذر عن أنفسهم وذلك غير ممكن.
الثاني: انا ولو سلمنا ان مرجع الضمير الذين يتسللون كما ادعوه لكان أمرا للمتسللين بالحذر عن المخالفين ويصير تقدير الآية حينئذ فليحذر الذين يتسلون منكم لواذا الذين يخالفون عن أمره فيضيع إذ ذاك قوله: {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} لأن فاعل {فَلْيَحْذَرِ} حينئذ الضمير والذين مفعوله والحذر لا يتعدى إلى مفعولين حتى يكون ان تصيبهم مفعولا له ثانيا له فيصير حينئذ ضائعا لا تعلق له بما قبله ولا بما بعده.
فإن قلت: لم لا يكون لأجله إذا الحذر لأجل إصابة الفتنة أو العذاب الأليم؟
قلت: لو كان كذلك لكان مجامعا للحذر لأن الفعل يجب ان يجامع علته واجتماعهما محال كذا أجاب به الشيرازي شارح الكتاب وقد قال الجاريردي الشارح أيضا يمكن ان يجاب عن قولهم:
أولا: ان الفاعل ضمير يعود على المتسللين بأنه لو كان كذلك لوجب اظهاره فيقال فليحذروا لأنه عائد على جمع.
(2/32)

وثالثها: وهو اعتراض على المقدمة الثانية أيضا وتقريره سلمنا أن قوله فليحذر أمر المخالفين بالحذر وأنه لا ضمير في الآية لكن لم قلتم انه يوجب الحذر وهل غاية ذلك الا ورود الأمر به واقتضاء الأمر الوجوب هو محل النزاع والاستدلال بما ذكرتموه مصادرة على المطلوب.
أجاب: انا لا ندعي وجوب الحذر من قوله فليحذر وإنما ندعي أنه يفيد حسن الحذر عن مخالفة الأمر وحسن الحذر دليل على قيام المقتضى للوقوع في المحذور وإلا لكان الحذر عبثا ولقائل أن نقول قد يحسن الحذر مع التردد في قيام المقتضى لمجرد ذلك التردد عملا بالأحوط كالدائر بين أمرين يتردد في قيام اقتضاء أحدهما وقوع الضرر ولا يتوقع ضررا من الآخر فانه يحسن أن يحذر من الأول والأمر ستردد بين الوجوب وعدمه فيحسن التحذير منه ولو لمجرد التنازع في مقتضاه.
ورابعها: أنا سلمنا صحة ما ذكرتم من المقدمتين إلا أن قوله تعالى: {عَنْ أَمْرِهِ} في الآية المذكورة لفظ مجرد فيفيد أن أمرا واحدا للوجوب لا إن كل أمر للوجوب أجاب بأنه عام لجواز الاستثناء إذ يصح أن يقال ليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا في الأمر الفلاني ومعيار العموم جواز الاستثناء كما ستعرفه إن شاء الله تعالى هذا شرح ما في الكتاب.
وقد اعترض النقشواني على الاحتجاج بالآية فقال الأمر هنا بمعنى الشأن وهو الاجتماع على محاربة الكفار لأنه مذكور معرف بالإضافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكر قبل هذا منكرا في قوله تعالى: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} وذلك الأمر هو الشأن وهو الاجتماع على المحاربة وهو الذي دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إليه وكان بعضهم يتسلل لواذا فأراد بالمخالفة ههنا الانحراف وهو التسلل لواذا في المعنى وإذا كان ذلك محمولا على الانحراف استقام دخول عن فيه فيقال انحراف عن كذا ولا يقال ترك عن كذا فإذا كان الأمر محمولا على الشأن والمخالفة على الانحراف لم يبق في الآية احتجاج على المقصود والإنصاف يوجب حمل الأمر والمخالفة على ما ذكرنا اتساقا للكلام ورعاية على أصول العربية.
(2/33)

قال: الرابع: تارك المأمور به عاص لقوله تعالى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} - {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} والعاصي يستحق النار لقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} قيل: لو كان العصيان ترك الأمر لتكرر قوله: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} .
قلنا: الأول: ماض أو حال.
والثاني: مستقبل قيل: المراد الكفار بقرينة الخلود.
قلنا الخلود: المكث الطويل.
الدليل الرابع: تارك المأمور به عاص وكل عاص يستحق العقاب فتارك المأمور به يستحق العقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك.
بيان الأول: بقوله تعالى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} 1 وقوله: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} 2 وكذا قوله: {وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً} 3 وما قدمناه من شعر العرب.
وبيان الثاني بقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} 4 ومن من صيغ العموم.
واعلم ان المصنف جعل الكبرى مهملة ان قال والعاصي يستحق النار فلم يسورها بكل وشرطها ان تكون كلية فالصواب في مصطلح القوم ان يقول وكل عاص كما أوردناه وبه عبر الإمام واعترض الخصم بوجهين:
أحدهما: أنا لا نعلم الصغرى وهي ان تارك المأمور به عاص وبيانه قوله تعالى: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} فلو كان العصيان عبارة عن ترك المأمور به لكان قوله: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} معناه انهم يفعلون ما يؤمرون وكان قوله ويفعلون ما يؤمرون تكريرا أجاب عنه بان التكرار إنما يلزم ان لو كان لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون بالنسبة إلى زمان
__________
1 سورة طه آية 94.
2 سورة الطلاق آية 6.
3 سورة الكهف آية 96.
4 سورة الجن آية 23.
(2/34)

واحد وليس كذلك بل لا يعصون للزمان الماضي والحال لقرينة قوله ما أمرهم ويفعلون للمستقبل لقرينة قوله ما يؤمرون فتقدير الآية لا يعصون الله ما أمرهم في الماضي والحال ويفعلون ما يأمرهم به في المستقبل هذا تقرير الاعتراض وجوابه وهنا مناقشتان:
إحداهما: في قوله: لو كان العصيان ترك الأمر وذلك لان النزاع إنما هو في ان تارك الأمر عاص أم لا لا في ان العصيان هل هو ترك الأمر أم لا وكيف يقال ذلك والعصيان قد يقع بترك الفعل الذي يجب اتباعه فكان الصواب ان يقول قيل لو كان تارك الأمر عاصيا.
والثانية: قوله معنى الآية لا يعصون الله ما أمرهم في الماضي قال القرا في بعيد من جهة ان النحاة نصوا على ان لا لنفي المستقبل واستعمالهما بمعنى لم قليل مجاز فيجتمع المجاز في الفعل المضارع وفي لا ايضا فكان الأحسن في الجواب ان يقال لا نسلم التكرار بل قال بعض العلماء: ان قوله تعالى: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} إخبار عن الواقع منهم أي عدم المعصية دائما وقوله تعالى: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} إخبار عن سجياتهم التي طبعوا عليها يعني ان سجيتهم الطاعة فيكون أحدهما خبرا عن الواقع مهم والآخر خبر عن السجية التي فطروا عليها فلا تكرار والفعل المضارع قد كثر استعماله في الحالة المستمرة كقولهم زيد يعطي ويمنع ويصل ويقطع وقول خديجة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم انك لتصل الرحم وتحمل الكل وتعين على نوائب الدهر أي ذلك شانك في كل وقت وهو مجاز واحد في المضارع مشهور فيكون أولى من مجازين في الفعل والحرف وأحدهما قليل جدا.
الوجه الثاني: انا لا نسلم كلية المقدمة الثانية ونقول ليس المراد بقوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} كل عاص بل للكفار فقط ويدل على ذلك قوله: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} فان غير الكافر لا يخلد في النار أجاب عنه بأن الخلود في اللغة المكث الطويل الصادق على الدائم وغيره وليس هو الدائم فقط بل هو حقيقة في القدر المشترك حذرا من الاشتراك والمجاز.
(2/35)

فان قلت فما تفعل في قوله أبدا.
قلت: لا ينافي إذ قد يطلق ويراد به المدة الطويلة كما في قوله: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} والكفار يتمنون الموت في جهنم الا ترى إلى قولهم فيها يا مالك ليقض علينا ربك ولقائل ان يقول أما تقسيم الخلود بالمكث الطويل بخلاف الغالب من استعمال الشرع وعلى اللفظ على الغالب أولا لا سيما وقد أردفه بقوله أبدا وقولكم أن أبدا قد يستعمل في الزمن الطويل قلنا صحيح ولكن قرينة اجتماعها مع الخلود ينفي ذلك هنا وإلا فكأنه قال قاطنين فيها مكثا طويلا زمنا طويلا فيكون قد قرر اللفظ لمجرد التأكيد الذي هو غير محتاج إليه هنا.
فإن قلت التأكيد لا بد منه على التقديرين لأنه إن أراد بالخلود الدائم كما ذكرتم فما أتى بقوله أبدا إلا للتأكيد.
قلت: التأكيد على تقدير إرادة الدائم مناسب مناسبة شديدة لأن المحكوم به أولا أعنى المكث الدائم شيء عظيم يليق بخطبة التأكيد فكان التأكيد دليلا على ما قلناه من أن المراد بالخلود الدائم للاحتجاج إلى التأكيد والحالة هذه ويدل ذلك أيضا من الآية قوله: {فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} ولم يقل فإنه يدخل نار جهنم بل أتى بلام الاختصاص والملك بالموضوع للدوام والبقاء وصدر الجزاء بأن المؤكدة للجزاء حيث قال فان له ولم يقل فله ثم أكد ثانيا عند ختام ذكر الجزاء بقوله أبدا ولم يبق علينا إلا أن الدائم لا يستحقه غير الكافر والآية في المعاصي وهو أعم ألا أن يكون هذا العام قد أريد به الخاص وأما النقشواني فقال ليس العصيان عبارة عن ترك الأمر فقط بل عن ذلك مع زعم بطلان مقتضاه وهو ترجيح جانب العقب على الترك أو عدم الإيمان بمقتضاه وهو معنى قوله تعالى في الملائكة: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ} أي يجزمون بمقتضاه ويمتثلون ويمتنع منهم عدم الإتيان بمقتضاه قال وكذلك في قوله تعالى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} معناه ما ذكرنا لأن موسى عليه السلام يقول أزعمت أن ما أشرت به عليك وأمرتك به باطل غير سديد حتى تركته وأراد أن يعاقبه فكان جواب
(2/36)

هارون عليه السلام بان تركي لم يكن بناء على زعم البطلان بل بناء على مصلحة أخرى ثم ان موسى عليه السلام لما سمع ذلك قبل معذرته وعلم انه ليس بعاص ما أمره مع انه كان تاركا لما أمره قال ولو كان العصيان باقيا لكان سبب العقارب باقيا ولما كان يمتنع عن عقابه بالقدر الذي ذكره قال وبهذا استحق العاصي الخلود في النار بهذه الآية وكان ضالا ضلالا مبينا بدليل قوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً} وترك المأمور به مع زعم بصحة مقتضاه لا يوجب ذلك هذا كلامه وهو مدخول أما قوله العصيان ترك الأمر مع زعم بطلان مقتضاه قلنا هذا خلاف الشائع الذائع في اللغة العربية ويلزم على هذا ان لا يطلق على من خالف أوامر الله ورسوله انه عاص ما لم ينضم إلى ذلك هذا القيد وهو واضح البطلان واما قوله: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ} فليس معناه الا انهم يمتثلون أوامره واما قضية هارون عليه السلام فهو لم يعص أخاه موسى عليه السلام وانما موسى استفهمه لما رآه لم يفعل ما أشار به كان يقول ما كان يمنعك من ذلك هل عصيت أمري فقال هارون لا ولكن المانع اني خشيت ان تقول فرقت بين بني إسرائيل فقبل موسى عليه السلام عذره وعلم أنه لم يعصه لا باعتقاده بطلان مقتضى أمره ولا بالمخالفة لأن أمره لم يكن مطلقا بل مقيدا بعدم المانع وإن لم يكن التقييد موجودا في اللفظ كما تقول لوكيلك اشتري اللحم ثم تقول ما منعك من شرائه هل عصيت أمري فيقول لك لا بل كان السوق غير قائم أو اللحم غير موجود والله اعلم.
قال: الخامس: أنه عليه السلام احتج لذم أبي سعيد الخدري على ترك استجابته وهو يصلي بقوله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} .
الدليل الخامس: ما رواه البخاري من أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا سعيد وهو في الصلاة فلم يجبه فقال: "ما منعك ان تجيب وقد سمعت الله يقول" {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} وهذا الاستفهام ليس على حقيقة لأنه عليه السلام كان يعلم أنه في الصلاة فدل على أنه لمجرد الذم والتوبيخ ولولا اقتضاء الامر للوجوب لما كان ذلك وقد وقع في الكتاب ان أبي سعيد
(2/37)

هذا هو الخدري وكذا وقع في المحصول وغيره من كتب الأصول ظنا من مصنفها أنه لا أبو سعيد في الصحابة إلا الخدري وهذا الظن نشأ لهم من شهرة الخدري وعدم ظروف ذكر غيره على أسماعهم وأبو سعيد هذا إنما هو أبن المعلي وليس هو بخدري1 والقرافي رحمه الله نبه على ذلك ومن كتبه إستفدناه وهو صحيح وقد سألت شيخنا الحافظ الذهبي رحمه الله هل روى هذا الحديث من طريق الخدري في شيء من الكتب والأجزاء فقال لا ووقع الحديث في بعض الكتب منسوبا إلى أبي بن كعب وليس بجيد ايضا وقد نجزت الدلائل الخمس وهي إنما تفيد ثبوتها أن الأوامر الصادرة من الشارع للوجوب لأنها حقيقة الوجوب بأصل الوضع كما هو المدعي فلا بد من إقامة الدليل على أنها في اللغة كذلك لكن لما كان الغرض المهم معرفة مدلولان أوامر الشارع خص الاستدلال بها وقد قدمنا أن المختار عندنا ما ذهب إليه امام الحرمين وليس الشرح موضع تقريره والذب عنه.
__________
1 الخدري هو: سعد بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي صحابي جليل كان من الملازمين للنبي صلى الله عليه وسلم – وشهد معه كثيرا من الغزوات. توفي سنة 74هـ بالمدينة المنورة خلاصة تهذيب الكمال 1/371.
أما أبو سعيد بن المعلى: فهو: رافع بن المعلى بن لوذان بن حبيب بن عدي الأنصاري. مات سنة 73هـ
خلاصة تهذيب الكمال 3/99.
وهذا الحديث رواه البخاري عن أبي سعيد بن المعلى في تفسير سورة الفاتحة والأنفال. فتح الباري 9/244- 377 كما رواه الإمام أحمد في مسنده 2/412 -413.والترمذي في فضائل القرآن والطبري في تفسير سورة الأنفال 11/466.
(2/38)

أدلة القائلين بالندب
قال: احتج المخالف بأن الفارق بين السؤال والندب هو الرتبة والسؤال للندب فكذا الأمر.
قلنا: السؤال وان لم يتحقق.
ذكر المصنف لبعض المخالفين دلائل.
أولها لأبى هاشم القائل بأن الأمر للندب لا جرم إن في بعض النسخ احتج أبو هشام لكن ذلك غير مستقيم لان الثالث والثاني عن أحد التقريرين كما سيأتي ان شاء الله تعالى لا تعلق لها لأبي هاشم وتقرير ما احتج به أبو هاشم أنه لا فرق بين السؤال والأمر إلا الرتبة فإن رتبة الأمر أعلى من رتبة السائل والسؤال للندب فكذلك الأمر لأن الأمر لو دل على شيء غير الندب من إيجاب أو غيره لكان بينهما فرق آخر وهو خلاف ما نقوله.
هذا تقرير الاحتجاج يعبر بعض الشارحين بأن الأمر لو دل على الإيجاب وهي عبارة صحيحة في الرد على القائلين بالوجوب إلا أن أبا هاشم لم يأت بهذا الوجه لإبطال مذهب الوجوب بل لتقرير مذهبه فكان الأحسن أن يقال بأن الأمر لو دل على شيء غير الندب كما أوردناه ولا يخص الوجوب بالذكر.
وأجاب المصنف: أن السؤال من حيث الوضع يدل على الإيجاب أيضا لأن صيغة أفعل عند القائل لأنها للإيجاب موضوعة لوجوب الفعل مع المنع من الترك وقد استعملها السائل لكان لا يلزم من السؤال الوجوب أن الوجوب حكم شرعي يستدعي إيجاب الشبع ولذا لا يلزم المسؤول القبول.
فان قلت: إذا دل السؤال على الإيجاب لزم افتراقهما من وجه آخر إذ إيجاب الأمر يدل على الوجوب بخلاف إيجاب السؤال.
(2/39)

قلت: إيجاب الأمر أيضا غير مستلزم للوجوب لجواز أن يوجد بدون الوجوب كما إذا أمر السيد عبده بما لا يقدر عليه حسا وشرعا.
وقد أجاب الأسفرايني أحد شراح هذا الكتاب عن السؤال بأن المعنى تكون الفارق بينهما الرتبة هو كون إيجاب الأمر يقتضي الوجوب بخلاف السؤال وهذا فيه نظر إذ هما مدلولان متغايران على ان هذه المباحث كلها إنما هي على تقدير ثبوت اعتبار الرتبة حتى يكون فارقه لكنها عند المصنف غير معتبرة أن العلو والاستعلال لا يعتبران كما تقدم فلدي أجاب به المصنف على تسليم ثبوت الفرق نعم الفرق بين السؤال والأمر عنده فرق ما بين العام والخاص فإن السؤال أمر صادر يتذلن والأمر أعم.
وأما قول بعض الشارحين قد يترتب الوجوب على السؤال كسؤال المضطر وقد لا يترتب وقد يترتب على الأمر وهو ما إذا كان صادرا ممن هو له وكان مقدورا للمكلف وقد لا يترتب وفي تمثيله لترتيب الوجوب على السؤال بحالة الاضطرار نظر لان وجوب إطعام المضطر ليس لسؤاله بل لكونه مضطرا حتى لو لم يسأل وعرف انه مضطر وجب إطعامه من غير سؤال.
(2/40)

أدلة القائلين بأنها للقدر المشترك
قال: بأن الصيغة لما استعملت فيهما والاشتراك والمجاز خلاف الأصل فيكون حقيقة في القدر المشترك.
قلنا: يجب المصير إلى المجاز لما بيننا من الدليل.
احتج من ذهب إلى أن الصيغة موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب بأنها وردت للوجوب تارة وللندب أخرى فوجب ان تكون حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو رجحان الفعل عن الترك وإلا فان كان حقيقة فيها لزم الاشتراك أو في أحدهما لزم المجاز فيهما على خلاف الأصل ويمكن ان يقرر هذا الدليل على وجه آخر يصير به دليلا لأبي هاشم على أنه حقيقة في الندب وذلك بان تزيد على ما ذكرنا أن هذه الصيغة دالة على أصل الرجحان وجواز الترك ثابت بمقتضى البراءة الأصلية التي لم يوجد ما يزيلها في رجحان وجود العقل مع جواز الترك ثابت حينئذ ولا نعني بالندب إلا ذلك.
والجواب إنا قد بينا أن الامر حقيقة في الوجوب كما سبق فالمصير إلى كونه مجازا في الندب وغيره من الوارد واجب لئلا يلزم الاشتراك والمجاز أولى به.
واعلم أن التقرير الأول هو الأقرب إلى كلام صاحب الكتاب والثاني هو ما أورده الإمام وفيه نظر لأن كوننا لا نحكم عليه بالوجوب للبراءة الأصلية غير جعلنا إياه حقيقة في الندب وحكمنا عليه بعد الوجوب لا يقتضي أنه حقيقة في الندب.
(2/41)

أدلة القائلين بالتوقف
قال: بأن تعرف مفهوما لا يكون بالعقل ولا بالنقل لأنه لم يتواتر والآحاد لا تفيد القطع قلنا المسألة وسيلة إلى العمل فيكفي فيها الظن وأيضا يتعرف بتركيب عقلي من مقدمات نقلية كما سبق.
احتج من ذهب إلي الوقف بأنه لو ثبت في إحداهما لثبت بدليل الامتناع إثبات اللغة بالتشهي وذلك الدليل إما عقلي أو نقلي والأول لا يمكن إذ لا محال للعقل في اللغة والثاني إما متواتر وهو منتف وإلا لكان ضروريا حاملا لكل أحد من هذه الطوائف وكان النزاع يرتفع من بينهم واما الآحاد وهي لا تفيد القطع إنما تفيد الظن وهو في المسائل العلمية غير كان والمسألة علمية إذ هي من قواعد أصول الفقه ولم يجر الشارع العمل بالظن في أصول الفقه كما نقله عن العلماء قاطبة الابياري شارح البرهان حكاه عنه القرافي وانما ذلك للاهتمام بالقواعد وإذا انتفت طرق المعرفة تعين أوقف وهذا الذي نقله الأبياري رأيته في كلام القاضي في مختصر التقريب والإرشاد في غير موضعين أجاب بوجهين.
أحدهما: ان هذه المسألة وسيلة إلى العمل فيكفي فيها حصول الظن كما يكفي حصول الظن في مقاصدها في العمليات وحاصل هذا الجواب منع كون المسألة علمية وقد اختلف الأصوليون في أن هذه ظنية يقينية.
الثاني: أن هذا الحصر ممنوع وسند المنع أنه يجوز ان يعرف بدليل مركب من العقلي والنقلي كما سبق في الدليل الرابع أن تارك المأمور به عاص وكل يستحق النار ينتج العقل من هاتين الثقليتين أن تارك المأمور به يستحق العقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك وكما سبق أيضا في الدليل الثالث وهو تارك المأمور
(2/42)

به مخالف وكل مخالف معذب فتارك المأمور به معذب وكما سبق في باب اللغات الجمع المحلي بالألف واللام يدخله الاستثناء والاستثناء ما لولاه لدخل فيدل على أن الجمع المحلي للعموم فقول المصنف كما سبق يحتمل عوده إلى كل واحد من هذه الثلاث وقد أجيب عن هذا الدليل بجواب ثالث وهو التزام حصوله بالتواتر ولا يلزم منه رفع الخلاف لأنه إنما يلزم ذلك أن لو كان العقلي هنا ضروريا لكنه نظري فيحتمل أن يصل إلى بعضهم بكثرة المطالعة في كلامهم وتواريخهم ولا يصل إلى الآخر لعدم أو قلة اشتغاله بذلك وأجاب بعضهم بأن مات ذكره المتوقف من الدليل لازم عليه وذلك لأن العقل لا يقتضى الوقف والنقل القطعي غير متحقق والظني لا يفيد فما كان جوابه فهو جوابنا لكن في هذا نظر إذ المتوقف لم يحكم بشيء فلا دليل عليه واعلم أن المنع الثاني ذكره المصنف قدمه الإمام على الأول وهو أولى على قاعدة أهل النظر مما فعله المصنف فكان ينبغي أن يقول لا نسلم الحصر سلمنا نختار معرفته بالآحاد والجدليون يعللون مثل ذلك بأن الثاني هنا مثلا فيه تسليم للحصر فلا يحسن منعه بعد ذلك والله اعلم.
(2/43)

المسألة الثالثة مدلول الأمر بعد التحريم
...
قال: الثالثة: الأمر بعد التحريم للموجوب
وقيل للإباحة لنا أن الأمر يفيده ووروده بعد الحرمة لا يدفعه قيل: إذا حللتم فاصطادوا قلنا: معارض بقوله: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} .
هذه المسألة مفرعة على ثبوت أن صيغة افعل تقتضي الوجوب فاختلف القائلون بذلك فيما إذا أوردت بعد الخطر هل هي باقية على دلالتها أو ورودها بعد الخطر قرينة للإباحة أم كيف الحال على أربعة مذاهب.
الأول: أنها على حالها في اقتضاء الوجوب وهو اختيار الإمام وأتباعه منهم المصنف وبه قالت المعتزلة وصححه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع والإمام أبو المظفر بن السمعاني في القواطع ونقله ابن الصباغ في عدة العالم عن اختيار القاضي أبي الطيب ونقله ابن برهان في الوجيز عن القاضي لكن لم يقل لذلك مطلقا وإنما الذي قاله كما حكاه عنه إمام الحرمين في البرهان لو كنت من القائلين بالصيغة لقطعت بان الصيغة
(2/43)

المطلقة بعد الخطر مجراه على الوجوب وكذا قال في مختصر التقريب الذي نختاره أن الأمر بعد سبق الخطر كالأمر من غير سبقه وإن فرضنا الكلام في العبارة فهي بعد الحظر كهي من غير خطر يسبق وقد فرط من أصلنا المصير إلى الوقف وها نحن عليه في صوره التنازع كما ارتضيناه في صورة الاطلاق من غير تقدم خطر انتهى.
والثاني: أنها تكون للإباحة ورجحه ابن الحاجب ونقله ابن برهان في وجيزه عن أكثر الفقهاء والمتكلمين واين التلمساني في شرح المعالم عن نص الشافعي وكذا نقل عن نصه عبد العزيز بن عبد الجبار الكوفي كما نقله الاصبهاني في شرح المحصول وقال القاضي في مختصر التقريب أنه أظهر أجوبة الشافعي وحكاه الشيخ أبو حامد الاسفرايني في باب الكتابة من تعليقته عن الشافعي وقال الشيخ أبو اسحاق للشافعي كلام بدل عليه وقال ابن السمعاني عليه دل ظاهر قول الشافعي في أحكام القرآن.
والثالث: اختاره الغزالي وهو إن كان الخطر الشائق عارضا بعلة وعلق صيغة افعل بزواله مثل فإذا حللتم فاصطادوا فعرف الاستعمال يدل على انه لرفع الذم فقط حتى يرجع حكمه إلى ما قبله وان احتمل ان يكون رفع هذا الخطر بندب أو إيجاب لكن هذا هو الأغلب كقوله عليه السلام: "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فادخروا" وأما إذا لم يكن الخطر عارضا بعلة ولا صيغة افعل علق بزوالها فيبقى موجب الصيغة على اصل التردد بين الإيجاب والندب وتريد ههنا احتمال الإباحة وتكون هذه قرينة تروح هذا الاحتمال وإن لم تعينه وأما إذا لم ترد صيغة افعل ولكن قال إذا حللتم فأنتم مأمورون بالاصطياد فهذا يحتمل الوجوب والندب ولا يحتمل الإباحة قال وقوله أمرتكم بكذا يضاهي قوله افعل في جميع المواضع إلا في هذه الصورة وما يقال بها وهذا المذهب أخذه الغزالي مما حكاه إمامه البرهان وفي التلخيص عن بعضهم أنه إن ورد الخطر مؤقتا وكان منتهاه صيغة في الاقتضاء فهي للإباحة قال والغرض من مساق الكلام رد الخطر إلى غاية وهي
(2/44)

كقوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} ثم زاد الغزالي ما ذكره وقد قال في التلخيص عن هذا المذهب أنه أسد مذهب لهؤلاء.
والرابع: الوقف وهو مذهب امام الحرمين واختاره جماعة واستدل المصنف على ما اختاره بأن الأمر يفيد الوجوب إذ التفريع على القول بذلك ووروده بعد الحرمة غير صالح لأن يكون معارضا فإنه كما لا يمتنع الانتقال من التحريم إلى الإباحة لا يمتنع الانتقال منه إلى الوجوب لمنافاة كل واحد منهما للتحريم فإذا جاز الانتقال إلى أحد المتنافين جاز الانتقال إلى الآخر واحتج القائل بالإباحة بأنها وردت لذلك مثل قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} 1 وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا} 2 وقوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} 3 وفي الحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" 4 "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا" 5 وأجاب في الكتاب بأن هذه الأدلة معارضة بقوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 6 فإنه يفيد الوجوب لأن الجهاد وأجب وكذلك قوله تعالى: {وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} 7 وحلق الرأس نسك وليس بمباح محض كذا ذكره الإمام وكذلك قوله عليه السلام: "فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم وصلي" 8 وإذا تعارضا من هذه الجهة بقي دليلنا على اصله ولمن يقول:
__________
1 سورة المائدة آية 2.
2 سورة الجمعة آية 10.
3 سورة البقرة آية 222.
4 رواه الحاكم عن أنس وابن ماجة عن ابن مسعود الفتح الكبير 2/334.
5 رواه الترمذي من حديث بريدة بلفظ " كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليتسع ذوو الطول على من لاطول له فكلوا مابدا لكم وأطعموا وادخروا".
6 سورة التوبة آية 5.
7 سورة البقرة آية 196.
8 حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود من حديث عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم – فقالت يارسول الله إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" المغني لابن قدامة 1/312.
(2/45)

بالإباحة أن يمنع استفادة الوجوب في هذه السور من الصيغة الواردة بعد الخطر ويقول أن الوجوب مستفاد من خارج فان قتال المشركين واجب وكذلك الصلاة بالنسبة إلى المرأة ثم لما منع منه حصل الإحجام عنه فكان ورود الأمر مفيدا أن نسبب الأحجام زائل وأن هذا الأمر صار مباحا ومتى صار مباحا لزم ان يعود إلى ما كان عليه من الوجوب.
فائدة: قد عرفت الخلاف في الامر الوارد بعد الخطر هل يدل على الوجوب أو الإباحة ويضاهيه مسائل منها الكتابة فهي مستحبة وإن كانت واردة بعد خطر وعن صاحب التقريب حكاية قول أنها تجب بطلب العبد.
ومنها: النظر إلى المخطوبة بعد العزم على نكاحها مستحب وفي وجه هو مباح مجرد والأمر به في قوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة: "لا أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" 1 أي يجعل بينكما المودة وارد بعد الخطر وهو تحريم النظر إلى الأجنبيات عند خوف الفتنة.
ومنها: إذا قال لعبده اتجر صار مأذونا ويجب عليه امتثال أمر سيده وهو أمر وارد بعد خطر وهو الحجر على العبد في التصرف في مال سيده والله اعلم.
تنبيه: صرح الأمام هنا بأن حكم الأمر بعد الاستئذان حكمه بعد التحريم حتى يقع فيه الخلاف في إفادة الوجوب ومثال ذلك ان يستأذن على فعل شيء فيقول افعله وهذا حسن متجه ينفع في الاستدلال على وجوب التشهد بقوله صلى الله عليه وسلم إذ سألوه كيف نصلى عليك قال: "قولوا" الحديث.
قال: واختلف القائلون: بالإباحة في النهي بعد الوجوب.
الذين قالوا: بان الأمر الوارد بعد الخطر يفيد الوجوب جزموا القول: بأن النهي بعد الوجوب يفيد التحريم.
وأما الذين قالوا: هناك بأنه يفيد الإباحة فاختلفوا في النهي الوارد بعد الوجوب فمنهم من طرد فيه الخلاف وحكم بالإباحة ومنهم من قال لا تأثير
__________
1 رواه الترمذي وحسنه والحاكم صححه. نيل الأوطار 6/10.
(2/46)

ههنا للوجوب المتقدم بل النهي يفيد التحريم وبه قال الأستاذ وقال لا ينتهض الوجوب السابق قرينة في حمل النهي على رفع الوجوب وادعى الوفاق في ذلك وفي التلخيص مختصر التقريب والإرشاد للقاضي دعوى الوفاق كما ذكر الاستاد فانه قال في أثناء الحجاج لو صح ما قلتموه للزم ان تقولوا إذا فرط الإيجاب وسبق التحتم ثم تعقبته لفظا تقتضي تحريما بما لو قدرت مطلقة أنها لا تحمل على التحريم وقد قلتم جميعا أنها محمولة على التحريم انتهى ولكن الخلاف ثابت مصرح به وقال أمام الحرمين أما أنا فسأجب ذيل الوقف عليه كما قدمته في صيغة الأمر بعد الخطر وقد فرق القائلون بأن النهي بعد الوجوب للتحريم مع قولهم: بأن الأمر بعد الخطر للإباحة بوجوه.
أحدها: أن النهي لرفع المفاسد المتعلقة بالمنهي والأمر لتحصيل المصالح المتعلقة بالمأمور واعتناء الشارع بدفع المفاسد أشد من اعتنائه بجلب المصالح.
والثاني: أن النهي عن الشيء موافق للأصل الذي هو عدم الفعل ولا كذلك الأمر لاقتضائه الفعل.
الثالث: أن القائل بالإباحة ثم إنما دعاه إليها ورود الصيغة كثيرا في الآيات والأخبار بمعنى الإباحة كما سبق بخلاف النهي بعد الوجوب.
والرابع: أن دلالة النهي على التحريم أقوى من دلالة الأمر على الوجوب لأنه إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام والله اعلم.
فائدة: تقدم ما ذكره الإمام في الامر عقيب الاستئذان واما النهي عقيب الاستئذان مثل قوله صلى الله عليه وسلم لسعد وقد قال له: أوصي بمالي كله قال: "لا" ومثل أيسلم بعضنا على بعض نعم أيصافح بعضنا البعض قال: "نعم" أينحني بعضنا لبعض؟ قال: "لا" ووقع في الستة كثير من ذلك فهذا الاستفهام الأصل فيه انه استفهام عن الخير كأنه يقول أيقع هذا أو لا وجوابه في الأصل خبر أيضا يقول يقع أو لا كقولك يقوم زيد فيجيب نعم أو لا ثم قد تأتي قرينة تدل على أن المراد بذلك الإستفهام عن الحكم الشرعي كما في هذين الحديثين وأشباههما فان القرينة تدل على ان المراد الاستفهام على الحكم الشرعي أما الوجوب أو
(2/47)

الجواز أو الاستحباب وقد يكون استرشادا أيضا فيكون الجواب بلا أو نعم وارد على ما فهم من السؤال والظاهر في الحديث.
الثاني: أن المراد الإستفهام عن الجواز ولذلك كان الانحناء حراما وقوله نعم: في السلام والمصافحه فيه جواز ذلك خاصة واستحبابه من دليل آخر ولا نقدره أمرا بل خبرا وكذا في حديث سعد الظاهر فيه أنه استفهام عن الجواز ولذلك في الثلث قال الثلث والثلث كثير فإن نعم مقدرة فيه ولا نقدره أمرا لأنه ليس مستحبا لقوله إنه كثير وليس بنا ضرورة إلى تقديره أمرا وصرفه عن ظاهره فهذا هو القاعدة في ذلك قررها والدي رحمه وينبني عليها مباحث في مواضع كثيرة فافهمها.
(2/48)

المسألة الرابعة: الأمر المطلق لا يفيد التكرار ولا يدفعه
...
قال: الرابعة: الأمر المطلق لا يفيد التكرار ولا يدفعه وقيل للتكرار وقيل للمرة وقيل بالتوقف للاشتراك أو للجهل بالحقيقة.
الأمر: إما أن يرد مقيدا وهو نوعان:
أحدهما: أن يرد مقيدا بالمرة أو بالتكرار فيحمل عليه قطعا.
والثاني: ان يرد مقيدا بصفة أو شرط وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله وأما إن يرد مطلقا عاريا من القيود وهو مسألة الكتاب وفيه مذاهب.
أحدهما: أنه لا يدل بذاته لا على التكرار ولا على المرة وانما يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوحدة والكثرة نعم لا يمكن إدخال الماهية في الوجود بأقل من مرة فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به لا أن الأمر يدل عليها بذاته واختاره الإمام واتباعه منهم المصنف والآمدي وابن الحاجب ونص على اختيار القول به القاضي في التلخيص لإمام الحرمين.
وقد عبر المصنف عن المرة بقوله ولا يدفعه فانه إذا لم يدفع التكرار لا يكون للمرة فإنه لو كان للمرة يدفع التكرار إذ هما متقاربان.
والثاني: أنه يدل على التكرار المستوعب لزمان العمر ونقل الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع عن شيخه أبي حاتم القزويني وعن القاضي أبي بكر
(2/48)

وهو مذهب الأستاذ وجماعة من الفقهاء والمتكلمين وذكر الاصفهاني ان العالمي نقله عن اكثر أصحاب الشافعي لكن شرط هذا القول الإمكان دون أزمنة قضاء الحاجة والنوم وضروريات الإنسان كما صرح به اكثر الاصوليين منهم الشيخ أبو اسحاق وإمام الحرمين وابن الصباغ في عدة العالم والآمدي وغيرهم.
قال صفي الدين الهندي ثم لا يخفي عليك أنه ليس المراد من التكرار هنا معناه الحقيقي وهو إعادة الفعل الأول فان ذلك غير ممكن من المكلف وإنما المراد مثله ولك أن تقول ما تريد بقولك ليس المراد إعادة ذلك الفعل الأول أتريد الماهية مع قيد التشخيص في الأول أم الماهية وحدها الأول مسلم والثاني ممنوع لان الماهية الموجودة في الأول موجودة في الثاني بعينها.
والثالث: انه يدل على المرة ولا يحتمل التكرار وإنما يحمل عليه بدليل ونقله الشيخ أبو اسحاق عن اكثر أصحابنا وأبي حنيفة واكثر الفقهاء وعن اختيار شيخه القاضي أبي الطيب والشيخ أبى حامد ونقل بعض الشارحين تبعا للأصفهاني في شرح المحصول عن الآمدي أنه قال وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية ثم خطا هذا الشارح والآمدي بأن إمام الحرمين إنما يرى الوقف ولا يقضي في الزيادة بنفي ولا إثبات.
واعلم أن الآمدي لم ينقل في الأحكام عن إمام الحرمين إلا الوقف كما هو الواقع وهذه عبارة الآمدي ومنهم من نفى احتمال التكرار وهو اختيار أبى الحسين البصري وكثير من الاصوليين ومنهم من توقف في الزيادة ولم يقض فيها نفي ولا إثبات وإليه ميل إمام الحرمين والوقفية انتهى والظاهر أن نسخة الاصفهاني وكذلك هذا الشارع من الأحكام سقيمة منها من قوله ومنهم إلى قوله وإليه وهذه النسخة التي عندي صحيحة مقروءة على الآمدي وعليها خطه.
واعلم أن صفي الدين الهندي نقل عن أبي الحسين وكثير من الاصوليين المذهب المختار وهو خلاف ما نقله عنه الآمدي كما رأيت والذي رأيته في
(2/49)

المعتمد يقتضي موافقة ما نقله الهندي أو يصرح بل لم يحك هذا القول الذي نقله عن الآمدي بالأصالة.
والرابع: التوقف قالوا وهو محتمل لشيئين.
أحدهما: أن يكون مشتركا بين التكرار والمرة فيتوقف إعماله في أحدهما على قرينة وهذا قد صرح بحكايته صاحب الكتاب في كتابه المرصاد الذي وضعه على مختصر ابن الحاجب.
والثاني: أنه لاحدهما ولا نعرفه فيتوقف لجهلنا بالواقع ولقائل أن يقول وضعه للمرة وللتكرار كل منهما على حدته وضع للنقيضين لأن التكرار وحده مع المرة وحدها مما لا يجتمعان إذ لا تجتمع الوحدة بقيد الوحدة مع الكثرة ولا يرتفعان إذا هو مأمور بشيء لا يخرج ذلك الشيء عن أحدهما ثم إن الوضع للنقيضين على رأي الإمام ومن نحا نحوه ممتنع فكيف يتجه ممن يعتقد اعتقاده أن يجعل التوقف محتملا وفي المسألة مذهب خامس حكاه صفي الدين الهندي عن عيسى بن إبان أنه إن كان فعلا له غاية يمكن إيقاعه في جميع المدة فيلزمه في جميعها وإلا فيلزمه الأقل.
قال: لنا تقييده بالمرة والمرات من غير تكرير ولا نقض وأنه ورد مع التكرار وعدمه فيجعل حقيقة في القدر المشترك وهو طلب الإتيان به دفعا للاشتراك والمجاز وأيضا لو كان للتكرار لعم الأوقات فيكون تكليفا بما لا يطاق وينسخه كل تكليف بعده لا يجامعه.
استدل على المختار بأوجه:
أحدهما: أنه لو كان الأمر المطلق دالا على المرة لكان تقييده بها تكرارا وبالمرات نقضا ولو كان دالا على التكرار لكان تقييده بالمرات تكرارا بالمرة نقصا والمرازمة بينة والملازمة باطل الصحة قولنا افعل ذلك مرات وليس فيه تكرار ولا نقض ولا يخفى عليك أن هذا الوجه ليس حجة الا على من يدعي أنه نص بالمرة الواحدة ولا يحتمل التكرار ومن يدعي العكس أما من يدعي التوقف والظهور في أحدهما فلا يصلح حجة عليه.
(2/50)

الثاني: أنه ورد للتكرار شرعا مثل قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} و {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} وعرفا مثل قول القائل لغيره احفظ دابتي واحسن إلى الناس وورد للمرة شرعا كآية الحج والعمرة وعرفا مثل ادخل الدار وقول السيد لعبده اشتر اللحم فحينئذ إما أن يكون حقيقة فيهما فيلزم الاشتراك أو في أحدهما فيلزم المجاز والمجاز والاشتراك على خلاف الأصل فيكون للقدر المشترك بينهما وهو طلب الإتيان بالمأمور وذلك أعم من أن يكون في المرة الواحدة أو المرات وحينئذ لا يدل على أحدهما بخصوصه إلا بقرينة.
وهذا الدليل قد استعملوه في مواضع عديدة وبعض المتأخرين من الاصوليين كالنقشواني وغيره قد ضعفوه فقالوا إذا كان موضوعا للقدر المشترك الذي هو مطلق الطلب ثم استعمل في طلب خاص فقد استعمل في غير ما وضع له لأن الأعم مغاير للأخص لكنه مشتمل على ما وضع له فيجوز مجازا وأيضا فان الالفاظ موضوعة بازاء المعاني الذهنية على رأي الإمام واتباعه فإذا استعمل فيما تشخص منهما في الخارج يكون مجازا لأنه غير ما وضع له فتقرر أن استعمال الأمر في المقيد بالتكرار وبالمرة مجاز لما قلناه وهذا بحث صحيح مطرد في كل أعم استعمل في أخص وبعضهم يفصل فيه فيقول إن استعمل فيه باعتبار ما فيه من القدر الأعم فهو حقيقة وإن استعمل فيه اعتبار خصوصه فهو مجاز وهذا التفصيل لا حاجة إليه لأنه إذا استعمل فيه باعتبار ما فيه من القدر الأعم لا يخرج عن كونه استعمل العام في الخاص وقوله باعتبار سبب في الإستعمال فهو كاستعمال الأسد الشجاع باعتبار الشجاعة وإن أراد بقوله باعتبار أنه لم يستعمل إلا في الأعم فذلك إحالة لفرض المسألة لأن فرض المسألة أنه استعمل في الأخص.
الثالث: وهو دليل على ضعف القول بالتكرار لأنه لو كان مقتضيا للتكرار نعم جميع الأوقات حتى يجب فعل المأمور به فيها وذلك لعدم أولوية وقت دون وقت لكنه لا يعم جميع الأوقات لوجهين.
(2/51)

أحدهما: أنه لو عمها للزم وقوع التكليف بما لا يطاق.
والثاني: أنه يلزم أن ينسخه كل تكليف يأتي بعده لا يمكن مجامعته له في الوجود وذلك لأن الأمر الأول قد استوعب جميع الأوقات بفعل المأمور به والثاني يقتضي الإتيان بالمأمور به والإتيان بالمأمور به أولا لا يمكن مع الإتيان به ثانيا فيرتفع وجوبه لعدم إمكان فعله فيلزم النسخ وهو يأكل قطعا لأن الأمر ببعض الصلوات ليس نسخا لغيرها والأمر بالحج ليس نسخا للصلاة فثبت ما قلناه من انه لا يعم كل الأوقات وحينئذ لا يكون مقتضيا وانما قيد المصنف بقوله لا يجامعه ليحترز عما يجتمع معه كالصوم مع الصلاة وفي هذين الوجهين نظر.
أما الأول: فلأن القائل بالتكرار يشترط الإمكان كما تقدم.
وأما الثاني: فلأن النسخ إنما يلزم إذا كان الأمر الثاني مطلقا غير مخصص ببعض الأوقات شرعا أو عقلا ومثل هذا غير واقع في الشرع ولو وقع لالتزم الخصم وقوع النسخ وأما إذا كان الامر الثاني مخصوصا ببعض الأوقات فلا يلزم منه نسخ الأول بل تخصيصه ولا امتناع في ذلك على أنه غير واقع على الوجه المفروض.
قال: تمسك الصديق رضي الله عنه على التكرار بقوله: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} ولم ينكر عليه قلنا لعله عليه الصلاة والسلام بين تكراره قبل النهي يقتضي التكرار فكذا الأمر قلنا الانتهاء أبدا ممكن دون الامتثال قيل لو لم يتكرر لم يرد النسخ. قلنا: وروده قرينة التكرار.
احتج من ذهب إلى أن الأمر يفيد التكرار بثلاثة اوجه.
أحدها: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه تمسك على أهل الردة من وجوب تكرار الزكاة بقوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فدل على انعقاد الإجماع على أن الأمر للتكرار والجواب بعد تسليم أن الإجماع السكوتي إجماع أنه لعل النبي صلى الله عليه وسلم بين للصحابة رضي الله عنهم أن قوله: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} يفيد التكرار فتمسك الصديق رضوان الله عليه بها
(2/52)

مستندا إلى ما بينه عليه السلام وهذا وإن كان خلاف الأصل إذ الأصل أنه لم يبين لكن يجب المصير إليه جمعا بين الأدلة وقد يجاب بأن أمر الصلاة والزكاة والصوم معلوم التكرار بالضرورة من دين محمد عليه السلام أو بأن ههنا مع صيغة الأمر غيرها وهو أن القاعدة تكرر الحكم بتكرر سببه وسبب وجوب الزكاة نعمة من الملك فلما تكررت تكرر وجوب الزكاة وهذا مقتضى للتكرار غير الامر.
وثانيها: أن النهي يقتضى التكرار فكذلك الأمر قياسا عليه والجامع كون كل منهما للطلب والجواب أنه يمكن الانتهاء عن الشيء دائما لأن فيه بقاء على العدم وأما امتثاله أبدا اعني استعماله دائما فغير ممكن وهذا الجواب من المصنف ربما يفهم اختياره أن النهي يقتضي التكرار بلا خلاف وقد صرح بعد ذلك بأن النهي كالأمر في التكرار وعدمه ثم لك أن تقول في هذا الجواب نظر لأن من قال الأمر يقتضي التكرار اشترط الإمكان كما سبق فامتثال الأمر أبدا حينئذ كالانتهاء أبدا من حيث الإمكان فالصواب في الجواب أن يقال هذا إثبات اللغة بالقياس وليس بصحيح سلمنا صحته لكن لا نسلم أن النهي يقتضي التكرار بل هو على وزان الأمر سلمنا أن يقتضي التكرار لكن مقتضى الأمر اتحاد المأمور به وذلك يصدق مرة واحدة بخلاف النهي فإنه لما كان مقتضاه الكف عن المنهي عنه لم يتحقق ذلك إلا بالإمتناع المستمر.
وثالثها: أنه لو لم يدل على التكرار ودل على المرة لم يرد النسخ لأن وروده إما بعد فعلها وذلك محال إذ لا تكليف واما قبله وهو يدل على البداء أي ظهور المصلحة بعد خفائها وذلك محال على الله سبحانه وتعالى وورود النسخ جائز فدل على أنه للتكرار والجواب أن النسخ لا يجوز وروده عليه فإن ورد صار بذلك قرينة في أنه كان المراد به التكرار وحمل الأمر على التكرار لقرينة جائز.
قال: قيل: حسن الاستفسار دليل الاشتراك.
قلنا: فقد يستفسر عن إفراد المتواطئ.
(2/53)

احتج من قال باشتراك الأمر بين التكرار والمرة بأنه يحسن الاستفهام فيه فيقال أردت بأمرك فعل مرة واحدة أو اكثر وحسن الاستفهام دليل الاشتراك والجواب ان مدعانا للتواطؤ ويجوز الإستفسار عن إفراد المتواطىء كما إذا قلت اضرب إنسانا فإنه يحسن أن يقال عمرا أم زيدا وأعتق رقبة فإنه يجوز أن يقال مؤمنة أم كافرة وقد تم شرح ما في الكتاب وليس فيه تعرض لشيء من شبه القائلين بالمرة ومنها أن من قال لغيره ادخل الدار فدخل مرة عد ممتثلا ومنها لو قال لوكليه طلق زوجتي لم يملك اكثر من واحدة ومنها لو قيل صار زيد صدق بمرة فليكن مثله في الأمر.
والجواب عن الأول: أن ذلك إنما يدل على أن الأمر غير ظاهر في التكرار لا على امتناع احتماله ولهذا لو قيل ادخل مرارا اصح ولو عدم الاحتمال لم يصح هذا التفسير وهو الجواب عن طلق زوجتي وذلك لعدم ظهور الأمر فيما عدا الواحدة لا لعدم الاحتمال لغة الجواب عن الثالث: أنه قياس في اللغة فلا يقبل.
فائدة: استحباب إجابة المؤذن هل هو مختص بالمؤذن الأول حتى لو سمع ثانيا فلا يستحب إجابته يظهر تخريج المسالة على أن الأمر هل يقتضي التكرار.
وقد حكى النووي في شرح مسلم عن حكاية القاضي عياض اختلاف العلماء في هذه المسألة وحكى بعضهم عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه قال يجيب كل واحد لتعدد السبب.
(2/54)

الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرارهما من قال الامر المطلق يقتضي التكرار فهو هنا أولى ومن قال لا يقتضيه اختلفوا هنا ولا بد من تحرير محل النزاع قبل الكلام فيها فنقول:
قال الآمدي ومن تبعه ما علق المأمور به من الشرط أو الصفة إما أن يكون ثبت كونه علة لوجوب الفعل مثل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} وقولنا ان كان هذا المانع خمرا فهو حرام فان الحكم يتكرر اتفاقا وان لم يثبت كونه علة بل توقف الحكم عليه من غير تأثير له كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم فهو محل الخلاف انتهى وهو مقتضى كلام ابن برهان في الوجيز ووافق عليه صفي الدين الهندي مع تمسكه للصفة بالسارق والسارقة.
واعلم أنه مناف لكلام الإمام والمصنف ان مقتضى كلامهما أن الخلاف جار مطلقا الا تراهما وقد مثلا للصفة بقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} مع ثبوت كون السرقة علة القطع وكذلك قولهما في الدليل الآتي ان شاء الله تعالى.
الترتيب يفيد العلية فيتكرر بتكررها فعندهما أن المانع هنا مانع لإفادة ترتيب الحكم على الوصف للعلية وينتجه أن يقال في الجمع بين الطريقتين أن الآمدي ومن سلك طريقه فرضوا الكلام مع من يعترف بأن ترتيب الحكم على الوصف يفيد العلية والإمام تكلم في اصل المسالة مع المخالفين في الموضعين وأما ما في شرح هذا الكتاب للاسفرايني من تخصيص محل الخلاف بما إذا كان لكل من الشرط والصفة صلاحية العلية فغير سديد إذا عرفت هذا ففي المسألة مذاهب:
أحدها: أنه لا يقتضي التكرار وهو الصحيح عند الشيخ أبي اسحاق الشيرازي واختاره الآمدي وابن الحاجب.
والثاني: أنه يقتضيه ولم يزد الآمدي على حكاية هذين المذهبين لأن الثالث يخالف لما قرره من تخصيص محل النزاع بما ذكر.
والثالث: مذهب اقتضاه كلام القاضي في التلخيص مختصر التقريب والإرشاد وهو أن المعلق بشرط لا يقتضي التكرار دون المعلق بصفة.
(2/55)

الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يقتضي تكرار المأمور به بتكرارهما من قال الامر المطلق يقتضي التكرار فهو هنا أولى ومن قال لا يقتضيه اختلفوا هنا ولا بد من تحرير محل النزاع قبل الكلام فيها فنقول:
قال الآمدي ومن تبعه ما علق المأمور به من الشرط أو الصفة إما أن يكون ثبت كونه علة لوجوب الفعل مثل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} وقولنا ان كان هذا المانع خمرا فهو حرام فان الحكم يتكرر اتفاقا وان لم يثبت كونه علة بل توقف الحكم عليه من غير تأثير له كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم فهو محل الخلاف انتهى وهو مقتضى كلام ابن برهان في الوجيز ووافق عليه صفي الدين الهندي مع تمسكه للصفة بالسارق والسارقة.
واعلم أنه مناف لكلام الإمام والمصنف ان مقتضى كلامهما أن الخلاف جار مطلقا الا تراهما وقد مثلا للصفة بقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} مع ثبوت كون السرقة علة القطع وكذلك قولهما في الدليل الآتي ان شاء الله تعالى.
الترتيب يفيد العلية فيتكرر بتكررها فعندهما أن المانع هنا مانع لإفادة ترتيب الحكم على الوصف للعلية وينتجه أن يقال في الجمع بين الطريقتين أن الآمدي ومن سلك طريقه فرضوا الكلام مع من يعترف بأن ترتيب الحكم على الوصف يفيد العلية والإمام تكلم في اصل المسالة مع المخالفين في الموضعين وأما ما في شرح هذا الكتاب للاسفرايني من تخصيص محل الخلاف بما إذا كان لكل من الشرط والصفة صلاحية العلية فغير سديد إذا عرفت هذا ففي المسألة مذاهب:
أحدها: أنه لا يقتضي التكرار وهو الصحيح عند الشيخ أبي اسحاق الشيرازي واختاره الآمدي وابن الحاجب.
والثاني: أنه يقتضيه ولم يزد الآمدي على حكاية هذين المذهبين لأن الثالث يخالف لما قرره من تخصيص محل النزاع بما ذكر.
والثالث: مذهب اقتضاه كلام القاضي في التلخيص مختصر التقريب والإرشاد وهو أن المعلق بشرط لا يقتضي التكرار دون المعلق بصفة.
(2/55)

قال إمام الحرمين في هذا الكتاب: وهو الذي يضح وارتضاه القاضي.
فإن قلت: هذا مذهب لا يعرف في كتب المتأخرين فما ذلك من كتاب التلخيص على وجوده.
قلت: دل على ذلك أن القاضي لما ذكر أن المعلق بشرط لا يقتضى التكرار وحكى خلاف الخصوم فيه قال ومما ذكروه في هذه المسالة إن قالوا الحكم يتعلق بالعلة والشرط ثم إذا علق بالعلة تكرر بتكررها فكذلك إذا علق بالشرط وهذا الذي ذكروه اجتراء منهم بدعوى مجردة فإننا نقول لهم خلافنا يؤول إلى صيغة غريبة وقضية مفهومة وقد أوضحنا منع إثبات اللغة بالمقاييس ومعظم كلامهم يتردد على القياس فلم قلتم ان الصيغة المبنية على التعليل يضاهيها الصيغة المبنية على الشرط فاكتفت بذلك وسنفرق بين العلة والشرط في أبواب القياس انتهي كلامه وهو صريح فيما ذكرناه وإلا ما كان يلتزم المخالفة في العلة كما فعل الغزالي فانه فرض المسالة في الشرط واختار عدم التكرار ثم أورد من جهة الخصم ان الحكم يتكرر بتكرر العلة والشرط مثلها فان علل الشرع إمارات وأجاب بان العلة إذا كانت شرعية فلا نسلم تكرر الحكم بمجرد إضافة الحكم إليها ما لم تعترف به قرينة التعبد بالقياس.
وهذا المذهب الذي ارتضاه القاضي هو المختار لما سنذكره ان شاء الله تعالى.
المذهب الرابع: واختاره الإمام وبه جزم المصنف أنه لا يقتضيه من جهة اللفظ ويقتضيه من جهة القياس فهنا مقامان:
الأول: أنه لا يفيد لفظا واستدل عليه بوجهين:
أحدهما: أن ثبوت الحكم مع الصفة والشرط يحتمل التكرار ويحتمل عدمه فان اللفظ إنما دل على تعليق شيء على شيء وذلك اعم من تعليقه عليه في كل الصور أو في صورة واحدة والدليل عليه صحة تقسيم ذلك المفهوم إلى هذين القسمين وموود التقسيم مشترك بين القسمين والمشترك بين الشيئين لا إشعار له بواحد منهما فإذا تعلق الشيء على شيء لا يدل على تكرار التعليق
(2/56)

واعترض القرافي على هذا بان الخصم قد لا يسلم صحة التقسيم فدعواها مصادرة على المطلوب.
والثاني: أنه لو قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق لم يتكرر الدخول ولو دل عليه لفظا لتكرر كما لو قال لها كلما دخلت ثم إذا لم يدل عليه في الإنشاء فلا يدل عليه في الأمر لأنه إنشاء معلق مثله واقرب من هذا المثال أن يمثل بقول الرجل لوكيله وكلتك في طلاق زوجتي ولا تطلقها إلا إذا دخلت الدار.
المقام الثاني: أنه يفيده من جهة القياس والدليل عليه أن ترتيب الحكم على الشرط أو الصفة يفيد عليه ذلك الشرط وتلك الصفة لذلك الحكم كما ستعرفه إن شاء الله تعالى في كتاب القياس فيلزم أنه يتكرر الحكم بتكرر ذلك لتكرر المعلوم بتكرار علته هكذا قرره هذا المقام شراح الكتاب ولم أر من صرح في كتاب القياس بمساواة ترتيب الحكم على الشرط لترتيب الحكم على الوصف وإنما المذكور هناك ترتيب الحكم على الوصف فقط فإن كان ترتيب الحكم على الشرط مثله فهذا الدليل منقدح الا انا نمنع ذلك ولهذا كان المختار عندنا ما نقلناه عن القاضي من التفرقة بين المعلق بشرط فلا يدل على التكرار والمعلق بوصف فيدل بطريق القياس.
فإن قلت: علل الشرع علامات والشروط علامات فما وجه التفرقة.
قلت: لا نسلم أن الشروط علامات بالاعتبار الذي به العلل علامات فان المعنى من كون العلة علامة جعل الشارع إياها علامة وجود الحكم وان كان الحكم صادرا من الشارع ومعلوم ان الشرط ليس علامة بهذا الاعتبار فان وجوده لا يدل على وجود المشروط أصلا وانما الشرط علامة باعتبار الانتفاء فلا يلزم من كونهما علامتين باعتبارين مختلفين اتحاد الحكم سلمنا كونهما علامتين باعتبار واحد لكن بالاعتبار الذي في الشرط لا بالاعتبار الذي في العلة والعلة تتميز عنه حينئذ بالاعتبار الذي فيها فلا يلزم من اشتراكهما في وجهة واحدة من جهة العلامة اشتراكهما في اقتضاء الحكم وتكرره عند تكررهما لجواز أن يكون ذلك من لوازم ما به الامتياز قوله وإنما لم يتكرر
(2/57)

جواب عن سؤال مقدر تقديره لو صح ما ذكرتم للزم تكرير وقوع الطلاق المعلق على دخول الدار بتكرر الدخول وليس كذلك والملازمة بينة أجاب قولكم رتب الطلاق على الدخول قلنا مسلم يكون علة قلنا مسلم قولكم فيتكرر قلنا إنما يتكرر التعليل المعتبر وهو تعليل الشارع لا تعليل آحاد الناس فإنما لم يتكرر الوقوع لعدم اعتبار تعليله حتى لو صرح بالتعليل بأن قال طلقتك لأجل دخولك الدار وكانت له امرأة أخرى لا تطلق وان وجدت منها هذه الصفة.
(2/58)

المسألة الخامسة الأمر المغلق بشرط أو صفة هل يفيد التكرار
...
قال: الخامسة: المعلق بشرط أو صفة
مثل: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} لا يقتضي التكرار لفظا ويقتضيه قياسا.
أما الأول: فلأن ثبوت الحكم مع الصفة أو الشرط يحتمل التكرار وعدمه ولأنه لو قال إن دخلت الدار فأنت طالق لم يتكرر.
وأما الثاني: فلأن الترتيب يفيد العلية فيتكرر الحكم بتكرارها وإنما لم يتكرر الطلاق لعدم اعتبار تعليله.
(2/54)

المسألة السادسة: الأمر الطلق هل يفيد الفور؟
...
قال: السادسة الأمر لا يفيد الفور خلافا للحنفية ولا التراخي خلافا لقوم وقيل مشترك لنا ما تقدم.
الأمر المطلق هل يفيد الفور بمعنى ان تجب المبادرة عقيبه إلى الإتيان بالمأمور به أما القائل بأنه يفيد التكرار فلا يحتاج إلى قوله أنه يفيد الفور لأنه من ضرورياته وإنما الكلام الآن بين القائلين بأنه لا يفيد التكرار وقد اختلف المسلمون لذلك على مذاهب.
أحدها: أنه لا يفيد الفور ولا يدفعه وهو قول معظم الشافعية ينسب الى الشافعية نفسه قال إمام الحرمين وهو اللائق بتصريحاته في الفقه وإن لم يصرح به في مجموعاته في الأصول وعليه أبو علي وابنه وأبو الحسين واختاره الغزالي والامام واتباعه منهم المصنف والآمدي وابن الحاجب وهو المنقول عن القاضي قال امام الحرمين في البرهان وهذا بديع من قياس مذهبه مع استمساكه بالوقف وتجهيله من لا يراه وهذا الذي قال أنه بديع من مذهب القاضي قال في التلخيص أنه الأصح وقال قطع القاضي رحمه الله بإبطال المصير إلى الوقف في هذا الباب وهو الأصح إذ المصير إلى الوقف في هذا الباب يعود إلى خرق الاجماع أو يلزم ضربا من التناقض.
المذهب الثاني: أنه يفيد الفور وبه قالت الحنفية وقد عزى كما ذكر في البرهان إلى أبي حنيفة نفسه وقال ابن برهان في الوجيز لم ينقل عن الشافعي ولا أبي حنيفة في نقل المسالة وانما فروعها تدل على ما نقل عنهما قال وهذا خطأ في نقل المذاهب إذ الفروع تبنى على الأصول لا العكس.
(2/58)

قلت وفي هذا الكلام نظر فان المطلع على مذهب إمام إذا استقرأ من كلامه في فروع شيء المصير إلى ما ليس له مأخذ إلا القول بأصل من أصول جزم الاعتقاد بأن ذلك الأصل مختاره ونسبه إليه وهذا صنيع أصحابنا على طبقاتهم يقولون مذهب الشافعي كذا وإنما استنبطوا ذلك من قواعده من غير اطلاع على نصه.
ومنهم: من ينسب إليه القول المخرج مع كونه نص على خلافه وقد أختار هذا المذهب من أصحابنا القاضي أبو حامد المروزي وأبو بكر الصيرفي وهو مذهب داود ومعظم الحنابلة.
والمذهب الثالث: انه يفيد التراخي كذا أطلقه جماعة منهم المصنف وقال الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع وإمام الحرمين في التلخيص والبرهان ان هذا الاطلاق مدخول إذ مقتضاه ان الصيغة المطلقة تقتضي التراخي حتى لو فرض الامتثال على البدار لم يعتبر به وليس هذا معتقد أحد هذا كلامهما ورأيت ابن الصباغ في عدة العالم قال أن من الواقفية في هذه المسالة من قال لا يجوز فعله على الفور لكن قال إن القائل بهذا خالف الاجماع قبله وعلى الجملة هو مذهب ثابت منسوب إلى خرق الإجماع ونقل ابن السمعاني في القواطع القول بأنه على التراخي عن ابن أبي هريرة وأبي بكر القفال وابن خيران وأبي على الطبري صاحب الإفصاح وصححه ثم قال إن معنى قولنا أنه على التراخي أنه ليس على التعجيل قال والجملة أن قوله افعل ليس فيه عندنا دليل إلا على طلب الفعل فحسب من غير تعرض الوقت.
قلت: وعلى هذا التفسير فهذا المذهب هو المذهب الأول بعينه.
والمذهب الرابع: الوقف إما لعدم العلم بمدلوله أو لأنه مشترك بينهما وهو الذي عبر عنه المصنف بقوله وقيل مشترك وكان الأحسن أن يقول وقيل بالوقف ليشمل هذين الاحتمالين على أن صفي الدين الهندي نقل أن منهم من توقف فيه توقف الاشتراك ثم افترقت الواقفية فمن قائل إذا أتى بالمأمور به في أول الوقت كان ممتثلا قطعا وإن أخر عن الوقت الأول لا يقطع بخروجه عن
(2/59)

العهدة واختاره إمام الحرمين في البرهان ومن قائل إنه وإن بادر إلى فعله في أول الوقت لا يقطع بكونه ممتثلا وخروجه عن العهدة لجواز إرادة التراخي نقله الآمدي وابن الحاجب وغيرهما.
قوله لنا: أي الدليل على أن الأمر لا يقتضي الفور ما تقدم في الكلام على أنه لا يقتضي التكرار وأشار إلى دليلين.
أحدهما: صحة تقييده بالفور والتراخي من غير تكرير ولا نقض كصحة تقييده بالمرة والمرات من غيرهما.
والثاني: وروده مع الفور وعدمه فيجعل حقيقة في القدر المشترك وهر طلب الإتيان به دفعا للاشتراك والمجاز كما ورد بالتكرار والمرة وعدمهما وجعل حقيقة في القدر المشترك وقد تقدم الكلام في هذين الدليلين مبسوطا وتقدم دليل ثالث لا يأتي هنا.
قال: قيل: أنه تعالى ذم إبليس على الترك ولولم يقتض الفور لما استحق الذم.
قلنا: لعل هناك قرينة عينت الفورية قيل سارعوا يوجب الفورية.
قلنا: فمنه لا من الأمر قيل لو جاز التأخير فإما مع بدل فيسقط أولا معه فلا يكون واجبا وأيضا إما أن يكون للتأخير أمد وهو إذا ظن فواته وهو غير شامل لأن كثيرا من الشباب يموتون فجأة أولا فلا يكون واجبا.
قلنا: منقوض بما إذا صرح به قيل النهي يفيد الفور فكذا الأمر. قلنا: يفيد التكرار.
احتج القائلون بالفور بأوجه:
أحدها: قوله تعالى لإبليس: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} 1 عابه على كونه لم يأت في الحال بالمأمور به وهو يدل على أنه واجب الإتيان بالفعل حين أمر به إذ لو لم يجب لكان لإبليس أن يقول ما أوجبت على في الحال فكيف استحق الذم بتركه في الحال أجاب تبعا للإمام بأنه يحتمل ان يكون ذلك الأمر مقرونا بما يدل على أنه على الفور.
__________
1 سورة الأعراف آية 12.
(2/60)

قال الهندي وهو ضعيف لأن ظاهره يدل على ترتيب الذم بمجرد ترك المأمور به فتخصيصه بأمر آخر غير خلاف للظاهر.
قال: وهذا وإن كان لازما على كل من يجب بهذا الجواب إلا أن الملام فيه على الإمام اشد لأنه أجاب عن هذا الجواب لما اعترض به على استدلاله بهذا النص على ان الآمر للوجوب والمصنف تبعه في الموضعين قال الهندي ثم.
والأولى: أن يقال في جوابه أن هذا الامر كان مقرونا بما يدل على أنه للفور بدليل قوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} 1 فانه جعل الامر بالسجود جزاء لشرط التسوية والنفخ والجزاء يحصل عقيب الشرط وإنما أفاد الأمر هنا الفور بهذه القرينة وهذا الجواب إن صح فلك أن تقول هذه القرينة هي التي أوجبت للإمام أن يقول هنا لعل قرينة أوجبت وأما في مسالة الأمر هل يقتضي الوجوب فلا قرينة فكان ما ادعاه الإمام من القرينة موجودا دون ما ادعاه الخصم ثم والحاصل أن كلا منهما ادعى قرينة والاصل عدمها وتأيدت دعوى الإمام والمصنف بهذه الآية فصح ما قالاه وفي صحة الجواب نظر من جهة أنه قد يمنع أن الجزاء يحصل عقيب الشرط وليس هنا ما يتخيل دلالته عليه إلا الفاء في قوله: {فَقَعُوا} وهي لا تدل عليه إلا إن كانت للتعقيب وقد نص النجاة أو على أنها إذا وقعت جوابا للشرط لا تقتضي تعقيدا.
وقال بعضهم: إن في الآية قرينة أخرى وهي فعل الأمر في قوله: {فَقَعُوا} إذ هو العامل في إذا لأنها ظرف والعامل فيها جوابها فصار التقدير: {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} وقت تسويتي إياه وهذا صحيح على رأي الجمهور القائلين بأن العامل في إذا جوابهما ولكن قال بعض البصريين أن العامل فيها ما يليها حكاه شيخنا أبو حيان في البحر المحيط عند قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا} وهو متجه في هذه الآية لأن ما بعد الفاء لا يجوز أن يعمل فيما قبلها
__________
1 سورة ص آية 72.
(2/61)

فكيف يتجه في مثل: {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} أن يقال العامل في إذا جوابها بل هذا وأمثاله تصلح اعتراضا على الجمهور القائلين بهذه المقالة.
الوجه الثاني قوله: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} 1 فانه يوجب أن الأمر للفور لأنه بالمسارعة وهي التعجيل بالمأمور به والأمر للوجوب والمسارعة واجبة ولا معنى لان الأمر يقتضي الفور الا ذلك وحمل المغفرة على حقيقتها في الآية ممتنع لان المغفرة من فعل الله تعالى والعبد لا يسارع إلى فعله محمول على المجاز وهو المأمور به وفي معنى هذه الآية قوله: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} وأجاب بأن الفورية لم تستفد من الأمر بل من قوله سارعوا يعني من جوهر اللفظ لأن لفظ المسارعة دال عليه كيف ما تصرف بل لمباحث أن يقلب هذا الدليل ويستدل به على عدم الفور لأن المسارعة مباشرة الفعل في وقت مع جواز الإتيان به في غيره ولقائل أن يقول لا نسلم تفسير المصارعة بما ذكرتم بل المسارعة عبارة عن التعجيل بالفعل المطلوب كما تقول سارعت إلى إنقاذ الغريق وإن كانت المبادرة إلي ذلك واجبة وذلك أعم من أن يجوز مع ذلك فعله في وقت آخر أم لا ثم قولكم الفورية لم تستفد من الأمر بل من مادة سارعوا فيه تسليم لوجوب فعل المأمورات الشرعية على الفور بما دل على ذلك من قوله سارعوا فحاصل ما أجبتم به أنكم سلمتم ثبوت الفور في المأمورات ولكن قلتم ان ذلك ليس من مدلول الامر بل من دليل منفصل وهذا يحصل به معظم مقصود الخصم أن الفرض الأعظم إنما هو الأوامر الشرعية.
وقد يقال: دلالته على وجوب المسارعة إلى أسباب المغفرة بطريق الاقتضاء فلا يلزم منه وجوب المسارعة إلى جميع أسباب المغفرة بناء على المقتضى وهو ما اضمر ضرورة صدق المتكلم لا عموم له فيختص ذلك بما اتفق على وجوب تعجيله ولا يعم كل مأمور.
الثالث: لو لم يكن الأمر للفور لكان التأخير جائزا وجوازه إما مع بدل أو لا معه والضمان باطلان:
__________
1 سورة آل عمران آية 123.
(2/62)

أما الأول فلأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل من كل الوجوه فإذا أتى بهذا البدل وجب أن يسقط عنه هذا التكليف ليس كذلك بالاتفاق.
وأما الثاني فلأن ذلك يمنع من كونه واجبا لأنه لا يفهم من قولنا ليس بواجب إلا أنه يجوز تركه من غير بدل.
الرابع: أنه لم يكن الفور وجاز التأخير لكان إما إلى أمد أي غاية معينة بحيث إذا وصل المكلف إليها لا يجوز له التأخر عنها أو لا يكون له أمد أي بأن يجوز له التأخير أبدا والقسمان باطلان فالقول بجواز التأخير باطل.
أما الأول: فلأن ذلك الأمد لا بد له من أمارة يعرفه المكلف بها لئلا يلزم وقوع التكليف بما لا يطاق ولذلك لم يكن للخصم أن يقول يجوز أن يكون الأمد غاية مجهولة عند المكلف لأنه يصير مكلفا بأن لا يؤخر الفعل عن وقت معين مع عدم معرفته به وهو تكليف بما لا يطاق وإذا كان لا بد له من أمارة يعرفها المكلف فتلك الأمارة هي بالاتفاق ظن الفوات على تقرير الترك إما لكبر السن أو الفرض الشديد وذلك الأمر غير شامل للمكلفين لأن كثيرا من الناس يموتون فجأة ويقتلون بغتة من غير حصول إمارات للموت فيلزم أن لا يشملهم الأمر وليس كذلك.
وأما الثاني: فلأن التأخير أبدا يجوز الترك أبدا وتجويز أبدا ينافي الوجوب وأجاب عن هذين الوجهين بالنقض بما إذا صرح للمكلف بجواز التأخير مثل أن يقال له أوجبت عليك أن تفعل كذا في أي وقت شئت أو ولك التأخير فإن هذين الوجهين يطردان فيه مع جواز التأخير بالإتفاق.
قال الإمام: فكل ما جعلوه عذرا في هذه الصورة فهو عندنا عما ذكروه وسنذكر ما تحصل به المناقشة في هذا الجواب إن شاء الله تعالى وأجيب عنه أيضا بالتزام أن الأمد غير معين ولا يلزم التكليف بما لا يطاق لأنه إنما يلزم إذ لو لم يجز الإتيان به على الفور أما إذا جاز فعله على الفور فلا يلزم تمكن المكلف من الامتثال في الحال والتكليف بالمحال هو التكليف بالمتعذر امتثاله من كل وجه.
(2/63)

الخامس: أن النهي يفيد الفور فكذا الأمر بالقياس عليه بجامع الطلب فيهما وأجاب بأن النهي يفيد التكرار ويلزم من ذلك وقت الحال فأفاد النهي الفور بضرورة دخول وقت الحال في الأوقات لا لذاته وهذا الجواب قد تقدم مثله وقد ناقضه بعد هنا حيث يقول النهي كالأمر في التكرار والفور فكان الأولى ان يجيب أما بأن النهي لا يفيد الفور أو بأن هذا قياس في اللغة فلا تقبل وقد استدل القائلون بالفور أيضا بوجه سادس لم يذكره في الكتاب وهو طريقة الاحتياط فانا اجمعنا على أنه لو فعل عقيبه وقع الموقع ولا عبرة بالمذهب الضعيف المتقدم إن ثبت لمصادمته للإجماع.
واختلفا في أنه فعل بعد ذلك هل يخرج عن العهدة فطريقة الإحتياط تقضي وجوب الإتيان به على الفور ليحصل الخروج عن العهدة بيقين.
وأجاب الإمام: بأنه ينتقض بقوله افعل في أي وقت شئت واعترض صاحب التحصيل على هذا الجواب بأن طريقة الاحتياط غير منقوضة إذ لا خوف ثمة قال الشيخ شمس الدين بن الجزري في شرح أسئلة التحصيل1 إنما قال ذلك لوجهين:
أحدهما: أن الكلام فيما إذا كان الأمر مطلقا واحتمل أن يكون المراد الفور.
ثانيهما: أن الفعل على تقدير قوله: افعل في أي وقت شئت لا خرق في قول على الفور ولا على التراخي حتى تنتقض طريقة الاحتياط قال واعلم أن الوجه الأول من وجهي الاعتراض على جواب الإمام في طريقة الاحتياط لم يذكره صاحب التحصيل فعلى هذا ينقدح مناقشة ترد كلامه فيقول إما أن
__________
1 الإمام الجزري تقدمت ترجمته في الجزء الأول ومن كتبه أجوبة على أسئلة التحصيل في أصول الفقه – مفقود- والتحصيل كتاب ملخص لكتاب المحصول للإمام فخر الدين الرازي – ألفه سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي المتوفى سنة 682هـ. ووضع فيه أسئلة واعتراضات على الإمام الرازي وجاء شمس الدين الجزري المتوفى 711هـ فشرح هذه الأسئلة وأجاب عنها.
البدر السافرص176.الدرر الكامنة 5/67 ,بغية الوعاء 1/278, معجم المؤلفين 12/138.
(2/64)

يريد أن طريقة الإحتياط غير منقوضة على تقدير اعتبار قوله في أي وقت شئت أو لا فإن أراد الأول لم يبق احتياط ضرورة استواء الفعل على الفور والتأخير فلا يقال طريقة الاحتياط باقية وإن أراد الثاني فليس الجواب أن طريقة الاحتياط غير منقوضة إذ لا خوف ثمنه ضرورة قيام الخوف على تقدير عدم اعتبار ذلك الفور بل الجواب أن ذلك بقوله افعل في أي وقت شئت والكلام في الأمر بمجرده قال والإشارة بقوله ثمة إلى الصورة التي أوردها الإمام وهي الصورة الأخيرة خارج عن وضع اللغة فالأولى به أن يقول: ألا خوف هنا.
واعلم أن المنتصر لكلام الإمام أن يقول: مراد الإمام بقوله افعل في أي وقت شئت ان هذا القول لا يعد منافيا لقوله افعل بل يكون موافقا لمقتضاه فلا يتصور طريقة الإحتياط إلا إذا كان الفور راجحا أو مساويا أما إذا كان الراجح التوسعة فلا تأتي طريقة الاحتياط وإلا فالإمام ما يجهل أن قوله افعل في أي وقت شئت غير قوله افعل من غير ضميمة هذا كله كلام ابن الجزري وفيه نظر يحتاج إلى تطويل وقال الترمذي التمسك على الفور بطريقة الاحتياط ضعيف لأن الاحتياط ليس من أمارات الوضع ولا مقتضيات الوجوب بل هو من باب الأصلح ثم قوله افعل الآن يعد تأكيدا وفي أي وقت شئت يعد تخفيفا ومسامحة قال القرافي ويرد عليه أن ههنا قاعدة خفية عادة الفضلاء يوردون بسبب إهمالها سؤالا فيقولون في كلما يقول المستدل فيه هذا ارجح فيجب المصير إليه ان الرجحان يقتضي أنه أحسن أما أنه المتعين فلا الندب هو اللازم في هذه المواطن التي فيها الرجحان بالاحتياط ونحو ذلك أن فعل الأحسن مستحب ولا يصل إلى الوجوب قال وأهملت قاعدة وهي إن الرجحان إن كان في أفعال المكلفين فكما قالوه وإن كان في مدارك المجتهدين وأدلة المناظرين اقتضى ذلك الوجوب والتحتم والروم بل العقد الاجماع على أن المجتهد عليه اتباع الراجح من غير رخصة في تركه بخلاف الراجح في حق المكلف إنما هو مندوب وكذلك الراجح في الاجتهاد في طلب القبلة وطهورة الماء من باب الوجوب إجماعا ومنه قيد المتعلقات وأروش الجنايات قال فتأمل هذه القاعدة فهي ظاهرة وهي خفية وبها يظهر بطلان
(2/65)

قوله: إن الإحتياط ليس من مقتضيات الوجوب لأن هذا رجحان في ذلك لا في فعل المكلف وأما قوله افعل الآن تأكيد وفي أي وقت مسامحة فهو مصادرة على مذهب الخصم بغير دليل هذا كلام القرافي والقاعدة التي ذكرها من وجوب اتباع الراجح على المجتهد صحيحة لكن الكلام في أن الأخذ بالاحتياط هل هو راجح ولو صح ما قاله لكنا نلزم المجتهدين بالأخذ بجميع المآخذ وإن لم يثبت عندهم صحتها ونقول للشافعي يجب عليك العمل بالاستحسان احتياطا فالمجتهد الناظر في أن الأمر هل يقتضي الفور ما لم يقم عنده دليل على ذلك ليس له أن يقول بذلك للاحتياط نعم المكلف الذي توجه الأمر نحوه يستحب له المبادرة احتياطا أو يجب عليه بحسب ما يؤدي إليه قواعد الاحتياط وهذا قد قاله هو حيث قال إن كان في أفعال المكلفين فكما ذكروه وما نحن فيه من أفعال المكلفين وأحسن من دليل الاحتياط في الدلالة على أن الأمر يقتضي الفور أن تقول من توجه الأمر المطلق نحوه فقد تحققنا وجوب الفعل عليه وشككنا هل يخرج من العهدة بالتراضي مع القطع بأنه يخرج عنها بالمبادرة لأنه مأمور بأمر فلا يخرج عن عهدته الا بيقين وهذا إنما تم إذا قطعنا بأن المبادرة خارج عن العهدة وفيه ما سلف ثم أنه أيضا يرد في التكرار فيقال للمستدل به يلزمك بهذه الطريقة أن تقول أن الأمر للتكرار إلا أن تبين دليلا قائما على نفي التكرار بخصوصه.
فائدة: القبول في الوكالة بمعنى الرضا وعدم الرد معتبر بلا خلاف ولا يجب فيه التعجيل بحال قال الرافعي ولو خرج على أن الأمر هل يقتضي الفور لما بعد وأن شرطنا القبول باللفظ ففي اشتراط الفور خلاف مشهور يتجه تخريجه على هذه القاعدة فيما إذا كانت للصيغة صيغة أمر مثل بع واشتر وما أشبه ذلك.
(2/66)

الفصل الثالث في النواهي
المسألة الأولى: النهي يقتضي التحريم
...
قال: الفصل الثالث: في النواهي وفيه مسائل الأولى النهي يقتضي التحريم لقوله تعالى: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} .
لم يذكر المصنف حد النهي لكونه معلوما من حد الأمر فكل ما قيل في حد الأمر من تعريف ومختار فقد قيل مقابلة في النهي وصيغة النهي عند القائلين:
(2/66)

بالصيغة ترد لسبعة محامل: التحريم مثل: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} والتنزيه مثل قوله عليه السلام: "ولا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول" والدعاء: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا} والإرشاد: {لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} وبيان العاقبة: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ} والتحقير: {لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} واليأس: {لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ} .
والكلام أن صيغة النهي هل هي حقيقة التحريم أو الكراهة أن مشتركة بينهما أو موقوفة على ما سبق في الأمر فالخلاف في اكثر المسائل على وزان الخلاف في مقابلتها من مسائل النهي والمآخذ كالمآخذ وقد سبق أن الأمر المجرد عن القرينة يقتضي الوجوب فالمختار ان النهي المجرد عن القرينة يقتضي التحريم.
واعلم أنه إذا ثبت أن الامر للوجوب والنهي نقيضه فلا يثبت ان النهي للتحريم بل أنه ليس للوجوب لأن نقيض الوجوب لا وجوب ولما كان في الرأي المختار زيادة وهو ان النهي للتحريم استدل عليه بقوله تعالى: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ووجه الاحتجاج انه أمر بالانتهاء عن المنهى والأمر للوجوب فكان الانتهاء عن المنهى واجبا وذلك هو المراد من قولنا النهي للتحريم ولقائل أن يقول هذا أولا لا يتم إلا بعد تسليم أن الأمر للوجوب وثانيا أن التحريم حينئذ لا يكون مستفادا من صيغة النهي بل بما دل من خارج وهو قوله: {فَانْتَهُوا} بل قد يقال لو كان النهي للتحريم لما احتيج إلى الأمر باجتناب المنهي عنه فكان الأمر بذلك دليلا على أن التحريم غير مكتسب منه وبهذا يظهر لك أن التحريم مستفاد من الشرع لا من اللغة ولم ترد الصيغة المطلقة من حيث اللغة على تضمن جزم الاقتضاء في الإنكفاف عن المنهي عنه كما قدمناه في الأمر إذا قلنا الصيغة المطلقة تتضمن جزم الاقتضاء في المأمور به وهذا هو مذهب إمام الحرمين الذي اخترناه كما علمت ثم قال:
وهو كالأمر في التكرار والفور.
حكم النهي حكم الأمر في عدم دلالته على التكرار وعلى الفور وقد اختار
(2/67)

الإمام أن النهي لا يقتضي التكرار مع قوله في مسألة الفور أن النهي يقتضه وإبهامه عدم الخلاف فيه ولذلك وقع للمصنف كما نبهنا عليه واستدل الإمام على أن النهي لا يقتضي التكرار بأنه يرد للمرة كقول الطبيب للمريض الذي يشرب الدواء لا تشرب الماء ولا تأكل اللحم أي في هذه الساعة ويرد للتكرار مثل: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى} فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك وأما الآمدي فإنه قال اتفق العقلاء على أن النهي يقتضي الانتهاء عن المنهى عنه وإنما خلافا لبعض الشاذين وزعم ابن برهان كما نقله عنه الاصفهاني انعقاد الاجماع عليه وهذا ما جزم به الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع وهو المختار عند ابن الحاجب ونحن نوافق القائلين بأنه التكرار في المعنى دون العبارة فتقول إذا قلت مثلا لا تضرب فلا ريب أنك منعت المكلف من إدخال ماهية الضرب في الوجود ولا يحصل ذلك إلا بالإمتناع عن إدخال كل الأفراد ولا يتحقق الإمتثال إلا بالإمتناع فكان التكرار من لوازم الإمتثال لا من مدلول اللفظ وينبغي أن يرد كلام القائل أنه يقتضي التكرار إلى ما قررناه وما استدل به الإمام مردود لأن قول الطبيب للمريض لا تأكل اللحم ولا تشرب الماء إنما جاء فيه التكرار لقرينة المرض والكلام في النهي المجرد وكان يمكننا أن نحمل كلام الإمام على ما قررناه لولا الإستدلال بهذا ثم إن المصنف اختار ان النهي لا يقتضي الفور جريا على قاعدته ونحن لا نختار ذلك إذ من ضرورات ما قررناه وجوب الترك على الفور.
(2/68)

المسألة الثانية: النهي يدل على الفساد
...
قال: الثانية النهي شرعا يدل على الفساد في العبارات
لأن المنهي بعينه لا يكون مأمورا به وفي المعاملات إذا رجح إلى نفس العقد أو أمر داخل فيه أو لازم له كبيع الحصاة والملاقيح والربا لأن الأولين تمسكوا على فساد الربا بمجرد النهي من غير نكير وإن رجع إلى أمر مقارن كالبيع وقت النداء فلا.
هذه المسألة في النهي عن الشيء هل يدل على فساده وقد اختلفوا فيه على مذاهب.
أحدها: أنه يدل عليه مطلقا قال الأصفهاني ونقله أبو بكر بن فورك الأصبهاني عن أكثر أصحاب الشافعي وأبي حنيفة.
(2/68)

قلت: ونقله القاضي في التخليص لإمام الحرمين عن الجمهور من أصحاب الشافعي ومالك وأبى حنيفة وأهل الظاهر وطائفة من المتكلمين وقال ابن السمعاني أنه الظاهر من مذهب الشافعي وأن عليه اكثر الأصحاب.
والثاني: أنه لا يدل عليه ونقله في مختصر التقريب عن جمهور المتكلمين والامام عن اكثر الفقهاء قال الشيخ أبو اسحاق وللشافعي كلام يدل عليه.
والثالث: أنه يدل على الفساد في العبادات دون المعاملات وهو مذهب أبي الحسين واختاره الإمام وبعض اتباعه.
والرابع: أن النهي إن كان يختص بالمنهي عنه كالصلاة في السترة النجسة دل على فساده وإن كان لا يختص بالمنهي عنه كالصلاة في الدار المغصوبة والثوب الحرير والبيع وقت النداء فلا يدل على الفساد حكاه الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع عن بعض أصحابنا.
والخامس: وهو اختيار المصنف واليه يرجع س م جمع من المحققين أنه يدل على فساده في العبادات سواء نهى عنها لعينها أم لأمر قارئها لأن الشيء الواحد يمتنع أن يكون مأمورا به منهيا عنه كالصلاة المنهي عنها مثلا فإنها لو صحت لوقعت مأمورا بها أمر ندب لعموم الدلائل الطالبة للعبادات والآمر بها يقتضي طلب فعلها والنهي عنها يقتضي طلب تركها والجمع بينهما غير ممكن وأما المعاملات فالنهي أما أن يرجع إلى نفس العقد أو إلى أمر داخل فيه أو خارج عنه لازم له أو إلى أمر مقارن غير لازم له هذه أقسام.
أولها: بأن يرجع إلى العقد فيبطل أيضا وذلك كبيع الحصاة وهو أن قول: بعتك من هذه الأثواب مما وقعت عليه الحصاة التي أرميها أو بعتك هذه الأرض من هنا ما انتهت إليه هذه الحصاة وقيل بيع الحصاة أن يقول بيعك على أنك بالخيار إلى أن ارمي الحصاة وقيل أن يجعلا نفس الرمي بيعا فتقول إذا رميت هذه الحصاة فهذا التوكل مبيع بنك بكذا وعلى الصور كلها البيع باطل.
وثانيها: أن يرجع إلى أمر داخل فيه فيبطل أيضا وذلك كبيع الملاقيح وهي ما في بطون الأمهات من الأجنة فإن النهي راجع إلى نفس المبيع الذي
(2/69)

هو ركن من أركان العقد والركن داخل في الماهية فيكون راجعا إلى أمر داخل في الماهية.
وثالثها: أن يرجع إلى أمر خارج عنه لازم له فيفسد أيضا وذلك كالربا فإن النهي فيه راجع إلى أمر خارج عن العقد أما في ربا النسيئة والتفوق قبل التقابض فكون النهي فيه لمعنى خارج ظاهر وأما في ربا الفضل فلأن النهي عن بيع درهم بدرهمين إنما هو للزيادة وهو معنى خارج عن نفس العقد لأن المعقود عليه من حيث هو قال للبيع وكونه زائدا أم ناقصا من جملة أوصافه واحتج المصنف على أنه يدل على الفساد بأن الأولين تمسكوا على فساد الربا بمجرد النهي من غير تكبر عليهم من أحد فكان ذلك إجماعا ولك أن تقول هذا سكوتي وليس عند المصنف بإجماع ولا حجة فكيف يستقيم منه الإحتجاج به.
ورابعها: أن يرجع إلى أمر مقارن للعقد غير لازم له في جميع الصور وذلك كالنهي عن البيع وقت نداء الجمعة فإنه راجع إلى أمر خارج عن العقد وهو تفويت صلاة الجمعة لا لخصوص البيع بدليل أن جميع الأعمال المفوتة للصلاة كذلك والتفويت أمر مقارن غير لازم فهذا القسم لا يدل على الفساد فقد عرفت أن جميع الاقسام سوى هذا عند المصنف تدل على الفساد اختلفوا فمن قائل يدل شرعا لا لغة وهو اختيار المصنف حيث قال يدل شرعا فافهم ذلك لكن دليله هذا الذي قررناه إنما يدل على الفساد من حيث هو وأما كونه من جهة الشرع فلا يدل وقال قوم يدل لغة وقال ابن السمعاني وأما القائلون بأنه لا يدل على الفساد فافترقوا فمن قائل يدل على الصحة ونقله أبو زيد عن أبي حنيفة ومحمد ومن قائل لا يدل وقوله في الكتاب بعينه هو بالباء الموحدة من تحت أي بنفسه وهو متعلق بيكون والله اعلم.
(2/70)

المسألة الثالثة: مقتضى النهي فعل الضد
...
قال: الثالثة: مقتضى النهي فعل الضد
لأن العدم غير مقدور وقال: أبو هاشم: من دعي إلى زنا فلم يفعل مدح قلنا: المدح على الكف.
هذه المسألة في بيان مقتضى النهي فالمطلوب عندنا بالنهي فعل ضد المنهى عنه فإذا قال لا يتحرك فمعناه ما يضاد الحركة وعند أبي هاشم هو نفس أن
(2/70)

لا تفعل وهو عدم الحركة في هذا المثال وقد وافقه بعض المتكلمين وتقله التبريزي عن الغزالي وأما قول إمام الحرمين في الرد على الكعبي في مسألة المباح الفرض من النهي عن الزنا أن لا يكون ضد من أضداده فلا ينبغي أن يفهم منه موافقة أبي هاشم بل هو حق لا شك فيه والفرق بينه وبين رأي أبي هاشم أن قولها الفرض يعني به المقصود من التكليف ولم يقل انه المكلف به كما قال أبو هاشم والمكلف به هو المحصل لذلك الغرض فالغرض هو غاية الشيء الذي طلب لأجلها واحتج المصنف على ما ذهب إليه بأن النهي تكليف والتكليف إنما يرد بما كان مقدورا للمكلف والعدم الأصلي يمتنع أن يكون مقدورا للمكلف وذلك لأن المقدور ما للقدرة فيه تأثير ما والعدم الصرف يستحيل أن يكون أثرا للقدرة وبتقدير ان يكون العدم أثرا يمكن إسناده إلى القدرة لكن العدم الأصلي لا يمكن إسناده إلى القدرة لان الحاصل لا يمكن تحصيله ثانيا وإذا تقرر هذا فمتعلق النهي أمر وجودي ينافي المنهي عنه وهو المطلوب وهذا الدليل متوقف على قاعدة وهي ان اللغات لم يوضع الطلب فيها الا للمقدور دون المعجوز عنه ونحن وان قلنا بجواز تكليف ما لا يطاق فإنما نقول به في أحكام الربوبية لا في الموضوعات اللغوية لتحصيل المقاصد العادية والمحال لا يحصل عادة واعترض على هذا الدليل بأنكم ان عنيتم بالقدرة ماله اثر يستند ذلك إليه فلا نسلم ان التكليف يعتمد هذه القدرة بل ذلك من الفعل واما في الترك فلا وان عنيتم بالقدرة ما يجده من نفسه كل أحد وهو ان سليم الأعضاء القوي يدرك من نفسه انه متى أراد الفعل فعل ومتى أراد الترك ترك ويجد من نفسه التمكن فنحن نسلم ذلك ونمنع انه غير قادر بهذا الاعتبار واعترض أيضا بأن ترك الزنا مثلا ليس بعد محض وانما هو عدم مضاف فيكون مقدورا واحتج أبو هاشم بأن من دعي إلى الزنا فلم يفعله فان العقلاء يمدحونه على أنه لم يزن من غير ان يخطر ببالهم فعل ضد الزنا فعلمنا أن هذا العدم يصلح أن يكون متعلق التكليف وأجاب المصنف بأن المدح ليس على شيء لا يكون في وسعه والعدم الأصلي يمتنع أن يكون في وسعه وطاقته كما عرفت وإنما يمدح على كفه عن ذلك الفعل وذلك الكف أمر
(2/71)

وجودي وهو فعل ضد الزنا وإلى هذا أشار بقوله قلنا على الكف أي المدح على فعل الكف هذا شرح ما ذكره ونختم المسألة بفائدتين.
أحدهما: فقد عرفت ان الكف فعل على المختار وفي فروع الطلاق عن الرافعي عن القفال لو قال ان فعلت ما ليس لله فيه رضى فأنت طالق فتركت صلاة أو صوما لا تطلق لأنه ينبغي أنه ترك وليس بفعل فلو سرقت أو زنت طلقت الثانية وهي المقصود الأهم قد يقال ما الفرق بين هذه المسألة التي انتهينا منها وبين المسألة المتقدمة في أن النهي عن الشيء هل هو أمر بقصده وتقرير السؤال أنك قد علمت أن الجمهور قالوا المطلوب بالنهي فعل عند المنهى عنه أي الكف عنه وقال أبو هاشم إغفاء الفعل واختلفوا أيضا في النهي عن الشيء هل هو أمر بضده كما سلف في مكانه فإذا قيل معنى قولنا النهي عن الشيء أمر بضده هو ان مطلوب النهي فعل الضد وهو أحد القولين في المسالة الأولى ومعنى انه ليس أمرا بضده هو ان المطلوب انتقاء المنهي عنه وهو القول الثاني فالمسألتان حينئذ واحدة وإلا فما الفرق قلنا قد كنا وعدنا في الكلام على تلك المسألة بالجواب عن هذا السؤال ضيق المحل هناك عما لورده هنا وقد أجيب بأوجه.
أحدها: أن الكلام في تلك المسألة بحث لفظي وفي هذه معنوي ذكره الأصفهاني في شارح المحصول.
والثاني: أن قولنا: النهي عن الشيء أمر بضده بحث في المتعلقات بكسر اللام فإن النهي فنعلق بالمنهي عنه والأمر متعلق بأمور وقولنا المطلوب بالنهي فعل ضد المنهي عنه بحث في المتعلقات بفتح اللام.
والثالث: أن البحث في تلك المسألة في دلالة الالتزام على المنهى عنه فتقول متى نهى عن الشيء مطابقة دلت على طلب ضده التزاما والبحث في هذه في دلالة المطابقة ما مدلولها المطابق هل العدم أو هذه ذكرهما القرافي.
وأعلم أنه قد وقع النظر في هذا السؤال وهذه الأجوبة عندي غير مرة
(2/72)

