Advertisement

الشرح المختصر لنظم الورقات



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين والصلاة على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد ...
فالموعد المقرر فى هذه الساعة فى هذا الحين مع نظم الورقات للعمريطى, والأصل والنظم مشهوران عند طالب العلم, ويبحث هذا النظم كأصله فى علم جديد ألا هو علم أصول الفقه, وهذا العلم علم أصول الفقه وإن كان من علوم الألة إلا أنه يفتقر إليه كل طالب للعلم الشرعى, يعنى كل من أراد أن يصل إلى مراد الرب جل وعلا كتابا وسنة لابد وأن يكون قد حصل شيئا من علم أصول الفقه يحتاجه المفسر ويحتاجه الفقيه والمحدث وكل من له صلة بالكتاب والسنة إذ الأحكام الشرعية سواء كانت أحكاما فقهية أو أحكاما عقدية ونحو ذلك00 مدارها على هذا العلم لأنه يربى ويعلم كيف نستنبط الحكم الشرعى من الكتاب والسنة وهذه فائدة جليلة وتكفى طالب العلم العلم فى أن يقبل على هذا الفن بكليته من أجل أن يحصل شيئا منه ويكون من أهله، وكذلك يخرجه من حيزالتقليد إلى حيز التحررعن أن يكون قد قلد غيره, لأن أصول الفقه يجعل الناظر فى الأحكام الشرعية إبتداء أوبالنظر فى أقوال الفقهاء كيف اعتمدوا النص ووصلوا إلى هذا الحكم الشرعى0 المذهب الحنبلى أو الشافعى أوالمالكى أو الحنفى كل هؤلاء لهم أصول تختص بذلك المذهب حينئذ يقال هذا حلال هذا حرام هذا مكروه لابدأن يكون ثم طريقة وصل إليها هذا العالم أو هذا المفتى بالنظر فى الكتاب والسنة ثم أطلق هذا الحكم الشرعى 0 بواسطة هذا الفن تكون متحررا عن التقليدوتنظر فى قول كل قائل وكيف استنبط هذا الحكم الشرعى من هذا الدليل ثم قد توافق وقد تخالف0 كذلك يعينك فى فهم مآخذ أهل العلم فى الأحكام الشرعية0والفائدة الأولى هى الفائدة الجليلة التى ينبغى العناية بهاوهى أن هذا العلم هو علم بقواعد وأصول إن عرفهاالناظر حينئذاستطاع أن يتوصل للأحكام الشرعية بواسطة هذه القواعد وبدونها يكون مقلدا يكون عاميا0 وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن المقلد ليس من أهل العلم فى شئ , المقلد الذى يتبع غيره سواء كان من المذاهب الأربعة أوغيرها هذا ليس من أهل العلم فى شئ0 وإنما يكون متحررا إذاأخذ حظا وافرا من هذا العلم، ولذلك يفتخر به كل ناظر فيه كما قال الشوكانى رحمه الله تعالى كل من كان من أهل الأصول أو إذا كان ناظرا فى أدلة الفقه لقال قاعدة أصولية سلم لها الجميع لأن لها هيبة فى النفوس, يقول هذه قاعدة أصولية أو اتفق الأصوليون على كذا فلهم مكانة فى النفس وليس المراد كل أصولى وكل مذهب أصولى لا, وإنما المراد الأصولى الذى بنى أصوله على الكتاب والسنة0
نشرع فى هذا النظم ومسائله يأتى بحثها فيه إقرأ المقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه أما بعد
قال الفقير الشرف العمريطى ... ذو العجز والتقصير والتفريط
الحمد لله الذى قد أظهرا ... علم الأصول للورى وأشهرا
على لسان الشافعى وهونا ... فهو الذى له ابتداء دونا
الحمد لله مع إحسانه ... ثم صلاة الله مع سلامه
(1/1)

هذه غلط وليست من الأصل ,على لسان الشافعى وهونا فهو الذى له ابتداءا دونا وتابعته الناس000قال أحد الطلبة نحذفها قال الشيخ نعم يحذف لأن هذه زادهاعبدالحميد قدس فى شرحه لطائف الإشارات ثم من استخرجها من الشرح وهم وجعلها من المنظومة وليست منها وإنما على لسان الشافعى ثم البيت الذى يليه وتابعته الناس وهذاواضح لأنه يتحدث عن الشافعى0على لسان الشافعى وهونا فهو الذى له إبتداء دونا وتابعته الناس كلام مستقيم لكن إذا جئت بشىء آخر ينفك هذا إذا يحذف 0
وتابعته الناس حتى صار ... كتبا صغار الحجم أو كبارا
وخير كتبه الصغار ماسمى ... بالورقات للإمام الحرمى
وقد سئلت مدة فى نظمه ... مسهلا لحفظه وفهمه
فلم أجد مما سئلت بدا ... وقد شرعت فيه مستمدا
من ربنا التوفيق للصواب ... والنفع فى الدارين بالكتاب

بدأ الناظم رحمه الله تعالى بالبسملة ـ وإن لم تذكر فى بعض النسخ
بسم الله الرحمن الرحيم ـ على العادة أهل العلم سواء كتبوا منثورا أو منظوما يبدأون بالبسملة وكلامهم فى البسملة شهير إنما نذكر السبب لبدئهم بهذه الكلمة العظيمة
أولا: اقتداءا بالكتاب العزيز حيث بدأ كتاب القرآن ببسم الله الرحمن الرحيم
ثانيا: اقتداء وتأسيا بالنبى صلى الله عليه وسلم حيث كان يبدأمراسلته بالبسملة كما جاء فى صحيح البخارى بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم وهذه سنة فعلية عملية للنبى صلى الله عليه وسلم ويحتج بعضهم بالسنة القولية (كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبترأوأقطع أو أجزم) هذه كلها روايات ضعيفة لا يعتمد عليها
ثالثا: تأ سيا اواقتداء بالإجماع العملى الذى عليه المصنفون كل من صنف وألف إبتدأ بالبسملة كل من كتب وصنف إبتدأ بالبسملة
قال الفقير الشرف العمريطى ... ذ والعجز والتقصير والتفريط
(قال الفقير) قال هذا فعل ماض من جهة اللفظ وأما من جهة المعنى فهو مستقبل0 (الفقير) أى المحتاج بمعنى المحتاج إلى الله تعالى 0وفيه إقتباس من قوله تعالى (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله) ... (الشرف العمريطى) يقال هنا أتى بجملة الحكاية 0 اللأصل أن بقول قلت المتحدث عن نفسه يقول ضربتُ ونمتُ وأكلتُ إلى آخره000 أما أن يقول قال فلا ن وتحدث فلان وذهب فلان هذا مخالف للأصل ولكن يعدل إلى جملة الحكاية لأمرما هنا أراد أن يسمى نفسه لأنه لولم يسم نفسه لصار الكتاب مجهولأ والمجهول مرغوب عنه وكذلك من عادة أهل العلم ان يذكروا أشياء فى أوائل المصنفات ومنهاالبداءة بالبسملة كما سبق والحمد لة كما سيأتى وتسمية نفسه يسمى نفسه من أجل أن يكون هذا الكتاب مرغوبا فيه وخاصة إذا كان من أهل العلم المشهورين فإذا سمى نفسه صار له شأنا إذانقول أتى الناظم بجملة الحكايه0
قال الفقير الشرف العمريطى ترغيبا فى كتابه بتعين مؤلفه بلقبه المشهور ليكون أدعى إلى قبوله والاجتهاد فى تحصيله فيثاب مؤلفه حينئذإذ المجهول مرغوب عنه0
(1/2)

الشرف العمريطى الشرف أى شرف الدين فأ ل نائبة عن المضاف إليه وهذا لقب له (العَمريطى) بفتح العين إشتهر عند البعض العِمريطى بكسر العين وهذا فيه لحن شرف الدين أل فى الشرف نائبة عن المضاف إليه واسمه يحى بن الشيخ بدر الدين موسى ابن رمضان بن عميرةالشهير بالعَمريطى 0 (العمريطى)
نسبة لبلاد عَمريط بفتح العين إذا فينسب إليها كما هى مع زيادة الياء فى أخرها وهى أى عمريط ناحية من نواحى مصر القاهرة وهو فضيه شافعى كان حسن النظم ونظم عدة متون من أشهرها هذا النظم0 كذلك التحرير عند الشافعيه توفى سنة تسع وثمانين وتسعمائة0
ذو العجزوالتقصيروالتفريط (ذو) بمعنى صاحب وهى من الأسماء الستة (العجز) عدم القدرة (والتقصير) كذلك مكمل لسابقه وهو عدم إكمال الشئ على الوجه الحسن (والتفريط) فرط يفرط تفريطا إذا أهمل ولايقال التفريط إلا فيما إذا ترك ما تعين عليه يعنى من الواجب0 وهنا فى الشطر الأول وصف نفسه بالفقيه وفى الشطر الثانى ثلاث كلمات كلها أوصاف للمصنف بأنه عاجز ومقصر ومفرط وهذا من تواضعه رحمه الله تعالى0 كما هو الشأن فى أهل العلم أنهم يحتقرون أنفسهم على الوجه الصحيح الشرعى ثم قال
والحمد لله الذى قد اظهرا ثنى بعد البسملة بالحمد لة كذلك يقال فيه إقتداء بالكتاب العزيز (الحمد لله رب العالمين) إفتتح بالحمد لة وهى أول أية فى سورة فى القرآن كذلك بالسنة القولية النبى صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الخطب ب إن الحمد لله نحمده ونستعينه وأما الحديث الوارد فى ذلك فهو ضعيف كما سبق0 كذلك سنة إتخاذها أهل العلم إمتثالا لما سبق من الكتاب والسنة (الحمد لله) الحمد هو وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيما يعنى لابد من الاقتران بين الوصف بالكمال مع المحبة والتعظيم فإن خلا عن المحبة والتعظيم صار مدحا لا حمدا يعنى لو وصف زيد عمراً بأوصاف كمال أنت العالم إلى آخره00000
لكنه ليس عن محبة وإنما عن مداهنة ونحوذلك لايكون حامدًا له وإنما يسمى مدحا إذا الحمد وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيما وهذا منسوب لشيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى خلافا للمشهورعندالكتاب فى مثل هذا الموضع بأنه الثناء على الله تعالى الى آخره (الحمدلله الذى قد أظهر) (الذى) هذا نعت للفظ الجلالة (قد) للتحقيق يعنى شىءمحقق لأنه وُجد بالفعل (وأظهرا) الألف هذه للإطلاق يعنى إطلاق الروى آخر كلمة تكون مفتوحة فيطلق اللفظ لهذه الألف (أظهرا) فعل ماض مبنى على الفتح بمعنى أوجد وأخرج والفاعل هنا ضميرمستتر يعود على الله يعنى الرب جل وعلا (علم الأصول) أظهر الله علم الأصول (علم) بالنصب على أنه مفعول به لقوله أظهروالفاعل ضمير مستتريعود على الله كما سبق (علم الأصول) أصول الحديث أو أصول الكلام أوأصول اللغة أوأو000 نقول المراد به علم أصول الفقه حينئذ تكون أل هنا للعهدالذهنى كأنه قال علم أصول الفقه فأظهر علم اصول الفقه هنا ذكر أصول الفقه فى المقدمة وهذا يسمى براعة إستهلال عندأهل البيان أن يذكرأو يأتى المتكلم فى طالعة كلامه بمايشعر بالمقصود يتحدث عن اى شئ؟ عن أصول الفقه 0
(1/3)

جاء بالبسملة والحمدلة لله حينئذ يأتى بشئ يختص بالذى سيتحدث به كذلك الخطيب مثلا إذا أرادأن يتحدث عن الربا فيأتى بأية تتعلق بالرباونحو ذلك وهذا يسمى ماذا؟ يسمى براعة إستهلال بمعنى أنه استهل كلامه0إستهل بمعنى بدأ كلامه بشىء يشعر بالمقصود 0علم الأصول (للورى) أظهر للورى إيش المراد بالورى؟ يعنى الخلق كل الخلق أو بعضا من الخلق؟ ولاشك أنه الثانى لأن الذى يستفيد من هذا العلم هم العلماء والورى بمعنى الخلق هذا عام حينئذ يكون من إطلاق العام وإرادة الخاص وهذا له إستعمال فى اللغة وله إستعمال عند أهل الأصول قال الله جل وعلا (الذين قال لهم الناس إن الناس)
المتكلم واحد وهورسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق عليه وهو واحد أنه الناس ولاشك أن الناس لفظ عام يشمل كل الناس حينئذ نقول هذا من إظلاق العام وإرادة الخاص للورى أى للخلق والمراد به العلماء وأهل العلم (وأشهرا) بمعنى نشر والألف هذه للإطلاق والفاعل ضمير مستتر يعود على الرب جل وعلا وأظهرا من المظهر؟ الله0 وأشهرا0من الذى أشهرا؟ الله عز وجل (وأشهرا) يعنى أشهره على حذف الضمير وهو مفعول به0 يعنى اظهرا يقتضى مفعولا به وهو علم الأصول وكذلك اشهرا يقتضى مفعولا به وهوعلم الأصول 0
لكنه كنى عنه بالضميرثم حذفه وحذف المفعول جائز (وحذ ف فضلة أجز إن لم يضر) (وأشهرا) أى أشهر علم الأصول الفقه (على لسان الشافعى) على لسان هذا جار ومجرورمتعلق بقوله أشهروأظهر كذلك على لسان الشافعى0 إذًانقول لفظ على لسان جار ومجرورتنازع فيه عاملان أظهرعلى لسان الشافعى وأشهر على لسان الشافعى لكن نعلقه بالمتاخر وهوأشهر ونقدر للأول على المختار من مذهب الأصوليين0 (على لسان الشافعى) الشافعى الإمام الشافعى محمد بن إدريس الشافعى رحمه الله تعالى الإمام المشهور صاحب المذهب المعلوم توفى أربع بعد المائة الثانية على لسان الشافعى الشافعى بإ سكان الياء للوزن الأصل الشافعىٌ بياء النسبة لكن نقول على لسان الشافعى وهونا اسكان الياء من أجل الوزن (وهونا) الألف هذه للإطلاق بتشديد الواوبمعنى سهله هونه سهله الشافعى رحمه الله تعالى سهل هذا العلم علم أصول الفقه0 (على لسان) هل المراد به اللسان الجارحة أو القلم؟ ها
يعنى هل أول من تكلم بأصول الفقه هو الشافعى؟
أوأول من دون أصول الفقه هوالإمام الشافعى؟
الثانى حينئذ على لسان يكون مجازا مرادا به القلم القلم أحد اللسانين أحداللسانين (وهونا فهو الذى له إبتداءا دونا) فهو
الفاء هذه للتعليل فهو أى الشافعى (الذىله) الضميريعود على علم أصول الفقه 0
(ابتداء) أى فى ابتداء الأمر قبل كل أحد هو السابق ابتداء دونا الألف هذه للإطلاق والواو بالتشديد والمراد بالتدوين المراد به التأليف المراد به التأليف فهو الذى أى الشافعى (له) لعلم أصول الفقه ابتداء دونا أى دونه 0 فالشافعى هو واضع علم أصول الفقه وأول من ألف فيه بالإجماع وإن كان الأحناف يتعصبون للإمام أبى حنيفة رحمه الله تعالى بأنه واضعه أو غيره000 من دونه وهذا ليس بعلم عند أهل العلم وإنما هو الشافعى رحمه الله تعالى 0
أول من الفه فى الكتب ... محمد بن شافع المطلب
(1/4)

وأول من دونه هو الإمام محمد بن إدريس الشافعى فى كتابه الموسوم بالرساله التى أرسلها للإمام ابن مهدى رحمه الله تعالى فدون علم أصول الفقه على سبيل الإستقلال فأملى فيه رسالته المشهورة تكلم فيها على الأوامر والنواهى والبيان والخبر والنسخ وحكم العلة المنصوصة والقياس وغير ذلك000 وإذا قيل بأن الشافعى هو أول من دون علم أصول الفقه لا يلزم منه نفى علم أصول الفقه عمن سبقه فالنبى صلى الله عليه وسلم كان يعرف ويعلم كيفية إستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها ولذلك يذكر الأصوليون مسألة هل النبى صلى الله عليه وسلم يجتهد أولا؟
والمجتهد لا يكون مجتهدا إلا إذا أتقن هذا العلم0 حينئذ نقول على الصحيح النبى صلى الله عليه وسلم يجتهد يجتهد ولا تعارض بين هذا الحكم بأن النبى صلى الله عليه وسلم يجتهد مع قوله تعالى (إن هو إلا وحى يوحى) (وما ينطق عن الهوى إن هوإلا وحى يوحى) نقول يجتهد ويقره الرب جل وعلا فصار ماذا؟ صار شرعا لأنه قد يقال بأن النبى صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله عز وجل (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) حينئذ النبى صلى الله عليه وسلم مبلغ كيف تقول إنه يجتهد؟ نقول نعم بجتهد وينظر فى الأدلة ويستنبظ بعض الأحكام الشرعية ثم يقره الله عز وجل فإذا أقره الله تعالى حينئذ صار ماذا؟ صار شرعا منسوبا الى الشرع بل النبى صلى الله عليه وسلم بنفسه فعله أقواله وتقريراته وتركه يعتبر شرعا بنفسه هو دليل كما تقول الكتاب دليل من أدلة إثبات الأحكام الشرعية كذلك النبى صلى الله عليه وسلم بجوهره بنفسه بكلامه بتروكه يعتبر دليلا شرعيا إذا قيل بأن ... الشافعى هو أول من دون علم أصول الفقه لايلزم منه أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم لايدرى هذا العلم وكذلك الصحابه كبار الصحابة فقهاء وكانوا يستنبطون ويقفون مع النوازل ويلحقون بها وبإصولها وبقواعدهاالعامة نقول هم كذلك علماء بهذا الفن طيب كيف نجمع بين الأمرين؟ نقول الأصول موجود فى طبائع أهل العلم قبل الشافعي وهو مركوز فى طبائعهم العلم موجود لكن الكلام في ماذا فى إخراجه على الورق وإثباته ولذلك الشافعى رحمه الله تعالى لم يكمل علم أصول الفقه كما هوالشأن عليه عند المتأخرين يعنى التبويب والتقسيم والتعاريف ليست فى الرسالة وإن وضع اللبنة الشافعى رحمه الله تعالى إلا أن من بعده كمل هذا العلم فهو المؤسس وضع اللبنة اللأولى ثم جاء بعد ذلك أهل العلم فبوبوا وترجموا وألفوا إلى آخرما يذكر فى التدوين0
أول من ألفه فى الكتب ... حمد بن شافع المطلبى
وغيره كان له سليقه ... مثل الذى للعرب من خليقه
عربا يعنى لسان العرب قبل أن يحكم النحاة هذا فاعل وهو مرفوع وهذا مفعول به وهو منصوب وهذا حال وهذا تميزوهذه حروف جر الى آخره هذه قواعد ما كانت موجودة عند العرب هل عدم علمهم بهذه القواعد وتدوينها يخرجهم عن كونهم أهل هذا اللسان؟ الجواب لا والحكم واحد
(1/5)

(وغيره) أى غير الشافعى كان له سليقة يعنى جبلة وفطرة مركوزة فى النفس بمعنى أنهم يفهمون الأدلة على وجهها الصحيح ولذلك الصحابة كانوا جامعين لهذه اللغة العربيةالتى تعتبر مفتاحاً لعلم أصول الفقه وكذلك هم علماءُ بالقواعد التى يستنبط بها الحكم الشرعى0 إذا على لسان الشافعى وهونا بمعنى سهله0
وهو أى الشافعى الذى له ابتداء دونا يعنى كتبه فى رسالته المشهورة (وتابعته الناس) كل الناس؟ المراد به أهل العلم الذين اعتنوا بعلم الأصول تابعوا الشافعى رحمه الله تعالى فى التدوين فصنفوا كتبا كثيرة ونظموا ونثروا إلى آخر ما هو موجود من تراث العلماءوتابعته الناس أى أفاضل العلماءفى التأليف فى علم أصول الفقه (حتى صار) صار ما ألفوه وكتبوه (كُتبا) أصلها كُتُب بضم التاء لكنه لغة فُعُل وفُعْل لغة لا نقول كما يقول البعض بأنه من أجل الوزن ضرورة لا إذا جاء على لغة سليمة صحيحة حينئذ نقول كتاب يجمع على كُتُب بضمتين وعلى كُتْب بضم فسكون إذا هذا لغة وهو كذلك موافق للنظم (حتى صارا) الالف هذه للإطلاق صار ماألفوه وكتبوه كتبا كثيرة التنوين هنا للتكثير (كتبا صغار الحجم او كبارا) الألف فى كبارا للإطلاق وأوهذه للتنويع إذا تنوع ما ألفه أهل العلم فى الأُصول على مرتبتين كتب كبار وكتب صغار ويمكن إدخال المتوسطة إما فى الكبار وإما فى الصغار كتبا صغار الحجم يعنى حجمها صغير أو كبارا يعنى حجمها كبير وهذه سنة0 سنة أهل العلم فى التعلم والتعليم أن الشىء مقسم الى قسمين صغير وكبير ولا يمكن أن يبدأ الصغير بالكبير يعنى قبل الصغير حينئذ يكون هذا الصغير سلما يوصل به الى إتقان الكبير فمن ولج الكبيردون إتقان الصغير فلن يصل الى البغية والمرادأليس كذلك؟ بلي يعني من بدأ بالكبار قبل الصغار هذا لا يمكن ان يتقن العلم وهذه المتون التى وضعها أهل العلم فى كل فن لا يمكن أن يصل طالب العلم إلى إتقان الكبار حتى تكون هذه الصغار من محفوظاته ومفهوماته بحيث لا يخل بها شيئا ألبته فى كل علم وهذه سنة تجد أهل العلم وهم من كبار أهل العلم يألفون مثل الجوينى الذى معنا 0الجوينى ألف هذا الكتاب الذى هو الورقات ورقات كاسمها قليلة اللألفاظ المباني كثيرة المعانى ولكنه ألف كتبا كبار جدا إعتمد عليها الشافعية وجعلوها من الكتب التى حررت مذهب الشافعى فى أصول الفقه0
هل عند تأليفه لمثل هذا الورقات كان عاجزا عن أن يبدأ كتابا مطولا ككتبه الكبار؟ لا ليس بعاجز وإنما ألفها من أجل ماذا؟
من أجل حكمة وهو أنه يضع فى مثل هذه المتون ما يكون شاملا لجمهرة المسائل التى يحتاجها طالب العلم المبتدئ 0
يعنى الورقات ـ لعلكم تعرفون الآجرومية ـ على وزان الآجرومية0
(1/6)

الآجرومية وضع فيها ابن آجٌروم المسائل التى يحتاجها طالب العلم من أتقن هذه المسائل وضبطها عنده جمهور مسائل النحو تعريف الكلام أقسام الكلمة ثم يذكر لك الفائل معناه وحكمه يذكر المبتدأ معناه وحكمه إن فهم هذه المسائل كلها طالب العلم حينئذ استطاع أن يصل بها الى الكبار كذلك كالمسائل الموجودة فى الورقات جمهور المسائل المبثوثة فيها والمنثورة فيها هى أكثر ما يدور على ألسنة أهل العلم وأكثر ما يحتاجه عمليا ومازاد فى الكتب المتوسطة أو المنتهية وهذا يكون زائدا على هذه وقد يحتاجها الطالب وقد لايحتاجها إذا من يضبط الورقات بضبط جيد وفهم لمسائلها ووضعها على كلام أهل العلم المعتبرين الكتاب والسنة حينئذ عنده علم جمهور مسائل هذا الفن إذا صغار الحجم أو كبار فقدم الصغار على الكبار لأنها وسيلة للوصول إلى الكبار وخير كتبه الصغار0
إذا الصغار كثيرة وليس على مرتبة واحدة بل هى مفاوتة والتفاوت هنا يرجع إلى اعتبار الكاتب نفسه بمعنى أن الذى وضعه عالم إمام فى الفن ليس كغيره من المشاركين (وخير كتبه) يعنى كتب أصول أو علم أصول الفقه خير بمعنى أحسن هو أفعل التفضيل حذفت همزته للضرورة وخير كتبه الصغاربدل من كتبه ما سمي ماسمى باسكان الياءللضرورة لأجل الوزن يعنى المسمى الذى سمى المسمى لأن ما اسم موصول وما بعده معه يكون فى قوة المشتق الحاصل وخير كتبه الصغار ما سمى يعنى المسمى بالورقات جار ومجرور متعلق بقوله سمى0 والورقات هذا جمع مؤنث سالم يعني يدل على شئ قليل جمع قلة ورقات معدودة فهى كثيرة المعانى مع كونها قليلة المبانى ألفاظها قليلة يسيرة لكنها اشتملت علي معان كبيرة جدا جليلة فكل مسألة فيها يدور عليها مئات المسائل كل مسألة فيها يذكرها فى باب الأمر مثلا يدور عليها مئات بل ألوف المسائل والأمريقتضى الوجوب ألوف المسائل كل واجب حكم عليه وهو أمردخل فى هذه القاعدة0
(بالورقات للإمام الحرمى) للإمام يعنى منسوبة للإمام الحرمى أى المنسوب للحرمين وهو أبو المعالى ضياء الدين إمام الحرمين عبد الملك بن الشيخ ابى محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الجوينى نسبةإلى جوين ناحية من نواحى نيسابور الشافعى توفى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة 0
(للإمام الحرمى) يعنى إمام الحرمين وهو مشهور بهذه النسبة قال بعضهم لأنه صلى إماما فى المسجدين المسجد الحرام بمكة والمسجد النبوى بالمدينة النبوية وهذا غلط وليس بصحيح بل لكونه جاور المسجد الحرام وجاور المسجد النبوى فكان يجلس للتدريس يمكثون هذه عادتهم قديما ممن لم يكن من أهل الحرمين يأتى إلى الشام فيبقى أشهرا فى المسجد الحرام فيكون إماما إنما يجاور بمعنى أنه يوقف نفسه على التعليم والتدريس والتأليف ونحو ذلك ويكون مفتى مكه آنذلك ثم يرتحل الى المدينة فيفعل بها ما بفعل بالحرم المكى حينئذ سمى إمام الحرمين وهذا لا يصح أنه أم المسلمين فى المسجدين0
(1/7)

(وقدسئلت مدة فى نظمه) يعنى سألنى بعض الناس (قد) هنا للتحقيق0 سئلت (مدة) يعنى برهة من الزمن طويلة (فى نظمه) أى فى نظم الورقات والنظم هو الكلام الموزون قصدا0 هذاارتكبه أهل العلم وخاصة بحر الرجز لأنه سهل الحفظ يعنى كتب أهل العلم المختصرات والمطولات إما ان تكون منثورة وإما أن تكون مظومة ولا شك أن المنثور أقعد المنظوم لأنه لا تدخله الضرورة0 لكنه لصعوبته من حيث الحفظ انتقل أهل العلم إلى التأليف فى المنظومات على بحر الرجز وهذا فى نوع مسهولة فى نظمه اى فى نظم الورقات0 (مسهلالحفظه وفهمه) يعنى نظمته حالة كونى مسهلا لحفظه وفهمه إذا نظمه من أجل فائدتين: ـ
الفائدة الأولى: ـ تتعلق بالفهم وهوإدراك المعنى0
والفائدة الثانية: ـ تتعلق باللفظ وهو حفظه لماذا؟ لأنه كما نص أهل العلم أن طالب العلم بدون حفظ ليس بشئ طالب العلم اذا لم يكن عنده فى صدره محفوظات ليس بشئ يعنى وجوده وعدمه سواء ولذلك يقولون من حفظ المتون حاز الفنون فلا بد أن يكون عنده متن مبتدئ ومتن منتهى ومتوسط بينهما0 مسهلا لحفظهاى مسهلا له بنظمه إياه0 لحفظه اللام للتعليل يعنى لأجل حفظه أى استحضاره عن ظهر قلب غيبا وفهمه وذلك بالإتيان بعبارة ليس فيها تعقيد إذا لها تين الفائد تين جعل على ذلك المنثور الذى هو الورقات الذى ألفه إمام الحرمين جعله فى قالب النظم من أجل تسهيل حفظه وهذه عادة أهل العلم إنما يعتنون بالمنظومات وتدريسها بل وتأليفها قبل ذلك وشرحها من أجل أن يجفظها والذى لا يريدان يحفظ لا يتعب بنفسه مع النظم لأن النظم فيه تقدم وفيه تأخير قد يكون فيه شئ من الركاكه من حيث المعنى والفهم0 الذى لا يستطيع أن يحفظ أى نظم فليرجع إلى المنثور فهو أيسر ولذلك قال السفارينى: ـ
وصار من عادة أهل العلم ... أن يعتنوا بسبر ذا بالنظم
لأنه يسهل للحفظ كما ... يروق للسمع ويشفى من ظما
يعنى السمع يتلذذ بسماع لماذا؟ للمنظومات خاصة إذا قرئت مع طريقة الرجز وبذلك قيل الرجز ماخوذ من الناقة الرجزاء التى تتلكلأ فى المشى حينئذ الرجز سمى رجزا لذلك والقارئ إنما يقرؤه على طريقة التفعيلات
قاللفقي رششرف لعمريطى ... ذلعجزو تتقصيروتتفريطى
(فلم أجد مما سئلت بُدا) فلم أجدمما سئلت مما سألنى به بعض الناس وهو النظم لهذا النثر الورقات بُدا يعنى فراق أى لافراق ولامنا ص من عدم الاستجابةلهؤلاء وقد يكون من طلاب العلم الذين سألواوقد يكون من أفاضل أهل العلم0 وفيه فى قوله فلم أجد مما سالت بدا فيه اشارة إلى أن الأمرقد تكررعليه وأنه لا فراق ولاخلاص من إستعافه بمطلوبه (وقد شرعت فيه مستمدا) يعنى بدأت وقد للتحقيق شرعت بمعنى إبتدأت فيه أى فى النظم حالة كونى مستمدا السين هنا للطلب مستمد اىطالبا من ربنا من ربنا هذا متعلق بقوله مستمدا والرب هوالخالق المالك المدبر من ربناالتوفيق بالنصب على أنه
مفعول به لقوله مستمدا يعنى طالبا إمداد التوفيق من ربنا وهذا مايسمى بهداية التوفيق وهى الإعانة على تحقيق العمل وهى خاصة بالرب جل وعلا بخلاف هداية الإرشاد والدلالةفانها عامة0
إذاالتوفيق مستمداالتوفيق من ربنا لأى شئ؟ لماذا؟ لأى شئ؟
(1/8)

(للصواب) هذا متعلق بقوله التو فيق لأنه مصدر والصواب هو موافقة الحق وضده وهو الخطأ مخالفة الحق لأنه قد يخطئ فى فهم كلام صاحب الأصل0حينئذ ينظمه على غير وجهه (والنفع) مستمداً التوفيق والنفع إستمد أمرين الأول: ـ التوفيق وهو هداية التوفيق للصواب0 والثانى: ـ طالبا إمداد النفع أى الخير وهوما يتوصل به إلى مطلوب الإنسان سواءكان فى الدنيا أو فى الأخرة ولذلك قال (فى الدارين) يعنى دار الدنيا ودارالأخرة (بالكتاب) الباء سببيه يعنىبلسبب هذا الكتاب ومراده به النظم ليس الورقات0 الورقات ليست من صنعه وإنما الذى يعتبر من صنعه هو هذا النظم ثم قال رحمه الله تعالى:

باب أصول الفقه
هاك أصول الفقه لفظا لقبا ... للفن من جزئين فد تركبا
الأول الأ صول ثم الثانى ... الفقه والجزآن مفردان
فالأصل ما عليه غيره بنى ... والفرع ما على سواه يبنى
والفقه علم كل حكم شرعى ... جاء اجتهادادون حكم قطعى
والحكم واجب مندوب وما ... أبيح والمكروه مع ما حُرَّما
مع ما حَرَُمَا مع ما حَرُمَا بالتخفيف مع ضم الراء على وزن فَعُل
والحكم واجب ومندوب وما ... أبيح والمكروه مع ما حَرُما
مع الصحيح مطلقا والفاسد ... من قاعد هذان أو من عابد
حسبك قال رحمه الله تعالى
(1/9)

(باب أصول الفقه) هذا شروع من الناظم ذكر بابا ويذكر بعده أبواب وفصول وهذه من عادة أهل العلم كما أنهم يسروا العلم بنظمه كذلك يسروه بتبويبه لأنهم يكتبون ثم يبوبون ثم يفصلون يذكرون كتابا كتاب الطهارة ثم باب الاستنجاء مثلا ثم قديذكر فصولاتحت ذلك الباب وهذا من تيسير العلم لأن طالب العلم إذا قطع بابا نشط لما بعده فينشط إذا إنتهى من كتاب الطهارة نشط لكتاب الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم إلى آخره000باب أصول الفقه أى هذاباب بيان حقيقة أصول الفقه باب أصول الفقه أى هذاباب أو بابُ بيان حقيقة أصول الفقه أوفى بيان حقيقة هذا الفن المسمى بهذا اللقب لأن أصول الفقه هذ القب وهو فى الأصل كما سيأتى منقول من المركب الإضافى أصول وفقه وهذايشعربماذا؟ يشعر بأهمية هذا العلم لأن علم الفقه الكل يعرفه بأنه علم جليل علم الحلال والحرام سماه بعض الفقهاء بعلم الحلال والحرام حينئذ علم الحلال والحرام هذا علم شريف فإذا قيل بأنه فرع لأصول الفقه دل على ماذا؟ على مكانة وهوهذا العلم وهو أصول الفقه إذ فيه إشعار بكون علم الحلال والحرام مبنيا على هذا العلم الجليل (باب أصول الفقه) أى هذا باب فى بيان الفن المسمى بهذا اللقب المشعر بمدحه بإبتناء الفقه عليه أصول الفقه له معنيان معنى باعتبار كونه مركبا إضافيا أصول الفقه كما نقول غلام زيد غلام زيد هذا مركب إضافى فى وهو كل اسمين نزل ثانيهما من الاول منزلة التنوين مماقبله غلام زيد مضاف ومضاف إليه كذلك نقول أصول التفسير مضاف ومضاف إليه أصول الحديث مضاف ومضاف إليه أصول الفقه مضاف ومضاف إليه قبل جعله علم بالنظر إلى هذا التركيب له معنى ثم نقله الأصوليون فجعلوه لقبا لذلك العلم المستقل الفرق بينهما من حيث اللفظ أن الأول: ـ مركب إضافى مثل غلام زيد والثانى: ـ مفرد الذى جعل علم ولقبا للفن هذا مفرد أصول الفقه قديكون مفرد متى؟ إذا جعلناه علما لذلك الفن وسيأتى فى آخر الباب حده بهذا المعنى أماأصول الفقه معنى بالنظر0000وأمابإعتباركونه مضافا ومضافا إليه فهوالذى قدمه الناظم إذاقوله (هاك أصول الفقه لفظا لقبا للفن من جزئين قد تركبا) الأول أراد ماذا؟ أن نعرف لك أصول الفقه بإعتبار معناه الإضافى ومرادهم بهذا أنه قبل أن يجعل علما فيكون مفردا (هاك) خذ ها اسم فعل أمر والكاف حرف خطاب إذاهاك بمعنى خذ أصول الفقه يعنى لفظ أصول الفقه لأنه قال ماذا؟ هاك أصول الفقه لفظا إيش إعراب لفظا؟ تمييز مثل (وفجرنا الأرض عيونا) اصلها فجرنا عيون الارض هنا الأصل هاك لفظ أصول الفقه حذف المفعول به ثم جئ به منصوبا على التمييز إذا (أصول) هذا مفعول به (ولفظا) هذا تمييز (لقبا) حال كونه علما للفن يعنى على الفن اللام هنا بمعنى على ثم قال (من جزأين قد تركبا) من جزأين (المرادبالجزأين هنا المضاف والمضاف إليه00000000 ... (قد تركبا) الألف هذه فاعل تعود على الجزأين، قد تركبا يعنى ااجزأين والمراد بالجزأين هنا المضاف والمضاف إليه، إذا من جزأين يعنى من مضاف ومضاف إليه (قد) للتحقيق (تركبا) الأول يعنى الجزء الأول الأصول يعنى لفظ الأصول ثم الثانى يعنى ثم الجزء الثانى الفقه أىلفظ الفقه هنا أراد أن يعرف لنا لما ذكر الجزأين جزء أصول
(1/10)

والجزء الثانى الفقه عرفنا أنه يرد ماذا؟ يريد أن يعرف أصول الفقه باعتبار معناه الإضافى يعنى قبل نقله إلى العلمية واضح الكلام هذا أو لا؟ إذاقبل جعله علما هو مركب تركيبا إضافيا مثل غلام زيد أصول الفقه، لايمكن أن نصل إلى المراد بأصول الفقه إلا إذا عرفنا مالمراد بالأصول؟ وماالمراد بلفظ الفقه؟ ثم بعد ذلك نأذ الحكم العام الذى هو الحد، وأما قبل معرفة معنى كلمة أصول ومعنى كلمة فقه لايمكن الوصول إلى المعنى الإضافى0 (الأول) أىلجزء الأول (الأصول) يعنى لفظ الأصول الذى هو الضاف (ثم الثانى) ثم الجزء الثانى (الفقه) يعنى لفظ الفقه والجزآن مفرادان يعنى نشأ من اللفظ الأول الأصول واللفظ الثانى الفقه نشأ ماذا؟ نشأالمركبالإضافى وهو أصول الفقه ثم قال (والجزآن مفردان) والجزآن الذى هو أصول والجزء الثانى مفردان يعنى كل منهما مفرد مفرد باعتبار ماذا؟ باعتبار كونه مقابلا للمركب عندانا مركب زيد لوحده مفرد أليس كذلك؟ بلى 0غلام زيد مركب وغلام لوحده هذا مفرد مقابل التركيب 0الإفراد زيد وزيدان وزيدون 0زيد هذا مفرد ويقابله المثنى والجمع، وليس هو المراد هنا لماذا؟ لأن اللفظ المضاف لفظ اصول وهذا جمع أو مفرد؟ جمع أو مفرد؟ جمع إذاقيل مفرد بمقابلة الجمع حينئذ يفسر المفرد هنا بما قابل التثنية والجمع فزيد واحد هذا مفرد زيدان مثنى 0أصول هذا جمع وأصل هذا مفرد طيب أصول الفقه باعتبار كونه مركبا هذا يسمى مركبا أصول لوحده هذا مفرد قابل التركيب, إذا الخلاصة المفرد قد يقابل المثنى والجمع, وليس هو المراد هنا والمفرد قد يقابل المركب فالذى لم يركب يسمى مفردا سواء كان فى نفسه مفردا وواحدا أومثنى أوجمعا ,إذا قوله والجزآن أى لفظ أصول ولفظ الفقه مفردان من الإفراد المقابل للتركيب وليس من الإفراد المقابل للتثنية والجمع ثم شرع فى بيان حقيقتة كل من اللفظين الجزء الأول والجزء الثانى ما هو الجزء الأول؟ أصول أصول جمع أصل والأصل له معنى لغوى ومعنى اصطلاحى وكذلك الفقه الجزء الثا نى له معنى لغوى وله معنى اصطلاحي سيعرف لنا كل واحد من هذين النوعين فالأصل الفاء هذه تسمى فاء الفصيحة ... فالأصل ما عليه غيره بنى , لما أرادأ ن يعرف لفظ أصول عدل عن الجمع فأتى بالمفرد لأن التعريف إنما يكون للمفرد والجمع لكون (ال) على فالأ صل الذى هو مفرد الجزء الأول المضاف فى اللغه ما عليه غيره بنى مابنى عليه غيره كل شئ بنى عليه غيره ذلك الغيريسمى أصلا كأصل الجدار أى أساسه, أصل الجدار الأساس الذى يبنى أولا ثم يرفع بعد ذلك الجدار أيهما أصل وأيهما فرع؟ الأساس أصل والجدار يعتبر فرعا لماذا؟ لأن هذا الجداربنى على الأساس والأساس يسمى أصل وكل مابنى عليه غيره فهو أصل له ... كأصل الجدار أى أساسه وأصل الشجرة أى طرفها الثابت فى الأرض ولذلك جاء (أصلها ثابت وفرعها فى السماء) اليس كذلك؟ بلى أصلها ثابت فى الأرض وفرعها فى السماء, فالأصل ماعليه غيره بنى هذا معنى الأصل فى اللغة, وقوله ماهذا يشمل الشىء الحسى والشئ المعنوى لأننا عندنا فقه وعندنا أصل يبنى عليه ذلك الفقه, ليس عندنا هنا شئ حسى الجدار مع أساسه شئ يدرك بالحس ,وأما المدلول على دليله نقول هذا شئ معنوى حينئذ
(1/11)

نقول الصلاة واجبة هذا حكم شرعى فقهى أليس كذلك؟ بلى الصلاة واجبة لقوله (وأقيموا الصلاة) عندنا فرع وعندنا أصل ,ما هو الفرع؟ وجوب الصلاة, ما هو الأصل؟ (أقيموا الصلاة) إذا ابتنى هذا الفرع على ذلك الأصل هل هذا حسى أو معنوى؟ هذا معنوى0إذا قوله (ما) هذا يشمل الحسى والمعنوى أى العقلى ,والأصل فى اصطلاح العلماء عرفنا مراده هنا الأصل فى اللغة هو ما يبنى عليه غيره ,وأما فى استعمال الفقهاء والأصوليين يطلق على معان أربعة: ـ
الأول الدليل كقولهم الأصل فى هذه المألة قول الله تعالى أو الكتاب أوالسنة أوالإجماع أوالقياس هذا كثير تجده فى الكتب التى اعتنت بذكر الأقوال بأدلتها, فالأصل فى هذه المسألة الربا محرم والأصل فيه قوله جل وعلا (أحل الله البيع وحرم الربا) إذا دليله فأطلق الأصل مرادا به الدليل إذا الأطلاق الأول فى لفظ الأصول فى الاستعمال أو فى الإصطلاح يطلق ويراد به الدليل كقولهم الأصل فى هذه المسألة الكتاب والسنة000او الدليل ومنه أصول الفقه أدلته إذا عرفنا بأن الأصل المراد به فى الاالدليل صار أصول بمعنى أدلة أصول الفقه حينئذ باعتبار معناه الإضافى أدلة الفقه وهذا الذى يراد به هنا 0
ثانيا الإصطلاح الثانى بمعنى الرجحان كقولهمالأصل فى الكلام الحقيقة لاالمجاز لأن اللفظ يحتمل أنه حقيقةويحتمل أنه مجار, إذا تردد الأمر جعلناه على الأصل وهو الحقيقة
ثالثا: ـالقاعدة المستمرة نحو إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل ما هو الأًصل؟ حرمةالميتة فنقول إباحة الميتةعلى خلآف الأصل لكنه للمضطر لامطلقا0
الرابع: ـ الإطلاق الرابع الصورة المقيس عليها وهذا يأتينا فى باب القياس , إذا أربع إصطلاحات للإصولين والفقهاء فى كلمة أصل ماالمراد بالأصل؟ إما الدليل ,وإما الرجحان ,وإما القاعدة المستمرة , وإما المقيس عليه ,والذى يتعلق به البحث معنا هو الأول , الأصل بمعنى الدليل , حينئذ أصول الفقه المراد به أدلة الفقه 0
فالأصل ما عليه غيره بنى ... والفرع ما على سواه ينبنى
يعنى الفرع مقابل الأصل ,عندنا أصل وعندنا فرع ,نحن نعرف الجزء الأول المضاف وهو الأصل وجمعه أصول , ما الذى أتى بكلمة الفرع؟ أما قلنا التعريف هنا تعريف بالمركب الإضافى أصول وفقه , أصول جمع أصل وعرفنا الأصل فى اللغة وفى الإصطلاح ,الأصل ان ننتقل إلى الفقه الذى هو الجزء الثانى لماذا جاء بالفرع هنا؟ قيل استطرادا لأنه لم ذكر الأصل يتبادر إلى الذهن ماذا؟ الفرع , فزيادة إيضاح معنى الأصل يعرف بحقيقة الفرع 0 (وبضدها تتبين الأشياء) فإذا عرف الأصل عرف فرعه فحينئذ تمم المعنى فلزيادة الإيضاح ذكرمعنى الفرع (والفرع ماعلى سواه ينبنى) يعنى ماينبنى على سواه كالجدار بالنسبة للأساس ,وفروع الشجرة بالنسبة لأصلها ,وفروع المسائل الفقهية بالنسبة للأدلة يسمى فرعا كما ذكرنا فيما يتعلق بالمسألة السابقة ,وجوب الصلاة ,وجوب الصوم نقول هذا فرع يترتب على أى شىء؟ ينبنى على أى شىء؟ على أصله وهو الدليل 0
(والفرع ما) ما يعنى شىء محسوس أو معقول ليعم لأن الفروع فروع الفقه مبنية على أصولها وهذه ليست بأشياء محسوسة ,وإنما هى شىء مدرك بالعقل أمور معقولة أو معنوية 0
(1/12)

(ماعلى سواه ينبنى) يعنى ماينبنى على سواه كفروع الشجرة لأُصولهاوفروع الفقه لأصوله إذا عرفنا معنى الأصل لغة واصطلاحا أما فى اللغة فهو ما يبنى عليه غيره وأما فى الاصطلاح فله أربعة إطلاقات المراد منها ويفيدنا هو المعنى الأول وهو الدليل 0 وعليه نعرف المعنى الإضافى لكلمة أصول الفقه وهوأدلة الفقه ثم إنتقل إلى الجزء الثانى وهو المضاف إليه وهو لكلمة فقه ولها معنيان معنى لغوى ومعنى اصطلاحى أما المعنى اللغوى فالفقه فى اللغة الفهم الفهم مطلقا سواء كان فهمالما ظهر أولما خفى وبعضهم قيد الفهم هنا لما دق يعنى الأشياء الخفية التى لا تفهم بمجرد إطلاق اللفظ لكن هذا ليس بسديد, الصواب أن الفقه فى اللغة هو الفهم مطلقا سواء لما ظهرأولما خفى ودق, بل قيده إسحاق الشيرازى بالثانى ,لأنه يقال فقهت كلامك ,ولا يقال فقهت السماء والأرض ,إذاالفقه فى اللغة الفهم, ومنه قوله تعالى (قالوا ياشعيب مانفقه كثيرا مماتقول) مانفقه يعنى مانفهم ومايقوله شعيب أكثرمايقوله ماهو؟ التوحيد أحسنت والتوحيد من أوضح الواضحات, ومن أحكم المحكمات, هو التوحيد وكذلك (يفقه قولى) (وإن من شيىء إلا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون) إذا لا تفقهون إذاالفقه فى اللغة هو الفهم وأما فى الاصطلاح فعرفه المصنف هنا بقوله: ـ
علم كل حكم شرعى ... جاء اجتهادا دون حكم قطعى
والفقه علم كل حكم شرعى ,صاحب الورقات قال معرفة والمصنف هنا عدل عنها فقال علم وهل ثم فرق بين العلم والمعرفة؟ كلام طويل ,والأصح عند أهل اللغة أن العلم والمعرفة مترادفان بمعنى واحد ,والمراد بالعلم هو الإدراك مطلق الإدراك يعنى فهم الكلام, فهم الكلام يسمى علما ويسمى معرفة ,حينئذ فى اللغة وهو إستعمال أكثر أهل اللغة أن العلم والمعرفة مترادفان كل منهما يفسر بالآخر0
وسيأتى فى تعريف الناظم هنا
(1/13)

(وعلمنا معرفة المعلوم) حينئذ يفسر العلم بالمعرفة إذا والفقه علم ,عبر بالعلم وخالف صاحب الأصل وهو الجوينى رحمه الله تعالى فى الورقات حيث قال: ـ (معرفة الأحكام الشرعية التى طريقها الاجتهاد) وهنا قال علم (علم كل حكم شرعى) هناك قال الأحكام الشرعية وحذف أل وجاء بدلها بكل فيدل حيينئذ أن المرادبالأحكام الشرعية كلهاـ بمعنى أن الشخص لا يكون فقيها إلا إذا كان عنده علم وتصديق جازم بماذا؟ بجميع الأحكام الشرعية ـ والمراد بالأحكام جمع حكم وهذا الذى سيعرفه فيما سيأتى ,والحكم واجب إلى آخره سبعة أحكام على رأى صاحب الأصل 0 (والشرعية) المنسوبة إلى الشرع والمراد به الكتاب والسنة حينئذ الأحكام الشرعية ,نقول أى الأحكام الصادرة عن الكتاب والسنة ,لأنه لاحكم إلا لله تعالى كما سيأتى (علم كل حكم شرعى) قلنا لايسمى الفقيه فقيها إلا إذا كان عنده علم بجميع الأحكام الشرعية, لكن مرادهم بهذا لأن المسالة هنا مجرد إصطلاح مرادهم أن يكون عنده ملكة بحيث لو أراد أن يصل إلى الحكم الشرعى ولم يكن موجودا عنده لاستطاع أن يأتى به وهذا من أجل ماذا؟ لأنه وجد فى كلام الأئمة الكبار ومن أبرزهم الأئمة الأربعة أنهم سئاوا عن أشياء أحكام شرعية فى المسائل قالوا لاندرى الله أعلم , الإمام مالك سئل عن أربعين مسألة قيل ثمان وأربعين ,قال فى إثنين وثلاثين لاأدرى, والإمام أحمد ما أكثر مايقول لا أدرى 0إذا قلنا علم كل حكم شرعى هل هؤلاء فقهاء؟ ليسوا بفقهاء لأنه لا يدرى بعض المسائل لكن المراد هنا (كل حكم شرعى) الصلاحية حينئذ بعض المسائل بل أكثر المسائل تكون موجودة عنده, لو سألته ما حكم كذا؟ قال كذا وكذا وبعض المسائل تسأله يقول لا أدرى ,لكنه يستطيع أن يذهب وينظر فى أدلة الكتاب والسنة ويبحث ويأتيك بالجواب 0
الأول: ـ يعبر عنه بأنه فقيه بالفعل 0
والثانى: ـ يعبر عنه بأنه فقيه بالقوة 0
كيف بالقوة؟ يعنى عنده ملكة, بواسطة هذه الملكة يستطيع ويقتدر أن يبحث فى الأدلة الشرعية, فيصل إلى الحكم الصحيح ,ولذلك ما نقل عن الأئمة الأربعة أنهم قالوا لاندرى, لو بحثوا ونظروا وتأنوا حينئذ وجدوا الجواب0 إذا قوله (كل حكم شرعى) على بابه يعنى لايكون الفقيه فقيها إلا من علم جميع الأحكام الشرعية لكن بالمرتبتين بالفعل كأن تكون جاهزة عنده يسأل عن مسألة ما حكم قراءة الفاتحة فى الصلاة؟ يقول ركن جاهز الجواب, ما حكم كذا وكذا؟ لا أدرى يعنى الآن, وأبحث وآتيك بالجواب ,الأول يعبر عنه بأنه عالم بالفعل ,فقيه بالفعل ,والثانى يعبر عنه بأنه فقيه بالقوة ,واضح الكلام 0
(1/14)

(والفقه علم كل حكم شرعى) قيدالحكم هنا الحكم بكونه شرعيا, وهذا احتراز عن الحكم العقلى والحكم الاصطلاحى والحكم العادى أو العرفى, حكم عقلى الكل أكبر من الجزء أليس كذلك؟ بلى أيهما أكبر الكل أم الجزء؟ أيهما أكبر؟ الكل أكبر من الجزء هذا حكم عقلى, النار محرقة حكم حسى, الفاعل منصوب الفاعل منصوب أو مرفوع؟ الفاعل مرفوع هذا حكم اصطلاحى، إذا (حكم شرعى) احترز هنا بهذاالقيد وهو كون هذه الأحكام شرعية احترز بها عن الأحكام العقلية وعن الأحكام الاصطلاحية وعن الأحكام الحسية أو عن الأحكام العرفية, فكل حكم ليس مصدره الشرع, فليس داخلا فى مسمى الفقه (جاء اجتهادا) يعنى جاء ثبوته وظهوره بالاجتهاد والاجتهاد بذل الوسع فى بلوغ الغرض هذا المراد, وسيأتى فصل كامل فى الاجتهاد, قوله (جاء اجتهادا) يعنى جاء العلم بالاجتهاد لأن الأحكام الشرعية كما هو معلوم نوعان حكم شرعى قطعى يعنى ليس مداره على البحث والاجتهادكوجوب الصلاة هل يأتى طالب علم يريد أن يبحث مسألة الصلوات الخمس الصلوات واجبة أو ليست بواجبة؟ تفكر هل يبحث طالب علم فى هذا؟ لوقال طالب علم أريد أن أفرد بحث هل الفجر واجبة أو ليست بواجبة؟ هل يقبل منه؟ لايقبل منه , لماذا؟ لأن هذا الحكم قطعى مجمع يعنى مقطوع به ,لايحتمل النقيض البتة ,وليس محلا للبحث والاجتهاد ,كذلك حرمة الربا وحرمةالزنا ووجوب بر الوالدين وتحريم قطع الصلة ونحو ذلك هذه أحكام قطعية ـ بمعنى أنه ليس طريقها الاجتهاد, وليس ثم خلاف فيها, بل إجماع والإجماع معلوم يعلمه الخاص والعامى, يعنى علمه مشترك بين العامى وبين العالم وهذا ما يعبر عنه بالقطعيات ,فوجوب الصلوات وحرمة الزنا ليس خاصا بالعلماء هذا مشترك قدر مشترك يعلمه العامى كما أنه يعلمه العالم , هنا قيد المصنف رخمه الله تعالى بقوله جاء اجتهادا أى هذه الأحكام الشرعية لاتسمى فقهاإلا إذا كان طريقها الاجتهاد والنظر والبحث ,حينئذ الأحكام الشرعية التى ليس طريقها النظر والبحث والاجتهاد ليست بفقه ولاتسمى فقها ,فكل ما اشترك فى علمه العامى والخاص لايسمى فقها عند الناظم كصاحب الأصل ,ولذلك يقيد العلم عندهم بالشىء المكتسب , كما فى حد السبكى صاحب جمع الجوامع (الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العمليةالمكتسب إحترازا من غير المكتسب من أدلتها التفصيلية0وهل هذا مسلم للناظم رحمه الله تعالى أولا؟ نقول الصواب أن الفقه يعم النوعين ,ما كان معلوما من الدين بالضرورة, أوما عبرعنه بالقطعى وما كان طريقه الاجتهاد لأن العلم أو الوصف بالقطع والاجتهاد أو الظن هذا وصف نسبى يعنى يختلف من زمن إلى زمن ويختلف من شخص إلى شخص إذا الحاصل أن المصنف هنا رحمه الله تعالى عرف الفقه بأنه علم كل حكم شرعى جاء اجتهادا, إحترازا عن القطعى ولذلك قال دون حكم قطعى مما يشترك فى معرفتها الخاص والعام فلا يسمى فقها والصحيح أن يسمى فقها كل حكم شرعى سواء علمه الخاص والعامى أو إنفرد به الخاص فهو فقه, والتقسيم الموجود هذا عند الفقهاء أو عند بعضهم بين الذى طريقه الاجتهاد فهو الفقه, وما ليس طريقه الاجتهاد فليس بفقه, هذا مجرد اصطلاح, والفقيه هو الفقيه الذى كان فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم وفى
(1/15)

زمن الصحابة رضى الله تعالى عنهم وهذا التفريق يعتبر حادثا 0
والفقه علم كل حكم شرعى ... جاء اجتهادا دون حكم قطعى
إذا عرف لنا الأصل وعرف لنا الفقه, وكل منهما له معنى لغوى ومعنى اصطلاحى, ثم انتقل إلى معرفة الحكم لأنه قال علم كل حكم شرعى ,فما هو الحكم؟ وما هى أقسامه؟ أراد أن يبين لنا فيما سيأتى من البحث وهو بحث مرتب بعضه على بعض ,المراد بقوله (كل حكم شرعى) قال: ـ
والحكم واجب ومندوب وما ... أبيح والمكروه مع ما حرما
مع الصحيح مطلقا والفاسد ... من قاعد فى بعض النسخ من عاقد
وهو أحسن نعم 0
تعرض الناظم للحكم لأنه ذكره فى ماذا؟ ذكره فى حد الفقه ,والفقه علم كل حكم شرعى ,ثم أراد أن يبين لنا حقيقة هذا الحكم ,هو بدأ بتقسيمه ,والصواب أن يحد أولا ثم بعد ذلك يذكر شيئا من أقسامه,
الحكم فى اللغة المنع ومنه قيل للقضاء حكم ,لأنه يمنع من غير المقضى , والحكم هو القضاء ,إذا الحكم فى اللغة المنع ومنه قول جرير: ـ
أبنى حنيفة احكموا سفهاءكم ... إنى أخاف عليكم أن أغضبا
احكموا سفهاءكم يعنى امنعوهم إذا الحكم بعنى المنع ,وأمافى اصطلاح الأصولين فيقال الحكم هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به 0هذا ثلاثة قيود: ـ
أولا: خطاب الله يعنى كلام الله فلا حكم إلا ومصدره كلام الله تعالى
حينئذ أين نضع حكم النبى صلى الله عليه وسلم؟ كما قلنا فى السابق
ماحكم به النبى صلى الله عليه وسلم هوما حكم به الرب جل وعلا
(وما آتاكم الرسول فخذوه) (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله)
إذا ليس فيه إخراج لحكم النبى صلى الله عليه وسلم ,لأن الأحكام الشرعية الحلال والحرام منه ماهو مأخوذ من الكتاب فقط وليس فى السنة ذكر له ,ومنه ما هوموجود فى السنة وليس له ذكر فى الكتاب, ومنه ما هو مشترك يعنى نص عليه فى الكتاب القرآن, ونص عليه كذلك فى السنة, حينئذ ماجاء منصوصا عليه فى الكتاب والسنة واضح بين أن خطاب الله دخل فيه خطاب النبى صلى الله عليه وسلم , ولكن ما اختص به بيان السنة ولم يرد ذكره فى الكتاب ,فإذا قيل الحكم هو خطاب الله نقول وكل ما حكم به النبى صلى الله عليه وسلم ,فهو من حكم الله تعالى لأن النبى صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله وهو مأمور بالتبليغ ,كما ذكرنا فى الأية السابقة (ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) فإذا اجتهد النبى وأقره الرب جل وعلا ,حينئذ يكون منسوبا للرب إذا القيد الأول فى هذا الحكم هوقوله خطاب الله والمراد به كلامه ذو اللفظ والمعنى ,بمعنى أن كلام الله الذى هو القرآن لفظا ومعنى هوالذى يسمى بالخطاب ,والتشريع لايكون إلا من عنده جل وعلا 0
(1/16)

الثانى: ـ القيد الثانى قوله (متعلق بفعل المكلف) والمراد بفعل المكلف ما المراد بفعل المكلف؟ الاعتقاد والقول والفعل هو الذى يتعلق به الحكم الشرعى ,لأن الإنسان يفعل يعتقد شيئا فيقال له هذه العقيدة صحيحة أو فاسدة ,إذا تعلق بها حكم شرعى, هذا حلال وهذا حرام ,كذلك يقول قولا فيقال هذا مأمور به وهذا منهى عنه ,كذلك يفعل بجوارحه أفعالا فيقال هذا مأمور وهذا منهى عنه ,إذا الإنسان من حيث هو الإنسان سواءا اعتقد أو قال قولا أوفعل فعلا وهذه المحل الثلاثة هى متعلق حكم الله جل وعلا ,فيأتى خطاب الله تعالى مبينا هذا الاعتقاد مطلوب إيجاده على جهة الإيجاب مثلا أو على جهة الاستحباب, وهذا الاعتقادمطلوب تركه, إما على جهة التحريم أو على جهة الكراهة, إذا المراد بفعل المكلف القول والاعتقاد والعمل 0
ومن هو المكلف هو البالغ العاقل الذاكر غير المكره, وخرج بهذا القيد خطاب الله المتعلق بفعل المكلف0
هل كل كلام الله تعالى فى القرآن متعلق بفعل المكلف تحليلا وتحريما أو شىء متعلق بذات الرب جل وعلا بأسمائه وصفاته وشىء متعلق بالجمادات وشىء متعلق بفعل المكلف؟ هذه الأنواع كلها موجودة فى القرآن (الله لاإله إلا هوالحى القيوم) هذا متعلق بذاته وبأسمائه وبصفاته وبأفعاله وليست متعلقة بفعل المكلف, لأن المراد هنا بالحكم الشرعى كما نص الشرع 0
الحكم واجب ومندوب وما ... أبيح والمكروه مع ما حرما
إذا لابد من إفعل ولاتفعل وقوله تعالى (الله لاإله إلاهوالحىلقيوم) هذامتعلق بذاته حينئذ خرج بقوله المتعلق بفعل المكلف, وخرج بهذا القيد ماتعلق بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله والجمادات (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة) هذا متعلق بالجمادات وليس متعلقا بفعل المكلف ,كذلك إذا تعلق بفعل الإنسان لا على جهة طلب الفعل أوالترك (يعلمون ما تفعلون) تعلق بفعل المكلف لكن من جهة ماذا؟ من جهة الإخبار بأن الحفظة يعلمون فعل المكلف لكن ليس فيه إفعل ولاتفعل ,والمراد بالحكم الشرعى هنا ما فيه إفعل لمرتبتين الواجب والمندوب, ولاتفعل لمرتبتين المحرم والمكروه 0
الثالث: ـ (من حيث إنه مكلف) خرج به ما تعلق بفعل المكلف لامن حيث إنه مكلف به يعنى من حيث المطالبة بإيجاده أو تركه نحو
((يعلمون ما تفعلون)) هذا هو الحكم فى اصطلاح الأصوليين
خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف, فدخل هنا فى قوله من حيث إنه مكلف ,يعنى مطالب بالفعل إيجادا أو تركا ,دخلت فيه الأحكام الخمسة ولذلك بعضهم يعبر هنا بالاقتضاء أو الوضع أو التخيير ,والاقتضاء المراد به الطلب لأن خطاب الله إذا تعلق بفعل المكلف إما أن يتعلق به على جهة الاقتضاء يعنى طلب الفعل أوطلب الترك أو التسوية بين الأمرين , وهذه ثلاثة أنواع من جهة الإجمال: ـ طلب الفعل ,وطلب الترك ,والتخيير بين الأمرين 0
الشريعة كلها متعلقة بفعل المكلف لاتخرج عن هذه القسمة الثلاثية,
(1/17)

طلب الفعل بمعنى إيجاد الشىء ,وهذا يدخل فيه القول والعمل بالجوارح ,هذا طلب الفعل ثم هذا النوع على مرتبتين لأنه إما أن يقتضى طلبا على جهة الجزم بحيث لايسوغ للعبد أن يترك هذا الفعل ولو تركه لرتب عليه العقوبة وهذا يسمى ماذا؟ يسمى واجبا ,هذا النوع الأول طلب فعل على جهة الإلزام ويكون الطلب جازما هذا يسمى واجبا ,طلب فعل لا على جهة الجزم خير وأعطى المكلف الخيرة فى الترك هذا يسمى ماذا؟ ندبا ,إذا الواجب والمندوب يشتركان فى ماذا؟ فى أن كل منهما مطلوب فعله وإيجاده إلا أن الواجب يختلف عن المندوب مع هذا الإشتراك أنه لايجوز له الترك فلو تركه لترتبت عليه العقوبة ,وأما المندوب يجوز تركه مع الإثم أولا؟ لامع الإثم فلما دل الدليل على أن الرب جل وعلا لم يرتب على هذاالترك عقوبة علمنا أنه مندوب إذا مطلوب يدخل تحته مرتبتان النوع الثانىمطلوب الترك يعنى يردخطاب الله تعالى متعلقابفعل, ويطلب منه الترك لاتفعل لاتقل وهذا على مرتبتين إما أن يكون على جهة الإلزام ,بحيث لو فعل رتب عليه العقوبة ,إما فى الدنيا والأخرة أو فى الأخرة , وهذا الذى يسمى بماذا بالمحرم وإما لا على سبيل الجزم ,بأن لو فعل لم يرتب عليه العقوبة لا فى الدنيا ولا فى الأخرة ,وهذا يسمى ماذا؟ يسمى المكروه , إذا مطلوب الترك على مرتبتين مع الجزم وهو المحرم , لامع الجزم وهو المكروه0 بقى قسم ثالث وهو التسوية بين الأمرين ,جعل الشارع الرب جل وعلا الخيرة للعبد إفعل أو لاتفعل تنام أو لاتنام ,تأكل أو لا تأكل حينئذ نقول هذا سوى بين الفعل والترك لم يرجح الفعل ولم يرجح الترك وإنما سوى بينهما وهو المباح الذى بقى على أصل الإباحة , لذلك كما قلنا من حيث إنه مكلف به يدخل فيه هذا النوع 0
الأحكام الشرعية والحكم الشرعى على نوعين: ـ أحكام تكليفية وأحكام وضعية , (الأحكام التكليفية) هى الخمسة: ـ الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح , وهى ما كلف المخاطب بمقتضاها فعلا أوتركا كلف يعنى طولب ولو فيه مشقة المخاطب بماذا؟ بمقتضاها فعلا أوتركا0 النوع الثانى (الأحكام الوضعية) وهى ماوضعه الشارع من علامات وأوصاف للفعل أو الترك أو النفوذ أو الإلغاء يعنى علامات وأوصاف علقت على الأحكام التكليفية , وهذاما يعبر عنه بالأسباب والشروط والعلل والموانع والصحة والفساد , إذا الحكم الشرعى على ما ذكرناه ثم ينقسم إلى قسمين: ـ الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية 0
والمصنف هنا يرى رأيا خالف جماهيرأهل الأصول وهوأن الحكم التكليفى سبعة أنواع الخمسة المذكورة السابقة وزاد عليها الصحة والفساد, والصحيح أن يقال أن القسمة ثنائية إما حكم وضعى وإما حكم تكليفى , والأحكام التكليفية خاصة بالخمسة وما زاد فهو داخل فى القسم الثانى وهو الصحة والفساد وفى النوع الثانى وهوالحكم الوضعى , لأن الحكم الوضعى ليس المخاطب مكلف بإحداث شىء , يعنى الواجب إذا قيل هذا واجب هذا مندوب يعنى إفعل ,هذا محرم وهذا مكروه يعنى لاتفعل , أما الصحة هذه لايتعلق بها فعل المكلف , فكل ما تعلق به فعل المكلف طولب بالإيجاد أو الترك هذا الذى يعنون له بالحكم التكليفى وأما الحكم الوضعى فلا علاقة له بهذه الأحكام ,
(1/18)

والحكم واجب ومندوب وما ... أبيح مع ما حرما
مع الصحيح مطلقا والفاسد إذا قوله مع هذه للمصاحبة يعنى تصحب الأحكام السابقة الواجب وما أضيف عليه الصحيح وهذا ليس بصحيح لماذا؟ لأن الصحيح هذا من الحكم الوضعى وليس من الحكم التكليفى لأن الحكم التكليفى الخطاب يكون موجها للعبد لإيجاد فعل او ترك, وكون هذا الصحيح صحيح ليس فيه فعل أو ترك وإنما يعنون للصحيح ما استجمع الشروط وانتفت الموانع ,فيقال صلى صلاة صحيحة, متى نقول صلى صلاة صحيحة إذا أتى بالشروط والأركان وانتفت الموانع هذا الذى من فعله هو أتى بالشرط أتى بالركن أتى بالواجبات إنتفت الموانع لم يصل بنجاسة وبنحوها حينئذ نقول صلاته صحيحة, فالأول من فعله ,والوصف بالصحة هذا علامة إن وجدت هذه الشروط وانتفت الموانع حكمنا على فعله بكونه صحيحا إن انتفت الشروط أو بعضها أو وجدت موانع حكمنا على فعله بكونه فاسدا وليس بصحيح إذا زالت الشمس صلى الظهر ,الزوال هذا ليس من شأنك أنت من فعل من؟ فعل الرب جل وعلا ليس من فعلك, هل نقول لك إئت بهذا الوقت وأدخل صلاة الظهر؟ هذا ممتنع حينئذ لم يكن ذلك من فعلك 0
والحكم واجب هذا الحكم الأول, ومندوب هذا الثانى وما أبيح يعنى المباح هذا الثالث والمكروه هذا الرابع مع ما حرماهذا الخامس يعنى مع المحرم والألف فى قوله حرما للإطلاق , مع الصحيح لما جاء بمع علمنا أنه أراد المصاحبة ,فالأحكام التكليفية عند صاحب الورقات وتابعه الناظم هنا سبعة زاد الصحة والفساد وهذا ليس بسديدكما هو مذهب جماهير أهل الأصول 0قوله (مطلقا) هذا حال من قوله الصحيح يعنى سواء كان وصف الصحة لشىء واجب أو مستحب فنقول صلاة الظهرإذا أوقعها على وجهها الشرعى صحيحة إذا وصف الصحةجاء لشىء واجب, كذلك لو صلى الراتبة نقول صلاته صحيحة إذا وصف الصحة على أى شىء وقع؟ على شىء مستحب ,صام رمضان مستجمعا للشروط وانتفت الموانع نقول الصوم صحيح صام تطوعا صومه صحيح على شرطه السابق إذا قوله مطلقا سواء كان واجبا أوغيره, والفاسد هذا مقابل للصحيح وهوالذى يعنون له بالباطل, والفاسد والباطل بمعنى واحد مترادفان
(من قاعد) هكذا فى بعض النسخ والأحسن من عاقد ,عاقد اسم فاعل من العقد والعقد والعقد معلوم أنه المراد به المعاملات ,من قاعد أو عاقد إذاقيل عاقد واضح قاعد يعنى تارك للعبادة وإذا ترك العبادة إشتغل بماذا؟ بالبيع والشراء حينئذ دخل فى ماذا؟ دخل فىلعقود, إذا منقاعديعنى تارك للعبادة, هذان الوصفان الصحة والفساد, (أو) للتنويع (من عابد) فيقال الصلاةصحيحةوالصلاة باطلة, إذا وصف الصحة والفساد يكون فى المعاملات ويكون فى العبادات , ثم شرع الناظم رحمه الله تعالى فى بيان حقيقةالواجب وماسيأتى بحثه والكلام فيه متصل , لكن يرد سؤال هنا قوله والحكم واجب ومندوب قال الشارح هنا فىللطائف الفقه هو العلم بهذه السبعة التى ذكرها أى معرفة جزئياتها لأنه قال الحكم واجب ومندوب إلى آخره, ماهو الفقه هو العلم بالواجبات والمندوبات والمكروهات والمحرمات والأفعال الصحيحة والأفعال الفاسدةإذا علمنا هذه الأشياءحكمنا عليه بأنه فقيه ,ويأتى بحثه إن شاء الله غدا وصلى الله وسلم على نبينامحمد وعلى آله وصحبه أجمعين0
(1/19)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد وقفنا عند قول الناظم رحمه الله - تعالى -:

فالواجب المحكوم بالثواب ... فى فعله والترك بالعقاب

سبق أن مقصود المصنف رحمه الله تعالى من هذا الباب هو تعريف أصول الفقه ولذلك عنون له بقوله: "باب أصول الفقه"، وعرفنا أن أصول الفقه له معنيان: معنى إضافي، ومعنى لقبي، والمعنى الإضافي هذا مأخوذ من إضافة الأول إلى الثاني , لذلك عرفنا أن المركب الإضافي ضابطه: "كل اسمين نُزِّل ثانيهما مُنَزَلة التنوين مما قبله".
فأصول مضاف، والفقه مضاف إليه ولايمكن معرفة المضاف والمضاف إليه - يعنى المعنى اللقبي - إلا بمعرفة كل من الجزأين الجزء الأول: "أصول" له معنى لغوى ومعنى اصطلاحى كذلك الفقه - الجزء الثاني - وهو المضاف اليه له معنى لغوى ومعنى اصطلاحي وعرفنا كلا من النوعين 0خلاصة ما سبق أن الأصول أصول الفقه بالمعنى الإضافى هو أدلة الفقه ثم شرع فى بيان الأحكام الشرعية قال:
الحكم واجب ومندوب وما ... أبيح والمكره مع ما حرما
مع الصحيح مطلقا والفاسد ... من قاعد أو من عاقد هذان
أو من عابد.
والحكم كما سبق بيانه:
"خطاب الله - تعالى - المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به".
وإن شئت قلت:
"خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع".
"بالاقتضاء": أي الطلب، "والتخيير": أي الاستواء بين الطرفين فعلا وتركا.
"أو بالوضع":
هذا هو النوع الثانى من نوعي الحكم الشرعي وعليه ينقسم الحكم الشرعى إلى قسمين:
"حكم شرعي تكليفي، وحكم شرعي وضعي": الحكم الشرعي التكليفي منحصر في خمسة أقسام على الصحيح عند الأصولين والحكم الشرعى الوضعى هذا مختلف في عده , بعد الاتفاق على أن "الأسباب، والشروط، والموانع" تعتبر من الحكم الشرعي الوضعي وعليه أن الحكم الوضعي يعتبر حكمًا شرعيًا، وهذا هو الصحيح عند جماهير أهل الأصول , خلافا لابن الحاجب وغيره حيث أخرج الحكم الوضعى من كونه حكما شرعيا , ورده إلى العقل.
و"العلل والأسباب والشروط والصحة والبطلان والقضاء والأداء":
كلها أحكام شرعية يعنى المستند أو الإثبات بأن هذا الشىء سبب أو بأن هذا الشىء يكون شرطًا أو صحيحًا أو باطلا إنما مرده إلى الشرع، لا إلى العقل.
وقوله بالاقتضاء المراد بالاقتضاء الطلب. وقوله "أو التخيير": أو: هنا للتنويع هذا فيه إشارة إلى أن الإباحة حكم شرعى وإن لم تكن حكما تكليفيا على الصحيح عند الأصوليين لأن الإباحة وهى الإستواء إستواء الطرفين فعلا وتركا , هو حكم شرعي يعنى مرده إلى الشرع وليس مرده إلى العقل , وقوله:"بالاقتضاء": دخل تحته أربعة أنواع من أنواع الحكم الشرعى التكليفى وجهه أن قوله: "بالاقتضاء": أي بالطلب، والطلب نوعان:
* طلب فعل ... * طلب ترك
(2/1)

والأول:"طلب الفعل": نوعان لأنه إما أن يكون طلب فعل على جهة الإلزام حيث لا يسوغ الشارع للمكلف ترك ذلك المأمور به هذا يسمى بالإيجاب والنوع الثانى مطلوب الفعل لكنه لا على جهة الإلزام بأن سوغ الشارع للمكلف ترك هذا العمل وهذا يسمى الندب إذا دخل تحت قوله مطلوب الفعل نوعان من أنواع الحكم الشرعي التكليفي وهما الإيجاب والندب ومطلوب الترك يعنى العدم أو الانعدام أى لايوجد من المكلف هذا أيضا تحته نوعان من نوعى الحكم الشرعى التكليفى وهما: التحريم والكراهة ووجهه أن مطلوب الترك إما أن يكون على جهة الإلزام بأن رتب الشارع العقاب على الفعل حينئذ يكون تحريما.
والنوع الثاني: مطلوب الترك لا على وجه الإلزام بأن لم يرتب الشارع العقوبة على الفعل وهذا يسمى الكراهة.
إذًا دخل تحت قوله "بالاقتضاء": أربعة أنواع بقى ماذا؟ ... المباح دخل في قوله: "أو بالتخيير" وهذا التخيير المراد به مرده إلى المكلف "افعل" أو "لا تفعل" أنت مخير بين شرب الشاي وتركه. نقول هذا يسمى: "مباحا".
قوله: "أو بالوضع": بعض الأصوليين يسقط هذا النوع - أو بالوضع - لأن مرد الأحكام الوضعية عنده إلى العقل وليست إلى الشرع وهذا غلط والصواب أن: السبب والشرط والمانع مردها إلى الشرع ولذلك قال هنا:

والحكم واجب ومندوب وما ... أبيح -يعنى المباح- والمكروه مع ما حرما

هذه خمسة يعنون لها بأقسام الحكم الشرعي التكليفي وهل يزاد عليها؟ .... الصواب: لا.
وإن كان ظاهر كلام الناظم هنا كأصله صاحب الورقات بأن الصحيح والفاسد يعتبران من أحكام الشرع التكليفي , وليس الأمر كذلك.
"مع الصحيح مطلقا والفاسد ... ... ... من عاقد هذان .......... "
:
(2/2)

يعنى الفاسد والصحيح يوصف بهما العاقد والعابد يعنى عبادة صحيحة وعبادة فاسدة عقد صحيح وعقد فاسد كل منهما بوصفه يكون للعبادة ويكون للعقد , "والحكم واجب": قال في الشرح الفقه: هو العلم بهذه السبعة التى ذكرها الناظم تبعا للأصل أى معرفة جزئياتها , لفظ واجب هذه نذكرها ومابعدها يتبعها لفظ واجب ليس هو حكم شرعى عرفنا أن مطلوب الفعل على جهة الإلزام هو الإيجاب وليس بالواجب , ما الفرق بين الإيجاب والواجب؟ نقول الحكم سبق حده بأنه:"خطاب الله" هذا جنس إذا هذه الأوصاف تكون أوصاف لأى شئ؟ لخطاب الله والمراد بخطاب الله تعالى هو كلامه المشتمل على اللفظ والمعنى , وليس المعنى دون اللفظ ولا اللفظ دون المعنى كما هو معتقد أهل السنه والجماعة , حينئذ خطاب الله المراد به ذواللفظ والمعنى. وصف الإيجاب ووصف الندب ووصف التحريم والكراهة والإباحة هذه أوصاف لذات كلام - الله تعالى - فقوله - سبحانه -: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} البقرة: 43، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} البقرة: 183 نقول نفس اللفظ هو الإيجاب , مدلوله الوجوب , وصف فعل المكلف هو الذى يسمي بالواجب , إذًا أوجب الله الصلاة إيجابا مدلول "أقيموا الصلاة": وجوب الصلاة - حينئذ - وجوب الصلاة هذا وصف للصلاة المعقولة فى الذهن وأما الصلاة الموجودة حسا يفعل المكلف الصلاة قياما وقعودا وسجودا فعله هو الواجب , فالمكلف يفعل الواجب. فالواجب يكون وصفا لفعل المكلف لا وصفا لخطاب - الله تعالى - إذا فرق بين الإيجاب والوجوب والواجب , الإيجاب: صفة كلام - الله تعالى - حينئذ نقول "أقيموا الصلاة": هذا فعل أمر وسيأتى أن "افعل" تدل على الإيجاب.
إذا {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} البقرة: 43 إيجاب. فتقول: أوجب الله الصلاة إيجابا. مدلول قول - الله تعالى - {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} البقرة: 43 وجوب الصلاة. فهو مدلول اللفظ ليس هو عين اللفظ , فعل المكلف للصلاة نقول فعل واجبا , فالذي فعله المكلف هو ما وصف به لفظ الواجب.
(2/3)

إذا قوله: "واجب": كما قال الشارح معرفة جزئيات هذه التى سماها أحكاما هى التى يصير بها الفقيه فقيها لأن لفظ واجب تخيل كم يدخل تحته من الجزئيات؟ الصلاة , الصيام , الزكاة , بر الوالدين .... إلي آخره. ولفظ المحرم كم يدخل تحته من الجزئيات؟ .... الفقيه يعرف ماذا؟ ... يعرف فعل المكلف من حيث إسناد هذه الأوصاف لتلك الأفعال فيقول هذا فعلك واجب، وهذا فعلك حرام، وهذا مكروه، وهذا مباح , حينئذ العلم بهذه الجزئيات هي التى يعنون لها بالفقه , وأما معرفة ما حقيقة الإيجاب؟ وما حقيقة التحريم؟ وما ضابطه؟ هذا الذى يعتنى به الأصولى فثم فرق بين مبحث الأصولي ومبحث الفقيه , الفقه هو العلم بهذه السبعة التى ذكرها أى معرفة جزئياتها أى الواجبات، والمندوبات، والمباحات، والمحرومات، والمكروهات، والأفعال الصحيحة، والأفعال الفاسدة: كالعلم بأن هذا الفعل مثلا واجب، وأن هذا الفعل مندوب، وهذا مباح، وهذا محرم، وهذا مكروه، وهذا صحيح، وهذا فاسد. وليس المراد العلم بتعريفات هذه الأحكام المذكورة فإن ذلك من أصول الفقه لا من علم الفقه , فالعلم بالواجبات وظيفة الفقيه والعلم بحد الواجب وأنواع الواجب، وتقسيماته: باعتبار الزمن، وباعتبار الفعل ... إلى آخره. هذه من وظيفة الأصولي. ففرق بين النوعين.
ثم شرع الناظم تبعا للأصل في تعريف الأحكام التى ذكرها أولا جملة , ثم شرع في بيانها بذكر لازم كل واحد منها , قال: ـ "فالواجب": الفاء هذه تسمى فاء الفصيحة كأن سائلا سأل .... أو كأنه قدر شرطا , إذا أردت معرفة هذه الأحكام السبعة فأقول لك: "فالواجب": الفاء: هذه تسمى فاء الفصيحة: فعيلة بمعنى: مفعلة اسم فاعل لأنها مأخوذة من الإفصاح وهو البيان، والإيضاح وبعضهم يسميها "فاء الفضيحة" لأنها فضحت ما بعدها , على كلٍ هذا توجيه.
فالواجب المحكوم بالثواب ... فى فعله والترك بالعقاب

كما ترى الناظم - رحمه الله تعالى - جرى على ما جرى عليه بعض الأصولين من تعريف الواجب , وكذلك الندب , وما يتبعه بذكر اللازم , وهو الحكم والثمرة والأثر, لأن مافعله الثواب والترك مرتب عليه العقاب هذا حكم للواجب , وليس هو عين الواجب , وعند جماهير المناطقة للنظر كما يقال هذا معيب.
وعندهم من جملة المردود ... أن تدخل الأحكام فى الحدود

فلا يقال الفاعل هو الاسم المرفوع هذا خطأ , والمفعول به هو الاسم المنصوب هذا خطأ , لماذا؟ لأن النصب حكم، والحكم على الشيء فرع عن تصوره , فأول تتصور فى الذهن ما معنى الواجب؟ ثم تحكم عليه بعد ذلك بكذا , تصور أولا ما هو الفاعل؟ فتقول هو كذا وكذا ثم تبين حكمه , لأن القاعدة: أن الحكم على الشىء فرع عن تصوره.
حينئذ تقول الواجب له معنيان: معنى لغوى، ومعنى اصطلاحي , أما الواجب لغة: فهو الساقط، والثابت يعني يطلق ويراد به معنى السقوط , ويطلق، ويراد به معنى الثبوت , قال في القاموس:
(2/4)

"وجب يجب وجبة": سقط , "والشمس وجبا ووجوبا غابت" , و"الوجبة": السقطة مع الهدة، أو صوت الساقط , وقال في المصباح: "وجب الحق، والبيع يجب وجوبا ووجبة": لزم، وثبت , إذًا أثبت صاحب المصباح أن وجب يأتى بمعنى لزم وثبت , وجب الحائط أى سقط , وجاء قول الله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} الحج: 36 أي: سقطت على الأرض لأن الإبل تنحر وهى واقفة ثم بعد ذلك تسقط , إذًا يأتي لفظ الواجب فى لسان العرب بمعنى الساقط، وبمعنى الثابت.
قبل الدخول فى معرفة هذه الاصطلاحات: المندوب، والمحرم، ونحو ذلك , هذه الاصطلاحات لا ينبغي لطالب العلم أن ينزلها مباشرة على الكتاب والسنة , لا ينبغي لطالب العلم أن يستعجل فإذا وجد لفظ واجب أو حرام أو مكروه فى الكتاب والسنة أن يفسره بمثل هذا المصطلح , وإنما هذه المصطلحات تعبير عما قرره أهل العلم فى كتب الأصول وكتب الفقه , وأما في الشرع فلا، فحينئذ لا يقال بأن الواجب ما طلب الشارع فعله طلبا جازما , ويأتي طالب العلم فيقرأ قول النبى صلى الله عليه وسلم: ـ
"غسل الجمعة واجب على كل محتلم"
فيفسر الواجب هنا بمعنى ما يعاقب تاركه ويثاب فاعله , نقول هذا خطأ لماذا؟ لأن ألفاظ الشرع إن كان لها حقيقة شرعية حينئذ وجب حمل ذلك اللفظ على الحقيقة الشرعية، وإن لم يكن له حقيقة شرعية ننتقل إلى معنى ثان وهو الحقيقة العرفية هل الشرع راعى العرف فى ذلك الوصف أم لا؟ ... فيحمل على الحقيقة العرفية , وإن لم يكن له حقيقة شرعية ولا عرفية وجب حينئذ حمله على الحقيقة اللغوية , ولا نعدل إلى الحقيقة العرفية بمعنى الاصطلاح الخاص عند الأصولين وهذا سيأتى بحثه فى باب الحقيقة والمجاز.
إذًا معنى الواجب فى اللغة: الساقط، والثابت.
وأما في الاصطلاح فله تعاريف عدة وجلها منتقدة ولكن كلها تدور على: "ما طلب الشارع فعله طلبا جازما" أو "ما أمر به الشارع أمرا" جازما كلها تدور على هذين التعريفين: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما.
قال: "طلبا جازما": إذا هو من قبيل الطلب فهو داخل فى النوع الأول من قوله: "بالاقتضاء"، "ما": اسم موصول بمعنى الذى وهو مبهم يحتاج إلى تفسير، وهكذا في كل تعريف إذا قلت: "ما": حينئذ تقول هذه على المشهور عند أرباب التعاريف أنها اسم موصول بمعنى الذى، ومعلوم عند النحاة وغيرهم أن الموصولات من المبهمات أليس كذلك؟ ... بلى. من المبهمات يعنى شئ مبهم يحتاج إلى تفسير بماذا نفسره هنا؟ نفسر "ما": في هذا الحد وما يأتى من الحدود بمتعلق خطاب الله - تعالى - سبق معنا خطاب الله المتعلق بفعل المكلف عندنا مُتَعلَق ومُتَعلِق ما هو المُتَعلِق؟ ... خطاب الله، خطاب الله متعلق - بكسر اللام - اسم فاعل ما هوالمتعلق به؟ هو فعل المكلف، وسبق أن المراد بفعل المكلف كل ما يصدر عن المكلف , فيشمل حينئذ الاعتقاد فيتعلق به خطاب الله - تعالى - , لأن الاعتقاد منه ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب، ومنه ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح.
(2/5)

إذًا: الاعتقاد تعلق به خطاب الله - تعالى - , فبين حكمه من حيث الإيجاب وعدمه , كذلك القول تعلق به خطاب الله - تعالى - فمنه ما هو واجب، ومنه ما هو محرم، وكل ما سبق , كذلك الفعل منه ما هو واجب، ومنه ما هو حرام، ونحو ذلك.
إذًا هذه الأنواع الثلاثة التى هى صادرة عن المكلف كل واحد منها تعلق به خطاب الله - تعالى - , ولذلك ابن القيم - رحمه الله - تعالى - في مدارج السالكين يقول:
"تدور رحى العبودية على خمس عشرة قاعدة من كملها كمل مراتب العبودية": وبين ذلك بأن المحال التى هى محل للتعبد ثلاثة أنواع وهى: القلب، واللسان، والجوارح. هذه ثلاثة، والأحكام الشرعية التكليفية كم؟ خمسة , خمس في ثلاث بخمس عشرة قاعدة.
يقول: من كملها كمل مراتب العبودية لأن القلب من حيث الاعتقاد وقول القلب تجرى عليه الأحكام الخمسة فمنه ما هو واجب، ومنه ما هو حرام ... كذلك قول اللسان تدور عليه الأحكام الخمسة وكذلك عمل الجوارح , إذًا "ما" نفسرها بماذا؟ ... بفعل المكلف , شىء إذاجعلته نكرة , الذي يعنى فعل المكلف فيدخل فيه: اعتقاد طلب الشارع فعله طلبا جازما , قول طلب الشارع فعله طلبا جازما , عمل بالجوارح والأركان طلب الشارع فعله طلبا جازما.
إذًا كل ما يصدر عن المكلف فهو داخل فى قولنا: "ما طلب الشارع فعله"، الشارع: اسم فاعل من شرع، وهل هو وصف أم خبر؟ إن قلت: وصف حينئذ نحتاج إلى أن يكون لفظ الشارع واردًا في الكتاب، والسنة كالعليم والسميع والخالق ونحو ذلك.
هل ورد في الشرع لفظ الشارع؟ ... الجواب: "لا". بينما هو مأخوذ من قوله: {شرع لكم من الدين مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} الشورى: 13 شرع: فعل ماض، واسم الفاعل منه شارع , فيخبر عن الله - تعالى - بأنه شارع من باب الخبر .. لا من باب الصفات كما هو معلوم أن باب الأخبار أو الإخبار أوسع من باب الصفات , وباب الصفات أوسع من باب الأسماء.
إذًا: "ما طلب الشارع": المراد به الرب - جل وعلا - في كتابه العظيم ونبيه - صلى الله عليه وسلم - في سنته الصحيحة. "ما طلب الشارع فعله": يعنى إيجاده. يكون معدوما ثم بعد ذلك يوجد , كأن من شرط التكليف أن يكون المكلف به معدوما , وأما الموجود فلا تكليف به , لأنه من باب تحصيل الحاصل , "ما طلب الشارع فعله": خرج ماذا؟ .. ما طلب الشارع تركه، وهو المحرم والمكروه، والمباح يخرج أو لا يخرج؟ خارجا لأنه: "ما سوي الشارع بين فعله وتركه " , إذًا بقوله: "ما طلب الشارع فعله": خرج المحرم، والمكروه، والمباح. ماذا دخل معنا؟ المندوب لأن الشارع طلب فعله.
"طلبا جازما": طلبا: هذا مفعول مطلق لقوله: "ما طلب" , وهو مفعول مطلق مبين للنوع , لأنه موصوف بقوله: "جازما".
(2/6)

"طلبا جازما": أخرج المندوب لأن المندوب: "ما طلب الشرع فعله طلبا غير جازم" فيشترك الواجب، والمندوب في أن كل منهما مطلوب الفعل، والإيجاد. يشترك الواجب، والمندوب ثَمَّ بينهما قدر مشترك , وثَمَّ بينهما افتراق يشتركان في ماذا؟ فى أن الشارع قد طلب فعله: إيجاد كل من الواجب والمندوب، ويفترقان في جهة الإلزام وعدمه , فالواجب: طلب الشارع فعله طلبا جازما , والمندوب: طلب الشارع فعله لكنه ليس بطلب جازم , متى نحكم على هذا الطلب بكونه جازما أو غير جازم؟ إن رتب الشارع العقوبة على الترك حكمنا عليه بأنه طلب جازم , أو جاء بلفظ "افعل" وليس له قرينة صارفة إلى الندب , فبهاتين الوسيلتين نعلم أن الشارع قد طلب هذا الفعل طلبا جازما , لم يلتبس حينئذ كيف تميزبين الجازم، وغير الجازم، وكل منهما مطلوب الفعل؟ نقول إن جاء بصيغة: "افعل" وليس ثَمَّ قرينة صارفة حينئذ نحكم بأنه واجب , فهو مطلوب الفعل على جهة الإلزام , إن رتب العقوبة على الترك , إن لم تفعل قتلتك مثلا , حينئذ إذا رتب العقوبة على الترك وعدم الإيجاد حكمنا عليه بكونه واجبا , ماعدا ذلك فهو مندوب , ولكن بالصيغة التى يأتى ذكرها.
إذًا: "ما طلب الشارع فعله طلبا جازما" هذا هو حد الواجب , حكمه: ما يثاب فاعله، ويعاقب تاركه على المشهور, ولذلك عرفه بهذا الحد:
فالواجب المحكوم بالثواب ... فى فعله والترك بالعقاب ... فالواجب: هذا صفة , يعنى فالشيء الواجب من حيث وصفه بالوجوب المحكوم فى فعله بالثواب المحكوم بالثواب فى فعله , "في": بمعنى: على، على فعله، لكن نحتاج هنا إلى قيد وهو قيد الامتثال , لأنه لا ثواب إلا بنية كما هو مقعد عند أهل العلم , لا ثواب إلا بنية , لا يستحق الثواب لا على واجب ولا على مندوب ولا على ترك محرم أو مكروه إلا بنية:
"إنما الأعمال بالنيات"
قاعدة: وهى القاعدة الأولى من القواعد الخمس الكبرى: الأعمال بالنيات"إنما الأعمال بالنيات" الأمور بمقاصدها. حينئذ لا عمل يثاب عليه العبد إلا بنية , حينئذ لا ثواب إلا بنية , لكن هل لا إجزاء إلا بنية لايجزىء الواجب إلا بنية؟ نقول هذا فيه تفصيل بمعنى أن الواجب من حيث الاعتداد به، وعدم الاعتداد به أي: باعتبار النية وعدمها على قسمين:
* واجب لا ثواب، ولا صحة، ولا إجزاء إلا بنية:
وهو ما يعبر عنه الأصوليون والفقهاء بالعبادات المحضة كالصلاة والصوم. هل تصح الصلاة بدون نية؟ ما قصد التقرب إلى الله - عز وجل - لا تصح. إذًا هذا واجب، ولم يصح لانتفاء النية , إذا انتفاء النية أثر فى الصحة فضلا عن الثواب , فكل عبادة محضة غير معقولة المعنى كما يعبر عنها الفقهاء - بعض الفقهاء - نقول: لا تصح إلا بنية , هذه العبادة لا تصح، ولا تجزيء، ولا تبرأ الذمة إلا بوجود النية , فإن وجدت النية لزم منها وجود الثواب هذا واضح بين.
(2/7)

* قسم ثان من نوعى الواجب يجزئ ويصح وتبرأ الذمة ولو لم توجد النية, لكن ينتفى الثواب , والفعل نفسه وإن كان واجبا حينئذ لا يطالب العبد بإعادته , مَثَّل لذلك الأصوليون والفقهاء برد الودائع , رد الدين ما حكمه؟ واجب. إذا ردَ الدين، ونوى أنه ممتثل لأمر الله - تعالى- , لأن هذا وفى معه , ويريد الإحسان إليه , ووفى بوعده , حينئذ نقول: يثاب. لو رَدَ الدين خوفا من المدين هل وجدت النية؟ ... ما وجدت النية ... لماذا؟ لأن الخوف من غير الله - تعالى - في مثل هذا الموضع ليس بنية صالحة , حينئذ نقول أجزأ الفعل وهو رد الدين , وبرأت ذمة الدائن , وانتفى الثواب مع صحة العمل، وكذلك النفقة على الزوج واجبة أو لا؟ واجبة. لكن هل يشترط فى صحة إسقاط الطلب، وهو وجود النفقة النية؟ الجواب: "لا"، وإنما لا تكون هذه النفقة يثاب عليها العبد إلا إذا نوى بها القربى إلى الله - تعالى - فمثل هذا النوع الثانى الذى يصح وهو واجب بدون نية، النية شرط في الثواب لا في صحة العمل.
إذًا الواجب نوعان: واجب لا يعتد به إلا بنية , وهذا ما يسمى بالعبادات المحضة كالأركان الخمسة , فلا حج إلا بنية، ولا صلاة إلا بنية , ولا زكاة إلا بنية , ولا صيام إلا بنية , فإذا انتفت النية انتفى العمل: لا يصح , فضلا عن الثواب، قسم ثاني: وهو ما يصح وتبرأ به الذمة ولو لم توجد النية كرد الديون، والودائع، والنفقة على الزوجات، ونحو ذلك. نقول: هذه الذمة برئت وأجزأ العمل , مع عدم وجود النية , لكن هل يثاب؟ الجواب: "لا" لا يثاب .... لماذا؟ لعدم النية. فلا ثواب إلا بنية مطلقا بدون تفصيل.

وليس في الواجب من نوال ... عند انتفاء قصد الامتثال
فيما له النية لا تشترط ... وغير ما ذكرته فغلط

إذًا قوله: "بالثواب في فعله": لابد من التقييد , بأن تقول بالثواب فى فعله قصدا وامتثالا , فإن امتثل حينئذ أثيب على ذلك، وإن لم يمتثل: لم ينوِ القربى حينئذ لا ثواب , والنظر في صحة العمل ترجع إلى التفصيل السابق.
"فالواجب المحكوم بالثواب في فعله": يعنى إذا فعله أثابه الرب - جل وعلا - تفضلا منه لا وجوبا كما هو مذهب المعتزلة وغيرهم. "والترك بالعقاب": يعنى المحكوم بالعقاب فى تركه , إن تركه عوقب وهذا مما يفرق به بين الجازم وغير الجازم , قلنا إن رتب الشارع العقوبة على ترك العمل , حكمنا عليه بأنه جازم , إن رتب الشارع العقوبة على الترك حكمنا عليه , بأنه واجب.
"والترك بالعقاب": هل كل واجب إذا ترك يعاقب عليه العبد؟ لا شك .. لا. إن تركه بعذر فهو معذور, ثم إذا كان يستدرك استدرك وإلا, فإن الفعل والترك نقيده بلا عذر, لأنه إن تركه بعذر لا يترتب عليه العقاب.
(2/8)

"والترك بالعقاب": هل كل من ترك الواجب بلا عذر عوقب أم أنه مستحق للعقاب ثم بعد ذلك هو داخل تحت المشيئة؟ ... لاشك أنه الثاني، ولذلك اعترض على مثل هذه العبارات بقوله: "والترك بالعقاب": ينبغي أن تعدل ويقال بترتب أواستحقاق العقاب على الترك , والظاهر أننا لانحتاج لمثل هذا القيد لماذا؟ .. لأننا نعرف الواجب من حيث هو واجب ما ضابطه فى الشرع أما كونه يعفى عنه أولا يعفى عنه فليس الأمر إلينا بل هو لله - عز وجل- لكن الواجب من حيث هو من أجل الاصطلاحات قد ذكرنا أننا نبحث فى ماذا؟ فى اصطلاحات لا فى أمور شرعية أو حقائق شرعية الحقائق الشرعية شىءآخر, يعنى لفظ فسره الشرع الصلاة لفظ شرعي , من الذي فسر معنى الصلاة؟ التعبد لله بأقوال ..... إلى آخره , الشرع نفسه فليس هو من صنع العلماء أو الفقهاء أو الأصوليين , وأما الواجب فهو ليس بحقيقه شرعية , والواجب ما يثاب فاعله إلى آخره , إنما هو اصطلاح أصولي, ولذالك قلنا إذا عرفنا هذا الحدود , لا نأتي نهجم على الكتاب والسنة نفسر كل لفظ بهذه الاصطلاحات هذا يعتبر من الغلط.
إذًا "والترك بالعقاب": الظاهر - والله أعلم - أن العبارة مستقيمة , ولا اعتراض عليه لكونه قد يعفى عنه فى الآخرة , لأننا نبحث فى اصطلاح نضبطه بضوابط نرى أنها مناسبة , حينئذ بر الوالدين واجب , الأصل فيمن تركه أنه يعاقب , هذا الأصل , نحكم على هذا الفعل بكونه واجبا , لا على من تلبس بالفعل , نحكم على نفس الفعل بأنه واجب , وأن من ضابطه أن من تركه يعاقب , لا على من تلبس بالفعل لأن ذلك أمره إلى الرب - جل وعلا - إذا الاعتراض ليس فى محله.
فالواجب المحكوم بالثواب ... فى فعله والترك بالعقاب

"الثواب": المراد به مقدار مخصوص من الجزاء يعلمه الله - تعالى -
و"العقاب": هو التنكيل على المعصية.
من المسائل التى تذكر فى هذا المحل , أن الواجب والفرض بمعنى واحد.

والفرض والواجب ذو ترادف ... ومال النعمان إلى التخالف

يعنى جماهير الأصوليين على أن الفرض والواجب بمعنى واحد , وأما عند أبى حنيفة فرق بينهما , الفرض: ما ثبت بدليل قطعى كالقرآن , والواجب: ما ثبت بدليل ظنى , وجماهير الأصوليين على أن الخلاف لفظى
لكن هذا الخلاف لفظى عند الأصوليين ليس عند الفقهاء , وما يتعلق بالتقسيمات الواردة فى حد الواجب هذه تعلم من المطولات , ثم قال:

والندب ما فى فعله الثواب ... ولم يكن فى تركه عقاب

"والندب": هذا مصدر لكن مراده به بمعنى المندوب , "والندب": هنا مصدر بمعنى اسم المفعول , والمندوب أصله المندوب إليه ,وهذه سنة أو مندوب أو مستحب أو نحو ذلك وهذه ألفاظ كلها مترادفة , فالمندوب إليه إليه توسع بحذف حرف الجر فاستكن الضمير, والمندوب مشتق من الندب , والندب: بمعنى الدعاء , والمندوب يكون بمعنى المدعو إليه:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... فى النائبات على ما قال برهانا

لا يسألون أخاهم حين يندبهم: يعنى حين يدعوهم , إذًا الندب بمعنى الدعاء حقيقة عندهم على وزان ما سبق في بيان الواجب , فما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم هو الندب , ويقال في "ما": ما ذكرناه فى الواجب أن المراد به فعل المكلف فيدخل فيه الاعتقاد والقول وفعل الجوارح.
(2/9)

"ما طلب الشارع فعله": خرج به المحرم، والمكروه، والمباح , وبقى ماذا؟ الواجب، والمندوب كلاهما داخلان فى هذا الجزء.
"ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم": خرج به الواجب , وأما باعتبار ما ذكره الناظم هنا , باعتبار الأثر حكمه: ما في فعله الثواب، "ما": هذا جنس بمعنى شيء , شيء قول أو عمل أو اعتقاد , في فعله الثواب أى: الثواب في فعله , "في فعله": هذا خبر مقدم , و"الثواب": هذا مبتدأ مؤخر, الذي يكون في فعله الثواب: خرج به المباح فليس في فعله ثواب ولا في تركه وخرج به المحرم: فليس في فعله الثواب بل العقاب عكسه , كذلك المكروه ليس فى فعله ثواب , ولم يكن في تركه عقاب , "يكن": بمعنى يوجد فكان هنا تامة , يعنى تفتقر إلى فاعل، ولا تحتاج إلى اسم وخبر:
"وذو تمام ما برفع يكتفي"
"ولم يكن": يعنى بمعنى لم يوجد في تركه، "في": هنا في الموضعين بمعنى: على , "في تركه عقاب": خرج به الواجب , لأن الواجب يكون فى تركه العقاب , إذا عرفنا حقيقة المندوب في اللغة , وفى اصطلاح الأصوليين , وعرفنا حكمه فهو فى اللغة بمعنى الدعاء , المدعو إليه

وفى الاصطلاح: "ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم" , وحكمه: ما أثيب على فعله , كذلك تقيده بقصدا وامتثالا , لأنه لا ثواب لا في الواجب , ولا في المندوب , إلا بنية فإذا انتفت النية لاثواب , ولم يكن في تركه عقاب , المندوب مأمور به حقيقة على الصحيح عند الأصوليين , هل المندوب مأمور به أو لا؟ الصحيح أنه مأمور به لأنه طاعة , وكل طاعة فهي مأمور بها: ... {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرسول} المائدة: 92
فكل طاعة هي مأمور بها , فالواجب مأمور به ولا خلاف بين الأصوليين فى ذلك، وإنما الخلاف في المندوب هل هو مأمور به؟
هل أمر به الشرع أو لا؟ الصحيح عند الأصوليين أن الشارع قد أمر به , فهو مأمور به حقيقة لا مجازا , ويسمى المندوب مستحبا، ونفلا، وسنة، وتطوعا، ومرغبا فيه: كلها ألفاظ مترادفة تصدق على حد واحد:
ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم , أو ما أثيب فاعله امتثالا ولم يعاقب تاركه , وقد حصل عند أرباب المذاهب الحنفية وغيرهم تنويع فى مثل هذه المصطلحات وكلها تنويعات حادثة ليس عليها دليل صحيح وإنماهى خاصة بأرباب المذاهب فلا تشغل نفسك بهذه التفريقات.
الندب ما فى فعله الثواب ... ولم يكن فى تركه عقاب

هل يجب إتمام المندوب؟ ... الجواب: "لا". يعنى لو شرع فى المندوب حينئذ له قطعه , ولا يجب عليه إكماله خلافا للحنفية
"والنفل ليس بالشروع يجب"
لماذا؟ ... لأنه جائز الترك هو ابتداء يجوز تركه، وجماهير أهل العلم على هذا , فمن شرع فى نافلة جاز له قطعها سواء كانت صياما أو صلاة أوغيرها , ولحديث:
"المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر"
ويقاس على الصوم غيره من المندوبات , وهذا كما ذكرنا قول جماهير أهل الأصول.
ثم قال - رحمه الله -:
وليس فى المباح من ثواب ... فعلا وتركا بل ولاعقاب
(2/10)

هذا هو النوع الثالث من أنواع الحكم الشرعى التكليفي , إذا ذكر المباح فى ضمن الأحكام الشرعية التكليفية , وما وجهه؟ .. لأنه ليس فيه تكليف , المباح ليس فيه تكليف , لأن التكليف": هو إلزام ما فيه مشقة وكلفة , والمباح ليس فيه مشقة ولا كلفة , بل الشارع خيَّر المكلف بين الفعل والترك , والمباحات أكثر من الأوامر الشرعية الواجبات والمندوبات , حينئذ سوى له الشارع بين الفعل والترك , وما وجه إدخاله فى الأحكام التكليفية؟ ثم خلاف بين الأصولين , وأشهر ما ذكر أنه من باب التغليب يعنى ذكر هذا النوع مع بقية الأحكام الأربعة , لأنه لا يمكن التمايز بينها , فإذا ذكر الواجب، والمندوب، والمكروه، والمحرم , لزم أن نذكر معه المباح , وإذا نفى عن المباح أنه حكم تكليفى , لا يلزم أن ينفى عنه أنه حكم شرعي , انتبه: بعض الطلاب يخطىء إذا قيل المباح ليس حكما تكليفيا يظن أنه ليس حكما شرعيا , هذا غلط بل هو حكم شرعي , ولذلك قلنا ما هوالحكم؟ الحكم هو: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع , هذه ثلاثة أنواع جنس عام , إذًا التخيير داخل في خطاب الله - تعالى - , فهو حكم شرعي , فإذا نفى وصف التكليف عن الإباحة , لا يلزم منه أن ينفى عنه الحكم الشرعي , بل هو حكم شرعى , ولكنه ليس تكليفيا , كما نقول الصحة ليست بحكم تكليفي , لا يلزم منه أن ننفى عنه الحكم الشرعي.

