Advertisement

الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح



الكتاب: الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح
المؤلف: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض - المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 2000 م
عدد الأجزاء: 1
أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] ـ[الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح]ـ
المؤلف: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض - المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 2000 م
عدد الأجزاء: 1
أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(/)

المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فإنه بعد أن صنفت كتاب: " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر في أصول الفقه " وطبع في ثمانية مجلدات، وصنفت كتاب: " المهذب في أصول الفقه المقارن " وطبع في خمسة مجلدات، وشرحتهما لطلاب الجامعة، وطلاب الدراسات العليا في كلية الشريعة، والمعهد العالي للقضاء، وكلية التربية للبنات، وكنت قد أكثرت في هذين الكتابين من المسائل الخلافية؛ حيث أني أذكر مذاهب العلماء في كل مسألة، وأدلة كل مذهب، والترجيح ومناقشة المذهب المرجوح.
بعد ذلك طلب مني كثير من طلاب العلم أن أصنّف كتاباً يجمع مسائل أصول الفقه بدون التطويل بذكر المذاهب حتى يكون مفيداً للطالب المبتدي وتذكيراً للطالب المنتهي، وقالوا في تعليل هذا الطلب: إن المختصرات الموجودة في هذا الفن لم تذكر إلا اليسير النادر من مسائل أصول الفقه، وإذا ذكرها أحدهم فإما أن يذكر أدلة على ما قال أو لا.
(1/5)

فإن كان من الذاكرين للأدلة، فإنه يصعب علينا فهمها.
وإن كان من غير الذاكرين للأدلة: فإنه يصعب فهم المسألة بدون أدلة.
فأجبت لهم طلبهم؛ لأن الشارع قد أمرنا ببيان الشريعة للناس، وكشف الشبه والالتباس، والأمر المطلق يقتضي الوجوب، فوجب علي أن أجيبهم، فقمت بتأليف هذا الكتاب؛ إجابة لطلب هؤلاء الطلاب؛ رجاء الأجر والمثوبة، ولتكثير طرق الخير ونشره، لأنه كلما كثر التأليف كلما كثرت طرق تعلمه، لأن بعض الطلاب قد يفهم المراد من كتاب دون كتاب آخر مع أنهما في نفس الفن.
وجعلته - أي هذا الكتاب - في ستة فصول.
الفصل الأول: في المقدمات.
الفصل الثاني: في الحكم الشرعي.
الفصل الثالث: في أدلة الأحكام الشرعية.
الفصل الرابع: في الاجتهاد.
الفصل الخامس: في التقليد.
الفصل السادس: في التعارض والترجيح.
فتكلمت في الفصل الأول - الذي هو في المقدِّمات - عن تعريف أصول الفقه، والفرق بينه وبين الفقه، والفرق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية، وموضوع أصول الفقه، وحكم تعلمه، وفوائده، وأيهما الذي يقدم في التعلم: أصول الفقه أو الفقه؟ ومصادر أصول الفقه، ونشأته، وطرق التأليف فيه، وأهم الكتب المؤلفة على كل طريقه.
(1/6)

وتكلمت في الفصل الثاني - الذي هو في الحكم الشرعي - عن تعريف الحكم الشرعي، وتقسيمه إلى حكم تكليفي وحكم وضعي، وعرَّفت كل نوع من أنواع الحكم التكليفي وهي: الواجب والمندوب، والمباح والمكروه، والحرام، وذكرت كل ما يتعلق بكل نوع من المسائل بالتفصيل، وبينت التكليف وشروطه وما يتعلق به.
وعرَّفت كل نوع من أنواع الحكم الوضعي، وهي: السبب، والشرط، والمانع، والعزيمة، والرخصة، وذكرت كل ما يتعلق بكل نوع من المسائل بالتفصيل.
ثم فرَّقت بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي من وجوه.
وتكلمت في الفصل الثالث - الذي هو في أدلة الأحكام الشرعية - عن الأدلة المتَّفَق عليها، والأدلة المختلف فيها.
فذكرت الدليل الأول وهو الكتاب، وما يتعلق به من مسائل.
وذكرت الدليل الثاني وهو السنة وما يتعلق به من مسائل.
ثم ذكرت ما يشترك فيه الكتاب والسنة وهو: النسخ والألفاظ ودلالتها على الأحكام.
فبدأت بذكر النسخ وما يتعلق به من مسائل.
وفضلت في ذكر الألفاظ ودلالتها على الأحكام فتكلَّمت عن اللغات والاشتقاق، والاشتراك، والترادف، والتأكيد، والتابع، والحقيقة، والمجاز، والنص، والظاهر، والتأويل، والمجمل، والمبين، والبيان، وحروف المعاني، والأمر والنهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، وذكرت كل ما يتعلق بكل نوع مما سبق من المسائل بالتفصيل.
(1/7)

ْثم ذكرت الدليل الثالث - وهو الإجماع - وما يتعلق به من مسائل.
ثم ذكرت الدليل الرابع - وهو القياس - وما يتعلق به من مسائل.
ثم تكلمت عن الأدلة المختلف فيها وهي: الاستصحاب،
وشرع مَن قبلنا، وقول الصحابي والاستحسان، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع، والعُرف، والاستقراء.
ثم تكلَّمت في الفصل الرابع - عن الاجتهاد - وذكرت ما يتعلق به من مسائل بالتفصيل.
وكذلك فعلت في الفصل الخامس - الذي هو في التقليد -، وفي الفصل السادس الذي هو في التعارض والترجيح.
هذا ما وضعته في هذا الكتاب، وقد سلكت فيه المنهج التالي:
أولاً: جمعت كل مسائل أصول الفقه في هذا الكتاب.
ثانياً: أذكر المسألة والمذهب الراجح فيها فقط، وأستدل لذلك بدليل أو دليلين أو أكثر.
ثالثاً: أذكر مثالاً أو مثالين يتبين فيهما تطبيق هذا المذهب من الفروع الفقهية.
رابعاً: أشير في الهامش إلى أن من أراد التوسع في معرفة المذاهب الأخرى فليراجع كتبي الأخرى، سواء كانت عامة لجميع مسائل أصول الفقه مثل كتاب: " إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر "، وكتاب: " المهذب في أصول الفقه المقارن ".
(1/8)

أو كانت خاصة في بعض موضوعات ومسائل أصول الفقه مثل: " كتاب الواجب الموسع عند الأصوليين "، و " الخلاف اللفظي عند الأصوليين "، و " أقل الجمع عند الأصوليين وأثر الاختلاف فيه "، و " مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف "، و " الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام "، و " الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس "، و " إثبات العقوبات بالقياس ".
خامساً: كتبت هذا الكتاب بأسلوب عصري مفهوم.
هذا ما فعلته في هذا الكتاب وقد سمَّيته بـ " الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقها على المذهب الراجح "، أرجو أن يكون كما سمَّيته.
وأخيراً: لا أدعي أني أصبت في كل ما كتبت، لأن الكمال لله وحده، ويكفيني أني لم أقصد بهذا المصنف إلا نفع طلاب العلم، وإعانتهم على فهم مسائل أصول الفقه، وأسأل الله العلي القدير أن ينفع به مؤلفه، وقارئه، ومن أعان على نشره، وأن يجعله مقرِّباً إلى الله مبلغاً إلى رضوانه، إنه سميع مجيب.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
كتبه
أ. د. عبد الكريم بن علي بن محمد النملة
الأستاد في قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
(1/9)

الفصل الأول
في المقدِّمات
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف أصول الفقه:
الأصول: جمع أصل، والأصل لغة، ما يُبنى عليه غيره؛ لأن الأصل هو أسفل الشيء وأساسه، ولا شك أن أسفل الشيء وأساسه هو الذي يعتمد عليه في البناء.
والأصل اصطلاحاً هو: الدليل، لمناسبته وموافقته لمعناه لغة، وهو: ما يُبنى عليه غيره؛ حيث إن الدليل يبنى عليه الحكم، فأصول الفقه هي: أدلة الفقه.
والفقه: لغة هو: الفهم مطلقاً، لوروده ووقوعه في القرآن، كقوله تعالى: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ)، وقوله: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) (78).
(1/11)

والفقه اصطلاحاً هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية.
وأصول الفقه هو: معرفة أدلة الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.
* * *
المسألة الثانية:
الفرق بين أصول الفقه والفقه هو: أن أصول الفقه يكون في البحث عن أدلة الفقه الإجمالية بالتفصيل، فهو عبارة عن المناهج والأسس التي يجب أن يسلكها ويتَّبعها الفقيه.
أما الفقه: فهو يبحث في العلم بالأحكام الشرعية العملية المأخوذة من أدلتها التفصيلية، فهو عبارة عن استخراج الأحكام من الأدلة التفصيلية مع التقيد بتلك المناهج. فأصول الفقه بالنسبة للفقه كعلم المنطق بالنسبة لسائر العلوم الفلسفية، حيث إنه ميزان يضبط العقل، ويمنعه من الخطأ في التفكير.
* * *
المسألة الثالثة:
أهم الفروق بين القواعد الأصولية، والقواعد الفقهية، هي كما يلي:
الأول: إن القواعد الأصولية كلية تضم جميع جزئياتها، بخلاف القواعد الفقهية؛ حيث إنها أغلبية.
الثاني: أن القواعد الأصولية أدلة للأحكام الشرعية، بخلاف القواعد الفقهية، حيث إنها مجموعة من الأحكام المتشابهة ترجع إلى علة واحدة تجمعها، والغرض منها هو تسهيل المسائل الفقهية فقط.
(1/12)

الثالث: إن القواعد الأصولية قد وجدت قبل الفروع، بخلاف القواعد الفقهية فإنها قد وجدت بعد وجود الفروع.
* * *
المسألة الرابعة:
موضوع أصول الفقه: هو الأدلة الإجمالية الموصلة إلى الأحكام الشرعية العملية وأقسامها، واختلاف مراتبها وكيفية أخذ الأحكام الشرعية على وجه كلي، فيبحث الأصولي عن العوارض اللاحقة لهذه الأدلة من كونها عامة، أو خاصة، أو مطلقة، أو مقيدة، أو مجملة، أو مبينة، أو منطوقاً، أو مفهوماً وهكذا.
وليس موضوع أصول الفقه الأحكام الشرعية؛ لأن الأحكام الشرعية ثمرة الأدلة، وثمرة الشيء تابعة له.
* * *
المسألة الخامسة:
تعلم أصول الفقه فرض عين بالنسبة لمن يريد بتعلم هذه الشريعة الوصول إلى درجة الاجتهاد، وذلك ليقدر بواسطة تعلم هذا العلم على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، وهو فرض كفاية لطالب العلم بصورة عامة.
* * *
المسألة السادسة:
فوائد علم أصول الفقه هي:
الأولى: تعلم طرق استنباط الأحكام للحوادث المتجددة. الثانية: أن من تعلمه فإنه يكون قادراً على الدفاع عن وجهة نظر إمامه؛ حيث إنه بتعلمه لأصول الفقه قد اطلع على مأخذ إمامه وقواعده التي اعتمد عليها ذلك الإمام.
الثالثة: أن العارف بالحكم وأدلة هذا الحكم أعظم أجراً من الذي يعلم الحكم بدون أدلته.
(1/13)

الرابعة: أن العارف بالقواعد الأصولية يستطيع أن يدعو إلى الله وإلى دينه بأسلوب مقنع.
الخامسة: أن العارف بتلك القواعد يستطيع أن يبين لأعداء الإسلام أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان.
السادسة: أنه لا يمكن لأي شخص أن يقوم بتفسير القرآن أو شرح الأحاديث إلا إذا كان عالماً بأصول الفقه؛ حيث لا يمكنه معرفة دلالة النص هل هي قطعية أو ظنية، أو أي نوع من أنواع الدلالات إلا بعد معرفته بأصول الفقه.
* * *
المسألة السابعة:
يقدَّم تعلم أصول الفقه على تعلم الفقه: وذلك ليكون المتعلم على ثقة مما يدخل فيه، ويكون قادراً على فهم مرامي جزئيات الفقه، فالفروع لا تدرك إلا بأصولها، والنتائج لا تعرف حقائقها إلا بعد تحصيل العلم بمقدماتها، وعلى هذا ينبغي أن تحفظ الأدلة، وتحكم الأصول، ثم حينئذِ تبنى عليها الفروع.
* * *
المسألة الثامنة:
المصادر التي استمد منها علم أصول الفقه مادته ثلاثة:
الأول: أصول الدين - وهو علم الكلام - وسبب استمداده من هذا العلم هو: توقف الأدلة الشرعية على معرفة البارئ عز وجل، وصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - المبلغ عنه فيما قال لتعلم حجيتها وإفادتها للأحكام الشرعية.
واستمد منه مسائل مثل: مسألة الحاكم، والتحسين والتقبيح العقليين، والتكليف بما لا يطاق، وتكليف المعدوم ونحوها.
(1/14)

الثاني: علم اللغة العربية، وسبب استمداده من هذا العلم هو: أن كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - قد نزلا بلغة العرب، فمحتاج إلى معرفة قدر كبير من اللغة العربية ليستطيع معرفة دلالة الأدلة وفهمها وإدراك معانيها.
واستمد منه كثيراً من المسائل ومنها: الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد، ومعاني الحروف، والحقيقة والمجاز والاستثناء، والمنطوق والمفهوم، ونحو ذلك.
الثالث: الأحكام الشرعية، وسبب استمداده من هذا العلم هو: أن المقصود من هذا العلم إثبات الأحكام الشرعية، فلا بد للأصولي من معرفة قدراً من الفقه والأحكام الشرعية ليتمكن به إيضاح المسائل الأصولية، وتصويرها.
* * *
المسألة التاسعة:
نشأة علم أصول الفقه وطرق التأليف فيه:
كان الصحابة - رضي الله عنهم في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرجعون إليه في بيان أحكام الحوادث التي تنزل بهم، فلما توفي - صلى الله عليه وسلم - كان الصحابة يأخذون حكم حوادثهم ونوازلهم من الكتاب والسنة، فإذا لم يجدوا حكمها فيهما، اجتهدوا وأخذوا الحكم عن طريق الاجتهاد بأنواعه، ونهج التابعون ذلك، وزادوا أخذهم بفتاوى الصحابة واجتهاداتهم.
ثم بعد ذلك كثر الاجتهاد، وكثرت طرقه، ثم أصبح لكل إمام قواعد قد اعتمدها في الفتوى والاجتهاد، وهؤلاء الأئمة لم يدونوا تلك القواعد التي اعتمدوها في اجتهاداتهم سوى الإمام الشافعي، فقد دوَّنها في كتابه: " الرسالة "، فنبه الشافعي أنظار
(1/15)

العلماء والباحثين إلى متابعة البحث في هذا العلم، حتى أصبح علم أصول الفقه علماً مستقلاً رُتبت أبوابه، وحُررت مسائله، وجُمعت مباحثه، وأُلفت فيه المؤلفات على اختلاف فى الطرق التي اتبعوها في التأليف.
وإليك ذكر طرق التأليف في هذا العلم ومميزات كل واحدة. الطريقة الأولى: طريقة الحنفية، وتتميز بأنها تقرر القواعد الأصولية على مقتضى ما نقل من الفروع والفتاوى الصادرة عن أئمة الحنفية المتقدمين كأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف وابن أبي ليلى، وزُفر.
وسميت هذه الطريقة بطريقة الفقهاء، لأنها أمس بالفقه وأليق بالفروع، ومن أهم كتب هذه الطريقة: الفصول في الأصول للجصاص، وتقويم الأدلة للدبوسي، وأصول البزدوي، وأصول السرخسي، ومسائل الخلاف للصيمري، وميزان الأصول للسمرقندي.
الطريقة الثانية: طريقة الجمهور - وهم المالكية، والشافعية، والحنابلة، والمعتزلة -، وتتميز بالميل الشديد إلى الاستدلال العقلي، والبسط في الجدل والمناظرات وتجريد المسائل الأصولية عن الفروع الفقهية، ومن أهم كتب هذه الطريقة:
1 - كتب مالكية: التقريب والإرشاد للباقلاني، وأحكام الفصول للباجي، ومنتهى السول لابن الحاجب، وشرح تنقيح الفصول، والنفائس للقرافي.
2 - كتب شافعية: الرسالة للشافعي، واللمع، وشرح اللمع، والتبصرة لأبي إسحاق الشيرازي، والبرهان والتلخيص،
(1/16)

والورقات لإمام الحرمين وقواطع الأدلة لابن السمعاني، والمستصفى، والمنخول للغزالي، والوصول إلى الأصول لابن برهان، والإحكام للآمدي، والمحصول لفخر الدين الرازي، ومنهاج الوصول للبيضاوي، والبحر المحيط للزركشي.
3 - كتب حنبلية: العدة لأبي يعلى، والتمهيد لأبي الخطاب، والواضح لابن عقيل، وروضة الناظر لابن قدامة وقد قمت بتحقيقه في ثلاث مجلدات، ثم شرحته في ثمانية مجلدات.
4 - كتب ظاهرية: الإحكام لابن حزم، والنبذ له.
5 - كتب على مذهب المعتزلة: العمد للقاضي عبد الجبار، وشرح العمد والمعتمد لأبي الحسين البصري.
الطريقة الثالثة: الجمع بين طريقة الحنفية وطريقة الجمهور؛ حيث إن من سار على هذه الطريقة حقَّق القواعد الأصولية، وأثبتها بالأدلة النقلية والعقلية، وطبق ذلك على الفروع، ومن أهم كتب هذه الطريقة: بديع النظام لابن الساعاتي، وتنقيح أصول الفقه، وشرحه التوضيح لصدر الشريعة، وجمع الجوامع لتاج الدين ابن السبكي، والتحرير لكمال الدين ابن الهمام، ومسلم الثبوت لمحب الدين بن عبد الشكور، والمهذب في أصول الفقه المقارن، وهذا قد قمت بتأليفه وطبع في خمسة مجلدات، وهذا الكتاب وهو الجامع يعتبر من هذه الطريقة.
الطريقة الرابعة: تخريج الفروع على الأصول، وهي طريقة: ربط الفروع بالأصول، ومن أهم كتب هذه الطريقة: تخريج الفروع على الأصول للزنجاني، والتمهيد للأسنوي، ومفتاح الوصول للتلمساني، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللحَّام.
(1/17)

الطريقة الخامسة: وهي طريقة عرض أصول الفقه من خلال المقاصد والمفهوم العام الكلي للتكليف، ومن أهم كتب هذه الطريقة الموافقات للشاطبي.
(1/18)

الفصل الثاني
في الحكم الشرعي وأقسامه
الحكم الشرعي:
هو خطاب الله المتعلِّق بفعل المكلَّف اقتضاء، أو تخييراً، أو وضعاً.
فالحكم عند الأصوليين هو نفس خطاب الشارع.
أما الحكم عند الفقهاء فهو: ما ثبت بالخطاب الشرعي، أي: أثره المترتب عليه، لا نفس النص الشرعي.
فمثلاً قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) هو الحكم عند الأصوليين.
ووجوب الصلاة هو: الحكم عند الفقهاء.
والحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين هما:
القسم الأول: الحكم التكليفي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير.
(1/19)

القسم الثاني: الحكم الوضعي، وهو: خطاب الله تعالى
المتعلق بجعل الشيء سبباً لشيء آخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو رخصة، أو عزيمة.
وكل قسم يتنوَّع إلى أنواع، إليك بيانها:
(1/20)

القسم الأول
الحكم التكليفي وأنواعه
الحكم التكليفي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف اقتضاءاً أو تخييراً.
وهو أنواع:
- النوع الأول: الواجب.
- النوع الثاني: المندوب.
- النوع الثالث: المباح.
- النوع الرابع: المكروه.
- النوع الخامس: الحرام.
وإليك بيان كل نوع وما يتعلق به من المسائل:
(1/21)

النوع الأول
الواجب
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف الواجب:
الواجب لغة: الساقط، يقال: وجب الحائط: إذا سقط، وهو مرتبط بالحكم الشرعي؛ حيث إنا نتخيل الحكم الواجب جزماً سقط ووقع على المكلف من الله تعالى.
والواجب اصطلاحاً هو: ما ذُم تاركه شرعاً مطلقاً.
* * *
المسألة الثانية:
صيغ الواجب هي:
1 - فعل الأمر كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ).
2 - الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ).
3 - اسم فعل الأمر كقوله تعالى؛ (عَليكم أَنفُسَكم).
(1/23)

4 - المصدر النائب عن فعل الأمر، كقوله تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ).
5 - التصريح من الشارع بلفظ الأمر كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا).
6 - التصريح بلفظ الإيجاب أو الفرض، أو الكتب كقوله تعالى: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ)، وقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ).
7 - كل أسلوب يفيد الوجوب في لغة العرب كقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ).
8 - ترتيب الذم والعقاب على الترك كقوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ. . .).
* * *
المسألة الثالثة:
" الواجب " و " الفرض " غير مترادفين، ويوجد فرق بينهما.
ووجه الفرق: أن " الفرض " اسم لما ثبت حكمه عن دليل مقطوع به، كالآية والحديث المتواتر اللَّذَين قد قطع بدلالتهما على الحكم، والإجماع الصريح الذي نقل إلينا نقلاً متواتراً.
أما " الواجب " فهو: اسم لما ثبت حكمه بدليل ظني كخبر الواحد، والإجماع السكوتي، والقياس، وجميع دلالات الألفاظ الظنية.
ودل على التفريق: أنه يوجد فرق بينهما من حيث اللغة، فالفرض لغة: الحز في الشيء والتأثير فيه، والوجوب لغة: السقوط.
ولا شك أن ما يؤثر آكد من السقوط، فقد يسقط الشيء ولا يؤثر، وعليه: فإنه يجب اختصاص الفرض بقوة في الحكم
(1/24)

كما اختص بقوة في اللغة، حملاً للمقتضيات الشرعية على مقتضياتها اللغوية، لأن الأصل عدم التغيير.
ولأن وجود التفاوت بينهما في الآثار والأحكام يجعلنا نخص كل نوع باسم، حيث إن حكم الفرض أنه يكفر جاحده بخلاف الواجب فلا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إذا استخف به، أما إذا تأول: فلا، وأن الحج يشتمل على فروض وواجبات، وأن الفرض لا يتم النسك إلا به، والواجب يجبر بدم، وأن الصلاة مشتملة - أيضاً - على فروض وواجبات، والفروض هي الأركان فإذا ترك ركناً كالركوع أو السجود فإن صلاته باطلة ولا يسقط في عمد ولا سهو، ولا تبرأ الذمة إلا بالإعادة، أما إذا ترك واجباً من واجباتها فإنه يجبر بسجود السهو، وصلاته صحيحة، ولكنها ناقصة.
ولأن هناك فرقاً بينهما عن طريق العقل؛ حيث إن كل عاقل يجد في عقله أن صلاة الظهر آكد من الصلاة المنذورة، والزكاة آكد من النذر في الصدقة وإن كانتا لازمتين، وعلى هذا: فإنه ينبغي أن يفرق ما هو آكد عما هو دونه باسم يعرف به، فيجعل اسم الفرض لما هو آكد، والوجوب لما هو دونه فرقاً بين الاثنين.
* * *
المسألة الرابعة:
الواجب باعتبار ذاته - أي: بحسب الفعل المكلَّف به - ينقسم إلى قسمين:
(1/25)

القسم الأول: الواجب المعيَّن، وهو: ما طلبه الشارع طلباً جازماً بعينه دون تخيير بينه وبين غيره كالصلوات الخمس، والصيام.
القسم الثاني: الواجب المخيَّر، وهو: ما طلبه الشارع طلباً جازماً لا بعينه، بل خير الشارع في فعله بين أفراده المعينة المحصورة، مثل: تخيير المكلف بين خصال كفارة اليمين، وتخيير الإمام في حكم الأسرى بين المن والفدى وغير ذلك.
والخطاب في الواجب المعين قد تعلق بواحد معين.
والخطاب في الواجب المخير قد تعلق بواحد مبهم من الأمور المخير بينها.
فالمكلف مخير في تحقيق الخطاب في أي فرد من الأفراد المعينة المخير بينها، وقلنا ذلك؛ لوقوعه شرعاً؛ حيث وقع التخيير بين واجبات في الشرع كما سبق في الأمثلة.
ولأن العقل لا يمنع من ذلك، فلو قال السيد لعبده أمرتك أن تشتري لحماً أو سمناً، لكان هذا قولاً معقولاً، فيكون الواجب على العبد أحد الأمرين، لا كلاهما، ولا واحد بعينه.
* * *
المسألة الخامسة:
شروط الواجب المخير:
الأول: أن تكون الأشياء المخير بينها معلومة للمخاطَب
(1/26)

ومحصورة ومعينة؛ حتى يحيط المكلف بها ويوازن بينها.
الشرط الثاني: أن تتساوى تلك الأشياء المخيَّر بينها في الرتبة؛ فيخير بين واجب وواجب، ولا يجوز التخيير بين واجب ومندوب.
ْالشرط الثالث: أن لا يخيَّر بين شيئين متساويين تمام التساوي بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر، كما لو خير بين أن يصلي أربع ركعات وبين أن يصلي أربع ركعات، بل لا بد أن تكون الأشياء المخير بينها، تتميز بعضها عن بعض.
الشرط الرابع: أن يتعلق التخيير بما يستطيع فعله، فلا يصح التخيير بين شيء يستطيعه، وآخر لا يستطيعه.
* * *
المسألة السادسة:
الواجب باعتبار وقته الذي يقع فيه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الواجب غير المؤقت وهو الواجب المطلق، وهو الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلباً جازماً ولم يحدد وقتاً لأدائه وإيقاعه فيه مثل: كفارة اليمين، والوفاء بالنذر، والحج عند بعض العلماء، وقضاء العبادات التي فاتت من غير تقصير عند بعض العلماء، فإن جميع ذلك تجب في جميع العمر، وليست نهايته معلومة للمكلف.
تنبيه: يتضيق الوقت في الواجب المطلق إذا غلب على ظن
(1/27)

المكلف عدم البقاء إلى آخر الوقت، فيجب - حينئذ - أن يفعل
ذلك الواجب قبل ذلك الوقت الذي غلب على ظنه عدم البقاء
إليه، وقلنا ذلك لأنه لا يمكن أن يؤخَّر الفعل مطلقاً، لأنه يلزم
منه: أن لا يكون واجباً، فلا بد من تأخير الفعل إلى زمن معين
لا يجوز التأخير عنه، ولا يمكن ذلك إلا إذا عين هذا الزمن
بعلامة أو أمارة، ولا يوجد معيِّن لذلك سوى أن يغلب على ظنه
عدم البقاء إلى آخر الوقت، وعلى ذلك فإن المكلف يعصي في
هذا بمجرد التأخير عن وقت يظن عدم بقاءه بعده.
تنبيه ثان: إذا لم يغلب على ظنه الموت في وقت محدَّد، ثم أخر فعله بدون عذر فمات فإنه يعصِ، لأن المكلف كان يمكنه المبادرة وفِعل الواجب أثناء حياته فلم يفعل، فالتمكن موجود، والوجوب محقَّق مع التمكن فيعصي.
القسم الثاني: الواجب المؤقت، وهو: الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلباً جازماً، وحدَّد له وقتاً معيناً لأدائه وإيقاعه به، وهو شيئان:
الشيء الأول: الواجب المضيَّق، وهو: الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلباً جازماً وحدَّد وقت أدائه بحيث يسعه ولا يسع غيره من جنسه، مثل: صيام يوم من رمضان، ومعروف أن اليوم يبدأ من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وهذا الوقت الذي بينهما له لوحده، ولا يتسع لفعل شيء آخر معه، ويمثل له الشافعية بوقت صلاة المغرب على القول الجديد.
(1/28)

الشيء الثاني: الواجب الموسع وهو: الفعل الذي طلب الشارع من المكلف إيقاعه طلباً جازماً وحدَّد وقت أدائه بحيث يسعه ويسع غيره من جنسه، مثل: صلاة الظهر؛ حيث إن الشارع قد ألزم المكلف بفعلها في وقت محدد يزيد عن وقت أدائها بحيث يمكن فعلها فيه عدة مرات، فيجوز - على هذا - للمكلف أن يصلي الظهر في أول الوقت، أو في وسطه، أو في آخره.
* * *
المسألة السابعة:
الواجب الموسع ثابت عندنا؛ لعموم قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)، حيث إن هذا الأمر عام يتناول جميع أجزاء الوقت المذكور من غير إشعار بالتخصيص ببعض أجزائه.
ولأن جبريل عليه السلام قد صلَّى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في أول الوقت وآخره، وقال له - بعد ذلك -: " يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين ". وهذا يفيد تخيير المكلف في أداء الصلاة في أي جزء من أجزاء الوقت المحدد لها، أي: أن الإيجاب يتناول جميع أجزاء الوقت، وليس تعيين بعض أجزاء الوقت للوجوب أولى من تعيين البعض الآخر.
وللقياس على الواجب المخير، فكما أنه جاز التخيير بين أفراد الواجب في الواجب المخير - كخصال كفارة اليمين -
(1/29)

فكذلك يجوز التخيير بين أجزاء الوقت في الواجب الموسع كالصلاة ولا فرق، بجامع: حصول المصلحة، وسقوط الفرض.
* * *
المسألة الثامنة:
لا يجوز ترك الفعل في أول الوقت في الواجب الموسع - إلا بشرط العزم على فعله في وسط أو آخر الوقت، فإذا جاء آخر الوقت وهو لم يفعل الواجب فحينئذٍ تعيَّن فعله، لأن القائل، بجواز تأخير الفعل بدون بدل، وهو العزم يقال له: " لما لم يفعل المكلف الواجب في أول الوقت ما هي نيته؟ " فإما أن يقول: لا نية له، أو يقول: له نية.
فإن قال: لا نية له فهذا لا يصح؛ لأنه لا بد لكل عبادة من نية.
وإن قال: له نية، فنقول له: إما أن تكون نيته ترك فعله أو أن تكون نيته فعله فيما بعد.
فإن كان الأول - وهو كون نيته ترك فعله - فلا يصح، لأنه عزم على الترك، وهو معصية، وترك المعصية واجب.
فلم يبق إلا الثاني - وهو كون نيته عمله فيما بعد - وهو الصحيح، فيكون قد عزم على فعله، وهو المطلوب.
وللقياس على الواجب المخيَّر، فكما أنه لا يجوز للمكلَّف
(1/30)

ترك أي خصلة من خصال الواجب المخير إلا بشرط النية على فعل غيرها، فكذلك لا يجوز ترك الفعل في الجزء الأول من الوقت - من الواجب الموسع - إلا بشرط النية - وهي العزم - على فعله في الجزء الأوسط، أو الأخير من الوقت.
* * *
المسألة التاسعة:
يتضيَّق الوقت في الواجب الموسع بطريقين:
الطريق الأول: بالانتهاء إلى آخر الوقت بحيث لا ينفصل زمانه عنه.
الطريق الثاني: بغلبة الظن بعدم البقاء إلى آخر الوقت، فإنه مهما غلب ذلك على ظنه فإنه يجب عليه الفعل، كما لو كانت المرأة تعرف أن الحيض يأتيها في ساعة معينة من الوقت، فيتضيق الوقت عليها، فيجب عليها الفعل قبل ذلك الوقت.
وبناء على ذلك: فإن المكلف يعصي إذا أخره عن ذلك الوقت الذي غلب على ظنه أنه لا يبقى إليه.
* * *
المسألة العاشرة:
إذا أخَّر المكلَّف الفعل في الواجب الموسع عن أول الوقت مع غلبة ظن السلامة إلى آخر الوقت، فمات فجأة أثناء الوقت الموسع، فإنه لم يمت عاصياً؛ لأن الواجب الموسع يجوز تركه
(1/31)

في أول الوقت ليعمله في آخر وقته المحدد، وقد جاز الترك مع عدم علمه بالعاقبة، فقد فعل ما له فعله فكيف يعصي؟
* * *
المسألة الحادية عشرة:
إذا فعل المكلف الفعل في الوقت الذي غلب على ظنه أنه
لا يعيش إليه، فالفعل يكون أداء لا قضاء، لأن الفعل قد وقع في وقته المحدد له شرعاً، وهذه حقيقة الأداء.
ولأنه بانَ خطأ ظنه، ولا عبرة بالظن الذي بانَ خطؤه.
* * *
المسألة الثانية عشرة:
الواجب بالنظر إلى تقديره وتحديده بحد معين ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الواجب المحدَّد، وهو: الفعل الذي طلبه الشارع طلباً جازماً وقدره بمقدار معين وفضله وميَّزه عن غيره، مثل الصلوات الخمس، فقد حددت كل صلاة بركعات محددة، ومثل زكاة الأموال، وصيام رمضان، والنذر لمن حدده، وغسل اليدين والرجلين ونحو ذلك.
فالمكلف - في هذا القسم - لا يفعل شيئاً زائداً على الفعل المحدد والمعين، وإذا توقف وجوده على شيء يكون ما توقف عليه واجباً؛ لأنه لا تبرأ الذمة إلا بأدائه بمقداره الذي قدَّره
(1/32)

الشارع، وهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فيكون واجباً.
القسم الثاني: الواجب غير المحدَّد، وهو: الذي لم يُحدده الشارع، ولم يقدره بقدر معين، مثل: الطمأنينة في الركوع والطمأنينة في السجود، ومدة القيام، ومدة القعود، وذلك في الصلاة، حيث وجبت الطمأنينة في الركوع والسجود - مثلاً - ولكن لم يقدر الشارع مدة هذه الطمأنينة.
فالمكلف - هنا - يستطيع أن يزيد على أقل الواجب بحيث تكون هذه الزيادة لا تنفصل عن حقيقة الواجب، مثل: الزيادة، في الطمأنينة في الركوع والسجود، والزيادة في مدة القيام وفي مدة القعود.
وهذه الزيادة مندوبة، لأن الواجب لا يجوز تركه إلا بشرط البدل، وهو: العزم على الفعل في آخر الفعل في الواجب الموسع، أو فعل غيره من الخصال المخير بينها في الواجب المخيَّر، وهذه الزيادة في الطمأنينة - مثلاً - على أقل الواجب يجوز تركها بلا شرط ولا بدل، وهذا هو حدُّ الندب، فتكون الزيادة مندوبة.
* * *
المسألة الثالثة عشرة: ْ
الواجب باعتبار فاعله والمخاطبين به ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الواجب العيني، وهو: ما يتحتَم أداؤه على
(1/33)

مكلف بعينه، أو هو: ما طلب حصوله من عين كل واحد من المكلفين كالصلاة والصيام.
وسُمِّي بذلك؛ لأن الفعل الذي تعلق به الإيجاب منسوب
إلى العين والذات، باعتبار أن ذات الفاعل مقصودة، فيلزم الإتيان به من كل واحد بعينه، بحيث لا تبرأ ذمته إلا بفعله.
القسم الثاني: الواجب الكفائي، وهو: ما يتحتَّم أداؤه على جماعة من المكلَّفين، لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام به بعض المكلفين فقد أدِّي الواجب، وسقط الإثم والحرج عن الباقين، مثل: الجهاد في سبيل الله إن لم يكن النفير عاماً، والصلاة على الميت، وتغسيله، وتكفينه، ورد السلام، وإنقاذ الغرقى، وسُمِّي بذلك؛ لأنه منسوب إلى الكفاية والسقوط من حيث إن فعله من أي فاعل أسقط طلبه عن الآخرين، وإذا لم يؤدِّه أحد فإن الإثم يلحق جميع المكلفين.
والقصد من الفعل الكفائي هو: وقوع الفعل نفسه لما يترتب عليه من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة بقطع النظر عمَّن يقع منه.
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
فرض العين أفضل من فرض الكفاية.
لأن فرض العين مفروض حقاً للنفس، فهو أهم عندها من فرض الكفاية وأكثر مشقة، بخلاف فرض الكفاية فإنه مفروض حقاً للكافة، ولأمر إذ عمَّ خفَّ، وإذ خُصَّ ثقل، قال بعض العلماء: إن من عليه فرض عين فاشتغل بفرض كفاية وزعم أن مقصوده الحق فهو كذاب، ومثاله: من ترك الصلاة، واشتغل في
(1/34)

تحصيل الثياب ونسجها قصداً لستر العورات، والأمثلة كثيرة في هذه الأزمنة الأخيرة، يتركون الواجبات العينية عليهم، ويفعلون الواجب الكفائي، أو المندوبات، ومنهم من ترك وظيفته وعمله الرسمي للنصح في المساجد، أو للاعتكاف في المسجد الحرام، أو نحو ذلك.
* * *
المسألة الخامسة عشرة:
فرض الكفاية لا يلزم بالشروع فيه إلا في حالتين:
الحالة الأولى: الجهاد في سبيل الله، لأنه إذا شرع في الجهاد ثم ترك الصف ففي ذلك كسر لقلوب الجند، وعدم حثهم على القتال.
الحالة الثانية: الصلاة على الجنازة، لأن الانسحاب من ذلك فيه هتك لحرمة الميت، كمن قام من مجلس مسلم بدون إذنه.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
المخاطب بفرض الكفاية هو: جميع المكلفين، وفعل بعضهم هذا الواجب مسقط للطلب من الباقين، لأنه لو لم يقم به أحد لترتب على ذلك: أن الجميع يأثمون - كما قلنا فيما سبق - فتأثيم الجميع موجب لتكليفهم جميعاً، لأنه لا يمكن أن يؤاخذ المكلف على شيء لم يكلف به، فدل على أن وجوبه على الجميع.
(1/35)

المسألة السابعة عشرة:
ما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب مطلقاً، أي: سواء كان سبباً شرعياً مثل: الصيغة للعتق الواجب، أو سبباً عقلياً مثل: النظر المحصل للعلم الواجب، أو سبباً عادياً كحز الرقبة بالنسبة إلى القتل، أو شرطاً شرعياً كالوضوء للصلاة، أو شرطاً عقلياً كترك أضداد المأمور به، أو شرطاً عادياً كغسل جزء من الرأس مع الوجه ليتحقق غسل كل الوجه.
وقلنا ذلك لأن الواقع يشهد له، حيث إن السيد لو قال لعبده: " أعطني ماء " ولا يوجد الماء إلا في البئر، فإنه لا يمكن أن يحضر الماء لسيده إلا بسحب الماء من البئر برشاء ودلو، فيلزمه - حينئذٍ - إحضار الرشاء والدلو ليسحب بهما الماء، وذلك ليفعل ما أمره به سيده إذا كان له طريق إليه، فلا يجوز له تركه - مع القدرة عليه - وإلا لاستحق العقوبة من السيد، فوجب عليه إحضار السبب وهو: الرشاء والدلو، حيث إنه بهما يمكنه تنفيذ أمر سيده، وهو جلب الماء، لأنه لا يمكن إحضار الماء إلا بهما، فلذلك وجبا، فينتج: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
(1/36)

النوع الثاني
المندوب
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف المندوب:
المندوب لغة مأخوذ من الندب، وهو: الدعاء إلى أمر مهم.
والمندوب اصطلاحاً هو: المطلوب فعله شرعاً من غير ذم على تركه مطلقاً.
* * *
المسألة الثانية:
صيغ المندوب هي كما يلي:
1 - كل أمر صريح إذا وجدت قرينة تصرفه من الوجوب إلى الندب، كقوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)، فإن هذا الأمر للندب، والقرينة الصارفة هي السنة التقريرية.
2 - التصريح بأن ذلك سنة كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " وسننت لكم قيامه " - يقصد رمضان -.
(1/37)

3 - التصريح بالأفضلية الوارد من الشارع، كقوله في غسل الجمعة: " ومن اغتسل فالغسل أفضل ".
4 - كل عبارة تدل على الترغيب، ومنه قوله عليه السلام لبريرة: " لو راجعتيه ".
* * *
المسألة الثالثة:
أسماء المندوب: المستحب، والتطوع، والسنة، والإحسان، والمرغَّب فيه، وكلها أسماء مترادفة، حيث إنها أسماء لمسمَّى واحد، وهو: الفعل المطلوب طلباً غير جازم.
* * *
المسألة الرابعة:
المندوب مأمور به حقيقة: لأن المندوب يدخل في حقيقة الأمر كما دخل الواجب، حيث إن حقيقة الأمر هي: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، والجامع بينهما: أن كلاً منهما مستدعى ومطلوب، فتصدق عليهما حقيقة الأمر.
ولأنه قد أطلق الأمر على المندوب في الكتاب والسنة واستُعمل، والأصل في الاستعمال والإطلاق الحقيقة، فيكون المندوب مأموراً به حقيقة، من ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى)، فقد أمر هنا بواجب وهو: العدل، وأمر بمندوبين وهما: الإحسان، وإعطاء ذي القربى، ومن ذلك ما قالته أم عطية - رضي الله عنها -: أمرنا
(1/38)

النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نخرج في العيدين العواتق "، ومعروف أن ذلك ليس بواجب.
* * *
المسألة الخامسة:
المندوب من الأحكام التكليفية: لأن التكليف طلب ما فيه كلفة ومشقة، وفعل المندوب رغبة في الثواب واحتياطاً للدين فيه مشقة، وتركه فيه مشقة على المكلف القوي الإيمان، نظراً لفوات الثواب الجزيل وربما كان ذلك أشق عليه من الفعل.
* * *
المسألة السادسة:
المندوب لا يلزم بالشروع فيه: حيث يجوز تركه وقطعه متى ما شاء؛ في غير مندوب الحج والعمرة؛ حيث يجب فيهما الإتمام، وقلنا لا يلزم المندوب بالشروع فيه، لصريح قوله - صلى الله عليه وسلم -: " الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر ".
ولفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث أكل من الحيس الذي أهدي لعائشة
- رضي الله عنها - ثم قال: " كنت أصبحت صائماً "، ولإجماع الصحابة السكوتي، حيث إن بعض الصحابة - كأبي الدرداء، وأبي طلحة، وأبي هريرة، وابن عباس، وحذيفة - كانوا يصومون
(1/39)

تطوعاً، ثم يقطعون ذلك - فيما ثبت عنهم - من غير نكير من بقية الصحابة، إذ لو حصل إنكار لنقل، وبلغنا، وما دام أنه لم يبلغنا إنكار، فإن هذا يكون إجماعاً منهم على جوازه.
وللقياس، وهو قياس وسط المندوب وآخره على أوله:
فكما أن المكلف مخير في الابتداء بين أن يشرع فيه وبين عدم الشروع، لكونه نفلاً، فكذلك هو مخيَّر في الوسط والانتهاء، إن شاء أتمَّه، وإن شاء قطعه.
(1/40)

النوع الثالث
المباح
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف المباح:
المباح لغة: الإطلاق والإذن، يقال: " أباح الأكل من بستانه "، أي: أذن بالأكل منه.
المباح اصطلاحاً: ما أذن الله - تعالى - للمكلفين في فعله وتركه مطلقاً من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه لذاته.
* * *
المسألة الثانية:
صيغ المباح هي:
1 - لفظ: " أحل "، كقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ).
2 - لفظ: " لا جناح "، كقوله تعالى: " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ".
3 - لفظ: " لا حرج "، كقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ). . . وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " افعل ولا حرج ".
(1/41)

4 - صيغة الأمر التي صرفت من اقتضائها للوجوب والندب إلى الإباحة بسبب قرينة اقترنت بها، كقوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ)، فهذا الأمر للإباحة، والقرينة الصارفة هي: منع الفعل قبل ذلك في قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)، حيث إنه كان الانتشار للبيع ممنوعاً ثم أباحه بعد انتهاء الصلاة.
* * *
المسألة الثالثة:
المباح من الشرع أي: حكم شرعي؛ قياساً على بقية الأحكام الشرعية كالواجب والمندوب، فكما أن تلك من الأحكام شرعية فكذلك المباح، ولا فرق بينه وبينها، بجامع: أن كلاً منها متوقف في وجوده على الشرع.
* * *
المسألة الرابعة:
حكم الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع الإباحة، لتصريحه بلام التمليك في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)، حيث إن الله تعالى قد خصنا بما في الأرض وملكنا إياها، فلا بد أن نتحصل على فائدة الملك، وهي: الانتفاع بها.
ولتصريحه بالمحرم في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)، وقوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)، فهنا جعلت الإباحة أصلاً في هذه الأشياء
(1/42)

إلا ما صرح الله تعالى بتحريمه، ولصريح قوله - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن حكم السمن والجبن: " الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه "، فهنا قد بيَّن الشارع أنه قد عفى لمن فعل المسكوت عنها ولمن تركها، وهذا هو معنى الإباحة.
* * *
المسألة الخامسة:
المباح غير مأمور به من حيث هو مباح: لوجود الفرق بين معنى الأمر، ومعنى الإباحة، فمعنى الأمر: اقتضاء الفعل من المأمور به، والمطالبة به، والنهي عن تركه، ومعنى الإباحة: الإذن في الفعل والترك، فيعلم كل عاقل - من ذلك - الفرق بين أن يأذن الله في الفعل وبين أن يأمره به، وأنه إذا أذن له فليس بمقتض له، وإذا أمره به فليس هذا إذن، فإذا أثبت الفرق: لزم من ذلك أن المباح غير مأمور به.
* * *
المسألة السادسة:
الإباحة ليست تكليفاً: لأن التكليف هو: طلب ما فيه كلفة ومشقة بصيغة الأمر أو النهي، والإباحة ليس فيها مشقة جازمة كمشقة الوجوب والتحريم، ولا مشقة غير جازمة كمشقة الندب،
(1/43)

وهي مشقة فوات الفضيلة، فالمكلف في المباح، مخير بين الفعل والترك مطلقاً، وهذا لا تكليف فيه، فإن قال قائل: إذا كان المباح لا تكليف فيه فما سبب وضعه ضمن الأحكام التكليفية؟
أقول: إنه وضع ضمن الأحكام التكليفية؛ لأنه يختص بالمكلفين، أي: أن الإباحة والتخيير لا يكون إلا ممن يصح إلزامه بالفعل أو الترك، أما غيره - كالمجنون والصبي - فلا يسمَّى ما يفعلونه أو يتركونه مباحاً.
* * *
المسألة السابعة:
المباح ليس بجنس للواجب ولا هو داخل فيه؛ لوجود الفرق بين الواجب والمباح في الحقيقة. فالمباح مطلق الفعل ومطلق الترك، فلا فرق فيه بين الترك والفعل، أما الواجب فهو ما ذُم تاركه شرعاً مطلقاً كما سبق بيان ذلك في تعريفهما.
* * *
المسألة الثامنة:
المباح يُسمى حسناً، لأن الشارع رفع الحرج عن فعله، وكل ما رُفع الحرج عن فعله فإنه يكون حسناً، فالمباح يكون حسناً.
(1/44)

النوع الرابع
المكروه
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف المكروه:
المكروه لغة: ضد المحبوب، تقول: " كرهت الشيء " إذا لم تحبه، والكره: المشقة، فالمكروه يكون: ما نفر عنه الشرع والطبع، لأن الطبع والشرع لا ينفران إلا عن مشقة وشدة تلحق بالمكلف.
والمكروه اصطلاحاً هو: ما تَركُه خير من فعله، ولا عقابْ في فعله.
* * *
المسألة الثانية:
الصيغ التي تستعمل وتدل على الكراهة هي:
1 - لفظ " كره " وما يشتق منها، ومنه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال ".
(1/45)

2 - لفظ: " بغض " وما يشتق منها، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: " أبغض الحلال إلى الله الطلاق ".
3 - لفظ النهي: " لا تفعل "، إذا اقترنت بها قرينة تصرفها عن التحريم إلى الكراهة، كقوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ). فالنهي عن السؤال للكراهة، والقرينة الصارفة من التحريم إلى الكراهة هي آخر الآية، حيث قال تعالى: (وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (101).
* * *
المسألة الثالثة:
إطلاقات المكروه:
بعض العلماء يطلق لفظ: " مكروه " على ما نهي عنه نهياً تنزيهياً، وهو الذي ذكرنا تعريفه، وإذا أطلق لفظ المكروه انصرف إلى هذا. وبعضهم يطلق لفظ " مكروه " ويريد به الحرام، وقد روي هذا الإطلاق عن الأئمة الثلاثة - مالك، والشافعي، وأحمد رحمهم الله جميعاً - وذلك تورعاً منهم وحذراً من الوقوع تحت طائلة النهي الوارد في قوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ)، وهذا كان من أسباب غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة كما قال ابن القيم رحمه الله.
وبعضهم يطلقه ويريد به: ما وقعت الشبهة في تحريمه وإن كان غالب الظن حله، كأكل لحم الضبع.
(1/46)

المسألة الرابعة:
المكروه منهي عنه حقيقة: لأن لفظ " النهي " تطلق على ما نهي عنه لحرمته، وتطلق على ما نهي عنه لكراهته، ولا فرق بينهما في الاستعمال إلا في العقاب على فعل الحرام، دون المكروه.
* * *
المسألة الخامسة:
المكروه ليس من التكليف: لأن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة، والمكروه لا كلفة فيه ولا مشقة - كما بانَ من تعريف المكروه - حيث إن المكلف إذا ترك الفعل المكروه فله أجر، وإن لم يتركه فلا إثم عليه.
(1/47)

النوع الخامس
الحرام
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف الحرام:
الحرام لغة: الممنوع، يقال: " حرمه الشيء " إذا منعه إياه، والحرام اصطلاحاً: ما ذُم فاعله شرعاً.
* * *
المسألة الثانية:
صيغ الحرام هي كما يلي:
1 - لفظ " التحريم " ومشتقاتها، كقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ).
2 - صيغة النهي المطلق، كقوله تعالى: (وَلَا تقربُوا الزِّنَا).
3 - التصريح بعدم الحل، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يحل دم امرئ مسلم. . . ".
4 - أن يرتب الشارع على فعل شيء عقوبة، فيدل هذا على أن هذا الفعل حرام، كقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا).
(1/48)

المسألة الثالثة:
يجوز أن يكون الواحد بالنوع واجباً وحراماً، مثل: " السجود " حيث إنه واحد بالنوع، فمنه: سجود واجب هو السجود لله تعالى، ومنه سجود حرام وهو: السجود لغير الله تعالى، ولا تناقض في ذلك، وذلك لتغايرهما بالشخصية، فيكون بعض أفراده واجباً كالسجود لله، وبعضها حراماً كالسجود لغيره، قال تعالى: (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ).
* * *
المسألة الرابعة:
يمتنع أن يكون الواحد بالعين حراماً واجباً من جهة واحدة، كقوله: " اعتق هذا العبد لا تعتق هذا العبد " ويقصد معيَّناً؛ وذلك لتضادهما وتنافيهما وتناقضهما، وهو من باب تكليف ما لا يطاق، وهو لا يجوز، لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).
* * *
المسألة الخامسة:
يجوز أن يكون الواحد بالعين حراماً واجباً من جهتين، كالصلاة في الدار المغصوبة فإنها صحيحة؛ لأن الفعل - وهو الصلاة - مطلوب الفعل، والمكان المصلى فيه مطلوب الترك؛ حيث إنه مغصوب، فيكون متعلق الأمر والنهي غير متَحِد.
(1/49)

فالصلاة من حيث هي صلاة مأمور بها - بقطع النظر عما يلحقها من مكان أو غيره، والغصب من حيث هو غصب منهي عنه - بقطع النظر عما يلابسه من أفعال الصلاة، فتكون - على هذا - الصلاة معقولة بدون الغصب، والغصب معقول بدون الصلاة، فيمكن وجود أحدهما بدون الآخر؛ قياساً على الصلاة منفردة، وعلى الغصب منفرد، فيجب أن يثبت للصلاة حكمها - وهو الأجر - ويثبت للغصب حكمه - وهو الإثم - كما لو كانا منفردين، فالجمع بينهما لا يقلب حقيقتهما في أنفسهما.
* * *
المسألة السادسة:
يجوز أن يحرم واحداً لا بعينه - وهو الحرام المخيَّر - لأنه واقع شرعاً؛ حيث ثبت تحريم إحدى الأختين لا بعينها، ولأنه لا يمتنع عقلاً أن يقول السيد لعبده: " لا تكلم زيداً أو عمراً "، فلا يفهم من ذلك تحريم تكليم واحد بعينه، ولا تحريم تكليم زيد وعمرو، فلم يبق إلا أنه حرم عليه كلام أحدهما لا بعينه.
* * *
المسألة السابعة:
الأمر بالشيء المعين نهي عن ضد ذلك الشيء المعين من جهة المعنى، سواء كان له ضد واحد، أو أضداد؛ لأنه لا يمكن
(1/50)

أن نتوصل إلى فعل المأمور به إلا بترك ضده، فوجب أن يكون الأمر به نهياً عن ضده، وهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فلو قال له: " قم "، لا يمكنه فعل القيام إلا بترك ما يضاد القيام، فوجب - على هذا - أن يكون هذا نهياً عن القعود، والركوع والاضطجاع ونحو ذلك.
(1/51)

التكليف وشروطه وما يتعلق به
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف التكليف:
التكليف لغة هو: المشقة، ويطلق على الأمر بما يشق عليك، فهو إذاً: الأمر بما فيه كُلفة.
التكليف اصطلاحاً هو: الخطاب بأمر أو نهي.
* * *
المسألة الثانية:
يشترط في المكلف أن يكون بالغاً، عاقلاً، فاهماً للخطاب.
فخرج بشرط البلوغ: الصبي، وإن كان عاقلاً فاهماً للخطاب، فإنه لا يمكن تكليفه.
وخرج بشرط العقل: المجنون وإن كان بالغاً، فإنه لا يمكن تكليفه.
وخرج بشرط الفهم: النائم والغافل والساهي، فإنه لا يمكن
(1/52)

تكليف هؤلاء لعدم الفهم - وهم في حالتهم تلك.
* * *
المسألة الثالثة:
الصبي غير المميِّز بين الأشياء وهو ما دون سبع سنوات - غير مكلف، لعدم فهمه للخطاب الوارد من الشارع وإدراكه لمقتضاه، فلا يمكن أن يعمل عملاً وهم لم يعرف المراد منه، ولعدم صحة النية والقصد منه، فلا يقبل أيُّ عملٍ إلا بنية.
* * *
المسألة الرابعة:
الصبي المميز بين الأشياء وهو من تجاوز سن السابعة من عمره - غير مكلف، لأن هذا وإن كان مميزاً بين حقائق الأمور إلا أنه لا يمكن تكليفه؛ لأننا لا نعرف متى ميَّز، ومتى فهم الخطاب؛ لأن الفهم يتزايد تزايداً غير واضح، فلا يمكن له ولا لغيره. أن يقف على أول وقت فهم خطاب الشارع، وعرف المرسل، والغرض من الرسل، ولذلك حط عنه التكليف؛ لعدم الانضباط في ذلك، فوضع الشارع ضابطاً يضبط الحد الذي تتكامل فيه بنيته وعقله وهو: " البلوغ "، ولهذا فإن أكثر الأحكام تتعلق به.
* * *
المسألة الخامسة:
المجنون - سواء كان جنونه أصلياً أو طارئاً، وسواء كان
(1/53)

مطبقاً أو غير مطبق - غير مكلف؛ لعدم فهمه للخطاب الوارد من الشارع، وعدم إدراكه وعلمه للفعل المكلف به، وطريقة امتثاله، وعدم وجود النية والقصد منه.
* * *
المسألة السادسة:
المعتوه - وهو مختلط الكلام بسبب ما يعرض للعقل من خلل - غير مكلف؛ قياساً على المجنون، والصبي غير المميز، فكما أن المجنون والصبي غير المميز غير مكلفين، فكذلك المعتوه ولا فرق، والجامع: ضعف العقل عن إدراك حقائق الأمور، وعن فهم خطابات الشارع على ما هي عليه.
* * *
المسألة السابعة:
الناسي والساهي والغافل والنائم والمغمى عليه غير مكلفين وهم في حالة السهو والنسيان والغفلة والنوم والإغماء، لأن هؤلاء وهم في حالتهم تلك قد فقدوا شرطاً من شروط التكليف، وهو: " الفهم "، فهم لا يدركون - وهم في تلك الحالة - معنى الخطاب، فلو كلفوا وهم في تلك الحال لكان تكليفاً بما لا يطاق، وهو لا يجوز.
(1/54)

المسألة الثامنة:
السكران غير مكلف مطلقاً: لأن السكران في حالة سكره لا يفهم الخطاب فكيف يتوجه إليه خطاب لا يفهم المراد منه؟! فلو طلب منه امتثال ما يقتضيه الخطاب - وهو في حالته تلك - لكان تكليفاً بما لا يطاق، وهو لا يجوز.
* * *
المسألة التاسعة:
المكره المُلْجَأ - وهو: من حمل على أمر يكرهه ولا يرضاه، ولا تتعلق به قدرته واختياره، كمن ألقي من شاهق على مسلم فقتله - غير مكلف اتفاقاً؛ لأنه مسلوب القدرة غير مختار كالآلة.
* * *
المسألة العاشرة:
المكره غير الملجأ - وهو: من حُمل على أمر يكرهه، ولا يرضاه، ولكن تتعلق به قدرته واختياره وإرادته، كمن قيل له: اقتل أخاك المسلم وإلا قتلناك - هذا مكلف؛ لأن شروط التكليف - وهي: البلوغ، والعقل والفهم - قد توفرت فيه، فلا يوجد مانع من تكليفه، فهو بهذا كغير المكره بجامع: توفر جميع شروط التكليف بالإضافة إلى توفر القدرة، وكمال البدن والذمة، ومجرد الإكراه ليس سبباً لإسقاط الخطاب عن المكره بأي حال.
(1/55)

المسألة الحادية عشرة:
الكفار مكلَّفون بفروع الإسلام مطلقاً: لعموم قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) فيدخل الكفار؛ حيث إنهم من جملة الناس، ولا يوجد مانع من دخولهم؛ لأنه لو وجد لعرفناه عند الطلب.
ولعموم قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، حيث إن هذا عام في حق المسلمين والكفار، فلا يخرج الكافر إلا بدليل والكفر ليس برخصة مسقطة للخطاب عن الكافر.
ولقوله تعالى: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32)).
حيث إن الله تعالى ذم الكافر على تركه لفرع من فروع الشريعة وهي الصلاة، وهذا يدل على أنهم مكلفون بها.
وللقياس على المسلم المحدِث، فكما أن المحدِث قد فقد شرط الصلاة، ولم يمنع ذلك من وجوب الصلاة عليه وإلزامه بها بسبب قدرته على تحصيل الشرط، فكذلك الكافر فإن فقد شرط العبادة - وهما الشهادتان - مع القدرة عليه لا يمنع من توجه الخطاب بها، حيث إنه قادر على تحصيل شرط العبادة وهو: الإيمان.
* * *
المسألة الثانية عشرة:
يشترط في الفعل المكلف به ما يلي:
الشرط الأول: أن يعلم المكلف حقيقة الفعل المكلف به،
(1/56)

وذلك من أجل أن يتصور هذا الفعل المأمور به، إذ لا يعقل أن يكلف بشيء مجهول، فيجب أن يعلم طريقة الصلاة وشروطها، وأركانها وواجباتها ونحو ذلك مما يتعلق بها، فلو لم يعلم ذلك لم يصح منه الفعل.
الشرط الثاني: أن يعلم المكلف أن هذا الفعل مأمور به من قِبل الله تعالى؛ لأنه إذا علم ذلك تُصوِّر منه قصد الطاعة والامتثال بفعله؛ أما إذا لم يعلم ذلك فلا يكفي مجرد حصول الفعل منه من غير قصد ولا نية لامتثال أمر الله تعالى، لقوله عليه السلام: " لا عمل إلا بنية ".
الشرط الثالث: أن يكون حاصلاً بكسب المكلف، فلا يصح تكليف المسلم بكسب غيره؛ لقوله تعالى (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، وقوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)).
الشرط الرابع: أن يكون الفعل الذي طلب من المكلف فعله معدوماً، أي: لم يوجد، فيؤمر المسلم بصلاة الظهر - مثلاً - قبل الزوال، فهنا أمر بها قبل وجودها، ويؤمر الإنسان بخياطة ثوب معدوم.
وقلنا ذلك؛ لأن إيجاد الشيء الموجود تحصيل حاصل لا يرد به الشرع، ولأنه لا يحسن عقلاً أن يؤمر من هو قائم بالقيام، ومن هو يكتب بالكتابة.
(1/57)

الشرط الخامس: أن يكون الفعل مقدوراً للمكلف، أي:
يستطيع المكلف فعله والقدرة عليه، فلا يجوز تكليفه بما لا يطاق كالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس، وإيجاد الموجود؛ لقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، وقوله: (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا)؛ حيث بين الله تعالى: أنه لا يكلف العباد عملاً من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلف، وفي مقتضى إدراكه.
ولقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، وأيُّ حرج فوق التكليف بما لا يطاق، قال بعض العلماء: ولا حرج أشد من التكليف بما لا يطاق.
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: " فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم "، فكلف الناس بما يستطيعون من الفعل.
الشرط السادس: أن يكون التكليف بفعل - بيانه: أن متعلق التكليف هو الأمر والنهي، وكلاهما لا يكون إلا فعلًا، فلا يكلف إلا بفعل، ولا يطلب من المكلف إلا فعل، والتكليف في الأمر تكليف بفعل بالاتفاق؛ لأن مقتضاه: إيجاد الفعل المأمور به كالصلاة والزكاة، وكذلك التكليف في النهي تكليف بفعل؛ لأن المكلف به في النهي هو كف النفس عن الفعل لا نفي الفعل؛ حيث إن كف النفس عن المنهي عنه فعل، فالأمر بالصوم
(1/58)

- مثلًا - أمر بكف النفس عن الفطر، والكف فعل الإِنسان، وهو داخل تحت كسبه يؤجر عليه، وكذلك لما نهي عن شرب الخمر فإنه اقتضى التلبس بضد من أضداده، وهو: الترك، فيكون الترك داخلًا تحت كسب المكلف فيثاب عليه، فالترك - في الحقيقة - فعل؛ لكونه ضد الحال التي هو عليها.
(1/59)

القسم الثاني
الحكم الوضعي وأنواعه
لقد قلنا: إن الحكم الوضعي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشيء سبباً لشيء آخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو عزيمة أو رخصة، فتكون أنواعه - على هذا - هي:
الأول: السبب.
الثاني: الشرط.
الثالث: المانع.
الرابع: العزيمة والرخصة.
وإليك بيان كل نوع وما يتعلق به من المسائل.
(1/61)

النوع الأول
السبب
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريفه:
السبب لغة هو: ما يتوصل به إلى مقصود ما؛ لذلك يسمى الطريق سبباً.
والسبب اصطلاحاً هو: ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته.
فيلزم من وجود دخول الوقت وجود الحكم وهو وجوب الصلاة على ذلك المكلف.
* * *
المسألة الثانية:
السبب باعتبار قدرة المكلف ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب مقدور عليه، وهو: ما كان داخلاً تحت كسب المكلف وطاقته، بحيث يستطيع فعله وتركه، كالقتل
(1/63)

المسبب للقصاص، وعقد النكاح المسبب لحل الوطء.
القسم الثاني: سبب غير مقدور عليه، وهو: ما لم يكن من كسب المكلف، ولا دخل له في تحصيله أو عدم ذلك كزوال الشمس أو غروبها سبب لوجوب الصلاة أو الإفطار، والموت سبب لانتقال الملك، فهذه الأمور تكون، ولا يقدر المكلف على منعها أو جلبها.
* * *
المسألة الثالثة:
السبب باعتبار المشروعية ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب مشروع، وهو: ما كان سبباً للمصلحة أصالة، وإن كان مؤدياً إلى بعض المفاسد تبعاً، كالجهاد في سبيل الله فإنه سبب لإقامة الدين وإعلاء كلمة الله، وإن أدى في الطريق إلى نوع من المفاسد كإتلاف الأنفس، وإضاعة الأموال.
القسم الثاني: سبب غير مشروع وهو: ما كان سبباً للمفسدة أصالة وإن ترتب عليه نوع من المصلحة تبعاً، كالقتل بغير حق فإنه سبب غير مشروع، وإن ترتب عليه ميراث ورثة المقتول.
* * *
المسألة الرابعة:
السبب باعتبار المناسبة ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب مناسب للحكم، وهو الذي يترتب على شرع الحكم عنده تحقق مصلحة، أو دفع مفسدة يدركها العقل، كالسرقة بالنسبة لعقوبة القطع؛ حيث إنها تحقق مصلحة حفظ الأموال، وتدفع مفسدة ضياعها.
القسم الثاني: سبب غير مناسب للحكم، وهو الذي لا يترتب على شرع الحكم عنده تحقق مصلحة أو دفع مفسدة،
(1/64)

كدلوك الشمس، حيث إنه سبب لوجوب الظهر، ومثل: شهود الشهر بالنسبة لوجوب الصيام.
* * *
المسألة الخامسة:
السبب باعتبار مصدره ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
ْالقسم الأول: سبب شرعي، وهو: ما كان مستمداً من الشارع فقط، كالوقت بالنسبة لوجوب الصلاة.
القسم الثاني: سبب عقلي، وهو: ما كان مستمداً من العقل فقط، كوجود النقيض فإنه سبب في انعدام نقيضه عقلاً مثل الموت فإنه سبب لعدم الحياة.
القسم الثالث: سبب عادي، وهو: ما كان مستمداً من العادة المألوفة المتكرر وقوعها كالذبح، فإنه يتسبب في إزهاق الروح في العادة.
* * *
المسألة السادسة:
السبب باعتبار اقترانه بالحكم وعدم ذلك ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب متقدم على الحكم، وهذا هو الأصل كالأسباب الموجبة للصلوات، والزكاة، والبيع، والنكاح، وهو الأكثر.
القسم الثاني: سبب مقارن للحكم، كقتل المسلم للكافر في الحرب، فإنه سبب لاستحقاق سلبه فوراً، وإحياء الموات فإنه سبب فوري للملك.
* * *
المسألة السابعة:
السبب باعتبار اللفظ والفعل ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب قولي ولفظي، وهو: ما كان معتمدا
(1/65)