وطال الحجاج والذي قلته انا في مفرق أنه إذا انهي عن شيء كالزنا مثلا فهناك ثلاثة أمور.
أحدها: انتفاء الزنا.
والثاني: الكف.
والثالث: فعل عند من أضداده لا يتم الكف أو الانتفاء الا به كالوطىء المباح أو غيره مما لا يجامع الزنا في آن واحد إذا تقرر ذلك فنقول كون المطلوب في النهي أو الانتفاء هو مسالة أبي هاشم والخلاف فيها قد ينبني على أن شرط المطلوب الإمكان أم لا وعلى ان الانتفاء مقدور أم لا وهما مسألتان مختلف فيهما فان قلنا ليس من شرط المطلوب الإمكان جاز أن يكون متعلق النهي الانتفاء كرأي أبى هاشم وان قلنا شرط التكليف الإمكان وان الانتفاء مقدور فكذلك ايضا وإلا يقين ان يكون المطلوب في النهي هو الكف.
واما كون النهي يقتضي الامر بضده أو فمعناه ان طلب الكف عن المنهي عنه أو طلب انتفائه على اختلاف القولين:
هل يستلزم الأمر بضده الذي لا يتم الكف أو الانتفاء الا به كما لوطيء المباح مثلا أم لا وهذه هي المسالة الأخرى والخلاف فيها مبني على ان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب لا على ما أثبتت عليه المسألة الأولى فالمسالتان مختلفتان ليست إحداهما عين الأخرى ولا مستلزمه لها ليس القولان القولين فإن القائلين بأن مطلوب أمر بالضد الذي هو لا يتم الكف الا به أمر وكذلك القائلون بان مطلوب النهي الذي انتفاء الفعل ويمكن ان يخلفوا في ان طلب الانتفاء هل هو أمر بالضد الذي لا يتم انتفاء الفعل الا به هذا فرعنا على ان النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده.
أما إذا فرعنا على ان النهي نفس الأمر بالضد وأريد بالضد الكف أو الانتفاء فهي غيرها ايضا لان خلاف مسالة أبى هاشم هو في ان مطلوب النهي هل هو الكف أو الانتفاء وخلاف هذه في ان هذا النهي الذي هو طلب الانتفاء أو الكف أمر أم لا نعم الخلاف في هذه على هذا التفريع مرتب على الخلاف في مسالة أبى هاشم حتى إذا قلنا بمذهب أبى هاشم لم يكن النهي أمرا
(2/73)

بلا خلاف لان الامر طلب فعل لا طلب انتفاء اتفاقا وإذا قلنا بمذهب غير أبى هاشم أمكن الخلاف في ان النهي الذي هو طلب الكف أمر بذلك الكف أم لا لأن الكف فعل لكن يلزم القائلين بأن النهي أمر بالكف ان يكون النهي نوعا من الامر وان فرعنا على ان النهي عن الشيء نفس الامر بضده لكن أريد بالضد ما لا يتم الكف أو الانتفاء الا به كالوطء المباح مثلا صارت المسألتان واحدة الا ان المبحوث عنه في مسألة أبى هاشم هو ان مطلوب النهي الكف أو الانتفاء والمبحوث عنه في ان مطلوب النهي فعل الضد الذي لا يتم الكف أو الانتفاء الا به أم لا ويتلخص من البحثين ان في المسألة حينئذ ثلاثة مذاهب:
أحدها: مذهب أبى هاشم:
الثاني: أن مطلوب النهي هو الكف:
الثالث: ان المقصود في النهي فعل ضد ليس بكف ولا انتفاء والله اعلم.
ويتضح به ما قررناه من الفرق بأن الكف فعل اعم من جميع الأضداد لأنه لا ضد الا وهو مشتمل على الكف فإذا قلنا في هذه المسألة المطلوب بالنهي الكف أوردنا الضد الأعم.
وقولنا: في المسألة الأخرى النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده المراد به الضد الخاص الذي لا يتم الكف أو الانتفاء إلا به ويكون من نهى عن شيء حينئذ عند القائل بان النهي عن الشيء أمر بضده مأمورا بشيئين اعم وأخص الكف وفعل يحصل في ضمنه الكف فالمنهي عن الزنا مأمور بالكف عنه وبفعل يشتمل على ذلك الكف ويلزم على ذلك الكف ويلزم على هذا ان يثاب على شيئين الأعم والأخص لتعلق الأمر بهما وان يصح نذره فلو قال لله على ان افعل فلا يضاد الزنا وهو الفعل الفعلاني وعين فعلا لم يطلبه الشرع بخصوصه كالنوم مثلا لزمه الوفاء لكونه مأمورا به في ضمن النهي عن الزنا هذا ما كنت اقرره في الفرق ثم حضر عندي في الحلقة بعض الفضلاء وحصل البحث في هذا الجواب وفي الأجوبة المتقدمة اعني جواب شارح وجواب
(2/74)

القرافي وأنها على هي صحيحة فكتبت أسأل والدي رحمه الله عن السؤال من اصله وذكرت الأجوبة وانه هل يحصل الجواب بشيء منها وهل يمكن ان يقال في الجواب هذا الوجه الرابع الذي قررته وانه هل يمكن الاعتراض على هذا الجواب الرابع بأن الكف على الزنا مثلا وإذا كان فعلا يغاير الزنا كان ضدا له ويكون حينئذ أخص من مطلق ضده فلا يحسن.
أولا: هناك ثلاثة أمور الانتفاء والكف وفعل الضد لان الكف حينئذ فعل ضد والمغايرة بينهما مغايرة العام والخاص أو يقال الكف اعم لان كل فعل غاير الزنا فقد اشتمل على الكف عن الزنا أو يقال هما متباينان وإذا لم يثبت انهما متباينان وكانت مغايرتهما مغايرة العام والخاص انقدح الاعتراض على هذا الجواب.
ثانيا: بأنهم في تلك المسألة قالوا النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده والكف الذي جعل مطلوب النهي في هذه المسألة يصدق عليه انه أحد الأضداد فحصل الأمر انهم قالوا هناك المطلوب واحد بهم من أمور متعددة وهي الاضطهاد وهنا شخصوه في الكف المسؤول الجواب عن هذا كله والمسؤول ايضا النظر في وجه الصواب في مسألة أبى هاشم هل هو معه أو مع الجماهير فكتب احسن إليه ما نصه الخلاف بين الجمهور وأبى هاشم فالجمهور على المطلوب بالنهي فعل عند المنهي عنه وعند أبى هاشم نفس ان لا يفعل وما يضمنه آخر السؤال هل الصواب معه أو مع الجماهير فالجواب ان قول الجمهور المطلوب بالنهي فعل ضد النهى عنه ليس بجيد من حيث اللفظ وقد يكونه الخلل في ذلك من جهة من عبر عنهم فإن النهي قسيم الأمر طلب الفعل فلو كان النهي طلب فعل الضد لكان أمرا وكان النهي من الأمر وقسم الشيء لا يكون قسيما منه ولا شك ان كل متلبس بفعل هو تارك لضده وكل من الفعلين الفعل والترك يصح ان يؤمر به وان ينهي عنده مثاله السفر والإقامة ضدان والتارك للسفر متلبسين بالإقامة قبل الترك للسفر نفس الإقامة أو معنى آخر فيه بحيث يشبه البحث في الحركة هل هي الحصول في حيز مسبوق بالحصول في غيره أو هي نفس لانتقال من حين إلى حين وفيه قولان للمتكلمين
(2/75)

وإن كان كل منهما يلزم الآخر فمتى انتقل من حيز فقد حصل في غيره ومتى حصل في غيره بعد حصوله فيه فقد انتقل بكل من المحصولين أمر ثبوتي يمكن ان يعقل وحده والانتقال أمر نسبي لا يعقل بينهما فكذلك المنهي عنه ارتكابه شيء لا يحتاج في تصوره إلى غيره وفعل ضده شيء لا يحتاج في تصوره إلى غيره والانتهاء شيء.
ثالثا: وهو عندي هو المطلوب بالنهي لا كما قاله الجمهور ولا كما قاله أبو هاشم وعندي ان الجمهور إنما أرادوا ما قلته ولكن العبارة عنهم لم نحرر فإذا قلت لا تسافر فقد نهيته عن السفر وانهي يقتضي الانتهاء لأنه مطاوعة نقول نهيته فانتهى والانتهاء هو الانصراف عن المنهى عنه وهو الترك وهو الإنزجار المطاوع لزجر والإنكفاف وما أشبه ذلك ولغة العرب تشهد لهذا والمعقول ايضا يشهد له ويفرق في العقل وفي اللغة بين قولنا لا تسافر وبين قولنا أقم وإن أقم أمر بالإقامة من حيث هي فقد لا يستحضر معها السفر وان لا تسافر نهي وزجر عن السفر فمن أقام قاصدا ترك السفر يقال فيه انتهى عن السفر ومن لم يخطر له السفر بالكلية الا يقال له انتهى عن السفر لا ويقال له مقيم والانتهاء أمر معقول وهو فعل ويصح التكليف به وكذلك في جميع المناهي الشرعية كالزنا والسرقة الشرب ونحوها المقصود في جميعها الانتهاء عن تلك الزوائل ولا يفهم في وضع اللسان وتصور العقل غير ذلك ومن لازم ذلك الانتهاء التلبس بفعل ضد أضداد المنهي عنه فالعبارة المحررة ان يقال ان المطلوب بالنهي الانتهاء ويلزم من الانتهاء فعل ضد المنهي عنه ولا يعكس فيقال المطلوب ضد المنهي عنه ويلزم به الانتهاء متقدم في الرتبة في العقل على فعل الضد فكان معه كالسبب مع المسبب فالكافر إذا اسلم فقد وجد منه ثلاثة أشياء كفره أولا المنهى عنه ثم انتهاؤه عنه والترتيب بينهما في الزمان تم تلبسه بالإيمان الترتيب بينه وبين الانتهاء عن الكفر ليس في الزمان وانما هو في الرتبة ترتب المعلولية على العلية وهما في زمان واحد كذلك الانتهاء وفعل الضد في زمان واحد والانتهاء متقدم بالرتبة نقسم العلية عن المعلولية على العلية وهما في زمان واحد كذلك الانتهاء وفعل الضد في زمان واحد والانتهاء متقدم
(2/76)

بالرتبة تقدم العلية عن المعلولية حتى لو فرض ان الانتهاء يحصل دون فعل الضد حصل المطلوب به ولم يكن حاجة إلى فعل الضد لكن ذلك فرض غير ممكن وهذا المعنى حاصل في الأفعال وكل ما يتلبس به الإنسان والمقصود بالذات هو الانتهاء واما فعل الضد فلا يقصد الا بالالتزام بل قد لا يقصد أصلا ولا يستحضره المتكلم ومتى قصد فعل الضد وطلبه من حيث هو كان أمرا لا نهيا عن ضده ومتى أتى بصيغة أمر في مبنى الانتهاء كقوله اترك فهذا لفظه لفظ أمر ومعناه معنى النهي وبينهما فرق وهو انا قلنا ان الانتهاء له طرفان.
أحدهما: من جانب المنهي عنه.
والثاني: من جانب ضده الذي به يحصل الانتهاء فقوله لا نفعل جانب المنهي عنه أقوى وقوله اترك الجانب الآخر فيه أقوى ولا مانع أن يترجح أحد الجانبين على الآخر وان كانا جميعا مقصودين أما إذا محض الأمر بهذا الضد أو بذلك فلا نهي البتة وقد لا يستحضر معه الطرفان الآخر فعلى ما قلناه ينبغي أن يجعل كلام الجمهور ومن عبر عنهم بتلك العبارة فإما غير مقابل لمعناها ولها قصده تقريب المعاني إلى الطالب المبتدي فان التعمق في المعاني يضر المبتدي ومن آداب المعلم أن يربي الناس بصغار العلم قبل كباره واما قول أبى هاشم أن المطلوب نفس أن نفعل فهو وان كان يبتدر إلى الذهن في الأول لأن حرف النهي ورد على الفعل فقد طلب منه عدمه لكن نفس أن لا يفعل عدم محض فلا يكلف به ولا يطلب وانما يطلب من المكلف ماله قدرة على تحصيله فلعل مراد أبي هاشم العدم الذي هو من الانتهاء والانتهاء فعل فان أراد ذلك تقارب المذهبان ويكون الجمهور نظروا إلى حقيقة ما هو مكلف به وأبو هاشم نظر إلى المقصود به وهو إعدام دخول النهي عنه في الوجود وان لم يرد أبو هاشم ذلك أراد أن العدم المحض الذي لا صنع للمكلف في تحصيله فهو باطل إذا عرف هذا فقول خارج المحصول أن هذه المسالة لا يشتبه بأن النهي عن الشيء أمر بضده لان الكلام في ذلك لفظي وفي هذه معنوي ليس بجيد أما أولا فلأنه ليس الكلام في تلك لفظيا فقط بل لفظيا ومعنويا وحقيقة
(2/77)

النهي والأثر أمران نفسانيان يعبر عنهما بلفظ الكلام في حقائقهما وأما ثانيا فلان الأمر بالشيء لفظا يقتضي أن المطلوب المعنوي مأمور به على ما قال فيحصل الاشتباه واما الذي قاله القرافي فالوجه الأول صحيح ولكنه لا يفيده بجواب ولا شك أن المتعلق بكسر اللام غير المتعلق بفتحها والفرق بينهما صوري ولا يلزم منه عدم تداخل إحدى المسالتين في الأخرى.
وأما الوجه الثاني: فقوله أن النهي عن الشيء أمر بضده التزاما صحيح وقوله المطلوب بالنهي فعل الضد مطابقة ليس بصحيح لما قدمناه لكنه موافق لظاهر كلام الأصوليين فحينئذ هذا الجواب الثاني من كلام القرافي ينبغي أن يكون هو العمدة عل ظاهر كلام الأصوليين لكنا لا نوافق عليه لما قدمناه فالمختار عنده في المسألتين أن الكلام في الالتزام لا في المطابقة وحينئذ نقول وأقدم على زيادة في بيان ما كنا فيه أن النفي له في اللغة معنيان.
أحدهما: فعل الفاعل النفي تقول نفيت الشيء فانتفى وهذا هو اظهر المعنيين.
الثاني: نفس الإعفاء تقول: نفي الشيء هكذا سمع من اللغة وعلى هذا المعنى الثاني يكون النفي والإثبات نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ويكون المراد بالإثبات الثبوت كما أن المراد بالنفي الانتفاء واما إذا أردت بالنفي نفيك الشيء وبالإثبات إثباتك له فيكونان ضدين لا نقيضين لأن قد لا تنفى ولا تثبت وهذا البحث ليس مما نحن فيه ولكنه يحتاج إلى تصوره بحث آخر منه وهو العدم تارة يكون عنده الشيء في نفسه من حيث هو هو من غير نظر إلى معدم وتارة يكون عدما غير والعدمان في حقيقتهما سواء ولكن الأول بلا فاعل والثاني بفاعل وفعل ضده كذلك فأبو هاشم يرى ان المطلوب بالنهي الأول والجمهور يرون ان المطلوب بالنهي الثاني والحق معهم لأنه الذي يصح به التكليف فالعدم من حيث هو أمر وعدم الزنا من حيث هو أخص منه ولا فعل معه البته وهو الذي يقول أبو هاشم انه مطلوب وعدم الزنا بفعل فاعل وهو كف النفس عنه شيء ثالث أخص من الثاني أي هو أخص من الأول وفيه أمران
(2/78)

أحدهما: طرف العدم.
والثاني: طرف الفعل المحصل له وهو من الطرف الأول ليس بشيء لانه عدم ولا يكلف به من الطرف الثاني ثبوت لذلك اطلقنا في كلامنا عليه اسم الشيء فيصح التكليف به وهو مراد الجمهور وفعل الفاعل من حيث هو مع قطع النظر عن العدم الحاصل به أمر رابع وهو أمر وجودي لا عدم معه وهو الذي يراد غالبا بالضد فهذا هو المراد بقولنا الامر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده أو بأحد اضداده وإذا علمت هذه الاربعة فاعتبرها تجدها في سائر الأمور فكل أمر لك إقبال عليه وانصراف عنه وتلبس بفعل غيره وفي الانصراف عنه نسبتان والامام فخر الدين لما كان يرى ان الحركة هي الحصول في الخبر الثاني لاجرام قال ان المطلوب بالنهي فعل ضده ونخن نرى ان الحركة هي الانتقال من الخبر الأول إلى الخبر الثاني لا جرام قلنا ان المطلوب بالنهي الانتهاء وهو الانصراف عن المنهي عنه إلى غيره لا يقصد غيره بل يقصد عدم الأول فإن فعل غيره قاصدا له الانتهاء كان متمثلا وان فعل غير قاصد الانتهاء لم يكن ممتثلا ولكنه لم يأثم لأنه لم يرتكب المنهى والمقصود هنا في الحقيقة إنما هو عدم المنهى عنه ولو كان المقصود ان يضم إلى العدم شيئا آخر لكان من لم يزن ولا قصد الامتثال ولا ونقول عدم الذم بكونه عاملا عن النهي فإنا نعرضه فمن استحضر النهي ولم يفعل المنهى عنه ولا قصد شيئا فإنه لا يذم ولا يحمد وهذا يبين لنا الفرق بين تحريم الشيء وإيجاب الكف عنه فإن إيجاب الكف عنه يقضي أنه لا يخرج عن العهدة إلا بتحصيل الكف الذي من شرطه إقبال النفس عليه ثم كفها عنه وليس كذلك وانما الفعل هو المحرم فلا يأثم الا به وقد أطلنا في ذلك فلنرجع إلى غرضنا ونقول قولهم المطلوب بالنهي فعل ضد المنهى عنه مرادهم به الضد العام وهو الانتهاء الحاصل بواحد من اضداده المنهى عنه وقولهم النهي عن الشيء أمر بضده قد بينوا انه بطريق الالتزام مرادهم به الضد الخاص وهو أحد الأضداد الذي يحصل الانتهاء به وبغيره فان أرادوا الضد العام لزم من كل من المسألتين الأخرى لكنه لا يكون تكرارا فلا يكون مسألة واحدة بل هما
(2/79)

مسألتان وان لزم من معرفة حكم إحداهما معرفة حكم الأخرى فلا يضرنا ذلك وانما يحسن السؤال لو كانوا وضعوا مسألة ان النهي عن الشيء هل هو أمر بضده أو لا وليس ذلك في المحصول وانما في المحصول ان الامر بالشيء هل هو نهي عن ضده وتكلم غيره في النهي عن الشيء وهل هو أمر بضده فلو جعلنا مسألتين مترجما عنهما ربما كان يرد السؤال ولكنا نعمل لذلك بل نبهنا على هذا في أثناء مسألة ولا مانع ان ننبه في أثناء مسالة على ما تضمنه مسألة أخرى ولا يقال انهما مسالة واحدة متكررة والحاصل انه ان أريد بالضد الضد العام فالكف والانتفاء ضد عام فيلزم مع إحدى المسألتين الأخرى ولكن الإمام لم يضعها مسألتين فلا سؤال عليه وهذا التقرير هو الحق وان أريد بالضد الخامس فيصح ما قاله السائل في قوله هل يمكن أن يقال إلى آخره والحق المراد بالضد الضد العام فر يمكن ان يقال وانما الجواب ما قاله القرافي في الوجه الثاني من كلامه مع ما فيه مما قدمناه وأما القول إن نفس النهي عن الشيء نفس الامر بضده فهو قول ضعيف وقول السائل إنه يتلخص قول الثالث ان مقصود النهي فعل ضد ليس بكف ولا انتفاء عجيب لان الكف أو الانتفاء أعم فكيف يوجد الأخص بدونه وتصحيح كلام السائل في ذلك ان يقول ليس بكف فقط وانتفاء فقط والله اعلم.
هذا آخر ما ذكره والدي أيده الله ولا ينبغي ان يمل التطويل في هذه المسالة ففيه من الفوائد ما لا يوجد في سواه.
(2/80)

المسألة الرابعة: أقسام النهي
...
قال: الرابعة النهي عن أشياء إما عن الجمع كنكاح الأختين أو عن الجميع كالزنا والسرقة.
النهي عن متعدد ولا أقول عن أشياء لأنها جمع قلة ثلاثة والمثال الذي أورده في اثنين إما أن يكون نهيا عن الجمع اعني الهيئة الاجتماعية دون المفرد ان على سبيل الانفراد كالنهي عن نكاح الأختين وكالحرام المخبر عند الأشاعرة فانه يجوز عندنا أن يحرم واحد لا يعنيه وخالفت المعتزلة وأما
(2/80)

عكسه ولم يذكره في الكتاب ولا رأيت من ذكره ومثاله ما جاء في الحديث الصحيح من النهي أن يلبس نعلا واحدا بل أما ان يلبس نعلين أو ينزعهما فهذا نهي عن كل فرد يفيد عدم الاحتجاج واما ان يكون نهيا عن الجمع أي عن كل واحد سواء كان مع صاحبه ومنفردا وذلك كالزنا والسرقة والله اعلم.
(2/81)

الباب الثالث في العموم والخصوص
الفصل الأول: في العموم
تعريف العام
...
الباب الثالث: في العموم الخصوص
الفصل الأول في العموم. العام لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد وفيه فصول الفصل الأول في العموم العام لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد.
نفتح الباب بعد حمد الله تعالى بمقدمات ثم نلتفت إلى ما ذكره.
المقدمة الأولى: العموم هو لغة الشمول وهو من عوارض الألفاظ حقيقة بلا خلاف وأما المعاني فأتوا وأبعدها انه لا يصدق عليها لا حقيقة ولا مجازا وثانيها أنه يصدق عليها مجازا وهو المختار ونقله الآمدي عن الأكثرين واختاره وثالثها وصححه ابن الحاجب ان يصدق عليها حقيقة أيضا واحتج الأكثرون بأنه لو كان حقيقة لاطرد لكنه غير مطرد بدليل المعاني الخاصة الواقعة في امتداد الإشارة إليها كزيد وعمر فإنها لا توصف بحقيقة ولا مجاز واحتج من قال يصدق عليه حقيقة بأن العموم هو شمول أمر واحد لمتعدد وذلك موجود بعينه في المعنى نقول نظر عام وحاجة عامة وعم المطر الأرض والأمير بالعطايا والاصل في الاطلاق الحقيقة وأجيب بأن من لوازم العام ان يكون متحدا.
ويكون مع اتحاده يتناول أمورا متعددة من جهة واحدة والعطاء الخاص لكل واحد من الناس غير الخاص بالآخر وكذلك المطر فإن كل جزء اختص منه بجزء من الأرض لا وجود له بالنسبة إلى الجزء الآخر منها وكذلك الكلام في النظر العام والحاجة العامة وغاية الأمر تعارض الاشتراك والمجاز أولى من الاشتراك لما مر.
(2/82)

المقدمة الثانية: اصطلحوا على ان المعنى يقال له اعم وأخص واللفظ يقال له: عام وخاص ووجه المناسبة ان اعم صيغة افعل التفضيل والمعاني افضل من الألفاظ فخصت بصيغة افعل التفضيل قال القرافي ومنهم من يقول فيهما عام وخاص ايضا.
المقدمة الثالثة: مدلول العموم كلية لا كل ولا كلي وبيان يتوقف على معرفة الكل والكلي والكلية الجزء الجزئية أما الكل فهو المجموع الذي لا يبقى بعده فرد والحكم فيه كالخمسة مع العشرة فالجزء بعض الكل.
كقولنا: كل رجل يحمل الصخرة فهذا صادق.
وأما الكلي: فهو الذي يشترك في مفهومه كثيرون وان شئت قلت القدر المشترك بين جميع الأفراد كمفهوم الحيوان في أنواعه والإنسان في أنواعه فان الحيوان صادق على جميع أفراده ويقابله الجزئي كزيد وحاصله ان الكلي مع قيد زائد وهو تشخيصه فلك ان تقول: الكلي بعض الجزئي.
وأما الكلية: فهي التي يكون الحكم فيها على كل فرد فرد بحيث لا يبقى فرد مثل قولنا: كل رجل يشبعه رغيفان غالبا فإنه يصدق باعتبار الكلية أي كل رجل على حدته يشبعه رغيفان غالبا ولا يصدق باعتبار الكل أي المجموع من حيث هو مجموع فانه لا يكفيه رغيفان ولا قناطير عديدة لأن الكل والكلية يتدرج فيهما الأشخاص الحاضرة والماضية والمستقبلة وجميع ما في مادة الإمكان وانما الفرق بينهما ان الكل يصدق من حيث المجموع والكلية يصدق من حيث الجميع وفرق بين المجموع والجميع فإن المجموع الحكم على الهيئة الاجتماعية لا على الأفراد والجميع الحكم على كل فرد فرد ويقابلها الجزئية وهي الحكم على أفراد حقيقة من غير تعيين كقولك بعض الحيوان إنسان فالجزئية بعض الكلية إذا عرفت ذلك فمسمى العموم كلية لا كل وإلا لتعذر الاستدلال به في النفي والنهي على ثبوت حكمه لفرد من أفراده.
(2/83)

كما عرفت فلا يصح الاستدلال به على ثبوت حكمه للفرد المعين في النفي والنهي الا إذا كان معناه الكلية التي يحكم فيها على كل فرد بحيث لا يبقى فرد كما عرفت وحينئذ يستدل بها على أي فرد شئنا من الأفراد في النفي والنهي فإنما يختلف الحال بين الكل والكلية في النفي والنهي لا في الامر وحين الثبوت فمدلول العموم كلية لا كل لصحة الاستدلال به على ثبوت حكمه لكل فرد من أفراده عند القائلين به اجماعا فإن قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} دال على تحريم قتل فرد من أفراد النفوس بالاجماع وليس معناه ولا تقتلوا مجموع النفوس وإلا لم يدل على كل فرد فرد فلا يكون عاصيا بقتل الواحد ألانه لم يقتل المجموع إذا تقرر هذا فهنا سؤال قوي شغف به الشيخ أبو العباس القرافي وهو ان دلالة العموم على كل فرد من أفراده نحو زيد المشترك مثلا من المشتركين.
لا يمكن ان يكون بالمطابقة ولا بالتضمين ولا بالالتزام وإذا بطل ان يدل لفظ العموم على زيد مطابقة وتضمنا والتزاما بطل ان يدل لفظ العموم مطلقا لانحصار الدلالة في الاقسام الثلاثة إنما قلنا لا يدل عليه بطريق المطابقة لأنها دلالة اللفظ على مسماه بكماله ولفظ العموم لم يوضع لزيد فقط حتى تكون الدلالة عليه مطابقة.
وإنما قلنا: لا يدل بالالتزام لان الدلالة الالتزام هي دلالة اللفظ على لازم مسماه ولازم المسمى لا بد وان يكون خارجا عن المسمى وزيد ليس بخارج عن مسمى العموم لأنه لو خرج لخرج عمرو وخالد وحينئذ لا يبقى في المسمى شيء فدل على انه لا يدل بالمطابقة ولا الالتزام وانما قلنا لا يدل بالتضمي لان دلالة التضمن هي دلالة اللفظ على جزء مسماه والجزء إنما يصدق إذا كان المسمى كلا لأنه مقابلة ومدلول لفظ العموم ليس كلا كما عرفت فلا يكون زيد جزءه فلا يدل عليه تضمنا.
فتبين بطلان دلالة لفظ العموم على زيد بشيء من هذه الثلالة والدلالات القاصرة فيها تبطل ان يدل لفظ العموم مطلقا وقد سار هذا السؤال غورا ونجدا ولم أر من أجاب عنه الا الشيخ شمس الدين الاصفهاني في شرح المحصول
(2/84)

فقال: أنا حيث قلنا إن اللفظ إما أن يكون دالا بالمطابقة والتضمن أو الالتزام فذلك في لفظ مفرد دال على معنى ليس ذلك المعنى هو نسبة بين مفردين.
وذلك لإثباتي ههنا فلا ينبغي أن يطلب ذلك.
وإذا عرفت هذا فاعلم أن قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} في قوة جملة من القضايا وذلك لأن مدلوله اقتل هذا المشرك واقتل هذا المشرك إلى آخر الأفراد وهذه الصيغ إذا اعتبرت بجملتها فهي لا تدل على قتل زيد المشرك ولكنها تتضمن ما يدل على قتل زيد المشرك لا بخصوص كونه زيدا بل بعموم كونه فردا ضرورة تضمنه لقتل زيد المشرك فان من جملة هذه القضايا وهي جزء من مجموع تلك القضايا فتكون دلالة هذه الصيغة على وجهين قتل زيد المشرك لتضمنها ما يدل على ذلك الوجوب والذي هو في ضمن ذلك المجموع هو دال على ذلك مطابقة قال فافهم ذلك فانه من دقيق الكلام وليس ذلك من قبيل دلالة التضمن بل هو من قبيل دلالة المطابقة.
فائدة: إذا ثبت ان مدلول صيغ العموم كلية لا كل فافهم ذلك في الضمائر بأسرها وصيغ المجموع النكرات فإذا قال السيد لعبيده لا تخرجوا ليس المراد لا يخرج كلكم من حيث هو كل بل المراد بهذه الواو التي هي ضمير في اخرجوا كل واحد على حالة وكذلك الخبر بالنفي مثل لا اغضب عليكم فالمراد ثبوت الحكم لكل فرد مما دلت عليه هذه الكاف وكذلك جموع النكرات فإذا قال لأكرمن رجالا اليوم فالمراد أكراما كل واحد واحد مما دل عليه رجال ومنه قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي على كل واحد واحد بنفسه وليس المراد المجموع وإذا تقرر ذلك فنقول إذا قال القائل اقتلوا زيدا فقد أمر كل فرد فرد بقتل زيد لأن في اقتلوا ضميرا يعود على كل فرد فرد كما قلناه وإذا عرفت هذا فهنا سؤال وتقريره في قوله مثلا: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} عموما احدهما في المشركين.
والثاني: في المأمورين بقتلهم ودلالة العموم كلية كما عرفت فيكون أمر كل فرد من المؤمنين بقتل كل فرد من المشركين والفرد الواحد لا يقدر ان يقتل كل
(2/85)

فرد من المشركين فيكون ذلك تكليفا بالمستحيل وهو غير واقع وقد قال الاصفهاني شارح المحصول في جوابه ان هذا وان كان ظاهر اللفظ الا ان العقل دل على خلافه فيحمل على الممكن دون المستحيل قال والدي أيده الله وعندي ان السؤال لا يستحق جوابا لان الفرد الواحد من المسلمين يقدر ان يقتل جميع المشركين.
المقدمة الرابعة: المتأخرون أو من قال منهم زعموا ان العام في الأشخاص مطلق باعتبار الأزمان والبقاع والأحوال والمتعلقات وقالوا لا يدخلها العموم الا بصيغة وضعت لها فإذا قال اقتلو المشركين عم كل مشرك بحيث لا ينفي فرد ولا يعم الأحوال حتى يقتل في حال الهدنة والذمة ولا خصوص المكان حتى يدل على المشركين في ارض الهند مثلا ولا الزمان حتى يدل على يوم السبت أو الأحد مثلا وقد شغف الشيخ أبو العباس القرافي بهذا البحث وظن انه يلزم من هذه القاعدة انه لا يعمل بجميع العمومات في هذا الزمان لأنه قد عمل بها في زمان ما والمطلق يخرج عن عهدته بالعمل به في صورة وقد وافق على هذه القاعدة الآمدي فانه قال في الكلام على قول الصحابي هل هو حجة جوابا عن الاحتجاج بقوله عليه السلام: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ما نصه الخبر الأول يعني هذا وان كان عاما في أشخاص الصحابة فلا دلالة فيه على عموم الاهتداء به في كل ما يقتدي فيه انتهى وردها جماعة منهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح العمدة واستدل بحديث أبي أيوب لما قدم الشام فوجد مراحيض قد بنيت قبل القبلة على ان أبا أيوب وهو من أهل اللسان والشرح فهم المعموم في الأمكنة يعني فيكون العام في الأشخاص عاما في الأمكنة على خلاف ما قرره القرافي وهذا هو الذي اقتضاه كلام الإمام فانه قال في كتاب القياس جوابا عن سؤال سائل قلنا لما كان أمرا بجميع الاقيسة كان متناولا لا محالة لجميع الأوقات والأقدح ذلك في كونه متناولا لجميع الاقيسة وقد وقع لي مرة في التمسك لردها بحديث ابن المعلى حيث دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فلم يجبه فقال عليه الصلاة والسلام: "ألم يقل الله" الحديث فقد جعله صلى الله عليه وسلم عاما في الأحوال لأنه احتج عليه بالآخر هو في حالة
(2/86)

الصلاة لكن ظهر لي الآن ان العموم في الأحوال إنما جاء في هذه الآية من صيغة إذا فإنها ظرف والأمر معلق بها وهي شرط ايضا والمعلق على شرط يقتضي التكرار والظرف يشمل جميع الأوقات ويلزمها الأحوال وقررت مرة أخرى ان هذه القاعدة إنما تنقدح في سياق الإثبات كقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} لا فيما إذا كان فعلا في سياق النفي كما لو قيل لا نقتل مسلما فإن الفعل يدل على الزمان إذ هو أحد جزئيه وقد دخل عليه حرف النفي فعمم كل زمان فصار العام في الأشخاص في سياق النفي عاما في الأزمان لأن حكم الفعل حكم النكرة وهي في سياق النفي للعموم والذي نقوله الآن في هذه القاعدة أنها حق لا سبيل إلى المصادمة بمنعها ولكن ما جعله القرافي لازما عليها غير مسلم له وذلك لان المقصود ان العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع بمعنى انه إذا عمل به في الأشخاص في حالة ما في زمان ما في مكان ما لا يعمل به في تلك الأشخاص مرة أخرى أما في أشخاص أخر فيعمل به لأنه لو لم يعمل به لزم التخصيص في الأشخاص فالتوفية بعموم الأشخاص ان لا يبقى شخص ما في أي زمان ومكان وحال الا حكم عليه والتوفيه بإطلاق ان لا يتكرر ذلك الحكم فكل زان يجلد إذا جلدناه لا نجلده مرة ثانية في مكان آخر أو زمان آخر أو حالة أخرى الا إذا زنا مرة أخرى لان تكرر جلده لا دليل عليه والفصل مطلق هذا ما قرره الإمام الجليل علاء الدين الباجي ونقله عنه والدي أطال الله بقاءه في كتابه أحكام كل وهو من انفس مختصراته.
قال وقال الباجي هذا معنى القاعدة وبه يظهر ان لا إشكال عليها ولم يلزم من الاطلاق في شيء منع التعميم في غيره قلت وغالب ظني أن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح الإمام ذكر هذا التقرير بعينه ثم قال الشيخ الإمام والدي أيده الله وقد يعترض على هذا التقرير بان عدم تكرار الجلد مثلا معلوم من كون الامر لا يقتضي التكرار وبان المطلق هو الحكم والعام هو المحكوم عليه وهما غير ان فلا يصلح ان يكون ذلك تأويلا لقولهم العام مطلق قال فينبغي ان يهذب هذا الجواب ويجعل العموم والإطلاق في لفظ واحد بأن يقال المحكوم عليه هو الزاني مثلا أو المشرك فيه أمران.
(2/87)

أحدهما: الشخص.
والثاني: الصفة كالزنا مثلا وأداة العموم لما دخلت عليه أفادت عموم الشخص لا عموم الصفة والصفة باقية على إطلاقها فهذا معنى قولهم العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع أي كل شخص حصل منه مطلق زنا حد وكل شخص حصل منه مطلق شرك قتل بشرطه ورجع العموم والاطلاق إلى لفظة واحدة باعتباره مدلوليها من الصفة والشخص المتصف بها فافهم ذلك ثم انه مع هذا لا نقول كون الصفة مطلقة يحمل على بعض مسماها لأنه يلزم منه إخراج بعض الأشخاص نعم لو حصل استغراق الأشخاص لم يحافظ مع ذلك على عموم الصفة لا طلاقها وهكذا الحديث الذي تمسك به الشيخ تقي الدين وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول" الاستقبال مطلق وبدخول النهي عليه صار عاما فكل استقبال منهي عنه والاستقبال في الشام أو غيره لو أخرج لبطل العموم فأدرجه في النهي من جهة إرادة العموم لا من جهة عموم موضوعه.
المقدمة الخامسة: اتفقت النحاة على ان أربع صيغ من جموع التكسير وان جموع السلامة مذكرا كان أو مؤنثا للعلة وهي العشرة فما دونها وهي التي يجمعها قول الشاعر:
بأفعل وبأفعال وأفعلة ... وفعلة يعرف الأدنى من العدد
وسالم الجمع أيضا داخل معها ... فهذه الخمس فاحفظها ولا تزد
نحو أفلس وأحمال وأرغفة وصبية ومسلمين ومسلمات.
واتفق الأصوليون القائلون بالعموم وهم اكثر حملة الشريعة على ان صيغة المشركين وما شابهها للعموم وكذلك الأحمال والأرغفة فقد يقال هذان فرقتان عظيمتان تنقل عن العرب وكل واحدة نقلت عكس ما نقلته الأخرى فأين العموم الذي هو غير متناهي الأفراد من العشرة فما دونها ولا سبيل إلى تكذيب كل واحدة من هاتين الفرقتين العظيمتين فما وجه الجمع بين كلاميهما والجواب ما ذكره امام الحرمين وقال انه الذي استقر عليه نظره في
(2/88)

محاولة الجمع بين مسالك الأئمة في ذلك وهو ان قول النحاة إنها للعشرة فما دونها إنما هو فيما إذا كان الجمع منكرا نحو مشركين وأحمال ونقل الاصوليين إنما هو حال التعريف بالألف واللام فإنه حينئذ يعم كل جمع وذلك بمنزلة رجل المنكر فإنه للواحد من بني آدم وبالتعريف يعم كل فرد واما الجمع حال التنكير فلا يقول فيه بالتعميم الا من شذ كالجبائي أو ممن حمل المشترك على معنييه وجعل ذلك من باب العموم فالسؤال عليه منقدح يحتاج إلى جواب.
ولقائل ان يقول: الفقهاء على أن من أقر بدراهم قبل منه تفسيرها بثلاثة وهي جمع كثرة واقله باتفاق النحاة أحد عشر فما الجمع بين الكلامين اللهم الا ان يدعي الفقيه ان العرف شاع في إطلاق دراهم على ثلاثة واشتهر فصار حقيقة عرفية وهي مقدمة على اللغوية ولا يكفيه ان يقول إطلاق جمع الكثرة على القلة يصح مجازا والاصل برآة عما زاد فقبلناه تفسيره بثلاثة لذلك لانا نقول لا يقبل من اللافظ بحقائق الالفاظ في الأقارير التفسير بالمجاز الا ترى ان من أقر بأفلس لا يقبل منه التفسير بفلس واحد وإن صح إطلاق الجمع على الواحد مجازا.
المقدمة السادسة: دلالة العموم قطعية عند جماعة وظنية عند آخرين.
واشتهر قول الشافعي: إنها ظنية.
وقال إمام الحرمين: في أوائل العموم الذي صح عندي من مذهب الشافعي ان الصيغ العامة لو صح تجردها عن القرائن لكانت نصا في الاستغراق وانما التردد فيما عدا الأقل من جهة عدم القطع بانتفاء القرائن المخصصة وكذلك ذكر الكيال في تعليقه في الأصول وقد نجز ما قصدنا إيراده من المقدمات فلنلتفت إلى شرح الحد الذي اورده في الكتاب فنقول قوله لفظ جنس ويؤخذ من التعبير به ان العموم عنده من عوارض الالفاظ فقط.
فإن قلت: فقد نص بعد ذلك على جواز تخصيص العلة والمفهوم والتخصيص فرع العموم.
(2/89)

قلت: أجاب الإسفرايني شارح الكتاب بأنه أطلق العموم هناك على سبيل المجاز وكلامه هنا في مدلوله الحقيقي وقوله يستغرق فصل يخرج به النكرة في سياق الاثبات سواء كانت مفردة كرجل أو مثناة كرجلين أو مجموعة كرجال أو عددا لخمسة فإنها لا تستغرق جميع ما يصلح له وانما تتناوله على سبيل البدل قلنا عمومان عموم استغراق وهو الذي تتكلم في تعريفه وعموم بدل كما ذكرناه يصدق على كل واحد بطريق البدلية وخرج بهذا الفصل ايضا المطلق فإنه لا يدل على شيء من الأفراد فضلا عن ان يستغرقها وقوله جميع ما يصلح له احترازا عن ما لا يصلح فإن عدم استغراق ما لمن يعقل إنما هو لعدم صلاحيتها له اعني لعدم صدقها عليه وقوله بوضع واحد احتراز عن اللفظ المشترك وماله حقيقة ومجاز وتقرير ذلك ان العين وضعت مرة للباصرة وأخرى للذهب فهي صالحة لهما فإذا قال رأيت العيون وأراد الباصرة دون الذهب أو عكسه فإنها لم تستغرق جميع ما يصلح لها مع كونها عامة لان الشرط هو استغراق الأفراد الخاصة من شخص واحد وقد وجدوا الذي لم يدخل فيها هو افراد وضع آخر فلا يضر وما له حقيقة ومجاز يعمل فيه هذا العمل فالمقصود بهذا القيد إدخال بعض الأفراد فالإخراج هكذا قرره الاسفرايني شارح هذا الكتاب وهو تقرير حسن اجتنب غيره هذا شرح الحد وقد أورد عليه أمورا:
أحدها: انه اخذ فيه لفظه جميع وكذلك لفظة ما وهما من جملة المعرف واخذ المعرف قيدا في المعرف باطل أورده الاصفهاني وادعى ان جوابه متعذر.
والثاني: ان الاستغراق هو العموم والمستغرق والعام لفظان مترادفان فلا يحصل بما ذكره الا تعريف لفظي وهو تبديل لفظ بلفظ آخر وليس ذلك بتعريف حقيقي لا حدى ولا رسمي واجيب عنه بانا لا نسلم ترادف العموم والاستغراق فان العموم لغة هو الشمول والشمول والاستغراق غير مترادفين وان اشتركا في بعض اللوازم سلمنا لكن يجوز تعريف العام المصطلح عليه بالمستغرق اللغوي وحينئذ فهما غير مترادفين لان الكلام في معنى المستغرق
(2/90)

لغة وفي معنى العام اصطلاحا.
والثالث: انه ينتقض بالفعل الذي ذكر معه مفعولا به كقولنا ضرب زيد عمرا فإنه لفظ يستغرق جميع ما يصلح له وليس بعام وهذا ضعيف جدا لأنه لم يستغرق جميع ما يصلح له إذ ليس شاملا لجميع أنواع الضرب الصادر من زيد الواقع على عمرو وانما دل على مطلق صدور ضرب من زيد ووقوعه على عمرو.
والرابع: انه ينتقض بأسماء الأعداد لان لفظ المئة لفظ مستغرق لجميع ما يصلح وهو أفراد العدد وليس بعام.
واجيب عنه بأن قولنا ما يصلح له يدفعه فان لفظ المائة لا يتناول الا بعض ما صلح له وهو المئة الواحدة ليس متناولا لكل واحدا من أفراد المئتين على سبيل الاستغراق.
والخامس: ان مراده بقوله المستغرق لفظ العموم بلا شك وهو غير جائز لان لفظ العموم لا يصلح لواحد واحد من آحاده فانه لم يوضع لواحد ولا لاثنين وانما يصلح للجميع أورده النقشواني قال الاصفهاني وهو مندفع بتفسير الصلاحية فمن أورده لم يفهم معناها فانه ليس المراد بالصلاحية الا ان الرجال يصلح لأفراد هذا الصنف ولا يصلح لغيرهم والله اعلم.
(2/91)

المسألة الأولى: الفرق بين العام وما يشاركه في الجنس
...
قال: وفيه مسائل: الأولى: أن لكل شيء حقيقة هو بها هو فالدال عليها المطلق وعليها بوحدة معينة المعرفة وغير معينة النكرة ومع وحدات معدودة العدد مع كل جزئيها العام.
هذه المسالة في الفرق بين العام والمطلق والنكرة والمعرفة والعدد فنقول لكل شيء حقيقة بها هو وهو تلك الحقيقة مغايرة لكل ما عداها من الأمور اللازمة لها والمفارقة كالإنسانية فإنها من حيث هي حقيقة مغايرة للوحدة والكثرة وإن لم تنقل عن أحدهما إذا عرفت هذا فاللفظ الدال على تلك الحقيقة
(2/91)

من حيث هي من غير اعتبار من عارض عوارضها هو المطلق كقولنا الرجل خير من المرأة والدال على تلك الحقيقة مع وحدة معينة شخصية أو نوعية أو جنسية المعرفة والدال عليها مع وحدة غير معينة النكرة مثل رأيت رجلا والدال عليها مع وحدات أي مع كثرة أما ان تكون تلك الكثرة معدودة أي محصورة أولا فان كانت محصورة فهي العدد كمائة وعشرة وان لم تكن معدودة بل استوعبت جميع جزئيات تلك الحقيقة فهو العام كالرجال والمسلمين وقد عرفت من هذا التقسيم الفرق بين المطلق والنكرة ومن الناس من زعم انه لا فرق بينهما وعليه جرى الآمدي وهذا التقسيم فيه مناقشات.
أحدها: أنه غير حاصل وذلك لان الماهية على ثلاثة أقسام ماهية بلا شرط شيء وهي المطلقة وماهية الشرط لا شيء وهي المجردة عن جميع الأعراض واللواحق كالوحدة والكثرة وغيرهما والتقسيم المذكور لا يشمل إلا الماهية المطلقة وأهمل الآخرتين.
والثاني: أنه يقتضي وقوع التماثل بين العدد والمعرفة والعام أي لا يصدق احدهما على الآخر لأن هذا شأن التقسيم وليس كذلك فان العام قد يكون معرفة كالرجالة وقد يكون نكرة نحو كل رجل والعدد قد يكون معرفة نحو الخمسة أو نكرة كخمسة.
الثالث: انه اعتبر الوحدة في مدلول المعرفة ومدلول النكرة وذلك يوجب خروج نحو الرجلين والرجال عن حد المعرفة لأنه اعتبر الأحدة فيها وهذا متعدد وهو باطل ويوجب خروج نحو رجلين ورجال عن حد النكرة وهو باطل.
(2/92)

المسألة الثانية: في أقسام العام
...
قال الثانية: العموم إما لغة بنفسه كأي للكل ومن للعالمين وما لغيرهم وأين للمكان ومتى للزمان.
الذي يفيد العموم إما أن يفيده من جهة اللغة أو العرف أو العقل.
القسم الأول: المفيد لغة وهو على ضربين لأنه أما ان يدل عليه بنفسه لكونه موضوعا له أو بواسطة اقتران قرينة به الضرب الأول ما يدل عليه بنفسه وهو نوعان لأنه إما أن يكون شاملا للكل أي لجميع المفهومات أو لا يكون.
(2/93)

معرفة نحو هات ما رأيت فيفيد العموم فيما عدا العالمين من الزمان والمكان والجماد والذات وقد تتناول أولى العلم ايضا.
الثاني: ان يختص عمومه ببعضهم فأما ان يختص بالأمكنة نحو ان تجلس اجلس ومنه حيث وأني أو بالأزمنة متى تقول متى تقم أقم.
فإن قلت قد جعلتم هذه الصيغ للعموم في الأصول وخالفتم ذلك في الفروع بدليل ان من قال لامرأته متى قمت أو حيث أراني قمت فأنت طالق لا يقع عليه الا واحدة ويقتضي ما قررتم تكرار الوقوع بتكرار القيام كما لو قال كلما قلت ليس من لازم العموم التكرار في كلما فلخصوصية كل لدلالتها على كل فرد فيتعلق به الحكم وليس ذلك في شيء من صيغ العموم غيرها وهنا مهمات نبه عليها والدي رحمه الله في كتابه الموضوع في أحكام كل وهو كتاب جليل ونحن نورد هنا مما يتعلق به صيغة الأصول منها ما يتهذب به النظر فتقول أطلق الأصوليون هذه الصيغ وأن مدلولها كل فرد فأما كل فلا يدخل الا على ذي جزئيات وأجزاء ومدلولها في الموضعين الإحاطة بكل فرد من الجزئيات أو الأجزاء أو قد تضاف لفظا إلى نكره مثل: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} 1 {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ} 2 وقال لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل
وقال كعب بن زهير:
كل ابن أنثى وان طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول
ومعنى العموم في هذا القسم كل فرد لا المجموع وكل لا دلالة لها الا على كل فرد وهي نص في كل فرد مما دلت عليه تلك النكرة مفردا كان أو تثنية أو جمعا ويكون الاستغراق للجزئيات بمعنى ان الحكم لكل جزء من جزئيات النكرة وقد يكون مع ذلك الحكم على المجموع لازما كقولنا
__________
1 سورة الطور الآية 52.
2 سورة الإسراء آية 13.
(2/94)

كل مشرك مقتول وقد لا يلزم كقولنا كل رجل يشبعه رغيف وكلا الأمرين ليس من لفظ كل بل يظهر ذلك من معنى الكلام وقد يضاف كل لفظ إلى معرفة لقوله تعالى: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً} 1 وقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه: "يا عبادي كلكم جائع الا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار الا من كسوته فاستكسوني اكسكم" وكلام اكثر الأصوليين يقتضي ان كلا في هذه الحالة مثلها حالة الإضافة إلى نكرة في الدلالة على كل فرد واقتضى كلام بعض الاصوليين وابن مالك من النحاة ان مدلولها في هذه الحالة المجموع قال الشيخ الإمام والدي أطال الله بقاه والذي يظهر أنها إذا أضيفت إلى معرفة فإن كان مفردا كانت لاستغراق أجزائه ويلزم منه المجموع ولذلك يصدق قولنا كل رمان مأكول ولا يصدق كل الرمان مأكول لدخول قشره وبعبارة أخرى يصدق كل رجل مضروب إذا ضربت كلما واحد ضربا ما ولا يصدق كل الرجل مضروب الا إذا أضربت جميع أجزائه وان كانت المعرفة المضاف إليها جمعا احتمل ان يراد المجموع كما في قولنا كلكم بينكم درهم وان يراد كل فرد كقوله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع" ولذلك فصله بعد ذلك فقال لسلطان راع والرجل راع والمرأة راعية والاحتمال الثاني: اكثر فيحمل عليه عند الإمكان ولا يعدل الأول الا بقرينة ومن أمثلة بعض الاصوليين كل أعضاء البدن حيوان والمراد المجموع كما في كلكم بينكم درهم وهذا يحتاج إلى سماع من العرب لكن كلام النحو بين منطبق عليه قال ابن السراج يقول ان خيرهم كلهم زيد وان لي قبلكم كلكم خمسين درهما والمراد الجمع لا كل فرد.
واعلم انك إذا اثبت حكما لجزء أو أجزاء ثم أخذت جملة من تلك الأجزاء أو الجزئيات لا يلزم ان يثبت لها ذلك الحكم بل قد يثبت بحسب ما يدل عليه الدليل إذا أدخلت كلا على ما فيه الألف واللام وأريد الحكم على كل فرد فهل نقول ان الألف واللام هنا يفيد العموم وكل تأكيدها أو أنها هنا لبيان الحقيقة حتى يكون ناسيا كل من الأمرين محتمل قال الشيخ الإمام
__________
1 سورة مريم الآية 95.
(2/95)

والدي أعزه الله وقد يقال بأن الألف واللام تفيد العموم في مراتب ما دخلت عليه وكل تفيد العموم في أجزاء كل من المراتب.
فإذا قلت كل الرجال أفادت الألف واللام استغراق كل مرتبة من مراتب الرجل وأفادت كل استغراق الا آحاد فيصير لكل منهما معنى وهو أولى من التأكيد ومن هنا يظهر أنها لا تدخل على المفرد المعرف بالألف واللام إذا أريد بكل منهما العموم.
فإن قلت: فقوله صلى الله عليه وسلم: "كل ذلك لم يكن" هل يفيد نفي كل واحد والمجموع.
قلت قد ظهر لك بما أنه يفيد نفي كل واحد فإن ذلك إشارة إلى المذكور وهو قول ذي اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت فالمذكور القصر والنسيان وعاد اسم الإشارة المفرد عليه فيفيد نفي كل واحد لأن دلالة العموم إذا أضيفت كل إلى مفرد نكره أو معرفه نص في واحد لما سبق وههنا التقدير كل المذكور لم يكن وهو مفرد فلذلك لا يحتمل نفي المجموع فقط ولو كان موضعه جمع معرف لاحتمل نفي كل واحد ونفي المجموع وإن كان الأظهر نفي كل واحد لما سبق ونظير ذلك مما يفيد لفي كل واحد قول الشاعر:
قد أصبحت أم الخيار تدعى ... علي ذنبا كله لم أصنع
فمدلوله ايضا نفي كل واحد ويعبر عن هذا بعموم السلب عام لكل الأفراد من انه حكم بالسلب على كل فرد وهذا فيما إذا تقدمت كل على النفي واما إذا تقدم النفي على كل كقول المتنبي.
ما كل ما يتمنى المرء يدركه
وقول الآخر:
وقولنا: ما جاء كل القوم وما جاء القوم كلهم وليس كل بيع حلالا فإنه لا يفيد العموم وهو المسمى بسلب العموم أي يفيد سلب العموم لا عموم لسلب وذكروا في سببه طرقالم يرتضها والدي الشيخ الإمام واختار طريقا
(2/96)

غيرها قررها في أحكام كل وهي ان قولنا مثلا ما كل ما يتمنى المرء يدركه سالبة محصلة نقيض الموجبة المحصلة والموجبة المحصلة تقتضي العموم فلا يقتضيه نقيضها وكذلك قولك لم يقم كل إنسان سالبة محصلة معناها نقيض لمعنى الموجبة المحصلة وهي قولك قام كل إنسان وقولك قام كل إنسان معناه الحكم على كل فرد بالقيام فيكون المحكوم به في السالبة المحصلة نقيض قيام كل فرد ونقيض الكلي جزئي فيكون مدلوله سلب القيام عن بعضهم لأنه النقيض وهذا بخلاف ما إذا تأخر السلب عن كل كما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "كل ذلك لم يكن". وقول الشاعر: كله لم اصنع, فقد بان الفرق بين سلب العموم وعموم السلب.
واعلم ان النهي والنفي من واد واحد ومقتضى ذلك ان يطرد حكم النفي في النهي.
فإذا قلت لا تضرب كل رجل أو كل الرجال يكون النهي عن المجموع لا عن كل واحد ويتعدى هذا إلى سائر صيغ العموم كقولك لا تضرب الرجال الا ان يكون هناك قرينة تقتضي ثبوت النهي لكل فرد الأصوليون قالوا:
دلالة العموم كلية ولذلك يستدل بها في النفي والنهي وما ذكرناه يرد عليهم.
قلت: وهذا الذي أوردناه من التفرقة بين تقدم النفي على كل وتأخره عنها هو الذي ذكره البيانيون وارتضاه الشيخ الإمام والدي أيده الله وهو ان كان في غاية الظهور الا ان لقائل ان يقول ما برحت العلماء سلفا وخلفا تستدل بقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ} 1 {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ} 2 ونظائر ذلك على إثبات الحكم لكل فرد ولم يقل أحد ان ذلك نهي عن المجموع وقال
__________
1 سورة الأنعام 151, والإسراء آية 31.
2 سورة الأنعام 151, والإسراء آية 33.
(2/97)

الله تعالى: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} 1 والمراد كل واحد وكذلك فإن أصحابنا لو قال والله لأوطئت كل واحدة منكن يكون موليا من كل واحدة ويتعلق بوطء كل واحدة الحنث ولزوم الكفارة وهذا كله يشهد لعدم التفرقة بين النفي وتأخره.
ثم اعلم ان ما قدمناه من انه إذا تقدم النفي على كل لا يدل على الاستغراق شرطه ان لا ينتقض النفي بالا فلو انتقض قبل المحمول فالاستغراق باق كما لو لم يدخل النفي قال الله تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية فالمراد ان كل واحد آنيه عبد وان كان النفي متقدما لكن لأجل الاستثناء وسببه ان النفي إنما هو المحمول وتسلطه عليه وما بعد الا لا تسلط للمنفي عليه فما بعد الا مثبت وهو في الاستثناء المفرغ مسند إلى ما قبلها وهو كل فرد كما كان في الجملة.
قيل: دخول النفي والاستثناء فهذا ما أوردنا إيراده من الكلام على صيغة كل.
قال الشيخ الإمام ومن لطيف القول فيها أنها للاستغراق سواء كانت للتأكيد أم لا والاستغراق لأجزاء ما دخلت عليه ان كان معرفة ولجزيئاته ان كان نكرة فانك إذا قلت رأيت زيدا كله كانت لاستيعاب أجزائه وكذلك أخذت العشرة كلها.
وقولك: رأيت كلهم وكلهم قائم وكل القوم ضارب ونحوه من سائر الصور دخولها على المعرفة من هذا القبيل لأنك لو حذفتها لكان الشمول حاصلا فكانت لاستغراق تلك الأفراد التي استغرقها المعرفة كما هي لاستغراق أجزاء العشرة وزيد.
وإذا قلت: كل رجل قائم وما أشبهه من دخولها على النكرة كانت لاستغراق جزئيات تلك الحقيقة التي أضاف إليه واحد منهما.
__________
1 سورة الحديد آية 23.
(2/98)

قلت: وما ذكرناه من التفرقة بين إضافة كل إلى معرفة فيكون لاستغراق أجزاء ما دخلت عليه أضافتها إلى نكرة فيكون لجزيئاته هو ما ذكروه وقرره والدي رضي الله عنه وارتضاه ولمعترض ان يقول: قال الله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ} 1 والمراد الجزئيات لا الأجزاء وقال صلى الله عليه وسلم: "كل الطلاق واقع الا طلاق المعتوه" 2.
الحديث هذا القول في كل وأما جميع فمثل كل إذا أضيفت إلى معرفة فتكون لإحاطة الأجزاء ومما يستفاد في جميع ان ابن الفارض في كتابه النكت قال جميع وان كانت مثل كل في إفادة الاستغراق الا أنها تفارقها فينا عدا ذلك فان الزجاج حكى عن المبرد ان قوله: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ} يفيد وقوع السجود منهم فقط.
وقوله: {أَجْمَعُونَ} يفيد انهم سجدوا مجتمعين ويؤيده انه جعل الافتراق في مقابلة في قوله: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} 3.
قلت: والقول بان لفظ جميع بدل على اتحاد الزمن غريب لم أره في غير هذا الكتاب وانما يعرف ذلك في لفظ مجموع واما الألف واللام والموصولات كلها فمثل كل وكذلك من وما الشرطيتان والاستفهاميتان مثل كل ايضا تعم كل فرد وتحيط به.
هذا ما ذكره والدي في من ولقائل ان يقول من صالحة للمذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع هذا حظ منها وحظ النحوي منها وحظ الأصولي أنها للعموم فهل العموم في جميع هذه المراتب أو في الآحاد ويظهر فائدة إذا قال من دخل داري من هذين فاعطه درهما.
__________
1 سورة آل عمران آية 93.
2 ولفظ الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: "كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله".
قال التلرمذي: لا تعرفه إلا من حديث عطاء بن عجلان وهو ذاهب الحديث وروي بإسناده عن علي مثل ذلك. المغني لابن قدامة 7/113 – 114 طمكتبة الرياض.
3 سورة الحشر آية 14.
(2/99)

فان قلنا: بالأول أعطينا كل واحد درهما.
وان قلنا بالثاني: أعطينا كل واحد درهما بدخوله ونصف درهم بدخوله مع الآخر وان دخل ثلاثة فعلى الثاني نعطيهم ثلاثة بدخول الآحاد كل واحد درهما ودرهما بدخول الثلاثة لكل واحد منه الثلث وثلاثة لان صيغة الأثنينية فيهم ثلاثة فيستحقون بها ثلاثة لكل درهم فمجموع ما يستحقون تسعة وعلى هذا القياس وفيه احتمال آخر وهو انه لا يعطي المجموع الا درهما ومأخذه ان من لا تدل على الإفراد واحدا واحدا وانما تستغرق ما صلحت له.
وهذا البحث سمعته من والدي ولم يذكره في أحكام كل ولم أره منقولا ولا ملخص عنه فيما يظهر الا ان يقال لا عموم لها الا في مراتب الأفراد لكن الأسبق إلى الفهم أنها عامة فيما يصلح وهو يصلح للأفراد ومجموع الأفراد وان كانوا لا يتناهون ولكل مرتبة من مراتب المثنى والمجموع دون النهاية فليبحث عن ذلك واما أي ومتى ومهما وأين فمدلولها كل فرد لا على سبيل الإحاطة فهي تخالف كلا في هذا المعنى والدليل على ذلك انك تقول أي الرجال عندك أزيد أم عمرو بأم لا بالواو ويقول أكل الرجال عندك زيد وعمر وخالد بالواو ولا بأم فدل على الفرق بين مدلوليها فكل تفيد شمول الحكم لكل ما دخلت عليه وأي لا تقتضيه ومن هنا جاء التكرار في كل وكلما ولم يجيء في أي ونحوها حتى لو قال أي وقت دخلت الدار فأنت طالق فدخلت مرة بعد أخرى لم يتكرر الطلاق ولو قال كلما دخلت أو كل وقت دخلت فدخلت مرة بعد أخري تكرر.
فإن قلت: فإذا كانت أي لا تدل على التكرار وانما تدل على أحد ما دخلت عليه لا بعينه فهي والمطلق سواء وكل منهما عمومه على البدل لا على الشمول والكلام إنما هو في عموم الشمول.
قلت: المطلق والنكرة التي لا عموم فيها لا تعرض لها للأفراد وانما يدل المطلق على الماهية وان دلت النكرة مع ذلك على وحدة فلا عموم فيها فمطلق
(2/100)

هذا في النفي إذا قلت لا تشتم من شتمك فالظاهر أن المراد الحقيقة ومعناه مخالف لمعنى لا تشتم كل من شتمك.
والثالث: أي وهي مثل كل في إقامة الأفراد لكن يفارقها في اقتضاء كل الاستغراق الشمولي وأي لا تقتضي الا الاستغراق البدلي والله أعلم.
قال أو بقرينة في الاثبات كالجمع المحلى بالألف واللام والمضاف وكذا اسم الجنس أو النفي كالنكرة في سياق.
هذا هو الضرب الثاني: هو ما يفيد العموم من جهة اللغة لا من جهة وضعه له بل بواسطة اقتران قرينة وهو على وجهين.
أحدهما: أن يكون في الاثبات وذلك كالجمع المحلى بالألف واللام من غير عهد مثل أن الله بريء من المشركين والجمع المضاف نحو عبيدي أحرار وكذا المفرد إذا دخلت عليه الألف واللام أو الإضافة وهو الذي عبر عنه المصنف باسم الجنس كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} وقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} كما سبق ومما يدل على أن المفرد المضاف يعم ولم نر من ذكره قوله تعالى: {وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ} 1 فان المراد موسى المرسل إلى فرعون ومعه هارون ولوط المرسل إلى المؤتفكات وهنا تنبيهان.
أحدهما: ان العموم فيما ذكر مختلف فالداخل على اسم الجنس يعم الأفراد أعنى كل فرد فرد والداخل على الجمع يعم المجموع لان الألف واللام والإضافة يعمان افراد ما دخلا عليه وقد دخلا على جمع فانظر في هذا وفائدته انه يتعذر الاستدلال به في النفي والنهي على ثبوت الحكم لفرد لأنه إنما حصل النفي أو النهي عن افراد المجموع وليس الواحد جمعا وهذا معنى قولهم لا يلزم من النهي عن المجموع النهي عن كل فرد ولا من نفيه نفي كل فرد وهذا لا يعارض ما تقدم من ان العموم من باب الكلية وان معناه ثبوته لكل فرد سواء كان نفيا أو نهيا أم لا لانا في حالة الجمع أثبتناه ايضا في النفي والنهي لكل فرد من أفراد ما دخل عليه وهي الجموع وينبغي على مساق
__________
1 سورة الحلقة آية 9.
(2/101)

هذا في النفي إذا قلت لا تشتم من شتمك فالظاهر أن المراد الحقيقة ومعناه مخالف لمعنى لا تشتم كل من شتمك.
والثالث: أي وهي مثل كل في إقامة الأفراد لكن يفارقها في اقتضاء كل الاستغراق الشمولي وأي لا تقتضي الا الاستغراق البدلي والله أعلم.
قال أو بقرينة في الاثبات كالجمع المحلى بالألف واللام والمضاف وكذا اسم الجنس أو النفي كالنكرة في سياق.
هذا هو الضرب الثاني: هو ما يفيد العموم من جهة اللغة لا من جهة وضعه له بل بواسطة اقتران قرينة وهو على وجهين.
أحدهما: أن يكون في الاثبات وذلك كالجمع المحلى بالألف واللام من غير عهد مثل أن الله بريء من المشركين والجمع المضاف نحو عبيدي أحرار وكذا المفرد إذا دخلت عليه الألف واللام أو الإضافة وهو الذي عبر عنه المصنف باسم الجنس كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} وقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} كما سبق ومما يدل على أن المفرد المضاف يعم ولم نر من ذكره قوله تعالى: {وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ} 1 فان المراد موسى المرسل إلى فرعون ومعه هارون ولوط المرسل إلى المؤتفكات وهنا تنبيهان.
أحدهما: ان العموم فيما ذكر مختلف فالداخل على اسم الجنس يعم الأفراد أعنى كل فرد فرد والداخل على الجمع يعم المجموع لان الألف واللام والإضافة يعمان افراد ما دخلا عليه وقد دخلا على جمع فانظر في هذا وفائدته انه يتعذر الاستدلال به في النفي والنهي على ثبوت الحكم لفرد لأنه إنما حصل النفي أو النهي عن افراد المجموع وليس الواحد جمعا وهذا معنى قولهم لا يلزم من النهي عن المجموع النهي عن كل فرد ولا من نفيه نفي كل فرد وهذا لا يعارض ما تقدم من ان العموم من باب الكلية وان معناه ثبوته لكل فرد سواء كان نفيا أو نهيا أم لا لانا في حالة الجمع أثبتناه ايضا في النفي والنهي لكل فرد من أفراد ما دخل عليه وهي الجموع وينبغي على مساق
__________
1 سورة الحلقة آية 9.
(2/102)

هذا التقرير أن تختلف الجموع تشمل جموع القلة ثلاثة ثلاثة ولا يشمل جموع الكثرة وإلا أحد عشر أحد عشر.
الثاني: علمت اختيار المصنف ان المفرد المعرف بأن يعم وهو قول أبى اسحاق الشيرازي وابن برهان والجبائي والمبرد وصححه ابن الحاجب وهو المنقول عن الشافعي واما الإمام واكثر اتباعه فقالوا لا يفيد العموم والمختار الأول.
فان قلت لم لا قال الشافعي رضي الله عنه بوقوع الثلاث على من حلف بالطلاق المعروف وحيث قلت:
هذا سؤال سأله القرافي الشيخ عز الدين بن عبد السلام وأجابه كما ذكر في شرح المحصول بأن هذا يمين فيراعي فيهما العرف دون الأوضاع اللغوية قال الشيخ الإمام الوالد رحمه الله في الأجوبة عن الأسئلة التي سألته عنها وقد يقال في الجواب ان الطلاق حقيقة واحدة وهي قطع عصمة النكاح وليس له أفراد حتى يقال أنها تندرج في العموم ولكن مراتبه مختلفة منها ما يحصل به تشعيب النكاح وهو الرجعي وجوز الشارع فيه ان يكون مرة بعد أخرى والتشعيب الحاصل من الثانية اكثر من الحاصل بالأولى وان اشتركا في جواز الرجعة ومنها ما يحصل به البينونة مع إمكان الرد بغير محلل وهو إذا كان بعوض ومنها ما يحصل به البينونة الكبرى وهو الثلاث فهذه مراتب وليست إفرادا ولكن إذا قال أنت طالق ثلاثا فقد استوعب جملة الطلاق فإذا لم يذكر الثلاث ولا نواها لم يحمل الا على اقل المراتب لان الألف واللام لا دلالة لها على قوة مرتبة أو ضعفها فلا يحمل الا على الماهية وليست آحاد المراتب بمنزلة أحاد العموم حتى نقول بالاستغراق وأيضا فلو قال القائل العنق يلزمني أو المشي ان مكة ونحو ذلك وقلنا:
يجب عليه الوفاء لم يلزمه الا المسمى فكذلك هذا قال وهذا شيء يمكن ان يقال والأدب مع الشيخ عز الدين الاقتصار على جوابه.
والثاني: مما يدل بواسطة اقتران قرينة ان يكون في النفي وذلك كالنكرة
(2/103)

في سياقه إما بما أو بلن أو ليس أو لم فإنها تعم سواء باشرها النفي نحو ما أحد قائم أم باشر عاملها نحو ما قام أحد ومما استدل به الإمام على النكرة في سياق النفي تعم انه لو لم يكن للنفي لما كان قولنا لا اله الا الله نفيا لدعوى من ادعى الها سوى الله تعالى.
واعلم ان النكرة ان كانت صادقة على القليل والكثير أو واقعة بعد لا العاملة عملان أعني لا التي لنفي الجنس مثل لا رجل في الدار ببناء رجل على الفتح أو داخلا عليها من مثل ما جاءني من رجل فإن كونها العموم من الواضحات ولكن هل استفيد العموم في قولك ما جاءني من رجل من لفظه أو كان مستفادا من النفي قبل دخولها هي لتأكيده الحق الثاني وهو ما قرره والدي أيده الله غير مرة ولهذا قال الشيخ جمال الدين بن مالك وتزاد لتخصيص العموم بعد نفي أو شبهة وأراد بتنصيص العموم تقويته كما.
ذكرناه وان كان هو حاصلا قبلها وقد اعترض عليه شيخنا أبو حيان فقال تقسيم المصنف وغيره من هذه الزائدة إلى أنها تكون لاستغراق الجنس ولتأكيد الجنس ليس هو مذهب سيبويه رحمه الله بل قولك ما جاءني من أحد وما جاءني من رجل من في الموضعين لتأكيد استغراق الجنس وهذا هو الصحيح انتهى وانما حمل شيخنا أبا حيان على ذلك انه لم يفرق بين العموم وتنصيص العموم ففهم كلام ابن مالك على خلاف ما أراد ثم اعترض عليه والحق ما ذكرناه وان العموم قبل دخول من ظاهر لا نص واحتماله للخصوص احتمال كبير وان كان مرجوحا وبعد دخول من العموم نص واحتمال الخصوص ضعيف جدا بحيث لا يكاد يوجد في كلام العرب ولا ينبغي ان يكون في ذلك خلاف بل ينزل اختلاف كلام العلماء على هذا التنزيل الذي ذكرناه وانه متى قلت ما جاءني رجل أفاد الاستغراق مع جواز إرادة الوحدة جواز منكر.
وإذا قلت ما جاءني من رجل كان الاستغراق فصار إرادة الخصوص مستنكرة.
(2/104)

وإذا قلت ما جاءني أحد كان نصا في العموم لان أحد لا يدخل الا في النفي الا إذا كانت همزتها مبدلة من واو فإنها تدخل في الاثبات فلذلك يحتمل الخصوص ايضا فإذا دخلت عليه من كقوله تعالى: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} 1لم يبق الاحتمال الخصوص وجه وقد تمسك القرافي في ان ما جاءني رجل لا يفيد العموم بقوله الزمخشري في قوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 2 إنما استفيد العموم من لفظه من ولو قال مالكم اله غيره لم يعم مع ان لفظه اله نكرة وقد حكم بأنه لا يعم وكذلك قوله: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ} 3 قال إنما استفيد العموم من لفظه من تكون لإرادة العموم نحو ما تقدم وتارة تؤكد العموم كقولك ما جاءني من أحد وهذا الذي قاله الزمخشري يمكن تأويله على أنها أربع مراتب كما أشرنا إليه أدناها في إفادة العموم ما جاءني رجل لعدم دخول من ولعدم اختصاص رجل بالنفي وأعلاها ما جاءني من ديار لانتفاء الأمرين والمرتبة المتوسطة ما جاءني من رجل وما جاءني أحد كما أشرنا إليه من قبل فان أراد الزمخشري ذلك صح كلامه وإلا فهو ممنوع لان قوله تعالى: {لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً} 4 وقوله: {لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} ونظائرهما مما لا شك في إفادته العموم وليس فيه من ولا لفظ مختص بالنفي وأيضا فان النكرة تدل على المساهمة ولا دلالة لها على قيد الوحدة وان كانت محتملة له والاصل عدمه فدخول النفي عليها بنفي معناها بطريق الأصالة وهو مطلق الماهية ويلزم منه العموم واما احتمال قيد الوحدة فهو سابع ولكنه خلاف الأصل والظاهر فلا يجعل هو الأصل في الدلالة ولا مساويا لما هو الأصل وإذا تؤمل كلام العرب حصل القطع بذلك ولم يثبت في هذه المسالة خلاف ومن ادعى فيها خلافا يحتاج إلى بيان ورد لما قلناه ومع كون من هذه تفيد نصية العموم أو تأكيده في محتملة لان يكون للتبعيض أولا ابتداء الغاية.
وقال ابن مالك ان في كلام سيبويه إشارة إلى أنها للتبعيض وهو كما قال
__________
1 سورة الحاقة آية 47.
2 سورة هود آية 50.
3 سورة يس آية 46.
4 سورة البقرة آية 48.
(2/105)

لأن سيبويه قال بعد تمثيله بما أتاني من رجل أدخلت من لأن هذا موضع تبعيض فأراد أنه لم يأت بعض الرجال وقال شيخنا أبو حيان ان هذا غير مرضي من ابن مالك لأنه يلزم منه ان تكون ألفاظ العموم للتبعيض وانما المقصود بزيادة من في نحو ما أتاني من رجل جعل المجرور بها نصا في العموم وانما تكون للتبعيض فيما إذا لم يقصد عموم وحسن في موضعها بعض نحو من الناس من يقول وهذا الذي قاله شيخنا غير مرضي والحق ما قاله ابن مالك وقد وافق شيخنا في آخر كلامه على جواز إرادة ذلك وعجب قوله انه يلزم ان يكون ألفاظ العموم للتبعيض وانما حمله على ذلك توهمه ان اصل العموم مستفاد من لفظة من وقد بينا خلافه فيما تقدم والله اعلم.
فائدتان: الاولى صرح امام الحرمين بأن النكرة في سياق الشرط تعم في قول القائل من يأتني بمال أجازه فلا يختص هذا بمال هذا كلامه ومراد العموم البدلي لا الشمولي وهو صحيح.
الثانية: اختلف في ان النكرة في سياق النفي هل عمت لذاتها والنفي المشترك منهما.
والثاني: هو قول الحنفية واختاره والدي أيده الله فلم يحصل العموم عندهم الا لأن حرف النفي اقتضى نفي الماهية الكلية ونفي الأعم يلزم منه نفي الأخص فحصلت السالبة الكلية بطريق اللزوم لا لأن اللفظ موضوع في اللغة للسالبة الكلية وظاهر كلام غيرهم من الشافعية الأول وهو ان اللفظ وضع لسلب كل فرد من افراد الكلية وان سلب الكلي حصل بطريق اللزوم لنفي الكلية عكس تلك المقالة فإنه يلزم من نفي كل فرد نفي الكلي ومن نفي الكلي نفي كل فرد فهما متلازمات وهذا المذهب هو الظاهر عند القرافي وينبني على الخلاف التخصيص بالنية فإن قلنا يقول الحنفية من أنه نفي للكلي فلا يؤثر حتى لو قال لا أكلت ونوى معينا لا يسمع وإن قلنا بالقول الآخر من انه نفي للكلية فيؤثر تخصيص بعض الأفراد بالنية.
قال أو عرفا مثل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} فإنه يوجب حرمة جميع الاستمتاعات.
(2/106)

هذا هو القسم الثاني: وهو تقيد العموم من جهة العرف مثل قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} فإن أهل العرف نقلوا تحريم العين إلى تحريم جميع الاستمتاعات المقصودة من النساء فيفيد حرمة جمع الاستمتاعات من الوطء ومقدماته ومنهم من يقول.
المقصود في هذه الآية تحريم الوطء خاصة ومنهم من تدعي إجمالها كما ستعرفه في باب المجمل والمبين لأن المصنف ذكر قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} فإنا حملناه على الأكل للعرف
والخلاف في هذه الآية هو الذي في تلك.
قال أو عقلا كترتب الحكم على الوصف.
هذا هو القسم الثالث: وهو ما يدل عليه بالعقل وهو ثلاثة.
الأول: وعليه اقتصر في الكتاب ترتيب الحكم على الوصف فإن ترتيبه يشعر بكونه علة له وذلك يفيد بالعقل على معنى أنه كلما وجدت العلة وجد المعلول وكلما انتفت انتفي فهذا القسم إنما دل بالعقل ولم يدل باللغة ولا بالعرف أما العرف فواضح وأما اللغة فلأنه لو دل بها لكان أما المنطوق أو المفهوم وانتفاء المفهوم ظاهر ولا يدل بالمنطوق لان تعليق الشيء بالوصف لا يدل على التكرار لفظا.
والثاني: ما يذكر جوابا عن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عمن افطر فقال عليه الكفارة فيعلم أنه يعم كل مفطر.
والثالث: مفهوم المخالفة عند القائلين به كقوله صلى الله عليه وسلم: "مطل الغني ظلم" فانه بمفهومه يدل على أن مطل غير الغني لا يكون ظلما وأما مفهوم فداخل في القسم الأول إذا الحكم إنما ثبت فيه بطريق الأولى لأجل أن العلة فيه أولى أو لكونه مساويا لأجل ان العلة اقتضت ذلك فكان من جملة أصناف القسم الأول.
(2/107)

قال ومعيار العموم جواز الاستثناء فانه يخرج ما يجب اندراجه لولاه وإلا لجاز من الجمع المنكر قيل لو تناوله لامتنع الاستثناء لكونه نقضا قلنا: منقوض بالاستثناء من العدد.
ذهب قوم وهم الملقبون بأرباب الخصوم إلى انه ليس للعموم صيغة تخصه وان ما سبق ذكره من الصيغ موضوع في الخصوص وهو اقل الجمع أما إثنان أو ثلاثة على الخلاف فيه واستعمل في العموم مجازا وذهب الشافعي وسائر المحققين إلى أن له صيغا مخصوصة به بالوضع ويستعمل مجازا في الخصوص وذهب آخرون الى الوقف ونقله القاضي في مختصر التقريب عن الشيخ ومعظم المحققين وذهب إليه قال وحقيقة ذلك انهم قالوا سبرنا اللغة ووضعها فلم نجد في وضع اللغة صيغة دالة على العموم سواء وردت مطلقة أو مقيدة بضروب من التأكيد واقفية مذهب آخر وهو دعوى الاشتراك.
ونقل عن الشيخ ايضا وعليه الاكثرون من الواقفية ومنهم من فصل بين الاخبار والوعيد والأمر والنهي.
فقال: بالوقف في الاخبار والوعد والوعيد دون الامر والنهي هذه مذاهب خمسة وحكى القاضي في تختصر التقريب سادسا وهو تسليم العموم حالة التقييد بضروب من التقييد فلفظ الناس مثلا إذا قلنا انه لا يعم حالة الاطلاق فنسلم انه عام في مثل قوله القائل الناس أجمعون عن آخرهم صغيرهم وكبيرهم لا يشذ منهم أحد إلى غير ذلك.
قال القاضي والمحققون من الواقفية يقولون:
وان قيدت بهذه القيود فليست موضوعة للاستغراق في اللغة ولكن قد يعرف عمومها بقرائن الأحوال المقترنة بالمقال وهي مما لا تنحصر بالعبارة كما يعرف بالقرائن وجل الرجل وان كانت القرائن لا توجب معرفتها ولكن أجرى الله العادة بخلق العلم الضروري عندها.
(2/108)

وسابعا: عن بعض الواقفية ان الخير إذا انطوى على وعيد العصاة من أهل الملة لزم التوقف فيه ولا يتوقف في غيره.
وثامنا: وهو التوقف في الوعيد دون الوعد قال وفرق بينهما بما يليق بالشطح والبرهان دون الحقائق.
وتاسعا: عن بعض المنتمين إلى الواقفية وهو ان الاخبار إذا وردت ومخرجها مخرج العموم عند القائلين به وسمعها السامع وكانت وعدا أو وعيدا ولم يسمع من آي الكتاب وسنن الرسول صلى الله عليه وسلم ومواقع أدلة السمع شيئا فيعلم ان المراد بها العموم وان كان قد سمع قبل اتصالها به أدلة الشرع وعلم انقسامها للخصوص والعموم فلا يعلم حينئذ العموم في الاخبار اتصلت به.
قال: واعلم ان هذه الفئة بالنسبة إلى القائلين بالعموم أولى منهم بالنسبة إلى الواقفية هذا ما حكاه القاضي في هذا الكتاب ثم أطنب في الاستدلال على مذهبه والرد على خصومه وهذه المذاهب التي حكاها ذكرها غيره وانما أردت سردها من كلام القاضي.
واعلم ان هذا الكتاب قد أكثرنا النقل عنه في هذا الشرح وهو كتاب التلخيص لامام الحرمين اختصر من كتاب التقريب والإرشاد للقاضي فلذلك أغزو النقل تارة إلى التلخيص لامام الحرمين وذلك حيث يظهر لي ان الكلام من أمام الحرمين فإنه زاد من قبل نفسه أشياء على طريقة المتقدمين في الاختصار وتارة أعزوه إلى مختصر التقريب وهو حيث لا يظهر لي ذلك والذي أقوله ليستفاد اني على كثرة مطالعتي في الكتب الأصولية للمتقدمين والمتأخرين وتنقيبي عنها على ثقة بأني لم أر كتابا اجل من هذا التلخيص لا لمتقدم ولا لمتأخر ومن طالعة مع نظره الى ما عداه من المصنفات علم قدر هذا الكتاب وفي المسألة قوله.
عاشرا: حكاه المازري في شرح البرهان فقال أشار بعض المتأخرين في بعض الفاظه إلى طريقة مستغربة لا يكاد يصغي إليها أحد من أهل هذه الصناعة فقال ان لفظة المؤمنين والكافرين حيث ما وقعت في الشرع أفادت
(2/109)

العموم ويمكن ان يكون هذا من أحكام الشرع في بعض الالفاظ اللغوية كاحتكامه في لفظ الصلاة والحج والصوم وهنا تنبيهات.
أحدها: أن الواقفية وإن قالت لم يوضع اللفظ لخصوص ولا عموم.
قالت: بانا نعلم أن اقل الجمع لا بد منه ليجوز إطلاقه قال امام الحرمين ومما دل الناقلون فيه انهم نقلوا عن أبي الحسن ومتبعيه ان الصيغة وان تقيدت بالقرائن فإنها لا تشعر بالحج بل تبقى على التردد.
قال: وهذا وان صح النقل فيه فهو مخصوص عندي بالتوابع المؤكدة لمعنى الجمع كقول القائل رأيت القوم أجمعين اكثعين ابصعين فأما ألفاظ صريحة تعرض مقيدة فلا يظن بذي عقل أنه يتوقف فيها.
الثاني: قال امام الحرمين لا ينكر أحد من الواقفية أمكان وأيضا استدلال الصحابة بعموم ذلك مثل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} .
التعبير عن معنى الجميع بترديد ألفاظ مشعرة به كقول القائل رأيت القوم واحدا واحدا لم يغتن منهم أحدا وإنما كرر هذه الالفاظ قاطعا لوهم من يحسبه خصوصا الى غير ذلك.
قال: وانما انكر الواقفية لفظة واحدة مشعرة بمعنى الجمع انتهى وقد علمت فيما تقدم من كلامه في التلخيص أن الذي ادعى فيه الوفاق محل خلاف ولا يتوهم ان مراده بالجمع القدر المخصوص الذي هو ثلاثة أو اثنان وانما مراده العموم يدل عليه.
قوله: إنما كرر هذه الالفاظ قطعا لوهم من يحسبه خصوصا.
وقوله: رأيت القوم واحدا واحدا لم يغتني منهم أحد وقد أطلنا في حكاية المذاهب فلنعد الى الشرح فنقول الذي ذهب إليه المصنف تبعا لامام مذهب الشافعي وهو المختار ونقله القاضي عبد الوهاب في الملخص عن الفقهاء بأسرهم والآمدي قال المختار إنما هو صحة الاحتجاج بهذه الالفاظ في الخصوص لكونه مرارا من اللفظ يقينا سواء أريد به الكل أو البعض والوقف
(2/110)

فيما زاد على ذلك هذا كلامه وهو قريب من مذهب الواقفية الا انه لم يصرح بأنه متردد في ان العموم هل له صيغة أو هل الصيغة مشتركة وانما ذكر الاحتجاج فقط وابن الحاجب لم يتابعه على هذا بل اختار مذهب الشافعي رضي الله عنه واستدل المصنف عليه بوجهين.
أحدهما: انه لو لم تكن هذه الصيغ للعموم لما جاز دخول الاستثناء لكنه يجوز أن يستثني منها ما يشاء من الأفراد بالاتفاق فدل على أنها للعموم وبيان الملازمة ان الاستثناء وإخراج ما لولاه لوجب دخوله في المستثنى منه فلزم ان يكون كل الأفراد واجبة الإندراج ولا معنى للعموم الا ذلك وانما قلنا لولا الاستثناء لوجب اندراج المستثنى في المستثنى منه ولان الاندراج جائز بالاتفاق فلو لم يكن واجبا ايضا لكان يجوز الاستثناء من الجمع المنكر لاشتراكهما في إمكان اندراج كل فرد من أفرادهما تحته فتقول جاء رجال الا زيدا وقد نص النحاة على منعه وأجاب بأن ما ذكرتموه منقوض بالاستثناء من العدد فانه يجوز وهذا الجواب أولا ضعيف لان للخصم أن يمنع صحة الاستثناء من تعدد كما هو أحد المذاهب للنحاة وصححه إبن عصفور.
وثانيا: لا يحتاج إليه لأنه لم يدع وجوب الاندراج مع كونه مستثنى وانما ادعاه عند عدمه ولهذا قال ما يجب اندراجه لولاه وعلى هذا الفرض فالمستثنى ليس داخلا في المستثنى منه نية وإنما هو داخل لغة لأن المختار أن الحكم على المستثنى منه إنما هو بعد إخراج المستثنى فلا تناقض واعترض القرافي على الدليل بان الاستثناء أربعة أقسام ما لولاه لعلم دخوله نحو عشرة الا اثنين وما لولاه لظن دخوله وهو الاستثناء من العمومات نحو اقتلوا المشركين الا زيدا وما لولاه لجاز دخوله من غير علم ولا ظن وهو أربعة الاستثناء من المحال نحو اكرم رجلا الا زيدا فان كل أخص محل لأعمه والأزمنة نحو صل الا عند الاستواء والأمكنة نحو صل الا في الحمام والأحوال كقوله تعالى: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} 1 أي في كل حالة من الأحوال الا في حالة الإحاطة بكم وما لولاه لامتنع دخوله نحو الاستثناء المنقطع في قولك قام القوم
__________
1 سورة يوسف آية 66.
(2/111)

الا حمارهم وإذا كان الاستثناء اعم من كل واحد من هذه الاقسام امتنع الاستدلال به على الوجوب فان الخصم لا يعتقد الا الجواز في هذه الصورة هذا اعتراضه والجواب ان لا ندعى ان امتنع الاستدلال به على فإن الخصم لا يعتقد الا الجواز في هذه الصورة هذا اعتراضه والجواب ان لا ندعي ان مطلق الاستثناء لإخراج ما لولاه لوجب دخوله وانما ندعي ذلك في صيغة من وما والمجموع المعرفة والدليل عليه اجماع أئمة العربية على ان الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ والاتفاق على انه يصح الاستثناء من هذه الصيغ وهاتان المقدمتان يفيدان كون هذه الصيغة للعموم والمقدمة الإجماعية لا تمنع ولا تعارض سواء قلنا تفيد العلم أم لا وأيضا فالاستثناء إخراج ما لولاه لدخل سواء كان معلوم الدخول أو مظنون الدخول وذلك هو القدر المشترك وإلا يلزم الاشتراك أو المجاز وهما على خلاف الأصل واما استثناء الجائز فممنوع وقوله المحال نحو أكرم رجلا الا زيدا.
قلنا: قال النحاة لا يستثنى المعرفة من النكرة الا ان عمت نحو ما قام رجال كانوا في دارك الا زيد منهم وليس في قولكم اكرم رجلا الا زيدا واحدا الأمرين واما الأزمنة والأمكنة والأحوال فإنما ذلك لتقدير لأنك تقدر صل كل وقت وصل في كل مكان ولتاتنني به في كل حاله فالاستثناء بعد ذلك إنما ورد على داخل في اللفظ والله اعلم قال وأيضا استدلال الصحابة بعموم ذلك مثل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله الأئمة من قريش نحن معاشر الأنبياء لا نورث شائعا من غير نكير.
الوجه الثاني: من الاستدلال أن الصحابة رضي الله عنهم استدلت بعموم بعض هذه الصيغ أو بعضهم وشاع ولم ينكر فكان اجماعا وبيان ذلك انهم استدلوا لعموم اسم الجنس المحلى بالألف واللام على العموم وذلك نحو قوله تعالى:
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} 1وعملوا بمضمون ذلك واستدلوا بعموم الجمع المضاف نحو تعالى:
__________
1 سورة النور آية 2.
(2/112)

{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} 1 واستدل أبو بكر رضي الله عنه ايضا بعمومه فانه رد على فاطمة رضي الله عنها لما طلبت منه ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله صلى الله عليه وسلم:
"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة" 2 وهذه الواقعة على هذا النسق لا اعرفها وانما اخرج البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها ان فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثها من الرسول صلى الله عليه وسلم يطلبان سهمه من فدك وسهمه من خيبر فقال لهما أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا نورث ما تركنا صدقة".
وروى الترمذي في غير الجامع: "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة" قال شيخنا الذهبي3 وفي صحته نظر واستدل عمر رضي الله عنه بعموم اسم الجمع المحلى فانه قال لأبي بكر رضي الله عنه حين عزم على قتال مانعي الزكاة كيف تقاتلهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم" فقال له أبو بكر أليس قد قال: "إلا بحقها" وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وتمسك به أيضا أبو بكر رضي الله عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: "الأئمة من قريش" 4 وحديث الائمة من قريش رواه العام احمد والنسائي
__________
1 سورة النساء آية 11.
2 روى هذا الحديث البخاري في كتاب فضل الجهاد باب فرض الخمس 4/98وكتاب الفرائض باب: لانورث ماتركناه صدقة 8/185 كما رواه مسلم في باب حكم الفيء5/153- 154 كذا رواه النسائي في سننه الكبرى بلفظ إنا بدلا من نحن. ولا تعارض بين الحديث وبين قوله: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} النمل آية 16فإن المقصود في الآية الكريمة هو وارثة العلم أو النبوة والملك. والله أعلم. اهـ محققة.
3 هو محمد بن أحمد بن عثمان قايماز الذهبي حافظ مؤرخ تركماني الأصل من أهل ميا فارقين.
مولده ووفاته في دمشق رحل إلى القاهرة وطاف كثيرا من البلدان تصانيفه تفوق الحصر. منها: دول الإسلام: وتاريخ الإسلام الكبير: وسير النبلاء وتذكرة الحفاظ وغير ذلك.
توفي سنة 748هـ. وفوات الوفيات 2/3/183, الإعلام 6/222- 223.
4 رواه البخاري – فتح الباري 13/93 , والنسائي وأبو يعلى من طريق بكير الجزري عن أنس كما رواه أحمد في مسنده 1/93, 3/129, 183, 4/421.
(2/113)

قال الثالثة: الجمع المنكر لا يقتضي العموم لأنه يحتمل كل أنواع العدد قال الجبائي انه حقيقة في كل أنواع العدد فيحمل على الجميع حقائقه قلنا لا بل في القدر المشترك.
الجمع المنكر إذا لم يكن مضافا لا يقتضي العموم عند الجمهور بل يحمل على ثلاثة أو اثنين على الخلاف في اقل الجمع وذهب أبو على الجبائي إلى انه يقتضيه قال صفي الدين الهندي والذي أظنه ان الخلاف في غير جمع القلة وإلا فالخلاف فيه بعيدا جدا إذ هو مخالف لنصهم على انه للعشرة مما دونها انتهى لكن الحكايات في غالب المصنفات عن الجبائي ناطقة فانه يجمع الجمع المنكر بمنزلة الجمع المعرف والقاضي في مختصر التقريب صرح بحكاية ذلك عنه وقضية ذلك عدم التفرقة بين جموع القلة والكثرة لنا ان لفظ رجال يحتمل جميع أنواع العدد لأنه يصح لغة بأي جمع شئنا فنقول رجال ثلاثة وأربعة وخمسة فصح نقسمه الى ذلك ومورد التقسيم اعم من كل واحد من تلك الاقسام الخاصة والأعم لا يدل على الأخص فاللفظ الدال على ذلك المورد لا يكون له أشعار بتلك الاقسام فلا يكون الا عليها وفي قول المصنف في كل أنواع العدد مناقشة إذ يقال الاثنان عدد باتفاق لحساب وليس ذلك بجمع على رأيك لأنه اقل الجمع ثلاثة واحتج الجبائي بأن جملة على الاستغراق حمل له على كل حقائقه لأنه يطلق على كل نوع منها والاصل في الإطلاق الحقيقه مشتركا بينهما فيحمل عليها.
أجاب بأنا لا نسلم انه حقيقة في القدر المشترك بين الكل وهو مطلق الجمع الصادق على الثلاثة والأربعة فما فوقهما وقد بينا ان الدال على ما به الاشتراك غير دال على ما به الاحتياز.
واعلم ان هذا الدليل الذي أورده الجبائي يستفاد منه انه عنده من المشتركات وانه يحمل المشترك على معاينة وسبق التنبيه على ذلك في مسالة المشترك وللجبائي دليل آخر يغاير هذه الطريقة وهو صحة الاستثناء من الجمع المنكر حكاه عنه الأصوليون على طبقاتهم القاضي فمن بعده وهو مغايرته لهذه
(2/114)

الطريقة ممنوع فقد أتفقت النحاة على ان ذلك لا يصح واما جعل الإمام هنا اقل رجال ثلاثة ففيه نظر لان جمع كثرة والأقل في مدلوله إنما هو أحد عشر باتفاق النحاة وهو المشترك بين جموع الكثرة كلها الا ان ما ذكره ماش على ما قاله الفقهاء فإنهم قالوا له عندي دراهم قبل تفسيره ثلاثة مع أن دراهم جمع كثرة.
(2/115)

الطريقة ممنوع فقد أتفقت النحاة على ان ذلك لا يصح واما جعل الإمام هنا اقل رجال ثلاثة ففيه نظر لان جمع كثرة والأقل في مدلوله إنما هو أحد عشر باتفاق النحاة وهو المشترك بين جموع الكثرة كلها الا ان ما ذكره ماش على ما قاله الفقهاء فإنهم قالوا له عندي دراهم قبل تفسيره ثلاثة مع أن دراهم جمع كثرة.
(2/115)

المسألة الثالثة: في الجمع المنكر لا يقتضي العموم
...
قال الثالثة: الجمع المنكر لا يقتضي العموم لأنه يحتمل كل أنواع العدد قال الجبائي انه حقيقة في كل أنواع العدد فيحمل على الجميع حقائقه قلنا لا بل في القدر المشترك.
الجمع المنكر إذا لم يكن مضافا لا يقتضي العموم عند الجمهور بل يحمل على ثلاثة أو اثنين على الخلاف في اقل الجمع وذهب أبو على الجبائي إلى انه يقتضيه قال صفي الدين الهندي والذي أظنه ان الخلاف في غير جمع القلة وإلا فالخلاف فيه بعيدا جدا إذ هو مخالف لنصهم على انه للعشرة مما دونها انتهى لكن الحكايات في غالب المصنفات عن الجبائي ناطقة فانه يجمع الجمع المنكر بمنزلة الجمع المعرف والقاضي في مختصر التقريب صرح بحكاية ذلك عنه وقضية ذلك عدم التفرقة بين جموع القلة والكثرة لنا ان لفظ رجال يحتمل جميع أنواع العدد لأنه يصح لغة بأي جمع شئنا فنقول رجال ثلاثة وأربعة وخمسة فصح نقسمه الى ذلك ومورد التقسيم اعم من كل واحد من تلك الاقسام الخاصة والأعم لا يدل على الأخص فاللفظ الدال على ذلك المورد لا يكون له أشعار بتلك الاقسام فلا يكون الا عليها وفي قول المصنف في كل أنواع العدد مناقشة إذ يقال الاثنان عدد باتفاق لحساب وليس ذلك بجمع على رأيك لأنه اقل الجمع ثلاثة واحتج الجبائي بأن جملة على الاستغراق حمل له على كل حقائقه لأنه يطلق على كل نوع منها والاصل في الإطلاق الحقيقه مشتركا بينهما فيحمل عليها.
أجاب بأنا لا نسلم انه حقيقة في القدر المشترك بين الكل وهو مطلق الجمع الصادق على الثلاثة والأربعة فما فوقهما وقد بينا ان الدال على ما به الاشتراك غير دال على ما به الاحتياز.
واعلم ان هذا الدليل الذي أورده الجبائي يستفاد منه انه عنده من المشتركات وانه يحمل المشترك على معاينة وسبق التنبيه على ذلك في مسالة المشترك وللجبائي دليل آخر يغاير هذه الطريقة وهو صحة الاستثناء من الجمع المنكر حكاه عنه الأصوليون على طبقاتهم القاضي فمن بعده وهو مغايرته لهذه
(2/114)