وليس في المباح من ثواب
المباح - في اللغة -: المعلن والمأذون فيه , يقال باح بسره: إذا أعلنه , أباح وباح: تعدى بنفسه بدون همزة وبالهمزة , أباح بسره، وباح بسره: إذا أعلنه، وأباح ماله: إذا أذن في استعماله.
وأما في الشرع أو الاصطلاح فالمباح:
مالا يتعلق به أمر ولا نهى لذاته
"ما": نفسرها بماذا؟ اسم موصول بمعنى الذى يصدق على الاعتقاد , والقول , والفعل , يعنى فعل المكلف , كل ما يصدر عن المكلف فهو داخل فى قولنا: "ما لا يتعلق به أمر": خرج ما تعلق به أمر, وهو نوعان: ـ الواجب، والمندوب , إذًا قولنا: "ما": هذا جنس يدخل فيه فعل المكلف , وإن شئت قل يدخل معه كذلك الأحكام الخمسة.
(2/11)

"ما لا يتعلق به أمر": خرج ما تعلق به أمر, وهو الواجب والمندوب , "ولا نهي": خرج ما يتعلق به نهي, وما هو الذى تعلق به النهى؟ ... المحرم والمكروه , إذا خرجت الأنواع الأربعة ماذا بقى؟ الخامس لكن قوله: "لذاته": أراد به أن المباح على نوعين: ـ مباح باق على أصل إباحته , وهذا الذي عناه الناظم وغيره فى هذا الموضع: مباح باق على أصله , على وصف الإباحة , النوع الثاني لم يبق على أصله , بل خرج يعنى فصار مأمورا به أو منهيا عنه , وذلك هو المباح الذى صار وسيلة لأمر أو نهي. المباح قد يكون وسيلة لمأمور به , وقد يكون وسيلة إلى منهي عنه سواء هذا أو ذاك , صار المباح قد نقل عن أصله وهو وصف الإباحة إلى ما صار وسيلة إليه , فإن كان المباح وسيلة إلى واجب , صار المباح واجبا , لأن الوسائل لها أحكام المقاصد , ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب , ما كان من المباح وسيلة إلى المندوب , صار هذا المباح مندوبا , لماذا؟ ... لأنه وإن كان فى الأصل مباحا إلا أنه لما صار وسيلة إلى مندوب أخذ حكمه , وإذا كان المباح وسيلة إلى منهي عنه محرما , صار المباح محرما , وإذا كان وسيلة لمنهي عنه لا على جهة التحريم وإنما الكراهة التنزيهية , صار المباح ماذا؟ منهيا عنه , يعنى مكروها - حينئذ - وصف الإباحة قبل أن يكون هذا المباح وسيلة لمأمور به أو منهي عنه قد زال وانتقل من وصف الإباحة إلى وصف الإ يجاب أو الندب أو التحريم أو الكراهة، قوله: "لذاته": أخرج هذا النوع وهو المبا ح الذى لم يبق على وصف الإباحة بأن صار وسيلة إلى مأمور به أو منهي عنه وهذا ما يعنون له بالقاعدة العامة عند الأصولين وغيرهم: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وأحسن من هذه العبارة كما ذكره الفتوحي وغيره: (ما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به) فيشمل ماذا؟ الواجب والمندوب وهو الذى يعنون له بالقاعدة الفقهية: (الأمور بمقاصدها) أو (الوسائل لها أحكام المقاصد) لكن انتبه إلى أمر لا بد من التنبيه عليه , وهو أن بعضهم يظن أن ما كان وسيلة من المباح إلى عبادة انقلب المباح بذاته , فصار عبادة , وينقلون أقوال لبعض السلف , أحتسب نومتي وقومتي , إلى آخره لأن النوم صار عبادة , وأن شرب الماء بنفسه صار عبادة , لا ليس كذلك , العبادات توقيفية , لابد أن يكون الشيء مأمورا به ابتداء , فالعبادات محصورة قولية كانت أو عملية , والنوم يبقى على أصله أنه مباح , إن اتخذه وسيلة إلى ترك واجب , كالنوم عن الصلاة عمدا مثلا , صار هذا النوم محرما , يعاقب على ماذا؟ على فعل النوم أو على نيته؟ ..... إن قلنا بما سبق بأن النوم انقلب فى نفسه صار محرما , - حينئذ - يعاقب على نفس النوم وليس الأمر كذلك , بل يعاقب على النية وإذا اتخذ هذا النوم وسيلة إلى الطاعة والعبادة يتقوى به على العبادة , - حينئذ - لا نقول النوم نفسه عبادة .. لا , وإنما يثاب على نيته , وأما النوم فهو كاسمه نوم ليس بعبادة , إذًا المباح على مرتبتين: مباح باق على أصل الإباحة، وهو الذي يعنيه الأصوليون بماذا؟ بهذه الحدود , ومباح انتقل عن وصف الإباحة فأخذ حكم ما صار وسيلة إليه , والأمثلة كثيرة ولعلها معلومة عندكم.
(2/12)

"وليس في المباح من ثواب": من ثواب إيش إعراب ثواب؟ من: هذه زائدة , أحسنت قربت من هذه زائدة , وثواب اسم ليس مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد , من هذه صلة , وأصل التركيب وليس ثواب فى المباح ,"في المباح": متعلق بمحذوف خبر ليس مقدم , ولا إشكال في هذا وليس فى المباح من ثواب , ليس ثواب في المباح فعلا وتركا , يعنى إن فعله لا يثاب ولا يعاقب كذلك , وإن تركه , لا يثاب ولا يعاقب , فاستوى فيه الأمران , ولذلك عبر الأصوليون بالتخيير, والتخييرالمراد به استواء الأمرين فعلا وتركا , فالثواب والعقاب ينفيان عن الفعل كما أنهما ينفيان عن الترك , "فعلا وتركا": منصوبان على التمييز, والتمييز عوض عن المضاف إليه فعله وتركه , فعلا وتركا وبعضهم جوز أن يكون منصوبا بنزع الخافض بفعله وتركه , والنصب على التمييزأولى لأن الثانى هذا مختلف فيه , "بل ولا عقاب": بل: هذه للانتقال. إذًا المباح ليس فى فعله ولا تركه ثواب ولا عقاب , قوله: ثواب ولا عقاب: متعلق بالفعل: بكل من الفعل، وبكل من الترك , وليس فى المباح من ثواب ولاعقاب فعلا , وليس في المباح من ثواب ولاعقاب تركا , إذًا الثواب والعقاب متعلقان بالفعل كما أنهما متعلقان بالترك , ثم قال: ـ
وضابط المكره عكس ما ندب ... كذالك الحرام عكس ما يجب
هذا النوع الرابع أين الخامس؟
وضابط المكروه عكس ما ندب , وضابط يعنى حد أو تعريف , وإن كان الضابط يطلق بمعنى القاعدة والأساس والقانون والأصل , وكلها مترادفة للصلة , أما فى المعنى اللغوي فبينهما خلاف , وضابط المكروه يعني قاعدة المكروه والأساس الذى ينبنى عليه معنى المكروه , المكروه عكس ما ندب , المكروه ضد المندوب, وهو لغةً: ضد المحبوب , أخذا من الكراهة , وقيل من الكريهة وهى الشدة فى الحر يقال يوم الحر يوم الكريهة.
وأما في الاصطلاح فنقول: ـ
(2/13)

المكروه: ما طلب الشارع تركه طلبا غير جازما , "ما": اسم موصول بمعنى الذي دخل فيه فعل المكلف بأنواعه الثلاثة , وشمل الأحكام التكليفية الخمسة , "طلب الشارع": عرفنا المراد بالشارع بأنه خبر عن الله - تعالى - وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - , "تركه": خرج ما طلب الشارع فعله , وهو الواجب والمندوب، "طلبا غير جازم": دخل معنا فى قوله طلب الشارع تركه: المحرم وكذلك المكروه , ونحن نريد أن نحد ونعرف المكروه , "طلبا غير جازم": أخرج به المحرم , إذًا الطلب - طلب الترك - على مرتبتين طلب ترك غير جازم , وطلب ترك يعتبر جازما , كيف نفرق؟ نفرق هنا إذا جاء النص بصيغة النهى دون قرينة صارفة للنهى من التحريم , يعنى جاء بصيغة لا تفعل وليس ثَمَّ قرينة صارفة فنقول لا تفعل دل على الجزم - حينئذ - نحمله على التحريم , أو رتب العقوبة على ماذا؟ على الفعل إن فعلته فرتب عليه عقوبة دنيوية كحد مثلا أوأخروية نقول هذا طلب ترك يعتبر جازما لأن لا تفعل دون قرينة محمولة على التحريم أوالنهى المطلق والنهى للتحريم وكذلك ترتيب العقوبة الدنيوية أو الأخروية أو هما معا على فعل فى الدنيا يعتبر ماذا؟ يعتبر محرما , ماعدا هذين النوعين فهو طلب غير جازم , ويوصف بالكراهة التنزيهية عند جماهير الأصوليين.
"وضابط المكروه عكس ما ندب": ضابط هذا مبتدأ , وعكس هذا خبره , والعكس المراد به هنا العكس اللغوى وليس العكس الاصطلاحي الذي يذكره المناطقة وغيرهم , عكس يعنى خلاف ما ندب , يعنى خلاف المندوب , "ما": هذه اسم موصول، و"نُدب": هذا فعل مغير الصيغة وصلة الموصول عند البيانيين أهل البلاغة الموصول مع صلته فى قوة المشتق , يعنى يفسر باسم فاعل أو باسم مفعول , يعنى تأتى في محل الصلة مع موصولها باسم المفعول , هنا عكس ما ندب عكس المندوب , يعني تأخذ ما ندب وتأتى فى موضعه بمشتق إما اسم فاعل وإما اسم مفعول , وإنما تفك هذه الصفة ويرجع إلى أصله لأغراض معلومة عند البيانيين , عكس ما ندب , ماهو المندوب على ماذكره الناظم؟
ما يثاب فاعله امتثالا ولا يعاقب تاركه , وهنا عكس المكروه , وهو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله , ونحتاج إلى التقييد لأن الامتثال شرط وقيد فى الفعل كما أنه شرط وقيد فى الترك , يعنى لا ثواب إلا بنية , كما قال هناك: ـ
ومثله الترك لما يحرم ... من غير قصد ذا نعم مسلم
فإذا ترك المحرم أو ترك المكروه لا ثواب إلا بنية , لكن هل تبرأ الذمة؟ نقول: نعم , {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} الإسراء: 32 ترك: ما خطر بباله الزنى مأجور يؤجر؟ ... ما خطر بباله أبدا يؤجر أو لا يؤجر؟ ... ترك المحرم أولا؟ ... ترك المحرم قطعا برئت الذمة , يعنى لا يحاسب على فعل شىء إن لم يفعله , لأن المحرم إنما يكون على شيء قد أوقعه وأحدثه هو لم يفعل الزنا ولم يرابى إلى آخره , فإذا لم يحصل منه المحرم - حينئذ - برئت الذمة , نعم ذا مسلم , مسلم من الإثم , لكن هل يثاب؟ الجواب: لا
لابد أن يترك هذه المحرمات قاصدا القربى وامتثالا لنهى الله - تعالى -
(2/14)

ولذلك نقول على مثل هذا الموضع كم وكم من إنسان يضيع على نفسه من الثواب العظيم؟ كم يترك من المحرمات؟ سماع الأغانى ربا إلى آخره لكن قد لايحتسب أنه ما تركها إلا من أجل الله - تعالى - , يعنى خوفا من الله تعالى , أما إذا لم يحدث نفسه , ولم يخطربباله ولم يعلم به أصلا هذا لا ثواب ,لا يثاب لماذا؟ لأنه لاثواب إلا بنية فعلا وتركا
ومثله الترك لما يحرم ... من غير قصد ذا نعم مسلم
نعم هو مسلم من الإثم , لكنه لا ثواب ,يعنى برئت الذمة بمجرد ترك المعاصي , والحكم في المكروهات والحكم فى المحرمات سيان كل منهما ترك فلا ثواب إلا بنية.
إذًا: "وضابط المكروه عكس ما ندب": يثاب تاركه امتثالا , وأما إذا لم يمتثل لا ثواب ولا يعاقب فاعله, لو فعله لا يعاقب , ولا يسمى فاسقا بخلاف المحرم لو فعله فإنه قد يحكم عليه بالفسق.

"كذلك الحرام عكس ما يجب": المكروه كما ذكرنا فيما سبق , أن المراد به الكراهة التنزيهية , وهو مجرد اصطلاح عند الأصوليين فلا يفسر به الكتاب والسنة , بل أطلق المكروه مرادا به المحرم , ولذلك هو عند الأحناف على مرتبتين: ـ مكروه كراهة تحريم , ومكروه كراهة تنزيه , وهذا أقرب إلى الشرع , وأما عند جماهير الأصوليين فلا فرق بين المحرم والمكروه كراهة تنزيهية، قال تعالى:
{كل ذَلِكَ كان سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} الإسراء: 38 يعنى محرما فالمكروه هنا بمعنى التحريم , وكذلك هو فى عبارات كثير من السلف المتقدمين , المكروه بمعنى المحرم - حينئذ - لابد من أن يقف طالب العلم إذا وجد مثل هذه المصطلحات أوهذه الألفاظ لا يحملها على المصطلح الخاص ومثله القضاء والأداء:
{گ گ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا} النساء: 103 قضيتم: الصلاة يعنى القضاء بمعنى إخراج الفعل عن وقته؟ الجواب: "لا".
"كذلك الحرام عكس ما يجب": كذلك: هذا حال مقدم , والحرام هذا مبتدأ , وعكس ما يجب يعنى عكس الواجب , والعكس هنا بمعنى المخالف , وما يجب كما ذكرنا فى ما ندب , بمعنى الواجب , والحرام - في اللغة - هو المنع أو الممنوع ويسمى المحظور {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ} الأنبياء: 95 {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} القصص: 12 جاء التحريم بمعنى المنع , وأما في الاصطلاح: فهو ما طلب الشارع تركه طلبا جازما , والشرح كما سبق , وحكمه: قال الناظم هنا "عكس ما يجب"
فهو ما يثاب على تركه امتثالا ويعاقب على فعله , هناك الواجب ما يعاقب على تركه , وهنا الحرام يعاقب على فعله , هناك يثاب على الفعل امتثالا وهنا يثاب على الترك امتثالا , إذا هو عكسه , والمراد بالعكسية هنا باعتبار تقسيم أحكام التكاليف يعنى التى سبقت , وأما فى الشرع فلا , الحرام فى المقابل الحلال:
{وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} النحل: 116 إذا هذا معنى الحرام ويسمى محظورا , ثم قال - رحمه الله تعالى - بعدما انتهى من الأحكام التكليفية الخمسة على ما سبق بيانه بشيء من الاختصار.
وضابط الصحيح ما تعلقا ... به نفوذ واعتداد مطلقا
(2/15)

وضابط الصحيح كما سبق فى ضابط المكروه بمعنى القاعدة والأساس , أراد أن يُعرف معنى الصحيح , وعرفنا الصحيح أنه من الأحكام الشرعية الوضعية ليس التكليفية , خلافا لظاهر كلام الناظم كأصله , المراد به الحكم الشرعى التكليفى وليس هو من الحكم التكليفى , بل هو من الحكم الوضعى , الصحيح فعيل: صفة مشبهة , مأخوذ من الصحة وهو السليم ضد المريض , وأما في الاصطلاح فعرفه بقوله: ما تعلق به نفوذ واعتداد مطلقا , ما تعلق، "ما": يعنى الذي يعنى فعل المكلف , "تعلقا": هذه الألف للإطلاق تعلق به ماذا؟ .... "نفوذ": أصله من نفوذ السهم نفوذ فعول أصله مأخوذ نفوذ السهم , وهوبلوغ المقصود من الرمى , وكذلك العبادة , والعقد وإن كان فى اصطلاح الأصوليين لا يعبر عن العبادة بأنها نافذة , وإنما هو يختص بالعقد , يقال عقد نافذ بمعنى أنه ترتب عليه أثره فى الشرع , إذا ترتب أثر العقد على العقد من حل الانتفاع مثلا , أو انتقال الملكية أو استعمال المنفعة ونحو ذلك , يقال العقد نافذ ومعتد به , وأما العبادة فإنها توصف بالاعتداد ولا توصف بالنفوذ , فيقال هذه صلاة معتد بها متى؟ .... إذا استجمعت الشروط وانتفت الموانع , تقول هذه صلاة معتد بها ,يعنى صحيحة , وهذا عقد معتد به , وأما النفوذ فهو خاص بالعقد دون العبادة , "ما تعلقا": هذه الألف للإطلاق , "نفوذ": فاعل تعلق , "واعتداد به": في الشرع , بأن يكون قد جمع ما يعتبر فيه شرعا عبادة أو معاملة , ولذلك قال الناظم: "مطلقا": فالإطلاق المراد به هنا أن هذا الوصف ليس خاصا بالعبادات دون المعاملات ولا المعاملات دون العبادات فالصحة وصف عام واعتداد مطلقا ثم قال: ـ

والفاسد الذي به لم تعتدد ... ولم يكن بنافذ إذ عقد
الفاسد ضد الصحيح , الصحيح ما ترتب عليه الأحكام الشرعية , الفاسد عكسه , إما لاختلال شرط أو وجود مانع , - حينئذ - نقول هذا العقد باطل فاسد , هذه العبادة أي الصلاة فاسدة باطلة , والفساد والبطلان بمعنى واحد عند جماهير أهل الأصول - حينئذ - نقول هذه عبادة فاسدة لماذا؟ لعدم استجماع الشروط أو وجود الموانع , أو مانع واحد , فنحكم على الصلاة بأنها فاسدة أو باطلة كذلك العقد إذا لم يستجمع الشروط أو يوجد مانع - حينئذ - نحكم عليه بكونه فاسداً أو باطلا , وهما مترادفان , والفاسد من حيث وصفه بالفساد وهو فى اللغة: الذاهب ضياعا وخسرا , "الذي به لم تعتدد": يعنى الذي لم تعتدد به أنت , ولم يكن بنافذ , الباء: هذه زائدة {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} التين: 8 يعنى واقعة في خبر يكن , وهو قياس مضطرد , ولم يكن نافذا "ولم يكن بنافذ": هذا تأكيد، "إذ عقد".
(2/16)

إذًا نقول النفوذ قال بعضهم من فعل المكلف والاعتداد من فعل الشارع ,وقيل معناهما واحد, على خلاف بين الأصولين وغيرهم , الصحة في العبادة الإجزاء وإسقاط الطلب هذاهو المشهور, خلاف ما عبر به الناظم تبعا لأصله , الصحة في عبادة الإجزاء وإسقاط الطلب , نقول هذه عبادة مجزئة , بمعنى أن المكلف لا يطالب بالإعادة ... لو صلى الظهر مثلا صلاة مستجمعة للشروط وانتفت الموانع , هل يطالب بالإعادة؟ لا يطالب بالإعادة نقول هذه صلاة مجزئة صحيحة - حينئذ - برئت الذمة وأسقط الطلب يعني انتهى طلب الرب - جل وعلا - من العبد المكلف بفعل العبادة الصحة فى المعاملات ترتب الأثر المقصود من العقد على العقد , ما المقصود من البيع؟ هو أن يمتلك المشترى السلعة , ويمتلك البائع الثمن , وهذا مرده إلى الشرع وليس إليهما , إن حكم الشرع بأن الملكية ملكيةالثمن انتقلت من المشترى إلى البائع , وملكية السلعة انتقلت من البائع إلى المشترى - حينئذ - نقول هذا العقد صحيح , لأن الثمرة والأثر ترتب , كذلك عقد النكاح , إذا ترتب حل الانتفاع بالمرأة - حينئذ - نقول هذا النكاح صحيح , إذًا الصحة في المعاملات ترتب الأثر المقصود من العقد على العقد , الفساد في العبادة عكس الصحة فى العبادة عدم الإجزاء ... وعدم إسقاط الطلب إذا لم تكن هذه العبادة مجزئة وصار المكلف مطالبا بالإعادة , قلنا هذه العبادة الفاسدة , الفساد في المعاملات عدم ترتب الأثر المقصود من العقد على العقد
وضابط الصحيح ما تعلقا ... به نفوذ واعتداد مطلقا
والفاسد الذى به لم تعتدد ... ولم يكن بنافذ إذا عقد
هذان الحكمان من الأحكام الشرعية الوضعية وليسا بحكمين من الأحكام الشرعية التكليفية هذا هو المشهور عند أهل العلم.
ونقف على هذا وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(2/17)

الحمدُ لله والصلاة والسلام علي رسُول الله وعلى اله وصحبه أجمعين
قال الناظم رحمه الله تعالى:-
وَالْعِلْمُ لَفْظٌ لِلْعُمُومِ لَمْ يَخُصْ (1)
وَعِلْمُنَا ... مَعْرِفَةُ المَعومِ ... إنْ طَابَقَتْ لِوَصْفِهِ الْمَحْتُومِ
وَالْجَهْلُ قُلْ تَصَوُّرُ الْشَّيءِ عَلَي ... خِلافِ وَصْفِهِ الَّذي بِهِ عَلاَ
وَقِيلَ حَدُّ الجَهْلِ فَقْدُ الْعِلْمِ ... بَسِيطًا أو مُرَكَّبَا قَدْ سُمِّي
بَسِيطُهُ فِي كُلِّ مَا تَحْتَ الْثَرَى ... تركيبُه فِي كُلِّ مَا تُصُوِّرَا
وَالْعِلْمُ إمَّا بِاضطِرارٍ يَحْصُلُ ... أَوْ بِاكْتِسَابٍ حَاصِلٌ فَالأولُ
كَالْمُسْتَفَادِ ... بِالْحَوَاسِّ ... الْخَمْسِ ... بالشمِّ أَوْ بالذَّوقِ أَوْ بِاللَّمْسِ
وَالسَّمْعِ وَالإِبْصَارِ ثُمَّ الْتَّالِي ... مَا كَانَ مَوْقُوفًا عَلَي اسْتِدْلاَلِ
وَحَدُّ الاسْتِدْلالِ قُلْ مَا يَجْتَلِبْ (2) ... لَنَا دَلِيلاً مُرْشِدًا لِمَا طُلِبْ
وَالظَّنُّ تَجْوِيزُ امرىء أَمْرَيْنِ ... مُرَجِّحًا لأحدِ الأَمْرَيْنِ
فَالرَّاجحُ الْمَذْكُورُ ظَنَّا يُسْمَى ... وَالطَّرَفُ المَرْجُوحُ يُسْمَى وَهْمَا
والشَّكُّ تَجْويزٌ (3) ... بِلاَ رُجْحَانِ
أَمَّا أُصُولُ الْفِقْهِ مَعنًى بالنَّظَرْ ... لِلْفنِّ في تَعْرِيفِهِ فالْمُعْتَبَرْ
في ذَاكَ طُرْقُ الْفِقْهِ أعْني الْمُجْمَلَهْ ... كَالأَمْرِ أَوْ كَالْنَّهْي لا الْمُفَصَّلَة
وَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بالأُصُولِ ... وَالْعَالِمُ الذِي هُوَ لأُصُولِي

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله والصلاة والسلام علي نبينا محمد وعلي اله وصحبه أجمعين أما بعد:
بَيَّنَ لنا الناظم - رحمه الله تعالى - تبعا للأصل الحكم الشرعي وأقسامه إنه سبعة علي رأيه، وبين ضابط كل واحد من هذه السبعة شرع في بعض المصطلحات التي يمكن أن يكون لها ارتباط بالحد السابق وهو بيان العلاقة والنسبة بين العلم والفقه ... ما حقيقة العلم، ما حقيقة ضد العلم - نقيضَ العلم - وهو الجهل ما هي أقسام الجهل ثم الإدراكات غير الجازمة الظن والوهم والشك ثم خَتَمَ الباب بما بدا به الباب باب أصول الفقه:
__________
(1) - والعلمُ لفظ للعموم لم يَخُص في بعض (الكتب يُخَصْ) بفتح الياء لم يَخُصْ للفقه مفهوماً لو كان يُخَصْ ما صح أن يقال ... للفقهِ مَفْهُومَاً بَلِ الْفِقْهُ أَخَصْ ...
مفهوماً بالنصب.
(2) - ما يَجْتَلِب مبني علي الفاعل بفتح الياء إذ قال دليلا لو قال يُجْتَلَب ما صح دليلاً.

(3) - في النسخ (تحرير) والصحيح تجويزٌ (والشَّكُّ تَجْويزٌ بِلاَ رُجْحَانِ لِوَاحِدٍ حَيْثُ اسْتَوى الأمْرَانِ) تحرير وإن كان صاحب اللطائف والإشارات أثبتها لكن الظاهر أنها تجويز معنى أدق وجدتها في بعض المخطوطات تجويز كذلك، للأسف الأصل الإخوة كانوا يصوروا لكم النسخة التي صححتها علي بعض المخطوطات موجودة في الموقع وهذه النسخة مصححة جيدا علي بعض المخطوطات. ... لِوَاحِدٍ حَيْثُ اسْتَوى الأمْرَانِ
(3/1)

"هاك أصول الفقه لفظا لقبا للفن من جزأين قد تركبا"
عرف أصول الفقه من حيث كونُه مركباً إضافياً ثُم خَتَمَ الباب بالمعنى الثاني لأصول الفقه، وذكرنا أن أصول الفقه له معنيان: معنى إضافي - سبق بيانُهُ - ومعنًى باعتبار كونِه لقباً وعلماً لهذا الفن بدا بالأول في أول الباب، وختم في آخر الباب بالثاني.
"والعلمُ لفظٌ للعمومِ": لفظ العلم عام، والعام هو: ما استغرق أفراداً لا حصر لها ولفظ العلم لفظ عام بمعنى انه يَصدُقُ علي التفسير أنه علم، ويصدق علي الحديث أنه علم، ويصدق علي النحو أنه علم، ويصدق علي البلاغة أنها علم، والهندسة علم، والطب علم. إذاً له أفراد سواء كانت الأفراد هذه علوما شرعيه أو علوما دنيوية - حينئذٍ - نفهم من هذا أن العلاقة بين الفقه، وبين العلم الفقه بالمعني الشرعي السابق العلاقة بينهما العموم، والخصوص المطلق: فكل فقهٍ علمٌ، ولا عكس ... صحيح كل فقهٍ علم الفقه لا يخرج عن حد العلم هو فرد من أفراده كما أن التفسير فرد من أفراد العلم لكن هل كل علم هو فقه؟ هل كل علم هو فقه؟ الجواب: "لا". من العلم ما هو تفسير، وليس بفقه، والمراد بالفقه هنا بالمعنى الشرعي الذي عرفه المصنف بقوله:

"والفقه علم كل حكم شرعي **** جاء اجتهاداً دون حُكمٌ قطعي"

وان شئت: قل العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، ونحن نسقط قولهم المكتسب لأن المكتسب هذا أرادوا به الاحتراز عن القطعي، وهذا ليس بصحيح بل الصواب أن الفروع سواء كانت قطعية ثبوت الدلالة أو كانت ظنية فهي فقه، وتخصيص الفقه بالشيء الظني ليس عليه دليل واضح.
"والعلم لفظ للعموم": فهو عام يشمل الفقه، ويشمل غيره من سائر العلوم.
"لم يخص للفقه": بالمعنى الشرعي الذي ذكرناه سابقا العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية - علي المشهور - أو الذي قدمه في جمع الجوامع وتبعه السيوطي في الكوكب الساطع لم يَخُصْ للفقه بالمعني الشرعي "مفهوماً لم يَخُص": يعني هذا العلم لفظُهُ من حيث المفهوم، والمعنى لم يخص بالفقه يعنى لا يُعتبرُ مقصورا على علمِ الفقه لأنه سبق أن العلم أُخذَ جنسا في حد الفقه نعم، والفقه علم كل حكم شرعي وعند المناطقه أن المحدود والحد الذي هو الجنس لابد أن يكون بينهما علاقة، وهي العموم والخصوص المطلق بمعنى أنهما يجتمعان في مادة وينفرِد أحَدُهُما عنِ الأخر في مادة أخري، والأخص لا ينفرد عن العام ألبته، والأعم ينفرد عن الأخص بصورة لا يَشْرَكُه فيها الأخص ... إذا قيل: بين العلم، والفقه العموم والخصوص المطلق فكل فقه علم - حينئذٍ - لا يمكن أن يوجد الفقه ولا يَكُونُ علما .... هل يُتَصور أن يوجد الفقه، ولا يكون علماً؟ ... "لا". إذًا لا يوجد الأخص إلا ومعه الأعم، لكن هل يتصور أن يوجد العلم، ولا يكون فقها؟ ... "نعم". التفسير هذا علم، وليس بفقه. إذاً انفرد بصورة لا يَشرَكُه فيها الأخص، ولذلك نقول:
(3/2)

كُلَما وجِدَ الأخص وجد الأعم، ولا عكس: يوجد الأعم وهو العلم ولا يلزم منه أن يوجد الفقه، ولكن: إذا وجد الأخص - وهو الفقه - حينئذٍ - لزم وجود الأعم وهو العلم فنسبة العموم والخصوص المطلق كما بين الإنسان والحيوان هكذا مثل الأصوليون فكلُ فقهٍ علم، وليس كلُ علمٍ فقها، وكل فَقِيه عالم، وليس كل عالمٍ فقيهاً.
"والعلم لفظٌ للعموم لم يَخُصْ للفقه": يعنى بالمعنى الشرعي، "مفهوما بل الفقهُ أخص": من العلم بالمعنى العرفي العام.
ثم لما بين العلاقة من حيث اللفظ وما يصدق عليه لفظ العلم أراد أن يبين لنا حد العلم ما هو العلم؟ ...
وعِلْمُنَا مَعْرِفَة المَعْلُومِ ***** إنْ طَابَقت لِوصفِه المحتومِ

قال: "وعِلْمُنَا": أضافَهُ إلى "نا" دل علي المتكلم ومعه غيرُه، وهذا نستفيد منه أنه أراد أن يبين العلم الذي يُوصفُ بِكونِه علما حادثا، وليس بالعلم الأزلي الذي يكون صفهً للرب - جل وعلا - حينئذٍ - هذا الحد إنما يختص بالعلم البشري - علم المخلوق - "وعِلْمُنَا معرفةُ المعلوم":ِ والعلم له معنى لغوي، ومعنى اصطلاحي.
العلم في اللغة: ما تُعرَفُ به الأشياء، وهو نقيض الجهل - فهما نقيضان - "وعَلِمَ بالشيء، وشَعَرَ به وعلم بالأمر": تعلمه، وأتقنه، وعَرَفَهُ والمشهور عند الكثير أن المعرفة أخصُ من العلم هذا المشهور عند الكثير أن المعرفة، والعلم متغايران، والمعرفة أخص من العلم، والصواب: أن العلم، والمعرفة عند أكثر أهل اللغة مترادفان، ويجمعهما أنهما بمعنى الإدراك، ولذلك قال في الكليات والمعنى الحقيقيُ لِلفظ العلم هو الإدراك، والإدراك المراد به: وصول النفس إلي المعنى بتمامه إذا وصلت النفس التي بها العقل والإدراك إلي معنى اللفظ بتمامه من غير شك فيه يسمى ماذا؟ ... يسمى إدراكا. عندنا إدراك، وعندنا مُتَعَلَق الإدراك - حينئذٍ - إذا أدرك معنى لفظ السماء، ومعنى لفظ الماء - حينئذٍ - إذا علم المراد باللفظ: السماء ... ما المراد به؟ ... كذا وكذا، ما المراد باللفظ: الأرض؟ ... كذا وكذا، ما المراد بلفظ: الماء؟ ... كذا وكذا. إذا عَرَفَ المعنى المراد من هذه المفردات هذا يسمى ماذا يسمى إدراكا، فالإدراك هو الذي يحصل في النفس، ومتعلق الإدراك هو هذه الألفاظ، وانظر الإدراك هنا حصل بماذا؟ ... بلفظ مفرد وهو لفظ السماء - مثلا - أو لفظ الأرض - مثلا -، وقد يكون مُتَعَلَق الإدراك المُرَكَبَات وهو - بالاختصار من أجل إيصال فائدة -: ما يسمى بالجملة الاسمية، والجملة الخبرية عند النحاة، فإذا كان مُتَعَلَق الإدراك: الجملة الاسمية زيدٌ قائمٌ عَرَفتَ المراد به، وأدركتَ وقوع النسبة التي هي: قيام زيد في الواقع في الوجود - حينئذٍ - إذا أدركتها يُسمى ماذا؟ ... يُسمى تصديقا عندهم، والأول يُسَمى تصورا قامَ زيدٌ: فعل، وفاعل إذا عَرَفَتَ المراد بهذه الجملة، وأدركت النسبة التي هي نسبة القيام إلي زيد في الزمن الماضي، وأنها واقعة بالفعل أو عدم وقوعِها بالفعل هذا يسمى تصديقا:

إدراكُ مفردٍ تصوراً عُلِمْ ***** ودرك نسبة بتصديق وسِم
(3/3)

إذاً مراد هذا التعريف أن الصحيح - لأن قل من نبه علي هذا - تم خلط عند الأصوليين، وغيرهم، وممن قلدهم في معنى العلم، والمعرفة الصحيح أن العلم يُفَسَرَ بالإدراك هذا الذي ذكره في الكليات، والمعني الحقيقيُ للفظِ العلم هو: الإدراكُ، ثُم الشيء المدرك الذي تعلق به الإدراك إما أن يكون مفرد، وإما أن يكون جملة، فان كان مفرداً سُمِّي تصورا، وإن كان جملة اسمية أو جملة فعلية سُمِّي تصديقا:
إدراكُ مفردٍ تصوراً عُلِمْ ***** ودرك نسبة بتصديق وسِم

أي وسم بتصديقه، والمعنى الحقيقي للفظ العلم هو الإدراك، ولهذا المعنى مُتَعَلَقٌ وهو المعلوم يعني: ثَمَ عِلم، وَثَمَ معلوم. العلم: هو الإدراك نفسه: وصول النفسِ إلي المعني بِتَمَامِه، متعلق الإدراك: أدركت ماذا أدركت؟ .. معنى قام زيد فمعنى قام زيد: أي قام بالنفس، وهذا هو العلم، وتعلق هذا العلم بالشيء المُدرِك، ويطلق علية أنه المعلوم. فَثَمَ تغاير بين العلم، والمعلوم وله تابع في الحصول يكون وسيلة إليه في البقاء وهو المَلَكَة، ولذلك يطلق في كثير من الشروحات يُقال العِلمُ إما يُفَسَر بالإدراك، وإما أن يفسر بالملكة، وإما أن يفسر بالمسائل كثر من أرباب الشروح، والحواشي يقول: المراد بالعلم هنا إدراك المسائل، ولذلك تجده في: - مثلا - حد الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية إدراك الأحكام الشرعية أو مَلَكَةٌ يقتدر بها علي تحصيل الجزئيات من تلك القواعد أو المسائل أنفُسُهَا، ولكن الصواب أن إطلاق العلمِ علي الإدراك حقيقة، وعلي غيره إما أنه اصطلاح، وإما أنه من قبيل المجاز، هنا قال: "وعلمنا": نحن مخلوقون.

وعِلْمُنَا مَعْرِفَة المَعْلُومِ ***** إنْ طَابَقت لِوصفِه المحتومِ

هذان قيدان معرفة المعلوم ثَمَ دَوْرٌ في هذا التعريف لماذا؟ .. لأنه اخذ وصفاً من لفظ المحدود جعله فصلاً أو جنساً في الحد لأنه يُقال مثلاً ما هو العلم تقول معرفة المعلوم ما هو هذا المعلوم؟ المعلوم اسم مفعول كذلك مشتق من العلم لا يمكن أن تعرف المعلوم إلا إذا عَرَفْتَ معنى العلم كما تقول: زيدٌ مضروب هل يمكن أن تَعْرِفْ معني مضروب دون أن تَعْرِفْ معنى الضرب؟ ... يمكن؟! .... لا يمكن.
إذاً لابد أن تعرف أولًا ما اشتق منه لفظ مضروب حتى تعرف معنى مضروب كذلك هنا معرفة المعلوم ما هو المعلوم؟ ... المتصف بالعلم، ما هو العلم؟ ... معرِفَةُ المعلوم ما هو المعلوم؟ .... الشيء المتصف بالعلم ما هو العلمُ معرفة ... هذا يسمي ماذا؟ ... دَوْرَاً يعني تجلس من العشاء إلي الصباح وأنت علي هذا المنوال ما هو العلم؟ ... معرفة المعلوم، ما هو المعلوم؟ ... المتصف بالعلم، ما هو العلم؟ .... معرفة المعلوم.
هذا يُسَمَى ماذا؟ ... يُسَمَى دَوْرَاً. يسمى دورا عند المناطقة فلا يصح اخذ ما اشتق منه المحدود في الحد، ولذلك صار هذا التعريف منتقداً، ولكن الجواب عنه أن يقال بأن المرادَ بالعلمِ هُنا ما من شأنه أن يُعْلَىَ يعنى شيء بالإمكان أن يعلي لم يقع العلم بالفعل حتى يحصل ماذا الدور إنما هو شيء من شأنه ومن صفته انه لو توجه إليه الإنسان بقوته لأدركه وليس المراد أنه الشيء المتصف بالعلم بالفعل "وعِلْمُنَا مَعْرِفَة المَعْلُوم":
(3/4)

معرفة: المراد بها عندهم: الإدراك الجازم المتعلِق بما من شأنه أن يُعْلَمَ، "إنْ طَابَقت لِوصفِه المحتومِ":
إنْ طابقت لوصفه: إنْ: هذه شرطية يعني ليس كل معرفة فعندنا هذه المعرفة مقيدة .... مقيدة بماذا؟ ... بشرط المطابقة .. مطابقة لأي شي؟ .. للواقع - فحينئذٍ - معرفة المعلوم الإدراك قد يكون مطابقا للواقع، وقد لا يكون أليس كذلك؟ ... نحن في يوم ماذا؟ .. - مثلا - نحن في ليلة الأربعاء - مثلا - لو قلت أنا هكذا: نحن في ليلة الأربِعاء نقول: هذا معرفة، وهو إدراك وجَزمتُ به لكن هل طابق الواقع لم يطابق الواقع لا يسمي علما ... لا يسمي علماً لماذا؟ .. لفقد شرط المعرفة، وهي أن تكون هذه المعرفة مطابقة للواقع يعني للشيء الخارج عندهم داخل، وخارج ليس داخل البلد، وخارج البلد، وإنما داخل العقل، وخارج العقل ما كان داخل العقل الذي يُعَبَرَ عنه بالذهنيات والمعقولات والمعلومات .. إلي آخره، وما كان خارجا عن العقل وهو الشيء الواقع فإذا قلت - مثلا - خارج الواقع الليلة - مثلا - ليلة الثلاثاء، وليس ليلة الأربعاء قلت الليلة هذه ليلة الأربعاء - حينئذٍ - أقول هذا إدراك، وجازم لكنه لم يطابق الواقع، ولذلك قال الناظم: إن: هذه شرط، وإذا جيء بإن علمت أن ما بعدها وهي بنفسها كذلك تكونُ شرطاً لِمَا قبلها، والمشروط ينتفي بانتفاء شرطه - حينئذٍ - إذا انتفي هذا الشرط - ولو وجدت معرفة المعلوم - لا يسمى علما.
"إن طابقت": هذه تاء التأنيث، والضمير هنا يعود علي المعرفة إن طابقت هذه المعرفة "لوصفه": اللام: هذه زائدة، وهذا استعمال شاذ عند أهل اللغة لأن الفعل لا يتعدي بنفسه لا يصح أن يتقوي بحرف يُوصَلُ به لما بعده إلا إذا تقدم تقول: ضربتُ زيداً. زيدا: هذا مفعول به - حينئذٍ - ضرب تعدي بنفسه لا يحتاج إلي واسطة لذلك إذا قلتُ: ضربت لزيدٍ وجعلتَ زيداً مفعولا به، واللام زائدة سُمِعَ هذا لكنه شاذ، والقياس أنه إذا تقدم المفعول علي عامله جاز أن يُتَوَصَل إليه العامل بحرف جر زائد لو قلت: زيداً ضربته هنا تقدم المعمول علي عامله - أصول الفقه والنحو قرينان إذا أردت فكاك احدهما من الأخر هذا محال - زيدا ضربته: زيدا: هذا مفعول به وضربته عامل متأخر بمثل هذا التركيب جائز القياس أن تدخل اللام علي زيد - حينئذٍ - يجر في اللفظ فقط فتقول: لزيدٍ ضربته ضربت: فعل وفاعل، واللام: هذه حرف جر زائد، وزيدٍ: مفعول به منصوب ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
هنا: "إن طابقت لوصفه": هل جاء على القياس أو على الشاذ؟ .. على الشاذ لأن الأصل طابقت وصفه - حينئذٍ - جيء باللام هنا نقول: هذا فيه نوع شذوذ، ولعل الناظم أتي بها من اجل النظم:
{إن كنتم للرؤيا تعبرون} يوسف: 43
علي أي نوع؟ على الأصل ... نعم.
(3/5)

لا يقال إن القران شاذ في استعماله إن قيل وهو صحيح أنه قد يأتي فيه ما هو شاذ قياسا لا استعمالا فرق بين الشاذ الاستعمالي والشاذ القياسي الشاذ القياسي المراد به المخالف للقواعد الصرفية، والنحوية، والشاذ استعمالا مخالف للسان العرب من أصله هذا يكون شاذا، ولا يجوز القول به في القرآن، وأما الشاذ قياسا المخالف للقواعد فهو موجود - حينئذٍ - نقول هذا ما يستدرك من القاعدة، وإما أنه يُبْطِل القاعدة من أصلها {إن كنتم للرؤيا تعبرون} يوسف: 43 - إن كنتم تعبرون الرؤيا هذا الأصل تعدي بنفسه لماذا عُدىَّ باللام نقول لكون المعمول تقدم علي عامله، وإذا تقدم المعمول علي عامله ضَعُفَ العامل فاحتاج إلي تقويته فجيء بحرف تقوية هذا يسمى تأكيد عند البيانيين، {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} البروج: 16 الأصل فعالٌ ما يريد لأن العامل هنا فعال صيغة مبالغة، وهي فرع في العمل ليست أصل لأن الأصل للعمل للفعل - حينئذٍ - لما جاء العملُ فرعاً احتاج إلي تقويه.
الحاصل: "إن طابقت لوصفه": يعني إن طابقت وصفه. "وصفه": هذا مفعول به والفتحة تكون مقدرة، واللام: هذه زائدة لكنها ليست قياسا بل هي علي جهة الشذوذ، "إن طابقت لوصفه المحتوم":
كأنه قال: وعلمنا معرفة المعلوم المطابقةُ لوصفه فاشترط في هذه المعرفة أن تكون مطابقة لوصفه يعني لهيئته في الواقع وفي الخارج. " المحتوم":
هذا اسم مفعول من الحَتْمِ، والحتم واللازم بمعني واحد فكأنه جعل قيدا في المعرفة وهو كونها إدراكاً جازماً لأن الإدراك قد يكون إدراكا جازما، وقد يكون إدراكا ليس بجازم. الإدراك الجازم عند كثير من الأصوليين وكثير من المناطقه جَرُوا علي أن الإدراك الجازمُ هو العلمُ وما عاداه من سائر الإدراكات فإما أن يكون جهلا مركبا، وإما أن يكون ظنا، وإما أن يكون وهما، وإما أن يكون شكا فالإدراكات لا تخرج عن هذه الأربعة لأن الجهل البسيط لا يريدُ معنى لأنه عدم الإدراك بالكلية فلا يتعلق به إدراك. الإدراك الجازم هو العلم إدراك الشيء علي خلاف ما هو عليه هذا جهل مركب وهو إدراك - إدراك الراجح هذا ظن
إدراك المرجوح هذا وهم - استواء الطرفين مع إدراكهما هذا يسمي شكا إذاً المحتوم هذا اسم مفعول مأخوذ من الحتم والمراد به الجزم إذن كأن المصنف قال - رحمه الله تعالي - العلم معرفة المعلوم علي ما هو به في الواقع فالقيد الأول معرفة المعلوم أخرج به الجهل البسيط لأن الجهل البسيط ليس فيه إدراكٌ بالكلية ما حكم كذا؟ قال: لا ادري لا أعلم نفي الإدراك فهذا يُسمي ماذا؟ يسمى جهلا بسيطا لماذا؟ لأن الجهل هنا ليس فيه إدراك أصلا معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع القيد الثاني أخرج ماذا؟ .. أخرجَ الجهلَ المركب، وهو معرفة المعلوم علي غير وجهه في الواقع يعني لم يكن مطابقا للواقع وهذا يسمي جهلا مركباً، وسيأتي ذكره في التعريف.
وعلمنا معرفة المعلوم ... إن طابقت لوصفه المحتوم
والجهل قل تصور الشيء على ... خلاف وصفه الذي به علا
(3/6)

لماذا عَرَّفَ الجهل؟ نقول: لأن الشيء يتبين بضده وبضدها تتميز الأشياء فلما عرف العلم - حينئذٍ - قلنا القيد الأول أخرج الجهل البسيط، والقيد الثاني أخرج الجهل المركب فاحتجنا إلي معرفة ماذا؟ ... نقيض العلم. الجهل في اللغة: نقيض العلمِ، والجهالة: أن يفعل المرء فعلاً بغير علم، والمجهلة: ما يَحمِل المرء علي الجهل بفعل لا يليق بمثله، والجاهل: الذي لا يعرف، الجاهل في الأصل هو المتصف بنفس الفعل هو المتصف بصفة الجهل فهو الذي لا يعرف وقد يأتي الجاهل بمعني الذي لا خبرة له:
{يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ} البقرة: 273 الجاهل: هنا المراد به مَنْ لا خبرة له، وليس المراد به هنا الجهل الذي هو الجهل الاصطلاحي. "والجهل قل": في تعريفه "تصور الشيء على خلاف وصفه الذي به علا"
قل أنت هذا من باب تكميل التصور عرفنا المراد بالتصور وهو إدراك المفرد هذا الأصل وقد يطلق التصور عند أهل المناطقه بالمعنى العام يعني سواء أكان مفرداً أو كان أعماً من ذلك لأننا لو قلنا مثلا الليلة هذه الليلة ليلة الأربعاء أو ليلة الخميس هذا في جملة اسمية، وجملة فعلية كذلك، وقد ذكرنا أن الإدراك إذا تعلق بإحدى الجملتين فهو تصديق - حينئذٍ - كيف نعبر عن الجهل المركب وهو إدراك لمركب بأنه تصور نقول التصور المراد به هنا المعنى الأعم فيطلق التصور في مقابلة التصديق فيختص بالمفرد، ويطلق التصور بإطلاقٍ عام فيدخل فيه نوع من أنواع التصديق وهذا بحث منطقي يرجع إليه في موضعه "والجهل قل تصور": أي التصور المطلق فيشمل التصديق، والتصور الساذج الذي لا حكمة معه تصور الشيء المعلوم أي ما من شأنه أن يُعْلَم.
"علي خلاف وصفه": على خلاف هيئته في الواقع عندنا معرفة وعندنا معلوم أليس كذلك؟ ... معرفه المعلوم حصلت هنا ولكن هذا التعريف للجهل إنما المراد به مقابل القيد الثاني في العلم وهو معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع هنا معرفة المعلوم علي غير ما هو به في الواقع - حينئذٍ - نقول هذا يسمي ماذا؟ ... يسمي جهلاً مركبا وعليه - حينئذٍ - يختص هذا الحد بالجهل المركب، وليس عندنا جهلٌ بسيط ألبته فعلى هذا الحد لا ينقسم الجهل إلي قسمين: لا بسيط، ولا مركب مع كون المشهور كما ذكرناه سابقا أن الجهل نوعان: جهل بسيط، وجهل مركب وعلي هذا الحد اختص الجهل بالجهل المركب، وليس عندنا جهل بسيط، وعليه نقول: هذا الحد مُسَلَمٌ أو لا؟ ... غير مُسَلَم لأن الحد إذا لم يشمل، ويجمع أنواع المحدود يعتبر منقوضاً لابد أن يكون الحد جامعا مانعا، وهذا ليس بجامع وإن كان مانعا.
"قل تصور الشيء علي خلاف وصفه": يعني علي خلاف هيئته.
(3/7)

"الذي علا به ": به علا: جار ومجرور متعلق بقوله: علا يعني ارتفع به متى يرتفع؟ ... إذا أدرك علي وجهه وإذا يدرك علي غير وجهه - حينئذٍ - لم يرتفع به واضح هذا؟ .. قال هنا: "تصور الشيء علي خلاف وصفه": أي علي خلاف هيئته إن تصوره علي هيئته الموجودة في الواقع - حينئذٍ - ارتفع بهذا الوصف وبقي الموصوف على صفته، وإذا لم يتصوره علي هيئته نزل به عن درجته إذا تصورت أن رجل زيد من الناس - مثلا - هو عالم، وتصورت أنه ليس بعالم أنزلته أو رفعته زيد من الناس عالم، وتصورت أنه ليس من أهل العلم في شيء أنزلته إذن بتصور هذا لم يوافق الواقع الذي به يرتفع عما تصورته أنا في نفسي وأما إذا تصورته على ما هو عليه في الواقع - حينئذٍ - يرتفع بتلك الصفة.
"والجهل قل تصور الشيء": تصور: يعني تصور مطلق فيشمل التصديق ويشمل إدراك المفرد فلو قال قائل: ما معني الماء؟ ... قال الماء هو شيء سائل يوضع بداخله معه سكر - مثلا - نقول هذا ليس تفسيرا للماء وإنما هو تفسير للشيء آخر فقد فسر المفرد بغير معناه نقول هذا جهل أو لا؟ ... نقول: هذا جهل مع كونه مُتَعَلَقَهُ مفرد أو جملة اسمية أو فعلية؟ مفرد إذن دخل في قوله تصور وما ذكرنا من الأمثلة السابقة يكون مثال للجهل المركب.

والجهل قل تصور الشيء على ***** خلاف وصفه الذي به علا

وقيل هذا صيغة تضعيف بل هو المرجح كأنه يرى أن الأول هو مُقَدَم، والصواب هو العكس أن الثاني هو المقدم علي الأول، وقيل: أي قال قائل حد الجهل يعني تعريف الجهل فَقْدُ العِلْمِ: عدم العلم، وهذا يدخل تحته النوعان: الجهل البسيط عدم الإدراك بالكلية إذن فقد العلم يعنى عدم العلم كذلك، والذي أدرك الشيء على خلاف وجهه انتفي عنده العلم أو لا؟ .. انتفي عنده العلم إذن فقد العلم عدم العلم يدخل تحت هذا الحد مع أنه من كلمتين يدخل تحته نوعان من أنواع الجهل، وهو محصور فيهما الجهل بسيط لأنه لم يدرك شيئا أصلا: ما يدري. يعني أمور تحتاج إلي سؤال فيقول: لا ادري فحكم قراءة الفاتحة في الصلاة - مثلا - فيقول: ما أدري. جزاك الله خيرًا - حينئذٍ - نقول: هذا عدمٌ للعلم مِنْ أصله لأنه ليس فيه إدراك، وإذا قال بأنها مستحبة هذا فيه تفصيل إن كان مقلدا أو من أهل العلم فله دَلِيلَه، وإن كان من رأسه - حينئذٍ - يكون جاهلا جهلا مركبا لأن القول بالاستحباب موجود لبعض أهل العلم علاوة أنها ركن، والصحيح أنها ركن.
حد الجهل: فقد العلم يعني عدم العلم بالشيء.
(3/8)

هل كل ما يُفْقَدُ العلمُ به يسمي فاقد العلم جاهلا؟ ... يعني لو ما تدري ما تحت الفرش الآن هذا ما تدري إيش تحته صحيح تكونوا جاهلين. الذي لا تقصده النفس لا يُطْلَب من أجل أنْ يُدْرَك أن يُعْلَى نقول: هذا الشيء لمَّا لم تطلبه النفس، ولم يكن مقصودا للنفس عدم العلم به لا يسمى جهلا في الاصطلاح، ولذلك نقول هنا: فقد العلم يعني انتفاء العلم بالمقصود يعني ما من شأنِهِ أنْ يقصده الإنسان أما ما الذي تحت الفرش؟ نقول هذا لا يقصده إلا من بعقله شيء وأما الإنسان السوي هذا لا يتتبع مثل هذه المسائل فلا يحتاج أن يَعرِف هل هنا شيء آخر أو كذا نقول عدم العلم بمثل هذه الأشياء علمٌ، وليس بجهل، وأما الشيءُ الذي يُقْصد ويَطلبه الإنسان ويفتقده نقول: هذا الذي يسمي جهلا. إذن فقد العلم انتفاء العلم بالمقصود أي ما من شأنه أن يُقصد فيُدرك أما الذي لا يقصد كمعرفة الحشرات التي تسير تحت الأرض أو عدد الأموات أو ما نوع الأموات فهذا كله لا يَقصِدُه الإنسان فعدم العلم بهذه الأشياء فنقول: لا يسمى جهلا إما بِأن لا يُدرك أصلاً وهو الجهل البسيط أو بأن يُدرك علي خلاف ما هو عليه في الواقع وهو المركب، ولذلك قال الناظم "بسيطا أو مركبا قد سمي": قد سمي الجهل بسيطا مفعول له أو بالتنوين مُرَكَّبًا معطوفاً علي الأول.
"سُمِّي بسيطا": بسيطا: هذا مفعول، وسُمِّي: تعدي إلي مفعولين أول وثان سُمِّي هذا المفعول الثاني أين مفعوله الأول؟ ... نائب الفاعل لأن سَمَّي هذا الأصل وهنا سُمي - حينئذٍ - نقول هذا مُغَير الصيغة نائب الفاعل هو الذي كان مفعولاً أول ثم بسيطا هذا يكون مفعولا ثانيا أو بالتنوين مركبا قد سُمِّي.
سُمِّي المُرَكَّبُ مُرَكباً لأن فيه جهلين تركب من جهلين ذاك يقول: لا ادري ... ما حكم كذا؟ ... لا أدري نفى - حينئذٍ - هذا جهلٌ واحد بسيط مُسَمَّاهُ شيءٌ واحد، وأما هذا فقد ادعى علمَ شيء لم يعلمه فهو جاهل هذه أولاً لأنه لم يوافق الواقع ويجهل أنه جاهل، وأما إذا عَلِمَ أنه جاهل ومع ذلك يتكلم فتلك مصيبة لأن فيه جهلين: جهل بِالمُدرَك، وجهل بأنه جاهلٌ، وأيهما أخف: الذي يدرى أنه جاهل أو الذي لا يدرى؟ كلٌ له مصيبة من جهة قد لا توجد فيه الأخرى.

بسيطه في كل ما تحت الثرى ***** تركيبه في كل ما تصورا

"بسيطه": أراد أن يمثل للبسيط بمثال، ويمثل للمُرَكَّبَ بمثال آخر، "بسيطه": هو ... الضمير يعود إلى الجهل يعني بسيط الجهل من باب: ذكر الموصوف لا صفته35 يعنى الجهل بسيط، "بسيطه في كل ما تحت الثرى": كل ما تحت التراب لا يدركه الإنسان يسمى جهلاً الآن .... يُسَلَمَ أولا يُسَلَمَ؟ قلنا: لا يُسَلَمَ له فالمثال هذا ليس بصحيح - حينئذٍ - نقول ليس كل ما تحت الثرى يكون الجهل أو عدم العلم به يوصف صاحبه بكونه جاهلا تأتي مقبرة ولا تعرف من تحت القبور التراب - حينئذٍ - تسمى جاهلا .. لا تسمي جاهلا لا يحتاج أن يوصف لآن هذا اصطلاح فإذا كان كذلك - فحينئذٍ - لا يصح الوصف بكونه جاهلا.
(3/9)

"بسيطه في كل ما تحت الثري تركيبه": يعنى تركيب الجهل. يعني الجهل المركب من باب: إضافة الموصوف إلي صفته، "في كل ما تصورا": مثالٌ "تصورا": الألف: هذه للإطلاق تصور فيه المعلوم علي خلاف هيئته كل مثال: أأتي بما شئت من الأحكام الفقهية القديمة والحديثة ويتكلم المتكلم في شيء لا يحسنه، وما أكثر الأمثلة في هذا ثم قال الناظم إذا عرفنا حد الجهل أنه عدم العلم علي الصحيح انتفاء العلم، والمراد هنا انتفاء العلم المقصود يعنى ما انتفاء بشأنه إن يُعْلَم ثم هذا الجهل قسمان: جهل بسيط، وهو عدم الإدراك بالكلية، وجهل مركب، وهو إدراك الشيء علي خلاف وجهه يعني في الواقع.
ثم انتقل المصنف - رحمه الله تعالى - إلي بيان، وتقسيم العلم والمراد به هنا العلم الحادث لأنه سيقسم لنا العلم إلي قسمين إلى: ضروري، ونظري وهو المُكتسب وعلم الله - تعالى - لا يوصف بكونه ضروريا، ولا نظريا لأن أوصافه - سبحانه - وتعالى - توقيفية نثبت له العلم ثم هذه الأقسام لم يرد بها سمعٌ - فحينئذٍ - نتوقف فيها، والعلم هذا مُرَتَبُ على محذوف التقدير العلم الحادث قسمان ضروري ومكتسب، "والعلم إما": هذا حرف تفصيل يستعمل مكررا يعني بعدها إما كذا وإما كذا، وإما الثانية هذه قد تترك يعني يجوز تركها:
{فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ} آل عمران: 7:
ما جاءت بعدها {أما}
والعلم إما باضطرار يحصل ***** أو باكتساب حاصل فالأول
قسم لك العلم باعتبار الطريق المُوصِل إليه لأن العلم له تقسيمان مشهوران عند الأصوليين وهم تبعاً للمناطقة علم ينقسم إلى تصور، وتصديق - ذكرناه فيما سبق - والعلم هنا بمعنى الإدراك، والعلمُ ينقسم إلى ضروري، ونظري قد يقول الطالب ما الفرق بينهما كيف تقول العلم ينقسم إلي تصور وتصديق، وينقسم كذلك إلي نظري وضروري نقول ذاك العلمُ الأول المُنقسِم إلي تصور وتصديق باعتبار المُدرَك ما يتعلق به الإدراك أدركت ماذا مفرد فهو تصور أدركت جملة اسمية أو جملة فعلية فهو تصديق هنا في الطرق المُوصِل من أين أخذنا هذا العلم إما أن يكون بطريق متواتر أو مُجْمَع عليه .. .. إلى آخره أو بطريق النظر والتأمل والفكر، وهذا ما يسمي بتقسيم العلم باعتبار الطريق الموصل إليه فثَمَ فرق بين النوعيين.
(3/10)

"والعلم إما باضطرار يحصل": قوله: "باضطرار": هذا متعلق بقوله يحصل. إما يحصل باضطرار، والاضطرار الاحتياج إلي الشيء: اضطره إليه: أحوجه وألجئه. يحصل باضطرار، وهو الذي تدركه الأذهان بمجرد التوجه إليه أو الانتباه له فلا يُمكِنَه دَفْعُه عن نفسه بحال وعبر بعضهم بقولهم: ما لم يقع عن النظر والاستدلال فالعلم إما أن يقع عن نظر استدلال يعني بتأمل وفكر وبحث فَيَنْتٌج العلم إما يقينا، وإما ظنا وقد يكون يَحْصُلُ دَفْعَةً واحده الثاني يُسَمَّى العلم الضروري الذي لا يمكن دَفْعُه عن النفس والأول يسمى علماً نظريا، والنظر ما احتاج إلي تأمل وعكسه هو الضروري الجلي إذا ما احتاج إلي التأمل والفكر والنظر، والبحث يُسَمَّى علما مكتسبا يُسَمَّى علما نظريا وما لا يحتاج إلي تأمل وفكر، وبحث يُسَمَّى علما ضروريا فمثلا حكم قراءة الفاتحة في الصلاة علم نظري، وكل مسألة خلافية هي عِلمٌ نظري، وكل مسألة مجمع عليها هي علم ضروري .. حرمة الزنا لا يحتاج إلي بحث كما ذكرناه سابقا، وجوب صوم رمضان، وجوب الحج، صلاة الفجر ركعتان، صلاة الظهر أربعة للمُقيم نقول هذه كله لا تحتاج إلي نظر، ولا إلى بحث العلمُ بها ضروري يستوي فيه الخاص والعام.
"والعلم إما باضطرار يحصل أو": "أو": هذه جاءت في مقابلة "إما": وهى للتفصيل:
{? كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} البقرة: 135: هذا مثله
"أو باكتساب حاصل": "اكتساب": افتعال مأخوذ من الكسب كسب واكتسب: طَلَبَ الرزق، واكتسب: تصرف، واجتهد.
"اكتسب": هذا فيه شيء من الزيادة في النظر، والتأمل، ولذلك جاء قوله - تعالى -:
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} البقرة: 286: ولولا لم يحصل جهد فبمجرد النية يثبت الثواب، {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} البقرة: 286:يعني اجتهدت في تحصيلها .. هناك فرق بين: افتعل، وفعل هذا من فوائد علم الصرف فرق بين: فعل، وافتعل هنا قال باكتساب إذا فهو المُكْتَسَب اكتساب افتعال من اكتسب فيه زيادة نظر، وفيه زيادة بحث "أو باكتساب حاصلٌ": فهو المُكتَسَبُ وهو الذي يقع عن نظر، واستدلال كما سيأتي في كلام الناظم.
"فالأوَلُ": هذه تسمي فاء الفصيحة، "والأول": المراد به هنا إشارة إلي قوله: ما يحصل باضطرار الذي هو العلم الضروري مَثَلَ له بِمِثَالٍ واحد وهو المستفاد من الحواس الخمس مع وجود خلاف كبير طويل عريض بين الأصوليين وغيرهم في إفادة الحواس للعلم الضروري، ومجمل ما يذكره الأصوليين، وغيرهم:
أن طرق العلم الضروري محصورة في أربع:
(3/11)

* الأول:- ما يعلمه الإنسان من حال نفسه وهذا ما يسميه المناطقه بالعلم الحضوري يعني شيء حاضر الآن في نفسك أنت الآن في مسجد آية - مثلا - مسجد كذا أنت تعلم وجودك في هذا المسجد هذا يسمي علم حضوري لا يمكن دفعه عن نفسك كذلك تعلم أنك جالس الآن، ولست بواقف فالعلم الذي يكون في حالك من الوجدانيات، وغيرها يسمى علما حضوريا وهو نوع من أنواع العلم الضروري ما يعلمه الإنسان من حال نفسه مثل الفرح والسرور فهو يَعْرٍف أهو الآن فرحٌ أم لا والغم والحزن، والصحة والمرض، والقيام والقعود، وغيرُها من أمور النفس هذا يسمى علما ضروريا، ويعبر عنه بعض المناطقة بالعلم الضروري الحاضر الآن.
* النَوع الثاني:- ما يعلمه كل إنسان علي البداهة من غير تكلف مقدمات مثل علمه أن الواحد نصف الاثنين هذه العقليات المُسَلَّمة التي لا جدال فيها الواحد نصف الاثنين لا يحتاج إلي جدال، وعدم اجتماع الضدين لا يجتمعان، ولا يرتفعان: عدم وجود الجسم في مكانين هذه كلها أمور بديهية لا يمكن أن تكون الآن في قطر، والمملكة في وقت واحد ... يمكن؟ .. لا يمكن إلا إذا انفكت الجهات تكون هنا بجسمك، وهناك بصوتك .. .. يمكن؟ يمكن. يمكن أن تكون هنا في شهر، والشهر الآخر في بلد آخر إذن عدم وجود الجسم في مكانين هذا معلوم بالضرورة.
* النوع الثالث:- ما يعلمه بواسطة الحواس الخمس كعلم البرودة، والحرارة، والرطوبة، والنعومة، والخشونة، ونَحْوِهَا ... هذا الذي ذكره الناظم، وسيأتي.
* رابعاً:- ما يعلمه الإنسان من الأخبار المتواترة لذلك كثير بل يكاد يكون اتفاقا أن المتواتر ما أفادَ العلم اليقيني وما يعرف من الدين بالضرورة، والحكم بأسماء البلدان النائية، ولذلك ذكر بعض الأصوليين في مثل هذا الموضع أن قصة أصحاب الفيل ما أدركها النبي - صلي الله عليه وسلم - كذلك.
أدركها: وعاها؟ ... ولد في عام الفيل لكن هل أدركها ورآها وهو بالغ عاقل؟ الجواب: لا. لكن لَمَّا بلغته مبلغ التواتر قال الله - تعالى - له:
{الم تري كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} الفيل: 1
تري: الرؤية البصرية كيف فعل ربك بأصحاب الفيل نَزَّلَ العلم الضروري الحاصل بالتواتر منزلة المشاهدة بالعين فهما سيان فكل منهما يفيد العلم الضروري ولذلك لا يمكن دفعه: {الم تري كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} الفيل: 1 فعبر بالرؤية فنَزَّلَ المتواتر منزلة المشاهد القطعي.
(3/12)

قال الناظم: "فالأول": يعني الضروري "كالمستفاد بالحواس الخمس": كالمستفاد: يعني كالعلم مِثلُ العلم الكاف: هنا تمثيلية سواء قيل حرفا أو اسما فهي بمعنى: مثل، وعلى حذف المضاف، "كالمستفاد": ما هو المستفاد؟ ... لابد من تقدير شيء محذوف كالعلم المستفاد، والحاصل للنفس بالحواس الخمس جمع هنا هل المراد كل الحواس أو إحدى الحواس؟ ... إحدى الحواس إذن "ال": هذه يُعَبَّرُ عنها بالجنسية "ال"الجنسية فتصدق بالواحد وما زاد كأنه قال كالمستفاد باحدي الحواس الخمس التي فطر الله عليها أجزاء الإنسان بما أودع بها فتنتقل صورة الإحساس بالواقع على ما هو به إلى ذهن الإنسان بغير حاجة لنظر يعني تضع يدك فإذا به بارد - حينئذٍ - انتقل باللمس الحكم ببرودة الماء إلى العقل أو القوة الباطنة هذا يُسَمَّي ماذا؟ يُسَمَّي علما ضروريا تشاهد شخصا رجل تعرفه وتحكم عليه بأنه زيد وهو عن قرب فهذا إدراكٌ بالبصر، تسمع صوت زيد تعلمه ... إلى آخره فكل ما يدرك باحدي الحواس الخمس - حينئذٍ - إذن يفيد العلم الضروري، وهذا يُقَيَد بماذا؟ .... بما لا يحتمل الخطأ يعني ما تأتي تقول تشاهد بعينيك رجل بعيد ويحتمل أنه زيد أو عمرو رجل أو امرأة ثم تقول هذا مُدرَك بالحواس ... لا، ما لا يحتمل الخطأ يعنى بمعنى أنك تدركه ببصرك وهو أمامك، وأما إذا كان ثُمَّ اشتباه أو ثُمَّ تخيل هذا ليس مراد الأصوليين، ولا غيرهم بأنه يفيد العلم الضروري.
"كالمستفاد بالحواس الخمس": يعني بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، الحواس: جمع حاسة بمعني القوة الحاسة، وهي سبب للإدراك فالبصر سبب للإبصار - وهذا علي عقيدة أهل السنة - له تأثير، الإبصار له تأثير في الإدراك ولا نقول حصل الإدراك عند الإبصار كما هو مذهب الأشاعرة نقول: لا ... هذا باطل فالأسباب لها تأثيرها فلا تستقل الأسباب بالتأثير خلافاً للمعتزلة، ولا يُنْفَى أثارُها بالكلية خلافا للأشعرية، فنقول: البصر سبب للإبصار ولا نقول حصل الإبصار أو حصل العلم عند الإبصار: انكسر الزجاج بالحجر أو انكسر عند الحجر؟ بالحجر يعني الحجر سبب له تأثير بقدرة الله - عز وجل - فالله المؤثر الأول مسبب، ولكن جعل خاصية لهذه الأحجار، ولذلك تنتبهون في بعض الفقهاء يقولون انتقض الحدثُ عندَ خروجِ الريح ِ ... لا، به آه الأحداث الآن أسباب أو لا؟ أسباب رتب عليها الشرع ماذا؟ ... حكم بانتقاض الوضوء بعض الأشاعرة عنده دقه حتى في مثل هذه المواضع يُدخِل مثل هذه المسألة فيقول ينتقض الحدثُ عند النوم لا بالنوم فرقٌ بينهما أو لا؟ فرق بينهما إذا قال عند النوم - حينئذٍ - النوم ليس له تأثير، وإنما حكم الله - تعالى - بأن هذا الوضوء قد انتقض لوجود النوم المُقارن له لا به، هذا فرق بين المسألتين على كلٍ "كالمستفاد بالحواس الخمس": يعني بسبب الحواس (فاء) السببية علي بابها، وأما الأشاعرة الشراح مثل هذا الناظم، وغيره لهم تخليط في مثل هذا الموضع، "بالشم أو بالذوق أو باللمس والسمع والإبصار":
بالشم: هذا إعرابه بَدل مُفصل من مجمل أين المجمل؟ بالحواس الخمس،
(3/13)

"بالشم": هذا بدل من الحواس، وان جعلته من الخمس لا إشكال فيه أو للتنويع في كل المواضع، والسمع، والإبصار ... "الواو": هنا بمعنى: أو وحينئذٍ يكون الناظم قد ذكر نوعا واحدا من أنواع وصول العلم الضروري قد ذكرنا ثلاثا زيادة علي ما ذكر.
"ثم التالي ما كان موقوفا على استدلال": ثم: للترتيب الذكري بعدما ذكر لك أولًا العلم الضروري انتقل إلي النوع الثاني، وهو العلم المكتسب.، "ثم التالي": التالي: اسم فاعل من تلا يتلو بمعنى: التابع يعني الذي تبعه، والذي تبعه هو قوله:
"أو باكتساب حاصل": يعنى المكتسب. حَدُهُ: ما كان موقوفا علي استدلال، "ما": اسم موصول بمعنى الذي لابد أن يُفَسَر بشيء معلوم لأن الاسم الموصول مبهم.
"ما كان موقوفا على استدلال": بحثُنا في أي شيء؟ .. في العلم إذن "ما" نُفَسِرُهَا بماذا؟ ... علم. نعم.
نقول المراد هنا "ما": أي العلم الذي كان موقوفا علي الاستدلال فـ"ما" جنس دخل فيه العلم الضروري، والعلم النظري، واحتجنا إلي إخراج العلم الضروري فقال: "ما كان موقوفا على استدلال"، قوله: "ما كان موقوفا على استدلال": في الأصل - الورقات - علي النظر والاستدلال، وفَرْقٌ بين النظر والاستدلال، ولذلك كان ينبغي زيادتها ولكن لعل الناظم من أجل النظم أسقطها.
"ما كان موقوفا": العلم الذي كان موقوفا من حيث حصولُه ووجودُه على استدلال يعنى علي النظر، والاستدلال قولك العلم بأن العالم حادث العالم حادث هذا ما فيه إشكال عندنا أمر فطري لكنهم هم يمثلون بمثل هذا عالم حادث ما الدليل قالوا تَغَيُره العالم يدل علي أي شيء؟ يدل علي أنه حادث فانتقلنا من النظر في تَغَيُرِه إلي كَونِه حادث فجعلوا ثَمَّ مقدمات يقينية، وبعضُها نظرية كالعلم بأن العالم حاث فإنه موقوف علي النظر في العالم ومشاهدة تغيره فينتقلُ الذِهن من تَغَيُره إلي الحكم بحدوث العالم حادث، وكل متغير حادث هكذا العالم متغير، وكل متغير حادثٌ، والعالم حادث مقدمتان صغرى وكبرى ثُم النتيجة لكن انتبه لقولهم كل متغير حادث هنا دخل الأشاعرة في نفي الصفات - صفات الأفعال -.
ما كان موقوفا على النظر، والاستدلال .. النظر.
"النظر": هو الفكرُ في حال المنظور فيه ليؤدي إلي علم أو ظن مطلوب التصديق أو التصور، والبعض يقتصر علي الفكر المؤدي إلي علم أو ظن، والمراد بالفكر: حركة الناس في المعقولات يعني: الأشياء العقلية، يعني: إذا تحركت النفس من المبادئ إلي المطالب وصارت النتائج يُسَمَّى ماذا؟ ... يُسَمَّى فكرا: حركة النفس في المعقولات.
النظر ما هو؟ الفكر المؤدي إلي نتيجة: إلي علم أو ظن يعني لا يُشترط في النظر أن يكون قَطْعِياً بل قد يكونُ ظنيا.
"ما كان موقوفا علي استدلال": لما قال استدلال استفعال: طلب الدلالة احتجنا إلي معرفة ما هو الاستدلال ولذلك قال:-

وحد الاستدلال قل ما يجتلب ****** لنا دليلا مرشدا لما طلب
(3/14)

"وحد الاستدلال": يعني الاستدلال الذي ذكره جزء في حد العلم النظري، ما هو الاستدلال؟ ... قال في تعريفه: "ما يَجْتَلِب لنا دليلا": ما: شيء يطلب لنا دليلا "يَجْتَلِبْ": بفتح الياء يعنى يَطلب لنا دليلا - دليلا لنا - ثم لما ذكر الدليل في حد الاستدلال احتاج إلي ذكر معنى الدليل، فقال: "مرشدا لما طلب": يجتلب دليلا لنا حال كون الدليل مرشدا كأنه قال:
الدليل في اللغة هو: المرشد، لأن الدليل فعيل بمعنى الإرشاد لأن الدلالة هي الإرشاد مشتق من الدلالة، ولذلك قيل الدليل لغةً: المرشد حقيقة أي يُطلَق عليه حقيقة، وعلي ما به الإرشاد مجازا يعني مثلا أنا الذي وضعت هذه الإشارة والإشارة تدلك علي شيء إذا أنا واضع الإشارة أنا دليل المرشد حقيقة، وهذه الإشارة دلتك أيضا .. أنا دليل، وهذه دليل. ما حصل به الإرشاد بالفعل يسمى دليلا مجازا، والذي وضع هذه الإشارة ابتدءا يسمى دليلا، وهو المرشد حقيقة فالمرشد هو الناصب للعلامة أو الذاكر لها، والذي يحصل به الإرشاد وهو العلامة هذه تُسمَّي دليلا مجازاً.
"وحد الاستدلال قل ما يجتلب": الاستدلال: طلب الدليل ليؤدي إلي مطلوب تصديقي، فالنظر أعم من الاستدلال، "دليلا": حال كون الدليل مرشدا لما طلب قد سبق أن "ما" وما بعدها في قوة المشتق يعني للمطلوب ثُم لما أنهى ما يتعلق بالعلم، ونقِيضِه الجهل، وقسم لك العلم إلي ضروري وإلى نظري، وعرفنا الضروري: ما لا يقع عن نظر واستدلال، والنظري: ما وقع عن نظر واستدلال - حينئذٍ - كمَّل لك بقية الإدراكات لأن الإدراك قلنا وصول النفس إلي المعنى بتمامه، والإدراك قد يكون مع جزم أو لا كذلك الأول العلم الثاني الذي لا يكون بجزم إما مع الترجيح أو لا، الثاني الشك، والأول الراجح يُسَمَّى ظنا، والمرجوح يُسَمَّى وهما. إذاً الإدراك من حيث التأصيل الإدراك إما أن يكون بجزم أو لا كذلك إن كان بجزم فهو العلم .. معي؟ ..... فالإدراك يكون إما بجزم أو لا ... الأول: العلم، الثاني: الذي لا يكون مع جزم إما أن يكون مع الترجيح أو لا الثاني: الشك لأنه ليس فيه ترجيح مع استواء الطرفين الأول: الذي يكون مع الترجيح إدراك الراجح يسمي ظنا، وإدراك المرجوح يسمي وهما ... واضح؟ ... هذه ماذا نقول هذا السؤال سؤال الليل، والوهم والظن وشك ما احتمل لراجح أو ضده أو ما اعتدل هذه الأبيات الثلاثة جمعها صاحب المراقي في بيت واحد.
والوهمُ والظنُ وشك ما احتمل ... لراجحٍ أو ضِده أو ما اعتدل

والظن تجويز امرئ أمرين ****** مرجحا لأحد الأمرين
"والظن تجويز امرئ": يعني شخص هذا يكون في الأمور الممكنة لا في الواجبات، ولا في المحالات "تجويز امرئ": يعني شخص، "أمرين": اثنين هما طرفا الممكن لان التجويز يكون في الممكنات يعني الشيء الذي يمكن وجوده أو لا يعني ما تقول الخالق يمكن وجوده أو لا. بل واجب الوجود
كذلك تعدد الآلهة لا يمكن أن تقول يوجد أو لا لأنه ممتنع فما امتنع وجوده وما امتنع انتفائه لا يَدْخُله تجويز إنما يكون في الشيء الممكن زيد من الناس يمكن أن يوجد، ويمكن ألا يوجد هذا الذي يتعلق به التجويز.
(3/15)

إذاً: "تجويز امرئ": شخص "أمرين": هما طرفا الممكن كوجود زيد، وعدم وجوده يجوز- زيد من الناس يجوز أن يكون موجودا، ويجوز ألا يكون موجودا نقيضان - حينئذٍ - إدراك أحَدِهِمَا قال: "مرجحا لأحد الأمرين": مرجحا: تجويز امرئ حال كونه مرجحا هذا حال من المضاف إليه "مرجحا لأحد الأمرين": بأن يكون أحَدُهُما أظهر من الآخر وافق الواقع أو لا مرجحا لأحد الأمرين إذاً إذا وجد التجويز في الممكن ورجَحَ أحدَ الأمرين فهذا هو الظن لكن ليس مطلق التجويز وإنما استدرك في البيت الثاني لأنه في الأول قد يظن الظانُّ مجرد التجويز هذا يُسَمَّي ظَنا لا إدراك الراجح الأظهر من الاحتمالين هو الذي يسمى ظنا وإدراك المرجوح هو الذي يُسَمَّي وهما - مثلا - كما ذكرنا في السابق وجوب الوتر - مثلا - هذا مَثَلُ مُخْتَلَفٌ فيه بين أهل العلم الأحناف يرون الوجوب ... سنية الوتر هل هي مقطوع بها اَسأَل؟ علم يقيني ضروري لا يحتمل الخلاف؟ .. لا نقول مقطوع بها. الأحناف خالفوا المعقول، والمنقول لكن نقول إن المسألة مُحتَمِله للوجوب والسنية، كذلك قراءة الفاتحة في الصلاة مسألة محتملة السنية، والركنية إذن تجويز امرئ أمرين في هذه المسألة أحدهما اظهر من الآخر ما هو الأظهر سنية الوتر - مثلا - عندي فنقول: إدراك سنية الوتر يسمي ظناً إدراك الراجح، ولا نقطع بكون المرجوح باطلاً لأنه يحتمل أن أدلتهم هي الصواب - حينئذٍ - إدراكَ الطرَفَ الراجح يُسَمَّي ظنا، وإدراك الطرف المرجوح بمعنى أنك تلاحظه يسمى وهْمَا فكل مسالة ترجحها أنت أن الصواب كذا، وما عداه خطأ، فالأول يسمى: ظنا، والثاني: يسمى وهما، يعني باعتبارك أنت لا باعتبار أخر لأنك لو قلت بأني أعتبر إدراكي لسنية الوتر هو الظن ورؤية الأحناف وهم إذن حكمت بكون الأحناف حكموا بالوهم لا بالظن هذا باطل، وليس هذا مراد، وإنما المراد باعتبارك أنت أنا رجحت السنية باعتبار تَرجِيحِ عدم السنية وهمٌ بالنسبةِ لي لا بالنسبة لغيري.

والظن تجويز امرئ أمرين ... مرجحا لأحد الأمرين
فالراجح المذكور ظنًا يسمى ... والطرف المرجوح يسمى وهمًا

"فالراجح": الفاء: فاء الفصيحة الراجح المذكور في البيت السابق يُسْمَي ظناً يعني ظناً يُسْمَى مُسَمَاهُ بسيط فالظن مسماه شيء واحد، وهو إدراك الراجح، والطرف المرجوح المقابل له في نفس المسألة يُسْمَى وَهْمَا يعني يُسَمَّى وَهْمَا يُسْمَى ويُسَمَّى خُفِضَ من أجل الوزن، فالوهم - حينئذٍ - مُسَماه بسيط، وهو شيءٌ واحدٌ.

والشك تجويز بلا رجحان ****** لواحد حيث استوى الأمران
(3/16)

"والشك تجويز": ولا تقل تحرير، تجويز لأمرين فأكثر بلا رجحان يعني بغير ترجيح، "استوى الأمران": عندك فإذا لم يترجح عندك قول في مسألة ما نقول استوي كل منهما لا تدري أي الحكمين أرجح من الآخر هل الوتر واجب أم سنة وإذا التبس عليك فأنت شَاكٌ - حينئذٍ - مُسَمَّى الشك مركب أو بسيط مسمى الشك ما يصدق عليه الشك شيء واحد أو مُرَكَب؟ مركب لأنه لاحتمالين فأكثر لأنه ممكن أن يحتمل البعض يرى انه سنه، والأخر يرى أنه مكروه، والثالث يرى أنه بدعة - حينئذٍ - صار ماذا؟ صار ثلاثة قد يكون مُسَمَّى الشك اثنين فأكثر، مُسَمَّى الظن شيء واحد، وهو إدراكَ الراجح قول واحد، الوهم إدراك المرجوح، وهو شيء واحد، وأما الشك فمُسَمَّاه مركب لأنه من شيئين فأكثر الشك: ما احتمل النقيض مع تساوي الاحتمالات.
هنا قال: "بلا رجحان": يعني بغير ترجيح لواحد من الأمرين، "حيث استوى الأمران": حيث: هذه تعليلية استوى الأمران: كأنه قال: لأنه استوى الأمران فلا مَزِّيَة لأحدهما علي الآخر. إذن عَرَّفَ لنا الظن، والوهم، و، الشك ثم ختم الباب بما بدأ به الباب، وما قد سبق أن أصول الفقه له معنيان معنى إضافي يعني باعتبار كونه مركبا إضافيا فنظرنا فيه إلي الجزء الأول وهو أصول عرفناه لغة، واصطلاحا، والنظر إلي الجزء الثاني مضاف إليه، وهو الفقه، وعرفناه لغةً، واصطلاحا وخرجنا من ذلك بأن أصول الفقه باعتبار كونه مركبا تركيباً إضافيا أدلةُ الفقه، وهنا أراد أن يُعَرِّف أصول الفقه بالمعني الثاني، وهو المعنى اللقبي - حينئذٍ - نقول الفرق بينهما: المعنى اللقبي، والمعني التركيبي أن الأول مركب مثل غُلامُ زيد بقي علي حاله ما نُقِلْ، وأما الثاني فهو منقول صار مُفرَداً علم:
ومنه منقولٌ كفضل وأسد ........

عَلَم قد يكون منقولا من جملة اسمية: تَأبَّطَ شرا هذا اسم رجل، شَابَ قرناها هذه جملة فعلية تأبط شرا جملة فعلية مركب من فعل، وفاعل، ومفعول رجل اسمه: تأبط شرا تقول: جاء تَأبَّطَ شرا، ورأيت تَأبَّطَ شرا، ومررت بتَأبَّطَ شرا - مثل -، ما تقول: جاء زيد، ورأيت زيدا، ومررت بزيد .. الحكم واحد لا فرق بين زيد وبين تأبط شرا مع كون تأبط شرا جملة فعلية لكن متى هي جملة فعلية؟ ... قبلَ النقلِ، وأما بعد النقلِ، وجَعْلُهُ عَلَما هذا لا يُسَمَّي جملة فعلية، وإنما يُقال باعتبار الأصل لذلك قال: ومنه المنقول.
ثم قال: وجملة وما لمزج رُكِبِا: الذي هو مِثل سيبويه - حينئذٍ - أصول الفقه كان مركبا تركيبا إضافيا ثم أُخذ ونُقِل وجُعِل عَلما على المُسَمَّى الذي سيذكره الناظم - رحمه الله تعالى - تبعا لغيره، وعليه نقول:
هذا أصولُ الفقه باعتبار الأول تقول: هذا مبتدأ، وأصول خبر، وهو مضاف، والفقه مضاف إليه مثل تقول: هذا غلامُ زيدٍ، وعلى الثاني تقول: هذا أصول الفقه: هذا مبتدأ، وأصول الفقه: خبر - كُلُها خبر - مِثلُ ما تقول: هذا زيد: خبر مرفوع ورفعه ضمة مقدرة علي آخره الفقه كسرة مَنَعَ من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية هناك فرق بينهما من حيث المعني والإعراب.

أما أصول الفقه معنى بالنظر ***** للفن في تعريفه فالمعتبر

"أما": هذه مُقابل لقوله:
(3/17)

هاك أصول الفقه لفظا لقبا ***** للفن من جزأين قد تركبا

عَرَف لك الأول، ثم قال: أما التعريف الثاني: "أما أصول الفقه معنًى": يعني من حيث معناه اللقبي المُشْعِر بمدحه باعتماد الفقه عليه مدحوه بكون هذا العلم قد صار ماذا؟ ... أصولا لهذا الفقه معنى أصولا بالنظر: أي من جهة المعنى الحاصل بالنظر للفن في تعريفه "فالمُعْتَبَر": فالمعتبر "في تعريفه": في تعريفه: متعلق بقوله: فالمعتبر في ذاك": باعتبار معناه اللقبي "طرق الفقه": أعني: المجمل كأنه قال: أصول الفقه باعتبار كونه لقبا لهذا الفن هو أدلة الفقه المجملة أدلة الفقه نوعان دليل إجمالي، ودليل تفصيلي دليل الجملي هذا الذي لا يُعَينُ مسألة جزئية بل هو دليل كلي، والدليل الجزئي: هو الذي يُعَينُ مسألةً جزئية.
إذن نقول: أدلة الفقه علي نوعيين دليل إجمالي - وهو الذي لا يفيد مسألة جزئية -، ودليل تفصيلي - وهو الذي كان مُتَعَلَقََهُ خاص يعني يثبت به مسألة - فَفَرقٌ بين الشيء الجملي الذي لا يُعَيِنُ مسألة خاصة، وبين الذي يكون متعلقه مسألة خاصة.

هنا قال: "في ذاك طرق الفقه":. طرق بإسكان الراء هذا ليس ضرورة إنما هو لغة لأن كل ما كان علي وزن فُعُل سواء كان مفردا أو جمعا ففيه لغة ثانية، وهي تسكين عينه فيقال: "كُتُب وكُتْب"، "وطُرُق وطُرْق" لغتان فيجوز هذا، ويجوز ذاك، ولا نحمل مثل هذا الكلام الذي وقع في النظم علي الضرورة لماذا لأن الضرورة معيبة هذا قصور في الناظم لأنه سَكَّنَ شيئا ليس بساكن هذا معيب، وحمله علي اللغة يكون من باب إحسان الظن بالناظم في ذاك.
"طرْق": جمع طريق، والمراد به الدليل، "طرق الفقه" لما كانت أدلة الفقه علي نوعيين قال: "أعني المجملة": احترازً عن المفصلة، ولذلك قال: "لا المفصلة" - حينئذٍ - ما هو أصول الفقه؟ نقول أصول الفقه هو الأدلة الفقهية الإجمالية هو نفسها نفس الأدلة، وليس المراد معرفة الأدلة، والمراد بالدليل هنا سواء كان الدليل متفقاً عليه كالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس أو مختلف فيه كحجية الصحابي ن قول الصحابي أو الأمور المستصحبة أو نحو ذلك أو كان ما يُسَمَّى بالقواعد الكلية عند الأصوليين فقولنا الدليل أو الأدلة يشمل المتفق عليها،
والمختلف فيها، وكذلك القواعد الكلية كما مَثَّل الناظم بقوله: "كالأمر أو كالنهي"
، وقوله: "أعني": اقصد بهذه الطرق أدلة الفقه المجملة أي غير المُعَيَنة مثل ماذا يبحث الأصولي في الكتاب، ويبحث في السنة، ويبحث في الإجماع، ويبحث في القياس. ما وجه البحث عنده الكتاب دليل سمعي كُلي إنْ كان المُخَاطَب أو الذي قرر له الدليل يشكك في صحة الدليل فيُثبِتَ له الكتاب وهذا يظهر في السنة فيُثبِتَ له الكتاب كونه دليلا يصلح التمسك به، وهذا يُبْحَث في النبوات، وغيرها ثم هذا الدليل الكتاب من أوله إلي آخره هل هو متساوي الأطراف بمعني أن كله أوامر لا نواهي فيه أو أنه مشتمل علي الأمر والنهي، والعام، والخاص، والناسخ والمنسوخ، والمُطْلَق والمُقيد، والمُجْمَل، والظاهر والمؤول إلى آخره ...
أليس الكتاب الواحد الذي هو الدليل السمعي الكلي أنواع يشتمل علي هذا
وذاك نقول:
(3/18)

الأصولي يبحث في الأصل من حيث إثباته وهو الكتاب كونه دليل استدلوا به في استنباط الأحكام الشرعية ثم هذا الكتاب ليس علي مرتبة واحدة بل هو أنواع والأمر مُغَاير للنهي، والنهي مغير للعام، والعام مغاير للخاص إذاً هذه أنواع تسمي أنواع الدليل ثم هذه الأنواع لها أحوال ما هو العام ما هو الخاص ما هو المطلق ما هو المقيد ما هو الأمر ما معني مُطْلَق الأمر يبحث الأصولي في جَعْل هذه الأنواع أدلة عامة تُثْبَت بها الأحكام الخاصة، ولذلك قال: "كالأمر"، والمراد بقوله كالأمر ليس افعل فقط، وإنما مطلق الأمر المبحوث عنه بأنه للوجوب قاعدة أصولية متفق عليها عند السلف أما الخلف فلا مُطْلَق الأمر للوجوب قاعدة أو لا؟ ما المراد بمطلق الأمر؟ هذه تحتاج إلي بحث نقول مطلق الأمر المراد به صيغة افعل يعني فعل الأمر عند الأصوليين لا عند النحاة ففرق بينهما ليفعل لينفق هذا أمر عند الأصوليين، وليس بأمر عند النُحاة:
{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} الحج: 29:
هذا أمر عند الأصوليين وليس بأمرعند النحاة ففرق بين الأمر عند الأصوليين والأمر عند النحاة ثم مطلق الأمر نقول: افعل في الكتاب أو في السنة تأتي علي ثلاثة أوجه:
* إما أن يكون مقيدا بما يدل علي مدلوله الأصلي.
* وإما أن يكون صارفا.
* وإما أن لا يكون ذاك ولا ذاك.
مثلا:- صلِ وإلا قتلناك .. نقول: صلِ لوحدِها يدل على ماذا؟ علي الوجوب ما أُثيب فاعله امتثالا واستحق العقاب تاركه، قوله: وإلا قتلناك .. هذا يؤكد أن افعل للوجوب لا خلاف بين الأصوليين السلف، والخلف علي أن هذه الصيغة تفيد الوجوب افعل: صلِ وإلا قتلناك بالإجماع - لا خلاف - فيه أي لا خلاف في هذا التركيب في أنها للوجوب فكل صيغة افعل جاءت في الكتاب، والسنة مقرونة بما يدل علي تَرَتُبْ العقاب علي الترك فهي للوجوب بالإجماع
وليست محل خلاف، صلِ إن شئت هه؟ ... لا خلاف بين الأصوليين أن افعل هنا ليست للوجوب بالإجماع لكن لو قال: صلِ وسكت لم يأتِ بقرينه تدل على أن افعل للوجوب أو قرينه تدل علي أن افعل ليست للوجوب هذا يسمى ماذا؟ ... مُطْلَق الأمر هو المراد بهذه القاعدة مُطْلَق الأمر للوجوب ليس افعل وإلا قتلناك، افعل إن شئت: صلِ إن شئت ... لا هذه ليست بِداخِلَه، الأولى مُجْمَع على أنها للوجوب، والثاني متفق على أنها للاستحباب، وإنما افعل فقط هذه التي وقع فيها نزاع وقل نزاع للمتأخرين يعني إجماع السلف على أنها تفيد الوجوب كل صيغة جاءت بكتاب أو سنة حملها الصحابة باتفاق على أنها للوجوب، وهذا في مُطْلَقِ الأمر وأما عند المتأخرين وهو ما حكاه صاحب المراقي:

وافعل لدى الأكثر للوجوب ******* .......... إلى آخره
(3/19)

هذا خلاف حادث فلا يُلْتَفَتُ إليه ألبتة. إذن "كالأمر": أي مُطْلَقِ الأمر، والكاف: هنا للتمثيل المبحوث عنه بأنه للوجوب، "أو كالنهي": يعني مُطْلَقِ النهي المبحوث عنه بأنه للتحريم فيقال في مطلق النهي كما قيل في مُطْلَقِ الأمر فما قُُيد بصيغة: لا تفعل بما يدل علي التحريم فهو للتحريم اتفاقا، وما قُيد بأنه للتنزيه كراهة تنزيه فهو كراهة تنزيه باتفاق، وما أطلق هكذا: لا تفعل ولم تأتِ قرينة على أنه للتحريم أو على أنه مصروف عن التحريم فهذا الذي وقع فيه نزاع كذلك عند المتأخرين، وليس عند السلف، وإجماع السلف على أنها للتحريم فانتبه لذلك إذا قيل مطلق الأمر للوجوب نقول هذا دليل فقهي إجمالي أو تفصيلي؟ إذا قلت إجمالي بمعنى أنه دخل تحته ما لا حصر من الأوامر:
{أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} الأنعام: 72، {وَآتُوا الزَّكَاةَ} البقرة: 43،
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} البقرة: 183 {وَأَشْهِدُوا (282)} البقرة: 282 ... إلى آخره، إلي أخره نقول هذه الصيغة مُطْلَق الأمر ما تعينت بالصلاة ليست خاصة بالصلاة، وليست خاصة بالصيام، ولا خاصة بالحج بل هي عامة يدخل تحتها ما لا حصر من الأوامر ... هذه قاعدة كلية - دليل كلي - أما أقم الصلاة، وأقيموا الصلاة هذا أمرٌ بالفعل، ولكنه عَيَّن مسألة جزئية، وهي الصلاة تعلق بمسألة معينة من مسائل الفقه، الفقه ليس هو الصلاة فحسب ليس هو وجوب الصلاة وهذه الآية دلت علي وجوب الصلاة - حينئذٍ - نقول: هذه الآية هي مُتَعَلَقُهَا خاص فهي دليل تفصيلي لا يتعرض لها الأصولي إلا على جهة التمثيل فيقول لك قياس.
أقيموا الصلاة: أمرٌ. يعني باعتبار كونه نحْويا، ومطلق الأمر للوجوب فالصلاة واجبة - حينئذٍ - يتعرض لمثل هذا الدليل من جهة التمثيل فحسب لا من جهة التقعيد والتأصيل كذلك صيغة النهي: لا تفعل مطلق النهي للتحريم يدخل تحته ما لا حصر من المسائل لا المُفَصَله يعني لا التفصيلية لأن النظر فيها من وظيفة الفقيه هذا أهم ركن يدخل معنا في حد أصول الفقه بالمعني اللقبي العلم أنه أدلة الفقه الإجمالية النظر في الكتاب في أنواعه من حَيثُ كَونُه أمراً، نهيا، عاما، خاصا يبحث الأصولي في معني العام ما هي الألفاظ التي تدل علي العموم؟ .. ما هي الألفاظ التي تدل علي الخصوص؟ ... الناسخ أحواله المنسوخ أحواله ... إلى غير ذلك، ولا يَتَكَلَّم في مسائل مفصلة كذلك يبحث في السنة حجة أو ليست بحجة؟ ... يثبت لك أن خبر الآحاد حجة في العقائد وغيرها أن السنة قولية وفعلية، وتَرْكِية، ويدخل تحتها في كل نوع من الأنواع ما لا حصر له.
كذلك الإجماع ما هو؟ إجماع سكوتي، إجماع قولي، إجماع ظني، إجماع قطعي، ما ضابط الأول؟ ... ما ضابط الثاني؟ ... يتكلم في أصول عامة ثم بعد ذلك الفقيه يُنَزِلُها علي هذه المسائل الفرعية لذلك بعضهم يقول كأن الأصولي يُقدم لك طبق مشحون بالقواعد العامة، وأنت تأخذ هذا الطبق جاهز ثم بعد ذلك تركبه علي المسائل الفرعية وتدرس الأحكام الشرعية.
الأمر الثاني من معني أصول الفقه:
(3/20)

"وكيف يُستدل بالأصول": يعني كيفية الاستدلال بهذه الأدلة، وهذا يَظهر متى؟ .. عند التعارض يأتينا عام يدل علي حكم عام ثم يأتي لفظ خاص يُخالف الحكم العام ماذا نصنع؟ ... يرتبك الفقيه لكن يقول له مثلا الأصولي لا تعارض بين عام
وخاص إذا وجد عام ووجد خاص - حينئذٍ - يُحْمَلُ العام علي الخاص، يُوجد ناسخ ومنسوخ متى نُقَدم هذا ما هو ضوابطه المُطْلَق، والمُقيد عند التعارض يُحمل المُطْلَق علي المُقيد عند التعارض بين تلك الأنواع جاءت وجوه الاستدلال وهذا له الكتاب السادس من جَمْع الجَوَامِع وهو كتاب مهم العناية به وهو كتاب التراجيح وهذا يستفيد منه طالب العام عند التعارض.
"وكيف": هذا معطوف على "طرق الفقه"، كيف يستدل بالأصول: أي بطرق الفقه الإجمالية لا من حيث إجمالها لكن من حيث تفصيلها عند تعارضها في إفادة الأحكام ثم قال:
"والعالم الذي هو الأصولي": هذا هو الجزء الثالث، ومُختَلِف فيه هل هو داخل في مسمى الفن أو لا ... إذا عرفنا أن أنواع الكتاب يحصل فيها، وبينها تعارض - حينئذٍ - نحتاج إلي تقديم وتأخير من الذي يُقَدِمُ ويُؤَخِر كل من هب، ودب لابد من رجل توجد فيه صفات مُعَيَنَة يبلغ بها المرتبة هو الذي يقول هذا مقدم علي هذا وليس كل من طلع علي فضائية يأتي ويرجح ويقدم هذا علي ذاك حينئذٍ نقول وجوه الترجيح هذه لا يُحْكِمُها إلا من أشار إليه الناظم بقوله: "والعالم الذي هو الأصولي": هذا هو الركن الثالث وهو ما يُعَبَرُ عنه بالمجتهد، والعالم بطرق الفقه الإجمالية الذي هو الأصولي هذا المرء منسوب إلي الأصول كنسبة الأنصاري إلى الأنصار.
إذاً خُلاصة ما ذكره الناظم - رحمه الله تعالى - أن أصول الفقه هو دلائل الفقه الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد ثم الموضوع أصول الفقه الأدلة المُوصِلة إلي الفقه، وغايتها معرفة أحكام الله - تعالى - والعمل بها حُكْمُه فرض كفاية هذا في المذهب عندنا حنابلة فرض كفاية، وقيل فرض عين، والمراد به للمجتهد يعني إذا أراد أن يرجح بين مسالة فلا ترجح بعد أن تعرف حكم الترجيح في مثل هذه المسألة هل يقدم العام علي الخاص هل يحمل المجمل علي المقيد لأن ليس كل مطلق ومقيد يحمل لا ثَمَ شروط، وثَمََ تفصيلات يحتاج إلي الرجوع إليها والله اعلم.
وصلي الله وسلم علي نبينا محمد وعلي اله وصحبه أجمعين
(3/21)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين قال الناظم - رحمه الله تعالى -:-

أبواب أصول الفقه (1)
أَبْوَابُها عِشْرُونَ بابًا تُسْرَدُ ... وفي الْكِتَابِ كُلُّها سَتُورَدُ

وتِلْكَ أَقْسَامُ الْكَلاَمِ ثُمَّا ... أمرٌ ونهيٌ ثُمَّ لَفْظٌ عمَّا

أَو خَصَّ (2) أو مُبَيَّنٌ أو مُجْمَلُ ... أو ظَاهِرٌ مَعْنَاهُ أو مُؤَوَّلُ

وَمُطْلَقُ الأَفْعَالِ ثُمَّ مَا نَسَخْ ... حُكْمًا سِوَاه ثُمَّ مَا بِهِ انْتَسَخْ

كَذَلِكَ الإِجْمَاعُ والأَخبارُ مَعْ ... حَظْرٍ ومَعْ إباحةٍ كُلٌّ وقَعْ

كَذَا (3) الْقِيَاسُ مُطْلَقًاً لِعِلَّهْ ... في الأَصْلِ والتَّرْتِيبُ للأَدِلَّةْ

وَالْوَصْفُ في مُفْتٍ ومُسْتَفْتٍ عُهِدْ ... وَهَكَذَا أَحْكَامُ كُلِّ مُجْتَهِدْ

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد:-

هذا بابٌ جمع فيه الناظم - رحمه الله تعالى - تبعا للأصل أبواب أصول الفقه على جهة الإجمال ثم سيذكُرها بابا بابًا تفصيلاً وهذا الإجمال ثم التفصيل هذا أسلوب عربي محفوظٌ في لسان العرب وهو نَوعٌ مِنْ أنواع البيان.
"أبواب أصول الفقه": أي مضمون أبواب أصول الفقه.
"أبوابها": أي أصول الفقه.
"عِشْرُونَ بابًا تُسْرَدُ": أبوابها: هذا مبتدأ، عشرون بابا، عشرون: هذا خبر المبتدأ، "تُسْرَدُ": أي اسردها لك يعنى آتيك بها متتالية متتابعة.

"وفي الْكِتَابِ": يعنى وفي هذا الكتاب عنى بالكتاب هنا النظم فـ"أل": هنا للعهد الحضوري: {اليوم أَكْمَلْتُ} (4) أي هذا اليوم هذه"أل": تسمى"أل" للعهد الحضوري
وتكون "أل": الجنسية وتكون للاستغراق، والاستغراق قد يكون عاما، وقد يكون عُرفيا إلى آخره، و"أل": هنا للعهد الحضوري.
"وفي الْكِتَابِ كلها": مبتدأ مؤخر، كتاب خبر مُقدَم.
"كُلُّها": يعني كل هذه الأبواب ستورد ستذكر، وأحضرها لك
"وتِلْكَ أَقْسَامُ الْكَلاَمِ": أشار بتلك إلى الأبواب العشرين، وإن شئت قُلْ الأبوابُ العشرون، "تلك": هذا مبتدأ، "أقسام الكلام": وما عطف عليه خبر "تلك" هذا مَصْدَقُه عشرون، و"أقسام": خبر، أقسام الكلام هذا شيء واحد ومن شرط الأخبار عن المبتدأ التطابق إفرادا، وتثنية، وجمعا هنا "تلك": مدلوله عشرون، و"أقسام الكلام": هذا واحد، ولذلك لا يصح بأن يقال بأنه خبر إلا على التأويل فيقال: تلك مبتدأ أقسام، وما عطف عليه خبر - حينئذ - يكون التطابق بين المبتدأ والخبر وكذلك القول في قول ابن آجروم هناك، وأقسامه ثلاثة اسم لا يصح إلا أن يكون خبر لمبتدأ محذوف أولها اسم على كلٍ، "وَتِلْكَ أَقْسَامُ الْكَلاَمِ":، تلك الأبواب العشرون أولها أقسام الكلام.
"ثُمَّا": الألف هذه للإطلاق وثم حرف عطف المراد به الترتيب.
__________
(1) - التبويب ساقط في بعض النسخ
(2) - في النسخة خُصَّ والصحيح أو خَصَّ بفتح الخاء وليس بضمها.
(3) - كذا القياس لا مد في كذا.
(4/1)

"أمرٌ ونهيٌ ثُمَّ لَفْظٌ عمَّا": أمر: يعنى الأمر هذا الباب الثاني، ونهي: يعنى والنهي
"ثُمَّ": حرف عطف - بضم الثاء - وفرق بين ثُمَّ وثَمَّ، ثَمَّ ظرف مكان، وثُمَّ حرف عطف ذاك اسم، وهذا حرف، "لفظ عما": الألف: هذه للإطلاق يعني لفظ عام المراد به العام ولماذا قال لفظ عام؟ لأن العموم على الصحيح وصف للألفاظ لا للمعاني إنما يُطلق على المعاني مجازا، حقيقة هو في اللفظ، ولذلك قال: "لفظ عما": فالعموم وصف للألفاظ حقيقة، وللمعاني مجازا، "أو": بمعنى الواو، "خص": بالبناء للفاعل يعني: والخاص، وسيذكر فيه المطلق والمقيد.
"أو مُبَيَّنٌ أو مُجْمَلُ": أي مبين المجمل سيجمع بينهما في باب واحد، و"أو": هنا كلها فيما سيأتي بمعنى الواو.
"أو ظَاهِرٌ مَعْنَاهُ أو مُؤَوَّلُ": يعني باب الظاهر والمؤول سيأتي بحثه وتعريفه.
"وَمُطْلَقُ الأَفْعَالِ ثُمَّ مَا نَسَخْ": أي باب الأفعال: أفعال طه سيأتي - إن شاء الله تعالى -، لكن قوله: "مطلق الأفعال": مطلق: هذا حشو، حشو ليس له معنى وإنما أراد به أفعال النبي صلي الله عليه وسلم، قوله: مطلق الأفعال: "أل": هذه للعهد الذهني يعني أفعال النبي صلي الله عليه وسلم
والموقف هو الذي يُبَينُ ذلك، "ثُمَّ": حرف عطف، "ما نسخ حكما سواه":
"ما": اسم موصول بمعنى الذي، و"نسخ": هذه جملة الصلة، وسبق أن الموصول مع صلته في قوة المشتق يعني ثم الناسخ حكما سواه يعني غيره هذا واضح.
"ثُمَّ مَا بِهِ انْتَسَخْ": ثم الذي انتسخ به، "به": جار ومجرور متعلق بقوله انتسخ، و"ما": اسم موصول بمعنى الذي، و"انتسخ": هذه جملة الصلة والموصول مع صلته بقوة المشتق يعني ثم المنسوخ، الأول الناسخ وهذا المنسوخ يعني بابُ الناسخ والمنسوخ، "كَذَلِكَ الإِجْمَاعُ والأَخبارُ مَعْ": الإجماع: هذا مبتدأ مؤخر، كذلك: خبر مُقدم أي مثل ذاك المشار إليه أبوابِ أصول الفقه يعني من أبواب أصول الفقه العشرين الإجماع، وسيأتي باب الإجماع، و"الأخبار": جمع خبر المراد به السنة ثََمَّ مباحث فيما مضي أبحاث مشتركة بين الكتاب والسنة كالعام، والخاص، والمبين، والمطلق .... إلى آخره.
وثَمَّ أبحاث خاصة بالكتاب، وثَمَّ أبحاث خاصة بالسنة يعني مبحث الآحاد - مثلا - هل يحتج به أو لا؟ ... هذا يتعلق بالسنة، ولا يتعلق بالكتاب أفعال النبي - صلي الله عليه وسلم - ما هي الحجة منها .... إلى آخره على أي شيء يدل الوجوب، المستحب هذا كله بحثه في السنة وليس في الكتاب.
"مع حَظْرٍ ومَعْ إباحةٍ كُلٌّ وقَعْ": يعنى مع الحظر، والإباحة سَيُذكرُ باب أو فصل يجمع بينهما: الحظر والإباحة.
"كُلٌّ وقَعْ": كل ذلك وقع، التنوين هنا عوض عن المضاف إليه
(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) (1) أي كل إنسان يعمل على شاكلته.
ومن أنواع التنوين تنوين العوض عن كلمة.
"كل وقع": هذا تتميم للبيت.

كَذَا الْقِيَاسُ مُطْلَقًاً لِعِلَّهْ ***** في الأَصْلِ والتَّرْتِيبُ للأَدِلَّةْ

يعني من الأبواب العشرين القياس، مطلق بأنواعه الثلاثة التي سيذكرها الناظم - رحمه الله تعالى -.
__________
(1) - الإسراء: 84
(4/2)

"مطلقا لعلة في الأصل": في الأصل: الذي هو المَقِيس عليه، وسبق أن الأصل يُطلق في الاصطلاح على أربعة معاني النوع الرابع قلنا المقيس عليه كالخمر - مثلا - نبيذ يقاس عليه بجامع السكر، قوله: "مطلقا": كون القياس لعلة، "في الأصل": يعني في المقيس عليه أو للدلالة أو للشبه كما سيأتي أنواع القياس كما يذكرها المصنف الناظم ثلاثة: قياس العلة، قياس الدلالة، وقياس شبه.
"والترتيب للأدلة": يعني ترتيب الأدلة، وذلك يكون عند التعارض المنطوق مقدم على المفهوم حصل تعارض الخاص مُقدَّم على العام.
"وَالْوَصْفُ في مُفْتٍ ومُسْتَفْتٍ عُهِدْ": عهد ببيان شروطهما في هذا الموضع وهو ما يعنون له بصفة المفتي والمستفتى هذه مسألة عظيمة أفردها بعضهم بالتصنيف "والوصف في مفت": يعني صفة المفتي، "ومستفت": كذلك له صفة وله آداب عهد الوصف مبتدأ قوله عهد خبره يعنى عهد بيان شروط المفتى والمستفتي في كتب أصول الفقه، وفي باب ما يتعلق بصفة المفتي والمستفتي.
"وَهَكَذَا أَحْكَامُ كُلِّ مُجْتَهِدْ": وهكذا: أي مثل ذا ما سبق من الأبواب العشرين
"أحكام كل مجتهد": يعني أحكام المجتهد، المجتهد المطلق، والمجتهد المقيد، وما شروط كل واحدٍ منهما، وهكذا بيان أحكام كل مجتهد والمجتهد والمفتي واحد مجتهد ومفتي وهذا يَعْقِد له فصلا يأتي - بإذن الله تعالى - إذاً هذه عشرون بابًا كلها ستأتي بابا بابا، وكل بابٍ منها له مسائل تختص به دون غيرها من الأبواب.

