Advertisement

الشرح الميسر لقواعد الأصول ومعاقد الفصول


عناصر الدرس
* نبذة عن المؤلف، والكتاب.
* مقدمة الكتاب.
* مقدمة العلم.
* الحكم ولوازمه.
* الحكم، والحاكم، والمحكوم فيه، والمحكوم عليه.
* الواجب، وأقسامه.
* المندوب.
* المحظور.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
سنشرع في شرح ((قواعد الأصول ومعاقد الفصول مختصر تحقيق الأمل في علمي الأصول والجدل)) لصفي الدين عبد المؤمن بن كمال الدين عبد الحق البغدادي الحنبلي توفي سنة تسع وثلاثين بعد المائة السابعة من الهجرة النبوية.
وهذا الكتاب يعتبر مختصرًا في الأصول وهو متعلق بأصول الحنابلة وقيل: بأنه مختصر. أو أنه مقتطع من الروضة لابن قدامة رحمه الله تعالى وعلى كلٍّ هذا أو ذاك يكون قد ذكر المصنف رحمه الله تعالى ما يتعلق بأصول الحنابلة على جهة الاختصار من ذكر المسألة وقائلها دون النظر في دلائل كما نص على ذلك لأنه مأخوذ من كتاب أطول منه للمصنف نفسه رحمه الله تعالى، وهذا الكتاب يعتبر واسطة بين الورقات وبين المطولات لأنه أكثر مسائل من الورقات ثَمَّ تنازع بين المتون التي تكون واسطة بين الورقات والمطولات، وقد وُجِد هذا المختصر وخدم بعض المعاصرين من أجل أن يكون حلقة وصل بين هذه الكتب وإلا الأصل أن طالب العلم خاصة في علم الأصول إذا أراد أن يتوسع في هذا الفن أنه يأخذ الورقات على جهة الإجمال أو على جهة التفصيل ثم بعد ذلك إن كان يرغب في حفظ ألفية في أصول الفقه فيشرع فيها مباشرة وإذا لم يكن له مقدرة على ذلك حينئذٍ يحفظ الورقات النظم ثم بعد ذلك يشرع في هذا الكتاب ثم يسير على ما سار عليه أهل العلم شرح المختصر تحرير أو البلبل أو الروضة أو غيرها من الكتب التي تعتبر من مطولات هذا الفن لكن من كانت عنده رغبة في حفظ ألفية في أصول الفقه الأصل فيه أنه يقتصر على حفظ ((منظومة الورقات)) التي هي نظم العمريطي ثم يشرع مباشرةً في حفظ ((المراقي)) أو ((الكوكب الساطع)) هذا أو ذاك وإن كان الثاني أولى وبشرط أن يأخذ ((الورقات)) على جهة التوسع بمعنى أنه يقرأها مرة لفك العبارة ثم يكر عليها مرة أخرى فيدرسها بتوسع حينئذٍ لا يحتاج إلى واسطة بين الورقات و ((المراقي)) أو ((الورقات)) و ((الكوكب الساطع))، ولكن من لم يرد أو أنه أخذ الورقات دون توسع حينئذٍ يكون هذا الكتاب قد أدى ما عليه بمعنى أنه يكون موصلاً للطالب ليتصور المسائل لأن الورقات لم يذكر إلا مسائل اليسيرة التي قد يحتاجها من أراد أن يخرج عن حيز العامية إلى كونه طالب علم.
هذا الكتاب مدحه ابن بدران رحمه الله تعالى وهو الذي صار عليه المعاصرون من حيث كون هذا المتن صالحًا للتدريس ولا بأس من تدريسه لكن على ما ذكرت سابقًا لأنه إذا كان طالب العلم يرغب في حفظ الألفية فالأصل أنه مباشرة يبدأ فيها دون أن يعيد لأن الذي ذكر في هذا الكتاب سيكون منظومًا هناك بدلاً من أن يعطل نفسه بدل أن يتأخر وأحيانًا إذا كانت المسائل مشروحة مفهومة قد يصعب عليه شيء من الحفظ فيحفظ ويفهم هذا أولى له، ولكن لا بأس أن يشرح هذا الكتاب على جهة الاختصار لمن لم يرد حفظ ((المراقي)) أو ((الكوكب)) أو يريد ولكنه درس الورقات على جهة الاختصار.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(بسم الله الرحمن الرحيم
(1/1)

أحمد الله على إحسانه وإفضاله كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله). شرع المصنف رحمه الله تعالى بالبسملة والحمدلة على عادة المصنفين من أنه يستحب لهم أن يأتوا بأول كتبهم بالبسملة على جهة التقرب والطاعة، وكذلك حمد الله عز وجل على جهة التقرب والطاعة فقال رحمه الله تعالى: (أحمد الله). الحمد هو: الثناء الكامل على المحمود بجميل صفاته وأفعاله على قصد التعظيم. (أحمد الله على إحسانه وإفضاله) جمع بين الإحسان والإفضال وكلاهما مصدر قيل: الإحسان والإفضال بمعنى واحد. وإن كان الأصل في الإحسان أنه ضد الإساءة ويطلق ويراد به الإنعام على الآخرين يطلق ويراد به الإحسان في الفعل {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} ... [السجدة: 7] هذا فيه إحسان في الفعل كذلك يراد الإنعام على الآخرين {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77] على كلٍّ الظاهر أنه الإحسان والإفضال بمعنى واحد، وإن كان يطلق الإفضال بمعنى الزيادة على الشيء (كما ينبغي) أي: مثل الحمد الذي ينبغي. وينبغي بمعنى يليق ... (لكرم وجهه وعز جلاله) هذا فيه اقتباس من قوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27]. لأنه جاء بصفة الوجه وصفه بالعزة والجلالة والوجه على أصله لأنه صفة لله جل وعلا على ما تليق به سبحانه وتعالى ومن الصفات الذاتية الخبرية (وعز جلاله) العز القوة والغلبة والجلال المراد به العظمة (وأصلي على نبيه المكمل بإرساله) أصلي هذه جملة خبرية لفظًا إنشائية معنى بمعنى أدعوا وأسأل الله عز وجل أو أطلب الله تعالى الصلاة على نبيه المكمل بإرساله، والصلاة على الصحيح هي: ثناء. صلاة الله تعالى على عبده ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى (على نبيه) هنا لم يذكر الصلاة والسلام معًا يعني: لم يجمع بينهما بناءً على الصحيح أنه لا يكره إفراد الصلاة عن السلام أو إفراد السلام عن الصلاة وهو المرجح عند الفقهاء (على نبيه المكمل بإرساله) كأنه كامل في نفسه وزادته الرسالة كمالاً على كمال، والمراد بنبيه إذا أطلق على لسان من كان من أمة ... محمد - صلى الله عليه وسلم - فحينئذٍ يكون ثَمَّ عهد وهو المراد به محمد - صلى الله عليه وسلم - (المؤيد في أقواله وأفعاله) (المؤيد) أي: المقوى أو المثبت. (في أقواله وأفعاله) عليه الصلاة والسلام هذا فيه في ظاهر كلام المصنف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جميع أفعاله وأقواله معصوم هي من الجلل لأنه قال: (المؤيد في أقواله وأفعاله). إذًا كل قول فهو مؤيد ومثبت ومقوى من السماء، إذًا لن يقع فيه زلل ولم يقع فيه الخلل، الظاهر من كلامه رحمه الله تعالى المسألة فيها خلاف بين أهل العلم وإن كان الصواب والراجح في هذه المسألة أن أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - المبنية على الاجتهاد قد يكون فيها شيء من الخطأ والزلل ولكنه يأتي التصحيح والتصويب من السماء لذلك جاء قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [التوبة: 43]. وجاء قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1]. وجاء قوله: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} [الأحزاب: 37].
(1/2)

فدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يجتهد ثم الوحي يأتي بالعتاب ونحو ذلك ولا يؤيد حينئذٍ يكون في قوله وفعله شيء من الخطأ ... (وعلى جميع صحبه وآله) يعني: أصلي على جميع صحبه. ولم نجد دليل في كون الصلاة تكون على الصحابة وإنما يذكرها أهل العلم من باب التبعية بمعنى أنه لا يذكر الصلاة على صحبه استقلالاً لأن الصلاة خاصة بالأنبياء، (وآله) أي: أتباعه على دينه في مثل هذا المقام وقد ورد تنصيص على الصلاة والسلام على الآل «اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد». دل على أن الآل يصلى عليهم لكن تبعًا لا استقلالاً.
(وبعد: هذه قواعد) (وبعد فهذه) هذا الأصل أن يأتي بالفاء الواقعة في جواب الشرط لكنه أسقطها وهذا توسع في كثير من المتأخرين (وبعد) أي: بعد المشار إليه. (وبعد هذه) أي: المقدمة. (قواعد الأصول ومعاقد الفصول) (وبعد هذه قواعد الأصول ومعاقد الفصول) (هذه) مشار إليه هل هو الموجود ذهنًا أو حسًا؟ إن كانت المقدمة قبل الشروع في الاختصار فيكون الوجود حينئذٍ ذهنيًا وليس بحس، وإن كانت المقدمة بعد الاختصار حينئذٍ يكون الوجود حسيًّا (قواعد الأصول) قواعد جمع قاعدة وهي في اللغة: الأساس. وفي الاصطلاح: قضية كلية يتوصل بتك القاعدة لاستنباط أحكام جزئية تكون داخلة تحت هذه القواعد والأصول هنا المراد به أصول الفقه (قواعد الأصول) يعني: أصول الفقه. فأل حينئذٍ تكون للعهد الذهني (ومعاقد الفصول) معاقد جمع معقد مَفْعَل مأخوذ من العقد وهو الربط يقال: ربطت عقدت الحبل إذا ربطت بعضه ببعض. والفصول هنا جمع فصل والمراد به أنه فصله وجزأه وجعل هذا الكتاب كأنه مربط لهذه الفصول.
(1/3)

(من كتابي المسمى بـ (تحقيق الأمل)) (من كتابي) أي: مختصر. (من كتابي المسمى بـ (تحقيق الأمل) مجردة عن الدلائل) أو من الدلائل (من غير إخلال بشيء من المسائل) بمعنى أنه أفرد المسائل دون ذكر للأدلة هذا مما جرى عليه كثير من المتأخرين من أجل حفظ المتن من أجل أن يكون محفوظًا مستحضرًا بمسائله لأن الأصل هو المسألة ثم الدليل فرع عنها، وإذا كان كذلك فأول ما يعتني به الطالب هو: المسائل. من جهة التحقيق بمعنى أنه يذكر قيدها ويذكر شرطها وتصور المسائل هو الأصل ثم يأتي الدليل مرتب على تلك المسائل، ولذلك نجد كتب الفقه المتأخرة عند المذاهب الأربعة إنما يجردون المسائل دون أدلتها وهو تصنيف حسن ومقصدهم في ذلك هو تسهيل الفقه وكذلك في أصول الفقه (تذكرة للطالب المستبين)، (تذكرة) هذا مفعول لأجله (للطالب المستبين) يعني: الذي تبين العلم وأخذه بحظ وافر. (وتبصرة للراغب المستعين) يعني: الراغب في العلم. المستعين الذي يحتاج إلى أحد يعينه ويأخذ بيده والتبصرة يقال: بصره الأمر تبصيرًا وتبصرةً فهمه إياها. حينئذٍ لخص هذا الكتاب من أجل أن يكون تذكرة للطالب المستبين وكذلك تبصرة للراوي المستعين تفهم من هذا القيد أن الطالب المبتدئ لا يقرأ هذا الكتاب البتة بمعنى أنه لن يفهمه على الوجه الذي أراده المصنف رحمه الله تعالى وهذا هو الذي جرى عليه أهل العلم بأن الطالب المبتدئ إذا جاء لكتب المتوسطة حينئذٍ يتعب في الفهم ولا يفهم على الوجه المراد (وبالله أستعين) أي: أطلب عونه. بالله قدم الجار والمجرور لإفادة الحصر والقصر (وعليه أتوكل) أي: أعتمد. لا على غيره كما أني أستعين به لا بغيره (وهو حسبي) أي: كافيّ. (ونعم المعين) هذه المقدمة كما ذكرنا بين المصنف رحمه الله تعالى اسم الكتاب بعد الحمدلة والصلاة وبعد البسملة بين أنه ألف هذا الكتاب وهو مختصر ليس ابتداءً وأن له كتاب مسمى بـ ((تحقيق الأمل)) ذكر فيه المسائل والأدلة وأنه أخذ هذه المسائل دون الأدلة ووضعها في هذه القواعد (قواعد الأصول ومعاقد الفصول) يعني: أشبه ما يكون بما سيذكره من المسائل أنها قواعد إذا حفظها الطالب طالب العلم لهذا الفن حينئذٍ استطاع أن يصل إلى المنتهى، ثم شرع رحمه الله تعالى في أول مسائل هذا الكتاب وهو: تعريف أصول الفقه. وتعريف الفن مما يعين على ضبط الفن ولذلك يقولون: من عرف ما يطلب هان عليه ما يبدو.
(1/4)

وأما إذا لم يكن عارفًا لأصول الفقه أو للفن حينئذٍ قد يقع في نفسه نوع تخبط وتخليط، ولذلك يذكرون أن مبادئ العشرة التي تذكر في أول كل فن هذا مما يتعين على طالب العلم أن يعرفها على الوجه الصحيح فيأخذ حد أصول الفقه ويأخذ مستمده ومن أين التقط هذا الفن؟ وكذلك مسائله وحكمه للشريعة فائدة لأي شيء يبحث؟ وما الذي يترتب عليه من ثمرته؟ سيذكر المصنف رحمه الله تعالى تعريف أصول الفقه ثم بعد ذلك يذكر الثمرة المرجوة من هذا الفن وهذا ينبغي العناية به ابتداءً وأصول الفقه من حيث التعريف يعرف من جهتين لأنه مركب تركيبًا إضافيًّا أصول الفقه غُلامُ زَيْدٍ غُلامُ زَيْدٍ هذا مركب تركيبًا إضافيًّا بمعنى أن الأول مضاف والثاني مضاف إليه، ومعلوم أن ما كان مركبًا تركيبًا إضافيًّا لا يمكن معرفته على الوجه الصحيح إلا إذا عرفت أجزائه لا بد من معرفة أولاً أصول كلمة أصول ما المراد بها بلسان العرب هل لها استعمال اصطلاحي عند الفقهاء وعند الأصوليين؟ كذلك كلمة الفقه ما المراد بها في لسان العرب؟ هل لها اصطلاح خاص عند الأصوليين وعند الفقهاء؟ ثم بعد ذلك نخلص من هذا معرفة المعنى الإضافي لهذه الكلمة ثم هل جعله الأصوليون علمًا ولقبًا على الفن؟ نقول: نعم نقلوه عن المعنى الإضافي وجعلوا له معنى خاصًا به إذا أطلق انصرف إليه ونسي المعنى الأصلي إلا باعتبار ما يؤخذ أصلاً في حد أصول الفقه كما سيأتي.
(أصول الفقه) قدم المصنف هنا رحمه الله تعالى المعنى اللقبي الْعَلَمِي على المعنى الإضافي، وإن كان المشهور العكس وسبب التقدمة والله أعلم أنه أراد أن يأتي بما يحتاجه طالب العلم لأن الأصل أن يعرف أصول الفقه في حده اللقبي الذي عناه الأصوليون، وأما المعنى الثاني فهذا إنما يستفيد منه في فهم المعنى الأصلي بمعنى أنه سيأخذ مثلاً في أصول الفقه معرفة دلائل الفقه الإجمالية من أين أخذ دلائل الفقه؟ هذا من المعنى الإضافي كما سيأتي أن أصول الفقه هو: أدلة الفقه. (أصول الفقه: معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد، وهو: المجتهد) ذكر في هذا الحد الأقسام الثلاثة التي يتألف ويتركب منها هذا الفن الجليل وهو: أصول الفقه.
الأول: معرفة دلائل الفقه الإجمالية.
وثانيًا: كيفية الاستفادة منها. يعني: معرفة كيفية الاستفادة منها.
ثالثًا: معرفة حال المستفيد.
الذي يبحث فيه الأصوليون هو هذه الأركان الثلاثة أو هذه الأقسام الثلاثة ولكل منها بحث خاص تأتي أبواب متتالية في بيان ما يكشف عن حقائق هذه الأركان (أصول الفقه) يعني: علمًا ولقبًا للفن المقصود (معرفة) المعرفة والعلم عند أهل اللغة مترادفان بمعنى أنه يطلق لفظ المعرفة ويراد به العلم أو يراد بها العلم ويطلق لفظ العلم ويراد به المعرفة وحينئذٍ يجتمعان في حد واحد وهو: مطلق الإدراك. حينئذٍ نفسر العلم بأنه إدراك المعاني.
العلم إدراك المعاني مطلقًا
(1/5)

فحينئذٍ المعرفة تكون بهذا المعنى وهو: إدراك المعنى. خصص المتأخرون أرباب الاصطلاحات ثَمَّ فروقًا بين المعرفة والعلم لكن على ما نذكره لا بد أن نختصر من أجل أن نتم الكتاب ولذلك نأتي بالخلاصات (أصول الفقه معرفة) إذًا المعرفة والعلم مترادفان والمراد بالعلم والمعرفة إدراك المعاني والمراد هنا بالمعرفة التصديق لأن التصور ليس مرادًا هنا المفردات معرفة الأمر ومعرفة النهي ومعرفة المطلق والمقيد كذلك الإيجاب والندب هذه الأمور كلها معرفة حدودها نقول: هذه يسمى تصورًا. بمعنى أنه إدراك للمفرد ليس بحث الأصولي في بيان الإيجاب، وليس بحث الأصولي في بيان حقيقة الأمر فحسب وإنما يريد أن يثبت بهذه المعاني أحكام فيثبت للأمر الوجوب مطلق الأمر للوجوب حينئذٍ صار تصديق بمعنى أنه لا بد أن يكون ثَمَّ جملة اسمية أو جملة فعلية مركبٌ مبتدأ وخبر، مطلق الأمر للوجوب، مطلق النهي للتحريم، العام حجة، القياس حجة، كل هذه تراكيب وهي التي يعتني بها الأصول، وأما معرفة الإجماع مثلاً لوحده وحقائقه هذا تصور وهو من مبادئ الفن لا من مقاصده بمعنى أنه إذا أراد أن يثبت بأن الإجماع الحجة لا بد أن يفسر لك معنى الإجماع أولاً وإذا فسر لك الإجماع أو بين قيوده وحدوده حينئذٍ يستطيع أن يبين لك بأن الإجماع حجة لأن الذي يستدل به الفقيه هو كون الإجماع حجة لا معرفة الإجماع ولا معرفة ما معنى كلمة حجة حينئذٍ صار قوله: (معرفة). المراد به التصديق (دلائل الفقه) دلائل جمع دليل ودليل فعيل مأخوذ من الدلالة وهي: الإرشاد. حينئذٍ الدليل هو: المرشد. سيأتي تعريفه في الاصطلاح وهو: ما يمكن التوصل الصحيح النظر فيه إلى مطلوب الخبر. سيأتي في محله (دلائل) هنا أضافها إلى الفقه، وإن كان الأشهر عند الصرفيين هو جمع دليل على الأدلة وليس على دلائل وهذه الكلمة أوردها تاج الدين السبكي في ((جمع الجوامع)) وانتقد ولذلك صوبها السيوطي في ((الكوكب الساطع)) قال: أدلة الفقه الأصول مجملة. فنقل كلمة عما انتقد إلى ما صحح، (معرفة دلائل الفقه) أضاف الدلائل هنا الأدلة إلى الفقه لأن أدلة الفقه هي المقصودة في هذا الفن ويبحث الأصولي في أدلة الفقه لكن على جهة الإجمال كما قال هنا: (إجمالاً). بالنصب على أنه حال من الأدلة لأن معرفة الأدلة يرد السؤال عن ماذا؟ نبحث في الأدلة عن أي شيء؟ نبحث عن الأدلة من حيث الإجمال لأن الدليل الفقهي له جهتان: جهة إجمال، وجهة تفصيل.
جهة إجمال بمعنى أنه يطلق الدليل الكلي ثم يأخذه الفقيه ويستعمله من حيث استنباط الجزئيات منه بإثبات محمولات تلك القواعد على أفعال العباد كما سيأتي، إذًا الدليل الفقهي الإجمالي هو قضية كلية بمعنى أنه لا يتعلق بمسألة جزئية والدليل التفصيلي وهو الذي يبحث فيه الفقيه وهو من أدلة الفقه كذلك هو ما كان متعلقه خاصًا بمعنى أنه يكون ذكرًا لمسألة تتعلق بفعل المكلف كالصلاة مثلاً حينئذٍ نقول: الأدلة نوعان أدلة الفقه:
دليل إجمالي وهو: ما كان متعلقه عامًا مطلقًا كليًّا قاعدة كلية.
والدليل التفصيلي وهو: ما كان متعلقه خاصًا. بمعنى أنه يتعلق بالمسائل.
(1/6)

المثال الأول: مقتضى الأمر للوجوب. حينئذٍ مطلق الأمر للوجوب نقول: هذا دليل فقهي تثبت به الأحكام الشرعية التي تكون مندرجة تحت هذه القاعدة لكن هل الأمر هنا مراد به أمر للصلاة أو الصوم أو الزكاة نقول: لا، لم يتعلق بشيء خاص وإنما تعلق بشيء عام كل ما أمر الله تعالى به من أفعال المكلفين وكان مطلقًا حينئذٍ الأصل فيه أنه محمول للوجوب فيأتي الفقيه يقول: أقيموا الصلاة أمر ومطلق الأمر للوجوب إذًا الصلاة واجبة. نقول: مطلق الأمر للوجوب إذًا قوله تعالى: {وَآَتُوا الزَّكَاةَ}. آتوا هذا صيغة أمر إذًا {وَآَتُوا الزَّكَاةَ} أمر ومطلق الأمر للوجوب، إذًا الزكاة واجبة كذلك يقول الأصولي: القاعدة العامة مطلق النهي للتحريم. فيأخذها الفقيه ويقول قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} نهي ومطلق النهي للتحريم، إذًا الزنا محرم وهكذا فهذه الأدلة العامة مطلق الأمر للوجوب، مطلق النهي للتحريم، العام يبقى على عمومه حتى يجد مخصصه كذلك القياس حجة، الإجماع حجة، إذا تعارض عام وخاص قدم الخاص على العام، إذا تعارض مطلق ومقيد حينئذٍ يقيد المطلق بقيده بشرطه، هذه كلها قواعد عامة وهي قواعد فقهية لكنها مجملة فيحتاجها الفقيه من أجل تنزيل هذه القواعد على أفعال العباد، أما الدليل التفصيلي فهو ما يتعلق بكل جزئية بحسبها، فقوله تعالى لوحده: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ}. نقول: هذا أمر لكنه ليس مطلق إنما مقيد بالصلاة كذلك {وَآَتُوا الزَّكَاةَ} ليس مطلقًا وهو أمر لكنه متعلق بالزكاة هكذا {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]، {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا}، {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا} [آل عمران: 130] نقول: هذه كلها أوامر ونواهي لكنها متعلقة بشيء خاص حينئذٍ صار دليلاً تفصيليًّا، إذًا أدلة الفقه قد تكون إجمالاً وقد تكون تفصيلاً والذي يعتني به الأصولي هو: الأدلة الإجمالية. إذًا قوله: (معرفة دلائل الفقه إجمالاً). أخرج الدلائل التفصيلية فالبحث فيها يكون عند الفقيه ثم قال: (وكيفية الاستفادة منها). أي: من الأدلة. (وكيفية) بالخفض عطفًا على (دلائل) أي: ومعرفة كيفية الاستفادة منها. يعني: كيف يستفاد من هذه الأدلة؟ وهذا إنما يكون بمعرفة دلالات الألفاظ وشروط الاستدلال يعني ما معنى العام؟ وما معنى الخاص؟ وما معنى المطلق؟ وما معنى المقيد؟ والناسخ والمنسوخ؟ وكذلك النص؟ والظاهر؟ والمجمل؟ والمؤول؟ كل هذه ألفاظ لا بد من بيانها ولا بد من معرفة كيف يستفيد الفقيه من هذه الألفاظ إذا جاءت في الشرع، إذًا ... (وكيفية الاستفادة منها) أولاً بالنظر في دلالات الألفاظ ثم قد يقع نوع تعارض بين الأدلة الإجمالية فيأتي نص عام ويأتي نص خاص يأتي نص عام ويعارضه نص آخر عام يأتي مطلق ويعارضه مقيد، كيف يصنع الفقيه عند وجود التعارض؟ هذا يعرفه بطرق الاستدلال.
(1/7)

الركن الثالث: وهو قوله: (وحال المستفيد). والمراد به الذي يستنبط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية بمعنى أن أصول الفقه أشبه ما يكون بأنه يقدم قواعد عامة للفقه على طبق للفقيه فيقول له: هذه الطريقة التي ينبغي أن تستنبط منها أو بها الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة. ثم من الذي يستفيد من الكتاب والسنة؟ من الذي يعرف هذه المآخذ وما لها وما عليها؟ هو: المجتهد. ولذلك اشترطوا في المجتهد شروطًا يأتي بيانها في محلها، إذًا ... (وحال المستفيد)، (المستفيد) يعني: طالب الفائدة أو طالب الحكم من الدليل وهو: المجتهد. كما قال المصنف هنا، إذًا هذه الأركان الثلاثة تبين لك ما هو أصول الفقه؟ يبحث في أدلة الفقه الإجمالية على جهة الإجمال، ويبحث لك في كيفية الاستفادة من هذه الأدلة وخاصة عند التعارض، ويبحث لك فيمن هو الذي يستطيع أن يستنبط الأحكام الشرعية من أدلتها العامة وهو: المجتهد.
ثم قال رحمه الله تعالى: (والفقه لغة: الفهم). هذا شروع منه في بيان النوع الثاني من تعريف أصول الفقه وهو: المعنى الإضافي. والمعنى الإضافي مأخوذ من الإضافة وهي نسبة تقيديه تقتضي جر الثاني دائمًا وأبدًا والمراد هنا إضافة اللفظ الأول إلى ثانية حينئذٍ يكون مقيدًا به ثَمَّ نسبة تقيديه بين المضاف والمضاف إليه (والفقه لغة: الفهم). والمراد بالفهم إدراك معنى الكلام إدراك معنى الكلام يسمى فهمًا وهذا وارد في لسان العرب إذا أطلق لفظ الفقه حينئذٍ انصرف إلى الفهم، ولذلك جاء قوله تعالى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 27، 28]. ألا تفقهون قولي؟ دل ذلك على أن المراد به الفهم، وقيده بعضهم بالفهم الدقيق وليس بظاهر.
(واصطلاحًا: معرفة أحكام الشرع المتعلقة بأفعال العباد) اصطلاحًا يعني: في اصطلاح الفقهاء. وأصول الفقه حينئذٍ له جزءان:
والجزء الأول: وهو لفظ أصول.
والجزء الثاني: وهو لفظ الفقه.
قدم الجزء الثاني على الأول اصطلاحًا يعني: معرفة الفقه في اصطلاح الفقهاء (معرفة أحكام الشرع المتعلقة بأفعال العباد) (معرفة) عرفنا المراد أنها مرادفة للعلم والمراد بها هنا التصديق لا تصور الأحكام لأن الأحكام الشرعية التكليفية والوضعية هي ألفاظ حينئذٍ إذا كانت ألفاظًا إيجاب وندب وتحريم وكراهة وإباحة وسببية وشرطية ونحوها هذه ينظر فيها من جهتين:
(1/8)

الجهة الأولى: من حيث تصورها ما معنى إيجاب؟ وما معنى الندب؟ وما معنى الشرط السبب؟ هذه لا يبحث الأصولي فيها على جهة الاستقلال وإنما يبحث فيها من جهة أن يبني عليها الأحكام، وأما الفقيه فيأخذ هذه التصورات التي ذكرها الأصولي فينزلها على أفعال العباد حينئذٍ بحث الفقيه ليس في أفعال العباد على جهة الاستقلال وليس في الأحكام الشرعية على جهة الاستقلال وإنما يأخذ هذه الأحكام الشرعية ثم يثبتها لأفعال العباد، ولذلك موضوع أصول الفقه هو: الأدلة الإجمالية. أدلة الفقه وموضوع الفقه هو: أفعال العباد. إذًا افترقا الفقيه يبحث في ماذا؟ في فعل المكلَّف المُكلَّف ما يتعلق بالتعبد من جهة قلبه أو لسانه أو أعماله بجوارحه هذه ثلاث محال إما أن يعتقد، وإما أن يقول بلسانه، وإما أن يفعل بجوارحه وأركانه. فيأتي الفقيه فيبين أن من الاعتقاد ما هو واجب ومنه ما هو مستحب ومنه ما هو محرم ومنه ما هو مكروه ومنه ما هو مباح نقول: ذلك كذلك القول منه ما هو واجب ومنه ما هو مستحب ومنه ما هو محرم ومنه ما هو مكروه ومنه ما هو مباح، وكذلك في أفعال الجوارح حينئذٍ صارت النتيجة أن الفقيه يثبت للاعتقادات أحكامًا شرعية ويثبت للأقوال أحكامًا شرعية ويثبت للجوارح والأركان أحكامًا شرعية ولذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((مدارج السالكين)): أن العبودية رحى العبودية تدور على خمسة عشر قاعدة من كملها كمل مراتب العبودية وعنا بها ما يبحث عنه الفقهاء حينئذٍ إذا عرف ما هو الواجب من اعتقاده وما هو المستحب فيفعل، وما هو المحرم والمكروه من الاعتقاد فيترك، وكذلك المباح فيكون مخيرًا، وكذلك في القول، وكذلك في أفعال الجوارح حينئذٍ قد أتى بالعبودية على الوجه التام، إذًا (معرفة أحكام الشرع) المراد بها التصديق لا تصورها وأحكام الشرع هنا قيدها بمعنى أنها المتلقاة من الشرع فخرج الأحكام العقلية والعادية والاصطلاحية فالبحث فيها ليس بحثًا للفقيه قال: (المتعلقة بأفعال العباد). وأفعال جمع فِعْلٍ ويصدق على فعل القلب وكذلك اللسان إذ يسمى فعلاً كما قال تعالى: {زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112]. يعني: ما قالوه. فيطلق على القول لأنه فعل، وكذلك أفعال الجوارح تسمى أفعالاً قال: (بأفعال العباد). بمعنى أن هذه المعرفة تكون في ذكر الجمل الاسمية أو الجمل الفعلية فيحكم الفقيه بأن اعتقادك كذا واجب وبأن اعتقادك كذا محرم وبأن قولك كذا واجب وبأن قولك كذا محرم فيثبت لأفعال العباد على جهة التفصيل الأحكام الشرعية التكليفية التي يذكرها الأصوليون لم يذكر المصنف هنا رحمه الله تعالى قيدًا مهمًا وهو من أدلتها التفصيلية لأن قوله: (معرفة أحكام الشرع المتعلقة بأفعال العباد).
(1/9)

هذا شمل المقلد المقلِّد قد يعرف من أحكام الشرع فيعلم أن الصلاة واجبة وأن الصوم واجب وأن الغيبة محرمة وأن النميمة محرمة وأن الالتفات في الصلاة مكروه وأن شرب الماء إذا لم يكن ثَمَّ ضرورة مباح وهكذا فالمقلد عنده علم بهذه الأحكام الشرعية فعنده تصديق حينئذٍ هل يسمى فقيهًا؟ الجواب: لا، لا يسمى فقيهًا، لماذا؟ لأن المقلد لم يأخذ هذه الأحكام من جهة الأدلة الشرعية لأن الفقيه عندما يقول: الغيبة محرمة. ينظر إلى الآية وينظر إلى الحديث فيقول: دل النص كذا على تحريم الغيبة. يعني: لم يحكم بكون الغيبة محرمة إلا من جهة الدليل الشرعي، وأما العامي أو المقلد فهذا يسمع غيره ويحكي ما قاله ولا يكون هذا الحكم مأخوذًا من أدلة الشرع، إذًا معرفة أحكام الشرع المتعلقة بأفعال العباد من أدلتها التفصيلية.
(1/10)

ثم قال رحمه الله تعالى: (والأصل). هذا المضاف الأول وعبر بالمفرد لأنه أراد أن يعرفه قال: (والأصل). لغةً: (ما ينبني عليه غيره) فأصل الجدار وهو أساسه أصل الشجرة الذي يتفرع منه أغصانها (ما ينبني عليه غيره) (ما) اسم موصول بمعنى الذي ويصدق على الأصل سواء كان حسًا أو معنًى لأن البحث هنا في المعقولات ليس عندنا أصول حسية تدرك بالبصر وإنما هي شيء معقول معنوي حينئذٍ قوله: (ما ينبني عليه غيره). (ما) اسم موصول بمعنى الذي فيصدق على الأصل الحسي والأصل المعنوي كبناء الدليل أو المدلول للدليل أو كالأصل إذا كان الدليل أصلاً فمدلوله يكون فرعًا عنه (فأصول الفقه: أدلَّته) إذا عرفنا أن أصول الفقه، الفقه هو: معرفة أحكام الشرع من أدلتها التفصيلية المتعلقة بأفعال العباد التي يعبر عنها بعضهم بالعملية (والأصل هو: ما ينبني عليه غيره) ولم يذكر المصنف هنا رحمه الله تعالى الأصل في استعمال الأصوليين أو الفقهاء لأن الأصل في اللغة غير الأصل في الاصطلاح فيطلق الأصوليون وكذلك الفقهاء الأصل مرادًا به الدليل فيقولون: الأصل في وجوب الصلاة الكتاب والسنة والإجماع والقياس كذلك. حينئذٍ قولهم: الأصل في وجوب الصلاة. يعني: دليل وجوب الصلاة. ويطلق الأصل ويراد به الرجحان كما يقال: الأصل في الكلام الحقيقة. يعني: عند السامع فيحمله على الحقيقة إذا تردد بين الحقيقة والمجاز حمله على الحقيقة وكذلك يطلق الأصل ويراد به القاعدة الكلية المستمرة كقولهم: إباحة أكل الميتة على خلاف الأصل إباحة أكل الميتة يعني: للمضطر على خلاف الأصل. يعني: على خلاف القاعدة الكلية المستمرة. كذلك يطلق الأصل على الصورة المقيس عليها وهو ما يقابل الفرع في القياس المناسب من هذه المعاني الأربعة هو الأول وهو: الدليل. حينئذٍ أصول الفقه أدلته، ولذلك عَرَفَ المصنف أو عرَّف المصنف كغيره بأن أصول الفقه من حيث كونه لقبًا وعلمًا للفن هو معرفة دلائل الفقه إجمالاً لأن هذا المناسب لأصول الفقه من حيث المعنى العام ثم قال رحمه الله تعالى: ... (والغرض منه). أي: من أصول الفقه من دراسة الأصول. (معرفة كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة وحال المقتبس)، (معرفة كيفية اقتباس الأحكام) بمعنى أن الأصولي إذا أتقن علم الأصول عرف حينئذٍ طرق الاستدلال فكيف يستدل بهذه القواعد من حيث الإجمال وينزلها على الجزئيات التي تتعلق بأفعال العباد كذلك حال المستفيد حال المقتبس الذي عبر عنه بالمستفيد وهو: طالب الحكم من الدليل. أي: المجتهد. حينئذٍ من الذي يجتهد؟ لا بد من معرفة الشروط التي يذكرها الفقهاء، من الذي يجوز له أن يتكلم في الكتاب والسنة ويقول: هذا راجح وهذا مرجوح؟ هو: المجتهد. كذلك معرفة الأدلة الصحيحة التي يستطيع الفقيه من طريقها استنباط الأحكام الشرعية وقال المصنف بعد ذلك بعدما بين الغرض من دراسة أصول الفقه قال: (وذلك ثلاثة أبواب). أي: محصور في ثلاثة أبواب.
(الباب الأول
في الحكم ولوازمه)
والمراد بـ لوازم الحكم ما يتفرع عن الحكم وهو ثلاثة
(1/11)

أركان: معرفة الحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم فيه. ومع الحكم صارت الأركان أربعة وثَمَّ أركان أربعة يبحث فيها الأصوليون معرفة الحكم ومعرفة الحاكم ومعرفة المحكوم فيه والمحكوم عليه.
قال رحمه الله تعالى: (ولوازمه). اللوازم جمع لازم وهو ما يمتنع انفكاكه عن الشيء.
الحكم في اللغة هو: المنع والقضاء.
(1/12)

وفي الاصطلاح قال المصنف رحمه الله تعالى: (قيل فيه حدود). يعني: تعريفات. حدود جمع حد وهو: الجامع المانع. بمعنى أن التعاريف قد كثرت في الحكم (أسلمها من النقض والاضطراب) بمعنى أن فيها نقض وفيها اضطراب وحينئذٍ لا بد من معرفة الحكم الشرعي الذي أراده الله عز وجل على وجه سليم قد سلم من النقض والاضطراب. فقال رحمه الله تعالى: (النقض) المراد به أن يكون التعريف غير مانع، (والاضطراب) المراد به أن يكون التعريف غير جامع بشرط الحد أن يكون جامعًا مانعًا. وعرَّفَه بتعريف مخالف للتعريف المشهور عند الأصوليين حيث قال: (أنه قضاء الشارع على المعلوم بأمر ما نطقًا أو استنباطًا). (أنه) أي: الحكم. ... (قضاء الشارع) عبر بالقضاء لأن الحكم في اللغة هو: المنع والقضاء. وهنا يظهر من كلام المصنف رحمه الله تعالى أنه يميل إلى تعريف الحكم عند الفقهاء وثَمَّ نظران في تعريف الفقه بين الأصوليين والفقهاء فالفقهاء نظروا إلى مدلول الخطاب خطاب الله الذي هو كلامه الذي هو كلامه من حيث النظر إليه لذاته وكونه لفظًا يسمى حكمًا عند الأصوليين، ومن حيث أثره وثمرته ومدلوله يسمى حكمًا عند الفقهاء فقوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ}. نقول: هذا كلام الله تعالى مدلوله وأثره هو: وجوب الصلاة. أي النوعين الذي يعتبر حكمًا هل هو قوله ذات اللفظ {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} أو وجوب الصلاة الذي هو مدلول النص؟ ثَمَّ خلاف بين الأصوليين والفقهاء نظر الأصوليون إلى المصدر وهو: الحاكم. الرب جل وعلا فقالوا: ... {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} نفسه هو الحكم، ولذلك يعرفون الحكم بأنه خطاب الله أو خطاب الشارع فالخطاب نفسه اللفظ نفسه هو: الحكم. وعند الفقهاء لا يرون هذا أنه مناسب في هذا المقام لماذا؟ لأنهم أرادوا أن يميزوا ويفصلوا بين الدليل والمدلول فقالوا: الخطاب نفسه هو: الدليل. ولا يمكن أن يكون عين الدليل عين المدلول حينئذٍ قالوا: الدليل دليل كاسمه ومدلوله وأثره وما يترتب عليه هو الحكم، ولذلك يقولون: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ليس بحكم شرعي وإنما هو دليل لحكم شرعي وإنما الحكم الشرعي هو ما دل عليه اللفظ وهو: وجوب الصلاة. وكذلك قوله تعالى: {وَآَتُوا الزَّكَاةَ}. آتوا الزكاة نفسه ليس بحكم شرعي وإنما هو دليل، وأما مدلوله وهو: وجوب الزكاة. هو الذي يعتبر حكمًا شرعيًّا، هنا المصنف قال: (قضاء الشارع). الظاهر أنه جرى على الطريقة الفقهية من تعريف الحكم (أنه قضاء الشارع) أي: حكم الشارع. والمراد بالشارع هو: الله عز وجل. ويطلق هذا اللفظ من باب الإخبار لا من باب الصفات لأنه لم يرد في النصوص تسمية الله تعالى بالشارع وإنما أخذه الأصوليون وغيره من قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى: 13]. ... إلى آخره حينئذٍ يطلق ويراد به الإخبار لا الوصف (أنه قضاء الشارع على المعلوم) هذا متعلق بقوله: (قضاء).
(1/13)

المعلوم المراد به على جهة التيسير المراد به المكلف وإنما عبر بالمعلوم عن المكلف ليشمل المكلف الموجود آنذاك والمكلف المعدوم لأن الخطاب لما نزل القرآن نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ خاطب الصحابة حينئذٍ صار المكلف داخلاً في النص للفعل {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} كان الخطاب للصحابة {وَآَتُوا الزَّكَاةَ} كان الخطاب للصحابة وهم موجودون والمكلف موجود لكن من بعدهم هل قوله: {أَقِيمُوا}. خطاب لهم أم لا؟ نقول: نعم خطاب لهم كذلك وإلا لقلنا بأنهم غير مكلفين حينئذٍ نقول: لا بد من إدخال المكلف المعدوم وقت الخطاب حينئذٍ يكون شاملاً لهم من خالف في ذلك لا يقول بأنه غير مكلف لكن يقول: دخولهم في اللفظ بالقياس لا باللفظ. والأصح أنه داخل باللفظ حينئذٍ {أَقِيمُوا} المراد به المكلف سواء كان موجودًا أو كان معدومًا لو وجد ووجد فيه شروط التكليف فيكون مكلفًا إذًا المعلوم عبر به المصنف هنا ليشمل المكلف بنوعيه والذي يعبر عنه كثير من الأصوليين بأنه مكلف بالفعل أو المكلف بالقوة و (المعلوم) أي: شيء معلوم وجودًا وعدمًا. لأن المعلوم عام لا أعم منه فيشمل الموجود الآن ومن سيوجد فيشمل المكلف بالفعل والمكلف بالقوة (قضاء الشارع على المعلوم بأمر ما) (بأمر ما) هذا جار ومجرور متعلق بقوله: (قضاء). وما هذه نكرة أي: بأي أمر كان. والأمر المراد به هنا أمر الله أو قضاء الشارع المراد به إما أن يكون طلبًا أو تخيرًا أو وضعًا والطلب إما أن يكون طلب ترك أو طلب فعل والأول إما أن يكون على جهة الجزم أو لا فالأول التحريم والثاني الكراهة وطلب الفعل إما أن يكون على جهة الجزم أو لا فالأول الإيجاب والثاني الندب والتخير المراد به الإباحة والوضع المراد به الأحكام الوضعية، إذًا (بأمر ما) شمل الأحكام التكليفية الخمسة وشمل الأحكام التكليفية كذلك وشمل الإباحة (بأمر ما) قال: (نطقًا أو استنباطًا). أو هذه للتنويع أي: أن قضاء الله تعالى على المعلوم على المكلف بالفعل أو بالقوة (بأمر ما) يعني: بحكم شرعي. سواء كان تكليفيًّا أو وضعيًّا قد يكون نطقًا يعني: مأخوذ من النص من النطق وقد يكون استنباطًا بمعنى أنه معقود يؤخذ إما من المفهوم وإما من القياس فقوله: (نطقًا). المراد به دلالة اللفظ (أو استنباطًا) المراد به ما يؤخذ من جهة المفهوم ويشمل كذلك القياس لأنه من معقود اللفظ، إذًا عرفنا حد الحكم عند الفقهاء، وأما عند الأصوليين وهو قريب منه إلا أنه يبدل قوله قضاء الشارع بخطاب الشارع خطاب الشارع المتعلق بالفعل المكلف من حيث إنه مكلف قال: (والحاكم). وهو: الركن الثاني. (هو الله سبحانه لا حاكم سواه) قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}. فمصدر التشريع واحد وهو: الله عز وجل. فإن أورد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال المصنف: (والرسول - صلى الله عليه وسلم - مبلغ ومبين لما حكم الله). إذًا ليس مصدرًا من مصادر التشريع وإنما هو مبلغ ليس مشرعًا بل هو مبلغٌ عن الله كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67].
(1/14)

كذلك قال تعالى: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى: 48]. ومبين لما حكم به الرب جل وعلا، إذًا النبي - صلى الله عليه وسلم - مبين للتشريع وليس مشرعًا من عند نفسه لأن التشريع من حق الله صفة خاصة بالرب جل وعلا: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}. بمعنى أن ما الحكم إلا لله وهذه صفة قصر أو أسلوب قصر وحصر وهو: إثبات الحكم بالمذكور والنفي عما عداه. حينئذٍ لا يكون للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا لغيره من باب أولى شيء في التشريع البتة، والمحكوم عليه هو المكلف، والمراد بالمكلف هنا البالغ العاقل، [البالغ احترازًا عن المجنون فليس مكلفًا، والعاقل احترازًا عن نعم سبق] (1) البالغ احترازًا عن الصبي فإنه غير مكلف حتى يبلغ، والعاقل احترازًا عن المجنون، والصبي والمجنون ليسا مكلفين لأمرين:
أولاً: للنص «رفع القلم عن ثلاث». وذكر منهم: الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق». إذًا النص ورد في ذلك.
ثانيًا: لأن التكليف مبناه على شرطين لا بد من تحققهما في المكلف وهما: العقل، وفهم الخطاب. العقل ضد المجنون وفهم الخطاب ضد الصبي ويشمل ذلك النائم والغافل والساهي لأن التكليف خطاب وخطاب من لا يعقل أو لا يفهم هذا محال كيف يقال لمن لا يعقل وليس معه عقله أقم الصلاة؟ الخطاب إنما يكون لمن يعقل ولمن يفهم الخطاب فمن لا يفهم لا يقال له: افهم. حينئذٍ انتفى التكليف من جهة النظر عن المجنون وعن الصبي، هذه ثلاثة أركان ذكرها المصنف رحمه الله تعالى وهو: الحكم، والحاكم، والمحكوم عليه وهو: المكلف. بقي المحكوم فيه وهو: أفعال المكلفين. وهذا إنما يبحث في الفقيه ينظر في الفعل المكلف ويختار له من الأحكام الشرعية ما يناسبه من الشرع.
ثم قال رحمه الله تعالى: (والأحكام قسمان: تكليفية وهي خمسة). لما عرفنا الحكم أراد أن يقسمه حينئذٍ تقسيمه إلى قسمين اثنين وهي: أحكام تكليفية، وأحكام وضعية.
__________
(1) سبق.
(1/15)

تكليفية وهي: ما اقتضى طلبًا أو تخيرًا وهذه تشمل الأحكام الخمس قال: (وهي خمسة). ودليل الحصر في الخمسة كما ذكرنا لأن خطاب الله إما أن يكون طلبًا أو تخيرًا والأول الطلب إما أن يكون طلب فعل أو طلب كف وكل منهما إما جازم أو غير جازم حينئذٍ صارت القسمة رباعية بقي التخير وهو: المباح. لأنه يقل: طلب الفعل الجازم هذا إيجاب، وطلب الفعل غير الجازم هذا ندب، وطلب الترك الجازم هذا التحريم، وطلب الترك غير الجازم هذا كراه بقي واحد وهو المخير فيه بين الفعل والترك وهو المباح قال: (وهي خمسة: (واجب) يقتضي الثواب على الفعل والعقاب على الترك). الواجب في اللغة هو: الساقط واللاهي. {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج: 36] أي: سقطت على الأرض ولزمت محلها. وأما في الاصطلاح عرفها المصنف بقوله: (يقتضي الثواب على الفعل والعقاب على الترك). إذًا الثواب والعقاب جعل المصنف حد الواجب مبينًا لهما حينئذٍ هل حقيقة الواجب هو ما يقتضي الثواب والعقاب أم أنه ثمرة وحكم ملازم له؟ الثاني حينئذٍ يكون هذا من تعريف الشيء بثمرته وأثره وهذا يسمى رسمًا عند المناطقة والأولى أن يعبر بأنه ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا (يقتضي الثواب) الثواب لغةً: الجزاء مطلقًا. والعقاب هو: التنكيل على المعصية. حينئذٍ حكم الواجب أنه ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه هكذا ويعاقب تاركه انتقدت قيل: لا بد أن يقال: ويستحق العقاب تاركه. وعلى كلٍّ الخلاف لفظي في المسألة ما يقتضي الثواب على الفعل لم يقيدها المصنف رحمه الله تعالى والأولى تقيدها بل الأصح تقيدها بأن يقال امتثالاً لأنه كما هو معلوم القاعدة أنه لا ثواب إلا بنية لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات». حينئذٍ لا يثاب المرء إلا إذا نوى القربى لله عز وجل، وأما إذا لم ينو حينئذٍ لا ثواب البتة، وهنا عدم النية يؤثر فيه أصل الفعل الواجب، نقول: الواجب على مرتبتين:
واجب لا يعتد به إلا بالنية. بمعنى أنه لا يصح وهذا ما يكون في العبادات غير معقولة المعنى لمعنى أنها العبادة المحضة كالصلوات الخمس وكذلك النوافل والزكاة والصيام والحج، هذا لا يعتد إلا بوجود النية، بمعنى أنه لا يصح إلا مع وجود النية، فإذا وجدت النية حينئذٍ ترتب عليها ثواب.
وقسم من الواجب قد يعتد به وتبرأ به الذمة ويسقط به الطلب ولا يطالب بقضائه أو أدائه مرة ثانية ولكن لا يثاب عليه، وذلك كالنفقة على الزوجة هي واجب لكن لو فعلها حياءً أو خوفًا أو خجلاً حينئذٍ برأت الذمة ولكن هل يثاب؟ ننظر في النية إن وجدت النية نية القربى والعمل لله عز وجل أفيد، وإن لم توجد النية لا ثواب، وكذلك رد الودائع والدين نقول: هذه واجبات وتبرأ الذمة بفعلها ولو لم يقصد الطاعة لكن لا ثواب إلا بقصد الطاعة إذًا قوله: (يقتضي الثواب على الفعل). امتثالاً (والعقاب على الترك) يعني: إن فعل ترتب عليه العقاب. ثم قسم الواجب إلى أقسام ثلاثة قال: (وينقسم من حيث الفعل:
إلى (معيَّن) لا يقوم غيره مقامه، كالصلاة والصوم ونحوهما.
وإلى (مُبْهَمٍ في أقسام محصورة) يجزئ واحد منها كخصال الكفارة) ينقسم الواجب باعتبار الفعل يعني: بحسب الفعل المكلف به إلى نوعين:
(1/16)

أولاً: معين.
وثاني: مبهم.
المعين أن يكون الفعل مطلوبًا بعينه بذاته لا يقوم غيره مقامه، كما قال المصنف كالصلاة هذه يطالب من كل فرد أن يصلي، حينئذٍ لا نيابة مع القدرة والصوم، كذلك ونحوهما كـ: الحج، وبر الوالدين، والصدق. فالمطلوب في هذه واحد لا خيار فيها هذه يسمى واجبًا معينًا يفهم بمقابله وهو الواجب المخير بأن يذكر الشارع ثلاثة أشياء كالكفارة مثلاً ويوجب واحدًا لكنه لا يعينه فقوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}، {أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89]. هل الثلاثة واجبة؟ نقول: لا، ليست بواجبة وإنما الواجب واحد منها لا بعينه قد يكون الأول إن تلبس به سقط الثاني والثالث وقد يكون الثاني وقد يكون الثالث إذًا ... (وإلى (مُبْهَم)) والمراد به الواجب المخير ((في أقسام محصورة)) بمعنى أنه لا يأتي في الشرع واجب مخير ثم لا يكون في أقسام محصورة افعل ما شئت هكذا تقول لا يأتي في الشرع، وإنما يذكر أقسامًا محصورة ثم يعين الواجب فيها إن فعلته بفعلك عينته وأما قبل فعلك فلا يتعين (وإلى (مُبْهَمٍ في أقسام محصورة) يجزئ واحد منها) يعني: يجزئ فعل واحد منها. (كخصال الكفارة) على ما ذكرناه، إذًا ينقسم الواجب من حيث الفعل إلى نوعين: واجب معين حدده الشرع كالصلاة أمر بالصلاة فقط وأمر بالزكاة فقط وكذلك بر الوالدين والصدقة ونحوها حينئذٍ نقول: هذا واجب معين، أما الواجب الذي يقابله وهو أن يوجب الشرع ثلاثة أشياء كالكفارة خصال الكفارة ثم يجعل الخيار للمكلف باختيار واحد منها.
(1/17)

(ومن حيث الوقت: إلى (مُضَيَّق) وإلى (مُوَسَّع)) بمعنى أن الوقت هو: الزمن الذي قدره الشارع للعبادة. الزمن الذي قدره الشارع للعبادة ينقسم الواجب باعتباره إلى واجب مضيق أي: ضُيِّقَ فيه على المكلف بحيث لا يجد سعة إلى تأخيره فلو أخره صار قضاءً (وهو) عرفه المصنف بقوله: (وهو). أي: الواجب المضيق. (ما تعين له وقت) يعني: حدد له وقت. (لا يزيد على فعله) لا تستطيع أن تفعل في هذا الوقت إلا هذا الواجب والمراد من جنسه ليس مطلقًا المراد به من جنسه يعني: من جنس ما كلف به. فصيام شهر رمضان مثلاً نقول: شهر رمضان لا يسع إلا صيام الفرض وثَمَّ أنواع أخرى من جنس الصيام وهي مثلاً صيام كفارة أو صيام نذر أو تطوع هل يسع شهر رمضان أن يصوم فرض رمضان وأن يصوم معه شيء من هذا؟ الجواب: لا، إذًا نقول: هذا واجب موسع. لماذا؟ لأنه لا يستطيع أن يأتي بعبادة إلا بالصوم فقط، أما ما عداه فيمكن فيصلي ويزكي إلى آخره ويعتمر ونحو ذلك، إذًا (ما تعين له وقت لا يزيد على فعله) يعني: من جنسه. (كصوم رمضان)، (وإلى (مُوَسَّع)) يعني: واجب موسع. وهو عكسه بمعنى أنه يكون في الوقت سعة لفعل ما أمر به وغيره من جنسه وإلى واجب موسع وهو ما أي: واجب كان وقته معين يزيد على فعله من جنسه كـ: الصلاة، والحج. الصلاة وقتها موسع يعني: من دخول وقت صلاة الظهر إلى خروجها في أي وقت أراد أن يوقع الصلاة فله ذلك حينئذٍ له أن يوقع الصلاة في أول الوقت أو في أثنائه أو في غيره أو في آخره حينئذٍ وسع الوقت للصلاة فرضًا ولغير الفرض من جنسه فله أن يتنفل بعد ذلك ما شاء (وهو ما كان وقته المعيَّن يزيد على فعله) من جنسه ... (كالصلاة والحج) كذلك الحج حينئذٍ الرمي السعي والطواف هذه لا تستغرق الوقت كله وإنما يفعل العبادة ويزيد على ذلك ما يكون في ذلك الوقت، (فهو) أي: مكلف. (مُخيَّر في الإتيان به) أي: بالواجب الموسع في أحد أجزائه. يعني: في أي جزء من أجزاء وقته حينئذٍ يترتب عليه مسألة وهي: لو أخر إلى آخر الوقت ولم يكن قد ضاق عليه الوقت فمات قبل خروج الوقت هل يكون عاصيًا أو لا؟ الواجب الموسع، إذا قلنا: الصلاة يجوز إيقاعها في أول الوقت وفي أثنائها وفي آخرها، لو بقي إلى منتصف الوقت ثم مات هل يموت عاصيًا؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأنه فعل ما يجوز له، وإذا فعل ما يجوز له حينئذٍ لا يكون عاصيًا، فلو أَخَّرَ ومات قبل أن يفعلها فإنها تسقط بموته عند الأئمة الأربعة يعني: الصلاة قبل ضيق الوقت هذا شرط لا بد من اشتراطه، لأنه إذا بقي إلى أن يبقى قدر الصلاة فقط ثم مات يموت عاصيًا، بمعنى أنه لو كانت الصلاة تسع منه قدر عشر دقائق وبقي إلى آخر الوقت مقدار ثمان دقائق ثم مات نقول: هذا يموت عاصيًا. لماذا؟ لأنه مفرط (فلو أخر ومات قبل ضيق الوقت لم يعص) يعني: لم يعص بالتأخير، وهذا كما ذكرنا عند الجمهور، ومن أئمة # .... [قطع في الصوت 55.
(1/18)

30] لما بعده في جواز التأخير يعني: لما لم يعص في جواز التأخير؟ لأنه فعل ما له فعله فإذا جاز له أن يؤخر حينئذٍ أذن له شرعًا بالتأخير، وأما كونه قد مات هذا شيء غيبي لا يعلم به بخلاف ما بعده يعني: ما بعد ضيق الوقت فلو بقي إلى أن ضاق الوقت ثم مات حينئذٍ نقول: هذا يعتبر آثمًا. ومن حيث الفاعل هذا التقسيم الثالث بـ الواجب من حيث الفاعل لأنه مخاطب به (إلى (فرض عين))، (و (فرض كفاية)) فرض العين (وهو ما لا تدخله النيابة مع القدرة وعدم الحاجة) (مع القدرة) المراد بها القدرة البدنية (وعدم الحاجة كالعبادات الخمس) والعبادات المراد بها الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ولعل المصنف رحمه الله تعالى أدخل معها الطهارة لأنها عبادة حينئذٍ صارت خمسة، إذًا الطهارة لا يقوم زيد مقام عمرو، والصلاة لا يقوم زيد مقام عمرو، وكذلك الصوم، والحج، والزكاة، هذا الأصل فيها حينئذٍ نقول: ما لا تدخله النيابة يسمى ماذا؟ يسمى واجبًا عينيًّا فرض عين لأنه متعلق بعين الشخص، ولذلك سمي عينًا لأن طلب فعل العبادة من كل واحد بالذات أو من معين كالخصائص النبوية (و (فرض كفاية)) سمي كفاية لأن قيام البعض به يكفي يجزئ ... (وهو) أي: فرض الكفاية. (ما يسقطه فعل البعض مع القدرة وعدم الحاجة) يعني: إذا فعله البعض سقط عن الآخرين. فلا يكون الشارع قاصدًا للفاعل، وإنما يكون قاصدًا للفعل بقطع النظر عن الفاعل، فالنظر في فرض العين إلى ذات الفاعل، والنظر في فرض الكفاية إلى ذات الفعل بقطع النظر عن الفاعل كـ: الإمامة الصغرى، والكبرى، والأذان، والإقامة. المراد أن يقع الأذان ممن؟ أي شخص يؤدي الأذان أجزأ كذلك الإمامة الصغرى كذلك الإمامة الكبرى المراد إيقاع هذه العبادات، وأما من الذي يأتي بها؟ فهذا النظر فيه يكون تبعًا لا استقلالاً.
(1/19)

(وهو ما يسقطه فعل البعض مع القدرة وعدم الحاجة) ولو كانوا قادرين عليه وليسوا محتاجين (كالعيد والجنازة) العيد الظاهر من كلام المصنف أنها فرض كفاية فلو فعلها البعض سقط عن الآخرين لما القول بأنها فرض عين والجنازة كذلك تجهيز الجنازة من حيث تغسيلها وتكفينها ودفنها هذا فرض كفاية لو قام به البعض سقط عن الآخرين (والغرض منه) يعني: من فرض الكفاية. (وجود الفعل في الجملة) بقطع النظر عن الفاعل أيًّا كان المراد أن يغسل هذا الميت، زيد من الذي يغسله؟ يجزئ أي واحد بتغسيله (فلو تركه الكل أثموا لفوات الغرض) بمعنى أن الخطاب في فرض الكفاية متعلق بالجميع المخاطب به الجميع يدل على ذلك عمومات النصوص في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190]. وبإجماع أهل العلم أن الجهاد في الأصل فرض كفاية ومع ذلك جاء الخطاب عامًا قاتلوا هذا عام كقوله: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ}، {وَآَتُوا الزَّكَاةَ}. لا فرق بين الآيتين لكن لما كان الإجماع على أن الجهاد في أصله فرض كفاية حينئذٍ صار الخطاب هنا عامًا لأنهم لو تركوا يعني: الجميع ترك الجهاد. حينئذٍ آثم الكل دل على أن الخطاب متوجه للكل، ولذلك قال: (فلو تركه الكل). يعني: تركوا هذا الذي يعتبر فرض كفاية. (الكل) يعني: جميع الناس. (أثموا لفوات الغرض) وهو: إيجاد الفعل. إذًا ينقسم الواجب من حيث الفاعل إلى فرض عين، وفرض كفاية.
ثم ذكر مسألة مهمة متعلقة بالواجب وهي: (وما لا يتم الواجب إلا به). وهي من أهم مسائل هذا الفصل وهو: الواجب. (وما) أي: فعل مكلف. (لا يتم الواجب إلا به) ما حكمه؟ هذا فيه تفصيل لأنه على قسمين: إما غير مقدور للمكلف، وإما مقدور للمكلف.
غير المقدور للمكلف مثل ماذا؟ (كالقدرة واليد في الكتابة) القدرة واليد شرط في الكتابة إذا كانت الكتابة واجبة كتابة الدين مثلاً كيف يكتب بدون القدرة وبدون يد؟ حينئذٍ نقول: تتعذر فعل الكتابة. {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] قد يكون الشهادة كتابة {فَاكْتُبُوهُ} كذلك تكون كتابة هل يمكن أن يكتب دون يد؟ لا يمكن حينئذٍ صارت اليد شرطًا في تحقيق الكتابة لكنها إذا لم تكن موجودة حينئذٍ لا يطالب بذلك إذا لم تكن اليد موجودة والقدرة موجودة حينئذٍ يسقط عنه لأنه ليس بيده، (واستكمال عدد الجمعة) بناءً على أن أنه يشترط الأربعون حينئذٍ إذا لم يجد أحدًا في المسجد هل يلزمه أن يذهب ويكمل العدد؟ الجواب: لا، لأنه غير مقدورٍ على هذا الفعل (فلا حكم له) يعني: لا يتعلق به إيجاب ولا غير، إذًا ما لا يتم الواجب إلا به على قسمين: إما غير مقدور للمكلف فلا حكم له إذا لم يكن في قدرة المكلف تحصيله حينئذٍ لا يتعلق به الحكم البتة.
(1/20)

(وإما مقدور كالسعي إلى الجمعة) مثلاً الجمعة واجبة فلا بد أن يسعى أن يمشي مثلاً حينئذٍ نقول: هذا له حكم يختلف عن سابقه. لماذا؟ لأنه في قدرته ولو بقي واحتج بأن المشي ليس بواجب عليه لسقطت الواجبات حينئذٍ في مثل هذا نقول: هذا له حكم وهو أنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (وإما مقدور كالسعي إلى الجمعة) مثلاً والسفر إلى مكة مع الاستطاعة وإحصاء المال لإخراج الزكاة حينئذٍ نقول: هذا واجب لتوقف التمام عليه.
كذلك مثل بمثالين فيهما خلاف (وصوم جزء من الليل) الصوم الواجب لأنه لا يتحقق أن يصوم النهار كله إلا بصوم جزء من الليل لأجل أن يصدق عليه أنه صام النهار كله حينئذٍ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإدخال جزء من الليل في مسمى صوم النهار واجب هذا فيه نظر (وغسل جزء من الرأس) لأنه مطالب بغسل الوجه كله {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] يعم كل الوجه ولا يتحقق ذلك إلا بغسل جزء من الرأس وهذا كذلك فيه شيء من النظر، إذًا ما لا يتم الواجب إلا به قسمان: إن كان في مقدور المكلف حينئذٍ يكون واجبًا، وإن لم يكن في مقدور المكلف لا يكون واجبًا. وثَمَّ ترتيب آخر لبعض الأصوليين يعبر بأن مقدمة الواجب قسمان: مقدمة وجوب بالباء مقدمة وجوب وهي التي يتعلق بها التكليف بالواجب كدخول الوقت للصلاة والانقطاع عن الحج والحولان للزكاة فهذه المقدمة ليست واجبة بالاتفاق هذه المقدمة مقدمة الوجوب ليست واجبة بالاتفاق حينئذٍ مثلاً زوال الشمس هذا سبب في وجوب صلاة الظهر هل يلزمه أن يزيل الشمس؟ هذا ليس بيده، إذًا مقدمة الوجوب وهي التي يتعلق بها التكليف بالواجب هذه ليست بواجبة باتفاق.
الثاني: مقدمة الوجود بالدال وجود بالدال وهي التي يتوقف عليها وجود الواجب على وجه شرعي صحيح لتبرأ منه الذمة وهذه قسمان وهي التي ذكرها المصنف إما أن يكون في مقدوره أو لا الأول واجبة والثانية ليست بواجبة ثم فرع على هذه المسألة مسألة أخرى ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب أو ليس بواجب يتفرع عليه مسألة وهي: ما لا يتم ترك الحرام إلا به فتركه واجب. قال هنا: (فلو اشتبهت أخته بأجنبية أو ميتة بمذكاة وجب الكف تحرّجًا عن مواقعة الحرام). (فلو اشتبهت) الفاء هنا للتفريع (اشتبهت أخته بأجنبية) هل يتصور هذا؟
نعم
كيف؟

لا اشتبهت أخته بأجنبية امرأة هي أخت له نعم.

أي نعم، لو عرف أن في هذه القرية بلغه أنه له أختًا من الرضاعة حينئذٍ أراد - هي أخت واحدة - أراد أن يتزوج من هذه القرية نقول: وجب الكف عن الجميع. لأن كل واحدةٍ يجوز أن تكون هي أخته لأنه لم يعرفها، وهذا يقع في الرضاعة، حينئذٍ نقول: إذا اشتبهت أخته رضاعة بأجنبيةٍ وجب الكف. لماذا؟ لأنه لا يتأتى أن يتجنب الحرام وهو: إتيان أخته إلا بالكف عن الكل.
فما به ترك المحرم يرى ... وجوب تركه جميع من درى
(1/21)

حينئذٍ ما لا يتم ترك الحرام وهو: مواقعه أخته إلا به وهو: ترك الجميع، فهو واجب، (أو ميتة بمذكاة) اشتبهت هذا واضح هذه ميتة وهذه مذكاة والميتة يحرم أكلها والمذكاة مباحة في الأصل حينئذٍ نقول: حرم عليه الجميع. وجب الكف عن الجميع، أما المذكاة فلاشتباهها بالميتة، وأما المحرمة الميتة فهي محرمة بالأصالة (فلو اشتبهت أخته بأجنبية أو ميتة بمذكاة وجب الكف) عن الجميع (تحرّجًا عن مواقعة الحرام) (تحرّجًا) أي: تجنبًا للحرج في مواقعه الحرام. ما هو الحرام؟ هو: إتيان الأخت، وأكل الميتة. إذًا عندنا أمران: محرمٌ بالأصالة، ومحرمٌ بالتبعية.
المحرم بالأصالة هو: إتيان الأخت، وكذلك الأكل من الميتة.
والمحرم للاشتباه بالتبعية هو: الأجنبية، والمذكاة.
(فلو وطئ واحدة أو أكل فصادف المباح) يعني: لو تزوج من هذه القرية التي اشتبهت أخته بأجنبية ثم بعد النكاح ظهر أنها أجنبية وليست بأخته عرف بعد النكاح هل يأثم أو لا يأثم؟ يأثم؟، صادف أنها ليست بأخته وطئ أجنبية يأثم أو لا؟
يأثم، نعم، لماذا؟ لأنه وجب عليه الكف، وقد ارتكب محرمًا وهو الإقدام على هذا المحرم، وهو عدم الكف، إذًا (فلو وطئ واحدة أو أكل فصادف المباح) تبين له أن هذه مذكاةٌ وليست بميتة (لم يكن مواقعًا للحرام باطنًا) يعني: بينه وبين الله عز وجل. (باطنًا) يعني: بينه وبين الله عز وجل. (لكن ظاهرًا لفعل ما ليس له) يعني: يكون مواقعًا للحرام في الظاهر. (ما ليس له) لأنه فعل ما ليس له فعله لأن الواجب عليه الكف للاشتباه فلما لم يكف عن الحرام وهو أنه قد يقع على أخته، أو يأكل الميتة. حينئذٍ نقول: قد وقع في محرمٍ لكنه باعتبار الظاهر، وأما في الباطن وهو بينه وبين الله عز وجل هذا أمره إلى الله.
ثم قال رحمه الله تعالى: (و (مندوب)) يعني: إلى واجبٍ ومندوب، والمندوب اسم مفعول وهو: المدعو لمهمٍ. مأخوذٌ من الندب وهو: الدعاء. وعرفه المصنف هنا بقوله: (ما يقتضي الثواب على الفعل لا العقاب على الترك). وهذا كسابقه بأنه أتى بالثمرة والحكم وكان الأصل أن يأتي بالتعريف الذي يكشف الحقيقة وهو ما طلب الشارح فعله طلبًا غير جازم (ما يقتضي الثواب على الفعل) كذلك امتثالاً لأنه لا ثواب إلا بنيةٍ «إنما الأعمال بالنيات» (لا العقاب على الترك)، إذًا ثم اشتراك مع الواجب وثَمَّ افتراق يشترك المندوب مع الواجب في أن كلاً منهما مطلوبٌ فعله ثم كلٌّ منهما يثاب على فعله امتثالاً ويفترقان بكون الواجب يعاقب على الترك وكون المندوب لا يعاقب على الترك (وبمعناه) يعني: من أسماء المندوب. (المستحب).
و (السنة)) يقال: مندوب. ويقال: مستحب. ويقال: سنة. ويقال: نفلٌ. ورغيبة كل هذه ألفاظٌ مترادفة على الصحيح وتفريقات كثير من الأصوليين المتأخرين هذا يعتبر من الأمور الاصطلاحية وليس لها مشاركة لأنها كلها تشترك في قدرٍ معين ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه لو قيل: ما هي السنة من حيث الحكم الشرعي؟ قلنا: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. وكذلك النفل والرغيبة والفضيلة والتطوع كلها تشرك في قدرٍ معين (وبمعناه (المستحب).
(1/22)

و (السنة): وهي) أي: السنة في اللغة. (الطريقة والسيرة) سيرة حميدة كانت أو ذميمة (لكن تختص) يعني: السنة لفظ السنة يختلف عن المندوب في الاصطلاح عند المصنف رحمه الله تعالى كغيره (تختص بما فعل للمتابعة فقط) يعني: بأن يتابع النبي - صلى الله عليه وسلم - الاقتداء والتأسي يسمى سنةً حينئذٍ يدخل فيه الواجب والمستحب فإذا قيل هذه سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أفعل السنة أو قد يقول صحابي من السنة كذا هذا لا يختص بما يقابل الواجب بل قد يكون واجبًا في نفسه وقد يكون مستحبًا، إذًا السنة تطلق ويراد بها مطلق المتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ يدخل فيها الواجب ويدخل فيها المستحب (و (النفل)) يعني: وبمعنى المندوب يأتي لفظ النفل وهو في الاصطلاح الزيادة على الواجب كل المستحبات زيادةٌ على الواجب فلا يختص هذا اللفظ عن غيره بزيادة معنى، وأما في اللغة فهو: الزيادة. مطلق الزيادة يعني: النفل يطلق على العبادات التي يبتدئها العبد زيادة على الواجب. ومنه قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} [الإسراء: 79]. وقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما حكاه عن ربه: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». حينئذٍ بالنوافل شمل الجميع فكل ما زاد عن الواجب فهو: نفل. وكل ما زاد على الواجب فهو مستحبٌ وهو سنةٌ لما يقابل الواجب وكذلك فضيلة وتطوع ونحو ذلك، (وقد سمى القاضي ما لا يتميز من ذلك كالطمأنينة في الركوع والسجود واجبًا، بمعنى أنه يثاب عليها ثواب الواجب لعدم التميّز) يقال السنة على مرتبتين أو المندوب على مرتبتين أو إن شئت عبر بالنفل (وقد سمى القاضي ما لا يتميز من ذلك كالطمأنينة في الركوع والسجود واجبًا) حينئذٍ الزيادة على الواجب قسمان:
زيادة متميزة بذاتها كالنافلة رواتب مثلاً عن الصلاة هذه نافلة ولكنها متميزة بمعنى أنها مستقلة عنها منفكة منفصلة وهذا شأنها واضح.
(1/23)

والنوع الثاني: زيادةٌ غير متميزة والطمأنينة في الركوع لو بقي مثلاً راكعًا خمس دقائق حينئذٍ نقول: الطمأنينة منها واجب ومنها مستحب ما يجزئ أقل ما يسمى طمأنينةً في الركوع هذا واجبًا وما زاد على ذلك نقول: مستحب. لكن هل هي السنة هنا أو النفل أو الزيادة متميزة بذاتها مستقلة أم أنها متصلةٌ بها بحيث لا يتميز الجزء الذي يكون نفلاً عن الجزء الذي يكون واجبًا هذا الجميع هل يسمى كله واجبًا أم يسمى القدر الذي يكون مجزئًا في الواجب واجب وما زاد نفلاً؟ محل خلافٍ بين الأصوليين ولذلك قال: ... (سمى القاضي). يعني: أبو يعلى. (ما لا يتميز) يعني: نفلٌ لا يتميز عن الواجب. (كالطمأنينة في الركوع والسجود) سماه ماذا؟ سماه (واجبًا) هل هو واجبٌ بذاته أم من حيث الثواب؟ قيل: أنه أراد أنه بمعنى أنه يثاب عليها ثواب الواجب لعدم تميز لأنها لا تتميز يثاب عليها ثواب الواجب والأصح أن يقال: بأنها تابعة للأصل. بمعنى أنها إذا كانت نافلة لأنها مستحبة ونحو ذلك حينئذٍ يكون الثواب ثواب النفل هذا الأصل والأصح أن يقال بأن القدر هو الذي يكون معينًا للواجب بمعنى أنه إذا ركع وسبح تسبيحةً واحدةً مطمئنًا بها دون عجلةٍ نقول: جاء بالطمأنينة الواجبة وما زاد على ذلك فهو مستحب. وكونه داخلاً تحت مسمى الركوع لا يخرجه عن كونه مستحبًا، إذًا ما لا يتميز نقول: هذا الأصل فيه أنه في أصله الأول واجب وما زاد على ذلك فهو مستحبٌ والصحيح أنه يثاب ثواب المستحب، (وخالفه أبو الخطاب) يعني: خالف أبا يعلى أبو الخطاب وأبو الخطاب هذا تلميذٌ له يعني: خالف شيخه أبا يعلى فقال: إن هذه الزيادة ندبٌ. وهو قول الأئمة الأربعة فيثاب ثواب النذر، إذًا كأن أبا يعلى انفرد بمثل هذا القول وقِلَّ من الأصوليين القائلين بذلك (وخالفه أبو الخطاب) يعني: خالف شيخه أبا يعلى فقال: إن هذه الزيادة ندبٌ. كما هو قول الأئمة الأربعة فيثاب ثواب النذر، (والفضيلة والأفضل كالمندوب) إذًا هي أسماء والمراد بها شيءٌ واحدٌ ثم قال: (و (محظور)). هذا اسم مفعول من الحظر وهو: المنع. وسمي الفعل بالحكم المتعلق به (وهو في لغة: الممنوع.
و (الحرام) بمعناه)، إذًا يسمى حظرًا ويسمى حرامًا ويسمى مكروهًا عند السلف يطلق الكراهة ويراد بها الحرام وهو ضد الواجب يعني: المحظور ضد الواجب وهذا من باب التوسع وإلا الحرام ضد الواجب هذا يعتبر من جهة التكليف الأحكام التكلفية وإلا في الشرع فالذي يكون ضد الحرام هو: الحلال. كما في قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ} [النحل: 116]. فهما متقابلان ضدان، وأما كون الحرام ضد الواجب هذا من باب التوسع أو يعتبر بأنه من باب تقابل الأحكام الشرعية التكلفية (و (محظور) وهو لغة: الممنوع.
(1/24)

و (الحرام) معناه وهو ضد الواجب: ما يعاقب على فعله ويثاب على تركه) (يعاقب على فعله) جزم المصنف هنا بالعقاب وبعضهم يستدرك على مثل هذه العبارات بقوله الأولى أن يقول: ويستحق العقاب على فعله. لأنه داخلٌ تحت المشيئة من مات على كبيرةٍ عقيدة أهل السنة والجماعة أنه داخلٌ تحت المشيئة {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48] لكن يقال بأن الحكم هنا ما دل الشرع على أنه محرمٌ والأصل فيه العقاب وكونه داخلاً تحت المشيئة أو لا هذا أمر غيبي لا علاقة لمكلف به فنحكم على الفعل عقوق الوالدين بأنه محرم والأصل فيه أن يعاقب لكنه يكون داخلاً تحت المشيئة أو لا هذا ليس بشأن المكلف ولا الأصولي (ما يعاقب على فعله ويثاب على تركه امتثالاً) لأنه لا ثواب إلا بنية فلا بد أن يمتثل لأنه ما ترك هذا المحرم إلا قربةً وطاعةً لله عز وجل، وإن كان الترك من حيث هو للمحظور ينقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: أن يتركه لعدم طروه على قلبه أصلاً. يعني: لم يطرأ على قلبه أصلاً هذا لا ثواب ولا عقاب، لم يحدث نفسه تارةً ولا مرةً أن يأكل الربا مثلاً نقول: هذا لم يخطر بباله. لماذا؟ لم يخطر بباله حينئذٍ لا ثواب ولا عقاب.
الثاني: أن يكون تركه مخافةً وتعظيمًا لله عز وجل فهذا يثاب وهو الذي عنيناه بقولنا: (ما يعاقب على فعله ويثاب على تركه امتثالاً) لما ثبت في الصحيحين على أن «من هم بالسيئة فلم يعملها كتب الله له ذلك حسنةً كاملة». إذًا قال: لأنه تركها من جرائه. يعني: بسببٍ من أجلي.
الثالث: أن يتركه عجزًا عنه دون القيام بفعله أن يترك هذا المحرم هذا المحظور عجزًا عنه عاجزًا دون القيام بفعله يعني: دون أن يأخذ بالأسباب فلم يهم بالفعل أصلاً فهذا يعاقب عقوبة الفاعل بالنية بمعنى أنه تمنى بقلبه أن يفعل هذا المحرم ولم يأخذ بالأسباب لم يسعى حينئذٍ هذا يعاقب عقوبة الفاعل لكن بالنية لا من حيث الفعل، ولذلك جاء في الحديث في الذي ينفق ماله في الحرام قال: ليت لي مالاً فأنفق أو أصنع به مثل ما صنعه فلان. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فهو بنيته فهما في الوزر سواء». «فهو بنيته» خصه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنية دون الفعل «فهما في الوزر سواء». صار مثله بالنية.
النوع الرابع: أن يكون تركه عجزًا عنه مع فعله الأسباب سعى وسعى ولكنه لم يتمكن من الفعل فهذا يعاقب عقوبة الفاعل ليس بالنية فحسب، وإنما من جهة الفعل والنية وهذا دليله ما جاء في الصحيحين «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار» قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ لم يفعل المقتول شيئًا قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه». لأنه سعى حاول أن يقتله فقتل حينئذٍ صارت الأنواع أربعة.
(ما يعاقب على فعله ويثاب على تركه امتثالاً)، ثم شرع في مسألة الأصول وهي: الصلاة في الدار المغصوبة.
نقف على هذا، والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
(1/25)

عناصر الدرس
* تابع المحظور.
* المكروه، والمباح.
* الحكم الوضعي.
* الفرق بين الحكم الوضعي، والحكم التكليفي.
* العلة، والسبب، والشرط، والمانع.
* الصحيح، والفاسد.