المسألة الرابعة: نفي المساواة بين الشئين هل هو عام.
...
قال الرابعة قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} 1 يحتمل نفي الاستواء من كل وجه ومن بعضه فلا ينبغي الاستواء من كل وجه لان الأعم لا يستلزم نفي الأخص بخلاف لا آكل فانه عام فيحتمل التخصيص كما لو قيل لآكل أكلا وفرق أبو حنيفة بان أكلا يدل على الوحدة وهو ضعيف.
هذه المسالة مشتملة على بحثين:
الأول: ان نفي المساواة بين الشيئين هل يقتضى العموم اعني نفي الاستواء من كل وجه أم لا وذهبت الشافعية رضي الله عنهم وجماعة آخرون إلى الأول وتمسك بها أصحابنا على ان المسلم لا يقتل بالكافر لان القصاص مبني على المساواة.
وذهب الحنفية إلى الثاني واختاره المصنف تبعا للإمام والخلاف في المسالة دائر على حرف واحد وهو ان لفظ ساوى واستوى وما مثل زيدا عمرا أو زيد مثل عمرو والمماثلات كلها والاستواءات هل مدلولها في اللغة المشاركة في جميع الوجوه حتى يكون مدلولها كلا شاملا ومجموعا محيطا أو مدلولها المساواة في شيء ما حتى يصدق بأي وصف كان واحتج المصنف بأن نفي الاستواء اعم من نفي الاستواء من كل الوجوه أو من بعضها والدال على القدر المشترك بين القسمين لا إشعار له فيه بهما وهذا معنى قولهم الأعم لا يستلزم نفي الأخص فحينئذ نفي الاستواء لمطلق لا يحتمل نفي الإستواء من كل وجه.
__________
1 سورة الحشر آية 20.
(2/115)

فإن قلت هذا ضعيف لأن الأعم إنما لا يدل على الأخص في ظرف الاثبات أما في ظرف النفي فيدل لأن نفي العام يدل عل نفي الخاص وهذا نفي للحقيقة التي هي أعم فينبغي جزئياتها الا ترى إلى تكذيبك من قال لم أر حيوانا وكان قد رأى إنسانا وهذا يصلح ابتداء دليل لنا فإن لا استوى نكرة دخل عليها حرف النفي فيكون العموم لموافقتكم إيانا على ان النكرة في سياق النفي للعموم.
قلت: هذا بحث صحيح حقا من جهة قولنا ان الاستواء اعم وكل فرد من أفراده أخص ونحن إنما قلنا ذلك جريا على متن الكتاب والذي عندنا ان الاستواء شيء واحد مدلوله واحد وهو الاستواء من جميع الوجوه وما يحصل بين زيد وعمرو من المساواة في بعض الوجوه فليست المساواة المطلقة بل مساواة خاصة فإذا نفيت تلك المساواة التي موضوعها جميع الوجوه لم يلزم ان لا يثبت مساواة أخرى مقيدة ببعض الوجوه وانما يلزم ذلك ان لو كان ثم أعم وأخص.
فإن قلت: هل هذا في حال النفي على الوجه الذي قررتم سلب للعموم فان مدلول المساواة على ما ذكرتم جميع الوجوه فلا يلزم من انتفائها أن لا يثبت من بعض الوجوه:
قلت: لو كان مدلوله متعددا لكان كذلك ولكنا نجعله شيئا واحدا وهو المساواة المتعلقة بجميع الوجوه فإذا نفيته انتفت تلك المساواة إذ هي التي كانت مشتبهة ولا يلزم أن لا يثبت مساواة أخرى مقيدة لم يتعرض لها إثباتك ولا نفيك.
البحث الثاني: واليه أشار بقوله بخلاف لا آكل تقريره أنه إذا حلف لا يأكل وتلفظ بشيء معين مثل والله لا آكل التمر أو لم يتلفظ لكن أتى بمصدر ونوى شيئا معينا فلا خلاف بين الإمامين الشافعي وأبى حنيفة انه لا يحنث بغيره وأما إذا لم يتلفف بالمأكول ولا أتى بالمصدر ولكن خصصه بالنية كما إذا قال والله لا أكلت في النفي ونوى شيئا معينا ففي تخصيص الحنث بالمنوي مذهبان مأخذهما ان قولك لا آكل هل هو سلب الكلي وهو
(2/116)

القدر المشترك في الأكل أو ان حرف النفي الداخل على النكرة عم لذاته وقد تقدم هذا فان قلنا:
بالأول: كما هو قول الحنفية فلا يقبل التخصيص لأنه نفي الحقيقة وهو شيء واحد ليس بعام والتخصيص فرع العموم وان قلنا: بالثاني: عم لكونه نكرة في سياق النفي وإذا ثبت كونه عاما قبل التخصيص كسائر العمومات والمصنف في هذا البحث اختار مذهب الشافعي رضي الله عنه واستدل بالقياس على ما لو قال لا آكل أكلا فان أبا حنيفة سلم قبوله للتخصيص بالنية قال المصنف فكذلك لا آكل فان المصدر موجود فيه لكونه مشتقا منه وقد فرق من اختيار مذهب أبي حنيفة بأن آكل يتضمن الصدر والمصدر إنما يدل على الماهية من حيث هي والماهية من حيث هي لا نعدد فيها فليست بعامة فلا يقبل التخصيص فيحنث بالجميع قال واما آكل فليس بمصدر لأنه يدل على المرة الواحدة وحينئذ يصح تفسير ذلك الواحد بالنية فلهذا لا يحنث بغيره قال صاحب الكتاب وهو ضعيف لان هذا مصدر مؤكد بلا نزاع والمصدر المؤكد يطلق على الواحد والجميع ولا يفيد فائدة سوى تقوية المؤكد فلا فرق حينئذ بين الأول والثاني.
واعلم ان الأمام مال في هذه المسالة على أصحابنا وقال نظر أبى حنيفة فيها دقيق لان النية لصحت أما في الملفوظ أو غيره والأول باطل لان الملفوظ هو الأكل وهو ماهية واحدة لا يقبل التعدد فلا تقبل التخصيص فان أخذت مع قيود زائدة عليها تعددت وحينئذ تصير محتملة للتخصيص لكن تلك زوائد غير ملفوظة بها فالمجموع الحاصل من الماهية ومنها غير ملفوظ فيكون القابل لنية التخصيص غير ملفوظ وهذا هو وان جاز عقلا الا ان نبطله بالدليل الشرعي فنقول إضافة ماهية الأكل إلى الخير تارة والى اللحم أخرى إضافات تعرض لها بحسب اختلاف المفعول به وإضافتها إلى هذا اليوم وذاك وهذا الموضوع وذاك إضافات عارضة بحسب اختلاف المفعول فيه ثم اجمعنا على انه لو نوى التخصيص بالمكان والزمان لم يصح فكذا التخصيص بالمفعول به والجامع رعاية لاحتياط في تعظيم اليمين هذا
(2/117)

كلامه والنظر الدقيق إنما هو نظر أصحابنا وما ذكره الإمام مدخول لا يتبين به دقة نظر الخصم وقوله الأكل ماهية واحدة لا يقبل التعدد قلنا صحيح ولكن مع قرينه دخول حرف النفي لا نسلم انه لا دلالة له على التعدد ولو سلمنا ان الملفوظ لا يقبل التخصيص فغير الملفوظ يقبله والجواب عما ذكره من القياس.
أما أولا: فبالمنع فانا لا نعرف خلافا في المذهب انه يجوز تخصيص النية بالمكان والزمان كما يجوز بالمأكول المعين.
واما الثانية: فقياس المفعول به على المفعول فيه واضح التعسف لأن المفعول به من مقدمات الفعل في الوجود لأن أكلا بلا مأكول محال وكذا في الذهن فهم ماهية الأكل دون المأكول مستحيل فالتزام الأكل للمأكول واضح واما الزمان والمكان فليسا من لوازم ماهية الفعل ولا من مقدماته بل هما من لوازم الفاعل المحدث ولهذا ينفك فعلى الله تعالى عن الزمان والمكان ولا ينفك أكل عن مأكول فالزمان اتفاقي ليس يلازم والحاصل ان دلالة الفعل على المفعول به أقوى من دلالته على المفعول فيه.
ثم إن الإمام قال: ان أكلا غير مصدر في الحقيقة وهذا مخالف لإجماع أهل اللسان على انه مصدر وان إعرابه النصب على المصدر ولكن عذر الإمام انه يدعي انه يشعر بالوحدة فليس المراد به الحقيقة من حيث هي والمصدر للحقيقة من حيث هي ونحن لا نسلم له الاشعار بالوحدة.
خاتمة: صورة هذه المسألة ان يكون الفعل متعديا غير متقيد بشيء مثلناه وهو الذي ذكره إمام الحرمين والغزالي والآمدي وغيرهم وعلى هذا لا تتناول هذه المسألة الأفعال القاصرة والقاضي عبد الوهاب في كتاب الإفادة قال الفعل في سياق النفي هل يقتضي العموم كالنكرة في سياق النفي لأن نفي الفعل لمصدره فإذا قلنا لا يقوم كأنا قلنا لا قيام وعلى هذا التفسير تعم المسألة القاصرة والمتعدي.
(2/118)

الفصل الثاني في الخصوص
المسألة الأولى: في تعريف التخصيص والفرق بينه وبين النسخ
...
الفصل الثاني: في الخصوص
وفيه مسائل الاولى: التخصيص إخراج بعض ما يتناوله اللفظ والفرق بينه وبين النسخ انه يكون للبعض والنسخ قد يكون عن الكل والمخصص والمخرج عنه والمخصص المخرج وهو إرادة اللافظ ويقال للدال عليها مجازا.
بدأ في هذا الفصل بتعريف التخصيص والمخصص أما التخصيص فقد قال أبو الحسن والامام انه إخراج بعض ما يتناوله الخطاب وتبعهما المصنف لكنه أبدل الخطاب باللفظ فالإخراج جنس يشمل المحدد وغيره وباقي الحد فصل والمراد بالإخراج الإخراج عما يقتضيه ظاهر اللفظ من الإرادة والحكم لا عن الإرادة نفسها ولا عن الحكم نفسه فان ذلك الفرد لم يدخل فيهما حتى يخرج عنهما ولا عن الدلالة فإن الدلالة هي الإفهام عند التجرد وهذا الامر لا يبطل بالمخصص واللفظ يدخل فيه العام وغيره كالاستثناء من العدد فإنه ايضا من المخصصات كما سيأتي ان شاء الله تعالى وكذا بدل البعض كما صرح به ابن الحاجب مثل أكلت الرغيف ثلثه.
واعترض القرافي على هذا الحد بوجهين:
أحدهما: أنه يندرج فيه إخراج بعض العام بعد العمل به وهو النسخ لا تخصيص
والثاني: ان التخصيص قد يكون من مفهوم كما سيأتي ان شاء الله قوله والفرق التخصيص شديد الشبه بالنسخ وقد فرق بينهما المصنف بأن
(2/119)

التخصيص دائما لبعض الأفراد والنسخ قد يكون لكل الأفراد وقضية هذه التفرقة ان يكون النسخ اعم من التخصيص وفي بعض نسخ الكتاب والنسخ عن الكل يحذف قد يكون ويرد على هذه النسخة ان إخراج البعض بعد العمل نسخ واما جعل النسخ اعم فهو مغاير لما اختاره الإمام فإنه قال النسخ لا معنى له الا تخصيص الحكم بزمان معين بطريق خاص فيكون الفرق بين التخصيص والنسخ فرق ما بين العام والخاص وما ذكره الإمام في النسخ قد ساعده عليه الأستاذ1 فإن إمام الحرمين قال في كتاب النسخ صرح لأستاذ بأن النسخ تخصيص في الزمان واعترض على هذا بأن صور النسخ عندنا النسخ قبل التمكن وقيل إتيان زمان الفعل وحينئذ يكون النسخ إبطالا للحكم بالكلية فلا يقال ان ذبح الذبيح اختص ببعض الأزمنة بل ما وقع واعترض على قوله التخصيص اعم بان التخصيص ايضا قد يقع في الأزمنة كما في قول القائل والله لا أكلمه الأيام وأراد أياما معدودة والنسخ قد يقع في غير الأزمنة كما في النسخ قبل العمل ويتطرق إلى كل الأحكام بأي طريق يثبت والتخصيص لا يتطرق الا إلى ما ثبت بالألفاظ والأصوليون ذكروا الفرق بينهما من وجوه.
أحدها: أن التخصيص مخصوص بالأعيان والنسخ مخصوص بالأزمان بدليل انهما المتبادران إلى الإفهام عند إطلاقهما.
والثاني: أن التخصيص لا يكون الا فيما تناوله اللفظ والنسخ اعم من ذلك كما عرفت.
الثالث: ان النسخ يتطرق إلى حكم سواء كان ثابتا في حق شخص واحد أم أشخاص كثيرة والتخصيص لا يتطرق إلا إلى النوع الأول.
الرابع: أنهم يعدون النسخ إبطالا وكذلك يشترطون في التخصيص بخلاف التخصيص فانهم يعدونه بيانا.
الخامس: أنه يجوز تأخير النسخ عن وقت العمل بالمنسوخ.
__________
1 هو: أحمد بن محمد الإسفراييني من أعلام الشافعية. من مؤلفاته كتاب الرونق في الفقه والأصولتوفي ببغداد سنة 401هـ. الاعلام 1/203.
(2/120)

واما التخصيص فلا يجوز تأخيره عن وقت العمل بالتخصيص وفاقا.
السادس: انه يجوز نسخ شريعه بشريعة أخرى ولا يجوز التخصيص قال القرافي وفي هذا الاطلاق وقع في كتب العلماء كثيرا والمراد ان الشريعة المتأخرة قد تنسخ بعض أحكام الشريعة المتقدمة أما كلها فلا لان قواعد العقائد لم تنسخ وكذلك حفظ الكليات الخمسة فحينئذ النسخ إنما يقع في بعض الأحكام الفرعية وإن جاز نسخ شريعة بشريعة عقلا.
السابع: ان النسخ رفع الحكم بعد ثبوته والتخصيص ليس كذلك وهو على رأي القاضي واما غيره فينبغي ان يقول هو انتهاء حكم كان أما ثابتا والتخصيص ليس كذلك.
الثامن: ان الناسخ يجب ان يكون متراخيا والمخصص لا يجب فيه ذلك بل يجوز كونه مقارنا ومتقدما.
العاشر: أن التخصيص للمقطوع بالمظنون دافع ونسخه لا يقع به.
الحادي عشر: أنه يجوز تخصيص الخير والخلاف فيه ضعيف ولا يجوز نسخه وهذا على رأي طائفة وهذه الفروق يحتمل أكثرها المناقشة والتطويل في ذلك مما لا يتعلق به كبير غرض قوله والمخصص هو بكسر الصاد والمخرج بعده بكسر الراء قوله وهو إرادة اللافظ أي انه حقيقة إرادة المتكلم لأنه لما جاز ان يرد الخطاب خاصا وعاما لم يترجح أحدهما على الآخر لا بالإرادة ويطلق المخصص أيضا على الدال على الإرادة مجازا والدال على الإرادة يحتمل ان يكون من صفات المتكلم وهو المريد بنفسه تسمية للمحل باسم الحال أو المجتهد لأنه يدل على الإرادة دليل التخصيص لفظيا كان أو عقليا أو حسيا كل ذلك يحتمل ان يكون هو المراد بقوله ويقال الدال عليه مجازا.
(2/121)

المسألة الثانية: الذي يقبل التخصيص
...
قال الثانية: القابل للتخصيص حكم ثبت لمتعدد لفظا مثل اقتلوا المشركين أو معنى وهو ثلاثة.
الأول: العلة وجواز تخصيصها كما في العرايا.
والثاني: مفهوم الموافقة فيخصص بشرط بقاء الملفوظ مثل جواز حبس الوالد بحق الولد.
(2/121)

والثالث: مفهوم المخالفة فيخصص بدليل ارجح كتخصيص مفهوم إذا بلغ الماء بالراكد.
هذه المسألة فيما يجوز تخصيصه فالقابل التخصيص حكم ثبت لمتعدد فالواحد لا يجوز تخصيصه لان التخصيص إخراج بعض من كل ولا يعقل ذلك في الواحد واعترض القرافي بأن الواحد بالشخص وهو يصح إخراج بعض أجزائه لصحة قولك رأيت زيدا وتريد بعضه وان تعذر إخراج الجزئيات فينبغي التفضيل والذي يقبل التخصيص إما أن يكون عمومه من جهة اللفظ أو من المعنى أي الاستنباط.
فالأول: مثل اقتلوا المشركين فان الحكم يشمل كل مشرك وخص عنه الذمي والمستأمن والمعاهد والمهادن.
والثاني: ثلاثة أشياء:
الأولى: العلة واختلف في تخصيصها كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في كتاب القياس فإن هذه المسألة المسماة هناك بالنقض مثل نهي الشارع عن بيع الرطب بالثمر وتعليله إياه بالنقصان عند الجفاف ووجدنا هذه العلة في العرايا أعني بيع الرطب على رؤوس النخل بالثمر على وجه الأرض مع أن الشارع جوزه فيها.
والثاني: مفهوم الموافقة كدلالة حرمة التأفيف على حرمة الضرب وغيره من أنواع الأذى فالتخصيص فيه جائز بشرط بقاء الملفوظ وهو التأفيف في مثالنا هذا ومنع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من جواز تخصيص مفهوم الموافقة محتجا بأن التخصيص من عوارض الألفاظ وعلى الأول يجوز تخصيص حبس الوالد في دين الولد فإنه مبق للملفوظ وقد صحح الغزالي جواز حبس الوالد في دين الولد سواء كان دين نفقة أو غيرها صغيرا كان أو كبيرا وتبعه عليه المنصف في الغاية قصوى ويصحح صاحب التهذيب وغيره خلافه.
الثالث: مفهوم المخالفة وقد قال الشيخ ابو إسحاق يحتمل أن يجوز تخصيصه وان لا يجوز وجزم المتأخرون منهم المصنف بجواز فيجوز أن تقدم
(2/122)

الدلالة على ثبوت مثل حكم المذكور لبعض المسكوت عنه الذي ثبت فيه بالمفهوم خلاف ما ثبت للمنطوق ويعمل بذلك جمعا بين الدليل وقد شرط المصنف تبعا لصاحب الحاصل في هذا القسم ان يكون المخصص راجحا وهو شرط لم يذكره الإمام والظاهر عدم إشتراطه أن لا يشترط في المخصص الرجحان مثاله:
روي الشافعي واحمد وابن جزيمة وابن حيان في صحيحهما والحاكم في المستدرك وقال على شرط الشيخين من حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" 1 ومفهوم هذا قاض انه إذا لم يبلغهما يحمل الخبث.
وروى الدارقطني أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غير ريحه أو طعمه" 2 فيجتمع بينهما ويقصر مفهوم إذا بلغ الماء على الراكد وهذا على الجاري فنقول:
إذا لم يبلغ الماء قلتين وكان جاريا لم ينجس إلا بالتغير وهذا هو القول القديم قال الرافعي واختاره طائفة من الأصحاب.
قال: قيل: يوهم البداء والكذب قلنا يندفع بالمخصص.
ذهبت شرذمة قليلون إلى امتناع التخصيص معتلين بأنه إن كان في الأمر اوهم البداء أي ظهور المصلحة بعد خفائها وهو بالدال المهملة والمد وان كان في الاخبار وهم الكذب وهما ممتنعان على الله عز وجل أجاب بأنه يندفع بالمخصص أي بالإرادة أو بالدليل الدال لانا إذا علمنا أن الكلام في الأصل
__________
1 رواه ابن ماجة من حديث ابن عكر- رضي الله عنهما-.
2 رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
ولا تعارض بين الحيثين قال ابن قتيبة: وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- "الماء لاينجسه شيء" على الأغلب والأكثر لأن الأغلب على الآبار والغدران- الأنهار- أن يكثر ماؤها فأخرج الكلام مخرج الخصوص.
ثم قال: ثم بين لنا بعد هذا القلتين. مقدار ماتقوى عليه النجاسة من الماء الكثير لاينجسه شيء.
أنظر: تأويل مختلف الحديث ص 336-337.
(2/123)

محتمل للتخصيص فقيام الدلالة على وقوعه لا يوجب الكذب ولا البداء إنما يوجبهما ان لو كان المخرج مرارا ثنية كلام الإمام واتباعه كالمصنف وغيره يقتضي ان الخلاف في الامر والخبر ومقتض ايراد الشيخ أبي اسحاق الشيرازي وأبي نصر بن الصباغ وابي الحسين البصري في المعتمد والآمدي ان الخلاف إنما هو في تخصيص الخبر وانه لا خلاف في جواز تخصيص الامر.
(2/124)

المسألة الثالثة: في غاية التخصيص
...
قال الثالثة: يجوز التخصيص ما بقي غير محصور لسماحة أكلت كل رمان ولم يأكل غير واحدة وجوز القفال إلى أقل المراتب فيجوز في الجمع ما بقي ثلاثة فإنه الأقل عند الشافعي وابي حنيفة بدليل تفاوت الضمائر وتفضيل أهل اللغة واثنان عند القاضي والأستاذ بدليل قوله تعالى: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} فقيل: أضاف إلى المعمولين وقوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} فقيل المراد به الميول وقوله عليه السلام: "الاثنان فما فوقهما جماعة" فقيل أراد به جواز السفر وفي غيره إلى الواحد مطلقا.
هذه المسألة في الغاية التي يجوز أن ينتهي إليها التخصيص وقد اشتملت على مسألة أخرى وهي الكلام في أقل الجمع.
المسألة الأولى: في ضابط المقدار الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص وفيها مذاهب.
الأول: وهو ما ذهب إليه أبو الحسين وصححه الإمام وقال به أكثر أصحابنا أنه لا بد من بقاء جمع كثير واختلف في تفسير هذا الكثير فقيل لا بد أن يقرب من مدلوله قبل التخصيص وقال المصنف لا بد أن يكون غير محصور وإليه أشار بقوله ما بقي غير محصور أي ما بقي المخرج عنه غير محصور وما هنا مصدرية التقدير مدة عدد غير محصور والدليل عليه انه لو قال أكلت كل رمان موجود ولم تأكل غير واحدة لكان ذلك سمجا أي رديئا من الكلام قبيحا ولك ان تقول هذا الدليل وانما ينفي الواحد فقط فلا يحصل به المدعي.
والثاني: أنه إن كان بلفظ من جاز التخصيص إلى أقل المراتب وهو الواحد أو في غيرها من ألفاظ الجموع كالمسلمين فيجوز إلى أقل الجمع وذلك إما
(2/124)

ثلاثة أو أقل على ما سيأتي بقائه إن شاء الله تعالى وهذا هو السبب الذي دعا المصنف إلى ذكر مسألة أقل الجمع في هذه المسألة والى هذا القول ذهب القفال الشاشي رضي الله عنه وما أظن القائل بهذا الرأي يقول به في كل تخصيص ولا يخالف في صحة استثناء الأكثر إلى الواحد بل الظاهر ان قوله مقصور على ما عدا الاستثناء من المخصصات بدليل احتجاج بعض أصحابنا عليه بقول القائل على عشرة الا تسعة ويحتمل ان يعم الخلاف الا ان الظاهر خلافه لان المنقول عنه المخالفة هنا لم ينقل عنه ثم.
الثالث: انه يجوز في جميع ألفاظ العموم إلى الواحد واليه أشار بقوله في ذيل المسالة وقوم إلى الواحد مطلقا وهو رأي الشيخ إبى اسحاق الشيرازي واستدل عليه بقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} 1 قال بعض المفسرين وكثير من الأصوليين المراد نعيم بن مسعود الاشجعي2 وقوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} 3 قيل في التفسير المراد يحسدون نعم رسول الله صلى الله عليه وسلم4
__________
1 سورة آل عمران آية 173.
2 وهو قول مجاهد ومقاتل وعكرمة اللفظ عام ومعناه خاص وقال ابن اسحاق وجماعة: يريد بالناس ركب عبد القيس مروا بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليثبطوهم.
قال السدي: لما تجهز النبي – صلى الله عليه وسلم وأصحابه للسير إلى بدر الصغرى لميعاد أبي سفيان أتاهم المنافقون وقالوا نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم وعصيتمونا وقد قاتلوكم في دياركم وظفروا فإن أتيتموهم في ديارهم فلا يرجع منكم أحد فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل وقال أبو معشر: دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة فسألهم أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم عن أبي سفيان فقالوا: قد جمعوا لكم جموعا كثيرة فاخشوهم أي فخافوهم واحذروهم فإنه لاطاقة لكم بهم. فالناس على هذه الاقوال على بابه من الجمع. والله اعلم.
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1/279- 280.
3 سورة النساء آية 54.
4 فالمراد بلفظ الناس هنا هو سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم -.
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1/279.
(2/125)

والرابع: شيء اختاره ابن الحاجب ولا نعرفه بغيره وهو ان التخصيص ان كان بمتصل فان كان بالاستثناء أو بالبدل جاز الى الواحد نحو أكرم الناس الا الزنادقة وأكرم الناس الا تميما وان كان بالصيغة أو الشرط فيجوز الى اثنين نحو أكرم القوم الفضلاء أو إذا كانوا فضلاء وان كان التخصيص بمنفصل وكان في العلم المحصور القليل كقولك قتلت كل زنديق وكانوا ثلاثة ولم يقتل سوى اثنين جاز الى اثنين وإن كان غير محصور او محصورا كثيرا جاز بشرط كون الباقي قريبا من مدلول العام.
المسألة الثانية: اختلفوا في أقل الجمع على مذاهب وليس محل الخلاف فيما هو المفهوم من لفظ الجمع لغة وهو ضم شيء الى شيء فإن ذلك في الاثنين والثلاثة وما زاد بلا خلاف وقد افهم كلام ابن برهان في الوجيز خلاف ذلك وليس كما افهم وانما محل الخلاف في اللفظ المسمى بالجمع في اللغة مثل مسلمين وغيره من جموع القلة لا جموع الكثرة فان اقلها أحد عشر باجماع النحاة.
المذهب الأول: ان اقله اثنان وهو المنقول عن عمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهما وبه قال مالك وداود القاضي والأستاذ والغزالي.
والثاني: ثلاثة ولا يطلق على ما دونها الا مجازا وهو المنقول عن ابن عباس والشافعي وأبى حنيفة واختاره الإمام واتباعه.
والثالث: الوقف وهذا لم أره مصرحا بحكايته في كتاب يعتمد عليه وانما اشعر به كلام الآمدي فانه قال في آخر المسألة وأن اعرف مأخذ الجمع من الجانبين فعلى الناظر بالاجتهاد في الترجح وإلا فالوقف لازم كلامه ورأيت بعض المتأخرين بعده حكاه قولا ثالثا ومجرد هذا لا يكفي في حكايته مذهبا.
والرابع: ان اقله واحد أخذه بعضهم من قول امام الحرمين في البرهان والذي أراه ان الرد الى واحد ليس بدعا ولكنه ابعد من الرد الى اثنين وعندي في هذا نظر الظاهر انه أراد ان الرد الى واحد ليس بدعا بطريق المجاز وعند هذا يقدح المعترض ان يقول ليس الكلام في إطلاق ذلك مجازا
(2/126)

وان أراد إطلاقه حقيقة فبعيد ولقائل ان يقول أنت قد قلت لا يدع فيه ثم قلت وهو ابعد من الرد الى اثنين وما نرى الحقائق مختلفة المراتب في آحادها بل لو كان حقيقة لتساوى هو والاثنين والثلاثة.
والخامس: حكاه ابن عمر وابن الحاجب انه لا يطلق على اثنين لا حقيقة ولا مجازا وعندي في ثبوت هذا القول نظر فانه لا نزاع عند القائلين بالمجاز في صحة اطلاق الكل وارادة الجزء وقد يجاب بان الثلاثة ليست كلا فالكل ماهية يتجزأ منها أجزاء والثالثة لا يتجزأ منها اجزاء بدليل أنه لا يصح اطلاق لفظ واحد عليها ولو كانت كلا لصح لان اطلاق البعض وارادة الكل جائز كالعكس إذا عرفت هذا فقد استدل أصحابنا بوجوه منها ان الضمائر مختلفة فالضمير في الجمع الراجع الى التثنية فدل على تغايرهما فلا يكون حقيقة في اثنين إذ لو كان لصح اطلاقه عليه ومنها ان اهل اللغة يفصلون بينهما ويجعلون كل منهما قسما للآخر فقالوا الاسم قد يكون مفردا وقد يكون مثنى وقد يكون مجموعا فدل على التغاير.
واحتج القاضي أبو بكر في إصحاحه بأوجه:
أحدها: قوله تعالى: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} 1 وأراد داود وسليمان عليهما السلام فثبت صحة إطلاق الجمع وارادة الاثنين والاصل في الاطلاق الحقيقة واجيب كما ذكر في الكتاب بأن الحكم مصدر فيصح إضافته الى معمولية اعني الفاعل والمفعول وهما هنا الحكم والمحكوم عليه وهذا الجواب ضعيف لان المصدر إنما يضاف إليهما على البدل ولا يجوز ان يضاف إليهما جميعا واضعف منه قول الشيرازي شارح الكتاب في تصحيحه الرد عليه بأن العرب لا تضيف المصدر إليهما جميعا ضعيف لأنه شهادة نفي وقد علمت في فصل الحروف ان مثل هذا ساقط الكلام غير معدود من صنيع العلماء وإنما هو استرواح بما لا يعصم.
__________
1 سورة الأنبياء آية 78.
(2/127)

وثانيها: قوله تعالى: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} 1 والمراد عائشة وحفصة رضي الله عنهما فاطلق القلوب وأراد قلبين والاصل في الاطلاق الحقيقة قال امام الحرمين في التلخيص وهذه الآية أقوى الآيات في الدلالة على الخصوم وقد أجيب عن الاحتجاج بها كما ذكره في الكتاب بأن حقيقة القلب الجرم الحال في الجانب الأيسر ومجازه ميوله ومنه قولهم لا قلب له الى فلان أي لا ميل والمجاز هو المراد هنا والتقدير فقد صفت ميولكما يدل على هذا ان الجرم لا يوصف بالصفو وهذا الجواب ايضا ساقط لأن القاعدة عند النحاة انه إذا أضيف شيئان الى ما تضمنها جاز فيه ثلاثة اوجه نحو قطعت رأسي الكبشين وراس الكبشين ورؤوس الكبشين.
وثالثها: قوله صلى الله عليه وسلم: "الاثنان فما فوقهما جماعة"2 رواه الدارقطني من حديث عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مشهور وحاصل ما فيه بعد ان يعرف انه عمر بن شعيب محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ان قوله جده يحتمل ان يكون جده الأدنى الحقيقي وهو محمد فيكون حديثه مرسلا فان محمدا تابعي ويحتمل ان يكون جده الأعلى المجازي وهو عبد الله فيكون متصلا وقد اختلف العلماء في الاحتجاج به إذا كان هذا فاحتج به اكثر من لا يحتج المرسل حملا له على جده الأعلى ورواه ابن ماجة من حديث الربيع بن بدر المعروف بعليلة وهو ايضا ضعيف وأجاب الإمام بأنه إذا أمكن حمل كلام النبي صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي ولغوي فالشرعي أولى لكونه مبعوثا لبيان الشرعيات فيحمل هنا على إدراك فضيلة الجماعة وبأنه نهى عن السفر الا في جماعة فبين بهذا الحديث ان الاثنين فما فوقهما جماعة في جواز السفر وهذا ما اقتصر في الكتاب على ذكره ولقائل ان يقول سفر الواحد منفردا ليس بحرام إنما هو مكروه بل الجواب ان الخلاف ليس في لفظ الجمع ولا لفظ الجماعة كما تقدم.
__________
1 سورة التحريم آية 4.
2 رواه البخاري في كتاب الصلاة, باب الإثنان فما فوقهما جماعة, والنسائي في كتاب الإقامة, باب: الجماعة إذا كانوا اثنين..
كما رواه ابن ماجة من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(2/128)

فائدة الخلاف في هذه المسالة فائدة أصولية وفوائد فروعية أما الأصولية فهي النظر في الغاية التي ينتهي التخصيص إليها وهي المسألة المتقدمة.
وقال الأستاذ أبو اسحاق في أصوله بعد ان عزا ما ذكره الى بعض الأصحاب هذه فائدة مريعة فان ائمتنا يجمعون على جواز تخصيص الجمع والعموم بما هو دليل الى ان يبقى تحته واحد انتهى وهو فائدة وقد عرفت الخلاف المتقدم واما الفوائد الفروعية فمنها لو قال له على دراهم لزمه ثلاثة وحكى وجه انه يلزمه درهمان ومنها قليل يكتفي في الصلاة على الميت باثنين حكاه الرافعي عن التهذيب وقال انه بناء على أن اقل الجمع اثنان ومنها:
لو أوصى لأقاربه وليس له الا قريب واحد فوجهان في انه هل يصرف إليه الكل أو الثلث وحكى الأستاذ أبو منصور وجها انه يكون له النصف حكاه الرافعي عنه ولم يعلله قال ابن الرفعة في المطلب ولم افهم له معنى وان تخيل انه بناء على ان اقل الجمع اثنان لزمه ان يقول فيما إذا أوصى للفقراء بجواز الاقتصار عليهما ايضا ولم نر من قال به ومنها في الرافعي في فروع الطلاق انه لو قال ان تزوجت النساء أو اشتريت العبيد فهي طالق لم يحنث الا إذا تزوج ثلاث نسوة واشترى ثلاثة عبيد وقياس الخلاف الأصولي جريان وجه تحنيثة باثنين.
فإن قلت: ولم لا يقال في هذه الصورة انه لا يحنث بشيء لأنه علق على جميع نساء العالمين وعبيدهم بدليل إدخاله الألف واللام المقتضية للعموم وهو تعليق على مستحيل والصحيح في التعليق على المستحيل انه لا يقع.
قلت: لما كان أعمال الكلام أولى من اهماله حمل على جنس الجمع في ذلك وقال الرافعي في كتاب الإيمان فيما إذا حلف لا يكلم الناس ذكر ابن الصباغ وغيره انه يحنث إذا كلم واحد كما إذا قال لا آكل الخبز ولو حلف لا يكلم ناسا حمل على ثلاثة انتهى.
فإن قلت: هذا عجيب ناس للمنكر يحمل على الجمع فإذا دخلت الألف واللام المعممة تخرجه عن ذلك.
قلت: كان الألف واللام والحالة هذه المراد بها الجنس من حيث هو
(2/129)

بخلاف ما إذا كان منكرا واما قياس لا يكلم الناس على لا آكل الخبز ففيه نظر لصدق الخبز على القليل والكثير صدقا واحدا كالماء والعسل.
(2/130)

المسألة الرابعة: العام بعد التخصيص هل هو حقيقة أم مجاز؟
...
قال: الرابعة العام المخصوص مجاز وإلا لاشتراك وقال بعض الفقهاء انه حقيقة وفرق الإمام بين المخصص بالمتصل والمنفصل لان المقيد بالصفة لم يتناول غيرا قلنا المركب لم يوضع والمفرد متناول.
واختلفوا في العام انه إذا خص هل يكون في الباقي حقيقة على مذاهب.
أحدها: انه مجاز وذهب إليه أصحابنا والمعتزلة كأبي على وابنه واختاره المصنف وصفي الدين وابن الحاجب لأنه حقيقة في الاستغراق فلو كان حقيقة في البعض لزم الاشتراك والمجاز خير من الاشتراك.
والثاني: أنه حقيقة وهو مذهب كثير من أصحابنا وجمهور الحنفية والحنابلة.
والثالث: أن المخصص ان كان مستقلا سواء كان عقليا كالدليل الدال على ان غير القادر غير مراد من الخطاب في العبادات أو لفظيا كما إذا قال المتكلم بالعام أردت به الفلاني فهو مجاز وان لم يكن مستقلا فهو حقيقة وذلك كالاستثناء مثل قول القائل من دخل داري يكرم الا زيدا والشرط من دخل أكرمته ان كان عالما والتقيد بالصفة من دخل داري من الطوال قال صفي الدين الهندي والتقيد بالعام لعلة الغاية وان لم يذكروه في هذا المقام حكمه حكم إخوانه من المتصلات ظاهرا إذ لا يظهر فرق بينهما على هذا الرأي وهذا ما اختاره الكرخي وأبو الحسين البصري والامام وعلى حكاية هذه الثلاثة اقتصر المصنف.
والرابع: ان خص بمتصل من شرط او استثناء فهو حقيقة وإلا فهو مجاز وهو المنقول عن القاضي وقد رايته في مختصر التقريب الا انه لم يصرح بذكر الشرط وهذه عبارته ولو قررنا القول بالعموم فالصحيح عندنا من هذه المذاهب ان نقول إذا تقدر التخصيص باستثناء متصل فاللفظ حقيقة في بقية المسميات وان تقدر التخصيص بدلالة منفصلة فاللفظ مجاز لكن يستدل به في بقية المسميات انتهى.
(2/130)

والخامس: ان خص بالشرط والتقييد بالصفة فهو حقيقة وإلا فهو مجاز حتى في الاستثناء.
والسادس: ان خص بدليل لفظي سواء كان متصلا أم منفصلا فهو حقيقة وإلا فهو مجاز
والسابع: ان بقي بعد التخصيص جمع فهو حقيقة فيه وإلا فهو مجاز.
وصرح الغزالي بأنه لا خلاف في انه مجاز إذا لم يبق بعد التخصيص جمع وهذا فيه نظر فقد صرح امام الحرمين في التلخيص بحكاية الخلاف في ذلك فقال ذكر القاضي عن بعض أصحابنا ان اللفظ حقيقة فيما يبقى وان كان اقل من الجمع هذا بعيد جدا انتهى.
والثامن: انه حقيقة في تناول ما بقي مجاز في الاقتصار عليه وهو اختيار امام الحرمين قوله لان المقيد هذا دليل الإمام وتقريره ان العام المقيد بالصفة لم يتناول غير الموصوف لأنه لو تناوله لضاعت فائدة الصفة وإذا انحصر تناوله فيه وقد استعمل فيه فيكون حقيقة وهذا بخلاف المخصوص بمنفصل فان لفظه متناول للخارج بحسب اللغة مع كونه لم يستعمل فيه فيكون مجازا او مشتركا والمجاز أولى فيكون مجازا.
وأجاب المصنف بأن المركب من الموصوف والصفة مثلا غير موضوع فلا يكون حقيقة فيه فلم يبق الا المفرد والمفرد الذي هو العام متناول لكل فرد لغة وقد استعمل في البعض فيكون مجازا وهذا الجواب مبني على ان المركبات غير موضوعة وفيه نزاع فالأولى الجواب بأنه لو لم يكن الموصوف ونحوه متناولا لم يكن المتصل من المخصصات لان التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ هذا شرح ما في الكتاب ونختم المسالة بشيئين.
احدهما: قال الإمام إذا قال الله اقتلوا المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحال الا زيدا فهل هو تخصيص بمنفصل أو متصل فيه احتمال.
قال صفي الدين الهندي والأظهر انه منفصل.
(2/131)

قلت: وقد ذكر القاضي المسالة في مختصر التقريب وقال ان من الاصوليين من نزله منزلة الاستثناء المصرح به كلام الله تعالى قال القاضي والذي نرتضيه انه صلى الله عليه وسلم ان ابتدأ من تلقاء نفسه كلام ولم يصفه الى كلام الله تعالى فيلتحق ذلك في المنفصل ولا يجعل كلامه صلى الله عليه وسلم استثناء حقيقيا بل هو تخصيص سواء قدر متصلا أو منفصلا.
والثاني: اعلم ان الاصوليين لم يذكروا التفرقة بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص وهو تحرير منهم والشافعي رضي الله عنه له أقوال في قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} منها انه عام مخصوص ومنها انه عام مراد به الخصوص وقد كثر الكلام في ذلك وتشعب النظر ولوالدي أيده الله تعالى في ذلك كلام نفيس ونحن نذكر جميع ما ذكره فانه مما ينبغي ان يغتبط به الفطن قال احسن الله إليه كثر الكلام في العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص في الفرق بينهما وفي ان العام المخصوص مجاز أولا وظن جماعة ان هذا الخلاف في ان العام المخصوص مجاز أو لا يجري في العام المراد به الخصوص والذي أراه في ذلك وبالله العون والتوفيق أما العام الذي أريد به الخصوص فهو العام إذا أطلق وأريد به بعض ما يتناوله فهو لفظ مستعمل في بعض مدلوله وبعض الشيء غيره فالذي يظهر أنه مجاز قطعا إلا أن قيل ان العام دلالته على كل فرد من أفراده دلالة مطابقة.
فقد يقال حينئذ على هذا بأنه حقيقة في كل فرد فان جاء خلاف فيه فإنما يجيء من هذه الجهة وشرط الإرادة في هذا النوع على ما ظهر لنا أن تكون مقارنة لأول اللفظ ولا يكتفي بطريانها في أثنائه لأن المقصود فيها نقل اللفظ عن معناه الى غيره واستعماله في غير موضوعه وليس إرادة إخراج لبعض المدلول إرادة استعماله اللفظ في شيء آخر غير موضوعه كما يراد باللفظ مجازه الخارج عنه لا فرق بينهما الا ان ذاك خارج هذا داخل لأن البعض داخل في الكل ومن يجعل الدلالة على كل فرد دلالة مطابقة لا يناسبه ان يقول انه استعمال اللفظ في غير موضوعه بل يصير كاستعمال المشترك في أحد معنييه وهو استعمال حقيقي وارادة أحد معنيي المشترك عند مانع استعمال المشترك
(2/132)

في معنييه لا شك أنها لا تخرجه عن موضوعه ولا تجعله مجازا بل هي مصححه لاستعماله.
وأما عند من يجوز استعماله في معنييه فهم مختلفون إذا استعمل في معنييه هل هو مجاز أم لا فمن جعله مجازا فكذلك لأن الاستعمال الحقيقي عنده هو استعماله في أحد المعنيين ومن جعله حقيقة كالعام كما هي طريقة الشيخ الآمدي في النقل عن الشافعي رضي الله عنه فيصير البحث فيه كالبحث في العام المراد به الخصوصي وفيه نظر لأنا نعلم ان المشترك وضعه الواضع لكل من المعنيين وحده بخلاف العام ولكن أدى مساق البحث على طريقة الآمدي الى ما قلناه ويؤنسك الى اشتراط مقارنة الإرادة في هذا النوع لأول اللفظ ما ذكره الفقهاء في تكبيرة الاحرام وفي كنايات الطلاق وإذا حققت هذا المعنى اضبطه وأما العام المخصوص فهو العام إذا أريد به معناه مخرجا منه بعض أفراده فالإرادة فيه إرادة الإخراج لإرادة الاستعمال في تشبه الاستثناء فلا يشترط مقارنتها لأول اللفظ ولا يجوز تأخرها عن آخرها عن آخره بل يشترط ان لم توحد في أوله ان تكون في أثنائه ويؤنسك في هذا ما قاله الفقهاء في مشيئة الطلاق فإنه يشترط اقتران النية ببعض اللفظ قبل فراغه فالتخصيص إخراج كما ان الاستثناء إخراج ولهذا نقول المخصصات المتصلة أربعة الاستثناء والغاية والشرط والصفة والمخصص في الحقيقة هو الإرادة المخرجة وهذه الأربعة والمخصص المنفصل خمستها داله على تلك الإرادة وتلك الإرادة ليست إرادة استعمال اللفظ في غير موضوعه فلذلك لم يقطع بكونه مجازا بل حصل التردد ومنشأ التردد أن إرادة إخراج بعض المدلول هل يصير اللفظ مرادا به الباقي به أو لا والحق لا وهو يشبه الخلاف في الاستثناء وهذا يقوي العام المخصوص حقيقة لكن الأكثرين على انه مجاز ووجهه انه يجعل موضوعا استعمل في معناه بتمامه غير مخرج منه شيء فمتى استعمله مخرجا منه شيء كان مجازا لاستعماله على غير الوجه الذي وضعه الواضع عند الاطلاق.
وهذا فيما يحتمل المجاز وهو ما كان ظاهرا كالعام.
أما ما كان نصا كالعدم فالمجاز فيه وليس الا الإخراج المحض ويظهر أثر هذا في
(2/133)

أن المخصص المنفصل يأتي في العام ولا يأتي في العدد والاستثناء في العام كاشف عن الإرادة المخصصة والاستثناء في العدد هو المخرج بنفسه لا بدلالته على إرادة متقدمة ولهذا لو أراد فقط ولم يوجد لفظ الاستثناء لم يصح في العدد.
ويصح في العام ولو قال: أنت طالق ثلاثا ونوي بقلبه إلا واحدة وماتت قبل نطقه بقوله الا واحدة يقع الثلاث نعم يشترط نية الاستثناء قبل فراغ اللفظ لأجل الربط فالنية فيه شرط لاعتبار الاستثناء بعده وليست مؤثرة والنية في التخصيص مؤثرة في الإخراج وحدها ويدل عليها تارة بمخصص منفصل وتارة بمتصل والنية في العام المراد به الخصوص مؤثرة في نقل اللفظ عن معناه الى غيره ومن هنا يعرف ان عد ابن الحاجب البدل في المخصصات ليست بجيد لان الأول في قولنا أكلت الرغيف ثلثه يشبه العام المراد به المخصوص لا العام المخصوص فانظر هذه المعاني وتفهمها ثم تذكر ما قدمته في العام المراد به الخصوص تعرف الفرق بينهما وحكمها هذا ما ذكره والدي رحمه الله وهو في غاية النفاسة والذي تحصلت عليه ان العام أنواع.
أحدها: العام الذي أريد به العام حقيقة.
والثاني: العام الذي أريد به غالب الأفراد ونزل الأكثر فيه منزلة الكل فهو مراد به العموم أيضا.
والثالث: ما لم ينزل الأكثر فيه منزلة الكل ولكن الكثرة فيه موجودة.
والرابع: ما المراد به القليل كقوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} وهذا أخذته من كلام الشافعي رضي الله عنه في الرسالة فإنه قال باب ما نزل من الكتاب عاما يراد به العام أي الكثرة الغالبة فلا يناقضه قوله ويدخله الخصوص ومثاله القرية الظالم أهلها وقد ذكره الشافعي في أثناء الباب فكأنه جعلهم كل أهل القرية وقال الشافعي رضي الله عنه في أول الباب قال الله تعالى: جل ثناؤه {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} 1 وقال:
__________
1 سورة الأنعام آية 11.
(2/134)

{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} 1وقال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} 2فهذا عام لا خاص فيه انتهى.
وهو كما صرح به الشافعي وإنما ذكره توطئة لما بعده وليس مما بوب له الا في كونه أريد به العموم فالمراد به العموم قسمان:
أحدهما: حقيقة لا خصوص فيه وهو خالق كل شيء.
والثاني: مجاز فيه خصوص وهو ما ذكره الشافعي بعد مثل القرية الظالم أهلها ولم يلتفت الشافعي الى ما يقوله الأصوليون من ان خالق كل شيء مخصوص بالعقل وكأنه لأن العقل لما دل على المراد به جعله هو المقصود به في كلام العرب لأنها إنما تضع لما يعقل ثم قال الشافعي وقال الله: {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ} 3 الآية قال الشافعي وهكذا قول الله عز وجل: {حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا} 4 ففي هذه الآية دلالة على انه لم يستطعما كل أهل قرية فهي في معناها وفيها وفي القرية الظالم أهلها خصوص لأن كل أهل القرية لم يكن ظالما قد كان فيهم المسلم ولكنهم كانوا فيها مكثورين فكانوا فيها اقل انتهى.
فهذا عام أريد به العام ودخله الخصوص وليس المعنى هنا من إرادة العام جميع الأفراد بل الكثرة المنزلة منزلة الكل ويظهر انه مجاز وليس من مجاز استعمال لفظ الكل في البعض لأن ذلك لا يفترق الحال فيه بين بعض وبعض وهذا في بعض كثير غالب على الباقي فهو أقوى لأنه اجتمع فيه مجاز البعض ومجاز المشابهة إذا الأكثر يشبه الكل في الكثرة وهو مع ذلك قد دخله التخصيص فمن جعل العام المخصوص مجازا يكون قد اجتمع فيه نوع آخر من المجاز ايضا وهذا غريب ينبغي ان يتفطن له ومن لم يجعل العام المخصوص مجازا يقتصر على المجاز من الجهة الأولى وهذا من نفائس البحث وبه يظهر أن العام المراد به العموم قسمان:
__________
1 سورة النحل آية 3.
2 سورة هود آية 6.
3 سورة النساء آية 75.
4 سورة الكهف آية 77.
(2/135)

أحدهما: الحقيقي كقوله وهو بكل شيء عليم خالق كل شيء على ما قاله الشافعي.
والثاني: المجازي كقوله استطعما أهلها والظالم أهلها وهذا القسم لا يكون في الأمر والنهي وإنما يكون في الخبر لأن الأمر والنهي لا يتجوز فيهما بل يقصد بيان حكم التكليف والعام المخصوص قسمان.
أحدهما: ما يراد به العموم كما تقدم وفيه مجاز كما بيناه.
والثاني: ما ليس كذلك كقوله: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} 1وتخصيصه بالقاتل والكافر.
فهذا عام مخصوص وقد أطلق الشافعي عليه بعد ذلك انه عام يراد به الخصوص كما سنذكره وقد عرفت ان الجمهور على انه مجاز وقد قرر والدي انه حقيقة كما سبق والشافعي لم يتعرض للفرق بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص وبما ذكرناه يكون العام المخصوص أنواعا:
أحدها: ما نزل الأكثر فيه منزلة الجميع فهو مراد به العموم.
والثاني ما ليس كذلك ولكن الكثرة فيه موجودة وهو مراد به الخصوص ومخصوص كقوله: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} .
والثالث: لا المراد يه القليل كقوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} وهذا مراد به الخصوص ومخصوص والفرق بينه وبين الثاني ان هذا تقول فيه إنه مجاز والثاني محتمل لأن يكون مجازا وهو محل خلاف الأصوليين السابق في ان العام المخصوص هل هو حقيقة أو مجاز.
واعلم أن في كلام الشافعي في الرسالة ايضا ما يمكن ان يتمسك به منه على ان كل عام مخصوص مراد به الخصوص وذلك لأنه قال باب ما نزل عاما دلت السنة على انه يراد به الخاص قال الشافعي قال الله جل ثناؤه: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} الى قوله: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} 2 وقال: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} الى قوله: {فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} 3 فأبان ان الوالدين والأزواج ما سمي في الحالات وكل عام
__________
1 سورة النساء آية 11.
2 , 2 سورة النساء آية 12.
(2/136)

المخرج فدل بنسبة رسول الله صلى الله عليه وسلم انه إنما أريد بعض الوالدين والأزواج دون بعض وذلك ان يكون دين الوالدين والمولودين والزوجين واحدا ولا يكون الوارث منهما قاتلا ولا مملوكا انتهى فيمكن التمسك بهذا على ما ذكرناه لأن السنة إنما دلت على عدم وريث القاتل والكافر وهو تخصيص مقتض لأن يكون هذا العام مخصصا وقد قال الشافعي ان السنة دلت انه إنما أريد به الخصوص فدل على ان كل عام مخصوص مراد به الخصوص إذا كان المراد غير منزل منزلة الكل الذي تقدم إطلاق الشافعي عليه انه اريد به العموم وبهذا يتبين ان البحث الذي قرره والدي رحمة الله عليه في ان العام المخصوص حقيقة لأنه الذي قصد عمومه مخرجا منه بعض الأفراد كاستثناء ليس ذلك وإن كان البحث فيه محال فإنه نوع يصح إرادته.
وقد وقف الله والدي أيده الله تعالى على ما أوردته من كلام الشافعي وقال ان لم يصح ذلك البحث الذي قررناه فالأمر كما قال الشافعي وان صح احتمل في التخصيص بالقاتل والكافر ان يكون عاما مخصوصا وان يكون مراد به الخصوص ولا يمكن الوصول الى العلم بحقيقته أو يعلمه الا الله تعالى والمتكلم به وقد أطلنا الكلام في هذه المسألة وأنا من عادتي في هذا الشرح الاطناب فيما لا يوجد في غيره ولا يتلقي إلا منه بحث مخترع او نقل غريب أو غير ذلك والاختصار في المشهور في الكتب إذ لا فائدة في التطويل فيما سبقنا من هم سادتنا وكبراؤنا الى جمعه وهل ذلك الا مجرد جمع من كتب متفرقة لا يصدق اسم المصنف على فاعله.
(2/137)

المسألة الخامسة: المخصص بمعين حجة
...
قال الخامسة: المخصص بمعين حجة ومنعها عيسى بن أبان وأبو ثور وفصل الكرخي.
يشبه ان تكون هذه المسألة مفرعة على قول من يقول العام المخصوص مجاز فإن من قال غير ذلك احتج به هنا لا محالة وحاصل هذه المسالة ان العام إن خص بمبهم كما لو قيل واقتلوا المشركين الا بعضهم فلا يحتج به على شيء من الأفراد إذ ما من فرد الا ويجوز ان يكون هو المخرج وهذا قد ادعى جماعة فيه الانفاق وهي دعوى غير مسموعة فقد صرح ابن برهان في الوجيز بان محل
(2/137)

الخلاف فيم إذا خص بمبهم فان عبارته العام إذا دخله التخصيص لم يصر مجملا.
وقال عيسى بن أبان إذا كان التخصيص بدليل مجهول صار مجملا انتهى وهو مصرح بخلاف الدعوى مع زيادة ان المختار عنده خلافها وهو قضية ايراد المحصول والقاضي في مختصر التقريب ذكر الخلاف في العموم إذا خص هل يصير مجملا ولم يقيد بمبهم ولا معين ونقل مذهب ابن أبان عن كثير من الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وطائفة من المتكلمين منهم الجبائي وابنه انتهى ووجه هذه الطريقة التي ذكرها ابن برهان كما ذكرنا إذا نظرنا الى فرد من الأفراد شككنا فيه هل هو المخرج والاصل عدمه فيبقى على الأصل ويعمل به الى ان لا يبقى فرد لكن الهندي رد هذا البحث بأن المسألة مفروضة في الاحتجاج بالعام المخصوص فيما عدا المخصوص وهذا البحث يقتضي صحة الاحتجاج في الجميع المخصص وغيره ولا قائل به انتهى ويتجه عندي ان يقال يحتج به الى ان يبقى فرد واحد فلا يحتج هذا إذا خص بمبهم أما إذا خص بمعين وهي مسألة الكتاب كما لو قيل اقتلوا المشركين الا المستأمن أو أهل الذمة ففيه مذاهب.
أصحها عند الإمام واتباعه منهم بمصنف انه حجة في الباطن مطلقا وهو قول معظم الفقهاء واختاره الآمدي وابن الحاجب.
الثاني: أنه ليس بحجة وهو قول عيسى ابن أبان1وأبي ثور2وهو مراد كالمصنف بقوله منعها أي منع حجته.
__________
1 هو: أبو موسى عيسى بن أبان بن صدفة من فقهاء الحنفية وعلمائهم المبرزين تولى القضاء بقم والبصرة وله مؤلفات كثيرة منها: إثبات القياس توفي بالبصرة سنة 221هـ.
الفوئد البهية ص 151, الإعلام 2/749.
2 هو: ابراهيم بن خالد الكلبي البغدادي صاحب المذهب الفقهي المعروف صاحب الإمام الشافعي توفي سنة 240هـ.
تذكرة الحفاظ 2/87, الإعلام 1/ 12.
(2/138)

الثالث: وبه قال الكرخي1 والبلخي2 ان خص بمتصل كالشرط والإسناد والصفة فهو حجة وان خص بمنفصل فلا وهذا التفصيل يفهم من مسألة السابقة فلذلك أهمل المصنف بتبيينه واقتصر على حكاية هذه الثلاثة.
والرابع: ان التخصيص ان كان قد منع تعلق الحكم بالاسم العام وأوجب تعلقه بشرط لا ينبىء عنه الظاهر لم يجز التعلق به كما في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} 3 لأن قيام الدلالة على اعتبار النصاب والحرز وكون المسروق لا شبهة فيه للسارق يمنع من تعلق الحكم وهو القطع بعموم اسم السارق وموجب لتعلقه بشرط لا ينبىء عن ظاهر اللفظ وان كان التخصيص لا يمنع من تعلق الحكم به جاز التعلق به كما في قوله تعالى اقتلوا المشركين لأن قيام الدلالة على المنع من قتل أهل الذمة لا يمنع من تعلق الحكم وهو القتل باسم المشركين وهو قول أبي عبد الله البصري4.
والخامس: أن العام المخصوص إن كان بحيث لو تركناه وظاهره من غيرة بيان التخصيص لكنا نتمثل ما أريد هنا ونضم إليه شيئا آخر لم يرد هنا كقوله تعالى اقتلوا المشركين فإنا لو خلينا وظاهره لكنا نقتل كل من صدق عليه الاسم من الحربي والذمي والمستأمن فكنا قد امتثلنا في ذلك ما أريد منا وما لم يرد جاز التمسك به وإن كان العام بحيث لو تركناه وظاهره من غير بيان التخصيص لم يمكنا ان نمتثل ما أريد منا لم يجز التمسك به وهو كقوله تعالى أقيموا الصلاة لأنه لو لم يبين مراده لم يمكنا فعل ما أراده من الصلاة الشرعية
__________
1 تقدمت ترجمته في الجزء الأول من هذا الكتاب.
2 هو أحمد بن سهل أبو زيد البلخي أحد الكبار الأفذاذ الذين جمعوا بين علوم الشريعة والفلسفة والأدب والفنون ,
من مؤلفاته: صور الأقاليم الإسلامية, وأقسام العلوم, وشرائع الأديان, وأدب السلطان والرعية, توفي ببلخ سنة 322.
معجم الأدباء 3/65- 86, لسان الميزان 1/183, الأعلام 7/131.
3 سورة المائدة آية 38.
4 هو: الحسين بن علي أبو عبد الله البصري أخذ عن أبي هاشم الجبائي برع في شتى العلوم من الفقه والأصول وعلم الكلام توفي سنة 368هـ.
فرق وطبقات المعتزلة ص111- 113.
(2/139)

أصلا بخلاف آية السرقة فإنا لو خلينا وظاهرها لكنا فطعنا كل سارق وفي ذلك امتثال ما أريد منا ولم يرد وهذا قول القاضي عبد الجبار.
والسادس: انه يجوز التمسك به في اقل الجمع ولا يجوز فيما زاد عليه قال الهندي وهذا يشبه أو يكون قول من لا يجوز التخصيص الى اقل من اقل الجمع.
قلت: وإذا تقرر ان الخلاف جار في العام المخصوص مطلقا سواء كان مبهما أو معينا جاء مذهب سابع وهو التفصيل بين المعين والمبهم كما أورده الإمام:
قال: لنا ان دلالته على فرد لا تتوقف دلالته على الآخر لاستحالة الدور فلا يلزم من زوالها زوالها.
استدل على ما اختاره بأن دلالة العام على فرد من أفراده لا تتوقف على دلالته على الآخر لأن دلالته مثلا على الباقي لو توقفت دلالته على البعض المخرج فإن لم تتوقف دلالته على المخرج على الباقي كان ذلك تحكما إذ دلالته العام على كل أفراده متساوية وإن توقف عليه لزم الدور لتوقف كل منهما على الآخر والدور مستحيل فدلالته على كل فرد لا تتوقف على دلالة على غيره من الأفراد وإذن لا يلزم من زوال الدلالة عن بعض الأفراد زوالها عن البعض الآخر فلا يكون حجة وهذا الدليل ضعيف من وجهين.
أحدهما ان هذا دور معية لا سبق فلا استحالة فيه ويظهر هذا بمعرفة دور السبق والمعية فنقول كل واحد من الشيئين على الآخر ان كان توقف قبله وبعده فهو الدور السبقي الذي يستحيل وقوعه ومثاله إذا قال زيد لا اخرج من الدار حتى يخرج عمرو قبلي وقال عمرو لا اخرج منها حتى يخرج زيد قبلي وإن لم يكن سبقا كان إذا قال كل منهما لا ادخل حتى يدخل الآخر فلا استحالة فيه لجواز دخولهما معا وهذا هو المعنى وهو الموجود في دلالة العام.
والثاني ان دلالة العام على كل فرد مشروطة باستعماله في الموضوع وهو الاستغراق فإذا لم يستعمل فيه جاز في كل واحد ان يكون حجة في شيء منه
(2/140)

والأولى التمسك بما درج عليه السالفون من الصحابة والتابعين فانهم استدلوا بأكثر العمومات المخصوصة من غير نكير بل لو صح ما ذكروه باب التمسك باللفظ العام إذ ما من عام في حكم شرعي الا وهو مخصوص وعلى ما قالوه يمتنع الاستدلال به.
(2/141)

المسألة السادسة: يستدل بالعام مالم يظهر المخصص
...
قال السادسة يستدل بالعام ما لم يظهر مخصص وابن سريج أوجب طلبه أولا هل يجوز ان يستدل بالعام قبل البحث عن المخصص فيه مذهبان.
أحدهما: الجواز وهو قول الصيرفي واليه مال الإمام.
والثاني: المنع وهو قول أبي العباس بن سريج.
واعلم ان إثبات الخلاف في هذه المسألة على هذا الوجه هو ايراد الإمام وجمهور اتباعه وادعى جمع من المتأخرين ان ذلك غير معروف بل باطل محتجين بأن الذي قاله الغزالي فمن بعده كالآمدي وغيره أنه لا يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص اجماعا ثم اختلفوا فمن قائل يبحث ومن قائل لا يكفي الظن ولا يشترط القطع بل لا بد من اعتقاد جازم تسكن النفس إليه ومن قائل لا بد من القطع وعليه القاضي قال ويحصل ذلك بتكرير النظر والبحث واشتهار كلام الأئمة قالوا وليس خلاف الصيرفي إلا في اعتقاد عمومه قبل دخول وقت العمل به وإذا ظهر مخصص تغير الاعتقاد هكذا نقله إمام الحرمين ثم الآمدي وغيره واشتهرت هذه المقالة حتى تولعت الألسن بأن هذا كان من غلطات الإمام وأنا أقول قد سبق الإمام بهذا النقل الثقة أثبت الشيخ أبو إسحاق الشيرازي فقال في شرح اللمع ما نصه إذ أوردت هذه الألفاظ الموضوعة للعموم هل يجب اعتقاد عمومها في الحال عند سماعها العمل بموجبها انتهى وكذلك الأستاذ أبو إسحاق في أصوله الذي انتخبه والده أيده الله ولفظه قيل يلزم وقيل لا يلزم ويعرض على الأصول الممهدة لجواز ان يكون فيها ما يخصصه وأفاد الأستاذ في هذه المسألة فائدة جليلة وهي ان الخلاف ليس إلا فيما إذا ورد الخطاب العام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أما إذا ورد في عهده وجبت المبادرة الى الفعل على عمومه لأن أصول الشريعة لم تكن متقرره قد بان لك بهذين النقلين ان ما نقله الإمام
(2/141)

غير مستنكر وهو أولى واوجه من القول بإيجاب اعتقاد العموم على جزم حين ظهور المخصص يتغير الاعتقاد فإن مذهبه في غاية السقوط لا وجه له ولا حاصل تحته وقال امام الحرمين انه عنده غير معدود من مباحث العقلاء ومضطرب العلماء قال وإنما هو قول صدر عن عبادة واستمرار في عناد انتهى وهذا بخلاف القول بالعمل بالعام ابتداء فإنه ذو وجه ظاهر وجيه.
قال: لنا لو وجب لوجب طلب المجاز للتحرز عن الخطأ واللازم منتف قال عارض دلالته احتمال المخصص قلنا: الأصل يدفعه.
هذا دليل على ما اختاره من وجوب العمل بالعام ابتداء وتقريره لو وجب طلب المخصص والبحث عنه قبل التمسك بالعام لوجب طلب المجاز عند استعمال اللفظ في حقيقته واللازم منتف فالملزوم مثله أما وجه الملازمة فلأن الطلب في الصورة الأولى إنما هو الاحتراز على المفسدة واحتمال ضرر الخطأ وهذا المعنى موجود في الحقيقة وأما انتفاء اللازم فظاهر إذ لم يزل العلماء خلفا عن سلف على ممر الدهور وتعاقب الأزمنة يحملون اللفظ على حقيقته من غير بحث عن المجاز ومنهم من ادعى الاجماع على انه لا يجب طلب المجاز ولكن فيه نظر فقد نقل الثقات ابن سريج الى وجوبه وصرح القرافي بأن المسألتين على السواء على تقدير صحة الإجماع فالفرق واضح وذلك لأن احتمال وجود المخصص أقوى إذ ما من عام إلا وقد تطرق إليه التخصيص كما قال امام الحرمين قال والدي رحمه الله ويوضح هذا التفريق ان في العام دلالتين.
إحداهما: على اصل المعنى هي نص والأخرى على استغراق الأفراد وهي ظاهرة واحتمال المجاز حاصل في الأولى وفي كل حقيقة يدل اللفظ فيها على معنى والدلالة الإفرادية عليه قطعية فلذلك لم يطلب المجاز واحتمال التخصيص إنما هو في الثانية قال ومن تأمل هذا الكلام على ان إيراد الحقيقة على العام ساقط لأن في العام حقيقة ومجازا شارك فيهما وفيه تخصيص ينفرد به لا يوجد مثله في الحقيقة قال وهذا نفيس جدا.
قلت: ونظيره على العكس قلنا لا رجل بالفتح نص في الاستغراق وان كان محتمل المجاز لإراده لا غلام رجل لا رجل بالرفع ظاهر في الاستغراق لا
(2/142)

نص فهذا نظير العام والأول نظير الحقيقة وانما قلنا على العكس لأن قضية الاستغراق في الأول لا في الثاني فلا رجل بالفتح عمومه نص مقطوع به وحقيقة ظاهرة عكس العام ولا رجل بالرفع عمومه ظاهر وحقيقته محتملة للمجاز كغيرها من الحقائق قوله قال عارض أي احتج ابن سريج على مذهبه بأن العام وان دل على ثبوت الحكم في جميع الأفراد فاحتمال المخصص يعارضه لأن العام قبل طلب المخصص يحتمل التخصيص ويحتمل عدمه احتمالا على السواء وأجاب بأن الأصل عدم المخصص والإحتمال بمجرده لا يصلح معارضا لهذا الأصل فيكون مرجوحا.
فائدة: إذا اقتضى اللفظ العام عملا مؤقتا وضاق الوقت عن طلب الخصوص فهل يعمل بالعموم أو يتوقف فيه اختلف أصحابنا في ذلك كما حكاه ابن الصباغ في كتابه عده العالم في آخر مسألة إسماع الله المكلف اللفظ العام دون مخصصه وللخلاف نظائر كثيرة في المذهب منها هل للمجتهد التقليد عند ضيق الوقت ليعمل به أم لا فيه وجهان:
الأول: منهما وهو الجواز قول ابن سريج قال ولا يجوز له ان يفتى قال الرافعي وقياسه ان لا يجوز القضاء وأولى ومنهم من طرد قول ابن سريج في القضاء قال الرافعي ومن قال به فقياسه طرده في الفتوى ومنها لا يجوز للقادر عل الاجتهاد في القبلة ان يقلد غيره فإن ضاق عليه الوقت وظن ان وقت الصلاة ينتهي قبل اجتهاده فهل يقلد ويصلى في الوقت أو يتمادى في نظره الى تمام الاجتهاد فيه وجهان ومنها واستيقظ قبيل الوقت وكان بحيث لو اشتغل بالوضوء لخرج الوقت فهل يباح له التيمم أو يتوضأ أو يصلي خارج الوقت فيه وجهان.
(2/143)

الفصل الثالث: في المخصص، وهو متصل ومنفصل
الأول: الإستثناء
...
الفصل الثالث في المخصص
قال: الفصل الثالث في المخصص وهو متصل ومنفصل فالمتصل أربعة الأول الإستثناء وهو الإخراج بإلا غير الصفة ونحوها والمنقطع مجاز.
المخصص في الحقيقة هو إرادة المتكلم كما سبق ويطلق على الدال على الإرادة مجازا وهو المراد هنا ثم هو إما متصل أو منفصل لأنه إما أن يستقل بنفسه فالمنفصل أولا بل يتعلق معناه باللفظ الذي قبله فالمتصل وقسمه تبعا للأكثر الى أربعة والإستثناء والشرط والصفة والغاية وزاد ابن الحاجب خامسا وهو بدل البعض من الكل مثل قولك اكرم الناس عالمهم ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} .
الأول: الاستثناء وعرفه بما ذكر فقوله إخراج جنس يندرج تحته كل المخصصات وقوله بالإخراج به ما عدا الاستثناء قوله ونحوها يعنى مثل خلا وعدا وحاشا وسوى ثم أنه شرط في إلا ان تكون غير صفة يعنى بمعنى غيركما في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} 1 أي غير الله فإنها ليست للإستثناء ومثله جاءني رجال الا زيد فإنه ليس باستثناء ايضا إذا لا يمكن ان يكون متصلا لأن شرط المتصل ان يكون لولا الاستثناء لوجب دخوله وليس كذلك ها هنا لأن بتقدير عدم الاستثناء لا يجب دخول زيد في رجال لأنه لا يعم كما سبق ولا أن يكون منفصلا لأن شرط المنفصل ان لا يكون المستثنى داخلا وهنا يجوز ان يكون داخلا وقد أورد على هذا التعريف أنه
__________
1 سورة الأنبياء آية 22.
(2/144)

غير جامع لخروج الاستثناء المنقطع عنه وذلك لأن المستثنى في الاستثناء المنقطع مثل قال القوم إلا حمارا غير داخل في المستثنى منه ومنه قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ} 1 قال القاضي في مختصر التقريب والأصح أنه ليس من الملائكة وكذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً} 2 ومالهم به والحد للإستثناء الحقيقي والى الاعتراض وجوابه أشار بقوله والمنقطع مجاز على ان منهم من يقول المنقطع حقيقة ووارد على التعريف ايضا ان لفظه الا أخذت في لفظه وهي من أدوات الاستثناء فيكون تعريفا للشيء بنفسه وبأن أتى في التعريف بالواو في قوله ونحوها وهو غير سديد والصواب الآتيان بأو.
__________
1 سورة الحجر 30-31.
2 سورة النساء آية 92.
(2/145)

المسألة الأولى: في شروطه
...
قال: وفيه مسائل الأولى: شرطه الاتصال عادة بإجماع الأدباء وعن ابن عباس خلافه قياسا على التخصيص بغيره والجواب النقض بالصفة والغاية.
يشترط في الاستثناء شيئان:
أحدهما: ان يكون متصلا بالمستثنى منه عادة واحترز بقوله عادة عما إذا طال الكلام فإن ذلك لا يمنح صحة الإستثناء كما قاله الإمام وكذلك قطع الكلام بالتنفس والسعال لا يمنع الاتصال والدليل على ما قلناه من اشتراط الاتصال إجماع أهل اللغة وهم الأدباء عل ذلك وهذا الدليل ليس بجيد فإن ابن عباس من أخبر الناس بلغة العرب فلا يتجه هذا ان صح المنقول عنه ويمكن على بعد ان يجعل قوله بإجماع الأدباء متعلقا بقوله عاده أي لا يضر ما يمنع الاتصال في العادة كالسعال والتنفس باجماعهم ونقل عن ابن عباس رضي الله عنه جوز الاستثناء المنفصل ولم يصح عنه ثم اختلف النقلة عنه فنقل عنه انه يجوز الاستثناء الى شهر ونقل الشيخ أبو اسحاق عنه الجواز إلى سنة ونقل الجواز ابدا فهذه ثلاث روايات فلما لم يصح النقل عنه عبر المصنف بقوله ونقل ولما لم يعرف أقيده أم أطلقه وعلى تقدير التقييد بماذا هو عبر المصنف بقوله:
(2/145)

خلافه وقال القاضي في مختصر التقريب فمن بعده لعل مراده ان صح النقل ما إذا نوى الاستثناء متصلا بالكلام ثم اظهر نيته بعده فإنه يدين1 واحتج للمنقول عن ابن عباس بالقياس على التخصيص بغير الاستثناء بجامع ان كلا منهما مخصص واجيب بالنقض بالصفة والغاية وكذا الشرط فإن هذا يقتضي انفصالها وهو باطل اتفاقا وقد نقل الشيخ ابو اسحاق عن الحسن وعطاء أنهما جوازا الاستثناء ما دام في المجلس وقال: قوم بصحة الاستثناء المنفصل في كتاب الله دون غيره.
فوائد: إحداها ذكر ابن النجار في تاريخ بغداد في أثناء حرف الثين المعجمة ان أبا إسحاق المروزي أراد الخروج مرة من بغداد فاجتاز في بعض الطرق وإذا برجل على رأسه سلة فيها بقل وهو بمصل على ثيابه وهو يقول لآخر معه مذهب ابن عباس في الإستثناء غير صحيح إذ لو كان صحيحا لما قال الله تعالى لأيوب عليه السلام: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} 2 بل كان يقول له استثن ولا حاجة الى هذا التحيل في البر قال فقال الشيخ ابو اسحاق بلدة فيها رجل يحمل البقل وهو يرد على ابن عباس لا تستحق ان يخرج منها.
الثانية: قال القرافي في المنقول عن ابن عباس إنما هو في التعليق على مشيئة الله تعالى خالصة كمن حلف وقال ان شاء الله وليس هو في الإخراج
__________
1 قال الإمام الغزالي: والوجه تكذيب الناقل فلا يظن به ذلك أو يقال: أراد به إذا اضمره في وقت الإثبات وأبداه بعد ذلك فقد نقول: إنه يدين ومذهبه أن مايدين الرجل فيه يقبل منه إبداؤه أبدا. وقيل: وقيل إنه أراد به استثناءات القرآن.
أنظر: المتحول ص157, والمستصقى 2/37.
وفي حصول المأمول ص99: ومن قال بأن هذه المقالة لم تصح عن ابن عباس لعله لم يعلم أنها ثابتة في مستدرك الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين بلفظ: إذا حلف الرجل على يمين فله أن يستثنى إلى سنة ومثله عند أبي موسى المدني وسعيد بن منصور وغيرها من طرق انتهى.
وأقول إن الذي نستطيع أن نستخلصه من هذه الروايات أن هذا الرأي منقول عن ابن عباس- رضي الله عنهما- ولكن الجمهورمن العلماء يخالفونه في ذلك والله أعلم.1هـ محققة.
2 سورة ص آية 44.
(2/146)

بإلا وأخواتها قال ونقل العلماء ان مدركه في ذلك قوله تعالى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} 1 قالوا المعنى إذا نسيت قول إن شاء الله فقل بعد ذلك ولم يخصص وقتا.
الثالثة: قوله: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} التقدير ولا تقولن لشيء قولا جازما إلا أن تعلم مشيئة الله تعالى وهي لا تعلم فلا تقل هذا القول الجازم فالنهي حالة عدم العلم إنما هو جزم القول باني فاعل ذلك غدا ولا يلزم منه ان لا يقول ذلك غير جازم به بل يعلقه على مشيئة الله فافهم فمن قال افعل غدا ان شاء الله غير آت بالمنهي عنه فافهم هذا فهو حسن.
فإن قلت من قال: إني فاعل مع قوله إن شاء الله هو قائل إني فاعل فيكون آتيا بالمنهي عنه وإن أتى بلفظ إن شاء الله قلت لا نسلم أن من قال ذلك مع قول إن شاء الله يكون بالمنهي عنه وذلك لأن الكلام المركب من أجزاء لا يصدق أنه ذلك الكلام إلا من جميع أجزائه وكذلك من اقر لرجل بخمسة وعشرين لا يصدق أنه أقر بخمسة لأن الضمير العائد على الخمسة غير العائد على الخمسة والعشرين.
قال: وعدم الاستغراق الشرط الثاني عدم الاستغراق فان المستغرق مثل عشرة إلا عشرة باطل اتفاقا كما نقله الأئمة لكن قال القرافي نقل ابن طلحة في مختصره المعروف بالمدخل فما إذا قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا ثلثا قولين.
أحدهما: انه استثناء وينفعه وهذا غريب قال وشرط الحنابلة ان لا يزيد على النصف والقاضي ان ينقص منه لنا لو قيل له على عشرة الا تسعة لزم واحد اجماعا وعلى القاضي استثناء الغاوين من المخلصين وبالعكس قال: الأقل ينسى فيستدرك ونوقص بما ذكرناه.
ذهب الأكثرون الى صحة استثناء الأكثر حتى لو قال له على عشرة الا تسعة لم يلزمه سوى درهم واحد وقالت الحنابلة يشترط ان لا يزيد على
__________
1 سورة الكهف آية 24.
(2/147)

النصف وقال القاضي يشترط ان ينقص عنه هذا المنقول في الكتاب ونقل الشيخ أبو اس الشيرازي والآمدي عن الحنابلة امتناع المساوي ايضا كالمنقول عن القاضي ولم تختلف النقلة فيما اسندوه الى القاضي من امتناع المساوي والذي في مختصر التقريب كنا على تجويز الاستثناء الأكثر دهرا والذي صح عندنا آنفا منع ذلك ولم بتعرض لاشتراط الأقلية وقال قوم ان كان العدد صريحا لم يجز الاستثناء الأكثر مثل عشرة الا تسعة والإجاز مثل خذ هذه الدراهم الا ما في الكيس الفلاني اكثر من الباقي وقال آخرون بمنع استثناء اكثر الجملة منها إذا كان المستثنى جملة نحو جاء أخوتك العشره الا سبعة وتجويزا استثنائهم تفصيلا وتعديدا نحو الا زيدا منهم وبكرا وخالدا الى ان يأتي السبعة حكاه الأستاذ أبو محمد الحسن بن عيسى العارص المعتزلي في كتابه النكت في أصول الفقه عن بعض شيوخ النحو من أهل عصره.
واعلم ان الكلام في الاستثناء من العدد مبنى على صحته وللنحاة فيه مذاهب.
أحدها: أنه لا يجوز وصححه ابن عصفور.
الثاني: وهو المشهور الجواز.
الثالث: ان كان المستثنى عقدا من العقود لم يجز نحو عشرين الا عشرة وان لم يكن عقدا جاز نحو مائة الا ثلاث واستدل المصنف على المختار بوجهين.
أحدهما: وهو احتجاج على الفريقين أعني من اشترط ان لا يزيد عن النصف ومن اشترط ان ينقص عنه ان الفقهاء اجمعوا على ان من قال لفلان على عشرة إلا تسعة يلزمه واحد فقط ولولا صحة هذا الاستثناء لما كان كذلك ونقل الإجماع مردود فقد حكاه احمد بن حنبل وبعض المالكية.
والثاني: وهو مختص بمن اشترط الأقل على ان القاضي أورده في مختصر التقريب ولم يذكر اشتراط الأقلية وإنما أورده من جهة الرادين على من اشترط ان لا يكون اكثر وقال هذا امثل ما يستدلون به مع ان للقول فيه مجالا ولم يذكر عنه جوابا والشيخ أبو اسحاق قال انه دليل قاطع لا جواب
(2/148)

للخصم عنه وتقريره ان الله تعالى استثنى الغاوين من المخلصين في قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} 1 وبالعكس أي استثنى جل وعز المخلصين من الغاوين في قوله حكاية عن إبليس: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} 2 فلو كان المستثنى منه لزم أن يكون كل واحد من الغاوين والمخلصين أقل من الآخر وهو محال واحتج القائل باشتراط الأقل وهو القاضي على ما ذكر في الكتاب بأن الاستثناء خلاف الأصل لكونه بمنزلة الإنكار بعد الإقرار وخالفنا هذا اصل في الأقل لكونه قليل الخطور بالبال فربما نسيه المقر فيستدركه في الاستثناء وهذا بخلاف الأكثر فلذلك جوزنا في الأقل دون الأكثر وأجاب بأنه منقوص بما ذكرناه وهذا يحتمل وجهين.
أحدهما: أنه منقوص بما ذكرنا من الإجماع فيما إذا قال له على عشرة إلا تسعة وقد ذكرنا أنه غير ثابت.
والثاني: أنه منقوص بما ذكرناه من استثناء الغاوين من المخلصين وبالعكس فإن النسيان محال في جانب الباري وهذا الدليل أجيب عنه بأنا لا نسلم إلا أن في قوله إلا من اتبعك من الغاوين للاستثناء لكنا إنما نمتنع من استثناء إلا كثر إذا كان عدد المستثنى والمستثني منه مصرحا به مثل عشرة إلا تسعة أما إذا لم يكن مصرحا به مثل خذ ما في الكيس من الدراهم سوى الزيوف فإنه يصح وإن كانت الزيوف أكثر سلمنا ولكنا نقول المستثنى إلا في الإثنين أقل أما قوله إلا عبادك منهم المخلصين فيشمل كل العباد المخلصين من بني آدم لقوله منهم إشارة لبني آدم اقل واما قوله الا من اتبعك من الغاوين فالمستثنى اقل ايضا لأن قوله عبادي يشمل الملائكة لكونه إسم جنس أضيف ومعلوم ان كل الغاوين أقل من الملائكة وحدهم فكيف إذن أضيف إليهم صالحة بني آدم فيجوز ان استثناء الغاوين من كل عباده وهم اقل من مخلصين بدخول الملائكة في المخلصين ومعلوم انهم اكثر من غيرهم
__________
1 سورة الحجر آية 42.
2 سورة الحجر 39-40.
(2/149)

قال: عليه السلام: "أطت السماء وحق لها ان تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك يسبح الله" ولقائل أن يقول الجواب عن الأول ان جعل إلا بمعنى لكن فيه خروج من حقيقته بلا دليل وعن الثاني إن الدعوى فيما إذا كان عدد المستثنى والمستثنى منه مصرحا به وفيما إذا لم يكن وعن الثالث بأنه تعالى قال في سورة الحجر حكاية عن إبليس: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} 1 فاستثناء الأول لأنه استثنى المخلصين من بني آدم وهم أقل ثم قال: {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} 2 والمراد بعباده هنا المعهودون الذين تقدم ذكرهم وفيهم وقع الكلام وهم المخلصون من بني آدم وليس المراد العموم حتى تدخل الملائكة لأن العهد على العموم والآية وقعت في الحجر مبينة والقصة واحدة والله أعلم.
ومنهم من استدل مع التمسك بقوله: {إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} بقوله: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} 3 ولم يتعرض للآية الأخرى وفيه نظر فإن قوله وما أكثر الناس إنما يدل على الأكثرين من الذين بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم والألف واللام في الناس للعهد ولا يلزم من كون الغاوين أكثر في هذه الطائفة أن يكونوا أكثر بالنسبة إلي كل الطوائف من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة والله اعلم.
__________
1 سورة الحجر 39-40.
2 سورة الحجر 41- 42.
3 سورة يوسف 103.
(2/150)

المسألة الثانية: الإستثناء من الإثبات نفي وبالعكس
...
قال: الثانية: الإستثناء من الإثبات نفي وبالعكس خلافا لأبي حنيفة لنا لو لم يكن كذلك لم يكف لا إله إلا الله احتج بقوله عليه الصلاة والسلام: "لا صلاة إلا بطهور" قلنا للمبالغة.
الاستثناء من الإثبات نحو قام القوم إلا زيدا نفي للقيام عن زيد بالاتفاق وزعم بعضهم ان الخلاف جار فيه أيضا.
(2/150)

قال الهندي وهو الحق وبه صرح بعضهم وأما الإستثناء من النفي هل هو إثبات فقال أصحابنا نعم وخالفت الحنفية فقالت لا يدل إلا على الحكم المستثنى مسكوت عنه واحتج أصحابنا بأنه لم يكن إثباتا لم يكف قول القائل لا إله إلا الله في توحيده لأن اللفظ حينئذ ليس إلا نفي الإلهية عما عدا الله وهو ساكت عن إثباتها لله فيفوت أحد شرطي التوحيد فلا يكفي ذلك ولا قائل بهذا كيف والنبي صلى الله عليه وسلم يقول أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله واحتج أبو حنيفة بقوله عليه السلام: "لا صلاة إلا بطهور" فإن تقديره لا صحة للصلاة إلا بطهور فلو كان الاستثناء من النفي إثباتا لكان حيث وجد الطهور وجدت صحة الصلاة وليس كذلك لجواز فواتها لفقدان شرط آخر وأجاب المصنف بأن الحصر قد يؤتي به للمبالغة لا للنفي عن الغير مثل: "الحج عرفه" 1 والطهارة لما كانت أعظم الشروط صيرت كأن لا شرط إلا هي وأحسن من هذا الجواب ما ذكره صاحب التحصيل من ان قولنا الاستثناء من النفي إثبات يصدق بإثبات صورة في كل استثناء لأن دعوى الإثبات لا عموم ما فيها بل هي مطلقة فيقتضي صحة الصلاة عند وجود الطهارة بصفة الإطلاق لا بصفة العموم وان شئت قلت لا صلاة نفي كلي وقوله: "إلا بطهور" 2 إثبات جزئي لأن نقيض الكلي جزئي ونحن نقول به إذ قد يوجد الطهور ومعه بقية الشروط والصلاة
واعلم ان هذا الحديث لا يعرف بهذا اللفظ والأولى أن يغير بحديث لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب
قلت وقد وقع في بعض المجالس الاستدلال على صحة مذهب أبي حنيفة
__________
1رواه أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة كما رواه الحاكم في مستدركه الكبير الفتح الكبير 782.
2 رواه البخاري, كتاب الوضوء, باب لاتقبل صلاة بغير طهور ولفظه: "لاتقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ" كما رواه الترمذي وابن ماجة في كتاب الطهارة باب: "لايقبل الله صلاة بغير طهور".
(2/151)

بقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} 1 إلا وسعها وجه الحجة انه لو كان الاستثناء من النفي إثباتا لكان المرء مكلفا بكل ما تسعه نفسه لأن الوسع مستثنى في قوله: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً} وقد أضيف بقوله وسعها فيقتضي العموم بناء على ان المفرد المضاف يعم والتقدير لا يكلف الله نفسا بشيء إلا بكل ما تسعه فتكون كل ما تسعه مكلفة به وليس كذلك وكان البحث بين يدي والدي أيده الله فاستحسن ذلك2.
فرع: لو قال: لا أجامعك سنة إلا مرة فمضت سنة ولم يطأ فهل يلزمه كفارة لاقتضاء اللفظ الوطىء أم لا لأن المقصود منع الزيادة وجهان يتجه تخريجهما على هذا الأصل قال النواوي أصحهما إلا كفارة.
(2/152)

المسألة الثالثة: في حكم الاستثناءات المتعددة
...
قال: الثالثة: المتعددة إن تعارضت أو استغرق الأخير الأول عادت إلى المتقدم عليها وألا يعود الثاني إلى الأول لأنه أقرب.
الاستثناء من الاستثناء جائز وحكي عن بعضهم خلافه وهو ضعيف قال الله تعالى: {إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ} 3 وإذا ثبت جواز الاستثناء من الاستثناء فنقول إلا الاستثناءات المتعددة إما أن يكون بعضها معطوفا على بعض أولا إن كان الأول المستثنى منه نحوله على عشره إلا أربعة وإلا ثلاثة وإلا اثنين فإن الكل يرجع إلى الأولي فلا يلزم المقر إلا واحدا وإن كان الثاني مستغرقا للأول أو لا فإن كان مستغرقا قال الإمام أو مساويا له
__________
1 سورة البفرة آية 286.
2 ونقل عن الإمام أبي حنيفة أنه يخالف في المسألتين: أي يقول: إن الإستثناء من الإثبات ليس بنفي ومن النفي ليس بإثبات لكن الصحيح هو الأول الذي حكاه الشارح قال الإمام الرازي: اتفق العلماء: وأبو حنيفة وغيره على أن إلا للإخراج وأن المستثنى مخرج, وأن كل شيء خرج من نقيض دخل في النقيض الآخر فهذه ثلاثة أمور متفق عليها وبقي أمر رابع مختلف فيه أنا إذا قلنا. قلنا القوم فهناك أمران: القيام والحكم فاختلفوا هل المستثنى مخرج من القيام أو من الحكم به؟ فنحن نقول: من القيام فيدخل في نقيضه وهو عدم القيام والحنفية يقولون: هو مخرج من الحكم فيدخل في نقيضه وهو عدم الحكم فيكون غير محكوم عليه فأمكن أن يكون قائما والا يكون. حاشية البناني على جمع الجوامع 1512.
3 سورة الحجر آية 59.
(2/152)

عاد الكل إلى المتقدم أيضا مثل على عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة إلا أربعة فلا يلزم غير واحد وإلي هذين القسمين أشار بقوله عادت إلى المتقدم عليها وإن لم يكن مستغرقا عاد الاستثناء الثاني إلى الأول مثل عشرة إلا ثمانية إلا سبعة حتى يلزم تسعة وإلى هذا أشار بقوله وألا يعود الثاني إلى الأول أي دون المستثنى منه وعلله بان الأول لقربه إليه من المستثنى منه والقرب يدل على الرجحان عند البصريين فإنهم في تنازع العاملين في العمل اختاروا الأقرب ولذلك أن نقول الأقربية لا تدل على اللزوم وانما تدل على الرجحان كما في تنازع العاملين فإنه لا نزاع بين البصريين والكوفيين في جواز أعمال كل منهما وإنما الخلاف في الأولوية فينبغي أن يقرر بوجه آخر فيقال إما أن يعود إلى الثاني أو إلى الأول منتف للزوم الترجيح من غير مرجح في اللزوم لأنهما فيه سواء فيعود إلى الأولوية ونقول لا يعود إلى الأول لأنه مرجوع فرع لو كان الاستثناء الأول مستغرقا للمستثنى منه دون الثاني.
الثاني: كقوله. عشرة إلا عشرة إلا أربعة ففيه أوجه للأصحاب.
أحدهما: يلزمه عشرة ويبطل الأول لاستغراقه.
والثاني: لأنه باطل.
والثاني: يلزمه أربعة ويصح الإستثناءان لأن الكلام إنما يتم بآخره قال ابن الصباغ وهو أقيس.
والثالث: يلزم ستة لأن الأول باطل والثاني يرجع إلي أول الكلام.
(2/153)

المسألة الرابعة: الاستثناء بعد الجمل
...
قال: الرابعة: قال الشافعي رضي الله عنه المتعقب للجمل كقوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} يعود إليها وخص أبو حنيفة بالأخيرة وتوقف القاضي والمرتضي وقيل ان كان بينهما تعلق فللجميع مثل اكرم الفقهاء والزهاد وأنفق عليهم إلا المبتدعة فالأخيرة.
هذه المسألة في حكم الاستثناء الواقع عقيب جمل عطف بعضها على بعض مثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ
(2/153)

جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} 1فإن هذا استثناء وقع بعد ثلاث جمل الأولى أمرهم بجلدهم والثانية ناهية عن قبول شهادتهم والثالثة مخبرة بفسقهم وقد اختلف العلماء فيها على مذاهب.
الأول: وهو مذهبنا أنه يعود إلى الجميع لكن بشروط.
أحدها: أن تكون الجمل معطوفة.
والثاني: أن يكون العطف بالواو الجامعة فأما إن كان بثم اختص بالأخيرة ذكره الآمدي قال الأصفهاني ولم أر من تقدمه به.
قلت وقد نقدمه إمام الحرمين كما نص عليه في النهاية وفي مختصر له في أصول الفقه ونقل الرافعي في كتاب الوقف عنه.
والثالث: نقله الرافعي عن رأى إمام الحرمين أيضا ان لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل فإن تخلل اختص بالآخرة قال الرافعي كما لو قال وقفت على أولادي على ان من مات منهم وأعقبت فنصيبه بين أولاده للذكر مثل حظ الاثنين وإن لم يعقب فنصيبه للذين في درجته فإذا انقرضوا فهو مصروف إلى اخوتي إلا أن يفسق واحد منهم فيختص الاستثناء بالأخوة.
المذهب الثاني: وإليه ذهب أبو حنيفة أنه يعود إلى الأخيرة خاصة حتى لا يقبل شهادة القاذف وإن تاب وصار من الأبرار والثلث التوقف وإليه ذهب القاضي والغزالي منا والمرتضى2 من الشيعة إلا أن القاضي توقف لعدم العلم بمدلوله لغة وقال الإمام أنه الذي نختاره في المناظرة والمرتضى توقف لكونه عنده مشتركا بين عوده إلى الكل وعوده إلى الأخيرة فقط.
واعلم ان القول بالإشتراك إنما يكون من باب الاشتراك في المركبات لا في
__________
1 سورة النور 4-5.
2 هو الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين الطاهر بن موسى من أحفاد سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما وأحد الأئمة في علم الكلام والأدب والشعر.
توفي سنة 436هـ ببغداد.
الأعلام للزركلي 66712.
(2/154)

المفردات ويكون مبنيا على وضع المركبات ولا يمكن أن يقال العود من المفردات ذكره القرافي ولما تغاير توقف القاضي والمرتضى حصلنا من الموقف على مذهبين فنقول والمذهب الخامس واليه ذهب الحسين وقال الإمام انه داخل في التحقيق وانه حق انه ان كان بين تعلق الجمل تعلق عاد الاستثناء إليها والتعلق ان يكون حكم الأولى أو اسمها مضمرا في الثانية في الحكم نحو اكرم الفقهاء والزهاد إلا المبتدعة تقديره وأكرم الزهاد وفي الإسم نحو أكرم الفقهاء وانفق عليهم إلا المبتدعة أي على الفقهاء وقد أشار المصنف إلى المثالين فقط لذلك ان لم يكن بين الجمل تعلق اختص بالأخيرة لأن الظاهر أنه ما انتقل عن جملة مستقلة بنفسها إلى جملة أخرى إلا وقد تم غرضه من الأولى فلو رجع الإستثناء إلى الجميع لم يكن مقصود من الأولى قد تم.
قال: لنا ما تقدم الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات كالحال والشرط وغيرهما فلذلك الاستثناء قيل خلاف الدليل خولف في الأخيرة للضرورة فبقيت الأولى على عمومها قلنا منقوض بالصفة والشرط.
احتج الشافعي رضوان الله عليه بأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع المتعلقات كالحال والشرط وكالصفة وكالجار والمجرور والظرف فيجب أن يكون الاستثناء كذلك والجامع أن كلا غير مستقل بنفسه ومثال اشتراط المعطوف والمعطوف عليه في الحال أكرم ربيعة وأعط مضر نازلين بك وفي الصفة الطوال وفي الشرط أن نزلوا بك في الجار والمجرور اضرب زيدا واهن عمرا في الدار وفي الظرف صم وصل يوم الخميس وقد نقل الإمام عن الحنفية موافقتنا على عود الشرط إلى الكل وأما الحال والظرف والمجرور فقال ان نخصهما بالأخيرة وعلى قول أبى حنيفة وحينئذ لا يحسن استدلال المصنف بها على الحنفية في الدليل نظر آخر وهو أنه لا يلزم من اشتراك لشيئين من بعض الوجوه اشتراكهما في جميع الأحكام واللغة لا تثبت قياسا مع أن الفرق ثابت فإن الشرط متقدم على المشروط من جهة المعنى وإن تأخر من جهة اللفظ بخلاف الإستثناء فإنه مؤخر من الجهتين واحتج أبو حنيفة بأن الاستثناء خلاف الأصل لتنزله منزلة الإنكار بعد الإقرار كما سبق وإذا كان على
(2/155)

خلاف الدليل كان مرجوحا لكن خالفنا مقتضى الدليل في الجملة الأخيرة للضرورة لأن الاستثناء غير مستقل ولا يمكن إلغاؤه وإنما جعلناه للجملة الأخيرة لأنها اقرب فبقى ما عداها على الأصل أجاب بأن هذا الدليل منقوض بالصفة والشرط فإنهما عائدان إلى الكل مع وجود المعنى الذي قلتموه بعينه فيهما وفي النقض بالصفة نظر فان أبا حنيفة رحمه الله لا يقول بالشرط.
فإن قلت لأبى حنيفة أن يعتذر على الشرط بأن له صدر الكلام كما تقدم.
قلت: سلمنا أن رتبته التقدم ولكن على الجملة الأخيرة التي هي مشروطة لا على جميع الجمل.
فإن قلت: لما حصل في ان الشرط هل هو شرط للجميع أو للأخيرة فقط بمقتضى اختلاف الأئمة والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط لم يرتب الحكم في المشروط إلا بعد وجوده فالمشروط مشكوك فيه.
قلت قد يمنع هذا ويقال في الأصل عدم كونه شرطا فترتب الحكم ما لم يثبت شرطيته للجميع.
فائدة: الخلاف المتقدم في ان الاستثناء هل يختص بالأخيرة أو يعود إلى الجميع أو غير ذلك إنما هو فيما إذا لم يقم دليل على واحد بعينه وقد وقع استثناء بعد جملتين وهو عائد إلى الجملة الأولى وحدها في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} 1 فإن هذا الاستثناء مختص بالجملة الأولى أعني قوله: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} ولا يجوز أن يكون عائدا إلى الأخيرة أعني إلى قوله ومن لم يطعمه فانه مني إذ التقدير حينئذ إلا من اغترف غرفة بيده فليس مني والمعنى على خلاف ذلك لأن المقصود ان لم يطعمه مطلقا من اغترف منه وغرفة بيده على حد سواء ولا يمكن ان يكون التقدير إلا من اغترف غرفة بيده فإنه مني على هذا التقدير لأنه لا يعقل استثناء حينئذ إذ المستثنى لا بد ان يغاير حكمه حكم المستثنى منه وكذلك في قوله تعالى: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا
__________
1 سورة البقرة آية 249.
(2/156)

أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} 1 فان هذا الاستثناء مختص بالجملة الأولى أي والله إعلم لا يحل لك النساء والنساء اعم من الزوجات والإماء واستثنى ما يملكه اليمين وجزم أيضا أن يتبدل بالأزواج ولا يمكن عود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة إذ تصير الإماء قد استثنين من الأزواج وهن لا يمكن كونهن أزواجا له صلى الله عليه وسلم ووقع استثناء وهو عائد إلى الجميع بلا اختلاف في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} 2 وهذا يصلح نقضا على أبى حنيفة ومعتصما لأصحابنا ووقع استثناء وهو راجع إلى الجملة الأخيرة بلا خلاف غير راجع إلى الأولى الصحيح وفي المتوسطة اختلاف وذلك في آية القاذف المتقدمة فان الجلد ثابت اتاب القاذف أم لم يتب وإنما الخلاف في قبول الشهادة فإن قلت فهذه الآية والآية الأولى ينقضان مذهبكم كما نقضت آية قطاع الطريق رأي أبى حنيفة قلت قد قلنا ان الأصل عندنا ان الاستثناء يعود على الجميع وقد يختلف ذلك لدليل في الآية الأولى تخلف لعدم الإمكان وفي آية القاذف لأنه حق آدمي لا يسقط بالتوبة وأما الحنفية فلا عذر لهم في مخالفة أصلهم.
__________
1 سورة الأحزاب آية 52.
2 سورة المائدة آية 33.
(2/157)

قال الثاني: الشرط هو ما يتوقف عليه تأثير المؤثر لا وجود له كالإحصان.
القسم الثاني من أقسام المخصصات المتصلة بالشرط وهو في اللغة العلامة ومنه أشراط الساعة أي علاماتها وفي الاصطلاح هو الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر لا وجود المؤثر كالإحصان لوجوب الرجم فإن تأثير المؤثر وجوب الرجم هو الزنا متوقف عليه دون وجوده لأنه قد يوجد الزنا ولا يوجد الإحصان وإنما قال لا وجوده ولم يقل لا ذاته كما فعل الإمام لئلا يرد على طرده العلة التامة وهي المركبة من المقتضى والشرط وانتفاء المانع فان تأثيرها متوقف على ذاتها
(2/157)

بالضرورة فالشرط جزاؤها وذاتها لا يتوقف عليها لأن الشيء لا يتوقف على نفسه وهذا بخلاف الوجود فإنه على رأي المصنف وصف عارض للماهية كما تقدم في الاشتراك فلا يدخل تحت الحد فافهم ذلك فهو في محاسن المصنف وهنا فائدتان:
إحداهما: ان الشرط قد يكون شرعيا كما مثلنا في الإحصان وقد يكون عقليا الحياة شرط للعلم وقد يكون لغويا نحو ان كلمت زيدا فأنت طالق وقد يكون عاديا كالسلم مع صعود السطح والكلام ليس إلا في الشرعي ويدل على ذلك تمثيل المصنف بالإحصان.
الثانية: أن الشروط اللغوية أسباب بخلاف غيرها من الشروط وقاعدتها مباينة لقاعدة الشروط الأخرى ونظير الفرق بين القاعدتين يتبين حقيقة السبب والشرط المانع والسبب هو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته والشرط هو الذي يلزم العدم ولا يلزم من وجوده لا علم لذاته والمانع هو الذي يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدم وجوده والعدم لذاته وقد أوضحنا ذلك في أوائل تقسيم الألفاظ فعاوده فإذا راجعته وتقرر ذلك فلنعتبر من المانع وجوده ومن الشرط عدمه ومن السبب وجوده وعدمه ولك ان تمثل ذلك بالزكاة فالسبب النصاب والحول شرط والدين مانع عند من يراه مانعا فإذا ظهرت حقيقة كل واحد من السبب والشرط والمانع وضح ان الشروط اللغوية أسباب بخلاف غيرها من الشروط الفعلية كالحياة مع العلم والشرعية كالإحصان مع الرجم والعادية كالسلم مع الصعود فإن هذه الشروط يلزم من عدمها العدم في المشروط ولا يلزم من وجودها وجود ولا عدم فقد يوجد المشروط عند وجودها كوجوب الزكاة عند الحول الذي هو شرط وقد يقارن الدين فيمتنع الوجوب وأما الشروط اللغوية التي هي التعليق كقوله إن دخلت الدار فأنت طالق يلزم من الدخول الطلاق ومن عدمه عدمه إلا أن يخلفه سبب آخر كالإنشاء أو تعليق آخر بعد التعليق وهذا هو شأن السبب أن يلزم من عدمه العدم إلا أن يخلفه سبب آخر فإذا ظهر ان الشروط اللغوية أسباب دون غيرها فإطلاق لفظ الشرط عليها وعلى ما عداها أما بالاشتراك أو بالحقيقة في واحد والمجاز في البواقي
(2/158)

أو بالتواطؤ إذ بينهما قدر مشترك وهو مجرد توقف الوجود على الوجود فان الشرط العقلي وغيره يتوقف دخول شروطه في الوجود على وجوده وإن وجوده لا يقتضيه والمشروط اللغوي يتوقف وجوده على وجود شرطه ووجود شرطه يقتضيه ثم الشرط اللغوي يمكن التعويض عنه ولا خلاف والبدل كما قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم يقول لها أنت طالق ثلاثا فيقع الثلاث بالإنشاء بدلا من المعلقة وكقولك ان رددت عبدي فلك هذا الدرهم ولك ان تعطيه إياه قبل ان يأتيك بالعبد هبة فتختلف الهبة إستحقاقه إياه بالإتيان بالعبد ويمكن إبطال شرطيته كما إذا أنجز الطلاق او اتفقتما على فسخ العجالة والشروط الشرعية لا يقتضي وجودها وجود او لا تقبل البدل ولا الإخلاف ولا تقبل الإبطال إلا الشرعية خاصة فإن المشرع قد يبطل شرطية الطهارة الستارة عند معارضة التعذر أو غيره فهذه ثلاث فروق إقتضاء الوجود والبدل والإبطال والله اعلم.
قال: وفيه مسألتان الأولى الشرط إن وجد دفعه فذاك وإلا فيوجد المشروط عند تكامل أجزائه وارتفاع جزء منه ان شرط عدمه الثانية ان كان زانيا ومحصنا فارجم يحتاج إليهما وإن كان سارقا او نباشا فاقطع يكفي احدهما وإن شفيت فسالم وغانم حر فشفي عتقا وإن قال او فيعتق أحدهما او بعين.
(2/159)

المسألة الأولى: متى يوجد المشروط
...
ذكر في هذا القسم مسألتين:
إحداهما: في وقت وجود المشروط اعلم ان الشرط إما ان يوجد أو على التدريج ان وجد دفعة كالتعليق على وقوع طلاق وغير ذلك مما يستحيل ان يدخل في الوجود الا دفعة واحدة فانه يوجد المشروط عند أول أزمنة الوجود ان علق عليه او العدم ان علق عليه مثل ان لم أطلقك فأنت طالق والى هذين القسمين أشار بقوله فذاك وان وجد على التدريج كالتعليق على قراءة سورة مثلا فإن كان على الوجود كقوله ان قرأت الفاتحة فأنت طالق فيوجد المشروط وهو الطلاق عند تكامل أجزاء الفاتحة وان كان على العدم كقوله ان لم تقرئي الفاتحة فأنت طالق فيوجد المشروط وهو الطلاق عند ارتفاع جزء من الفاتحة حتى لو قرأت الجميع الا حرفا واحدا تطلق لأن المركب ينفى بانتفاء أجزائه وانتفاء الجزء يستلزم انتفاء الكل
(2/159)

المسألة الثانية: العطف على الشرط أو على المشروط.
...
المسألة الثانية: في تعدد الشرط والمشروط أما الشرط فاعلم ان الشرطين إن دخلا على جزء واحد فإما ان يكونا على الجميع او على البدل فإن كانا على الجمع مثل إن كان زانيا ومحصنا فارجم فلا يوجد المشروط الذي هو الرجم الا عند وجودهما معا وإن كان على البدل كفى أيهما وجد في ترتب الحكم نحو إن كان سارقا او نباشا فاقطع وأما المشروط فاعلم أن الجزائين ان دخلا على شرط واحد فإن كانا على الجميع وجد عند وجوده مثل ان شفيت فسالم وغانم حر فأيهما يعتقان عند شفائه أحدهما والخيرة في التعيين إليه هذا ما ذكره في هذه المسألة ولم يذكر اتحاد الشرط والمشروط مثل ان دخلت الدار فأنت طالق بل وضع المسألة في التعدد فقط.
فائدة: اتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام لا نعلم في ذلك نزاعا وعلى أنه يجوز تقييد الكلام بشرط يكون الخارج به أكثر من الباقي قال الشيخ صفي الدين الهندي وهذا ما يجب تنزيله على ما علم أنه كذلك وأما ما يجهل الحال فيه فإنه يجوز ان يقيد ولو بشرط لا يبقى من مدلولاته شيئا كقولك اكرم من يدخل الدار إن أكرمك وان اتفق أن أحدا منهم لم يكرمه.
(2/160)

قال الثالث الصفة مثل فتحرير رقبة مؤمنة وهي الاستثناء.
القسم الثاني من المخصصات المتصلة للصفة نحو أكرم بني تميم الطوال ومثل له المصنف تبعا للإمام بقوله فتحرير رقبة لأن رقبة عام والتقييد بالمؤمنة يخرج الكافرة وفيه تجوز لأن رقبة مطلق وعمومه يدل والكلام في العموم الشمولي قوله وهي الاستثناء أي الصفة كالاستثناء في وجوب الإيصال وعودها إلى الجمل فقط لا في جميع أحكام الاستثناء حتى يجيء فيها الخلاف في جواز إخراج الأكثر والمساوي ويحتمل أن يجري الخلاف في هذا أيضا وإطلاق الكتاب يقتضيه وقال الإمام إذا تعقبت الصفة شيئين فإما أن يتعلق أحدهما بالأخرى مثل اكرم العرب والعجم المؤمنين فتكون عائدة إليهما وإما ان لا يكون كذلك مثل اكرم العلماء وجالس الفقهاء الزهاد فهاهنا الصفة عائدة الى الجملة الأخيرة قال وللبحث فيه مجال كما في الاستثناء.
(2/160)

قال الرابع الغاية وهي طرفه وحكم ما بعدها خلاف ما قبلها مثل: {ثُمَّ
(2/160)

أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} .
غاية الشيء طرفه ومنتهاه وإنما أعاد المصنف الضمير في طرفه على الشيء وهو غير مذكور للعلم به وألفاظ الغاية حتى وإلى كقوله تعالى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} وحكم ما بعد الغاية مخالف ما قبلها وإلا لم تكن الغاية غاية بل وسطا هذا خلف وأما الغاية نفسها هل تدخل كقولك أكلت حتى قمت هل يكون القيام محلا للأكل فيه مذاهب.
أحدها: أن حكمه يخالف حكم ما قبله.
والثاني: أنه لا يدل على شيء واختاره الآمدي.
والثالث: إن كان من جنسه دخل وإلا فلو نحو بعتك التفاح إلي هذه الشجرة أهي من التفاح فتدخل أم لا فلا تدخل.
والرابع: إن كان معه لفظ من دخل نحو من هذه النخلة أو هذه وإلا لم يدخل.
والخامس: قال الإمام وهو الأول أن يميز عما قبله بالحسن مثل: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} كان حكم ما بعدها خلاف ما قبلها وان لم يتميز حسا استمر ذلك الحكم على ما بعده مثل: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} فإن المرفق غير منفصل عن اليد بمفصل محسوس قال العراقي وقول الإمام يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها من مدخول من جهة أنا لا نعلم خلافا فيما بعد الغاية وهذا يقتضي أنه محل خلاف والخلاف ليس هو في الغاية نفسها.
والسادس: إن اقترن بمن دخل وإلا فاحتمل ان يدخل وألا يدخل ويكون بمعنى مع كقوله: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} أي مع أموالكم وهذا كله في غاية الانتهاء أما غاية الابتداء ففيها مذهبان وهنا فوائد.
أحدها: قول الاصوليين ان الغاية من جملة المخصصات قال والدي أيده الله إنما هو فيما تقدمها عموم يشملها لولم يؤت بها وقوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} 1 ولم يقله لقاتلنا المشركين أعطوا الجزية أولم يعطوها ولا يأتي ذلك
__________
1 سورة التوبة آية 29.
(2/161)

في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" 1 لأن حالة النائم خارجة عن الصبي وحالة الإفاقة خارجة عن الجنون والاستيقاظ خارج عن منوم فلو قال عن الصبي والمجنون والنائم ولم يذكر الغايات المذكورة لم يشملها فإن قلت فما يقصد بالغاية في مثل هذا قلت تارة يقصد بها تأكيد العموم فيما قبلها وهذا المعنى هو المقصود في الحديث فان عدم التكليف في جميع أزمنة الصبي تعمها بحيث لا يستثني منها شيء وهكذا أزمنه الجنون والنوم فالمقصود بهذه الغاية من هذا الوجه تحقيق التعميم لا التخصيص ومن ذلك قوله تعالى: {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} 2 وطلوعه وزمن طلوعه ليسا من الليل حتى يشملها قوله سلام وتارة يقصد بها ارتفاع ذلك الحكم عند الغاية فإن اللفظ لو اقتصر على قوله رفع القلم عن الصبي شمل حالة الصبي ولم يتعرض لحالة البلوغ إثبات التكليف فيها ولا نفيه عنها بل كان ساكتا عن حكمها فلما قال حتى يبلغ وقد علم مخالفة ما بعد الغاية لما قبلها فهم إثبات التكليف في حالة البلوغ فقصد بالغاية المذكورة هذا الحكم أيضا وهذا يقوله من يقول بالمفهوم وقال والدي أعزه الله تعالى وهو إن قيل به في نحو قوله حتى يعطوا الجزية فهو أقوى من القول به هنا لأن هناك لو لم يقل به لم يكن للغاية فائدة وهنا فائدتها المقصد الأول كما بيناه فلم يكن دليل على الثاني الثانية قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} 3 يحتمل ان يكون مثل قوله حتى يعطوا الجزية فإن الصيام لغة تشمل الليل والنهار فخص هذا العموم بقوله إلى الليل ويصح تمثيل المصنف حينئذ بهذه الآية للتخصيص بالغاية ويحتمل ان يكون مثل قوله حتى مطلع الفجر وهو الظاهر فإن الصيام شرعا لا يكون إلا نهارا وأيضا عموم قوله وأتموا الصيام إنما هو في أفراد الصيام أي أتموا كل صيام ولا
__________
1 حديث صحيح أخرجه ابن ماجه والترمذي والحاكم من حديث علي رضي الله عنه بلفظ: رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يشب وعن المعتوه حتى يعقل, الفتح الكبير 2512. كما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث علي وعمر وعائشة رضي الله عنه.
2 سورة القدر آية 4.
3 سورة البقرة آية 187.
(2/162)

تعرض فيه للوقت نعم لو قال قائل أتموا الصوم في الزمان الى الليل كان تخصيصا راجعا إلى العموم في الأوقات المستفاد من قوله الزمان.
الثالثة: قد عرفت الخلاف في انتهاء الغاية هل يدخل قال والدي أحسن الله إليه ولا بد ان يستثنى من هذا الطلاق شيئان:
أحدهما: ما تقدم وهي الغاية التي لو سكت عنها لم يدل عليها اللفظ كالغايات المذكورة في الحديث وكطلوع الفجر وكقوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} . وإن حالة الطهر لا يشملها اسم المحيض.
الثاني: ما يكون اللفظ الأول شاملا لها مثل قولنا قطعت أصابعه كلها من الخنصر إلى الإبهام لأنه لو اقتصر على قوله قطعت أصابعه كلها لأفاد الاستغراق فكان قوله من الخنصر إلى الإبهام تأكيدا وكذلك قوله قرأت القرآن من فاتحته إلى خاتمته وهو في الحقيقة راجع إلى الأول لأن المقصود فيهما تحقيق العموم واستغراقه لا تخصيصه وان افترقا في ان الذي جعل غاية في الثاني طرف المغيا وفي الأول ما بعده ففي هذين الموضعين الغاية لا خلا ف فيها بل هي في الأول خارجة قطعا وفي الثاني داخلة قطعا وكذا بعتك هذه الأشجار من هذه إلى هذه وانما اختلف الأصحاب فيما إذا قال بعتك من هذه النخلة إلى هذه النخلة هل يدخل الابتداء أو الإنتهاء ولا يدخل واحد منهما ومحل القطع بدخول الغاية في قولنا قطعت أصابعه كلها من الخنصر إلى الإبهام فإن اللفظ الأول صريح في الدخول فلو كان ظاهرا غير صريح كقولنا ضربت القوم حتى زيدا فالحكم كذلك ظاهر مع احتمال أن يكون انتهاء الضرب إليه ولم يضر به.
الرابعة: من شرط المغيا أن يثبت قبل الغاية ويتكرر حتى يصل إليها كقولك سرت من البصرة إلى الكوفة فإن السير الذي هو المغيا ثابت قبل الكوفة ومتكرر في طريقها وعلى هذا يمتنع أن يكون قوله إلى المرافق غاية لغسل اليد لأن غسل اليد إنما يحصل بعد الوصول إلى الإبط فليس ثابتا قبل المرفق الذي هو الغاية فلا ينتظم غاية له نعم لو قيل اغسلوا إلى المرافق ولم يقل أيديكم انتظم لأن مطلق الغسل ثابت إلى المرافق ومتكرر قال بعض الحنفية فيتعين
(2/163)

أن يكون المغيا غير الغسل ويكون التقدير اتركوا من اباطكم إلى المرفق فيكون مطلق الترك ثابتا قبل المرفق ومتكررا إليه ويكون الغسل نفسه لم يغيا وفي هذا المقام يتعارض المجاز واضمر فإن لنا ان نتجوز بلفظ اليد إلى جزئها حتى يثبت المغيا قبل الغاية ولا يضمر لنا ان المضمر كم قال هذا الحنفي ومن هذا قوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} يقتضي ثبوت الصيام بوصف التمام قبل غروب الشمس ويتحرر إلى غروبها وليس كذلك فيشكل كون الليل غاية للصوم التام نعم لو قيل صوموا إلى الليل انتظم لأن الصوم الشرعي ثابت قبل الليل ومتكرر إليه بخلاف الصوم بوصف التمام قال القرافي وهذا السؤال أورده الشيخ عز الدين بن عبد السلام وأجاب عنه بأن المراد أتموا كل جزء من أجزاء الصوم سنته وفضائله وكرروا ذلك إلى الليل والكمال في الصوم قد يحصل في جزء من أجزاء الليل دون جزء من جهة اجتناب الكذب والغيبة والنميمة وغير ذلك مما يأباه الصوم وكذلك آدابه الخاصة كترك السواك والتفكر في أمور النساء وغير ذلك فامرنا بتكرير هذا إلى غروب الشمس.
الخامسة: إذا قال له من درهم إلى عشرة وقال ضمنت مالك على فلان من درهم إلى عشرة صححناه كما هو الصحيح لزمه تسعة على الأصح عند العراقيين والغزالي والنووي وقضيته القول بأن غاية الانتهاء لا تدخل دون غاية الابتداء وقيل عشرة وصححه.
الثاني: كتخصيص قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} فإنا نخصص الطفل والمجنون لعدم فهمهما الخطاب واعلم أن منهم من خالف في التخصيص بالعقل ونقله إمام الحرمين عن بعض الناشئة أي الذين نشأوا أبوا أن يسموا هذا الفيء تخصيصا ونحن نقول أولا هذا هو ظاهر نص الشافعي رضي الله عنه فإنه قال في الرسالة باب ما نزل من الكتاب عاما يراد به العام ويدخله الخصوص توطئة لما ذكره بعدها مما يدخله الخصوص وكذلك كانت ترجمة الباب في بعض نسخ الرسالة كما ذكر شرحها أبو بكر الصيرفي ما ترك عاما يراد به العام وعاما يدخله الخصوص قال الشافعي رضي الله عنه قال الله عز وجل: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} وذكر قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي
(2/164)

الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} 1 ثم قال وهذا عام لا خاص فيه كل شيء من سماء وأرض وذي روح وشجر وغير ذلك فالله خالقه وكل دابة فعلى الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها انتهى.
ثانيا: كما قال إمام الحرمين في هذه المسألة قليلة الفائدة نزرة الخدوي والفائدة فإن تلقى الخصوص من مأخذ العقل غير منكر لو كون اللفظ موضوعا للعموم على اصل اللسان لا خلاف فيه مع من يعترف ببطلان مذهب الواقفية وإن امتنع ممتنع من تسمية ذلك تخصيصا فليس في إطلاقه مخالفة عقل أو شرع والخلاف في المسألة عند التحقيق لفظي فان مقتضى اللفظ العام غير ثابت فيما دل العقل على امتناعه فيه ثم نقول يمكن ان يقال ان الآيتين اللتين أوردهما الشافعي رضي الله عنه على عمومها ودعوى تخصيص العقل فيها باطلة أما قوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} فهو عز وجل غير داخل وهذا الخطاب لوجهين:
أحدهما: أن المخاطب لا يدخل في عموم خطابه عند جماعة الأصوليين ولعله البغوي والرافعي في المحرر في الضمان ووالدي وقيل ثمانية ولو قال بيتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار لم يدخل الجداران في البيع ولو قال له من هذه النخلة إلى هذه النخلة قال للشيخ أبو حامد تدخل الأولى في الإقرار دون الأخيرة وقال الرافعي ينبغي أن لا تدخل الأولى أيضا كقوله بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار ولو شرط في البيع الخيار إلى الليل انقطع الخيار بغروب الشمس خلافا لأبي حنيفة حيث قال يثبت والخيار إلى طلوع الفجر وكذا إذا باعه بثمن إلى شهر لم يدخله الشهر الثاني في الأجل.
قال ووجوب غسل المرافق للاحتياط.
وهذا جواب عن سؤال مقدر تقديره لو صح ما ذكرتم من مخالفة حكم ما بعد الغاية لما قبلها لم يجب غسل المرافق وجوابه إنما وجب للاحتياط فان النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأدار الماء على مرفقه فاحتمل أن يكون غسله واجبا فاخذ بالاحتياط وقد تم القول في المخصصات المتصلة.
__________
1 سورة هود آية 6.
(2/165)

المخصص المنفصل وهو ثلاثة
الأول: اللعقل
...
قال والمنفصل ثلاثة الأول العقل مثل: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} .
المنفصل هو الذي يستقل بنفسه ولا يحتاج في ثبوته إلى ذكر لفظ العام معه بخلاف المتصل قال المصنف وهو ثلاثة العقل والحس والدليل السمعي قال القرافي والحصر غير ثابت فقد نفي التخصيص بالعوائد كقولك رأيت الناس فما رأيت افضل من زيد والعادة تقتضي أنك لم تركل الناس وكذا التخصيص بقرائن الأحوال كقولك لغلامك أتيتني بمن يحدثني فإن ذلك لمن يصلح لحديثه في مثل حاله والتخصيص بدليل العقل ضروريا كان أو نظريا.
فالأول: كتخصيص قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} فأنا نعلم بالضرورة انه ليس خالقا لنفسه.
أحدهما: عدم الإذن ويتجه على هذا ما ذكرت.
وثانيهما: وهو الذي عول عليه ان لفظة شيء مأخوذه من مشاء والمشاء المحدث الذي ليس بقديم والله تعالى قديم فلا يصدق عليه ذلك لما ذكرناه فان قلت فما تصنع في قوله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ} 1 قلت لعله لا يرى الوقف على قول قل الله فإن قلت لا يخلو المانع من التخصيص بالعقل في هذه الآية من ان يقول أن الله علما أو لا علم فإن كان ممن ينفيه فكتاب الله شاهد عليه إذ يقول: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} وقوله: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} وإن كان يثبته وجب عليه أن يقول علم الله مخلوق ويلزمه أيضا ان يقول القرآن مخلوق قلت قد أورد ابن داود هذا على الشافعي رضي الله عنه وسفه الأئمة مقاله وقالوا هو اعتراض غير سديد لأن صفات الله عز وجل من العلم والقدرة والكمال ليست بأعيان له لأن الصفة ليست هي الموصوف ولا هي غيره وأما قوله: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} فهي أيضا على عمومها فكل دابة تدب على وجه الأرض أو في قعر البحار أو تحت أطباق الثرى فالله رازقها دون غيره ويعلم مستقرها ومستودعها واعترض ابن داود بقوله من الدواب من أفناه الله تعالى قبل أن
__________
1 سورة الأنعام آية 19.
(2/166)

يرزقه خطأ كما قال أبو بكر الصيرفي بل لا بد أن يرزقه إلى أن يغنيه بما يقيم حياته وله نفس ثابتة وقد جعل الله غذاء طائفة من الطير التنفس إلى مدة يصلح فيها للمأكل وليس في قوله عز وجل: {يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ} ما يوجب انه لا يرزق بعض الدواب قال الصيرفي لأن هذا رزق التفضيل بقوله: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} 1 والتفضيل وقع كما رأينا الموسر والمعسر واما الرزق الذي يقيم الأبدان للعبادة أو الحياة فلا بد منه كما قال الله عز وجل وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الروح الأمين قد ألقى في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" 2 قال الصيرفي فهذا نص من السنة إن كل نفس لا بد من استيفائها رزقها واعلم أن الشافعي إنما قال كل شيء من سماء وأرض إلى آخره ليذكر أفرادا مما دخل تحت اللفظ العام يتبين بها أن الداخل تحته من جنسها ولم يتعرض للأشياء التي ذكرت من العلم والقدرة والكلام لكراهية الكلام وتجنبه ترك الخوض فيه.
فرع: قال الإمام النسخ بالنسخ بالعقل واحتج بأن من سقط رجلاه نسخ عنه غسلهما وهو مدخول فإن ساقط الرجلين لم ينسخ عنه غسلهما بل زال الوجوب لعدم القدرة لا غير ثم أن ما ذكره مخالف لما قاله في النسخ من أنه لا بد وأن يكون بطريق شرعي.
__________
1 سورة النحل آية 71.
2 حديث صحيح, رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي أمامة بلفظ "أن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فاتقوا الله واجملوا في الطلب ولا يحملن أحدكم استبطاء أن يطلبه بمعصية الله فإن الله تعالى لاينال ماعنده إلا بطاعته.
الفتح الكبير 1/393.
(2/167)

قال الثاني الحس مثل: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} .
المخصص الثاني: من المخصصات المنفصلة الحس مثل قوله تعالى حكاية عن بلقيس: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} 3 فإن مقتضاه أنها أوتيت من كل شيء بعضه ونحن نعلم أنها لم تؤت شيئا مما كنا نشاهده في يد سليمان صلى الله عليه وسلم وكذلك
__________
(1) سورة النمل آية 23
(2/167)

قوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} 1 ونحن نشاهد أشياء كثيرة لا تدمير فيها كالسماء ونحوها وقوله تعالى: {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} 2 ونحن نرى الجبال أتت عليها وما جعلتها كالرميم وقوله: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} 3 وما كان مختصا من الثمار بأقصى المشرق والمغرب لم تر أنه يجيء إليه.
__________
1 سورة الأحقاف آية 25.
2 سورة الذاريات آية 42.
3 سورة القصص آية 57.
(2/168)

الثالث: الدليل السمعي
المسألة الأولى: تعارض العام والخاص
...
قال الثالث الدليل السمعي وفيه مسائل الأول الخاص إذا عارض العام خصصه علم تأخيره أم لا وأبو حنيفة يجعل المتقدم منسوخا وتوقف حيث جهل لنا أعمال الدليلين أولى.
الثالث من المخصصات المنفصلة الدليل السمعي وفيه مسائل
الأولى في بناء العام على الخاص اعلم انه إذا ورد عام وخاص يدل كل واحد منهما على خلاف ما يدل عليه الآخر فرأى الشافعي رضي الله عنه أن الخاص يخصص العام سواء علم أن الخاص متأخر عن العام أم لم يعلم أم علم تأخره عن الخاص وبه قال أبو الحسين واختاره الإمام واتباعه منهم المصنف واختاره ابن الحاجب وذهب أبو حنيفة إلى الأخذ المتأخر سواء كان هو الخاص أم العام فعلى هذا ان تأخر الخاص نسخ من العام بقدر ما يدل عليه وان تأخر العام نسخ الخاص وان جهل وجب التوقف إلا أن يترجح أحدهما على الآخر بمرجح وذهب ابن العارض إلى التوقف في المسألة وابن العارض هذا بالعين المهملة بعدها ألف ثم راء ثم ضاد معجمة واسمه الحسين بن عيسى معتزلي قدري له كتاب في أصول الفقه سماه انكت ورأيت عبارته تعابه عبارة المحصول فعلمت أن الإمام كان كثير المراجعة له وقد انتخب ابن الصلاح هذا الكتاب ووقفت عليه بخط ابن الصلاح وكتبت منه فوائد وقد وهم القرافي فظن أن ابن العارض قد وقع في المحصول مصحفا قال وانما هو ابن القاص بالقاف والصاد المهملة المشددة وهو الشيخ أبو العباس أحد أئمة أصحاب الشافعي4 هذا كلام القرافي
(2/168)

وهو وهم وحجتنا ان العام والخاص قد اجتمعنا فأما أن يعمل بهما أو لا يعمل بواحد منهما أو يعمل بالعام دون الخاص أو بالعكس والأقسام الثلاثة الأولى باطلة فتعين الرابع أما الأول والثاني فلاستحالة الجمع بين النقيضين ولاستحالة الخلو عنهما ويراد الثاني انه يستلزم ترك الدليلين من غير ضرورة وهو باطل وأما الثالث فلأنه يستلزم إبطال أحدهما بالكلية بخلاف عكسه فإنه لا يستلزم إبطال العام بالكلية بل من وجه فكان العمل به متعينا لأن أعمال الدليلين أولى من إبطال أحدهما بالكلية واحتج أصحابنا بأن الخاص أقوى دلالة على ما يتناوله من العام واحتج أبو حنيفة بما روى أن ابن عباس رضي الله عنه قال كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أمور رسول الله وأجيب بأنه يجب حمل الأحدث على غير صورة النزاع جمعا بين الدليلين والله اعلم ولا يخفى عليك أن الخاص المتأخر إنما يكون مخصصا للعام المتقدم إذا ورد وقت العمل بالعام أو قبله أما إذا ورد بعده فكذلك عند من يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وعند المانعين يكون الخاص ناسخا للعام إن كان مما يصلح لنسخه وإلا فلا يعبأ به.
(2/169)

المسألة الثانية: ما يخصص القرآن الكريم
...
قال الثانية يجوز تخصيص الكتاب به وبالسنة المتواترة والإجماع كتخصيص: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} بقوله: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} وقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} بقوله القاتل لا يرث: و {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} برجمه عليه السلام المحصن وتنصيف حد القذف على العبد.
هذه المسألة في تخصيص المقطوع بالمقطوع وذكر فيها ثلاثة مباحث:
الأول: أنه يجوز تخصيص الكتاب به أن بالكتاب خلافا لبعض أهل الظاهر لنا أنه وقع لأن الله تعالى قال: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} 1 وهذا عام في أولات الأحمال بقوله: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} ووقوعه دليل جوازه وزيادة لا يقال لعل التخصيص وقع بغير هذه الآية لأنا نقول الأصل عدم غيرها واحتج الخصم بقوله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} 2 فوض البيان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فوجب أن لا يحصل البيان إلا بقوله
__________
1 سورة البقرة آية 228.
2سورة النحل آية 44.
(2/169)

والجواب أن قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} 1 يدل على أن الكتاب هو المبين والجمع بين الآيتين أن البيان يحصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أعم من أن يكون منه أو على لسانه واعلم أنه يجوز تخصيص السنة المتواترة بها كالكتاب به
البحث الثاني: يجوز تخصيص القرآن بالسنة المتواترة قال الآمدي لا أعرف فيه خلافا وصرح الهندي بقيام الإجماع عليه ومنهم من حكى خلافا في السنة الفعلية وقد مثل المصنف للقولية بأنهم خصصوا عموم قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} 2 بما روى الترمذي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة وهو رجل متروك عند بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "القاتل لا يرث" قال الترمذي لا يصح هذا الحديث ولا نعرفه إلا من هذا الوجه وقال البيهقي شواهده تقويه3 فإن قلت هذا الحديث على تقدير صحته من أخبار الآحاد والكلام في المتواترة قلت قال القرافي هذا السؤال إنما يرد لو كان زماننا زمان النسخ والتخصيص وإنما ذلك زمن الصحابة رضي الله عنهم وهذا الحديث وأمثاله كان متواترا في ذلك الزمان والمتواتر قد يصير آحادا وكم من قضية كانت متواترة في الزمن الماضي ثم صارت آحادا بل ربما نسيت بالكلية ومثل للسنة الفعلية بأنهم حكموا بأن قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} 4 مخصوص بما تواتر عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم من رجمه المحصن والحديث في الصحيحين5 ولك أن تقول لعل
__________
1 سورة النحل آية 89.
2 سورة النساء آية 11.
3 قال يحيى بن معين. رجاله كلهم ثقات إلا اسحاق هذا وجود ابن عبد البر عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس للقاتل من الميراث شيء" رواه النسائي.
وانظر: نيل الأوطار 9516-86, سبل السلام 3/101.
4 سورة النور آية 2.
5 روى البخاري هذا الحديث في صحيحه كتاب الحدود باب: رجم المحصن. فتح الباري 2/98. كما رواه الإمام مسلم باب حد الزنا , وأحمد في مسنده وأبو داود باب: رجم ماعز.
(2/170)

التخصيص إنما هو بالآية التي نسخت تلاوتها ويبقى حكمها وهي الشيخ والشيخة اذا زنيا فارجموهما كما سيأتي في النسخ ان شاء الله تعالى والمراد بالشيخ والشيخة الشيب والشيبة ثم أن رجمه صلى الله عليه وسلم المحصن ليس فعلا وإنما هو قول فإن عليه السلام قال اذهبوا به فارجموه فلا يصح مثالا للفعلية.
فرع: يجوز تخصيص السنة المتواترة بالكتاب وعن بعض فقهاء أصحابنا أنه لا يجوز البحث.
الثالث: يجوز تخصيص الكتاب بالإجماع وكذا السنة المتواترة يجوز تخصيصها بالإجماع قال الآمدي لا اعرف فيها خلافا واستدل في الكتاب او مثل بأن الإجماع خصص العبد من آية الجلد يعني قوله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} 1 لأنه قام على ان ينصف على العبد وإما عكس ذلك وهو تخصيص الإجماع بالكتاب والسنة المتواترة فلم يذكره كم الكتاب وهو غير جائز بالإجماع ولأن إجماعهم على الحكم العام مع سبق المخصص خطأ ولا يجوز الإجماع على الخطأ.
تنبيه: معنى قولنا تخصيص الكتاب بالإجماع أنهم يجمعون على تخصيص العام بدليل آخر فالمخصص سند الاجماع ثم يلزم من بعدهم متابعتهم وان جهلوا المخصص وليس معناه انهم خصوا العام بالاجماع لأن الكتاب والسنة المتواترة موجودان في عهده عليه السلام وانعقاد الاجماع بعد ذلك على خلافه خطأ فالذي جوزناه اجماع على التخصيص لا تخصيص بالإجماع والله اعلم.
__________
1 سورة النور آية 4.
(2/171)

وأتباعه منهم المصنف وبه قال امام الحرمين وطوائف وتبعهم الآمدي قال إمام الحرمين ومن شك ان الصديق لو روى خبرا عن المصطفى صلى الله عليه وسلم في تخصيص عموم الكتاب لا بتدره الصحابة قاطبة بالقبول فليس على دراية من قاعدة الاخبار.
والثاني: المنع مطلقا ونقله ابن برهان في الوجيز عن طائفة من المتكلمين وشرذمة من الفقهاء.
والثالث: قال عيسى بن أبان إنه لا يجوز في العام الذي لم يخصص ويجوز فيما خصص لأن دلالته تضعف وشرط ان يكون الذي خصص به دليلا قطعيا.
والرابع: إن كان التخصيص بدليل منفصل جاز وإن يخص أو كان بمتصل فلا يجوز قاله أبو الحسن الكرخي وشبهته أن تخصيصه بمنفصل يصيره مجازا كما هو رأيه وإذا كان مجازا ضعف فيتسلط عليه التخصيص فمدار ابن ابان والكرخي على والضعف غير ان مدرك الكرخي في القوة الحقيقية والمجاز ومدرك الأخر القطع بالمجاز وعدم القطع وقوله والكرخي بمنفصل أي ومنع الكرخي فيما لم يخصص بمنفصل وقد اقتصر في الكتاب على الأربعة.
وفي المسألة مذهب خامس وهو الوقف في المحل الذي يتعارض فيه الخبر ومقتضى لفظ الكتاب وأجرى اللفظ العام من الكتاب في بقية مسمياته.
وذهب إليه القاضي كما نقله عن إمام الحرمين والغزالي والامام والآمدي نقل عنه ابن برهان في الوجهين أنهما يتعارضان ويتساقطان ويجب الرجوع إلى دليل آخر وهو عند التحقيق غير القول بالوقف وكلامه في مختصر التقريب محتمل لكل من النقلين إلا أنه لما نقله ابن برهان أقرب فانه قال إذا تقابلا يتعارضان القدر الذي يختلفان فيه ولا يتمسك بواحد منهما ويتمسك بالصفة العامة في بقية المسميات التي لم يتناولها الخبر الخاص فينزل الخبر مع العموم فيما يختلف فيه ظاهرهما منزلة خبرين مختلفي الظاهر نقلا مطلقين انتهى وحكى في مختصر التقريب مذهب سادسا وهو أنه يجوز التعبد بتخصيص العموم بخبر الواحد وعدمه عقلا لكن لم يدل على أحد القسمين وهذا أيضا قول بالوقف وهنا فوائد.
(2/172)

أحدها: ان هذا الخلاف الذي في تجوير تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد هل هو جار في تخصيص السنة المتواترة به الظاهر وهو الذي صرح به في الكتاب نعم والمصنف وإن كان منسوبا في ذلك الى التقرير عن الإمام وأصحابه وغيرهم من المتأخرين فهو آت بحق فقد سبقه بذلك القاضي رضي الله عنه فقال في مختصر التقريب القول في تخصيص الكتاب والسنة المقطوع بها بأخبار الآحاد اعلم وفقك الله ان هذا باب عظيم.
خلاف العلماء فيه ثم ساق المذاهب المذكورة.
الثانية: لعلك تقول قد سبق أن ابن أبان يرى أن العام المخصوص ليس بحجة فكيف الجمع بينه وبين ما ذكره هنا والجواب أن الجمع بينهما أنه لا يحتج بالعام المخصوص لكونه صار مجازا وليس بعض المحامل أولى من البعض بالعام المخصوص لكونه صار مجازا وليس بعض المحامل أولى من البعض فيصير مجملا عنده فإذا جاء مخصص بعد ذلك جزمنا بإخراج ما دل عليه بعد أن كنا لا نحكم عليه بشيء ويبقى الباقي على ما كان عليه لا يحتج به ولا يجزم لعدم إرادته فالمخصص مبني لكون ذلك الفرد غير مراد وساكت عن الباقي فلا منافاة بين الكلامين وهذا الجمع قرره والدي أحسن الله إليه ورأيت أنا بعد ذلك القاضي في مختصر التقريب قال بعد حكاية مذهب ابن أبان هذا مبني على أصل له قدمناه وهو أن العموم إذا خص بعضه صار مجملا في بقية المسميات لا يسوغ الاستدلال باللفظ المجمل في عموم ولا خصوص قبل ورود الخبر وبعده انتهى وهذا حسن نفيس.
الثالثة: قال القرافي المحدثون والنحاة على عدم صرف أبان قال ونقله ابن يعيش في شرح المفصل عن الجمهور وقال إنه بناء على أن وزنه أفعل واصله أبين صيغه مبالغة في الظهور الذي هو البيان والابانه فيقول هذا أبين من هذا أي أظهر منه وأوضح فلوحظ أصله مع العلمية التي فيها فلم يصرف.
قال: لنا أعمال الدليلين ولو من وجه أولى قيل قال عليه الصلاة والسلام: "إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه" قلنا منقوض بالمتواتر قيل الظن لا يعارض القطع قلنا العام مقطوع المتن مظنون الدلالة والخاص بالعكس فتعادلا قيل لو خصص لنسخ قلنا التخصيص أهون
(2/173)

احتج على الجواز مطلقا بأن فيه إعمالا للدليلين أما الخاص ففي جميع ما دل عليه وأما العام فمن وجه وهو الإفراد التي لم تخصص دون وجه وهو ما خصص ومنع التخصيص يفضي إلى إلغاء أحد الدليلين وهو الخاص وأعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما وقد سبق مثل هذا واحتج المانع مطلقا بثلاثة أوجه.
أحدها: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا روى عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه" 1 وهذا الحديث مخصوص بالكتاب فلا يدل على السنة المتواترة كما هي طريقة المصنف وقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده موصولا من حديث أبي هريرة واللفظ أنه ستأتيكم عني أحاديث مختلفة فما أتاكم عني موافقا لكتاب الله وسنتي فليس مني وفي سنده مقال ورواه البيهقي في المدخل من طريق الشافعي رضي الله عنه عن طريق منقطعة وأجاب المصنف بأن هذا منقوض بالسنة المتواترة فإنها مخالفة ويجوز التخصيص بها اتفاقا كما سبق وقال الشافعي رضوان الله عليه ما هو أحسن من هذا الجواب وهو ما نصه وليس يخالف الحديث القرآن ولكنه مبين معنى ما أراد خاصا وعاما وناسخا ومنسوخا ثم يلزم الناس ما بين يفرضه الله عز وجل فمن قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله قيل قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} 2 انتهى.
الثاني: إن الكتاب مقطوع به وكذا السنة المتواترة والآحاد مظنونة والمقطوع أولى من المظنون.
__________
1 قال الإمام الشافعي- رضي الله عنه: هذا الحديث رواه رجل مجهول وهو منقطع ولم يروه أحد يثبت حديثه الرسالة ص 224-225 بتحقيق الشيخ أحمد شاكر وفي عون المعبود 4/329: فأما مارواه بعضهم أنه قال: "إذا جاءكم الحديث فأعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه ... فإنه حديث باطل لأصل له. وينقل العلامة الفتني في تذكرة الموضوعات ص28 عن الخطابي أنه قال: ضعفه الزنادقة. وقد عقد الإمام أبو محمد بن حزم لهذا المعنى فصلا نفيسا في كتابه الإحكام 2/86- 82 فراجعه هناك والله أعلم.
2 سورة الحشر آية 7.
(2/174)

احتج على الجواز مطلقا بأن فيه أعمالا للدليلين أما الخاص ففي جميع ما دل عليه وأما العام فمن وجه وهو الإفراد التي لم تخصص دون وجه وهو ما خصص ومنع التخصيص يفضي إلى إلغاء أحد الدليلين وهو الخاص وأعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما وقد سبق مثل هذا واحتج المانع مطلقا بثلاثة أوجه.
أحدها: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا روى عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه" 1 وهذا الحديث مخصوص بالكتاب فلا يدل على السنة المتواترة كما هي طريقة المصنف وقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده موصولا من حديث أبي هريرة واللفظ أنه ستأتيكم عني أحاديث مختلفة فما أتاكم عني موافقا لكتاب الله وسنتي فليس مني وفي سنده مقال ورواه البيهقي في المدخل من طريق الشافعي رضي الله عنه عن طريق منقطعة وأجاب المصنف بأن هذا منقوض بالسنة المتواترة فإنها مخالفة ويجوز التخصيص بها اتفاقا كما سبق وقال الشافعي رضوان الله عليه ما هو أحسن من هذا الجواب وهو ما نصه وليس يخالف الحديث القرآن ولكنه مبين معنى ما أراد خاصا وعاما وناسخا ومنسوخا ثم يلزم الناس ما بين يفرضه الله عز وجل فمن قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله قيل قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} 2 انتهى.
الثاني: إن الكتاب مقطوع به وكذا السنة المتواترة والآحاد مظنونة والمقطوع أولى من المظنون.
__________
1 قال الإمام الشافعي- رضي الله عنه: هذا الحديث رواه رجل مجهول وهو منقطع ولم يروه أحد يثبت حديثه الرسالة ص 224-225 بتحقيق الشيخ أحمد شاكر وفي عون المعبود 4/329: فأما مارواه بعضهم أنه قال: "إذا جاءكم الحديث فأعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فخذوه ... فإنه حديث باطل لأصل له. وينقل العلامة الفتني في تذكرة الموضوعات ص28 عن الخطابي أنه قال: ضعفه الزنادقة. وقد عقد الإمام أبو محمد بن حزم لهذا المعنى فصلا نفيسا في كتابه الإحكام 2/86- 82 فراجعه هناك والله أعلم.
2 سورة الحشر آية 7.
(2/174)

وأجاب بأن العام الذي فيه الكلام وهو الكتاب والسنة المتواترة مقطوع في متنه إذ لا شك في كونه من القرآن إن كان من الكتاب ولا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ان كان من السنة المتواترة وأما الخاص فبالعكس متنه مظنون لأنه من رواية الآحاد فلا يقطع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ودلالته مقطوع بها لأنه لا يحتمل إلا ما يعرض له فكل منهما مقطوع به من وجه مظنون من آخر فتساويا فان قلت إذا تعادلا فلا ينبغي ان يرجح احدهما على الآخر إذ هو حينئذ ترجيح من غير مرجح قلت يرجح الخاص بأن فيه أعمالا للدليلين وقد ضعف الأصفهاني شارح المحصول هذا الدليل بأن خبر الواحد يحتمل المجاز والنقل وغيرهما مما يمنع القطع غاية ما في الباب أنه لا يحتمل التخصيص وذلك لا ينفع نعم يمكن ان يدعي قوة دلالة الخاص على مدلوله فإنها أقوى من دلالة العام عليه.
الثالث: انه لو جاز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد لجاز نسخهما به واللازم منتف بالاتفاق على أنه لا يجوز نسخ المتواترة بخبر الواحد وبيان الملازمة ان كل واحد منهما تخصيص لكن أحدهما وهو النسخ تخصيص في الأزمان والآخر تخصيص في الأعيان وأجاب بأن التخصيص أهون من النسخ لأن النسخ يرفع الحكم بالكلية بخلاف التخصيص ولا يلزم من تأثير الشيء في الأضعف ان يكون مؤثرا في الأقوى قلت وهذا الدليل وجوابه يمشيان على طريق المصنف فإنه قال لا ينسخ المتواترة بالآحاد وهي طريقة فيها كلام لأن جماعة ينفلوا الاتفاق على الجواز وجعلوا محل الخلاف في الوقوع وجماعة جزموا بالجواز من غير حكاية خلاف كالإمام وغيره كما ستعرف ذلك إن شاء الله في النسخ فالعجب ليس من المصنف لأنه مشى على طريقته وهي صحيحة سنبين ذلك في كتاب النسخ بل من الإمام حيث لم ينبه على ذلك إذ ذكر الدليل والجواب.
قال: وبالقياس ومنع أبو على وشرط ابن ابان التخصيص والكرخي بمنفصل وابن سريج الجلاء في القياس واعتبر حجة الإسلام ارجح الظنين وتوقف القاضي وإمام الحرمين.
(2/175)

المبحث الثاني في جواز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالقياس أي بقياس نص خاص كذا صرح الغزالي وقوله بالقياس معطوف على قوله بخبر الواحد أي يجوز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد وبالقياس والخلاف في هذه المسألة على مذاهب.
أحدها: الجواز مطلقا وبه قال الأئمة الأربعة والشيخ أبو الحسن وأبو هاشم بعد أن كان يوافق وهو المختار في الكتاب.
والثاني: المنع مطلقا قال أبو علي الجبائي ونقله القاضي عن طائفة من المتكلمين منهم ابن مجاهد من أصحابنا.
والثالث: أن تطرق إليهما التخصيص بغير القياس جاز تخصيصهما به وإلا فلا قاله ابن أبان ونقله ابن برهان في الوجيز عن أصحاب أبي حنيفة.
والرابع: أن تطرق إليهما التخصيص بمنفصل جاز وإلا فلا قاله الكرخي.
والخامس: يجوز تخصيصهما بالقياس الجلي دون الخفي وهو رأي ابن سريع وجماعة من أصحابنا واختلف هؤلاء في تفسير الجلي والخفي فقيل الجلي قياس العلة والخفي قياس الشبه وقيل الجلي ما تتبادر علته إلى الفهم عن سماع الحكم نحو تعظيم الأبوين عند سماع قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} ونحو اندهاش العقل عقل عند تمام الفكر عند سماع قوله عليه السلام: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" 1 والخفي ما ليس كذلك وقيل الجلي ما ينقض قضاء القاضي بخلافه والخفي ما ليس كذلك.
والسادس: ان تفاوت العام والقياس في إفادة غلبية الظن رجحنا الأقوى وأن تساويا فالتوفيق وهو مذهب حجة الاسلام الغزالي واعترف الإمام في بناء المسألة بأنه حق واستحسنه القرافي وقال الأصفهاني انه حق واضح وكذلك قال الهندي في أثناء المسألة.
__________
1 حديث صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري وأبو داود وابن ماجة من حديث أبي بكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "لايقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان". كما رواه النسائي بلفظ: "لايقضين أحد في قضاء بقضاءين ولا يقضين أحد بين خصمين وهو غضبان".
الفتح الكبير 3/368.
(2/176)

والسابع: الوقف ذهب إليه القاضي وإمام الحرمين واقتصر المصنف على حكاية هذه المذاهب السبعة.
والثامن: قال الآمدي ان كانت العلة منصوصة او مجمعا عليها جاز التخصيص به وإلا فلا.
والتاسع: ان كان الأصل المقيس عليه مخرجا من عام جاز التخصيصي وإلا فلا وهنا الخلاف كله في القياس المستنبط من الكتاب او عمومها او عموم خبر الواحد بالنسبة الى خبر الواحد فعلى الخلاف ايضا واما بالنسبة الى عموم الكتاب فيرتب على جواز تخصيصه بخبر الواحد فمن لا يجوز ذلك لا يجوز تخصيصه بالقياس المستنبط منه بطريق الأولى واما من يجوز قال الهندي فيحتمل ان لا يجيز ذلك لزيادة الضعف ويحتمل أن يجوز ذلك كما في القياس المستنبط من الكتاب إذ قد يكون قياسه أكثر قوة من ذلك العموم بأن يكون قد قياسة أكثر قوة من ذلك العموم بأن يكون قد تطرق إليه تخصيصيات كثيرة ويحتمل ان يتوقف فيه لتعادلهما إذ قد يظهر له ذلك.
قال: لنا ما تقدم قيل القياس فرع فلا يقدم قلنا على اصله قيل مقدماته أكثر قلنا قد يكون بالعكس ومع هذا فاعمال الكل أحرى.
استدل على ما اختاره بأن فيه اعمالا للدليلين وأعمال الدليلين ولو من وجه أولى وهذا هو الذي تقدم وقد مضى تقريره قال الغزالي وهو فاسد لأن القدر وقع فيه التقاتل ليس فيه جمع بين الدليلين بل هو رفع للعموم وتجريد للعمل بالقياس وهذا حسن وهو مأخوذ من القاضي فإنه أجاب به عن هذه الشبه في مختصر التقريب قال والمقصود من ذلك ان القدر الذي تحقق اجتماع القياس واللفظ فيه توهم فيه قضية اللفظ والقدر الذي بقي من اللفظ لم يمانعه القياس فينزل اللفظ باقي المسميات في منزلة اللفظة الأخرى فبطل ادعائه استعمال الدليلين في محل الاجتماع في الدليلين واحتج الجبائي على المنع مطلقا بوجهين.
أحدهما: أن القياس فرع النص فلو خصصنا العموم به لقدمنا الفرع على
(2/177)

أصله لا على أصل آخر وإذا خصصنا العموم به لم نقدمه على أصله وإنما قدمناه على أصل آخر وهو بالنسبة الى الأصل الآخر ليس فرعا بل هو دليل مثله.
والثاني: ان مقدمات القياس اكثر من مقدمات النص لأنه فرعه وكل مقدمة توقف النص عليها من غير عكس لاختصاص القياس بتوقفه على مقدمات آخر وبيان ذلك ان جهة الضعف في العام المقطوع المتن منحصرة في أمرين:
أحدهما: احتمال التخصيص.
وثانيهما: احتمال التجوز وفي غيره الاحتمالان المذكوران مع احتمال كذب الناقل وأما في القياس فهذه الثلاثه أو الاثنان لأن الأصل في القياس لا بد وأن يكون نصا ورابع وهو احتمال ان لا يكون الحكم معللا بعلة أصلا وخامس وهو احتمال ان تكون العلة غير ما ظنه القائس عله لأنه ربما لم يستكمل أوصاف الاجتهاد وربما قصر في الاجتهاد عامدا او مخطأ وسادس وقد ذكره القاضي في مختصر التقريب انه وان كان ما ظنه علة فيحتمل ان يكون قد زل في طريقة قرب مخطىء في الطرق التي ثبتت بها العلل وسابع وهو انه وان لم يزل في الطريق فيحتمل ان لا تكون موجودة في الفرع مع انه ظن وجودها فيه وثامن وهو أنها وإن وجدت في الفرع لكن ربما لم توجد فيه شرط الحكم أو فقد صانع وإذا كان كذلك كان القياس اضعف من العام لا سيما من المقطوع متنه فلم يجز تقديمه عليه لامتناع العمل بالمرجوح مع معارضة الراجح وقال القاضي في مختصر التقريب فإن قالوا إن كلامنا في قياس يصح قلنا فلا يتصور في المجتهدات قياس يقطع بصحته ثم ان صورتم قياسا قاطعا فصوروا صيغة تقطع بعمومها هذا تقرير الوجه الثاني من الوجهين اللذين اعتصم بهما الجبائي وأجاب في الكتاب عن هذا الثاني بوجهين.
أحدهما: لا نسلم أن مقدمات القياس أكثر مطلقا بل يكون بالعكس أي يكون مقدمات العام اكثر من مقدمات القياس فإن فيه احتمال التجوز والنسخ وخطأ الراوي وغير ذلك والقياس لا يحتمل شيء من ذلك.
(2/178)

وثانيهما: إنا سلمنا ان مقدمات القياس اكثر مطلقا لكن في العمل فيهما عمل بالدليلين وهو أحرى أي أحوط وأولى كما سبق وقد عرفت ما فيه من النظر والحق ان الوجهين ضعيفان أما هذا فلما عرفت واما الذي قبله فلأن القياس لا بد وأن يستند إلى أصل وذلك الأصل ان لم يكن مقطوع المتن تطرقت إليه هذه الإحتمالات وينضم إليها ما يختص به القياس من المحتملات فيكون الاحتمال فيه اكثر وان كان مقطوع المتن فدلالته ظنية وهي تقبل القوة والضعف كالقياس وعند ذلك نقول الحق في الجواب ان يقال كميات المقدمات قد تعارض كيفياتها بمقدمات القياس وإن كانت كثيرة لكنها قد تكون أقوى من مقدمات العام القليلة التي للعام او أرجح ومن أمثلة ذلك أنه لا يخفى على ذي لب أن إلحاق النبيذ بالخمر بالقياس بعلة الإسكار اغلب على الظن من بقائه تحت قوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} 1 وكذلك دلالة قياس الأرز على البر في الربا أقوى بالنسبة الى الدلالة المأخوذة من قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} 2 على جواز بيعه متفاضلا وإذا فهم هذا لاح وجه الحق مع الغزالي ووضح ان مذهبه هو المرتضى الذي نختاره فإذا قلت ما ذكره الغزالي من الأخذ بأرجح الظنين يلزمه في خبر الواحد مع العموم فإن المرجحات المتجهة هنا متجهة ثم من جهة غلبة المجاز على أحدهما وقلته في الآخر وكثرة الأفراد وقلتها ونحو ذلك قلت أجاب الأصفهاني شارح المحصول بأن ذلك لا يلزمه فإنه يرى ان خبر الواحد في دلالته على مورده الخاص كالنص او هو نص فيه ودلالة العموم على مورده الخاص ضعيفة لاحتمال الإجمال في صيغة العموم بسبب الاشتراك على رأي قدم ولا كذلك القياس مع العمومات فإن قلت الخلاف في اصل هذه المسألة من جنس الخلاف في القطعيات او المجتهدات قلت قال الغزالي يدل سياق كلام القاضي على ان القول في تقديم خبر الواحد على عموم الكتاب وفي تقديم القياس على العموم مما يجب القطع فيه بخطأ المخالف ما به من مسائل الأصول قال وعندي إلحاق هذا بالمجتهدات أولى فإن الأدلة فيه من الجوانب متفاوتة غير بالغة مبلغ القطع.
__________
1 سورة الأنعام آية 145.
2 سورة البقرة آية 275.
(2/179)

المسألة الثالثة: التخصيص بخبر الواحد
...
قال الثالثة يجوز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد ومنع قوم وابن أبان فيما لم يخصص بمقطوع والكرخي بمنفصل.
هذه المسألة في تخصيص المقطوع بالمظنون وفيها بحثان:
الأول: في جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد وفيه مذاهب.
أحدها: الجواز مطلقا وهو المنقول عن الأئمة الأربعة واختاره الإمام
(2/171)

وأتباعه منهم المصنف وبه قال امام الحرمين وطوائف وتبعهم الآمدي قال إمام الحرمين ومن شك ان الصديق لو روى خبرا عن المصطفى صلى الله عليه وسلم في تخصيص عموم الكتاب لا بتدره الصحابة قاطبة بالقبول فليس على دراية من قاعدة الاخبار.
والثاني: المنع مطلقا ونقله ابن برهان في الوجيز عن طائفة من المتكلمين وشرذمة من الفقهاء.
والثالث: قال عيسى بن أبان إنه لا يجوز في العام الذي لم يخصص ويجوز فيما خصص لأن دلالته تضعف وشرط ان يكون الذي خصص به دليلا قطعيا.
والرابع: إن كان التخصيص بدليل منفصل جاز وإن يخص أو كان بمتصل فلا يجوز قاله أبو الحسن الكرخي وشبهته أن تخصيصه بمنفصل يصيره مجازا كما هو رأيه وإذا كان مجازا ضعف فيتسلط عليه التخصيص فمدار ابن ابان والكرخي على والضعف غير ان مدرك الكرخي في القوة الحقيقية والمجاز ومدرك الأخر القطع بالمجاز وعدم القطع وقوله والكرخي بمنفصل أي ومنع الكرخي فيما لم يخصص بمنفصل وقد اقتصر في الكتاب على الأربعة.
وفي المسألة مذهب خامس وهو الوقف في المحل الذي يتعارض فيه الخبر ومقتضى لفظ الكتاب وأجرى اللفظ العام من الكتاب في بقية مسمياته.
وذهب إليه القاضي كما نقله عن إمام الحرمين والغزالي والامام والآمدي نقل عنه ابن برهان في الوجهين أنهما يتعارضان ويتساقطان ويجب الرجوع إلى دليل آخر وهو عند التحقيق غير القول بالوقف وكلامه في مختصر التقريب محتمل لكل من النقلين إلا أنه لما نقله ابن برهان أقرب فانه قال إذا تقابلا يتعارضان القدر الذي يختلفان فيه ولا يتمسك بواحد منهما ويتمسك بالصفة العامة في بقية المسميات التي لم يتناولها الخبر الخاص فينزل الخبر مع العموم فيما يختلف فيه ظاهرهما منزلة خبرين مختلفي الظاهر نقلا مطلقين انتهى وحكى في مختصر التقريب مذهب سادسا وهو أنه يجوز التعبد بتخصيص العموم بخبر الواحد وعدمه عقلا لكن لم يدل على أحد القسمين وهذا أيضا قول بالوقف وهنا فوائد.
(2/172)

أحدها: ان هذا الخلاف الذي في تجوير تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد هل هو جار في تخصيص السنة المتواترة به الظاهر وهو الذي صرح به في الكتاب نعم والمصنف وإن كان منسوبا في ذلك الى التقرير عن الإمام وأصحابه وغيرهم من المتأخرين فهو آت بحق فقد سبقه بذلك القاضي رضي الله عنه فقال في مختصر التقريب القول في تخصيص الكتاب والسنة المقطوع بها بأخبار الآحاد اعلم وفقك الله ان هذا باب عظيم.
خلاف العلماء فيه ثم ساق المذاهب المذكورة.
الثانية: لعلك تقول قد سبق أن ابن أبان يرى أن العام المخصوص ليس بحجة فكيف الجمع بينه وبين ما ذكره هنا والجواب أن الجمع بينهما أنه لا يحتج بالعام المخصوص لكونه صار مجازا وليس بعض المحامل أولى من البعض بالعام المخصوص لكونه صار مجازا وليس بعض المحامل أولى من البعض فيصير مجملا عنده فإذا جاء مخصص بعد ذلك جزمنا بإخراج ما دل عليه بعد أن كنا لا نحكم عليه بشيء ويبقى الباقي على ما كان عليه لا يحتج به ولا يجزم لعدم إرادته فالمخصص مبني لكون ذلك الفرد غير مراد وساكت عن الباقي فلا منافاة بين الكلامين وهذا الجمع قرره والدي أحسن الله إليه ورأيت أنا بعد ذلك القاضي في مختصر التقريب قال بعد حكاية مذهب ابن أبان هذا مبني على أصل له قدمناه وهو أن العموم إذا خص بعضه صار مجملا في بقية المسميات لا يسوغ الاستدلال باللفظ المجمل في عموم ولا خصوص قبل ورود الخبر وبعده انتهى وهذا حسن نفيس.
الثالثة: قال القرافي المحدثون والنحاة على عدم صرف أبان قال ونقله ابن يعيش في شرح المفصل عن الجمهور وقال إنه بناء على أن وزنه أفعل واصله أبين صيغه مبالغة في الظهور الذي هو البيان والابانه فيقول هذا أبين من هذا أي أظهر منه وأوضح فلوحظ أصله مع العلمية التي فيها فلم يصرف.
قال: لنا أعمال الدليلين ولو من وجه أولى قيل قال عليه الصلاة والسلام: "إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه" قلنا منقوض بالمتواتر قيل الظن لا يعارض القطع قلنا العام مقطوع المتن مظنون الدلالة والخاص بالعكس فتعادلا قيل لو خصص لنسخ قلنا التخصيص أهون
(2/173)

المسألة الرابعة: تخصيص المنطوق بالمفهوم
...
قال الرابعة: يجوز تخصيص المنطوق بالمفهوم لأنه دليل كتخصيص خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه بمفهوم إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا.
قال الآمدي لا نعرف خلافا بين القائلين بالعموم والمفهوم أنه يجوز تخصيص العموم بالمفهوم وسواء كان من قبيل مفهوم الموافقة أم المخالفة أما الإمام فتوقف في ذلك ولم يختر شيئا وقال سراج الدين في جوازه نظر وجزم في المنتخب بأنه لا يجوز ونقله أبو الخطاب الحنبلي عن بعضهم كما ذكر الاصفهاني.
وقال ابن دقيق العيد في الكلام على الحديث الثاني في شرح الإمام أنه رأى في كلام بعض المتأخرين ما يقتضي أنه لا تخصيص بالمفهوم وقد حصلنا من هذا القول على أن الخلاف في تخصيص العموم بالمفهوم موجود وقال صفي الدين لا يستراب في جواز التخصيص بمفهوم الموافقة وهذا حسن وينبغي ان يجعل محل الخلاف في مفهوم المخالفة ويؤيده ان الإمام صرح في آخر الناسخ والمنسوخ قبل القسم الثالث فيما يظن أنه ناسخ بأن الفحوى يكون ناسخا بالاتفاق وكذلك الآمدي فأدعى الإتفاق ايضا واحتج المصنف على الجواز مطلقا بأنه دليل شرعي إذ القول بجواز التخصيص بأنه حجة وإذا كان كذلك فيخصص به جمعا بين الدليلين ومثل له المصنف بقوله عليه السلام: "خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه او ريحه" 1 مع قوله عليه السلام: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" فإن الأول دل بمنطوقه على ان الماء لا ينجس عند عدم التغيير وإن لم يكن قلتين والثاني دل بمفهومه الذي هو مفهوم شرط وهو حجة على ان القليل ينجس وإن لم يتغير فيكون هذا المفهوم تخصيصا لمنطوق الأول وقد سبق الكلام على الحدثين ولم يمثل لمفهوم الموافقة لظهوره ومثاله ان يقول من أساء إليك فعاقبه ثم يقول ان أساء إليك زيد فلا تقل له أف.
__________
1 تقدم تخريجه قريبا.
(2/180)

المسألة الخامسة: التخصيص بالعادة
...
قال الخامسة: العادة التي قررها رسول الله صلى الله عليه وسلم تخصيص وتقريره عليه الصلاة والسلام على مخالفة العام تخصيص له فان ثبت حكمي على الواحد حكمي على الجماعة يرفع عن الباقين.
(2/180)

هذه المسألة مشتملة على بحثين الأول أن العادة هل تخصص العموم وأعلم أن كلام من أطلق القول في أن العادة هل تخصص يحتمل نصين:
أحدهما: ان يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أوجب أو حرم أشياء بلفظ عام يشملها ثم رأينا العادة جارية بترك بعضها او بفعل بعضها فهل تؤثر تلك العادة في تخصيص ذلك العام حتى يقال المراد من ذلك العام ما عدا ذلك البعض الذي جرت به العادة او هو باق على عمومه وهذا القسم هو الذي تكلم فيه الإمام وأتباعه كالمصنف قال الإمام والحق ان نقول العادة إما أن تعلم من حالها أنها كانت حاصلة في زمانه عليه السلام مع عدم منعه عليه السلام إياهم منها أو يعلم أنها ما كانت حاصلة او لا يعلم واحد من الأمرين فإن كان الأول صح التخصيص وهو في الحقيقة تقريره عليه الصلاة والسلام وإن كان الثاني لم يجز التخصيص بها لأن أفعال الناس لا تكون حجة على الشرع اللهم الا ان يجمعوا عليه فيصح حينئذ والمخصص هو الإجماع لا العادة وإن كان الثالث واحتمل وتابعه المصنف على ذلك.
فرع: إذا باع شجرة وأطلق دخل في بيعها أغصانها الا اليابس لأن العادة فيه القطع وقال صاحب التهذيب يحتمل ألا يدخل كالصفوف على ظهر الغنم يعنى إذا بيع وقد استحق الجز لاحتمال الثاني ان تكون العادة جارية بفعل معين كأكل طعام معين مثلا ثم انه عليه السلام ينهاهم عنه بلفظ يتناوله كما لو قال نهيتكم عن أكل الطعام ومنه نهيه عليه السلام عن بيع الطعام بجنسه فهل يكون النهي مقتصرا على ذلك الطعام فقط أم يجري على عمومه ولا تأثير للعادة في ذلك؟
وهذا الاحتمال هو الذي تكلم فيه الآمدي وتابعه ابن الحاجب وهما مسألتان لا تعلق لأحدهما على الأخرى ولم يتعرض الآمدي لتلك وقد عرفت حكمها أولا والإمام لهذه ومن قال إن العادة تخصيص حمل النهي فنها على ذلك المعتاد لا غير ومن قال لا تخصيص وهو المختار أجراه على عمومه هذا تمام القول في التخصيص بالعادة وقد أورده الهندي كما ذكرناه فلا يعدل به فإن
(2/181)

بعض الضعفاء حاول الجمع بين كلام الإمام والآمدي ظنا منه لأنهما تواردا على محل واحد فوقع في خبط كبير البحث.
الثاني: في تقرير النبي صلى الله عليه وسلم واحد من المكلفين على خلاف مقتضى العام قد يكون مخصصا وأما في حق ذلك الشخص الذي أقر فلا شأن فيه ضرورة أنه عليه السلام يقر على باطل وأما في حق غيره فإن يثبت المروي من قوله- صلى الله عليه وسلم- "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" فيرتفع حكم العام عن الباقين ايضا وعلى هذا يكون نسخا لا تخصيصا ان خالف ذلك الواحد جميع ما دل عليه العام ويكون تخصيصا ان خالف في فرد كما لو قال لا تقتلوا المسلمين وقدرنا أن شخصا قتل مسلما وأقره عليه السلام على ذلك فيعلم ان ذلك المقتول كان يجوز قتله لكل أحد وهذا الحديث وهو حكمي على الواحد حكمي على الجماعة لا اعرف له أصلا وسألت عنه شيخنا الحافظ أبا عبد الله الذهبي فلم يعرفه وأعلم أنه يشترط في تقريره عليه السلام أن لا يعلم من الفاعل اعتقاده ذلك الفعل كتردد اليهود كنائسهم فإن سكوته عن ذلك لا يقتضي إباحته للعلم بتقدير أهل الذمة على ذلك.
ونختم البحث في التقرير بسؤال وهو ان الاستدلال بالتقرير على الإباحة كيف يتم مع انه يحتمل ان يكون التقرير قبل نزول الوحي؟
ينبغي ان يقال يستدل به على عدم التحريم أما إن شاء الإباحة فلا وهذا السؤال أورده والدي احسن الله إليه قديما على الشيخ صدر الدين بن المرحل ولم يحصل عنه جواب إذ ذاك قال والدي أيده الله تعالى وقد ظهر لي بعد ذلك جوابه وهو ان التقرير إنما يكون على فعل قد وقع او هو واقع ولنا قاعدة قد نقلوها وهي انه لا يجوز الإقدام على فعل حتى يعرف حكمه فلذلك الفعل الذي اقر عليه لو لم يكن مباحا لكان حراما عليه فلا علم يحكمه.
فمن هنا دل التقرير على الإباحة بخلاف السكوت عند السؤال فإنه يحمل على عدم نزول الحكم لأن السؤال عما لم يقع او عما وقع والسائل ينتظر حكمه فيفهم من السكوت عدم الحكم فيبقى واقفا بخلاف المقيم على الفعل قد يعتقد
(2/182)

إباحته فهذا فرق بين المقامين فان قلت يكفي في تسويغ الفعل البرآة الأصلية قلت هذا كاف في الإباحة لأن إبقاء الشارع بحكم البرآة الأصلية حكم وهو دليل شرعي وإنما يقول بالتحريم إذا قدم بلا سبب فهذا ينكر عليه سواء كان هناك حكم أم لا فإذا لم ينكر دل على الإباحة ويحمل على ان فاعله اقدم عن علم بخلاف السائل فإن ظاهر حاله انه واقف عن الاعتقاد منتظر الجواب فلا يحصل مفسدة والله اعلم.
(2/183)

المسألة السادسة: خصوص السبب لا يخص
...
قال: السادسة خصوص السبب لا يخص لأنه لا يعارضه.
هذه المسألة مشتملة على بحثين:
الأولى: في أن خصوص السبب لا يخصص عموم اللفظ ومن الناس من أطلق الكلام في هذه المسألة كالمصنف والتحبيق تفصيل وهو ان الخطاب إما ان يكون لسؤال سائل او لا فان كان جوابا فاما أن يستقل بنفسه أولا فإن لم يستقل فلا خلاف انه على حسب الجواب ان كان عاما فعام وان كان خاصا فخاص وان استقل فهو أقسام لأنه وإما ان يكون أمضى أو مساويا أو اعم والأخص مثل قول القائل من جامع في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر في جواب من سأله عمن افطر في نهار رمضان وهذا جائز بشرائط:
أحدها: ان يكون فيما خرج من الجواب ينبه على ما لم يخرج منه.
والثاني: ان يكون السائل مجتهدا او لا لم يفد التنبيه.
والثالث: ان لا تفوت المصلحة بأشغال السائل بالاجتهاد وأما المساوي فلا إشكال فيه وأما الأعم فهو منقسم إلى قسمين لأنه إما ان يكون اعم منه فيما سئل عنه كقوله عليه السلام: لما سئل عن ماء بئر بضاعة: "أن الماء طهور لا ينجسه شيء" 1 رواه أبو داود والترمذي وقال حسن.
__________
1 رواه أبو داود, كتاب الطهارة, باب: ماجاء في بئر بضاعة.
والترمذي, باب: ماجاء في الماء لاينجسه شيء.
كما رواه النسائي وابن ماجة.
(2/183)

وإما أن يكون عاما في غير ما سئل عنه كقوله عليه السلام حين سئل عن التوضؤ بماء البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" 1 وحكم هذا القسم التعميم بالنسبة الى ما سئل عنه والى غيره من غير خلاف.
وأما القسم الأول فقد جعلوه من محل الخلاف الذي يستقصي القول فيه إن شاء الله تعالى وقال والدي أيده الله تعالى الذي يتجه القطع بأن العبرة بعموم اللفظ لأن عدول المجيب عن الخاص المسئول عنه الى العام دليل على إرادة العموم.
وإما الخطاب الذي لا يرد جوابا لسؤال بل واقعة فإما ان يرد في اللفظ قرينه تشعر بالتعميم كقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} 2 والسبب رجل سرق رداء صفوان فالإتيان معه قرينة تدل على الاقتصار على المعهود وكذلك العدول عن الإفراد الى الجمع كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} 3 نزلت في عثمان بن طلحة اخذ مفتاح الكعبة وتغيب به وأبى ان يدفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقيل ان عليا رضي الله عنه أخذه منه وأبى ان يدفعه إليه ونزلت فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم اياه وقال "خذوها يا بني طلحة خالده مخلدة فيكم أبدا لا ينزعها منكم إلا ظالم" وإن لم يكن ثم قرينة وكان معرفا بالألف واللام فمقتضى كلامهم الحمل على المعهود إلا ان يفهم من نفس الشرع تأسيس قاعدة فيكون دليلا على العموم وإن كان العموم لفظ آخر غير
__________
1 رواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – الفتح الكبير2/18.
2 سورة المائدة 38.
3 سورة النساء آية 58.
نزلت هذه الآية – كما قال المفسرون -: في شأن مفتاح الكعبة لما أخذه علي- رضي الله عنه – من عثمان بن طلحة قهرا بأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – يوم الفتح ليصلي فيها فصلى فيها ركعتين ثم خرج فسأله العباس المفتاح ليضم السدانة إلى السقاية فنزلت الآية فرده علي لعثمان بلطف بأمر- النبي صلى الله عليه وسلم – فتعجب عثمان في ذلك فقرأ له علي الآية {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها....} فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم.
شرح جلال الدين المحلي على جمع الجوامع 2/39.
(2/184)

الألف واللام فيحسن ان يكون ذلك هو محل الخلاف إذا عرفت ذلك فالصحيح الذي عليه الجمهور وبه جزم في الكتاب ان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وخالف في ذلك مالك والمزني وأبو ثور فقالوا ان خصوص السبب يكون مخصصا لعموم اللفظ قال إمام الحرمين وهو الذي صح عندنا من مذهب الشافعي وكذلك قال الغزالي في المنخول.
وقال في مختصر التقريب والإرشاد نقل المذهبان جميعا عنه واعلم ان الذي صح من مذهب الشافعي رضي الله عنه موافقة الجمهور خلاف ما ذكره امام الحرمين.
قال الإمام في كتابه الموضوع في مناقب الشافعي رحمه الله ومعاذ الله ان يصح هذا النقل وكيف وكثير من الآيات نزلت في أسباب خاصة ثم لم يقل الشافعي رحمه الله أنها مقصورة على تلك الأسباب قال والسبب في وقوع هذا النقل الفاسد عنه انه يقول ان دلالته على سبب أقوى لأنه لما وقع السؤال عن تلك الصورة لم يجز ان لا يكون اللفظ جوابا عنه وإلا تأخر البيان عن وقت الحاجة وأبو حنيفة عكس ذلك وقال دلالته على سبب النزول اضعف وحكم بأن الرجل لا يلحقه ولد أمته وان وطئها ما لم يقم بالولد مع أن قوله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" 1 إنما ورد في أمة والقصة مشهورة في قضية عبد بن زمعه فبالغ الشافعي في الرد على من يجوز إخراج السبب وأطنب في ان الدلالة عليه قطعية كدلالة للعام عليه بطريقين.
أحدهما: العموم.
وثانيهما: كونه واردا لبيان حكمه فتوهم المتوهم انه يقول ان العبرة بخصوص السبب هذا حاصل ما ذكره الإمام وهو بليغ واما ما ذكره إمام الحرمين فلعله
__________
1 رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة والنسائي من حديث عائشة – رضي الله عنها-.
كما رواه الإمام أحمد في مسنده. والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -. الفتح الكبير3/308.
(2/185)

اطلع على نص مرجوح عنه او غير ذلك فإن الخلاف فيه غير بعيد عن المذهب ولذلك اختلف الأصحاب في ان العرايا هل يختص بالفقر أم يشترك فيها الأغنياء والفقراء والصحيح والتعميم مع أنها وردت على سبب خاص وهو الحاجة والفرص أن الصحيح من مذهبه موافقة الجمهور وفروعه تدل على ذلك.
قال الأصحاب في من دخل عليه صديقه فقال تغد معي فقال أن لم تتغد معي فامرأتي طالق لا يقع الطلاق ولو تغدا بعد ذلك معه ان طال الزمان انحلت اليمين فإن نوى الحال فلم يفعل وقع الطلاق وهو يخالف قول الأصوليين ان الجواب الذي يستقل بنفسه الا ان الفرق يقتضي عدم استقلاله مثل هذه الصورة في حكم الذي لا يستقل بوضعه فيكون على حسب السؤال.
ورأى البغوي حمل المطلق على إكمال العادة وهو يوفق قول الأصوليين هذا وأفتى القاضي الحسن في امرأة صعدت بالمفتاح الى السطح فقال: زوجها ان لم تلق بالمفتاح فأنت طالق فلم تلقه ونزلت انه لا يقع ويحمل قوله ان لم تلقه على التأييد واخذ ذلك مما قاله الأصحاب في المسألة المذكورة وفي الرافعي عن المبتدأ في الفقه للقاضي الروباني انه لو قيل له وكلم زيدا فقال والله لا كلمته انعقدت اليمين على الأبد الا ان ينوي اليوم فإن كان ذلك في طلاق وقال أردت اليوم لم يقبل في الحكم وهذه الصور كلها شاهدة لأن العبرة بعموم اللفظ ومخالفة لما قال الأصوليون في الجواب الذي يقتضي العرف عدم استقلاله دون الوضع.
والحق مع الفقهاء لأن اللفظ عام والعادة لا تخصص وأما ما وقع في كتابي طبقات الفقهاء في ترجمة الإمام الشافعي في الأم في الجزء الرابع من أجزاء تسعة في كتاب ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع وهو بعد الطلاق الذي يملك فيه الرجعة وقبل الحجة في النية وما أشبهها نص على ما ذكره الإمام عنه من ان العبرة بعموم اللفظ فذلك خطا مني في الفهم وأردت ان انبه على ذلك هنا لئلا يغتر به فإن حذفه من ذلك الكتاب تعذر لانتشار النسخ به وبيان ذلك انه قال ما نصه ما يقع به الطلاق من الكلام ومالا يقع.
(2/186)

قال الشافعي رضي الله عنه ذكر الله تعالى في كتابه الطلاق والفراق والسراح فقال عز وجل: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} 1 وقال تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف} 2 وقال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم في أزواجه: {إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} الآية.
قال الشافعي فمن خاطب امرأته فأفرد لها اسما من هذه الأسماء فقال أنت طالق أو أطلقتك أو فارقتك أو سرحتك لزمه الطلاق وان لم ينوه في الحكم ونويناه فيما بينه وبين الله عز وجل ويسعه إن لم يرد شيئا منه طلاقا ان يمسكها ولا يسعها ان يقيم لأنها لا تعرف من صدقه ما يعرف من صدق نفسه وسواء فيما يلزم من الطلاق ولا يلزم تكلم به الزوج عند غضب او مسألة طلاقا او رضا وغير مسألة طلاق ولا تصنع الأسباب شيئا إنما تصنعه الألفاظ لأن السبب قد يكون ويحدث الكلام على غير السبب ولا يكون مبتدأ الكلام الذي له حكم فيقع فإذا لم يصنع السبب بنفسه شيئا لم يصنعه ما بعده ولم يمتنع ما بعده ان يصنع ما له حكم إذا قيل انتهى فتوهمت انا ما توهمت من قوله ولا تصنع الأسباب شيئا الى آخر وهو وهم وانما مراده ان الغضب وغيره من الأسباب التي يرد عليها الطلاق لا تدفع وقوع الطلاق ولا تعلق لذلك بالمسألة الأصولية وقد احتج المصنف على ان العبره بعموم اللفظ بأن اللفظ صالح لتناول الأفراد إذ هو عام وكونه ورد على سبب لا يعارضه لأنه لا منافاة بينهما بدليل ان المجيب لو قال احمل اللفظ على عمومه ولا تخصيصه بخصوص سببه كان ذلك جائزا.
واعترض على هذا بأنه لا ينافي كون السبب يدل بطريق الظهور على تخصيص العام لأن الذي ذكر احتمال والإحتمال لا ينافي الظهور كما أنه لو صرح بإرادة الخصوص في العمومات من غير سبب جاز ذلك مع كون هذا الاحتمال لا ينافي ظهور صيغة العموم في الاستغراق وذكر الإمام دليلا آخر وهو اجماع الأمة على ان آية اللعان والظهار وغيرهما إنما نزلت في أقوام معينين مع
__________
1 سورة البقرة آية 231.
2 سورة البقرة آية 231.
(2/187)

تعميم الأمة حكمها وما قال أحد ان ذلك التعميم خلاف الأصل واحتج الخصم بأن الجواب لو عم لم يكن مطابقا للسؤال والمطابقة بين السؤال والجواب شرط ولهذا لم يجز ان يكون الجواب خاصا وبأن السبب لو لم يكن مخصصا لما نقله الراوي لعدم فائدته.
واجيب عن الأول بأنك ان أردت بمطابقة الجواب ان تستوعب السؤال ولا تغادر منه شيئا فمسلم وإلا علم يحصل فيه المطابقة بهذا المعنى بخلاف الأخص وإن أردت بالمطابقة اختصاص الجواب بالسؤال فلا نسلم اشتراطها بهذا المعنى.
وعن الثاني: بأن فائدته معرفة السبب وقد صنف بعض المتأخرين في معرفة أسباب الحديث كما صنفت العلماء في معرفة أسباب النزول ومن فوائد ذلك امتناع إخراج صورة السبب عن العموم بالإجتهاد فمنه لا يجوز إخراج تلك الصورة التي ورد عليه السبب بالاجماع نص عليه القاضي في مختصر التقريب والآمدي في الأحكام وطائفة.
وحكى عن أبي حنيفة انه يجوز إخراجها وقد عرفت ذلك من قبل وقد قال العلماء ان دخول السبب قطعي لأن العام يدل عليه بطريقتين كما مر ومن ذلك استثناء كونه لا يخرج بالإجتهاد.
وقال والدي رحمه الله وهذا عندي ينبغي ان يكون إذا دلت قرائن حالية ومقالية على ذلك او على ان اللفظ العام يشمله بطريق الوضع لا محالة وإلا فقد تنازع الخصم في دخوله وضعا تحت اللفظ العام ويدعي انه قد يقصد المتكلم بالعام إخراج السبب وبيانه انه ليس داخلا في الحكم فإن للحنفية أن يقولوا في حديث عبد بن زمعة أن قوله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش" وإن كان واردا في أمة فهو وارد لبيان حكم ذلك الولد وبيان حكمه إما بالثبوت أو بالانتفاء فإذا ثبت ان الفراش هي الزوجة لأنها الذي يتخذ لها الفراش غالبا.
وقال الولد للفراش كان فيه حصرا كالولد للحرة وبمقتضى ذلك لا يكون للأمة فكان فيه بيان للحكمين جميعا نفي السبب عن مسبب وإثباته لغيره ولا يليق دعوى القطع هنا وذلك من جهة اللفظ وهذا في الحقيقة نزاع في ان اسم
(2/188)

الفراش هل هو موضوع للحرة والأمة الموطؤة أو للحرة فقط والحنفية يدعون الثاني فلا عموم عندهم في الآية فتخرج المسالة من باب ان العبرة بعموم اللفظ وبخصوص السبب تعم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد بن زمعة هو لك يا عبد وللعاهر الحجر فهذا التركيب يقتضي انه ألحقه به على حكم السبب فيلزم ان يكون مرادا من قوله للفراش فلينتبه لهذا البحث فإنه نفيس جدا ولا يقال ان الكلام إنما هو حيث تحقق دخوله في اللفظ العام وضعا لأنا نقول قد يتوهم ان كون اللفظ جوابا للسؤال يقتضي دخوله فأردنا أن ننبه على أن الأمر ليس كذلك والجواب إنما يقتضي بيان الحكم وانما أردنا ان دعوى من ادعى انه دلالة العموم على سببه قطعية يمكن المنازعة فيها النزاع في دخوله تحت اللفظ العام وضعا لا مطلقا والمقطوع به انه لا بد فيه من بيان حكم السبب إما كونه يقطع بدخوله فى ذلك أو بخروجه عنه فلا يدل على تعيين واحد من الأمرين وتختم المسألة بعد ذكر هذا البحث النفيس بمثلين.
فأحدهما: أن جميع ما تقدم في السبب وبقية الأفراد التي دل اللفظ العام بلا وضع عليها وبين ذينك الشيئين رتبة متوسطة فنقول قد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة وتوضع كل واحدة منها مع ما يناسبها من الأي رعاية لنظم القرآن وحسن اتساقه فلذلك الذي وضعت معه الآية النازلة على سبب خاص للمناسبة إذا كان مسوقا لما نزل في معنى يدخل تحت ذلك اللفظ العام او كان من جملة الأفراد الداخلة وضعا تحت اللفظ العام فدلالة اللفظ عليه يحتمل ان يقال انه كالسبب فلا يخرج ويكون من الآية قطعا ويحتمل ان يقال انه لا ينتهي في القوة الى ذلك لأنه قد يراد غيره وتكون المناسبة لشبهيته به والحق ان ذلك رتبة متوسطة دون السبب وفوق العموم المجرد ومثال ذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} 1 فإن مناسبتها للآية التي قبلها وهي قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} 2 إن
__________
1 سورة النساء آية 58.
2 سورة النساء آية 51.
(2/189)

ذلك إشارة الى كعب بن الأشرف كان قدم الى مكة وشاهد قتلى بدر وحرض الكفار على الأخذ بثأرهم وغزو النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه من أهدى سبيلا النبي صلى الله عليه وسلم أم هم فقال انتم كذبا منه وضلالة لعنه الله فتلك الآية في حقه وحق من يشاركه في تلك المقالة وهم أهل كتاب يجدون عندهم في كتابهم نعت النبي صلى الله عليه وسلم وصفته وقد أخذت عليهم المواثيق ان لا يكتموا ذلك وإن ينصروه كان ذلك أمانة لازمة لهم فلم يؤدوها وخانوا فيها وذلك مناسب لقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} .
ولا يرد على هذا ان قصة كعب بن الأشرف كانت عقب بدر ونزول ان الله يأمركم في الفتح او قريبا منه وبينهما نحو ست سنين لأن اتحاد الزمن إنما يشترط في سبب النزول ولا يشترط في المناسبة لأن المقصود منها وضع الآية موضع يناسبها.
والآيات كانت تنزل على أسبابها ويأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعها في المواضع التي يعلم من الله مواضعها وثانيها سؤال عظيم أورده والدي احسن الله إليه في تفسيره في آية الظهار وهو قوله: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} .
الآية وتقريره يتوقف على اعراب الآية فنقول الذين مبتدأ وخبره فتحرير أو فكفارتهم تحرير وجاز حذف ذلك لدلالة الكلام عليه وجاز دخول الفاء في الخبر لتضمين المبتدأ معنى الشرط وتضمين الخبر معنى الجزاء.
فإذا أريد التنصيص على ان الخبر مستحق بالصلة دخلت الفاء حتما للدلالة على ذلك فإذا لم تدخل احتمل ان يكون مستحقا به او بغيره كما لو قيل الذين يظاهرون عليهم تحرير رقبة وان كنا نقول ان ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية ولكن ليس بنص ودخول الفاء نص وهذا المواضع المتفق عليه جواز دخول الفاء لعموم الموصول فلو أريد بالموصول خاص بحيث لا يكون فيه عموم.
فالصحيح عدم جواز دخول الفاء وكذلك لو وصل بماض لم يجز دخول الفاء على الصحيح إذا عرفت هذا فالآية على ذلك لا تشمل الا من وجد من الظهار بعد نزولها لأن معنى الشرط متقبل فلا يدخل فيه الماضي والنبي صلى
(2/190)

الله عليه وسلم قد أوجب الكفارة على أوس بن الصامت وذلك لا يشك فيه من جهة ما عرفت من كونه هو السبب الا ان هذا الإشكال يعتوره من جهة عدم شمول اللفظ على ما تقرره من قاعدة دخول الفاء ومن جهة أخرى وهي ان الحكم إنما يثبت من حين نزول الآية وأوس ظاهر قبل نزولها فكيف يعطف حكمها على ما سبق لا سيما إذا كان الحكم قبل نزولها انه طلاق كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال:"ما أراك الا قد حرمت عليه" فكيف يرتفع التحريم أو الطلاق بعد وقوعه.
وهذا الإشكال وارد في أية اللعان من الجهتين كما هو وارد هنا ووارد في آية السرقة وآية حد الزنا ونحوهما من الجهة الثانية لإثبات أحكامها لمن صدر منه السبب المتقدم على نزولها وان لم نجعل الفاء فيها داخلة في خبر المبتدأ هذا تقرير السؤال وهو قوي وأجاب عنه بما لا يقاومه فقال أما إثبات أحكام هذه الآية لمن وجد منه السبب قبل نزولها فنقول ان السرقة والزنا ونحوهما من الأفعال التي كانت معلومة التحريم عندهم وجوب الحد فيها لا يتوقف على العلم والفاعل لها قبل نزول الآية إذا كان هو السبب في نزولها في حكم المقارن لها لأنها نزلت مبنية لحكمه فلذلك يثبت حكمها فيه دون غيره ممن تقدمه واما دخول الفاء في الخبر فيستدعي العموم في كل من يتظاهر من امرأته مثلا وذلك ويشمل الحاضر والمستقبل وسبب النزول حاضرا وفي حكم الحاضر واما دلالة الفاء على الاختصاص بالمستقبل فقد يمنع واما كون الظهار كان طلاقا فلم يكن ذلك شرع واما قول النبي صلى الله عليه وسلم ما أراك الا قد حرمت عليه فلم يثبت وقال بعض الناس انه منسوخ بالآية فإن ثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فالأمر كذلك ويكون من نسخ السنة بالكتاب1.
قال: وكذلك مذهب الراوي كحديث أبي هريرة في الولوغ وعمله لأنه ليس بدليل قيل خالف الدليل وإلا انقدحت روايته قلنا ربما ظنه دليلا ولم يكن.
__________
1 راجع أسباب النزولللسيوطي ص 164ط التحرير تفسير ابن كثير 8/60وما بعدها طبعة الشعب.
(2/191)

البحث الثاني: فيما أن أعمل الراوي بخلاف العموم هل يكون ذلك تخصيصا للعموم وقد اختلفوا فيه الاكثرون منهم الإمام والآمدي الا انه لا يخصص وعزاه الإمام الى الشافعي قال لأنه قال ان حمل الراوي الخبر على أحد محمليه صرت إلى قوله وإلا فلا أصير إليه.
هذا كلام الإمام وهو صريح في ان صورة اختياره في المسألة التفصيل الذي ذكره ومنهم من يطلق القول في المسألة ويجعل هذا قولا مفصلا.
وذهبت الحنفية والحنابلة الى ان يكون مخصصا وفصل بعضهم فقال ان وجد ما يقتضي تخصيصه به لم يخصص بمذهب الراوي بل به ان اقتضى نظر الناظر فيه ذلك والأخص بمذهب الراوي وهو مذهب القاضي عبد الجبار وقال امام الحرمين إن علم من حاله أنه فعل ما يخالف الحديث نسيانا فلا ينبغي ان يكون فيه خلاف إذ لا يظن بعاقل انه يرجح فعله إذ ذاك ولو احتمل ان يكون فعله احتياطا كما لو روى ما يقتضي رفع الحرج عن الفعل فيما يظن به التحريم رأيناه متحرجا عنه غير ملابس له فالتعويل على الحديث ويحمل فعله على الورع والتعليق بالأفضل وإن لم يحتمل شيئا من ذلك لم يجز التعليق بالحديث قلت وعندي ان محل الخلاف مخصوص بالقسم الثالث إذ لا يتجه في القسمين الأولين.
وقد مثل المصنف تبعا للإمام هذه المسألة بما روى عن مسلم عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب ان يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب رواه البخاري ولفظه إذا شرب مع ان أبا هريرة كما روى قال يغسل ثلاثا فلا نأخذ بمذهبه لأن قول الصحابي ليس بدليل إذ نحن مفرعون على ان قوله غير حجة وهذا المثال على هذا الوجه غير مطابق لأن التخصيص فرع العموم وسبع مرات من أسماء الأعداد التي هي نصوص في مسمياتها لا عامة نعم قد يحسن ايراد ذلك مثالا إذا صدرت المسألة هكذا الراوي الصحابي إذا خالف الحديث وفعل ما يضاده فهل يعول على الحديث او على فعله نحو خبر أبي هريرة واما لما نحن فيه فلا يحسن إيراده مثلا ومثل له صفي الدين الهندي وكذا ابن برهان كما نقل القرافي عنه بمثال اقرب من هذا وهو ابن عباس رضي الله عنه روى من بدل دينه فاقتلوه وهذا عام في
(2/192)

الرجال والنساء وذهب هو الى ان المرتدة لا تقتل قلت وفي هذا المثال ايضا نظر وهو ان من الشرطية على رأي لا تدخل فيها النساء فلعل ابن عباس يختار ذلك الرأي.
على ان كل هذا عدول عن التحقيق والتمثيل بحديث أبي هريرة وعمله صحيح وانما جاء الفساد فيه من جهة تقريره على الوجه المتقدم وكان الإمام الناظر علاء الدين البابجي1 يقرره على الوجه الصحيح وهو ان الكلب من حيث انه مفرد معروف للعموم يشمل كلب الزرع وغيره وأبو هريرة يرى ان كلب الزرع لا يغسل منه الا ثلاثا وغيره يغسل فقد أخرج بعض أفراد الكلب.
هذا هو معنى التخصيص في الحديث وهذه فائدة حسنة لكن ما ادري من أين كان له ان أبا هريرة كان يغسل من كلب الزرع ثلاثا فإن المعروف اختلاف الرواية عن أبي هريرة في انه هل كان يرى ان الغسل من ولوغ الكلب سبع او ثلاث فروى الدارقطني بسنده الى عبد الملك عن عطاء عن أبي هريرة قال إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه ثم اغسله ثلاث مرات ثم قال الدارقطني يرويه غير عبد الملك عن عطاء عنه سبع مرات قلت فإن صح ان أبا هريرة كان يفصل بين كلب الزرع وغيره يكون في ذلك جمعا بين اختلاف الروايات فمن روى عنه السبع يكون كلامه في غير كلب الزرع ومن روى الثلاث يكون مراده كلب الزرع.
واحتج من جعل مذهب الراوي مخصصا بأنه إنما خالف لدليل لأنه لو خالف لا لدليل لفسق فلا تقبل روايته وإذا كانت مخالفته مشاره الى دليل تحتم اتباعه والجواب انه ربما خالف لشيء ظن في نفسه بما اداه اليه نظره كونه دليلا ولم يكن كذلك في نفس الامر فلا يلزم القدح في روايته لأنه لم يقدح الا على حسب تأدية اجتهاده ولا الاتباع لعدم صحة المظنون بل ولو احتمل ان ما ظنه حق في نفسه فليس لنا الانقياد له بمجرد التقليد ما لم يتضح لنا وجه الحق في ذلك والفرض ان الذي يتضح لنا خلاف ما عمله لقيام الدليل الذي رواه معارضا بحق لما رآه.
__________
1 تقدمت ترجمته في الجزء الأول من هذا الكتاب.
(2/193)