على القول واللفظ، كصيغ العقود مثل البيع والشراء، وصيغ التصرفات كالطلاق والعتاق والنكاح.
القسم الثاني: سبب فعلي، وهو: ما كان ناشئاً عن الفعل، كالقتل سبب للقصاص، وشرب الخمر والسرقة سببان للحد، وإحياء الموات سبب للملك.
والفرق بينهما: أن الأسباب القولية لا تصح من السفيه أو المحجور عليه كما لو أعتق عبده، أو وهبه، أو باع واشترى.
أما الأسباب الفعلية فإنها تصح منه، كما لو وطأ المحجور عليه أمته فإنها تصير أم ولد؛ وذلك لأن أقواله يمكن إلغاؤها - كما قال ابن القيم في بدائع الفوائد - حيث إنها مجرد كلام لا يترتب عليه شيء، أما الأفعال فإنها إذا وقعت فلا يمكن إلغاؤها، فلا يمكن أن يقال لمن وطأ أمته، أو أتلف شيئاً لغيره، إنه لم يطأ أو لم يتلف.
* * *
المسألة الثامنة:
العلة - وهي: الوصف المعرِّف للحكم، تعتبر قسماً من أقسام السبب. فالسبب أعم من العلة؛ حيث إن السبب ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب معقول المعنى: أي: أدرك العقل ارتباط الحكم به، فهذا يُسمَّى سبباً وكلة كقطع يد السارق، فالسرقة تسمى سبباً وعلة للقطع.
(1/66)

القسم الثاني: سبب غير معقول المعنى، وهو الذي لا يدرك العقل ارتباط الحكم به، فهذا يُسمَّى سبباً لا علة، كدخول الوقت يسمَّى سبباً لوجوب الصلاة، ولا يسمى علة؛ لعدم إدراكنا للمناسبة بين دخول الوقت ووجوب هذه الصلاة بعينها.
فالسبب - على هذا - شامل للوصف المناسب وغير المناسب.
* * *
المسألة التاسعة:
الصحة، وهي: موافقة الفعل ذي الوجهين لأمر الشارع، والفساد: وهو مخالفة الفعل ذي الوجهين لأمر الشارع داخلان ضمن السبب، لأن حقيقة السبب قد وجدت فيهما؛ حيث إن الفعل إذا استوفى أركانه وشروطه فإن هذا سبب لصحته، وترتب عليه آثاره، والفعل إذا لم يستوف أركانه أو شروطه فإن هذا سبب لفساده وعدم ترتب آثاره عليه.
* * *
المسألة العاشرة:
الصحة والفساد من الأحكام الشرعية لا من الأحكام العقلية، لأن معرفة استجماع الفعل لشروطه وأركانه، وارتفاع موانعه موقوفة على معرفة الركن والشرط والمانع، ومعرفة هذه
(1/67)

الأمور الثلاثة موقوفة على خطاب الشارع اتفاقاً، فتكون الصحة والفساد لا يعرفان إلا من الشارع.
* * *
المسألة الحادية عشرة:
الصحة والفساد من الأحكام الوضعية لا من الأحكام التكليفية، لأن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين - فقط - وهما: " الحكم التكليفي " و " الحكم الوضعي "، ولا يمكن أن تكون الصحة والفساد من الأحكام التكليفية؛ لأن الحكم التكليفي - كما سبق - فيه اقتضاء أو تخيير، وبعد النظر في الصحة والفساد تبين عدم وجود اقتضاء ولا تخيير فيهما؛ حيث إن الحكم بصحة العبادة وفسادها، والحكم بصحة المعاملة وفسادها لا يفهم اقتضاء ولا تخييراً، فلم توجد حقيقة الحكم التكليفي، فلم يبق إلا أن نقول: إن الصحة والفساد من القسم الثاني، وهو: الحكم الوضعي.
* * *
المسألة الثانية عشرة:
المقصود بالصحة في العبادات هو: ما وافق الأمر، وأجزأ، وأسقط القضاء، كالصلاة إذا وقعت بجميع واجباتها مع انتفاء موانعها، فعدم وجوب قضائها هو: صحتها، وهذا اختيار
(1/68)

الفقهاء؛ حيث إن ذلك هو الموافق للغة - فالعرب تسمي الآنية صحيحة إذا كانت سليمة من جميع الجهات، وإذا كانت صحيحة من جميع الجهات إلا جهة واحدة، فإن العرب لا تسميها صحيحة، وهذه الصلاة - مثلاً - قد تطرق إليها الخلل من جهة ذكر الحدث، فلا تكون صحيحة؛ قياساً على الآنية المكسورة من جهة.
* * *
المسألة الثالثة عشرة:
المقصود بالصحة في المعاملات هو: ترتب أحكامها المقصودة عليها؛ لأن العقد لم يوضع إلا من أجل إفادة مقصوده، كملك المبيع، وملك البضع في النكاح. وإن لم يكن الأمر كذلك فهو فاسد، فيكون الفاسد في المعاملات: كون الشيء لا يترتب عليه أثره المطلوب منه؛ نظراً لوجود خلل في ركنه أو شرطه كبيع المجنون، أو بيع المعدوم أو بيع الميتة.
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
الفاسد والباطل مترادفانْ قياساً للشرع على اللغة، حيث إن الباطل لغة بمعنى الفاسد والساقط، يقال: " بطل الشيء "، إذا فسد وسقط حكمه، فإذا لم يفرق بينهما لغة فإنه يجب عدم التفريق بينهما شرعاً؛ حملاً للمقتضيات الشرعية على مقتضياتها اللغوية؛ لأن الأصل عدم التغيير.
(1/69)

المسألة الخامسة عشرة:
بيان أن التقديرات الشرعية والحجاج داخلان ضمن السبب؛ حيث إن التقديرات الشرعية هي: إعطاء الموجود حكم المعدوم، أو إعطاء المعدوم حكم الموجود.
فمثال الأول - وهو إعطاء الموجود حكم المعدوم - الماء في حق المريض والخائف، ومثال الثاني - وهو: إعطاء المعدوم حكم الموجود - المقتول خطأ تورث عنه ديته، حيث إنها لا تملك إلا بعد موته، وهي ليست في ملكه قبل موته، فنقدِّر دخولها في ملكه قبل موته حتى تنتقل إلى ورثته، فهنا قدرنا المعدوم موجوداً، للضرورة.
أما الحجاج فهي التي يستند إليها القضاء في الأحكام، كالشهود، والإقرار، واليمين، فإذا نهضت تلك الحجة عند القاضي وجب عليه الحكم.
والأمران لو دققت النظر فيهما لوجدتهما يرجعان إلى السبب، حيث إن هذه التقديرات وهذه الحجاج إنما نشأت عن أسبابها.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
الأداء: وهو ما فُعل أولًا في وقته المقدر له شرعاً، والإعادة: وهو ما فُعل ثانياً في وقت الأداء لخلل في الأول،
(1/70)

والقضاء: وهو ما فعل بعد خروج وقته المحدَّد شرعاً مطلقا، كلها داخلة ضمن السبب؛ لأن دخول الوقت سبب للأداء، وخروجه سبب للقضاء، وفساد الفعل سبب للإعادة.
* * *
المسألة السابعة عشرة:
إذا حاضت المرأة، أو سافر مكلف، أو مرض آخر في رمضان فأفطروا، فلما انقضى رمضان صاموا الأيام التي أفطروها، فإن هذا يُسمى قضاء، لا أداء؛ لقول عائشة رضي الله عنها: " كنا نحيض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة "، فسمَّت ما يفعل بعد رمضان قضاء بدون نكير.
ولإجماع العلماء على أنه إذا صام هؤلاء الأيام التي أفطروها سابقاً فإن الواجب عليهم نية القضاء، لا نية الأداء.
* * *
المسألة الثامنة عشرة:
القضاء يتعلّق بالمندوب إذا كان له وقت معيَّن؛ قياساً على الواجب؛ لأنه لا فرق بينهما من حيث حقيقة القضاء. وبناء على هذا يكون قضاء المندوب مندوباً، كما أن قضاء الواجب واجب.
(1/71)

المسألة التاسعة عشرة:
وجوب القضاء ثابت بالأمر الأول: فالدليل الذي أوجب الأداء هو الذي أوجب القضاء، ولا يحتاج إلى أمر جديد، لأن الأداء كان واجباً مستحقاً على المكلف في الوقت المحدَّد شرعاً، والواجب لا يسقط عن المكلف إلا بالفعل، أو بإسقاط من له الحق، أو بالعجز، ولم يوجد شيء من ذلك، وخروج الوقت ليس مما يسقط الواجب، فتبقى الذمة مشغولة بهذا الواجب لا يزول هذا الشغل إلا بمزيل له وهو: أحد الأمور الثلاثة السابقة.
وللقياس على الذين؛ حيث إن الوقت للمأمور به كالأجل للدين، فكما أن الدَّين لا يسقط بترك تأديته في أجله المعيَّن فكذلك المأمور به إذا لم يفعل في وقته المعين كأنه لا يسقط، بل يجب قضاؤه في وقت آخر. ويكون ذلك مستفاداً من الأمر الأول بدلالة التضمن، لا بدلالة المطابقة.
(1/72)

النوع الثاني
الشرط
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
الشرط - هو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
حيث يلزم من عدم الشرط - وهو: الطهارة مثلاً - عدم وجود الحكم - وهو: صحة الصلاة -، ولا يلزم من وجود الطهارة وجود الحكم وهو: صحة الصلاة، فقد توجد الطهارة ويصلي ولكن لا تصح صلاته، لكونه صلَّى قبل دخول الوقت، أو صلَّى لغير القبلة.
* * *
المسألة الثانية:
الشرط باعتبار وصفه ينقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: شرط عقلي وهو: ما لا يوجد المشروط عقلاً بدونه، كاشتراط الحياة للعلم، والفهم للتكليف.
(1/73)

القسم الثاني: شرط عادي، وهو: ما يكون شرطاً عادة، كنصب السُّلَّم لصعود السطح.
القسم الثالث: شرط لغوي، وهو: ما يذكر بصيغة التعليق مثل: " إن نجحت فلك جائزة ".
القسم الرابع: شرط شرعي، وهو: ما جعله الشارع شرطاً لبعض الأحكام، كاشتراط الطهارة لصحة الصلاة.
* * *
المسألة الثالثة:
الشرط باعتبار قصد المكلف له وعدم ذلك: ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما قصده الشارع قصداً واضحاً، وهو: الذي يرجع إلى خطاب التكليف، وهو: إما أن يكون مأموراً بتحصيله كالطهارة للصلاة، وإما أن يكون منهياً عن تحصيله كنكاح المحلل في مراجعة الزوجة لزوجها الأول.
القسم الثاني: ما لم يقصد الشارع تحصيله، وهو: الذي يرجع إلى خطاب الوضع كالحول في الزكاة، فإن بقاء النصاب حتى يكمل الحول لأجل أن تجب الزكاة ليس مطلوب الفعل، ولا هو مطلوب الترك.
* * *
المسألة الرابعة:
الشرط باعتبار مصدره ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شرط شرعي، وهو: ما كان مصدر اشتراطه
(1/74)

الشارع، وهو: المراد من الشرط عند الإطلاق، وهو المقابل للسبب والمانع.
القسم الثاني: شرط جعلي، وهو: ما كان مصدر اشتراطه المكلف، حيث يعتبره ويعلق عليه تصرفاته ومعاملاته كالاشتراط في البيوع والنكاح.
* * *
المسألة الخامسة:
يفارق الشرط السبب من وجهين:
الوجه الأول: أن الشرط يؤثر في الحكم من جهة العدم، أما السبب فإنه يؤئر في الحكم من جهة الوجود والعدم.
الوجه الثاني: أن الشرط ليس فيه مناسبة في نفسه، أما
السبب فإنه مناسب في نفسه - فالنصاب سبب في وجوب الزكاة، وهو مشتمل على الغنى في ذاته، بخلاف مرور الحول فإنه ليس فيه مناسبة في نفسه وإنما هو مكمل لحكمة الغنى في النصاب.
(1/75)

النوع الثالث
المانع
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المانع: هو ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته.
فيلزم من وجود الدَّين - مثلاً - عدم وجود الحكم وهو:
وجوب الزكاة، ولا يلزم من عدم الدين الزكاة أو عدمها، فقد يكون الشخص غنياً يملك النصاب وحال على ماله الحول، فهذا تجب عليه الزكاة، وقد يكون فقيراً فهذا لا تجب عليه الزكاة.
* * *
المسألة الثانية:
المانع ينقسم باعتبار ما يمنعه من حكم أو سبب إلى قسمين:
القسم الأول: مانع الحكم، وهو: كل وصف وجودي ظاهر منضبط لحكمة تقتضي نقيض حكم السبب مع تحقق السبب، كالحيض فإنه مانع من وجوب الصلاة مع تحقق السبب
(1/76)

وهو: دخول الوقت، فقد ترتب - هنا - على وجود المانع عدم ترتب المسبب على سببه.
وهذا القسم - وهو: مانع الحكم - ثلاثة أشياء:
الشيء الأول: مانع يمنع ابتداء الحكم - فقط - دون
استمراره مثل: الإسلام، فإنه يمنع ابتداء السبي، ولكنه لا يمنع استمراره، فلو أسلم بعد أن صار مملوكاً فإنه لا ينقطع عنه الرق.
الشيء الثاني: مانع يمنع دوام الحكم واستمراره - فقط - دون ابتداء الحكم كالطلاق، فإنه يمنع من الدوام على النكاح الأول، ولكنه لا يمنع من ابتداء نكاح ثاني.
الشيء الثالث: مانع يمنع ابتداء الحكم، ويمنع أيضاً استمراره، كالرضاع فإنه يمنع ابتداء النكاح على امرأة هي أخته من الرضاع، كما يمنع استمراره، إذا طرأ عليه، وكذلك " الحدث " يمنع انعقاد العبادة ابتداء كما يمنع صحتها إذا طرأ عليها.
القسم الثاني: مانع السبب، وهو: كل وصف يقتضي وجوده حكمة تخل بحكمة السبب كالدَّين في باب الزكاة؛ حيث إنه مانع من وجوب الزكاة؛ لأن السبب في وجوب الزكاة هو: بلوغ النصاب حيث إنه يفيد غنى من يملك هذا النصاب، فطلب منه مواساة الفقراء من فضل ذلك المال، وهذه هي الحكمة، ولكن الدَّين في المال لم يدع فضلاً يواسي به الفقير، حيث إن النصاب قد صار مشغولاً بحقوق الغرماء، فهنا قد أخل الدَّين بحكمة السبب، فكانت رعاية براءة الذمة من الذين أولى من رعاية مواساة الفقراء.
(1/77)

المسألة الثالثة:
المانع من حيث ارتباطه بخطاب الشارع ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مانع داخل تحت خطاب التكليف، كالإسلام فإنه مانع من انتهاك حرمة الدم والعرض إلا بحقهما، والكفر فإنه مانع من صحة العبادات، والإسلام مأمور به، والكفر منهي عنه.
القسم الثاني: مانع داخل تحت خطاب الوضع، وهو:
الذي ليس للشارع قصد في تحصيله من حيث هو مانع، ولا في عدم تحصيله، فإن الشخص المدين ليس مخاطباً برفع الدَّين عن نفسه إذا كان عنده نصاب لتجب الزكاة عليه، كما أن مالك النصاب غير مخاطب بتحصيل الاستدانة لتسقط عنه زكاة النصاب، لأن المانع من خطاب الوضع، فلا يكون مأموراً به ولا منهياً عنه.
(1/78)

النوع الرابع
العزيمة والرخصة
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
العزيمة هي: الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح.
والرخصة هي: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.
فمثلاً: تحريم الميتة حكم ثابت من غير مخالفة دليل شرعي، هو عزيمة، لكن إن وجدت المخمصة حصل المخالف لدليل التحريم وهو قوله تعالى: (فَمَنِ اضطُرَّ فِى مَخمصَةٍ)، وهو راجح على دليل التحريم الذي هو قوله تعالى: (حُرِّمَت عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) وذلك لحفظ النفس، فجاز الأكل من الميتة وحصلت الرخصة؛ لأن مصلحة إحياء النفس والمحافظة عليها مقدَمة على مفسدة الميتة وما فيها من الخبث.
(1/79)

المسألة الثانية:
العزيمة والرخصة من الحكم الوضعي؛ لأن اعتبار كل من السفر والمرض، والضرورة، والحاجة، أو غيرها أسباباً للترخص، أو مانعة من التكليف بحكم العزيمة، كل ذلك لو فكرنا فيه لوجدنا أنه لا طلب فيه ولا تخيير، بل فيه وضع وجعل، فتكون حقيقة الحكم الوضعي متحققة فيه، فكانت من الحكم الوضعي.
* * *
المسألة الثالثة:
العزيمة أفضل من الرخصة؛ لأن العزيمة هي الأصل المقطوع به الذي لا يختلف فيه، أما الرخصة فسببها ظني وهو: المشقة، لأن مقدار المشقة الذي ثبت الترخص من أجلها غير منضبط؛ لأنها تتفاوت بحسب الأشخاص والأحوال.
* * *
المسألة الرابعة:
تنقسم الرخصة من حيث الحكم إلى أقسام هي:
القسم الأول: رخصة واجبة كأكل الميتة للمضطر، وشرب الخمر لمن غصَّ بلُقمة وخشي على نفسه الهلاك، والتيمم للمريض.
القسم الثاني: رخصة مندوبة كقصر الصلاة الرباعية
(1/80)

للمسافر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " صدقة تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"، والإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر.
القسم الثالث: رخصة مباحة كالعرايا - وهو: بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر خرصاً -، والإجارة وهي: تمليك المنافع بعوض، والتلفظ بكلمة الكفر لمن أُكره على ذلك، لكن لو امتنع عن ذلك وصبر لكان آخذاً بالعزيمة وهو أفضل.
القسم الرابع: رخصة خلاف الأولى، كالإفطار في رمضان للمسافر الذي لا يشق عليه الصيام ولا يتضرر به، وقلنا ذلك، لقوله تعالى: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ)، وكذلك المسح على الخفين.
القسم الخامس: رخصة مكروهة كالسفر للترخص فقط.
(1/81)

خاتمة
في الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي
بعد أن تكلمنا عن الحكم التكليفي وأنواعه، والحكم الوضعي وأنواعه، أحببت أن أختم ذلك بذكر أهم الفروق بين الحُكمين، لئلا يلتبس أحدهما بالآخر عند بعض طلاب العلم، فأقول: إن بينهما فروقاً هي:
الأول: إن الخطاب في الحكم الوضعي خطاب إخبار وإعلام جعله الشارع علامة على حكمه، وربط فيه بين أمرين بحيث يكون أحدهما سبباً للآخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه.
أما الخطاب في الحكم التكليفي: فإنه خطاب طلب الفعل، أو طلب الترك، أو التخيير بينهما، فيكون خطاب التكليف هو: طلب أداء ما تقرَّر بالأسباب والشروط.
الثاني: أن الحكم التكليفي يشترط فيه قدرة المكلف على فعل الشيء المكلف به.
أما الحكم الوضعي فلا يشترط فيه ذلك: فقد يكون مقدوراً للمكلف كالسرقة، وصيغ العقود الشرعية ونحوها، وقد يكون غير مقدور للمكلف كدلوك الشمس الذي هو سبب لوجوب الصلاة، وحولان الحول الذي هو شرط لوجوب الزكاة.
(1/82)

الثالث: أن الحكم التكليفي يتعلق بالكسب والمباشرة للفعل من الشخص نفسه، فإن عمل شيئاً يوافق أمر الشارع يؤجر عليه، وإذا عمل شيئاً مخالفاً لأمر الله فإنه يأثم.
بخلاف الحكم الوضعي فقد يعاقب أشخاصاً بفعل غيرهم، ولهذا وجبت الدية على العاقلة.
الرابع: أنه يشترط في الحكم التكليفي أن يكون معلوماً للمكلف، وأن يعلم أن هذا التكليف به صادر من الله تعالى.
بخلاف الحكم الوضعي فلا يشترط فيه ذلك، ولذلك يرث الإنسان بدون علمه، وتحل المرأة بعقد أبيها عليها، وتحرم بطلاق زوجها لها وإن كانت لا تعلم، ويضمن النائم، والناسي والساهي ما أتلفوه وإن كانوا لا يعلمون.
الخامس: أن الحكم التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلَّف الذي توافرت فيه شروط التكليف وهو: البلوغ، والعقل، والفهم.
بخلاف الحكم الوضعي فإنه يتعلق بالمكلف وغير المكلف، لذلك تجد الزكاة وجبت في أموال الصبي والمجنون، ويضمن النائم والناسي والغافل والسكران ونحوهم ما يتلفون.
(1/83)

الفصل الثالث
في أدلة الأحكام الشرعية
إن الأحكام التكليفية من وجوب وندب وإباحة وكراهة وتحريم، والأحكام الوضعية من سبب وشرط ومانع ورخصة وعزيمة، لا يمكن أن تثبت ويعمل بها إلا بأدلة شرعية، وهذه الأدلة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أدلة متفَق عليها.
القسم الثاني: أدلة مختلَف فيها.
وإليك بيان ذلك:
(1/85)

القسم الأول الأدلة المتَّفَق عليها
ويشتمل على الأدلة التالية:
الدليل الأول: القرآن الكريم.
الدليل الثاني: السنة.
الدليل الثالث: الإجماع.
الدليل الرابع: القياس.
وإليك بيان كل واحد منها.
(1/87)

الدليل الأول
القرآن الكريم
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
القرآن هو: الكلام المنزَّل للإعجاز بسورة منه، أو أقل منها، المتعبد بتلاوته.
* * *
المسألة الثانية:
القراءة المتواترة: هي كل قراءة ساعدها خط المصحف مع صحة النقل فيها، ومجيئها على الفصيح من لغة العرب، وهي قراءة السبعة وهم: نافع بن عبد الرحمن المدني، وعبد الله بن كثير المكي، وريان بن العلاء: أبو عمرو البصري، وعبد الله بن عامر الشامي، وعاصم بن أبي النجود الكوفي، وحمزة بن حبيب الكوفي، وعلي بن حمزة الكسائي.
وقراءة الثلاثة - أيضاً - وهم: يعقوب بن إسحاق الحضرمي، وخلف بن هشام الأسدي، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع.
(1/89)

فإذا اختل أحد الشروط الثلاثة السابقة في تعريف القراءة المتواترة فإن القراءة تكون غير متواترة، وهي: الشاذة.
* * *
المسألة الثالثة:
القراءة الشاذة حجة - أي: تؤثر في الأحكام الفقهية إثباتاً ونفياً، لأن الناقل للقراءة الشاذة - وهو الصحابي - أخبر أنه سمع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالمنقول إما أن يكون قرآناً، أو خبراً عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا ثالث لهما، وكل واحد منهما يجب العمل به، وكل ما وجب العمل به فهو حجة.
وبناء على هذا: فإنه يجب التتابع في صيام كفارة اليمين لقراءة ابن مسعود - رضي الله عنه - " فصيام ثلاثة أيام متتابعات ". وتجب النفقة على كل ذي رحم محرم؛ لقراءة ابن مسعود - رضي الله عنه - " وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك ".
* * *
المسألة الرابعة:
لا تصح الصلاة بالقراءة الشاذة: لأن الصلاة لا تصح إلا بقرآن، والقرآن لا يكون إلا متواتراً، وهذه القراءة لم يثبت أنها قرآن, وهي خارجة عن الوجه الذي ثبت به القرآن فلا تصح القراءة بها.
(1/90)

المسألة الخامسة:
القرآن فيه مجاز كما فيه حقيقة عند الجمهور واستدلوا بدليلين هما:
الأول: أن القرآن وصف بأنه عربي نزل بلغة العرب، ولغة العرب يدخلها المجاز بدليل: وقوعه فيها، فاستعمل العرب لفظ: " الأسد " للرجل الشجاع، ولفظ: " الحمار " للرجل البليد، وقولهم: " قامت الحرب على ساق "، وقول الشاعر:
أشاب الصغير وأفنى الكبير. . . كرُّ الغداة ومرُّ العشي
وهذا لا شك أنه مجاز، فيكون القرآن - على هذا - قد اشتمل على المجاز؛ لأنه نزل بلغتهم.
والثاني: وقوع المجاز في القرآن: بحيث يذكر الشيء
بخلاف ما وضع له: وهو إما نقصان كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) أو استعارة كقوله تعالى: (وَاخفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ)، وقوله: (جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ).
* * *
المسألة السادسة:
القرآن يشتمل على ألفاظ أصولها غير عربية، كقوله تعالى: (نَاشِئَةَ اللَّيْلِ) و (مشكاة) و (إستبرق)، لكن العرب عرَّبتها بكثرة الاستعمال، وحوَّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فهي عربية بهذا الوجه؛ حيث إن كثرة اختلاط العرب بالعجم جعل العرب يأخذوا عن العجم بعض ألفاظهم، وغيَّرت بعضها بالنقص من حروفها، وخففت ثقل العجمة، واستعملتها في شعرها ونثرها حتى جرت مجرى اللغة
(1/91)

العربية، ووقع بها البيان، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن.
* * *
المسألة السابعة:
القرآن مشتمل على ما هو مُحكم وعلى ما هو متشابه: والمحكم من القرآن هو: ما أمكن معرفة المراد بظاهره، أو بدلالة تكشف عنه، أو بأي طريق من طرق المعرفة.
والمتشابه منه هو: ما ورد من صفات الله تعالى في القرآن مما يجب الإيمان به، ويحرم التعرض لتأويله، والتصديق بأنه لا يعلم تأويله إلا الله سبحانه، كوصفه سبحانه بالاستواء الوارد في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، واليد الوارد في قوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، والعين الوارد في قوله: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)، وغير ذلك من الصفات التي اتفق أهل السنة والجماعة على إقرارها وإمرارها على ما هي عليه، وترك تأويلها.
ودليل ذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)، حيث إن الله تعالى قد صرَّح بوجود المحكم والمتشابه في القرآن، ثم ذم المبتغين لتأويل المتشابه ووصفهم بأنهم يبتغون الفتنة، وسمَّاهم
(1/92)

أهل زيغ، ولا يذم إلا على تأويل الصفات كما أجمع على ذلك السلف - رحمهم الله -، فلو كان المقصود بالمتشابه غير ذلك لما ذم الله المبتغين لتأويله.
* * *
المسألة الثامنة:
المتشابه لا يمكن إدراك المراد منه ولا يعلم تأويله إلا الله تعالى، دلت على ذلك الآية السابقة؛ حيث إن الوقف الصحيح على قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، والواو في قوله: (وَالرَّاسِخُونَ) للابتداء، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله تعالى، وقد دل على ذلك لفظ الآية ومعناها.
أما الدليل من لفظ الآية على أن الوقف الصحيح على قوله: " إلا الله "، فهو: أن الله تعالى لو أراد عطف الراسخين على لفظ الجلالة، وهو الله سبحانه وتعالى، لقال: " ويقولون آمنا به " بزيادة " الواو "؛ حيث إن جملة: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) تكون جملة واحدة، ولفظ " يقولون " مستأنفة، فكان لا بدَّ من " الواو " ولكنه سبحانه لم يقل: " ويقولون "، بل قال: " يقولون " مما يدل على أن عبارة " يقولون آمنا به " مرتبطة بما قبلها، وليس لها إلا أن تكون خبر عن مبتدأ وهو قوله: " والراسخون " فينتج من ذلك أن " الواو " في قوله: " والراسخون "، للابتداء، وما قبل ذلك يكون نهاية جملة مفيدة وهو قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ).
(1/93)

أما الدليل من معنى الآية على أن الوقف الصحيح على قوله: " إلا الله " فمن وجوه:
الوجه الأول: أن لفظة " أما " تأتي في اللغة لتفصيل الجمل، فلا بد أن يكون في سياقها قسمان، وهكذا ورد في الآية السابقة، حيث قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، فهذا القسم الأول، وهناك قسم آخر يخالف هذا القسم، تقديره، وأما غيرهم فيؤمنون بالمتشابه، ويفوضون معناه إلى الله تعالى، فيكون عندنا قسمان:
- قسم ذمَّهم الله، وهم الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب.
- وقسم مدحهم الله، وهم الذين آمنوا بالمتشابه، وفوضوا معرفته إلى الله تعالى، وهذا كله يدل على أن الوقف على قوله: " إلا الله ".
الوجه الثاني: أن الله تعالى ذكر أن الراسخين في العلم يقولون: " آمنا به "، ولم يقولوا: " علمنا به "، والإيمان غير العلم؛ حيث إن معنى الإيمان، التصديق، فهذا يدل على أنهم فوَّضوا علم المتشابه إلى الله تعالى، وبينوا أن ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فهذا يدل على أن الراسخين في العلم لم يدركوا معنى المتشابه.
الوجه الثالث: أن الله تعالى وصف الذين يبتغون تأويل المتشابه بأنهم أهل زيغ، وهذا ذم لهم، ولو كان تأويل المتشابه معلوماً للراسخين في العلم - لكان مبتغي تأويله ممدوحاً غير مذموم، فلما ذم الله تعالى مبتغي التأويل عرفنا أن سبب هذا الذم هو: أنه يزاحم الله فيما استأثر بعلمه، فينتج من ذلك: أن الله هو المتفرد بعلم المتشابه لا يشاركه فيه أحد، فيكون الوقف الصحيح
(1/94)

على قوله: " إلا الله ".
وبناء على ذلك: فإنه لا يجوز أن نجتهد في النصوص الواردة في صفات الله تعالى، ويجوز أن نجتهد في غير ذلك من النصوص ونستنبط منها الأحكام الفرعية.
* * *
المسألة التاسعة:
يوجد في القرآن لفظ مشترك - وهو: اللفظ الدال على معنيين فأكثر لا مزية لأحدها على الآخر، وقلنا ذلك لأمرين:
أولهما: أن القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب يرد فيها المشترك؛ حيث إنه يُتردد في المراد من لفظ " القرء " و " العين " و" الشفق " و " الجون " و " الجلل "، وهذا التردد: علامة الاشتراك.
ثانيهما: الوقوع؛ حيث وقع المشترك اللفظي في القرآن؛ كقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، والقرء يصلح للطهر والحيض، لذلك اختلف العلماء في عدة المطلقة الحائض، فقيل: إن عدتها ثلاث حيض استناداً إلى أن المراد بالقرء الوارد في الآية هو: الحيض.
وقيل: إن عدتها ثلاثة أطهار؛ استناداً إلى أن المراد بالقرء الوارد في الآية هو: الطهر.
(1/95)

الدليل الثاني
السُّنَّة
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
السنة هي: ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير القرآن من قول، أو فعل، أو تقرير، مما يخص الأحكام التشريعية.
* * *
المسألة الثانية:
السنة حجة يجب قَبولها والعمل بها كما يجب قَبول القرآن والعمل به؛ للآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كقوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132))، أو للآيات الدالة على وجوب الإيمان به - صلى الله عليه وسلم - كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)، وللآيات الدالة على وجوب اتباعه في جميع ما صدر عنه، والدالة على أن اتباعه لازم لمحبة الله تعالى كقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)، وكقوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4))،
(1/96)

وقوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، ولإجماع المسلمين منذ بعثته - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا على أن كل ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أقوال وأفعال وتقريرات حجة يجب العمل به.
* * *
المسألة الثالثة:
الخبر من حيث سنده ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الخبر المتواتر، وهو: خبر عدد يمتنع معه لكثرته التواطؤ على الكذب.
القسم الثاني: خبر الآحاد، وهو: خبر واحد أو عدد لا يمتنع معه التواطؤ على الكذب.
* * *
المسألة الرابعة:
الخبر المتواتر يفيد العلم اليقيني بالمخبر عنه: لأنا نجد أنفسنا عالمة علماً يقينياً بما أخبرنا به عن طريق التواتر، كإخبارنا بالأنبياء والعلماء والسلاطين، والبلاد النائية كالهند والصين ونحو ذلك، كما نجد أنفسنا عالمة بما نشاهده وما نحس به، ومن أنكر ذلك فقد أنكر ما قطع به، وهذا لا يُعتد بقوله.
(1/97)

المسألة الخامسة:
العلم الحاصل بالمتواتر ضروري لا نظري: لأنه يحصل لأهل النظر ولغيرهم من العوام والصبيان، فلو كان العلم الحاصل بالمتواتر نظرياً فإنه لا يقع إلا لمن هو من أهل النظر والاستدلال فقط، وللزم من ذلك: اختلاف الناس فيه فيعلمه بعضهم أو يجهله آخرون.
* * *
المسألة السادسة:
شروط المتواتر هي:
الشرط الأول: أن يكون المخبرون عالمين ضرورة بما أخبروا به عن طريق إحدى الحواس الخمس، كأن يقولوا: " سمعنا فلان يقول "، أو " رأينا الصين "، أو " لمسنا الثلج فوجدناه باردا "؛ لأن ما لا يكون كذلك فإنه يحتمل الغلط، أو السهو، أو الغفلة فلا يحصل به العلم.
الشرط الثاني: أن يكون حال وعدد الطبقة الثانية كحال وعدد الطبقة الأولى، وكذلك تكون الطبقة الثالثة، وهكذا حتى ينتهي الخبر إلينا، فكل طبقة يشترط فيها شروط التواتر؛ لأن خبر أهل كل عصر خبر مستقل بنفسه، فلا بد من توافر شروط التواتر فيه، فإن لم يتوافر هذا الشرط في كل عصر فإنه لا يحصل العلم بصدقهم، لعدم استواء طرفي الخبر ووسطه في كمال العدد والصفة.
الشرط الثالث: أن لا يكون السامع عالماً بما أخبر به ضرورة، لأن العلم الضروري يستحيل أن يصير أقوى مما كان.
(1/98)

الشرط الرابع: أن يكون السامع للخبر من أهل العلم غير المتشددين أو المتساهلين؛ لأنه يستحيل حصول العلم من غير متأهل له.
* * *
المسألة السابعة:
لا يشترط في المتواتر عدد محصور: بل متى ما حصل العلم بخبر المخبرين المجرد عن القرائن فإنا نعلم أن الخبر قد بلغ التواتر، وإذا لم يحصل لنا العلم بخبر المخبرين فإنا نعلم أن الخبر لم يبلغ حد التواتر؛ لأنه لا يمكن معرفة العدد بالتحديد الذي حصل علمنا عنده بوجود بلد لم نشاهده، وإنما الطريق لمعرفة كون هذا الخبر متواتراً هو حصول العلم بالخبر؛ لأن العلم يتزايد تزايداً خفي التدريج، فهو يشبه تزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال.
* * *
المسألة الثامنة:
لا يشترط في التواتر أن يكون المخبرون مسلمين وعدولاً، فيحصل العلم بالمتواتر سواء كان المخبرون مسلمين أو لا، عدولاً أو لا؛ لأن سبب إفضاء الخبر المتواتر إلى العلم هو: كثرة المخبرين الذين لا يُتصوَّر اجتماعهم أو تواطؤهم على الكذب في الخبر، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يمكننا أن نستفيد العلم بأخبار الكفار، وبأخبار الفساق كما لو أخبروا عن موقعة
(1/99)

وقعت في السوق، كما يمكن أن نستفيد العلم بأخبار المسلمين أو العدول ولا فرق، والجامع: الكثرة المانعة من التواطؤ على الكذب، فكثرة المخبرين جعلته في مرتبة قوية في إفادته للعلم، فلا يحتاج إلى شيء يقوِّيه كالإسلام والعدالة.
* * *
المسألة التاسعة:
لا يشترط في المتواتر كون المخبرين لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد؛ لأن الواقع يدل على ذلك. فلو أخبرنا المصلون في مسجد عن سقوط الإمام من المنبر - وهو يخطب - فإنه يحصل العلم بخبرهم مع أنهم محصورون، بدليل أن المسجد قد حواهم، فإذا كان الأمر كذلك في المسجد فمن باب أولى أن يحصل العلم بخبر أهل بلد لو أخبروا عن وقوع شيء.
* * *
المسألة العاشرة:
لا يشترط في المخبرين اختلاف أنسابهم وأوطانهم وأديانهم؛ لأن الواقع يدل على ذلك. فلو أن قبيلة من القبائل المتفقة في الدين، والوطن، والنسب، أخبروا عن حادثة وقعت في ناحيتهم فإنه يحصل العلم بخبرهم ضرورة.
(1/100)

المسألة الحادية عشرة:
لا يشترط وجود المعصوم ضمن المخبرين، لأن الواقع يدل على ذلك، فلو أخبر أهل بلد من بلدان الكفار عن حصول فتنة لحصل العلم بخبرهم مع كونهم كفاراً فضلاً عن كون الإمام المعصوم ليس فيهم.
* * *
المسألة الثانية عشر:
لا يجوز على أهل التواتر والجماعة العظيمة أن يكتموا ما يحتاج الخلق إلى نقله ومعرفته، لأن كتمان ذلك بمثابة الكذب - وهو: الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع - والكذب محال على أهل التواتر والجماعة العظيمة، لاستحالة أهل التواتر على الكذب.
* * *
المسألة الثالثة عشرة:
خبر الواحد المجرد يفيد الظن، ولا يفيد العلم؛ لأنه لو كان خبر الواحد يفيد العلم، لكان العلم حاصلاً بخبر الأنبياء إذا أخبروا ببعثهم من غير حاجة إلى إظهار المعجزات والأدلة على صدقهم، ولوجب على القاضي أن يصدق المدَّعي من غير بينة، ولما احتيج إلى عدد من الشهود، ولجاز أن ينسخ خبر الواحد
(1/101)

القرآن والسنة المتواترة، ولكن لما أخبر الأنبياء عن نبوتهم وأظهروا مع ذلك المعجزات الدالة على ذلك، ولما لم يصدق القاضي المدَّعي إلا ببينة، ولما احتيج إلى عدد من الشهود، ولما لم يجز نسخ القرآن والسنة المتواترة بخبر الواحد، دل كل ذلك على أن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن.
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
المستفيض وهو: ما نقله جماعة تزيد على الثلاثة، وهو المشهور - داخل ضمن خبر الواحد؛ لأن خبر الواحد ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما لا يفيد الظن أصلاً، وهو ما تقابلت فيه الاحتمالات على السواء.
القسم الثاني: ما يفيد الظن، وهو: ترجيح أحد الاحتمالين الممكنين على الآخر في النفس من غير قطع، سواء نقله واحد أو نقله الثلاثة والأربعة.
* * *
المسألة الخامسة عشرة:
يجوز التعبد بخبر الواحد شرعاً والعمل به لدليلين:
(1/102)

أولهما: إجماع الصحابة السكوتي؛ حيث قبل أبو بكر - رضي الله عنه - خبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة في أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أعطى الجدة السدس، وأن عمر قبل خبر حمل ابن مالك وهو قوله: " كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنينها بغرة عبد أو أمة وأن تقتل "، وقبل عمر خبر عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال - في المجوس -: " سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب ".
وقبل الصحابة خبر عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل "، وقبل ابن عباس خبر أبي سعيد الخدري في الصرف وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل"، فحرم بذلك ربا الفضل وربا النسيئة، وقال ابن عمر: كنا نخابر أربعين سنة لا نرى في ذلك بأساً حتى أخبرنا رافع بن خديج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المخابرة، وغير ذلك.
وهذه الأخبار وإن لم تتواتر آحادها إلا أنها بمجموعها أفادتنا علماً يقينياً لا يقبل الشك أن الصحابة كانوا يقبلون خبر الواحد ويعملون به، ويتركون ما خالفه، دون إنكار من أحد؛ إذ لو وجد إنكار لبلغنا كما بلغتنا تلك الأخبار، فلما لم يبلغنا إنكار على العمل بتلك الأخبار دل هذا على إجماع الصحابة على العمل بخبر الواحد.
ثائيهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث آحاد الصحابة إلى البلاد، كبعثة مصعب بن عمير إلى المدينة، وعتاب بن أسيد إلى مكة، وإرساله علياً ومعاذاً إلى اليمن، ليعلِّموا أهل تلك الديار الأحكام
(1/103)

الشرعية، ويبعث الواحد من الصحابة ليخبرهم بالناسخ والمنسوخ، وكان أهل تلك الديار يقبلون منهم ذلك، فلو أن خبر الواحد غير مقبول لما بعثهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولما قبل السامعون الأحكام التي جاء بها.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
لا يشترط لقَبول الخبر أن يرويه اثنان، بل يقبل الخبر وإن كان راويه واحداً؛ لما سبق من الدليلين اللذين ذكرا في المسألة السابقة.
* * *
المسألة السابعة عشرة:
الرواية في الزنا لا يشترط فيها أن يكون الرواة أربعة، بل يكفي واحد كغير الرواية في الزنا، ولا فرق، لعموم الدليلين السابقين؛ حيث دلاً على أن خبر الواحد الثقة يقبل مطلقاً سواء في الزنا أو في غيره.
(1/104)

المسألة الثامنة عشرة:
الصحابي هو: من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمناً به، واختص به اختصاص المصحوب، متَّبعاً إياه مدة يثبت معها إطلاق صاحب عليه عرفاً بلا تحديد لمقدار تلك الصحبة، سواء روى عنه أو لم يرو عنه، هذا هو تعريف الصحابي الأصح؛ لأن شهود التنزيل، والاطلاع على أسباب ورود الأحكام، ومعرفة التأويل، ومقاصد الشريعة لا يمكن إلا باختصاص مصاحبة، وكثرة مجالسة.
* * *
المسألة التاسعة عشرة:
يُعرف الصحابي بطرق هي:
الطريق الأول: النقل المتواتر؛ حيث إن كثيراً من الصحابة قد علمنا بصحبتهم عن طريق التواتر كالخلفاء الأربعة، وزوجاته - صلى الله عليه وسلم -، والمهاجرين، والأنصار.
الطريق الثاني: أن يخبر الشخص العدل الثقة المعاصر للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه بأنه صحابي ويقول: " أنا صحبت النبي - صلى الله عليه وسلم -".
الطريق الثالث: إن يخبر الواحد ممن ثبتت صحبته ويقول: إن فلاناً من الصحابة؛ لأن الصحابي عدل فيقبل كل ما يخبر به.
الطريق الرابع: أن يقول المسلم الذي ثبتت صحبته: " كنت أنا وفلان من الصحابة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".
الطريق الخامس: أن يقول المسلم الذي ثبتت صحبته: " دخلنا على النبي - صلى الله عليه وسلم -".
(1/105)

المسألة العشرون:
يُقبل خبر الصحابي مطلقاً لثبوت عدالته في الكتاب، والسنة، والعقل.
فمن الكتاب قوله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ)، وقوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ)، حيث إن الله تعالى قد صرَّح بأنه قد رضي عن الصحابة، ولا يرضى الله تعالى إلا على من اتصف بالعدالة؛ حيث إنه لا يرضى عن الفسَّاق.
ومن السنة قوله - صلى الله عليه وسلم -: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم "، فلو لم يكونوا عدولاً لما وصفهم بالخيرية، لأن الفساق لا خير فيهم.
والعقل دلَّ على عدالتهم؛ حيث إن تواتر واشتهار طاعتهم المطلقة لله ولرسوله، وبذل النفس والنفيس، وقتالهم للآباء والأبناء والأقرباء والأهل في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، وكون الواحد منهم لا تأخذه في الله لومة لائم في ذلك، يجعل كل عاقل يقطع بصلاحهم وأنهم آمنوا وصدقوا باطناً وظاهراً، ويقطع بنفي الفسق عنهم، ومن انتفى فسقه، وظهر صلاحه فهو العدل.
* * *
المسألة الواحدة والعشرون:
لا يُقبل خبر غير الصحابي إلا بشروط هي:
الشرط الأول: أن يكون مسلماً، فلا تقبل رواية الكافر لأنه متهم بالدين، غير مؤتمن على أي خبر يخص الشريعة الإسلامية فعداوته للمسلمين تحمله على الكيد لهم، والحرص على التدليس والتلبيس عليهم في دينهم، لأنه أبغضهم من أجله.
(1/106)

الشرط الثاني: أن يكون الراوي بالغاً، أما الصبي فلا تقبل روايته؛ لأن الصبي لا يعرف الله تعالى وإذا كان كذلك فلا يخاف عقاب من لا يعرفه ولا يرجو ثواب من يجهله، فيكون الصبي لا رغبة له في الصدق، ولا يوجد شيء يجعله يتجنب الكذب، وبالتالي لا يؤمن جانبه فلا يوثق بخبره، فلا يقبل.
وأيضاً: فإن الصبي إذا أقر بشيء على نفسه فإنه لا يقبل، فإذا كان لا يقبل منه هذا مع أنه خاص بنفسه، فإنه من باب أولى أن لا يقبل خبره عن غيره.
الشرط الثالث: أن يكون الراوي عاقلاً، فلا يقبل خبر المجنون، لأن العاقل يُميز بين خبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخبر غيره، وبين قبح الكذب، وحسن الصدق، ويعلم معنى المنقول والمراد منه.
الشرط الرابع: أن يكون الراوي متصفاً بالعدالة وهي: هيئة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة؛ حتى تحصل ثقة النفس بصدقه، ويتحقق ذلك باجتناب جميع الكبائر والصغائر، واجتناب بعض المباحات التي يدل فعلها على نقص المروءة ودناءة الهمة، كالإفراط في المزاح، والبول في الشارع، والأكل في السوق، والضابط في هذا: ظهور أمارة الصدق، وعدم ظهور أمارة الكذب، وهذا يختلف باختلاف المجتهدين.
وعلى هذا لا يقبل خبر الفاسق؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6))، حيث إن الله تعالى قد نهانا عن قبول خبر الفاسق والعمل به إلا بعد التثبت والتأكد من صحته، فلو كان خبر الفاسق مقبولاً لما أمرنا بالتثبت من خبره.
(1/107)

والشرط الخامس: أن يكون الراوي ضابطاً متقناً لما يحفظه، دون تغيير، لأن غير الضابط قد يُغير لفظ الخبر، فيتغير بذلك المعنى، وقد يسقط من الخبر ما يحتاج إليه في الاستدلال، وقد يُضيف إلى الخبر ما يفسد الاستدلال به.
* * *
المسألة الثانية والعشرون:
لا يشترط في الراوي كونه فقيهاً، لدليلين:
أولهما: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)، حيث إن الله قد أوجب التبين في حالة الفسق، وعليه فلا يجب التبين في غير الفاسق سواء كان فقيهاً أو غير فقيه.
ثانيهما: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، ثم أدَّاها كما سمعها، فرُبَّ حامل فقه غير فقيه، ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه "، وهو صريح في الدلالة.
* * *
المسألة الثالثة والعشرون:
لا تشترط في الراوي كثرة مجالسته للعلماء؛ لأن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - قد قبلوا رواية بعض الأعراب، والأعرابي لا يجالس العلماء لكثرة ترحاله وتنقله، فهم لم يفرِّقوا بين الراوي المكثِر لمجالسة العلماء وبين غيره إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة الذكر.
* * *
المسألة الرابعة والعشرون:
لا تشترط في الراوي كثرة روايته للأحاديث؛ لأن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - قد قبلوا خبر الأعرابي الذي لا يروي إلا حديثاً واحداً، فلم يفرقوا بين من يروي حديثاً واحداً، وبين
(1/108)

من يروي الأحاديث الكثيرة إذا توفرت فيه شروط الراوي السابقة.
* * *
المسألة الخامسة والعشرون:
لا يشترط في الراوي: كونه مشاهداً حال السماع منه، لأن الصحابة - رضي الله عنهم - قد قبلوا أخبار عائشة رضي الله عنها وكانوا يسمعونها من وراء ستر؛ اعتماداً على صوتها بدون رؤية شخصها، فهم في تلك الحالة كالعميان بالنسبة لعائشة.
* * *
المسألة السادسة والعشرون:
لا يشترط في الراوي: كونه عالماً باللغة العربية، لأن جهله بمعنى الكلام لا يمنع من ضبطه للحديث، ولهذا يمكنه حفظ القرآن الكريم، وإن لم يعرف معناه.
* * *
المسألة السابعة والعشرون:
لا يشترط في الراوي: كونه ذكراً؛ لإجماع الصحابة على قَبول أخبار عائشة، وأم سلمة، وحفصة - رضي الله عن الجميع - بدون نكير من أحد.
وأيضاً: لو كانت الأنوثة مانعة للمرأة من قبول روايتها، لكان ذلك مانعاً من قبول فتواها، ولكن قولها يقبل في الفتوى، فيقبل خبرها في الرواية، قياساً عليه.
* * *
المسألة الثامنة والعشرون:
لا يشترط في الراوي عدم القرابة، وعدم العداوة، بل تجوز رواية الولد بما يعود منفعته إلى والده، ويجوز العكس، ويجوز أن يروي خبراً يضر بعدوه وينفعه مطلقاً؛ لأن حكم الرواية عام؛
(1/109)

فيلزم الراوي والمروي له وغيرهما، فلا يختص بواحد معين، فالتهمة معدومة حتى تكون العداوة أو الصداقة أو القرابة مؤثرة فيه بنفي أو إثبات، فالرواية ليست كالشهادة التي تختص بالمشهود له أو عليه، نفعاً أو ضراً.
* * *
المسألة التاسعة والعشرون:
الكافر الأصلي هو: الخارج عن الإسلام كاليهودي والنصراني لا يقبل خبره، وقد سبق بيان ذلك.
أما الكافر المتأوِّل، وهو: المسلم الذي فعل بدعة كفَّره بها أهل السنة والجماعة - وهو يعلم بذلك أو لا يعلم - ففيه التفصيل الآتي:
إن كان يدعو إلى بدعته: فلا يقبل خبره؛ لأنه لا يؤمن أن يضع حديثاً يوافق تلك البدعة ويقويها، فأثر ذلك في صدقه فترجَّح عدم صدقه، فلا يقبل ما يأتي به من أخبار.
وإن كان لا يدعو إلى بدعته - التي كُفر بسببها - فإن خبره يقبل؛ لأنه قد أمن جانبه، وهذا يقوي الظن بصدقه، فيقبل خبره.
* * *
المسألة الثلاثون:
الفاسق بعمل الجوارح لا يُقبل خبره، وقد سبق بيان ذلك.
أما الفاسق المتأول - وهو: الذي فعل بدعة قد فُسِّق بسببها
(1/110)

- وهو يعلم ذلك أو لا يعلم - ففيه التفصيل الآتي:
إن كان يدعو إلى بدعته: فلا يقبل خبره، لأنه لا يؤمن أن يضع خبراً يوافق تلك البدعة، فأثرت تلك الريبة في صدقه، فترجح عدم صدقه، فلا يقبل ما يأتي به من أخبار.
وإن كان لا يدعو إلى بدعته - التي فُسق بسببها -: فإنه يقبل خبره، لأن الراوي الذي توفرت فيه شروط الراوي الذي أخطأ بتأويل إذا كان لا يجوِّز الكذب، وهو يعتقد أنه على حق قد أُمن جانبه، وهذا يقوي الظن بصدقه فيقبل خبره.
* * *
المسألة الواحدة والثلاثون:
الصبي لا يقبل خبره، وقد سبق بيان ذلك، لكن إذا سمع الصبي الخبر وتحمله قبل البلوغ وكان مميزاً ضابطاً لذلك الخبر، وأدَّاه بعد البلوغ وظهور رشده في دينه، فإنه يقبل خبره لدليلين:
أولهما: إجماع الصحابة والسلف على قبول أخبار أصاغر الصحابة - وهم الذين توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم لم يبلغوا - كابن عباس، والحسن، والحسين، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر، وأنس بن مالك، وغيرهم من أحداث الصحابة رضي الله عنهم - فكان يقبل منهم كل خبر يروونه من غير تفريق بين ما تحملوه في حالة الصِّبا، وما تحملوه بعد البلوغ.
ثانيهما: قياس الرواية على الشهادة، بيانه: أنه إذا جاز أن يتحمل الشهادة صبياً، ويشهد بها بعد البلوغ وتقبل، فمن باب
(1/111)

أولى جواز تحمل الرواية في حالة الصبا وأدائها بعد البلوغ، لأن الشهادة يحترز منها أكثر من غيرها.
* * *
المسألة الثانية والثلاثون:
مجهول الحال في الإسلام، والتكليف، والضبط، لا يقبل خبره إجماعاً، أي: أنه إذا روى لنا شخص خبراً ونحن لا نعرف أنه مسلم، أو كافر، أو لا نعرف أنه مكلف أو لا، أو لا نعرف أنه ضابط أو لا، فإن هذا لا يقبل خبره، ولا نعمل به، لأن الإسلام والتكليف والضبط من شروط قبول الرواية، وعليه: فلا يمكن قبول خبر شخص إلا إذا تأكدنا من توفر هذه الشروط، فإذا شككنا في أي واحد منها فإنه لا يقبل الخبر.
* * *
المسألة الثالثة والثلاثون:
مجهول الحال في العدالة لا يقبل خبره؛ لدليلين:
أولهما: قياس مجهول الحال في العدالة على مجهول الحال في الإسلام، والتكليف والضبط، بيانه: أنه كما أن مجهول الحال في الإسلام والتكليف والضبط لا يقبل خبره، فكذلك مجهول الحال في العدالة - وهو الذي لا يعرف عنه عدل ولا فسق - لا يقبل خبره، ولا فرق والجامع: أنه لم يثبت فيه شرط قبول الرواية، وإذا تخلف الشرط: تخلف المشروط - وهو القبول - كالطهارة في الصلاة إذا لم توجد الطهارة فإن الصلاة لا تصح، كذلك هنا.
ثائيهما: قياس مجهول العدالة في الرواية على مجهول العدالة في الفتوى، بيانه: أن المفتي إذا بلغ درجة الاجتهاد وشك في عدالته فإن فتواه لا تُقبل، فكذلك إذا شك في عدالة الراوي فإن خبره لا يقبل ولا فرق، والجامع: أن كلاً منهما يحكي
(1/112)

حكماً شرعياً يعمل به، إلا أن المفتي يحكيه عن اجتهاد نفسه واستنتاجه من الأدلة المعتبرة، والراوي يحكي ذلك الحكم عن غيره بصورة خبر.
* * *
المسألة الرابعة والثلاثون:
التعديل: هو وصف المسلم المكلَّف الضابط بملازمة التقوى والمروءة، بحيث يُنسب إليه الخير والعِفَّة، والحرص على فعل الواجبات، وترك المحرَّمات والشبهات، وتحري الصدق وتجنب الكذب، مما يجعلنا نظن غالباً بأن قوله صدق.
والتجريح هو ضد التعديل، وهو: أن لا يوصف المسلم، بما سبق، فلا نصفه بالعدالة، مما يجعلنا نظن ظناً غالباً بأن هذا الشخص لا يتحرى الصدق.
* * *
المسألة الخامسة والثلاثون:
يحصل تعديل الشخص بأمور:
أولها: التعديل بالحكم بشهادته.
فإذا علمنا أن هذا الحاكم العدل قد حكم بشهادة ذلك الشخص فإنه يدل على أن هذا الشخص عدل، وهذا أقوى من التعديل بالقول، وهو قوله: " هو عدل رضي "؛ لأن الحكم بشهادته استلزم القول وتضمنه، أما القول فهو مجرد لم يتضمن الحكم بشهادته فيكون الحكم بشهادته قولاً وزيادة.
(1/113)

ثانيها: التعديل بالقول، وهو على مراتب:
المرتبة الأولى: قول المعدل: " هو عدل رضي " مع ذكر السبب.
المرتبة الثانية: قول المعدل: " هو عدل رضي " مع عدم ذكر السبب.
وهذه المرتبة تتفاوت في القوة، فأعلاها قوة: أن يكرر اللفظ قائلاً: " هو عدل عدل "، أو " ثقة ثقة "، أو " ثقة عدل "، أو " ثقة ثبت "، أو " ثقة حجة "، أو " ثقة حافظ "، أو " ثقة ضابط ".
وأدناها: أن يذكر اللفظ بدون تكرار فيقول: " هو عدل " أو " ثقة ".
المرتبة الثالثة: قول المعدل: " هو صدوق " أو " مأمون " أو " خيار ".
المرتبة الرابعة: قول المعدل: " محله الصدق "، أو " رووا عنه "، أو " صالح الحديث "، أو " حسن الحديث "، أو " أرجو أن ليس به بأس " ونحو ذلك.
ثالثها: التعديل بعمل العدل الثقة بخبر ذلك الشخص بشرط: أن يُعلم يقيناً أن هذا العدل لم يعمل إلا بخبر ذلك الشخص، أما إذا لم يتوفر ذلك الشرط، فإن العمل بذلك الخبر لا يكون تعديلاً للمروي عنه؛ لاحتمال أن يكون قد عمل به احتياطاً، أو أنه عمل بدليل آخر وافق روايته، وإذا تطرق الاحتمال بطل الجزم.
* * *
المسألة السادسة والثلاثون:
رواية العدل عن غيره لا تعتبر تعديلاً لذلك الغير؛ لدليلين:
(1/114)

أولهما: أنه قد يكون هذا الشخص عدلاً عند الراوي، وليس عدلاً عند غيره، فيجب التأكد.
ثانيهما: أنه وقع أن بعض الأئمة قد رووا عن العدل وغير العدل، وإذا كان الأمر كذلك فقد وجد الاحتمال، وهو: احتمال أن يكون المروي عنه عدلاً أو غير عدل، وليس أحدهما أولى من الآخر، فيجب التوقف فيه حتى يأتي دليل وقرينة تبين عدالة المروي عنه.
* * *
المسألة السابعة والثلاثون:
إذا اشتهر شخص بين طائفة من الناس بالعدالة والثقة وشاع الثناء عليه بينهم - وهو ما يُسمَّى بالاستفاضة - فإن هذا لا يعتبر من الأمور التي يحصل بها التعديل؛ لأن الشخص قد يُشاع عنه بأنه عدل وثقة، وما أشاع ذلك إلا أنصاره وأتباعه ومن لهم فيه مصلحة، فإذا تحققنا من الأمر ودققنا فيه بان خلاف ذلك - وقد وقع كثيراً - لذلك يُقتصر في التعديل على الأمور الثلاثة التي يحصل بها التعديل، وقد سبقت، لما فيها من الاحتياط.
* * *
المسألة الثامنة والثلاثون:
إذا لم يحكم الحاكم بشهادة الراوي ولم يعمل بها فإن هذا لا يعتبر جرحاً في الراوي، أي: لا يلزم من عدم قبول شهادته
(1/115)

عدم قبول روايته، لأن الحاكم قد يتوقف في الحكم بشهادة الراوي لأسباب غير الجرح، كعداوة، أو تهمة قرابة، أو صداقة، فيكون الحاكم قد ترك العمل بشهادة الراوي لواحد من تلك الاحتمالات، لا لانتفاء العدالة، وعليه: فلا يحكم عليه بالجرح والتفسيق مع وجود تلك الاحتمالات.
* * *
المسألة التاسعة والثلاثون:
يُكتفى في الجرح والتعديل بقول واحد ليس من عادته التساهل في التعديل أو المبالغة في الجرح، فإذا عدَّل شخص عارف بأمور التعديل راوياً من الرواة فإنا نسمع منه ذلك، ونقبل رواية الراوي المعدَّل، وكذا لو جرَّح شخص عارف بأمور الجرح راوياً من الرواة فإنا نسمع منه ذلك، ونرد رواية ذلك الراوي المجرَّح؛ لأن العدالة شرط من شروط قبول الرواية، والشرط لا يزيد في إثباته على مشروطه، ومعروف أن الأصل - وهو الرواية - يكفي فيه واحد، فتعديل الراوي وتجريحه تبع للرواية وفرع لها؛ لأنه إنما يُراد لأجلها، فإذا كانت الرواية يكفي فيها راوٍ واحد، فكذا ما هو تبع وفرع لها.
* * *
المسألة الأربعون:
تعديل العبد والمرأة للراوي مقبول؛ قياساً على روايتهما، بيانه: كما أن رواية العبد والمرأة مقبولة، فكذلك تعديلهما
(1/116)

للراوي مقبول، ولا فرق، والجامع: أن كلاً منهما خبر يجب فيه الصدق.
* * *
المسألة الواحدة والأربعون:
إذا عدَّل الثقة العدل شخصاً، أو جرَّحه، فإنه يجب ذكر سبب التعديل والجرح.
وقلنا: يجب بيان سبب التعديل؛ لأن مطلق التعديل لا يكون محصلاً للثقة بالعدالة؛ حيث إن العادة قد جرت بتسارع الناس إلى ذلك، بناء على الظاهر، وكم من شخص قد خدع غيره بمظهره، حيث يظهر التقى، والصلاح، والعلم، ومخافة الله تعالى، ويُعبر بتعبيرات تدل على ذلك في المجالس والمحافل، فإذا دققنا في شأنه وحالته وأموره الخاصة وجدناه على خلاف ظاهره تماماً، حيث وجدناه يتساهل في كسب ماله فلا يأخذه من طرقه المشروعة.
وبعض الأشخاص تجده يظهر أنه عالم وصالح لطائفة من النبلاء أو العلماء؛ نظراً لطمعه في منصب وجاه، بينما هو على خلاف ذلك، كذلك تجد أناساً يتساهلون في تعديل شخص، بينما يتشدَّدون في تعديل آخر، وهكذا، والأمثلة على ذلك كثيرة، فيجب أن يُبين المعدل أسباب تعديله لأي شخص، ثم نتأكد منها، فإن كانت صحيحة قبلنا ذلك، وإن كانت غير ذلك بينا وجه الخطأ فيه.
وقلنا: يجب بيان سبب الجرح؛ لاختلاف الناس فيما يجرح
(1/117)

به، فلعل الجارح اعتقد شيئاً جارحاً، وغيره لا يراه جارحاً، فبعضهم قد جرح بعض الرواة بكونه يبول قائماً، وبعضهم قد جرحه بسبب أنه يركض على برذونه، وبعضهم قد جرحه بسبب كثرة كلامه، ونحو ذلك. وكل ما سبق لا يُجرح به الراوي، وبعضهم قد يُجرح شخصاً آخر؛ للتقليل من قيمته العلمية أو للنيل منه حتى لا يُفضَّل عليه، وهكذا، فلا بد من ذكر سبب الجرح حتى نتأكد منه، فإن كان صالحاً قبلناه، وإن كان فاسداً رددناه.
المسألة الثانية والأربعون:
إذا ذكر اسم راوي الحديث، وهذا الاسم معدَّل، ولكنه اشتبه باسم رجل آخر مجروح فإن خبره لا يقبل، نظراً للاشتباه بالاسم الثاني، وذلك لاحتمال أن يكون الراوي ذلك المجروح، فلا تقبل روايته، بل يتوقف حتى يُعلم هل هو المجروح أو غيره.
* * *
المسألة الثالثة والأربعون:
إذا عدَّل زيد الراوي؛ وجرَّحه بكر، فإنا ننظر في سبب التعديل وسبب الجرح، فإن كان أحدهما أقوى من الآخر رجحنا الأقوى، وإن كانا متساويين في القوة: تساقطا، وتوقفنا في هذا الراوي؛ قياساً على الأدلة إذا تعارضت.
(1/118)

المسألة الرابعة والأربعون:
إذا ورد التعديل والتجريح من واحد، فإن علمنا المتأخر منهما، قدمنا المتأخر وعملنا به؛ لكونه ناسخاً للمتقدم، وإن لم نعلم المتأخر منهما، فإنا نتوقف حتى يثبت جرحه أو تعديله.
* * *
المسألة الخامسة والأربعون:
إذا زاد عدد المعدلين على الجارحين فإنا نقدم الجرح على التعديل وإن كثر عدد المعدِّلين، لأن الجارح اطلع على زيادة في العلم عن الراوي قد خفيت على المعدِّل؛ فالمعدلون وإن كثروا ليسوا يُخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون فلم ينفوا ما قاله المجرحون، فلا ينتفي ذلك العلم الذي أخبر به الجارحون بسبب كثرة عدد المعدلين، فلا يلتفت إلى الكثرة مع وجود زيادة في الجرح.
* * *
المسألة السادسة والأربعون:
رواية المحدود في القذف مقبولة بشرط: أن يكون قد أخرج القول بالقذف مخرج الشهادة، أما إن أخرج القول مخرج القذف فإن روايته لا تقبل، لدليلين:
أولهما: الوقوع؛ حيث إن عمر قد جلد أبا بكرة واثنين معه حدَّ القذف لما شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا، ولم تتم الشهادة، ومع ذلك فقد قبل أهل الحديث ما رواه أبو بكرة من الأحاديث، وبعضها موجود في صحيح البخاري ومسلم.
(1/119)

ثانيهما: أن الشاهد العدل يغلب على الظن صدقه، ولكن لم يكمل العدد في الشهادة على الزنا، ونقصان عدد الشهادة لم يكن من جهته، ولا من فعله، وبناء على نقصان الشهادة أقام الإمام الحد عليه، وذلك لا يقدح بعدالة المحدود بالقذف، ولذا قبلت روايته.
* * *
المسألة السابعة والأربعون:
ألفاظ الصحابي في نقل الخبر هي:
الأول: قول الصحابي: " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول كذا ".
أو قال: " أخبرني رسول الله بكذا "، أو قال: " حدثني بكذا "، أو قال: " شافهني بكذا "، حجة يجب قبوله والعمل به؛ لصراحته في أنه لا يوجد واسطة بين الصحابي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولعدم تطرق أي احتمال إلى هذه الرواية.
الثاني: قول الصحابي: " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "، أو " أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "، أو " حدَّث رسول الله "، حجة يجب قبوله؛ لاتفاق السلف على قبول ذلك؛ حيث إنهم لم يفهموا من ذلك إلا السماع من النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة؛ حيث إن الظاهر من حال الصحابي العدل العارف بأوضاع اللغة العربية، وطرق استعمالاتها، أنه لا يُعبر بمثل هذا اللفظ إلا إذا كان سامعاً ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى لو فرض أن الصحابي قد سمعه من غير النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة فحكمه حكم ما لو سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الصحابة كلهم عدول، ولأن مراسيل الصحابة مقبولة.
(1/120)