باب أقسام الكلام
أقل مَا مِنْهُ الْكَلامُ رَكَّبُوا ... اسْمَاِن أو اسْمٌ وفعلٌ كارْكَبوا
كَذَاكَ مِنْ فعلٍ وحرفٍ وُجِدَا ... وجاء مِن اسم (1) وحرفٍ في النِّدَا
وقُسِّمَ الْكَلامُ لِلأَخْبَارِ (2) ... والأمْرِ والنَّهْيِ والاسْتِخْبَارِ
ثُمَّ الكلامُ ثانيًا قَدِ انْقَسَمْ ... إلى تَمَنٍّ ولعَرْضٍ وقََسَمْ
وثالثًا إلى مَجَازٍ وإلَى ... حَقِيقَةٍ وحَدُّهَا ما اسْتُعمِلاَ
مِن ذاك في مَوضُوعِهِ وقِيلَ مَا ... يَجْري خِطَابًا في اصْطِلاحٍ قَدُمَا (3)
أَقْسَامُهَا ثَلاَثَةٌ شَرْعيُّ ... واللُّغَويُّ الوَضْعِ (4) والعُرْفُّي
ثُمَّ الْمَجَازُ مَا بِهِ تُجُوِّزَا ... في اللفظِ عَنْ مَوْضُوعِه تَجَوُّزَا
بِنَقْصٍ أَوْ (5) زِيَادةٍ أَو نَقْلِ ... أَو اسْتِعَارٍة كنَقْصِ أَهْلِ
وَهْو الْمُرَادُ فِي سُؤالِ الْقَرْيَة ... كَمَا أَتى فِي الذِّكْرِ دُونَ مِرْيَهْ
وكَازْدِيَادِ الْكَافِ في كَمِثْلِهِ ... والغائطِ المَنْقُولِ عَنْ مَحَلِّهِ
رَابِعُها كَقَوْلِهِ تعالى ... يريد أن ينقض يَعْنِي مَالاَ
__________
(1) - وجاء من اسم قطع الهمز، الهمز هي همزة وصل لكن من اجل الوزن هنا تقطع من اسم.
(2) - أَخبَار. بالفتح.
(3) - قَدُومَا، في اصطلاح قدوما على وزن فَعُل.
(4) - واللُّغَويُّ الوَضْعِ مضاف ومضاف إليه، الوضع قُرِأت بضم العين والصحيح بكسرها الوضعِ.
(5) - بنقص أو زيادة أو نقل، تسهيل الهمزة الأولي من وتحقيق الثانية.
(4/3)

هذا هو الباب الأول من الأبواب العشرين، وهو ما يتعلق بأقسام الكلام، ويرد السؤال هذا مبحث لغوي بحت لأنه مشتمل على مسائل نحوية، ومسائل لغوية، ومسائل بيانية يعني تتعلق بعلم البلاغة والبيان، وجرت عادة الأصوليين أن يذكروا في مقدمات كُتبِهِم ما يتعلق بشيء من هذه المسائل، وهذا يدل على ارتباط علم أصول الفقه باللغة بمعنى أنه لا غنى لطالب علم أصول الفقه عن إتقان هذه المباحث وهذه علوم ثلاثة وأكثر لابد من العناية بها، ولكن من باب أنْ يُعلَم أَنَّ هذه فنون ثلاثة قد اجتمعت في هذه المحل - حينئذ - لا يمكن إتقانها أو أن يتقنها طالب لعلم إلا بالرجوع إلى مظانها فَيَدْرُس النحو في مظانه كتب النحو، ويدرس الصرف في مظانه، والاشتقاق في مظانه، والمنطق في مظانه، والبيان والبلاغة في مظانها ثم يقرا كتب أصول الفقه أما إذا أراد أن يتأصل في هذه الفنون من هذه الأبحاث التي يذكرها الأصوليون فلن يجد إلى ذلك سبيلا يعني متعب لطالب العلم أن يتأصل في علم النحو بمثل هذه الأبيات النحو واسع له أول وآخر وله كتب ابتدائية ومتوسطة وانتهائية، وكذلك علم البيان، وغيرها - حينئذ - إذا أراد طالب العلم أن يتقن هذه المسائل فلن يتقنها من هذا الباب وإنما ثَمَّ فارق بين عِلْمَّين: علم النحو وما يتعلق به عند الأصوليين لأن ثَمَّ فروق في بعض الأحكام التي قد يكون استنبطها الأصوليون ولم يقف عليها النحاة هذه هي التي يعتني بها طالب العلم فثَمَّ أبحاث ثَمَّ نظر ثَمَّ تحقيق ثم غَوص في المعاني كما يُعبِر بعضُهم لأن الأبحاث مشتركة، ولأن الأصوليين لهم غوص في المعاني قد لا يدركه النحاة - حينئذ - يأخذ هذا الفارق، وأما التأصيل فيأخذه من مظانه وإذا أراد أن يتأصل لابد من الرجوع إلى كتب العلوم التي ذكرناها سابقا وذَكَر الشاطبي - رحمه الله تعالى - في الموافقات أن ثَمَّ علاقة وارتباط بين علوم اللغة ومسائلها وإدراك الشريعة ... ثم جهل عند بعض طلاب العلم ما قيمة اللغة العربية بالنسبة لطالب العلم الشرعي يظن أن العلم الشرعي تقرأ حديث، وتحفظ، وتقرأ - مثلا - في الفقه وتحفظ وانتهى العلم الشرعي ... لا ليس كذلك إن كان يريد أن يكون مقلدا فلا إشكال لا خلاف معه، وهذا النوع ليس معنيا بكلامنا إنَّما طالب العلم الذي يريد أن يتحرر من التقليد، وأن يكون له باع في الاجتهاد والنظر وأن يقف بين أقوال أهل العلم وأدلتهم بنظر الأصولي الذي يقول هذا وافق الدليل الشرعي فنأخذ به، وهذا خالف الدليل الشرعي فلا نأخذ به وهذه المنزلة ليست بالسهلة أن يقف طالب العلم بين مالك، والشافعي، وأحمد أو الصحابة، ونحوهم فيقول هذا قول مرجوح وهذا قول راجح ... لا، هذا لا يأتي إلا لمن تمكن من علوم الآلة على الوجه الصحيح الذي قعده أهل العلم، ولن يكون طالب العلم على القوة المتينة التي نرجوها في مثل هذا الزمن إلا إذا كان متشبعا بعلوم اللغة سائر علوم اللغة، ولذلك الشاطبي قارن بين من يُدرك علوم اللغة، وبين من يُدرك الشريعة بثلاث مراتب اطويها بالمعنى قال:
الضعيف في علوم اللغة فهو ضعيف في الشريعة، والمتوسط في علوم اللغة فهو متوسط في الشريعة، والمنتهي في علوم اللغة فهو المنتهي في الشريعة.
(4/4)

ترابط لا انفكاك عنه ألبتة مَنْ أراد أن يكون متمكنا بمعنى كلمة متمكن لا مُقلِد إنما أن يكون متمكنا في علوم الشريعة لن يصل إليه إلا بإتقان هذه العلوم التي هي علوم اللغة النحو وهو أبوها وأمها كما يقول البعض ثم يأتي الصرف بعده ثم يأتي البيان فالحديث مُفْتَقِر إلى لسان العرب، والتفسير مفتقر إلى لسان العرب، وإذا وقفت مع الحديث الذي هو السنة والتفسير الذي هو الكتاب، وكل منهما بلسان عربي مبين - حينئذ - لا يمكن إدراك ما فيه من الأحكام الشرعية، والغوص في المعاني إلا بإتقان ذلك اللسان فجدير بطالب العلم أن يجعل له النصيب والحظ الأوفر من إتقان هذه العلوم على وجهها يتمكن فيها تمكن واسع ثم بعد ذلك فليتبحر فيما شاء من العلوم وقد وجد في الأزمنة المتأخرة بدعة مُحدثة، وهي بدعة التخصص هذه، وهذه لم تكن موجودة في سالف الأمة - هذا خروج عن الدرس لكنه مفيد - أقول وجدت بدعة وأمر مُحدث وسببه ما وجد نحن وجدنا ووجدت معنا هذه الأمور جامعات والمعاهد ونحوها هذه فيها تخصصات هذه شرعية هذا كتاب وسنة هذا قضاء إلى آخره، وهذا لغة، وهذا أصول فقه، وكل واحد يدخل هذه الجامعة ويخرج على مذكرات وبعض الكتب التي يُدرسُ أولها ولا يُنتهي من آخرها ثُمَّ بعد ذلك يُخْتَم على شهادته بأنه مُتخرج من فن أو قِسم الفقه أو أصول الفقه إلى آخره فصار يُعنْوَن له بأنه معه شهادة بكالوريوس أو غيرها في أصول الفقه أوفي الكتاب والسنة أو نحو ذلك وهذا جعل البعض يتصور أن العلم الشرعي هو هذا لقلة من ينبه على أن هذه الطريقة الموجودة لن تخرج طالب علم متخرج فضلا عن مُنتهي فضلا عن عالم يخدم الأمة بالعلوم الشرعية، وإنما يكون طلب العلم على الجهة التي صار عليها العلماء السابقون، وهي الطريقة الجادة التي ينبغي العناية بها أن يتأصل طالب العلم ويعرف أن ثم علوم هي علوم آلة كاسمها آلة لابد منها لماذا سَمُّو النحو آله، وأصول الفقه آلة، وسائر علوم الفقه علوم آلة؟ ... لأنها وسيلة توصل إلى أي شيء؟ ... لإتقان الكتاب والسنة.
(4/5)

إذا إن لم تتسلح بهذه العلوم - علوم الآلة - كيف تتقن الكتاب والسنة، والآن عندنا مشكلة وهي التقليد المغلف يعنى من لم يكن متأصلا بعلوم الآلة يجلس ويظن أن الفقه إذا اختار هكذا بنفسه أو أنه قلد شيخَهُ أو بعضهم قد يجعل له طريقه إما أنه يختار أقوال شيخ الإسلام بن تيمية لأنها محررة، وهو قول ما اختاره أبى العباس: ابن تيمية وابن القيم .. إلى آخره فيكون هذا على جهة التقليد يعني قد لا يدرك حجة ابن تيمية - رحمه الله تعالى - ابن تيمية قد يُسرد الصفحات في الدليل على قوله لإثبات هذا القول لكنه لا يدركه إلا مَنْ كان عالما بما يقوله بن تيمية - رحمه الله تعالى - - حينئذ - علوم الآلة لابد منها ثُمَّ إذا أتقن هذه العلوم ولا باس أن يجعل معها أو قبلها المبادئ التي لابد منها لا نقول أن الإنسان لا يقرأ التوحيد ألبتة لا يعرف التوحيد على جهة العموم الأصول الثلاثة القواعد الأربع أو الواسطية كتاب التوحيد كل هذه تُدرَس في أقل من سنة ثم يأخذ ما يتعلق بالعبادات ويصحح عبادته ثم بعد ذلك يتأصل في علوم الآلة ثم يلج الباب وإذا أتقن هذه الفنون خاصة لغة العرب - حينئذ - فليشمر عن ساعديه، وسيتبحر في كل فن وهذا كان الذي عليه السابقون يأخذون من كل علم أحسنه، وأحسنه يعنى ما يكون مرتبة العليا في السُلم يعني يدرس الآجرومية، والملحة، والقطر ثم الألفية بشروحها، وهذا الذي يحتاجه طالب العلم يدرس الورقات، وشيء بين الورقات الكوكب الساطع - مثلا - مراقي السعود، وبشروحها ثم بعد ذلك يكون قد اخذ حاجته من هذا العلم يدرس في الصرف الشافية ... إلى آخره فيكون قد اخذ حاجته من علم الصرف عقود الجُمَان - مثلا - في البيان والاشتقاق وغيره - حينئذ - يكون قد تسلح بهذه العلوم علوم الآلة ثم بعد ذلك إذا أراد أن يَدرُس علوم الشريعة فقها، وحديثا، وتفسيرا قد تميل نفسه إلى علم منها هذا الذي يعنيه المتقدمون بقولهم هذا قد برع في فن كذا وله مشاركة في كذا كم عشرات التراجم تجدها في سير أعلام النبلاء يقول وله مشاركة بكذا، وكذا وكذا وهذه التي نقرأها من هؤلاء نزلوا من السماء؟! ... لا. هؤلاء منا وفينا يعني جرَّوا على ما عليه الإنسان فدرسوا جميع العلوم يحفظ القرآن ثم القراءات السبع إن كان أمكن ثم يَدْرُس ما ذكرنا شيء منه ثم بعد ذلك تميل نفسه إلى الحديث فيتخصص في الحديث تميل نفسه للتفسير فيتخصص في التفسير يكثر من تدريسه يكثر من التأليف يكثر من البحث فيه ... إلى آخره - حينئذ - يكون متخصصا بهذا المفهوم.
(4/6)

وليس هو المفهوم الذي وجد في هذا العصر هذه مفهوم مُحدث ومن كان عليه عند بعض أهل العلم لا يسمى عالماً ألبتة بل حُكِيَّ الإجماع عليه أنه من كان لا يعرف إلا الفقه، ولا يحسن أصول الفقه لا يُعدُ عالما في الفقه فضلا عن غيره لماذا؟ ... لأنه مقلد، والمقلد بالإجماع على أنه ليس من أهل العلم فليس حفظ الأقوال بأدلتها هو الفقه، وليس حفظ الأقوال بالاستنباط ويكون محفوظا هو الفقه ... لا، لابد أن يكون متحررا، وأن يعرف قواعد أهل العلم في الترجيح وفي الاستنباط ثم بعد ذلك يجعل له الميزان بين أقوال أهل العلم لأن البعض قد يخطئ في فهم معنى التقليد يظن أن التقليد لا تتقيد بأبي حنيفة، ولا بالشافعي، ولا بأحمد، ولا غيره ثم بعد ذلك تأتي قضية ماذا قضية التقليد في الاستدلال وهذه التي يخطئ فيها الكثير يَظُنَ أنه إذا لم يقلد شيخا ما أو مذهبا ما وتحرر كما يدعي البعض فأخذ تارة بقول مالك، وتارة بقول الشافعي، وثالثا أحمد، وخامسة، وسادسة بالشوكاني، وعاشرا بابن حزم، وغيره يظن أنه قد خرج من التقليد .. لا، ليس الأمر كذلك، وإنما تخرج عن قول معين إلى قول آخر هذا نوع تحرر نعم لم تتقيد بشخص معين لكن تبقي مسألة أهم من هذا وهو أنك تعرف لماذا قال فلان - مثلا - بالتحريم؟ لدليل كذا ما وجه الاستنباط؟ ... ما العَلاقةَ بين هذا الحكم وهذا الدليل؟ .... هذا هو المَحَك، وهذا هو الذي يعتني به الأصولي ما الرابطة بين قولِنا حرام وبين هذا النص القرآني أو النص الحديثي ما الوجه بينهما ما الجمع بينهما كيف أخذنا التحريم من هذا؟ .. البعض يقلد أولا يقلد في الأول الاختيار، ولكنه يقلد في وجه الاستدلال.
الحاصل: أن المصنف ذكر هذا الباب ونبهنا على أهميته، وأن من تمكن في علم اللغة بأنواعها فهو الذي سيتمكن بإذن الله - تعالى - في علم الشريعة والضعيف ضعيف، ولا أحد يضحك عليك يعني الضعيف ضعيف إذا لم تكن أنت تعرف الآن كل واحد يعرف نفسه أنت الحاكم، وأنت المحكوم عليه إن كنت لا شيء في النحو، والصرف، والبيان فاعلم أنك في دراستك الشرعية ليس بشيء وهذا كلام الشاطبي وهو صاحب الاعتصام، وهو صاحب الموافقات، وهو صاحب شرح الألفية ألفية بن مالك فلا فراق بينهما أصول من أعظم ما كتبه الأصوليون ما يتعلق بالمقاصد وجاء، وشرح الألفية بأعظم شرح للألفية كذلك ليس أصوليا وهجر النحو، وليس نحويا وهجر أصول الفقه بل كُلها مُترابطة ولذلك عجيب أن بعضهم لا يرى هذا المنهج ويقرأ لابن تيمية وابن تيمية بحر تفسير، وينتقل إلى منطق، وينتقل إلى أصول فقه ويعارض ويقطع الرازي ويرد على سيبويه إلى آخره ترى علوم جامعة كاملة في شخص واحد شخص واحد هو عندنا عدة علماء كذلك نعم هذا موجود لكن وجود شخص واحد لا يحسن إلا فنا واحدا هذا لا يعد من أهل العلم ألبتة وإن كَثُر في هذا الزمان لكن الحق أحقَ أن يتبع.

باب أقسام الكلام
(4/7)

أقسام الكلام لها حيثيات أولها من حيثية ما يتركب منه قال الناظم - رحمه الله تعالى - كلام في تعريف الكلام طويل جدا، وتقسيمات الكلام هذا الذي اعتني به الناظم لكن كأنه قال لك أن الكلام هو الذي سيذكره دون ما يذكره النحاة شاع عند النحاة أن الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع ... أليس كذلك؟

إن الكلام عندنا فلتستمع ***** لفظٌ مُركب مُفيدٌ قد وضع

هذا أحسن وأصح ما يُعَرَّفُ به الكلام لابد من التنصيص على هذه الأمور الأربعة: "لفظ مركب مفيد بالوضع"، "مفيد": يعني فائدة تامة، "بالوضع": المقصود به الوضع العربي خلافاً لمن قال: القصد فهو قول ضعيف، وابن مالك اختصر هذا التعريف قال: كلامُنا لفظ مفيد كاستقِم، مختلف في التوجيه كاستقَم: هل هو قيد أم مثال لكن التعريف الأول أولى، وهو ما عرفه به المُعْطفي في الفصول الخمسون، وهو الذي قدمه ابن آجروم في الآجرومية.
هنا لم يعرفه وإنما ذكر أقسام الكلام لأن البحث هنا في التراكيب كما سبق معنا عندنا تصور، وعندنا تصديق، والتصديق المراد به الجملة الاسمية والجملة الفعلية - حينئذ - أقل ما تتألف منه الجملة الاسمية أقل ما تتألف من الجملة الفعلية هذا الذي يبحث عنه الأصوليون أما حقيقة الكلام فهذا بحثه هناك.

أقل مَا مِنْهُ الْكَلامُ رَكَّبُوا ***** اسْمَاِن أو اسْمٌ وفعلٌ كارْكَبوا

"أقل": هذا مبتدأ، "ما": اسم موصول بمعنى الذي.
"أقل ما منه الكلام ركبوا اسمان": "اسمان": هذا خبر المبتدأ، وأقل: هذه ملازمة للإضافة، وقد قيل: إن أقل وما يضاف إليه قد لا يكون له خبر: أقل رجل يقول ذلك هذا ليس له خبر مبتدأ لا خبر له هذا ليس له مثال إلا هذا يرد السؤال عند النحاة وبعض المحشين هل كل مبتدأ له خبر؟ الجواب: لا ... ليس كل مبتدأ له خبر لكن الغالب هو هذا قد يكون للمبتدأ ما يغني عن الخبر، وهو الفاعل إذا سَدَّ مَسَدَّ الخبر في نحو: أقائم الزيدان، وكذلك نائب الفاعل يَسُدُّ مَسَدَّ الخبر إذاً وجد ما يفيد فائدة الخبر وهنا ليس عندنا ما يفيد فائدة الخبر لا فاعل، ولا نائب فاعل أقل رجل يقول ذلك أين الخبر؟ ... لا وجود له وجملة: يقول ذلك وقعت بعد نكرة، والنكرة أشد احتياجا إلى الصفة من الخبر، ولذلك تعرب هذه الجملة: يقول ذلك صفة لرجل، وأين المبتدأ؟ أقل، أين الخبر؟ ... لا خبر له.
إذاً: "أقل اسمان": هذا خبر المبتدأ، أقل الذي ركبوا الكلام منه اسمان، إذا: ً "منه": جار ومجرور متعلق بقوله: "ركبوا"، و"الكلام": بالنص على أنه مفعول به مقدم لركبوا، والواو هنا ضمير لابد له من مرجع ما هو مرجعه؟ .. معهود بالذهن من الذي رَكَّبَ إما العرب، وإما النحاة إما العرب حقيقة قولا ونطقا ووضعا، وإما النحاة حكما يعنى حكموا بذلك ركبوا يعني حكموا بكون الكلام لابد وان يتركب من اسمين أو اسم وفعل - حينئذ - يرجع الضمير إما إلى العرب، وإما إلى النحاة لكن حكموا بذلك.
(4/8)

"أقل ما": قلنا "ما": هذه اسم موصول بمعنى الذي، والموصولات من المبهمات - حينئذ - لابد من مُفَسِر يعني تأخذ لفظ "ما" وتضع مكانها كلمة لها معنى أقل؟ ايش رأيكم؟ .. "ما": اسم بمعنى الذي، والذي اسم مبهم أختها. أقل الكلام ركبوا منه الكلام هذا ما يصح عندهم أقل شيء هذا عام أقل الكلمات. ما هو الكلام؟ .. اللفظ.
أقل لفظ ركبوا الكلام منه
ومَنْ جعل القول هو الجنس في حد الكلام قال: قول، والأحسن أن يكون لفظ أقل: لفظ ركبوا أي ألفوا، وهذه الجملة فعل وفاعل صلة ما يعني لا محل لها من الإعراب، أقل لفظ ركبوا يعني العرب منه من هذا اللفظ الضمير يعود على ما، الكلام
اسمان أو اسم وفعل. إذاً صورتان إما أن يتركب الكلام ويتألف من اسمين أو من
اسم وفعل ... كم صورة؟ صورتان. الصورة الأولى: من اسمين، وهذه التي يعنون لها بالجملة الاسمية أو اسم وفعل يعني من اسم وفعل، والذي يعنون له بالجملة الفعلية لكن قوله: "اسمان": هذا في الجملة، وتحته أربع صور لأنه إما أن يكون مبتدأ وخبر، مثل: "زيدٌ قائم" تألف من اسمين: زيد: مبتدأ، وقائم: خبر، أو من اسمين الأول: مبتدأ، والثاني: فاعل سد مسد الخبر: "أقائم الزيدانِ": قائم: مبتدأ ليس له خبر، وإنما له فاعل سد مسده، وهذا تأخذونه من هناك أومن اسمين الأول مبتدأ والثاني نائب فاعل سد مسد الخبر "أمضروب الزيدان أو العمران" مضروب: اسم مفعول يحتاج إلى نائب فاعل، أو من اسمين الأول: اسم فعل، والثاني فاعل مثل: "هيهاتَ العقيقُ" هيهات: اسم فعل ماضي، و"العقيق": هذا خبر. إذاً اسمان تحته كم صورة أربع صور: مبتدأ وخبر، ومبتدأ ونائب الخبر فاعل سد مسد الخبر، مبتدأ ونائب فاعل سد مسد الخبر، اسم فعل ماضي وفاعله.
قوله:" أو اسم وفعل": يعني تألف من اسم وفعل، وهو ما يعنون له بالجملة الفعلية وتحته صورتان لأن الفعل إما أن يكون مبنيا للفاعل وما بعده فاعل، وإما أن يكون مبنيا للمفعول وما بعده نائب فاعل: "قام زيدٌ": فعل وفاعل، "ضُرِبَ زيدٌ": فعل
ونائب فاعل. إذًا أقل ما يتألف منه الكلام هو هذا الذي ذكره.
قال:: "كاركبوا": يعني مثل اركبوا، اركبوا: هذا فعل أمر مبني على حذف النون لأنه اتصل به الواو فاعل - حينئذ - ينظر فيه نظر المضارع الذي اتصل به واو الفاعل مثل: يركبان، اركبوا: فعل أمر مبني على حذف النون والواو هذه فاعل والكاف هنا إما اسمية أو حرفية، اسمية بمعنى: مثل أو حرفية - حينئذ - لابد من التقدير كقولك اركبوا.
إذاً بَيَنَ لنا المصنف - الناظم - تبعا للأصل في هذا البيت أن أقل ما يتألف منه الكلام إما من اسمين، وتحته أربع صور أومن اسم وفعل، وتحته صورتان.
قوله: "أقل": مفهومه أنه قد يتألف من أكثر أليس كذلك؟ ... نعم أقل معناه أن الكلام قد يتألف أكثر من اسمين أو اسم وفعل وهذا لا خلاف فيه.
"كَذَاكَ مِنْ فعلٍ وحرفٍ وُجِدَا":
الكلمة تنقسم ثلاثة أقسام: اسم، وفعل، وحرف. الكلمة التي يتألف منه الكلام اسم وفعل وحرف هذه ثلاثة طيب سبق في البيت السابق أنه
(4/9)

قد يتألف من اسمين أو اسم وفعل هذا باتفاق لا خلاف بين النحاة ولا الأصوليين أن الكلام يتألف من اسمين هذه صورة، ويتألف من اسم وفعل وبالإجماع كذلك من الطائفتين أن الكلام لا يتألف من حرفين، ولا من فعلين بقي ماذا؟ ... اسم وحرف، فعل وحرف هذا محل نزاع بينهم محل نزاع بين النحاة، ولذلك قَدَّم في البيت الأول ما حصل الاتفاق عليه ثم قال: "كذاك من فعل وحرف" ... ما الفائدة؟ أرباب الشروح والمتون إذا جاءوا بالكذلكه - حينئذ - ثم خلاف ما بعدها عما قبلها هنا قال: "اسمان أو اسم وفعل كذاك" ما قال: ومن فعل وحرف، ما عطف بالواو أو بأو وإنما فصله بكذاك هذا الفائدة منه يشير بأن ما بعد كذاك مخالف لما قبلهم فالأول متفق عليه، والثاني مختلف فيه، ولذلك لا يُعترض على الناظم ولا على غيره كيف يُسوي بينهما الأول اسمان أو اسم وفعل متفق عليه كيف يقول وكذاك من فعل وحرف وجدا نقول فرَّق بينهم لو عطف بالواو جاء الاعتراض لكن لمَّا جاء بالكذلكه يعني: كذلك دل أن ثَمَّ فرق بين النوعين الأول متفق عليه، والثاني مختلف فيه، "كذاك": أي مثل ما سبق، "من فعل وحرف وجدا": وجدا: الألف هذه للإطلاق وجدا كذاك من فعل وحرف هذا مذهب الشلوبين أنه قد يتألف الكلام في أقل ما يكون من حرف وفعل: ما قام، لم يقم .. ومحل الخلاف ماذا؟ في الضمير المستتر ما قام زيدٌ ما قام، ما قام هذا حرف وفعل هل له فاعل؟ على هذا الكلام ليس له فاعل لأنه ليس بكلمة ضمير مستتر هنا ليس بكلمة لا يعد وهذا مُخَالف لما عليه جماهير النحاة إن لم يكن إجماعا عندهم أن الضمائر المستترة تُعد كلمات وأنها من الألفاظ بالقوة، ولذلك في تعريف الكلام يقول الكلام هو اللفظ ثم اللفظ قسمان لفظ بالفعل وهو المنطوق به ولفظ في قوة الملفوظ به وهو الضمير المستتر ولذلك قلنا - مثلا - {اسكن} هذا كلام والكلام عند النحاة لا يكون كلاما إلا إذا وجدت فيه الفائدة التامة، والفائدة التامة باتفاق لا تكون إلا مع التركيب، وهنا وجدت الفائدة التامة، وإذا وقفنا مع الظاهر اسكن: كلمة واحدة، فكيف وجد ت الفائدة التامة مع لفظ واحد ولم يوجد التركيب قالوا دل هذا على أن الضمير المستتر هُنا معتبر ولذلك جاء في القران:
{وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} الأعراف: 19
زوجك: بالرفع معطوف على ماذا؟ ... على الضمير المستتر، فلما جاء في القرآن وهو على سَنَنِ لسان العرب تأكيده بانت. إذاً دل على أنه في قوة الموجود إذ كيف يؤكد بلفظ ما ليس بلفظ فقولنا أنت ليس بفاعل اسكن فعل أمر فاعله باتفاق لا يكون اسما ظاهراً، وإنما يكون ضميرا مستترا باتفاق النحاة محل إجماع فلذلك إذا جاء:
{وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} الأعراف: 19
أنت: نُعربه تأكيد لأي شيء؟ للضمير المستتر لو لم يكن الضمير المستتر موجودا كيف يؤكد بالمفهوم هذا ممتنع ثُمَّ عُطِف عليه فلما عُطِف عليه دل على أنه
يُرَاعى فيه قوة المفعول كأنه موجود على كلٍ الصحيح والذي يكاد أن يكون إجماع
أن الضمير المستتر يُعد كلمة - حينئذ - ما قام نقول قام هذا فعل، وكل فعل لابد له من فاعل لا يوجد فعل إلا مع فاعل لذلك قال بن مالك:
(4/10)

"وبعد فعل فاعل فان ظهر ***** فهو وإلا فضمير مُستَتَر"

إما هذا وإما ذاك إن ظهر ونُطق به فهو الفاعل ما وجدته ضمير مستتر مباشرة لماذا؟ لأن الفعل والأفعال أحداث أوصاف، ولا يمكن أن يوجد الحدث أو الوصف إلا بفاعل بِمُحْدِث، وبعد فعل فاعل فان ظهر فهو وإلا: يعني إن لم يظهر فضمير مُستَتَر إذن فقولهم من "فعل وحرف وجدا": مذهب ضعيف، وهو منسوب إلى الشلوبين.
"وجاء مِن اسمٍ وحرفٍ في النِّدَا": هذا منسوب لأبي علي الفارسي يقول: قد يأتي الكلام ويتألف من حرف واسم لكنه خصه بالنداء تقول: "يا زيدُ" حصلت به الفائدة التامة، ولا تحصل الفائدة التامة إلا بتركيب إذن يا زيد حصل به فائدة تامة حصل التأليف بين حرف واسم ورُدَ عليه بأن هذا فرع، والتقعيد إنما يكون بالأصل والأصل يا زيدُ أصلها أدعو زيداً والذي يدل على ذلك أن أصله جملة فعلية وليس بجملة مركبة من حرف واسم الذي يدل على ذلك أنك إذا أعربت زيد تقول: يا: حرف ندا، وزيد: مبني على الظرف في محل نصب من أين جاء محل النصب؟ في محل نصب مفعول به لأي شيء لأدعوا المُقَدم إذن صار قوله يا زيد فرعا وليس بأصل، والتقعيد والتأصيل إنما يكون بالأصول لا بالفروع ارتقبوا هذا القول إذن من قال بان الكلام قد يتألف من فعل وحرف قول ضعيف وكونه يتعلق بالاسم وحرف كذلك قول ضعيف، "وجاء من اسم": - بقطع الهمزة - من أجل الوزن، "وحرف": حالة كونه في الندا يعني بمعنى المنادى. ثم ذكر حيثية أخري.
"وقُسِّمَ الْكَلامُ لِلأَخْبَار":ِ إذن التقسيم الأول باعتبار ماذا؟ .. باعتبار ما يتركب منه كأنه قال لك الكلام هو اللفظ المُتألِف من فعلين أومن فعل واسم. وقسم الكلام من حيثية أخري باعتبار مدلوله الأول باعتبار التركيب هنا باعتبار المدلول
"لِلأَخْبَارِ والأمْرِ والنَّهْيِ والاستخبار": ثم زاد على ذلك: "تمني ولعرض وقسم": هذا قول لبعض البيانيين أن الكلام ينقسم لهذه الأنواع، والصحيح - اختصارا - نقول أن الكلام منحصر في نوعيين لا ثالث لهما، وهما: الخبر والإنشاء قال السيوطي في عقود الجُمَان:
"مُحتَمِلٌ لصدق أو كذب الخبر ***** وغيره الإنشاء ولا ثالث قر"
يعني: استقر هذا القول ولا ثالث لهما "مُحتَمِلٌ لصدق أو كذب الخبر وغيره الإنشاء ولا ثالث": يعني لهذا القول "قر": يعنى استقر هذا الاختيار، ولذلك قال في همع الهوامع شرح جمع الجوامع للسيوطي حاك للسبكي في جمع الجوامع، وجمع الجوامع للسبكي جمعه من زهاقة مائة مصنف، وهو أجل وأعلى كتب أصول الفقه ومن كانت له عناية فليعتني بالجمع الأصل أو بنظمه: الكوكب الساطع للسيوطي حكاه السيوطي فألف جمع الجوامع في النحو ما ترك قولا ولا مسألة إلا ذكرها في هذا الكتاب وشرحه في كتاب في شرح سماه همع الهوامع - مطبوع - قال في همع الهوامع: وهو ما عليه أهل البيان قاطبة والحذاق من النحويين يعني أن الكلام ينحصر في اثنين لا في ثلاثة، وهما خبر وإنشاء، ما هو الخبر؟ ما احتمل الصدق والكذب لذاته يعني ما يحتمل أن يقال له صدقت أو كذبت قام زيد. كذبت، يحتمل؟ نعم تقول قام زيدٌ، وما قام زيدْ، صدقت قام زيد، كذبت لم يقم زيد
(4/11)

فكل ما احتمل أن يقال لقائله للمتكلم بأنه صادق في خبره أو كاذب فيسمى ماذا؟
يسمى خبرا.
محتمل للصدق والكذب الخبر لكن قالوا لذاته يعني بذات الجملة لا باعتبار المُتكلِم لأننا لو نظرنا باعتبار المتكلم فالأقسام ثلاثية إما أنه لا يحتمل إلا الصدق كخبر الله
وخبر النبي صلي الله عليه وسلم أولا يحتمل إلا الكذب كخبر مُسَيلِمة إني رسول الله كذاب ما يحتمل الصدق ألبتة هذا عند المسلمين، وإما أنه يحتمل الصدق أو الكذب وهذا ... في غير ما قُطِع بصدقه أو بكذبه فقلنا بذاته يعنى بالنظر إلى ذات الجملة فقط دون اعتبار القائل لأنك لو قلت باعتبار القائل لزم منك أن تقول القرآن ليس فيه خبر
أليس كذلك؟ إذا قلت باعتبار القائل فالقرآن ليس فيه أخبار لأن الخبر ما احتمل أن يُقال لقائله كذبت والقرآن لا يُقال لقائله كذبت - حينئذ - قالوا لذاته يعني ذات التركيب انتبهوا افهموا عني صحيح: ... (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)
باعتبار ذاته خبر يحتمل الصدق والكذب لكن باعتبار كونه من الله - تعالى - لا يحتمل إلا الصدق واضح لا أحد يقول: ... (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) كذب انتبهوا - حينئذ - نقول باعتبار التركيب نفسِه احتمل باعتبار القائل لا يحتمل إلا الصدق ما عداه الذي لا يحتمل أن يُقال لقائله صدقت أو كذبت فهو الإنشاء كالتمني: ليت لي مالا فافعل به كذا وكذا لا يقال له صدقت وكل ما ذكره الناظم غير الأخبار فهو نوع من أنواع الإنشاء، الإنشاء أنواعه ثمانية.
"وقُسِّمَ الْكَلامُ لِلأَخْبَار":ِ جمع خبر عرفنا معناه.
"والأمر": يعني نوع يسمى الأمر، وهو ما يدل على طلب الفعل نحو: قُُم، الأمر عند النحاة محصور في ما يدل على طلب الفعل نحو: قم، وبعضهم يقول كلام مشتمل على نحو افعل دال بالوضع على طلب فعل أوترك نحو قم أو اترك.
"والنَّهْيِ": هذا النوع الثالث ما يدل على طلب الترك نحو: لا تقم أو إن شئت قل كلام مُصدَّر بـ ـلا: الناهية دال بالوضع على الترك نحو: لا تقم
"والاسْتِخْبَار"ِ: استخبار استفعال من الخبر المراد به الاستفهام هل زيد قائم؟ فيقال نعم أو لا، لا يُقال له صدقت أو كذبت؟، قُم: لا يقال له صدقت أو كذبت، لا تقم: لا يُقال له صدقت أو كذبت.
"ثُمَّ الكلامُ ثانيًا قَدِ انْقَسَمْ إلى تَمَنٍّ":. ثم الكلام: أي إن الكلام كما انقسم أولا إلى ما ذُكر فقد انقسم ثانية إلى تمنٍ وهو كلام دالٌ على طلب ما لا طمع فيه أو ما فيه عسر:

ليتَ الشبابَ يعودُ يوما ***** ً فاخبره بما فعل المشيبُ
مسكين!! .. ليت الشباب يعود: ما يعود الشباب أليس كذلك؟ - حينئذ - نقول هذا تَمَنَي شيئا لا يمكن أن يقع، أو ما فيه عسر: فقير يقول ليت لي مليارا، فقير ما عنده ما يأكله ويتمني مليارا نقول هذا طلب شيئا ليس بمتنع، ليس بممتنع ما تدري الأيام دُول ولكنه فيه عسر إذاً "تمنٍّ": كلام دال على طلب ما لا طمع فيه أو ما فيه عسر فيكون في الممتنع والممكن الذي فيه عُسر
(4/12)

"ولعَرْضٍ وقََسَمْ": ولعرض: بإسكان الراء وليست عرَض (1) والعرضُ مصدر بألا، ألا تزورُنا فنُكرِمَك هذا فيه طلب بالا دال بالوضع على طلب برفق ولين ومثله التحضيض إلا أنه طلب بحث وإزعاج، هلا زُرتنا إلى آخره ....
ولعرض وقسم: القسم: هو كلام دال على اليمين، والمراد به الحلف اليمين القسم الحَلِف والمراد به صيغة القسم لا المقسوم عليه القسم إنشائي يعني والله أنه لكذا
والله إنه لصادق جملة: والله: إنشاء، إنه لصادق: خبر، والله يحلف والله كذبت، صدقت لا يحتمل فهو إنشاء أنه لصادق المقسم عليه المحلوف عليه هذا خبر لأنه يحتمل
والله إن زيدا لصادق: تقول لا .. كذبت زيد ليس بصادق بل هو كاذب إذاً حاصل البيتين أن المصنف عنى هنا شيئا لكنه لم يأتِ بالقول الصواب، وهو أن الكلام ينقسم باعتبار مدلوله إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما: وهما الخبر، والإنشاء .. الخبر: ما احتمل الصدق والكذب لذاته، والإنشاء: ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته، ويدخل تحته الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والعرض، والقسم.
__________
(1) - بإسكان الراء وليس بالفتح.
(4/13)

"وثالثًا إلى مَجَازٍ وإلَى حَقِيقَةٍ": يعني ينقسم الكلام باعتبار آخر انقساما ثالثا مُغايراً لما سبق وهو باعتبار استعماله في مدلوله. انظر الحيثية الأولى: باعتبار ما يتركب منه، الحيثية الثانية: باعتبار مدلوله هو، الحيثية الثالثة: باعتبار هل يُستعملُ في مدلوله أم في غير مدلوله فينقسم إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما، وهما الحقيقة والمجاز وهذا التقسيم فيه نزاع طويل عريض عند المتأخرين وحاصله أن المجاز هل هو موجود في لسان العرب أو لا؟ وإن قلنا بوجوده في لسان العرب هل هو موجود في القرآن أو لا؟ .. ثَمَّ أقوال واختلاف بين أهل العلم يقرر قاعدة عامة أولا وهي: أن الصفات للرب - جل وعلا - وأسمائه - جل وعلا - لا مجاز فيها ألبتة مقطوع به وهذا عند السلف وأتباع السلف أن أسماء الرب - جل وعلا - والصفات فهي حقائق ولا مجاز فيها ألبتة ولا جدال في هذا لا نزاع في هذا ما عدا ذلك فهو مختلف فيه، ولذلك بعض ممن قرر عقيدة السلف يقول بالمَجَاز ابن قدامة - رحمه الله تعالى - على المشهور أنه قرر عقيدة السلف في اللمعة (1) وفي غيرها ومع ذلك دافع عن المجاز في الروضة وأيده ورد على من أَوَلَ أو كما قال بعضهم حرف كلام الإمام أحمد أنه من مجاز اللغة يعني مما يُتَجَوز به في اللغة - حينئذ - لا تنافي بين القول بالمجاز وبين أن يكون سلفيا في المعتقد إذا منعنا دخول المجاز في الأسماء والصفات فيصير الخلاف - حينئذ - خلافا مستساغا بمعنى من قرر عقيدة السلف على وجهها وقال بالمجاز لا ينبغي أن يُشدد في مثل هذه المسائلة ولا ينبغي أن نجعله من أهل البدع أو أنه قد وافق المبتدعة أو غير ذلك لأن كما ذكرت أن بعض أو كثيرا ممن يقرر عقيدة السلف هو على القول بالمجاز وشيخنا محمد على آدم الإثيوبي - حفظه الله تعالى - يقرر المجاز بشدة ومع ذلك هو على عقيدة السلف على جادة السلف - حينئذ - نُقرر ما يذكره الناظم - رحمه الله تعالى - وأما رأيي فهذا احتفظ به لنفسي وأقرر ما ذكره المصنف - رحمه الله تعالى -.
وثالثًا إلى مَجَازٍ وإلَى ***** حَقِيقَةٍ وحَدُّهَا ما اسْتُعمِلاَ
مِن ذاك في مَوضُوعِهِ ***** ...............................
"وحدها": يعني بدأ بالثاني، وهو الحقيقة، وهذا يُسمى: لفاً ونشرا غير مُرتب لأنه قال: إلى مجاز وإلى حقيقة قَدَّمَ المجاز، وثنى بالحقيقة ثم لما أراد أن يُفَصِّل بدأ بالثاني دون الأول والأصل أن يبدأ بماذا؟ بالأول، وهذا لا إشكال فيه بل هو أسلوب عربي واضح بَيِّن وجاء استعماله في القرآن:
{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} آل عمران: 106
بدأ بالثانية مثل الذي معنا، وهو أسلوب من أساليب العرب.
"وحَدُّهَا": يعني وحد الحقيقة، وهي فعيلة من الحق قال ابن فارس:
"الحقيقة من قولنا حق الشيء إذا وجب واشتقاقه من الشيء المحقق وهو المُحكم تقول هذا ثوب مُحقق النسج أي مُحْكَمٌ وقيل هي من حق الشيء يحق بالكسر والضم إذا ثبت ووجب"
__________
(1) - هوكتاب لمعة الاعتقاد لابن قُدامة المقدسي في العقيدة وله شرح لفضيلة الشيخ بن عثيمين - رحمه الله - تعالى - -.
(4/14)

على كلٍ هي بمعنى الثبوت وعليه حقيقة فعيلة إما بمعنى فاعل، وإما بمعنى مفعول يَحتمِل هذا وذاك وجوز الشيخ الأمين أو تلميذه محمد ولد سيدي حبيب في شرح النثر المراقي إما يكون بهذا أو يكون بذاك أوله ليس من شرح الشيخ الأمين - رحمه الله تعالى - إما أن يكون بمعنى ثابت، وإما أن يكون بمعنى مُثْبَت، فعيلة بمعنى فاعل ثابتة أو فعيلة بمعنى مُفعَلة مُثبَتَه فهو فعيل بمعنى فاعل كعلوم بمعنى عالم أي ثابت أو بمعنى مفعول إن حققته إذا أثبته قال هنا: "وإلى حقيقة وحدها": عَرَفنا حدها في اللغة.
"ما اسْتُعمِلاَ مِن ذاك في مَوضُوعِهِ": ما: أي لفظ اُستُعمِلَ، الألف: هذه للإطلاق والاستعمال إطلاق اللفظ وإرادة المعنى عندنا ثلاثة أشياء اصطلاحات وضع واستعمال، وحمل الوضع جَعْلُ اللفظ دليلا على المعنى يعني الواضع الذي وضع كلمة سماع على المعنى المراد هذا الوضع (1)، والمشهور عند الجمهور أن واضع اللغة بل اللغات هو: الله عز وجل:
واللغة الربُ لها قد وضعا ***** وعزوها للاصطلاح سُمِعَ
واللغة: يعني اللغة العربية، "الرب لها قد وضعا": بل عمم السيوطي في الكوكب توقيف اللغات عند الأكثرين، ومنهم بن فورك والأشعري توقيف اللغات، اللغات توقيف كل اللغات فهي توقيفية بمعنى أن الله - تعالى - هو واضعها.
إذن الواضع أو الوضع هو: جعل اللفظ دليلا على المعنى، ثم استعمال وهو إطلاق اللفظ وإرادة المعنى، ثم الحمل وهو اعتقاد السامع مراد المتكلم من كلامه فثلاثة أشياء: وضع وحمل واستعمال أيهما اسبق؟ الوضع سابق، والحمل لاحق، والاستعمال متوسط، هنا قال: "وحدها": أي الحقيقة "ما استعملا": يعني لفظ استعملا، "الألف": للإطلاق يعني أُطلق هذا اللفظ وأُريد به المعنى الذي وُضِعَ له في لسان العرب.
"من ذاك": أي من اللفظ السابق أو من الكلام.
"في موضوعه": أي على معناه الذي وضع له في اللغة يعنى كأنه قال: الحقيقة هي اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي، فاللفظ جنس يشمل المهمل والمستعمل.
قولنا المستعمل: هذا اخرج المهمل، وهو جنس في نفسه لأن المجاز مستعمل والحقيقة كذلك مستعملة.
__________
(1) - الواضع: هو واضع كلمة ما على المعنى المراد.
(4/15)

قوله: في موضوعه الأصلي: اخرج المجاز - حينئذ - صارت الحقيقة منحصرة في هذا التعريف الفظ المستعمل في موضوعه الأصلي - حينئذ - وضعت العرب لفظ الأسد للحيوان المفترس فإذا أُستعمِل في ما وضع له في لسان العرب فهو حيوان مفترس - حينئذ - نقول هذا استعمال اللفظ في حقيقته، فإذا أُستعمل في غير مدلوله في لسان العرب وهو الحيوان المفترس كأن يقال أو يحمل على أنه الرجل الشجاع نقول استعمل في غير موضوعه الأصلي لو قال: رأيت أسدا يخطب هذا مجاز حكمت أفتيت - حينئذ - نقول رأيت أسدا، أسدا: في الأصل لو وقف إلى هنا حملناه على المعنى الحقيقي وهو حيوان مفترس لما قال: يخطب الأسد ما يخطب عرفنا أن هذه قرينة صارفة دالة على أن لفظ الأسد لم يُستعمَل في موضوعه الأصلي الذي وضع له في لسان العرب بل نُقِل إلى معنى آخر وهذا الذي عناه بالحد الأول "ما اسْتُعمِلاَ مِن ذاك في مَوضُوعِهِ": على هذا التعريف الحقيقة نوع واحد فقط ليس عندنا حقيقة شرعية، ولا حقيقة عُرفية فانحصرت الحقيقة في اللغوية ما عداها فهو مجاز، فالصلاة عبادة ذات أقوال ... إلى آخره مجاز على هذا القول، الدابة من ذوات الأربع مجازا على هذا القول لأن ليس عندنا حقيقة عُرفية، وليس عندنا حقيقة شرعية بل الحقيقة منحصرة في اللغوية كل ما استعمل فيما وضع له في لسان العرب فهو الحقيقة استعمل في غير ما وضع له في لسان العرب فهو مجاز سواء الذي استعمله الشارح أم غيره إذن الحقيقة منحصرة في نوع واحد التعريف الثاني الذي أورده المصنف يشمل الأنواع الثلاثة يعني الحقائق بأنواعها المتغايرة.
"وقِيلَ مَاَ يَجْري خِطَابًا في اصْطِلاحٍ قَدُمَا": وقيل: هذا فيه تضعيف لكن الظاهر أنه هو المرجح عند الناظم كأصله لأنه فَرَّع عليه أقسامها ثلاثة: شرعي ... الخ.
لما فرع على التعريف الثالث دل على أنه هو المعتبر لأن جماهير أهل العلم على أن الحقائق ثلاثة، وعليه نقول: أن المُرجَح هو الثاني وإن ضعفه الناظم بقوله: قيل، وقيل: "ما": ما: لفظ أو قول يجري بمعنى استعمل خطابا في اصطلاح قدما، "خطابا": يعني التي وقع التخاطب بها، وإن لم يبقَ على موضوعه الأصلي، "في اصطلاح": اصطلاح: أصلها اصتلاح بالتاء قُلِبت التاء طاء، اصطلح زيد وعمر: إذا اتفقا هذا الاصطلاح في اللغة الاتفاق اصطلح زيد وعمرو اصطلاح فردي أو جماعي - حينئذ - يكون بمعنى الاتفاق.
والاصطلاح - في الاصطلاح -: اتفاق طائفة مخصوصة على أمر معهود بينهم متى ما أطلق انصرف إليه، اتفاق: واضح، طائفة مخصوصة: أي كان نوعها مهندسين، أطباء، أوصوليون، نحاة، فقهاء، فلكيون ... إلى آخره. كل طائفة مخصوصة تصطلح على شيء مُعَيَّنٍ عندهم معنى من المعاني يوضع له لفظ إن أُطلق هذا اللفظ انصرف إلى ذلك المعنى في اصطلاح هذه الطائفة المخصوصة فإذا قال اللغوي النحوي - مثلا -: الفاعل يفهم ماذا الفاعل الاصطلاحي إذا أطلق الفاعل اللغوي يفهم المعنى اللغوي - حينئذ - نقول قوله في اصطلاح المراد به اتفاق طائفة مخصوصة على أمر معهود بينهم متى م أُطلق هذا اللفظ انصرف إليه.
(4/16)

"في اصْطِلاحٍ قَدُمَا": قدما: أي مُتقدِم بهذا الحد، وهو الذي عَبَّرَ عنه صاحب الأصل: ما استعمل فيما اصطُلِحَ عليه من المُخاطِب وهذا أوضح التعريف دائما في النظم تكون فيه نوع إبهام.
"ما استعملا": يعني لفظ استعمل، وعَرَفْنَا معنى الاستعمال فيما اصطلح عليه من المُخَاطِبة يعني من الجماعة المخاطبة بعضها لبعض متخاطبة فكل جماعة إن كان
لهم اصطلاح في لفظ معين انصرف إليه فجماعة الفقهاء طائفة الفقهاء إذا أطلقوا لفظ الصلاة انصرف إلى الهيئة المخصوصة، وإذا أطلق اللغوي لفظ الصلاة انصرف إلى الأصل وهو الدعاء بالخير أو غيره، كذلك الدابة في لسان العرب كل ما يدب عي الأرض سواء كان برجلين أربع بدون .. إلى آخره:
{وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها} هود: 6
- فحينئذ - نقول هذا اللفظ: دابة كل ما يدب على الأرض فهو دابة لكن خصه العُرف بماذا؟ بذوات الأربع - حينئذ - نقول إذا استعمله أهل العُرف انصرف إلى المعنى الذي أطلقوه عليه وهو ذوات الأربع {وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها} هود: 6
ما استُعمِلَ فيما اصطلح عليه من المُخَاطِبة - حينئذ - على هذا التعريف المُخَاطِبة أو الجماعة المتخاطبة إما أن يكون أرباب الشرع، وإما أن يكونوا أرباب لغة، وإما أن يكونوا أرباب عرف فانقسمت الحقيقة باعتبار الواضع إلى ثلاثة أقسام، ولذلك قال الناظم
أَقْسَامُهَا ثَلاَثَةٌ شَرْعيُّ **** واللُّغَويُّ الوَضْعِ والعُرْفُّي

"أقسامها": أي الحقيقة، "ثلاثة": باستقراء كلام أهل العلم شرعي، واللغوي الوضعي والعرفي": هذه ثلاثة أنواع:
الأول: الشرعي وهو ما وضعه الشارع يعني اللفظ المستعمل فيما وضع له شرعا
مثل الصلاة، والصيام، والزكاة، والطهارة، والحج كلها ألفاظ شرعية لها حقائق شرعية - حينئذ - كل ما كان مصدره من الشرع فلابد من الوقوف معه في إثبات اللفظ، والمعنى شرعا - حينئذ - لا يكفي إثبات اللفظ من الشرع ثم نأتي ونأخذ ما اصطلح عليه الفقهاء كما ذكرناه بالأمس.
إذا قوله: "شرعي": مراد به الذي أو التي وضعها الشارع كالصوم وما ذكرناه معه.
"واللغوي الوضعي": يعني التي وضعها واضع اللغة، وهذا هو الأصل فيها هذا هو الأصل في لسان العرب قبل ورود الشرع، "واللغوي الوضعي": مضاف ومضاف إليه يعني التي وضعها واضع اللغة بإضافة الصفة إلى الموصوف.
"والعرفي": يعنى التي وضعها أهل العرف سواء أكان العرف عاما أو كان العرف خاصا عاما في كل البلدان - مثلا - أو خاصة يكون لطائفة كالنحاة - مثلا - يكون العرف عندهم أو يكون ببلد دون بلد، والعرفي ما خُص عُرفا ببعض مُسمياته، والعرف نوعان: عرف عام وهو ما لا يتعين ناقله، وعرف خاص وهو ما تعين ناقله على هذا نحصل أن:
الحقيقة تنقسم ثلاثة أقسام حقيقة لغوية، وحقيقة شرعية، وحقيقة عرفية ... ما الفائدة من هذا؟ الفائدة انك إذا نظرت في كتاب الله أول ما تبحث في الحقائق الشرعية فإذا بحثت عن الحقائق اللغوية أو الحقائق العرفية أخطأت.
فكل لفظ يعتبر باعتبار واضعه فإذا كان الواضع هو الشرع - فحينئذ - تنظر في استعمال الشرع لهذا اللفظ:
واللفظ محمول على الشرعي ***** إن لم يكن فمطلق العرفي
(4/17)

فاللغوي على الجلي ***** ..............................

على هذا الترتيب عند جماهير أهل العلم يحمل الأول على الشرعي إن كان له حقيقة شرعية إن لم يكن له حقيقة شرعية من الكتاب والسنة هل هناك عرفي عهد النبي صلي الله عليه وسلم أو لا؟ ... إن لم ينقل أولم يكن ثَم عرف - حينئذ - رجعنا إلى لسان العرب، ونبحث في مدلول هذا اللفظ، إذاً أول ما نحمل الألفاظ على الحقائق الشرعية، ولذلك تجد الفقهاء يقولون: الطهارة لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار، واصطلاحا ارتفاع الحدث .... إلى آخره. لماذا يعرف أولا الطهارة في اللغة ثم يأتون بتعرف الشرع ويُعَرَّفَ الصيام في اللغة ثُم الشرع، والحج ... إلى آخره؟ ليبينوا لك أن هذه الألفاظ الشرعية قد نُقِلت من معناها اللغوي إلى معنى خاص - حينئذ - إذا نظرت في الكتاب والسنة ليس كل ما وجدت لفظ الطهارة حملت على النظافة والنزاهة لا وإلا ما بقي وضوء ولا غسل لماذا؟ لأن النظافة والنزاهة لا تتقيد بهيئة معينة لا بغسل ولا بوضوء وإنما المراد بها الطهارة الصغرى والكبرى إذن هذه حقيقة الحقيقة، ثم قال:-
ثُمَّ الْمَجَازُ مَا بِهِ تُجُوِّزَا ****** في اللفظِ عَنْ مَوْضُوعِه تَجَوُّزَا

إذا عَرَفَنا الحقيقة اللغوية السابقة إن عَرَّفنا الحقيقة بأنها اللفظ المستعمل لما وضع له ابتداء أولا أوفي موضوعه الأصلي - حينئذ - عَكْسُه المجاز فهو ما استعمل في غير موضوعه الأصلي، وعليه يكون المجاز مجازا لغويا فقط لأنه يقابله، وإذا قلنا الحقيقة ما استعمل فيما اصطلح عليه من المُخَاطِبة - حينئذ - انقسم المجاز إلى ثلاثة أقسام مجاز عُرفي، ومجاز شرعي، ومجاز لغوي، وهذا المعتمد عند المتأخرين أن المجاز قد يكون شرعيا، وقد يكون عرفيا، وقد يكون لغويا.
"ثم المجاز": ثم النوع الثاني المقابل للحقيقة المجاز. الأصل مَجْوَز على وزن مَفْعَل
اكتُفيَّ بجزء العلة وقلبت الواو ألفا وقيل مجاز وصف مكان من الجوازه.
"مَا بِهِ تُجُوِّزَا في اللفظِ عَنْ مَوْضُوعِه تَجَوُّزَا": ما: لفظ تُجُوِّز تَجَوَّزا مُتَجَوِز، تُجُوِّزا يَجُوز فيه الوجهان أن يبني للفاعل أو يبني للمفعول.
(4/18)

"ما به": الذي به تُجُوِّزَا، "به": هذا مُتَعَلِق بقوله تُجُوِّزَا، والألف: هذه للإطلاق "تُجُوِّزَا": أي تُعُدِي يعني عُدِّي المعنى، قلنا المجاز مأخوذ من الجواز بمعنى العبور يعني عُبِِرَ بهذا المعنى عن معناه الأصلي لا معنى آخَر فبدلا من أن نستعمل الأسد في حيوان مفترس عَبَرْنَا به، وجُزْنَا به عن معناه الأصلي إلى معنى ثاني هذا المعنى الثاني لابد أن يكون موضوعا لكن وضعا نوعيا يعني المجاز عند أربابه ليس كل لفظ يُسْتَعْمَل في المجاز لكن لابد من أن يكون موضوعا وضعا ثانويا فالوضع نوعان: عندهم وضع أولي وعليه الحقائق اللغوية، ووضع ثانوي وعليه المجاز ولكن مراده بالوضع الأولي هناك المفردات فلابد أن يُنْقَل كل لفظ استُعمِل فيما استُعمِل فيه وأما المجاز فلا، لا يشترط في أن يكون كل لفظ استعمل لا إذا نُقِلَ لفظ الأسد عن معناه الأصلي إلى معنى فرعي ثاني لا يُشتَرط في كل تركيب أن يُستَعمَل معنى الأسد فيما استعمل فيه أولا لكن لك أن تقيس على الأسد فتأتي فتقول: رأيت نَمِرًا يخطُب - مثلا - ما نقل نمر لكن نقل أسد لماذا؟ لأن النوع إذا نقل جاز القياس عليه من حيث الأفراد هكذا عندهم.
"ثم المجاز ما": لفظ، "تجوز به": يعني تُعُدِيَّ به من معناه الأصلي الذي وضع له في لسان العرب إلى معنى ثانوي كذلك موضوع لكن وضعا ثانويا لا وضعا أوليا ليكون ثَمَّ تغاير بين الحقيقة اللغوية والمجاز اللغوي، تُجوز "في اللفظ": يعني في استعمال اللفظ عن موضوعه يعني عما وضع له في أصل معناه اللغوي، "تَجَوزَّا": هذه زيادة وتكمله يعني تعدي صحيحا بأن يكون لعلاقة.
إذن حقيقة المجاز هو ما ذكره بقوله: ما به تجوزا في اللفظ عن موضوعه تجوزا، هذا على الحد الأول للحقيقة سبق أنها ما هي؟ ... ما استعمل من ذاك في موضوعه اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي إذا عَرَّفنَا المجاز بهذا المعنى نذكره بما ذكره الناظم هنا وهو ما به تجوزا في اللفظ عن موضوعه، وأما إذا عرفنا المجاز باعتبار التعريف الثاني ليشمل الأقسام الثلاثة وهو قوله ما يجري خطابا في اصطلاح قدوما - حينئذ - نقول:
المجاز ما استعمل في غير ما اصطُلح عليه من المُخَاطِبة بكسر الطاء.
وعليه يكون المجاز ثلاثة أقسام مجازا لغويا، ومجازا شرعيا، ومجازا عُرفيا فإذا استعمل كل لفظ فيما استعمله الطائفة الثالثة - حينئذ - نقول هذا يعتبر مجازا قال الناظم:-
"بِنَقْصٍ أَو زِيَادةٍ أَو نَقْلِ أَو اسْتِعَارٍة": المجاز له أبحاث طويلة لابد من اشتراط العلاقة، والقرينة الصارفة، ونحو ذلك وهذا بحثه في المطولات لا نستطيع أن نجول في مثل هذا الأمر لكن هذه حجة عليهم في جعل المجاز أنه داخل في باب الأسماء
والصفات لأن المجاز لابد من قرينة صارفه كقولنا: رأيت أسدا يخطب لابد من كلمة: يخطب لو أُسقِطت هذه الكلمة حملنا اللفظ على المعنى الحقيقي - المعنى اللغوي - لو
قلت: رأيت أسدا لو سكت نقول أسد هنا المراد به الحيوان المفترس لكن يخطب لابد من قرينه مذكورة لفظية، في باب الأسماء والصفات عندهم قرينة هي الاستحالة وهذه لا يُسَلَّم بها لأنها قرينة فاسدة:
(4/19)

{يَنْزِلُ رَبُّنَا - تَبَارَكَ وَتعالى -} (1)
قالوا: يستحيل. من قال لكم أنه يستحيل من أين؟ ... هذه عقول فاسدة وعقول خربة لم تتصور حقيقة الباري - جل وعلا - مع قوله - تعالى -:
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (2)
وهو مقرر ذلك قال في المراقي:
وحيثما استحال الأصل يُنْتَقَل إلى المجاز
يعني باتفاق المجازيين أنه لا يمكن استعمال المجاز في الأسماء والصفات لكن مع ذلك أبَوْ واستعملوها لماذا؟ لأنه لا يُعدَلُ عن الحقيقة إلا عند تعذر حمل اللفظ على حقيقته هذا باتفاق المجازيين لا خلاف بينهم أنه لا يجوز أن يقال هذا اللفظ استعمل في مجازه وليس في المعنى اللغوي إلا إذا تعذر يعني لا يمكن حمل اللفظ على معناه اللغوي.
وحيثما استحال الأصل (3) ... ***** يُنْتَقَل إلى المجاز أو لأقرب حصل
فنقول هذا ممكن حمله في كلام الرب - جل وعلا - في صفاته وأسمائه ينزل ربنا مع قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} الشورى: 11 تخيلت شيئا في ذهنك الفاسد، وأسقطت نظرك عن بقية الأدلة وحملت تلك على المجاز، ولذلك لا يظن الظان بعض الطلاب قد يخطئ في فهم شيء ما وهو أن من نفى المجاز قد رد على الأشاعرة وأبطل أدلتهم عن بَكرَة أبيها لا، الأشاعرة وغيرُهُم ممن قال بالتأويل أو التحريف على الصحيح تحريف الصفات لم يقولوا ابتداء أنه مجاز، وإنما عندهم مقدمة أولية هي التي أوقعتهم في التحريف أولا قالوا نصوص الصفات ليست على ظاهرها ينزل ربنا لا نفهم منه إلا النزول الذي ندركه من المخلوق أليس ذلك؟ ... هذا هو أول مبتدأ عندهم أنهم فهموا من النصوص ما يفهمه المخلوق من نفسه {الرَّحْمَنُ على العرش اسْتَوَى} (4)
__________
(1) - الحديث رواه البخاري رقم (1145) باب الدعاء من أخر الليل، ومسلم برقم (1808) باب الترغيب في الدعاء وكلاهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَ - تعالى - كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِى فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِى فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِى فَأَغْفِرَ لَهُ».
(2) - الشورى (11).
(3) - الأصل هنا الذي هو الحقيقة.
(4) - طه (5).
(4/20)

لم يفهموا من الاستواء إلا الذي يليق بالمخلوق قالوا: محال أن يقال أو يُحمل هذا اللفظ على ما نعرفه من أنفسنا هل يُسَلم لهم أو لا هذا؟ قبل أن يقولوا ما المخرج في هذا الفهم قالوا مجاز قبل أن نقول لهم أو ننقاشهم في المجاز نقول تعالوا أولاً من قال لك ينزل ربنا أن هذا اللفظ لا يفهم منه إلا ما فهمته أنت؟ لماذا لم تضع ينزل ربنا بجوار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}؟ لو وضع هذه بجوار هذه ما فهم ما فهمه بعقله الناكس، وإنما ترك عقله ليفهم أن هذه الظواهر لا يُدرِك منها إلا ما يُدركَه من نفسه ثم بعد ذلك بحث عن المخرج وقال: مجاز، لو أنكرت المجاز ما حللت المشكلة عنده لأنه لم يفهم من ظاهر النصوص إلا ما يفهمه من نفسه هذه المقدمة الأولي فلا يظن الظان أنه إذا أنكر المجاز فأنه إذاً قضي على أدلة الأشاعرة وغيرها ولذلك يستبعد أن بن تيمية - رحمه الله تعالى - أبطل المجاز من أجل هذا ... بعيد جدا، وإنما أنكره لكونه لم يوجد في لسان العرب أصلا ... لا لكونه ردا على الأشاعرة لأنه ضعيف مسلك ضعيف، ابن تيمية - رحمه الله تعالى - اكبر من ذلك.

ثُمَّ الْمَجَازُ مَا بِهِ تُجُوِّزَا ... **** في اللفظِ عَنْ مَوْضُوعِه تَجَوُّزَا
بِنَقْصٍ أَو زِيَادةٍ أَو نَقْلِ ... **** أَو اسْتِعَارٍة كنَقْصِ أَهْلِ
وَهْو الْمُرَادُ فِي سُؤالِ الْقَرْيَة ... **** كَمَا أَتى فِي الذِّكْرِ دُونَ مِرْيَهْ

"بنقص": هذا النوع الأول كأنه قال لك المجاز أنواع مجاز بالنقص، ومجاز زيادة
، والنقل، والاستعارة.
"بنقص": الباء: سببية يعني بسبب نقص، "أو زيادة": يعني زيادة في اللفظ،
"أو نقل": يعني نقل اللفظ عن معناه الأصلي إلى معنى آخر لمناسبة لابد من المناسبة بين المنقول عنه إلى المنقول إليه، "أو استعارة": هذا النوع الرابع وهو مجاز علاقته المشابهة كل مجاز مبني على التشبيه فهو مجاز بالاستعارة، وكل مجاز لم يبنَ على التشبيه فهو مجاز مرسل ثم مثل لهذه الأربع، "كنقص أهل وهو المراد في سؤال القرية": (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا) (1) في لسان العرب أطلق القرية مرادا بها الأبنية المجتمعة يعني ليس أهلها قال: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)، القرية ما تُسأل وإنما المراد ماذا؟ اسأل أهل القرية إذن عندنا مضاف محذوف كل مضاف حذف لابد وأن يكون ثَمَّ دليل عليه لأنه لا يجوز الحذف باتفاق النحاة وغيرهم لا يجوز حذف لفظ من التركيب إلا إذا دل عليه دليل والدليل الذي يبقي هو القرينة الدالة على أنه مجاز
"وحذف ما يُعلم جائز" هذا قاله ابن مالك، فما تقول زيد بعد من عندكما يعني فلابد من قرينة إما يكون جواب سؤال، وإما أن يكون مضاف دل عليه دليل.
"كنقص أهل": يعني مجاز بالنقص وهو مجاز الإضمار وشرطه أن يكون في المُظهَر دليل على المحذوف وهو أي هذا النقص المراد في سؤال القرية سؤال القرية إذ استحالة أن تسأل الأبنية اسأل القرية أولاد يعقوب قالوا لأبيهم:
(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا) (2) القرية هي البيوت، مساكن
ولذلك جاء قوله - تعالى -:
{قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين} العنكبوت: 31
__________
(1) - يوسف (82).
(2) - يوسف (82).
(4/21)

فدل على أن ثم فرق بين القرية وأهلها، فإذا قيل: اسأل القرية، السؤال لا يتوجه إلى جمادات
وإنما يتوجه إلى الأحياء فدل على أن ثم محذوفا وهو لفظ أهل حذف المضاف
وأقيم المضاف إليه مُقَامه والقرينة الدالة على ذلك توجه السؤال إلى هذه الجمادات واسأل القرية وهو المراد في السؤال، السؤال هو القرينة العقلية.
كما أتي ذلك المثال في الذكر في القرآن، دون مرية يعني بغير شك .. تكملة.
"وكازدياد الكاف في كمثله":
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (1)
هذا خلاف مشهور بين أهل العلم، والصحيح في هذه الآية: "ليس كمثله" أن الكاف زائدة وزيادتها هنا لتأكيد المعنى والقول بالزيادة قول معتبر في لسان العرب بل كثير في لسان العرب وأما إطلاقه في القرآن فهذا ينبغي أن يُحَرَر معنى ما المراد بالزيادة؟ هل مراد النحاة أو البيانيين بأن الزيادة هي دخولها وخروجها سواء يعني لو حذف الحرف ولم يبقَ استوي التركيبان؟ ليس مرادهم هذا وإنما مرادهم أن اللفظ قد استعمل في غير ما وضع له في لسان العرب ليس كمثله شيء الكاف للتشبيه وما دلت عليه كاف التشبيه هو الذي دل عليه لفظ مثله أليس كذلك؟ مثلية ثابتة - حينئذ - ليس كمثله ليس مثل مثله وهذا ليس المراد، وإنما المراد نفي المثيل لا نفي مَثيل المَثيل فيلزم منه إثبات المثيل هذا ليس مرادا والحق في هذا بأن يقال أن الكاف هنا زائدة وزيادتها لتأكيد النفي، ولا مانع من القول بالزيادة .. نعم. قد لا يُسَمى زائدة تسمى صله تسمى تأكيدا لا بأس في الاصطلاحات لكن المراد هنا بالزيادة ليس المراد زيادة اللفظ دخوله وخروجه سواء وإنما كونه استعمل في غير ما وضع له في لسان العرب وهو إفادة التأكيد.
(هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله) (2) أكثر النحاة على أن لفظ خالق هذا مبتدأ، ودخلت عليه مِنْ
وهنا مِنْ دخلت على نكره وهي نص في العموم.
(مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ) (3) بشير هذا أكثر النحاة على أنه فاعل لجاء، ودخلت عليه من إذاً دخول حرف الجر كثير في لسان العرب ويدل على ذلك
قوله - تعالى -: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) (4) فهي كالحجارة أو أشد: هنا استعملت استعمالا اسميا ليس في هذا الموضع.
وسم ما يزاد له صله أو قل مؤكدا وكل قيل لكن زائد لفظ اجتنب إطلاقه في منزل
كذا وجب يعني يُسمى زائد ويسمى تأكيد لكن لا يسمى لفظا لأنه إذا قيل لا هذه لفظ - حينئذ - فيه نوع امتهان للقرآن.
"وكازدياد الكاف": حرف الكاف في قوله - تعالى -: {ليس كمثله} - حينئذ - الكاف هذه زائدة
والعرب إذا زادت حرفا في التركيب دل على أنه مؤكد يعنى مقرر عندهم مرتين فأكثر ليس مثله شيء إذاً زيد كاف كأنه قال ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، وكل حرف يزاد للتأكيد فهذا معناه إن زيدا قائم معناه زيد قائم، زيد قائم، زيد قائم، لأن الحرف هنا يدل على ماذا يدل على التوكيد وكل حرف تدخله العرب للدلالة على التأكيد فهو في قوة تكرار الجملة مرتين أو ثلاثة.
__________
(1) - الشورى (11).
(2) - فاطر (3).
(3) - المائدة (19).
(4) - البقرة (74).
(4/22)

"والغائطِ المَنْقُولِ عَنْ مَحَلِّهِ": الغائط: يعني لفظ الغائط هذا يستعمل في المكان المنخفض كل مكان مطمئن منخفض يسمى غائطا، لكن العرب لما كانت إذا أرادت التغوط ذهبت إلى مكان منخفض - حينئذ - سمي الحالُّ باسم المحل يعني هو مجاز مرسل علاقته إطلاق المحل على الحال فسُمي الخارج نفسه من الدبر سُمي ماذا؟ سُمي غائطا باعتبار المحل، وهذا نُقل اللفظ من غاط يغوط الأصل أنه إذا نزل وهبط - حينئذ - نقل هذا اللفظ سُمي به الحال ما العلاقة كأنه لم يفعل هذا ويقضي حاجته إلا في مثل هذا الموضع
"والغائطِ المَنْقُولِ عَنْ مَحَلِّهِ": محله: يعني الذي اعتبر الأصل وهو المكان المطمئن
رَابِعُها كَقَوْلِهِ - تعالى - ... يريد أن ينقضَّ يَعْنِي مَالاَ
"رابعها": يعني رابع الأقسام.، ما لا، جدارا يريد لأن ينقض هنا هذه استعارة مجاز علاقته التشبيه يعني المشابه وهذا يُنَازع فيه أرباب المجاز ليس كل ما قيل فيه مجاز يسلم لهم، ولذلك لو حُرر بابا المجاز ونُقِّح وهُذِّب لسلم كثير منهم ولا اعتراض عليهم فيه، "جدار يريد أن ينقض": اثبت الرب - جل وعلا - أن الجدار وهو جماد وهو خالقه، وهو أعلم به أثبت له إرادة لماذا نقول هو مجاز والعقل لا يتصور ذلك بل الظاهر أنه على حقيقته قال - تعالى -
(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (1)
إذاً لا داعي أن نقول هذا لا يصدر من الجمادات فقد تثبت بعض الصفات التي للأحياء للجمادات، ولذلك بكي الجذع، والشجرة دعاها النبي - صلي الله عليه وسلم - وخطت الطريق وأتت، ثوبي حجر ثوبي حجر ... إلى آخره ما ذُكر في كتب المعتقد
لكن ما أراد المصنف هنا أن يمثل به الاستعارة التصريحية التبعية جدار يرد أن ينقض شبه ميل الجدار إلى السقوط بإرادة السقوط التي هي من صفات الحي لذلك بجامع القرب من الفعل في كل ثُمَّ استُعير اللفظ الدال على المشبه به للمشبه ثم اشتق منه يريد بمعنى يميل على سبيل الاستعارة التصريحية.
"رابعها كقوله - تعالى - يريد": يعني الجدار "أن ينقض": يعني يميل، ولذا قال "يعني مالا": هذا الجدار ففيه تشبيه الجدار بالحي الذي له إرادة أن يميل كأنه أراد أن يميل فشبه الجدار بالإنسان وهذه الإرادة من خصائص الإنسان ومن قال لكم أنها من خصائص الإنسان الله - عز وجل - أمر السماوات والأرض (ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (2) أن آتيا قالتا: نطقت أو لا؟ ... قالتا القول هنا القول اللفظ لأن القول مرادف عند بعض النحاة للفظ إذاً فيه لفظ قالتا على ظاهره نطقتا، ولا يلزم من ذلك أن يكون لهما لسان الله أعلم كيف نطقتا؟ قالتا آتينا طائعين إذاً نؤمن بهذا نؤمن بهذا قالتا آتينا طائعين وأما التحريف لظواهر النصوص لقصور في الفهم والعقل ونحو ذلك هذا كله باطل يعني لا نسترسل في خلف كل ما قيل في أنه مجاز أنه ليس بمجاز أو أنه مجاز لابد من تحرير كل موضع بحسبه وكما ذكرت أن هذا الباب لابد من الرجوع إلى مظانه والله أعلم.
وصلي الله وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين.
__________
(1) - الاسراء (44)
(2) - فصلت (11).
(4/23)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه قال الناظم رحمه الله - تعالى -:-

بَابُ الأَمْرِ
وَحَدُّه استِدعَاء فِعْلٍ (1) وَاجِبِ
بِالقَولِ مِمَّنْ كَانَ دُونَ الطَّالِبِ
بِصِيغَةِ افْعَلْ فَالوُجُوبُ حُقِّقَا
حَيثُ القَرِبنَةُ انتَفَتْ وَأُطْلِقَا
لَامَعْ دَلِيلٍ دَلَّنَا شَرْعًا عَلَى
إِبَاحَةٍ فِي الفِعْلِ أَوْ نَدْبٍ فَلَا
بَلْ صَرْفُهُ عَنِ الوُجُوبِ حُتِمَا
بِحَمْلِهِ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُمَا
وَلمَ ْ يُفِدْ فَورًا وَلَا تَكْرَارَا
إِنْ لمَّ ْيَرِدْ مَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَا
وَالأَمْرُ بِالفِعْلِ الْمُهِمِّ الْمُنْحَتِمْ
أَمْرٌ بِهِ وَبِالَّذِي بِهِ يَتِمْ
كَالأَمْرِ بِالصَّلَاةِ أَمْرٌ بِالوُضُو
وَكُلِّ شَيءٍ لِلصَّلَاةِ يُفْرَضُ
وَحَيثُمَا إِنْ جِيءَ (2) بِالْمَطْلُوبِ
يَخْرُجْ بِهِ عَنْ عُهْدَةِ الوُجُوبِ
بَابُ النَّهِي
تَعْرِيفُهُ اسْتِدْعَاءُ تَرْكٍ قَدْ وَجَبْ
بِالقَوْلِ مِمَّنْ كَانَ دُونَ مَنْ طَلَبْ
وَأَمْرُنِا بِالشَيءِ (3) نَهْيٌ مَانِعُ
مِنْ ضِدِّهِ وَالعَكْسُ أَيضًا وَاقِعُ
وَصِيغَةُ الأَمْرِ الَّتِي مَضَتْ تَرِدْ
وَالقَصْدُ مِنْهَا أَنْ يُبَاحَ مَا وُجِدْ
كَمَا أَتَتْ وَالقَصْدُ مِنْهَا التَّسْوِيَهْ
كَذَا لِتَهْدِيدٍ وَتَكْوِينٍ هِيَهْ

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:-
قال الناظم رحمه الله - تعالى -: ... باب الأمر
هذا شروع في المقصود من هذا الفن العظيم الجليل الذي ذكرنا فيما سبق أنه لا استنباط من الكتاب والسنة إلا بِفَهم هذا العلم، وباب الأوامر والنواهي من أعظمأبواب أصول الفقه.
"باب الأمر": يدخل تحته الواجب، والمندوب، "والنهي": يدخل تحته المحرم، والمكروه. إذاً سائر أفعال العباد دخلت في هذين البابين ينبغي العناية بهذين البابين معرفة الأمر ومعرفة صيغ الأمر وما يدل عليه وما يتعلق بالمسائل التي يذكرها المصنف رحمه الله - تعالى - ذكر في هذا الباب أَشْهَر المسائل التي يحتاجها طالب العلم سواء كان هذا مبتدأ أو غيره، كذلك ذكر في باب النهي كما ذكرنا في السابق أن هذه المتون إنما تعتني بجمهرة المسائل التي يحتاجها من يدرس هذا الفن فكل مختصر ابتدأ إنما يذكر المصطلحات العامة، ويذكر المسائل العامة التي يفتقر إليها طالب العلم في هذا الفن.
__________
(1) وفي نسخة أَمْرٍ
(2) وفي نسخة إِنْ جَاءَ
(3) وفي نسخة لِلشَّيءِ
(5/1)

"باب الأمر": ذكرنا أنه أحد شقي التكليف إذ سبق أن خطاب متعلق بفعل المكلف بالاقتضاء، والاقتضاء عرفنا أنه: طلب يعني طلب فعل أو طلب ترك، والأول إما أن يكون طلباً للفعل على سبيل الجزم فهو الواجب أو على سبيل عدم الجزم وهو المندوب، والثاني طلب الترك إما أن يكون على سبيل الجزم فهو التحريم أو لا وهو الكراهة باب الأمر: أمرَ: هذه فيها كلام للأصوليين قد لا نحتاجه في هذا الموضع ولكن عرفه الناظم بقوله:-
وحَدُّهُ اسْتِدْعَاءُ فِعلٍ واجبِ **** بالقولِ مِمَّنْ كان دُونَ الطَّالِبِ

كذا بالأصل: استدعاء فعل بالقول على وجه الاستعلاء. هذا هو المشهور عند الأصوليين في التعبير عن الأمر، وإن كانت العبارات تختلف لكن المؤدَّى هو هذا
ويُصَدِّرون حد الأمر كالنهي وغيره بالاستدعاء، "وحده": الضمير هنا يعود إلى الأمر
وحد بمعنى: تعريف يعني تعريف الأمر في الاصطلاح.
"اسْتِدْعَاءُ فِعْلٍ": السين هذه للتأكيد، وليست للطلب لأنه لو كانت للطلب بمعنى الدعاء صار طلب الطلب، وليس هذا المراد وإنما المراد أن يكون هذا الأمر مُسْتَدعًا - حينئذ - تكون هذه السين للتأكيد دون الطلب، والدعاء بمعنى الطلب كما سبق بيأنه "استدعاء": هذا خبر المبتدأ حده وهو مضاف فعل، مضاف إليه استدعاء طلب وعرفنا أن الطلب نوعان: طلب فعل وطلب ترك إذا في قوله استدعاء دخل ماذا؟ دخل النهى والأمر لأن كل منهما استدعاء - حينئذ - نحتاج إلى إخراج النهي لأن النهي استدعاء لكنه ليس استدعاء فعل فأضافه هنا إضافة تقييد من باب الاحتراز - فحينئذ - قوله استدعاء فعل أخرج استدعاء الترك وهو النهي بنوعيه سواء كان نهي تحريم أو نهي تنزيه إذاً قوله: "استدعاء فعل": أخرج النهي، والفعل المراد به هنا هو ما سبق في حد الحكم المتعلق بالفعل المكلف عرفنا أن الفعل هناك يشمل القول، والفعل بالجوارح، والاعتقاد، والنية فكل ما كان محلا لتعلق حكم الله - تعالى - به سواء كان قولا قلبيا أو عملا قلبيا أو كان باللسان أو كان بعمل الجوارح فهو داخل في هذا الأمر - حينئذ - "استدعاء فعل": استدعاء اعتقاد، استدعاء نية، استدعاء قول، استدعاء فعل بالجوارح، وهذه كلها قد تكون كلها محلا للواجب إذ الاعتقاد منه واجب، ومنه غير واجب، وكذلك قول اللسان يُسَمَّى فعلا حتى في لسان العرب ولذلك جاء في قوله - تعالى -:
(وكذالك جعلنا لكل نبيِّ عدوَّا شياطين الإنس والجن ِّ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك مافعلوه فذرهم وما يفترون) (1)
ما فعلوه: يعني ما قالوه فأطلق على القول أنه فعل.
إذاً استدعاء فعل: أي طلب ما يعد فعلا لغة أو عُرفاً فشمل القول، والنية، والاعتقاد.
"اسْتِدْعَاءُ فِعْلٍ": أي طلب فعل عرفنا أن طلب الفعل على وجهين إما أن يكون على جهة الجزم، وإما أن يكون على جهة عدم الجزم، وهل الأمر خاص بالأول دون
__________
(1) - الأنعام (112)
(5/2)

الثاني أو هو شامل لهما؟ - حينئذ - يكون الأمر على نوعين أمر استحباب وأمر إيجاب. المصنف هنا - الناظم - كالأصل قيد هذا الاستدعاء بكونه واجبا بمعنى أن مفهوم الأمر اختص بماذا؟ ... يختص بالواجب، وعليه يكون المندوب ليس مأمورا به وهذا خلاف المشهور، والصواب أن المندوب مأمور به - حينئذ - قوله "واجب": يعني على سبيل الوجوب فهو مُخرِج للأمر على سبيل الندب بأن يجوز الترك، وعليه المندوب ليس مأمورا به، والصحيح أن المندوب مأمور به لأنه طاعة، والطاعة هي امتثال المأمور والمندوب طاعة أليست سنة الفجر الراتبة طاعة، أليس السواك طاعة؟ ... والطاعة هي امتثال المأمور - حينئذ - دل ذلك على أن المندوب مأمور به إذ كل منهما استدعاء فعل سواء كان على جهة الإيجاب فهو مأمور به أو كان على سبيل عدم الإيجاب يعني يُجَوَّز الترك فهو المأمور به خلاف لما ذهب إليه الناظم تبعا للأصل فأكثر الأصوليين على أن المندوب مأمور به.
إذاً قوله: "فعْلٍ واجبِ": واجب: احترز به عن المندوب فليس المندوب مأمورا به على ما ذهب إليه المصنف رحمه الله - تعالى -، والصواب خلافه.
قال: "بالقول": المعروف أن القول يكون باللفظ، وهذا جار ومجرور متعلق بقوله: "استدعاء" يعني هذا الطلب كائن بالقول - حينئذ - إذا حصل الاستدعاء - استدعاء الفعل - بالإشارة لا يُسَمَّى أمرا على ما ذهب إليه المصنف فإذا قال زيد لعمرو .... ماذا يفهم؟ اجلس، اجلس فهمنا الطلب والاستدعاء لفعل أو لا؟ استدعاء فعل لا شك
نقول لهم هذا استدعاء فعل على كلام الناظم رحمه الله - تعالى - لا يسمى أمرا لماذا؟ لأن الأمر لا يكون أمرا إلا إذا كان ملفوظا به فإذا كان بالإشارة استدعاء فعل ولو كان واجب لا يسمى أمرا كذلك خرج الطلب بالكتابة، كتب إليه كتابا قال له: اسلم تسلم هذا لا يسمى أمرا على ما ذهب إليه الناظم رحمه الله - تعالى - لماذا؟ لأن خصوصية هذا الأمر مأخوذَةٌ من لسان العرب، ولا شك أن الكلام سبق ينقسم ويتنوع إلى خبر وإنشاء ومن الإنشاء الأمر - حينئذ - الكلام هو المُنقَسِم ولا يكون الكلام إلا لفظا فما لم
يكن كلاما - حينئذ - لا ينبغي إدخاله في هذا الحد، "استدعاء فعل واجب بالقول": خرج به الطلب بالإشارة، والكتابة، وكذلك القرائن المُفْهِمَة - حينئذ - إذا قررنا هذا على ما ذهب إليه الناظم ما ورد في السنة النبوية بكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الصحابة لما جلس قال: اجلسوا، وأشار إليهم في الصلاة لا يُعد أمرا، وما كتبة النبي - صلى الله عليه وسلم - للبعض بالرسائل: أسلم تسلم لا يُعد أمرا إذا لم يأمرهم بالتوحيد، ولم يأمرهم بالإسلام، ولذلك نقول: الأمر اللغوي يُخالف الأمر الشرعي فالأمر الشرعي أمر لغوي وزيادة فما جاء فيه الطلب في الشرع ولو كان بالإشارة كالمثال الذي ذكرناه أو بالكتابة كالمثال الذي ذكرناه فهو أمر شرعاً.
- وحينئذ - نقول بالقول هذا احتراز ينبغي أن يُلغَى ولا يعتبرا قيدا في الحد كما سيأتي تلخيصه بالقول إذًا هذا جار ومجرور متعلق بقوله استدعاء ممن كان دون الطالب اشترط المصنف هنا أن يكون الطلب من أعلى إلى من هو دون.
(5/3)

"ممن": هذا جار ومجرور متعلق بقوله: "استدعاء"، "ممن كان دون الطالب": يعني استدعاء فعل واجب وقع من رجل أعلى لمن هو دونه - حينئذ - إذا وقع من مساوي لمساوي لا يسمى أمرا، لو وقع من أدنى إلى أعلى لا يسمى أمرا أليس كذلك؟ أحد أفراد الرعية للحاكم افعل كذا لا يسمى أمرا، وإنما يُسمَّى دعاء، والصاحب لصاحبه، والزميل لزميله لو قال: افعل كذا - اجلس -، قم .... .... إلى آخره لا يسمى أمرا وإنما يسمى التماسا -
أمر مع استعلا وعكسه دعا ****** وبالتساوي فالتماس وقع
هنا اشترط المصنف أن الأمر لا يكون أمرا إلا إذا كان من أعلى إلى أدنى، ولذلك قال:-
"ممن كان": أي وجد، "دون الطالب": في الرتبة فخرج به لطلب من المساوي والأعلى لما ذكرناه سابقا فلا يَصدُق الأمر إلا به أن يكون الطالب أعلى رتبة من المطلوب منه - حينئذ - إذا لم يكن كذلك لا يُسَمَّى أمرا. هذا هو حد الأمر عند المصنف وعليه كثير من الأصوليين، وأكثر الأصوليين اشترط الاستعلاء وهنا اشترط العلو وإن خالف الكثير. إذاً: استدعاء فعل واجب بالقول ممن كان دون الطالب هذا كما ذكرنا هو المشهور والصحيح في تعريف الأمر إن أرادنا التعميم نقول: هو ما دل على استدعاء الفعل
ما:- اسم موصول بمعنى الذي فيشمل القول، ويشمل الإشارة، ويشمل الكتابة هو داخل في الكل نحن نُعَرِّف الأمر الشرعي لكن الأمر الشرعي له حقيقة شرعية رأينا النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه وهو مشرع عليه الصلاة والسلام فالصلاة بالإشارة أمرهم بذلك لو لم يمتثلوا قلنا عصوا أليس كذلك؟
فدل على أنهم عصوا وخالفوا ماذا؟ خالفوا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - مع كونه بالإشارة كذلك كونه كتب لبعض ملوك الأرض: اسلم تسلم لو قيل بأنه لم يأمرهم وما دعاهم إلى التوحيد وهذا باطل وعلى هذا نقول يجب أن نُفَسِّر الأمر الشرعي بأنه عام يشمل الأمر اللفظي وهو الذي يَخُصُه النحاة وأهل اللغة ويشمل الأمر بالإشارة ويشمل الأمر بالكتابة.
(5/4)

ما دل على استدعاء الفعل: دل على استدعاء: هذا خرج كل ما دل على غير الاستدعاء من التمني، والترجي .... إلى آخره لأن البحث فيما يدل على الطلب استدعاء الفعل اختص به الأمر دون النهي لأن النهي استدعاء الترك إذاً فسرنا الأمر بكونه لفظا أو إشارة أو كتابة وما ذهب إليه الناظم بأنه الاستدعاء هذا فيه نظر لماذا؟ لأن الأمر هو قسم من أقسام الكلام هذه مسألة مهمة عقدية انتبه الأمر قسم من أقسام الكلام - حينئذ - كل كلام لا يكون إلا لفظا ومعلوم هنا أن البحث في ماذا؟ بحث في الكتاب، وبحث في السنة يعني أمر شرعي هذا الأصل فيه - حينئذ - أمر الرب - جل وعلا - ما هو؟ هو نوع من أنواع الكلام، والكلام هذا وقع فيه نزاع عند المتأخرين وجماهير الأصوليين على عقيدة الأشاعرة ومن شاكلهم - حينئذ - لما فسروا الأمر في الأصل قسموا الأمر إلى نوعين أمر نفسي، وأمر لفظي، والأمر النفسي هو الذي يعرفونه بالاستدعاء، ولذلك أول ما يبدأ في الحد بقوله اقتضاء فعل أو استدعاء فعل إذا رأيت هذه الكلمة فاحذر لأن إما أن تكون أشعرية واضحة بينه أو أشعرية مغلفة، أشعرية بينه واضحة متى؟ ... إذا حذف لفظ القول، وأشعرية مغلفة إذا ذكر لفظ القول كما هو الشأن في هذا الموضع استدعاء فعل ما هو الأمر هو الاستدعاء وهذا الاستدعاء أمر معنوي، ونحن نقول الأمر قسم من أقسام الكلام، والكلام هو: اللفظ المفيد .. فكيف يكون استدعاء نقول هذا فيه خلل - وحينئذ - نبين أن الحد الصحيح إما أن يُصَدَّر باللفظ الدال على طلب الفعل هذا إن أخرج الإشارة والكتابة، ولم ير أنها أمر وإما أن يأتي بلفظ أعم من كلمة لفظ ليشمل الإشارة والكتابة، ولذلك أدل ما يدل عل ما ذكرته وهذا ليس من كيسي لما عَرَّف الأمر في مراقي السعود قال: هو اقتضاء فعل مرادف لقوله استدعاء بمعنى الاقتضاء هو الاستدعاء
هو اقتضاء فعل غير كَفِّ ... دُل عليه لا بنحو كُفِّ
هذا أمر هذا الذي حُد به النفسي ... وما دل عليه دل قل لفظي
فعندهم أمر لفظي وهو صيغة افعل، وهذا مخلوق عندهم ليس بكلام الله - عز وجل - وليس هو الذي يُعرفونه، وإنما يُطلِقون عليه الأمر مجازا ويطلقون عليه كلام الرب - جل وعلا - مجازًا، الأمر الحقيقي هو الأمر النفسي وهو الذي يُعَرَّف بقولهم اقتضاء فعل غير كَفِّ وهو الذي ذكره الناظم هنا وعليه نقول هذا التعريف وسائر التعاريف الموجودة في كتب الأصول ينبغي التَنَبُه عليها أو التَنَبُه لها لماذا؟ ... لأن الأمر نوع من الكلام - كلام الله - - عز وجل - والنهي كذلك نوع من الكلام والعام والخاص .... إلى آخره، ولذلك يذكرون سؤالا بدعيا إذا عرفوا الأمر هل للأمر صيغة أم لا ... هل الأمر له صيغة أو لا؟ هل النهي له صيغة أو لا؟ كل باب بعد ما يُعَرَّف يذكرون مسألة ويذكرون الخلاف فيها - أنا اذكر هذه المسألة قد تكون كبيرة على البعض لكن لعلي لا ألقاكم بعد يومي هذا لكن باب التنبيه - فأقول:
(5/5)

يعرفون العام ثم يقولون هل له صيغة أو لا؟ .. يعرفون النهي ثم يقولون هل له صيغة أو لا؟ ... الأمر هل له صيغة أو لا؟ هذا بناءً على ماذا؟ ... بناء على إثبات الكلام النفسي وأن الأصل في العام هو اللفظ النفسي كذلك النهي هو النهي النفسي والأمر هو الأمر النفسي وما دل عليه هذا يُسمى أمرا مجازا، ونهيا مجازا، وعامًا مجازا فانتبه فإذا مر بك هل الأمر له صيغة أو لا أقول كف عني سؤالك هذا سؤال بدعي ولا أصل له في الكتاب والسنة لأن عين افعل هي الأمر أقم الصلاة أقم: اللفظ نفسه مجموع اللفظ والمعنى هو الأمر فليس عندنا أمر نفسي وشيء يدل عليه هذا تفريق أحدثه الأشاعرة وغيرهم.
إذاً "استدعاء فعل واجب بالقول": أراد به أن يستدرك ما ذكره بقوله: استدعاء بأن المراد هنا هو الأمر اللفظي - وحينئذ - نقول الأولى تحرير الألفاظ في مثل هذا المقام والعدول بهذا الحد عما ذكرته سابقا إما أن يقال: لفظ دال على استدعاء فعل وهذا أجود ولا بأس به، والأولى أن يُدخِل الإشارة والكتابة ونقول: ما دل على استدعاء فعل.
حده: استدعاء فعل واجب بالقول ممن كان دون الطالب هنا اشترط المصنف الاستعلاء، والبعض اشترط العلو، وجماهير الأصوليين يشترطون الاستعلاء والمصنف اشترط العلو والمراد بالعلو أن يكون أعلى رتبة في شرف الآمر ممن هو دونهم والمراد بالاستعلاء أن يكون اللفظ فيه غلظة وترفع وقهر - حينئذ - صار العلو صفة في المتكلم - الآمر - وصار الاستعلاء صفة في الكلام نفسه هل يشترط في تحقيق الأمر أن يكون صادرا إما بعلو أو استعلاء؟ المشهور عند الأصوليين أربعة مذاهب الجمهور على اشتراط الاستعلاء ثم ذهب الناظم كأصله إلى اشتراط العلو والصحيح في المسألة أن لا يشترط فيه لا علو، ولا استعلاء وهذا الذي قرره في المراقي بقوله:-
وليس عند جل الأذكياء ***** شرط علو فيه واستعلاء
فلا يشترط فيه العلو ولا الاستعلاء خلافا لكثير من الأصوليين. لماذا نقول هذا؟ ... لأن البحث هنا بحث لغوي شرعي يعني مشترك بين اللغة وبين الشرع فما جاء به الأمر من جهة اللغة أثبتناه وهو اللفظ وزدنا عليه الإشارة والكتابة ويبقى ما عداه على أصله في وضعه في لسان العرب لم نجد في لسان العرب من صرح من أهل اللسان بأن الأمر لا يكون أمرا إلا إذا كان من أعلى إلى من هو دونه وهذه مجرد اصطلاحات عند البيانيين لا برهان عليها ألبتة وقول صاحب السُلَّم بقوله:-
وأمر مع استعلا وعكسه دعا ****** وبالتساوي فالتماس وقع
(5/6)

هذا غلط بينَّا غلطه بالتفصيل في محله في شرح السلم المنورق من أراد فليرجع إليه. إذاً الصحيح لا يشترط لا علو ولا استعلاء لا يشترط في حد الأمر علو من كون الطالب أعلى مرتبة من المطلوب منه ولا يشترط فيه الاستعلاء من كون الطلب بغلظة بل يصح من المساوي، والأدون، والاستعلاء هيئة من الأمر في الترفع وإظهار القهر والعلو هيئة في الأمر من شرفه وعلو منزلته وهذا مذهب الحذاق من الأصوليين وكذلك أهل اللغة بل لا أعرف أحد من أهل اللغة اشترط في الأمر أن يكون لابد على وجه الاستعلاء أو العلو، وإن كان جمهور الأصوليين على اشتراط الاستعلاء وهذا يحتاج إلى دليل ولا دليل عندهم وبعضهم ذهب إلى اشتراط العلو وهذا مذهب المعتزلة وقد وافقهم المصنف هنا رحمه الله - تعالى -.
ثم قال: "المصنف بصيغة افعل": وهذا يُعَنْوَنُ له هناك هل الأمر له صيغة أو لا؟ ثم المُرحج عندهم أنه له صيغة عند جماهير الأشاعرة أن له صيغة لكن هذه الصيغة مخلوقة وهي صيغة: افعل، وهذا كلام باطل معروف في موضعه بل الصيغة: افعل وافعل هي الصيغة، والصيغة هي افعل يعني إذا عُبِّر بلفظ الصيغة لا يلزم منه أن يكون المتحدث يوافق الأشاعرة، وإنما تكون هنا الإضافة على معنى البيان إضافة بيانية صيغة هي افعل فعين الأمر هو "أقم الصلاة"، أقيموا: هذا فعل أمر أليس كذلك؟ أقيموا الصلاة نقول أقيموا هو بعينه - لفظا ومعنى - هو صيغة وليس الصيغة شيء مُغَاير عن الأمر فاللفظ والمعنى مُتَحِدان كالجسد والروح بالنسبة الإنسان فلا نقول الكلام هو اللفظ دون المعنى ولا المعنى دون اللفظ هذه كلها خرافات المعتزلة ومن شَاكَلَهُم.
"بِصِيغَةِ افعل": أي بالصيغة الدالة على الأمر "افعل"، وليس المراد هذا الوزن بخصوصه بل كون اللفظ دال على الأمر بهيئته يعني كل ما دل على طلب فعل من جهة لسان العرب فهو أمر افعل، افعلى، افعلا، افعلوا، افعلن هذه كلها تدل على ماذا؟ ... على الطلب وهي أفعال أمر عند النحاة وكذلك: تَفَعَّل، استَفْعِل، افعل ... كل هذه تدل على الأمر وهل هو خاص بهذه الصيغة افعل فقط نقول: لا .... ثَمَّ صيغ أخرى تدل على الأمر ولكنها قد لا تكون دالة على الأمر عند النحاة لأن البحث كما ذكرنا بحث شرعي لغوي فلابد أن ننظر إلى ما جاء به الشرع وجدنا أن الشرع أمر بالفعل المضارع مقرون باللام - لام الأمر - قال: - تعالى -:
(ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) وهذا عند النحاة ليس بأمر يعني لا يُسمى فعل أمر وإن كانت اللام دالة على الأمر.
بِصِيغَةِ افعل فَالْوُجُوبَ حُقَّقا ... حيثُ القرينةُ انْتَفَتْ وأُطْلِقَا
لا مَعْ دليلٍ دَلَّنَا شَرْعًا على ... إِباحةٍ في الفعلِ أو نَدْبِ فَلاَ
إذاً نرجع إلى ما ذكرناه أن الصيغ الأمر أربعة على المشهور:
الأول:- فعل الأمر نحو"أقم الصلاة".
الثاني:- الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (1).
ثالثا:- اسم فعل الأمر كقوله: (ياأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لايضرُّكم من ضلََّ إذا اهتديتم) چ (2)
__________
(1) - الحج (29)
(2) - المائدة (105)
(5/7)

رابعا:- المصدر النائب عن فعله نحو: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) (1) أي: اضربوا الرقاب.
زاد بعضهم لفظ: وجَبَ، وكَتَب، وحتَمَ كما سبق في صيغ الواجب كذلك ترتب العقاب على عدم الفعل - حينئذ - أو إحباط العمال ونحو ذلك يدل على أنه واجب.
"بصيغة افعل": إذا عرفنا حد الأمر وعرفنا أن له صيغًا متعددة في الشرع.
على أي شيء تدل افعل إذا أطلقها الشارع الشرع على أي شيء نحمل مدلول هذا اللفظ صيغة افعل كما ذكرناه سابقا قد يكون مقيدا، وقد يكون مطلقا قد يكون مقيدا بقرينة تدل على الوجوب - وهذا محل وفاق بين السلف والخلف أنه محمول على الوجوب -: "صلِ وإلا قتلتك " دل على ماذا؟ على أن الصلاة واجبة لأنه رتَّب ماذا؟ رتَّب العقوبة وهي القتل على ترك الفعل، وهذا دل على أنه واجب "صلِ وإلا قتلتك" لا خلاف بين السلف والخلف على أنه محمول على الوجوب، "صلِ إن شئت" مستحب لأن الواجب متحتم الفعل لابد أن يكون على سبيل الجزم، وما عُلِقَ بالمشيئة هذا رده إلى الفاعل فدل على أنه ليس مجزوما بطلبه وهذا شأن المندوب إذاً" صلِ إن شئت":
"صلوا قبل المغرب صلوا قبل المغرب" قال "لمن شاء" (2)
دل على ماذا؟ ... على أنه مقيد بالمشيئة فهو مندوب لا خلاف بين السلف والخلف على أنها للندب، إذا قال: "صلِ" ولم يقيده بقرينة تدل على الوجوب أو بقرينه تدل على عدم الوجوب هذا الذي يُعَبَّر عنه بمطلق الأمر فإذا مر بك مطلق الأمر للوجوب لا تحمله على "صلِ وإلا قتلتك" وإلا تستشكل كيف نقول هذا للوجوب، و"صلِ إن شئت" هذا للاستحباب؟ ... لا. نقول مطلق الأمر يعني الأمر المطلق عن قيد يدل على الوجوب أو عدم الوجوب هذا الذي وقع فيه نزاع وهذا النزاع كما ذكرت سابقا نزاع مُحدَّث عند المتأخرين وإلا السلف الصحابة - رضي الله - تعالى - - عنهم أجمعين
كلهم على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أطلق هذه الصيغة حملوها على الوجوب وما جاء بقرينة فليس داخل فيما ذكرناه ولذلك قال الناظم:
"فَالْوُجُوبَ حُقَّقا حيثُ القرينةُ انْتَفَتْ وأُطْلِقَا": فالوجوب حققا: عند جمهور العلماء من أرباب المذاهب الأربعة.
"حيثُ القرينةُ": حيث: هذه للتقييد حيث تأتي تقيدية، وتأتي تعليلية، وتأتي إطلاقية يعني يحتمل هذا، ويحتمل ذاك - مر معنا -.
"حيث استوى الأمران": يعني لأنه استوى الأمران فجاءت للتعليل، وهنا جاءت لماذا؟ ... للتقييد حيث القرينة انتفت إذا افعل للوجوب متى؟ إذا انتفت القرينة، القرينة الدالة على الوجوب أو القرينة الدالة على عدم الوجوب، عمم من أجل تعميم الفائدة القرينة الدالة على الوجوب أو القرينة الدال على عدم الوجوب.
__________
(1) - محمد (4)
(2) - هذا حديث رواه البخاري وغيره عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فال " صلوا قبل المغرب ركعتين صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء"
(5/8)

"حيثُ القرينةُ انْتَفَتْ وأُطْلِقَا": الألف: هذه كقوله حققا الألف للأول والثاني للإطلاق إطلاق لغوي في الأصل أي عند الإطلاق، والتجرد عن القرينة هكذا في الورقات عند الإطلاق والتجرد عن القرينة، وكلاهما بمعنى واحد التجرد عن القرينة يعني أُطلِق صيغة افعل وأُطلِق بمعنى تجرد عن القرينة أي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة عطف على الإطلاق من عطف بعض أفراد الشيء عليه بين به أن الإطلاق المراد منه الإطلاق من شيء مخصوص وهي القرينة الصارفة على كلٍ ظهر من إن المعنى واحد "حيث القرينة": انتفت: هو بمعنى أطلقا. إذاً افعل تدل على الوجوب ذكر الأصوليون أدلة على ذلك لأن المسألة مختلف فيها بعضهم يرى أنها محمولة على الندب مطلقا
وبعضهم يقول هي بالقدر المشترك محتملة هذا لذاك، وهي مجمل فنقف حتى يرد دليل يُقيد أو يُعَيِّن أحد الاحتمالين، وبعضهم يرى التفصيل فيرى أن أمر الرب - جل وعلا - للوجوب، وأمر من أرسله للندب، وهذا كذلك تفصيل بغير دليل، والصواب أنها للوجوب مُطلقا سواء كانت من الرب - جل وعلا - يعني في الكتاب أوفي السنة وسواء كانت متعلقة بالعبادات أو متعلقة بالآداب مطلقة لأن الدليل الدال على الوجوب لم يُقًيِّد ولم يُفَصِّل - حينئذ - من فَصَّل من الفقهاء في كثير من المسائل أن هذا الأمر يدل على الوجوب لأنه في العبادات، وهذا يدل على الندب لأنه في غير العبادات بل في الآداب والسلوك هذا تفصيل بغير دليل ليس عليه برهان.
أو لا:- قوله - صلى الله عليه وسلم -: {لوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أمتي- أَو عَلَى النَّاسِ- لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاَةٍ} (1) وهو ما أمرهم لماذا؟ لأن لولا هنا تفيد انتفاء الأمر لوجود المشقة انتفي الأمر لوجود المشقة لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك. إذاً لوجود المشقة انتفي الأمر والندب والاستحباب ثابت من فعله - صلى الله عليه وسلم - لأنه استاك، وأمر به ولكن هنا لم يأمر به أمر إيجاب، وليس أمر ندب، وقد ذكرنا فيما سبق أن المندوب مأمور به - حينئذ - لا إشكال إذاً: لولا تفيد انتفاء الأمر لوجود المشقة والندب والاستحباب ثابت في السواك فدل على أن الأمر لا يصدق على الندب بل على ما فيه مشقة وهو الوجوب إذاً هذا النص النبوي يدل على أن صيغة افعل تدل على الوجوب لأنه نفى أن يأمرهم ومع ذلك ثبت بدليل آخر أنه أمرهم إذاً ما الذي نفاه هو الوجوب فدل على أنه لو أمرهم لوجب ولكن لم يأمرهم أمر إيجاب هذا واضح بيِّن
- ثانيا:- قوله - تعالى -: (قال ما منعك ألَّا تسجد إذ أمرتك قال أنا خيٌر مّنه خلقتني من نَّار وخلقته من طين) ... (2)، (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (3)
__________
(1) - رواه البخاي. باب السواك يوم الجمعة وفي رواية {لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ} ولمسلم في باب السواك {لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صلاة}
(2) - الأعراف (12)
(3) - البقرة (34)
(5/9)