[[يوجد نقص في الشريط، فأول غير موجود بالشريط، فينصح بيتتبع طلبة الشيخ لعل عند أحدهم النسخة بدون النقص]]
الصلاة من حيث هي مطلوبةٌ شرعًا، ولكن إيقاعها في وقت النهي هذا منهيٌ عنه لا لذات الصلاة، وإنما لكونها واقعةً في أوقات النهي، وقل كذلك في السُّتر والحيض وغير ذلك، وأما ما منع بأصله ووصفه فهذا كأن يبيع دمًا بخنزير، فهنا البيع الثمن والمثمن قد جُعلا شيئًا محرمًا وهو محل وفاق، فحينئذٍ لا ينعقد من أصله لماذا؟ لكون الثمن والمثمن نجسة، وهذا مما لا يحل بيعه ولذلك لو باع درهمًا بدرهمين صح عنده البيع وردت الزيادة لأن الدرهم بالدرهم بأصله جائز إلا أنه لما زيد عليه درهمٌ آخر حينئذٍ انتقل إلى وصفٍ فهو بأصله جائز ودرهمٌ بدرهم، ثم لما زيد عليه وصفٌ وهو زيادة الدرهمان في مقابل درهم حينئذٍ منع بوصفه لا بأصله، ولذلك يصحح العقد برد الدرهم ويبقى العقد على أصله (فسماه أبو حنيفة). يعني: منهي عنه لوصفه. سماه (فاسدًا، وعندنا) عندنا الحنابلة (وعند الشافعي أنه من القسم الأول) بمعنى أنه يكون باطلاً وعند أبي حنيفة لا الفاسد ليس بباطل، وإنما هو قابلٌ للتصحيح، ولذلك لو نذر أن يصوم يوم الفطر صح نذره ولزمه قضائه، صح النذر لماذا؟ لكون الصوم من حيث هو طاعة، ولكونه نذر يوم الأضحى أو يوم الفطر حينئذٍ منع لوصفه لحرمة الصوم في ذلك اليوم فيصح النذر ويلزمه القضاء، وعند الجمهور لا يصح النذر من أصله لأنه متعلق بصفة والموصوف هنا هو الذي وقع النهي عنه كما سيأتي، إذًا ... (وعندنا وعند الشافعي أنه من القسم الأول) يعني: من المنهي عنه لذاته. فيكون باطلاً فالحكم واحد ما نهي عنه لذاته وما نهي عنه لوصفه فهو باطلٌ في القسمين. وهذا مذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد. لأن المنهي عنه هو الموصوف وليس الصفة. فإذا نهى الله تعالى عن صلاةٍ بسُكْرٍ حينئذٍ النهي هنا وقع على أي شيء؟ عندنا موصوفٌ وصفة، ما هو الموصوف؟ الموصوف صلاةٌ وسكر. وصفة هي: السكر. حينئذٍ نهى الشارع عن الموصوف ولم ينه عن الصفة. لأن الصفة منهيٌ عنها في غير الصلاة كذلك، والمنهي عنه هنا الموصوف مع صفته، وكذلك الصلاة إذا وقعت في وقت المنهي عنه حينئذٍ نقول: المنهي عنه هنا الموصوف، وليس الوقت فحسب وكذلك في الأماكن التي ذكرت، إذًا المنهي عنه هو الموصوف وليس الصفة والصلاة الواقعة في حالة السكر نقول: هي التي وقع النهي عنها. (لأن المنهي عنه نفس هذه الصلاة) يعني: الواقع في حال السكر. (ولذلك بطلت) إذًا الجمهور قسموا النهي إلى ثلاثة أقسام.
الأول والثاني: الحكم فيهما بالبطلان.
(2/1)

(أوْ لا إلى واحدٍ منهما) يعني: أو لا يعود النهي أو يرجع إلى واحدٍ منهما منهمَا يعني: إلى ذات المنهي عنه أو إلى صفته. (كلبس الحرير) في الصلاة. قالوا: هذه الجهة منفكة (فإن المصلي فيه جامع بين القربة والمكروه بالجهتين فتصح) يعني: إذا كان النهي عائدًا إلى أمرٍ لازمٍ خارجٍ عن مفهوم المنهي عنه. مفهوم الصلاة مثلاً حينئذٍ قالوا: الصلاة بثوب الحرير. الحرير محرمٌ مطلقًا وعبر المصنف هنا بالكراهة ولعله يرى الكراهة والصحيح التحريم. يعني: بالنسبة للذكر. حينئذٍ لو صلى ذكرٌ بحرير وستر عورته بالحرير وصلى بذلك. قالوا: الجهة منفكة. كيف الجهة منفكة؟ لأن الصلاة مطلوبةٌ من حيث هي وهي قربة والحرير منفكٌ بالنهي. بمعنى أنه منهيًا عنه مطلقًا صلى أو لم يصلّ، فلما كانت الجهة منفكة حينئذٍ يقال: بصحة الصلاة. ويقال: بالإثم. فيجمع بين القربة والمعصية لماذا؟ لكونه متقربًا إلى الله تعالى بفعل الطاعة وهي: الصلاة. وبكونه آثمًا لفعل أو لبس الحرير، ولذلك قال: (فإن المصلي فيه). يعني: في الحرير. (جامع بين القربة) في الصلاة (والمكروه بالجهتين فتصح حينئذٍ) فثَمَّ جهتان: جهة قربة، وجهة كراهة. وهل ثَمَّ محالٌ في الجمع بينهما؟ قالوا: لا، إذًا على هذا تصح الصلاة في الدار المغصوبة، ولذلك قال: (وعند من صححها). يعني: صحح الصلاة في الدار المغصوبة جعلها من القسم الثالث وهو كونه مصليًا وفاعلٌ للقربة وكونه عاصيًا بفعل الغصب لأن الغصب محرمٌ مطلقًا صلى أو لم يصلِّ، والصلاة مأمورةٌ بها وهي منفكةٌ عنها حينئذٍ الجهة منفكة وكما ذكرنا أن الصحيح هو الأول لماذا؟ لأن الحكم هنا على شيءٍ معين نحن الآن لا نتحدث أو نحكم عن صلاةٍ مطلقًا، وإنما نحكم على صلاةٍ واقعةٍ في أرضٍ مغصوبة نفس الأرض هذا الفعل الذي وقع فتصور انفكاك الصلاة عن الغصب هذا شيءٌ خيالي. بمعنى أن وجوده وجود ذهني فحسب فعندما يقوم ويصلي في الأرض المغصوبة قالوا: هذه يتصور بأن الصلاة منفكة عن الأرض. كيف؟ تتخيل صلاة لا في أرضٍ مغصوبة وتتخيل غصب لا صلاة فيه، وهذا لا وجود له، وإنما البحث عن صلاةٍ واقعةٍ شيء معين يقوم ويصلي في أرضٍ مغصوبة حينئذٍ انفكاك الجهة يكون شيء في الذهن فحسب، وإلا لا يتصور صلاة لا في مكان. كما أنه لا يتصور صلاة لا في زمان، وإذا أمر الله تعالى بالصلاة لابد أن يكون ثَمَّ مكانٌ وله شرطه في الشرع أن يكون مباحًا، وإذا أمر بصلاةٍ فلا بد من زمنٍ، والزمن منه منهيٌ عنه، ومنه ما ليس منهيًا عنه، حينئذٍ إذا أوقع الصلاة في ما لم يأمر به الله تعالى من المكان أو الزمان حينئذٍ نقول: هذا منهيٌ عنه، وإذا نهى الشرع عنه حينئذٍ دخل في مفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم - بل في منطوقه عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ». إذًا محاولة فك الجهة هنا نقول: هذا الانفكاك لا وجود له في الواقع، وإنما هو وجود ذهني يعني: يتخيل الحاكم على الصلاة في الدار المغصوبة بأنها صلاةٌ دون غصبٍ وأين هو؟ في الذهن ليس له وجودٌ في الخارج، لماذا؟ لأن الحكم هنا متعلقٌ على فردٍ من أفراد الصلاة، وهي كونها واقعةً في أرضٍ مغصوبة.
(2/2)

إذًا نقول: الصحيح في هذه المسألة والله أعلم أن الصلاة في الدار المغصوبة وكذلك الصلاة في كل ما نهى عنه الشارع كلبس الحرير أو الثوب المسبل أو نحو ذلك فالصلاة فيه تعتبر باطلة للدليل الذي ذكرناه الآن وهو مذهب الحنابلة في كل ما ذكر.
ثم قال رحمه الله تعالى: (و (مكروه)). هذا الحكم الرابع من أحكام التكليف وهو في اللغة: المبغوض. وقيل: ضد المحبوب أخذًا من الكراهة. وقيل: من الكريهة. وهي: الشدة في الحرب. قال: (وهو ضد المندوب ما يقتضي تركه الثواب). امتثالاً لا بد من هذا القيد (ولا عقاب في فعله) والأصل أن يعرف من حيث الحقيقة بأن يقال: المكروه ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم. فيشترك المكروه مع المحرم في طلب الترك، ويفترقان بكون المحرم مطلوب الترك على وجه الإلزام، والمكروه مطلوب الترك لا على وجه الإلزام والفرق بينهما ما دام أنهما اشتركا في جنس الترك أن ما رتب الشارع العقاب على الفعل فهو محرم، وما لم يرتب الشارع العقاب على الفعل أو لم يأت بصيغة لا تفعل مطلقًا، حينئذٍ نقول: هذا يعتبر للكراهة. (ما يقتضي تركه الثواب) يعني: إذا تركه الثواب. لكن بشرط الامتثال لأن القاعدة عامة وهي أنه لا ثواب إلا بنية (ولا عقاب على فعله) يعني: لو فعله حينئذٍ لا يعاقب على الفعل كالالتفات في الصلاة يعتبر من المكروهات فإذا احتاج إليه زالت الكراهة، وإذا لم يحتج إليه فحينئذٍ نقول: قد فعل مكروهًا إن تركه امتثالاً أثيب على ذلك، وإن فعله لا لحاجةٍ حينئذٍ لا عقاب (كالمنهي عنه نهي تنزيه) إذا أطلقوا لفظ المكروه انصرف إلى المنهي عنه نهي تنزيه.
وأما في اصطلاح المتقدمين فالغالب عندهم أنهم إذا أطلقوا المكروه أرادوا به الحرام كما هو الشأن في كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره وهو أكثر ما يحكى عن الإمام أحمد أنه إذا قال: أكره. كما قيل عنه أنه قال: أكره المتعة والصلاة في المقابر. وهما محرمان في المذهب وهو كذلك في قوله، ويطلق على ترك الأولى وهو ترك ما فعله راجحٌ أو عكسه ولو لم ينه عنه. يعني: إذا كان الأولى أن يصلي الضحى وخاصة إذا كان ممن يتأسى به ويقتدى به حينئذٍ نقول: تركه لصلاة الضحى يعبر عنه عند بعضهم بالكراهة وإن كان عند المتأخرين من الشافعية له قسمٌ سادس وهو خلاف الأولى، ويطلق على ما فيه شبهةٌ وتردد حينئذٍ لفظ الكراهة أو المكروه يطلق على المنهي عنه نهي تنزيه وهذا هو الأصل عند المتأخرين ويطلق على الحرام في كثير من كلام المتقدمين ويطلق على خلاف الأولى، ويطلق على ما فيه ترددٌ وشبهة وهو الذي عناه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمورٌ مشتبهات». يعني: مترددة من حيث الحكم هل هي ملحقةٌ بالحلال أو أنها ملحقةٌ بالحرام؟ حينئذٍ يطلق عليها لفظ الكراهة.
(2/3)

(و (مباح)) وهو القسم الأخير من الأحكام التكلفية، وإنما وضع في ضمن هذه الأحكام التكلفية وليس في المباح تكليف من باب التغليب هكذا عناه كثير من المتأخرين بأن المباح ليس بحكمٍ تكليفي ليس فيه طلب فعلٍ ولا طلب ترك بل هو استواء الطرفين مأذونٌ في فعله ومأذونٌ في تركه حينئذٍ كيف يعبر عنه بأنه تكليف والتكليف هو: إلزام ما فيه مشقة أو طلب ما فيه مشقة. وهذا ليس فيه إلا التسوية بين الطرفين. قالوا: هذا من باب التغليب لأنه حكمٌ شرعي وقد يظن بعض الطلاب أنه إذا نفي عن المباح أنه حكمٌ تكليفي نفي عنه أنه حكمٌ شرعي هذا غلطٌ في الفهم بل هو حكمٌ شرعيٌ خلافًا للمعتزلة وهو عند أهل السنة والجماعة محل وفاق، وهو ليس بحكم تكليفي بمعنى ليس فيه كلفة والأحكام التكليفية أربعة: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة. وهذا حكمٌ شرعي، ولذلك يذكره الأصوليون في حد الحكم: خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع. بالاقتضاء: شمل الأحكام الأربعة. أو التخيير هو المباح، إذًا دخل في ضمن الحكم والمراد به الحكم الشرعي وهو أعم من الحكم التكليفي وعليه كل حكمٍ تكليفي حكمٌ شرعيٌ ولا عكس، وكل حكمٍ وضعي حكمٌ شرعيٌّ ولا عكس لأن الحكم الشرعي يصدق على المباح وهو ليس بحكمٍ تكليفي ولا بحكمٍ وضعي فصار أعم.
(2/4)

((مباح)) المباح في اللغة هو: المعلن والمأذون. (و (الجائز) و (الحلال) بمعناه) بمعنى أنه يطلق على المباح أنه جائز، والجائز في اللغة هو: العابر. ويطلق في اصطلاح الفقهاء على ما لا يمتنع شرعًا حينئذٍ يعم الواجب والمندوب والمباح وكذلك المكروه فإذا قيل: هذا جائزٌ فعله. فلا ينصرف إلى ما يقابل الإيجاب والندب لأنه يراد به ما لا يمتنع فعله بمعنى: أن الشارع لم يطلب من المكلف ترك هذا الفعل فيصدق عليه أنه جائز فالواجب جائزٌ والمندوب جائز بمعنى أنه مأذونٌ في فعله. إذًا (و (الجائز)) في اصطلاح الفقهاء يطلق على ما لا يمتنع شرعًا فيعم غير الحرام، ولذلك يعبر بعض الفقهاء في كتبهم وله فعل ذلك يعني: يجوز له. ثم قد يفسر بالإيجاب وقد يفسر بالندب وقد يفسر بالإباحة وقد يفسر بالكراهة، (و (الحلال)) يطلق ويراد به الأربعة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه. إلا أن المباح يطلق ويراد به الثلاثة لأنه لا يشمل الثلاثة على كلٍّ هذه اصطلاحات من حيث الاستعمال فحسب (وهو ما لا يتعلق بفعله أو تركه ثوابٌ ولا عقاب) يعني: المباح (ما لا يتعلق بفعله أو تركه ثوابٌ ولا عقاب) حينئذٍ استوى في فعله الثواب والعقاب، إن فعله لا ثواب، إن تركه لا ثواب إن فعله لا عقاب، إن تركه لا عقاب فمتعلق الثواب في المباح فعلاً وتركًا ومتعلق نفي العقاب فعلاً وتركًا حينئذٍ قوله: (ما لا يتعلق بفعله أو تركه ثواب ولا عقاب). (ما لا يتعلق) بتركه (ثواب ولا عقاب) يعني: يستوي الأمران الفعل والترك. ثوابًا وعقابًا لكن يزيد بعض الأصوليين قوله لذاته لأن المباح الذي يراد هنا هو المباح الباقي على أصل الإباحة على وصف الإباحة لأن المباح على مرتبتين: مباحٌ صار وسيلةً لغيره بأن يكون وسيلةً لواجب أو مندوب أو محرم أو مكروه ففي هذه الأحوال الأربعة يعطى المباح حكمًا ما صار وسيلةً إليه فالمباح الذي يكون وسيلةً للواجب صار واجبًا، والمباح الذي يكون وسيلةً للمندوب صار مندوبًا، والمباح الذي يكون وسيلةً للحرام صار حرامًا وكذلك المكروه، وهذا يندرج تحت القاعدة الكبرى الوسائل لها أحكام المقاصد، حينئذٍ الواجب بذاته كالصلاة مثلاً والمشي من حيث هو مباح لكن إذا كان ثَمَّ مشيٌ إلى واجبٍ صار المشي واجبًا صلاة الجماعة واجبة فلو لم نوجب عليه المشي لقال: ما وجب عليَّ المشي. فبقي في بيته وترك الصلاة، لكن نقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. إذًا المشي صار واجبًا، لو أراد أن يشتري طيبًا أو سواكًا وليس عنده من ذلك فحينئذٍ نقول: المشي لا بد منه فيكون مندوبًا لأنه وسيلة ِإلى المندوب. كذلك المشي إلى الحرام صار حرامًا والمكروه صار مكروهًا.
(2/5)

والنوع الثاني هو الباقي على أصل الإباحة بمعنى أنه لا يكون وسيلةً لغيره كالمباح في المشي إذا لم يكن واحدًا من تلك الأربعة صار مباحًا وحينئذٍ لم يتعلق به أمرٌ ولا نهي ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (وقد اختلف في حكم الأعيان المنتفع بها قبل الشرع، فعند أبي الخطاب والتميمي الإباحة كأبي حنيفة، فلذلك أنكر بعض المعتزلة شرعيته). يعني: المباح. (وعند القاضي وابن حامد وبعض المعتزلة: الحظر. وتوقف الجزري والأكثرون) هذه المسألة مبنيةٌ على أصلٍ وهو: هل خلا زمنٌ من الأزمان عن شرعٍ أو لا؟ هل ثَمَّ زمنٌ منذ أن خلق آدم عليه السلام إلى محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - هل ثَمَّ زمنٌ ليس فيه شرعٌ أو لا؟ والمسألة مفروضة في ماذا؟ قبل الشرع بمعنى أن هذه المسألة متصورةٌ في زمنٍ لم يكن ثَمَّ شرعٌ حينئذٍ وقع الخلاف بين الأصوليين في هذه المسألة، والصحيح الذي نجزم به وهو أنه لا يخلو وقتٌ عن شرع منذ أن خلق آدم إلى أن تقوم الساعة لا يوجد زمنٌ لا شرع فيه البتة قد يعلن وينتشر ويعلم وقد يضعف، أما الشرع من حيث هو فهو موجودٌ، إذًا الصحيح عدم خلو وقتٍ عن شرعٍ وهو ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى لأنه أول ما خلق الله تعالى آدم قال له: {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [البقرة: 35]، إذًا أمرهما ونهاهما وأول مخلوقٍ هو آدم عليه السلام وآدم نبيٌ على الصحيح حينئذٍ كيف يقال: بأن ثَمَّ زمنٌ لا شرع فيه البتة؟ إذًا نقول: أمرهما ونهاهما عقب خلقهما فكذلك كل زمان وعموم النصوص في الكتاب والسنة تدل على ذلك. قال الله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36]. الإنسان جنس الإنسان ولو فرد واحد لا يمكن أن يخلق الإنسان ويترك هكذا سدى دون أن يؤمر ولا ينهى، وقال تعالى: {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24]، {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ} هذا من صيغ العموم بل نصٌ في العموم {مِّنْ} هذه زائدة لتوكيد العموم، كذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، حينئذٍ لا يصح أن يفرض زمنٌ لا شرع فيه البتة، وهنا المسألة مفروضة فيما إذا خلا الزمن عن شرعٍ. إذًا ما الحكم؟ وأهل السنة والجماعة في مثل هذه المسائل التي يتكلم فيها أهل البدعة من المعتزلة وغيرهم، الأولى أن لا تحذف ويقال: لا بد من نظرٍ في أصول الفقه ويجدد إلى آخره، وإنما نقول: ننظر إلى المسألة بنظرٍ يوافق الكتاب والسنة. حينئذٍ إذا فرض هكذا على التسليم إذا فرض ثَمَّ زمنٌ لا شرع فيه حينئذٍ نقول: مذهب أهل السنة والجماعة التوقف. وهو الذي حكاه المصنف هنا مصنف هنا عن الجزري والأكثرين بأنه يقال: الله أعلم. ما حكم تلك الأمور التي تكون من الأعيان والمأكولات والمطعومات التي ينتفع بها ولا يكون فيها شيءٌ من الضرر ما حكمها؟ نقول: الله أعلم.
(2/6)

وإنما فرض المعتزلة هذه المسألة بناءً على أن العقل له مدخلٌ في التشريع، ولذلك قال في ((جمع الجوامع)): وَحَكَّمَتِ المعتزلة العقل. بمعنى أن العقل يعتبر مصدرًا من مصادر التشريع فما حسنه العقل حينئذٍ حسنه الشرع، إما بإيجاب أو ندبٍ وما قبحه العقل حينئذٍ قبحه الشرع إما بالتحريم أو بالكراهة فالشرع كاشفٌ لما دل عليه العقل والعقل أصل فحينئذٍ فرضوا هذه المسألة قبل الشرع ما دام أن العقل هو الحاكم إذا لو لم يكن شرعًا ما حكم هذه المسألة؟ الأعيان المنتفع بها منهم من قال: الحظر. ومنهم من قال: الإباحة. ... إلى آخره فاختلفوا في ذلك، (وقد اختلف في الأعيان المنتفع بها)، (المنتفع بها) قالوا: هذا قيد. لأن الأمور لها ثلاثة أحوال:
ما فيه ضررٌ محض وليس فيه منفعة كأكل الأعشاب السامة القاتلة، قالوا: هذا معلومٌ أنه ضرر.
ما فيه ضررٌ من جهةٍ ونفعٌ من جهةٍ أخرى والضرر أرجح أو مساوي، وهذان محرمان والغريب أن من شرح من أهل السنة هذه المسألة بدأ يدلل لها بالكتاب والسنة فجعل الأول والثاني أنه محرم لحديث: «لا ضرر ولا ضرار». والمسألة مفروضة في ماذا؟ قبل الشرع حينئذٍ لا يستدل أخطأ وأخطأ وَأخطأ من استدل بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29]، أو {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32]. هذا غلط لماذا؟ لأن المسألة ليست مفروضة بعد الشرع وهم لا يستدلون بالآيات والأحاديث وإنما المراد قبل الشرع. يعني: قبل آدمٍ إن أمكن أو بعد آدم إن خلا ذلك الزمن عن شرع ما حكمها؟ فلا نستدل بالكتاب والسنة، على كلٍّ من قسم من أهل السنة هذه الأقسام الأول والثاني حكم عليهما بالتحريم لحديث: «لا ضرر ولا ضرار».
(2/7)

الثالث: ما فيه منفعةٌ محضة ولا ضرر فيه أصلاً، أو فيه ضررٌ خفيفٌ مغتفر هذا الذي أراده المصنف لذلك قال في الأعيان: (المنتفع بها). احترازًا عن التي يكون فيها ضرر محض أو يكون الضرر فيها غالب أو مساوي. (قبل الشرع) يعني: قبل ورود الشرع بحكمها. (فعند أبي الخطاب) وهو من الحنابلة (والتميمي) أبي الحسن (الإباحة كأبي حنيفة) واستدلوا لها بدليلٍ عقلي نظري. قالوا: لأن خلقها لا لحكمة عبث. لو خلقها الله هكذا لا لحكمةٍ صار عبثًا، إذًا لا بد وأنه خلقها لينتفع بها الخلق وهذا استدلالٌ عقلي فحينئذٍ إذا كانت الإباحة مبنيةً على هذا الأصل حينئذٍ صار تحكيمًا للعقل وهو باطل ولا حكمة من خلقها إلا انتفاعنا بها إذا هو خالٍ عن المفسدة فلذلك أنكر بعض المعتزلة شرعيته. المعتزلة عندهم المباح ليس حكمًا شرعيًا، لماذا؟ لأنه بالعقل قبل الشرع حكمنا على الانتفاع بالأعيان أنه مباح فجاء الشرع واستدام تلك الإباحة. إذًا هو استصحابٌ للبراءة الأصلية وهذا لو سلمنا لكان كلامًا حقًّا لماذا؟ لأنه هو الأصل، إذا كان الشرع دل على أن الأصل في الأشياء الإباحة {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم} هذا بدليلٍ شرعي. يعني: بعد الشرع، ولكن قبل الشرع حكم العقل، إذًا صارت الإباحة عقلية. هي التي استدامها الشرع وسيأتي الاستصحاب في ذكر الأدلة التي سيذكرها المصنف إذًا (فلذلك) فلكون الحكم على الأشياء المنتفع بها قبل الشرع الإباحة أنكر بعض المعتزلة شرعيته وقالوا: الإباحة الشرعية لا وجود لها، وإنما هي إباحةٌ عقلية. (وعند القاضي وابن حامد وبعض المعتزلة: الحظر) يعني: المنع. لماذا؟ لأن هذه الأعيان ملكٌ لله عز وجل ولم يرد من المالك إذنٌ باستخدام تلك الأعيان فالأصل فيه المنع (وتوقف الجزري والأكثرون) عرفنا المسألة من أصلها لا وجود لها باطلة افتراضها باطل لأنها مبنيةٌ على أصلٍ باطل وهو أنه قد خلا زمنٌ عن شرعٍ والصواب أنه لم يَخْلُ زمنٌ عن شرعٍ، وإذا سلمنا من باب الجدل والافتراض والتنزل فنقول: المذهب الصحيح هو: التوقف. لعدم علمنا لأن الأحكام مرتبطة بالله عز وجل لا حاكم إلا الله عز وجل، فقبل الشرع لم يأت لنا نصٌ وحيٌ ببيان حكم الله عز وجل في هذه الأعيان فنتوقف. ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (و (وضعيةٌ)). عرفنا أن الحكم الشرعي نوعان:
حكمٌ شرعيٌ تكليفي.
وحكمٌ شرعيٌ وضعيٌ.
وسبق الحديث في الأحكام الشرعية التكلفية. ثم قال: (و (وضعيةٌ)). يعني: وأحكامٌ وضعية نسبةً إلى الوضع.
والوضع في اللغة: الولادة والإسقاط والحط.
وفي اصطلاح الأصوليين: خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشيء سببًا لشيءٍ آخر أو شرطًا له أو مانعًا منه فهو يختلف عن الحكم السابق، الحكم السابق فيه طلب طَلب فعلٍ أو طلب ترك وهو ما يسمى بالاقتضاء وهنا يختلف الحكم وهو أنه خطاب الله وهو كذلك حكمٌ شرعي متعلقٌ بجعل الشيء سببًا لشيء آخر وهو: ما يتعلق بالأسباب. أو شرطًا له كبيان أن الطهارة شرطٌ لصحة الصلاة حينئذٍ دخلت الشروط كلها أو مانعًا منه كالحيض مانعٌ من الصلاة حينئذٍ دخلت الموانع، ولذلك خص بعضهم هذه الأحكام الوضعية بالأسباب والشروط والموانع ويدخل معها كذلك الصحة والفساد.
(2/8)

قال: (وهي أربعة). المصنف رحمه الله تعالى جرى على طريقةٍ جمع بين بعض المسائل وله ترتيبٌ خاص قد لا يوافق عليه في بعض المسائل لكنه له سلفٌ في ذلك لكن المشهور ليس هو الذي مضى عليه، وإنما يذكرون الشروط والأسباب والموانع والصحة والفساد كل واحدٍ منها حكم وضعي فيذكرون السبب على أنه حكم وضعي والشرط أنه حكم وضعي والمانع أنه حكم وضعي والصحة والفساد، وكذلك المنعقد على ما ذكره والأداء والقضاء والإعادة كلها أحكامٍ وضعية.
(وهي أربعة:
أحدها: (ما يظهر به الحكم) وهو نوعان) (ما) أي: حكمٌ وضعيٌ. (يظهر به الحكم) يعني: بسببه. (الحكم) يعني: أن الحكم يظهر ويوجد بوجود هذا الشيء، كما يوجد التحريم في الخمر إذا وجد الإسكار فحينئذٍ نقول: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. فعلق الشارع تحريم الخمر على علةٍ وهي: الإسكار. حينئذٍ متى ما وجد الإسكار وُجِدَ حكم الله تعالى. إذًا (ما يظهر به الحكم) أي: أن الحكم يظهر ويوجد بوجود هذا الشيء. قال: (وهو نوعان) أي النوع الأول تحته شيئان: علةٌ، وسببٌ.
والعلة قسمان لأنها إما عقلية، وإما شرعية. إذًا النوع الأول من الأحكام الوضعية ما يظهر به الحكم وهو قسمان: علةٌ، وسببٌ. والعلة نوعان: علةٌ عقلية منسوبةٌ إلى العقل. يعني: ما كان مصدرها من جهة العقل ما أوجب حكمًا عقليًّا لذاته. يعني: لذات العلة. (كالكسر للانكسار) قالوا: الكسر علةٌ للانكسار فمتى ما وجد الكسر يعني: المؤثر. حينئذٍ وجد الانكسار لا يمكن أن يوجد الكسر المؤثر دون أن يوجد الانكسار فمتى ما وجد الانكسار عرفنا أنه وجد الكسر، وهذا يكون من باب السببية بمعنى أنه عند الأشاعرة وهم يُنكرون تأثير الأسباب، وعند المعتزلة وهم يرون أن الأسباب مؤثرة بذاتها يختلف الحكم هنا، أما عند أهل السنة والجماعة فهو السبب المؤثر، له تأثيرٌ جعل الله عز وجل فيه تأثيرًا لكن بإذن الله وقدرته، يعني: بجعل الله تعالى. حينئذٍ الكسر إذا رميت زجاجًا بحجرٍ حينئذٍ نقول: هذا الحجر سببٌ في الكسر وقد جعله الله عز وجل مؤثرًا في الزجاج فانكسر الزجاج بسبب الحجر. وعند الأشاعرة لا ثم انفصالٌ بين السبب والمسبب فعندهم الزجاج انكسر عند الحجر لا به فخلق الله عز وجل الانكسار عند الحجر لا به لا تأثير له، وعند المعتزلة يرون أن السبب بنفسه بذاته دون أن يكون متعلقًا بذات الله عز وجل أو بقدرته أو بإرادته وحينئذٍ صار أشبه ما يكون بالسبب لأنه خالقٌ للفعل، إذًا ما أوجب حكمًا عقليًّا لذاته ونفسرها على طريقة أهل السنة والجماعة بأنه سببٌ وجعل الله تعالى فيه تأثيرًا ترتب عليه المسبب خلافًا للأشاعرة والمعتزلة.
(وهو نوعان:
(علة): إما عقلية، كالكسر للانكسار.
(2/9)

أو شرعية) وهي المقصودة في هذا الموضع (قيل: إنها المعنى الذي علق الشرع الحكم عليه، وقيل: الباعث له على إثباته، وهذا أولى) فذكر العلة إثباته بالثاء لا بالتاء فذكر العلة الشرعية وذكر لها تعريفين ورجح الثاني لأن العلة هنا أشبه ما يكون بالسبب والعلة والسبب متداخلان، ولذلك بعض الأصوليين وهم الأحناف يرون أن السبب والعلة مترادفان السبب والعلة معناهما واحد ولكن ثَمَّ ما قد يكون خلافٌ لفظيٌّ كما سيأتي، إذًا قيل الشرعية (إنها المعنى الذي علق الشرع الحكم عليه) وأناطه به وحينئذٍ تكون العلة هي السبب الذي رتب الشارع الحكم عليه، وهذا يفارق الحكمة لأن الحكمة ما هي؟ هي: الغاية والباعث على الحكم. فالقصر مثلاً في السفر ما العلة وما الحكمة؟ العلة هي عين السفر، كونه مسافرًا فالسفر علة. ما الحكمة الباعثة لهذا القصر وهو الحكم المترتب على العلة وهو السفر؟ دفع المشقة، يعني: تيسيرًا على المسافر. فثَمَّ علة وثَمَّ حكمة. العلة هي التي يناط ويعلق ويرتب عليها الحكم متى ما وجدت وجد الحكم حينئذٍ متى ما وجد السفر وتحقق السفر وجد القصر والجمع والفطر ونحو ذلك ومتى ما انتفى السفر انتفى ما رتب عليه وهو: القصر والجمع والفطر ونحو ذلك.
وأما الحكمة فهي المشقة هذه قد توجد وقد تتخلف قد يسافر ولا يكن ثَمَّ في سفره مشقة وقد يسافر وتوجد المشقة، إذًا المعنى الذي علق الشرع الحكم عليه فتكون العلة أمارة وعلامة على وجود الحكم وثبوته في جميع محال الوصف كالإسكار في الخمر علامةٌ على وجود الحكم وهو: التحريم. وقيل في تعريف العلة الشرعية أنها (الباعث له) أي: للشرع. يعني: لله عز وجل. (على إثباته) أي: إثبات الحكم في محله. (الباعث له) يعني: لله عز وجل وهل شيءٌ يبعث الله تعالى على أن يحكم بشيءٍ على شيء نقول: فيه تفصيل.
أولاً: اللفظ يتوقف فيه لعدم وروده فلا نقول: الله عز وجل يبعثه كذا لماذا؟ لعدم الورود لأن الصفات توقيفية حينئذٍ نبقى على الأصل لكن ما دام أنه ذُكِرَ في تعريف العلة حينئذٍ يقال: الباعث نوعان: باعثٌ هو إرادة الله من نفسه بأن يريد هو جل وعلا، وهذا إثباته حقٌ وهو من صفاته جل وعلا: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ} [البقرة: 185] إذًا يريد، ولا يريد. الباعث الذي يكون من خارجٍ وهو ما قد يوجبه العباد مثلاً نقول: هذا باطلٌ قد أثبته المعتزلة ولكنه باطل. إذًا الباعث له جهتان، إن كان المراد به أن الله عز وجل يريد الشيء فيرتب الحكم على هذا المعنى فهذا حقٌ ثابت.
(الباعث له) أي: على الشرع. (على إثباته) أي: إثبات الحكم في محله. والباعث فسر ذكر بعضهم أنه فسر ذلك بكون العلة مشتملةً على حكمةٍ صالحة لأن تكون مقصود الشارع من شرع الحكم كالقتل العمد فإنه باعثٌ للشرع على شرع القصاص حفظًا للنفوس وكذلك الزكاة للمواساة ونحوها، إذًا الباعث على إثبات الحكم والباعث هنا متعلقٌ بالله عز وجل وسيأتي بحث العلة في القياس، إذًا العلة نوعان. علة عقلية، وعلة شرعية.
(و (سبب)) هذا النوع الثاني مما يظهر به الحكم (و (سبب)) والسبب لغةً: ما توصل به إلى غيره. ويطلق السبب على الحبل.
(2/10)

وأما في الاصطلاح أو الشرع فهو: ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم. ونلغي لذاته ولا داعي لها.
ما يلزم من وجوده الوجود كالزوال سبب للوجوب حينئذٍ يلزم من وجود الزوال وجوب الصلاة ويلزم من عدمه من عدم الزوال عدم وجوب الصلاة، إذًا كلما وجد السبب وجد المسبب، وإذا انتفى السبب انتفى المسبب.
(2/11)

قال هنا: (وقد استعمله الفقهاء). في أربعة محال يعني: له مصطلحات. أراد أن يبين أن ثَمَّ للسبب اصطلاحاتٌ خاصة عند الفقهاء يطلق ويراد به كذا ويطلق ويراد به كذا حينئذٍ لا يجعل طالب العلم أنه كل ما رأى السبب فسره بما يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم. نقول: هذا باطل. لماذا؟ لأن السبب له استعمالاتٌ أربعة قد يراد به هذا وقد يراد به ذاك وهذا الشأن أكثر الاصطلاحات التي يذكرها الأصوليون والفقهاء فالرخصة والعزيمة والواجب والمندوب ليس كل ما رأى الطالب في الكتاب والسنة لفظ الواجب فسره بالواجب هذا من الخطأ لماذا؟ لأن الأصل في استعمال ألفاظ الشرع على الحقائق اللغوية. هذا الأصل فيها إلا إذا ورد حقيقةٌ شرعية فتحمل عليه فتكون مقدمة عن الحقيقة اللغوية، وأما هذه الاصطلاحات العرفية التي تختلف من عالم إلى عالم ومن مذهب إلى مذهب فنقول: هذه اصطلاحاتٌ تقريبية. بمعنى أن الحد إذا وُجِدَ وُجد المحدود من غير عكس، فما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا كل ما وجد هذا المعنى أطلقنا عليه أنه واجب، وليس كل ما وجد لفظ واجب قلنا: ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا. فالقضية عكسية، ولذلك جاء قوله جمهور أهل العلم يرون أن الواجب كذا وكذا وجاء قوله - صلى الله عليه وسلم -: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم». ومع ذلك لم يقولوا بأن الواجب هنا المراد به ما طلب الشارع فعله طلابًا جازمًا لماذا؟ لأن هذا معناه اصطلاحي ولا تحمل نصوص الشرع على هذا قد يراد به الواجب الاصطلاحي وقد يراد به الواجب اللغوي فيتأنى الطالب فالأصل فيه هو الواجب اللغوي ولا يحمله على الواجب الاصطلاحي إلا بقرينة، وكذلك العزيمة وكذلك الرخصة مثله السبب (وقد استعمله الفقهاء) يعني: استعملوا لفظ السبب. (فيما يقابل المباشر كالحفر مع التردية) الْمُبَاشِر أو الْمُبَاشَرة يجوز الوجهان فيما (فيما يقابل المباشر كالحفر مع التردية) حفر مع تردية زيد من الناس حفر حَفر بئرًا فجاء عمرو فألقى خالدًا في البئر فعندنا مباشر للإيقاع وعندنا متسبب وهو: زيدٌ. زيدٌ حفر ومشى وجاء عمرو فألقى خالدًا في البئر مات خالد وجبت الدية على من؟ المباشر أو المتسبب؟ هنا عند الفقهاء جعلوا لفظ السبب في مقابل المباشر يريدون أن يميزوا بين المباشر والمتسبب فقال هنا الصنف: (استعمله الفقهاء فيما يقابل) يعني: في الشخص الحاضر. (يقابل المباشر) فعندنا مباشر للفعل وهو: الإلقاء. وعندنا متسبب سماه الفقهاء بأنه سببٌ من باب الاصطلاح فحسب حينئذٍ الغالب أنه إذا دار الأمر بين ضمان المتسبب أو السبب والمباشر الغالب أنه على المباشر، إذًا هذا الاستعمال الأول (فيما يقابل المباشر كالحفر مع التردية) فالحفر سببٌ والتردية علة لأن الهلاك بها لا بالحفر فأولٌ سببٌ والثاني علةٌ فالحافر متسبب والدافع مباشر، الاصطلاح الثاني: (علة العلة) يعني: أطلق السبب ويراد به (علة العلة) كأنه سبب العلة أو الطريق الموصل للعلة (كالرمي في القتل للموت) رَمَى زَيْدٌ بِالسَّهْمِ فَأَصَابَ عَمْرًا فَمَرِضَ فَمَات مات بسبب المرض أو الإصابة وهي: العلة.
(2/12)

العلة هي الإصابة لكن سبب العلة أو (علة العلة) ما هي؟ الرمي، ولذلك قال هنا: (كالرمي في القتل للموت). العلة هي: الإصابة. كونه أصيب وهي: سبب الموت. لأنه لم يمت بمجرد الموت إذا رمى مات؟ نقول: لا، لا بد أن يصيبه ثم بعد ذلك يموت. حينئذٍ العلة التي ترتب عليها الموت هي الإصابة (علة العلة) هي الرمي يسمى سببًا فقد يطلق السبب ويراد به المقابل للمباشر، وقد يطلق السبب ويراد به (علة العلة) وفي (علة العلة كالرمي في القتل للموت) الرمي سبب للقتل وعلة للإصابة التي هي علة للزهوق فالرمي هو علةُ علةِ القتل وقد سموه سببًا (وفي العلة بدون شرطها) هذا الإطلاق الثالث العلة لا تستوفي الحكم أو يترتب عليه الحكم إلا إذا كان شرطها متحقق فبعض العلل لا بد من أن يكون ثَمَّ شرطٌ فمثلاً هنا النصاب هذا شرط للزكاة (وفي العلة) يعني: الشرعية. وهي المقتضية للحكم (بدون شرطها كملك النصاب بدون حولان الحول) النصاب هذا سببٌ وحولان الحول هذا شرطٌ حينئذٍ يطلق لفظ السبب على النصاب مع كونه قد انتفى شرط هل هذا النصاب له أثر؟ ليس له أثر، قد يوجد النصاب ولم يحل الحول، إذًا دون شرط يسمى سببًا كذلك يعني: يطلق لفظ السبب على العلة دون شرطها. يعني: التي لم يتحقق شرطها بعد كالنصاب قبل حولان الحول فيسمى نصابًا مع كونها الحول لم يحل بعد (وفي العلة نفسها) يعني: العلة كاملةً علة شرعية نفسها (كالقتل للقصاص) فإنه سبب وعلة أيضًا والمراد بالعلة الكاملة هنا المجموع المركب العلة نوعان كما سيأتي في محله: قد تكون بسيطة، وقد تكون مركبة.
بسيطة كالإسكار شيء واحد.
وقد تكون مركبة كالقتل العمد العدوان.
هذه مركبة من ثلاثة أشياء يطلق على هذه العلة الكاملة سبب، ويطلق على جزءها جزء السبب حينئذٍ العلة كاملةً وهي شرعية وهي مركبة تسمى سببًا وجزءها كالعمد مثلاً من العلة الكاملة يسمى جزء السبب (وفي العلة) وهي المجموع المركب من مقتضي الحكم وشرطه وانتفاء المانع ووجود الأهلية والمحل (كالقتل للقصاص) فإنه سببٌ وعلة أيضًا (ولذا سموا الوصف الواحد من أوصاف العلة) يعني: المركبة. (جزء السبب) (سموا) أي: الأصوليون. (الوصف الواحد من أوصاف العلة) مثل: القتل، العمد، العدوان. هذه أوصاف علة وهي لا تتحقق العلة إلا بوجود هذه الأجزاء الثلاثة (سموا الوصف الواحد) منها جزء السبب فقالوا: العمد جزء السبب، والعدوان جزء السبب. إذًا هذه اصطلاحات أربعة يطلق السبب عند الفقهاء ويراد بها واحد منها على حسب استعمال ذلك الفقيه في ذلك المحل إما أنه يقابل المباشر أو (علة العلة) أو (العلة بدون شرطها) أو العلة كاملةً بنفسها (ومن توابعهما) يعني: توابع العلة والسبب. الشرط والمانع هنا لم يجعل المصنف الشرط حكمًا عقليًّا مستقلاً ولم يجعل المانع حكمًا وضعيًّا مستقلاً والشرط كذلك لم يجعله حكمًا وضعيًّا مستقلاً، وإن كان المشهور هو الاستقلال (ومن توابعهما) أي: العلة والسبب. (الشرط).
(2/13)

و (الشرط) في اللغة: إلزام شيءٍ والتزامه. وجمعه: شروط، وشرائط. شَرْط بإسكان الراء، وأما الشَّرَط بتحريك الراء فهو العلامة وليس مراده هنا ويخطأ كثير من الأصوليين تفسير هذا بذاك وفرق بينهما والمراد هنا الشرط بإسكان الراء إلزام شيء والتزامه، وهو المناسب هنا في هذا الموضع.
وأما في الاصطلاح فما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجودٌ، ما يلزم من عدمه العدم أليس كذلك؟ ما يلزم من عدمه العدم يعني: كالطهارة إذا عُدِمَت عُدِمت الصلاة. ولا يلزم من وجوده من وجود الطهارة وجودٌ يعني: للصلاة. قد يتطهر وما دخل الوقت، أليس كذلك؟ قد يتطهر ولم يرد الصلاة، أما العكس فلا بد أن توجد الصلاة ويوجد شرطها قال: (الشرط وهو ما يتوقف على وجوده). أمران: إما الحكم، أو عمل العلة. (وهو ما يتوقف على وجوده الحكم) [فيسمى شرط الوجوب شرط الحكم] (هل اللفظ شرط الوجوب شرط الحكم كلاهما عناه الشيخ أم أن كلمة شرط الوجوب سبق ولفظ شرط الحكم هي التصويب)] أو يتوقف على وجوده عمل العلة وهو: شرط العلة. كأنه قسم الشرط إلى شرطين: شرط حكمٍ، وشرط علة. إن توقفت العلة على شيءٍ صار ذلك الشيء شرطًا فيها كالطهارة بالنسبة للصلاة توقفت الصلاة على وجود الطهارة حينئذٍ الطهارة شرط للصلاة، كذلك إذا توقفت العلة على وجود شيءٍ صار ذلك الشيء شرطًا للعلة فيسمى شرط علة أو يتوقف الحكم الشرعي التكليفي على وجود شيءٍ حينئذٍ صار ذلك الشيء شرطًا للحكم (وهو ما يتوقف على وجوده، إما الحكم كالإحصان للرجم ويسمى شرط الحكم) إذا ثبتت العلة (كالإحصان للرجم) الإحصان المراد به الوطء في نكاح صحيح (للرجم) بمعنى: أنه لا يتحقق الرجم وهو حكمٌ إلا بالإحصان حينئذٍ الرجم حكم شرعي أو لا؟ حكم شرعي، لكنه كل من وقع في زنا ترتب عليه الحكم أو له شرطٌ؟ له شرطٌ، إذًا توقف الرجم على وجود شيءٍ وهو: الإحصان. فصار الإحصان شرطًا للحكم (أو عمل العلة وهو: شرط العلة) شرط العلة أو السبب (كالإحصان مع الزنا) فالزنا علة وسبب لوجوب الحد وهو: الرجم. وشرط هذه العلة وهي: الزنا. الإحصان فإن عُدِمَ عُدِلَ إلى الجلد، إذًا الإحصان مع الزنا، الزِّنا علة أولاً قال هناك ماذا؟ (كالإحصان للرجم)، و (كالإحصان مع الزنا) فرق بينهما الإحصان مع الرجم إحصان مع حكمٍ، والإحصان مع الزنا إحصان مع علة فتوقف الزنا على الإحصان فحينئذٍ صار شرط للعلة فلا يحكم بكون الزنا مجردة وهي: علة للحكم. وهو: الرجم إلا بوجود الإحصان. حينئذٍ نظر المصنف نظر دقيق وذكر الإحصان مع المثالين وهما صحيحان (فيفارق)، إذًا عرفنا أن الشرط نوعان: شرط حكمٍ، وشرط علة. فإن توقف الحكم على شيءٍ صار شرطًا للحكم وإن توقفت العلة على شيءٍ صار شرطًا للعلة (فيفارق العلة من حيث أنه لا يلزم الحكم من وجوده) يعني: ثَمَّ فرق بين الشرط والعلة.
(2/14)

وهو ماذا؟ (لا يلزم الحكم من وجوده) يعني: لا يلزم الحكم من وجود الشرط قد يوجد الشرط ولا يوجد المشروط، بخلاف العلة لا توجد العلة إلا ووجد ما ترتب عليها كالإسكار بالنسبة للتحريم لا يوجد الإسكار إلا ويترتب عليه الحكم الشرعي، بخلاف الشرط قد يوجد ولا يوجد العلة والحكم يوجد الإحصان ولا يوجد رجم يمكن أو لا كلكم كذلك إن شاء الله، إذًا الإحصان وجد وما وجد الرجم الحكم الشرعي يوجد الإحصان ولا توجد العلة وهي: الزنا. ممكن أو لا؟ ولذلك قال: (فيفارق الشرط العلة من حيث إنه لا يلزم الحكم من وجوده). من وجود الشرط ترتب ما قد يكون عليه، ثم قال: (وهو عقلي). قسم الشرط باعتبار وصفه التقسيم السابق باعتبار ما يتوقف عليه وهذا التقسيم باعتبار وصفه (عقلي) نسبةً للعقل وهو ما لا يوجد المشروط ولا يمكن بدونه بالنظر العقل يعني: الحاكم هو العقل. (كالحياة للعلم) لا يوجد عالم متصف بالعلم إلا وهو حي هذا الأصل وهذا شرطٌ عقلي كذلك الإرادة بالنسبة للحي وهو شرطٌ عقلي (ولغوي) شرطٌ لغوي هذا الثاني وهو ما يعبر عنه بالمتعلق أو المتوقف على إن الشرطية وأخواتها إِنْ جَاءَ زَيْدٌ فَأَكْرِمْهُ هذا يسمى شرطًا لغويًّا وهو الذي يبحث عنه النحاة ويبحث الأصوليون في باب المخصصات عن هذا النوع {وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ} [الطلاق: 6] يجعلون هذا مخصص لغيره (ولغوي كالمقترن بحروفه) يعني: بحروف الشرط. وهو إن ونحوها، (وشرعي كالطهارة بالنسبة للصلاة) وهو المراد هنا، المراد هنا الشرط الشرعي بقي شرط العادي لأن القسمة رباعية: عقلي، وعادي، ولغوي، وشرعي.
العادي قد يكون شرطًا عادةً أن يكون شرطًا عادةً كنصب السلم لصعود السطح مثلاً أراد أن يصعد السطح عادةً لا يقفز هذا الأصل وإنما يضع سلمًا ونحوه فهذا مأخوذ من جهة العادة.
(2/15)

ثم قال: (و (المانع)). هذا من توابع العلة والسبب، الأول: الشرع. والثاني: المانع. مانع اسم فاعل من المنع والمراد به الحاجز بين الشيئين وهو ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجودٌ ما يلزم من وجوده العدم كالحيض بالنسبة للصوم والصلاة إذا وجد الحيض مانع يمنع الوجوب حينئذٍ لا تجب الصلاة أو لا تصح على الخلاف ولا يلزم من عدمه وجودٌ عدم الحيض لا يلزم من عدم الحيض وجوب الصلاة قد لا يكون الوقت قد دخل حينئذٍ يعدم المتوقف عليه (و (المانع) عكسه) (عكسه) يعني: عكس ماذا؟ عكس الشرط (و (المانع) عكسه) بعد ما ذكر الشرط قال: ... (و (المانع) عكسه). لماذا؟ لأن الذي يترتب على الشرط وجودٌ والذي يترتب على المانع عدمٌ، إذًا صار نقيضه (و (المانع) عكسه) والعكس المراد به خلافه لا العكس المنطقي إنما المراد به العكس اللغوي أي: عكس الشرط. لأن الشرط ينتفي الحكم لانتفائه والمانع ينتفي الحكم لوجوده (وهو) أي: المانع. (ما يتوقف السبب أو الحكم على عدمه) حينئذٍ قسم لك المانع إلى قسمين: مانع سبب، ومانع حكمٍ. يمنع السبب يوجد السبب ولا يؤثر ولا يترتب عليه المسبب ويوجد الحكم ولا يترتب عليه المسبب (ما يتوقف السبب أو الحكم على عدمه، فمانع السبب كالدين مع ملك النصاب) ملك النصاب سبب للوجوب هذا الأصل سبب للوجوب، حينئذٍ إذا وجد الشرط وهو الحولان وجبت الزكاة، فإذا انتفى الشرط حينئذٍ نقول: انتفت الزكاة الحكم لو وجد ملك النصاب والحولان مع الدين عند بعضهم أن الدين مانعًا حينئذٍ السبب موجود هنا ولكنه لم يؤثر لماذا؟ لقيام المانع فكأن الدين وهو: مانع. أثر في تأثير السبب بمعنى أنه لم يجعل له تأثير في الحكم فأوقفه هذا يسمى ماذا؟ يسمى مانع السبب وجد السبب لكنه لم يؤثر ولم يؤثر هنا بمعنى أنه لم يترتب عليه الحكم الشرعي وإذا كان كذلك يسمى الدين عند الفقهاء مانع سببٍ مع وجود السبب، (فمانع السبب كالدين مع ملك النصاب، ومانع الحكم وهو الوصف المناسب لنقيض الحكم) (الوصف المناسب لنقيض الحكم) نقيض الحكم هو: عدمه. عدمه يعني: ضده. (كالمعصية بالسفر المنافي للترخيص) السبب هو: السفر. السفر سبب، سبب لأي شيء؟ ما الحكم؟ الترخيص يعني: القصر، والفطر ... . إلى آخره والمعصية ترتب على وجودها عدم الترخيص، ولذلك قال: (الوصف المناسب لنقيض الحكم) ما هو نقيض الحكم؟ الترخيص عدم الترخيص نقيضان، حينئذٍ السفر وهذا علة ترتب عليه الحكم وهو: القصر ونحوه. وجد مانع لهذا الحكم وهو: المعصية. وهذه المسألة فيها خلاف لكن المراد به التمثيل فحسب (وهو الوصف المناسب لنقيض الحكم) يعني: الظاهر المنضبط الذي يلزم من وجوده عدم الحكم. وهنا المعصية وجدت ووجد منه نقيض الحكم يعني: ترتب على هذه المعصية نقيض الحكم وهو: عدم الترخيص. (كالمعصية) المعصية هذا وصف (بالسفر المنافي) أي: هذا الوصف الذي هو المعصية (للترخيص) حينئذٍ عدم الترخيص هو الذي يترتب على المعصية ويسمى ماذا؟ يسمى مانع الحكم، (ثم قيل: هما جملة السبب) (هما) أي: الشرط، والمانع من جملة السبب.
(2/16)

يعني: أشبه ما يكون بأنواع للسبب وليس الأمر كذلك لماذا؟ لماذا قيل: من جملة السبب؟ لأن السبب كما سبق ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدم لعدم لتوقفه على وجود الشرط وعدم المانع، لتوقف السبب على وجود الشرط وعدم المانع يعني: إذا أختل شرطٌ أو وجد مانع لم يوجد السبب، لكن هذا من أمر خارج ليس لذات السبب، يعني: توقف السبب على الشرط لا يجعل الشرط داخلة في مفهوم السبب، عدم تأثير السبب لوجود المانع لا يلزم منه أن يكون المانع داخل في مفهوم السبب بل هو شيء مغاير له، حينئذٍ القول بأنه داخل أو من جملة السبب (لتوقفه) يعني: السبب. (على وجود الشرط وعدم المانع وليس بشيء) يعني: ليس هذا القول بشيءٍ. بل هو ضعيف.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (الثاني). قال: (وضعيةٌ وهي أربعة: أحدها: (ما يظهر به الحكم)). ثم قال: و (الثاني). يعني: من الأحكام الوضعية من أربع على (الصحيح)، الصحيح فعيل من الصحة والمراد به سليم من المرض، وهذا شروع منه وفي ذكر الصحيح والفاسد، والصحة والفساد هما من الأحكام وليس داخلين في الاقتضاء والتخير لأن الحكم بصحة العبادة أو بطلانها، كذلك المعاملة لا يفهم منه اقتضاء ولا ... فهو وصفٌ، بمعنى أنه يأتي بالعبادة على وجهها، ثم يأتي الوصف بعد ذلك بالصحة والفساد، بمعنى أنه متى ما استجمع المكلف العبادة شروطها وأركانها وانتفت الموانع حكم بالصحة، ومتى ما لم يجمع أركان أو أختلت بعض الشروط أو وجد مانع حينئذٍ يوصف بمقابل الصحة وهو: الفساد. هذا المراد به حينئذٍ ليس بحكم شرعي يطلب تحصيله من حيث هو إنما المراد تحصيل العبادة على الوجه الأكمل فإذا أتى بها على الوجه الأكمل محصل لأركانه وواجباتها وشروطها مع انتفاء الموانع حكم الشرع بعد ذلك بالصحة وإن اختل شيء من ذلك حكم الشارع بالفساد فالصحة والفساد حكمان شرعيان، وهما وضعيان خلافًا لابن الحاجب القائل بأنهما عقليان وهو قولٌ ضعيف، إذًا (الصحيح) هو: السليم من المرض. وعرف المصنف بقوله: (المستقيم).
واصطلاحًا الصحة تدخل العبادات وتوصف بها العبادة، وتدخل المعاملات وتوصف بها المعاملة {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ} [البقرة: 148] يختص بها الصحيح في العبادات عن الصحيح في المعاملات والعكس بالعكس فالصحة (في العبادات ما أجزأ وأسقط القضاء) (ما أجزأ) والإجزاء المراد به الكفاية.
كفاية العبادة الإجزاء ... وهي أن يسقط الاقتضاء
(2/17)

حينئذٍ نقول: (أجزأ). المراد به أنه كفى بمعنى أنه أدى ما عليه ولا يكون كذلك إلا إذا أسقط الطلب ولا يكون كذلك إلا إذا أتى بالعبادة على وجهها بحيث إنه لا يطالب بالإعادة مرةً أخرى فإذا كان كذلك حينئذٍ توصف العبادة بكونها صحيحة (ما أجزأ وأسقط القضاء) بمعنى أنه لا يحتاج إلا فعلها مرةً أخرى حينئذٍ نقول: هذه العبادة صحيحة. إذا صلى صلاةً بشروطها وأركان واجباتها مع انتفاء الموانع حكمنا على الصلاة بكونها صحيحة بمعنى أن الذمة قد برئت والعهدة قد برئت ولا يطالب بإعادة الصلاة وأسقط الطلب حينئذٍ انتهى كل ما عليه (ما أجزأ وأسقط القضاء، وعند المتكلمين) والتعريف السابق عند الفقهاء الصحة في العبادات (ما وافق الأمر) يعني: موافقة الأمر. والمراد بالأمر هنا الأمر الشرعي لا الكوني والمراد به ما وافق الأمر في ظن المكلف لا في الواقع فتسمى هذه العبادة صحيحة ينبني على هذا مسألة وهي: إذا صلى وهو محدث ثم ظهر بعد ذلك أنه لم يصلِّ على طهارة. على القول الأول (ما أجزأ وأسقط القضاء) صلاته فاسدة، وعلى القول الثاني (ما وافق الأمر) ولو في ظن المكلف فصلاته صحيحة صلاته صحيحة لماذا؟ لأنه قد أدى ما عليه بمعنى أنه قد أمر بالصلاة وقام ظانًا أنه متطهر ثم كبر فصلى وانتهى من صلاته حينئذٍ وافق الأمر وافق الأمر الشرعي حينئذٍ أدى ما عليه فإذا تبين له بعد ذلك أن صلاته لم تكن على طهارة على المذهبين لزمته الإعادة حينئذٍ عند جمهور المتكلمين إذا ظهر له عدم طهارته في صلاته حكموا بوجوب الإعادة مع صحة الصلاة الأولى، فالصلاة الأولى التي صلاها دون طهارة صحيحة لماذا؟ لأنها وافقت الأمر ويلزمه الإعادة لأنها لم تسقط الطلب، وأما عند الفقهاء فالصلاة من أصلها لم تنعقد بل هي فاسدة وتلزمه الإعادة، إذًا الخلاف هنا خلافٌ لفظي إذ اتفق الفريقان الفقهاء والمتكلمون على أنه إذا ظهر له أنه صلى محدثًا الإعادة، وعلى أنه إذا لم يتبين له فالصلاة صحيحة حتى عند الفقهاء.
(وفي العقود) يعني: كـ: البيع، والإجارة، والنكاح. ونحوها (ما أفاد حُكمُه المقصودُة) المقصودة من البيع مثلاً ما المقصود من البيع؟ امتلاك السلعة للمشتري وامتلاك الثمن للبائع، حينئذٍ ثَمَّ ثمرة على العقد فالنكاح لا يكون إلا بسبب ثمرة والإجارة كذلك المنفعة وكذلك البيع وكل العقود التي تكون بين الناس إنما هي مقصودة لغيرها لا لذاتها إن وجدت الشروط التي أذن بها الشارع وترتب عليها المقصود من البيع وهو: الثمرة. حينئذٍ وصفت العقود بكونها صحيحة وإذا لم تترتب الثمرة على هذه العقود حينئذٍ وصفت هذه العقود بكونها فاسدة، إذًا (ما أفاد حُكمُه المقصودُة) وهو ترتب أحكامها المقصودة بها عليها فالصحة في العقد نحكم على العقد بأنه صحيح لأن العقد لم يوضع إلا لإفادة المقصود وهو: كمال النفع في البيع، وملك البضع في النكاح. فإذا أفاد مقصوده فهو صحيح، إذًا نقول: الصحة في العبادات مغايرة للصحة في المعاملات ما ترتبت آثاره عليه فهو في المعاملات وما أجزأ وأسقط الطلب على الصحيح فهو في العبادات.
(2/18)

(و (الفاسد) لغةً: المختل. واصطلاحًا: ما ليس بصحيح) الفاسد في اللغة: المختل. وهو ما خرج وتغير الشيء عن الحالة السليمة (واصطلاحًا: ما ليس بصحيح) يعني: نقيض الصحيح. فما لم يجزئ ولم يسقط الطلب في العبادات فهو: فاسد. ما لم يوافق الأمر فهو: فاسد. ما لم تترتب عليه آثار المقصودة من البيع ونحوها فهو: فاسد. لكن أبو حنيفة رحمه الله تعالى يُقَسِّم يجعل الباطل والفاسد متقابلان، وقيل أنه عنده في العبادات سيان وفي المعاملات مختلفات (ومثله (الباطل)) يعني: الصحة يقابلها الفساد والبطلان، فالفساد والبطلان مترادفان عند جمهور الأصوليين وهو الصحيح أنهما مترادفان وهذا في الجملة قد يفرقون في بعض المسائل لكنه ليس بأصل، وإنما من باب الاصطلاح الخاص فقط فيقابلان الصحة سواء كانت في العبادات أو في المعاملات فكل فاسدٍ باطل وكل باطلٍ فاسد.
(وخص أبو حنيفة باسم الفاسد ما شرع بأصله ومنع بوصفه) كما ذكرناه سابقًا مثل ماذا؟ (شرع بأصله ومنه بوصفه) كصوم يوم الفطر مثلاً هو مشروع بأصله الصوم من حيث هو مشروع ولكونه في يوم الفطر وهو محرم صومه حينئذٍ صار فاسدًا لا باطلاً، بمعنى أنه ينعقد الفاسد عنده له أثر وله ثمرة لكن يمكن تصحيحه إذا كان في المعاملات (والباطل ما منع بهما) يعني: بأصله ووصفه. كبيع النجس مثلاً الخنزير بالدم فهو باطل من أصله (وهو اصطلاح) يعني: اصطلاح خاص بأبي حنيفة رحمه الله تعالى. وقيل أنه في المعاملات خاصة ولكن أكثر الأصوليين إذا مثلوا مَثلوا بيوم العيد صوم يوم عيد.
(و (النفوذ) لغة: المجاوزة). مناسبة هذا أن الإجزاء يختص بالعبادة عند الأكثر فنحتاج إلى معرفة النفوذ لأن بعضهم يرى أن النفوذ يوصف به أو توصف به العبادة كما أنه يوصف به العقد، وإن كان أن المشهور أن العقد يقال: عقد نافذٌ. ولا يقال: عبادةٌ نافذة. لماذا؟ لأن المعنى اللغوي لا يساعد على ذلك (و (النفوذ) لغة: المجاوزة) النفوذ أصله من نفوذ السهم وهو: بلوغ المقصود من الرمي.
(واصطلاحًا: التصرف الذي لا يقدر متعاطيه على رفعه) بمعنى أنه إذا نفذ لا يمكن أن يدفعه ويرفعه فإذا وقع العقد بالإيجاب والقبول لا يمكن له التراجع إلا إذا كان ثَمَّ خيار ونحو ذلك، وإلا الأصل أن العقد إذا وقع لزم (التصرف الذي لا يقدر متعاطيه) يعني: فاعله على رفعه. كالعقود اللازمة من البيع والإجارة والنكاح (وقيل كالصحيح) يعني: قيل النفوذ والصحيح بمعنى واحد. ينبني على هذا التعريف الأول النفوذ لا يوصف به إلا العقد لأن الذي يمكن رفعه ولا يمكن رفعه إنما هو خاص بالعقود، وأما العبادات فلا يقال فيها ذلك حينئذٍ لا يقال: عبادة نافذة. وإنما يقال: عبادة مجزئة، أو عبادة صحيحة. وأما النفوذ فهو خاص بالعقود (وقيل كالصحيح) أي: مرادف للصحيح. فكما يقال: عبادةٌ صحيحة وعقدٌ صحيح. يقال: عبادة نافذة وعقد نافذ. وهذا ضعيف والأصح أنه يقال: الإجزاء والصحة يوصفان بهما العبادة، والنفوذ يختص بالعقود ويقال: عقدٌ نافذٌ. ولا يقال: عبادةٌ نافذةٌ.
(2/19)

ثم قال: (و (الأداء) فعل الشيء في وقته). هذا شروع منه بما يتعلق بما مضى من الواجب المؤقت قلنا: الواجب ينقسم من حيث وقته إلى: مضيق، وموسع. حينئذٍ إذا أتى بالعبادة في وقتها المحدد لها شرعًا يسمى أداءً، وإذا لم يأت بها في وقتها المحدد شرعًا يسمى قضاءً، وإذا أتى بها ثانيةً في الوقت المحدد لها شرعًا يسمى إعادةً فهذه ألفاظ وهي وضعية لأنها أوصاف مثل الصحة والفساد قال: (و (الأداء) فعل الشيء) يعني: العبادة. ... (في وقته) وعرفنا أن الوقت المراد به شرعًا المحدد له أول وآخر لأن العبادة التي لم يعين لها وقت لا توصف لا بأداء ولا بقضاء والعبادة التي وُقِّتَ لها ابتداء ولم يُوَقَّت لها انتهاء كذلك لا توصف لا بأداء ولا بقضاء كالكفارة مثلاً، والتي لها وقت ابتداءً وانتهاءً وليس لها قضاء لا توصف إلا بالأداء والإعادة كالجمعة مثلاً الجمعة ليس فيها قضاء وإنما أداء وإعادة تعاد في الوقت نفسه، وأما التي لها ابتداء وانتهاء وَجَوَّز الشارع قضائها قيل: يعبر عنها بأنه مؤداه أو مقضيه. (فعل الشيء في وقته) يعني: في وقته المقدر له شرعًا لا بد أن نقول: أولاً. لماذا؟ من أجل أن نميز الأداء عن الإعادة لأن الإعادة كذلك فعل الشيء في وقته لكنه ثانيةً وليس أولاً (فعل الشيء في وقته) أولاً بمعنى أن العبادة توقع في الوقت أو بين الوقتين.
(2/20)

(و (الإعادة) فعله ثانيًا لخلل أو غيره) يعني: في الوقت نفسه. أن يكرر العبادة إما لخلل كفوات شرطٍ أو وجود مانع (أو غيره) يعني: لغير الخلل ككسب فضيلة مثلاً صلى وحده منفردًا ولم توجد جماعة ثم وجدت جماعة حينئذٍ يستحب له أن يصلي في جماعة من أجل كسب الجماعة، إذًا فعل العبادة مرةً ثانية لكنه لا لخلل وإنما لكسب فضيلةٍ (و (القضاء) فعله بعد خروج وقته) يعني: المقدر له شرعًا. إذًا عرفنا أن العبادة فعلها في وقتها يسمى أداءً، وإعادتها لخلل أو غيره يسمى إعادة، وفعلها خارج وقتها يسمى قضاء حينئذٍ ما وقع بين المنزلتين بأن يكون جزء من العبادة في آخر الوقت وجزء بعد خروج الوقت لأن الفيصل بين الأداء وبين القضاء هو: خروج الوقت. حينئذٍ لو أوقع صلاة الظهر في آخر الوقت وصلى ركعتين قبل خروج الوقت ثم صلى ركعتين الثالثة والرابعة بعد خروج الوقت هل توصف بأداء؟ أو توصف بقضاء؟ أو يقال: هي مؤداه مقضيه؟ الصحيح أنها مؤداه توصف بالأداء، لماذا؟ للنص «من أدرك من الصبح ركعة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الصلاة». سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - مدركًا للصلاة، إذًا من حيث الوصف هي مؤداه ولا شك في ذلك ولا نقول: هي مقضيه لأنه خلاف النص، ولا نجمع بين الوصفين مؤداه مقضيه لأنه خلاف النص يبقى ماذا؟ يبقى التأثيم وعدمه هل يأثم أو لا؟ لا يأثم إن كان مُفَرِّطًا أثم، وإن كان غير مُفَرِّطٍ فليس بآثم، لماذا؟ لأنه مخاطب بإيقاع الصلاة كلها ابتداءً وانتهاءً في داخل الوقت بمعنى: أنه حدد له الوقت ابتداءً وانتهاءً من أجل أن يوقع هذه الأربع ركعات في هذا الوقت فإذا أخرج ولو قدر التسليم عن الوقت حينئذٍ أخرج جزء من الصلاة عن وقتها فيكون عاصيًا مخالفًا وحينئذٍ إن تعمد أثم وإلا فلا (و (القضاء) فعله بعد خروج وقته) لكن يميز هنا دون القضاء بأنه لا بد من أمرٍ جديد بمعنى أن الأمر الأول الدال على الأداء لا يفيد القضاء، ولذلك قال هنا: (وقيل: إلا صوم الحائض بعد رمضان، وليس بشيء). يعني: صوم الحائض بعد رمضان هل هو أداء أم قضاء؟ هو: قضاء. صوم الحائض بعد رمضان هذا قضاء (وقيل) يعني: قال بعضهم. (إلا صوم الحائض بعد رمضان) فليس بقضاء بل هو أداء، وهذا ليس بصحيح لماذا؟ لأنه أولاً: مخالف للنص (كنا نؤمر بقضاء الصوم). فدل على أن الصوم مأمور به بأمرٍ جديد وليس هو بالأمر الأول.
(2/21)

ثانيًا: دل على أن فعل الصوم بعد شهر رمضان يسمى قضاءً لا أداءً لأن رمضان هذا له وقت في الابتداء والانتهاء، فإيقاع العبادة ولو لعذر شرعي بعد خروج الوقت وهو: شهر رمضان كله. حينئذٍ يسمى عبادة، ولذلك عند الفقهاء يطلقون كما أطلق هنا المصنف فقال: (و (القضاء) فعله بعد خروج وقته). وأطلق، أطلق ماذا؟ أطلق من أخرج الصلاة مثلاً أو فِعْلَ العبادة بعد وقتها لعذرٍ شرعي وكذلك لغير عذرٍ شرعي ففعل العبادة بعد خروج إما أن يخرجها لعذرٍ شرعي كـ: النوم، والنسيان. أو الحائض إذا لم تتمكن من الصوم ولن تتمكن من الصوم إذا أخرج العبادة عن وقتها لعذرٍ شرعي سمي قضاءً مع عدم الاسم، وأما إذا أخرج العبادة عمدًا عن وقتها فالأصل أنه لا يشرع له القضاء البتة، ولذلك قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة). انظر إلى هذا التركيب (نؤمر بقضاء الصوم). يعني: بأمرٍ جديد. بمعنى أن قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]. لا يدل إلا على شيء واحد فقط وهو: أداء الصيام بين الوقتين ابتداءً وانتهاءً، وأما ما عداه وهو: إخراج الصوم عن وقته. فيحتاج إلى أمرٍ جديد (ولا نؤمر بقضاء الصلاة) مع وجود قوله: {أَقِيمُواْ الصَّلاةَ}، {أَقِيمُواْ الصَّلاةَ}، فدل على أن تلك الأوامر إنما هي خاصة بالأداء، ولذلك نحتاج إلى القضاء إلى أمر جديد فجاء في الصلاة مثلاً قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها». «من نام عن صلاة أو نسيها». إذًا هذان عذران الجمهور الذين يرون أن من ترك الصلاة عمدًا بأنه يجوز له القضاء استدلالاً بهذا الحديث بأن المفهوم يدل من باب أولى، بمعنى أنه إذا كان معذورًا بنومٍ ونسيان فغير المعذور من باب أولى أن يجب عليه الصلاة. وهذا استدلال باطل لماذا؟ لأن المفهوم هنا مفهوم مخالفة، بمعنى أنه من نام عن صلاة فليصلها من لم ينم عن الصلاة فلا يصلها، هذا هو الأصل، ثم نحتاج إلى أمر جديد كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (ولا نؤمر بقضاء الصلاة).
والأمر لا يستلزم القضاء ... بل هو بالأمر جديد جاء

فلا بد في كل أمرٍ لمن أخرج عبادةً عن وقتها المحدد لها شرعًا أن يرد نص خاص بالإذن في القضاء، وإذا لم يرد فالأصل عدم القضاء ومن قال بجواز القضاء فإنما يقول من جهة القياس بمعنى أن الشارع إنما حدد الوقت ابتداءً وانتهاءً لمصلحة تختص بذلك الوقت دون غيره فإذا جوزنا ما خرج عن الوقت فقد سوينا بينهما ولا بد من علة ولا يوجد لها علة شرعية واضحة بينة.
والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(2/22)

عناصر الدرس
* المنعقد.
* العزيمة، والرخصة.
* الأدلة: الكتاب.
* الحقيقة، والمجاز.
* المعرب.
* المحكم، والمتشابه.
* السنة: القول، والفعل، والتقرير.
* المتواتر، وحكم العمل به.

الحمد لله رب العالمين والصلاة، والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فلا زال الحديث في بيان الأحكام الوضعية وذكر المصنف رحمه الله تعالى أنها أربعة.
أولاً: (ما يظهر به الحكم) وذكره تحته قسمين وهما: العلة، والسبب. والعلة تحتها قسمان والسبب تحته أربعة أنواع أو إن شئت قل: أسماء. مسميات، إذًا النوع الأول هو (ما يظهر به الحكم) وذكره تحته نوعين: العلة، والسبب. ومن توابع العلة والسبب الشرط والمانع ثم ذكر الصحيح والفاسد وتطرق للأداء والإعادة والقضاء وهذه أراني أحد الأخوة أنها مؤخرة عندكم في تصوير لعله خلل في التصوير وإلا هي سابقة قبل الثالث يعني: ذكر الفاسد ثم تطرق للأداء والإعادة والقضاء، ثم الثالث وهو: المنعقد. ولعل التصوير عندكم حصل فيه تقديم وتأخير لأن هذه ليست من الأدلة وإنما هي من الأحكام الوضعية المتعلق بالواجب المضيق.
(الثالث: (المنعقد)) الثالث من أنواع الأحكام الوضعية (المنعقد) وهذا بالنظر إلى اعتبار لزوم الحكم وعدم لزومه هل يلزم أو لا يلزم؟ منه ما هو لازم ومنه ما هو غير لازم قال: ((المنعقد) وأصله الالتفاف). قال ابن فارس: العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شدٍّ وشدة وثوق وإليه ترجع فروع الباب كلها إذا انعقد فيه شيء من الشد واللزوم. لذلك سمي المنعقد ولهذا يكثر في ألسنة الفقهاء ينعقد كذا، إذًا يكثر في ألسنة الفقهاء ينعقد كذا لاسيما في المعاملات والعقود.
واصطلاحًا له معنيان لأنه إما أن يكون من جهتين أو من جهة واحدة إما أن يكون من جهتين المنعقد إما أن يكون من جهتين من طرفين اثنين متقابلين، وإما أن يكون من جهة واحدة (إما ارتباط بين قولين مخصوصين كالإيجاب والقبول) الإيجاب وهو: جعل الشيء واجبًا. أي: واقعًا. (والقبول) بفتح القاف على المشهور التزامه والرضا به، وهذه إنما يكون في المعاملات كـ: البيع، والنكاح، والوقف. ونحو ذلك ليس الوقف منها إنما يكون في: البيع، والإجارة، والنكاح. ونحو ذلك مما يكون بين طرفي (إما ارتباط بين قولين مخصوصين كالإيجاب والقبول، أو اللزوم كانعقاد الصلاة والنذر بالدخول) نقول: الأول ارتباط بين قولين مخصوصين ... (كالإيجاب والقبول) وهذا لا يتحقق إلا من شخصين، أو يكون من شخص واحد بأن يكون وكيلاً عن اثنين هذا يمكن وأما فالأصل فإنما يكون من شخصين متقابلين (أو اللزوم كانعقاد الصلاة) تكبيرة الإحرام حينئذٍ إذا كبر فالأصل أنه لازم أن يتم الصلاة ولا يجوز له الخروج إلا لعذر شرعي (والنذر) كقوله: إن شفى الله مرضي فالله عليَّ أن أتصدق بكذا. انعقد النذر إذا قال ذلك نقول: انعقد النذر. بمعنى أنه لزمه هل لزمه من طرفين أو من طرف واحد؟ من طرف واحد لأنه هو المتكلم (والنذر بالدخول) يعني: بالتلفظ فيه. ثم قال: (وأصل اللزوم هو: الثبوت). بمعنى إذا لزم الشيء بمعنى أنه ثبت.
(3/1)

(و (اللازم): ما يمتنع على أحد المتعاقدين فسخه بمفرده) كالإجارة فهي عقد لازم حينئذٍ يتعين على الطرفين ولا يحق لأحدهما أن يفسخ العقد بمفرده إلا بما يسمى بالإقالة ونحوها هذا ما يسمى باللازم، فالعقود على نوعين: عقد لازم، وعقد غير لازم.
العقد اللازم كـ: البيع، والإجارة. فيتعين عليهما المضي في العقد ولا يحل لأحدهما أن يفسخ بمفرده.
(و (الجائز): ما لا يمتنع) يعني: ما لا يمتنع فسخه. كعقد الوكالة فيجوز من طرف واحد أن يفسخه ولا يشترط فيه إذن الوكيل ثم قال بعدما بين المنعقد: (و (الحسن): ما لفاعله أن يفعله. و (القبيح): ما ليس له ذلك) يعني: أن يفعله. وهذا يكون راجعًا الوصف بالحسن والقبح إلى فعل المكلف فعل المكلف قد يكون حسنًا وقد يكون قبيحًا، والمرد هنا في معرفة الحسن والقبح إلى الشرع وليس إلى العقل فما أمر الله تعالى به فهو حسن سواء كان أمره أمر إيجاب أو أمر استحباب لأنه تعالى لا يأمر إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة، وما نهى الله تعالى عنه فهو قبيح سواء كان على وجه التحريم أو على وجه الكراهة لأنه جل وعلا لا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة حينئذٍ رجع الحسن والقبح إلى الشرع فلا مدح ولا ذم إلا بما مدحه به الشرع وذمه ولا ثواب ولا عقاب إلا بما رتب عليه الشرع الثواب والعقاب، وأما الْحُسْنُ العقلي أو الفطري فهذا وإن كان موجودًا مسلَّمًا به، إلا أنه لا علاقة له بالمدح والذم ولا بالثواب والعقاب، وهذا منهج أو طريقة أهل السنة والجماعة في معرفة الْحُسْنِ والقبح، ولذلك قال: (و (الْحَسَنُ)). يعني: في عرف الشرع. (ما لفاعله أن يفعله) وذلك لا يكون إلا بما أذن به الشارع (و (القبيح): ما ليس له) يعني: أن يفعله. حينئذٍ رجع الأمر إلى أمر الرب جل وعلا أمر إيجاب أو استحباب وإلى نهي الرب جل وعلا سواء كان نهي تحريم أو كراهة، وأما نظر المعتزلة إلى العقل فهذا نقول: باطل لما ذكرناه بالأمس من أن العقل ليس مصدرًا من مصادر التشريع وإن جعله المعتزلة هو الأصل والشرع يعتبر كاشفًا لما حسنه العقل أو قبحه.
(3/2)

(الرابع) والأخير من الأحكام الوضعية (العزيمة والرخصة) وهذان وصفان للحكم لا للفعل (العزيمة) هذا وصف للحكم لا للفعل بخلاف الحسن والقبح فإنه وصف للفعل فعل المكلف، وأما (العزيمة والرخصة) فهما وصفان للحكم لا للفعل حينئذٍ تكون العزيمة بمعنى التأكيد في طلب الشيء سبق أن الحكم الشرعي إما أن يكون بطلب فعل أو طلب ترك فإذا جاء التأكيد في طلب شيء حينئذٍ سمي عزيمة (والرخصة) بمعنى الترخص والترخيص وهو: التسهيل. ونحو ذلك ومنه حديث: «فاقبلوا رخصة الله تعالى». وكما ذكرنا أن الأصح أنهما وصفان للحكم التكليفي لما فيهما من معنى الاقتضاء قال: (وأصل العزيمة). العزيمة فعيلة مشتقة من العزم قالوا: عزم على الشيء عزمًا وعزيمةً. إذا عقد ضميره على فعله لغةً: (القصد المؤكد) فثَمَّ قصد وثَمَّ تأكيد، ولذلك سمي الشرع الذي جاء بالاقتضاء وأريد تأكيده سمي عزيمة بمعنى أن الشرع أكده ولم ينسخه ولم يرخص ولا في بعض أحواله (والرخصة السهولة) يقال: رخص السعر إذا تراجع وسهل الشراء. (والرخصة السهولة) بمعنى تيسير الأمر وتسهيله قال في ... ((المصباح)): رخص لنا الشارع في كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا إذا يسيره وسهله.
(3/3)

قال هنا: (واصطلاحًا: العزيمة الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي. والرخصة إباحة المحظور مع قيام سبب الحظر). العزيمة في الاصطلاح قال: (اصطلاحًا). لهذا تفهم أن المراد هنا هو الاصطلاح بمعنى أنه ليس حقيقة شرعية إذا جاء لفظ العزيمة في الكتاب والسنة مثلاً حمل على هذا المعنى وإنما هو اصطلاح عرفي ينطبق على ما أراده الله عز وجل من حيث المعنى لا من حيث اللفظ فكلما وجد الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي فهو عزيمة، وليس كل ما وجد لفظ العزيمة حينئذٍ وجد المعنى كذلك يقال في الترخص والترخيص إنه إباحة المحذور مع قيام سبب الحذر وكلما وجدت هذه الاستباحة وجد الترخيص وليس كما العكس، ولذلك الشوكاني رحمه الله تعالى في مسألة رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - للعباس ليالي منى قال: هذا الأصل فيه أنه يحمل على المعنى اللغوي ونحتاج إلى قرينة بينة واضحة تدل على أن المراد به المعنى الاصطلاحي. المراد هنا أن الأصل في حمل الألفاظ التي يذكرها الأصوليون ووجدت في كلام الشرع الأصل أنها تحمل على معانيها اللغوية إلا إذا دلت قرينة أن المراد بها المعنى الاصطلاحي فحينئذٍ تحمل عليه (العزيمة هي: الحكم الثابت) (الحكم) هذا جنس يشمل العزيمة والرخصة، (الثابت) بمعنى أنه لا بد له من دليل لا بد أن يكون ثابتًا بدليل شرعي (من غير مخالفة دليل شرعي) أخرج الرخصة لأن كلاً من الرخصة والعزيمة قلنا: وصفان للحكم الشرعي لا للفعلي. حينئذٍ كل منهما حكم ثابت بدليل شرعي إلا أن العزيمة لم تخالف بمعنى لم يرد دليل شرعي يخالف ما أوجبه الله تعالى أو ندبه حينئذٍ قوله: (من غير مخالفة دليل شرعي). أخرج الرخصة هكذا عرفها المصنف رحمه الله تعالى، والأولى أن تعرف العزيمة بأنها حكم ثابت بدليل شرعي خالٍ عن معارض راجح قوله: (الحكم الثابت). هذا شمل الأحكام الخمسة شمل الأحكام التكليفية الخمسة لأن كل واحد منها حكم ثابت بدليل شرعي فيكون في الحرام والمكروه على معنى الترك فيعود المعنى في ترك الحرام إلى الوجوب، إذًا تكون الرخصة أو تكون العزيمة العزِيمة الكلام في العزيمة تكون العزيمة في الأحكام الخمسة كلها على وجه ماذا؟ في التحريم والكراهة على وجه الوجوب بمعنى أنه كما سبق في تقرير القاعدة ما حرمه الشرع حينئذٍ لا يمكن أن يترك ما حرمه الشرع إلا بفعل نقيضه حينئذٍ يكون ذلك النقيض واجبًا.
فما به ترك المحرم يرى ... وجوب تركه جميع من درى
(3/4)

وقال الطوفي: إن العزيمة تختص بالواجب والحرام والمكروه. هذا قول ثاني، وقال ابن قدامة: إن العزيمة تختص بالواجب. وقال القرافي: تختص بالواجب والمندوب. هل تدخل العزيمة جميع الأحكام الخمسة أو أنها خاصة بالواجب والمندوب أو أنها خاصة بالواجب إلى آخر ما ذكر؟ نقول: الصحيح أنها عامة في جميع ما ذكر (بدليل شرعي) احتراز عن الثابت بدليل عقلي فلا يستعمل فيه العزيمة والرخصة (خالٍ عن معارض راجح) من هنا انفصلت العزيمة عن الرخصة (خالٍ عن معارض راجح) بمعنى أن ما أوجبه الله أو ندبه أو حرمه أو كرهه لم يوجد دليل في الكتاب أو السنة يخالفه بمعنى أنه باقٍ على إيجابه الذي أوجبه الله تعالى وباقٍ على تحريمه الذي حرمه الله تعالى، ولم يرد في الشرع معارض له ثم هذا المعارض إن وجد إما أن يكون راجحًا أو مساويًا أو مرجوحًا وهنا قال: (خالٍ عن معارض راجح). بمعنى أنه قد لا يخلوا عن معارض مساوٍ وعليه إن وجد معارض للحكم الشرعي بشرط أن يكون مساويًا حينئذٍ وجب التوقف وطلبنا دليلاً خارجيًا يكون مرجحًا لأحد الأمرين على الآخر، وإن كان مرجوحًا فحينئذٍ لا يعارض الراجح بالمرجوح حينئذٍ نحتاج إلى الموازنة بين النصين، إذًا (بدليل شرعي خالٍ عن معارض راجح) احترازًا عما يثبت بدليل لكن لذلك الدليل معارض مساوٍ أو راجح لأنه إن كان المعارض مساويًا لزم الوقف يعني: التوقف. وانتفت العزيمة وطلب المرجح الخارجي، وإن كان راجحًا لزم العمل بمقتضاه وانتفت العزيمة وثبتت الرخصة فيما جاء فيه الترجيح، مثال ذلك قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]. هذا دليل يدل على تحريم أكل الميتة وهو: التحريم. جاء معارض له وهو معارض راجح دل على استثناء مسألة واحدة وهي: المخمصة. {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} حينئذٍ استثنيت هذه الحالة وبقي عموم قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}. على ما عدا المخمصة حينئذٍ نقول: تحريم أكل الميتة هذا عزيمة وهذا هو الأصل فيها عورض بدليل راجح في المخمصة حينئذٍ صار الترخيص والتسهيل والتيسير فيما إذا كان ثَمَّ مخمصة فيستثنى من عموم النص.
(3/5)

(والرخصة إباحة المحظور مع قيام سبب الحظر) الرخصة في الاصطلاح (إباحة) يعني: استباحة المحظور. والمراد بالمحظور هنا الذي حظره الشارع، بمعنى ثبت التحريم وجاء دليل يدل على استباحة هذا الشيء كما ذكرما في المثال السابق الأصل تحريم أكل الميتة وجاء دليل يدل على استباحة هذا المحرم لكن بدليل شرعي لأنه لو لم يكن بدليل شرعي لكن معصية وإذا كان كذلك حينئذٍ لا يسمى رخصة فلا بد أن تكون هذه الاستباحة مستندة إلى دليل شرعي ولا بد أن يكون هذا المحظور محظورًا شرعيًّا، إباحة واستباحة المحظور شرعًا وإلا صارت معصية (مع قيام سبب الحظر) {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} لماذا؟ لخبثها، حينئذٍ لما استباح الشرع لمن كان في مخمصة هل زال العذر الأصلي الذي من أجله حرمت الميتة أو هو باقٍ؟ هو باقٍ، إذًا يسمى هذا يسمى رخصة، لكن إذا أبيح له واستثني هل انقلب الخبيث فصار طيبًا أو باقٍ على أصله وهو الخبث؟ فيه خلاف بين الفقهاء والصحيح أنه انقلب في حقه فصار طيبًا لأن الخبيث لا يبيحه الله عز وجل وإنما بقي على أصله فيما حرم، وأما إذا أبيح للمضطر حينئذٍ انقلب في حقه من الخبث إلى الطيب هذا الظاهر الذي تدور معه أحكام الشريعة لأن الله تعالى لا يأذن إلا بما فيه خير وطيب للمكلف إذًا (الرخصة إباحة المحظور مع قيام سبب الحظر، وقيل: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح) وهذا مناسب للتعريف الذي ذكرناه للعزيمة (ما ثبت) (ما) أي: حكم. (ثبت على خلاف دليل شرعي) أخرج العزيمة لأن العزيمة تدل على حكم ثبت مطابق للدليل الشرعي وهذا قَيْدٌ احترز به عن ما ثبت على وقف دليل فإنه لا يكون رخصةً (على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح) هذا بيان لسبب الرخصة، لماذا قيل: تُرُخِّصَ في كذا؟ لوجود معارض، لوجود المعارض فإذا لم يوجد المعارض بقينا على الأصل وهو عموم العزيمة، فإن وجد المعارض حينئذٍ عرضنا بين النصين وقلنا: هذا رخصة، وهذا باقٍ على أصله وهو: عزيمة. إذًا (لمعارض راجح) هذا بيان سبب الرخصة أي: العذر الذي قام بالمكلف واقتضى التيسير والسهولة، وقوله: (لمعارض راجح). احترز به عما كان لمعارض غير راجح، إما مساوي أو مرجوح فإن كان مساويًا كما ذكرنا في الحد الماضي التوقف لأنه تعارض نصان متساويان من كل وجه وهذا يؤدي إلى توقف في النصين حتى يثبت مرجح من خارج وإن كان أدنى مرجوح إذًا لا يعارض بالأرجح وإنما تكون المعارضة بما هو أرجح (ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح) احترز به عما كان لمعارض غير راجح بل إما مساوٍ فالوقف أو قاصر عن المساواة فلا يؤثر وتبقى العزيمة على حالها قال المصنف: (كتيمم المريض لمرضه). هذا يسمى ماذا؟ يسمى رخصةً لأن المريض الأصل فيه أنه يستعمل الماء لأن الماء موجود هنا حينئذٍ العزيمة {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] أي: بالماء. هذا الأصل وهو: العزيمة. حينئذٍ رخص لفاقد الماء بالتيمم فصار في حقه رخصة، وقيل: بل عزيمة. لكن المريض الذي يجد الماء ويكون عاجزًا عجزًا حكميًّا حينئذٍ نقول: في حقه رخصة. لماذا؟ لأنه يعتبر استثناءً من الأصل وهو: استعمال الماء.
(3/6)

مع بقاء السبب الأصلي وهو: إيجاب استعمال الماء على من وجد الماء. هذا هو الأصل فيه ولكن لما وجد السبب في كون المريض عاجزً عجزًا حكميًّا عن استعمال الماء صار رخصةً في حقه (كتيمم المريض لمرضه) حينئذٍ صار فيه إباحة ترك الواجب وهو: استعمال الماء مع وجود الماء. (وأكل الميتة للمضطر) على ما ذكرناه سابقًا (لقيام سبب الحظر) ما هو سبب الحظر؟ وجود الماء في التيمم، والخبث في أكل الميتة. حينئذٍ وجد السبب على حاله والأصل فيه الحكم الشرعي إذا عُلِّقَ بسبب أنه يكون مطردًا معه، [كلما وجد السبب أو العلة وجدت الحكم] (1)، كلما وجدت العلة وجد الحكم، ومع ذلك وجد السبب المقتضي للتحريم في الميتة في المخمصة وانتفي في حق ذلك المضطر كذلك وجد السبب المقتضي للوضوء وهو: وجود الماء. وانتفى في حق المريض لوجود السبب وهو كونه مريضًا (لوجود الماء وخبث المحل، والعرايا من صور المزابنة) (والعرايا من صور المزابنة) هذا عطف على قوله: (كتيمم المريض لمرضه، وأكل الميتة للمضطر)، (والعرايا من صور المزابنة) والمزابنة بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر يعني: بيع تمر بتمر. والتمر الثاني الذي هو ثمن يعتبر رديئًا وذلك الذي أراده يعتبر طيبًا والأصل المساواة وإلا وقعنا في الربا فاستثني من أجل مصلحة المكلف وجه النهي ما فيه من الجهل بتساوي النوعيين الربويين لكن أجاز الشارع ذلك في العرايا جاء في حديث زيد بن ثابت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها. وللمسلم: بخرصها تمرًا يأكلونه أو رطبًا. دل ذلك على أن هذا مستثنى من الربا وإلا الأصل أن الرطب بالرطب خاصة إذا لم يتفقا أحدهما رديء والثاني جيد هذا الأصل فيه أنه ربا حينئذٍ نقول: أباح هذا النوع من العرايا على خلاف الأصل وهو أنها ربا من باب الترخيص والتسهيل على المكلف.
الرخص ثلاثة أنواع: من الرخصة واجب كأكل الميتة للمضطر فهو واجب على الصحيح لأنه سبب لإحياء النفس وما كان ذلك فهو واجب لأن الدواء والتداوي المشهور في المذهب أنه مباح عند الحنابلة، ولكن الصحيح أنه ينظر فيه باعتبار ما يترتب عليه إن كان يترتب عليه فقد النفس وجب التداوي وإن لم يترتب عليه صار مستحبًا أو مباحًا في حقه والضرورات تبيح المحظورات.
الثاني: من الرخصة مندوب كقصر المسافر الصلاة وهذا يعتبر مندوبًا.
ومن الرخصة: مباح، وعلى المذهب فالجمع بين الصلاتين في غير عرفة أو مزدلفة، فالأصل في الجمع في المذهب أنه مباح وإن كان الصح أنه سنة.
وكذا من أكره على كلمة الكفر وبيع العرايا وعلى ما سبق يعني: مما ذكره المصنف. فالرخصة لا تكون محرمة ولا مكروه وهذا محل نزاع بين الأصوليين وهو ظاهر الحديث: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه». دل ذلك على أنها لا تكون محرمة ولا مكروهة، وإن كان هذا فيه شيء من النزاع عند الأصوليين.
قال رحمه الله تعالى:
(الباب الثاني)
إذًا (الباب الأول
في الحكم ولوازمه).
(الباب الثاني
في الأدلة)
__________
(1) سبق.
(3/7)

والمراد بها الأدلة الشرعية التي تثبت بها الأحكام الفرعية لأن الفقه مبناه على الدليل، والأصول أصول الفقه هو: أدلة الفقه. والأدلة هذه المراد بها الشرعية ومنها ما هو متفق عليه وهو أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. ومنها ما هو مختلف فيه وهو خمسة: الاستصحاب، وشرع من قبلنا، والاستقراء، ومذهب الصحابي، والاستحسان. هذه خمسة مختلف فيها بين الأصوليين قال هنا: (أصل الدِّلالة) والدَّلالة والدُّلالة مثلثة الدال (الإرشاد) الدَّلالة أصلها فيه من حيث المعنى اللغوي الإرشاد (واصطلاحًا قيل: ما يتوصل به إلى معرفة ما لا يعلم في مستقر العادة اضطرارًا عِلمًا أو ظنًا) أي: أن الدليل ما يتوصل به إلى المعرفة علمًا أو ظنًا. وقوله: (ما لا يعلم في مستقر العادة اضطرارًا). هذا أراد به الاحتراز عن العلم الضروري بمعنى أن الدليل لا يكون مؤداه علمًا ضروريًّا وإنما هو خاص بالنظر ومعلوم الفرق بين العلمين.
والنظري ما احتاج للتأمل ... وعكسه هو الضروري الجلي
(3/8)