الثالث: قول الصحابي: " أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا "، أو " نهى عن كذا "، أو " حرم كذا "، أو " أباح كذا "، أو " فرض كذا "، أو نحو ذلك، حجة يجب العمل به، لإجماع الصحابة السكوتي على قبول ذلك والعمل به، حيث إن بعض الصحابة كانوا ينقلون الحديث بمثل تلك الألفاظ، ويقبل الصحابة الآخرون ذلك، ويعملون به من غير نكير، ومن ذلك ما قاله بعض الصحابة: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوضع الجوائح، وفرض زكاة الفطر صاعاً من تمر، ونهى عن المخابرة والوصال.
الرابع: قول الصحابي: " أُمرنا بكذا "، أو " نُهينا عن كذا "، أو " أوجب علينا كذا "، أو " حرم علينا كذا "، أو " أبيح لنا كذا "، ونحو ذلك، يفيد أن الآمر والناهي هو الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا يحمل على غير ذلك، لذلك يجب العمل به؛ لأن مراد الصحابي من قوله هذا هو الاحتجاج لإثبات الأحكام الشرعية، فيجب حمل الأمر أو النهي على أنه صدر ممن يحتج بقوله، وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا يحمل على أنه صدر ممن لا يحتج بقوله من الأئمة والولاة والعلماء.
الخامس: قول الصحابي: " من السنة كذا "، أو " السنة جارية بكذا "، أو " مضت السنة بكذا "، يفيد أن المراد هو: سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيحمل على ذلك دون غيره، فيكون حجة ويعمل على ذلك لأنه مراد الصحابي من هذا التعبير أن يعلمنا الشرع،
(1/121)

فيجب حمل قوله هذا على أنه صادر من الشرع، وهو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وكذلك إذا قال التابعي أو من بعدهم: " من السنة كذا "، فانه يحمل على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا يمكن لأي عالم من التابعين أو غيرهم ممن ثبتت عدالته أن يقول ذلك ويطلق إلا وهو يريد سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث إنه هو الذي تجب طاعته.
السادس: قول الصحابي: " عن النبي - صلى الله عليه وسلم -" يفيد أنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الصحابي لا يمكن أن يطلق ذلك إلا إذا ثبت عنده أنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - حقيقة؛ حيث إن عدالته تمنعه من إطلاق ذلك إذا لم يسمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
السابع: قول الصحابي: " كنا نفعل "، أو " كانوا يفعلون " وأطلق، فإنه لا يكون حجة، لأن الحجة في إقراره - صلى الله عليه وسلم -، والإقرار هنا منتف في غير عهده، فيحتمل أنه رأي جماعة.
الثامن: قول الصحابي: " كنا نفعل في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو " كانوا يفعلون في عهده - صلى الله عليه وسلم -، يكون كالمسند فيكون حجة؛ لأنه يعتبر من السنة التقريرية؛ حيث إن الظاهر من
(1/122)

حال الصحابة أنهم لا يقدمون على أمر من أمور الدين والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرهم إلا إذا كان عالماً به.
والتاسع: قول الصحابي: " كانوا يفعلون كذا "، يفيد حكاية الإجماع؛ لأن اللفظ في هذه العبارة يدل دلالة واضحة على أن الصحابي يحكي هذا الفعل عن الجميع؛ لأنه قال ذلك في معرض الاحتجاج به على حكم معين، فيجب أن يحمل على من قولهم حجة، وهو الإجماع.
* * *
المسألة الثامنة والأربعون:
ألفاظ الراوي غير الصحابي في نقل الخبر تختلف باختلاف موقف الشيخ المروي عنه من هذا الراوي والعكس مما سيتبين على التفصيل الآتي:
أولاً: قراءة الشيخ على الراوي وهو يسمع تجوز الرواية عنه والعمل به سواء قرأ إملاء من حفظه أو من مكتوب.
ثانياً: إذا قصد الشيخ إسماع الراوي خاصة، فإن الراوي يقول: " حدثني فلان "، أو " أخبرني فلان ".
ثالثاً: إذا قصد الشيخ إسماع الراوي مع غيره فإن الراوي يقول: " حدثنا فلان "، أو " أخبرنا فلان ".
(1/123)

رابعاً: إذا لم يقصد الشيخ إسماع الراوي منفرداً ولا مع جماعة فإنه يقول: " سمعته يقول كذا "، أو يقول: " سمعته يخبر بكذا ".
خامساً: قراءة الشيخ الحديث على الراوي أقوى من قراءة الراوي على الشيخ، لأنه هو طريق النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأن ذلك أبعد عن الخطأ والسهو والغلط؛ لكون الشيخ يقرأ ما تحقق منه، فيكون أحق فيما هو المقصود، وهو تحمل الأمانة بصفة تامة.
سادساً: قراءة الراوي على الشيخ وهو يسمع، وقول الشيخ بعد ذلك: " سمعت ذلك "، أو قوله: " الأمر كما قرئ علي "، تجوز الرواية عنه مع العمل بذلك.
سابعاً: إذا قرأ الراوي على الشيخ وهو يسمع، ثم قال الراوي: هل سمعت أيها الشيخ؛ فسكت الشيخ، فإنه تجوز الرواية عنه، ويجب العمل بذلك بشرط: أن لا يوجد لدى الشيخ أي مانع من الإنكار إذا أخطأ الراوي في القراءة؛ لأنه لو لم تكن قراءة الراوي على الشيخ صحيحة، لكان سكوت الشيخ عن الإنكار مع القدرة عليه فسقاً؛ لما فيه من إيهام صحة ما ليس بصحيح، وذلك بعيد جداً عن العدل والثقة، أما إذا غلب على ظننا وجود مانع من الإنكار لدى الشيخ كغفلة أو قلة مبالاة، أو نوم، أو إكراه على السكوت، ففي هذه الحالة لا يكتفى بسكوته، بل لا بد من نطقه بلفظ " نعم " أو نحو ذلك مما يدل على موافقته على صحة ما قرئ عليه.
(1/124)

ثامناً: إذا قرأ الراوي على الشيخ، وأراد - هذا الراوي - أن يُحدِّث بما قرأه على الشيخ فإنه يقول: " أخبرنا أو أنبأنا أو حدثنا فلان قراءة عليه "، فلا يجوز أن يقول: " حدثنا أو أخبرنا " مطلقاً بدون ذكر لفظ " قراءة عليه "؛ لأن هذا يوهم: أن الشيخ هو الذي قرأ على الراوي، وهذا ليس بصحيح، حيث إن الحقيقة: أن الراوي هو الذي تولى القراءة على الشيخ، وفرق بين أن يقرأ الشيخ على الراوي وبين أن يقرأ الراوي على الشيخ؛ حيث إن الأولى أقوى من الثانية كما سبق بيانه.
ثاسعاً: إذا قال الشيخ: " حدثنا "، يجوز للراوي أن يبدلها بقوله: " أخبرنا " أو العكس، ولا مانع من ذلك؛ لأن معنى " حدثنا " و " أخبرنا " واحد في اللغة؛ لاشتقاقه من الخبر والحديث، فهما لفظان لمعنى واحد.
عاشراً: إذا قال الشيخ للراوي عنه: " أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك من مسموعاتي "، فإن ذلك يُسمَّى: " إجازة ".
حادي عشر: إذا قال الشيخ للراوي عنه: " خذ هذا الكتاب فأروه عني ".
أو قال: " خذ هذا وحدث به عني فقد سمعته من فلان "، فإن هذا يُسمَّى " مناولة ".
ثاني عشر: تجوز الرواية بالإجازة والمناولة، فيقول الراوي:
(1/125)

" حدثني فلان إجازة " أو " أخبرني فلان إجازة "؛ لأن الطريق - وهو قول الراوي: " حدَّثنا فلان عن فلان " - إنما هو وسيلة إلى معرفة صحة الحديث، ومعرفة صحة الحديث حاصلة بالإجازة والمناولة؛ لأن الظاهر من حال المجيز العدل الثقة أنه لا يُجيز شيئاً إلا إذا علم صحته، وإلا كان - بإجازته رواية ما لم يروه - فاسقاً وهو لا يمكن في العدل. وإذا علمت الرواية بإجازته: جازت الرواية عنه.
ثالث عشر: الراوي المجاز لا بد أن يقول: " حدثني فلان إجازة "، ولا يجوز أن يقول: " حدثني أو أخبرني " مطلقاً، بدون ذكر " إجازة "؛ لأن ذلك يوهم أن الرواية بالتحديث على الحقيقة والسماع؛ لأنها الأصل المتبادر إلى الذهن، فمنعاً لذلك الوهم قلنا: لا بد من ذكر لفظ: " إجازة ".
رابع عشر: إذا قال الشيخ: " خذ هذا الكتاب وهو مسموعي " ولم يقل: " اروه عني "، فإنه لا تجوز الرواية عنه مطلقاً؛ لأن علامة الإذن في الرواية هي عبارة: " اروه عني "، وهي لم توجد هنا، فيحتمل احتمالاً قوياً أن الشيخ لم يقل: " اراوه عني " نظراً لكونه يعرف أن في هذا الكتاب خللاً قد منع من إذنه لروايته عنه، فلم يجوز ذلك، فامتنع من قوله: " اروه عني ".
(1/126)

خامس عشر: إذا وجد الراوي شيئاً من الأحاديث مكتوباً بخط الشيخ الذي يعرفه ويثق بأنه خطه: فإن ذلك يسمى " وِجادة ".
سادس عشر: لا تجوز الرواية في الوجادة، فلا يجوز أن يقول: " حدثني فلان أو أخبرني فلان إجازة "، ولا غيرها؛ لأن روايته بذلك شهادة عليه بأنه قاله، وهذا ليس بصحيح، فيكون كذباً، ولكن الشخص إذا وجد صحيفة مكتوبة بخط شيخه له أن يقول: " رأيت مكتوباً في كتاب بخط ظننت أنه خط فلان "، يقول ذلك لأن الخط قد يشبه الخط.
سابع عشر: إذا قال الشيخ: " هذا خطي " يقبل قوله، ولكن لا يروى عنه ما لم يأذن بروايته عنه بصريح قوله بأن يقول: " اروه عني "، أو يكون الإذن بقرينة حاله في الجلوس لرواية الحديث.
ثامن عشر: إذا رأى الراوي سماعه في كتاب ووجده، ولم يذكر سماعه ولا قراءته، لكن غلب على ظنه سماعه كما يراه من خطه الذي توثَّق منه، فإنه يجوز له روايته والعمل به؛ لأن الرواية قد بُني أمرها على حسن الظن وغلبته، والمسامحة، ومراعاة الظاهر من الحال، ألا ترى أن الرواية تقبل من العبيد والنساء، ولا تعتبر فيها العدالة الباطنة، كل ذلك يدل على خفتها، فإذا وجد الراوي سماعه، وغلب على ظنه أنه سمعه كما يراه من خطه الذي توثق منه فإنه تجوز الرواية بذلك والعمل به.
(1/127)

تاسع عشر: إذا روى الراوي كتاباً عن بعض المحدثين فيه مائة حديث، ولكنه شك في سماع حديث واحد منها، ولم يستطع تعيين ذلك الحديث المشكوك فيه، فإنه لا يجوز أن يروي شيئاً من جميع تلك الأحاديث المائة؛ لأن الرواية تعتبر شهادة، والشهادة لا تجوز مع الشك والتردد؛ حيث إنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون هو الذي لم يسمعه من شيخه، فلذلك يتركها جميعها احتياطاً.
عشرون: إذا غلب على ظن الراوي أن حديثاً قد سمعه من شيخه، ولكنه لم يقطع بذلك السماع، فإنه يجوز أن يرويه ويعمل به، لأن الراوي العدل الثقة إذا غلب على ظنه وجود شيء فهو صدق يجب العمل به، في حين أنه لا معارض لذلك، وغالب الأحكام مبناها على غلبة الظن.
واحد وعشرون: إذا روى الراوي حديثاً عن شيخ، ولكن الشيخ قد أنكر ذلك إنكاراً صريحاً وقال: " كذب علي " أو " ما رويت له قط "، فلا يقبل هذا الحديث، ولا يعمل به؛ لأن كل واحد من الشيخ والراوي موصوف بالعدالة والثقة، وكل منهما مكذَّب للآخر فيما يدعيه، فلا بد أن يكون أحدهما كاذب، وهذا موجب للقدح في الحديث، لكن هذا لا يوجب جرح واحد منهما على التعيين؛ لأنه وقع الشك في كذبه، والأصل العدالة، وهي متيقنة، فلا يترك اليقين بالشك، ولذلك؛ فإن رواية كل واحد منهما تقبل في غير ذلك الحديث الذي أنكره الشيخ.
(1/128)

ثاني وعشرون: إذا أنكر الشيخ الحديث الذي رواه عنه الراوي إنكاراً غير صريح؛ حيث يقول: " لست أذكر ذلك الحديث "، فإنه لا يقدح في الحديث، بل يُقبل ويُعمل به، لأن الراوي العدل الثقة قد جزم بهذه الرواية عن ذلك الشيخ في حين أن الشيخ لم يكذبه، ولم ينكر حديثه على وجه الجزم، فيقتضي ذلك ترجيح صدق الراوي، واذا كان صادقاً فيجب قبول الحديث الذي رواه والعمل به، أما قول الشيخ فيحمل على أنه نسي الحديث، لأن النسيان غالب على الإنسان.
* * *
المسألة التاسعة والأربعون:
زيادة الثقة في الحديث يختلف الحكم في قبولها أو عدم ذلك باختلاف تعدد المجالس أو عدم ذلك، وكون الراوي قد انفرد بالزيادة أو لا على التفصيل الآتي:
أولاً: إن عُلم تعدد المجلس، قبلت الزيادة اتفاقاً؛ لأنه لا يمتنع أن يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الزيادة في مجلس، ويتركها في مجلس آخر، فيكون راوي الزيادة قد حضر المجلس الذي ذكرت فيه تلك الزيادة، أما الآخر فلم يحضر ذلك المجلس.
ثانياً: إن جهلنا أن المجلس متعدد أو متحد فإنا نقبل تلك الزيادة، لأن ذاكر تلك الزيادة قد توفرت فيه شروط الراوي ومنها: العدالة والثقة، فيترجح صدقه، وإذا ترجح صدقه فيجب قَبول قوله.
(1/129)

ثالثاً: إن علمنا أن المجلس واحد، وعلمنا أن ناقل الزيادة وتاركها متساويان في جميع شروط الراوي، فإن تلك الزيادة تقبل مطلقاً، لأن العدل الثقة لو انفرد بنقل حديث لقبل، فكذلك لو انفرد بزيادة، ولا فرق، بجامع: رواية العدل الثقة الجازم لكل منهما، في حين أن الراوي الآخر الذي لم يذكر تلك الزيادة لم يخالفه، كل ما في الأمر أنه لم يذكر الزيادة، وهذه ليست مخالفة صريحة.
وزيادة الراوي مثل ما روى بعضهم: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة وصلى بين العمودين اليمانيين "، وروى آخر: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة وكبَّر ".
* * *
المسألة الخمسون:
إذا عمل الرواي بخلاف الحديث الذي رواه، فإنه يعمل بالحديث الذي رواه، ويترك عمل الراوي مطلقاً؛ لأن الراوي قد توفرت فيه شروط الرواية، وقد جزم بروايته للحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيجب العمل بهذا الحديث؛ لأن قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - حجة، وقول الراوي وعمله ليس بحجة، فلا يقدم ما ليس بحجة على ما هو حجة.
ويؤيد ذلك: أنه يحتمل أن الراوي قد نسى الحديث أو حمل الحديث على أحد محامله وقد أخطأ فيه، أو أنه خالفه لدليل أقوى منه في ظنه فلا يترك الحديث الذي جزم به من أجل شيء قد دخله الشك والاحتمال.
(1/130)

المسألة الواحدة والخمسون:
إذا عمل أكثر الأمة بخلاف حديث من الأحاديث، فإنا نعمل بالحديث، ونترك عمل أكثر الأمة؛ لأن عمل أكثر الأمة حجة ظنية، وخبر الواحد، وإن كان يفيد الظن في سنده إلا أنه أقوى من عمل أكثر الأمة؛ لأن الراوي العدل قد جزم بسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيكون قولاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله حجة فيعمل به.
* * *
المسألة الثانية والخمسون:
إذا خالف القياس خبر الواحد فإنا نعمل بخبر الواحد؛ لإجماع الصحابة السكوتي على ذلك، حيث إن بعض الصحابة كانوا يبحثون عن حكم الحادثة في كتاب الله فإن لم يجدوا فيه، بحثوا في السنة، فإن لم يجدوا حكمها اجتهدوا بأنواع الاجتهادات، ومنها القياس، فلا يستدلون بقياس ولا بغيره من أنواع الاجتهادات إلا إذا لم يجدوا نصاً سواء كان هذا النص متواتراً أو آحاداً، ولم ينكر عليهم أحد؛ إذ لو وجد إنكار لبلغنا، ولكن لم يبلغنا شيء من ذلك، فكان إجماعاً سكوتياً.
من ذلك: أن عمر رضي الله عنه كان قد قضى بالإبهام بخمس عشرة من الإبل، وفي التي تليها بعشر، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تلي الخنصر بسبع، وفي الخنصر بست، حكم بذلك لما عرف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قضى في اليد بخمسين، وكانت
(1/131)

اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع، فحكم عمر لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف، وهذا يعتبر قياساً على الخبر، ووافقه من سمع من الصحابة على ذلك، فلما علم بكتاب عمرو بن حزم في الديات؛ حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيه: " وفي كل أصبع مما هنالك عشر من الإبل "، رجع إليه ورجع إليه من وافقه من الصحابة.
* * *
المسألة الثالثة والخمسون:
خبر الواحد فيما تعم به البلوى، لكثرة تكرره ووقوعه، كأن يتعلق بأحكام الوضوء أو الصلاة كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " من مس ذكره فليتوضأ " مقبول؛ لإجماع الصحابة السكوني على قبوله، فقد قبلوا خبر عائشة وهو: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل "، وقبلوا خبر رافع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المخابرة دون نكير من أحد، فكان إجماعاً.
ولأن الراوي لهذا الخبر فيما تعم به البلوى عدل ثقة قد جزم بتلك الرواية فغلب على ظننا صدقه، وإذا كان كذلك فيجب قبول ما رواه.
* * *
المسألة الرابعة والخمسون:
خبر الواحد الوارد بإثبات حد أو ما يجري مجراه مما تسقطه الشبهة يقبل مطلقاً؛ قياساً على غيره من الأخبار، فكما أن خبر الواحد في غير الحد من سائر الأحكام الشرعية يُقبل،
(1/132)

فكذلك يقبل خبر الواحد الوارد بإثبات حد ولا فرق، بجامع: أن الراوي فيهما عدل ثقة جازم في الرواية، ولم يعارضه مثله، ولأن الأدلة المثبتة لحجية خبر الواحد لم تفرق بين ما ورد بإثبات حد أو بغير ذلك.
* * *
المسألة الخامسة والخمسون:
تجوز رواية الحديث بالمعنى بشروط هي:
الشرط الأول: أن تتوفر في الراوي شروط الرواية السابقة الذكر مع معرفته بدلالات الألفاظ، وصيغ الخطابات، وأساليبها، واستعمالاتها.
الشرط الثاني: أن يُبدل لفظة بما يرادفها، ولم يختلف الناس في هذا الترادف، كأن يبدل لفظة " الجلوس " بلفظة " القعود ".
الشرط الثالث: أن لا يكون اللفظ في الحديث من باب المتشابه كأحاديث الصفات، فإن كان منها فإنه لا يجوز روايتها بالمعنى لأن الذي تحتمله هذه الأحاديث من وجوه التأويل لا ندري أن غيره من الألفاظ يساويه أو لا.
الشرط الرابع: أن لا يكون اللفظ الوارد في الحديث ممَّا تعبّدنا الشارع بلفظه، فإن كان منه كلفظ " التشهد " و " الأذان " و " التكبير " فإنه لا يجوز نقله بالمعنى.
الشرط الخامس: أن لا يكون الحديث من جوامع الكلم،
(1/133)

فإن كان منها كقوله: " العجماء جبار "، وقوله: " البينة على المدعي "، و " لا ضرر ولا ضرار "، فإنه لا يجوز نقله بالمعنى.
فإذا توفرت هذه الشروط فإنه يجوز رواية الحديث بالمعنى؛ لوقوع ذلك من الصحابة - رضي الله عنهم - حيث كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقيم الخطب في الجمع، وفي بعض الوقائع يتكلم بكلام فيه الأوامر والنواهي وقد رواها الصحابة بألفاظ تختلف عن ألفاظ البعض الآخر مع أن المقصود واحد، ولم ينكر ذلك أحد.
ولأنه يجوز شرح الشرع للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدال لفظة عربية بلفظة أعجمية تساويها وترادفها، فمن باب أولى نقل لفظة عربية بلفظة أخرى عربية ترادفها بجامع: استبدال لفظة بما يرادفها دون زيادة ولا نقصان.
* * *
المسألة السادسة والخمسون:
مرسل الصحابي - وهو أن يروي الصحابي حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو لم يسمعه منه شفاهاً، بل سمعه من صحابي آخر - مقبول مطلقاً؛ لإجماع الصحابة على ذلك؛ حيث كان بعضهم يرسلون الأحاديث فيقبل الآخرون ذلك بدون نكير من أحد، وأكثر روايات الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسمعوها من النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، بل بواسطة صحابي آخر، ومنها ما رواه ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، فلما سئل عنه أسنده إلى الفضل بن عباس، وما رواه ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
(1/134)

قال: " من صلَّى على جنازة فله قيراط "، ثم أسنده بعد ذلك إلى أبي هريرة.
* * *
المسألة السابعة والخمسون:
مرسل غير الصحابي - وهو: أن يقول الذي توفرت فيه شروط الرواية وهو لم ير النبي - صلى الله عليه وسلم -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -- مقبول مطلقاً؛ لأن من عادة الراوي العدل أنه لا يرسل الحديث إلا إذا تيقن من ثبوت هذا الحديث أو غلب على ظنه ذلك، أما إن شك فيه فإنه لا يرسله، بل يذكر الشيخ الذي حدثه به؛ لتكون العهدة على ذلك الشيخ، وهذه عادة مستمرة لهم، وإذا كانت هذه عادتهم فإن الحديث المرسل يكون ثابتاً والثابت يُقبل وُيعمل به، يؤيد ذلك قول إبراهيم النخعي: " إذا رويت عن عبد الله - يقصد عبد الله بن مسعود - فقد حدثني واحد، وإذا أرسلت فقد حدَّثني جماعة عنه ".
* * *
المسألة الثامنة والخمسون:
إذا تعارض المرسل مع المسند فإنه يُقدم المسند؛ لأنه قد اتُّفق على قَبوله والاحتجاج به، أما المرسل فقد اختُلف فيه، والنفس تسكن للمسند؛ حيث عرفنا رجال الحديث بخلاف المرسل.
(1/135)

المسألة التاسعة والخمسون:
أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - أقسام إليك بيانها وحكم كل قسم:
القسم الأول: أفعال فطرية وهي: الأفعال التي فطر الله عليها البشر كالقيام والقعود، وهواجس النفس، فهذه لا أسوة فيها، ولايتبع النبي - صلى الله عليه وسلم - في شيء منها.
القسم الثاني: أفعال صدرت منه - صلى الله عليه وسلم - على وفق العادات كطريقة شربه، وأكله، وملبسه، وتوسده يده أثناء نومه، ولبس الأبيض من الثياب، فهذه تباح منا ومنه - صلى الله عليه وسلم -، لأنه لم يُقصد بها التشريع، ولم تقع تلك الأفعال على سبيل الطاعة.
القسم الثالث: أفعال لم يتبين أمرها، ولم يوجد دليل على وقوعها قربة أو عادة، كالاضطجاع بعد الفجر، ونزوله بالأبطح، ومبيته بذي طوى، فيستحب للأمة اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الأفعال، ويندب إلى ذلك، ولا يجب، لعدم وجود الدليل الذي يدل على الوجوب، فيحمل على أن فعله أرجح من تركه، وهو الندب.
القسم الرابع: أفعال قد فعلها - صلى الله عليه وسلم - لبيان مجمل ولتقييد مطلق، كصلاته وحجه: فإن هذا حكمه حكم المبيَّن، فإن كان المبين واجباً فهو واجب، وإن كان المبيَّن مندوباً فهو مندوب؛ لأن البيان لا يتعدَّى رتبة المبين، ومتى تعداه لا يكون بياناً له.
القسم الخامس: أفعال خاصة به - صلى الله عليه وسلم - كالزواج بأكثر من أربع
(1/136)

وجواز زواجه بدون مهر، فإن هذا لا يجوز أن نتأسى به في تلك الأفعال.
القسم السادس: أفعال قد فعلها - صلى الله عليه وسلم - وثبت أنها على وجه القربة، ولم تكن بياناً لمجمل أو غيره، ولم يقم دليل على أنها خاصة به، وعلمنا صفتها من الوجوب أو الندب، وذلك بنصه - صلى الله عليه وسلم -، أو بغير ذلك من الأدلة، فإنا متعبَّدون بالتأسي بها؛ لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فقد كانوا مجمعين على الرجوع إلى أفعاله - صلى الله عليه وسلم - والتأسي بها وهو: أن يفعلوا مثل ما فعل، كرجوعهم إلى تزويجه لميمونة وهو محرم، وفي تقبيله الحجر الأسود، وجواز تقبيله لزوجته وهو صائم، ونحو ذلك.
ولقوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) حيث جعل المتابعة له لازمة من محبة الله الواجبة.
* * *
المسألة الستون:
تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو: كف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإنكار على ما علم به من قول أو فعل - حجة، ويعتبر قسماً من أقسام السنة؛ لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فقد كانوا يحتجون بتقريره - صلى الله عليه وسلم - على الجواز بدون نكير، ومن أمثلة ذلك: قول أنس رضي الله عنه لما سئل عن الفعل بعد عرفة: " كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبِّر فلا ينكر عليه "، وقول أبي بن كعب: " الصلاة في ثوب واحد سنة كنا نفعله على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يُعاب علينا ".
(1/137)

ولأن الله تعالى أرسل نبيه بشيراً ونذيراً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فلو سكت عما يُفعل أمامه مما يخالف الشرع لم يكن ناهياً عن المنكر، فثبت أنه ما سكت عنه إلا لجواز فعله.
(1/138)

ما يشترك فيه الكتاب والسنة وهو: النسخ، والألفاظ ودلالتها على الأحكام
وهو يشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: في النسخ.
المبحث الثاني: الألفاظ ودلالتها على الأحكام.
وإليك بيانهما:
(1/139)

المبحث الأول
النسخ
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
النسخ: هو رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه.
فلا بد من وجود خطاب ثابت بخطاب شرعي متقدم، فجاء خطاب آخر من الشارع - فجأة - وهو: متأخر عن الأول فرفع ذلك الحكم.
مثل: أن الله سبحانه قد حكم بأن عدة المتوفى عنها زوجها حول كامل، وذلك بخطاب شرعي وهو قوله تعالى: (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ)، بعد ذلك بزمن رفع هذا الحكم بخطاب متأخر عنه وهو قوله تعالى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا).
فالنسخ هو: قطع لدوام الحكم فجأة، لا بيان انتهاء مدته، والفرق بينهما كالفرق بين فسخ الإجارة، وانقضاء مدتها: فلو استأجر شخص منزلاً - مثلاً - سنة كاملة، فإن المستأجر والمؤجر يعلمان - عند ابتداء العقد - أنه عند انتهاء السنة سيرتفع حكم الإجارة، لكن لو انهدم المنزل فجأة في أثناء السنة فإن للمستأجر الفسخ مع عدم علمه عند ابتداء العقد بانهدام المنزل، وهذا هو
(1/141)

فسخ الإجارة فيقاس على ذلك نسخ الحكم.
* * *
المسألة الثانية:
شروط النسخ أربعة:
الشرط الأول: أن يكون الحكم المنسوخ قد ثبت بخطاب متقدم، أما لو ثبت الحكم بدليل العقل، أو البراءة كاستباحة الناس للخمر على عادة كانت لهم، فرفع ذلك، فإن ذلك ليس بنسخ، لأنه لم يثبت الحكم السابق بخطاب متقدم.
الشرط الثاني: أن يكون الحكم المنسوخ مطلقاً لم يُحدد بمدة معلومة، فيأتي الناسخ فجأة دون انتظار من المكلفين.
الشرط الثالث: أن يكون الناسخ خطاباً شرعياً، فلو ارتفع الحكم بموت المكلف أو جنونه، أو غير ذلك من العوارض الأهلية فليس هذا بنسخ.
الشرط الرابع؛ أن يكون الناسخ منفصلاً عن المنسوخ متأخر عنه، فإن اتصل واقترن به كالشرط أو الغاية فإنه يسمى تخصيصاً.
* * *
المسألة الثالثة:
النسخ والتخصيص يشتركان في أن كلاَّ منهما قصر للحكم على بعض مشتملاته، إلا أن النسخ: قصر للحكم على بعض الأزمان، والتخصيص، قصر للحكم على بعض أفراده.
(1/142)

المسألة الرابعة:
الفروق بين النسخ والتخصيص هي:
الأول: أن النسخ يشترط فيه أن يكون الناسخ متأخراً عن المنسوخ، بخلاف التخصيص فلا يشترط فيه ذلك، فقد يقترن مع العام، وقد يفترق عنه.
الثاني: أن النسخ يجوز وروده على الأمر بمأمور واحد كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى البيت الحرام، أما التخصيص فلا يدخل ولا يرد على الأمر بمأمور واحد مثل: " أكرم زيداً " فلا يجوز تخصيصه؛ لأنه لا يكون إلا من متعدِّد.
الثالث: أن التخصيص تبقى معه دلالة اللفظ العام على ما تحته حقيقة، أي: أن اللفظ العام يبقى حجة فيما بقي بعد التخصيص، أما النسخ فلا تبقى معه دلالة اللفظ على ما تحته حينما يرد النسخ على الأمر بمأمور واحد.
الرابع: أنه لا يجوز تخصيص شريعة بشريعة أخرى، ويجوز نسخ شريعة بشريعة أخرى.
الخامس: إن التخصيص لا يكون إلا لبعض أفراد العام، أما النسخ فقد يرفع جميع أفراد العام، وقد يرفع بعضه.
السادس: أن التخصيص لا يرد إلا على العام، أما النسخ فإنه يرد على العام والخاص.
السابع: أن النسخ لا يجوز إلا بالنص وهي: الكتاب والسنة، أما التخصيص فإنه يجوز بالنص وبالإجماع والقياس والقرائن.
(1/143)

المسألة الخامسة:
النسخ جائز عقلاً؛ لأمور:
أولها: أنه ليس في الأمر بالشيء بعد النهي عنه إلا ما في تحريك الجسم بعد تسكينه، وتبييضه بعد تسويده، وإذا كان تحريك الشيء بعد تسكينه جائزاً، وجب أن يكون الأمر بالشيء بعد النهي عنه جائزاً، وهذا هو النسخ.
ثانيها: أنا نعلم اختلاف المصلحة باختلاف الأزمان، فلا يمتنع أن يأمر الله تعالى بالفعل في زمان لعلمه سبحانه أن العباد لهم مصلحة فيه في هذا الزمان، ثم ينهاهم عنه ويحرمه عليهم في زمن آخر؛ لأن مصلحتهم في الزمن الثاني تقتضي ذلك، كما يفعل الطبيب بالمريض؛ حيث يأمره باستعمال دواء خاص في بعض الأزمنة، وينهاه عنه في زمن آخر.
ثالثها: أنه إذا جاز أن يخلق الله تعالى خلقاً على صفة ثم ينقله إلى صفة أخرى، فخلقه الله تعالى طفلاً ثم نقله إلى الشباب، ثم إلى الكهولة ثم إلى الشيخوخة ثم إلى الموت بدون اختيار للعبد، ولم يكن ذلك قبيحاً في شرع ولا عقل، فإنه يجوز أن يكلف الله خلقه بعبادة ثم ينقلهم عنها.
* * *
المسألة السادسة:
النسخ جائز شرعاً لأمرين:
أولهما: وقوعه في الشريعة، حيث نسخ وجوب التربص حولاً كاملاً عن المتوفى عنها زوجها بالتربص أربعة أشهر وعشراً، ونسخ صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان، ونسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس إلى التوجه إلى الكعبة، والوقوع دليل الجواز.
(1/144)

ثانيهما: إجماع الصحابة؛ حيث أجمعوا على أن شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ناسخة لجميع الشرائع السابقة، إما بالكلية، وإما فيما يخالفها فيه.
* * *
المسألة السابعة:
من حِكَم النسخ ما يلي:
الحكمة الأولى: تهيئة نفوس الناس إلى تقبل الحكم الأخير، وهذا يكون في النسخ من الأخف إلى الأشد. مثل: تحريم الخمر؛ حيث بيَّن الله تعالى ما في الخمر من الإثم والنفع، وإن إثمه أكبر من نفعه، ثم منع ثانياً الصلاة حالة السكر، ثم حرم الخمر في جميع الأوقات، وكذلك فعل في تحريم الربا.
الحكمة الثانية: الابتلاء والامتحان، وهذا يكون في النسخ من الأشد إلى الأخف؛ ليظهر المؤمن الحق فيفوز، ويظهر المنافق فيهلك، كنسخ ثبات الواحد للعشرة، ونسخ أمر إبراهيم بذبح ابنه.
* * *
المسألة الثامنة:
النسخ بعد الاستقراء والتتبع قد وقع وتناول الأحكام الشرعية الجزئية التكليفية الفرعية العملية التي تحتمل كونها مشروعة أو غير مشروعة في نفسها في زمن النبوة، أي أن مصلحتها تتغير: فتكون في وقت نافعة، وفي وقت آخر ضارة على ما يعلمه الله تعالى.
(1/145)

ولم يتناول النسخ ما يلي من الأحكام:
1 - الأحكام التي تتعلق بأصول الدين كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر، والأسماء والصفات.
2 - الأحكام الكلية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك.
3 - الأحكام التي لا تحتمل عدم المشروعية وهي أمهات الأخلاق والفضائل، كالعدل، والأمانة، والصدق، والوفاء، فهذه حسنها لا يتغير بتغير الأزمان، ولذلك لا يمكن أن تنسخ.
4 - الأحكام التي لا تحتمل المشروعية وهي: أمهات الرذائل، مثل الكذب، والظلم، والخيانة، والغدر، فهذه لا يمكن أن تنسخ، لأن قبحها لا يتغير بمرور الزمن.
5 - الأحكام التي ارتبط بها ما ينافي النسخ كالتأبيد مثل: الجهاد ماض إلى يوم القيامة، وتحريم زوجاته - صلى الله عليه وسلم -.
* * *
المسألة التاسعة:
يجوز نسخ لفظ الآية دون حكمها، ويجوز العكس، ونسخهما معاً، وذلك لوقوعه: فقد نسخت التلاوة والحكم معاً؛ حيث قالت عائشة رضي الله عنها: " كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهن فيما يقرأ من القرآن، فكانت العشر منسوخة الحكم والتلاوة معاً بخمس رضعات.
ونسخ الحكم وبقيت التلاوة؛ حيث نسخ حكم آية الاعتداد بالحول الثابت بقوله تعالى: (مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ
(1/146)

إِخْرَاجٍ) بالاعتداد بأربعة أشهر وعشراً الثابت بقوله تعالى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا).
ونسخت التلاوة وبقي الحكم؛ حيث نسخت تلاوة: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله " وبقي حكمها وهو: الرجم للمحصن.
* * *
المسألة العاشرة:
يجوز نسخ الشيء قبل التمكن من فعله وامتثاله، فيجوز أن يقول الشارع مثلاً في رمضان: " حجوا في هذه السنة "، ثم يقول قبل ابتداء الحج: " لا تحجوا "؛ وقلنا ذلك لأمرين:
أولهما: أن النسخ قبل التمكن من الفعل رفع لتكليف قد ثبت على المكلف فكان نسخاً، ولا يترتب على ذلك محال، ولا بداء، ولم يرد اشتراط فعل المنسوخ، بل اشترط: كون الناسخ متأخراً عن المنسوخ، وقد حصل فكان جائزاً.
ثانيهما: وقوعه: فقد أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه فقال تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106)) , ثم نسخ ذلك قبل التمكن من الذبح
(1/147)

بقوله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107))، فهنا قد وقع النسخ قبل التمكن من الفعل، والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة الحادية عشرة:
الزيادة المستقلة عن المزيد عليه، ولا تتعلق به، وليست من جنس المزيد عليه، كأن يوجب الله تعالى الصلاة، ثم يوجب الصوم، فهذه الزيادة ليست نسخاً بالاتفاق، لأن حقيقة النسخ لم تتحقق هنا؛ حيث إنا قلنا: إن النسخ رفع الحكم، وهنا لم يرتفع الحكم، وهو وجوب الصلاة ولم يتبدل ولم يتغير بزيادة الصوم، فبقي حكم المزيد عليه - وهو الصلاة - بعد الزيادة كما كان ثابتاً قبلها، فلا يوجد تنافي.
* * *
المسألة الثانية عشرة:
الزيادة المستقلة عن المزيد عليه، ولا تتعلق به، وهي من جنس المزيد عليه كزيادة صلاة على الصلوات الخمس، فهذه الزيادة ليست نسخاً؛ لأن حقيقة النسخ لم توجد؛ حيث إن هذه الزيادة لم ترفع حكماً، فالمزيد عليه باق على حاله بعد الزيادة كما كان قبل الزيادة، فهذه الزيادة كالزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه ولا فرق، فكما أن وجوب الصلاة لم يتغير بزيادة الصوم، فكذلك الحال بالنسبة لزيادة صلاة على صلاة أخرى ولا فرق.
(1/148)

المسألة الثالثة عشرة:
الزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلق الجزء بالكل، أي: تتعلق بالمزيد عليه بأن تكون جزءاً من المزيد عليه، كزيادة تغريب عام على جلد مائة في حد الزاني البكر، فكان حد الزاني البكر يتكون من جزأين: أحدهما: جلد مائة الوارد في القرآن الكريم، والآخر: تغريب عام الوارد في السنة، فهذه الزيادة ليست نسخاً؛ لأن حقيقة النسخ لم توجد، فلم يوجد رفع الحكم وتبديله عند تلك الزيادة، بل إن هذه الزيادة تقرير للحكم المزيد عليه، وتثبيت له؛ لأن ضم شيء إلى شيء آخر يثبت المضموم إليه ويُقرره: فزيادة التغريب على جلد مائة لم تخرج الجلد عن كونه واجباً، مثل إيجاب الصوم بعد إيجاب الصلاة.
ومثل لو أن إنساناً معه كيس فيه عشرة ريالات فأضاف إليها ريالاً فإنه لا يقال: إنه رفع وأزال ما في الكيس، بل يقال: أضاف إليه زيادة
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
الزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط، أي: تكون الزيادة شرطاً للمزيد عليه، فلا يعمل بالمزيد عليه إلا بهذا الشرط، كزيادة النية في الطهارة؛ حيث إن الشارع أمر بالطهارة مطلقاً، ثم زيد شرط النية لها، فهذه الزيادة ليست نسخاً - أيضاً -؛ لأن حقيقة النسخ - وهي رفع الحكم - لم توجد هنا.
فمثلاً قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) اقتضى أمرين هما:
(1/149)

" وجوب الصلاة " والآخر " الإجزاء " حيث تجوز - على هذا اللفظ - الصلاة بدون طهارة، فلما جاءت الزيادة - وهي: اشتراط الطهارة للصلاة - فالحكم وهو الوجوب لم يرتفع بها، بل هو باق على حاله بعد الزيادة وقبلها؛ حيث بقي الأمر به، أما المرتفع بهذه الزيادة فهو " الإجزاء "؛ حيث أصبحت الصلاة لا تجزئ إلا بالطهارة، وارتفاع الإجزاء - فقط - جعل المرتفع بعض ما تناوله اللفظ الذي هو قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، وهذا يُسمَّى تخصيصاً لا نسخاً.
والخلاصة: أن الزيادة مطلقاً ليست بنسخ عندنا، وبناء على ذلك فإن تلك الزيادة ثابتة وإن كان ثبوتها جاء بخبر الواحد فنقبلها، لذلك زدنا التغريب على الجلد مائة، وقبلنا خبر: " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "، ولم نعتبره نسخاً لما جاء في القرآن، بل يزاد عليه.
* * *
المسألة الخامسة عشرة:
نسخ جزء العبادة أو شرط من شروطها ليس بنسخ؛ لأمرين:
أولهما: الوقوع؛ حيث وقع أنه نسخ الشارع شرط عبادة من العبادات ولم تكن تلك العبادة قد نسخت بالكلية مثل: استقبال بيت المقدس الذي هو شرط لصحة الصلاة، فقد نسخ هذا
(1/150)

الشرط ولم يكن نسخه نسخاً لحكم الصلاة، بل إن العبادة - وهي الصلاة - باقية بحالها لم تتغير، وإنما التغير قد تناول شرطها فقط، وكذلك نسخ عشر رضعات بخمس، ونسخ هذا الجزء - وهو الخمس - لم يكن نسخاً لكل العشر، والوقوع دليل الجواز.
ثانيهما: أن حقيقة النسخ هو: رفع الحكم الشرعي، ولم توجد هذه الحقيقة هنا؛ حيث إن نقص الجزء أو الشرط لم يرفع حكم تلك العبادة من الوجوب أو الندب أو غيرهما، فلا يكون نسخاً، وذلك كمن أخذ ريالاً من كيس فيه عشرة ريالات، فإن الباقي بعد نقص الريال باق على حاله لم يرتفع أو لم يتأثر بشيء.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
يجوز نسخ الحكم من غير أن يأتي ببدل عنه؛ لأمرين:
أولهما: أن حقيقة النسخ: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه، ورفع الشيء يتحقق في نفسه، وإن لم يثبت له خلف وبدل، فليس في حقيقة النسخ تعرض للخلف والبدل.
ثانيهما: وقوعه؛ حيث إن تقديم الصدقة بين يدي المناجاة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان واجباً لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ)، والوقوع دليل الجواز.
(1/151)

المسألة السابعة عشرة:
يجوز نسخ الحكم ببدل هو أخف من المنسوخ؛ لوقوعه، حيث نسخت عدة المتوفى عنها من الحول إلى أربعة أشهر وعشرة أيام، والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة الثامنة عشرة:
يجوز نسخ الحكم ببدل مثله في التخفيف والتثقيل؛ لوقوعه؛ حيث نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة التاسعة عشرة:
يجوز نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل؛ لأمرين:
أولهما: الوقوع؛ حيث وقع نسخ الحكم من الأخف إلى الأثقل، فقد ثبت أنه كان في أول الإسلام يجوز تأخير الصلاة في حالة الخوف إلى وقت آخر أكثر أمناً، فنسخ ذلك إلى وجوب الإتيان بها في حالة الخوف وذلك في قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ)، ولا شك أن الصلاة حالة الخوف أثقل، وكذلك كان المسلم مخيراً في أول الإسلام بين الصيام والفداء عنه بالمال، ثم نسخ ذلك بتعيين الصيام فقط.
ثانيهما: القياس على تكليف العباد ابتداء، بيانه:
كما أنه إذا جاز أن لا يكلف الله عباده ابتداء، ثم يكففهم بالعبادات الشاقة، جاز أن ينتقل من الأخف إلى الأثقل ولا فرق،
(1/152)

والجامع: التكليف في كل.
* * *
المسألة العشرون:
إذا بلغ الناسخ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يبلغ بعض الأمة، فإنه لا يكون نسخا في حق من لم يبلغه، فيجب على من لم يبلغه الناسخ العمل بالمنسوخ، ولا يلزمه العمل بالناسخ؛ لأمرين:
أولهما: أن أهل قباء لما جاءهم المخبر وقال لهم: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة واعتدوا بما مضى من صلاة الصبح فلم يقضوها ولم يؤمروا بذلك، فدل على أن النسخ لم يكن ثبت في حقهم.
ثانيهما: أن المكلف لو فعل العبادة التي ورد بها الناسخ على وجهها قبل بلوغه بالناسخ. لكان آثماً عاصياً غير خارج به عن العهدة، كما لو صلى إلى الكعبة قبل بلوغ النسخ إليه، ولو كان مخاطباً بذلك لخرج به عن العهدة، ولما كان عاصياً بفعل ما خوطب به.
* * *
المسألة الواحدة والعشرون:
يجوز نسخ القرآن بالقرآن؛ لأمرين:
أولهما: صريح قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)
(1/153)

ثانيهما: وقوعه؛ حيث وقع نسخ القرآن بالقرآن. فقد نسخ الفداء بالمال عن الصيام، قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، فنسخ ذلك بقوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة الثانية والعشرون:
يجوز نسخ السنَّة المتواترة بالسنَّة المتواترة؛ لأمرين:
أولهما: القياس على القرآن: فكما يجوز نسخ القرآن بالقرآن، كذلك يجوز نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة ولا فرق، بجامع: أن كلاً منهما قطعي الثبوت.
ثانيهما: أن كلاً من الناسخ والمنسوخ في درجة واحدة من القوة وهي: قطعية الثبوت، فيقوى كل واحد منهما على نسخ الآخر.
* * *
المسألة الثالثة والعشرون:
يجوز نسخ السنة الآحادية بالسنة الآحادية؛ لأمرين:
أولهما: وقوعه؛ حيث روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - في شارب الخمر -: " إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، ثم إن سكر فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاضربوا عنقه "، فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسكران في الرابعة فجلده وخلَّى سبيله، فنسخ فعله - صلى الله عليه وسلم - قوله، وكل منهما خبر آحاد، والوقوع دليل الجواز.
ثانيهما: الاتحاد في الرتبة من حيث السند؛ حيث إن الناسخ والمنسوخ يتَّحدان في أن كلاُّ منهما ظني الثبوت.
* * *
المسألة الرابعة والعشرون:
يجوز نسخ السنة الآحادية بالسنة المتواترة؛ لأن المتواتر
(1/154)

قطعي السند والآحاد ظني السند، والقطعي يقوى على نسخ الظني.
* * *
المسألة الخامسة والعشرون:
يجوز نسخ السنة بالقرآن؛ لأمرين:
أولهما: أن كلاً من القرآن والسنة وحي، ونسخ حكم أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع عقلاً.
ثانيهما: وقوعه؛ حيث نسخ تأخير الصلاة حالة الخوف الثابت بالسنة بالصلاة حالة الخوف وهو قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ)، ونسخ التوجه إلى بيت المقدس الثابت بالسنة بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة السادسة والعشرون:
يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة للاتحاد في السند حيث إن كلاً منهما متواتر، والاتحاد في المصدر؛ حيث إن كلاً منهما من الله تعالى، فإذا كان كل واحد منهما قطعي الثبوت، ومصدره من الله تعالى، فإن كل واحد منهما يقوى على نسخ الآخر.
* * *
المسألة السابعة والعشرون:
لا يجوز نسخ القرآن والسنة المتواترة بخبر الواحد شرعاً؛ لأمرين:
أولهما: الاختلاف في الرتبة: فالقرآن قطعي السند وكذلك السنة
(1/155)

المتواترة، وخبر الواحد ظني السند والظني لا يقوى على نسخ القطعي.
ثانيهما: عدم الوقوع: فإنه بعد تتبع الأدلة واستقرائها لم نجد فيها أن متواتراً قد نسخه خبر واحد، فإذا لم يقع فإنه يدل على عدم الجواز.
* * *
المسألة الثامنة والعشرون:
الإجماع لا يكون منسوخاً: لأن الناسخ إما أن يكون نصاً أو إجماعاً آخر أو قياساً، وكلها باطلة، بيان ذلك:
أما كون الإجماع منسوخاً بنص فهذا باطل، لأن الناسخ لا بد أن يكون متأخراً عن المنسوخ، ومعلوم أن النص متقدم على الإجماع، والمتقدم لا ينسخ المتأخر.
أما كون الإجماع منسوخاً بإجماع آخر فهذا باطل أيضاً، لاستحالة انعقاده على خلاف إجماع آخر؛ حيث إنه لو انعقد لكان أحد الإجماعين خطأ.
أما كون الإجماع منسوخاً بقياس فهذا باطل أيضاً؛ لأن القياس لا يكون على خلاف الإجماع؛ حيث اشترطنا في القياس: عدم مخالفته لنص أو إجماع، فعند مخالفة الإجماع للقياس فإن القياس يكون باطلاً، فلا يكون حجة، فلا يكون ناسخاً للإجماع.
* * *
المسألة التاسعة والعشرون:
الإجماع لا يكون ناسخاً: لأن الإجماع إنما يكون حجة
(1/156)

بعد عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث إنه يعتمد على الاجتهاد، والنسخ إنما يكون في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلى هذا يستحيل اجتماعهما.
* * *
المسألة الثلاثون:
القياس يُنسخ بقياس أجلى وأقوى منه، وبناء عليه: فإنه لما نفق الشارع على تحريم بيع البُر بالبُر متفاضلاً فإنا قسنا عليه التفاح؛ لعلة جمعت بينهما، ونتج عن هذا القياس: عدم جواز بيع التفاح بالتفاح متفاضلاً؛ قياساً على بيع البر بالبر، ولو نصَّ أيضاً على إباحة التفاضل في بيع الموز بالموز، وكان مشتملاً على علة أقوى من العلة التي في الأول، فإن هذا يقتضي إلحاق التفاح بالموز، فيكون هذا القياس ناسخاً للقياس الأول، فيكون - على هذا - القياس ناسخاً ومنسوخاً.
ولا ينسخ القياس بالنص ولا بالإجماع؛ لأنه لا قياس - أصلاً - مع النص والإجماع، ولا ينسخ القياس بقياس مساو له؛ لأنه يؤدي إلى ترجيح أحد المتساويين بدون مرجح وهو باطل، ولا ينسخ بقياس أدنى منه لأن ذلك يؤدي إلى العمل بالمرجوح، وترك الراجح.
* * *
المسألة الواحدة والثلاثون:
إذا نسخ حكم الأصل في القياس فإن حكم الفرع ينسخ تبعاً
(1/157)

لذلك؛ لأن حكم الفرع قد ثبت بالعلة التي اعتبرت لحكم الأصل، فإذا نسخ حكم الأصل فقد زال اعتبار أي علة لهذا الحكم، ومتى ما زال اعتبار العلة فقد زال اعتبار الحكم الذي ثبت بها، وبذلك يكون رفع حكم الأصل مستلزماً لرفع حكم الفرع.
فمثلاً: وجبت الكفارة على المُجامع في نهار رمضان لحديث الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " اعتق رقبة "، وعلة تلك الكفارة: " إفساد الصوم المحترم " عند كثير من العلماء؛ لذلك قاسوا على الجماع في نهار رمضان كل من أكل أو شرب عمداً في نهار رمضان فإنه تجب عليه الكفارة؛ نظراً لوجود العلة؛ حيث إنه أفسد صوماً محترماً، فلو نسخ حديث الأعرابي - مثلاً - فلا شك أنه سينسخ معه الحكم الذي اشتمل عليه، وهو: وجوب الكفارة في الجماع في نهار رمضان، وحكم الفرع - وهو وجوب الكفارة على الأكل والشارب عمداً في نهار رمضان - سيرتفع تبعاً لذلك، لأن العلة، وهي: انتهاك حرمة رمضان قد زال اعتبارها بسبب رفع حكم الأصل الذي استنبطت منه.
* * *
المسألة الثانية والثلاثون:
مفهوم الموافقة يقع ناسخاً ومنسوخاً؛ لأن مفهوم الموافقة كالنص المنطوق به، فكما يجوز نسخ النص، والنسخ به، فكذلك يجوز نسخ المفهوم الموافق والنسخ به ولا فرق، والجامع: أن الحكم يؤخذ من اللفظ في كل منهما.
(1/158)

المسألة الثالثة والثلاثون:
مفهوم المخالفة يأتي منسوخاً: فيجوز نسخ حكم المسكوت الذي هو مخالف للمذكور مع نسخ الأصل، ودونه.
أما نسخ المفهوم المخالف مع أصله فهو واضح؛ حيث إنه إذا نسخ الأصل وهو النص المنطوق به ينسخ معه كل ما يفهم منه.
أما نسخ المفهوم المخالف مع بقاء أصله فقد وقع؛ حيث روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إنما الماء من الماء "، فقد نسخ مفهومه بما روته عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل "، وبقي أصله وهو وجوب الغسل بالإنزال.
* * *
المسألة الرابعة والثلاثون:
مفهوم المخالفة لا يكون ناسخاً، لأن النص أقوى منه، فمفهوم المخالفة أضعف من النص المنطوق به، فلا يقوى على نسخه.
* * *
المسألة الخامسة والثلاثون:
طرق معرفة الناسخ من المنسوخ هي:
الأول: أن يعلم من اللفظ تقدم أحد الحكمين على الآخر، فيكون المتقدِّم منسوخاً، والمتأخِّر ناسخاً؛ كقوله تعالى: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ)، فإنه يفيد نسخ الإمساك بعد الإفطار، وكقوله - صلى الله عليه وسلم -: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها "، وقوله: " كنت
(1/159)

نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي، أما الآن فكلوا. . . ".
الثاني: أن يذكر الراوي - صراحة - وقت سماعه ذلك النص من النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقول: " سمعت عام الفتح كذا "، فيكون المنسوخ هو الذي تقدم على ذلك التأريخ.
الثالث: أن تجمع الأمة أو الصحابة - رضي الله عنهم - على أن هذا الحكم منسوخ، وأن ناسخه متأخر كنسخ رمضان لصيام يوم عاشوراء.
الرابع: أن يفهم الناسخ والمنسوخ من كلام الراوي صراحة، كقول علي رضي الله عنه: " أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقيام للجنازة ثم قعد "، وكقول الراوي: " رخص لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المتعة ثلاثاً، ثم نهانا عنها ".
الخامس: أن يكون راوي أحد الخبرين لم يصحب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا في أول الإسلام ثم انقطع، وأن راوي الخبر الآخر أسلم في آخر حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيكون نقل الثاني هو الناسخ وما نقله الأول هو المنسوخ، كخبر طلق بن علي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الوضوء من مسِّ الذكر فقال: " هل هو إلا بضعة منك "، فهنا لا يجب الوضوء من مس الذكر، ولكن ذلك منسوخ بما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من مسَّ ذكره فليتوضأ "؛ لأن أبا هريرة أسلم في آخر حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعد وفاة طلق بن علي.
(1/160)

المبحث الثاني الألفاظ ودلالتها على الأحكام
ويشتمل على مطالب:
المطلب الأول: في اللغات.
المطلب الثاني: في الاشتقاق.
المطلب الثالث: في الاشتراك.
المطلب الرابع: في الترادف.
المطلب الخامس: في التأكيد.
المطلب السادس: في التابع.
المطلب السابع: في الحقيقة.
المطلب الثامن: في المجاز.
المطلب التاسع: في النص.
المطلب العاشر: في الظاهر.
المطلب الحادي عشر: في التأويل.
المطلب الثاني عشر: في المجمل.
(1/161)

المطلب الثالث عشر: في المبيَّن، والمبيِّن، والبيان.
المطلب الرابع عشر: في حروف المعاني.
المطلب الخامس عشر: في الأمر.
المطلب السادس عشر: في النهي.
المطلب السابع عشر: في العموم.
المطلب الثامن عشر: في التخصيص.
المطلب التاسع عشر: في المطلق والمقيَّد.
المطلب العشرون: في المنطوق.
المطلب الواحد والعشرون: في المفهوم: مفهوم الموافقة، ومفهوم المخالفة.
(1/162)

المطلب الأول
في اللغات هل هي توقيفية أو اصطلاحية؟
يجوز أن تكون اللغات والأسماء كالسماء والأرض والجنة والنار وغيرها من الأسماء كلها توقيفية، ويجوز أن تكون كلها اصطلاحية، ويجوز أن يكون بعض هذه اللغات توقيفية، وبعضها اصطلاحية، لأن الاستدلال على كونها توقيفية أو اصطلاحية، أو احتمال الأمرين يكون إما عن طريق العقل أو عن طريق الواقع.
أما العقل فإنه يجوز الأمور الثلاثة: حيث يجوز كونها توقيفية؛ لأن الله قادر على أن يخلق للناس العلم بهذه الأسماء والألفاظ، ويُسمعها بعضهم أو جميعهم، ويُخبرهم بأن هذه الأسماء قصدت للدلالة مع مسمياتها ومعانيها.
والعقل أيضاً يجوز كونها اصطلاحية بأن واحداً قد انبعثت داعيته أو جماعة انبعثت دواعيهم إلى وضع هذه الألفاظ بإزاء معانيها، ثم حصل تعريف الباقين بالإشارة والتكرار كما يفعل الوالدان بالولد الرضيع.
والعقل - أيضاً - يجوِّز كون بعضها توقيفي، وبعضها الآخر اصطلاحي؛ لأنه إذاً أمكن كل واحد من القسمين أمكن التركيب منهما جميعاً.
أما الواقع من هذه الأقسام فلا يمكن إلا ببرهان عقلي، أو
(1/163)

نقل وسمع قاطع، وهذا باطل؛ لأن العقل لا مجال له في اللغات ليستدل عليها به، ولعدم وجود النقل والسمع القاطع.
(1/164)

المطلب الثاني
في الاشتقاق
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى:
الاشتقاق هو: رد لفظ إلى لفظ آخر لموافقته له في حروفه الأصلية، ومناسبته له في المعنى، مثل: " كاذب " مشتق من " الكذب "، و " نَصَر " مشتق من " النصر ".
* * *
المسألة الثانية:
أركان الاشتقاق هي:
الركن الأول: لفظ موضوع لمعنى، وهو: المشتق منه.
الركن الثاني: لفظ آخر له نسبة إلى اللفظ الأول، وهو: المشتق.
الركن الثالث: المشاركة بين الحروف الأصلية والمعنى.
الركن الرابع: تغيير يلحق المشتق بزيادة أو نقصان.
(1/165)

مثال زيادة حرف: " كاذب " مشتق من " الكذب "، زيدت الألف.
مثال زيادة الحركة: " نَصَر " مشتق من " النصر "، زيدت حركة الصاد.
مثال نقصان الحرف: " خُفْ " مشتق من " الخوف " نقصت الواو.
مثال نقصان الحركة: " ضرب " مشتق من " ضَرَب " نقصت حركة الراء.
(1/166)

المطلب الثالث
في الاشتراك
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المشترك هو: اللفظ الواحد الموضوع لمعنيين فأكثر وضعاً أولاً كلفظ العين تطلق على الجارية، والباصرة، والذهب، والشمس. والقرء: يطلق على الحيض والطهر.
* * *
المسألة الثانية:
المشترك ممكن وواقع في اللغة: لقيام الدليل على إمكانه وجوازه، وقيام الدليل على وقوعه.
أما الدليل على إمكانه وجوازه: فهو أن المشترك يمكن أن يقع من واضعين: بأن وضع أحدهما لفظاً لمعنى، ثم وضع آخر ذلك اللفظ لمعنى آخر، كلفظ العين - يمكن أن يكون أحدهما وضعه للجارية، والآخر وضعه للباصرة، ثم اشتهر ذلك اللفظ بين الطائفتين في إفادة ذينك المعنيين.
ويمكن أن يقع من واضع واحد لغرض الإبهام.
(1/167)

أما الدليل على وقوعه فهو: أن " القرء " يطلق على " الطهر " و " الحيض "، فهو إما أن يكون متواطئاً أو يكون حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر، أو يكون مشتركاً.
أما الأول: وهو: كونه متواطئاً - فهو باطل؛ لأن شرط التواطؤ: اتحاد المعنى، وهاهنا ليس كذلك.
أما الثاني: وهو كونه حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر - فهو باطل أيضاً، لأنه لو كان كذلك لتبادر المعنى الحقيقي إلى الذهن، ولكن الحق: أن الذهن - عند سماع هذا اللفظ مجرداً عن القرينة - يتردد بين " الطهر " و " الحيض "، فلم يبق إلا الثالث، وهو أنه مشترك بين هذين المعنيين، والتردد علامة الاشتراك.
والمشترك واقع في القرآن مثل: " القرء " و " عسعس " و " الصريم "، وواقع في السنة مثل " الشفق " الوارد في الحديث وهو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام العشاء حين غاب الشفق.
* * *
المسألة الثالثة:
يصح استعمال اللفظ المشترك في جميع معانيه في وقت واحد إذا أمكن الجمع بينها؛ لوقوعه؛ حيث قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)، فالصلاة من الله تعالى: الرحمة والمغفرة، ومن الملائكة الاستغفار، وهما معنيان متغايران، واستعمل لفظة " الصلاة " فيهما دفعة واحدة؛ حيث وقع الإخبار به، فدل ذلك على صحة استعمال المشترك في كل
(1/168)

معانيه في وقت واحد، والوقوع دليل الجواز.
ولأن كل عاقل يصح أن يقصد بقوله: " لا تنكح ما نكح أبوك " نهيه عن العقد وعن الوطء جميعاً من غيرِ تكرار اللفظ، ولا ينكر هذا إلا معاند، فثبت ما قلناه، وهو: أنه يصح أن يراد باللفظ المشترك جميع معانيه.
وبناء على ذلك: فإنه لا يقع طلاق المكره؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " حيث إنا نحمل لفظ " إغلاق " على معنيين، وهما: " الجنون " و " الإكراه ".
وبناء على ذلك أيضاً يُخير أولياء الدم بين القصاص والدية في القتل العمد العدوان؛ حملاً لكلمة: " سلطانا " في قوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) على معنييها وهما: القصاص والدية.
* * *
المسألة الرابعة:
أقسام اللفظ المشترك بالنسبة لمسمياته:
القسم الأول: اللفظ المشترك بين مسميات متضادة لا يمكن الجمع بينها ولا الحمل عليها، كالقرء مشترك بين " الطهر " و " الحيض " وهما متضادان، والشفق مشترك بين البياض والحمرة وهما متضادان.
(1/169)

القسم الثاني: اللفظ المشترك بين مسميات مختلفة لا صلة لأحدها بالآخر كالعين، فإنها تطلق على معان كثيرة ومختلفة حقيقة. فتطلق على العين الباصرة، وعين الإراء، أو الشمس، والذهب، فهذه المعاني لا يوجد صلة بين بعضها والبعض الآخر.
القسم الثالث: اللفظ المشترك بين مسميات متناقضة مثل " إلى " على رأي القائل: إنها مشتركة بين إدخال الغاية وعدمه.
القسم الرابع: اللفظ المشترك بين الشيء ووصفه مثل لفظ: " تأبَّط شرّا ".
القسم الخامس: اللفظ المشترك بين الفاعل والمفعول، مثل لفظ: " المختار "، يقال لمن اختار ثوباً إنه مختار، ويقال للثوب إنه مختار.
القسم السادس: الاشتراك في التركيب مثل قوله تعالى: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)، فإن الذي بيده عقدة النكاح مشترك بين الزوج، والولي.
القسم السابع: الاشتراك في الحرف مثل: " الواو " تكون للقسم، وللعطف، وللابتداء، أو حرف " من " تكون للتبعيض، وبيان الجنس، وحرف " الباء " تكون للاستعانة والسببية.
* * *
المسألة الخامسة:
الاشتراك خلاف الأصل: لأن الأصل في اللسان العربي: أن يكون لكل لفظ معنى واحد فقط، أما أن يكون للفظ الواحد أكثر من معنى، وهو: المشترك فهو خلاف الأصل.
(1/170)

فالاشتراك مرجوح عند السامع، واللفظ الذي له معنى واحد راجح.
وعلى هذا: فإنه إذا دار اللفظ بين كونه مفرداً، وكونه مشتركاً حمل على الانفراد، دون الاشتراك.
ودل على أن اللفظ الذي له معنى واحد راجح: الاستقراء والتتبع للألفاظ العربية؛ حيث أثبت ذلك الاستقراء أن أكثر ألفاظ اللغة العربية ألفاظ منفردة ليس لها إلا معنى واحد، والكثرة تفيد الظن والرجحان، فيكون اللفظ المنفرد بمعنى واحد أكثر وجوداً من اللفظ الدال على معنيين فأكثر - وهو: المشترك - فيكون مرجوحاً؛ نظراً لقلته.
ولأن الاشتراك يؤدي إلى مفسدة ترجع إلى السامع، وهي: أن السامع قد لا يفهم المعنى المراد؛ لعدم القرينة الدالة عليه، ولا يستفسر من المتكلم، نظراً لهيبة المتكلم، أو لمانع منع السامع من الاستفسار، أو لضيق وقته، فيفهم السامع ذلك اللفظ فهماً غير صحيح، ثم يحكيه لغيره، وهكذا، وفي ذلك إفشاء للجهل وفساد كبير.
(1/171)

المطلب الرابع
في الترادف
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
الترادف هو: توالي الألفاظ المفردة الدالة على مسمَّى واحد باعتبار واحد، مثل: " البُر والقمح " و " جلس وقعد ".
* * *
المسألة الثانية:
الترادف جائز عقلاً وواقع لغة: لأنه لا يترتب على فرض وقوعه محال.
ولأنه واقع في اللغة؛ حيث إنه بعد الاستقراء والتتبع لألفاظ اللغة ثبت وجود الترادف فيها:
إما بحسب اللغة: كالإنسان والبشر.
أو بحسب الشرع: كالفاسد والباطل.
أو بحسب العرف: كالأسد والسبع.
أو بحسب لغتين مختلفتين: مثل " الله " و " خُداي " بالفارسية.
(1/172)

والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة الثالثة:
أسباب الترادف هي:
السبب الأول: أن يصدر اللفظان المترادفان من واضعين، فيضع أحدهما لفظاً لمعنى، ويشتهر في قبيلة ذلك الواضع، ثم يضع الشخص الآخر لفظاً آخر لذلك المعنى، ويشتهر ذلك في قبيلته، ثم اشتهر اللفظان، ولم يُعين أيُّ واضع.
السبب الثاني: أن يكون اللفظان المترادفان قد صدرا من واضع واحد، ويكون الهدف والقصد من وضعه للفظين لمعنى واحد فائدة هي: تكثير وسائل الإخبار عما في النفس، وتكثير الطرق إلى المطالب، والتوسع في مجال النظم والنثر، حيث إن المتكلم إذا عسر عليه النطق بأحد اللفظين فإنه يُعبر بلفظ آخر يكفي بالمراد.
* * *
المسألة الرابعة:
يشترط في اللفظين المترادفين: أن يدلان على المعنى دون زيادة أحدهما على الآخر، مثل: " الليث والأسد والغضنفر "، فالمفهوم من هذه الألفاظ واحد دون مزية أحدها على الآخر، وكذلك: " القمح والبر "، فإنه لا يتميز أحدهما على الآخر بشيء.
أما إذا كان أحد اللفظين يدل على المعنى مع زيادة لم يأت
(1/173)