أمرهم بالسجود ومعهم إبليس وبخه الرب - جل وعلا - وذمه قال القرافي - رحمه الله - والذم لا يكون إلا في ترك واجب أو فعل محرم. {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} الأعراف: 12 وأوضح من هذا قوله: {ألَّا تتَّبعنِ أفعصيت أمرى} طه: 93
والمعصية: إنما تكون في ماذا؟ ... في ترك واجب فصرح بأنه قد عصى ربه لأنه لم يستجب لأمره قال القرافي:" والذم لا يكون إلا في ترك واجب أو فعل محرم" هذا ما يذكره أكثر الأصوليين في الاستدلال على أن افعل تدل على الوجوب ونزيد ذلك بأن نقول إجماع الصحابة رضي الله - تعالى - عنهم فإنهم اجمعوا على وجوب طاعة الله - تعالى - وامتثال أوامره من غير سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عما عنى بأوامره إذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يقف الصحابي يقول ماذا تريد هل أمرك هذا أمر إيجاب أو أمر استحباب فصل لنا وإنما يحملون أوامره على الامتثال مطلقا دون تفصيل.
رابعا:- نزيد - وهو يؤكد - ما سبق إجماع أهل اللغة واللسان فإنهم عقلوا من إطلاق الأمر الوجوب لأمرين الأول فإن السيد لو أمر عبده فخالفه حسن عندهم ذمه ولومه
وحسن العذر في عقوبته لمخالفتة أمره قال اسقني ماء فتركه ومشى عاقبه السيد هل يُلام السيد ... يلام؟ لا يُلام لو لامه أحد أخطا في لومه لماذا؟ ... لأنه قد عاقبه على
ترك شيء وجب عليه فدل ذلك على أن استعمال افعل في لسان العرب يدل على الوجوب إذ لو لم يكن للوجوب لما حسن أن يعاقبه السيد.
ثانيا:- لأن مخالفة الأمر معصية والمعصية موجبة للعقوبة
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (1) أمرهم لا يعصون الله دل على عدم امتثال الأمر معصية
{ألَّا تتَّبعنِ أفعصيت أمرى} طه: 93 دل على أن ترك الامتثال معصية إذاً نقول خلاصة البحث أن القول بأن صيغة افعل تدل على الوجوب قول مُجمَع عليه بين الصحابة، ولا يضرك أن يكون ثَمَّ خلاف عند المتأخرين وهذه النصوص كما ترى ليس فيها تفريق بين العبادات، وبين الآداب والسلوك بل هي عامة فالذي يستثني من هذه النصوص السلوك والآداب نقول له هذا مُخَصِص ائت بمُخَصِص وإلا بقينا على العموم ولا مخصص وإنما هو اجتهاد من الفقهاء بأن ما جاء من السلوك والآداب محمول على الندب وكذلك في النهي محمول على الكراهة - كراهة تنزيه - وما جاء في العبادات فهو محمول على الوجوب وهذا ليس بسديد.
بِصِيغَةِ افعل فَالْوُجُوبَ حُقَّقا ***** حيثُ القرينةُ انْتَفَتْ وأُطْلِقَا
لكن مذهب الأئمة الأربعة على أن افعل للوجوب وإنما حصل عند المتأخرين وقع
قد علل الأكثر للوجوب ... وقيل للندب أو المطلوب
وقيل للوجوب أمر الرب ... وأمر من أرسله للندب
كلها تفصيلات ما أنزل الله بها من سلطان.
لا مَعْ دليلٍ دَلَّنَا شَرْعًا على ... إِباحةٍ في الفعلِ أو نَدْبِ فلاَ
هذا تابع لما سبق وأشبه ما يكون بالتفصيل يعني فالوجوب حققا يعني ثبت

لا مَعْ دليلٍ دَلَّنَا شَرْعًا على ****** إِباحةٍ في الفعلِ أو نَدْبِ فَلاَ
__________
(1) - التحريم (6)
(5/10)

يعني إذا جاءت صيغة افعل فالأصل فيها أنها محمولة على الوجوب إلا إذا دل الدليل الشرعي - لا العقل .. لا الهوى ... لا الرأي ... لا التقليد ... لا المذهبية - نقول دليل شرعي يدل على أن هذه الصيغة مصروفة يعني مُغَيَّرة، محمولة من دلالته على الوجوب إلى دلالته على الإباحة أو الندب أو غير ذلك، "لا مَعْ دليلٍ دَلَّنَا": لا مع دليل هذا استثناء منقطع لأن الدليل هنا هو القرينة نفسها السابقة ويمكن أن يكون متصلا وتختص القرينة بما كان متصلا صيغة يعني يمكن أن نحمل كلام المصنف على التفصيل فنقول الدليل هو القرينة، ويمكن أن يكون متصلا يعني ما كان متصلا بصيغة افعل كقوله - صلى الله عليه وسلم - ((صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ)) قال في الثَّالِثَةِ: ((لِمَنْ شَاءَ)) (1).في دليل واحد، في سياق واحد هذا يُسمى قرينة، وما كان منفصلا بدليل آخر يُسمى دليلا على كلٍ هذا مجرد اصطلاح من أجل تصحيح عبارة الناظم كأصله - صاحب الأصل - وإلا القرينة لا تكون إلا قرينة شرعية دليل من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - تعالى - (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) (2) هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - باع واشترى ولم يُشهد
دل على أن هذا الأمر محمول على الاستحباب هذا واضح .. نعم.
"لا مَعْ دليلٍ دَلَّنَا شَرْعًا": شرعا: لابد تنبه على كلمة شرعا لأن البعض إذا مرت به المسائل فالأصل أن يُحمَل النهي على التحريم، والأصل أن يُحمل افعل على الوجوب ليس كل قرينة يدعيها من قال بالأمر وصرف الأصل عن أصله للفرع ليس كل قرينة تكون مقبولة قد يكون الحديث ضعيف قد تكون القرينة مستنبطة أو التعليل أو القياس غير صحيح لكن لابد من النظر في كون هذه القرينة دليلا صالحا كما أننا لا نُخَصِص العام إلا بدليل صالح يعني بدليل شرعي كذلك لا نَصرِف افعل عن الوجوب إلا بدليل شرعي صالح للصرف، "على إِباحةٍ": كقوله - تعالى - {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} (3) اصطادوا: هذا فعل أمر، والأصل فيه أنه للوجوب، ولكن هنا قالوا الأمر بعد الحظر يدل على الإباحة كون هذا الأمر افعل بعد نهي جعلنا هذا النهي صارفاً له، وقرينه صارفة من دلالته على الوجوب إلى دلالته على الإباحة والمسألة هذه فيها بحث والصحيح أن الأمر بعد النهي يَرُدُ الأمر إلى ما كان عليه إن كان واجبا فواجب، وإن كان مستحبا فمستحب، وإن كان مباحا فمباح.
"على إِباحةٍ في الفعلِ أو نَدْبِ فَلاَ": فلا: أي: فلا نحمله على الوجوب بل نحمله على الندب أو نحمله على الإباحة: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خيرا} (4)
فكاتبوهم: حُكِيَّ القرينة هنا الإجماع على أنه لم يقل أحدا من أهل العلم بوجوب المكاتبة وأصرح من هذا المثال قوله - صلى الله عليه وسلم -:
__________
(1) - رواه البُخَارِيُّ، وغيره بلفظ (صلوا قبل المغرب ركعتين صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء) (أحمد، وأبوداود، والطبرانى عن عبد الله بن مغفل المزنى)
(2) - البقرة (282)
(3) - المائدة (2)
(4) - النور (33)
(5/11)

"صلوا قبل المغرب": فهو محمول على الندب بل هذا للانتقاد صرف يعني صرف افعل تغيره افعل عن الوجوب، "حُتِمَا": لزم، الألف هذه للإطلاق، وحتم هذه مُغَيَّر الصيغة، وقوله: عن الوجوب متعلق بقوله: صرفه لأنه مصدر والمصدر من المتعلقات.
"بَلْ صَرِّفْهُ عَنِ الْوجوبِ حُتِمَا": لزم بحمله يعني بحمل افعل على المراد منهما أي للإباحة أو للندب يعني إذا دل الدليل على أن المراد بافعل الندب وجب صرفه إلى الندب لأن هذا حكم شرعي، وهذا حكم شرعي، والذي صرفه ليس نحن وإنما الرب - جل وعلا - وهو الشارع وكذلك الذي صرفه عن الوجوب إلى الندب هو الشارع وليس نحن - حينئذ - لا خلاف حمله على الوجوب بأمر الشرع متى ما اقتضي الشرع أن نحمله على الوجوب حملناه، متى ما اقتضي الشارع أن نحمله على الندب كذلك على الإباحة كذلك بلا إفراط ولا تفريط لا نقف نكون متجمدين على الوجوب نقول لابد أن يكون للوجوب بل نقول: الإباحة حكم شرعي، والندب حكم تكليفي شرعي، وكذلك الوجوب حكم شرعي تكليفي كلها دائرة بين أحكام الشرع والمُشَرِع هو الله - عز وجل - ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
"بَلْ صَرِّفْهُ عَنِ الْوجوبِ حُتِمَا بِحَمْلِه على المرادِ مِنْهُمَا": إذاً في هذه الأبيات بين لنا
حد الأمر وحقيقته وعرفنا ما عليه ثم بين أن الصيغة هي افعل وزدنا بعض المسائل ... ثم دلالة افعل على الوجوب إلا إذا دلت قرينة صارفه عن الوجوب إلى الإباحة أو الندب أوغير ذلك ثم انتقل إلى مسألة أو مسالتين من مسائل الأمر المهمة وهي هل صيغة افعل تدل على الفور أو لا؟ قال رحمه الله - تعالى -:
وَلَمْ يُفِدْ فَوْرًا ولا تَكْرارَا ***** إن لم يَرِدْ مَا يَقْتَضِي التِّكرارَا
هاتان مسألتان:
المسألة الأولي:-ع نون لها بقوله: "ولم يفد": يعني صيغة افعل بعدما تقرر أنه للوجوب، والحكم ليس خاصا بافعل الدال على الوجوب بل الصواب أن الحكم عام يعني سواء حكمنا على افعل بأنه للوجوب أو بأنه صُرِف عن الوجوب إلى الندب فالفورية وعدمها متعلقة بافعل مطلقا سواء كانت للوجوب أو الندب فالحكم عام.
(5/12)

"وَلَمْ يُفِدْ فَوْرًا": ما المراد بالفورية؟ .... يعني: البدار والامتثال منذ أن نقول صلِ تقوم وتصلِ تمتثل منذ أن تسمع - حينئذ - يجوز لك التأخير بمقدار ما تتهيأ للصلاة أو يأتي وقت الصوم مثلا - حينئذ - نقول هذا معنى الفورية أن يكون امتثالك للأمر أمر الشرع مباشرة عند السماع للأمر ويقال هنا عرفنا معنى الفورية عدم الفورية تراخي صلِ متى ما تشاء بعد سنه بعد سنتين قبل أن تموت .... إلى آخره ولا أن تبقى خمسين سنه وبعد ذلك تصلِ - حينئذ - نقول هذا معنى الفورية وعدمها ويقال هنا ما قيل فيما سبق أن افعل قد يقيد بقرينة إما أن تدل على الفورية أو على عدم الفورية أو ألا يقيد صلِ الآن: ... فورية نعم على الفورية باتفاق، صلِ بعد يومين: ... تراخي - عدم الفورية - باتفاق. صلِ: هذا الذي وقع فيه نزاع، وهو مُطلق افعل هل يدل على الفور أو لا إن اقترن به قرينة تدل على الفورية يكون محمول على الفورية باتفاق إن اقترن به قرينة تدل على عدم الفورية فهو محمول على عدم الفورية باتفاق، بقي ماذا؟ ... إن تجرد عن القرينة لم تقترن به قرينة تدل على الفورية أو عدمها هذا محل نزاع بين الأصوليين وهنا اختار الناظم رحمه الله - تعالى - ماذا؟
"لم يفد فورا": يعني لم يدل على الفورية {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (1) متى تريد أن تحج حُج - وحينئذ - لو أخر ولو عمداً لا يؤثَم ولا يفسق، ولا يحكم عليه بأنه عاص. الأمر المطلق عرفنا ما معنى الأمر المطلق لم يقيد بشيء يدل على الفورية أو عدمها هل يقتضي فعل المأمور به على الفور أو لا يقتضي ذلك فيه خلاف لأهل العلم.
المذهب الأول:- وهو الذي رجحه الناظم أنه لا يقتضي الفور بل يجوز تأخير فعله وعليه أكثر الحنفية، والشافعية، والمغاربة، ونسب للشافعي، رواية عن الإمام أحمد أن مطلق الأمر لا يقتضي الفورية ولهم أدلة ولأنه قول مرجوح لم أذكر أدلة هذا المذهب.
المذهب الثاني:- أنه يقتضي الفورية وهذا هو المُرجح لكن الترجيح هنا ترجيح شرعي لا لغوي بمعنى أن مطلق افعل في لسان العرب في الأصل لا تدل على فورية ولا على عدم الفورية وإنما المراد بها إيجاد الفعل ونقله من حيز العدم إلى الوجود: صلِ أوجد الهيئة المخصوصة بهذا اللفظ، وهي الصلاة زكي نقول أخرج هذا العمل الذي هو الزكاة من حيز العدم إلى حيز الوجود فقط ولا يتعلق ولا يدل بها فورية ولا عدمها ولكن نقول بحثنا بحث شرعي - حينئذ - نقول دل الشرع على أن افعل يقتضي الفورية قال الله - تعالى -: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ ربكم وجنة عرضها السماوات وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (2) وسارعوا: هذا أمر مطلقا ما قيده (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ ربكم) أي وجوب البِدَارِ إلى الفعل ومنع التأخير في أول وقت الإمكان بلا عذر، {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} البقرة: 148: انتبهوا يدل على ماذا؟ يدل على التأخير ثم تنام .... لا. لابد أن تفعل وتوقع هذا الفعل بعد سماع الأمر
__________
(1) - آل عمران (97)
(2) - آل عمران (133)
(5/13)

(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (1) مدحهم على المسارعة وعليه يكون ترك المسارعة يُذم عليه وهو الواجب (قال ما منعك ألَّا تسجد إذ أمرتك قال أنا خيٌر مّنه خلقتني من نَّار وخلقته من طين) (2) ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك قد يكون له ماذا متى اسجد أليس كذلك؟ اسجدوا لآدم لو قيل أنه على التراخي مثلا يَسجُد متى شاء كيف يوبخه الرب - جل وعلا - على شيء يجوز له تأخيره {قال مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} أما قلنا هذا الذم والتوبيخ يدل على ترك واجب لو كانت صيغة افعل لا تدل على الفورية ما كان هذا واقع وما كان هذا حاصل لماذا؟ ...
لأنه وبخه على تركه وإذا قيل بعدم الفورية معناه يجوز له التأخير مُطلقا متى شاء سجد ولا كان إبليس وهو أعرف كما قال بعضهم من الجهم وغيرهم لو كان كذلك لقال له إن الأمر لا يقتضي الفورية وأنت أمرتني ولم تُحدد لي ولكنه استجاب ولم يرُد.
الرابع (3) ويقال أنه أحوط وابرأ للذمة رابعا أنه مقتضاه عند أهل اللسان هكذا قال البعض وهذا فيه نظر أنه مقتضاه عند أهل اللسان لو قال اسقيني ماءً - السيد لعبده - اسقيني ماء فذهب يوم الأربعاء ليلة الأربعاء ذهب الأسبوع القادم وجده مات لو عرف الابن أن والده يرجح أن افعل ليست على الوجوب اشترى يذهب بعد أسبوع ويأتيه ليس افعل للفورية ولكنه للتأخير قالوا لسان العرب يدل على ذلك لكن الظاهر - والله أعلم - لسان العرب لا يدل وإنما المراد به إيجاد وإيقاع وإدخال ماهية المأمور به في حيز الوجود فحسب دون أن يكون المراد به الفورية ولا عدم الفورية إنما هي مأخوذة من الشرع.
"ولَمْ يُفِدْ فَوْرًا ولا تَكْرارَا": إذاً ولم يفد فورا الصواب أنه يفيد الفورية وأن دلالة افعل على الفورية مأخوذة من الشرع.
"ولا تَكْرارَا": الألف هذه للإطلاق يعني لا يدل صيغة افعل على التكرار لو قال اسقيني ماء فأعطاه ماء اكتفي به - حينئذ - حصل الامتثال أو لا؟
حصل الامتثال أو يُقال بأنه لا يقف عن الامتثال حتى يُكرِر، اسقيني ماء ثم يذهب
ويسقيه ثم يذهب ويسقيه ثم يذهب ويسقيه ........ إلى آخره
هذا لو قيل بأنه يفيد التكرار بمعنى أنه لا يمتثل الأمر إلا إذا استمر في إنتاج ما أمر به حتى يقال له كُفْ، وهذا قد قال به بعض الأصوليين.
والصواب أن يقال بأن صيغة افعل إنما هي لطلب الماهية فحسب لا تدل على التكرار ولا تدل على عدم التكرار وهذا الذي رجحه الناظم رحمه الله - تعالى -.
الأمر المطلق هل يقتضي فعل المأمور به مرة واحدة أو التكرار وكذلك الأمر المطلق هنا بمعنى أنه لا يُقَيَّد بما يدل على المرة أو المرتين أو التكرار مطلقا يعني صيغة افعل وحدها لو أطلقت هل تدل على التكرار أو لا تدل على التكرار؟ قلنا هذا محل
خلاف المذهب الأول أنه لا يدل على المرة ولا على المرتين وعلى التكرار
__________
(1) - الأنبياء (90)
(2) - الأعراف (12)
(3) - قال الشيخ في الشرح الرابع والثالث هوالذي يتمشى مع الكلام لأنه قال في البادية أربع مذاهب.
(5/14)

إنما يدل على طلب ماهية المأمور به فقط ثم إن المرة الواجبة لابد منها في الامتثال فهي من
ضروريات الإتيان بالمأمور به بمعنى أنه لا يمكن أن يمتثل المأمور به إلا إذا فعله مرة: صلِ يعني: صلِ ركعتين قام صلى ركعتين هل يمكن أن يمتثل صلِ ركعتين دون أن يصلِ ركعتين؟ ما يمكن - حينئذ - صارت المرة الواحدة من ضروريات امتثال صيغة افعل وليست من دلالة صيغة افعل فَفَرْقٌ بين قولين هناك من يقول بأن افعل تدل على المرة الواحدة .... هل دلالة افعل على المرة الواحدة لغة أو التزاما؟ الصواب الثاني أنه التزام لماذا؟ ... لو قيل لغة فأنه يدل على المرة الواحدة وإذا قيل بأنه التزاما نقول لا يدل حتى على المرة الواحدة وإنما لا يُتَصور امتثال المأمور به إلا بإيقاعه مرة واحدة صلِ ركعتين كيف تمتثل إذا لم تقم تصلِ ركعتين هذا ممتنع
لا يُقال بأنك امتثلت إلا بامتثال مرة واحدة فالدلالة صلِ ركعتين على المرة الواحدة صارت من ضروريات الصيغة يعني من مُلتَزمات الصيغة يلزم من هذه الصيغة
وامتثالها أن يقع الحدث مرة واحدة وهل يدا افعل على المرة الواحدة؟ الجواب: لا
أنه لا يدل على المرة ولا على التكرار وإنما يدل على طلب ماهية المأمور به فقط ثم المرة الواجبة لابد منها في الامتثال فهي من ضروريات الإتيان بالمأمور به لأن الأمر المطلق ورد في الشرع مرة للتكرار كقوله - تعالى - (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (1) هذه للتكرار أقيموا الصلاة كلما دخل وقت الفجر وجب عليك الصلاة إذاً هذا فيه تكرار ليس نحتاج أن كل فرد يأتينا خبر عنه لا وإنما تفهم فيما سبق أنه علق على أسباب - حينئذ - المُسَبب يوجد بوجود سببه وعرفا أحسن إلى الناس .... أحسن إلى الناس متى؟
مرة واحدة ثم تسئ أو أنه مُطلقا؟ مطلقا إذا في العرف وفي الشرع استعمل لفظ افعل مرادا به التكرار وورد استعماله في المرة الواحدة شرعا (إن الله كتب عليكم الحج) (2) مرة واحدة ولذلك استدل بعضهم بفهم الصحابي أفي كل عام يا رسول الله لو كان اللفظ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} آل عمران: 97 وكذلك وحجوا لو كان يدل على التكرار هل سؤال الصحابي في محله - هو صاحب لغة، عالم يعني مُحقق في اللغة - هل سؤاله في مَحَلِه؟ ... الجواب: لا. لكنه قال لما سمع (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) آل عمران: 97، حجوا: فعل أمر وكذلك إن الله كتب عليكم الحج فحجوا أفي كل عام يا رسول الله دل على أن هذه الصيغة حجوا .... إلى آخره لا تدل على التكرار إذ لو كان كذلك لقال النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الذي دل عليه اللفظ ماذا تفهم أنت أعرابي والله قال:
__________
(1) - البقرة (43)
(2) - سنن البيقي الكبري/ باب وجوب الحج مرة وأحدة ولفظ الحديث عن أبي سنان عن بن عباس {قال خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا أيها الناس إن الله كتب علىكم الحج فقام الأقرع بن حابس فقال أفي كل عام يا رسول الله قال لوقلتها لوجبت ولووجبت لم
تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها الحج مرة فمن زاد فتطوع} وانظر مشكاة المصابيح كتاب المناسك الفصل الأول.
(5/15)

(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) آل عمران: 97 دل على أنه لا يفهم من هذا اللفظ إلا المرة الواحدة ودلالة هذا اللفظ على المرة الواحدة من مقتضيات الامتثال فحسب لا بلسان العرب إذا ورد الاستعمال في المرة الواحدة شرعا (إن الله كتب عليكم الحج) وفي العرف اشتري اللحمة، اشتري خبزا، اشتري الماء فكل مرة تشتري خبزا تأتي وتشتري .... هكذا؟ ... لا. بل تشتري مرة واحدة فإذا انتهي قد تؤمر بشيء آخر والأصل في الاستعمال الحقيقة إذا الصحيح هو ما ذكره الناظم رحمه الله - تعالى - بقوله: "ولا تكرارا" نخالفه في المسألة الأولى، ونوافقه في المسألة الثانية، وهذا هو الظاهر - والله اعلم - أنَّ افعل لا يدل على المرة، ولا على التكرار بل نحتاج إلى دليل خارجي يدل عليه
ولذلك قال:- "إن لم يَرِدْ مَا يَقْتَضِي التِّكرارَا": الألف: للإطلاق يعني إن دل دليل على أن المراد بهذا المأمور يقتضي التكرار دل على التكرار وذلك فيما إن علق على شرط أوصفة {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} (1) هذه تكرار أو لا؟ فاطهروا: لو قيل أنه ليس على التكرار - حينئذ - نطهر مرة واحدة من الجنابة وبعد ها انتهي كَفَّ عن الخطاب
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ والله عزيزُحكيم ... ) (2)
هه .. تكرار؟ مرة واحدة يعني سارق واحد نقطع يده ثم البقية خذوا راحتكم؟ ...
لا ... بل كلما وجدت السرقة وجد القطع هذا معنى التكرار كلما وجدت الجنابة وجد الغسل وجب الغسل، وكلما وجدت السرقة - حينئذ - لابد من القطع وإلا إذا كان من مرة واحدة ما حصل به ضمان الأمان لا أن يقطع سارق واحد وانتهينا .. انتهي صلاحية هذا الأمر لكن المراد بالأمر هنا والامتثال لمَّا عَلَّقه على شرط - حينئذ - كلما وُجِدَ الشرط وجِدَ المأمور به، وكلما وجدت الصفة التي علق أو دل عليها قوله (وَالسَّارِقُ) وجد القطع.
إذا قوله: "إن لم يرد ما يقتضي التكرارا": بمعنى إن جاء دليل كالشرط والوصف يدل على التكرار - حينئذ - وجب حمل افعل على التكرار.

والأمر بِالْفِعْلِ الْمُهِمِّ المُنْحَتِمْ ***** أمْرٌ به وَبِالَّذِي بِهِ يَتِمْ
هذا سبق مع الإشارة إليه، وهو ما الذي لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
__________
(1) - المائدة (6)
(2) - المائدة (38)
(5/16)

كل واجب أمر به الشارع الوسيلة في تحصيل هذا الواجب إما أن يكون مأمورا به في الشرع أو لا أليس كذلك؟ .... إذا أمر الشارع بواجب لابد من هذا الواجب من وسيلة لتحصيله أمر بالصلاة، أمر بالوضوء، لابد من ثوب يستر لابد من مشي للمسجد لابد من إقامة مسجد لابد من آذان لابد من إقامة لابد .... إلى آخره .... هذه كلها مُكمِلات - حينئذ - إذا أمر الشارع بالصلاة الوسيلة إلى الصلاة على مرتبتين إما أن يأتي نص بخصوصها كالطهارة مثلا فهي وسيلة لا يمكن أن تُقام الصلاة إلا بطهارة، وإما أن لا يرد نص في الوسيلة كشراء الماء للطهارة - وحينئذ - في كِلا النوعين في بهذه القاعدة نستدل على تأكيد ما أمر به الشارع إيجابا وعلى إيجاب ما لم يرد به نص واضح الكلام ولا، لا فمثلا الصلاة الطهارة وسيلة للصلاة هل يمكن أن يصلِ بدون وضوء؟ الجواب لا مع القدرة عليه نقول لا يمكن أن يصلِ إلا بطهارة لو لم يرد النص:
{إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلَاةَ فاغسلوا وجوهكم وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} (1) ... لو لم يرد النص قلنا وجب الوضوء لأن الشارع وقَّفَ صحة الصلاة على الطهارة وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب الواجب الذي هو الصلاة لا يتم إلا بالوضوء فهو واجب لأنك لو لم تحكم بوجوب الوضوء لأسقطت الصلاة من أصلها لأنك تقول أنا لست على طهارة إذا ما وجبت على الصلاة إذا لا يصلِ كل مُحدث إذا سمع الأذان وخرج الوقت نقول ما وجبت عليك الصلاة لماذا؟ ... لأنك غير مطالب أنت ما يُقال لك قم فكبر وصلِ واستقبل القبلة لابد أن تتوضأ أو لا - حينئذ - نقول ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب
وهنا قد اجتمع دليلان الأول النص القرآني كذلك حديث:
«لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاَةَ أحدكُمْ إِذَا أحدثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (2) وهذه القاعدة تزيد تأكيدا فثم دليلان: دليل نقلي، ودليل عقلي الذي هو القاعدة التي معنا إذا يريد أن يَتوضأ وعنده مال وليس ثم ماء والماء يُباع
ويُشتري - حينئذ - نقول وجب عليك أن تشتري الماء بمثله يعني بسعره المعقول
هل جاء في الشرع يجب شراء الماء من أجل الوضوء؟ ما جاء ولكن تطبيقا لهذه القاعدة ما دام أنه قد أمكنه شراء الماء وهو في قدرته
(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا) (3) (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (4) إذا في قدرته تحصيل الماء الذي تصح به الصلاة - حينئذ - نقول وجب عليك شراءُ الماء هل هنا دليل خاص الجواب لا وإنما وجب بهذه القاعدة هذه القاعدة وإن كانت خاصة بالوجوب إلا أنها عامة في الأمر واعم قواعد في هذا الباب الوسائل لها أحكام المقاصد أعم القواعد في هذا الباب الوسائل لها أحكام المقاصد.
والأمر بِالْفِعْلِ المهم المنحتم ****** أمْرٌ به وَبِالَّذِي بِهِ يَتِمْ،
__________
(1) - المائدة (6)
(2) - صحيح البخارى - (23/ 71) عن أبي هريرة طرفه 135 - تحفة 14694
(3) - التغابن (16)
(4) - البقرة (286 ... )
(5/17)

"والأمر بالفعل": أي فعل سواء كان واجبا أو مندوبا إذاً أراد أن يُعَمم وكان النظم ظاهره بالوجوب لأنه قال: "المهم المنحتم" هذا تأكيد أمر به بذلك الواجب وأمر بالذي به يتم إذ لو لم نجعل هذا الذي به يتم الواجب واجبا لسقط الواجب من أصله لو لم نقل اذهب، وامشِ، حرك السيارة لصلاة الجمعة يقول لا كيف أصل إلى المسجد بعيد - حينئذ - ما وجبت على صلاة الجماعة، ولا وجبت عليه صلاة الجمعة، ولا وجب عليه شراء الماء من أجل الوضوء، ولا وجب عليه أن يذهب ويشتري ما يستر به عورته .... إلى آخره سقطت العبادات لو لم نقل بهذه القاعدة لذهب كثير من الأحكام الشرعية.
كالأمر بالصَّلاةِ أمرٌ بالوُضُو ****** وكلِّ شيءٍ للصلاةِ يُفْرَضُ
كل شروط الصلاة التي رُتِبت عليها صحة وعدما - حينئذ - نستدل عليها بإيجابها نستدل بهذه القاعدة كالأمر بالصلاة أمر بالوضوء قوله - تعالى -:
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} (1) هذا دل على جميع شروط صحة الصلاة كل شرط قال أهل العلم رُجِح سواء كان متفق عليه على الراجح كل شرط ترتبت عليه صحة الصلاة نستدل بقوله - تعالى -: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} على وجوبه، ومن باب أولى أن نستدل به على طلب العلم في تحصيل هذه الصلاة {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ... ما هي هذه الصلاة؟ ... ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب إذا لم يسال ما هي الصلاة وكيف أصلي؟ ... ما هي الفرائض، ما هي الواجبات؟ .. ما هي السنن كيف يصلِي؟ .. إذًا لا يتم إيجاد الصلاة إلا بالعلم بالصلاة إذا العلم بالصلاة صار واجبا كالأمر بالصلاة أمر بالوضوء وكل شيء للصلاة يفرض ثم ختم الباب بقوله:
وَحَيْثُما إن جِيء بِالْمَطْلوبِ ***** يَخْرُجْ بِهِ عَنْ عُهْدةِ الْوُجُوبِ
__________
(1) - البقرة (43)
(5/18)

"وحيثما إن جيء بالمطلوب": يعني إن فعل الواجب باستكمال الشروط، وانتفاء الموانع أجزاءه أو نقول لابد أن يأتي نص آخر فيُقال له صلاتك صحيحة لا نحتاج إلى نص أخر، ولا إلى خطاب جديد بل الصواب متى ما استكمل الشروط وانتفت الموانع - حينئذ - نقول هذه الصلاة صحيحة وقد خرج عن العهدة، وسقط الطلب، ولا يُطَالب بإعادة، وبرئت الذمة، وأما الثواب فأمره إلى الله يعني كلام في الأجزاء وليس كلام في الإثابة قد يُثاب، ولا تجزئ الصلاة، وقد تجزئ الصلاة ولا يُثاب يعني بينهما افتراق ليس بينهما تلازم قد يُثاب، ولا تجزئ الصلاة رجل خرج من بيته على أنه متوضئ، وجلس، وقرأ القرآن، وانتظر الإمام كبر صلِ الركعة الثالثة تذكر أنه لم يتوضأ خرج هل هذه الصلاة مجزئة؟ هه ... أجيبوا .. الصلاة مجزئة؟ ليست مجزئة لأنه دخل فيها على غير طهارة ولو تذكر بعد ما سلم الإمام تذكر أنه لم يتوضأ هذه الصلاة ليست مجزئة هل يُثاب على الفعل الذي فعله قراءة القرآن، وسبح وصلِى على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرأ القرآن بين الأذان والإقامة، ومشى خطوات إلى المسجد كله يثاب عليه ويثاب على الصلاة أيضا كل فعل فعله للصلاة يُثاب عليه لكن ليست إثابة الصلاة التامة الكاملة الشاملة فهنا وجد الثواب ولم يوجد الأجزاء قد يوجد الأجزاء ولا يوجد الثواب كالعبد الآبق (1) مثلا و «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شيء لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (2).الصلاة مجزئة وهو مطالب بالصلاة، ولكن الصلاة غير مثاب عليها.
وَحَيْثُما إن جِيء بِالْمَطْلُوبِ ****** يَخْرُجْ بِهِ عَنْ عُهْدةِ الْوُجُوبِ
"يخرج به": يخرج هذا المكلف "به": يعني بذلك الفعل عن عهدة الوجوب فتبرأ ذمته - وحينئذ - يتصف بالإجزاء ويصير كافيا في إسقاط الطلب، الإجزاء هو: " براءة الذمة"، والإثابة هي: " الجزاء على الطاعة "، وقال بعضهم يُحكم بالإجزاء بخطاب جديد لابد من خطاب جديد وهذا كلام لا دليل عليه ثم انتقل إلى الباب الثاني وهو باب النهي فقال:

بَابُ النَّهِي
تَعْرِيفُهُ اسْتِدْعَاءُ تَرْكٍ قَدْ وَجَبْ
بِالقَوْلِ مِمَّنْ كَانَ دُونَ مَنْ طَلَبْ
وَأَمْرُنِا بِالشَيءِ (3) نَهْيٌ مَانِعُ
مِنْ ضِدِّهِ وَالعَكْسُ أَيضًا وَاقِعُ
وَصِيغَةُ الأَمْرِ الَّتِي مَضَتْ تَرِدْ
__________
(1) - قال في المصباح المنير في غريب الشرح الكبير - (1/ 10)
(ء ب ق): أَبَقَ الْعَبْدُ أَبْقًا مِنْ بَابَيْ تَعِبَ وَقَتَلَ فِي لُغَةٍ وَالْأَكْثَرُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ إذَا هَرَبَ مِنْ سَيِّدِهِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا كَدِّ عَمَلٍ هَكَذَا قَيَّدَهُ فِي الْعَيْنِ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ الْأَبْقُ هُرُوبُ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ وَالْإِبَاقُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ مِنْهُ فَهُوآبِقٌ وَالْجَمْعُ أُبَّاقٌ مِثْلُ كَافِرٍ وَكُفَّارٍ (.باب الالف مع الباء وما يثلثهما).
(2) - صحيح مسلم - (15/ 30) باب تحريم الكهانة عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ -- صلى الله عليه وسلم -- عَنِ النَّبِىِّ -- صلى الله عليه وسلم -- قَالَ
(3) وفي نسخة لِلشَّيءِ
(5/19)

وَالقَصْدُ مِنْهَا أَنْ يُبَاحَ مَا وُجِدْ
كَمَا أَتَتْ وَالقَصْدُ مِنْهَا التَّسْوِيَهْ
كَذَا لِتَهْدِيدٍ وَتَكْوِينٍ هِيَهْ

باب النهي هذا الشق الثاني من شقي التكليف لأنه يُقابل الأمر وكل ما قيل هناك في حد النهي يُقال هنا فهما متقابلان.
"باب النهي": النهي لغة: المنع
ومنه سمت العقول: نُهى .. أولى النهى: لأنها تمنع صاحبها من سفاسف الأمور نهاه عن كذا أي منعه عنه، ومنه سمي العقل نهية.
وأما في الاصطلاح أوفي الشرع هو تعريفه:
استدعاء ترك قد وجب ... ****** بالقول ممن كان دون من طلب
كل المسائل المذكورة هناك مذكورة هنا.
"استدعاء": أي طلب، "ترك": خرج الأمر لأنه طلب فعل، والسين هنا ليس للطلب التي هي للتأكيد، "قد وجب": أراد به إخراج المكروه فليس منهيً عنه حقيقة والخلاف هنا كالخلاف فيما سبق، والصواب أن المكروه منهي عنه حقيقة لأن الشرع كما ذكرنا إما أن يكون الطلب طلب فعل أو طلب ترك وكلاهما داخلان في حد الحكم السابق.
"استدعاء ترك": أخرج الأمر، "قد وجب": خرج النهي على سبيل الكراهة، قد وجب بألا يجوز له الفعل فخرج الكراهة، "بالقول": جار ومجرور مُتعلق بقوله: "استدعاء": فخرج ما كان النهي بالإشارة أو بالكتابة، والصواب: ما ورد في ذلك من السنة أوفي غيرها لابد من إدخاله في حد النهي فنقول على ميزان ما سبق أن النهي: ... ما دل على طلب ترك
"ما": اسم موصول بمعنى الذي يدخل فيه اللفظ قول يدخل فيه الإشارة، والكتابة يكون عاما، وإن شئت قل: لفظ دال على طلب ترك، وأما التعريف بالاستدعاء وإن قُيد بالقول فالظاهر أنها أشعرية مغلفة فلابد من تحرير الألفاظ في مثل هذه المواضع "بالقولِ": أي اللفظ الدال عليه بالوضع، "مِمَّن كان": أي وجد، "دُونَ مَنْ طَلَبْ": يعني دون الطالب يعني في الرتبة أخرج المساوي للمساوي فأنه يسمى التماسا، وشفاعة، ولا الأدنى إلى الأعلى فإنه لا يُسمى نهيًا، والصواب: أنه لا يُشترط فيه علو ولا استعلاء كما ذكرناه سابقا هل للنهي صيغة؟ نقول السؤال هذا ليس بوارد لماذا؟ لأن النهي نوع من أنواع الكلام، والكلام لفظ فلابد من أن يكون قد وضع له صيغة في لسان العرب، وصيغته: لا تفعل على المشهور - حينئذ - كل نهي إنما يكون دالا عليه بلفظ هولا الناهية ثم يأتي بعدها فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وقد يُدل عليه بلفظ حُرِم:
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} (1) هذا دال على التحريم أو ترتيب العقاب على الفعل دل على التحريم أو نحو ذلك دلالة لا تفعل نقول: تدل على التحريم، وإن كان ثَمَّ نزاع كذلك في هذه الدلالة، والصحيح أن صيغة النهي: لا تفعل تدل على التحريم هذا شيء أول، وتدل على فساد المنهي عنه فلها دلالتان لا تصلِ بكذا - حينئذ - لا تصلِ نقول هذا نهي وتصلِ مجزوم بلا دل على أمرين:
الأول: تحريم ما تضمنه الفعل، وثانيا: فساد المنهي عنه مطلقا أما دلالته على التحريم فبدليلين:
__________
(1) - النساء (23)
(5/20)

أولا:- إجماع الصحابة والتابعين، أنا أحكي إجماعا لأنه لم ينقل حرف واحد عن الصحابة في غير دلالته على التحريم، ووجود خلاف عند المتأخرين لا يزلزل طالب العلم ولو كان موجودا في المذاهب الأربعة، وإنما تنظر في هذه المسألة هل وجد نزاع بين الصحابة أو لا يعني تنظر من الأعلى إلى الأدنى لا ترجع بالعكس هذا خطأ لأنه يُصور لك المسألة على غير وجهها، وإنما تنظر هل الصحابة اختلفوا على دلالة افعل هل وجد بينهم حمل لا تفعل - وهي مطلقة - على التنزيه ونحوها؟ الجواب: لا.
والقول هنا كما ذكرناه سابقا لا تفعل إما أن تقترن بما يدل على التنزيه أو تقترن بما يدل على التحريم أو تكون مطلقة، والحديث هنا في مطلق النهي إنما يدل على التحريم الدليل الأول إجماع الصحابة والتابعين حيث أنهم يستدلون بتحريم الشيء بصيغة:
لا تفعل كابن عمر وابن عباس وغيره يحكم بالتحريم ويأتي بنص نبوي أو قرآني فيه: لا تفعل ... دل على ماذا؟ على أنه فهم من هذه الصيغة التحريم فالزنا مُحرم لقوله - تعالى - {ولا تقربوا الزِّنَا} (1) صيغة: لا تفعل نفهم التحريم ما نازع أحد في ذلك ونحو ذلك فكانوا ينتهون عن ذلك بمجرد استماعهم للصيغة فينتهون عن المنهي عنه ويعاقبون المتلبس به.
ثانيا:- إجماع أهل اللغة واللسان في ذلك إذ لو قال السيد لعبده لا تدخل البيت فدخله فعاقبه هل يلام ويذم السيد؟ ... الجواب: لا، لا يلام إذ لو قال: لعبده لا تدخل البيت فإنه يدل على كفه فلو خالف استحق العقوبة كذلك قسموا الكلام إلى أمر ونهي .... إلى آخره وجعلوا الأمر: افعل، وللنهي: لا تفعل، وهذا واضح بيِّن مجمع عليه كذلك قوله - تعالى -:
{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (2) إذاً صيغة النهي تقتضي التجرد للتحريم حقيقة لدليلين إجماع الصحابة، وإجماع أهل اللغة على ما ذكرناه، وذكر بعضهم دليلا ثالثا وهو قوله - تعالى -: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ} الأمر بالانتهاء عما نهى عنه يقتضي بوجوب الانتهاء، ومن لازم ذلك تحريم الفعل هذا هو ما يدل عليه صيغة: لا تفعل أولا تحريم المنهي عنه ثم الدلالة الثانية، وهي مسألة مهمة وكبيرة عريضة أُلِفَ فيها على جهة الخصوص وهي فساد المنهي عنه مطلقا سواء كان في العبادات أوفي المعاملات سواء إن كان النهي لذات المنهي عنه أو للازم خارج عنه لوصفه دون تفصيل، والتفصيل الذي وقع عند كثير من المتأخرين هو تفصيل حادث إذاً يدل على فساد المنهي عنه وأعظم حجة في ذلك حديث عائشة رضي الله - تعالى - عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال {مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عليه أَمْرُنَا، فَهْو رَدٌّ} (3).
__________
(1) - الاسراء (32)
(2) - الحشر (7)
(3) - صحيح البخارى (باب إِذَا اجْتَهَدَ الْعَامِلُ أَوالْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ خِلاَفَ الرَّسُولِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ، فَحُكْمُهُ مَرْدُودٌ)، وصحيح مسلم باب نقض الأحكام الباطلة، وأنظر كتاب جامع الأحاديث باب حرف الميم
(5/21)

أي مردود عليه، ومن كان مردودا على فاعله فكأنه لم يوجد فان وجد فيبقي مردودا فيما عداه يعني الذات من أثاره وما يتعلق به ثانيا يكاد يكون إجماع من الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم استدلوا على فساد العقود بالنهي عنها، واستدلوا على فساد عقود الربا بقوله - صلى الله عليه وسلم -:
(لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل) (1) واحتج ابن عمر على فساد نكاح المشركات بقوله - تعالى -: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} (2) وهذا نهي، ولم ينكر عليه أحد، وفي نكاح المحرم بالنهي وفي بيع الطعام قبل خفضه بالنهي، وغير ذلك مما يكون كان الصحابة يستدلون على بطلان تلك البيوع، وتلك العبادات بمجرد النهي عنها لأنه قد أوقع فعلا لم يأمر به الله - جل وعلا - فهو مردود حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو مردود عليه إن لم يوجد نقول لا يُجزئ هذا الفعل فهو يتعلق بالوجود وإن وجد إذا فلابد من الحكم - حينئذ - بفساده والكلام في هذه المسألة فيما ذكر ثم قال الناظم:-

وأَمْرُنَا بِالشَّيءِ نَهْيٌ مَانِعُ ***** مِن ضِدِّه والعَكْسُ أَيْضًا وَاقِعُ

هذه مسألة يذكرها كثير من المتأخرين، والبحث فيها طويل ولكن نختصر ما يتعلق
بحل النظم: "وأَمْرُنَا بِالشَّيءِ": وأمرنا: يعني إذا أمرنا الرب - جل وعلا - أو أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بشيء معين تضمن ذلك الأمر النهي عن ضده
__________
(1) - رواه (مالك، وعبد الرزاق، وأحمد، والبخاري في باب بيع الفضة بالفضة، ومسلم في باب الربا، والترمذي، والنسائي عن أبى سعيد
ولفظ الحديث {لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائبا بناجز، زاد عبد الرزاق فمن زاد أواستزاد فقد أربى} وانظر جمع الجوامع أوالجامع الكبير للسيوطي
(1/ 17769) باب حرف اللام. ومن غريب الحديث: ((تشفوا)): أى تزيدوا وتفضلوا.
(2) - البقرة (221)
(5/22)

"وأَمْرُنَا بِالشَّيءِ نَهْيٌ مَانِعُ مِن ضِدِّه": يعني ضده الوجود الأمر يستلزم النهي عن نقيضه باتفاق لا خلاف قم صلِ قائما أمر بماذا؟ بالصلاة قائما إذاً عدم القيام نقيض فهو نهي عن نقيضه باتفاق وأما عن أضاده فهو يتعلق بمسألة، وهي أشرنا إليها فيما سبق وهي مسألة الأمر النفسي والصواب أو العبارة الصحيحة هنا نقول الأمر بالشيء نهي عن أضاده، وليس الأمر بالشيء نهي عن ضده من حيث اللفظ لأننا قلنا ماذا؟ الأمر هو عين افعل، وكذلك النهي هو عين: لا تفعل - حينئذ - لا يمكن أن يكون افعل بمعنى لا تفعل من حيث اللفظ لا يكون عينه، وإنما من جهة المعنى المثبتون للكلام النفسي عندهم خلاف ونزاع طويل عريض، وأما المنكرون للكلام النفسي كأهل السنة والجماعة يختلفون في دلالة افعل على النهي أما من جهة اللفظ - وحينئذ - نقول هذا متفق عليه وأما من جهة المعنى الذي يعنيه الأشاعرة، وغيرهم وهذا ممنوع لأن النهي والأمر عندهم شيء واحد، وإنما إذا تعلق بطلبه كأنه يقول كلام الله النفسي شيء واحد طريق واحد إن كان المنتهي، والغاية طلب ترك سُمِّي نهي، وإن كان المنتهي طلب فعل سُمِّي أمرا ونحن نقول: لا ذاك أمر لفظ ومعنى يختلف عن النهي لفظاً ومعنى فمن حيث المعنى مختلفان كما أنهما من حيث اللفظ مختلفان
ولكن العبارة الصحيحة المحررة أن نقول من أنكر الكلام النفسي لأن الأمر هو نفس صيغة افعل اتفقوا على أن الأمر ليس نهيا عن ضده ضرورة تغايُر صيغة افعل عن صيغة لا تفعل وإنما اختلفوا هل يستلزم النهي عن ضده من جهة المعنى أو لا من جهة الفحوى من جهة الالتزام من شيء أخر - حينئذ - نقول المغايرة حصلت ولا شك
والعبارة الصحيحة هنا أن نقول الأمر بالشيء نهي عن أضاده يعني عن جميع أضاده إذ لا يتأتى الإتيان بالمأمور إلا بالكف عنها كُلِها والنهي عن الشيء أمر بأحد أضاده إذا أمر الشارع بشيء، شيء ما - حينئذ - قال صلِ قائما ما هي أضاد القيام؟ الجلوس الاضطجاع الميلان مثلا - حينئذ - أمره بالقيام هذا يستلزم لا من حيث المعنى
ولكن من حيث إقامة القيام لا يمكن الامتثال إلا بترك الاضطجاع بترك الجلوس بترك الميلان مثلا إذا - حينئذ - الأمر بالشيء نهي عن جميع أضاده لأنه لا يُمكن أن يقال أمر بالقيام ثم يستلزم النهي عن الاضطجاع فقط يمكن يتكئ هذا مردود بما ذكرناه سابقا والنهي عن الشيء أمر بأحد أضاده قال هنا الأمر بالصلاة قياما عُلم من ذلك النهي عن إقامة الصلاة عن كل الأضداد صلِ قائما فان لم تستطع فقاعدا فان لم تستطع فعلى جنبك فالقيام له أضاد {ولا تقربوا الزِّنَا} نهي عن الزنا عدم الزنا له أضاد الزواج ملك اليمين نكاح الأمة الصبر الصوم الاستعفاف لأنه قال {ژ ژ الزِّنَا} هل هو أمر بذلك كلها نكاح وصيام وعفة .... إلى آخره أم أمر بواحد؟ .. بواحد منه وهذا الواحد المأمور به هو الذي يحصل به الكف عن ذلك النهي ولا تقربوا الزنا له أضاد هذه الأضداد مأمور بواحد منها لأن المراد بالنهي ما هو؟ عدم ارتكاب الفعل وقد حصل بالنكاح إذا لا أمر بملك اليمين، ولا بالصيام ولا بغيره ما استطاع أن ينكح ولا ملك يمين نأمره بالصيام لأن هو الذي يتعين به ترك الزنا.
(5/23)

وأَمْرُنَا بِالشَّيءِ نَهْيٌ مَانِعُ ****** عن ضِدِّه والعَكْسُ أيضا وقع
خلاف ما سبق أيضا واقع يعني النهي عن الشيء أمر بواحد من أضداده وأما الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده هذا الذي يُعبَر عنه ثم قال رحمه الله - تعالى -:
وصِيغَةُ الأمر الَّتِي مَضَتْ تَرِد ****** وَالْقَصْدُ مِنْهَا أَنْ يُبَاحَ ما وُجِدْ

هذا الأولى أن يُلحقه بما سبق صيغة افعل سبق أنها تأتي بالإباحة، وأنها تأتي بالندب أوصلها بعضهم إلى خمس وثلاثين معنى وصيغة الأمر افعل التي مضت في الباب السابق باب الأمر "تَرِدْ": ترد يعني توجد، "والقصد": منها أي من تلك الصيغة أن يباح ما وجد كما ذكرناه {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} (1) هذا أمر بصيغة: افعل يدل على الإباحة أن يباح المباح ما وجد هذه تكمله كما أتت يعني صيغة افعل السابقة والقصد منها من تلك الصيغة التسوية {اصلوها فاصبروا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (2)
المراد بـ اصبروا: هنا تحقيق الصبر أو المراد التسوية بين الصبر وعدمه؟ ... المراد به لا لتسوية يعني اجلس أو لا تجلس الأمر سيان عندي أما يقول الناس هكذا افعل أو لا تفعل "وَالْقَصْدُ مِنْهَا التَّسويَةْ": (فاصبروا أَوْ لَا تَصْبِرُوا) الأمر هنا للتسوية بين الصبر وعدمه "كذا لتهديد": لتهديد كذا يعني تأتي للتهديد (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومن شاء فليكفر) (3) هل أمره بالكفر لا المراد به التهديد ومثُله (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (4)
"وَتَكوينٍ هِيَهْ": يعني تأتي للتكوين يعني الإيجاد عن العدم بسرعة هيه هذه الهاء للسكت كقوله - تعالى - (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (5) كن هنا ليس الخطاب للمكلف إنما هو تكوين .. تكوين إيجاد إذا ذكر لك مع ما سبق بالإباحة هنا أكد ما سبق ثم زاد هنا التسوية وزاد عليه التكوين وذكرنا أمثله كل منهما ثم ذكر فصل فيما يتعلق بالمُكلفين.
وصلِ اللهم وصلِ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
__________
(1) - المائدة (2)
(2) - الطور (16)
(3) - الكهف (29)
(4) - فصلت (40)
(5) - النحل (40)
(5/24)

الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله وآله وصحبه ومن والاه قال الناظم رحمه الله تعالي:-

فَصْلٌ
وَالمؤْمِنُونَ فِي خِطَابِ اللهِ
قَدْ دَخَلُوا إِلَّا الصَّبِي وَالسَّاهِي
وَذَا الْجُنُونِ كُلَّهُمْ لمَ ْيَدْخُلُوا
وَالكَافِرُونَ فِي الخِطَابِ دَخَلُوا (1)
فِي سَائِرِ الفُرُوْعِ لِلشَّرِيعَهْ
وَفِي الَّذِي بِدُوْنِهِ مَمْنُوعَهْ
وَذَلِكَ الِإسْلَامُ فَالفُرُوْعُ
تَصْحِيحُهَا بِدُوْنِهِ مَمْنُوْعُ

بَابُ العَامِّ
وَحَدُّهُ لَفْظٌ يَعُمُّ أَكْثَرَا
مِنْ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ مَا حَصْرٍ يُرَى
مِنْ قَولِهِمْ عَمَمْتُهُمْ (2) بِمَا مَعِي
وَلْتَنْحَصِرْ أَلفَاظُهُ فِي أَرْبَعِ
الجَمْعُ وَالفَرْدُ الْمُعَرَّفَانِ
بِالَّلَامِ كَالكَافِرِ وَالِإنْسَانِ
وَكُلُّ مُبْهَمٍ مِنَ الأَسْمَاءِ
مِنْ ذَاكَ مَا لِلشَّرْطِ وَالجَزَاءِ
وَلَفْظُ مَنْ فِي عَاقِلٍ وَلَفْظُ مَا
فِي غَيْرِهِ وَلَفْظُ أَيٍّ فِيْهِمَا
وَلَفْظُ أَيْنَ وَهْوَ لِلْمَكَانِ
كَذَا مَتَى الْمَوضُوْعُ لِلزَّمَانِ
وَلَفْظُ لَا فِي النَّكِرَاتِ ثُمَّ مَا
فِي لَفْظِ مَنْ أَتَى بِهَا مُسْتَفْهِمَا
ثُمَّ العُمُومُ أُبْطِلَتْ دَعْواهُ
فِي الفِعْلِ بَلْ وَمَا (3) جَرَى مَجْرَاهُ

بَابُ الخَاصِّ
وَالخَاصُ لَفْظٌ لَا يَعُمُّ أَكْثَرَا
مِنْ وَاحِدٍ أَوْ عَمَّ مَعْ حَصْرٍ جَرَى
وَالقَصْدُ بِالتَّخْصِيْصِ حَيْثُمَا حَصَلْ
تَمْيِيْزُ بَعْضِ جُمْلَةٍ فِيهَا دَخَلْ
وَمَا بِهِ التَّخْصِيْصُ إِمَّا مُتَّصِلْ
كَمَا سَيَأتِي آنِفًا أَوْ مُنْفَصِلْ
فَالشَّرْطُ وَالتَّقْيِيدُ بِالوَصْفِ اتَّصَلْ
كَذَاكَ الِاسْتِثْنَا وَغَيرُهَا انْفَصَلْ

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي نبينا محمد وعلي آله
وصحبه أجمعين أما بعد

بعض النسخ يوجد الفصل والبعض لا يوجد هذا الفصل وصاحب الأصل الجويني رحمه الله تعالي ذكر هذه المسالة من يدخل في التكليف بالأمر والنهي بعد باب الأمر وقبل باب النهي الناظم هنا جمع بينهما لأن المناسب أن تُذكر هذه المسالة بعد الأوامر النواهي عَرَفْنَا معنى الأمر وبعض مسالة وكذلك النهي وبعض مسالة حينئذٍ يرد سؤال من الذي يوجه إليه هذا الأمر ومن الذي لا يوجه إليه هذا الأمر وكذلك الشأن في النهي وهو ما يُعَبَّر به في الكتب المطولة بالتكليف أو البحث بالتكليف وما حقيقة التكليف ومن هو المكلف بالبحث في هذه المسائل ولذلك في بعض النسخ فصل فيمن يدخل في الأمر والنهي ومن لا يدخل المراد بالأمر والنهي هنا التكليف هو الذي اشتق منه لفظ المُكلف تقول زيد مُكلَّف أوليس بِمُكَلَّف فان كان مكلف حينئذٍ توجه إليه الأمر
وطُلِب بامتثاله وكذلك النهي
__________
(1) وفي نسخة أُدْخِلُوا
(2) في خ عَمَمْتُهُ.
(3) في خ بَلْ فِيمَا
(6/1)

والتكليف في اللغة:- إلزام ما فيه مشقة. فإلزام الشيء والإلزام به هو تصيره لازما لغيره لا ينفك عنه مطلقا أو وقتا ما هذا معناه في اللغة يكلفه القوم ما نابهم ... وإن كان أصغرهم مولدا
فالتكليف في اللغة بمعنى إلزام ما فيه كُلفة ومشقة وأما في الاصطلاح فثم تعبيران عند الأصوليين مشهوران وهما الأول: هو إلزام ما فيه مشقة وعلي هذا الحد وعلي هذا التعريف يختص التكليف بالواجب والمحرم وحينئذٍ المكروه والمندوب لا يُعتبران من أحكام التكليف وقد سبق أن المندوب الصحيح أنه مُكلف به وكذلك المكروه الصحيح انه مكلف به حينئذٍ المندوب من أحكام التكليف والمكروه كذلك من أحكام التكليف الحد الثاني طلب ما فيه مشقة وكلفة طلب ما فيه مشقة هذا يدخل فيه هذا يدخل فيه الواجب ويدخل فيه الأمر ويدخل فيه المحرم كالحد السابق ويزيد عليه بالمندوب والمكروه حينئذٍ المندوب علي الحد الثاني يُعتَبَرُ تكليفا والمكروه علي الحد الثاني يُعتَبَرُ تكليفا إذاً الحد الثاني علي ما رُجِحَ سابقا يكون هو المُرَجِح إذا التكليف هو طلب ما فيه مشقة وهو إلزام الذي يشق أو طلب فها بِكل الخلقُ لكن هذه المسالة ذكر بعضهم أنها لا فائدة من ذكرها بمعني أنه لا يترتب عليه أن ثَمَّ فرع أو ثَمَّ ثمره تتفرع عن هذه المسالة لكن الصواب انه لو لم تتفرع مسالة فرعية إلا أنَّ معرفة المندوب حكم تكليفي والمكروه حكم تكليفي يكفي طالب العلم الحكم بذلك ويُشترَط في المحكوم عليه وهو المكلف بالفعل شرطان وهما متفق عليهما في الجملة الأول العقل والثاني فهم الخطاب فلا يَتوجه خطاب الشرع إلا بوجود الشرطين الاثنين العقل وفهم الخطاب المراد بالعقل آلة التمييز والإدراك يعني الآلة التي يميز بها العاقل ويُدرك بها يعني يميز بين الحسن والقبيح وإدراك حقائق الأمور وأما الفهم فهو إدراك معني الكلام إذاً العقل وفهم الخطاب لابد من توفر هذين الشرطين فيمن يتوجه إليه الأمر والنهي ويُحكم عليه بأنه
(6/2)

مُكلف بالأوامر والنواهي الشرعية فيُشترط هذان الشرطان لان التكليف خطاب وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال يعني إذا كان المجنون مثلا كما هو محترز الشرط الأول لا يمكن أن يوجه إليه الخطاب لماذا؟ لأنه لا يفهم والذي لا يفهم لا يمكن أن يقال له أفهم وكذلك يُشترط في صحة العبادات في الجملة القصد لابد أن يكون قاصدا للعبادة وهذا متعذر في مثل المجنون وكذلك الصبي الذي لا يَعقِل وحينئذٍ لاشتراط القصد في العبادات لابد من وجود العقل ولابد من وجود فهم الخطاب والاشتراط الفهم لان من لا يفهم لا يمكن أن يقال له أفهم وأرادوا بالعقل ما يُخالف المجنون وأرادوا بالفهم ما يخالف الصبي والنائم والغافل والساهي ونحوه إذاً يُحترز بالعقل عن المجنون ويحترز بفهم الخطاب عن الصبي والنائم والغافل والساهي ونحوه فكل من انتفي في حقه الشرطان العقل وفهم الخطاب حينئذٍ لا يُقال بأنه مكلف ليس بمكلف ليس مأمورا لا بتوحيد ولا بما هو دون التوحيد إذا كان ماذا؟ إذا كان فاقدا للشرطين والأول العقل يحترز به عن المجنون فقط والثاني يحترز به عن الصبي وما كان في حكمه الذي لا يُقال له أفهم كالنائم وإن كان عاقلا إلا أنه إذا دخل وقت الصلاة مثلا وخرج وقت الصلاة وما زال نائما في وقت نومه لا يمكن أن يقال له قد وجه إليك الخطاب لأنه يَتَعَذر منه الفهم لا يفهم حينئذٍ لم يرتفع عنه العقل بل العقل موجود وهو عاقل بالغ ولكن وجد مانع وهو الحيلولة دون أن يفهم هذا الخطاب فلما حيل بينه وبين فهم الخطاب بالنوم والسهو ونحو ذلك حينئذٍ قلنا بأنه ليس مخاطبا وليس مكلفا وما جاء في النص من نام عن صلاة أو نسيها (1) فهذا استدراك لما فاتهم ولذلك لا نؤثمه فيما اذا لم يكن متعاطيا للنوم ونحوه بسبب يعنى يريد إخراج الصلاة عن وقتها فلا يؤثم لأنه لم يترك عمداً
__________
(1) - قال - صلى الله عليه وسلم -: ((من نامَ عن صلاةٍ أو نسيها، فليُصَلِّها إذا ذكرها، لا كفَّارةَ لها إلا ذلك)) ثمَّ تلا: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}
أخرجه: البخاري 1/ 155 (597)، ومسلم 2/ 142 (684) (314)، والبيهقي 2/ 218 و456 من حديث أنس بن مالك مرفوعاً بهذا اللفظ.
(6/3)

وأُستدرِك ما فاته في ذلك الوقت بالنص فإذا جاء النص حينئذٍ نقول وجب عليه أن يصلي وما لم يرد فيه النص كالمُغْمى عليه مثلا لم يرد فيه نص حينئذٍ إذا أغمى عليه قبل دخول الصلاة ولم يفق إلا بعد خروج الصلاة أو أغمى عليه قبل دخول شهر رمضان ولم يفق إلا بعد خروج شهر رمضان حينئذٍ لا صلاة ولا صيام لماذا؟ لانتفاء شرط التكليف وهو العقل وهذا ليس بعاقل وثانيا فهم الخطاب وهذا ليس بفاهم للخطاب لماذا لا نأمره بقضاء الصوم أو قضاء الصلاة ولو صلاة واحدة خلاف لما اشتهر عند بعضهم فيما إذا كان دون الثلاثة أو ما زاد لا يؤمر لا بصلاة ولا بصيام لعدم وجود النص وأما النائم والناسي فقد جاء النص حينئذٍ ندور مع النص وجودا وعدما فلما دلت النصوص علي جهة العموم اعتبارا العقل واعتبار فهم الخطاب وقفنا معهما فإذا انتفيا أو انتفى احدهما حينئذٍ انتفي التكليف ولا يؤمر بقضاء إلا إذا جاء نص أو نحو ذلك فما جاء فيه النص وقفنا معه كالنائم والناسي وما لم يرد كالمغمى عليه فالمغمي عليه وإن كان فيه خلاف بين الفقهاء لكن الصحيح باعتبار هذه المسالة والأصولى هو الذي يحكم في مثل هذه المسائل حينئذٍ نقول الصواب أنه لا يؤمر بقضاء صلاة ولا صوم ولو فاته صلاة واحدة لو أغمي عليه قبل دخول الوقت وخرج الوقت وهو مغمي عليه لا يؤمر بقضاء الصلاة إذاً أرادوا بالعقل ما يخالف المجنون
وأرادوا بالفهم ما يخالف الصبي والنائم والغافل والساهي ونحوهم والصبي منسوب إلي الصِبَا وهو نوعان ينقسم عند الأصوليين إلي نوعين صبي مُمَيِّزْ وصبي غير مُمَيِّزْ والفاصل بين النوعين المميز والغير مميز قيل بالوصف وقيل بالسن قيل بالوصف يعنى إذا فهم الخطاب وأدرك ما يكون تمييزه ويفهم الخطاب قد ضبط ورده الجوابَ إذا رد تقول له كيف حالك يقول الحمد لله بخير إذاً هذا مميز، اذهب اشترى كذا فيأتي به كما هو هذا يُقال فيه بالوصف بمعني انه مُمَيِّزْ بالوصف إذا ضبط الجواب وعرف ما يؤمر به هذا مُمَيِّزْ وأما إذا لم يضبط الجواب ولم يَعْرِفْ ما يؤمر به كأن تأمره بشراء ماء فيأتي بشيء أخر هذا ليس بمميز والأحسن من ذلك أن يضبط بالسن واضبط ما يأتي به تحديد السن هو ما جاء في النص النبوي مروا أولادكم بالصلاة لسبع (1)
__________
(1) -: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشز وفرقوا بينهم في المضاجع "
أخرجه بن أبي شيبة في " المصنف " (1/ 137 / 2) وأبو داود (495، 496) واللفظ له والدارقطني (85) والحاكم (1/ 197) والبيهقي (7/ 94)

واحمد (2/ 187) وصححه الالباني في صحيح سنن أبي داوود.
(6/4)

حينئذٍ نقول تمام السبع هو الذي يُعتَبَرُ به الصبي مميزا يعني إذا أنهى وأتم السابعة وبداء وشرع في الثامنة حينئذٍ انتقل من عدم التمييز إلي التمييز وهذا اصح ما يُقال فيه اعتبارا بالنص لان المسالة إذا كان فيها نوع اجتهاد فأولي ما أن يجتهد المجتهد أن يُعلِق المجهول بالمذكور يعني ما جاء فيه النص أولي ما دام النبي صلي الله عليه وسلم جعل السبع فرق بين من يؤمر ومن لا يؤمر إذا الأولي في سائر أحكام الشريعة أن يُجعَل هذا السن هو الضابط إذاً الفاصل بينهما قيل بالوصف وقيل بالسن والصبي الغير المميز من ولادته ويمتد حتى يتم السابعة من عمره علي الصحيح وقيل السادسة والصحيح هو السابعة إذاً منذ أن يولد فهو صبي غير مميز إلي أن يتم السابعة فإذا أتم السابعة ودخل في الثامنة فحينئذٍ نعتبره صبيا مميزا ثم يستمر به الحال إلي أن يبلغ إما باحتلام أو بتمام السن المعتبر والمميز من سن التمييز إلي البلوغ فإذا أتم السابعة من عمره صار مميزا الصبي غير المميز بإلاجماع غير مكلف الصبي غير المميز منذ الولادة إلي أن يتم السابعة غير مكلف بإلاجماع وأما الصبي المميز فهذا فيه خلاف يعنى من تم السابعة عندهم هل هو مكلف أم لا فيه خلاف جماهير أهل العلم وهو الصحيح أنه غير مكلف والنص هنا هو الحاكم الفاصل في هذه المسالة جاء الحديث الصحيح رفع القلم عن ثلاث وذكر منها الصبي (1)
__________
(1) - عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن المبتلى حتى يبرأ وعن الصبي حتى يكبر.
قال الالباني في صحيح ابن ماجة (2041) صحيح، في صحيح أبي داود 3/ 55: صحيح، وفي سنن ابن ماجه عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رفع
القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق قال أبو بكر في حديثه وعن المبتلى حتى يبرأ.
(6/5)

حتى يحتلم الصبي حتى يكبر وفي رواية حتى يبلغ فدل ذلك علي أنه ما لم يبلغ ما لم يكبر ما لم يحتلم غير مكلف وكما ذكرت هذا قول جماهير أهل العلم ولكن رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالي من بلغ العاشرة فهو مكلف وهذا فيه شبهة حديث واضربوهم عليها لعشر فهم الإمام أحمد من هذا الحديث في بعض الروايات الواردة عنه أن الضرب هنا للعقاب ولا عقاب إلا علي ترك واجب ولا واجب في حقه إلا إذا كان مكلفاً والصحيح المعتبر عند جماهير أهل الفهم في هذا الحديث أن الضرب هنا ليس عقابا وإنما هو من باب التأديب ويدل علي ذلك الحديث الذي ذكرناه سابقا رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم إذاً ما دام انه بلغ العاشرة حينئذٍ لم يحتلم وقد بين النبي صلي الله عليه وسلم في هذا الموطن وهو حديث في محل النزاع وهو مُقَدَّم علي ذلك النص الذي يعتبر فيه نوع إيهام إذا الصحيح أن الصبي المميز غير مكلف علي قول جماهير أهل العلم وهو الرواية المشهورة عن أحمد وهو الصحيح وكونه عاقلا يفهم نقول هذا تعليل وقد جاء تحديد النص علي مجرد هذه التعليلات وأما المجنون فهو نوعان اصلي وطارئ الجنون معروف الجنون أصلى وطارئ والأصلي هو الذي يولد فاقد العقل هذا يعنون له عندهم بالمجنون الأصلي
وأما الطارئ فهو الذي يكون معه عقله ثم بعد ذلك يطرأ عليه الجنون.
الأصلي واضح للنص وعن المجنون حتى يفيق إذاً ليس مكلفا بإلاجماع وأما من يطرأ عليه الجنون فهذا فيه تفصيل إن كان طروء الجنون عليه مُطْبِقًا الذي يعنون له بالجنون المُطْبِق بمعني انه لا يرتفع عنه وقت دون وقت هذا كذلك مُلحق بالأول بمعنى انه ليس مكلفا وأما من كان جنونه طارئا وغير مُطبق بمعني انه يفيق في وقت دون وقت يعني بعضهم قد يأتيه حالات الجنون في أول شهر رمضان وقد يكون في أخره بعقله حينئذٍ يُفَصَّلُ فيه فما كان معه الجنون قد طرأ ورجع اليه فالتكليف مرتفع وما عدا رُفع عنه الجنون حينئذٍ عاد إليه التكليف فالتكليف مع هذا النوع من به جنون غير مطبق يدور مع وجود العقل وجودا وعدم فمتي ما عاد إليه عقله رجع إليه التكليف
ومتي ما غشي علي عقله مُنِعَ من الفهم حينئذٍ نقول ارتفع عنه التكليف.
قال الناظم هنا رحمه الله تعاليوَ الْمُؤْمِنُونَ في خِطَبِ اللهِ قَدْ دَخَلُوا والمؤمنون أي المكلفون قصد بالمؤمنين هنا المكلفون ويشمل كذلك المؤمنات فالحكم ليس خاصا بالذكور بل النساء داخلات في ذلك والمؤمنون أي كل مؤمن ومراده بذلك المكلفون منهم وهم البالغون العاقلون ومِثلُهُم المؤمنات في خطاب الله الذي هو الحكم السابق كما ذكرنا هو خطاب الله المتعلق بفعل مكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع مراد الناظم هنا بهذا العنوان في خطاب الله ليس مطلقا لان من خطاب الله مالا متعلق بفعل مكلف كالذي يتعلق بذاته بأسمائه وصفاته بالجمادات بنحو ذلك وأما الأوامر والنواهي ونحوها فهو داخل في هذا الحد.
(6/6)

والمؤمنون في خطاب الله قد دخلوا جميعا الواوهنا لعموم إلا الصبي والصبية كذلك الصبي عرفنا انه مستثني سواء إذا كان صبي أو صبية غير مميز وينبة هنا إلي أن الصبي غير المميز إذا قيل له غير مكلف بإلاجماع معناه لا يصح منه فعل البتة يعني لو قام يصلي صلاته ليست صحيحة وأما الصبي المميز فهذا لورود النص وكلام أهل العلم في ذلك وبحثه يطول لكن الخلاصة أنه لو صلى وعبد ربه بصيام وحج ونحو ذلك حينئذٍ نقول عبادته صحيحة ولا إشكال فيه وأما الصبي غير المميز فهذا عبادته تعتبر لعبا ولهوا ولذلك لا يصح منه أذان لو أذن ولا تصح منه إمامة
ولو كان عاقلا ويقرا مادام انه دون السابعة وكذلك لو وقف في لصف يعتبر قاطعا للصف لماذا؟ لان الذي يُسَدُّ به الصف هو من صحت صلاته يعتبر هو من تصح منه الصلاة هو الذي يصح قيامه في الصفوف وأما من لم تصح منه صلاة حينئذٍ صلاته وجودها وعدمها سواء حينئذٍ يكون قاطعا
للصف فتنبه لهذا.
إلا الصبي يعنى والصبية سواء إن كان مميز أو غير مميز للنص الذي ذكرناه سابقا رفع القلم
عن ثلاث وذكر القلم يعني قلم التكليف ليس مكلف ليس بإيجاب ولا بتحريم عند المالكية
قد كُلِّف الصبي علي الذي اعتبر في غير ما وجب والمحرم يعني مكلف بالمندوب والمكروه
والإباحة والحديث عام ويرد علي ما ذهبوا إليه إلا الصبي والصبية يعني والساهي حال سهوه
والساهي اسم فاعل من السهو والسهو هو الذهول عن المعلوم يعني الغفلة عنه فيتنبه له بادنىتنبيه ومراده بذلك كل ما يشمل أو كل ما يُغطَّى عنه الفهم سواء إن كان ساهيا أو ناسيا
أو نائما أو غافلا حينئذٍ متي ما فقد في حقه الشرط الثاني وهو فهم الكلام أدراك معني الكلام حينئذٍ ليس مكلفا بمعني انه ليس مُخَاطباً بالصلاة ونحوها ولا بغيرها ممن هو دونه
وَذُا الْجُنُونِ بالنصب وفي بعض النسخ بذو غلط بل هو معطوف علي الصبي إلا الصبي ولكن
سكنه من أجل الوزن لأنه استثناء من كلام تام موجَب.
والمؤمنون في خطاب الله قد دخلوا مثل قام القوم إلا زيد واجب النصب وما عطف عليه فهو
حكمه حكمهم.
وذا الجنون ذا اسم من الأسماء الستة يعني صاحب الجنون، وذا الجنون هنا إعرابه بماذ؟ ألف محذوفة للتخلص من التقاء الساكنين وهو منصوب ونصبه الألف المقدرة لأنه محذوف للتخلص من التقاء الساكنين وذا الجنون مضاف ومضاف إليه كلَّهم كلُّهم يجوز فيه الوجهان إما التأكيد
وحينئذٍ المؤكِد يأخذ حكم المؤكَد وهو النصب كلهم أوكُلهم علي انه مبتدأ لم يدخلوا هذا خبر المبتدأ.
وَالْمُؤْمِنُونَ في خِطَابِ اللهِ ... قَدْ دَخَلُوا إِلاَّ الْصَّبِي والسَّاهِي
وَذُا الْجُنُونِ كُلّهُم لَمْ يَدْخُلوا يعني ليسوا داخلين هنا تعتبر صفة وليس خبر عن الأول إذا استثني الناظم رحمه الله تعالي كل من فقد في حقه الشرطان أو أحد الشرطين المجنون لا عقل ولا فهم والصبي غير المميز لا عقل ولا فهم وأما الصبي المميز قد يكون عنده شيء من العقل
وشيء من الفهم والساهي بمعني انه ليس عنده فهم وعنده عقل لأنه عاقل بالغ وإنما حيل بينه
(6/7)

وبين فهم الخطاب بما ذُكِر قوله والمؤمنون مفهومه أن الكافرين ليسوا بداخلين في خطاب الله تعالي ولكن هذا المفهوم ليس بمراد لأنه نص علي هذه المسألة الكفار سواء إن كانوا أصليين أو
لا والمراد بالكفار الأصليين من نشأ وولد علي الكفر وغيره هو المرتد والمرتد هو من بدل دينه
يعنى من حُكِم عليه بالكفر بعد الإسلام أومن كفر بعد إسلامه الكفار مخاطبون بأصول الشريعة بإلاجماع يعني بالإسلام والإيمان أليس كذلك؟ ليس فيه خلاف بين أهل العلم أن الكافر مخاطب بأصل لا اله إلا الله محمد رسول الله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله (1)، الناس عام أريد به خاص إذاًهم مخاطبون بأصول الشريعة يعني بالإسلام والإيمان وهذا محل وفاق وأما ماعدا ذلك كالصلاة والأركان الخمسة والمنهيات كالنهى عن الربا والزنى والغش والتدليس ونحو ذلك فهل هم مخاطبون بهذه الفروع أولا؟ المسلم مخاطب بإقامة الصلاة بإتاء الزكاة بصوم رمضان بإقامة الحج مخاطب ببر الوالدين بعدم القطيعة بعدم شرب الخمر إلي أخره مع كونه مسلما هو مخاطب بهذه الأوامر والنواهي هل الكافر كذلك مخاطب كقوله تعالي {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} (2) الواو هنا للجمع هل هو خاص بالمؤمن أم يشمل الكافر كذلك مخاطب بالصلاة {وَآتُوا الزَّكَاةَ} الواو هنا للجمع هل هي خاصة بالمؤمن دون الكافر أم أن الخطاب هنا موجه للمؤمن والكافر هذا مُراد من أهل العلم بهذه المسالة هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة بمعنى هل هو مأمور بالصلاة هل هو مأمور بالصيام هل هو مأمور بالحج أولا خلاف طويل عريض والصحيح أنهم مخاطبون بفروع الشريعة بمعني انه مخاطب بالصلاة ومخاطب بالصيام ومخاطب بالزكاة ومخاطب بالحج وسائر الأوامر والنواهي لكن لا يُطلب منه في وقت كفره أن يصلي إلا إذا تلبس بالشرط الأصلي المصحح للعبادات وهو الإسلام والإيمان.
وإذا اسلم حينئذٍ لا يُطالب بقضاء ما مضى إذاً ما الفائدة لا نأمره بالصلاة ونحوها في وقت كفره ولا نأمره بالقضاء؟ قال أهل العلم الفائدة تكون أخروية زيادة العذاب عليه في الآخرة والكافرون مطلقا سواء كانوا أصليين أو مرتدين علي الصحيح بالثاني وإن كان المذهب عندنا فيه نزاع لان الكافر عاقل ويفهم الخطاب أليس كذلك؟ وجد فيه الشرطان عنده عقل هذا في الجملة وعنده فهم للخطاب.
__________
(1) - قال النبي صلي الله عليه وسلم "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها،
وحسابهم على الله، عز وجل" صحيح البخاري برقم (25) وصحيح مسلم برقم (22) من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما.
(2) - البقرة (43)
(6/8)

والْكَافِرُونَ فِي الْخِطَابِ دَخَلُوا خطاب الله السابق الذي ذكره في قوله والمؤمنون في خطاب الله فأل هنا للعهد الذكري والكافرون هذا مبتدأ دخلوا في خطاب الله في خطاب هذا متعلق بقوله دخلوا والواو هنا تعود علي الكافرون دخلوا في الخطاب فحينئذٍ هم مخاطبون في الأوامر والنواهي فليس الحكم خاص بالمؤمنين عند الإمام أحمد يعني هذا الحكم أنهم داخلون في الخطاب مكلفون بفروع الشريعة عند الإمام أحمد رحمه الله تعالي والشافعي لأنه جائز عقلا العقل لا يمنع أن يكون الكافر مخاطب أنت مخاطب بالصلاة مثلا نقول لك وجبت عليك الصلاة تقول أنا لم احقق الشرط وهو الطهارة لست علي طهارة كونك لست علي طهارة لا يرفع عنك الخطاب حينئذٍ تخاطب بالصلاة وبما لا يتم إلا به وهو الطهارة وإلا لو سُوغ كما ذكرنا سابقا انه يدعي بانه ليس علي طهارة والطهارة ليست بواجبة حينئذٍ ما بقي احد يصلي يقول أنا علي حدث إذاً ما وجبت علي الصلاة نقول لا تجب عليك الصلاة تؤدي الصلاة وما لا تصح الصلاة إلا به حينئذٍ جائز عقلا أن يخاطب الكافر يُقال له أذن الظهر إذاً قم صلي يقول أنا علي كفر نقول اسلم وتوضاء وصلي ومن أوجب الغسل أوجب عليه الغسل لأنه جائز عقلا وقام دليله شرعا أما الدليل العقلي فانه لا يمتنع أن يقول الشارع بني الإسلام علي خمس (1) وانتم مأمورون بجميعها وبتقديم الشهادتين من جملتها وتكون الشهادتان مأمورا بهما لنفسهما ولكونها شرطا لغيرها كالمُحدِث يؤمر بالصلاة بني الإسلام علي خمس شهادة أن لا اله إلا الله وإقام الصلاة ...... إلي أخره حينئذٍ الخطاب موجه لمن موجه لكل من لم يأتي بالشهادتين وحينئذٍ يؤمر بالشهادتين فتكون الشهادتان مأمورا بهما من اجل الدخول في الإسلام ومن اجل كونهما شرطا لغيرهما فيقال هاتان الشهادتان أنت مأمور بهما لا اله إلا الله محمد رسول الله وهذا الخطاب للكافر لان الشهادتين تجعلك مسلما فيتحقق الإسلام في نفسك ثم هاتان الشهادتان شرط لما بعدها من العبادات إقام الصلاة إيتاء الزكاة إلي أخره وهذا جائز عقلا وأما شرعا فقد وردت آيات ونصوص عامة تدل على العموم والعام كما هو معلوم ما استغرق الصالح دفعا بلا حصر حينئذٍ يبقى العام علي أصله ولا يجوز إخراج فرد من أفراده إلا
بدليل صحيح قوله تعالي {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (2)
الناس هذا لفظ عام يشمل كل ما يدخل تحته من الجن والإنس حينئذٍ نقول هم مأمورون بالعبادة
ومن العبادة التوحيد وما دون التوحيد {يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ} (3) هذا عام يشمل الكافر والمؤمن
__________
(1) - في الصحيحين عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان،
وحج البيت" صحيح البخاري برقم (8) وصحيح مسلم برقم (16
(2) - البقرة (21)
(3) - الزمر (16)
(6/9)

{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} (1)، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كتب على الذين من قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (2) حينئذٍ نقول هذه كلها عمومات وتشمل الخطاب أو يشمل الخطاب كل من يلقى إليه هذا الكلام حينئذٍ يوجَه للمؤمن ويوجَه للكافر ويكون عاما في شانهم.
{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (3) علي الناس، الناس لفظ عام يشمل الكافر ويشمل المؤمن {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يوارى سوءاتكم (4) - حينئذٍ نقول كل هذه الألفاظ كلها تدل علي العموم وفائدة ما ذكرنا كما سبق أنه لا يطالب بها الآن بان يصلي لأنه ليس أهلا ولا يطالب بالقضاء وإنما الفائدة أخروية} قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ
سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ {(5) الإسلام والتوبة يجب ما قبلهم حينئذٍ لا يقال للكافر إذا اسلم في أخر عمره خمسين سنه علي كفره اقض الصلوات كلها خمسين سنه وهوعلي كفره يؤمر به هذا فيه تعسير وفيه طلب مشقة وهذا لا يجئ به الإسلام إذاً} قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ {دل ذلك أنهم لا يُطالبون أن يقضوا هذه الصلوات وبالصيام ولا غيرها} الذين كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ زدناهم عذابًا فوق الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ {(6)
هذا نص واضح بين من أصرح ما يكون في القران في الدلالة علي أن الكافر لكفره يعذب عذابا خاصا ثم ما تركه من هذه الأوامر وتلبس به من المنهيات} زدناهم عذابًا فوق الْعَذَابِ چ (ال) هنا
للعهد الذهني يعني العذاب الذي رتب علي كفره وشركه وماعدا فهو زيادة إذا فعل أو شرب الخمر المؤمن يحاسب المؤمن قد يعذب إذا لم يتب أما الكافر حينئذٍ يزاد علي عذاب الكفر عذابا بسبب
ارتكاب هذا النهي.
والْكَافِرُونَ فِي الْخِطَابِ دَخَلُوا فِي سَائِرِ الْفُرُوعِ لِلشَّرِيِعَهْ يعني في جميع الفروع والمراد
بالفروع هنا ما يقابل الأصل وهو الإسلام أو ما لا تصح العبادة إلا بالإسلام.
وفي سائر الفروع للشريعة يعني الشريعة التي هي عامة تشمل العبادات وتشمل التوحيد أو
إن شئت قل أصل وفرع والتوحيد هو أصل الإسلام والإيمان وما عدا ذلك فرع أو إن شئت قل
علميات وعمليات إذا فهم المراد من هذه الاطلاقات فلا إشكال فيه.
وفِي الَّذِي بِدونِه مَمْنُوعَهْ وَذَلِكَ الإِسْلامُ يعني دخلوا في الخطاب في سائر فروع الشرعة
وهذا محل نزاع.
وفِي الَّذِي بِدونِه مَمْنُوعَهْ هم داخلون في النصوص الواردة في توجيه الكفار للانتقال من الكفر
إلي الإسلام حينئذ كل نص أمر بالتوحيد فالكافر داخل دخولا أوليا لا شك والمؤمن يكون من باب التأكيد والتثبت.
__________
(1) - البقرة (43)
(2) - البقرة (183)
(3) - آل عمران (97)
(4) - الأعراف (26)
(5) - الأنفال (38)
(6) - النحل (88)
(6/10)

وفي الذي بدونه. بدونه هذا ضمير يعود علي متأخر أو علي معهود في الذهن هذا أو ذاك لكن عودة علي متأخر هذا فيه خلاف عند النحاة يعني يمنعونه وإن شئت جعله علي شيء في الذهن في الذي بدونه يعني بدون الإسلام ممنوعة أي تلك الفروع فلا تصح الصلاة إلا بالإسلام ولا يصح الصوم إلا بالإسلام ولا تصح الزكاة إلا بالإسلام وهكذا فكل عبادة محضة يعني لا يعقل معناها فيشترط فيها الإسلام وذلك الذي هي ممنوعة بدونه الإسلام والإيمان إجماعا لا خلاف بين أهل العلم في ذلك وذلك الإسلام ونزيد عليه والإيمان لابد من اجتماعهما معا لان الصحيح أن الإسلام
والإيمان إذا افترقا اجتمعا وإذا اجتمعا افترقا لكن ينبغي أن يعلم أنه إذا افرد الإسلام لابد من إيمان مصحح له يعنى الإسلام إذا اجتمع مع الإيمان حُمِل الإيمان علي الأعمال الباطنة والإسلام علي الأعمال الظاهرة وإذا افترقا دخل كل منهما في الأخر لكن إذا حُمِل الإسلام علي الأعمال الظاهرة
لا يُجرد من الإيمان لان من ابرز الأعمال الظاهرة قول لا اله إلا الله ومعلوم أن لا اله إلا الله
لا تصح هكذا مجردة من القول بل لابد من إخلاص ولابد من يقين ولا بد من تحقيق شروط لا اله إلا الله وهي قائمة بالقلب الخضوع والانقياد كلها أعمال قلبية إذ لا يصح الإسلام إلا بشيء من الإيمان فبعض الإيمان مصحح للإسلام وكذلك العكس الإيمان أعتقاد وقول وعمل والعمل ركن عند أهل السنة والجماعة في مفهوم الإيمان حينئذٍ لا يصح الإيمان إلا بشيء ظاهر من كفر بترك الصلاة جعل جنس العمل ومن لم يكفر حينئذٍ ينظر في ذلك إذا قوله وذلك الإسلام يعني والإيمان إجماعا.
فَالْفُرُوعُ تَصْحِيحُهَا بِدُونِه مَمْنُوعُ هذا تفريع فالفروع وهي ما لا يصح إلا بالإسلام تصحيحها تصحيح تلك الفروع بدونه يعنى بدون الإسلام ممنوع إذا حاصل هذه المسالة إن الكفار مطلقا سواء إن كانوا أصليين أو مرتدين هم مخاطبون بفروع الشريعة كما أنهم مخاطبون بأصل الإسلام والإيمان وأن الفائدة من هذه المسالة وبحثها هو ترتب العقاب علي ترك الواجبات وعلي فعل المنهيات في الآخرة وأما في الدنيا فلا يطالب في وقت كفره حال كفره بفعل العبادات ولا يُطالب بقضاء تلك العبادات إذا اسلم.

بَابُ العَامِّ
وَحَدُّهُ لَفْظٌ يَعُمُّ أَكْثَرَا
مِنْ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ مَا حَصْرٍ يُرَى
مِنْ قَولِهِمْ عَمَمْتُهُمْ (1) بِمَا مَعِي
وَلْتَنْحَصِرْ أَلفَاظُهُ فِي أَرْبَعِ
الجَمْعُ وَالفَرْدُ الْمُعَرَّفَانِ
بِالَّلَامِ كَالكَافِرِ وَالِإنْسَانِ
وَكُلُّ مُبْهَمٍ مِنَ الأَسْمَاءِ
مِنْ ذَاكَ مَا لِلشَّرْطِ وَالجَزَاءِ
وَلَفْظُ مَنْ فِي عَاقِلٍ وَلَفْظُ مَا
فِي غَيْرِهِ وَلَفْظُ أَيٍّ فِيْهِمَا
وَلَفْظُ أَيْنَ وَهْوَ لِلْمَكَانِ
كَذَا مَتَى الْمَوضُوْعُ لِلزَّمَانِ
وَلَفْظُ لَا فِي النَّكِرَاتِ ثُمَّ مَا
فِي لَفْظِ مَنْ أَتَى بِهَا مُسْتَفْهِمَا
ثُمَّ العُمُومُ أُبْطِلَتْ دَعْواهُ
فِي الفِعْلِ بَلْ وَمَا (2) جَرَى مَجْرَاهُ
__________
(1) في خ عَمَمْتُهُ.
(2) في خ بَلْ فِيمَا
(6/11)

باب العام هذا من مباحث دلالات الألفاظ أهم أبواب أصول الفقه هي دلالات الألفاظ وهذه كلها مرتكزة علي علوم اللغة قال باب العام يقابله الخاص وجمع بينهما علي التوالي عام في اللغة شامل والعموم هو الشمول والوصف بالعام حقيقة للألفاظ مجازا في المعاني لكن يقال عام في الألفاظ وأعم في المعاني ولذلك قال هنا حده لفظ إذا جعله هو اللفظ فاللفظ هو الذي يوصف بكونه عام حقيقة وأما المعني فالأصل فيه انه لا يوصف بالعموم وإنما يوصف بوصفه مجازا
قال رحمه الله ولم يذكر في هذا الباب إلا مسالتين أولا حد العام وثانيا ذكر بعض ألفاظ العموم
وجعلها أربع من باب التيسير فقط.
وحَدُّه لفظٌ يَعُمُّ أكْثَرَا وحده الضمير يعود إلي العام أي حد العام في اصطلاح الأصوليين أي تعريف لفظٌ يَعُمُّ أكْثَرَا مِنْ واحدٍ مِنْ غَيرِ مَا حَصْرٍ يُرَى لفظ إذا لابد أن يكون لفظا وما عدا اللفظ لا يوصف بكونه عاما والمراد باللفظ هنا اللفظ مع المعني معاً يعني في كلام العرب نعرف الكلام بان الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع واللفظ هو الصوت مشتمل علي بعض الحروف الهجائية التي أولها الألف وأخرها الياء إذا لابد أن يكون له معني هذا اللفظ من صفاته حتى يُحكم بكونه عام يعم أكثر يعم انظر اخذ العموم قيدا في حد العام كما سبق معرفة المعلوم هنا المعلوم اسم مفعول من العلم حينئذٍ يلزم منه الدور لأنه اخذ شيئا يتعلق بالفظ محدود وهنا المحدود هنا العام إذاً ما هو الذي يعم هو الذي اتصف بالعام لكن نقول نفك هذا التعارض بان مراده بقوله يعم يشمُل بضم الميم يعني المعني اللغوي وليس المعني الاصطلاحي والعام الذي نُعَرِّفَهُ هو العام الاصطلاحي والعام الذي أخذه في حد العام الاصطلاحي هو العام اللغوي وليس العام الاصطلاحي لفظ يعم أي يتناول ويشمل دفعة واحدة أكثرا من واحد، أكْثَرَا الألف هذه للإطلاق
أكْثَرَا مِنْ واحدٍ حينئذٍ خرج ما دل علي واحد كزيد، زيد مدلوله واحد أليس كذلك، كذلك خرج بذلك القيد النكرة في سياق الإثبات جاءني رجلا، رأيت رجلا، أكرمت طالبا نقول هذه نكرات تدل علي شيء واحد فقط فمدلوله واحد والعام لابد أن يكون مدلوله متعددا بلا حصر يعم يتناول أكثر من واحد قلنا خرج ما دل علي واحد نحو زيد وخرج النكرة في الإثبات لان النكرة في الإثبات
لا تعم أكرمت طالبا يعني واحدا هذا الأصل فيه.
مِنْ غَيرِ مَا حَصْرٍ يُرَى من غير حصر يعني من غير دلالة حصر (ما) زائدة هنا من غير دلالة حصر يعني لا يدل اللفظ علي حصر إذاً المراد بالعام ما يتناول أكثر من واحد بلا حصر أو إن شئت قل ما دل علي أكثر من واحد بلا حصر، بلا حصر اخرج به أسماء العدد لأنك تقول عندي عشرون كتابا هذا تناول اللفظ أكثر من واحد أليس كذلك؟ لكنه محصور وشرط العام الا يكون محصورا وإنما تقول أكرمت الطلاب، الطلاب هذا جمع أقله ثلاثة ومنتهاه بلا حصر هذا الذي يعتبر عاما ما عم شيئين فصاعدا بلا حصر يسمى عاما عند أهل الأصول فكل لفظ يدل علي ذلك أو يحكم عليه
بأنه عام
(6/12)

مِنْ غَيرِ مَا حَصْرٍ أراد به إخراج أسماء العدد فكل عدد تقول عندي مئة ريال، مئة هذا محصور هو تناول شيئين فصاعدا لكنه له منتهى وإذا كان كذلك لا يُسمَّى عاما وإنما يسمى خاصا ولا يكون العام عام إلا إذا تناول شيئين فصاعدا بلا حد لمنتهاه فان كان كذلك حكم عليه بأنه عام.
لفظ يعم أكثر من واحد من غير ما حصر يرى قلنا (ما) هذه زائدة من غير حصر يرى بالبناء
للمجهول هذه تكملة يعنى يُعلم.
مِنْ قَوْلِهِم عَمَمْتُهم بِمَا مَعِي. يعنى هذا العام مأخوذ من حيث اللغة من هذا اللفظ عممتهم بما معي يعنى بما معي من العطاء فالعموم هنا بمعنى الشمول شملتهم بما معي أعطيتهم تناولتهم كلهم بدون استثناء حينئذٍ نقول عممت الناس بالعطاء يعني ما تركت واحدا وإلا أعطيته لان العموم هنا بمعنى الشمول وهذا فيه إظهار المناسبة بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي علي ما ذكرناه سابقا أنهم يذكرون المعنى اللغوي في أول الأبواب ثم يعقبون بالحقيقة الشرعية أو الحقيقة العرفية ليبينوا لك أن هذا اللفظ اصطلاحا أو شرعا منقول عن معناه اللغوي وهو المعنى الأصلي من قولهم يعنى هذا مأخوذ من قولهم عممتهم من عم يعم عممتهم بما بشيء معي وهو العطاء
ثم قال إذا العام هو ما دل علي أكثر من اثنين بلا حصر أو عم شيئين فصاعدا كما قال في الأصل.
ثم قال وَلْتَنْحَصِرْ ألفَاظُه في أرْبَعِ إذا عرفنا أن العام لفظ يَرد السؤال هل كل لفظ يدل علي العموم؟ الجواب لا وإنما هي الفاظ عُلِمَت بالاستقراء والتتبع لكلام العرب أنهم أطلقوا هذه الألفاظ مراد بها هذا المعنى وهي أنها تعم شيئين فصاعدا بلا حصر مثل لفظ الناس، الناس هذا لا يختص بزيد أو عبيد أو باثنين أو بثلاث أو بعشر وإنما اقل الجمع ثلاثة وأكثره لا منتهى له فإذا أُطلق الناس يا ايها الناس نقول الناس هذا من ألفاظ العموم هل يتحقق فيه معنى؟ العام نعم لفظ يعم أكثر من واحد من غير حصر {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (1)
إذاً يا أيها الناس، الناس هذا لفظ عم شيئين فصاعدا بلا حصر فلا يؤخذ الحصر من لفظه البتة هذه الألفاظ بالاستقراء لكلام العرب علم الاصوليون ومن قبلهم النحاة فالبحث مشترك بينهم أن هذه
الألفاظ تدل علي ما ذكر واعلي درجات الحصر هو لفظ كل وجميع صياغة
هو كل أو للجميع وقد تلا الذي أدلة الفروع، أدلة الفروع سيذكرها الناظم رحمه الله تعالي.
ولكن كل هذه هي أم الباب وتاج الدين والده السبكي ألف كتابا في لفظ كل فقط.
ولتنحصر اللام هنا لام الأمر والمراد به الخبر ولتنحصر ألفاظه ألفاظ العام في أربع بل في أكثر
من ذلك فالعدد هنا لا مفهوم له.
الْجَمْعُ والْفَرْدُ الْمُعَرَّفانِ ... باللامِ كَاكَافِرِ وَالإِنْسَانِ
__________
(1) - البقرة (21)
(6/13)

إذاً الأول والثاني ذكره بقوله الجمع المعرف والفرد هذا هو الثاني الفرد المعرف يعنى المفرد المعرف فكل جمع وكل مفرد دخلت عليه (ال) بشرط الا تكون مُعَرِفة والا تكون لبيان الحقيقة حينئذٍ نعتبر هذين اللفظين من ألفاظ العموم الجمع والمراد بالجمع هنا الجمع بالمعنى اللغوي يعني ليس الجمع جمع المذكر السالم فحسب أو جمع المؤنث السالم أو جمع التكسير بل يعم كل ما دل علي الجمع فيشمل جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم وجمع التكسير واسم الجنس الجمع وكذلك اسم الجمع كلفظ القوم هذه كم جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم جمع
التكسير اسم الجنس الجمع اسم الجمع كالقوم والرهط ونحوهم.
الجمع يعنى بالمعنى اللغوي وهو اللفظ الدال علي جماعة أكثر من اثنين أو اثنتين من غير نظر إلي مفرده لكن بشرط أن يكون محلا بال لو قال أكرم طلابا، طلاباً ليس من صيغ العموم وإن كان جمع تكسير أكرم مسلمين؟، أكرم مسلمات هذا ليس من ألفاظ العموم وإن كان جمعا لماذا لان
شرط الجمع أن يكون محلا بال يعني دخلت عليه (ال) الجمع كقوله تعالي {(قد أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)} (1)
{وإذا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فليستئذنوا كما استئذن الذين مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (2) وإذا بلغ الأطفال، إذاً دخلت (ال) هنا علي جمع وهو جمع تكسير فأفاد العموم كل طفل، {قد أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} افلح كل مؤمن حينئذٍ أخذنا العموم من شيئين كونه جمعا وكونه مُحَلاً بال لكن يشترط في (ال) هذه أن تكون للاستغراق وضابطها التي يصح حلول لفظ كل محلها والاستثناء الحقيقي منها {قد أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} قد افلح كل مؤمن صح؟ صح قد افلح المؤمنون إلا زيدا مثلا المراد المثال إذاً نقول صح الاستثناء وصح حلول لفظ كل محل (ال) حكمنا عليه بكونها
(ال) الاستغراقيه الرجل خير من المرأة نقول (ال) هنا لبيان الحقيقة ما هي وليس المراد بها
الاستغراق.
__________
(1) - المؤمنون (1)
(2) - النور (59)
(6/14)

أكرمتُ الطلابَ يعني أكرمت كل الطلاب هذه (ال) للاستغراق صح حلول كل محلها ويصح الاستثناء لو اردت تقدير الاستثناء أكرمت الطلاب إلا زيدا حينئذٍ حملنا (ال) هنا للاستغراق وهل يمكن حملها علي العهد نقول نعم إذا كان ثم عهد بينك وبين المخاطب حينئذٍ (ال) العهدية يحمل مَدْخُولُها علي ما عهد في ذهن المُخَاطَب فإذا قال لك قائل أكرم طلابا ثم قلت له بعد ذلك لما لقيته أكرمت الطلاب يعنى الذي أمرتني بإكرامهم حينئذٍ نقول هنا لا يدل علي العموم لماذا الان المعهود هنا أكرم طلابا وطلابا قلنا هذا ليس من صيغ العموم الكلام واضح أولا؟ الجمع بأنواعه من صيغ العموم بشرط أن تدخل عليه (ال) الاستغراقيه و (ال) الاستغراقيه هذه لكي لا تلتبس بغيرها من اجل ضبطها لان ليس كل جمع دخلت عليه (ال) فهو من صيغ العموم بل بشرط أن تكون استغراقيه يعنى تستغرق مدخولها مطلقاً كل الأفراد نريد أن نختبر (ال) هذه هل هي استغراقيه أو عهدية أو لبيان حقيقة ماذا تصنع؟ تضع لفظ كل محلها {قد أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} قد افلح كل مؤمن صح حينئذٍ مادام صح حلول لفظ كل محلها نقول هذه استغراقيه إذا كانت عهدية أو كانت لبيان الحقيقة وهي التي لا يصلح أن يحل لفظ كل محلها حينئذٍ نقول هذه ليست استغراقيه فلا يحكم علي مدخولها وإن كان جمعا انه من صيغ العموم مثال العهدية كأن يقول لك قائل أكرم طلابا نقول طلابا هذه جمع ولكنه ليس محلا بال فليس من صيغ العموم أكرم طلابا، وأعطاك مال فقلت له بعد ذلك أكرمت الطلاب أي الطلاب الذين أمرتني بإكرامهم (ال) هنا نحكم عليها بأنها عهدية وحينئذٍ
مدخولها لا يكون من صيغ العموم.
الجمع والفرد يعنى الفرد الا سم الواحد المفرد يعني مدلوله واحد كرجل مثلا المعرفان باللام
يعني الاستغراقيه.
كَاكَافِرِ وَالإِنْسَانِ الكافر في النار دون تعيين وصف الكافر في النار هل (ال) هذه استغراقيه؟ كل كافر في النار هذا الأصل حينئذٍ نقول (ال) هنا استغراقيه لصحة حلول لفظ كل محلها.
وَالإِنْسَانِ {? (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خسر} (1) واحد أوكل إنسان، كل إنسان هذا الأصل
__________
(1) - العصر (1،2)
(6/15)

{إلا الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (1) انظر قال إن الإنسان ثم قال إلا الذين استثنى جمعا من مفرد في اللفظ لكنه في المعنى جمع {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خسر} إن الإنسان لفي اللفظ مفرد وفي المعني جمع لما استثني اعتبر الجمع ولم يعتبر اللفظ {پ پ آمَنُوا} ما قال إلا الذي آمنوا دل علي أن مدخول (ال) هنا جمع وليس بمفرد إذاً كل جمع وكل مفرد دخلت عليه (ال) الاستغراقيه بشرطها حكمنا عليه بأنه من صيغ العموم ولذلك جاء هناك في سورة النور {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلى الله جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (2) اللذين هذا نعت للطفل وشرط النعت مع منعوتة التطابق إفرادا وتثنية وجمعا قال الطفل واحد الذين وصفه بماذا بجمع لماذا وصفه بجمع لان الطفل (ال) الاستغراقيه دخلت علي مفرد فتعم إذاً أو الأطفال الذين هذا مراده
الْجَمْعُ والْفرْدُ الْمُعَرَّانِ ... باللامِ كَاكَافِرِ وَالإِنْسَانِ
وَكُلُّ مُبْهَمٍ مِنَ الأَسْماءِ ... مِنْ ذَاك مَا لِلشَّرطِ والجزَاءِ
في بعض النسخ من والصواب بالواو هذا النوع الثاني من صيغ العموم هو الأسماء المبهمة ويعني بها أسماء الشرط وأسماء الاستفهام والأسماء الموصولة ثلاثة أنواع
الأسماء احترازا للحروف فهي من صيغ العموم فكل اسم من أسماء الشرط فهو للعموم كل اسم من الأسماء الموصولة فهو للعموم كل اسم من أسماء الاستفهام فهو للعموم عشرات مئات العمومات في الكتاب والسنة تأتي بهذا الضابط واضح هذه أسهل من الأولي كل اسم من أسماء الاستفهام فهو للعموم وكل مبهم، مبهم اسم مفعول من الإبهام يعني لا يتبين معناه إلا بغيره.
مَنْ لا تعرف من هذا هل هي شرطية أو موصولية أو استفهامية لكن إذا ضممتها إلي غيرها حينئذٍ تبين معناها مَنْ عندك عرفنا أنها استفهامية مَنْ سافر أسافر معه عرفت أنها شرطية، {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} (3) عرفت أنها استفهامية وكل مبهم لا يتبين معناه إلا بغيره من الأسماء خرج به الحروف كهمزة الاستفهام فليست من صيغ العموم لان الحرف ليس فيه معني حتى نقول انه عام لان العام يشمل أفراد بلا منتهى أليس كذلك ما يعم أكثرا من واحد حينئذٍ نقول هذا عموم والحرف لا يدل علي معنى أصلا فكيف يقال انه للعموم.
إذاً من الأسماء هذا احتراز عن حروف الاستفهام وكذلك حروف الشرط (كإن) الشرطية و (إذ ما) علي الصحيح أنها حرف والإبهام في أسماء الشرط والاستفهام أنها لا تدل علي معين مَنْ عندك
من هذا يدخل تحته زيد وخالد ومحمد ... إلي أخره ما لا حصر له من الأسماء حينئذٍ
__________
(1) - العصر (3)
(2) - النور (31)
(3) - البقرة (255)
(6/16)

مَنْ يسافر أسافر معه يدخل تحته من يسافر هذه شرطية يدخل تحته ما لا حصر من الأسماء وفي الأسماء الموصولة افتقارها إلي صلة تُبين وتُعين المراد جاء الذي! هه فهمت المراد لو قال قائل جاء الذي، جاءت التي، جاء الذين، فهمت شيء ما فهمت شيء حتى يقول جاء الذي سافرت معه، جاء الذي درست معه إذاً لابد من صلة تبين المراد بالاسم الموصول وهذا يسمي افتقارا
وَكُلُّ مُبْهَمٍ مِنَ الأَسْمَاءِإذا عرفنا المراد هنا بهذا الشرط كل مبهم من الأسماء أسماء الشرط
والأسماء الموصولة وأسماء الاستفهام.
من ذاك يعني من ذاك الذي حُكم عليه بكونه من الأسماء وهو مبهم
مَا لِلشَّرطِ والجزَاءِ ما يعني سواء كانت شرطية أو موصولة أو استفهامية إذا عممنا حالة
كونها مستعملة أفراد مالا يعقل كما سينص الناظم علي ذلك.
من ذاك ما للشرط والجزاء يعني ما الشرطية من ذاك يعني من ذلك اللفظ المبهم من الأسماء الذي يُعتَبر من صيغ العموم ما الشرطية إذا استعملت في الشرط {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فإن خيرا الزاد التقوى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} (1) ما شرطية هنا {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} والخير هذا {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ}، من خير بيان لما وإن احترز به عن الشر إلا انه في الخير له أفراد بلا منتهى فعمومه في الخيرلا في الشر لأنه مقيد {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ}
أليس كذلك حينئذٍ من خير من هنا بيانية بينت ماذا المراد بما هل بيان ما بمن خير يسلبه العموم؟ الجواب لا لأنه وإن كان في الأصل عاما ما في الخير والشر إلا انه اختص في الخير ثم الخير
له أفراد لا حصر لها.
__________
(1) - البقرة (197)
(6/17)

ثم قال ولَفْظُ مَنْ فِي عَاقِلٍ ولفْظُ مَا في غَيْرِهِ، ولفظ من يعني مطلقا ومن الأسماء المبهمة أيضا لفظ من سواء كانت شرطية أو موصولة أو استفهامية يعني من تستعمل شرطية وتستعمل موصولة وتستعمل استفهامية لكنه قال في عاقل يعني اختصاص من اسعمالاً في العاقل والأولى أن يُقال في من يَعْلَّم يعنى من شانه أن يعلم لأنه أطلق علي الرب جل وعلا والله تعالى لا يوصف بهذه الصفة لعدم ورودها يعنى العقل هل يقال الله عاقل أولا نقول لم ترد الصفات توقيفيه فلا يُطلق هذا اللفظ ولو إخبارا علي الرب جل وعلا ولفظ من حال كونه في عاقل يعني ما من شانه أن يعقل المراد به الذي من شانه أن يعقل ليس ضد المجنون والأولى أن يقال في العالم ولفظ من في عاقل {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} (1) هه عموم أولا كم ممن يكون في السموات يسجد لله؟ كثير إذا لفظ يعم أكثرا من واحد من غير ما حصر يرى انطبق علي هذا أولم ينطبق عليه {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}، {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} من عام فيدخل تحته ما لا حصر له بل كل مخلوق لا يشفع إلا بإذنه، (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ برازقين) (2)، (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قل لله كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (3)
قل لمن ما في السموات.
ولفْظُ مَا في غَيْرِهِ يعني في غير العاقل لفظ ما سبق أنها تأتي شرطية وقد تأتي استفهامية ما عندك أو ما الذي عندك أليس كذلك تأتي استفهامية وتأتي موصولة وتأتي شرطية وسبق الكلام في الشرطية لكن قال هنا في غيره يعنى في غير العاقل وتستعمل ما في غير العاقل وهذا هو
الغالب الكثير في لسان العرب.
وَلَفْظُ أيِّ فِيهِمَا يعني في العاقل وفي غيره لفظ أي تأتي شرطية وتأتي استفهامية وتأتي موصولية (ثم لننزعنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا) (4) أيهم أي هنا مبني علي الضم لأنها موصولة .. فيها خلاف (ثم لننزعنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ)، (قل أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قل الله شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) (5)؟ سؤال هذا؟ أي استفهامية لذلك لابد من النحو إذا كان لا يميز الشرطية عن الاستفهامية عن الموصولة هذه مشكلة كيف يدرس الأصول العلوم مرتب بعضها علي بعض وليس هذا ما تسجل ما في الورقة ما تحضره وإنما المراد أن العلوم مترابطة بعضها مع بعض.
__________
(1) - الرعد (15) أما قوله تعالي {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ} الحج (18) هو ما أراده الشيخ والله أعلم.
(2) - الحجر (20)
(3) - الأنعام (12)
(4) - مريم (69)
(5) - الانعام (19)
(6/18)

إذاً انظر من صيغ العموم ما الشرطية ومَنْ إلي أخره إذا كيف يمييز بين هذه وهذه ... (1) موصوفة أو ليست حالية أو نحو ذلك ولفظ أي إذا هذاً عام قل، (قل أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قل الله شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)
(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) (2)
(قل ادعوا اللَّهَ أَوِ ادعوا الرحمان أيًّامَّا تدعوا فله الأسماء الْحُسْنَى) (3) أيما تدعوا هذا ايش؟ شرطية إذاً أي سواء كانت شرطية أو استفهامية أو كانت موصولية فهي من صيغة العموم.
ولَفْظُ "أينَ " وَهْوَ لِلْمَكَانِ يعني من الألفاظ المبهمة التي تدل على العموم لفظ أين وهذه أين لا تأتي موصولية بإجماع وإنما تكون شرطية أو تكون استفهامية أين زيد فيها عموم أين يصدق علي مكان لفظ موضوع للمكان حينئذٍ المكان محتمل يحتمل انه هنا مسافر في أي بقعة إلي أخره ففيه أفراد بلا حصر أين زيد الجواب هذا يحتمل، يحتمل انه موجود هنا حاضر يحتمل انه مسافر
ثم مسافر أين إلي أخره.
ولفظ أين وهو للمكان يعني أفراد المكان يعني بحسب الوضع
(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) (4) أينما هذه إيش نوعها؟ شرطية إذاً أين زيد هذه استفهامية، أينما تكونوا شرطية.
كَذَا "مَتَى" أي مثل ذا السابق "مَتَى"الْمَوْضُوعُ لِلزَّمَانِ إذا متي سواء اتصلت بها ما أولا وهي موضوعة للزمان يعنى يفهم منها الزمان وهذه لا تستعمل موصولة وإنما تختص بالشرطية والاستفهامية متي تسافر أسافر معك؟ شرطية فيها عموم بعد ساعة بعد ساعتين كلها أفراد بلا حصر اليوم غدا بعد غد بعد أسبوع بعد شهر بعد سنه كلها داخلة في هذا الجواب فهو محتمل له
أفراد بلا حصر، من عندك؟ خالد عمرو إلي أخره إذاً
ولفظ أين وهو للمكان كذا متي الموضوع للزمان هذا هو النوع الثالث الذي ذكره الناظم تبعا للأصل وهو من صيغ العموم وهو الأسماء المبهمة وعنى به الشرطية والموصولية وإلاستفهامية فكل اسم استفهام فهو للعموم وكل اسم شرط فهو للعموم وكل اسم موصول فهو للعموم وترك بعض الأمثلة ومرده إلي كتب النحو تدرس هناك وليس من كتب الأصول.
الرابع النكره في سياق النفي وهذه مهمة جدا.
وَلَفْظُ لا في النَّكِرَاتِ ثُمَّ مَا، لفظ لا، لا النافية حالة كونها داخلة علي النكرات ولفظ لا النافية حالة كونها داخلة علي النكرات والنكرة معلومة معروفة والذي لا يميز بين النكرة والمعرفة
يخطئ هنا في الأحكام وإنما تأخذها من كتب النحو اليس كذلك.
ولفظ لا في النكرات ويشمل لا هنا لا النافية التي تكون نافية للجنس لا اله إلا الله لا النافية للجنس وتسمي لا التبرئة عند بعضهم، اله هذا نكره اسم لا إذا نكرة في سياق النفي أليس كذلك نكره في سياق النفي فتعم أليس كذلك من صيغ العموم النكرة في سياق النفي وهنا لا اله إلا الله
__________
(1) - سقط غير واضح ولا يؤثر في المعنى د (59.20).
(2) - مريم (73)
(3) - الإسراء (110)
(4) - النساء (78)
(6/19)

لا نافية للجنس وهى لا التبرئة واله اسمها وهو نكرة فحينئذٍ تعم لا اله إلا الله لا معبود بحق إلا اللهنفت كل الأله الباطلة وما أكثرها أليس كذلك فهو عموم كذلك قوله {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} أين النكرة؟ اله، أين النفي؟ ما، إذاً ليس النفي خاصا بلفظ لا بل مراد النفي سواء إن كان بلا أوبما
يعني بحرف أو باسم أو بفعل فهو عام {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} (1)
، (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أنى يكون لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو بكل شَيْءٍ عَلِيمٌ) (2)
هه أين النكرة؟ صاحبة، أين النفي؟ لم. إذاً ولفظ لا في النكرات فكل نكرة في سياق النفي مطلقا سواء إن كان النفي بحرف أو باسم أو بفعل فهي للعموم {أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير (3)} ... مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ {بشير إيش اعرابه؟ هو نكره ليس إعراب نكره بشير فاعل ما جاءنا بعد فعل فاعل إذا عربت مبتدأ الأصل ما تعرب من الأخير تعرب من الأول، ما جاءنا ما حرف نفي وجاء فعل إذا قلت فعل ابحث عن الفاعل مباشرة وإذا قلت مبتدأ لابد أن تضع في ذهنك الخبر بعضهم يعرب مبتدأ ثم يمشي يمشي يمشي وينسى أن المبتدأ له خبر فينتهي من الإعراب وما ذكر خبر أين الخبر ذهب في خبر كان لم يوجد له مثال
وَلَفْظُ لا في النَّكِرَاتِ ثُمَّ مَا ... فِي لَفْظِ مَنْ أَتى بها مُسْتَفْهِمَا
لما قال ما هناك الشرط الجزائي هنا أراد أن ينص علي ما سبق يعنى تكرار مع ما سبق ثم ما في لفظ من اتى بها يعنى بما حال كونه مستفهما بها ما سواء كانت شرطية أو استفهامية أو موصولية إذاً فهي عامة} وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ {(4) هذا للعموم.
إذاً هذه أربعة أنواع لالفاظ العموم وهي أكثر من ذلك بكثير أوصلها البعض إلي الثلاثين فأما كل
وجميع فهي أم الباب صيغ العموم اشهرها كل
} كُلُّ نَفْسٍ ذائقة الموت وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ چ (5)
ثُمَّ الْعُمُومُ وأُبْطِلَتْ دَعْوَاهُ ... فِي الْفِعْلِ بَلْ وما جَرَى مَجْرَاهُ
سبق أن العام من أوصاف الألفاظ إذاً إذا جاء فعل سواء كان من الأفعال الاصطلاحية أو بالمعنى المصدري حينئذٍ لا نحكم بكون هذا اللفظ دال علي العموم وإنما هو من أوصاف الألفاظ فكل ما ليس بلفظ لا يوصف بكونه عاما هذا المراد سهى فسجد لا يعم كل سهو، سافر فقصر لا يعم كل سفر لان السفر عندهم عند كثير من الفقهاء طويل وقصير.
__________
(1) - الأعراف (59)
(2) - الأنعام (101)
(3) - المائدة (19)
(4) - القصص (65)
(5) - الأنبياء (35)
(6/20)

ثم العموم أبطلت دعواه بالفعل يعني المعني المصدري لا الفعل الاصطلاحي بل وما جري مجراه يعني أن العموم قد أبطل العلماء صحة دعواه في غير النطق من الفعل بمعنى الفعلي الحاصل بالمصدر وما جرى مجراه يعنى من القضايا المعينة لان القضايا المعينة إذا حكم النبي صلي الله عليه وسلم لشخص ما واحد ما عمم الحكم هذا يحتمل الخصوصية حينئذٍ لا يعمم الحكم فقضائه صلي الله عليه وسلم بالشفعة للجار لا يعم كل جار لاحتمال الخصوصية إذا العموم خاص بالنطق بالألفاظ فقط وأما الأفعال فهذا لا توصف بكونها عاما سهى فسجد لا يعم كل سهو، جمع في السفر
لا يعم كل سفر، صلى في الكعبة لا يعم كل صلاة.
بَلْ وما جَرَى مَجْرَاهُ يعني في القضايا المعينة
سؤال:- الجمع والفرد المعرفان باللام كالكافر والإنسان قوله كالكافر هل قصد الكافرون لورود الجمع قبل الفرد في بداية البيت وترتب المثال عليه؟ لا الكافر هذا مثال لفرد الذي دخل عليه (ال) الجمع لابد أن يكون منطوق به لفظا المؤمنون، الأطفال إلي أخره وأما إذا نطق كافر هذا مفرد ليس بجمع فدخلت عليه (ال) حينئذٍ يكون مثال للمفرد والإنسان هذا مفرد دخلت عليه (ال).