فما احتاج إلى نظر واستدلال هو: النظري. وما لا يحتاج إلى نظر واستدلال هو: الضروري. حينئذٍ الدليل على كلام المصنف هنا ما يتوصل به إلى معرفة علمًا أو ظنًا بمعنى أن المعرفة قد تكون علمية قطعية كما هو الشأن في أحكام الصلوات الخمس المكتوبات هذه حكمها الوجوب وهذا محل إجماع والحكم قطعي (أو ظنًا) بمعنى أن ثَمَّ خلاف والراجح كذا وحينئذٍ يكون الحكم فيها من قبيل الظن، إذًا الدليل ما يتوصل به إلى معرفة علم أو ظن فما لا يعلم ضرورةً فالدلالة خاصة بالعلم النظري فحينئذٍ خرج بقوله: (ما لا يعلم). (ما) هذه نافية و (يعلم في مستقر العادة) يعني: في العادة المستقرة. (اضطرارًا) هذا المفعول الثاني ليعلم حينئذٍ لا تتعلق الدلالة بنحو: النار حارة. لأن هذا معلوم ضرورةً، السماء فوقنا والأرض تحتنا وأنتم أمامي وأنا أمامكم هذا كله لا يتعلق به الدليل لماذا؟ لأنه مما يعلم ضرورةً مما يدرك بالحس أو بالعقل أو نحو ذلك، والدليل يراد به إما الدال أو ما يستدل به من نص أو غيره بمعنى دليل فعيل وفعيل في لسان العرب قد يأتي بمعنى فاعل فهو الدال وقد يأتي بمعنى اسم المفعول فهو المدلول حينئذٍ قال: (الدليل يراد به إما الدال). وهو: الناصب للدليل. (كدليل الطريق) يعني: دال الطريق. فدليل هنا فعيل بمعنى فاعل وهو: الناصب للدليل. (أو) هذا للتنويع (ما يستدل به من نص أو غيره) يعني: ويطلق الدليل على ما يستدل به على المستدل به وهذا اسم مفعول حينئذٍ أطلق لفظ الدليل واستعمل في معنى الفاعل وفي معنى المفعول به (من نص) هذا واضح كتاب أو سنة (أو غيره) كالإجماع والقياس وهو المسمى دليلاً في عرف الفقهاء (ويرادفه) في المعنى يرادف الدليل في المعنى (ألفاظ منها: برهان، والحجة، والسلطان، والآية، والأمارة والعلامة) هذه كلها مرادفات للدليل حينئذٍ الدليل سبق في التعريف أنه قد يطلب به معرفة وهذه المعرفة عامة تشمل القطعيات والظنيات وهذه ألفاظ كلها في لسان العرب على الصحيح مرادفة للدليل حينئذٍ كل هذه الألفاظ قد يراد بها ما يوصل إلى القطع أو ما يوصل إلى الظن بعضهم فرق بين هذه المصطلحات قال: الأمارة والعلامة خاصة بما يؤدي إلى الظن وما عداه كالحجة والبرهان والسلطان والآية هذا مما يختص بالقطعيات أو يشمل القطعيات والظنيات. فخصوا ما دل أو أوصل إلى الظنيات بالأمارة والعلامة وهذا التفريق حادث وأول من تكلم به الغزالي رحمه الله تعالى صاحب ((المستصفى)) (ويرادفه في المعنى ألفاظ منها: البرهان) وهو: الحجة والدلالة. ولذلك جاء {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] فاستعمل البرهان هنا بمعنى الدليل حتى في الشرع، كذلك {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون: 117] يعني: لا دليل عليه.
(3/9)

(والحجة) وكذلك لفظ الحجة {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الأنعام: 149] حينئذٍ الحجة جاءت بمعنى الدليل، (والسلطان) {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [إبراهيم: 10]، {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} [يونس: 68] وكذلك (والآية) {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 197] دل على أن الآية بمعنى الدليل (وهذه تستعمل في القطعيات) هذا هو الأصل كالمتواتر والإجماع القطعي (وقد) للتقليل (وقد تستعمل في الظنيات) في خبر الواحد والإجماع الظني حينئذٍ هذه الألفاظ التي ذكرها البرهان والحجة والسلطان والآية في الغالب أنها تستعمل في القطعيات كالإجماع القطعي والمتواتر وقد تستعمل بقلة في الظنيات في خبر الواحد والإجماع الظني (والأمارة والعلامة) الأمارة ومنه: أخبرني عن أماراتها. أي: علاماتها. والعلامة مثلها بمعناها (وقد تستعمل في الظنيات فقط) يعني: فيما يكون الدليل موصولاً للظن فقط تطلق عليه أنه أمارة وعلامة وهذا التفصيل لا دليل عليه من لسان العرب بل كلها ألفاظ تدل على شيء واحد وهو ما أوصل إلى علم أو ظن فكل ما أوصل إلى علم أو ظن حينئذٍ يسمى دليلاً وأمارة وما ذكر معه، والأرجح أن ما أفاد العلم وما أفاد الظن دليل وأمارة فالكل يطلق عليه دليل.
أولاً: لأن كلاً منهما مرشد إلى المطلوب، إذًا معنى الدلالة الإرشاد هذا الأصل فيها كل ما أرشد إلى المطلوب بقطع النظر عن كونه قطعيًّا أو ظنيًّا فهو دليل، إذًا ما سمي أمارة أو علامة فهو دليل إذًا تردافا.
ثانيًا: مؤدى كل منهما والعمل بما دل عليه الدليل، النتيجة واحدة إذا رتب من حيث الحكم الشرعي على ما جاء في الشرع بأنه يطالب بالعمل بهذا النص حينئذٍ سواء سمي دليلاً لكونه قطعي أو سمي علامةً أو أمارة لكونه ظني لا فرق بينهما لأن النتيجة واحدة وهي: العمل بالنص. لأن الكلام هنا في الأدلة الشرعية فما أدى إلى ظن لا يسمى دليلاً وإنما يسمى أمارة وعلامة نقول: هذا تخصيص بغير مخصص.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وأصول الأدلة أربعة). أصول الأدلة يعني: التي ترجع إليها الأدلة. الدليل إما يكون سمعيًّا وإما أن يكون عقليًّا (الكتاب والسنة والإجماع وهي سمعية) كما قال المصنف هنا: (ويتفرع عنها) اثنان (القياس، والاستدلال). إذًا الأصل وما تفرع عنه فهو سمعي لأن مرده إلى السمع يعني: النقل النَّقل ليس للعقل فيه مجاز من حيث الأصل (ويتفرع عنها القياس) لأن الأصل فيه لا بد من دليل سمعي عليه المقيس عليه في باب القياس كالخمر مثلاً بالنسبة للنبيذ لا يصح أن يقاس عليه إلا إذا ثبت حكمه بدليل شرعي من نص أو إجماع، ولذلك سمي القياس دليلاً سمعيًّا باعتبار الأصل المقيس عليه وإن كان جعله ابن قدامة رحمه الله تعالى في ... ((الروضة)) من معقول اللفظ لم يجعله مباينًا للفظ (والاستدلال) كذلك سمعي لأنه داخل في مفهوم الدليل والإجماع على مشروعية استعماله في استخراج الأحكام.
(3/10)

(والرابع) من الأدلة أو من أصول الأدلة (عقليٌّ) يعني: يرجع إلى الرأي والنظر. والعقل المراد به هنا ما دل على براءة الذمة (وهو استصحاب) الاستصحاب دليل عقلي وإن كان بعضهم يجعله سمعيًّا كذلك استصحاب الحال في النفي الأصلي الدال على براءة الذمة، وهذا ما يسمى ماذا؟ (استصحاب الحال) قبل التكليف، ولذلك لو أثبت زيد من الناس صلاةً سادسةً حينئذٍ نقول: الأصل عدم الوجوب، وإنما وجبت خمسة للدليل والأصل عدم الوجوب يعني: الأصل عدم التكليف. والذمة الأصل فيها براءتها والأصل عدم الطلب هذا هو الأصل وهذا الذي يسمى البراءة الأصلية وهو المراد هنا بـ استصحاب الحال يعني: قبل التكليف. ... (استصحاب الحال) يعني: قبل التكليف (في النفي الأصلي) يعني: في العدم الأصلي. (الدال على براءة الذمة) كنفي صلاة سادسة حينئذٍ ننفي من التكاليف الشرعية ما قد يثبته زيد من الناس حتى يرد دليل شرعي فالأصل عدم التشريع والأصل عدم التكليف والأصل عدم الطلب حينئذٍ نستمسك بهذه الأصول حتى يثبت الدليل الشرعي وهل هو عقلي أو سمعي؟ سمي بهذا أو ذاك حينئذٍ نقول: الخلاف يكون لفظيًّا فحسب وإلا هو معتبر وهو ما يسمى بالبراءة الأصلية.
وما من البراءة الأصلية ... قد أخذت فليست الشرعية
(3/11)

(فـ (الكتاب)) هذا شروع من المصنف في بيان الأصل الأول وهو: الكتاب. ثم سيذكر السنة وما يتعلق بها ثم الإجماع ثم القياس (فـ (الكتاب)) الكتاب الأصل أنه جنس والمراد به هنا القرآن لأنه غلب أل هذه للعهد الذهني فإذا سمعها المسلم من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - يعلم أن الكتاب هنا هو الكتاب الذي أراده الله عز وجل {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] فدل على أن الكتاب هنا هو: القرآن. والقرآن هو: الكتاب. فهو اسم من أسمائه هذا أمر واضح، ما حده؟ قال: (كلام الله عز وجل). فالكتاب هو كلام الله وكلام الله مركب من جزأين اثنين لا يستقل أحدهما عن الآخر وهو: اللفظ والمعنى. فالمراد بالكلام يعني: هذا لفظ اسم مسماه اللفظ والمعنى معًا لا اللفظ دون المعنى ولا المعنى دون اللفظ، ولكلٍّ قول (وهو) أي: كلام الله تعالى. (القرآن المتلو بالألسنة المكتوب في المصاحف المحفوظ في الصدور) هذه أوصاف للقرآن كيفما تُصِرِّفَ في القرآن فهو قرآن صفة الله تعالى وما يكون من الألسنة من الحروف أو في المصاحف من الكتابة أو في الصدر وما يكتنفه من القلب هذه كلها تكون مخلوقة وكتاب الله عز وجل يبقى صفة له جل وعلا (وهو كغيره من الكلام في أقسامه) وهنا سيذكر بعض المسائل التي قد يشترك فيها الأصولي مع غيره يعني: المسائل التي سيأتي بحثها في السنة أو في اللغة ونحوها. هذه الأصل أن الطلاب يأخذها من مضانها لأن علم الأصول مركب من عدة فنون حينئذٍ سيتكلم عن بعض الألفاظ أو بعض مباحث اللغة من تعريف الكلام وتعريف الحقيقة والمجاز وغيرها والاستعارة وكذلك اللغة توقيفية أو لا؟ وكذلك تحدث عن المتواتر والآحاد هذه نمر عليها ببيان ما يتعلق بالأصول فحسب، وأما بحثه على جنس التفصيل فهذه لها مضانها وهذا الذي يستحسن من طالب العلم إذا أراد أن يتقن هذا الفن لأنه مركب من عدة فنون فإذا أراد أن يأخذ هذه الفنون في ضمن فن واحد صعب عليه وإلا الأصل أنه يفوق كل فن مستقل، ثم بعد ذلك يشرع في علم أصول الفقه. هنا قال: (وهو كغيره من الكلام في أقسامه). (وهو) أي: القرآن. (كغيره من الكلام) عندكم هذه؟ (وهو) أي: القرآن.
(3/12)

(كغيره من الكلام في أقسامه) القرآن نزل هذه قاعدة مهمة جدًا القرآن نزل بلسان عربي مبين هذا الأصل فيه أليس كذلك؟ وهذا محل إجماع {قُرْآَنًا عَرَبِيًّا}، {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195] وكم من آية تدل على أن القرآن إنما كان معجزًا لنزوله {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} وقع التحدي به في غير موضع من القرآن وعجزوا عن ذلك حينئذٍ ما دام أن القرآن نزل {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} حينئذٍ كل ما ثبت في لسان العرب فالأصل وجوده في القرآن، لكن هذا الأصل ليس مطردًا وإنما يراد به كل ما ثبت في لسان العرب مما تحبه العرب وتكرمه العرب في لسان العرب ومما اشتهر وذاع عندهم فالأصل أنه موجودة في القرآن فمن ادعى خلاف ذلك هو الذي يطالب بالدليل، فإذا قيل مثلاً في كلام العرب ما هو كما ذكر المصنف هنا مجاز وحقيقة حينئذٍ الأصل في القرآن أنه فيه مجاز وحقيقة الذي ينفي هو الذي يأتي بالدليل، كذلك المعرب موجود في لسان العرب وكلمات التي استعملها العرب ولم تخرجها عن كونها عربية فصيحة يعني: لسان العرب عربي فصيح ووجود بعض الألفاظ الدخيلة لم يخرجه عن كونه فصيحًا بل عُرِّبَت هذه الألفاظ فصار دخيلة من حيث الأصل عربية من حيث الاستعمال فوجودها في القرآن لا نحتاج إلى دليل للإثبات بل هو الأصل فيه، إذًا (وهو) أي: القرآن. (كغيره من الكلام) يعني: كلام العرب. (في أقسامه) لأنه نزل {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} حينئذٍ كل ما وجد في لسان العرب مما شاع وذاع وكان فصيحًا فالأصل وجوده في القرآن، أما ما ضَعُفَ في لسان العرب كلغة أكلوني البراغيث مثلاً والإعراب المجاور ونحوه والتوهم هذا الأصل منعه لأنه قليل فإذا كان قليلاً لم يكن هو اللغة الفصحى في كلام العرب حينئذٍ نقول: أصله عدم وجوده في القرآن ولا ينزل القرآن على كلام غير فصيح أو لغة ضعيفة من لغة العرب. لأن لغة العرب ليست على درجة واحدة بل هي متميزة منها: الأفصح القوي، ومنها: ما هو دون ذلك، ومنها: الضعيف.
(3/13)

فالضعيف لا يعول عليه ولا ينبغي أن يجعل في القرآن ما هو ضعيف في لسان العرب، ولذلك أنكر جماهير النحاة تنزيل القرآن على لغة أكلوني البراغيث وإن كان في ظاهر بعض الآيات أنها على هذه اللغة {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء: 3] هذا في ظاهره على لغة أكلوني البراغيث لكن لا يحمل عليه وإنما يوجه توجيهًا آخر (وهو كغيره من الكلام في أقسامه، فمنه) أي: من كلام العرب من الأقسام ما ينقسم باعتبار استعماله (فمنه) أي: من كلام العرب الذي هو موجود في القرآن حقيقة ومجاز على ما ذكره المصنف هنا رحمه الله تعالى حقيقة فعيلة من الحق بمعنى الثابت والمثبت (وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له) (اللفظ) معلوم أنه صوت مشتمل على بعض الحروف الهجائية التي أولها الألف وآخرها الياء والمراد به هنا ما يشمل المهمل والمستعمل، والمهمل هو الذي لم تضعه العرب كديز مقلوب زيد ورفعج مقلوب جعفر هذا متروك مهمل لم تضعه العرب، وثَمَّ ما هو موضوع وهو ما أطلق فيه اللفظ وأريد به المعنى (المستعمل) هنا أخرج المهمل ودخل فيه المجاز والحقيقة وأخرج كذلك اللفظ قبل الاستعمال فلا يسمى حقيقةً ولا مجازًا (المستعمل فيما وضع له) (فيما) يعني: في معنًى وضع له ذلك اللفظ حينئذٍ يسمى حقيقة، لماذا؟ لأن العرب وضعت ألفاظًا بإيذاء معانٍ حينئذٍ إذا أطلق هذا اللفظ انصرف إلى هذا المعنى فوضعوا لفظ السماء للجرم المعهود، وأرض، ونار، وبرد، وسخونة، وقلم، ونحو ذلك فهذه ألفاظ وضعت هذه الألفاظ بإيذاء معاني كلما أطلق لفظ سماء انطلق إلى المعنى الذي وضع له في لسان العرب يسمى ماذا؟ يسمى حقيقة.
(3/14)

(و (مجاز)) أصله مَجْوَزْ على وزن مَفْعَلْ من الجواز وهو: العبور والانتقال. وتعريفه (اللفظ المستعمل) عرفنا المراد به (في غير ما وضع له) المستعمل يشمل الحقيقة والمجاز (في غير ما وضع له) يعني: في غير المعنى الذي وضع له في لسان العرب. حينئذٍ يسمى ماذا؟ يسمى مجازًا فاللفظ وضعه الواضع باختلاف الكلام في الوضع وسيأتي معنا حينئذٍ إن استعمل في معناه كالأسد في الحيوان المفترس فهو حقيقة وإن استعمل في غير ما وضع له كالأسد في الرجل الشجاع يسمى مجازًا، لكن قال المصنف هنا: (على وجه يصح). بمعنى أنه ليس كل لفظ يستعمل في غير ما وضع له يسمى مجازًا أو يكون فصيحًا بل لا بد من ثَمَّ علاقة وقرينة العلاقة تكون ارتباط بين المعنى المنقول عنه إلى المعنى المنقول إليه فالرجل الشجاع والأسد معلوم أن ثَمَّ ارتباط بينهما وهو: الشجاعة. وإذا لم يكن ثَمَّ ارتباط فلا يصح المجاز ليس كل ما ادعي فيه مجاز أنه مجاز، وكذلك يشترط القرينة وهذه القرينة يذكرها بعض الأصوليين هنا تبعًا للبيانيين وإلا ثَمَّ فوارق بين المجازية البيانية والمجازية الأصولية لأنهم يتفقون على أن المجاز هو: استعمال اللفظ في غير ما وضع له ابتداءً. ويشترطون العلاقة، ولكن لا يشترط الأصوليون القرينة، ولذلك سيأتي بحث معنا هل يجوز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معًا؟ أكثر الأصوليين على الجواز حينئذٍ دل ذلك على أن اشتراط القرينة في حد المجاز عند الأصوليين ليس بصحيح وإنما هذا اشتراط عند البيانيين فثَمَّ فرق بين النوعين فالبيانيون أرباب البلاغة لا بد من قيد القرينة وإلا ما صح أن يكون مجازًا، وعند الأصوليين لا لا يشترط إلا العلاقة فقط أن يكون ثَمَّ ارتباط بين المعنى المنقول عنه والمعنى المنقول إليه، وأما القرينة اللفظية والحالية فليست بشرط عندهم، ولذلك يصح على الصحيح استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه وهو المأثور عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في قوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج: 77]. قال: الخير هذا منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب. وافعل حقيقة في الوجوب مجازٌ في الندب وهنا استعمل في وجوبه وندبه فدل على أنه يستعمل اللفظ في حقيقته ومجازه، إذًا قوله: (على وجه يصح). وجود العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المنقولي إليه، ووجود قرينة صارفة لكن هذا ليس على طريقة الأصوليين إنما هي على طريقة البيانيين (كـ {جَنَاحَ الذُّلِّ}) جناح هذا حقيقة للطائر في الأجسام، والذل هذا معنى ولا يوصف بالجناح إنما يكون الجناح للطائر هذا هو الأصل في لسان العرب فإذا استعمل في المعنى حينئذٍ صار مجازًا (و {يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ}) قالوا: الجدار لا يريد وإنما هذا مجاز فيه استعارة للمشابه وهو أنه شبه الجدار بالرجل الذي له إرادة، على كلٍّ هذا المثال لا يصلح أن يكون مجازًا الصحيح أنه من قبيل المجاز ولا مانع من إثبات الإرادة للجدار والجمادات لها إرادات ولها صفات تتصف بها وإذا جاء الشرع ببيان أن ثَمَّ قولاً للسماء أو للأرض فنقول: قال. {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11]. نقول: {قَالَتَا} بمعنى القول في لسان العرب وهو: اللفظ الدال على معنى.
(3/15)

فتكلمت السماء ولا ندري كيف تكلمت، وتكلمت الأرض ولا ندري كيف تكلمت، وسلم الحصى على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحن الجذع ونحو ذلك كلها صفات للمخلوقين ومع ذلك وجدت للجمادات وَأُحُد وهو جماد يحبنا ونحبه فثبت أن المحبة للجماد وهذا لا يمنع أن يكون له إرادة ({يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ})، إذًا الجدار له إرادة الله أعلم بها فهذا المثال ليس صالحًا للمجاز (ومنه) أي: من القرآن. ما هو معرب وهو (ما استعمل في لغة أخرى وهو المعرّب) ودليله الوقوع دليله يعني: وجوده في القرآن. (ما استعمل في لغة أخرى) يعني: لفظ استعمل في لغة أخرى، ثم استعمل في لسان العرب، واستعمل في لسان العرب ابتداءً كان لفظًا دخيلاً، ثم بعد الاستعمال صار معربًا، فإذا أطلق كأن العرب قد نطقت بذلك فهو موجود في أشعارهم ونثرهم ووجد في القرآن ولا مانع أن يقال بالمعرب، (كـ {نَاشِئَةَ اللَّيْلِ}) ناشئة الليل ناشئة القيام بعد النوم قيام الليل وهي حبشية كما ثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قد جاءت مرة واحد في سورة المزمل، (و {كَمِشْكَاةٍ}) وهي: القوة بلسان حبشية. المشكاة القوة بلسان حبشية ومروي عن ابن عباس ومجاهد وقوله: (هندية). هذا فيه نظر ليس بصحيح بل هي حبشية (والـ {إِسْتَبْرَقٍ}) وهو: غليظ الديباج. نوع من اللباس وأصله استبره وهذه (فارسية) وهذا إذًا لوجود بهذه الألفاظ أنها مذكورة في القرآن دل عليه وهي معربة [الأولى فارسية، والثانية حبشية الأولى حبشية نعم] (1) الأولى حبشية، والثانية مثلها، والاستبرق فارسية دل على أنه في القرآن ما هو معرب (وقال القاضي) أبو يعلى والشافعي: (الكل عربي). ليس فيه معرب، إذًا فيه خلاف بين الأصوليين ودليله الآيات العامة {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} دل على أن كل لفظ هو عربي، وكذلك قوله: {قُرْآَنًا عَرَبِيًّا}. دل على أن كل لفظ عربي نقول: وجود بعض الألفاظ التي هي في الأصل ليست بعربية لا تخرجها عن كونه عربيًّا، فالأكثر الغالب في لسان العرب أنه عربي بمعنى أن الواضع هو لسان العرب فإذا وجد في القرآن ما هو كذلك لا يخرجه عن كونه عربيًّا لماذا؟ لأنه يحكي أن القرآن نزل بهذا اللسان ومنه ما هو معرب فلا مانع على الأصل الذي ذكرناه سابقًا (وفيه محكم ومتشابه) يعني: في القرآن ما هو محكم وما هو متشابه. وصف الله تعالى القرآن بأنه محكم كله كما في قوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1]، {يس * وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ} [يس: 1، 2] هذا إحكام عام إحكام تام والمراد به الإتقان والجودة في اللفظ والمعنى، هذا المراد بالإحكام العام فأخباره في كمال الصدق وأحكامه في كمال العدل ووصف القرآن بأنه متشابه كله كما في قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23].
__________
(1) سبق.
(3/16)

والمراد بأنه يشبه بعضه بعضًا في الكمال والإتقان فلا تنقاد، ولا يكذب بعضه بعضًا وجاء في نص واحد الجمع بين الوصفين وهو ما جاء في سورة آل عمران {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] حينئذٍ اختلف الأصوليين في تفسير القرآن بهذين الاعتبارين منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه (وفيه محكم ومتشابه) وهذا نقطع به إحكام عام وتشابه عام، وكذلك نجمع بين الوصفين محكم ومتشابه للنص لكن ما تفسير المحكم وما تفسير المتشابه؟ وقع فيه نزاع بين الأصوليين منه ما هو نزاع عقدي ومنه ما هو نزاع لغوي (قال القاضي) أبو يعلى (المحكم المفسّر، والمتشابه المجمل) بمعنى أن (المحكم المفسّر) يعني: المتضح معناه (والمتشابه) هو: المجمل. الذي لم يتضح معناه وهذا فيه شيء من النظر.
(3/17)

(وقال ابن عقيل) وهذا القول الثاني (المتشابه ما يغمض علمه على غير العلماء المحققين، كالآيات المتعارضة) (ما يغمض) يعني: ما خفي مأخذه. ما غمض يعني: ما خفي مأخذه. والغامض من الكلام ضد الواضح (على غير العلماء المحققين، كالآيات المتعارضة) يعني: التي ظاهرها التعارض هذه لا تخفى على المحققين وقد تخفى على غيرهم، إذًا صار متشابًا باعتبار ما المتشابه؟ باعتبار من لم يكن محققًا هي متشابهة، وباعتبار العلماء المحققين هي ليست من المتشابه (وقيل) في المتشابه (الحروف المقطعة) ونسبه ابن كثير إلى مقاتل بن حيان وقال ابن تيمية: إنه يروى عن ابن عباس. أن المراد بالمتشابه في آية آل عمران هو: الحروف المقطعة. والصحيح أن الحروف الهجائية ليس لها معنًى أصلاً {كهيعص} [مريم: 1] نقول: هذا ليس له معنى أصلاً لأنه لم يوضع في لسان العرب لمعنى من المعاني، فدل على أنه مهمل، ولكن له مغزى وهو: التحدي بهذا القرآن الذي هو مؤلف من هذه الحروف. فدل ذلك على أنه ليس لها معنى من حيث التأصيل ولكن لها مغزى من حيث ما يراد بها (وقيل: الحروف المقطعة. وقيل: المحكم الوعد والوعيد والحرام والحلال، والمتشابه القصص والأمثال)، (المحكم الوعد والوعيد والحرام والحلال) يعني: أن المحكم ما استفيد الحكم منه، والمتشابه ما لا يفيد حكمًا (القصص والأمثال) قالوا: هذه لا يؤخذ منها أحكام شرعية. وهذا قول فيه نظر والصواب أن القصص كذلك هي مأخذ من الأحكام الشرعية، القرآن من أوله إلى آخره من أول آية إلى آخر آية هي محل لاستنباط الأحكام الشرعية فليس بعض الأحكام نعم أحكام المتعلقة بالحلال والحرام التي هي: أفعال العباد. لها مضانها ولا يمنع من ذلك أن يكون ثَمَّ ما يؤخذ من غير مضانه، وهذا فيه نظر قال المصنف: (والصحيح أن المتشابه ما يجب الإيمان به ويحرم تأويله كآيات الصفات). (والصحيح أن المتشابه ما يجب الإيمان به) والقرآن كله يجب الإيمان به أليس كذلك؟ القرآن كله يجب الإيمان به سواء كان متشابهًا أو محكمًا، إذًا هذا القيد فاسد (ويحرم تأويله كآيات الصفات) والمراد بالتأويل هنا ما يشمل النوعين وهو: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقتضيه، والنوع الثاني المراد به التفسير حينئذٍ (ويحرم تأويله) يعني: صرفه عن ظاهره لمعنى مرجوح لدليل كما هو شأن الأشاعرة كذلك يحرم تأويله بمعنى تفسيره بأن يقال: المراد به المعنى كذا وكذا، فاستوى بمعنى علا هذا حرام لماذا؟ لأنه متشابه، قال: (كآيات الصفات). وفي هذا جرى على ما قعده ابن قدامة رحمه الله تعالى في ... ((الروضة)) وغيره من أن آيات الصفات هذه من المتشابه وهذا قول باطل من أصله لأنه مخالف لإجماع السلف بل آيات الصفات ليست من المحكم بل هي من أحكم المحكم كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى فهي واضحة بينة وتفسيرها على ظاهرها بما أراده الله تعالى من لسان العرب حينئذٍ تبقى على ظاهرها ويحرم تأويلها بمعنى صرفها عن ظاهرها لدعوى التشبه أو التشبيه والتمثيل بصفات المخلوقين حينئذٍ نقول: المحكم هو: ما اتضح معناه، والمتشابه ما لم يتضح معناه.
(3/18)

هذا الصحيح الذي يذكر في معنى المحكم والمتشابه المحكم ما اتضح معناه يعني: ما استقل بنفسه. ولم يحتج إلى بيان، والمتشابه هو: [ما اتضح معناه. يعني: ما احتاج] (1) ما لم يتضح معناه يعني: ما احتاج إلى بيان، فإن بُيِّنَ حينئذٍ انتقل إلى المحكم وما دام أنه بحاجة إلى بيان فهو متشابه فإذا وقع البيان حينئذٍ قلنا: هذا صار محكمًا، وقاعدة المحكم المتشابه يعني: يرد المتشابه إلى المحكم من أجل فهم معناه هذه قاعدة عامة تستعمل في باب العقائد وفي باب الفروع.
__________
(1) سبق.
(3/19)

ثم قال رحمه الله تعالى: (و (السنة)) هذا الأصل الثاني الأصل الأول الكتاب ثم انفرد بمسائل لا تشاركه السنة وهي: الحقيقة والمجاز. وسيأتي أنه يبحث كذلك في السنة والمعرب وما يتعلق بالمتشابه والمحكم (و (السنة)) عند الأصوليين ومضى معنا تعريفها في اللغة (ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول غيرِ القرآن) أو غيرَ القرآن يجوز الوجهان (أو فعلٍ أو تقريرٍ) هذه السنة عند الأصوليين إذا أطلقوا السنة إما قول وإما فعل وإما تقرير، وأما الصفة الْخَلْقِيَّة أو الْخُلُقِيَّة فليست بداخلة عندهم (من قول غير القرآن) استثنى القرآن لأن القرآن مما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو من قوله حكاية عن ربه (من قول غير القرآن) ولو كان هذا القول أمرًا منه بكتابة كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اكتبوا لأبي شاه». هذا أمر بالكتابة لكنه بقوله عليه الصلاة والسلام، وقوله: (من قول). هذا فيه إشارة إلى أن الحديث القدسي من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، (أو فعل) هذا المرتبة الثانية التي تكون فيه السنة وهي السنة الفعلية، وكذلك لو بإشارة ولو بإشارة على الصحيح لأنها كالأمر بالمطلوب، ولذلك جاءت الإشارة إلى الحجر الأسود الإشارة يعتبر سنة ذلك، إذًا صار من جهة الفعل (أو تقرير) يعني: تقرير فعل غيره أو قول غيره كما سيأتي تفصيله، إذًا هذا هو حد السنة (فـ (القول) حجة قاطعة يجب على من سمعه العمل بمقتضاه لدلالة المعجزة على صدقه) القول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (حجة قاطعة). يعني: دليل. حجة بمعنى الدليل و (قاطعة) أي: ملزمة. يعني: ملزمة لمن؟ لمن سمعه (يجب على من سمعه) ومن الذي سمع النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ الصحابة، إذًا هذا كأن الحكم خاص بالصحابة فمن سمع القول من النبي - صلى الله عليه وسلم - صار حجة قاطعة في حقه، لماذا؟ لأنه ليس ثَمَّ واسطة بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -، المصنف يريد أن يبين أن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - إما أن تقع مباشرة، وإما أن تقع بواسطة فما كان مباشرة كالصحابي يسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - أو يراه أو يرى إقراره هذا لا شك أنه رأى الدليل بعينه، وإذا كان كذلك ثبت الدليل في حقه ثبوتًا قطعيًّا بقطع النظر عن دلالته حينئذٍ من حيث الثبوت هو قطعي، وأما ما كان بواسطة فسيقسم الخبر إلى متواتر وآحاد، إذًا يجب على من سمعه كالصحابة (العمل بمقتضاه) يعني: على حسب ما يقتضيه من وجوب أو ندب أو نحو ذلك، لماذا؟ (لدلالة المعجزة على صدقه) - صلى الله عليه وسلم - دلت الآيات على أنه نبي مرسل وأنه صادق لا يَكْذِب ولا يُكَذَّب.
(وأما (الفعل)) وهذا النوع الثاني وهو: السنة الفعلية. فقسمها المصنف إلى أقسام:
(3/20)

النوع الأول: (ما ثبت فيه أمر الجبلة كالقيام والقعود وغيرهما فلا حكم له) أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - أقسام منها: [ما له حكم] (1) ما لا حكم له وهو: ما كان جبلةً يعني: ما وافق الفطرة، وما وافق الخلقة، لأنه بشر عليه الصلاة السلام فهو كغيره من سائر أنواع البشر يقوم ويقعد ويأكل ويشرب ويذهب ويأتي .. إلى آخره، فهو بشر، فحينئذٍ ما كان من هذا الصنف لا حكم له، لماذا لا حكم له؟ لأنه لم يقع التعبد به، ما كُلِّفَ العباد بالاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في أفعاله الجبلية التي توافق الفطرة، فلا تقوم من أجل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قام، ولا تجلس وأنت تنوي أنك تقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - من أجل أنه جلس، ولا تأكل ولا تشرب لكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل أو شرب لأن هذه مما يتفق فيها غير النبي - صلى الله عليه وسلم - مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في جنس البشرية، إذًا لا حكم له (كالقيام والقعود وغيرهما فلا حكم له) يعني: ليس من التكليف. وهذا بالنظر إلى ذاته، أما إذا اتصل به صفة كصفة الأكل أو الشرب ونحو ذلك فحينئذٍ يُنْظَر إلى الصفة لا إلى الموصوف، هذا قول وهو مشهور عند الأصوليين، أن ما كان من أفعال الجبلة لا يتأسى بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: يندب التأسي به في هذه الأفعال. وهي: أفعال الجبلة. يُندب التأسي به في هذه الأفعال وعزاه الإسفرائين لأكثر المحدثين، وهو القول الصحيح لعموم قوله جل وعلا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]. وهنا تَنَبَّه إلى مدلول الآية لتعرف الأقسام الآتي ذكرها {فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} يعني: قدوة صالحة يتأسى بها. قال: {فِي}. وفي هذه للظرفية و {رَسُولِ اللَّهِ} رسول هذا فَعُولُ مأخوذ من الرسالة فهو مُرْسَل فَعُول بمعنى مُفْعَل، فحينئذٍ قوله: {فِي رَسُولِ اللَّهِ}. علق الحكم التأسي هنا بماذا؟ {فِي رَسُولِ اللَّهِ} أطلق الذات ولم يقيده لا بقول ولا بفعل ولا بتقرير، فدل ذلك على أن الرسول من حيث هو رسول بشري يُتَأسى به فدخل في ذلك ماذا؟ الأفعال الجبلية، ثم فَهْمُ الصحابة لهذا النص مع ما نُقل عن بعضهم بالتأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في مثل هذه المسائل كثير وكثير فدل على أنه على إطلاقه.
__________
(1) سبق.
(3/21)

النوع الثاني: (ما ثبت خصوصه به كقيام الليل فلا شركة لغيره فيه). يعني: ما قصد فيه التعبد أو ما ظهر فيه قصد التعبد فإن قام دليل على تخصيصه به عليه الصلاة والسلام فهو خاص به فحينئذٍ يحرم التأسي فكل دليل دل على خصوصية فعل للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو قول فهو خاص به فحينئذٍ يحرم التأسي به كزيادة الزوجات على الأربع حينئذٍ نقول: هذا خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، والنكاح بالهبة {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50] إذًا هذه نقول: يُعتبر دليلاً مخصصًا بهذه الأفعال بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فيحرم التأسي به (وما ثبت خصوصه به) يعني: خصوصيته. (كقيام الليل فلا شركة لغيره فيه) بل يحرم التأسي به، وكذلك الوصال في الصوم قال: «لست كهيئتكم». دل على أنه خاص به هذا النوع الثاني.
النوع الثالث: ما وقع بيانًا لمجمل في القرآن أو في السنة (وما فعله بيانًا لمجمل إما بالقول) أو بالفعل (إما بالقول كقوله: «صلّوا كما رأيتموني أصلي») هذا وقع بيانًا لقوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ}. الصلاة هذا مجمل يحتاج إلى بيان كيفية هذه الصلاة فكل فعل أو قول في بيان صفة الصلاة من النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو مبين لهذا المجمل، إذًا أخذ حكمه إن كان واجبًا فهو واجب، وإن كان مندوبًا فهو مندوب بمعنى أن الفعل الذي وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - مبينًا لمجمل واجب ففعله واجب، والفعل الذي وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - مبينًا لمندوب ففعله مندوب وهكذا (أو بالفعل) نعم (وما فعله بيانًا إما بالقول أو بالفعل، كقطع يد السارق من الكوع) جاءت الآية {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] {أَيْدِيَهُمَا} هذا مجمل يحتاج إلى بيان ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع من الكوع فهو بيان (فهو) أي: فعله - صلى الله عليه وسلم -. (معتبر اتفاقًا في حق غيره) من الأمة يعني، هذا مقابل للنوع السابق يعني: ما ثبت به الخصوصية خاص به، وحينئذٍ صار التشريع ليس عامًا له ولأمته وما وقع بيانًا لمجمل فحينئذٍ صار عامًا فيه وفي أمته هذا الذي أراده (معتبر اتفاقًا في حق غيره) كما أنه مشروع في حق نفسه عليه الصلاة والسلام (وما سوى ذلك) إذًا ذكر ثلاثة أنواع: ما ثبت فيه أمر الجبلة، ما ثبت فيه خصوصية الفعل له عليه الصلاة والسلام، ما فعله بيانًا لمجمل إما بالقول أو بالفعل.
(3/22)

(وما سوى ذلك) يعني: الْجِبِلِّ والخاص وما فعله بيانًا. (فالتشريك) بينه وبين أمته (فالتشريك) يعني: حكمه التشريك بينه وبين أمته ثم إما أن يُعلم حكمه أو لا، يعني: ما لم يكن خاصًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يقع بيانًا لمجمل وفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا ابتداءً إما أن ينقل إلينا حكمه من إيجابٍ أو ندبٍ فهذا واضح، وإن لم ينقل فهذا محل نزاع بين الأصوليين بمعنى أن الفعل الذي لم يكن بيانًا لمجمل ولم يكن من خصوصياته ولم يأتي حرف واحد بأنه واجب أو مندوب ما حكمه؟ قيل: الإيجاب. وقيل: الندب. وقيل: الإباحة. (وما سوى ذلك فالتشريك) يعني: بينه وبين أمته. (فإن عُلم حكمه) من أفعاله يعني (من الوجوب والإباحة) يعني: بدليل القرآن أو فعل الصحابة (وغيرهما) (من الوجوب والإباحة وغيرهما فكذلك اتفاقًا) يعني: عام في حقه وفي حق أمته، لماذا؟ لأنه فعله على وجه التعبد وَعُلِمَ حكمه من حيث الإيجاب أو الندب والأصل التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فهو عام في حقه وحق أمته (وإن لم يُعلم) حكمه بأن نقل فعل عنه ولا ندري هل هو واجب أو مندوب؟ (ففيه) عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى (روايتان: إحداهما: أن حكمه الوجوب) علينا وعليه [في حقنا وحقه] (1) في حقه وحقنا (كقول أبي حنيفة وبعض الشافعية) هذا لقوله تعالى: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] قال: هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب. إذًا ما لم يعلم حكمه من أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو واجب في حقه وحقنا (والأخرى) الرواية الأخرى (الندب) لماذا؟ لأن فعله دل على أنه مشروع، ولا شك أن لفظ مشروع يشترك فيه الإيجاب والندب وحينئذٍ وقع الشك والتردد هل هو واجب أو ندب؟ وما هو اليقين؟ اليقين أنه مندوب لماذا أنه مندوب؟ لأنه مطلوب الفعل لأن الاقتضاء اقتضاء فعل، واقتضاء ترك وهنا اقتضاء فعل شمل نوعين: الإيجاب، والندب. والإيجاب درجة أخص من الندب حينئذٍ لا نثبت الأخص إلا بدليل واضح بَيِّن لأنه يترتب عليه العقوبة وما قيل عن الأصل وهو أنه مطلوب الفعل شرعًا وهو الندب (والأخرى الندب) لماذا؟ (لثبوت رجحان الفعل) لأنه مطلوب الفعل (دون المنع من الترك) الذي هو لازم الواجب لأننا لا نُأَثِّم ولا نرتب العقوبة بأمر مشكوك فيه أو بمتردد فيه بل لا بد أن يكون ثَمَّ يقين أو غلبة ظن ولم يوجد في هذا النوع لا غلبة ظن ولا ظن بأنه واجب فنبقى على الأصل أي: أن الفعل أرجح من الترك لأن فعله له يدل على مشروعيته وأقل أحوال المشروع الندب (وقيل: الإباحة) وهذا ضعيف حملاً على أقل الأحوال كيف نقول بأنه ظهر فيه التعبد ثم نقول: أقل أحواله الإباحة؟ نقول: هذا قول ضعيف. (وتوقف المعتزلة للتعارض، والوجوب أحوط) قال المصنف: (والوجوب أحوط). وإذا قيل: الوجوب أحوط. لا يلزم منه التأثيم بالترك، الاحتياط في الوجوب بمعنى أنك تلزم نفسك بالعمل لكن لا يلزم من ذلك أن يكون ثَمَّ تأثيم بالترك أو العقاب يعني: يترتب العقاب على عدم الفعل.
__________
(1) سبق استدرك للتأدب، ومقتضاه وعليه وعلينا السابقة له.
(3/23)

وإنما المراد أنه يرجح من جهة الفتوى من أجل الإلزام وإذا لم يفعل لا يطالب بالقضاء، ولا يطالب بالاستغفار لكون قد ترك واجبًا، لماذا؟ لأن ذلك الذي يترتب عليه الاستغفار أو العقوبة ونحو ذلك لا بد أن يكون واجبًا يقينًا، وأما الواجب الذي يفتى فيه بأنه من باب الاحتياط فليس له حكم الواجب يقينًا، والأصح من هذه الأقوال يقال بأنه للندب إلا عَلَيْهِ عليه الصلاة والسلام فيكون واجبًا ابتداءً حتى يحصل البلاغ {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة: 67] فإذا حصل البلاغ والتبليغ حينئذٍ انقلب في حقه إلى الندب، وأما أمته فابتداءً أنه للندب مثلوا لذلك بكون النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل بيته ابتدأ بالسواك هذا فعل لم ينقل تخصيص هذا الموضع بالسواك من حيث الإيجاب أو الندب قالوا: هذا فعل مجرد ولم ينقل معه حكمٌ حينئذٍ نقول: على الأصل أنه مندوبٌ.
(وأما (تقريره) عليه الصلاة والسلام (وهو ترك الإنكار على فعل فاعل، فإن عُلم علة ذلك كالذمي على فطره رمضان، فلا حكم له، وإلا دل على الجواز) (وأما (تقريره)) وهذا هو النوع الثالث من أنواع السنة: سنة قوليه، وسنة فعلية، وسنة تقريرية. وأما التقرير والتقرير حجةٌ على قول الأكثر نعم قوله رحمه الله تعالى: (وأما (تقريره)). أي: تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم -. والتقرير حجة على قول الأكثر يعني: مما تثبت به الأحكام الشرعية. لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - معصوم من أن يقر أحدًا على خطئٍ أو معصيةٍ فيما يتعلق بالتشريع و (ترك الإنكار) الذي هو التقرير قد يكون (على فعل فاعل) يفعله بمجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - أو على قولٍ فإما أن يقر فعلاً يفعل بمجلسه بمعنى أنه يسكت على الإنكار ويترك الإنكار، وإما أن يسمع قولاً ثم يسكت عن الإنكار فعدم إنكاره دليلٌ على أنه جائز على أنه مباح فالتقرير على الفعل قالوا: كتقرير خالد على أكل الضب، والحبشة كذلك يلعبون في المسجد، والتقرير على القول كإقراره أبا بكرٍ على قوله بإعطاء سلب القتيل لقاتله، (وهو ترك الإنكار على فعل فاعل) وهذا ما يشمل القول يعني: فعل غيره أو قول غيره (فإن عُلم علة ذلك) يعني: ترك الإنكار. (كالذمي على فطره رمضان، فلا حكم له) لأنه لا يدل على الجواز الذمي معلوم أنه لا يصوم فإذا لم يصم فالأصل فيه أنه غير مكلف هذا الأصل يعني: ملابسة الفعل غير مكلف به. هو مكلف بالفرع لكنه لا يتلبس به إلا بعد إسلامه (كالذمي على فطره رمضان) هذا له عذرٌ خاص حينئذٍ ترك الإنكار عليه لا يدل على جواز الفطر في نهار رمضان وهذا واضحٌ فلا حكم له (وإلا دل على الجواز) وإلا يعلم علة ترك الإنكار كان ذلك دليلاً على الجواز لماذا؟ لأن التقرير وترك الإنكار تشريعٌ للأمة فإذا سكت النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعلٍ دل على أنه ليس بمحرم ولا بمكروه، وإذا سكت على قولٍ دل على أنه ليس محرمًا ولا مكروه وهذا يعتبر تشريعًا للأمة لأنه لو كان منكرًا لأنكره {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ} [الأعراف: 157].
(3/24)

ثم قال رحمه الله تعالى: (ثم (العالم) بذلك بالمباشرة إما بسماع القول أو رؤية الفعل والتقرير فقاطع به). (ثم (العالم) بذلك منه) هذا شروعٌ في تقسيم السنة من حيث كونها للناس يعني: بلوغها للناس. كيف تصل؟ إما أن يكون بالمباشرة وهذا في شأن الصحابة وإما بمباشرةٍ (ثم (العالم) بذلك منه بالمباشرة) أن يكون عالمًا بالسنة يعني: رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل أو سمعه يقول (إما بسماع القول منه أو رؤية الفعل والتقرير) وهذا خاصٌ بالصحابة (فقاطع به) يعني: بثبوته. لا من حيث الدلالة من حيث الدلالة قد يكون ثَمَّ تعارض لكن المراد هنا بلوغ السنة إلى الصحابة نقول: بلوغها للصحابة شيءٌ قطعي فالطريق مقطوعٌ به وليس ظنيًّا (فقاطع به) يعني: فالعالم بما ذكر قاطعٌ بحصول ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون حجةً قاطعةً في حقه لا يسوغ خلافها إلا بنسخٍ أو جمعٍ بين متعارضين، (وغيره) يعني: غير الصحابي الذي هو المباشر (يصل إليه بطريق الخبر عن المباشر)، ولذلك الصحابة هم واسطة بين الأمة وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - في حقهم القول والفعل التقرير الذي رأوه وأدركوه وسمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة قطعية بمعنى أنه لا تترك إلا بنسخٍ أو جمعٍ بين متعارضين (وأما غيره) غير الصحابي (إنما يصل إليه بطريق الخبر عن المباشر) فحينئذٍ يتفاوت (يتفاوت في قطعيته بتفاوت طريقه) قد يطول الطريق وقد يقصر وقد يكون ثَمَّ صفات في النقلة لا توجد في النقلة الآخرين، إذًا يختلف في الطريق من حيث القطع والثبوت (فيتفاوت في قطعيته بتفاوت طريقه لأن الخبر يدخله الصدق والكذب) على السواء إن كان الناقل مجهول الحال، أو مع رجحان حال الصدق إن كان عدلاً أو مع رجحان الكذب إن كان فاسقًا الخبر من حيث هو (يدخله الصدق والكذب) والصدق هو: مطابقة الواقع. والكذب هو: مخالفة الواقع. وقد يكون على السواء يحتمل لا ترجح أحدهما على الآخر وهذا في مجهول الحال، أو ترجح الصدق على الكذب وهذا في شأن الثقة العدل، أو ترجح الكذب على الصدق ولا تجزم وهذا في شأن الفاسق (ولا سبيل إلى القطع بصدقه لعدم المباشرة) (ولا سبيل إلى القطع بصدقه) يعني: صدق المخبر. (لعدم المباشرة) وهذا فيه شيءٌ من النظر بل قد يقطع بصدقه وذلك في المتواتر.
ثم قال: (والخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد، فـ (المتواتر)). مأخوذ من التواتر هذا التقسيم موجودٌ عند المتقدمين بمعنى أن الخبر منه ما هو متواتر ومنه ما ليس بمتواتر والنظر هنا يكون من جهتين:
من جهة صناعة الحديثية بالنظر في الأسانيد وكثرة الرواة ونحوها.
(3/25)

والنظر الثاني: بما يترتب عليهما من التفريق وإن كان النظر إلى الأسانيد من حيث الكثرة والقلة وهذا اصطلاحٌ ولا مشاحة في الاصطلاح، وأمَّا من حيث ما يترتب عليه بأن يقال المتواتر قطعي فيقبل في العلميات والعمليات والآحاد يفيد الظن فلا يقبل في العقائد فهذا التفريق هو الذي عبر عنه ابن القيم بأنه محدث وجاء به المعتزلة، فهو بدعة من حيث ما يترتب من الأحكام على هذا التقسيم فهو بدعة، وأما التقسيم نفسه فلا بأس به، ولذلك البخاري رحمه الله تعالى استعمل لفظ التواتر في كتابه جزء القراءة خلف الإمام ذكر حديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وقال: هذا من ما تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وصفه بالتواتر فدل على أنه مستعمل ومعروفٌ في زمانه فما كثر رواته وأسانيد أطلق عليه أنه متواتر، وما لم يكن كذلك فهو آحاد (فـ (المتواتر)) مأخوذ من التواتر وهو التتابع مجيء الواحد بعد الواحد بفترةٍ بينهما كما في قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا} [المؤمنون: 44]. (فـ (المتواتر حقيقته إخبار جماعة) إذًا إخبار جماعة، هنا قال: (جماعة). وسيأتي تفصيل الجماعة هل يشترط فيها العدد أم لا؟ (لا يمكن) لهذه الجماعة يستحيل (تواطؤهم) يعني: توافقهم. (على الكذب) عادة لا عقلاً بمعنى أن العقل يجيز أن يتواطئوا على الكذب، ولكن عادةً لبعدهم أو لبعد المسافات بينهم يمتنع عادةً أن يتواطئوا ويتوافقوا على الكذب (وشروطه المتفق عليها في الجملة ثلاثة:
أولاً: إسناده إلى محسوس) وهذه الشروط يزاد على ما قيل في السابق أنه قد زيد في الشروط المتواتر ما ليس منه فثَمَّ شروط هي أشبه ما تكون بشروطٍ محدثة (إسناده إلى محسوس كسمعت ورأيت، لا إلى اعتقاد) بمعنى أن يكون منتهى الخبر الحس يعني: شيءٌ محسوس. إما أن يعبر عنه بـ: سمعت، أو رأيت. فإن كان إخبارهم عن علمٍ واعتقاد فلا يكون متواترًا، لماذا؟ لأن الاعتقاد من ما يخفأ وإذا كان يخفى حينئذٍ لا يقطع بصدقه بوجوده فصار ظنًا والمتواتر لا يكون إلا قطعي الثبوت فدل على أن ما لم يكن مدركًا بالحواس فلا يكون متواترًا (إسناده) يعني: إخبارهم عن شيءٍ محسوس إلى محسوس يدرك بإحدى الحواس الخمس (كسمعت أو رأيت، لا إلى اعتقاد) لأن الذي لا يكون عن شيءٍ محسوس كالمشاهدة أو السماع يحتمل دخول الغلط أو الوهم فيه لأنه اعتقادٌ بنظرٍ واستدلالٍ فهو محتمل، (واستواء الطرفين) هذا الشرط الثاني يعني: طرفي السند. وكذلك الواسطة ما بينهما في شرطه هذا يعم كل شرط، يعم كل الشروط، بمعنى أن الاستواء في الطبقة الأولى وفي الأثناء وفي الطبقة الأخيرة لا بد أن تكون مستوية، بمعنى أن كلاً منهم يروي عن الثاني بـ سمعت أو رأيت، وأما قال هذه لا يعتبر، فحينئذٍ إذا وجد في أول السند وفي آخره ما يدل على السماع أو الرؤية فهو معتبر، فإن تخلف هذا الشرط في الأثناء فَقَدَ شرط التواتر.
(3/26)

(والعدد) وهذا الشرط الثالث مراد به العدد الكثير واختلف فيه (فقيل: أقله اثنان) لأن أقل الشهود اثنان (وقيل: أربعة) باعتبار أهل الشهادات (وقيل: خمسة) ليزيد على عدد الشهود (وقيل: عشرون) لقوله تعالى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ} [الأنفال: 65]. (وقيل: سبعون) لقوله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً} [الأعراف: 155]. (وقيل غير ذلك والصحيح أنه لا ينحصر في عدد معين) هذا هو الصحيح وإن قيده بعضهم بالعشرة لكن الصحيح أن مرد التواتر إلى إفادة العلم القطعي فكل ما أفاد العلم القطعي بأي عددٍ كان ثبت التواتر (والصحيح أنه لا ينحصر في عدد معين، بل متى أخبروا واحدًا بعد واحدٍ حتى يخرجوا بالكثرة إلى حد لا يمكن عادةً تواطؤهم على الكذب حصل القطع بقولهم) واشتراط أن يكون لا يمكن تواطئهم على الكذب هذا في طبقة الصحابي متعذر، يعني: هذا الشرط زائد من عند الأصوليين وإلا الأصل لا لا اعتبار له، لماذا؟ لأن طبقة الصحابة داخلةٌ في هذا الشرط (أخبروا واحدٌ بعد واحدًا بعد واحدٍ حتى يخرجوا بالكثرة إلى حد لا يمكن تواطؤهم على الكذب حصل القطع بقولهم) دون أن يكونوا محصورين في عددٍ معين هذا هو الصحيح أنه متى ما حصل القطع بخبر المتكلم صار علمًا يقينيًّا وأوصف بأنه متواتر (وكذلك يحصل بدون عدالة الرواة وإسلامهم) وهذا إنما يكون في مطلق الخبر وإذا تكلم الأصولي في هذه المسألة تكلم عن مطلق الخبر يعني: ليس الخبر الذي تثبت به الأحكام الشرعية. بمعنى أن الأخبار الدنيوية كما مثل المصنف هنا (لقطعنا بوجود مصر) وجود مصر هذا حكم مقطوع به ولا يشترط في النقلة أن يكونوا مسلمين وأن يكونوا عدولاً وهذا لا بأس به، لماذا؟ لأن القطع بوجود مصر هذا لا يترتب عليه حكمٌ شرعي، وأما الأحكام الشرعية المأخوذة من الأسانيد التي يكون منتهاها النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا بد من الإسلام ولا بد من العدالة، (وكذلك يحصل بدون عدالة الرواة) هذا مطلق الخبر (وإسلامهم) لماذا؟ (لقطعنا بوجود مصر) فوجود مصر مقطوعٍ به والخبر إنما وصل عن طريق عددٍ قد يكون منهم من ليس مسلمًا (ويحصل العلم به ويجب تصديقه بمجرده) (ويحصل العلم به) أي: أن المتواتر يفيد العلم اليقيني وهو: القطعي. بصحة نسبته إلى من نقل عنه، ولذلك قال: (ويجب تصديقه). بمعنى أنه لا يجوز تكذيبه لأن المراد بإفادة الخبر المتواتر القطع بأنك تجزم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو من وصل إليه الخبر أنه قد قال هذا القول، وهذا الفرق بين أن يقال بأن هذا الحديث يفيد العلم أو هذا السند يفيد العلم أو يفيد الظن، يفيد الظن بمعنى أنك لا تجزم أنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما ترجح أن يكون الراجح أنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا ينبني على إفادته الظن، وأما إذا كان مفيدًا للعلم فتقطع بأنه من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك المتواتر إنكاره عند كثيرين يعتبر من الكفر بخلاف الظن (ويجب تصديقه) أي: المتواتر.
(3/27)

لأنه مفيدٌ للعلم (بمجرده) وإن لم يدل عليه دليلٌ آخر بمجرد الأسانيد دل على أنه مفيدٌ للقطع فلا يجوز تكذيبه بل يعد كفرًا عند بعض أهل العلم (وغيره بدليل خارجي) يعني: غير المتواتر. (بدليل خارجي) يعني: يحصل القطع به ويجب تصديقه بدليلٍ خارج عن أصل السند. لماذا؟ لأن إثارة القطع والظن قد تكون مستفادةً من نفس الأسانيد فإن أفادت الأسانيد بنفسها دون دليل خارج القطع حينئذٍ وجب تصديقه ولا نشترط دليلاً خارجيًّا فيه إفادة القطع، وما لم يكن كذلك قد يفيد القطع لكنه بدليلٍ خارجي كما سيأتي أن خبر الآحاد قد يفيد العلم النظري لكن بالقرائن (والعلم الحاصل به) يعني: بالمتواتر. هل هو ضروري أو نظري؟ فيه خلافٌ بين الأصوليين كما هو خلافٌ عند المناطقة وغيرهم (والعلم الحاصل به ضروري) والضروري هو ما لا يحتاج إلى نظرٍ واستدلالٍ (عند القاضي) أبي يعلى لأنه متواتر وهذا هو قول الجمهور (ونظريٌّ عند أبي الخطاب) لأنه يحتاج إلى مقدمة وهي: أن نثبت أن هذه الأسانيد قد تكاثرت كثرةً خرجت به عن الآحاد. حينئذٍ ما توقف على المقدمة فليس بضروري بل هو نظري حينئذٍ ذهب أبو الخطاب إلى أن العلم المستفاد من المتواتر إنما هو علمٌ يقيني لكنه ليس ضروريًّا بل هو نظري لأنه مترتب على مقدمة (ونظريٌّ عند أبي الخطاب) لأننا نحتاج إلى إثبات كثرة المخبرين (وما أفاد العلم في واقعة لشخص دون قرينة أفاده في غيرها أو لشخص آخر) بمعنى أنما أفاد العلم اليقيني في واقعة لزيدٍ وجب أن تفيد تلك الواقعة العلم اليقيني لعمرو فإن حصل التفاوت دل على أن الواقعة لا تفيد العلم اليقيني، وكذلك الخبر المنقول بالأسانيد يجب أن يفيد العلم اليقيني لكل شخصٍ فإن امتاز به زيدٍ دون عمرو أو عمرو دون زيد حينئذٍ دل على أنه ليس مفيدًا بذاته، ولذلك قرر فيما سبق أنه يجب تصديقه بمجرده لأنه قطعيٌّ بذاته، فحينئذٍ [يستوي العلم النظري] (1) يستوي العلم اليقيني عند زيدٍ وعند عمرو، فإن اختلفا مع وجود الواقعة أو وجود السند دل على أنه ليس مفيدًا للعلم اليقيني، ولذلك قال: (وما أفاد العلم في واقعة لشخص دون قرينة). هذا قيد لا بد منه لأنه إن كان بقرينة خرج إلى الآحاد (دون قرينة أفاده في غيرها) في غير تلك الواقعة أو (لشخص آخر) بمعنى أن العدد للعلم اليقيني لا يتفاوت بحسب الوقائع والأشخاص فإذا قيل بأن العدد عشرة يفيد اليقين، حينئذٍ إذا أفاد العدد عشرة اليقين لزيد ولم يفده لعمرو دل على أن هذا العدد ليس مفيدًا لليقين، إذ لو كان مفيدًا لليقين، لأن اليقين مستفادٌ من ذات العدد حينئذٍ وجب أن يستوي العلم به عند زيدٌ وعمرو، هذا هو الأصل المطرد في خبر المتواتر.
ثم قال: (و (الآحاد) وهو ما لم يتواتر). هذا نأتي عليه إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________
(1) سبق.
(3/28)

عناصر الدرس
* الآحاد، وحكم العمل به.
* شروط الراوي.
* ألفاظ الرواية.
* زيادة الثقة.
* رواية الحديث بالمعنى.
* مراسيل الصحابة.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
فأُنَبِّهُ هنا إلى أنه سبق الحديث عن قوله: (والصحيح أن المتشابه ما يجب الإيمان به ويحرم تأويله كآيات الصفات). ذكرت أن هذا القول باطل، ومرادي ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من حيث التأويل يعني: النظر في المعنى. وإلا من حيث الحقيقة الكيفية هذا مُسَلَّمٌ أنه من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل، ولا يفهم من كلامي أن التشابه مطلقًا، وإنما المراد به ما يذكره المصنف هنا من أن المتشابه (يحرم تأويله كآيات الصفات) يعني: تفسيره. قلنا: هذا باطل، جعل آيات الصفات من المتشابه هذا قولٌ باطل، وأما الحقيقة حقيقة الصفات وكونها صفات نقول: هذا من المتشابه لأن ذلك مختص بالله عز وجل. وأما معناها فليس من المتشابه بل هو معلومٌ من لسان العرب.
ثم وقفنا عند قول المصنف رحمه الله تعالى: (و (الآحاد)). ذكرنا أن ما ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منه يؤخذ بالمباشرة وهذا من جهة الصحابي وهو مقطوعٌ به، وأما ما يكون واسطةً فهذا هو الخبر الذي يبحث فيه أهل الحديث وكذلك الأصوليون فالخبر عندهم ينقسم إلى قسمين: متواتر، وآحاد. والمتواتر سبق الحديث عنه قلنا: كثير مما يتعلق بالمتواتر من حيث الأصل لا حكم له بمعنى أنه لا يسلم للأصوليين، وكذلك لمن تكلم من أهل الحديث في هذا النوع على جهة التفصيل فأكثر التفصيل لا أصل له، وإنما يثبت المتواتر بأنه ما رواه جمعٌ واشتراط عدم التواطؤ على الكذب هذا إن كان وسُلِّم فيكون بعد طبقة الصحابة ويفيد حينئذٍ العلم اليقيني قطعي دون قرينة خارجة عن الأسانيد نفسها، ثم قال: (و (الآحاد)). أي القسم الثاني للخبر باعتبار وصوله إلينا الآحاد وهو في اللغة جمع أحد كأجل وآجال وبطل وأبطال وأحد بمعنى واحد همزته مبدلةٌ من الواو فأصلها وحدٌ، ومعناه في اللغة ما يرويه الواحد.
والاصطلاح المحدثين وكذلك الأصوليين على أنه ما لم يتواتر، ولذلك قال: (و (الآحاد) ما لم يتواتر). إذًا القسمة ثنائية فليس ثَمَّ واسطة بين الآحاد والمتواتر حينئذٍ المستفيض أو المشهور هذا داخلٌ في الآحاد لأنه إذا لم يكن متواتر صار آحادًا (ما لم يتواتر) أي: ما لم تبلغ نقلته مبلغ الخبر المتواتر لم تبلغ نقلته. يعني: رواته مبلغ الخبر المتواتر، (والعلم لا يحصل به) بمعنى المراد العلم اليقيني لأن المتواتر عندهم يفيد اليقين وما عدا المتواتر لا يفيد اليقين، يعني: لا يقطع بنسبته للمنقل عنه أو المنقول عنه أو المخبر عنه. يعني: لا يقال هذا مجزومٌ بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قاله لأنه لا يفيد العلم وهذا الفرق بين المتواتر الذي أفاد العلم والآحاد الذي لم يفد العلم والخلاف الجاري في الآحاد كما سيأتي مبناه على أنه هل يجزم بأن هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو لا؟ فحينئذٍ قيل: بأنه يفيد العم يجزم وإلا فلا.
(4/1)

هنا قال: (والعلم لا يحصل به) العلم يعني: اليقيني. لا يحصل بالخبر المتواتر بل يفيد الظن وهو رجحان صحة نسبته إلى من نقل عنه (في إحدى الروايتين) عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى حينئذٍ ثَمَّ رواية عن الإمام أحمد أن خبر الآحاد لا يحصل به العلم، وإذا لم يحصل به العلم ثبت مقابله وهو: إفادة الظن. وهذه الرواية ضعَّفها الإمام ابن القيمة رحمه الله تعالى (وهو قول الأكثرين ومتأخري أصحابنا) يعني: من الحنابلة. أن خبر الواحد لا يفيد العلم اليقيني وإنما يفيد الظن. ودليلهم أنه لو أفاد العلم لحصل لنا في كل خبرٍ نسمعه ونحن لا نشعر بذلك. بمعنى أنه لو كان مفيدًا للعلم لو أخبرك زيدٌ من الناس عن وقوع حادثةٍ هل تشعر في نفسك أن هذا العلم يقيني أو أنه ظني يحتمل الغلط والخطأ ونحو ذلك بل والكذب أنت تشعر بأن خبر الواحد لا يفيد العلم فَرَدُّ ذلك إلى ما يدرك بالحس، فالشأن كذلك في ما ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذًا قول الجمهور أن خبر الواحد لا يفيد العلم بل يفيد الظن لأنه لو أفاد العلم لحصل لنا في كل خبرٍ نسمعه ونحن لا نشعر بذلك فصار الدليل حسيًّا فدل على أنه لا يفيد العلم، وأيضًا أعدل الرواة يجوز عليه الغلط والوهم بل والكذب فالقطع بصدقه حينئذٍ لا معنى له هكذا قال الأصوليون في هذا الموضع. (والأخرى) الرواية الأخرى عن الإمام أحمد (بلى) يعني: يفيد العلم. قال: روايتان، (والعلم لا يحصل به في إحدى الروايتين) أنه يفيد الظن يقابلها الرواية الأخرى وهو: أن خبر الآحاد يفيد العلم. ولذلك قال: (والأخرى: بلى) يعني: يفيد العلم. [في قول جماعة من أصحاب الحديث والظاهرية) يعني: كما] (1). (وهو قول جماعة من أصحاب الحديث والظاهرية) بمعنى أن خبر الواحد كالخبر المتواتر كل منهما يفيد العلم وهذا قرره ابن حزم رحمه الله تعالى كما في ((الإِحكام)) وبَيَّنَ أنه عند أهل الحديث المتخَصِّصين الذين شأنهم الرواية ونحوها فإنه يفيد العلم عندهم، إذًا (وقد حمل ذلك منهم على ما نقله الأئمة المتفق على عدالتهم) هذا صرفٌ للقول السابق بأن المراد به عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وقول جماعة من أصحاب الحديث أن مرادهم بالعلم ليس مطلق خبر الآحاد وإنما ما احتفت به القرائن وعليه تكون الأقوال ثلاثة: يفيد العلم مطلقًا، يفيد الظن مطلقًا، التفصيل. والمصنف جعل القول الثاني فيه التفصيل بمعنى أنه لم يجعل في مسألة إلا قولين: يفيد الظن، مطلقًا يفيد العلم إذا احتفت به القرائن. وليس الأمر كذلك بل المسألة فيها ثلاثة أقوال، (وقد حمل ذلك منهم على ما نقله الأئمة المتفق على عدالتهم، وتلقته الأمة بالقبول لقوته بذلك كخبر الصحابي) فإنه يتقوى إذا أجمعت عليه الأمة (فإن لم يكن قرينة أو عارضه خبر آخر فليس كذلك) (فإن لم يكن قرينة) يعني: دالةٌ على صدق الخبر (أو عارضه خبر آخر فليس كذلك) أي: فلا يفيد العلم بل الظن.
__________
(1) سبق.
(4/2)

إذًا ثلاثة أقوال في المسألة هل الخبر الواحد يفيد الظن مطلقًا أو يفيد العلم مطلقًا أو فيه تفصيل إن احتفت قرائن به أفاد العلم وإلا فلا وهذا الثالث رجحه ابن تيمية رحمه الله تعالى وكذلك ابن القيم وابن حجر في النخبة [(فإن لم يكن) نعم] (1) (وقد أنكر قوم جواز التعبد به عقلاً لاحتماله) الآن هذه مسألةٌ أخرى هل يتعبد به أو لا؟ بمعنى أنه هل يفيد العلم أو الظن؟ هذا باعتبار مدلوله وما يتعلق بالمصدق أو المكذب يعني: السامع أو المخاطب. وثَمَّ مسألةٌ أخرى هي مسألة التعبد به العمل، هل دل العقل على جواز العمل بخبر الواحد أم ثَمَّ تفصيل؟ قال: (وقد أنكر قوم) من الأصوليين (جواز التعبد به مطلقًا) يعني: (عقلاً) لكنه على جهة الإطلاق (لاحتماله) يعني: لاحتمال أن يكون كذبًا أو أن يكون خطأً حينئذٍ صار مترددٌ فيه، يعني: صار الناظر مترددًا فيه، وإذا كان كذلك فهذا هو الشك وإذا كان شكًا حينئذٍ لا عمل بالشك فلاحتماله الصدق والكذب والغلط والوهم حينئذٍ صار فيه نوع تردد وهذا هو الشك وحينئذٍ لا يعمل بالشك، فدل العقل عندهم على أن خبر الواحد لا يعمل به مطلقًا ... (وقد أنكر قوم جواز التعبد به عقلاً) يعني: مطلقًا. (لاحتماله) أن يكون كذبًا أو خطأ والعمل به عملٌ بالشك، (وقال أبو الخطاب: يقتضيه) يعني: يقابل قول الأول. الأول أنكروا أن العقل دل على جواز التعبد به قابله أبو الخطاب وأثبت أن العقل يدل على وجوب العمل به، ولذلك قال: (وقال أبو الخطاب: يقتضيه). أي: وجوب قبول خبر الواحد فالعقل دالٌ على أنه يجب العمل بخبر الواحد، لماذا؟ لأن الراوي العدل بخبر الواحد مضنون الصدق لعدالته والظن أرجح من مقابله وهو: الوهم. والعمل بالراجح يوجبه العقل، ولذلك المسائل التي يقع فيها نزاع بين أهل العلم والنتيجة تكون معلقةً بالراجح حينئذٍ دل العقل على أنه يجب العمل بما كان راجحًا وهذا محل وفاق وإلا لو لم يكن ثَمَّ دليلٌ عقليٌّ على وجوب العمل بما كان راجحًا لما عمل عاملٌ بالشريعة البتة مما وقع فيه نزاع فحينئذٍ العمل بالظن الراجح هذا مقطوعٌ به ومن هنا ذهب بعض الأصوليين إلى أن الفقه كله مقطوعٌ به وليس عندنا تفصيلٌ بين الأحكام قطعية وأحكام ظنية. قالوا: الظن وقع في الطريق لا في النتيجة، وأما النتيجة فمتفقٌ عليها بأنه يجب العمل بالراجح سواء اختلف الراجح عند زيد أو عمرو أو آخره حينئذٍ نقول: العمل بالراجح مقطوعٌ به. فإذا كان كذلك دل العقل على وجوب التعبد بخبر الواحد (والأكثرون لا يمتنع) يعني: جمهور أهل العلم على أن العقل يجوز الأمرين، لا يقال: بأنه يمنع. ولا يقال: بأنه يوجب. فيجوز أن يكون خبر الواحد معمولاً به أو لا (والأكثرون لا يمتنع) يعني: لا يمتنع عقلاً أن يأتي دليلٌ على وجوب العمل بخبر الواحد أو تجويز العمل بخبر الواحد فهذا جائزٌ وذاك جائزٌ، والعمل به جائزٌ عقلاً عند جماهير العلماء لماذا؟ قال: (لأنه لا يلزم منه محال وليس احتمال الكذب والخطأ بمانع). إذا كان كون الخبر يحتمل الصدق أو يحتمل الكذب هذا لا يمنع بأن يتعبد بالخبر هذا ما يتعلق بالعقل، إذًا فيه ثلاثة أقوال:
يمتنع عقلاً.
يجب عقلاً.
لا يمتنع.
__________
(1) سبق.
(4/3)

(فأما سمعًا) يعني: من جهة ما تعبد الله تعالى به الخلق. (فأما سمعًا فيجب عند الجمهور) وواجب سمعًا في العلميات والعمليات (وخالف أكثر القدرية) وهم المعتزلة وعندهم لا يجوز العمل بخبر الواحد وقالوا: لا يجوز العمل بخبر الواحد لاحتماله الخطأ من الناقل. (وإجماع الصحابة على قبوله يرد ذلك) (وإجماع الصحابة على قبوله) على قبول خبر الواحد (يرد ذلك) إذًا ثَمَّ مسألتان ما الذي يفيده خبر الواحد؟ يفيد العلم، يفيد الظن التفصيل هذه مسألةٌ خلافية والخلاف فيها سائغ.
المسألة الأخرى: وهي التي يقع فيها التضليل والتبديع هل يجب العمل بخبر الواحد دون تفريقٍ بين العلميات والعمليات؟ هنا يكون المخالف قد وقع في بدعةٍ وهو أن الصحيح والذي وقع عليه إجماع الصحابة أن خبر الواحد يجب العمل به مطلقًا في العلميات وفي العمليات خلافًا لمن خالف في ذلك من أهل البدعة من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرهم ممن قالوا: بوجوب العمل بخبر الواحد في الأحكام التعبدية. يعني: في الفقهيات وغيرها، وأما العقائد فلا يقبل فيها خبر الواحد وهذا القول يعتبر بدعة وليس الخلاف هنا كالخلاف هناك فثَمَّ بعض طلبة العلم يسوي بين المسألتين وهذا غلط فالخلاف السابق خلافٌ سائغ ومسألةٌ اجتهادية، وأما هل يقبل وعمل بخبر الواحد أو لا؟ هذا محل إجماعٍ بين الصحابة أنه لا فرق بين العلميات ولا العمليات في خبر الواحد العلم (فأما سمعًا فيجب عند الجمهور، وخالف أكثر القدرية) (القدرية) هم نفاة القدر وهم المعتزلة، (وإجماع الصحابة على قبوله يرد ذلك)، ولذلك جاء في الكتاب والسنة ما يدل على أنه يعمل بخبر الواحد مطلقًا ولو كان مفيدًا للظن، قال تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] والطائفة في اللغة تطلق على الواحد فصاعدًا دل على أن خبر الواحد يعمل به، كذلك كان - صلى الله عليه وسلم - يبعث الآحاد إلى القبائل معاذ واحد وقد أرسله إلى اليمن: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليهم شهادة أن لا إله إلا الله». هذا توحيد فدل على أن خبر الواحد يعمل به مطلقًا دون تفصيل كذلك عمل ورجوع الصحابة إلى خبر الواحد في وقائع كثيرة، فجاء في حديث ابن عمر قال: بينما الناس في قباء في صلاة الصبح جاءهم آتٍ فقال: إن ... النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة. فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا للكعبة. كان الأصل أنهم يستديرون أو يستقبلون الشام وهذا مقطوعٌ به وجاءهم آتٍ واحد وإذا كان خبره يفيد الظن حينئذٍ رفعوا القطع بالظن لماذا؟ لأن الأصل المعتمد عندهم آن ذاك هو: العمل بخبر الواحد مطلقًا. لأنه عدلٌ والعدل الأصل في خبره القبول، إذًا (وإجماع الصحابة على قبوله يرد ذلك) يعني: يرد قول المعتزلة القائلين بأنه لا يجوز العمل بخبر الواحد.
(4/4)

ثم قال رحمه الله تعالى: (وشروط الراوي أربعة). هذا صفة من تقبل روايته ومن لا تقبل من الذي يقبل ومن الذي لا يقبل؟ لأنه سبق أن المتواتر لا يبحث فيه عن إسلامهم ولا عدالتهم وإنما يقبلون مطلقًا، وأما خبر الواحد فهو الذي يأتي البحث عنه صفة القبول وعدمها (وشروط الراوي أربعة) متى ما وجدت في الراوي رجحنا صدقه على كذبه.
الشرط الأول: (الإسلام).
الثاني: (التكليف).
الثالث: (الضبط)
الرابع: (العدالة).
هذه أربعة شروط لا بد من استيفاءها إن وجدت مستجمعة في راوٍ حينئذٍ قبل خبره ورجح صدقه على كذبه، وإن انتفت أو انتفى بعضها فينظر فيه بحاله.
(4/5)

الأول: (الإسلام). والإسلام معلوم حاله أنه إذا لم يكن مسلمًا حينئذٍ صار كافرًا، وإذا كان كافرًا انتفت عنه العدالة وحينئذٍ لا يؤمن على الدين من أن يقول فيه ما ليس منه، فالإسلام شرطٌ من شروط صحة قبول الرواية عن الراوي لكن هذا يعتبر شرطًا للأداء لا للتحمل لأن عندنا أداء وعندنا تحمل تَحمل أن يتعلم ويسمع، وأما التبليغ والإبلاغ والتعليم فهذا يسمى أداءً حينئذٍ الإسلام شرطٌ في الأداء لا التحمل، ولذلك جاء عن جبير بن مطعم أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بالطور. وهذه قد تحملها وهو كافرٌ ثم أداها وهو مسلمٌ حينئذٍ نقول: هذا الإسلام يعتبر شرطًا في الأداء لا في التحمل. فإنه كان وقت التحمل أسيرًا من أسارى بدرٍ قبل أن يسلم. إذًا الأول (الإسلام) وهذا محل إجماع (فلا تقبل رواية كافر) مفهومه إذا اشترطنا الإسلام مفهومه يقابله الكافر ثم الكافر قد يكون أصليًّا ثم قد يكون مسلمًا ويقع في بدعة وهذه البدعة قد تكون مكفرة وقد لا تكون مكفرة ثم هذه البدعة المكفرة قد يكون داعيةً وقد لا يكون داعيةً، إذًا ثَمَّ تفصيلٌ في المسألة وهو الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى (فلا تقبل رواية كافر) لأنه لا يؤمَن عليه الكذب على الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وتحريف دينه قال: (ولو ببدعةٍ) بمعنى أن التكفير هنا أو الكفر قد يكون كفرًا أصلي كاليهودي والنصراني فهذا لا يقبل منه البتة، وقد يكون مسلمًا ولكنه يقع في بدعةٍ ثم هذه البدعة تكون مكفرةً له مخرجةً له من الملة. قال: (فلا تقبل رواية كافر ولو ببدعة) يعني: ولو كان كفره بسبب بدعةٍ. فالبدعة مكفرة سببٌ لرد الرواية، البدعة المكفرة سببٌ لرد الرواية قال: (إلا المتأول). المتأول الذي يقع في بدعةٍ وهذه البدعة تكون مكفرة أو مفسقة على النوعين ولكن يكون له شبهةٌ شبهة دليل بمعنى أن يكون له مستمسك من الشرع من كتابٍ أو سنة ويكون له نوع وجه استدلالٍ في لسان العرب هذا الذي يعتبر متأولاً لا بد أن يكون مستمسكًا بالكتاب والسنة ويكون له في استدلاله نوع استدلالٍ يعني: نوع قولٍ لأهل اللغة في هذه المسألة، وأما من لم يستدل بالكتاب والسنة بأن جعل العقل أصلاً في التشريع أو أصلاً فيه إثبات العقائد ونحو ذلك فهذا لا يقال بأنه متأول (فلا تقبل رواية كافر ولو ببدعةٍ إلا المتأول) يعني: إلا المبتدع الذي كفر بسبب بدعته لكنه متأول. أي: مستند إلى الكتاب والسنة. (إذا لم يكن داعية) إذًا إلا المتأول فيقبل لكن المتأول على مرتبتين: متأول ينصر بدعته بمعنى أنه يدعوا إليها، ومتأول لا ينصر بدعته بل يعتقد ويكف شره عن الناس.
(4/6)

فثَمَّ فرقٌ بين النوعين. (إلا المتأول إذا لم يكن داعية) مفهومه إن كان داعيةً فلا تقبل روايته، ولذلك قال ابن حجر رحمه الله تعالى: هذا المذهب هو الأعدل وصارت إليه طوائف من الأئمة. وهو أنه يقبل المتأول إذا لم يكن داعيةً فإن كان داعيةً حينئذٍ لا تقبل راويته هذا المذهب هو الأعدل وصارت إليه طوائف من الأئمة على كلٍّ المسألة فيها خلاف وإن كان ظاهر صنيع صاحب الصحيحين وغيرهما أنه يقبل المبتدع مطلقًا إذا كان صادقًا، لكن اشتهر عند المتأخرين ما ذكره ابن حجر رحمه الله تعالى في ظاهر كلامه. يعني: في ظاهر كلام الإمام أحمد. أن الكافر ببدعةٍ من وقع في بدعةٍ مكفرة فالأصل فيه أنه ترد روايته إلا إذا كان متأولاً ولم يكن داعيةً فإن لم يكن متأولاً لا تقبل روايته وإن كان متأولاً داعيةً فلا تقبل راويته، إن كان متأولاً ليس داعيةً لبدعته تقبل روايته في ظاهر كلام الإمام أحمد فقد ورد عنه يكتب حديث القدري إذا لم يكن داعيةً، يكتب حديث القدري، والقدرية عند الإمام أحمد كفار منكرون للقدر، فحينئذٍ قال: يكتب حديث القدري إذ لم يكن داعيةً. مفهومه أنه إذا كان داعيةً لا يكتب حديثه البتة، إذًا الشرط الأول ((الإسلام) فلا تقبل رواية كافر ولو ببدعة إلا المتأول إذا لم يكن داعية في ظاهر كلامه)، ما ضابط الكفر الذي يعتبر هنا فارقًا بين المسلم والكافر لأنه يترتب عليه مسألة وهي قبول روايته من عدمها؟ قال: والمراد بالكفر هنا الكفر الذي يخرج به الإنسان عن الملة، والْمُعْتَمَد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة ومن لم يكن كذلك فيقبل مع ضبطه وورعه وتقواه. يعني: يكون متعلق هذا الكفر الذي نعتبره بدعةً مكفرة أنه ما لم ينكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة فإن وقع في ذلك فحينئذٍ لا يعتبر سائغًا، وأما إذا أنكر معلومًا من الدين بالضرورة هذا يعتبر كافرًا ولا يقبل البتة.
(و (التكليف)) هذا الشرط الثاني (و (التكليف)) والمراد بالتكليف البلوغ والعقل فلا بد أن يكون بالغًا ولا بد أن يكون عاقلاً لكن فيه تفصيل من جهة التحمل والأداء، فالعقل هو أصل الضبط والبلوغ هو الوازع عن الكذب فالبلوغ شرطٌ للأداء لا للتحمل والعقل شرطٌ لهما معًا فلا بد أن يكون عاقلاً حينئذٍ المجنون لو تحمل حرفًا وأداه في أثناء جنونه أو بعده لا يقبل منه البتة، لماذا؟ لأن العقل شرط لهما للتحمل والأداء معًا، وأما البلوغ فهذا شرطٌ للأداء لا للتحمل، ولذلك قد حُفِظَ من الصحابة وهم صغار وأدوا بعد ذلك فيما إذا بلغوا، إذًا من شروط الراوي العقل وهذا محل إجماعٍ بين أهل العلم إذ لا وازع لغير العاقل يمنعه من الكذب.
ثانيًا: البلوغ وعند الأئمة الأربعة لاحتمال كذب من لم يبلغ كالفاسق بل أولى لأنه غير مكلف فلا يخاف العقاب. يعني: الصغير الذي لا يكون مكلفًا قد يعلم أنه لا يعاقب على تعمده الكذب لأنه غير مكلف يعني: لم يتعلق به تحريمٌ ولا إيجاب. حينئذٍ لا يؤمن منه أن يقع في الكذب فحينئذٍ يدخل في السنة ما ليس منها فلذلك اشترط فيه البلوغ (و (التكليف) حالة الأداء) يعني: حالة إبلاغه للغير وتعليمه لغيره.
(4/7)

الثالث: الضبط (و (الضبط)) هنا أن يؤدي ما تحمله على وجهه من غير زيادةٍ ولا نقصان، ولا يضر يسير خطأ لعدم السلامة بمعنى أن المراد .. ولذلك لم يقيده المصنف هنا بتمام الضبط، لأن الضبط قد يكون تامًا، وقد يكون خفيفًا، فإن خف الضبط فالحسن لذاته، فحينئذٍ المراد هنا المقبول من حيث هو، فإذا كان كذلك شمل الصحيح لذاته أو لغيره أو الحسن لذاته، إذًا المراد هنا بالضبط أن يؤدي ما تحمله على وجهه من غير زيادةٍ فيه ولا نقص، وأما الخطأ اليسير فهذا لا يعتبر عائقًا أو حاكمٍ عليه بكونه ليس بضابط فالضبط اشترط هنا لئلا يغير اللفظ والمعنى فلا يوثق به والمراد غلبة ضبطه (و (الضبط) سماعًا وأداءً) يعني: تحملاً وأداءً. فالضبط هنا يختلف عن التكليف ويختلف عن الإسلام فلا بد أن يكون ضابطًا وقت سماعه وقت تحمله ليس بغافل ليس بنائم ليس بمنشغلٍ وكذلك يكون في الأداء.
(4/8)

(و (العدالة)) وهو الشرط الرابع والأخير (و (العدالة)) لغةً التوسط في الأمر من غير زيادةٍ ولا نقصان وهي صفةٌ راسخةٌ في النفس تحمله على ملازمة التقوى والمروءة وترك الكبائر والرذائل بلا بدعةٍ مغلظة بمعنى أنه يأتي بالواجبات ويترك المحرمات ويبتعد عن سفاسف الأمور ورذائلها (و (العدالة)) شرطٌ في قبول ما يأتي به الراوي إجماعًا (فلا تقبل من فاسق إلا ببدعة متأولاً عند أبي الخطاب والشافعي) فالعدالة هنا تعتبر شرطًا بالإجماع وتعرف بالاستفاضة أو بالنص يعني: يشتهر أن فلان من الناس عدلٌ كالأئمة الأربعة وكبار التابعين لا يبحث عن عدالتهم إنما يكتفى بشهرتهم كـ: الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والإمام أبو حنيفة، الشافعي، أحمد. لا يبحث عن عدالتهم أو بالنص ولو بنص عالمٍ واحدٍ لأنه يعتبر من التزكية كما سيأتي (فلا تقبل من فاسق) لماذا؟ لأن الخبر أمانة والفاسق غير مؤتمن. قال تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] (فَتَثَبَّتُوا)، إذًا الفاسق لا يقبل الأصل فيه التوقف حتى تثبت عدالته ثم بعد ذلك يقبل خبره (فلا تقبل من فاسق) والفاسق قد يكون فاسقًا لذنبٍ معصيةٍ ويقابله من باب التقسيم البدعة فقد يكون فاسقًا ببدعةٍ وهذه البدعة قد تكون بدعة اعتقاديه، أو بدعة قولية، أو بدعة عملية. فيختلف الحكم فيها باختلاف نوعها (إلا ببدعة متأولاً) يعني: عنده نوع فسقٍ اعتقادي لكونه مرتكبًا لبدعةٍ والمراد به هنا من يخالف في باب الإيمان والأسماء والصفات ونحوها. (عند أبي الخطاب والشافعي) (فلا تقبل من فاسق إلا ببدعة) يعني: (متأولاً) إلا من فسق ببدعةٍ يعني: فسقًا اعتقاديًّا. (عند أبي الخطاب والشافعي، والمجهول في شرط منها لا يقبل) هذا كلامٌ جديد (والمجهول في شرط منها) يعني: من هذه الأربعة. عرفنا أن العدالة شرطٌ (فلا تقبل من فاسق إلا ببدعةٍ متأولاً) وهذه البدعة بعضهم فصل فيها كالبدعة السابقة داعيةً أو ليس بداعيةٍ (والمجهول في شرط منها لا يقبل كمذهب الشافعي) وهو قول الجمهور أن من جهل إسلامه أو جهل تكليفه بلوغه أو عقله عند التحمل أو الأداء أو الضبط أو العدالة (لا يقبل) هذا هو الأصل فيها (كمذهب الشافعي) وهو قول الجمهور لأنه إذا لم يعلم حينئذٍ الأصل العدم، فإذا كان الأصل العدم استصحبناه ولم نبني عليه حكمًا من حيث الثبوت (والمجهول في شرط منها لا يقبل) وهو قول الجمهور وهو مذهب الشافعي لأن الشرط عدم العلم بالفسق (وعنه) عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى رواية (إلا في العدالة) فظاهر كلام المصنف هنا رحمه الله تعالى أن الخلاف كائنٌ في هذه المسائل الأربع كلها يعني: الإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة.
(4/9)