بها اللفظ الآخر: فإنه لا يكون هذان اللفظان مترادفين؛ لاختلافهما في المدلول والمفهوم، فمثلاً: لفظ " السيف " و " الصارم " و " المهنَّد " قد تبدو للناظر أنها مترادفة، وهي في الحقيقة ليست كذلك؛ لأن مدلول ومفهوم " المهنَّد " يختلف عن مفهوم " السيف "؛ لوجود زيادة فيه دون " السيف "، حيث إنه يفهم منه نسبته إلى الهند، وكذلك " الصارم " يدل على السيف مع زيادة صفة الحدة وسرعة القطع، فعرف بذلك: أن تلك الألفاظ ليست مترادفة؛ لانعدام شرط الترادف.
* * *
المسألة الخامسة:
الترادف خلاف الأصل؛ حيث إن الأصل: أن لكل معنى لفظاً واحداً خاصاً به، فيكون الترادف - وهو: أن يكون للمعنى الواحد أكثر من لفظ واحد - خلاف الأصل.
وقلنا ذلك؛ لأنه ثبت بعد استقراء كلام العرب: أن لكل معنى لفظاً خاصاً به، وهذا في أكثر كلامهم، والكثرة تفيد الظن والرجحان، فيكون المعنى المنفرد بلفظ واحد أكثر وجوداً من المعنى الذي له لفظان فأكثر - وهو: المترادف - فيكون مرجوحاً؛ نظراً لقلَّته.
ولأنه لمَّا عرفنا المعنى بأحد اللفظين، وحصل المقصود، فالأصل عدم الثاني؛ لعدم الحاجة إليه، ولأنه يلزم منه تعريف المعرف، فيكون تحصيل حاصل وهو باطل.
* * *
المسألة السادسة:
يجوز استعمال أحد المترادفين مكان الآخر في لغة واحدة
(1/174)

ولا يجوز من لغتين مختلفتين؛ لأن واضع أحد المترادفين موضع الآخر من لغة واحدة لا يلزم منه الإخلال والإفساد للمعنى؛ أي: أن صحة التركيب وفساده متعلق بالمعنى دون اللفظ، فإذا صح المعنى لم يبق محذور، لأن كلا اللفظين معروف لأهل هذه اللغة فكان ذلك جائزاً.
أما وضع أحد اللفظين موضع الآخر من لغتين فلا يجوز، فلا يصح أن تضع: " خداي أكبر " موضع " الله أكبر "؛ لأنه يلزم منه اختلاط اللغتين، ويلزم منه أيضاً: ضم مهمل إلى مستعمل؛ لأن اللفظ المرادف من اللغة الأخرى يُعتبر مهملاً بالنظر إلى أهل اللغة الأخرى الذين لا يفهمونه.
وبناء على هذا: فإنه يجوز نقل الحديث بالمعنى في لغة واحدة، دون اللغتين.
(1/175)

المطلب الخامس
في التأكيد
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
التأكيد هو: تقوية مدلول لفظ بلفظ آخر مستقل بالإفادة.
* * *
المسألة الثانية:
يُفرَّق بين التأكيد والترادف: بأن اللفظ المؤكِّد - بكسر الكاف - يقوي اللفظ المؤكَّد - بفتح الكاف -.
أما اللفظان المترادفان فلا يقوي أحدهما الآخر، لأن اللفظ المرادف يدل على الذات لا على التقوية.
* * *
المسألة الثالثة:
التوكيد جائز عقلاً، وواقع لغة؛ لأنه لا يترتب على فرض وقوعه محال، ولوقوعه؛ حيث إنه بعد استقراء كلام العرب ثبت وجود ألفاظ مؤكدة لألفاظ أخرى مثل: " جاء زيد نفسه "، و " جاء العلماء كلهم " ونحو ذلك، والوقوع دليل الجواز.
(1/176)

المسألة الرابعة:
أقسام التأكيد هي:
القسم الأول: تأكيد اللفظ بنفسه، وهو نوعان:
النوع الأول: تأكيد اللفظ بنفسه إذا كان مفرداً مثل: " جاء محمد محمد ".
النوع الثاني: تأكيد اللفظ بنفسه إذا كان جملة، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: " والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً ".
القسم الثاني: أن يؤكد اللفظ بغيره، وهو أنواع:
النوع الأول: أن يكون المؤكد مفرداً، فيؤكد بألفاظ معروفة مثل: " النفس " و " العين "، كقولك: " جاء زيد نفسه أو عينه ".
النوع الثاني: أن يكون المؤكد مثنى، فيؤكد بلفظ: " كِلا " و" كلتا "، كقولك: " جاء الرجلان كلاهما "، و " جاءت المرأتان كلتاهما ".
النوع الثالث: أن يكون المؤكد جمعاً، فيؤكد بلفظ " كل " و" أجمعون "، كقولك: " جاء الرجال كلهم "، و " أكرمت العلماء أجمعين "، ويؤكد أيضاً بلفظ: " أكتع " و " أبتع " و " أبصع ".
(1/177)

المطلب السادس
في التابع
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
التابع هو: أن تتبع الكلمة الكلمة على وزنها إشباعاً أو تأكيداً، كقولك: " عطشان نطشان "، و " جائع نائع "، و " شذر مذر "، و" شيطان ليطان "، و " حياك الله وبياك "، و " حقير نقير ".
* * *
المسألة الثانية:
يفرق بين التابعٍ والترادف بأن التابع - وهو: اللفظ الذي بعد الأول - لا يفيد شيئا غير تقوية الأول، فلا يفيد بدون المتبوع.
أما اللفظان المترادفان: فإن كل واحد من المترادفين يفيد المعنى لو انفرد؛ لأنه مثل مرادفه في الرتبة.
* * *
المسألة الثالثة:
وجه الاتفاق بين التابع والتأكيد: أن كلاً من التأكيد مع المؤكد، والتابع مع المتبوع: لم يفد عين ما أفاده الآخر، وإنما أفاد تقوية المعنى - فقط -.
* * *
المسألة الرابعة:
وجه الفرق بين التابع والتأكيد؛ أن التابع يُشترط فيه: أن يكون
(1/178)

على وزن متبوعه مثل: " عطشان نطشان "، و " جائع نائع "، و " حسن بسن ".
أما التأكيد مع المؤكد فلا يشترط ذلك فيه، مثل: " جاء زيد نفسه أو عينه ".
(1/179)

المطلب السابع
في الحقيقة
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى:
الحقيقة هي: اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي كالأسد يطلق على الحيوان المفترس.
* * *
المسألة الثانية:
أقسام الحقيقة هي:
القسم الأول: حقيقة لغوية وضعية، وهي: الثابتة بالوضع اللغوي.
أي: أن يضع الواضع لفظاً لمعنى إذا أطلق ذلك اللفظ فُهم ذلك المعنى الموضوع له، مثل لفظ " الأسد " يفهم منه الحيوان المفترس فلا ينقدح في الذهن - عند إطلاقه - إلا هذا المعنى، فيكون حقيقة، وهذا هو المقصود بالحقيقة، وهي الأسبق إلى الذهن من الحقيقة العرفية والشرعية.
القسم الثاني: حقيقة عرفية وهي: قول خُصَّ في العُرف ببعض مسمَّياته وإن كان وضعها للجميع حقيقة، وهي:
(1/180)

إما أن يكون للاسم معنيان، فيستعمله أهل اللغة لمعنى واحد فقط دون الآخر أو يخصصونه به، ويعرف بينهم، مثل لفظ " الدابة "، فإنه خصِّص في العرف للفرس ولكل ذات حافر، مع أنه يطلق في اللغة على كل ما يدب على الأرض.
وإما إن يشيع استعمال الاسم في غير ما وضع له أصلاً بحيث لا ينكره أحد، كلفظ " الغائط " فإنه يطلق لغة على المطمئن والمنخفض من الأرض، ثم استعمل عرفاً في الخارج المستقذر من الإنسان، وهذا الاستعمال وإن كان مجازاً إلا أنه اشتهر وشاع حتى صار هو المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق، ونُسي الأول.
القسم الثالث: حقيقة شرعية، وهي: اللفظ المستعمل في الشريعة على غير ما كان عليه في وضع اللغة، كالصلاة - مثلاً - فإنها في اللغة: الدعاء، فاستعمل هذا اللفظ في الشريعة على الأقوال والأفعال المخصوصة، فصارت حقيقة فيها.
والشارع نقل لفظ " الصلاة " وغيرها كالصوم، والزكاة، والحج عن مسمياتها ومعانيها اللغوية إلى معانِ أخر بينها وبين تلك المسمَّيات - بحسب اللغة - مناسبة معتبرة، واشتهرت بعد أن كانت لغوية، فصارت حقائق شرعية.
فالصلاة لغة: الدعاء، والزكاة لغة: النماء، والصوم لغة: الإمساك، والحج لغة: القصد، فنقل الشارع هذه الألفاظ من معانيها اللغوية السابقة واستعملها في معان أُخر شرعية، وليس هذا نقلاً مطلقاً، بل مع وجود علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.
دل على ذلك: الاستقراء والتتبع للألفاظ الشرعية التي
(1/181)

استعملها الشارع، حيث إنه ثبت - بعد هذا الاستقراء - أن الشارع قد استعمل لفظ " الحج " و " الصوم " و " الإيمان " و " الزكاة " و " الصلاة " في معان لها علاقة بمعناها اللغوي - كما سبق بيانه - وثبت أنه ليس نقلاً كلياً للفظ، بل يوجد ارتباط بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.
وبناء على ذلك: فإن تلك الألفاظ - وهي: الصلاة والزكاة ونحوها - إذا وجدت في كلام الشارع مجردة عن القرينة، تحمل على الحقيقة الشرعية دون اللغوية، ويكون المعنى واضحاً لا إجمال فيه.
(1/182)

المطلب الثامن
في المجاز
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المجاز هو: اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي لعلاقة.
* * *
المسألة الثانية:
المجاز واقع في اللغة: لأن اللغة العربية لغة فصيحة، والمجاز لا ينافي الفصاحة، بل ربما كان المجاز أبلغ من الحقيقة.
ولأن المجاز قد وقع في اللغة؛ حيث كانت العرب تستعمله كثيراً في لغتهم، كاستعمال لفظ " الأسد " للرجل الشجاع، ولفظ " الحمار " للرجل البليد، وقول الشاعر:
أشاب الصغير وأفنى الكبير. . . كرُّ الغداة ومرُّ العشي
(1/183)

المسألة الثالثة:
يشترط في المجاز: وجود العلاقة، وهذه العلاقة أنواع:
الأول: السببية: وهو إطلاق السبب على المسبِّب، كقولهم: " سال الوادي "، والمراد: سال الماء في الوادي، لكن لما كان الوادي سبباً قابلاً لسيلان الماء فيه: صار الماء من حيث القابلية كالمسبب له، فوضع لفظ الوادي موضعه.
الثاني: المسببية: وهو إطلاق المسبِّب على السبب، كتسمية المرض الشديد بالموت؛ لأن المرض الشديد عادة يؤدي إلى الموت.
الثالث: المشابهة: بأن يُسمى الشيء باسم مشابهة في صفة ظاهرة، كتسمية الرجل الشجاع بالأسد، ويُسمَّى المجاز الذي باعتبار المشابهة بالاستعارة.
الرابع: المجاورة: بأن يُسمَّى الشيء باسم مجاوره، كإطلاق " الراوية " على القربة، والراوية في الأصل اسم للجمل الذي يحمل تلك القربة، ولكنه أطلق على القربة لمجاورتها له.
الخامس: المضادة: بأن يُسمَّى الشيء باسم ضده، كقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)، فقد أطلق على الجزاء سيئة مع أنه عدل، لكونها ضدها.
السادس: إطلاق اسم الشيء كله على ما أعد له، مثل قولهم: " الزوجة محللة "، ومعروف أن المحلَّل هو وطئها فقط.
السابع: النقصان: بأن يذكر المضاف إليه ويراد به مجموع المضاف مع المضاف إليه، كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ).
(1/184)

الثامن: الكلية: بأن يطلق الجزء، والمراد به الكل، كقولك: " أنا أملك رأسين من الغنم "، فأطلق الجزء وهو: " الرأس "، وأراد جميع الجسم.
التاسع: الجزئية: بأن يطلق الكل، والمراد الجزء، كقوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ)، فقد أطلق الكل وهي: الأصابع، والمراد الجزء وهي: الأنامل منها فقط، لأن العادة أن الإنسان لا يدخل أصبعه في أذنه.
العاشر: تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه، كتسمية المعتَق عبداً باعتبار أنه كان كذلك.
الحادي عشر: تسمية الشيء باعتبار ما سيكون عليه، كتسمية الخمر في الدُّن بالمسكر، حيث إن الخمر في الدُّن ليس بمسكر، بل سيكون مسكراً إذا شُرب.
الثاني عشر: التعلق، وهو التعلق الحاصل بين المصدر واسم المفعول، واسم الفاعل، فإن كلاً منها يطلق على الآخر مجازاً.
فيطلق المصدر على اسم المفعول كقوله تعالى: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ) أي: مخلوقه، ويطلق اسم المفعول على المصدر كقوله تعالى: (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6)) أي: الفتنة، ويطلق اسم الفاعل على اسم المفعول كقوله تعالى: (مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) أي: مدفوق، ويطلق اسم المفعول على اسم الفاعل كقوله تعالى: (حِجابًا مَّستُورُا) أي: ساتراً، ويطلق اسم الفاعل على المصدر كقولك: " قم قائماً " أي: قياماً، ويطلق المصدر على اسم الفاعل كقولك: " رجل عدل "، أي عادل.
(1/185)

الثالث عشر: إطلاق الأثر على المؤثر، كتسمية ملك الموت موتاً.
الرابع عشر: إطلاق المؤثر على الأثر، كقولك: " ما في الوجود إلا الله تعالى "، تريد آثاره، والدلالة عليه في العالم.
الخامس عشر: إطلاق اسم اللازم على الملزوم، كإطلاق " المس " على الجماع.
السادس عشر: إطلاق اسم الملزوم على اللازم، كقوله تعالى: (أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ)، أي: يدل، والدلالة من لوازم الكلام.
السابع عشر: إطلاق اسم البدل على المبدل، كتسمية الدية بالدم، فيقولون: " أكل فلان دم فلان "، أي: ديته.
الثامن عشر: إطلاق اسم المبدل على البدل، كتسمية الأداء بالقضاء في قوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ)، أي: أديتم.
* * *
المسألة الرابعة:
أسباب العدول من الحقيقة إلى المجاز هي:
السبب الأول: الحرص على بلاغة الكلام، قال بعض أهل اللغة: إن المجاز في الاستعمال أبلغ من الحقيقة، وأنه يلطف الكلام ويكسبه حلاوة، ويكسوه رشاقة، فمثلاً قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ)، وقوله: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)) لو استعملت الحقيقة في ذلك لم تعط ما أعطي المجاز من البلاغة والإعجاز اللغوي.
السبب الثاني: تكثير الفصاحة، وتحريك الذهن، لأن فهم
(1/186)

المعنى منه يتوقف على قرينة، وفي ذلك غموض يحوِج إلى حركة الذهن، فيحصل من الفهم شبيه بلذة الكسب.
السبب الثالث: التعظيم والتبجيل كقولهم: " سلام الله على الحضرة العالية والمجلس الكريم "، فيعدل عن اللقب الصريح إلى المجاز تعظيماً محال المخاطب.
السبب الرابع: التنزه عن ذكر الحقيقة، فيُعبِّر العربي عن قضاء الوطر من النساء بالوطء، وُيعبر عن ذكر ما يخرج من الإنسان من القذارة بالغائط.
السبب الخامس: الحرص على اختصار الكلام، وإيجازه كقوله تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا)، وقولهم: " رأيت أسداً يخطب ".
السبب السادس: تفهيم المعقول بصورة المحسوس لتلطيف الكلام وزيادة الإيضاح، كقوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ).
* * *
المسألة الخامسة:
الحقيقة لا تستلزم المجاز: فلا يلزم أن يكون لكل حقيقة مجاز؛ لأن كون اللفظ قد استعمل فيما وضع له لا يلزم منه أن يستعمل فيما عداه من المعاني، بل قد يكون له معنى واحد فقط.
* * *
المسألة السادسة:
أن المجاز يستلزم الحقيقة، فيلزم أن يكون لكل مجاز وجود حقيقة في شيء أَخر؛ لأن المجاز فرع والحقيقة أصل، ومتى ما
(1/187)

وجد الفرع لا بد أن يوجد الأصل.
* * *
المسألة السابعة:
المجاز خلاف الأصل: لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وقلنا ذلك؛ لأن المجاز يحتاج إلى الوضع الأول، ويحتاج إلى المناسبة بين الموضوع الأصلي والمدلول المجازي، والنقل إلى المعنى الثاني، والمجاز أيضاً مخل بالفهم؛ إذا لم توجد قرينة، أو لم يتنبه للقرينة، أو تعددت المجازات.
أما الحقيقة فهي محتاجة إلى الأمر الأول - وهو: الوضع الأول - ومعلوم أن المفتقر إلى أمر واحد أغلب وجوداً وأرجح مما هو مفتقر إلى أمور كثيرة.
* * *
المسألة الثامنة:
نعرف الحقيقة من المجاز بالطرق التالية:
الطريق الأول: سبق الفهم: أي: يكون اللفظ حقيقة في المعنى الذي تبادر إلى فهم السامع مطلقاً، أي: بدون قرينة.
الطريق الثاني: العراء عن القرينة؛ حيث إن أهل اللغة إذا أرادوا إفهام غيرهم معنى من المعاني اقتصروا على عبارة مخصوصة، بدون ذكر قرينة، فهذا هو الحقيقة، أما لو أراد المجاز فإنهم يذكرون معها قرينة.
الطريق الثالث: صحة الاشتقاق: أي: يكون أحد اللفظين
(1/188)

يصح فيه الاشتقاق والتصريف إلى الماضي والمستقبل واسم الفاعل واسم المفعول، واللفظ الآخر لا يصح فيه ذلك، فيكون الأول هو الحقيقة، والثاني هو المجاز؛ لأن تصريف اللفظ يدل على قوته وأصالته، وعدم تصريفه يدل على ضعفه وفرعيته، فلفظ " الأمر " يطلق على الطلب مثل: " اُدخل "، ويطلق على " الفعل " كقوله تعالى: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ)، فوجدنا العرب يصرفون الأمر الذي بمعنى الطلب فيقولون: أمر يأمر أمراً فهو مأمور، وهو: آمر، في حين أنهم لا يقولون ذلك في الأمر بمعنى الفعل.
الطريق الرابع: صحة نفي المجاز؛ حيث يصح أن يقال لمن سمي من الناس حماراً لبلادته: إنه ليس بحمار، ولكن لا يصح أن يقال: إنه ليس بإنسان في نفس الأمر؛ لأنه حقيقة فيه.
الطريق الخامس: الاطراد وعدمه، فالمطرد هو الحقيقة، وغير المطرد هو المجاز، كتسمية الرجل الطويل نخلة فهذا مجاز؛ لأنه لا يطرد؛ حيث لا يسمى كل طويل من شجر أو عصا ونحو ذلك بالنخلة.
الطريق السادس: إطلاق اللفظ على المستحيل يُعلم به أن هذا الإطلاق مجاز كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، فإن السؤال بالنسبة إلى القرية مستحيل عادة.
* * *
المسألة التاسعة:
إذا دار اللفظ المتجرد عن القرائن بين الحقيقة والمجاز فإنه يحمل على الحقيقة، ولا يكون مجملاً ومشتركاً بين المعنيين، لأننا لو رأينا كل لفظ احتمل أن يكون حقيقة وأن يكون مجازاً وجعلناه مجملاً، للزم من ذلك أمران باطلان.
(1/189)

أولهما: بقاء كثير من ألفاظ الكتاب والسنة بدون أن يعمل بها، فيفضي ذلك إلى عدم الاستفادة منها؛ لأن حكم المجمل هو التوقف حتى يأتي دليل يرجح أحد المعاني، وهذا يؤدي إلى تعطيل كثير من النصوص بلا عمل، وهذا ظاهر البطلان.
ثانيهما: اختلال واضطراب مقصود الوضع اللغوي، أي: لا نفهم من أي لفظة أي معنى مقصود مما يؤدي إلى عدم تفاهم الناس في مخاطباتهم.
وعلى هذا لا يمكن صرف اللفظ إلى المجاز إلا بقرينة.
* * *
المسألة العاشرة:
إذا غلب المجاز في استعمال الناس أي: تعارف الناس واعتادوا على التخاطب بالمجاز دون الحقيقة، وانتشر ذلك بينهم: فإن اللفظ يحمل على المجاز، وتكون الحقيقة كالمتروكة المنسية التي لا تنقدح في أذهان المتخاطبين.
فلو قال شخص: " رأيت راوية "، أو قال: " رأيت غائطا "، أو قال: " وطئت زوجتي "، فإنه ينقدح في أذهان الناس أن المقصود بالأول هو: " وعاء الماء "، وفي الثاني: الشيء المستقذر الخارج من الإنسان، وفي الثالث: الجماع.
ولا تنقدح في أذهانهم الحقيقة وهي في الأول: الجمل الذي يستقى عليه، وفي الثاني: المكان المطمئن المنخفض من الأرض، وفي الثالث: الوطء بالرجل.
ففي هذه الأمثلة صارت الحقيقة منسية متروكة، والمجاز معروفاً سابقاً إلى الفهم، ولا يمكن صرفه إلى الحقيقة إلا بدليل.
(1/190)

المطلب التاسع
في النص
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
النص هو: اللفظ الذى يفيد معناه بنفسه من غير احتمال، كقوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)، وقوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " أطعموا الجدات السدس "، فهذه النصوص تفيد معانيها بدون أي قرينة، ولا تحتمل أي معنى آخر ولو كان ضعيفاً.
* * *
المسألة الثانية:
لا يجوز إطلاق النص على الظاهر: فالنص له تعريفه الخاص به، والظاهر له تعريفه الخاص به، وذلك لأننا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر للزم من ذلك أمران هما على خلاف الأصل عند أهل اللغة.
أولهما: الترادف؛ حيث يكون معنى النص والظاهر واحداً، وهذا هو الترادف الذي هو على خلاف الأصل.
(1/191)

ثانيهما: الاشتراك؛ حيث إنا لو أطلقنا اسم النص على الظاهر لثبت أن الذي يحتمل معنيين هو في أحدهما أظهر: النص والظاهر، وهذا هو الاشتراك الذي هو خلاف الأصل.
* * *
المسألة الثالثة:
يجب على المكلف أن يعمل بالحكم الذي دل عليه النص ولا يتركه إلا إذا ثبت ناسخ له، فيترك المنسوخ ويعمل بالناسخ.
(1/192)

المطلب العاشر
في الظاهر
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى:
الظاهر: هو اللفظ الذي يحتمل معنيين هو في أحدهما أظهر، كالصيغ التي جُعلت للعموم، مثل: " مَن دخل داري فأكرمه "، فإن لها معنيين: العموم والخصوص، والعموم أرجح.
* * *
المسألة الثانية:
يجب على المكلف أن يعمل بالحكم الذي ظهر وترجح من اللفظ، ولا يجوز ترك ذلك المعنى الراجح إلا إذا قام دليل صحيح على تأويله، أو تخصيصه، أو نسخه.
(1/193)

المطلب الحادي عشر
في التأويل
وفيه مسائل:
* * *
المسألة الأولى:
التأويل هو: حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتماله له بدليل يعضده، وأمثلته ستأتي في المسألة الثانية.
* * *
المسألة الثانية:
أنواع التأويل هي:
النوع الأول: التأويل القريب، وهو: ما إذا كان المعنى المأؤَل إليه اللفظ قريباً جداً، فهذا يكفيه أدنى دليل.
مثل: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ)، فإن القيام إلى الصلاة قد صرف عن معناه الظاهر إلى معنى قريب محتمل، وهو: العزم على أداء الصلاة، والمراد: إذا عزمتم على أداء الصلاة، والذي رجح هذا الاحتمال دليل وهو: أن الشارع لا يطلب الوضوء من المكلفين بعد الشروع في الصلاة.
(1/194)

النوع الثاني: التأويل البعيد، وهو: ما إذا كان المعنى المأوَّل إليه اللفظ بعيداً جداً، فهذا يحتاج إلى دليل في غاية القوة.
مثل قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)، فقد أؤَل ذلك بعضهم بأن المراد: مسح الرجلين بدلاً من غسلهما، وقد استدل على هذا التأويل بقراءة الجر في قوله: (وَأَرْجُلِكُمْ) وأن ذلك كان عطفاً على قوله: (بِرُءُوسِكُمْ) فقالوا ذلك نظراً إلى تلك القراءة، ولكن ما ثبت من الأحاديث الصحيحة التي أمرت بغسل الرجلين جعل هذا التأويل بعيداً جداً.
النوع الثالث: التأويل المتوسط، وهو: ما كان المعنى المأوَّل إليه متوسطاً، فإن هذا يحتاج إلى دليل متوسط في القوة.
والفقيه المجتهد هو الذي يُعين التأويل البعيد من القريب من المتوسط، ويوضح حدودها وذلك بدقة نظره، وقوة ملاحظته.
* * *
المسألة الثالثة:
شروط التأويل هي:
الشرط الأول: أن يكون المتأول من أهل الاجتهاد والنظر والاستدلال.
الشرط الثاني: أن يكون المعنى الذي أُوِّل إليه اللفظ من المعانى التي يحتملها اللفظ ظاهراً فيما صُرف عنه، محتملًا لما صُرف إليه.
الشرط الثالث: أن يعتمد التأويل على دليل صحيح يدل دلالة واضحة وصريحة على صرف اللفظ من ظاهره إلى غيره، وهو إما
(1/195)

نص، أو قرينة، أو قياس، أو نحو ذلك مما هو أقوى من الظاهر.
* * *
المسألة الرابعة:
حكم التأويل: إنه مقبول إذا تحقق مع شروطه، ولم يزل العلماء في كل عصر من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى زماننا هذا عاملين به من غير أن ينكر عليهم أحد.
(1/196)

المطلب الثاني عشر
في المجمل
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المجمل: هو ما له دلالة على معنيين لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه.
* * *
المسألة الثانية:
أسباب الإجمال هي:
السبب الأول: الاشتراك في اللفظ المفرد كالعين، والشفق، والقرء.
السبب الثاني: الاشتراك في اللفظ المركب، كقوله تعالى: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)، فالذي بيده عقدة النكاح مشترك بين أن يكون الزوج، وهو رأي الجمهور، أو هو الولي وهو رأي الإمام مالك.
السبب الثالث: الاشتراك في الحرف كالواو في قوله تعالى:
(1/197)

(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ) مترددة بين أن تكون عاطفة وبين أن تكون للابتداء.
السبب الرابع: التصريف في اللفظ، كلفظ: " المختار " في عبارة: " زيد المختار "، فلا يعرف هل زيد هو الذي اختار فيكون فاعلاً أو زيد هو الذي اختير فيكون مفعولاً به.
السبب الخامس: التردد في مرجع الضمير كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره "، فالضمير فى لفظ
" جداره " يحتمل أن يعود إلى الغارز، أو إلى جاره.
السبب السادس: التخصيص بالمجهول كقولهم: " اقتلوا المشركين إلا بعضهم "، لأن العام إذا خص بمجهول يصير الباقي محتملاً، فكان مجملاً.
* * *
المسألة الثالثة:
الإجمال كما يكون في اللفظ فإنه يكون في الفعل؛ لذلك قلت في تعريفه: " ما له دلالة على معنيين " ولم أقل: " اللفظ الدال على معنيين "، ليشمل اللفظ والفعل، وقد ورد ذلك مثل: أن يفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعلاً يحتمل وجهين متساويين، كما روي عنه - صلى الله عليه وسلم -: " أنه جمع بين الصلاتين في السفر" فإن هذا مجمل؛ لأنه يجوز أن يكون في سفر طويل أو سفر قصير، فلا يحمل على أحدهما إلا بدليل.
* * *
المسألة الرابعة:
حكم المجمل: يجب أن نتوقف فيه، فلا يجوز العمل به حتى يأتي دليل خارجي يدل على أن المراد هو أحد المعنيين، لأن اللفظ المتردد بين معنيين إما أن يراد كل واحد منهما معاً
(1/198)

وهذا باطل لاستحالة العمل بمعنيين كل واحد منهما ضد الآخر، وإما أن لا يراد كل واحد منهما، وهذا باطل - أيضاً - لأنه يؤدي إلى خلو اللفظ عن المعنى، وهذا لا يتكلم به العقلاء.
وإما أن يراد أحد المعنيين دون الآخر، وهو الصحيح لكننا لا نعرف المعنى المراد إلا بدليل خارجي.
* * *
المسألة الخامسة:
المجمل إذا تعلق به حكم تكليفي لا يجوز بقاؤه بدون بيان بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن تأخير بيانه تأخير للبيان عن وقت الحاجة وهذا لا يجوز، أما إن لم يتعلق به حكم تكليفي فيجوز بقاؤه مجملاً؛ لعدم وجود ضرورة تدعو إلى بيانه.
(1/199)

المطلب الثالث عشر
المبيَّن، والمبيِّن، والبيان
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المبيَّن - بفتح الياء -: اسم مفعول من التبيين وهو: الموضَّح والمفسَّر، وهو: اصطلاحاً يطلق ويراد به الخطاب المبتدأ المستغني عن البيان، وهو الواضح بنفسه.
ويطلق ويراد به: ما وقع عليه البيان مما احتاج إليه، وهو: الواضح بغيره، وُيسمَّى ذلك الغير مبيِّناً.
والمبيِّن - بكسر الياء -: اسم فاعل من بيَّن، يبيِّن فهو مبيِّن، أي: موضِّح لغيره، وهو: الدليل المبيِّن.
والبيان: اسم مصدر بيَّن.
وهو اصطلاحاً: الدليل، والدليل هو: ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
* * *
المسألة الثانية:
المراد من البيان هو: الدليل؛ حيث إن البيان عام لما سبقه إجمال، ولما جاء ابتداء، ولا يكون خاصاً بالمجمل فقط، وقلنا
(1/200)

ذلك؛ لأن الواقع يشهد أن الشخص إذا دلَّ غيره على شيء فإنه يقال له: " بينه له " ويوصف بأنه: " بيان حسن " فهذا يصح إطلاقه، فإن لم يكن قد سبقه لفظ مجمل، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
ولأن النصوص الشرعية التي أوردت الأحكام ابتداء تُسمَّى بياناً قال تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) وأراد به القرآن، فلا يشترط فيه أن يكون بياناً لمشكل.
* * *
المسألة الثالثة:
أقسام المبيَّن - بفتح الياء -:
القسم الأول: المبيَّن بنفسه، وهو: الذي استقل بإفادة معناه بنفسه، أي: من غير أن ينضم إليه قول أو فعل، وُيسمَّى بالواضح بنفسه، وهو نوعان:
النوع الأول: أن تكون إفادته للمراد بسبب راجع إلى اللغة كقوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، فإن إفادته شمول علمه تعالى جميع الأشياء ثبت عن طريق اللغة من غير توقف.
النوع الثاني: أن تكون إفادته للمراد بسبب راجع إلى العقل كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، فاللغة اقتضت طلب السؤال من القرية، وهو غير ممكن عقلاً، بل إن المقصود هو طلب السؤال من أهل القرية؛ لأن الأبنية لا يوجه إليها أسئلة، فتعين المضمر من غير توقف.
(1/201)

القسم الثاني: المبيّن بغيره، وهو: الذي لا يستقل بإفادة معناه، بل يفتقر إلى دليل يبينه من قول أو فعل، وذلك الدليل يُسمَّى مبيِّناً.
* * *
المسألة الرابعة:
يحصل البيان بما يلي:
أولاً: القول: أي يحصل البيان به وُيسمَّى البيان بالكلام، وهو: التلفظ صراحة بالمراد؛ لوقوعه في الشريعة؛ حيث بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) بقوله: " فيما سقت السماء العشر، وفيما سقى بالسانية نصف العشر " وهو كثير.
ثانياً: الفعل: أي يحصل البيان به؛ لوقوعه في الشريعة؛ حيث إنه لما نزل قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، وقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، بين النبي - صلى الله عليه وسلم - كيفية الصلاة وكيفية الحج بفعله.
ثالثاً: الكتابة، أي: يحصل البيان بالكتابة؛ لوقوعه؛ حيث روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كتب إلى عماله في الصدقات، وكتب كتاباً بعثه مع عمرو بن حزم إلى أهل اليمن بين فيه الفرائض والسنن والديات.
ولأن الكتابة تقوم مقام القول اللساني، والجامع: أن كلاً منهما يقوم بتأدية الذي في النفس.
رابعاً: ترك الفعل، أي: يحصل البيان بترك الفعل، حيث
(1/202)

إن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ترك فعل شيء فإنه يتبين من ذلك نفي وجوب ذلك الشيء، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقع في فعله محرم، ولا ترك واجب.
خامساً: السكوت، أي: يحصل البيان بالسكوت، فلو سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حكم حادثة، وسكت: فإن سكوته يدل على أنه لا حكم للشرع في هذه الحادثة، وهذا يعتبر بياناً لها؛ حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقرّ على الخطأ.
سادساً: الإشارة، أي: يحصل البيان بالإشارة؛ لوقوعه؛ حيث روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - آلى من نسائه شهراً، فلم بلغ تسعة وعشرين يوماً دخل عليهن فقيل له: إنك آليت شهراً فقال: " الشهر هكذا وهكذا "، وأشار بأصابعه العشر وقبض إبهامه في الثالثة: يعني تسعاً وعشرين يوماً.
* * *
المسألة الخامسة:
إذا اجتمع القول والفعل وكل واحد منهما صالح لأن يكون بياناً للمجمل، وكانا متفقين في الدلالة على حكم معين، فإن أحدهما يكون هو المبيِّن، والآخر يكون مؤكداً له من غير تعيين؛ لحصول المقصود به.
* * *
المسألة السادسة:
إذا اجتمع القول والفعل، وكل واحد صالح لأن يكون بياناً للمجمل، وكانا مختلفين، أي: ما يفيده القول يخالف ما يفيده الفعل، فإنه يقدم القول مطلقاً سواء تقدم القول أو الفعل، أو لم يعلم شيء من ذلك؛ لأن القول يدل بنفسه على البيان بخلاف الفعل فإنه لا يدل على كونه بياناً إلا بواسطة دلالة القول عليه،
(1/203)

والدال بنفسه أقوى من الدال بغيره.
وبناء على ذلك: فإنا قدمنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: " من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد عنهما حتى يحل منهما جميعاً "، على ما فعله علي رضي الله عنه حيث طاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين وقال: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع.
لذلك قلنا: إن القِران يكفي فيه طواف واحد وسعي واحد.
* * *
المسألة السابعة:
يجوز البيان بالأدنى والمساوي، كما يجوز البيان بالأقوى؛ لأن المبيِّن أوضح من المبيَّن في الدلالة على المراد، فوجب العمل بالواضح وإن كان أدنى من المبيَّن أو مساوياً له.
وبناء على ذلك: فإنه يجوز تخصيص وتقييد القطعي كالقرآن والسنة المتواترة بالظني كخبر الواحد والقياس، كما يجوز بيان المجمل القطعي بالظني.
* * *
المسألة الثامنة:
لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة: لأن وقت الحاجة وقت للأداء، فإذا لم يكن مبيناً تعذَّر الأداء، فالبيان إذن ضرورة من الضروريات التي لا بد منها.
(1/204)

ولأن تأخير البيان عن وقت الحاجة يعتبر تكليفاً بما لا يطاق وهو: لا يجوز، حيث لا قدرة للمكلف حينئذٍ على الامتثال.
مثل: ما لو قال: " حجوا هذا العام "، ثم إذا جاء وقت الحج لم يبين لهم كيفية الحج وطريقته.
* * *
المسألة التاسعة:
يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة وهو وقت وجوب العمل بمقتضاه؛ لأنه لا يترتب على فرض جوازه محال؛ وغاية ما في الأمر هو: جهل المكلف بما كلف به مدة منْ الزمن، وهذا ليس بمحال، ولا يؤدي إلى المحال.
ولوقوع تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة في الشريعة، حيث إنه لما نزل قوله تعالي: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)، أخرَّ بيان أفعال الصلاة وأوقاتها حتى بين ذلك جبريل عليه السلام، ثم بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذلك لأمته قائلاً: " صلوا كما رأيتموني أصلي "، ولما نزل قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - طريقة الحج بعد ذلك بمدة قائلاً: " خذوا عني مناسككم " والوقوع دليل الجواز.
وبناء على ذلك: فإنه يجوز للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يؤخِّر التبليغ لما أوحي إليه من قرآن أو غيره إلى وقت الحاجة إليه.
(1/205)

المطلب الرابع عشر
في حروف المعاني
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
في " الواو " تأتي للمعاني التالية:
أولاً: أنها تأتي عاطفة، وهي لمطلق الجمع من غير إشعار بخصوصية المعية أو الترتيب. فالواو تدل على جمع المعطوف والمعطوف عليه في حكم واحد من غير ملاحظة حصولهما معاً، أو أن أحدهما قبل الآخر، فإذا وجد ترتيب أو معيَّه فإنما هو من خارج دلالة الواو؛ لأن أهل اللغة يستعملون الواو في أبنية يمتنع فيها الترتيب كقولهم: " تقاتل زيد وعمرو "، فلو كانت للترتيب لما حسن هذا، حيث لا ترتيب فيه، وكذلك قولهم: " جاء زيد وعمرو قبله "، فلو كانت للترتيب: للزم التناقض.
ولأنه لو قال قائل: " رأيت زيداً وعمراً "، فإنه يسبق إلى فهم السامع أنه رآهما معاً، ولا يسبق إلى فهمه أنه رأى زيداً قبل عمرو، وسبق الفهم يدل على الحقيقة، فلا تكون الواو للترتيب حقيقة.
(1/206)

وبناء على ذلك: فإن الزوج لو قال: " إن دخلت الدار وكلمت زيداً فأنت طالق "، فإنه لا يقع الطلاق حتى تدخل وتكلم، ولا فرق في أيهما المقدم.
ثانياً: أن الواو تأتي بمعنى " مع "، مثل: " سرت والليل ".
ثالثاً: أن الواو تأتي بمعني " أو "، كقوله تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ).
رابعاً: أن الواو تأتي للاستئناف، كقوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ).
خامساً: تأتي الواو بمعنى " رب " كقول الشاعر:
وبلدة ليس بها أنيس. . . إلا اليعافير وإلا العيس
أي: ورب بلدة.
سادساً: تأتي الواو للقسم، كقوله تعالى: (وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)).
سابعاً: تأتي الواو بمعنى الحال، كقولك: " جاء زيد وهو يضحك ".
وإذا أطلقت الواو فإنها تكون عاطفة متضمنة مطلق الجمع، ولا تستعمل في غير ذلك من المعاني إلا بقرينة.
(1/207)

المسألة الثانية:
في " الفاء " تأتي للمعاني الآتية:
أولاً: أنها تأتي عاطفة، وهي للترتيب والتعقيب؛ حيث إنها تفيد لغة: إن ما بعدها ثبت له الحكم بعد ثبوته لما قبلها من غير مهلة، فإذا قلت: " جاء زيد فعمرو"، أفاد هذا: أن عمراً ثبت له المجيء بعد مجيء زيد من غير تراخ بينهما في الزمان.
والوقوع هذا دل على أنها للترتيب، ودل على أنها للتعقيب وقوعها في جواب الشرط كقولك: " إن دخلت الدار فأنت طالق "، فالطلاق يقع بعد الدخول مباشرة.
وبناء على هذا: فإنه لو قال الزوج: " إن دخلت هذه الدار فدخلت هذه الدار الأخرى فأنت طالق "، فإنه يلزم أنها لا تطلق حتى تدخل الدار الأولى قبل الثانية، فلو عكست لم تطلق؛ لأن الفاء للترتيب.
ثانياً: تأتي الفاء بمعنى " الواو "، كقول امرئ القيس:
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
والفاء عند التجرد تستعمل حقيقة في العطف والترتيب، والتعقيب، ولا تستعمل في غيره إلا بقرينة.
(1/208)

المسألة الثالثة:
في " ثم ": تفيد التشريك في الحكم بين المعطوف والمعطوف عليه، والترتيب بينهما بمهلة كقولك: " جاء زيد ثم عمرو "، دل على ذلك الاستقراء والتتبع لكلام العرب، والاستعمال كقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ).
وبناء على ذلك: فإنه إذا قال: " وقفت على أولادي ثم على أولادهم "، فإنه لا يستحق أحد من البطن الثاني مع وجود أحد من البطن الأول.
* * *
المسألة الرابعة:
في " أو " تأتي للمعاني التالية:
أولاً: أنها تفيد أحد الشيئين أو الأشياء، وهي تقع بين اسمين، كقولك: " جاء زيد أو عمرو "، وبين فعلين كقولك: " خُط هذا الثوب أو ابن هذا الجدار ".
ثانياً: أنها تأتي للشك، وهي المختصة بالخبر، كقولك: " جاء زيد أو عمرو "، دل على ذلك الاستقراء لكلام العرب، كقوله تعالى: (لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ).
ثالثاً: أنها تأتي للإباحة، كقولك: " جالس الفقهاء أو الأدباء ".
(1/209)

رابعاً: أنها تأتي للتخيير، وهي التي يمتنع فيه الجمع، كقولك: " تزوج هنداً أو أختها "، أما الإباحة فيجوز الجمع بينهما.
خامساً: أنها تأتي بمعنى " الواو " فتكون لمطلق الجمع، كقوله تعالى: (إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ).
سادساً: أنها تأتي للإضراب، بمعنى " بل "، كقوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147))، أي: بل يزيدون.
سابعاً: أنها تأتي بمعنى " إلا "، كقولك: " لأقتلن الكافر أو يُسلم "، أي: إلا أن يسلم.
ثامناً: أنها تأتي بمعنى " إلى "، كقولك: " لألزمنك أو تقضيني حقي ".
تاسعاً: أنها تأتي للتقسيم بين الأشياء، كقولك: " الكلمة اسم أو فعل أو حرف ".
والأصل في: " أو " هو المعنى الأول وهي: تفيد أحد الشيئين أو الأشياء، فإن كانت في أمر أفادت التخيير بينهما، وإن كانت في نهي أفادت العموم، وحظر كل واحد منهما منفرداً أو هما معاً مجتمعين، كقولك: " لا تكلم زيداً أو عمراً " ولا تفيد غير ذلك من المعاني إلا بقرينة.
وبناء على ذلك: فلو قال في النفي: " والله لا أكلم زيداً أو عمراً "، فإنه لو كلَّم واحداً منهما أو كلمهما معاً: حنث.
ولو قال في الإثبات: " والله لأدخلن هذه أو هذه الدار " برَّ بدخول إحدى الدارين.
(1/210)

المسألة الخامسة:
في " الباء " تأتي للمعاني التالية:
أولاً: أنها تأتي للإلصاق، وهو: إضافة الفعل إلى الاسم فيلصق به بعد ما كان لا يضاف إليه لولا دخولها، وهو قسمان:
القسم الأول: إلصاق حقيقي، كقولك: " مسحت برأسي "، و " مسكت بالقلم ".
القسم الثاني: إلصاق مجازي، كقولك: " مررت بزيد ".
ثانياً: أنها تأتي بمعنى الاستعانة، وهي: الداخلة على آلة الفعل، كقولك: " قطعت بالسكين ".
ثالثاً: تأتي بمعنى المصاحبة، وهي التي يصلح في موضعها " مع "، كقولك: " جاء زيد بسلاحه ".
رابعاً: تأتي بمعنى البدل كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم "، أي: ما أحب أن يكون لي بديلاً عنه حمر النعم.
خامساً: تأتي بمعنى " عن " التي للمجاوزة، كقوله تعالى: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا).
سادساً: تأتي للقسم، كقولك: " بالله لأقومن ".
سابعاً: تأتي بمعنى " إلى "، كقولك: " قد أحسن بي "، أي: إليَّ.
ثامناً: تأتي بمعنى " على " كقوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) أي: على قنطار.
تاسعاً: أنها تأتي بمعنى " في " الظرفية الزمانية، كقوله تعالى: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ)، أي: وفي
(1/211)

الليل، والظرفية المكانية كقوله تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) أي: في بدر.
عاشراً: أنها تأتي بمعنى السبب كقوله تعالى: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ) أي: بسبب ذنبه.
والأصل في استعمال " الباء " هو الأول وهو: أنها للإلصاق ولا تستعمل في غيره من المعاني إلا بقرينة.
* * *
المسألة السادسة:
في " اللام " وتأتي للمعاني التالية:
أولاً: تأتي للاختصاص حقيقة؛ وتستعمل للملك مجازاً؛ لأمرين:
أولهما: أن الاختصاص معنى عام لجميع موارد استعمالها.
ثانيهما: أن الملك اختصاص، وليس كل اختصاص ملكاً، أي: كل مالك مختص بملكه، مثال ذلك: " المال لزيد "، و " الباب للمسجد ".
ثانياً: أنها تأتي للملك، كقولك: " هذا المال لزيد ".
ثالثاً: أنها تأتي للاستحقاق، كقولك: " النار للكافرين " والفرق بين الاختصاص، والاستحقاق، والملك هو: أن ما صح أن يقع فيه التملك، وأضيف إليه ما ليس بمملوك له فاللام معه لام الاختصاص، كقولك: " الباب للمسجد "، أما ما لا يصح
(1/212)

له التملك فاللام معه لام الاستحقاق كقولك: " النار للكافرين "، أما ما عدا ذلك فاللام لام الملك.
رابعاً: أنها تأتي للتعدية، كقولك: " ما أضرب زيداً لعمر ".
خامساً: أنها تأتي للصيرورة، كقوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)، أي: ليصير لهم، وهذا عند البصريين.
سادساً: أنها تأتي للتعليل، كقوله تعالى: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا).
والفرق بينهما: أن لام التعليل تأتي للتعليل، والترتيب، أما لام الصيرورة، فليس فيها إلا الترتيب.
سابعاً: أنها تأتي بمعنى " في "، كقوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)، أي: في يوم القيامة.
ثامناً: أنها تأتي بمعنى " من " كقولك: " سمعت له صراخاً " أي: منه.
تاسعاً: أنها تأتي بمعنى " على "، كقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعائشة لما أرادت شراء بريرة وإعتاقها: " خذيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق "، أي: اشترطي عليهم.
عاشراً: أنها تأتي بمعنى التمليك، كقولك: " وهبت لزيد ديناراً "، أي: ملَّكت الدينار زيداً.
حادي عشر: أنها تأتي بمعنى " إلى "، كقوله تعالى: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا)، أي: إليها.
ثاني عشر: أنها تأتي بمعنى " عند " الزمانية، كقوله تعالى:
(1/213)

(أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)، وكقوله - صلى الله عليه وسلم -: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ".
والأصل في استعمال " اللام " أنها للاختصاص حقيقة، ولا تستعمل لأي معنى آخر من المعاني المذكورة إلا بقرينة.
* * *
المسألة السابعة:
في " في " وتأتي للمعاني الآتية:
أولاً: أنها تأتي ظرفية مكانية، كقولك: " تعلمت في الكلية، وتأتي ظرفية زمانية كقولك: " جئتك في المساء ".
ثانياً: أنها تأتي بمعنى " على "، كقوله تعالى: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ).
ثالثاً: أنها تأتي للسببية والتعليل، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " دخلت امرأة الجنة في هرَّة ".
رابعاً: أنها تأتي بمعنى: " إلى "، كقوله تعالى: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) أي: إليها.
خامساً: أنها تأتي مؤكدة - وهي: التي يفيد الكلام بدونها - كقوله تعالى: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا)، أي: اركبوها.
سادساً: أنها تأتي بمعنى " مع "، كقوله تعالى: (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ)، أي ادخلوا مع أمم.
وتستعمل " في " للظرفية حقيقة، ولا تستعمل في غير ذلك إلا بقرينة.
(1/214)

المسألة الثامنة:
في " مِنْ " وتأتي للمعاني الآتية:
أولاً: إنها تأتي لابتداء الغاية في المكان وفي الزمان، كقولك في المكان: " لك من الأرض من هذا إلى هذا "، وكقولك في الزمان: " زرتك من الصباح إلى المساء ".
ثانياً: أنها تأتي للتبعيض، كقولك: " كُل من هذا الطعام ".
ثالثاً: أنها تأتي لتبيين الجنس. كقولك: " اشتريت متراً من الأرض "، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: " التمس ولو خاتماً من حديد ".
رابعاً: أنها تأتي بمعنى " على "، كقوله تعالى: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) أي: على القوم.
خامساً: أنها تأتي بمعنى " الباء "، كقوله تعالى: (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) أي: بطرف.
سادساً: أنها تأتي بمعنى البدل، كقوله تعالى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60)) أي: بدلكم.
سابعاً: أنها تأتي بمعنى " في "، كقوله تعالى: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) أي: في الأرض.
ثامناً: أنها تأتي بمعنى " عند "، كقوله تعالى: (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أي: عند الله.
تاسعاً: أنها تأتي للتعليل، كقوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ)، أي: لأجل الصواعق.
وتستعمل " مِنْ " لابتداء الغاية لكثرة استعمالها فيه، والكثرة يرجح بها، وعلى ذلك فلا تستعمل في غير ابتداء الغاية من المعاني إلا مجازاً فتحتاج إلى قرينة.
(1/215)

المطلب الخامس عشر
في الأمر
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء.
المسألة الثانية:
لا تشترط إرادة الآمر المأمور به: لأن الله تعالى أمر إبراهيم - عليه السلام - بذبح ابنه ولم يرده؛ لأنه لو أراده لوقع؛ لأن الله تعالى فعال لما يريد.
ولأنه يحسن أن يقول الرجل لعبده: " أمرتك بكذا ولم أرده منك "، ولو كان من شرط الأمر الإرادة لما حسن ذلك، كما لا يحسن أن يقول الرجل لعبده: " أردت منك كذا ولم أرده "؛ لما فيه من التناقض.
(1/216)

المسألة الثالثة:
الأمر له صيغة موضوعة لغة له، وتدل عليه حقيقة، أي: بدون قرينة، كدلالة سائر الألفاظ الحقيقية على موضوعاتها ومعانيها، وهي: صيغة فعل الأمر: " افعل "، مثل: " أخرج "، والمضارع المجزوم بلام الأمر كقولك: " ليفعل "، واسم فعل الأمر كقوله تعالى: (عَليكم أَنفُسَكُم)، والمصدر النائب عن فعله كقوله تعالى: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ).
وإنما خصصنا صيغة " افعل " بالذكر؛ نظراً لكثرة دورانها في الكلام.
وقلنا: إن للأمر صيغة قد وضعت له وهي: " افعل "؛ لأن العرب قد وضعوا لما لا يُحتاج إليه كثيراً أسماء كالأسد، والهر، والخمر، فمن باب أولى أن يضَعوا صيغة للأمر تدل عليه، وذلك لأن الحاجة داعية إلى معرفة الأمر، لكثرة مخاطبات الناس عن طريقه، حيث لا يمكن أن يتخاطبوا بغير صيغة، فدل هذا على أنهم وضعوا له صيغة هي: " افعل ".
ولأن السيد لو قال لعبده: " اسقني ماء " فلم يسقه، فإنه يستحق عند عقلاء أهل اللغة الذم والتوبيخ، فلو لم تكن هذه الصيغة موضوعة للأمر لما استحق ذلك.
وبناء على ذلك: فإنه إذا ورد لفظ: " افعل " في الكتاب والسنة فإنه ظاهر؛ حيث إنه له معنيان هما: إفادته للأمر " و " عدم إفادته له " ويرجح الأول، وهو إفادته للأمر بدون قرينة، ويعمل
(1/217)

على ذلك.
* * *
المسألة الرابعة:
الأمر ليس بحقيقة في الفعل أي: أنه إذا فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعلاً فلا يدل هذا على أن المفعول مأمور به حقيقة، لوجود فرق بين الأمر والفعل من وجوده هي كما يلي:
الوجه الأول: أن الأمر هو: الاستدعاء بالقول على وجه الاستعلاء كما سبق، ولا يقال ذلك في الفعل، وإن قيل في الفعل تعريف الأمر السابق فإنه يحتاج إلى دليل يعتمد عليه، فيكون الأمر حقيقة في القول المخصوص لعدم الحاجة إلى دليل في ذلك.
الوجه الثاني: إن الآمر بالقول يقال له إنه آمر، أما فاعل الفعل فإنه لا يقال له إنه آمر بذلك الفعل.
الوجه الثالث: أن الفعل يصح نفي الأمر عنه، فتقول: " فعل ذلك ولم يأمر به "، ولكن لا يجوز قول ذلك في الأمر بالقول، فلا يقال: " أمر بذلك ولم يأمر به "؛ لأنه يلزم منه التناقض.
وبناء على ذلك: فإنه إذا فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعلاً أمام الصحابة رضي الله عنهم، فإن هذا الفعل ليس بأمر لهم بأن يفعلوا مثله على الوجوب، أو على الندب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يفعل الشيء وهو له خاصة، وقد يفعله على جهة النفل والفضل
(1/218)

والندب، وقد يفعله سجيَّة وخلقاً، لكن إذا أمر بالقول فإن الأمر يؤخذ من هذا القول فيكون للوجوب أو الندب على حسب الصيغة والقرينة.
* * *
المسألة الخامسة:
صيغة " افعل " تستعمل لمعان هي:
الأول: الوجوب، كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ).
الثاني: الندب، كقوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا)، والصارف له من الوجوب إلى الندب هو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على الصحابة الذين لم يكاتبوا العبيد الذين كانوا تحت أيديهم مع أن فيهم خيراً للإسلام والمسلمين.
الثالث: التأديب كقوله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن أبي سلمة: " يا غلام سم الله، وكُل بيمينك، وكُل مما يليك ".
والفرق بينهما: أن الندب خاص بالمكلفين، أما التأديب فهو عام للمكلفين ولغيرهم.
الرابع: الإرشاد كقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ).
والفرق بينه وبين الندب: أن المندوب مطلوب لمنافع الآخرة؛ ولذلك يوجد فيه ثواب، أما الإرشاد فهو مطلوب المنافع الدنيا، فلا ثواب فيه.
الخامس: الإباحة، كقولك لشخص آخر: " كل من طعامي ".
السادس: التهديد، كقوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ).
(1/219)

السابع: الإكرام، كقوله تعالى: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46)). الثامن: الإهانة، كقوله تعالى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49))، وتعريفه: أن يؤتى بلفظ دال على الإكرام، والمراد ضده.
التاسع: التعجيز، كقوله تعالى: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ).
العاشر: السخرية، كقوله تعالى: (كُونُوا قِرَدَةً).
الحادي عشر: الدعاء، كقولك: " رب اغفر لي ".
الثائي عشر: التسوية، كقوله تعالى: (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ) بعد قوله: (اصْلَوْهَا).
الثالث عشر: التمني، كقوله - صلى الله عليه وسلم - " كن أبا ذر "، أي: تمنى أن يكون ذلك الرجل المقبل هو أبو ذر.
الرابع. عشر: الامتنان، كقوله تعالى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ).
والفرق بينه وبين الإباحة: أن الإباحة مجرد إذن، أما الامتنان فلا بد من اقترانه بذكر احتياج الخلق إليه، وعدم قدرتهم عليه.
الخامس عشر: التكوين، كقوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ)، والفرق بينه وبين السخرية: أن التكوين: سرعة الوجود من العدم، وليس فيه انتقال إلى حال ممتهنة، بخلاف السخرية فإنه لغة: الذل والامتهان.
السادس عشر: التحذير والإخبار عما يؤول إليه أمرهم، كقوله تعالى: (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ).
(1/220)

السابع عشر: الخبر، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا لم تستح فاصنع ما شئت "، أي: إذا لم تستح صنعت ما شئت.
الثامن عشر: التعجب، كقوله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ).
التاسع عشر: الالتماس، كقولك لنظيرك: " أعطني كتابا ".
العشرون: المشورة، كقوله تعالى: (فَمَاذَا تَأْمُرُونَ).
الواحد والعشرون: التصبر، كقوله تعالى: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا).
الثاني والعشرون: الاحتقار، كقوله تعالى: (أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ)، وذلك في قصة موسى عليه السلام يخاطب السحرة.
والفرق بينه وبين الإهانة: أن الإهانة تكون بالقول، أو بالفعل أو بالسكوت، والاحتقار يكون في الاعتقاد، يقال في ذلك: احتقره، ولا يقال: أهانه.
الثالث والعشرون: التكذيب، كقوله تعالى: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
الرابع والعشرون: التحسير، كقوله تعالى: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ).
الخامس والعشرون: التفويض، كقوله تعالى: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ).
السادس والعشرون: الاعتبار، كقوله تعالى: (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ).
السابع والعشرون: الاحتياط، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا قام أحدكم
(1/221)

من النوم فلا يغمس يده في الأناء حتى يغسلها ثلاثاً "، بدليل قوله بعده: " فإنه لا يدري أين باتت يده ".
* * *
المسألة السادسة:
صيغة الأمر: وهي: افعل، إذا تجردت عن القرائن تقتضي الوجوب حقيقة، واستعمالها فيما عداه من المعاني السابقة الذكر كالندب والإباحة وغيرها يكون مجازاً، أي: لا يحمل على أي معنى مما سبق إلا بقرينة.
وقلنا: إنها للوجوب؛ لقوله تعالى: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)،
حيث إن الله تعالى قد ذم إبليس لما امتنع عن السجود وأنكر عليه بقوله: (مَا مَنَعَكَ)، فلو لم يكن السجود واجباً عليه لما استحق الذم والتوبيخ على تركه؛ لأنه لا يذم أحد إلا بسبب تركه لواجب، حيث قلنا - فيما سبق -: إن الواجب هو: ما ذم تاركه شرعاً مطلقاً، فتكون الصيغة - وهي: افعل - تقتضي الوجوب عند التجرد.
ولإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على أن الأمر يقتضي الوجوب؛ حيث إنهم كانوا يسمعون الأمر من الكتاب والسنة فيحملونه على الوجوب، ولهذا لم يرد عنهم أنهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المراد بهذا الأمر، بل كانوا يحملون جميع الأوامر على الوجوب إلا إذا اقترن به قرينة تصرفه عن الوجوب، ولم ينكر بعضهم على بعض ذلك، فكان إجماعاً. من ذلك: استدلالهم على وجوب الصلاة عند ذكرها بالأمر المطلق الوارد في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها "،
(1/222)

واستدلالهم على وجوب الزكاة على المرتدين بالأمر المطلق الوارد في قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ)، واستدلالهم على وجوب أخذ الجزية من المجوس بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب " وغير ذلك.
وبناء على ذلك: فإن جميع الأوامر الواردة في الكتاب والسنة للوجوب إلا إذا وجدت قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى غيره فإنها تعمل بما تقتضيه تلك القرينة، فمثلاً قوله تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)، فيه أمر يوجب الإشهاد على المراجعة، فإن ترك الإشهاد فهو آثم.
* * *
المسألة السابعة:
صيغة الأمر - وهي: إفعل - اقتضت الوجوب بوضع اللغة؛ لأنه قد ثبت عن أهل اللغة تسمية من خالف مطلق الأمر عاصياً، وإذا كان الأمر كذلك فإن الأمر المطلق يقتضي الوجوب.
ولأن الوعيد مستفاد من اللفظ نفسه كما يستفاد منه الاقتضاء الجازم.
(1/223)

وبناء على ذلك: فإنه يجب حمل الأمر على الوجوب سواء كان قد ورد من الشارع أو من غيره إلا ما خرج بدليل.
* * *
المسألة الثامنة:
أيُّ قرينة قوية تصرف الأمر من الوجوب إلى غيره سواء كانت نصاً، أو إجماعاً، أو قياساً، أو مفهوماً، أو مصلحة، أو ضرورة، أو سياق كلام، أو غير ذلك مما يراه المجتهد، لأن القرينة تعتبر دليلاً شرعياً، فلو لم نأخذ بها للزم من ذلك ترك دليل شرعي قد ثبت، وهذا لا يجوز.
وبناء على هذا: فإن وليمة العرس ليست واجبة، والأمر الوارد في قوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بن عوف حين تزوج: " أَوْلِم ولو بشاة " مصروف عن الوجوب إلى الندب بالقياس؛ حيث إنه طعام لسرور حادث فأشبه سائر الأطعمة.
* * *
المسألة التاسعة:
إذا وردت صيغة الأمر: وهي افعل: بعد الحظر - وهو النهي - فإنها تقتضي الإباحة؛ لأنه بعد الاستقراء والتتبع للأوامر الواردة بعد النهي في النصوص الشرعية لم نجد أمراً بعد حظر - إلا والمراد به الإباحة، كقوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) ,
(1/224)

وقوله: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " كنت قد نهيتكم عن ادخار. لحوم الأضاحي أما الآن فكلوا وادخروا ".
ولأنه لو قال السيد لعبده: " لا تأكل من هذا الطعام "، ثم قال له بعد ذلك: " كل منه " فإن هذا الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة؛ لأنه لو لم يأكل لا يذم، ولو أكل لا يمدح، وهذا هو حد الإباحة.
وبناء على ذلك: فإن النظر إلى المخطوبة مباح؛ لأنه أمر بعد النهي؛ حيث نهى عن النظر إلى المرأة الأجنبية، ثم أمر بالنظر إليها في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " اذهب فانظر إليها ".
* * *
المسألة العاشرة:
الأمر المطلق لا يقتضي التكرار أي: لا يقتضي فعل المأمور به إلا مرة واحدة - فقط -، فلو قال السيد لعبده: " صم "، فإنه يخرج عن العهدة وتبرأ ذمته بصوم يوم واحد فقط، لأن قول القائل لغيره: " ادخل الدار " معناه: كن داخلاً، وبدخلة واحدة يوصف بأنه داخل، فكان ممتثلاً، وكان الأمر عنه ساقطاً.
ولأنه لو قال: " والله لأصومن "، فإنه يَبرُّ بصوم يوم واحد، فكذلك الأمر المطلق ولا فرق.
(1/225)

وبناء على ذلك: فإن السارق إذا سرق مرة ثانية، فإن يده اليسرى لا تقطع، لأن الأمر في قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) لا يقتضي التكرار؛ ولا يحتمله، فلا تقطع من الأيدي إلا يمين السارق فقط.
وكذلك يبنى على ذلك: أن الزوج لو وكل شخصاً آخر بأن يطلق امرأته وقال له: " طلق زوجتي "، فإنه لا يجوز للوكيل أن يطلق إلا مرة واحدة؛ لأن الأمر يقتضي المرة الواحدة.
* * *
المسألة الحادية عشرة:
الأمر المعلق بشرط لا يقتضي التكرار وإن تكرر الشرط؛ لأن العرف دل على ذلك؛ حيث إنه لو قال السيد لعبده: " إن دخلت السوق فاشتر ثوبا "، فإنه لا يفهم منه عرفاً إلا شراء ثوب واحد مرة واحدة عند دخوله السوق، ولا يفهم منه عرفاً تكرار شراء ثوب كلما دخل السوق.
ولأن أهل اللغة فرقوا بين قول القائل: " أعط زيداً درهماً إذا طلعت الشمس "، وقوله: " أعط زيداً درهما كلما طلعت الشمس "، حيث إن الأولى تفيد: أنه لا يتكرر الإعطاء بتكرر طلوع الشمس، أما الثانية فإنها تفيد تكرر الإعطاء بتكرر طلوع الشمس بسبب كلمة "كلما"، فلو كان الأمر المعلق بشرط يقتضي التكرار: لما كان بين العبارتين فوق.
(1/226)

وبناء على ذلك: فإن الزوج لو قال لوكيله: " إن دخلت زوجتي الدار فطلقها "، فإنه لا يطلقها إلا مرة واحدة وإن تكرر الدخول ".
* * *
المسألة الثانية عشرة:
إذا كرر لفظ الأمر نفسه كقوله: " صلِّ ركعتين صل ركعتين "، فإنه لا يقتضي التكرار، فيجب عليه أن يصلي ركعتين فقط، فلا يجوز حمل لفظ الأمر الثاني على واجب غيره؛ قياساً على اليمين؛ حيث إنه لو قال: " والله لأصومن، والله لأصومن " فإنه يبر بصوم يوم واحد فقط، فلم يكن للفظ الأمر الثاني أيُّ أثر، وقد وقع ذلك؛ حيث إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: " والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً "، فلم يكن لهذا التكرار من أثر؛ حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - غزاهم مرة واحدة، وهي غزوة الفتح، وإذا كان الفعل لا يتكرر هنا فكذلك لفظ الأمر لا يقتضي تكرار الفعل، ولا فرق.
وبناء على ذلك: فإنه لو قال لوكيله: " طلِّق زوجتى طلِّق زوجتي " فإنه لا يطلقها إلا مرة واحدة.
وكذلك يبنى عليه: أنه لو قال لزوجته: " طلقي نفسك طلقي نفسك "، فإنها لا تطلق نفسها إلا مرة واحدة فقط.
(1/227)

المسألة الثالثة عشرة:
الأمر المطلق يقتضي الفور، ولا يجوز تأخيره إلا بقرينة؛ لأن الأمر قد اقتضى الوجوب، فحمله على وجوب الفعل عقيبه مباشرة واجب؛ لأمرين:
أولهما: أنه إذا فعل المأمور به فور صدور صيغة الأمر يكون ممتثلاً للأمر بيقين، دون شك.
ثانيهما: أنه بمجرد تأخير الفعل يكون مُعَرضاً نفسه لخطر عدم القيام به ودرءاً لذلك واحتياطاً فإنه تجب المبادرة إليه.
ولأن صدور صيغة " افعل " هو سبب للزوم الفعل، فيجب أن يقع الفعل عَقيب صدوره؛ قياساً على قول البائع للمشتري: " بعتك هذه الدار بكذا "، فإن ملكية الدار تنتقل فوراً إلى المشتري القابل لهذا دون تأخير، وقياساً على قول الزوج: " فلانة طالق "، فإن الطلاق يقع فوراً، فكذلك الأمر المطلق يقتضي الفور ولا فرق، والجامع أن كل لفظ اقتضى معنى يجب أن يقع ذلك عَقيبه.
وبناء على ذلك: فإن قضاء ما فات من رمضان يجب على الفور، وإذا أخره بدون عذر فإنه يأثم، ولا يجوز فعل النوافل من الصيام حتى يؤدي ما عليه من رمضان.
(1/228)