بَابُ الخَاصِّ
وَالخَاصُ لَفْظٌ لَا يَعُمُّ أَكْثَرَا
مِنْ وَاحِدٍ أَوْ عَمَّ مَعْ حَصْرٍ جَرَى
وَالقَصْدُ بِالتَّخْصِيْصِ حَيْثُمَا حَصَلْ
تَمْيِيْزُ بَعْضِ جُمْلَةٍ فِيهَا دَخَلْ
وَمَا بِهِ التَّخْصِيْصُ إِمَّا مُتَّصِلْ
كَمَا سَيَأتِي آنِفًا أَوْ مُنْفَصِلْ
فَالشَّرْطُ وَالتَّقْيِيدُ بِالوَصْفِ اتَّصَلْ
كَذَاكَ الِاسْتِثْنَا وَغَيرُهَا انْفَصَلْ
قال رحمه الله تعالي باب الخاص يعني يقابل العام لأنهما متقابلان العام والخاص كل منهما يذكر أحدهما مع الأخر والخاص لغة يدل علي الانفراد وقطع الاشتراك خُصَّ فلان بكذا أي انفرد به
فلم يشاركه احد.
قال رحمه الله وَالْخَاصُ لَفْظٌ كما قال هناك والعام لفظ أليس كذلك حينئذٍ صار الخصوص أو الخاص وصف للفظ كما أن العام وصف للفظ فليس المعنى موصوفا بالعموم وليس المعنى
موصوفا بالخصوص.
وَالْخَاصُ لَفْظٌ لا يّعُمُّ أكْثَرَا مِنْ وَاحِدٍ أكثرا هذه الألف للإطلاق ويّعُمُّ هنا المراد به المعنى اللغوي يعني لا يتناول ولا يشمل أكثر من واحد كزيد زيد هذا يدل علي واحد، الأعلام هذا زيد يدل علي واحد يعنى ما كان مدلوله مفرد أو اللفظ الدال عي وصف محصور بشخص أو هذا للتنويع كأنه قال لك الخاص علي نوعيين خاص لا يدل إلا علي مفرد كالأعلام كزيد أو عم يعنى تناول شيئين فصاعدا لكن مع حصر تناول شيئين فصاعدا مثل المثنى النكرة مثنى نكره رجلين
جاء رجلان، قال رجلان خاص أو عام؟ خاص مع كونه دل علي شيئين قال رجال، أكرمت طلابا
نقول هذا دل علي أكثر من اثنين لكنه ليس من صيغ العموم.
(6/21)

مّعْ حَصْرٍ جَرَى فدخل فيه ما لا يتناول أكثر من واحد نحو رجل وزيد نكرة في سياق النفي سبق أنها من صيغ العموم مقابل النفي الإثبات حينئذٍ النكرة في سياق الإثبات لا تفيد عموما وإنما تدل علي الخصوص أكرمت رجلا نقول رجل هذا واحد وليس بجمع وليس بدال علي أكثر من اثنين بلا حصر فدخل فيه ما يتناول أكثر من واحد نحو رجل وزيد وما يتناول شيئين فقط نحو رجلين مثنى نكره وما يتناول أكثر مع الحصر نحو ثلاثة رجال أو أكرمت مئة رجل، أو اشتريت عشرين كتابا وهذه كلها الفاظ تدل علي الحصر إذاً حقيقة الخاص عكس معنى العام، العام يتناول اثنين فصاعدا بلا حصر إذا مغايره ماد ل لعلي اقل من اثنين أو دل علي اثنين فأكثر لكن مع حصر فالخاص يقابل العام فيؤخذ حده من العام اللفظ الدال علي محصور بشخص أوعدد أو إن شئت قل مالا يتناول شيئين فصاعدا من غير حصر وإنما يتناول شيئا محصورا إما واحدا أو اثنين أو ثلاثا أو أكثر هذا معنى الخاص في لسان العرب.
والْقَصْدُ بِالتَّخْصِيصِ حَيثُما حَصَلْ ... تَمييزُ بعضِ جُملةٍ فيها دَخَلْ
وهذا الذي يعنيه ويريده الأصوليون في هذا المقام الخاص وصف للفظ كما ذكرنا زيد ورجلين لا علاقة له بالعام وإنما ليبين لك أن الذي يقابل العام يسمي خاصا وهل ثَمَّ علاقة بين الخاص
والعام؟ الجواب لا وكيف نقول نحن الان بينهما ترابط نقول الترابط بين التخصيص والعام وليس بين الخاص والعام يعنى لفظ زيد خاص لا علاقة له بالعام وإنما التخصيص الذي هو قصر بعض أفراد العام أو قصر بعض أفراد العام على حكم لدليل هو الذي يعتبر له علاقة بالعام ولذلك قال والْقَصْدُ بِالتَّخْصِيصِ القصد يعني المراد والتخصيص مصدر خَصَصَّ بمعنى خص وهو قصر العام علي بعض أفراده لدليل سبق أن اللفظ العام إذا رُتِبَ عليه حكم حينئذٍ وجب حمل الحكم علي كل أفراده {كُلُّ نَفْسٍ} أين الحكم؟ ذائقة الموت هو الحكم وهو خبر أين المحكوم عليه؟ كل نفس هل هو من صيغ العموم له أفراد نعم له أفراد عمَّ شيئين فصاعدا بلا حصر فكل فرد من أفراد النفس يثبت لها هذا الحكم وهو ذائقة الموت لا يجوز إخراج فرد من مدلول كل نفس إلا بدليل شرعي صحيح حينئذٍ الخاص يُنظر إليه باعتبار نفسه ثم إذا حصل تعارض مع العام حينئذٍ نقصر العام علي بعض أفراده والأفراد التي لم يشملها حكم العام حينئذٍ نعطيها حكم الخاص فالعلاقة حينئذٍ بين التخصيص وبين العام وليس بين الخاص والعام إذاً ما هو التخصيص؟
هو قصر العام علي بعض أفراده لدليل قصر العام يعني قصر حكمه.
(6/22)

والْقَصْدُ بِالتَّخْصِيصِ حَيثُما حَصَلْ، حيثما هذه للإطلاق يعني أينما وجد في الكتاب أوفي السنة هو تمييز بعض جملة فيها دخل هو المعنى الذي ذكرناه سابقا تمييز بمعنى إخراج بعض لا كل لأنه لو اخرج كل أفراد ماذا يسمى؟ لو جاء أقتلوا المشركين لا تقتلوا المشركين أخرج كل الأفراد يُسَمَّى ماذا يُسَمَّى نسخا لو جاء حكم عام علي أفراد واللفظ عام حينئذٍ إن جاء الخاص مخصصا لبعض الأفراد هو الذي يسمى تخصيصا وأما إن جاء لجميع الأفراد كأن يقول اقتلوا المشركين المشركين لفظ عام جمع دخل عليه ألف الاستغراقيه اقتلوا كل مشرك حينئذٍ إذا قال لا تقتلوا المشركين نقول هذا تعارض بينهما فالأول منسوخ بالثاني وأما إذا جاء استثناء أهل الذمة مثلا وهم من المشركين فنقول نقصر العام الذي هو اقتلوا المشركين علي بعض أفراده ونُخرج أهل
الذمة بدليل خاص.
تمييز يعنى إخراج بعض جملة لا كل فان كان كل حينئذٍ يسمى نسخا.
تمييز بعض جملة يعنى إفراد الجملة المراد بها إفراد يعنى إخراج بعض الجملة التي يتناولها اللفظ العام كإخراج أهل الذمة والمعاهدين من قوله فاقتلوا المشركين الحكم ما هو؟ اقتل هو القتل الحكم والعام هو المشركين جمع دخلت عليه (ال) الاستغراقيه اقتلوا كل مشرك إذاً هو من صيغ العموم جاء استثناء أهل الذمة فنقول نقصر العام الذي هو لفظ المشركين علي بعض أفاده بالحكم وهو وجوب القتل علي البعض دون الأخر ونخرج بعض الجملة بعض الأفراد لكن بدليل صحيح
وهو دليل شرعي فنستثني أهل الذمة والمعاهدين.
تمييز بعض جملة فيها في هذه الجملة دخل أي الذي اُخرِج فعندنا مُخْرَج وعندنا مُخْرَج منه مُخْرَج منه باق علي معنى العموم فيثبت له حكم العام وهو ما بقي بعد إخراج المعاهدين كما في المثال السابق اقتلوا المشركين المشرك الذي ليس بمعاهد وليس من أهل الذمة بقي على حكمه إذا ليس بمُخرَج وأما الذي اُخرِج وهو المعاهد وهو أهل الذمة حينئذٍ اخذ حكم المخالف لما ترتب
علي العام
والقصد بالتخصيص حيثما حصل ... تمييز بعض جملة فيها دخل
عرفنا التخصيص عندنا شيء يسمى مخصص المخصص في الأصل هو الذي أراد التخصيص هذا الأصل وهو يطلق علي المشرع علي الرب جل وعلا هو الذي خص من الذي خص من الذي استثني هذه الأفراد من المعنى العام؟ الله عز وجل حكم شرعي الذي حكم بوجوب قتل المشركين والذي استثنى أهل الذمة هو الله عز وجل هذا حكم شرعي وهذا حكم شرعي ولكن عند الأصوليين أطلق لفظ المُخَصِص علي الدليل، الدليل الذي حصل به التخصيص ولذلك قال:
ومَا بِهِ التَّخْصِيصُ إِمَّا مُتَصِلْ ... كَمَا سَيَأْتِي آنِفًا أو مُنْفَصِلْ
وما به التخصيص يعنى الذي يُطلق عليه عُرفاً انه مُخَصِص وهو الدليل المفيد للتخصيص نوعان
الأول:- مخصص منفصل وهو ما يستقل بنفسه يعنى آيه مستقلة عن آية أخرى وحديث مستقل عن آية أو حديث مستقل عن حديث يعنى دليل مُنفك ليس متصلا به في نفس الكلام هذا المخصص المنفصل ما يستقل بنفسه بان يكون مرتبطا بكلام أخر- آية وآية، حديث وحديث، حديث مع آية
(6/23)

الثاني:- مخصص متصل واضح من مقابلته بالأول وهو ما لا يستقل بنفسه دون العام لابد من مقارنته للعام مقارن له {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (1) ولله علي الناس قلنا هذه من الفظ العموم يشمل كل الناس استثنينا الصبي والمجنون للأدلة السابقة لأنهم ليسوا مكلفين فعم اللفظ المستطيع وغير المستطيع ويدخل تحت المستطيع مالا حصر من الأفراد ويدخل تحت غير المستطيع ما لا حصر من الأفراد إذاً فيه عموم {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ} المستطيع وغير المستطيع قال {مَنِ اسْتَطَاعَ} هذا بدل بعض من كل إذاً هذا مخصص لما سبق لفظ عام وجاء لفظ خاص استثنى بعض الأفراد تمييز بعض جملة فيها دخل اخرج غير المستطيع من قوله {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ} خصه
بحكم مخالف لما سبق هل قوله من استطاع منفك عن الكلام أوانه بسياق واحد؟ في سياق واحد هذا يُسَمَّى متصلا يعنى مرتبط مع العام في كلام واحد وهذه خمسة بالاستقراء الاستثناء والشرط والصفة والغاية وبدل البعض من كل خمسة كلها تعتبر من المخصصات المتصلة.
وما به التخصيص يعنى الذي يحصل به التخصيص، التخصيص عرفنا المراد به المخصص من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول لان التخصيص سبق قصر العام علي بعض أفراده هذا معنى من المعاني والمراد هنا الكلام في ماذا ليس في التخصيص المراد المخصص بماذا نخصص العام إما بدليل مستقل وإما بدليل منفصل وهذا لا يكون إلا شيء محسوسا ملفوظاً به إذا وما به التخصيص أي المخصص إما متصل يعنى بالعام متصل به في كلام واحد كما سيأتي أنفا أي قريبا
أو للتنويه والتفصيل أو منفصل يعنى مخصص منفصل.
فالشَّرْطُ وَالتَّقْيِيدُ بالوَصْفِ اتَّصَلْ ... كَذَاكَ الاستِثْنَا وغَيْرُها انْفَصَلْ
فالشَّرْطُ الفاء هذه فاء الفصيحة فالشَّرْطُ الشرط في اللغة العلامة والمراد بالشرط هنا الشرط اللغوي يعنى ما عُلِق شيء بشيء بإن الشرطية أو إحدى أخواتها ولترجع إلي باب الجوازم هناك في باب النحو وتضبط ما هي الشرطيات حينئذٍ تضبط هذا المقام أكرم بنى تميم إن أكرموك، أكرم بني تميم أين العام؟ بني تميم عام؟ يعم، كل الأفراد؟ كل الأفراد، محكوم عليه؟ نعم محكوم عليه، بماذا حُكِم عليه؟ بالإكرام أكرم بني تميم فيه إطلاق من جهة أخرى نعم أكرموك أولا أليس كذلك؟ أكرمهم إن أكرموك أولا لكن قال إن أكرموك هذا شرط إن شرطية وما بعده تابع له حينئذٍ حصل بقوله إن أكرموك تخصيص أكرم بني تميم إن أكرموك فان لم يكرموك فلا تكرمهم ليس بحسن
__________
(1) - آل عمران (97)
(6/24)

ولكن كمثال يعنى أكرم بنى تميم إن أكرموك فان أكرموك فهذا شرط مُقَيِداً للعام السابق قصره علي بعض افراده وهو أن الإكرام حاصل متي؟ إذا وقع الإكرام منهم وأما إذا انتفي فينتفي منك الإكرام، {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خيرا} (1) فكاتبوهم مطلقه فكاتبوهم الضمير يعود علي العبيد الإماء، إن علمتم فيهم خيرا إن شرطية وما بعدها تابع لها فحينئذٍ نقول ... { ... فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خيرا} مقيد ومُخَصَصْ بشرط فان لم تعلموا فيهم خيرا فلا
تكاتبوهم.
وَالتَّقْيِيدُ بالوَصْفِ اتَّصَلْ يعنى الشرط هذا متصل والتقييد بالوصف كذلك اتصل هذا الشيء الثاني، أكرم بني تميم الفقهاء، أكرم بني تميم هذا عام يشمل الفقهاء وغيرهم يشمل الصالحين وغيرهم، يشمل العلماء وغيرهم فقال الفقهاء هذا وصف فحينئذٍ هذا الوصف يعتبر مُخَصِصًا
فقوله أكرم بني تميم هذا عام حينئذٍ يُحمَل علي ما خُصِصَ به.
{ومن يقتل مؤمنا مُتَعَمِّدًا} (2) هذا حال وهو وصف حينئذٍ يُخص القتل هنا بكونه متعمدا وما
عداه يبقى علي أصله.
كَذَاكَ الاستِثْنَا هذا النوع الثالث وهذا بسطه الناظم لان فيه شروط بخلاف الأول وغيرها وسيأتي ذكره وغيرها يعنى غير هذه الثلاثة انفصل يعني يُحكم عليه بأنه منفصل فذكر لك من المُخَصِص المتصل ثلاثة أشياء الشرط والمراد به الشرط اللغوي وليس الشرط الذي ما يلزم من عدمه العدم أو الطهارة شرط لصحة الصلاة لا ليس المراد، المراد ما يبحث عند النحاة هناك إن وأخواتها شرطية والتي هي تعليق شيء بشيء وَالتَّقْيِيدُ بالوَصْفِ المراد به كل ما دل علي
وصف يعنى سواء إن كان النعت عند النحاة أو الحال أو غير ذلك اتصل فيحكم عليه بكونه متصلا كذاك أي مثل ذاك الاستثناء وهذا سيأتي بحثه وغيرها وغير هذه الثلاثة فهو منفصل وهذا سيأتي بحثه والله اعلم وصلي الله وسلم علي نبينا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين.
__________
(1) - النور (33)
(2) - النساء (93)
(6/25)

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الناظم - رحمه الله -
وَحَدُّ الِاسْتِثْنَاءِ مَا بِهِ خَرَجْ
مِنَ الكَلَامِ بَعْضُ مَا فِيهِ انْدَرَجْ
وَشَرْطُهُ أَنْ لَّا يُرَى مُنْفَصِلَا
وَلمَ ْيَكُنْ مُسْتَغْرِقًا لِمَا خَلَا
وَالنُّطْقُ مَعْ إِسْمَاعِ مَنْ بِقُرْبِهِ
وَقَصْدُهُ مِنْ قَبْلِ نُطْقِهِ بِهِ
وَالأَصْلُ فِيهِ أَنَّ مُسْتَثْنَاهُ
مِنْ جِنْسِهِ وَجَازَ مِنْ سِوَاهُ

وَجَازَ أَنْ يُقَدَّمَ الْمُسْتَثْنَى
وَالشَّرْطُ أَيضًا لِظُهُورِ الْمَعْنَى
وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ مَهْمَا وُجِدَا
عَلَى الَّذِي بِالوَصْفِ مِنْهُ (1) قُيِّدَا
فَمُطْلَقُ التَّحْرِيرِ فِي الأَيمَانِ
مُقَيَّدٌ فِي القَتْلِ بِالِإيمَانِ
فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ فِي التَّحْرِيرِ
عَلَى الَّذِي قُيِّدَ فِي التَّكْفِيرِ
ثُمَّ الكِتَابَ بِالكِتَابِ خَصَّصُوا
وَسُنَّةٌ بِسُنَّةٍ تُخَصَّصُ
وَخَصَّصُوا بِالسُنَّةِ الكِتَابَا
وَعَكْسَهُ اسْتَعْمِلْ يَكُنْ صَوَابَا
وَالذِّكْرُ بِالِإجْمَاعِ مَخْصُوصٌ كَمَا
قَدْ خُصَّ بِالقِيَاسِ كُلٌ مِنْهُمَا

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
عرفنا فيما سبق أن المخصص عرفا يطلق على الدليل المفيد للتخصيص فينقسم إلى قسمين:
مخصص منفصل:
وهو ما يستقل بنفسه بالأمر بألا يكون مرتبطا بكلام آخر.
ومخصص متصل:
وهو ما لا يستقل بنفسه يعني دون العام بل لابد من مقارنته بالعام.

والمتصل هذا خمسة أشياء على المشهور، ذكر المصنف تبعا للأصل الشرط، والصفة ثم شرع في بيان ما يتعلق بالثالث وهو الاستثناء، وفصَّل فيه لأن فيه شروطا ليست في الصفة ولا في الشرط وسبق أن المراد بالشرط هنا الشرط اللغوي والوصف ليس المراد به النعت النحوي وإنما المراد به الصفة المعنوية - فحينئذ - يدخل فيها الحال والبدل - بدل البعض من الكل - وكذلك النعت فهو ثلاثة أشياء .......... كل ما دل على وصف فهو داخل في قوله: بالوصف.
ثم قال رحمه الله:
وحد الاستثناء ما به خرج ... من الكلام بعض ما فيه اندرج

عرف الاستثناء وهو مبحث لغوي - يعني باب الاستثناء معروف أنه من المنصوبات التي يبحثها النحاة هناك -.
"وحد الاستثناء":
الاستثناء مأخوذ من الثني وهو العطف من قوله ثنيت الحبل أثنيه إذا عطفت بعضه على بعض أو من الثني وهو الصرف إذا ثنيته عن الشيء ... إما أن يكون بمعنى العطف ثنيت الشيء أو الحبل إذا عطفت بعضه على بعض أو من الصرف إذا ثنيته عن الشيء بمعنى صرفته عنه.
وأما في الاصطلاح:
فالمشهور حده بـ (إخراج ما لولاه لدخل في الكلام بإلا وإحدى أخواتها).
" إخراج ما لولاه " إخراج شيء "لولاه" لولا ذلك الإخراج "لدخل في الكلام" السابق، وهذا الإخراج خاص بإلا أو إحدى أخواتها.
__________
(1) وفي نسخة فِيْهِ
(7/1)

قام القوم إلا زيدا، القوم هنا مستثنى منه وهو محكوم عليه بثبوت القيام .. قام القوم إذًا أثبت القيام للقوم ...
"إخراج ما لولاه" وهو قولنا إلا زيدا "ما لولاه" لولا الإخراج لدخل في زيدا في قوله "القوم" - حينئذ - يثبت لزيد نقيض ما ثبت للقوم وهو عدم القيام ....
"قام القوم إلا زيدا" زيدا: هل هو موصوف بالقيام أو عدم القيام؟
لا شك أنه عدم القيام، إذا أخرجته من الحكم السابق ولكنه ليس مطلقا بأي لفظ وإنما المراد بـ (إلا أو إحدى أخواتها) لو قال قام القوم دون زيدا .. لما سمي استثناء عند النحاة والأصوليين فلذلك يقيد هنا الإخراج مما سبق أن يكون بإلا أو إحدى أخواتها.
وصيغ الاستثناء إحدى عشر صيغة وهي:
"إلا" - وهي أم الباب -، "غير"، "سوى"، "ماعدا"، "ليس"، "لا يكون"، "حاشا"، "خلا"، "سيما"، و"ما خلا" إذا زدنا "ما" عليها و"عدا".
هذه إحدى عشرة صيغة المشهور فيها "إلا"، "غير"، "سوى" وما عدا ذلك فهو داخل فيه لوجود المعنى المذكور.
"إخراج ما لولاه": إخراج شيء "لولاه": لولا ذلك الإخراج "لدخل في الكلام" السابق وهو ثبوت القيام لزيد كما ثبت للقوم ..... قام القوم إلا زيدا.
سافر القوم إلا عمروا: فعمرو وزيد لم يدخلا في الحكم السابق لوجود هذا الاستثناء.
قال الناظم:
"وحد الاستثناء" اصطلاحا والمراد به إذا أطلق الاستثناء الحقيقي الذي يسمى بالاستثناء المتصل يعني بأن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه كزيد فهو جنس في القوم، قام القوم إلا حمارا، حمارا ليس من جنس القوم فلا يسمى استثناء عند بعضهم، وإنما الاستثناء الحقيقي إذا أطلق انصرف إلى ما يسمى بالاستثناء المتصل.
"وحد الاستثناء": أي الاستثناء الحقيقي يعني الذي يصدق أنه إخراج لأن قولك قام القوم إلا حمارا لم يكن ثَمَ إخراج، ليس عندنا إخراج وإنما يسمى استثناء مجازا من باب التوسع وفيه خلاف بين النحاة والأصوليين هل هو ثابت أو لا؟ ...
هل هو ثابت أم لا؟ ...
الإمام أحمد في المشهور في رواية عنه أنه يمنعه، وإن كان جماهير اللغة على ثبوته لكن المراد التنبيه إلى أن هذا الحد المراد به الاستثناء الحقيقي الذي يعنون عنه بالاستثناء المتصل وهو أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه.
"وحد الاستثناء ما به خرج":
"ما" شيء الذي قلنا لابد أن يكون له مفسِّر والمفسر هنا ينبغي أن يقيد بخارج وهو النظر في أصل هذا الكتاب أو غيره من كتب الأصوليين أو النحاة أن المراد بقوله: "ما" إلا أو إحدى أخواتها
"خرج به من الكلام بعض ما فيه اندرج" - حينئذ - نفسر "ما" هنا نقول:
اسم موصول بمعني الذي، وهو مبهم لابد من تقيده، انظر الناظم لم يذكر إلا أو إحدى أخواتها هذا لابد منهم - حينئذ - كيف نجعل هذا الحد خاص بالاستثناء لأن الشرط خرج به بعض ما اندرج فيما سبق ... أليس كذلك؟
أكرم بني تميم إن جاؤك هنا حصل به إخراج "أكرم بني تميم " مطلقا جاءوك أو لا، قلت "إن جاءوك" حصل به إخراج، إذا إخراج شيء أو بعض دخل فيما شبق إذا نطبق عليه الحد - حينئذ - لا فرق بين الاستثناء والشرط كذلك "أكرم بني تميم" يشمل الفقهاء وغيرهم "أكرم بني تميم الفقهاء".
(7/2)

إذًا خرج به بعض ما اندرج فيما سبق الفرق بين هذه الأنواع الثلاثة أن الاستثناء خاص بإلا أو إحدى أخواتها، إن كان كذلك - حينئذ - لابد من التقييد، قول الناظم هنا "ما": إلا أو إحدى أخواتها، خرج "به": الضمير هنا يعود إلى "ما خرج به من الكلام" يعني من جملة الكلام، "بعض" هذا فاعل خرج "خرج بعض ما فيه اندرج " بعض مضاف "ما" اسم موصول في محل جر مضاف إليه، "اندرج فيه" صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، كأنه قال:
حد الاستثناء ما خرج به يعني بإلا أو إحدى أخواتها بعض المندرج فيه من الكلام، فما: اسم موصول بمعني الذي واندرج قلنا هنا صلة الموصول، والموصول مع صلته في قوة المشتق، - حينئذ - يفسر بالمندرج، كأنه قال:
ما به خرج من الكلام بعض المندرج فيه، يعني في حكمه بإلا أو إحدى أخواتها، وهذا يعتبر تفسيرا لـ (ما).
إذا هذا حقيق الاستثناء الحقيقي، فإذا قلت قام القوم إلا زيدا، "زيدا": لولا "إلا" لدخل في الحكم السابق وهو أنه قد قام وليس الأمر كذلك، - فحينئذ - أخرجناه بإلا وقس عليه ما يذكر في أدوات الاستثناء.

هذا الاستثناء له شروط عند الأصوليين، له شروط من حيث كونه استثناءً لغةً، ومن حيث ما يترتب عليه من الأحكام، - حينئذ - النظر فيه إما هذا الشرط ثابتا بلسان العرب أو بأدلة عامة من الكتاب والسنة لأن بعضها قد يقال بأنه يثبت أنه استثناء من جهة لسان العرب ولكن الشرع يمنع من ذلك.
"وشرطه": أي شرط صحة الاستثناء من أجل يرتب عليه لأن ثَمَّ أحكاما شرعية ... تقول: زوجاتي طوالق إلا هندا
هل كل استثنى يصلح؟ نقول: لا
هنا يرتب عليه مثلا طلاق ويترتب عليه بمالا ونحو ذلك أو وقف إلى آخره.
"وشرطه": أي شرط صحة الاستثناء "ألا يرى منفصلا" بعضهم يرى أن يكون من متكلم واحد وهذا الشرط الأولى ألا يكون في مثل هذا المقام ... لماذا؟
لأن الكلام من حيث هو الكلام لا يصح إذا كان من شخصين ... لا يصح أن يكون من شخصين سبق أو لعله أشير إليه أن الكلام لابد أن يكون مركبا من اسمين أو اسم وفعل حتى يكون مركبا.
من اسمين: إذا تكلم متكلم واحد بقوله: زيد قائم لا يسمى كلاما إلا إذا نطق بهاتين اللفظتين متكلم واحد ... لو قلت أنا: زيد، وقال جاري هذا: قائم ... هل يسمى كلاما أو لا؟
فيه خلاف والصحيح أنه لا يسمى كلاما، لأنه مشكلة يترتب عليه حكم شرعي لو قال: زوجتي، قال الثاني: طالق، هل يعتبر كلاما أو لا؟
إن قلت يعتبر كلاما يترتب عليه حكم شرعي وهو ثبوت الطلاق، والصحيح أنه لا يعتبر كلاما، لابد أن يكون المتكلم واحدا.
كذلك هنا اشترط بعضهم في الاستثناء أن يكون من متكلم واحد، لو قال: سافر القوم، قال الآخر: إلا زيدا، لا يعتبر استثناء لو عنده أربع زوجات قال: زوجاتي طوالق، قال الآخر: إلا هندا - حينئذ - إذا لم نشترط قلنا استثنى هند - حينئذ - لا يقع عليها الطلاق، ولكن الصحيح لابد أن يكون من متكلم واحد.
(7/3)

"وشرطه ألا يرى" هذا الاستثناء "منفصلا" يعني عن الكلام عن المستثنى منه، "ألا يرى منفصلا": بمعنى أنه يكون متحدا معه في وقت واحد وألا يفصل بينهم بفاصل طويل يعني مخالف للعرف، يعني لا يأتي اليوم يقول: له عليَّ مئة درهم، ثم يأتي بعد عشرين ساعة يقول: إلا دينارا - فحينئذ - لم يكن ثَمَّ اتصالا بين المستثنى والمستثنى منه فيكون الاستثناء لاغيا، الاستثناء لا يعتبر - حينئذ -، يكون لاغيا .... لماذا؟
لفواته شرطه وهو الشرط الاتصال ولابد أن يكون متصلا به حقيقة أو حكما.
"ألا يرى": هذا المستثنى "منفصلا" يعني الكلام على المستثنى منه بأن يكون متصلا بالكلام بالنطق أو في حكم المتصل، يشترط - حينئذ - في صحة الاستثناء كونه متصلا بالمستثنى منه عادة إن اتصل بالكلام بحيث لا يفصل بينهما كلام ولا سكون يمكن الكلام فيه، ثم يكون هذا الاتصال حقيقة أو حكما، حقيقةً: كأن يقول قام القوم إلا زيدا مباشرة، وحكمًا: كأن يقول قام القوم – ثم عطس – ثم قال: إلا زيدا ... أليس كذلك؟
أو قال: قام القوم – ثم سعن – إلا زيدا هل يعتبر استثناء أو لا؟
نقول: هذا الفاصل يعتبر فاصلا اضطراريا - حينئذ - لا يمنع الحكم بكونه متصلا، فلو قال: زوجاتي طوالق – ثم سعن – ثم قال: إلا هندا هذا الاستثناء معتبر لماذا؟
لكون الفاصل هنا هو لم يتصل، لم يتصل ولكن لكون الفاصل هنا اضطراريا لم يلتفت إليه فجعل في حكم المتصل، وأما إذا لم يكن كذلك بأن كان الفارق بينهما فارقا ليس اضطراريا - حينئذ - يعتبر الاستثناء لاغيا، لو قال: عليَّ ألف دينارا ثم أخرج الجوال واتصل وتكلم ثم قال: إلا عشرة، نقول: هذا الاستثناء يعتبر لاغيا لفقد شرط الاستثناء وهو كونه متصلا أو في حكم المتصل فيعتبر لاغيا فلا عبرة به.
"ألا يرى منفصلا"، الشرط الثاني: "ولم يكن مستغرقا لم خلا" يعني لما مضى قبل المستثنى، لو قال: اقتلوا المشركين إلا المشركين لا يصح الاستثناء هذا لماذا؟
لأنه كما سبق أن التخصيص:
تمييز بعض جملة قلنا: لا كل ... لماذا؟
لأنه لو كان كلا لصار نسخا، إذا يشترط فيه ألا يكون المستثنى مستغرقا للمستثنى منه بألا يكون كله، لو قال: له عليَّ مئة إلا مئة نقول هذا الاستثناء لاغي وإذا ألغي الاستثناء ليس معناه يلغي الاعتراف، نقول: لا يثبت الأول ويلغي الثاني، يعني لو قال: له عليَّ ألف إلا ألفا ... كم يثبت عليه؟
الألف الأولى ثابتة والثانية لاغية، لأننا لو أعملنا الاستثناء ليس عليه شيء إنما عليه صفر، ألف إلا ألف استثنى ألف كلها - حينئذ - خرجت من المستثنى منه وهذا يعتبر خروجا لاغيا.
"ولم يكن مستغرقا لما خلا": يعني لما مضى قبل المستثنى بأن يبقى بعد الاستثناء يعني بعد المستثنى شيء وإن قَلَ، إذا الشرط الثاني ألا يكون المستثنى مستغرقا لما خلا يعني استثنى الكل أو استثناء المستغرق لا يجوز وهذا محل وفاق، والقسمة رباعية لأنه:
* إما أن يستثنى الكل.
* وإما أن يستثنى دون النصف.
* وإما أن يستثنى النصف.
* أو أكثر من النصف.
(7/4)

القسمة رباعية: اثنان متفق عليهما، واثنان مختلف فيهما، يعني الاستثناء أقل من النصف جائز باتفاق لو قال عليَّ عشرة إلا دينارا صح الاستثناء بالإجماع، له عليَّ عشرة إلا دينارين صح الاستثناء بالإجماع، إلا ثلاثة، إلا أربعة بالإجماع، له عليَّ عشرة إلا عشرة باطل بالإجماع، متقابلان، الأول صحيح بالإجماع والثاني باطل بالإجماع ... ماذا بقي؟
بقي استثناء النصف، واستثناء الأكثر.
استثناء النصف يعني: له عليَّ عشرة إلا خمسة استثنى النصف، الأكثر أن يستثني ما زاد على النصف وأقل من المستغرق له: له عليَّ عشرة إلا ستة، له عليَّ عشرة إلا سبعة، إلا ثمانية، إلا تسعة، هذا نقول: هذا استثناء للأكثر وهل هو صحيح أو لا؟
هذا محل نزاع بين الأصوليين في المسألتين وكذلك بين النحاة. قال أكثر الفقهاء والمتكلمين:
يجوز استثناء الأكثر يعني الأكثر من النصف، له عليَّ عشرة إلا ستة، إلا سبعة، إلا ثمانية، إلا تسعة، نقول: هذا جائز وهو قول جمهور أو أكثر الفقهاء والمتكلمين وهو مذهب أكثر نحاة الكوفة أنه يجوز استثناء الأكثر.
وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز استثناء الأكثر ولا المساوي وإنما يستثنى دون النصف، ولذلك انظر البحث هنا بحث لغوي الخلاف هنا هو الخلاف المحكي في كتب النحو، أكثر نحاة الكوفة على جواز استثنى الأكثر وأكثر نحاة البصرة على أنه لا يجوز استثنى الأكثر، والصحيح بين القولين: أنه يجوز استثناء الأكثر، قال أكثر الفقهاء والمتكلمين:
يجوز استثناء الأكثر وهو مذهب أكثر نحاة الكوفة واستدلوا بقوله:

[قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [82] إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ] {ص: 82،83}
وقال في أخرى:
[إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ] {الحجر:42}
قلت:
هذا أكثر أو ذاك استثنى مما سبق فدلت الأدلة بجمع الآيتين أنه يجوز استثناء الأكثر، واستثنى كل واحد منهما من الآخر وأيهما كان الأكثر حصل المقصود، وإذا جاز الأكثر فمن باب أولى وأحرى أن يجوز النصف.
إذا قوله: "ولم يكن مستغرقا لما خلا": هذا هو الشرط الثاني وهو ألا يكون الاستثناء كل المستثنى منه فإن لم يكن كل المستثنى منه بمفهوم هذه العبارة أنه جائز أما دون النصف فهو محل إجماع، وأما المساوي النصف يعني وما كان أكثر من النصف ودون المستغرق فهو جائز كذلك وهذا يؤخذ بالمفهوم يعني هل أشار الناظم إلى ذلك؟
نقول: نعم أشار إلى ذلك لأنه إنما نفى ماذا؟ ....
نفي المستغرق، ما عدا المستغرق فهو جائز.
الشرط الثالث قال:
والنطق مع إسماع من بقربه
"والنطق": يعني التلفظ به أن يتلفظ بالمستثنى "مع إسماع من بقربه" فلو نواه دون نطق - حينئذ - لم يصح، لو قال: له عليَّ ألف وفي قلبه إلا عشرة أو إلا مئة فلما ذهب به إلى القاضي قال: لا ... أنا استثنيت، أين استثنيت؟ ّ!
قال: في قلبي، هل هذا يعتبر؟
نقول: لا ... لا يعتبر لأن الاستثناء نوع من أنواع الكلام وشرط صحة الكلام أن يكون ملفوظا، ما هو الكلام؟
(7/5)

هو اللفظ، إذا لا يكون لفظا إلا إذا كان ملفوظا به وأما إسماع من بقربه فهذا لأجل إثبات الحقوق يعني أشبه ما يكون بهذا الشرط ليس شرطا لغويا وإنما هو مأخوذ من القواعد العامة الفقهية، لأن الحقوق إنما تترتب على حقوق الغير إنما تترتب على اعترافات من المتكلم مثلا - حينئذ - لابد أن يكون مسمعا كذلك الغير، - حينئذ - لو قال: له عليَّ ألف ثم حرك شفتيه وقال: إلا عشرة تلفظ به لكنه لم يسمع من بقربه يعني المخاطب - حينئذ - الإشهاد وإثبات الحقوق كيف تتم إذا لم نجعل الاستثناء ملفوظا به مسموعا لأن السمع والإسماع قدرا زائدا على مسمى اللفظ أما الملفوظ قد يلفظ به ولا يسمع غيره ولذلك قد يقرأ الفاتحة، ويسبح في ركوعه، ويلفظ وهذا شرط لو لم يلفظ ما اعتبر أنه قرأ الفاتحة لابد أن يحرك شفتيه - وحينئذ - إذا حرك شفتيه نقول: قد أتى بالفاتحة قد لا يسمع نفسه ولا غيره، إذا انتفى الإسماع هل انتفى اللفظ؟ لا ... لا ينتفي.
إذا هذا الشرط ليس بشرط لغوي وإنما اعتبره الفقهاء من أجل ماذا؟ .... من أجل إثبات الحقوق.
"والنطق" يعني التلفظ به "مع إسماع من بقربه" فلو نواه دون نطق لم يصح أو نطق دون إسماع لم يصح هذا الاستثناء، فلو قال: قد يكون بالفعل تلفظ به لكنه يسمع هذا الذي اعترف له بالحق فإذا ثبت أو وقف عند القاضي ما يعتبر لو قال أنا استثنيت .... هل أسمعت غيرك؟
قال: لا ... ما أسمعت، إذا لا يثبت، لو له عليَّ ألف يعني ألف
لو قال: عليَّ ألف ثم حرك شفتيه إلا مئة ما أسمعه - حينئذ - لا يثبت الاستثناء هذا لماذا؟
لكونه لو ألقينا ذلك على مجرد الإدعاء - فحينئذ - ذهبت حقوق الناس وما بقي شيء، لابد أن يسمع من يخاطبهم.
"وقصده من قبل نطقه به": هذا الشرط الرابع:
"وقصده" يعني نيته قبل تمام المستثنى منه، "وقصده من قبل نطقه" يعني أن نيته "من قبل أن ينطق بالمستثنى" يعني لو قال: عليَّ ألف، ولم ينو الاستثناء ثم قال: إلا مئة. نحن لا نعلم ما في القلوب، لكن لو هو اعترف بأنه لم ينو عند نطقه بالمستثنى منه فكأنه بألف كما هي له عليَّ ألف قدَّر بالألف، فإذا نوى أن يستثني فقال: إلا مئة، قالوا: هذا الاستثناء ملغي ... لماذا؟ لعدم نيته قبل المستثنى منه وهذا الشرط ليس بصحيح يعني لا يلتفت إليه لماذا؟ ...
لأنه ليس مبناه على دليل لغوي صحيح ما دام أن المعتبر هو التلفظ، والإسماع حصل، والاتصال حاصل إذا ما يُعلَّق بالنوايا هذا لا يلتفت إليه، الكلام من حيث هو كلام، الكلام: هو اللفظ المركب المفيد بالوضع، - فحينئذ - نقول: كل ما لا يرتب على اللفظ فالأصل أنه ملغي وبحث النحاة لا يبحثون في النوايا والمقاصد وإنما يبحثون في الألفاظ وحسب يقفون مع اللفظ، فإذا كان كذلك - فحينئذ - إذا اشترط في الاستثناء أو في غيره أن يكون ثَمَّ مقاصد أو اعتبار نيات أو غير ذلك نقول: هذا غير معتبر، وأما نحو إذا حذف المبتدأ ونوى إلى آخره فهذا من أجل تتميم القسمة من حيث التركيب، التركيب: لابد أن يكون الكلام مركبا إما حقيقة أو حكما.
(7/6)

الحاصل أن قوله: "وقصده من قبل نطقه به" الأصح أنه يشترط قبل أن ينتهي من الكلام، هذا لا إشكال فيه، الكلام هنا في ماذا؟ .. أنبه على هذا الكلام فيما إذا فرغ من المستثنى منه شرط المؤلف، ومراد الأصوليين أنه يجب أن ينوى قبل أن يفرغ من المستثنى منه يعني أن يقول: له عليَّ ألف إذا لم ينو المستثنى ثم قال: إلا مئة ... هذا ملغي، ليس معناه أنه لا يراعى الشرط الأول وهو الاتصال بمعني أنه لابد أن يقول: له عليَّ ألف إلا مئة، لو نوى بعد إلا أو نوى قبل إلا أو نوى قبل أن يفرغ من الكلام نقول: هذه النية سواء تقدمت في الاستثناء أو تأخرت المهم أن يكون المستثنى متصلا بالمستثنى منه إما حقيقة أو حكما وأما النية فلا اعتبار لها ألبتة. إذا هذه أربعة شروط للاستثناء:
- ألا يرى منفصلا: بأن يكون متصلا.
- ألا يكون مستغرقا لما خلا: مفهومه أنه إذا لم يكن مستغرقا لما خلا فهو جائز مطلقا فدخلت الأحوال الثلاث الأخرى.
- والنطق مع إسماع من بقربه: لابد أن يتلفظ به وهذا واضح بين، إذا لا يحذف المستثنى عند النحاة باتفاق ثم قوله: "مع إسماع من بقربه" هذا ثابت من جهة الشرع لا من جهة اللغة.
- أن يكون منويا قبل أن يفرغ من الجملة بعينها.
ثم قال رحمه الله تعالى:
والأصل فيه أن مستثناه ***** من جنسه وجاز من سواه

"والأصل فيه": في الاستثناء في هذا الإخراج أن يكون المُخرَج من جنس المخرج منه، من جنسه يعني من نوعه، ثَمَّ قدر مشترك بينهما قام القوم إلا زيدا، زيد: بعض في المستثنى منه أليس كذلك؟
قوم في الأصل يطلق على بني آدم فيشمل الذكور والإناث عند بعضهم فإذا قلت: إلا زيدا، فزيدا بعض من القوم، إذا قلت: قام القوم إلا حمارا، حمارا: ليس من جنس القوم - فحينئذ - سُمِّيَ استثناء منقطع وهل هذا موجود أو لا؟
ثّمَّ خلاف بين الأصوليين.
"والأصل فيه":
الأصل سبق معنا أن يطلق ويراد به الراجح والغالب والكثير، إذا المعنى كما سبق.
الأصل اصطلاحا له أربعة إطلاقات:
الدليل، الرجحان، القاعدة المستمرة، المقيس عليه، المراد به هنا الراجح والغالب، يعني إذا سمعت الاستثناء فالأصل أن يحمل على ماذا؟ على الكثير الغالب في لسان العرب وهو أن يكون متصلا.
"والأصل فيه": يعني في الاستثناء "أن مستثناه" مستثنى يعني "من جنسه" يعني من بعض المستثنى منه هذا مراده بقوله: "من جنسه"، ليس المراد بالجنس المنطقي بل المراد به غير المشارك في الدخول تحت المحكوم.
"وجاز من سواه": يعني من غيره من غير جنسه، سوى وغير بمعنى واحد.
(7/7)

"وجاز" أن يكون المستثنى "من سواه" يعني من غير جنس المستثنى منه لكنه ليس من المخصصات هو الذي يؤدي الفرض الأصلي من التخصيص – تمييز بعض جملة فيها دخل – ليس عندنا دخول، وعلى كلام المصنف هنا – رحمه الله تعالى – بجعله الاستثناء المنقطع داخلا في المخصصات، لو قال: له عليَّ ألف إلا ثوبا، هل هو من جنسه أو لا؟ ... ليس من جنسه، وعلى المشهور أنه ليس من المخصصات إذا يصير قوله: إلا ثوبا لاغيا لا عبرة به - فحينئذ - يثبت عليه ألف له، عليَّ ألف إلا ثوبا هذا ملغي هذا يعتبر لاغيا ومن اعتبره أنه ثابت في لسان العرب وجاء في الكتاب والسنة - حينئذ - جعله من المخصصات فكأنه قال – إذا قال – له عليَّ ألف إلا ثوبا: له عليَّ ألف إلا قيمة ثوب فيقدر الثوب بكم ثم يخصم من الألف وعليه - حينئذ - يعتبر من المخصصات "وجاز من سواه": لكنه ليس من المخصصات ولكنه ذكره استطرادا وقيل مخصص بطريق المفهوم، إذا ثَمَّ قولان في الاستثناء المنقطع هل هو مخصص أو لا؟
إن قيل بأنه استثناء حقيقي داخل في الأول - حينئذ - لا إشكال فيه بكونه مخصصا، وإن قيل ليس بمخصص - حينئذ - نقول يعتبر بطريق المفهوم.
والأصل فيه أن مستثناه ***** من جنسه وجاز من سواه
إذا اعتبر أنه مخصص صار بطريق المفهوم، إن اعتبر مخصص - حينئذ - صار لاغيا وجوده وعدمه سواء، ولكنه جاء في القرآن:
[لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا] {مريم:62}
على كلٍ عند النحاة ثابت .... الاستثناء المنقطع ثابت.
وجاز أن يقدم المستثنى **** والشرط أيضا لظهور المعنى

"وجاز": لغة لا شرعا، لأن البحث هنا لغوي ليس له علاقة بالشرع يجوز أو لا يجوز، وإنما المراد هنا بالجواز اللغوي وليس بالجواز الشرعي لأن الجواز قد يكون عقليا وقد يكون لغويا وقد يكون شرعيا، "وجاز" لغة "أن يقدم المستثنى".
"جاز" فعل ماض، أين فاعله؟ ... "أن يقدم المستثنى" أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر:
[أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ] {الحديد:16} يعني خشوع قلوبهم، أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر.
"وجاز أن يقدم المستثنى ": يعني لفظ المستثنى مع أداة الاستثناء يقدم المستثنى مع أداة الاستثناء قام القوم إلا زيدا، يعني ما تقول قام القوم إلا هذا لم يرد في لسان العرب فيقدم المستثنى مع "إلا"، فقوله:"وجاز أن يقدم المستثنى" يعني مع أداة الاستثناء أن يقدم على المستثنى منه فتقول: قام القوم إلا زيدا، القوم تقدمه لورده سماعا ولأنه لا يخل بالفهم
فما لي إلا أحمد شيعة ... وما لي مذهب الحق مذهب
"فما لي إلا آل أحمد شيعة" آل أحمد شيعة، شيعة المستثنى منه، قدم هنا إلا أحمد، الأصل: فما لي شيعة إلا آل أحمد.
وعند من اشترط الاتصال لا يشترط تقديمه في أول الكلام.
ثم قال هنا:
"والشرط أيضا لظهور المعني"
(7/8)

"الشرط": يعني شرط اللفظ وليس الشرط الوجودي لابد أن يكون سابقا، وأما الشرط اللفظي "أيضا" هذا مصدر منصوب على المفعولية المطلقة - آضَ يئيض أيضا - يعني رجعنا رجوعا أوليا، "والشرط أيضا" يعني يجوز أن يقدم على المشروط "لظهور المعنى" المعنى واضح ولا التباس فيه، وهذا الأصل عند النحاة وعند غيرهم أن كل ما لا يقع به اللبس يجوز تقديمه، لذلك رد البصريون على الكوفيين في جواز تقديم الفاعل على الفعل، "زيد جلس" عند الكوفيين زيد فاعل، وجلس فعل مقدم، قالوا: هذا لو قدم لوقع في اللبس لأن لا يدرى هل هو مبتدأ أو فاعل، ماذا تنوي؟ ّ!، ماذا تقصد؟!، على كل: كل ُ ما لا يلبس ويوقع في اللبس يجوز تقديمه ويجوز تأخيره، هنا لو قلت مثلا: إن جاءك بنو تميم فأكرمهم، بنو تميم إن جاءوك فأكرمهم، قدمت أو أخرت المعنى واضح لا يلتبس هذا ولا ذاك ولذلك جاء:
[وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَد] {النساء:12}: تأخر الشرط، [أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِن] {الطَّلاق:6}: قدم الشرط على المشروط.
إذا يقدم الشرط على المشروط ويتأخر "لظهور المعنى" كل ذلك جائز كما أن يقدم المستثنى مع الأداة على المستثنى منه كذلك يقدم الشرط.

ثم لما بين حقيقة الاستثناء- وهو نوع من أنواع المخصصات المتصلة - ناسب أن يذكر المطلق والمقيد وإن كان المشهور أنهم يذكرون هذا في باب مستقل العام والخاص ثم يردف بباب المطلق والمقيد ولكن لأنه في معنى العام، العام فيه شمول وكذلك المطلق فيه شمول. إذًا كأنه أراد بهذين البيتين الآتيين أو الثلاث أن يعنون للمطلق والمقيد وإنما جعله مع العام لأنه في معناه يعني المطلق في معنى العام والمقيد في معنى الخاص كل منهما مقابل للآخر في العموم، كل منهما فيه عموم، المطلق فيه عموم والعام فيه عموم كاسمه، ولكن عموم العام شمولي وعموم المطلق بدلي، كل منهما فيه شمول إلا أن عموم العام شمولي بمعنى أنه يدخل تحته الأفراد دفعة واحدة فلو قال: أكرم العلماء، هذا من صيغ العموم جمع محلى بـ (أل) يعني كل العلماء أكرم، العلماء يعني كل العلماء، فـ (أل) هنا استغراقية، - فحينئذ - صار من صيغ العموم - فحينئذ - كل فرد من أفراد العلماء فهو داخل في هذا اللفظ دفعة واحدة، لكن لو قال: أكرم عالما، نقول هنا فيه عموم يشمل زيدا من العلماء وعمرو وخالدا .... الخ
كل منهما عالم هذا عالم، هذا عالم، هذا عالم، لكن دخول هؤلاء الثلاث في هذا اللفظ "أكرم عالما" بدلي بمعنى أنه لو أكرم الأول سقط الثاني والثالث لأن المراد هنا أكرم عالما واحدا، ولذلك المطلق عند بعضهم كابن الحاجب هو مرادف للنكرة، فإذا قلت: جاء رجل ... كم؟
(7/9)

واحد من هو؟ ... المخاطب يحتمل أنه خالد أو محمد أو فيصل ... الخ، - حينئذ - دخول هؤلاء ليس واحدا، وإنما يشمل الأول فإن كان هو سقط الثاني والثالث، إن لم يكن الأول فهو الثاني، إن لم يكن الثاني فهو الثالث، فاللفظ صادق على الجميع لا دفعة واحدة بحيث يدخل تحت اللفظ، وإنما على جهة البدلية، ولذلك لو قال:
"أعتقت عبدا من عبيدي": "عبدا" والعبيد مئة هل كل هؤلاء العبيد المائة يدخلون في هذا اللفظ؟ نقول: نعم يدخلون لكن ليس دفعة واحدة بمعنى أن الحكم يصدق عليهم، أكرمهم كلهم أو أعتقهم، وإنما المراد به أعتق عبدا من عبيدي فيصدق بالأول إن أعتقه - حينئذ - انتهى مدلول اللفظ، فاللفظ يدل على شيء واحد وهو نكرة فمدلوله الوحدة ليكون واضحا، إذا العموم المطلق عموم البدلية يعني يشمل كل من يصدق عليه اللفظ لكن ليس مرة واحدة بخلاف العموم الذي يسمى عموما - حينئذ - يكون شموله دفعة واحدة:
"أكرم العلماء": كل العلماء يدخلون في هذا اللفظ فكلهم تكرمهم، وأما "أعتق عبدا": فهذا يشمل كل العبيد إلا أنهم لا يدخلون دفعة واحدة، وإنما يصدق بالأول فإن أعتقه - حينئذ - سقط البقية، والعام يدخله الاستثناء بخلاف المطلق.
"المطلق": لغة اسم مفعول، اُطْلِقَ يُطْلَقٌ فهو مطلق، مأخوذ من مادة تدور على معنى الانفكاك من القيد، مطلق من القيد كاسمه.
اصطلاحا: ما دل على الحقيقة بلا قيد بعضهم يعبر بالماهية وهما بمعنى واحد، شيء دل على الحقيقة بلا قيد: لو قال: "رجل" هذا دل على الحقيقة. ما هي حقيقة رجل؟ ... ذكر من بني آدم بالغ هكذا قالوا، فلفظ "رجل" لا يختص به زيد من الناس، هل يمكن أن يقول شخص اسمه خالد يقول هذا اللفظ "رجل" لي فقط وبقية الناس لا؟ ... لا يمكن.
هل يدل على حقيقة؟ نقول: نعم يدل على حقيقة. ما هي هذه الحقيقة؟
ذكر بالغ من بني آدم، - فحينئذ - يصدق لفظ "رجل" على كل شخص لكنه على جهة البدلية لأن مدلول النكرة وإن كان بالوضع أو باللزوم، "ما دل على الحقيقة بلا قيد" يعني لم يقيد، لو قال: "أكرم رجلا"
يصدق على أي رجل فيكرمه وينتهي الأمر، لكن لو قال: "أكرم رجلا صالحا" قيده أو لا؟ ... قيده. هل هذا مطلق أو مقيد؟ مقيد لأن لفظ "رجل" دل على الحقيقة لكن ليس على إطلاقه، ليست الرجولة من حيث هي رجولة بل وصف زائد وهو كونه صالحا.
"ما دل على الحقيقة بلا قيد": لا يقيد "ما دل على الحقيقة بلا قيد": أي أنه شائع في جنسه لا يتناول إلا فردا واحدا من أفراد الحقيقي بدون قيد.
والمقيد كاسمه مقيد: اسم مفعول من القيد: وهو: ما وضع فيه قيد من إنسان أو حيوان.
واصطلاحا: "ما دل على الحقيقة بقيد، هو المطلق لكنه يوصف
"ما دل على الحقيقة بقيد" - حينئذ - تقول: أكرم عبدا، نقول: هذا مطلق، أكرم عبدا طويلا أو مؤمنا، - حينئذ - صار مقيدا، ومعنى ذلك أن المقيد يدل على الحقيقة كالمطلق ولكنه يتناول معينا بسبب وصف زائد كقوله:
[فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ] {النساء:92}
قال المصنف - رحمه الله تعالى -:
ويحمل المطلق مهما وجدا ****** على الذي بالوصف منه قيدا
(7/10)

"ويحمل المطلق مهما وجدا": المطلق في صورة يمكن حمله فيها على المقيد لأن ليس كل مطلق يحمل على المقيد وإنما في بعض الصور جون بعض وهو ذكر صورة واحدة وله أنواع أربعة يرجع إلى المطولات.
"ويحمل المطلق مهما وجدا": "وجدا" الألف هذه للإطلاق، بمعنى المطلق في صورة يمكن حمله على المقيد، يحمل المطلق على الذي بالوصف قيد منه، على قيد بالوصف منه، يعني من ذلك المطلق إذا المقيد هو مطلق لكنه بوصف زائد كل منهما نكرة ولذلك عرف بعضهم كابن الحاجب المطلق بأنه هو "النكرة سواء وصفت بمفرد أو جملة اسمية أو فعلية " - حينئذ - صار مقيدا.
"فيحمل المطلق على الذي قيدا منه بالوصف"
"قيدا" الألف هذه للإطلاق وقوله "بالوصف" متعلق بقوله قيدا "ومنه" كذلك متعلق بقوله قيدا، ومعنى ذلك أنه يقيد المطلق بقيد المطلق واضح العبارة "يحمل المطلق على الذي بالوصف منه قيدا" قلنا المطلق كاسمه مطلق نكرة بلا قيد ما دل على الحقيقة بلا قيد، ما هو المقيد؟
هو المطلق لكنه بقيد، كيف نحمل المطلق على المقيد؟ والمراد " أن يقيد المطلق بقيد المقيد، لو قال كالمثال الذي ذكره كتحرير رقبة، "رقبة" ما قيدها، ثم قال في موضع آخر: [فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ] {النساء:92}، عندنا مطلق وعندنا مقيد، ما هو
المطلق؟ رقبة فقط، ما دل على الحقيقة بلا وصف، وقال في موضع آخر:
[فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ] {النساء:92}
- حينئذ - كيف نحمل المطلق على المقيد؟
نأخذ قيد المطلق فنقيد به المطلق فنجعل الموضعين بمعنى واحد كل منهما تحرير رقبة مؤمنة، إذا معنى حمل المطلق على المقيد: أن يقيد المطلق بقيد المقيد.
فيحمل المطلق مهما وجدا ... على الذي بالوصف منه قيدا
فمطلق التحرير في الأيمان
"فمطلق التحرير في الأيمان" هنا اختلف السبب واتفق الحكم.
"فمطلق": الفاء: هذه فاء الفصيحة أو التفريع "فمطلق التحرير في الأيمان": يعني في كفارة الأيمان جمع يمين وهو الحلف، "فمطلق التحرير في الأيمان": يعني كفارة الأيمان جمع يمين وهو الحلف لأنه قال: [أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ] {المائدة:89}،
[فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ] {المائدة:89} مطلق أو مقيد؟ .... مطلق.
- حينئذ - قال: "فمطلق التحرير في الأيمان مقيد في القتل" يعني جاء مقيدا في كفارة القتل "بالإيمان" بوصف الإيمان لأنه قال: [فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ] {النساء:92}
- حينئذ - هنا الحكم واحد ولكن السبب مختلف، الأول اليمين حلف، والثاني قتل، ولكن كل منهما حكم واحد وهو كفارة بالتحرير ماذا نصنع؟ قال:
فيحمل المطلق في التحرير ***** على الذي قيد في التكفير

- حينئذ - تكون الكفارة أو الرقبة التي تحرر في الأيمان يشترط فيها أن تكون مؤمنة، وهذا الحكم واجب بمعنى أنه يجب كما أنه يجب تخصيص العام بالخاص لأن كل منهما دليل شرعي كذلك المطلق والمقيد يجب أن يقيد المطلق بقيد المقيد فيما إذا اتفق الحكم واختلف السبب، ولذلك قال:
فيحمل المطلق في التحرير ***** على الذي قيد في التكفير
(7/11)

- فحينئذ - يقال في كفارة اليمين أو تحرير رقبة مؤمنة كما هو الشأن في العام مع الخاص، إذا المطلق والمقيد شبيه بالعام والخاص، المطلق يشابه العام في العموم والشمول والمقيد يشابه الخاص، إذا فرق بين الخاص، ما الفرق بينهما؟
الخاص كما سبق "لفظ دال على شيء محصور بشخص أو عدد " - فحينئذ - يكون ماذا؟ إما علم أو مثنى أو جمع ولم يوجد شرط العموم دخول "ال" مثلا أو الإضافة، وأما المقيد فهو "نكرة موصوفة" إذا لا يكون خاص - حينئذ - يظهر الفرق بين العام والخاص وهو يحتاج إلى مزيد تأمل، ومع كثرة الأمثلة في كتب الفقهاء - حينئذ - يتضح الفرق بينهما.
ثم انتقل المصنف – رحمه الله تعالى – إلى بيان النوع الخاص في المخصصات وهو المخصص المنفصل الذي استقل بنفسه بأن يكون ثَمَّ دليل عام وآخر خاص، وحمل العام على الخاص كذلك يعتبر في الواجبات يعني يجب عمل العام على الخاص ولكن شرط اختلاف في الحكم إذا ذكر الخاص بحكم يخالف العام - حينئذ - وجب التخصيص وأما ذكر الخاص بحكم لا يخالف العام وهذا ليس من قبيل التخصيص أليس كذلك؟
لو قال: أكرم الطلاب وأكرم زيدا، زيد من الطلاب هل هذا تخصيص؟ لا .. ليس بتخصيص، لو قال: أكرم الطلاب وأهن زيدا صار تخصيصا لأن الحكم مختلف هنا إكرام وهنا إهانة، وأما إذا قال: أكرم الطلاب وأكرم زيدا، وزيد من الطلاب، هذا من باب إفراد بعض أفراد العام بما يوافق العام لمزيد اهتمام به كأنه يقول: لا أوصيك على زيد، كما يقال: أكرم الطلاب وأكرم زيدا، الحكم واحد كيف يحصل التخصيص ليس عندنا تخصيص هنا وإنما ذكر بعض أفراد العام بما يوافق العام لمزيد اهتمام ونحو ذلك.
"ثم الكتاب بالكتاب خصصوا": إذا المخصص المنفصل قلنا: ما استقل بنفسه دليل مستقل - حينئذ - الأدلة أربعة: كتاب، سنة، إجماع، قياس.
الكتاب يخصص بالكتاب، الكتاب يخصص بالسنة، الكتاب يخصص بالإجماع، الكتاب يخصص بالقياس، هذا هو المشهور عند الأصوليين السنة تخصص بالكتاب، السنة تخصص بالسنة كذلك تخصص بالإجماع والقياس، وأما الإجماع بإجماع لأنه لا يكون إلا خاصا، بمعنى لا يتصور فيه العموم وكذلك القياس لا يتصور فيه العموم لأنه لا يكون إلا خاصا، الإجماع لا يكون إلا خاصا فلا يأت آت يقول: الإجماع هذا مخصوص، لا .. لأنه لا يكون إلا خاصا كذلك القياس لا يكون إلا خاصا، إذًا الإجماع والقياس يخصص غيرهما ولا يخصَّصان، والكتاب والسنة يخصِّص ويخصَّص أليس كذلك؟
الكتاب يخصِّص السنة، والسنة تخصِّص الكتاب، وبعض المسائل فيها خلاف، وإن كان المشهور والمعتمد أن الكتاب والسنة كلا منهما يخصِّص الآخر، وأما تخصيص الكتاب والسنة هذا محل خلاف وأما بالقياس فهذا بعيد أن يخصَّص الكتاب والسنة بالقياس، أما الإجماع فهذا له بعض الأمثلة وإن كان بعضهم ينازع في تصويرها.
(7/12)

"ثم الكتاب بالكتاب خصصوا": ثم خصصوا يعني الفقهاء أو حكم الأصوليين بجواز تخصيص الكتاب بالكتاب "الكتاب": بالنصب على أنه مفعول به مقدم، "ثم خصصوا الكتاب": الذي هو القرآن "بالكتاب": بأن يرد في القرآن آية فيها لفظ عام ويأتي خاص في القرآن يخالف ذلك الحكم، - حينئذ - نقول: يحمل أفراد أو يقصد بعض أفراد العام على الحكم الذي علِّق على العام وينفرد بعض أفراد العام بذلك الحكم دل عليه الدليل الخاص قال – تعالى -:
[وَلَا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ َ] {البقرة:221}
"المشركات": يشمل المشركات، ويشمل اليهود، والنصارى لأنهم مشركون على الصحيح .... أليس كذلك؟
- حينئذ - دخل في هذا اللفظ عموم هذا اللفظ عام أولا وجه العموم ما هو؟
جمع محلي بـ"ال" ..... أليس كذلك؟ ...
الجمع والمفرد المعرفان ... باللام .................
يعني لا تنكحوا كل مشركة حتى تؤمنوا، هذا اللفظ وجاء مخصص بقوله:
[وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ] {المائدة:5}
هنا جاء الحكم بجواز نكاح المحصنات من الذين أوتوا الكتاب وفي الأول قال:
[وَلَا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ] {البقرة:221}
- حينئذ - نقول هذا لفظ عام وهذا لفظ خاص نحمل العام على الخاص فنخص بعض أفراد العام بما دل عليه الخاص ... أليس كذلك؟
[وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ] {البقرة:228}
"المطلقات": هذا عام يشمل كل مطلقة وجاء في نص آخر:
[وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ] {الطَّلاق:4} - حينئذ - قوله: [وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ] {البقرة:228} دل على أن العدة هنا بالأقراء، ولكن ذوات الأحمال العدة بماذا؟ بوضع الحمل، طيب قوله: [وَالمُطَلَّقَاتُ]: هذا عام أو خاص؟ ... عام، إذا جاء نص مخصص لبعض أفراد العام فقوله: [وَالمُطَلَّقَاتُ] يشمل الحوامل، ولكن دل النص الآخر المخصص على أن ذوات الأحمال [أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ].
"ثم الكتاب بالكتاب خصصوا": خلافا لبعض الظاهرية.
"وسنة بسنة تخصَّص": يعني السنة بالسنة، وعلى الصحيح مطلقا لا تفصيل بين متواتر وآحاد ولأن الحكم الشرعي يثبت بالمتواتر ويثبت بالآحاد فلا فرق بينهما من جهة الطريق ما دام أنه ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – - حينئذ - يثبت به التخصيص لأن التخصيص هنا حكم شرعي، "وسنة بسنة تخصص" تخصص بسنة، و"سنة" هذا مبتدأ وقوله: "تخصص بسنة": هذه الجملة خبر.
"فيما سقت السماء العشر": "فيما": هذا خبر مقدم عشر، أين صيغت العموم؟ "ما" اسم موصول بمعنى الذي هي من صيغ العموم، "فيما سقت السماء العشر" هذا عام جاء النص الآخر "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"
"فيما سقت السماء" في الذي سقته السماء سقته مطلقا سواء دون خمسة أوسق أو ما زاد على الخمسة، - حينئذ - كأنه قال: "فيما سقت السماء العشر" بشرط أن يبلغ خمسة أوسق من أين أخذنا هذا القيد؟
من المخصص وهو قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة"، إذا قوله: "فيما سقت السماء"، هذا عام وهو مخصص بسنة أخرى.
"وخصصوا بالسنة الكتابا": الألف: هذه للإطلاق.
(7/13)

"وخصصوا بالسنة الكتابا" أيهما المخصَّص؟ وأيهما المخصِّص؟ خصصوا الكتاب بالسنة، الكتاب مخصَّص والسنة مخصِّصة.
مثلوا لذلك بقوله – تعالى -: [وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ] {النساء:24}
"أحل لكم ما وراء ذالكم" الذي وراء ذالكم، إذا صيغة عموم جاء النص النبوي: "لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها" تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها لم يثبت بالكتاب وإنما بعد ما بين الرب – جل وعلا – المحرمات قال: [وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ] {النساء:24} إذا يجوز نكاح العمة على الزوجة عمة الزوجة يعني وخالة الزوجة مع الزوجة لكن النص دل على ماذا؟ على الاستثناء وهو معنى التخصيص.
"وعكسه استعمل يكن صوابا":
"عكسه" يعني عكس ما سبق خصصوا بالسنة الكتابا، عكسه خصصوا السنة بالكتابا، فالسنة هي المخصَّص والكتاب هو المخصِّص، وهذا قليل جدا، أن يأتي نص خاص في القرآن ونص عام في السنة ... "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله"، "الناس" هنا يشمل أهل الكتاب أو غيرهم، لكن جاء نص آخر: [حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ] {التوبة:29} - فحينئذ - سقط عنهم القتل، إذا يعتبر ماذا؟
يعتبر مخصصا، وقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" الشامل لأهل الكتاب مخصص بقوله: [حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ] {التوبة:29}.
"وعكسه استعمل يكن صوابا": "عكسه": يعني عكس ما سبق والمراد به المخالف وهو مفعول به مقدم لقوله: "استعمل"، "واستعمل عكسه يكن": هذا مجزوم لكونه واقع في جواب الطلب وهو قوله: "استعمل يكن هو" أي هذا الاستعمال، "صوابا": الألف هذه بدل عن التنوين.
"والذكر بالإجماع مخصوص": "والذكر": أي القرآن - من أسمائه - "بالإجماع مخصوص": يعني خصَّ بالإجماع، وهذا له مثال لا اعتراض عليه ألبتة، ثم لو وجد له مثال فالإجماع كما سيأتي أنه لا يصح إجماع إلا بمستند شرعي صحيح كتاب أو سنة لابد أن يكون له مستند، فإذا كان كذلك - حينئذ - إن أدعي إجماع في مسألة ما - حينئذ - ليس عين الإجماع هو المخصِّص وإنما ما استند عليه واعتمد عليه الإجماع هو المخصِّص، - فحينئذ - يكون مستند الإجماع، إن كان كتابا - حينئذ - الذكر هو القرآن مخصوص بالكتاب وإن كان الإجماع مستند على السنة - فحينئذ - السنة هي التي خصصت الكتاب وليس عندنا مثال واضح بيِّن ولذلك شركه.

والذكر بالإجماع مخصوص كما ***** قد خص بالقياس كل منهما

يعني القياس يكون مخصِّصا للذكر – القرآن – ويكون مخصِّصا للسنة وهذا أيضا فيه نظر، القياس أن يكون مخصِّصا هذا فيه نظر، لأن القياس ليس بدليل شرعي مطلقا، وإنما هو مقيد عند عدم وجود نص واضح بيِّن يدل على المسألة، ولذلك حكى الشافعي أو نص على أن القياس كالميتة بمعنى أنه لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة وإذا كان كذلك - حينئذ - لا يصح أن يدعى بأن القياس يعتبر مخصِّصا للكتاب والسنة لأنه إذا كان كذلك معناه أن الحكم مدلول عليه بالكتاب والسنة فكيف يكون القياس وهو إجماعا مقابل للنص؟!
(7/14)

- حينئذ - إذا دل عليه اللفظ العام إن كان القائس هو النبي - صلى الله عليه وسلم - لا إشكال صار شرعا وصار سنة، وإن كان بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - - حينئذ - يكون الذي دل عليه الكتاب عام فيكون منصوصا عليه فهو داخل في أفراد العام فكيف يأتي قائس ويخرج هذا الفرد مما دل عليه الكتاب ونحن نقول: "لا قياس في مقابلة النص" وهذا يكون قياسا في مقابلة النص، على كل دعوى القياس بأنه مخصِّص للكتاب والسنة دعوى فيها نظر، لأنه لا يصح، إن كان المراد به النبي - صلى الله عليه وسلم - صار سنة اجتهاد، النبي - صلى الله عليه وسلم - يجتهد - حينئذ - صار تشريعا وإن كان من باب النبي - صلى الله عليه وسلم - نقول: اللفظ العام في الكتاب أو في السنة الذي ادعينا أننا خصصناه بالقياس نقول: دل على ذلك الفرد، - فحينئذ - نجتهد، هذا تناقض أليس كذلك؟ واضح المسألة؟ فاللفظ العام دل على أفراد في الكتاب أو دل على أفراد في السنة، إخراج بعض أفراد العام من الكتاب والسنة بالاجتهاد نقول الاجتهاد لا يكون في مقابلة النص، - فحينئذ - يكون العام هو المقدم والاجتهاد يكون باطلا مردودا على صاحبه ويسمى فاسد الاعتبار.
"كما قد خص بالقياس كل منهما":
قال: لأنه يستند إلى نص من كتاب أو سنة فكان ذلك هو المخصِّص، هذا تعليل ضعيف.
*إذا الذي يثبت معنا من المخصِّصات المنفصلة:
1/ تخصيص الكتاب بالكتاب.
2/ تخصيص الكتاب بالسنة.
3/ تخصيص السنة بالكتاب.
4/ تخصيص السنة بالسنة.
هذا الذي يعتبر دليلا شرعيا، وأما تخصيص الكتاب والسنة بالإجماع هذا فيه كلام وأما القياس فهو باطل.

بَابُ الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ
مَا كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى بَيَانِ
فَمُجْمَلٌ وَضَابِطُ البَيَانِ
إِخْرَاجُهُ مِنْ حَالَةِ الِإشْكَالِ
إِلَى التَّجَلِّي وَاتِّضَاحِ الحَالِ
كَالقُرْءِ وَهْوَ وَاحِدُ الأَقْرَاءِ
فِي الحَيْضِ وَالطُّهْرِ مِنَ النِّسَاءِ
وَالنَّصُ عُرْفًا كُلُ لَفْظٍ وَارِدِ
لَمْ يَحْتَمِلْ إِلَّا لِمَعْنىً وَاحِدِ
كَقَدْ رَأَيْتُ جَعْفَرًا وَقِيلَ مَا
تَأْوِيلُهُ تَنْزِيلُهُ فَلْيُعْلَمَا
وَالظَّاهِرُ الَّذِي يُفِيدُ مَنْ سَمِعْ (1)
مَعْنىً سِوَى الْمَعْنَى الَّذِي لَهُ وُضِعْ

كَالأَسَدِ اِسْمُ وَاحِدِ السِّبَاعِ
وَقَدْ يُرَى لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ
وَالظَّاهِرُ الْمَذْكُورُ حَيْثُ أَشْكَلَا
مَفْهُومُهُ فَبِالدَّلِيلِ أُوِّلَا
وَصَارَ بَعْدَ ذَلِكَ التَّأْوِيْلِ
مُقَيَّدًا فِي الِاسْمِ بِالدَّلِيْلِ

باب المجمل والمبين:
هذا يعتبر من دلالات الألفاظ يعني اللفظ يدل على شيء واحد وهو النص أو ما احتمل إما على السوى أو الترجيح وهو المجمل أو مع الترجيح - حينئذ - الراجح هو الظاهر والمرجوح إن حمل عليه فهو المؤول.
"باب المجمل والمبين":
وذكر كذلك النص والظاهر والمؤول هذه أربعة أو خمسة ألفاظ يكثر دوراتها عند الأصوليين وكذلك على ألسنة الفقهاء.
فما هو المجمل وما حكمه؟، وما هو المبين وما حكمه؟، والنص والظاهر المؤول؟
__________
(1) وفي نسخة مَا سُمِعْ
(7/15)

قال "المجمل": المجمل اسم مفعول، وهو في اللغة المجموع ومنه أجملت الشيء إجمالا أي جمعته من غير تفصيل ويطلق في اللغة على الخلط والمبهم، والمجمل من أجمل الشيء إذا حصله، أجملت الحساب إذا حصلته.
وأما في الاصطلاح فعرفه المصنف تعريفا فيه إجمال، والمشهور أن المجمل في اصطلاح الأصوليين: ما تردد بين محتملين فأكثر على السواء.
"ما" لفظ من حيث المعنى "تردد بين محتملين فأكثر على السواء" يعني لفظ مشترك في الجملة يطلق ويراد به معنى، ويطلق ويراد به معنى لكن ليس هو في أحدهما أظهر من الآخر، كما مثَّل الناظم كغيره لفظ "قرء" القُرء أو القَرء يطلق في لسان العرب على الطهر وعلى الحيض، فإذا استعمل في الكتاب والسنة - حينئذ - نعبر عنه باعتبار نفسه دون نظر إلى المبين نقول هذا لفظ مجمل لأنه تردد بين محتملين على السواء ليس هو في أحدهما أظهر من الآخر ولذلك قال: [وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ] {البقرة:228} قروء: جمع قرء، هل المراد به الحيض أو الطهر؟ فيه خلاف بين أهل العلم بناء على وجود المرجح لأحد هذين المعنيين على الآخر لكن هل اللفظ بنفسه يدل على واحد منهما؟ ....... الجواب: لا
لو قال: عندي عين والعين يطلق على العين الباصرة وعلى الذهب وعلى الفضة وعلى الجاسوس وعلى غيرها، لو قال: عندي عين، نقول: هذا اللفظ يدل على عدة معاني وهي مستوية ليس في أحدها أظهر من الآخر هذا يسمى ماذا؟
يسمى مجملا فكل لفظ احتمل معنيين فأكثر على السواء ليس هو في أحدهما أظهر يسمى مجملا ولذلك ما ذكره الناظم فيه نوع إجمال: ما تردد بين محتملين فأكثر على السواء،
"بين محتملين": أخرج النص لأن له محملا واحد "نص" كما قال: "قد رأيت جعفرا":، جعفر ليس له إلا معنى واحد هذا يسمى نصا، "على السواء" يعني ليس في أحدهما أظهر: أخرج الظاهر من الآخر هذا يسمى ظاهرا إذا قوله: "بين محتملين" اخرج النص، قوله: "على السواء": اخرج الظاهر.
"حكمه":

التوقف على البيان الخارجي فلا يجوز العمل بأحد محتملاته إلا بدليل خارج عن لفظه يعني لابد من مبين ولكن لا يجوز في الشريعة إلا لفظ مجمل غير مبين وإنما الكلام في دلالات الألفاظ فنقول: هذا مجمل ويحتاج إلى بيان، قوله: [وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ] {البقرة:43}: أمرنا بالصلاة، ما هذه الصلاة؟ لو وقفنا مع اللفظ نفسه نستطيع أن نصلي؟ أو نحتاج معرفة الأوقات ومعرفة الشروط والوضوء إلى آخره؟ .... إذا نقول: لفظ الصلاة مجمل، [وَآَتُوا الزَّكَاةَ] {البقرة:43} كم؟، لمن؟، متى؟
ما الذي يخرج منه؟ يحتاج إلى بيان أو لا؟ ....... يحتاج إلى بيان، إذا نقول: هذا يعتبر مجملا.
"حكمه":
التوقف على البيان الخارجي فلا يجوز العمل بأحد محتملاته إلا بدليل خارج عن لفظه، لعدم دلالة لفظه على المراد به وامتناع التكليف بما لا دليل عليه.
قال الناظم:
ما كان محتاجا إلى بيان ****** فمجملا .................
(7/16)

"ما": أي اللفظ سواء كان مفردا أو مركبا لأن الإجمال يكون في التركيب ويكون في المفردات، قد يكون المركب مجمل وقد يكون المفرد سواء كان فعلا أو اسما أو حرفا مجملا، فالإجمال داخل على المركبات وعلى المفردات يكون في اللفظ المركب كقوله: [أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ] {البقرة:237} "يعفو": مَنْ؟ الولي أو الزوج؟ ... فيه خلاف، لأنه فيه إجمال الضمير يعود على أي شيء فهو محتمل على السواء منهم من رجح الولي، منهم من رجح الزوج إلى آخره بدليل خارجي، ولكن اللفظ من حيث هو فيه إجمال لأنه تردد بين محتملين على السواء ليس هو في أحدهما أظهر من الآخر، وقد يكون في المفرد كقوله: "كالقرء" وقد يكون في حرف إذا كان محتمل كالواو مثلا تصلح لأن تكون عاطفة وأن تكون مبتدأة [وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ] {آل عمران:7} اختلف في الراسخون هل هو مبتدأ جملة جديدة أو لا؟
الإجمال من أين وقع؟ في الواو هل هي استئنافية ابتداء جملة أو أنها عاطفة صارت محتملة على السواء تحتاج إلى مرجح.
[وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ] {المائدة:6} البا: هل هي للإلصاق أو أنها للتبعيض؟ .... محتملة ماذا في الحرف؟ إذا كل ما احتمل بين معنيين ليس هو في أحدهما أظهر سواء كان في حرف أو اسم أو فعل أو جملة تركيبي - حينئذ - يسمى إجمالا.
"ما": لفظ مركب أو مفرد، "كان محتاجا": ومفتقرا إلى بيان "فمجمل" فهو مجمل، "مجمل": هذا خبر لمبتدأ محذوف "فهو مجمل".
قال في الأصل: أن المجمل ما افتقر إلى البيان كل محتاج إلى بيان فهو مجمل كل ما افتقر إلى بيان فهو مجمل، وهذا التعريف فيه نوع إشكال، والأولى أن يعرف بما ذكرناه: "ما تردد بين محتملين فأكثر على السواء"
............. ... وضابط البيان
إخراجه من حالة الإشكال ... إلى التجلي واتضاح الحال
"وضابط" أي تعريف وسبق أن الضابط يأتي بمعنى القاعدة والأساس ... الخ
"وضابط البيان": البيان: اسم مصدر بمعنى التبيين.
"إخراجه من حالة الإشكال إلى التجلي":
يعني كل ما كان مشكلا في فهم معناه وجاء شيء مخرج له يسمى مبينا كل ما حصل به الرفع، رفع اللبس والإشكال في فهم لفظ ما مفرد كان أو تركيبا يسمى بيانا.
"وضابط البيان": بمعنى التبيين، "إخراجه من حالة الإشكال "
"إخراجه": أي إظهار معنى المبين للمخاطب وإيضاحه من حالة الإشكال يعني من مظنة الإشكال ومحله "الإشكال" مصدر أشكل يقال: أشكل الأمر إذا التبس.
"من حالة الإشكال": وعدم فهم معناه أو خفاء المعنى المراد من اللفظ "إلى التجلي": يعني إلى حال التجلي، والمراد به الظهور والوضوح، "واتضاح الحال": يعني اتضاح معناه وفهمه بنص يدل عليه "من حال أو قال" إذا كل ما جاء مفصلا أو رافعا لمعنى لفظ فيه لبس يسمى ماذا؟ ... يسمى مبينا سواء كان الدليل فرعيا كتاب وسنة أو كان من خارج عقليا أو حسي أو نحو ذلك، إذا البيان والمبين في مقابلة المجمل فما تقدم للمجمل من تعريف - حينئذ - ضده يقال في المبين.
(7/17)

والبيان الذي هو اسم مصدر "بيَّن" يطلق على التبيين الذي هو مصدر بين وهو فعل المبين ويطلق على ما حصل به التبيين وهو الدليل، ويطلق على متعلِّق التبيين وهو المدلول أي المبين، ولذلك اختلفوا في المراد بالبيان والصواب أن المراد به:
الدليل الذي حصل به رفع اللبس في ذلك اللفظ فإذا قيل مثلا [وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ] {البقرة:43} هذا مجمل، الأحاديث الواردة في بيان كيفية الصلاة تعتبر بيانا لهذا المجمل - حينئذ - هو الذي يسمى بيان.
"كالقرء" أو القُرء يجوز فيه الوجهان بفتح القاف وضمها.
فالإجمال:
"كالقرء وهو واحد الأقراء **** في الحيض والطهر من النساء"
"من النساء":
هذا لبيان الواقع، إذا مثَّل لنا بالمفرد "كالقرء وهو واحد الأقراء" في النص الوارد السابق "في الحيض والطهر والنساء" فيحتاج ماذا؟ ... يحتاج إلى مبين ...
القروء: هل المراد بها الحيض أو المراد بها الطهر؟ .... - فحينئذ - كل لفظ أو كل نص دل على ترجيح أحد هذين المعنيين فهو مبين.

ثم قال الناظم – رحمه الله تعالى – بعد ما بين المجمل والمبين:
والنص عرفا كل لفظ وارد ****** لم يحتمل إلا لمعنى واحد

"النص": لما ذكر المجمل - حينئذ - أول ما يرفع هذا الإجمال هو النص.
والنص لغة:
الكشف والظهور أو هو رفع الشيء الأقصى غاية له ومنه نصت الصبية رأسها أي رفعته وأظهرته.
واصطلاحا:
هو ما يفيد بنفسه من غير احتمال، لأن اللفظ والمعنى إما أن يكون اللفظ دالا على معنى لا يحتمل غيره فهو النص أو يحتمل غيره إما مع عدم الترجيح يعني على السواء فهو المجمل، أو مع الترجيح يسمى ظاهرا وما دونه إن حمل عليه اللفظ يسمى تأويلا إن كان بدليل فهو تأويل صحيح وإن لم يكن بدليل أو كان بدليل فاسد - حينئذ - يسمى تأويلا فاسدا، إذا اللفظ من أجل أن تعرف القسمة ودلالته على المعنى بهذه الاعتبارات إن لم يحتمل إلا معنى واحدا، - حينئذ - نسميه نصا، إن احتمل أكثر من معنى .. هل هي مستوية بمعنى أنه لا ترجيح بينهما من حيث إطلاق اللفظ فهو المجمل، إن كان فيه ترجيح - حينئذ - الظاهر منه يسمى ظاهرا عند الأصوليين، وما هو دونه الذي هو المعنى الآخر المقابل للظاهر إن احمل عليه اللفظ - حينئذ - يسمى تأويلا.
"هو ما يفيد بنفسه من غير احتمال"، قوله: "ما يفيد بنفسه": خرج المشترك، و"من غير احتمال": خرج الظاهر:
[تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ] {البقرة:196} يحتمل أو لا؟
لا يحتمل، هذا نص في العشرة لأنه قال: [كَامِلَةً] لو قال عشرة وسكت قلنا يحتمل أنه أطلق العشرة على التسع، "قمت الليل" يعني كل الليل، هذا محتمل، إذا قلت: "قمت الليل"، هذا يحتمل أنه نصف الليل، أكثر الليل من إطلاق الكل مرادا به الجزء، لكن الليل كله أكدته - حينئذ - رفع الاحتمال، "في أربعين شاة شاة" نص ما يحتمل غيره "في أربعين شاة شاة" تقول هذا لا يحتمل غيره لأنه نص، وقيل هو الصريح في معناه.
"حكمه": حكم النص إذا حكمت على اللفظ بأنه نص - حينئذ - يصار إليه وجوبا ولا يعدل عنه إلا بنسخ، "وحكمه": وجوب إعماله لأنه شرع، إذا كان كذلك - حينئذ - لا يجوز العدول عنه ألبتة إلا بناسخ.
(7/18)

قال هنا: "والنص عرفا": يعني اصطلاحا، لأن المراد هنا الحقيقة العرفية أصولية.
"كل لفظ وارد": "وارد": هذه تكملة ورد يعني في الكتاب أو في السنة وهو وارد تحصيل حاصل، "كل لفظ لم يحتمل إلا لمعنى واحد" ما يفيد بنفسه من غير احتمال، هذا الذي أراده، "كقد رأيت جعفرا": رأيت جعفر ... هل يحتمل خالد؟
لا يحتمل ألبتة أبدا، وإنما قلت إذا قلت: رأيت جعفرا خالدا، صار بدل غلط - حينئذ - الأول معدول عنه بالكلية والثاني هو المراد، "كقد رأيت جعفرا": يعني كقولك: "قد رأيت" قد: للتحقيق "رأيت جعفرا" فعل وفاعل ومفعول به، إذن الأعلام هذه تعتبر نصا، وقيل في حد النص: "ما تأويله تنزيله": وهذا بعيد لأنه يشمل الظاهر "ما تأويله تنزيله" يعني منذ أن ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - أو يتكلم به النبي - صلى الله عليه وسلم - - حينئذ - تأويله يعلم بظاهره وهذا فيه بعد يعني ليس بنص لأنه محتمل لغيره.
"وقيل" في حد النص "ما" يعني لفظ، "تأويله" أي حمله على معناه وفهمه منه "تنزيله" أي يحصل بمجرد نزوله وسماعه ونقول الظاهر كذلك الصحابي يسمع اللفظ - حينئذ - يعمل بظاهره، ذكرنا بالأمس أن "افعل" للوجوب، إذا سمع "افعل" حملها للوجوب، نقول هذا عمل بالظاهر مع كون "افعل" يحتمل أنه للندب فهو محتمل لمعنيين لكن على الوجوب حمل للظاهر وعدل عن المرجوح، - وحينئذ - نقول: هذا هو تنزيله فصار اللفظ هذا مشترك بين النص والظاهر المراد هنا أن قوله: "ما تأويله تنزيله" لا يصلح أن يكون تعريفا للنص ... لماذا؟
لأن فهم هذه الألفاظ والعمل بها هو مستوف النص وفي الظاهر، "ما تأويله تنزيله": أي حمله على معناه وفهمه منه تنزيله أي يحصل بمجرد نزوله وسماعه "تنزيله": فهو بمجرد ما ينزل ويحصل يفهم منه ولا يتوقف فهمه على تأويله وهذا التعريف يشمل الظاهر "فليعلما": فليعلمن هذه الألف بدل عن نون التوكيد الخفيفة، إذن قوله: "ما تأويله تنزيله": نقول هذا فيه ضعف.
ثم انتقل إلى النوع الثاني وهو الظاهر يعني ذكر الظاهر لأنه بعد النص في القوة ويشتركان في وجوب العمل بهما كل من الظاهر ومن النص يجب العمل بهما باتفاق الصحابة لأنه ما من لفظ جاء في الكتاب والسنة وسمعه الصحابة إلا وقد عملوا به على ظاهره، وأما حمله على المعني الثاني المقابل للظاهر فهذا الذي يسمى تأويلا كما سيأتي، إذن ذكر الظاهر لأنه بعد النص في القوة ويشتركان في وجوب العمل بهما.
والظاهر لغة: خلاف الباطن وهو الواضح المنكشف، ومنه ظهر الأمر إذا اتضح وانكشف، ويطلق على الشيء الشاخص المرتفع سواء كان في الأجسام أو في المعاني.
واصطلاحا: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر، يعني إذا استعمل في ظاهره هو الذي يسمى ظاهرا ولذلك قال هنا:
"والظاهر الذي يفيد من سمع" والظاهر في الاصطلاح هو اللفظ الذي "يفيد": له فائدة سماعه "ما يعني من جهة المعنى الراجح بأن وضع وضعا حقيقيا له سوى المعنى الذي وضع له وضعا مجازيا وهو المعنى المرجوح.
قال:
يفيد من سمع ****** معنى سوى المعنى الذي له وضع
(7/19)

يعني وضعا أوليا كأنه يريد أن يبين لك بأن هذا اللفظ له معنيان معنى ظاهر، ومعنى دون الظاهر، كأن المعنى الظاهر وضع له وضعا أوليا والوضع الثاني وضع له وضعا ثانويا، - حينئذ - إذا أطلق اللفظ انصرف إلى أي المعنيين؟
إلى المعنى الذي وضع له أوليا، "كالأسد": هذا يستعمل ويراد به الحيوان المفترس، ويستعمل ويراد به مجازا عن الرجل الشجاع فإذا قلت: "رأيت أسدا" له معنيان معنى حقيقي ومعنى مجازي تحمله على الحقيقي وهو الحيوان المفترس - حينئذ - "كالأسد": يعني كقولك الأسد "اسم واحد السباع": فإنه راجح في الحيوان المفترس لأنه المعنى الحقيقي له ولا صارف له عنه، "وقد يرى للرجل الشجاع":
يعني مرجوح في الرجل الشجاع لأنه معنى مجازي له ولا صارف له وأحسن من هذا أن يمثل بـ"افعل" هذا الذي تستفيد منه أنت، الأسد وغيره ما تستفيد منه في الشريعة.
"افعل": نقول الظاهر هو استعماله في الوجوب، له معنى آخر استعمال شرعي وهو أنه يدل على الندب فإذا مر بك في الكتاب والسنة "افعلوا" نقول هذا للوجوب .... ألا يحتمل معنى آخر وهو الندب؟ ... نقول لأن الظاهر في "افعل" أنه يدل على الوجوب .. نعم يحتمل المعنى الثاني وهو الندب لكن لا نحمله عليه إلا بدليل صحيح وهو القرينة التي ذكرناها سابقا، إذن "افعل" يمثل به للظاهر.

كالأسد اسم واحد السباع ** وقد يرى للرجل الشجاع
والظاهر المذكور حيث أشكالا ** مفهومه فالبدليل أُولا

"والظاهر المذكور": السابق الذي احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر قد يحمل على المعنى الذي ليس بظاهر كأن تقول "افعل" هنا ليست للوجوب بل هي للندب أو الإباحة إن جئت بدليل، هذا يسمى تأويلا - حينئذ - إن جئت بدليل واضح بيَّن بصرف الظاهر عن معناه الظاهر إلى معنى دون ذلك يسمى تأويلا صحيحا، وغن لم يكن بدليل بالمزاج والهوى سمي تأويلا فاسدا، أو جئت بدليل لكنه ليس بصالح سمي تأويلا فاسدا.
"والظاهر المذكور حيث أشكلا": أشكل الأمر: إذا التبس يعني تردد بين معنيين ويحتمل أو في ظاهر الناظر بأن المراد في هذا التركيب المعنى المرجوح يعني في يشكل؟ ... إذا انقدح في أذن الفقيه أو الناظر بأن المعنى الثاني الذي هو ليس بأظهر هو المراد هنا.
"والظاهر المذكور حيث أشكلا ... مفهومه":
بأن حمل على الاحتمال المرجوح "فبالدليل أولا" يعني لا يُؤَول ويرجع به من معناه الظاهر إلى المعنى الذي هو دون ذلك إلا بدليل شرعي صحيح فإن كان كذلك - فحينئذ - سُلَّم له.
"والتأويل": مصدر من: آل الشيء يؤول إلى كذا إذا رجع إليه، فالتأويل: الرجوع ... ومنه قوله تعالى: [وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ] {آل عمران:7} أي طلب ما يؤول إليه معناه.
(7/20)

واصطلاحا: "هو صرف اللفظ عن الاحتمال الظاهر إلى احتمال مرجوح به لاعتضاده بدليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر وصرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح " وهذا هو التأويل الذي يعنيه المحرفة من الأشاعرة وغيرهم: صرف اللفظ الظاهر إلى المعنى المرجوح، لكن نقول هذا تأويل باطل، وتسميته تأويلا غلط لأن التأويل لفظ مجمل يحتمل التأويل الصحيح كما هو الشأن هنا ويحتمل التحريف الذي سموه تأويلا - حينئذ - يجب العدول عن الألفاظ المجملة، ويعبر عن ذلك التأويل بالتحريف فنقول هؤلاء المحرفة ولا نقول بأنهم مؤولة، مؤولة فيه ترقيق للقلوب والأسماع و حينئذ - نكون روجنا لمذهبهم، بل نقول هؤلاء محرفة [مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِه] {النساء:46} - فحينئذ - التسمية بما جاء به الشرع أليق، وأما ما هنا ليس كل تأويل باطل إن كان المعنى المرجوح دل عليه دليل واضح بيِّن من الشرع - حينئذ - الذي حكم بتقديم المعنى المرجوح على الراجح هو الشرع فندور مع القواعد ومع الأدلة الشرعية وجودا وعدما نحكم بالظاهر إذا لم يكن دليل صارف عن ظاهره إلى معناه الباطن ونحكم بالباطن إذا دل الدليل على صرف الظاهر إلى الباطن.

والظاهر المذكور حيث أشكالا ... مفهومه فالبدليل أُولا
وصار بعد ذلك التأويل ... مقيدا في الاسم بالدليل

"وصار بعد ذلك التأويل" إن كان صحيحا "مقيدا في الاسم بالدليل" فيقال ظاهر بالدليل كما يسمى مؤولا، فإذا دل "افعل" على الندب نقول هذا ظاهر بالدليل لأنا حملناه على المعنى المرجوح
[وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ] {البقرة:282} "أشهدوا": هنا ليس للوجوب بل هو للندب، - حينئذ - نقول هذا ظاهر بالدليل كما يسمى مؤولا.
هذه خمسة أنواع:
المجمل، المبين، النص، الظاهر، والمؤول.