خاتمة اضطرب النظر في انه هل صورة هذه المسألة مخصوصة بما إذا كان الراوي صحابيا أم الأمر اعم من ذلك الذي صح عندي ويجوز ان الأمر اعم من ذلك ولكن الخلاف في من ليس بصحابي اضعف فليكن القول في المسألة هكذا ان كان الراوي صحابيا وقلنا قول الصحابي حجة خص على المختار.
قال القاضي في مختصر التقريب وقد ينسب ذلك إلى الشافعي في قوله الذي يقلد الصحابي فيه ونقل عنه انه لا يخصص به الا إذا انتشر في أهل العصر ولم ينكره وجعل ذلك نازلا منزلة الإجماع وان قلنا قوله غير حجة ففيه الخلاف المتقدم وان كان غير صحابي ترتب الخلاف على الصحابي فإن قلنا لا يخص بقول الصحابي الراوي لم يخصص بقول الراوي الذي ليس بصحابي جزما وان قلنا يخصص ففي هذا خلاف.
وأما قول القرافي صورة المسألة ان يكون صحابيا واما غير الصحابي فلا يخصص قطعا فليس بجيد والمعتمد ما قلناه ويشهد له الدليل الذي ذكر من أنه إنما يخالف الدليل وإلا انقدحت روايته فان هذا يشمل الصحابي وغيره وبما ذكرناه صرح امام الحرمين في البرهان فقال وما ذكرناه يعني من هذه المسألة غير المختص بالصحابي فلو روى بعض الأئمة حديثا وعمل بخلافه فالأمر على ما فصلناه انتهى.
(2/194)

المسألة السابعة: أفراد فرد لا يخصص
...
قال السابعة: أفراد فرد لا يخصص مثل قوله عليه السلام: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" مع قوله في شاة ميمونة: "دباغها طهورها" لأنه غير مناف قيل المفهوم قلنا مفهوم اللقب مردود.
إذا افرد الشارع فردا من افراد العام بالذكر وحكم عليه بما حكم على العام لا يكون مخصصا للعموم خلافا لأبي ثور مثاله ما روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" 1 وقال عليه السلام وقد مر بشاة ميتة لمولاة ميمونة كما رواه مسلم: "ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به".
__________
1 حديث صحيح رواه الترمذي باب: جلود الميتة إذا دبغت وابن ماجة في كتاب اللباس باب لبس جلود الميتة إذا دبغت كما رواه الإمام الشافعي ومسلم في صحيحه بلفظ "إذا دبغ الإهاب فقد طهر".
(2/194)

والدليل على ان العام لا يختص ببعضه إذا افرد بالذكر ان المخصص لا بد وان يكون بينه وبين العام منافاة ولا منافاة بين كل الشيء وبعضه واحتج أبو ثور بأن تخصيص الشيء بالذكر يفهم منه نفي الحكم عما عداه وإلا فلا تظهر فائدة التخصيص ذلك الفرد بالذكر.
وأجاب المصنف بأن المفهوم هنا مفهوم اسم وهو غير حجة كما سبق وعندي في ترتيب المسألة على هذا الوجه نظر وما أظن أبا ثور يستند في ذلك الى مفهوم اللقب فإن الظاهر انه لا يقوم به فإنا لم نر أحدا حكاه عنه مع انه اجل واقدم من الدقاق وأولى ان تودع الاؤه بطون الأوراق ولعله يقول بهذا المفهوم إذ أورد خاصا بعد عام تقدمه ونقول ان ذلك قرينة في المراد بذلك العام هذا الخاص ويجعل العام كالمطلق والخاص كالمقيد ولا يكون ذلك قولا منه بمفهوم اللقب الذي قال به الدقاق وحينئذ ترتيب المسألة على انه استند فيها الى مفهوم اللقب غير سديد والرد عليه كذلك.
(2/195)

بين المعطوف والمعطوف عليه أجاب المصنف بأن التسوية بين المعطوف والمعطوف غير واجبة في جميع الأحكام وهو جواب ضعيف لأن الحنفية لا يقولون باشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع الأحكام بل باشتراكهما في المتعلقات كالحال والشرط والمصنف يوافق على ذلك.
كما نص عليه في الاستثناء المتعقب للجمل بل الجواب الصحيح ان قوله ولا ذو عهد في عهده كلام تام لأنه لو قال ولا يقتل ذو عهد لكان من الجائز ان يتوهم منه متوهم ان من وجد منه العهد ثم خرج عن عهده لا يجوز قتله فلما قال في عهده علمنا ان هذا النهي مختص بكونه في حال العهد وإذا ثبت كونه كلاما تاما فلا يجوز إضمار تلك الزيادة اعني لفظة بكافر لأن الإضمار على خلاف الأصل.
فإن قلت: ما وجه الارتباط بين هاتين الجملتين حينئذ أعنى قوله لا يقتل مسلم بكافر ولا يقتل ذو عهد في عهده إذ لا يظهر لأحداهما تعلق بالأخرى.
قلت: ظني ان أبا اسحق المروزي أحد أئمة أصحابنا أجاب عنه في التعليقة بأن عداوة الصحابة رضي الله عنهم للكفار في ذلك الوقت كانت شديدة جدا فنبه صلى الله عليه وسلم على ان صاحب العهد إذا كان في عهده لا يقتل لئلا يتجرد اللفظ الدال على ان المسلم لا يقتل بالكافر اعني قوله لا يقتل مسلم بكافر فتحمل العداوة الشديدة على الإقدام على قتل كل كافر من معاهد وغيره وهذا الجواب جدير بأن يغتبط ولا يقال حرمة وان انتفى القصاص باقية وهي تحمل الصحابة الذين هم أهل الورع الشديد على الإحجام لأنا نقول كان ذلك في صدر الاسلام فلا يلزم من كون المسلم لا يقتل بالكافر ان يكون قتل المعاهد حراما بل حكم ولا بنفي القصاص بين المسلم والكافر مطلقا والدليل على جواز قتل الكافر في الجملة قائم فبين تخصيص ذلك الدليل عن نهيه قتل المعاهد في عهده.
(2/196)

المسألة الثامنة: عطف الخاص لا يخصص
...
قال: الثامنة عطف الخاص لا يخصص مثل لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده وقال بعض الحنفية بالتخصيص تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه قلنا التسوية في جميع الأحكام غير واجبة.
عطف الخاص على العام لا يوجب تخصيص العام خلافا لأبي حنيفة وأصحابه وتوقف فيه بعض المتكلمين مثاله ان أصحابنا لما احتجوا على ان المسلم لا يقتل بالذمي بما روى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" 1.
الحنفية او بعضهم انه عليه السلام عطف عليه قوله ولا ذو عهد في عهده فيكون معناه ولا ذو عهد في عهده بكافر ثم ان الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي فيجب ان يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم ايضا هو الحربي تسوية
__________
1 كما رواه البخاري في كتاب الديات باب: لايقتل مسلم بكافر وابن ماجة والترمذي تحفة الأحوذي 4/668- 670.
(2/195)

المسألة التاسعة: عود ضمير خاص لا يخصص
...
قال: التاسعة عود ضمير خاص لا يخصص مثل والمطلقات مع وبعولتهن لأنه لا يزيد على إعادته.
(2/196)

عود الضمير الى بعض العام المتقدم هل يوجب تخصيص العام وإن شئت قلت إذا عقب اللفظ العام باستثناء او تقييد بصيغة او حكم خاص لا يتأتى في كل مدلوله بل في بعضه فهل يوجه ذلك تخصيصه اختلفوا فيه فذهب الأكثر من أصحابنا إلى أن ذلك لا يوجب تخصيصه وبه جزء في الكتاب واختاره الغزالي والآمدي وابن الحاجب وصفي الدين الهندي.
وذهب أكثر الحنفية الى انه يخصصه ولذلك قالوا في قوله عليه السلام: "لا تبيعوا البر بالبر الا كيلا بكيل" 1 ان المراد منه ما يكال من البر فيجوز بيع الحفنة بالحفنتين لأن ذلك القدر مما لا يكال.
وذهب جماعة منهم إمام الحرمين وأبو الحسين والإمام إلى التوقف ومثل في الكتاب لذلك بقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} 2 ثم أنه تعالى قال: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} وهذا اختص بالمطلقة بالطلاق الرجعي دون البائن فيقول الأولون ان ذلك لا يقتضي إن المراد من المطلقات الرجعيات وتقول الحنفية يقتضيه ومثال الإستثناء قوله تعالى: {لَاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} 3 الى قوله: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} فإستثناء العفو عنه الكناية راجعة الى النساء ومعلوم أن العفو لا يصح الا من البالغات العاقلات دون الصبية والمجنونة فهل يوجب ذلك ان يقال ان المراد من النساء أو أول الكلام البالغات العاقلات فقط ومثال التقييد بالصفة قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ثم قال: {لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} يعنى الرغبة في مراجعتهن ولا ريب في ان ذلك لا يتأتى في الطلاق البائن فهل يقتضي بعد ذلك تخصيص المذكور في أول الكلام بالرجعي.
__________
1 روي هذا الحديث بروايات متعددة منها مارواه مسلم عن أبي الأشعث أن معاوية أمر ببيع آنية من فضة في أعطيات الناس فقال: سمعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر والشعير والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى المغني لابن قدامة 4/11ط مكتبة الجمهورة والرياضة الحديثة.
2 سورة البقرة آية 228.
3 سورة البقرة آية 236.
(2/197)

ومثال ذلك التقييد بحكم آخر ما أورده المصنف وقد شرحناه واحتج المصنف بأن عود الضمير لا يزيد على إعادة ذلك البعض أو صرح بالإعادة فقيل وبعولة المطلقات أحق بردهن في المثال الأول وإلا أن يعفو العاقلات والبالغات في المثال الثاني او يحدث أمرا في الرجعيات في المثال الثالث لم يكن ذلك مخصصا اتفاقا فكذلك هنا.
واحتج المتوقف بأن ظاهر العموم يقتضي الاستغراق وظاهر الكناية تقتضي مطابقتها للمكني في العموم والخصوص وليست مراعاة ظاهر العموم بأولى من مراعاة ظاهر الكناية فوجب التوقف.
واجيب عنه بأنا لا نسلم انه ليست مراعاة احدهما بأولى من مراعاة الآخر بل مراعاة إجراء العام على عمومه أولى من مراعاة مطابقة الكناية للمكنى لأن المكنى اصل والكناية تابعة لأنها تفتقر في دلالتها على مسماها إليه من غير عكس ومراعاة دلالة المتبوع أولى من مراعاة دلالة التابع ومنه اكثر فائدة وأظهر دلالة فكان بالرعاية اجدر.
فائدة سألت والدي رحمه الله في قوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} 1 وقول الشافعي رضي الله عنه ان ذلك في الأحرار بدليل ان العبد لا يملك فقلت هذا من عطف الضمير الخاص على العام فلا يقتضي التخصيص على الصحيح فقال ليس هذا من ذلك القبيل لأن ذلك في لفظ عام يتقدم ويأتي بعده ضمير لا يستقل بنفسه بل يعود على ذلك اللفظ المتقدم العام.
وهنا خطاب والمخاطب لم يتحقق فيه عموم ولا خصوص والمرجع فيه الى قصد المتكلم وما يدل عليه فقوله فأنكحوا خطاب لمخاطبين لم يتحقق دخول العبيد فى موضوعه بل بحسب ما يريد المتكلم من مخاطبه.
فإذا دل في آخر الكلام او في أوله على المراد حمل عليه وهنا قد دل دليل في آخره وهو قوله او ما ملكت أيمانكم وفي أوله وهو: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا
__________
1 سورة النساء آية 3.
(2/198)

تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} فإنه إنما يخاطب به من يلي أمر اليتيم والعبد لا يلي أمر اليتيم فقلت الخطاب الأول لجميع الناس الأحرار والعبيد بدليل قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} 1فقال لنا في الجواب طريقان.
أحدهما: ما قررناه غير مرة من أن أيا نكرة وهي المنادى وصف بالناس فالألف واللام في الناس للعهد والمعهود هي النكرة المقصودة وهو الذي ناداه المتكلم والعهد مقدم على العموم.
والثاني: أن يسلم أنها للعموم ويقوم دليل على ان الخطاب بعدها لبعضهم مثاله ان يقول لعشرة افعلوا كذا ثم يقول لبعضهم افعلوا كذا فليس تخصيصا للأول وإنما هو خطاب لغير من خوطب أولا وهو بعض منه وهو يشبه الإلتفات فليس من باب عود الضمير المقتضي للتخصيص على خلاف فيه بل هذا لا يقتضي التخصيص قولا واحدا لأن كل الكلامين مستقل بنفسه وان كان بينهما التئام والله اعلم.
__________
1 مفتتح سورة النساء والحج.
(2/199)

تذنيب حكم المطلق مع المقيد
...
قال تذنيب. المطلق والمقيد ان اتحد سببهما حمل المطلق عليه عملا بالدليلين وإلا فإن اقتضى القياس تقييده قيد وإلا فلا.
المطلق والمقيد كالعام والخاص وكل ما يجوز فيه تخصيص العام من الأدلة أما على الوفاق الخلاف فإنه يجوز به تقييد المطلق من غير تفاوت.
ولذلك جعل المصنف الكلام فيه ذنابة وتتمة للعام والخاص والأخذ في شرح ما أورده يستدعي تقديم مقدمة فنقول المطلق منقسم الى حقيقي وإضافي أما الحقيقي فهو طلق من كل وجه وقد يقال المطلق على الإطلاق وهو المجرد عن جميع القيود الدالة على ماهية الشيء من غير ان يدل على شيء من أحوالها وعوارضها على ما ذكرنا في باب العام والخاص.
أما الإضافي مثل قولك اعتق رقبه واضرب رجلا فليس هو مطلقا من كل وجه بل هو دال على واحد شائع في الجنس وهما قيدان زائدان على الماهية.
(2/199)

وهذا مطلق بالنسبة الى قولنا رقبة مؤمنة ومقيد بالنسبة الى اللفظ الدال على ماهية الرقبة من غير ان يكون فيها دلالة على كونها واحدة أو كثيرة شائعا في الجنس او معينا وإذا عرفت انقسام المطلق الى قسمين فاعلم ان المقيد ينقسم ايضا الى قسمين مقابليهما فالمقيد من كل وجه او على الإطلاق هو اللفظ الذي لا اشتراك فيه أصلا كأماء الاعلام.
وأما المقيد من وجه دون وجه فنحو رقبة مؤمنة ورجل عالم وإذا عرفت ذلك فلنعد الى الشرح والمقصود الكلام في حمل المطلق على المقيد اعلم ان متعلق حكم المطلق أما أن يكون غير متعلق حكم المقيد او لا يكون.
فإن كان الثاني فلا يحمل المطلق على المقيد وفاقا لأنه لا مناسبة بينهما ولا تعلق لأحدهما بالآخر أصلا ومثلوا هذا بتقييد الشهادة بالعدالة وجريان ذكر الرقبة فى الكفارة مطلقا مجرى العدالة.
وإن كان الأول فأما أن يتحد السبب او يختلف وعلى التقديرين إما ان يكون كل واحد من المطلق والمقيد أمرا أو نهيا أو أحدهما أمرا والآخر نهيا فهذه أقسام ستة.
أحدهما: ان يكون السبب واحدا وكل واحد منهما أمرا نحو ان نقول اعتقوا رقبة مؤمنة إذا أحسنتم ثم نقول مرة أخرى اعتقوا رقبة إذا أحسنتم فها هنا لا خلاف ان المطلق محمول على المقيد وكذا لو قال أولا اعتقوا رقبة ثم قال اعتقوا رقبة مؤمنة وكذا لو لم يعلم التاريخ بينهما لأن من عمل بالمقيد فقد عمل بالمطلق ضرورة ان المطلق جزء من المقيد والآتي بالكل آت بالجزء فيكون العمل بالمقيد عملا بالدليلين.
وأما العمل بالمطلق فليس عملا بالمقيد لأن الآتي بالجزء لا يكون آتيا بالكل بل تاركا له فيكون العمل بالمطلق يستلزم الترك لأحد الدليلين بالكلية فإذا كان الجمع بين الدليلين واجبا مع إستلزامه الترك لشيء من مدلولات.
أحدها: فليجب حيث لا يستلزم ذلك بطريق أولى ولا يخرج ذلك على الخلاف في تقابل المتأخر والخاص المتقدم بهذا الذي ذكرناه.
فإن قلت فمقتضى الإطلاق التمكن من أي فرد شاء المكلف والتقييد يزيل
(2/200)

التمكن من ذلك فلم كان هذا أولى من حمل الأمر بالمقيد على الندب قلت هذا الحكم الذي هو التمكن حالة الإطلاق غير مدلول عليه باللفظ وهو اعتق رقبة مثلا إنما دل على اتحاد عتق رقبه وكون الكافرة في حالة الاطلاق مجزئة.
إنما جاء من تركيب العقل مع النقل لأنك تقول هذه الكافرة تجزىء لأنها رقبة والرقبة تجزي لقوله اعتق رقبة فكون الكافرة تجزي غير مدلول عليه باللفظ فكان أولى بالرعاية المطلق عاما والمقيد غير المدلول عليه لفظا والمقيد وهو اعتق رقبة مؤمنة مدلول عليه باللفظ فكان أولى بالرعاية.
الثاني: ان يكون كل واحد من المطلق والمقيد نهيا نحو ان تقول لا تعتق رقبة ثم تقول مرة أخرى لا تعتق رقبة كافرة فمن يقول بمفهوم الخطاب يلزمه ان يخصص النهي العام بالكافرة لأن النهي الثاني عنده يدل على أجزاء من ليست كافرة.
ولقائل ان يقول وجود المطلق والمقيد في جانب النهي والنفي يصير المطلق عاما والمقيد خاصا لأن ذلك نكرة في سياق النفي فلا يتصوران في هذين الجانبين.
الثالث: أن يكون أحدهما أمرا والآخر نهيا وهو قسمان لأنه إما ان يكون المطلق أمرا والمقيد نهيا نحو ان تقول اعتق رقبة كافرة ثم تقول لا تعتق رقبة او بالعكس نحو لا تعتق رقبة ثم تقول اعتق رقبة مؤمنة ففي هاتين الصورتين يوجب المقيد تقييد المطلق بضده بلا خلاف.
الرابع: ان يكون كل واحد منهما أمرا ولكن السبب مختلف نحو قوله تعالى في كفارة الظهار: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وقوله في كفارة القتل: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} فها هنا اختلفوا على ثلاثة مذاهب.
أحدها: ان يحمل عليه من غير حاجة الى دليل آخر فان تقييد أحدها يوجب تقييد الآخر لفظا وبه قال بعض أصحابنا قال امام الحرمين واقرب طريق لهؤلاء ان كلام الله تعالى في حكم الخطاب وحق الخطاب الواحد ان يترتب المطلق فيه على المقيد قال وهذا من فنون الهذيان فان قضايا الألفاظ في
(2/201)

كتاب الله تعالى مختلفة متباينة لبعضها حكم التعليق والإختصاص ولبعضها حكم الإستفلال والإنقطاع.
فمن ادعى تنزيل جهات الخطاب على حكم كلام واحد مع العلم بأن في كتاب الله النفي والإثبات والأمر والزجر والأحكام المتغايرة فقد أدعى أمرا عظيما ولا يعني في مثل ذلك الإشارة الا اتحاد الكلام الأزلي ومضطرب المتكلمين في الألفاظ وقضايا الصيغ وهي مختلفة لامراء في اختلافها فسقط هذا الكلام.
والمذهب الثاني: وعليه الحنفية انه لا يجوز الحمل عليه بحال لأن ذلك الدليل ان كان دون المطلق في القوة لم يصلح لنسخه وان كان مثله فمن علم شرط النسخ كان نسخا له وإلا كان تعارضا فهو غير محمول على المقيد بحال.
والثالث: وهو قول الشافعي وجمهور الأصحاب أنه إن وجد قياس وكان دليل يقتضي تقييده قيد وإلا فلا وهذا ما جزم به في الكتاب.
الرابع: ان يكون كل واحد منهما نهيا والسبب مختلف نحو لا تعتق رقبة في كفارة الظهار مثلا ثم نقول لا تعتق رقبة مؤمنة في كفارة القتل فالقائل بالمفهوم وتقييد المطلق بالمقيد ان وجد دليل تخصيص النهي العام بالكافرة ان وجد دليل.
الخامس: ان يكون احدهما أمرا والآخر نهيا والسبب مختلف وهو قسمان لأنه إما ان يكون المطلق أمرا نحو اعتق رقبة في كفارة الظهار والمفيد نهيا نحو لا تعتق رقبة كافرة في كفارة القتل او بالعكس نحو لا تعتق رقبة في كفارة الظهار ثم يقول اعتق رقبة مسلمة في كفارة القتل وحكمهما واحد ولا يخفي عليك مما سبق وقد ذكر المصنف ما إذا اتحد السبب وما إذا اختلف.
ولا يعسر عليك فهم كلامه بعد الصفو الى ما ألقيته لك من الشرع ومما أهمله المصنف ما إذا أطلق الحكم في موضع ثم قيد في موضعين بقيدين متضادين فمن زعم إن التقييد باللفظ قال ببقاء المطلق على إطلاقه إذ ليس تقييده بأحدهما أولى من تقييده بالآخر ومن حمل المطلق على المقيد بالقياس حمله على ما كان حمله
(2/202)

عليه أولا وقد مثل لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في الغسلات من ولوغ الكلب إحداهن بالتراب وفي رواية أولاهن وفي رواية فعفروه الثامنة فلا يحمل على إحدى الروايتين دون الأخرى للترجيح من غير مرجح ان القياس هنا متعذر بل يرجح الى أصل الإطلاق ونقول يجوز التغفير في كل واحدة من المرات عملا برواية إحداهن المطلقة هكذا ذكروه وبه أجاب الشيخ أبو العباس القرافي عن الاعتراض وأورده بعض قضاة الحنفية على الشافعية بان قاعدتهم حمل المطلق على المقيد فكان ينبغي او يوجبوا أولاهن لورود إحداهن وأولاهن فأجابه القرافي بأنه قد عارض رواية أولاهن رواية أخراهن يريد بذلك فعفروه الثامنة فيرجع الى اصل الإطلاق.
قال بعض المتأخرين وعلى هذا ينبغي الوجوب في الأولى والثامنة يخير فيها واعلم ان هذا هو الذي نص عليه الشافعي في الأم فقال ما نصه وإذا غسلهن سبع مرات جعل أولاهن ترابا لا يطهر الا بذلك انتهى.
وفي مختصر البويطي فقال في أثناء باب غسل الجمعة وهو بعد باب التيمم كيف هو وقبل كتاب الصلاة ما نصه وإذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبعا أولاهن أو أخراهن بالتراب لا يطهر غير ذلك.
وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخنزير قياسا عليه يغسل سبعا انتهى وهو في غاية الغرابة وعليه جرى المرعشي من أصحابنا في كتابه ترتيب الأقسام وعبارته ما أصاب الكلب أو بعضو من أعضاءه من الماء القليل نجسه ولم يطهر الإناء إلا ان يغسل سبع مرات أولاهن أو أخراهن بالتراب لكن في هذا البحث نظر ذكره والدي وهو انه إنما ينبغي حينئذ ان يوجب كليهما الاولى والأخيرة لورود الحديث فيهما ولا تنافي في الجمع بينهما اللهم إلا ان يراد بالثامنة ثامنة العدد لا الأخيرة فإنه حينئذ يكون مطلقا كإحداهن ويكون رواية إحداهن والثامنة واحدة ومعنى رواية أولاهن فيعود اصل السؤال ويناظر هذا السؤال سؤالان آخران.
أحدهما: أن أبا حنيفة قال لا يجري التخالف بين المتبايعين الا إذا كانت السلعة قائمة أما إذا كانت تالفة فالقول قول المشتري والشافعي رضي
(2/203)

الله عنه قال إذا اختلف المتبايعان تحالفا سواء كانت السلعة قائمة او تالفة مع أنه روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اختلف المتبايعان تحالفا" 1 وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا" فلم لا حمل مطلق على المقيد مع إعادة القاعدة.
والثاني إن في كتاب فريضة الصدقة في فريضة الإبل فان زادت على عشرين ومائة وهو المطلق في الزيادة وجاء مقيدا في حديث ابن عمر فإن زادت واحدة فلا ينبغي ان يجب في مائة وعشرين وبعض واحدة الى ما يجب في مائة وعشرين فقط والجواب عن الأول من وجوه.
أحدها: أنه روى من حديث أبي وائل عن عبد الله ان النبي صلى عليه وسلم قال: "إذا اختلف المتبايعان والمبيع مستهلك فالقول قول البائع" رواه الدارقطني والخصوم رووا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع فإن استهلك فالقول قول المشتري".
وهذا يوافق الحديث المفيد بكون السلعة قائمة وهما قيدان متضادان فرجعنا الى اصل الإطلاق ثم ان هذا الحديث يقتضي عدم جريان التحالف مطلقا وهم لا يقولون به ثم انه يرويه الحسن بن عمارة وهو متروك رديء الحفظ.
والثاني: أن الحديث المشتمل على التقييد بكون السلعة قائمة يرويه القاسم ابن عبد الرحمن عن ابن مسعود ولم يلقه فيكون مرسلا ونحن لا نقول بالمراسيل والحق ان الحديث الذي رواه من التقييد بقيام السلعة ضعيف والذي رويناه من التقييد بهلاكها ضعيف ايضا ولا حاجة الى التطويل في بيان ذلك2.
وضعف التقييدين يكفي في الرجوع الى اصل الإطلاق وقول الغزالي في المآخذ فيما يرويه أصحابنا من التقييد بالهلاك أجمع أهل الحديث على صحته باطل نبهنا عليه لئلا يقع الاغترار به.
__________
1 روي هذا الحديث بعدة طرق كلها صحيحة. منها مارواه ابن مسعود أن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا".
المغني لابن قدامة 4/212.
2 راجع أقوال العلماء في هذه المسألة في كتاب المغني لابن قدامة المقدس 4/210 بعدها طبعة مكتبة الجمهورية والرياض الحديثة.
(2/204)

والثالث أن التنصيص على قيام السلعة إنما كان تنبيها على حالة تلفها لأنه إذا كان التحالف ثابتا عند حالة قيام السلعة مع انه يمكن الاستظهار بالرجوع الى القيمة وتعرف صفاتها فلأن يتحالفا مع تلفها ولا يمكن الرجوع الى صفاتها أولى وعن الثاني انه إنما يرد على الاصطخري من أصحابنا القائل بأنه يجب ثلاث بنات لبون فيما إذا زادت بعض واحدة والصحيح انه إنما تجب حقتان وفاء بحمل المطلق على المقيد فاندفع السؤال.
(2/205)

الباب الرابع في المجمل والمبين
الفصل الأول: في المجمل
الأولى: اللفظ إما أن يكون مجملا بين حقائقه
...
الباب الرابع في المجمل والمبين
وفيه فصول الأول في المجمل وفيه مسائل المجمل مأخوذ من الجمل بفتح الجيم واسكان الميم وهو الخلط ومنه قوله عليه السلام: "لعن الله اليهود حرم الله عليهم شحوم الميتة فجملوها أي خلطوها وباعوها فأكلوا ثمنها"1 فسمي اللفظ مجملا لاختلاط المراد بغيره والمبين بفتح الياء أخر الحروف في البيان يقال لفظ مبين وإذا كان نصا في معناه بمعنى ان واضعه ومستعمله وصلابه الى نهاية البيان فهو مبين وإذا كان اللفظ مجملا ثم بين يقال له مبين وبينت الشيء بيانا أي أوضحته ايضاحا وأما تعريفه اصطلاحا فقد سبق في تقسيم الألفاظ.
قال الأول: اللفظ أما ان يكون مجملا بين حقائقه كقوله تعالى: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} او افراد حقيقة مثل ان تذبحوا بقرة او مجازاته إذا انتفت الحقيقة وتكافأت فإن ترجح واحد لأنه اقرب الى الحقيقة كنفي الصحة من قوله لا صلاة لا صيام او لأنه اظهر عرفا وأعظم مقصودا كرفع الحرج وتحريم الأكل من رفع عن امتي الخطأ والنسيان: و {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} حمل عليه.
اللفظ المجمل إما ان يكون مجملا بالنسبة الى خصائصه ان كان ذا حقائق أولا والأول هو المشترك كقوله تعالى ثلاثة قروء فإنه مجمل بالنسبة الى حقيقته اعني الطهر والحيض عند من يقول ان القرء موضوع لهما وضعا أوليا وهو الصحيح.
__________
1 حديث صحيح رواه مسلم كتاب البيوع باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام والبخاري , كتاب البيوع باب بيع الميتة والأصنام, كما رواه أبو داود والقرنوي وانظر تفسير ابن كثير 3/350,ط الشعب.
(2/206)

والثاني: إما ان يكون بالنسبة الى افراد حقيقة واحدة أولا والأول مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} 1 فإن لفظ البقرة موضوع لحقيقة واحدة معلومة ولها افراد والمراد واحد منها معين على كلام فيه سيأتي ان شاء الله في الفصل الثاني هذا.
والثاني ان يكون الإجمال في الخارج عما وضع له اللفظ وإنما يكون ذلك بأن تنتفي الحقيقة أي يظهر إرادة عدمها وتتكافأ مجازاتها أي تتساوى وأما إذا ترجح أحد المجازاة فيتعين العمل به ولا يكون اللفظ مجملا وللترجيح أسباب ذكرها في الكتاب.
أحدها: ان يكون اقرب الى الحقيقة من المجاز الآخر كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة الا بطهور".
وقد تقدم الكلام على هذا الحديث وقوله لا صيام لمن لم يبيت الصيام قبل الفجر وهذا الحديث لفظه هكذا غير معروف ولكن رواه عبد الله بن أبي بكر ابن عمرو بن حزم عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه عن حفصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له" 2.
وهذا إسناد صحيح قال الحاكم أبو عبد الله على شرط البخاري فحقيقة هذين الخبرين نفي الصلاة عند عدم الطهارة وذات الصوم عند عدم النية المبيتة.
وهذه الحقيقة غير مرادة لأنا نشاهد الذات قد يقع بدون هذين الشرطين فتعين الحمل على المجاز وهو إضمار الصحة والكمال وإضمار الصحة ارجح لكونه اقرب الى الحقيقة لأن نفي الذات يستلزم كل الصفات ونفي الصحة اقرب بهذا المعنى إذ لا يبقى البتة بخلاف نفي الكمال فان الصحة تبقى معه وهي وصف
__________
1 سورة البقرة آية 67.
2 حديث صحيح رواه البخاري كتاب الصيام باب إذا نوى الصيام بالنهار والنسائي باب النية في الصيام وابن ماجة باب ماجاء في الصوم من الليل والترمذي باب لا صيام لمن لم يعزم من الليل. تحفة الأحوذي 43613.
(2/207)

ولك ان تقول ما ذكرتموه في هذين الحديثين منقدح إذا قلنا ان الصحة والفساد مما يعتوران الماهية الجعلية أما إذا قلنا الفساد يزيل اسمها فنفي الحقيقة موجود.
الثاني: ان يكون أحد المجازيين أظهر عرفا أشهر كقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن امتي الخطأ والنسيان" فإن ظاهره رفع نفس الحرج ونفس النسيان وليس بمراد فتعيين حمله على المجاز بإضمار الحكم أي حكم الخطأ والنسيان والحرج يعني الإثم أي اثمهما والحمل على الإثم اظهر من جهة العرف لتبادره الى الذهن من قول السيد لعبده رفعت عنك الخطأ والنسيان ولأنه لو قال ذلك ثم اخذ يعاقبه على ما اخطأ فيه أو نسيه عد مناقضا.
واعلم ان الحديث الذي أورده المصنف رواه الحافظ أبو القاسم التيمي من حديث ابن عباس وروى ابن ماجه معناه وصححه ابن حبان وقال احمد لا يثبت.
والثالث: ان يكون اعظم مقصودا من غيره كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} وقوله عليه السلام في البحر: "الحل ميتته" فان حقيقة اللفظ إضافة الحرمة والحل الى نفس العين كما ذهب إليه الكرخي وهو عندنا باطل لأن الأحكام عندنا إنما تتعلق بالأفعال المقدورة للمكلف وليست العين كذلك فلا تتعلق بها حل ولا حرمة فيتعين المجاز بالإضمار فيضمر أما الأكل أو البيع أو نحوهما والأكل أولى لأنه اعظم المقصود من تلك الأشياء عرفا فيحمل اللفظ عليه.
وقد ذهب جماعة من الأصوليين الى دعوى الإجمال في الأمثلة المذكورة متمسكين بأن الحقيقة غير مرادة والمجازات متعددة فلا يضمر الجميع لأن الضرورة تندفع بالبعض وليس بعضها من بعض فيترجح الإجمال والجواب لنا نضمر البعض ولا نسلم عدد الأولوية فإن بعضها أرجح وأولى لما تقدم.
واعلم ان المجمل ليس منحصرا فيما ذكره بل بقيت أشياء أهملها:
أحدها: الإجمال العارض للفظ بواسطة الإعلال كالمختار فإنه صالح لاسم الفاعل واسم المفعول.
(2/208)

والثاني: بواسطة جمع الصفات واردافها بما يصلح ان يرجع الى كلها او الى بعضها نحو قولك زيد طبيب أديب ماهر فقولك ماهر يصلح ان يكون راجعا الى الكل او الى البعض فقط وذلك البعض يصح أن يكون هو الأخير أو غيره.
الثالث: المجمل بواسطة الاستثناء المجهول كما تقدم في العام إذا خص بمجهول كما في قوله تعالى: {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} .
والرابع: المجمل بواسطة التركيب كقوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} 1 فإن من بيده العقدة يحتمل أن يكون هو الزوج او الولي.
ولذلك اختلف العلماء فيه فأخذ بالأول الشافعي وبالثاني مالك رحمهما الله.
والخامس: المجمل بسبب التردد في عود الضمير الى ما تقدمه كقولك كلمة علمه الفقيه فهو كما علمه فإن الضمير في هو متردد بين العود الى الفقيه والى معلوم الفقيه والمعنى يكون مختلفا حتى انه قيل بعوده الى الفقيه كان معناه فالفقيه كمعلومه وان عاد الى معلومه كان المعنى فمعلومه على الوجه الذي علم.
والسادس: المجمل بسبب تردد اللفظ بين جمع الأجزاء وبين جمع الصفات نظرا إلى اللفظ وان كان احدهما يتعين بدليل من خارج وذلك نحو قولك الثلاثة زوج وفرد فإنه بالنظر الى دلالة اللفظ لا يتعين احدهما وبالنظر الى صدق القائل يتعين ان يكون المراد منه جمع الأجزاء فإن حمله على جميع الصفات أو على جمعها يوجب كذبه.
والسابع: الإجمال بسبب الوقف والإبتداء كما في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ} فالواو في قوله والراسخون مترددة بين العطف والإبتداء ويختلف المعنى بذلك.
الثامن: الإجمال بصلاحية اللفظ المتشابهين بوجه كالنور للعول ونور الشمس.
__________
1 سورة البقرة آية 237.
(2/209)

التاسع: بصلاحية للمتماثلين كالجسم للسماء والأرض والرجل لزيد وعمرو قال الغزالي وقد يكون موضوعا لهما من غير تقدم وتأخر وقد يكون مستعارا لأحدهما من الآخر كقولك الأرض أم البشر والأم إنما وضعت للوالدة وهذا كله في الإجمال في اللفظ والمصنف جعل اللفظ مورد التقسيم فأفهم بذلك أن الإجمال لا يكون في الفعل وليس بجيد بل قد يكون فيه فوائد:
الأولى: لتصحيح جواز المجمل في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والدليل عليه ما تكونا من الآيات وفي مسألة ورود المشترك في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
الثانية: اختلفوا في جواز إبقاء الإجمال بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم واختار امام الحرمين في البرهان في أثناء بحث ان كل ما يثبت التكليف في العلم به فيسجل استمرار الإجمال وما لا يتعلق به تكليف لا يستحيل ذلك فيه ولا يبعد.
والثالثة: لقائل ان يقول يجوز التمسك بعموم: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} إذا الاستثناء وقع بقوله الا ما يتلى عليكم والتقدير فإنه ليس بحلال وعدم الحل لا يوجب الحرمة فيبقى على البراءة الأصلية ولا يقال هذا استثناء مجهول فيصير الباقي من العام مجملا لأنه يكون كذلك ان لو حرم ما يتلى علينا والله أعلم.
(2/210)

قال الثانية: قالت الحنفية وامسحوا برؤوسكم مجمل وقالت المالكية يقتضي الكل والحق انه حقيقة فيما ينطلق عليه الاسم دفعا للاشتراك والمجاز.
ذهبت الحنفية او بعضهم كما في المحصول جميع الرأس لأن قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} 1 مجمل لأنه يحتمل مسح جميع الرأس ومسح بعضه وإذا قام الاحتمال ثبت الإجمال في الآية ثم افترقوا فرقتين فقالت المالكية يقتضي مسح لأن الرأس حقيقة في جميعها والباء دخلت للالصاق وقالت طائفة إنها
__________
1 سورة المائدة آية 6.
(2/210)

حقيقة فيما ينطلق عليه الاسم وهو القدر المشترك بين الرأس وبعضها لأنها تأتي تارة لمسح الكل وتارة للبعض كما تقول مسحت برأس اليتيم ولم يمسح منها الا البعض قد جعلناه حقيقة فيهما لزم الاشتراك او في احدهما لزم المجاز في الآخر فنجعله حقيقة في القدر المشترك دفعا للاشتراك والمجاز الذين هما على خلاف الأصل.
ونقل الإمام هذا المذهب عن الشافعي قال المصنف هنا وهو الحق والذي جزم به في تغيير الحروف تبعا للإمام أنها للتبعيض تفيد مسح بعض الرأس وهو المحكي عن بعض الشافعية.
(2/211)

قال الثالثة: قيل آية السرقة مجملة لأن اليد تحتمل الكل والبعض والقطع الشق والإبانة والحق ان اليد للكل وتذكر للبعض مجازا والقطع والإبانة والشق إبانة.
قال بعضهم آية السرقة يعنى قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} 1 مجملة في اليد والقطع أما اليد فلأنها تطلق على العضو من اصل المنكب وعليه من الكوع وعليه من أصول الأناملة وإذا أطلقت على الكل والبعض ولم يعلم المراد فتكون مجملة واما القطع فلأنه قد يراد به الشق أي الجرح فقط كما يقال برى فلان قلمه فقطع يده وقد يراد به الإبانة.
وقال الجمهور لا إجمال فيها بل حقيقة اليد للكل وهو العضو من المنكب وانما يذكر للبعض مجازا ولهذا يصح ما قطعت يده بل بعضها وحقيقة القطع الإبانة والشق إبانة ايضا لأن فيه إبانة لأجزاء اللحم بعضها عن بعض فيكون موضوعا للقدر المشترك بينهما وهو مطلق الإبانة واما لفظ السارق والسارقة للإجمال فيه وذلك متفق عليه.
__________
1 سورة المائدة آية 38.
(2/211)

الفصل الثاني: في المبين
تعريف المبين
...
الباب الرابع في المبين
وهو الواضح بنفسه أو بعين مثل: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} وذلك الغير يسمى مبينا.
المبين بفتح الباء هو ما اتضحت دلالته بالنسبة الى معناه وهو على قسمين:
أحدهما: الواضح بنفسه وهو الكافي في إفادة معناه وذلك إما لأمر راجع الى اللغة مثل قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أو بالعقل مثل قوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} فإن حقيقة هذا اللفظ طلب السؤال من الجدران لكن العقل صرفنا عن ذلك وقضى بان المراد به الأهل وهذا على كلام في القرية تقدم في المجاز بالنقصان هذا ما ذكره المصنف في الواضح بنفسه وأهمل ما يكون بسبب القليل وهو ضربان.
أحدهما: ان يكون الحكم في المسكوت عنه أولى.
وثانيهما: كما في قوله عليه السلام: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" 1 وأهمل مما لا يكون تعليلا ان الأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به.
__________
1 حديث صحيح رواه الإمام مالك في الموطأ وأحمد في مسنده وأبو داود والترمذي والنسائي: كتاب الطهارة باب: سؤال الهجرة. لفظه:
عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت أبي قتادة أن قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا فجاءت هرة تشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يابنة أخي؟ قالت: قلت نعم. فقال: إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم-قال: "إنها ليست بنجس, إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات".
شرح السنة للإمام البغوي 2/69.
(2/212)

الثاني: الواضح بغيره وهو ما يتوقف فهم المعنى منه على انضمام غيره إليه وذلك الغير أي الدليل الذي حصل به البيان يسمى مبينا بكسر الياء وله أقسام تأتي ان شاء الله تعالى على الأثر بأمثلتها.
تنبيهات: أحدها: اطلاق المبين بفتح الباء على الواضح بنفسه صحيح لأن المتكلم أوضحه حيث لم يأت بحمل نبه عليه الجار بردى.
الثاني: جعل العبري والجار بردى والاسفرايني وغيرهم من الشارحين قوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} مثالا للواضح بغيره وهو وهم لأنه قسم ذلك الغير في المسألة الآتية الى القول والفعل وظاهر كلامه حصره فيهما فلو كان هذا من أقسامه لم ينحصر في ذينك القسمين إذا المبين فيه ليس الى العقل وهو غير القول والفعل والذي حملهم على ذلك أنهم لما رأوه قد مر قوله وبغيره فوهموا أنه من باب اللف والنشر كذلك.
(2/213)

المسألة الأولى: المبين يكون قولا وفعلا
...
قال: وفيه مسائل الأولى انه يكون قولا من الله والرسول وفعلا منه كقوله تعالى: {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ} وقوله عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر" وصلاته وحجه فإنه دل فإن اجتمعا وتوافقا فالسابق وان اختلفا فالقول لأنه يدل بنفسه.
المبين بكسر الياء قد يكون بالقول وذلك بالإتفاق وقد يكون بالفعل وخالف في ذلك: شرذمة قليلون والقول إما ان يكون من الله تعالى كقوله: {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} فإنه مبين لقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} وهذا المثال جار على المشهور من ان البقرة المأمور بذبحها كانت معينة في نفس الأمر وقد حكى ابن عباس خلاف ذلك وانه قال لو ذبحوا أي بقرة كانت لأجزأهم ذلك ولكنهم شددوا فسألوا فشدد الله عليهم.
وأما ان يكون من الرسول صلى الله عليه وسلم كقوله: "فيما سقت السماء وكان عشريا العشر وما سقى بالنضج نصف العشر" رواه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنه ولمسلم عن جابر نحوه وهو مبين لقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} واستفدنا من هذا المثال ان السنة تبين مجمل الكتاب وهو الصحيح والفعل لا يكون إلا من الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك كصلاته فإنها مبينة لقوله تعالى: {أَقِيمُوا
(2/213)

الصَّلاةَ} بواسطة قوله عليه السلام: "صلوا كما رأيتموني اصلي " وكحجه فإنه مبين لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} بواسطة قوله عليه السلام "خذوا عني مناسككم" قوله فإنه أدل أي علة جواز البيان بالفعل أنه أدل من القول على المقصود لأن فيه مشاهدة ومن الأمثال ليس الخبر كالمعاينة وهو مروي رواه احمد ابن محمد الملجمي وهو ضعيف عن علي بن الجعد عن شعبه عن قتادة عن انس ان النبي صلى الله عليه وسلم قاله ورواه احمد بن حنبل من حديث ابن عباس بإسناد صحيح والطبراني من حديث ابن عباس بإسناد صحيح والطبراني من حديث انس والخطيب في التاريخ من وجه آخره موضوع.
تنبيه: الترك منه عليه السلام كالفعل وذلك كتركه التشهد الأول بعد فعله إياه يبين انه غير واجب وإنما لم يذكر المصنف الترك لدخوله في قسم الفعل على الرأي المرتضى قوله فإن ثبت انه يجوز البيان بكل واحد من القول والفعل فورد بعد المجمل قول وفعل وكل منهما صالح لبيانه فبماذا يكون البيان الحق التفصيل وهو انهما ان اتفقا في غرض البيان وعلم ان احدهما سابق فهو المبين قولا كان أم فعلا ويكون الثاني تأكيدا له وان لم يعلم فلا يقضي على واحد منهما بأنه المبين بعينه بل يقتضي بحصول البيان بواحد لم يطلع عليه وهو الأول في نفس الأمر والتأكيد بالثاني وهذا القسم أهمله في الكتاب لوضوحه وحكم القسمين في الحقيقة واحد بالنسبة الى نفس الأمر وإن اختلفا كما روي انه صلى الله عليه وسلم أمر بعد نزول آية الحج في القرآن بطواف واحد وروي انه طاف قارنا طوافين فالمختار عند الجمهور منهم الإمام وأتباعه وابن الحاجب ان المبين هو القول سواء كان متقدما على الفعل أو متأخرا أو يحمل الفعل على الندب أو على الواجب المختص به صلى الله عليه وسلم وذلك لأن القول يدل على البيان بنفسه بخلاف الفعل فإنه لا يدل الا بواسطة انضمام القول إليه والدال بنفسه أدل وقال أبو الحسين المتقدم هو البيان.
فائدة: قد ذكر المصنف هنا ان الفعل أدل من القول وان القول يدل بنفسه يعني فيكون أدل وظاهر هذا التنافي بين الكلمتين والتحقيق ان الفعل أدل على الكيفية والقول أدل على الحكم ففعل الصلاة أدل من وصفها بالقول
(2/214)

لأن فيه المشاهدة واستفادة وقوعها على جهة معينة من واجب أو ندب وغيرهما بالقول أقوى وأوضح من الفعل لصراحته.
(2/215)

المسألة الثانية: جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب
...
قال الثانية لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لأنه تكليف بما لا يطاق ويجوز عن وقت الخطاب ومنعت المعتزلة وجوز البصري ومنا القفال والدقاق وأبو اسحاق بالبيان الإجمالي فيما عدا المشترك.
هذه المسألة تشتمل على بحثين الأول في تأخير البيان عن وقت الحاجة والثاني في تأخير وقت الخطاب.
أما الأول فاعلم لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الحاجة عن وقت الحاجة أي الوقت الذي قام الدليل على إيقاع العمل بالمجمل فيه على التضييق من غير فسحة في التأخير لأن الإتيان بالشيء مع عدم العلم به ممتنع والتكليف بذلك تكليف بما لا يطاق وقد نقل القاضي في مختصر التقريب إجماع أرباب الشرائع على ذلك ولقائل ان يقول التكليف بالمحال جائز عند المصنف فكان ينبغي ان يفعل الإمام فيقول إنا منعنا التكليف بما لا يطاق فلا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة والإيجاد لكن لا يقع لأن التكليف بالمحال غير واقع واخصر من هذا أن يقول لا يقع تأخير للبيان عن وقت الحاجة.
وأما الثاني: وهو تأخيره عن وقت الخطاب الى وقت الحاجة فيقدم عليه أن الخطاب المحتاج الى البيان ضربان.
أحدهما: ما له ظاهر وقد استعمل في خلافه كتأخير بيان التخصيص وتأخير بيان النسخ وتأخير بيان الأسماء الشرعية إذا استعملت في المسميات الشرعية كالصلاة إذا أريد بها الدعاء ونحو ذلك بيان اسم النكرة إذا أريد بها شيء معين.
والثاني: ما لا ظاهر له كالأسماء المتواطئة والمشتركة إذا عرفت هذا فنقول في جواز تأخيره عن وقت الخطاب مذاهب.
أحدهما: يجوز في جميع هذه الأقسام واليه ذهب اكثر أصحابنا وجماعة من أصحاب أبي حنيفة ونقله القاضي في مختصر التقريب عن الشافعي نفسه واختاره الإمام وأتباعه وابن الحاجب.
(2/215)

والثاني: وإليه ذهب اكثر متقدمي المعتزلة انه لا يجوز الا في النسخ فإنهم جوزوا تأخير بيانه كذا استثناه الإمام وهو مأخوذ من الغزالي فإنه ادعى الاتفاق على انه يجوز تأخير بيان النسخ قال بل يجب تأخيره لا سيما عند المعتزلة فإن النسخ عندهم بيان لوقت العبادة ويجوز ان يرد لفظ يدل على تكرر الأفعال على الدوام ثم ينسخ ويقطع الحكم بعد حصول الاعتقاد بلزوم الفعل على الدوام لكن بشرط ان لا يرد نسخ وما ادعاه الغزالي ادعاه ابن برهان في الوجيز أيضا.
وهذا الكلام من الغزالي مأخوذ من امام الحرمين فإنه قال ناقضت المعتزلة أصولهم إذ النسخ عندهم بيان مدة التكليف ولم يكن هذا البيان مقترنا بمورد الخطاب الأول قال وليس لهم عن هذا جواب والقاضي في مختصر التقريب ذكر ذلك ايضا فقال ومما إستدل به أصحابنا ان قالوا النسخ تخصيص في الزمان والتخصيص في الأعيان ثم يجوز ان ترد اللفظة مغلقة في الأزمان والمراد بعضها فإن لم يبعد ذلك في الأزمان لم يبعد في الأعيان قال القاضي ولا يستقيم هنا الاستدلال بذلك فإن النسخ ليس بتخصيص في الأزمان عند معظم المحققين من أصحابي وإنما هو رفع والمصنف أهمل إستثناء النسخ وكذا الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع وابن برهان في الوجيز والغزالي الا انه نقل الاتفاق على النسخ بعد ذلك.
كما عرفت ولعل من أطلق القول ترك الاستثناء اكتفاء بالعلم بالاتفاق على النسخ وانه خارج عن صور النزاع الا ان كلام جماعة يقتضي ان النزاع في النسخ موجود والذي يظهر من جهة النقل ان النزاع فيه موجود ولكن ليس من القائلين بامتناع تأخير البيان كلهم من بعضهم:
والثالث: أن المجمل ان لم يكن له ظاهر كالمشترك قال الإمام والأسماء المتواطئة جاز تأخير بيانه لأنه لا يلزم محذور من تأخيره وان كان له ظاهر جاز تأخير البيان التفصيلي دون الإجمالي فانه يشترط وجوده عند الخطاب حتى يكون مانعا من الوقوع في الخطأ فنقول مثلا المراد من هذا العام هو الخاص أو بالمطلق المقيد أو بالنكرة المعين.
قال الإمام والآمدي ان هذا الحكم ينسخ وهذا يدل على ان النسخ من
(2/216)

محل الخلاف وأما البيان التفصيلي وهو تشخيص بكذا مثلا فليس بشرط وقد نقل المصنف تبعا للإمام هذا المذهب عن أبي الحسين البصري من المعتزلة والدقاق والقفال وأبي اسحاق فأما أبو الحسين فالنقل عنه صحيح وأما الدقاق فقد نقل عنه الأستاذ أبو اسحاق في أصوله موافقة المعتزلة وأما القفال فالظاهر أن المراد الشاشي وفي النقل عنه نظر فقد نقل عنه القاضي في مختصر التقريب والشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع وغيرهما موافقة سائر الأصحاب على المذاهب المختار وأما أبو اسحاق فإن كان هو المروزي كما صرح به الإمام ففي النقل نظر إذ نقل عنه القاضي في مختصر التقريب والشيخ أبو اسحاق والغزالي والآمدي القول بمذهب المعتزلة وان كان مراد المصنف الشرازي فالنقل أيضا ليس بجيد لأنه قد صرح في شرح اللمع الجواز مطلقا وكذلك الأستاذ لا يصح ان يكون هو المراد لتصريحه في كتابه بموافقة الأصحاب وقد اقتصر في الكتاب تبعا للإمام على حكاية هذه المذاهب.
والرابع: أنه يجوز تأخير بيان المجمل دون غيره كتخصيص العموم.
والخامس: يجوز التأخير في الأمر وكذا النهي كما قاله القاضي في مختصر التقريب والشيخ أبو اسحاق والإمام أو الظفر بن السمعاني وغيرهم ولا يجوز في الخبر قال ابن السمعاني قال الماوردي ولم يقل بهذا القول أحد من أصحاب الشافعي.
والسادس: عكسه يجوز في الخبر ولا يجوز في الامر والنهي حكاه الشيخ أبو اسحاق.
والسابع: واليه ذهب الجبائي ونقله الآمدي عن عبد الجبار يجوز تأخير بيان النسخ دون غيره وبحكاية هذا المذهب يعلم ان النسخ من محل الخلاف وابن برهان حكى عن عبد الجبار تجويز تأخير التخصيص دون المجمل والقرافي قال قد يجمع بين هذا وبين من نقل الاتفاق ان لا نفاق إنما هو على جواز تأخير البيان التفصيلي والخلاف في الإجمال قال وكذلك حكاه صاحب العمد في المعتمد.
فائدتان: إحداهما: قال الأستاذ في كتابه هذه العبارة مزيفة يعنى تأخير البيان
(2/217)

إلى وقت الحاجة قيل وهي لائقة بمذهب المعتزلة دون مذهبنا لأن عندهم المؤمنون بهم حاجة الى التكليف نحو العبادات لينالوا بها الدرجات الرفيعة ويستحقونها على طريق المعارضة وعندنا للباري تعالى ينزل المؤمنين الجنة فضلا ويدخل الكافرين النار.
عدلا فالعبادة الصحيحة على مذهبنا ان نقول تأخير البيان عن وقت وجوب الفعل بالخطاب والى وقت وجوب الفعل.
الثانية: نقل الجماهير عن أبي بكر الصيرفي موافقة المعتزلة على المنع من تأخير البيان مطلقا قال الأستاذ في كتابه وهذا مذهب كان يذهب إليه الصيرفي قديما فنزل به أبو الحسن الأشعري ضيفا فناظره في هذا واستنزله عن هذه المقالة ورجع الى مذهب الشافعي وسائر المتسننة.
قلنا لنا مطلقا قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} قيل البيان التفصيلي قلنا تقييد بلا دليل وخصوصا ان المراد من قوله: {أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} معينة بدليل: {مَا هِيَ} {مَا لَوْنُهَا} والبيان تأخير قيل يوجب التأخير عن وقت الحاجة قلنا الأمر لا يوجب الفور قيل لو كانت معينة لما عنفهم قلنا للتواني بعد البيان وأنه تعالى انزل: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} فنقض ابن الزبعري بالملائكة والمسيح فنزل: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ} الآية قبل ما لا تتناولهم وان سلم لكن خصوا بالفعل واجيب بقوله: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} وأن عدم رضاهم لا يعرف الا بالنقل.
احتج على المذهب المختار بأدلة ثلاثة أولها مطلق أي يدل على جواز التأخير مطلقا والآخران مقيدان احدهما يدل على جواز التأخير في صورة النكرة والآخر في صورة العام الدليل الأول الدال على جواز التأخير مطلقا قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} 1 وثم في اللغة للتراخي أي والله أعلم علينا بيانه بعد القراءة وقوله مطلقا عبارة ركيكة وليس المراد حقيقة المطلق بل انه عام يتطلق على الصور ولو قال يدل مطلقا عموما لكان احسن لا سيما وقد قال بعد ذلك خصوصا.
__________
1 سورة القيامة 18- 19.
(2/218)

واعترض أبو الحسين ومن وافقه بأن المراد البيان التفصيلي دون الإجمالي وأجاب المصنف بأن هذا تقييد بلا دليل ولقائل ان يقول قوله بيانه مفرد مضاف فيعم البيانين الإجمالي والتفصيلي وحينئذ فليس القول بان المراد البيان التفصيلي تقييدا بلا دليل بل تقييدا على خلاف الدليل وفرق بين كون الشيء على خلافه وبين كونه بلا دليل أي لم يدل عليه دليل وهذا الجواب احسن من جواب المصنف وبه يظهر ضعف قوله الآمدي البيان يراد به الإظهار لغة تقول تبين الحق وتبين الكوكب معنى الآية ان علينا بيانه للخلق وإظهاره فيهم واشتهاره في الآفاق فلا يكون فيها حجة على صورة النزاع لأنا نقول البيان من حيث تعميمه بالإضافة كل ما يصدق عليه انه بيان قوله وخصوصا هذا معطوف على قوله مطلقا.
وقد قلنا انه يظهر به ان مراده بالمطلق العام لأن الخصوص إنما يقابله العموم ولو أراد الاطلاق لقال وتقييدا وهذا الدليل هو الثاني المختص بالنكرة اعني الدال على جواز تأخير البيان في النكرة وتقريره ان شاء الله تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} وأراد معينة بدليل سؤالهم عن صفتها ولونها في قوله: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} الى آخر الآيات ثم لم يبينها لهم حتى سألوا هذه السؤالات فدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب.
واعترض الخصم على هذا الاستدلال بوجهين.
أحدهما: أن بني إسرائيل أمروا بالذبح وقت الخطاب فكانوا محتاجين الى البيان في ذلك الوقت فتأخيره عن ذلك الوقت تأخير عن وقت الحاجة وهو ممتنع.
قال الخصم فحاصل الأمر انك لم تفعل بما تقتضيه الآية بل بما لا تقتضيه أجاب بأن الأمر لا يوجب الفور كما سبق فإن قلت هذا الجواب مبني على ان الأمر لا يقتضي الفور فلا يعم المذاهب بل يختص بمن يرى رأي المصنف ثم ان الامر بذلك إنما وقع للفصل بين الخصمين اللذين تنازعا في القتل والفصل واجب على الفور.
(2/219)

قلت أجاب القرافي بأن الآية إذا دلت على جواز التأخير عن وقت الخطاب دلت على جواز التأخير عن وقت الخطاب لأن كل من قال بجواز الأول قال بجواز الثاني من غير عكس.
ولأنه إذا ثبت في الأول ثبت في الثاني بطريق أولى وأما قول القرافي هنا انا لم نقل بما تقتضيه الآية بل قلنا به وهذا الصحيح من مذهبنا بناء على تجويز بما لا يطاق فضعيف لأنه عندنا غير واقع الكلام إنما هو في هذا الواقع.
والثاني: إنما ذكرتم وان دل على ان البقرة كانت معينة لكن عندنا ما يدل على أنها لم تكن معينة وبسببه يمنع كونها معينة وهو أنها لو كانت معينة لما عنفهم على السؤال عنها لكنه عنفهم بقوله فذبحوها وما كادوا يفعلون ومما يدل على أنها لم تكن معينة ما سلف من كلام ابن عباس وهو قوله شددوا فشدد الله عليهم.
وأجاب المصنف بأنا لا نسلم انه عنفهم على السؤال وإنما عنفهم على التواني أي التقصير بعد البيان هذا هو الأقرب.
واحتمال كون التعنيف على السؤال بعيد لأنه لو وجب المعينة بعد إيجاب خلافه لكان نسخا قبل الفعل وهو لا يجوز عند الخصم.
قوله: {وَأَنَّهُ تَعَالَى} هو معطوف على قوله وخصوصا ان المراد تقديره ولنا خصوصا في النكرة كذا وفي جواز تأخير بيان التخصيص انه تعالى انزل وتقريره إن الله تعالى لما أنزل قوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} قال عبد الله الزبعري1 قد عبدت الملائكة وعبد عيسى وليس هؤلاء من حصب جهنم فتأخر بيان ذلك حتى نزل.
قوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} 2فإن
__________
1 هو أبو سعيد عبد الله بن الزبعري بن قيس السهمي القرشي شاعر قريش في الجاهلية. كان شديدا على المسلمين إلى أن فتحت مكة فهرب إلى نجران. فقال فيه حسان بن ثابت أبياتا. فلما بلغته عاد إلى مكة وأسلم توفي نحو سنة 15هـ الأغاني 1/14, الأعلام 2/556.
2 سورة الانبياء آية 101.
(2/220)

قيل لا نسلم ان قوله وما تعبدون مندرج فيها الملائكة والمسيح وبيانه من وجهين.
أحدهما: ان لفظة ما تتناولهم لكونها مخصصة بمن لا يعقل فلا يتوجه نقض ابن الزبعري ولا يحتاج الى تخصيص قل كيف يمكن والتخصيص فرع الشمول ويدل على ذلك ما رواه الأصوليون في كتبهم من قوله صلى الله عليه وسلم لابن الزبعري حين قال ما قال: "ما أجهلك بلغة قومك" أما علمت أن ما لمن لا يعقل ومن لمن يعقل.
والثاني: وهو المشار إليه بقوله في الكتاب ولو سلم انا سلمنا ان لفظة من تتناولهم لكن خص الملائكة والمسيح من هذه الآية بالعقل لا بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} وذلك التعذيب إنما يقع على جريمة وأي جريمة لهؤلاء بعبادة غيرهم إياهم وهذا الدليل العقلي كان حاضرا في عقولهم قبل نزول: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ} .
قلنا الجواب عن الأول انا لا نسلم ان صفة ما مختصة بغير العقلاء بل هي شاملة للجميع ويدل على ذلك إطلاقها على الله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} .
وكذلك قوله: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} .
وقوله: {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} وأنها تأتي بمعنى الذي لا اتفاقا وكلمة الذي تتناول العقلاء فكذلك صيغة ما والحديث المذكور من قوله صلى الله عليه وسلم: "إن ما مختصة بمن لا يعقل" غير معروف لو ثبت لسمعنا واطعنا.
وعن الثاني إن العقل إنما يجعل ترك تعذيبهم إذا علم بالعقل ايضا أنهم غير راضين بالعبادة لأنهم ان رضوا بالعبادة لكان ذلك الرضا موجبا للسخط وعدم رضاهم إنما علم بالنقل وهذان الجوابان ضعيفان أما الأول فما وجهين.
أحدهما: ان المصنف قدم في باب العموم إن ما مختصة بما لا يعقل.
وثانيهما: ان ما في هذه الآيات مصدرية تقديره وخلق الذكر والأنثى والسماء وما بناها ولا أنتم عابدون عبادتي ذكره القرافي وأما قوله ترد بمعنى الذي فتتناول العقلاء كما يتناول الذي فساقط لأن الذي وضعت للقدر المشترك بين
(2/221)

العقلاء وغيرهم ولا نسلم أنها تقوم مقامها ان استعملت في غير العقلاء وما ذلك إلا أول النزاع.
واما الثاني فإنه غير مستقيم على مذهب من يقول عصمة ذوي العصمة ثابتة بالعقل وهم المعتزلة ولا على من يقول إنها ثابتة بالسمع لأنها قد اشتهرت وصار العقل يحيل عدمها وان كان الأصل في إحالة هذا العقل لذلك إنما هو السمع لأنا بالضرورة من العقول ندرك ان الملائكة وعيسى عليهم السلام غير راضين بعبادة هؤلاء إياهم.
فائدة ابن الزبعري بكسر الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة من تحت بعدها وقد تكسر ايضا بعدها عين مهملة ساكنة ثم راء مهملة مفتوحة كان من اشد الناس على الإسلام وأكثرهم أذى بلسانه فحشا وهجاء وبنفسه مكايدة وعنادا ثم اسلم عام الفتح وحسن إسلامه وهذا المذكور عنه مشهور في كتب التفسير والسير وروى الحاكم أبو عبد الله في المستدرك عن الحسن بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال لما نزلت: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} .
قال المشركون فالملائكة وعيسى وعزير يعبدون من دون الله.
قوله: {لوكان هؤلاء آلهة ما وردوها} 1.
قال فنزلت: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} وهذا مسند صحيح لكن ليس فيه ذكر ابن الزبعري بخصوصه.
قال قيل تأخير البيان أعز قلنا كذلك ما يوجب الظنون الكاذبة قيل كالخطاب بلغة لا تفهم قلنا هذا غرضا إجماليا بخلاف الأول.
احتج أبو الحسن على اشتراط البيان الإجمالي فيما له ظاهر بأن العموم خطاب لنا في الحال اجماعا فالمخاطب إما أن لا يقصد إفهامنا في الحال وهو باطل لأنه إذا لم يقصد إفهامنا في الحال مع أن ظاهره يقتضي كونه خطابا لنا
__________
1 سورة الأنبياء آية 99.
(2/222)

في الحال يكون قد أغوانا بأن نعتقد انه قصد إفهامنا في الحال فيكون قصد ان نجهل لأن من خاطب قوما بلغتهم فقد أغواهم بأن يعتقدوا فيه انه يعني ما يفهمونه منه فثبت بطلانه.
وإما ان يقصد وحينئذ فإما ان يريد ان نفهم ان المراد ظاهره فقد أراد منا الجهل وهو باطل أو غير مظاهره فقد أراد ما لا سبيل إليه وهو تكليف بالمحال وهذا التقرير على هذا الوجه هو الذي أورده الإمام وهو الصواب فاعتمده.
وأجاب المصنف بأنا لا نسلم ان ذلك ممتنع وقد ورد ما أوجب ظاهره الظنون الكاذبة فدل على الجواز أما وروده فكثير قال الله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} 1 وقال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 2 وقال: {وَجَاءَ رَبُّكَ} فلو صح ما ذكرتم لزم ان يكون هذه الخطابات للإغواء لأنه أطلق وأراد خلاف الظاهر ومن ها هنا عميت بصائر الحشوية وصمموا على فساد عقد لو نشر الواحد منهم بالمباشر لم يكن ولم يرجع وهو معتقد لا يعود وباله الا عليه ولا يرجع نكاله الا إليه ولقائل ان يقول هذه الأشياء يحتويها براهين عقلية ترشد الى الصواب بخلاف تأخير البيان.
وأعلم أن ظاهر ايراد المصنف يفهم ان هذا الدليل الذي أجاب عنه دليل للمانع مطلقا وعلى ذلك قرره العبري والجار بردي وليس كذلك بل هو حجة أبي الحسين كما قلناه وبه صرح الإمام وكيف يتجه أن يكون حجة للمانع مطلقا والمشترك ليس فيه إيقاع في الجهل فإن نسبته عند عدم القرينة الى كل معانيه على السوية وقد تنبه الاسفرايني لهذا وذكر ما أوردناه واحتج من منع تأخير البيان عن وقت الخطاب مطلقا بأنه كالخطاب بلغة لا نفهم مثل خطابك العربي باللغة الزنجية والخطاب بلغة لا تفهم ممنوع.
والجامع بينهما كون كل واحد منهما لا يفيد المقصود حالة الخطاب.
وأجاب في الكتاب بالفرق وهو ان الخطاب بما لا يفهمه المخاطب لا يفيد
__________
1 سورة الفتح آية 10.
2 سورة طه آية 5.
(2/223)

شيئا بخلاف الخطاب بالمشترك ونحوه فإنه يفهم غرضا إجماليا يستعد المكلف من اجله لما يراد منه فان قيل مثلا اعتدى بثلاثة أقراء أفاد ان المراد إما الإظهار أو الحيض وان العدة وجبت بأحدها.
وأما الخطاب بما لا يفهم فلا يفيد لا غرضا جماليا ولا تفصيليا وقد أجاب القاضي في مختصر التقريب ان النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث الى العرب والعجم وكان ما يندر منه من الألفاظ العربية إلزاما للفريقين وفاقا وإذا شاع مخاطبة العجم بلغة العرب لم يبعد عكسه قلت وهذا حسن والتحقيق أن خطاب الغير اضراب.
الأول: أن يخاطب بما يفهمه هو لغيره وهو جائز اجماعا.
والثاني: عكسه وفيه الخلاف المتقدم في مسألة ان الله لا يخاطبنا بالمهمل.
والثالث: ان يفهمه المخاطب بفتح الطاء دون غيره فيجوز اتفاقا سواء تعلق بخاصة نفسه أم بغيره ويصير فيما إذا تعلق بغيره كالترجمان والمبلغ.
والرابع: ان يفهمه غيره ولا يفهمه هو وهذا هو الذي تكلم فيه القاضي ويظهر انه جائز اتفاقا لاطلاع المخاطب على مدلول الخطاب من غيره.
والخامس: ان يخاطب جميعا بلغة يفهمها بعضهم دون بعض وهذا أيضا لا نزاع في جوازه كيف والقرآن للعرب والعجم.
(2/224)

قال تنبيه يجوز تأخير التبليغ الى وقت الحاجة وقوله تعالى: {بَلِّغْ} لا يوجب الفور.
الذين منعوا تأخير البيان عن وقت الخطاب اختلفوا في جواز تأخير تبليغ ما أوحي به الى النبي صلى الله عليه وسلم من الأحكام والجمهور على جوازه لأن امتناعه لا جائز ان يكون لذاته إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال ولا لأمر خارج إذ الأصل عدمه كيف ويحتمل ان يكون في التأخير مصلحة لا نعلمها نحن واحتج الممانع بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} 1 والجواب ان الامر لا يقتضي الفور كما سبق قال الإمام والآمدي ولو سلمناه لكن المراد هو القرآن إذ
__________
1 سورة المائدة آية 67.
(2/224)

هو الذي يطلق عليه القول بأنه منزل قلت وفي الفرق بين تبليغ القرآن وغيره نظر وقد يقال قال المصنف في أول الفصل وفيه مسائل ولم يورد سوى اثنتين وهذا التنبيه هو الثالثة وليس بشرط ان تصدر المسألة بلفظ الثالثة أو انه ذكر في الثانية مسألتين تأخير البيان عن وقت الحاجة وعن وقت الخطاب والاشتغال بمثل هذا مما يضيع الوقت ولا تحصل فائدة.
قال الفصل الثالث في المبين له إنما يجب البيان لمن أريد فهمه للعمل كالصلاة أو الفتوى كأحكام الحيض.
يجب البيان لمن أريد فهمه لأن تكليفه بالفهم بدون البيان تكليف بالمحال ولا يجب بيانه لغيره إذا لا تعلق له به ثم إرادة الفهم قد تكون للعمل بما يضمه المجمل كآية الصلاة وقد تكون للإفتاء كآية الحيض فإن تفهيم المجتهدين ذلك إنما هو لإفتاء النساء به هذا ما ذكره المصنف تبعا للإمام والإمام تبعا فيه لأبي الحسين وفيه نظر من وجهين.
أحدهما: اطلاق قوله يجب البيان لمن أريد فهمه يشعر بأنه يجب على الله تعالى وهذا إنما يقوله المعتزلة فهي عبارة ردية والأولى التعبير بأن البيان لمن أريد فهمه لا بد من وقوعه.
والثاني: ان فيه إشعارا بأنه لا يجب على النساء تحصيل العلم بما كلفن به وليس كذلك بل النساء والرجال سواء في ذلك.
(2/225)

الباب الخامس: في الناسخ والمنسوخخ
الفصل الأول: في تعريف النسخ وفيه مسائل
المسألة الأولى في وقوع النسخ
...
الباب الخامس في الناسخ والمنسوخ
الفصل الأول في تعريف النسخ
قال الباب الخامس في الناسخ والمنسوخ وفيه فصلان الأول في النسخ وهو بيان حكم شرعي بطريق شرعي متراخ وقال القاضي برفع الحكم ورد بأن الحادث ضد السابق فليس رفعه بأولى من رفعه.
النسخ في اللغة يطلق على الإزالة نسخت الريح اثر القدم أي أزالته وعلى النقل والتحويل ومنه نسخت الكتاب أي نقلته وهو المعنى بقوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ومنه المناسخات وهي انتقال المال من وارث الى وارث ثم قال القاضي والغزالي انه مشترك بينهما وقال أبو الحسين حقيقة في الإزالة وقال القفال حقيقة في النقل.
وأما في الإصطلاح فقال صاحب الكتاب هو بيان انتهاء حكم شرعي متراخ فقوله بيان جنس يدخل فيه المحدود وغيره وبإضافته الى الانتهاء حكم عقلي كالمباح الثابت بالبراءة الأصلية عند القائل به فإنه لو حرم فرد من تلك الأفراد لم يسم نسخا وقوله بطريق شرعي يحترز به عن الطريق العقلي كالموت فإنه إذا وقع تبين به انتهاء الحكم الشرعي ولا يسمى نسخا في الإصطلاح ولمن سقط رجلاه لا يقال نسخ عند غسل الرجلين.
وما قاله الإمام في المخصصات من انه نسخ واه بلا ريب وقوله متراخ يخرج البيان المتصل بالحكم كالاستثناء والشرط والصفة وغير ذلك وقال
(2/226)

الأولى: وانه واقع واحالته اليهود لنا ان تبع المصالح فيتغير بتغيرها وإلا فله ان يفعل ما يشاء وان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ثبتت بالدليل القاطع وقد نقل قوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} وأن آدم عليه السلام زوج بناته من بنيه والآن محرم اتفاقا.
أجمع المسلمون على جواز النسخ وذهبت فئة من المنتمين الى الإسلام منهم
(2/227)

أبو مسلم الأصفهاني الى منع النسخ هربا من البدء واعتقادا منهم ان النسخ يؤدي إليه واما لليهود لعنهم الله فمنهم من انكر جوازه عقلا ووقوعه شرعا ومنهم من انكر وقوعه فقط وذهبت العسوية منهم وهم أصحاب أبي عيسى الاصفهاني المعترفون بصحة نبوة نبينا عليه افضل الصلاة والسلام لكن الى بني إسماعيل عليه السلام وهم العرب خاصة الى جوازه عقلا ووقوعه سمعا واعلم انه لا يحسن ذكر هؤلاء المبدعين في وفاق ولا خلاق ولكن السبب في تحمل المشقة بذكرهم التنبيه على انهم لم يخالفوا جميعا فى ذلك وإما من أنكره من المسلمين فهو معترف بمخالفة شرع من قبلنا لشرعنا في كثير من الأحكام ولكنه يقول ان الشرع من قبلنا كان مغيا الى غاية ظهوره عليه السلام وعند ظهوره صلى الله عليه وسلم زال التعبد بشرع من قبله لانتهاء الغاية وليس ذلك من النسخ في شيء بل هو جار مجرى قوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} وحينئذ لا يلزم من انكار نبوة صلى الله عليه وسلم وقد ذكر في الكتاب من أدلتنا على النسخ أوجها ثلاثة:
الأول: وهو دليل على الجواز فقط ان حكم الله تعالى أما أن يتبع المصالح كما هو رأي المعتزلة فيلزم ان يتغير بتغير المصالح فانا على قطع بأن المصلحة قد تتغير بحسب الأشخاص والأوقات والأحوال واما ان لا يتبع المصالح فله سبحانه وتعالى ان يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد.
والثاني: أن نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثبتت بالبراهين القاطعة التي لا يقبلها شك ولا يدخلها ريب وقد نقل لنا عن الله تعالى أنه قال: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} 1وصحة التمسك بالقرآن ان توقفت على صحة النسخ عاد الأمر الى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إنما تصح مع القول بالنسخ ونبوته صحيحة قطعا فدل على صحة النسخ وان لم يتوقف عليها صح الاستدلال بهذه الآية على جواز النسخ وفي هذا الاستدلال نظر ذكره الإمام في التفسير وتقريره ان ما ننسخ جملة شرطية معناها ان ننسخ وصدق الملازمة بين الشيئين لا يقتضي وقوع أحدهما ولا صحة وقوعه ومنه قوله تعالى: {لَوْكَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} .
__________
1 سورة البقرة آية 106.
(2/228)

وذكر القاضي في مختصر التقريب مع قوله تعالى ما ننسخ وان أبدلنا آية مكان آية وهذه الآية سالمة عن النظر الذي ذكره الإمام لأن إذا تدخل الإعلى المحقق وقوعه وذكر أيضا قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} 1 وقال لهم على هذه الآيات أسئلة وتمويهات يسهل مدركها قلت ومن التمويهات في ذلك قول قائلهم اليهود لا تعتقد بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فالاستدلال عليهم بذلك الاستدلال على الخصم بدليل لا يسلم مقدماته وهذا ساقط فان الخصم إنما لا يعترض عليه بما لا يعتقده إذا كان شبهة فيه واما ما لبس فيه كمشكك بل هو ثبات بثبوت المحسوسات بل يلتفت إلى عدم اعتقاده فيه.
والثالث: مما يدل على وقوع النسخ انه ورد في التوراة ان آدم عليه السلام كان مأمورا بتزويج بناته من بنيه وهو الآن محرم بالنسخ الا ذلك فإن قلت يجوز ان يكون هذا شرع لبني آدم أي غاية معلومة وهي ظهور شريعة أخرى ومثل هذا لا يكون نسخا قلت أمر آدم كان مطلقا وتقييده في علم الله لا ينافي النسخ فانه تعالى ان أمر بالفعل مطلقا فهو عالم بأنه سينسخه والوقت الذي فيه بنسخه فتقييده في علم الله تعالى لا يخرجه عن حقيقة النسخ ولقائل ان يقول تحريم ذلك في حقنا إنما يكون نسخا ان لو ثبتت الإباحة قبل ذلك وهي لم تثبت الا في حق بني آدم لصلبه وثبوتها في حق أولئك لا يوجب ثبوتها في حقنا وهي لم ترفع في حق أولئك فأين النسخ.
قال قيل الفعل الواحد لا يحسن ويقبح قلنا مبنى فاسد ومع هذا فيحتمل ان يحسن لواحد أو في وقت ويقبح لآخر أو في آخر احتج مانعو النسخ بأن الأمر بالشيء يقتضي حسنه والنهي عنه يقتضى قبحه فيلزم من وقوع النسخ اجتماع الضدين اعني الحسن والقبح وهو محال.
أجاب أن هذا مبني على فاسد وهو قاعدة التحسن والتقبيح ومع هذا أي ولو سلمنا صحة تلك القاعدة فيحتمل ان يحسن لواحد ويقبح لآخر أو يحسن له
__________
1 سورة النساء آية 160.
(2/229)

في وقت ويقبح عنده في وقت آخر وذلك لأن المصلحة كما تقدم تتغير بتغير الأوقات والأشخاص.
(2/230)

المسألة الثانية: يجوز نسخ بعض القرآن ببعض
...
قال الثانية يجوز نسخ بعض القرآن ومنع أبو مسلم الأصبهاني لنا أن قوله تعالى: {مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ} نسخت بقوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} قال قد تعتد الحامل بسنة قلنا لا بل تعتد بالحمل وخصوص السنة لاغ وأيضا تقديم الصدقة على نجوى الرسول واجب بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول الآية ثم نسخ قال زال الزوال بسببه وهو التمييز بين المنافقين وغيرهم قلنا زال كيف كان احتج بقوله تعالى لا يأتيه الباطل قلنا الضمير للمجموع.
اللائق بهذه المسألة ان تذكر في الفصل التالي لهذا الفصل الذي أودعه ما ينسخ وما نسخ أو حاصلها ان نسخ جميع القرآن اجماعا كما صرح به بعضهم وأشار إليه المصنف في آخر المسألة وكذا الإمام في أثنائها واما بعضه فجائز ومنع منه أبو مسلم الأصفهاني كما نقله عنه الإمام وأتباعه منهم المصنف وقد تقدم النقل عنه انه منع وقوعه مطلقا واحتج في الكتاب بوجهين.
أحدهما: أن الله تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا في قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ} 1 ثم نسخ ذلك: ب {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} 2 وقال أبو مسلم3 الاعتداد بالحول لم يزل بالكلية لأنها لو كانت حاملا ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولا كاملا وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان تخصيصا لا نسخا وأجاب في الكتاب انا نمنع ان الحامل قد تعتد بسنة بل إنما تعتد بوضع الحمل سواء حصل لسنة أم اقل أم أكثر وخصوص السنة إن وقع لاغ لا عبرة به وهو جواب صحيح.
__________
1 سورة البقرة آية 240.
2 وذلك في قوله تعالى {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشر} البقرة 234.
3 هو: محمد بن بحر الأصفهاني كان نحويا كاتبا بليغا متكلما معتزليا عالما بالتفسير وغيره, ولد سنة 254هـ وتوفي سنة 322هـ.
معجم الأدباء 18/35, الفهرست لإبن النديم ص202.
(2/230)

إلا أن أبا مسلم لم يدع عدم النسخ في الآية بهذا التقرير المذكور بل بتقرير غيره فنقول اختلف العلماء في هذه الآية فذهب جمهور المفسرين إلى أنها منسوخة بقوله: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} كما ادعاه الأصوليون وهو الذي رواه البخاري بسنده إليه الى أنها غير منسوخة وإنها ان لم تختر السكنى كانت عدتها: {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} كما في إحدى الآيتين وإن اختارت اعتدت بحول كما في الآية الأخرى فحمل الآيتين على حالتين وذهب أبو مسلم الاصبهاني الى قول ثالث وهو ان معنى الآية ان الذين يتوفون ان كانوا قد وصوا وصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكنى الحول فالعدة بالحول فإن خرجن قبل ذلك وخالفن وصية الزوج بعد المدة التي ضربها الله تعالى لهن فلا حرج فيما فعلن في أنفسهن من معروف أي نكاح صحيح لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة قال والسبب في ذلك انهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولا كاملا وكان يجب على المرأة الإعتداد بالحول فبين الله تعالى في هذه الآية ان ذلك غير واجب وعلى هذا التقدير فالنسخ زائل عند أبي مسلم ولكن ليس بالطريقة المتقدمة من ان الحامل قد تعتد بسنة وحينئذ لا يصلح الاستدلال بالآية عليه.
وقوله هذا هو الذي اختاره الإمام في التفسير وقال انه في غاية الصحة وقد وافق والدي احسن الله إليه مجاهدا وأبا مسلم على ان الآية غير منسوخة وذهب الى رأي رابع ارتضاه وهو ان الله تعالى انزل في المتوفى عنها زوجها آيتين:
إحداهما: آية العدة بأربعة أشهر وعشرا.
والثانية: آية الوصية ومعناها انه تعالى جعل للأزواج وصية منه سبحانه وتعالى سكنى حول كامل بعد وفاة أزواجهن سواء أوصى الزوج بذلك أم لم يوص وهذا هو ظاهر الآية فلا يخرج عنه بلا دليل.
الوجه الثاني: انه تعالى أمر بتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} 1 ثم نسخ ذلك بقوله: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ
__________
1 سورة المجادلة آية 12.
(2/231)

صَدَقَاتٍ} 1 الآية قال الواحدي اجمعوا على أنها منسوخة الحكم واعترض أبو مسلم بأن ذلك إنما زال لزوال سببه وهو التمييز بين المنافق وغيره لأن المؤمن يمتثل والمنافق يخالف فلما حصل بعد ذلك التمييز سقط الوجوب وأجاب بأن المدعي إنما هو زوال الحكم بعد ثبوته سواء لزوال سببه أم لم يكن لأن ذلك معنى النسخ وهو جواب ضعيف من وجهين:
أحدهما: انه سيأتي في كلامه ان شاء الله تعلى ان زوال الشيء لزوال سببه أو شرطه ليس بناسخ.
الثاني: انه ان أراد التمييز للنبي صلى الله عليه وسلم فهو عليه السلام كان عالما بأعيانهم وسماهم لحذيفة بن اليمان صاحب سره وإن أراد التمييز للصحابة فلا نسلم حصول التمييز لهم وكيف وقد قيل ما كانت الا ساعة من نهار حتى نسخت ومن البعيد حصول التمييز في ساعة واحدة بل الجواب ان الإجماع قد قام على أنها منسوخة كما حكيناه عن الواحدي وان التمييز لا يحصل في ساعة من نهار كما ذكرناه.
واما قول الإمام في الجواب لو كان ذلك لكان من لم يتصدق منافقا وهو باطل لأنه روي انه لم يتصدق غير على رضي الله عنه ويدل عليه قوله تعالى: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} فهو ضعيف لأن عدم الصدقة إنما يدل على النفاق لو وجدت النجوى معه وذلك لم يوجد لأنه لم يناج أحد من الصحابة بدون التصدق بل لم يصح أن أحدا ناجاه غير علي رضي الله عنه.
وأما علي فقيل لم يصح انه ناجاه واحتج بذلك على جواز نسخ الحكم قبل العمل به وهذا يشهد له قوله تعالى: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا} إذا جعلت إذ على بابها والمعنى أنكم تركتم ذلك فيما مضى ولكن روى ليث عن مجاهد قال قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلى ولا يعمل بها أحد بعدي آية النجوى.
__________
1 سورة المجادلة آية 13.
(2/232)

كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فناجيت النبي صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي نجواي درهما ثم نسخت فلم يعمل بها أحد وعلى هذا يجب إخراج إذ عن بابها وإما ان تكون بمعنى إذا كما قيل في إذا الإعتلال وإما ان تكون بمعنى ان الشرطية وسواء صح المنقول عن علي أم لم يصح فعدم الصدقة إنما كان لعدم النجوى فلا يصح الجواب بما ذكره الإمام فإن قلت كيف لم يعمل غير علي من أكابر الصحابة بالآية قبل نسخها كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.
قلت إن صح أنهم لم يعملوا بها فإما لسرعة نسخها وإما لأنهم فهموا ان المقصود الكف عن المناجاة تعظيما للرسول صلى الله عليه وسلم لأن سبب نزول الآية ان المسلمين اكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه وأراد الله ان يخفف عن نبيه كذا ذكره حبر الامة ابن عباس رضي الله عنهما فيكون كفهم عن المناجاة مبالغة في التعظيم فإن قلت لم لافعل علي رضي الله عنه ما فعلوه مبالغة في التعظيم.
قلت لعل الضرورة ألجأته الى المناجاة وذلك غير مستبعد لأنه كان قريب الأقرب وزوج ابنته والعادة تقضي بأن يكون أحوج الى مناجاته صلى الله عليه وسلم واحتج أبو مسلم بأنه تعالى وصف كتابه بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فلو نسخ لأتاه الباطل وأجاب المصنف بان الضمير يأتيه عائد على مجموع القرآن أعني الهيئة الاجتماعية لا الجمعية اعني كل فرد سواء كان مجتمعا مع غيره أم لم يكن وإذا كان عائدا الى المجموع لم يكن دليلا على محل النزاع لأن مجموع القرآن لا ينسخ اتفاقا كما سلف وإنما الكلام في بعضه وفي هذا الجواب نظر من وجهين.
أحدهما: أنك لم قلت بعوده لمجموعه دون جميعه ولم لا كان العكس.
والثاني: ان الضمير في يأتيه عائد الى القرآن والقرآن من الالفاظ المتواطئة يطلق على كله وعلى بعضه كما تقدم في الحقيقة والمجاز فليس حمله على الكل بأولى من حمله على البعض.
فإن قلت: ولا حمله على البعض ايضا بأولى من العكس وحينئذ يبطل
(2/233)

استدلال أبي مسلم بالآية لما ذكر من ان الحمل على واحد يقتضي الترجيح من غير مرجح.
قلت: الحمل على البعض أولى لوقوع الاتفاق عليه اذ من حمل على الكل حمل البعض من غير عكس وقد أجاب الإمام بأن المراد ان هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله تعالى ما يبطله ولا يأتيه من بعده وأجاب غيره بأن النسخ ليس باطلا إذ هو حق والباطل يضاد الحق فوجب حمل الباطل على غير النسخ وكلا الجوابين صحيح حسن قال الثالثة يجوز نسخ الوجوب قبل العمل خلافا للمعتزلة.
كل نسخ على التحقيق فهو واقع قبل الفعل فإنه إنما يرد على مستقبل الزمان دون ماضيه وهذا واضح وإنما الخلاف في انه هل يجوز ان يقال صل غدا ركعتين ثم انه ينسخه قبل مجيء الغد فجوز ذلك الجماهير من أصحابنا وخالفت المعتزلة وكثير من الحنفية والحنابلة وهذه هي المسألة الملقبة بنسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به والمصنف عبر عنها بنسخ الوجوب قبل العمل وهذا يوهم اختصاص المسألة بالوجوب وليس كذلك.
والتعبير الأول غير واف بالمقصود ايضا لأنه قد يقال انه لا يتناول ما إذا حضر وقت العمل به لكنه لم يمض مقدار ما يسعه وهذه الصورة من صور النزاع وقد يعتذر المعبر بهذه العبارة بأنه لا يتصور حضور وقت العمل به الا إذا مضى ما يسعه ولو عبر عنها بنسخ الشيء قبل مضي مقدار ما يسعه من وقته لتناول جميع صور النزاع من غير شك وعلى هذا يجوز النسخ بعد مضي مقدار ما يسعه وان لم يكن قد فعل المأمور به قال الهندي وفي بعض المؤلفات القديمة أن بعضهم كالكرخي خالف فيه أيضا وقال لا يجوز النسخ قبل الفعل سواء مضى من الوقت مقدار ما يسعه أم لم يمض والمصنف أطلق قوله قبل العمل وهو يقتضي ان الخلاف جار من غير فرق بين الوقت وما قبله وما بعده فأما قبله وفي معناه ما إذا دخل ولكن لم يمض زمن يسع الفعل فقد عرفت انه محل النزاع وأما بعد
(2/234)

خروج الوقت قال الآمدي فقد انفق القائلون بجواز النسخ على تجويزه وأما وقوع النسخ في الوقت ولكن بعد التمكن من فعله فقد عرفت انه داخل تحت صور النزاع بما حكاه الهندي عن الكرخي ولكن صرح ابن برهان في الوجيز في آخر المسألة بأن النزاع لم يقع في جواز النسخ بعد التمكن من الفعل وإنما وقع في النسخ قبل التمكن من الفعل وكذلك الآمدي في أثناء الإستدلال فإنه قال والخلاف إنما هو قبل التمكن لا بعده.
تنبيه: ذكره الهندي اعلم ان كل من قال ان المأمور لا يعلم كونه مأمورا قبل التمكن من الامتثال يلزمه ان يقول بعدم جواز النسخ قبل التمكن من الامتثال إذ النسخ قبله على هذا التقدير تبين ان الامر في نفس الأمر وإن كنا نتوهم وجوده والنسخ يستدعي تحقق الامر السابق فيستحيل النسخ عند عدمه.
وأما من لم يقل بذلك فجاز ان يقول بجوازه وان لا يقول بذلك لما يظهر له من دليل يخصه ويتضح عند هذا ان هذه المسألة ليست فرع تلك المسألة على الإطلاق اعني في الجواز وعدم الجواز كما وقعت إليه الإشارة في كلام الغزالي بل في عدم الجواز فقط.
قال لنا ان ابراهيم عليه السلام أمر بذبح ولده بدليل افعل ما تؤمر ان هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم فنسخ قبله قيله تلك بناء على ظنه قلنا لا يخطىء ظنه قيل امتثل فإنه قطع فوصل قلنا لو كان كذلك لم يحتج الى الفدا قيل الواحد بالواحد في الواحد لا يؤمر وينهي قلنا يجوز للابتلاء.
استدل أصحابنا على الجواز بالوقوع في قصة الذبيح عليه السلام قالوا وذلك ان الله تعالى أمر ابراهيم عليه السلام بذبح ولده ثم نسخ ذلك قبل الفعل أما انه أمره بالذبح فلثلاثة اوجه.
أحدها: قول ولده: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} جوابا لقوله: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} فإن قوله ما تؤمر لا بد وان تعود الى شيء وليس ثم غير اني أذبحك فوجب صرفه إليه.
والثاني: قوله تعالى حكاية عن ابراهيم عليه السلام: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ} يدل على أن المأمور به هو الذبح لأن مقدمات الذبح لا توصف بذلك.
(2/235)

فإن قلت متى لا توصف بذلك مع العلم بعدم وجوب الذبح أو مطلقا والأول مسلم والثاني ممنوع وهذا لأن الامر باضجاع الولد واخذ المدية المستفاد من الامر بالذبح مع غلبة الظن بأن الذبح سيؤمر به بلاء مبين قلت متى غلب على ظنه بشيء فهو الواقع في نفس الامر إذ هو نبي فلا يخطىء ظنه.
(2/236)

المسٍألة الثالثة: يجوز نسخ الوجوب قبل العمل
...
والثالث: قوله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم} 1 ولولم يؤمر بالذبح لما احتاج الى الفداء.
وأما كونه نسخ قبل الفعل فلأنه لو لم ينسخ لذبح ضرورة انه عليه السلام لا يخل بأمر ربه لكنه لم يذبح فدل على انه نسخ ولم يستدل المصنف على هذا لظهوره واعترض الخصم أولا بأنا لا نسلم انه كان مأمورا بالذبح وإنما كان مأمورا بالمقدمات فظن انه أمر به والدلائل التي تمسكتم بها إنما هي بناء على ظنه.
وأجاب في الكتاب بأن ظنون الأنبياء مطابقة يستحيل فيها الخطأ واعترض ثانيا بأنا سلمنا انه أمر بذبح لكن لا نسلم انه نسخ قبل العمل وبيانه ان ابراهيم عليه السلام كان كلما قطع موضعا من الخلق وتعداه الى غيره أوصل الله تعالى ما تقدم قطعه.
وأجاب بأنه لو كان كذلك لم يحتج الى الفداء لأن الفداء بدل والبدل لا يحتاج إليه مع وجود المبدل ولقائل ان يقول لعل الفداء إنما كان للحياة التي من الله تعالى عليه بها مع حصول الذبح لا لنفس الذبح واستدل الخصم بأن قوله صل غدا ركعتين ليس موضوعا إلا للأمر بالصلاة في ذلك الوقت لغة وشرعا.
وقوله لا تصل غدا ركعتين ليس موضوعا إلا للنهي عنها في ذلك الوقت لغة وشرعا فلو جاز ان يرد الامر بشيء ثم النهي عن فعله في ذلك الوقت الواحد مأمورا ومنهيا أجاب بان ذلك لا يستحيل الا إذا كان المقصود حصول الفعل وأما إذا كان الغرض ابتلاء المأمور أي اختياره وامتحانه فيجوز
__________
1 سورة الصافات آية 107.
(2/236)

فإن السيد قد يقول للعبد اذهب غدا الى موضع كذا ولا يريد الفعل بل امتحان العبد ليتبين رياضته ثم يقول لا تذهب قلت ولا يخفى ان هذه الشبهة إنما ترد إذا كان الوجوب قد نسخ بالتحريم أما إذا نسخ بالجواز فليس الشيء مأمورا به ومنهيا عنه فان قلت الله تعالى يعلم من يمتثل ممن لا يمتثل والاختيار إنما يكون مما يستدعي خبرا يستفيد منه ما لم يكن عالما به قلت المراد إظهار ذلك للخلق والتنبيه بذكر العبد الممتثل بين العالم.
ألا ترى ان ابراهيم عليه السلام صار له بذلك لسان صدق في الآخرين وربما ان بعض من كان لا يؤمن به رآه قد بادر الى امتثال هذا الامر المدبر فصدق به وآمن وعرف انه على الحق المبين ومنهم من أجاب عن هذه الشبهة بأنه لم يجتمع الامر النهي في وقت واحد بل بورود النهي انقطع تعلق الامر وذكر القاضي في مختصر التقريب.
هذا وطريقة أخرى وهي ان نقول كان الرب تعالى قال افعل الفعل الفلاني تقربا منك الى ما دام الامر متصلا بك فإذا نهيتك عنه فلا تفعله تقربا الى ولا تقربا الى غيري ليتبين للعبد انه عند النهي منهي عن قصد التقرب بما أمر به أولا الى الله تعالى وهو منهي عن اصل فعله ايضا من غير قصد التقرب.
فائدة الصحيح عن جمهور العلماء ان الذبيح هو إسماعيل عليه السلام واحتجوا له بأمور كلها ظاهرة غير قطعية واستنبط والدي رضي الله عنه من القرآن دليلا على ذلك يقارب القطع أو يقتضي القطع بذلك لم يسبقه إليه أحد وهو ان البشارة التي وقعت لإبراهيم عليه السلام بالولد من الله تعالى كانت مرتين مرة في قوله: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} فهذه الآية قاطعة في أن هذا المبشر به هو الذبيح.
وقوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} 1.
__________
1 سورة هود آية 71.
(2/237)

فقد صرح في هذه الآية ان المبشر به فيها اسحاق ولم يكن سؤال من ابراهيم عليه السلام بل قالت امرأته أنها عجوز وانه شيخ وكان ذلك في الشام لما جاءت الملائكة إليه بسبب قوم لوط وهو في أواخر أمره واما للبشارة الاولى لما انتقل من العراق الى الشام حين كان سنه لا يستغرب فيه الولد ولذلك سأله فعلمنا بذلك أنهما بشارتان في وقتين بغلامين احدهما بغير سؤال وهو اسحاق صريحا والثانية قبل ذلك بسؤال وهو غيره فقطعنا بأنه إسماعيل وهو الذبيح ولا يرد على هذا قوله: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} 1 ووجه الإيراد ذكر هبة اسحاق بعد الإنجاء لأنا نقول لما ذكر لوطا واسحاق هو المباشر به في قضية لوط ناسب ذكره ولم يذكره ولم يكن في الآية ما يدل على التعقيب والبشارة الأولى ولم يكن للوط فيها ذكر والله أعلم.
واعلم ان هذه الفائدة ليس لها كبير تعلق بما نحن فيه من الشرح ولكن لما عظم موقعها حسن إيرادها.
__________
1 سورة الأنبياء آية 71- 72.
(2/238)