وكذلك يبنى عليه: أنه إذا بلغ المال النصاب، وحال عليه الحول: فإنه يجب إخراجها على الفور، وإن أخر ذلك فهو آثم، لأن الأمر الوارد في قوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) للفور.
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
الواجب المؤقت لا يسقط بفوات وقته، فيكون القضاء واجباً بالأمر الأول، ولا يحتاج إلى أمر جديد، فلو لم يصل الفجر في وقتها وطلعت الشمس فإنه يقضيها بنفس الأمر الأول، وهو: أمر الأداء؛ لأن الأمر أثبت وجوب الفعل في ذمة المكلف، وكل ما ثبت وجوبه في الذمة، فلا يمكن أن تبرأ الذمة منه إلا بشيئين:
أولهما: أن يؤدى ذلك الفعل.
ثانيهما: أن يبرئه من كان له حق عليه من الآدميين، فلا يسقط هذا الفعل إلا بأحد هذين الشيئين، وبخروج الوقت لم يحصل الأداء، ولا الإبراء، فلم يسقط الواجب، فتكون الذمة مشغولة بهذا الوجوب، ولا يزول هذا الشغل إلا بمزيل، وهو أحد الشيئين السابقين فقط.
وبناء على ذلك: فإن دليل القضاء هو نفسه دليل الأداء،
(1/229)

فمن ترك الصلاة عمداً حتى خرج وقتها يلزمه القضاء بالأمر
الأول، فيكون الأمر الأول قد اشتمل على أمرين هما: " الفعل أداء " و " الفعل قضاء إن فاته الأداء ".
* * *
المسألة الخامسة عشرة:
الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً بذلك الشيء ما لم يدل عليه دليل، أي: أن الأمر المتعلق بأمر المكلِّف لغيره بفعل من الأفعال لا يكون أمراً لذلك الغير بذلك الأمر، فلو قال زيد لبكر: " مر عمراً بأن يشتري لي كذا "، فإن زيداً لا يكون آمراً عمراً بشراء تلك السلعة؛ لأنه لو كان الأمر بالشيء أمراً لذلك الغير: لكان ذلك مقتضاه لغة، ولو كان كذلك: لكان أمره - صلى الله عليه وسلم - لأولياء الصبيان بقوله: " مروهم بالصلاة لسبع " أمراً للصبيان بالصلاة من الشارع، ولكن هذا ليس أمراً للصبيان من الشارع ولا إيجاباً عليهم؛ لأن الأمر موجه إلى الأولياء؛ حيث إنه أمر تكليف، ولذلك يذم الولي بترك هذا الأمر شرعاً.
وأيضاً لو كان ذلك أمراً للصبيان لكانوا مكلَّفين بأمر الشارع، وهذا غير متصوَّر في حق الصبيان؛ لعدم فهمهم خطاب الشارع.
وبناء على ذلك: فإن الزوج لو قال لابنه: " قل لأمك:
(1/230)

أنت طالق "، فإن أراد التوكيل فهذا واضح، حيث إنها تطلق؛ لأن الابن يعتبر وكيلاً في طلاق أمه، أما إذا لم يرد شيئاً فإنه لا يلزم منه وقوع الطلاق على أمه.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
إذا خاطب الله تعالى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بفعل عبادة بلفظ ليس فيه تخصيص، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ)، وقوله: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ)، فإن أمته تشاركه في حكم ذلك الأمر والفعل حتى يدل دليل على تخصيصه بذلك الحكم؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - إذا اختلفوا في حكم من الأحكام الشرعية فإنهم يرجعون إلى أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم -، كرجوعهم إلى فعله في الغسل من التقاء الختانين من غير إنزال، ونحو ذلك، فلو كان مخصوصاً بهذا الحكم لما صح رجوعهم إلى فعله - صلى الله عليه وسلم -، فدل على مساواته بغيره في أحكام الشرع.
ولأن بعض الصحابة يسأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الأمر فيجيب عن حال نفسه، وهذا يدل على أنه لا فرق بينه وبينهم، كما روته أم سلمة - رضي الله عنها - أن امرأة قبَّلها زوجها وهو صائم، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت له ذلك: فقال النبي - - صلى الله عليه وسلم -: " ألا فأخبريها أني أفعل ذلك "، فلو كان الحكم مختصاً به لم يصلح فعله أن يكون جواباً لذلك.
(1/231)

وبناء على ذلك: فإن الأمة تدخل في الخطابات الموجهة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن طريق اللفظ والنص، ولا يخرج أحد إلا بدليل خارجي.
* * *
المسألة السابعة عشرة:
إذا توجه الخطاب بالأمر إلى الصحابة - رضي الله عنهم - والأمة كقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا "، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل فيه، ولا يخرج إلا بقرينة؛ لأن ابن عمر قال: لما أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نحل بعمرة قلنا: فما يمنعك يا رسول الله أن تحل معنا؟ قال: " إني هديت ولبَّدت فلا أحل حتى أنحر هديي "، فلم ينكر عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - سؤالهم، بل أقرَّهم عليه؛ لأنه يعرف أن الصحابة أرادوا بسؤالهم أن يفسر لهم انفراده عنهم بالحكم في هذه المرة، فلو لم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - داخلاً معهم في الخطابات الموجهة إليهم لما سألوه عن سبب عدم موافقته لهم، ولما أقرَّهم على ذلك.
وبناء على ذلك: فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدخل في الخطابات الموجهة إلى الأمة عن طريق اللفظ والنص، ولا يخرج إلا بدليل خارجي.
(1/232)

المسألة الثامنة عشر:
ْإذا توجه الأمر إلى واحد من الصحابة كرجم ماعز، وقطع يد سارق رداء صفوان بن أميَّة، فإن غيره يدخل ضمن هذا الأمر؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يرجعون إلى ما قضى به النبي - صلى الله عليه وسلم - على أعيان وأشخاص منهم، فيأخذون تلك الأحكام المعينة ويعممونها له ولهم، كرجوعهم في حد الزنى إلى قصة ماعز، وفي المفوِّضة إلى قصة بروع بنت واشق، ونحو ذلك، ولم يوجد منكر لذلك، فهذا يدل على تساوي الجميع في تلك الأحكام.
وبناء على ذلك: فإن بقية الصحابة يدخلون في الخطاب الموجه إلى فرد منهم عن طريق اللفظ والنص، ولا يخرجون إلا بدليل خارجي.
* * *
المسألة التاسعة عشرة:
الأمر يتعلق بالمعدوم على تقدير وجوده، ووجود شروط التكليف فيه، أي: أن الأمر يتناول المعدومين الذين علم الله تعالى أنهم سيوجدون على صفة التكليف؛ لإجماع الصحابة والتابعين على ذلك؛ حيث إن جميع الصحابة والتابعين كانوا يأخذون بأوامر الله وأوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويطبقونها على من لم يوجد في زمان نزول تلك الأوامر، بدون نكير، فكان هذا إجماعاً منهم على أن الأوامر الشرعية تتناول من كان معدوماً حال الخطاب بالأمر.
(1/233)

ولقوله تعالى: (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)، والمعدوم قد بلغه الأمر حين وجوده، فدلَّ على أن الأمر يتعلق بالمعدوم.
وبناء على ذلك: فإن الأمر قد توجه إلى المعدومين عن طريق اللفظ والنص.
ولا يخرج أي واحد منهم إلا بدليل، فمثلاً لو أن السيد خاطب عبيده قائلاً: " ليقف كل واحد منكم ساعة "، ثم اشترى عبداً جديداً فإنه يدخل معهم بالنص واللفظ.
(1/234)

المطلب السادس عشر
في النهي
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
النهي هو: استدعاء ترك الفعل بالقول على جهة الاستعلاء.
* * *
المسألة الثانية:
النهي له صيغة موضوعة له في اللغة تدل بمجردها عليه وهي: " لا تفعل "؛ لإجماع أهل اللغة على أن " لا تفعل " صيغة للنهي؛ حيث إن السيد لو قال لعبده: " لا تدخل هذه الدار "، فلو دخلها فإنه يستحق العقوبة بإجماع عقلاء أهل اللغة، دون نكير، فكان ذلك إجماعاً منهم على أن ذلك اللفظ وضع للنهي.
ولأن أهل اللغة قد قسموا الكلام: إلى " أمر " و " نهي " و" خبر " و " استخبار "، فجلعوا للأمر " افعل "، وللنهي " لا تفعل "، وللخبر " قد فعلت "، وللاستخبار " هل فعلت؟ ".
(1/235)

وبناء على ذلك: فإن صيغة " لا تفعل " من باب الظاهر، حيث إن لها معنيان: معنى راجح وهو طلب الترك، ومعنى مرجوح وهو: عدم إفادتها لشيء، فرجَّحنا إفادتها لطلب الترك، ويعمل على ذلك بدون قرينة.
* * *
المسألة الثالثة:
صيغة " لا تفعل " تستعمل لمعان هي:
الأول: التحريم، كقوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا).
الثاني: الكراهة، كقوله تعالى: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ).
الثالث: الإرشاد، كقوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ).
الرابع: الدعاء، كقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا).
الخامس: التقليل والاحتقار، كقوله تعالى: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ).
السادس: بيان العاقبة، كقوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)).
السابع: التسكين والتصبر، كقوله تعالى: (لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)).
الثامن: اليأس، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ).
التاسع: الشفقة، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تتخذوا الدواب كراسي ".
العاشر: الالتماس، كقولك لمن هو في مرتبتك: " لا تضرب فلانا ".
(1/236)

الحادي عشر: التهديد، كقول السيد لعبده: " لا تفعل اليوم شيئا ".
* * *
المسألة الرابعة:
صيغة النهي وهي: " لا تفعل "، إذا تجردت عن القرائن فإنها تقتضي التحريم حقيقة، ولا تحمل على غيره من المعاني السابقة إلا بقرينة؛ لإجماع الصحابة والتابعين؛ حيث كانوا يستدلون على تحريم الشيء بصيغة " لا تفعل " فيقولون: حرم القتل؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) وحرم الزنا، لقوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) ونحو ذلك، فقد كانوا ينتهون عن ذلك بمجرد سماعهم لتلك الصيغة، ويعاقبون من يفعل المنهي عنه، واستدلالهم على التحريم، وانتهائهم عن المنهي عنه، ومعاقبتهم لمن يفعل المنهي عنه دليل واضح على أن الصيغة حقيقة في التحريم، فإذا استعملت في غيره: كان ذلك مجازاً.
وبناء على ذلك: فإن النهي في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يبع بعضكم على بيع بعض "، يقتضي التحريم ابتداء، ولا يصرف عنه إلى غيره إلا بقرينة.
* * *
المسألة الخامسة:
صيغة النهي الواردة بعد الأمر تقتضي التحريم، بخلاف
(1/237)

الأمر الوارد بعد النهي فإنا قلنا: إنه يقتضي الإباحة، وقلنا ذلك لوجود الفرق بينهما من وجوه:
الوجه الأول: أن دلالة النهي على التحريم أقوى من دلالة
الأمر على الوجوب؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال ".
الوجه الثاني: أن الأصل في الأشياء العدم، فالقول بأن النهي بعد الأمر يقتضي التحريم فيه عمل بالأصل.
الوجه الثالث: أن الشارع قد اعتنى بدرء المفاسد أشد من عنايته بجلب المنافع والمصالح، فالقول بأن النهي بعد الأمر للتحريم فيه عمل بهذا الأصل.
وبناء على ذلك: فإن السيد لو قال لعبده: " كُلْ من هذا الطعام " ثم قال له: " لا تأكل منه " فإن أكل من ذلك الطعام فإنه يستحق العقوبة بلا قرينة.
* * *
المسألة السادسة:
النهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه على الفور ويقتضي التكرار؛ لأن النهي يقتضي عدم الإتيان بالفعل، وعدم الإتيان بالفعل لا يتحقق إلا بترك الفعل في جميع أفراده في كل الأزمنة، وبذلك يكون ترك الفعل مستغرقاً جميع الأزمنة، ومن جملتها الزمن الذي يلي النهي مباشرة، فيكون النهى مفيداً للتكرار كما هو مفيد للفور.
(1/238)

ولأن الناهي لا ينهى إلا عن قبيح، والقبيح يجب اجتنابه على الفور، وفي كل وقت.
* * *
المسألة السابعة:
النهي عن الشيء أمر بضده إذا كان له ضد واحد، وإن كان له أضداد فهو أمر بأحدها، فقوله: " لا تقم " هو أمر بالقعود؛ لأن المنهي يتحتم عليه ترك المنهي عنه، ولا يمكنه ترك المنهي عنه إلا بفعل ضده، وما تحتم فعله إلا لأنه مأمور به.
وبناء على ذلك: فإن الرجل إذا قال لزوجته: " إن خالفت أمري فأنت طالق "، ثم قال لها: " لا تقومي " فقامت، فإنه يلزم أنها تطلق، لأن النهي عن الشيء أمر بضده.
* * *
المسألة الثامنة:
النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقاً - أي: سواء كان المنهي عنه عبادة أو معاملة.
والمراد بالفساد: عدم ترتب الآثار فأثر النهي في العبادات: عدم براءة الذمة، وأثر النهي في المعاملات: عدم إفادة الملك وعدم الحل.
فالنهي عن البيع بعد النداء الثاني، والنهي عن بيع المزابنة، والنهي عن نكاح المتعة والشغار يقتضي فساد المنهي عنه؛ لأن
(1/239)

الشارع لا ينهى عن شيء إلا لأن المفسدة متعلقة بالمنهي عنه، أو لازمة له، ويلزم من ذلك أن الأشياء المنهي عنها فيها مفاسد، وإذا كانت كذلك فسيلحق الناس منها ضرر، وإزالة الضرر وإعدامه مناسب عقلاً وشرعاً، ولا يمكن ذلك إلا بقولنا: إن النهي يقتضي فساد المنهي عنه مطلقاً.
ولإجماع الصحابة على ذلك؛ حيث إنهم استدلوا على فساد عقود الربا بالنهي الوارد في قوله عليه الصلاة والسلام: " لا تبيعوا الذهب بالذهب. . . "، واستدلوا على فساد نكاح المُحْرِم في الحج بالنهي عنه الوارد في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا ينكح المحرم ولا يُنكح "، فلو لم يكن النهي يقتضي فساد المنهي عنه لما استدلوا بتلك النواهي على فساد الأمور المنهي عنها، ولم ينكر أحد هذا الاستدلال فكان إجماعاً.
وبناء على ذلك: فإن نذر صيام يوم العيد فاسد، ولو صام الناذر لا يصح صومه، ولا يسقط القضاء عنه؛ لأنه نهي عن صوم يوم العيد، والنهي يقتضي الفساد، فلا يكون صوم يوم العيد مشروعاً.
(1/240)

المطلب السابع عشر
في العموم
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
العام هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد.
* * *
المسألة الثانية:
العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، والعوارض: جمع عارض، والعارض هو الذي يذهب ويجيء، ولذلك سمي المال عرضاً في قوله تعالى: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا) لأنه يذهب ويجيء، فالعموم عارض للفظ قد يجيء إليه، وقد يزول عنه.
وليس المراد من ذلك: أن العموم داخل في حقيقة اللفظ بحيث كلما وجد اللفظ يكون عاماً، ليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود ما ذكرناه.
* * *
المسألة الثالثة:
العموم له صيغة في اللغة خاصة به موضوعة له تدل على
(1/241)

العموم حقيقة، ولا تحمل على غيره إلا بقرينة - وهي: صيغ العموم التي سيأتي ذكرها كأدوات الشرط والاستفهام، وكل اسم دخلت عليه " أل " الاستغراقية، و " كل " و " جميع " وغيرها مما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى؛ لإجماع الصحابة على أن تلك الصيغ للعموم؛ حيث كانوا يجرون تلك الألفاظ والصيغ على العموم إذا وردت في الكتاب والسنة، ولا يطلبون دليلاً على ذلك؛ نظراً لأن إفادتها للعموم أمر مسلم به عندهم، ولكنهم كانوا يطلبون دليل التخصيص: فإن وجدوا المخصص أخذوا به، وإن لم يجدوا أجروا تلك الصيغ على أصلها وحقيقتها، وهو العموم، وكانوا يفعلون ذلك دون نكير من أحد، فكان إجماعاً.
ومن أمثلة ذلك: أنهم عاقبوا جميع السارقين والسارقات، وعاقبوا جميع الزناة والزانيات وذلك لورود صيغة العموم في قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) وقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) ومنها أنهم تمسكوا بقوله عليه السلام: " أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " على عدم جواز قتال مانعي الزكاة حتى نبَّههم أبو بكر رضي الله عنه على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: " إلا بحقها " حيث إنه استثناء، والاستثناء يدل على أن المستثنى منه عام.
ومنها: احتجاج أبي بكر - رضي الله عنه - على الأنصار لما قالوا: " منا أمير ومنكم أمير " بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " الأئمة من قريش " ولم ينكر عليه أحد.
ومنها: احتجاجهم بقوله تعالى: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا) على تحريم جميع أنواع الربا، واحتجوا بغير ذلك من النصوص التي وردت فيها صيغة من صيغ العموم على تعميم الحكم بسبب تلك الصيغة.
(1/242)

وأيضاً: أن القضاة والحكام والمفتين يبنون على أن تلك الصيغ والألفاظ تفيد العموم إذا نطق بها المتكلم فيحكمون أن جميع العبيد والإماء أحرار إذا قال السيد: " أعتقت عبيدي وإمائي "، ولو قال زيد لعمرو: " لي عليك ألف ريال "، فقال عمرو: " ما لك علي شيء "، لكان هذا إنكاراً لجميع الألف، لأنه نكرة في سياق نفي وهي تفيد العموم.
وبناء على ذلك: فإن قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) عام لجميع الناس دون استثناء.
* * *
المسألة الرابعة:
صيغ العموم هي:
الصيغة الأولى: أدوات الاستفهام، كقولك: " من عندك؟ ".
ودلَّ على أنها من صيغ العموم: أنها إما أن تكون للعموم فقط، أو للخصوص فقط، أو لهما معاً بالاشتراك اللفظي، أو لا تكون لكل واحد منهما والكل باطل إلا الأول، وإليك بيان ذلك.
لا يصح أن تكون موضوعة للخصوص فقط: لأنه لو كانت موضوعة له: لما حسن من المجيب أن يجيب بلفظ " كل " أو " جميع "، ولكنه يجوز أن يجيب: فلو قال: " من عندك؟ " فإنه يمكن للمجيب أن يقول: " عندي جميع الطلاب ".
(1/243)

ولا يصح أن تكون موضوعة للخصوص والعموم بالاشتراك اللفظي، لأنه يكون مجملاً، والمجمل لا يمكن أن يجاب عنه. بجواب معين إلا بعد عدة استفهامات عن الأقسام الممكنة:
فلو قال: " من عندك؟ " فإن المجيب لا بد أن يقول: " أتسألني عن الرجال أم عن النساء؟ "، فإذا قال: أسالك عن الرجال فلا بد أن يقول: أتسألني عن العرب أم عن العجم؟ وهكذا إلى أن يأتي على جميع أحياء العرب مثلاً، وعلى جميع أصنافها من العلماء، والجهال، والبيض والسود ونحو ذلك، فثبت أنه لو صح الاشتراك لوجدت هذه الاستفهامات، لكنها غير واجبة؛ لأن أهل اللسان يستقبحون مثل هذه الاستفهامات؛ لأنها غير متناهية، فبطل كون تلك الصيغ موضوعة للعموم والخصوص بالاشتراك اللفظي.
ولا يصح أن لا تكون تلك الصيغ موضوعة للعموم ولا للخصوص؛ لأنه يؤدي إلى أنه يوجد في الكتاب والسنة ألفاظ لا تفيد شيئاً وهذا باطل. فلما بطلت الأقسام الثلاثة الأخيرة لم يبق إلا الأول وهو: أنها موضوعة للعموم، وهو المطلوب.
الصيغة الثانية: أدوات الشرط كمن، كقولك: " من نجح فله جائزة ".
ودل على أنها للعموم: صحة الاستثناء مما دخلت عليه أداة الشرط فيصح أن تقول: " مَن دخل داري فأكرمه إلا زيداً "، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فيدل الاستثناء على أن المستثنى منه عام.
الصيغة الثالثة: " كل " و " جميع ".
(1/244)

دل على أنها للعموم: أن أهل اللغة واللسان إذا أرادوا التعبير والغوص في الاستغراق فإنهم يفزعون إلى استعمال لفظ " كل " أو " جميع "، ولو لم يكونا مفيدين للعموم لما فزعوا إليهما.
ولصحة الاستثناء مما دخلت عليه كل أو جميع فتقول: " كل الطلاب يكرمون إلا زيداً ".
الصيغة الرابعة: الجمع المعرَّف بأل كالرجال، والمسلمين، والناس، بشرط: أن لا تكون " أل " هذه عهدية.
ودل على ذلك: صحة الاستثناء من الجمع المعرَّف بأل فتقول: " أكرم الرجال إلا زيداً "، فلو لم يفد العموم لما صح الاستثناء منه.
وأيضاً: أنه يؤكد بما يقتضي العموم، كقوله تعالى: (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ).
وبناء على ذلك: فإنه لو قال: " والله لأصومن الأيام " للزمه أن يصوم جميع أيام العمر.
الصيغة الخامسة: الجمع المعرَّف بالإضافة، كقولك: " أكرم طلاب الكلية ".
ودل على أنها للعموم: صحة الاستثناء فتقول: " أكرم طلاب الكلية إلا زيدا "، وهو كما سبق.
الصيغة السادسة: واو الجمع، كقوله: " قوموا ".
(1/245)

ودل على أنها للعموم: صحة الاستثناء، فلو قال: للطلاب الذين أمامه: " قوموا إلا زيدا " لصح، وهذا يدل على إفادة ذلك العموم.
وبناء على ذلك: فإنه لو قال لوكلائه: " أعطوا زيداً مما في أيديكم عشرة "، للزم من ذلك أن كل واحد مأمور بإعطائه شيئاً، ويلزم أيضاً: أن كل واحد مأمور بإعطاءه عشرة غير ما يعطيه صاحبه.
الصيغة السابعة: النكرة في سياق النفي، كقولك: " لا رجل في الدار ".
دل على أنها تفيد العموم صحة الاستثناء من هذه النكرة، فتقول: " لا رجل في الدار إلا زيداً "، و " ما قام أحد إلا زيداً ".
ولأنه لو لم تكن النكرة في سياق النفي تعم لما كان قول الموحِّد: " لا إله إلا الله "، نفياً لجميع الآلهة سوى الله تعالى.
وبناء على ذلك: فإنه لو قال: " والله لا آكل رغيفا "، يحنث إذا أكل رغيفاً فأكثر.
الصيغة الثامنة: المفرد المحلَّى بأل، كقولك: " قدم الحاج " أي: جميع الحجاج.
دل على أنه يفيد العموم صحة الاستثناء منه، كقوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا).
(1/246)

ولأنه ينعت بما ينعت به العموم، كقوله تعالى: (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ).
وبناء على ذلك: فإن المرأة لو قالت: " قد أذنت للعاقد بهذا البلد أن يزوجني "، فإنه يجوز لكل عاقد أن يزوجها.
وكذلك لو قال الزوج: " إذا قدم الحاج فأنتِ طالق "، فإنها لا تطلق إلا إذا قدم جميع حجاج هذه البلدة، فلو مات أحد حجاج هذه البلدة، أو لم يرجع فإنها لا تطلق.
الصيغة التاسعة: المفرد المنكر المضاف إلى معرفة، كقولك: " أكرم عالم هذه المدينة ".
ودل على أنها تفيد العموم: صحة الاستثناء في ذلك، فتقول: " أكرم عالم هذه المدينة إلا زيداً "، والاستثناء يدل على أن المستثنى منه عام.
وبناء على ذلك: فإنه لو قال: " زوجتي طالق وعبدي حر " ولم ينو معيناً، فإن جميع زوجاته طوالق أو جميع عبيده أحرار استدلالاً بهذه القاعدة.
الصيغة العاشرة: الاسم الموصول سواء كان مفرداً كالذي،
والتي، أو مثنى كالذين أو جمعاً كالذين واللاتي واللائي، ودل على أنها تفيد العموم: صحة الاستثناء، فتقول: " أكرم الذي نجح إلا زيداً ".
(1/247)

الصيغة الحادية عشرة: " سائر "، المشتقة من سور المدينة، كقولك: " أكرم سائر العلماء ".
والدليل على كونها مفيدة للعموم: صحة الاستثناء.
* * *
المسألة الخامسة:
الجمع المنكر في سياق الإثبات لا يفيد العموم؛ لأن الجمع المنكر صالح لكل مرتبة من مراتب الجماعة التي تبتدي من الثلاثة إلى العشرة، فيصح أن تقول: " رجال ثلاثة وأربعة وخمسة "، ولا يمكن ذلك في أقل من الثلاثة، إذن الثلاثة لا بد منها فثبت أنها تفيد الثلاثة فقط؛ لأنه أقل الجمع، ولا يحمل على ما زاد عليه إلا بدليل.
وبناء على ذلك: فلو قال السيد لعبده: " أكرم علماء " فإنه تبرأ ذمة العبد إذا أكرم ثلاثة فقط.
* * *
المسألة السادسة:
نفي المساواة بين الشيئين يقتضي نفي المساواة بينهما من كل الوجوه التي يمكن نفيها عنهما؛ فإذا قال: " لا يستوي زيد وعمر "، فإن هذا يقتضي نفي المساواة في جميع الوجوه: في الكرم، والعلم، والخُلق وغير ذلك.
وقلنا ذلك: لأن هذا من قبيل النكرة في سياق النفي،
(1/248)

والنكرة في سياق النفي من صيغ العموم - كما سبق - وهي تفيد العموم من جميع الوجوه.
وبناء على ذلك: فإن المسلم لا يقتل بالكافر الذمي؛ لقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ)، ونفي المساواة يقتضي نفيه من جميع الوجوه، فلو قتل المسلم بالكافر لحصل بينهما استواء في القصاص، ومعروف أن الكافر الذمي غير مساو للمسلم، بل هو أقل منه في العصمة.
* * *
المسألة السابعة:
إذ كان الفعل متعدياً، ولم يذكر مفعوله ووقع ذلك الفعل في سياق نفي كقولك: " والله لا آكل "، أو وقع في سياق شرط كقولك: " إن أكلتِ فأنتِ طالق "، فإن ذلك يكون عاماً في جميع المأكولات، فلو أكل هذا الحالف أيَّ أكل فإنه يحنث وتجب عليه الكفارة، ولو أكلت الزوجة أي أكل فإنها تطلق، وقلنا ذلك لأن الفعل من باب النكرة، والنكرة إذا وقعت في سياق النفي فإنها تعم، وكذلك الفعل إذا وقع في سياق شرط فإنه يعم؛ لما سبق ذكره من أن النكرة في سياق النفي، وأدوات الشرط من صيغ العموم.
(1/249)

وبناء على ذلك: فإنه لو قال: " إن أكلت فأنتِ طالق "، فإنها تطلق إن أكلت أيَّ شيء، لكن لو نوى أكلاً معيناً كالتفاح فإنها لا تطلق إن أكلت غيره كالبرتقال، لأن كلامه عام، وخصَّصه بالنية؛ لأن العام يقبل التخصيص.
* * *
المسألة الثامنة:
دلالة العام ظنية، وليست قطعية، أي: أن تلك الصيغ والألفاظ تدل على العموم والخصوص، لكن دلالتها على العموم أرجح من دلالتها على الخصوص.
وقلنا ذلك لأن هذه الصيغ تستعمل للعموم - كما سبق بيانه - ومع ذلك فقد كثر إطلاقها وإرادة الخصوص كثرة لا تحصى حتى أنه اشتهر قولهم: " ما من عام إلا وقد خصص إلا قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، واستعمال تلك الألفاظ والصيغ في الخصوص كثيراً تجعل دلالتها على العموم ظنية؛ لأن احتمال إرادة الخصوص بها وارد وثابت بدليل.
وبناء على ذلك: فإن أي دليل ظني كخبر الواحد، والقياس، والمفاهيم، يقوى على تخصيص العام؛ لأن الظني يقوى على تخصيص الظني.
(1/250)

المسألة التاسعة:
أقل الجمع ثلاثة حقيقة، ولا يطلق الجمع على الاثنين والواحد إلا مجازاً؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " الراكب شيطان والراكبان شيطانان، والثلاثة رَكب "، ولقوله: " الشيطان يهم بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم "،، فقد فصل النبي - صلى الله عليه وسلم - بين التثنية والجمع، وجعل للاثنين اصطلاحاً دون الجمع، فعلم أن التثنية ليست بجمع حقيقة.
ولأن الثلاثة تنعت بالجمع، والجمع ينعت بالثلاثة فيقال: " ثلاثة رجال "، و " رجال ثلاثة " لكن التثنية لا تنعت بالجمع، ولا الجمع ينعت بالتثنية فلا يقال: " رجال اثنان " ولا " اثنان رجال "، فلو كان الاثنان أقل الجمع: لجاز نعت أحدهما بالآخر، لكن ذلك لا يجوز، فلا يكون الاثنان جمعاً.
ولأن أهل اللغة فرقوا بين التثنية والجمع بالضمير المتصل والمنفصل والتأكيد، فقالوا في الجمع: " فعلوا " و " هم " و " جاء الزيدون أنفسهم "، ولم يقولوا ذلك في التثنية.
وبناء على ذلك: فإنه لو قال: " والله لا أكلم رجالاً "، فإنه يحنث إذا كلم ثلاثة رجال، ولا يحنث إذا كلَّم اثنين أو واحد.
(1/251)

وكذلك إذا نذر صوم أيام فإنه يلزمه ثلاثة أيام.
وكذلك لو قال لزوجته: " أنتِ طالق طلقات "، فإنه يلزمه ثلاث طلقات.
* * *
المسألة العاشرة:
العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، أي: أن اللفظ الوارد على سبب خاص لا يختص به، بل يكون عاماً لمن تسبب في نزول الحكم ولغيره؛ لأن الحجة في لفظ الشارع: فإن أورد الشارع الحكم، وهو مشتمل على صيغة من صيغ العموم: جعلنا الحكم عاماً سواء نزل ذلك الحكم بسبب أو بغير سبب، وإن أورد الشارع الحكم بلفظ خاص: خصصنا ذلك الحكم، فالمعتبر هو اللفظ.
ولإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على تعميم الأحكام الواردة على أسباب خاصة كآيات الظهار التي نزلت في شأن أوس بن الصامت وزوجته، وآيات اللعان النازلة في عويمر العجلاني وزوجته، وآية السرقة النازلة في سرقة رداء صفوان بن أمية، وآية القذف النازلة في شأن عائشة - رضي الله عن الجميع - فقد علم الصحابة تلك الأحكام بدون نكير، فكان إجماعاً.
وبناء على ذلك: فإن الأحكام الواردة على أسباب قد ثبتت
(1/252)

لأوس، ولعويمر، ولصفوان، ولعائشة وللحوادث المشابهة لها عن طريق اللفظ والنص.
* * *
المسألة الحادية عشرة:
قول الصحابي: " أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو نهى، أو قضى، أو حكم، يقتضي العموم؛ لإجماع الصحابة والتابعين على ذلك؛ حيث كانوا يرجعون إلى هذه الألفاظ، ويحتجون بها في عموم الصور التي تحصل في أزمانهم.
فقد قال ابن عمر: كنا نخابر أربعين سنة حتى أخبرنا رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المخابرة، وإذا رأى أحد منهم شخصاً يبيع بالمزابنة أو المحاقلة منعوه استدلالاً بقول الصحابي: " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة والمحاقلة "، وأخذوا بقول الصحابي: " أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بوضع الجوائح "، وبقوله: " رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السَّلَم "، وبقوله: " رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العرايا "، وبقوله: " قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة للجار "، وكانوا يفعلون ذلك، ويستدلون بتلك الألفاظ، دون نكير، فكان إجماعاً.
وبناء على ذلك: فإن النهي عن بيع المزابنة، والمنابذة، والملامسة، والمحاقلة، والغرر، والأمر بوضع الجوائح، والقضاء بالشفعة للجار، وفيما لم يقسم: عام وشامل للأشخاص الذين
(1/253)

نُهوا وأمروا وقضي في حقهم، ولمن جاء بعدهم ممن شابههم، وذلك عن طريق لفظ الصحابي ونصه.
* * *
المسألة الثانية عشرة:
إذا قال الصحابي: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل كذا فإن هذا يفيد العموم؛ لأن الراوي إنما يحكي الفعل والحادثة بلفظ: " كان "، إذا ثبت عنده تكرار ذلك الفعل؛ حيث لا يُفهم من لفظ: " كان " إلا التكرار في مخاطباتنا العادية، فمثلاً يقول القائل: " كان زيد يأتي هذه المكتبة "، فإنا لا نفهم من ذلك عادة إلا أن زيداً يتردد عليها أكثر من مرة.
وبناء على ذلك: فإن تعبير الصحابي بلفظ " كان " يدل على أن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أداه هذا الصحابي بلفظ " كان " متكرر، ومعلوم أن ما تكرر وقوعه من فعله - صلى الله عليه وسلم - أقوى مما وقع مرة واحدة، وهذا يفيد عند التعارض.
* * *
المسألة الثالثة عشرة:
العبد يدخل تحت خطاب التكليف بالألفاظ العامة المطلقة، كلفظ: " الناس " و " المؤمنين " و " المسلمين " و " الأمة "، فهو كالحر، ولا فرق، ولا يخرج منها إلا بقرينة، لأن العبد من جملة من يتناوله اللفظ، فهو من الناس، ومن المؤمنين، ومن المسلمين،
(1/254)

ومن الأمة؛ حيث إن العبد يوصف بذلك فيقال: هذا العبد مسلم، ومؤمن، ومن الناس، ومن الأمة، ولا يوجد مانع من دخوله، لا شرعي، ولا عقلي.
وبناء على ذلك: فإن العبد يدخل ضمن الخطابات الموجهة إلى الناس، والأمة، والمؤمنين والمسلمين، دخولاً أصلياً، ولا يخرج عن ذلك الخطاب إلا بدليل وسبب، كسقوط صلاة الجمعة والحج والجماعة بسبب اشتغاله بخدمة سيده، ولو أذن له سيده لوجبت عليه.
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
النساء يدخلن ضمن الجمع الذي تبيَّنت فيه علامة التذكير، كالمسلمين، والمؤمنين، وفعل: " اشربوا وكلوا " و " قاموا " ولا يخرجن إلا بدليل؛ لأن العرب اعتادوا أنه إذا اجتمع الذكور والإناث فإنهم يغلبون جانب التذكير في ألفاظهم وخطاباتهم، ولو كان الذكر واحداً، فإذا كان أمامك عدد من الرجال والنساء فإن الصحيح عند أهل اللغة هو قولك: " قوموا "، ولو قلت للرجال: " قوموا " وللنساء " قمن "، لعده أهل اللغة لكنة وعيَّاً.
وقد وقع ذلك في قوله تعالى - وهو يخاطب آدم، وحواء، وإبليس - (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا) فقال: (اهْبِطُوا) مع وجود حواء.
(1/255)

ولأن أكثر أوامر الشرع ونواهيه وخطاباته العامة وردت بلفظ التذكير كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، وقوله: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) ونحو ذلك، وانعقد الإجماع على أن النساء يشاركن الرجال في أحكام تلك الأوامر والنواهي.
وبناء على ذلك: فإنه لو قال رجل لجمع من الرجال والنساء ومعهم زوجته - وهو يعلم بوجودها -: " طلقتكم " فإنها تطلق؛ لأنها تدخل في خطاب الرجال.
ولو قال لمن أمامه من الرجال والنساء: " ملكتكم هذه الدار "، فإن النساء يشاركن في ملكية هذه الدار.
* * *
المسألة الخامسة عشرة:
العام إذا أدخله التخصيص فإنه حقيقة فيما بقي بعد التخصيص مطلقاً؛ لأن المخصِّص قد أثر في المخصوص والمخرج - فقط -، ولم يؤثر في الباقي بعد التخصيص، فيبقى على ما هو عليه.
فمثلاً: لفظ " السارق " قد وضع لجميع السارقين، وأنها تقطع يد كل واحد منهم، ولما جاء المخصص - وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: " رفع القلم عن ثلاثة: الصغير حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق " - صرف دلالة لفظ: " السارق " عن بعض السارقين وبين أن هذا
(1/256)

البعض - وهما: المجنون والصبي - لا تقطع أيديهما إذا سرقا، وإذا صرفت دلالته عن هذين الشخصين فإن دلالة اللفظ - وهو السارق - على الأفراد غير المخصوصين باقية لم تتغير، ومستمرة على ما هي حقيقة، إذن المخصص لم يؤثر في الباقين، بل أثر في المخصص والمخرج، فتبقى دلالة اللفظ العام المخصوص حقيقة فيما بقي.
وبناء على ذلك: فإن الأفراد الذين بقوا بعد التخصيص قد دل عليهم اللفظ العام وتناولهم حقيقة، أي: دخلوا في عمومه بدون قرينة، وأي لفظ دل على ما بقي بدون قرينة فإنه يكون أقوى من اللفظ الذي لا يدل إلا بقرينة، وهذا يفيد عند تعارض اللفظين.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
يجوز أن يخص العام إلى أن يبقى واحد؛ لوقوعه في القرآن؛ حيث قال تعالى: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) وأراد بذلك عائشة - رضي الله عنها - وقال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) والمراد بالناس واحد وهو: نعيم بن مسعود الأشجعي كما ذكره المفسرون.
ولوقوعه عند أهل اللغة؛ حيث كتب عمر إلى سعد بن أبي
(1/257)

وقاص - رضي الله عنهما - قائلًا: " قد انفذت إليك ألفي رجل "، وكان قد أرسل إليه ألفاً من الرجال والقعقاع بن عمرو، ولم ينكر عليه أحد.
وبناء على ذلك: فإنه إذا كان للرجل أربع نساء وقال: " نسائي طوالق "، ثم قال: كنت قد أخرجت ثلاثاً: فإنه يقبل، حيث إن الباقية واحدة ويجوز تخصيص إلى أن يبقى واحد.
* * *
المسألة السابعة عشرة:
المخاطِب - بكسر الطاء - والمتكلم يدخل في عموم خطابه مطلقاً؛ لأن السيد لو قال لعبده: " من أحسن إليك فأكرمه "، ثم أحسن إليه السيد، فإن أكرمه فإنه يستحق المدح والثناء، وإن لم يكرمه فإنه يستحق اللوم، وهذا باتفاق العقلاء من أهل اللغة، فاستحقاقه للمدح في الحالة الأولى وللذم في الحالة الثانية دليل على أن السيد داخل في عموم خطابه ومتناول له.
وبناء على ذلك: فإن المخاطب يدخل في عموم خطابه ولا يخرج إلا بقرينة، فلو قال: " نساء المسلمين طوالق " فإن زوجته تطلق، لأن المخاطب والمتكلم يدخل في عموم كلامه.
(1/258)

ولو قال: " عندي لورثة أبي ألف ريال " فإنه يدخل معهم، ويكون له نصيب من هذه الألف.
* * *
المسألة الثامنة عشرة:
يجب اعتقاد عموم اللفظ في حال علمنا به، وإذا اعتقد عمومه وجب العمل بذلك إذا جاء وقت العمل به قبل البحث عن المخصص، فإن وجدنا مخصصاً تركنا العام وعملنا بالمخصص وما بقي بعد التخصيص، وإن لم نجد مخصصاً له نستمر في العمل بالمخصص؛ لأن ترك التمسك بالعام لاحتمال وجود مخصص له يلزم منه ترك العمل بالدليل الثابت يقيناً من أجل دليل قد شك في ثبوته وهذا لا يجوز.
ولأن الأصل عدم التخصيص، وذلك يوجب ظن عدم التخصيص، وهو: يكفي في ظن إثبات الحكم باللفظ العام والعمل به فور علمنا به.
وبناء على ذلك: فإن اللفظ العام يجب أن يعمل به حال سماعنا به بدون قرائن.
* * *
المسألة التاسعة عشرة:
الجمع المنكر المضاف إلى ضمير الجمع يقتضي العموم في
(1/259)

كل من المضاف والمضاف إليه فقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من أنواع مال كل مالك، فلا تكفي صدقة من نوع واحد من الأموال.
وقلنا ذلك لأن الجمع المضاف من صيغ العموم، وضمير الجمع من صيغ العموم - أيضاً، فإذاً يكون العموم في كل من المضاف والمضاف إليه؛ عملاً بالظاهر.
وتطبيق ذلك كما قلنا بالمثال.
* * *
المسألة العشرون:
المفهوم له عموم، أي: يثبت الحكم في جميع صور المسكوت عنه إما على موافقة المنطوق به، أو على مخالفته، قياساً على اللفظ، فكما أن اللفظ يثبت الحكم في جميع صور مسمياته فكذلك مفهومه يثبت الحكم في جميع صور مسمياته، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لما قال: " في سائمة الغنم الزكاة "، فقد تضمن ذلك القول قولاً آخر، وهو: أنه لا زكاة في المعلوفة، ولو صرح بذلك: لكان عاماً.
وبناء على ذلك: فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا بلغ الماء قُلتين لم ينجس "، قد دل بمفهومه على أن ما دونهما ينجس بملاقاه النجاسة، وهذا عام لجميع صوره، أي: سواء تغير أو لا، كوثر بماء طاهر ولم يبلغ قلتين أو لم يُكاثر.
(1/260)

المسألة الواحدة والعشرون:
ترك الاستفصال في حكاية الحال مع وجود الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، فقوله - صلى الله عليه وسلم - لغيلان الثقفي - الذي أسلم وتحته عشرة نسوة -: " أمسك أربعاً وفارق سائرهن "، وهو لم يستفسر منه هل عقد على هذه النسوة بعقد واحد في زمن واحد، أو عقد عليهن بعقود متعددة في أزمان مختلفة؛ هذا يفيد العموم في جميع الأحوال؛ لأن ترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - الاستفصال من الحاكي في حكايته مع قيام الاحتمال الذي من شأنه أن يؤثر في الحكم، ينزل منزلة العموم في المقال، أي: أن الحكم - وهو: إمساك أربع ومفارقة الباقي عام في الحالتين المذكورتين سابقاً، وهذا يتبين فيه سماحة الإسلام ويسره.
* * *
المسألة الثانية والعشرون:
المقتضَى لا عموم له، أي: أن الشيء الذي اقتضاه اللفظ لصدق الكلام، أو لصحته العقلية، أو لصحته الشرعية، يكون واحداً فقط؛ لأن ثبوت المقتضَى كان للضرورة حتى إذا كان الكلام مفيداً للحكم بدونه لم يصح إثباته لغة ولا شرعاً، وإذا كان للضرورة فإن الضرورة تقدّر بقدرها، ولا حاجة لإثبات
(1/261)

العموم فيه ما دام الكلام مفيداً بدونه، ويبقى فيما وراء موضع الضرورة - وهو استقامة الكلام - فلا يثبت العموم فيه؛ قياساً على أكل الميتة فإنه لما أبيح للضرورة قدِّر بقدرها، وهو: سدُّ الرَمَق - فقط - فكذلك هنا.
وبناء على ذلك: فإن من تكلَّم في صلاته ناسياً، أو مخطئاً، بطلت صلاته ولا إثم عليه، وعليه الإعادة، لأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " لا عموم له، فيكون المرفوع حكماً واحداً وهو: " الإثم " المقتضي للعقوبة في الآخرة، ولم يرفع الحكم الدنيوي وهو: الإعادة.
(1/262)

المطلب الثامن عشر
في التخصيص
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
التخصيص هو: قصر العام على بعض أفراده.
مثاله: قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، هذا عام لجميع المطلقات الحوامل وغيرهن، ولكن هذا خُصص بقوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، فأخرجت الحوامل من عموم اللفظ - وهو: المطلقات - وجعل عدتها وضع الحمل، فلم يبقى لفظ العموم - وهو المطلقات - على عمومه، بل قصره على بعض أفراده.
* * *
المسألة الثانية:
تخصيص العموم يجوز مطلقاً، أي: سواء كان اللفظ العام أمراً، أو نهياً، أو خبراً؛ لوقوعه في الكتاب والسنة، والوقوع دليل الجواز، ومن أمثلة وقوعه في الأمر قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقطَعُوَا) مع أن الصبي والمجنون لا تنقطع أيديهما إذا
(1/263)

سرقا، ومن أمثلته في النهي قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) مع أن بعض القربان غير منهي عنه، ومن أمثلته في الخبر قوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) مع أنها لم تؤت السموات والأرض وملك سليمان.
* * *
المسألة الثالثة:
التخصيص بالحسِّ - وهو: الدليل المأخوذ من أحد الحواس الخمس وهي: البصر، والسمع، واللمس، والذوق، والشم - هذا جائز، لوقوعه، والوقوع دليل الجواز، مثل قوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا)، ونحن نشاهد أشياء لم تدمرها الريح كالجبال والسماء والأرض.
* * *
المسألة الرابعة:
التخصيص بالعقل جائز؛ لوقوعه في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)، فالعقل اقتضى بنظره عدم دخول الصبي والمجنون بالتكليف بالحج، لعدم فهمهما، والوقوع دليل الجواز.
(1/264)

المسألة الخامسة:
تخصيص الكتاب بالكتاب جائز؛ لوقوعه في قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) حيث ورد مخصصاً لقوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)، أي: لا يجوز نكاح المشركات إلا نساء أهل الكتاب المحصنات، والوقوع دليل الجواز.
ولأن العام والخاص من الكتاب دليلان قد ثبتا فيجب العمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين على حسب القدرة، وهذا أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
* * *
المسألة السادسة:
يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة سواء كانت السنة قولية أو فعلية، لوقوعه في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يرث القاتل "، وقوله: " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم "، حيث وردا مخصِّصين لقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ).
ووقوعه في رجم ماعز بن مالك فإنه خصص قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) فأصبحت الآية قاصرة على الزاني البكر، والزانية البكر.
والوقوع دليل الجواز.
ولأن العام من الكتاب والخاص من السنة المتواترة دليلان قد ثبتا، فيجب أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهذا أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
(1/265)

المسألة السابعة:
يجوز تخصيص السنة المتواترة بمثلها، وتخصيص السنة الأحادية بمثلها؛ لوقوعه في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا زكاة فيما دون خمسة أوسق "، حيث ورد مخصصاً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " فيما سَقَت السماء العشر "، والوقوع دليل الجواز.
ولأن العام من السنة المتواترة، والخاص منها دليلان قد ثبتا، فيجب أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهذا أولى من إلغاء أحدهما بالكلية، وكذلك في العام من الآحاد والخاص منها.
* * *
المسألة الثامنة:
يجوز تخصيص السنة المتواترة والآحادية بالكتاب؛ لقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) حيث إن السنة شيء من الأشياء، والتخصيص بيان، فيكون الكتاب مخصصاً لها.
ولأن العام من السنة المتواترة والآحاد، والخاص من الكتاب دليلان قد ثبتا، فيجب أن نعمل بالخاص، وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهو أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
* * *
المسألة التاسعة:
يجوز تخصيص الكتاب والسنة والمتواترة بخبر الواحد؛
(1/266)

لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - حيث كان البعض منهم يخصص العام من الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد بدون نكير، فكان إجماعاً.
من ذلك: أنهم خصصوا قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة " وهو خبر واحد وهو أبو بكر رضي الله عنه.
وخصصوا عموم قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) بما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تنكح المرأة على عمَّتها ولا على خالتها ".
ولأن العام في الكتاب والسنة المتواترة والخاص من خبر الواحد دليلان قد ثبتا، فيجب أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهو أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
وبناء على ذلك: فإن قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) مخصص بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر "، ولذلك فإن متروك التسمية، حلال أكله.
* * *
المسألة العاشرة:
يجوز تخصيص الكتاب والسنة بتقرير النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأن تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك الواحد على ذلك الفعل وسكوته عن الإنكار عليه
(1/267)

دليل على جواز ذلك الفعل - مثلاً -، وهو مقابل بالنص العام من الكتاب أو السنة، فهما دليلان قد ثبتا، فيجب في هذه الحالة العمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهو أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
وبناء على ذلك: فإنه لو وجد عام من النص، وأقر النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعل يخالف دلالة ذلك النص، فإن العام لا يكون حكمه متناولاً لهذا الفعل، بل يكون مراداً به غيره.
* * *
المسألة الحادية عشرة:
الإجماع يُخصص العام من الكتاب والسنة؛ لأن الإجماع أولى من عام الكتاب والسنة؛ لأنه نص، والنص قابل للتأويل، والإجماع غير قابل له، فيكون الإجماع أقوى والقوي يخصِّص الضعيف.
ولوقوعه؛ حيث إن العلماء قد أجمعوا على أن قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) مخصص بالإجماع على أن العبد يجلد خمسين جلدة على النصف من الحر، ومستند هذا الإجماع هو: القياس على الأمة؛ حيث ورد النص على أنها تجلد نصف ما على الحرة، فقال تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)، فقاس العلماء العبد على الأمة، وأجمعوا على هذا القياس.
(1/268)

المسألة الثانية عشرة:
مفهوم الموافقة والمخالفة يخصصان العام من الكتاب والسنة؛ لأن الخاص من مفهوم الموافقة والمخالفة، والعام من الكتاب والسنة، دليلان قد ثبتا وتعارضا ظاهراً، فيجب أن نعمل بالخاص وما بقي بعد التخصيص؛ جمعاً بين الدليلين، وهذا أولى من إبطال أحدهما بالكلية.
ومثال التخصيص بمفهوم الموافقة: لو قال شخص: " كل من دخل داري فاضربه "، ثم قال: " إن دخل زيد فلا تقل له أف "، فإن مفهوم ذلك يدل على تحريم ضرب زيد، وإخراجه من العموم.
ومثال التخصيص بمفهوم المخالفة قوله - صلى الله عليه وسلم -: " في أربعين شاة شاة "، قد خصص بمفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم -: " في سائمة الغنم الزكاة "، فتكون الزكاة واجبة في الغنم السائمة فقط، أما المعلوفة فتخرج عن الوجوب، والذي أخرجها المفهوم.
* * *
المسألة الثالثة عشرة:
القياس يخصص العام من الكتاب والسنة؛ لأن الخاص من القياس، والعام من الكتاب والسنة دليلان قد ثبتا، ولا يمكن أن نقدم العام على الخاص؛ لأنه يلزم منه إلغاء الخاص بالكلية وهذا
(1/269)

لا يجوز، أما تقديم الخاص فلا يوجب ذلك، بل فيه عمل بالخاص وعمل بما بقي بعد التخصيص، وهذا فيه جمع بين الدليلين.
وبناء على ذلك: فإن قوله تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) لم يبق على عمومه؛ حيث إن من وجب عليه حد في النفس ثم لجأ إلى الحرم فإنه يقتص منه ولو كان داخل الحرم، وخصصنا ذلك من عموم الآية السابقة بالقياس؛ حيث قسناه على من جنى داخل الحرم، فإن قتله جائز أخذاً من قوله تعالى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ).
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
إذا تعارض الخاص مع العام كأن يقول السيد لعبده: " أكرم الطلاب " وروي عنه أنه قال: " لا تكرم زيدا " وهو من الطلاب فإن النص الخاص يخصص اللفظ العام، فيكرم جميع الطلاب إلا زيداً، وهذا يكون مطلقاً، أي: سواء علمنا تاريخ نزول كل واحد منهما، أو لم نعلم، وسواء تقدم العام على الخاص، أو العكس، أو جهل التاريخ فلم نعلم أيهما المتقدم والمتأخر، أو كانا مقترنين في النزول؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يفعلون ذلك.
فمثلاً قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) نص عام يدل على أن جميع الأولاد يرثون من آبائهم، ولكن الصحابة
(1/270)

خصصوه: أولاً بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر " فخرج الولد الكافر، وخصصوه ثانياً بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يرث القاتل " فخرج الولد القاتل، وخصصوه ثالثاً بما رواه أبو بكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " نحن الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " فخرج أولاد الأنبياء، ولم ينقل إلينا أنهم بحثوا هل العام نزل قبل الخاص، أو الخاص قبله؛ فدل على أن الخاص يخصص العام مطلقاً.
ولأن في ذلك جمعاً بين دليلين قد ثبتا كما سبق قوله مراراً.
وبناء على ذلك: فإن الخاص يخصص العام بدون البحث عن تأخر أحدهما أو تقدُّمه أو نحو ذلك، فمثلاً قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) يفيد العموم، فالقاتل يقتل سواء كان المقتول مسلماً أو كافراً، ولكن قد خصصنا هذا العام بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يقتل مؤمن بكافر "، وعليه: فلا يقتل المسلم بالكافر الذمي، ولم نبحث عن تاريخ نزول أحدهما.
* * *
المسألة الخامسة عشرة:
قول الصحابي وفعله ومذهبه لا يخصص العموم؛ لأن العام دليل ظاهر فيما اقتضاه من التعميم، ولم يوجد له ما يصلح أن يكون معارضاً له سوى فعل الصحابي أو قوله وهو غير صالح
(1/271)

لمعارضته؛ حيث إن فعله غير مستند إلى نص يدل على أن المراد بذلك العام الخاص، بل يكون مستنداً إلى ما يظنه دليلاً أقوى منه: فيحتمل أن يكون دليلاً ويحتمل أن يكون غير دليل، وإذا قدرنا كونه دليلاً فيحتمل أن يكون أقوى من العموم، ويحتمل أن لا يكون، وهذه الاحتمالات متساوية، ولا مرجح، أما العام فهو دليل لا يحتمل شيئاً، فيقدم غير المحتمل على المحتمل، وعليه فلا يقوى قول الصحابي ومذهبه وفعله على تخصيص العام من الكتاب والسنة.
وبناء على ذلك فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: " من بدَّل دينه فاقتلوه " يبقى على عمومه حيث إن المرأة والرجل إذا بدَّلا دينهما فإنهما يقتلان، ولا يؤخذ بمذهب ابن عباس وهو: أن المرأة إذا ارتدت لا تقتل.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
العُرف لا يخصص العام؛ لأن أفعال الناس وعاداتهم وأعرافهم لا تكون حجة على الشرع، فيبقى اللفظ على عمومه ولا يوجد له معارض، والعادات والأعراف لا تصلح أن تكون معارضة، فوجب العمل بعموم اللفظ.
(1/272)

وبناء على ذلك: فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لو قال: " نهيتكم عن أكل الطعام "، وكانت عادتهم جارية بأكل طعام معين كالأرز - مثلاً - فإن النهي يكون على جميع الأطعمة ولا تؤثر العادة على هذا العموم.
المسألة السابعة عشرة:
لا يجوز تخصيص العام بذكر بعضه؛ لأن المخصص يجب أن يكون منافياً للعام، وذكر بعض العام بحكم العام غير مناف له فحكمهما واحد فامتنع التخصيص؛ لعدم وجود ما يقتضيه.
وبناء على ذلك: فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: " أيما إهاب دبغ فقد طهر " يبقى على عمومه؛ حيث إن كل جلد ميتة يطهر بالدباغ من غير فرق بين مأكول اللحم وغيره وبين الشاة وغيرها، ولا يُخصص ذلك بما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على شاة ميمونة فوجدها ميتة فقال: " هلا أخذوا جلدها فانتفعوا به، دباغها طهورها ".
* * *
المسألة الثامنة عشرة:
قصد الذم والمدح من اللفظ العام لا يُخصص العام؛ لأن قصد الذم والمدح وإن كان مقصوداً ومطلوباً للمتكلم لكن هذا لا
(1/273)

يمنع من قصد العموم معه؛ لأنه لا منافاة بين قصد الذم والمدح وبين العموم، وقد أتى بصيغة العموم، وقصد المدح والذم ليس ْمن مخصِّصاتها، فتبقى على ما هي عليه مفيدة للعموم.
وبناء على ذلك: فإن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)) يصلح للاستدلال به على وجوب زكاة الحلي؛ لكون العموم مقصوداً، والذم لم يخرج اللفظ عن العموم.
* * *
المسألة التاسعة عشرة:
عطف الخاص على العام لا يُخصص العام، فمثلاً
قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده "، يعمل
على أن لفظ " كافر " عام لجميع الكفار: الذمي والمستأمن، والحربي، فإذا قتل المسلم أحد هؤلاء الثلاثة فإنه لا يقتل به قصاصاً، لأن لفظ " كافر " نكرة وردت في سياق نفي فاقتضت العموم؛ لأنها صيغة من صيغ العموم، والمعارض الموجود وهو عطف الخاص عليه - وهو قوله: " ولا ذو عهد في عهده " - لا يصلح أن يكون معارضاً له؛ لأن مقتضى العطف هو: الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه في أصل الحكم الذي عطف عليه، لا الاشتراك فيه في جميع الوجوه، وإذا كان كذلك لم يكن عطف الخاص منافياً لتعميم المعطوف عليه، وإذا وجد
(1/274)

المقتضي للتعميم ولم يوجد المعارض له وجب القول بالتعميم.
وبناء على هذا: يكون قوله: " ولا ذو عهد في عهده "، معطوفاً على لفظ: " لا يقتل "، فيكون التقدير: وأيضاً لا يقتل ذو عهد وهو ما يزال في عهده.
* * *
المسألة العشرون:
الشرط - وهو: أن يؤتى بعد اللفظ العام بحرف من حروف الشرط مثل: " إن " أو " إذا " أو أخواتهما - من مخصصات العموم المتصلة، مثل قولك: " أكرم الطلاب إن نجحوا "، فإنه لو اقتصر على قوله: " أكرم الطلاب " لوجب أن يكون جميع الطلاب يجب إكرامهم، أي: سواء كانوا ناجحين أو راسبين، ولما أتى بالشرط وهو: إن نجحوا " خصص المكرمين وبينهم وهم الناجحون فقط.
* * *
المسألة الواحدة والعشرون:
يجب أن يكون الشرط متصلاً بالمشروط اتصالاً عادياً بحيث
(1/275)

لا يصح الفصل بينهما بالزمن فصلاً تحكم العادة بأن الشرط غير تابع للمشروط، فلا يجوز أن يقول: " أكرم الطلاب " ثم يسكت مدة طويلة، ثم يقول: " إن نجحوا ".
* * *
المسألة الثانية والعشرون:
يجوز تقديم الشرط وتأخيره، وإن كان وضعه الطبيعي هو صدر الكلام والتقدم على المشروط لفظاً لكونه متقدماً عليه في الوجود، فتقول: " إن نجح الطلاب فأكرمهم "، وتقول: " أكرم الطلاب إن نجحوا ".
* * *
المسألة الثالثة والعشرون:
الشرط الواقع بعد الجمل المتعاطفة يرجع إلى جميع الجمل، كقولك: " أكرم الرجال وتصدَّق على المساكين إن دخلوا الدار "، فهذا بمثابة قولنا: " أكرم الرجال إن دخلوا الدار، وتصدَّق على المساكين إن دخلوا الدار " ولا فرق.
* * *
المسألة الرابعة والعشرون:
حالات اتحاد الشرط والمشروط وتعدُّدهما، أو تعدُّد أحدهما واتحاد الآخر: تسع حالات وهي:
الحالة الأولى: أن يتَّحد الشرط والمشروط، كقولك: " إن دخل زيد الدار فأكرمه "، فيتوقف المشروط على هذا الشرط وحده وجوداً وعدماً.
الحالة الثانية: أن يتَّحد الشرط ويتعدد المشروط بحرف
(1/276)

" الواو "، كقولك: " إن نجحت تصدقت بدرهم وصمت يوماً "، فيقتضي الشرط الجمع بين التصدق والصيام.
الحالة الثالثة: أن يتحد الشرط ويتعدد المشروط بحرف " أو "، كقولك " إن نجحت فإني سأتصدق أو أصوم يوماً "، فيقتضي الشرط حصول التصدق وحده، أو الصيام وحده.
الحالة الرابعة: أن يتعدد الشرط بحرف " الواو " ويتّحد المشروط كقولك: " إن نجحت وشفي أبي تصدَّقت بألف ريال " فلا يمكن أن يوجد المشروط - وهو: التصدق بالألف - إلا بعد حصول الشرطين معاً وهما: النجاح والشفاء.
الحالة الخامسة: أن يتعدد الشرط بحرف " الواو " ويتعدد المشروط بحرف " الواو " أيضاً كقولك: " إن نجحت وشفي أبي تصدقت وصمت يوما "، فيقتضي هذا: أنه لا يمكن وجود المشروطين وهما: التصدق ووالصيام إلا إذا وجد الشرطان وهما: النجاح والشفاء معاً.
الحالة السادسة: أن يتعدد الشرط بحرف " الواو " ويتعدد المشروط بحرف " أو "، كقولك: " إن نجحت وشفي أبي تصدقت أو صمت يوما "، فحصول الشرطين وهما النجاح والشفاء يقتضي حصول أحد المشروطين على التخيير، فإما التصدق أو الصيام.
الحالة السابعة: أن يتعدد الشرط بحرف " أو " ويتحد المشروط، كقولك: " إن نجحت أو شفي أبي سأتصدق بدرهم "، فلا بد هنا من حصول أحد الشرطين حتى يجب عليه التصدق.
الحالة الثامنة: أن يتعدَّد الشرط بلفظ " أو " ويتعدد المشروط بحرف " الواو "، كقولك: " إن بنى زيد الجدار أو، نجح فأعطه
(1/277)

كتاباً ودرهماً "، فلا بد من حصول أحد الشرطين وهما: البناء أو النجاح حتى يستحق المشروطين معاً وهما: الكتاب والدرهم.
الحالة التاسعة: أن يتعدد الشرط بحرف " أو " ويتعدَّد المشروط بحرف " أو " أيضاً، كقولك: " إن بنى زيد الجدار أو نجح فأعطه كتاباً أو درهماً "، فلا بد - هنا - من حصول أحد الشرطين وهما البناء أو النجاح حتى يستحق أحد المشروطين وهما: الكتاب أو الدرهم.
* * *
المسألة الخامسة والعشرون:
الصفة - وهو: اللفظ المُشعر بمعنى يتصف به بعض أفراد العام - من مخصصات العموم المتصلة، نقول: " أكرم الطلاب الناجحين "، فلفظ " الطلاب " عام يشمل الناجحين والراسبين، ولما وصف الطلاب بالناجحين أخرج الطلاب الراسبين، فيخص الناجحون بالإكرام فقط.
* * *
المسألة السادسة والعشرون:
حالات الصفة مع الجمل ثلاث هي:
الحالة الأولى: إن وقعت الصفة بعد جمل، كقولك: " أكرم العلماء والأدباء، والتجار الطوال "، فإن الصفة ترجع إلى جميع الجمل وتخصصها، فكأنك قلت: أكرم العلماء الطوال، والأدباء الطوال، والتجار الطوال.
الحالة الثانية: إن وقعت الصفة قبل جمل، كقولك: أكرم الطوال من العلماء والتجار، فإن الصفة تعود إلى جميع الجمل وتخصصها فيكون المراد: أكرم الطوال من العلماء والطوال من التجار فقط.
(1/278)

الحالة الثالثة: إن وقعت الصفة وسطاً بين جملتين كقولك: " أكرم العلماء الطوال والتجار "، فإن الصفة تعود إلى الجملة التي قبلها وتخصِّصها فقط، أما ما بعدها فلا ترجع إليه، والتقدير: أكرم العلماء الطوال، أما التجار فأكرمهم جميعاً: طوالهم وقصارهم.
* * *
المسألة السابعة والعشرون:
الغاية - وهي: أن يؤتى بعد اللفظ العام بحرف من أحرف الغاية وهي: اللام، وحتى، وإلى، من المخصصات المتصلة مثل: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار "، فهنا بين أن إكرام العلماء ليس عاماً لجميع الأزمنة، بل مخصص إلى غاية دخولهم الدار فقط.
* * *
المسألة الثامنة والعشرون:
الغاية إذا كانت متعددة فلها حالتان هما:
الحالة الأولى: أن تكون الغاية متعددة وكانت على الجمع بحرف " الواو "، كقولك: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار وبأكلوا الطعام "، فهنا يستمر الإكرام إلى تمام الغايتين معاً وهما: دخول الدار، وأكل الطعام دون ما بعدهما.
الحالة الثانية: أن تكون الغاية متعددة وكانت على التخيير بحرف " أو "، كقولك: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار أو يدخلوا السوق "، فيقتضي ذلك استمرار الإكرام إلى تمام إحدى الغايتين - أيهما كانت - دون ما بعدها.
* * *
المسألة التاسعة والعشرون:
الغاية إذا ذكرت بعد جمل متعددة كقولك: " أكرم العلماء
(1/279)

والتجار إلى أن يدخلوا الدار "، فإن الغاية ترجع إلى الجملتين معاً أي: إكرام العلماء يستمر إلى غاية دخولهم الدار، وإكرام التجار يستمر إلى غاية دخولهم الدار، وهذا مطلقاً، أي: سواء كانت الغاية واحدة كما مثلنا، أو متعددة على الجمع بالواو، كقولك: " أكرم العلماء والتجار إلى أن يدخلوا الدار والسوق "، أو على الجمع بأو كقولك: " أكرم العلماء والتجار إلى أن يدخلوا الدار أو يدخلوا السوق "، وسواء كانت الغاية معلومة الوقوع في وقتها كقولك: " أكرم العلماء إلى أن تطلع الشمس "، أو غير معلومة الوقت كقولك: " أكرم العلماء إلى أن يدخلوا الدار ".
* * *
المسألة الثلاثون:
الاستثناء - وهو: قول متصل يدل بحرف " إلا " أو إحدى أخواتها على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول - من أهم المخصصات المتصلة، مثل قولك: " أكرم الطلاب إلا زيدا "، فقولك: " أكرم الطلاب " يقتضي إكرام جميع الطلاب، ولما قلت: " إلا زيدا " بيَّنت أن زيداً غير مراد بالقول الأول، فلا يكرم، أي: لا يشمله الإكرام.
* * *
المسألة الواحدة والثلاثون:
يشترط الصحة الاستثناء: أن يكون الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه حقيقة، فتقول: " نجح الطلاب إلا زيداً " بدون انقطاع، أو يكون في حكم المتصل بأن يكون انفصاله بسبب ضرورة كانقطاع نفَسه، أو بلع ريقه، أو سعال، أو ما أشبه ذلك.
(1/280)