والمشهور أن المسائل الثلاث الأُوَل الشروط الثلاثة الأُوَل ليس فيها خلافٌ من حيث الجهل فإن جهل إسلامه فلا يقبل قولاً واحدًا، وإن جهل ضبطه فلا يقبل قولاً واحدًا وإن جهل تكليفه لا يقبل قولاً واحدًا، وإنما إن جهلت عدالته فهذا الذي وقع فيه نزاع فالخلاف في مجهول العدالة أما مجهول الإسلام والضبط والبلوغ فلا تقبل قولاًً واحدًا ولا فرق في الشك في العدالة وباقي الشروط فلا يفرق بينها والقياس على الشهادة فشهادة مجهول العدالة لا تقبل: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: 2] والمجهول غير عدلٍ، إذًا الشك في هذه المسائل كلها أو العلم بعدم وجودها هذا قطعي بأنه لا يقبل، الشك فيها وجد أو لا ننزل الشك منزلة العدم حينئذٍ لا يقبل والكلام إنما يكون في العدالة (وعنه) عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى (إلا في العدالة) إلا مجهول العدالة فتقبل روايته (كمذهب أبي حنيفة) ومجهول العين لا يقبل مطلقًا وعليه أكثر أهل الحديث مجهول العين يعني: عن رجلٍ ما نعرف ما اسمه حينئذٍ لا يقبل مطلقًا عند جمهور أهل الحديث ومجهول العدالة كذلك لا يقبل مطلقًا عند أكثر المحدثين ومنه الإمام أحمد وأصحابه والمالكية والشافعية، ومجهول الضبط لا يقبل كذلك لأن غير الضابط لا يؤمّنُ من أن يدلس عليه فاشترط ثبوت ضبطه. هكذا حكاه بعضهم خلافًا وما ذكرناه سابقًا هو المعتمد.
ثم قال رحمه الله تعالى: (ولا يشترط ذكوريته). يعني: لا يشترط الراوي أن يكون ذكرًا بل المرأة إذا روت كعائشة وأسماء كذلك تقبل روايتهم (ولا يشترط ذكوريته) لقبول خبر عائشة وأسماء، (ولا رؤيته) حينئذٍ يقبل قول الضرير والأعمى (ولا فقهه) إذًا من لم يكن فَقِيهًا تقبل روايته (ولا معرفة نسبه) فتقبل رواية مجهول النسب بل عديمة، إذًا هذه كلها لا تعبر شروطًا والمصنف هنا ينفي لأن هناك من يشترط فرواية الذكر أقوى من رواية الأنثى لا ليس الأمر كذلك إذا كان الأمر مبنيًا على الإسلام والضبط والتكليف والعدالة هذه يستوي فيها الذكور والإناث، ولذلك عائشة رضي الله تعالى عنها كم روت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(ولا رؤيته) فلو كان ضريرًا كذلك يقبل الفقيه، هنا ينظر فيه من حيث إن خالف ما روى فثَمَّ من يرى أنه إذا روى الراوي وهو صحابيٌّ فقيه حينئذٍ إن خالف رأيه روايته حينئذٍ صارت تأويلاً لذلك النص صار تفسيرًا له فلا يوقف مع النص دون رأيه والصواب أن يقال: بأن العبرة بما روى لا بما رأى (ولا معرفة نسبه) وهذه كلها تدخل في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «نضر الله امرئ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه وليس بفقيه». فهذه عامة «نضر الله امرئ». لم يشترط فيه أن يكون ذكرًا ولا أنثى ولا أن يكون مبصرًا أو ضريرًا ولا غير ذلك.
(4/10)

(ويقبل المحدود في القذف إن كان شاهدًا) إذا حد قيم عليه الحد لكونه لم يستكمل العدد هل تقبل روايته أم لا؟ هل هو عدلٌ أم لا؟ هل حده في مثل هذا الموضع يسلبه العدالة أو لا؟ محل نزاع والصحيح أنه لا يسلبه العدالة، لماذا؟ لأنه ليس بقاذف وإنما حُدَّ لعدم استكمال العدد، فحينئذٍ لما لم يكن قاذفًا لم يقع في كبيرةٍ من الكبائر فيوجب فسقه، وإنما حُدَّ لكون العدد لم يستكمل، فحينئذٍ نقول: هذا أمرٌ منفك. ولذلك قال: (ويقبل المحدود) يعني: رواية قاذفٍ. (في القذف إن كان شاهدًا) يعني: بلفظ الشهادة. قال أصحابنا: إن قذف بلفظ الشهادة قبلت روايته لأن نقص العدد ليس من جهته ولأنهم أخرجوا ألفاظهم مخرج الإخبار إلى مخرج القذف فيحد وتقبل روايته. إذًا هو ليس بقاذفٍ وإنما هو شاهد وحينئذٍ لما شهد ولم يستكمل العدد قد حُد وهذا الحد لا يعتبر قدحًا فيه ولا في عدالته.
(والصحابة كلهم عدول) هذا محل وفاق.
وهم عدول كلهم لا يشتبه ... النووي أجمع من يعتد به

إذًا كلهم عدولٌ بتعديل الله تعالى له (بإجماع المعتبرين) يعني: من أهل الإسلام. وأما من لم يكن من أهل الإسلام فلا عبرة بخلافه وجاءت النصوص الدالة على فضل الصحابة في الكتاب والسنة، وهو محل وفاق بين أهل السنة والجماعة، قال الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة: 100] أثبت الله تعالى رضاه عنهم، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو أنفق أحدكم مثل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيبه». دل ذلك على أن الصحابة لهم فضلٌ عظيم. من هو الصحابي؟ إذًا إذا كان الصحابة عدول لا نحتاج إلى البحث عن عدالتهم هذا المراد في هذا الموضع فلا حاجة إلى البحث عن عدالتهم وجهالة الصحابي لا تضر فإذا قيل عن رجلٍ من الصحابة لا يضر لماذا؟ لأن كونه صحابيًّا هذا وصفٌ وتزكيةٌ حينئذٍ كونه مجهول العين لا يضر.
ومن هو الصحابي؟ قال: (والصحابي من صحبه ولو ساعة أو رآه مؤمنًا). وهذا اختيار أهل الحديث أو جمهور المحدثين (من) هذه صيغة عموم (صحبه) بمعنى اللُّقِيّ ليعم البصير والأعمى (ولو ساعة) الأصل في معنى الصحبة في لسان العرب الملازمة فلا يسمى في لسان العرب صاحبًا إلا من لا زمه، وأما من رآه مرةً أو جلس معه مرةً فهذا لا يسمى صاحبًا، لكن لشرف رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطوا كل من رآه ولو عن بعدٍ أو اجتمع به ولو كان أعمى أعطوه شرف الصحبة فدخل في النصوص كلها التي يذكرها أهل العلم في عدالة الصحابة وفضلهم (من صحبه ولو ساعةً) بمعنى اللُّقِيّ ليعم البصير والأعمى (أو رآه) ولو لم يجتمع به (أو رآه) ولو عن بعدٍ ولو لم يجتمع به لكن يشترط أن يكون قد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يقظة يعني: لا يكون منامًا حي (مؤمنًا) به لو زاد به لكان أولى يعني: مؤمنًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا بغيره من الأنبياء لا بد أن يزاد هذا القيد، ولذلك قال ابن الصلاح: وهذا لشرف منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطوا كل من رآه حكم الصحبة، إذًا الصحابي (من صحبه ولو ساعة أو رآه مؤمنًا) به.
(4/11)

حَدُّ الصحابي مسلمًا لاقَي الرسول ... وإن بلا رويةٍ عنه وطول

وتثبت الصحبة بماذا؟
متى نحكم على الشخص بأنه صاحبٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم - الآن؟
طرقها أربعةٌ:
أولاً: التواتر، كالخلفاء الراشدين، والعشرة المبشرين بالجنة، أمرٌ متواتر وإنكاره لا يمكن.
ثانيًا: الاستفاضة والشهرة التي هي دون التواتر كضمام وعكاشة ونحوهم.
ثالثًا: أن يخبر غيره عنه بأنه صحابي، يعني: إخبار الغير.
رابعًا: أن يخبر عن نفسه.
وهذا الذي ذكره المصنف هنا رحمه الله تعالى (وتثبت صحبته) يعني: الصحابي. (بخبر غيره عنه) كأن يقول: وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وشهد بدرًا، وشهد أحدًا ... إلى آخره، فهذا إخبارٌ من صحابيٍّ بأن زيدًا من الناس قد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - ورآه أو اجتمع به (أو خبره عن نفسه) هذا عند الجمهور وفيه خلاف لأنه ثقةٌ مقبول فحينئذٍ إذا كان مقبول القول فيقبل في ذلك كروايته بشرط أن يكون معاصرًا عددًا (وغير الصحابي لا بد من تزكيته كالشهادة)، إذًا الصحابة ثبتت عدالتهم بالنصوص الشرعية وهو: محل إجماع بين أهل السنة والجماعة. فحينئذٍ الجهالة بالصحابي لا تضر، بقي حالٌ آخر من أحوال السند وهو: من بعد الصحابة. يعني: من الطبقة الثانية، حينئذٍ لا بد من التزكية، والتزكية هنا قد تكون بالشهرة والاستفاضة وقد تكون بالتنصيص، اختلفوا في التنصيص هل لا بد من التثنية أن يزكيه اثنان أو لا يشترط ذلك ويكفي الواحد؟
وَاثْنَانِ إِنْ زَكَّاهُ عَدْلُ وَالأَصَحْ ... إِنْ عَدَّلَ الْوَاحِدُ يَكْفِي أَوْ جَرَحْ

(وغير الصحابي لا بد من تزكيته، كالشهادة) لا بد من تزكية شهود (والرواية عنه تزكية في رواية) عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى إذا روى راوٍ عن شخصٍ ما هل بمجرد الرواية يعتبر تزكيةً له أو لا؟ قال: نعم، تعتبر تزكية بشرط أن يعلم من عادة الراوي أو صريح قوله: أنه لا يروي إلا عن عدلٍ. إذا قال: أنا لا أروي إلا عن عدول. حينئذٍ روى عن زيدٍ من الناس ولا نعرفه قالوا: هذا تزكيةٌ له. لماذا؟ لأن مالكًا مثلاً رحمه الله تعالى لا يروي إلا عن عدلٍ لأن أحمدَ لا يروي إلا عن عدل فإذا علم من حاله أو بصريح قوله: أنه لا يروي إلا عن عدول. فإذا روى عن زيدٍ من الناس حينئذٍ نقول: هذا عدلٌ ويعتبر تزكيةً له.
(والرواية عنه تزكية في رواية) عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى (بشرط أن يعلم من عادة الراوي أو صريح) يعني: بالاستقراء والتتبع لأحواله. (أو صريح قوله) أن ينص من رويت عنه فهو ثقةٌ عدلٌ (أو صريح قوله أنه لا يروي إلا عن عدل) وأكثر المحدثين على أنه لا يعتبر تزكيةً البتة بل ولو صرح أن قال: حدثني الثقة. هذا لا يحتمل أنه ثقةٌ عنده ضعيف عند غيره، حينئذٍ إذا قال: لا أروي إلا عن عدلٍ، أو لا أروي إلا عن ثقةٍ، أو من رويت عنه فهو عدلٌ. هذا لا يعتبر تزكية لا يعتبر تعديلاً بل لا بد من النظر في حالهم، نعم. (والحكم بشهادته أقوى من تزكيته) يعني: إذا قضى القاضي بشهادة زيدٍ من الناس اعتبرها. يعني: جاء زيد شاهدًا في قضية فقبلها القاضي حينئذٍ ثَمَّ أمران:
أولاً: فعلٌ، ومتضمنٌ لقول.
(4/12)

حينئذٍ هل يعتبر هذا من القاضي تزكية أو لا؟ قال: نعم (والحكم بشهادته) ليست هي تزكية فحسب بل هي (أقوى من تزكيته) لأنه فعلٌ تضمن القول أو استلزمه بخلاف قوله: عدلٌ. فهو قولٌ مجرد بكونه يأذن أن يشهد دل على أنه عَدَّلَهُ وليس عَدَّلَهُ فحسب بل رتب عليها الثمرة وهو: قبول الشهادة. وهو أعظم (والحكم بشهادته أقوى من تزكيته) يعني: إذا قضى القاضي بشهادة زيد كان ذلك تعديلاً له.
ثم قال رحمه الله تعالى: (و (الجرح)). هذا يقابل التعديل (نسبة ما ترد به الشهادة) (نسبة) يعني: إضافة. إِضافة (ما ترد به الشهادة) إلى الراوي يعني: ينسب إلى الشخص ما يوجب رد شهادته يقول: كذاب، فاسقٌ، دجال. ونحو ذلك (وليس ترك الحكم بشهادته منه) يعني: من الجرح لو لم يقبل القاضي شهادة زيد هل هذا جرحٌ أم لا؟ فيما سبق إذا قبل قلنا: هذا تعديل. إذا ردها لا يلزم منه أن يكون جرحًا، لماذا؟ لأنه قد يكون قريبًا له أو تكون ثَمَّ تهمة عند القاضي جَنَّبَ هذا من أجل أن لا يقع في الحرج، إذًا (وليس ترك الحكم بشهادته منه) يعني: من الجرح. زد لفظ منه أي: وليس ترك الحكم بشهادته من الجرح لاحتمال وجود سببٍ آخر لترك العمل بشهادته غير الفسق كعداوةٍ أو تهمة قرابةٍ ونحو ذلك، ثم قال: (ويقبل كالتزكية من واحد). بمعنى أنه لا يشترط التعدد في المزكيين ولا في المجرِّحين فمن ثبتت عدالته بتزكية عدلٍ إمامٍ عارفٍ بأصول الجرح والتعديل قبلت تزكيته، ومن جرح وهو إمامٌ في الجرح والتعديل عارفٌ بأسباب الجرح والتعديل يكفي فلا يشترط فيه التثنية خلافًا لمن اشترط ذلك كابن عبد البر وغيره، ولذلك قال السيوطي هناك:
وَاثْنَانِ إِنْ زَكَّاهُ عَدْلُ وَالأَصَحْ ... إِنْ عَدَّلَ الْوَاحِدُ يَكْفِي أَوْ جَرَحْ
(4/13)

فالأصح أنه يكفي تعديله واحدٍ أو تجريح واحدٍ (ويقبل كالتزكية من واحد) عند الأئمة الأربعة (ولا يجب ذكر سببه) يعني: إذا جرح إمامٌ راويًا هل يجب عليه أن يذكر السبب يقول: فلانٌ لا تقبل روايته أو كذاب لكذا أو يطلق القول فيكتفى به؟ قال: (ولا يجب ذكر سببه). لأن أسباب الجرح معلومة (وعنه بلى) عن الإمام أحمد رواية أخرى أنه لا يقبل الجرح إلا بذكر سببه، وهذه أولى لأنه قد يختلف في أسباب الْجَرْح، قد يُجَرِّحُ بما لا يعد جَرْحًا، قد يُجَرَّحُ الراوي بما لا يعد جَرْحًا، فحينئذٍ لما كان سبب الجرح قد يدرك بشيءٍ واحدٍ بخلاف التعديل لأنه لا يشترط فيه ذكر الأسباب بمعنى أنك إذا عدلته تعدله لماذا؟ لأنه فعل الواجبات وترك المنهيات حينئذٍ يقول: رأيته يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويبر لا لا يشترط أن تعدد الأسباب التي كانت ثمرةً في الحكم عليه بالتزكية لأن أفعالها كثيرة، وأما الإسقاط فهذا يكفي فيه شيءٌ واحد فتقول: كذاب، فاسق. ... إلى آخره وحينئذٍ سببٌ واحد يسقطه من أصله، ولذلك قال: (ولا يجب ذكر سببه، وعنه). عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى (بلى) لأنه يحصل بأمرٍ واحد ولا يشك ذكره ثم للخلاف في أسباب الجرح فلا بد من ذكر السبب الذي بنى عليه الْمُجَرِّح تجريحه (وقيل يستفسر غير العالم) يعني: يقبل الجرح من غير بيان سببه إذا كان الجارح عالمًا بأسباب الجرح والتعديل إن كان من علماء الجرح ومن المعتدلين قبل منه دون استفسار، وأما غير العالم فيستفسر منه والقول الأوسط أولى (وعنه بلى) (ويقدم على التعديل، وقيل الأكثر) إذا تعارض تعديلٌ وتجريح عدلٌ هذا عدله وهذا جرحه قال: (ويقدم التعديل). يعني: عند التعارض. (وقيل الأكثر) يعني: من الجارحين أو المعدلين زيدٌ من الناس عدله أربعة وجرحه ثلاثة، إذًا الأكثر الأربعة إذًا هو عدلٌ أو تقول: جرحه أربعة وعدله ثلاثة. إذًا هو مجروح حينئذٍ صارت بالكثرة والأولى أن ينظر فيه إذا ذكر بيان سبب تجريحه فهو مقدم ولو عدله الأكثر متى ما كان السبب مبينًا في سبب الجرح وحينئذٍ صار مقدم مطلقًا ولو عدله الأكثر، ثم قال رحمه الله تعالى إذا ذكر السبب قدم صار مقدمًا، وأما إذا لم يذكر السبب حينئذٍ ينظر فيه باعتبار روايته وغيرها إذا كان التعديل مجملاً والتجريح مجملاً ينظر فيه: (وأما ألفاظ الرواية، فمن الصحابي خمسة) ألفاظ الرواية التي بها يتوصل إلى إبلاغ الخبر يعني: عندنا تحمل وعندنا أداء. كيف يؤدي؟ هل كل لفظٍ يصح أن يعبر به عما في نفسه أو عما يتلقاه؟ قالوا: لا بد من ضبط المسائل كلها من أجل أن نعرف هذا سمع أو لم يسمع هذا قرأ أو قُرِئَ عليه إلى آخره ووضعوا ألفاظًا للصحابة وألفاظًا لغيرهم (وأما ألفاظ الرواية) يعني: نقل الحديث (فمن الصحابي خمسة) لأنه كما سبق أن الصحابي مباشر ليس بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - واسطة وإن وجد واسطة فهو صحابيٌّ مثله فلو لم يذكر حينئذٍ لا يؤثر ذلك في الرواية (أقواها) يعني: أعلاها بالاحتياج.
(4/14)

((سمعت) أو (أخبرني) أو (شافهني)) سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول كذا، أو أخبرني النبي - صلى الله عليه وسلم - كذا، أو شافهني النبي - صلى الله عليه وسلم - كذا هذه أعلى الدرجات، لماذا؟ لأنها تدل على عدم الواسطة وهذا مقطوعٌ به وأعلى هذه الثلاث سمعت هذا أعلى الثلاث (ثم (قال كذا))، ثم المرتبة الثانية باعتبار ألفاظ النقل الحديث عند الصحابي ((قال كذا)) يعني: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كذا، أو فعل كذا مثلها داخلةٌ في الحكم لماذا صارت مرتبةً ثانية؟ قال: (لاحتمال سماعه من غيره). إذا قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -. هذا يحتمل قال ليست نصًا في السماع وإنما هي محتملة حينئذٍ يحتمل التدليس يحتمل الإرسال فإذا كان كذلك حينئذٍ لا تكون مساويةً للقول السابق إن قلت بأنه الصحابي إذا قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأسقط صحابيًّا لا يؤثر، إذًا لماذا نفرق بين هذه المرتبة وتلك؟ هذه التفريق هنا بين ألفاظ النقل عند الصحابة تفيد في الترجيح عند التعارض عند الأصوليين يعني: إذا لم يكن بين الروايتين المتعارضتين جمعٌ إلا بأن يكون هذا الصحابي قال: سمعت. وهذا قال: قال. حينئذٍ سمعت أعلى درجة فتقدم على قال، فقط هذا الذي ينبني عليه وهو شيء مهم (ثم (قال كذا) لاحتمال سماعه من غيره) والراجح حمله على ماذا؟ على عدم الواسطة هذا الراجح إذا احتمل أنه سمع من غير النبي - صلى الله عليه وسلم - صحابي وأسنده للنبي - صلى الله عليه وسلم - نقول: هذا احتمال. فحينئذٍ الأصل السماع أو الواسطة؟ الأصل السماع فنحمله على السماع، وإن كان يجوز أن يكون ثَمَّ واسطة وأسقطها الصحابي إذا قيل: لاحتماله سماعه من غيره الراجح حمله على عدم الواسطة لأنهم قالوا ماذا؟ لماذا جعل مرتبةً ثانية ((قال كذا))؟ قال: يحتمل. لأن هذه من صيغ التدليس ومن صيغ الإرسال، حينئذٍ يحتمل أن الصحابي أسقط صحابيًّا ولم يسمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - نقول: هذا احتمال عقلي وارد، ولذلك وُجِدَ فيمن بعد الصحابة، لكن ما هو الأصل؟ الأصل عدم الواسطة، فيبقى الأصل على ما هو عليه حتى يدل الدليل على خلافه.
(4/15)

(ثم) المرتبة الثالثة: ((أمر) أو (نهى)) أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا لم ينقل لنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بكذا أو نهى عن كذا، هذه مرتبةٌ ثالثة وهي تشترك مع الثانية في احتمال الواسطة يعني: يحتمل أنه أسقط. قال: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولم يكن هو الذي سمع الأمر، نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن هو الذي سمع النهي فهو محتمل، لِمَ جعل مرتبة ثالثة ولم تكن داخلة في المرتبة الثانية؟ قال: لأنه يحتمل أن يقول: أمر. وقد فهم خطأ ولم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا قولٌ لبعض الأصوليين أن الصحابي إذا قال: أمر. لا يحمل على الأمر الذي هو صيغة افعل ويزاد عليه احتمالٌ آخر وهو أن يعتقد ما ليس بأمرٍ أمر وليس فيه أنه أمر للجميع، ولكن هذا الاحتمال باطل كون الصحابي يعتقد أو أنه يخطأ في كونه ما ليس أمرًا أَمرًا هذا باطل لماذا؟ لأن الفهم هنا فهم لغوي وإذا كان كذلك فالصحابة أعلى درجات الفصاحة يعني: بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -. حينئذٍ إذا قال الصحابي: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقد أمر ولم يفهم منه خلاف ذلك، وإنما هذه وساوس فقط عند بعض الأصوليين، فيحمل هذا الأمر على التجويز العقلي، نعم ثَمَّ عند الأصوليين ما يسمى بـ - وأُسَمِّيه أنا دائمًا بالتجويزات العقلية - وهذا يرد على كل ما يمكن أن يكون قاعدة فيجوز عقلاً أن يكون أَمَرَ نعم عقلاً جائز لكن بالفعل والواقع الصحابة أعلم بالشرع وأعلم بلسان العرب وأعلم بقواعد الأصول وأعلم بكل ما يتعلق بالشريعة حينئذٍ صار هذا الاحتمال مرجوحًا والراجح هو أن الصحابي فهم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجهه نعم.
(ثم (أُمرنا)) (ثم) الرابعة المرتبة الرابعة ((أُمرنا)) و ((نُهينا)) إذا قال الصحابي: أمرنا. من الآمر؟ قالوا هنا: النظر في [كون القائل أبا بكر رضي الله تعالى عنه أو غيره] (1)، كون القائل أبي بكر أو غيره، حينئذٍ إذا قال أبو بكرٍ الصديق رضي الله تعالى عنه: أُمرنا. فليس آمر إلا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإذا قال: نهينا. فليس ناهٍ إلا النبي - صلى الله عليه وسلم -، من بعد أبي بكرٍ فإذا قال الصحابي: أمرنا. فيحتمل أنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أنه عمر أو يحتمل أنه علي أو يحتمل أنه عثمان، فلما جاء الاحتمال قالوا: هذه تنزل درجة. والصحيح أنها لاحقة بالأولى، إذا قال الصحابي: أمرنا فليس. ثَمَّ آمرٌ إلا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإذا قال: نهينا. فليس ثَمَّ ناهٍ إلا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي مما يجعل له حكم الرفع سواءٌ أُسند فيما سيأتي أو لا.
وَلْيُعْطَ حكم الرفع في الصواب ... نحو من السنة من صحابي
كذا أمرنا وكذا كنا نرى ... في عهده ...................
__________
(1) سبق.
(4/16)

(ثم (أُمرنا) أو (نُهينا) لعدم تَعَيُّن الآمر) يحتمل النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أبا بكرٍ أو عمر أو عثمان (ومثله) يعني: في الدرجة والمرتبة. (من السنة) إذا قال الصحابي: من السنة. يحتمل أنها سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويحتمل أنها سنة أبي بكر أو سنة عمر أو غير ذلك، والصحيح هو أنها محمولة على سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يطلق الصحابي لفظ من السنة أو أمر أو نهى أو أمرنا أو نهينا إلا ومرادهم به النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو المشرع وهو الذي تسند إليه الأمور، وهذه كلها لها حكم الرفع يعني: هو مرفوع للنبي - صلى الله عليه وسلم - لكن حكمًا، ولذلك نص السيوطي على ذلك.
وليعط حكم الرفع في الصواب ... نحو من السنة من صحابي
كذا أمرنا وكذا كنا نرى ... في عهده أو عن إضافة عن عرى

(ثم (كنا نفعل))، (ثم) المرتبة الخامسة والأخيرة وهي: ما يتعلق بالفعل لا بالقول. ((كنا نفعل) أو (كانوا يفعلون)) وهذه الصيغة تحتمل أمرين يعني: يقول كنا نفعل في عهده - صلى الله عليه وسلم -. لا شك هنا أسند الفعل إلى زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو زمن التشريع حينئذٍ أقره النبي فصار حجة قاطعة إذا قال الصحابي: كنا نفعل. يحتمل ماذا؟ أنه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أنه بعده فيحتمل أنه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أنه بعده فإذا قال: كنا نفعل. يحتمل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل من بعده فحينئذٍ قال المصنف: (فإن أضيف إلى زمنه فحجة). يعني: فهو حجة. خبر مبتدأ محذوف ((كنا نفعل)) ((كانوا يفعلون)) دون إضافةٍ إلى زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - هل يعتبر له حكم الرفع أو لا؟ الصحيح نعم سواء أسندوه إلى عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو لا لأنه بالاستقراء أن الصحابة لا يقولون ذلك فيما عاد النبي - صلى الله عليه وسلم - والاستقراء حجة قطعية وهي هنا استقراء تام فيكون مقطوعًا به (أو (كانوا يفعلون)، فإن أضيف) للنبي (إلى زمنه فحجة، لظهور إقراره عليه)، وكذلك إذا لم يضف إلى عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والزمن زمن تشريع فأقرهم الله عز وجل من السنة نعم.
وليعطى حكم الرفع في الصواب ... نحو من السنة من صحابي
كذا أمرنا وكذا كنا نرى ... في عهده أو عن إضافة عرى

في عهده أو عرى عن إضافة يعني: نسبة إلى عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كله له حكم الرفع، وهذا هو الصحيح.
(4/17)

(وقال أبو الخطاب (كانوا يفعلون) نقل للإجماع) هذا أشد (وقال أبو الخطاب) إذا قال: ((كانوا يفعلون)) هذا (نقل للإجماع) لماذا؟ لأنه لا يذكر إلا من قوله حجة كان أصحاب رسول - صلى الله عليه وسلم - لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة سوى الصلاة، هذا يعتبر نقل للإجماع (وقال أبو الخطاب) إذا قال الراوي عن الصحابة سواء كان صحابيًّا أو لا ((كانوا يفعلون) نقل للإجماع) لأنه لا يقول ذلك إلا ويقصد بهم إقامة الحجة يعني: من تقوم به الحجة فيحمل على من قولهم حجة وهو الإجماع خلافًا لبعض الشافعية إذا قال أنه ليس بحجة نعم إذا قال الصحابي أو قال التابعي الكبير ممن أدرك جل الصحابة كانوا يرون كذا هذا نقل للإجماع إلا إذا نقل خلاف قول صحابي فحينئذٍ يعتبر خلافًا، ومن هذه المسألة مسألة كفر تارك الصلاة فهي مجمع عليه بين الصحابة ولا خلاف بينهم البتة، والخلاف حادث ليس له أصل في عهد الصحابة، (ويقبل قوله (هذا الخبر منسوخ) عند أبي الخطاب) إذا قال الصحابي: هذا منسوخ. هذا الخبر منسوخ يقبل أو لا يقبل؟ نعم يقبل لأنه عالمٌ بالشريعة ومدرك للوقائع وصاحب فهمٍ سليم، فإذا قال: هذا الخبر منسوخٌ بكذا. فحينئذٍ أعتمد قوله، (ويقبل قوله) قول الصحابي ((هذا الخبر منسوخ) عند أبي الخطاب، ويرجع إليه في تفسيره) يعني: تفسير الخبر الذي رواه. تفسير الصحابي للخبر ليس كمسألة هل قوله حجة أو لا؟
ثَمَّ مسألتان عند الأصوليين قول الصحابي حجة أو ليس بحجة؟ هذا إذا كان ثَمَّ استنباط أو ما يحتمل الاجتهاد، هذه مسألةٌ، ومسألة أخرى إذا فسر الصحابي الآية مثلاً أو فسر حديثًا، هل هي مثل تلك المسألة؟ الصواب: أن بينهما فرقًا، ولذلك من لم يعتمد قول الصحابي بأنه حجة سَلَّمَ في مسألة تفسير الصحابي للنص واعتبره حجة، لماذا؟ لأن التفسير هنا مبناه على شيئين:
الأول: إدراك عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ يكون صاحب فقهٍ سليم.
ثانيًا: علمه بلسان العرب.
فهو أولى من يعتمد في تفسير الألفاظ اللغوية، فإذا قال ابن عباس في تفسير آية: كذا. عند بعضهم يعتبر حجة، بل بعضهم يرى أنه مرفوع إذا قال الصحابي: قوله تعالى كذا يرى أن له حكم الرفع.
وهكذا تفسير ما قد صَحِبَا ... في سبب النزول أو رأيًا أبى
(4/18)

[(ويقبل قوله) نعم] (1) (ويرجع إليه في تفسيره) يعني: تفسير الخبر الذي رواه. هذا ما يتعلق بالصحابي من حيث نقل الخبر، يعني: صيغ الأداء. (ولغيره مراتب) غير الصحابي إذا أراد أن يؤدي الخبر غيره مراتب (ولغيره مراتب: أعلاه قراءة الشيخ عليه) والأولى أن يقول: أعلاها. لأن المراتب جمع فيعود الضمير مؤنثًا (ولغيره مراتب: أعلاه) يمكن أن نؤول له (أعلاه) أي: أعلى. المذكور الشيء المذكور إذا أولناه بالمذكر جاز وإلا الأصل أن يقول: أعلاها. يعني: أعلى المراتب نعم. أعلاها (قراءة الشيخ عليه) على من؟ على التلميذ أو الراوي أو الطالب (في معرض الإخبار) لأنه يسمع لفظ الشيخ ففيه من التثبت والتحفظ (فيقول) إذا أراد أن يؤدي إذا كان لوحده ((حدثني) أو (أخبرني) و (قال) و (سمعته))، وإذا كان معه غيره قال: حدثنا أخبرنا قال لنا سمعناه حينئذٍ يأتي بصيغة الجمع، إذًا أعلى الدرجات قراءة الشيخ على الراوي حينئذٍ يكون ماذا؟ في معرض الإخبار يعني: يقصد به أن يخبره. بمعنى أنه إذا لم يقصد كمن جلس في زاوية أو طرده الشيخ مثلاً هل الشيخ قاصد له أم لها؟ هذه مسألة أخرى فيها كلام نعم فيقول: (ثم قراءته على الشيخ). الأولى قراءة الشيخ على الطالب الآن العكس وهي ما يسمى بـ مرتبة العرض وأنكرها بعضهم وجماهير المحدثين على التسليم بها (قراءته) يعني: قراءة التلميذ أو الراوي (على الشيخ، فيقول الشيخ: نعم. أو يسكت) (نعم) يعني: ما قرأته صحيح. (أو يسكت) فيكون إقرارًا، خلافًا لبعض الظاهرية قالوا: لا بد أن ينطق الشيخ بصحة ما قرأ عليه قال: نعم. لا إشكال أنه نطق لأن ما بعد نعم هو الجملة المفيدة، وإذا لم يقل: نعم. بل سكت هذا محتمل فإذا كان محتملاً حينئذٍ لا ينبني عليه حكمٌ فيقول: ((أخبرنا). إذا أراد أن يؤدي وقد أدى عرضًا يقول تلميذ أو الراوي إذا أراد أن يبلغ: ((أخبرنا) أو (حدثنا) قراءة عليه لا بدونه في رواية) وهذا قيد للفظين ((أخبرنا)) قراءةً عليه ((حدثنا) قراءة عليه لا بدونه في رواية) لا بدون هذا القيد (قراءة عليه) في رواية على الإمام أحمد رحمه الله تعالى لماذا لا بدونه؟ لأنه يوهم السماع لا شك أن قراءة الشيخ أعلى من قراءة الطالب على الشيخ أعلى فإذا قال: أخبرنا حدثنا. أوهم أنه سمعه مباشرةً منه وليس الأمر كذلك لأنه يوهم السماع من لفظ الشيخ وهو كذب في الرواية فلا يجوز، وثَمَّ رواية أخرى عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه يقول: أخبرنا أو حدثنا بدون قيد. لأنها في معنى سماع الراوي من لفظ الشيخ نعم.
__________
(1) سبق.
(4/19)

(وليس له إبدال إحدى لفظتي الشيخ (حدثنا) أو (أخبرنا) بالأخرى في رواية) يعني: ليس بالراوي إذا سمع الشيخ يقول: حدثنا شيخنا. فيروي عنه فيقول: قال شيخنا، أخبرنا شيخنا. لا يبدل حدثنا بأخبرنا ولا يبدل أخبرنا بحدثنا لماذا؟ لأنه يحتمل أن يكون الشيخ هذا ممن يرى التفريق بين حدثنا وأخبرنا لأن ثَمَّ خلاف بين أهل الحديث ما الفرق بينهما؟ أو هل يستعمل هذا في محل ذاك؟ إذًا ليس له للراوي إبدال إحدى اللفظتين الشيخ حدثنا أو أخبرنا بالأخرى يعني: لا يبدل حدثنا بأخبرنا، ولا أخبرنا بحدثنا (في رواية) يعني: الإمام أحمد. والرواية الأخرى بالجواز يجوز أن يقول هذا أو ذاك ولا يجوز له لماذا؟ لاحتمال أن لا يرى الشيخ التسوية بين اللفظين فيكون كاذبًا على الشيخ.
(4/20)

(ثم) هذه المرتبة الثالثة ((الإجازة)) هذه المرتبة الثالثة من مراتب تحمل الحديث (أن يأذن الشيخ بالرواية عنه) ليس فيه تحديث لا يقرأ الشيخ ولا الطالب كل منهما قد استراح، وإنما يأذن الشيخ للطالب بتحمل هذه الأحاديث عنه دون قراءة فيختصر له الطريق بدلاً من أن يبقى وهذه ما جاءت أصلاً الفكرة إلا من أجل الاختصار بدلاً من أن يقرأ الشيخ فيأخذ الوقت أو الطالب فيأخذ الوقت يقول: ارْوِي عني هذا، أجزتك في رواية هذا الكتاب عني. إذًا (الإجازة) أن يأذن الشيخ بالرواية عنه فيقول: (أجزت). صيغتها (أجزت لك رواية الكتاب الفلاني) المعين صحيح البخاري مثلاً (أو مسموعاتي) إذًا قد تكون الإجازة عامة، وقد تكون خاصة بكتاب أو بمرويات شخص معين (أو مسموعاتي) على جهة العموم (و (المناولة) فيناوله كتابًا) المناولة هذه نوع من الإجازة (فيناوله كتابًا) يعني: يعطيه الكتاب. (ويقول: ارْوِه عني) (ارْوِه) بدون همزة (ارْوِه عني) عني يعني: هذا إذن في الرواية (فيقول: (أنبأنا)) يعني: إذا أراد الراوي أن يروي يقول: ((أنبأنا) وإن قال: (أخبرنا)) يجوز لكن بشرط أخبرنا (إجازة أو مناولة) حينئذٍ يقول: أنبأنا في الإجازة وفي المناولة. لكن هل له أن يقول: أخبرنا؟ حينئذٍ له ذلك لكن لا بد من القيد أخبرنا إجازةً أخبرنا مناولةً، وهكذا (فلا بد من إجازةً) (من) هذا حرف جر (إجازةً) بالنصب لا تقول: من إجازةٍ. تخطئ يعني: لا بد من إضافة قيد إجازةً بعد قولك: أخبرنا. حال كون إخبار إجازةً فالنصب هنا على الحكاية النصب على الحكاية (فلا بد من إجازةً أو مناولة وحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف منع الرواية بهما) بالإجازة والمناولة والمنع محمول على غير العالم بما في الكتاب، أما العالم فتجوز له الرواية لأن الباب فتح فدخل في العلم ما ليس منه بسبب الإجازات والمناولات فأبو حنيفة رحمه الله تعالى وغيره وهذا هو الظاهر الذي ينبغي اعتماده إغلاقًا للباب لأن مسألة ليس فيها نصوص شرعية وإنما هي مفاسد ومصالح حينئذٍ الذي يجاز ويروي عن شيخه بالإجازة هو الذي يكون عالمًا بما في الكتاب، أما الذي لا يدري ما العلم أصلاً ولا يدري ما الذي في الكتب ولا في ذلك الكتاب، فالأصل أنه لا تصح منه إجازة، فلو أجازه ورَوَى هذا كذب، لماذا؟ لأن هذه ما أجيزت الإجازة إلا من أجل الحفاظ على الأسانيد فحسب، ليس لها علة، ليس عندنا تصحيح وتضعيف للمتأخرين لا، وإنما الموجود في الكتب هو الذي يعتمد فأنت تنظر مما ذكره الترمذي إلى عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا تنظر من عهدك أنت إلى الترمذي إذا أُجِزْتَ في جامع الترمذي حينئذٍ صار هذا السند الذي بينك وبين الترمذي من باب إبقاء السلسلة فقط يعني: سلسلة الإسناد.
(4/21)

وأما البحث فيها وهذا لا نظر للناظر فيه لأننا لو نظرنا فيها لأسقطت الكتب الستة كلها البخاري ومسلم وغيره لأنها مجاهيل في الغالب إلا في بعضها محفوظ، لكن في الغالب هي مجاهيل فإذا كان كذلك حينئذٍ صار النظر من أصحاب الكتب الستة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعليه إذا كان الأصل في إجازة الإجازة والمناولة إبقاء لسنة الإسناد فالأصل أنها تبقى عند أهل العلم، وأما كل من هب ودب هذا يمنع منه (وحكي عن أبي حنيفة وأبي يوسف منع الرواية بهما) يعني: بالإجازة والمناولة.
(4/22)

ثم قال: (ولا يجيز الرواية (هذا الكتاب سماعي) بدون إذنه فيها). يعني: لا تجوز الرواية بهذا الكلام، إذا قال الشيخ لتلميذه: هذا الكتاب سماعي. هل فيه إذن للطالب أن يروي عنه؟ لا، إذًا لا يجوز أن يروي عنه بمجرد هذه العبارة بل لا بد أن يأذن لله هذا الكتاب سماعي فاروه عني، وأما إذا لم يأذن له فلا يجوز له أن يروي بمجرد هذه العبارة (ولا يجيز الرواية (هذا الكتاب سماعي))، ((هذا الكتاب سماعي)) هذا فاعل، فَاعل (يجيز) و (الرواية) هذا مفعول به (بدون إذنه فيها) يعني: [في هذه الإجا] (1) في هذا التعبير لأن جواز الرواية مستفاد من الإذن فيها وهو معدومٌ هنا (ولا وجوده بخطه) بمعنى أنه لو وَجَدَ شيئًا بخط شيخه هل يرويه عنه أو لا؟ قال: لا، لا يرويه عنه. (ولا وجوده بخطه) يعني: لو وجد شيئًا بخط شيخه فإنه لا يرويه عنه. (بل يقول: وجدت كذا) لا يرويه عنه يعني لا يقول: أخبرنا شيخنا. كذب هذا ما أخبره أو حدثنا شيخنا، وإنما يقول: وجدت بخط شيخي كذا. تكون أمانة في النقل (بل يقول: وجدت كذا) وجدت بخط فلان كذا وكذا وتسمى عند المحدثين وجادة وهي أضعفها (ومتى وجد سماعه بخط يوثق به وغلب على ظنه رواه وإن لم يذكره، خلافًا لأبي حنيفة) كان قديم إذا حضر الطلاب وسمعوا من شيخهم قيدوا ذلك ما يسمى بالسماع حينئذٍ يكون في آخر الكتاب سمع هذا الكتاب فلان وفلان وَفلان وفلان فإذا وجد الطالب اسمه في ضمن القائمة وهو قد نسي أنه حضر ذلك المجلس هل له أن يروي أو لا؟ قال: نعم. ... (ومتى وجد) الطالب (سماعه) من شيخه (بخط يوثق به وغلب على ظنه أنه سمعه) أنه سمعه من الشيخ رواه (وإن لم يذكره) يعني: لم يذكر السماع نسي أنه حضر ذلك المجلس ووجد اسمه موجود في ضمن القائمة الذين سمعوا ذلك الكتاب أو تلك الأحاديث له أن يروي؟ نعم له أن يروي بشرط أن لا يكون ذاكرًا أنه لم يحضر يعني: نسي السماع. (رواه وإن لم يذكره) يعني: جاز له أن يرويه اعتمادًا على الخط إن كان ناسيًا للسماع لأن مبنى الرواية على غلبة الظن وهنا حصل غلبة الظن، إذًا (ومتى وجد سماعه بخط يوثق به وغلب على ظنه رواه وإن لم يذكره، خلافًا لأبي حنيفة) حيث قال: لا يجوز ذلك قياسًا على الشهادة. (وإن شك فلا) (وإن شك) الراوي في سماع الحديث من شيخه (فلا) يعني: فلا يروه عنه. لأن الشك يصير الشيء الموجود معدومًا فمن شك في شيءٍ فكأنه لم يوجد (فإن أنكر الشيخ الحديث) بدون جزمٍ (وقال: لا أذكره) أو لا أعرفه قبل الحديث ولم يقدح في الراوي ولا في شيخه بمعنى أن الراوي روى حديثًا عن شيخٍ فقال الشيخ: هذا الحديث لا أعرفه، أو (لا أذكره). ودون أن يجزم (لم يقدح ذلك فيه) يعني: في الراوي. لأن الراوي عدلٌ جازم بالرواية، فأما إن جزم الشيخ بأن هذا الحديث لم يروه قطعًا قطعًا فحينئذٍ رد الحديث وبقي الشيخ وتلميذه على العدالة، رُدّ الحديث لأنه كذبه صاحبه يعني: الشيخ.
__________
(1) سبق.
(4/23)

فحينئذٍ إذا كذب الحديث رُدَّ الحديث، وأما الراوي نفسه فهذا يُقبل ويكون عدلاً (لأن الراوي عدل جازم بالرواية فإن جزم الشيخ بأن كذب الراوي رد الحديث لكذب واحد منهما لا بعينه ولا يقدح ذلك في واحد منهما للتعارض) يعني: كل منهما يبقى على أصل عدالته وأما الحديث فلا يقبل، ومنع الكرخي ذلك منع منه يعني: لا يقبل مطلقًا سواء جزم بكذبه أو توقف (ولو زاد ثقة فيه لفظًا أو معنى قبلت) هذا ما يتعلق بزيادة الثقة وشرط قبول الزيادة عند كثير من المتأخرين أن تكون من ثقة ... (ولو زاد ثقة فيه) يعني: في النص. (لفظًا) بأن زاد كلمةً (أو معنى قبلت) مطلقًا عند أكثر المتأخرين (فإن اتحد المجلس) يعني: مجلس الحديث. (فالأكثر عند أبي الخطاب) يعني: من زاد إن كان الزائد هو الأكثر قبلت الزيادة، وإن كان تارك الزيادة هو الأكثر ردت الزيادة. فالعبرة حينئذٍ بالكثرة (فإن اتحد المجلس) يعني: مجلس الحديث. (فالأكثر عند أبي الخطاب) يعني: قدم قول الأكثر. ومفهومه إن لم يتحد المجلس قبلت الزيادة مطلقًا لأنه قيده بماذا؟ قال: (فإن اتحد المجلس) له مفهوم ما هو مفهومه؟ إن اختلفت المجالس قبلت الزيادة مطلقًا (والمثبت مع التساوي في العدد والحفظ والضبط) يعني: يقبل المثبت في الزيادة لا النافي لكن بشرط (مع التساوي في العدد والحفظ والضبط) لأن من حفظ حُجة على من لا يحفظ وهؤلاء قد تساووا في العدد وتساووا في الحفظ وفي الضبط وحينئذٍ المثبت للزيادة يكون مقدمًا لأن معه علم ليس مع غيره (وقال القاضي: روايتان) يعني: عن الإمام أحمد.
الرواية الأولى: يقدم المثبت لأن معه زيادة علم.
الرواية الثانية: يقدم النافي لأن الأصل عدم الزيادة.
(4/24)

والقول الصحيح في مسألة زيادة الثقة أنه لا يقعد لها قاعدة عامة بل ينظر فيها باعتبار القرائن متى ما دلت القرائن على قبولها قبلت ومتى ما دلت القرائن على ردها ردت، وقد حقق ذلك ابن رجب رحمه الله تعالى في شرحه إلى الترمذي (ولا يتعين لفظه، بل يجوز بالمعنى) هل يجوز رواية الحديث بالمعنى أم لا؟ فيه خلاف وجمهور المحدثين على الجواز لكن بشرط أن يكون عالمًا بما يحيل المعاني، وأما إن لم يكن عالمًا بما يحيل المعاني فالأصل عدم جواز الحديث بالمعنى، ولذلك قال هنا: (ولا يتعين لفظه). يعني: لفظ الحديث. ليس بشرط أن تحفظه كما هو (بل يجوز بالمعنى) في كل حديث أو في غير المتعبد به؟ الثاني في غير المتعبد يعني: الأذكار ما ترويها بالمعنى، الأذان ثابت بالسنة ما ترويه بالمعنى أليس كذلك؟ حينئذٍ أذكار الصباح وأذكار المساء والتسابيح التي تكون بعد الصلاة لا تروى بالمعنى، إذًا في غير المتعبد به، وأما المتعبد به فهذا لا بد من حفظه كما ورد في السنة (بل يجوز بالمعنى) يعني: في غير متعبد بلفظه كـ: الأذان، والإقامة، والأذكار. (لعالمٍ) يعني: يجوز لعالمٍ. بغير عالم لا يجوز له مفهوم جار ومجرور هنا لتقيد (لعالمٍ) يعني: لغير العالم فلا يجوز (لعالمٍ) بماذا؟ (بمقتضيات الألفاظ عند الجمهور) وهو قول الجمهور يعني: لعالم بما يحيل المعاني (فيبدل اللفظ بمرادفه) يعني: يأتي بمرادف. ولا يشترط أن يكون مرادفه وإنما يشترط أن يكون المعنى هو المعنى أن يكون المعنى مساويًا لمعنى الحديث، وأما اشتراط المرادف هذا كأنه بقي على حاله لأن المرادف كالمرادف كأنك أبقيته على حاله وإذا كان كذلك حينئذٍ صار جواز رواية الحديث بالمعنى صارت ليس لها جوهر وإنما هو شيء في الظاهر والصحيح أن يقال: أنه يجوز أن يروي الحديث بالمعنى بشرط ألا يأتي بألفاظ تحمل معاني تخالف أصل الحديث من أصله فيجوز بالمرادف وبغيره (لا بغيره، ومنع بعض المحدثين مطلقًا) يعني: سواء كان عالمًا أو لا.
ثم قال: (ومراسيل الصحابة مقبولة). (مراسيل الصحابة) ما أخبر به الصحابي عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو فعله ولم يسمعه أو يشاهده يعني: ما أدرك تلك الواقعة أو ما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك القول وحكاه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرةً، إذًا لا بد أن يكون ثَمَّ واسطة بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا ما يسمى بالمرسل.
وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وَصْلٌ فِي الأَصَحْ
(4/25)

هذا الذي عليه المحققون من أهل الحديث، (ومراسيل الصحابة مقبولة) في قول الجمهور وعليه عمل أئمة الحديث لأنه موصولٌ مسندٌ لأن روايات الصحابة غالبًا عن الصحابة والجهالة بالصحابي لا تضر ومن ذلك ما روته عائشة كان أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا الصالحة وهي ما أدركت ذلك إذًا (ومراسيل الصحابة مقبولة) على الصحيح وهو قول جماهير أهل الحديث لأنه أسقط صحابيًّا وعدم العلم بذلك الصحابي وجهالته لا تضر (وقيل: إن عُلِمَ أنه لا يروي إلا عن صحابيٍّ) يعني: قيل مقبولة متى؟ إن علم أنه لا يروي لا ساقط هنا (لا يروي إلا عن صحابي) بمعنى أن الصحابي الذي يُسْقِطَ الواسطة يحتمل أنه رواه عن صحابي ويحتمل أنه رواه عن غير صحابي إن علمنا من حاله أنه لا يروي إلا عن الصحابة قبلناها وإلا فلا وهذه كغيرها من المسائل التي تكون من التجويزات العقلية لا وجود لها في الواقع (وفي مراسيل غيرهم روايتان) مرسل غير الصحابي فهو مرفوع التابعي.
المرسل مرفوع بالتابعي أو ... لكبر أو سقط راوي قد حكوا
(4/26)

أشرها الأول (وفي مراسيل غيرهم روايتان) عن الإمام أحمد القبول، والمنع. يعني: ثَمَّ خلاف بين أئمة الحديث هل يقبل المرسل أو لا يقبل؟ حينئذٍ من قبله قد جاء الكثير من التفريعات الفقهية مبنية على الأحاديث المرسلة، ومن منعه حينئذٍ أسقط كثيرًا من الأحكام المبنية على الأحاديث المرسلة (القبول كمذهب أبي حنيفة وجماعة من المتكلمين، اختارها القاضي) لماذا؟ قالوا: نقبل مرسل غير الصحابي. لماذا؟ لأن العدل لا يحذف الواسطة مع الجزم بالخبر إلا وهو عالم بأن الواسطة ثقة كأنه قال: حدثني الثقة. يعني: أحالوا هذه المسألة على المسألة السابقة ما يجزم بكون هذا القول منسوب للنبي - صلى الله عليه وسلم - إلا وهو قد عرف أن هذا الذي أسقطه ثقةٌ حينئذٍ نقول قد يكون ثقةً عنده ولا يكون ثقةً عند غيره فبقي الاحتمال والأصل فيه ذكر الواسطة (والمنع) يعني: لا يقبل مراسيل غير الصحابة. (والمنع) للجهل بالساقط (وهو قول الشافعي وبعض المحدثين والظاهرية) ورده الأقوى كما قال السيوطي ورده الأقوى دل على أن الصحيح أن عدم قبول مراسيل غير الصحابة هو المعتمد لماذا؟ للجهل بالساقط فلا بد من العلم به ثم قال: (وخبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبولٌ خلافًا لأكثر الحنفية). (وخبر الواحد) يعني: الآحاد. يعني به الآحاد (فيما تعم به البلوى) يعني: ما يكثر وقوعه بين الناس. هل يشترط فيما يكثر وقوعه بين الناس أن ينقله عدد كبير من الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى والمتأخرين يشترطون ذلك فما تعم به البلوى ويحتاجه كل الناس في ذلك الحكم لا بد أن ينقل نقلاً صحيحًا، وإذا نقل نقلاً أحاديًّا قالوا: هذا دل على أنه لم يقع إذ لو وقع أو قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - لنقل نقلاً متواترًا فلما لم يكن كذلك دل على أنه غير ثابت (وخبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبولٌ) وهو مذهب الجمهور (خلافًا لأكثر الحنفية) المتأخرين ما تعم به البلوى، وهذا من حيث التقعيد واضح بَيِّن أن لا يفرق ما دام .. العبرة بماذا؟ العبرة بصحة السند إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، متى ما ثبت أن هذا هو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل مطلقًا، في العلميات والعمليات، ما تعم به البلوى وما لا تعم به البلوى، في الحدود وفي غيرها مطلقًا؛ لأن العبرة بصحة السند، فمتى ما صح السند حينئذٍ قُبِل (وفي الحدود وما يسقط بالشبهة خلافًا للكرخي) (وفي الحدود) يعني: خبر الواحد مقبول في الحدود. يعني: في إثبات الحدود.
(4/27)

(الحدود وما يسقط بالشبهة) لماذا؟ لأنها تثبت بغلبة الظن (خلافًا للكرخي) يعني: لا يشترط في الحدود أن يكون العلم بها يقينيًّا، وإذا لم يكن كذلك حينئذٍ يقبل خبر الواحد سواء قلنا بأنه يفيد العلم أو قلنا بأنه يفيد الظن (خلافًا للكرخي) لأن المضمون عنده غير مقطوع بصحته صار شبهة في دار الحدود ما دام أنه خبر واحد صار مظنونًا، وإذا كان كذلك صار شبهة في دار الحدود عن أصحابها وهذا لم يبقى حدٌ يطبق (وفيما يخالف القياس) يعني: خبر الواحد فيما يخالف القياس مقبولٌ (وفيما يخالف القياس) والقياس دليل شرعي وخبر الواحد دليل شرعي وهل يتخالفان؟ هل يوجد في الشريعة شيء يخالف القياس؟ هذا شاع وانتشر عند كثير من المتأخرين، والقول الحق في هذه المسألة أن الشريعة كلها من أولها إلى آخرها من المتفق عليه والمختلف فيه الراجح لا يوجد فيها حرف واحد مخالف للقياس بل كلها على القياس وما يقال بأن العرايا مثلاً خارجة عن القياس وإلى آخره نقول: هذا كله اجتهادٌ والصواب أنها جاءت على القياس ما أصله الشرع هو القياس وما استثناه من ذلك الأصل هو القياس فلا فرق بينهما، إذًا لا يتصور أن يأتي خبر واحد يخالف القياس (وحكي عن مالك تقديم القياس) هذا لم يثبت عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، ولذلك قال المصنف: (وحكي). (وقال أبو حنيفة: ليس بحجة إن خالف الأصول أو معناها) يعني: خبر الواحد. (ليس بحجة إن خالف الأصول) ما المراد بـ (الأصول) الكتاب والسنة والإجماع (أو معناها) القياس المراد به القياس (وقال أبو حنيفة: ليس بحجة إن خالف الأصول أو معناها) يعني: القياس. فيكون الكتاب مقدمًا والسنة كذلك مقدمة والإجماع مقدم أو خالف القياس فيكون القياس مقدمًا على خبر الواحد وهذا قولٌ باطل قول الخبر الواحد إذا خالف القياس قدم القياس على خبر الواحد هذا قولٌ باطل لماذا؟ لأنه إن دل على ما دل عليه القياس صار اجتهادًا في مقابلة النص فالنص يكون ثابتًا قبل القياس واضح هذا؟ إذا قيل: تخالف قياس وخبر واحد. تعارضا نحن نقول: إذا تعارضا تَعارضا في ماذا؟ في فرع، إذًا متى أقدم على القياس إذا لم يكن ثَمَّ حكمٌ شرعيٌّ ثابت للفرع وهنا يتصور أنه ثبت بخبر الواحد فكيف يقال بالقياس؟ فالقياس باطل، لماذا؟ لأنه من شرط القياس أن لا يكون للفرع حكمٌ ثابتٌ بالنص، فإن وجد نص فصار هو المقدم حينئذٍ صار هذا اجتهاد في مقابلة النص.
ثم ها هنا أبحاث يشترك فيها الكتاب والسنة من حيث إنها لفظية بمعنى أنه سيبدأ في دلالات الألفاظ وهذا أهم ما يعتنى به في أصول الفقه هو اللُّب هو الخلاصة دلالات الألفاظ النص، والظاهر، والعام، والمطلق، والمقيد، والتخصيص، والاستثناء، ونحو ذلك لكنه قدم بمقدمة وهي: مبدأ اللغات.
وثانيًا: هل يثبت القياس في اللغة؟
ثم ثالثًا: بحث الكلام واللغة.
سيأتينا غدًا إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(4/28)

عناصر الدرس
* اللغات توقيفية.
* أقسام الحقيقة.
* النص، والظاهر.
* المجمل والمبين، والمشترك.
* العام، وألفاظه.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ثم ها هنا أبحاث يشترك فيها الكتاب والسنة من حيث إنها لفظية) هذا ما يتعلق بالأمور المشتركة بين الكتاب والسنة وهو ما يتعلق بمباحث اللغة، وما يتعلق بمباحث اللغة كما ذكرنا أنه ينظر فيها من جهة اللغات توقيفية أو لا؟ والقياس وتعريف الكلام والكلمة والجملة ونحو ذلك ثم بعد ذلك يتحدثون ويتكلمون عن دلالات الألفاظ وأهمية اللغة بالنسبة للأصول هي تعتبر أساس عند الأصوليين لأن من لا يعرف اللغة لا يمكنه استنباط الأحكام من الكتاب والسنة قال: (منها) أي: من هذه الأبحاث أو المبحث الأول في مبدأ اللغات ما يسمى بمبدأ اللغات، قال رحمه الله تعالى: (اللغات توقيفية)، (اللغات) جمع لغة وأصلها لُغَوَة على وزن فُعَلَ من لغوت إذا تكلمت هي ألفاظٌ وضعت لمعاني حينئذٍ اللغة ألفاظ، واللفظ قد يكون مفردًا وقد يكون مركبًا، دخل المفرد والمركب في حد اللغة، ألفاظٌ وضعت لمعانٍ بمعنى أنها دالةٌ على معنى، والمعنى: مفعل من عنيت بمعنى قصدت. مَفْعَل، مَعْنَى، مَفْعَل من عَنَيْتُ بمعنى قصدت وهو أعم من المسمى لأن المعنى هو ما يقصد باللفظ سواءٌ كان حقيقيةً أو مجازًا، حينئذٍ دخل في تعريف اللغة الحقائق والمجازات. (اللغات توقيفية) بمعنى أنها موقوفةٌ على الوحي فالتوقيف هو المراد به أنها وحي، واللغات جمع لغة وليس المراد بها اللغة العربية فحسب بل كل لغةٍ يتحدث بها بنو آدم هي عامة وليست خاصة باللغة العربية، فـ (اللغات توقيفية) كما قال المصنف هنا رحمه الله تعالى وضعها الله تعالى للخلق وعلمها أباهم آدم فتعلمتها منه ذريته عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه بقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} [البقرة: 31]، قال: هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس، نحو: إنسان، ودآبة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأسماء وغيرها وجاء في حديث الشفاعة: «وعلمك أسماء كل شيء» دلّ على أن هذه الأسماء سواءٌ كانت مفردة أو كانت مركبة إنما هي توقيفية بمعنى أن الله تعالى ألهم آدم عليه السلام هذه الألفاظ مع مسمياتها، واللغة الرب لها قد وضعا، هذا هو المشهور عند الجمهور قال: (للدور)، (اللغات توقيفية، للدور)، يعني: منعًا للدور، وليس المراد أنه اختار هذا القول من أجل الدور، لا وإنما المراد به ما يقابله لأن الذي يقابل التوقيف هو الاصطلاح، والاصطلاح يلزم منه الدور، حينئذٍ نقول: بأن اللغات توقيفية دفعًا للدور، منعًا للدور. والدور هنا المراد إذا قلنا: اصطلاحية بمعنى أن الناس اجتمعوا وقالوا: نضع لهذا اللفظ هذا المعنى، وهذا المعنى لهذا اللفظ، بمعنى: اجتمعوا واتفقوا على هذا الألفاظ، هذا المراد بالاصطلاحية. حينئذٍ متى حصل هذا الاجتماع؟ ومتى كان؟ ومن كان رئيس الاجتماع؟ ومن الذي دعا الناس إلى ذلك؟ هذه كلها أمور لا تعلم.
(5/1)

ولذلك لو قيل بأنها اصطلاحية حينئذٍ إذا اجتمعوا من الذي نادى الناس، وبماذا ناداهم، وبماذا عبر، حينئذٍ لما أراد الاجتماع، حينئذٍ إذا قيل: بأنها توقيفية والتوقيف مبني على الاصطلاح وهكذا لزم منه الدور (للدور) إذا قلنا: اصطلاحية فإنه لا يتم إلا بخطابٍ ومنادةٍ وداعٍ للاجتماع للوضع، وهذا لا يكون إلا بوجود اللغة يحصل بها التفاهم قبل الاجتماع وهذا باطل لم يثبت
(وقيل) القول الثاني: بما يقابل بأن اللغات توقيفية (اصطلاحية)، وهذا قول أكثر المعتزلة وضعها البشر واحدًا كان أو جماعة، (لامتناع فهم التوقيف بدونه)، يعني: بدون الاصطلاح حينئذٍ لو قيل: بأنها توقيفية لابد أن يكون سابق له اصطلاحٌ، (لامتناع فهم التوقيف بدونه)، يعني: بدون الاصطلاح لأن فهم ما جاء توقيفًا لا يكون إلا بعد تقدم الاصطلاح، فإذا قيل: توقيفي، بمعنى: أن الله تعالى ألهم آدم، حينئذٍ كيف يعلم الناس أو ينطق بذلك قبل أن يصطلحوا فصار الاصطلاح مقدمًا على التوقيف. (وقال القاضي) أبو يعلى: (كلا القولين جائز)، القول بالتوقيف جائز لا مانع منه عقلاً، والقول بالاصطلاح كذلك جائزٌ ولا مانع منه عقلاً. (كلا القولين جائز في الجميع)، يعني: كلّ لغةٍ تكون توقيفية، أو كلّ لغة تكون اصطلاحية (وفي البعض والبعض)، يعني: لا مانع أن يقال: بأن بعضها توقيف، وبعضها اصطلاحي، إما أن يكون ابتداءً التوقيف ثم يصطلح الناس بعد ذلك أو بالعكس، هذا جائز وهذا جائز، حينئذٍ في المسألة ثلاثة أقوال: توقيفية، اصطلاحية، الجواز. يعني: لا مانع أن يكون هذا أو ذاك.
توقيفٌ اللغات عند الأكثر ... ومنهم ابن فورك والأشعري

(أما الواقع) من اللغات هل هو توقيفٍ أو اصطلاح؟ (فلا دليل عليه عقلي ولا نقلي)، بمعنى أنه: لا نص، (فيجوز خلق العلم في الإنسان بدلالتها على مسمياتها)، (فيجوز خلق العلم)، يعني: العلم الضروري بالألفاظ ومدلولاتها، فيجوز خلق العلم في الإنسان بدلالتها مع مسمياتها، هذا جائزٌ عقلاً، بمعنى أن التوقيف ممكن ولا يمنع العقل أن يكون ثم توقيف بأن يخلق الله عز وجل في نفس آدم المعاني ثم يلهمه ذكر تلك الألفاظ، (وابتداءُ قوم بالوضع بحسب الحاجة ويتبعهم الباقون) كذلك الاصطلاح ممكن لا مانع أن يقال: بأن الاصطلاح هو الذي يكون من جهة العقل بالإمكان وكذلك هو الواقع (وابتداءُ قوم بالوضع بحسب الحاجة)، يعني: لما يحتاجونه ويعينهم الله تعالى (ويتبعهم الباقون) فيحصل الاصطلاح. إذًا: يبتدي قوم جماعة قليلة بالاصطلاح ثم ينتشر، ثم يتواطئون، ثم .. إلى آخره فصار اصطلاحًا. إذًا هذا لا بأس به وهذا لا بأس، لكن الظاهر من نصوص الآية التي ذكرناها أنها توقيفية.
واللغة الرب لها قد وضعا ... وعزوها للاصطلاح سمع
(5/2)

(ثم قال) هذا البحث الثاني أول مبدأ اللغة هل ينبني عليه خلاف؟ يعني: هل هذه المسألة لها فرعٌ أم لا؟ جوابٌ ليس لها فرع، (ثم قال: ويجوز أن تثبت الأسماء قياسًا كتسمية النبيذ خمراً، وكقياس التصريف. ومنعه أبو الخطاب والحنفية وبعض الشافعية) هل تثبت الأسماء بالقياس أو لا؟ هل يجوز أن يكون ثمّ معنًى من المعاني علق عليه اللفظ والاسم ثم وجد هذا المعنى في معنًى آخر حينئذٍ يلحقه اللفظ، يعني: يتبعه كالقياس الذي يكون عند الأصوليين؟ الجواب أنّ هذا فيه تفصيلاً، الخلاف هنا إنما هو في المشتق، لا شك أن الأسماء باعتبار الوصف وعدمه إما تكون جامدة، وإما أن تكون مشتقة، فحينئذٍ الجامد قولاً واحدًا لا قياس فيه، لأنه ليس فيه معنى من المعاني يحتاج إلى نقله أو إذا وجد في معنًى آخر لتبعه اللفظ، وإنما المراد هنا المشتقة وإذا كان كذلك حينئذٍ المشتق لا يكون إلا لعلةٍ فإذا قيل: ضارب ما سُمِّي ضاربًا إلا لوجود الضرب، وكذلك مضروب لم يُسمَّ مضروب إلا لوجود الضرب الواقع عليه، وهكذا، حينئذٍ قد علقت بعض الأسماء على أوصاف أو على معانٍ لأجل هذا المعنى أُطْلِقَ اللفظ، هل إذا وجد هذا المعنى في معنًى آخر أو في محلٍ آخر يتبعه الاسم أو لا؟ قالوا: الخمر إنما سُمِّي خمرًا لمخامرته العقل فخصوه بعصير العنب، فحينئذٍ إذا وجد الإسكار الذي من أجله خص لفظ الخمر في عصير العنب إذا وجد في النبيذ هل يسمى النبيذ خمرًا أو لا؟ هذا محل نزاع، (ويجوز أن تثبت الأسماء قياسًا) قلنا المراد هنا: (ويجوز)، يعني: عقلاً (أن تثبت الأسماء قياسًا) وبه قال: أكثر الحنابلة، واختاره كذلك ابن قدامة رحمه الله تعالى. (كتسمية النبيذ خمراً) الخمر إنما سُمِّي خمرًا لمخامرته العقل، وهو عام في الشرع هذا هو الصحيح أن الخمر عام، وليس المراد به شيءٌ معين، وليس خاصًا بعصير العنب، حينئذٍ نقول: إذا كان عامًّا فلا إشكال، يُسَمَّى النبيذ خمرًا بلسان الشرع وكذلك بلسان العرب، وأما على من خصه بعصير العنب حينئذٍ وجود الإسكار في النبيذ هذا مغاير له، هل يسمى النبيذ خمرًا أو لا؟ إن جوزنا القياس في الأسماء جاز أن يسمى النبيذ خمرًا وإلا فلا، (وكقياس التصريف) لا شك أن قياس التصريف المراد به الأوزان التي تَطَّرِدُ في موزوناتها، فيقال: فاعل، فَعِيل، مفعول إلى آخره، فُعَيْل في التصغير واسم الفاعل يأتي على زنة فاعل، كذلك على زنة مُفْعِل، مُفْعَل إلى آخره هذه كلها أوزان ولها ألفاظ تأتي عليها بشرطها فحينئذٍ جاز القياس في باب التصريف فكذلك يجوز في باب نقل المعاني التي تكون ثابةً للألفاظ. (كقياس التصريف) كقياس التصغير مثلاً: فُعَيْل، فُعَيْعِل، فَعَيْعِيل كلها أوزان ولها محالها.
(5/3)

(ومنعه أبو الخطاب والحنفية وبعض الشافعية)، وقيل: أكثر الشافعية لأن العرب وضعته لشيءٍ واحد، وضعت الخمر مثلاً لشيءٍ واحدٍ فليس لنا أن نتعدى ونزعم أنهم وضعوه للثاني، واللغة نقلٌ محض وإذا كان كذلك حينئذٍ يمتنع أن يقال: بأن العرب لما وضعت هذا اللفظ بإزاء المعنى أن يكون وضعوه لمعنًى آخر، لأننا نحتاج إلى دليل ناقل بأن العرب أطلقت هذا اللفظ وأرادت به هذا المعنى، وأمَّا أنها وضعت اللفظ لهما معًا فلا قياس، إذا قيل: بأنها وضعت اللفظ الخمر مثلاً للنبيذ أو لعصير العنب ونحو ذلك حينئذٍ لا بأس به فلا قياس لأن اللفظ يعم الجميع. إذًا محل خلاف المشتق وليس بعموم الألفاظ، وهو المشتمل على وصفٍ كانت التسمية من أجله فإذا وجد ذلك الوصف في معنًى آخر كالخمر المخمر للعقل، أي: مغطيه فالخمر يطلق على عصير العنب هذا عند الحنفية، وهذه التسمية لأجل صفةٍ فيه وهي: الإسكار مخامرة العقل فإذا وجدنا هذه الصفة في النبيذ سميناه خمرًا في لغة العرب، قلنا: العرب تسمي النبيذ خمرًا لأنهم علقوا الخمر الاسم على معنًى فوجد في النبيذ، والصحيح أن الخمر كل ما خامر العقل سواءٌ كان عصير عنبٍ أو غيره، وكذلك السارق لفظٌ يطلق في اللغة على أخذ المال خفية من حرزه فيطلق على النباش، وكذلك النباش الذي يسرق الكفن من القبور يسمى سارقًا وهو في معنى سرق.
هل تثبت اللغة بالقياس ... الثالث الفرق لدى أناس
محله عنده هو المشتق ... وما عداه جاء فيه وقف
(5/4)

و (الكلام) هذا المبحث الثالث، وهو ما يتعلق بتعريف الكلام، والكلمة، وأقسامها، والجملة إلى آخره، وهذه المباحث كما ذكرنا بالأمس أنه يبحث في فن النحو، يعني: لا نبسط فيها القول، (و (الكلام) هو المنتظم) الكلام بفتح الكاف (هو المنتظم من الأصوات المسموعة المعتمدة على المقاطع وهي الحروف)، (هو المنتظم) الانتظام المراد به التأليف، لأن الكلام يشترط فيه أن يكون مؤلفًا، وإذا كان مؤلفًا كان مركبًا، وهل كل تركيبٍ تأليف من غير عكس أو بلا عكس محل نزاعٍ، والصحيح أن التأليف أخص لأنه يكون لمناسبةٍ بين مسند والمسند إليه، وأما التركيب فهو أعم قد يكون ثم مناسبة وقد لا يكون ثم مناسبة، كل تركيبٍ تأليف ولا عكس. (هو المنتظم من الأصوات المسموعة) (الأصوات) جمع صوت، وهو عرضٌ مسموع، وكل ما يسمع يسمى صوتًا، كل ما يسمع ويدرك بالسمع فهو الصوت، ثم الصوت قد يكون خارجًا من الفم أو لا، والثاني لا شك أنه ليس داخلاً معنا، والذي يخرج من الفم الصوت الذي يخرج من الفم قد يكون مشتملاً على بعض الحروف الهجائية أو لا؟ الثاني يسمى الصوت الساذج وليس داخلاً معنا، وإنما الصوت الذي يكون مشتملاً على بعض الحروف الهجائية هو الذي يعتمد، (هو المنتظم من الأصوات المسموعة المعتمدة على المقاطع وهي الحروف) خرج الصوت الساذج كصوت مثلاً دلك الأسنان بعضها ببعض، (وهو جمع كلمة) (وهو)، أي: الكلام (جمع كلمة) وهذا غريب من المصنف رحمه الله تعالى قد يكون وقف على قول بأن الكلام جمع، والمشهور أنه ليس بجمع كلمة، الكلام كلمة يجمع على كلمٍ أو كلمٍ ونحو ذلك. قال الجوهري: اسم الجنسٍ يقع على القليل والكثير، وجمع كلمة كَلِم كَنَبِق، وكِلْم كَسِدْر، وأما أنه جمع كلمة هذا محل نظر قد يكون المصنف رأى أو وقف على قولٍ يؤيد ذلك، ثم الكلمة في الاصطلاح قال: هي (اللفظ الموضوع لمعنًى) اللفظ هذا جنس، واللفظ هو الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية التي أولها الألف وآخرها الياء، وهو نوعان كما ذكرنا: مهمل، ومستعمل.
(5/5)

ثم قال: (الموضوع) لإخراج المهمل وهو الذي لم تضعه العرب، (الموضوع) هذا اسم مفعول من الوضع، من وُضِع فحينئذٍ يفسر بجعل اللفظ دليلاً على المعنى، هذا الذي يعنيه النحاة في هذا الموضع، لأن الوضع نوعان: وضعٌ إفرادي، ووضعٌ تركيبي نَوعي، الوضع الإفرادي وضع السماء لمدلولها، وضع الأرض لمدلولها، هذا لابد أن يكون منقولاً، يعني: لا اجتهاد فيه، وأمَّا الوضع النوعي فهو ما يتعلق بالتراكيب، وهذا تقعد قواعد عامة كالفاعل مرفوع، والتمييز قد يكون منصوبًا وقد يكون مجرورًا للاستثناء إلى آخره، هذه قواعد عامة من حيث مفرداتها لا يشترط أن يكون كل تركيب منقولاً عن العرب، بل لك أن تألف أنت ما شئت لكن على زنت ما جاء عن العرب، حينئذٍ صار هذا النوع من حيث الجنس موضوع، ومن حيث الآحاد والأفراد لا يشترط في الكلام أن يكون منقولاً عن العرب، بمعنى: أنك لا تتكلم بكلام إلا وقد نقل إليك بأن العرب تكلمت بهذا وذاك وهذا ممتنِع، أما المفردات فهذا لابد أن يكون منقولاً عن العرب، بمعنى: أنك لا تضع اسمًا من عندك لمسمًى، ولا تضع فعلاً من عندك لمسمًى، وكذلك لا تأتي بحرفٍ أنت تخترعه من نفسك، الموضوع لمعنًى، عرفنا المراد بالمعنى وهو ما يقصد باللفظ، والمعنى هنا قد يكون معنًى مفردًا، وقد يكون معنًى مركبًا، ولذلك لو قيده المصنف بقوله: اللفظ الموضوع لمعنًى مفرد احترازًا عن المعنى المركب لكان أولى. (وخَصَّ أهل العربية الكلام بالمفيد)، بمعنى: أن النحاة هم المراد بأهل العربية النحويون (وخَصَّ أهل العربية الكلام المفيد)، يعني: ما تحصل به الفائدة التامة، وإذا أطلق النحاة المفيد انصرف إلى الفائدة التامة، وهذه الفائدة التامة كما قال هنا: (وهو الجمل المركبة من فعلٍ وفاعل، أو مبتدأ وخبر)، بمعنى: أنه لابد أن يكون ثمّ مسند ومسند إليه، يعني: لابد من مبتدأ، ولا بد من خبر، ولا بد من فعلٍ وفاعل هذه تسمى الفائدة التامة. ولو تعلق ببعض المتعلقات كالتمييز، والحال، أو حرف الجر وما بعده هذا لا يضر عدم ذكره لا يضر، يقابل الفائدة التامة الفائدة الناقصة التي تسمى: جزئية والتركيبية بعضهم يعبر عنها، هذه تحتها نوعان:
(5/6)

النوع الأول: ما يتعلق بالمفردات كزيد وحده هذا أفاد لكنه ليس فائدة تامة، بمعنى: أنه لا يحسن من السامع أو المخاطب أن يسكت حتى يأتي بكلامٍ أو يقف المتكلم على ذلك الكلام، حينئذٍ قال: زيد. أفاد فائدة جزئية وهي دلالته على ذاتٍ مشخصة في الخارج، قام دلّ على معنًى وأفاد وهو دلالة اللفظ على قيامٍ وقع في الزمن الماضي، كذلك: إن جاء زيدٌ، هذا النوع الثاني وهو الفائدة التركيبية غير التامة، إن جاء زيدٌ ما جاء الجواب هذا نقول: ماذا؟ فائدة ناقصة لكنها من حيث هي إن جاء زيدٌ، تعلق الحكم هنا على مجيء زيد، هذا أفاد أولاً التعليق، والتعليق يدل على شيءٍ لم يقع إذًا مجيء زيد لم يقع، استفدت فائدة منه، جاء زيدٌ، أين الجواب؟ لم يأت، حينئذٍ تسمى هذه الفائدة فائدة ناقصة، هي تركيبية لأنها مؤلفة من ثلاثة كلمات، لكنها ليس بتامة لعدم وجود الجواب الذي هو متممٌ للشرط. إذًا: خص أهل العربية الكلام بالمفيد وهو الجمل المركبة من فعلٍ، وفاعل، أو مبتدأ وخبر، وهذا أقل ما يتألف منه الكلام احترازًا عن الفائدة غير التامة. (وغير المفيد كَلِمٌ)، يعني: لا يسمى كَلامًا، (غير المفيد) لا يسمى كلامًا وإنما هو (كَلِمٌ)، والكَلام والْكَلِم بينهما عمومٌ وخصوصٌ، مطلق أو وجهي، قام زيدٌ، كلامٌ وليس بكَلِم، إن قام زيدٌ قمت، كلامٌ وكَلِم نعم.
نختبركم .... عندكم درسان في النحو أو ثلاثة،
ما العلاقة بين الكلام والكلم؟ العموم خصوص الوجهي أو المطلق؟ الوجهي.
ما الفرق بين المطلق والوجهي؟
(5/7)

لا أعطني كلام علمي! [ها ها] طيب، نحن نحتاج إلى ثلاثة مواد. والمطلق؟ لا، لا .. نحتاج إلى مادتين، المطلق نحتاج فيه إلى مادتين: مادة الاجتماع، ومادة الإنفراد. يعني: ينفرد العام عن الأخص، العلاقة بين الكلام والكَلِم، العموم والخصوص الوجهي. إذا قلت: وجهي هات ثلاث أمثلة مثال للاجتماع، ومثال للافتراق؟ [قام زيدٌ كَلِم وليس بكلام] (1)، قام زيدٌ كلام وليس بكلم، إن قام زيدٌ قمت، أحسنت. ثلاث أمثلة، نحتاج إلى ثلاث مواد، هذا الوجهي نحتاج فيه إلى ثلاث مواد، يعني: ثلاث أمثلة، اجتماع الطرفين، إنفراد الأخص عن الأعم والعكس، العموم والخصوص المطلق نحتاج إلى مادتين: مادة الاجتماع، ومادة الافتراق. يعني: افتراق الأعم عن الأخص، وأمَّا الأخص فلا ينفرد عن الأعم البتة لأنه يستلزمه، إذا ذكر الأخص استلزم الأعم على كلٍ. إذًا: (وغير المفيد) لا يسمى كلامًا بل هو: (كَلِمٌ)، (فإن استعمل) بعدما بين لك التقسيم العام (فإن استعمل في المعنى الموضوع له فهو (حقيقة)) هذا تقسيم الكلام باعتبار استعماله في ما وضع له في لسان العرب، والاستعمال عندهم إطلاق اللفظ وإرادة المعنى، فحينئذٍ يطلق اللفظ ويريد به معناه الذي وضع له في لسان العرب، أو معناه الذي استعمل فيه وضعًا ثانيًا، وهو المجاز. فإن استعمل كلامه أو اللفظ في المعنى الموضوع له فهو الحقيقة ثمّ هذه الحقيقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام باعتبار الواضع، يعني: الذي يتكلم بالكلام الذي استعمل فيه، (إن كان بوضع اللغة فهي)، أي: الحقيقة (اللغوية)، يعني: إن كان الواضع هو اللغوي، يعني: واضع اللغة واستعمل اللفظ فيما وُضِع له في لسان العرب فالحقيقة اللغوية وهي الأصل، (أو بالعرف فالعرفية كالدابة لذوات الأربع)، (أو بالعرف) العرف ما قص عرفًا ببعض مسمياته، ثم العرف نوعان: عرفٌ عام، وعرفٌ خاص. والعرف العام هو: ما لم يتعين ناقله (كالدابة) التي ذكرها المثال هنا، (كالدابة لذوات الأربع)، في الأصل الدآبة وضع في لسان العرب لكل ما يدب على الأرض سواءً كان برجلين أو على بطنها أو غير ذلك، حينئذٍ تخصيصه ببعض أفراده ببعض آحاده، نقول هذا تخصيصٌ ليس من جهة اللغة، وإنما العرف خصّ اللفظ ببعض مسمياته، فالدابة لفظٌ يطلق على ما يزحف على بطنه، على ما يمشي على رجلين، أو أربع، ثلاثة أنواع. خص العرف بعض مسميات هذا اللفظ بما يمشي على أربع، حينئذٍ يكون عرفًا عامًا لأنه لم يتعين ناقله.
__________
(1) سبق مصوب بعده.
(5/8)

النوع الثاني: العرف الخاص وهو: ما تعين ناقله وهذا أغلب ما يكون عند أرباب الفنون، فالفاعل عند النحاة هو الاسم المرفوع المذكور بعد فِعْلِهِ، كما قال ابن آجروم، حينئذٍ هذا النوع يسمى فاعلاً اصطلاحًا، بمعنى: أن اللفظ في لسان العرب كلمة فاعل، كل من أحدث الفعل يسمى فاعلاً، فزيدٌ قائمٌ زيدٌ فاعل هنا لأنه هو الذي أحدث القيام لكنه ليس فاعلاً في لسان العرب هذا يسمى فاعلاً عند النحاة، زيدٌ قائمٌ زيدٌ مبتدأ وقائمٌ خبر، من الذي أحدث القيام؟ زيدٌ، قام زيدٌ. زيدٌ فاعل، من الذي أحدث القيام؟ زيدٌ هُوَ هُو إذًا لا فرق بينهما من جهة المعنى، هذا فاعل في الاصطلاح وهذا فاعلٌ في اللغة. إذًا تخصيص لفظ الفاعل بأحد مسمياته نقول هذا عرفٌ خاصٌ عند النحاة، فإذا أطلق الفاعل عند النحاة لا ينصرف إلى من أحدث الفعل، وإنما يخص بالاسم المرفوع المذكور بعد فعله (فالعرفية، كالدابة لذوات الأربع)، (أو بالشرع)، يعني: إن كان بوضع الشرع ... (فالشرعية) نسبةٌ إلى الشرع، (كالصلاة والزكاة) والصوم كذلك، ... (كالصلاة) في لسان العرب هي: الدعاة، (والزكاة) في لسان العرب هي: النمو، والصيام في لسان العرب هو: مطلق الإمساك، حينئذٍ الدعاء له مفردات، والنمو له مفردات وآحاد، كذلك الصوم له مفردات، الإمساك له مفردات وآحاد تخصيص هذا اللفظ ببعض مدلوله نقول: الشرع الذي نقل هذا اللفظ من حيث الإطلاق العام ووضعه لشيءٍ خاص، ولذلك هناك قالت مريم عليها السلام: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً} [مريم: 26]، قالوا: ليس المراد به الصوم الشرعي، وإنما المراد به: الصوم اللغوي، ولذلك قالت: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً} [مريم: 26]، فالصوم في لسان العرب: كل إمساكٍ مطلق الإمساك، حينئذٍ إذا خص ببعض مسمياته بعض آحاده كالإمساك عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس حينئذٍ نقول: هذا استعمالٌ للفظ في بعض المسميات وإلا فالأصل هو لمطلق الإمساك، (وأنكر قوم الشرعية)، (أنكر قوم) من الأصوليين (الشرعية)، فقالوا: لا توجد، أو لا توجد حقيقةٌ شرعية في الشرع، وإنما هي لغويةٌ وزيد عليها بعض الشروط والقيود، يعني: لم يقولوا بالنقل، وهذا خلافٌ مع ما سبق هل اللفظ لفظ الصلاة مثلاً، والزكاة، والصيام هل نقله الشارع أخذه من دلالته على مطلق الصوم فوضعه وضعًا جديدًا؟ أو أنه أبقاه على ما هو عليه وزاد عليه بعض الشروط؟ هذا محل الخلاف، والصحيح أنه نقله نقلاً ووضعه وضعًا شرعيًا جديدًا بحيث إذا أُطلق في الشرع انصرف إلى المعنى الموضوع له في الشرع، وأمَّا القول بأنه باقٍ على أصله وزيد عليه بعض القيود والشروط هذا قول متكلف، (وأنكر قوم الشرعية)، قالوا: لأن بين اللفظ والمعنى مناسبة مانعةٌ من نقله إلى غيره وهذا يلزم عليهم أن ينكروا العرفية كذلك، لأن العرفية والشرعية بمعنىً واحد بمعنى: أن اللفظ له مسميات وآحاد وأفراد، فخص العرف بعض الأفراد والآحاد بذلك اللفظ، وخص الشرع بعض الآحاد والأفراد بذلك اللفظ، فإذا أنكرتم الشرعية حينئذٍ يلزمك إنكار العرفية، وأمَّا التسليم بالعرفية وإنكار الشرعية نقول: هذا تفريقٌ بين متماثلين وهو باطل.
(5/9)

وأنكر قومٌ الشرعية وقالوا: هي اللغوية كما هي باقٍ على مدلولها وزيادات شروط، حينئذٍ صارت الشرعية مجازات لغوية، كل لفظ صلاةٍ في الشرع فهو مجاز على هذا القول، وهذا كما ذكرنا قول ليس بصحيح، (وكل يتعين باللفظ) إذًا عرفنا الأقسام الثلاثية: لغوية، وشرعية، وعرفية. حينئذٍ: ما الذي يعين هذا من ذاك؟ متى نقول: هذه لغوية، وهذه شرعية، وهذه عرفية؟ نقول: باعتبار المتكلم، إن كان المتكلم بلسان العرف حينئذٍ حُمِل لفظه على مراده، وإن كان المتكلم هو الشارع حُمِل لفظه على مراداته وهكذا اللغة، وحينئذٍ الأمر يتضح بالمخاطب المتكلم، (وكلٌ يتعين باللفظ)، يعني: (باللافظ، فمن أهل اللغة بدون قرينة: اللغوية) فإذا تكلم اللغوي بكلامه دون أن يأتي بقرينة حملناه على اللغوية وهو الأصل. (وبقرينةٍ العرفية، ومن أهل الشرع الشرعية) (بقرينةٍ عرفية) أن يكون المتكلم صاحب عرف، (ومن أهل الشرع الشرعية)، حينئذٍ إذا كان المتكلم ينتسب إلى الشرع أو جاء في الكتاب والسنة فحينئذٍ نقول: لكونه متكلِّمًا بلسان الشرع حملنا اللفظ على مدلول الشرع، (ولا يكون مجملاً) وحينئذٍ نرد ماذا؟ إذا كان كذلك فيحمل اللفظ في الشرع على الحقيقة الشرعية، ولا نَدَّعي أن المراد به المعنى اللغوي، فإن كان ثم عرفٌ قدمناه على اللغوية، والأصل أن يحمل اللفظ على معناه الشرعي، فإن لم يكن حينئذٍ رجعنا إلى العرف، فإن لم يكن حينئذٍ رجعنا إلى الأصل وهو اللغة.
واللفظ محمولٌ على الشرعي ... إن لم يكن فمطلق العرفي
فاللغوي على الجلي .......... ... ................................
(5/10)

(ولا يكون مجملاً) إذا كان اللفظ محتمِلاً باعتبار المخاطب المتكلم حينئذٍ صار فيه نوع إجمال عند بعض الأصوليين، لأن اللفظ الصلاة إذا قيل: أقيموا الصلاة. الصلاة هذه يحتمل أنها لغة، ويحتمل أنها شرعية. إذًا صار مترددًا بين معنيين هل هذا إجمال؟ الجواب لا، ليس بإجمالٍ خلافًا للقاضي، (ولا يكون مجملاً)، يعني: ولا يكون اللفظ الوارد عن الشرع مجملاً بل يجب حمله على المعنى الشرعي دون غيره من المعاني، لأن الشرع إنما يبين الأحكام الشرعية لا الأحكام اللغوية ولا العرفية، فإنما نزل شرعًا لبيان ما يحتاجه الناس وجاء بلسانٍ عربي مبين حينئذٍ يحمل على مصطلحات أو على حقائق الشرعية، ولا يحمل على المعان العرفية ولا اللغوية، (ولا يكون مجملاً، كما حكي عن القاضي وبعض الشافعية) لترددها بين المعنى اللغوي والشرعي، بل أول ما يحمل عليه فهي حقيقةٌ شرعيةٌ في لسان الشرع، (وإن استعمل في غير ما وضع له فهو (المجاز))، يعني: اللفظ من حيث الاستعمال إما أن يستعمل في مدلوله الذي وضع له في لسان العرب أو في غير مدلوله، الأول هو الحقيقة، والثاني هو المجاز، (وإن استعمل في غير ما وضع له فهو (المجاز)) لكن قال: (بالعلاقة) بمعنى: أنه لابد من علاقةٍ بين المعنى الأصلي الحقيقي وبين المعنى الذي نقل إليه هذا مر معنا أو لا؟ مر معنا؟ نعم. (فهو (المجاز) بالعلاقة) هذا شرط المجاز لابد أن يكون علاقة، أمَّا القرينة فهي مختلفٌ فيها بين البيانيين والأصوليين، فالبيانيون لا يجيزون المجاز إلا بقرينةٍ لفظية أو حالية، وأمَّا الأصوليون فعندهم خلاف هل يشترط القرينة أو لا؟ والجمهور على أنه لا يشترط قرينة، وينبني على هذا: هل يجوز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معًا؟ نقول الصواب: نعم يجوز، ولذلك ورد عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في قوله تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج: 77]، قال: الخير منه ما هو واجبٌ، ومنه ما هو مستحب، حينئذٍ افعل: حقيقةٌ في الوجوب، مجازٌ في الندب. وقد استعمل اللفظ في معنييه الحقيقة والمجاز، (وهي)، أي: (العلاقة) أنواع وذكر منها المصنف شيئًا منها أربعة تقريبًا (إما اشتراكهما في معنًى مشهورٍ كالشجاعة في الأسد)، يعني: لابد من علاقة بين المعنى الأصلي الذي نُقل عنه اللفظ اللغوي إلى المعنى المجازي، من ذلك الاشتراك في المعنى المشهور (كالشجاعة في الأسد) الأسد هو الحيوان المفترس، والحيوان المفترس هنا شجاع، فحينئذٍ إذا رأيت رجلاً شجاعًا لمناسبة الشجاعة بين الأسد الحقيقي والأسد المجازي، حينئذٍ ترى أنه جامِعٌ بينهما فصار الاشتراك في الشجاعة هو الموجب أو الذي يأذن بنقل اللفظ عن مدلوله اللغوي إلى المعنى المجازي.
(5/11)

النوع الثاني: (أو الاتصال)، يعني: إطلاق اسم الشيء على ما يتصل به (كقولهم: الخمر حرام) الحرام هذا حكمٌ شرعي ومعلومٌ عند الأصولية أن الحرام والأحكام الشرعية لا تسند ولا تضاف إلى الذوات، وإنما تضاف إلى المعاني كالأفعال، حينئذٍ الأكل والشرب الذي يقال حرام، وأمَّا العين نفسها فلا يضاف إليها، فإذا قيل: (الخمر حرام، والحرام شربها) حينئذٍ صار ماذا؟ الشرب متصلٌ بالخمر فالذي حرم هنا ما هو؟ الشرب لا عين الخمر، فلاتصال الخمر بشربٍ، لأن الخمر تشرب ولا تؤكل، فحينئذٍ لما قال: (الخمر حرام) علمنا أنه مجاز، لأن الشرب هو الذي يُعْنَى، (والزوجة حلال، والحلال وطؤها)، إذًا: الوطء ملامسٌ ومتصلٌ بالزوجة فأطلق الحكم الشرعي الذي هو حلال على الزوجة وهي عينٌ، والأصل أن الحكم الشرعي لا يطلق ولا يعلق ولا يضاف على الأعيان، وإنما على الأفعال، فقالوا: هذا مجاز والذي سوغ المجاز هو الاتصال.
(5/12)

(أو) أو النوع الثالث: (لأنه سبب)، يعني: اللفظ المذكور سببٌ للمعنى المراد كقولهم: رأينا الغيث. أي: العشبَ فأطلق الغيث على العشب بجامع أن الغيث سببٌ للعشب، بجامع أن السبب الغيث والعشب مسببٌ عنه، (أو مُسَبَّبٌ) يعني كون اللفظ المذكور مسببًا عن المعنى المراد. سَقَوْنِي الإثم، يعني: سَقَوْنِي الخمر، فأطلق الإثم على الخمرِ بناءًا على أن الخمر سببٌ للإثم والإثم مسببٌ عنه، هذا ما يسمى بالسببية عند البيانيين، (وهو)، أي: المجاز (فرع الحقيقة فلذلك تلزمه دون العكس) كل مجازٍ لابد أن يكون ثم حقيقة، ولا يلزم أن تكون الحقيقة لابد أن يكون لها مجاز. هل كل مجازٍ له حقيقة؟ جماهير الأصوليين والبيانيين على أنه: لابد، لأنه استعمالٌ للفظ في غير ما وضع له. فإذًا أولاً: يكون له معنًى لغوي ثم بعد ذلك يستعمل في غير ما وضع له، هذا المجاز لابد له أن يكون له حقيقة، والحقيقة لا يشترط فيها أن تستعمل في غير ما وضعت له ولذلك قال: (وهو فرع الحقيقة)، يعني: المجاز فرعٌ وليس بأصلٍ والحقيقة أصل، (فلذلك تلزمه)، يعني: حقيقة المجاز، (دون العكس) كل مجازٍ له حقيقةٌ في شيءٍ آخر من غير عكس، وبعضهم يرى أنه قد يكون المجاز مجازًا ولا يلزم أن يكون له حقيقة وهذا ادعاه بعضهم في مسألةٍ وهي عقائدية في ما يتعلق بأسماء الله تعالى وصفاته قالوا: هذه مجاز، والمجاز عندهم استعمال اللفظ في غير ما وضع له، فيستعمل أولاً ثم يتصرف فيه فيكون مجازًا، فأين استعمل الرحمن أولاً ثم نقل فحاروا في ذلك قالوا: إذًا لا يلزم أن يكون المجاز له حقيقة، إذًا: يجوز أن يكون مجاز ولا يكون له حقيقة لأن أسماء الله تعالى مجاز وليس لها حقائق وهذا قولٌ باطل، (فلذلك تلزمه دون العكس.
(5/13)

تنبيه: الحقيقة أسبق إلى الفهم)، يعني: ما تعرف به الحقيقة (الحقيقة أسبق إلى الفهم)، يعني: من المجاز فإذا تبادر إلى الفهم إلى القلب أو إلى العقل معنًى من اللفظ حينئذٍ صار حقيقةً، دلّ على أنه إذا قال: رأيت أسدًا أول ما يرد في ذهنك هو الحيوان المفترس، إذا قال: أسدًا يخطب حينئذٍ انصرف الذهن إلى معنًى ثانٍ، الذي تبادر أولاً هو الحقيقة، والثاني يعتبر مجازًا، فالحقيقةُ أسبق إلى الفهم من المجاز حيث لا قرينة، (ويصح الاشتقاق منه)، يعني: من الحقيقة، لأن الاشتقاق والتصريف يدل على أصالة اللفظ، وأمَّا المجاز فعند الجمهور لا يصح الاشتقاق منه، والصحيح أنه يصح والصحيح أن الاشتقاق ليس خاصًا بالحقيقة بل قد يُشْتق من المجاز، فالمجاز يُشْتق منه بدليل الاستعارة التبعية حيث تجري في المصدر ثم في ما يُشْتق منه والمصنف هنا اختار أن المجاز لا يشتق منه، (بخلاف المجاز)، وذكرنا أن الأصح جوازه، (ومتى دار اللفظ بينهما فالحقيقة) مقدمة، (متى دار اللفظ)، يعني: احتمل هل المراد به الحقيقة أو المجاز، نقول: نستصحب الأصل وهو أنه الحقيقة، لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، ولا يحمل على المجاز إلا بقرينة إلا بدليل، ولذلك لو أهل المجاز طبقوا هذه القاعدة بأن الأصل أن يحمل اللفظ على حقيقته ولا يعدل إلى المجاز إلا عند تعذره، تعذر الحقيقة لما وقع خلاف معهم، (ومتى دار اللفظ بينهما)، يعني: بين الحقيقة المجاز والحقيقة المقدمة لأنها الأصل (ولا إجمال) بسبب التردد، ليس كل ما وجد يتردد في المعنى بحمل اللفظ على كذا وكذا يكون إجمالاً، فإنما هذا كان تبعًا للأصل فصار الأصل مستصحبًا، وإذا كان كذلك صارت قرينة صارفة، (ولا إجمال) بسبب تردده بين حقيقة المجاز (لاختلال الوضع به) هذا تعليلٌ لنفي الإجمال، لا إجمال لماذا؟ (لاختلال الوضع به)، أي: لأدى إلى اختلال الحكمة من الوضع وهي الإفهام، لأن كل لفظٍ جماهير الألفاظ والتراكيب يحتمل أنها حقائق ومجاز، فإذا كان كذلك صار مجملاً ارتفعت اللغة، لماذا صار الإفهام؟ لأي شيءٍ يحصل فإذا كان اللفظ إذا تردد بين حقيقة المجاز صار مجملاً حينئذٍ الإجمال لا يفهم منه معنى، وإذا كان كذلك ارتفع واختلت الحكمة من الوضع.
ثم شرع رحمه الله تعالى فيما يتعلق بمدلولات الألفاظ، فبدأ بالنص ثم الظاهر ثم المجمل ثم العام إلى آخره.
(فإن دلّ على معنًى واحد من غير احتمالٍ لغيره فهو (النص)) (فإن دلّ)، يعني: اللفظ إن دلّ اللفظ بلفظه وصيغته (على معنًى واحدٍ) واضحٍ بين (من غير احتمال لغيره) من المعاني فلا يتطرق إليه احتمالٌ آخر كقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «في أربعين شاةً شاةٌ». فها {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196]، كذلك، فهذا النص (فهذا (النص)) ما احتمل واحدًا (معنًى واحدًا) ولم يحتمل معنًى آخر نقول: هذا يُسَمَّى نصًا.
نصٌ إذا أفاد ما لا يحتمل ... غيرًا وظاهر إن الغير احتُمل
(5/14)

(وأصله الظهور والارتفاع) ومنه نصت الظبية رأسها، أي: رفعته وأظهرته، ومنه منصت العروس، وقيل: هو الرفع إلى غاية ما ينبغي، إذًا هذا هو النص ما لا يحتمل إلا معنًى واحدًا، (وقد يطلق)، يعني: النص (على (الظاهر)) قد للتقليل، بمعنى: أن النص له استعمالات، استعمالٌ أصولي وهو المراد إذا أطلق ما احتمل معنًى واحدًا، يعني ما لا يحتمل إلا معنًى واحدًا.
المعنى الثاني: يطلق النص ويراد به الظاهر الآتي ذكره.