هذا، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(7/21)

بسم الله الرحمن الرحيم

بَابُ الأَفْعَالِ
أَفْعَالُ طَهَ صَاحِبِ الشَّرِيْعَهْ
جَمِيْعُهَا مَرْضِيَّةٌ بَدِيْعَهْ
وَكُلُّهَا إِمَّا تُسَمَّى قُرْبَهْ
وَطَاعَةً (1) أَوْ لاَ فَفِعْلُ القُرْبَهْ
مِنَ الخُصُوصِيَّاتِ حَيْثُ قَامَا
دَلِيْلُهَا كَوَصْلِهِ الصِّيَامَا
وَحَيْثُ لَمْ يَقُمْ دَلِيْلُهَا وَجَبْ
وَقِيْلَ مَوْقُوفٌ وَقِيْلَ مُسْتَحَبْ
فِي حَقِّهِ وَحَقِّنَا وَأَمَّا
مَا لَمْ يَكُنْ بِقُرْبَةٍ يُسَمَّى
فَإِنَّهُ فِي حَقِّهِ مُبَاحُ
وَفِعْلُهُ أَيْضًا لَنَا يُبَاحُ
وَإِنْ أَقَرَّ قَوْلَ غَيْرِهِ جُعِلْ
كَقَوْلِهِ كَذَاكَ فِعْلٌ قَدْ فُعِلْ
وَمَا جَرَى فِي عَصْرِهِ ثُمَّ اِطَّلَعْ
عَلَيْهِ إِنْ أَقَرَّهُ فَلْيُتَّبَعْ

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
قال الناظم - رحمه الله - تعالى -:
"باب الأفعال": أي هذا باب بيان الأفعال لما قدم مباحث القول فيما سبق من أمر ونهي وبعد ذلك العام والخاص وذكر في ذلك الباب المطلق والمقيد هذه الأبحاث يشترك فيها الكتاب والسنة
جميع القواعد السابقة قواعد الأمر والنهي والعام والخاص تطبق على القرآن، وتطبق على قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي أبحاث مشتركة بين الكتاب والسنة وثم أبحاث تكون وكذلك الحقيقة والمجاز وأقسام الحقيقة كلها تطبق على قول الباري جل وعلى قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -
لما قدم مباحث قوله شامل لقول الله - تعالى -، ولقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - عقب ذلك بفعله - صلى الله عليه وسلم - ويدخل فيه التقرير كما سيأتي لأنه كف عن الإنكار، والكف عن الإنكار فعل تقرير يجري مجرى الخطاب، وهذا المبحث لو أخره في مبحث الأخبار لكان أولى لكان أولى يعني يجمع بين ذكر أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - من حيث الثبوت، وكذلك فعله - عليه الصلاة والسلام - من حيث الاحتجاج وهو ما يعنون له عند الأصوليين بمبحث: السنة، والسنة عند الأصوليين مخالف لمعنى السنة عند المحدثين أو عند غيره فهي ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول غير القرآن أو فعل أو تقرير، ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول غير القرآن استثناء الكتاب لأنه كلام رب - جل وعلا - ووارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
وارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لكنه ليس داخلا في السنة لا بد من استثنائه
أو فعل أو تقرير ولو كان أمرا منه بكتابة كقوله:
__________
(1) وفي نسخة فَطَاعَة.
(8/1)

"اكتبوا لأبي شاه" نقول: هذا داخل فيه السنة كما سبق في بيان الأمر هنا الأولى أنه لو أمر كتب فعله، وأمر: "أسلم تسلم" هذا داخل في مفهوم الأمر الشرعي، وإن لم يكن داخلا في مفهوم الأمر اللغوي - حينئذ - نقول الأمر له حقيقة شرعية كذلك لو نهى بالكتابة - حينئذ - نقول هذا معنى شرعي، وليس بمعنى لغوي لذلك نقول الأمر له حقيقة شرعية، وكذلك النهي له حقيقة شرعية الأمر إذا أمر به في الكتابة مثلا: "اكتبوا لأبي شاه" - حينئذ - نقول: هذا داخل فيه داخل في مفهوم السنة وكأمر علي بالكتابة يوم الحديبية
أو فعل ولو بإشارة على الصحيح لأنه كالأمر به كما في حديث كعب بن مالك:
"يا كعب قال لبيك يا رسول الله": فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك أشار إليه هكذا هل هو من السنة أو لا؟ ...... داخل في السنة لكنه بالإشارة لا بالفعل بالإشارة لا بالقول، والإشارة داخلة في مفهوم الفعل وإشاراته إلي أبي بكر الصديق رضي الله - تعالى - عنه يتقدم في الصلاة، وإشاراته بالطواف للحجر كذلك كل داخل في سنته وهو من السنة الفعلية ... من السنة الفعلية
ويدخل في الفعل الهم حيث إنه من أفعال القلوب، والقصد منه إيقاع الفعل ولكنه لم يقع وهو- صلى الله عليه وسلم - لا يهم بفعل شيء إلا وهو مشروع دل على أنه إذا هم بشيء ولم يفعله - حينئذ - فعله يكون مشروعا لأنه مبعوث لبيان الشرع مثاله:
همه أن يجعل أسفل الرداء أعلاه في الاستسقاء فثقل عليه فتركه - حينئذ - قال أهل العلم بسنية ذلك مع كون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله وإنما هم بذلك فتركه، فالسنة - حينئذ - تكون ثلاثة أقسام: سنة قولية، وسنة فعلية، وسنة تقريرية.
قولية، فعلية، تقريرية هذا تقسيم باعتبار ذاتها هذا هو المشهور عند الأصوليين السنة ثلاثة أقسام. ثمَّ مبحث عندهم هل الترك فعل أو لا؟ ...... منهم من جعله قسيما للفعل، ومنهم من جعله داخلا في مفهوم الفعل على هذا أو ذاك نزيد قسما رابعا ونسميه: السنة التركية يعني ما ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تركه مع وجود المقتضي - حينئذ - نقول السنة تركه ... السنة هي تركه، ولذلك ذكر ابن تيمية - رحمه الله - تعالي في الاقتضاء وغيره أن الشيء إذا وجد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد المقتضي وانتفى المقتضى ففعله يكون - حينئذ - بعده بدعة وليس بسنة كالمولد مثلا وجد المقتضي وهو كونه مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - هو يعلم متى ولد، ويعلم هل ثم ما يترتب على فعله احتفال أو لا، ومع ذلك تركه - حينئذ - نقول فعله بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتبر من البدعة، وهذا من الأدلة التي يهدم بها تلك البدعة.
إذًا: سنة قولية، وسنة فعلية، وسنة تقريرية، وسنة تركية: وضابطها كل ما وجد سببه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - تركه النبي - صلى الله عليه وسلم - قصدا ففعله بعد ذلك يعتبر من البدع، والسنة بأنواعها الثلاث المشهور عند الأصوليين السابقة وزد عليها الرابعة حجة ... حجة: يعني يحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في أسبات الشريعة، ويحتج بفعله، ويحتج بتقريره، ويحتج بتركه لدلالة المعجز على صدقه، وأمر - سبحانه - بطاعته، وحذر عن مخالفة أمره:
(8/2)

{وأطيعوا الله وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)} آل عمران: 132
{قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} آل عمران: 32
كم من آية يأمر الرب جل وعلى بطاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - طاعة مطلقة، والسنة باعتبار القرآن أي بالتشريع ثلاثة أقسام - هذه المباحث لا بد من ذكرها أولا -:
السنة المؤكدة
ثانيا: السنة المفسرة والمبينة
ثالثا: السنة الزائدة على ما في القرآن.
سنة المؤكدة: موافقة لما أمر الله - عز وجل - به أمر الله - تعالى - بإيجاب الصلاة، وكذلك أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة - حينئذ - ليس في السنة شيء جديد إنما هي مؤكدة، وهي الموافقة للقرآن كوجوب الصلاة السنة.
المفسرة والمبينة: لما أجمل في القرآن في عدد الصلوات، وأوقاتها، وصفة الصلاة، وكذلك الزكاة، وأنصبتها وبيان شرطها، وبيان أصحابها ونحو ذلك هذه كلها لما وضحها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفعل السنة الزائدة على ما في القرآن كأحكام الشفعة (9 - 13) هذه ليس لها ذكر في القرآن
هنا قال: باب الأفعال: أي باب حكم أفعاله - صلى الله عليه وسلم - فـ "ال": هنا للعهد الذهني وهذا الباب معقود لبعض السنة، وهي السنة الفعلية ويشمل - حينئذ - التقرير
قال الناظم:
أفعالُ طه صاحبُ الشريعةِ ******* جميعُها مرضيَّةٌ بديعةِ
لا شك في ذلك لأنه مشرع، وإذا كان كذلك - حينئذ - كل ما يفعله الأصل فيه التشريع الأصل في فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - التشريع هذا الأصل فكل فعل يفعله - عليه الصلاة والسلام - حينئذ - هو داخل في قوله - تعالى -: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الأحزاب: 21 أسوة: يعني يُقتدى به أن يفعل العبد كما فعل لأنه فعله، ولذلك ضبطه هكذا في شرح مختصر التحرير ما معنى قال: (أن يفعل كما فعل لأجل أنه فعل وأن يترك كما ترك لأجل أنه ترك) وهذه جملة جميلة جدا أن يفعل كما فعل لا تسأل هل هو واجب أو هو سنة، وإنما لكون النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله تفعل فقط مثل الصحابة شأنهم أنهم يقتدون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فعلا وتركا تفعل كما فعل لأجل هذا التعبير لأجل أنه فعل: لا لكونه واجب تأثم بتركه مستحب الخ ... ، وأن تترك كما ترك لأجل أنه ترك: تترك المحرم، وترك المكروه، وتترك خلاف الأولى، وما فيه اشتباه، ونحو ذلك لماذا لأجل أنه ترك يعني التعليل لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك - فحينئذ - يكون فعل العبد وجودا وعدما مع ما نقل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه مرتبة عالية نسأل الله لنا ولكم الإعانة ... مرتبة عالية جدا الله المستعان
"أفعالُ طه صاحبُ الشريعةِ": أفعال طه: طه: ظاهر صنيع المصنف أنه اسم للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن لا يصح لم ينقل عن السلف - عن الصحابة - أو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سمى نفسه بهذا الاسم أو سمي فأقره - حينئذ - نقول: لا يثبت من جهة النقل، وكذلك هو من حيث طه حرفان هجائيان، وكونه: "طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى": هذا لا يدل على أنه اسم له.
(8/3)

- ورجح ابن القيم - رحمه الله - تعالى - أن علام النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلام وأوصاف كالقرآن وكأسماء الرب جل وعلى أسماء الرب جل وعلى بإجماع أهل السنة والجماعة أنها أعلام وأوصاف فكل اسم هو علم يدل على الذات، وعلى صفة اتصفت بها تلك الذات فالرحمان: دال على ذات متصف بصفة الرحمة، والعليم: دال على ذات متصف بصفة العلم، وهكذا أسماء النبي - صلى الله عليه وسلم - هل هي كذلك؟ ..... فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنها أعلام تدل على معاني فكل اسم كل علم إنما سمي به - عليه الصلاة والسلام - لدلالة ذلك العلم على معنى فيه - عليه الصلاة والسلام - ومثل القرآن يسمى الذكر يسمى الفرقان يسمى الكتاب الخ ... فهذه أعلام وهي دالة على معان ما عدا هذه الأنواع الثلاثة أعلام الرب جل وعلا بإجماع ما به خلاف والقرآن كذلك الذي فيه خلاف أعلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ما عدا هذه الأنواع الثلاثة فهي جامدة يعني لا تدل على معان تسمي ولد: صالح وليس بصالح، تسمي عبد لله: وليس بعبد لله هكذا - حينئذ - لا يدل على وصف في تلك الذات فإنما هو مجرد علم: صالح وجدار بمعنى واحد يعني لا يدل على شيء في نفسه إذا أفعال طه هذا فيه نظر من جهة النقل ومن جهة النظر الصحيح
أفعال طه صاحب الشريعة: أفعال: هذا مبتدأ أول، وهو مضاف، "وطه": مضاف إليه، و"صاحب الشريعة": مضاف، ومضاف إليه وهو نعت لطه لأنه أراده علم فوصفه بهذا الوصف هذا الوصف صحيح صاحب الشريعة بمعنى أنه مشرع، والنبي - صلى الله عليه وسلم - مشرع لكنه مبلغ عن الله - عز وجل -:
ياأيها الرسول بلغ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) المائدة: 67)
"جميعها": مبتدأ ثاني، "مرضية": يعني: - رضي الله عنها - مرضية - رضي الله عنها -، ورضيها كذلك من آمن بها وسلم بها. "بديعة": نعت لمرضية أوصفة بعد الصفة، "مرضية": هذا خبر المبتدأ الثاني، "جميعها": والمبتدأ ثني جميعها مرضية. "بديعة": خبر بعد خبر:
أخبروا باثنين أو بأكثر ****** عن واحد فهم ثلاث سوى
يجوز تعدد الخبر على الصحيح. "جميعها مرضية": والجملة مبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول.
إذًا بين لنا في هذا البيت أن أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - هي صادرة من صاحب الشريعة هنا ذكر الوصف لبيان الاقتباس، يعني الأصل في فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مُشَّرع، ولذلك قال: أفعالُ طه صاحبُ الشريعةِ، "كلها": جميعها، "مرضية بديعة": ليس فيها منكر، وليس فيها حرام، وليس فيه خلاف الأولى فيقر على ذلك، ثم أراد أن يفصل مرضية ذكرنا أنها - رضي الله عنها - وهو الذي شرعها ابتدءا، "بديعة": فعيلة بمعنى مفعلة، وابتداع الشيء بمعنى أنه إيجاده على مثال غير السابق:
{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} البقرة: 117: أي خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق، (قُلْ مَا كنت بدعًا مِنَ الرُّسُلِ) الأحقاف: 9 ما جئت بشيء جديد إنما أنا متابع لما قبلي في أصول التوحيد ونحو ذلك.
(8/4)

إذًا "بديعة": أي مبدعة أي مبتدعة أي أتى بشرع جديد، و"بديعة": أي عجيبة ليس لها مثال، "وكلها": كل تلك الأفعال المرضية البديعة "إما تسمى قربة أو لا": فقسم لك أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - إلي قسمين ما هو قربة، وما ليس بقربة، هذا تقسيم عام، "وكلها": أي كل أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم – "إما": حرف تفصيل، "تسمى قربة ": يعني فعلها على سبيل التقرب إلى الله - - عز وجل - - يعني ظهر فيها قصد التعبد إما يقينا، وإما راجحا لأن القربة والطاعة لا تكون بالظنون، والأوهام، والأهواء فإنما لا بد من دليل صحيح يفيد العلم أو يفيد الظن كما سبق الظن: هو إدراك الطرف الراجح. إذًا المرجوح لا يكون متعبدا به المرجوح الذي هو وهم لا يكون متعبدا به وإنما التعبدات تكون بشيء اليقين أو بالأمر اليقين أو بما هو الظن الراجح وما عداه فلا يكون عبادة ألبتة إما أن تسمى قربه، "فطاعة": يعني فهي طاعة ثمَّ فرق بين العبادة، والطاعة، والقربة عند بعض العلماء لكن المشهور أن العباد هي الطاعة قال ابن تيمية رحمه الله - تعالى -:
"كل ما كان طاعة ومأمورا به فهو عبادة عند أصحابنا يعني الحنابلة والمالكية، والشافعية "، وعند الحنفية العبادة: ما كان من شرطها النية - حينئذ - قصروا العبادة على نوع واحد، وهو ما لا يوجد ذلك الفعل إلا بالنية ما كان النية شرط في صحته فهو العبادة، وما ليس كذلك فلا يكون عبادة - حينئذ - العبادات المحضة لا شك أنها لا تصح إلا بالنية - حينئذ - هي عبادة يبقى ماذا يبقى نحو النفقة على الزوجة، وصلة الأرحام، وبر الوالدين مما يصح دون نية على ما ذكره عن الشافعية والمالكية، وأصحابنا أنه يسمى عبادة وهو طاعة، ولا يشترط فيه النية لأنه مأمور به فامتثل أمر الرب - جل وعلا - وعلى رأي أبي حنيفة لا يسمى عبادة لماذا لأنه يوجد دون نية كما ذكرناه في الواجب قلنا الواجب هناك: ما يثاب فاعله قصدا يعني العبادات لا يكون ثمَّ ثواب إلا بالنية هذا لا إشكال فيه لكن هل هو عبادة أو لا؟ ...... عند أبي حنيفة ما اشترط في صحته النية فهو عبادة، وهو طاعة، وما ليس كذلك فلا.
يقول ابن تيمية - رحمه الله - تعالى -: كل ما كان طاعة ومأمورا به - يعني أمر به الرب - جل وعلا - إما إيجابا أو استحبابا فهو عبادة - عند أصحابنا والمالكية والشافعية عند الجمهور، وعند الحنفية العبادة: ما كان من شرطها النية فدخل في كلام أصحابنا الأفعال والتروك كالترك المعاصي، والنجاسة، والزنا، وكل محرم، والأفعال: كالوضوء ونحوه مع النية يعني شمل الواجب، وشمل الندب مما يصح بدون نية وما كان النية شرط في صحته واضح هذا دخل في هذا الكلام الواجبات التي لا تصح إلا بالنية هذا محل وفاق بين الطرفين محل الخلاف ما يصح بدون النية فليس بعبادة عند الحنفية وهو عبادة عند الجمهور، وقضاء الدين والنفقة الواجبة ولو بلا نية. إذًا العبادة هي الطاعة هذا قول الجمهور، وثَمَّ فرق بينهما عند أبي حنيفة: الطاعة أعم من العبادة.
(8/5)

قال هنا: "إما تسمى قربة فطاعة": وأما الطاعة فهي موافقة الأمر سواء كان الأمر أمر إيجاب أو أمر استحباب إذا أمر الشارع إما أن يأمر على جهة الإيجاب، وإما أن يأمر على جهة الاستحباب امتثال الأمرين يسمى طاعة مطلقا سواء كان أو كانت تك الطاعة لا تصح إلا بنية أو أعم من ذلك - حينئذ - يكون مطيعا فمن بر والديه بدن نية أو حياء أو خوفا من أبيه وأمه - حينئذ - نقول هو مطيع أو لا؟ .. مطيع قطعا لأنه امتثل أمر الرب - جل وعلا - بر بوالديه لكن هل يثاب أو لا؟ ... مسألة أخرى مسألة الثواب منفكة عن مسألة الطاعة من حيث هي إذا الطاعة فهي موافقة الأمر أي فعل المأمور به على وفاق الأمر به والمعصية مخالفته، وكل قربة طاعة، ولا عكس يعني مفهوم القربة أخص من مفهوم الطاعة لأن القربة لا تكون إلا بقصد فيها معنى التقرب إلى الله - - عز وجل - - إذا وجد النية وأما الطاعة فهي عامة - حينئذ - كل قربة طاعة ولا عكس .. لماذا؟ ... لاشتراط النية – القصد - في القربة دون الطاعة فالقربة أخص من الطاعة. إذًا القربة هي: ما قصد به التقرب إلى الله - تعالى - على وفق أمره أو نهيه.
إذًا ثَمَّ تقسيمان لأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم – عامان:
القسم الأول: أن يفعل الفعل على وجه القربة، والتعبد لله - عز وجل - فسماه الطاعة - المصنف هنا -.
النوع الثاني: قال: "أو لا": أو: هذه في مقابلة "إما" وهذا كما ذكرناه سابقا لا بأس به، "إما تسمى قربة أو لا": تسمى قربة وما يقابل ما يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - على جهة التقرب والتعبد أمران إما أن يفعله على جهة الجبلة والطبيعة: كالأكل والشرب والنوم أو على جهة العادة يعني موافقة المجتمع كلبسه - عليه الصلاة والسلام - نعلا أو إزارا أو رداءا ونحو ذلك. إذًا ما يقابل القربة إما أن يفعله على جهة الجبلة: كالقيام، والقعود، والأكل، والشرب، والنكاح ونحو ذلك، وإما أن يفعله على جهة العادة - حينئذ - يدخل في قوله أو لا قسمان. فصار عند التفصيل ثلاثة أقسام:
على وجه القربة - التعبد –
ثانيا: أن يفعله جبلة طبيعة وفطرة.
ثالثا: أن يفعله على جهة العادة، وفرق بينما يفعله على جهة الجبلة وفطرة، وما يفعله على جهة العادة. إما تسمى قربة أو لا: تسمى قربة وهي الأفعال الجبلية، والعادية. - حينئذ - انقسمت إلى ثلاثة أقسام.
"أو لا": يعني أو لا يكون قربة إذا هل نفى المصنف هنا أو الناظم عما يكون جبلة وعادة وصف القربة والطاعة أو لا؟ .... هل هو منفي أو لا؟ ... منفي قطعا .. لماذا؟ ... لأنه جعل القسم الثاني مقابلا للقسم الأول أثبت للقسم الأول الطاعة القصد من جهة التعبد لله - عز وجل - ثم قال: "أو لا": أو لا يسمى قربة أن لا يفعله على جهة التقرب والتعبد لله - عز وجل -، ثم قال: "ففعل القربة": "ف": هذه فاء الفصيحة أراد أن يفصل الآن:
مِنَ الخصوصياتِ حيثُ قاما ****** دليلُها كوصلِهِ الصياما
وحيثُ لمْ يقُمْ دليلُها .... .....
إذًا قسم لك ما فعله على جهة التقرب والتعبد إلى قسمين:
القسم الأول: ما ثبت بدليل شرعي أنه من خصوصيات النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(8/6)

القسم الثاني: ما لم يثبت فيه أنه من خصوصياته - عليه الصلاة والسلام - هذا التقسيم لأي شيء؟ ... هذا لما فعله على جهة التعبد والتقرب، والطاعة لله - عز وجل - إما أن يفعله على جهة الخصوصية فيختص به الحكم، وإما أن لا يقم دليل على الخصوصية.
"أو لا ** ففعل القربة من الخصوصيات": يعني شيء خاص: ضد العام "حيث": للتقييد، "قاما دليله": الألف: هذا للإطلاق قام "دليلها": هذا فاعل، "دليلها": أي دليل الخصوصية إن دل دليل على الاختصاص به - عليه الصلاة والسلام - - حينئذ - يحمل على الاختصاص يدل على ذلك الدليل الواضح البين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يخص ببعض الأحكام الشرعية دون سائر الأمة:
{وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} الأحزاب: 50
هذا نص واضح نص بمعنى كلمة نص ما أخذناه بالأمس لا يحتمل إلا معنا واحد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يختص ببعض الأحكام دون سائر المؤمنين - حينئذ - إن قام دليل مثل هذا بأن هذا الحكم خاص به - عليه الصلاة والسلام - - حينئذ - حرم التأسي به - حرم لا نقول يجب حرم التأسي به في ذلك الفعل - لماذا؟ ...... لأنه لم يصل في حق الأمة مما هو مشروع في لأنه لو ما كما سبق لا تفعل إلا ما هو عبادة وإذا لم يكن كذلك بل هو من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - - حينئذ - على أي وجه تفعله الأمة على وجه التعبد صار بدعة من الذي شرعه لم يشرعه الله - عز وجل -، ولم يشرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - وكونه فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدل على أن الأمة تتأسى به في ذلك لأن الله - تعالى - خصه بذلك الحكم دون غيره فصار من الخصوصيات إذًا "ففعل القربة من الخصوصيات": به - عليه الصلاة والسلام -, "حيث": للتقييد يعني ليس دعوى الخصوصية مفتوحة هكذا كل ما أراد فقيه أو غيره إذا أراد أن يجمع بين القولين قال هذا خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - نقول:
لا .. أجمع أهل العلم على أنه لا يثبت الحكم بكونه خاص للنبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بدليل شرعي واضح بين أما مجرد الاحتمال فلا تثبت الخصوصيات بمجرد الاحتمال قد نص على ذلك الشوكاني في إرشاد الفحول وغيره أن الخصوصية لا تثبت بمجرد الاحتمال بل لا بد من أن يأتي نص: خالصة لك من دون المؤمنين، لست كهيئتكم الخ ... "من الخصوصيات حيث قاما": قلنا الألف هذا للإطلاق، "دليلها": يعني دليل الخصوصية "كوصله الصيام": وذلك كوصله الصيام أي الذي ثبت من الخصوصيات النص الواضح البين الذي ذكرناه وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ينكح بالهبة:
(8/7)

{وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} الأحزاب: 50: دون مقابل - دون مهر -هذا خاص به - عليه الصلاة والسلام - وهذا أوضح من الذي ذكره الناظم: "كوصله الصيام": يعني أن يصل الصيام يوما بيوم دون أن يفطر بينهما هذا من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما الذي جاز عند الفقهاء ويذكرونه في آخر كتاب الصيام هو أن يصل إلى السحر: أن يصل ويواصل إلى السحر وهو مكره ولكن لو أراد فليواصل إلى السحر ولكن أن يصل يوما بيوم هذا من خصوصيات النبي - صلى الله عليه وسلم - كوصل النبي - صلى الله عليه وسلم - "الصياما": الألف هذه للإطلاق أن يصل يوما بيوم فلا يفطر بينهما، وكذلك نكاح تسع نسوة فهذا القسم يحرم التأسي به - عليه الصلاة والسلام - لوضوح دليل أنه من خصوصياته - عليه الصلاة والسلام -، "وحيث لم يقم دليلها": الضمير يعود على الخصوصية لم يقم دليلها يعني يقينا واضحا بينا بأن يأتي نص من كتاب أو سنة بأن هذا الفعل خاص به - عليه الصلاة والسلام - دون غيره من الأمة، "وحيث لم يقم دليلها": يعني دليل الخصوصية كالتهجد فلا يخص به - عليه الصلاة والسلام - لعموم قوله - تعالى:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الأحزاب: 21
(8/8)

أي قدوة صالحة، وأسوة: اسم وضع موضع المصدر أي اقتداء حسنا فإذا لم يخصه ذلك الحكم - فحينئذ - يعم الأمة جميعا ثم إن علم حكم ذلك الفعل من وجوب أو ندب فواضح وإن لم يعلم حكمه ففيه خلاف ... "لم يقم دليلها": لم يقم دليل الخصوصية - حينئذ - فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يكن مختصا به على ضربين كلها أقسام متوالية: ... * إما أن يعلم حكمه من: وجوب أو ندب أو إباحة. أو لا يعلم حكمه ما عام حكمه من ذلك ما يسمى بالأفعال البيانية التي يقصد بها بيان التشريع كفعل الصلاة مثلا هذا الفعل وقع بيانا لقوله: أقيموا الصلاة مناسك الحج وقع بيانا لقوله - تعالى -: ولله على الناس حج فما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مبينا به شيء ورد إجماله في القرآن أخذ حكمه إن كان واجبا فهو واجب، وإن كان مندوبا فهو مندوب فالمبيِن وهو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذ حكم المبيَن إيجابا وندبا هذا يسمى بماذا؟ ...... بالأفعال البيانية هل حكمها معلوم أو لا نقول: نعم حكمها معلوم إذا لم يعلم حكمها لم يقع بيانا لواجب أو لمندوب مجمل في الكتاب أو السنة ولم يبين هو- عليه الصلاة والسلام - حكم ذلك الفعل - حينئذ - الفعل المجرد لوحده قال فيه ثلاثة أقوال قيل واجب، وقيل مباح وموقوف، وقيل مستحب .. عرفتم؟ ... هذه الثلاثة أقوال في أي شيء؟ ..... في فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن هذا الفعل قد وقع بيانا لمجمل في القرآن أو في السنة هذا أولا ثانيا لم ينص هو- عليه الصلاة والسلام - بحكم هذا الفعل بمعنى أنه فعل مجرد لم يقع بيانا لشيء في القرآن أو السنة ولم يقرنه - عليه الصلاة والسلام - بشيء يبين حكمه ما حكم هذا الفعل في التأسي به هل هو واجب أو موقوف أو مستحب ثلاثة أقوال، "وحيث لم يقم دليلها": دليل ماذا؟ ...... الخصوصية "وجب وقيل موقوف وقيل مستحب": القول الأول: بالوجوب: وجوب التأسي صار هذا الفعل في حقه واجبا وقي حقنا واجبا وجب عند بعض أصحاب الشافعي وقول أبي حنيفة ورواية عن أحمد أنه واجب كل فعل فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذه الصفة، وهذه الكيفية فهو واجب في حقه وفي حقنا لأنه أحوط يعني أبرأ للذمة إذا فعلته لا تسأل لا تحاسب لم تقع في معصية لأنه أحوط وبه قال مالك وأكثر أصحابه لقوله - تعالى -:
{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الحشر: 7
ولقوله: ... {وَاتَّبِعُوهُ} الأعراف: 158
هذا أمر، والأمر يقتدي الوجوب.
إذًا القول الأول بالوجوب لأمرين لقوله: واتبعوه خذوه، ولأنه أحوط وأبرأ لي للذمة.
(8/9)

القول الثاني: موقوف "وقيل موقوف": لتعارض الأدلة في ذلك يعني صاحب هذا القول توقف قد يحتمل الوجوب ويحتمل الندب والله أعلم - حينئذ - لتعارض الأدلة توقف هذا القائل وهل الوقف قول أو لا؟ ... حكم أولا؟ .... الصحيح عند الأصوليين أنه حكم يعني فتوى يعتبر فتوى إذا قال الله أعلم أفتى بعض الناس إذا قال الله أعلم أفتى يعني اذهب وخذ ما تريد. إذًا: "وقيل موقوف": أي هذا الفعل موقوف لتعارض الأدلة في ذلك، "وقيل مستحب": يعني مندوب .. لماذا؟ ...... لأنه المتحقق المتيقن، ثَمَّ قدر مشترك بين الندب، وبين الواجب جنس مشترك وهو أن كل منهما مطلوب الفعل - اشتركا في أن كل منهما مطلوب الفعل - إذا دل الدليل على أن هذا الفعل مطلوب الإيجاد وتردد بين أعلى وأدنى نحمله على ماذا؟ ...... على الأدنى حتى يأتي دليل نتحقق به أن المراد به الأعلى فقالوا في مثل هذا الفعل نحن مأمورون بالتأسي، والأصل في فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه بعث مشرعا، وليس البحث هنا فيما هو من الجبلي أو العادي، وإنما رأينا النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل هذا الفعل على وجه القربة والتعبد والطاعة فصار الأصل فيه ماذا؟ ...... أنه للتشريع وتردد بين الإيجاب والندب نحمله على اليقين حتى يدل الدليل الواضح البين أنه واجب. إذًا "وقيل مستحب" .. لماذا؟ .... لأنه هو المتيقن لرجحان الفعل على الترك وبه قال الشافعية هذا القول الاستحباب قال به الشافعية، ورواية عن أحمد واختاره الشوكاني - رحمه الله - تعالى - وهو المرجح الصحيح لكنه مستحب في حقنا، وأما في حقه - عليه الصلاة والسلام - ففيه التفصيل إن لم يقع البيان للناس إلا بالمرة الأولى فصار واجبا في حقه ثم إذا علمه - حينئذ - صار حكمه حكم أمته لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مبلغ وهو مأمور بماذا؟ ...... ببيان التشريع ما حكم بيان التشريع للأمة؟ ...... واجب ولو كان مستحبا ولو كان واجبا - حينئذ - يتعين عليه الإيجاب من جهتين من جهة كون الفعل واجبا ومن جهة البلاغ والبيان:
يا أيها الرسول بلغ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ چ المائدة: 76
هذا واجب فإذا كان ثَمَّ مندوب بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - نقول تبيين النبي - صلى الله عليه وسلم - للمندوب واجب ثم إن علم للناس للأمة انتشر بأنه مستحب - حينئذ - انتقل حكمه في حقه من الوجوب إلى الاستحباب ... إذًا يعني هذه الثلاثة أقوال تردد أهل العلم في بيان الحكم في هذه الأفعال في حقه - عليه الصلاة والسلام - وفي حقنا والصواب أنه مستحب في حقنا مطلقا، وفي حق النبي - صلى الله عليه وسلم - متردد بين الإيجاب إن لم يحصل بلاغ إلا به فيكون واجبا ثم إذا علم ذلك الحكم صار حكمه حكم الأمة وهو الاستحباب ... "في حقه وحقنا": يعني الحق، المراد به: أمر المقضي والموجود والثابت.
وأمَّا ما لم يكُن بقُربةٍ يُسمَّى في حقهِ وحقنا مُباحُ وفِعلُهُ أيضًا لنا يُباح
(8/10)

هذا ما يقابل قوله: "ففعل القربة" فصَّل لك ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه التقرب إن دل دليل على خصوصية فهو خاص به يحرم التأسي به، إن لم يدل دليل على الخصوصية إما أن يكون معلوم الحكم: هذا واضح بيِّن، وإما أن يكون مجهول الحكم ففيه ثلاثة أقوال والصحيح هو التفصيل على ما ذكرناه الاستحباب في حق الأمة، والتفصيل في شأنه.
"ما لم يكن بقربة": وهو ما ذكرناه بالجبلي، والعادي، "ما لم يكن": من أفعاله - عليه الصلاة والسلام – "بقربة" ما لم يكن قربة، الباء: هذه زائدة في خبر يكن قربة يكون منصوب ونصبه بفتح مقدرة منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد للتأكيد.
"وأما ما لم يكن بقربة يسمى": يعني إن لم يكن على وجه غير القربة والطاعة كالقيام، والقعود هذا فيما إذا كانت جبلة أو عادة كلبسه - عليه الصلاة والسلام - ما لم يكن يسمى بقربة ... لا عفوا أخطأت في الإعراب: بقربة: هذا متعلق بقوله يسمى، والجملة خبر يكن.
(8/11)

"فإنه في حقه مباح": فإنه: أي ذلك الفعل الذي فعله على جهة الجبلة، والعادة في حقه - عليه الصلاة والسلام - "مباح": لأن هذا هو أصل الفعل، وأما في صفته فهذا فيه تفصيل عند بعضهم فقد قال بعض المالكية يحمل على الندب، وقيل على الإباحة أيضا، "وفعله أيضا لنا يباح": إذا ما فعله على وجه الجبلة، والعادة "مباح في حقه": - عليه الصلاة والسلام - وفي حق أمته وأولى أن نقول بالتفصيل نقول الأفعال الجبلية التي ثبتت عنه كغيره كالقيام والقعود والأكل والشرب فهذه قيل: لا حكم لها لأنه ليس من باب التكليف فلم يقصد به التشريع، وهذا هو المشهور عند الأصوليين أن أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - التي ليست من قبيل القربة هذه حكمها أنها ليست من باب التكليف بمعنى أنه لم يأتِ - عليه الصلاة والسلام - لبيان التشريع في هذه الأفعال ما كان جبلي ففعله من جهة الجبلة والفطرة كالأكل والشرب والنوم هو سينام؟ .... سينام لأنه بشر، وسيأكل لأنه سيجوع، وينكح لأنه سيفتقر إلى ذلك، والأكل، والشرب قالوا: لا حكم له، وهذا هو المشهور عند جماهير الأصوليين لأنه لا يقصد به التشريع، ولم نُتعبد به يعني لم يطالبنا الرب - جل وعلا - بالتأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك لذلك نصب إلى الجبلة، وهي الخلقة .. هذا هو المشهور، وقيل: يندب التأسي به في ذلك حتى في القيام والقعود فتقوم ولك تنوي التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه قام وتنام لأجل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نام - حينئذ - تأجر من جهة التأسي به في ذلك، وعزاه أي الندب عزاه أبو إسحاق الإسفراييني إلى أكثر المحدثين أنه لا تفصيل بين القربة، وبين غيره فالكل يكون فيه مستحبا أو مستحب فيما فعله على جهة التقرب والطاعة، وكذلك فيمل فعله على جهة الجبلة والعادة، ولكن يفرق بينهما أن الأول ما فعله على جهة الطاعة والتقرب والتعبد هذا مما يدعى الناس إليه يعني تعلو المنبر وتبين للناس فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه فعله على جهة التقرب، وأما ما فعله على جهة الجبلة والعادة فإنه لا يدعى الناس إليه لأنه لم يدعوا الناس إليه، وإنما تفعله وتتأسى به لعموم قول الله - تعالى -: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الأحزاب: 21 - حينئذ - تفعله على جهة التأسي، وتثاب من جهة الندب لكن لا تدعوا الناس إلى ذلك، وورد عن ابن عمر:
"أنه كان يلبس النعال السبتية - هذا نعل يلبسه كالعادة ويصبغ بالصفرة - فسئل عن ذلك فقال وأما النعال السبتية فإني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها فأنا أحب أن ألبسها - إذًا ابن عمر ثبت أنه تأسى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك - وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها" ... رواه البخاري.
(8/12)

هذا واضح بيِّن أن الصحابة كانوا يتأسون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في كل صغيرة وكبيرة، ولم يكن ثَمَّ تفريق بين ما فعل على جهة التقرب أو جبلة أو عادة وإنما يكون الفرق بما ذكرته سابقا ما الذي يُدعى الناس إليه، وما الذي لا يُدعى الناس إليه أما التأسي فهو أمر أعم من ذلك فدعوة الناس شيء وكذلك الفعل شيء آخر، وورد عن الشافعي أنه قال لبعض أصحابه اسقني فشرب قائما فإنه - صلى الله عليه وسلم - شرب قائما، والإمام أحمد تسرى واختفى ثلاثة أيام اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وتسري في الغار ثلاثة وقال ما بلغني حديث إلا عملت به حتى أعطى الحجام دينارا، وهذا هو المشهور عند أهل الحديث أن التأسي مطلق، وليس مقيدا، ولذلك جاء في النص {فِي رَسُولِ اللَّهِ} جاء بفي الدالة على الظرفية كأنه قال في ذاته هو أسوة قبل فعله فيتأسى من جهاته الثلاث ما فعله على جهة التعبد، والجبلة، والعادة، ولذلك جاء في الحديث الذي فيه: "ثلاثة نفر قال أما أنا فأقوم وأرقد وجاء كذلك أصوم وأفطر ... قال في آخر الحديث: "فمن رغب عن سنتي" فقد ذكر فيه الفطر، وذكر فيه النوم، وأطلق أنه سنة، ولما لبس الخاتم ماذا فعل الصحابة؟ ... لبسوا الخاتم , هل أنكر عليهم أن هذا من الأمور العادية والجبلية أو سكت عنهم؟ ... سكت عنهم من هذه الجهة ولما تركه علل بشيء هو مغاير بأنهم تأسوا به ما قال لهم هذه أفعال عادية أو جبلية، وإنما تركهم على ما هم عليه. على كلٍ أكثر أهل الحديث على هذا القول وهو الندب مطلقا يعني ما كان في جهة التقرب وجهة العادة وغيره لذلك يتأسى حتى في العادات لكن ينبغي أن ينظر للمصالح العامة والمفاسد يعني يسأل البعض هل نعتم كما اعتم النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان في مجتمع يعتم فاعتم لأنه سنة يعتبر سنة، وتثاب على ذلك وتلبس السبتية لأنه سنة، وتثاب على ذلك إن شاء الله - تعالى - ولكن وجوده بالفعل لا بد من نظر هل ثَمَّ مفسدة تترتب على ذلك أم لا؟ ... إن كان ثَمَّ مفسدة - حينئذ - يتركه الإنسان لا من أجل أنه ليس بسنة، وليس محلا للتأسي لا، وإنما من باب تقديم المصالح على المفاسد والترك يكون - حينئذ - هو المصلحة ولا يكون ثَمَّ نزاع في مثل هذه المسائل .. انتبه، ولا يكون كذلك لابسا ثوب شهرة أو نحو ذلك لكن البيان هنا بيان حكم شرعي لا تنزيل في الواقع.
"فإنه في حقه مباح": وهذا على قوله أو قول بعض المالكية في أصل الفعل، وأما في صفته فهذا الكثير منهم يثبت السنية يعني النوم في نفسه مباح، وصفته: كونه على الجهة اليمنى كونه يذكر الله - تعالى - كونه يكون على وضوء هذا لا شك أنه جاءت فيه السنة الواضحة البينة.
"وفعله أيضا لنا": نحن "يباح".
بقي نوع أو قسم رابع وهو المحتمل للجبلة والتشريع يعني ليس واضحا أنه تشريع أو إنه جبلي هذا الذي احتمل النوعين المحتمل الجبل والتشريع وهو ما تقتضيه الجبلة لكونه وقع متعلقا بعبادة بأن وقع فيها أو في وصيلتها كجلسة الاستراحة استراحة كون الإنسان يجلس هذا موافق للجبلة كونه وقع في أثناء الصلاة صار متردد بين ماذا؟ ... بين الجبلة والعبادة .. واضح؟
(8/13)

نقول هذا الفعل متردد بين الجبلة لأنه جلوس، والجلوس هذا موافق لطبيعة الإنسان كالأكل والشرب لكن كونه يفعله في داخل الصلاة هذا يشعر بماذا؟ ... بأن له علاقة بالتشريع كذلك الركوب في الحج: الركوب لا بأس به، وهو موافق لأصل الجبلة لكن كونه ينتقل بالمشاعر ويقف بعرفة راكبا إلى غيره نقول: هنا أوقع فعلا جبليا في ضمن عبادة هذا أهل العلم ترددوا فيهم، وهذا قد اختلفوا فيه هل هو مباح أو مندوب، ومنشأ الخلاف تعارض الأصل والظاهر فإن الأصل عدم التشريع، والظاهر في أفعاله التشريع، وعليه نقول مادام أن الظاهر في أفعاله التشريع فما فعله وهو محتمل للجبلة والتشريع فهو محمول على التشريع، ولذلك نقول: باستحباب جلسة الاستراحة مطلقا سواء كان شابًا أو كان عجوزًا أو محتاجا أو لا .. لماذا؟ ...... لأن الأصل في فعله - عليه الصلاة والسلام - هو التشريع، وكونه أوقع هذه العادة أو هذه الجبلة في أثناء الصلاة دل على أنه مشروع، وأيده النصوص العامة "صلوا كما رأيتموني أصلي": فهو عام يشمل ماذا؟ ... يشمل جلسة الاستراحة، وغيرها. ولذلك راوي الحديث - صلوا كما رأيتموني أصلي - هو مالك بن الحويرث، وهو راوي جلسة الاستراحة وهو من الشباب لما جاؤوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا نحن شببة وصلوا العشرين فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يجلس كل ما قام من وتر ثم يقوم فذا إلى الركعة التي تليها الثانية أو الرابعة - حينئذ - قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلوا كما رأيتموني أصلي" فلو كان الشاب لا تصلح له جلسة الاستراحة أو لا يجلس لكان الاستثناء هنا في محله ولكن تركه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وإن أقرَّ قولَ غيرهِ جُعِلْ ****** كقولهِ كذاكَ فعلٌ قد فُعِلْ

انتقل إلى بيان التقرير أو السنة الثالثة: السنة التقريرية.
"وإن أقر": يعني صاحب الشريعة "قول غيره": يعني قولا صادرا من أحد في مجلسه في حضرته هو حاضر والنبي - صلى الله عليه وسلم - حاضر فتكلم شخص فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذ - "جعل كقوله": يعني كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - حكما أو حقيقة؟ .. حكما يعني كأن المتكلم هو النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه لو كان محرما لما سكت عليه - صلى الله عليه وسلم - أي لما سكت على هذا القول لأنه لا يسكت على معصية أو منكر لا بد من إنكاره
"وإن أقرَّ قولَ غيرهِ": يعني قولا صادرا من أحد في مجلسه وهو حاضر يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - "جُعِلْ": هذا القول قول الغير "كقولهِ": - صلى الله عليه وسلم - يعني حكما لا صريحا إقراره النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتبر حجة لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحجة يعني إذا احتيج الأمر إلى أن ينبه أو ينكر لا يجوز أن يتأخر إلى وقت آخر وهذا في حقه هو- عليه الصلاة والسلام - ليس في حق العلماء أو طلاب العلم أو الدعاة وهذا يحتج به بعض الدعاة أنه يشمله وليس الأمر كذلك بل هو خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إذ سكوته يدل على جواز الفعل بخلاف غيره.
(8/14)

"كذاكَ فعلٌ قد فُعِلْ": إقراره مثل ماذا؟ ... قالوا كإقراره على أبي بكر على قوله بإعطائه على سلب القتيل لقاتله، وكإنشاد الشعر المباح سكت عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فدل على الجواز يعني لا ينكر لكن الإنشاد المباح، ليس كل شعر.
"كذاكَ فعلٌ قد فُعِلْ": كذاك: أي مثل ذاك القول الذي صدر في مجلسه فأقره "كذاك فعل": صدر من أحد بحضرته أي النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني في مجلسه "قد فعل": يعني يجعل كفعله - - عليه الصلاة والسلام - - حكما لا تصريحا كإقراره خالدا على أكل الضب أقره هذه يعتبر ماذا يعتبر إقرارا والإقرار يعتبر حجة.
وما جرى في عصرهِ ثمَّ اطَّلعْ ******* عليه إنْ أقرَّهُ فليُتَّبَعْ
هذا كالقول أو الفعل الذي لم يكن في مجلسه كأنه قسَّم لك إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - على مرتبتين:
إقرار لقول أو فعل بحضرته يعني في مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم -. النوع الثاني: إقرار لقول أو فعل ليس في مجلسه، وإنما في عصره يعني قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بشرط أن يكون مطلعا عليه يعني بلغه الأمر فإن لم يبلغه الأمر فلا - على ظاهر كلام الناظم -، "وما جرى": يعني وما فُعل في وقته في غير مجلسه "في عصره ثم اطلع عليه": يعني علم به فحكمه حكم ما فعل في مجلسه إن أقره يعني لم ينكره إن أنكره قال: هذا باطل، هذا كذا، أتبرأ من كذا ... لا إشكال أنه لا يعد إقرارا.
"إن أقره فليتبع": يعني فحكمه حكم ما فعل في مجلسه. إذًا هذا هو النوع الثاني من الإقرار: أن يفعل في عصره ثم يبلغه علمه ثم يسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذ - يعتبر إقرارا ودليلا على صحة جواز ذلك القول أو الفعل كعلمه - صلى الله عليه وسلم - بحلف أبي بكر أنه لا يأكل الطعام في وقت غيظه ثم أكل لما رأى ذلك خيرا كما يأخذ من حديث مسلم في الأطعمة.
"ثم اطلع": مفهومه أنه إذا لم يطلع لا يعد إقرارا كذلك: وما جرى في عصره": يعني فعل وقول "جرى": يعني وقع في عصره "ثم اطلع": إذا لم يطلع فلا يعد إقرارا، والصحيح أنه يعد إقرارا لأنه إذا لم يعلم به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد علمه الرب - جل وعلا - والزمن زمن تشريع، ولذلك احتج جابر بذلك:
"كنا نعزل والقرآن ينزل" وهذا مما لم يطلع عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - إذًا فقه الصحابة بلغ إلى هذه المرحلة: "كنا نعزل والقرآن ينزل": إذ لو كان حراما النبي - صلى الله عليه وسلم - ما اطلع على ذلك قطعا لكن الرب - جل وعلا - مطلع على ذلك قطعا فلو كان حراما، والزمن زمن تشريع لنزل القرآن ببيان حكمه. والله أعلم.
بابُ النسخِ
النسخُ نقلٌ أو إزالةٌ كما ... حَكَوهُ عن أهلِ اللسانِ فيهما
وحدُّه رفعُ الخِطابِ اللاحِقِ ... ثُبُوتَ حُكمٍ بالخِطابِ السابقِ
رفعًا على وجهٍ أتى لولاهُ ... لكانَ ذاكَ ثابِتًا كما هو
إذا تراخى عنهُ في الزمانِ ... ما بعدَهُ مِنَ الخطابِ الثاني
حسبك.
قال - رحمه الله - تعالى - باب النسخ.
النسخ عند المتأخرين مخالف النسخ عند المتقدمين.
(8/15)

السلف يعنون بالنسخ: البيان يقولون النسخ ويعنون به: البيان مطلق البيان فيدخل فيه تخصيص العام، ولذلك يقولون على بعض هذه العبارات هذه منسوخة بآية كذا يعني مخصصة فيطلقون النسخ على التخصيص كم من عبارة يطلقه بعض السلف بأن هذه الآية منسوخة بآية كذا، ويريد بها أنها مخصوصة ويدخل فيه تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل، ورفع الحكم بجملته يعني يدخل النسخ عند المتأخرين وتشمل العبارة ما هو أعم من ذلك، وأما المتأخرون فيطلقون النسخ على معنًى خاص هذا يبين لئلا ينظر طالب العلم في كتب المتقدمين ثم يرى عبارة النسخ فيظن أنها هي النسخ عند المتأخرين.
"باب النسخ": أي هذا باب بيان حقيقة النسخ , والنسخ يكون في الكتاب، ويكون في السنة، ويكون في القول، ويكون في الفعل.
النسخ: له معنى لغوي، ومعنى اصطلاحي:
النسخُ نقلٌ أو إزالةٌ كما ****** حَكَوهُ عن أهلِ اللسانِ فيهما
النسخ: لغةً يأتي بمعنيين: نقل، وإزالة، وأو: هنا ليس مرادةً للتخيير بين القولين أو أن ثَمَّ تضارب بين قولين .. لا إنما المراد به النسخ يطلق، ويراد به النقل، ويراد به الإزالة. ... نقل: يقال نسخت الكتاب أي نقلته بأشكال كتابته، وهو في الحقيقة: إيجاد شيء مثل ما كان في الأصل في مكان آخر. يعني ليس النقل يعني نقلت الورقة من هنا إلي هنا حقيقة الشيء المنقول ذهبت معك، وأما كالكتاب فلا. ما تأخذ الحروف والكلمة تضع في محلها .. لا ... إنما تكتب مثلها - حينئذ - النقل هنا مجازي لكن عبارة أهل اللغة بإطلاق معنى النقل على مثل هذا المعنى النسق نقل أو يعني، وإزالة وليس هذا باختلاف القول وإنما وبيان لما يطلق عليه النسخ في اللغة فذكر أنه يطلق على معنيين.
إزالة: يقال نسخت الشمس الظل بمعنى أزالته ورفعته بانبساط ضوئها والإزالة والرفع بمعنى واحد، وهذا هو أصل معناه الاصطلاحي. وقال بعضهم يرد بمعنى التغيير، ومنه: نسخت الريح آثار الديار بمعنى غيرتها ويرجع إلي الإزالة، "كما حكوه عن أهل اللسان فيهما": كما: أي مثل ما حكوه أي حكوا النسخ بمعنييه في اللغة عن أهل اللسان يعني عن أهل اللغة فيهما يعني في معنييه السابقين.
وحدُّه رفعُ الخِطابِ اللاحِقِ ****** ثُبُوتَ حُكمٍ بالخِطابِ السابقِ
هذا الناظم - رحمه الله - تعالى - تعب في نظم تعريف النسخ.
النسخ رفع الحكم ثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه:
(8/16)

يعني أن يكون حكم شرعي متقدم ثابت بخطاب يعني بكتاب أو سنة ثم يأتي بعده خطاب متراخ عنه يعني منفصل عنه بزمن يثبت حكما مخالف لذلك الحكم السابق، ولا يمكن الجمع بينهما بمعنى أتى بحكم يرفع الحكم السابق. إذًا عندنا حكمان، وعندنا دليلان - خطابان - الخطاب الأول السابق أثبت حكما جاء خطاب متراخ عنه بهذا الشرط يعني ثم فاصل بينهما، وليس متصل بالخطاب الأول أثبت حكما بإثباته يرفع الحكم الأول كما قلنا في السابق: اقتلوا المشركين، إلا المشركين هذا لا يأتي اقتلوا المشركين لا تقتلوا المشركين الأول ثبت بخطاب كمثال ثبت بخطاب اقتلوا المشركين جاء نص متراخ عنه منفصل قال: لا تقتلوا المشركين نقول هذا الثاني رفع ما اقتضاه الخطاب الأول وهو الحكم بقتل المشركين هذا هو الذي عناه الناظم كما هو الشأن في الأصل:
رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم: عندنا حكم الثابت بخطاب متقدم رفع هذا الحكم بخطاب متراخ عنه يعني يكون ثانيا، ويكون ثَمَّ فاصل بين النوعين بين الخطابين لو كان متصلا به لعُد تخصيصا:
{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ} آل عمران: 97.
"الناس": يشمل المستطيع، وغير المستطيع. إذًا أثبت الحج على غير المستطيع لكنه جاء في آخر الآية قال: من استطاع. إذًا أخرج أو رفع ما أثبته الأول .. هذا لا يسمى نسخا، وإنما يسمى تخصيصا.
قال هنا: "رفع الخطاب اللاحق": اصطلاحا "رفع": هذا مصدر بمعنى الإزالة. الرفع: إزالة شيء أي تغييره يكون الحكم إباحة شرعية ثبت بدليل شرعي يأتي الخطاب الثاني بالتحريم الأول يكون بالتحريم يأتي به بالجواز "رفع الخطاب اللاحق": يعني الثاني المراد به الثاني المتأخر هنا الناظم عبر بالخطاب لم يقل النص ليشمل ماذا؟ .... ليشمل النسخ اللفظي الرسم قرآن، ويشمل كذلك الحكم الثابت بالنص أو بالمفهوم أو بالفحوى - مطلقا - فكل حكم ثبت سواء ثبت بمنطوق أو بمفهوم أو إن قلنا بمغايرة بين المفهوم والفحوى نقول أو فحوى كذلك الخطاب قد يكون لفظ فيرتفع هو بنفسه دون حكمه، "اللاحق": أي الثاني المتأخر يرفع ماذا؟ ... "ثبوت حكم": رفع: هذا مصدر، و"ثبوت": بالنصب هذا مفعول به لقوله: "رفع". كأنه قال: أن يرفع الخطاب اللاحق ثبوت حكم بالخطاب السابق أين الفاعل في المعنى الخطاب اللاحق هذا الثاني هو الذي يرفع كما قلنا عندنا حكمان الأول ثبت بخطاب سابق، والثاني ثبت بخطاب لاحق أي الخطابين الذي يرفع الثاني اللاحق إذا رفع خطاب اللاحق كأنه قال: حده أن يرفع الخطاب صار فاعلا ثبوت حكم بالخطاب السابق النظم دائما إذا أراد أن ينظم التعريف يأت بها على غير وجهها إذا ثبوت بالنصب هذا مفعول به لقوله: "رفع" يعني ثبوت تعلق حكم بالخطاب حكم العاصي يتعلق بالفعل المكلف , "بالخطاب السابق": قوله: "بالخطاب": هذا متعلق بقوله: "ثبوت"، و"ثبوت": مصدر وهو متعلق بالخطاب الأول المتقدم ثابت الورود إلى المكلفين.
رفعًا على وجهٍ أتى لولاهُ ******** لكانَ ذاكَ ثابِتًا كما هو
(8/17)

يعني هذا الرفع على وجه، وعلى حال، وعلى جهة لولا الخطاب الثاني لكان لحكم الأول ثابتا كما هو هذا واضح بالتأكيد لولا الخطاب الثاني الرافع لو لم يرد ما حكم الخطاب الأول؟ .. باق كما هو. إذًا لا إشكال فيه، "رفعا": هذا مفعول مطلق على وجه أو على جهة أتى لولاه، ولولا الخطاب الثاني كان "ذاك": أي الخطاب السابق الأول "ثابتا كما هو " وخرج به ما لو كان الخطاب الأول مُغيا - حينئذ - يرفع الحكم بماذا؟ .. بالارتفاع محله أو بانتهاء غايته:
{ياأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ للصلاة من يوم الجمعة فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} الجمعة: 9
ذروا البيع: هذا محرم أو لا؟ .... محرم. متى؟ .. إذا سمع النداء الثاني من يوم الجمعة مطلقا؟ ... {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} البقرة: 275 وقوله: وذروا البيع: إذًا خطاب ثاني رفع الحكم الأول نقول: نسخ؟ .. لا نقول نسخ .. لماذا؟ ...... لأن الحكم هنا في قوله: وذروا البيع ليس ناسخا لقوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} لأن هذا الحكم مغير بمعنى أنه محدد إذا انتهت الصلاة - حينئذ - رجع الحكم إلى سابقه - حينئذ - إذا جاء نهي لشيء ثبت الأمر به أوحله وكان الثاني مُغَيَّى أو معلق بعلة - حينئذ - لا يجعل ناسخا للأول إذًا "ثابتا كما هو": خرج به ما لو كان الخطاب الأول مُغَيَّى يعني بحرف الغاية فرفع الحكم بارتفاع محاه أو بانتهاء غايته ليس بنسخ كما في الآية التي ذكرناه، وكذلك قوله:
{وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} المائدة: 96: لا يقال بأنه منسوخ بقوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} المائدة: 2 هذا معلل بعلة لأن التحريم لأجل الإحرام وقد زال.
إذا تراخى عنه في الزمان ...
هذا شرط لابد منه: أن لا يكون الخطاب الثاني متصلا بالخطاب الأول بل أن يكون متراخيا عنه بمعنى أنه منفصل عنه بزمن لا يكون التنزيل واحدا. إذًا هذا شرط: "تراخى": تأخر "عنه": عن السبق المتقدم "في الزمان ما بعده": إذا تراخى "ما بعده": ما: فاعل يعني الذي بعده بعد الخطاب الأول - السابق - من الخطاب اللاحق - الثاني - - حينئذ - خرج به البيان المتصل كالاستثناء، والصفة، وكذلك المنفصل لأنه يمكن الجمع بينهما.
من التعريف نأخذ ماذا؟ .. أنه لابد أن يكون الناسخ والمنسوخ سمعيين خطاب، وخطاب إذًا الإجماع لا ينسخ، والقياس لا ينسخ لابد أن يكون الحكم المرفوع قد ثبت بخطاب، وكذلك الحكم اللاحق من الكتاب أو السنة. ولا تنسخ الأخبار إلا إذا كان الخبر بمعنى الحكم والنسخ مما خص الله به هذه الأمة لحكم منها التيسير على هذه الأمة وتكثير الأجر للمؤمنين ونحو ذلك، وقد أجمع المسلمون على جوازه النسخ جائز عقلا، وواقع شرعا، ولا خلاف بين أهل السنة والجماعة في إثباته لأن حكمه - تعالى - لمصلحة، ويتغير بتغيرها لأنها تختلف باختلاف الأوقات ... نعم:
وجازَ نسخُ الرَّسمِ دونَ الحُكم ِ ... كذاكَ نسخُ الحُكم دونَ الرسمِ
ونسخُ كُلّ مِنهما إلى بَدَلْ ودُونهُ ... وذاكَ تخفيفٌ حَصَلْ
وجازَ أيضًا كَونُ ذلكَ البَدَلْ ... أخَفَّ أو أشدَّ مِمَّا قد بطَلْ
ثمَّ الكتابُ بالكتابِ يُنسَخُ ... كسُنةٍ بسنةٍ فتُنسخُ
(8/18)

ولم يَجُزْ أنْ يُنسَخَ الكتابُ ... بسُنَّةٍ بل عَكسُهُ صوابُ
وذو تواتُرٍ بمثلهِ نُسِخْ ... وغيرهُ بغيرِهِ فليَنتَسِخْ
واختارَ قومٌ نسخَ ما تواترا ... بغيرهِ وعكسُهُ حتمًا يُرى
ينقسم النسخ من حيث الناسخ والمنسوخ إلي ثلاثة أقسام: - وهو الذي عناها بالبيت الأول -
"وجاز": يعني شرعا، جاز عقلا، وواقع شرعا كذلك، "وجاز نسخ الرسم دون الحكم": يعني يرفع الرسم مراده بالرسم هنا: اللفظ - الآية - ترفع الآية، ويبقى الحكم كما هو ثابتا كما هو، "وجاز نسخ الرسم": يعني رسم الآية من القرآن المراد هنا بالرسم: اللفظ دون الحكم، ويبقى مدلول الآية اللفظ ينسخ يرفع ومدلول الآية إثبات الحكم يكون باقيا أي رفع وجوب قرآنيته، وخاصة قرآنيته كحرمة مس المصحف مثلا وقراءة الجنب ونحو ذلك دون الحكم، والتكليف به مثلوا لذلك بنحو آية الرجم وهي: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة، هذا اللفظ كان قرآنا ثم رفع وبقي الحكم كما هو الحديث رواه البيهقي بتمامه عن عمر فإنه كان قرآنا، قال عمر: "قد قرأناها" رواه الشافعي وغيره. وبقي حكمه، ولذلك قد رجم النبي - صلى الله عليه وسلم - من زنا.
"وجاز نسخ الرسم دون الحكم": هذا الأول , الثاني: "كذاك نسخ الحكم دون الرسم": عكس الأول يعني يرفع الحكم - مدلول الآية -، وتبقى الآية كما هي، "كذلك": أي كما يجوز نسخ الرسم دون الحكم "كذاك": يجوز "نسخ الحكم دون الرسم": وهذا هو الغالب في القرآن، "دون الرسم": الدال على ذلك الحكم فتبقى القرآنية، وخاصتها ويرتفع الحكم نحو قوله - تعالى -:
{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} البقرة: 184: على قول نسخ حكمه وهو جواز الفطر مع الفدية كان الأول لم يجب أولم يتعين وجوب صوم رمضان كان مخيرا بين الصوم والفدية ثم نسخ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} البقرة: 185 {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} البقرة: 185 ... الآية باقية كما هي لكن مدلولها ارتفع نسخ حكمه وهو جواز الفطر مع الفدية، وبقي رسمه، وتلاوته، والحكمة في رفع الحكم وبقى التلاوة من وجهين:
أولا: أن القرآن كما يتلى يعرف الحكم والعمل به كذلك يتلى لكونه كلام الله - تعالى - يثاب عليه فأبقيت التلاوة لهذه الحكمة يعني من أجل تكثير الأجور يقرأ من أجل التلاوة بكل حرف بعشر حسنات. ثانيا: أن النسخ غالبا يكون للتخفيف فأبقيت الآية تذكيرا للنعمة ورفع للمشقة.
هذان قسمان ذكرهما الناظم: نسخ الرسم دون الحكم، وعكسه، بقي نوع ثالث: وهو نسخ الرسم والحكم معا كل منهما يرتفعان اللفظ والحكم مثاله حديث عائشة رضي الله - تعالى - عنها قالت: "كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس رضعات معلومات يحرمن": عشر، وخمس كلاهما محذوفان الأول هو الشاهد: عشر رضعات معلومات يحرمن هذه كانت آية نسخ اللفظ، والحكم معا ثم نسخت بماذا؟ ... خمس رضعات تحرمن نسخ اللفظ، وبقي الحكم كما هو ثم نسخ الخمس أيضا لكن تلاوةً لا حكما.
نعم:
(8/19)

"ونسخُ كُلّ مِنهما إلى بَدَلْ ودُونهُ": نعم هذا تقسيم للمنسوخ يعني الناسخ باعتبار المنسوخ لأن النسخ قد يرتفع الرسم، والحكم إلى بدل يعني يحل محله حكم آخر أو لفظ آخر، وقد لا يحل به لفظ آخر أو حكم آخر كل منهما إلى بدل أو لا.
"ونسخ كل منهما": يعني الرسم والحكم "إلى بدل": يعني بدل يحل محله، "ودونه": أي وإلى غير بدل. مثال نسخ البدل:
نسخ استقبال بيت المقدس فإنه ثابت في السنة الفعلية من حديث في الصحيحين في قوله - تعالى - (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ) البقرة: 144، وكذلك قوله: (أربعة أشهر وَعَشْرًا) البقرة: 234 فإنه نسخ قوله: (والذين يتوفون منكم وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) البقرة:.240إذًا هذا أمثلته كثيرة.
"ودونه": يعني إلى غير بدل، وهذا عند الجمهور جائز، وقيل: لا يجوز وهو قول الظاهرية لكن الصحيح أنه يجوز أن لا يكون إلى بدل، مثاله: وجوب تقديم صدقة النجوى هذا نسخ إلى غير بدل في قوله: (فقدموا بين يدى نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) المجادلة: 12 نسخ إلى غير بدل.
"وذاك تخفيف حصل": يعني إلى بدل أو غير بدل فإنه الحاصل منه التخفيف.
وجازَ أيضًا كَونُ ذلكَ البَدَلْ ... أخَفَّ أو أشدَّ مِمَّا قد بطَلْ
أي المنسوخ إما أن ينسخ إلى بدل أو إلى غير بدل. إلى غير بدل واضح بيِّن, ما نسخ إلى بدل قد يكون أخف من ذاك المنسوخ، وقد يكون أشد يعني أثقل من ذاك المنسوخ، وقد يكون مساويا القسمة ثلاثية.
"كون ذلك البدل": وجاز عقلا، وواقع شرعا "كون ذلك البدل": الذي حل محل المنسوخ أخف النسخ إلى بدل أخف لا خلاف في جوازه ووقوعه يعني باتفاق أنه جائز وواقع، ومثاله نسخ مصابرة العشرة من الكفار في القتال لمصابرة اثنين، من عشر إلى اثنين وهذا واضح في قوله: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابرون يغلبوا مِائَتَيْنِ وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} الأنفال: 65 بقوله:
{فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} الأنفال: 66.
"أو أشد": يعني أثقل النسخ إلى أشد هذا فيه خلاف، والصحيح جوازه وجواز الوقوع كنسخ التخيير بين صيام رمضان والإطعام لا شك أن هذا أخف والوجوب والتعيين هذا أثقل - حينئذ - أزيل الأول: رفع الحكم التخيير، وثبت بعد ذلك وجوب الصوم، أو مساوٍ وهذا مثاله نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة نقول هذا مساوٍ يعني ليس فيه إلا أن المكلف يتوجه من جهة إلى جهة أخرى.
ثمَّ الكتابُ بالكتابِ يُنسَخُ ... كسُنةٍ بسنةٍ فتُنسخُ
ولم يَجُزْ أنْ يُنسَخَ الكتابُ ... بسُنَّةٍ بل عَكسُهُ صوابُ
وذو تواتُرٍ بمثلهِ نُسِخْ ... وغيرهُ بغيرِهِ فليَنتَسِخْ
واختارَ قومٌ نسخَ ما تواترا ... بغيرهِ وعكسُهُ حتمًا يُرى
(8/20)

"ثم الكتاب بالكتاب ينسخ": شرطنا في حد النسخ أن يكون خطاب بخطاب أي قرآن بقرآن، أو قرآن بسنة، أو سنة بسنة أو نحو ذلك لابد أن يكون الخطاب كتابا أو السنة فالنسخ بمجرد الإجماع لا يجوز، وكذلك لا يجوز النسخ بالقياس لأن القياس يعتبر فيما لا نص فيه، وحيث وجد النص - حينئذ - بطل القياس لأنه مخالف للنص، والنص مقدم على القياس - حينئذ - لا يصار إلى القياس، ويترك النسخ كما ذكرناه بالأمس في شأن التخصيص.
"ثم الكتاب بالكتاب ينسخ": أي يجوز نسخ حكم بعض الكتاب بالكتاب كما في آيتي العدة السابقتين، وآيتي المصابرة، وهذا بلا خلاف كتاب ينسخ كتاب وهو محل وفاق وإجماع.
"كسنة بسنة فتنسخ": أي يجوز نسخ بعض السنة بسنة بحديث آخر بكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ومراده ما عدى نسخ السنة المتواتر بالآحاد فإنه سيصرح بعدم جوازه سنة بسنة متواترة آحاد. متواتر قد ينسخ بمتواتر أو آحاد والآحاد قد ينسخ بمتواتر أو آحاد المصنف هنا كجماهير من الأصوليين أن السنة المتواتر لا ينسخ بالآحاد. إذًا سنة بسنة ليس مراده نسخا بمتواتر لأنه سيصرح بأنه لا يجوز - "فتنسخ": كما في صحيح مسلم:
"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها": هو الناسخ نهيتكم: في السابق فهنا الناقل للمنسوخ النبي - صلى الله عليه وسلم -
"ولم يجز أن ينسخ الكتاب بسنة": عند بعض أهل العلم القرآن لا ينسخ إلا بالقرآن، وهذا مذهب الشافعي، وأحمد، وهو اختيار ابن قدامة في الروضة، وابن تيمية، وابن باز - رحم الله الجميع - انه لا يجوز مطلقا ولو كانت السنة متواترة لا تنسخ القرآن. إذًا هذا مذهب معتبر، وحجتهم قوله - تعالى -:
(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أو ننسها نأت بخير مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) البقرة: 106، والسنة ليس بخير من القرآن، ولا يكون مثل القرآن أو خير منه إلا قرآن، ولقوله:
{قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تلقاىء نفسى} يونس: 15، والنسخ بالسنة تبديل منه.
هذا قول، وذهب جمهور الأصوليين إلى قول بأنه يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة دون الآحادية خلافا للمذهب الأول لأن الجميع وحي من الله - تعالى - - حينئذ - لكان مثله فلا تفرقون بين وحي ووحي هذا متواتر، وهذا آحاد الناسخ والمنسوخ من عند الله - تعالى - الله هو الناسخ حقيقة لكنه أظهر الناسخ على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مانزل إليهم ولعلهم يتفكرون} النحل: 44، ومثاله آية التحريم بعشر رضعات نسخن بالسنة. قالوا: هذا ثابت كون القرآن نسخ بالسنة المتواترة بما ذكر من مثال، وبقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} البقرة: 180 نسخ بحديث: "لا وصية لوارث". على خلاف هذا مثال فقط:
والشأن لا يعترض المثال ***** إذ قد كفى الفرض والاحتمال
(8/21)

ومن أنكره قال: الناسخ آية المواريث. إذًا قوله: "ولم يجز أن ينسخ الكتاب بسنة": لكن مراد الناظم هنا السنة غير المتواترة لأنه موافق لجمهور الأصوليين يجوز عندهم نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، ومراد الناظم هنا السنة الأحادية ثم فرق عنده بين السنة المتواترة والسنة الأحادية، "بل عكسه صواب": ما هو العكس هنا؟ ... أي عكس نسخ الكتاب بالسنة، وهو نسخ السنة بالكتاب "صواب": كما مر استقبال القبلة بيت المقدس هذا ثبت بالسنة نسخ بالقرآن أي نسخ السنة بالقرآن ثابت، ولا إشكال فيه كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ببيت المقدس وهذه سنة فعلية وأمره الصحابة آن ذاك نسخ ذلك الفعل أو الحكم بالكتاب وهو صواب.
وذو تواتُرٍ بمثلهِ نُسِخْ ... وغيرهُ بغيرِهِ فليَنتَسِخْ
"وذو تواتر": أي المتواتر منهما من سنة أو كتاب كل ينسخ الآخر، القرآن لا شك أنه متواتر فينسخ السنة المتواترة، وينسخ الأحادية، وأما السنة المتواترة فهي التي تعتبر ناسخة للقرآن، ولا الأحادية لأنهم يشترطون في أن يكون الناسخ في درجة المنسوخ من حيث الثبوت قالوا والأقل الأدنى المظنون لا يرفع المعلوم المقطوع به ... الآحاد ظني والمتواتر يقيني قالوا: والأدنى لا يرفع الأعلى تعليل عليل إذا كان كل منهما وحي فالأصل أنه يعتبر ناسخا.
"وذو تواتر": أي من كتاب أو السنة "بمثله": أي متواتر مثله "نسخ": أي يجوز نسخ المتواتر من كتاب أو سنة بمتواتر.
مذهب الجمهور أنه يجوز نسخ السنة بالقرآن، وذهب الشافعي إلى أن السنة لا ينسخها إلا سنة مثلها، ويرد عليه التوجه إلى بيت المقدس ثابت بالسنة وناسخه في القرآن، وصوم عاشورا هذا ثابت بالسنة، ونسخ وجوب صومه بوجوب صوم رمضان.
"وغيره": أي غير المتواتر وهو الآحاد "بغيره": وهو الآحاد "فلينتسخ": السنة المتواترة تنسخ السنة المتواترة أما السنة الأحادية تُنسخ بالمتواترة. إذًا لا تكون ناسخة وإنما تكون منسوخة.
قال بعضهم: لا يجوز نسخ المتواتر بالآحاد لأنه دونه في القوة إذ المتواتر قطعي، والآحاد ظني، ولا يرتفع به، وعليه جمهور الأصوليين، وهذا قول فيه ضعف.
"واختار قوم نسخ ما تواترا": تواترا: الألف للإطلاق من السنة "بغيره": بغير المتواتر وهو الآحاد، وهذا هو الراجح إذ قال فيه: "واختار قوم" .. لماذا؟ ... لأن محل النسخ هو الحكم، والدلالة عليه بالمتواتر ظنية فهو كالآحاد، والكل وحي ومحل النسخ هو الحكم وليس اللفظ.
على أي حال نقول الآحاد مادام أنه ثبت أنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون ناسخا ولو كان لمتواتر، وهذه التفرقة بين الآحاد والمتواتر في مثل هذه المواضع تفرقة بدعية أما من حيث الاصطلاح وعدم ترتب الأحكام عليه من حيث القبول والرد هذا مجرد اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح، وأما أن يجعل موازنة دون تعارض بين الآحاد والمتواتر نقول هذه ليست مسلكا للسلف في ذلك بل كل ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو مقبول سواء كان بطريق قطعي أو ظني وجب العمل به، وإذا وجب العمل به صح النسخ به ولا يدعى التفرقة بين القطعي والظني ... لا يشترط أن يكون الناسخ أقوى
(8/22)

"وعكسه حتما يرى": عكسه: أي عكس جواز المتواتر بالآحاد وهو نسخ الآحاد بالمتواتر "حتما يرى": يعني يعلم حتما أي وجوبا عقليا من باب أولى يعني ينسخ الخبر الواحد بالمتواتر هذا متفق عليه بين الأصوليين محل وفاق، وإنما الخلاف في العكس.
إذًا خلاصة ما ذكره هنا
أن الكتاب بالكتاب ينسخ وهذا محل إجماع.
السنة بالسنة عنهم فيها تفصيل:
- إن كان السنة متواترة فتنسخ بالسنة المتواترة.
- وكذلك هي تكون ناسخة للسنة الآحاد.
- أما أن تنسخ السنة المتواترة فعنهم لا .. فجمهور الأصوليين على المنع
- ولم يجز أن تنسج الكتاب بسنة هذا مذهب معتبر ولا ينسخ الكتاب إلا بكتاب ... واختاره ابن تيمية - رحمه الله - تعالى -.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(8/23)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:

قال الناظم رحمه الله تعالى:

بَابٌ فِي التَّعَارُضِ بَيْنَ الأَدِلَّةِ وَالتَّرْجِيْحِ (1)
تَعَارُضُ النُّطْقَيْنِ فِي الأَحْكَامِ
يَأْتِي عَلَى أَرْبَعَةٍ أَقْسَامِ
إِمَّا عُمُومٌ أَوْ خُصُوصٌ فِيْهِمَا
أَوْ كُلُّ نُطْقٍ فِيْهِ وَصْفٌ مِنْهُمَا
أَوْ فِيْهِ كُلٌّ مِنْهُمَا وَيُعْتَبَرْ
كُلٌّ مِنَ الوَصْفَيْنِ مِنْ (2) وَجْهٍ ظَهَرْ
فَالجَمْعُ بَيْنَ مَا تَعَارَضَا هُنَا
فِي الأَوَّلَيْنِ وَاجِبٌ إِنْ أَمْكَنَا
وَحَيْثُ لَا إِمْكَانَ فَالتَّوَقُفُ
مَالَمْ يَكُنْ تَارِيْخُ كُلٍّ يُعْرَفُ

فَإِنْ عَلِمْنَا وَقْتَ كُلٍّ مِنْهُمَا
فَالثَّانِ نَاسِخٌ لِمَا تَقَدَّمَا
وَخَصَّصُوا فِي الثَّالِثِ الْمَعْلُومِ
بِذِي الخُصُوصِ لَفْظَ ذِي العُمُومِ
وَفِي الأَخِيْرِ شَطْرُ كُلِّ نُطْقِ
مِنْ كُلِّ شِقٍّ حُكْمُ ذَاكَ النُّطْقِ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
باب في التعارض بين الأدلة والترجيح، هذا الباب الأصل أن يؤخره الناظم رحمه الله تعالى بعد ذكر الإجماع والقياس ولكن لكون النظم مختصر ولم يسلك فيه الترتيب المعهود عند الأصوليين قدم هذا الباب بعدما تكلم عن الأقوال سواء كانت في الكتاب أو في السنة أو أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حينئذ يرد التعارض أو ما ظاهره التعارض بين هذه الأدلة.

باب في التعارض بين الأدلة والترجيح:
"تعارض": تفاعل، من عرض الشيء يعرض كأن كلا من النصين عرض للآخر حين خالفه، كأنه عارضه بمعنى أنه عرض له في الطريق مخالفه.
وأما في الاصطلاح فالتعارض:
تقابل الدليلين على سبيل الممانعة - تقابل الدليلين على سبيل الممانعة - يعني كل منهما يمنع مدلول الآخر، يعني بحيث يخالف أحدهما الآخر، هذا المراد بالتعارض، تقابل الدليلين كتاب وسنة، أو كتاب وكتاب، أو سنة وسنة، كل منهما يخالف الآخر بحيث قد يصدق مدلول أحدهما على ما يصدق عليه مدلول الآخر أو يجتمعا في محل واحد.
وهذا التعارض عند الأصوليين نوعان:
تعارض كلي: من كل وجه بحيث لا يبقى مدلول أحد النصين إلا ويصدق على جميع مدلول الآخر، وهذا يسمى بالتعارض الكلي، إن كان التعارض بين الدليلين من كل وجه بحيث لا يمكن الجمع بينهما، فهذا وإن سمي تعارضا إلا أنه عند الأصوليين وكذلك المنطقيين يسمي: بالتناقض، يعني يأتي نص يدل على التحريم والآخر يدل على الجواز، محلهما واحد، لا يمكن الجمع بينهما من كل وجه، هذا يسمى تناقضا، وهذا لا وجود له في الكتاب والسنة.

النوع الثاني:
تعارض جزئي: إن التعارض بين الدليلين من وجه دون وجه، بحيث يمكن الجمع بينهما.
__________
(1) وفي نسخة فَصْلٌ فِي التَّعَارُضِ
(2) وفي نسخة في وجه.
(9/1)

الأول: إن وقع في الكتاب والسنة إنما يقع على جهة النسخ، يكون أحدهما منسوخا ويكون الثاني ناسخا، ومن المعلوم أنه لا تناقض بين القضيتين إذا اختلف زمن كل منهما لاحتمال صدق كل منهما في وقتها، يعني لا يحكم بالتناقض إلا إذا كان وقت الدليلين واحدا، والمكان واحد، وأما إذا اختلفا زمنا فلا يقال بالتناقض، فإذا قلت مثلا: جاء زيد، وقلت: لم يأت زيد.
في ظاهره أنه تناقض، لكن إذا كان مرادك جاء زيد في الصباح، ولم يأت في المساء، هل بينهما تناقض؟ ... لا، اختلفا في الزمن.
دخل زيد، ولم يدخل زيد، في الظاهر أنهما تناقض.
دخل زيد المسجد، ولم يدخل - مثلا - البيت
نقول: انفكا في الجهة من حيث المكان - حينئذ - لا يقال بالتناقض.
متى نحكم بالتناقض؟
إذا كان كل من القضيتين يعني من الجملتين في زمن واحد ومكان واحد حينئذ نقول: هذه تناقض تلك.
لو قال: دخل زيد ولم يدخل زيد، يعني المسجد مثلا الآن، دخل عمرو ولم يدخل عمرو في وقت واحد ومكان واحد، قلنا: هذا تناقض، لا يمكن الجمع بينهما، إما هذه صادقة والأخرى كاذبة أو بالعكس، أما أن يكون دخل ولم يدخل في وقت واحد ومكان واحد، نقول: هذا كذب، أحدهما أو إحدى القضيتين كاذبة.
إذا يشترط في الحكم بتناقض القضيتين:
الاتحاد في الزمن، المكان، حينئذ لا تناقض بين ناسخ ومنسوخ.

"إذا تراخى عنه في الزمان ما بعده":
لماذا؟ .. لاشتراط التراخي بين الناسخ والمنسوخ، إذا لا تناقض بين ناسخ ومنسوخ، ولا بين خاص وعام لأنه يمكن اختصاص الفرد الذي دل عليه الخاص - الدليل الخاص - بحكم ينفرد به عن العام، ولا بين مطلق ومقيد، فحيث أمكن الجمع فلا تناقض، لأن التناقض يمتنع ويستحيل مع الجمع بوجه من الوجوه وهذا الذي يسمى بالتعارض الكلي.

- أدلة الشرع كتابا وسنة لا تناقض فيها - في نفسها -، ولا تناقض مع بعضها بل إنها متفقة لا تختلف، متلازمة لا تفترق، لأن أدلة الشرع كلها حق وهي من الرب جل وعلا، سواء كان مما جاء على لسان - النبي صلى الله عليه وسلم - أو جاء في القرآن، فكلها حق، والحق لا يتعارض ولا يتناقض، إذا جعل ثَمَّ تعارض أو تناقض فهو في ظن المجتهد، وأما في نفس الأمر فلا، يقال بالتعارض أو التناقض - سواء كان تعارضا كليا أو جزئيا- لا يدعى في الكتاب والسنة هذا النوع ألبتة، وإنما يكون التعارض والتناقض في ذهن وظن المجتهد، وأما في نفس الأمر فلا لأن أدلة كلها حق والحق لا يتناقض، بل يصدق بعضه بعضا، وكذلك لا تتعارض الأدلة الشرعية مع العقل، العقل لا يعارض الأدلة الشرعية، والأدلة الشرعية لا تعارض العقل بل هما متوافقان.

فالعقل الصريح موافق للنقل الصحيح فما وُجد من تعارض فإنما هو بحسب ظن المجتهد لا في نفس الأمر - العقل الصريح والنقل الصريح -، أما العقل الفاسد والنقل الضعيف فهذا قد يحصل تعارض لكنه تعارض ظاهر وليس في نفس الأمر.

إذا ظهر تعارض بين الأدلة الشرعية ثَمَّ قواعد لابد منها في باب التعارض والجمع بين الأدلة إذا ظهر تعارض بين الأدلة الشرعية، فإن كان بين خبرين وعرفنا أن الخبر ما احتمل الصدق والكذب لذاته، إذا كان التعارض بين خبرين فحينئذ أحدهما باطل إما لعدم ثبوته أو لكونه منسوخا.
(9/2)

لا تعارض بين أخبار ألبتة. الأخبار كما سبق، يعني ليس بأمر ولا نهي ولا مطلق ولا مقيد ... الخ، وإنما خبر يأتي وخبر آخر يأتي مخالف له حينئذ نقول: إما أحد الخبرين باطلا بأنه لم يثبت، أو يمكن أن يكون صحيحا في الكتاب والسنة لكن أحدهما ناسخا، والثاني منسوخا، إذا لا يجتمعان .. الذي هو تقابل الخبرين إلا في النسخ، أو أن يكون النقل غير صحيح، وإن كان بين الخبر والقياس فإما الخبر باطل وإما القياس فاسد - إذا كان التعارض بين خبر وقياس - فحينئذ الخبر باطل أو القياس فاسد، لأن القياس دليل صحيح ثابت في نفسه وإذا كان كذلك حينئذ لا يكون إلا بمستند شرعي، فإذا كان القياس صحيحا فحينئذ لا يعارض النقل الصحيح ... القياس الصحيح لا يعارض النقل الصحيح .. لماذا؟
لأن القياس دليل شرعي وسبق أن الأدلة الشرعية لا تتعارض ولا تتناقض.
التعارض لا يقع بين قطعيين يعني ما كان معلوما أو دل على العلم اليقيني لا يعارض ما دل على العلم اليقيني يعني كل منهما قطعي، قطعي الثبوت وقطعي الدلالة لا تعارض بينهما ألبتة سواء كان سمعيين أو عقليين أو مختلفين وهذا متفق عليه بين الأصوليين وغيرهم: أن القطعيات لا يقع التعارض فيها ألبتة، لأنه يلزم منه اجتماع النقيضين.
لا تعارض بين قطعي وظني ... لماذا؟
لأنه إن وقعت معارضة حينئذ صار الظني مطروحا، بمعني أن القطعي هو المقدم، حينئذ لا يمكن أن يقال بأنه تعارض ظني وقطعي، لأن القطعي يكون مقدما والظن لا يرفع اليقين ... إذا محل التعارض ما هو؟
هو الظنيات، فكل قطعي مع قطعي لا تعارض لأنه يلزم منه اجتماع النقيضين.
كل قطعي مع ظني لا تعارض ... لماذا؟
لأن الظني لا يرفع القطعي فيكون العمل بماذا؟ .. بالقطعي
ماذا بقي؟ .. محل التعارض يكون في الظنيات هذا التعارض.

أما الترجيح فهو تقوية أحد الدليلين على الآخر.
ترجيح: تفعيل من رجح الشيء ترجيحا بمعني أنه يقوي أحد الدليلين على الآخر يأتي بمساند، والمرجحات هذه كثيرة يبحثها الأصوليون في الكتب الموسعة وكذلك في كتب المصطلح، أوصلها الحافظ العراقي في التقييد على النكت إلى مائة مرجح.
تقوية أحد الدليلين على الآخر، ومحل الترجيح هو الظنيات كذلك .. لماذا؟ لأن التعارض يكون في الظنيات، ومتى نحتاج إلى الترجيح؟
إذا وقع التعارض الترجيح لا يكون إلا في الظنيات، والترجيح فرع في التعارض لا يصار إلى الترجيح بين الأدلة المتعارضة إلا بعد محاولة الجمع بينهما إن وقع تعارض بين الأدلة في ظاهر ظن المجتهد حينئذ عندنا قاعدة وهي: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، حينئذ متى ما أمكن الجمع لا يعدل عنه ألبتة، بل هو الواجب المتعين على الفقيه: أنه إذا أمكن أن يعمل الدليلين وجب وتعين عليه إعمال الدليلين لأن كل منها حق، وكل منها دل على حكم شرعي، فإذا قدم أحد الدليلين على الآخر دون نظر شرعي - حينئذ - يعتبر من باب التحكم وهو باطل لأنه تابع للهوى، إذا الجمع مقدم ... فإن الجمع مقدم على الترجيح، فإن أمكن الجمع وزال التعارض امتنع الترجيح، ومتى امتنع الجمع بين متعارضين وجب الترجيح ولا يجوز بدون دليل إذا هو تحكم وهو باطل .. هذا أهم ما يذكر في قواعد هذا الباب.
(9/3)

قال الناظم - رحمه الله تعالى -: باب في التعارض بين الأدلة والترجيح
تعارض النطقين في الأحكام ... يأتي على أربعة أقسام
"تعارض النطقين":
نطقين: تثنية نطق، والمراد به النطق الذي هو الكتاب والنطق الذي هو السنة يعني من قول الله - تعالى - أو من قول رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو مختلفين، يعني النطقين هنا يصدق على الكتاب مع الكتاب، والسنة مع السنة، والكتاب مع السنة. هذه كم قسم؟ .. ثلاثة.
يعني الذي تصور تعارض فإما الكتاب مع الكتاب، السنة مع السنة، كتابا وسنة.
فإذا تعارض النطقان قال في الأحكام، هنا النطق أطلقه على القرآن وهو جائز {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ} الجاثية: 29 فأطلق عليه الوصف.
"في الأحكام":
في الأحكام لا في الأخبار، لأن الأخبار كما سبق إذا تعارض الخبران حينئذ إما أحد الخبرين باطل لا يصح - لا يثبت - كذب، وإما ناسخ ومنسوخ هذا أو ذاك.

"تعارض النطقين في الأحكام يأتي" عند الأصوليين "على أربعة أقسام" على أربعة أقسام بدون تنوين الأصل، لكنه نونه من أجل الضرورة، إذا التنوين هنا للضرورة "على أربعة أقسام" وهذا معلوم بالتتبع والاستقراء.

"إما عموم أو خصوص فيهما":
إما عموم فيهما يعني تعارض النطقين، كل من النطقين - كل من الدليلين، كل من النصين - عام، إذا تعارض عامان .. هذا عام وهذا عام - وسبق معرفة ما هو العام -، "أو" للتنويع، "خصوص فيهما": يعني تعارض خاصان - وعرفنا المراد بالخاص - هذا كتاب خاص وسنة خاص خاصة، أو كتاب خاص وكتاب خاص إذا:
القسم الأول: أن يقع التعارض بين عامين.
القسم الثاني: أن يقع التعارض بين خاصين، كل منهما دليل خاص.
"أو": هذا الثالث: "أو": للتنويع "كل نطق فيه وصف منهما": يعني كل من النطقين أحدهما عام والآخر خاص، إذا أحد النطقين من كل وجه والثاني الذي عارضه يكون خاصا، وهذا واضح - سبق معنا - أنه يحمل العام على الخاص.
"أو كل نطق" من النطقين "فيه وصف منهما" يعني يقع التعارض بين النطقين أحدهما عام والآخر خاص "منهما" الضمير يقع على العموم والخصوص، "أو" للتنويع: وهو القسم الرابع

أو فيه كل منهما ويعتبر ... كل من الوصفين في وجه ظهر

أن يكون كل دليل فيه عموم وخصوص، والدليل الثاني المعارض فيه عموم وخصوص "كل نطق فيه وصف منهما" وهذا يسمى العموم والخصوص الوجهي يعني: من وجه دون وجه.
فالدليل الأول: الكتاب - معارِض - والدليل الثاني: معارَض - بفتح الراء.
الأول فيه عموم من وجه وفيه خصوص من وجه، الدليل الثاني المعارَض فيه عموم من وجه وفيه خصوص من وجه. إذا هذه أربعة أقسام:
*إما تعارض عامان: كل منهما عام.
*إما أن يتعارض خاصان: كل منهما خاص.
*الثالث: أن يكون أحدهما عام والثاني خاص.
*الرابع: وهو النوع الذي فيه نوع صعوبة وإشكال: أن يكون كل واحد من الدليلين فيه وصف منهما يعني: عام من وجه، خاص من وجه، نفس الدليل واحد - قرآن، آية - من جهة هي عامة، ومن جهة هي خاصة، دليل آخر كذلك من جهة هو عام ومن جهة هو خاص.
(9/4)

"أو فيه": يعني في النطق الواحد منهما "فيه": في النطق الواحد منهما "كل منهما": يعني من العموم والخصوص "ويعتبر كل من الوصفين" العموم والخصوص "في وجه ظهر": الوجه والجهة بمعنى واحد، والهاء عوضا عن الواو. هذه أربعة أقسام .. كيف العمل؟
"فالجمع": الفاء فاء الفصيحة، القاعدة العامة التي ذكرناها سابقا عامة، قاعدة عامة قبل كل شيء: متى ما أمكن الجمع فهو المتعين وهو الواجب
لكن الجمع ليس على وجه التعسف والتكلف، وإنما موافقة لأصول الشريعة حينئذ إذا أمكن الجمع فهو المعتمد. لماذا قدمنا هذا؟
لأن هذا دليل كتاب وهذا دليل كتاب، هذا قول الباري - جل وعلا - وهذا قول الباري - جل وعلا - هذا متضمن ودال على حكم شرعي، وهذا دال على حكم شرعي، والأصل في الإنسان أنه يتهم نفسه قد يكون ثَمَّ خلل في فهمه حينئذ إذا أمكن ان يجعل كل وجه أو كل دليل على وجهه الذي دل عليه فهو أولى، وهذا هو الذي يعبر عنه بالقاعدة الفقهية: بإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، إعمال الدليلين كتاب وسنة أولى من إهمال أحدهما، والأولوية هنا للوجوب.
قال: "فالجمع": الفاء هذه فاء الفصيحة "الجمع بين ما تعارضا هنا ... في الأوليين":
فالجمع واجب: الجمع مبتدأ، وقوله: واجب خبر.
والواجب بمعنى الواجب السابق: وهو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه. بمعنى أنه يتعين على المجتهد ولا يجوز له مخالفة هذا الحكم الشرعي للتعليل السابق وهو ان كل منهما وحي والأصل فيه الإعمال والسمع والطاعة.
"فالجمع": مبتدأ "بين ما تعارضا" "ما": اسم موصول بمعني الذي، يصدق على دليلين أو نصين تعارضا، هذا الألف تعود على الاسم الموصول، "هنا": في هذا الموضع وهو موضع الترجيح والتعارض، "في الأوليين": يعني في القسم الأول والقسم الثاني، و"الأوليين" تثنية أول من باب القمرين وهو ما يسمى ... باب ماذا؟ التغليب - ملحق بالمثنى - لكنه يسمى بباب التغليب، يقال: قمرين يعني الشمس والقمر، "الأوليين": باعتبار الثالث والرابع حينئذ ثنى وجعل الأول أولا حقيقيا، والثاني أولا مجازيا، فثنى هذا وذاك، وإلا لو فصلت وقلت: في الأول والثاني إذا عطفت عليه مخالف وليس بموافق فليس بمثنى حقيقية، كما تقول: العمريين لأبي بكر وعمر، وتقول: القمرين للشمس والقمريين، "في الأوليين" يعني في الأول والثاني، "في الأوليين": يعني إذا كان التعارض بين عامين فالجمع واجب إن أمكنا، وإذا كان التعارض بين خاصين فالجمع واجب إن أمكنا.

"فالجمع بين ما تعارضا هنا ... في الأوليين":
أي القسم الأول والثاني "واجب": لأن إعمال الدليلين للتعليل الذي ذكرناه.
"إن أمكنا": إن أمكنا، الألف هذه للإطلاق، يعني إن أمكن الجمع، الضمير المستتر يعود على الجمع، فالجمع واجب في الأوليين.

"في الأوليين": متعلق بقوله واجب، إن أمكن الجمع، فإذا تعارض عامان فحينئذ نقول القاعدة أو المرحلة الأولى أن يجمع بينهما.

- مثال ما تعارض فيه عمومان:
حديث مسلم: (ألا أخبركم بخير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها)
"ألا أخبركم بخير الشهود الذي" الذي: من صيغ العموم "الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها"
وكذلك مع حديث الصحيحين:
(9/5)

(خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يكون بعدهم قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا)

"قوم": هذا اسم يدل على الجمع، مدلوله جمع ثلاثة فأكثر. إذا عندنا في الأول - الحديث الأول - لفظ "الذي" وهو من صيغ العموم، ولفظ "قوم" في الثاني، كل منهما عام، ووجه العموم أنه عام في كل شهادة بدون استشهاد الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها ... ذم أو مدح؟
يأتي بشهادته قبل أن يسألها ذم أو مدح؟ مدح ... هذا مدح، خير الشهود.

ثم قال: (خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يكون بعدهم قوم) الحديث ... ذم أو مدح؟ ذم ... ذم.
قال: "خيركم قرني" ثم يكون يعني ثم يوجد ما يخالف هذا الوصف فيكون ذما.
إذا في الموضع الأول مدح، وفي الموضع الثاني ذم، وحكم في أحدهما بالخيرية وفي الثاني بالشرية، وهما متنافيان لكن أمكن الجمع بينهما، فيحمل الأول على ما إذا كان من له الشهادة غير عالم بها (ألا أخبركم بخير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها) إذا كان صاحب الشهادة غير عالم بها، قُيد بهذا الوصف من أجل أن يُعمل بالدليل، وحمل الثاني على ما إذا كان عالما بها، (ثم يكون بعدهم قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا) إذا نُزل الحديث الأول على محل منفك عن الثاني، فكل منهما صار له موضع لا يشركه فيه موضع الدليل الآخر، وهو ما يسمى بانفكاك الجهة، يعني تفك الجهة فتنزل هذا الحديث على موضع لا يدل عليه الحديث الآخر، وتنزل الحديث الآخر على موضع لا يشركه فيه الحديث الأول، وهذا ما يسمى بفك الجهة، وفي الحقيقة في نفس الأمر هو ليس بجمع، وإنما قُيد الحديث الأول بوصف مغاير للثاني من أجل إعمال الدليلين - كما سبق بيانه - ولكن سماه الأصوليون بجمع من باب المجاز وإلا في الحقيقة ليس بجمع.

وقيل يحمل الأول على حق الله - تعالى - كالطلاق والعتاق، والثاني على حقنا .. على كلٍ المراد المثال فقط أما نهاية المطاف فهذا يبحث في كل مسالة على وجهها، المراد هنا أن ينزل الحديث الأول على وصف مغاير لما دل عليه الحديث الثاني عليه.
"فالجمع بين ما تعارضا هنا ... في الأوليين واجب إن أمكنا "
هذا في ماذا؟
فيما إذا تعارض عامان وفيما إذا تعارض خاصان:
حديث أنه توضأ وغسل رجليه، توضأ عدة أحاديث متواترة، أنه توضأ وغسل رجليه، جاء في بعض الروايات - وهي رواية في النسائي - أنه توضأ ورش الماء على قدميه وهما في النعلين، ولا شك أن ثَمَ فرقا بين الغسل وبين الرش، هل نغسل أم نرش؟
وإذا قلنا بأن الرش هنا على أصله رفع الحدث حينئذ صار الغسل ليس بواجب لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتفى بالرش وهو أدنى من الغسل لأنه ليس فيه تعميم حينئذ إذا أعملنا أو نظرنا إلى الحديثين فإذا بهما .. ، هل هما عامان أم خاصان؟
خاصان لأنه يتعلق بموضع واحد وهو الرجل التي هي العضو الرابع من أعضاء الوضوء. هل تُغسل أو ترش؟
(9/6)

جاء في الروايات المتواترة أنها تغسل (غسل رجله)، وجاء في رواية أنه رش رجليه في النعلين، إذا ما كان داخل النعلين قد لا يصله الماء إذا الغسل ليس بواجب لو أخذنا هذا مقيد أوصاف لهذا لقلنا بذلك، لكن المعتمد أنه يغسل رجليه، ونجيب عن الحديث الآخر ننزله موضع آخر لا يعارض الأول، جاء في بعض الروايات: (هذا وضوء من لم يحدث) انتهت المشكلة، أن هذا وضوء من لم يحدث، إذا متى يرش؟ إذا كان وضوء تجديد ليس برافع للحدث أما إذا كان الوضوء رافعا للحدث فلا يجزئ فيه إلا الغسل وهذا محل إجماع وإن خالف الطبري في ذلك لكن محجوج.
وقيل المراد في الأول: الوضوء الشرعي، والثاني: وهو المعنى اللغوي، وقيل غسلهما في النعلين وهذا يسمى غسلا مجازا، لكن الأول هو المعتمد أن الرواية الموضحة المبينة أن هذا وضوء من لم يحدث يدل على أن الرش في التجديد لا في غيره، والمراد المثال فقط وليس بحث المسألة، إذا القاعدة أو الأمر الأول:

فالجمع بين ما تعارضا هنا ... في الأولين واجب إن أمكنا

"وحيث لا إمكان": إن تعذر الجمع "فالتوقف ما لم يكن تاريخ كل يعرف":
بمعنى أن النظر في الدليلين العام مع العام والخاص مع الخاص هل يمكن الجمع؟ لا يمكن الجمع، هل يعلم تاريخ كل واحد منهما أنه متقدم والثاني متأخر؟
إن علم حينئذ نقول: الثاني ناسخ للأول، إن لم يعلم التاريخ حينئذ نقول: هذا يُتوقف فيه، والتوقف هنا ليس بقاعدة عامة للمسلمين كلهم ... لا، وإنما هو نظر ورع كما ذكرنا، يعني من تورع يتوقف وإلا باب الترجيح هذا مفتوح للمجتهدين حينئذ من رجح فترجيحه لنفسه، ومن توقف فكذلك لنفسه، يعني التوقف ليس بضابط عام لكل الأمة، الجمع لابد منه فهو واجب وأما التوقف فهذا يختص بزيد دون عمرو إذا لم تعلم مرجحا حينئذ تقول: الله أعلم، وأما إذا علمت فحينئذ لابد من القول به.

"فالتوقف": فيها عن العمل بها إلى أن يظهر مرجح لأحدهما عن الآخر فيعمل به، مثاله قوله تعالى:
{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} النساء: 3 "أو ما ملكت أيمانكم":
عام أو خاص؟ {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} النساء: 3 هل فيه عموم؟ .. فيه عموم. أين؟ "ما" اسم موصول بمعنى الذي فيعم {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} النساء: 3 دخلت فيه الأختان أو لا؟
دخلت فيه الأختان، يجمع بينهما؟
دلت الآية على جواز الجمع بين الأختين بملك اليمين: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} النساء: 3 مع قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} النساء: 23، قال تعالى:
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} الآية، ثم قال: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} النساء: 23 عام أو خاص؟ الأختين: مثنى دخل عليه الألف "أل" {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} النساء: 23 أي أختين؟
ملك اليمين أو الحرائر؟
(9/7)

يعم هذا وذاك، إذا {وَأَنْ تَجْمَعُوا} النساء: 23 يعني: وحُرم عليكم الجمع بين الأختين سواء كان الأختان بملك يمين وهو محرم أو حرائر، والآية الأولى وهي: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} النساء: 3 جوزت الجمع بين الأختين إذا وقع التعارض أحلتهما آية وحرمتهما آية أخرى، فالأول أو الآية الأولى يجوز جمع الأختين بملك اليمين {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} النساء: 3 والثاني يحرم ذلك، توقف عثمان - رضي الله عنه - في هذه المسألة فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية فتوقف. لكن هذا التوقف باعتباره هو، أما غيره فرجح أي رجح التحريم لأن الأصل في الأبضاع التحريم، ثم من المرجحات أن الحكم أو المدلول عليه في مظانه مقدم على ما ذكر في غير مظانه، يعني آية النساء هذه {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} الآية، نهي في ماذا؟
في بيان المحرمات فهي نهي.
أما هناك {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} هذا في سياق الامتناع ليس فيه أنه ذكر في المحرمات من عدم المحرمات، إذا ليست مظنة للأحكام، ومن المرجحات عند الأصوليين أن ما ذكر في موضعه وهو مقام التحريم والحديث على المحرمات وهو مقدم على غيره.

المراد الشاهد هنا أنه وقع تعارض فتوقف عثمان، لكن توقف عثمان هذا لنفسه هو وليس مسلكا للأمة فالكل يتوقف ولا يتحدث ... لا، ثم رجح الفقهاء التحريم بدليل خارجي وهو أن الأصل في الأبضاع التحريم وهو أحوط.

وحيث لا إمكان فالتوقف ... ما لم يكن تاريخ كل يعرف

"كلٍ": يعني من النصين يعرف.
"فإن علمنا وقت كل منهما" يعني من العام والخاص، "فالثاني": يعني المتأخر في النزول لا في التلاوة "ناسخ": انتبه ليس كلما أتى الثاني يكون ناسخا .. لا، قد يكون العكس، المتقدم هنا المراد بالثاني المتأخر في النزول في التاريخ لا في التلاوة.
"فالثاني ناسخ لما تقدما":
يعني للذي تقدما، الألف هذه للإطلاق يعني للمتقدم، كما في آيتي عدة الوفاة وآيتي المصابرة معلوم التاريخ، وكل ما حكم فيه أهل العلم بكونه ناسخ ومنسوخ فهو مثال لهذا القسم.

"وخصصوا في الثالث المعلوم":
إذا القسم الأول والثاني الجمع أولا، إن تعذر الجمع وعلم التاريخ الثاني ناسخ للأول، إن لم يعلم التاريخ حينئذ التوقف.

وخصصوا في الثالث المعلوم ... بذي الخصوص لفظ ذي العموم

إذا تعارض عام وخاص حينئذ نقول:
العام مخصوص بذي الخصوص بمعنى أنه يُقصر العام على بعض أفراده وتجعل الحكم الذي دل عليه النص الخاص منفردا بالحكم وهو فخالف لما ثبت لحكم العام.
"وخصصوا" أي حكموا، المراد بهم علماء الشريعة بالتخصيص، "في الثالث" يعني في القسم الثالث أو النوع الثالث، "المعلوم" السابق الذي ذكر، "بذي الخصوص" يعني بصاحب الخصوص، بالدليل الدال على الخصوص سواء وردا معا أو تقدم أحدهما أو تأخر أو جهل التاريخ، ثَمَّ خلاف هل يشترط التاريخ أو لا؟
(9/8)

الصحيح أنه يجمع بين العام والخاص بتقييد العام بما دل عليه الخاص يعني: يخرج الفرد الذي دل عليه الخاص مطلقا علم التاريخ أو لا، سواء كان المتقدم هو العام أو الخاص لا يضر، يعني لا ينظر إلى التقدم والتأخر بين العام والخاص وإنما متى ما وجد لفظ دال على العموم ولفظ دال على الخصوص ووقع تعارض فحينئذ نقدم هذا على ذاك.

وخصصوا في الثالث المعلوم ... بذي الخصوص لفظ ذي العموم

"لفظ": هذا مفعول به لقوله "خصصوا" وسبق فيما سقت العشر، ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، على ما ذكرناه سابقا والأمثلة فيه كثيرة.

وفي الأخير شطر كل نطق ... من كل شق حكم ذاك النطق
فاخصص عموم كل نطق منهما ... بالضد من قسميه واعرفنهما

يعني إذا وقع التعارض بين نصين النص الأول عام من وجه وخاص من وجه، والنص الثاني عام من وجه وخاص من وجه، إذا كأنه تعارض عام وخاص.
فالدليل الأول فيه عموم وفيه خصوص، والثاني فيه عموم وفيه خصوص، تجعل بينهما هكذا:
خصوص الثاني يخصص عموم الأول، وخصوص الأول يخصص عموم الثاني. فنرده إلى القسم الثاني، مثاله:
(لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس)
هذا فيه عموم في الصلاة ... ما وجه العموم؟
نكرة في سياق النفي فتعم كل صلاة: فرض ... الخ، ذات سبب تحية المسجد، (لا صلاة حتى تطلع الشمس) فالأول عام في الصلاة خاص في الزمن لأنه قيده بماذا؟ .. بالزمن
حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)
"إذا دخل أحدكم المسجد" متى؟ مقيد أم عام؟
عام. إذا دخل: أي وقت دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، عام في الزمن. خاص في ماذا؟
حتى يصلي ركعتين ... أي ركعتين هذه؟ واضح؟
عام في الزمن، خاص في الصلاة.
والأول: لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس
عام في الصلاة، خاص في الزمن، عكس الثاني ... متصورين أو لا؟
لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، هذا عام في الصلاة والثاني خاص في الصلاة، إذا تقابلا.
قوله:"حتى تطلع الشمس" خاص في الزمن "إذا دخل أحدكم" عام في الزمن، تقابلا.
حينئذ اختلف أهل العلم في تخصيص أو التقديم، فالأول عام في الصلاة خاص في الزمن، والثاني عام في الوقت خاص في الصلاة، حينئذ ماذا نصنع؟
نأتي بعموم الأول: "لا صلاة" هذا عام نخصصه بماذا؟
بتحية المسجد، يعني يستثنى من قول: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس" إلا تحية المسجد، هذا معنى الخاص، إلا تحية المسجد فيصلي، إذا خصصناه.
العام الثاني: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" العموم نخصصه بماذا؟ .. ما أنتم معي!!!
خصصنا عموم الأول "لا صلاة" بتحية المسجد الآن ننتقل إلى العام الثاني وهو أي وقت يدخل المسجد يصلي، نخصصه بماذا؟
بقوله: "حتى تطلع الشمس" يعني وقت النهي حينئذ هل حصل الجمع أو لا؟
حصل الجمع فيستثنى من الأول" "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس" إلا ركعتي تحية المسجد حينئذ يصلي.
الثاني: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" مطلقا أو إلا في وقت النهي؟
إلا في وقت النهي، حينئذ هل حصل الجمع؟
ما حصل الجمع، حصل التعارض، ولذلك يذكرون هذا المثال من باب ذكر التعارض في العام والخاص فقط، أما في النتيجة فلا. على كلٍ يذكر هذا كمثال، كما قال صاحب المراقي:
(9/9)

والشأن لا يعترض المثال ... إذ قد كفى الغرض والاحتمال

مثال آخر للتوضيح:
"إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث"
وحديث أبي أمامة:
"الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه"، الحديث ضعيف لكن مثال فقط.
"إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث":
ما وجه العموم وما وجه الخصوص؟
ما هو؟ .. فيه عموم وفيه خصوص، أين العموم؟ نريد نطبق العموم والخصوص، النتيجة أمرها سهل.
"إذا كان الماء قلتين":
الكمية مخصوصة أو مطلقة هنا؟
مخصوصة لأنه حده بالقلتين، إذا الكمية محدودة.
"إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث" طيب .. العموم في ماذا؟ في الخبث، يغني تغير أو لا؟ .. تغير أو لا هذا هو وجه العموم، غيرته النجاسة أو لا.
طيب .. حديث أبي أمامة: "الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو لونه أو طعمه"
هذا عام في ماذا؟ قابل للأول!
الأول خاص بالقلتين: في الكمية.
هذا قال: "الماء لا ينجسه شيء" كل ماء سواء قلتين أو أكثر أو دون حينئذ يقابل بالقلتين، خاص في ماذا؟
في المتغير ... خاص في المتغير، إذا حديث القلتين له عموم وله خصوص:
خصوصه في القلتين، عمومه في المتغير وعدا المتغير، متغير ولم يتغير.
حديث أبي أمامة: عام في القلتين وفي غيره، يعني لا يختص بالقلتين، خاص بالمتغير، إذا هذا عام وخاص، وهذا عام وخاص ...
وأما الجمع بينهما تجده في كتب الفقهاء، هذا كمثال فقط.
"وفي الأخير شطر كل نطق"
"وفي الأخير": يعني في القسم الأخير "شطر كل نطق" شطر: شطر الشيء نطفه، والنصف المراد به هنا: النص.
"شطر كل نطق": كل نص من النطقين، "من كل شق": يعني من كل جهة نصف، "حكم ذاك النطق": أي النصف حكم ذاك النطق أي النصف.
بمعنى أنه ينظر إلى شق الأول وهو العموم فيخصص بالشق الثاني وهو الخصوص من الدليل الثاني، وينظر إلى خصوص وشق الدليل الأول وهو الخصوص ويخص به الشق الأول من الدليل الثاني وهو العموم، يعني كأنه جعل الدليل الواحد شقين - نصفين - شق هو عموم وشق هو خصوص. حينئذ كيف تأخذ حكم الشق الأول الذي هو العموم بتخصيصه بذاك الشق الثاني الذي هو الخاص؟
"فاخصص عموم كل نطق منهما":
"فاخصص عموم كل نطق": كل دليل، "منهما": يعني من الشقين أو من الدليلين، "بالضد": الذي هو الخاص، فتأتي للدليل الأول فيه عموم تقيده بخصوص الدليل الثاني، وتأتي للدليل الثاني الذي هو عموم وتخصصه بخصوص الدليل الأول، "بالضد من قسميه" قسميه يهني الشقين، "واعرفنهما": هذا من باب التتميم.
(9/10)

إذا هذه أربعة أقسام ذكرها الناظم - رحمه الله تعالى - وهي أقسام يعني من جهة العموم مسلمة، خاصة القسم الأول والثاني، وأما الثالث وهو متفق عليه كذلك، الرابع هذا يقع فيه نزاع عند التطبيق فقط، وإلا هو ثابت في نفسه يعني في الجملة مسلم به لكن عند التطبيق يكون ثَمَّ خلاف لأنه ثَمَّ ترجيحات أخرى ينظر إليها يعني ليس مجرد كلما وجدت دليل خاص وعام يقيد مباشرة .. لا، هل هناك أدلة أخرى تساند؟ تقدم تؤخر؟ ... الخ. لابد من النظر فيه، ولذلك المسألة الفقهية لا ينظر إليها بدليل أو دليلين فحسب، وإنما يتمكن منها طالب العلم إذا جمع كل الأدلة الدالة أو المتعلقة بهذه المسألة وينظر في أقوال الفقهاء ثم بعد ذلك يكون الترجيح.