وقلنا ذلك: لأن الاستثناء غير مستقل بنفسه، فهو جزء من الكلام أتي به لإتمامه وإفادته، لذلك لا يفيد شيئاً إلا إذا اتصل به مباشرة، لكن لو انفصل الاستثناء عن المستثنى منه لم يكن ذلك الاستثناء متمماً لذلك الكلام الأول وذلك قياساً على الخبر مع المبتدأ، فكما أن الخبر لا يفيد شيئاً بدون المبتدأ، والمبتدأ لا يفيد شيئاً بدون الخبر فكذلك المستثنى لا يفيد شيئاً بدون المستثنى منه.
وبناء على ذلك: فإن المتكلم لو فصل بين المستثنى منه والمستثنى، فإن المستثنى لا يؤثر على المستثنى منه إلا إذا فصله بشيء اضطر إليه كسعال ونحوه، كما لو قال: " علي ألف ريال استغفر الله إلا مائة " فإنه لا يصح الاستثناء؛ لأنه فصل بشيء يستطيع تركه.
* * *
المسألة الثانية والثلاثون:
يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه إذا كان متصلاً به، فيجوز أن تقول: " قام إلا زيداً القوم "، وتقول: " القوم إلا زيداً ذاهبوان "؛ لوقوعه في كلام العرب كقول الشاعر:
فما لي إلا آل أحمد شيعة. . . وما لي إلا مشعب الحق مشعب
والتقدير: ما لي شيعة إلا أحمد، وما لي مشعب إلا مشعب الحق.
(1/281)

ولأنه لا يخل بالفهم.
وبناء على ذلك: فإن الشخص لو قال: " له علي إلا عشرة، مائة درهم "، فإنه استثناء صحيح، ويكون المتكلم قد أقر بتسعين.
* * *
المسألة الثالثة والثلاثون:
يشترط لصحة الاستثناء: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، فلا يصح الاستثناء من غير الجنس، فلا يقال: " رأيت الناس إلا حمارا "، لأن الحمار لا يدخل في عموم الناس، وإذا ورد استثناء من غير الجنس فهو مجاز وليس حقيقة.
وقلنا ذلك؛ لأن الاستثناء من الجنس قد كثر استعماله كثرة شائعة، حتى إذا أطلق يتبادر منه أنه من الجنس، والتبادر أمارة الحقيقة، فكان حقيقة في الاستثناء من الجنس، فإذا ورد استثناء من غير الجنس فقد ورد على خلاف الحقيقة فيكون مجازاً.
ولأن الاستثناء من غير الجنس عيب عند عقلاء أهل اللغة، فلو قال: " قدم الحاج إلا الحمير " لعابه أهل اللغة، وما هذا شأنه لا يكون وضعه مضافاً إلى أهل اللغة.
وبناء على ذلك: فإن المكلف لو قال: " علي لزيد ألف درهم إلا ثوباً " فإن هذا لا يصح.
(1/282)

المسألة الرابعة والثلاثون:
لا يجوز استثناء كل المستثنى منه بحيث لا يبقى منه فرد، فلا يجوز أن تقول: " له علي عشرة إلا عشرة "، وقلنا ذلك لأن استثناء الكل يفضي إلى العبث؛ حيث إنه نفي بعد إثبات.
وبناء على ذلك فإنه لو قال المكلف: " له علي عشرة إلا عشرة "، فإن العشرة تلزمه، كذلك لو قال: " أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً " فإنه يلزمه الطلاق بالثلاث، لأنه رفع الإقرار، والإقرار لا يجوز رفعه.
* * *
المسألة الخامسة والثلاثون:
لا يجوز استثناء الأكثر، أي: لا يجوز أن يكون المستثنى أكثر من الباقي بعد الاستثناء؛ لأن استثناء الأكثر عيب عند أهل اللغة، قال ابن جني: " ولو قال قائل: هذه مائة إلا تسعين ما كان متكلماً بالعربية، وكان كلامه عياً ولكنة ".
ولأن الاستثناء على خلاف الأصل عند العرب؛ لأنه إنكار بعد إقرار، والأصل: عدم الإنكار، لكن لما كان الإنسان قد يغفل عن بعض ما أقر به أجيز استثناء القليل لدفع الضرر، وأما الأكثر فلا يعقل أن يغفل عنه الإنسان، فلم يجز فيه الاستثناء جرياً على الأصل في الكلام.
وبناء على ذلك: فإن الزوج لو قال: " أنت طالق ثلاثاً إلا
(1/283)

اثنتين "، فإنه يلزم الزوج جميع المستثنى منه، وهي: التطليقات الثلاث ويكون الاستثناء لغواً.
وكذلك لو قال: " له علي عشرة إلا تسعة "، فإنه يلزم المقر جميع المستثنى منه، ويكون الاستثناء لغواً، فتلزمه العشرة.
* * *
المسألة السادسة والثلاثون:
لا يجوز استثناء نصف المستثنى منه، بل الذي يجوز استثناء أقل من النصف؛ لما سبق من الدليلين المذكورين في المسألة السابقة.
وبناء على هذا: فإنه لو قال: " له علي عشرة إلا خمسة "، فإنه يلزم المقر جميع المستثنى منه، أي: تلزمه العشرة كلها ويكون الاستثناء لغواً.
* * *
المسألة السابعة والثلاثون:
الاستثناء الواقع بعد الجمل المتعاطفة بالواو يرجع إلى جميع الجمل؛ لاتفاق أهل اللغة على أن تكرار الاستثناء عقيب كل جملة يعتبر نوعاً من العي والركاكة فيما لو أراد إرجاعه إلى الجميع، كما لو قال: " إن شرب زيد الخمر فاضربه إلا أن يتوب، وأن زنا فاضربه إلا أن يتوب "، فإذا ثبت استقباح ذلك عند أهل اللغة فلم يبق - للتخلص من ذلك - إلا أن يجعل استثناء
(1/284)

واحداً في آخر الجمل ويعود إلى جميعها فتقول: " إن شرب زيد الخمر فاضربه، وإن زنا فاضربه إلا أن يتوب ".
ولأن الاستثناء صالح لأن يعود إلى كل واحدة من الجمل، وليس البعض أولى من البعض، فوجب العود إلى الجميع كالعام.
وبناء على ذلك: فإن الاستثناء الوارد في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يُؤم الرجل في أهله، ولا يُجلس على تكرمته إلا بإذنه "، راجع إلى الجملتين معاً، فيكون التقدير: لا يؤم الرجل في أهله إلا بإذنه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه.
* * *
المسألة الثامنة والثلاثون:
يفرق بين الاستثناء والتخصيص بالمنفصل من وجهين:
أولهما: أن الاستثناء يشترط فيه الاتصال، فتقول: " أكرم الطلاب إلا زيداً "، وقد سبق بيان ذلك.
أما التخصيص بالمنفصل فلا يشترط فيه ذلك: فيجوز أن يكون متصلاً، وأن يكون منفصلاً.
ثانيهما: أن الاستثناء يتطرق إلى ما يدل على معناه دلالة ظاهرة كقولك: " أكرم الطلاب إلا زيدا "، ويتطرق إلى ما نص على معناه كقولك: " له علي عشرة إلا ثلاثة ".
(1/285)

أما التخصيص بالمنفصل فإنه يجوز في الظاهر - وهو العام فقط - كقولك: " أكرم الطلاب " ثم تقول: " لا تكرم زيدا "، لأن دخول زيد في عموم الطلاب ظني؛ لأن دلالة العموم ظنية، ولكن لا يصح أن تقول: " أكرم زيداً وعمراً وبكراً " ثم بعد ذلك تقول: " لا تكرم زيدا "، فإن قلت ذلك يكون نسخاً لا تخصيصاً.
* * *
المسألة التاسعة والثلاثون:
يفرق بين الاستثناء والنسخ من ثلاثة أوجه وهي:
أولها: أن الاستثناء يشترط فيه اتصاله بالمستثنى منه؛ لأنه لايستقل بنفسه.
أما النسخ فيشترط فيه: أن يكون الناسخ متأخراً عن المنسوخ؛ لأن كلاً من الناسخ والمنسوخ يستقل بنفسه.
ثانيها: أن النسخ رافع، والاستثناء مانع، أي: أن النسخ يرفع ما دخل تحت اللفظ الوارد.
أما الاستثناء فهو يمنع بعض الأفراد من الدخول تحت اللفظ، ولولا هذا الاستثناء لدخل، فالاستثناء يمنع دخول المستثنى تحت لفظ المستثنى منه.
ثالثها: أنه في النسخ يجوز رفع جميع الحكم كرفع وجوب الصدقة بين يدي مناجاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويجوز أن يرفع بعض الحكم كرفع بعض عدة المتوفى عنها زوجها، فقد كانت حولاً كاملاً، فنسخ ورفع بعضها حتى صارت أربعة أشهر وعشراً.
أما الاستثناء فإنه يمنع بعض الأفراد من الدخول تحت اللفظ فتقول: " أكرم الطلاب إلا زيداً "، ولكن لا يجوز أن يمنع الاستثناء جميع الأفراد من الدخول تحت اللفظ، فلا يجوز أن تقول: " لي عليه عشرة إلا عشرة ".
(1/286)

المطلب التاسع عشر
في المطلق والمقيَّد
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المطلق هو: اللفظ المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه.
مثل قول السيد لعبده: " أكرم طالباً " أو " أكرم طلابا "، فإن هذا الأمر قد تناول واحداً غير معين، وتناول جماعة غير معينين، ومدلول هذا الأمر شائع في جنسه، فلا يوجد طالب معروف، أو جماعة من الطلاب معروفين بصفة معينة، بل الواجب على العبد اختيار أي طالب ويكرمه، أو أي طلاب فيكرمهم وتبرأ ذمته.
* * *
المسألة الثانية:
المقيد هو: اللفظ المتناول لمعين، أو لغير معين موصوف بأمر زائد على. الحقيقة الشاملة لجنسه.
مثل: قولك: " أعط هذا الطالب "، أو قولك: " أعط الطالب الطويل "، فقد قيدنا الطالب الأول بتعيينه بالإشارة إليه وقيدنا الطالب الثاني بوصفه بالطول الذي أخرجه عن بقية الطلاب.
(1/287)

المسألة الثالثة:
المطلق يكون في أمور هي:
الأول: يكون في معرض الأمر، كقولك: " أعتق رقبة "، أو " أعط طالباً جائزة ".
الثاني: يكون في مصدر الأمر، كقوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ).
الثالث: يكون في مصدر الخبر عن المستقبل، كقوله عليه السلام: " لا نكاح إلا بولي "، وقولك: " سأعتق رقبة ".
لكن لا يمكن أن يكون المطلق في معرض الخبر المتعلق بالماضي، كقولك: " رأيت رجلاً " أو " أعطيت طالباً " أو " أعتقت رقبة "؛ لأن هؤلاء - وهم الرجل والطالب والرقبة - قد تعيَّنوا بالضرورة، وهي: ضرورة إسناد الرؤية إلى الرجل، وضرورة إسناد الإعطاء إلى الطالب، وضرورة إسناد الإعتاق إلى الرقيق.
* * *
المسألة الرابعة:
المقيد يكون في أمرين هما:
الأول: يكون في الألفاظ الدالة على مدلول معيَّن، أو ما تناول معيناً كزيد وعمرو، وهذا الرجل.
الثاني: يكون في الألفاظ الدالة على غير معين، ولكنه موصوف بوصف زائد على مدلول المطلق، كقوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، وكقولك: " أكرم الطالب الناجح ".
* * *
المسألة الخامسة:
مقيِّدات المطلق هي مخصصات العموم المتصلة والمنفصلة
(1/288)

- السابقة الذكر -، فعلى هذا: فإنه يجوز تقييد مطلق الكتاب بالكتاب، وبالسنة، ومطلق السنة بالسنة والكتاب، وتقييد مطلق الكتاب والسنة بالإجماع، والقياس، والمفاهيم ونحو ذلك مما قلناه.
* * *
المسألة السادسة:
إذا كان متعلق حكم المطلق غير متعلق حكم المقيد، كقوله: " أدوا الصلاة "، وقوله: " اعتقوا رقبة مؤمنة إذا حنثتم "، فهنا لا يحمل المطلق على المقيد اتفاقاً؛ لأنه ليس بينهما مناسبة، ولا تعلق لأحدهما بالآخر أصلاً.
* * *
المسألة السابعة:
إذا كان متعلق حكم المطلق هو عين متعلق حكم المقيد، وكان السبب واحداً، وكل واحد منهما أمر كقوله: " اعتقوا رقبة إذا حنثتم "، ثم يقول: " اعتقوا رقبة مؤمنة إذا حنثتم " فهنا يحمل المطلق على المقيد مطلقاً، أي: سواء كان المطلق هو المتقدم، أو هو المتأخر، أو جهل ذلك؛ لأن الجمع بين الدليلين أولى من إعمال أحدهما وترك الآخر.
* * *
المسألة الثامنة:
إذا كان متعلق حكم المطلق هو عين متعلق حكم المقيد، وكان السبب واحداً، وكل واحد منهما نهي كقوله: " لا تعتق رقبة إذا حنثت، ثم قال: " لا تعتق رقبة كافرة إذا حنثت "، فهنا يحمل المطلق على المقيد، وهو كالتخصيص، وهذا على مذهبنا في أن المفهوم حجة وأنه يخصص به العموم، حيث إنه يخصص النهي العام؛ لأن النهي في قوله: " لا تعتق رقبة كافرة " يدل بمفهومه على أنه لا يجزىء إلا الرقبة المسلمة، لأنه صرح بالنهي عن الكافرة.
(1/289)

المسألة التاسعة:
إذا كان متعلَّق حكم المطلق هو عين متعلَّق حكم المقيد، وكان السبب واحداً، وكان أحدهما أمراً والآخر نهياً فإن المقيد يوجب تقييد المطلق بضده مطلقاً، أي: سواء كان المطلق أمراً والمقيد نهياً كقوله: " اعتق رقبة "، ثم يقول: " لا تعتق رقبة كافرة "، أو كان المطلق نهياً والمقيد أمراً كقوله: " لا تعتق رقبة "، ثم يقول: " اعتق رقبة مؤمنة ".
* * *
المسألة العاشرة:
إذا كان متعلَّق حكم المطلق هو عين متعلَّق حكم المقيد، وكان سبب المطلق يختلف عن سبب المقيد، وكل واحد منهما أمر كقوله تعالى: في كفارة الظهار - (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)، مع قوله في كفارة القتل: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، فهنا السبب مختلف؛ حيث إن سبب عتق الرقبة في المطلق هو: الظهار، وسبب عتق الرقبة في المقيد هو: القتل الخطأ، فيحمل المطلق على المقيد إن قام دليل كالقياس على المقيد؛ لأن القياس دليل شرعي عام في كل صورة إلا إذا فقد فيه ركن من أركانه، أو شرط من شروطه؛ حيث إن الأدلة على حجيته لم تفرق بين صورة وصورة، فإذا دل القياس على حمل المطلق على المقيد فإنه يجب العمل على ذلك عملاً بحجية القياس.
ولأن العام يخصص بالقياس، فكذلك المطلق يقيد بالقياس ولا فرق، والجامع صيانه القياس عن الإلغاء.
(1/290)

وبناء على ذلك: فإنه يحمل المطلق على المقيد هنا، فلا يجزئ في كفارة الظهار، وكفارة القتل الخطأ إلا رقبة مؤمنة.
* * *
المسألة الحادية عشرة:
إذا كان متعلَّق حكم المطلق هو عين متعلق حكم المقيد وكان سبب المطلق يختلف عن سبب المقيد، وكل واحد منهما نهي كقوله: " لا تعتق رقبة " في كفارة الظهار، ثم قوله: " لا تعتق رقبة كافرة " في كفارة القتل، فهنا يحمل المطلق على المقيد، وهو كالتخصيص، وهذا على مذهبنا، وهو أن المفهوم حجة وأنه يخصص به، فيخصص النهي العام بالكافرة إن وجد دليل، فمفهوم قوله: " لا تعتق رقبة كافرة " هو: أنك يجب أن تعتق رقبة مؤمنة، فهذا المفهوم يقيد قوله: " لا تعتق رقبة ".
* * *
المسألة الثانية عشرة:
إذا كان متعلَّق حكم المطلق هو عين متعلق حكم المقيد، وكان سبب المطلق يختلف عن سبب المقيد، وكان أحدهما أمراً والآخر نهياً، فإنه يحمل المطلق على المقيد سواء كان المطلق أمراً كقوله: " اعتق رقبة " في كفارة الظهار، والمقيد نهياً كقوله: " لا تعتق رقبة كافرة " في كفارة القتل، أو بالعكس.
(1/291)

المطلب العشرون
في المنطوق
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المنطوق هو: ما دل عليه اللفظ في محل النطق، أي: أن يكون حكماً للمذكور وحالاً من أحواله سواء ذكر ذلك الحكم ونطق به أو لا، مثل: وجوب الزكاة في الغنم السائمة الذي دل عليه منطوق قوله - صلى الله عليه وسلم -: " في سائمة الغنم الزكاة ".
* * *
المسألة الثانية:
ينقسم المنطوق إلى قسمين:
القسم الأول: منطوق صريح وهو: دلالة اللفظ على الحكم بطريق المطابقة أو التضمن.
مثاله قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، حيث دل هذا اللفظ بمنطوقه الصريح على نفي المماثلة بين البيع والربا، فالبيع جائز والربا حرام.
القسم الثاني: منطوق غير صريح وهو: دلالة اللفظ على الحكم بطريق الالتزام، أي: أن اللفظ لم يوضع لذلك الحكم أصالة، بل لزم مما وضع له.
(1/292)

مثاله: قوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، فالحكم المنطوق به صراحة هو: أن نفقة الوالدات من رزق وكسوة واجبة على الاباء، فهذا هو المتبادر من صريح اللفظ، ولكن الآية دلت بالالتزام على أن النسب يكون للأب، لا للأم، وعلى أن نفقة الولد على الأب، دون الأم.
* * *
المسألة الثالثة:
ينقسم المنطوق غير الصريح إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: اقتضاء النص، وهي دلالة الاقتضاء، وهي: دلالة اللفظ على معنى لازم مقصود للمتكلم يتوقف عليه صدق الكلام، أو صحته العقلية، أو صحته الشرعية، وهذا القسم أنواع:
النوع لأول: ما يتوقف عليه صدق الكلام، أي: ما وجب تقديره ضرورة صدق الكلام، فلولا تقديره لكان الكلام كذباً ومخالفاً للواقع والحقيقة.
مثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "، فإن ظاهر هذا يدل على أن الخطأ والنسيان والإكراه قد وضع عن الأمة أو أنها لا تقع فيها، وهذا غير صحيح، حيث إنه لا يطابق الواقع، حيث إنه يقع من الأمة الخطأ والنسيان والإكراه؛ لأن الأمة ليست معصومة.
وما دام أن الرسول لا يخبر إلا صدقاً فلا بد إذن - لأجل أن يكون الكلام صدقاً - من تقدير محذوف، فتعين أن نقدر شيئاً زائداً عن الذي استفدناه عن طريق العبارة، وهو: " الإثم " فيكون تقدير الكلام بعد هذا: " رفع عن أمتي إثم الخطأ، وإثم النسيان، وإثم ما استكرهوا عليه ".
(1/293)

مثله: قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا صيام لمن لم يبيِّت الصيام من الليل "، والمقصود: " لا صيام صحيح "، فلا بد من تقدير ذلك؛ لأن صورة الصيام تقع.
النوع الثاني: ما توقف عليه صحة الكلام شرعاً، أي: ما وجب تقديره ضرورة تصحيح الكلام شرعاً، فتمتنع صحة الملفوظ به شرعاً بدون ذلك المقدَّر.
مثاله: قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، فظاهر هذا يدل على أن المسافر يصوم عدة من أيام أخر مطلقاً، أي: سواء صام في سفره أو لم يصم، ولكن الشرع دل على أن المسافر إذا أفطر في سفره فعليه القضاء في أيام أخر، أما إذا صام في سفره فلا موجب للقضاء عليه، لذلك وجب أن نقدر شيئاً لأجل تصحيح الكلام شرعاً فنقول: " أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر ".
النوع الثالث: ما توقف عليه صحة الكلام عقلاً، أي: ما وجب تقديره لتصحيح الكلام من جهة العقل، فيمتنع وجود الملفوظ عقلاً بدون ذلك المقدر.
مثاله: قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) فإن العقل يمنع من إضافة التحريم إلى ذات الأمهات، فوجب إضمار فعل يتعلق به الحكم وهو هنا: " الوطء "؛ نظراً إلى أن العقل يقتضيه فيكون التقدير: حرم وطء أمهاتكم، كذلك قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)، والمقصود: أكل الميتة، وقولك: " حرمت عليك هذه الدار " أي: دخولها.
القسم الثاني: إيماء النص، وهو دلالة الإيماء، وهي: دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته عقلاً أو شرعاً، في حين أن الحكم المقترن بوصف لو لم
(1/294)

يكن للتعليل لكان اقترانه به غير مقبول ولا مستساغ، فذكر الحكم مقروناً بوصف مناسب يفهم منه أن علة ذلك الحكم هو ذلك الوصف.
مثاله قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)، فالشارع هنا قد أومأ إلى أن علة قطع اليد هي: السرقة.
كذلك قوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)).
إيماء أن هؤلاء ما صاروا في النعيم إلا لبرهم، وهؤلاء ما صاروا في الجحيم إلا لفجورهم.
ودلالة الإيماء تتنوع إلى أنواع كثيرة، وهو من مسالك العلة، وسيأتي الكلام عنها في القياس إن شاء الله.
القسم الثالث: إشارة النص، وهي دلالة الإشارة وهي: دلالة اللفظ على لازم غير مقصود من اللفظ، لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته.
أي: ما يتبع اللفظ من غير تجريد قصد إليه، فكما أن المتكلم قد يفهم بإشارته وحركته في أثناء كلامه ما لا يدل عليه نفس اللفظ فيسمى إشارة، فكذلك قد يتبع اللفظ ما لم يقصد به، ويبنى عليه.
مثاله: قوله تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)، فقد دل هذا مع قوله تعالى: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر بدلالة الإشارة.
وهذا الحكم غير مقصود من لفظ الآيتين، بل المقصود من الآية الأولى هو: بيان حق الوالدة، لما تقاسيه من الآلام في الحمل وفي الفصال، والمقصود من الثانية هو: بيان أكثر مدة الفصال، ولكن لزم منهما: أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهذه دلالة إشارة.
(1/295)

المطلب الواحد والعشرون في المفهوم
المفهوم هو: معنى يستفاد من اللفظ في غير محل النطق.
وهو ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مفهوم الموافقة.
القسم الثاني: مفهوم المخالفة.
وإليك بيانهما:
(1/297)

القسم الأول
في مفهوم الموافقة
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
مفهوم الموافقة هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه وموافقته له نفياً وإثباتاً، مثل قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) فالمنطوق به هو: تحريم مجرد التأفيف والتضجر، ولكن اللفظ قد دل بمفهومه على تحريم ضرب الوالدين وشتمهما، وسبهما، وقتلهما، وأيِّ نوع من أنواع الإيذاء؛ لأنه إذا حرم مجرد التأفيف فمن باب أولى أن يحرم ما هو أشد منه مما لم ينطق به الشارع.
* * *
المسألة الثانية:
يتنوع مفهوم الموافقة إلى نوعين:
النوع الأول: مفهوم موافقة أولى: وهو: ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، أي: أن المناسبة بين المسكوت عنه وبين الحكم أقوى وأشد منها بين المنطوق وبين هذا الحكم، فيكون المسكوت أولى منه بالحكم، وهو ما يسمى بالتنبيه بالأدنى على الأعلى، مثل قولنا: إذا كان مجرد التأفيف قد حرم فمن باب أولى تحريم الضرب والقتل؛ لأنه أشد في الإيذاء وذلك من الآية السابقة.
(1/299)

النوع الثاني: مفهوم الموافقة المساوي، وهو: ما كان المسكوت عنه مساوياً للمنطوق به في الحكم، أي: أن المناسبة بين المسكوت عنه وبين الحكم على قدر المناسبة الموجودة بين المنطوق وبين هذا الحكم.
مثاله: قوله تعالي: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) فالمنطوق به هو: تحريم أكل مال اليتيم.
والمفهموم منه: تحريم إحراق مال اليتيم أو تبذيره؛ لأنه مساو لأكله المحرم بجامع: إتلاف المال.
وقلنا بهذا النوع الثاني، لأنا نعلم قطعاً أنه ربما يفهم ثبوت الحكم في المسكوت عنه من ثبوته للمنطوق به مع عدم أولويته بالحكم، وذلك الفهم مناط الحكم لغة من غير حاجة إلى إعمال الذهن في البحث عن هذا المناط، ولا فرق بين المساوي والأولوي؛ حيث إن كلاً منهما يفهم من معنى النص بمجرد فهم اللغة إلا أن الاحتجاج بالمفهوم الأولوي أقوى من الاحتجاج بالمفهوم المساوي.
وبناء على ذلك: فإن ثبوت حكم المنطوق للمسكوت في حال المساواة إنما يكون بطريق اللفظ والنص.
(1/300)

المسألة الثالثة:
دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية معنوية وليست دلالة قياسية؛ لأن التنبيه بالأدنى على الأعلى، أو بأحد المتساويين على الآخر أسلوب فصيح تستعمله العرب للمبالغة في تأكيد الحكم في محل السكوت، وهو أفصح عندهم من التصريح بحكم المسكوت عنه - فتجدهم يقولون: " هذا الفرس لا يلحق غبار هذا الفرس "، وهذا عندهم أبلغ وأفصح من قولهم: " هذا الفرس سابق لهذا الفرس ".
ولأن الحكم الثابت بمفهوم الموافقة يتنبه له أي عارف باللغة دون الحاجة إلى اجتهاد أو إعمال فكر، أو استنباط وتأمل دقيق، أو مقدمات شرعية، أو استنتاجية.
وبناء على ذلك: فإنا نتعامل مع مفهوم الموافقة كما نتعامل مع الألفاظ، لذلك قلنا: إنه ينسخ وينسخ به، ويخصص وغير ذلك وهو أقوى من القياس.
* * *
المسألة الرابعة:
مفهوم الموافقة حجة، أي: طريق من طرق استنباط الأحكام الشرعية؛ لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - حيث إنهم فهموا ذلك من خطاب الله تعالى ورسوله، ومن مخاطباتهم فيما بينهم، ففهموا من قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7)
(1/301)

وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)) أن ما زاد على مثقال ذرَّة أولى في أن الشخص يراه يوم القيامة.
ولأن هذا الأسلوب من الدلالة معروف عند أهل اللغة بل هو أبلغ في الدلالة من التصريح عندهم، فيكون حجة عندهم، وما هو حجة لغة يجب أن يكون حجة شرعاً ما لم يقم دليل يدل على أن الشارع أراد معنى خاصاً.
وبناء على ذلك: فإن مفهوم الموافقة يكون حجة عن طريق اللفظ، فتحريم ضرب الوالدين أخذناه من مفهوم قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) كما سبق.
(1/302)

القسم الثاني
في مفهوم المخالفة
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
مفهوم المخالفة هو: دلالة اللفظ على ثبوت حكم للمسكوت عنه مخالف للحكم الذي دل عليه المنطوق نفياً أو إثباتاً، فقوله - صلى الله عليه وسلم -: " في سائمة الغنم الزكاة "، دل بمنطوقه: أن الغنم السائمة فيها زكاة، ودل بمفهوم المخالفة: أن الغنم المعلوفة لا زكاة فيها.
* * *
المسألة الثانية:
أنواع مفهوم المخالفة هي:
النوع الأول: مفهوم الصفة. أي: أن يأتي خطاب وُيعلق حكمه على صفة لا توجد هذه الصفة في كل مدلول: فإن هذا يدل على نفي ذلك الحكم عما انتفت عنه تلك الصفة كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " في سائمة الغنم الزكاة " يدل على نفي الزكاة عن غير الغنم غير السائمة وهي: المعلوفة.
وقلنا ذلك: لأن تخصيص الحكم بالصفة لا بد له من فائدة؛ صوناً للكلام عن اللغو، ولا يسبق إلى الذهن من فوائد ذكر الصفة سوى انتفاء الحكم عما عدا الموصوف بتلك الصفة،
(1/303)

فثبت أنه يحمل تخصيص الحكم بتلك الصفة على نفيه عند عدم تلك الصفة.
ولأن الحكم المرقب على الخطاب المقيد بالصفة معلول بتلك الصفة؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعليَّة - كما سيأتي بيانه في القياس.
وانتفاء العلة يوجب انتفاء الحكم، فيلزم من ذلك انتفاء الحكم فيما انتفت عنه تلك الصفة.
وبناء على ذلك، فإنه لو قال: " وقفت هذا على أولادي الفقراء "، فإن غير الفقراء لا يدخلون.
* * *
تنبيه: تقييد الحكم بالصفة في جنس يدل على نفي الحكم عما عدا الموصوف بها في ذلك الجنس لا غير، فقوله عليه السلام: " في سائمة الغنم الزكاة " يدل بمفهومه: أن معلوفة الغنم لا زكاة فيها فقط، أما معلوفة الإبل والبقر ففيها زكاة.
وقلنا ذلك لأن دلالة المفهوم مخالفة لدلالة المنطوق، والمنطوق لم يتناول إلا الجنس المذكور، فمخالفه كذلك لا يخالف إلا الجنس المذكور؛ تحقيقاً لمعنى المخالفة.
النوع الثاني: مفهوم التقسيم وهو أن يذكر قسمين، ويذكر
(1/304)

حكم أحد القسمين: فإن هذا يدل على انتفاء ذلك الحكم عن القسم الآخر، كقولك: " عندي زيد وبكر أما زيد فهو كريم "، فإن هذا يدل على نفي الكرم عن بكر.
ودليل ذلك هو دليل حجية مفهوم الصفة.
النوع الثالث: مفهوم العلة، وهو: دلالة اللفظ المقيد بعلة على ثبوت نقيض حكمه للمسكوت عنه الذي انتفت عنه تلك العلة، كقوله: " حرمت الخمرة لإسكارها "، فإن هذا يدل بمفهومه على أن ما لا إسكار فيه حلال. ودليل ذلك هو نفس دليل حجية مفهوم الصفة.
النوع الرابع: مفهوم الحال، وهو: دلالة اللفظ المقيد بحال من الأحوال على ثبوت نقيض حكمه للمسكوت عنه الذي عدمت فيه تلك الحال كقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، فحرمت المباشرة في حالة معينة وهي: الاعتكاف، ودل بمفهوم الحال المخالف: حل المباشرة في غير الاعتكاف، ودليل ذلك نفس دليل حجية مفهوم الصفة.
النوع الخامس: مفهوم المكان، وهو: دلالة اللفظ الذي علق الحكم فيه بمكان معين على ثبوت نقيض هذا الحكم للمسكوت عنه الذي انتفى عنه، كقول السيد لعبده: " لا تدخل هذه الغرفة "، فإنه يدل بمفهوم المكان المخالف: أنه يباح له أن يدخل جميع الغرف إلا هذه الغرفة، ودليل ذلك هو دليل حجية مفهوم الصفة.
النوع السادس: مفهوم الزمان، وهو: دلالة اللفظ الذي علَّق الحكم فيه بزمان معين على ثبوت نقيض هذا الحكم
(1/305)

للمسكوت عنه الذي انتفى عنه، كقول السيد لعبده: " ادخل علي يوم الجمعة "، فإنه يدل بمفهوم الزمان المخالف أنه لا يدخل عليه في بقية أيام الأسبوع، ودليل ذلك هو: دليل حجية مفهوم الصفة.
النوع السابع: مفهوم الشرط، وهو: أن يعلق الحكم على شيء بحرف " إن " أو غيره من أدوات الشرط: فإنه يدل على انتفاء الحكم عند عدم الشرط كقولك: " لك جائز إن نجحت "، فإن هذا يدل على عدم الجائزة إذا لم ينجح.
وقلنا ذلك: لأن أبا يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب: ما لنا نقصر وقد أمِنَّا، وقد قال تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، حيث فهم أبو يعلى من تخصيص القصر بحالة الخوف: عدم القصر عند عدم الخوف، ولم ينكر عليه عمر، بل قال: عجبتُ مما عجبت منه، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ".
ولأن كتب اللغة والنحو ناطقة بأن كلمة " إن " تسمى عند أهل اللغة بحرف الشرط، والشرط هو: ما ينتفي الحكم عند انتفائه، فيقال: " الطهارة شرط لصحة الصلاة "، فيلزم من انتفاء الطهارة انتفاء صحة الصلاة، فيكون انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط معنى عاماً في جميع موارد استعماله، فوجب جعله حقيقة فيه.
(1/306)

وبناء على ذلك: فإن المطلقة ثلاثاً الحائل لا تجب النفقة عليها، أخذاً بمفهوم الشرط في قوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، فقد جعلت الآية النفقة للبائن بشرط: أن تكون حاملاً، فينتفي الحكم عند انتفاء الشرط، فيثبت عدم وجوب النفقة للمطلقة ثلاثاً الحائل.
النوع الثامن: مفهوم الغاية، وهو: أن تقييد الشارع للحكم بغاية يدل على نفي الحكم فيما بعد الغاية؛ لأن ما بعد الغاية يقبح الاستفهام عنه، فلو قال السيد لعبده: " لا تعط زيداً حتى يقوم " و " اضرب عمراً إلى أن يتوب "، فإنه يقبح من العبد أن يسأل ويقول: إذا قام هل أعطيه درهماً؛ وإذا تاب هل أضربه؟ وسبب هذا القبح: أن الجواب قد فهم بدون ذلك، فالسؤال يكون تحصيل حاصل، فلو لم يفهما لما قبح الاستفهام عنهما، ولأن غاية الشيء: نهايته، ونهاية الشيء: منقطعه، ومعروف أن الشيء إذا انقطع وانتهى صار خاصاً بحكم، وصار ما بعده خاصاً بحكم آخر، وهو ضده.
وبناء على ذلك: فإن الزوجة تحل بعد الزواج بزوج آخر؛ استدلالاً بمفهوم الغاية الوارد في قوله تعالى: (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ).
وكذلك: أن الغسل يجزئ عن الوضوء؛ استدلالاً بمفهوم
(1/307)

الغاية الوارد في قوله تعالى: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) حيث إن مفهومه: إن اغتسلتم فلكم أن تقربوا الصلاة، فلولا أن الغسل يجزئ عن الوضوء لم يكن للمغتسل أن يقرب الصلاة.
النوع التاسع: مفهوم العدد، وهو: أن تقييد الحكم بعدد مخصوص يدل على نفي ذلك الحكم فيما عدا ذلك العدد، سواء كان زائداً أو ناقصاً، لأن الحكم لو ثبت فيما زاد على العدد كما ثبت في العدد المذكور لم يكن لذكر العدد فائدة، وكلام الشارع لا يجوز أن يعرى عن الفائدة ما أمكن، كما لا يجوز أن يخلى ذكر الصفة والشرط والغاية عن الفائدة، فثبت أن فائدة ذكر العدد هي: أن ينفي الحكم عما عدا المقيد بعدد.
والاْمة قد عقلت وفهمت من تحديد القذف بثمانين: نفي الزيادة، ونفي النقصان.
وبناء على ذلك: فإن يجب الوضوء من ثلاث قطرات من الدم؛ استدلالاً بمفهوم العدد من قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون دماً سائلاً ".
وكذلك: لو قال لوكيله: " بع هذا الثوب بمائة ريال "، فإن باع وكيله هذا الثوب بأكثر من مائة أو أقل فإنه لا يصح البيع.
النوع العاشر: مفهوم الاستثناء من النفي، وهو: أن الاستثناء من النفي يُفهم منه الإثبات، فلو قال: " لا عالم في
(1/308)

المدينة إلا زيد "، فإنه يدل على نفي كل عالم سوى زيد، وإثبات كون زيد عالماً؛ لأن هذا يتبادر إلى ذهن كل سامع لغوي فهو من أدل الألفاظ على علم زيد وفضله.
ولإجماع الأمة على أن القائل: " لا إله إلا الله " يُعتبر موحداً مثبتاً للألوهية لله تعالى، ونافياً لها عما سواه.
وبناء على ذلك: فإنه لو قال: " ليس له علي شيء إلا درهماً " فإنه يكون مقراً بدرهم، لأن الاستثناء من النفي إثبات.
النوع الحادي عشر: مفهوم " إنما "، وهو: أن تقييد الحكم بلفظ " إنما " يدل على الحصر وإثبات الحكم، ونفيه عما عداه؛ لأن هذا هو المتبادر إلى أفهام أهل اللغة والعارفين بأساليب اللغة العربية من هذا اللفظ؛ إذ لم يستعمل لفظ " إنما " في موضع من النصوص الشرعية أو الأشعار العربية إلا ويحسن فيه الحصر والنفي، والأصل في الاستعمال الحقيقة من ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، وقوله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إنما الأعمال بالنيات "، وقوله الشاعر:
أن الضامن الراعي عليهم وإنما. . . يُدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
وإذا كانت: " إنَّ " للإثبات، و " ما " للنفي حال انفرادهما، فيجب استصحاب ذلك وإبقاء ما كان على ما كان في حال اجتماعهما في التركيب.
(1/309)

وبناء على ذلك: فإنه لو أخبر مخبر قائلًا: " إنما العالم زيد "، فإن هذا يُفهم أن العلم محصور على زيد، وأن غيره لا علم عنده.
النوع الثاني عشر: مفهوم حصر المبتدأ في الخبر، وهو: أن حصر المبتدأ في الخبر يدل على الحصر؛ لأن أهل اللغة يفرقون بين قول القائل: " زيد صديقي "، وقوله: " صديقي زيد " بأن الثاني يفيد الحصر، ولولا أن الثاني يفيد الحصر لما حصلت التفرقة بينهما، فكل من قال بالتفرقة بينهما قال: إن تلك التفرقة بإفادة الحصر في الثاني دون الأول.
وبناء على ذلك: فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: " الشفعة فيما لم يُقسم "، وقوله: " تحريمها التكبير وتحليلها التسليم " وقولنا: " العالم زيد " و" صديقي زيد " يفيد حصر الشفعة فيما لم يقسم، وحصر التحريم في التكبير، وحصر التحليل في التسليم، وحصر العلم والصداقة في زيد.
النوع الثالث عشر: مفهوم اللقب، وهو: تقييد الحكم أو الخبر باسم وهذا ليس بحجة، أي: أنه إذا قيد الحكم أو الخبر
(1/310)

بإسم فلا يدل ذلك على نفي الحكم عما عداه، فلو قال قائل: " زارني محمد " فإن هذا لا يدل على أن غيره لم يزره؛ لأنه لو كان تقييد الحكم بالاسم يدل على نفي الحكم عما عداه، لما حسن من الإنسان أن يخبر أن زيداً يأكل إلا بعد علمه أن غيره لم يأكل، وإلا كان مخبراً بما يعلم أنه كاذب فيه، أو ربما لا يأمن الكذب، وحيث استحسن العقلاء ذلك مع عدم علمه بذلك دل على عدم دلالته على نفي الأكل من غير زيد.
وبناء على ذلك: فإنه لو أوصى بعين لزيد، ثم قال بعد ذلك: أوصيت بها لعمرو، فإن هذا لا يُعتبر رجوعاً عن الوصية لزيد، بل يشرك بينهما؛ لأنه لا يفهم من كونه أوصى بها لزيد أنه ما أوصى بها لعمرو، والثاني لا ينفي الأول.
وكذلك لو قال في الخصومة: " إن زوجتي ليست بزانية "، فإن هذا لا يعتبر قذفاً لزوجة خصمه، فلا يجوز إقامة الحد على القائل.
* * *
المسألة الثالثة:
شروط مفهوم المخالفة - إن قولنا: إن مفهوم الصفة، والتقسيم، والعلة، والحال، والمكان، والزمان، والشرط، والغاية،
(1/311)

والعدد، وإنما، والاستثناء من النفي، وحصر المبتدأ في الخبر كلها حجة ليس هذا على إطلاقه بل يشترط لذلك شروط هي:
الشرط الأول: أن لا يرجع حكم المفهوم المخالف على
أصله المنطوق به بالإبطال، لأن المفهوم فرع المنطوق، ولا يقدم الفرع على أصله، ويسقط به.
الشرط الثاني: أن لا يوجد في المسكوت دليل خاص يدل على نقيض حكم المنطوق، فإن وجد ذلك الدليل الخاص كان هو المعمول به دون المفهوم، لذلك لم نعمل بمفهوم الشرط في قوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) لذلك جاز القصر عند عدم الخوف، وذلك لوجود دليل آخر في ذلك وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ".
الشرط الثالث: أن يذكر القيد مستقلاً، فلو ذكر على وجه التبعية لشيء آخر فلا مفهوم له كقوله تعالى: (وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ)، فتقييد ذلك في المساجد لا مفهوم له؛ لأن المعتكف ممنوع من المباشرة مطلقاً.
الشرط الرابع: أن لا يكون هناك تقدير جهالة بحكم المسكوت عنه من جهة المخاطب.
الشرط الخامس: أن لا يكون القيد قد خرج مخرج الأغلب المعتاد كقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ)، حيث إن الآية أفادت أن الخُلع إنما يكون عند خوف عدم القيام بما أمر الله به من قِبل كل من الزوجين، فلا يفهم من ذلك: أنه عند عدم الخوف لا يجوز الخلع، لكن
(1/312)

جاءت الآية بذلك لأن الأغلب أن الخلع لا يكون إلا عند خوف عدم القيام بما أمر الله به.
كذلك قوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ)، فإن وصف الربائب بكونهن في الحجور جار وموافق للغالب لمن تزوج امرأة معها ابنتها فإنه يربيها في بيته، فهذا الوصف لا مفهوم له، إذ لا يجوز للرجل أن يتزوج من ابنة امرأته، ولو تربت في غير بيته.
الشرط السادس: أن لا يكون المقصود من القيد هو: المبالغة في التكثير كقولك: " جئتك ألف مرة ولم أجدك ".
الشرط السابع: أن لا يكون المقصود من القيد: المبالغة في التنفير كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) فهذا لا مفهوم له؛ حيث لا يدل بالمفهوم المخالف: أن الربا القليل حلال.
الشرط الثامن: أن لا يكون المقصود من القيد: الحث على الامتثال، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا ". فالوصف بالإيمان لا مفهوم له؛ لأنه سيق للحث على الامتثال لأمر الله في الإحداد ثلاث ليال على الميت، وليس المقصود منه: جواز ما زاد إن كانت لا تؤمن بالله.
الشرط التاسع: أن لا يكون المقصود من القيد: إظهار الامتنان، كقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا) فإن هذا لا مفهوم له؛ لأنه سيق لإظهار المنة بطيب اللحم الطري، وليس المقصود من ذلك الوصف - وهو
(1/313)

قوله: (لَحْمًا طَرِيًّا) كون اللحم غير الطري ممتنع كله.
الشرط العاشر: أن لا يكون الكلام الذي ورد فيه القيد جواباً لسؤال سائل، فإن كان كذلك فلا مفهوم له؛ لأن فائدة المنطوق قد وردت خاصة بذلك السؤال، كما لو سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سائمة الغنم هل فيها زكاة فأجاب بوجوب الزكاة في سائمة الغنم، فإن هذا الجواب لا يدل على أن المعلوفة لا زكاة فيها.
الشرط الحادي عشر: أن لا يكون الشارع قد ذكر القيد للقياس عليه، فإن وجدت جميع شروط القياس فلا مفهوم له، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحُدَيَّا "، فهذا لا مفهوم له؛ حيث إن الشارع ذكرهن لما فيهن من الأذى، فيجوز أن نلحق بهن كل ما فيه أذى.
الشرط الثاني عشر: أن لا تظهر أولوية المسكوت عنه بالحكم، أو مساواته فيه للمنطوق، وإلا استلزم ثبوته في المسكوت عنه، فكان مفهوم موافقة، لا مفهوم مخالفة.
* * *
تنبيه: بهذا نكون قد انتهينا من الدليل الأول وهو الكتاب، والدليل الثاني وهو السنة وما يشترك فيه الدليلان من وجود النسخ فيهما، ودلالة ألفاظهما على الأحكام الشرعية، ويليه الدليل الثالث وهو: الإجماع.
(1/314)

الدليل الثالث
الإجماع
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
الإجماع هو: اتفاق مجتهدي العصر من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته على أيِّ أمر كان من أمور الدِّين.
* * *
المسألة الثانية:
الإجماع ممكن عادة، لوقوعه فعلاً في أمثلة كثير ومنها: الإجماع على حجب ابن الابن بالابن، وعلى تقديم الدَّين على الوصية، وعلى أن الواجب في الغسل والمسح في الوضوء مرة واحدة، وعلى حرمة شحم الخنزير كلحمه.
وللقياس على اتفاقهم على الأكل والشرب: فكما أنه لا يمتنع اتفاقهم على الأكل والشرب فكذلك لا يمتنع اتفاقهم على حكم معين لحادثة حدثت في عصرهم، ولا فرق، والجامع: توافق الدواعي لكل منهما.
(1/315)

المسألة الثالثة:
الاطلاع على الإجماع والعلم به يكون بأحد طريقين هما:
أولهما: الأخبار والنقل إن كان الإجماع متقدماً؛ لتعذر المشاهدة.
ثانيهما: المشافهة والمشاهدة إن كان الإجماع قد حصل في عصر المجتهدين.
وقلنا ذلك: لأنه لا يمكن أن يعلم الإجماع بالعقل، ولا بالوحي، لتعذر ذلك.
* * *
المسألة الرابعة:
يمكن العلم بالإجماع والاطلاع عليه في جميع العصور؛ لأن أرباب العلوم غير الدينية قد تحقق الإجماع بينهم في كثير من الأحكام التي تخصهم، فكذلك الفقهاء يتحقق الإجماع بينهم وُيعلم به، بل الفقهاء أولى؛ لوجود الدافع الديني.
* * *
المسألة الخامسة:
الإجماع حجة مطلقاً؛ لقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)).
(1/316)

فمشاقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - هي: منازعته، ومخالفة ما جاء به عن ربه، والمراد من سبيل المؤمنين: ما اختاروه لأنفسهم من قول أو فعل أو اعتقاد، وقد توعَّد الله تعالى بالعقاب على متابعة غير سبيل المؤمنين، وهذا يدل على وجوب متابعة سبيل المؤمنين، وتحريم مخالفتهم؛ فلو لم تكن مخالفتهم حراماً لما توعَّد عليه، ولما حسن الجمع بينه وبين المحرم، وهو: مشاقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الوعيد، كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر وأكل الخبز المباح، وبذلك يكون سبيل المؤمنين حجة يجب اتباعه، والعمل بمقتضاه.
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إن أمتي لا تجتمع على ضلالة " وقوله: " إن يد الله على الجماعة "، وقوله: " من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " وغيرها، فإن كل واحد من هذه الأحاديث وما في معناها خبر واحد يجوز تطرق الخطأ إليه إلا أنه حصل لنا بمجموعها علم ضروري بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عظم شأن هذه الأمة، وأخبر أنها معصومة عن الخطأ، كما علمنا بالضرورة شجاعة علي وسخاء حاتم، وإذا عصمت الأمة عن الخطأ فإن إجماعهم يكون حجة؛ لأنه حق.
* * *
المسألة السادسة:
لا يشترط في حجية الإجماع أن يبلغ عدد المجمعين حد التواتر؛ لأن أدلة حجية الإجماع من الكتاب والسنة وردت
(1/317)

مطلقة، وبناء عليه: فإنه مهما كان عدد المجمعين أنقص من عدد التواتر صدق عليهم لفظ " المؤمنين " ولفظ " الأمة "، فإذا قالوا قولاً كانت الحجة في قولهم، لأنهم على الحق قطعاً، فيجب اتباعهم؛ صيانة لهم عن الاتفاق على الخطأ.
* * *
المسألة السابعة:
إذا لم يوجد في العصر إلا اثنان من المجتهدين فإن اتفاقهما يُعتبر إجماعاً؛ لأن حقيقة الإجماع وحده يصدق عليهما؛ حيث إن الاتفاق أقل ما يصدق باثنين.
ولأنه يصدق عليهما أنهما كل الأمة، وكل المؤمنين المعتبرين في الإجماع.
* * *
المسألة الثامنة:
إذا لم يوجد في العصر إلا مجتهد واحد فإن قوله لا يُعتبر إجماعاً؛ لأنه لا يصدق عليه تعريف الإجماع.
ولكنه يُعتبر حجة يُعمل به؛ لعموم قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، حيث إن ذلك يتناوله.
ولحفظ دين الله حتى لا يخلو الزمن الذي وقعت فيه الحادثة من حكم فيها، لذلك يكون قوله حجة على غيره ممن لم يبلغ درجة الاجتهاد.
(1/318)

المسألة التاسعة:
العدالة تشترط في المجتهدين في الإجماع، فلا يقبل قول المجتهد الفاسق في الإجماع مطلقاً، سواء كان فسقه من جهة الاعتقاد، أو من جهة الفعل؛ لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، حيث إن الله تعالى جعل هذه الأمة شهداء على الناس وحجة عليهم فيما يشهدون به؛ لكونهم عدولاً، والوسط هو العدل، فلما لم يكن الفاسق متصفاً بالعدالة؛ لم يجز أن يكون من الشهداء على الناس، فلا يُعتد بقوله في الإجماع، ولا في الشهادة، ولا في الرواية، وذلك لاتهامه في دينه.
ولأن الفاسق لا يقبل قوله ولا يقلد في فتوى وهو منفرد، فكذلك لا يقبل قوله مع الجماعة، ولا فرق، والجامع: أن المتسبِّب في اتهامه في دينه - وهو الفسق - لا زال موجوداً.
* * *
المسألة العاشرة:
لا يعتبر قول العامي في الإجماع؛ لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " ألا سألوا إذا لم يعلموا فإن شفاء العيِّ السؤال ". فقد تبين هنا أن العامي يلزمه المصير إلى أقوال العلماء، فلا تعتبر مخالفته فيما يجب عليه التقليد فيه.
(1/319)

ولأن المجتهدين إنما كان قولهم حجة؛ لأنه مستند إلى دليل؛ حيث لا يجوز إثبات الأحكام بلا دليل، والعامي ليس أهلاً للاستدلال والنظر في الأدلة، فلا يكون قوله معتبراً لذلك.
* * *
المسألة الحادية عشرة:
العالم بأصول الفقه دون الفروع يُعتبر قوله في الإجماع، ولا يعتبر قول العالم بالفروع دون الأصول، لأن العالم بأصول الفقه قد توفر فيه آلة الاستنباط لمعرفة الحكم الشرعي لأي حادثة جديدة، وهو أقرب إلى الاجتهاد من غيره فيها؛ نظراً لعلمه بمدارك الأحكام على اختلاف أقسامها، وكيفية دلالتها، وعلمه الشامل الدقيق بالأدلة المتفق عليها والمختلف فيها، وعلمه بمقاصد الشريعة، فمن هذه صفته فإنه يستضاء برأيه، ويستشهد بهديه، ولا يمكن أن يُستغنى عنه.
وعليه: فإنه لا يشترط فيمن ينعقد به الإجماع حفظ الفروع.
ولأن الفقيه الحافظ للفروع دون معرفته للأصول يحتمل أن يفوته حفظ الجزئيات الدقيقة لمسائل الحيض، أو دقائق مسائل الوصايا، أو النفقات، أو الطلاق، أو الحدود، أو نحو ذلك، أما الأصولي فلا يحتمل فيه ذلك؛ لأنه قد فهم القواعد الأصولية التي تندرج تلك الفروع تحتها.
(1/320)

المسألة الثانية عشر:
انقراض أهل العصر - وهو: موت جميع المتفقين على الحكم - لا يشترط لصحة الإجماع مطلقاً، أي: سواء كان صريحاً أو سكوتياً، إجماع صحابة أو غيرهم -.
وبناء على ذلك فإن لو اتفق جميع مجتهدي الأمة على حكم شرعي في مسألة معينة ولو في لحظة واحدة مهما قصرت فإنه ينعقد الإجماع، وأصبح حجة تحرم مخالفته على المجمعين وعلى غيرهم؛ وذلك لأن أدلة حجية الإجماع من الكتاب والسنة قد بينت أن الإجماع حجة بمجرد اتفاق مجتهدي العصر الواحد ولو في لحظة؛ حيث إن الحجية تترتب على نفس الاتفاق؛ لأن الاتفاق مناط العصمة، فاشتراط انقراض العصر لا دليل عليه قوي.
ولأن بعض التابعين كانوا يحتجون بإجماع الصحابة في أواخر عصر الصحابة؛ حيث حكي عن الحسن البصري أنه احتج بإجماع الصحابة وأنس كان حياً. والاحتجاج بإجماعهم مع وجودهم قد وقع ولم ينكره أحد، فعلم من ذلك أن شرط الانقراض غير معتبر، فلو كان الانقراض شرطاً لما احتج التابعون بإجماع الصحابة مع وجود بعض الصحابة.
(1/321)

المسألة الثالثة عشرة:
إذا بلغ التابعي درجة الاجتهاد في عصر الصحابة بعد اتفاقهم فإنه لا يُعتد بقوله؛ لأنه قول في حكم مسألة قد أجمع عليها، وهذا معلوم من عدم اشتراطنا لانقراض أهل العصر في المسألة السابقة.
أما إذا بلغ التابعي درجة الاجتهاد في عصر الصحابة قبل اتفاقهم على حكم معين فإنه يُعتد بقوله؛ لأن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع دلت على أن المتبع هم كل المجتهدين من المؤمنين، ومن الأمة الموجودين حين حدوث الحادثة فى عصر واحد، وهذا الاسم - وهم المؤمنون والأمة - لا يصدق مع خروج التابعي المجتهد عن الصحابة، لأن التابعي من المؤمنين، فلو نظر الصحابة دون التابعي المجتهد في تلك المسألة وأجمعوا على حكمها فإنه لا يقال: " أجمع جميع مجتهدي أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، لأن الحجة هي إجماع الكل.
ولأنه قد وقع أن بعض التابعين قد اجتهدوا وأفتوا في مسائل مع وجود بعض الصحابة، ولم ينكر الصحابة عليهم ذلك.
فهذا علقمة النخعي والأسود النخعي كانا يفتيان مع وجود ابن مسعود، وهذا سعيد بن المسيب كان يفتي بالمدينة مع وجود خلق كثير من الصحابة فيها، فلو كان قول التابعي المجتهد مع وجود الصحابي باطلاً لما ساغ للصحابة تجويزه والأخذ به والرجوع إليه.
(1/322)

المسألة الرابعة عشرة:
يشترط في الإجماع اتفاق كل المجتهدين، فلا ينعقد الإجماع بقول أكثر العلماء، وعليه فلو اتفق علماء العصر على حكم حادثة إلا الواحد أو الاثنين منهم: لم ينعقد الإجماع؛ لأن الأدلة المثبتة لحجية الإجماع دلت على عصمة الأمة عن الخطأ، ولفظ الأمة إنما يطلق على جميع الأمة حقيقة - لا على أكثرها - وعليه: فالعصمة عن الخطأ تكون بجميع الأمة، أما أكثر الأمة فلا عصمة لهم، ونظراً إلى أنه لا عصمة لأكثر الأمة، فإنه لا ينعقد الإجماع باتفاقهم.
ولأنه قد وقع في زمن الصحابة اتفاق الأكثر منهم على حكم من الأحكام ومخالفة الأقل، بل تفرد الواحد منهم برأيه في مسألة معينة كمخالفة ابن عباس لأكثر الصحابة في مسألة الجد والإخوة، ومخالفة زيد بن أرقم لأكثر الصحابة في مسألة العينة وغير ذلك، فلو كان اتفاق الأكثر يعتبر إجماعاً للزم الأقل أو الواحد منهم أن يعمل بذلك الإجماع، ولأنكروا على ذلك المخالف مخالفته لذلك الإجماع، ولكنه لم يقع شيء من ذلك، فأصبحت المسألة خلافية وبقيت هكذا إلى زماننا هذا، وربما كان رأي الواحد منهم هو المعمول عليه عند بعض العلماء.
* * *
المسألة الخامسة عشرة:
اتفاق الأكثر ليس بإجماع كما سبق في المسألة السابقة،
(1/323)

وليس بحجة، وعليه: فتجوز مخالفة ما اتفق عليه الأكثر إذا ظهر الحق في غيره؛ لأن الحق قد يكون مع الأكثر وقد يكون مع الأقل، والاحتمالان متساويان، فنتوقف في ذلك حتى يظهر لنا دليل يرجح أحد هذين الاحتمالين، والكثرة لا تتميز بشيء؛ لما تقدم من أن العصمة قد ثبتت للكل، لا للكثرة، وكثيراً ما ظهر أن الحق يكون مع الأقل.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
يشترط في الإجماع وحجيته أن يكون له مستند ودليل يوجب ذلك الإجماع؛ قياساً على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقول شيئاً ولا يحكم بحكم إلا عن وحي، فكذلك علماء الأمة يجب أن لا يجمعوا على حكم إلا عن مستند ودليل قد اعتمدوا عليه.
ولأن عدم المستند من دليل أو أمارة يحتمل عدم الوصول إلى الحق مما يؤدي إلى جواز الخطأ، فقلنا: إنه لا بد من مستند للإجماع؛ سداً لهذا الاحتمال.
* * *
المسألة السابعة عشرة:
يجوز أن يكون مستند الإجماع دليلاً قطعياً من الكتاب والسنة؛ قياساً على ثبوت الحكم الواحد بآيات متعددة، أو بالكتاب والسنة المتواترة كما هو واقع في الصلاة والزكاة وجميع أركان الإسلام، إذن لا مانع من ذلك، فيكون من تضافر الأدلة.
(1/324)

المسألة الثامنة عشرة:
الدليل الظني يصلح أن يكون مستنداً للإجماع؛ قياساً على الدليل القطعي: فكما يجوز إستناد الإجماع على دليل قطعي، فكذلك يجوز استناد الإجماع على دليل ظني ولا فرق، والجامع: أن كلاً من الدليل القطعي والظني يوجب العمل.
ولأنه قد وقع أن أكثر الإجماعات الموجودة الآن قد ثبتت وهي مستندة إلى أدلة ظنية كالعموم، والمفاهيم، والقياس، وخبر الواحد والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة التاسعة عشرة:
لا يشترط نقل الإجماع بالتواتر، فالإجماع يثبت بخبر الواحد، ويكون الإجماع المنقول إلينا عن طريق الآحاد ظنياً، ويجب العمل به، قياساً على خبر الواحد. فكما أن خبر الواحد يجب العمل به وإن كان ناقله واحداً، فكذلك الإجماع يثبت ويجب العمل به إذا نقله واحد ولا فرق، والجامع: وجوب العمل في كل منهما.
* * *
المسألة العشرون:
إذا اختلف الصحابة على قولين، فأجمع التابعون على أحدهما فإن ذلك يكون إجماعاً، وبناء على ذلك: فإنه تحرم
(1/325)

مخالفته كمسألة " بيع أم الولد "، فإن الصحابة قد اختلفوا فيها على قولين: الجواز وعدم الجواز، ثم اتفقوا على قول واحد، وهو: عدم الجواز، فإن هذا يكون إجماعاً تحرم مخالفته ويجب العمل به؛ لأن أدلة حجية الإجماع قد دلت على حجية أي إجماع من مجتهدي العصر سواء سبقه اختلاف في العصر الذي سبقه أو لم يسبقه شيء، فاتفاق علماء العصر المتأخر على أحد قولي علماء العصر المتقدم يعتبر سبيل المؤمنين فيجب اتباعه.
ولأنه اتفاق بعد اختلاف، كما لو اختلفوا أنفسهم في عصرهم في حكم معين، ثم اتفقوا عليه بعد ذلك، فيقطع الاتفاق الاختلاف، فيكون إجماعاً.
* * *
المسألة الواحدة والعشرون:
يجوز اتفاق علماء العصر على حكم معين بعد اختلافهم في ذلك الحكم؛ لوقوعه؛ حيث إن الأمة قد أجمعت على خلافة أبي بكر بعد اختلافهم فيها، والوقوع دليل الجواز.
* * *
المسألة الثانية والعشرون:
إذا اختلف الصحابة على قولين فإنه لا يجوز إحداث قول ثالث إن لزم منه رفع ما اتفقا عليه، وإن لم يلزم منه ذلك فإنه يجوز إحداث قول ثالث ويعمل به.
مثال القول الثالث: الذي يلزم منه رفع ما اتفقا عليه:
(1/326)

" الجد مع الأخ في الإرث "، قد اختلف في ذلك على قولين؛ فقيل: المال للجد، وقيل: المال للجد والأخ يتقاسمانه، فالقول الثالث وهو: حرمان الجد قول خارق للإجماع، فلا يجوز العمل به.
ومثال القول الثالث الذي لا يلزم منه رفع ما اتفقا عليه فسخ النكاح بالعيوب الخمسة وهي: الجذام، والجنون، والبرص، والرتق، والعنة. اختلف في ذلك على قولين: فقيل: يفسخ بجميعها، وقيل: لا يفسخ بشيء منها، فالقول الثالث وهو: إنه يفسخ بالبعض دون البعض لا يرفع ما اتفق الفريقان عليه؛ لأنه يوافق في كل صورة قولاً فيجوز ذلك.
دل على ذلك: أن القول الثالث المحدث إذا كان رافعاً لما اتفق عليه الأولون يكون إحداثه مخالفاً للإجماع؛ لأن اختلاف الأولين يتضمن الإجماع على أن ما سواهما باطل، فمخالفة ذلك لا يجوز، أما إذا لم يكن ذلك القول الثالث المحدث رافعاً لما اتفق عليه الأولون فلا يكون إحداثه مخالفاً للإجماع، فلا مانع منه، ويجوز؛ لأن المسألة تكون اجتهادية، فالمحذور - وهو: مخالفة الإجماع - لم يقع.
* * *
المسألة الثالثة والعشرون:
إذا استدل علماء العصر بدليل، أو تأولوا تأويلاً، فيجوز لمن بعدهم إحداث دليل أو تأويل آخر بشرط: أن لا يلزم من
(1/327)

هذا الدليل أو التأويل القدح فيما أجمعوا عليه؛ قياساً على الاستدلال على مسألة لم يسبق أن استدل عليها، بيانه: أنه كما أنه يجوز الاستدلال على مسألة لم يسبق أن استدل عليها كذلك يجوز إحداث دليل أو تأويل آخر، والجامع: أنه لا يلزم من هذا الاستدلال قدح في إجماع قد سبق.
ولوقوع ذلك؛ حيث إنه ما زال علماء كل عصر يثبتون الأدلة والتأويلات المغايرة لأدلة من تقدم وتأويلاته، ولم ينكر عليهم أحد، فكان ذلك إجماعاً.
* * *
المسألة الرابعة والعشرون:
يجوز وجود خبر أو دليل راجح، واتفق علماء الأمة على عدم العلم به بشرط: أن يكون عمل علماء الأمة موافق لمقتضى ذلك الخبر أو الدليل؛ لأن علماء الأمة غير مكلفين بالعمل بما لم يظهر لهم، ولم يبلغهم، فإتفاقهم واشتراكهم في عدم العلم لا يكون خطأ؛ لأن عدم العلم ليس من فعلهم، وذلك كعدم حكمهم في واقعة لم يحكموا فيها بشيء، فجاز لغيرهم أن يسعى في طلب ذلك الدليل أو الخبر ليعلم.
أما إن كان عمل علماء الأمة على خلاف الخبر أو الدليل، فهذا محال بالاتفاق، لأنه يلزم منه إجماع الأمة على الخطأ، وهذا مخالف للأدلة النقلية السابقة الذكر.
* * *
المسألة الخامسة والعشرون:
الإجماع السكوتي، وهو: أن يعلن بعض المجتهدين رأياً
(1/328)

في مسألة ويسكت بقية أهل عصره من المجتهدين يُعتبر إجماعاً وحجة؛ لأنه لو اشترط لانعقاد الإجماع: أن يُصرح كل مجتهد برأيه في المسألة لأدى ذلك إلى عدم انعقاد الإجماع أبداً؛ لأنه يتعذَّر اجتماع أهل كل عصر على قول يُسمع منهم، والمتعذر معفو عنه، والمعتاد في كل عصر أن يتولى كبار العلماء إبداء الرأي، ويُسلِّم الباقون لهم بعد مدة تكفي لبحث المسألة، فثبت أن سكوت الباقين دليل على أنهم موافقون على قول من أعلن رأيه في المسألة فكان إجماعاً وحجة.
* * *
المسألة السادسة والعشرون:
إذا اختلف العلماء في ثبوت الأقل والأكثر في مسألة: فلا يصح أن يتمسك بالإجماع في إثبات مذهب القائل بالأقل، أي: الأخذ بأقل ما قيل ليس متمسكاً بالإجماع، مثل: اختلافهم في دية الكتابي، فقيل: إن ديته مثل دية المسلم، وقيل: إن ديته نصف دية المسلم، وقيل؛ إن ديته ثلث دية المسلم وهو مذهب الشافعي، فظن بعضهم أن الشافعي قال متمسكاً في ذلك بإجماع الأقوال الثلاثة عليه، وهذا ليس بصحيح؛ لأن أقل ما قيل - وهو: أن دية الكتابي ثلث دية المسلم - قد اشتمل على أمرين:
أولهما: إثبات الثلث وهو: مجمع عليه، وثانيهما: نفي الزيادة على الثلث، وهو مختلف فيه؛ حيث إن أصحاب القولين: الأول والثاني، قد زادوا دية الكتابي عن الثلث، وأصحاب القول
(1/329)