الثالث: يطلق النص ويراد به الدليل ما دلّ بمعنى: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
(5/15)

رابعًا: يطلق النص ويراد به دليل الوحي: الكتاب، والسنة، فله أربع استعمالات عند الأصوليين، لكن المعنى الاصطلاحي الذي إذا انطلق وأطلق اللفظ انصرف إليه هو ما لا يحتمل إلا معنًى واحدًا، (وقد) للتقليل (يطلق على (الظاهر)) وهو ما احتمل معنًى آخر احتمالاً مرجوحًا، وسمي الظاهر نصًا لارتفاعه لأن الظاهر ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر حينئذٍ يحمل اللفظ الظاهر على المعنى الأرجح، فصار فيه معنى الظهور والارتفاع ولذلك سمي نصًا لوجود الارتفاع والظهور، فالنص مرتفعٌ ظاهر في الدلالة ومثله الظاهر وإن كان أدنى ظهورًا وارتفاعًا من النص (وهو)، أي: الظاهر (المعنى السابق من اللفظ مع تجويز غيره)، أراد أن يعرف الظاهر، والظاهر على المشهور ما تردد بين محتملين فأكثر هو في أحدهما أو أحدها أظهر، يعني: يكون اللفظ محتمِلاً لمعنيين، والمعنيان ليس متساويين بل هو في أحدهما أظهر من الآخر، كالأسد إذا أُطلق فيحتمل الحيوان المفترس، ويحتمل الرجل الشجاع وهو في الأول أظهر. المعنى السابق من اللفظ. المعنى السابق، أي: المتبادر للذهن والسابق للفهم، أخرج المجمل، لأن المجل لا يسبق فيه معنًى عن معنًى آخر، قال: (من اللفظ) هذا احترازٌ عن المتبادر لا من اللفظ بقرينة، لأن المتبادر إلى اللفظ قد يكون بقرينة وقد يكون بدون قرينة، إذا كان بدون قرينة فهو الظاهر، وإذا كان بقرينة كالمعنى المرجوح الذي يكون مع الظاهر بدليلٍ، لأن الظاهر له معنيان: معنًى راجح، ومعنًى مرجوح، قد يأتي الدليل يقدم المرجوح على الراجح وهو الذي سيذكره المصنف، (مع تجويز غيره)، يعني: لابد له من معنيين فأكثر، هذا هو حد الظاهر، (وأكثر ما يستعمل بين الفقهاء بهذا المعنى)، يعني: إذا أُطلق الظاهر أرادوا به هذا المعنى ما تردد بين معنيين هو في أحدهما أرجح، (وأكثر ما يستعمل بين الفقهاء بهذا المعنى) في اللفظ الذي يحتمل معنيين فأكثر وهو في أحدهما أو أحدها أرجح، (فإن عَضَدَ الغير دليل يغلّبه) سمي تأويلاً، بمعنى: أن المعنى المرجوح قد يأتي دليل، والمراد هنا مطلق الدليل، وليس خصه المصنف هنا خصه بالقرينة والظاهر إلى آخره، وإنما المراد مطلق دليل شرعي، يعني: ما تثبت به الأحكام الشرعية فإن جاء دليل يقوي المعنى المرجوح حينئذٍ قُدِّم وعُلِّق عليه الحكم ولكن سمي تأويلاً، (فإن عَضَدَ الغير) الغير المراد به هنا المعنى المرجوح، (دليل يغلّبه)، أي: أن الدليل يغلب.
(5/16)

يغلب ماذا؟ يغلب المعنى المرجوح فيُصَيره راجحًا، يعني: تصير القضية عكسية، فالأصل عندنا في اللفظ من حيث اللغة له راجحٌ ومرجوح، حينئذٍ يأتي الدليل يجعل المرجوح راجحًا والراجح مرجوحًا، وهذا بدليلٍ شرعي لا بأس به، (يغلّبه)، أي: أن الدليل جعل المعنى المرجوح للظاهر أغلب على الظن من المعنى الراجح فصار هذا المعنى المرجوح بسبب الدليل راجحًا، وذكر المصنف هنا ثلاثة أنواع للدليل وهو لا يختص فيما ذكر بل المراد الدليل الشرعي فحسب، (لقرينة)، يعني: صار هذا المعنى المرجوح لقرينةٍ في الحديث أو في اللفظ صَيَّرت هذا المرجوح راجحًا، وذلك مثل ماذا؟ القرينة، قالوا: كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه». اختلف أهل العلم في مفهوم هذا الحديث هل يَحْرم العودة في الهبة أو لا؟ هنا نقول: ثمّ قرينة تدل على أن المراد به التحريم، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - في أول الحديث: «ليس لنا مثل السوءِ». هذه قرينة تجعل أن اللفظ محمولٌ على معناه دون الراجح، لأن قوله: «العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه». الكلب غير مكلف ولا يحرم عليه هذا الفعل، ونحن نقول: يحرم على من شبهه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكلب، إذًا مباح له يجوز له الرجوع في الهبة هذا ظاهر اللفظ، صح أو لا؟ ظاهر اللفظ هو هذا: ... «العائد في هبته كالكلب». إذًا الكلب غير مكلف إذًا لا بأس أن تعود في هبتك هذا ظاهر اللفظ، لكن ليس هذا المراد بأول النص، (أو ظاهر آخرٍ)، يعني: ظاهرٍ آخرَ ممنوعٌ من الصرف كقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] {الْمَيْتَةُ} اسمٌ للميتة بظاهرها أو باطنها، فدخل فيه الجلد، وجاءت نصوص أخرى بظاهرها تدل على أن الجلد مستثنى من قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، «إذا دبغ الإهاب فقد طهر». هذا الظاهر صرف الظاهر حينئذٍ يحمل قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} على ما عداه الجلد فإنه مستثنى بهذا النص، (أو قياس راجح) {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2].
(5/17)

الزانية خص بالنص، والزاني خص العبد بالقياس على الأمة، الأمة خص بالتنصيف بخمسين جلدة بالنص، وأمَّا العبد فهذا محل قياس وسيأتي إنه فاسد، (سُمَّيَ (تأويلاً))، يعني: سمي هذا اللفظ أو سمي حمل اللفظ على المعنى المرجوح (سُمَّيَ (تأويلاً)، وقد يكون في الظاهر قرائن يدفع الاحتمال مجموعها دون آحادها)، بمعنى أن الظاهر قد يأتي بعض القرائن بمجموعها في النص تدل على أن الظاهر مراد، كما أن النص يرده بعض الألفاظ أو بعض النصوص الدالة على أن الظاهر غير مراد قد يأتي ما يدل على أن الظاهر مراد ولذلك قال: (وقد يكون في الظاهر)، يعني: في النص الذي ورد فيه لفظٌ ظاهر (قرائن) جمع قرينة (يدفع الاحتمال مجموعها دون آحادها) يدفع ماذا؟ يدفع حمله على المعنى المرجوح، بمعنى أنه كما يأتي النص دالاً على حمل اللفظ على معناه المرجوح قد يأتي النص ويدل على أن المعنى الراجح هو المراد، مثلوا لذلك في المثال المشهور عند الأصوليين حديث: «أيما امرأةٍ نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل بَاطل فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها». «أيما امرأةٍ»، اللفظ واضح بَيِّن. حمله الحنفية على الصغيرة، ومعلومٌ أن الصغيرة لا تسمى امرأة، المرأة لا تكون امرأة إلا إذا كانت بالغةً، حملوه على الصغيرة فقيل: ليس بامرأةٍ لغةً فلا يحمل اللفظ على ذلك المعنى فحملوه على الأمة لأنها مملوكةُ ولا يجوز لها أن تتصرف في نفسها بغير إذن سيدها فقيل: لها مهر المثل، والأمة لا تملك بل هو لسيدها والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لها مهر المثل» فحملوه على المكاتبة فقيل: باطلٌ لوجوه منها قوله - صلى الله عليه وسلم - «أيُّ» فهي للعموم «أيما امرأة» أيُّ، وهذه من صيغ العموم كما سيأتي، كذلك أُكِّد: بما، لأن زيادة حرفٍ على اللفظ يدل على أنه مزيد تأكيدٍ، ورتب بطلان النكاح على هذا الشرط، وأيضًا المكاتبة نادرة فلا يحمل اللفظ على النادر دون غيره، نعم هل يدخل في اللفظ العام؟ الصحيح أنه يدخل، لكن كون اللفظ العام يُخص بالنادر هذا بعيد ولا يحمل اللفظ عليه.
(5/18)

إذًا: ثم قرائن: أيُّ، وما، وبطلان النكاح ثم صورةٌ نادرة هذه كلها تدل على المراد بالمرأة هنا المرأة الحرة البالغة، ثم قال: (والاحتمال قد يبعد فيحتاج إلى دليل في غاية القوة)، بمعنى: أن المعنيين الراجح والمرجوح قد يكون المرجوح بعيدًا ثم قد يكون بقربه إلى الراجح يحتاج إلى أدنى دليل من أجل حمل اللفظ على المرجوح، وقد يكون متوسطًا فيحتاج إلى دليل متوسط وقد يكون بعيدًا في غاية البعد لكنه اللفظ المحتل له، حينئذٍ نحتاج إلى دليل أقوى في جعل اللفظ مرادًا به المعنى المرجوح دون الراجح، بمعنى أن المعنى المرجوح قد يقرب من المعنى الراجح وقد يبعد وكلما بعد احتاج إلى قوةٍ في الصارف، ولذلك قال: (والاحتمال)، يعني: المعنى المرجوح (قد يبعد) عن إرادة المتكلم حينئذٍ يحتاج إلى دليلٍ في غاية القوة لدفعه لتجبر قوة الدليل ضعف الاحتمال كقول الأحناف السابق، (وقد يقرب فيكفي أدنى دليل) وهذا فيما إذا كان كما في قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] {إِذَا قُمْتُمْ} بالفعل أو إذا أردتم القيام؟ إذا أردتم القيام. حينئذٍ صار هذا مجاز، بمعنى أنه أطلق القيام الذي هو الفعل على إرادته، والإرادة سببٌ في القيام وهو مسببٌ. حينئذٍ أطلق السبب على المسبب، (وقد يتوسط فيجب المتوسط) كما في الآية السابقة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3]، وهذه تختلف من ناظر إلى ناظر، المراد من هذه كلها: أن المعنى المرجوح لا يصار إليه إلا بدليلٍ شرعي، والأصل في حمل اللفظ على ظاهره. حينئذٍ لا يقال: بأن من حمل اللفظ على ظاهره صار ظاهريًا كما هو يدعى الآن لا، نقول: الأصل النص السابق لا يجوز خلافه، {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}، «في أربعين شاةً شاةٌ». نقول هذا لا يجوز خلافه، ولا يُعدل عنه إلا بنسخٍ، لا يعدل عن النص إلا بنسخ. وأمَّا الظاهر فيجب الوقوف مع المعنى الراجح ولا يجوز حمله على المعنى المرجوح إلا بدليلٍ شرعيٍ واضحٍ بَيِّن وهذا هو الأصل. ومن هنا تعلم أن قاعدة إذا ورد الاحتمال للدليل بطل الاستدلال ليست مطلقة، لأن الألفاظ الظاهرة كثيرة في نصوص الكتاب والسنة فما من لفظٍ ظاهر إلا وهو محتمِلٌ لمعنى مرجوح، فلو قيل بالقاعدة على إطلاقها لما بقي لنا دليل، ما بقي إلا النصوص التي لا تحتمل إلا معنًى واحدًا. حينئذٍ ينظر في هذه القاعدة وتقيد إذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال، وعدَّلها الصنعاني رحمه الله تعالى: ضعف الاستدلال، وهو أولى. أمَّا بطل الاستدلال هذا فيه شيءٌ من النظر، فإن دل على أحد معنيين أو أكثر لا بعينه وتساوت ولا قرينةٌ فمجملٌ. هذا النوع الثالث وهو: المجمل، والمجمل ما تردَّد بين محتملين فأكثر على السواء، يعني: اللفظ إمَّا أن يدل باعتبار المعنى، إمَّا أن يدل على معنًى واحدٍ فقط ولا يحتمل غيره وهذا النص، وإمَّا أن يدل على معنيين فأكثر هو في أحدها أو أحدهما أرجح من الآخر وهذا هو الظاهر حمله على الراجح هو الظاهر، وإمَّا أن يدل على أكثر من معنى وليس أحدُها أرجح من الآخر، وهذا هو المجمل، فإذا تساوت المعاني دون ترجيح نسميه مجملاً، ما تردَّد بين محتملين.
(5/19)

ما، يعني: لفظٌ، أو فعل. تردَّد بين محتملين أخرج النص فإن له محملاً واحدًا فحسب فأكثر على السواء أخرج الظاهر، لأن الظاهر ليس فيه المعاني متساوية، قال: وحده فمجملٌ (فإن دل على أحد معنيين أو أكثر)، (فإن دل على أحد معنيين) المجمل لا يتصور إلا في لفظٍ له معنيان فأكثر، ولذلك قال: (على أحد معنيين أو أكثر لا بعينه) أخرج النص لأن النص يدل على واحدٍ بعينه، (أو أكثر لا بعينه) أخرج الظاهر، لأن الظاهر يدلُّ على أكثر من معنى لكنه مُعَيَّن في الظاهر، (وتساوت) بمعنى أنها لا مزية لأحدها على الآخر (ولا قرينة) تبين المراد، فإن وجدت قرينة حينئذٍ صار مبينًا ولا يسمى مجملاً عند الأصوليين، بمعنى أن اللفظ متى ما استوت فيه المعاني ولم تكن قرينة سمي مجملاً، إن وجدت قرينة دالة على تعيين المعنى حينئذٍ خرج عن الإجمال إلى البيان والتبيين، ولذلك قال: (ولا قرينة)، يعني: تبين المراد فإذا وجدت القرينة زال الإجمال، (فـ (مجمل))، يعني: فهذا هو المجمل، والمجمل يطلق في اللغة على الخلط والمبهم والمجموع من أجملتُ الحساب، (وقد حَدَّه قومٌ) بتعريفٍ آخر والأول أولى، وما ذكرناه أحسن (بما لا يُفهم منه معنًى عند الإطلاق) هل المجمل يدل على معنًى أو لا؟ يدل على معنًى قطعًا بل يدل على معانٍ، لكن أيّ المعاني هو أرجح هو الذي وقع فيه الإجمال، حينئذٍ هذا الحد بما لا يفهم منه معنًى عند الإطلاق يحتاج إلى تقييد إن كان المراد لا يفهم منه معنًى معين عند الإطلاق فنعم، وأمَّا هكذا قلنا: المجمل له معنى ولذلك: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228]، نقول له معنًى إمَّا: الحيض، وإمَّا الطهر، فله معنًى لكن أيُّ المعنيين هو الذي أريد في هذه الآية هو الذي وقع فيه الإجمال، (فيكون في (المشترك)) بيَّن المواضع التي يكون فيها الإجمال. الإجمال يكون في الاسم، ويكون في الفعل، ويكون في الحرف، ويكون في التركيب كذلك، هذه محالُّ الإجمال. (فيكون في (المشترك))، يعني: في المفرد عند القائلين بامتناع تعميمه، المشترك هل هو مجملٌ أو لا؟ نقول: المشترك عرفه المصنف هنا: (ما توحد لفظه وتعددت معانيه بأصل الوضع)، يعني: هو في اللفظ متحد ولكنه في المعنى متعدد لكن بأصل الوضع، فكلمة عين كما قال هنا: كالعين لها معانٍ مختلفة أوصلها بعضهم إلى ثلاثين كما ذكر ذلك في القاموس، حينئذٍ العين يطلق ويراد به الذهب، ويطلق العين ويراد به الفضة، ويطلق العين ويراد به الباصرة، أخذنا المعاني الثلاث ذهبٌ، وفضة، وعينٌ باصرة، وجاسوس أربعة.
(5/20)

حينئذٍ نقول إذا أطلق لفظ العين دخلت فيه هذه المعاني كلها، كل معنًى من هذه المعاني وضع له لفظ العين وضعًا مستقلاً هي في اللفظ متحدة فقيل: العين مسماه الذهب، ثم وضع وضعًا ثانويًا جديد، فقيل: العين ومسماه الفضة، ثم وضع وضعًا انظر الاتحاد في اللفظ، وأمَّا المعاني فهي مختلفة، وكذلك الوضع مختلف فالاشتراك إنما وقع في اللفظ فحسب، وأمَّا المعاني فهي متعددة ولكل معنًى من هذه المعاني وضعٌ يختص به مثل ذلك في الأعلام كزيد هذا زيد، وهذا زيد، وهذا زيد كل معنًى من هذه المعاني وضع له لفظ زيد وضعًا خاصًا، بمعنى أنه وُضع أولاً ثم وضع وضعًا ثانيًا، ثم وضع وضعًا ثالثًا وكل وضعٍ منفصلٌ عن الآخر لذلك، قال: (بأصل الوضع)، يعني: لا بنقلٍ ولا مجاز هذا المشترك. المشترك هل هو من المجمل أو من ألفاظ العموم؟ الصحيح في هذه المسألة أن يقال: المشترك إن كانت معانيه متضادة كالقرء فإن معانيه وهي الحيض والطهر متناقضة فحينئذٍ هذا من المجمل، وأمَّا المشترك الذي تكون معانيه غير متضادة ويمكن حمل اللفظ على جميع المعاني فهذا من قبيل العام، فإذا علق الشارع على لفظٍ مشترك ننظر فيه، يعني: علق عليه حكمًا فإن كانت هذه المعاني غير متضاربة غير متضادة حُمِل اللفظ على جميع المعاني، ونقول: كل معنًى من هذه المعاني يصدق عليها الحكم الذي وضعه الشارع معلقًا على هذا اللفظ، وإن كانت هذه المعاني متضادة حينئذٍ لابد من طلب مرجحٍ فصار مجملاً، العين هذا غير متضاد، ولذلك هذا قول الجمهور، ولذلك قول الجمهور في مسألة الصلاة في مكة مضاعفة في المساجد كلها ومسجد الكعبة لفظ المسجد الحرام هذا مشترك يطلق على المسجد البنيان ويطلق على الحرم كله، وجاء الحكم معلقًا ولم يفصل، حينئذٍ يحمل على جميع المسجد الحرام وتخصيصه بالمسجد الذي هو البناء حول الكعبة هذا لا دليل عليه وأما حديث جابر: «إلا مسجد الكعبة» والكعبة هذه اسمٌ من أسماء مكة. {هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95]، كأنه قال: إلا مسجد مكة فهو لفظٌ عام وحينئذٍ تخصيصه غير مخصص وهو قول الجمهور. (فيكون في (المشترك)، يعني: في المفرد عند القائلين بامتناع تعميمه بهذا القيد من قال: بأنه لا يعمم حينئذٍ صار المشترك عنده مجملاً (وهو ما توحد لفظه وتعددت معانيه بأصل الوضع) (توحد لفظه)، يعني: اللفظ واحد كالعين (وتعددت معانيه) [كيف ... ] لا، هو يرى أنه مجمل، ولا يرى أنه من قبيل العام، وعليه التعميم صحيح، القرء والعين، أمَّا القول الصحيح هو التفصيل الذي ذكرته.
(5/21)

إذًا في المشترك في المفرد يعني: المشترك عند القائلين بامتناع تعميمه، يعني: من منع أن المشترك من صيغ العموم صار مجملاً كلها مجملة سواءً إن اتحدت المعاني أو اختلفت، (وهو ما توحد لفظه وتعددت معانيه بأصل الوضع، كالعين) المعاني المختلفة غير متضادة (والقَرء)، قَرء قُرء يجوز فيه الفتح والضم وهما متضادان، (والمختار للفاعل والمفعول)، يعني: قد يقع الإجمال بسبب تصريف مختار أصله: مُخْتَيِرٌ، أو: مُخْتَيَرٌ تحركت الياء وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفًا وصار مختار حينئذٍ الألف هذه منقلبة عن ياء وهذه الياء مكسورة في موضع ومفتوحة في موضع، إن كانت مكسورة فهي اسم فاعل، وإن كانت مفتوحة فهي اسم مفعول، حينئذٍ لما تحركت الياء بجنس الحركة مطلق الحركة انقلبت الياءُ ألفًا حينئذٍ صار لبس، فإذا قيل: زيد مختار، ماذا تفهم؟ هل اختار غيره؟ أو هو اختير؟ يحتمل هذا ويحتمل ذاك ويحتاج إلى قرينة، ولذلك قيل: مختار لكذا مختار، من كذا. يعني: يأتي بعده لكذا إذا كان فاعلاً، ومختار من كذا إذا وقع عليه الاختيار، والواو للعطف والابتداء، واو تحتمل أنها للعطف وتحتمل أنها للابتداء، {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7]، هل هي عاطفة أو استئنافية؟ محل خلاف بينهم كذلك: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]، من هنا يحتمل أنها تبعيض ويحتمل أنها للابتداء. (ومنه عند القاضي وبعض المتكلمين {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ})، أكلها أو النظر إليها أو اللمس يحتمل هذا، حينئذٍ لما كانت الأحكام لا تضاف إلى الأعيان صار إجمال (و {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}) الأمهات عين والأصل في التحريم أنه لا يسند إلى العين (لتردده بين الأكل والبيع) في الميتة، (واللمس والنظر) في أمهاتكم، نحن نقول: لهذا لا نسلم أنه من المجمل ولا نسلم أيضًا بأنه لا مرجِح بل المرجِح موجود وهو العرف فإن العرف إذا خوطب به قيل له: ({حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}). معلوم أنه ليس النظر إليها ويأكل منها إنما المراد أكلها ({حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}) مصافحتها؟ لا ليس بالمراد إنما المراد به الوطء ونحو ذلك، فإنَّ الحكم المضاف إلى العين ينصرف لغة وعرفًا إلى ما أعدت له هذه العين وما هو اللائق بها، إذًا: ({حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}) و ({حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}) لتردده بين الأكل والبيع، واللمس والنظر قيل: أنه مجمل. (وهو مُخَصَّصٌ بالعرف في الأكل والوطء فليس منه) هذا جواب المصنف رحمه الله تعالى (وعند الحنفية منه)، يعني: من المجمل.
(5/22)

(قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة إلا بطهور») («لا صلاة») إمَّا أن يحمل على نفي صورة الصلاة أو يحمل على نفي الحكم، صورة الصلاة شرعية، أو نفي الحكم، يعني: القبول والإجزاء ونحو ذلك، قالوا: هذا إجماع، أمَّا الأولى فهو ممتنع لأن الصلاة توجد دون طهارة فيقوم يصلي وهو ناسيًا أنه غير متطهر وجدت الصلاة الشرعية لكن بدون طهارة، إذًا من حيث الحس ليس هذا المراد ومن حيث الحكم الحُكم متعدد فصار إجمال، ما الذي يرجح هذا أو ذاك؟ هذا محل إجماع، وعند الحنفية منه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة إلا بطهور». والمراد نفي حكمه لامتناع نفي صورته - هذا من كلام الحنفية - لماذا قالوا: هو مجمل؟ قالوا لأن المراد بهذا النص نفي الحكم وليس المراد نفي الصورة، يعني: الحقيقة القيام والسجود والركوع لماذا؟ لأن السجود والركوع لا يمكن أن ينفى لأنه قد يوجد دون طهارة، حينئذٍ لَمَّا كان وجوده ممكنًا دون طهارة وقد بين الشرع أنه لا صلاة إلا بطهور، يعني: لا توجد أو الحكم، قالوا: إذًا المراد به الحكم وليس عين الصلاة، ثم إذا كان المراد به الحكم الحُكم متعدد، ما المراد هنا لا صلاة، إجزاء، قبول، كمال، ثواب، عقاب .. إلى آخره، قالوا: إذًا صار إجمال (وليس حكم أولى من حكم) قلنا: (فتتعين الصورة الشرعية)، يعني الحديث ليس مجملاً («لا صلاة») قلنا الصلاة في كلام الشرع محمولة على الصلاة الشرعية وهذا مما ينبني على القاعدة السابقة أنَّ اللفظ إذا ورد في الشرع وكان له حقيقة شرعية أول ما يحمل على المعنى الشرعي، حينئذٍ («لا صلاة»)، يعني: لا حقيقة لهذه الصلاة ولو وجدت حسًا لأن الحكم ليس معلقًا بالحس يوجد ركوع وسجود ولو من غير طهارة، وإنمَّا المراد الصلاة بشرائطها وواجباتها وأركانها وما يتعلق بها، إذًا فتتعين الصورة الشرعية والحديث ليس مجملاً ولا نحتاج إلى إضمار حكمٍ فلا يكون منه، لا نحتاج إلى إضمار حكمٍ لأن حرف النفي إذا سلط على حقيقة شرعية حمل على الصورة الشرعية، أي: المعنى («لا صلاة») معتد بها شرعًا لا صوم إلا بكذا، لا وضوء إلا بكذا، لا صلاة إلا بكذا يحمل على الحقيقة الشرعية، يعني: تنفى حقيقة الصلاة والصوم ونحو ذلك ويكون ما عُلِّق عليه شرطًا أو ركنًا فيها ويقابل المجمل المبين، هذا النوع الرابع. المبين بفتح الياء مشددةً اسم مفعول، وهو لغةً: الموضح، والمظهر، والمفسر، فهو يقابل المجمل لأنه يفهم المراد منه، والمجمل لا يفهم المراد منه. واصطلاحًا أحسن ما يعرف به المبين والمصنف هنا أورد تعريفًا فيه نظر: ما فهم مِنه عند الإطلاق معنًا معين بأصل الوضع أو بعد البيان، ما فُهِمَ مِنه عند الإطلاق معنًى معين بأصل الوضع نحو: كتاب، وأرض، وسماء، أو بعد البيان بأن يكون مجملاً ثم بين كقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} [البقرة: 43]، الصلاة هذا لفظ مجمل، ما هي هذه الصلاة؟ ما كيفيتها؟ ما شرائطها؟ هذا إجمال نحتاج إلا بيان، فالصلاة قبل البيان هذا مجمل، وبعد البيان قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
(5/23)

فصار مبينًا لكن بعد البيان، البيان: هو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، يعني: الدليل فصار اللفظ مبينًا لكن بعد البيان لا بأصل الوضع، والمصنف هنا عرفه بقوله المخرج (من حَيِّزِ الإشكال إلى الوضوح) المخرج (من حَيِّزِ الإشكال) (من حَيِّزِ)، يعني: من صفة وحال الإشكال، والإشكال هو خفاء المعنى المراد من اللفظ (إلى الوضوح)، يعني: المبين خاص بما كان مشكلاً ثم أُخرج إلى حيز الإشكال، وهل كل مبين يكون بهذا الصورة؟ الجواب لا، لأننا كما ذكرنا في الحج: ما يكون المعنى فيه معين بأصل الوضع، يعني: ليس فيه إشكال ثم بُيِّن، وأمَّا النوع الثاني فهو الذي اختص به المبين وقد يقال: بأن المصنف عرَّف المبين في مقابلة المجمل، حينئذٍ اختص به بما ذكر، ويرد على التعريف تعريف المبين عند المصنف أنه لا يدخل فيه إلا ما كان مشكلاً فلا يشمل المبين كأصل الوضع، ثم قولهم: (من حَيِّزِ الإشكال) هل ثم استقرار، حيز هو الفراغ المتوهم الذي يشغله الشيء، والتبين معنوي، والمعنى لا يوصف بالاستقرار بالحيز هذا قولٌ لبعضهم، كما في قولهم الاسم كلمة دلت على معنى في نفسها، (والمُخْرِجُ هو المبيَّن،) إذًا: عندنا إخراج هذا هو المبين، (والمُخْرِجُ)، يعني: الذي وضَّح من هو؟ هو الشارع، وسمي هنا مبين، من الذي بين هذا بذاك؟ الله عز وجل، أو الشارع على جهة العموم، (والمُخْرِجُ)، أي: الموضح للإجمال هو المبين وهو الشارع، والإخراج هو: البيان، والبيان في الأصل هو: اسم مصدرٍ بين، تبيانًا، وبيانًا ويطلق على التبيين وهو فعل المبين، فالبيان إخراج وإظهار المعنى للسامع وإيضاحه، والإخراج هو البيان، وقيل: البيان هو الدليل، الإخراج يعني: المعنى المصدري، المعنى المصدري هو البيان، وقيل البيان هو الدليل، وقد يسمى الدليل بيانًا كما قال المصنف هنا، قد يسمى الدليل بيانًا، بمعنى أن الدليل هو الذي حصل به البيان والبيان في الأصل اسم مصدر حينئذٍ يطلق على المعنى المصدر الذي هو الإخراج، يعني: فعل الفاعل (ويختص بالمجمل) ويختص المبيَّن بالمجمل، ولذلك عرَّفه بما ذكر، والصواب أنه لا يختص بالمجمل بل هو أعم من المجمل، (وحصول العلم للمخاطب ليس بشرط)، يعني: حصول العلم للمخاطب بالبيان ليس بشرط، قد يَفهم أو يسمع اللفظ المجمل ولا يصل إليه البيان هذا ممكن، ولذلك قيل هنا في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللهُ}، [النساء: 11]، هذا لا يتناول الأنبياء لحديث: «لا نورث ما تركناه صدقة» لم يقدح في البيان عدم علم فاطمة والعباس بهذا النص وإنما استدلوا بقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} هذا لفظ مجمل حينئذٍ يحتاج إلى بيان فبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «لا نورث ما تركناه صدقة» ولم يصل هذا البيان إلى فاطمة والعباس، إذًا حصول العلم للمخاطب بالبيان ليس بشرطٍ بل يجوز أن يجهله البعض، (ويكون بالكلام)، يعني: يكون البيان بالقول باللسان بما يحصل به البيان يكون بالقول لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فيما سقت السماء العشر» بيان لقوله تعالى: {وَآتُواْ الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، وغير ذلك والكتابة كذلك يحصل بها البيان، الكتابة إلى عماله، مقادير الزكاة،
(5/24)

وأسنان الديات، ونحو ذلك، وبالإشارة كما في قوله: «الشهر هكذا وهكذا وَهكذا» - أشار بأصابعه العشر وقبض الإبهام في الثالثة يعني تسعةً وعشرين - وكذلك بالفعل كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» والرؤية هنا بصرية وبالتقرير، كقوله للجارية: «أين الله؟». قالت: في السماء أقرها، وبكل مفيد شرعي. إذًا التعميم هو المراد، كل ما يفيد الحكم الشرعي يحصل به الباقي كترك فعلٍ أمر به يكون تركه بيانًا لعدم وجوبه إذا جاء أمر في الشرع: {وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282]، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد باع وترك دلّ ذلك على أنه بيان لقوله: {وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} على أنه ليس بواجب بل هو مستحبٌ وتركه فعلٌ يحصل به البيان (ولا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة) لا يجوز تأخير البيان (عن وقت الحاجة)، يعني: وقت وجوب العمل بالخطاب لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوحى إليه الأمر بالشرع ثم إن كان الامتثال تابعًا للخطاب حينئذٍ تعين بيانه وإبلاغه للناس، (ولا يجوز تأخيره)، يعني: تأخير البيان (عن وقت الحاجة)، يعني: وقت وجوب العمل بالخطاب، لأن المخاطب مطالب بالامتثال فيلزم عليه تكليفه بما لا يعلم إذا لم يبين ... النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أوجبه الله تعالى على العباد كيف يطالب العباد بفعل ما لا يعلموا صار ماذا؟ صار تكليفًا بالمحال وهو ممتنع شرعًا: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، حينئذٍ إذا لم يُخَبِّرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بصفة الصلاة كيف يعملون؟ هذا صار ممتنع، (ولا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة، فأما إليها)، يعني: عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، ثم مسألتان: تأخير البيان عن وقت الحاجة وقت الامتثال تأخيره إلى وقت الحاجة هذا جائز، الثاني يجوز بمعنى أنه لو أوحي للنبي - صلى الله عليه وسلم - بإيجاب صوم رمضان في رجب مثلاً ما جاء وقته فلو أخره إلى قُبيل رمضان يجوز أو لا يجوز؟ يجُوز، فتأخير البيان إلى وقت الحاجة هذا جائز فجوزه الجمهور وابن حامد، والقاضي وأصحابه، وبعض الحنفية، وأكثر الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. إذًا تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة نقول: هذا جائز والجواز من جهتين:
أولاً: دليله قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 18، 19]، {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ}، يعني: أقرأه القرآن، قال: {ثُمَّ}، وثم تدل على ماذا؟ على التراخي {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} دلّ ذلك على أن {ثُمَّ} تدل على التراخي فدلّ ذلك على أنه يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة والله سبحانه رتب بيان القرآن على التلاوة بثم وهي للتراخي وهذا يقتضي جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة.
(5/25)

ثانيًا: وقع وحصل، وهو أنه وقع ففي قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال: 41]، ففي الآية أن جميع الغنيمة لهذه الأوصاف ثم بعد نزول الآية بين النبي - صلى الله عليه وسلم -، بين ماذا؟ بين أن من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه، وأن المراد بذي القربى بنو هاشم، وبنو المطلب دون بني نوفل وعبد شمس، فأخر النبي - صلى الله عليه وسلم - بيان ذلك إلى أن قسم الخمس. إذًا تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة صحيح الجواز، وهو مذهب الجمهور ودليله ما ذكرناه من الآية والوقوع، ومنعه أبو بكرٍ عبد العزيز التميمي، والظاهرية، والمعتزلة قال: لأنه لو جاز تأخير البيان فإمَّا أن يجوز إلى مدة معينة، أو إلى الأبد، إمَّا أن يجوز إلى مدة معينة أو إلى الأبد، وكلاهما باطل، أمَّا الأول يعني: إلى مدة معينة قال: لأنه تحكم ولم يقل به أحد، وأمَّا إلى الأبد فلكونه يلزم عليه الخطاب بالمجمل بدون بيانه قالوا: وهذا عبث وتجهيل للسامع، والجواب: أنه لا تحكم بتأخير البيان إلى أمد معين عند الله وهو الوقت الذي يعلم أنه يكلف به.
(5/26)

ثم قال: (فإن دلّ على مفهومات أكثر من واحد مطلقًا فـ (عام))، يعني: أراد أن يعرّف الانتقل إلى العام (فإن دلّ) اللفظ (على مفهومات)، يعني: معاني (أكثر من واحد)، يعني: له معانٍ كثيرة. (مطلقًا)، يعني: بلا حد معين. يعني: بلا حصرٍ (فـ (عام))، والعموم لغةً: الشمول، وهو المستغرق المتناول لما وضع له من الأفراد دفعةً واحدة، وقد حده قوم من الأصوليين بأن العام هو: اللفظ المستغرق لما يصلح له اللفظ قدمه في الحد لأن العام وصف للفظ لا للمعنى، وقد يسمى أو يوصف المعنى بالعموم لكنه مجازًا لا حقيقةً وهذا المرجح عند الأصوليين، وحينئذٍ يستعمل لفظ العام في اللفظ فحسب، يعني: حقيقةً، وأمَّا وصف المعنى بالعموم فهذا مجاز، عمَّ زيدٌ القوم بالعطاء، عمهم بالعطاء هذا عام لكنه معنى، حينئذٍ صار مجازًا، والمراد هنا وصف اللفظ، فتقول: المؤمنون هذا لفظ عام، حينئذٍ صار وصفًا لازمًا له لأنه اللفظ المستغرِقُ، يعني: المتناول لما وضع له من الأفراد دفعةً واحدة، ولذلك قال: (لما يصلح له)، لكن ينبغي تقيده بوضعٍ واحد بلا حصرٍ وعليه يكون التعريف العام هو اللفظ المستغرق لما يصلح له، يعني: لجميع الأفراد التي هي داخلة تحت مفهوم هذا اللفظ لكن بوضعٍ واحد، بمعنى لفظ المؤمنون يدل على: زيد، وعمرو، وخالد هل وُضع لزيد وضعًا ثم وضع مرة أخرى لخالد؟ لا، نقول: وضعًا واحدًا يتناول الجميع دفعةً واحدةً مرةً واحدة بلا حصر احترازًا من اسم العدد لأنه يدل على جمع بحصر فحينئذٍ يكون منافيًا لمعنى العموم، فمائة وعشرة مثلاً يدل على عدد وهو مثل العام لكن العام يشترط فيه أن لا يكون العدد منتهيًا، يعني: لا يحصر، وأمَّا العدد فهو محصور كاسمه. (لما يصلح له)، قوله: (المستغرق) (اللفظ المستغرق)، قال: وأخرج المطلق لأن المطلق كما سيأتي إنه ما دلّ على الحقيقة بلا قيد، فالمطلق لم يوضع للأفراد بخلاف اللفظ العام، اللفظ العام وضع للدلالة على الأفراد، وأمَّا المطلق لم يوضع للأفراد وإنما وضع للماهية فلا يكون مستغرقًا، وأمَّا شموله باعتبار صدقه على زيد، وعمرو، وخالد فهذا الشمول يعتبر بدليًّا بمعنى: أنه لا يدخل كل ما ذكر من الأفراد دفعةً واحدة تحت اللفظ المعين، وخرج كذلك النكرة بسياق الإثبات فإنها من قبيل المطلق وهي لا تعم الأفراد دفعة واحدة وإنما على جهة التناوب، (وهو)، أي: لفظ العام (من عوارض الألفاظ).
وهو من عوارض المباني ... وقيل للألفاظ والمعاني
(5/27)

(وهو)، أي: العام اللفظ العام (من عوارض الألفاظ فهو حقيقة فيها)، يعني: في الألفاظ، (مجاز في غيرها) من المعاني كعم زيد القوم بالعطاء، (وأصله الاستيعاب والاتساع) فلا بد أن يكون هذا المعنى موجودًا في اللفظ العام وله ألفاظ خمسة، (وألفاظه خمسة) ويذكر الأصوليون هنا مسألة وهي: هل العام له ألفاظ تخصه أم لا؟ وهذا السؤال بدعي، لأن عندهم العام المراد به المعنى النفسي ثم بعد ذلك هل له ألفاظ أم لا؟ هذه مسألة خلافية عندهم جوزه البعض ونفاه البعض، ونحن نقول: ليس عندنا شيء اسمه كلام النفس بل كلام الله تعالى هو اللفظ والمعنى معًا فلا يصدق على اللفظ دون المعنى ولا على المعنى دون اللفظ، (وألفاظه خمسة) بل أكثر من الخمسة وإنما ذكر شيئًا منها، (الاسم المحلى بالألف واللام) (الاسم) سواءٌ كان مفردًا أو جمعًا، (المحلى)، يعني: الذي دخلت عليه الألف واللام كقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2]. {الزَّانِيَةُ}، يعني: يشمل كل زانية، {وَالزَّانِي} يشمل كل زانٍ، ولذلك المراد بالألف واللام هنا الاستغراقية وهي التي تكون دليلاً على أن اللفظ عام وضابطها عند النحاة هي ما صح حلول لفظ كل محلها وصح الاستثناء من مدخولها كقوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا} [العصر: 2، 3]. {إِنَّ الْإِنْسَانَ}، يعني: كل إنسان. إذًا صح مجيئ لفظ كل محل أل، ثم استُثْنِي من مدخولها وهو لفظ إنسان {إِلَّا الَّذِينَ} انظر إنسان فاللفظ مفرد، وقال: {إِلَّا الَّذِينَ} هذا بالمفرد وكذلك قوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} [النور: 59]، أطفال جمع طفل وهذا يدل على أن المراد به العموم، يعني: كل طفلٍ.
النوع الثاني من ألفاظ العموم: المضاف إلى معرفةٍ، المضاف إلى معرفة يكتسب التعريف، سواءٌ كان المضاف مفردًا أو كان جمعًا مثاله في المفرد قوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ} [النحل: 18]. {نِعْمَةَ} هذا مفرد في اللفظ وقد أضيف إلى لفظ الجلالة واكتسب التعريف وكذلك اكتسب العموم ولذلك قال: {لَا تُحْصُوهَا} ولو كانت واحدة لأمكن إحصائها، والجمع كقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11]، يعم كل الأولاد الذكور والإناث، كعبد زيدٍ، عبد زيد هذا عام يصدق على خالد، وعمرو إلى آخره إذا كان عنده عدد من العبيد.
(5/28)

الثالث: أدوات الشرط، والمراد بالأدوات: الأسماء، ولو عبر بالأسماء لكان أولى لأن إن الشرطية من الأدوات وهي ليست من صيغ العموم بل لا تدل على معنى أصلاً، (كمن فيمن يعقل)، يعني: تستعمل من للعاقل ولو عبر للعالِم لكان أولى لأنها مما يطلق على الرب جلّ وعلا، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2]، كل من يتق الله يجعل له مخرجًا (وما فيما لا يعقل) ما فيما لا يعقل {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [البقرة: 197]، دلّ على أنها صيغة عموم {وَمَا تَفْعَلُوا}، يعني: أيَّ فعل تفعله {يَعْلَمْهُ اللَّهُ} فهي صيغة عموم (وأيٌّ فيهما)، يعني: في العاقل وفي غيره، «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها». كالحديث السابق {أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ} [القصص: 28] هذا في غير العاقل (وأين وأيان في المكان ومتى في الزمان) أين {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ} [النساء: 78]، {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] كذلك أيان أَيان تذهب أذهب معك، (ومتى في الزمان) متى تذهب أذهب معك، وهذه صيغة العموم وهي واضحة أين ما تكن أكن معك، أيَّ مكان على وجه الأرض هذا عموم، متى تذهب أذهب معك، أيَّ زمنٍ تذهب أذهب معك ففيه شيء من العموم، (وكل وجميع) وهذه أمُّ الباب، كل هي أمُّ الباب، بمعنى أن كل: دلالتها على العموم نصية كما هو المشهور عند الأصوليين، وجميع هل هي مثلها أو ظاهرة في العموم؟ هذا محل نزاع {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} كل نفس هنا أضيفت إلى نفس فأفادت العموم وكذلك جميع: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 32]، (والنكرة في سياق النفي) سواءٌ باشرها النافي أو لا، وسواءٌ زيدت عليها من أو لا مطلقًا حينئذٍ نقول: هي من ألفاظ العموم كقول: لا رجل في الدارِ. لا رجل كائن في الدار، حينئذٍ نُفِيَ عن الدار كينونةُ أيُّ رجل كان، ودلّ ذلك على أنها من صيغة العموم صحة الاستثناء من هذه النكرة لا رجل في الدار إلا زيدًا، لو لم تكن كذلك لما كان قول الموحد: لا إله إلا الله نفيًا لجميع الآلهة سوى الله تعالى، إذًا النكرة في سياق النفي تعتبر من صيغ العموم كقولنا: لا رجل في الدار وكذلك في سياق النفي: {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً} [الجن: 18]، تكون للعموم أو للشرط، {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} [النساء: 59]، {شَيْءٍ} هذا نكرة في سياق الشرط وتعم {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} [التوبة: 6]، أيُّ أحدٍ، حينئذٍ دلّ على أن هذه الألفاظ تعتبر للعموم.
(5/29)

(قال البستي: الكامل في العموم الجمع، لوجود صورته ومعناه)، (الجمع) من حيث لفظه دالٌّ على التعدد: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1]، {الْمُؤْمِنُونَ} بلفظه دالٌّ على التعدد، والعام من حيث المعنى دالٌّ على التعدد، إذًا طابق اللفظ المعنى بخلاف: {مَن يَتَّقِ اللَّهَ} [الطلاق: 2]، من في اللفظ مفرد وآحاده من حيث المعنى متعدد، حينئذٍ الكامل في العموم هو الذي طابق اللفظ فيه المعنى والمعنى اللفظ، ولذلك قال: (الكامل في العموم الجمعُ) مطلقًا سواء كان معرفًا بال أو بالإضافة (لوجود صورته)، يعني: الصيغة التي تدلُّ عليه لأنها تفيد التعدد وتدلُّ عليه، (ومعناه) وهو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلوا له (والباقي)، يعني: باقي ما ذُكر (قاصر لوجوده) يعني لمعناه (فيه) في اللفظ (معنًى لا صورة) واضح من هذا.
(5/30)

{إِنَّ الإِنسَانَ} [إبراهيم:34]، من حيث اللفظ هو مفرد ومن حيث المعنى هو عام، إذًا هو قاصرٌ لأنه لم يطابق المعنى اللفظ ولا اللفظ المعنى بل افترقا، وأمَّا: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}، {الْمُؤْمِنُونَ} هنا عام وطابق اللفظ فيه المعنى لأنه في اللفظ يعتبر دالاًّ على التعدد، ثم ذكر بعض المسائل المتعددة بما ذُكر لأنه ليس من المتفق عليه، يعني: المحلَّى بالـ والجمع إلى آخره مختلف فيه والصحيح ما ذكر فيما سبق، (وأنكره قوم فيما فيه الألف واللام)، (أنكره)، يعني: أنكر العموم (قوم) من الأصوليين (فيما فيه الألف واللام) لماذا؟ لأن الـ تحتمل العهد، وتحتمل الاستغراق، وتحتمل الجنس، وإذا كانت للعهد وكان المعهود ليس عامًا فليست من صيغ العموم، وإذا كانت للجنس كما في قولك الرجل خير من المرأة يعني: جنس الرجل خير من جنس المرأة وليس الأفراد بالأفراد هذا ليس فيه عموم، إذًا ليس كل محلًا بالـ يفيد العموم حينئذٍ وقعنا في تردد فلا تدلُّ على العموم، والصحيح أنها تدلُّ على العموم بالقيد الذي ذكرناه وهو أنه إذا حلَّ صح حلول لفظ كل محلها حينئذٍ نقول هذه استغراقية مع صحة الاستثناء من مدخولها، وأمَّا العهدية فهذه بحسب المعهود لأن العهدية هي التي ذُكِر مصحوبها عهدًا ذكرًا سابقًا أو ذهنًا أو نحو ذلك، حينئذٍ إذا كان المعهود مفردًا فيكون مدخولها مفردًا، وإذا كان المعهود جمعًا يعني لفظًا عامًا صار المدخول الذي بعد الـ للعموم بمعنى أن الـ للعهدية قد تكون للعموم وقد لا تكون للعموم متى باعتبار المعهود {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً} [المزمل: 15]، نكرة، {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 16]، {الرَّسُولَ} هذا مفرد دخلت عليه الـ هل يفيد العموم؟ الجواب لا، لماذا؟ لأن المعرف بالـ أعيد بعد نكرة والقاعدة أنها إذا ذكر اللفظ نكرة ثم أعيد معرفًا بالـ فهو عين الأول فهو واحد لأن الذي أرسل هو موسى عليه السلام، {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ} [الحجر: 28]، ثم قال: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ} [ص: 73]، {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ}، نقول: الـ هذه عهدية، والمعهود هو الجمع الأول، فدلت على العموم، إذًا باعتبار العهدية فيه تفصيل، وأمَّا الجنسية فلا تفصيل بل هي ليست للعموم أمَّا الاستغراقية فتفيد العموم (وقوم)، يعني: أنكروا العموم (في الواحد المعرّف خاصة) لأنه لا يصح العموم في نحو: لبثتُ الثوب، لو قال: لبثتُ الثوب هل في عموم؟ لا ليس فيها عموم، لكنَّ هذا مقيد بالعرف لا يتصور الإنسان يلبس عشرين ثوب مرةً واحدة، شربت الماء، هل ترك شيء؟ نعم شرب الماء الذي يحتاجه، تزوجت النساء، ما الذي يخصه؟ شيء معين، إذًا هذا بالعرف فلا يعترض عليه بما ذكر، (وقوم في الواحد المعرّف خاصة) كما في قوله: ({وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ}) لأن اليقين هو الجنس الصادق لبعض الأفراد وما زاد فهو مشكوك فيه فالأصل التوقف فيه على كلٍّ ما سبق هو المرجح، (وبعض متأخري النحاة في النكرة في سياق النفي إلا مع من مظهرةً) للنصب، يعني: بعض النحاة أنكروا العموم في النكرة
(5/31)

في سياق النفي قالوا: لا تفيد العموم إلا إذا دخلت (من مظهرةً)، يعني: ينطق بها {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ} [ص: 65]، قالوا هذا للعموم، لماذا؟ لوجود من مظهرة في التركيبِ (إلا مع من مظهرة) {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ}، قالوا: لأن قوله مثلاً: ما جاءني رجلٌ لا يقتضي الاستغراق، فله أن يقول بل أكثر بخلاف ما إذا دخلت (من) فهي نص في العموم ثم عموم ظاهر وثم نصٌ في العموم والصواب أنها: تفيد العموم ولو لم تكن من مظهرةً بدليل قوله: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ} [التغابن: 13]، نفي لجميع الآلهةِ سوى الله عز وجلّ ولذلك الصحابة لَمَّا فهموا من قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعام 82]، نكرةٌ في سياق النفي فهموا ماذا؟ فهموا عموم الظلم الصادق بالمعاصي ونحوها فبين لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذا الفهم ليس في محله وإن كان في اللغة في محله، فقال: «أما سمعتم قول العبد الصالح {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}» [لقمان: 13] فدلَّّ على أن الظلم المراد به هنا لفظٌ عام أريد به الخاص، (وأقل الجمع ثلاثة، وحكيَ عن أصحاب مالك وابن داود وبعض النحاة والشافعية اثنان)، (أقل الجمع ثلاثة) والمراد به: جمع السلامة والتكسير، جمع السلامة والتكسير هو الذي وقع فيه النزاع، أمَّا لفظ (جمع) لفظ (جمع) نفسه أقله اثنان وهذا محل وفاق، جمع من الناس، جمعٌ يعني: اثنان فأكثر، (وأقل الجمع ثلاثة) وهذا هو الصحيح والمرجح عند جماهير النحاة والأصوليين ويدلّ عليه آكد ما يدلّ أن العرب اتفقت على أنهم إذا أرادوا المفرد قالوا: زيد، وإذا أرادوا الاثنين قالوا: الزيدان، وإذا أرادوا أكثر من اثنين قالوا: الزيدون فدلّ ذلك على ثَم فرقًا بين المثنى والجمع، ولو كان أقل الجمع اثنين حينئذٍ لما صار فرق بين المثنى والجمع وقد فرق بينهم العرب، (وحكي عن أصحاب مالك وابن داود وبعض النحاة والشافعية اثنان) لأنه قال تعالى: {أَطْرَافَ النَّهَارِ} [طه: 130]، وهما طرفان {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]، أيْ: قلباكما، ثم قال رحمه الله تعالى: (والمخاطب يدخل في عموم خطابه، ومنعه أبو الخطاب في الأمر، وقوم مطلقاً)، يعني: إذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ عام هل يشمله ذاك اللفظ أو لا؟ وما يعم يشمل الرسول، وقيل: لا، يعني: إذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بأمرٍ وهذا اللفظ عامٌ هل يدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه أو لا؟ نقول: نعم، يدخل فيه ولذلك قال: (والمخاطب) يعني غيره بكسر الطاء بصيغة فيها عموم يدخل في عموم خطابه، (ومنعه أبو الخطاب في الأمر،) لماذا؟ لأنه لا يوجد في حقيقة الأمر لو أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بلفظٍ عام هل يكون الآمر مأمورًا؟ الجواب: لا، هل يكون الآمر مأمورًا بمعنى أنه يأمر نفسه؟ قالوا: لا، والصواب أن الآمر قد يأمر نفسه ولذلك جاء بصيغة الأمر: {وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت: 12] ولذلك جاء: «قوموا فلأصلي لكم» دلّ على أن اللام تدخل على الفعل وهو مخاطب لنفسه (ومنعه أبو الخطاب في الأمر) لعدم وجود حقيقة الأمر، والصحيح جوازه لغةً،
(5/32)

(وقومٌ مطلقًا)، يعني: منعوه مطلقًا لقوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]، قال: ما ذكر الله عز وجل. ونقول: هذا فهم سقيم، لماذا؟ لأن الخلق هنا متعلق بما يمكن خلقه، وثم فرق بين الخالق والمخلوق (ويجب اعتقاد عمومه في الحال في إحدى الروايتين، اختارها أبو بكر، والقاضي).
والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(5/33)

عناصر الدرس
* تابع العام، وألفاظه.
* الخاص، والتخصيص، والمخصصات.
* الاستثناء.
* الفروق بين الاستثناء، والتخصيص.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
لا زال الحديث في بيان العام، وحيث عرفه المصنف رحمه الله تعالى، ثم ذكر ألفاظًا خمسةً مما يتعلق بدلالة على المعنى العام، ثم ذكر الخلاف في بعض تلك الألفاظ.
ثم قال: (ويجب اعتقاد عمومه في الحال في إحدى الروايتين). يعني: عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. (اختارها أبو بكر، والقاضي وهي قول الحنفية، والأخرى لا حتى يبحث فلا يجد مخصصًا. اختاره أبو الخطاب، وعن الشافعية كالمذهبين) وهذه المسألة تتعلق بلفظ العام هل إذا بلغ المكلف اللفظ العام وجب عليه العمل في الحال منذ أن يسمعه أو لاحتمال التخصيص يبحث عن مخصص فلا يعمل به حتى يبحث ثم يبحث ثم يبحث عن مخصص فلا يجد ثم بعد ذلك يعمل بالعام؟ هذه مسألة خلافية بين الأصوليين واختار المصنف وهو الصحيح أنه يجب العمل به مطلقًا ولا يبحث عن مخصص (ويجب اعتقاد عمومه)، لكن المصنف هنا علق الحكم الوجوب (ويجب اعتقاد) وهذا تخصيصه باعتقاد العموم دون العمل فيه نظر بل الصواب أنه يجب الاعتقاد والعمل معًا، وأما مجرد الاعتقاد هذا لا يكفي كونه يعتقد أن اللفظ عام وأنه يجب العمل بعمومه مجرد اعتقاد دون عمل هذا لا يكفي، بل لا بد أن يجمع بين الأمرين فيعتقد ويعمل، إذًا تخصيص المصنف هنا الوجوب بالاعتقاد دون العمل فيه نظر بل المسألة شاملة باعتقاد العموم والعمل بمقتضاه (في الحال) أي: إذا حضر وقت العمل من غير توقف على البحث عن مخصص. وهذا الذي يعنيه الأصوليين بقولهم: (في الحال). يعني منذ أن يبلغه العام وجب عليه العمل به مباشرةً دون أن يبحث عن مخصص هل له مخصص أو لا؟ هذه المسألة نقول: لا، هنا كما قال المصنف: (ويجب اعتقاد عمومه في الحال). مع أنه لا يجب عليه أن يبحث عن مخصص بل يعمل به مباشرةً لماذا؟ لأن العمل بالنصوص واجب، هذا الأصل فيه منذ أن يبلغ النص المكلف وجب العمل به على ما تقتضيه دلالتها حتى يقوم دليل على خلاف ذلك بمعنى أن العام لا شك أنه يحتمل التخصيص، وكذلك الأمر يحتمل الصارف إلى الندب، وكذلك النهي يحتمل الصرف عن التحريم إلى الكراهة فلو قيل بأنه يبحث عن الصوارف دون أن يعمل بمقتضى هذه الأدلة لما بقي له مسألة يعمل بها لأن الحكم هنا في التعميم والتخصيص كالحكم في كونه افعل مثلاً للوجوب حتى يدل دليل على صرفها عن الوجوب للندب، ويحتمل أنه يصرف إلى الندب، إذًا يتوقف عن العمل ويبحث هل وجد صارف أو لا؟ كذلك صيغة النهي لا تفعل الأصل فيها أنها للتحريم ويحتمل أنها تصرف للكراهة حينئذٍ يقال له: توقف حتى تبحث ثم تبحث عن قرينة صارفة عن التحريم من الكراهة. كل هذا ليس بوارد بل متى ما بلغ النص المكلف وجب العمل به مطلقًا ثم إذا ظهر له صارف عن الوجوب إلى الندب أو عن التحريم إلى الكراهة أو عن العموم إلى التخصيص أو عن المنسوخ إلى الناسخ ونحو ذلك عمل بالدليل المتأخر وكف عن الأول، وأما أنه يتوقف حتى يبحث نقول: هذا لا دليل عليه.
(6/1)

(والأخرى) الرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى (لا يجب) يعني: العمل. (حتى يبحث فلا يجد مخصصًا) يعني: فينظر في السنة وينظر في القرآن هل ورد شيء مخصص لهذا العموم أو لا؟ فيبحث ثم يبحث ثم يبحث حتى إذا تيقن أو غلب على ظنه أنه لا يوجد مخصص حينئذٍ يقال له: اعمل بمدلول هذا اللفظ العام. ولذلك عللوه بقولهم: لأن العموم استغراق بشرط التجرد من القرينة ونحن لا نعمل عدم القرينة إلا بعد الطلب وعدم العلم بالقرينة لا يقتضي عدم وجودها فصار العام محتملاً للتخصيص فلم نعمل به. إذًا يكف عن العام لاحتمال التخصيص نقول: هذا القول ليس عليه دليل والأول هو الأصح. وهذا إنما يتصور فيما سبق يعني: في أول العلم كان الوقوف على السنة قد يكون فيه نوع صعوبة، وأما بعد أن وجدت هذه النصوص بعضها إلى بعض نقول: هذا كان فيما سبق بمعنى أنه كان سنة، يعني: لا توجد بعضها بجوار بعض أما بعد أن وجدت المصنفات فمثل ذلك لها وجود، (اختارها أبو الخطاب) الرواية الثانية يعني: لا بد أن يتوقف ويجب عليه أن يتوقف ثم يبحث عن المخصص، (وعن الشافعية كالمذهبين) يعني: لهم قولان. (وعن الحنفية: إن سمع منه على وجه تعليم الحكم) يعني: من النبي - صلى الله عليه وسلم - علمنا أنه للشمول (فكالأول) بمعنى أنه يعمل به مباشرة ولا يبحث عن مخصص لأنه إذا سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرةً حينئذٍ نعم (إن سمع منه على وجه تعليم الحكم) يعني: بمعنى أنه تلفظ به النبي - صلى الله عليه وسلم - مبينًا للحكم. حينئذٍ نقول: الأصل هو العموم فلو كان ثَمَّ مخصص لذكره وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز حينئذٍ دل في مقام التعليم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد العموم إذ لو لم يرد العموم لكان تأخيرًا عن البيان عن وقت الحاجة وسبق معنا أنه لا يجوز، (وإلا فكالثاني) يعني: وإلا سمعه من غيره فلا يجب اعتقاد عمومه. بمعنى أنه إذا سمعه من غير النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يجب اعتقاد عمومه وعلى كلٍّ القول الأول هو الصحيح أنه يجب مطلقًا دون أن يبحث عن مخصص.
(6/2)

ثم قال: (والعبد يدخل في الخطاب للأمة والمؤمنين). العبد من جملة المخاطبين وهو: مسلم، وَخُوطِبَ بالكتاب والسنة، وإذا جاء لفظ الأمة وإذا جاء لفظ المسلمون وإذا جاء لفظ المؤمنون دخل العبد فيه كما دخل الحر، فحينئذٍ لا يختص لفظ المؤمن والمسلم بالحر دون العبد لأن هذه المسائل الشرعية التوحيد ومنابذة الشرك هذه يستوي فيها العبد وغيره وهو مكلف كغيره من الأحرار وثَمَّ مسائل انفرد بها العبد عن غيره وهذه نقول: لا بد من دليل يخصها. يعني: الأصل المساواة بين العبد والحر لأنه مكلف، عبد مخلوق لله عز وجل مأمور بالتوحيد ومنهي عن الشرك، فحينئذٍ كل ما خُوطِبَ به المسلم والحر فالعبد مثله إلا أن يدل الدليل على استثنائه في مسألة ما، (والعبد يدخل في الخطاب) يعني: خطاب الله تعالى خطاب رسوله - صلى الله عليه وسلم - للأمة والمؤمنين فإذا قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}. هذا عم العبد {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] دخل فيه، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} كذلك ثم قال: (لأنه منهم). يعني: من جملة الأمة والمؤمنين.
ثم قال: (والإناث في الجمع بالواو والنون ومثل أو مثل {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ} عند القاضي، وبعض الحنفية وابن داود لغلبة المذكر) ثَمَّ ألفاظ تختص بالذكور، يعني: ثَمَّ صيغ تكون خاصة بالمذكر، وثَمَّ صيغ تكون خاصة بالمؤنث، وثَمَّ صيغ لا تكون خاصة بكل منهما فحينئذٍ ورد الخلاف في صيغتين (في الجمع بالواو والنون) يعني: جمع المذكر السالم. وكذلك الفعل المتصل بالضمير الواو [الذي في لفظه لا يختص بالمذكر ... دون] الذي في لفظه يكون خاصًا بالمذكر حينئذٍ هاتان الصيغتان الجمع بالواو والنون وكذلك الفعل المسند إلى الواو الضمير المتصل هل يدخل فيه الإناث أو لا؟ يعني: بمعنى أنه خاص بالذكور فلا يشمل الإناث هذا محل نزاع، ولذلك قال: (والإناث في الجمع). (والإناث) يعني: وتدخل الإناث في الجمع بالواو والنون. وهو ما يسمى بجمع المذكر السالم فإذا قيل: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}. كذلك والمؤمنات يشمل النوع الثاني بمعنى أنه ليس خاصًا بالذكور، وهذه المسألة ينظر فيها من جهتين:
(6/3)

أولاً: من جهة استعمال اللغة هل فرقت اللغة بين النوعين؟ نقول: كما هو معلوم أن ما كان مؤنثًا فيجمع بألف وتاء، وما كان مذكرًا جمع بواو ونون هذا هو الأصل حينئذٍ في لسان العرب فرقت بين الذكر والأنثى أو الجمع جمع المذكر وجمع المؤنث بواو ونون إذا كان مذكرًا وبألف وتاء إذا كان مؤنثًا، وهذا هو الأصل فلا يدخل المذكر تحت المؤنث ولا المؤنث تحت المذكر هذا من حيث اللغة وهذا هو المعتمد بمعنى أن ما جمع بواو ونون لا يدخل فيه الإناث، وما جمع بألف وتاء لا يدخل فيه الذكور، وأما في استعمال الشرع وجدنا أن الشارع يخاطب الأمة ويعمم أو يغلب الذكور على الإناث يقول: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ}، {وَآَتُوا الزَّكَاةَ}، {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا} [آل عمران: 130]، {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32]. يأتي بالواو الدالة على المذكر، في هاتين الصيغتين الواو والنون وكذلك الضمير المتصل نقول: من حيث اللغة لا يشمل الإناث، وأما من حيث الاستعمال الشرعي فالإناث داخلات في هذا المفهوم حينئذٍ يكون له حقيقة شرعية فإذا أطلق قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ}. نقول: يشمل الإناث باستعمال الشرع لا لغةً ولا مانع بأن يقال إن اللفظ من حيث الأصل لا يشمل الإناث في لغة العرب ثم إذا استعمله الشارع جعل فيه شيئًا من العموم (والإناث في الجمع بالواو والنون) يعني: يدخل الإناث في الجمع بالواو والنون، ولذلك أطلق لفظ المذكر السالم مرادًا به الإناث {وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} [يوسف: 29] خاطئين هذا جمع مذكر سالم بياء ونون، وكذلك {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12] {مِنَ الْقَانِتِينَ} قانتون بواو ونون وياء ونون حينئذٍ في الأصل هو للمذكر، ولكن استعمل في المؤنث للدلالة على أن الشرع إذا أطلق هذا اللفظ لم يخصه بالذكور وإنما يشمل الإناث فحينئذٍ هذا أولى ما يقال في الصيغتين أنه من حيث اللغة لا يشمل، وأما من حيث الاستعمال الشرعي فصار فيه عرف شرعي أو حقيقة شرعية عم النوعين (والإناث في الجمع بالواو والنون ومثل {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ}) يعني: الفعل المتصل بالضمير هذا في لفظه يعتبر ماذا؟ يعتبر خطابًا للمذكر هذا في الأصل، ولذلك لما خُوطِبَ النساء مجرد عن الذكور قال: {وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب: 33]. كان الخطاب هنا لخاصة النساء فلما قال: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}. حينئذٍ دل اللفظ على دخول النساء من حيث الشرع والمسألة ينبني عليها خلاف وهي إذا قيل: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}. أنه خاص بالذكور وليس له حقيقة شرعية حينئذٍ كيف دخل النساء في هذا المفهوم؟ إما أن يكون بدليل اللفظ أو بدليل القياس فمن قال أن الصيغة خاصة بالمذكر ولم تشمل النساء لغةً وشرعًا حينئذٍ الحكم عنده عام يتفقون على أن الصلاة واجبة على الإناث والذكور لكن ما الدليل على أن الإناث مخاطبات بهذا اللفظ مثلاً؟ يقول: من باب القياس.
(6/4)

لأن الشارع لم يفرق بين الذكور والإناث حينئذٍ النساء شقائق الرجال فكل حكم في الشرع مخاطب به الرجال فالأصل أن النساء مثل الرجال، حينئذٍ جعلوه من باب القياس أو من باب نفي الفارق وإذا قلنا بأنه يدخل لغةً أو بأن الشارع استعمله استعمالاً يشمل النوعين حينئذٍ نقول: باللفظ اللفظ دل على أن الإناث مخاطبات بهذا اللفظ، هذا الذي ينبني على المسألة (والإناث في الجمع بالواو والنون ومثل {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ} عند القاضي، وبعض الحنفية وابن داود لغلبة المذكر) يعني: من باب التغليب كالقمرين ونحوهما والصحيح أنه ليس من باب التغليب وإنما هو استعمال شرعي بمعنى أنه عرف شرعي أو حقيقة شرعية إذا أطلق هذا اللفظ أراد به الإناث والذكور معًا (واختار أبو الخطاب والأكثرون عدم دخولهن) لغةً يعني، وهذا هو الصحيح أن الأصل لا يدخلن في الخطاب لكن نجعل أن الشرع استعمل اللفظ مرادًا به الإناث والذكور معًا حينئذٍ التعميم جاء من جهة الشرع لا من جهة اللغة، وأما في اللغة فلا يشمل لأن العرب باتفاق فرقت بين جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم، وكذلك كلوا وكلن واشربوا واشربن هذا الأصل فيه إذا كان المسند إلى الواو اختص بالذكور وإذا أردنا أو أريد الإناث حينئذٍ قال: كلن واشربن. ونحو ذلك فلا بد من المجيء بنون الإناث التي تكون خاصة بالفاعل المؤنث، إذًا (واختار أبو الخطاب والأكثرون عدم دخولهن) وهذا في ماذا؟ الخلاف في الصيغة التي لا تكون خاصة بالذكور بحسب المادة كالرجال الرجال هذا واضح أنه لا يشمل النساء لأن المادة خاصة بالرجال، ولا فيما هو موضوع للذكور والإناث نحو الناس ومن هذا يشمل قطعًا إذا قيل لفظ الناس {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} شمل المذكر والمؤنث، وكذلك من {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ} شمل المذكر والمؤنث، ولكن الخلاف فيما هو بحسب المادة موضوع لهما وبحسب الصيغة موضوع للذكور خاصة إذا قيل: المؤمنون. المادة التي هي وصف الإيمان هل هذا الوصف خاص بالذكور دون الإناث أو أنه عام؟ عام فيهما، لكن جاء بصيغة خاصة للذكور حينئذٍ جاء الخلاف فيما ذكر.
(6/5)

ثم قال رحمه الله تعالى: (وقول الصحابي: (نهى عن المزابنة) و (قضى بالشفعة) عام). يعني: إذا حكى الصحابي فعلاً من أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأتى بصيغة دالة على العموم هذا كما مضى معنا في أمر ونهى قالوا: هذا أدنى من أن يقال: ((سمعت) أو (أخبرني) أو (شافهني)). أو نحو ذلك، لماذا؟ لكونه يحتمل أن الصحابي قد فهم ما ليس بأمر أمرًا وهنا كذلك إذا قال: ((نهى عن المزابنة) و (قضى بالشفعة)) قضى بالشفعة مطلقًا في كل واقعة ونهى عن المزابنة مطلقًا في كل مزابنة أو أنها حادثة عين؟ أو قضية عين؟ الصحابي حكى بصيغة العموم حينئذٍ لأنه قال: المزابنة الشفعة. هذا ما صيغة العموم هنا؟ مفرد دخلت عليه أل فيعم كل شفعة وكل مزابنة هل يصح أن يقال بأن الصحابي يحتمل أنه لم يفهم العموم فحكى العموم أو أنه قد فهم العموم فحكى العموم كما هو؟ هذا محل الخلاف إن كان ثَمَّ احتمال بأن الصحابي لم يكن في الواقعة عموم فحكى العموم يعني: يحتمل أنه قد أخطأ كما لو فهم الأمر وليس الأمر مرادًا كما أنه لو فهم من النهي النَّهي التحريم وليس النهي مرادًا كذلك هنا يحتمل حينئذٍ وقع خلاف بين الأصوليين هل يعم أو لا يعم؟ والصحيح أنه يكون عامًا وعليه الأكثر لأن الصحابة أئمة في اللغة فإذا حكوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلاً فعله بصيغة عموم دل على أن العموم مراد، وإذا حكوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرًا بصيغة أمر فالأصل فيه أنه للأمر وكذلك النهي، ((نهى عن المزابنة)) يعني: نهى عن كل مزابنة. والمزابنة كما سبق معنا بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر وبيع العنب بالزبيب كيلاً وعلة النهي لما فيها من الغمر والجهالة والشفعة انتقال حصة الشريك إلى الآخر ممن اشتراها بالثمن نفسه حينئذٍ يفهم من قوله: ((نهى عن المزابنة)). أي: نهى عن كل مزابنة فليست القضية قضية عين لا تعم غير تلك العين التي حكم فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنهي عن المزابنة، وكذلك قضى بالشفعة حينئذٍ كل شفعة يقضى فيها بما قضى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس الحكم خاصًا بذلك الذي قضى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة وقلنا: هذا هو مذهب الجمهور وهو الصحيح لأن الصحابي عدل ضابط فإذا روى ما يدل على العموم يدل على جزمه به دل على أنه جزم بهذا العموم حينئذٍ صار هو المعتمد، وقيل: لا يفيد العموم لأنها قضايا أعيان. كما يعبر كثير من الفقهاء، حينئذٍ حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - في محال معينة حينئذٍ لا يقاس عليها في تلك الأحكام التي حكم بها النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(6/6)

ثم قال: (والمعتبر اللفظ فيعم وإن اختص السبب، وقال مالك وبعض الشافعية: يختص بسببه). إذا كان اللفظ عامًا حينئذٍ إما أن يكون واردًا على سبب أو لا؟ إن كان إن لم يكن واردًا على سبب بمعنى أنه نزل بسبب شخص معين واللفظ عام أو سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - سؤالاً وكان الجواب عامًا هذا يقال فيه عموم ورد لسبب إما سبب نزول لآية مثلاً فتكون عامة كما في آية الظهار نزلت في أوس بن الصامت وزوجته، وآية اللعان نزلت في عويمر العجلاني وزوجته وقيل: هلال بن أمية. كذلك آية القذف في عائشة رضي الله تعالى عنها، إذًا هذه ألفاظ عامة ووردت على أسباب خاصة أو يكون عامًا ابتداءً ليس منزلاً على سؤال أو سبب نزول، الثاني لا إشكال فيه أنه يبقى على عمومه وما ورد بسبب هل يعتبر السبب مخصصًا للفظ العام فيختص بالسبب ولا يتعداه؟ أو يعتبر النظر هنا إلى اللفظ فيعمم على ظاهره ويقال أن السبب لا يكون مخصصًا؟ هذا محل نزاع وأكثر أهل العلم على أن المعتبر هو اللفظ العام، وأما السبب فهذا لا يلتفت إليه إلا من جهة واحدة أو من جهتين:
الجهة الأولى: أنه قد يفهم اللفظ العام أو الآية أو الحديث بسبب السبب بمعنى أنه يكون معينًا على الفهم.
الثاني: أنه لا يجوز إخراج صورة السبب بمعنى أن دخول صورة السبب قطعية لا يجوز إخراجها يعني: لا يتصور أن يأتي نص ويستثني هذه الصورة التي من أجلها أنزلت الآية أو أجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا اللفظ العام.
ولذلك قال هناك:
واجزم بإدخال ذوات السبب
يعني: في اللفظ العام
واروِ عن الإمام ظنًا تصب
(6/7)

حينئذٍ نقول: دخول صورة السبب قطعية وينبني على هذا أنه لا يجوز إخراجها من اللفظ العام البتة، وإذا قيل بأن دخول صورة السبب ظنية حينئذٍ لو ورد مخصص في ظاهره أنه مخصص لهذه الصورة جاز إخراجها عن اللفظ العام وهذا باطل لماذا؟ لأنه ينبني عليه أن الآية نزلت لا جوابًا لهذا السبب أو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاب ولم يكن لهذا السبب فلا بد أن يبقى السبب الذي من أجله نزلت الآية وأن يبقى اللفظ العام أو يبقى السؤال الذي من أجله أجاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك قال المصنف: (والمعتبر). يعني: العبرة. (والمعتبر اللفظ فيعم وإن اختص السبب) يعني: إذا ورد العام على سبب خاص فهل يسقط عمومه أو لا؟ الصحيح أنه تكون العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (وقال مالك وبعض الشافعية: يختص بسببه) يعني: ولا يتعداه إلى غيره وإن عدي الحكم يكون من باب القياس لا من باب اللفظ بمعنى أن آيات الظهار حينئذٍ لا نقول: نزلت في أوس بن الصامت. فحينئذٍ غيره لا يلحق به في الحكم لا، وإنما المراد هل اللفظ يشمله أو لا؟ الحكم متفق عليه أن ما وجدت فيه تلك الأسباب غيره مثله في الحكم لكن دخول غيره في هذا الحكم هل هو بطريق القياس أو بدلالة اللفظ؟ إن قلنا بأنه يختص بسببه كما هو مذكور عن مالك وبعض الشافعية صار من باب القياس، وإن قلنا: لا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. حينئذٍ صار بدلالة اللفظ وهذا هو الصحيح أنه بدلالة اللفظ، إذًا (وقال مالك وبعض الشافعية: يختص بسببه) يعني: لا يتعداه إلى غيره لأن النص إنما جاء من أجل السبب النص إنما أنزل القرآن مثلاً يتلى من أجل السبب أو أجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ عام من أجل السؤال حينئذٍ اختص به وغيره مثله هذا يحتاج إلى نظر خاص.
(6/8)