باب الإجماع:
هو اتفاق كل أهل العصر ... ... أي علماء الفقه دون نكر
على اعتبار حكم أمر قد حدث ... ... شرعا كحرمة الصلاة بالحدث
باب الإجماع:
هذا هو الدليل الثالث عند الأصوليين، في الترتيب لا في القوة، وسيأتي أنهم يقدمون الإجماع على الكتاب والسنة، لأنه لا يحتمل وقد يكون قطعيا ونحو ذلك .. وأما من حيث الترتيب، فيقدمون الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس، فهذه الأدلة الأربعة في الجملة متفق عليها، يعني من حيث العد والترتيب، وبعضهم جعلها سبعة وبعضهم جعلها خمسة، وبعضهم جعلها واحدا قال هو الكتاب ليس عندنا إلا الكتاب، والكتاب هو الذي حجية السنة، ثم الكتاب والسنة دلا على حجية الإجماع ثم الكتاب والسنة والإجماع دلت على صحبة القياس، إذا ما دل على شيء بأنه حجة لا يجعل مقابلا له، وإنما يجعل داخلا تحته، ولذلك جعلوا الكتاب هو الدليل الوحيد، وهذا ذكره الزركشي في البحر المحيط ......
"الإجماع":
مصدر أجمع يجمع إجماعا، وهو ثالث الأدلة الشرعية كما ذكرنا، وله معنيان: معنى لغوي، ومعنى اصطلاحي.
وهو في اللغة يطلق على معنيين:
أحدهما: العزم المؤكد كما في قوله: قال تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ) يونس: 71: أي اعزموا على أمركم، ومنه قولهم: جمع أمره أي عزم عليه يعني يأتي بمعني العزم.
ثانيهما:
الاتفاق، يعني الإجماع يأتي بمعنى الاتفاق وهو المراد هنا.
ويصح على الأول إطلاقه على الواحد، يعني إذا كان بمعنى العزم المؤكد حينئذ يصح أن يطلق على الواحد، وأما على المعنى الثاني فلا، إذا كان بمعني الاتفاق فلا يمكن أن يتفق الإنسان مع نفسه، هذا الأصل، وإنما يتفق مع غيره، إذا لابد من التثنية وهو أقل ما يصدق عليه أنه إجماع، يعني الإجماع الشرعي من حيث الشرع أقل ما يصدق عليه اتفاق مجتهدين، وأما الواحد فلا يعتبر إجماعا، ولو لم يكن ثَمَّ مخالف له، لو لم يكن إلا عالم فقط وقال بقول لا يسمى إجماعا، لماذا؟ لأنه لابد من تأبيد من مجتهدين وهو ليس عنده إلا عوام، والعامي لا يعتبر في الإجماع، إذا الاتفاق يصح أو العزم المؤكد يصح أن يطلق على الواحد، وأما الاتفاق فلا ...
يقال: أجمع القوم على كذا أي اتفقوا، ومنه: (لا تجتمع أمتي على ضلالة): يعني لا تتفق على ضلالة.
وأما في الاصطلاح أو الشرع عرفه المصنف بقوله:
هو اتفاق كل أهل العصر ... أي علماء الفقه دون نكر
على اعتبار حكم أمر قد حدث ... شرعا ................
(9/11)

ثم مَثَّل لذلك بمثال، يعني مجرد المثال يكفي وليس المراد تحقيق المثال.
"هو اتفاق":
عرفنا المراد بالاتفاق، "هو اتفاق" المراد به الاشتراك والاتحاد في الأقوال أو في السكون كما سيأتي، لأن الاتفاق هذا كالجنس في هذا الموضع، والإجماع قد يكون قوليا، وقد يكون فعليا وقد يكون سكوتيا، إذا لابد من اشتمال هذا الجنس على أنواع الإجماع كلها، وإلا لما صح التعريف.
إذا "اتفاق" المراد به الاشتراك والاتحاد في الأقوال والأفعال والسكوت والتقرير من أجل إدخال الإجماع السكوتي في هذا الحد، وخرج بقوله: "اتفاق" كل خلاف لأنه إما أن يتفق وإما أن يختلف، إذا قيل "اتفاق" إذا خرج كل خلاف ولو من واحد فلا إجماع مع الخلاف، لو اتفق تسع وتسعون عالما على حكم وخالف واحد، هل يعتبر إجماعا؟ .. لا يعتبر إجماعا. لماذا؟ ... لوجود المخالف.
وهذا الواحد قد يكون هو المصيب، لأن الأول صار متمسكا بدليل والثاني متمسكا بدليل، وإذا وقع النزاع حينئذ رجعنا إلى ماذا؟ قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} النساء: 59 إذا لابد من الرجوع إلى الكتاب والسنة، ولذلك أجمع أهل العلم على أنه إذا اختلف الصحابة لا نقلد واحدا منهم - وهو الصحابة - لا نقلد واحدا منهم، وإنما نرجع إلى الكتاب والسنة للنص الوارد قال تعالى: (ياأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) النساء: 59 شيء: نكرة في سياق الشرط فيعم كل شيء وإن قل حينئذ نرجع إلى الكتاب والسنة.
إذا قوله: "اتفاق" خرج كل خلاف ولو من واحد، فلا إجماع مع الخلاف لأنه يجوز أن يصيب الأقل ويخطئ الأكثر كما أصاب عمر في أمر بدر، هو الذي خالف.
اتفاق كل أهل العصر
"اتفاق" مضاف و"كل أهل العصر" كل: مضاف إليه "كل أهل العصر": يعني الزمان، وفسر أهل العصر بأن هذا لفظ عام، يدخل فيه الفقهاء ويدخل فيه المجتهدون ويدخل فيه الأطباء والنحاة والأصوليون وغيرهم، لكن مراده من؟ ... أهل الفقه، ولذلك قال: "أي علماء الفقه" أي المجتهدين، كأنه قال: اتفاق مجتهدي عصر والمجتهد: هو من توفر فيه شروط الاجتهاد الآتية في آخر باب في هذا النظم، فلا يعتبر وفاق غير المجتهدين من الفقهاء دونهم، يعني لو اتفق من اتفق على حكم شرعي وليس بفقيه هل يعتبر إجماعا؟ ... لا يعتبر إجماعا. لماذا؟
(9/12)

لأن من شروط صحة الاتفاق الذي يصدق عليه أنه إجماع: أن يكون صادرا من أهله، والذي يكون أو تكون عنده أهلية الاجتهاد هم الفقهاء بشرطه الآتي في محله، فمن عداهم لا يعتبر قوله اجتهادا، حينئذ لا يتم به أو لا يحصل به الإجماع، فلا يعتبر وفاق غير المجتهدين من الفقهاء دونهم، ولا وفاق الأصوليين على الأصح، يعني لو اتفق الفقهاء على حكم وخالف الأصوليون هل يعتبر بهم أو لا؟ .. فيه خلاف، والأصح انه لا يعتبر بخلاف الأصوليون، وإنما العبرة بالمجتهدين ولا وفاق العوام ومن في حكمهم من المقلدين، هذا لا يعتبر ناقضا للاتفاق، فإذا اتفق المجتهدون وخالف العامة: عوام المسلمين؟ نقول هذا لا عبرة به، وكذلك المقلد حكمه حكم العاصي عند أهل العلم، لأنه لا يعتبر من أهل الاجتهاد، فلو خالف المقلد حينئذ نقول خلافه؟ لا يعتبر ناقضا للإجماع. ولا وفاق اللغويين ونحوهم، ولا فاق بعض المجتهدين.
إذا اتفاق مجتهدي العصر بمعني أنه لابد أن يكون مجتهدا بالمعني الآتي في كتاب الاجتهاد "هو اتفاق كل أهل العصر ** أي علماء" أي: هذه تفسيرية "أي علماء الفقه" أهل العصر: العصر المراد به الزمن، والمراد بالعصر: عصر من كان من أهل الاجتهاد في العصر الذي حدثت فيه المسألة، أما من بلغ درجة الاجتهاد بعد حدوث الحادثة والحكم عليها، فلا يعتبر من أهل العصر، بمعنى أن العصر الذي يعتبر اجتهاد أهله: هو من نزلت فيه الحادثة فلو نزلت فيه الحادثة واتفقوا ثم بعد انتهاء ذلك العصر جاء عصر آخر مخالف حينئذ لا يعتبر ناقصا للاجتهاد .. لماذا؟ .. لكونه ليس من أهل العصر.
"أي علماء الفقه دون نكر":
من أجل تصحيح هذا التعريف لابد من زيادة أهل العصر من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه أطلقه فيشمل ما بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وما بعده، والصواب: أنه يكون لا يكون إلا من محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاة نبيها، أما إذا اتفق الفقهاء في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعتبر اتفاقهم حجة وليس بإجماع.
إذا: هو اتفاق كل أهل العصر أي علماء الفقه من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاة نبيها، والمراد بأمة محمد: أمة الإجابة وهو المسلمون، فخرج حينئذ اتفاق الأمم السابقة، وخرج بقوله: "بعد وفاة نبيها": اتفاق المجتهدين في حياته فلا يسمى إجماعا.
"دون نكر": يعني من غير نكير، والنكير والإنكار: تغير المنكر.
"على اعتبار حكم" اتفاق على أي شيء؟ قال: على اعتبار حكم أمر قد حدث: يعني على حكم حادثة وقعت ونزلت حينئذ وقع الاتفاق عليها.
"على اعتبار حكم أمر": حكم: يعني يشمل الإثبات والنفي، يعني، إما بإثبات التحريم أو بنفي التحريم، هذا محل للاتفاق، وهذا كذلك محل للاتفاق.
"على اعتبار حكم أمر" أمر: من قول أو فعل أو غيرهما.
"قد حدث": يعني وُجد شرعا حينئذ لابد أن يكون هذا الحكم المتفق عليه حكم شرعي حينئذ لا حكم عقلي، ولا حكم لغوي، ولا عادي، ولا نحو ذلك. فخرجت الأحكام اللغوية والعقلية والدنيوية.
(9/13)

قال: "كحرمة الصلاة بالحدث" حرمة الصلاة بالحدث .. هذا حكم متفق عليه أو لا؟ ... ينطبق عليه أو لا؟ اتفاق مجتهدي هذه الأمة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاة نبيها حرمة الصلاة بالحدث، هو محل إجماع لكن ثبت النص في ذلك، فيستدل بالنص ويستدل بالإجماع، فالمثال في محله، وذلك "كحرمة الصلاة بالحدث".
والإجماع لابد له من مستند، ولذلك قلنا هذا المثال صحيح، وأول مستند هو آية المائدة: قال تعالى: (يا أيها الذين آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلى الصلاة) المائدة: 6: دل على وجوب الغسل لهذه الأعضاء الأربعة لكن متى؟
إذا قمتم محدثين، وجاء الحديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) رواه مسلم: 225 إذا لابد أن يكون هذا الإجماع له مستند وهو النص. قال ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص. لابد أن يكون ثَمَّ نص علمه من علمه وجهله من جهله.
ثم قال - رحمه الله تعالى -:
واحتج بالإجماع من ذي الأمة ... لا غيرها إذ خصصت بالعصمة
وكل إجماع ... فحجة على ... من بعده في كل عصر أقبلا
ثم انقراض عصره لم يشترط ... أي في انعقاده وقيل مشترط
ولم يجز لأهله أن يرجعوا ... إلا على الثاني فليس يمنع
وليعتبر عليه قول من ولد ... وصار مثلهم فقيها مجتهد
"واحتج بالإجماع من ذي الأمة":
الحجة: هي الدليل، سمي بذلك للغلبة به على الخصم.
عرفنا حكم أو حقيقة الإجماع ... ما حكمه؟
أنه حجة شرعية تثبت بها الأحكام الشرعية، يعني مثل الكتاب ومثل السنة وكذلك الإجماع.
"واحتج بالإجماع من ذي الأمة": يعني من هذه الأمة لا غيرها. إذا لو أجمعت أمة اليهود على حكم لا يعتبر حجة، كذلك النصارى، كذلك النصارى وكذلك الرافضة .. الخ. نقول: هؤلاء إذا أجمعوا على شيء لا يعتبر ذلك الإجماع حجة، لابد أن يكون من هذه الأمة: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
"واحتج بالإجماع من ذي الأمة ** لا غيرها"
الإجماع حجة واستدلوا لذلك بقوله تعالى: قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين نوله ما تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء: 115 تُوعد بالعقاب على متابعة غير سبيل المؤمنين، وهذا يدل على وجوب متابعة سبيل المؤمنين وتحريم المخالفة.
إذًا أهم آية استدلوا بها الأصوليون في حجية الإجماع هذه الآية - آية النساء - لأنه توعد من خرج عن سبيل المؤمنين: يعني عن طريق المؤمنين بالعقاب ولا يتوعد إلا لترك واجب كما سبق بيانه.
"واحتج بالإجماع من ذي الأمة": من هذه الأمة.
"لا غيرها": من الأمم السابقة، "إذ": تعليل. .. لماذا؟ خصصت هذه الأمة بالعصمة، "العصمة": هي المنعة وهو الحفظ أيضا، وقد عصمه يعصمه - بالكسر - عصمة فانعصم.
"إذ خصصت بالعصمة": بالعصمة من ماذا؟
من الوقوع في الخطأ أو الضلال بأنها لا تجتمع على ضلال كما جاء في الحديث: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) وهذا الحديث فيه كلام. (لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتيهم أمر الله وهو ظاهرون) دل على أن ثَمَّ طائفة باقية على الحق، وكذلك قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} البقرة: 143: أي عدولا.
ثم قال:
(9/14)

وكل إجماع فحجة على ... من بعده في كل عصر أقبلا

بمعنى أن الإجماع إذا عرفنا حقيقة الاتفاق وانه حجة ... حجة على من؟
حجة على أهل ذلك العصر، وعلى كل عصر يأتي بعده إلى قيام الساعة، فمتى ما حصل الاتفاق في تلك اللحظة صار حجة على أصحابه المتفقين المجتهدين منذ أن يتفقوا، إذا حصل الاتفاق بينهم على حكم أمر شرعي حينئذ هذا الاتفاق صار إجماعا فصار حجة عليهم فلا يجوز لواحد منهم أن يخالف، ثم صار حجة على أهل ذلك العصر كلهم، ثم على كل عصر يأتي بعدهم حينئذ صار الإجماع باقيا مدة بقاء هذه الأمة.
"وكل إجماع فحجة":
يعني فهو حجة ودليل شرعي يجب العمل به لأن الأدلة الدالة على حجية الإجماع تشمل جميع العصور لم تحص عصرا دون عصر.
"فحجة على ** من بعده .. ":
يعني على العصر الثاني كعصره الذي هو فيه إلى آخر الزمان، لذلك قال: "في كل عصر ... " من العصور إلى قيام الساعة، "كل عصر أقبلا" هذه الألف للإطلاق.
ثم انقراض عصره لم يشترط أي في انعقاده وقيل مشترط
ثَمَّ مسألة في إثبات حجية الإجماع وهي: هل انقراض العصر الذي اتفق أو حصل فيه الاتفاق مشترط في حجية الإجماع أو لا؟
هذه المسألة مختلف فيها بين الأصوليين، قال: "ثم انقراض عصره": يعني عصر الإجماع، وقالوا: انقرض فلان أي مات، وانقرض القوم: درجوا ولم يبق منهم أحد.
"لم يشترط ** أي في انعقاده":
بمعنى أنه متى ما حصل الاتفاق حينئذ حصل الإجماع، بعض أهل العلم يرى أنه لا يحصل الاتفاق إلا بموتهم كلهم، العلماء المتفقون كلهم إذا اتفقوا على حكم أمر متى يثبت الإجماع؟
نقول: الصحيح أنه لا يشترط الانقراض، منذ أن حصل الاتفاق حصل الإجماع فثبتت الحجية.
طيب .. بعض أهل العلم يرى ماذا؟ أنه إذا حصل مائة شخص مجتهدون متى يكون الإجماع حجة؟
لابد أن يموتوا كلهم ثم بعد ذلك إذا مات آخر واحد منهم ثبتت حجية الإجماع، وهذا ليس بصحيح .. لماذا؟ لأنه لو قيل به لا يمكن وجود إجماع ألبتة .. لماذا؟ لأنه يجوز أنهم إذا عاشوا مثلا ثمانين سنة يجوز أن يولد شخص فيكون فقهيا فيخالفهم، نقض الاتفاق، ثم إذا اتفق معهم كذلك يشترط فيه الموت، ثم إذا وجد شخص .. الخ. إذا ما في إجماع راحت أدلة الإجماع .. لا يمكن أن يوجد إجماع ألبتة. ولذلك هذا الشرط لا يدل عليه الأدلة التي دلت على حجية الإجماع.
"ثم انقراض عصره": أي الإجماع "لم يشترط أي في انعقاده": وكونه حجة، وهو مذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك والشافعي وهو رواية عن أحمد والدليل على ذلك أن الدالة على وجوب حجية الإجماع لم تقيده بماذا؟
بالانقراض ... فهو شرط زائد، وكل دليل جاء مطلقا دون قيد لا يجوز تقييده، سبق معنا المطلق والمقيد، إذا جاء نص مطلق ونص مقيد بشرطه وجب التقييد، طيب إذا جاء لم يأت إلا مطلق؟
لا يجوز تقييده. لماذا؟ لأن التقييد زيادة على الشرع، فالأدلة الدالة على حجية الإجماع دالة على أن الإجماع متى ما حصل فهو حجة دون شرط حينئذ لا يزاد عليه.
"وقيل مشترط": وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو اختيار أبي يعلى وابن عقيل.
(9/15)

"وقيل مشترط": يعني أنه شرط مطلقا، لأنه لو كان الاتفاق حجة قبل انقراض العصر لامتنع رجوع المجتهدين أو المجتهد إذا ظهر له خطؤه وهذا مخالف للإجماع، على كلٍ الصواب هو الأول: أنه لا يشترط.
ولم يجز لأهله أن يرجعوا إلا على الثاني فليس يمنع
إذا قيل بأنه لا يشترط بانقراض العصر في انعقاد الإجماع وحجيته .. إذا حصل الاتفاق هل يجوز لواحد منهم أن يرجع فيخالف؟ الجواب: لا .. لماذا؟
لأن الإجماع صار حجة عليه، صار هو محجوج، قلنا لو خالف الإجماع .. طيب أنا واحد منهم؟! .. لا يجوز لك أن ترجع، فإذا حصل الاتفاق صار حجة عليهم كلهم وعلى عصرهم وعلى من بعدهم، فهل يجوز لواحد منهم أن يرجع فيخالف الإجماع؟
الجواب: لا، لأنه صار حجة .. دليل شرعي فهو ضده.
ولم يجز لأهله أن يرجعوا
"لأهله": يعني أهل الإجماع .. الاتفاق، "أن يرجعوا": يعني عن القول الأول، أما على القول الثاني أنه يشترط انقراض العصر .. يجوز أو لا يجوز؟ يجوز أن يرجع فيقول خالفت، ظهر لي خلاف ما ذكرت، والصواب هو الأول.
"إلا على الثاني": يعني على القول الثاني "فليس يمنع": فيجوز أن يطرأ لبعضهم ما يخالف إجماعهم. ونجيب نحن بأنا نمنع رجوعه للإجماع قبله.

وليعتبر عليه من ولد ... وصار مثلهم فقهيا مجتهد
"وليعتبر عليه":
يعني على القول باشتراط انقراض العصر، "قول من ولد": يعني في حياة المجمعين، يعني وُلد وتفقه وصار مثلهم فقهيا مجتهد ... يعني ماذا يحصل؟
يعتبر على هذا القول، يعني ينقض هذا القول لاشتراط انقراض العصر، ويرد عليه بأنه قد يُولد شخص ثم يتفقه فيصير فقهيا مثلهم فينقض قولهم، وهكذا إلى آخر الزمان حينئذ يكون سببا في رفع الإجماع، ولا يكون ثَمَّ إجماع، إذن ينتقض هذا القول بمثل هذه المسألة.
"وليعتبر عليه": على القول باشتراطه، "قول من ولد": في حياة المجمعين وتفقه وصار مثلهم فقهيا مجتهد - مجتهد: وأصله مجتهدا - وهذا على لغة ربيعة، فإن خالفهم لم ينعقد إجماعهم السابق فلهم الرجوع عن قولهم السابق.
ويحصل الإجماع بالأقوال من كل أهله وبالأفعال
وقول بعضً حيث باقيهم فعل وبانتشار مع سكوتهم حصل
هذا كما ذكرنا في السابق الاتفاق المراد به: اتفاق في الأقوال، اتفاق في الأفعال، واتفاق في قولٍ وسكوت البعض، وهذا ما يسمى بالإجماع السكوتي.
يحصل الإجماع ويتحقق بالأقوال: بقول المجتهدين أي كلهم يصرحون بالحكم، وهذا أعلى درجات الإجماع وهو قطعي، أعلى درجات الإجماع: أن يصرح كل مجتهد بالقول.
"ويحصل الإجماع": ويتحقق، "بالأقوال": بقول المجتهدين إجماع قولي وهو الصريح أن يتفق قول الجميع على الحكم بأن يقولوا كلهم: هذا حلال أو حرام.
"من كل أهله": يعني المتفقين بحكم من الأحكام،
"وبالأفعال": يعني يحصل بالفعل: بأن يفعلوا كلهم أمرا معينا فيدل على الإباحة حينئذ نقول: اتفق الفقهاء بأفعالهم، لم ينصوا وإنما فعلوه وتناقل ذلك الأمر حينئذ يكون إجماعا بالفعل، ولا مثال له .. ليس له مثال.
"وبالأفعال": أي يحصل ويصح بفعلهم بأن يفعلوا فعلا فيدل فعلهم على جوازه وإلا كانوا مجمعين على ضلالة.
النوع الثالث:
قلنا: الأول أن يصرح الكل أي يقولوا قولا يصرح به.
الثاني: أن يفعلوا فعلا.
(9/16)

الثالث: أن يقول بعضهم ويفعل البعض الآخر.
أي بعضهم يصرح يقول: هذا حلال، والثاني لا يصرح لكن يفعله، إذن فعله يدل على ماذا؟
على أنه حلال عنده، على أنه مباح، صار إجماعا بقولٍ وبفعل فاجتمع فيه القول والفعل.
وقول بعض حيث باقيهم فعل وبانتشار مع سكوتهم حصل
"وبانتشار مع سكوتهم حصل":
هذا يسمى بالإجماع السكوتي وهو أن يفعل البعض فعلا ثم يفعل الآخرون ولا ينكرون، أو يقول البعض قولا ويسكت الآخرون ولا ينكرون، ثم يسكت الآخرون: إجماعا سكوتيا. وهذا ما سيأتي في قول الصحابي وهو أنه إذا قال قولا وسكت البقية من الصحابة – لم ينكروا عليه – حينئذ نقول: قال قولا، أفتى به الصحابي فلان ولم يعلم له مخالف فصار إجماعا وهذا هو الإجماع السكوتي: أن يقول بعضهم قولا ويسكت الآخرون حينئذ نقول: هذا الإجماع السكوتي.
"وقول بعض حيث باقيهم فعل ** وبانتشار":
يعني انتشار ذلك القول أو الفعل "مع سكوتهم": وقدرتهم على الاعتراض والإنكار – هكذا قيده بعضهم –، أما إذا كان ثَمَّ عجز عن الإنكار فحينئذ لا يعتبر إجماعا لأنهم يكونوا ماذا؟
يكونوا عاجزين لوجود الاحتمال والقرينة بأنه ثَمَّ إنكار ولكنه لم ينكر. إذن يقيد مع سكوتهم لكن سكوتهم على ذلك مع القدرة على الإنكار، يعني لم يكن ثَمَّ مانع من سلطان وغيره حينئذ يعتبر إجماعا سكوتيا.

نقف على هذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(9/17)

ثُمَّ الصَّحَابِي قَولُهُ عَنْ مَذْهَبِهْ
عَلَى الْجَدِيدِ فَهْوَ (1) لَايُحْتَجُّ بِهْ
وَفِي الْقَدِيمِ حُجَّةٌ لِمَا وَرَدْ
فِي حَقِّهِمْ وَضَعَّفُوهُ فَلْيُرَدْ
بَابُ الأَخْبَارِ
وَالْخَبَرُ اللَّفْظُ الْمُفِيدُ الْمُحْتَمِلْ
صِدْقًا وَكِذْبًا مِنْهُ نَوْعٌ قَدْ نُقِلْ
تَوَاتُرًا لِلْعِلْمِ قَدْ أَفَادَا
وَمَا عَدَا هَذَا اعْتَبِرْ آحَادَا
فَأَوَّلُ النَّوْعَيْنِ مَا رَوَاهُ
جَمْعٌ لَنَا لِمِثْلِهِ (2) عَزَاهُ
وَهَكَذَا إِلَى الَّذِي عَنْهُ الْخَبَرْ
لَا بِاجْتِهَادٍ بَلْ سَمَاعٍ أَوْ نَظَرْ
وَكُلُّ جَمْعٍ شَرْطُهُ أَنْ يَسْمَعُوا
وَالْكِذْبُ مِنْهُمْ بِالتَّواطِي يُمْنَعُ
ثَانِيهِمَا الآحَادُ يُوجِبُ الْعَمَلْ
لَا العِلْمَ لَكِنْ عِنْدَهُ الظَّنُّ حَصَلْ
لِمُرْسَلٍ وَ (3) مُسْنَدٍ قَدْ قُسِّمَا
وَسَوْفَ يَأْتِي ذِكْرُ كُلٍّ مِنْهُمَا
فَحَيْثُمَا بَعْضُ الرُّوَاةِ يُفْقَدُ
فَمُرْسَلٌ وَمَا عَدَاهُ مُسْنَدُ
لِلِاحْتِجَاجِ صَالِحٌ لَا الْمُرْسَلُ
لَكِنْ مَرَاسِيلُ الصَّحَابِي تُقْبَلُ

كَذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ اقْبَلَا
فِي الاحْتِجَاجِ مَا رَوَاهُ مُرْسَلَا
وَأَلْحَقُوا بِالْمُسْنَدِ الْمُعَنْعَنَا
فِي حُكْمِهِ الَّذِي لَهُ تَبَيَّنَا
وَقَاَل مَنْ عَلَيْهِ شَيْخُهُ قَرَا
حَدَّثَنِي كَمَا يَقُولُ (4) أَخْبَرَا

وَلَمْ يَقُلْ فِي عَكْسِهِ حَدَّثَنِي
لَكِنْ يَقُولُ رَاويًا أَخْبَرَني
وَحَيْثُ لَمْ يَقْرَأْ وَقَدْ أَجَازَهْ
يَقُولُ قَدْ أَخْبَرَنِي إِجَازَهْ

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي نبينا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين
أما بعد:-
فلا زال الحديث في باب الإجماع وإن كان ما يتعلق بالإجماع قد أنتهي لكن الناظم ختم الباب بهذين البيتين ومُتَعَلق هذين البيتين قول الصحابي هل هو جحة أم لا؟ وهي مسالة خلافية بين أهل العلم وعرفنا الإجماع أنه اتفاق كل أهل عصر أي علماء الفقه دون نكر علي اعتبار حكم أمر قد حدث حينئذٍ الإجماع هو اتفاق مجتهد عصر من العصور من امة محمد صلي الله عليه
وسلم بعد وفاته علي أمر ديني وأنبه أن قول الأصوليين باتفاق انه لابد أن يكون الكل قد حصل منهم الاتفاق بالصورة التي ذكرناها إما بالقول فقط أو بالفعل فقط أو بقول بعض وفعل بعض أوبقول بعض وسكوت الأخرين وإذا حصل اتفاق من الأكثرين حينئذٍ لا يُعد إجماعا وإن اصطلح بعضهم كالطبري يذكر الخلاف ويُطلِق الإجماع علي قول الجمهور هذا اصطلاح خاص ليس باصطلاح عام للأصوليين ويَذكُر الخلاف انه قال كذا وأكثر المفسرين قالوا كذا ثم يرجح الأكثر يقول للإجماع ما هو الإجماع هو قول الأكثرين فلو خالف واحد أثََّرَ في الإجماع فمن باب أولى لو خالف أكثر من واحد.
__________
(1) وفي نسخة قَطُّ.
(2) وفي نسخة عَنْ مِثْلِهِ.
(3) وفي نسخة أَوْ.
(4) وفي نسخة تَقُولُ.
(10/1)

ثَمَّ مسالتان أنا تركتهما عمداً لكن كثر السؤال عنها وهي الفرق بين إمكان الإجماع والعلم بالإجماع، هما مسالتان كل منهما مُباين للأخرى فإذا ثبت أن الإجماع حجة ودلت الأدلة علي ذلك حينئذٍ هل يُتَصور أن يأتي الدليل بما يشرع ثم لا يتصور لا عقلا ولا وقعا يكون موجوداً لا شك أنه ممتنع حينئذٍ إذا ثبت حجية الإجماع بدليل الكتاب والسنة وقول جماهير أهل العلم حينئذٍ لابد أن يكون واقع إذا إمكان الإجماع جائز عقلا بلا خلاف في العقل جائز أن تتفق الأمة كلها علي قول أو علي فعل العقل لا يمنع ذلك والضروريات من الدين لا خلاف في تصوره وامكانه فيها الضروريات من الدين كاجاب الصلاة الخمس هذا متفق عليه وهو محل إجماع كذلك حرمة الربا حرمة الزنا، وجوب الحج إلي أخره كل هذا محل إجماع بين أهل العلم وتسمى بالضروريات من الدين ولذلك بعض الفقهاء حتى من المعاصرين حصر الإجماع في هذا النوع
مراد الأصوليين هذا النوع وليس الأمر كذلك والمرا د هذا النوع ولا خلاف فيه وما هو أوسع من هذا النوع ولذلك
يحكى الإجماع في غيرهذه المسائل التي يعنون لها بالضروريات من الدين إذاً جائز عقلا بلا خلاف وما هو ضروري من الدين هذا لا خلاف في تصوره وامكانه فيها أما في غير ذلك فيما هو ليس بمعلوم من الدين بالضرورة من الأحكام وفاختلف في امكانه علي مذهبين هل يمكن أن يكون ثَمَّ اتفاق بين المجتهدين علي ما عدا الضروري من الدين هذا فيه مذهبان الأول الإمكان وهو مذهب جماهير أهل العلم من الأصوليين وغيرهم وهذه يدل عليه الدليل الشرعى يعنى ثَمَّ تلازم بين الأمرين لا يمكن أن يدل الدليل الشرعي {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين نوله ما تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (1)
حينئذٍ ولا يوجد سبيل المؤمنين هل يُتَصَوَر هذا لا يتصور ذاك إذاً الدليل الشرعي ما دام انه دل حجية الإجماع حينئذٍ لزم منه إمكان الوقوع فسيقع يقع نعم لكن أين يقع في أي عصر هذا الذي يمكن أن يكون له نقاش ممكن وهو مذهب الجمهور ودليله مشاهدة الوقوع كالإجماع علي نجاسة الماء المتغير بالنجاسة هذا محل وفاق قد وقع وحصل وكذلك تحريم شحم الخنزير كلحمه النص ورد في اللحم ولكن الشحم هذا لم ينص عليه في القرآن وهو محل إجماع
والأحسن من الاستدلال ببعض الإجماعات الواقعة نستدل بما ذكرناه وهو أن الأدلة دلت علي حجية الإجماع حينئذٍ لا يُمْكِن أن يأتي الشرع بشيء يدل علي انه حجة وأن مخالفه يعاقب
وقد ترك واجب ثم إن هذا الإجماع هذا في الخيال لا وجود له في الواقع نقول هذا بعيد عن الشرع البتة.
__________
(1) - النساء (155)
(10/2)

القول الثاني أنه غير ممكن لانتشار أهل الإجماع في الأرض ويمتنع نقل الحكم إليهم عادة ويَمْتَنِع الاتفاق الذي هو حقيقة الإجماع يعنى نظر إلي انتشار العلماء والفقهاء والمجتهدين في الأرض حينئذٍ يمتنع الحكم بأنهم قد وافقوا أو أنهم اختلفوا يعنى النظر إلي شيء واقع وهذا يمكن أن يُسَلَّمَ به فيما عدا القرون المفضلة علي احد قولي شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالي أو علي ما عدا الصحابة كما هو اختيار شيخ الإسلام في القول الأخر إذا هل يمكن أن يوجد إجماع؟ نقول نعم قطعا لابد أن يوجد إجماع العلم به وطريق العلم به هذه مسالة أخري اختلف القائلون بامكان الإجماع ووقوعه بامكان الإجماع وامكان العلم به والإطلاع عليه فالجمهور علي انه يمكن العلم به والإطلاع عليه مطلقا في جميع العصور جماهير الأصوليين علي انه يمكن أن يوجد الإجماع ويعلم ويطلع عليه ويوقف عليه في أي عصر من العصور إلي قيام الساعة وهذا فيه نظر وهو حجة لمن منع وقوع الإجماع لانتشار الناس في الأرض من ذا الذي يمر علي ذاك وذاك ويعرف انه قد وافق أو انه قد خالف العلم بوجود العلماء أنفسهم هذا فيه نوع عسر.
وعليه يحمل كلام الإمام احمد من أدعي الإجماع فهو كاذب ليس مطلقا مع الصحابة والتابعين ليس مراده هذا مراده مع انتشار العلماء واتساع بقعة الأرض حينئذٍ يَمتنع أن يُعلم الإجماع ولو امكن العلم به وتقرير ذلك لا ينازع يعني لو أمكن ألان أن يجرد العلماء إلي أخره بالوسائل الحديثة ويصل إلي كل العلماء فصار اتفاق منهم علي قول ما هل نقول إجماع؟ نقول نعم إجماع لماذا؟ لأنه يمكن أن يوجد الإجماع في كل عصر من العصور والأدلة الدالة علي ذلك ليست مقيدة بعصر دون عصر وإنما هي مطلقة إلي قيام الساعة ثم العلم به إن انتفي معه انتشار العلم وعدم الإمكان الوصول إليه انتفي ذلك حينئذٍ نقول قد وقفنا علي الإجماع وهو الاتفاق الذي ذُكِر سابقا إذا يُمكن العلم به مطلقا في كل عصر من العصور وهو قول جماهير الأصوليين لكن تحقيقه بالفعل هذا فيه عسر وقيل يمكن العلم به في زمن الصحابة وقيل في القرون الثلاثة الأولى وهما قولان لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالي.
ثَمَّ قول في أخر الواسطية علي أن الإجماع الذي يمكن ضبطه هو إجماع الصحابة وقيدهم بعضهم قبل الفتنة وثَمَّ قول أخر وهو أن الإجماع الذي يمكن ضبطه وحصر أهل العلم فيه هو القرون المفضلة الثلاثة الأول إلا أن هذا محتمل وهذا محتمل إلا أن القول الأول اقرب والله اعلم ثم قال الناظم رحمه الله تعالي.
ثُمَّ الصَّحَابِي قَوْلُهُ عَنْ مَذْهِبهُ ... عَلَى الْجَدِيدِ فَهْوَ لا يُجْتَجُّ بِهْ
هذا قول الصحابي هل هو دليل يحتج به أو لا؟ عد بعض الأصوليين من الأدلة التي تثبت بها الأحكام الشرعية قول الصحابي أما سبق معها أدلة أربعة هذه متفق عليها (كتاب والسنة
(10/3)

والإجماع والقياس) زاد بعضهم الاستصحاب وهو مختلف فيه زاد بعضهم مذهب الصحابي قول الصحابي إن قلت بانه حجة حينئذٍ تضعه خامسا مع الأربعة فتقول قول الصحابي تثبت به الأحكام كما تثبت بالكتاب والسنة والإجماع والقياس إن قلنا بأنه حجة لزم منه إثبات الأحكام الشرعية من تحليل وتحريم ونحو ذلك بقول الصحابي فتقول هذا حلال لماذا؟ لأنه قال به بن عمر رضي الله عنه هذا المراد، هذا واجب لماذا؟ لأنه أفتي به بن عباس ليس عندك دليل إلا كون بن عباس أفتي به، كما تقول قال الله تعالي هذا حرام لقوله تعالي وقوله صلي الله عليه وسلم لإجماع الأمة لقياس كذا.
تقول هذا أمر واجب لان بن عباس أفتى به ونحو ذلك فالمسائلة ينبني عليها أحكام شرعية
وعدم ذلك، الصحابي معلوم من هو الصحابي: من لقي النبي صلي الله عليه وسلم مؤمنا به ومات علي ذلك ولو تخللت فيه ردة في القول الأصح
حد الصحابي مسلما لقي الرسول وإن بلا رواية عنه وطول لكن ما هو قول الصحابي الذي
وقع فيه نزاع بين الأصوليين لان قول الصحابي يحتمل انه لا يقال من جهة الرأي حينئذٍ يُعطي حكم الرفع قول الصحابي فيما لا مجال له فيه للرأي والاجتهاد له حكم الرفع إلي النبي صلي الله عليه وسلم فهو مرفوع حكما وهو يحتج به كما يحتج بالمرفوع الحقيقي كأنه قال قال النبي صلي الله عليه وسلم نقول هنا قال الصحابي كذا فنقول هذا مرفوع إلي النبي صلي الله عليه وسلم حكما وإن لم نقل قال النبي صلي الله عليه وسلم بمعنى انه يأتي الصحابي ويروى كلاما أو يقول كلاما لا يمكن أن يقال من قبيل الرأي والاجتهاد كقول بن مسعود في صحيح مسلم يؤتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام (1) إلي أخره هل يمكن لابن مسعود أن يقول هذا بالرأي هذا إخبار عن أي شيء؟ عن يوم القيامة وما يحدث فيها إذاً هذا القول لا يمكن محال أن يكون من بن مسعود إلا إذا ادعينا انه يوحي إليه وهذا باطل حينئذٍ نقول هذا منسوب في اللفظ إلى بن مسعود إلا انه مرفوع للنبي صلي الله عليه وسلم حكما فنثبته معتقدا هذا متي؟
إذا قاله الصحابي في مالا مجال فيه للرأي اشترط أهل العلم ألا يعرف هذا الصحابي بالأخذ عن الاسرائليات لان الرواية عن بني إسرائيل فيها كلام لأهل العلم إن اخذ الصحابي وروى عن بني إسرائيل حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج لا تصدق ولا تكذب علي تفصيل في هذه المسالة حينئذٍ إذا لم يأخذ الصحابي عن بني إسرائيل حكمنا علي قوله فيما لا مجال للرأي فيه بأن حكم الرفع ثابت له وانه مرفوع للنبي صلي الله عليه وسلم حكما هذه المسالة الأولي.
__________
(1) - صحيح مسلم - (18/ 191) باب في شدة حر جهنم. قال حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِى عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ خَالِدٍ الْكَاهِلِىِّ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا». والحديث أسضا رواه الترمذي في سننه في باب ما جاء في صفة النار.
(10/4)

ثانيا:- إذا اختلف الصحابة فيما بينهم كما سبق الإشارة إلي انه لا حجة لبعضهم علي بعض إذا وقع خلاف بين أبي بكر وعمر وبن عباس وبن عمر إلي أخره حينئذٍ ماذا نصنع نقول اختلفت الأقوال لكل واحد من هؤلاء دليل وحظ من الكتاب والسنة حينئذٍ نقول
قال تعالى: (ياأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كنتم تؤمنون بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خير وَأَحْسَنُ تأويلا) ... (1) ... فنرجع إلي دلالة الكتاب والسنة ونطرح النظر في هذه الأقوال إلا من جهة الفهم فقط يعني إذا اختلفوا علي قولين لا يجوز إحداث قول ثالث البتة فهو إجماع علي أن المسالة فيها قولان وهذا إجماع أخر بطريقة أخرى وعليه جماهير الأصوليين أن الصحابة إذا اختلفوا علي قولين مثلا التحريم الكراهة لا يحل لأحد أن يأتي ويقول هذا مباح لماذا لأنه يكون خرقا للإجماع لأنك لو جوزت أن ثَمَّ قولا ثالثا في المسالة حينئذٍ ادعيت بان ذاك العصر قد خلى عن قول الحق في تلك المسالة وهذا باطل فلما يلزم هذه المسالة من البطلان ونسبة عدم قول الحق في ذالك العصر وهو خير الناس قرني كما جاء في الحديث خير القرون قرني (2) حينئذٍ نقول هذا اللازم يدل علي بطلان المسالة من أصلها فنجعل خلاف الصحابة في المسالة علي قولين فلا يزاد قولا ثالثا البتة واضح هذ1. إذاً إذا اختلف الصحابة فيما بينهم لم يكن قول بعضهم حجة علي بعض ولم يَجُزْ للمجتهد بعدهم أن يقلد واحدا منهم بل المتعين النظر في أقوالهم واختيار منها بحسب الدليل ولا يجوز الخروج عنها قال بن تيمية رحمه الله تعالي مقرراً لهذه المسالة وإن تنازعوا يعنى الصحابة يتحدث عن الصحابة وإن تنازعوا رُد ما تنازعوا فيه إلي الله والرسول، إلي الله يعني إلي كتابه وإلي الرسول صلي الله عليه وسلم إن كان حيا فاليه وإلا فإلي سنته وإن تنازعوا رُد ما تنازعوا فيه إلي الله والرسول ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له بالتفاق العلماء فليس قول أبي بكر حجة علي عمر وليس قول بن عباس حجة علي
قول أبى بكر إذا اختلفوا حينئذٍ لابد للنظر في الكتاب والسنة إذاً هذه هي المسالة الثانية.
المسالة الأولي:- إذا قال الصحابي قولا لا مجال للرأي فيه قلنا هذا له نصيب من السنة النبوية المرفوعة لكنه مرفوع الحكم.
__________
(1) - النساء (59)
(2) - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِىءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ» الحديث رواه البخاري في صحيحه (9/ 442) باب لا يشهد على شهادة زور،
(12/ 405) باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورواه مسلم ايضا في باب فضائل ألصحابة ثم الذين يلونهم.
(10/5)

المسالة الثانية:-إذا اختلف الصحابة فيما بينهم لا مقلد واحدا منهم فلنرجع إلي الكتاب والسنة مباشرة ونفهم الكتاب والسنة بفهم الصحابة يعني لا تعارض بين الأمرين لا نقول هم رجال ونحن رجال ونترك أقوالهم وننظر إلي الكتاب والسنة مباشرة لا تقول هذه الأدلة لا يمكن القول فيها إلا بأحد القولين الذين اختلفا فيهما الصحابة إما هذا وإما ذاك فتنظر تقوي أحد القولين بأدلة قد لا يقول بها هو بنفسه لكن تنقل عنه فالنظر في الكتاب والسنة في تقوية كما سبق الترجيح تقوية أحد الدليلين علي الأخر وأما ان تنظر وتقول انظر في الكتاب والسنة ودعك من قول أبي بكر وعمر لا هذا لم يقل به احد من أهل العلم البتة.
قول الصحابي المسالة الثالثة:- قول الصحابي إذا اشتهر ولم يخالفه أحد من الصحابة اشتهر قول الصحابي قال قولا واشتهر علمنا ذلك انه اشتهر انتشر يعنى بين الصحابة ولم يخالفه احد هذا سبق بالأمس انه إجماع سكوتي إذاً حجة أو ليس بحجة؟ حجة إذاً هذا ليس فيه خلاف بين أهل العلم إذا قال الصحابي قولا واشتهر وانتشر بين الصحابة وعلمنا ذلك حينئذٍ نقول هذا إجماع وحجة لا يجوز مخالفته البتة قال بن تيمية رحمه اله تعالي وأما أقوال الصحابة فإن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء متي؟ إذا قال الصحابي قولا
وانتشر ولم يُنْكَر ولم يعلم له مخالف حينئذٍ نقول صار حجة عند جماهير أهل العلم وليس هذا من مبحثنا الذي يذكره الأصوليين في هذا المحل هذه ثلاثة أقوال خارجة عن المسالة التي نُحلل النزاع فيها.
المسالة الرابعة:- قول الصحابي فيما عدا ذلك، ماعدا المسائل الثلاثة السابقة قول الصحابي فيما عدا ذلك وهو إذا لم يخالفة احد من الصحابة قال قولا ولم يُعلَم أن ثَمَّ مُخَالفا لهم ولم يشتهر بينهم القول ما اشتهر أو جُهِل هل اشتهر بينهم أو لا، فرق بين هذه المسالة والسابقة.
السابقة قال قولا وانتشر علمنا انه اشتهر فاقره الصحابة صار إجماعا وحجة هنا قال قولا
(10/6)

ولم يشتهر علمنا انه لم يشتهر أو جهلنا هل انتشر أو لا اشتهر أو لا، هذا الذي فيه خلاف لأهل العلم بشرط أن يكون مُخالفا للقول الأول يعني لو نظر الأول بان يكون قول الصحابي هنا فيما فيه مجال للرأي والاجتهاد هذا مقطوع به معلوم من المسالة الأولى وأما ما ليس فيه اجتهاد فهذا راجع لما سبق قول الصحابي فيما عدا ذلك وإذا لم يخالفه احد من الصحابة ولم يشتهر بينهم أو جهل ذلك وكان للرأي فيه مجال فهذا فيه خلاف بين أهل العلم بين الأصوليين والفقهاء وبن حزم له كلام في المسالة طويل فقول الأئمة الأربعة وجمهور العلماء انه حجة خلافا للمتكلمين مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد وجمهور العلماء أن هذا القول الذي اشتهر ولم ينتشر الذي قاله الصحابي ولم يشتهر أو جهلنا ذلك أنه حجة يحتج به في إثبات الأحكام الشرعية لكن هنا يخالف ما سبق يعنى مسالة فيها خلاف ليس كالذي علمنا انه اشتهر لأنه صار إجماعا سكوتيا وهو حجة فيحتج به في إثبات الأحكام الشرعية، أما الثاني هذا الذي لم يشتهر فيه خلاف بين أهل العلم مذهب الأئمة الأربعة أنه حجة ونُسِبَ للشافعي قولان قول بالحجية وقول بعدم الحجيةوالذي نظمه، وبن القيم رحمة الله اجتهد في تحريرأن النسبة هنا للشافعي بأنه ليس بحجة غلط عليه وليست بثابتة حينئذٍ ليس له إلا قول واحد وهو انه حجة
ويُزاد علي ما ذُكِر أن يكون للرأي فيه مجال ألا يُخالف نصا يعنى يُشتَرط في هذا القول الذي قال ألائمة الأربعة بأنه حجة أنْ لا يكون مُخالفا للنص وسبق انه يكون فيه مجال للرأي.
(10/7)

ثالثا:- أن لا يكون مُعَارَضًا بالقياس إذاً يُعتَبَر حجة بشرط ألا يكون مخالفًا نص فان خالف نصا حينئذٍ صار اجتهادا وإذا صار اجتهادا مخالفا للنص حينئذٍ نقول هذا الاجتهاد باطل ولو كان من الصحابي لان النص مُقَدَّم علي قول الصحابي مطلقا فيكون اجتهاد إما لعله أن يبلغه النص وإما انه فهم شيئا أخر وإما قَدَّم عليه نص أخر إلي أخره يعنى يُعتَذر للصحابي ويُزاد علي ما ذُكر ألا يخالف نصا وآلا يكون مُعَارضًا للقياس وما خالف القياس فالأكثر علي انه موقوف عليه إذ لا يمكن أن يخالف الصحابي القياس برأيه وعند هؤلاء قول الصحابي مُقدَّمُ علي القياس لأنه نص والنص مُقدَّمُ علي القياس يعنى إذا دل القياس علي حكم ونٌقِل عن الصحابي قول مخالف للقياس أي النصين نُقَدِّم، هل نُقَدِّم القياس علي قول الصحابي أم نُقَدِّم قول الصحابي علي القياس؟ فيه خلاف قد رجحتم انتم انه يُقدم قول الصحابي أو القياس الصحيح انه يُقَدَّمُ القياس لأنه دليل مُجمَع عليه كما سيأتي فبالإجماع إجماع الصحابة السكوتي أن القياس حجة ثابتة بنفسها فإذا ثبت القياس بوجه صحيح حينئذٍ لا يمكن أن يُخالفه الصحابي فان نُقِلَ عنه قول مُخالف للقياس لعله لم يقف لعله لعله ... إلي أخره ونقول هذا القياس مُقدَّمُ علي قول الصحابي وذهب بعضهم إلي انه لا يكون حجة إذا خالف القياس لأنه دليل شرعي وقول الصحابي لا يكون حجة إلا عند عدم المعارضة وهذا الأمر كذلك يعني قول الصحابي بالشروط المُتقَدِمَة يكون حجة إذا لم يُعَارَض فان عارض بنص أو ظاهر أو مفهوم أو دليل مخالفة أو قياس أو إجماع إن تصور هذا حينئذٍ نقول هذا مُقدَّمُ علي قول الصحابي.
لان هذه كلَّها متفق علي أنها أدلة شرعية مُجْمَع عليها وأما حجية قول الصحابي فهذا أمر مُخْتَلَف فيه هذا ما يُقَرر في أصول الفقه عند تقرير القواعد وأما عند النزول للميدان في المسائل الفقهية فسترى العجب العجاب هناك بمعنى انك قد لا تجد هذا الكلام موجودا عند الفقهاء تطبيقا لمإذا؟ لان تحرير قول الصحابي ثبت عنه أولا هذه مسالة تحتاج إلي بحث فكم من مدعي إجماع ويقول هذا قال به عمر ولم يعلم له مخالف فصار إجماعا وتجد نقولا أخري عن بن عباس أو غيره ونحو ذلك علي كل هذا ما يقرر في مبحث الأصول وعند البحث في المسائل الفقهية ينبغي التأني.
ثُمَّ الصَّحَابِي قَوْلُهُ عَنْ مَذْهِبهُ عَلَى الْجَدِيدِ فَهْوَ لا يُجْتَجُّ بِهْ
ثم الصحابي سكون الياء للوزن ثم الصحابيُ هذا الأصل قوله عن مذهبه أي قول المجتهد الواحد الصحابي إذا كان عالما هو قوله عن مذهب نفسه فليس بحجة علي غيره
(10/8)

قول الصحابي عن مذهبه علي الجديد فهو لا يحتج به، يعني عبر عن رأي نفسه فحسب ولم يُعبِّرعن الشرع فاذا عبر عن رأي نفسه حينئذٍ لا يتعدي نفسه لا يكون حجة ملزمة علي غيره قوله عن مذهبه علي الجديد يعني علي القول الجديد والمذهب الجديد للشافعي من قولي الشافعي وهو مذهبه في مصر فهو أي قول الصحابي لا يحتج به إذ لا دليل علي كونه حجة ليس ثَمَّ دليل علي كونه حجة فوجب تركه إذ إثبات الحكم بلا دليل فلا يجوز حينئذٍ إذا كان قول الصحابي كقول غيره من أهل العلم وقول غيره لا يحتج به، هل يحتج بكلام بن تيمية والشافعي وغيره في إثبات الأحكام الشرعية الجواب: لا، لان هؤلاء ليسوا بأدلة شرعية وعلمنا أن الحق محصور في الكتاب والسنة وما دل عليه الكتاب والسنة حينئذٍ لا تثبت الأحكام إلا من جهة شرعية صحيحة وقول الصحابي لم يرد دليل في كونه حجة يحتج به حينئذٍ يبقى علي الأصل وهو أن مذهبه يُعَبِّر عن نفسه فقط فلا يتعدى إلى غيره فيكون حجة ملزمة لأنك إذا قلت حجة ملزمة بمعنى أن تارك هذا القول يأثم كمن علم بالنص وتركه عمداً نقول هذا يأثم لماذا؟ لأنه اعرض عن الحق وكذلك قول الصحابي.
وفي الْقَدِيمِ حُجَّةٌ لِمَا وَرَدْ ... فِي حَقِّهم وضعَّفُوه فلْيُرَدْ
وفي الْقَدِيمِ يعني في القول القديم للشافعي وهو مذهبه في العراق حجة يعني فهو حجة يحتج به فهو حجة شرعيه وهو قول ألائمة الأربعة ونُسِب إلي جمهور أهل الحديث وهو المشهور عن الإمام أحمد رحمه الله تعالي.
أنه حجة لما ورد في حقهم لما ورد في حقهم يعنى في الثناء علي الصحابة وللأسف الشديد ما أكثر الآيات التي وردت في مدح الصحابة ولم يقفوا إلا مع حديث أصحابي كالنجوم (1) وهذا حديث باطل لا يثبت وضعَّفُوه فلْيُرَدْ لو قال ووضعوه فليرد لكان أولي لأن الحديث لا أصل له وضعفوه فليرد إذا هذه الحجة التي اعتمدت علي هذا القول كأنه لما ضَعَّفَ الحديث حينئذٍ فيه إشارة إلي تضعيف القول لان القول مبني علي هذا الحديث وإذا كان مبنيا علي حديث باطل أو ضعيف حينئذٍ لا يُعَوَلُ علي هذا القول وحجة من قال بان قول الصحابي حجة قالوا ما ورد من القران والسنة من تزكية الصحابة وتعديلهم وبيان جهادهم ومكانتهم كقوله تعالي
چ (والسابقون الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ والذين اتبعوهم بإحسان رضي اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ العظيم ... ) (2)
__________
(1) - حديث ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)). وفي لفظ: ((إنما أصحابي مثل النجوم فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم)). قال ابن حزم: خبر مكذوب موضوع باطل لم يصح قط. "الإحكام في أصول الأحكام" (5/ 64) و (6/ 82). وقال الألباني: موضوع. "الضعيفة" (66)، في سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/ 144):موضوع، وانظر "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد (2/ 91)،.قال الألباني
(2) - التوبة (100)
(10/9)

وقوله صلي الله عليه وسلم «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِى، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ» (1) إلي أخر ما ورد في تعديل الصحابة وتزكيتهم ولا شك أن عدالة الصحابة ثابتة وأما من طعن فيها فلا يُعتَد به.
إذاً هذان قولان متقابلان وذكرنا أن قول الجمهور هو ما سبق والله أعلم.

بَابُ الأَخْبَارِ
وَالْخَبَرُ اللَّفْظُ الْمُفِيدُ الْمُحْتَمِلْ
صِدْقًا وَكِذْبًا مِنْهُ نَوْعٌ قَدْ نُقِلْ
تَوَاتُرًا لِلْعِلْمِ قَدْ أَفَادَا
وَمَا عَدَا هَذَا اعْتَبِرْ آحَادَا
فَأَوَّلُ النَّوْعَيْنِ مَا رَوَاهُ
جَمْعٌ لَنَا لِمِثْلِهِ (2) عَزَاهُ
وَهَكَذَا إِلَى الَّذِي عَنْهُ الْخَبَرْ
لَا بِاجْتِهَادٍ بَلْ سَمَاعٍ أَوْ نَظَرْ
وَكُلُّ جَمْعٍ شَرْطُهُ أَنْ يَسْمَعُوا
وَالْكِذْبُ مِنْهُمْ بِالتَّواطِي يُمْنَعُ

قال رحمه الله تعالي باب الأخبار يعني ما يتعلق بالسنة النبوية من حيث الثبوت ومن حيث التقسيم العام إلي متواتر وآحاد وما يتعلق بالرجال والسند ونحو ذلك وأقسام الحديث الصحيح والضعيف كل هذه يتكلم عنها الأصوليون واصل مبحثُها تُبحث في علوم الحديث وهذا مُقْتَطَعٌ من علم الحديث الرجوع إلي أهله أولى يعني لا يؤخذ من كلام الأصوليين إلا ما وافق الحق وهذا قديم عندهم لعدم اشتغالهم بالسنة النبوية من جهة الرواية ولا الدراية والكلام هنا كالكلام فيما سبق في أقسام الكلام لان هذا علم مستقل حينئذٍ لا يتقن في هذا المحل ويرجع إلي ما ذُكِر.
باب الأخبار جمع خبر كسبب وأسباب أخبار، أفعال، وعرفه الناظم رحمه الله تعالى بقوله
والخبر اللفظ المفيد المحتمل صدقا وكذبا الخبر يُقابل الإنشاء وقد سبق أن الكلام هنا
اقل ما منه الكلام ركبوا اسمان أو اسم وفعل كاركبوا أراد بذلك أن يبين أن الكلام هو ما يتعلق من اسمين أو اسم وفعل وسبق أن اللفظ والإفادة هما شرطان في تحقق الكلام كأنه قال هنا
والخبر الكلام المحتمل وما هو الكلام هو اللفظ المفيد كلامنا لفظ مفيد كاستقم كأنه قال والخبر هو الكلام أو هو المركب الكلامي المُحتمِل صدقا وكذبا قوله اللفظ المفيد يعنى الذي أفاد فائدة تامة والفائدة لها اطلاقات عند النحاة فائدة تركيبية، فائدة ناقصة، فائدة تامة.
__________
(1) - صحيح البخارى - (12/ 433)، صحيح مسلم - (16/ 347) باب تحريم سب الصحابة.
معانى بعض الكلمات: (ولا نصيفه) قال أهل اللغة النصيف النصف وفيه أربع لغات نصف ونصف ونصف ونصيف حكاهن القاضي عياض في المشارق عن الخطابي]
(2) وفي نسخة عَنْ مِثْلِهِ.
(10/10)

فائدة تامة:- هي التي تشترط في حد الكلام بحيث لا ينتظر السامع أو لا يبقى السامع منتظرا لشيء آخر انتظار تاما لكن هذا التركيب اللفظ المفيد نوعان الكلام نوعان قد ذكرنا الكلام للسيوطي هناك أن الكلام منحصر عند البيانيين كافة وعند حذاق النحاة إلي نوعين لا ثالث لهما محتمل للصدق والكذب الخبر وغيره الإنشاء ولا ثالث قر حينئذٍ اجمع البيانيون وهو المُرَجَحُ عند حذاق النحاة أن الكلام منحصر في نوعين إما خبر وإما إنشاء والخبر هو الذي أراد أن يعرفه هنا يقابله الإنشاء وقسم الكلام للأخبار والأمر والنهي والإستخبار كما سبق
لذلك قال المحتمل هذا اخرج به الإنشاء لان الإنشاء لا يحتمل صدقا وكذبا وإنما هو خاص بما سيأتي وقوعه في المستقبل ولذلك يضبطه بعضهم من باب التقريب يُقال خبر لما مضى
والإنشاء لما ياتى يقع، قم، لا تقم ياليت عندي، لعلي أزورك، كل هذا في المستقبل لم يقع وأما الخبر فالأصل فيه بأنه شيء وقع ومضى هذا الأصل فيه اللفظ المفيد المحتمل فهو محتمل لهما للصدق والكذب لا أنهما يُدخِلانه جميعا محتمل صدقا وكذبا يعنى في وقت واحد أو أنه يحتمل والمرجح واحد منهما؟ واحد منهما إذا يحتمل قام زيد هذا في نفسه يحتمل الصدق والكذب
لكن إما أن يكون صادقا في النتيجة وإما أن يكون كاذبا هذا أو ذاك لا معنى بأنه صادق كاذب في نفس الوقت صدقت كذبت قام زيد صدقت كذبت ما يقال له صدقت كذبت إما صدقت فينتفي عنه الكذب وإما كذبت فينتفي عنه الصدق إما هذا أو ذاك فالاحتمال حينئذٍ يكون ابتداء أو احتمال من حيث هو ثم النتيجة لابد من تقرير أحد النوعين أو الاحتمالين المحتمل قلنا خرج مالا يحتمل وهو الإنشاء صدقا وكذبا المراد به مطابقة الواقع والكذب مخالفة الواقع هذا المراد
مطابقة الواقع تسمى صدقا والمراد بالواقع الشيء الذي يكون خارجا يعنى خارج الذهن لان مدلول قام زيد وجوده ذهني هل بالفعل قام زيد أو لا أن وقع بالفعل الوجود أدركته أنت أو بلغك
حينئذٍ نقول هذا وقع في الخارج إن وقع بالفعل حينئذٍ سمي صدقا إن لم يقع وقد قلت قام زيد حينئذٍ يسمي كِذْبا، وكَذِبا، وكَذَّب فيه ثلاث لغات صدقا وكذبا قلنا لابد أن يُقَيَد بذاته فخرج به ما احتماله لا لذاته بل للازمه كالأمر والنهي الأمر والنهي افترض بعضهم على انه له مَدخَليةُ في الخبرية إذا قلت اسقني ماء هذا يحتمل الكذب والصدق لكن بلازمه لماذا لأنك إذا قلت اسقني ماء كأنك قلت طلبت منك الماء فهو خبر في قوة الخبر حينئذٍ يلزم أو يحتمل الصدق والكذب
لا لذات اسقني ماء وإنما لما يلزمه من الدلالة علي الخبرية علي كل الأمر والنهي قد يقتضي
أو يستلزم الصدق والكذب لكن لا لذاته لا لنفس اللفظ وإنما لشيء أخر حينئذٍ لا تقم تقول هذا لا يحتمل لذات اللفظ لا يحتمل الصدق والكذب لكن ما معنى لا تقم أطلب منك عدم القيام
(10/11)

وهذا يحتمل الصدق والكذب إذا للازمه لا لذاته علي كل المحتمل يعني الذي احتمل صدقا وكذبا لذاته دخل ما قُطِع به لكذبه وما قطع بصدقه والأخبار المعلوم صدقها بضرورة العقل الواحد نصف الاثنين، والمعلوم كذبها بضرورة العقل الواحد نصف الأربعة لان ما سبق قد قررناه فيما سبق أن الكذب والصدق أو التصديق والتكذيب المراد به أن يُنْظَر به إلي ذات اللفظ دون القائل لذاته يعني لذات القول أو اللفظ المفيد لا باعتبار قائله لأنك لو نظرت باعتبار قائله حينئذٍ من الأقوال أو من الخبر مالا يحتمل إلا الصدق كخبر الله المنسوب إلي الله عز وجل
وخبر النبي صلي الله عليه وسلم ومنهم مالا يحتمل إلا الكذب رجل ما تعرفه إلا كذاب صباح مساء إذا تكلم مباشرة تقول هذا كذب ما في باس لان عندك قرينه حينئذٍ تكذبه علي هذا مسيلمة الكذاب قال أني رسول الله مقطوع بكذبه رجل قال الواحد نصف العشرة تقبلون صدق أو كذب؟
مقطوع بكذبه لأنه مخالف لضرورة العقل الواحد نصف الاثنين هه يحتمل الكذب؟ ما يحتمل الكذب إذا لذات اللفظ دون اعتبار دلالة العقل عليه يحتمل الواحد نصف الاثنين يحتمل من حيث اللفظ من حيثه هو لكن بدلالة العقل والنظر إلي ما دل عليه العقل نقول هذا لا يحتمل.
بدلالة العقل نقول لا يحتمل إذاً لذاته لابد من هذا القيد لإدخال ما قطع بكذبه وما قطع بصدقه
والخبر اللفظ المفيد المحتمل صدقا وكذبا منه نوع قد نقل تواترا هذا الذي يريده أن يُقَسِم لك الخبر إلي قسمين متواتر وآحاد منه أي من الخبر وهو اللفظ المفيد المحتمل صدقا وكذبا
مِنْهُ نوعٌ قد نُقِلْ تواترا، نوع يعنى بعضه اسم قد نقل الينا تواترا هذا حادث والتواتر في اللغة هو التتابع التتابع (ثم أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فبعدًا لقوم لا يُؤْمِنُونَ) (1) يعنى متتابعين هذا ما يعنون له بالتواتر وهو التتابع تعاقب أشياء
واحدا بعد واحدا بينهما مهلة تواترا والمتواتر سيحده الناظم وقدم حكمه علي حده يعني له حقيقة وهو ما أشار إليه بقوله ما رواه جمع لنا إلي أخره ثم بين حكمه قدم الحكم علي الحقيقة
ما حكمه؟ للعلم قد أفاد يعنى قد أفاد العلم قلنا اللام هذه ما نوعها؟ زائدة للتقوية لان أفاد يتعدى بنفسه للعلم هذا مفعول به مقدم (أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كنتم للرُّءيا تَعْبُرُونَ) (2)
تذكرون الكلام هذا ( ... إِنْ كنتم للرُّءيا تَعْبُرُونَ) تعبرون الرؤيا قلنا إذا تقدم المفعول علي أو المعمول علي العامل حينئذٍ أستساغ أن يأتى المتكلم بحرف للتقوية يسمى حرف تقوية يقوي العامل من أجل الوصول إلي المعمول لان القاعدة أن العامل يكون متقدم والمعمول متأخر هذا الأصل لأنه يقوى بعده يقوى عليه فينصبه أو يرفعه إذا تقدم المعمول علي العامل صار ضعيف العامل لابد من واسطة حينئذٍ إذا قيل زيداً ضربته تقل لي زيد ضربته هنا قد أفاد العلم هذا الأصل يتعدي بنفسه لما قُدِمَ العلم على أفاد ضعف العامل فاحتاج إلي مقوي ولذلك هذه اللام للتقوية تقوية العامل من اجل العمل.
__________
(1) - المؤمنون (44)
(2) - يوسف (43)
(10/12)

تَواتُرًا لِلعِلمِ قَدْ أفَادَا الألف هذه للإطلاقو قد هذه للتحقيق إذاً تواترا أفاد العلم بمعنى انه يوجب العلم والمراد بالعلم هنا العلم اليقيني بالمُخْبَر عنه علم اليقينى سبق أن العلم ينقسم إلي قسمين علم نظري وعلم ضروري وهنا المراد به العلم اليقيني فالمتواتر حينئذٍ ما يوجب بنفسه العلم بدون واسطة لا نحتاج إلي قرائن وإنما بذاته بنفسه منذ أن يُعْلَم الخبر المتواتر أفاد العلم اليقيني الذي لا يحتمل الشك البتة ولا يحتاج إلي نظر واستدلال مباشرة منذ أن تسمع الخبر تقول هذا حق وتقبله دون نظر إذاً المتواتر ما يوجب بنفسه العلم الخبر المتواتر يفيد العلم اليقيني باتفاق العقلاء إذ حصول العلم بالخبر المتواتر أمر يُضطر إليه الإنسان ولا حيله له في دفعه والواقع يشهد لهذا ثم اخلتف هؤلاء في العلم الحاصل بالتواتر هل هو ضروري أو نظري
وعرفنا الفرق فيما بينهما سابقا والصحيح أنه ضروري وليس بنظري.
وَمَا عَدَا هَذَا يعنى المتواتر يعنى ما عداه يعنى غيره المقابل له.
أعْتَبِرْ آحَادَايعنى اعتبره آحادا جمع أحدٍ وهمزتها أصلها واو والواحد هو الفرد حينئذٍ الآحاد هو مالم يبلغ المتواتر مالم يبلغ المتواتر يعنى ما لم يصل إلي درجة المتواتر فهما متقابلان إما متواتر أو آحاد ما هو المتواتر سيأتي تعريفه ما هو الآحاد مقابل له وهو ما لم يبلغ درجة التواتر فدخل في قوله الآحاد المشهور والعزيز والغريب معنون له عند أهل الحديث
فَأولُ النَّوْعَيْنِ مَا رَوَاهُ ... جَمْعٌ لنا عَنْ مِثْلِه عَزَاهُ
وَهَكَذَا إِلَى الَّذِي عَنْهُ الْخَبَرْ ... لا بِاجْتِهَادٍ بَلْ سَمَاعٍ أو نَظَرْ
وكُلُّ جَمْعٍ شَرْطُه أن يَسْمَعُوا ... والكِذْبُ مِنْهُم بِالتَّواطِي يُمْنَعُ
هذه شروط لابد من تَحَقُقِها في الحكم علي الخبر بأنه متواتر والتقسيم هذا الحديث والخبر إلي متواتر وآحاد هذا التقسيم موجود قديم عند أهل الحديث لكن ليس بهذه الشروط وإنما مرادهم إذا كثرت أو تعددت روايات الحديث حكموا عليه بأنه متواتر وأما التقيدات التي يذكرها الأصولييون فأكثرها لا اصل لها فَأولُ النَّوْعَيْنِ النوعين الفاء هذه فصيحة والمُراد به المتواتر
مَا رَوَاهُ جَمْعٌ لنا ما رواه ما خبر أو كلام لفظ مفيد رواه جمع، جمع هذا فاعل، رواه، رواه جمع
كثير فالتنوين هنا للتكثير ولم يقيده الناظم هنا لم يقيد جمع متي أُطلق عليه جمع حينئذٍ لابد من تقييده بما عدا الآحاد يعنى ليس بالغريب ولا العزيز ولا المشهور ومعروف أن المشهور ثلاثة
(10/13)

وما عدا ذلك أربعة ولذلك اختار بعضهم بأن اقل ما يصدق عليه أنه متواتر هو أربعة عدد أربعة وهذا الذي اختاره الشيخ الأمين في نثر الورود أو في المذكرة أو فيهما معا لا يُشترط في التواتر عدد معين فأصول العلم بالخبر المتواتر في عدد محصور بل متي حصل العلم بخبر المخبرين المجرد عن القرائن علمنا أن الخبر بلغ التواتر وإذا لم يحصل العلم انتفى التواتر وهذا مذهب الجمهور أنه لا يُحدد بعدد معين متى ما حصل العلم اليقيني عند عدد ليس بمشهور ولا عزيز ولا آحاد قلنا هذا أفاد العلم حينئذٍ هو متواتر قد يحصل عند الأربعة ولا يحصل عند العشرة فليس كل من قيد كالسيوطي قيد بعشرة بعضهم قيد بعشرة كلما وجد عدد عشرة عن عشرة إلي أخره حصل العلم اليقيني وليس الأمر كذلك قد يحصل عند السبعة والأربعة ولا يحصل عند العشرين حينئذٍ نقول أن الصواب أن مُتَعَلَقه هو إفادة العلم اليقيني حصل حينئذٍ حكمنا عليه بأنه متواتر وإن لم يحصل حينئذٍ نقول ليس بمتواتر
وما رواه عدد جم يجب ... إحالة اجتماعهم علي الكذب
المتواتر ... قوم حددوا ... بعشرة وهو لدي أجود
هكذا قيده السيوطي وهو لدي أجود بان يُقَيَّدُ بعشرة.
والقول باثنى عشرة أو عشرين يحكىو بأربعين أو سبعين لكن الصواب هو ما ذكرناه سابقا
جَمْعٌ لنا عَنْ مِثْلِه عَزَاهُ أي عزاه ذلك الجمع عن جمع مثله يعنى نسبه إلي جمع مثله كأنه يقول يشترط أن يكون هذا الجمع في جميع السند من أوله إلي أخره حتى الصحابة هذا من المأخذ علي هذا الشرط يعنى حتى الصحاب لو رواة عشرة عن عشرة عن التابعين عشرة ثم عن واحد أو اثنين من الصحابة لا يُعتَبَرُ متواتر لان هذا الشرط كما انه يشمل وكل الشروط التي يذكرونها ما دام يشمل ما بعد الصحابي وطبقة الصحابة داخلون في تلك الشروط هذا من المآخذ علي هذه الشروط.
عَنْ مِثْلِه عَزَاهُ عن مثله عن جمع يعنى عزاه ذلك الجمع عن جمع مثله
وَهَكَذَا أي كل جمع يعزوه إلي مثله إِلَى الَّذِي عَنْهُ الْخَبَرْ إلي منتهى الخبر سواء انتهى إلي تابعي أو انتهى إلى صحابي لان الحكم عام سواء إن كان في حديث أو في غيره وهكذا أي رواه مثل ذلك الجمع هكذا أي كرواية هذا الجمع فيما أنها عن مثله فيما ذكر إلي الذي عنه الخبر إلي الذي الخبر عنه وهو أما الصحابي أو النبي صلي الله عليه وسلم أوما عدا ذلك لان ما لا يكون كذلك فأنه يحتمل عدة احتمالات.
وَهَكَذَا إِلَى الَّذِي عَنْهُ الْخَبَرْ ... لا بِاجْتِهَادٍ بَلْ سَمَاعٍ أو نَظَرْ
(10/14)

أن يكون منتهي الخبر ما هو؟ الحس لا بِاجْتِهَادٍ لا الاجتهاد يعنى لابد أن يكون نهاية الخبر سمعت رأيت وأما الأمور لا بِاجْتِهَادٍ العقلية والاجتهادية فهذه لا مجال لها في المتواتر فخُصَّ المتواتر بالمحسوسات لا باجتهاد يعنى أن يكون منتهى الخبر أمورا حسية سماع أو نظر رأيت أو سمعت وأما الاجتهاد فلا كأخبار الفلاسفة بقدم العالم اجمع الفلاسفة علي قدم العالم وهذا خبر متواتر عندهم حينئذٍ منتهي الخبر أمر عقلي وليس بأمر محسوس ومع ذلك هو من أبطل الباطل أو متواتر وعندهم أفاد العلم اليقيني لكنه علم فاسد حينئذٍ نقول وجود هذه الشروط في منتهي الخبر الذي لا يكون حسيا مدرك بالحس حينئذٍ يُعتَبر ناقضا في صدق حد التواتر علىهذا الخبر لا باجتهاد لجواز الغلط فيه كأخبار الفلاسفة بقدم العالم بل سماع بل لابد أن يكون سماع ما يسمع أو نظر مما يُنظر يعنى يُشاهد حينئذٍ لابد أن يكون منتهاه الحس وأما الاجتهاد فهذا يجوز فيه الغلط السهو الغفلة إلي أخره.
وكُلُّ جَمْعٍ شَرْطُه أن يَسْمَعُوا يعنى لابد أن يكون السلسلة سلسلة السند أو الأسانيد لابد أن تكون الرابطة بينها حدثنا سمعت وأما ما عداها إذا لم يُحمل علي السماع حينئذٍ لا يقبل فالمُدلس لا وجود له هنا البتة وكل جمع من الجمع المتواتر شرطه أن يسمعوا أو يروا كما سبق.
والكِذْبُ مِنْهُم بِالتَّواطِي يُمْنَعُ والكذب منهم يعنى من الجمع يمنع بالتواطي، التواطي المراد به التوافق أن تحيل العادة أن يتواطؤا ويتوافقوا علي الكذب
يعنى يأتي خبر من هنا من هنا من بلد من بلد أخر إلى أخره وهؤلاء لا يمكن أن يجتمعواهذا قبل الانترنت وأما الآن يمكن أن يجتمعوا أليس كذلك فإذا جاء الخبر من عدة جهات ولم يكن ثَمَّ ترابط وتوافق بينهم حينئذٍ قيل العادة تمنع أن يتواطؤا علي الخبر ولذلك قيل لو جاء جماعة المسجد وقالوا سقط الخطيب اليوم من على المنير هل يعتبر متواترا؟ لا يعتبر متواترا لماذا يمكن أن يتواطئوا ولا يقبل خبرهم علي انه متواتر والكذب منهم يعنى من الجمع المتواطي يمنع أي يمتنع عادة أو عقلا من ملاحظة العادة توافقهم على الكذب إذاً ما رواه جمع أو عدد يكون منتهاه إلى الحس من سمع أو بصر وكل جمع يروي ذلك الخبر عن جمع قبله وتكون السلسلة بينهم بالسماع حينئذٍ يصدق عليه انه متواتر، المتواتر قسمان عند أربابه متواتر لفظي ومتواتر معنوي لان بعضهم أنكر التواتر.
وبعضهم قد ادعى فيه العدم ... وبعضهم عزته وهو وهم
بل ... الصواب ... أنه ... كثير ... وفيه لي مؤلف ... نظير
خمس وسبعون رووا من كذبه ... ومنهم العشرة ثم انتسب
لها أحاديث الرفع ... لليدين ... والحوض والمسح علي الخفين
حينئذٍ فابن الصلاح ادعى أو خالف في وجود التواتر ومراده المتواتر اللفظي مراد بن الصلاح في إنكار وجود المتواتر، المتواتر اللفظي لأنه لم يذكر إلا حديث من كذب علي متعمدا (1)
__________
(1) - الحديث في صحيح البخارى - (12/ 174) باب ما ذكر عن بني اسرائيل قال:-

حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِىُّ حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِى كَبْشَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». تحفة 8968
(10/15)

ما عداه لا وجود له حينئذٍ لو قيل بأنه قليل أو أنكره منكر فلا باس لا إشكال فيه أقسام المتواتر نوعان المتواتر اللفظي:- وهو ما اتفق فيه الرواة علي اللفظ والمعنى كالقرآن القران لا شك في انه خارج عن مبحث السنة وحديث من كذب علي متعمدا إلى أخره متواتر معنوي هو ما اتفق رواته علي معناه دون لفظه كاحاديث الشفاعة (1) ثابتة مقطوع بها وكذلك الحول وفضائل أبي بكر (2) وغير ذلك.

ثَانِيهِمَا الآحَادُ يُوجِبُ الْعَمَلْ
لَا العِلْمَ لَكِنْ عِنْدَهُ الظَّنُّ حَصَلْ
لِمُرْسَلٍ وَ (3) مُسْنَدٍ قَدْ قُسِّمَا
وَسَوْفَ يَأْتِي ذِكْرُ كُلٍّ مِنْهُمَا
فَحَيْثُمَا بَعْضُ الرُّوَاةِ يُفْقَدُ
فَمُرْسَلٌ وَمَا عَدَاهُ مُسْنَدُ
لِلِاحْتِجَاجِ صَالِحٌ لَا الْمُرْسَلُ
لَكِنْ مَرَاسِيلُ الصَّحَابِي تُقْبَلُ

كَذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ اقْبَلَا
فِي الاحْتِجَاجِ مَا رَوَاهُ مُرْسَلَا
وَأَلْحَقُوا بِالْمُسْنَدِ الْمُعَنْعَنَا
فِي حُكْمِهِ الَّذِي لَهُ تَبَيَّنَا
وَقَاَل مَنْ عَلَيْهِ شَيْخُهُ قَرَا
حَدَّثَنِي كَمَا يَقُولُ (4) أَخْبَرَا

وَلَمْ يَقُلْ فِي عَكْسِهِ حَدَّثَنِي
لَكِنْ يَقُولُ رَاويًا أَخْبَرَني
وَحَيْثُ لَمْ يَقْرَأْ وَقَدْ أَجَازَهْ
يَقُولُ قَدْ أَخْبَرَنِي إِجَازَهْ
__________
(1) - رواه لبخاري في صحيحه كتاب التيمم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)،ومسلم في صحيحه في أول كتاب المساجد ومواضع الصلاة رقم 521
(2) - أحاديث فضائل أبي بكر رواه البخاري في صحيحه كتاب فضائل الصحابة/ باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو كنت متخذاً خليلاً"، ومسلم: كتاب الفضائل/باب فضائل أبي بكر.
(3) وفي نسخة أَوْ.
(4) وفي نسخة تَقُولُ.
(10/16)

ثانيهما أي ثاني النوعين وهو مقابل للمتواتر الآحاد الذي هومقابل المتواتر وهو الذي يوجب العمل كما قال الناظم هنا يوجب العمل لا العلم ثانيهما أي ثاني النوعين الآحاد وهو الذي لم تبلغ رواته عدد التواتر واحدا كان راويه أو أكثر وشرطه عدالة راويه قال يوجب العمل لا العلم المراد به النفي العلم اليقيني بمعني انه يفيد ما يقابل العلم وهو الظن وهذا سيأتي أما قوله يوجب العمل هذا محل إجماع يوجب العمل بمقتضاه محل إجماع عند السلف في العقائد وفيما دون ذلك يعنى في العلميات وفي العمليات وان شئت قل في الأصول وفي الفروع مذهب أهل السنة والجماعة إجماع على وجوب العمل بخبر الآحاد وأن كونه آحادا لا يمنع من العمل به مطلقا متى ما صح الخبر عن النبي صلي الله عليه وسلم وجب العمل به ولو عن راو واحد ولو كان في باب التوحيد والأيمان والرسل ونحو ذلك أجمع أهل العلم علي وجوب العمل بخبر الواحد قال الشافعي رحمه الله تعالي في الرسالة ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة أجمع المسلمون قديما وحديثا علي تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه بأنه لم يُعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي وهو ما نُقِل إجماع يتورع هو إجماع لكنه تورع في نقل الإجماع لو جاز لي أن أقول لقلت بأنه لا يُعلم مخالف في هذه المسالة ولكن أقول لم احفظ عن فقهاء المسلمين أنه مختلف في تثبيت خبر الواحد وهذا معنى الإجماع لم أحفظ عن فقهاء المسلمين انه مختلف في تثبيت خبر الواحد بما وصَفْتُ من أن ذلك موجودا علي كلٍ.
وقال الخطيب البغدادي وعلي العمل بخبر الواحد كان كافة التابعين ومن بعدهم من الفقهاء الخالفين في سائر أمصار المسلمين إلي وقتنا هذا ولم يبلغنا عن أحد منهم إنكار لذلك
والاعتراض عليه مطلقا لا في العقائد ولا في غيرها ولذلك ألف أهل العلم في إفراد هذه المسالة بذكر الأدلة التي تدل علي أن الصحابة كانوا يعملون بخبر الواحد دون استفسار تواتر عن النبي صلي الله عليه وسلم بعث الرسل والأمراء والقضاة والسعاة إلي البلدان والقرى والنواحي لتبليغ الدين والأحكام وأخذ الصدقات ونحو ذلك وهذا واضح وخاصة في حديث معاذ انك تأتي قوما من أهل الكتاب (1)
__________
(1) - عَنْ أَبِى مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا - رضى الله عنه - عَلَى الْيَمَنِ قَالَ «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهُمْ زَكَاةً {تُؤْخَذُ} مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ». أطرافه 1395، 1496، 2448، 4347، 7371، 7372 - تحفة 6511. صحيح البخارى (5/ 450) باب لا تؤخذ كرائم أموال ... ،ومسلم باب الدعاء الى الشهادتين
(10/17)

إلي أخره الحديث في الصحيحين وجاء فيه تقرير التو حيد واجمع الصحابة على قبول خبر الواحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتهر ذلك ولم يُنْكَر إلى أخر الأدلة التي ذكروها وهذه الأدلة كلها ليس فيها تفريق بين العقائد ولاغيرها فيجب العمل بخبر الواحد مطلقا دون تفصيل وما وقع عند المخالفين في مسالة أن خبر الواحد لا يعمل به في باب المعتقد هذا مردود بما ذكرناه سابقا فيجب العمل بخبر الواحد مطلقا في العقائد والأحكام دون تفريق بينهما وهذا أمر قد اجمع عليه السلف والأدلة السابقة عامة مطلقة لم تفرق بين باب وباب ولا بين ما تعم به البلوى وما لم تعم به البلوى إالي أخر ما يذكره الأصوليون وغيرُهُم.
لا الْعِلْمَ لكنْ عِنْدَهُ الظَّنُّ حَصَلْ
لا الْعِلْمَ يعنى لا يفيد الآحاد العلم كما أفاده المتواتر والمراد هنا إذا قيل هنا بان المتواتر يفيد العلم بمعنى انك تقطع وتجزم بان النبي صلي الله عليه وسلم قال هذا النص هذا الخبر وإذا قيل بانه لا يفيد العلم تحكم في الظاهر ولا تقطع في الباطن بان النبي صلي الله عليه وسلم
قال هذا القول عرفتم الفرق إذا قيل بان يفيد العلم يعنى تقطع وتعتقد في باطنك بان النبي صلي الله عليه وسلم قال هذا القول ولا شك فيه وأما إذا قيل بأنه لم يفيد العلم إنما أفاد الظن حينئذٍ لا تقطع وإن كنت مطالبا ومحكوما عليك بان تعمل به في ظاهره المراد بذلك يعنى لا العلم مطابقة خبر الواحد للواقع فهل يقطع ويجزم بصدقه فيفيد العلم أو انه أمر ظني فيحتمل الخطاء أو الكذب ولو بنسبة ضئيلة لان الراوي بشر حينئذٍ يحتمل انه سهى يحتمل انه غفل إلي أخره فالوجود هذه الاحتمالات ترفع العلم اليقينى أو الحكم علي كون النص قد دل على أو أفاد العلم اليقيني لأنه يحتمل انه سهى ويحتمل انه غفل بخلاف السابق متواتر متتابع كون هذا الاحتمال موجود عند زيد جاء غيره وثالث ورابع جمع فلابد أن يكون جمع فالاحتمال الوارد في زيد قد رفعه وروده من عدة طرق كلما تعددت الطرق حينئذٍ الاحتمال قد الضعف إن لم يرتفع إن لم نقل بأنه ارتفع أما الآحاد فلا ليس فيه شرط بالجمع أنه لابد من جمع56. ففيه أقوال أولا:- انه لايفيد العلم بل يفيد الظن مطلقا وهذا مذهب جماهير الأصوليين أن خبر الآحاد لا يفيد العلم مطلقا ولو مع قرائن ولو كان في الصحيحين ولو أخذته الأمة بالقبول ونحو ذلك فكل حديث أو خبر سواء احتف بقرينة أو لم يحتف بقرينة عند جماهير الأصوليين انه لا يفيد إلا الظن ولهم أدلتهم.
المذهب الثاني:- انه يفيد العلم مطلقا وهذا مذهب داوود الظاهري ورواية عن أحمد.
المذهب الثالث:- وهو المشهور عند المتأخرين التفصيل إن احتفت به قرائن ككونه في الصحيحين أو تلقته الأمة بالقبول حينئذٍ يفيد العلم اليقيني وان لم تحتف به قرائن فهذا يفيد الظن وهذا مذهب الشافعي الذي هو التفصيل والخطيب البغدادي وبن قدامه وبن تيمية وبن القيم والأمين الشنقيطي رحمة الله على الجميع.
إذاً كونه يفيد العلم هذه مسالة خلافية وأما يوجب العمل مطلقا ليست مسالة خلافية فرق بين أن نقول خبر الآحاد هل يوجب العلم أولا؟
(10/18)

ثَمَّ تفصيل عند المتأخرين أما مذهب أهل السنة والجماعة الاتفاق يوجب العمل بمقتضاه مطلقا في العقائد وفي الأحكام هل يوجب العلم يوجب الظن يقتضي نقول هذه مسالة خلافية فيها خلاف.
لا الْعِلْمَ لكنْ عِنْدَهُ الظَّنُّ حَصَلْ الظن عرفنا معناه فيما سبق حصل الظن عنده انتبه حصل الظن به يعنى بالحديث نفسه أما عنده هذه أشعرية مغلفة عند التعبير (بعند) فيه نظر بل نقول حصل به والظن هو إدراك احد الطرفين لاحتمال الخطاء فيه ولو بالسهو والنسيان ثم قال رحمه الله تعالي في تقسيم خبر الواحد إلي قسمين.
لِمُرْسَلٍ ومُسْنَدٍ قَد قُسِمَا ... وَسَوْفَ يَأْتِي ذِكْرُ كُلٍّ مِنْهُمَا
لمرسل ومسند قد قسما يعنى خبر الآحاد الألف هذه للإطلاق خبر الآحاد ينقسم إلي مرسل واللام هنا بمعنى إلى ومسند قسمان لا ثالث لهما عند الأصوليين وثَمَّ تفرقة بين المصطلحات بين الأصوليين وأهل الحديث وأربابها وأصحابها أهل الحديث وسوف يأتي في النظم ذكر كل منهما من القسمين المرسل والمسند.
فحَيْثُمَا بعضُ الْرُّوَاةِ يُفْقَدُ فَمُرْسَلٌ يعنى مالم يتصل إسناده فهو مرسل عند الأصوليين بخلاف المرسل عند المحدثين.
المرسل المرفوع بالتابعي أو بكِبَر أو سقط رأوٍ قد حكاه واشهرها الأول
يعني المقصود مرسل التابعي، مرفوع التابعي فحَيْثُمَا الفاء فصيحة.
بعضُ الْرُّوَاةِ يُفْقَدُ بان سقط من السند بعض رواته واحدا كان أو أكثر فهو قول غير الصحابي كذا مسقط الواسطة بينه وبين النبي صلي الله عليه وسلم وهذا كما ذكرنا اصطلاح الأصوليين والفقهاء وأما عند المحدثين فهو قول التابعي قال رسول الله صلي الله وسلم كذا أو فعل كذا أو فُعِل بحضرته فان كان القول من تابعي التابعي فمنقطع أو ممن بعدهم فمعضل وعند الأصوليين المرسل يدخل فيه المنقطع والمعضل والمرسل الذي هو بالمعنى الأخص الذي هو عند المحدثين.
وما عَدَاه مُسْنَدُ يعنى وما عدا المرسل مُسْنَدُ وهو ما اتصل إسناده منقطع، متصل ما اتصل إسناده هو المسند، ما انقطع إسناد بواحد اثنان علي التوالي، على الافتراق إلي أخره يُسَمَّى مرسلا.
لِلاحْتِجَاجِ صَالحٌ لا الْمُرْسَلُ يعنى الذي يُحتَجُ به وهذا لا خلاف فيه هو ما اتصل سنده لكن بشرطه العدالة الرجال إلي أخره.
لِلاحْتِجَاجِ صَالحٌ لا الْمُرْسَلُ لكِنْ مَرَاسِيلُ الصَّحَابِي تُقْبَلُ مرسل الصحب وصل في الأصح إذا أرسل الصحابي ولم يذكر الواسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم حينئذٍ نقول الصحابي هنا لم يُسقِط إلا صحابي هذا الأصل فيه والصحابة كلهم عدول حينئذٍ علمنا بهذه الواسطة المُسْقَطَة وإذا علمنا بكونه صحابيا حينئذٍ علمنا عدالته لان التهمة في الإسقاط ما هي؟
التهمة بان يكون هذا مجهول أو غير مقبول الرواية حينئذٍ إذا علم بأنه صحابي ارتفع الاحتمال
لِلاحْتِجَاجِ صَالحٌ لا الْمُرْسَلُ لكِنْ مَرَاسِيلُ الصَّحَابِي تُقْبَلُ
لا الْمُرْسَلُ فليس بحجة عند الشافعي لاحتمال أن يكون الساقط مجروحا لان عدالة من أَسقَط غير معلومة والعلم بعدالة الراوي فرع العلم به لكن مراسيل الصحابي تقبل وحجة سواء كان الصحابي كبيرا أو صغيرا.
(10/19)

كَذَا سَعِيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ اقْبَلاَ سعيد بن المُسَيَّبَ، مُسَيِّبْ يجوز فيه الوجهان.
كل مسَيَّبَ فبالفتح سوى أبي سعيد فالوجهين حق أما القول المشهور سَيَبَ الله مَنْ سَيَبَنِي هذا لا يثبت عنه البتة.
كذا سعيد بن المسيب اقبلا النون عن الألف بدل التنوين فإنها فُتش عنها فوجدت مسانيد عن النبي صلي الله عليه وسلم قيل لم يسقط إلا أبا هريرة صهره.
كذا سعيد بن المسيب اقبلا في الاحتجاج ما رواه حالة كونه مرسلا إذاً المرسل غير مقبول
استثنى المصنف هنا نوعين مراسيل الصحابة مقبولة واستثني مراسيل سعيد بن المسيب لماذا؟ لأنها فتش عنه فوجد أنها مسندة.
وألْحَقُوا بالْمُسْنَدِ الْمُعَنْعَنَا فِي حُكْمِهِ الَّذِي لَهُ تَبَيَّنَا
وألْحَقُوا أي الأصوليون بالمسند المعنعن إذاً يُحمل المسند السابق بان تكون الرابطة والصلة أو الأداة بين الراوي والراوي سمعت سمعنا حدثنا إلي أخره ولابد من السماع أما إن روى بعن ومثله أن وهذا عند جماهير المحدثين كذالك الذي اعتمده هنا انه محمول علي السماع.
ومر بان وعن فاحكم بوصله ... إن اللقاء يعلم ولم يكن مدلسا
بشرط ألا يكون من المدلسين وإلا بقي علي أصله لماذا؟ لان لفظ عن محتمل ويسقط الواسطة ويرفع الحديث والحقوا بالمسند يعني المتصل المعنعنا يعنى الحديث المعنعن
وأصل عنعن الحديث إذا رواه بكلمة عن ما لم يكن مدلسا ومثله أن المؤنن فهو متصل لاتصال سنده في الظاهر لا مرسل والحقوا المسند المعنعن فِي حُكْمِهِ كأن يحتج به أي المسند.
الَّذِي لَهُ تَبَيَّنَا الألف هذه للإطلاق وظهر فيما سبق ثم قال انتقل إلي بيان بعض صيغ الأداء
وَقَالَ مَنْ عَلَيْهِ شَيْخُه قَرَا ... حدَّثَني كَمَا يَقُولُ أَخْبَراَ
وَقَالَ مَنْ عَلَيْهِ شَيْخُه قَرَا من الفاعل هنا من القاري الشيخ إذا قرأ الشيخ على الطالب وأراد الطالب أن يروي عن الشيخ يقول حدثني حدثنا إذا كان معه شخص إذا قرا الشيخ علي الرواة وهم يسمعون حينئذٍ يقول الطالب حدثني فلان حدثني إذا كان لوحده وإذا كان معه أحد يقول حدثنا.
كَمَا يَقُولُ أَخْبَراَ يعنى أخبرني فحدثني وأخبرني إذا قرا الشيخ علي الطالب وأراد أن يروي لطالب بمعنى واحد التحديث بمعني الأخبار
وَلَمْ يَقُلْ فِي عَكْسِهِ حَدَّثَنِي يعنى إذا كان الطالب هو الذي يقرأ على الشيخ حينئذٍ إذا لراد أن يروي الطالب يقول حدثني يكون كذب على الشيخ لماذا؟ لأنه لا يقل حدثني إلا إذا تكلم الشيخ
وأما إذا كان القاري هو الطالب والشيخ مستمع حينئذٍ لا يقل حدثني ولم يقل في عكسه بان يقرأ الراوي علي شيخه حدثني لأنه لم يحدثه فقد كذب عليه ومنهم من أجاز ذلك أن يقول حدثني ولو كان الطالب هو القارئ علي الشيخ وهو قول مالك وسفيان ومعظم الحجازيين
وعليه عُرف أهل الحديث لأنه قصد الأعلام بالراوية عن الشيخ وهذا إذا أُطلق وأما إذا قال حدثني قرأ عليه حينئذٍ لا إشكال فيه.
لَكِنْ يَقُولُ رأويًا أخْبَرَنِي هذا التفريق بين حدَّث وأخبر، على كل هذه موجود في كتب المصطلح
وَحَيْثُ لَمْ يَقْرَأْ وَقَدْ أجَازَهْ ... يَقُولُ قَدْ أَخْبَرَنِي إجَازَهْ
(10/20)

وحيث لم يقرأ لا الشيخ ولا الطالب لم يقرأ أحدهم على الأخر وإنما أجاز وأجزت يقول قد أخبرني إجازة يعنى يقيد الأخبار بكونه إجازة ولا يُطْلِقُها هكذا لو قال أخبرني شيخي أو فلان
حينئذٍ كذب لأنه لم يخبره ولم يحدثه وإنما أجازه فيقول أخبرني إجازة كما سبق هذا البحث
يُرجع فيه إلى كتب أهل الحديث ولكن لابد من المرور عليه والله اعلي واعلم وصلي الله علي نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(10/21)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

قال الناظم - رحمه الله تعالى -: ... باب القياس
وهو رابع الأدلة الشرعية، هذا الباب يعتبر رابع الأدلة الشرعية حيث ذكر الكتاب والسنة ثم الإجماع ثم القياس على الترتيب المشهور عند الأصوليين.
والقياس من حيث كونه حجة أو لا ... سبق، جماهير العلماء على إثبات القياس والاحتجاج به من حيث الجملة، يعني في الأصل القياس متفق عليه، ولكن عند التنزيل، وعند التنصيص، وعند الأقيسة من حيث النوع ... هذا ما يقع فيه النزاع، يعني قد يُسلَّم في هذا القياس وقد يخالف في هذا القياس. فحجية القياس نقول: التعبد به جائز عقلا وشرعا عند عامة العلماء، وقد ورد آيات، وكذلك من السنة النبوية، بل حُكي إجماع الصحابة السكوتي على اعتبار أن القياس حجة مما يحتج به في إثبات الأحكام الشرعية.
ورد آيات كثيرة تأمر بتدبر الآيات الكونية وأخذ العبرة من الأمم الماضية، كذلك ضرب الأمثال والتشبيه، كذلك ذكر ابن القيم وغيره أن كل آية فيها ضرب مثل، أو تشبيه فهي دليل على إثبات القياس. كل آية فيها ضرب مثل أو تشبيه فهي دليل على إثبات القياس لأن القياس فيه حمل النظير على النظير، وهذا المراد من ضرب المثل، وكذلك التشبيه {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} الحشر: 2، {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} الصافات: 22: أي نظائرهم، في السنة كذلك جاء حديث الأعرابي قال:
"يا رسول الله وُلد لي غلام أسود. فقال: هل لك من إبل - يعني: يشك فيه - قال: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟، قال: نعم، قال: فأني ذلك؟ قال لعله نزعه عرق. قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق".
وهذا قياس واضح بيِّن، كذلك إجماع الصحابة السكوتي على أن القياس دليل من الأدلة الشرعية والاستدلال بالإجماع في إثبات القياس أقوى الأدلة، أقوى دليل في إثبات حجية القياس هو الإجماع السكوتي من الصحابة، لأن الأدلة السابقة بعضهم نظر فيها فجادل وخاصم، يعني: منع الاستدلال بها، وأما الإجماع السكوتي فهذا أقوى الأدلة لأنه لا يقبل النسخ ولا يحتمل التأويل بخلاف النص كما ذكرنا من الكتاب والسنة فإنه يقبل ذلك، وما لا يقبل مقدم على ما يقبل. يعني: الذي يقبل التأويل - حينئذ - نقول هذا محتمل، وما لا يقبل - حينئذ - نقول هذا لا يحتمل، وسيأتي أنه يقدم الجلي على الذي يقع فيه نوع نزاع. قال الرازي: الإجماع الذي يعوَّل عليه جمهور الأصوليين - يعني الإجماع على حجية أو فعل الصحابة - هو الذي يعوِّل عليه الأصوليون في إثبات حجية القياس. الإجماع هو الذي يعوِّل عليه جمهور الأصوليين، وقال الآمدي: الإجماع أقوى الحجج في هذه المسالة، وقال أكثر العلماء: إن إجماع الصحابة على العمل بالقياس يعد أقوى الأدلة على ثبوت حجيته ووجوب العمل به.
(11/1)

إذن ما الدليل على أن القياس حجة؟ ... الإجماع السكوتي من الصحابة. والإجماع السكوتي يعتبر حجة شرعية تثبت بها الأحكام. - حينئذ - ابن حزم - رحمه الله تعالى - مسبوق بالإجماع بل هو قد خرق الإجماع فلا يلتفت إلى قوله، لكن القياس الذي أجمع عليه أهل العلم هو القياس الصحيح. ليس كل من ادعي أنه قياس - حينئذ - يعتبر قياسًا صحيحًا .. لا ... ثَمَّ أخطاء قد تدخل القياس فيكون القياس خطأ وليس هو الذي تثبت به الأحكام الشرعية، بل لابد أن يكون القياس صحيحًا ثابتًا في نفسه، ولذلك شنع ابن حزم - رحمه الله تعالى - على كثير من الأقيسة التي استخدمها أكثر المتأخرين من أرباب المذاهب على فساد هذا القول، وهي قد تكون أقيسة في نفسها فاسدة لكن لذاتها، وإذا فسد الشيء في نفسه لا يلزم منه إفساد الأصل، فالأصل صحيح وهو القياس وحجيته، ولكن إذا وقع خطأ في نوع القياس - حينئذ - لا يعدم الأصل بسبب تلك الأخطاء.
* ضابط القياس الصحيح:
أولا: ألا يوجد في المسألة نص:
لا يحل لمجتهد أن يجتهد مع وجود النص، إذن ضابط القياس الصحيح ألا يوجد في المسألة نص، فلا يحل القياس والخبر موجود.
ثانيا: أهلية القائس:
ليس كل من ادعى القياس - حينئذ - يؤخذ منه لابد أن يكون أهلا للنظر والاستدلال والاجتهاد.
ثالثا: أن يكون في نفسه صحيحا قد استكمل أركانه وشروطه:
يعني ثَمَّ شروط للقياس من حيث الفرع، ومن حيث الأصل، ومن حيث الحكم، ومن حيث العلة لابد من اكتفائها أن توجد الأركان الأربعة، ولكل ركن شروط لابد من تثبيتها فهذا هو الميزان الذي أنزله الله مع كتابه {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} الشورى: 17.