الثالث لم يزيدوا عن الثلث، فهنا وقع الخلاف، وبناء على هذا: لا يكون الآخذ بأقل ما قيل قد تمسك بالإجماع، وإنما هو متمسك بدليل آخر غير الإجماع، قد يكون الاستصحاب والبراءة الأصلية.
* * *
المسألة السابعة والعشرون:
اتفاق الخلفاء الأربعة، أو اتفاق أبي بكر وعمر، أو اتفاق أهل المدينة، أو اتفاق أهل البيت والعترة ليس بحجة، وبالتالي لا يُسمى إجماعاً؛ لأن الخلفاء الأربعة، أو أبا بكر وعمر، أو أهل المدينة، أو أهل البيت والعترة بعض المؤمنين، وبعض الأمة، والأدلة المثبتة لحجية الإجماع من الكتاب والسنة قد دلت على أن العصمة عن الخطأ قد ثبتت للأمة كلها، لا لبعضها، فلا تتناول تلك الأدلة هؤلاء لأنهم بعض الأمة وبعض المؤمنين، وعليه فلا يكون اتفاق الخلفاء الأربعة، أو اتفاق أبي بكر وعمر، أو اتفاق أهل المدينة، أو اتفاق أهل البيت حجة.
(1/330)

الدليل الرابع
القياس
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
القياس هو: إثبات مثل حكم أصل لفرع لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت.
* * *
المسألة الثانية:
أركان القياس هي:
الأول: الأصل، وهو: محل الحكم المشبة به كالخمر فإنه أصل للنبيذ.
وقلنا ذلك: لأن الأصل هو: ما كان حكم الفرع مقتبساً منه ومردوداً إليه، وهذا إنما يتحقق في محل الحكم المقيس عليه أو المشبه به.
الثاني: الفرع، وهو: المحل الذي لم ينص على حكمه
(1/331)

كالنبيذ، فإنه فرع والخمر أصل، لأن الجميع مسكر.
وقلنا ذلك؛ لأن الفرع هو المفتقر إلى غيره والمردود إليه، وهذا إنما يتحقق على المحل وهو النبيذ؛ حيث إنه مقيس على الخمر ومشبه به بوجه شبه، وهو الإسكار، فلولا الخمر لما عرفنا حكم النبيذ.
الثالث: العلة، وهي: الوصف المعرف للحكم.
وينبغي أن يكون هذا الوصف: ظاهراً منضبطاً مجاوزاً، مشتملاً على معنى مناسب للحكم كالإسكار بالنسبة لتحريم الخمر، والاقتيات والادخار بالنسبة لتحريم البُر، والسرقة بالنسبة لقطع اليد وهكذا.
الرابع: حكم الأصل، وهو: الحكم الشرعي الذي ورد به نص من كتاب أو سنة، أو إجماع، ويراد إثبات مثله في الفرع كحرمة الخمر؛ فإنا أثبتنا مثله في الفرع وهو النبيذ أو حرمة الربا في البُر، فإنا قد أثبتنا مثله في الفرع وهو: الأرز أو الذرة.
* * *
المسألة الثالثة:
القياس حجة، أي: أن القياس دليل من الأدلة الشرعية المعتبرة لإثبات أحكام شرعية؛ لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ذلك.
بيانه: أنه ثبت عن كثير من الصحابة القول بالقياس والعمل به في الوقائع التي لا نص فيها، كقياسهم خلافة أبي بكر على الإمامة في الصلاة وقالوا في ذلك: " رضيه رسول الله لديننا أفلا نرضاه لدنيانا ".
(1/332)

وقياس عمر رضي الله عنه في مسألة المشركة، وقياس علي حد شارب الخمر على حد القاذف؛ حيث قال: " إذا شرب سكر، وإذا شكر هذى، وإذا هذى افترى، فعليه حد المفتري "، وقياس ابن عباس الجد على ابن الابن في حجب الأخ، وقياس زيد الأخ على الجد في أن كلاً منهما يرث، وقياس ابن مسعود في مسألة المفوِّضة وغير ذلك مما لا يحصى يدل على أنهم قد استدلوا بالقياس وعملوا بما ينتج عنه، بدون أن ينكر عليهم أحد، فكان إجماعاً سكوتياً منهم على حجيته، والمجمع عليه بين الصحابة حجة يجب العمل به.
ولقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، حيث إن الاعتبار عند أهل اللغة هو تمثيل الشيء بغيره، وإجراء حكمه عليه، ومساواته به وهذا هو القياس. فقد أمر الشارع - هنا - بالقياس، والأمر إذا تجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، إذن: القياس واجب، والوجوب يستلزم الجواز.
ولقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا)، حيث إن القياس حقيقة هو: تمثيل الشيء بالشيء، وتشبيه أحدهما بالآخر.
ولحديث معاذ وهو: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما بعث معاذاً إلى اليمن قاضياً قال: " كيف تقضي إن عرض عليك قضاء؟ "، قال: بكتاب الله، قال: " فإن لم تجد "، قال: بسنة رسول الله، قال: " فإن لم تجد "، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فصوبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك. وهذا يدل على جواز أخذ الأحكام عن طريق الاجتهاد، والقياس نوع من أنواع الاجتهاد، فيكون القياس دليلاً من أدلة الشرع.
(1/333)

ولأننا لو لم نعمل بالقياس لأدى ذلك إلى خلو أكثر الحوادث بدون أحكام؟ لقلة النصوص، وكثرة الحوادث والصور التي لا نهاية لها.
وبناء على ذلك: فإنه يقاس على البر في تحريم الربا كل شيء من الأرز والذرة بجامع الادخار والاقتيات.
وكذلك يُقاس على الفواسق الخمس التي أمر الشارع بقتلهن - وهي: الحية، والكلب العقور، والحدأة، والفأرة، والغراب الأبقع - كل ما شابهها: بجامع الإيذاء.
وكذلك يقاس على قول الرجل لزوجته: " أنت عليَّ كظهر أمي "، كل لفظ يشبه ذلك، كقوله: أنت علي كيد أمي، أو كرجلها أو نحو ذلك من تشبيه الزوجة بمن تحرم عليه فإنه يثبت به الظهار؛ قياساً على لفظ الظهار الصريح.
وكذلك إذا دخل اللبن إلى جوف الصبي - دون السنتين - عن طريق الأنف، أو صب اللبن في الحلق ودخل الجوف فإنه يثبت الرضاع، قياساً على التقام الثدي، والجامع: أن كلاً منهما يقوي العظم وُينبت اللحم.
(1/334)

المسألة الرابعة:
التنصيص على العلة يوجب الإلحاق عن طريق القياس لا عن طريق اللفظ فقط؛ لأننا لو نظرنا نظرة مجردة في قوله: " حرم الخمر لشدته "، فإنه لا يتناول إلا تحريم الخمر خاصة، ولو لم يرد التعبد بالقياس لاقتصرنا على ذلك ولما جاز لنا إلحاق كل مشتد من نبيذ وغيره بالخمر، ولكن جاز إلحاق النبيذ وكل مشتد بالخمر بسبب ورود التعبد بالقياس فقط.
وبناء على ذلك: فإن تحريم النبيذ قد ثبت عن طريق القياس، لا عن طريق اللفظ والنص، وفرق بين ما ثبت عن طريق القياس وما ثبت عن طريق اللفظ؛ حيث إن ما ثبت عن طريق القياس أضعف مما ثبت عن طريق اللفظ، وأن الحكم الثابت عن طريق اللفظ يُنسخ وينسخ به.
* * *
المسألة الخامسة:
يجوز القياس في العقوبات كالحدود والكفارات؛ لعموم أدلة حجية القياس؛ حيث إنها تدل دلالة واضحة على أن القياس يجري في جميع الأحكام إذا توفرت جميع شروطه، فلم تفرق بين حكم وحكم.
ولأن خبر الواحد تثبت به الحدود والكفارات وإن كان
(1/335)

طريقه غلبة الظن ويجوز الخطأ فيه والسهو، فكذلك يجوز أن تثبت الحدود والكفارات بالقياس ولا فرق، والجامع: أن كلاً منهما يفيد الظن ويجوز الخطأ والسهو في كل منهما.
وبناء على هذا: فإن النباش - وهو: من ينبش القبر ليأخذ ما في الأكفان - تقطع يده؛ قياساً على السارق بجامع: أخذ مال غيره من حرزه.
وكذلك: أن من أفطر متعمداً بدون عذر في نهار رمضان بأكل أو شرب فعليه كفارة المجامع في نهار رمضان؛ قياساً على المجامع في نهار رمضان، والجامع: أن كلاً منهما قد انتهك حرمة رمضان بقصد منه.
* * *
المسألة السادسة:
يجوز القياس في المقدَّرات، للدليلين المذكورين في المسألة الخامسة.
وبناء على ذلك: فإنه يقدر المسح للرأس بثلاثة أصابع؛ قياساً على مسح الخف.
(1/336)

وكذلك تقدير الخرق الذي يُعفى عنه فى الخف بثلاثة أصابع؛ قياساً على مسحه.
* * *
المسألة السابعة:
يجوز القياس في الأبدال؛ للدليلين المذكورين في المسألة الخامسة. وبناء على ذلك: فإن تارك الواجب في الحج إذا لم يجد الدم فإنه ينتقل إلى الصوم؛ لأنه دم تعلَّق وجوبه بالإحرام، فجاز الانتقال عنه إلى الصوم؛ قياساً على دم التطيب واللباس.
* * *
المسألة الثامنة:
يجوز إثبات الرخص بالقياس، للدليلين المذكورين في المسألة الخامسة.
وبناء على ذلك: فإن الثلج تجمع من أجله الصلاتين؛ قياساً على المطر بجامع: أنه كلاً منهما يتأذى منه المسلم.
وكذلك: يجوز بيع العنب بالزبيب؛ قياساً على العرايا، وهي: بيع الرطب بالتمر الذي رخص فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(1/337)

المسألة التاسعة:
يجوز القياس في فروع العبادات لا في أصولها؛ للدليلين المذكورين في المسألة الخامسة.
وبناء على ذلك فإنه يجوز إثبات صلاة بإيماء الحاجب، قياساً على صلاة المومئ برأسه.
* * *
المسألة العاشرة:
يجوز إثبات اللغة بالقياس، فيجوز أن يُسمَّى النباش سارقاً، والنبيذ خمراً، واللائط زانياً؛ لعموم أدلة حجية القياس؛ حيث إنها أجازت القياس بدون تفريق بين اللغة وغيرها.
ولأن الاسم يدور مع الوصف وجوداً وعدماً - وهذا هو الدوران، والدوران يفيد ظن العلية، فيحصل بذلك ظن أن العلة لتلك التسمية هو ذلك الوصف، فأينما حصل ذلك الوصف حصل ظن كونه مسمى بذلك الاسم، فالخمر دار مع الوصف وهو: السكر وجوداً وعدماً، أما وجوداً ففي صورة الخمر، أما عدماً ففي صورة الماء، فوجب أن يُسمَّى النبيذ - أيضاً - خمراً بالقياس.
وبناء على ذلك: فإن النباش هو سارق، فيكون قطع يد النباش قد ثبت بالنص؛ لأنه يدخل في عموم قوله تعالى:
(1/338)

(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا).
وكذلك فإن اللائط زان فيكون وجوب الحد عليه ثبت بالنص.
وهو قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ).
* * *
المسألة الحادية عشرة:
لا يجوز القياس في العاديات، وهو ما كان طريقه العادة والخلقة كأقل الحيض وأكثره، وأقل الحمل وأكثره؛ لأن القياس مبني على إدراك العلة، والأمور العادية ترجع إلى العادة والخلقة، وهذه تختلف باختلاف الأشخاص والأمزجة ولا يُعرف أسبابها، فلا يجوز إثباتها بالقياس.
وبناء على ذلك: فإن الحامل لا تحيض: إذ لو كان الدم الذي ينزل من الحامل دم حيض لحرم به الطلاق، وانقضت به العدة، ولكن كل ذلك لم يصح، فلم يكن ما ينزل منها دم حيض.
* * *
المسألة الثانية عشرة:
القياس لا يجري في جميع الأحكام الشرعية؛ لأنه معلوم بالضرورة أنه يتعذر إجراء القياس في كثير من الأحكام كعدد
(1/339)

الصلوات، وعدد الركعات، وعدد الطواف، والسعي، وأكثر مناسك الحج وما شابه ذلك مما لم نتمكن من عقل معناه وإدراك علته، ومدار القياس على تعقل المعنى الذي يعلل به الحكم في الأصل، وهذه الأمور لم ندرك العلة التي من أجلها شرع الحكم.
وبناء على ذلك: فإن الأحكام تنقسم إلى قسمين: قسم يجوز فيه القياس؛ لإدراكنا العلة التي من أجلها شرعت تلك الأحكام، وقسم آخر لا يجوز فيه القياس، لعدم إدراكنا لعلة مشروعيته.
* * *
المسألة الثالثة عشرة:
الأمور التي لا يتعلق بها عمل كدخول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة عنوة أو صلحاً لا يجري فيه القياس؛ لأن ما كان من هذا القبيل إنما يذكر ليعرف ويعلم، لا ليعمل به، فطريق ذلك الرواية والسماع، ولا مجال للقياس في ذلك.
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
أن القياس يُسمى ديناً، لقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، حيث إن الله قد أمرنا بالقياس، وإذا أمرنا به فإنا نكون متعبَّدين به، وإذا ثبت أن الله تعالى قد تعبَّدنا به فإنه يكون من الدين.
(1/340)

وبناء على ذلك: فإنا نكون مأجورين إذا عملنا بحكم قد ثبت عن طريق القياس.
* * *
المسألة الخامسة عشرة:
حكم الأصل المنصوص عليه ثابت بالعلة؛ لأنه لو كان الحكم يثبت في محل النص بالنص دون العلة لامتنع جريان القياس بإلحاق الفرع بالأصل، وسبب ذلك: أنه لا يتحقق القياس إلا إذا كان الحكم ثابتاً في المنصوص عليه بالعلة حتى يمكن إثبات مثل ذلك الحكم بمثل تلك العلة، أما إذا كان الحكم ثابتاً في الأصل بالنص لا بالعلة ولا نص في الفرع، ولم يثبت بالعلة في الأصل: لم يتصور إثبات مثل حكم الأصل بمثل الوصف الذي في الفرع، وينقطع نظام القياس - حينئذ - ويكون الفرع غير مقاس على الأصل، لكن القياس صحيح بإجماع القائسين، فيكون إجماعهم على ذلك إجماعاً على أن الحكم في الأصل ثابت بالعلة.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
يشترط في حكم الأصل: أن يكون حكماً شرعياً عملياً قد ثبت بكتاب أو سنة أو إجماع؛ لأن المراد فيه القياس الشرعي الذي يكون الغرض منه إثبات حكم شرعي في الفرع.
وخرج بذلك: الحكم العقلي، والحكم اللغوي أو الحكم الحسي. فعلى تقدير جريان القياس فيها: فإنه ليس قياساً شرعياً، بل عقلياً ولغوياً وحسياً، إلا إذا كان القياس لغوياً ولكنه يتوصل به إلى حكم شرعي فإن هذا يعتبر داخلاً في الحكم الشرعي كتسمية النبش سرقة قياساً عليها، وتسمية اللواطة زنا قياساً عليه ليثبت بذلك الحد عن طريق اللفظ والنص.
(1/341)

المسألة السابعة عشرة:
يشترط في حكم الأصل الذي قصد تعديته إلى الفرع: أن يكون ثابتاً مستمراً في الأصل، أما إذا لم يكن ثابتاً؛ لكونه قد نسخ مثلاً فإنه لا يجوز أن يقاس عليه، ولا بناء حكم الفرع عليه، لأن كون الشيء مبنياً على الغير صفة له، وتحقق الصفة يستدعي تحقق الموصوف، فإذا لم يكن الموصوف ثابتاً لم تكن الصفة ثابتة له.
* * *
المسألة الثامنة عشرة:
يشترط في القياس: أن يكون حكم الأصل معقول المعنى مدرك العلة التي لأجلها شرع الحكم؛ لأن القياس مبني على إدراك العلة. أما ما لا يعقل معناه ولا تدرك علته كأعداد الصلوات، وركعات كل صلاة ونحو ذلك فلا يجوز القياس فيه.
* * *
المسألة التاسعة عشرة:
يشترط أن لا يكون دليل حكم الأصل متناولاً بعمومه حكم الفرع، فلو جعلنا - مثلاً - دليل تحريم الخمر هو ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " كل مسكر حرام "، فإنه لا يصح قياس النبيذ على الخمر هنا؛ لأن هذا النص قد تناول بعمومه النبيذ كتناوله للخمر، فيكون على هذا النبيذ محرَّم بالنص لا بالقياس.
* * *
المسألة العشرون:
لا يشترط في الأصل: أن يقوم دليل على جواز القياس عليه؛ لعموم الأدلة المثبتة للقياس؛ حيث إنها أجازت القياس على الأصل مطلقاً.
(1/342)

ولأننا إذا ظننا كون حكم الأصل معللاً بوصف، ثم علمنا أو ظننا حصوله في الفرع: حصل ظن أن حكم الفرع مثل حكم الأصل، والعمل بالظن واجب.
ولأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك وإن لم يقم دليل خاص على وجوب تعليل حكم ذلك الأصل وجواز القياس عليه وأصرح شيء في ذلك قول عمر لأبي موسى: " اعرف الأشباه والأمثال، ثم قس الأمور برأيك "، ولم يفصِّل.
وبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع ممن اشترط ذلك.
* * *
المسألة الواحدة والعشرون:
لا يشترط في الأصل: أن يكون قد اتفق العلماء على أن حكمه معلل، ولا يشترط - أيضاً - أن تثبت علته بالنص، بل لو ثبت ذلك بالطرق الاجتهادية الظنية: لجاز القياس عليه؛ للأدلة الثلاثة المذكورة في المسألة السابقة.
وبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع ممن اشترط ذلك، لأن أكثر العلل اجتهادية عقلية، فلو لم نعلل بتلك العلل لما بقي لنا قياس إلا في القليل النادر.
(1/343)

المسألة الثانية والعشرون:
يجوز القياس على أصل محصور بعدد معين؛ لعموم أدلة حجية القياس، حيث إنها لم تفرق بين الأصل المحصور بالعدد وبين الأصل غير المحصور، فالقياس في كل ذلك جائز إذا أدركت العلة.
وبناء على ذلك: فإنه يجوز أن يقاس كل حشرة على الخمس اللاتي يقتلن في الحِل والحَرَم وهي - الحية، والفأرة، والكلب العقور، والحدأة، والغراب الأبقع - إذا كانت مؤذية مثلها.
ويجوز أن يقاس على الأشياء الستة الواردة في حديث عبادة بن الصامت.
* * *
المسألة الثالثة والعشرون:
يشترط كون حكم الأصل معللاً بعلة معينة قد صرح بها؛ لأن العلة المبهمة لا يعلم وجودها في الفرع، فلا يقال - مثلاً -: تجب الزكاة في الحلي للعلة المقتضية لوجوبها في النقد.
* * *
المسألة الرابعة والعشرون:
يجوز القياس على أصل ثبت بالنص؛ لأن النص من الأدلة المثبتة للأصل فينبني عليه الفرع، ويُلحق به، وُيعتمد عليه، والشيء الذي لم يثبت لا يتصور بناء غيره عليه.
(1/344)

مثال ذلك قولنا: إن الخنزير إذا ولغ في الإناء: فإنه يغسل الإناء سبع مرات، قياساً على الكلب، بجامع: أن كلاً منهما حيوان نجس، فإن منع أحدهم الحكم في ولوغ الكلب دلَّلنا عليه بنص الحديث الذي هو قوله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً "، فهنا نقيس على الأصل الثابت بالنص وإن خالف فيه الخصم.
* * *
المسألة الخامسة والعشرون:
يجوز القياس على أصل ثبت بالإجماع؛ قياساً على النص، أي: أنه كما أنه يجوز القياس على ما ثبت بالنص فكذلك يجوز القياس على أصل ثابت بالإجماع ولا فرق، والجامع: أن كلاً منهما تثبت به أحكام الشرع، بل الإجماع أولى من خبر الواحد؛ لأن الإجماع آكد من خبر الواحد.
وبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع ممن قال: إنه لا يجوز القياس على ما ثبت بالإجماع.
* * *
المسألة السادسة والعشرون:
يكفي اتفاق الخصمين على حكم الأصل المقيس عليه، ولا يشترط: أن يكون حكم الأصل المقيس عليه متفقاً عليه بين الأمة
(1/345)

كلها؛ لأن الخصمين - المستدل والمعترض - إذا اتفقا على حكم الأصل فإن المناظرة تكون منضبطة وتحصل فائدتها، أما إن كان حكم الأصل مختلفاً فيه: فإن المعترض له أن ينازع فيه كما ينازع في الفرع.
وبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع ممن قال: إنه يشترط في حكم الأصل المقيس عليه: أن يكون متفقاً عليه بين الأمة كلها.
* * *
المسألة السابعة والعشرون:
لا يجوز القياس على أصل ثبت بالقياس: فلا يجوز قياس الذرة على الأرز الذي هو مقاس على البر، لأن العلة الجامعة بين الأصل الثاني - وهو البر - والأصل الأول - وهو الأرز -: إن كانت موجودة في الفرع - وهو الذرة - فليقم القائس بقياس الفرع - وهو الذرة - على الأصل الثاني - هو: البر - مباشرة، فيكون ذكر الأصل الأول - وهو الأرز - تطويلاً من غير فائدة، وغير المفيد عبث يجب رده، وعدم اعتباره.
وإن كانت العلة الجامعة بين الأصلين - الأصل الأول وهو الأرز والأصل الثاني وهو: البر - غير موجودة في الفرع - وهو الذرة - لم يجز قياس الذرة على الأصل الأول - وهو الأرز - لأنه ظهر أن حكم الأصل الأول - وهو: الأرز - قد ثبت بعلة غير
(1/346)

موجودة في الفرع، وهذا يبطل القياس؛ لأن من شرط صحة القياس: أن تكون علة الأصل وعلة الفرع متساويتين، وهنا عدم هذا التساوي لذلك بطل القياس.
وبناء على ذلك: فإنه لا يجوز القياس إلا على أصل ثبت بثلاثة أدلة هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، وهذا فيه احتراز من التوسع في استعمال القياس.
* * *
المسألة الثامنة والعشرون:
يجوز القياس على حكم الأصل الخارج عن قاعدة القياس، والمعدول به عن سنن القياس، وهو: ما شرع من الأحكام على وجه الاستثناء والاقتطاع عن القواعد العامة وهو مخالف للقواعد العامة، بشرط: أن يكون معقول المعنى؛ لأنه حكم شرعي معقول المعنى مدرك العلة إما عن طريق النص أو عن طريق الاستنباط، فجاز القياس عليه كالقياس على غيره من الأصول التي لم يعدل بها عن سنن القياس، والجامع: توفر أركان القياس وشروط كل ركن.
وبناء على ذلك: فإنه يجوز بيع العنب بالزبيب؛ قياساً على العرايا وهو: بيع الرطب بالتمر.
(1/347)

المسألة التاسعة والعشرون:
يشترط كون العلة الموجودة في الفرع مثل علة حكم الأصل من غير تفاوت مثل: الادخار والاقتيات فإنه موجود في الأرز والذرة وفي البر من غير اختلاف وتفاوت، لذلك قسنا الأرز والذرة على البر.
كذلك: القتل العمد العدوان موجود في القتل بالمثقل كما هو موجود في القتل بالمحدَّد من غير تفاوت، لذلك قسنا القتل بالمثقل على القتل بالمحدد وهكذا.
فإن وجد تفاوت واختلاف بين العلتين: فإنا ننظر:
إن كان هذا الاختلاف جاء عن طريق نقصان علة الفرع عن علة حكم الأصل كقول بعضهم: " تجب الزكاة في مال الصبي؛ قياساً على مال المكلف بجامع: أن كلاً منهما يملك ماله " فإن هذا لا يصح، لأنه قياس مع الفارق، حيث إن علة حكم الأصل تختلف عن علة الفرع؛ حيث إن علة الأصل - وهو البالغ - هي أنه يملك ماله بالقوة والفعل، أما علة الفرع - وهو الصبي - فهي: إنه يملك ماله بالقوة فقط.
وإن كان هذا الاختلاف جاء عن طريق زيادة علة الفرع: فإن القياس يصح، بل يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل كما في قياس الضرب للوالدين على التأفيف لهما في التحريم بجامع الإيذاء، حيث إن الإيذاء في الضرب أشد.
* * *
المسألة الثلاثون:
يشترط في الفرع: أن يكون خالياً عن نص، أو إجماع ينافي حكم القياس، فإن وجد نص أو إجماع ينافي الحكم الذي
(1/348)

أخذناه عن طريق القياس: فلا يصح القياس؛ لأنه لا قياس مع النص.
* * *
المسألة الواحدة والثلاثون:
إذا وجد نص أو إجماع في حكم الفرع موافق للقياس فإنا ننظر:
إن كان هذا النص أو الإجماع الدال على ثبوت حكم الفرع بعينه هو الذي دل على حكم الأصل، مثل ما لو جعلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: " كل مسكر حرام " هو الأصل في تحريم الخمر فالقياس باطل، لأن نسبة دلالة النص أو الإجماع على حكم الفرع وحكم الأصل على السواء، فلا فرق بينهما، فليس جعل تلك الصورة أصلاً والأخرى فرعاً أولى من العكس.
وإن كان هذا النص أو الإجماع الدال على ثبوت حكم الفرع غير النص أو الإجماع الدال على حكم الأصل: فالقياس جائز؛ لأن ترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز، لإفادة زيادة الظن.
* * *
المسألة الثانية والثلاثون:
يكفي ظن وجود العلة في الفرع، ولا يشترط: أن تكون العلة في الفرع معلومة قطعاً؛ لقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، حيث إنه عام، ولم يشترط فيه العلم القطعي، فتخصيصه بالقطعي تخصيص بلا مخصص وهو باطل، فثبت أنه يدخل فيه العلم والظن.
(1/349)

وبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع من دائرة القياس عند الذين اشترطوا: أن تكون العلة في الفرع معلومة قطعاً، حيث تكون نادرة.
* * *
المسألة الثالثة والثلاثون:
لا يُشترط في الفرع أن يكون مما ثبت بالنص جملة، بل يجوز القياس مطلقاً؛ لعموم أدلة حجية القياس السابقة الذكر؛ حيث إنها دلت على حجية القياس مطلقاً دون أن تفرق بين ما ثبت حكم الفرع فيه على جهة الإجمال وبين غيره.
وبناء على ذلك: فإن دائرة القياس تكون أوسع من دائرة القياس عند الذين اشترطوا لصحة القياس: أن يثبت حكم الفرع بالنص على جهة الإجمال.
* * *
المسألة الرابعة والثلاثون:
مسالك العلة، أو طرق ثبوت العلة هي:
المسلك الأول: النص الصريح، وهو ما وضع للتعليل من غير احتمال، فيكون قاطعاً في تأثيره، كأن يصرح الشارع بكون هذا الوصف علة أو سبباً للحكم الفلاني، كقوله: اقطعوا يد فلان لعلة كذا، أو لسبب كذا، أو لموجب كذا، أو لأجل كذا، أو من أجل كذا.
المسلك الثاني: النص الظاهر، وهو: ما لا يكون قاطعاً في
(1/350)

تأثيره، أي: يحتمل التعليل ويحتمل غيره، ولكن التعليل به أرجح.
مثل: التعليل بلفظ: " كي "، كقوله تعالى: (كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا)، والتعليل باللام كقوله تعالى: (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ)، والتعليل بـ " أَنْ " كقوله تعالى: (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا)، والتعليل بلفظ: " حتى "، كقوله تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ)، والتعليل بذكر المفعول له كقوله تعالى: (لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ)، والتعليل بلفظ " الفاء " كقوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا).
المسلك الثالث: الإجماع، وهو: اتفاق مجتهدي العصر على أن هذا الوصف المعين علة للحكم المعين، مثال ذلك: البكر الصغيرة يولى عليها، والعلة هي: الصغر إجماعاً، ويقاس عليها الثيب الصغيرة في وجوب التولية عليها بجامع: الصغر.
وكذا: أن الأخ الشقيق مقدم على الأخ لأب في الإرث، والعلة هي: امتزاج النسبين: نسب الأم ونسب الأم واختلاطهما إجماعاً، ويقاس على ذلك: تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب في ولاية النكاح وتحمل العاقلة بجامع امتزاج النسبين.
المسلك الرابع: الإيماء إلى العلة وهو: ما كان التعليل فيه مفهوماً من لازم مدلول اللفظ؛ أي: يفهم التعليل فيه من السياق أو القرائن اللفظية الأخرى، وهو أنواع:
النوع الأول: أن يذكر الوصف ثم يذكر الحكم بعده وهو مقترن بالفاء كقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقطَعُوا).
وقوله: (قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ)،
(1/351)

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " من بدَّل دينه فاقتلوه ". فإنه يفهم من ذلك: أن علة قطع اليد هي: السرقة، وعلة وجوب اعتزال النساء في المحيض هو: الأذى، وعلة القتل هو: تبديل الدِّين.
وهذا يُفهم العلية مطلقاً، أي: سواء عرفنا المناسبة كالأمثلة السابقة، أو لم نعرف المناسبة كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " من مسَّ ذكره فليتوضأ "، لأنه لا يمكن أن يتكلم الشارع بالعبث، ولا توجد علة أخرى فتعيَّن أن الوصف علة.
وكذلك: هذا النوع يُفهم العلية سواء كان الكلام من الشارع كما سبق من الأمثلة، أو كان الكلام من الصحابي، كقوله: " سهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسجد "؛ لأن الصحابي - وهو الراوي - الذي شهد الله له بالعدالة، والعارف بمواقع الكلام، ومجاري اللغة، والعالم بدلالات الألفاظ واشتقاقاتها، وأساليبها لا يمكن أن يُعبِّر بلفظ يفهم السببية والعلية إلا إذا كان الأمر كذلك حقيقة.
ويشترط في الصحابي هذا: أن يكون فقيهاً؛ لأن احتمال الخطأ والوهم في كلام الراوي غير الفقيه أقوى من احتماله في كلام الراوي الفقيه.
(1/352)

النوع الثاني: ترتب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء والشرط، كقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)، وقوله عليه الصلاة والسلام: " من بدَّل دينه فاقتلوه "، فإذا وردت أداة من أدوات الشرط فإن فعل الشرط يكون وصفاً وعلة، وجواب الشرط يكون هو الحكم.
النوع الثالث: أن يذكر الشارع حكماً بعد سؤال سائل مباشرة: فإن ذلك يغلب على الظن: كون ذلك السؤال علة لذلك الحكم.
مثاله: حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " هلكت يا رسول الله، قال: " ماذا صنعت؟ " قال: وقعت على أهلي في رمضان، قال: " اعتق رقبه .. ". فهنا غلب على الظن: أن الوقاع وهو: جماع مكلف عمداً لزوجته في نهار رمضان " علة لوجوب الكفارة، لأنه وقع بعد سؤال الأعرابي مباشرة فكأنه قال: إذا واقعت أهلك في نهار رمضان. فكفِّر بكذا.
ْالنوع الرابع: أن يُسال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حكم شيء ما، فيسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن وصف له، وبعد إخباره بالوصف: يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن حكمه كذا، فهذا يفيد أن ذلك الوصف الذي أخبروه به علة لذلك الحكم الذي نطق به بعده.
مثاله: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن جواز بيع الرطب بالتمر، فقال عليه الصلاة والسلام:: أينقص الرطب إذا جف؟ " فقالوا: نعم: فقال: " فلا إذن "، فهنا: قد دل سؤاله واستكشافه عن نقصان الرطب عند الجفاف على أن هذا النقصان علة لعدم جواز بيعه رطباً، ولو لم يفهم ذلك منه: لما كان للسؤال عنه وذكر الحكم بعده فائدة.
(1/353)

النوع الخامس: أن يتوجه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - سؤال عن حكم واقعة معينة، فيذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - حكم حادثة أخرى مشابهة لها منبهاً على وجه الشبه بذكر وصف مشترك بينهما، فإن هذا يفيد أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم.
مثاله: أن امرأة جاءت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقالت يا رسول الله: " إن أمي أدركتها الوفاة وعليها فريضة الحج، فهل يجزئ أن أحج عنها؟ " فقال: " أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم. قال: " فدَين الله أحق أن يُقضى ". فقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - نظير دين الله، وهو دَين الآدمي، ونبَّه على التعليل به؛ ولو لم يكن قد سأله لهذا الغرض - وهو التعليل به - لكان عبثاً، ففهم من هذا أن نظيره في المسؤول عنه - وهو دين الله وهو هنا الحج - كذلك علة لمثل ذلك الحكم؛ حيث إن كلاً منهما يُسمى ديناً اشتغلت به الذمة، ولا تبرأ الذمة إلا بأدائه.
النوع السادس: أن يذكر الشارع وصفاً ظاهراً في محل الحكم ابتداء من غير سؤال لو لم يكن هذا الوصف مؤثراً في الحكم لكان ذِكره عبثاً.
مثاله: أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لابن مسعود بعد ما توضأ بماء نبذت فيه تمرات لتجذب ملوحته: " تمرة طيبة وماء طهور "، فقد نبه - صلى الله عليه وسلم - على تعليل الطهورية ببقاء اسم الماء عليه.
النوع السابع: أن يذكر الشارع الحكم لدفع إشكال في محل آخر، ويردفه بوصف، فحينئذ يغلب على الظن أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم.
مثاله: أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه امتنع من الدخول على
(1/354)

قوم عندهم كلب، فقيل له: إنك تدخل على بني فلان وعندهم هرَّة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: " إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات ". فهنا قد قالوا ما قالوا ظناً منهم أن الكلب والهرة في الحكم سواء، فبين لهم - صلى الله عليه وسلم - أن الحكم مختلف؛ حيث إن الهرة طاهرة، وعلة طهارتها: كثرة تطوفها وصعوبة التحرز منها، ولو لم يكن لذكر تطوافها عقيب الحكم أثر في الطهارة لما كان لذكره فائدة.
النوع الثامن: أن يُفرق الشارع بين أمرين في الحكم بأن يذكر صفة ما تشعر بأنها هي علة التفرقة في الحكم ما دام أنه قد خصَّها بالذكر دون غيرها، فلو لم تكن علة لكان ذلك على خلاف ما أشعر به اللفظ كقوله تعالي: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ)، فقد فرق بينهما في أن تعقيد الأيمان هي المؤثرة في المؤاخذه.
النوع التاسع: أن يأتي أمر الشارع أو نهيه في شيء ما، ثم يذكر في أثناء هذا الأمر أو هذا النهي شيئاً أخر لو لم يُقدر كونه علة لذلك الحكم المطلوب لم يكن له تعلق بالكلام، لا بأوله ولا بآخره مما قد يُعتبر خبطاً واضطراباً في الكلام يتنزه عنه الشارع.
مثاله: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) فإن يُفهم من ذلك: أن علة النهي عن البيع هي: كونه مانعا من السعي إلى الجمعة؛ لأننا لا يمكن أن نقدر النهي عن البيع مطلقاً حيث يقع التناقض
(1/355)

مع قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) ويكون خبطاً في كلام الشارع واضطراباً فيه؛ فلم يبق إلا أن يكون النهي عن البيع في وقت محدد، وهو وقت كونه شاغلاً عن السعي للجمعة.
النوع العاشر: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفاً مناسباً لأن يكون علة لذلك الحكم، كقوله تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14))، وقولك: " أكرم العلماء وأهن الفساق ". فعلة جعل الأبرار في النعيم هي: البر، وعلة جعل الفجار في الجحيم هي: الفجور، وعلة إكرام العلماء هو: العلم، وعلة إهانة الفساق هي: الفسوق.
وهذا النوع إما أن تكون العلة هي نفس الوصف مثل الأمثلة السابقة.
أو تكون العلة: ما تضمنه الوصف واشتمل عليه، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان ". فقد نهى الشارع عن القضاء مع الغضب، والعلة ليست هي نفس الوصف - وهو الغضب - ولكن العلة ما تضمنه الوصف وهي: الدهشة المانعة من تركيز الفكر التي تضمنها وصف الغضب، لأنا لما علمنا. أن الغضب اليسير الذي لا يمنع من استيفاء الفكر ولا يشوش عليه لا يمنع من القضاء، وأن الجوع المبرح والألم الشديد ومدافعة الأخبثين يمنع من استيفاء الفكر وتركيزه، علمنا أن علة المنع من القضاء ليست هي الغضب، بل تشويش الفكر.
(1/356)

وبناء على ذلك: فإنه يجوز قياس كل ما يشوش الفكر على الغضب كالجوع، والعطش، والألم، وحصر البول ونحو ذلك؛ حيث إن العلة متعدية.
المسلك الخامس: الوصف المناسب وهو: وصف ظاهر منضبط يحصل عقلاً من ترتب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً للعقلاء من حصول مصلحة أو دفع مفسدة.
وقلنا إن الوصف المناسب من مسالك العلة؛ لأن الأحكام مشروعة لمصالح العباد، حيث إن الله تعالى حكيم بإجماع المسلمين، ولا معنى لحكمته إلا أنه لا يأمر بشيء إلا وفيه مصلحة للعباد، ولا ينهى عن شيء إلا وفيه مفسدة لهم.
فإذا وجدنا مصلحة قد تضمنها الحكم فإنا نُعَلِّل بها لأنه غلب على ظننا أنها هي العلة.
ولكن إذا عورضت هذه المصلحة المناسبة التي علَّلنا بها الحكم بمفسدة مساوية أو راجحة فإنها تبطل؛ لأن العمل بالمصلحة حينئذ لا يُعدُّ من المصلحة عند العقلاء، بل يكون عبثاً يخرجه العقل عن كونها مناسبة إلى كونها غير مناسبة.
المسلك السادس: السبر والتقسيم وهو: حصر الأوصاف التي تحتمل أن يُعلَّل بها حكم الأصل في عدد معين، ثم إبطال
(1/357)

ما لا يصلح بدليل، فيتعين أن يكون الباقي علة.
فمثلاً: يقول المجتهد: إن تحريم الربا في البُر ثبت لعلة، وهذه العلة يحتمل أن تكون: كونه مكيلاً، أو كونه موزوناً، أو كونه مطعوماً، أو كونه مقتاتاً، أو كونه مدخراً، أو كونه مالاً، وعجز عن استنباط علة أخرى فوق هذه العلل الست، فهذا يُسمَّى بالتقسيم، ثم يبدأ بسبر واختبار تلك الأوصاف، وينظر فيها ويسقط ما لم يجده مناسباً، وما لا يصلح لتعليل الحكم به، فإذا أبطلها كلها إلا واحدة كانت هي العلة، فيقول: إن علة تحريم الربا في البر هي: الاقتيات، فيقيس كل شيء مقتات عليه كالأرز والذرة فيحرم الربا فيهما؛ قياساً على البر.
مثال آخر: أن يقول المجتهد في ولاية الإجبار على النكاح: إن هذا الحكم إما أن يعلل بالصغر، أو يعلل بالبكارة، أما تعليل الإجبار على النكاح بالصغر فإنه باطل؛ لأنها لو كانت العلة الصغر لمبثت ولاية الإجبار على الثيب الصغيرة؛ نظراً لوجود نفس العلة فيها، وهذا مخالف لنص قوله - صلى الله عليه وسلم -: " الثيب أحق بنفسها "، وهو عام للثيب الصغيرة والكبيرة، فلم يبق إلا أن يعلل بالثاني وهي: البكارة.
المسلك السابع: تنقيح المناط، وهو: أن ينص الشارع على حكم ويضيفه إلى وصف فيقترن به أوصاف أخرى لا مدخل لها في الإضافة ولا أثر لها في الحكم، فيقوم المجتهد بحذف ما لا يصلح علة ليتسع الحكم.
(1/358)

وهو قريب من مسلك السبر والتقسيم، إلا أن تنقيح المناط خاص في الأوصاف التي دل عليها ظاهر النص، وهي محصورة بواسطة هذا الظاهر، بخلاف السبر والتقسيم فإنه خاص في الأوصاف المستنبطة الصالحة للعلية.
مثال تنقيح المناط: حديث الأعرابي، وهو: أنه قد أتى أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: هلكت يا رسول الله، قال: " ما لك؟ "، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال: " اعتق رقبة ".
فقد أشار النص إلى أوصاف وهي: " كون المواقع أعرابيا " و " كون الموطوءة زوجته " و " كون الوقاع حصل في رمضان خاص " و " كون الوقاع حصل في رمضان من مكلف " و " كونه أفسد صوماً محترماً "، فحذف المجتهد جميع هذه الصفات بالأدلة إلا وصفاً واحداً وهو: " كونه مكلفاً واقَع في نهار رمضان " فعلل الحكم بهذا الوصف.
وُيفرق بين تحقيق المناط، وتنقيح المناط، وتخريج المناط: بأن تحقيق المناط هو: أن المجتهد قد تحقق من وجود العلة والمناط في الأصل، ولكنه يجتهد من تحقق وجودها في الفرع. فوظيفة المجتهد هنا سهلة؛ حيث إن علة الأصل موجودة في الأصل، ولكنه يتأكد فقط من وجودها في الفرع بنوع اجتهاد.
مثاله: الاجتهاد في القبلة؛ حيث إن استقبال القبلة معلوم بالنص، ولكن لو اختلطت عليه القبلة في صحراء فإنه يجتهد فيها.
(1/359)

كذلك علة طهارة سؤر الهرة معلومة بالنص، حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: " إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات "، ولكن المجتهد يتأكد من وجودها في الفرع كالفأرة ونحوها.
أما تنقيح المناط فهو: ما سبق بيانه، ووظيفة المجتهد هنا أصعب من وظيفته في تحقيق المناط؛ حيث إنه يبذل جهداً في إبراز علة حكم الأصل وتعيينها، ثم يجتهد مرة أخرى في تحققها في الفرع.
أما تخريج المناط فهو: أن ينص الشارع على حكم في محل، ولا يتعرض لمناطه وعلته لا صراحة ولا إيماء، فوظيفة المجتهد هنا أصعب من السابقين؛ حيث إن المجتهد يقوم باستنباط العلل التي يمكن أن يُعلل بها الحكم، ويختبرها، ثم يرجح أحدها، ثم يتحقق من وجودها في الفرع، مثل قولنا: إن علة تحريم الخمر هي الإسكار، فقسنا عليه النبيذ، وقولنا: إن علة تحريم الربا في البر هي: الاقتيات، فقسنا عليه الأرز وهكذا، وهذا هو القياس الخفي الذي اختلف العلماء فيه.
المسلك الثامن: الدوران، وهو: أن يوجد الحكم عند وجود الوصف، وينعدم عند انعدامه، مثل: دوران حكم العصير مع وجود الإسكار وعدمِ وجوده؛ حيث إن عصير العنب قبل وجود الإسكار كان حلالا، فلما حدث الإسكار حرم، فلما زال الإسكار وصار خلاً صار حلالاً، فهنا بأن لك: أن الحكم - وهو التحريم - قد دار مع الإسكار وجوداً وعدماً، فكما وجد وصف كونه مسكراً وجد الحكم وهو: التحريم، ولما انتفى عنه وصف الإسكار انتفى عنه الحكم، وهو: التحريم، فهذا الدوران دلنا
(1/360)

على أن العلة في تحريم العصير إنما هي السكر، وقلنا ذلك لأن الدوران يفيد العلية في الأمور العادية والمألوفة، فلو أن زيداً قد دخل فرأينا عمراً قد قام فلما خرج زيد جلس عمرو وتكرر ذلك فإنه يغلب على ظننا: أن العلة في قيام عمرو هي: دخول زيد، فإذا كان الأمر كذلك في الأمور العادية فإنه يفيد ظن العلية في غيرها؛ لعدم الفارق.
المسلك التاسع: الوصف الشبهي وهو: الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام عنها ممن هو أهله، ولكن ألف من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام.
ولبيان ذلك لا بد من تقسيم الوصف إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الوصف المناسب، وهو: الوصف الذي ظهرت فيه المناسبة - بعد البحث التام - كالإسكار أو القتل العمد العدوان ونحو ذلك، وهذا يُعتبر طريقاً من طرق إثبات العلة كما سبق بيانه.
القسم الثاني: الوصف الطردي، وهو: الوصف الذي لم تظهر فيه المناسبة، ولم يؤْلَف من الشارع الالتفات إليه في شيء من الأحكام كالطول، والقصر، والسواد، والبياض، كقول القائل في طهارة الكلب: حيوان مألوف له شعر كالصوف فكان طاهراً كالخروف، فهذا لا يعتبر ولا يصلح دليلاً على صحة العلة؛ لأن تلك الأوصاف طردية لا مناسبة بينها وبين الحكم الشرعي؛ حيث إن الشارع لم يُعهد عنه أنه التفت إليها، أو علَّل بها، فلا يغلب
(1/361)

على الظن اعتباره علة لثبوت الأحكام فلا يُعتبر.
القسم الثالث: الوصف الشبهي، وهو الذي عرفناه فيما سبق.
وسُمِّي بذلك لأنه أشبه الوصف الطردي من جهة: أن المجتهد لم يقف على مناسبة بين هذا الوصف وبين الحكم رغم البحث والتقصي، فهنا ظن المجتهد أنه غير معتبر كالوصف الطردي.
وأشبه الوصف المناسب من جهة: أن المجتهد قد وقف على اعتبار الشرع له في بعض الأحكام والتفت إليه، فإن هذا يوجب على المجتهد أن يتوقف عن الجزم بانتفاء مناسبته، فاعتبر هذا طريقاً من طرق ثبوت العلة؛ قياساً على الوصف المناسب؛ لأنه يشبهه.
مثاله: الاستدلال على إزالة النجاسة حيث قلنا: طهارة تراد لأجل الصلاة فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، والجامع: كون كل منهما طهارة لأجل الصلاة، أما مناسبتها لتعيين الماء فيها فإنها غير ظاهرة، لكن عهد من الشارع الالتفات إليها في بعض الأحكام كمس المصحف، والطواف وذلك يوهم اشتمالها على المناسبة.
والوصف الشبهي يخالف قياس الأشباه وهو: أن يتردد فرع
(1/362)

بين أصلين ويكون شبهه بأحدهما أكثر فليحق بأكثرهما شبهاً به.
مثاله: " المذي " متردد بين البول والمني، فمن قال: إنه نجس، قال: هو خارج من الفرج ولا يخلق منه الولد، ولا يجب به الغسل فهو في ذلك يشبه البول أكثر من مشابهته للمني فيلحق به فيكون نجساً.
ومن قال: إنه طاهر: قال: هو خارج فيه نوع من الشهوة ويخرج أمامها فهو في ذلك يشبه المني.
والخلاصة: أنا نلحق الفرع بالأصل الذي يغلب على ظننا أنه يشبهه أكثر، لذلك سمي بـ " غلبة الأشباه " أو " قياس الشبه ".
* * *
المسألة الخامسة والثلاثون:
يشترط أن تكون العلة مشتملة على حكمة قصدها الشارع.
والمراد بالحكمة: تحصيل مصلحة. أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها، مثل: تعليل الترخُّص في قصر الصلاة بالسفر؛ لاشتماله على الحكمة المناسبة للتخفيف، وهي: المشقة، ومثل: جعل الزنا علة لوجوب الحد على الزاني؛ لاشتماله على حكمة مناسبة، وهي: اختلاط الأنساب.
وقلنا ذلك لأن الحكم حينما أثبتناه في الفرع فإنما أثبتناه بواسطة وصف غلب على ظننا أن حكم الأصل قد ثبت من أجله.
(1/363)

المسألة السادسة والثلاثون:
يشترط أن تكون العلة ظاهرة جليَّة كالإسكار علة لتحريم الخمر، والسفر علة لإباحة الفطر، وذلك لأن المقصود من الوصف المعلل به إثبات الحكم في الفرع ولا يمكن هذا إلا إذا كان هذا الوصف جلياً واضحاً في الأصل ويوجد في الفرع كما وجد في الأصل.
أما إذا كان خفياً في الأصل فإنه لا يمكن إثبات الحكم بواسطته في الفرع، فلا يصح التعليل في الملك في البيع بالتراضي بين المتبايعين، لأن الرضى من الأوصاف الخفية التي يتعذر الوقوف عليها بنفسها، لذلك لا بد أن يعلل الملك في البيع بأمر ظاهر يكون مظنة الرضا في البيع وهو: الإيجاب والقبول من الطرفين، أو المعاطاة في الأشياء اليسيرة.
* * *
المسألة السابعة والثلاثون:
يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي، فيقول المجتهد في الذمي: يصح ظهاره؛ لأنه يصح طلاقه كالمسلم.
وقلنا ذلك لأن العلة هي المعرف للحكم، ولا يستبعد أن يجعل حكماً ما معرفاً لحكم آخر، كأن يقول الشارع: " مهما رأيتم أني أثبت الحكم الفلاني في الصورة الفلانية فاعلموا أني أثبت الحكم الفلاني فيها أيضاً ".
(1/364)

وبناء على ذلك: فإنه يصح ظهار الذمي، وما صحَّ بيعه صحَّ رهنه.
* * *
المسألة الثامنة والثلاثون:
لا يجوز التعليل بالحكمة - وهي: تطلق على ما يترتب على التشريع من جلب مصلحة أو تكميلها، أو دفع مفسدة أو تقليلها، فلا يجوز التعليل بالمشقة على إباحة الفطر للمسافر بل يعلل بنفس السفر؛ لأن المشقة حكمة الحكم، وقلنا ذلك لأن حكمة الحكم الغالب فيها الخفاء، وعدم الانضباط، فهي تختلف باختلاف الأحوال، والأفراد، والأزمان.
فالمشقة التي تكون عند فلان قد لا تكون عند الآخر، والمشقة التي تكون في الصيف، قد لا تكون في الشتاء وهكذا، أما السفر فإنه لا يختلف باختلاف الأحوال والأفراد.
* * *
المسألة التاسعة والثلاثون:
يجوز التعليل بالوصف المركب من أجزاء؛ قياساً على التعليل بالوصف الواحد. فكما أن الوصف الواحد يغلب على الظن أنه علة بأحد مسالك إثبات العلة السابقة، فكذلك الوصف المركب من عدة أجزاء يُظن عليته بتلك المسالك والطرق ولا فرق؛ لأن القول بالفرق لا دليل عليه، وما لا دليل عليه فلا يعتمد عليه.
(1/365)

فيجوز التعليل بالقتل العمد العدوان على وجوب القصاص.
* * *
المسألة الأربعون:
يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين فأكثر مطلقاً؛ لأن العلة هي: الوصف المعرف للحكم، ولا مانع من اجتماع المعرِّفات والأمارات على شيء واحد كما قالوا: إن من لمَس وبال فإنه ينتقض وضوءه بهما.
ولأنه بعد الاستقراء وجد أنه يمكن أن يصدر من شخص واحد في ساعة واحدة سببان يوجبان قتله كالزنا والردة، وتحرم المرأة بسببين: الحيض والإحرام، أو الإحرام والعدة، أو الحيض والعدة، أو تحرم بالثلاثة وهي: الإحرام، والعدة، والحيض، كذلك لو جمع شخص بين لبن أخته ولبن زوجة أخيه ثم سقاه لصبية دون السنتين خمس مرات مشبعات فإن هذه الصبية تحرم على ذلك الشخص بسببين معاً وهما: أنه يعتبر عمها، ويعتبر خالها.
* * *
المسألة الواحدة والأربعون:
يجوز تعليل حكمين فأكثر بعلة واحدة؛ لأن العلة هي: الوصف المعرف للحكم، ولا مانعِ من أن يكون الوصف الواحد معرفاً لحكمين فأكثر، لكونه مناسبا لهما.
(1/366)

فالقذف - مثلاً - علة لوجوب الحد على القاذف، وهو أيضاً علة لعدم قَبول شهادته، والقتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص، وعلة أيضاً لحرمان القاتل من الميراث، وغروب الشمس علة لجواز الفطر في رمضان، وعلة أيضاً لوجوب صلاة المغرب، وعلة أيضاً لصحة الحج.
* * *
المسألة الثانية والأربعون:
يشترط في الوصف المستنبَط المعلل به أن لا يرجع على الأصل بإبطاله؛ لأن العلة لما كانت فرعاً لهذا الحكم من حيث إنها مستنبطة منه، والفرع لا يجوز أن يعود على أصله بالإبطال - أيضاً - باعتبار أن إبطال الأصل إبطال للفرع، فلا يجوز - إذن - أن يكون الوصف المعلل به مبطلاً لحكم أصله أو جزء منه؛ لأن إبطال الشيء نفسه محال.
مثال ذلك: أنه لما ورد قوله - صلى الله عليه وسلم -: " في كل أربعين شاة شاة "، علل بعض الحنفية وجوب الشاة في الزكاة بدفع حاجة الفقراء، ولذلك جوزوا إخراج قيمتها.
وهذا التعليل - وهو: دفع الحاجة - يرفع وجوب الشاة بعينها مع أن الحديث صريح في وجوبها؛ لأن حاجة الفقير تندفع بقيمة الشاة أيضاً، فتعليل هذا بهذه العلة - وهي: دفع الحاجة - نقل وجوب الشاة بعينها إلى تخيير المزكي بين إخراج شاة بعينها وبين قيمتها، وهذا التعليل قد عاد على أصله بالإبطال، وهو لا يجوز.
(1/367)

المسألة الثالثة والأربعون:
لا يجوز التعليل بالاسم المجرد، مثل: تعليل تحريم الخمر: بكون العرب سمَّته خمراً، وتعليل تحريم الربا في الذهب: بكونه ذهباً، لأن العلة هي: الوصف المعرف للحكم، والاسم ليس وصفاً، ولا فيه معنى الوصف، فانتفت عنه حقيقة العلة، ومجرد الاسم لا أثر له.
* * *
المسألة الرابعة والأربعون:
يجوز التعليل بالوصف العُرفي - وهو: الوصف الذي لا يختلف باختلاف الأزمان، كالشرف، والخسة، والدناءة، والكمال، والنقصان.
وقلنا ذلك: لأن المناسبة التي هي الشرط الأساسي في التعليل موجودة في تلك الأوصاف العرفية، فمثلاً: الشرف يناسب التكريم، وتحريم الإهانة، ووجوب المحافظة، والخسة تناسب إباحة الإهانة.
ولكن لا يجوز التعليل بتلك الأوصاف إلا بشرطين هما:
الشرط الأول: أن يكون الوصف العرفي مطَّرداً، أي: لا يختلف باختلاف الأوقات والأزمان؛ لأن العرف لو لم يكن مطَرداً لجاز أن يكون ذلك العُرف حاصلاً في عصر دون العصر الآخر، وهذا يجعله غير صالح للتعليل به.
الشرط الثاني: أن يكون الوصف العرفي متميزاً عن غيره؛
(1/368)

لأن التعليل بالشيء فرع تميزه عن غيره، ولا يتم ذلك إلا عند تمام التصور للوصف المعلل به.
* * *
المسألة الخامسة والأربعون:
العلة المتعدية هي: ما ثبت وجودها في الأصل والفرع، أي: تتعدى من محل النص إلى غيره.
" والعلَّة القاصرة هي: التي ثبت وجودها في الأصل فقط، ولا تتعدى إلى الفرع.
أما العلة المتعدية فيجوز التعليل بها اتفاقاً، وهذا مطلق، أي: سواء كانت منصوصاً عليها كقوله - صلى الله عليه وسلم - في الهرة: " إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات "، فيقاس عليه الفأرة، أو كانت العلة مستنبطة كالتعليل بالقتل العمد العدوان، والزنا والإسكار، والاقتيات ونحو ذلك.
أما العلة القاصرة فيجوز التعليل بها إن كانت منصوصاً عليها اتفاقاً، كتعليل وجوب الكفارة بوقاع مكلف في نهار رمضان.
وأما العلة القاصرة المستنبطة كالسفر المبيح للفطر، والاستبراء للأَمة في أول حدوث ملكها للتعرف على براءة رحمها، والرمل في الأشواط الأول من الطواف، لإظهار الجَلَد والنشاط للمشركين، فإنه يجوز التعليل بها على الصحيح من أقوال العلماء؛ قياساً على العلة القاصرة المنصوص عليها ولا فرق؛ فإذا جاز التعليل بالعلة القاصرة المنصوص عليها، فكذا يجوز التعليل بالعلة القاصرة المستنبطة، فيجب أن تكون صحيحة، ولا فرق، كما أننا لم نفرق بين العلة المتعدية
(1/369)

المنصوص عليها وبين المتعدية المستنبطة.
* * *
المسألة السادسة والأربعون:
فوائد التعليل بالعلة القاصرة.
الفائدة الأولى: أنه بسبب العلة القاصرة يمكننا التعرف على أن ذلك الحكم مطابق للحكمة والمصلحة، فتميل النفوس بطبيعتها إلى قبول ما عرفت الحكمة والمصلحة التي من أجلها شرع ذلك الحكم أكثر من قبولها للأحكام التي لم تعرف الحكمة والمصلحة التي من أجلها شرع الحكم.
الفائدة الثانية: إن ثبوت العلة القاصرة دليل يستدل به
المجتهد على اختصاص النص الأصلي بذلك الحكم، وحينئذٍ لا يشتغل المجتهد بالتعليل لأجل أن يعدِّي الحكم إلى أي فرع.
الفائدة الثالثة: أن العلة القاصرة تفيد بمفهومها، فمثلاً: لما ثبتت النقدية علة في تحريم الربا في النقدين، فإن عدم النقدية مشعر بانتفاء تحريم الربا.
الفائدة الرابعة: أن العارف للعلة القاصرة يحصل له أجران إذا امتثل الحكم: أجر قصد به الامتثال، وأجر قصد به فعل الفعل لأجل العلة القاصرة من جلب مصلحة أو دفع مفسدة.
الفائدة الخامسة: أن العلة قد تكون في زمان قاصرة لا فرع لها، ولكن قد يحدث فرع في زمان آخر يشبه العلة القاصرة
(1/370)

فحينئذٍ يقوم المجتهد بإلحاق ذلك بالمنصوص عليه.
الفائدة السادسة: لو ظهرت علة قاصرة أو علة متعدية في حكم واحد، ولم يوجد دليل يرجح العلة المتعدية بالعلية، فإنه لا يجوز تعدية الحكم إلى الفرع؛ لأن وجود العلة القاصرة منع من ذلك، فلولا وجود العلة القاصرة لتعدَّى الحكم بتلك العلة من غير توقف على دليل مرجح.
* * *
تنبيه: هذا آخر الكلام عن القياس الذي هو آخر الأدلة المتفق عليها إجمالاً - التي هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس - وهو القسم الأول من الأدلة، ويلي ذلك القسم الثاني من الأدلة، وهي الأدلة المختلف فيها.
(1/371)

القسم الثاني الأدلة المختلف فيها
ويشتمل على الأدلة التالية:
الدليل الأول: الاستصحاب.
الدليل الثاني: شرع من قبلنا.
الدليل الثالث: قول الصحابي.
الدليل الرابع: الاستحسان.
الدليل الخامس: المصلحة المرسلة.
الدليل السادس: سد الذرائع.
الدليل السابع: العرف.
الدليل الثامن: الاستقراء.
وإليك بيان كل واحد منها.
(1/373)

الدليل الأول
الاستصحاب
ويشتمل على مسائل:
المسألة الأولى:
الاستصحاب هو: عبارة عن الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول؛ لفقدان ما يصلح للتغيير.
أو تقول: هو: بقاء ما كان على ما كان نفياً وإثباتاً حتى يثبت دليل يغير الحالة.
* * *
المسألة الثانية:
أنواع الاستصحاب هي:
النوع الأول: استصحاب البراءة الأصلية، وهو: استصحاب العدم الأصلي المعلوم، وذلك كبراءة الذمة من التكاليف حتى يقوم الدليل على التكليف بأمر من الأمور، فإذا لم يقم دليل: بقي ما كان على ما كان وهو: أن كل شيء مباح للإنسان؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة كما سبق أن بيناه، وبعضهم يُسمي ذلك بـ " عدم الدليل ": دليل على البراءة، مثال ذلك: أن الوتر غير واجب؛ لأن طريق وجوبه الشرع وقد طلب الدليل فلم يوجد، فعدم وجود الدليل على الوجوب دليل على عدم
(1/375)

الوجوب، وأن الذمة بريئة منه، فهو إذن مندوب.
وهذا النوع يستدل به الفقهاء كثيراً.
النوع الثاني: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه، مثل: استصحاب الطهارة إذا شك في الحدث، فإن وصف الطهارة إذا ثبت وتأكدنا منه أبيحت الصلاة، فإن هذا الحكم يستصحب حتى يثبت خلافه، وهو الحدث، ومثل: الكفالة فإنه وصف شرعي يستمر ثابتاً حتى يؤدي الدَّين، أو يؤديه الأصيل، أو يُبرئه المدين.
النوع الثالث: استصحاب ما دلَّ الشرع على ثبوته واستمراره، مثل: استمرار ملك الإنسان لهذه الأرض مثلاً بسبب الشراء؛ حتى يوجد ما يزيله ويغيره.
النوع الرابع: استصحاب حكم العموم والعمل به حتى يرد ما يُخصص ذلك العموم، واستصحاب العمل بالنص حتى يرد ما ينسخه.
* * *
المسألة الثالثة:
جميع أنواع الاستصحاب السابقة حجة في ثبوت الأحكام وعدمها؛ لأن استصحاب الحال يفيد بقاء الحكم إلى الزمن الثاني، وكل ما أفاد ظن الحكم وجب العمل به؛ لأن العمل بالظن الغالب متعين، فالاستصحاب يجب العمل به.
ولأن الإجماع منعقد على أنه لو شك في حصول الزوجية ابتداء حرم عليه الاستمتاع، ولو شك في حصول الطلاق مع سبق العقد جاز له الاستمتاع، ولا يوجد فرق بينهما إلا أن الأول قد استصحب فيه الحالة الموجودة قبل الشك - وهي: عدم الزوجية وحصول العقد، وأما الثاني فقد استصحب فيه الحالة الموجودة
(1/376)

قبل الشك - وهي العقد عليها - فلو لم يعتبر الاستصحاب وكان غير مفيد لظن البقاء للزم استواء الحالين: التحريم والجواز، وهو: حرمة الوطء أو إباحته، وهو: باطل بالإجماع.
* * *
المسألة الرابعة:
النافي للحكم يلزمه الدليل ويطالب به؛ لقوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)).
فهنا قد نفى اليهود والنصارى وقالوا: لن يدخل الجنة إلا نحن ومع ذلك فقد أمر الله تعالى نبيه - عز وجل - بأن يطالبهم بالدليل على هذا النفي، وهذا يفيد أن النافي يلزمه الدليل.
ولأن نفي الحكم دعوى، والدعوى لا تثبت إلا بدليل.
(1/377)

الدليل الثاني
شرع من قبلنا
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى:
المراد بشرع من قبلنا هو: ما نقل إلينا من أحكام تلك الشرائع التي كانت الأمم السابقة قد كلفت بها على أنها شرع لله تعالى.
* * *
المسألة الثانية:
ما أورده الله تعالى في كتابه، أو أورده رسول - صلى الله عليه وسلم - في سنته من القصص والأخبار والأحكام التي وردت في الشرائع السابقة من غير إنكار، ولم يدل دليل على أنها مشروعة في حقنا، ولم يدل دليل على أنها منسوخة عنا، فإن هذه الأحكام مشروعة لنا، وملزمون بها، أي: أن شرع من قبلنا شرع لنا، فتكون حجة؛ لقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، حيث إن الله تعالى قد أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - باتباع جميع الأنبياء السابقين، فيكون متعبداً بشرع من قبله.
ولقوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا)، حيث إن هذا يدل على أن شرع نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - مثل شرع غيره
(1/378)

من الأنبياء كنوح، وابراهيم، وموسى، وعيسى، ولا فرق بينهم في أخذ الأحكام من جميع الشرائع السابقة.
ولقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، حيث إن الله تعالى قد بين أن من لم يحكم بما أنزل فقد خرج عن الملة، والأحكام التي عمل بها النبيون السابقون هو مما أنزل الله، فيجب العمل بها.
وعلى هذا فإنه يستدل على قتل الرجل بالمرأة بقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)، ويستدل على جواز الجُعالة بقوله تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ).
(1/379)

الدليل الثالث
قول الصحابي
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المراد بقول الصحابي: ما نقل إلينا عن أحد أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من فتوى، أو قضاء، أو عمل، أو رأي، أو مذهب في حادثة لم يرد حكمها في نص، ولم يحصل عليها إجماع.
* * *
المسألة الثانية:
إذا قال صحابي رأياً، ولم يرجع عنه ولم يخالف فيه قول صحابي آخر، ولم ينتشر: فإن هذا القول حجة مطلقاً، أي: سواء وافق القياس، أو لا، أو كان من الخلفاء، أو من غيرهم؛ لقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، حيث إن هذا خطاب مع الصحابة بأن كل ما يأمرون به معروف والمعروف يجب القول به.
ولأن قول الصحابي الصادر عن رأي واجتهاد فإنه يرجح على رأي التابعي ومن بعده؛ لأن رأي الصحابي أقرب إلى إصابة الحق، وأبعد عن الخطأ؛ حيث شاهد التنزيل، وعرف التأويل،
(1/380)

ووقف من أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ومراده في كلامه على ما لم يقف عليه غيره مع اجتهاد وحرص على طلب الحق، وعرف مقاصد الشريعة، مع فضل درجة ليست لغيرهم كما وردت الأخبار بذلك، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم "، فمَن هذا شأنه فإن قوله أولى بالاتباع من قول غيره.
وبناء على هذا: فإنه يستدل على عدم وجوب الزكاة في الحلي بمذهب ابن عمر حيث كان لا يخرج الزكاة على حلي بناته وجواريه، ويستدل على وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون بقول عمر رضي الله عنه: " اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة ".
* * *
المسألة الثالثة:
إذا قال صحابي قولاً في مسألة اجتهادية، ولم يخالف فيه قول صحابي آخر، ولم ينتشر في بقية الصحابة: فإن هذا القول حجة، وقد سبق، وعلى هذا: فإنه يجوز العمل به بدون دليل آخر يُعضده.
لكن إذا قال صحابي قولاً في مسألة، وخالفه صحابي آخر في نفس المسألة بقول آخر، فإنه لا يجوز الأخذ بقول أحدهما بدون دليل؛ لأن القولين لا يمكن أن يكونا خطأ، ولا يمكن أن يكونا صواباً، بل إن أحدهما صواب والآخر خطأ، ولا يمكن معرفة القول الصواب والقول الخطأ إلا بدليل خارجي، إذن: لا بد من الدليل لترجيح أحد القولين.
(1/381)