ثم قال: (فإن تعارض عمومان وأمكن الجمع بتقديم الأخص أو تأويل المحتمل فهو أولى). إن تعارض عمومان التعارض في اللغة: التقابل والتمانع. وعند الأصوليين يتقابل دليلان يخالف أحدهما الآخر تقابلا تعارضا والمراد بالتعارض هنا التناقض الجزئي لا الكلي الذي يكون من كل وجه ولا يمكن الجمع بينهما لأن هذا لا وجود له في القرآن ولا في السنة لأنه تناقض والقرآن يصدق بعضه بعضًا، وكذلك السنة تصدق القرآن والقرآن يصدق السنة، إذًا لا تناقض ولا تنافر بينها، إن وقع تنافر فيكون جزئيًا باعتبار الناظر المجتهد يعني: باعتبار نفسه في فهمه هو الذي أوقع عنده التناقض، وأما في الشرع في نفسه فلا (فإن تعارض عمومان) وهو البحث في اللفظ العام قال حينئذٍ له أحوال إما أن يمكن الجمع بينهما أو لا فإن أمكن الجمع بتقديم الأخص الأَخص هو عام في نفسه لكنه باعتبار غيره أعم هنا قال ماذا؟ (تعارض عمومان) إذًا كل منهما عام (وأمكن الجمع بتقديم الأخص) كيف قال: (الأخص). وقال: (عمومان)؟ يعني: عمومان أحدهما أعم من الآخر فصار الذي دون الأعم الآخر بالنسبة للأعم أخص حينئذٍ التخصيص هنا تخصيص نسبي وإلا هو في نفسه عام وإلا كيف يتصور أن يقال تعارض عمومان فيقدم الأخص؟ يقدم الأخص يعني: باعتبار ما هو أعلى. حينئذٍ صار هذا الأخص هو عام في نفسه لكن باعتبار العام المقابل أخص منه، (بتقديم الأخص) مثلوا لذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من بدل دينه فاقتلوه». من هذه صيغة عموم ففيه عموم وفيه خصوص، العموم في من يشمل الذكور والإناث والخصوص من حيث تعليق الحكم على الردة «من بدل دينه فاقتلوه». مع نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء (نهى عن قتل النساء) هذا خاص بالنساء هو عام في الحربيات وغيرهن فالأول عام في حق الرجال والنساء خاص بأهل الردة «من بدل دينه فاقتلوه». والثاني عام في الحربيات والمرتدات خاص بالنساء فالتعارض بين عموم الأول وخصوص الثاني حينئذٍ المرتدة هل تقتل أو لا؟ إذا نظرنا للحديث الأول «من بدل دينه فاقتلوه» تقتل المرتدة، وإذا نظرنا للثاني (نهى عن قتل النساء) فالمرتدة لا تقتل، إذًا الصورة واحدة وكل منهما يُنَزَّل على هذا المحل حينئذٍ لا بد من الترجيح، هو ترجيح لكن يسمى جمعًا، بمعنى أنه ينزل هذا على حال وهذا على حال، [تنفك الجهتين] (1) تنفك الجهتان حينئذٍ نقول: هذا يسمى جمعًا مجازًا فلا بد أن يقال هنا تقتل أو لا تقتل؟ إن قتلنا حينئذٍ أعملنا الحديث الأول وهو: «من بدل دينه فاقتلوه».
__________
(1) سبق.
(6/9)

إن تركنا القتل أعملنا الثاني وهو: (النهي عن قتل النساء) مطلقًا فالتعارض بين عموم الأول وخصوص الثاني فالمرتدة هل تقتل عملاً بعموم الأول أو لا عملاً بالثاني؟ الجمهور على الأول وهو: أن المرتدة تقتل ويحمل قوله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أو الصحابي نهى عن قتل النساء على الحربيات على الكافرة الأصلية ما لم تباشر القتال فحينئذٍ يجمع بينهما بهذا التفريق هو في الأصل ليس بجمع لكنه يسمى جمعًا مجازًا (أو تأويل المحتمل) تأويل المحتمل (فهو أولى) فهو أي: الجمع إذا أمكن تقديم الأخص أو تأويل المحتمل (فهو أولى من إلغائهما) لأن الجمع بينهما فيه إعمال للدليلين وإعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما لأنك إذا قدمت واحد منهما مطلقًا أبطلت دلالة الثاني، وإذا لم تعمل الاثنين حينئذٍ ألغيت الاثنين فكلاهما فيه محذور شرعي (أو تأويل المحتمل) قالوا مثل ماذا؟ مثل حديث أسامة «إنما الربا في النسيئة». هذا ظاهره لا ربا إلا في النسيئة لأن «إنما» هنا للحصر حينئذٍ هو في قوة قولك: لا ربا إلا في النسيئة. حينئذٍ ربا الفضل هذا ليس فيه ربا بهذا النص مع كون الأحاديث متواترة في إثبات ربا الفضل حينئذٍ نقول: نؤول هذا الحديث بمعنى أن الربا الأشد والأغلظ في النسيئة وهذا كما يفعل فيما قد يقصد به الحصر لا الحصر الحقيقي وإنما يسمى الحصر النسبي {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ} [هود: 12] ماذا يفهم منه؟ النبي - صلى الله عليه وسلم - محصور في النذارة فقط وقد قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]؟ نقول: {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ} باعتبار صفة من الصفات المقابلة للتبشير. (فهو أولى) أي: الجمع أولى من إلغائهما. (وإلا) يعني: وإلا يمكن الجمع أو التأويل المحتمل (فأحدهما ناسخ) بشرط (إن علم تأخره) كقوله تعالى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184]. هذا عام {فَمَنْ تَطَوَّعَ} هذا عام {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] {فَمَنْ شَهِدَ} هذا عام، إذًا تعارض عمومان:
الأول: يجيز الفطر مع الإطعام.
والثاني: يحتم الصيام.
(6/10)

والثاني ناسخ للأول للعلم بالتاريخ لكن هنا قال: (أو تأويل المحتمل). المحتمل يعني: تأويلاً سائغًا ليس كلما جمع بين نصين أو أُوِّلَ نص يكون بأي تأويل وبأي جمع لا قد يكون التأويل وقد يكون الجمع متعسفًا بمعنى أنه بعيد في غاية البعد وليس المراد أن يصرف اللفظ عن أي شيء ينافي ظاهرهما لا إنما المراد أن يأتي بمعنى هذا المعنى يجمع بين النصين أو يؤول هذا الحديث ويدل عليه الشرع في الجملة وليس المراد أي جمع بين النصين هذا ليس بمراد (وإلا فأحدهما ناسخ إن علم تأخره، وإلا تساقطا) (وإلا) يعني: يمكن الجمع أو التأويل ولم يعلم المتأخر (تساقطا) يعني: كل منهما أسقط الآخر. وهذا لا وجود له ليس له وجود، ولذلك بعضهم حتى هذا التعبير يرى أنه ليس بجيد (تساقطا) بمعنى أنه يُسْقِط كل منهما الآخر وليس في الشرع ما هو مسقط وإنما يقال: يتوقف الناظر. وهذا باعتبار زيد من الناس بحث وبحث فلم يتبين له الحق في سورة ما حينئذٍ يتوقف يقول: الله أعلم لم يتبين لي الحكم الشرعي من هذين النصين وهما متعارضان وكل منهما فيه عموم من جهة.
(6/11)

ثم لما أنهى العام شرع في بيان ما يتعلق بمقابله وهو: الخاص. فقال رحمه الله تعالى: (و (الخاص) يقابل العام). يعني: في معناه فكل ما خرج من حد العام دخل في حد الخاص فكل ما لا يصدق عليه أنه عام صدق عليه أنه خاص والخاص هو: اللفظ الدال على محصور بشخص أو عدد. الخاص هو: اللفظ. إذًا هو من صفات الألفاظ غير صفات المعاني، والدال على محصور لأن ما يدل على عدد بلا حصر هذا هو العام، والمحصور سواء كان بعدد كأسماء العدد كـ: العشرة، والمائة، والألف. أو بشخص وهذا يشمل النكرة في سياق الإثبات جاءني رجل [أو ويدخل] (1) ويشمل كذلك الأعلام جاءني زيد، فزيد هذا خاص، والزيدان خاص، وكذلك الزيدون هذا خاص، بمعنى أنه عَلَم فكل عَلَم سواء كان مفردًا أو مثنًى أو جمعًا فهو من صيغ الخاص، اللفظ الدال على محصور بشخص أو عدد لأنه في اللغة مأخوذ من الانفراد وقطع الاشتراك يقال: خص فلان بكذا. أي: انفرد به ولم يشاركه أحد قال: (وهو ما دل على شيء بعينه ولهما). نعم (ما دل على شيء بعينه) هنا انتهى الحد (وهو) أي: الخاص. (ما) أي: لفظ دل على شيء بعينه. يعني: لم يشمل أفرادًا بلا تناهي بلا حصر، وإنما دل على شيء بعينه، والدلالة هنا إما أن تكون باسم العدد، أو تكون بالنكرة في سياق الإثبات، أو تكون بالعلم، فهي محصورة بما ذكر، ثم هل المشترك داخل أو لا؟ على الخلاف السابق والمصنف يرى أنه ليس داخلاً في العموم بل هو في المجمل (ولهما) أي: العام والخاص. بحسب المراتب ... (طرفان وواسطة، فعام مطلق وهو ما لا أَعَمَّ منه كالمعلوم، وخاص مطلق) بمعنى التصنيف إذا قيل: عام يشمل ما لا حصر من الأفراد هل هناك لفظ عام لا أعم منه؟ لأنها مراتب فبعضها يدخل تحت بعض ثم كل واحد منها تحته من الأفراد بلا حصر فالذكر مثلاً هذا جنس يدخل تحته ما لا حصر من الأفراد الذكر كذلك الأنثى يدخل الذكر حتى الإنسان والإنسان تحته نوعان مثلاً الذكر، والأنثى. والإنسان يدخل تحت الحيوان حيوان ناطق والحيوان تحته ما لا حصر من الأنواع وهكذا حينئذٍ كل واحد داخل تحت الآخر فهل ثَمَّ عام لا أعم منه لا يوجد بعده أو وقفت عنده الألفاظ في الدلالة على الشمول أو لا؟ هذا محل نزاع في وجوده أصلاً لكن المصنف هنا يرى أنه لفظ معلوم لأن المعلوم يصدق على الموجود وتحت الموجود ما لا حصر من الأفراد والآحاد ويدخل تحته المعدوم لأنه مقابل للموجود حينئذٍ عام لا أعم منه هو المعلوم هذا يسمى عامًا مطلقًا (وخاص مطلق وهو ما لا أَخَصَّ منه كزيد) يعني: ما لا يدل إلا على شخص واحد فقط وهو زيد لأنه علم والعلم اسم يعين مسماه مطلقًا (وما بينهما) بين الأعم الذي لا أعم منه والخاص الذي لا أخص منه بينهما مراتب (وما بينهما فعام بالنسبة إلى ما تحته خاص بالنسبة إلى ما فوقه كالموجود) الموجود بالنسبة للمعلوم فرد من أفراده هو خاص بالنسبة للمعلوم لكنه عام بالنسبة لأفراد الموجود كما تقول: الذكر خاص بالنسبة للإنسان لأنه فرد من أفراده عام بالنسبة لزيد وعمرو وخالد ...
__________
(1) سبق.
(6/12)

إلى آخره حينئذٍ بنظرين إلى ما هو أعلى صار خاص إلى ما هو أدنى منه صار عامًا حينئذٍ يكون عامًا خاصًا نسبيًّا يعني: بالنسبة إلى ما فوقه أو إلى ما تحته (وما بينهما فعام بالنسبة إلى ما تحته خاص بالنسبة إلى ما فوقه كالموجود).
ثم قال: (و (التخصيص)). وهذا هو المراد هنا لأن العام يدخله التخصيص، وأما اللفظ من حيث هو فهذا لا مدخل له فيما سيأتي، التخصيص في اللغة: الإفراد. وعرفه المصنف هنا بقوله: (إخراج بعض ما تناوله اللفظ). يعني: اللفظ العام. حينئذٍ يكون عندنا لفظ عام ويأتي دليل دال على أن بعض أفراد العام لا يتناوله حكم العام لأن العام الحديث فيه هنا بعد تركيبه العام يقال فيه أن مدلوله كلية الكلية بمعنى أن حكم المعلق على اللفظ يتبع كل فرد فردًا على حسب الانفراد فإذا قيل: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}. نقول: المؤمنون هذا صيغة عموم وتحتها ما لا حصر من الأفراد عمومه كلية بعد التركيب إذا قيل: المؤمنون فقط زيد وعمرو وخالد ماذا ينبني عليه؟ لم ينبني عليه، هل هنا حكم رتب على اللفظ العام؟ لا وإنما إذا قيل: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}. أثبت الفلاح التام لكل فرد فردٍ من أفراد العموم من أين أخذنا هذا بأنه يتبع كل فرد فَرد لماذا لا نقول: جنس المؤمنون؟ نقول: لأنه لفظ عام، وإذا كان لفظ عام ورتب عليه الشرع حكمًا حينئذٍ صار من قبيل الكلية، ولذلك قيل: مدلوله كلية. حكم عليه بترتيب من تكلم حينئذٍ إذا أدخله في التركيب لزم منه أن كل فرد من أفراد العام يصدق عليه الحكم بانفراده دون غيره وهذا معنى الكلية.
وحيثما لكل فرد حكما ... فإنه كلية قد علما
(6/13)

وحينئذٍ إذا جاء فرد أو إذا استثني وخص فرد من أفراد العام بنص حينئذٍ نسمي هذا تخصيصًا فنقول: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}. إلا إذا أثبت الدليل بأن زيدًا من الناس وقد اتصف بصفة الإيمان فأخرجناه حينئذٍ نقول: هذا نسميه (إخراج بعض ما تناوله اللفظ) العام إخراج لبعض أفراده يعني: لبعض آحاده. بحكم يخالف حكم العام وإلا لو كان مطابقًا له لا يسمى تخصيصًا، وإنما يسمى تأكيدًا لو قلت مثلاً: أكرم الطلاب. الطلاب هذا لفظ عام لأنه جمع دخلت عليه أل أكرم الطلاب وأكرم زيدًا، وزيد واحد من الطلاب هل يعتبر تخصيصًا؟ لا يعتبر تخصيصًا، لماذا؟ وإن كان زيد واحدًا من أفراد العام لكنه لما لم يترتب عليه حكم يخالف حكم العام لا يسمى تخصيصًا، وإنما يكون من باب التأكيد لو قال: أكرم الطلاب وأهن زيدًا. حينئذٍ رتب عليه حكم مخالف للثابت فيكون من باب التخصيص، إذًا عندنا إخراج إِخراج لماذا؟ لبعض لا لكل فإن كان كل صار نسخًا لو كان إخراج لكل أفراد العام صار نسخًا ولا يسمى تخصيصًا (إخراج بعض ما تناوله اللفظ) يعني: من الأفراد. واللفظ المراد به اللفظ العام ويعبر عن هذا الإخراج بعضهم بقولهم: قصر العام على بعض أفراده. وهذا أجود قصر العام على بعض أفراده لأنه بالنص قد لا نجزم بأنه دخل ثم خرج إذا قيل: (إخراج بعض ما تناوله اللفظ). بمعنى أنه شمله الحكم أولاً ثم استثني وأثبت له حكم ناقض لحكم العام وهذا يحتاج إلى إثبات، وأما أن نقول بأنه بقصر العام على بعض أفراده هذا لا يلزم منه أن يكون ثَمَّ إخراج لكن يشترط في هذا التخصيص أن يكون بدليل شرعي بمعنى أنه مخصص والتخصيص لا يكون مرده إلى الهوى والعقل لأنه يعتبر من باب التحكم قال: (فيفارق النسخ). أراد أن يبين الفوارق بين التخصيص والنسخ لأنهما متشابهان بينهما تشابه إذ كل منهما فيه رفع للحكم (فيفارق النسخ) يعني: يفارق التخصيص. الذي هو: (إخراج بعض ما تناوله اللفظ فيفارق النسخ، بأنه) بأن النسخ (رفع لجميعه) يعني: لجميع الحكم المتعلق بالأفراد. حينئذٍ نقول: النسخ هنا تعلق بالحكم لكنه تعلقه بالحكم بماذا؟ باعتبار بعض الأفراد أو بكل الأفراد؟ الثاني حينئذٍ الفارق بينهما أن التخصيص لا يكون بالكل، وإنما للبعض ويكون الحكم مناقضًا لحكم العام والنسخ كذلك يكون الحكم مناقضًا للحكم العام وقد يرفع الحكم كليًّا لكن يتعلق بالكل لا بالبعض (فيفارق) يعني: التخصيص. (النسخ بأنه) بأن النسخ (رفع لجميعه) ثانيًا (وبجواز مقارنة المخصص) والنسخ لا بد أن يتأخر فيه الناسخ كما سيأتي في محله فإن كان الْمُخَصِّص متصلاً بالْمُخَصَّص حينئذٍ يسمى ماذا؟ يسمى تخصيصًا ولا يمكن أن يقال بأنه نسخ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ} [آل عمران: 97] {مَنِ اسْتَطَاعَ} هذا مخصص وهو بدل من الناس والناس هذا لفظ عام يشمل المستطيع وغير المستطيع قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ}. هذا أخرج بعض أفراد العام وهو غير مستطيع هل هذا الإخراج يعد نسخًا؟ نقول: لا، لماذا؟ لسببين:
أولاً: لم يخرج الكل والنسخ للكل لا للبعض.
(6/14)

ثانيًا: وهو المراد هنا أنه متصل بالْمُخَصَّص إذ الْمُخَصَّص لفظ ناس والْمُخَصِّص هو {مَنِ اسْتَطَاعَ} حينئذٍ (وبجواز مقارنة المخصص)، ... (وبجواز) يعني: لا يجب. لأن الْمُخَصِّص قد يكون متصلاً وقد يكون منفصلاً (وعدم وجوب مقاومته) يعني: مقاومة ماذا؟ النسخ (وعدم وجوب مقاومته) يعني: المخصِّص عندهم كما سيأتي الناسخ والمنسوخ لا بد أن يكون الناسخ مساويًا أو أرجح، يعني: الأدنى لا ينسخ ومقصودهم بذلك حديث الآحاد، فالآحاد لا يرفع أو لا ينسخ المتواتر كما أنه لا ينسخ القرآن لماذا؟ لأنه يشترط المساواة في القوة بين الناسخ والمنسوخ فإما أن يكون مساويًا أو أعلى فإن كان أدنى فلا وهنا المخصِّص لا يشترط المخصِّص يفارق النسخ بأنه يجوز أن يكون أدنى من المخصَّص بمعنى أنه قد يأتي المخصِّص حديث آحاد ويكون اللفظ العام ثابتًا في القرآن مثلاً أو في حديثٍ متواتر لماذا؟ لأنه لا تشترط المساواة بين المخصِّص والمخصَّص، ولذلك قال: (وعدم وجوب مقاومته). النسخ يلزم فيه مساواة الناسخ للمنسوخ في ثبوته ودلالته على قول الجمهور وسيأتي أنه كل ما صح الحديث أو الأثر يعتبر ناسخًا ولا يشترط في المخصِّص أن يكون مساويًا للعام في ثبوته بل يجوز تخصيص المتواتر بالآحاد {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] هذا خص بحديث: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم». (ودخوله على الخبر بخلاف النسخ) بمعنى أن التخصيص قد يكون في الأمر وقد يكون في النهي وقد يكون في الخبر، وأما النسخ فلا يدخل الأخبار لأنه يلزم منه الكذب، إذًا هذه فوارق بين التخصيص والنسخ (ولا خلاف في جواز التخصيص) مطلقًا أمرًا أو نهيًا أو خبرًا (ولا خلاف) يعني: بين أهل العلم. (في جواز التخصيص)، ولذلك هو واقع في الكتاب والسنة {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: 38] ليس كل سارق يقطع، وكذلك {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2] ليس كل زان يجلد {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} خرج الكافر وكذلك العبد والقاتل حينئذٍ نقول: [ليس] (1). (ولا خلاف في جواز التخصيص) مطلقًا للوقوع لأنه واقع في الكتاب والسنة وشرط التخصيص أنه لا يصح إلا بدليل صحيح بمعنى أنه ليس كل من ادعى المخصص قبل منه بل لا بد أن يثبت، وهذا يأتي في الناسخ ويأتي في المقيد ويأتي في القرينة الصارفة عن الأمر للوجوب إلى الندب وكذلك عن النهي لا بد من قرينة وهذه القرينة وإن أطلقها الفقهاء والأصوليون لكن لا بد من تقديها كما نص على ذلك ابن حزم رحمه الله تعالى بدليل صحيح من كتاب أو سنة لأن هذه القرينة لا بد أن تكون شرعًا وليس عندنا ما هو شرعي إلا الوحي فقط إما كتاب إما سنة أو إجماع مُتَيَقَّن أو قياس صحيح أثره أثر التخصيص يجب العمل بدليل التخصيص إذا صح في صورة التخصيص وإهدار دلالة العامي عليها (والمخصصات) المخصصات جمع مخصص وهو فاعل التخصيص وهو الشارع في الأصل الأَصل أنه الذي أراد الإخراج هو: الله عز وجل. والذي خصص وأراد إخراج بعض الأفراد بحكم يخالف حكم العام هو: الله عز وجل.
__________
(1) أعرض الشيخ عما كان سيقوله وواصل.
(6/15)

لأنه في الصورتين كما تقرر أنه لا حاكم إلا الله فيما سبق {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} حينئذٍ الذي أثبت الحكم لجميع الأفراد هو الله عز وجل والذي استثنى بعض الأفراد وأثبت له حكمًا مخالفًا لحكم العام هو: الله عز وجل. حينئذٍ لا بد أن يكون المرجع إلى الشرع (والمخصصات) إذًا المخصص في الأصل هو: فاعل التخصيص. وهو الشارع لكن عند الأصوليين يطلق المخصص ويراد به الدليل مجازًا وإلا الأصل هو الله عز وجل المخصص هو الله عز وجل كما أن الناسخ في الأصل هو الله عز وجل لكن يطلق الناسخ على الدليل مجازًا ويطلق المخصص على الدليل مجازًا والمراد هنا المخصصات يعني: الدليل المفيد للتخصيص. وهذه تسعة كما قال المصنف لكنها منقسمة إلى قسمين:
أولاً: المخصص قد يكون منفصلاً وقد يكون متصلاً، والمنفصل المراد به ما يستقل بنفسه بأن لم يكن مرتبطًا بكلام آخر بمعنى أنه قد يخص قرآن بسنة وكل منهما منفصل عن الآخر أو آية تكون في البقرة وأخرى في الأحزاب أو سنة حديث في البخاري وآخر في الترمذي وهكذا هذا يسمى ماذا؟ يسمى منفصلاً بمعنى أنه ليس مرتبطًا به بل منفصل منفك عنه.
النوع الثاني: يكون متصلاً وهذا كالاستثناء يعني: متصل مرتبط في نفس الكلام كـ: الاستثناء، والبدل، والغاية، والصفة، ونحوها.
قال: ((الحسّ)) (والمخصصات تسعة:
(6/16)

(الحسّ)). والمراد به المشاهدة، الحس مخصِّص والمراد به المشاهدة، كقوله: (كخروج السماء والأرض من قوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ}). يعني: الريح تدمر كل ما أبقت شيء، وأنت ترى السماء موجودة والأرض باقية، حينئذٍ يعد الحسّ مخصصًا، والصحيح أنه ليس مخصصًا وإنما هو من باب إطلاق العام وإرادة الخاص، والعام من حيث هو قسمان: عام يراد به كل الأفراد ابتداءً بمعنى أنه قصد المتكلم إطلاق اللفظ وأنه صادق على كل الأفراد كقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]. أو قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}. ونحو ذلك، وقد يراد به ابتداءً قبل إيقاعه في جملة بعض الأفراد حينئذٍ يطلقه وهو كلٌّ مرادًا به البعض كقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ} [آل عمران: 173]. قائل ومقول، الناس متكلمون والناس يسمعون، من الذي يسمع ومن الذي يتكلم؟ المراد به الأول شخص واحد وهو: نعيم. حينئذٍ {قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} فأطلق لفظ الناس مرادًا به شخص واحد {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ} [النساء: 54] {النَّاسَ} المراد به محمد - صلى الله عليه وسلم - فدل ذلك على أن العام قد يطلق ويراد به واحد، الفرق بينهما أن الثاني يعتبر مجازًا لأنه من إطلاق الكل وإرادة البعض، لأنه ابتداءً [فاستَعْمَل اللفظ في غير ما وضع له ابتداءً] (1) فَاسْتُعْمِل اللفظ في غير ما وضع له ابتداءً، نعم حينئذٍ نقول: هذا مجاز وأما الأول الذي هو قابل للتخصيص وأطلق وأريد به جميع أفراده فهذا استعمل في حقيقته فإن أخرج منه بعض الأفراد حينئذٍ قال بعض الأصوليين: إذا استعمل في بقية الأفراد بعد الإخراج أنه من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء. حينئذٍ صار مجازًا، ولذلك اتفقوا قولاً واحدًا عند القائلين بالمجاز بأن النوع الثاني العام الذي أريد به الخصوص أنه مجاز واختلفوا في العام المخصوص بعد إخراج بعض الأفراد هل إطلاقه على الباقي يعتبر مجازًا أو حقيقة؟ فيه نزاع والصواب أنه حقيقة لا مجاز، إذًا ((الحسّ)) الصواب أنه لا يعتبر من المخصصات وكل ما قيل فيه من نص أن الحس مخصص فهو من إطلاق العام وإرادة الخاص لأن إخراج بعض الأفراد دل على أن حكم الرب الكوني لم يتعلق به، وهذا نحتاج إلى دليل فنفي الحكم الشرعي فيما ذكرناه من المسائل السابقة وهنا نفي للحكم الكوني وهذا يحتاج إلى نص والحس لا يدل لذلك أو على ذلك.
(و (العقلُ)) سواء كان ضروريًّا أو نظريًّا يعتبر مخصِّصًا (وبه خرج من لا يفهم التكاليف) ويمثلون له بقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}. {كُلِّ شَيْءٍ} قالوا: هذا عام وهو مخصوص بذات الرب جل وعلا، والذي دل على ذلك العقل والصواب أن يقال: العقل ليس مخصِّصًا وأن قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}. أراد به مما يمكن خلقه وما لا يتعلق به الخلق فليس بداخل ابتداءً فإما أن يقال بأنه عام أريد به الخصوص وإما أن يقال بأنه لم يدخل ابتداءً أصلاً.
__________
(1) سبق.
(6/17)

ثانيًا: قوله: (وبه خرج من لا يفهم التكاليف). كقوله: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ}. ما من نص يخاطب به المكلف إلا وهو مخصوص، ولذلك قاعدة عند الأصوليين وذكرها ابن قدامة في ((الروضة)): ما من عام إلا وقد خص. هذه فيها نزاع وابن تيمية له اعتراض عليها ما من عام إلا وقد خص وهي لها إطلاق ولها تقيد إن أرادوا أنه ما من عام في الشريعة في الكتاب والسنة كلها متعلقة بالعقائد وغيرها إلا وقد خص فليس بصحيح حينئذٍ ... {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} هذا باقٍ على عمومه {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} باقٍ على عمومه {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} باقٍ على عمومه حينئذٍ نقول: هذا باقٍ على عمومه لكن لم يتعلق به حكم شرعي ومراد الفقهاء والأصوليين والله أعلم أن العام الذي حكموا عليه بأنه ما من عام إلا وقد وخص في الأحكام الشرعية وهو كذلك والله أعلم، لماذا؟ لأنه ما من أمر في الشريعة أو نهي إلا وهو مخصوص بالمكلف بمعنى أن المجنون قد أخرج لأنه غير مخاطب {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} في اللفظ اللغوي دخل المجنون ودخل الصبي أليس كذلك؟ حينئذٍ نقول: أخرج الصبي. ما الذي أخرجه؟ قالوا: العقل هنا. كذلك أخرجوا المجنون ما الذي أخرجه من هذه النصوص؟ قالوا: العقل. ونحن نقول: الصواب أنه مخرج بالنصوص الدالة على أن الصبي غير مكلف «رفع القلم عن». كم؟ «ثلاث عن الصبي حتى يحتلم»، «حتى يكبر»، «حتى يبلغ». ثلاث روايات «وعن المجنون حتى يفيق». هذا النص يعتبر مخصصًا لجميع النصوص، إذًا الصواب أن العقل ليس مخصصًا لأنه ليس مشرعًا.
(و (الإجماعُ) والحق أنه ليس بمخصص) وهذا من الغرائب الإجماع دليل شرعي وليس بمخصص والعقل والحس مخصصان أليس كذلك؟ والإجماع الحق كذلك أنه ليس بمخصص لماذا؟ لأن المخصص هو مستند الإجماع، وأما الإجماع بذاته فلا يخصِّص ولا ينسخ لماذا؟ لأنه لا إجماع معتبر إلا بدليل يعني: أجمعوا على نص شرعي إما كتاب وإما سنة حينئذٍ نقول: الإجماع ليس بدليل شرعي مستقل وإنما هو مستند إلى نص النص نفسه سواء نقل مع الإجماع أو لا هو الذي يعتبر مخصِّصًا وهو الذي يعتبر ناسخًا، ولذلك قال: (و (الإجماعُ) والحق أنه ليس بمخصص بل دال على وجوده). فنقول: هذه الثلاثة كلها ليست بمخصصات لا الحس ولا العقل ولا الإجماع.
(6/18)

(و (النص الخاص)) النص الخاص يعني: الذي اشتمل على لفظ من الألفاظ التي حكمنا عليها بأنها خاصة قلنا: ما تعريف الخاص؟ هو: اللفظ المحصور بشخص أو بعدد. كقوله - صلى الله عليه وسلم -: («لا قَطْعَ إلا في ربع دينار») هذا مخصص لقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ}. بظاهر اللفظ عمومه السارق كل سارق كل سارقة أليس كذلك؟ ولو سرق عود آراك تقطع يده وكذلك السارقة لكن جاء النص («لا قَطْعَ إلا في ربع دينار») فصار مخصصًا، إذًا النص مخصص هنا للقرآن (ولا يشترط تأخره) يعني: النص. (ولا يشترط تأخره) يعني: النص الخاص هل يشترط أن يكون متأخرًا عن العام أو لا يشترط؟ ثَمَّ رواية عن الإمام أحمد سيذكرها المصنف أنه يشترط أن يكون متأخرًا فإن كان متقدمًا فحينئذٍ يكون العام ناسخًا لماذا؟ لأن العام دال على كل فرد من أفراد العموم بحكم حينئذٍ يتبع الحكم كل فرد فَرد انتبه إلى هذه وهي كلية.
وحيثما لكل فرد حكما ... فإنه كلية قد علما
(6/19)

حينئذٍ أتبع الفرد الذي دل عليه اللفظ الخاص بحكم يخالف الخاص فإذا قيل مثلاً («لا قَطْعَ إلا في ربع دينار») هذا متقدم ثم جاء قوله تعالى: ... {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ}. حينئذٍ حصل تعارض في صورة واحدة وهي: أن {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} دل على أنه يقطع فيما دون ربع دينار وجاء النص الخاص أنه («لا قَطْعَ إلا في ربع دينار»)، إذًا تعارض في صورة واحدة حينئذٍ هذا يثبت وهذا يرفع والمحل واحد وعلم المتأخر فصار الثاني ناسخًا للأول وهذا له جهة لكن غير معتبر عند أكثر الأصوليين (ولا يشترط تأخره) يعني: نص الخاص. بل يخصص العام سواء كان متقدمًا أو متأخرًا يعني: لو عرفنا أن العام متأخر يخص العام بالخاص المتقدم، ولا نجعل العام بكونه متأخرًا ناسخًا للخاص المتقدم وإن كان محتملاً القول هذا له وجهه (وعنه بلى) عن من؟ الإمام أحمد رحمه الله تعالى فإذا أطلق الضمير انصرف إليه (وعنه بلى) يعني: يشترط تأخره فالنص الخاص لا يكون مخصصًا للعام إلا إذا تأخر، وأما إذا تقدم فلا (فيقدم المتأخر) (وعنه بلى فيقدم المتأخر وإن كان عامًا كقول الحنفية، فيكون نسخًا للخاص كما لو أفرده) واضحة؟ يعني: لو تقدم الخاص وتأخر العام صار العام ناسخًا للخاص لأن الفرد الذي خصه الخاص دخل في لفظ العام بحكم يقابل الخاص، وهذا يسمى نسخًا. يعني: لو جاء نص («لا قَطْعَ إلا في ربع دينار») ثم جاء نص في نفس النص يعني: اقطعوا فيما دون ربع دينار. صار متعارضًا الثاني صار ناسخًا (فيقدم المتأخر وإن كان عامًا كقول الحنفية) فيكون ماذا؟ (فيكون نسخًا للخاص كما لو أفرده فعلى هذا متى جُهل المتقدم تعارضا لاحتمال النسخ بتأخر العام، واحتمال التخصيص بتقدمه) يعني: إذا جهلنا المتقدم والمتأخر نتوقف نبحث عن مرجح لماذا؟ لأنه يحتمل أن يكون الخاص متأخرًا فيكون من باب التخصيص ويحتمل أن يكون العام متأخرًا فيكون من باب النسخ وإذا احتمل التخصيص والنسخ حينئذٍ لا بد من التوقف ونحتاج إلى مرجح والصواب الذي عليه الجماهير أنه يعمل بالخاص يقدم على العام مطلقًا سواء تقدم أو تأخر (وقال بعض الحنفية: الكتاب لا يخصص السنة، وخرجه ابن حامد رواية لنا) بمعنى أنه إذا قيل: النص الخاص فيراد به الخاص من كتاب لكتاب، والسنة من السنة، بمعنى أن الكتاب لا يخصص السنة، فلا يأتي اللفظ الخاص في القرآن ويأتي اللفظ العام في السنة، لا يأتي هذا في الكتاب الذي هو: اللفظ الخاص. ولا يأتي اللفظ العام في السنة ونقول: ما دام أن الكتاب مبينًا للسنة كما قال تعالى: ... {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]. ومنه السنة حينئذٍ صار الأصل هو تخصيص السنة بالكتاب والكتاب بالسنة كما أن كل منهما يخصص الآخر، إذًا الجمهور على أن الكتاب يخصص السنة لعموم قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}. (وخرجه ابن حامد رواية لنا) يعني: من قول الإمام أحمد: السنة مفسرة للقرآن مبينة له. إذا كانت السنة مفسرة للقرآن إذًا لا يأتي القرآن مبينًا للسنة هذا فيه نظر.
(6/20)

(و (المفهومُ)) المفهوم يأتي مخصصًا (و (المفهومُ) ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق) وسيأتي بحثه في موضعه هل المفهوم يخصص أو لا؟ وهل المفهوم يكون عامًا أو لا؟ محل خلاف عند الأصوليين والصحيح أن المفهوم يكون عامًا ويقبل التخصيص ثم المفهوم إذا كان خاصًا واللفظ عامًا كذلك يخصص (كخروج المعلوفة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «في سائمة الغنم الزكاة» من قوله: «في أربعين شاةً شَاةٌ») هنا مطلق فعم السائمة والمعلوفة ولكن في قوله: («في سائمة الغنم»). هذا وصف يعني: من حيث المعنى فهو وصف حينئذٍ صار مقيدًا مفهوم قوله: («في سائمة الغنم الزكاة»). ومفهومه ما هو؟ في المعلوفة لا زكاة فيها لا زكاة في المعلوفة إذًا («في أربعين شاةً شاةٌ») المراد بها السائمة لا المعلوفة ما الدليل المخصص لهذا اللفظ العام؟ مفهوم قوله: («في سائمة الغنم زكاة»). ومثله حديث ابن عمر على الصحيح وأنا أورده من أجل إزالة الإشكال حديث ابن عمر من حيث المفهوم «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث». مفهومه إذا كان دون القلتين يحمل الخبث مطلقًا وإن لم يتغير، الجمهور على أنه مخصص لمنطوق حديث أبي سعيد «الماء طهور لا ينجسه شيء». «الماء طهور لا ينجسه شيء» هذا منطوق وهو عام يشمل ما إذا كان دون القلتين ولم يتغير بالنجاسة وما هو زائدًا على ذلك، حينئذٍ جمع الجمهور بينهما بتخصيص الثاني بالأول لأنه كما هنا («في سائمة الغنم الزكاة») المفهوم دليل شرعي وإذا كان دليلاً شرعيًّا حينئذٍ يحصل به إثبات الأحكام أولاً ولو لم يعارض.
ثانيًا: إذا عارض غيره عُومِلَ معاملة المنطوق بالمنطوق، ولا يقال بأن هذا عام هذا منطوق وهو أقوى، والمفهوم هذا ضعيف، حينئذٍ يقدم مطلقًا نقول: لا، نعم إذا ورد مفهوم خاص ومنطوق خاص ولم يمكن الجمع بينهما إلا بتقديم أحدهما على الآخر فالمنطوق أقوى من المفهوم، وأما إذا كان المنطوق عامًا كحديث أبي سعيد والمفهوم خاصًا نعامله معاملة غيره من الأدلة فنقول: العام يخصص بالمفهوم. (وفعله - صلى الله عليه وسلم -) يعني: يخصِّص. كما في قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]. بمباشرة الحائض دون الفرج متزرة ويمكن منعه حمل القربان على نفي الوطء كناية على كلٍّ لا تقربوهن حتى يطهرن مطلقًا وجاء التخصيص بماذا؟ بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه إذا كانت متزرة فلا بأس.
(6/21)

(و (تقريره)) كذلك التقرير يعتبر سنة كما سبق، وإذا كان كذلك فحينئذٍ تثبت به الأحكام الشرعية والقاعدة هنا في باب التخصيص القاعدة العامة أن كل ما ثبت به حكم شرعي على جهة الاستقلال صح التخصيص به كل ما وقع وثبت به الحكم الشرعي على جهة الاستقلال إذا عارض غيره وكان خاصًا حينئذٍ صح أن يكون مخصصًا ففعله عليه الصلاة والسلام يكون مخصصًا إذا عارض غيره ويعتبر صارفًا للوجوب إلى الندب ويعتبر صارفًا للنهي عن التحريم لا الكراهة ونحو ذلك ويكون مخصصًا كما ذكره هنا، وكذلك تقريره عليه الصلاة والسلام تثبت به الأحكام الشرعية فإذا وقع معارضًا لغيره حينئذٍ قد يكون صارفًا للوجوب إلى الندب أو النهي عن التحريم لا الكراهة وكذلك يكون مخصصًا ومثاله تقريره - صلى الله عليه وسلم - بعض الصحابة على صلاة سنة الفجر بعد الصبح وهذا تخصيص لعموم النهي عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس نعم هذا عام وجاء تخصيصه بالإقرار.
(و (قول الصحابي) إن كان حجة) قول الصحابي هل يخص به العام أو لا؟ إن كان حجةً فعند بعض من قال بحجيته يخصِّص وليس كل من قال بحجية الصحابي جعل قول الصحابي بمنزلة الكتاب والسنة فصار مخصِّصًا فبعضهم يرى أن قول الصحابي حجة تثبت به الأحكام الشرعية على جهة الاستقلال لكن لا يخص به العام ولا يقيد به المطلق ولا ينسخ به ولا تثبت له الأحكام عند التعارض، وإنما تثبت به الأحكام عند عدم التعارض فإذا عورض بكتاب أو سنة أو نحوها صار مقدمًا الكتاب والسنة، وهذا قول ضعيف إذا قيل بأن قول الصحابي حجة بمعنى أنه دليل شرعي وإذا كان دليلاً شرعيًّا لزم من قال بأن قول الصحابي حجة أن يقيد به المطلق ويخصص به العام، وأما كونه حجة ولا يقيد به فهذا تناقض.
(6/22)

(و (قياس نص خاص)) بمعنى القياس المعتمد على نص لماذا يعتبر مخصِّصًا؟ قالوا: لأن حكم القياس حكم النص الْمُسْتَنِدْ إليه ذلك القياس، فالنص يخصِّص العام فكذا ما قيس عليه، [فإذا ثبت تخصيص] (1) فإذا ثبت قياس خاص، ثم هذا القياس الخاص عارض عامًا حينئذٍ يعتبر القياس مخصِّصًا للفظ العام، والصحيح أنه لا يخص بالقياس البتة لماذا؟ لأنه لا يقاس مع وجود النص، لا قياس مع وجود النص، فإذا قيل بأنه لا قياس إلا مع الجهل بحكم الفرع، لأن قياسه وتسويته أو إلحاقه أو رد فرع بأصل لحكم لعلة جامع في الحكم، هذا هو حقيقة القياس، إذًا عندنا فرع وعندنا أصل، والفرع من شرط صحة القياس أن لا يكون منصوصًا عليه في الكتاب والسنة، وإذا قيل بأن هذا الفرد دخل في مفهوم عام حينئذٍ صار منصوصًا عليه، لأننا قعدنا قاعدة أن اللفظ العام ما رتب عليه من الحكم يتبع الأفراد كل فرد على حدة بالحكم، حينئذٍ هذا الذي قيس هنا وجعل مخصص اللفظ العام هل هو منصوص عليه أو لا؟ صار منصوصًا عليه حينئذٍ لا اجتهاد أو لا قياس مع وجود النص والصحيح أنه لا يعارض فإذا ورد عندنا لفظ عام لا يتصور قياس صحيح في مقابلة اللفظ العام فضلاً على أن نقول: هل يخصصه أو لا؟ لماذا لا نتصور فيه الصحيح؟ لأنه فاسد فَاسد الاعتبار، لماذا؟ لأن الفرع منصوص عليه في الشرع فهو داخل في مفهوم عام فإذا كان داخلاً في مفهوم عام ثبت له الحكم الذي ترتب عليه اللفظ العام فكيف يقاس؟ فلا قياس (و (قياس نص خاص) في قول أبي بكر، والقاضي، وجماعة من الفقهاء والمتكلمين.
__________
(1) سبق.
(6/23)

وقال ابن شاقلا وجماعة من الفقهاء: لا يخص) يعني: العموم لا يخص بالقياس. وهو الصحيح أنه لا يخص لما ذكرناه لأن النص العام أصل والقياس فرع فلو خص العام به لقدم الفرع على الأصل وهذا ممنوع تعليل عليل والتعليل الذي ذكرناه أولى، يعني: لا يخص نعم لا يخص لماذا؟ لا لكون العام أصل والقياس فرع ولا يقدم الفرع على الأصل لا، وإنما نقول: لأن القياس فاسد فَاسد الاعتبار لأنه لا قياس مع وجود النص وقد وجد النص وهو اللفظ العام (وقال قوم بالجلي دون الخفي) يعني: يخص العام بالقياس الجلي وهو ما كانت علته منصوصًا عليها أو مجمع عليها أو نفي الفارق على جهة القطع، يعني: بين الفرع والأصل. (دون الخفي) فلا يخص به والخفي ما كانت العلة فيه مستنبطة يعني: مختلف فيها لا مجمع عليها. أو كان فيه النفي الفارق ظني لا قطعي (وخصص به عيسى بن أبان العام المخصوص) يعني: دون العام المحفوظ. لأن العام الذي لم يخص يسمى عامًا محفوظًا إذا لم يخص ولم يوجد مخصص إلا القياس قال: لا، لا يقوى أن يكون القياس مخصِّصًا للعام المحفوظ، وإذا خص فدخله التخصيص حينئذٍ قال: هذا انتهك عرضه. إذًا إذا جاء القياس وهو ضعيف صح أن يخص به، وكلها أقوال كما ترون ليس عليها رائحة دليل (ويجوز تخصيص العموم إلى الواحد، وقال الرازي والقفال والغزالي إلى أقل الجمع) العموم لا شك أنه يتناول أفراد بلا حصر حينئذٍ إذا جاء التخصيص وأخرج بعض الأفراد هل يجوز أن يبقى أقل من أقل الجمع أو لا؟ أقل الجمع ثلاثة حينئذٍ كل لفظ عام قالوا: لا يجوز التخصيص إلى أن يبقى. يعني: يجوز أن يأتي مخصص فيخرج فَيخرج حتى يبقى ثلاث ثم بعد ذلك قالوا: قف لا يجوز الإخراج. لماذا؟ لأننا لو أخرجنا لأبقينَ اللفظ بدون دلالة لماذا؟ لأن اللفظ العام يدل على أفراد وأقله ثلاث حينئذٍ نقول: لا يجوز إلا إلى أن يبقى ثلاث، وذهب بعضهم وهو المذهب أنه يجوز التخصيص العموم إلى أن يبقى واحد وهذا هو الصحيح، لماذا؟ لأن الحكم العام والحكم الخاص كلاهما من عند الله عز وجل فقد يأتي النص بلفظ عام ورتب عليه حكم عام ثم لله عز وجل أن يخرج ما شاء من الأفراد {لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد: 41] وليس ثَمَّ دليل شرعي يمنع أن يبقى واحد أو اثنان [بعد دلالة] (1) بعد إخراج الأفراد التي صح تخصيصها (وقال الرازي والقفال والغزالي إلى أقل الجمع) هذا بعضهم حمله على أن إذا كان اللفظ الذي خُصَّ جمع حينئذٍ قد يقال بأن الجمع نعم لا بد أن يبقى أقل أحواله يعني: إذا كان المخصوص جمع مذكر سالم، أو كان المخصوص جمع مؤنث سالم، أو لفظ الرجال مثلاً. حينئذٍ هذه جموع وأقل الجمع ثلاثة لأنه لا يصدق على الواحد ولا على الاثنين هذا من حيث الإطلاق اللغوي، لكن استعمال الشرع نقول: قد يأتي مخصصًا إلى أن يبقى واحد. فيعني أعني بهذا الكلام أنه قد يسلم القول في الجمع الذي هو جمع اصطلاحي وليس هو الجمع الذي يعنيه الأصوليون في هذا الموضع، ثم قال: (وهو حجة في الباقي عند الجمهور خلافًا لأبي ثور وعيسى بن أبان).
__________
(1) سبق.
(6/24)

يعني: إذا خص وبقي بعد التخصيص وإخراج بعد الأفراد أفراد، فدلالة اللفظ على الباقي مختلف فيها، هل هي دلالة حقيقة أو من دلالة المجاز لأنه من إطلاق الكل وإرادة البعض؟ قولان للأصوليين والصحيح أنه حقيقة لأنه ليس ثَمَّ قرينة واضحة أو علاقة تدل على نفي الحقيقة والعدول للمجاز لأننا كما ذكرنا في السابق أننا لا نقول بالمجاز إلا إذا ترجح المجاز بصورة واضحة بينة، وأما إذا لم يترجح حينئذٍ نقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان. بمعنى أننا نحكم على اللفظ بأنه حقيقة حتى يظهر المجاز (وهو حجة في الباقي) لأن الصحابة أجمعوا على التمسك بالعمومات وأكثرها دخله التخصيص (حجة في الباقي) يعني: بعد التخصيص. ولو قيل بأنه مجاز كذلك وهو حجة، وإذا قيل بأنه حقيقة فواضح أنه حجة وهو قول الجمهور خلافًا لمن نفى ذلك.
(6/25)

ثم قال رحمه الله تعالى: (ومنه: (الاستثناء)). (ومنه) يعني: من المخصصات. لكنه ذكر أنها تسعة والظاهر أن قوله: (ومنه). أي: من الكلام المفيد. لأنه قال: ومنه العام، ومنه المجمل، ومنه ... إلى آخره (ومنه: (الاستثناء)) الاستثناء استفعال من الثني وهو العطف والعوج يقال: ثنيت الحبل إذا عطفت بعضه على بعض. وقيل: المراد به من الثني. وهو الصرف ثنيت زيدًا عن الطريق إذا صرفته عنه، وأما اصطلاحًا فالمصنف هنا أتى بالقول الراجح في تعريف الاستثناء وعدل عن القول المشهور وهو: إخراج ما لولاه لكان داخلاً فيما سبق. وهو قول ضعيف وأتى هنا بالقول الراجح (هو قول متصل يدل على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول) (قول متصل) (قول) أراد به إلا وأخواتها يعني: صيغ الاستثناء. وهي إحدى عشرة صيغة وهي: إلا، وغير، وسوى، وما عدا، وليس، ولا يكون، وحاشا، وخلا، وسيما، وما خلا، وما عدا. هذه التي يبحثها النحاة هي التي تعتبر من الاستثناءات لأن الاستثناء المراد به هنا الاستثناء النحوي فلو قال: أكرم الطلاب واستثني زيدًا. لا يسمى استثناءً عند النحاة لماذا؟ لأن لفظ استثني الفعل ليس من أدوات الاستثناء وأدوات الاستثناء هي الحروف المشهورة عند النحاة لو قال: أكرم القوم دون عمرو. لا يسمى استثناءً لماذا؟ لأن لفظ دون ليس من أدوات الاستثناء وهكذا، إذًا (قول) المراد به صيغ الاستثناء (قول متصل) فأخرج حينئذٍ المخصصات العقلية والحسية (متصل) أخرج المنفصل ((الاستثناء)) هذا يعتبر من المخصصات المتصلة بمعنى أنه لا يستقل عن الجملة (يدل) هذا القول المتصل وهو إلا (على أن المذكور معه) يعني: بعده. وهو المستثنى (غير مرادٍ) يدل على أن المذكور معه (غير مراد بالقول الأول) يعني: المستثنى منه. فإذا قيل: قام القوم إلا زيدًا. قال: ((الاستثناء) قول متصل). يعني: إلا وهذا اللفظ إلا متصلٌ بالكلام (يدل على أن المذكور معه) وهو زيدًا (غير مراد بالقول الأول) وهو القوم الذي أثبت لهم القيام، كأنه قرينة تدل على أن زيدًا ليس بداخلٍ ابتداءً، وليس المراد به أنه دخل ثم خرج، قام القوم إلا زيدًا، هل دخل زيد أولاً، ثم خرج فنحتاج إلى استثنائه؟ الجواب: ليس بداخلٍ لا في المستثنى منه ولا في الحكم المرتب على .. ، إذًا ... ((الاستثناء) قول متصل يدل على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول). اضطر المصنف هنا عن التعبير بالإخراج لأنه يلزم منه التناقض هذا هو الصحيح، لأنه إذا قال: قام القوم إلا زيدًا. إلا زيدًا هذا أخرج زيدًا من القوم، فحينئذٍ صار ثَمَّ تناقض بين الأمرين، لأنه أثبت له القيام أولاً، ثم قال: إلا زيدً. فنفى عنه القيام، وهذا اضطرار، ولأنك لو قلت بأن المستثنى قد دخل في المستثنى منه كما قال ابن القيم في ((البدائع)): أنه لم يصح توحيدٌ لأحدٍ البتة. لأنك إذا قلت: لا إله.
(6/26)

أدخلت لفظ الجلالة ثم أخرجته، إذًا نفيت عنه الألوهية ثم بعد ذلك أثبت له فأنت تثبت وتنفي وهذا تناقض والصحيح أن يقال: الاستثناء ليس فيه إخراج وإنما هو قرينةٌ دالةٌ على أن ما بعد إلا لم يقصد المتكلم إدخاله أصلاً في اللفظ، وأما القول بأنه حكم عليه أولاً ثم أخرج هذا قولٌ باطل وإن اشتهر عند كثيرٍ من المتأخرين وابن القيم له بحثٌ في ((بدائع الفوائد)) في هذه المسألة (فيفارق التخصيص بالاتصال)، (فيفارق) يعني: الاستثناء. (التخصيص) أراد أن يبين الفرق بين التخصيص والاستثناء (التخصيص) بغير الاستثناء يعني، فيفارق الاستثناء التخصيص يعني: بالمنفصل مثلاً. (بالاتصال) فيجب اتصاله بالمستثنى منه حقيقة أو حكمًا يعني: استثناء يشترط فيه أنه يكون متصلاً بمعنى أنه لا يقل: قام القوم. ثم يأتي بعد ذلك بفاصلٍ طويل أو في اليوم التالي يقول: إلا زيدًا. لأنه لم يكن كلامًا بهذا الانفصال، لأن إلا زيدًا هذا كالخبر مع المبتدأ، وكجملة الجواب مع الشرط فكما أنه لا يصح أن يقول اليوم: زيدٌ. ثم يأتي بعده بساعةٍ يقول: قائمٌ على أنه خبرٌ له لانفصال الكلام لأنه جزءٌ منه، وكذلك لا يصح أن يقال: إن جاء زيدٌ. فيأتي بعد ساعةٍ فيقول: أكرمته. لأنه جزءٌ واحد ومتممٌ له كذلك لا يصح أن ينفصل الاستثناء عن المستثنى منه (فيفارق التخصيص بالاتصال) فيجب اتصاله بالمستثنى منه حقيقةً أو حكمًا، حقيقةً بأن يكون الكلام متصلاً مباشرةً، أو حكمًا بأن يكون ثَمَّ فاصل لضرورةٍ كعطاسٍ ونحوه، حينئذٍ لو قال: قام القوم إلا، قام القوم ثَمَّ عطس مثلاً قال: إلا زيدًا. صح لماذا؟ لأنه لم يحصل فاصلٌ طويل ثم هو لضرورةٍ ونحوها، (وتطرقه إلى النص كعشرة إلا ثلاثة) بمعنى أن الاستثناء قد يكون في غير العام معلومٌ التخصيص خاصٌ باللفظ العام، وأما الاستثناء فقد يكون في اللفظ العام كما لو قلت: قام القوم إلا زيدًا. أو قام هذا من صيغ العموم لأنه اسم جمع دخلت عليه أل فيعم، وقد يكون في النص كقولك: له عشرةٌ إلا خمسة. عشرة هذا خاص وليس بعام لأنه من أسماء العدد ومع ذلك دخله الاستثناء، إذًا الاستثناء لا يختص بالعام بل يكون في الخاص ويكون في العام (وتطرقه إلى النص كعشرة إلا ثلاثة) وعليه فالتخصيص بالاستثناء أعم من التخصيص من بغيره لأنه يدخل العام ويدخل الخاص (ويفارق النسخ بالاتصال) يفارق الاستثناء النسخ بالاتصال والنسخ يكون منفصلاً متراخيًا لأنه لا يكون ناسخًا إلا إذا كان بينهما تراخٍ (وبأنه مانع لدخول ما جاز خروجه) مانع بأنه يعني: الاستثناء. (مانع لدخول ما جاز دخوله) زيد هل يجوز دخوله في قام القوم؟ عقلاً جائز نعم لأنه فردٌ من أفراد القوم فيجوز أن يكون داخلاً فيصدق عليه الحكم، إذًا هو مانعٌ لما جاز دخوله من الدخول بخلاف ماذا؟ بخلاف النسخ (والنسخ رافع لما دخل) بمعنى أنه يصدق عليه الحكم أولاً ثم يأتي الناسخ رافعًا لذلك الحكم، (وبأنه رفعٌ للبعض والنسخ رفع للجميع) غالبًا يعني: غالبًا يكون النسخ رفعٌ للجميع. (لأنه رفعٌ للبعض) الاستثناء لا يكون استثناءً من الكل لو قال: جاء القوم إلا القوم. لا يسمى كلامًا يسمى لغوًا لعبًا، كذلك لو قال: له عليَّ عشرة إلا عشرة.
(6/27)

لا يسمى كلامًا، لا يسمى كلامًا الاستثناء فقط أما له عشرة ثابتة إلا عشرة هذا ملغي (وشرطه: الاتصال) يعني: شروط الاستثناء من أجل اعتباره مخصصًا له شروطٌ ثلاثة ذكرها المصنف هنا.
الأول: (الاتصال) يعني: اتصال بالمستثنى منه حقيقةً أو حكمًا كما ذكرنا سابقًا واستدلوا له بحديث «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليأتي الذي هو خير». «من حلف على يمين» لو كان الاستثناء جائزًا ما أمره بالكفارة لقال له: قل إن شاء الله، أو إلا كذا. [(فلا يُفْصَلُ بينهما) أو سبق] (فلا يَفْصِلُ بينهما سكوت يمكن الكلام فيه أو بكلامٍ أجنبي) بمعنى أنه يفصل بين أداة الاستثناء المستثنى عن المستثنى منه بكلامٍ يمكن أن يتكلم فيه بكلامٍ أو بكلامٍ أجنبي، (وحُكِيَ عن ابن عباس عدم اشتراطه) وحكي رجوعه عن هذا القول كذلك بل قيل هو الثابت عنه (وحكي عن ابن عباس عدم اشتراطه) أي: يجوز كونه منفصلاً. فقد ورد عنه في الرجل يحلف قال: له أن يستثني ولو إلى سنة. ثم قرأ قوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ} [الكهف: 23]. ... إلى آخر الآية. وهذا فيه نظر، لماذا؟ لأنه إذا قيل بجواز الاستثناء لم يثبت للناس حقٌ البتة فيعترف اليوم له عليَّ مئة، ثم يأتي بعد غد ويقول: إلا تسعين، إلا ما بقي شيء، إلا تسعين إذًا ما بقي، ذهبت حقوق الناس، ويأتي ويطلق زوجته ثلاثة ثم يقول: إلا اثنتين. (وعن عطاء والحسن تعليقه بالمجلس) يعني: جاز الفصل بالزمن اليسير ما دام المتكلم في المجلس. (وقد أومأ إليه أحمد في اليمين) يعني: جواز الانفصال. قال في رواية أبي طالب: إذا حلف بالله وسكت قليلاً ثم قال: إن شاء الله. فله استثناؤه لأنه يكفر. هذا فيما إذا قال: إن شاء الله. الكلام هنا في شيءٍ آخر.
الثاني: (وأن يكون من الجنس) والاستثناء عند بعضهم ينقسم إلا نوعين: استثناء متصل، واستثناء منقطع.
الاستثناء المتصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه قام القوم إلا زيدًا.
والاستثناء المنقطع أن يكون مستثنى لا من جنس المستثنى منه.
هذا على المشهور وفيه شيءٌ من النظر، واعتراضه يطول حينئذٍ قال: قام القوم إلا حمارًا. يسمى ماذا؟ استثناءً منقطع، لماذا؟ لأن الحمار ليس من جنس القوم هل يشترط في الاستثناء الذي يعد مخصِّصًا أن يكون من جنس المستثنى منه أو لا يشترط؟ الحنابلة يشترطون هذا يشترطون أن يكون الاستثناء متصلاً، وأما المنقطع فلا يعد بل قيل بأنه ليس بكلامٍ أصلا وإنما يكون مجازًا (وأن يكون من الجنس، وبه قال بعض الشافعية، وقال مالك وأبو حنيفة وبعض المتكلمين: ليس بشرط) فيجوز عندهم كون الاستثناء منقطعًا حينئذٍ لو قال: له عليَّ عشرة إلا ثوبًا. استثناء منقطع أو متصل؟

له عليَّ عشرة
(6/28)

لا، لا، إلا ثوبًا هذا استثناءٌ منقطع، لماذا؟ لأن الثوب ليس من جنس العشرة التي هي أَرْيُل، لكن عند من صحح إلا قيمة ثوبٍ، والصحيح أنه يجوز النوعان يعني: المنقطع، والمتصل. وإذا جاء المنقطع قدر أو أُوِّلَ بما ذكر، إذًا (قول المتكلمين: ليس بشرط) فيجوز عندهم كون الاستثناء منقطعًا، وعللوا ذلك بأن الاستثناء المنقطع واردٌ في لسان العرب وهو كذلك واردٌ في لسان العرب، ولذلك جاء قوله تعالى: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً} [مريم: 62]. والسلام ليس من اللغو كذلك {مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157] قالوا: والظن ليس من جنس العلم، إذًا واردٌ في القرآن، وكذلك واردٌ في كلام العرب والمبحث في كتب النحو.
الثالث: (أن يكون المستثنى أقل من النصف، وفي النصف وجهان. وأجاز الأكثرون الأكثر) هنا أربع صور للاستثناء وهذا الكلام في العدد، إما أن يستثني الكل له عليَّ عشرة إلا عشرة، قالوا اتفاقًا: الاستثناء باطل لأنه يعتبر لغوًا. ليس بكلامٍ هذا والذي يعتبر باطلاً هو الاستثناء وليست الجملة كلها بمعنى أنه إذا قال عند القاضي: له عليَّ عشرةٌ إلا عشرة. لزمه العشرة كاملة والاستثناء هذا يعتبر ملغيًا، لماذا؟ لأنه لعبٌ ولغوٌ وليس بكلامٍ فصيح، إذًا إذا استثنى الكل بطل الاستثناء لو قال لزوجته: طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا. عند من أثبت الثلاث لزمته الثلاث لأنه لو اعتبر الاستثناء إلا ثلاثًا ما طلق وهو قد طلق أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا ثلاثًا، إذًا الاستثناء الكل يعتبر باطلاً باتفاق، قال: (أن يكون المستثنى أقل من النصف). هذه الصورة الثانية وهذه محل إجماع له عليَّ عشرة إلا أربعة هذا أقل من النصف إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدة هذا جائزٌ باتفاق لأنه مسموعٌ عن العرب وهو كثير (وفي النصف وجهان) يعني: لو قال: عشرة إلا خمسة. استثنى النصف هل يجوز أو لا يجوز؟ وجهان عند الحنابلة والراجح الجواز قال في ... ((الإنصاف)): وهو المذهب. وهو قول الجمهور استثناء النصف، بقي ماذا؟ الحالة الرابعة: الاستثناء الأكثر. يعني: له عليَّ عشرة إلا ستة إلا سبعة إلا ثمان إلا تسع، هذا إلى تسع الاستثناء الأكثر هل يجوز أو لا يجوز؟ هذا محل خلاف والحنابلة على المنع لا يجوز، وإن قال هنا: (وأجاز الأكثرون الأكثر) ليس منسوبًا إلى الحنابلة ليس هو المذهب، المذهب عند الحنابلة هو: المنع. قال ابن قدامة: لا يختلف المذهب أنه لا يجوز استثناء ما زاد على النصف. حينئذٍ مراد المصنف هنا ليس المذهب لم يحقق المذهب في هذه المسألة، لا يختلف المذهب أنه لا يجوز استثناء ما زاد على النصف لأن اللغة لم ترد به.
(6/29)

وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين: يجوز استثناء الأكثر. وهو مذهب أكثر نحاة الكوفة لأنه إذا جاز استثناء الأقل جاز استثناء الأكثر بجامع أن كلاً إخراج بعض ما شمله العموم ولأنه رفع بعض ما تناوله اللفظ فجاز في الأكثر كالتخصيص، وهذا مذهب أبي عبيدة وأكثر الأصوليين وهو: جواز استثناء الأكثر. خلافًا لنحاة البصرة هنا اختلف المدرستان الكوفيون على الجواز مطلقًا، والبصريون على المنع مطلقًا، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز استثناء الأكثر ولا المساوي وإنما يستثنى دون النصف لأنه هو المسموع، وثَمَّ قوله تعالى: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82، 83]. مع قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحج: 42]. والتابعون لإبليس مقلدون له أكثر أو أقل؟ أكثر هنا استثنى الأكثر {إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} والغاوون أكثر فدل على أنه يجوز استثناء الأكثر وهذا لكن في الصفة يرد عليه أنه في الصفة على كلٍّ هذه الصور الأربعة على ما ذكرناه ثم قال: (فإن تعقب جملاً عاد إلى جميعها). وهذا مذهب الشافعة والمالكية والحنابلة بمعنى أنه إذا جاءت جمل متتالية ثم جاء الاستثناء بعد الجملة الثالثة هل الاستثناء يعتبر مقيدًا للجمل كلها أو للأخيرة فقط؟ الجمهور على أنه مقيدةٌ للجميع، ولذلك قال: (فإن تعقب جملاً عاد إلى جميعها). إلا لدليلٍ يخصه ببعضها (وقال الحنفية: إلى الأقرب) لأن الفصل وقع بين كل جملتين من الجمل بحرف العطف فأشبه الفصل بكلامٍ أجنبي يعني: قلنا لا بد من الاتصال، وإذا كان كذلك فإذا جاءت الجملة تاليةً للجملة حينئذٍ الأصل فيها أنها تعطف بالحرف فإذا عطفت بالحرف حينئذٍ كيف يقال: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 5] راجعة للأولى وهي مفصولةٌ عنها بحرف العطف؟ نقول: بكلام العرب وهو ظاهرٌ النصوص يعني: باستقراء كلام الوحيين أن الاستثناء الواقع بعد الجمل يعود إلى الكل إلا بدليل. وهذه ذكر لها أمثلة كثيرة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في ((أضواء البيان)) فليرجع إليه، إذًا الصواب ما عليه الجمهور أنه إذا تعقب جملاً عاد إلى جميعها مثاله قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4]. ثلاث جمل {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}، ثم قال: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. [أما الرجم نعم] (1)
__________
(1) سبق ..
(6/30)

{فَاجْلِدُوهُمْ} الجلد فلا يقبل التوبة يعني: لا لأنه حق لله عز وجل وحق للغير فلا بد من إثباته، فحينئذٍ {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} هل هو عائدٌ لقوله: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}؟ حينئذٍ يرتفع عنهم صفة الفسق إذا تابوا أو أنه يرجع إلى الجملتين ما هي الجملة؟ {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} وحينئذٍ إذا تابوا تقبل لهم الشهادة؟ الأحناف على أنها مقيدة للأخيرة حينئذٍ تابوا أو لم يتوبوا لا تقبل لهم شهادةً أبدا لأنه لم يأتي استثناء وعلى قول الجمهور أنه صالحٌ للكل حينئذٍ تقبل لهم شهادة إذا تابوا ويرتفع عنهم وصف الفسق إذا تابوا.
ثم قال: (وهو من الإثبات نفي). وهذا محل اتفاق (من الإثبات نفي) بمعنى أنه يثبت للمستثنى نقيض ما أثبت للمستثنى منه، قام القوم أُثبت القيام، إلا زيدًا أثبت نقيضه، وهو: نفي القيام. عدم القيام، إذًا أثبت في الإثبات نقيض الإثبات وهو النفي، لأن قام إثباتٌ نقيضه عدم الإثبات وهو: النفي. حينئذٍ الاستثناء من الإثبات نفيٌ وهذا محل وفاق، (ومن النفي إثبات) وهذا مذهب الجمهور وعند الحنفية أنه ليس إثباتًا بل هو واسطة وهي عدم الحكم فيكون المستثنى غير محكومٍ عليه لا بنفيٍ ولا بإثبات فإذا قال: ما قام القوم إلا زيدًا. ((إلا زيدًا))، ((إلا زيدٌ)) يجوز الوجهان ما قام القوم إلا زيدًا حينئذٍ زيدًا يثبت له نقيضٌ النفي وهو: القيام. هذا الصحيح وهذا الذي عليه الجمهور، عند بعضهم مسكوتٌ عنه مثل بل التي للإضرار، ما جاء القوم ما جاء زيدٌ بل عمرو، بل عمرو، زيد صار مسكوت عنه، قالوا: كذلك النفي هنا إذا استثني من النفي صار المستثنى مسكوتًا عنه لا يُثبت له ولا يُنفى عنه، والصواب أنه يثبت له نقيض الحكم الذي ثبت للسابق وهو: الإثبات. والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(6/31)

عناصر الدرس
* المطلق والمقيد.
* الأمر والنهي.
* المفهوم، وأنواعه.
* النسخ، والإجماع، والاستصحاب.
* شرع من قبلنا.
* قول الصحابي.
* الاستحسان، الاستصلاح.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومنه: (المطلق)). (ومنه)، أي: من الكلام المفيد، المطلق والمقيد هذا مما يقابل العام والخاص، فالمطلق شبيه بالعام والمقيد شبيه بالخاص، وتقيد المطلق والمقيد شبيه بتخصيص العام بالخاص، والمطلق لغة: الانفكاك من أيّ قيد حسيًّا كان أو معنويًّا، قالوا: هذا الفرس مطلقٌ. أيْ: من غير قيد. كذلك يكون معنويًّا كما في الأدلة الشرعية وهو الذي معنا الآن ... {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} هذا إطلاق وهو: معنوي.
والمقيد لغةً: ما جعل فيه قيد من بعيٍر ونحوه. وهو ما يقابل المطلق ما قُيِّد بشيء من الوصف أو الشرط أو الغاية، قال في تعريفه: وإن كان المشهور أن تعريف المطلق هو: اللفظ الدال على الماهية بلا قيد وهذا أجود وأخصر وأدلّ على المقصود، اللفظ الدال على الماهية. الماهية المراد بها: الحقيقة والأصل ما يسأل عنه بقولنا ماهية ما هية ثم ركب اللفظ وصار مهية وهو مصدر صناعي، والماهية المراد به الحقيقة فالحقيقة من حيث هي، والماهية باعتبار كون الشيء موجودًا على ما هو عليه، حينئذٍ يقال: ماهية الإنسان أنه حيوان ناطق. وماهية لفظ رجل ذكر بالغ من بني آدم وهكذا، وهذه الماهية وجودها وجود ذهني بمعنى أن المعنى الذي وضع له اللفظ يكون موجودًا وجودًا ذهنيًّا ثم يكون له فرد خارجيٌّ يصدق عليه هذا المعنى، بمعنى: أن الوجود الذهني لا يوجد في الخارج إلا في ضمن أفراده حينئذٍ هذا المعنى إذا وجد في الذهن فلا بد أن يكون ثَمَّ فردٌ في الخارج إن اعتبر هذا الفرد في وضع الماهية ذهنًا حينئذٍ نقول: دلالة هذا المعنى الذهني على الفرد الخارجي دلالة وضعية، وإذا لم يكن مأخوذًا في حيز الماهية حينئذٍ يكون دلالة هذا المعنى الذهني على الفرد الخارجي دلالة التزامية وهذا الفرق بين النكرة والمطلق عند من فرق بينهما، حينئذٍ النكرة تدلُّ على الفرد الخارج بمعنى أنه واحد لا بعينه لكنَّ هذا الفرد مأخوذ في وضع المعنى الذي وضع له اللفظ فحينئذٍ صار دلالة المعنى على اللفظ أو اللفظ على الفرد الخارج دلالة وضعية، بمعنى: أن الفرد مأخوذ في وضع المعنى لذلك اللفظ وإذا لم يكن مأخوذًا حينئذٍ لا بد أن يوجد المعنى في ضمن أفراده في الخارج لا يمكن أن يوجد عندنا معنى مثلاً الرجولة، الرجُولة ما هي؟ رجل تقول: ذكر بالغ من بني آدم. هذا المعنى معنًى ذهني، لكن لا يمكن أن يوجد في الخارج خارج الذهن إلا في ضمن شخص من الأشخاص زيد، أو عمرو، أو خالد هل يمكن أن يوجد هذا المعنى لا في زيد ولا في خالد ولا في عمرو؟ ممتنع، إذًا لا يمكن أن يوجد إلا في ضمن فرد إذا وضع المعنى مع ملاحظة الفرد الخارجي صار نكرة، وإذا وضع المعنى مع عدم مراعاة الفرد الخارجي صار مطلقًا عند من يفرق بين النكرة والمطلق بلا قيد، يعني: هذه الماهية مأخوذة بالاعتبار دون زيادة وصف يزيد عليها
(7/1)

وعرفه المصنف هنا بقوله: (ما تناول واحدًا لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه)، (ما) جنس يطلق ويراد به أو يصدق على اللفظ هنا ... (تناول واحدًا) والمتناول أخرج غير المفيد، لأن المتناول أخرج ما لا يتناول وهو غير المفيد و (ما تناول واحدًا لا بعينه) أخرج ما تناول أكثر من واحد وهو المستغرق، وكذلك أخرج العَلَم لأن العلم تناول واحدًا بعينه وهو زيد مثلاً (باعتبار حقيقة شاملة لجنسه) أخرج المشترك والواجب المخير فإن كلاًّ منهما متناول لواحد لا بعينه لكن باعتبار حقائق مختلفة، فمثلاً لفظ العين متناول لواحد لا بعينه، وهو: الذهب، أو الفضة، أو الباصرة، أو الجاسوس ونحو ذلك لكنها حقائق مختلفة، والذي معنا هنا في المطلق حقائق متحدة ولذلك قال: (شاملة)، (باعتبار حقيقة شاملة لجنسه) كالرقبة مثلاً، وقيل في حده: لفظ يدلُّ على معنًى مبهم في جنسه، يعني: غير مقيد وهذا التعريف فيه نوع إشكال لأنه قال: (يدل على معنًى مبهم في جنسه)، وهنا ليس عندنا معنًى مبهم بل هو محدد وهو الرقبة مثلاً أو رجل ثم الدلالة هنا دلالة على فرد شائع في جنسه وليس الدلالة على معنًى فحسب لأن المعنى هو الذي وضع له اللفظ في الذهن وأمَّا في الخارج فثم شيء بعينه ولذلك في الحد السابق (ما تناول واحدًا لا بعينه)، إذًا يتناول شخصًا فلفظ رقبة مثلاً نقول: هو نكرة وهو مطلق يتناول فردًا واحدًا لا بعينه في الخارج ولا بد أن يصدق على شيء معين ليس على معنًى وإنما يصدق على زيد وهو رقيق وعلى عمرو ونحو ذلك على كلٍّ هذان الحدان فيهما شيء من النظر والحد الذي ذكرته أولى، (ويقابله (المقيد))، يعني: يقابل المطلق المقيد وهو بعكسه (وهو المتناول لموصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة)، ولو قيل: اللفظ الدال على الماهية بقيدٍ فيما يقابل الأول لكان أوضح، حينئذٍ لفظ دالٌّ على الماهية كرجل أو رقبة لكنه مقيد بوصف أو نحوه، (وهو)، أيْ: المقيد (المتناولُ لموصوف)، يعني: يتناول شيئًا معينًا لماذا؟ لأن المقيد يدلُّ على شيء واحد، وهذا الواحد قد يُدَلُّ عليه بتشخيص كأن يقال: أكرِم هذا الطالب.
(7/2)

هذا الطالب هذا مقيد حينئذٍ يعتبر داخلاً في هذا الحد، أو أكرم طالبًا صالحًا أو مجتهدًا، حينئذٍ قُيِّد بالوصف فيكون داخلاً معنا في الحد (المتناول لموصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة) مثلاً طالب هذا حقيقة شاملة يصدق على أيِّ فرد من أفراد الطلاب فإذا وصفه بالاجتهاد مثلاً طالبًا مجتهدًا حينئذٍ زاد على المعنى الذي دلّ عليه لفظ طالب، وعبارة بعضهم: ما زيد معنًى على معناه لغير معناه وهو أوضح، ما زيد معنًى على معناه لغير معناه حينئذٍ رقبة مؤمنة، رقبة لها مدلول، مؤمنة لها مدلول حينئذٍ زِيد على معنى الرقبة معنًى لغير معناه، وهو معنًى زائد على دلالة الرقبة، فالرقبة شيء وهو صفة من حيث المعنى والمدلول وكذلك مؤمنة هذا صفة وله معنى، حينئذٍ معنى الرقبة ومعنى الإيمان متغايران فزيد على اللفظ السابق معنًى ليس لمعناه وإنما هو مغاير له ثم قال: ({رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ})، يعني هذا مثال للمقيد وصفه بقوله: ({مُؤْمِنَةٍ}) ثم قال: (فإن ورد مطلق ومقيد) وهذا الذي يعنينا (فإن ورد مطلق ومقيد)، يعني: أحوال المطلق مع المقيد فحينئذٍ له أحوال: إمَّا أن يتحد الحكم والسبب، أو يتحد الحكم ويختلف السبب، أو يختلف الحكم مع اتحاد السبب، أو اختلاف السبب. صور أربعة اتحاد السبب اتحاد الحكم مع اتحاد السبب أو اختلافه هاتان صورتان، اختلاف الحكم مع اتحاد السبب أو اختلافه هاتان صورتان، صارت المسألة أو الصور أربعة، (فإن اتحد الحكم والسبب كـ حديث: «لا نكاح إلا بولي» مع) حديث («لا نكاح إلا بولي مرشد»)، («لا نكاح إلا بولي») ولي هذا نكرة وهو مطلق يشمل المرشد وغير المرشد وجاء حديث: («لا نكاح إلا بولي مرشد») على نزاعٍ في ثبوته والمراد المثال هنا، السبب هنا واحد وهو: النكاح. والحكم: نفي النكاح («إلا بولي») جاء مطلق في الرواية الأولى ولي، وجاء مقيدًا في الرواية الثانية («بولي مرشد») حينئذٍ نقيد السابق الأول ولي بالثاني الذي هو مرشد، وتقيد المطلق هو أن يقيد المطلق بقيد المقيد هذا المراد هنا، تقيد المطلق المراد به أن يقيد المطلق بقيد المقيد، ما هو قيد المقيد هنا؟ مرشد هو المقيد، فولي مرشد هو مطلق وزيادة ولي فقط هذا مطلق فقط حينئذٍ («بولي مرشد»)، نقول: نأتي إلى («لا نكاح إلا بولي») فنقيد هذا المطلق بقيد المقيد وهو مرشد حينئذٍ نوحد بين الحديثين. حُمِلَ المطلق على المقيد عند الجماهير، حُمِلَ المطلق على المقيد فيما إذا اتحد الحكم والسبب يُحْمَلُ المطلق على المقيد، (وقال أبو حنيفة: زيادة فهي نسخ)، يعني: زيادة على النص فهي نسخ، وحمل المطلق على المقيد هنا كان نسخًا للمطلق وإبطالاً للعمل به، يعني: زيادة فهي نسخ، يعني قال أبو حنيفة: هنا لو حمل المطلق على المقيد لكان نسخًا للمطلق وإبطال للعمل به، ولذلك لا يرى في مثل هذه المسألة أنه يحمل المطلق على المقيد فحينئذٍ صارت الزيادة وهي اشتراط الرشد في الولي رَفَعَتْ إجزاء الولي مطلقًا الذي دلَّ عليه النص المطلق والإجزاء حكم شرعي لأن قوله: («لا نكاح إلا بولي»).
(7/3)

دلَّ على إجزاء الولي مطلقًا، والإجزاء حكم شرعي حينئذٍ إجزاء الولي مطلقًا دخل فيه غير المرشد فهو مجزئ وجاء النص الثاني دلَّ على أن غير المرشد لا يُجزأ قال: هذا نسخ، لأنه رفع لما سبق وهذا فيه شيء من النظر. والصواب أنها ليست بنسخ، لأن النسخ رفع حكم شرعي وهنا لم يرفع حكم شرعي بل هي زيادة سكت عنها النص الأول ثم الناسخ والمنسوخ يشترط المنافاة بينهما وهنا لا منافاة، ثم معرفة التأريخ شرط في حمل الناسخ على المنسوخ، إذًا قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى في المسألة الأولى والصورة الأولى وهي فيما إذا اتحد الحكم والسبب أنها زيادة فهي نسخ قول فيه نظر. (وإن اختلف السبب) مع اتحاد الحكم الصورة الثانية (كالعتق في كفارة اليمين قيد بالإيمان) قيد بالإيمان هنا سهو من المصنف فيه سهو أو لا؟
..
بالإيمان عندكم؟ بالأيمان.