المسألة الرابعة: يجوز النسخ بغير بدل أو ببدل أثقل منه
...
قال الرابعة يجوز النسخ بلا بدل أو ببدل أثقل كنسخ وجوب تقديم النجوى والكف عن الكفار بالقتال استدل بقوله تعالى نأت بخير منها قلنا ربما يكون عدم الحكم أو الأثقل خيرا.
المسألة مشتملة على بحثين:
أحدهما: في جواز نسخ الشيء لا إلى بدل ذهب إليه الجمهور.
وخالف فيه قوم من أهل الظاهر. وكذلك المعتزلة كما قال القاضي في مختصر التقريب واستدل الجمهور بأن وجوب تقديم الصدقة بين يدي مناجاته عليه السلام نسخ بلا بدل واعلم ان الأصوليين صدروا المسالة بالخلاف في الجواز وهذا الدليل يدل على انهم يختارون الوقوع وهو صحيح إذ الظاهر ان نسخ الصدقة قبل النجوى لا إلى بدل وقول من قال وجوب الزكاة هو الناسخ وهو البدل ضعيف من وجهين.
أحدهما: أنه تعالى قال: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا
(2/238)

الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فلو كانت الزكاة ناسخة لزم مساواة الصلاة والطاعة لها وأقام الصلاة وطاعة الله ورسوله واجبان قبل ذلك.
وثانيها: أنه يحتاج الى نقل التاريخ في ذلك وهو يعيد بل الظاهر انه لما نسخ عنهم وجوب الصدقة أمروا بلزوم الواجبات التي هي عليهم باقية تنبيها على أنها هي ذروة الامر وسنامه واستدل القاضي في مختصر التقريب على تجويز نسخ الشيء لا الى بدل بانا يجوز ارتفاع التكليف عن المخاطبين جملة فلأن يجوز ارتفاع عبادة بعينها لا الى بدل أولى قال والمخالفون في ذلك وهم المعتزلة لا يجوزون ارتفاع التكليف فلهذا خالفونا في هذه المسألة فهذا هو مثار الخلاف في هذه المسألة.
فائدة: قال الشافعي في الرسالة في ابتداء الناسخ والمنسوخ وليس بنسخ فرض أبدا الا اثبت مكانه فرض كما نسخت قبله بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة انتهى وظاهر هذه العبارة انه لا يقع النسخ الا ببدل وليس ذلك مراده بل هو موافق للجماهير على ان النسخ قد يقع بلا بدل وانما أراد الشافعي بهذه كما نبه عليه أبو بكر الصيرفي في شرح الرسالة انه ينقل من حظر الى إباحة أو إباحة الى حظر وتخيير على حسب أحوال الفروض قال ومثل ذلك مثل المناجاة كان يناجي النبي صلى الله عليه وسلم بلا تقديم صدقه ثم فرض الله تقديم الصدقة ثم أزال ذلك فردهم الى ما كانوا عليه فان شاءوا وتقربوا بالصدقة الى الله وان شاءوا ناجوه من غير صدقة قال فهذا معنى قول الشافعي فرض مكان فتفهمه انتهى وهذا لا يخالفه فيه الأصوليون فانهم يقولون إذا نسخ الامر بقوله رفعت الوجوب أو التحريم مثلا عاد الامر الى ما كان عليه وهو حكم أيضا.
البحث الثاني: يجوز عند الجمهور نسخ الشيء والإتيان ببدل اثقل منه وخالف بعض أهل الظاهر قال ابن برهان في الوجيز ونقل ناقلون ذلك عن الشافعي وليس بصحيح وانتهى وليس بصحيح عنه.
ومنهم من أجاز ذلك عقلا ومنع منه سمعا لنا ان الكف عن الكفار كان واجبا بقوله تعالى {ودع أذاهم} ونحوه ثم نسخ بإيجاب القتال وهو أثقل أي
(2/239)

أكبر مشقة واستدل الخصم على منعها أعني النسخ بلا بدل والنسخ ببدل أثقل بقوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} فدل على أنه لا بد أن يأتي بالبدل وهو المدعي أولا وعلى ان البدل منحصر في الأول والمساوي وهو المدعي ثانيا وأجاب بأن عدم الحكم قد يكون خير للمكلف منه في ذلك الوقت واعترض الهندي على هذا بان العدم الصرف لا يوصف بقوله نأت لأن ما أتى به فهو شيء وهو صحيح الا ان نقول النسخ يزيل الحكم ويعيد الامر الى ما كان عليه فكان مشتملا على الإتيان بالحكم الذي كان من قبل ومن هذا يظهر انه أتى بشيء.
وهذا إنما استفاد من كلام الصيرفي والأصل فيه كلام الشافعي رضي الله عنه وهذا تقرير الجواب عنهم قولهم لا يكون النسخ الا ببدل والقاضي في مختصر التقريب قال الجواب عن هذه الآية هذا إخبار عن أن النسخ يقع على هذا الوجه وليس فيه ما يدل على انه لا يجوز وقوع النسخ على غير هذا الوجه.
قال هذا واضح عند التأمل.
قلت: وهذا من القاضي يفهم ان محل الخلاف في الجواز وانه يسلم ان النسخ لا يقع إلا على هذا الوجه وهذا ما اقتضاه كلام الآمدي في آخر المسالة إذ قال ان سلم امتناع وقوع ذلك شرعا لكنه لا يدل على عدم الجواز العقلي وقد قدمنا ان الاستدلال بآية النجوى يدل على ان الخلاف في الوقوع ايضا وبذلك صرح الهندي إذ قال الآية وان لم تدل الا على عدم الوقوع فذلك كاف لأنه إذا ثبت عدم الوقوع ثبت عدم الجواز لأن كل من يقول بالجواز قال بالوقوع فالقول بعدم الوقوع من الجواز قول لم يقل به أحد والأظهر ان ما قال بالجواز قال بالوقوع كما ذكره الهندي وكلام الآمدي إنما هو على سبيل النزل إذ صدر المسالة بالجواز وقد صرح الآمدي بدليلين وقال احدهما يدل على الجواز العقلي والثاني على الجواز الشرعي وكلام القاضي ليس بالصريح في ذلك ان قال بعد ذلك أو يقول يعني في الجواز.
قوله ما ننسخ من آية يحمل على بعض الأحكام دون بعض قال ويقوى ذلك على منع صيغ العموم قلت ومن هنا يؤخذ من كلام القاضي أن النكرة في
(2/240)

سياق الشرط تعم كما قدمناه في باب العموم عن امام الحرمين لقوله ويقوى ذلك على منع صيغة العموم ومفهوم هذا انه لا يقوى عند تسليمها واما الجواب عند استدلالهم بقوله بخير منها أو مثلها على ان البدل منحصر في الأخف والمساوي.
فقد أجاب في الكتاب عنه بقوله أو الأثقل خيرا يعني ان الخير يصدق على ما هو اجزل ثوابا وأصلح لنا في المعاد وإن كان أثقل في الحال ومن الخصوم من استدل بقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} 1 واقتصر المتأخرون في الجواب عن الاستدلال بهذه الآية على قولهم ان ذلك محمول على اليسر في الآخرة ومناسب هذا الجواب والحق في الجواب عن ذلك ما ذكره القاضي في مختصر التقريب من ان ذلك إنما ورد في مخاطبة المرضى من المسلمين لما خفف الصيام عنهم ولا تعلق له بمسألتنا.
__________
1 سورة البقرة آية 185.
(2/241)

المسألة الخامسة: نسخ الحكم دون التلاوة وبالعكس
...
قال الخامسة ينسخ الحكم دون التلاوة مثل قوله تعالى: {مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ} آية وبالعكس مثل ما نقل الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة وينسخان معا كما روي عن عائشة قالت كان فيما انزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس
يجوز نسخ الحكم دون التلاوة وبالعكس ونسخهما معا وخالف في ذلك كله بعض الشاذين واستدل في الكتاب لكل من الصور بالوقوع أما نسخ الحكم دون التلاوة فكنسخ الاعتداد بالحول من قوله تعالى: {مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ} بقوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} وقد سبق الكلام في آية الحول فكان الأولى التمثيل بغير هذه الآية المختلف في أنها هل هي منسوخة والآيات في هذا القسم كثيرة وأما عكسه اعني نسخ التلاوة دون الحكم فكما روى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل لا نجد حديثا في كتاب الله فلقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فإنا قد قرأناها رواه الشافعي وهذا لفظه
(2/241)

وروى الترمذي نحوه والبخاري ومسلم ما يقرب منه وروى النسائي عن أبي أمامة اسعد بن سهل بن حنيف عن خالته قالت لقد أقرأناها رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الرجم والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البته بما قضينا من لديهما وإسناده جيد والمراد بالشيخ والشيخة المحصن والمحصنة قلت وأنا لا يبين لي معنى قول عمر رضي الله عنه لولا ان يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها إذ ظاهر هذا ان كتابتها جائزة وإنما منعه من ذلك قول الناس والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه.
وإذا كانت كتابتها جائزة لزم ان تكون التلاوة باقية لأن هذا شأن المكتوب وقد يقول القائل في مقابلة هذا لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر رضي الله عنه الى كتابتها ولم يعرج على مقال الناس لأن مقال الناس لا يصلح مانعا من فعل هذا الواجب وبالجملة لا يبين لي هذه الملازمة اعني لولا قول الناس لكتبت ولعل الله ان ييسر علينا حل هذا الأثر بمنه وكرمه فانا لا نشك في ان عمر رضوان الله عليه إنما نطق بالصواب ولكنا نتهم فهمنا واما نسخهما معا فكما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان فيما انزل عشر رضعات معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن رواه مسلم ونحن نعلم انه ليس في القرآن اليوم وان حكمه غير ثابت وقد تكلم العلماء في قولها وهي فيما يقرا من القرآن فإن ظاهره يقتضي ان التلاوة باقية وليس كذلك فمنهم من أجاب بان المراد قارب الوفاة والأظهر في الجواب ان التلاوة نسخت ايضا ولم يبلغ ذلك كل الناس الا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفي وبعض الناس يقرأها فيصدق انه توفي وهي فيما يقرأ.
واعترض الهندي بأن ثبوت نسخ تلاوة ما هو من القرآن وحكمه يتوقف على كونه من القرآن وكونه من القرآن لا يثبت بخبر الواحد فلا يثبت به تلاوة ما هو من القرآن وحكمه معا قلت والاعتراض وارد ايضا في منسوخ التلاوة دون الحكم فلا ينبغي ان يقصره على هذا القسم ثم قال الهندي ممكن ان يجاب بان القرآن المثبت بين الدفتين هو الذي لا بد في نقله من التواتر وأما المنسوخ فلا نسلم أنه لا يثبت بخبر الواحد سلمنا لكن الشيء قد يثبت ضمنا بما لا يثبت به استقلالا كما قال بعض الأصوليين
(2/242)

إذا قال الصحابي في أحد الخبرين المتواترين إنه كان قبل الآخر قبل ولزم منه نسخ المتأخر وان لم يقبل قوله في نسخ المعلوم ولقائل ان يقول لا يندفع السؤال بواحد من الجوابين أما الأول فأنا لا نعقل كونه منسوخا حتى نعقل كونه قبل ذلك من القرآن وكونه من القرآن لا يثبت بخبر الواحد قلنا وقوله لا نسلم ان القرآن المنسوخ لا يثبت بخبر الواحد لأن نسخه لا يكون الا بعد ثبوت كونه من القرآن ثم يرد النسخ بعد ذلك متأخرا في الزمان فيصدق إثبات قرآن غير منسوخ بخبر الواحد ثم إثبات نسخه بخبر الواحد ويوضح هذا ان قول الراوي كانت الكلمة الفلانية من القرآن ثم نسخت تلاوة وحكما في قوة خبرين احدهما أنها من القرآن ثم نسخت تلاوة وحكما في قوة خبرين احدهما أنها من القرآن والثاني أنها منسوخة وكلا الخبرين لا يكفي فيه خبر الواحد واما الثاني ففيما نحن فيه لم يتعارض وليلان وفيما استشهد به تعارض دليلان فلذلك رجحنا في موضع التعارض بمرجح ما وهو قول الصحابي هذا متقدم وإنما الذي يظهر في الجواب عن هذا السؤال أن زماننا هذا ليس زمان النسخ وفي زمان النسخ لم يقع النسخ بخبر الواحد.
فرع: قال الآمدي هل يجوز بعد نسخ تلاوة الآية ان يمسها المحدث ويتلوها الجنب تردد فيه الأصوليون والأشبه المنع من ذلك قلت الخلاف وجهان لأصحابنا والصحيح جواز المس والحمل وقول الآمدي ان المنع أشبه ممنوع وذكر الرافعي في أول باب خلافه حد الزنا ان القاضي ابن كج حكى عن بعض الأصحاب وجها انه قرأ قارىء آية الرجم في الصلاة لم تفسد والصحيح خلافه.
(2/243)

المسألة السادسة: نسخ الخبر المستسقبل
...
قال السادسة يجوز نسخ الخبر المستقبل خلافا لأبي هاشم لنا انه يحمل ان يقال لأعاقبن الزاني أبدا ثم يقول أردت سنة قيل يوهم الكذب قلنا ونسخ الامر يوهم البداية.
هذه المسالة في نسخ الأخبار والنسخ أما ان يكون لنفس الخبر أو لمدلوله وثمرته فإن كان الأول فأما ان تنسخ تلاوته أو تكليفنا بالأخبار به إذا كنا قد كلفنا بأن نخبر بشيء فهذان جائزان من غير نزاع سواء كان ما نسخت
(2/243)

تلاوته ماضيا أو مستقبلا وسواء كان مما لا يتغير كالأخبار بوجود الله تعالى وحدوث العالم أو كالأخبار بكفر زيد وإيمانه لأن جميع ذلك حكم من الأحكام الشرعية فجاز كونه مصلحة في وقت ومفسدة في آخر لكن هل يجوز ان ينسخ تكليفنا بالاخبار عما لا يتغير تكليفنا بالاخبار بنقيضه قال الآمدي قالت المعتزلة لا يجوز لأنه كذب والتكليف به قبيح وهذا مبني على قاعدة الحسن والقبيح الباطلة عندنا وعلى هذا فلا مانع من التكليف بالخبر بنقيض الحق هذا كلام الآمدي ولا يقال عليه ان الكذب نقض ونحن نوافق على ان قبحه عقلي لأنا نقول هو في هذه الصورة نقص في المكلف بفتح اللام وهو المخير لا المكلف بكسرها وهو الله تعالى الآمر بالأخبار ويجوز التكليف بما هو نقص في حق العبد لأن له تعالى ان يفعل ما يشاء واما ان كان النسخ لمدلول الخبر فإن كان لا يتغير فلا خلاف في امتناع نسخه وان كان مما يتغير فهي مسإلة الكتاب ومذهب اكثر المتقدمين منهم أبو هاشم فيها المنع سواء كان الخبر ماضيا أو مستقبلا أو وعيدا أو خبرا عن حكم كالخبر عن وجوب الحج واختاره ابن الحاجب وقال عبد الجبار وأبو عبد الله وأبو الحسين والإمام والآمدي يجوز مطلقا وفصل بعضهم.
فقال ان كان مدلوله مستقبلا جاز وإلا فلا وهذا هو الذي اختاره المنصف وليعلم ان محل الخلاف فيما إذا لم يكن بمعنى الامر أو النهي كقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} وقوله: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} فإن هذا يجوز نسخه ولا نعرف فيه خلافا ولا يتجه لأنه بمعنى الأمر والنهي قال الهندي وما نقل الإمام وغيره من الخلاف في الخبر عن حكم شرعي ليس هو هذا لأن ذلك محمول على ما هو خبر في هذا اللفظ والمعنى مدلوله حكم شرعي وما نحن فيه ليس الا صيغة الخبر استعملت في الامر على وجه التجوز فهو في معنى الامر ونحن على جزم بأن الصيغة لا مدخل لها في تجويز النسخ وعدمه فهو في معنى الامر وقد استدل المصنف على ما اختاره بأنه يصح ان يقال لأعاقبن الزاني أبدا ان لا يلزم من وقوعه محال ثم يقال أردت سنة واحدة ولا نعنى بالنسخ الا هذا فإن النسخ إخراج بعض الزمان وهو موجود هنا واستدل المانع بأن نسخه يوهم
(2/244)

الكذب إذ المتبادر منه الى الفهم ليس الا استيعاب المدة المخبر بها وإيهام الكذب قبيح أجاب بأن نسخ الأمر ايضا يقتضي ان يظن الظان ظهور الشيء بعد خفائه أي فلو امتنع نسخ الخبر للإيهام لامتنع نسخ الأمر ولا قائل به من المنازعين في هذه المسألة هذا ما في الكتاب والحق في المسألة ما ذكره القاضي في مختصر التقريب من بناء المسألة على ان النصح بيان أو رفع فمن قال بالأول جوز ذلك فقال إذا اخبر الله سبحانه عن ثبوت شريعة فيجوز ان يخبر بعدها فيقول أردت ثبوتها بأخباري الأول الى هذا الوقت ولم أرد أولا الا ذلك وهذا لا يقضي الا تجويز خلف ولاوقوع خبر بخلاف مخبر وأما من قال بالثاني كالقاضي فلا يجوز ذلك كيف ونسخ الخبر حينئذ يستلزم الكذب قطعا لأن الخبر ان كان صادقا كان الناسخ المقتضي رفع بعض مدلوله كاذبا ضرورة أنه صدق وإلا فهو كاذب وبهذا يظهر لك ان من وافق القاضي على ان النسخ رفع لا يحسن منه الذهاب إلى تجويز نسخ الأخبار.
(2/245)

الفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ وفيه مسائل
المسألة الأولى نسخ الكتاب بالسنة وبالعكس
...
الفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ
قال الفصل الثاني في الناسخ والمنسوخ:
وفيه مسائل الأولى الأكثر على جواز نسخ الكتاب بالنسبة كنسخ الجلد في حق المحصن وبالعكس كنسخ القبلة وللشافعي رضي الله عنه قول بخلافها دليله في الأول قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} بأن السنة وحي ايضا وفيهما بقوله لتبين للناس وأجيب الأول بان النسخ بيان وعورض الثاني بقوله تبيانا.
المراد هنا بالناسخ والمنسوخ ما ينسخ وما ينسخ به من الأدلة اعلم انه يجوز نسخ الكتاب به والسنة المتواترة بها والآحاد بمثله وبالمتواتر وأما نسخ الكتاب بالسنة والسنة بالكتاب فالجمهور على جوازه ووقوعه وذهب ابن سريح كما نقل القاضي عنه في مختصر التقريب الى جائز ولكن لم يرد وذهب قوم الى امتناعها ونقل عن الشافعي رضي الله عنه وقد استنكر جماعة من العلماء ذلك من الشافعي حتى قال الكيا الهراسي هفوات الكبار على أقدارهم ومن عن خطأوه عظم قدره وقد كان عبد الجبار بن احمد كثيرا ما ينصر مذهب الشافعي في الأصول والفروع فلما وصل الى هذا الموضع قال هذا الرجل كبير لكن الحق اكبر منه قال والمغالون في حب الشافعي لما رأوا هذا القول لا يليق بعلو قدره كيف وهو الذي مهد هذا الفن ورتبه وأول من أخرجه قالوا لا بد وان يكون لهذا القول من هذا العظيم محمل فتعمقوا في محامل ذكروها وأورد الكيان بعضها واعلم انهم صعبوا أمرا سهلا وبالغوا في غير عظيم وهذا ان صح عن الشافعي
(2/247)

فهو غير منكر وان جبن جماعة من الأصحاب عن نصرة هذا المذهب فذلك لا يوجب ضعفه.
ولقد صنف شيخ الدنيا الشيخ الجليل أبو الطيب سهل بن الإمام الكبير المتفق على جلالته وعظمته وبلوغه في العلم المبلغ الذي يتضاءل عنده جماعة من المجتهدين أبي سهل الصعلوكي كتابا في نصرة هذا القول وكذلك الأستاذان الكبيران أبو اسحق الاسفرايني وتلميذه أبو منصور البغدادي وهما من أئمة الأصول والفقه وكانا من الناصرين لهذا الرأي قال القاضي في مختصر التقريب.
واختلف الذين منعوا نسخ القرآن بالسنة فمنهم من منعه عقلا ومنهم من قال يجوز سمعا وانما امتنع بأدلة السمع.
قال القاضي وهذا هو الظن بالشافعي مع علو مرتبته في هذا الفن ومنهم من نقل للشافعي في كل من نسخ الكتاب بالسنة وعكسه قولين وهو ما أورده في الكتاب والرافعي حكى في باب الهدية وجهين في نسخ السنة بالقرآن أو قولين التردد منه.
قال وينسب المنع الى اكثر الأصحاب فإن جرى الخلاف في نسخ السنة بالقرآن فليكن من العكس بطريق أولى.
وقال امام الحرمين قطع الشافعي جوابه بأن الكتاب لا ينسخ بالسنة وتردد في قوله في نسخ السنة بالكتاب قلت وهنا هو الذي قاله في الرسالة فانه قال في باب ابتدأ سمي الناسخ والمنسوخ ما نصه ولا ينسخ كتاب الله الا كتابه كما كان المبتدي بفرضه فهو المزيل المثبت لما شاء منه جل ثناؤه ولا يكون ذلك لأحد من خلقه انتهى.
ثم قال ما نصه وهكذا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسخها إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أحدث الله لرسوله في أمر سن فيه غير ما سن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لسن فيما حدث الله إليه حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها انتهى ومن صدر هذا الكلام أخذ من نقل عن الشافعي رحمه الله أن
(2/248)

النبي صلى الله عليه وسلم إذا سن سنة ثم انزل الله في كتابه ما ينسخ ذلك الحكم فلا بد ان يسن النبي صلى الله عليه وسلم سنة أخرى موافقة للكتاب تنسخ سنته الاولى لتقوم الحجة على الناس في كل حكم بالكتاب والسنة جميعا ولا تكون سنة منفردة تخالف الكتاب.
وقوله ولو احدث الله الى آخره صريح في ذلك قوله بعد ذلك ما نصه فان قال هل تنسخ السنة بالقرآن قيل له لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي صلى الله عليه وسلم سنة تبين ان سنته الاولى منسوخة لسنة الأخيره حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله انتهى.
وكذلك ما ذكره بعد ذلك في باب جمل الفرائض التي احكم الله فرضها بكتابه وبين كيف فرضها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فإنه قال لما تكلم على صلاة ذات الرقاع ما نصه.
وفي هذا دلالة على ما وصفت قبل في هذا الكتاب من ان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سن سنة فأحدث الله في تلك السنة نسخا أو مخرجا الى سنة منها سن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة تقوم الحجة على الناس بها حتى يكونوا إنما صاروا من سنته الى سنته التي بعدها انتهى.
فهذا هو معنى القول المنسوب الى الشافعي أعني انه لا بد ان يسن النبي صلى الله عليه وسلم سنة أخرى واكثر الأصوليين الذين تكلموا في ذلك لم يفهموا مراد الشافعي وليس مراده الا ما ذكرناه.
واستدل المصنف على كون السنة المتواترة تنسخ الكتاب بان النبي صلى الله عليه وسلم رجم المحصن مع شمول آية الجلد له وفيه نظر فإن هذا تخصيص والمصنف قد ذكره بعينه مثالا لتخصيص الكتاب بالسنة ثم إنه ثابت بالقرآن الذي نسخت تلاوته وهو الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما.
واستدل على أن الكتاب ينسخ السنة بأن التوجيه الى بيت المقدس كان ثابتا بالسنة ثم نسخ بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} 1 قوله
__________
1 سورة البقرة آية 144.
(2/249)

دليله في الاول أي دليل الشافعي في امتناع نسخ الكتاب بالسنة قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} وقد استدل بها الشافعي رحمه الله في الرسالة ويمكن تقرير وجه الدلالة منها بطريقين.
أحدهما: أنه تعالى اسند للأنبياء بالخبر أو المثل الى نفسه وانما يكون ذلك إذا كان الناسخ القرآن.
والثاني: أنه تعالى قال نأت بالخبر أو المثل والسنة ليست خيرا من الكتاب ولا مثله فدل على ان الإتيان إنما هو بالقرآن.
والجواب ان السنة منزلة إذ هي حاصلة بالوحي كقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} فالآتي بها هو الله واما الخبر أو المثل فالمراد بهما الأكثر ثوابا والمساوي ودليل الشافعي فيهما اي في نسخ الكتاب بالسنة وفي عكسه قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} 1 فإما نسخ الكتاب بالسنة فلأن الآية دلت على ان السنة تبين جميع القرآن بدليل قوله: {مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} فلو كانت ناسخة كانت رافعة لا مبينة.
وأما نسخ السنة بالكتاب فلأنها تدل على ان السنة تبين القرآن فلو كان القرآن ناسخا بالسنة لكان القرآن بيانا للسنة فيلزم كون كل واحد منهما بيانا للآخر أجيب عن الأول بأن النسخ لا ينافي البيان بل هو عينه بناء على بيان انتهاء الحكم وعن الثاني بقوله تعالى في صفة القرآن تبيانا لكل شيء فإنه يقتضي ان يكون الكتاب تبيانا للسنة كما في قوله لتبين يقتضي أن تكون السنة مبينة للكتاب فلما تعارض مقتضاهما لم يكن الاستدلال بواحد منهما ارجح من عكسه وفي الاستدلال بقوله لتبين على المقامين معا نظر آخر لأن البيان ان لم يكن مغايرا للنسخ لم يتجه الاستدلال به على امتناع نسخ الكتاب بالسنة وإن كان مغايرا لم يتجه ان يستدل به على العكس وأورد القرافي عل الشافعي بأن قوله تعالى: {مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} عام في الكتاب وفي السنة لأن السنة منزلة ايضا فقد يفهم ان الآية انه عليه السلام يبين القرآن والسنة بغيرهما وهو خلاف الإجماع.
__________
1 سةرة النحل آية 44.
(2/250)

فما تدل عليه الآية وقد يجاب عن هذا بأن الآية إنما تدل على أنه بينهما لا تعارض لها للمبين به ولعل المبين به منهما أو من احدهما على ان هذا كله خلاف ما يقتضيه ظاهر الآية وسياقها فان المفهوم منها ان التبيين هو التفهيم لا النسخ.
(2/251)

المسألة الثانية: لاينسخ المتواتر بالآحاد
...
نسخ المتواتر بالآحاد
قال لا ينسخ المتواتر بالآحاد لأن القاطع لا يدفع بالظن قيل لا أجد منسوخا بما روي انه عليه السلام نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع قلت لا أجد للحال فلا نسخ.
نسخ المتواتر بالآحاد جائز في النقل ونقل قوم الاتفاق على ذلك وليس بجيد فقد حكى القاضي في مختصر التقريب عن بعضهم انه ذهب الى منع ذلك عقلا وعبارة المصنف وهكذا ابن الحاجب توهم ان الخلاف فيه وعلى ذلك جرى الجار بردي في شرحه وهو صحيح لما حكاه القاضي الا انه ليس مقصود المصنف غير الجواز السمعي بدليل انه اختار انه لا ينسخ ولو نصب المسألة في الجواز العقلي لكان الظن به ان لا يختار ذلك وإذا عرفت وقوع الاختلاف في الجواز فاعلم ان الجماهير وان قالوا بالجواز الا انهم اختلفوا في الوقوع فذهب الأكثرون الى انه غير واقع وذهب جماعة من أهل الظاهر الى وقوعه وفصل القاضي في مختصر التقريب والغزالي بين زمان الرسول وما بعده فقالا بوقوعه في زمانه عليه السلام دون ما بعده.
ونقل القاضي اجماع الامة على منعه بعد الرسول صلى الله عليه وسلم قال وإنما اختلفوا في زمانه وكذا امام الحرمين قال اجمع العلماء على ان الثابت قطعا لا ينسخه مظنون ولم ينقرض لزمان الرسول صلى الله عليه وسلم.
واعلم ان المراد المتواتر في هذه المسألة القرآن والسنة المتواترة واستدل المصنف على المنع بأن المتواتر قطعي وخبر الواحد ظني والظني لا يعارض القطعي لأن ترجيح الأضعف على الأقوى غير جائز وهذا الدليل إنما يتمشى إذا كان
(2/251)

محل النزاع في الجواز العقلي كذا اعترض به الهندي ظنا منه وقوع الاتفاق على انه يجوز عقلا فإنه ممن نقل الاتفاق عليه.
وقد عرفت انه محل خلاف الا انا نقول قد قررنا ان المصنف إنما تكلم في الوقوع ودليله هذا يقتضي عدم الجواز وهو لا يقول به فيكون منقوضا ثم أنه ضعيف من اوجه أخر:
أحدها: ما ذكره القاضي في مختصر التقريب من انا نقول وجوب العمل بخبر الواحد مقطوع به فما يضرنا التردد في اصل الحديث مع انا نعلم قطعا وجوب العمل به فكان صاحب الشريعة قال إذا نقل من ظاهره العدالة فاقطعوا بأن حكم الله تعالى عليكم العمل بظاهره وصدق الناقل.
والثاني: انا لا نسلم ان المقطوع لا يدفع بالمظنون الا ترى ان انتفاء الأحكام قبل ورود الشرائع مقطوع به عندنا وثبوت الحظر أو الإباحة مقطوع به عند آخرين ثم إذا نقل خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أحادا يثبت العمل به ويرتفع ما نقرر قبل ورود الشرائع ذكره القاضي أيضا.
والثالث: أنا مهما جوزنا نسخ النص بخبر الواحد فلا نسلم مع ورود خبر الواحد كون النص مقطوعا به فإنا لو قلنا ذلك لزمنا ان نقطع بكذب الراوي وهذا ما لا سبيل إليه ذكره القاضي ايضا ومراده ان المقطوع به إنما هو اصل الحكم لا دوامه والنسخ لم يرد على اصل الحكم وانما قطع دوامه ومنهم من ضعف هذا الدليل بوجهين آخرين.
أحدهما: منع لزوم ترجيح الأضعف على الأقوى وسنده ان الكتاب والسنة المتواترة وان كان مقطوعي المتن لكنهما مظنونا الدلالة وخبر الواحد بالعكس لكونه خاصا فتعادلا بل خبر الواحد الخاص أقوى دلالة على مدلوله لأن تطرق الضعف إلى مدلول الخبر الواحد الخاص إنما هو احتمال الكذب والغلط وتطرق الضعف الى مدلول الكتاب العام إنما هو من جهة تخصيصه وارادة بعض مدلولاته دون بعض ومعلوم ان تطرق التخصيص الى العام اكثر من تطرق الكذب والغلط الى العدل المتحفظ وضعفه الشيخ صفي الدين الهندي بأنه ليس
(2/252)

من شرط المنسوخ من الكتاب والسنة المتواترة ان يكون عاما وناسخه من خبر الواحد خاصا حتى يتأتى ما ذكر بل قد يكون عامين أو خاصين والمنسوخ خاصا والناسخ عاما على رأي من يرى ان العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم.
وإذالم يتأت ما ذكر من المنع لزم ترجيح الأضعف على الأقوى فلم يجز النسخ في هذه الصور وإذا لم يجز في هذه الصور ولم يجز في تلك الصورة لعدم القائل بالفصل في ولا تعارض بمثله بان يقال إذا جاز النسخ في تلك الصورة لتساويهما جاز في هذه الصورة لعدم القائل بالفصل لأن إلحاق الفرد بالأكثر أولى ولأن تحقق المفسدة فى صور عديده اشد محذورا من تحققها في صوره واحدة.
وثانيهما: النقض يجوزان تخصيصهما به ولقائل ان يقول التخصيص أهون فلا يلزم من جوازه جواز النسخ وأيضا فالتخصيص لا يلزم منه ترجيح الأضعف على الأقوى لما ذكر من المعنى فلا يلزم النقض واستدل الخضم بقوله تعالى:
{قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} 1 الآية فإنه يقتضي حصر التحريم فيما ذكر في الآية وقد نسخ ذلك بما روت الأئمة الستة من نهيه صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع فقد نسخ الكتاب بعد هذا الخبر الظني وأجاب في الكتاب بأن الآية إنما دلت على الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجد في ذلك الوقت من المحرم الا الأربعة المذكورة في الآية ولذا قال أوحى بلفظ الماضي وبقي ما عداها على الأصل الحل ونهيه صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب وجد بعد ذلك فلا نسخ لأن الآية دلت الحال ولم تتعرض للاستقبال والحديث إنما دل على الاستقبال ولو قدر تناول الآية للاستقبال فالحديث مخصص لعموم ليس غير هذه الاربعة بمجرد وهو عموم المفهوم من حصر التحريم في الاربعة بناء على ان للمفهوم عموما وحينئذ فهو مخصص لا ناسخ.
__________
1 سورة الأنعام آية 145.
(2/253)

المسألة الثالثة: الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به
...
قال الثالثة الاجماع لا ينسخ لأن النص يتقدمه ولا ينعقد الاجماع ولا ينسخ به أما النص والإجماع فظاهران وأما القياس فلزواله بزوال شرطه.
(2/253)

هذه المسألة تشتمل على بحثين:
الأول: في ان الحكم الثابت بالاجماع لا ينسخ وان الحكم الثابت باجماع هذا هو رأي الجماهير اعني ان الاجماع لا ينسخ ولا ينسخ به وبه جزم في الكتاب ودليله انه لو انتسخ لكان انتساخه إما بالكتاب والسنة أو الاجماع أو القياس والكل باطل أما بطلانه بالأوليين فلأن نص الكتاب والسنة متقدم على الاجماع لأن جميع النصوص متلقاة من النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينعقد الاجماع في زمنه لأنهم ان اجمعوا دونه لم يصح وان كان معهم أو علم بهم وسكت فالعبرة بقوله أو تقريره واما بالاجماع فلاستحالة انعقاده على خلاف الاجماع للزوم خطا أحد الاجماعين والى هذا أشار بقوله ولا ينعقد الاجماع بخلافه واما القياس فلأن شرط صحته ان لا يخالف الاجماع فإذا قام القياس على خلاف الاجماع لم يكن معتبرا لزوال شرطه واما ان الاجماع لا ينسخ به فلأن المنسوخ به إما النص أو الاجماع او القياس والأولان باطلان لما عرفت وكذا القياس لزواله بزوال شرطه كما عرفت أيضا وأعلم أن ما ذكرناه من أن الإجماع لا ينعقد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هو ما ذكره الأصوليون على طبقاتهم القاضي في مختصر التقريب لمن بعده ولقائل ان يقول إذا كانت الأمة لا تجتمع على خطا انعقد الإجماع بقولها ولا سيما إذا جوزنا الاجتهاد في زمانه وهو الصحيح فلعلهم اجتهدوا في مسألة واجمعوا عليها ولم يعلم هو صلى الله عليه وسلم بهم والامام وان جرى هنا على ما ذكره الأصوليون من ان الاجماع لا ينعقد في زمانه صلى الله عليه وسلم فقد ذكر ما يناقضه بعد ذلك.
قال والقياس إنما ينسخ مقياس أجلي منه.
البحث الثاني: في نسخ القياس والنسخ به وقد اختلفوا في ذلك والذي ذهب إليه المصنفون ان القياس إنما ينسخ بقياس اجلي من القياس الأول وأظهر ويعرف قوة أحد القياسين بما سيأتي ان شاء الله في ترجيح الأقيسة وإنما حصر الذي ينسخ في القياس الأجلي دون غيره لأن غيره أما نص أو إجماع ويمتنع النسخ بهما لزوال شرطه حينئذ كما تقدم واما قياس مساو للأول ويمتنع الترجيح من غير مرجح واما قياس أخفى ويمتنع لتقديم المرجوح على الراجح فقد تحرر من كلام المصنف هذا ان القياس قد يكون منسوخا وقد يكون ناسخا لأن
(2/254)

في نسخ القياس بالقياس ذلك ومنهم من منع نسخه والنسخ به مطلقا ومنهم من جوز نسخه بسائر الأدلة ونسخ جميع الأدلة وقال الإمام نسخ القياس إما ان يكون في زمان حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته فإن كان حال حياته فلا يمتنع رفعه بالنص والإجماع والقياس أما بالنص فبأن ينص الرسول صلى الله عليه وسلم في الفرع على خلاف الحكم الذي يقتضيه القياس بعد استقرار التعبد بالقياس.
واما بالاجماع فلأنه ان اختلفت الامة على قولين قياسا ثم اجمعوا على أحد القولين رافعا لحكم القياس الذي اقتضى القول واما بالقياس فبأن ينص في صورة بخلاف ذلك الحكم ويجعله معللا بعلة موجودة في ذلك الفرع ويكون إمارة عليتها أقوى من امارة علية الوصف للحكم الأول في الأصل الأول ويكون كل ذلك بعد التعبد بالقياس الأول.
وأما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يجوز نسخه في المعنى وان كان ذلك لا يسمى نسخا في اللفظ أما بالنص إذا اجتهد إنسان في طلب النصوص ثم لم نظفر بشيء أصلا ثم اجتهد فخرج شيئا بالقياس ثم ظفر بعد ذلك بنص أو اجماع أو قياس أقوى من القياس الأول على خلافه فان قلنا كل مجتهد مصيب كان هذا الوجدان ناسخا لحكم الأول من القياس لكنه لا يسمى ناسخا لأن القياس إنما يكون معمولا به بشرط ان لا يعارضه شيء من ذلك وان قلنا المصيب واحد لم يكن القياس الأول معتدا به فلم يكن النص الذي وجده آخر ناسخا لذلك القياس واما ان يكون القياس ناسخا فهو أما ان ينسخ كتابا أو سنة أو اجماعا أو قياسا والأقسام الثلاثة الأول باطلة بالإجماع.
واما الرابع وهو كونه ناسخا لقياس آخر فقد تقدم الكلام فيه هذا كلام الإمام قال صاحب التحصيل ولقائل ان يقول في هذه الاقسام نظر فليتأمله الناظر وما ذكره صاحب التحصيل صحيح فان النظر من أوجه.
أحدها: قوله يجوز نسخ القياس حال حياة النبي صلى الله عليه وسلم بالاجماع يناقض قوله قبل ذلك أن الاجماع لا ينعقد في زمنه وأنه يمتنع نسخ القياس به أيضا.
والثاني: بناء ذلك على ان كل مجتهد مصيب غير سديد فان ذلك النص
(2/255)

الذي يطلع عليه المجتهد بعد ذلك لا بدوران يكون كان موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ضرورة ان النصوص لا تنشا بعده ولكنه كان قد خفى عليه فإذا بان له تبين إذ ذاك ان حكم القياس مرتفع من اصله وليس هو من النسخ في شيء لا في اللفظ ولا في المعنى سواء قيل كل مجتهد مصيب أم لم يقل بذلك.
والثالث: ان بناء ذلك على ان كل مجتهد مصيب ان صح لم يختص بما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
والرابع: أنه نقل الاجماع على بطلان الاقسام الثلاثة الأول وليس يجيد لما نقله جماعة من تجويز نسخ الكتاب بالسنة وبالقياس عن طائفة.
والخامس: في قوله ان قلنا المصيب واحد لم يكن القياس الأول متعبدا به قلنا لا نسلم فإن المصيب وان اتحد فقد انعقد الاجماع على انه يجب على كل مجتهد ان يعمل به ومن قلده بما اداه إليه اجتهاده من قياس أو غيره وإن كان قد اخطأ الحكم المقرر في نفس الأمل كما يقول فيمن اجتهد ثم اخطأ الكعبة يجب ان يصلي الى الجهة التي استقبلها وان كانت خطأ في نفس الأمر واعلم ان الإمام لم يخترع هذا التفصيل بل سبقه إليه أبو الحسين في المعتمد.
وقال الآمدي العلة الجامعة في القياس ان كانت منصوصة فهي في معنى النص ويمكن نسخه بنص أو قياس في معناه لو ذهب إليه ذاهب بعد النبي صلى الله عليه وسلم لعدم اطلاعه على ناسخه بعد البحث فانه وان وجب عليه اتباع ما ظنه فوقع حكمه في حقه بعد اطلاعه على الناسخ لا يكون نسخا متجددا بل يتبين انه كان منسوخا وان كانت مستنبطة فحكمها في حقه غير ثابت بالخطاب فرفعه في حقه عند الظفر بدليل يعارضه ويترجح عليه لا يكون نسخا لكونه ليس بخطاب لأن النسخ هو الخطاب.
أما النسخ بالقياس فاختار فيه انه يصح ان كانت العلة منصوصة وإلا فإن كان القياس قطعيا كقياس الامة على العبد في السراية فانه وان كان مقدما لكن ليس نسخا لكونه ليس بخطاب والنسخ عنده هو الخطاب وان كان ظنيا بان تكون العلة مستنبطة فلا يكون نسخا.
(2/256)

المسألة الرابعة: نسنخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى
...
قال الرابعة نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى وبالعكس لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم والفحوى يكون ناسخا.
فحوى الخطاب هو مفهوم الموافقة كما سبق واختلف في ان نسخ الأصل كتحريم التأفيف مثلا هل يستلزم نسخ الفحوى كتحريم الضرب وفي عكسه وهو ان نسخ الفحوى وهو تحريم تضرب هل يستلزم نسخ الأصل وهو تحريم التأفيف على مذاهب.
أحدها: ان نسخ كل منهما يستلزم نسخ الآخر واختاره صاحب الكتاب واستدل على ان نسخ الفحوى يستلزم بان الفحوى لازم للأصل ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم ولم يستدل على عكسه وسيأتي ان شاء الله تعالى.
والثاني: أنه لا يلزم من نسخ الآخر.
والثالث: ان نسخ الأصل يستلزم لأن الفحوى تابع له ولا يتصور بقاء التابع مع ارتفاع المتبوع ونسخ الفحوى لا يستلزم وجزم الإمام بنسخ الأصل يستلزم واما نسخ الفحوى هل يستلزم فنقله عن اختيار أبي الحسين وسكت عليه وقال الآمدي المختام ان تحريم الضرب فى محل السكوت ان جعلناه من باب القياس فنسخ الاصل يوجب نسخ الفرع لاستحالة بقاء الفرع دون اصله وان جعلناه ثابتا بدلالة اللفظ فلا شك ان دلالة اللفظ على تحريم التأفيف بجهة صريح اللفظ وعلى الضرب بجهة الفحوى وهما دلالتان مختلفتان غير ان دلالة الفحوى تابعة فيمكن حينئذ ان يقال لا يلزم من رفع إحدى الدلالتين رفع الأخرى.
فإن قلت الفحوى تابع فكيف يحتمل بقاؤه مع ارتفاع المتبوع قلت نسخ حكم المنطق ليس نسخا لدلالته بل نسخا لحكمه ودلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق على حكمه لا تابعة لحكمه ودلالته باقية بعد نسخ حكمه كما كانت قبل ذلك فما هو اصل لدلالة الفحوى غير مرتفع وما هو مرتفع ليس أصلا للفحوى قوله والفحوى تكون ناسخا قد ادعى الإمام والآمدي في ذلك الاتفاق وفيه نظر حجاجا ونقلا أما الحجاج فوقوع الاختلاف في أنه هل هو من باب القياس
(2/257)

وإذا كان من باب القياس وفي النسخ بالقياس ما تقدم من الخلاف فلا ينفك عن خلاف وأما النقل.
قال الشيخ أبو اسحاق الشيرازي في شرح اللمع ما ذكرناه إذ قال من أصحابنا من جعله بالقياس فعلى هذا لا يجوز النسخ به انتهى أي بناء على أنه لا يجوز النسخ بالقياس وذلك هو المختار عند الشيخ أبي اسحاق وكذلك القاضي كما نص عليه في مختصر التقريب وفاتنا ان نحكي ذلك فيما تقدم ولكن العهد به قريب.
واستدل الإمام على ان الفحوى ينسخ بأن دلالته ان كانت لفظية فظاهر وان كانت عقلية قال القرافي يعنى قياسية أي أدرك العقل الحكمة التي لأجلها ورد الحكم فالحق المسكوت بالمنطوق قياسا.
قال الإمام فهي يقينية فيقتضي النسخ لا محالة ولقائل ان يقول القياس ليس يقينيا لاحتمال غلطنا في ان ذلك الحكم في الأصل معلل وان العلة هي ما ذكرنا فلعل العلة غيرها ولعلها تقضي نفي ما يريد ثباته والمسالة خلافية بين العلماء ولا قاطع مع الخلاف والله أعلم.
وهذا تمام القول في مفهوم الموافقة واما مفهوم المخالفة فيجوز نسخه مع نسخ الأصل وبدونه وذلك واضح كقوله عليه السلام: "الماء من الماء" فإنه نسخ مفهومه بقوله عليه السلام: "إذا التقى الختانان" وبقي أصله وهو وجوب الغسل من الإنزال ذكره صفي الدين الهندي قال واما نسخ الأصل بدونه فأظهر الاحتمالين انه لا يجوز لأنه إنما يدل على العدم باعتبار ذلك القدر المذكور فإذا بطل تأثير ذلك القيد بطل ما يبنى عليه فعلى هذا نسخ الاصل نسخ للمفهوم وليس المعنى منه ان يرتفع العدم ويحصل الحكم الثبوتي بل المعنى منه ان يرتفع العدم الذي كان شرعيا ويرجع الى ما كان عليه من قبل.
قال الخامسة زيادة صلاة ليس بنسخ قبل تغير الوسط قلنا وكذا زيادة العبادة.
اتفق العلماء على أن زيادة عبادة من غير جنس ما سبق وجوبه كزيادة
(2/258)

وجوب الزكاة مثلا على الصلاة ليس بنسخ واختلفوا في ان زيادة صلاة على الصلوات الخمس هل يكون نسخا فذهب الجماهير الى أنه ليس بنسخ.
وقال بعض أهل العراق انه نسخ لأن زيادة هذه السادسة بغير الوسط أي أنها تجعل ما كان وسطا غير وسط فيكون ذلك نسخا للأمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى.
وأجاب بان هذا غير سديد إذ يلزم عليه ان تكون زيادة عبادة على آخر العبادات نسخا لأنه يجعل العبادة الأخيرة غير الآخرة فلو كان عدد كل الواجبات قبل الزيادة عشرة فبعد الزيادة لا يبقى ذلك فيكون نسخا واعلم ان هذا الجواب غير سديد لأن غير الصلاة من العبادات لم يرد فيه الامر فالمحافظة على الوسطى ليقال مثله فيها بل الحق عندي أنهم ان أرادوا بكونها تغير الوسط أنها تجعل المتوسط بين الشيئين غير وسط فذلك غير سديد لأن كون العبادة وسط أمر حقيقي ليس بشرعي والنسخ إنما يتطرق الى الحكم الشرعي وان أرادوا به ما ذكر من نسخ الامر بالمحافظة على الوسطى فنقول ان كانت الوسطى علما على صلاة بعينها أما الصبح أو العصر وليست فعلى من المتوسط بين الشيئين فما ذكرتموه ساقط إذ لا يلزم من زيادة صلاة ان يرتفع الامر بالمحافظة على تلك الصلاة الفاضلة لعدم منافاته له وان كانت الوسطى المتوسطة بين الصلوات فالقول حينئذ الذي يظهر ان الامر يختلف بما يزيد والحالة هذه فان زيدت واحدة فهي ترفع الوسط بالكلية ويتجه ما ذكروه اتجاها واضحا لأن الوسط حينئذ وان كان أمرا حقيقيا الا ان الشرع ورد عليه وقرره فيكون نسخا للحكم الشرعي وان زيدت ثنتين ونحوهما مما لا يرفع الوسط فلا نسخ إذ لم يرفع للوسط وانما خرجت الظهر مثلا عن ان يكون وسطا وكونها كانت الوسط إنما هو امر حقيقي اتفاقي لا يرد النسخ عليه والأمر بالمحافظة على الوسط شيء وراء ذلك وهو لم يزل بل هو باق.
قال: أما زيادة ركعة ونحوها فذلك عند الشافعي رضي الله عنه ونسخ عند ابي حنيفة رحمه الله وفرق قوم بين ما نفاه المفهوم وما لم ينفه والقاضي عبد الجبار بين ما ينفي اعتداد الاصل وبين ما لم ينفه وقال البصري إن نفي ما
(2/259)

ثبت شرعا كان نسخا وإلا فلا زيادة ركعة على ركعتين نسخ لاستعقابهما التشهد وزيادة التغريب على الحد ليس بنسخ.
مضى الكلام في زيادة العبادة المستقلة كزيادة ركعة أوركوع ففيه مذاهب:
أحدها: أنها ليست نسخا وهو مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه وقول ابي علي وأبي هاشم.
الثاني: أنها نسخ وهو قول الحنفية.
الثالث: التفصيل فقال قوم ان كانت الزيادة قد نفاها المفهوم فيكون نسخا وإلا فلا كما قال في سائمة الغنم زكاة ثم قال في المعلومة زكاة وقال القاضي عبد الجبار بن احمد إن كانت الزيادة قد غيرت المزيد عليه تغيرا شديدا حتى صار المزيد عليه لو فعل بعد الزيادة على ما كان يفعل قبلها لم يعتد به بل وجوده كعدمه ويجب استئنافه فانه يكون نسخا كزيادة ركعة على ركعتين وإن كان المزيد عليه لو فعل على نحو ما كان يفعل قبل الزيادة لصح لم تكن نسخا كزيادة التغريب على حد القاذف.
وقال أبو الحسين البصري ان كان الزائد رافعا لحكم ثابت 2بدليل شرعي كان نسخا سواء ثبت بالمنطوق أم بالمفهوم وان كان ثابتا بدليل عقلي كالبرآة الأصلية فلا وهذا هو الأحسن عند الإمام والمختار عند الآمدي وابن الحاجب قوله فزيادة أي فعل ما ذكره أبو الحسين زيادة ركعة على ركعتين يكون حينئذ نسخا لأنها رفعت حكما شرعيا وهو وجوب التشهد عقيب الركعتين وزيادة التغريب على الحد في حق الزاني لا يكون نسخا لأن عدم التقريب كان ثابتا بالبرآة الأصلية وكلام المصنف يوهم ان هذين المثالين من تتمة كلام أبو الحسين وليس كذلك فقد نقل عنه الآمدي في الفرع الثاني من فروع المسالة أن المثالين جميعا ليسا بنسخ.
أما الثاني فظاهر واما الأول فلأن التشهد ليس محله بعد الركعتين بخصوصهما بل آخر الصلاة وذلك غير مرتفع وقال بعضهم واختاره الغزالي إن
(2/260)

كانت الزيادة متصلة بالمزيد عليه اتصال اتحاد رافع للتعدد والانفصال كزيادة ركعتين على ركعتي الصبح فهو نسخ وان لم يكن كذلك كزيادة عشرين على حد القاذف فلا ولم يذكر في الكتاب هذا المذهب والله اعلم.
قال: خاتمة النسخ يعرف بالتاريخ فلو قال الراوي هذا سابق قبل بخلاف ما لو قال هذا منسوخ لجواز ان يقوله عن اجتهاد ولا يراه.
المقصود من هذه الخاتمة بيان الطرق التي بها يعرف الناسخ من المنسوخ وإنما ذكر ذلك آخر الباب وجعله خاتمة لنقله بجميع أنواع النسخ وجملة القول فيه ان النسخ يعرف إما بأن ينص عليه الشارع ولم يتعرض المصنف لهذا القسم لوضوحه وإما بالتاريخ بأن يعلم بطريق صحيح ان أحد الدليلين المتنافيين متأخر عن الآخر فيحكم بأنه ناسخ له فلو قال الراوي هذه الآية نزلت قبل تلك الآية أو في سنة كذا والأخرى في السنة التي بعدها وهذا الحديث سابق على ذلك الحديث أو كان في سنة كذا وكذا وهذا في السنة التي بعده قبل قوله في ذلك وان كان قبوله يقتضي نسخ المتواتر وذلك لأن النسخ حصل بطريق للتبع والشيء يغتفر إذا كان تابعا ولا يغتفر أصلا في مسائل كثيرة أصولية وفقهية كما ان الشفعة لا تثبت في الأشجار والأبنية بطريق الأصالة وتثبت تبعا للأرض إذا بيعت معها وكما إذا قطعت يد المحرم فانه لا فدية عليه للشعر الذي عليها والظفر لأنهما هنا تابعان غير مقصودين بالإبانة وعلى قياس هذا لو كشط جلدة الرأس فلا فدية ويشبه هذا بما لو كان تحته امرأتان صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة فإنه يبطل النكاح ويجب المهر ولو قتلتها لا يجب المهر لأن البضع تابع عند القتل غير مقصود ويلتحق به ايضا ما في الرافعي عن التتمة من انه لا يجوز توكيل المرأة في الاختيار في النكاح ان اسلم الكافر على اكثر من أربع نسوة لأن الفروج لا تستباح بقول النساء.
وفي الاختيار للفراق وجهان لأنه وان تضمن اختيار الأربع للنكاح فليس أصلا فيه بل تابعا فاغتفر وكذلك إذا أذن السيد للعبد في النكاح وأطلق فزاد على مهر المثل فإن الزيادة تجب في ذمته يتبع بها إذا عتق بلا خلاف ولا يقال هل الأخرى في ثبوت هذه الزيادة في ذمة العبد بغير إذن السيد خلاف كما
(2/261)

جرى في ضمان العبد بغير إذن السيد لأن الالتزام ها هنا جرى في ضمن عقد مأذون فيه.
وقد يمتنع الشيء مقصودا وان حصل في ضمن عقد لم يمتنع ونظيره يصح خلع العبد قولا واحدا ويمتنع من تمليك السيد بعقد الهبة على اصح الوجهين ومسائل هذا الفصل تخرج عن حد العد.
أما لو قال الراوي هذا منسوخ لم يقبل لجواز ان يقوله عن اجتهاد منه ولا يلزمنا ذلك الاجتهاد أو لا يقتضيه رأينا وقال الكرخي ان عين الراوي الناسخ كقوله هذا نسخ هذا فالأمر كذلك لجواز ان يقوله عن اجتهاد وان لم يعينه بل اقتصر على قوله هذا منسوخ قبل لأنه لولا ظهور النسخ فيه لما أطلق النسخ إطلاقا.
قال الإمام هذا ضعيف فلعله قاله لقوة ظنه في أول الامر كذلك وليس كذلك وبالله التوفيق والعون تم الجزء الأول ومن تجزئة المصنف فسح الله في مدته.
(2/262)

الكتاب الثاني في السنة
الباب الأول في أفعاله صلى الله عليه وسلم وفيه مسائل
المسألة الأولي في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
...
الكتاب الثاني في السنة
قال رحمه الله الكتاب الثاني في السنة وهي قول الرسول صلى الله عليه وسلم أو فعله قد سبق مباحث القول والكلام في الأفعال وطريق ثبوتها وذلك في بابين الباب الأول في أفعاله وفيه مسائل الاولى أن الأنبياء عليهم السلام معصومون لا يصدر عنهم ذنب الا الصغائر سهوا والتقرير مذكور في كتاب المصباح.
السنة في اللغة الطريقة والسيرة وفي الاصطلاح ما ترجح جانب وجوده على عدمه ترجيحا ليس معه المنع من النقيض وتطلق السنة على ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال التي ليست للإعجاز وهذا هو المراد هنا ويدخل في الأفعال التقرير لأنه كف عن الإنكار والكف فعل على المختار كما سبق فإذا أردنا تعريف السنة التي عقد لها هذا الكتاب قلنا هي الشيء الصادر عن محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم لا على وجه الإعجاز وقد سبقت مباحث القول بأقسامها والأمر والنهي والعام والخاص والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ وكلامنا الآن في الأفعال والباب الأول معقود لها وفي الطريق التي يتوصل بها الى ثبوت الأفعال والباب الثاني معقود لذلك وفي الباب الأول مسائل.
الأولى: في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واعلم ان الكلام في هذه المسألة محلة علم الكلام واختيار المصنف قد عرفته وهو رأي جماعات ويشترط عند من يقول بوقوع ذلك بطريق السهو ان يحصل الذكر والذي نختاره نحن وندين الله تعالى عليه انه لا يصدر عنهم ذنب لا صغير ولا كبير لا عمدا ولا سهوا وان الله تعالى نزه ذواتهم الشريفة عن صدور النقائص وهذا هو
(2/263)

اعتقاد الشيخ الإمام الوالد أيده الله وعليه جماعة منهم القاضي عياض بن محمد اليحصبي ونص على القول به الأستاذ أبو اسحاق في كتابه في أصول الفقه وزاد انه يمتنع عليهم النسيان ايضا واما دعوى الإمام في الكلام على الطرق الدالة على القطع بصحة الخبر مما عدا المتواتر في الكلام على خبر الرسول صلى الله عليه وسلم انه وقع الاتفاق على جواز السهو والنسيان فهي دعوى غير سديدة لما حكاه الأستاذ وذهب إليه والمصنف أحال الكلام في هذه المسالة على كتابه مصباح الأرواح.
(2/264)

المسألة الثانية: فعله المجرد يدل على الإباحة
...
قال الثانية: فعله المجرد على الإباحة عند مالك والندب عند الشافعي والوجوب عند ابن سريج وأبي سعيد الاصطخري وتوقف الصيرفي وهو المختار لاحتمالها واحتمال ان تكون من خصائصه.
فعل النبي صلى الله عليه وسلم على أقسام.
الأول: ان يدل آخر أو قرينة معه على انه لوجوب كقوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني اصلي" وقوله عليه السلام: "خذوا عني مناسككم" فان هذين الحديثين يدلان على وجوب اتباعه في أفعال الصلاة وأفعال الحج إلا ما خصه الدليل والقول في هذا القسم متضح فانه على حسب ما يقوم الدليل والقرينة عليه وفاقا.
الثاني: ما علم انه صلى الله عليه وسلم فعله بيانا لشيء نحو قطعه يد السارق من الكوع إذ فعله بيانا لقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} .
الثالث: ما عرف بالقرينة انه للإباحة كالأفعال الجلية نحو القيام والقعود والأكل والشرب وغير ذلك وأمره واضح الا أن التأسي مستحب وقد كان ابن عمر رضي الله عنه لما حج يجر خطام ناقته حتى يبركها في موضع بركت فيه ناقة النبي صلى الله عليه وسلم تبركا بآثاره الظاهرة ومواطن نعاله الشريفة.
والرابع: ما عرف أنه مخصوص به كالضحى والأضحى.
الخامس: ما عرف انه غير مخصوص به كأكثر التكاليف فهذه الاقسام
(2/264)

كلها ليس فيها شيء من الخلاف وأمرها واضح وكل هذه الاقسام خرجت بقول المصنف فعله المجرد فافهم ذلك.
السادس: ما تجري عن جميع ما ذكرناه الا ان قصد القربة ظاهر فيه فهذا ليس أيضا مجردا من كل وجه ولك ان تقول انه يخرج ايضا بقول المصنف المجرد وفي هذا القسم اختلاف لنا غرض في تأخير حكايته الى سابع الأحكام.
السابع: ما لم يظهر فيه قصد القربة بل كان مجردا مطلقا فهذا أمر دائر بين الوجوب والندب والإباحة لأن المحرم يمتنع صدوره عنه لما تقرر في مسألة عصمة الأنبياء والمكروه يندر وقوعه من أحاد عدول المسلمين فكيف من سيد المتقين وإمام المرسلين والذي نراه انه لا يصدر منه وانه من جملة ما عصم عنه وإذا دار الامر بين هذه الأمور فهل يدل على واحد منها مسألة الكتاب وفيها مذاهب.
أحدها: انه يدل على الإباحة وهو مذهب مالك وتابعه في ذلك جماعة من الأئمة وجزم به الآمدي.
والثاني: انه يدل على الندب وهو المنسوب الى الشافعي واختاره امام الحرمين وبه قالت طوائف من الأئمة ونقله القاضي أبو الطيب عن ابي بكر القفال وعن الصيرفي وسيأتي النقل عن الصيرفي بالوقف.
الثالث: أنه يدل على الوجوب وبه قال ابن سريج وأبو سعيد الاصطخري وابن خيران وابن أبي هريرة والحنابلة وكثير من المعتزلة ونقله القاضي في مختصر التقريب عن مالك قال القرافي وهو الذي نقله أئمة المالكية في كتبهم الأصولية والفروعية وفروع المذهب مبنية عليه ثم قال القاضي واختلف القائلون بالوجوب على طريقين فذهب بعضهم الى انا ندرك الوجوب بالعقل وذهب بعضهم إلى أنا ندركه بأدلة السمع.
الرابع: التوقف وعليه جمهور المحققين منا كالصيرفي والواقفية واختاره الغزالي والامام واتباعه منهم المصنف وصححه القاضي أبو الطيب في الكفاية عن اكثر الأصحاب وأبي بكر الدقاق وأبي القاسم بن كج وقالوا لا ندري أنه
(2/265)

للوجوب أو الندب أو للإباحة لاحتمال هذه الأمور كلها واحتمال ان يكون ايضا من خصائصه.
والخامس: انه على الخطر في حقنا حكاه الغزالي قال الآمدي وهو قول بعض من جوز على الأنبياء المعاصي قلت وليس مستندا لقائل بهذه المقالة تجويز المعاصي بل ما ذكره القاضي في مختصر التقريب فقال ذهب قوم الى انه يحرم اتباعه وهذا من هؤلاء الانباء على أصلهم في الأحكام قبل ورود الشرائع فانهم زعموا أنها على الخطر ولم يجعل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم علما في تثبت حكم فبقي الحكم على ما كان عليه في قضية العقل قبل ورود الشرائع انتهى وكذلك ذكر الغزالي وقال لقد صدق هذا القائل في قوله بقي على ما كان وأخطأ في قوله.
إن الأحكام قبل الشرع على الخطر لما قررناه في موضعه فان قلت فهل قصد القربة في الفعل قرينة الوجوب أو الندب حتى لا يتأتى فيه الخلاف المذكور قلت لا لتصريح بعضهم بجريان الخلاف في القسمين جميعا اعني ما ظهر فيه قصد القربة وما لم يظهر غير ان القول بالوجوب والندب يقوي في القسم الأول بالإباحة والتوقف يضعف فيه.
واما القسم الثاني فبالعكس منه فإن قلت فكيف يتجه جريان قول بالإباحة فيما يظهر فيه قصد القربة فإن القربة لا بجامع استواء الطرفين قلت النبي صلى الله عليه وسلم قد يقدم على ما هو مستوى الطرفين ليبين للامة جواز الاقدام عليه ويثاب صلى الله عليه وسلم بهذا القصد وهذا الفعل وان كان مستوى الطرفين فيظهر في المباح قصد القربة هذا الاعتبار ولا يتجه جريان القول بالإباحة الا بهذا التقريب على انا لم نر من المتقدمين من صرح بحكايته في هذا القسم أعني السادس وهو ما ظهر فيه قصد القربة نعم حكاه الآمدي ومن تلقاه منه ولا مساعد للآمدي على حكايته وأنا قد وقفت على كلام القاضي فمن بعده.
الثامن: ما دار الأمر فيه بين ان يكون جبليا ان يكون شرعيا وهذا القسم لم يذكره الأصوليون فهل يحمل على الجبلي لأن الاصل عدم التشريع أو على الشرعي لأنه صلى الله عليه وسلم تعث لبيان الشرعيات.
(2/266)


وهذا القسم قاعدة جليلة وهي مفتتح كتابنا الأشباه والنظائر وقد ذكرت في كتاب الأشباه والنظائر انه قد يخرج فيها قولان من القولين في تعارض الاصل والظاهر ان الاصل عدم التشريع والظاهر أنه شرعي لكونه مبعوثا لبيان الشرعيات.
ومن صور هذا القسم أنه صلى الله عليه وسلم دخل من ثنية كداء وخرج من ثنية كداء فهل كان ذلك لأنه صادف طريقة أو لأنه سنة فيه وجهان ومنها جلسة الاستراحة عندما حمل اللحم فقيل ذلك جبلي فلا يستحب وقيل شرعي ومنها انه صلى الله عليه وسلم طاف راكبا فهل يحمل على الجبلي فلا يستجيب أو على الشرعي ومنها حجه راكبا ومنها ذهابه في العيد في طريق وإيابه في آخر القاعدة مستوفاة في كتابنا الأشباه والنظائر كمله الله.
قال احتج القائل بالإباحة بأن فعله لا يكره ولا يحرم والأصل عدم الوجوب والندب فبقي الإباحة ورد بأن الغالب من فعله الوجوب أو الندب.
احتج القائل بالإباحة بأن فعله صلى الله عليه وسلم لا يكون حراما لما تقرر في مسألة العصمة ولا مكروها لما قدمناه من انه نادر بالنسبة الى آحاد العدول فكيف الى اشرف المرسلين وهذا عند من يجوز وقوع المكروه وقد قدمناه في ذلك في المكروه الذي لا يقصد بفعله بيان جوازه.
أما ما فعله ليبين انه جائز فقد يقال لم لا يقع الاقدام ويكون مستحبا أو واجبا بالنسبة إليه لما في أقدامه عليه من تبيين الجواز كما قدمناه والذي يظهر انه لا يقدم على فعله إذ في القول مندوحة عن الفعل وإذا انتفى المحرم والمكروه انحصر الامر في الواجب والمندوب والمباح والاصل عدم الوجوب والندب فلم يبق إلا الإباحة.
وأجاب بأن الغالب على فعله الوجوب والندب فيكون الحمل على احدهما أولى لأن إلحاق الفرد بالأعم الأغلب ارجح وأولى من إلحاقه بخلاف ذلك ولقائل ان يقول الوجوب والندب وان كانا غالبا الا انا لا نسلم انه يقاوم الاصل الذي اشرنا إليه بل الاصل أولى قال وبالندب بأن قوله تعالى: {لَقَدْ
(2/267)

كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} 1 يدل على الرجحان والاصل عدم الوجوب.
واحتج القائل بالندب بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} والاستدلال بهذه الآية يقرر على أربعة اوجه ثلاثة منها تدل على الندبية والرابع يدل على الوجوب.
الأول: التمسك بقوله لكم ووجهه انه قال عليكم وذلك يفيد انه مندوب إليه إذ المباح لا نفع فيه واللام للاختصاص بجهة النفع والظاهر من جهة الشرع اعتبار النفع الأخروي لا الدنيوي.
والثاني: هو ما أورده الإمام التمسك بقوله أسوة وتقريره ان التأسي لو كان واجبا لقال عليكم كما عرفت فلما قال لكم دل على عدم الوجوب ولما اثبت الأسوة دل على رجحان جانب الفعل على الترك فلم يكن مباحا.
الثالث: وهو ما أورده في الكتاب التمسك بقوله حسنة ووجهه ان قوله حسنة تدل على الرجحان والوجوب منتف بالأصل فتعين الندب ولم يجب عن هذا بل جمع بينه وبين دليل الإيجاب.
وأجاب عنهما بأن الأسوة والمتابعة من شرطهما العلم بصفة الفعل.
والرابع: الدال على الوجوب وتقريره أنه تعالى قال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} وهذا جار مجرى التهديد على ترك التأسي به لأن معنى الآية ان يرجو الله واليوم الآخر فله فيه الأسوة الحسنة ومن لا يرجو الله واليوم الآخر فليس له فيه الأسوة الحسنة فيكون وعيدا على ترك التأسي به أو نقول بعبارة أخرى انه جعل التأسي به لازما لرجاء الله واليوم الآخر فيلزم من عدم التأسي به عدم رجاء الله واليوم الآخر وهو محرم فكذلك ما يستلزمه والتأسي به في الفعل إنما هو بإتيان مثل فعله فيكون الإتيان بمثل فعله واجبا هذا تقرير الأوجه.
__________
1 سورة الأحزاب آية 21.
(2/268)

واعلم أن الذي يظهر في الآية أن الله تعالى جعل للمؤمنين في النبي صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وتلك الأسوة هي الاقتداء به وليست عامة في كل شيء إذ هي نكرة في سياق الاثبات فلا تقتضي العموم فلا يلزم دخول الفعل المجرد تحتها هذا من حيث اللفظ وسواء قرر على الوجه المقتضي للوجوب أم للندب والحق من الدلائل الخارجية والبراهين القاطعة ان الاقتداء به في كل شيء مشروع محبوب لأن الله تعالى جعله قدوة الخليقة ولكن الاقتداء به يستدعي العلم بصفة الفعل والفعل المجرد لم تعلم صفته فلا يدل وجوب الاقتداء ولا استحبابه عليه.
وأما تمسك الإمام بلفظ الأسوة ففيه نظر إذ المعنى ان لكم فيه قدوة وانه شرع الاقتداء به وذلك اعم من ان يكون على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة كما تقول زيد قدمه وليس المعنى انه يجب الاقتداء به ولا يستحب بل ما هو أعم من ذلك.
واما تمسك المصنف بقوله حسنة فقد أورد عليه ان الحسنة لا تدل على الرجحان لما تقرر في أوائل الكتاب من ان المباح حسن وهذا ايراد لائح في مباديء النظر الا ان الذهن يسابق في هذه الآية الى فهم الرجحان من قوله حسنة لا يكاد يتمارى فيه.
ولعل سبب ذلك انه قال لكم أسوة فأفاد ذلك مشروعية الاقتداء فلما قال حسنة بعد ذلك اقتضى زيادة على المشروعية وليست تلك الزيادة الا الرجحان كما تقول زيد إنسان فان هذا كلام مفيد يفهم اللبيب منه بقولك إنسان فوق ما يفهم من مدلول إنسان من حيث هو وهو انه حلو الخصال الإنسانية الشريفة ولو لم يفهم زيادة على مدلول الإنسان لم يعد الكلام مفيدا إذ كل زيد إنسان.
قال والوجوب بقوله تعالى: {فَاتَّبِعُوهُ} {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} وإجماع الصحابة على وجوب الغسل بالتقاء الختانين لقول عائشة رضي الله عنها فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا وأجيب بأن المتابعة هي الإتيان بمثل ما فعل على وجهه وما آتاكم معناه وما أمركم بدليل: {وَمَا نَهَاكُمْ} واستدلال الصحابة بقوله: "خذوا عنى مناسككم".
(2/269)

واحتج القائل بالوجوب بالنص والإجماع أما النصف ففي مواضع.
أحدها: قوله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ} 1 وظاهر الأمر الوجوب.
وثانيها: قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} دلت على أن محبة الله تعالى التي هي واجبة إجماعا مستلزما لمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم ولازم الواجب واجب فمتابعته واجبة.
وثالثها: قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} 2 فإذا فعل فقد أتانا بفعل فوجب علينا أن نأخذه وأما الإجماع فإن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في وجوب الغسل من التقاء الختانين فقالت عائشة رضي الله عنها: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فعلته انا ورسول الله صلى الله عليه وسلم: فاغتسلنا" رواه الإمام احمد والترمذي وقال حسن صحيح3 فرجعوا لقول عائشة واتفقوا على وجوب الغسل بالتقاء الختانين.
والجواب عن الدليلين الأولين بان المتابعة هي الإتيان بمثل فعله عل الوجه الذي اتى به من الندب أو غيره حتى لو فعله على جهة الوجوب ففعلناه على جهة الندب لم تحصل المتابعة.
وحينئذ فيلزم توقف الامر بالمتابعة على معرفة الجهة وإذا لم نعلم بها لم نؤمر بالمتابعة واعلم ان المتابعة والتأسي بمعنى واحد فلذلك جعل المصنف جواب المتابعة جوابا على التأسي الذي احتج به الذاهب إلى الندب كما عرفت.
وللمتابعة والتأسي شرط آخر مع ما ذكر وهو أن يقع الفعل لكونه فعل ومن هنا يغايران الموافقة فانه لا يشترط فيها ان تكون علة إياه كونه فعله وعن
__________
1 سورة الأعراف 158.
2 سورة الحشر آية 7.
3 كما رواه البخاري, كتاب الغسل باب التقاء الختانان وابن ماجة, كتاب الطهارة, باب ماجاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان ورواية أحمد ومسلم " إذا قعد بين شعبها الأربع ثم مس الختان الختان فقد وجب الغسل".
وانظر نيل الأوطار 1/160- 161.
(2/270)

الآية الثالثة: أن معنى قوله: آتاكم أمركم يدل على ذلك أنه قال في مقابلة: {وَمَا نَهَاكُمْ} وأما الإجماع على وجوب الغسل فليس لمجرد الفعل بل لأنه فعل في باب المناسك وقد كانوا مأمورين بأخذ المناسك عنه بقوله: "خذوا عنى مناسككم"
واللفظ وان ورد في الحج فهو عام في كل نسك أي كل عبادة قلت وفي الجواب نظر فان في الحديث بعد قوله خذوا عني مناسككم فإني لا ادري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه كذا رواه مسلم واحمد والنسائي وعامة من رواه ويتعين بهذا اللفظ حمله على أعمال الحج دون غيرها.
ويمكن ان يقال في الجواب عن الاجماع انهم لم يجمعوا بمجرد فعله عليه السلام بل لفعل عائشة رضي الله عنها معه فان بفعلها يتبين ان الحكم فيها فينا واحد بخلافه لاحتمال الخصوصية فيه ثم لقائل ان يقول هذا القسم مما ظهر فيه قصد القربة والمصنف إنما تكلم في المتجرد.
(2/271)

المسألة الثالثة: جهة فعله تعلم إما بتنصيصه أو تسويته بما علم من جهته
...
قال الثالثة جهة فعله أما بتنصيصه أو تسويته بما علم جهته وبما علم انه امتثال آية دلت على أحدها أو بيانها وخصوصا الوجوب بإمارته كالصلاة بأذان وإقامة وكونه موافقة نذر أو ممنوعا لو لم يجب كالركوعين في الخسوف والندب بقصد القربة مجردا وكونه قضاء لمندوب.
تقدم أن المتابعة مأمور بها وأن من شرطها العلم بجهة الفعل وهذه المسألة في بيان الطرق التي يعرف بها الجهة وقد عرفت ان فعله صلى الله عليه وسلم منحصر في الواجب والمندوب والمباح فالطريق حينئذ قد يعم هذه الأمور وقد يخص البعض منها فالعام أربعة.
أحدها: أن ينص على كونه من القسم الفلاني.
الثانية: أن يسويه بفعل علمت جهته كما إذا قال هذا الفعل مساو للفعل الفلاني وكان ذلك الفعل المساوي إليه معلوم الجهة.
والثالث: أن يقع امتثالا لآية دلت على أحد هذه الثلاثة.
والرابع: أن يقع بيانا لآية مجملة دلت على أحدها والى هذا القسم أشار بقول أو بيانها وهو مرفوع عطفا على قوله امتثال أي ويعلم جهة فعله بسبب أن
(2/271)

علم ذلك الفعل امتثال آية أو بيان قوله وخصوصا أي ويعلم خصوصا الوجوب بالعلامات الدالة عليه وذلك في أشياء.
أحدها: ان يقع صفة تقرر في الشريعة أنها امارة الوجوب كالصلاة بأذان وإقامة.
والثاني: أن يكون جزاء شرط كفعل ما وجب بالنذر بأن يقول مثلا لله على إن جرى الأمر الفلاني صوم غد ثم نرى جريان ذلك الامر وصومه في غد واعلم ان وقوع النذر من النبي صلى الله عليه وسلم غير متصور ان قلنا بكراهته وهو الذي حكاه الشيخ أبو علي السبخي عن نص الشافعي كما نقل ابن أبي الدم.
الثالث: أن يكون ممنوعا لو لم يجب كالإتيان بالركوعين في صلاة الخسوف والكسوف وكالختان ولقائل ان يقول هذا لا ينتقض بسجود السهو وسجود التلاوة فإنهما شيئان وممنوع منهما لولا المقتضى لهما ويعرف الوجوب ايضا بكون قضاء الواجب هذا قد ذكره المصنف في المندوب ومن العجب إخلاله به هنا ويعرف ايضا بالمداومة على الفعل مع عدم ما يدل على عدم الوجوب وهذا دليل ظاهر على الوجوب كأنه لو كان غير واجب لنص عليه دليلا أو لأدخل بتركه لئلا يوهم إيجاب ما ليس بواجب.
وقوله والندب أي ويختص معرفته الندب بشيئين.
أحدهما: قصد القربة مجردا عن امارة دالة على الوجوب فانه يدل على انه مندوب لأن الرجحان ثبت بقصد القربة والاصل عدم الوجوب وفي هذا ما تقدم من الخلاف.
والثاني: كون الفعل قضاء لمندوب وبعرف الوجوب والندب كلاهما بالدلالة على انه كان مخيرا بينه وبين فعل آخر نبت وجوبه لأن التخيير لا يقع بين الواجب وما ليس بواجب هذا أهمله المصنف.
(2/272)

المسألة الرابعة: الفعلان لا يتعارضان
...
قال الرابعة: الفعلان لا يتعارضان فإن عارض فعله الواجب اتباعه قولا متقدما نسخه وان عارض متأخرا عاما فبالعكس وان اختص بنا خصنا قبل الفعل ونسخ عنا بعده وان جعل التاريخ فالأخذ بالقول في حقنا لاستبداده.
(2/272)

التعارض بين الشيئين هو تقابلهما على وجه يمنع منهما مقتضى صاحبه والتعارض بين الفعلين غير متصور لأنهما وان تناقض حكمهما فيجوز ان يكون الفعل في ذلك واجبا وفي مثل ذلك الوقت بخلافه لأن الأفعال لا عموم لها ولو فرض مع الفعل الأول قول مقتض الوجوب تكراره فالفعل الثاني قد يكون ناسخا أو مخصصا لكن ذلك القول لا للفعل فالمتعارض بين الفعلين ممتنع بل أما ان يقع بين قولين أو قول وفعل ومحل الكلام في الأول كتاب التعادل والتراجيح.
وأما الثاني: فذكره هنا وله أحوال لأنه إما ان يكون القول متقدما أو متأخرا أو يجهل الحال.
قوله قولا متقدما هذا هو الحال الأول وجملة القول فيه انه عليه السلام إذا فعل فعلا وقام الدليل على وجوب اتباعه فيه فإنه يكون ناسخا للقول المتقدم عليه سواء كان ذلك القول عاما كقوله مثلا صوم يوم عاشوراء واجب علينا ثم انا نراه افطر فيه وأقام الدليل على اتباعه فيه أم كان خاصا به أم خاصا بنا.
قوله فإن عارض متأخرا هذا هو الحال الثاني فإذا كان القول متأخرا عن الفعل الذي دل الدليل على وجوب اتباعه فيه فإن لم يدل دليل على وجوب تكرر الفعل فلا تعارض وتركه المصنف لوضوحه وان دل على وجوب تكرره عليه وعلى أمته فالقول المتأخر إما ان يكون عاما يشمله يشمل أمته فيكون ناسخا للفعل المتقدم كما إذا صام عاشوراء وقام الدليل على وجوب اتباعه فيه وجوب تكرره ثم قال لا يجب علينا صومه هذا شرح قوله فإن عارض متأخرا عاما فبالعكس أي يكون الفعل منسوخا عكس حالته الأولى التي كان فيها ناسخا للقول.
وإما أن يكون خاصا به عليه السلام كقوله في المثال المذكور: "لا يجب علي صيامه" فلا تعارض بالنسبة إلى الأمة لعدم تعلق القول بهم فيستمر حكم الفعل الأول عليهم وينسخ في حقه صلوات الله وسلامه عليه وإما أن يكون خاصا بنا كقوله: "لا يجب عليكم صومه" فلا تعارض أيضا وحكمه صلى الله عليه وسلم مستمر.
(2/273)

وأما نحن فيرتفع عنا التكليف به ثم ان ورد ذلك قبل صدور الفعل منا كان مخصصا مبينا لعدم الوجوب وهذا يتجه ان يكون بناء على انه يجوز التخصيص في اللفظ العام الى ان يبقى واحد وان ورد بعد صدور الفعل كان ناسخا لفعلنا المتقدم ولا يكون تخصيصا لإستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة.
واعلم ان هذا التفصيل إنما يأتي إذا كانت دلالة الدليل الدال على وجوب اتباع الفعل ظاهرة كالإتيان بلفظ عام مثل هذا الفعل واجب على المكلفين ان قلنا المخاطب داخل في عموم خطابه أو علينا معاشر الناس واما إذا كانت قطعية فلا يمكن حمل القول المتأخر على التخصيص أصلا بل يتعين حمله على النسخ مطلقا ثم هذا كله فيما إذا كان الفعل المتقدم بما يجب علينا اتباعه كما عرفت واما ان لم يكن كذلك فلا تعارض بالنسبة إلينا لعدم تعلق الحكم بنا.
وأما بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم فإن الدليل على وجوب تكرر الفعل وكان القول المتأخر خاصا به أو متناولا له بطريق النص فيكون القول ناسخا للفعل وان كان بطريق الظهور فيكون الفعل السابق مخصصا لهذا العموم لأن المخصص عندنا لا يشترط تأخره عن العام.
ولم يذكر المصنف ذلك لظهور قوله فإن جهل هذا هو الحال الثالث وهو ان يكون المتأخر منهما اعني من القول والفعل مجهولا فان أمكن الجمع بينهما بالتخصيص أو غيره جمع لأن الجمع ما بين الدليلين ولو من وجه أولى من خلافه وان لم يكن الجمع بوجه ما وفيه تكلم المصنف ففيه مذاهب.
أحدها: ان الأخذ بالقول لأنه مستقل بالدلالة موضوع لها بخلاف الفعل فإنه لم يوضع لها وإن دل فإنما يدل بواسطة القول فيقلد القول لاستلزامه وهذا ما جزم به الإمام وأتباعه واختاره الآمدي.
والثاني: أنه يقدم الفعل لأنه أوضح الدلالة ألا ترى أنه يبين به القول كالصلاة والحج.
والثالث: الوقوف الى ظهور التاريخ لتساويهما في الدلالة واختار ابن الحاجب قولا رابعا من هذه الثلاثة وهو الوقف بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم والقول بالنسبة
(2/274)

ترجح القول فيعمل به في حقنا لا في حقه بشيء وهذا هو الذي اشعر به اختيار صاحب الكتاب لأنه قال فالأخذ بالقول في حقنا وسكت عن حقه صلى الله عليه وسلم.
(2/275)

المسألة الخامسة: إنه عليه السلام قبل النبوة تعبد بشرع وقيل لا
...
قال الخامسة: إنه عليه السلام قبل النبوة تعبد بشرع وقيل لا.
المسالة مشتملة على بحثين.
الأول: فيما كان صلى الله عليه وسلم عليه قبل ان يبعثه الله تعالى برسالته قال امام الحرمين وهذا ترجع فائدته الى ما يجري مجرى التواريخ وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب.
الأول: انه كان قبل النبوة متعبدا بشرع واختاره ابن الحاجب والمصنف وعلى هذا فقيل كان على شريعة آدم وقيل ابراهيم وقيل نوح وقيل موسى وقيل عيسى عليهم وعليه صلوات الله وسلامه وقال بعضهم ما ثبت انه تشرع من غير تخصيص.
والمذهب الثاني: أنه عليه السلام لم يكن قبل المبعث متعبدا بشيء قطعا.
قال القاضي في مختصر التقريب وهذا هو الذي صار إليه جماهير المتكلمين ثم اختلف القائلون بهذا المذهب فقالت المعتزلة بإحالة ذلك عقلا وذهب عصيبة أهل الحق الى انه لم يقع ولكنه غير ممتنع عقلا قال القاضي وهذا ما نرتضيه وننصره.
والمذهب الثالث: التوقف وبه قال امام الحرمين والغزالي والآمدي وهو المختار وقد اعتمد القاضي على ما ذهب إليه بأنه لو كان على ملة لاقتضى العرف ذكره لها لما بعثه نبيا ولتحدث بذلك أحد في زمانه وبعده وعارض امام الحرمين ذلك بأنه لو لم يكن على دين أصلا لنقل فإن ذلك أبدع وابعد عن المعتاد مما ذكره القاضي.
قال فقد تعارض الأمران والوجهان يقال كانت العادة انخرقت للرسول صلى الله عليه وسلم في أمور منها انصراف همم الناس عن أمر دينه والبحث عنه قال وبعدها الأكثر على المنع وقيل أمر بالاقتباس ويكذبه انتظار الوحي وعدم مراجعته ومراجعتنا.
(2/275)

قيل راجع في الرجم قلنا للإلزام واستدل بآيات أمر فيها فاقتفاء الأنبياء السالفة عليهم السلام قلنا في أصول الشريعة وكلياتها.
البحث الثاني في أنه صلى الله عليه وسلم هل تعبد بشرع بعد النبوة من قبله والكلام في ذلك مع من لم ينف التعبد قبل النبوة.
واما من نفاة قبل النبوة فقد نفاه بعده بطريق أولى.
وقد ذهب الاكثرون من المعتزلة وأصحابنا الى انه لم يكن متعبدا بشرع أصلا ثم افترقوا فقالت معتزلتهم ان التعبد بشرع من قبلنا غير جائز عقلا زاعمين ان ذلك لو قدر لأشعر بحطيطة ونقيصة في شرعنا ولتضمن ذلك ايضا إثبات الحاجة الى مراجعة من قبلنا وهذا حط من رتبة الشريعة.
وقال الآخرون إن العقل لا يحيل ذلك ولكنه ممنوع شرعا واختاره الإمام والآمدي.
وقال قوم من الفقهاء انه كان متعبدا أي مأمورا بالاقتباس من كتبهم كما أشار إليه المصنف.
وهذا هو اختيار ابن الحاجب وهو معنى قولهم إذا وجدنا حكما في شرع من قبلنا ولم يرد في شرعنا ناسخ له لزمنا التعلق به.
قال امام الحرمين وللشافعي ميل الى هذا وبنا عليه أصلا من أصوله في كتاب الأطعمة وتابعه معظم أصحابه.
قال في الكتاب ويكذب هذا المذهب أي يبطل ما ذهب إليه بعض الفقهاء انه صلى الله عليه وسلم كان ينتظر الوحي ولا يقتبس من كتبهم ولا يراجعها إذ لو فعل ذلك لاشتهر ويكذبه ايضا عدم مراجعتنا إذ لو كان متعبدا لوجب على علمائنا الرجوع الى كتبهم بأسبابه وهذا الوجه هو الذي اعتمد عليه القاضي رضي الله عنه وكذلك إمام الحرمين.
وقال هو المسلك القاطع فان الصحابة كانوا يترددون في الوقائع بين الكتاب والسنة والاجتهاد إذ لم يجدوا متعلقا فيهما وكانوا لا يبحثون على أحكام
(2/276)

الكتب المنزلة على من قبل نبينا صلى الله عليه وسلم وكذلك من بعدهم من التابعين وتابع التابعين لم يفتقروا قط في جزئية ولا كلية الى النصارى واليهود ولا التفتوا نحو التوراة والإنجيل بشفة ولا إيماء مع تقابل الإمارات وتزاحم المشكلات ولقد كانوا يجتزون بقياس الشبه وطرق التلويح والترجيع فكان ذلك اجماعا قاطعا وبرهانا واضحا على عدم الرجوع إلى ذلك.
إذ لو كانوا مخاطبين بشرائع من قبلنا لبحث علماؤنا عنها كما بحثوا عن مصادر الشريعة ومواردها.
قال القاضي فإن قال الخصوم بأن ذلك امتنع عليهم من جهة ان أهل الأديان السالفة حرفوا وبدلوا ولم يبق من نقلة كتبهم من يوثق به حتى قال أهل التواريخ لم يبق من يقوم بالتوراة بعد عزير ولا الإنجيل بعد برخيا قيل لهم الجمع بين هذا السؤال والمصير الى الأخذ بشرع من قبلنا تصريح بالتناقض لأن سياقه بحر الى انه لا يجب تتبع الشرائع المتقدمة لمكان التباسها واندراسها وصيرورة التكليف بها تكليفا بالمستحيل لعدم التمكن من الوصول إليه فكأنكم وافقتم المذهب وخالفتم العلة وإيضا فلو كان لنا تعلق في شرع من قبلنا لنبهنا الشرع على مواقع اللبس حتى لا يتعطل علينا مراجعة الأحكام.
وأيضا فأنا نقول من أحكام الأوائل ما نقل إلينا نقلا يقع به العلم فهل اخذ أهل الاعصار به وإيضا فان من أهل الكتاب من اسلم وحسن إسلامه وبلغ من الأمانة والثقة أعلى الرتبة كعبد الله بن سلام وكعب الاحبار فهلا رجع للصحابة الى قولهما في الاخبار عما لم يبدل من التوارة واعتذر القرافي عن هذا الجواب الأخير بأن الذين اسلموا من الاخبار وان كانوا عدولا عظماء في الدين غير أنهم ليس لهم رواية بالتوراة ولا سند متصل وليس الا انهم وجدوا آباءهم يقرؤون هذا الكتاب والجميع في ذلك الوقت كفار فلا رواية.
ولو وقعت كانت عن الكفار والرواية عن الكفار لا تصح ومن اطلع على أهل الكتاب في شرائعهم ومطالعة أحوالهم حصل على جزم بذلك.
واعترض الخصم بأنه صلى الله عليه وسلم رجع الى التوراة في قصة الرجم ففي الصحيحين
(2/277)

من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال ان اليهود جاؤوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ان إمرأه منهم ورجلا زنيا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "اتجدون في التوارة في شأن الرجم" قالوا نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام كذبتم فيها آية الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرا ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام إرفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقال صدق يا محمد فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرجما الحديث وهذا اعتراض ضعيف لأن الرجوع إليها إنما كان لإلزام اليهود حيث أنكروا ان وجد وجوب الرجم في التوراة فأقيمت الحجة عليهم بوجود ذلك فيما بين أيديهم وان الحكم فيه موافق لشريعتنا ووضح بهتهم وعنادهم ولم يكن ذلك رجوعا من النبي صلى الله عليه وسلم الى التوراة بل يتعين اعتقاد ان ذلك كان بوحي إليه لتعذر الوصول الى ما في التوراة لعدم اتصال السند عن الثقاة كما ذكره القرافي.
واحتج الخصم بآيات من الكتاب العزيز يدل على انه صلى الله عليه وسلم كان مأمورا باقتفاء الأنبياء السالفة عليهم السلام كقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} 1 وقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} 2 وقوله: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} 3 وقوله: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ} 4 وقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ} 5 وهو عليه السلام سيد النبيين والجواب ان المراد بذلك إنما هو وجوب المتابعة في الأشياء التي لم تختلف باختلاف الشرائع وتلك أصول الديانات وكلياتها كقواعد العقائد المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته والقواعد العملية المشتركة بين جميع الشرائع لحفظ العقول والنفوس والأموال والأنساب والأغراض فان قلت ألستم تقولون ان هذه الكليات لا تجب عقلا وانما تجب سمعا وإذا ثبت وجوب الاتباع فهو المقصد قلت أجاب القاضي في مختصر التقريب بانا نقول انه تعالى ما أوجب إن نبيه التوحيد الا ابتداء ثم نبه على انه كلفه بمثل ما كلف من قبله قال القاضي رضي الله عنه وأقوى ما يتمسك به في إبطال استدلالهم
__________
1 سورة الشورى آية 13.
2 سورة الأنعام آية 90.
3 سورة البقرة آية 130.
4 سورة النحل آية 124.
5 سورة المائدة آية 44.
(2/278)

أنه صلى الله عليه وسلم ما بحث عن دين واحد من الأنبياء المغيبين قط لا نوح ولا ابراهيم ولا غيرهما ولو كان مأمورا باتباع شريعة لبحث عنها فوضح انه ليس المعنى بأنه شرع لنا من الدين ما وصى به نوحا وأمثال ذلك الا النهي عن الإشراك وما تابعه من الكليات.
وأما قوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} فالمراد به افعل مثل فعلهم واعتقد في التوحيد مثل ما اعتقدوه.
قال القاضي ويدل عليه انه جمع الأنبياء عليهم السلام في هذه الجملة ونحن نعلم انهم لا يجتمعون قضية الشريعة والذي اجتمعوا عليه هو التوحيد ومعرفة الله تعالى وأمثال ذلك فان قلت لئن استقام لكم ذلك في الآية المنطوية عل تخصيص ابراهيم عليه السلام بالاتباع قلت أجاب القاضي بأنه كما خص إبراهيم خصص نوحا.
ونحن نعلم اختلاف ملتيهما واستحالة الجمع بينهما جملة فدل ذلك على أنه لم يرد اتباع الشريعة وانما خصص من خصص بالذكر تكريما له وتعظيما قال وهذا كقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} 1 مع اندراجهما في اسم النبيين ونظائر ذلك يكثر في الكتاب العزيز فروع.
الأول: ان قلنا ان شرع من قبلنا شرع لنا فالاختلاف السابق في البحث الأول انه هل هو شرع آدم أو نوح أو ابراهيم أو موسى أو عيسى عليهم السلام جل ههنا بعينا.
والثاني: إذا وجدنا حيوانا لا يمكن معرفة حكمه من كتاب ولا سنة ولا استطابة ولا استحباب ولا غير ذلك مما قرره علماء شريعتنا من المأخذ وثبت تحريمه في شرع من قبلنا فهل يستجب تحريمه فيه قولان الأظهر انا لا نستصحب وهو قضية كلام عامة الأصحاب فان استصحبناه فشرطه ان يثبت تحريمه في
__________
1 سورة الأحزاب آية 7.
(2/279)

شرعهم بالكتاب أو السنة ويشهد به عدلان اسلما منهم يعرفان المبدل من غيره كذا ذكره أصحابنا ويخدشه ما سلف عن القرافي.
والثالث: ختلف الفقهاء في ان الاسلام هل هو شرط في الإحصان أم لا ومذهبنا انه ليس بشرط فإذا حكم الحاكم على الذمي المحصن رجمه ومذهب أبي حنيفة ان الاسلام شرط في الإحصان واستدل أصحابنا بحديث رجم اليهوديين المتقدم واعتذر الحنفية عنه رجمهما بحكم التوراة وهذا ضعيف يظهر بما تقدم.
فائدة الشرائع المتقدمة ثلاثة أقسام:
الأول: تعلمه لا من كتبهم ونقل أخبارهم الكفار ولا خلاف أن التكليف به علينا.
والثاني: ما انعقد الاجماع على التكليف به وهو ما علمناه بشرعنا انه كان شرعا لهم وامرنا في شرعنا بمثاله كقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} وقد قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} وقام دليل الشرع على القصاص.
الثالث: ما ثبت انه من شرعهم بطريق صحيح نقبله ولم نؤمن به في شريعتنا فهذا هو موضوع الخلاف فاضبط ذلك وبالله التوفيق.
(2/280)

الباب الثاني في الأخبار
الفصل الأول فيما علم صدقه
...
الباب الثاني في الأخبار
قال الباب الثاني في الاخبار وفيه فصول:
الأول: فيما علم صدقه وهو سبعة.
الأول: ما علم وجود مخبره بالضرورة أو الاستدلال.
والثاني: خبر الله تعالى وإلا لكنا في بعض الأوقات اكمل منه تعالى ونزه.
الثالث: خبر الرسول صلى الله عليه وسلم والمعتمد دعواه الصدق وظهور المعجزة على وفقه.
الرابع: خبر كل الامة لان الاجماع حجة.
الخامس: خبر جمع عظيم عن أحوالهم.
السادس: الخبر المحفوف بالقرائن.
الخبر قسم من أقسام الكلام والقول في انه حقيقة في اللساني أو النفساني أو مشترك على الخلاف السابق وقد يستعمل الخبر في غير القول كقوله:
تخبرني العينات ما القلب كاتم لكنه مجاز لعدم تبادره الى الذهن.
وقد سبق الكلام على حد الخبر في باب تقسيم الالفاظ واعلم ان الخبر وان كان من حيث هو يحتمل الصدق والكذب لكنه قد يقطع بصدقه أو بكذبه لأمور خارجة أو لا يقطع بواحد منهما لفقدان ما يوجب القطع وحينئذ فقد يظن الصدق وقد يظن الكذب وقد يستوي الأمران والمصنف تكلم في فصول فيما
(2/281)