ولأنهما قولان قد تعارضا فلا بد من دليل آخر يرجح أحدهما مثل: الآيتين، أو الخبرين إذا تعارضا، فلا يمكن ترجيح أحدهما إلا بمرجح خارجي.
(1/382)

الدليل الرابع
الاستحسان
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
الاستحسان هو: العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص أقوى من الأول.
فالقياس يقتضي حكماً عاماً في جميع المسائل، لكن خُصِّصت مسألة وعُدل بها عن نظائرها، وصار لها حكم خاص بها نظراً لثبوت دليل قد خصَّصها وأخرجها عما يماثلها، وهذا الدليل هو أقوى من المقتضي العموم في نظر المجتهد.
* * *
المسألة الثانية:
أنواع الاستحسان هي:
النوع الأول: الاستحسان بالنص، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالكتاب أو السنة.
مثاله: أن القياس لا يجوِّز العرايا، لأنه يبع تمر برطب وهو داخل تحت النهي عن بيع المزابنة، ولكن عدلنا عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو الجواز لدليل ثبت بالسنة وهو قول الراوي:
(1/383)

" ورخص بالعرايا "، فتركنا القياس لهذا الخبر استحساناً.
النوع الثاني: الاستحسان بالإجماع، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالإجماع.
مثاله: أن القياس لا يجوِّز عقد الاستصناع، وهو: أن يتعاقد شخص مع صانع على أن يصنع له كرسياً - مثلاً - بمبلغ وقدره مِائة ريال بشروط معينة -، فهذا لا يجوز؛ لأنه بيع معدوم، لكن عدلنا عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: جواز هذا العقد؛ نظراً لتعامل الأمة به من غير نكير، فصار إجماعاً.
النوع الثالث: الاستحسان بالعرف والعادة، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم آخر يخالفه؛ نظراً لجريان العرف بذلك، وعملاً بما اعتاده الناس.
مثاله: لو حلف شخص وقال: " والله لا أدخل بيتاً "، فالقياس يقتضي: أنه يحنث إذا دخل المسجد؛ لأنه يسمى بيتاً لغة، ولكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: عدم حنثه إذا دخل المسجد؛ لتعارف الناس على عدم إطلاق هذا اللفظ على المسجد.
النوع الرابع: الاستحسان بالضرورة، وهو: العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم آخر مخالف له ضرورة.
مثاله: جواز الشهادة في النكاح والدخول، فالقياس يقتضي عدم جواز الشهادة في النكاح والدخول؛ لأن الشهادة مشتقة من المشاهدة وذلك بالعلم، ولم يحصل في هذه الأمور، لكن عُدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: جواز الشهادة في النكاح والدخول ضرورة؛ لأنه لو لم تقبل فيها الشهادة بالتسامح لأدى إلى الحرج وتعطيل الأحكام.
(1/384)

النوع الخامس: الاستحسان بالقياس الخفي، وهو: العدول عن حكم القياس الظاهر المتبادر فيها إلى حكم آخر بقياس آخر، وهو: أدق وأخفى من الأول، لكنه أقوى حجة، وأسدّ نظراً، وأصح استنتاجاً منه.
مثاله: أن من له على آخر دين حال من دراهم فسرق منه مثلها قبل أن يستوفيها فلا تقطع يده.
لكن إذا كان الذين مؤجلاً، فالقياس يقتضي قطع يده إذا سرق مثلها قبل حلول الأجل؛ لأنه لا يباح له أخذه قبل الأجل، لكن عدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: أن يده لا تقطع؛ لأن ثبوت الحق - وإن تأخرت المطالبة - يصير شبهة دارئة، وإن كان لا يلزمه الإعطاء الان، فعدم قطع اليد هنا ثبت استحساناً.
* * *
المسألة الثالثة:
الاستحسان بذلك التعريف حجة باتفاق العلماء؛ حيث لم ينكره أحد، وإن اختلف في تسميته استحساناً، فبعضهم سماه بهذا الاسم، وبعضهم لم يسمه بذلك، وهو في الجملة راجع إلى العمل بالدليل القوي الذي ترجح بذلك على ما هو أضعف منه، وهذا لا نزاع فيه.
(1/385)

الدليل الخامس
المصلحة المرسلة
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المصلحة المرسلة هي: كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع الخمسة - وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل - دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء.
فتكون المصالح المرسلة هي التي لم يقم دليل من الشارع على اعتبارها ولا على إلغائها، فإذا حدثت حادثة لم نجد حكمها في نص ولا في إجماع ووجدنا فيها أمراً مناسباً لتشريع الحكم، أي: أن تشريع الحكم فيها من شأنه أن يدفع ضرراً، أو يحقق نفعاً، فهذا الأمر المناسب في هذه الحادثة يُسمى المصلحة المرسلة.
* * *
المسألة الثانية:
أقسام المصالح باعتبار أهميتها هي:
القسم الأول: الضروريات، وهي: المصالح التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، وصيانة مقاصد الشريعة، بحيث إذا فقدت أو فقد بعضها: فإن الحياة تختل أو تفسد، وللمحافظة
(1/386)

على المصالح الضرورية شرع الله حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والمال.
فشرع لحفظ الدين: قتل الكافر المضل، وقتل المرتد الداع إلى ردته، وشرع الجهاد، وشرع لحفظ النفس: عقوبة القصاص، وعقوبة الدية، ووجوب الأكل والشرب عند الضرورة في حالة صوم المسلم، وشرع لحفظ العقل: عقوبة شرب الخمر، وشرع لحفظ النسل والنسب: عقوبة الزنا، وشرع لحفظ المال: عقوبة قطع يد السارق.
القسم الثاني: الحاجيات وهي: المصالح والأعمال والتصرفات التي لا تتوقف عليها الحياة واستمرارها، بل إن الحياة تستمر بدونها ولكن مع الضيق والحرج والمشقة، مثل: التوسع في بعض المعاملات كالمساقاة، والقصر في السفر، والإجارة، ونحو ذلك في الأمور العامة.
ومثال ذلك في الأمور الخاصة: تسليط الشارع الأب في تزويج ابنته الصغيرة من الكفء، فإن هذا لا ضرورة إليه؛ حيث إنه يمكن استمرار الحياة بدون ذلك، ولكنه محتاج إليه في اقتناء المصالح لتحصيل هذا الكفء؛ خوفاً من فواته؛ لأنه يحصل بحصوله نفع في المستقبل، ويحصل بفواته بعض الضرر.
القسم الثالث: التحسينيات، وهي: المصالح والأعمال والتصرفات التي لا تتوقف الحياة عليها، ولا تفسد ولا تختل، فالحياة تتحقق بدون تلك التحسينيات وبدون أي ضيق، فهي من قبيل التزيين والتجميل، ورعاية أحسن المناهج وأحسن الطرق للحياة، فتكون من قبيل استكمال ما يليق، والتنزه عما لا يليق
(1/387)

من المدنسات التي لا تألفها العقول الراجحة.
ومن أمثلة ذلك العامة: المنع من بيع الماء، والكلأ، والمنع من الإسراف والتقتير، وآداب الأكل والشرب.
ومن أمثلتها الخاصة: اشتراط الولي في النكاح، صيانة للمرأة عن مباشرة عقد النكاح بنفسها؛ لأن المرأة لو باشرت عقد نكاحها لكان ذلك مشعراً بتوقانها إلى الرجال، ومشعراً بقلة حيائها، وهذا يقلل من قيمتها عند الخاطب.
* * *
المسألة الثالثة:
أقسام المصالح من حيث اعتبار الشارع لها وعدم ذلك هي:
القسم الأول: المصالح المعتبرة، وهي المصالح التي اعتبرها الشارع وأثبتها وأقام دليلاً على رعايتها، فهذه المصالح حجة لا إشكال في صحتها وأمثلتها ما سبق.
القسم الثاني: المصالح الملغاة، وهي: المصالح التي ألغاها الشارع ولم يعتبرها، فلو نص الشارع على حكم في واقعة لمصلحة قد استأثر الله بعلمها، وبدا لبعض الناس حكم فيها مغاير لحكم الشارع لمصلحة توهمها هذا البعض، فتخيل أن ربط الحكم بذلك يحقق نفعاً أو يدفع ضرراً، فإن هذا الحكم مردود على من توهمه؛ لأن هذه المصلحة التي توهمها قد ألغها الشارع، ولم يلتفت إليها.
مثاله: أن الملك عبد الرحمن بن الحكم قد جامع جارية في نهار رمضان وكرر ذلك في عدد من الأيام، وكان يكرر
(1/388)

الإعتاق مطبقاً بذلك حديث الأعرابي، ولكن جاء الفقيه: يحيى بن يحيى الليثي المالكي فأفتى بأن عليه صوم ستين يوماً كفارة له، وعلل ذلك بأن الكفارة قد وضعت للزجر والردع، فلو أوجبنا عليه العتق لسهل عليه الجماع في نهار رمضان مرة بعد الأخرى؛ نظراً لكثرة ماله، لذلك نوجب عليه الصيام زجراً له، وظن هذا الفقيه أن في ذلك مصلحة، ولكن هذه المصلحة ملغاة؛ لأنها معارضة للنص الشرعي، وهو: حديث الأعرابي.
القسم الثالث: المصالح المرسلة، وهي: المطلقة التي لم يقيدها الشارع باعتبار، ولا بإلغاء، وهذا القسم هو المراد بالمصلحة المرسلة.
* * *
المسألة الرابعة:
المصلحة المعتبرة حجة بالاتفاق، والمصالح الملغاة ليست بحجة بالاتفاق.
أما المصالح المرسلة فهي حجة بشروط هي كما يلي:
الشرط الأول: أن تكون المصلحة المرسلة ضرورية، وهو ما يكون من الضروريات الخمس التي يجزم بحصول المنفعة منها.
الشرط الثاني: أن تكون المصلحة عامة كلية؛ لتعم الفائدة جميع المسلمين.
الشرط الثالث: أن تلاءم تلك المصلحة مقاصد الشرع في الجملة فلا تكون غريبة.
الشرط الرابع: أن تكون المصلحة قطعية، أو يغلب على الظن وجودها ولم يختلف في ذلك.
(1/389)

ودل على حجيتها: إجماع الصحابة؛ حيث إن من تتبع الفتاوى الصادرة عنهم، ونظر إلى طرق اجتهاداتهم، علم أنهم كانوا يراعون المصالح، وينظرون إلى المعاني التي علموا أن القصد من الشريعة رعايتها، دون نكير من أحد، فكان إجماعاً.
وأيضاً: لو لم نجعل المصلحة المرسلة دليلاً من الأدلة، للزم من ذلك خلو كثير من الحوادث من أحكام، ولضاقت الشريعة عن مصالح الناس، وقصرت عن حاجاتهم، ولم تصلح لمسايرة مختلف المجتمعات والأزمان والأحوال، وهذا خلاف القاعدة الشرعية وهي: " إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان "، فلا بد من جعلها دليلاً من الأدلة الشرعية؛ لهذه القاعدة، ولأن النصوص قليلة، والحوادث كثيرة.
وعلى هذا: يستدل بالمصلحة على أن المرأة البكر لا تغرَّب إذا زنت لأن في تغريبها تعريضاً لها للفساد، وُيستدل بها على قتل الجماعة بالواحد؛ لأنه لو سقط القصاص بالاشتراك لأدى ذلك إلى اتساع القتل به.
(1/390)

الدليل السادس
سد الذرائع
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى:
الذرائع: جمع ذريعة، وهي: كل وسيلة مباحة قصد بها التوصل بها إلى المفسدة، أو لم يقصد بها التوصل إلى المفسدة، لكنها مفضية إليها غالباً، ومفسدتها أرجح من مصلحتها.
فسد الذرائع هو: حسم مادة وسائل الفساد بمنع هذه الوسائل ودفعها.
* * *
المسألة الثانية:
سد الذرائع حجة يُعمل به، وُيستدل به على إثبات بعض الأحكام الشرعية، أو نفيها؛ لقوله تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ).
فالله سبحانه هنا قد حرَّم سبَّ الأصنام التي يعبدها المشركون، لكون هذا السب ذريعة إلى أن يسبوا الله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبِّنا لأصنامهم، فلذلك أمرنا بترك سبِّ أصنامهم؛ لأنه يؤدي إلى سبًّا الله تعالى، وهذا هو سد الذرائع.
(1/391)

ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل من ظهر نفاقه وقال: " أخاف أن يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه " وذلك سداً للذرائع؛ حيث إن ذلك سيؤدي إلى نفور بعض الناس من الإسلام، ومفسدة التنفير أعظم من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل.
والأخذ بدليل سد الذرائع راجع إلى الأخذ بدليل المصلحة.
وبناء على حجية سد الذرائع: فإن الشخص لو مات وعليه زكاة لم يؤدها: فإنه لا يلزم الورثة إخراجها عنه من تركته؛ لأنه لو ألزمنا الورثة بذلك لأدى ذلك بأن يترك الإنسان أداء زكاته طول عمره اعتماداً على أن الورثة سيخرجونها بعد موته، وربما يتخذ ذلك ذريعة للإضرار بهم.
(1/392)

الدليل السابع
العُرف
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
العُرف هو: ما يتعارفه أكثر الناس، ويجري بينهم من وسائل التعبير، وأساليب الخطاب والكلام، وما يتواضعون عليه من الأعمال، ويعتادونه من شؤون المعاملات مما لم يوجد في نفيه ولا إثباته دليل شرعي.
* * *
المسألة الثانية:
العرف من حيث مصدره ثلاثة أقسام هي:
القسم الأول: العُرف العام، وهو: ما تعارف عليه أكثر الناس في جميع البلدان مثل عقد الاستصناع في الأحذية أو الألبسة أو نحو ذلك.
القسم الثاني: العُرف الخاص، وهو: ما تعارف عليه أكثر الناس في بعض البلدان، مثل: إطلاق لفظ " الدابة " على الفرس عند أهل العراق بينما ذلك يختلف في مصر.
القسم الثالث: العُرف الشرعي، وهو: اللفظ الذي استعمله
(1/393)

الشارع مريداً منه معنى خاصاً مثل: " الصلاة " فإنها في الأصل: الدعاء، ولكن الشارع أراد بها شيئاً مخصوصاً.
* * *
المسألة الثالثة:
العُرف من حيث سببه ومتعلَّقه قسمان هما:
القسم الأول: العرف القولي واللفظي، وهو: أن يتعارف أكثر الناس على إطلاق لفظ على معنى ليس موضوعاً له، بحيث يتبادر إلى الذهن عند سماعه بدون قرينة ولا علاقة عقلية، كلفظ " الدابة "، فإنه لغة يطلق على كل ما يدبُّ على الأرض، وقد خصَّصه بعضهم بالفرس، وآخرون خصَّصوه بالحمار.
القسم الثاني: العرف الفعلي، وهو: ما كان موضوعه بعض الأعمال التي اعتادها الناس في أفعالهم العادية، أو معاملاتهم، كبيع المعاطاة وهي: أن يقول: أعطني بهذا الريال خبزاً فيعطيه ما يرضيه، أو أن يدفع الثمن ويأخذ السلعة بدون لفظ عن تراض بينهما، فهذا بيع صحيح ثبت عن طريق العرف.
* * *
المسألة الرابعة:
العُرف حجة، ودليل شرعي تثبت به الأحكام الشرعية بشروط هي:
الشرط الأول: أن يكون العرف عاماً أو غالباً.
الشرط الثاني: أن يكون العرف مطرداً أو أكثرياً.
الشرط الثالث: أن يكون العرف موجوداً عند إنشاء التصرف.
الشرط الرابع: أن يكون العرف ملزماً، أي: يتحتم العمل بمقتضاه في نظر الناس.
(1/394)

الشرط الخامس: أن يكون العرف غير مخالف لدليل معتمد.
الشرط السادس: أن يكون العرف غير معارض بعُرف آخر في نفس البلد.
فإذا توفرت هذه الشروط فإن العرف حجة، دل على ذلك: الاستقراء؛ حيث إنه بعد استقراء وتتبع أحكام الله تعالى وجدنا أنه سبحانه قد اعتبر العادات - التي هي: وقوع المسببات عن أسبابها العادية - ورتب عليها أحكاماً شرعية، فشرع القصاص لأنه سبب للانكفاف عن القتل عادة، وشرع النكاح لأنه عادة وعرفاً سبب لبقاء النسل عادة وعرفاً، وشرع التجارة: لأنها سبب لنماء المال عادة.
وبناء على حجية العُرف: فإنه صح بيع المعاطاة - كما سبق - وكذلك يعْطى الأجير الصانع أجرة المثل، وإن لم تذكر الأجرة قبل العمل إذا كان منتصباً للعمل.
(1/395)

الدليل الثامن
الاستقراء
وفيه سائل:
المسألة الأولى:
الاستقراء هو: الاستدلال بثبوت الحكم في الجزئيات على ثبوته في الأمر الكلي الجامع لتلك الجزئيات.
* * *
المسألة الثانية:
الاستقراء نوعان:
النوع الأول: استقراء تام، وهو ثبوت الحكم في كلية بواسطة إثباته بالتتبع والتصفح لجميع الجزئيات ما عدا صورة النزاع.
النوع الثاني: استقراء ناقص، وهو: ثبوت الحكم في كلية بواسطة إثبات بالتتبع والتصفح لأكثر الجزئيات ما عدا صورة النزاع.
* * *
المسألة الثالثة:
الاستقراء التام حجة اتفاقاً؛ لكونه يفيد القطع، حيث إنه ثبت عن طريق استقراء جميع الجزئيات.
أما الاستقراء الناقص فهو حجة على الصحيح؛ حيث إنه
(1/396)

يفيد الحكم ظناً؛ وذلك لأن تصفح وتتبع أكثر الجزئيات مع تماثلها في الأحكام يوجد ظناً غالباً بأن حكم ما بقي من الجزئيات - وهو قليل - كذلك؛ حيث إنه معلوم: أن القليل يلحق بالكثير الغالب، والعمل بالظن الغالب واجب.
وقلنا: إن الاستقراء الناقص يفيد الحكم ظناً، ولا يفيده قطعاً؛ لجواز أن يكون حكم ما لم يستقراً بخلاف حكم ما استقرئ، فنظراً إلى هذا الاحتمال الضعيف قلنا: إنه يفيد الحكم ظناً.
وبناء على حجية الاستقراء الناقص: نحكم بأن أكثر مدة الحمل أربع سنوات، للاستقراء؛ حيث إنا نرجع فيما لم ينص على حكمه إلى الوجود، وقد وجد بعد استقراء الحمل لأربع سنوات كنساء بني عجلان.
وبناء عليه: حكم بعضهم بأن أكثر مدة النفاس ستون يوماً؛ للاستقراء، حيث إنه قد وجد بعد الاستقراء والتتبع: أن بعض النساء يرين النفاس هذه المدة، والاعتماد في هذا الباب على الوجود.
(1/397)

الفصل الرابع
في الاجتهاد
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
الاجتهاد هو: بذل المجتهد ما في وسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي عملي من دليل تفصيلي.
* * *
المسألة الثانية:
الاجتهاد يكون في الظنيات فقط وهو يشمل الأقسام التالية:
القسم الأول: النص قطعي الثبوت ظني الدلالة، وهذا يكون في الآية والحديث المتواتر اللذين قد دل لفظهما على الحكم دلالة ظنية.
القسم الثاني: النص ظني الثبوت قطعي الدلالة، وهذا يكون في خبر الواحد الذي دل على معناه دلالة قطعية.
القسم الثالث: النص ظني الثبوت والدلالة معاً، وهذا يكون في خبر الواحد الدال على معناه دلالة ظنية.
(1/398)

القسم الرابع: الاجتهاد فيما لا نص فيه ولا إجماع، وهذا يكون في حادثة لم يرد حكمها في نص ولا في إجماع، فيبذل المجتهد ما في وسعه في تحصيل حكم لتلك الحادثة، وذلك باستعمال أدلة أرشده إليها الشارع كالقياس، والاستصحاب، وقول الصحابي، والاستحسان، وشرع من قبلنا، والمصلحة المرسلة، والعرف، وسد الذرائع وغيرها.
* * *
المسألة الثالثة:
شروط المجتهد هي:
الشرط الأول: أن يكون عارفاً بكتاب الله تعالى وما يتعلَّق به، فإذا أراد المجتهد الاستدلال بآية على حكم حادثة فلا بد أن يعرف: هل هي ناسخة أو منسوخة؛ وسبب نزولها، وأقوال الصحابة في تفسيرها، وأقوال كبار التابعين فيها وتفاسير علماء الشريعة لها، وأن يعرف ما يعارضها من آيات أخر أو أحاديث، وأن يعرف نوع دلالتها على الحكم، وإعرابها.
ولا يشترط حفظ القرآن، بل المشترط تذكر آيات الأحكام، فمثلاً لو نزلت حادثة تخص الأطعمة فإنه يعرف مواقع آيات الأطعمة، وكذلك مواضع آيات الحدود، وآيات النكاح والطلاق والرضاع والنفقات ونحو ذلك.
الشرط الثاني: أن يكون عارفاً بالسنة، فإذا أراد الاستدلال بحديث على حكم حادثة، فإنه لا بد أن يعرف عنه مثل معرفته عن الآية كما قلنا سابقاً.
ويزاد في الحديث: معرفة سند الحديث، وطريق وصوله إلينا، وحال رواته من العدالة والضبط ونحو ذلك.
الشرط الثالث: أن يكون عالماً بالمجمع عليه من الأحكام،
(1/399)

وذلك لئلا يجتهد في مسألة قد أجمع العلماء على حكمها. الشرط الرابع: أن يكون عالماً بالمختلف فيه من الأحكام، فيعرف المسألة وأدلة كل فريق، لذا حرص الأئمة الأربعة ومن تبعهم على معرفة الاختلافات والمناظرات والمحاورات في المسائل التي اختلف فيها بين الصحابة.
الشرط الخامس: أن يكون عالماً بعلم أصول الفقه؛ فمن جهله لا يمكنه ترتيب الأدلة، ومعرفة الأدلة المتفق عليها والأدلة المختلف فيها، فلا بد من معرفته؛ ليعرف تلك الأدلة وشروطها، وأدلة ثبوتها، وفك التعارض بينها.
الشرط السادس: أن يكون عالماً بالقياس؛ حيث إن أكثر من نصف الفقه مبني عليه، فيعرف أركانه، وشروطه وتفاصيل مسائله. قال الإمام الشافعي: " من لم يعرف القياس فليس بفقيه "، وقال الإمام أحمد: " لا يستغني أحد عن القياس ".
الشرط السابع: أن يكون عالماً باللغة العربية وقواعدها من لغة ونحو وبلاغة وبديع، وأن يعرف كل ما يتوقف عليه فهم الألفاظ؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، والرسول - صلى الله عليه وسلم - من أفصح العرب، فلا يمكن لأي شخص أن يعرف ما تدل عليه ألفاظهما إلا بمعرفة اللغة العربية، فبسبب معرفته لذلك يستطيع أن يفرق بين صريح الكلام، وظاهره، ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه، وخاصه، ومحكمه، ومتشابهه، ومطلقه، ومقيده، ونصه، وفحواه، ولحنه، ومنطوقه، ومفهومه.
الشرط الثامن: أن يكون عارفاً بمقاصد الشريعة، فيعرف المجتهد مقاصد الشارع العامة من تشريع الأحكام.
(1/400)

الشرط التاسع: أن يكون خبيراً بمصالح الناس، وأحوالهم، وأعرافهم، وعاداتهم.
الشرط العاشر: أن يكون عدلاً مجتنباً للمعاصي القادحة في العدالة، وهذا الشرط يشترط لجواز الاعتماد على فتواه، فمن ليس بعدل وتوفرت فيه شروط المجتهد السابقة، فإنه لا تقبل فتواه ولا اجتهاده، ولا يعمل بها الآخرون، أما هو فيجب عليه أن يعمل باجتهاده.
* * *
المسألة الرابعة:
الاجتهاد يكون فرض عين، ويكون فرض كفاية، ويكون مندوباً، ويكون محرماً، وإليك بيان ذلك:
أولاً: يكون الاجتهاد فرض عين في حالتين:
الحالة الأولى: اجتهاد المجتهد في حق نفسه فيما نزل به؛ لأن المجتهد لا يجوز له أن يقلِّد غيره في حق نفسه.
الحالة الثانية: اجتهاد المجتهد في حق غيره إذا تعين عليه الحكم فيه بأن لا يوجد في العصر إلا هو، أو ضاق الوقت فإنه يجب عليه الاجتهاد على الفور، لأن عدم الاجتهاد يقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا لا يجوز.
ثانياً: يكون الاجتهاد فرض كفاية عندما تنزل حادثة بأحد، فاستفتى العلماء، أو عين واحداً أو طائفة، فإن الوجوب هنا يكون فرضاً عليهم جميعاً، فإن أجاب واحد منهم عنها سقط الفرض عن الجميع، وإن أمسكوا مع ظهور الصواب أثموا، وإن أمسكوا مع التباسه عليهم عُذروا.
ثالثاً: يكون الاجتهاد مندوباً إليه في حالتين هما:
(1/401)

الحالة الأولى: أن يجتهد العالم قبل نزول الحادثة ليسبق إلى معرفة حكمها قبل وقوعها.
الحالة الثانية: أن يستفتيه سائل عن حكم حادثة قبل وقوعها.
رابعاً: يكون الاجتهاد محرماً في حالتين هي:
الحالة الأولى: أن يقع الاجتهاد في مقابلة دليل قاطع من نص أو إجماع.
الحالة الثانية: أن يقع الاجتهاد ممن لم تتوفر فيه شروط المجتهد فيما يجتهد فيه.
* * *
المسألة الخامسة:
يجوز تجزؤ الاجتهاد، أي: يقبل اجتهاد شخص في مسألة معينة إذا عرف دقائقها دون المسائل الأخرى في نفس الباب، فالشخص العارف لمسألة المشركة - وهي: زوج وذات سدس، وإخوة لأم وإخوة أشقاء - يجوز له أن يجتهد فيها بشرط: إحاطته بعلم الفرائض إجمالاً وأركانه وشروطه، وإن كان جاهلاً بأي مسألة أخرى من باب الفرائض.
وقلنا ذلك: لأنه لو كان العمل في جميع مسائل الفقه شرطاً لبلوغ درجة الاجتهاد وشرطاً لقبوله منه: لكان توقف بعض الصحابة - رضي الله عنهم - وبعض الفقهاء في بعض المسائل وعدم قدرتهم على ذلك مخرجاً لهم عن الاجتهاد، ولكن الأمر ليس كذلك؛ حيث إن توقف بعض الصحابة وبعض الفقهاء لم يخرجهم عن زمرة المجتهدين.
(1/402)

المسألة السادسة:
يجوز الاجتهاد في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أذن بذلك لبعض الصحابة؛ حيث إنه قد جاءه خصمان يختصمان، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن العاص: " أقض بينهما يا عمرو "، فقال عمرو: أنت أولى مني يا رسول الله، قال: " وإن كان "، قال عمرو: فإن قضيت بينهما فما لي؟ قال: " إن أنت قضيت بينهما فأصبت القضاء فلك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنة ".
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعقبة بن عامر ولرجل من الأنصار: " اجتهد فإن أصبتما فلكما عشر حسنات، وإن أخطأتما فلكما حسنة ".
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد فوض الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ، حيث رضوا بحكمه، فحكم سعد فيهم باجتهاده، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - له: " لقد حكمت بحكم الله فوق سبعة أرقعة ".
وبناء على ذلك: فإنه يجوز الاجتهاد بين مياه تنجس بعضها وهو على شاطئ البحر، ويجوز الاجتهاد في أوقات الصلاة مع إمكان الصبر إلى اليقين.
* * *
المسألة السابعة:
يجوز الاجتهاد للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو واقع منه؛ لعموم قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، والرسول - صلى الله عليه وسلم - أعلى أهل البصائر وأرفعهم منزلة.
(1/403)

ولقياسه على داود وسليمان عليهما السلام.
ولوقوعه منه - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث اجتهد في أسرى بدر، واجتهد في نزوله ببدر دون الماء فقال له الحباب بن المنذر: إن كان هذا بوحي فنعم، وإن كان الرأي والمكيدة فأنزل بالناس دون الماء لنحول بينه وبين العدو، فقال لهم: " ليس بوحي، وإنما هو رأي واجتهاد " ورجع إلى قوله.
وبناء على ذلك: فإنه يجوز للمجتهد أن يكتفي بالاستدلال على حكم مسألة بدليل ظني مع أنه قادر على الاستدلال عليه بدليل قطعي، فيجوز - مثلاً - الاجتهاد فى أوقات الصلاة والقبلة مع إمكان الصبر إلى اليقين.
* * *
المسألة الثامنة:
يجوز الخطأ فى اجتهاده - صلى الله عليه وسلم -، لقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43))، وقوله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ)، فقد بين الله تعالى خطأ اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أذن للذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك، ولما أخذ المال عوضاً عن أسرى بدر.
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إنما أحكم بالظاهر وإنكم لتختصمون إلي ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء
(1/404)

من حق أخيه، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ".
* * *
المسألة التاسعة:
المصيب واحد من المجتهدين في الفروع، أي: إذا حدثت حادثة في الفروع، ولم يوجد دليل قاطع في حكمها من نص أو إجماع، فإنا نعلم أن لله تعالى فيها حكماً شرعياً معيناً، فيطلب المجتهدون ذلك الحكم بشتى أنواع الاجتهاد، فمن أدركه كان مصيباً، ومن لم يدركه كان مخطئاً لا إثم عليه، ولا يقطع بخطأ واحد من المجتهدين، ولا يقطع بإصابة واحد بعينه.
وقلنا ذلك؛ لإجماع الصحابة السكوتي، حيث إنه قد انتشرت عن الصحابة - رضي الله عنهم - وقائع ومسائل خطأ بعضهم بعضاً فيها، وصرَّحوا بلفظ الخطأ والإنكار كقول ابن عباس - يعني زيد بن ثابت في مسألة الجد والإخوة -: " ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أب الأب أباً ".
وقال علي رضي الله عنه - يعني عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف -: " إن كانا قد اجتهدا فقد أخطئا، وإن لم يجتهدا فقد غشاك عليك الدية، قاله لعمر بن الخطاب لما أرسل إلى امرأة فأفزعها فأجهضت فسأل عثمان وعبد الرحمن فقالا: " لا شيء عليك إنما أنت مؤدب "، وغير ذلك.
فلو كان كل مجتهد في ذلك مصيباً لما خطأ بعضهم بعضاً، بل كان يقول بعضهم لبعض: " أنا مصيب وأنت مصيب ".
(1/405)

ولقوله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)، حيث إن الله قد بين أن المصيب واحد.
وبناء على ذلك: فإن من صلَّى خلف من توضأ وهو تارك للنية، أو الترتيب، أو أي شيء مما اختلف فيه فإنه تجب الإعادة على من يرى وجوب النية في الوضوء أو الترتيب.
* * *
المسألة العاشرة:
إذا تعارض عند المجتهد دليلان وعجز عن الترجيح: فإن عليه أن يتوقف إلى أن يعلم أن أحدهما أرجح من الآخر بأي أمارة، فإن لم يعلم: فإنه يسقطهما، ويعمل بالبراءة الأصلية، ولا يجوز التخيير بينهما، ولا العمل بأحدهما؛ لأن تخيير المجتهد في الأخذ بأحد الدليلين المتعارضين عنده يؤدي إلى باطل، وما يؤدي إلى باطل فهو باطل؛ لأنه يلزم من التخيير الجمع بين النقيضين؛ حيث إنه لو تعارض دليل مبيح مع دليل محرم، فخيَّرنا المجتهد بين كونه محرماً يأثم بفعله، وبين كونه مباحاً لا إثم على فعله: كان ذلك جمعاً بين هذين المتناقضين وهو باطل كما قلنا.
وبناء على ذلك: فإنه يجوز الاستدلال بالبراءة الأصلية على حكم حادثة قد ورد فيها دليلان متعارضان.
(1/406)

المسألة الحادية عشرة:
لا يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة الواحدة قولين متضادين كالتحريم والتحليل في وقت واحد؛ لأنه بعد استقراء وتتبع ما روي عن الصحابة من الفروع الفقهية الكثيرة: لم يرو عن واحد منهم أنه قال في مسألة واحدة قولين متضادين في وقت واحد، وهذا يدل على عدم الجواز.
* * *
المسألة الثانية عشرة:
المجتهد الذي لم يجتهد في مسألة، ولكن العلوم كلها حاصلة عنده، وعنده القدرة على الاجتهاد: فإنه لا يجوز أن يقلِّد غيره من المجتهدين مطلقاً، أي: سواء مع ضيق الوقت أو سعته، وسواء فيما يخصه، أو فيما يخص غيره ويفتي به، وسواء كان المجتهد الآخر مثله في العلم، أو أقوى منه؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - قد سوَّغوا الخلاف لصغار الصحابة كابن عباس وابن عمر، وابن الزبير، وزيد، وعائشة، وغيرهم من أحداث الصحابة، حيث كانوا يخالفون كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعلي وعثمان.
ولقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)؛ حيث إن المجتهد من أولي الأبصار الذين أمرهم الله تعالى بالاعتبار والاجتهاد، فلو جاز له تقليد غيره لكان تاركاً ما وجب عليه، وترك الواجب حرام. فكان تقليده لمجتهد آخر حراماً.
(1/407)

المسألة الثالثة عشرة:
إذا نص المجتهد في مسألة على حكم، وعلل هذا الحكم بعلة توجد في مسائل أخرى - سوى المنصوص عليها - فإن مذهبه في تلك المسائل هو مذهبه في المسألة المعللة؛ لأن المجتهد جعل الحكم تابعاً للعلة، أي: يوجد الحكم حيث وجدت العلة.
فمثلاً: المجتهد اعتقد أن وجوب النية لعلة هي: " الطهارة عن الحدث "، فكل ما وجدت هذه العلة فيه يجب أن يكون الحكم موجوداً فيه، وهو: وجوب النية، فالوضوء طهارة عن حدث، والغسل عن الحيض طهارة عن حدث، فيجب أن يوجد الحكم، وهو: وجوب النية وهكذا.
* * *
المسألة الرابعة عشرة:
إذا نص المجتهد على حكم في مسألة معينة، ولم يذكر علة ذلك الحكم، ووجد مسألة أخرى تشبهها شبهاً يجوز أن يخفى على بعض المجتهدين فإنه لا يجوز أن يجعل ذلك الحكم مذهبه في المسألة الأخرى، أي: لا يجوز أن يحكم بحكم تلك المسألة المنصوص عليه، ويجعل في المسألة الأخرى المشابهة؛ لأن تلك المسألة المشابهة الأخرى لم يتناولها لفظ المجتهد في المسألة الأولى، ولا أشار إليها لا من قريب ولا من بعيد، ولم تخطر على بال ذلك المجتهد، ويمكن لو خطرت على باله، أو عرضت عليه: لصار فيها إلى حكم آخر غير حكم المسألة التي نص على حكمها.
(1/408)

المسألة الخامسة عشرة:
إذا نص المجتهد في مسألة على حكم ونص في مسألة أخرى تشبهها على حكم آخر: فإنه لا يجوز نقل حكم المسألة الأولى، وجعله في الثانية، ولا يجوز العكس؛ لأن المذهب إنما يضاف إلى المجتهد إذا قاله ونص عليه، أو دل عليه بدلالة تجري مجرى نصه من تنبيه وغيره، فإذا عدم شيء من ذلك لم يجز إضافته إليه، وقد تكون تلك المشابهة نوعاً من الدلالة من المجتهد على حكم المسألة الأخرى لكن المجتهد نفسه قد نص على خلاف تلك الدلالة، وإذا تعارضت الدلالة مع النص الصريح: فإنه يقدم النص الصريح.
وبناء على ذلك: فإنه لا يجوز أن يكون للمجتهد في كل مسألة منهما قولان.
ولا يكون هذا طريقاً لمعرفة مذهب المجتهد.
* * *
المسألة السادسة عشرة:
إذا روي عن مجتهد في مسألة واحدة حكمان مختلفان كالتحريم والإباحة، وصح هذا النقل عنه: فإنه لا يجوز أن يقول كل واحد منهما في وقت واحد وفي حالة واحدة - كما سبق.
إذن: لا بد أن يقول هذين الحكمين المختلفين في وقتين مختلفين، وهذا لا يخلو: إما أن لا نعلم الرواية الأخيرة، أو نعلمها.
(1/409)

فإن لم نعلم الرواية الأخيرة عن هذا المجتهد: أي: لم نعلم تقدم إحداهما على الأخرى: فإنا ننظر في هذين الحكمين: فإن كان أحدهما أشبه من الآخر بأصول ذلك المجتهد: فإنا نجعله مذهبه، ويكون الآخر مشكوكاً فيه ولا يعمل بالشك.
وإن علمنا الرواية الأخيرة: فإنا نجعل الرواية الأخيرة عنه هي مذهبه في المسألة، وتكون الرواية الأولى قد رجع عنها، فلا تضاف إليه، لأنها تكون كالمنسوخ، والرواية الأخيرة كالناسخ.
وبناء على هذا: فإنه يُنسب إلى المجتهد الرواية الأخيرة، وتكون مذهباً له، والرواية الأولى تكون باطلة ومنسوخة.
(1/410)

الفصل الخامس
في التقليد
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
التقليد هو: قبول مذهب الغير من غير حجة.
* * *
المسألة الثانية:
لا يجوز التقليد في أصول الدين، وهي: المسائل الأصولية المتعلقة بالاعتقاد كمعرفة الله تعالى، ووحدانيته، وصحة الرسالة، والأسماء والصفات، ووجود الله تعالى، وما يجب له، وما يجوز عليه، وما يستحيل عليه، فيجب على العالم والعامي معرفة ذلك بغير تقليد، لأن أدلة أصول الدين قليلة وواضحة، وأكثرها قد أخذ من الواقع، فيعرفها العامي كما يعرفها العالم، وإن كان العامي لا يقدر على أن يعبر عنها بالألفاظ الكلامية فإن ذلك لا يضره، لأن ذلك عجز عن العبارة، لا عن المعنى المحصِّل للمعرفة، بخلاف أدلة الفروع فإنها كثيرة ومتنوعة، وتحتاج إلى دقة في النظر.
(1/411)

ولأنه لا خطر ولا محذور في تقليد العامي للمجتهد في الفروع؛ حيث إن الإثم محطوط عن المجتهد إذا أخطأ، وهذا بخلاف أصول الدين.
* * *
المسألة الثالثة:
لا يجوز التقليد في أركان الإسلام إجمالاً - وهي: الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج -؛ لأنها ثبتت بالتواتر، ونقلتها الأمة خلفاً عن سلف، وتفقتها الأمة بالقَبول، فمعرفة العامي فيها توافق معرفة العالم فيها، كما تتفق معرفة الجميع فيما يحصل بأخبار التواتر عن البلدان كالصين والهند.
* * *
المسألة الرابعة:
يجوز تقليد العامي للعالم في فروع الدين - كتفصيلات مسائل الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج، والمعاملات، والعقوبات ونحو ذلك - لإجماع الصحابة - رضي اللِّه عنهم - والتابعين؛ حيث إن هؤلاء كانوا يُسألون عن الأحكام فيفتون، ولم يقل أحد منهم: اذهب أيها السائل واعرف الحكم بنفسك، وكان السائل يتبع المجتهد فيما يقول، وكان العلماء يبادرون إلى الإجابة من غير إشارة إلى ذكر الدليل، أو طريق الحكم، ولم ينكر أحد ذلك، فكان ذلك إجماعاً منهم على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقاً.
ولقوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ
(1/412)

لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، حيث إن هذا دلَّ على أنه يرد الحكم إلى أهل الاستنباط وهم المجتهدون.
* * *
المسألة الخامسة:
طرق معرفة العامي للمجتهد حتى يستفتيه.
الطريق الأول: انتصاب ذلك الشخص للفتيا بمشهد من أعيان العلماء، دون أن ينكروا عليه ذلك.
الطريق الثاني: أخذ الناس عنه، واجتماعهم على سؤاله والعمل بما يقول، دون منكر.
الطريق الثالث: ما يظهر على ذلك الشخص المفتي من علامات وصفات الدِّين والتقوى والعدالة والورع.
الطريق الرابع: أن يخبره عدل ثقة عنده بأن هذا عالم عدل.
* * *
المسألة السادسة:
مجهول الحال في العلم لا يجوز تقليده، ولا العمل بفتواه؛ لأنا لا نأمن أن يكون حال المسؤول كحال السائل في العامية المانعة من قبول القول، بل قد يكون أجهل من السائل، وهذا الاحتمال قوي؛ لأن الأصل عدم العلم؛ حيث إن الغالب إنما هم العوام، لذلك لا بد أن يُسأل عنه فإن كان عالماً قلده وإلا فلا.
(1/413)

ولعدم قبول رواية مجهول الحال في الخبر، فكذلك لا يجوز قبول فتوى مجهول الحال في العلم ولا فرق، والجامع: أن كلاً منهما متبع فيما يقول.
* * *
المسألة السابعة:
إذا كان في البلد مجتهدان فأكثر فللعامي أن يسأل من شاء ممن غلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد، ويتخيَّر، ولا يلزمه أن يسأل الأعلم والأفضل لأن الصحابة - رضي الله عنهم - كان فيهم الفاضل والمفضول؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " أقضاكم علي، وأفرضكم زيد، وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ. . . ". وكان فيهم العوام، ومن فرض ذلك اتباع الفاضلين، والأخذ بقولهم لا غير، ولكن الواقع خلاف ذلك؛ حيث إن العوام منهم كانوا يسألون المفضول مع وجود الفاضل، بدون نكير من أحد، فهذا واضح الدلالة على أن العامي والمستفتي له أن يتخير بين الفاضل والمفضول.
* * *
المسألة الثامنة:
إذا سأل العامي مجتهدَين عن حكم حادثة، فحكم أحدهما بالتحريم، وحكم الآخر بالإباحة، وأحدهما أفضل من الآخر من حيث العلم: فإن هذا العامي يأخذ بقول وحكم الأفضل، ويترك قول وحكم المفضول، ولا يتخير؛ قياساً على المجتهد؛ حيث إنه
(1/414)

كما أن المجتهد إذا تعارض عنده دليلان: أحدهما يحرِّم، والآخر يبيح، فإنه يأخذ بأرجحهما وأقواهما في ظنه، فكذلك العامي يتبع ظنه في الترجيح بين المجتهدين المتفاضلين.
وبناء على ذلك: فإنه لو اختلف مجتهدان في القبلة فإن الثالث يقلِّد أوثقهما وأعلمهما بجهات القبلة عنده.
* * *
المسألة التاسعة:
إذا استوى عند العامي المجتهدان اللذان قد أصدرا فتواهما في جميع الأحوال، وأحد المجتهدين قد أفتى بحكم أشد من الحكم الذي أفتى به الآخر، فإن العامي يتخير بين الحكمين: فإن شاء أخذ بالأخف وإن شاء أخذ بالأشد، لأنه ليس قول أحدهما بأفضل وأقوى وأولى من قول الآخر، فلا مجال للمفاضلة بينهما - في هذه الحالة - ولو أراد أن يفاضل بينهما لما استطاع.
(1/415)

الفصل السادس
في التعارض والجمع والترجيح
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
التعارض هو: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة.
* * *
المسألة الثانية:
شروط التعارض هي:
الشرط الأول: أن يكون الدليلان متضادين تمام التضاد، بأن يكون أحدهما يحرِّم والآخر يبيح.
الشرط الثاني: أن يتساوى الدليلان في القوة، فلا تعارض بين متواتر وآحاد، ولا بين ما دلالته قطعية وما دلالته ظنية.
الشرط الثالث: أن يكون تقابل الدليلين في وقت واحد؛ لأن اختلاف الزمن ينفي التعارض.
الشرط الرابع: أن يكون تقابل الدليلين في محل واحد، لأن التضاد والتنافي لا يتحقق بين الشيئين في محلين.
(1/416)

المسألة الثالثة:
إذا ثبت تعارض دليلين فإنا نقدم الجمع بينهما بأي طريق، فإن تعذر الجمع بينهما، فإنا نرجح أحدهما على الآخر بأي وجه من وجوه الترجيح، فإن تعذر كل ما سبق، فإنا نحكم بسقوط الدليلين المتعارضين ونستدل على حكم الحادثة بالبراءة الأصلية، وكأن الدليلين المتعارضين غير موجودين.
وقلنا: بتقديم الجمع على الترجيح؛ لأن الدليلين المتعارضين قد ثبتا، ويمكن استعمالهما معاً، وبناء أحدهما على الآخر، فلا يمكن إلغاؤهما، أو إلغاء واحد منهما إذا أمكن العمل بكل واحد منهما ولو من وجه.
* * *
المسألة الرابعة:
الترجيح - وهو: تقديم المجتهد لأحد الدليلين المتعارضين؛ لما فيه من مزية معتبرة تجعل العمل به أولى من الآخر - لا يوجد إلا بين الدليلين المتعارضين؛ لأنه لولا التعارض لما وجدت حاجة إلى الترجيح والبحث عنه بعد تعذر الجمع، فلم يلجأ المجتهد إلى الترجيح إلا من أجل التخلص من ذلك التعارض.
* * *
المسألة الخامسة:
لا يجوز الترجيح بين دليلين قطعيين سواء كانا نقليين، أو عقليين، لأن الترجيح لا بد أن يكون موجباً لتقوية أحد الدليلين
(1/417)

المتعارضين على الآخر، والدليل المقطوع به غير قابل للزيادة والنقصان، فلا يطلب فيه الترجيح.
* * *
المسألة السادسة:
يجب العمل بالراجح من الدليلين المتعارضين؛ لإجماع الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانوا يعملون بالراجح من الدليلين ويتركون العمل بالمرجوح منهما، فقد عملوا بحديث: " إذا التقا الختانان فقد وجب الغسل "، وتركوا العمل بحديث: " إنما الماء من الماء ".
ولأنه لو لم نعمل بالراجح: للزم العمل بالمرجوح، ولا شك أن ترجيح المرجوح على الراجح ممتنع عقلاً، فلم يبق إلا العمل بالراجح.
* * *
المسألة السابعة:
يجوز الترجيح بكثرة الأدلة؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يرجحون بكثرة العدد، فلم يعمل أبو بكر بخبر المغيرة " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أطعم الجدة السدس " حتى شهد معه محمد بن مسلمة، وأن عمر لم يعمل بخبر " من استأذن ثلاثاً ولم يؤذن له فليرجع " حتى شهد مع الراوي بعض الصحابة. فالعدد الكثير يتقوى به الخبر، كذلك الأدلة يتقوى بها الحكم؛ حيث إن الكثرة أقرب إلى الصحة من القلة.
(1/418)

وبناء على ذلك: فإنه إذا ادعى رجلان شيئاً وهو في يد أحدهما، وأقام كل واحد منهما بينة، فإنا نقدم بينة ذي اليد على بينة الآخر؛ لأنهما استويا في إقامة البينة، وترجَّحت بينة ذي اليد، لكون الشيء المتنازع عليه معه.
* * *
المسألة الثامنة:
طرق الترجيح بين منقولين.
الطريق الأول: يرجح الخبر الذي كان راويه قريباً من الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأن الراوي القريب أوعى للحديث من البعيد، وأكثر سماعاً له منه، فيكون القريب أبعد عن احتمال الخطأ.
الطريق الثاني: يرجح الخبر الذي كان راويه كبير السن؛ لأن الغالب أن كبير السن يكون أقرب الناس مجلساً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: " ليليني أولوا الأحلام والنهي، ثم الذين يلونهم ".
ولأن الغالب في الكبار أنهم يحترزون عن الكذب.
الطريق الثالث: يرجح الخبر الذي كان راويه متأخراً عن الإسلام؛ لأن تأخره في الإسلام يدل على تأخره في روايته، فهو يحفظ آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
الطريق الرابع: يرجح الخبر الذي كان راويه كثير الصحبة، لأن كثير المصاحبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - أعلم برواية الحديث وأحفظ لها، وأكثر استيعاباً لأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله، وأعلم بمقاصده.
(1/419)

الطريق الخامس: يرجح الخبر الذي كان راويه قد سمع الحديث من غير حجاب، لأن رؤية المحدث تعين المسموع منه، بخلاف راوي الحديث مع وجود حجاب، حيث إن الأول يكون آمناً من تطرق الخلل الموجود في الرواية الأخرى.
الطريق السادس: يرجح الخبر الذي كان راويه قد اتفق على عدالته؛ لأن المتفق عليه مقدَّم على المختلف في عدالته في كل شيء.
الطريق السابع: يرجح الخبر الذي كان راويه تتعلق القصة به أو كان سفيراً فيها، لأنه أعرف بتفاصيل الموضوع، وأعلم بالقضية من غيره، فتكون روايته أقرب إلى الصحة.
الطريق الثامن: يرجح الخبر الذي كان راويه فقيهاً؛ لأنه أعلم بدلالات الألفاظ، وأعلم باستنباط الأحكام الشرعية منها، فهو يميز بين ما يجوز وما لا يجوز، وما يدل على الحكم بظاهره وما يدل على الحكم بغير ذلك، ويعلم اللفظة من الخبر الدالة على الحكم فيعتني بها.
بخلاف الراوي غير الفقيه فإنه يروي ما يسمعه دون الاعتناء باللفظة المهمة في الحديث، فيكون احتمال الخطأ في كلام الفقيه أقل.
الطريق التاسع: يرجح الخبر الذي كان راويه حسن الاعتقاد؛ لأن الثقة بكلام الراوي حسن الاعتقاد أكثر من غيره.
الطريق العاشر: الترجيح بكون الراوي ورعاً، لأن ورعه يمنعه من التساهل بنقل الخبر بخلاف غير الورع.
الطريق الحادي عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه أعلم باللغة العربية؛ لأنه إذا سمع خبراً وعرف أن ما فيه لا يحمل على ظاهره بحث عنه، وعن سبب وروده، وعن اشتقاقات كلماته حتى
(1/420)

يزول الإشكال، فيكون الوثوق بروايته أكثر من غير العارف باللغة العربية.
الطريق الثاني عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه راجح العقل؛ لأن عقله يمنعه من التساهل بالرواية، بخلاف خفيف العقل، أو الذي يعتريه خلل عقلي في بعض الأوقات.
الطريق الثالث عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه قد زكي بعدد أكثر؛ لأنه يغلب على الظن صدق روايته أكثر من الراوي الذي زكَّاه عدد أقل.
الطريق الرابع عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه مشهوراً بالحفظ والإتقان والضبط؛ لأن شهرته في هذه الأمور تؤدي إلى كثرة الثقة به، وقوة الاعتماد عليه، وقلة احتمال الخطأ والغلط منه، بخلاف الراوي غير المشهور بهذه الأمور.
الطريق الخامس عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه مشهور النسب؛ لأن علو النسب والاشتهار به يسبب كثرة احترازه عما يوجب نقص منزلته المشهورة، بخلاف الراوي غير مشهور النسب.
الطريق السادس عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه مشهوراً بدقة الإسناد، لأن دقة الإسناد توجب علم الطمأنينة، فيكون قريباً من اليقين، بخلاف الراوي غير المشهور بذلك.
الطريق السابع عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه لم يلتبس اسمه بغيره لأنه أبعد من الاضطراب والشك، بخلاف الراوي الذي التبس اسمه بأسماء الضعفاء.
الطريق الثامن عشر: يرجح الخبر الذي كان راويه أكثر
(1/421)

ملازمة للشيخ المحدِّث؛ لأنه يكون أعرف بطرق الأحاديث، وطرق روايتها، وشروطها، بخلاف قليل الملازمة للشيخ المحدِّث.
الطريق التاسع عشر: يرجح الخبر الذي قد كثر رواته؛ لأن قول الجماعة أقوى في الظن وأبعد عن السهو والغلط والكذب؛ لذلك تجد الناس في أمورهم العادية يميلون ويأخذون بالأقوى، ولا شك أن الخبر الذي رواته أكثر أقوى من الخبر الذي رواته أقل.
الطريق العشرون: يرجح خبر المتواتر على الآحاد والمشهور؛ لأن المتواتر يفيد القطع، بخلاف خبر الآحاد والمشهور فإنه لا يفيد إلا الظن، والقطع مقدَّم على الظن.
الطريق الواحد والعشرون: يُرجح المسند على المرسل، لأن المرسل يكون بينه وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - مجهول، وهذا الاحتمال منتف في المسند، فيرجح ما لا يحتمل على ما يحتمل.
ولأن الاعتماد في حجية الحديث على السند وصحته، وهذا يكون بالعلم بحال الرواة، والعلم بذلك متحقق في المسند بخلاف المرسل، ولهذا تقبل شهادة الفرع إذا عرف شاهد الأصل، ولا تقبل إذا شهد مرسلاً.
الطريق الثاني والعشرون: يرجح الخبر قليل الوسائط؛ لأن قليل الوسائط بين الراوي وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أبعد عن احتمال الخطأ والكذب، وأقوى في الظن اتصاله برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
الطريق الثالث والعشرون: يرجح الخبر قوي الدلالة على
(1/422)

الحكم: فيرجح الخاص على العام، ويرجح المقيد على المطلق، وُيرجح الدال على الحكم بمفهوم الموافقة على الدال على الحكم بمفهوم المخالفة، ويرجح الخبر الدال على الحكم بمفهوم الشرط على الخبر الدال على الحكم بمفهوم العدد، ويرجح الخبر الدال على الحكم مع ذكر العلة، على الخبر الدال على الحكم بدون ذكر العلة، ونحو ذلك، وقلنا ذلك؛ لقوة دلالته على الحكم، والقوي يرجح على الضعيف.
الطريق الرابع والعشرون: يرجح الخبر المروي باللفظ، لأنه يكون أغلب على الظن بكونه من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولأنه المروي باللفظ متفق على جواز روايته وعلى كونه حجة، بخلاف الخبر المروي بالمعنى فقد اختلف فيه، والمتفق عليه مقدم على المختلف فيه.
الطريق الخامس والعشرون: يرجح الخبر الذي قد أكد لفظه، لأنه يكون أبعد عن تطرق الخطأ إليه، بخلاف الذي لم يؤكد لفظه.
الطريق السادس والعشرون: يرجح الخبر الذي يكون لفظه مستقلاً على الخبر الذي لم يستقل بإفادة الحكم بل احتاج إلى إضمار؛ لأن المستقل بنفسه قد علمنا المراد منه، أما المحذوف منه ربما يلتبس عليه ما هو المضمر منه.
الطريق السابع والعشرون: يرجح الخبر الذي سلم متنه من الاضطراب على غير السالم؛ لأن ما لا اضطراب فيه أشبه بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
الطريق الثامن والعشرون: يرجح الخبر المروي في ثنايا قصة
(1/423)

مشهورة؛ لأنه أقوى في النفوس، وأقرب إلى السلامة من الغلط مما يرويه المنفرد بدون قصة.
الطريق التاسع والعشرون: يرجح الخبر القولي على الخبر الفعلي، لأن القول أصرح بالحكم من الفعل.
الطريق الثلاثون: يرجح الخبر الفعلي على التقريري، لأن الفعل أقوى من التقرير.
الطريق الواحد والثلاثون: يرجح الخبر الذي متنه قد تضمن نهياً على الخبر الذي تضمن أمراً؛ لأن الغالب في النهي دفع المفسدة الموجودة في المنهي عنه، والغالب في الأمر بالشيء جلب المصلحة الموجودة في المأمور به، واهتمام الشارع بدفع المفاسد أكثر وأشد من اهتمامه بجلب المصالح.
الطريق الثاني والثلاثون: ترجيح الخبر الذي يدرأ الحد على الموجب له؛ لأن الحد ضرر والضرر يزال، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: " ادرأوا الحدود بالشبهات ".
الطريق الثالث والثلاثون: ترجيح الخبر الناقل عن البراءة الأصلية والآتي بحكم جديد على الخبر المبقي عليها؛ لأن الناقل يفيد التأسيس والمبقي يفيد التأكيد، والتأسيس أولى من التأكيد.
ولأنه يوجد في الخبر الناقل زيادة علم، وما أفاد الزيادة يقدم على غيره.
الطريق الرابع والثلاثون: يرجح الخبر المفيد للوجوب على الخبر المفيد للإباحة أو الكراهة، أو الندب، لأن تارك الواجب مستحق للعقاب بخلاف تارك المباح والمندوب والمكروه، فيكون ذلك أحوط للدِّين.
(1/424)

الطريق الخامس والثلاثون: يُرجح الخبر المحرِّم على الموجب؛ لأن الغالب أن التحريم يكون لدفع مفسدة، والموجب إنما يكون لجلب مصلحة، واهتمام الشارع بدرء المفاسد أكثر من اهتمامه بجلب المصالح، وقد سبق.
الطريق السادس والثلاثون: يرجح الخبر المفيد للتحريم على ما يفيد الإباحة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال ".
ولأن العمل بمقتضى الحرام أحوط؛ لأن ملابسة الحرام توقع في الإثم، بخلاف ملابسة المباح فلا توجب ذلك.
الطريق السابع والثلاثون: يرجح الخبر المثبت للطلاق والعتاق على نافيهما، لأن الأصل عدم القيد، ولأن المثبت عنده زيادة علم لا توجد عند النافي.
الطريق الثامن والثلاثون: يُرجح الخبر المفيد لحكم أثقل وأشد على الخبر المفيد لحكم أخف؛ لأن زيادة شدته ومشقته وثقله تدل على تأكد المقصود، وفضله على الأخف الأيسر، فالمحافظة عليه أولى.
الطريق التاسع والثلاثون: يرجح الخبر المحرم، على الخبر المفيد لكراهة؛ احتياطاً؛ لأن فعل الحرام يستوجب العقوبة بخلاف فعل المكروه.
الطريق الأربعون: يرجح الخبر الموافق لآية من القرآن؛ لأنها أفادت زيادة قوة في الظن في الخبر، بخلاف غير الموافق لآية.
(1/425)

الطريق الواحد والأربعون: يرجح الخبر الموافق لخبر آخر؛ لأن الخبر الذي وافقه قد أفاد زيادة قوة في الظن في الخبر الموافق له.
الطريق الثاني والأربعون: يرجح الخبر الموافق للقياس؛ لما قلناه في موافقته لآية أو لحديث.
الطريق الثالث والأربعون: يُرجح الخبر المعمول به؛ لأن
عملهم به يدل على أنه كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بخلاف الخبر غير المعمول به.
الطريق الرابع والأربعون: يرجح الخبر الذي اقترنت به قرائن تدل على تأخر وقته، على الخبر الذي لم يقترن به ذلك؛ لأن المتأخر يكون هو آخر الأمرين من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيجب العمل به، فيكون ناسخاً للخبر الذي لم يقترن به ذلك.
الطريق الخامس والأربعون: يُرجح الخبر الذي اشتمل على زيادة على الخبر الذي لم يشتمل على تلك الزيادة؛ لأن دلالة الخبر الذي فيه زيادة دلالة ناطق، ودلالة الخبر الذي لم يشتمل على الزيادة، دلالة ساكت، ودلالة الناطق مقدمة.
* * *
المسألة التاسعة:
طرق الترجيح بين معقولين: وهو الترجيح بين الأقيسة:
الطريق الأول: يرجح القياس الذي حكم أصله قطعي على القياس الذي حكم أصله ظني، لأن ما كان حكم أصله ظنياً يتطرق إليه الخلل بخلاف الآخر.
الطريق الثاني: يرجح القياس الذي حكمه جرى على وفق القواعد الكلية؛ لكونه أبعد عن التعبد وأقرب إلى العقول وموافقة الدليل على القياس الذي جرى حكمه على مخالفة القواعد وهو المعدول به عن سنن القياس.
(1/426)

الطريق الثالث: يرجح القياس المقتضي للتحريم على القياس المقتضي للإباحة؛ لأنه إذا اشتبه المباح بالحرام فإنه يغلب جانب التحريم.
الطريق الرابع: يرجح القياس المفيد إسقاط الحد، على القياس المفيد إثبات الحد؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " ادرأوا الحدود بالشبهات ".
ولأن الحدود ضرر، والضرر يزال.
الطريق الخامس: يرجح القياس المثبت للعتق على النافي له؛ لأن العتق يتشوَّف إليه الشارع، دون الرق، فيقدم ما يتشوف إليه الشارع، وما يتفق مع أهداف الإسلام، ومقاصد الشريعة.
الطريق السادس: يرجح القياس المتفق على تعليل حكم أصله على القياس المختلف على تعليل حكم أصله، لأن المتفق على تعليله مقدم على المختلف فيه.
الطريق السابع: يرجح القياس المتفق على عدم نسخ حكم أصله على القياس المختلف في نسخ حكم أصله؛ لأن النسخ يؤدي إلى الخلل في فهم المقصود.
الطريق الثامن: يرجح القياس الذي علة أصله وجدت بصورة قطعية على القياس الذي وجدت علة أصله بصورة ظنية؛ لأن القاطع لا يحتمل غير العلية، بخلاف الظن.
الطريق التاسع: يُرجح القياس الذي علته منعكسة - أي: كلما عدم الوصف عدم الحكم - على القياس الذي ليس كذلك؛ لأن الانعكاس دليل اختصاص الحكم بالعلة.
الطريق العاشر: يرجح القياس الجلي على القياس الخفي؛ نظراً لقوة الجلي، وعدم الاختلاف فيه، بخلاف الخفي.
(1/427)

الطريق الحادي عشر: يرجح القياس الذي علته ثبتت عن طريق الإجماع على القياس الذي ثبتت علته عن طريق النص، لأن الإجماع لا يحتمل النسخ، ولا التأويل، بخلاف النص.
الطريق الثاني عشر: يرجح القياس الذي ثبتت علته عن طريق النص الصريح على القياس الذي ثبتت علته عن طريق النص الظاهر، نظراً لقوته في المراد.
الطريق الثالث عشر: يرجح القياس الذي ثبتت علته عن طريق الإيماء بجميع أنواعه، على القياس الذي ثبتت علته عن طريق غيره من الطرق الاجتهادية، كالمناسبة، والوصف الشبهي، والسبر والتقسيم والدوران، لأن الإيماء طريق متفق عليه، والمتفق عليه أولى بالاتباع.
الطريق الرابع عشر: يرجح القياس الذي علته عامة توجد في جميع الأفراد على القياس الذي علته خاصة وهي التي خرج منها بعض الأفراد، لأن العامة أكثر فائدة.
الطريق الخامس عشر: يرجح القياس الذي علته شهد لها أصلان على القياس الذي علته شهد لها أصل واحد؛ لأن ما شهد له اثنان أقوى مما شهد له واحد.
الطريق السادس عشر: يرجح القياس الذي علته ناقلة - أي: مفيدة حكماً شرعياً جديداً - على القياس الذي علته مبقية على الأصل لأن الناقلة فيها زيادة علم، فيقدَّم لأجل ذلك.
الطريق السابع عشر: يرجح القياس الذي علته مفردة على القياس الذي علته مركبة من أوصاف؛ لأنه كلما كانت العلة أقل أوصافاً كلما كان ذلك أقرب إلى القبول، وأقوى في الظن.
(1/428)

الطريق الثامن عشر: يرجح القياس الذي قطع بوجود العلة في الفرع على القياس الذي ظن بوجود العلة في الفرع؛ لأن المقطوع بوجود العلة فيه أغلب على الظن، وأبعد عن الاحتمال.
الطريق التاسع عشر: يرجح القياس الذي وافقه أي دليل شرعي كالكتاب والسنة، أو عمل الخلفاء الأربعة، أو الإجماع، أو قياس آخر، على القياس الذي لم يوافقه أيُّ واحد مما سبق.
* * *
المسألة العاشرة:
الترجيح بين المنقول والقياس.
المنقول قسمان: " منقول خاص "، و " منقول عام ".
أما القسم الأول - وهو المنقول الخاص - فهو نوعان:.
النوع الأول: أن يكون هذا النقل الخاص دالاً على حكمه بالمنطوق.
النوع الثاني: أن يكون هذا النقل الخاص دالاً على حكمه بالمفهوم.
فإذا تعارض القياس مع النقل الخاص الدال على حكمه بالمنطوق، فإن المنقول الخاص يُرجح؛ لقلة تطرق الخطأ إليه.
أما إذا تعارض القياس مع النقل الخاص الدال على حكمه بالمفهوم:
فإن كان مفهوم موافقة: فإن النقل الخاص مقدم؛ لأن مفهوم الموافقة يفيد دلالة أقوى من دلالة القياس؛ حيث قلنا: إن دلالته لفظية.
وإن دلَّ النقل الخاص على حكمه بمفهوم المخالفة وخالف
(1/429)

القياس، فإن هذا يختلف باختلاف قوة أنواع المفاهيم، ويختلف بحسب اختلاف المجتهدين، وما يقع في نفوسهم من قوة الدلالة وضعفها، وهذا لا يمكن ضبطه بقاعدة، فيكون هذا موكولاً إلى نظر الناظرين والمجتهدين في آحاد الصور.
أما القسم الثاني: وهو المنقول العام، فإنه إذا عارضه القياس الخاص، فإن القياس يخصص العام؛ لأنه يلزم من العمل بعموم العام إبطال دلالة القياس بالكلية، ولا يلزم من العمل بالقياس إبطال العام بالكلية، بل إنه يلزم العمل بالقياس وما بقي من العام بعد تخصيصه، وهذا فيه جمع بين الدليلين وهو أولى من العمل بأحدهما وإبطال الآخر، وقد سبق بيان ذلك.
وبعد، فإن هذه آخر مسألة من مسائل هذا الكتاب المسمَّى بـ: " الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقها على المذهب الراجح "، وكان الفراغ منه في يوم الأربعاء الموافق للسادس عشر من شهر ربيع الأول من عام ألف وأربعمائة وعشرين من الهجرة النبوية الشريفة، وذلك بمدينة الرياض حماها الله من كل مكروه.
أرجو من الله العلي القدير أن ينفع به الطلاب الذين طلبوا مني تصنيفه، وأن ينفع به سائر طلاب العلم، وأن يكون هذا المصنف ذخيرة لي في الآخرة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه
أ. د: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة
الأستاذ في قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
(1/430)