لا هو بالإيمان، لا السهو أين هو؟
..
نعم.
..
ما معك، (كالعتق في كفارة اليمين قيد بالإيمان).
.. أيوه أحسنت نعم
(7/4)

قوله: (في كفارة اليمين)، هو قال: (كفارة اليمين). ما جاء التقيد، إنما جاء القيد بالإيمان في كفارة القتل هذا السهو من المصنف رحمه الله تعالى، {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] في سورة النساء (وإن اختلف السبب كالعتق في كفارة) القتل (قيد بالإيمان، وأطلق في الظهار) {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 3]، وهنا اتحد ماذا؟ اتحد الحكم وهو تحرير رقبة واختلف السبب لأن الأول كفارة قتل والسبب مختلف الأول كفارة قتل والثاني كفارة ظهار، (فالمنصوص لا يحمل) المنصوص عن الإمام أحمد: أنه إذا اختلف السبب مع اتحاد الحكم لا يحمل المطلق على المقيد، بل يبقى إطلاق المطلق على إطلاقه والمقيد يحمل على تقيده حينئذٍ لا يكون في كفارة الظهار لو حرر أو أعتق رقبة كافرة أجزأته، لماذا؟ لأنه جاء مطلق فيبقى على إطلاقه، وتقيد المطلق بدون دليل شرعي كتخصيص العام بدون دليل شرعي (فالمنصوص) عن أحمد (لا يحمل)، يعني: لا بل يعمل المطلق على إطلاقه والمقيد على تقيده، والذي دلَّ على أن الإمام أحمد قال ذلك هذه الرواية فيها شيء من النظر قال في رواية أبي طالب: أحب إليَّ أن يعتق في الظهار المسلمةً. لأنها جاءت مطلقة وجاء هنا قال: وأحب إليَّ أن يعتق في الظهار مسلمة، يعني: رقبة مسلمة، قالوا: هذا يدلّ على أن الإمام أحمد يرى أنه لا يحمل المطلق على المقيد فيما إذا اختلف السبب مع اتحاد الحكم وإن كان قوله هذا فيه شيء من الإجمال، ... (فالمنصوص لا يحمل واختاره ابن شاقلا وهو قول أكثر الحنفية) أنه لا يحمل المطلق على المقيد فيما إذا اتفق الحكم واختلف السبب، وحجة هؤلاء كما نص غير واحدٍ أن ظاهر المطلق يقتضي أن يعمل به على إطلاقه فلا يختص بالمقيد إلا أن يكون بينهما ارتباط لفظي أو معنوي، بمعنى: أنه لا يحمل المطلق على المقيد إلا إذا كان بينهما ارتباط إمَّا لفظي كالعطف أو معنوي إذا انتفى النوعان الارتباط اللفظي والمعنوي حينئذٍ لا يحمل المطلق على المقيد بل يبقى المطلق على إطلاقه والمقيد على حاله، والارتباط اللفظي كالعطف كأن يعطف المطلق على المقيد والمعنوي أن يتفق العتقان في علة التقيد وهذا حمل بالقياس وليس المراد هنا، فيكون التقيد في القتل لشدة أمره بخلاف الظهار فنقل القيد إليه زيادة في الشرع ومشقةٌ على الأمة، يعني: بمعنى أن الشارع يحتمل أنه فرَّق بين كفارة القتل وكفارة الظهار، لأن القتل شديد ليس شأنه كشأن الظهار فيحتمل أنه شدد على المكلف بأن لا يعتق إلا رقبة مؤمنة فَوُجِد المعنى الذي يمكن أن يحمل المطلق على إطلاقه والمقيد على تقيده، (وقال أبو الخطاب) قال: (وهو قول أكثر الحنفية خلافًا للقاضي والمالكية وبعض الشافعية)، وبعض الشافعية على القول بأنه يحمل المطلق على المقيد، يعني: القول الثاني في المسألة: أنه إذا اتحد الحكم واختلف السبب حُمِل المطلق على المقيد وحجتهم أن كلام الله تعالى متحدٌ فإذا نص على اشتراط الإيمان في كفارة القتل كان ذلك تنصيصًا على اشتراطه في كفارة الظهار، ولذلك جاء في الرواية حديث الحكم قال: ... «اعتقها فإنها مؤمنة».
(7/5)

مع كونه قال: عليه كفارة ولم يستفصل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهنا قال: «اعتقها فإنها مؤمنة». هذا تعليل بمعنى: أن الحكم معلق على علته وجودًا وعدمًا فلو لم تكن مؤمنة لما قال له: «اعتقها» فمفهوم الأمر هنا أنه معلق على علة حينئذٍ يوجد مع وجود العلة وهي الإيمان وينتفي مع انتفاء العلة وهي عدم الإيمان، وهذا يدلُّ على أن الإيمان مشترط مطلقًا في الكفارات ولذلك لم يستفصله هل هي كفارة أم لا، كذلك العدالة جاءت في موضع مقيدة {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2]، ثم بعد ذلك في كل موضع من الكتاب والسنة قُيِّدَت الشهادة بالعدالة ... {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} حينئذٍ قيدت الشهادة في كل موضع في القرآن والسنة بالعدالة فدلَّّ على أن المطلق يحمل على المقيد فيما إذا اتحد الحكم ولو اختلف السبب وعلى الصورتين حينئذٍ نقعد قاعدة وهي: أنه إذا اتحد الحكم ولو اختلف السبب وجب حمل المطلق على المقيد في الصورتين معًا. وهذا هو الظاهر والله أعلم.
(7/6)

(وقال أبو الخطاب) وهو قول ثالث: (تقييد المطلق كتخصيص العموم وهو جائز بالقياس الخاص فها هنا مثله) هذا قول ضعيف، لماذا؟ لأنه يرى أنه ممكن أن يقيد المطلق بالقياس وقد سبق معنا أن تخصيص العام بالقياس صحيح أو لا؟ ليس بصحيح لأنه مخالف، قياس فاسد الاعتبار لا يمكن أن يخصص العام بالقياس الفاسد مطلقًا لأنه لا قياس مع وجود النص، وإذا وجد النص حينئذٍ قلنا: العام هو المعتبر فلا يأتي قياس يخرج بعض أفراد العام بحكم يخالف العام ثم نقول: هذا قياس صحيح، بل هو قياس فاسد وهنا كذلك قال ابن الخطاب (تقييد المطلق كتخصيص العموم وهو جائز بالقياس الخاص فها هنا مثله) وهذا فيه نظر، (فإن كان ثم مقيدان) عندنا مطلق وعندنا مقيِّدان، يعني: مطلق آخر مقيد ومطلق ثالث مقيد حينئذٍ نحمل المطلق على أيّ النوعين هو مقيد في نص ومقيد في نص ثالث ننظر في أيّ النوعين من المقيدين أقرب إلى المطلق فنقيد المطلق بالقيد الأقرب إليه فإن كان ثَمَّ مقيِّدان حمل، يعني: المطلق على أقربهما شبهًا به وهذا مثلوا له بماذا؟ بإطلاق صوم كفارة اليمين عن القيد بتتابع بقوله: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} نص دون اعتبار إلى قراءة ابن مسعود، {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} مطلق عن القيد، إذًا يصح أن تقع متتابعة ويصح أن تقع متفرقة أليس كذلك؟ نص مطلق كقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}. هذا مطلق وحينئذٍ يبقى على إطلاقه فيحتمل التتابع ويحتمل عدم التابع ويحمل على إطلاقه، يعني: لا يقيد لا بتتابع ولا بدون تتابع {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} هذا لكفارة اليمين على تقييده في كفارة الظهار بالتتابع في قوله: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} قيد هنا الشهرين بالتتابع، وتقيد صوم التمتع بالتفريق: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] حينئذٍ جاء قوله: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} في اليمين مطلق، وجاء في كفارة الظهار بالتتابع: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} وجاء بالتفريق في الحج، بالتتابع في كفارة الظهار، وبالتفريق في الحج أيُّ النوعين أقرب؟ هل هو صيام الحج لمن لم يجد تمتع هدي حينئذٍ له أن يفرق؟ أو التتابع الذي يكون في كفارة الظهار أيُّ النوعين أقرب لكفارة اليمين؟ ما كان كفارة، فلذلك قيل: فصيام ثلاثة أيام متتابعة فصار هذا المطلق مقيد بالقيد الوارد في كفارة الظهار، ولم نقيده بالقيد الوارد في الحج لأنه أبعدُ عنه حينئذٍ يكون الأقرب شبهًا هو المعمول به، فالظهار أقرب لليمين من التمتع لأن كلاً منهما كفارة بخلاف قضاء رمضان {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فليس أقرب لواحد منهما فيبقى على إطلاقه والظاهر أنه لا يحمل {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} لا على هذا ولا على ذلك فيبقى على إطلاقه إلا أن روعي قراءة ابن مسعود متتابعة لأنها لها خبر حكم خبر الآحاد فيعتبر وإلا هذا حكم مستقل وهذا حكم مستقل.
(7/7)

ثم قال: (وإن اختلف الحكم فلا حمل)، يعني: لا يحمل المطلق على المقيد مطلقًا سواءٌ اتحد السبب أم اختلف السبب إذًا النظر هنا في القيد في الإطلاق والتقيد باعتبار الحكم فحسب، متى ما اتحد الحكم حينئذٍ حمل المطلق على المقيد، ومتى ما اختلف الحكم لا يحمل سواءٌ اتفق السبب أم اختلف (وإن اختلف الحكم فلا حمل) وليس فلا عمل، (اتحد السبب أو اختلف) اتحد السبب قالوا: كآية التيمم. ما هي آية التيمم؟
..
ما هي الآية؟ آية التيمم؟
..
ما هي آية التيمم؟
..
آية الوضوء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: 6]، هذه تسمى آية التيمم ولا تسمى آية الوضوء، لماذا؟

لأن الوضوء كان مشروعًا وإنما جاءت الرخصة بالتيمم ولذلك سميت آية التيمم ولا تسمى آية الوضوء، قال هنا: (اتحد السبب) كآية التيمم، قال: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}، جاءت الأيدي مقيدة بالمرافق قال: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [المائدة: 6]، جاءت مطلقة هل يحمل المطلق على المقيد هنا؟ نقول: لا، لا يحمل لماذا؟ لأن الحكم مختلف هذا وضوء وهذا تيمم، إذًا لا يحمل هذا على ذاك فلا نقول: أيدِيَكم وأيدِيكُم هذا مقيد بـ إلى المرافق، حينئذٍ يمسح إلى المرافق لأنه جاء في الوضوء في تلك الصفة نقول: لا هذا اختلف فيه الحكم والسبب متحد أو مختلف؟
..
{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} السبب متحد والحكم مختلف (أو اختلف) قالوا: كالسرقة، والوضوء. {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، قال: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}. هل يقيد أو لا؟ هنا غسل وهنا قطع عفانا الله وإياكم، وهنا سرقة، وهنا وضوء.
(7/8)

ثم قال رحمه الله تعالى: (و (الأمر)) بعد ما انتهى من المطلق والمقيد، (و (الأمر)) هذا بعضهم يقدمه على كل دلالة الألفاظ وهو أولى، من قدم الأمر والنهي على أبحاث العام والخاص والمطلق والمقيد والنص والظاهر والمؤول فهو أولى، لماذا؟ لأن أهم أحكام الشريعة هي الأمر والنهي، التوحيد أمر وهو أعلى وأعظم الأوامر، والشرك الأكبر نهي وهو أعظم النواهي، ولذلك قال السرخسي: أحق ما يبدئ به في البيان الأمر والنهي لأن معظم الابتلاء يقع بهما وبمعرفتهما تتم معرفة الأحكام ويتميز الحلال من الحرام، نعم افعل ولا تفعل، افعل يدخل تحته الإيجاب والندب حينئذٍ شمل كل الأحكام الواجبات المندوبة ولا تفعل دخلت سواء كان جهة جزم أو لا ودخل تحته التحريم والكراهة ودخل تحته ما لا حصر له من النواهي، حينئذٍ المكلم مأمور بالإيجاب وبالكف وهذا إنما يعلم من جهة الأمر والنهي، ولذلك العناية بهذين النوعين الأمر والنهي آكَدُ من العناية بغيرها من دلالات الألفاظ. (الأمر)، قال: (استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء) أَمَ رَ حقيقة في القول الطالب مطلقًا أَمَ رَ هكذا تقرأ بالتقطيع، يعني: لفظ ومدلوله لفظ، أَمَرَ لفظ ما معناه؟ مدلوله لفظ وهو صيغة افعل لكن أَمَ رَ لا يختص بالإيجاب وإنما يكون في الندب ويكون في الإيجاب فيحمل عليهما أو على اليقين أو ينتظر إلى مرجح خارج، فإذا قيل: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بكذا لا يحمل على الإيجاب مطلقًا بل لا بد من النظر في القرائن، أقل الأحوال أن يحمل على الندب لأن هذه الكلمة أَمَ رَ لا يدل على الإيجاب وإنما يحمل على اليقين وهو الندب حتى يرد أو ترد قرينة تدلّ على أن المراد به أعلاه، ولذلك قال عمرو بن العاص: أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني. أمرًا جازمًا قيَّد الأمر لو كان الأمر لا يكون إلا جازمًا لما صح تقيده بكونه جازمًا، حينئذٍ يحمل قوله: أَمَ رَ على افعل، افْعل حقيقة في الإيجاب مجاز في الندب كما سيأتي، وأمَّا لفظ أَمَ رَ فهذا حقيقة فيهما معًا ولذلك الندب مأمور به حقيقة على الصحيح لماذا؟ لأنه داخل في قولنا: أَمَ رَ.
(7/9)

فَأَمَرَ هذا حقيقة في الطلب سواءٌ كان جازمًا أو لا، والمراد بالطلب هنا صيغة: افعل، حينئذٍ الاسم أَمَرَ مسماه: افعل، وقد يكون اللفظ مسماه لفظًا، اللفظ قد يكون مسماه لفظ مثل ماذا؟ تقول الكلمة زيد كلمة، كَلمة هذا قول مفرد ما مسماه؟ زيد، اسم مسماه زيد وهكذا فيكون اللفظ مسماه لفظًا آخر، المراد هنا أن أَمَ رَ حقيقة لقول الطالب مطلقًا سواء كان جازمًا فيكون إيجابًا أو ليس بجازمٍ فيكون ندبًا، وأمَّا الأمر الذي عناه المصنف هنا وهو ما يقابل النهي وهو ما يكون مدلولاً عليه بصيغة افعل فعرفه بقوله: (استدعاء الفعل) إلى آخره (استدعاء) طلب، (استدعاء) دعاء طلب، (استدعاء) هذا جنس أضافه إلى الفعل احترازًا عن النهي استدعاء الكف أو استدعاء الترك، واستدعاء الترك أو الكف يسمى نهيًا فأخرج بقوله: (الفعل) استدعاء الترك وقوله: (الفعل) مراد به الإيجاد ليشمل القول لأنه ليس الفعل المقابل للقول وإنما الفعل الذي يوجد من المكلف، وهذا قد يكون باعتبار فعل القلب وقد يكون باللسان، وقد يكون بالجوارح والأركان فهو عام، لأن الواجب منه ما هو متعلق بالقلب، فعل القلب اعتقاد القلب، ومنه ما هو متعلق باللسان فعل اللسان ويسمى فعلاً، {زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112]، يعني: ما قالوه فأطلق على القول أنه فعل فيسمى فعلاً، والجوارح والأركان كذلك يسمى فعلاً فدخل الأنواع الثلاثة في قولنا: (استدعاء الفعل). قوله: (بالقول) جار ومجرور متعلق بقوله: (استدعاء). احترز به عن استدعاء الفعل بالكتابة فلا يسمى أمرًا عند الأصوليين، وأخرج استدعاء الفعل بالإشارة فلا يسمى أمرًا عند الأصوليين، وأخرج استدعاء الفعل بالقرائن المفهمة فلا يسمى أمرًا عند الأصوليين، حينئذٍ لو كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - كتابًا أسلم تسلم قال: لا لم يأمره بالتوحيد لأنه لا يسمى أمرًا، لو أشار بيده كما أشار لذاك الرجل قال: (ضع النصف)، يعني: ضع النصف بإشارة بيده، وأشار إلى أبي بكر أن يتقدم، وإشارته إلى الحجر ونحو ذلك كما مر معنا في السنة حينئذٍ نقول: هذا لا يسمى أمرًا وعليه يختص هنا الأمر بالأمر اللغوي فحسب، يعني: ما كان مصدره اللسان فقط لماذا؟ لأننا نبحث في الكلام المفيد، والكلام المفيد أُخذ اللفظ في جنسه، يعني: جنسًا في حده حينئذٍ كل ما لم يكن بلفظ ليس داخلاً معنا سواءٌ كان في العام أو الخاص إلى آخره وكذلك يكون في الأمر فإذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن ثَمَّ لفظ مع أمره كالكتابة لا يسمى أمرًا في اصطلاح الأصوليين، وهذا فيه نظر.
(7/10)

بل الصواب أن الأمر له معنيان: أمر لغويٌّ ويشترط فيه اللفظ لأن الأمر نوع من أنواع الكلام، والكلام هو اللفظ المفيد فلا بد أن يكون لفظًا، والأمر الشرعيُّ وهو أعمُّ من هذا، وهو ما دلَّ على طلب الفعل ما، اسم موصول بمعنى الذي فيصدق على الأمر اللغوي أن يكون باللسان النطق وكذلك يصدق على الأمر سواءٌ كان بالكتابة أو بالإشارة، فإذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده أن ضع النصف نقول: أمره، كيف أمره ولم ينطق؟ نقول: لأنه مشرع عليه الصلاة والسلام فإذا أشار بما يدلُّ ويفهم الطلب صار أمرًا له، كذلك لو كتب إلى الملوك ونحوهم أسلم تسلم إلى آخره نقول: أمره بالتوحيد لو قلنا بأنه ليس بأمر ما أمر من كتب إليهم من الملوك ونحوهم وهذا فاسد إذًا: (استدعاء الفعل بالقول) المراد هنا بالقول الصيغة وهي: افعل. هنا المصنف استفتح حد الأمر بالاستدعاء وقيده بالقول وأنا أقول: الاستفتاح هذه تعاريف بالاستدعاء فيه شيء من الأشعرية، لأن الأمر هنا ليس بشيء معنوي وإنما الأمر هو اللفظ عينه فافعل عين الأمر ولا نفسره بالاستدعاء الذي يكون شيئًا معنويًا، وهذا أرى أنه لا بد من تعديله وإن كانوا حاولوا أن يقيدوه ولذلك ابن الجويني وغيره يقيدونه بـ: (استدعاء الفعل بالقول)، يعني: احترازًا عن الاستدعاء لا بالقول، حينئذٍ نقول: هذا فيه شيء من الأمر الذي يحتاج إلى مناقشة ما هو الأمر؟ هو اللفظ، لأنه نوع من أنواع الكلام فإذا كان كذلك لا بد أن يكون مساويًا له من كل وجه، وعندهم قاعدة: أن الأصل في الحدود أن يؤخذ الجنس ويكون أعمّ من المحدود، ولذلك الأمر هو اللفظ العلاقة بينهما أن كل أمر لفظ ولا عكس، وإذا قيل: لاستدعاء الفعل. صار الأمر هو عين الاستدعاء وهذا فيه شيء من قوله في الكلام النفسي والله أعلم أنه باطل، حينئذٍ لا بد أن نجعل الأمر هنا إما أن يقال بأنه اللفظ الدالّ على طلب إذا لم نجعل الإشارة والكتابة داخلة في مسمى الأمر، وإمَّا أن نقول: الأمر هو ما دلّ على طلب حينئذٍ نجعل ما عامة تشمل أمر اللفظ والأمر الذي يكون بالإشارة وبالكتابة. (على وجه الاستعلاء) هذا قيد في الاستدعاء لأن الاستدعاء يختلف قالوا: صيغة افعل أو الأمر قد يكون من أدنى إلى أعلى ومن أعلى إلى أدنى ومن مساوٍ إلى مساوٍ. إن كان من أعلى إلى أدنى فهو أمر، وإن كان من أدنى إلى أعلى فهو دعاء، وإن كان من مساوٍ إلى مساوٍ فهو التماس وهذا لا حقيقة له في لسان العرب، المعنى هذا ليس له حقيقة في لسان العرب لماذا؟ لأن النحاة وأهل العربية تكلموا في الأمر ولم ينظروا باعتبار المتكلم لأننا إذا قسمناه إلى هذه الأقسام الثلاثة معناه أننا جعلنا هذا اللفظ محددًا باعتبار الناطق ودائمًا النحاة لا يتكلمون أو أهل العربية لا علاقة لهم بالناطق والمتكلم البتة، وإنما نظرهم وسماعهم للكلام الذي ينطق به، حينئذٍ كل ما كان فيه استدعاء طلب فهو أمر، وهذا أمرٌ مع استعلاء وعكسه دعاء وفي التساوي التماس وقع هذا اصطلاح حادث وليس بمحل وفاق عند أهل العربية.
(7/11)

(على وجه الاستعلاء) هنا اشترط كون الأمر على وجه الترفع والقهر احترازًا عن الدعاء والالتماس، وعليه الأولى إسقاط بل يجب إسقاط هذا القيد حينئذٍ لا يشترط فيه استعلاء والصحيح كذلك لا يشترط فيه عُلُوّ، يعني: لا يشترط في الأمر ولا في النهي لا يشترط فيهما علوًا ولا استعلاءً.
وليس عند جل الأذكياء ... شرط علو فيه واستعلاء
وخالف الباجي بشرط التالي ... وشرط ذاك رأي ذي اعتزال
واعتبر معًا على توهين ... لدى القشيري ذي التلقين

فالمذاهب أربعة:
علو.
الاستعلاء.
لا يشترط علو ولا استعلاء.
يشترط العلو والاستعلاء، وهذا غريب جدًا.
واعتبر معًا على توهين ... لدى القشيري ذي التلقين

والصواب أنه لا يعتبر لا هذا ولا ذاك، لماذا؟ لأنه لم ينطق به واحد من أئمة العربية العمدة في مثل هذه المسائل أهل اللغة، وله صيغة عند الأصوليين يعبر هل له صيغة أم لا؟ بناءً على أن الأمر نوع من أنواع الكلام والكلام عندهم نفسي لا لفظي، وعندهم الكلام شيء واحد، بمعنى: أنه هل يوصف الكلام نفسه، يعني: لا يقبل التعدد هل يوصف الكلام نفسه بكونه أمرًا نهيًا عامًا خاصًا من جهة واحدة أو باعتبار المتعلَّقلات، عندهم باعتبار المعقلات فالأمر النفسي أو ليس الأمر النفسي الكلام النفسي شيء واحد لا يتعدد ولا يتنوع وإنما باعتبار المتعلَّق إن تعلَّق باستدعاء طلب إيجاد فعل سمي أمرًا باعتبار المتعلق وإلا هو نفسه، هو نفسه إن تعلق بطلب الكف سمي نهيًا وهكذا هذا فاسد، إذًا هل له صيغة أم لا؟ نقول: هذا السؤال بدعي. لأنه مبني على أن الكلام نفسي، ولذلك مما يؤيد ما سبق أنه أراد به المعنى النفسي صاحب المراقي يقول:
وهو اقتضاء فعل غير كف ... دُلّ عليه لا بنحو كُفِّ

عبر بماذا؟ بالاقتضاء، والاقتضاء هو عين الاستدعاء، والاستدعاء هو عين الاقتضاء ما هو الأمر؟ هو اقتضاء، يعني: طلب.
وهو اقتضاء فعل غير كف ... دُلّ عليه لا بنحو كُفِّ
هذا الذي حُدَّ به النفسيُّ ... وما عليه دلَّ قل لفظيُّ
(7/12)

نقول: بدعة عن التقسيم، الأمر إلى نفسي وإلى لفظي نقول: هذا بدعة ولا أصل له، إذًا ما عُبِّر فيه بالاستدعاء لا بد من تغيره، يعني: لا نجعل أول لفظ في الأمر أنه استدعاء أو اقتضاء إن جعلنا ذلك وافقناهم ولو في اللفظ، (وله صيغة تدلُّ بمجردها عليه)، يعني: على الأمر. (وهي (افعل) للحاضر و (ليفعل) للغائب عند الجمهور) وكذلك، يعني: المضارع المجزوم بلام الأمر، واسم فعل الأمر (صه) {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 105]، هذا دلّ على الطلب، والمصدر النائب عن فعله هذا أربع صيغ على المشهور فيها أكثر من ذلك لكن هذا المشهور، افعل وليفعل افعل صلي {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ليفعل {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 7]، وكذلك اسم فعل الأمر {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} والمصدر النائب عن فعله {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد: 4]. (ومن تخيل الكلام معنًى قائمًا بالنفس أنكر الصيغة) أنكر ليس له صيغة ثم إن وجدت صيغة هل هي حقيقة أم مجاز؟ عندهم خلاف، (ومن تخيل الكلام معنًى قائمًا بالنفس) فالأمر عندهم اقتضاء الفعل بذلك المعنى القائم بالنفس المجرد عن الصيغة، هذا الأمر عندهم ما هو؟ اقتضاء الفعل بذلك المعنى القائم بالنفس المجرد عن الصيغة، ثم إن دُلّ عليه باللفظ قالوا: هذه دلالة منفكة منفصلة ولذلك يقولون: إن الكلام النفسي هو عين كلام الرب جلّ وعلا وليس بمخلوق له صفة من صفاته، وما دلّ عليه مخلوق عندهم، يعني: الأشاعرة وافقوا المعتزلة لكن تأدبوا، يقولون: نتأدب في المجالس العامة فنقول: الكلام القرآن صفة الله تعالى لأنه أضافه إلى نفسه وأما في مقام التعليم فنبين أنه مخلوق، (ومن تخيل الكلام معنًى قائمًا بالنفس أنكر الصيغة وليس بشيء)، يعني: ليس قوله بشيء، (والإرادة ليست شرطًا عند الأكثرين خلافًا للمعتزلة)، ... (الإرادة)، يعني: إرادة امتثال المأمور به ووقوعه هل هي داخلة في مسمى الأمر أو لا؟ فإذا أمر الرب جلَّ وعلا من المكلفين بإقامة الصلاة {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} هل إرادة فعل وإيقاع الصلاة داخلة في مسمى الأمر أو أنها مطابقة للأمر معه أو لا؟ بمعنى: أنه إذا لم يكن إرادة فلا يسمى أمرًا {أَقِمِ الصَّلَاةَ} لو خاطب الله تعالى زيدًا من الناس {أَقِمِ الصَّلَاةَ} وأمره ولم يرد منه الصلاة علم جلّ وعلا أنه لم يصلي فقوله: {أَقِمِ الصَّلَاةَ}.
(7/13)

ليس بأمرٍ، لماذا؟ لأنه ما أراد منه الصلاة، لأن الإرادة قيد وشرط في تحقيق الأمر متى ما وجدت الإرادة تحقق الأمر فإن انتفت الإرادة انتفى الأمر وهذا قول باطل لأنه زيادة على مطلق اللغة، الأصل في التعامل مع كلام الله تعالى كما قعدنا: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195]، إذًا نزل القرآن بلسان عربي مبين فكل ما كان في اللسان مقعدًا مؤصلاً فهو الأصل أن يكون في القرآن حينئذٍ اللفظ إذا أطلق في لسان العرب سواءٌ كان في القرآن وفي غيره يسمى أمرًا ولا اعتبار باتفاق وإجماع أهل اللغة لا اعتبار بإرادة المتكلم، المُتكلم منفصل عن الكلام والكلام في الكلام فقط في لفظه هل استوفى الشروط أم لا؟ حينئذٍ النظر إلى إرادة المتكلم نقول: هذا زيادة فنحتاج إلى دليل ولا دليل، (والإرادة ليست شرطًا عند الأكثرين خلافًا للمعتزلة)، وقالوا: صيغة الأمر ترد لمعانٍ ولا نميز الأمر من غيره إلا بالإرادة فدلّ على أنها شرط، وقوله: افعل كذا هو نفسه: أريد منك كذا ولا فرق، لا فيه فرق، يعني: افعل كذا هو نفسه أريد منك كذا؟ لا، بينهما فرق لأن افعل للوجوب هذا الأصل فيها ومحل إجماع، وأمَّا أريد منك كذا لا يلزم منه أن يكون واجبًا، (وهو للوجوب) ما هو؟ افعل لأنه قال: (وله صيغة تدل بمجردها عليه، وهي (افعل))، ثم قال: (وهو للوجوب بتجرده) عن القرينة والذي يقال أنه تجرد عن القرينة أو اتصل بقرينة هو صيغة افعل، وصيغة افعل التي هي محل خلاف عند الأصوليين إن صح الخلاف هي ما جاءت مجردة عن قيد يدلُّ على عدم الوجوب أو قيد يدلُّ على الوجوب لأن الأحوال ثلاثة، تقول: صلِّي وإلا قتلتك. هذا قرينة وإلا قتلتك هذا قرينة تدلُّ على أن المراد بصيغة افعل الوجوب لأنه رتب العقاب على الترك وهذا شأن الواجب، صلِّي وإلا قتلتك محل وفاق إجماع أنها للوجوب أن صيغة صلِّ هنا افعل للوجوب لأنها اقترنت بها قرينة تدلُّ على أنها للوجوب، صلِّي إن شئت، هنا اقترنت به قرينة تدل على عدم الوجوب لأن المشيئة لا تتعلق بالواجب الواجب يكون مجزومًا به، حينئذٍ صلِّي إن شئت صلِّي في هذا التركيب اقترنت به قرينة تدلُّ على عدم الوجوب فهي ليست للوجوب محل وفاق، بقي الحال الثالث الصورة الثالثة وهي: صلِّي، ولم يقيده بقرينةٍ تدلُّ على الإيجاب أو قرينة تدلُّ على عدم الإيجاب، هذه تسمى مطلق الأمر، وإذا عبر الأصوليون مطلق الأمر للوجوب عنوا به مطلق الأمر، يعني: الذي لم يقيد بقرينة صارفة عن الوجوب ولا بقرينة مؤكدة للوجوب حينئذٍ هذا محل نزاع، صيغة افعل المجردة محل نزاع، وأقول محل نزاع تسليمًا لما هو عند الأصوليين المتأخرين، وإلا المسألة فيها إجماع عن الصحابة أنها للوجوب.
وافعل لدى الأكثر للوجوب ... وقيل للندب أو المطلوب
وقيل للوجوب أمر ربي ... وأمر من أرسله الندب
(7/14)

مذاهب قيل: للوجوب. وهو مذهب الأكثرين الأئمة الأربعة، وقيل: للندب. وقيل: للإباحة كما ذكره المصنف هنا، وقيل: بالتفصيل أمر الرب للوجوب أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - للندب، هنا قال: (وهو للوجوب بتجرده عند الفقهاء وبعض المتكلمين). وهو مذهب الأئمة الأربعة، والدليل على أنه للوجوب قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، رتب الفتنة وإصابة العذاب الأليم على مخالفة أمره، {عَنْ أَمْرِهِ} قلنا: {عَنْ أَمْرِهِ} الأمر هذا لا يختص بالوجوب يدخل فيه الندب لكن هنا وجدت قرينة وهي ترتيب العقاب على المخالفة فدلَّ على أن المراد بأمره هنا الإيجاب، كذلك قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [المرسلات: 48]، ذمهم على الترك وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [الأحزاب: 36]، نفى الخيرة ولا تنفى الخيرة عن الأمر إلا إذا كان واجبًا وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» جعل المشقة من لوازم الأمر: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم». إذًا ما أمرهم، ما أمرهم أَمْرَ ماذا؟ أَمْرَ إيجاب لكنه أمرهم أَمْرَ استحباب لأنه متفق على استحبابه، كذلك إجماع الصحابة على أنه للوجوب كانوا يحملون صيغة افعل على الوجوب، كذلك إجماع أهل اللغة على ذلك لأنه إذا قال السيد لعبده: اسقني ماءً فلم يأتي بالماء فعاقبه هل يقال له: لم عاقبته؟ الجواب: لا، إذًا بالعقل والنظر وأهل اللغة كلهم على أنه للوجوب، (وقال بعضهم)، يعني: بعض الشافعية. (للإباحة) وهذا قول ضعيف لأن مستنده هو النظر، قالوا: درجات الأمر بالفعل ثلاثة: الوجوب، والندب، والإباحة. الإيجاب والندب مشكوك فيهما، والإباحة قدر مشترك وهو الإذن في الفعل، إذًا نحمله على الأدنى وهذا غريب لماذا؟ لأنه لا يُجتهد ولا يُنظر ولا يُجعل للعقل مجاز في مثل هذه المسائل إلا بعد الرجوع للنصوص، والأصل فيه أن يكون النص هو المقدم وجدنا أن النصوص تدلُّ على أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر الربِّ جلَّ وعلا للوجوب مطلقًا دون تفصيل، وأمَّا ما ذكروه أقل ما يقال فيه: أنه اجتهاد في مقابلة النصوص فهو فاسد الاعتبار، (وبعض المعتزلة: للندب)، قال: لأن افعل وأمرتكم مشترك بينهما فيحمل على اليقين، لأن افعل تأتي للندب وإذا جاءت للندب فحينئذٍ نحتاج إلى قرينة تدلُّ على أنه للوجوب ما هو اليقين؟ الندب، لأن افعل تدل على مطلق الطلب، بمعنى: أن الفعل مطلوب، ثم المطلوب شرعًا على مرتبتين: على جهة الجزم وهو الإيجاب، وعلى جهة عدم الجزم وهو الندب. واليقين هو الندب فليحمل عليه قلنا: قولٌ فاسد.
(7/15)

(فإن ورد بعد الحظر فللإباحة)، (فإن ورد)، يعني: صيغة افعل (بعد الحظر فللإباحة) إذا نهى الشارع عن شيء ثم أمر به هنا ورد افعل بعد الحظر، هل وروده بعد الحظر يجعل قرينة صارفة له عن الإيجاب إلى الندب أو لا؟ محل نزاع بين الفقهاء والأصوليين، إذا أَمَرَ بشيء أو كان شيئًا مندوبًا أو واجبًا أو مأذونًا فيه ثم نهى عنه ثم أمر به: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2]، كان الصيد مباحًا ثم حرَّمه لأجل الإحرام ثم قال: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} صيغة افعل اصطادوا هل هي للوجوب أو للإباحة؟ قالوا: النظر هنا هل في كون افعل بعد حظرٍ يُجعل قرينة صارفة له عن الوجوب إلى غيره أو لا، فقال المصنف هنا: (فإن ورد بعد الحظر فللإباحة)، بالاستقراء والتتبع للأوامر الشرعية الواردة بعد النهي فلم يوجد أمر كذلك إلا والمراد به الإباحة، بمعنى أن النظر هنا يكون في استقراء نصوص الشرع فوجدنا أن أكثر ما يأتي افعل بعد النهي إلا ويراد به الإباحة، حينئذٍ قعدنا قاعدة أن الأمر إذا ورد بعد الحظر فهو للإباحة كقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: 10]، وقوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: 222]، {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا}، «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». قالوا: هذه كلها تدلُّ على أن صيغة افعل بعد الحظر للإباحة هذا قولٌ وعليه كثير من الأصوليين، وقال أكثر الفقهاء هنا: لما يفيده قبل الحظر، يعني: لا نقول للإباحة مطلقًا بل ننظر قبل النهي قبل الحظر ما حاله قد يكون للإيجاب، حينئذٍ يرجع إلى ما كان عليه قبل الحظر. فقالوا: صيغة افعل بعد الحظر ترفع الحظر فقط ثم نرجع إلى صيغة افعل كما كانت قبل الحظر فقد يكون للإيجاب، وقد يكون للندب، وقد يكون للإباحة قال هنا: (فإن). (وقال أكثر الفقهاء لما يفيده قبل الحظر)، يعني: من وجوبٍ، أو ندبٍ، أو إباحة والدليل على ذلك عموم الأدلة الدالة على إفادة الأمر المطلق للوجوب فهي شاملة لما تقدمه حظر ولغيره ولا قرينة صارفة عن مقتضاه الحقيقي وهو الوجوب فأشبهت صيغة الأمر التي لم يتقدمها نهي، حينئذٍ قالوا: ننظر إلى صيغة افعل وجدنا الأدلة الدالة على الوجوب على ما هي عليه فهي عامة حينئذٍ تبقى على عمومها وعلى إطلاقها فتكون فائدة افعل بعد الحظر رفع الحظر فحسب ويرجع الأمر إلى ما كان عليه قبل الحظر وهذا أصح، (ولا يقتضي التكرار عند الأكثرين، وأبي الخطاب خلافًا للقاضي وبعض الشافعية، وقيل: يتكرر إن عُلِّقَ على شرط. وقيل: يتكرر بتكرر لفظ الأمر. وحُكِيَ ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه) هل صيغة افعل يقتضي التكرار أو لا؟ بمعنى إذا أمر الشارع بأمرٍ صلِّي هل يقتضي ذلك صلِّي ركعتين هل يقتضي ذلك فعل الصلاة مرةً واحدة فتكون منتفلاً، أو صلِّي ركعتين فتقوم تصلِّي ركعتين وتصلِّي وتصلِّي حتى يأتيك أمر آخر فيقول لك: قف.
(7/16)

انتهى الأمر هل هذا أو ذاك؟ محل نزاع بين الأصوليين، قال: (ولا يقتضي التكرار)، أيْ لا يقتضي إلا فعل المأمور به مرةً واحدةً فقط حينئذٍ المرة الثانية، والثالثة نحتاج إلى قيد أو إلى نص خارج عن النص الأول، وأمَّا النص الأول فانتهت فعاليته بمعنى أنه امتُثل الأمر مرةً واحدة وانتهى مدلوله وانتهى امتثاله كما لو قال: ادخل الدار، أيْ: كن داخلاً وبدخلةٍ واحدة يوصف بأنه داخلٌ فكان ممتثلاً، قال: (خلافًا للقاضي وبعض الشافعية)، بمعنى: أن الأمر عندهم يقتضي التكرار لأن الأمر لا اختصاص له بزمانٍ دون زمان فاقتضى إيقاع الفعل بجميع الأزمان وكذلك قياس الأمر على النهي، النَّهي لا شك فيه محل وفاق أنه للتكرار بمعنى أنه إذا قال: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32]، يعني: مدة الحياة، يقتضي التكرار ما من يوم بل ساعة بل ثانية إلا وأنت منهي عن هذا النهي فحينئذٍ تعلق بجميع الأزمان، قالوا: مثله الأمر يتعلق بجميع الأزمان فإذا امتثل مرةً صار الأمر نفسه دالاًّ على امتثاله مرةً ثانية وهكذا، (وقيل: يتكرر إن عُلِّقَ على شرط)، وهذا محل وفاق عند بعضهم حَكَى بعضهم الإجماع على أن افعل إذا عُلِّق بشرطٍ صار الشرط كالعلة، حينئذٍ يدور الحكم مع علته وجودًا وعدمًا {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، يعني: مرة واحدة جنابة يقع بها يطَّهر وانتهى ولا كلَّما حدثت منه جنابة تتطهر؟ كلما حدثت منه جنابة تتطهر لأن ليس المراد به مرة واحدة كذلك قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}، كلما حصلت السرقة جاء الأمر إذًا {فَاقْطَعُوا} هنا عُلِّق على وصف وهذا الوصف علة كذلك: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} اطَّهروا هذا افعل حينئذٍ عُلِّق على شرطٍ فكلما وجد الشرط أو الوصف وجد الأمر فحينئذٍ صار للتكرار وهذا محل وفاق، (وقيل: يتكرر بتكرر لفظ الأمر) صلِّي ركعتين، صلِّي ركعتين حينئذٍ صلِّي الأول ركعتين وصلِّي الثاني ركعتين إذا كرر الأمر الفعل نفسه، (وحُكِيَ ذلك عن أبي حنيفة) رحمه الله تعالى (وأصحابه)، والصحيح أن يقال: إنَّ صيغة افعل موضوع للماهية فقط دون نظرٍ إلى مرةٍ أو غيرها، وإنما المرة تعتبر من لوازمِ وضروريةِ امتثال الأمر، بمعنى: أن المراد من صيغة افعل صلِّي إيقاع وإيجاد الصلاة، ثم إيجاد الصلاة لا يتصور إلا بمرةٍ واحدة.
(7/17)

حينئذٍ ليس صيغة افعل موضوعًا للدلالة على المرة الواحدة لا، لأنك لو قلت بأنه موضوع للدلالة الواحدة صارت المرة الواحدة داخلةً في مسماه اللغوي وليس الأمر كذلك لأنه جاء في الشريعة مرادًا به التكرار وجاء في الشريعة مرادًا به المرة الواحدة فصار أشبه ما يكون بالقَدْرِ المشترك لكن من حيث هو المعنى اللغوي نقول: صيغة افعل موضوع لماهية الطلب فحسب، يعني: إيقاع الصلاة وإيجادها وهذا لا يتمكن منه إلا بمرةٍ واحدة فصارت المرة ليست مدلولاً للفظ وإنما هي من ضرورياته كما ذكرنا في الماهية لا يمكن أن توجد في الخارج إلا في ضمن أفرادها، إذًا قيل موضوع للماهية لا لتكرار ولا لمرة فليست المرة داخلة في مسماه اللغوي ولا الشرعي، لماذا؟ لأنه جاء مدلولاً في الشرع للتكرار كما في الصلوات الخمس ووردت المرة كالحج والأصلُ الحقيقة. فحينئذٍ بطل أن يُجعل للتكرار وبطل أن يجعل للمرة الواحدة بل نجعله لمطلق الماهية فحينئذٍ من ضرورياته وجود المرَّة أما التكرار وعدمه هذا يرجع إلى النصوص ولذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في ((زاد المعاد)) فيما يذكره: أنه راعى أنها للتكرار لأنه يقول باستقراء الشرع أن أكثر النصوص في صيغة افعل المراد بها التكرار، نقول: قد يراد به التكرار وإن كان غالبًا إلا إنه قد يراد به المرَّة الواحدة فلما صار مشتركًا بينهما رجعنا إلى الأصل وهو أن مدلوله اللغوي لا لتكرارٍ ولا للمرةٍ، وأما التكرار والمرة نرجع إلى النصوص.
ثم قال: (وهو على الفور). هذه مسألة أخرى.
(7/18)

وكونه للفور أصل المذهب الفور المراد به عدم تأخيره بأن يقع مباشرةً بعد صيغة افعل صلِّي مباشرةً تسمع الكلام وتصلِّي فإن أخرت بوقتٍ بزمنٍ عن صيغة افعل لا تكون ممتثلاً، هل صيغة افعل تدلُّ على الفور أو ليست على الفور؟ هل هي للفور أو ليست على الفور؟ بعضهم يعبر هل هي على الفور أو على التراخي؟ وهذا غلط، لماذا؟ لأنه لو قيل: على التراخي معناه أن مدلول صيغة افعل؟ أن لا تفعل الآن ولذلك بعضهم رأى أنه إذا فعل الآن بعد الصيغة هل يعد ممتثلاً أو لا بناءً على هذا التعبير وهذا غلط، وإنما المراد به هل هي على الفور أم لا؟ لأنه إذا فعل مباشرةً بعد النطق بصيغة افعل أو بعد سماع النص صار ممتثلاً، لكن لو أخره هل يكون ممتثلاً أو لا؟ هذا محل نزاع (وهو على الفور) وهو المذهب عند الحنابلة وهو الصحيح أنه دالٌّ على الفور ولا يجوز تأخيره إلا بقرينة لقوله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ} [آل عمران: 133]، وفي فعل الطاعة مغفرة فتجب المسارعة إليها، والمسارعة تقتضي إيقاع الفعل بعد صدور الأمر مباشرة كذلك قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 90]، مدحهم على المسارعة فالترك حينئذٍ يذم عليه وهو واجب كذلك أحوط وأبرأ للذمة ويكون ممتثلاً بيقين قال: (في ظاهر المذهب) من يجزم بأنه المذهب لأن فيه خلافًا وفرق بين أن يقال: هو المذهب، وبين أن يقال: (في ظاهر المذهب)، (في ظاهر المذهب)، يعني: فيه شيء من النزاع لكن الأكثر على هذا، كالحنفية فهو للفور عندهم (وقال أكثر الشافعية على التراخي)، يعني: ليس على الفور بل يجوز تأخير فعله، قالوا: دليل ذلك: أنَّ المأمور يسمى ممتثلاً إذا فعل في أيِّ وقت ما دام أن الشارع لم يقيد له قال: صلِّي ركعتين. ولم يقيدها حينئذٍ في أيِّ زمن أوقع تلك الركعتين فهو ممتثل، وكذلك قياس الزمن على الآلة والمكان والشخص في نحو: اقتل، (وقوم بالوقف)، يعني: توقف قوم هل هو للفور أو على التراخي أو ليس على الفور لتعارض الأدلة توقفوا في المسألة، قلنا: الصواب أنه للفور للدليل أو الأدلة السابقة.
(7/19)

(والمؤقت لا يسقط بفوت وقته)، هذا أشرنا إليه فيما سبق: أن صيغة افعل إذا دلَّت على واجب مؤقتٍ فحينئذٍ الأصل أنه لا يصح إيقاع الفعل بعد الوقت، فإذا حُدِّدَ الوقت شرعًا ابتداءً وانتهاءً حينئذٍ لا يصح إيقاع الفعل إلا فيما حدده الشارع لأنه لا يكون ممتثلاً إلا إذا أوقع العبادة كاملةً في الوقت المحدد لها شرعًا، فإن أوقع العبادة خارج الوقت المحدد لها شرعًا يعني: بعد خروج الوقت كالصلاة مثلاً حينئذٍ كان لعذرٍ شرعي فقد جاء النص بالقضاء، وإن لم يكن لعذر شرعي فالأصل عدم القضاء ولا يجوز ذلك، وإن كان كثير من الفقهاء والأصوليين يرون أنه يجب عليه القضاء ولذلك قال هنا: (والمؤقت)، يعني: الواجب المؤقت المحدد شرعًا ابتداءً وانتهاءً لا يسقط بفوت وقته، بمعنى: أن الذمة مشغولة بالعبادة ولا يصح إسقاطها إلا بالإتيان بها ولو خرج الوقت لذلك قال: (فيجب قضاؤه بالأمر السابق) لأن الأمر أثبت وجود العبادة في ذمة المكلف فلا تبرأ الذمة إلا بأداء العبادة وما كان حقًا للآدميين فتسقط بالإبراء، فلا تسقط العبادة إلا بأحد هذين الأمرين وحينئذٍ لم يحصل هنا براءة الذمة فالذمة مشغولة، مشغُولة بماذا؟ بفعل العبادة لأنه أمره بشيئين:
أولاً: إيقاع العبادة في هذا الوقت، فإن فقد أحد الجزأين بقيت الذمة مشغولة بالعبادة نفسها لأن الأمر هنا أمرٌ بمركب.
وخالف الرازي إذ المركب ... لكل جزء حكم ينسحب
(7/20)

هنا الرازي قال ماذا؟ قال: المأمور به في الصلاة أمران: عبادة في وقت فإذا فات جزءٌ وهو الوقت بقي الأمر على حاله فيجب أن يُؤَدِّيه ولا زالت الذمة مشغولة به ولا تبرأ إلا بأدائه، ونقول: هذا اجتهاد في مقابلة النص لماذا؟ لأننا لو سوينا بين الوقتين كان من باب القياس، لو جعلنا ما دام أن الشارع حدد الوقت بعد دخول الوقت وقبل الخروج إيقاع العبادة بعد خروج الوقت كإيقاعها قبل دخول الوقت، ولذلك من الغرائب أنهم أجمعوا على أنه لو صلَّى قبل الظهر صلاته باطلة بالإجماع، لو صلَّى الظهر عالمًا صلاته باطلة بالإجماع، واختلفوا فيما إذا أخرج الوقتَ الصلاة عن وقتها لغير عذر شرعي فوقع نزاعٌ بينهم، والأصل أنه الحكم واحد العلة السابقة في عدم الإجزاء في الصلاة قبل الوقت هي عينها بعد الوقت ما دام أن صلاته لم تصح لأن الوقت لم يرد والشارع قد حدده ابتداءً كذلك إذا أخرج الصلاة عن الوقت انتهاءً ولم يرد إذنٌ بالشرع من الشرع بالقضاء حينئذٍ نقول: أخرج الصلاة عن وقتها فالأصل الاستواء. من جوَّز إيقاع الصلاة بعد الوقت بعد خروجه حينئذٍ نقول: هذا من باب القياس، لأنه سوَّى بين الزمن الثاني مع الزمن الأول سوَّى بينهما فجعل إيقاع العبادة في الزمن الثاني بعد خروج الوقت كإيقاعها قبل خروج الوقت ونقول: ما هي العلة الجامعة بين الزمنين هل هي مدركة أم لا؟ غير مدركة، لماذا حدَّد الشارع هذا الوقت ابتداءً وانتهاءً؟ الله أعلم به، وما حدَّده إلا لمصلحة وهذه المصلحة غيب حينئذٍ نحتاج إلى دليل كاشف لكون هذه المصلحة موجودة في الزمن الثاني حينئذٍ صحت التسوية بين الفرع والأصل. (فيجب قضاؤه)، يعني: بالأمر الأول. (وقال أبو الخطاب والأكثرون)، يعني: أكثر المتكلمين ... (بأمر جديد) بدليل منفصل وهذا هو الصحيح، أنه لا يشرع قضاء عبادة خرج وقتها إلا بدليل جديد، فمن أفطر في نهار رمضان عامدًا متعمدًا لغير عذر شرعي لا قضاء عليه، لا يقضي لماذا؟ لأننا نحتاج إلى دليل يدلُّ على جواز القضاء وإذا لم يرد حينئذٍ نقول: ورد في ماذا؟ ورد: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ}، يعني: المعذور بمرض أو سفر فحينئذٍ له أو يشرع له القضاء، بل يجب عليه القضاء. وأمَّا من لم يكن كذلك فالأصل العدم. ما دام أن الشرع حدَّد الإفطار أو جواز الفطر وعدم الإيجاب على صنف معين فغيره لا يساويه {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} هذا مفهوم شرط إن لم تكونوا فلا فطر وحينئذٍ رتب القضاء على من أفطر لمرض أو سفرٍ ما عداهما نحتاج إلى دليل واضح بين يدلُّ على الجواز، وأما الأمر الأول فلا يوجب قضاءً يعني: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، هذا لا يتناول إلا الأداء فقط، يعني: الصوم الذي حدَّده الشارع ابتداءً وانتهاءً، وأمَّا الصوم الذي أخرجه عامدًا متعمدًا لا لعذرٍ شرعي فهذا لا يدخل في النص البتة ولذلك: (قال أبو الخطاب والأكثرون: بأمر جديد)، يعني: بدليلٍ منفصلٍ.
(7/21)

ولذلك قالت عائشة: كنا نؤمر بقضاء الصوم مع وجود: {فَلْيَصُمْهُ}، يعني: أمر جديد ولا نؤمر بقضاء الصلاة مع وجود: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ}، إذًا: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} لا توجِبُ القضاء بل توجب الأداء فنحتاج إلى أمر جديد ولم يرد، كذلك قوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، هذا لم تعتبره عائشة رضي الله تعالى عنها موجبًا للقضاء وإنما احتجنا إلى أمرٍ جديد من النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا هو الصحيح، وهو اختيار ابن تيمية رحمه الله تعالى. (ويقتضي الإجزاء بفعل المأمور به على وجهه، وقيل لا يقتضيه)، (ويقتضي الإجزاء بفعل المأمور به على وجهه) إذا فعل المأمور به العبادة على وجهها الشرعي، يعني: مستوفية للشروط والأركان والواجبات وانتفت الموانع أجزأ أو ما أجزأ؟ أجزأ، لا نحتاج إلى دليل جديد يأتي ويبين لك أن صلاتك أو صومك أو حجك أو زكاتك قد أجزأت لماذا؟ لأن الشرع قيَّد هذه العبادة بصفاتٍ متى ما وجدت بشروطها وأركانها وانتفت الموانع حكم الشارع بتلك الأدلة على أن الذمة قد برأت، حينئذٍ لا تشغل بشيء لم يترتب عليه خلل في العبادة، [(ويقتضي الإجزاء)، يعني: فعل يعم] (1)، (ويقتضي الإجزاء بفعل المأمور به على وجهه) وعليه الجمهور، لأن الأصل براءة الذمة من جميع التكاليف فإذا أُمِرَ المكلف بفعلٍ فإن ذمته تكون مشغولة ولا تبرأ إلا بأحد الشيئين السابقين إن كان بحقوق الناس لا بد من الإبراء وإن لم يكن كذلك فإيقاع العبادة على وجهها. (وقيل لا يقتضيه)، يعني: امتثال الأمر لا يُسقط القضاء وهذا قول ضعيف لأن العبادة المأمور بها قد رُتِّبت على استيفاء الشروط وإيجاد الأركان والواجبات وانتفاء الموانع فإذا كان كذلك حينئذٍ لا مانع من القول بالإجزاء، (ولا يمنع وجوب القضاء إلا بدليل منفصل)، (ولا يمنع)، يعني: فعل المأمور به (وجوب القضاء إلا بدليل منفصل) لأن الأمر تضمن طلب إيجاد الفعل فقط وليس فيه دليل على الإجزاء وسقوط الطلب، (وقيل: لا يقتضيه.
__________
(1) سبق.
(7/22)

ولا يمنع) فعل المأمور به (وجوب القضاء) ولا يلزم منه كذلك حصوله بالإجزاء، كأنه يقول: فعل المأمور لا يدلُّ على الإجزاء ولا على عدم الإجزاء إلا بدليل منفصل، كأنه سوَّى بين هذه المسألة ومسألة القضاء لأن القضاء لا بد من دليلٍ جديد كذلك الإجزاء لا بد من دليلٍ جديد، وأمَّا فعل المأمور فعلى قولٍ يقتضي الإجزاء، وفعل المأمور على القول الثاني لا يقتضي الإجزاء ولا يلزم منه، يعني: مثل افعل لماهيّة الطلب والصحيح الأول، ثم قال: (والأمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ لا تخصيص فيه له يشاركه فيه غيره)، يعني: إذا أُمِرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمر هو وأمته سواء هذا هو الأصل، وما به قد خوطب النبي وتعميمه في المذهب السليم، حينئذٍ لو أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بشيء فأمته مثله إلا إذا دلَّ الدليل على الخصوصية، (والأمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظ لا تخصيص فيه له يشاركه فيه غيره) والأصل التأسي فيه للنص الذي ذكرناه في سورة الأحزاب، (وكذلك خطابه لواحد من الصحابة لا يختص به إلا بدليل) لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مشرِّع بمعنى أنه مبين للتشريع، والأحكام عامة الأصل فيها العموم الأصل في الشريعة أنها عامة، حينئذٍ لا يحمل الحكم على كونه خاصًا بزيد أو نحوه إلا بدليل شرعي صحيح، (ولا يختص إلا بدليل) هذا راجح المسألتين، (وهذا قول القاضي، وبعض المالكية، والشافعية) ولذلك جاء الخطاب هناك: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} خصه {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1] فعمَّم، دلَّ على ماذا؟ على أنه ليس خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وجاء كذلك: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1]، قال: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ} [التحريم: 2] هذا خطاب للأمة، إذًا خطاب الأمة خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - خطاب للأمة. (وقال التميمي وأبو الخطاب، وبعض الشافعية: يختص بالمأمور)، يعني: الصحابة إذا خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد من الصحابة أمره بشيء يختص به ولا يتعداه وهذا قول ضعيف لأن غير المخاطب كالمخاطب، والنبي - صلى الله عليه وسلم - مبين للتشريع ما بعث من أجل زيد من الناس فحسب بل بعث للأمة والأصل في الشريعة العموم.
(7/23)

ثم قال: (ويتعلق بالمعدوم)، (ويتعلق)، يعني: الأمر وهذا كلام يذكرونه في الخطاب هناك، خطاب الله تعالى متعلق بالمكلف، فعل المكلف هذا يشمل الموجود ويشمل المعدوم، بمعنى: أن الموجود الصحابة خوطبوا بـ: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} طيب الذين جاءوا بعد الصحابة هل خوطبوا؟ لا ما خوطبوا، إذًا ما وجب عليهم الشريعة لو وقفنا هكذا ما خوطبوا إذًا خوطب الصحابة أُمِرُوا من بَعْدَهُم من لم يكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ونزل عليهم الوحي إذًا لم يخاطبوا فلا تكليف، قالوا: لا وإنما يتعلق خطاب الله تعالى بالموجود وبالمعدوم إن وجد بشرط التكليف فهو داخلٌ في الخطاب فقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} كما أنه خوطب به أبو بكر وعمر وعثمان كذلك أنت مخاطب به في ذاك الزمان، مخاطب به بشرط الوجود مع استيفاء شروط التكليف، {لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ} دلَّ على أنَّ المعدوم يدخل في الخطاب، إذًا ويتعلق بالمعدوم، يعني: صيغة افعل بل الخطاب كله يتعلق بالمعدوم بشرطه خلافًا للمعتزلة وجماعةٍ من الحنفية قالوا: لاستحالته كيف يخاطب المعدوم، المعدُوم ليس بشيء فكيف يخاطب؟ نقول: لا خوطب الموجود والمعدوم بشرط الإيجاد مع شروط التكليف، (ويجوز أمر المكلف بما عُلِمَ أنه لا يتمكن من فعله) وعليه الجمهور، يعني: يجوز أمر المكلف، أن يأمر الله عز وجل المكلف بما يعلم سبحانه أنه لا يتمكن من فعله فيأمره بصيام شهر رمضان مثلاً بعد رؤية الهلال ويموت وجب عليه بوجود السبب سبب الوجوب وهو رؤية الهلال ويموت قبل الفجر مثلاً وجب عليه ولا يتمكن هل فيه تعارض؟ ليس فيه تعارض، وإنما يكون فيه ابتلاء امتحان هل يمتثل هل يتقبل لأن ثَمَّ التكليف قد يكون بالفعل وقد يكون بمقدمات الفعل وهو الرضا، والتسليم، والنية، والعزم على الفعل، كذلك المرأة قد تعلم أحيانًا أنها قد تحيض غدًا ووجب عليها الصوم حينئذٍ نقول: وجب عليكِ الصوم ثم إن وُجِد السبب المقتضي للفطر أفْطَرَتْ. ... (ويجوز أمر المكلف بما علم أنه لا يتمكن من فعله وهي مبنية على النسخ قبل التمكن)، يعني: من الفعل والصحيح الجواز كما سيأتي، يعني: يجوز أن يشرع الربّ جلّ وعلا حكمًا ثم لا يمتثل به أحد ثم ينسخه ويرفعه وهذا له مثال سيأتينا، (والمعتزلة شرطوا تكليفه بشرطٍ لا يعلم الآمر عدمه) هو تعليقه وتكليفه أولى.
(7/24)

والمعتزلة شرطوا تكليفه بشرط أن لا يعلم الآمر عدمه، يعني: يشترط في تكليف المعدوم بالأمر أن لا يعلم الآمر عدم قدرته وهذا في شأن المخلوق نعم، وأمَّا في شأن الخالق فهو متعذر كيف يكلف ولا يعلم الله عز وجل قدرته هذا مُحال، وإنما هذا قد يفعله بعض الأصوليين فيما هو في شأن المخلوق ولكن لا ينزل على الربِّ جلّ وعلا، ثم قال: (وهو نهي عن ضده معنى)، يعني: الأمر نهي عن ضده معنًى، يعني: من جهة المعنى من جهة الاستلزام، يعني: صيغة افعل تقتضي النهي عن ضدها لأنه لا يمكن الامتثال إلا بترك الضد، فإذا أمره بالقيام في الصلاة نهاه عن الجلوس، ونهاه عن الاضطجاع، والاتكاء، حينئذٍ الاتكاء في الصلاة منهيٌّ عنه، والاضطجاع منهيٌّ عنه لماذا؟ بصيغة قم، صلِّي قائمًا، إذًا صيغة قم دلَّت على إيجاب القيام ولا يمكن أن يتحقق هذا القيام إلا بالنهي عن ضده إن كان له ضدًا واحدًا أو عن أضداده كما هو الشأن في الصلاة، لكن هذا لا من جهة اللفظ وهذا محل وفاق، لأن قم ولا تجلس مختلفان وكذلك من جهة المعنى وهذه أصلها ارتباط الكلام النفسي ولذلك بعضهم يرى أنه عينه، النهي الأمر بالشيء عين النهي عن ضده لأنه كما ذكرناه سابقًا عندهم الكلام النفسي مثل الخط الواحد، شيء واحد والنظر يكون للأمر والنهي باعتبار المتعلَّق، وأمَّا هو في نفسه يتنوع أو لا يتنوع عندهم خلاف حينئذٍ قالوا: الأمر عينه نهي، لماذا؟ لأنه لا يتنوع، وهذا باطل والصحيح أنه: يستلزمه لأنه لا يمكن الامتثال إلا بترك أضداد الأمر إن كان له أضداد.
ثم قال رحمه الله تعالى: (و (النهي) يقابل الأمر عكسًا). هذا الجزء الثاني من جزْئَيْ التكليف وهو النهي، (وهو استدعاء الترك بالقول على وجه الاستعلاء)، يقال فيه ما قيل فيما سبق ولذلك قال: (ولكل مسألة من الأوامر وِزَانٌ النواهي بعكسها، وقد اتضح كثير من أحكامه)، يعني: حده (استدعاء الترك) استدعاء لا بد من استدعاء، والترك أخرج الأمر (بالقول)، يعني: بالصيغة وهي صيغة لا تفعل هل له صيغة أم لا؟ النهي له صيغة أم لا؟

لا ترضى بالسؤال.

النهي له صيغة أم لا؟
..
(7/25)

السؤال مرفوض لا تُجِب، إذا أجبت أخطأت سلمت، نقول: السؤال غلط من أصله لا تُجِب، إذًا هل له صيغة أم لا؟ نقول: سؤال بدعي، والصحيح المتفق عند أهل اللغة أن له صيغة وهي صيغة: لا تفعل، دلالته على التحريم وهو محل إجماع كذلك ثم قال: (بقي) من المسائل المتعلقة بالنهي (أن النهي عن الأسباب المفيدة للأحكام يقتضي فسادها)، يعني: النهي يقتضي فساد المنهيِّ عنه مطلقًا في العبادات وفي المعاملات فكل ما نهى الله تعالى عنه أو نهى عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم - فإيقاعه على جهة المنهي عنه سواءٌ كان عبادة أو معاملة اقتضى فساد المنهيِّ عنه، فالعبادة باطلة والمعاملة باطلة، العبادة لا تسقط القضاء والإعادة والمعاملة لا يترتب عليها الثمرة المقصودة من العقد ونحوه، ولذلك قال: (بقي أن النهي عن الأسباب المفيدة للأحكام) والأسباب المفيدة للأحكام المقصود بها العبادات لأن الصلاة مفيدة للحكم وهو الثواب ودخول الجنة والرحمة ونحو ذلك، كذلك البيع سببٌ في إفادة الأحكام المترتبة عليها من حل الثمن لصاحبه والسلعة كذلك، (يقتضي فسادها) مطلقًا المراد بالفساد هنا عدم ترتب الآثار، فأثر النهي في العبادات عدم براءة الذمة، وأثر النهي في المعاملات عدم إفادة الملك والحلِّ، والدليل إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم حيث أنهم استدلوا على فساد العقود بالنهي عنها. ثانيًا أن الشارع لا ينهى عن الشيء إلا لأن المفسدة متعلقة بالمنهيِّ عنه أو لازمة له، الشارع لا ينهى عن شيء إلا لما مفسدته خالصة أو راجحة ومن أدرك هذه العلة لا يمكن أن يصحح شيئًا منهيًا عنه، فإذا نهى الشارع عن عقدٍ ما أو عن عبادة ما حينئذٍ هذا أو ذاك مصلحة مفسدة خالصة أو راجحة لا يمكن إبقاؤه البتة، لأن إبقاؤه وتصحيحه يدلُّ على الفساد وقد نهى الله تعالى عنه للفساد وهذه علة واضحة بينة. فالشارع لا ينهى عن مصلحة أبدًا فلم يبقى إلا أن نهيه عن مفسدة هكذا قال ابن قدامة في الروضة، والضرر المترتب على تلك المفسدة إعدامه مناسب شرعًا وعقلاً وهذا لا يتأتى إلا بالقول بأن النهي يقتضي الفساد كذلك حديث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». وهذا حديث عام يشمل كل عمل ليس عليه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فهو رد»، أي: مردود عليه لا يترتب عليه آثاره، (وقيل: لعينه لا لغيره). (لعينه)، يعني: له جهة واحدة (لا لغيره) فله جهتان على التفصيل السابق، يعني: إن كان النهي لعين الشيء اقتضى الفساد، وإن كان لا لعينه بل لغيره لخارجٍ عنه لا يقتضي الفساد على ما ذكرناه سابقًا. (وقيل: في العبادات لا في المعاملات). (في العبادات) سواءٌ كان النهي لذاته أو لغيره اقتضى الفساد، (لا في المعاملات) سواء كان النهي لذاته أو لغيره هذا تفصيل يعتبر اجتهادًا في مقابلة النص، لأنك إذا عرفت أنَّ العام لا يخص إلا بدليل شرعي حينئذٍ لا يخص إلا بالعلل فإذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «من عمل عملاً».
(7/26)

عملاً نكرة في سياق الشرط فتعم، حينئذٍ لا يصح تخصيصه إلا بنص وهذه كلها تعليلات فقط، لا في المعاملات لعينه ولا لغيره، (وحكي عن جماعة منهم أبو حنيفة يقتضي الصحة) قال لأنه ماذا؟ لأنه ما نهى عن الشيء إلا ولأنه يصح وهذا غريب جدًا، يعني: نهى الشارع عن صيام يوم العيد يوم الفطر ما نهى عنه إلا لأنه لو صام فيه لصح، هذا بعيد. (وقال بعض الفقهاء وعامة المتكلمين: لا يقتضي فسادًا ولا صحة) هذه كلها أقوال لا يلتفت إليها، والصحيح هو الأول وهو العموم بدون تفصيل على ما ذكرناه في التحريم. ثم قال رحمه الله تعالى: (فهذا) إشارة إلى ما تقدم من المباحث كلها من النص والظاهر والعام إلى آخره (ما تقتضيه صرائح الألفاظ) وأمَّا المفهوم هذا شرع في بيان المفهوم بعد كلامه على ما يتعلق بصرائح الألفاظ، يعني: المنطوق، ودلالة اللفظ على الحكم، إمَّا بالمنطوق أو بالمفهوم، وبعضهم زاد بالمعقول وجعله القياس، والمنطوق في اللغة هو الملفوظ به واصطلاحًا ما دلَّ عليه اللفظ في محل النطق، والمنطوق قسمان لأن المصنف هنا أدخل بعضه في بعض خلَّط، المنطوق قسمان:
أولاً: منطوق صريح.
وثانيًا: منطوق غير صريح.
المنطوق الصريح هو دلالة اللفظ على الحكم بالمطابقة أو بالتضمن، عندنا الدلالة ثلاثة أنواع: مطابقة، تضمن، التزام.
دلالة اللفظ على ما وافقه ... يدعونها دلالة المطابقة
وجزئه تضمنًا وما لزِم ... فهو التزام إن بعقل التزم
(7/27)

إن طابق اللفظ المعنى من كل وجه فهي المطابقة كمطابقة النعل النَّعل، فلفظ زيد أطلق على المعنى الذي هو الذات المشخصة المشاهدة في الخارج ودلالة اللفظ على بعض معناه على جزئه وهذا لا يكون إلا في المعاني المركبة أمَّا البسيطة فلا تكون فيها دلالة تضمن، فحينئذٍ نقول: هذا دلالة اللفظ على بعض معناه ودلالة التزام ليست مأخوذة من اللفظ وإنما يدلَّ اللفظ عن خارج عن معناه لازم له، وهذه كلها ثلاثة كما قال ابن القيم وغيره تتأتى في أسماء الربِّ جلَّ وعلا. فالعليم اسم من أسماء الربِّ جلَّ وعلا معناه دالٌ على شيئين: ذات، وصفة وهي: العلم. دلالة العليم على الذات والصفة العلم معًا دلالة: مطابقة، دلالة العليم على الذات فقط على جزء المعنى دلالة: تضمن، دلالة العليم على العلم فقط دون الذات دلالة: تضمن لأنه جزء المعنى، دلالة العليم على الحياة لا يكون عليمًا إلا من كان متصفًا بالحياة دلَّ على شيء خارج لازم لا يكون متصفًا عالمًا إلا وهو حيّ، إذًا الحياة هذه صفة لازمة للعليم وكذلك الإرادة وغيرها، حينئذٍ نقول: الدلالات الثلاث موجودة في أو يمكن تطبيقها في أسماء الربِّ جلَّ وعلا، هنا منطوق الصريح [ما دلَّ على الحكم] (1) هو دلالة اللفظ على الحكم بالمطابقة أو بالتضمن لأن اللفظ قد وضع له نحو: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، حيث دلَّ بمنطوقه الصريح على نفي المماثلة بين البيع والربا هذه نسميه دلالة منطوق صريح، منطوق غير صريح وهو دلالة اللفظ على الحكم بدلالة الاتزام. حينئذٍ المنطوق ثلاث دلالات كلها في المنطوق: دلالة التضمن، والمطابقة منطوق صريح، دلالة التزام منطوق غير صريح لأن اللفظ مستلزم لذلك الحكمِ فاللفظ لم يوضع للحكم ولكن الحكم فيه لازم للمعنى الذي وضع له ذلك اللفظ سيأتينا مثاله، المنطوق غير الصريح ثلاثة أشياء: دلالة اقتضاء، ودلالة الإيماء، ودلالة الإشارة. دلالة الاقتضاء هي الأول التي عناها المصنف قال: (الأول: (الاقتضاء)).
ثانيًا: دلالة الإيماء والتنبيه.
ثالثًا: دلالة الإشارة.
المصنف هنا جعل هذه الأنواع الثلاثة من المفهوم، وهي ليست من المفهوم، المفهوم نوعان كما سيأتي: مفهوم مخالفة، ومفهوم موافقة وليس منه دلالة الاقتضاء، ولا دلالة التنبيه، ولا دلالة الإشارة ولذلك قدمت في هذه من أجل أن نعرف ما وقع فيه المصنف رحمه الله تعالى، ومحله النزاع خلاف بينهم لكن الذي ذكرته هو الصحيح ثم قال: (وأما المفهوم من فحوى الألفاظ وإشاراتها وهو (المفهوم) فأربعة أضْرُب)، المفهوم يعني: المستفاد من غير النطق سيأتي تعريفه (من فحوى الألفاظ)، يعني: ما نبه عليه اللفظ (وإشاراتها) كذلك، (وهو (المفهوم)) ويسمى منطوقًا إليه ما أفاده اللفظ لا من الصيغة ما دلَّ على الحكم لا في محل النطق، يعني: الفرق بين المنطوق والمفهوم لفظ لا، قال: (فأربعة أضْرُب).
__________
(1) سبق.
(7/28)

الأول: (الاقتضاء)) قال: (الاقتضاء)، يعني: دلالة الاقتضاء سميت بذلك لأن المعنى يقتضيها، والمراد بدلالة الاقتضاء تعريفها أن يدلَّ لفظ دلالة التزام على محذوفٍ لا يستقل الكلام دونه لتوقف صدقه عليه أو توقفه عليه عقلاً أو شرعًا، بمعنى: أن العقل يقتضي أن ثَمَّ محذوفًا في الكلام، لو لم نقدر هذا المحذوف لما صدق الكلام إمَّا شرعًا وإمَّا عقلاً أو وصف بالكذب. الاقتضاء قال: (وهو الإضمار الضروري)، يعني: الحذف، الإضمار التقدير يُحذف ثم نقدر، (وهو)، أي: الاقتضاء (الإضماء الضروري)، أي: أن الكلام المذكور لا يصح ضرورةً إلا بتقدير محذوفٍ وذلك المحذوف هو المقتضى واللفظ مقتضي، أي: الذي يقتضيه صحة الكلام يطلبه، (لصدق المتكلم) هذا بيان لما يتوقف عليه لصدق المتكلم مثل ماذا؟ لفظ: (صحيحًا في قوله) صح الحديث بهذا اللفظ: («لا عمل إلا بنيّة»)، بمعنى: أن العمل لا يوجد إلا وهو مقترن بنية ووجدنا بعض الأعمال قد توجد ولا يكون فيها نية صار مخالفًا للحس، حينئذٍ لا بد أن نقدر لا عمل الصحيح إلا بنية، إذًا هذا التقدير يقتضيه ماذا؟ ضرورة صدق المتكلم نحكم على المتكلم بأنه صادق، كذلك قوله: «إن الله رفع عن أمتي الخطأُ»، أو: «الخطأَ والنسيان». رفع الخطأ والنسيان موجود الخطأ وموجود النسيان، يعني: المؤاخذة أو ما يترتب على الخطأ والنسيان إذًا لا بد من التقديم، هذا الأول ما يتوقف عليه صدق المتكلم (أو ليوجد الملفوظ به شرعًا)، بمعنى: أنه يتوقف عليه صحة الكلام في الشرع فقط لا في العقل ولا في اللغة مثل ماذا؟ مثل تقدير (فأفطر لقوله تعالى: {فعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}) لو وقفنا مع اللفظ كل مريض أومسافر: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} صام أو لم يصم، وقال به ابن حزم رحمه الله تعالى حينئذٍ: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وجب عليه القضاء مطلقًا صام أو لم يصم، وهذا ليس بالمراد وإنما: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، أي: فأفطر فعليه قضاء {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} حينئذٍ القضاء لا يكون إلا للمفطر فلأجل أن يوجد الملفوظ به شرعًا وهو القضاء لا بد من هذا الإضماء، (أو عقلاً مثل الوطء في قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ})، أي: وطئهن هذا المراد وليس الأم نفسها.
إذًا دلالة الاقتضاء تتعلق بالمحذوف، ثَمَّ محذوف في اللفظ يستلزمه المذكور قد يكون شرعًا أو عقلاً أو ما يترتب عليه صدق المتكلم وعدمه.
(الثاني: دلالة الإيماء والإشارة)، دلالة الإيماء هذه تسمى التنبيه وهو أن يقترن بالحكم وصفٌ لو لم يكن لهذا الوصف أثر في الحكم لصار لفظًا.
أن يقرن الوصف بحكم إن يكن ... لغير علة يعبه من فطن
(7/29)

يعني: يذكر الوصف ويعلق عليه حكم لو لم يكن هذا الوصف هو الجالب لهذا الحكم لصار عيبًا، {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} إذًا الأمر بالقطع هنا لماذا؟ لكونه سرق، إذًا السرقة لها أثر في القطع لو لم يكن لهذا الحكم أو لهذا التعليل أو لهذا الوصف أثرًا في الحكم لصار لغوًا لماذا قال: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا}؟ إذًا لو قال بأيِّ عبارة أخرى لأدت المقصود صار الحكم عام. (الإيماء والإشارة) وهم معنًى واحد (وفحوى الكلام ولحنه)، (فحوى الكلام) يفهم من الكلام ولحنه مفهومه (كفهم عِليَّة السرقة من قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}).
(الثالث: (التنبيه)) وبعضهم فرَّق بين الإيماء والتنبيه، والمراد به تنبيه الخطاب، فحوى الخطاب ومفهوم الخطاب. إذًا الإيماء والإشارة سوَّى بينهم المصنف هنا رحمه الله تعالى والأصل الإشارة ليست هي الإيماء، الإشارة: أن يدل بدلالة التزام وهذا الذي يمثل له في قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}، قال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187]، قالوا: دلَّ النص هنا بإشارته على أن من أصبح جنبًا فصومه صحيح لأنه أباح الأكل والشرب وكذلك الجماع إلى طلوع الفجر لزم منه أن يصبح وهو جنبٌ هذا يسمى: دلالة الإشارة، وأمَّا دلالة الإيماء المراد بها: دلالة التنبيه أن يقرن الوصف بحكم إن يكن لغير علة يعبه من فطر، فالمصنف هنا أدمج بعضًا في بعض إذًا دلالة الإيماء شيء ودلالة الإشارة شيء آخر، ثم الاقتضاء والإيماء والإشارة ليست من المفهوم بل هي من المنطوق غير الصريح ثم قال: (الثالث)، الثالث والرابع هما قسما المفهوم قال: (الثالث: (التنبيه) وهو مفهوم الموافقة).
(مفهوم)، المفهوم لغةً: اسم مفعول من فَهِمَ وهو إدراك معنى الكلام فما يستفاد من اللفظ فهو مفهوم.
(7/30)

واصطلاحًا: ما دلَّ على الحكم لا في محل النطق ثم هو قسمان: مفهوم موافقة ما وافق المسكوت عنه المنطوق في الحكم ويسمى فحوى الخطاب ولحنه والقياس الجلي والتنبيه ومفهوم الخطاب وغير ذلك، قال هنا: (وهو مفهوم الموافقة بأن يفهم الحكم في المسكوت من المنطوق بسياق الكلام). (بأن يفهم الحكم في المسكوت من المنطوق)، بمعنى: أنه يأتي تعليق الكلام تعليق الحكم على منطوق ثم بالمسكوت عنه الذي لم يذكر يفهم من اللفظ بطريق الأولى بل يكون في المسكوت عنه أولى من الملفوظ به: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23]، قالوا: هذا منطوق. دلَّ المنطوق على ماذا؟ على تحريم التأفيف، والضرب مسكوت عنه حينئذٍ مسكوت عنه لماذا؟ لكونه أولى بالحكم من المذكور، حينئذٍ نقول: بالمفهوم مفهوم الموافقة لأنه وافقه بالحكم كل منهما التأفيف والضرب الحكم واحد وهو: التحريم، إلا أنه علق الحكم في الملفوظ بالتأفيف وسكت عن الضرب حينئذٍ قالوا: دلَّ اللفظ بالمفهوم مفهوم الموافقة على تحريم الضرب. (بأن يفهم الحكم في المسكوت من المنطوق بسياق الكلام) بدلالة سياق الكلام لاشتراكهما في علة الحكم، وهذه العلة تترك بمجرد فهم اللغة، (كتحريم الضرب من قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}. قال الجزري وبعض الشافعية: هو قياس) يعني: قياس جلي، وهذا كما سبق معنا، (وقال القاضي وبعض الشافعية) ونص عليه أحمد، (بل من مفهوم اللفظ سبق إلى الفهم مقارنًا)، يعني: للمنطوق. فلا نحتاج إلى إبراز علة فنقول: الأصل التأفيف، والضرب فرع مجهول الحكم، والعلة: الإيذاء فيقاس هذا على ذاك لا نحتاج إلى إبراز العلة بل بمجرد سماع الآية يدرك العقل مباشرةً دون النظرٍ في العلة إلى أن الضرب محرم، (بل من مفهوم اللفظ سبق إلى الفهم مقارنًا) للمنطوق فلا يحتاج إلى بحثٍ ونظرٍ بخلاف القياس فإنه يحتاج إلى تحقيق أركانه من النظر والبحث. (وهو قاطع على قولين)، يعني: مفهوم الموافقة هل هو دلالة لفظية أو قياسية؟ محلُّ نزاع، والصحيح: أنها دلالة لفظية، وإن سمي قياسًا فهو قاطعٌ بمعنى أنه لا يبحث فيه عن أركان القياس، ولذلك قال: (وهو قاطع على القولين) سواءٌ كانت قياسيّة أو لفظيّة. (الرابع: (دليل الخطاب)) وسمي بذلك لأن الخطاب دلّ عليه (وهو مفهوم المخالفة) ما خالف المسكوت عنه المنطوق في الحكم، قال: (كدلالة تخصيص الشيء بالذكر على نفيه عما عداه، كخروج المعلوفة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «في سائمة الغَنَمِ الزكاة»). الزكاة في سائمة الغنم، والغنم قد تكون سائمة وقد تكون معلوفة.
(7/31)

هنا بمفهوم المخالفة وهو ما يخالف السائمة وهي المعلوفة خالف الحكم الذي رتب على السائمة فمفهوم المخالفة هنا بماذا؟ خالف المسكوت عنه المنطوق في الحكم، لأن المسكوت عنه وهو المعلوف خالف الحكم المنطوق وهو الزكاة حينئذٍ وجبت الزكاة في السائمة ولم تجب في المعلوفة، والذي دلّ على ذلك هو مفهوم المخالفة من هذا النص وهل هو حجة؟ هذا محل نزاع، أمَّا مفهوم الموافقة هذا حكي الإجماع عليه كما قال ابن مفلح حُكي الإجماع عليه على أنه حجة مفهوم الموافقة، وأمَّا مفهوم المخالفة فهذا محل نزاع والأكثرون على أنه حجة عند جماهير العلماء بجميع أقسامه ما عدا مفهوم اللقب، مفهوم اللقب هذا ضعيفٌ عندهم والصحيح أن فيه تفصيل. (وهو حجة عند الأكثرين خلافاً لأبي حنيفة وبعض المتكلمين) ولذلك بعض المسائل التي في مفهوم المخالفة نص الشوكاني على أنه لا ينكره إلا أعجمي كالشرط ونحوه، قال: (ودرجاته ست)، يعني: درجات مفهوم المخالفة (ودرجاته ست:
إحداها: (مفهوم الغاية) بـ إلى وحتى)، بمعنى: متى نحكم بكون هذا اللفظ له مفهوم مخالفة أو لا؟ له مواضع، بكون الشارع يقيد ويخصص الحكم في الملفوظ به فيفهم ما عداه من اللفظ، ((مفهوم الغاية)) وهو مد الحكم بأداة الغاية إمَّا: ((بـ إلى))، أو: ((وحتى)) (مثل قوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} [البقرة: 187]، مفهومه بعد الليل، صار الليل غاية فما بعد الليل مخالفٌ لما قبله وهذا واضحٌ هذا يسمى مفهوم مخالفة لأن ما بعد الغاية خالف الحكم الذي قبلها وهذا واضحٌ بيِّن، وهذا أنكره بعض منكري المفهوم والصحيح: أنه حجة بدلالة اللغة فيدلُّ حينئذٍ على ثبوت نقيض ذلك الحكم السابق لما بعد الغاية، وأظهر من هذا المثال الذي ذكره المصنف قوله تعالى: {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، فإن نكحت حلَّت. إذًا: نقيض الحكم السابق، {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ} فإن نكحت حلَّت له هذا واضح، (الثانية) الدرجة الثانية: (مفهوم الشرط) والمراد به الشرط اللغويّ، وهو ما علِّق من الحكم على شيءٍ بأداة شرطٍ مثل: (مثل قوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6])، وهذا شرطٌ دلَّ بمفهومه على عدم وجوب النفقة للمعتدة الغير حامل لأن الشرط معلق هنا والحكم معلق بشرطٍ، (وأنكره قومٌ) والصواب أنه حجة. ((الثالثة: (مفهوم التخصيص)) وهو نوعٌ من مفهوم الصفة، (وهو أن تذكر الصفة عقيب الاسم العام في معرض الإثبات والبيان كقوله - صلى الله عليه وسلم - «في سائمة الغَنَمِ الزكاة».)، حينئذٍ نقول: مفهوم التخصيص هنا هو الذي سبق معنا في ..
ذكر الصفة في فيما سبق من المخصصات أو لا؟
(7/32)

ذكر الصفة حينئذٍ هي أعمُّ، أعمُّ من أن تكون نعتًا، أو بدلاً، أو حالاً، أو مضافًا وهو الذي يزيد هنا، («في سائمة الغَنَمِ») جاءت الصفة هنا مضافًا، «في الغنم السائمة الزكاة»، جاءت هنا نعتًا هل بينهما فرق؟ فرَّق بعضهم، والصحيح: أنه لا فرق، لماذا؟ لأنه في الصيغتين علق الحكم بالسوم وهو صفةٌ من جهة المعنى سواءٌ جاء مضافًا كقوله: («في سائمة الغَنَمِ»)، مضاف ومضَاف إليه الزكاة، إذًا: في غير سائمة الغنم أيْ: معلوفة الغنم لا زكاة، «في الغنم السائمة» وقع نعتًا حينئذٍ صار الحكم كسابقه. («في سائمة الغَنَمِ») دلَّ على عدم الوجوب في سائمة غير الغنم كالبقر مثلاً هذا له وجه آخر، وقيل: لا فرق بين العبارتين، يعني: فإن قَوْلَنَا سائمة الغنم من إضافة الصفة إلى موصوفها فهي في المعنى كالأولى والغنم موصوفةٌ والسائمة صفةٌ على كل حال، (وهو حجة)، يعني: عند أحمد ومالك والشافعي، (ومثله أن يثبت الحكم في أحد فينتفي في الآخر) إذا كان ثم تقسيم كما في الحديث الذي ذكره المصنف هنا: («الأيم أحق بنفسها والبكر تُستأذن») هذا قسمه إلى قسمين فدلَّ على تخصيص كل حكمٍ بما ذُكر فالثيب الأيِّم أحق بنفسها، إذًا: البكر ليست أحق بنفسها ... («والبكر تستأذن») إذًا الثيب لا تُستأذن في كل منهما يقابل الآخر. (الرابعة: مفهوم الصفة) وبعضهم سوَّى بين الرابع والثالث وهو نوعٌ من مفهوم الصفة وهو رأس المفاهيم، قال أبو المعالي: لو عبر معبر عن جميع المفاهيم بالصفة لكان ذلك متجهًا. لو قال المفاهيم كلها صفة كان متجهًا، لأن كلها في المعنى صفات: الغاية والشرط، والتخصيص كلها في المعنى صفات، ((مفهوم الصفة) وهو تخصيصه ببعض الأوصاف التي تطرأ وتزول) وليس شرطًا ولا غاية ولا عد .... (مثل) ماذا؟ («الثيب أحق بنفسها») فالثيوبة وصفٌ خُصِّص به حكم الأحقية وهو يطرأ ويزول، والظاهر أنه لا فرق بين هذا وذاك كلٌ منهما بمعنًى واحد، (وبه قال جُلُّ أصحاب الشافعي، واختار التميمي أنه ليس بحجة) لاحتمال أن المتكلم غفل عن ضد، عن قصد الوصف هذا بعيد لأنه في شأن من؟ في شأن الشارع وهذا مستبعد فإنما يكون في شأن المخلوق، (وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين)، يعني: ليس بحجة، (وبه قال جُلُّ أصحاب الشافعي، واختار التميمي أنه ليس بحجة، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين) على كلٍ كل ما مضى فهو حجة. (الخامسة: (مفهوم العدد)) تعليق الحكم بعددٍ مخصوص كقوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، مفهومه لا أقل ولا أكثر، (وهو تخصيصه بنوع من العدد مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحرموا المصَّة والمصَّتان») هذا له مفهوم عدد، («لا تحرموا المصَّة والمصَّتان») إذًا الثلاث ما فوق الرابعة تحرمان، (وبه قال مالك وداود وبعض الشافعية خلافاً لأبي حنيفة وجل أصحاب الشافعي) لأن العدد في معنى اللقب، واللقب لا مفهوم له.
(7/33)

إذًا مفهوم العدد أصلاً له حجة هذا الأصل فيه إلا إذا دلَّت قرينة على عدم اعتبار العدد حينئذٍ لا يأخذ به، والمراد بالعدد: العدد نفسه ليس المثنى ولذلك أخطأ من أخطأ بأن قال بأن حديث: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبث» مثل في: ((مفتاح الأصول)) لمفهوم العدد بهذا الحديث، وهذا غلط وإنما المراد به الأسماء أسماء العدد وهذه التثنية نصٌ، لأنه كما سبق أن العربي إذا قال: زيدٌ، وزيدان، وزيدون دلَّ على اعتبار كل لفظٍ بمدلوله فإذا قال: القلتين، يعني: مراده، صار تحديد فلا نقل: لا مفهوم له، كيف لا مفهوم له؟ هذا تحديد، يعتبر ماذا؟ تنصيص على شيءٍ مراد. (السادسة: (مفهوم اللقب) وهو أن يخص اسماً بحكم) هذا تخصيص اسمٍ بحكمٍ، والاسم المراد به هنا الذات أو معنًى، وليس وصفًا أمَّا إذا علِّق الحكم على الوصف هذا نقول: صار تعليلاً لهم، (أنكره الأكثرون، وهو الصحيح لمنع جريان الربا في غير الأنواع الستة)، بمعنى لو قلنا بمفهوم اللقب لما طرد فيه علة الربا، يعني: في غير الأصناف الستة لا ربا بناءً على ماذا؟ على القول بمفهوم اللقب وهو حجة عند أحمد، ومالك، وداود، والصيرفي، والدقاق، والمشهور أنه ليس بحجةٍ، وإذا قيل: بأنه قد يدلُّ الدليل على أنه حجة فيعتبر وقد يدلُّ الدليل على عدم اعتباره فهذا أولى بالتفصيل، ولذلك لو جعلت تربتها طهورًا عند بعض الفقهاء خص الحكم بالتربة، والتربة لا شك أنها مفهوم لقب إذًا ما عدا التربة فليست بمحلٍ للتطهير، ثم قال: (ثم الذي يرفع الحكم بعد ثبوته: (النسخ)).
.
الصحيح أنه يُفَصَّل فيه قد يكون في بعض المواضع المفهوم اللقبي المعتبر، (ثم الذي يرفع الحكم بعد ثبوته)، يعني: بما مضى تثبت الأحكام ولحكمةٍ الربّ جلّ وعلا قد يشرع الحكم2 في زمنٍ ما ثم يرفع ذلك الحكم، والله عز وجل لا معقب لحكمه، ((النسخ)) من ذلك (وأصله) في اللغة: ... (الإزالة: وهو الرفع) وقد يطلق ويراد بالنسخ: النقل، ولذلك يقولون بأنه يراد به النقل سواءٌ حصل معه إبقاء الأول أو لا، لأن النقل قد ينقل الشيء ولا يبقى وقد يبقى على حاله، نقلت الكتاب يعني: نسخت الكتاب، يعني: نقلت الحروف نفسها أو ناظرته وماثلته ثاني، وأمَّا الكتابة فهي باقيةٌ، والإزالة كذلك المراد بها الرفع قال في تعريفه: (هو رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخٍ عنه) والمصنف شرع التعريف. (رفع) هذا مصدر حينئذٍ ناسب النسخ ولذلك بعضهم يقول: النسخ هو الخطاب، هذا غلط لماذا؟ لأن الخطاب تعريفٌ للناسخ لا للنسخ، النسخ مصدر والمصدر إذا عرِّف لا بد من إتيان بمصدرٍ في الحد حينئذٍ (رفع) هذا: مصدر. رَفَعَ، يَرْفَعُ، رَفْعًا. وأمَّا الخطاب فهذا المراد به الدليل، والدليل هو الناسخ حينئذٍ لم يتطابق الحد مع المحدود، (هو رفع) رفع ماذا؟ (رفع الحكم الثابت) والمراد بالرفع هنا: تغيير الحكم الثابت من الإيجاب إلى الإباحة مثلاً أو من التحريم إلى الإباحة، حينئذٍ حصل نسخٌ، أيْ: تغيير الحكم الثابت من إيجابٍ إلى إباحة مثلاً، (بخطاب متقدم) (بخطاب) هذا جار مجرور متعلق بقوله:

أي ...
(7/34)

(رفع الحكم الثابت بخطاب) غشَّشْتُك أنا [ها ها]، (الثابت بخطاب)، يعني: جار مجرور متعلق بـ: (الثابت)، يعني: حكمٌ ثابتٌ بأيِّ شيء ببراءة أصلية أو بخطابٍ، لأنه سبق معنا أن البراءة الأصلية هذه لا تسمى حكمًا شرعيًا وهي التي قال المعتزلة بأن الإباحة ليست بحكمٍ شرعي. إذًا: (بخطاب) هذا جار مجرور متعلق بقوله: الثابت ولو قال: بدليلٍ شرعي لكان أولى لأن الخطاب لا يشمل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يكون نسخًا، وأولى منه أن يقال: بدليلٍ شرعي لدخول الفعل في الدليل دون الخطاب، ومن النسخ بالفعل نسخ الوضوء من ما مست النار بأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشاة ولم يتوضأ، (بخطاب متقدم بخطاب متراخٍ عنه)، (رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم) (بخطاب) متعلق بـ: (رفع)، يعني: الرفع والتغيير حصل (بخطاب متراخٍ عنه) عن السابق إذًا: (بخطاب) المراد به الدليل، (بخطاب متراخٍ عنه)، أيْ: عن الحكم ثم شرع المصنف في بيان محترزات التعريف فقال: (والرفع)، يعني: معنى الرفع المأخوذ في حد النسخ (إزالة الشيء)، أيْ: تغيره (على وجه) على حالٍ (لولاه) لولا ذلك الإزالة أو التغيير لبقيَ الحكم السابق ثابتًا كما هو (ليخرج) ماذا؟ (زوال الحكم بخروج وقته)، يعني: انتهاء وقت الحكم لا يسمى نسخًا كمن أخرج الجمعة حتى انتهى وقتها حينئذٍ صارت ماذا؟ ليست واجبة، كانت واجبة قبل خروج الوقت ثم ارتفع الإيجاب، ارتفع بماذا؟ بخطابٍ أو بخروج الوقت؟ بخروج الوقت، هل يسمى نسخًا؟ لا يسمى نسخًا مع كون الحكم قد تغير لكنه لم يتغير بخطاب الشرع (ليخرج زوال الحكم بخروج وقته. والثابت بخطاب متقدم: ليخرج الثابت بالأصالة)، يعني: بالبراءة وهي عدم التكليف بشيء فإذا ابْتُدئ تشريع الأحكام الشرعية فالأصل عدم التكليف، فحينئذٍ كون الربا لم يكن محرمًا ثم حُرِّم بالشريعة فعدم تحريم الربا بالبراءة الأصلية ثم حُرِّم هل التحريم هذا تغيير من الإباحة إلى التحريم فيكون نسخًا أو لا؟ لا ليس بنسخ، لماذا؟ لأن الرفع هنا لا يكون رافعًا إلا لحكمٍ متقدمٍ بخطاب والبراءة الأصلية ليست بخطاب
وما من البراءة الأصلية ... قد أخذت فليست الشرعية
(7/35)