قال: ... باب القياس
"القياس" لغة: التقدير، نحو قست الثوب بالذراع أي: قدرته، وبمعنى التشبيه: نحو يقاس المرء بالمرء يعني: يشبه به، والمساواة: يأتي القياس بمعنى المساواة يقال: فلان لا يقاس بفلان يعني: لا يساويه - حينئذ - يكون مشتركًا لفظيًا بين التقدير والمساواة، ولذلك عرف بعضهم القياس: "بتسوية فرع بأصل لعلة جامعة بينهما في الحكم" فأتى بلفظ المساواة لأن القياس في اللغة يأتي بمعنى المساواة، أما القياس في اصطلاح الأصوليين - القياس الشرعي - فهو:
"رد الفرع للأصل في حكم صحيح شرعي لعلة جامعة في الحكم"
القياس لابد أن يستوفي أربعة أركان:
* الفرع.
*الأصل.
* حكم الأصل.
* العلة الجامعة بين الفرع والأصل.
هذه أركان القياس، لابد من وجودها يعني لابد أن يكون عندنا فرع، والمراد بالفرع هو المحل الذي له الحكم، يعني نجهل حكمه ... ما حكمه؟ ... ما ندري، فهذا الفرع مجهول الحكم، المطلوب إثبات حكم الأصل في الفرع، و"أصل": وهو المقيس عليه، هذا سبق معنا في أول المنظومة أن الأصل يطلق ويراد به المقيس عليه، هو الذي معنا هنا، و"حكم الأصل": ما حكم هذا الأصل؟ .. التحريم، الوجوب ... إلى آخره، رابعا: "العلة الجامعة بين لفرع والأصل". هذه أربعة أركان: مقيس وهو الفرع، ومقيس عليه وهو الأصل، وحكم الأصل يعني حكم المقيس عليه المعلوم هذا، وعلة جامعة بين الفرع والأصل، - حينئذ - نقول مثلا - كمثال من أجل الإيضاح - النبيذ:
(11/2)

هذا فرع، اختلف أهل العلم في حكمه يعني مجهول الحكم، نريد أن نعرف ما حكم النبيذ فهو مجهول الحكم، ثمرة القياس إثبات الحكم لهذا الفرع - حينئذ - نقول:
النبيذ هذا مجهول الحكم وهو فرع وعندنا أصل مقيس عليه وهو الخمر ... حكم الخمر ما هو؟ التحريم.
عندنا علة من أجلها جلب هذا الحكم وهو التحريم ... لماذا حرمت الخمر؟ للإسكار. هذه أربعة أشياء: الفرع وهو النبيذ، والأصل المقيس عليه وهو الخمر، وحكم الأصل وهو التحريم، والعلة. هذه العلة هي الوصف الذي من أجله حكم بتحريم الخمر ... لماذا حرمت الخمر؟ ... للإسكار. إذن ثَمَّ تناسب بين العلة والحكم المرتب على العلة - حينئذ - ماذا نصنع، ماذا نفعل في القياس؟
ننظر في الفرع الذي هو النبيذ إن وجدنا علة حكم الأصل في الفرع سحبنا حكم الأصل إلى الفرع، وقلنا بحكمه، فإذا وُجد الإسكار في الفرع الذي هو النبيذ - حينئذ - نقول: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، الخمر حرمت للإسكار، والنبيذ مسكر إذن نسحب حكم الأصل إلى الفرع، والنتيجة أو الثمرة - ثمرة القياس - هي تحريم النبيذ.
هذا المراد بالقياس، والقياس مباحثه طويلة عريضة جدا، ولذلك المختصرات لا تفي به، وما يحتاجه طالب العلم إنما يحتاجه في فهم بعض المسائل التي يوردها الفقهاء، وأما التفصيل وما يترتب علي هذه الأركان ثَمَّ خلاف طويل عريض - حينئذ - في المطولات، ولكن نفهم ما المراد بالقياس في هذا المحل فقط، وبعض الشروط التي ذكرها الناظم تبعًا للأصل المتعلقة بهذه الأركان قال:
"فهو رد الفرع":
الرد المراد به هنا إلحاق الفرع الذي هو النبيذ بالأصل، وإن شئت قل الرد المراد به هنا: تسوية فرع بأصل، إلحاق أو تسوية عبر بهذا أو بذاك، خلاف بينهم موجود لكنه يسير، "رد الفرع": إلحاق الفرع، "رد الفرع": المراد بالفرع هو المحل الذي أريد إثبات الحكم فيه ... مجهول الحكم، يعني لا ندري ما حكمه، هو المحل الذي أريد إثبات الحكم فيه، نرد هذا الفرع، ونلحق هذا الفرع، نسوي هذا الفرع بالأصل الذي هو محل الحكم المعلوم في السابق، "رد الرد الفرع للأصل": الأصل: المحل المعلوم ثبوت الحكم فيه، في ماذا؟ .... قال: "في حكم صحيح شرعي": يعني في حكم معلوم للأصل. إذن عندنا حكم مجهول، وعندنا حكم معلوم، الحكم المعلوم هذا متعلق بالأصل الذي والحكم المجهول هذا متعلق بالفرع، ما ثمرة القياس، ما نتيجة القياس؟ .. هي إثبات حكم الفرع بعد نقله من الأصل، أو إن شئت قل: تسوية الفرع بالأصل في الحكم.
(11/3)

"للأصل في حكم": حكم شرعي، وسبق أن الحكم الشرعي نوعان: تكليفي، ووضعي - حينئذ - يدخل في القياس نوعا الحكم، الحكم الشرعي مطلقا ففي القياس يكون إلحاق فرع بأصل في حكم وضعي، وفي القياس يكون إلحاق فرع بأصل في حكم تكليفي، إذن قوله:"في حكم": نقول هذا عام سواء كان الحكم مثبتا أو منفيا، لأن الحكم ما هو؟ .... "إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه" نقول: هذا حرام .... "الكلب نجس": إثبات أو لا؟ .. إثبات، تقول هذا فيه إثبات، الماء غير متغير بالنجاسة ليس بنجس ... هذا نفي أو إثبات؟ .. نفي، نفي النجاسة هذا حكم شرعي، كما أن إثبات النجاسة حكم شرعي - حينئذ - نقول: الحكم الشرعي يكون بالإثبات والنفي، أما تقول: هذا حرام وهذا ليس بحرام، نقول: كونك تقول هذا حرام هذا حكم شرعي، كونك تقول: هذا ليس بحرام هذا حكم شرعي، فالحكم تارة يكون بالإثبات، وتارة يكون بالنفي. خلاف ما يقول العامة: كل شيء حرام حرام، فليس الحكم الشرعي هو التحريم فحسب، نفي التحريم كذلك حكم شرعي، تقول: هذا النكاح محرم، وهذا النكاح ليس بمحرم، إذن "في حكم": يشمل الحكم سواء كان بالإثبات أو كان بالنفي، "لعلة جامعة في الحكم": هذا هو الركن الرابع وأدخله في الحد: "علة جامعة بين الأمرين" بين الفرع والأصل - فحينئذ - العلة الموجودة في الأصل ومن أجلها استجلب الحكم إن وجدت في الفرع - حينئذ - نقول الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ولذلك قال: "لعلة" اللام هنا بمعنى "الباء" في الأصل - في الورقات - قال: "بعلة"، هنا قال: "لعلة" ولا إشكال، تجعل هذه للتعليل، و"الباء" للسببية إذن بسبب علة، والعلة: أمر مشترك بين الفرع والأصل يوجب اشتراك الفرع مع الأصل في الحكم. لأننا أثبتنا في الأول أن الحكم في الأصل إنما كان من أجل العلة، فإذا وجدت العلة بتمامها في الفرع - حينئذ - نقول: اشتراك الفرع مع الأصل في العلة مستلزم لاشتراكهما في الحكم مستلزم، وموجب، ومقتضي لاشتراكهما في الحكم كما اشتركا في العلة، وهذه العلة أثبتنا في السابق أنها هي التي استجلبت الحكم في الأصل - فحينئذ - يلزم من ذلك أن الحكم يدور مع علته وجودًا فوجدت العلة فلزم أن يوجد معها الحكم، ولذلك قال: "لعلة": يعني بسبب علة، والعلة: أمر مشترك بين الفرع والأصل يوجب الاشتراك في الحكم"، "جامعة": أي دالة على اجتماعهما في الحكم - يعني في حكم الأصل - وحكم الأصل - حينئذ - ينسحب إلى الفرع فنحكم للفرع بما حكمنا به للأصل لوجود العلة التي وجدت في الأصل، إذن فهو: "رد الفرع للأصل في حكم صحيح شرعي لعلة جامعة في الحكم" فمعنى "رد الفرع إلى الأصل": جعله راجعًا إليه، ومساويا له في الحكم كقياس الأرز على البر في الربا لعلة جامعة بينهما وهي الاتخاذ والادخار؟
عند المالكية، وكونه مطعوما عند الشافعية، والمثال الذي ذكرناه أوضح.
ثم قال - رحمه الله -: " وليعتبر ثلاثة في الرسم":

تقسيمات القياس مختلفة باختلاف، أو اعتبارات متباينة، لكن ذكر هنا باعتبار العلة ودلالة العلة أن القياس ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ــ
"وليعتبر ثلاثة": يعني وذلك باعتبار علته، "في الرسم": يعني في العد، أو في الأثر ونحو ذلك.
(11/4)

"لعلة أضفه أو دلالة أو شبه" أضفه لعلة فقل: "قياس علة"، "أضفه": أي القياس، "لعلة": فقل قياس علة، "أو" للتنويع، "دلالة": يعني أضفه لدلالة فقل: قياس دلالة، "أو" للتنويع، أضفه "لشبه" فقل: قياس شبه، "ثم اعتبر أحواله": يعني انظر في أحوال كل نوع من هذه الأنواع الثلاثة من أجل أن تميز بين قياس العلة، وقياس الدلالة، وقياس الشبه.
"أولها": أول هذه الأقسام الثلاثة وهو قياس العلة "ما كان فيه العلة موجبة للحكم مستقلة":
"ما": اسم موصول بمعنى الذي، "أولها" هذا الضمير يعود للأنواع، "ما كان فيه العلة" يعني قياس، "ما" اسم موصول مبهم لابد من تفسيره، نفسر بماذا؟ ... بقياس، - حينئذ - وقع على قياس، القياس الذي كان فيه العلة موجبة للحكم يعني مقتضية له تقتضي الحكم بحيث لا يحسن تخلف الحكم عن الفرع إذا وجدت العلة بتمامها في الفرع، بل بنظرة أخرى نقول: وجود الحكم في الفرع أولى من وجوده في الأصل.
"أولها ما كان فيه العلة ** موجبة للحكم":
يعني مقتضية له بمعنى أنه لا يحسن عقلا تخلف الحكم عنها ولو تخلف عنها لم يلزم منه محال كما هو الشأن في العلل الشرعية وليس المراد الإيجاب العقلي بمعنى أنه يستحيل عقلا تخلف الحكم عنها - المثال يبين لكم هذه المسألة - نقول:
حُرِّم التأفيف - على ما ذكره المصنف هنا - {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} الإسراء: 23 فلا: هذه "لا" الناهية، حُرم التأفيف وهو قول أف لعلة وهي إيذاء الوالدين. عندنا أصل - وهو التأفيف -، وحكمه - هو التحريم -، وعلة - وهي الإيذاء-، ضرب الوالدين ما جاء لا في كتاب ولا في سنة ذكر ضرب الوالدين بأنه حرام، أو مباح ... إلى آخره، فأردنا أن نعرف حكم ضرب الوالدين فجعلناه فرعًا، ثم نظرنا في التأفيف فإذا الشرع حرمه للإيذاء، والإيذاء بنفسه موجود بل هو أبلغ من الأصل في الضرب - حينئذ - تحريم الضرب أولى من تحريم التأفيف مع كون العلة موجودة في الأصل وفي الفرع هذا يسمى قياس علة، وفيه خلاف هل هو قياس أم لا؟
أكثر الأصوليين على أنه لا يسمى قياسًا، وإنما هو من مفهوم الموافقة أن يكون الحكم في الفرع أولى منه في الأصل، ولا شك أن تحريم ضرب الوالدين أولى من تحريم التأفيف، وقتل الوالدين أو أحدهما أولى لأنه إعدام.
"أولها ما كان فيه العلة ** موجبة للحكم مستقلة":
ما جمع فيه بالعلة نفسها منصوصة، أو مجمع عليها، والعلة هنا مجمع عليها وهي أن التأفيف إنما حُرم من أجل الإيذاء.
(11/5)


"فضربه" يعني وذاك كقياس ضرب الولد، "ضربه" الضمير يعود على الولد مصور في الذهن، "فضربه للوالدين" أو أحدهما لا يشترط الوالدين معًا، فإذا ضرب أحدهما فلا بأس! لا .. .. نقول: "للوالدين" أو أحدهما "ممتنع" يعني محرم مع كون هذا الفرع لم يرد في الكتاب والسنة أنه محرم، هل ورد؟ .. لم يرد - حينئذ - ما حكم ضرب الوالدين؟ تقول التحريم. ما الذي دل على ذلك - ما الدليل -؟ النص، جاء في قوله: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} الإسراء: 23في التأفيف، وأنت تدعي أن الضرب، والقتل محرم، ما الدليل على تحريمه؟ تقول: القياس، هذا فرع والتأفيف أصل، وحكمه التحريم، والعلة هي الإيذاء وهي موجودة بتمامها بل أبلغ من وجودها في الأصل موجودة في الفرع وهو الضرب - فحينئذ - تحريم الضرب أولى من تحريم التأفيف فيه إيذاء بل هو أبلغ التأفيف ليس فيه ضرب يعني ليس فيه إيذاء للبدن، وإنما هو أمر معنوي - حينئذ - حُرم وهو أمر معنوي، فتحريم الضرب الذي في تأثير معنوي وبدني من باب أولى وأحرى.
"فضربه للوالدين ممتنع" يعني حرام "كقول أف"، "وهو": أي تحريم التأفيف منع للإيذاء "للإيذا منع" أي مُنع لعلة هي الإيذاء وهو موجود في الضرب بل هو أبلغ من التأفيف .. هذا يسمى ماذا؟
يسمى: قياس علة، لأن العلة بتمامها موجودة في الفرع بل هي أظهر منها في الأصل فوجود الإيذاء في الضرب أبلغ من وجوده في الأصل هذا يسمى قياس علة، وعند الجمهور يسمى مفهوم الموافقة، وهذا ابن حزم مع كونه ينكر القياس أثبت هذا ... لا يخالف في هذه المسألة فيرى تحريم الضرب والدلالة عليه اللفظ من نفسه ليس بالقياس.
فضربه للوالدين ممتنع ... كقول أف وهو للايذا منع
"والثاني": النوع الثاني وهو قياس الدلالة، أي الثاني من أقسام القياس وهو قياس الدلالة "ما لم يوجب التعليل حكما به لكنه دليل": أن يكون الجامع بين الفرع والأصل دليل العلة يعني بذكر لازمها، أو بذكر حكمها، أو بذكر وصف من أوصافها.
"والثاني ما": يعني قياس "ما لم يوجب التعليل": يعني العلة "حكما به": يعني فيه، و"الباء": هنا بمعنى: فيه، ما لم تذكر فيه العلة وإنما ذكر فيه لازم من لوازمها - تأثرها أو حكمها - فيكون الجامع هو دليل العلة، مثلوا لذلك بقياس النبيذ على الخمر:
سبق معنا أن الخمر إنما حُرم من أجل الإسكار، قالوا: الإسكار هو العلة، وله دليل يدل عليه وهو الشدة والاضطراب - حينئذ - لا يذكر في القياس الإسكار، وإنما يُذكر الرائحة الكريهة التي تكون للخمر، والشدة والاضطراب - حينئذ - يجمع بين الفرع والأصل بدليل العلة فنقول النبيذ محرم ... لماذا؟ لكونه وجد فيه شدة الإسكار واضطرابه، فلا نعلل بالإسكار وإنما نعل بدليل الإسكار ... هذا يسمى ماذا؟ ... يسمى: قياس الدلالة. في الأول قلنا العلة بنفسها - الإيذاء - وهنا لا نذكر العلة وإنما نذكر دليل العلة يعني شيء يدل علي العلة، وهذا أشبه ما يكون بشيء اصطلاحي فقط، وإلا إذا ذُكر دليل العلة فكأن العلة قد ذكرت. هذا توجيه لبعض ما قد يشرح به كلام الناظم.
"والثاني ما لم يوجب التعليل":
(11/6)

قلنا قياس النبيذ على الخمر لا نقول بجامع الإسكار، وإنما نقول بجامع الرائحة الكريهة، والشدة الدالة على الإسكار، فلا نعلل بالإسكار وإنما نعلل بشيء يدل على الإسكار، والإسكار فيه صفة ملازمة له، وهو الشدة والاضطراب فإنه يلزم من وجود الشدة وجود الإسكار، ومثله إلحاق القتل بالمثقل بالقتل بالقصاص بجامع الإثم، لأن الإثم هو أثر العلة وهي القتل العمد - العدوان - والمثال السابق أوضح منه.
إذن "والثاني ما": قياس "لم يوجب التعليل حكما به لكنه دليل": يعني لا نذكر العلة وإنما نذكر في القياس دليل العلة - ما يدل عليها - أنت تحفظ المثال الذي ذكرته لك سابقا.
قال هنا "فيستدل": هذا تفريع، يعني إذا عرفت ما سبق:
"فيستدل بالنظير المعتبر شرعا على نظيره": يعني فيستدل بالنظير على ثبوت الحكم في نظيره، وقوله: "المعتبر" تكملة في البيتين، "فيستدل بالنظير" شرعا "على نظيره" ومَثَّل لذلك بقوله: "مال الصبي" هل تلزم فيه الزكاة أو لا؟ ...
إذا حملنا النصوص الدلالة على إيجاب الزكاة في مال البالغ - حينئذ - نقول وجبت الزكاة في مال البالغ، الرجل البالغ لا إشكال فيه .. ما العلة؟ على ما ذكر لناظم: النمو أي مال نام - يزيد في التجارة - - حينئذ - مال الصبي ما حكمه؟ ... الله أعلم، ننظر في علة الزكاة في مال البالغ فإذا بها النمو، تأتي إلى مال الصبي مثله - أي مال ومال - إذا كان مالا ناميا بمعنى أنه يزيد بالتجارة ونحوها - حينئذ - نقول: وجدت العلة التي من أجلها جُلب الحكم في الأصل "فيستدل بالنظير المعتبر على نظيره" بالنظير الذي هو مال البالغ "على نظيره" الذي هو مال الصبي، كل منهما مال نامٍ - حينئذ - نقول: وجبت الزكاة في مال الصبي كما أنها واجبة في الأصل - وهو مال البالغ - وهذا مجرد مثال، وإلا الأدلة الدالة على وجوب الزكاة عامة تشمل مال الصبي وغيره، كل مال نام وجبت فيه الزكاة ولو كان من مجنون.
"كقولنا مال الصبي تلزم زكاته": يعني قياس مال الصبي على مال البالغ في وجوب الزكاة فيه بجامع أنه دفع حاجة الفقير بجزء من مال نام، "كبالغ أي للنمو": فالجامع كونه مالا ناميا فيستدل بالنظير على نظيره يعني كل منهما نظير للآخر، ما الفرق بين مال الصبي ومال البالغ من حيث هو؟ .. لا فرق هذا مليون وهذا مليون، وهذا نام وهذا نام، لا فرق بينهما ولا نظر إلى صاحب المال لأن الصحيح أن المال تجب فيه الزكاة ولو لم يكن مكلفا - يعني المجنون - لو عنده مال تجب فيه الزكاة لماذا - ونحن سبق معنا "وذا الجنون كلهم لم يدخلوا" -؟
نقول: لأن الحكم هنا من باب ربط الأسباب بأحكامها - حينئذ - يكون الحكم وضعيا وليس تكليفيا، وتلك الشروط السابقة - العقل، وفهم الخطاب - إنما تكون في الأحكام التكليفية وليست الأحكام الوضعية، فالحكم الوضعي لا يشترط فيه آلة العقل - التمييز - ولا يشترط فيه فهم الخطاب، وإنما هي للإيجاب ونحوها على كل:

كقولنا مال الصبي تلزم **** زكاته كبالغ أي للنمو
هذا هو النوع وهو قياس الدلالة بأن يكون الجامع بين الفرع والأصل ليس عين العلة، وإنما هو دليل العلة وهذا هو الكثير والغالب عند الأصوليين، لأن الأول ما هو؟
(11/7)

الأول قياس العلة، الغالب أن تكون العلة إما منصوصًا عليها أو مجمعًا عليها، وأما العلة المستنبطة فهذه التعليل بها فيه خلاف بين الأصوليين .. هل يصح تعليل الحكم بعلة مستنبطة أو لا؟
فيه خلاف، والصحيح أن يقال بأن العلة المستنبطة نوعان: منها ما هو متفق عليه - مجمع عليه - فهي داخلة في القسم الأول، ومنها ما هو مختلف فيه والصواب أنه يعلل بها.
والثالث من أقسام القياس وهو قياس الشبه:

والثالث الفرع الذي ترددا **** ما بين أصلين اعتبارا وجودا
"الفرع": عرفنا الفرع وهو المحل الذي نريد إثبات حكم الأصل فيه "الذي ترددا" يعني المتردد، "الذي": اسم موصول مع صلته في قوة المشتق يعني المتردد، والألف: هذه للإطلاق "ما بين أصلين" ما: هذه زائدة "تردد بين أصلين": عندنا أصلان، وعند الفقهاء من القواعد (تعارض أصلين، وتعارض ظاهرين، وتعارض أصل وظاهر) وعندنا تعارض أصلان - ليس تعارض أصلان - وإنما الفرع تردد بين أصلين يعني يمكن إلحاقه بهذا الأصل، ويمكن إلحاقه بهذا الأصل فننظر في هذا الفرع، ننظر أي الأصلين هذا الفرع أكثر شبها به، إن كان الأول ألحقناه به، وإن كان الثاني ألحقناه به، وهذا أضعف أنواع القياس وهو أن يكون الفرع متردد بين أصلين محتمل أن يلحق بالأول، ويحتمل أن يلحق بالثاني، فننظر في أكثر الصفات أي القدر المشترك بين الفرع والأصل - فحينئذ - نلحقه به ونعطيه الحكم السابق - حكم الأصل - هذا فيه نظر.
"الفرع الذي ترددا ***** ما بين أصلين اعتبارا وجدا"
"اعتبارا وجدا": الألف هذه للإطلاق، والجملة هذه تكملة يعني تردد بين أصلين مختلفين في الحكم فيلحق بأكثرها شبها.

فليلتحق بأي ذين أكثر **** من غيره في وصفه الذي يرى
"فليلتحق": يعني هذا الفرع المتردد بين أصلين مختلفين "فليلتحق": يعني أنت تلحقه "بأي ذين": أي بأي واحد من ذين، "ذين": المراد به الأصلان "أكثرا" الألف للإطلاق "من غيره": هذا متعلق بقوله: "أكثرا"، "في وصفه الذي يرى" أنه أمثر شبها به، مَثَّل لك مثال:

فليلحق الرقيق في الإتلاف ****** بالمال لا بالحر في الأوصاف
عبد مقتول - عبد قتل - عندنا أنه آدمي مكلف بالتوحيد، ويصلي، ويصوم .. زكاة: ما عنده زكاة وحج على قول الجمهور لا يحج، لكن هو في الجملة مسلم مخاطب بالتوحيد والإيمان، والإسلام، ونحو ذلك إذن هو آدمي فاعتبر عقله في هذه الأمر فكلف، وجب عليه التوحيد، وجبت عليه الصلاة .. إلى آخره. طيب هو يباع، ويشترى، ويوهب، ويهدى، ويوقف .. إلى آخره، هذا صنيع من؟ .. الحر ما يوهب ولا يوقف ولا يباع ولا يشترى، وهذا أشبه بالجمادات والبهائم، إذن عندنا أصلان - عبد مقتول - وعندنا أصلان: حر، وعند أصل يقابله: بهيمة. بأي ذين الأصلين نلحقه؟ .. هل نقدر قيمته - فحينئذ - يضمن القيمة، أو نقدر ديته - فحينئذ -يضمن الدية .. إن ألحقناه بأنه آدمي حر - حينئذ - وجبت فيه الدية، وإن ألحقناه بالبهيمة ونحوها بكونه يباع، ويشترى - حينئذ - قدرنا قيمته ولو زادت على الدية أو نقصت فيحتمل هذا ويحتمل ذاك، فاختلف أهل العلم في هذه المسألة بناء على هذا الفرع المتردد بين هذين الأصلين.
"فليلحق الرقيق في الإتلاف ** بالمال":
(11/8)

إذن تقدر فيه القيمة لأنه أشبه بالبهيمة لأنه يباع، ويشترى، ويوهب، ويوقف .. إلى آخره، "لا بالحر في الأوصاف": لا بالحر: يعني الآدمي الحر "في الأوصاف": يعني النظر هنا يكون في أوصافه المشتركة بينه وبين أحد هذين الأصلين، فالعبد المقتول متردد في الضمان بين الإنسان الحر من حيث إنه آدمي، وبين البهيمة من حيث إنه مال - وهو بالمال أكثر شبها - بدليل أنه يباع، ويورث، ويوقف، ونحو ذلك. إذن هذا النوع الثالث وهو قياس الشبه، وقلنا هذا أضعف أنواع الأقيسة - وما أكثر استعماله عند الفقهاء - أكثر ما يمكن الاعتراض على الأحكام الفقهية عند الفقهاء لكونهم يستعملون قياس الشبه بكثرة، والمعتبر هو الأول - إن اعتبرنا أنه قياس -.
فَصْلٌ
وَالشَّرْطُ فِي الْقِيَاسِ كَوْنُ الْفَرْعِ
مُنَاسِبًا لأَصْلِهِ فِي الْجَمْعِ
بِأَنْ يَكُونَ جَامِعُ الأَمْرَيْنِ
مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ دُونَ مَيْنِ
وَكَوْنُ ذَاكَ الأَصْلِ ثَابِتًا بِمَا
يُوَافِقُ الْخَصْمَيْنِ فِي رَأَيَيْهِمَا
وَشَرْطُ كُلِّ عِلَّةٍ أَنْ تَطَّرِدْ
فِي كُلِّ مَعْلُولَاتِهَا الَّّّتِي تَرِدْ
لَمْ تَنْتَقِضْ لَفْظًا وَلَا مَعْنًى فَلَا
قِيَاسَ فِي ذَاتِ انْتِقَاضٍ مُسْجَلَا
وَالْحُكْمُ مِنْ شُرُوطِهِ أَنْ يَتْبَعَا
عِلَّتَهُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا مَعَا
فَهْيَ الَّتِي لَهُ حَقِيقًا تَجْلِبُ
وَهْوَ الَّذِي لَهَا كَذَاكَ يُجْلَبُ

قال هنا: "والشرط في القياس كون الفرع ** مناسبا":
كل ركن من الأركان السابقة له شروط لابد من تحققها، فالفرع له شروط فليس كل فرع يلحق بأصل وليس كل أصل ينظر فيه، وليس كل علة ... إلى آخره، لابد من شروط وهي كثيرة جدا لكن ذكر بعضها المصنف، فترجع إليها في المطولات.
"والشرط في القياس كون الفرع":
الفرع - لغة - كما سبق: ما تولد عن غيره وانبنى عليه
فالأصل ما عليه غيره بني ***** والفرع ما على سواه ينبني
أو ما تفرع عن غيره، كفروع الشجرة، وهنا المراد به المحل المراد إلحاقه يعني بالأصل كالنبيذ مثلا، أو ما يراد إلحاقه بغيره وهو الأصل، وشرطه قال الناظم هنا:

..... كون الفرع ... **** مناسبا لأصله في الجمع
بأن يكون جامع الأمرين **** مناسبا للحكم دون مين
أراد بهذا أنه يشترط في الفرع وجود علة الأصل فيه بتمامها، بتمامها: لأن بعض العلل يكون مركبا فيوجد بعضها دون بعض. إذن شرط الفرع وجود علة الأصل فيه بتمامها ويكفي الظن ولا يشترط القطع، لماذا نشترط أن يكون في الفرع العلة الموجودة في الأصل بتمامها؟
لأننا نريد أن ننقل ونسوي الفرع بالأصل في الحكم، إذن الحكم في الأصل ما الذي جلبه؟ العلة. إذن لابد أن تكون موجودة في الفرع وهذا واضح من التعريف السابق، لأنه مناط تعدي الحكم إليه وإلا فلا قياس إن لم توجد العلة التي من أجلها جلب الحكم، إن لم توجد في الفرع بتمامها لا قياس لانتفاء ركن من أركان القياس.
وألا يكون حكم الفرع منصوصا عليه:
يعني ألا نقيس مع وجود النص - كما ذكرنا سابقا - وإلا لا يكون القياس صحيحا. إذن يُشترط في الفرع أمران:
* الأول: وجود العلة بتمامها في الفرع التي توجد في الأصل.
* الثاني: ألا يكون هذا الفرع منصوصا عليه.
(11/9)

فإن نص عليه في كتاب أو سنة، ولو بالمفهوم، ولو بدلالة الالتزام - حينئذ - نقول: القياس فاسد.
قال هنا:
"والشرط في القياس كون الفرع": وهو المحل المشبه بأصله "مناسبا لأصله": وهو المحل المشبه به "لأصله": كالخمر مثلا "في الجمع": يعني في الأمر الذي يجمع به بينهما وهو العلة، فلا تفاوت بينه وبين الأصل. ثم صور لك ذلك فقال:
"بأن يكون": هذه الباء تسمى باء التصوير يعني لك شرح ما سبق ليس ثَمَّ كلام جديد، وإنما صور لك المسألة السابقة "كون الفرع مناسبا لأصله في الجمع" .. ما المراد بهذا؟
بأن يكون جامع الأمرين ***** مناسبا للحكم دون مين
"بأن يكون جامع الأمرين": الأمرين: الفرع والأصل، يعني فيما يجمع بينهما لأجل إثبات الحكم، "مناسبا للحكم دون مين": يعني دون كذب فالمين هو الكذب، وأراد به تتمة البيت. فشرط الفرع أن تكون العلة بتمامها متحققة فيه.
"وكون ذاك الأصل": هذا شرط الأصل، فيشترط في الأصل "ثابتا بما يوافق الخصمين في رأييهما": هو ذهب إلى مذهب آخر، الأصل: المراد الثابت له الحكم الملحق به كالخمر، هذا يسمى أصلا أو هو محل الحكم المشبه به كالخمر مع النبيذ. وشرطه أولا أن يكون معقول المعنى؟ ... ما معنى معقول المعنى؟
يعني مدرك العلة، فإن لم يكن مدرك العلة .. يقابل المعقول المعنى غير المعقول المعنى ... الذي يسمى بماذا؟ "بالتعبد". إذن لا يجري القياس في التعبدات ألبتة، أي حكم علق بشيء ولم تدرك علته لا يمكن القياس عليه ألبتة .. لماذا؟
لتخلف شرط من شروط القياس وهو كون الأصل معقول المعنى بمعنى أن تكون العلة التي من أجلها جلب الحكم معقولة - مدركة - نعرفها ولها طرق استنباط عند الأصوليين.
أن يكون معقول المعنى: أي حكم الأصل لا نفس الأصل ليُعدَ حكم الأصل إلى الفرع، والمقصود أن يكون حكم الأصل مدرك العلة التي من أجلها شرع هذا الحكم لأن القياس مبني على إدراك العلة. إذن هو تعدية الحكم من محل إلى محل بواسطة تعدية العلة، فنعدي العلة أولا - نثبت وجودها في الفرع - ثم بعد ذلك نسحب الحكم من الأصل إلى الفرع، فإذا لم يكن الأصل معللا - حينئذ - لا يمكن أن نُوجد القياس ألبتة، أما ما لا يعقل معناه كعدد الصلوات، والسعي، والطواف - يعني عدد السعي وعدد الطواف - فإنه لا يجوز القياس فيه، فالتعبدي لا يصح القياس عليه، كنقض الوضوء بأكل لحم الإبل ... ما هو الحكم؟ نقض الوضوء بأكل لحم الإبل. هل هو مدرك العلة أو لا؟ .. غير مدرك العلة.
هل يمكن أن نقيس على هذا الأصل؟ لا يمكن أن نقيس عليه ألبتة لانتفاء العلة التي من أجلها يجلب الحكم.
الشرط الثاني:
وهو الذي ذكره الناظم هنا لكنه ليس شرطا من أجل ذات القياس، وإنما في الحاجة والمخاصمة، يعني إذا جئت تجادل شخصا لتقنعه بحكم، وهذا الحكم مبينا على قياس فلابد أن يكون الأصل متفقا عليه - حكم الأصل متفق عليه بين الخصمين - وهذا لا حاجة إليه - موافقة الخصم عليه - أي على الأصل.
(11/10)

"وكون ذاك الأصل": يعني الحكم "ثابتا": يعني من حيث كونه أصلا ثابتا له يعني للأصل "بما": يعني بدليل هو نص أو إجماع متفق عليه ثبوتا أو دلالة "بين الخصمين": لابد أن يكون حكم الأصل ثبت بدليل أتفق عليه أنا وأنت .. هذا متى؟
إذا أردت أن أحاجك بمسألة فيها قياس، وأما إذا لم يكن كذلك - فحينئذ - يثبت حكم الأصل بأي دليل شرعي، يثبت به أي حكم شرعي سواء وافق عليه الخصم أو لم يوافق، موافقة الخصم عليه لا كل الأمة أي: على المستدل إثبات حكم الأصل بالنص لا بعلة ينازع فيها الخصم فلا يكون القياس، فالشرط هنا أن يكون حكم الأصل ثابتا بدليل متفق عليه "بين الخصمين" أي المتناظرين في مسألة فيها قياس، فإن لم يكن خصم فالشرط ثبوت الحكم للأصل بدليل يقول به القائل، هذا هو المراد: أنك تثبت حكم الأصل بدليل تقول به أنت، إذا أثبت حكم الأصل بقول الصحابي وأنت تقول به فلا إشكال، أو بالاستصحاب وأنت تقول به فلا إشكال، بقياس وأنت تقول به فلا إشكال.
"وكون ذاك الأصل ثابتا بما": يعني بدليل "يوافق الخصمين" المتنازعين في ثبوت ذلك الحكم للفرع بأن يتفقا على علة حكمه ليكون القياس حجة على الخصم المنكر لذلك الحكم في الفرع ولذلك قال: "في رأييهما" على كلٍ هذا ما يُحتاج إليه من أجل إثبات القياس، ثم انتقل إلى بيان العلة:

وشرط كل علة أن تطرد ***** في كل معلولتها التي ترد
"العلة" في اللغة: بمعنى المرض، اصطلاحا: "اللفظ الجامع بين الفرع والأصل المناسب لتشريع الحكم"، وإن شئت قل: "هي الوصف المشتمل على الحكمة لإثبات الحكم".
قال هنا: "وشرط كل علة": تكون جامعة بين الفرع والأصل أن تطرد يعني اطرادها - اطراد العلة - أن تكون مطردة: كلما وجدت العلة وجد الحكم - حينئذ - إذا وجدت العلة وانتفى الحكم نقول هذه علة فاسدة تسمى بالنقض عند الأصوليين - حينئذ - صارت هذه العلة عليلة، ليست بصالحة أن نُتبع الحكم إياها حيثما وجدت لأن قد دل الدليل على وجود العلة، ومع ذلك الحكم ليس تابعا لها، ونحن نقول: "الحكم يدور مع عليته وجودا وعدما" كلما وجدت العلة وجد الحكم، فإذا وجدت العلة في موطن من مواطن الشرع، وانتفى الحكم علمنا أن هذه العلة ليست بعلة صحيحة إذن "أن تطرد في كل معلولتها": يعني محال وجودها "التي ترد": تكملة.
*الاطراد شرط في صحة العلة:
فإذا تخلف الحكم عنها مع وجودها استدللنا على أنها ليست بعلة، وهذا يسمى بالنقض، فالنقض يقدح في صحة العلة، كلما وجدت العلة وجد معها الحكم كوجوب التحريم حيث وجد الإسكار، كلما وجد الإسكار فالتحريم ثَمَّ، فإن وجد الإسكار وما هو بحرام - حينئذ - ما صار الإسكار علة لتحريم الخمر لابد من بحث عن علة أخرى يصلح أن تكون مناسبة للحكم.
"وشرط كل علة أن تطرد": يعني اطرادها "في كل معلولتها" أي محال وجودها، كلما وجدت العلة وجد الحكم وهذا هو المراد بالاطراد.
"لم تنتقض لفظا ولا معنى": تفسيرا لما سبق "فلا قياس في ذات انتقاض مسجلا" يعني مطلقا، إذا لم تطرد العلة قال: "فلا قياس" هذا صحيح "في ذات": يعني في صاحبة "انتقاض" لفظا أو معنى "مسجلا".
"لم تنتقض لفظا ولا معنى":
(11/11)

هذا تفريق اصطلاحي فقط، وإلا إذا انتقضت لفظا انتقضت معنى والعكس بالعكس، وإنما أراد به بعض الصور التي يمكن أن ترد على العلة. "لم تنتقض" العلة "لفظا" بأن تسقط الألفاظ المعبر بها عنها في صورة ولا يوجد معها الحكم، يعني قد توجد في بعض المواضع وهي علة كما هي لكن لا يوجد معها الحكم مثلوا لذلك بقتل الوالد لولده فإنه لا يجب به القصاص، القتل العمد العدوان هذه علة مركبة، الإسكار علة بسيطة - شيء واحد فقط - تقول: الخمر محرم للإسكار وهو شيء واحد، لكن هنا قتل وعمد وعدوان، قد يوجد القتل ولا يكون عمدًا فلا يجب القصاص، قد يوجد القتل العمد ولا يكون عدوانًا فلا يوجب القصاص، إذا وُجد بعض العلة وانتفى الحكم لا نقول العلة بتمامها، ولذلك يعبرون: "إذا وجدت العلة في الفرع بتمامها" يعني: لا ببعضها. كيف يوجد بعضها؟
يوجد قتل عمد ويبقى عدوانًا ... هل يوجد الحكم؟ نقول: الحكم يتخلف هنا، لا لكون هذه العلة ليست بعلة لإثبات الحكم في غير هذا المحل، ولكن لكون هذه الصورة استثناها الشرع، فإذا دل الدليل على تخصيص بعض العلل بعدم وجود أحكامها المترتبة عليها نقف معها، وما عدا هذه الصورة فيبقى العلة على تأكيدها، كلما وجد القتل العمد العدوان - حينئذ - وجد الحكم وهو القصاص إلا في هذه الصورة نفسها سقطت العلة لفظا لا معنى - هذا تعبير فقط - مجرد اصطلاح، وإذا انتقضت معنىً - فحينئذ -بأن لم توجد العلة بأصلها كأن يكون القتل عمدًا لكن لا عدوانًا - حينئذ - لم توجد العلة هنا انتقضت لفظًا ومعنىً.
"لم تنتقض لفظًا ولا معنىً":
بأن يوجد المعنى المعلل به في صورة، ولا يوجد معها الحكم والمرجع في الانتقاض لفظًا ومعنىً إلى وجود العلة بدون الحكم وهو الاطراد الذي سبق ذكره وإنما غاير بينهما الناظم هنا تبعا للأصل لأن العلة في الأول لما كانت مركبة من أوصاف متعددة نظر فيها إلى جانب اللفظ، ولما كانت في الثانية أمرًا واحدًا نظر فيها إلى جانب المعنى وكأنه مجرد اصطلاح.
الحاصل:
أن الشرط هنا هو اطراد العلة: كلما وجدت العلة وجد الحكم، إن وجدت العلة في مواضع في الكتاب أو السنة - حينئذ - نقول: انتفى الحكم عنها علمنا أن هذه العلة ليست بعلة إلا بالصورة التي ذكرناها - حينئذ - تكون مستثناة بالشرع "فلا قياس": فلا يصح القياس "في ذات انتقاض": لعلة ذات انتقاض لفظًا ومعنىً "مسجلا": يعني مطلقا.
ثم انتقل لبيان حكم الأصل:
والحكم من شروطه أن يتبعا ***** علته نفيا وإثباتا معا
(11/12)

عكس السابق: الاطراد كلما وجدت العلة وجد الحكم، وهنا شرط الحكم أن يكون تابعا للعلة فكلما وجدت العلة وجد الحكم معها "والحكم": حكم الأصل وهو الحكم الشرعي الذي ورد به نص من كتاب أو سنة أو إجماع "من شروطه أن يتبعا": الألف للإطلاق "علته": أن يكون تابعا لعلته "نفيا وإثباتا" يعني نفيا: عدما، وإثباتا: يعني وجودًا، فإن وجدت العلة وجد الحكم، وإن انتفت العلة انتفى الحكم، "فهي التي": أي العلة "التي له": للحكم "حقيقا تجلب": هذا إذا كان الحكم معللًا - حينئذ - نقول: الحكم الذي جلبه وأتى به واقتضاه واستدعاه هو العلة "فهي": أي العلة "التي له": يعني للحكم "تجلب حقيقًا" فالعلة هي الجالبة للحكم أي الوقت المناسب لترتيب الحكم عليه، "وهو": أي الحكم "الذي لها": يعني للعلة "كذاك يُجلب": أي الحكم مجلوب للعلة أي هو الأمر الذي يصح ترتيبه على العلة هذا شرط لابد من تحققه في الحكم بأن يكون تابعا للعلة أما إذا وجدت العلة ولم يوجد الحكم - فحينئذ -علمنا بكون هذا الحكم منتفٍ.
ومن شروط الحكم أيضا أن يكون حكم الفرع مساويا لحكم الأصل يعني النتيجة تكون واحدة فلا يكون حكم الأصل واجب ثم يأتي النتيجة أن الفرع يكون مندوبا ما يصح هذا أن يكون حكم الفرع مساويا لحكم الفرع إن كان واجبا فواجب وإن كان محرما فمحرم أما أن نقيس فرع على حكم أصل وهو محرم ثم نقول النتيجة أنه مكروه نقول هذا قياس فاسد ليس بصحيح، ومن شروط الحكم أن يكون حكم الفرع مساويا للأصل كقياس الأرز على البر في التحريم فلا يصح قياس واجب على مندوب ولا العكس لعدم المساواة فيهما في الحكم ومن شروطه أن يكون الحكم شرعيا لا عقليا ولا أصوليا أي حكما عمليا، هذه أربعة أركان ذكر لكل واحد منها شرطا أو شرطين وهي أكثر من ذلك مبحثها في المطولات. والله أعلم

فصل
سبق أنه ذكر في الأبواب السابقة - في تعدادها -:
كذلك الإجماع والأخبار مع ***** حظر ومع إباحة كل وقع
هذا هو الفصل الذي عناه ويعنون له كما في الأصل "الحظر والإباحة": يعني المنع والإباحة، والمراد بهذه المسألة - المسألة وقع فيها نزاع وسببه ما شاع عند المعتزلة أن العقل أثر في حكم الشرع "حكمت المعتزلة العقل" هكذا قال في الجمع - الأشياء قبل ورود السمع يعني قبل بعثة الأنبياء .. ما حكمها؟
هل هي محرمة الاستعمال والانتفاع أم أنها مباحة؟ .. المسألة لا وجود لها، إنما بعد وجود الشرع الأنبياء والرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - نأخذ من الأدلة الشرعية أن الأصل فيما عدا العبادات الإباحة الأصل في العادات في الأشياء المنتفع بها فيما يكون على وجه الأرض وفي الأشجار ونحوها ما يتعلق بها حق آدمي فالأصل فيه الإباحة، وأما قبل ورود السمع بمعنى أنه قبل آدم عليه السلام ما حكمها؟ هل إذا وجد الشخص شجرة أو ثمرة يجوز أن يأكلها أو لا؟ هذا بحثنا الليلة في هذا الزمن.
قال:
لا حكم قبل بعثة الرسول ***** بل بعده بمقتضى الدليل
(11/13)

"لا حكم": أصليا ولا فرعيا يعني يتعلق بالشيء أصلي يعني توحيدي ونحوه، وفرعيا بمعنى الفروع التي ليست بعقيدة. "لا حكم" لا: هذه نافية للجنس و"حكم": اسمها "قبل بعثة الرسول": يعني تبليغه الخلق الشريعة "الرسول": المراد بـ"ال" هنا: للجنس، يعني جنس الرسول، والمراد به قبل آدم عليه السلام، آدم نبي وليس برسول، نبي مكلف لكنه ليس برسول.
"لا حكم قبل بعثة الرسول":
هذا في إن فرض أنه خلا وقت عن الشرع - فحينئذ -قال: "لا حكم قبل بعثة الرسول": والصحيح عدم خلو وقت عن الشرع - فحينئذ -قال تعلى - لأنه أول ما خلق آدم قال -: {وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} الأعراف: 19 أمره ونهاه، والأمر والنهي هو التكليف - حينئذ - قبل التكليف قبل آدم لا حكم ألبتة، وأول ما خلق، نعم نقول: قبل آدم مذهب أهل السنة والجماعة إن ثبت أنه خلا عن الشرع فهو التوقف، "لا حكم قبل بعثة الرسول": هذا إن فرض أنه خلا عن الشرع، والصحيح عدم خلو وقت عن شرع "بل بعدها": يعني بل الحكم بعدها، يعني بل بعد بعثة الرسول "بمقتضى الدليل": يعني بالذي دل عليه الدليل الشرعي وهو قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} الإسراء: 15 فلا تكليف إلا بعد بعثة الرسول، لا عذاب ولا إثابة، {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ}: يعني ولا مثيبين، نعم إذا نفى العذاب نفيت الإثابة، وإنما يذكر العذاب لأنه أصل {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} بل الأمر موقوف إلى ورود الشرع، والعقل لا يدرك الحكم من غير خطاب من الشرع، لا يمكن للعقل أن يصل إلى الحكم الشرعي "بل بعدها": يعني بعد بعثة الرسول "بمقتضى الدليل".

والأصل في الأشياء قبل الشرع ***** تحريمها لا بعد حكم شرعي
"والأصل": أي الراجح، قلنا الأصل بمعنى الرجحان، "والأصل في الأشياء": أشياء: جمع شيء، وهو ما يصدق على القول، وعلى الفعل، وعلى الأشياء التي ينتفع بها فيدخل فيها الأشياء التي يتضرر بها، فكلام الناظم يشمل، وفيه دَخَل، "والأصل في الأشياء قبل الشرع": يعني قبل ورود الشرع "تحريمها": فالأصل فيها هي التحريم، أنها محرمة ... لماذا؟
يعني لا يجوز أن يأكل من الأشجار، وإن غاص في قاع البحر ووجد ثمرة لا يحل له أكلها، وكذلك الماء لا يجوز له شربه .. لماذا؟ قالوا: لأنه ملك لله - تعالى - ولم يؤذن له في التصرف فيه ألبتة، وهذا من قياس الخالق على المخلوق، "تحريمها": لأن الفعل تصرف في ملك الله - تعالى - بغير إذنه فحرم كالشاهد، ويخرج من محل الخلاف ما يضطر إليه يعني الماء الذي لا يمكن أن نعيش بدونه - هذا مستثنى - ما عدا ذلك فالأصل فيه أنه محرم لأنه تصرف في ملك الله - تعالى - بغير إذنه لأنه ليس فيه شرع، لم يأت نبي يقول: أذن لكم أن تأكلوا من هذه الثمار، فالأصل فيها التحريم، "لا بعد حكم شرعي": يعنى إن جاء الحكم الشرعي - حينئذ - يكون مخالفا للتحريم السابق فعلى هذا القول الأصل في الأشياء المنتفع بها قبل ورود الشرع التحريم وبعد ورود الشرع.
(11/14)

"بل ما أحل الشرع حللناه وما نهانا عنه حرمناه": ما أحله الشرع - حينئذ - رجعنا إلى الشرع وما حرمه الشرع رجعنا إلى الشرع، وما لم يرد فيه شيء من الشرع لا بتحليل ولا بتحريم استصحبنا الأصل وهو التحريم علي هذا القول الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع التحريم، هذا قول باطل - قول المعتزلة - الأصل فيها التحريم بعد الشرع - حينئذ - نرجع إلى الشرع ما أحله الشرع فهو حلال يعنى ما نص عليه أنه حلال مباح فهو مباح، وما نص على تحريمه فهو محرم. طيب ما لم ينص عليه نأتي بدليل الاستصحاب استدامة السابق الأصل بقاء ما كان على ما كان - حينئذ - الأصل فيما لم ينص عليه الشرع بحل أو تحريم الأصل المنع وهذا كما ذكرنا حكم المعتزلة وقول المعتزلة.
بَلْ مَا أحَلَّ الشَّرْعُ حَلَّلْنَاهُ ***** وما نَهَانَا عنه حَرَّمْنَاهُ
"مَا أحَلَّ": يعنى الذي أو الشيء الذي أحله الشرع يعنى الله عز وجل "حَلَّلْنَاه":ُ يعنى حكمنا بحله وانتفعنا به "وما نَهَانَا": الشيء الذي نهانا عنه الشارع الشرع الله - عز وجل - "حَرَّمْنَاهُ": حكمنا بتحريمه ولم ننتفع به.

"وحَيْثُ لم نَجِدْ دَلِيلَ حِلِّ ****** شَرْعًا تَمَسَّكْنَا بِحُكْمِ الأَصْلِ
: قبل بعثة الرسول وهو التحريم فهمتم إذاً قبل بعثة الرسول على هذا القول الأصل في الأشياء المنتفع بها التحريم لأنه تصرف في ملك ما لم يأذن لك به - حينئذ - إذا جاء الشرع جاء الرسول فإما أن يحلل وإما أن يحرم وإما أن يسكت ما أحله حلال وما حرمه حرام وما سكت عنه نستصحب الأصل لذلك قال: "وحيث لم نجد": في الشرع "دليل حل": دليلا على الإباحة والحل "شَرْعًا": يعنى من جهة الشرع "تَمَسَّكْنَا بِحُكْمِ الأَصْلِ": قبل بعثة الرسول وهو التحريم وهذا قول ضعيف "مُسْتَصْحِبينَ الأصْلَ": هذا دليل استصحاب مستصحبين الأصل الذي هو التحريم
"لا سِوَاهُ": لا غيره، هذا قول أن الأصل في الأشياء قبل السمع التحريم، القول الثاني:
"وقال قومٌ ضِدَّ ما قُلْنَاه":ُ ما هو ضد التحريم؟ ... الإباحة. يعنى الأصل في الأشياء المنتفع بها قبل ورود السمع - قبل ورود الشرع - الإباحة والمراد بالإباحة هنا الإباحة العقلية يعنى دل العقل على أن هذه الأمور المنتفع بها ما خلقها الله - عز وجل - عبثا، وإنما خلقها من أجل أن ينتفع بها الخلق - حينئذ - دل العقل على أنها مباحة وهذا ما يسمى بالبراءة الأصلية
الإباحة العقلية، وما من البراءة الأصلية قد أخذت فليست الشرعية مستصحبين الأصل.
(11/15)

وقال قوم: "ضد ما قلناه": يعنى ضد قولنا وهو الإباحة قبل البعثة، ولذلك فسر الضد بقوله بأي: "أي" تفسيرية أصلها التحليل أي فهي على الحل لأن الله - تعالى - خلقها لا لحكمة أم لحكمة؟ ... إن قلنا بأنها لا لحكمة فهي عبث بقى ماذا؟ ... أنها لحكمة، وهي أن ينتفع بها الخلق لأن خلقها لا لحكمة عبث ولا حكمة إلا لانتفاعنا بها إذ هو خال عن المفسدة ولقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) البقرة: 29: "هو الذي خلق لكم": اللام: هذه "لام" الملك خلق لكم ما في الأرض جميعا اسم موصول بمعنى الذي فيعم كل ما في الأرض جميعا وهنا سياق امتنان والله - تعالى - لا يمتن إلا بمباح ولا يمتن بمحرم لأن المحرم ممنوع الاستعمال ممنوع الانتفاع فلا يمتن الله - تعالى - إلا بشيء مباح بشيء طاهر.

أي أَصْلُها التَّحْلِيلُ إلاَّ مَا وَرَدْ ****** تَحْريْمُهَا في شَرْعِنَا فلا يُرَدْ
- حينئذ - ما جاء الشرع بحله فالأصل فيه أنه حلال وما جاء بتحريمه فهو محرم ما لم يرد استصحبنا الأصل إن قلنا أنه باق على ما هو عليه وهو الإباحة إذاً صار هذا القول مغايرا للقول السابق أي أَصْلُها "التَّحْلِيلُ إلاَّ مَا وَرَدْ": يعنى فهي بعد البعثة على التحليل أي مباح إن شاء المكلف انتفع بها واستعملها وإن شاء تركها لا ذم ولا مدح لفاعلها ولا لتاركها "إلاَّ مَا وَرَدْ تَحْريْمُهَا في شَرْعِنَا فلا يُرَدْ": يعنى يُتَبع ولا يرد فإذا كان الأصل في الأشياء الإباحة - حينئذ - لا نحرم إلا ما حرمه الشرع كل دليل دل على ذلك يكون استثناء أو خاص بعد عام.
القول الثالث: "وقيل إنَّ الأَصْلَ فيما يَنْفَعُ جَوَازُه وما يَضُرُّ يُمْنَعُ": هذا داخل فيما سبق يعنى القول هذا لا وجود له، وإن قال به البعض نقول نفرق بين ما يكون فيه الانتفاع أو به الانتفاع وما يضر فالأصل فيما يضر أنه مُحرم والأصل فيما ينتفع به ولم يضر الإباحة، وكذلك أصحاب القول الأول القائلون بأن الأصل الإباحة لا يكون الأصل الإباحة حتى فيما يضر وإنما فيما ينتفع به، ولذلك المسألة هكذا يعنون لها الأشياء المنتفع بها أو الأعيان المنتفع بها قبل ورود السمع تُقيد المنتفع بها وأما ما يضر فلا شك أن العقل يقتضي أنه يمنع منها.
"وقيل إنَّ الأَصْلَ فيما يَنْفَعُ": يعنى فيما ينفع الأشياء النافعة الجواز جوازه.
لقوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) البقرة: 29 وما يضر يعنى الأشياء الضارة يمنع "لا ضرر ولا ضرار"
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
(11/16)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
أما بعد:
نقول حكم الأشياء قبل ورود السمع مذهب أهل السنة في هذه المسألة التوقف حكم الأشياء المنتفع بها قبل ورود السمع الأصل في الأشياء بعد بعثت الرسل الإباحة لقوله تعالى:
{خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} البقرة: 29، وقول ابن عباس: (ما سكت عنه فهو مما عفا عنه)
قال ابن تيمية: الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله - تعالى - وإلا دخلنا في قول الله - تعالى -: {شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} الشورى: 21، إذاً العبادات الأصل فيها التحريم، والعادات الأصل فيها العفو فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله - عز وجل - وإلا دخلنا في معنى قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا} يونس: 59 الأصل في العبادات الحظر وما جاء منها دون دليل حكمنا عليه بأنه بدعة: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، والأصل في العادات والمعاملات والأعراف قلنا الأصل فيها الإباحة والحل والمنع فيها ما خالف لشرع لما ذكر المصنف الأقوال الثلاثة الأصل التحريم والأصل التحليل، ومن فصل بين ما ينفع وما يضر ذكر حد الاستصحاب لأنه قال "مستصحبين الأصل لا سواه" - حينئذ - ما هو، والاستصحاب هذا يحتاج إلى إيضاح هذا الاستصحاب بعضهم يذكره دليلا من الأدلة التي يستنبط بها الأحكام الشرعية ومنه ما هو متفق عليه لأنه دليل ومنه ما هو مختلف فيه:
وحد الاستصحاب أخذ المجتهد ***** بالأصل عن دليل حكم قد فقد
(12/1)

حد الاستصحاب: لغة طلب الصحبة، وهي الملازمة وعرفه هنا بقولة: "أخذ المجتهد بالأصل": أي العدم الأصلي "عن دليل حكم قد فقد": ما هو الأصل في كذا - حينئذ - نستصحبه عند وجود الخلاف - حينئذ - الأصل في هذا الماء أنه طاهر ليس بنجس كذلك فإذا وقع فيه شيء غيره واختلف فيه هل انتقل من الطهوريه إلى النجاسة أم لا أو لطاهرية أم لا - حينئذ - نقول الأصل ما هو؟ ... أنه طاهر فنستصحبه: نستديم هذا الحكم الشرعي بأنه طاهر في محل النزاع فنقول ننفي التغير بأنه نجس أو بأنه طاهر فنبقى الحكم الأصلي بأنه طهور إذًا إثبات ما كان ثابتاً هذا الاستصحاب أو نفي ما كان منفياً هذا ليس بنجس - حينئذ - الأصل أنه يبقى أنه ليس بنجس حتى يثبت إذا قلنا اليقين على ذلك ولذالك يقول الأصل بقاء ما كان على ما كان - اليقين لا يزول بالشك - هذا هو الاستصحاب: استصحاب اليقين فنبقى عليه حتى يدل الدليل الواضح البين ونحكم بالأنتقال عن هذا الأصل، "أخذ المجتهد": استصحاب الحال الذي يحتج به عند عدم الدليل الشرعي أخذ المجتهد "بالأصل": أي العدم الأصلي "عن دليل حكم قد فقد": يعني عند عدم الدليل الشرعي إذا لم يوجد دليل شرعي ينقل عن هذا الأصل - حينئذ - نستصحب ونستديم هذا الأصل إثباتاً أو نفياً فنحكم به "عن دليل حكم": يعني عند عدم الدليل الشرعي إذا لم يجده المجتهد بعد البحث عنه بقدر طاقته فإذا عرفت الأصول أن الأصل في الأبضاع مثلاً التحريم، والأصل في العبادات الحظر، والأصل في العادات الإباحة ونحو ذلك - حينئذ - نستصحب هذا الأصل فكل عقد اختلف فيه هل هو حرام أم لا هل هو فاسد أم لا نقول الأصل في العقود ما هو؟ .. الإباحة. نستصحب هذا الأصل حتى يدل دليل واضح بيِّن بأن هذا العقد باطل فالأصل في الأنكحة الإباحة والحل - حينئذ - نستصحب هذا الأصل حتى يدل الدليل الواضح البين على أنه محرم أو فاسد أو نحو ذلك "أخذ المجتهد بالأصل عن دليل قد فقد": أي قد عدم ذلك الدليل إذا أطلق الاستصحاب عند الفقهاء والأصوليين فالمراد به البقاء الأصلي فيما لم يعلم ثبوته وانتفاءه بالشرع وهذا يسمى بدليل العقل المبقي على النفي الأصلي المبقَى، والمبقِي أنواع الاستصحاب كثير ة عند الأصوليين
الأول: استصحاب البراءة الأصلية أو ما يسمى باستصحاب دليل العقل أو استصحاب العدم الأصلي كلها أسماء لمسمى واحد؛ استصحاب البراءة الأصلية أو استصحاب دليل العقل أو استصحاب العدم الأصلي مثل نفي وجوب صلاة سادسة لو أوجب موجب صلاة سادسة - حينئذ - نقول الواجب على كل مسلم في كل يوم وليلة خمس صلوات الصلاة السادسة هذه منفية أو مثبتة؟ ... منفية فمن قال بوجوب صلاة سادسة يحتاج إلى دليل واضح بيِّن يرفع هذا الأصل إن جاء به فعلى العين والرأس وإذا لم يأتِ به - حينئذ - رجعنا إلى استصحاب الأصل وهذا النوع متفق على اعتباره بل جعل بعض الأصوليين أنه من الأدلة الشرعية المتفق عليها يعني كالإجماع، والقياس، ونحو ذلك.
(12/2)

النوع الثاني: استصحاب دليل الشرع، هذا نوعان اسصحاب عموم النص حتى يرد المخصص فتقول هذا الفرد الذي أخرجته برأيك مثلا يحتاج إلى دليل واضح بيِّن يخرجه من ذلك العموم فالأصل بقاء العموم دالا على أفراده وأن الحكم الثابت أو المعلق على اللفظ العام ثابت لكل فرد فرد - حينئذ - نحتاج إلى مخصص فالأصل بقاء العموم حتى يرد المخصص، والأصل بقاء المطلق حتى يرد المقيد، والأصل عدم النسخ حتى يرد الناسخ، وهكذا تستصحب الأصول - حينئذ - تستطيع أن تربط بين المسائل الفقهية التي يقع فيها نزاع بين أهل العلم.
الثالث: استصحاب العمل بالنص حتى يرد الناسخ، والاتفاق واقع على صحة العمل عل هذا النوع إذ الأصل عموم النص لكن وقع خلاف في تسميته واستصحابه هذا أهم ما يذكر في أنواع الاستصحاب

النظم: ... باب ترتيب الأدلة
وقدموا من ...........
الشرح:
"باب ترتيب الأدلة": يعني إذا وقع تعارض ... الأدلة ليست على مرتبة واحدة بل هي متفاوتة في القوة بعضها أقوى من بعض فنحتاج إلى معرفة الأقوى فيقدم على غيره عند التعارض فهذا هو الكتاب السادس في جمع الجوامع، والتراجيح وهذه من الكتب القوية التي ينبغي العناية بها أنه لو حصل تعارض بين الأدلة وهو لابد أن يحصل وكما سبق أن التعارض في ذهن أو في ظن المجتهد لا في نفس الأدلة.
المراد بترتيب الأدلة: جعل كل دليل في رتبة التي يستحقها في وجه من الوجوه والأدلة الشرعية تنقسم إلى متفق عليها ومختلف فيها، متفق عليها مثلا ماذا؟ ... الكتاب، والسنة والإجماع، والقياس، ومختلف فيه مثل ماذا؟ ... قول الصحابي هل دليل أو لا، الاستصحاب هل هو دليل أو لا، شرع من قبلنا هل دليل أو لا؟ ... إذا من أثبته دليلا من هذه الثلاثة لشك أنه سيثبت أحكام كثيرة ومن نفاه - حينئذ - يحتاج إلى نظر إذًا تنقسم إلى متفق عليها ومختلف فيها، وإلى قطعية وإلى ظنية؛ قطعية وظنية مجمع عليه هذا قطعي والظني مختلف فيه، وإلى نقلية وعقلية إذاً تختلف في هذه الخلافات والأدلة الشرعية من حيث وجوب العمل بها هي في مرتبة واحدة من حيث وجوب العمل بها يجب العمل بالكتاب، وبالسنة، والإجماع، والاستصحاب، والقياس فكما أنه يجب العمل بالسنة يجب العمل بالكتاب إذاً هما في مرتبة واحدة كذلك الإجماع، وكذلك القياس إذ الجميع يجب اتباعه والعمل به.
ترتيب الأدلة من حيث المنزلة والمكانة: الكتاب أولا ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس هذا من حيث المنزلة كلام الله أعظم من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهما قد دلا على الإجماع، وهذه الثلاثة قد دلت على العمل بالقياس.
(12/3)

ترتيب الأدلة من حيث النظر فيها وهو المقصود بحثه هنا على النحو التالي: الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس والأصل في ذلك حديث معاذ المشهور، وإن ضعفه بعضهم ولكن العمل عليه وذكر ابن قدامة في الروضة كلاما قال (يبدأ بالنظر بالإجماع) عكس ما ذكرناه سابقا أولا الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس قال ابن قدامة في الروضة (يبدأ بالنظر في الإجماع فإن وجد لم يحتج إلى غيره) لماذا لأن الإجماع نص ليس بظاهر وليس بمحتمل للنسخ، وليس به حقيقة أو مجاز لا يرد عليه أي اعتراض مما يرد على ألفاظ الكتاب والسنة هناك يمكن أن يراد مجاز إلى حقيقة هذا منسوخ وإلى آخره أما الإجماع فهو نص صريح واضح بيِّن لا يقبل التأويل، ولا يقبل النسخ (يبدأ بالنظر في الإجماع فإن وجد لم يحتج إلى غيره فإن خالفه نص من كتاب أو سنة علم أنه منسوخ فيطرح) يعني لو جد إجماع ووجد له في الظاهر مخالفا من كتاب أو سنة علمنا أنه منسوخ فالإجماع مقدم يعني الإجماع ناسخ للكتاب أو للسنة لأن الأمة لا تجتمع على الضلالة أو على خطأ - حينئذ - لو ثبت الإجماع بطريق صريح واضح بيِّن ووجد ما هو ظاهر في كتاب أو سنة أنه مخالف لهذا الإجماع قلنا الإجماع ناسخ بمعنى أنه مستند الإجماع أو مؤول إن صح أي مفروق عن ظاهره في كون غير صريح يعني بأن ندعي أنه ما ورد في الكتاب والسنة إما أنه منسوخ أو نأوله بما لا يخالف الإجماع فيعمل بالدليلين في كونه غير صريح في معارضته الإجماع لأن الإجماع قاطع لا يقبل نسخ أو تأويلا (ثم بالكتاب والسنة المتواترة ثم بخبر الآحاد ثم في صياغ النصوص) هكذا ذكره في الروضة المراد به هنا أنه يقدم الإجماع لأنه صريح فإن خالف ظاهر الكتاب أو السنة إما أنه منسوخ وإما أنه مؤول إما هذا أو ذا.
قال رحمه الله:
وقدموا من الأدلة الجلي ***** على الخفي باعتبار العمل
وقدموا "باعتبار العمل": جار ومجرور متعلق بقوله "قدموا" والمراد بالتقديم هنا يعني حكم الأصوليين بتقديم هذه الأدلة على بعضها .. متى؟ ... عند اعتبار العمل يعني إذا وقع تعارض بالعمل بهذه النصوص، جلي وخفي والمراد بالجلي هنا المحكم، والخفي الذي في عدم وضوح للنص بمعنى أنه متشابه - حينئذ - قاعدة أهل السنة والجماعة أن المتشابه يرد إلى المحكم يعني يفسر بالمحكم بل يوافق ولا يخالفه، "وقدموا": يعني حكوا بالتقديم ما ذكر "من الأدلة": يعني عند اجتماعها وتناسي مدلولاتها الجلي الذي هو المحكم كالظاهر مع المؤول واللفظ في معناه الحقيقي على معناه المجازي "على الخفي": يعني الذي خفي معناه رد المتشابه إلى المحكم والمحكم أصل للمتشابه باعتبار العمل "وقدموا منها": أي من هذه الأدلة عند التعارض "مفيد العلم": على مفيد الظن بمعنى إذا وقع تعارض في مسألة بين دليل خفي، ودليل جلي ولم يمكن الجمع - حينئذ - قدمنا الجلي على الخفي إن وقع تعارض بين ما يدل على اليقين وما يدل على الظن وسبق معنا أن الآحاد إذا لم تحتج فيه القرائن فهو ظني - حينئذ - إذا وقع تعارض بين دليل متواتر وبين دليل آحاد ولم يحتج بقرائن ولم يمكن الجمع من المرجحات أن يقدم ما يفيد العلم على ما يفيد الظن هذه قواعد عامة لكن عند التنزيل ينتبه إليها.
(12/4)

"وقدموا منها مفيد العلم": أي الدليل المفيد للعلم كالمتواتر، العلم المراد به اليقين "على مفيد الظن": يعني على الدليل الذي يفيد الظن كالآحاد الذي لم يحتج بقرائن "أي للحكم": المفيد للظن أي للحكم يعني ظن الحكم.
"إلا مع الخصوص والعموم ****** فليؤت بالتخصيص لا التقديم
يعني لا ينظر إلى الخفي والجلي، ولا ينظر إلى مفيد العلم ومفيد الظن فلو كان العام متواترا والخاص ظنيًا - حينئذ - لا نقدم العام على الخاص ونقول هذا مفيد للعلم وهذا مفيد للظن .. لا ... نقول: يأتي بالتخصيص بمعنى نقصر العام على ما عدى صورة الخاص فنقول هذا العام حكم باقي على ما هو عليه وهذا الخاص قد خرج بهذا اللفظ - حينئذ - نخصص عموم العام بدليل الخاص، ولا نقول نقدم العام مطلق لأنه مفيد للعلم "إلا مع الخصوص والعموم": يعني الدليل الدال على الخصوص مع الدليل الدال على العموم - حينئذ - يؤتى بالتخصيص لا التقديم فلا يقدم الدليل العام، ولو كان مفيد للعلم على الخاص ولو كان ظنيا.
والنطق قدم عن قياسهم تف ***** ...................
هذا على ما ذكره سابقا أنه يمكن أن يعارض القياس النص وسبق أن العام يخصص بالقياس، وقلنا هذا لا الأصل في أنه ضعيف لأنه إذا دل العام على ذلك الفرد الذي ادعينا أنه بالقياس خرج عن مفهوم العام - حينئذ - نقول تعارض لفظ مع قياس وسبق أنه لا خلاف في مقابلة النص فإذا العام دل على مجموعة أفراد قلنا هذا الفرد المعين الذي دخل تحت العام قد خرج بالقياس نقول العام دل على الحكم فيه أنت استثنيته بالقياس إذا اجتهد مع وجود النص ولذلك لا يعتبر مخصصا، "والنطق": يعني النص من كتاب أو سنة متواترة أو آحادية قدم "عن قياسهم": عن: بمعنى على، "قدم": على قياس هنا بأنواعه إلا أن يكون النطق عاما، والقياس خاصا على مذهب إليه الناظم - حينئذ - لا يقدم يكيف يقال قياس وهو في مقابلة النص هذا انتبه له، "والنطق قدم": يعني قدم النطق من نص من كتاب أو سنة على قياس من أنواعه الثلاثة السابقة وقلنا لا قياس مع وجود النص فهذا قياس فاسد "تف": يعني وفى الشيء شيئا تم، "وقدموا جليه على الخفي": وقدموا يعني حكموا بتقديم القياس الجلي على الخفي، وهذا أيضا ينظر فيه إذا قيل بأن القياس الجلي الواضح البين العلة موجودة بتمامها في الفرع بل هي أولى من الأصل - حينئذ -ٍ كيف يقاس القياس الخفي بمقابلة هذا القياس الجلي - حينئذ -ٍ صار قياس مع وجود النص يعني كأن القياس دليل شرعي بمنزلة النظر - حينئذ - الأصل لا يقاس قياس خفي على كل لو تعارض أمران متقابلان قياس جلي، وقياس خفي فالجلي مقدم على الخفي، "وقدموا جليه": أي جلي القياس الواضح البيِّن الذي تكون علته منصوصة أو مجمع عليها على الخفي الذي تكون علته مستنبطه أو مختلف فيها.
وإن يكن في النطق من كتاب ***** أو سنة تغيير الاستصحاب
(12/5)

إن يوجد في النطق من كتاب أو سنة فسر النطق المراد به الكتاب أو السنة تغيير الاستصحاب يعني ما يغير الأصل العدمي، الأصل العدم مثلا نقول الأصل في الأبضاع التحريم يأتي دليل يخصصه نقول إذًا غيَّر الاستصحاب، الأصل في العادات الإباحة يأتي دليل إذا يخصصه - حينئذ - نقول نقدم الذي دل على التحريم عن الأصل فإذا قيل الأصل في الأبضاع التحريم والأصل في المعاملات الإباحة ليس مطلقا - حينئذ - لا إذا دل الدليل واضح بيِّن من أدلة من كتاب أو سنة أو قواعد عامة أن هذه المعاملة محرمة - حينئذ - لا نقول أن الأصل هو إباحة المعاملة لا نقول استصحاب الأصل مؤقت إذا لم يوجد دليل صح لك استدامة الإثبات أو النفي، وأما إن أقيم الدليل - حينئذ - وقف الاستصحاب وبقي على الاستثناء، "وإن يكن في النطق من كتاب أو سنة تغيير الاستصحاب": يعني ما يغير الأصل أي العدم الأصل تغيير الاستصحاب "فالنطق حجة": - حينئذ - لا نقف مع هذه الأصول ولذلك لا يستدل دائما بأن الأصل عدم التحريم، الأصل النجاسة، الأصل عدم كذا .. إلى آخره الماء إذا وقعت به نجاسة وهو قليل ولم تغيره الأصل ما هو أنه طاهر وقعت نجاسة ولم تأثر فيه الأصل أنه طاهر لكن نقول دل الدليل على أنه نجس بمفهوم حديث القلتين "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" مفهومه أنه إذا لم يبلغ القلتين فهو نجس إذاً قام الدليل هنا على قطع الاستدلال بالاستصحاب - حينئذ - لا نستدل بالاستصحاب نقول: لا .. الاستصحاب له زمن معين وهو عند عدم الدليل فإذا وجد الدليل رجعنا - حينئذ - إلى النص، ولذا قال: "فالنطق حجة إذا": يعني إذا وجد النطق من كتاب أو سنة فهو حجة مقدم على الاستصحاب "وإلا فكن بالاستصحاب مستدلا": وإلا يوجد نطق من كتاب أو سنة يغير الاستصحاب "فكن بالاستصحاب مستدلا": يعني محتج به وإلا يوجد بالنطق ما يغير الأصل فيستصحب الحال أي عدم الأصل فيعمل به ولذا قال: "مستدلا": أي محتجا به. هذا مجمل ما ذكره الناظم رحمه الله - تعالى -
قال الناظم:

باب في المفتي والمستفتي والتقليد
والشرط ..........
الشرح:
(12/6)

"باب في المفتي والمستفتي والتقليد": هذا ذكره فيما سبق أن صفة الحال المستفيد أنها داخلة في مفهوم أصول الفقه سبق أن أصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد يعني حال المجتهد من هو المجتهد هذا لابد من ضوابط تبين حاله لأنه هو الذي يستطيع أن يعمل تلك الأصول والقواعد فيستنبط أصول الفقه قواعد وأصول يستطيع المجتهد بواسطتها استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية هذه فائدة أصول الفقه يعني كيف تصل إلى أن هذا حرام وهذا واجب وهذا مندوب وهذا مباح وهذا مكروه تعمل أصول الفقه في الأدلة - حينئذ - يخرج إليك حكم وأما إن كنت جاهل بهذا الفن فلا يمكن أن تصل إلى الحكم الصحيح وتكون مقلدا حتى في وجه الاستدلال، ثَمَّ أمران يخلط بينهما طلاب العلم يعني يظن أن التقليد بمعنى أنه لا يتقيد بمذهب معين نعم هذا حسن لا يتقيد بالنتيجة أما في طلب العلم لابد أن يتقيد مذهب أبو حنيفة مالك الشافعي إلى آخره لابد أن يأخذ مذهب فيتفقه به ثم بعد ذلك ينطلق، ويكون حرا يعني لا يتقيد بالمذهب قد لا ينظر في القول بأنه للشافعي أو أحمد .. إلى آخره فينطلق يقول أنا اخترت هذه المسألة قول الشافعي اخترت هذه المسألة قول أبي حنيفة سواء من المتقدمين أو من المتأخرين نقول هذا عدم تقليد، ولا شك لكن انطلقت فخرجت عن مذهبك مثلا الحنبلي إلى أبو حنيفة قلت أنا آخذ قول أبي حنيفة في هذه المسألة .. طيب هذا عدم تقليد لكن إذا أثبت الحكم بما أثبته به أبو حنيفة مع الدليل ما وجه الاستدلال كيف وصل أبو حنيفة إلى هذا القول - حينئذ - يكون خرج من تقليد فوقع في تقليد آخر لكنه مغلف بمعنى أنه يدعي الاجتهاد وأنه تحرر عن التقليد ولكنه قلد في وجه الاستدلال لم يتقيد بمذهبه في كون هذا الشيء محرما، وقال بإباحته قول آخر ثم بعد ذلك لم يدرِ مأخذ هذا الحكم بماذا قال به أبو حنيفة الذي يستطيع أن يميز بين هذا وذاك وهو الذي يكون أصوليا وكلما تبحر طالب العلم في هذا الفن استطاع أن يقف بين الأقوال ويزنها بميزان الشرع الصحيح.
"باب في المفتي": المراد المفتي هنا المجتهد المطلق، المفتي اسم فاعل من أفتى الرباعي يفتي إفتاء والفتوة والفتيا لغة: بيان الحكم.
واصطلاحا: بيان الحكم الشرعي، المفتي هذا له شروط عندهم والمستفتي هو طالب الفتوى مستفتي مستفعل اسم فاعل من استفتى يستفتي فهو مستفتي الترتيب هنا لِطلب والتقليد سيأتي فرع يخصه إن شاء الله - تعالى -
(12/7)

"والشرط في المفتي": عرفنا المفتي أنه مجتهد الشرط في المفتي "اجتهاد": أن يكون المفتي مجتهدا وسيأتي تعريف الاجتهاد "وهو أن يعرف من آي الكتاب والسنن": يعني سيبين شروط المفتي ما هي الشروط التي يجب أن تكون متوفرة فيه من أجل أن يفتي ويبن الحكم الشرعي وأن يأخذ الحكم الشرعي من مظانه، "وهو": أي الشرط في المفتي اجتهاد "أن يعرف من آي الكتاب والسنن": أن يعرف يعني مواضع آيات الأحكام وأحاديث الأحكام لأنه هو الذي يتعلق به الحكم الشرعي "أن يعرف من آي الكتاب والسنن": يعني أن يكون عالما بالكتاب والسنة والمراد هنا بالآيات المعرفة قالوا ولا يشترط حفظها ولا يشترط أن يكون حافظا لهذه الآيات بل معرف المواضع والمواقع التي تكلم فيها الرب - جل وعلا - عن - مثلا - تحريم الجمع بين الأختين أين ذكره ويقف على الآية ويكفيه ولو لم يحفظ النص بكامله "أن يعرف من آي الكتاب والسنن": أي مواضع الآيات، وإن لم يحفظها لأنها مستنبطة منها والواجب عليه في معرفة الكتاب معرفة ما يتعلق منه من أحكام وهي قدر خمس مائة آية هكذا قيل قدر خمس مئة آية، وقيل تسع مائة آية، وقيل ألف ومائة آية، والصواب أنه لا يتقيد بعدد لأن القرآن كله من أوله إلى آخره محل لاستنباط الأحكام الشرعية إما بدلالة المطابقة المنطوق، وإما بالمفهوم إما بدلالة المطابقة، وإما بدلالة التضمن، وإما بدلالة الالتفاف فكل آية هي محل لأخذ حكم شرعي منها والصحيح لا تحصى آيات الأحكام بعدد معين لأن القرآن كله لا يخلو شيء منه من حكم يستنبط منه إما بالمطابقة أو بالتضمن أو بالالتفاف وليس الحكم خاص بالمسائل التي تتعلق بالعمل .. لا ... ثَمَّ مسائل يجب اعتقادها يندب اعتقادها قد يحرم اعتقادها فلابد من النظر فيها، ولذلك أصول الفقه ليس متعلقًا بالفقه فحسب يعني تظن أنه أضيف، وإنما الإشارة فيه فقط وألا العقدي المتخصص بالعقيدة يحتاج إلى أصول الفقه ليبين أن هذا الحكم الذي قال بأنه شرط في صحة لا إله إلا الله أنه شرط لابد معرفة ما هو الشرط وكيف يستنبط الشرط، الرضا - مثلا - عمل قلبي هل هو بشرط واجب أو مستحب إلى آخره - حينئذ - كيف يبحث هذه المسائل إذاً الصحيح أنه لا تقصر آيات الأحكام بعدد معين ولا يشترط حفظها بل علمه بمواقعها حتى يطلب الآية المحتاج إليها ما تحتاجوه وهذا مذهب الجمهور فيكفي معرفة معانيها ليرجع إليها عند الحاجة.
"يعرف من آي الكتاب والسنن": أن يكون عالما بالكتاب والسنن لأنهما متعلق الأحكام "والفقه": يعني أن يكون عالما بالفقه بمعنى المسائل أصلا، وفرعا، ومذهبا وخلافا "والفقه في فروعه الشوارد": يعني في مسائله الشوارد يعني المسائل البعيدة والقريبة من باب أولى يعني يكون محيط بعلم المسائل الفقه التي تكون قريبة المأخذ والبعيدة كذلك "وكل ماله من القواعد": يعني القواعد الفقه التي ذكرها أهل العلم في كل مذهب بحسبه إما قواد عامة كالكليات الخمس الكبرى، وإما أن تكون قواعد خاصة في مذهبه من أجل أن يخرج الأقوال على مذهب إمامه، "وكل ماله من القواعد": أي من القواعد الخمس مع ما به من المذاهب التي ****** تقررت ومن خلاف مثبت
(12/8)

يعني يكون عالمًا بالفقه بجميع وجوهه المتفق عليه منه، والمختلف فيه، والمذاهب وهذه القواعد التي خرج أهل العلم هذه الفروع على تلك القواعد "مع به من المذاهب التي تقررت": يعني من المذاهب المستقرة، ويعنون لها المذاهب الأربعة، "ومن خلاف مثبت": وفائدة معرفته ليذهب إلى قول منه، ولا يخالفه بإحداث قول آخر لأنه كما ذكرنا سابقا إذا عرف الخلاف في المسألة الفقهية وأن هذا الخلاف بين الصحابة - حينئذ - لا يجوز الخروج عنه ألبته بالإجماع، وأما الخروج عن المذاهب الأربعة هذا لم يحرمه أحد ممن يعتد به فيجوز الخروج عن المذاهب الأربعة إلى قول لم يقل به واحد من المذاهب الأربعة لكن بشرط أن يكون دليله معقولًا بمعنى أنه منقول، وأما أقوال هكذا مبتوتة قال الأوزاعي قال الشعبي إلى آخره، ولا يدرى ما دليله ما قوله .. إلى آخره يعني لم ينضبط هذا لا ينبغي القول به وإنما قول محفوظ بدليله ولم يقل به أحد من الأئمة الأربعة - حينئذ - يجوز الخروج عن الأئمة الأربعة والقول بهذا القول كم من مسألة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - تعالى - وابن القيم خرجا عن الأئمة الأربعة، وتحريم الخروج هذا يحتاج إلى دليل شرعي أين الدليل نحن مطالبون باتباع الكتاب والسنة، ولم يذكر في الكتاب ولا السنة أبو حنفية ولا مالك ولا الشافعي ولا أحمد - حينئذ - نقول نحتاج إلى دليل واضح بيِّن يحرم الخروج عن المذاهب الأربعة لكن الأمر ليس مفلوتا هكذا .. انتبه يعني الأمر ليس بالسهل، ولذلك ابن رجب يقول بعدم خروج أحد عن المذاهب الأربعة إلا من بلغ بإمامته بأن أدرك تلك الأقوال واستدل لها - حينئذ - يجوز له الخروج عن المذاهب الأربعة نعم المسألة تحتاج إلى انضباط يعني ليس إما جمود مطلق إما انفلات مطلق .. لا ... وسطية بمعنى: أنه إذا دل الدليل وقد قال به شيخ معتبر كشيخ الإسلام ابن تيمية وخرج به عن المذاهب الأربعة، واقتنع طالب العلم من الدليل ومأخذه - حينئذ - لا بأس من القول به، "مع ما به من المذاهب التي تقررت": يعني استقرت وليس المراد عدم الخروج عنها "ومن خلاف مثبت": يعني أثبته أهل العلم، "والنحو": -مشكل هذا عند الطلاب - يعني أن يكون عالمًا بالنحو لماذا؟ ...
(12/9)

لأن مبنى القواعد الفقه والقواعد الأصولية مبناها على فهم لسان العرب فمن لم يفهم لسان العرب لن يفهم كلام الله - عز وجل - {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} الشعراء: 195 لابد أن تعرب لابد أن تفهم وإلا فأنت ضعيف كما قال الشاطبي رحمه الله - تعالى - "والنحو والأصول": يعني أصول الفقه وبعضهم يزيد أصول الدين فلابد أن يكون عالمًا بلسان العرب لأن النحو بالعربية من أنواع علوم العربية وهذا يميز به بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيده ولفظه وفحوها كلها مبناها على لسان العرب يعني كما سبق أن ألفاظ العموم وألفاظ الخصوص هذه كلها باستقراء كلام العرب ليس فيها قال الله وقال رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكذلك كون هذا مطلق ونكر في سياق النفي ونكره في سياق الاستفهام وأدوات الاستفهام وأدوات الشرط هذه من لم يحوها يضعف، "والنحو والأصول": يعني علم أصول الفقه "مع علم الأدب": الشامل لاثني عشر علما منها النحو إعرابا، وتصريفا "واللغة التي أتت من العرب": اللغة المراد بها أعم من النحو يعني علم المفردات يعني ما يعتني به صاحب القاموس واللسان والصحاح ونحوها هذا يهتم بالألفاظ يعني استعمل اللفظ في كذا وكذا وكذا ... إلى آخره هذه لابد من العلم به "واللغة التي أتت من العرب": يعني اللغة العلم بلغة العرب يعني عالما بمفرداتها ومركباتها لأنها قاعدة الاجتهاد "قدرا به": يعني كل ما سبق من العلوم المذكورة "قدرا به يستنبط المسائلا": ليس المراد أن يتبحر في النحو بأن يبلغ الغاية أو الأصول بأن يبلغ الغاية ما يترك كتاب ولا مسألة إلا يحفظه .. لا .... ليس هذا المراد المراد ما يعينه في فهم المسائل وهذا محدود عند أهل العلم بالمتون المشتهر حفظها ومذاكرتها ومدارستها عند أهل العلم كالآجرومية في النحو مع الملحة مع القطر مع ألفية ابن مالك ببعض شروحها الموسعة يكفي طالب العلم في النحو، وكذلك أصول الفقه الورقات مثلا الروضة مع المراقي مع بعض شروحها أو الكوكب الساطع يكفيه، ولذاك ذكر الشوكاني في أدب الطلب من رام تحقيق هذا الفن فعليه بجمع الجوامع، وشروحه وحواشيه يكفيه يعني تأخذ المحلي مع حاشية العطار ويكفيك إن شاء الله ثم إذا احتجت بعد ذالك إلى مسألة تمر عليك - حينئذ - يأتي البحث يعني لا تنتهي العلاقة بكتب الأصول إذا حفظت المراقي مثلا أو الكوكب الساطع .. لا، وإنما يكون هذا هو الذي عناه هنا "قدرا به يستنبط المسائلا": تعرف العام تعرف الخاص تعرف الناسخ والمنسوخ إن احتجت إلى بحث - حينئذ - تتوسع وتذهب إلى المطولات وتنظر فيها، "قدرا به يستنبط المسائل": قدرا: هذا مفعول يعرف، أن يعرف من آي الكتاب قدرا، "قدرا به يستنبط المسائلا": يعني يأخذ المسائل "بنفسه": يعني يكون في رتبة الأئمة الكبار فينظر كما نظروا، ويأخذ كما أخذوا "يستنبط المسائلا": الألف: هذه للإطلاق جمع مسألة وهي لغة السؤال وفي الاصطلاح: مطلوب خبري يبرهن عليه في العلم.
(12/10)

"بنفسه لمن يكون سائلا": يعني فيفتي يعني الذي يفتي لأن الكلام هنا فيمن يفتي من الذي يفتي هو الذي يكون عنده أهليه لأن يأخذ الأحكام بنفسه ثم بعد ذلك يبلغه أما الذي لا يأخذ الحكم بنفسه هذا مقلد، ولو بلغ غيره وأفتى فهو مقلد هذا الذي عناه العز ابن عبد السلام بقوله: هؤلاء نقلة فقه لا فقهاء يعني الذي لا يعرف أن يأخذ الحكم بنفسه، ولا يفهم مآخذ أهل العلم ولو حفظ الأقوال والأدلة وسرد .. إلى آخره المسألة فيها خمسة أقوال إذا لم يصف مآخذ أهل العلم قال العز ابن عبد السلام: هؤلاء نقلة فقه لا فقهاء يعني ينقلون الفقه إلى غيرهم هذا هو المقلد نقلة فقه لا فقهاء.
"قدرا يستنبط به المسائلا بنفسه": يعني من أدلتها "لمن يكون سائلا": يعني لسائله فيفتي بها لمستفتيه "مع علمه - رجع أيضا - "التفسير في الآيات": أن يكون عالما بالتفسير، "وفي الحديث حالة الرواة": يعني سيأتي بعض الأحاديث مختلف فيها الماء إذا لم بلغ القلتين هل هو نجس إذا وقعت به نجاسة ولم يتغير هل هو نجس أو لا هذا يحتاج أن تبحث في حديث ابن عمر هل هو ثابت أو ليس بثابت إذا كان ما يحسن فلن يحسن الوصول إلى النتيجة وإنما سيقلد قال ابن تيميه موقوف على ابن عمر، "وفي الحديث حالة الرواة": يعرف الصحيحة والضعيفة حال الترجيح عند التعارض وموضع الإجماع": يعني علمه موضع الإجماع كي لا يخرقه ويعرف المجمع عليه لئلا يفتي بخلافه، والخلاف: هذا تكرر لتغطية كما سبق "فعلم هذا القدر فيه كاف": يكفيه هذا للمجتهد المطلق أن يعرف كل ما ذكره الناظم هنا رحمه الله - تعالى -.
ثم قال: "ومن شروط السائل المستفتي": يعني من أدب السائل الذي يستفتي غيره "ألا يكون عالما كالمفتي": يعني يكون تقليدا فلو كان عالما كالمفتي - حينئذ - ليس بمستفتي إنما هو مذاكر يذاكر معه العلم أو مختبر
فحيث كان مثله مجتهدا ****** فلا يجوز كونه مقلدا
(12/11)

يعني لا يجوز أن يسأل السائل وهو مجتهد وإنما واجبه - حينئذ - النظر في الكتاب والسنة فما وصل إليه نظره من حكم شرعي فهو واجب له، ويحرم عليه التقليد أن يقلد غيره فإن قلد وقع - حينئذ - في الإثم إلا لضرورة كأن تكون ثَمَّ مسألة حادثة عارضة ولم يتمكن من النظر - حينئذ - أن يقلد وأما أنه مجتهد ويقلد غيره فهذا حرام عليه ولذالك قال الشافعي رحمه الله - تعالى - التقليد كالميتة بمعنى أنه لا يرجع إليه إلا عند الضرورة والعامة ضرورة لابد من التقليد فحيث كان مثله حيث كان السائل مثله مثل المجتهد مجتهدا فلا يجوز كونه مقلدا إذا اجتهد مجتهد وغلب على ظنه الحكم لم يجز التقليد وإنما يقلد العامي المجتهد ومن لم يتمكن من الاجتهاد في بعض المسائل فعامي فيها وله أن يقلد غيره قال أهل العلم ولا يستفتي العامي إلا لمن غلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد لا يجوز للعامي أن يستفتي إلا لمن غلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد يعني لا يستفتي أي شخص صياحا بمجرد احتمال وإنما لابد أن يغلب على ظنه أنه من أهل الاجتهاد بشروط السابقة التي ذكرها بما يراه من انتصابه للفتيا بمشهد من أعيان العلماء وأخذ الناس عنه وما يتلمحه من صفات الدين والصدق أو يخبره عدل عنه فأما من عرفه بالجهل فلا يجوز أن يقلده اتفاقا فإن جهل حاله لا يعلم هل هو من أهل اعلم أو لا ورآه منتصبا فجمهور العلماء على أنه لا يجوز تقليده ولا العمل بفتواه فلابد من السؤال عنه فكل من وجب عليه قبول قول غيره وجب معرفة حاله إذ كيف يقلد من قد يكون أجهل من الثاني يعني لابد من معرفة من هو الذي يستفتى فلا بد أن يكون مشهودا له عند أهل العلم بالعلم
فرع
تقليدنا قبول ............
الشرح
"فرع": في اللغة ما بني على غيره، وهذا سبق واصطلاحا اسم من الألفاظ مخصوصه مشتمل على مسائل، ذكر في البيت السابق فلا يجوز كونه مقلدا فناسب أن يبن لنا ما هو التقليد فقد عنون له فيما سبق.
(12/12)

التقليد في اللغة: جعل القلادة في العنق وقيل وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به وسمي ذالك قلادة، واصطلاحا: هو اتباع قول الغير من غير معرفة دليله. حرام فقط .. لماذا؟ ... لا يدري، واجب ... لماذا؟ لا يدري نقول هذا يسمى تقليد قول الغير احترز به عن قول الكتاب والسنة والإجماع فلا يسمى تقليدا، وإنما هو اتباع ففرق بين الاتباع والتقليد فيكون المراد من قول الغير في هذا فالتقليد يكون مع عدم معرفة الدليل بأن يأخذ الفتوى مجردة عن الدليل يعني حرام الحكم الشرعي من غير معرفة دليله لا من كتاب ولا من سنة، حكم التقليد قال ابن عبد البر: (ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها وأنهم مرادون من قول الله عز وجل: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} النحل: 43 وأجمعوا على أن الأعمى لابد له تقليد غيره ممن يثق بميله في القبلة إذا أشكلت عليه فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى أنه ما يدين لابد له من تقليد عالم. العامي - العوام - يجب عليهم أن يقلدوا العلماء لكن ليس كل عالم إنما العالم الموثوق بعلمه، وقال ابن تيمية رحمه الله - تعالى -: (والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة والتقليد جائز في الجملة ولا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد) إذا الاجتهاد جائز في الجملة يجوز ويحرم يجوز لمن كان أهلا - حينئذ - إذا حصل منه وجب أن يجتهد ولا يجوز لمن لا يكون أهلا كذلك التقليد لا نقول بالمنع مطلقا ولا بالجواز مطلقا من كان عاميًا ومن ليس مجتهدا وجب في حقه التقليد لأن الله - تعالى - قال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} النحل: 43 هنا إحالة أحال من؛ من لم يكن من أهل الذكر، ولذا بالمناسبة قَسًّم الله - تعالى - الناس إلى قسمين جاهل وعالم: والآن استنبطوا منزلة بين المنزلتين، وهو المثقف أو المفكر وهذا جعلوه بين منزلتين، نقول: لا. هذا إن كان عالمًا فهو من أهل الذكر، وإن كان جاهلًا فهو من الأول فإن كان عالمًا بالشرع فهو - حينئذ - من أهل الذكر، وإلا فلا إما جاهل وإما عالم، وأما مفكر.
هذا هو قسم الأول إذًا الحكم الذي ينبغي أن يتعلق عليه هو أنه يجوز الاجتهاد في الجملة قد يجب وقد يحرم، يحرم على من لم تتوفر فيه شروط الاجتهاد.
قال هنا:
تقليدنا قبول قول القائل ****** من غير ذكر حجة للسائل
(12/13)

"تقليدنا": نحن "قبول قول القائل": يعني المفتي من "غير ذكر حجة للسائل": يعني دون أن يبن له مأخذه يعني دون أن يذكر الدليل يعني لم يذكر له لا آية ولا نص تقليد في عرف الفقهاء قبول قول الغير من غير حجة واعلم أن قول الغير هذا تعبير عند الأصوليين لا يطلق إلا على اجتهادهم أما ما فيه النصوص فلا مذهب فيه لأحد يعني قول الغير هذا لا يطلق إلا على القول الذي استنبط اجتهادا، وأما ما فيه النصوص فلا مذهب فيه لأحد ولا قول فيه لأحد لوجوب إتباعها من الجميع فهو إتباع للقول حتى يأتينا الدليل بمعنى أن بعض الأحكام الشرعية هذه نصوص واضحة بينة قطعية لا مجال لأحد أن يقول هذه لفلان أو قول فلان، وإنما تذكر أقوالهم من أجل الاستئناس بها، ولذالك أهل السنة والجماعة إذا قالوا اعتقاد الإمام أحمد نعتقد اعتقاد الإمام أحمد هل معنى ذلك أن الإمام أحمد هو المتبع أصلا؟ ... لا، وإنما يذكر الإمام أحمد تقوية لفهمنا من أجل ألا يكون الفهم شاذا وأن هذا الفهم فهم السلف الصحابة تتابع عليه التابعون وتابع التابعين إلى أن وصل إلى الإمام أحمد رحمه الله - تعالى - - حينئذ - يكون من باب الاستئناس وتأكيد وليس من باب الاحتجاج وإنما نسبت إليه العقيدة من أجل موقفه من المبتدعة والاجتهاد إنما يكون من أمرين:
أولاً: ما لا نص فيه أصلا ولا إجماع لحديث معاذ المشهور.
ثانيا ً: ما فيه نصوص ظاهرها التعارض: يعني وردت نصوص لكن ظاهرها التعارض - حينئذ - يجب الاجتهاد في ماذا؟ ... في الجمع بينها أو في الترجيح.
ثالثا: ألا تكون المسألة المجتهد فيها من مسائل العقيدة فالاجتهاد خاص بمسائل الأحكام يعني أصول المعتقد ليست مجالا للاجتهاد، ولا نقول في المسألة قولان قول بالتأويل وقول بإثبات النصوص كما هي .. لا، وإنما مسائل الاجتهاد تدخل في الأحكام بعض مسائل العقيدة التي ليست في الأصل كرؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه أو سماع الأموات أو هكذا هذه وقع فيها نزاع بين أهل العلم لكنها ليست بأصول أما أصول المعتقد فلا، وأما ما يورد عن بعض أهل العلم أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أن إذا اجتهد الحاكم فأصاب اجتهد أطلق هنا فهو عام يشمل العلميات والعمليات هذا مخصوص بفهم السلف عمل السلف لأنه لو كان الاجتهاد قابلا بأن يدخل أصول المعتقد لماذا يبدعون ويخالفون وينكرون ... إلى آخره كل هذا يدل على أن المراد من قوله: "إذا اجتهد الحاكم" فيما يقبل الاجتهاد وهو الأحكام العملية وأما المعتقد التوحيد فلا يعني يجتهد مجتهد يقول: لا إله إلا الله يعني: لا خالق إلا الله نعذره باجتهاده لأن الحديث عام يشمل الكفار .. لا. ليس داخلًا في هذا المفهوم.
رابعاً: أن تكون المسألة المجتهد فيها من النوازل أو مما يمكن وقوعه في الغالب يستدل لذلك بحديث (إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم حرم من أجل مسألته).
على كلٍ الاجتهاد يدخل فيما لا نص فيه أصلا، ولا إجماع، ثانيا ما فيه نصوص ظاهرها التعارض - حينئذ - يجتهد من أجل الجمع والترجيح ألا تكون المسألة المجتهد فيما من مسائل العقيدة.
تقليدنا قبول قول القائل ****** من غير ذكر حجة للسائل
(12/14)

عرفنا المراد من قول الغير، "وقيل": في حد التقليد "بل قبولنا مقال مع جهلنا من أين ذاك قاله": ما الفرق بين هذا وذاك؟ ...
هنا ذكر الدليل لكن لم يبن مأخذه، التقليد له حالان:
أن يقول حرام دون ذكر دليل، نوع آخر: أن يقول حرام لقوله - تعالى - كذا العامي ما يفهم لقوله - تعالى - كذا يعني ما وجه الاستدلال أو أخذ الحكم الشرعي من كذا لو قيل الماء القليل ينجس بمجرد الملاقاة -العامي مثلا- هذا الماء مثلا وقعت فيه نجاسة نقول نجس لمفهوم حديث: إذا كان الماء قلتين ما يفهم العامي هذا الكلام أنت ذكرت الدليل له ولم يفهم وجه الاستنباط مازال عاميا هل أخذ الحكم بدليله لا إن كان مجرد حكم وتلاوة نعم أخذه، وإن كان مجرد معرفة مأخذ الحكم من الدليل فلم يأخذه العامي فهذا الحد الثاني يجعل التقليد بأنه لم يفهم ولم يأخذ مأخذ الحكم من الدليل فعرف الدليل ولكنه لم يعرف المأخذ، "وقيل بل قبولنا مقاله": يعني قول القائل وأنت لا تدري "من أين ذاك قاله": يعني لا تعلم مأخذه في ذلك مع جهلنا "من أين ذاك قاله": هذان تعريفان، والمشهور هو الأول، والثاني داخل في قوله: "تقليدنا" كما ذكرتم يعني ليس معرفة الحكم مع الدليل يكفي عن الخروج من التقليد بل لابد من معرفة مأخذ الدليل.
ثم قال:
ففي قبول قول طه المصطفى ****** بالحكم تقليد له بلا خفا
وقل لا ................ ... ****** .......................
هل إذا أخذ الصحابي بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا حرام ومشى تقليد أو لا؟ ... كيف يكون تقليد والنبي - صلى الله عليه وسلم - دليل فلا يكون تقليدا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال الله - تعالى - عنه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} النجم: 3 فهو بنفسه دليل - عليه أفضل الصلاة والسلام - لو رآه فعل فعلا وأخذه ومشى - حينئذ - نقول: الدليل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أو سمع قولا من النبي - صلى الله عليه وسلم - في فتوى ونحوها نقول دليل تقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي الأحاديث التي رواها الصحابة وما هي إلا الفتاوى ونحو ذالك - حينئذ - لم يكن تقليدا، "ففي قبول قول طه": المصنف يرى أن طه اسم للنبي - صلى الله عليه وسلم - كما ذكرنا "مصطفى": يعني المختار بالحكم، "قبول قول طه المصطفى بالحكم": فيما يذكره من الأحكام "تقليد له": يعني يسمى تقليدا لانطباق الحد السابق عليه "بلا خفا": يعني وإن لم يذكر دليلا لذلك الحكم لأنه قد قام الدليل على قبول قوله - صلى الله عليه وسلم -، "وقيل لا": يسمى تقليدا "لأن ما قد قاله": يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - "جميعه بالوحي قد أتى له": يعني إسناده إلى الوحي فهو دليل على كل أخذ قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو لم يذكر مأخذه - حينئذ - يسمى إتباعا لا تقليدا لأنه عليه أفضل الصلاة والسلام هو بنفسه دليل
النظم: ... باب الاجتهاد
وحده أن يبذل الذي ...............
الشرح:
(12/15)

"باب الاجتهاد": قال رحمه الله - تعالى - خاتمة الأبواب باب الاجتهاد، "اجتهاد": افتعال من الجهد، والجهد - بضم الجيم وفتحها - وهو الطاقة والوسع، وفي اللسان أنهما لغتان في الوسع والطاقة، وقال ابن الأثير: هو بالفتح المشقة الجهد، وقيل: المبالغة والغاية، وبالضم الوسع والطاقة. إذًا المشهور أن الجَهد والجُهد بمعنى واحد هذا هو المشهور، وأما في الاصطلاح: فهو بذل المجتهد ما في وسعه لطلب العلم بأحكام الشرع قوله: "بذل" هذا جنس في التعريف يشمل كل بذل من المجتهد وغيره سواء كان في الأحكام أو غيرها أضيف إلى المجتهد "بذل المجتهد": لإخراج بذل غير المجتهد كالنحو وغيره لو بذل ما في وسعه وهو نحوي وخرج بحكم لا نقول هذا يسمى اجتهادًا في الشرع، والمجتهد من عنده ملكة استنباط يعني استكمل الشروط السابقة - حينئذ - صار عنده ملكة للاستنباط مجتهد من عنده ملكة استنباط، وليس المراد المتفقه في الفعل، والوسع معناه: الجهد والطاقة فخرج به بذل المقصر فإنه لا يسمى اجتهادًا في الاصطلاح، ولذلك قال "حده": أي تعريفه في عرف الأصوليين "أن يبذل الذي اجتهد مجهوده": وحده أن يبذل بذله وأن ما دخلت عليه في تأويل مصدر، والمراد هنا بالذل بذل الوسع والطاقة في التعرف على الحكم واستنباطه، "أن يبذل الذي اجتهد": يعني المجتهد الذي قلنا الموصول مع صلته في قوة المشتق الذي اجتهد وهو المجتهد الفقيه الذي له القدرة في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، "مجهوده": طاقته ووسعه يعني في البحث والنظر والتأمل والمذاكرة ونحو ذلك فليس النظر هنا يكفي أن ينظر وحده بل قد يستنبط حكم ويعرضه إلى منه أجل منه، "مجهوده": في نيل مجهوده يعني طاقته ووسعه "في نيل أمر قد قصد": يعني بلوغ نيل بمعنى بلوغ الغرض المقصود من العلم بتحصيله بأن يبلغ تمام طاقته في النظر في الأدلة ليحصل الظن في الحكم الشرعي، "في نيل": يعني الحصول والبلوغ في "أمر قد قصد": يعني قصده في الأصول وهو معرفة الحكم الشرعي. هذا الاجتهاد بذل كل المجهود واستفراغ الوسع في فعل ولذلك قيل لكونه يبلغ الغاية في البذل أنه لا يستعمل إلا فيما فيه جهد ويقال اجتهد في حمل الرحى ولا يقال اجتهد في حمل خردله كذلك تقول اجتهد في حمل هذه الطاولة مثلا، ولا تقول: في حمل هذا الكأس هذا ما يحتاج بذل الوسع إلى آخره، وهو قسمان الاجتهاد قسمان: اجتهاد تام، واجتهاد ناقص، التام: أن يبذل الوسع بالطلب إلى أن يحس من نفسه بالعجز عن مزيد الطلب، والناقص: أن ينظر المجتهد نظرا مطلقا في تعرف في حكم الحادث يعني لا يبذل الوسع ينظر في مذهبه فقط - مثلا - ولا ينظر في بقية المذاهب، وهذا اجتهاد ناقص، وأما حكمه فكما سبق من كلام شيخ الإسلام أنه في الجملة يقال بجوازه وله أدلة، ومنها: * "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله وأجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر".
* وقوع الاجتهاد من النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحيح أنه يجتهد - عليه أفضل الصلاة والسلام - ثم يقره الرب - جل وعلا - فيصير وحيا.
* إذنه لأصحابه في الاجتهاد وكان يقرهم على الصواب منها في وقائع متعددة.
(12/16)

المجتهد إذا كان كامل الآلة في اجتهاده فهو المجتهد المطلق المشهور عند الأصوليين تقسيم المجتهد إلى ثلاثة أقسام:
المجتهد المطلق: وهو ما كان كامل الآلة في الاجتهاد يعني بالشروط السابقة التي ذكرت يكون كامل الاجتهاد.
ودونه: يعني دون المجتهد المطلق، المجتهد المطلق هذا يقولون اختفى كالذي دخل الغار ماله وجود الآن لا وجود له يعني لا يوجد من هو أهلا بعد الأئمة الأربعة أن يكون مجتهدًا مطلقا، وإنما هو مجتهد مذهب أو فتوى ومن هنا أخذ بتحريم الاجتهاد يحرم الاجتهاد وإنما تجتهد في المذهب فقط، ومع ذلك الاجتهاد المطلق فلا ولذلك نصبت العداوة لشيخ الإسلام ابن تيمية إذ دعا إلى الاجتهاد المطلق على كل يذكره الأصوليون وينفون وجوده غير موجود والله أعلم - لا ... الصواب أنه موجود - نعم ودونه مجتهد المذهب وهو المتمكن بأن يخرج الدليل منصوصا زايدا على نصوص إمامه يعني - مثلا - نازلة تضج على مذهب الإمام أحمد على أصوله.
ودونه: مجتهد الفتوى وهو المجتهد المتبحر في مذهب إمامه المتمكن من ترجيح قول آخر يعني ترجيح أحد القولين على آخر أطلق الإمام قولين فيأتي هذا فيرجح أحد القولين على الآخر، وهذا يسمى مجتهد فتوى.
على كلٍ المجتهد المطلق الصواب أنه موجود.
ثم قال رحمه الله - تعالى - بعد ما بيَّن الاجتهاد بيَّن أنه ينقسم إلى قسمين: صواب وخطأ صواب إذا وفق الحق الدليل وخطأ إذا خلاف الحق، "ولينقسم": هذا الاجتهاد "إلى صواب وخطأ": لأن الحق في قول واحد من المجتهدين الحق لا يتعدد، وإنما هو معين عند الله - تعالى - فإذا أصابه قلنا أصاب الحق، وإذا أخطأه قلنا أخطأ الحق، فالحق في قول واحد من المجتهدين ومن عداه مخطأ ويسمون هؤلاء المخطئة ولله - تعالى - في كل حادثة حكم معين أصاب الحق من أصابه، وأخطأه من أخطأه إذا ينقسم إلى صواب وخطأ والحديث السابق بيَّن: إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ثم قال: أخطأ إذا الذي قسم الاجتهاد إلى صواب وخطأ هو النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس بمحل اجتهاد إنما هو لفظ واضح بيِّن، "وقيل في الفروع يمنع الخطأ": قيل: يعني قال بعض المتكلمين كل مجتهد فهو مصيب لأن الحق عند الله لا يتعين في قول، وإنما هو ظن المكلف فإذا اجتهد المجتهد فظن أن هذا حكم الله فهذا حق، وجاء آخر وبحث وظن أن حكم الله كذا وخلاف الأول فهو حق، وثالث، والرابع، والعاشر - حينئذ - لا يخطأ فقيه ألبته، وهذا القول باطل مردود لأنه مصادم للنص السابق. النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: اجتهد فأخطأ فكيف تقول أصاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول أخطأ، وهذا في مقابلة النص فهو مردود، "وقيل": يعني بعض المتكلمين "في الفروع يمنع الخطأ": يعني كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله لا يكون واحدًا معينا بل هو تابع لظن المجتهد، ولعدم القطع بصواب واحد من هذه الاجتهادات يعني يحتمل هذا قال بالتحريم هذا قال بالكراهة كلاهما حق فخذ ما شئت، "وقيل في الفروع": المراد بالفروع هنا التي لا قاطع فيها من نص أو إجماع فالمصيب فيها واحد وفاقا يعني الفرع نوعان: فرع مجمع عليه وفيه نص هذا يمنع فيه الخطأ لا شك في ذلك، وأما ما يحتمل الخلاف هذا الذي عناه بهذه المسألة.
(12/17)

وفي أصول الدين ذا الوجه امتنع ****** إذ فيه تصويب لأرباب البدع
"وفي أصول الدين": يعني المعتقد التوحيد ونحو ذلك "ذا الوجه امتنع": ذا الوحه هذا ذا اسم إشارة المشار إليه تقسيم الاجتهاد إلى صواب وخطأ يعني لا نقول بتقسيم الاجتهاد إلا في الفروع، وأما في أصول الدين فلا، وهذا هو الحق، "وفي أصول الدين ذا الوجه": يعني تقسيم الاجتهاد إلى صواب وخطأ "امتنع": لأنه إن قلنا بجواز الاجتهاد - حينئذ - "إذ فيه تصويب لأرباب البدع": فكل مبتدع إذا اجتهد وأحدث بدعة وقال أنا مجتهد والاجتهاد يدخل العلميات كما يدخل العمليات وهذا حق إذا فتح الباب ليس لك حجة في إنكار ما قد يكون من أهل البدع "إذ فيه": هذا تعليل "إذ فيه": هذا التقسيم "تصويب لأرباب البدع" "من النصارى حيث كفرا ثلثوا": وأن الله ثالث يعني قائلين بالتثليث فهم مبتدعة ومشركون والمشرك مبتدع "والزاعمون أنهم لم يبعثوا": {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا} التغابن: 7 أنهم لن يبعثوا: يعني من أنكر الميعاد في الآخرة فهم مجتهدون كذلك "أو لا يرون ربهم بالعين": يعني الذي أنكر الرؤية كالمعتزلة والأشاعرة، "كذا المجوس في ادعى القولين": قولهم بالأصلين يعني في العالم النور والظلمة، فالنور هي خالقة الخير، والظلمة هي خالقة الشر إذًا المقصود الأمثلة فقط أنه إذا فتح الاجتهاد وقسم إلى حق وباطل في باب المعتقد الكل يدخل من هذا الباب، "ومن أصاب في الفروع يعطى أجرين": يعني أجر على اجتهاده وأجر على أصابته، "واجعل نصفه": أي نصف الاثنين وهو واحد أجر واحد "من أخطأ": ولا إثم عليه إذا بذل ما في وسعه وفعل ما أمر به - حينئذ - لا إثم عليه على أخطائه على الصحيح إلا أن يقصر في اجتهاده فيأثم واجعل نصفه من أخطأ، "لما رووا": يعني الصحابة ومن بعدهم "عن النبي": - صلى الله عليه وسلم - الذي وصفه بأنه "الهادي": هداية الدلالة "في ذاك من تقسيم الاجتهاد": قسمه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى قسمين وجعل من أخطأ فله أجر واحد نعم.
"وتم نظم": يعني ما يتعلق بالأصل وهو الورقات للإمام الحرمين الجويني، قال: "وتم نظم هذه المقدمة": المشار إليها الورقات في فن أصول الفقه وهي من أشهر ما أختصر من هذا الفن، "أبياتها": أي أبيات هذه المنظومة "في العد در محكمة": يعني مئتا وأربعة دون الخطبة، الخطبة سبعة أبيات بها تكون أحد عشر ومائة بيت، "محكمة": يعني متقنه ثم ذكر عام تأليفها أو نظمها قال: "في عام طاء ثم ظاء ثم فا": هذه الطريقة القديمة في العد بالحروف "في عام طاء": يعني تسعة - تقابل تسع - "ثم ظاء": تسع مئة "ثم فا": ثمانين يعني عام تسع وثمانين وتسع مئة، "ثاني": يعني في اليوم "ربيع شهر وضع": يعني في اليوم الثاني من شهر ربيع الأول شهر "وضع المصطفى": - صلى الله عليه وسلم -.
(12/18)

ثم ختم بما بدء به وهو الحمد لله قال: "فالحمد لله": أي أثني عليه الثناء الجميل على جهة التعظيم لله "على إتمامه": يعني على إتمامه هذا النظم الجليل على بمعنى اللام لتعليل {لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} الحج: 37 يعني لأجل هدايته إياكم، "ثم صلاة الله مع سلامه": ثم: يعني بعد أعطى حق الرب - جل وعلا - صلى وسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلاة الله": أي رحمته المقرون بالتعظيم على المشهور، وهذا ما اختاره ابن القيم رحمه الله - تعالى - ثناءه على عبده في الملأ الأعلى، "مع سلامه": جمع بين الصلاة والسلام مع كونه أو المنظومة لم يصلِ ولم يسلمْ إنما البيت الذي فيه الصلاة والسلام الذي زاده عبد الحميد قندس بشرحه فوضع ضمن الأبيات، وليس هو داخل في الأبيات وإنما لكونه تركه في الأول وعندهم نقد لاذع لمن ترك الصلاة والسلام لأنه جاء التحذير: كل أمر ... إلى آخره، وهي أحاديث ضعيفة ثم ذكر مع المداخل ثم صلاة الله مع سلامه أي تحيته لصفيه - صلى الله عليه وسلم - الائقة "على النبي": جار ومجرور هذا متعلق بقوله: "صلاة الله": هذا مبتدأ "على النبي": هذا خبر وباسكان الياء على الضرورة، "وآله": وهو كل مؤمن متبع للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كان عاصيا، "وصحبه": اسم الجمع صاحب يعني صحابي - حينئذ - يكون من عطف الخاص على العام، "وآله": أي أتباعه على دينه هذا أولى بأن يفسر به فهذه المواضع، "وحزبه": أي جماعته المراد به هنا من غلبت ملازمته للنبي - صلى الله عليه وسلم - فهو خاص الخاص مطلق التعبير فهم أخص من الصحب الذين هم أخص من الآل، "وحزبه": الحزب الأصل الجماعة الذي أمرهم واحد سواء في خير أو شر اجتمعوا على شيء وأمرهم واحد قلنا هذا يسمى حزبًا، "وكل مؤمن به": أي صالح مستقيم فهو معطوف على الآل من عطف الخاص على العام.
هذا ما يتعلق بهذا النظم وهو ما يسره الله - عز وجل - بحل عبارات هذا النظم بشيء مختصر والوصية أولا وآخرًا بتقوى الله - عز وجل - والعمل على طاعته، واجتناب نهيه ثم المواظبة على العلم الشرعي، وعلى تحقيق معنى طلب العلم.

والله أعلم صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
(12/19)