يقطع بصدقه والثاني فيما يقطع بكذبه والثالث فيما يظن بصدقه واقتصر على هذه الفصول وقد علمت مما ذكرناه ان الخبر منحصر في الصدق والكذب لأنه إما مطابق للواقع وهو الصدق أو لا وهو الكذب وجعل الجاحظ بينهما واسطة فقال الصادق وهو المطابق للواقع مع اعتقاد كونه مطابقا والكاذب غير المطابق مع اعتقاد كونه غير مطابق قال وأما الذي لا اعتقاد يصحبه فليس بصدق ولا كذب سواء طابق الواقع أم لا يطابق وهذا قول مزيف عند الجماهير.
الفصل الأول: فيما يقطع بصدقه وهو سبعة أقسام:
الأول: الخبر الذي علم وجود مخبره أي المخبر به وهو بفتح الباء وحصول العلم به قد يكون بالضرورة كقولنا الواحد نصف الاثنين وقد يكون بالاستدلال كقولنا العالم حادث.
الثاني: خبر الله تعالى لأنه لو جاز الكذب عليه لكنا في بعض الأوقات وهو وقت صدقنا وكذبه اكمل منه من جهة الصدق والكذب ان الصدق صفة كمال والكذب صفة نقص وتنزه الله تعالى وتبارك عن ذلك علوا كبيرا.
والثالث: خبر الرسول في الدليل على إفادته العلم انه ادعى الصدق وظهرت المعجزات على في فقه وذلك داليل صدقه لامتناع ظهور المعجزة على يد الكافر وإذا ثبتت نبوته فكل ما يخبر به صحيح قطعا لامتناع الكذب على الأنبياء أما إن فيما كان يتعلق بالتبليغ والتشريع فبإجماع الأمة واما إذا لم يكن متعلقا بالتبليغ فلأنه معصية عندنا وكل معصية من صغيرة أو كبيرة فهي ممتنعة على الأنبياء عليهم السلام.
والرابع: خبر كل الأمة لأن الاجماع حجة كما سيأتي ان شاء الله تعالى وهذا إنما يتم عند من يقول ان الاجماع قطعي واما من يقول انه ظني فهو ينازع في إفادته العلم.
الخامس: خبر العدد والجم الغفير عن الصفات القائمة بقلوبهم من الشهوة والنفرة والجوع والعطش كقول زيد انا جائع وعمرو انا ظاميء وخالد أنا
(2/282)

شاكر وبكر انا داع وهلم جرا فانا نقطع بأنه لا بد فيه من الصدق وانه ليس كذبا ولكنا نجهل الصحيح منه كما انا لا نشك في ان بعض المروي عنه صلى الله عليه وسلم صدق وان جهل عينه ولا يتوهمن المتوهم ان هذا هو التواتر الآتي ان شاء الله تعالى في آخر الفصل.
وذلك لأن الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب إذا اخبروا فتارة يتفقون في اللفظ وهو المتواتر وتارة يختلفون في اللفظ والمعنى مع وجود معنى كان فيما اخبروا به وقع عليه اتفاق كما إذا اخبر واحد عن حاتم انه اعطى دينارا وآخر انه اعطى جملا وآخر فرسا وهلم جرا فان المخبرين وان اختلفوا في اللفظ والمعنى فقد اتفقوا على معنى كلي وهو الاعطاء.
وهذا هو التواتر المعنوي وتارة تتغاير الالفاظ والمعاني ولا يقع الاتفاق على معنى كلي ولا جزئي بل كل أحد يخبر عن شان نفسه بخبر يغاير ما اخبر به الآخر وهم جمع عظيم تقتضي العادة بأنه لا بد فيهم من صادق في مقاله وهذا هو القسم الذي يتكلم فيه.
فالثابت في المتواتر ذلك الشيء اخبر به أهل المتواتر وفي المعنوي القدر المشترك وهو كل أمر وقع الاتفاق عليه ضمنا وفي هذا القسم أمر جزئي لم يتفقوا عليه.
السادس: الخبر المحفوف بالقرائن ذهب النظام وإمام الحرمين والغزالي والامام واتباعه منهم المصنف والآمدي وابن الحاجب انه يفيد العلم وهو المختار وذهب الباقون الى انه لا يفيد.
واحتج الأولون بان الإنسان إذا سمع ان السلطان غضب على وزيره وأهانه ثم رأى الوزير خارجا من باب داره على وجهه الذلة والانكسار والخوف باد على أعطافه والوجل يلوح من حركاته وسكناته وحواليه الأعوان كالمرسمين عليه وكلامهم له كلام النظير بعد ان كانوا خدما بين يديه وهم ذاهبون به نحو حبس السلطان وعدوه يتصرف فيما كان يتصرف فيه فإنه يقطع بصدق ما سمعه لا يداخله في ذلك شك ولا ريب.
(2/283)

بل لو ظهر مع هذه القرائن شكا لعد أحمق ورشقته سهام الملام وكذلك إذا وجدنا رجلا مرموقا عظيم الشان معروفا بالمحافظة على رعاية المروءات خاسرا رأسه شاقا جيبه حافيا وهو يصيح بالويل والثبور ويذكر أنه أصيب بولد أو والده وشهدت الجنازة ورؤى الغسال مشمرا يدخل ويخرج فهذه القرائن وأمثالها تفيد العلم بصدق المخبر وإن كان واحدا.
واعلم ان هذه العلوم الحاصلة على حكم العادات وجدناها مترتبة على قرائن الأحوال وهي لا تنضبط انضباط المحدودات بحدودها.
وقد قلنا انه لا سبيل إلى جحدها إذا وقعت وهذا كالعلم يخجل الخجل ووجل الوجل وبسط الثمل وغضب الغضبان ونحوها مما لا يعد ولا يحصى.
واذا ثبتت هذه القرائن ترتبت عليها بديهية لا يأباها لا جاحد ولو رام امرؤ العلم بضبط القرائن ووضعها بما يميزها عن غيرها لم يجد الى ذلك سبيلا وكأنها تدق عن العبارات وتأبى عن من يحاول ضبطها بها.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه من شاهد رضيعا قد ألقم ثديا من موضع وراى فيه آثار الامتصاص وحركات الغلصمة وجرجرة المتجرع لم يسترب في وصول اللبن الى جوف الصبي وحل له ان يشهد له شهادة بأنه بالرضاع ولو انه لم يثبت شهادته في بيان الرضاع ولكنه شهد على ما رأى من القرائن في وصفها واستعان بالواصفين معرفين فبلغ ذكر القرائن مجلس القضاء لم يثبت الرضاع بذلك.
وذلك ان ما سمعه القاضي وصفا لا يبلغ مبلغ العيان والذي يقضي بالمعاين الى درك اليقين يدق مدركه عن عبارة الواصفين.
قال امام الحرمين ولو قيل لا زكى خلق الله قريحة وأحدهم ذهنا أفضل بين حمرة وجه الغضبان وبين حمرة المرعوب لم تساعده عبارة في محاولة الفصل فان القرائن لا تبلغها غايات العبارات.
وبهذا يتمهد ما قلناه من أن حصول العلم بصدق المخبر لن يتوقف على حد محدود ولا عدد معدود والله اعلم.
(2/284)

قال السابع المتواتر وهو خبر بلغت رواته في الكثرة مبلغا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب وفيه مسائل الاولى انه يفيد العلم مطلقا خلافا للسمنية وقيل يفيد عن الموجود لا عن الماضي لنا انا نعلم بالضرورة وجود البلاد النائية.
والأشخاص الماضية وقيل نجد التفاوت بينه وبين قولنا الواحد نصف الاثنين قلنا للاستئناس.
التواتر لغة هو التتابع وتواتر مجيء القوم أي جاؤوا واحدا بعد واحد بفترة بينهما ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا} 1 أي واحدا بعد واحد بفترة بينهما وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف وفي الفصل مسائل أحدها أكثر العقلاء على انه إذا تواتر الخبر أفاد العلم اليقين سواء كان خبرا عن أمور موجودة في زماننا كالإخبار عن البلدان البعيدة أو عن أمور ماضية كالأخبار عن وجود الأنبياء عليهم السلام وغيرهم في القرون الماضية.
وقال السمنية بضم السين المهملة وفتح الميم المشددة بعدها نون ثم باء آخر الحروف وهم قوم من عبدة الأوثان أنه لا يفيد العلم.
قال القاضي في مختصر التقريب وهؤلاء قوم من الأوائل ولا فرق عندهم بين المتواتر والمستفيض والآحاد.
وفصل قوم فقالوا ان كان خبرا عن موجود أفاد العلم وان كان عن ماض فلا يفيده لنا أنا بالضرورة نعالم وجود البلاد النائية كنيسابور وخوارزم والأشخاص الماضية كالشافعي وأبي حنيفة ونجزم بذلك جزما يجري مجرى جزمنا بالمشاهدات فيكون المنكر لها كالمنكر للمشاهدات ومن انكر ذلك فقط سقطت مكالمته ووضحت مجاحدته.
قال القاضي فان قالوا المحسوسات لما كانت معلومة ضرورية لم نجحدها وانما جحدنا ما تواترت عنه الاخبار قلنا وقد جحد المحسوسات السفسطائية وزعموا ان كل ما يسمى محسوسا فلا حقيقة له وانما رؤيتنا له تخييل كحكم النائم.
فان قيل هذا المذهب يؤثر عنهم ولم تر طائفة منهم تقوم بهم حجة.
__________
1 سورة المؤمنون آية 144.
(2/285)

قال القاضي فيقول كذلك لانزال ننقل مذهب السمنية ولم نر حزبا وفئة يكثر بهم.
واعترض الخصم بأنا نجد التفاوت بين خبر التواتر وغيره من المحسوسات والبديهات كقولنا الواحد نصف الاثنين وقيام التفاوت دليل احتمال يخرج عن كونه يقينيا.
والجواب ان سبب التفاوت الحاصل كثرة استعمال بعض القضايا وتصور طرفها بخلاف غيرها فلهذا يستأنس العقل ببعضها دون بعض وهذا الجواب مبنى على ان العلوم لا تتفاوت والذي اختاره كثيرون خلافه.
قال الثانية إذا تواتر الخبر أفاد العلم ولا حاجة الى نظر خلافا لامام الحرمين والحجة والكعبي والبصري وتوقف المرتضى أما لو كان نظريا لم يحصل لمن لا يتأتى له كالبله والصبيان قيل يتوقف على العلم بامتناع تواطئهم على الكذب وان لا داعي لهم الى الكذب قلنا حاصل بقوة قريبة من الفعل فلا حاجة الى نظر.
الجمهور على انه إذا تواتر الخبر أفاد العلم ولا حاجة معه الى كسب وهو رأي الإمام واتباعه منهم المصنف واختاره ابن الحاجب وذهب أبو القاسم الكعبي من المعتزلة.
وقال الشيخ أبو اسحاق الشيرازي هنا أنه البلخي وكناه أبا مسلم الى انه كسبي ووافقه ابو بكر الدقاق وأبو الحسين ونقله المصنف تبعا للإمام عن حجة الاسلام الغزالي وفيه نظر فالذي نص عليه في المستصفى ان تحقيق القول فيه انه ضروري بمعنى انه لا يحتاج في حصوله الى الشعور بتوسط واسطة مفضية إليه مع ان الواسطة حاضرة في الذهن وليس ضروريا بمعنى انه حاصل من غير واسطة كقولنا القديم لا يكون محدثا والموجود لا يكون معدوما فانه لا بد فيه من حصول مقدمتين في النفس عدم اجتماع هذا الجمع على الكذب واتفاقهم على الاخبار عن هذه الواقعة وهذا الذي ذكره الغزالي هو الحق وهو الذي اختاره الإمام واتباعه.
(2/286)

أما امام الحرمين فقد نقل المصنف عنه ايضا انه نظري وهو صرح في البرهان بموافقة الكعبي كما نقل المصنف لكنه نزل مذهب الكعبي على محمل يقارب ما ذكره الغزالي وهذه عبارته.
ذهب الكعبي الى ان العلم بصدق المخبرين تواترا نظري وقد كثرت المطاعن عليه من أصحابه ومن عصبة الحق والذي أراه تنزيل مذهبه عند كثرة المخبرين على النظر في ثبوت اياه جامعة وانتفائها فلم يعن الرجل نظرا عقليا وفكر اسبريا على مقدمات ونتائج فليس ما ذكره الا الحق انتهى.
وإذا اتحد رأي امام الحرمين والغزالي وكان هوى رأي الإمام والجمهور ونزل مذهب الكعبي عليه كما صنع امام الحرمين لم يكن بينهم اختلاف وهذا التنزيل هو الذي ينبغي ان يكون ولا يجعل المسائلة نزاع وتوقف الشريف المرتضى والآمدي واحتج الجمهور بأنه لو كان نظريا لما حصل لمن ليس هو من أهل النظر كالبله والصبيان قال الإمام ولما حصل علمنا انه ليس بنظري وفي الدليلين نظر.
أما الأول فقال النقشواني نمنع حصول العلم بالمتواتر للصبيان حال طفوليتهم وعدم حصول النظر والتمييز لهم حال كونهم مراهقين قال وكذلك نقول في البلة باعتبار الحالتين.
واما الثاني فلأنه يلزم من كونه ضروري العلم بإنه ضروري ضرورة إذ العلم بالشيء لا يستلزم العلم بصفته واحتج القائل بأنه نظري بان العام بمقتضاه متوقف على العلم بامتناع تواطؤ المخبرين عن الكذب عادة وانه لا داعي لهم إليه من غرض ديني أو دنيوي واما إذا كان متوقفا على حصول الغير كان نظريا والمتوقف على النظري الى ان يكون نظريا والجواب ان هذه المقدمات حاصلة بقوة قريبه من الفعل أعني أنه إذا حصل طرفا المطلوب في الذهن فمن غير نظر يحصل لضرورة عقيبة.
قال الثالثة ضابطة إفادة العلم وشرطه ان لا يعلمه السامع ضرورة وان لا يعتقد خلافه لشبهة دليل أو تقليد وأن يكون سند الخبرين إحساسا به.
(2/287)

ضابط الخبر المتواتر إفادة العلم فمتى اخبر هذا الجمع وأفاد خبرهم العلم علمنا انه متواتر ومتى لم يفد تبين لنا انه غير متواتر أما لفقدان شرط من شروط المتواتر أو لوجود مانع وعند هذا يظهر انه يتعذر الاستدلال بالتواتر على من لم يعترف بحصول العلم له ضرورة أنه لا مرجع في حصول شرائطه الا حصول العلم به فمن لم يحصل له العلم لا يمكن الاستدلال به عليه ومن قال لم يحصل لي العلم لا يقال له بل حصل لك العلم وشروط المتواتر أربعة.
أحدها: ان يكون السامع له غير عالم بمدلوله ضرورة لأن تحصيل الحاصل منزل في الاستحالة منزلة تحصيل الممتنع ونحن نضرب لذلك مثالا قائلين ذو العلم بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان لو اخبر بذلك لم يزدد علما ولم يستفد الثاني.
الثاني: ان لا يكون السامع معتقدا خلافه إما لشبهة دليل أو تقليد امام ان كان عاميا وهذا الشرط اعتبره الشريف المرتضى واختاره المصنف واحتج الشريف على اشتراطه بأن حصول العلم عقيب التواتر إنما هو بالعادة لا بطريق التقليد فإنه ربما يتوهم حينئذ انه لا مدخل لما ذكر من الشرط حتى يختلف فعله بحسب اختلافه فجاز ان يختلف ذلك باختلاف أحوال المسلمين فيحصل للسامع إذا لم يكن قد اعتقد نقيض ذلك ولا يحصل له إذا اعتقد نقيضه ثم أورد على نفسه بإنه يلزمكم على هذا أن يجوزوا.
واصدق من أخبركم بأنه لم يعلم وجود البلدان الكبيرة والحوادث العظام بالأخبار المتواترة لأجل تقليد أو شبهة اعتقدها في نفي تلك الأشياء وأجاب عنه بأنه لا داعي يدعو العقلاء الى سبق اعتقاد نفي هذه الأمور ولا شبهة في نفي تلك الأشياء والتقليد لابد وأن ينتهي إلى ما ليس بتقليد دفعا للتسلسل والدور فلا يتصور فيه اعتقاد نفي موجب الخبر فلا جرم انه لا يجوز صدقه وهذا باطل بانا قد نجد أنفسنا جازمة بما اخبر به أهل التواتر وإن سبق لنا اعتقاد نفي موجبه.
واعلم ان الشريف رام بهذا الاشتراط مراما بعيدا فانه اتخذ ذلك ذريعة الى معتقده فقال وهذا كما انه النص الدال على إمامة علي رضي الله عنه متواترا ثم
(2/288)

لم يحصل العلم به لبعض السامعين لاعتقادهم نفي النص لشبهة أو تقليد ولقد رمى الغرض من أمد بعيد وأوقع اللبيب في أمر عجاب ما ادري أيتعجب المرء من ذي علم يميل الى معتقد فيدخل في الدين أمورا شامخة وقواعد كلية يتوصل الى إثبات المعتقد الحري بها ولا داعي له الى ذلك سوى غرضه الحري أو يدعي التواتر في أمر إذا عرضه على اهل الخبرة بالحديث في الأثر وذوي المعرفة بفنون السبر لم يلب منهم قائلا ان ذلك خبر يعد في الآحاد فضلا عن الحاقه بالمتوترات وهذا من بهت الروافض فانه لو كان لما خفي على أهل بيعة السقيفة ولتحدثت به امراة على مغزلها ولأبداه مخالف أو مواقف ولخرجه من رواة الحديث ولو حافظ واحد.
الثالث: ان يكون مستند المخبرين في الاخبار وهو الإحساس بالمخبر عنه الحواس الخمس لأن ما لا يكون كذلك يجوز دخول الغلط والالتباس فيه فلا جرمه انه يحصل العلم به وقال امام الحرمين لا معنى لاشتراط الحس فإن المطلوب صدور الخبر عن العلم الضروري ثم قد يترتب على الحواس ودركها وقد يحصل عن قرائن الأحوال ولا اثر للحس فيها على الاختصار فان الحس لا يميز احمرار الخجل والغضبان عن اصفرار المخوف والمرعوب وانما العقل يدرك تميز هذه الأحوال قال فالوجه اشتراط صدور الاخبار عن البديهة والاضطرار هذا كلام امام وفيه نظر لأن ما ذكره راجع الى الحس ايضا لأن القرائن التي تفيد العلم الضروري مستندة الى الحس ضرورة أنها لا تخلو عن ان تكون حالية أو مقالية وهما محسوسان وأما القرائن العقلية فهي نظرية لا محالة فلا يتصور التواتر فيها ولا تفيد الا علما نظريا فلو اخبر الزائدون على عدد أهل التواتر بما لا يحصى عدمها عما علموه نظرا لم يفد خبرهم علما وكانت طلبات العقل قائمة الى قيام البرهان قال امام الحرمين والسبب في ذلك ان النظر مضطرب العقول ولهذا يتصور الاختلاف فيه نفيا وإثباتا فلا يستقل بجميع وجوه النظر عاقل والعقلاء ينقسمون الى راكن في الدعة والهوينا من برجاء كذا النظر والى ناظر ثم النظار ينقسمون ويتحزبون أحزابا لا ينضبط على أقدام القرائح في ذكائها وأنقاذها وبلادتها واقتصادها ومن اعظم أسباب اختلافهم اعتراض
(2/289)

القواطع والموانع قبل استكمال النظر فلا يتضمن أخبار المخبرين في صحارى النظر صدقا ولا كذبا.
قال وعددهم مبلغا يمتنع تواطؤهم على الكذب وقال القاضي لا يكفي الاربعة وإلا لأفاد قول كل أربعة فلا يجب تزكية شهود الزنا لحصول العلم بالصدق او الكذب وتوقف في الخمسة ورد بان حصول العلم بفعل الله تعالى فلا يجب الاطراد وبالفرق بين الرواية والشهادة وشرط اثنا عشر كنقباء موسى وعشرون لقوله تعالى ان يكن منكم عشرون صابرون وأربعون لقوله تعالى ومن اتبعك من المؤمنين وكانوا أربعين وسبعون لقوله واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا وثلاثمائة وبضعة عشر عدد أهل بدر والكل ضعيف.
الشرط الرابع: ان يبلغ عدد المخبرين الى مبلغ يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب وذلك يختلف باختلاف الوقائع والقرائن والمخبرين ولا يتقيد ذلك بعدد معين بل هذا القدر كاف عند الجماهير لأنه لا عدد يفرض ألف وألفين الا والكذب منهم غير مستعبد لذي العقل بل المرجع في حصول هذا الشرط وغيره إلى الوجدان فإن وجد السامع نفسه عالما بما اخبره به على التواتر علم وجود هذا الشرط وغيره وإلا علم اختلال غيره من الشرائط.
وهذا قد تقدم ذكره لكن من هؤلاء الجماهير من قطع في جانب النفي ولم يقطع في جانب الاثبات فقال بعدم إفادة عدد معين له وتوقف في بعضه وهو القاضي رضي الله عنه حيث قال اقطع بأن قول الاربعة لا يفيد العلم وأتوقف في الخمسة واحتج على ذلك بأنه لو حصل العلم بخبر أربعة صادقين لحصل بخبر كل أربعة صادقين لأنه لو لم يكن كذلك مع تساوي الأحوال والقائلين والسامعين في جميع الشروط لزم الترجيح من غير مرجح ولأنه لو جاز ذلك لجاز ان يحصل العلم بأحد الخبرين الصادرين عن جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب دون الآخر ولو حصل العلم بخبر كل أربعة صادقين لوجب ان يستغني الحاكم فيما إذا شهد عنده أربعة ان فلانا زنا بفلانة عن تزكيتهم لأنهم ان كانوا صادقين وجب حصول العلم بقولهم فاستغنى عن التزكية وان لم يحصل القطع بصدقهم وجب ان يحصل العلم بكونهم كاذبين لأن الغرض ان حصول العلم بالصدق من لوازم قول كل أربعة صادقين.
(2/290)

فمتى لم يحصل العلم بالصدق فقد انتفى اللازم وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم ولا يمكن انتفاء حصول العلم لانتفاء كونهم شهدوا ولا كونهم أربعة إذ هو خلاف الفرض فتعين ان يكون لانتفاء الصدق ومتى انتفى الصدق تعين الكذب إذ لا واسطة بينهما وحينئذ لا يجب تزكيتهم ايضا للعلم بكذبهم فيخلو عن الفائدة فوضح انه لو أفادت الاربعة تزكية شهود الزنا وطلب تزكيتهم واجب باجماع الامة فبطل الأول.
قال واما الخمسة فأتوقف فيها إذ لا يخفي عدم تأتي هذه الدلالة فيها لأنه ان لم يضطر الى العلم بصدقهم قطع بعدم صدقهم ولا يلزم من القطع بعدم صدقهم عدم صدق الاربعة منهم لجواز ان يكون الاربعة منهم شاهد دون الخامس فجاز ان تطلب تزكيتهم لبقاء النصاب وهذا بخلاف الاربعة لأن كذب أحدهم مسقط للحجة هذا تقرير حجة القاضي ونحن نقول له ان عنيت بقولك أتوقف في الخمسة في حصول العلم بقولهم وعدم حصوله فهو صحيح.
لكن لاختصاص الوقفة بالخمسة بل يتأتى ذلك في الألف والألفين إذ لا نقطع بحصول العلم بصدقهم ولا بعدمه فكان يجب ان نتوقف في الكل بهذا المعنى وان عنيت به التوقف في جواز العلم بقولهم كما في سائر الأعداد وعدم جوازه كما في الأربعة فهو غير صحيح.
لأنه إذا لم يثبت فيهم الدليل الدال على عدم جواز حصول العلم بقولهم يجب إلحاقهم بسائر الأعداد التي يجوز ان يحصل العلم بقولهم قوله وزاد أي رد قول القاضي بوجهين:
أحدهما: منع الملازمة وأما قوله يلزم الترجيح من غير مرجح فممنوع لأنه منسوب الى الفاعل المختار على مذهبنا ومذهبه فالعلم الحاصل بخبر المتواتر إنما هو بخلق الله تعالى لا بطريق التوليد حتى يكون الترجيح من غير ومرجح ممتنعا واما قوله الجاز في أحد الخبرين عن الجمع الكثير دون الآخر فممنوع لأنه يجوز ان يختلف في ذلك عادة الله تعالى فاطرد عادته بخلق العلم الضروري عقيب أخبار الجمع الكثير ولم يطرد ذلك عقيب أخبار الجمع القليل بل تختلف فيه عادته فتارة يخلق وتارة لا يخلق.
(2/291)

كما ان عادته مطردة بخلق الحفظ عقيب التكرار على البيت الواحد من الشعر ألف مرة ولم تطرد عادته بخلقه عقيب التكرار عليه مرة أو مرتين.
وثانيهما: الفرق بين الرواية والشهادة وذلك ان الشهادة تقتضي شرعا خاصا فتواطؤ الشهود على الكذب في المشهود عليه غير مستبعد بخلاف الرواية.
وكذلك يشترط في الشهادة ما لا يشترط في الرواية.
قوله وشرط علمت مذهب الجماهير وقد ذهب من سواهم من الخائضين فيه هذا الغزالي اشتراط العدد ثم تضايقت مذاهبهم فيه فلم يغادروا فيه على اختلاف الآراء عددا من الشرع هو مربط حكمه أو جار وفقا في حكاية حال الا مال إليه منهم مائل منهم مائل فذهب ذاهبون الى اشتراط اثني عشر كعدد نقباء موسى عليه السلام لأن موسى عليه السلام نصبهم ليعرفوه أحوال بني إسرائيل قال الله تعالى: {وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} 1 وانما خصهم بذلك المدد لحصول العلم بقولهم وبعضهم شرط عشرين لقوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} 2 وعلى هذا المذهب العلاف وأبو هشام بن عمر والغوطي لكنهما كما ذكر القاضي في مختصر التقريب شرطا مع ذلك ان يكونوا من المؤمنين الذين هم أولياء الله ونقل الإمام اشتراط العشرين عن أبي الهذيل وبعضهم شرط أربعين مصيرا الى عدد الجمعة ذهابا الى ان العدد هو الذي نزل فيه قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} 3 فنزلت هذه الآية لما آمن أربعون من الرجال.
وشرط آخرون من سبعين تمسكا بقوله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ} وشرط آخرون من سبعين تمسكا بقوله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا} 4 وقال قوم ثلثمائة وبضعة عشر عدد أهل بدر والبضع بكسر الباء هو ما بين الثلاث الى التسع والذي مختصر التقريب القاضي والبرهان لامام الحرمين والوجيز لابن برهان والأحكام للآمدي تقييدا هذا العدد بثلاثمائة
__________
1 سورة المائدة آية 12.
2 سورة الأنفال آية 65.
3 سورة الأنفال آية64.
4 سورة الاعراف آية 154.
(2/292)

وثلاثة عشر وهو لا يبان ما نقل المصنف ولعل الناظر في كتب المحدثين يجد انهم كانوا ثلاثمائة رجل وخمسة رجال.
وهو ايضا غير مباين وذلك لأن الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر للمقاتلة ثلثمائة رجل وخمسة رجال ولم يحضر الغزوة ثمانية من المؤمنين أدخلهم النبي صلى الله عليه وسلم في حكم عداد الحاضرين وأجرى عليهم حكمهم فكانت الجملة ثلاثمائة وثلاثة عشر فاستفد هذا فان جماعة من المحدثين ذهلوا عنه حتى حكاه بعضهم خلافا فقال قيل ثلثمائة وقيل ثلثمائة وخمس رجال كالحافظ شرف الدين الدمياطي وغيره والجمع بين القولين ما أشرنا إليه.
قال المصنف تبعا للجماهير والكل ضعيف وهو كذلك لأنا نعارض بعض هذه المذاهب ببعض ولا يتجه عند تعارضها ترجيح بعض على بعض.
قال امام الحرمين وإن عن ترجيح فليس من مدلول الحق المقطوع به فان الترجيحات ثمراتها غلبان الظنون في مطرد العادة وأيضا فإنه لا تعلق لشيء من هذه الأعداد بالأخبار.
وانما هي في قضايا غايات جرت في حكاية أحوال وليس في العقل ما يقتضي بمناسبة شيء منها لاقتضاء العلم فلا وجه لاعتبار شيء منها وأيضا فما من عدد مما ذكروه الا ويمكن فرض تواطؤهم على الكذب وبالجملة فالأعداد التي تمسكوا بها منقسمة الى واقع في أقاصيص وحكايات أحوال جرت وفاقا فكان لا يمتنع ان يقع اقل من تلك المبالغ واكثر وهي واردة في أحكام لا تعلق لها بالصدق والكذب فلا معنى للتمسك بها ويلتحق بهذه المذاهب قول بعضهم باشتراط عدد بيعة الرضوان قال إمام الحرمين وهم ألف وتسعمائة.
وقال ضرار بن عمرو لا بد من خبر كل الامة وهو الاجماع حكاه القاضي في مختصر التقريب وحكي عن صاحب أبي الهذيل المعروف بأبي عبد الرحمن انه اشترط خمسة من المؤمنين الذين هم أولياء الله شرط عصمتهم عن الكذب قال ولا بد معهم من السادس ليس من الأولياء لتلتبس أعيانهم فلا يشر الى واحد منهم أو لا يجوز ان يكون هو السادس قال القاضي وهو مذهب خالف فيه
(2/293)

سائر المذاهب ومنهم من شرط خمسة وأطلق حكاه الآمدي وابن برهان في وجيزه وقال طوائف من الفقهاء ينبغي أن يبلغوا مبلغا لا تحويهم بلد ولا يحصرهم عدد قال إمام الحرمين وهو سرف ومجاورة حد وذهول عن مدرك الحق.
قال ثم إن اخبروا عن عيان فذاك وإلا فيشترط ذلك في كل الطبقات.
عدد التواتر أن اخبروا عن معاينه فذاك وان لم يخبروا عن معاينه اشترط وجود هذا العدد اعني الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب في كل الطبقات وهو معنى قول الاصوليين لا بد فيه من استواء الطرفين والواسطة وبهذا يتبين أن المتواتر قد ينقلب آحادا وربما اندرس دهرا فالمتواتر من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم ما اطردت الشرائع فيه عصرا بعد عصر حتى انتهى إلينا وهذا الإخفاء فيه قال إمام الحرمين ولكنه ليس من شرط التواتر قال بل حاصل ذلك أن المتواتر قد ينقلب آحادا وليس من شرائط وقوع التواتر فلا يصح تعبيرهم باشتراط استواء الطرفين والواسطة.
قال: الرابعة مثلا لو اخبر واحدا بأن حاتما أعطى دينارا وآخر انه أعطى فرسا وآخر انه اعطى جملا وهلم جرا تواتر القدر المشترك لوجوده في الكل.
التواتر قد يكون لفظيا وهو ما سبق وقد يكون معنويا وهو أن يجتمع من يمتنع تواطؤهم على الكذب على الأخبار عن شيء وتتباين أقوالهم فيما يخبرون به ولكن يكون بينها قدر مشترك فيحصل له التواتر لوجوده في خبر كل واحد ووقوع الاتفاق عليه ضمنا إذ الكل مخبرون عن ذلك المعنى المشترك ضرورة إخباراتهم عن جزئياته.
ومثال ذلك ما إذا قال زيد أعطى حاتم دينارا وقال عمر وأعطى فرسا وقال خالد أعطي جملا وهلم جرا حتى يبلغ حد التواتر فإن يثبت بهذه الأخبارات القدر المشترك وهو صدور الاعطاء منه ولو ان زيدا ذكر انه اعطى وتصدق ووهب مرارا وعمرو قال أضاف ووقف وانعم بالمال مرارا وهلم جرا لتواتر في نحو هذه الصورة شأن مجرد الاعطاء والكرم.
(2/294)

الفصل الثاني فيما علم كذبه
قال الفصل الثاني فيما علم كذبه وهو قسمان الأول ما علم خلافه ضرورة أو استدلالا.
الخبر المقطوع بكذبه ذكر المصنف انه قسمان الأول ما علم بالضرورة خلافه كالأخبار باجتماع النقيضين أو ارتفاعهما أو بالاستدلال بأخبار الفيلسوف بقدم العالم.
قال: الثاني ما لو صح لتوفير الدواعي على نقله كما نعلم انه لا بلدة بين مكة والمدينة اكبر منهما إذ لو كان لنقل وادعت الشيعة ان النص دل على إمامة على ولم تتواتر كما لم تتواتر الإقامة والتسمية ومعجزات الرسول صلى الله عليه وسلم قلنا الاولان من الفروع ولا كفر ولا بدعة في مخالفتهما بخلاف الإمامة واما تلك المعجزات فلقلة المشاهدين.
القسم الثاني الخبر الذي لو كان صحيحا لكانت الدواعي متوفرة على نقله أما لكونه أمرا غريبا كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة أو لتعلق اصل الدين به كالنص الذي تزعم الروافض انه دل على إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه فعدم تواتره دليل على عدم صحته ولهذا انا نقطع بأنه لا بلدة بين مكة والمدينة اكبر منهما وليس مستند هذا القطع الا انه لو كان لتواتر وقالت الشيعة ما ندعيه من النص الدال على إمامة على رضي الله عنه لم يتواتر كما لو يتواتر كلمات الإقامة من أنها مثنى أو فرادى والتسمية في الصلاة ومعجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لم تتوافر كحنين الجذع إليه وتسليم الحجر عليه ووقوف
(2/295)

الشجر بين يديه وتسبيح الحصى في يمينه مع توافر الدواعي على نقلها فدل ذلك على عدم تواتر ما توافر الدواعي على نقله ليس دليلا على عدم صحته وأجاب عن الأولين اعني الإقامة والتسمية بأنهما من مسائل الفروع ولا كفر ولا بدعة في مخالفتهما فلم تتوافر الدواعي على نقلها لذلك بخلاف الإمامة فإنها من الأصول ومخالفتها بدعة ومؤثرة في الفتن فتتوافر الدواعي على نقلها فلما لم تتواف-ر دل على عدم صحته.
وعن الثالث ان تلك المعجزات التي لم تتواتر لم تكن بحضرة جمع عظيم فعدم تواترها إنما هو لقلة المشاهدين فان قلت يعارض هذا بمثله فنقول إنما لم يتواتر النص الدال على إمامة على رضي الله عنه لقلة السامعين قلت ما تدعون من النص لا نعرفه بنقل في الآحاد الصحاح فضلا عن المتواترات ولو كان له وجود لما خفي على أهل بيعة السقيفة وتحدثت به امرأة في خدرها ولا ابدات معاضد أو معاند وقد كان الأمر إذ ذاك معضلا إذنا يحتاج إلى التلويح فضلا عن النص الصريح ولم يكن عن ابدائه غنى بخلاف سائر معجزات النبي صلى الله عليه وسلم فانه ربما اكتفى بنقل القرآن الذي هو اشهرها وأعظمها عن نقلها وخلافه إبي بكر رضوان الله عليه لم يكن مؤيدة شوكة قاهرة وانما كان الامر فوضى.
ومن المعلوم ان أمر الولايات من اخطر الأشياء في العادات ولا نتسق النفوس إلى شيء تشوقها إلى نقل ما يتعلق بالولايات ففيها تطير الجماجم عن الغلاصم وتهلك النفوس ويلوح من هذا فرق آخر واضح بين ما سألوه من أمر الإقامة وبين الإمامة.
قال إمام الحرمين وهو من اغمض الأسئلة فان بلال كان يقيم بعد الهجرة الى انقلاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رضوانه في اليوم والليلة خمس مرات ثم لم يقع التواتر واختلفت النقلة فنقول الإقامة شعار مسنون ليس بالعظيم الموقع في العرب والشرع قال إمام الحرمين والمعتمد عندي ان الصحابة هونت أمر الإفراد والتثنية فلم يعتنوا بالأشاعة وأشاعوا أفضى إلى الدروس وليس ذلك بدعا فيما ليس من العزائم وهذا ينضم اليه بدع ثارت مع تواتر وأصحاب سلطنة واستيلاء وقهر فانه جرى في آخر أيام علي رضي الله عنه قريب من مائة سنة
(2/296)

دواهي تشيب النواصي واستقر على تغيير ما كان منوطا بالأمر اذ كانت الجماعة واقامة شعارها من أهم ما يهتم به الأمر ثم الهي الناس عنه ما حدث فقد تقرر واضحا من المقطوع بكذبه خبر لو صح لتوفرت الدواعي على نقله ويتبين به بطلان ما ادعاه الروافض من النص وفساد قول العيسوية ان في التوراة ان موسى بن عمران عليه السلام آخر مبعوث فان هذا لو كان لذكره أخبار اليهود في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما آثروا عنه معدلا إلى تحريف نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبديلهم الذي خانوا به وخسروا واعلم ان المصنف لم يذكر من المقطوع بكذبه غير قسمين.
وذكر الإمام ثالثا وهو ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد استقرار الاخبار ثم فتش عنه فلم يوجد في بطون الكتب ولا في صدور الرواة ولقائل ان يقول غاية منتهى المنقب الجلد والمتفحص الألد عدم الوجدان فكيف ينتهض ذلك قاطعا في عدم الوجود وانما قصاراه ظن غالب يوجب ان لا يلتفت إلى ذلك الخبر وان فرض دليل عقلي او شرعي او توفر الدواعي على نقله عاد إلى القسمين المذكورين في الكتاب.
وذكر إمام الحرمين قسما رابعا فقال مما يذكر من أقسام الكذب ان يتنبأ متنبىء من غير معجزة فيقطع بكذبه قال وهذا معضل عندي فأقول ان تنبأ وزعم ان الخلق كلفوا متابعته وتصديقه من غير آية فهذا كذب فان مساقه يفضي إلى تكليف ما لا يطلق وهو العلم بصدقه من غير سبيل مؤد إلى العلم فأما إذا قال ما أكلف الخلق اتباعي ولكن أوحى إلى فلا يقطع بكذبه قلت وهذا كله يجب أن أكون فيما إذا كان من ادعى النبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما بعده فيقطع بكذبه لقيام القاطع على ان لا نبي بعده وهذا راجع إلى القسم الأول وهو ما علم خلافه استدلالا.
قال مسالة بعض ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كذب لقوله سيكذب على ولأن منها ما لا يقبل التأويل فيمتنع صدوره عنه.
بعض الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم بطريق الآحاد مقطوع بكذبه لوجهين.
(2/297)

أحدهما: أنه روي عنه صلى الله عليه وسلم انه قال سيكذب علي فان صح هذا الحديث لزم وقوع الكذب عليه ضرورة صدقه فيما يقوله به وان لم يصح مع كونه روي عنه فقد حصل الكذب فيما روي عنه ضرورة ان هذا الخبر من جملة ما روي عنه لكن على هذا التقدير يتعين الموضوع عليه وهو هذا الخبر والدعوى كانت مبهمة في بعض غير معين فان قلت تلزم صحته ولا يلزم وقوع الكذب في الماضي الذي هو المدعي لأنه قال سيكذب بصيغة المضارع فيجوز ان يقع في المستقبل قلت السين الداخلة على يكذب وان دلت على الاستقبال فإنما تدل على استقبال قليل بخلاف سوف كما نصوا عليه وقد حصل هذا الاستقبال القليل بزيادة واعلم ان هذا الحديث لا يعرف ويشبه ان يكون موضوعا.
الثاني: ان من جملة ما روي عنه صلى الله عليه وسلم ما لا يقبل التأويل إما لمعارضة الدليل العقلي أو غير ذلك مما يوجب عدم قبوله للتأويل فيمتنع صدوره عنه عليه السلام قطعا.
قال وسببه نسيان الراوي أو غلطة أو افتراء الملاحدة لننفير العلل سبب وقوع الكذب عليه صلى الله عليه وسلم اما نسيان الراوي لطول عهد بالخبر المسموع أو غير ذلك فربما لحمل النسيان على نقص ما يخل بالمعنى أو رفع ما هو موقوف أو غير ذلك من آفات النسيان واما غلطة بأن أراد النطق بلفظ فسبق لسانه إلى سواه أو وضع لفظا مكان آخر ظانا انه يؤدي معناه واما افتراء الزنادقة وغيرهم من أعداء الدين الذين وضعوا أحاديث تخالف العقول ونسبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم تنفيرا للعقلاء عن شريعته المطهرة وقد يقع الوضع من متهالك على حب الجاه كما وضعوا في دولة بني العباس رضي الله عنه نصوصا دالة على إمامة العباس وذريته ومن الغواة المتعصبين من وضع أحاديث لتقرير مذهبه ودفع خصومه ومنهم من جوز وضع الأحاديث للترغيب في الطاعة والترهيب عن المعصية فوقع منه الوضع في ذلك وأسباب الوضع كثيرة لأنها تختلف باختلاف أغراض الفسقة المتمردين والزنادقة المبتدعين والله اعلم.
(2/298)

الفصل الثالث فيما ظن صدقه
فيما ظن صدقه وهو خبر للعدل الواحد والنظر في طرفين الأول في وجوب العمل به دل عليه السمع وقال ابن سريج والقفال والبصري دل الفعل ايضا أنكره قوم لعدم الدليل او للدليل على عدمه شرعا أو عقلا وأحاله آخرون واتفقوا على الوجوب في الفتوى والشهادة والأمور الدنياوية.
القسم الثالث من أقسام الخير ما لا يقطع بصدقه ولا يصدقه ولا يكذبه وله احوال لأنه اما ان يترجح احتمال صدقه او كذبه كخبر العدل والفاسق او يتساوى كخبر المجهول وانما يجب العمل بالقسم الأول فلذلك اقتصر على ذكره هنا فقوله العدل احترازا عن القسمين الآخرين وقوله الواحد احتراز عن المتواتر فان المراد بخبر الواحد عند الاصوليين ما لم يبلغ حد التوتر مما لا سبيل الى القطع بصدقه او كذبه سواء نقله واحد ام جمع منحصرون وقد يخبر واحد فيعلم صدقه كالنبي ولا يعد ذلك من أخبار الاحد ويدخل في خبر الواحد المستفيض قال الآمدي وهو ما نقله جماعة يزيد على الثلاثة والأربعة وقيل المستفيض وما تلقته الامة بالقبول وقال الاستاذ ابو بكر بن فورك الخبر الذي تلقته الامة بالقبول محكوم بصدقه قال إمام الحرمين وفصل ذلك في مصنفاته فقال ان اتفقوا على العمل به لم يقطع بصدقه وحمل الامر على اعتقاد وجوب العمل بخبر الواحد وان تلقوه بالقبول قولا ونطقا فان تصحيح الائمة للخبر يجري على حكم الظاهر فإذا اجتمع شروط الصحة اطلق عليه المحدثون الصحة فلا وجه للقطع والحالة هذه قال إمام الحرمين ثم لو قيل للقاضي لو رفعوا هذا الظن وباحوا بالصدق فماذا تقول لقال مجيبا لا يتصور هذا فانهم لا يصلون الى العلم بصدقه ولو قطعوا
(2/299)

لكانوا مجازفين واهل الاجماع لا يجتمعون على باطل وقال الاستاذ ابو اسحاق المستفيض ما تتفق عليه ائمة الحديث وزعم انه يقتضي العلم نظرا والمتواتر يقتضيه ضرورة وضعف إمام الحرمين ما قاله الاستاذ بأن العرف واطراد الاعتبار لايقتضي الصدق قطعا بل قصاراه غلبه الظن والمختار ان المستفيض ما يعده الناس شائعا وقد صدر عن اصل ليخرج الشائع لا عن اصل واقل والمستفيض اثنان وقد حصر المصنف مقصود هذا الفصل في طرفين.
أحدهما: في وجوب العمل بخبر الواحد قال الجمهور يجب العمل به سمعا.
وقال احمد بن حنبل والقفال وابو العباس بن سريج منا وابو الحسين دل عليه العقل مع السمع وقد عرفت في اوائل الشرح اعتذار القاضي والاستاذ عمن قضى بدلالة العقل على ذلك من اصحابنا اهل السنة كأحمد وابن سريج والقفال ومن الناس من انكر التعبد به وقد انقسموا ما بينهم إلى مذاهب.
الأول: أنه لم يوجد ما يدل على انه حجة فوجب القطع بانه ليس بحجة وهذا معنى قول المصنف لعدم الدليل عليه.
والثاني: أن الدليل السمعي قام على أنه غير حجة وهو رأي القاساني وابن داود والرافضة.
والثالث: أن الدليل العقلي قام على امتناع العمل به وعليه جماعة من المتكلمين منهم الجبائي فإن قلت ما وجه الجمع بين منع الجبائي هنا التعبد به عقلا واشتراطه العدد كما سيأتي ان شاء الله تعالى النقل عنه فان قضية اشتراطه العدد القول به قلت قد يجاب بوجهين اقربهما انه اراد بخبر الواحد الذي انكره هنا ما نقله العدل منفردا به دون خبر الواحد المصطلح اعني الشامل لكل خبر لم يبلغ حد التواتر ولهذا كانت عبارة إمام الحرمين ذهب الجبائي الى ان خبر الواحد لا يقبل بل لا بد من العدد واقله اثنان والثاني انه يجعله من باب الشهادة واعلم ان القائلين بهذا المذهب احالوا وقد صرح المصنف بالمغايرة بين مذهب من منعه عقلا ومن احاله حيث قال بعد قوله عقلا وأحاله
(2/300)

آخرون وهو وهم ثم أن المصنف أشار الى تحرير محل النزاع بأنه ليس من الفتوى والشهادة والامور الدنياوية كلها بل اطبق علماء الامة على العمل بخبر الواحد في تلك الامور.
قال لنا وجوه الاول انه تعالى اوجب الحذر بانذار طائفة من الفرقة والانذار الخبر المخوف والفرقة ثلاثة والطائفة واحدا واثنان قيل لعل للترجي قلنا تعذر فيحمل على الايجاب بمشاركته للتوقع قبل الانذار للفتوى قلنا يلزم تخصيص الانذار والقوم بغير المجتهدين والرواية ينتفع بها المجتهد وغيره قيل فيلزم ان يخرج من كل ثلاثة واحد قلنا خص النص فيه اقامة البرهان على وجوب العمل بخبر الواحد صريحة في الرد على من قاله انه لم يقم دليل على ذلك واستنه الى ما لا يعصم فقال ليس في العقل ما يوجب ذلك وليس في كتاب الله نص عليه ولا سنة متواترة ترشد اليه ولا مطمع في الاجماع مع قيام النزاع ويستحيل ان يثبت خبر الواحد واذا انحسم المسلك العقلي والسمعي فقد حصل الغرض وقدمنا هذا القائل كلامه على امور هو فيها منازع بحق واضح وهي قوله ان العمل به غير مستند الى نص كتاب ومانورده من الآي رادا عليه ولا إلى سنة متوترة ولا إجماع.
وهو ايضا باطل فانهما قائمان وهما المسلك الذي يختار الاعتماد عليه في اثبات العمل بخبر الواحد والراي الكلام على تقرير ما في الكتاب ثم ايضاحهما فنقول استدل على وجوب العمل بخبر الواحد باوجه.
الأول: قوله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} 1 وجه الاحتجاج انه تعالى اوجب الحذر باخبار طائفة لأنه اوجبه بانذار الطائفة في قوله:
{وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} وكلمة لعل للترجي وهو محال في حقه تعالى فوجب حمله على المجاز وهو طلب الحذر لأن من لازم
__________
1 سورة التوبة آية 122.
(2/301)

الترجي الطلب وطلب الله هو الامر فثبت الامر بالحذر عنه انذار الطائفة والانذار هو الاخبار لأنه عبارة عن الخبر المخوف والخبر داخل في الخبر المخوف والطائفة ها هنا عدد لا يفيد قولهم العلم لأن كل ثلاثة فرقة.
وقد أوجب الله تعالى ان يخرج من كل فرقة طائفة والطائفة من الثلاثة واحدا واثنان.
وقول الواحد او الاثنين لا يفيد العلم وقد اوجب به الحذر فاثبت وجوب العمل بالخبر الذي لا يقطع بصدقه ولكن يظن صدقه وذلك هو خبر الواحد واعلم ان هذا التقرير مبني على ان المتفقهة هم الطائفة النافرة وأن الضمير في قوله ليتفقهوا ولينذروا راجع إليها وهذا قول لبعض المفسرين والصحيح ان المتفقهة الفرق المقيمة والمراد ان الفرق التي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفر من كل فرقة منهم طائفة الى الجهاد وتبقى بقيتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفقهوا في الدين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} من الجهاد فالطائفة النافرة ليست المتفقهة بل هي التي تنذر.
ومما يوضح هذا المتفقهة هو المقيم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع منه ويتلقى عنه والآية نزلت لأن المؤمنين لما نزلت الآيات في المختلفين بعد تبوك صار المؤمنون كلما جهز النبي صلى الله عليه وسلم فرقة للغزو بادروا الى الخروج واستبقوا اليه فانزل الله هذه الآية والمعنى والله اعلم: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} فلا نفرت طائفة من كل فرقة منهم لتحصيل التفقه للباقين عند النبي صلى الله عليه وسلم.
واعترض الخصم على الاحتجاج بهذه الآية على التقرير المذكور في الكتاب بثلاثة أوجه.
أحدهما: ان مدلول لعل الترجي لا الايجاب والجواب ما سبق من انه لما تعذر الحمل على الترجي حمل على الايجاب لمشاركته للترجي في الطلب.
وقال في الكتاب بمشاركته له في التوقع وليس ذلك بمستقيم اذ يلزم من حمل لعل على حقيقتها بعينه لأن التوقع في حقه تعالى محال.
(2/302)

والثاني: لا نسلم أن المراد بالانذار في الآية الخبر المخوف مطلقا بل المراد به التخويف الحاصل من الفتوى وقول الواحد فيها مقبول اتفاقا كما عرف ويؤيد ذلك انه اوجب التفقه من اجل الفتوى والتفقه انما يفتقر اليه في الفتوى لا الرواية.
والجواب انه يلزم من حمله على الفتوى تخصيص الانذار المذكور في الآية وهو عام فيه وفي الرواية وتخصيص القوم المنذرين بغير المجتهدين اذ المجتهد لا يقلد مجتهدا فيما افتى به بخلاف ما اذا حمل على ماهو اعم من الفتوى فانه لا يلزمه التخصيص أما الانذار فلأنه الخبر المخوف وهو اعم من ان يكون بالفتوى او بغيرها فانتفاء التخصيص منه اذا حمل على ما هو اعم واضح واما القوم فلأن الرواية ينتفع بها المقلد والمجتهد.
اما المجتهد ففي الاستدلال على الاحكام واما المقلد ففي الانزجار وحصول الثواب لو نقلها لغيره بل يلزم من انتفاع المجتهد بها انتفاع العامي بها لأنها اصله الثالث لو كان المراد من الفرقة ثلاثة للزم منه ان يجب على كل ثلاثة ان يخرج منهم واحد للتفقه وذلك باطل بالإجماع.
وأجاب بان ذلك هو ظاهر الآية الا ان النص في ذلك خص بالإجماع لانعقاده على ان لا يجب على كل ثلاثة ان يخرج منهم واحد بل يكفي فقيه واحد في خلق كثير لإرشادهم الى ما تعبدوا به وإذا خص من هذا الوجه بقي على عمومه فيما عداه.
قال: الثاني: انه لو لم يقبل لما علل بالفسق لأن ما بالذات لا يكون بالغير والثاني باطل لقوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} الثالث القياس على الفتوى والشهادة قيل يقتضيان شرعا خاصا والرواية عاما ورد باصل الفتوى.
الدليل الثاني: على وجوب العمل بخبر الواحد انه لو لم يجز قبول خبر الواحد في الجملة لما كان عدم قبول خبر الواحد الفاسق معللا بكونه فاسقا والتالي باطل فالمقدم مثله اما بيان الملازمة فإن كون الراوي الواحد واحدا او
(2/303)

لازم لشخصه المعين يمتنع انفكاكه عنه عقلا واما كونه فاسقا فهو وصف عرضي يطرأ ويزول وان اجتمع في المحل وصفان احدهما لازم والآخر عرضي مفارق وكان كل واحد منهما مستقلا باقتضاء الحكم كان الحكم مضافا الى اللازم لا محالة لأنه كان حاصلا قبل حصول المفارق وموجبا لذلك.
وحين حال العرض المفارق كان ذلك الحكم حاصلا بسبب ذلك اللازم وتحصيل الحاصل مرة اخرى محال فيستحيل اسناد ذلك الحكم الى ذلك المفارق مثاله الميت يستحيل ويستهجن ان يقال لا يكتب لعدم الدواة والقلم عنده لأن الموت لما كان وصفا لازما له الى حين يبعث وكان مستقلا بامتناع صدور الكناية عنه لم يجز تعليل امتناع الكتابة بالوصف العرضي وهو عدم الدواة والقلم.
وإذا أردت اعتبار ذلك مثالا بالجزئيات الفقهية قلت خيار المجلس ثابت لقوله صلى الله عليه وسلم: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" 1 وهو اسم مشتق من معنى الحكم مهما نيط باسم مشتق من معنى كان معللا به فكأنه قيل المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا لكونهما متبايعين.
فإن قال الخصم نحمل الخيار على خيار القبول فإنه اذا صدر الايجاب من البائع ولم يتصل به القبول من المشتري فإن المشتري بالخيار بين ان يقبل وان لا يقبل فكذلك البائع بالخيار بين ان يثبت على الايجاب وان يرجع قلنا له هذا فاسد لأن قبول البيع حق ثابت له بكونه آدميا لا بمقتضى البيع فهو مستفاد بالذات اعني كونه آدميا فلا يجوز ان يستند الى الوصف العرضي وهو البيع.
وأما بيان بطلان التالي فإن الله تعالى علل عدم قبول خبر الفاسق بكونه فاسقا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} 2 امر
__________
1 حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو, وابن عمر رضي الله عنهما ولفظه: "المتبايعان بالخيار مالم يتفرقا " إلا أن يكون البيع كان عن خيار فإن كان البيع عن خيار فقد وجب البيع, الفتح الكبير 3/253.
2 سورة الحجرات آية 6.
(2/304)

بالتبين اذا كان خبر المخبر فاسقا والحكم المعلق على الوصف المشتق المناسب يقتضي كونه معللا بما منه الاشتقاق ولا مراء في أن الفسق وصف يناسب عدم القبول فثبت بما ذكرناه ان خبر الواحد لو وجب ان لا يقبل لامتنع تعليل عدم القبول فثبت بما ذكرناه ان خبر الواحد لو وجب ان لا يقبل لامتنع تعليل عدم قبول نبأ الواحد بكونه فاسقا.
ولكنه قد علل به فوضح ان خبر الواحد لا يجب ان لا يقبل فهو اذا غير مردود فيكون مقبولا في الجملة وهو الغرض ومن الناس من تمسك بالآية على وجه آخر وهو ان الامر بالتبين مشروط بمجيء الفاسق والمفهوم حجة وهو قاض بانه اذا لم يكن فاسقا يعمل به واعترض الآمدي بان المفهوم وان كان حجة لكنه ظني فلا يكفي في باب الاصول ومن المتمسكين بهذا الوجه الشيخ ابو الحسن رضي الله عنه كما نقله القاضي في مختصر التقريب في الكلام على مفهوم الصفة وذلك يقتضي ان يقول بالمفهوم وقد تقدم الكلام فيه في مكانه.
والمفهوم هنا شرط وصفه فالشرط مستفاد من صيغة ان الصفة مكتسبة من لفظة فاسق.
واعترض على هذا الاستدلال بان ما ذكرتم وان دل على ان عدم القبول معلل بكون الراوي فاسقا لكن قوله تعالى ان تصيبوا قوما بجهالة يدل على انه معلل بعدم افادته العلم اذ الجهالة هنا عبارة عن عدم القطع بالشيء لا القطع بالشيء مع كونه ليس كذلك فإن خبر الفاسق لا يفيد ذلك حتى يحسن ان يقال ان تصيبوا قوما بجهالة بل انما يفيد النوع الاول وخبر الواحد العدل يشاركه في ذلك فوجب أن لا يقبل.
وأجيب بأن الظن كثيرا ما يطلق على العلم والعلم على الظن فالجهالة والجهل يستعمل فيما يقابل هذين المعنيين فالمعنى من الجهالة هنا ضد العلم الذي بمعنى الظن فتكون عبارة عن عدم الظن فالعمل بخبر الفاسق تحمل بجهاله لأنه ليس فيه علم أي ظن واما العمل بخبر الواحد العدل ليس كذلك.
الدليل الثالث: قياس خبر الواحد على الفتوى والشهادة بجامع تحصيل المصلحة المظنونة او دفع المفسدة المظنونة واعترض الخصم فقال الفرق أن
(2/305)

الفتوى والشهادة يقتضيان شرعا خاصا ببعض الناس وهو المستفتي والمشهود له او عليه بخلاف الرواية فانها تقتضي شرعا عاما لكل الناس فلا يلزم من تجويز العمل بالظن الذي هو معرض الخطأ والصواب في حق الواحد تجويز العمل به في حق كافة الناس.
وأجيب بان هذا مردود شرعية اصل الفتوى فإنه امر لكل الخلق باتباع الظن وفيه نظر فإن عموم شرع الفتوى ليس كعموم شرع الرواية لأن الرواية تشمل المكلفين أجمعين والفتوى ليست حجة على المجتهدين فكان العموم فيها دون العموم في الرواية وايضا فالمسألة علمية والقياس غير كاف فيها وقد ذكر القاضي في مختصر التقريب هذا الوجه اعني القياس على الفتوى والشهادة.
وقال لست اختار لك التمسك به فانك تكون في ذلك طاردا ولا تستمر ولا تلك على سير الاصوليين وقصاراه ان يقول لك الخصم قد ثبت الفتوى والشهادة بدلالة قاطعة لم يثبت الخبر فتلجئك الضرورة الى ذكر الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد هنا تقرير الاوجه المذكورة في هذا الكتاب.
والمختار عندي في ذلك طريقة القاضي وعصبته كإمام الحرمين والغزالي وغيرهما وهي الاستدلال على وجوب العمل بخبر الواحد بمسلكين قاطعين لا يماري فيهما منصف.
أحدهما: إجماع الصحابة رضي الله عنهم على قبول خبر الواحد وذلك في وقائع شتى لا تنحصر واحادها ان لم تتواتر فالمجموع منها متواتر ولو اردنا استيعابها لطالت الانفاس وانتهى القرطاس فلا وجه لتعدادها اذ نحن على قطع بالقدر المشترك منها وهو رجوع الصحابة الى خبر الواحد اذا نزلت بهم المعضلات واستكشافهم عن أخبار النبي صلى الله عليه وسلم عند وقوع الحادثات واذا روى لهم تشرعوا الى العمل به فهذا ما لا سبيل إلى جحده ولا إلى حصر الأمر فيه.
فإن قيل لئن ثبت عنهم العمل بأخبار الآحاد فقد ثبت عنهم ردها فأول من ردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لما سلم من اثنين فقال له ذو اليدين اقصرت الصلاة
(2/306)

أم نسيت فلم يعول رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوله وسأل ابا بكر وعمر ورد ابو بكر الصديق رضوان الله عليه خبر المغيرة بن شعبة فيما رواه من ميراث الجد الى غير ذلك من وقائع كثيرة.
قلنا قال القاضي ليس في شيء معتصم فأما قصة ذي اليدين فدليل على الخصم فانه صلى الله عليه وسلم قبل فيها خبر ابي بكر وعمر.
والخصم اذا انكر خبر الآحاد ينكر خبر الثلاثة كما ينكر خبر الواحد هذا جواب القاضي في مختصر التقريب.
وبمثله يجاب عن قضية المغيرة لأن ابا بكر قبله لما وافقه عليها محمد بن مسلمة ولقائل ان يقول خبر هؤلاء الثلاثة وان لم يفد العلم فقد افاد الظن واذا ظن النبي صلى الله عليه وسلم صدقهم حصل القطع بكونهم صادقين ضرورة اذ ظنه عليه السلام لا يخطيء فيجب العمل بهذا الظن ولا يقاس عليه ظن من عداه وهذا بحث حسن يختص بقضية ذي اليدين واشبهها ويستفاد منه التفرقة بين ظان وظان ولا يقال على هذا ليس ان خبر ذي اليدين بقيد الظن بمجرده لأنا نقول من اين لكم الظن حصل للنبي صلى الله عليه وسلم بخبره بل نقول لو حصل له الظن لا نبعه لما ذكرناه ثم قال القاضي ان ما استروح اليه الخصم لا يبلغ ان يكون استفاضة بخلاف ما اعتمدنا نحن عليه فلا يكون مقاوما له وهذا صحيح والانصاف عدم الاعتراض بشيء من هذه الوقائع فما من واحدة الا وفيها جواب يخصها بل لو لم يعلم الجواب الخاص بها لقلنا قضية الجمع بين ما رويناه ورويتموه ان تم لكم انه يعارضه ان نقول ردوا خبر الواحد حيث فقد شرطا من شروطه او حصل الشك فيه بطريق من الطرق وقبلوه حيث سلم عن ذلك ونحن انما ندعي قبوله حالة السلامة عن معارض او قادح.
المسلك الثاني: السنة وذلك انا نعلم باضطرار من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرسل الرسل ويحملهم تبليغ الاحكام وتفصيل الحلال والحرام وربما كان يصحبهم الكتب وكان نقلهم اوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الآحاد ولم تكن العصمة لازمة لهم بل كان خبرهم في مظنة الظنون.
(2/307)

قال إمام الحرمين وجرى هذا مقطوعا به متواتر الإندفاع له إلا بدفع التواتر إلا مباهت.
قال وهذا مسلك لا يتمادى فيه الأجاحد ولا يدفعه إلا معاند واعترض على هذا المسلك بأنا سلمنا انه صلى الله عليه وسلم كان ينفذ الآحاد ولكن لم قلتم ذلك لتبليغ الأخبار التي هي مدارك الأحكام الشرعية بل إنما كان ذلك بطريق الرسالة والقضاء واخذ الزكاة والفتوى وتعليم الأحكام.
سلمنا صحة التنفيذ بالأخبار التي هي مدارك للأحكام ولكن لا نسلم دلالة ذلك على ان خبر الواحد حجة بل جاز أن يكون ذلك لفائدة حصول العلم المبعوث إليهم بما تواتر بضم خبر ذلك غير الواحد إليه فان بعث عدد التواتر دفعة واحدة متعذر ومتعسر ومع هذه الاحتمالات لا يثبت كون خبر الواحد حجة والجواب ان المصنف المطلع على الأخبار والسير لا يمتري في أن الآحاد الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسلهم كان منهم الذاهب للقضاء والخارج لتبليغ الأحكام والسائر لغير ذلك كإرساله معاذ إلى اليمن وعتاب بن أسيد إلى أهل مكة وعثمان بن العاص إلى الطائف ودحية إلى قصر ملك الروم وعبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى وعمرو بن أمية الضميري إلى الحبشة وبعث إلى المقوقس صاحب الإسكندرية والي هوزه بن علي الحنفية وغيرهم وانما بعث هؤلاء ليدعوا إلى دينه وليقيموا الحجة وعلى هذا جرت عادته صلى الله عليه وسلم وليس يخفى ذلك على العلماء المبرزين بل على الجهال الذين لا خبرة لهم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم ولا يمتري في انهم بلغوا أخبارا تلقنها سامعها بالقبول غير ناظر إلى خبر آخر يعضدها ويصيرها تواترا ولا ملتفت إلى قرينة تساعدها وتصير للظن الحاصل بها علما بل لا يمتري المحدث في ان أهل بقاع كثيرة وقرى متفرقة لم تبلغهم الأحكام إلا مع الآحاد وعملوا بها ممتلئين مكلفين بما بلغهم على يد الآحاد منها هذا ما عندنا في جواب هذين السؤالين وهو جواب يقبله المصنف ولا يرده إلا متعسف وقال صفي الدين الهندي يمكن أن يجيب عن الأول بان الإفتاء في الزمان الأول في الأغلب إنما هو برواية الأخبار لاشتراكهم في العلم بما يتوقف عليه استنباط الأحكام من النصوص كالعلم باللغات والنحو والتصريف ولهذا كانوا يسألون
(2/308)

عن وقوع الواقعة من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ويبادرون إلى امتثال الخبر عند سماعه ولو كان ذلك بطريق الإفتاء لما كان ذلك:
وعن الثاني أنه لو كان كما ذكرتم لكان ينبغي أن لا ينكر عليهم عدم الإمتثال ما لم يتواتر لكن ذلك خلاف المعلوم منه عليه السلام ومن المبعوث.
قال قيل لو جاز اتباع المتبني والاعتقاد بالظن قلنا ما لجامع قيل الشرع يتبع المصلحة والشرع لا يجعل ما ليس بمصلحة مصلحة قلنا منقوض بالفتوى والأمور الدنيوية.
قد علمت أن المنكرين لخبر الواحد فريقان.
قال فريق لا ننكره لدليل قائم على منعه بل لعدم دليل على وجوب العمل به وقد ذكرنا ان هؤلاء تقوم الحجة عليهم بما قررناه من الوجوه الدالة على وجوب العمل به.
وقال فريق أن الدليل قام على منعه واحتجوا بأنه لو جاز العمل بخبر الواحد لمجرد إفادة الظن لجاز اتباع من ادعى نبوة أو رسالة بمجرد ظن صدقه من دون ابداء معجزة ولجاز إثبات الاعتقاد كمعرفة الله تعالى وصفاته بمجرد الظن وليس كذلك بالاتفاق والملازمة ثابتة بالقياس.
والجواب ان القياس لا بد فيه من ابداء الجامع بين المقيس والمقيس عليه وما الجامع هنا بين خبر الواحد والاعتقاد واتباع المتنبيء فإن ابدوا جامعا بان قالوا الجامع دفع ضرر المظنون وتقريره أنكم أيها القائلون بالآحاد قلتم إذا اخبر الواحد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه أمر بهذا الفعل مثلا حصل ظن وجدان الأمر وعندنا مقدمة يقينية وهي ان المخالفة سبب العقاب فيحصل الظن بأنا لو تركنا لصرنا مستحقين للعقاب فوجب العمل به لأنه إذا حصل الظن الراجح والتجويز المرجوح قدم الأول.
وهذا بعينه موجود في الصورتين اللتين ذكرناهما فنقول الفارق قائم وهو أن الاعتقاد والنبوة من أصول الدين والخطأ فيهما يوجب الكفر والضلال.
(2/309)

فلذلك اشترطنا القطع فيهما بخلاف الروايات المتعلقة بالفروع.
واحتجوا أيضا بأن الشرع على وفق مصالح العباد بالإجماع منا ومنكم وإن اختلفنا في أنه بطريق الوجوب أو بطريق الاختيار.
والظن الحاصل من خبر الواحد لا يجعل ما ليس بمصلحة مصلحة فإن الظن عرضة للخطأ والصواب فلا يعول عليه:
والجواب أن هذا موجود في الفتوى والأمور الدنيوية مع قيام الإجماع على قبول الواحد فيهما.
(2/310)

الباب الثالث في شرائظ العمل بالخبر
...
الباب الثالث في شرائط العمل بالخبر
قال الباب الثاني في شرائط العمل به وهي إما في المخبر أو المخبر عنه أو الخبر أما الأول فصفات تغلب.
ظن الصدق وهي خمس:
الأول: التكليف فإن غير المكلف لا يمنعه خشية الله تعالى قيل يصح الاقتداء بالصبي اعتمادا على خبره بطهره.
قلنا: لعدم توقف صحة صلاة المأموم على طهره.
للعمل بخبر الواحد شرائط منها ما هو في المخبر بكسر الباء وهو الراوي ومنها ما هو في المخبر عنه وهو مدلول الخبر ومنها ما هو في الخبر نفسه وهو اللفظ.
فأما الأول: وهو شروط الراوي فالضابط فيه كونه بحيث يكون ظن صدقه راجحا على ظن كذبه وشرائطه عند التفصيل.
ذكر المصنف أنها خمس وهو تساهل في العبارة فإن الخامس ليس شرطا على المختار عنده وعند الجماهير.
الأول: التكليف فلا تقبل رواية المجنون والصبي مراهقا كان أو لم يكن مميزا كان أو لم يكن أما المجنون والصبي الذي لا يميز فلعدم الضبط وعدم التمكن من الاحتراز عن الخلل وأما المميز فلأن الفاسق إذا لم تقبل روايته مع كونه يخاف الله ويخشى عقابه فالصبي الذي لا يمنعه خشية الله ولا يردعه رادع ديني لعدم تعلق التكليف به أولى بأن لا تقبل وقد اعتمد القاضي في رد رواية
(2/311)

الصبي على الإجماع وفاء بادعاء قيامه على ذلك في كتاب التلخيص.
وقال المعلق في التلخيص بعد هذه الدعوى وقد كان الإمام يحكي وجها في صحة رواية الصبي فلعله أسقطه.
قلت: والوجه المشار إليه موجود والخلاف معروف مشهور وقد ظهر اختلاف الفقهاء في قبول روايته في هلال رمضان فلم يجعلوه مسلوب العبارة بالكلية وستزيد فروعا من المذهب دالة على ذلك ان شاء الله تعالى.
فإن قيل أليس يقبل قول المميز في اخباره عن كونه متطهرا حتى يجوز الاقتداء به في الصلاة.
قلنا: ذلك لأن صحة صلاة المأموم لا تتوقف على صحة صلاة الإمام فإن صلاة المأموم ما لم يظن حدث الإمام صحيحة وان تبين بعد ذلك حدثه ففي الحقيقة لم يقبل قول الصبي.
فإن قلت: أتجعلون الصبي مسلوب العبارة بالكلية لا فرق ما بينه وبين المجنون والبهيمة قلت هذا هو القاعدة في أمره.
وفي البذهب فروع ترد نقضا على ذلك وكلها مختلف فيها ومنها ما هو على وجه ضعيف فمنها قبول قوله في روايه هلال رمضان ومنها إذا اخبر الصبي المميز بنجاسة أحد الأناءين فأصح الوجهين لا يقبل خبره ومنها إذا شهد صبيان بان فلان قتل فلانا فهل يكون ذلك لوثا فيه وجهان ومأخذ القبول أنهم جماعة كثيرة والغالب أن اتفاقهم يورث الظن ومنها صحة بيع الاختبار على وجه ومنها وصيته وفيها قولك ومنها تدبيره وفيه قولان ومنها أمانه وفيه طريقان ومنها إسلامه وأظهر الأقوال المنع ولو سلم على قوم ففي وجوب إجابته وجهان مبنيان على صحة إسلامه ومنها إذا قلنا يؤذن له في الأذن في دخول الدار وحمل الهدية.
قال الرافعي: فقد جعل وكيلا وقضية جعله وكيلا أن يكون له أن يوكل على خلاف فيه لغيره ومنها قال الروياني في البحر.
قال الزبيدي يجوز توكيل الصبي في طلاق زوجته وغلطه فيه ومنها إذا أعتق في مرض موته منجزا على نفوذه وجهان في الكفاية لابن الرفعة قال فإن
(2/312)

تحمل ثم بلغ وأدى قبل قياسا على الشهادة والإجماع على إحضار الصبيان مجالس الحديث ما تقدم فيما إذا أدى في حالة صباه أما إذا تحمل في صباه وأدى بعد بلوغه ففيه مذهبان محكيان في شرح اللمع للشيخ أبى إسحاق ومختصر التقريب للقاضي أصحهما وعليه الجمهور أن يقبل والدليل على ذلك الإجماع على قبول رواية ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير رضي الله عنهم من غير تفرقة بين ما تحملوه قبل البلوغ أو بعده.
قال القاضي في مختصر التقريب ثم أن عباس كان ابن سبع لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بلغ ابن الزبير أيضا حلمه في حياته صلى الله عليه وسلم قلت هذا وهم كان ابن عباس لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثلاث عشر سنة وقيل ابن عشر وهو ضعيف وقيل ابن خمس عشرة ورجحه أحمد بن حنبل وأما ابن الزبير فإنه ولد بعد عشرين شهرا من الهجرة فيصح ما ذكره القاضي من أنه لم يبلغ الحلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم والمصنف استدل على مذهب الجمهور بوجهين:
أحدهما: القياس على الشهادة إذا تحملها وهو صغير فإنها تقبل بإجماعنا والجامع أنه حال الأداء مسلم بالغ عاقل يحترز عن الكذب واعترض عليه بان الرواية تقتضي شرعا عاما فأحتيط فيها بخلاف الشهادة وقد يجاب بان باب الشهادة أضيق فكانت بالاحتياط أجدر.
والثاني: إجماع الكل على إحضار الصبيان مجالس الحديث وفيه نظر فإن الإحضار لعله لقصد البركة.
فائدة: الكافر إذا تحمل في حال كفره ثم أدى في الإسلام قبل على الصحيح وممن ذكر المسألة من الاصوليين القاضي في مختصر التقريب والإرشاد.
قال الثاني كونه من أهل القبلة فنقبل رواية الكافر الموافق كالمجسمة إن اعتقدوا حرمة الكذب فإنه يمنعه عنه وقاسه القاضيان بالفاسق والمخالف ورد بالفريق.
الكافر إما أن لا يكون منتميا إلى الملة الإسلامية كاليهودي والنصراني فلا تقبل روايته بالإجماع وإما أن يكون منتميا إليها وهو معنى قولنا من أهل القبلة وذلك كالمجسمة إذا قلنا بتكفيرهم.
(2/313)

فإن علمنا من مذهبهم جواز الكذب أما لنصرة رأيهم أو غير ذلك لم تقبل روايتهم وقد ادعى الاتفاق على ذلك مدعون وهذا عندي فيه تفصيل فإن اعتقدوا جواز الكذب مطلقا فالأمر كذلك وإن اعتقدوا جوازه في أمر خاص كالكذب فيما يتعلق بنصرة العقيدة أو الترغيب في الطاعة والترهيب عن المعصية لم يتجه الاتفاق إلا على رد رواياتهم فيما هو متعلق بذلك الأمر الخاص فقط وإن اعتقدوا حرمة الكذب ففيه مذهبان:
أحدهما: أنه لا يقبل وهو مذهب القاضي أبي بكر والقاضي عبد الجبار والغزالي والآمدي والأكثرين.
والثاني: يقبل وهو رأي الإمام وأتباعه وأبي الحسين البصري واستدلوا عليه بأن اعتقادهم حرمة الكذب بزجرهم عن الإقدام عليه فيحصل ظن صدقه فيجب العمل به.
قال القرافي وفيه نظر فإن من أهل الكتاب من يستقبح الكذب غاية الاستقباح ومع ذلك لا تقبل روايته بالإجماع واحتج القاضيان أبو بكر وعبد الجبار بقياسه على الفاسق قالا فإنه أعظم من الفاسق نكرا والفاسق مردود الرواية فليكن هذا هكذا بطريق الأولى وبالقياس على الكافر والمخالف في الملة بجامع الكفر والجواب أن الفرق بينه وبين الفاسق جهله بفسق نفسه فيحترز عن الكذب لذلك بخلاف الفاسق وأن الفرق بينه وبين المخالف أن كفر المخالف اغلظ.
وقد فرق الشرع بينهما في أمور كثيرة ولك أن تقيم هذا جوابا عن اعتراض القرافي الذي أوردنا فنقول إنما لم تقبل رواية أهل الكتاب وأن استقبحوا الكذب غاية لأن كفرهم اغلظ فكانوا بزيادة الإهانة أجدر والله أعلم.
قال الثالث: العدالة وهي ملكة في النفس تمنعها عن اقتراف الكبائر والرذائل المباحة.
ومن شروطه أن يكون عدلا ومعرفة كون الراوي عدلا يتوقف على معرفة العدالة عندنا عبارة عن استقامة السيرة والدين وحاصلها يرجع إلى أنها ملكة في
(2/314)

النفس تمنعها عن إقتراف الكبائر واقتراف الرذائل المباحة كالأكل في الطريق والبول في الشارع.
والضابط أن كل ما لا يؤمن معه الجراء على الكذب ويرد به الرواية ومالا فلا فإن قلت تعاطي الكبيرة الواحدة والرذيلة الواحدة تقدح وتعبيره بالكبائر والرذائل ينفي ذلك والإصرار على الصغيرة قادح ولا ذكر له في التعريف قلت أما الأول فالمراد جنس الكبائر والرذائل الصادق بواحدة.
وأما الثاني فقد قيل هذا من محاسن الكلام لأن الصغيرة بالإصرار تصير كبيرة فلو ذكر الإصرار على الصغيرة لأطال وكرر من غير فائدة فإن قلت التوقي عن الرذائل المباحة من المروءة التي هي شرط في قبول الشهادة وليست شرطا في العدالة وكلامكم أنها هو في العدالة ولرواية نفسها قلت صحيح ولكن لما كان الغرض الكلام في مقبول الرواية أخذ في وصف العدالة شرط القبول وهو تساهل ولو كانت العبارة مقبول الرواية! ذلو الملكة النفسية التي يحمل على ملازمة التقوى والمروءة لكانت أشد وأوضح.
ثم أعلم أن المروءة التي هي شرط في قبول الشهادة هي الترقي عن الأدناس ومنها ما هو مشترط في اصل العدالة.
ومن مجامع القول في ذلك ما ذكره القاضي الماوردي إذ قال المروءة على ثلاثة أضرب ضرب شرط في العدالة قال وهو مجانبة ما سخف من الكلام المؤدي إلى الضحك وترك ما قبح من الفعل الذي يلهو به أو يستقبح فمجانبة ذلك من المروءة المشترطة في العدالة وارتكابها مفسق وضرب لا يكون شرطا فيها وهو الإفضال بالمال والطعام والمساعدة بالنفس والجاه وضرب مختلف فيه وهو على ضربين عادات وصنائع فأما العادات فهو أن يقتدي فيها بأهل الصيانة دون أهل البذلة في أكله وملبسه وتصرفه فلا يتعرى من بلد يلبس فيه أهل الصيانة ثيابهم ولا يتزع سراويله في بلد يلبس فيه أهله السراويلات ولا يأكل على قوارع الطرق ولا يخرج عن العرف في مضغه ولا يغالي بكسرة أكله ولا يباشر ابتياع مأكوله ومشروبه وحمله بنفسه في بلد تتحاماه أهل الصيانة.
(2/315)

وفي إعتبار هذا الضرب من المروءة في شرط العدالة أربعة أوجه.
أحدها: أنه خير معتبر فيها.
والثاني: أنه معتبر فيها وإن لم يفسق.
والثالث: إن كان قد نشأ عليها من صغره لم يقدح في عدالته وأن استحدثها في كبره قدحت.
والرابع: إن اختصت بالدين قدحت كالبول قائما وفي الماء الراكد وكشف عورته إذا خلا وأن يتحدث بمساوئ الناس وأن اختصت بالدنيا لم يقدح كالأكل في الطريق وكشف الرأس بين الناس هذا كلام الماوردي وتحصلنا منه على أن المروءة شرط في أصل العدالة في الضرب الأول وفي الضرب الثاني عند بعضهم فيصبح قول المصنف أن المروءة ركن في أصل العدالة فإن قلت في حد الكبيرة أوجه:
أحدها: أنها المعصية الموجبة الحد.
والثاني: ما لحق صاحبها وعد شديد بنص كتاب أو سنة.
والثالث: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة.
والرابع: كل فعل نص الكتاب على تحريمه أوجب في جنسه حد هذا ما ذكروه في الضبط والتفصيل مستوعب في الفقهيات.
فإن قلت وما المراد بالصغائر وبالاصرار عليها قلت أما الصغيرة فالمعصية التي ليست كبيرة.
وأما الاصرار فقال ابن الرفعة لم أظفر فيه بما يثلج الصدر وقد عبر عند بعضهم بالمداومة وحينئذ هل المعتبر المداومة على نوع واحد من الصغائر أم الإكثار من الصغائر سواء كانت من نوع أو أنواع قال الرافعي منهم من يميل كلامه إلى الأول ومنهم من يفهم كلامه الثاني ويوافقه قول الجمهور من تغلب معاصيه طاعته كان مردود طاعته كان مردود الشهادة قال وإذا قلنا به تضر المداومة على نوع
(2/316)

واحد من الصغائر إذا غلبت الطاعات وعلى الأول تضر قال ابن الرفعة وقضية كلامه أن مداومة النفوع تضر على الوجهين.
أما على الأول فظاهر.
وأما على الثاني فلأنه في ضمن حكايته قال إن الإكثار من النوع الواحد كالإكثار من الأنواع وحينئذ لا يحسن معه التفصيل نعم يظهر أثرهما فيم إذا أتى بأنواع من الصغائر إن قلنا بالأول لم تضر وإن قلنا بالثاني ضر.
واعلم أن الصغائر كما تصير بالإصرار كبيرة كذلك بعض المباحات تصير بالإصرار صغيرة.
قال الغزالي في أثناء كتاب التوبة من إحياء علوم الدين وهو الكتاب الأول من ربع المنجيات الصغيرة تكبر بالمواظبة كما أن المباح يصير صغيرة بالمواظبة كاللعب بالشطرنج والترنم بالغناء على الدوام وغيره.
فإن قلت: هذا التعريف الذي قدمتموه في العدالة قضيته أن من لم يقدم على كبيرة ولا رذيلة ولم يكن في نفسه ملكة تمنعه عن اقتراف هذين وانما كف عنهما كفا من غير أن يكون في نفسه ملكة تدعوه إلى ذلك لا يكون عدلا فهل في هذا مخالفه لكلام الفقهاء فانهم يقولون إن العدل من لا يقدم على كبيرة ولا يصر على صغيرة فلا يقدم على ما يحرم المروءة وذلك اعم من أن يكون بداعية الملكة النفسية أولا قلت ظاهره المخالفة ولكنا نقول متى حصلت تلك الملكة لم يحصل الاقدام على ما يخل بالعدالة ومتى أقدم علمنا أن الملكة حاصلة فإن الملكة مستقلة بالمنع فمتى حصلت لا بد وأن يحصل الامتناع.
فإن قلت: هل يحرم تعاطي المباحات التي ترد بها الشهادة لاخلالها بالمروءة.
قلت: قد حكى ابن الرفعة أن سمع قاضي القضاة تقي الدين أبي عبد الله محمد بن الحسن بن رزين يقول بعض من لقيه بالشام من المشايخ كان يحكي في ذلك ثلاثة أوجه:
(2/317)

ثالثها: إن تعلقت به شهادة حرمت وإلا فلا لكن في البسيط والنهاية الجزم وبعدم التحريم وهو الظاهر.
قال: ولا تقبل رواية من أقدم على الفسق عالما وإن جهل قبل.
قال القاضي ضم جهل إلى فسق.
قلنا الفرق عدم الجراءة.
لما كانت العدالة شرطالم يجز قبول رواية من أقدم على الفسق عالما بكونه فسقا.
وقد حكى الإجماع على هذا وهذا واضح إن كان ما أقدم عليه مقطوعا بكونه فسقا واما إن كان مظنونا فيتجه تخريج خلاف فيه ان حكى وجه فيمن شرب النبيذ وهو يعتقد تحريمه أن شهادته لا ترد.
قال صاحب البحر وهو الذي مال إلى ترجيحه المتأخرون من الأصحاب ولا فرق بين الرواية والشهادة فيما يتعلق بالعدالة وان افترقا في أمور أخر وأما الجاهل بكونه فسقا فقد يجهل الحال بالكلية ويكون ساذجا والأمر من المظنونات كما لو شرب النبيذ ساذج لا يعتقد الحل ولا التحريم ففي فسقه ورد شهادته بعد إقامة الحد عليه وجهان حكاهما الماوردي في الحاوي لا بد من جريان مثلهما في رد روايته على أن الوجهين المذكورين لا بد من فرضهما في رجل جاهل بالقاعدة المشهورة وهي أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعرف حكم الله فيه.
وقد حكى الشافعي في الرسالة الإجماع على هذه القاعدة وكذلك حكاه الغزالي ثم أنهما أعني الوجهين لا يتجهان إلا تخريجا على حكم الأشياء قبل ورود الشرع والمارودي كثيرا ما يخرج على ذلك وقد يكون ظانا الحل فتقبل روايته إما ان كان ما اقدم عليه من المظنونات فقد حكى الإمام فيه الاتفاق.
قال الهندي وإلا ظهر أن فيه خلافا كما في الشهادة اذ نقل وجه في الشهادة أنها ترد به ولكن الصحيح أنها لا ترد.
(2/318)

قال الشافعي رضي الله عنه اقبل شهادة الحنفي وأحده إذا شرب النبيذ وإن كان من القطعيات فكذلك على المختار خلافا للقاضي أبي بكر والجبائي وأبي هاشم وتبعهم الآمدي.
قال الشافعي أقبل شهادة أهل الاهواء إلا الخطابية من الرافضة لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم لنا إن ظن صدقه راجح والعمل بالظن واجب واحتج القاضي ومن نحا نحوه بأن الاقدام على الفسق من العالم قبيح موجب للرد والجاهل إذا قدم عليه كان أولى بالرد إذ زاد قبيحا آخر على الفسق وهو الجهل فإذا منع الفسق بمجرده من القبول فلأن يمنع والجهل مضاف إليه أولى.
وأجاب المصنف بأن الفرق بين من أقدم عالما ومن أقدم جاهلا أن إقدام الأول يدل على الجراءة وقلة المبالاة بالمعصية فيغلب على الظن كذبه بخلاف الجاهل قلت ولعل القاضي رحمه الله يقول ترك استرشاده في التشبهات تهاون بالدين فصار فاسقا وبهذه الكلمة اعتل من ذهب إلى تفسيق الساذج الذي لا يعتقد الحل ولا التحريم كما تقدمت حكايته آنفا وهو هنا ابلغ بخلاف الأمر الظني المجتهد فيه.
قال ومن لا تعرف عدالته لا تقبل روايته لأن الفسق مانع ولا بد من تحقق عدمه كالصبا والكفر والعدالة تعرف بالتزكية وفيها مسائل:
مجهول العدالة لا تقبل روايته عند الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم بل لابد من البحث عن سيرته باطنا وعليه الإمام وأتباعه منهم المصنف.
وقال أبو حنيفة يكتفى في قبول الرواية بظهور الإسلام والسلامة عن الفسق ظاهر أمثاله ما روى المخالف عن أم سلمة أنها قالت كانت النفساء تقعد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوما وهذا ما رواه أبو سهل عن مسة الأذرية عن أم سلمة وأبو سهل ومسة مجهولان ذكره القاضي أبو الطيب ومثل ذلك كثير.
فإن قيل: قد قبلتم المجهول وذلك أن عبد الرحمن بن وعلة المصري رجل
(2/319)

مجهول وقد روى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أيما أهاب دبغ فقد طهر" 1.
ونقل عن أحمد بن حنبل أنه ذكر له حديثه هذا فقال ومن أبن وعلة قلنا ليس ابن وعلة مجهولا بل هو ثقة روى عنه زيد بن اسلم ويحيى بن سعيد وغيرهما ووثقه ابن معين والعجلي والنسائي وروى له مسلم والأربعة.
فإن قيل روى خالد بن أبى الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة أنها قالت بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسخا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم فقال أو قد فعلوها تحولوا بمقدتي إلى القبلة وخالد مجهول.
وحكى أبو بكر بن المنذر في كتابه هذا عن أبي ثور قلنا خالد معروف روى له ابن ماجة وروى عنه سفيان بن حسين ومبارك بن فضالة وغيرهما ذكره ابن حبان في الثقات.
قال شيخنا الذهبي وما علمت أحدا تعرض إلى لينه.
وقال القاضي أبو الطيب ان أبا بكر بن المنذر أجاب عن هذا بأن أحمد بن حنبل قال مخرج هذا الحديث حسن قال.
وقال غيره روى عنه خالد الحذاء ومبارك بن فضالة وواصل مولى بن عيينة وهؤلاء ثقات فوجب أن يكون خالد معروفا وقد استدل المصنف على المختار بأن الفسق مانع من القبول باتفاق فلا بد من تحقق ظن عدمه قياسا على الصبي والكفر بجامع رفع احتمال المفسدة وهذا الدليل فيه نظر لأنا إذا شككنا في المنافع فالأصل عدمه فقد حصل ظن عدمه بدليل الأصل لأن عدم المانع ليس شرطا حتى يشترط تحقق عدمه وكثير من الفقهاء يتخيل انه شرط وليس كذلك بل عدم المانع ليس بشرط وعدم الشرط ليس بمانع ودليله أن الشك في عدم الشرط يمنع ترتب الحكم لأن القاعدة أن المشكوكات كالمعدومات فكل شيء
__________
1 حديث صحيح رواه الترمذي باب جلود الميتة إذا دبغت وابن ماجة كتاب اللباس باب جلود الميتة إذا دبغت كما رواه الإمام الشافعي ومسلم في صحبحه بلفظ إذا د بغ الإهاب فقد طهر.
(2/320)

شككنا في وجوده أو عدمه جعلنا معدوما فلو كان عدم الشرط مانعا أو عدم المانع شرطا لزم من الشك فيه أن ترتب الحكم لأنه مانع وأن لا نرتبه لأنه شرط فنرتبه ولا نرتبه وهذا يوضع بين النقيضين واعلم ان أبا حنيفة إنما يقبل رواية المجهول إذا كان في صدر الإسلام حيث الغالب على الناس العدالة أما في هذا الزمان فلا صرح به بعض المتأخرين من أصحابه ثم ذكر صاحب الكتاب من الطريق التي تعرف بها العدالة التزكية واخل بذكر الاختبار وإن كان هو الأصل إذ ليس مستند التزكية إلا هو إما بمرتبة أو مراتب دفعا للتسلسل لأن مقصود الفصل الكلام في أحكام التزكية وقد ذكر المصنف فيه أربع مسائل:
قال: الأولى: في شرط العدالة في الرواية والشهادة ومنع القاضي فيهما والحق الفرق كالأصل.
في اشتراط العدد وفي الرواية والشهادة مذاهب:
أحدها: يشترط فيهما وهو رأي بعض المحدثين.
والثاني: لا يشترط بل يكفي فيهما واحد وهو قول القاضي.
والثالث: وبه قال الأكثرون أن العدد يشترط في التزكية في الشهادة دون التزكية في الرواية وحجته أن الشهادة نفسها لا بد فيها من العدد فكذلك ما هو شرط فيها والرواية لا يشترط فيها العدد فكذا شرطها واليه أشار بقوله كالأصل ويؤخذ منه قبول تزكية المرأة والعبد في الرواية وهو كذلك.
قال: الثانية: قال الشافعي رضي الله عنه يذكر سبب الجرح وقيل سبب التعديل وقيل سببهما قال القاضي لا فيهما.
قال الشافعي رضي الله عنه يجب ذكر سبب الجرح دون التعديل إذ قد يجرح بما لا يكون جارحا لا اختلاف المذاهب فيه بخلاف العدالة إذ ليس لها إلا سبب واحد ولأن الجرح يحصل بخصلة واحدة بخلاف التعديل وقيل عكسه لأن مطلق الجرح يبطل الثقة ومطلق التعديل لا يحصل الثقة لتسارع الناس إلى الثناء اعتمادا على الظاهر فلا بد من سببه وقيل لا بد من تبيين السبب فيهما جميعا أخذا بمجامع كلام الفريقين وقال القاضي لا يجب ذكر السبب
(2/321)

فيهما لأنه ان لم يكن بصيرا بهذا الشأن لم يصلح للتزكية وإن كان بصيرا به فلا معنى للسؤال كذا نص عليه في مختصر التقريب ونقله عنه الآمدي والغزالي والإمام واتباعه منهم المصنف ونقل إمام الحرمين في البرهان عنه المذهب الثاني وهو اشتراط بيان السبب في التعديل دون الجرح وقال انه أوقع في مأخذ الأصول وقال إمام الحرمين والإمام وغيرهما أن كان المزكي عالما بأسباب الجرح والتعديل اكتفينا بإطلاقه فيهما وإن لم يعرف اطلاعه على شرائطهما إستخبرناه عن أسبابهما ويشبه أن لا يكون هذا مذهبا خامسا لأنه إذا لم يكن عارفا بشروط العدالة لم يصلح للتزكية.
قال الثالثة: الجرح مقدم على التعديل لأن فيه زيادة.
الجرح يقدم عند التعارض على التعديل أن كان فيه اطلاع على زيادة لم يطل عليها المعدل اللهم إلا إذا جرحه بقتل إنسان وقت كذا فقال المزكي رأيته حيا بعد ذلك فهنا يتعارضان وهذا إذا كان المعدل والجارح في العدد سواء وقد حكى ابن الحاجب مذهبا أنهما يتعارضان ولا يترجح أحدهما بمرجح واعلم أن الاستدلال بالإجماع إذا كان قد قام كما حكاه القاضي أقوى الحجج على المدعي لأن الزيادة التي ذكرها الجارح قد ينفيها المعدل.
فإن قلت لو نفاها كان شاهدا على النفي فلا تقبل شهادته قلت إنما كلامنا في الرواية فهو مخبر عن النفي والأخبار نفيا وإثباتا مقبولا بخلاف الشهادة فلا يقاس أحدهما بالآخر نعم قال القاضي الاخبار عن النفي يضعف وأما إن كثر عدد المعدلين وقل عدد الجارحين فقد صار بعض العلماء إلى أن العدالة في مثل هذه الصورة أولى والحق التسوية فإن كل واحد من الجرح والتعديل يستقل بنفسه لو قدر مفرد فالزيادة لا تقضي بغير ذلك.
قال القاضي ونوضحه أن عشرة من الشهود لو شهدوا على ثبوت دين وشهد علان على ابراء مستحقه عنه فيقضي بالابراء فإنهما أخبرا عما أخبر الشهود عنه وانفراد بزيادة علم وهذا شأن الجارح مع المعدلين.
قال الرابعة: التزكية أن يحكم بشهادته أو يثني عليه أن يروي عن غير العدل أو يعمل بخبره.
(2/322)

للتزكية أربع مراتب أعلاها أن يحكم بشهادته وثانيها أن يثني عليه بأن يقول هو عدل وما أشبهه وقال بعض الشافعية لا بد وأن يقول هو عدل على ولي وثالثها إذا روى عنه من لا يروي عن غير العدل فإنه يكون تعديلا على المختار عند الإمام والآمدي كالبخاري ومسلم في صحيحهما وقيل الرواية تعديل مطلقا وقيل عكسه كما أن تركها ليس بجرح ورابعها إذا عمل بمدلول ما أخبر به ولم يمكن حمله على العمل بدليل آخر فهو تعديل وقد نقل الآمدي الاتفاق على ذلك وليس بجيد فإن الخلاف محكي في مختصر التقريب للقاضي وأما ترك العمل بما رواه هل يكون جرحا.
فقال القاضي في مختصر التقريب ان تحقق تركه للعمل بالخبر مع ارتفاع الروافع والموانع وتقرر عندنا تركه موجب الخبر مع أنه لو كان ثابتا للزم العمل به فيكون ذلك جرحا وإن كان مضمون الخبر مما يسوغ تركه ولم يتبين قصده إلى مخالفة الخبر فلا يكون جرحا.
فائدة: أطلق الإمام أن الحكم بالشهادة تزكية كما في الكتاب.
وقيده الآمدي إذا لم يكن الحاكم ممن يرى قبول الفاسق الذي لا يكذب وهو قيد صحيح إلا أنه لا يختص بهذا القسم.
فإن القسم الرابع كذلك.
قال: الرابع: الضبط وعدم المساهلة في الحديث وشرط أبو على العدد ورد بقبول الصحابة خبر الواحد قال طلبوا العدد قلنا عند التهمة.
الشرط الرابع: من شروط الراوي أن يكون بحيث يؤمن من الكذب والخطأ فيما رواه وذلك يستدعي حصول أمرين.
أحدهما: الضبط فمن يكون مختل الطبع لا يقدر على الحفظ أصلا لا يقبل خبره البتة وكذا يعتريه السهو غالبا ورب من يضبط قصار الأحاديث دون طوالها لقدرته على ضبط تلك دون هذه فتقبل روايته فيما علم ضبطه إياه.
الثاني: ولعله يدخل في الأول عدم التساهل فلو روى الحديث وهو غير
(2/323)

واثق به لم يقبله وإن كان التساهل في غير الحديث ويحتاط في الحديث قبلت روايته على الأظهر وإلى ذلك أشار المصنف بقوله في الحديث.
وشرط أبو علي الجبائي العدد في كل خبر.
وقال كما حكى عنه القاضي عبد الجبار لا يقبل في الزنا إلا خبر أربعة كالشهادة عليه.
ونقل القرافي عن كتاب المحصول في الأصول لابن العربي أن الجبائي اشترط في قبول الخبر اثنين وشرط على الإثنين إثنين إلى أن ينتهي الخبر إلى التاسع وهذا الذي قاله مردود بقبول الصحابة خبر العدل الواحد كعمل علي بخبر المقداد وتعويلهم على خبر عائشة في التقاء الختانين وغير ذلك.
واحتج بانهم طلبوا العدد في أماكن فإن ابا بكر رضي الله عنه لم يقبل المغيرة في الجدة حتى رواه معه محمد بن مسلمة ولم يعمل عمر بخبر أبي موسى في الاستئذان1 حتى رواه أبو سعيد الخدري وغير ذلك.
والجواب أنهم لم يطلبوا العدد إلا عند الريبة في صحة الرواية أما لاحتمال نسيان من رواه أو غير ذلك.
وبهذا يحصل الجمع بين قبولهم تارة وردهم أخرى وحكى ابن الأثير في جامع الأصول أن بعضهم اشترط أربعة عن أربعة إلى أن ينتهي الإسناد.
قال: الخامس: شرط أبو حنيفة فقه الراوي ان خالف القياس ورد بأن العدالة تغلب ظن الصدق فيكفي.
الراوي لا يشترط أن يكون فقيها عند الأكثرين سواء كانت روايته مخالفة للقياس أم لم تكن.
__________
1 هو: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار من بني الأشعر ويكنى بأبي موسى صحابي جليل ولد سنة 21 ق هـ وتوفي سنة 44هـ أسد الغابة 3/367.وخبره في الاستئذان هو قوله صلى الله عليه وسلم: "أأستأذن أحدكم على صاحبه فلم يؤذن له فلينصرف" أخرجهالبخاري ومسلم وأبو داود ومالك وأحمد كما في الفتح الكبير 1/77 فلم يقبله عمر حتى شهد معه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه تقدمت ترجمته.
(2/324)

وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يشترط فقهه ان خالفه القياس لأن الدليل نحو قوله: {إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} ينفي جواز العمل بخبر الواحد خالفناه فيما إذا كان الراوي فقيها لأن الاعتماد على روايته أوثق فوجب بقاء ما عداه على الأصل رد بأن عدالة الراوي تغلب ظن صدقه والعمل بالظن واجب كما تقرر وبقوله صلى الله عليه وسلم: "نضر الله أمرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها" إلى قوله: "فرب حامل فقه ليس بفقيه" 1 فهذا صريح في الباب.
واما الثاني: فلا يخالفه قاطع ولا يقبل التأويل ولا يضره مخالفة القياس ما لم يكن قطعي المقدمات بل يقدم لقلة مقدماته وعمل الأكثر والراوي.
انقضت شروط المخبر بكسر الباء والكلام الآن في شرط المخبر عنه وشرطه أن لا يخالفه دليل قاطع لقيام الإجماع على تقديم المقطوع على المظنون فإن خالفه دليل قاطع فذلك القاطع إما عقلي أو سمعي فإن كان عقليا نظر فإن كان ذلك الخبر قابلا للتأويل القريب الذي طرق أذن من هو أهل اللسان سمعه ولم ينب عنه طبعه وجب تأويله جمعا بين الدليلين.
وإلا قطعنا بأنه لم يصدر من الشارع لأن الدليل القطعي لا يحتمل الصرف عما دل عليه بوجه من الوجوه لا بالتخصيص ولا بالتأويل إلا بغيرهما فيجب القطع بأنه مكذوب على الشارع ضرورة أن الشارع لا يصدر عنه الكذب ولو صدر عنه هذا للزم صدور الكذب وهو محال وإن كان سمعيا فإن لم يكن الجمع بينهما فالحكم كما سبق.
هذا إذا علم تأخير المظنون عن المقطوع أو جهل التاريخ إذ لا يجوز الحمل على النسخ فان نسخ المقطوع بالمظنون غير جائز شرعا فإن علم تأخير المقطوع عنه حمل على أنه منسوخ ولا يقطع بكذبه وإن كان الجمع غير ممكن لتحقق شرط النسخ.
__________
1 حديث صحيح رواه الترمذي من حديث زيد بن ثابت كما رواه أحمد والترمذي وابن حبان من حديث ابن مسعود بلفظ " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها. ثم بلغها عني فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" وللحديث روايات أخر.
أنظر الفتح الكبير 3/262.
(2/325)

وبهذا يفارق ما نحن فيه الصورة التي تجهل التاريخ فيها فإنه وإن أمكن في تلك الصورة أن يحمل على أن المظنون منسوخ بالمقطوع لكن لم يتحقق شرط النسخ فلا يقطع به بمجرد الاحتمال فإن الآفات العارضة للراوي من كذب ونسيان وغيرهما محتملة بل ربما يكون الحمل عليها أهون من الحمل على النسخ مع عدم تحقيق شرطه هذا شرط خبر الواحد.
وأما ما ظن أنه شرط له وليس كذلك فمنه إذا عارض خبر الواحد القياس فأما أن يقتضي أحدهما تخصيص الآخر لأن فيخصيص العلة وخبر الواحد بالقياس جائز وأن تباينا من كل وجه وفيه كلام المصنف فينظر في مقدمات القياس فان ثبت بدليل قطعي قدمنا القياس على خبر الواحد وذلك واضح.
وإن لم تكن مقدمات القياس قطعية فإن كانت كلها ظنية قدم الخبر لقلة مقدماته ولا يتجه أن يكون هذا محل خلاف وإن كان كلام بعضهم وهو طريقة الآمدي يقتضي أنه من صور الخلاف لكنه بعيد وإن كان البعض قطعيا والبعض ظنيا فمفهوم كلام المصنف أن خبر الواحد مقدم أيضا وهو قول الشافعي رضي الله عنه واختيار الإمام وجماعة وقال مالك القياس راجح.
وقال عيسى بن ابان إن كان الراوي ضابطا عالما قدم خبره وإلا كان في محل الاجتهاد وتوقف قوم المختار عندنا ما ذهب إليه أبو الحسين وهو أنه يجتهد فإن كانت إمارة القياس أقوى وجب المصير إليها وإلا فبالعكس وإن استويا في إفادة الظن فالوجه ما ذهب إليه الشافعي ومنه عمل أكثر الأمة بعض الأمة بخلاف خبر الواحد أي لا يوجب رده لأن أكثر الأمة بعض الأمة.
وقول بعض ليس بحجة ومن يقول اتفاق الأكثر إجماع ولا عبرة بالمخالف إذا ندر فاللائق بمذهبه أن يرد به الخبر واما عندنا فلا لكن قول الأكثر من المرجحات فيقدم عند التعارض بمعنى أنه إذا عارض خبر الواحد خبر آخر مثله متعضد بعمل الأكثر قدم على الآخر الذي ليس معه عمل الأكثر ومنه عمل راوي الخبر بخلافه أي بخلاف ظاهر الخبر لا يوجب رده.
(2/326)

كما أشار إليه بقوله والراوي عطفا على عمل الأكثر أي ولا يضره مخالفة الراوي وهل المراد بالراوي الصحابي أو أعم من ذلك فيه الكلام المتقدم في أثناء الخصوص وذهب أكثر الحنفية إلى أن عمل الراوي بخلاف الخبر يقدح في الخبر ولا يجوز الأخذ إلا بعمل الراوي وقال عبد الجبار وأبو الحسين إن لم يكن لمذهبه وتأويله وجه إلا أنه علم بالضرورة أنه عليه السلام أراد ذلك الذي ذهب إليه من ذلك الخبر وجب المصير إليه إن لم يعلم ذلك بل جوزنا أن يكون قد صار إليه لنص أو قياس وجب النظر في ذلك.
فإن اقتضى ما ذهب إليه وجب المصير إليه وان لم يقتض ذلك لم يطلع على مأخذه وجب المصير إلى ظاهر الخبر.
وذلك لأن الحجة إنما هي في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مذهب الراوي وظاهر كلامه صلى الله عليه وسلم يدل على معنى غير ما ذهب إليه الراوي فوجب المصير إليه وعدم الالتفات إلى مذهب الراوي.
قال: وأما الثالث: ففيه مسائل الأولى لألفاظ الصحابي سبع درجات:
الأولى: حدثني ونحوه.
الثانية: قال الاحتمال التوسط.
الثالثة: أمر لاحتمال اعتقاده ما ليس بأمر أمرا والعموم والخصوص والدوام واللادوام.
الرابعة: أمرنا وهو حجة عند الشافعي لأن من طاوع أمرا إذا قاله فهم منه أمره ولأن غرضه بيان الشرع.
الخامسة: من السنة وعن النبي عليه السلام.
السادسة: قيل للتوسط.
السابعة: كنا نفعل في عهده.
هذا هو الثالث من شرائط العمل بخبر الواحد وهو الكلام في الخبر وفيه مسائل.
(2/327)

الأولى: في بيان ألفاظ الصحابي ومراتبها وقد أتى المصنف رحمه الله بلفظ جامع لها وهو قوله درجات الدرجة الأولى أن يقول حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحوه مثل سمعت وأخبرني أو شافهني فهذا خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم واجب القبول انفاقا.
الثانية: أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا فهذا ظاهرة النقل فيكون حجة لكنه ليس نصا صريحا لاحتمال أن يكون قد وصل إليه بواسطة فتكون مرتبته دون الأولى.
الثالثة: أن يقول أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكذا ونهى عن كذا فهذا يتطرق إليه هذا الاحتمال مع احتمال آخر وهو احتمال ظنه ما ليس بأمر أمرا وأيضا فليس فيه أنه أمر الكل أو البعض ولأن الأمر به يدوم أولا فربما اعتقد شيئا لا يوافق اجتهادنا وقول المصنف لاحتمال تعليل لكونه دون الدرجة الثانية لكن الظاهر من حال الصحابي أنه إنما يطلق هذه اللفظة إذا تيقن المراد لذلك ذهب الأكثرون إلى أنه حجة وخالف داود الظاهري وبعض المتكلمين والقاضي في مختصر التقريب حكى عن داود أنه صار إلى التوقف في ذلك وإلى التوقف مال الإمام.
الرابعة: ان يبني الصيغة للمفعول فيقول أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو وجب علينا كذا وما أشبه ذلك والذي عليه الشافعي رضوان الله عليه وأكثر الأئمة وهو اختيار الإمام والآمدي أن ذلك يفيد أن الآمر والناهي هو الرسول صلى الله عليه وسلم فيكون حجة وذهب الصيرفي والكرخي وغيرهما إلى أن ذلك متردد بين أمر الله الذي اشتمل عليه كتابه المنزل وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأمر كل الأمة أو بعض الولاة وبين أن يكون قال ذلك استنباطا لقياس أو غيره بحسب تأدية اجتهاده فلا يكون حجة وأصبح الأولون بوجهين.
أحدهما: أن من لزم طاعة رئيس فإنه إذا قال أمرنا بكذا فهم منه أمر ذلك الرئيس لا يفهم ممن يقول في دار السلطان أمرنا بكذا إلا أن الأمر السلطان.
(2/328)

والثاني: أن غرض الصحابي تعليمنا الشرع فيجب حمله على من صدر الشرع عنه دون الائحة والولاة وأما حمله على أمر الله فمنتف لأن أمر الله تعالى ظاهر للكل لا يستفاد من قول الصحابي وحمله على الإجماع متعذر لأن ذلك الصحابي من الأمة وهو لا يأمر نفسه وانما قلنا إن هذه المرتبة دون الثالثة لاحتمالها ما تحتمل تلك مع زيادة ما ذكرناه.
الخامس: أن يقرر من السنة كذا وهو حجة عند جماعة يجب حمله على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذا ما عليه الإمام والآمدي والمتأخرون وخالف الكرخي والصيرفي والمحققون كما ذكر إمام الحرمين في البرهان:
وقال المازري أحد قولي الشافعي أنه ليس بحجة وحكى القاضي في مختصر التقريب اختلاف أصحابنا في ذلك وقد قال الشافعي في القديم إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية أي تساوي في العقل.
فإن زاد الواجب على الثلث صارت على النصف وذكر أن هذا القول القديم مرجوع عنه وأن الشافعي رضي الله عنه قال كان مالك يذكر أنه السنة وكنت أتابعه عليه وفي نفس منه شبهة حتى علمت انه يريد سنة أهل المدينة فرجعت عنه وهذا من الشافعي يدل على أن قوله من السنة ظاهر في أن المراد به سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يقم دليل على أن المراد سنة البلد أو غير ذلك.
ويدل أيضا على أن هذا لا يختص بالصحابي بل يعم كل متكلم على لسان الشرع كمالك وغيره وحجة الأولين ما تقدم في أمرنا ونهينا وهذه الدرجة دون الرابعة لاحتمالها ما نحتمل تلك مع زيادة احتمال سنة البلد أي طريقتها أو غير ذلك.
وإمام الحرمين قال إنها بمثابة تلك وكأنه رأى هذا الأحتمال مرجوحا لبعده من المتكلم على لسان الشريعة ومالك رضي الله عنه وإن كان قد وقع منه قوله من السنة مع إرادته سنة البلد فما ذلك إلا لأن إجماع المدينة عنده حجة فكانت
(2/329)

طريقها عنده من السنة فلذلك أطلق قوله من السنة وأراد سنة المدينة ولا يقع منه ذلك في بلد غيرها.
السادسة: أن يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم واختلفوا فيه فقال قوم بظهوره في إنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فيكون حجة وهو رأي المصنف وصفي الدين الهندي وأما الإمام وغيرهما من اتباعه فلم يرجح أحد منهم شيئا.
السابعة: أن يقول كنا نفعل في عهده صلى الله عليه وسلم كذا وكانوا يفعلون كذا ومنه قول عائشة رضي الله عنها كانوا لا يقطعون في الشيء التافه والأكثرون على أنه حجة وهو اختيار الآمدي.
ومقتضى اختيار الإمام هنا إلا أنه جعله مرتبة سابعة كما فعل المصنف ولم يصرح في السادسة بترجيح وقضية تقديمها ترجيحها وحجة الاكثرين أن قوله كنا نفعل وكانوا يفعلون ظاهر في فعل الجماعة وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لأن قصد الصحابي بيان الشريعة وهذه الدرجة دون التي قبلها لاختصاصها باحتمال أن يكون فعل بعضهم ولم يطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم لأن قصد الصحابي واعلم أن كلام المصنف ربما يوهم توقف الاحتجاج بقول الصحابي كنا نفعل على تقييده بعهد النبي صلى الله عليه وسلم وفيه مخالفة لكلام غيره والذي عندي في ذلك أن لهذه الدرجة ألفاظا.
أعلاها: أن يقول كنا معاشر الناس أو كانت الناس تفعل ذلك في عهده صلى الله عليه وسلم.
وهذا ما لا يتجه في القول بكونه حجة خلافا لتصريحه بنقل الاجماع المتعضد بتقرير النبي.
والثانية: كنا نفعل في عهده صلى الله عليه وسلم ولا يصرح بجميع الناس فهذه دون ذلك لأن الضمير في قوله كنا يحتمل أن يعود على طائفة مخصوصة.
والثالثة أن يقول كان الناس يفعلون كذا ولا يصرح بعهد النبي صلى الله عليه وسلم فهذه دون الثانية من جهة عدم التصريح بعده صلى الله عليه وسلم وفوقها من جهة تصريحه بجميع الناس فيحتمل أن يقال لتساويها وإلا ظهر رجحان تلك لأن التقييد بعهد النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر في أنه قرر عليه وتقريره تشريع سواء كان لواحد أو لجماعة.
(2/330)

وأما هذه فغايتها أنها ظاهرة في نقل الاجماع بخبر الواحد فيه من الخلاف ما هو معروف.
والرابعة: أن يقول كنا نفعل كذا وكانوا يفعلون كذا وهي دون الكلام لعدم التصريح بالنبي صلى الله عليه وسلم ومما يعود عليه ضمير قوله كنا وكانوا فهذه طرق الصحابي في نقل الحديث النبوي والصحابي عند الأكثرين هو من رأي النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه ولحظة سواء روي عنه أو لم يرو وقيل من طالت صحبته وإن لم يرو وقيل من طالت صحبته وأخذ عنه العلم وروي وتثبت الصحة بالنقل أو بالتواتر أو الآحاد وبقول المعاصر العدل أنا صحابي أو رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وصحبته ومن الناس من توقف في ثبوتها بقوله لما في ذلك من دعواه رتبة لنفسه وهو توقف ظاهر فإن المرء لو قال أنا عدل لم يلتفت إلى مقاله لدعواه لنفسه خصلة شريفة فكيف إذا ادعى الصحبة التي هي فوق منصب العدالة بأضعاف مضاعفة فهذا ما يجب التوقف فيه.
قال: الثانية لغير الصحابي أن يروي إذا سمع الشيخ أو قرأ عليه ويقول له هل سمعت فيقول نعم أو أشار أو سكت وظن إجابته عند المحدثين أو كتب الشيخ أو قال سمعت ما في هذا الكتاب أو يجيز له.
هذه المسألة في رواية غير الصحابي وذلك أيضا على سبع مراتب.
الأولى: أن يسمع من لفظ الشيخ فيلزمه العمل بالخبر ثم هو ينقسم إلى أملا وتحديث من غير أملا وسواء كان من حفظه أو من كتابه وهذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير.
وللسامع في هذا القسم أن يقول أخبرني وحدثني او سمعت أو أخبرنا أو حدثنا وهذا إن قصد الراوي إسماعه إما خاصة أو كان في جمع قصد الراوي إسماعهم وإن لم يقصد الشيخ إسماعه لا في وحدة فليس له أن يقول ألا سمعته يحدث عن فلان سأل الخطيب أبو بكر الحافظ شيخه الحافظ أبي بكر اليرقاني عن السر في كونه يقول فيما رواه لهم عن أبي القاسم عبد الله بن إبراهيم الجرجاني الابتذوبي سمت سمعت ولا يقول حدثنا ولا أخبرنا فذكر له أبا
(2/331)

القاسم كان مع علو قدره عسرا في الرواية وكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يعلم بحضوره فيسمع منه ما يحدث به الشخص الداخل عليه وحده.
الثانية: أن يقرأ عليه وأكثر المحدثين يسمعون القراءة على الشيخ عرضا من حيث أن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرأه ويقول له بعد الفراغ من القراءة أو قبلها هل سمعت.
فيقول الشيخ نعم أو يقول بعد الفراغ الأمر كما قرىء علي ولا خلاف أنها رواية صحيحة إلا ما كحى عن بعض من لا يعتد بخلافه واختلفوا في أنها مثل السماع من لفظ الشيخ في المرتبة أو دونه أو فوقه والصحيح ترجيح السماع من لفظ الشيخ والحكم بأن القراءة علته مرتبة ثانية.
وهو مذهب جمهور أهل المشرق وللقارئ هنا أن يقول قرأت على فلان وللسامع أن يقول قريء عليه وأنا أسمع فأقر به وله أن يقول حديثا قراءة عليه أو أخبرنا قراءة عليه وأما إطلاق حدثنا وأخبرنا ففيه مذاهب.
أحدهما: المنع منهما جميعا وبه قال ابن المبارك ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل والنسائي.
والثاني: التجويز وأنه كالسماع من لفظ الشيخ في جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا.
وبه قال الزهري ومالك وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان والبخاري ومن هؤلاء من أجاز فيها أيضا أن يقول سمعت فلانا حكاه ابن الصلاح.
والثالث: المنع من إطلاق حدثنا ويجوز أخبرنا وهو قول الشافعي وأصحابه ومسلم بن الحجاج وجمهور أهل المشرق والاحتجاج له ليس بأمر لغوي وإنما هو اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث وقد قرأ ابو حاتم محمد بن يعقوب الهروي صحيح البخاري على بعض الشيوخ عن الفريري وكان يقول له في كل حديث حدثكم الفريري فلما فرغ
(2/332)

من الكتاب سمع الشيخ يذكر أنه سمع الكتاب من الفريري قراءة عليه فأعاد أبو حاتم قراءة جميع الكتاب عليه وقال له في جيعه أخبركم الفريري.
الثالثة: أن يقرأ على الشيخ ويقول له هل سمعته فيشير الشيخ بإصبعه أو رأسه فالإشارة ههنا كالعبارة في وجوب العمل بذلك الخبر وكذا في جواز الرواية عنه على الصحيح.
الرابعة: أن يقرأ على الشيخ ويقول بقوله هل سمعته فيسكت الشيخ ويغلب على ظن القارئ بقرينة الحال إجابته له فيجب العمل به بلا خلاف وأما جواز الرواية فالجمهور من المحدثين وغيرهم عليها لأن سكوته نازل منزلة تصريحه بتصديق القارئ وشرط قوم إقرار الشيخ نطقا وبه قطع الشيخ أبو اسحاق الشيرازي وسليم الرازي وأبو نصر الصباغ.
الخامسة: يكتب الشيخ الى شخص سمعت كذا من فلان فللمكتوب إليه إذا علم خط الشيخ أو ظنه أنه يعمل به وله أن يروي عنه إذا اقترنت المكاتبة بلفظ الأجازة بأن يقول أجزت لك ما كتبته إليك أو نحو ذلك وأما إن تجردت المكاتبة فقد أجاز الرواية بها كثير من المتقدمين والمتأخرين منهم أيوب السختياني1 ومنصور والليث بن سعد وجماعة من أصحابنا وغلا أبو المظفر السمعاني من أصحابنا فقال إنها أقوى من الإجازة إليه مصير جمع من الأصوليين وهو قضية ترتيب المصنف حيث أخر ذكر الإجازة في التعداد ومنع قوم من الرواية بها منهم الماوردي في الحاوي وجوز الليث بن سعد ومنصور واطلاق حديثا وأخبرنا في الرواية بالمكاتبة والمختار خلافه وأنه إنما يقول كتب إلى فلان.
السادسة: أن يشير الشيخ إلى كتاب فيقول سمعت ما في هذا الكتاب من فلان وهو مسموعي من فلان فيعمل السامع به وإما أنه هل يرويه عنه فله أحوال.
__________
1 هو: أيوب بن أبي تيمية كيسان السختياني البصري سيد فقهاء عصره تابعي من النساك الزهاد من حفاظ الحديث روي عنه نحو ثمانمائة حديث. توفي سنة 131هـ.
حلية الأولياء 3/3, الأعلام 1/382.
(2/333)

إحداها: أن يقرن ذلك بالمناولة والإجازة وهذه الحالة أعلى من الأحوال ومن صورها أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو فرعا مقابلا له ويقول هذا سماعي أو روايتي عن فلان فأروه عني أو أجزت لك روايته عني ثم يهبه إياه أو يقول خذه وانسخه وقابل به ونحو هذا ومنها أن يجيء الطالب إلى الشيخ بكتاب أو جزء من حديثه فيعرضه عليه فيتأمله الشيخ العارف المتيقظ ثم يعيده إليه ويقول وقفت على ما فيه وهو حدثني عن فلان فاروه عني وهذا يسمى عرض المتأولة كما أن القراءة على الشيخ تسمى عرض القراءة وهذه المناولة المقرونة بالإجازة حاله محل السماع عند الزهري وربيعة الراوي ويحيى بن سعيد ومالك بن أنس ومجاهد وابن عيينة وقتادة وأبي العالية وابن وهب وآخرين والصحيح أن ذلك غير محال محل السماع وأنه منحط عن درجة التحديث لفظا والأخبار قراءة.
قال الحاكم أما فقهاء الاسلام الذين أفتوا في الحلال والحرام فإنهم لم يروه سماعا ويه قال الشافعي والأوزاعي والبوطي والمزني وأبو حنيفة وسفيان الثوري واحمد بن حنبل وابن المبارك يحيى واسحاق بن راهويه قال عليه عهدنا أئمتنا وإليه ذهبوا وإليه نذهب.
وثانيها: ان يناوله الكتاب مناولة مجردة عن الإجازة فيقتصر على قوله هذا من حديثي أو من سماعي ولا يقول أروه عني فهذه مناولة مختلة لا يجوز الرواية بها وعابها غير واحد من الفقهاء والأصوليين على شر ذمة من المحدثين سوغوا الرواية بها.
وثالثها: أن لا يناوله ولا يجيزه بل يقتصر على أعلامه بأن هذا من سماعي من فلان فهذه أولى بالمنع من الثانية ونقل ابن جريج أن ذلك طريق مجوز لرواية ذلك عنه وبه قطع ابن الصباغ من أصحابنا والصحيح خلافه لأنه قد يكون ذلك مسموعه ثم لا يأذن في روايته عنه لكونه لا يجوز روايته لخلل يعرفه فيه.
وبهذا يفارق هذه الصورة ما إذا قرأ عليه وهو يستمع ويقر به حيث يجوز لكل سامع أن يرويه عنه بالطريق المقدمة فإن هناك من وجد منه تحديث واقرار فدل على أنه لا خلل عنده فيه من التحديث به وانما هذا كالشاهد
(2/334)

إذا ذكر في غير مجلس الحكم شهادته بشيء فليس لمن سمعه إن يشهد على شهادته إذا لم يأذن له ولم يشهده على شهادته وذلك أمر تساوت فيه الشهادة والرواية لأن المعنى يجمع بينهما في ذلك وإن افترقنا في غيره.
السابعة: الاجازة وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب العمل بالمروي بها وخالف بعض أهل الظاهر وهو خلاف ضعيف لأنه ليس في الاجازة ما يقدح في اتصال المنقول بها وفي الثقة به.
وأما الرواية بالاجازة فقد اختلف العلماء فيها والذي استقر عليه العمل وقال به جماهير أهل العلم من المحدثين وغيرهم القول بتجويز الاجازة وإباحة الرواية بها وخالفهم جماعة منهم إبراهيم بن اسحاق الحربي وأبو محمد عبد الله الأصبهاني الملقب بأبي الشيخ وهو رواية عن الشافعي واختار القاضي الحسين والماوردي من أصحابنا وقال لو جازت الاجازة لبطلت المرحلة.
واعلم أن في الاحتجاج لصحة الاجازة غموض قال أبو طاهر الدباس من أئمة الحنفية من قال لغيره أجزت لك أن تروي عنى فكأنه يقول أجزت لك أن تكذب علي.
وكذا قال غيره تقدير أجزت لك ابحت لك ما لا يجوز في الشرع لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع واحتج ابن الصلاح للاجازة بأنه إذا أجاز له أن يروي عنه مروياته فقد اخبره بها جملة فهو كما لو أخبره تفصيلا وأخباره بها غير متوقف على التصريح نطقا كما في القراة على الشيخ على ما سبق.
قلت: وتقدير قوله أجزت لك أنى أجزتك اني أروي هذا الكتاب وأذنت لك أن تنقله عنى.
وقول الراوي اخبرنا فلان إجازة ليس معناه إلا هذا كأنه يقول اخبرني انه يروي الكتاب الفلاني واذن لي في نقله عنه بهذا الطريق.
هذا هو الذي يتجه في الاجازة ولا يتضح غيره وقد يشبه هذا بما إذا كتب وصيته وقال لشخص اشهد علي بما في هذا المكتوب.
(2/335)

قال محمد بن نصر من أئمة صحابنا له أن يشهد عليه بما فيه والرواية أولى من الشهادة وإذا تقرر جواز الاجازة من حيث الجملة فتقول هي عند التفصيل أنواع.
الأول: أن يجيز لمعين في معين مثل أن يقول أجزت لك الكتاب الفلاني أو ما اشتملت عليه فهرستي هذه فهذا أعلى أنواع الاجازة وزعم بعضهم أنه لا خلاف في جوازها وأن الخلاف إنما هو في غير هذا النوع من الاجازة والصحيح ان الخلاف بطرقها أيضا.
الثاني: أن يجيز لمعين في غير معين مثل أجزت لك أو لكم جميع مسموعاتي فالخلاف في هذا النوع أقوى وأكثر والجمهور على تجويزه.
الثالث: أن يجيز لغير معين بوصف العموم مثل أجزت المسلمين أو لمن أدرك حياتي فقد منعه جماعة وجوزه الخطيب وغيره وجوز القاضي أبو الطيب الاجازة لجميع المسلمين من كان منهم موجودا عند الاجازة والاجازة لغير معين بمعين مثل أجزت جميع المسلمين أن يرووا عنى الكتاب الفلاني أقوى من الاجازة لغير معين بغير معين مثل أجزت جميع المسلمين أن يرووا عنى جميع مروياتي.
الرابع: الاجازة المجهول أو بالمجهول مثل أجزت لمحمد بن خالد الدمشق وفي وقته ذلك جماعة مشتركون في هذا الاسم والنسب ثم لا يعين المجاز له منهم أو يقول أجزت لفلان أن يروي عني كتاب السنن وهو يروي عن جماعة من كتب السنن المعروفة بذلك وليس ثم قرينة عهد ولا غيرها ترشد إلى المراد من ذلك فهذه إجازة فاسدة لا فائدة لها وليس ومن هذا القبيل ما إذا أجاز جماعة مسمين معينين بانسابهم والمجيز جاهل بأعيانهم فإن هذا غير قادح كما لا يقدح عدم معرفته به إذا حضر شخصه في السماع منه وإن أجاز للمسلمين المنتسبين في الاجازة ولم يعرفهم بأعيانهم ولا بأنسابهم ولم يعرف عددهم ولا تصفح أسماءهم واحدا فواحدا.
قال ابن الصلاح فينبغي أن يصح ذلك أيضا كما يصح سماع من حضر
(2/336)

مجلسه للسماع منه وإن لم يعرفهم أصلا ولا عددهم ولا تصفح أشخاصهم.
الخامس: الاجازة المعلقة بشرط مثل أجزت لمن شاء فلان أو نحو ذلك وهو كالنوع الرابع ففيه جهالة وتعليق شرط.
وقد أفتى القاضي ابو الطيب بأنه لا يصح وعلل بأنه اجازة لمجهول فصار كقوله أجزت بعض الناس.
وقال أبو يعلي ابن الفرار وأبو الفضل بن عمروس المالكي يجوز ذلك وإذا قال أجزت لمن شاء فهو مثل أجزت لمن شاء فلان بل هذه أكثر جهالة وانتشارا من جهة تعليقها بمشيئة من لا يحصر عددهم ثم هذا فيما إذا جاز لمن شاء الاجازة منه له فإن أجاز لمن شاء الرواية عنه فهذا أولى بالجواز من حيث أن قضية كل إجازة تفويض الرواية بها إلى مشيئة الجواز له فكان هذا مع كونه بصيغة التعليق تصريحا بما يقتضيه الاطلاق وحكاية المحال لا تعليقا في الحقيقة.
ولهذا أجاز بعض أصحابنا في البيع أن يقول بعتك بكذا ان شئت فيقول قبلت.
السادس: الإجازة للطفل الصغير.
قال الخطيب سألت القاضي أبا الطيب هل يعتبر في صحة الاجازة للطفل الصغير سنه أو تمييزه كما يعتبر ذلك في صحة سماعه فقال لا يعتبر ذلك.
قال: فقلت له إن بعض أصحابنا قال لا تصح الاجازة لمن لا يصح سماعه فقال قد يصح أن يجيز للغائب عنه ولا يصح السماع له واحتج الخطيب للصحة بأن الاجازة إنما هي إباحة المجيز للمجاز له أن يروي عنه والإباحة تصح للعاقل وغير العاقل.
السابع: الاجازة للمعلوم ابتداء مثل أن يقول أجزت لمن يولد لفلان وقد أجازها أبو يعلي بن الفرا من الحنابلة وأبو الفضل بن عمروس من المالكية والخطيب من أصحابنا.
قال ابن الصباغ ومأخذ من أجازها اعتقاده أن الإجازة إذن في الرواية لا
(2/337)

محادثة والصحيح وهو الذي استقر عليه رأي القاضي أبي الطيب أنها لا تصح لأن الاجازة في حكم الاخبار جملة بالمجاز كما تقدم فكما لا يصح الاخبار للمعدوم لا يصح إجازته.
الثامن: الاجازة للمعدوم عطفا على الموجود مثل أجزت لك ولولدك وعقبك ما تناسلوا وهو أقرب إلى الجواز من الأول ولهذا أجازه الأصحاب في الوقف ولم يجيزوا الأول وقد فعل هذا أبو بكر بن أبي داود السجستاني فانه سئل عن الاجازة فقال قد أجزت لك ولأولادك ولحبل الحبلة يعنى من يولد بعد.
التاسع: الاجازة بما لم يسمعه المجيز ولم يتحمله فيما مضى ليرويه المجاز له إذا تحمله المجيز بعد ذلك.
قال ابن الصلاح ينبغي أن يبنى ذلك على أن الاجازة في حكم الاخبار بالمجاز جملة أو هي إذن فلا يصح إن جعلت في حكم الاخبار إذ كيف يخبر بما لا خبر عنده منه وإن جعلت إذنا بني علي الخلاف في تصحيح الاذن في باب الوكالة فيما لم يملكه الأذن الموكل بعد مثل أن يوكل في بيع العبد الذي يريد أن يشتريه وقد أجاز ذلك بعض أصحابنا والصحيح بطلان هذه الإجازة.
العاشر: اجازة المجاز مثل أجزت لك مجازاتي أو رواية ما أجيز لي روايته وقد منع من ذلك بعض المتأخرين والصحيح جوازه.
وقد كان الفقيه الزاهد نصر المقدسي يروي بالاجازة عن الاجازة حتى ربما والى بين اجازات ثلاث في روايته.
الحادي عشر: الاذن في الاجازة مثل أن يقول له أذنت لك أن تخبر عني من شئت وهذا نوع لم أر من ذكره ولكنه وقع في عصرنا هذا وسألني بعض المحدثين عنه والذي يتجه أنه يصح كما لو قال وكل عني ويكون مجازا من جهة الاذن وينعزل المأذون له في أن يخبر بموت الآذن كما ينعزل الوكيل بموت الموكل.
وإذا قال أذنت لك أن تجيز عني فلانا كان أولى بالجواز من أذنت أن تجيز عني من شئت.
(2/338)

قال: الثالثة: لا يقبل المرسل خلافا لأبي حنيفة ومالك.
المرسل عند جمهور المحدثين هو أن يترك الراوي ذكر الواسطة بينه وبين المروى عنه مثل أن يترك التابعي ذكر الواسطة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم كقول سعيد بن المسيب.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما إذا سقط واحد قبل التابعي كقول من يروي" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فيسمي منقطعا وإن سقط أكثر سمي معضلا" وعند الاصوليين المرسل قول من لم يلحق النبي صلى الله عليه وسلم سواء كان تابعيا أم من تابع التابعين.
وإلى يومنا هذا فتفسير الأصوليين أعم من تفسير المحدثين إذا عرفت ذلك فقد اختلف في المرسل والذي استقر عليه آراء جماهير الحفاظ الجهابذة الحكم بضعفه وسقوط الاحتجاج به ونقله مسلم رضي الله عنه في صدر الصحيح عن قول أهل العلم بالاخبار وقال بقوله مالك وأبو حنيفة وكذا أحمد في أشهر الروايتين عنه وجمهور المعتزلة واختاره الآمدي ثم غلا بعض القائلين بكونه حجة فزعم أنه أقوى من المستند.
والشافعي رضي الله عنه صدر القائلين برد المراسيل إلا أنه نقل عنه أنه قبل بعضها في أماكن قال القاضي رحمه الله ونحن لا نقبل المراسلين مطلقا ولا في الأماكن التي قبلها فيها الشافعي حسم للباب والقول بمذهب الشافعي هو اختيار الإمام وصاحب الكتاب.
قال الآمدي وفصل عيسى بن أبان فقبل مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن هو من أئمة النقل مطلقا وهذا هو اختيار ابن الحاجب حيث قال:
إن كان من أئمة النقل قبل وإلا فلا وأئمة النقل يدخل فيهم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين وهو اختصار حسن وليس مذهبنا لرأي ابن أبان كما توهمه بعض الشارحين.
ومن أمثلة المرسل احتجاج المخالفين بحديث أبي العالية ان ضريرا دخل المسجد فوقع في حفرة في المسجد فضحك بعض من كان خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال
(2/339)

من ضحك منكم فليعد الوضوء والصلاة فنقول أبو العالية تابعي والمرسل عندنا لا حجة فيه فإن قلت روى الشافعي عن مالك عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الشفعة فيما لم ينقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" 1 وهذا قد احتج به الشافعي وهو سيد المنكرين للمراسيل.
قلت ستعرف أن مراسيل سعيد عندنا مقبولة لكونها مسانيد وكذا مراسيل أبي سلمة بن عبد الرحمن وهذا الحديث قد روى بهذا الإسناد مسندا فروى أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني وابن أبي قتيلة وعبد الملك الماجشون عن مالك عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
قال لنا: إن عدالة الأصل لم تعلم فلا تقبل الرواية تعديل قلنا قد يروى عن غير العدل قيل إسناده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يقتضي الصدق قلنا بل السماع قيل الصحابة أرسلوا وقبلت قلنا الظن السماع.
الدليل على رد المرسل أن عدالة الأصل غير معلومة فلا تكون روايته مقبولة لأن رواية المجهول مردودة فإن قيل روايته عنه مع إخفاء اسمه تعديل وإلا يكون ملبسا غاشا قلنا لا نسلم وسند هذا المنع ان العدل قد يروى عن غير العدل كذا أجاب في الكتاب.
ولقائل أن يقول إنما يروي عن غير العدل إذا صرح به ليعرف أما إذا أبهمه فذلك تلبيس لا يجوز الأولى الجواب باحتمال ظنه عدالته وليس في نفس الأمر كذلك ويجوز أنه لو أظهره لاقتضى نظرنا أنه غير عدل بخلاف ما اقتضاه الأمر تظره فإن قيل قول هذا العدل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتضي أنه علم أو ظن أنه قال وإلا لم يسنده إليه وإذا صح أنه قال تعين قبوله قلنا قول الفرع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقتضي الجزم بأن الرسول عليه السلام قال ولا شك في ثبوت احتمال أنه لم يقله والجزم بالشيء مع تجويز نقيضه كذب فادح في عدالة الراوي.
__________
1 رواه الطبراني من حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- الفتح الكبير 2/182.
(2/340)

قال وإلا لم يسنده إليه وإذا صح تعين قبوله قول الفرع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجزم بأن الرسول عليه السلام قال" ولا شك في ثبوت احتمال أنه لم يقله والجزم بالشيء مع تجويزه نقيضه كذب فادح في عدالة الراوي.
فإذن لا بد من صرف هذا اللفظ عن ظاهره وليس قولهم المراد أني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله بأولى من قولنا نحن المراد أنى سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله.
ومعلوم أنه لو صرح بهذا القدر لم يكن تعديلا هذا جواب المصنف ولقائل أن يقول لا نسلم أن قوله قال يقتضي الجزم ولم قلتم أنه لا يكفي الظن مسوغا لإطلاق هذه اللفظة ثم لا نسلم أنه ليس أحدهما أولى لأن قوله قال تقتضي إسناد القول لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حمله على أنه يظن ذلك تبقية لذلك الإسناد بخلاف حمله على السماع إذ قد يسمع ويقطع بكذب من سمع منه ولا يجوز له والحالة هذه أن يقول قال فحمله على ظن القول أقرب وأولى من حمله على السماع والحاصل أن مجرد السماع لا يسوغ له أن يقول.
قال فلا بد من ضم الظن إليه قوله قيل الصحابة احتج القائلون بالمراسيل بأن الصحابة رضي الله عنهم أرسلوا عدة أحاديث لم يصرحوا فيها بالسماع من النبي صلى الله عليه وسلم بل قالوا قال وقبلها كل واحد منهم والجواب أنها إنما قبلت الظن الغالب القاضي بأن الصحابي سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم والعمل بالظن واجب وهذا في الحقيقة ليس بمرسل لأن المرسل كما عرفت قول من لم يلق زيدا قال زيد والصحابي لقي النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: فرعان الأول المرسل يقبل إذا تأكد بقول الصحابي أو فتوى أكثر أهل العلم.
قال إمام الحرمين في البرهان أن الشافعي لا يقول بشيء من المراسيل وقال القاضي في مختصر التقريب أنه قبل المرسل في بعض الأماكن والحاصل ان قاعدة الشافعي رد المراسيل والمواضع المستثناة لم يقبلها لكونها مراسيل بل لظن عضدها وقضى بكونها مسندة فكلام إمام الحرمين صحيح وما ذكره القاضي أيضا صحيح والمواضع المستثناة منها.
(2/341)

وقد ذكره في الكتاب أن يعضده قول صحابي قال القاضي في مختصر التقريب وفيه نظر فإن الصحابي لا يحتج بقوله لغيره ومنها أن يعضده مذهب العامة وهو المشار إليه في الكتاب فتوى أكثر أهل العلم قال القاضي فأقول له إن عنيت بالعامة الأمة فكأنك شرطت الإجماع في قبول المرسل وإذا ثبت الإجماع استغنى عن المرسل.
وإن أردت مذهب العوام فأنت أجل قدرا من ذلك إذ لا عبرة بخلافهم ولا وفاقهم وإن أردت معظم العلماء فمصير المعظم مع وجود الخلاف لا يصير ما ليس بحجة حجة قلت والشافعي لم يرد الإجماع ولا قول العوام وإنما أراد أكثر أهل العلم ولا شك أن الظن يقوى عنده وكذلك قول الصحابي وإذا قوى الظن وجب العمل به.
فالمرسل بمجرده ضعيف وكذا قول أكثر أهل العلم وحالة الإجتماع قد يقوم ظن غالب وهذا شأن كل ضعيفين اجتمعا ومنها أن يرسله راو آخر يروي عن غير شيوخ الأول وضعفه القاضي بأن كثرة المرسلين لا يدل على الصحة كما إذا روى عن كثير من الضعفاء قلت وهو كالأول فإن ما أتفق جماعة من الضعفاء على روايته أقوى مما انفرد بروايته ضعيف واحد وكذلك الظن الحاصل بصدق المرسل الذي عضده مرسل آخر أقوى منه حالة التجرد فلا يلزم من عدم الاحتجاج بأضعف الظنين عدم الاحتجاج بأقواهما ومنها أن يسنده غير مرسله وكلام القاضي يقتضي أن الشافعي يقول ذلك.
وإن كان المسند في تلك الرواية الموافقة للمرسل حجة لأنه رد على الشافعي بأن العمل حينئذ بالمسند دون المرسل والإمام في المحصول قال ان هذا فيما إذا لم تقم حجة بإسناده لكن في كلامه بعد ذلك ما يخالف هذا فإنه ذكر عن الحنفية ما اعترض به القاضي وعلى التقديرين فيه نظر.
أما الأول: فلما ذكره القاضي.
وأما الثاني: فلأن الضعيف إذا إنضم إلى الضعيف لا يوجب العمل به كذا ذكروه ولك أن تقول قد يحصل الظن بالضعيفين حالة إجتماعهما كما عرفت.
(2/342)

ومنها أن يعلم من المرسل أنه لو نص لنص على من يسوغ قبول خبره قال واقبل مراسيل سعيد بن السيب لأني اعتبرتها فوجدتها كذلك قال ومن هذا حاله احسب مراسيله ولا أستطيع أن أقول إن الحجة ثبتت بها في ثبوتها بالمتصل قلت أنظر ما أحسن كلام الشافعي حيث صرح بأن المرسل لا يبلغ درجة المتصل وإنما هذه الأمور المستثناة توجب ظنا فوق الظن المستفاد من المرسل المجرد قد تقوم به الحجة ولكن تكون حجة دون حجة المسند.
وقال الماوردي في باب الشفعة من الحاوي أن مرسل أبى سلمة عبد الرحمن عند الشافعي حسن.
قال الثاني إن أرسل ثم أسند قبل وقيل لا لأن إهماله يدل على الضعف من أسند حديثا أرسله غيره فلا شبهة في قبوله.
وهذا مما تكاد الفطر الزكية أن تدعي فيه القطع.
لكن القاضي في مختصر التقريب حكى عن بعض الغلاة في رد المراسيل أنه قال لا يجب العمل به وهذا مما ذكره القاضي ساقط من القول واما أن أرسله هو مرة وأسنده أخرى فعبارة المصنف كالصريحة في أن الكلام فيه وأن فيه خلافا وعليه الشارحون والخلاف فيه ثابت عن بعض المحدثين ولكن الذي جزم به الإمام وأتباعه أنه يقبل.
وما نرى المصنف يخرج عن طريقهم ولا نعلم أنه وقف على هذا الخلاف والذين عندنا أن مراده من شأنه إرسال الاخبار إذا أسند خبرا هل يعتل أو يرد وهي مسألة ذات خلاف مشهور.
واحتج من قال لا يقبل بان اهماله ذكر الرواة في الغالب يدل على ضعف الراوي فيكون ستره له خيانة وتدليسا فلا تقبل روايته ولك أن تمنع دلالة الاهمال على الضعف ونقول لعله آثر الإختصار أو طرقه النسيان.
وإذا قلنا بالقبول وهو الراجح فقال الشافعي إنما يقبل من حديثه ما قال فيه حدثني أو سمعت ولا يقبل ما يأتي فيه بلفظ موهم.
وقال بعض المحدثين لا يقبل إلا إذا قال سمعت فلانا.
(2/343)

قال الرابعة يجوز نقل الحديث بالمعنى خلافا لابن سيرين لنا أن الترجمة بالفارسية جائزة بالعربية أولى قيد يؤدي إلى طمس الحديث قلنا لما تطابقا لم يكن ذلك.
اتفق الأئمة الأربعة والحسن البصري وعدة من العلماء على جواز نقل الحديث بالمعنى إذا لم يزد في المعنى ولا ينقص وساوى الأصل في الجلاء والخفاء لأن الخطاب تارة يقع بالمحكم وأخرى بالمتشابه وغير ذلك مما لله تعالى فيه حكمة فلا يجوز تغيرها عن وصفها.
قال الأئمة والأولى خلافه وهذا ما نقله الآمدي وغيره ونقل الماذري أن مالكا قال لا ينقل حديث النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى بخلاف حديث الناس وذهب محمد بن سيرين1 وجماعة من السلف إلى وجوب نقل اللفظ على صورته وهو اختيار ابي بكر الرازي ونقله إمام الحرمين في البرهان عن معظم المحدثين وشرذمة من الاصوليين ووهم صاحب التحصيل فعزاه إلى الشافعي رضي الله عنه.
ونقله ابن السمعاني عن عبد الله بن عمر وجماعة من التابعين وعن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب.
وفصل قوم فقالوا يجوز إبدال اللفظ بما يرادفه دون غيره والأول هو المختار وعليه الإمام والآمدي والمتأخرون جميعا واحتج الجمهور بأوجه.
أحدها: أنه يجوز شرح الشريعة للعجم بلسانها فإذا جاز إبدال العربية بالعجمية فإبدالها بعربية أخرى أولى بالجواز ولا شك أن التعاون بالعربية وترجمتها بالعربية أقل مما بينها وبين العجمية.
قلت وفيه نظر لأن الترجمة بالفارسية جوزت للحاجة وذلك مما لا يتعلق به استنباط واجتهاد بل هو من قبيل بيان المشروع بخلاف تبديل لفظ الحديث إذ هو مناط اجتهاد واختلاف الالفاظ فيه مظنة اختلاف المعاني.
__________
1 هو محمد بن سيرين الأنصاري أبو بكر البصري إمام وقته روى عن أنس وزيد بن ثابت وأبي هريرة وعائشة – رضي الله عنهم- وروى عنه الشعبي وقتادة والأوزاعي. توفي سنة 110هـ
خلاصة تهذيب الكمال 2/412- 413.
(2/344)

والوجه الثاني: قال الإمام وهو الأقوى أنا نعلم بالضرورة ان الصحابة الذين رووا هذه الاخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يكتبونها في ذلك المجلس ولا يكررون عليها فيه بل كما سمعوها تركوها وما رووها إلا بعد الاعصار والسنين وذلك يوجب القطع بتعذر روايتها على تلك الألفاظ.
والثالث: أن الصحابة رضي الله عنهم ربما نقلوا القصة الواحدة بألفاظ مختلفة وكتب الحديث تشهد بذلك ومن الظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر تلك القصة بجميع تلك الألفاظ بل نحن في بعضها قاطعون بذلك وكان هذا شائعا بينهم ذائعا غير منكر من أحد فكان إجماعا على نقل الحديث بالمعنى.
قال أبو المظفر بن السمعاني ومما يدل على ذلك رواية الصحابي المناهي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل نهيه عن بيعتين في بيعة ونهيه عن المحاقلة والمزانية وحبل الحبلة والنجش وبيع حاضر لباد وغير ذلك وقوله قضى بالشاهد واليمين والشفعة فيما لم ينقسم فمعلوم أن الرواة لم يقصدوا الفاظه في هذه الاخبار وإنما حكوا المعنى.
والرابع: أنا نعلم أن الالفاظ خدم للمعاني وليست مقصودة بالذات إلا في القرآن العزيز لكونه معجزا والمعنى هو المقصود فإذا حصل تاما لم يضر اختلاف الالفاظ وليس للفقيه أن يعترض على هذا بكلمات الأذان والتشهد والتكبير ولفظي النكاح والتزويج وغير ذلك مما تعبدنا فيه بالألفاظ لأن الألفاظ مقصودة فيه مع المعاني وكلامنا حيث لا يكون اللفظ مقصود أو احتج من منع نقل الحديث بالمعنى بأن ذلك مؤد إلى طمسه واندراسه لأن الراوي إذا أراد النقل بالمعنى كان غايته الاجتهاد في طلب ألفاظ توافق ألفاظ الحديث وتؤدي معناه.
وأهل العلم على أشد اختلاف في معاني الألفاظ وفهم دقائقها والوقوع على أشد اختلاف في معاني الألفاظ وفهم دقائقها والوقوع على مواقعها فيجوز أن يغفل عن بعض تلك الدقائق وينقله إلى لفظ آخر غير دال على تلك الدقيقة ثم يتصل الخبر بالطبقة الثانية وهو خال من تلك الدقيقة فينقلوه أيضا بالمعنى ويدعون منه نحو ما ترك الأول منه وهلم جرا حتى يقع التفاوت الكثير.
(2/345)

والجواب أنه متى أخل بأدنى شيء لم يجر وتخرج المسألة عن صورتها لأن الغرض أنه لم يخل بشيء بل أتى بالمطابق من كل وجه.
فائدة: سأل بعضهم عن الفرق بين هذه المسألة والمسألة المتقدمة في فصل الترادف في جوازه إقامة أحد المترادفين مقام الآخر وزعم أن لا فرق وغره أن الآمدي لم يذكر تلك المسألة فظن اكتفاء بهذه عن تلك وهذا عندي سؤال من لم يترو من الأصول وما الجامع بين المسألتين وأن يحيل أن الراوي بالمعنى إذا أقام أحد المترادفين مقام الآخر تتحد المسألة من هذه الجهة.
فنقول تلك المسألة في أمر لغوي وهي أعم من أن يقع في كلام راو للحديث أو غيره فالمانع في تلك نقول اللغة تمنع منه مطلقا ولا يتعرض إلى أن الشرع هل يمنع منه أولا وهذه في أمر شرعي خاص وهو رواية حديث النبي صلى الله عليه وسلم والمانع منه يقول لا يجوز للاحتياط فيه وهذا سواء جوزته اللغة أم منعته.
قال الخامسة إذ زاد أحد الرواة وتعدد المجلس قبلت وكذا من اتحد وجاز الذهول عن الباقين ولم يغير اعراب الباقي وإن لم يجر الذهول لم يقبل وان غير الاعراب مثل في أربعين شاة شاة أو نصف شاة طلب الترجيح فان زاد مرة وحذف أخرى فالإعتبار بكثرة المرات.
والروايتان فصاعدا إذا اتفقا على رواية خبر وانفرد أحدهما بزيادة فأما أن يكون المجلس متعددا أو متحدا.
فإن كان متغايرا قيلت الزيادة إذ لامتناع في ذكره صلى الله عليه وسلم الكلام في أحد المجلسين بدون زيادة وفي الآخر بها والراوي مقبول القول وإن كان المجلس متحدا فالذين لم يرووا الزيادة.
أما أن يكونوا عددا لا يجوز أن يذهلوا عما يضبطه الواحد أو ليسوا كذلك فإن كان الأول لم يقبل الزيادة وشرط ابن السمعاني في عدم القبول أن يقول الجماعة أنهم لم يسمعوه.
قال: فإنهم إذا لم يقولوا ذلك يجوز أن يكونوا رووا بعض الحديث ولم يرووا البعض لغرض لهم قلت وهذا هو المختار إلا أن تكون الزيادة مما توفر الدواعي على نقلها.
(2/346)

وإن كان الثاني فتلك الزيادة إما أن لا تغير إعراب الباقي أو تغير فإن لم تغير قبلت عند المصنف والآمدي وقال الإمام تقبل إلا أن يكون الممسك عن الزيادة اضبط من الراوي لها وأن لا يصرح بنفيها فإن صرح وقع التعارض وقال بعضهم لا يقبل مطلقا وإن غيرت الاعراب كما لو روى راو في أربعين شاة شاة.
وروى الآخر نصف شاة فالحق عند الجمهور منهم الإمام واتباعه أنها لا تقبل ويتعارضان وخالف أبو عبد الله البصري لنا أنه حصل التعارض لأن أحدهما إذا روي شاة فقد رواه بالرفع والآخر إذا روى نصف شاة فقد رواه بالجر والرفع والجر ضدان فوجب المصير إلى الترجيح.
ونقل إمام الحرمين في البرهان من غير تعرض لهذه الشروط عن الشافعي وسائر المحققين قبول الزيادة من الراوي الموثوق به.
وقال بعضهم إن تساوي الساكت وراوي الزيادة في العدد قبلت وإن كان الساكت أكثر فلا وقد سكت المصنف عما إذا لم يعلم هل تعدد المجلس أو اتحد.
قال الآمدي وحكمه حكم المتحدد وأولى بالقبول نظرا إلى احتمال التعدد ومن أمثلة ذلك حديث ابن عمر في صدقة الفطر رواه جماعة من الثقاة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تخرج صدقة الفطر صاعا من شعير أو صاعا من تمر.
وروى سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر وزاد أو صاعا من قمح.
وحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في جوفه نار جهنم" 1 ثم روى يحيى بن محمد الحارثي حدثنا زكريا
__________
1 رواه ابن ماجة من حديث عائشة – رضي الله عنها- كما رواه مسلم من حديث أم سلمة – رضي الله عنها.
الفتح الكبير 3/202.
(2/347)

ابن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن جده عن ابن عمر هذا الخبر وزاد فيه أو فيه شيء من ذلك.
وهذا كله فيما إذا كان راوي الزيادة ثقة أما إذا كان ضعيفا فذاك مردود الرواية إن صاحب الكتاب ذكر فرعا في ذيل المسألة وهو ما إذا زاد الراوي الواحد مرة ولم يرو تلك الزيادة غير تلك المرة أي وكان المجلس الذي أسند إليه الزيادة والنقصان متحدا.
فالاعتبار بكثرة المرات لأن حمل الأقل على السهو أولى من حمل الأكثر عليه قال الإمام وان تساويا قبلت الزيادة ومثال الأول أن سفيان بن عيينة روى عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة رضي الله عنها:
قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أنا خبأنا لك حيسا فقال أما أني كنت أريد الصوم ولكن قريبه أسنده عنه هكذا الشافعي رضي الله عنه ورواه شيخ يقال له محمد بن عمر وابن العباس الباهلي عن سفيان وزاد فيه وأصوم يوما مكانه قال أحمد هذه لفظة كان ابن عيينة زادها في الحديث آخر عمره لا يدري أهي محفوظة أو شيء وقع في لفظه.
وقال الشافعي سمعت سفيان عامة مجالسة لا يذكر فيه سأصوم يوما مكانه ثم عرضته عليه قبل موته بسنة فأجاب فيه سأصوم يوما مكانه آخر كتاب السنة والله تعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
(2/348)

الكتاب الثالث في الإجماع
الباب الأول في بيان حجيته
المسألة الأولى: ذهب بعضهم إلى استحالته
...
الباب الأول في حجية الإجماع
قال وفيه ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في بيان كونه حجة وفيه مسائل.
الأولى: قيل محال كاجماع الناس في وقت واحد على مأكول واحد وأجيب بأن الدواعي مختلفة ثم وقيل يتعذر الوقوف عليه لانتشارهم وجواز خفاء واحد وخموله وكذبه خوفا ورجوعه قبل فتوى الآخر وأجيب بأنه لا يتعذر في أيام الصحابة فانهم كانوا محصورين قليلين.
إنما بدا الكلام على إمكانه وإمكان الاطلاع عليه لتوقف الاحتجاج به على ذلك.
وقد ذهب بعضهم إلى أن الاجماع محال لأن اجتماع الخلق على شيء واحد يمتنع عادة كما يمتنع عادة اجتماعهم على مأكول واحد في وقت واحد وربما قال بعضهم كما أن اختلاف العلماء في الضروريات محال كذلك اتفاقهم في النظريات محال.
والجواب أن الدواعي مختلفة ثم أي في المواكيل بخلاف الأحكام لامكان اجتماعهم على معرفة برهان أو إمارة.
وذهبت طائفة من المعترفين بامكان الإجماع إلى تعذر الاطلاع عليه وهو رواية عن الإمام أحمد حكاها الآمدي وغيره وقيل إنما استعبد وقوعه ولم يقل بتعذر الاطلاع عليه واحتجوا بانتشار العلماء شرقا ومغربا قالوا فكيف يعرف موافقة من في أقاصي المشرق من في أطراف المغرب قالوا وأيضا يجوز خفاء واحد
(2/351)

وخمول ذكره حيث لا يعرف أنه مجتهد قالوا ويحتمل أيضا كذبه أيضا مخالفة من سلطان جائر أو مجتهد ذي منصب وبطش أفتى بخلاف معتقده قالوا ويحتمل أيضا أن يرجع قبل فتوى الآخر فلا يبرحان مختلفين فلا يقع الإتفاق.
قالوا فاحتمال الخفاء والخمول بنفي معرفة أعيانهم ولا بد منها واحتمال الكذب ينفي معرفة ما غلب على ظنه ولا بد منه والاحتمال الأخير ينفي معرفة اجتماعهم في وقت واحد ولا بد منه ايضا.
وأجاب في الكتاب بأن ذلك لا يتعذر في أيام الصحابة فإنهم كانوا محصورين قليلين وقضية هذا الجواب أنه لا طريق إلى معرفته في زمن غيرهم.
قال الإمام وهو الإنصاف ومنهم من أجاب بأنهم وإن كانوا كثيرين بحيث لا يمكن الواحد أن يعرفهم بأعيانهم فإنه يعرف بمشافهة بعضهم والنقل المتواتر عن الباقين بأن ينقل من أهل كل قطر من يحصل التواتر بقولهم عمن فيه من المجتهدين مذاهبهم وخمول المجتهدين بحيث لا يعرفه أهل بلدته مستحيل عادة فوضح إمكان الاطلاع على إجماع من عدا الصحابة وحكم اجماع من عدا الصحابة حكم اجماع الصحابة في كونه حجة.
هذا قول الجمهور وقالت الظاهرية أن الإجماع مختص بالصحابة وهو رواية عن أحمد.
(2/352)

المسألة الثانية: حجية الإجماع والدليل على ذلك
...
قال الثانية: أنه حجة خلافا للنظام والشيعة والخوارج لنا وجوه.
الأول: أنه تعالى جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد حيث قال ومن يشاقق الرسول الآية فتكون محرمة فيجب اتباع سبيلهم اذ لا مخرج عنها قيل رتب الوعيد على الكل.
قلنا: لا بل على كل واحد وإلا لغي ذكر المخالفة قيل الشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف قلنا لا وإن سلم لم يضر لأن الهدى دليل التوحيد والنبوة.
قيل: لا يوجب تحريم كل ما غير قلنا يقتضي لجواز الاستثناء.
(2/352)

قيل السبيل دليل الإجماع قلنا حمله على الإجماع أولى لعمومه.
قيل يجب اتباعهم فيما صاروا به مؤمنين قلنا حينئذ تكون المخالفة المشاقة قيل بترك الاتباع رأسا قلنا الترك غير سبيلهم قيل لا يجب اتباعهم في فعل المباح قلنا: كاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.
قيل المجمعون اثبتوا الحكم بالدليل قلنا خص النص فيه كل المؤمنين الموجودون إلى يوم القيامة بل في كل عصر لأن المقصود العمل ولا عمل في القيامة.
اتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم وخالف في ذلك الشيعة والخوارج والنظام ونقل ابن الحاجب أن النظام يحيل الاجماع وهو خلاف نقل الجمهور عنه.
وقد صرح الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع بأنه لا يحيله وهو أصح النقلين واعلم ان النظام المذكور هو أبو اسحاق ابراهيم بن سيار النظام كان ينظم الخرز بسوق البصرة وكان يظهر الاعتزال وهو الذي ينسب إليه الفرقة النظامية من المعتزلة لكنه كان زنديقا وإنما أنكر الإجماع لقصده الطعن في الشريعة وكذلك أنكر الخبر المتواتر مع خروج رواته عن حد الحصر هذا مع قوله بأن خبر الواحد قد يفيد العلم فاعجب لهذا الخذلان وأنكر القياس كما سيأتي وكل ذلك زندقة لعنه الله وله كتاب نصر التثليث على التوحيد.
وإنما أظهر الاعتزال خوفا من سيف الشرع وله فضائح عديدة واكثرها طعن في الشريعة المطهرة وليس هذا موضوع بسطها.
واستدل المصنف على حجية الإجماع من ثلاثة أوجه:
الأول: الآية وأول من تمسك بها إمامنا الشافعي رضي الله عنه قال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع روي أن الشافعي قرا القرآن ثلاث مرات حتى وجد هذه الآية وهي قوله: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} 1 وجه الحجة أنه
__________
1 سورة النساء آية 115.
(2/353)

تعالى جمع بين مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد في قوله: {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} فيلزم تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين لأنه لو لم يكن محرما لما جمع بينه وبين المحرم الذي هو مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم ان الجمع بين حرام ونقيضه لا يحسن في وعيد ولأجله يستقبح إن زنيت وشربت الماء عاقبتك فدل على حرمة اتباع غير سبيلهم وإذا حرم اتباع غير سبيلهم وجب اتباع سبيلهم لأنه لا يخرج عنهما أي لا واسطة بينهما وإن لزم اتباع سبيلهم ثبت حجية الإجماع لأن سبيل الشخص ما يختار من قول أو فعل واعتقاد.
وقد اعترض الخصم على هذا الدليل بوجوه:
الأول: أنه رتب الوعيد على الكل أي على المجموع فليست متابعة سبيل غير المؤمنين محرمة على الاطلاق بل كونها محرمة مشروطة بمشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم وخرج عن هذا مثل ان زنيت وشربت الماء عاقبتك لأن شربت الماء غير محظور لا مطلقا ولا شرط الزنا.
وجوابه أن الوعيد إنما رتب على كل واحد منهما كما ادعيناه وإلا يلزم أن يكون ذكر المخالفة وهو قوله: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} لغو لأمرين.
أحدهما: المشاقة مستلزمة لمخالفة سبيل المؤمنين وحينئذ فلا يحتاج إلى المخالفة.
والثاني: أن المشاقة وحدها مستقلة في ترتيب الوعيد واللغو محال في كلام الله عز وجل.
الوجه الثاني: سلمنا ان الآية تقتضي أن المنع من اتباع غير سبيل المؤمنين لا يشترط المشاقة لكن لا بد فيها من شرط آخر وهو تبين الهدى لأنه تعالى شرط في مشاقة الرسول تبين الهدى ثم عطف عليها متابعة غير سبيل المؤمنين فيجب أن يكون تبين الهدى شرطا فيها أيضا لأن ما كان شرطا في المعطوف عليه يجب أن يكون شرطا في المعطوف والألف واللام في الهدى للعموم فيلزم أن لا يحصل التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين إلا عند تبين جميع أنواع الهدى ومن جملة أنواع الهدى دليل الاجماع.
(2/354)

وعلى هذا التقدير لا ينفي في التمسك بالاجماع فائدة إذ يستغنى بحصول دليل الإجماع عن الإجماع وجوابه منع كون جميع ما كان شرطا في المعطوف عليه شرطا في المعطوف والعطف إنما يقتضي التشريك في بعض الأحكام دون بعض.
ولو سلمنا أن الشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف لم يضر لأن الهدى المشروط في حصول الوعيد عند مشاقة الرسول هو الدليل الدال على التوحيد والنبوة لأدلة الأحكام الفرعية وإن لم يشترط تبين دلائل المسائل الفرعية في لحوق الوعيد على مشاقة الرسول لم يشترط في لحوقه على اتباع غير سبيل المؤمنين وإلا لم تكن الجملة الثانية مشروطة بما شرط في الأولى بل بشرط لم يدل عليه الدليل أصلا.
الوجه الثالث: سلمنا حرمة المخالفة في الجملة لكن لا نسلم أن قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين يوجب تحريم جمع ما غاير سبيلهم بل يوجب حرمة البعض ودليل ذلك أن كلا من لفظ غير ولفظ سبيل مفرد لا عموم له ولا يلزم حرمة بعض ما يغاير سبيلهم حجية الإجماع لجواز أن يكون ذلك البعض هو الإيمان وشبهه مما لا خلاف في حرمة المخالفة فيه.
الجواب: إنهما يقتضيان العموم لما فيهما من الإضافة وقد تقرر أن المفرد المضاف يعم ويدل عليه هنا صحة الاستثناء فتقول الا سبيل كذا وجواز الاستثناء من لوازم العام كذا قرروه ولكن أن تنازع في عموم غير وأمثالها كبعض وجزء إذا أضفن مع تسليم أن المفرد المضاف يعم وذلك لأن إضافة غير ليست للتعريف وقد يقال إن العموم تابع للتعريف ويبعد كل البعد أن يفهم من قول القائل أخذت جزء المال أو بعضه انه أخذ جميعه بل يقال أو أخذه المال جميعه يكون مناقضا لهذا اللفظ لأن الجزء أو البعض صريحان في خلافه وللبحث فيما نبهنا عليه محال.
وقد أجاب الإمام بجوابين آخرين:
أحدهما: أنه لوحملنا الآية على سبيل واحد وهو غير مذكور في الآية صارت
(2/355)

مجملة بخلاف ما إذا حملناه على العموم وحمل كلام الله تعالى على ما هو أكثر فائدة أولى.
والثاني: أن ترتب الحكم على الاسم مشعر بكون المسمى علة له فكانت علة التوعد كونه اتباعا لغير سبيل المؤمنين فيلزم عموم الحكم لعموم هذا المقتضى.
الوجه الرابع: إن السبيل حقيقة في الطريق الذي يحصل فيه المشي ولا شك أنه غير مراد هنا فتعين حمله على المجاز وهو إما الدليل الذي أجمعوا على الحكم لأجله وبقي الاجماع والأول أولى فإن بين الدليل الذي يدل على ثبوت الحكم وبين الطريق الذي يحصل فيه المشي مشابهة قوية فإنه كما أن الحركة البدنية في الطريق المسلوك توصل البدن إلى المطلوب فكذا الحركة الذهنية في مقدمات ذلك الدليل توصل الذهن إلى المطلوب والمشابهة إحدى جهات حسن المجاز وإذا كان كذلك فإنما يجب الأخذ بالدليل الذي لأجله أجمعوا لا بإجماعهم.
وجوابه أن السبيل يطلق على الإجماع أيضا إذ لا نزاع في أن أهل اللغة يطلقون لفظ السبيل على ما يختاره الإنسان لنفسه من قول أو عمل وقد قال تعالى:
{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} وقال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ} .
وإذا كان مجازا ظاهرا في الإجماع حمل عليه دون غيره من مجازاته لظهوره فيه ولعموم فائدة الإجماع يعمل به المجتهد والمقلد والدليل إنما يعمل به المجتهد.
الوجه الخامس: سلمنا دلالة الآية على وجوب اتباع سبيل المؤمنين لكن لا في كل شيء لأن المؤمنين إذا اتفقوا على فعل شيء من المباحات فلو وجب اتباع سبيلهم في كل الأمور لزم التناقض لأنه يجب عليهم فعله من حيث أنهم فعلوه ولا يجب لحكمهم بعدم وجوبه وإذا لم يكن إتباعهم واجبا في كل شيء فإنما يجب في السبيل الذي صاروا به مؤمنين يدل عليه أن القائل إذا قال اتبع سبيل الصالحين فهم منه الأمر باتباعهم فيما صاروا به صالحين.
(2/356)

وجوابه أنها تدل على اتباعهم في كل شيء لجواز الاستثناء كما عرفت وقولك يلزم اتباعهم في فعل المباحثات قلنا هب أن هذه صورة خصت لما ذكرت من الضرورة فتبقى حجة فيما عداها ويلزم من قولك إنما يجب إتباعهم فيما صاروا به مؤمنين أن يكون مخالفة سبيل المؤمنين هي المشاقة فانه لا معنى لمشاقة الرسول عليه السلام إلا أن يترك الإيمان فلو حمل على ما ذكرت لزم التكرار.
الوجه السادس: سلمنا خطر إتباع غير سبيلهم لكن لا نسلم وجوب إتباع سبيلهم وقولكم لا واسطة بينهما غير مسلم فبينهما واسطة وهي ترك الاتباع أصلا فلا يتبع لا سبيل غيرهم ولا سبيلهم.
والجواب: إن ترك الاتباع أيضا مطلقا إتباع لغير سبيلهم لأن سبيلهم الأخذ بمقالتهم وترك الأخذ غير سبيلهم فثبت حرمة متابعة غير سبيل المؤمنين ويلزم منه وجوب المتابعة وهو المدعي.
الوجه السابع: سلمنا أنه يجب اتباعهم لكن لا في كل شيء بدليل أنه لا يجب في فعل المباح كالأكل والشرب وقد تقدم هذا لكن في كلام صاحب الكتاب.
والجواب: أنه كقيام الدليل على وجوب متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه كما أخرج منه المباح يخرج من متابعة سبيل المؤمنين أيضا.
الوجه الثامن: الدليل على أنه لا يجب المتابعة في كل الأمور أن إجماعهم إنما يكون عن دليل فسبيلهم ليس إثباته باجماعهم بل بذلك الدليل وهذا واضح فالآخذ بإجماعهم مخالفة لسبيلهم فوجب أن لا يجوز وظهر أنه لا يجب المتابعة في كل الأمور.
والجواب: أنهم لما اثبتوا الحكم بدليل غير الإجماع فقد فعلوا أمرين إثباته بالدليل وتمسكهم بالإجماع والآية لما دلت على وجوب المتابعة في كل الأمور تناولت الصورتين لكن ترك العمل بمقتضاها في إحدى الصورتين لإنعقاد الإجماع على أنه لا يجب علينا الإستدلال بما استدل به أهل الإجماع فبقي العمل بها في الباقي.
(2/357)

الوجه التاسع: سلمنا وجوب إتباعهم في جميع الأمور ولا يلزم حجية إجماع أهل العصر لأن المؤمنين كل الموجودين إلى يوم القيامة بدليل أنه جمع محلى بالألف واللام وحينئذ الحجة في إجماع كل المؤمنين لا مؤمني العصر الواحد.
والجواب: أنه إنما المراد مؤمنو العصر لأن المقصود من الإجماع إنما هو العمل به وإذا كان المراد كل المؤمنين إلى يوم القيامة تعذر العمل به لأنه لا عمل يوم القيامة لانتفاء التكليف إذ ذاك.
قال الثاني قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} عدلهم فيجب عصمتهم عن الخطأ قولا وفعلا كبيرة وصغيرة بخلاف تعديلنا قيل العدالة فعل العبد والوسط فعل الله تعالى قلنا الكل فعل الله تعالى على مذهبنا قيل عدول وقت الشهادة قلنا حينئذ لا مزية لهم فإن الكل يكونون كذلك.
الوجه الثاني: من الأوجه الدالة على حجية الإجماع قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} أخبر تعالى بأن هذه الأمة وسط والوسط من كل شيء خياره وأعدله فيكون الله تعالى قد عدل هذه الأمة وأخبر عن خيرتها فلو أقدموا على شيء من المحظورات لا تنفي عنهم هذا الوصف فيجب عصمتهم عن الخطأ كبيرة وصغيرة.
في قول وفعل لأن تعديلهم من الله تعالى وهو عليم بالسر والعلانية فلو كان فيهم عاص لما عدله بخلاف تعديلنا فإنه مبني على ظننا وما أدى إليه نظرنا مع احتمال خلافه في نفس الأمر.
فإن قلت الآية متروكة الظاهر لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي إتصاف كل واحد منهم بها وخلاف ذلك معلوم بالضرورة فلا بد من حملها على البعض ونحن نحملها على الإمام المعصوم قلت لا نسلم أنها متروكة الظاهر قوله لأنها تقتضي كون كل واحد منهم عدلا قلنا لما ثبت أنه لا يجوز إجراؤه على ظاهره وجب أن يكون المراد إمتناع خلو الأمة عن العدول.
وقوله: يحمله على الإمام المعصوم قلنا قوله جعلناكم أمة وسطا صيغة جمع فحمله على الواحد خلاف الظاهر هذا كلام الإمام سؤالا وجوابا وقد يقال لا يجمع قول الإمام لا نسلم أنها متروكة الظاهر.
(2/358)

قوله: لما ثبت أنه لا يجوز إجراء اللفظ على ظاهره إلى آخره وهو سؤال قوي.
ويمكن أن يقال في جوابه أن الخصم المدعي أن ظاهر الآية موضوع اللفظ وهو تعديل كل واحد وهو غير مراد.
والإمام أجاب بمنع كونها متروكة الظاهر ومراد الإمام بظاهرها غير مراد الخصم فقوله لا نسلم أنها متروكة الظاهر يعنى بالمعنى الذي نعنيه نحن بالظاهر وقوله لما ثبت أنه لا يجوز إجراء اللفظ على ظاهره يعني ظاهره الذي عينتموه أنتم وظاهرها عند الإمام أن الأمة لا تخلو عن العدول وهو غير موضوع اللفظ وظاهرها عند الخصم موضوع اللفظ وهذا أقصى ما يقال في الجواب.
وقد قيل مثله في آيات الصافات فادعى بعض الباحثين المتأولين أهل السنة أن ظاهرها هو المعنى الذي أولت عليه لأنه لما ثبت ان إجراء اللفظ على موضوعه ممتنع وجب حمله على ذلك المعنى.
وكان هو الظاهر ومثل هذا يقول الملك المتغلب في حال قهره وسطوته على عدوه الخسيس أنا فوقك ويدي عليك قال فإن ظاهر هذا اللفظ المتبادر إلى الفهم غير ما هو موضوعه فليس كل ما هو موضوع اللفظ يكون ظاهره وكذلك قولك رأيت أسدا يرمي بالنشاب ليس ظاهره إلا المجاوز وهو غير الموضوع الحقيقي فقد تقرر كلام الإمام.
فإن قلت سلمنا أن الآية ليست متروكة الظاهر لكن لا نسلم ان الوسط من كل شيء خياره ويدل عليه وجهان.
الأول: أن العدالة من فعل العبد إذ هي عبارة عن أداء الواجبات واجتناب الموبقات وقد أخبر الله تعالى أنه جعلهم أمة وسطا فاقتضى أن كونهم وسطا من فعل الله تعالى فظهر أن العدالة غير الوسط.
الثاني: سلمنا أنه تعالى عدلهم لكن تعديلهم ليشهدوا على الناس يوم القيامة فيلزم وجوب تحقق عدالتهم يومئذ لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حالة الآداء
(2/359)

لا حالة التحمل وذلك مما لا نزاع فيه فإن الأمة تصير معصومة في الآخرة وأما في الدنيا فلم قلتم إنها كذلك.
قلت: أما أن الوسط من كل شيء خياره فقال تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} أي أعدلهم.
وقال عليه السلام: "خير الأمور أوسطها" أي أعدلها.
وقال أهل اللغة الوسط العدل قال الجوهري: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطا} أي عدولا.
وأما ما ذكرتموه فالجواب عن الأول انه باطل على مذهبنا بل الكل من فعل الله تعالى.
قلت: إن العدالة كما مر في تعريفها ليست عبارة عما ذكر بل هي ملكة في النفس وما ذكر تحقق تلك الملكة به والملكة من فعل الله تعالى.
وعن الثاني وإليه أشار في الكتاب بقوله قلنا حينئذ لا مزية لهم أن جميع الامم عدول في الآخرة فلو كان المراد صيرورتهم عدولا في الآخرة لم يبق في هذه الآية تخصيص لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه المزية والفضيلة وأيضا فكان يقول سنجعلكم لا جعلناكم وقد عرض للإعتراض كلامان.
إحداهما: لا نسلم أنه يلزم من عدم صدور المحظور عنهم كون قولهم حجة فرب صالح لا يرتكب معصية جاهل لا يمنع بقول في الشريعة ولا يعطى.
والثاني: أن العدالة لأننا في صدور الخطأ غلطا وقد يرد هذا بان العدالة التي لا تنافي صدور الخطأ هي تعديلنا أما العدالة من الله تعالى فتنافي ذلك والله أعلم.
قال الثالث: قال عليه السلام: "لا تجتمع أمتي على خطأ" ونظائره فإنها إن لم تتواتر لكن القدر المشترك بينهما متواتر.
هذا الدليل ساقط في كثير من النسخ ولذلك لا تجده مشروحا في بعض الشروح وهو اعتماد على السنة وقد قال الآمدي السنة أقرب الطرق في إثبات
(2/360)

كون الاجماع قاطعا وتقريره أنه روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجتمع أمتي على خطأ" وأنه قال: "لا تجتمع على ضلالة" وهذان اللفظان لا تجدهما عند المحدثين نعم روى أبو داود من حديث أبي مالك الأشعري قال.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أجاركم من ثلاث أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعا وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق وأن لا تجتمعوا على ضلالة" وسنده جيد وروى معاذ بن رفاعة عن أبي خلف الأعمى عن أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أن أمتي لا تجتمع على ضلالة" الحديث أخرجه ابن ماجه ومعاذ ضعفه ابن معين وغيره قال السعدي وابو حاتم الرازي ليس بحجة وقال ابن حبان استحق الترك وقال الأزدي لا يحتج بحديثه ولا يكتب وأما أبو خلف فكذبه ابن معين وقال أبو حاتم منكر الحديث ليس بالقوي وروي عن عبد الله بن عمر قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجمع الله هذه الأمة عل ضلالة أبدا" رواه الترمذي وقال غريب ممن هذا الوجه.
قلت: وفي إسناده سليمان بن سفيان وهو ضعيف عند المحدثين وقد اختلف أصحابنا في كيفية التمسك بالسنة على الإجماع فقالت طائفة هذه الأخبار وإن لم يتواتر واحد منها لكن القدر المشترك منها متواتر وهو عصمة الأمة عن الخطأ وهذه طريقة المصنف.
والامام استبعد إدعاء التواتر المعنوي من هذا الخبر وقال لا نسلم بلوغ مجموع هذه الأخبار إلى حد التواتر ولو سلم فالتواتر إنما وقع في مطلق تعظيم الأمة ينافي الإقدام على الخطأ وما ذكره الإمام أولا صحيح وهو الذي ارتضاه القاضي في مختصر التقريب.
فقال أدعاء الإضطرار في هذه المسألة يقربك من الحيد عن الإنصاف ويوسع دعوى الضرورة في كثير من المعاني وأما قوله التواتر إنما وقع في مطلق التعظيم لأني التعظيم الخاص فلقائل أن يقول من تأمل الأحاديث واحدا واحدا عرف أن كلامنا يدل على هذا التعظيم الخاص وأنها كلها مشتركة في المتن مختلفة الأسانيد وسلكت طائفة أخرى.
(2/361)

قال القاضي وهي الأولى وهي أنا قد علمنا قطعا وانتشار أحتجاج السلف في الحث على موافقة الأمة واتباعها والزجر عن مخالفاتها بهذه الأخبار التي ذكرناها قال القاضي وما أبدع مبدع في العصر الخالية بدعة إلا وبخه علماء عصره على ترك الأتباع وإثار الإبتداع.
واحتجوا عليه بالألفاظ التي قدمناها وهذا مالا سبيل إلى جحده وقد تحقق ذلك في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم ولم يظهر أحد قبل النظام مطعنا في الأحاديث فلولا أنهم علموا قطعا صدق الرواة لوجب في مستقر العادة أن يبدوا ضربا من المطاعن في الأخبار.
هذا كلام القاضي ولقائل ان يقول أما أن السلف كانوا يوبخون على ترك الاتباع وإيثار الابتداع فمسلم وإما أنهم كانوا يحتجون على ذلك بالألفاظ المتقدمة فغير مسلم ولم تكن هذه الطريقة سالمة عن الإعتراض.
وقال الإمام لم يقل أحد أن الإجماع المنعقد بصريح القول دليل ظني بل منهم من نفى كونه دليلا بالأصالة ومنهم من جعله قاطعا وأما إمام الحرمين فقد أعترف بأنه ليس في السمعيات قاطع على أن الإجماع الاتباع وسلك طريقا آخر عقليا فقال القاطع على أنه حجة قاطعة أنا نقول للإجماع فيه صورتان نذكرهما ونذكر السبيل المرضي في اثبات الإجماع في كل واحدة منهما.
إحداهما: أن يصادف علماء العصر على توافرهم في أطراف الخطة وأوساطها مجمعون على حكم مظنون والرأي فيه مضطر فيعلم والحالة هذه أن اتفاقهم إن وقع فلا يحمل على وفاق اعتقادهم وجريانها على منهاج واحد فإن ذلك مع تطرق وجوه الإمكان واطراد الاعتياد مستحيل بل يستحيل اجتماع العقلاء على مقطوع به في أساليب العقول إذا كان لا يتطرق إليه إلا بانضمام نظر وسبر فكر وذلك لاختلاف الناظرين في نظرهم.
فإذا كان حكم العادة هذا في النظري القطعي في الظن بالنظري الظني الذي لا يفرض فيه قطع فإذا تقرر أن اطراد الاعتياد يحيل اجتماعهم على قول الظن فإذا الفيناهم قاطعين بالحكم لا يرجعون فيه رأيا ولا يرددون قولا فيعلم
(2/362)

قطعا أنهم أسندوا الحكم إلى شيء سمعي قطعي عندهم ثم لا يبعد سقوط النقل فيه.
والصورة الثانية: إذا أجمعوا على حكم واسندوه إلى الظن وصرحوا به فهذا أيضا حجة قاطعة والدليل عليه أنا وجدنا العصبة الماضين والأئمة المنقرضين متفقين على تبكيت من يخالف إجماع علماء الدهر فلم يزالوا ينسبون المخالف إلى الممروق والمحاداة والعقوق ولا يعدون ذلك أمرا هينا بل يرون الاستجواء على مخالفة العلماء ضلالا بينا.
وإجماعم هذا مع الإنصاف كالقطع في محل الظن عند نظر العقل فإذا التحق هذا بإجماعهم قطعا في حكم مظنون قطع به المجتمعون من غير ترديد ظن فليكن الإجماع على تبكيت المخالف وتعنيفه مستند قاطع ولا يبعد أن يكون ذلك بعض الأخبار التي ذكرناها من تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرائن الأحوال قصد النبي صلى الله عليه وسلم في انتصاب الإجماع حجة ثم عملوا ذلك وعملوا به واستجروا على القطع بموجبه ولم يهتموا بنقل سبب قطعهم فقد تقرر انتصاب الإجماع دليلا قاطعا وبرهانا ساطعا هذا كلام إمام الحرمين.
وحاصله أن يقول انفاق الجمع العظيم على الحكم الواحد يستحيل ان لا يكون لدلالة وأمارة فإن كان لدلالة كان الإجماع كاشفا عن ذلك الدليل وحينئذ يجب اتباع الاجماع لأن مخالفته تكون مخالفة لذلك الدليل وإن كان لأمارة فقد رأينا الأولين قاطعين بالمنع عن مخالفة هذا الإجماع فلولا اطلاعهم على قاطع يمنع من مخالفة هذا الإجماع لاستحال اتفاقهم على المنع من مخالفته.
قال الإمام وهذه الدلالة ضعيفة جدا لاحتمال أن يقال أنهم اتفقوا على الحكم لا لدلالة ولا امارة بل الشبهة وكم من المبطلين مع كثرتهم وتفرقهم شرقا وغربا قد اتفقت كلمتهم لأجل الشبهة سلمنا الحصر فلم يجوز أن يكون لإمارة تفيد الظن قوله رأينا السلف مجمعين على المنع من مخالفة هذا الإجماع.
قلنا لا نسلم اتفاق السلف على ذلك سلمناه لكنك لما جاوزت حصول الإجماع لأجل الامارة فلعلهم أجمعوا على المنع من مخالفة الإجماع للصادر عن
(2/363)

الامارة لامارة أخرى فإن قلت إنهم لا يتعصبون في الإجماع الصادر عن الإمارة وقد تعصبوا في هذا الإجماع فدل على أن هذا الإجماع لم يكن عن إمارة.
قلت: إذا سلمت أنهم لا يتعصبون في الإجماع الصادر عن إمارة فقد بطل قولك إنهم منعوا من مخالفة هذا الإجماع هذا اعتراض الإمام وهو واضح والنظر فيه يطول والذي يظهر لي وهو معتمدي فيما بينى وبين الله أن الظنون الناشئة عن الإمارات المزدحمة إذا تعاضدت مع كثرتها تؤدي إلى القطع وأن على الإجماع آيات كثيرة من الكتاب وأحاديث عديدة من السنة وإمارات قوية من المعقول انتج المجموع من ذلك ان الأمة لا تجمع على خطأ وحصل القطع به من المجموع لا واحد بعينه.
قال: والشيعة عولوا عليه لاشتماله على قول الإمام المعصوم.
تقدم أن الشيعة أنكروا كون الإجماع الذي هو اتفاق المجتهدين من الأمة حجة واعلم أنهم مع ذلك عولوا عليه واحتجوا به ولكن لا لكونه قول المجتهدين من الأمة وإلا لتناقض قولهم بل لكونه مشتملا على قول الإمام المعصوم إذ عندهم أن كل زمان لا يخلو عن إمام معصوم يجب نصبه وعلى التقدير فمتى اتفق المجتهدون فلا بد من موافقة الإمام لهم وإلا لم يوجد اتفاق أهل الحل والعقد.
وإذا وجد اتفاق قول الإمام معهم كان حجة لا من حيث هو بل بواسطة قول الإمام المعصوم ولما كان مذهبهم في أن كل زمان لا يخلو عن إمام معصوم يجب نصبه ظاهر السخافة واضح الفساد والإشتغال يتبين بطلانه من وظائف علم الكلام لم يشتغل صاحب الكتاب برده.
(2/364)

المسألة الثالثة: إجماع أهل المدينة والخلاف فيه
...
قال: الثالثة: قال مالك: إجماع أهل المدينة حجة لقوله عليه الصلاة والسلام: "إن المدينة لتنفي خبثها" وهو ضعيف.
ذهب الأكثرون إلى أن البقاع لا تؤثر في كون الأقوال حجة وذهب مالك ابن أنس رحمه الله إلى أن إجماع أهل المدينة حجة فمنهم من قال إنما أراد بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن الحاجب والصحابة والتابعين وقيل محمول على المنقولات المشتهرة كالأذان والإقامة دون غيرها وذهب إلى الحمل على هذا
(2/364)

القرافي في شرح المنتخب وقرر الإمام مذهب مالك وقال ليس يستبعد كما أعتقده جمهور الأصول ولا ينبغي أن يخالف مالك في ذلك إن أراد به ترجيح روايتهم على رواية غيرهم وكانوا من الصحابة لأنهم شاهدوا التنزيل وسمعوا التأويل ولا ريب في أنهم أخبر بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ضرب من الترجيح لا يدفع ولا ينبغي أن يظن ظان أن مالكا رضي الله عنه يقول باجماع أهل المدينة لذاتها في كل زمان وإنما هي من زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان مالك لم تبرح دار العلم وأثار النبي صلى الله عليه وسلم بها أكثر وأهلها بها أعرف إذا عرف هذا فقد استدل على حجية إجماع أهل المدينة بما صح وثبت من قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها" 1 والإستدلال بهذا كما ذكره المصنف ضعيف لأهل الحمل على الخطأ متعذر لأنا نشاهد صدور الخطأ من بعض سكانها وكونها من أشرف البقاع لا يوجب عصمة ساكنيها وإذا تقرر أنه لا أثر للبقاع علم أن إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة والمصرين البصرة والكوفة غير حجة خلافا لمن زعم ذلك من الأصوليين قال القاضي في مختصر التقريب وإنما صاروا إلى ذلك لاعتقادهم تخصيص الاجماع بالصحابة وكانت هذه البلاد مواطن الصحابة ما خرج منها إلا الشذوذ منهم انتهى فلا يظن الظان أن القائل بذلك قال به في كل عصر.
__________
1 أخرجه البخاري كتاب الحج باب "إن المدينة تنفي خبثها " ومسلم شرح النووي 3/530.كما رواه الترمذي عن جابر رضي الله عنه تحفة الاحوذي 10/419.
(2/365)

المسألة الرابعة: إجماع العترة
...
قال: الرابعة: قالت: الشيعة إجماع العترة حجة لقوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وهم على وفاطمة وابناءهما رضي الله عنهم لأنها لما نزلت لف عليه السلام كساء وقال هؤلاء أهل بيتي ولقوله عليه السلام: "إني تارك فيكم ما ان تمسكتم به أن تضلوا كتاب الله وعترتي".
قالت الشيعة إجماع أهل البيت حجة وقالوا أيضا كما نقله الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع قول على وحده حجة واستدلوا على الأول بالكتاب والسنة والمعنى أما الكتاب فقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ
(2/365)

أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} 1 فقد نفا عنهم الرجس والخطأ رجس فيكون منفيا عنهم وأهل البيت هم علي وفاطمة وابناؤهما الحسن والحسين رضي الله عنهم كأنهم كما روى الترمذي لما نزلت هذه الآية لف النبي صلى الله عليه وسلم كساء وقال: "هؤلاء أهل بيتي وخاصتي اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا".
وأما السنة فما روى الترمذي وأخرج مسلم في صحيحه معناه من قوله صلى الله عليه وسلم: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي" 2 وأما المعنى ولم يذكره المصنف فإن أهل البيت مهبط الوحي والنبي منهم وفيهم فالخطأ عليهم أبعد ولم يذكر المصنف الجواب عما استدلوا به والجواب عن الآية أنا وإن سلمنا انتفاء الرجس في الدنيا فلا نسلم أن الخطأ رجس ومنهم من أجاب بأن ظاهر الآية في أزواجه عليهم السلام لأن ما قبلها وما بعدها خطاب معهن لقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} .
قال الإمام ويجري هذا مجرى قول الواحد لابنه تعلم واطعني إنما أريد لك الخير ومعلوم أن هذا القول إنما يتناوله ابنه فكذلك ها منا.
وهذا الجواب وإن اتضح المعنى واعتضد بما في المحصول والأحكام وغيرهما من كتب الأصول من أم سلمة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم الست من أهل البيت؟ فقال: "بلى إن شاء الله" فيبعده من جهة الخير ما في صحيح مسلم من أن أم سلمة قالت وقد لف صلى الله عليه وسلم عليهم الكساء فانا معهم يا رسول الله قال: "إنك إلى خير" وفي الترمذي قال: "أنت على مكانك وأنت إلى خير" ومن المعنى أن الكاف والميم لا يكون إلا للمذكر.
والجواب: عن الحديث أنه من باب الأحاد ولا يجوز عندهم العمل بها في الفروع فضلا عن الأصول ولو كان قطعيا فإنما تقتضي وجوب التمسك بمجموع الكتاب والعترة لا بقول العترة وحدهم.
__________
1 سورة الأحزاب آية 33.
2 رواه الإمام أحمد في مسنده عن بريدة بن حبان التميمي, كما رواه مسلم والترمذي , الفتح الكبير 1/45.
(2/366)

والجواب عن المعنى إنه باطل بزوجاته صلى الله عليه وسلم فانهن شاهدن أكثر أحواله مع أن قولهن وحده غير حجة والله أعلم وقد يقال قدم المصنف ان الشيعة من منكري الإجماع ثم نقل عنهم أن اجماع العترة حجة ومن اعترف بشيء من الإجماع لا يقال أنكر أصل الإجماع.
والجواب: أن الإجماع المصطلح انكروه من أصله وما اعترفوا به ليس منه وان حصل وفاق بقية الأمة بل لأجل العترة فما قلناه لم يعترفوا بشيء منه وما قالوه لم نوافقهم عليه وقد سبقت الإشارة إلى هذا في قوله والشيعة عولوا عليه.
(2/367)

المسألة الخامسة: إجماع الخلفاء الأربعة
...
قال الخامسة: قال القاضي أبو حازم اجماع الخلفاء الأربعة حجة لقوله عليه السلام "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" وقيل اجماع الشيخين لقوله "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"
ذهب القاضي أبو حازم في الحنفية بالحاء المعجمة وكذا أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين إلى أن اجماع الخلفاء الأربعة أبي بكر وعثمان وعلي حجة المسترك بما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه الترمذي والحاكم في المستدرك وقال على شرطهما من قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" 1 الحديث فإن قيل هذا عام في كل الخلفاء الراشدين قيل المراد الأربعة لقوله عليه الصلاة والسلام: "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا عضوضا" وكانت مده الأربعة هذه قيل والصحيح إن المكمل لهذه المدة الحسن بن علي وكانت مدة خلافته ستة أشهر بها تكملت الثلاثون ولكن الحسن رضي الله عنه لم تتسع مهلته ولم تبرز أوامره ولا عرفت طريقته لقلة المدة.
وذهب إلى بعضهم أن اجماع الشيخين وحدهما حجة لقوله عليه السلام: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" 2 رواه أحمد بن حنبل وابن ماجة والترمذي وقال حسن وذكره ابن حبان في صحيحه.
__________
1رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة , باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين, كما رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
2 رواه ابن ماجة والترمذي من رواية حذيفة كما صححه ابن حبان الفتح الكبير 1/215.
(2/367)

وأجاب الإمام وغيره عن الخبرين بالمعارضة بقوله أصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم وهو حديث ضعيف.
وأجاب الشيخ أبو اسحاق في شرح اللمع بأن ابن عباس خالف جميع الصحابة في خمس مسائل انفرد بها وابن مسعود انفرد باربع مسائل ولم يحتج عليهم أحد بإجماع الاربعة.
(2/368)

المسألة السادسة: مايثبت به الإجماع وما لا يثبت
...
قال السادسة: يستدل بالإجماع لما لا يتوقف عليه كوحدة الصانع وحدوث العالم لا كإثباته.
الإجماع وإن كان حجة لكن لا يستدل به على جميع الأحكام بل على بعضها وهو ما لا يتوقف ثبوت حجية الإجماع على ثبوته سواء كان من الفروع أو الأصول أما يتوقف ثبوت الإجماع على ثبوته فلا يستدل بالإجماع عليه وإلا فيلزم الدور وقد مثل صاحب الكتاب الأول بحدوث العالم ووحدة الصانع أي ثبوت الإجماع لا يتوقف على هذين لجواز معرفة الإجماع قبل معرفة حدوث العالم ووحده الصانع.
وقد قال الاسفرايني وغيره من الشراح ان المثال غير صحيح لأن كون الإجماع المصطلح حجة متوقف على وجود المجمعين الذين هم المجتهدون من الأمة المحمدية ولا يصير الشخص من هذه الأمة إلا بعد معرفة وحدة الصانع وحدوث العالم فوضح أن الإجماع متوقف على معرفة هذين ولك أن تمنع توقف حجية الإجماع على وجود المجمعين إذ هو حجة وإن لم يجمعوا.
ومثال الثاني وإليه الإشارة بقوله لا كاثباته اثبات الصانع واثبات كونه متكلما والنبوة فإن الإجماع يتوقف على ذلك إذ ثبوته بالكتاب والسنة صحة الاستدلال بها موقوفة على وجود الصانع وعلى كونه متكلما وعلى النبوة فلو اثبتنا وجود الصانع والنبوة بالإجماع لزم الدور لتوقف ثبوت المدلول على ثبوت الدليل.
(2/368)

*
تعريف الإجماع
...
الكتاب الثالث في الإجماع
قال رحمه الله في الكتاب الثالث في الاجماع وهو اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من الأمور.
الإجماع لغة العزم قال الله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ} وقال صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل" والاتفاق أيضا يقال أجمعوا على كذا أي صاروا ذا جمع كما يقال البن والتمر إذا صار ذا لبن وتمر وفي الاصلاح ما ذكره المصنف فقوله اتفاق حسن والمراد به الاشتراك في الاعتقاد أو القول أو الفعل أو في الكل.
وقوله أهل الحل والعقد والمراد به المجتهدين فصل يخرج منه من ليس كذلك كالعوام إذ لا عبرة بوفاقهم ولا خلافهم ويخرج أيضا اتفاق بعض أهل الحل والعقد وقوله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم اختراز عن اتفاق المجتهدين من الأمم السالفة فإنه وان قيل بأن إجماعهم حجة كما هو أحد المذهبين للاصوليين واختيار الاسناد أبي اسحق كما حكاه عنه أبو اسحاق في شرح اللمع فليس الكلام إلا في الإجماع الذي هو دليل شرعي يجب العمل به الآن وذلك وان وجب العمل به فيما مضى لكن انتسخ حكمه منذ مبعث النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله على أمر من الأمور يشمل الأحكام الشرعية كحل النكاح وحرمة قتل النفس بغير حق واللغوية ككون إلقاء للتعقيب ولا نزاع في هذين ويشمل أيضا العقليات كحدث العالم وهو كذلك خلافا لامام الحرمين وخلافا للشيخ أبي اسحاق الشيرازي في كليات أصول الدين كحدث العالم واثبات النبوة لا
(2/349)

جزئياته كجواز الرؤية فإنه وافق على أن الإجماع في مثلها حجة ويشمل الدنياويات أيضا كالآراء والحروب وتدبير أمور الرعية وفيه مذهبان المختار منها وجوب العمل فيه بالإجماع.
وفي التعريف نظر من جهة اشعاره بعدم انعقاد الاجماع إلى يوم القيامة فإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم جملة من اتبعه إلا يوم القيامة ولم يقل بذلك أحد من المعترفين بالإجماع فكان ينبغي تقييده بعصر من الأعصار.
ومن جهة أنه ل