حينئذٍ رفعها لا يسمى نسخًا، (وبخطاب متأخر ليخرج زواله بزوال التكليف)، يعني: لا بد أن يكون الزوال كذلك بماذا؟ لا بموت المكلف، حينئذٍ وجبت عليه الصلاة ثم مات، تغير الحكم في حقه، تغير من الإيجابٍ إلى الإباحة، عدم التكليف، هل يعتبر نسخًا؟ لا يعتبر نسخًا، لماذا؟ لأنه زال بزوال التكليف كذلك لو جُنَّ (ليخرج زواله بزوال التكليف) فزوال الحكم بالموت والجنون ليس بنسخٍ، (ومتراخٍ عنه)، يعني: بوقتٍ لا بد أن يكون ثم وقتٌ بينهما (ليخرج البيان) فالناسخ لا بد أن يكون متأخرًا عن الأول غير متصلٍ به ليُخرج البيان والتخصيص فإن التخصيص قد يكون متصلاً به هذا محترزات التعريف الذي ذكره المصنف. (وقيل) في حد النسخ: (هو كشف مدة العبادة بخطاب ثاني) يعني: كأن الله تعالى شرَّع الحكم الأول وقد غياه بوقتٍ ثم جاء الخطاب الثاني ليدلّ على أن الوقت قد انتهى، بمعنى: أنه مبين لانتهاء الوقت فحسب وهذا قولٌ ضعيف، قال: (هو كشف مدة العبادة بخطاب)، أيْ: بيان انتهاء مدة الحكم لا رفعه وإنما انقضى زمن الحكم الأول وعليه فالنسخ تخصيصٌ في الأزمان وهذا قولٌ ضعيف، (والمعتزلة قالوا: الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص زائل على وجه لولاه لكان ثابتًا) هو كالسابق نفسه لكن صدَّروه بماذا؟ بالخطاب، والخطاب هذا هو الناسخ وحدُّنا للنسخ لا للناسخ، فرقٌ بين المعنى المصدري وبين ما تلبَّس بالمعنى المصدري فالتلفظ غير اللفظ، غير اللافظ، غير الملفوظ به كلها متفرقة لفظ، وتلفظ، ولافظ، وملفوظٌ به كذلك الخطاب الدالُّ على الرفع ليس هو عين الرفع، الرفع شيء وهو التغيير، تغيير كون شيء تغير من إيجابٍ إلى إباحة أو من تحريمٍ إلى إباحة الذي دلّ على هذا التغيير هو الخطاب هو الناسخ حينئذٍ لا يعرَّف به النسخ، (وهو خالٍ من الرفع الذي هو حقيقة النسخ)، يعني: تعريف المعتزلة خالٍ من الرفع (الذي هو)، يعني: الرفع (حقيقة النسخ) فهو تعريفٌ للناسخ الذي هو الخطاب لا النسخ، ثم قال: (ويجوز قبل التمكن من الامتثال) واضحة، يجوز النسخ قبل التمكن من الامتثال بمعنى أن يوجب الشارع ثم لا يمتثل فيرفعه مباشرة هل فيه فائدة أو لا؟ فيه فائدة نعم وهي: الابتلاء، العزيمة على العمل، التسليم، القبول، الرضا. هذه غاية حميدة في الأحكام الشرعية لأنه قد يمتثل ولا يسلم بقلبه، (ويجوز قبل)، يعني: التمكن، نعم يجوز النسخ قبل التمكن، يعني: تمكن المكلف من ماذا؟ من الامتثال، أيْ: قبل وقت الفعل بدليل ما تواتر في ذلك من نسخ فرض خمسين صلاةً في السماء ليلة الإسراء بخمسٍ قبل تمكنه من الفعل، والحكمة في هذا هي الابتلاء في الأمر الأول هل ينقاض المكلف ويسلم للأمر ويتهيأ للامتثال أو لا؟ إذًا فيه حكمة، وإذا وقع حينئذٍ نقول: دليله الوقوع، (و (الزيادة على النص)) الزيادة على النصِّ هل هي نسخ أم لا؟ قال: فيه تفصيل. الزيادة على النص قسمان: (إن لم تتعلق بالمزيد عليه كإيجاب الصلاة ثم الصوم)، أيْ: إيجاب الصوم (فليس بنسخ إجماعًا) وهو ما يسمى بالزيادة المستقلة. الزيادة نوعان: زيادة مستقلة، وزيادةٌ غير مستقلة.
(7/36)

والمراد بالمستلقة يعني: المنفصلة عن جنس العبادة، أوجب الصلاة، ثم أوجب الصيام، ثم أوجب الزكاة، ثم أوجب الحج زيادات على المكلف أو لا؟ زيادات في التشريع، لكن الصلاة جنس أوجبها ثم أوجب جنس الصيام فلا يكون داخلاً في المفهوم السابق، لا يكون داخلاً في مفهوم الصلاة بل هو عبادةٌ مستقلة ولذلك قال: (إن لم تتعلق) هذه الزيادة (بالمزيد عليه)، يعني: بجنسه الصلاة على الصلاة الصوم على الصوم وإنما هنا ماذا؟ زاد صومًا على صلاةٍ كل منهما واجبٌ، إذًا: كلٌ منهما مستقلٌ بذاته لذلك قال: (كإيجاب الصلاة ثم) إيجاب (الصوم فليس بنسخ إجماعًا) لأن حقيقة النسخ لم تتحقق هنا بقي حكم الصلاة والمزيد عليه، يعني: بعد الزيادة كما كان ثابتًا قبلها وتغيير ما ثبت بالبراءة الأصلية ليس نسخًا، بمعنى: أن الصلاة واجبة ثم زاد على المكلف إيجاب الصوم هل حصل تغيير لحكم الصلاة؟ لم يحصل باقٍ كما هو إذًا ليس عندنا نسخٌ، (وإن تعلقت وليست بشرط، فنسخ عند أبي حنيفة) هذا النوع الثاني. وهو الزيادة غير المستقلة زيادة غير المستقلة، (وإن تعلقت وليست)، أيْ: هذه الزيادة غير المستقلة عن المزيد عليه فتتعلق به على وجهٍ لا يكون شرطًا فيه بأن يكون جزءًا من المزيد عليه كزيادة تغريبٍ على جلد مئةٍ في حد الزاني البكر الثابت بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «البكر بالكبر جلد مائةٍ ونفي سنة»، «جلد مائةٍ ونفي»، أيْ: تغريب «سنة» زاد التغريب على الجلد هل يعتبر نسخًا أو لا؟ فيه قولان: لماذا؟ لأن الزيادة هنا غير مستقلة بل زاد في الحد نفسه كان أولاً جلد مئة، ثم زاده بالتغريب سنةً حينئذٍ صار من جنس ما ذكر أولاً، هل يعتبر نسخًا أو زيادة؟ هذا محل نزاعٍ بين الأصوليين حيث صار التغريب جزءًا من الحد الثابت في الآية، اختلف في هذه الزيادة هل هي نسخٌ أو لا؟ مذهب جمهور العلماء أنها ليست بنسخٍ لماذا؟ لأن النسخ رفع حكمٍ ثابتٍ بخطابٍ متقدمٍ بخطابٍ متراخٍ عنه هل وُجدت حقيقة النسخ في هذا؟ لا الجلد بقي كما هو بحكمه وإنما زيد عليه من جنسه وهذه الزيادة لا تسمى نسخًا، مذهب جمهور العلماء: أنها ليست بنسخٍ لانتفاء حقيقة النسخ لأن الزيادة هنا زيادةٌ سكت عنها النص الأول ثم ضُم إليه شيء آخر، فالحكم المزيد عليه ثابتًا لم يتغير ولم يرتفع.
(7/37)

إذًا: إذا زاد من جنس المزيد عليه وهو الحد هنا ولم يتغير الحكم الأصلي فليست الزيادة بنسخٍ، وذهب الحنفية إلى أنها: نسخٌ لأن الجلد كان هو الحد الكامل، ثم صار الحد ليس بجلدٍ فقط نقول: أين الرفع هنا؟ أين حقيقة النسخ؟ لا وجود له، وإنما كونه كاملاً أو ليس بكاملٍ هذا أمرٌ آخر ليس متعلقًا بالحكم ثم لما زيد التغريب رفعت هذه الزيادة ذلك الحكم وهو صفة الكمال والاقتصار على الجلد جوابه أن صفة الكمال ليست بحكمٍ شرعي، صفة الكمال كون الحد كامل هو الجلد فقط ثم رفعت صفة الكمال بزيادة التغريب نقول: صفة الكمال ليست بحدٍ ليست بحكمٍ شرعي حينئذٍ لا يصدق عليه النسخ، (وإن تعلقت وليست بشرط، فنسخ عند أبي حنيفة) خلافًا للجمهور (فإن كانت الزيادة شرطاً للمزيد عليه كالنية في الطهارة فأبو حنيفة وبعض مخالفيه في الأولى)، يعني: المسألة السابقة التي ليست بشرطٍ (نسخ)، (فإن كانت شرطاً كالنية في الطهارة)، بمعنى: أنه لو أوجب الطهارة أولاً ثم زاد عليه النية بأن صار شرطًا هل هي نسخٌ أم لا؟ حينئذٍ على هذا التقريب نقول: الزيادة غير المستقلة إمَّا أن تكون شرطًا أو لا، إن لم تكن شرطًا كالتغريب على الجلد قلنا ليست بنسخٍ عند الجمهور إن كانت شرطًا فالأحناف وبعض من خالف في المسألة الأولى قال: إنها نسخٌ. كالمسألة السابقة عند الأحناف، ومذهب الجمهور: أن تلك الزيادة ليست بنسخٍ لانتفاء حقيقة النسخ. حينئذٍ نجعل الضابط في مثل هذه المسألة: هل وجد حقيقة النسخ أو لا؟ حينئذٍ: فائدة التعريف هو ما ذُكر رفع الحكم الثابت إلى آخره هل هو موجودٌ في هذه الزيادة أو لا؟ هل تغير الحكم الشرعي؟ لم يتغير فالطهارة شرطٌ هي شرط سواءٌ وجدت النية أم لا كونه زاد النية فهو زيادة تفصيلٍ في عبادة لكن هل رفع كونه شرطًا أو لا؟ لا لم يرفع هو باقٍ على ما هو عليه إذًا: لم يحصل عندنا تغيرٌ للحكم، (ويجوز إلى غير بدل)، يعني: يجوز النسخ إلى غير بدل عند الجمهور كنسخ تقديم الصدقة أمام المناجاة، تحريم ادخار لحوم من الأضاحي وهذا مذهب الجمهور، (وقيل: لا) لا يجوز إلى غير بدلٍ وهو قول الظاهرية لأنه مخالفٌ لقوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} [البقرة: 106]، هنا نقول الوقوع يدلُّ على الوجود فالوقوع يعتبر شاهدًا ما دام أنه وجد حينئذٍ لا إشكال فيه، (وبالأخف)، يعني: يجوز النسخ إلى بدلٍ أخف من المنسوخ وهذا محل وفاق، يعني: لا خلاف في جوازه لا عقلاً ولا شرعًا بل هو موجود. {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} [الأنفال: 65] هذا ماذا؟ نص، ثم قال: {فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} [الأنفال: 66]، ومصابرة الواحد لاثنين أخف من مصابرة الواحد لعشرة ولا شك أن الثاني [الأول] (1)
__________
(1) سبق ..
(7/38)

ناسخٌ للأول، إذًا صار النسخ هنا بماذا؟ بأخف (وبالأخف والأثقل)، يعني: إلى بدلٍ أثقل يكون خفيفًا فينسخ فيكون أثقل وهذا فيه خلاف هل هو واقعٌ أو لا؟ والصحيح: الجواز والوقوع كنسخ التخيير بين صيام رمضان والإطعام بوجوب الصوم: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} ... [البقرة: 184] هذا أولاً، ثم قال: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، تعين أثقل أو لا؟ أثقل قطعًا لأن الأول مخير تصوم أو تطعم ثم عيَّن الصيام وقيل: (وبالأخف والأثقل) وقيل بالأخف دون الأثقل، يعني: لا ينسخ بالأثقل وإنما يكون بالأخف، (وقيل: بالأخف)، يعني: دون الأثقل في الآيات الدالة على التيسير والتخفيف ورفع الحرج والصواب وجوده ووقوعه (ولا نسخ قبل بلوغ الناسخ. وقال أبو الخطاب: كعزل الوكيل قبل علمه به) هل يحكم على النسخ بكونه مُأثِّرًا قبل بلوغ الناسخ للمكلف أو لا؟ بمعنى أنه إذا بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - الناسخ ولم يبلغه الأمة فهل انتسخ الحكم بمجرد النزول أو لا بد أن يَبْلُغ؟ محل نزاعٍ عند الأصوليين، ولذلك قال: (ولا نسخ قبل بلوغ الناسخ) وهذا هو ظاهر السنة، ولذلك صحت صلاة من صلى إلى المسجد الأقصى مع كونه قد نُسِخ من الليل صلَّو الركعة الأولى متجهين إلى بيت المقدس ثم الركعة الثانية جاءهم الخبر بلغهم الناسخ فاتجهوا مباشرةً، لو ثبت النسخ قبل ذلك لما صحت صلاتهم ابتداءً لأُمِروا بالإعادة، فلمَّا لم يأمروا بالإعادة دلَّ على أنه لا حكم يتعلق بهم بل الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت الدليل بخلافه، (ولا نسخ قبل بلوغ الناسخ. وقال أبو الخطاب: كعزل الوكيل قبل علمه به)، يعني: شبه الأصل بالفرع، يعني: يثبت النسخ في حق المكلفين قبل البلاغ، كما لو كان لزيد وكيل فأشهده وهو في المدينة وهو مدينة أخرى قال: أشهدتكم أني عزلته فانعزل مباشرةً دون أن يعلم الوكيل انعزل أو لا؟ انعزل وما ترتب عليه من فعلٍ بيعٍ وشراء هذا مُلغى يعتبر ملغى، إمَّا أن يكون في ضمانته وإمَّا أن يرجع إلى الأصل، (وقال أبو الخطاب: كعزل الوكيل قبل علمه به) فينعزل بعزل الموكل وإن لم يعلم الوكيل بعزله لكن هذا فرعٌ وذاك أصلٌ، ودائمًا الأصول لا تؤخذ من الفروع، وإنما ينظر في الأصول من حيث التأصيل الشرعي، فما دام أنه وقع في الشرع بكون صحة العبادة صلاة الفجر لأهل قباء أو القبلتين بكونهم قد فعلوا جزءًا من الصلاة قبل العلم بالناسخ مع وجود الناسخ حينئذٍ نقول: صحت العبادة ولا إشكال، (ويجوز نسخ القرآن والسنة المتواترة والآحاد بمثلها)، يعني: كل ما ذكر بمثله القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بالسنة المتواترة، والآحاد بالآحاد، وكله واقعٌ إلا السنة المتواترة بالسنة المتواترة لا مثال له، لأن المتواتر بنفسه مثاله عزيز يعني المتواتر اللفظي: «من كذب عليَّ متعمدًا» لا مثال له آخر إلا هذا وإنما المعنوي هو الذي يذكر، (ويجوز نسخ القرآن) بالقرآن وهذا جائزٌ بلا خلاف كآيتي المصابرة السابقة، (والسنة المتواترة) بها وليس له مثال، (والآحاد) بالآحاد: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها» الناسخ والمنسوخ في هذا النص.
(7/39)

(والسنة بالقرآن)، يعني: يجوز نسخ السنة بالقرآن كنسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة الفعلية باستقبال الكعبة الثابت بالقرآن وقع النسخ، (لا هو بها) (لا هو) القرآن (بها) بالسنة، يعني: لا ينسخ القرآن بالسنة، وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، وابن تيمية، وابن قدامة على أنَّ القرآن لا ينسخ إلا بالقرآن، والسنة تنسخ بالقرآن لكن القرآن لا ينسخ بالسنة اعتمادًا على قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، وليس السنة خيرًا من القرآن، (لا هو بها) يعني: (لا هو)، أيْ: القرآن (بها)، أيْ: بالسنة النبوية (في ظاهر كلامه)، أيْ: كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى لأنه قال: لا يَنسخ القرآن إلا القرآن ويجيء بعده. وبه قال الشافعي لقوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} والسنة لا تكون خيرًا من القرآن ولا مثله، (خلافاً لأبي الخطاب وبعض الشافعية) القائلين بجواز نسخ القرآن بالسنة قالوا: يجوز نسخ القرآن بالسنة، لماذا؟ لأن الكل وحيٌ من عند الله تعالى فالقرآن وحي، والسنة وحي.
(7/40)

{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4]، والصحيح أن الناسخ هو الله عز وجل ولا شك أن السنة شرع والقرآن شرع حينئذٍ المشرع في الحقيقة هو الله عز وجل وإنما يبينه ويظهره على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - فالمنسوخ من عند الله والناسخ من عند الله فهو الآمر وهو الناهي وهو الرافع، فحينئذٍ لا فرق بين أن يكون ذلك بالسنة أو يكون بالقرآن وهذا هو الصحيح، كذلك محل النسخ هو الحكم وليس اللفظ وعليه فقوله: {بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} يكون من السنة كما يكون من القرآن والأحكام كلها من عند الله تعالى، ثم قال: (فأما نسخ القرآن ومتواتر السنة بالآحاد) هل ينسخ القرآن بالآحاد؟ هل تنسخ السنة المتواترة بالآحاد؟ هذا محل نزاعٍ عندهم، لماذا؟ لأنهم يشترطون أن يكون الناسخ والمنسوخ في قوةٍ واحدة قطعي قَطعي، ظنِّي ظَنِّي، وأمَّا القطعي ينسخ بالظن فلا، لماذا؟ لأنه أضعف منه فهذا يختلف عن مسائل التخصيص ولكن لا يشترط القوة والتساوي وهنا يشترط، ولذلك قال: (فأما نسخ القرآن ومتواتر السنة بالآحاد فجائز عقلاً، ممتنعٌ شرعاً) (جائز عقلاً)، يعني: العقل لا يمنع أن السنة متواترة تنسخ القرآن وهو كذلك، و (ممتنعٌ شرعاً) لماذا؟ لأن الظني لا يرفع القطعي، وهذا يحتاج إلى دليل شرعي هم عندهم أن هذه من الْمُسَلَّمَاتِ، أنه لا بد أن يكون ثمّ توافق بين القطعيات والظنيات ورفع كلام الله عز وجل أو الحكم الثابت بالقطع هذا لا يكون إلا قطعيًا، إلا عند الظاهرية فيجوز عندهم أن ينسخ القرآن وكذلك متواتر السنة بالآحاد، وهذا هو الصحيح أنه يجوز إن وُجِد وهو لا مثال له في الصحيح إن وجد نسخ القرآن بالسنة الآحادية صحَّ، لماذا؟ لأن الكل وحيٌ ما دام أن القاعدة في نسخ القرآن بالسنة المتواترة والسنة المتواترة بالسنة المتواترة أن الكل وحيٌ، وأنَّ النسخ رفعٌ والرافع هو الله عزَّ وجل نقول: الآحاد كذلك تثبت بها الأحكام الشرعية استقلالاً وكذلك تثبت حرمتها ودلالتها عند التعارض فينسخ بها على الصحيح وإن كان الجماهير على خلاف ذلك، (وقيل: يجوز في زمنه - صلى الله عليه وسلم -) لا بعده، ودليلهم قصة أهل قباء يجوز أن يكون فيه، وهذا أيضًا عليهم وهو أن أهل قباء إنما اتجهوا إلى بيت المقدس بالسنة الفعلية المتواترة، ومع ذلك جاء شخص واحد وهو آحاد يزيد الظن على رأيهم فحينئذٍ رفع القطع بالظن فاتجهوا إلى الكعبة هذا ضدهم، ثم قال: (وما ثبت بالقياس، إن كان منصوصاً على علته فكالنص يَنسَخُ ويُنسخ به وإلا فلا) هل القياس ينسخ؟ الصواب لا، لا ينسخ الصواب: أنه لا يُنْسَخ بالقياس.
(7/41)

(وما ثبت بالقياس) (ما)، أيْ: الحكم ثابت بالقياس (إن كان منصوصاً على علته) يعني: من قبل الشرع (فكالنص)، يعني: كما أن النص ينسخ كذلك القياس ينسخ، (فكالنص يَنْسَخ ويُنسَخُ به وإلا فلا)، يعني: وإلا تكون العلة منصوصٌ عليها فهي مستنبطة بالاجتهاد، وإذا كان كذلك مستنبطة صارت ماذا؟ صارت ظنية إن كانت منصوصة صار مقطوعًا بها حينئذٍ كأنه يقول القياس الجلي يجوز أن ينسخ وينسخ به لأنه في قوة ما سبق، وأمَّا القياس الظني الذي تكون فيه العلة مستنبطة محل اجتهاد فهذه يقع فيها النزاع والخلاف فهي ظنية فلا ينسخ بها، (وإلا فلا) وإلا تكون العلة منصوص عليها فهي مستنبطة بالاجتهاد وهو عرضةٌ للخطأ فلا يقوى على رفع الحكم الشرعي. (وقيل: يجوز)، يعني: النسخ (بما جاز به التخصيص)، يعني: كل ما جاز بالتخصيص هناك جاز تخصيصه به جاز هنا كذلك، قلنا الإجماع لا ينسخ وإنما هو دليلٌ على الناسخ، يعني: أجمعوا على الناسخ وأما هو فلا ينسخ بذاته، كذلك القياس الصحيح أنه لا ينسخ، ثم قال رحمه الله تعالى: (و (الإجماع)). هذا الأصل الثالث المتفق عليه كما ذكرنا سابقًا. قال: (وأصله الاتفاق)، يعني: في اللغة يقال: أجمع القوم على كذا، أيْ: اتفقوا عليه، ويطلق على العزم كذلك أجمعت على الأمر، أيْ: عزمت عليه ولكن الثاني يصدق من الواحد، العزم أصح أن يكون من الشخص وليس بمرادٍ هنا وإنما المراد به الاتفاق. (وأصله)، يعني: في اللغة (الاتفاق) ولذلك لم يذكر العزم (وهو)، أيْ: الإجماع اصطلاحًا (اتفاق علماء العصر من الأمة على أمرٍ ديني) وبقيَ قيد واحد وهو بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ لا إجماع في حياته عليه الصلاة والسلام. (وهو اتفاق)، إذًا: خرج كل خلافٍ ولو من واحدٍ فلا بد أن يكون الاتفاق حاصل من جميع المجتهدين، حينئذٍ لو حصل خلاف ولو من واحدٍ لا إجماع، فلا إجماع مع الخلاف لأنه يجوز أن يصيب الأقل ويخطئ الأكثر كما أصاب عمر في أسرى بدرٍ. اتفاقُ من؟ قال: (اتفاق علماء العصر)، والمراد بهم المجتهدون كما سيأتي.
(7/42)

(علماء العصر من الأمة)، يعني: أمة الإجابة، يعني: مسلمين يعني يشترط فيهم العدالة (على أمر ديني) خرج به الأمر الدنيوي، ولو أجمعوا عليه لا يعتبر حجة شرعية بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، يعني لا في حياته لأنه لا إجماع في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، (وقيل: اتفاق أهل الحَلِّ والعقد على حكم الحادثة قولاً) زيادة في قوله: (قولاً)، بمعنى أنه لا يدخل فيه الإجماع الفعلي أو الإجماع السكوتي وإنما لا بد أن يكون الإجماع قوليًا، يعني: صريحًا وهذا قولٌ لبعض الأصوليين أنه لا إجماع إلا الإجماع المنطوق به، وأمَّا الإجماع السكوتي أو إذا فعل البعض وسكت البعض فلم يفعل الآخرون فلا يعد إجماعًا، فدخل النوع الثاني في الحد الأول وخرج من الحد الثاني (اتفاق أهل الحل والعقد)، يعني: المجتهدون في الأحكام الشرعية (على حكم الحادثة)، يعني: الواقعة النازلة (قولاً) لا غيره حينئذٍ إجماع الصريح هو المقصود بهذا الحد وأخرج السكوت، (وإجماع أهل كل عصر حجة) الإجماع حجة لكن بشرط إذا لم يسبق بخلاف، يعني: إذا لم يختلف الصحابة وحينئذٍ أجمعوا أو أجمع من بعدهم، نحن نقول: هذا إجماع، وأمَّا إذا وقع النزاع ثم بعد ذلك حصل الإجماع فلا إجماع، لا يعتبر إجماع وإنما يقيد يمكن أن يقال: إجماعٌ بعد خلاف لكنه ليس هو الذي يعتبر حجة هنا، ليس هو الإجماع الأصولي الذي يعتبر حجة لماذا؟ لأنه لا إجماع بعد خلافٍ.
(7/43)

لأن من مات لم يمت أصحاب المذاهب أقوالهم باقية وحكمهم باقي فإذا ماتت أجسادهم أقوالهم لم تمت، ولذلك (وإجماع أهل كل عصر) من العصور إلى قيام الساعة (حجة) شرعية، يعني: دليلٌ شرعي يجب العمل به لأن الأدلة الشرعية الدالة على حجية الإجماع تشمل جميع العصور، والإجماع حجة بالإجماع، ومن الأدلة الدالة على حجية الإجماع قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]، والوسط هو العدل الخيار ومقتضى ذلك أنهم عُصموا عن الخطأ فيما أجمعوا عليه فيكون قولهم حجة، وكذلك قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} [النساء: 115]، فرتَّب العقاب على مخالفة سبيل المؤمنين وهو الإجماع دلّ على أن إجماعهم حجة فلا يجوز مخالفته كذلك: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} [النساء: 59]، مفهومه أنهم عند عدم التنازع فهو حجة، كذلك حديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» وهذه الأدلة كلها دالَّة على أن الإجماع متى ما حصل في أيِّ زمنٍ من الأزمنة في أيِّ عصرٍ من العصور فهو حجةٌ شرعية، (خلافًا لداود)، (إجماع أهل كل عصر حجة خلافًا لداود) حيث خصَّ الإجماع بالصحابة وحدهم لأن الخطاب الذي ثبت به الإجماع خطاب للحاضرين وهو قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]، وما قاله داود حق لكن لا من حيث الدليل وإنما من حيث الوقوع، بمعنى: أنَّ الإجماع يمكن أن يقع في زمن الصحابة وفي زمن التابعين بل في آخر العصور التي تقوم عليهم الساعة يمكن لكن وقوعه متعذر، ولما كان كذلك حُصر الإجماع الذي يمكن أن يكون منضبطًا في إجماع الصحابة فحسب، وهو الذي تتنزل عليه الآيات. (وقد أومأ أحمد إلى نحو قوله)، يعني: أشار إلى نحو قول داود، حيث جاء في مسائل الإمام أحمد رواية أبو داود قوله: الإتباع أن يتبع الرجل ما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ثم هو من بعد التابعين مخير. الإتباع ما هو؟ إتباع ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصحابة، أمَّا بعد الصحابة وهم التابعون فهو مخير. (وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة) هل يعتبر إجماعًا أو لا؟ بمعنى: أن الصحابة قد اختلفوا على قولين ثم اتفق التابعون على أحد القولين هل يعد إجماعًا أو لا؟ محل نزاعٍ، والصحيح أنه لا يعتبر إجماعًا، لماذا؟ لأنه إذا ثبت الخلاف فلا إجماع بعده إطلاقًا.
(7/44)

إذا ثبت الخلاف بين الصحابة فلا إجماع بعده إطلاقًا لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها ولا مانع أن يقال: انعقد الإجماع بعد الخلاف يقيد لكنه ليس هو الإجماع الذي يظلل مخالفه أو أنه يعتبر عاصيًا، (وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة اعتبره أبو الخطاب)، يعني: اعتبره إجماعًا لأنه اتفاق من أهل العصر الثاني وقد دلَّ الدليل على كونه معصومًا من الخطأ كما لو اتفق الصحابة على أحد القولين (والحنفية) كذلك، (وقال القاضي وبعض الشافعية ليس بإجماع) وهذا هو الصحيح، (ليس بإجماع) فيجوز الأخذ بالقول الآخر لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها، (والتابعي معتبر في عصر الصحابة عند الجمهور) كما أنه معتبر في الاجتهاد كذلك معتبر في انعقاد الإجماع، بمعنى أن الصحابة لو أجمعوا على قول وكان معهم من المجمعين بعض التابعين هل يعتبر أو لا يعتبر؟ نقول: نعم يعتبر، لماذا؟ لأن قوله: معتبر من حيث الخلاف ومن حيث الاجتهاد فله أن يجتهد، الصحابة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتهدوا وأقرهم على ذلك، ثم التابعون اجتهدوا في زمن الصحابة فأقروهم على ذلك وأفتى من أفتى منهم في زمن الصحابة ولم ينكر أحدٌ عليهم حينئذٍ صار مجتهدًا صار نوع اعتبار بالإجماع، (والتابعي معتبر) التابعي المراد به هنا إذا بلغ رتبة الاجتهاد (في عصر الصحابة) فإنه يعتد به في الإجماع، (معتبر في عصر الصحابة عند الجمهور) وهو رواية عن أحمد لأنه مجتهد من علماء الأمة فلا طريق لعدم اعتباره وإذا اعتبر قولهم في الاجتهاد فليعتبر في الإجماع والأدلة تشملهم، (خلافًا للقاضي وبعض الشافعية) في أن التابعي المجتهد لا يعتبر بخلافه، لا يعتد بخلافه وهذا قول ضعيف، (وقد أومأ أحمد إلى القولين)، يعني: أومأ إلى أنه يعتبر أو إلى أنه لا يعتبر، يعني كأن عن الإمام أحمد قولين (أومأ أحمد إلى القولين)، ووجهه أن الصحابة أعلم من غيرهم وغيرهم ليسوا بشيء عندهم هذا من جهة المعنى العاطفي، الصحابة ليسوا كغيرهم نعم لا شك أن الصحابة أعلم وأعلى درجة إلى آخره ولكن إذا لم يجمعوا لا يقتضي أن قولهم مقدم مطلقًا إذا وقع نزاع وانفرد أحدهم بقولهم، وإنما ما ورد في الفضائل في شأنهم وفي حقهم هذا يجعل لهم مزية من حيث الاستئناس بأقوالهم، وأمَّا أنهم يُعتبروا حجة فهذا فيه شيء من النظر. (ولا ينعقد بقول الأكثرين) لا ينعقد الإجماع بقول الأكثرين لانتفاء حقيقة الإجماع وهو الاتفاق ولأن العصمة من الخطأ إنما هي للكل لا للبعض: «لا تجتمع أمتي على ضلالة». إذًا الاجتماع، فإذا اجتمع الأكثر دون البعض لا يسمى إجماعًا (خلافًا لابن جرير) الطبري إمام المفسرين فإنه لا يراه يحكي الإجماع، أجمع كذا أجمع وهو فيه خلاف. وأحيانًا هو يذكر الخلاف ونرجح كذا لإجماع القراء على كذا وفيه خلاف، (وأومأ إليه أحمد)، أيْ: عدم انعقاد الإجماع بقول الأكثرين، (وقال مالك: إجماع أهل المدينة حجة) واختلف في تفسير مراد الإمام مالك في أهل المدينة ما المراد بهم، وقيل: إجماع أهل المدينة على مراتب أربعة وهو ما حرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
الأول: ما يجري مجرى النقل فهذا حجة باتفاق، ويأتي تفسيره.
(7/45)

ثانيًا: العمل القديم قبل فتنة مقتل عثمان فهو حجة عند مالك، والمنصوص عن الشافعي، وظاهر مذهب أحمد أنه حجة لأنه مما سنه الخلفاء الراشدون فيجب حينئذٍ أن يكون حجة يجب إتباعهم.
ثالثًا: الترجيح بالعمل بين الروايات والأظهر أنه ليس بحجة، يعني: يرجح بين الروايات إذا وقع تعارض ويُجعل عمل المدينة آنذاك مرجحًا، والصحيح أنه لا يعتبر حجة في ذلك.
رابعًا: العمل بالمتأخر، بالمدينة فالأئمة المتبعون أنه ليس بحجة.
(7/46)

ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله في تفسير مراد الإمام مالك في ذلك: والأظهر أن مراده ما كان جاريًا مجرى النقل المستفيض كألفاظ الأذان والإقامة، ومقدار الصاع والْمُدِّ إلى آخره وغير ذلك مما كان في زمن ... النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه لو تغير لعُلم لأن مالك قريب عهد، فأمَّا في مسائل الاجتهاد فهم غيرهم سواء. مسائل الاجتهاد التي وقع فيها نزاع فأهل المدينة وغيرهم سواء، (وانقراض العصر شرط في ظاهر كلامه وقد أومأ إلى خلافه) انقراض العصر مراد به أن يموت أهل الإجماع كلهم إذا اتفقوا على حكم ما حينئذٍ هل يشترط في انعقاد الإجماع أن يموتوا كلهم أو بحيث لو بقي واحد ورجع لما صح الإجماع لما انعقد الإجماع حتى يكونوا فحينئذٍ تثبت الكلمة لهم، أو أنه لا يشترط فبمجرد الاتفاق ولو لحظة حصل الإجماع، (وانقراض العصر شرط في ظاهر كلامه)، يعني: أن يموت أهل الإجماع وينقرض عصرهم ثم يبدأ الاحتجاج بإجماعهم، (وقد أومأ إلى خلافه) وهو أن انقراض العصر ليس بشرط وهو الصحيح أنه ليس بشرط لماذا؟ لأنه زيادة على مدلول النصوص السابقة، الأدلة الشرعية دلَّت على أن الإجماع حجة ولم يشترط فيها انقراض العصر وهذا زيادة، (فلو اتفقت الكلمة في لحظة واحدة فهو إجماع عند الجمهور) وهذا هو الصحيح، بمجرد اتفاقهم فهو إجماع، فلو خرج عن المجلس فخالف ورجع عن قوله ما جاز له ذلك لماذا؟ لأنه خالف الإجماع، (فلو اتفقت الكلمة في لحظة واحدة فهو إجماع عند الجمهور) لأن انقراض العصر ليس بشرط، (واختاره أبو الخطاب) لأن الأدلة الدالة على حجية الإجماع ليس فيها اشتراط الانقراض العصري وهذا هو الصحيح، (وإذا اختلف الصحابة على قولين لم يجز إحداث قول ثالث عند الجمهور) إذا اختلفوا على قولين: تحريم، وكراهة مثلاً لا يجوز أن يأتيَ بعدهم شخص يقول: الموضع فيه الإباحة. لماذا؟ لأنه لو قيل: بالإباحة وكان حقًا لجوَّز خلوَّ العصر عصر الصحابة عن قائلهم بالحق وهو ممتنع، حينئذٍ أجمعوا على عدم القول بالحق في ذلك الزمان وهذا باطل، وما دام أنه لزم منه باطل حينئذٍ اللازم يكون باطلاً، (وإذا اختلف الصحابة على قولين لم يجز) لمن بعدهم (إحداث قول ثالث عند الجمهور) لأن اختلافهم حصر للحق في أقوالهم، (وقال بعض الحنفية والظاهرية: يجوز) لأن المختلفين لم يصرِّحوا بتحريم قول ثالث فجاز إحداثه، والصحيح: أنه لا يجوز، (وإذا قال بعض المجتهدين قولاً وانتشر في الباقين وسكتوا فعنه إجماع)، وقيل: لا. وقيل: حجة لا إجماع. وقيل: لا إجماع ولا حجة. يعني: ليس بإجماع ولا بحجة وهذا ما يسمى بالإجماع السكوتي، الإجماع السكوتي كما قال المصنف هنا: (إذا قال بعض المجتهدين)، يعني: مثلوا بعصر الصحابة بعض الصحابة قال قولاً ثم انتشر هذا شرط لا بد من انتشاره، انتشر في الباقين وسكتوا ما أنكروا مع قدرتهم على الاعتراف والإنكار حينئذٍ يعدُّ إجماعًا لأنه سكت عن رضا، إذ لو لم يكن ذلك القول جائزًا لأنكره. ولما كان الشرط هنا مع قدرته على الإنكار حينئذٍ جُعل سكوته دالاً على الرضا، وقيل: إجماع سكوتي. وهكذا قيل.
(7/47)

(فعنه إجماع في التكاليف وبه قال بعض الشافعية)، يعني: حجة قطعية في الأحكام المتعلقة بالتكليف، وإذا لم يكن تكليفًا لم يكن إجماعًا ولا حجةً، وفيه تنزيل للسكوت منزلة الرضا والموافقة وهذا محل نظر، (وقيل: حجة لا إجماع)، يعني: حجة ظنية وليس بإجماع (حجة لا إجماع)، يعني: لا إجماع يمتنع مخالفته لعدم تحقق حقيقة الإجماع وهو الاتفاق، لم يحصل الاتفاق، لا بد للاتفاق أن يكون منصوصًا عليه، يعني: قوليًا، وهنا لم يحصل الاتفاق وإذًا هو حجة لا إجماع، ما الفرق بين الحجة والإجماع؟ الحجة دليل يجوز للإنسان أن يخالفه، الحجة دليل يجوز للإنسان مخالفته، وأمَّا الإجماع فهو قطعي لا تجوز مخالفته لو قيل: حجة وليس بإجماع، يعني: يجوز أن يحتج به في إثبات المسائل الشرعية ويجوز مخالفته، وأمَّا إذا قيل: إجماع. معناه لا يجوز مخالفته حتى لو كان إجماعًا ظنيًا إذا سلمنا بأنه إجماع لا يجوز مخالفته ولو كان إجماعًا ظنيًا. (وقيل: لا إجماع ولا حجة) والسكوت له احتمالات حينئذٍ كونه ينسب للساكت قول وأنه راضٍ هذا محل نظر، (لا إجماع ولا حجة) لأنه لا ينسب لساكت قول، والأصح أن يقال: أنه الإجماع السكوتي هذا يستأنس به، (ويجوز أن ينعقد عن اجتهاد)، يعني: هل يجوز أن يتصور أو لا أصلاً؟ يجتهد واحد منهم ثم البقية يوافقونه في الاجتهاد فيكون إجماعًا، هذا تصوره وقيل: محال، لماذا؟ لأن الاجتهاد ظني والاجتهاد يختلف من شخص إلى شخص كونه كلهم يتفقون على اجتهاد واحد هذا محل نظر، (ويجوز أن ينعقد) عند الأكثرين (عن اجتهاد)، أيْ: لا عن دليل من كتاب أو سنة، (وأحاله قوم)، يعني: لا يتصور الإجماع عن اجتهاد وقياس لماذا؟ لأن القياس مختلَف فيه ولا إجماع مع الخلاف لأن الإجماع فرع مستند، (وقيل: يتصور وليس بحجة) لأنه اجتهاد ظني والإجماع دليل قاطع، (والأخذ بأقل ما قيل ليس تمسكًا بالإجماع)، يعني: في مسألةٍ اختلف فيها كمسألة مثلاً كما مثل بعضهم بإزالة النجاسة قيل: ثلاث. وقيل: سبع. إذًا ما هو المتفق القدر المتفق عليه بين القولين؟ الثلاث هل إجماع على أن الثلاث لا بد منها أو نقول ليس بإجماع؟ ليس بإجماع، فهمتم المسألة. (والأخذ بأقل ما قيل)، يعني: من القولين القدر المشترك بين الأقوال هل يصح أن يُدَّعى الإجماع فيه؟ الصحيح لا، لا يُدَّعى الإجماع فيه كما لو قالت طائفة: لا تُزال النجاسة إلا بثلاث غسلات، وقالت طائفة أخرى: لا تزال النجاسة إلا بسبع غسلات. إذًا هي ثلاثة وزيادة أربعٍ والطائفة الأولى قالت: ثلاث.
(7/48)

إذًا أقل ما قيل هي الثلاثة هل يكون هذا إجماع فنقول: اتفقوا على الثلاث واختلفوا في الزيادة؟ الجواب: لا، (والأخذ بأقل ما قيل ليس تمسكًا بالإجماع) لأن المسألة مختلف فيها من حيث أصلها، (واتفاق الخلفاء الأربعة ليس بإجماع) لأنهم بعض الأمة والنصوص دلََّت على أن الإجماع إنما هو من كل الأمة ولا تثبت العصمة للبعض، (وقد نُقل عنه)، يعني: عن أحمد، (لا يُخرج عن قولهم إلى قول غيرهم) وهذا لا يستلزم أن يكون إجماعًا، (وهذا يدل على أنه حجة لا إجماع)، يعني: الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدون الأربعة: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي» هذا يدلُّ على أن لهم سنة. حينئذٍ قال بعضهم: هو إجماع، نقول: لا ليس بإجماع لماذا؟ قطعًا ليس بإجماع، لأن الإجماع لا بد من اتفاق كل [المعاصرين] (1) المجتهدين، وهنا وقع من أربعة ولم يقع من الآخرين إذًا انتفى كونه إجماعًا، هل يبقى حجة أو لا؟ ينظر في النص ما دلَّ عليه: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين». إن فُهِم من النص أن لهم سنة مستقلة صار حجةً، وإن لم يُفهم من النص أن لهم سنة مستقلة وإنما المراد به إحياء السنة أو متابعة السنة النبوية حينئذٍ لا يكون نصًا في المسألة وهذا يدلُّ على أنه حجة لا إجماع.
(وأما الأصل الرابع وهو دليل العقل في النفي الأصلي) وهو ما سبق معنا من قوله: بالبراءة الأصلية. (وأما الأصل الرابع)، يعني: من الأصول المتفق عليها الذي سماه دليلاً عقليًّا وهو دليل العقل في النفي الأصلي وهو ما يسمى بالاستصحاب، وهو البراءة الأصلية بمعنى أن العقل دلّ على براءة الذمة من الواجبات قبل مجيء الشرع فالأصل عدم التكليف، هذه يستصحب حتى بعد الشريعة حينئذٍ الأصل عدم الصلوات كلها فجاء الشرع بخمس صلوات في اليوم والليلة حينئذٍ نقول: الأصل عدم زيادة صلاة سادسة هذا الأصل، براءة الذمة من إيجاب صلاة سادسة ويستمسك بهذا الأصل حتى يدلّ الدليل على إثبات صلاة سادسة ومن هذا الوجه رُدَّ على من أوجب الوترَ، (فهو)، أيْ: الذمة. (فهو أن الذمة قبل الشرع بريئة من التكاليف فتستمر)، يعني: فيستمر. (حتى يرد غيره)، عندكم: (يرد بغيره) بالباء (حتى يرد غيره) فحينئذٍ يستمر الاستمساك بهذا الأصل وهو البراءة من التكاليف حتى يرد دليل غيره غير البراءة الأصلية، أيْ: فيستمر النفي الأصلي حتى يرد غيره وهو الدليل الشرعي الناقل عن البراءة الأصلية، (ويسمى استصحابًا) هذا النوع يسمى استصحابًا وهو في اللغة: طلب الصحبة واستمرارها. واصطلاحًا: استدامت إثبات ما كان ثابتًا أو نفي ما كان منفيًا. بمعنى أنه قد يستصحب الإثبات وقد يستصحب النفي فليس خاصًا بالإثبات دون النفي ولا بالنفي دون الإثبات. والاستصحاب أربعة أنواع كما سيذكر المصنف شيئًا منها:
الأول: استصحاب البراءة الأصلية وهو المراد عند الإطلاق.
ثانيًا: استصحاب الدليل الشرعي الأصلي حتى يرد الناقل وهو المراد أيضًا هنا.
ثالثًا: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه.
رابعًا: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع وهذا محل خلاف.
__________
(1) سبق.
(7/49)

كلها سيذكرها المصنف. (وكل دليل فهو كذلك)، أيْ: يتصور الاستصحاب في كل الأدلة الشرعية، (كل دليل فهو كذلك)، بمعنى: أنه يتصور استصحاب الدليل في جميع الأدلة الشرعية، (فالنص) أراد أن يفصل بقوله: (كل دليل) كيف ذلك؟ قال: (فالنص حتى يرد الناسخ)، حينئذٍ نقول: النص كما سبق معنا: وجوب العمل به ولا يجوز العدول عنه إلا بنسخ فتستمسك به تستصحبه معك حتى يثبت الناسخ. هذا يسمى ماذا؟ استصحابًا للنص، (فالنص حتى يرد الناسخ، والعموم حتى يرد المُخَصِّصُ) فالأصل العموم. إذًا معك لفظ دليل عام فتسصحبه حتى يثبت عندك المخصص وهذا استصحاب دليل الشرع حتى يرد الناقل. (والملك حتى يرد المزيل) فالأصل أن ما كان في يدك فأنت مالك له حتى يرد ما يزيل الْمِلْك، (والنفي حتى يرد المثبت)، يعني: لا يحكم بالنفي حتى يرد ما يثبت، وهذا استصحاب لبراءة الأصلية، فالأصل عدم صلاةٍ سادسة حتى يرد ما يثبت. ولذلك قال: (ووجوب صلاة سادسة وصوم غير رمضان يُنفى بذلك)، يعني: بالأخير الذي ذكره في قوله: (والنفي حتى يرد المثبت، ووجوب صلاة سادسة) كمن أوجب صلاة الوتر مثلاً، (وصوم غير رمضان يُنفى بذلك)، يعني: باستصحاب السابق.
(وأما استصحاب الإجماع) هذا محل نزاع، استصحاب الحكم الثابت بالإجماع هذا محل نزاع. والصحيح أنه لا يستصحب أنه ضعيف باطل، (في مثل قولهم: الإجماع على صحة صلاة المتيمم) المتيمم لو صلَّى بتيممه بالإجماع صلاته صحيحة بشرطه: عدم الماء حقيقة أو حكمًا، حينئذٍ لو وجد الماء في أثناء الصلاة اختلف الفقهاء، الإجماع منعقد على صلاته لو تمت وأمَّا إن وجد الماء في أثناء الصلاة هل تبطل أو لا تبطل؟ منهم من استصحب الإجماع قال: صلاته صحيحة. إذًا حتى لو وجد الماء في أثناء الصلاة صلاته صحيحة، نقول: هذا استصحابٌ للإجماع لأن الإجماع منعقد على جزئية واحدة وهي صحة صلاته إذا تمت ولم يوجد الماء، وأمَّا تسصحبه في محل النزاع فهذا خلاف الأصل فلا يحتج به في مثل هذه المسألة. (الإجماع على صحة صلاة المتيمم، فإذا رأى الماء في أثناء الصلاة فلم تبطل استصحابًا للإجماع) لأن الإجماع دلَّ على صحة صلاته وهذا متيمم فصحت صلاته نقول: لا، فرق بين أن يجمع على صحة صلاة المتيمم ولم يوجد ماء حتى ينتهي من الصلاة، وبين أن يوجد الماء في أثناء الصلاة فيحب قطع الصلاة ويتوضأ، (ففاسد عند الأكثرين) فاسد عند الأكثرين، يعني: الاستصحاب فاسد عند الأكثرين من أهل العلم، (خلافًا لابن شاقلا، وبعض الفقهاء) في أنه حجة فأكثر الفقهاء على أن الاستصحاب هذا باطل لا يصح، (فهذه الأصول الأربعة لا خلاف فيها) الكتاب، والسنة، والإجماع، والبراءة الأصلية.
(وقد اختلف في أصول أربعة أُخَرَ) هي للاحتجاج بها، (وهي: شرع من قبلنا) شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا؟
(7/50)

أولاً: تحرير محل النزاع، يقال: شرع من قبلنا إذًا شرع من قبلنا هذا فيه تفصيل لا بد أن نحرر محل النزاع، شرع من قبلنا وجاء في شرعنا ما يدلُّ على نسخها نسخ الشريعة المتقدمة فتكون حينئذٍ خاصةً بالأمم السابقة نحو قوله تعالى: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف: 100]، فهذا منسوخ بالنسبة لشرعنا لحديث: «ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد»، ومنه «وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي». هذا شرع من قبلنا وجاء في شرعنا ما يدلُّ على نسخه، وما وضع الله من الأغلال والآصال التي كانت عليهم كما قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: 146]، فهذا النوع ليس بشرع لنا بلا خلاف. يعني: ما جاء في شرعنا أنه ناسخ له ليس بشرع لنا بالإجماع محل وفاق.
الثاني: شرع ما قبلنا وقد دلَّ الدليل على أنه شرع لنا أيضًا كالصيام: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183]، هذا شرع لنا وشرع لهم، وهذا محل وفاق أنه شرع لنا، كذلك القصاص في قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45]، والصيام كذلك فهذا شرعنا بلا خلاف.
إذًا الأول ليس بشرع لنا باتفاق والثاني شرع لنا بلا خلاف.
ثالثًا: شرع لم يذكر في شرعنا، لا ذكر له في كتاب ولا في سنة بل هو من الإسرائيليات هذا ليس بتشريع لنا إجماعًا، يعني: ما لم يرد في كتاب والسنة ذِكْرٌ لهم فليس بتشريع لنا إجماعًا لهذا نهينا عن تصديق أهل الكتاب وتكذيبهم.
رابعًا: شرعٌ لمن قبلنا ولهذا ذكر في الكتاب والسنة، ولم يرد ما يدلُّ على أنه شرع لنا أو أنه ليس بشرع لنا هذا محل نزاع، إذًا يشترط في هذا الشرع الذي هو شرع لمن قبلنا بأن يكون شرعًا لنا أن يكون مذكورًا في الكتاب والسنة، وأمَّا إن كان من أخبار الإسرائيليات فهذا لا يعتبر شرعًا لنا وإن كنا مأمورين بأننا لا نصدقهم ولا نكذبهم، والمسألة مفروضة فيما إذا ذكر في شرعنا ولم نجد نسخه ولم نجد تأيده قال هنا: (شرع من قبلنا وهو شرع لنا ما لم يرد نسخه في إحدى الروايتين اختارها التميمي، وهو قول بعض الحنفية، وبعض الشافعية، والأخرى: لا، وهو قول الأكثرين). والصحيح: أنه يعتبر شرعًا. لنا شرع ما قبلنا إذا ورد في الكتاب والسنة وسُكِتَ عنه فهو شرع لنا لسببين:
أولاً: ما ذكر إلا من أجل الاقتداء.
(7/51)

ثانيًا: دلَّ الدليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مأمور بذلك ولذلك جاء قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] أمره بذلك والأمر له أمر لأمته ما لم يرد مخصص، وقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة الرَّبِيع أو الرُّبَيِّع: {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [المائدة: 45] وتلا الآية، إذًا هو شرع لنا لأنه ما ذكر في شرعنا إلا لنعتبر به ونعمل بما تضمن من أحكام فهو شرع لنا، كذلك قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111]. وأمَّا الرواية والأخرى وهي الإمام أحمد: لا، وهي قول الأكثرين هذه استدلَّ بقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48]، فكل نبي مختص بشرعية وكونه مختص بشرعية لا يلزم أن لا تؤمر أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بالاقتباس أو الاقتداء ببعض تلك الشريعة.
(7/52)

(وقول الصحابي) هذا الدليل الثاني، الأصل الثاني مختلف فيه هل هو حجة لنا أم لا. (وقول الصحابي) الذي لا نص فيه من كتاب أو سنة (إذا لم يظهر له مخالف) من الصحابة واشتهر من غير ظهور إنكار ولا موافقة حينئذٍ يسمى: إجماعًا سكوتيًا، فدخل فيما سبق قول الصحابي إذا لم يكن مخالفًا للنص كتاب وسنة، ولم يُعْلَم مخالف له واشتهر فهو الإجماع السكوتي، إذا لم يشتهر، أو جُهِل حاله من كونه اشتهر أو لا هذا الذي وقع فيه النزاع. وأمَّا الإجماع السكوتي فهو حجة عند الكثيرين. قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف للصحابة (فروي أنه حجة)، يعني: حجة شرعية مطلقًا سواءٌ كان من الخلفاء الأربعة أو من غيرهم، وهذا قول جمهور أهل الحديث، وهو المشهور عن الإمام أحمد ونسبه ابن القيم إلى الأئمة الأربعة أنه يعتبر حجة، وإذا كان حجة لزِم عليه ما يلزم على الأدلة الشرعية. إذا كان حجة شرعية حينئذٍ يخصص به العام ويقدم على القياس، وكذلك يُنسخ به كل ما يتعامل مع الدليل الشرعي يتعامل مع قول الصحابي، ولذلك قال: يقدم على القياس لأنه نصٌّ والنصُّ مقدم على القياس فصار القياس في مخالفة قول الصحابي قياس فاسد الاعتبار لأنه في مقابلة الأصل إذ لا قياس مع النص فإذا وُجِد قول الصحابي لا نقيس. (ويُخَصُّ به العموم) لأن النصوص لا تُخَصُّ باجتهاد واحد لأنها حجة على من خالفها، فإذا خُصَّ به إذا كان حجة حينئذٍ صار مخصصًا للعموم، (وهو قول مالك، وقديم قولي الشافعية، وبعض الحنفية، ويُروى خلافه) أنه ليس بحجة لجواز الخطأ عليهم كغيرهم ولم تثبت عصمتهم هذا المحل هنا، هل ثبتت عصمة الصحابة أو لا؟ لم تثبت، وكل دليل دلّ على فضلهم لا يستلزم العصمة البتة وإنما تكون المتابعة لمن ثبتت عصمته ولا عصمة هنا وإنما تكون العصمة في اتفاق الأمة في إجماعهم. (ويُروى خلافه، وهو قول عامة المتكلمين، وجديد قولي الشافعي واختاره أبو الخطاب) لكن هذا لا يلزم منه إذا لم يكن حجة أن لا يُستأنس بقول الصحابي، فإذا وُجِدَ قولٌ للصحابي ولم يعلم له مخالِف ولم يشتهر فالأولى أن لا يتجاوزه المرء، أمَّا أن يكون حجة ملزِمَة. (وقيل: الخلفاء الأربعة) ولو كان هناك خلاف، يعني: يعتبر حجة. (وقيل: أبو بكر وعمر) أمَّا الأربعة للنص الذي ذكرناه سابقًا: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين»، (وقيل: أبو بكر وعمر) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»، والاقتداء لا يلزم منه المتابعة مطلقًا. إذًا قول الصحابي مختلف فيه هل هو حجة أم لا؟ والظاهر أنه ليس بحجة لكنه يستأنس به مطلقًا.
(7/53)

(فإن اختلف الصحابة على قولين)، يعني: في مسألةٍ على قولين فليس قول أحدهما حجة على الآخر بالإجماع، الصحابي لا يحتج بقوله على قول صحابيٍّ آخر قال: (لم يجز للمجتهد الأخذ بأحدهما)، يعني: بأحد القولين من غير دليل لأن قولي الصحابة ليس بأقوى من دليلين في الكتاب والسنة تعارضَا، حينئذٍ لا بد من دليل مرجح فإذا اختلف الصحابة على قولين أو ثلاث حينئذٍ رجعنا إلى الكتاب والسنة: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]، هذا النص عام في الصحابة وفي غيره، ولذلك لا يجوز تقليد واحد منهما وهو صحابي فكيف من بعده، (لم يجز للمجتهد الأخذ بأحدهما إلا بدليل)، يعني: مرجِّح. (وأجازه بعض الحنفية والمتكلمين ما لم ينكر على القائل قوله)، (ما لم ينكر) أجازه، يعني: أجاز الأخذ بأحد قولي الصحابة وتقليده في ذلك إلا إذا أُنكر على القائل قوله، يعني: قال ابن عمر قول وقال ابن عباس وأنكر ابن عمر قول ابن عباس، حينئذٍ لا يأخذ، وأمَّا إذا نقل القولان ولم يعلم أن أحدهما أنكر على الآخر حينئذٍ جاز وهذه كلها تفريعات لا دليل عليها.
(7/54)

ثم قال: (والاستحسان وهو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص). الاستحسان لغةً: عدل الشيء حسنًا، استحسنت كذا إذا اعتقدته حسنًا. والصحيح: أنه ليس بدليل برأسه. الاستحسان ليس بدليل برأسه لأنه عرَّفه بشيء يرجع إلى ما سبق لأنه استحسان، يعني: تعد الشيء حسن، هذا حسن ترى أنه مشروع لكن قال هنا: (العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص). إذًا له سند، فإذا عدلت يعني: استثني من أصل كالعرايا مثلاً نقول: هذا استحسان لكنه استحسان ماذا؟ مبني على دليل، فالخروج بمسألةٍ عن نظائرها لدليل لا إشكال فيه ولا يحتاج إلى إفراده بأصلٍ منفرد مستقل وإنما هو داخل فيما سبق، وأمَّا إذا لم يكن بدليل فهو تحكم وهوى. وإذا كان كذلك حينئذٍ يفصل فيه على ما ذكر. الاستحسان الذي لا ينبني على دليل شرعي فهو هوى ولا يصح أن يكون محلاً لأخذَ للأحكام الشرعية وإن كان بدليل حينئذٍ صار داخلاً فيما سبق. (العدول بحكم المسألة عن نظائرها)، يعني: ترجيح دليلٍ على دليل نعارضه بمرجح معتبر شرعًا، (قال القاضي)، يعني: يعقوب وليس القاضي أبا يعلى: (الاستحسان مذهب أحمد رحمه الله وهو أن تترك حكمًا إلى حكم هو أولى منه، وهذا لا ينكره أحد)، أيْ: الاستحسان بهذا المعنى متفقٌ عليه وليس مذهب أحمد فقط، نعم هذا يستحسن إذا كان بدليل تترك حكم إلى حكم بدليل وأمَّا هكذا تشهيًا فهذا لا يعتبر سندًا شرعيًا، (وقيل: دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يمكنه التعبير عنه) وهذا وسوسة لا يجوز الأخذ به البتة، بمعنى أنه ينقدح في نفسه وهو ما يعبر عنه البعض: تطمئن إليه النفس. نقول: هذا لا يعتبر دليلاً شرعيًا وهو ما يُسمى بالإلهام. وقد اختلف قول شيخ الإسلام فيه مرةً أيده، ومرة خالفه. فما أيده يُحْمَلُ على أنه في نفسه، يعني: الاثم ما حاك في النفس إلى آخره، قال: هذا سند هذه المسألة، إن اطمأنت نفسك مع تكافئ الأدلة إلى قول بهذا القيد تكافئ الأدلة مع قولٍ فتعمل به للاطمئنان في نفسك وأمَّا الفتوى فلا، يعني: لا تفتي به غيرك وأمَّا في نفسك فلا بأس، (دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يمكنه التعبير عنه) وهذا غريب، (وليس بشيء)، يعني: ساقط.
(7/55)

نعم وهو كذلك، (وقيل: ما استحسنه المجتهد بعقله) والعقل ليس مصدرًا من مصادر التشريع ولو كان مجتهدًا فهو مردود عليه، (وحكي عن أبي حنيفة أنه حجة) تمسكًا بقوله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 18]، هذا غريب رحمه الله تعالى لورود الآية في معرض الثناء والمدح لمتبع أحسن القول، (كدخول الحمام بغير تقدير أجرة وشبهه)، يعني: حمام البيوع التي لم يقيد فيها شيء معين هذه فيها شروط لكنها شروط عرفية، مثلاً تركب مع السائق الأجرة ولا تتفق معه هذا لا يجوز الأصل، الأجرة العقد لا بد أن يكون الثمن معلومًا لكن إذا كان ثَمَّ عرف في الأجرة مثلاً بكذا ريال حينئذٍ تركب مباشرة وتذهب ويوصلك وتخرج المال وتعطيه لا خلاف بينكما، حينئذٍ عدم اشتراط الثمن هنا لفظًا لكنه مشترط عرفًا، وهذا لا يسمى استحسانًا وإنما يعتبر فيه العرف، العُرف كالشرط الشرط العرفي كالشرط اللفظي، (كدخول الحمام بغير تقدير أجرة وشبهه)، ونقول: هذا معلوم بالعرف، وأبو حنيفة يراه استحسانًا وليس بالصحيح بل هو داخل في قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275]، فهو من العقود التي أباحها الله ولاضطراد العرف كالشرط اللفظي.
(7/56)

ثم قال: (والاستصلاح وهو إتباع المصلحة المرسلة) مصلحة كالمنفعة وزنًا ومعنًى، ما المراد بالمصلحة؟ المنفعة وزنًا ومعنًى فهي مصدر بمعنى الصلاح، أو هي اسم للواحدة من المصالح والمرسلة من الإرسال بمعنى الإطلاق، يعني: التي أطلقها الشرع فلم يقيدها باعتبارٍ ولا إلغاء، بعض الأوصاف أو بعض المصالح قيدها الشارع بالاعتبار، وبعض المصالح نص الشارع على إلغائها وهذه مرسلة عن قيدٍ يعتبرها أو عن قيد يلغيها، والمراد بإتباعها بناء الفروع على مقتضاها التي تحقق نفعًا للعباد. قال: (الاستصلاح)، الاستصلاح: استفعال، وهو: طلب الصالح. فكلُّ ما فيه صلاح فإنه مشروع وما ليس كذلك فلا لكن ليس على إطلاقه ليس كل ما كان صالحًا في نظر المجتهد هو مشروع، بل لا بد أن يكون مقيدًا بدليل شرعي، يعني: لا بد أن يكون داخلاً تحت نص إمَّا عام إمَّا قياس إلى آخره، وأمَّا هكذا مجرد الهوى نقول: هذا تحكم. (وهو إتباع المصلحة المرسلة من جلب منفعة أو دفع مضرة من غير أن يشهد لها أصل شرعي) وهذا محل إشكال، (من غير أن يشهد لها أصل شرعي) إن كان المراد التنصيص فيمكن، وأمَّا إن كان من أصله لا تنصيصًا ولا ضمنًا ولا مطابقةً ولا دلالة بأيَّ أنواع من الدلالة نقول: هذا باطل، لماذا؟ لأنه تحكم، بمعنى: أنه إتباع للهوى. التشريع من حيث التحليل والتحريم أو بيان المصالح والمفاسد لا بد أن يكون منوطًا بالشرع، ولذلك في أول الكتاب قعَّدنا أنه لا حاكم إلا الله، يعني: لا موجب ولا محرم ولا يقول مندوب، حتى العالم ليس من حقه أن يقول: هذا واجب دون أن يكون مستندًا إلى دليل شرعي حينئذٍ هنا كذلك، (إتباع المصلحة المرسلة من جلب منفعة أو دفع مضرة من غير أن يشهد لها أصل شرعي)، يعني: نص معين. باعتبارٍ ولا إلغاء ولكنها تفهم من مقاصد الشريعة وعمومها. وهذا فيه نظر ظاهر (وهو)، أيْ: الاستصلاح أو إتباع المصلحة المرسلة إمَّا ضروري، وإمَّا حاجي، وإما تحسيني يعني: ثلاثة أنواع. إمَّا ما يتعلق بالضروريات الخمس، وإمَّا أن يتعلق بالحاجيات، وإمَّا أن يتعلق بالتحسينيات. إمَّا ضروري: (كقتل الكافر المضل) هل: يقال إن هذا استصلاح أو يقال ثابت بالدليل الشرعي قتل الكافر المضل؟ هو يقول: استصلاح، يعني: لم يشهد له أصل شرعي. المثال فيه نظر بل هو دالٌّ بالنص الشرعي، (كقتل الكافر المضل) ثبت بالدليل الشرعي: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا} [المائدة: 33]، والكافر المضل ساعٍ في الأرض بالفساد ولا شك، حينئذٍ يكون داخلاً في النص وعقوبة المبتدع الداعي (حفظًا للدين) كذلك هذا داخل في التعاذير العامة، (والقصاص حفظًا للنفس) هذا بالنص، (وحد الشرب حفظًا للعقل، وحد الزنا حفظًا للنسب، والقطع حفظًا للمال) هذه كلها ثابتة بالدليل الشرعي وليست بالاستصلاح وهذه المراد منها هنا الأحكام الشرعية حفظ الضروريات، يعني: الدين.
(7/57)

وحفظ النفس والمال، (فذهب مالك وبعض الشافعية إلى أن هذه المصلحة حجة)، يعني: حجة في نفسها، (والصحيح أنه ليس بحجة)، يعني: لو استدل على هذه المسائل كلها لا بالدليل الشرعي وإنما بالنظر والحكم العقلي ما يسمى بالمصلحة المرسلة، نقول: هذا غير مقبول بل هو مفروض، وإنما نستدل بالدليل الشرعي فإذا استدل بالدليل الشرعي حينئذٍ لا وجود للمصلحة المرسلة، فكل ما ترتب على حفظ الضروريات فهو منصوص بالشرع إمَّا بألفاظ مطلقة وإمَّا بألفاظ عامة ولذلك قال: (والصحيح أنه ليس بحجة).
ثم قال: (وأما الحاجي) نسبة إلى الحاجة (كتسليط الولي على تزويج الصغيرة لتحصيل الكفء خشية الفوات)، يعني: يجبرها الولي المراد به الأب في المذهب عندنا أمَّا غيرهم فلا، (على تزويج الصغيرة لتحصيل الكفء خشية الفوات)، يعني: له أن يجبرها ولو لم يرد نص، وإنما من باب الاستصلاح وهذا مما تحصل به الحاجيات لأنه ليس بالضروريات فالمثال فيه نظر، (أو تحسيني) نسبة للتحسين والتزيين (كالولي في النكاح صيانة للمرأة عن مباشرة العقد الدال على الميل إلى الرجال)، يعني: الولي في النكاح إنما جيء به من أجل أمرٍ تحسيني لئلا يُظَنَّ بالمرأة أنها تميل إلى الرجال وهذا شيء مستبشع حينئذٍ جيء بالولي يكفها عن ذلك المعنى الذي يظن بها، (فهذان لا يتمسك بهما بدون أصل، بلا خلاف)، يعني: كأنه يقول لك: الاستصلاح إنما يكون في الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات. أمَّا الحاجيات، والتحسينيات فلا بد من أصل فلا يكون حجة إلا بأصلٍ شرعي، وأمَّا حفظ الضروريات فقد يكون بدليل شرعي وقد يكون بالاستصلاح، والصواب أن الاستصلاح لا يكون حجة هنا. (ومما يتفرع عن الأصول المتقدمة القياس).
والله أعلم وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد.
(7/58)

عناصر الدرس
* القياس: تعريفه، وأركانه.
* شروط الجامع.
* طرق إثبات العلة.
* الاستنباط.
* أصول المصالح.

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
وقفنا عند قول المصنف رحمه الله تعالى: (ومما يتفرع عن الأصول المتقدمة القياس). يعني: أن القياس من الأدلة الشرعية لكنه ليس دليلاً مستقلاً بذاته وإنما هو تابع لما سبق، ولذلك جعله ابن قدامة رحمه الله تعالى في ((الروضة)) من معقول اللفظ.
القياس في اللغة قال المصنف هنا: (وأصله التقدير). يقال: قاس الثوب بالذراع إذا قدره به. وكذلك يقال: فلان لا يقاس بفلان. أي: لا يساويه. حينئذٍ يأتي بمعنى التقدير، وكذلك يأتي بمعنى المساواة، ولو ذكر المساواة أولى من التقدير لأنه هو الموافق للمعنى الاصطلاحي لأن من عرفه بحمل فرع على أصل أو إثبات حكم الأصل في الفرع أو رد الفرع إلى الأصل أو حمل معلوم على معلوم تعبير فيه شيء من الصحة صحيح لكن يرد عليه أنه هذا من قبيل ذكر الشيء بثمرته لأن الحمل هذا ثمرة، وكذلك الإثبات ثمرة والأصح أن يقال: تسوية فرع بأصل. إذًا الأولى أن يذكر المصنف وأصله التقدير والمساواة، حينئذٍ يكون المعنى الثاني هو المراد هنا إذًا يقال: فلان لا يقاس بفلان. أي: لا يساويه. فإذا كان بمعنى التقدير والمساواة فحينئذٍ صار مشتركًا لفظيًّا بين المعنيين وبعضهم أطلقه بمعنى التشبيه وهذا لا بأس به لكنه لا يؤخذ التشبيه في حد القياس لأنه إن كان القياس من أنواع التشبيه وأنه حمل النظير على نظيره إلا أن التسوية ألحق بـ أو ألصق بالحدِّ.
(8/1)

تعريفه قال: (وهو: حمل فرع على أصل في حكم لجامع بينهما). (حمل فرع) حمل المراد به الإلحاق إلحاق فرع بالأصل وإثبات حكم الأصل للفرع، وهذا الاتحاد اشتمل على أركان القياس الأربعة: فرع، وأصل، وحكم الأصل، والجامع بينهما. حينئذٍ استوفى هذا الحد الأركان الأربعة التي وضعها أو اتفق الأصوليون على أنها لا بد منها في حقيقة القياس لكن قوله: (حمل فرع). لو قال: تسوية فرع بأصل. لكان أقرب من القول بالحمل، وإن فسر الحمل بالإلحاق إلحاق فرع بأصل (على أصل) (حمل فرع على أصل في حكم) والحكم هنا أطلقه المصنف ويشمل الحكم التكليفي والحكم الوضعي (لجامع بينهما) (لجامع) هذا متعلق بقوله: (حمل). وكذلك قوله: في حكم متعلق بحمل. كلا جارين متعلقان بالحمل وهو مصدر (لجامع بينهما) يعني: لعلة جامعة بين الأصل والفرع. حينئذٍ تحقق في هذا الحد الأركان الأربعة التي سيأتي ذكرها على جهة التفصيل، وقيل في حده وهذا الذي قدمه المصنف هو الأولى أنه حمل فرع لكن يعد القول حمل تسوية فرع بأصل (وقيل) وضعفه بقوله: (وقيل: إثبات حكم الأصل في الفرع لاشتراكهما في علة الحكم). (إثبات) المراد بالإثبات إدراك النسبة بين الفرع والأصل، والمراد بالإدراك هنا مطلق الإدراك أي: سواء كان على جهة الإيجاب أو النفي أو كان على جهة القطع أو الظن. إذًا الإثبات هنا يشمل إثبات على جهة الإيجاب، يعني: إثبات حكم. أو على جهة النفي يعني: نفي حكم وسواء كان على جهة القطع أو على جهة الظن حينئذٍ إثبات المراد به مطلق إدراك النسبة (إثبات حكم الأصل في الفرع)، إذًا حكم الأصل يكون معلومًا وحكم الفرع يكون مجهولاً (لاشتراكهما في علة الحكم) (لاشتراكهما) أي: الأصل والفرع. (في علة الحكم) أي: علة حكم الأصل. يعني: الذي من أجله شرع الحكم في الأصل. وهذا الحد كما ترى كسابقه اشتمل على الأركان الأربعة إلا أنه عبر بالإثبات والحمل فأورد على الحدين أن الحمل والإثبات ثمرة القياس، وأما القياس فإنه مساواة الفرع للأصل ويدل عليه أنه لغةً المساواة فالأولى حده بذلك، والجواب: أن ما ذكر ملزوم للمساواة ولا مشاحاة في الاصطلاح. بمعنى أنه أطلق الملزوم وأريد به اللازم لكن هذا بعيد في الحدود الأولى التعريف بالمساواة (وقيل) في الحد حد القياس (حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما لجامع بينهما من إثبات حكم أو صفة لهما أو نفيه عنهما) وهذا حد طويل وقال: (وهو بمعنى الأول).
(8/2)

بمعنى الأول إلا أنه فصل إلا أنه زاد تفصيلاً (حمل معلوم) المراد بالمعلوم هنا الفرع (على معلوم) المراد به الأصل معلوم الفرع معلوم من حيث ماذا؟ من حيث الحكم أو من حيث حقيقته؟ من حيث الحقيقة والماهية فرع وكونه معلومًا لا فائدة به هنا لا فائدة به البتة والأصل أنه إذا كان معلومًا أن يكون معلوم الحكم وليس بمراد هنا لأنه لو كان معلوم الحكم لانتفى القياس لأن من شرط صحة القياس أن يكون الفرع مجهول الحكم لا حكم له، وإنما يكون الحكم معلومًا في الأصل لا في الفرع فإذا علم في الفرع انتفى القياس لأن القياس جئنا بالأصل والفرع والعلة والجامعة والتحقيق وهذه كلها مسائل من أول القياس إلى آخره من أجل أن نصل إلى حكم الفرع كل العملية هذه من أجل أن نصل إلى حكم الفرع لأنه مجهول عندنا فإذا كان معلومًا والأصل معلوم حينئذٍ ما الفائدة من القياس، وإن كان يذكره البعض يذكره من باب تكثير الأدلة، ولذلك تجد مثلاً في كتب الفقه وهذه مسألة مباحة أو واجبة أو كذا إلى آخره في الكتاب والسنة والإجماع والقياس يزيد القياس لماذا القياس ما دام الكتاب والسنة والإجماع ونحن نقول: إذا دل الكتاب والسنة والإجماع على حكم إذًا انتفى القياس فلماذا يقيسون؟ هنا يتركون هذا القيد وهو: كون الفرع معلومًا منصوصًا عليه في الكتاب والسنة من أجل ماذا؟ من أجل تكثير الأدلة ونقول: هذا الذي قيل فيه من أجل تكثير الأدلة باطل من أصله. لماذا؟ لأنه قياس دليل شرعي، وإذا كان دليلاً شرعيًّا حينئذٍ لا بد من استفاء الأركان التي دلت عليها الأدلة لأن الأصل فيما يذكر في باب القياس أنه لا يذكر إلا ما اقتضاه الدليل ما اقتضاه الشرع إما أنه محمول على النص أو إجماع أو معقول نصي أو معقول النص، إذًا (حمل معلوم) المراد بالمعلوم هنا الفرع (على معلوم) المراد به الأصل وعبر بالمعلوم ليشمل الموجود والمعدوم حمل في ماذا؟ قال: (في إثبات حكم لهما). (لهما) يعني: للأصل. كيف (حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما)؟ هل النتيجة أن نثبت حكمًا للأصل؟ لا، إذًا لماذا قال: (في إثبات حكم لهما)؟ هذا يرد على الحد إن كان المصنف هنا قال بمعنى الأول لكن فيه نظر لماذا؟ لأن قوله: (في إثبات حكم لهما). يشمل الأصل، والأصل لا يثبت له حكم في القياس وأنت قد جعلت إثبات الحكم داخلاً في ماهية القياس في حقيقة القياس وهذا إنما يكون خاصًا بالفرع لا بالأصل لأن الأصل يكون معلوم الحكم إذًا قوله: (في إثبات حكم لهما). فيه نظر الصواب أن يقال: في إثبات حكم للمعلوم الأول. الذي هو الفرع، وأما الأصل فهو معلوم (أو نفيه عنهما) يعني: عن الأول والثاني لأن الحكم إما أن يكون بالإثبات وإما أن يكون بالنفي ثَمَّ أمثلة لا فائدة من ذكرها إما أن يكون الحكم بالإثبات وإما أن يكون بالنفي (لجامع بينهما) يعني: بين الأصل والفرع، وهو العلة أو الوصف الجامع بين الأمرين [(من إثبات حكم) يعني: بين نعم] (1) (لجامع بينهما) يعني: بين الأصل والفرع.
__________
(1) سبق.
(8/3)

(من إثبات حكم أو صفة لهما أو نفيه عنهما) هذا تفصيل للجامع الجامع ما الذي يكون جامعًا بين الأصل والفرع في الحكم؟ ما هي العلة؟ العلة قد تكون وصفًا وقد تكون حكمًا شرعيًّا والوصف قد يكون وصفًا وجوديًّا وقد يكون وصفًا عدميًّا والحكم قد يكون بالإثبات وقد يكون بالنفي هذا المراد به ماذا؟ تفصيل الجامع بين الفرع والأصل وهذه سيأتي ذكرها فيما يأتي (من إثبات حكم أو صفة لها أو نفيه عنهما) أي: أن الجامع قد يكون عدميًّا كما يكون وجوديًّا وكما يكون حكمًا شرعيًّا كما يكون وصفًا كذلك يكون حكمًا شرعيًّا وكما يكون حكمًا شرعيًّا بالإثبات كذلك يكون حكمًا شرعيًّا بالنفي قال: (وهو بمعنى الأول). يعني: هذا الحد بمعنى الأولى. وفيه نظر والصواب أن يقال بأنه فيه شيء من الخلل ثم هو تطويل بغير طائل لأنه ذكر فروع للمسألة ذكر تفصيلاً للعلة مثلاً أو ذكر تفصيلاً للحكم، وهذا الأصل أن تصان الحدود عن هذا والغريب أن المصنف كتابه مختصر وذكر ثلاثة حدود والأول هو المعتبر بتبديل كلمة الحمل بالتسوية قال: (وهو بمعنى الأول وذلك أوجز). يعني: الأول أوجز من الثالث. (وقيل: هو الاجتهاد. وهو خطأ) هنا تأدب مع الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لأنه أُثِرَ عن الشافعي أنه قال: القياس هو: الاجتهاد. وهو خطأ لماذا؟ لأن الاجتهاد أعم من القياس الاجتهاد ليس هو القياس فحسب إنما هو أعم فكل قياس اجتهاد ولا عكس، الاجتهاد منه تخصيص العموم بالدليل الخاص، من الاجتهاد البحث والنظر في أي الدليلين ناسخ وأي الدليلين منسوخ كذلك في تقيد المطلق هذا كله اجتهاد تحقيق العلة في الفرع البحث عن العلة في الأصل، كل هذا يسمى اجتهادًا، حينئذٍ نقول: الاجتهاد أعم من القياس فليس هو القياس. (وقيل) والقائل الشافعي رحمه الله تعالى (هو الاجتهاد) يعني: بذل الجهد في استخراج الحكم. (وهو خطأ) وعليه على هذا القول قول الشافعي فالقياس هو: الاجتهاد. اسمان لمسمى واحد الاجتهاد هو عين القياس والقياس هو عين الاجتهاد وربما يقال بأن الشافعي رحمه الله تعالى أراد أن يبين أن حقيقة الاجتهاد التي يكون فيها بذل الوسع والنظر والتأمل إنما يكون في القياس، لأنه سيبحث عن علة، والعلة قد تكون منصوصة وقد تكون مستنبطة، ثم طرق استخراج العلة بالنقل بالعقل إلى آخره وهذه فيها شيء من الصعوبة يعني: ليس بالأمر السهل. لذلك قَلَّ من يفهم الكتاب والقياس فضلاً عن أن يطبقهم لصعوبته، حينئذٍ لعل الشافعي رحمه الله تعالى أطلق الاجتهاد مرادًا به أن حقيقة الاجتهاد من أراد أن يجتهد ويعرف نفسه مجتهد أو لا فلينظر حاله في باب القياس، حينئذٍ يكون من باب المبالغة كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الحج عرفة». وليس ببعيد الشافعي إمام في اللغة ويعلم وهو الذي وضع أصول الفقه أصلاً هو الواضع لأصول الفقه حينئذٍ يعلم أن من الاجتهاد ما هو تحقيق المناط وما هو تنقيح المناط وما هو تخريج المناط ويعلم التخصيص والتعميم والناسخ والمنسوخ كل هذه أبحاث يعلمها الشافعي رحمه الله تعالى والكلام في المتواتر ينسخ أو لا؟ كله من قبيل الاجتهاد كيف يقول: القياس هو الاجتهاد؟ نقول: هذا من باب «الحج عرفة».
(8/4)

والاعتذار عن الأئمة طيب، (والتعبد به جائز) دون غلو (والتعبد به) يعني: بالقياس. (جائز عقلاً وشرعًا) هل هو دليل شرعي أم لا؟ دليل شرعي، هل يتعبد بمعنى أن الله تعالى يوجب على العباد أن ينظروا في الدليل الأصل، فيبحثوا عن العلة ثم إذا وجدت [في حكم] (1) في فرع غير معلوم الحكم ووجدوا فيه العلة ثم بعد ذلك يسوى بين الفرع والأصل هل العقل يمنع هذا؟ لا يمنع بل يجيزه، ولذلك قال: (والتعبد به). يعني: إيجاب الله تعالى العمل بمقتضى القياس جائز عقلاً وشرعًا كإيجاب العمل في الكتاب والسنة تمامًا، كما أن الله تعالى أوجب على الخلق العمل بمقتضى الكتاب والسنة والإجماع كذلك أوجب على الخلق العمل بمقتضى القياس، ولذلك هو محل إجماع بين أهل العلم (والتعبد به جائز عقلاً وشرعًا عند عامة الفقهاء والمتكلمين خلافًا للظاهرية والنظّام) والتعبد به ذكروا له أدلة من الكتاب والسنة وكلها يمكن أن تناقش وهي استدلالات صحيحة لكن ناقشهم فيها ابن حزم رحمه الله تعالى لكن أقوى ما يستدل به هو الإجماع إجماع الصحابة، وإذا ثبت إجماع الصحابة على الاحتجاج بالقياس حينئذٍ لا خلاف لا لظاهري ولا للنظام ولا لغيرهما لا لمن هو أكبر منهما ولا من هو أدنى منهما وإجماع الصحابة السكوتي على أن القياس دليل من الأدلة الشرعية والاستدلال بالإجماع في إثبات القياس أقوى الأدلة لأنه لا يقبل النسخ ولا يحتمل التأويل بخلاف النص من الكتاب والسنة، ولذلك حاول ابن حزم أن يرد كل ما استدلوا به من الكتاب والسنة فإنه يقبل النسخ والتأويل وما لا يقبل شيئًا من ذلك فهو مقدم، ولذلك قال الرازي فخر الرازي وهو: الإمام. إذا أطلق عندهم انصرف إليه: الإجماع هو الذي يعول عليه جمهور الأصوليين. بمعنى أنه هو الذي يعول عليه جمهور الأصوليين في الاستدلال أو في الاحتجاج بالقياس، وقال الآمدي: الإجماع أقوى الحجج في هذه المسألة. وقال أكثر العلماء: إن إجماع الصحابة على العمل بالقياس يعد أقوى الأدلة على ثبوت حجيته ووجوب العمل به.
__________
(1) سبق.
(8/5)

وأما الأدلة الواردة من الكتاب والسنة فهي واضحة بينة بل قال ابن القيم رحمه الله تعالى: كل مثال في القرآن فهو دليل القياس. لأن القياس هو حمل نظير على نظير وكل تشبيه في القرآن فهو دليل على القياس وقل في ذلك ما شئت، ومن أصلح الأدلة في السنة وهي كثيرة ما جاء قول الأعرابي للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله ولد لي غلام أسود. فقال: «هل لك من إبل»؟ قال: نعم. قال: «ما ألوانها»؟ قال: حمر. يعني: جمع حمراء. قال: «هل فيها من أورق»؟ الأبيض الذي فيه شيء من السواد قال: نعم فأنى ذلك قال: «لعله نزعه عرق». قال: «فلعل ابنك نزعه عرق». هذا قياس واضح بين وسيأتي بعض الأمثلة في كلام المصنف رحمه الله تعالى، إذًا التعبد به جائز عقلاً وشرعًا عند عامة الفقهاء والمتكلمين خلافًا للظاهرية والنظام، وثَمَّ خلاف بين الظاهرية أيضًا فما هو الذي ينكر عندهم لكن على كلٍّ كل قولهم يعتبر باطل ثم أراد أن يبين محل القياس أين يكون؟ في ماذا؟ ولذلك نقول قولاً واحدًا: العقيدة لا قياس فيها. التوحيد ليس فيه قياس البتة وإنما ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى إذا وجد في العقيدة في باب الأسماء والصفات القياس فإنما يكون القياس الأَوْلَوِي، وإنما يصح القياس في التوحيد إذا استدل به على معرفة الخالق والمستعمل هو القياس الأولى وهو: كل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت للمخلوق فالخالق أولى به وكل نقص وجب نفيه عن المخلوق فالخالق أولى بنفيه عنه، هكذا قال ابن تيمية رحمه الله تعالى، إذًا إنما يجري القياس في الأحكام الشرعية العملية يجري في الأحكام الشرعية العملية كالاجتهاد الاجتهاد عمومًا والقياس نوع منه الاجتهاد لا يدخل العقائد البتة لا باب الأسماء والصفات ولا الإيمان ولا الإسلام ولا القضاء والقدر ولا غيرها وإنما وقع نزاع وهو الذي عناه ابن تيمية في بعض المواضع وقع نزاع في بعض المسائل الفرعية العلمية هل رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه؟ هل يسمع الميت أو لا يسمع؟ مثل هذه المسائل التي لا تعتبر أصول في باب المعتقد هذه التي وقع فيها اجتهاد من الصحابة ثم بعد ذلك منهم رجح ذا ومنهم من رجح القول الآخر، وأما أصول المعتقد فهذه لا يقال فيها البتة وما قد يفهم من كلام ابن تيمية أنه في بعض المواضع أطلق الكلام فيجب تقيده بما ذكر ثم لو لم يُقَيَّد فالأصل إتباع السنة وهو أن هذه المسائل لا اجتهاد فيها البتة فلا يأتي آت يقول: أنا أجتهد في باب الأسماء والصفات ولا في غيره. إذًا محل القياس هو: الأحكام الشرعية العملية. قال: (ويجري في جميع الأحكام حتى في الحدود والكفارات خلافًا للحنفية، وفي الأسباب عند الجمهور، ومنعه بعض الحنفية). (ويجري) أي: القياس. (في جميع الأحكام) أطلق المصنف بل أكده بـ (جميع) ثم ال هنا للعموم يعني: (الأحكام) جمع دخلت عليه ال فتعم وأكد ذلك بقوله: (جميع).
(8/6)

إذًا لا يستثنى حكم شرعيٌّ البتة (حتى) هذه إشارة للخلاف (حتى في الحدود والكفارات) وهذا قول الجمهور أن القياس يكون في الحدود وفي الكفارات لعموم الأدلة المثبتة للقياس كل دليل دل على أن القياس حجة فهو عام لم يُفَصِّل بالقياس في كونه يقع في كذا ولا يقع في كذا، إذًا حدود الكفارات قول الجمهور أن القياس يجري فيها قالوا: كقياس النباش على السارق. النباش من هو؟ الذي يسرق الكفن، ما وجد إلا الأكفان، يسرق الكفن، قالوا هذا ماذا؟ القبر هل هو حرز له أم لا؟ هذا الذي وقع فيه النزاع، هل القبر حرز للكفن أم لا؟ حينئذٍ إذا قيل بأنه حرز صار قياس النباش على السارق قياس واضح بين وإن لم يكن فلا، واللائط على الزاني، وقياس من أفطر في نهار رمضان بشرب على المجامع في نهار رمضان في وجوب الكفارة وقد قيل به، ومن زنا ببهيمة يقاس على من زنا بآدمية، إذًا يجري القياس في الأحكام ويدخل في الأحكام والحدود والكفارات والصواب أن الحدود والكفارات لا يدخلها القياس البتة وإنما هي مقصورة على النص فما جاء فيه حد وجب اقتفاء الأثر فحسب وما عداه لا يقاس عليه البتة لماذا؟ لفقد النص لعدم النص، ولا يظهر أن الشرع أراد فيما سكت عنه من الحدود أنه يجرى في إجراء الحدود على غيره لو كان كذلك لبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ولذلك الأصل في باب القياس كان ينبغي التنبيه عليه أن القياس كالميتة بمعنى أنه يلجأ إليه عند الضرورة، وإلا لو قيل بأنه قياس بهذه الصورة يجري في الأحكام كلها هذا شريعة ما بُيِّنَت، والشريعة لا شك أنها مبينة واضحة كاملة من كل وجه، لكن قد يطرأ فرع في زمن من الأزمان وخاصة في فقه النوازل فنحتاج إلى إلحاقه بماذا؟ بما هو منصوص عليه، وإلا كل ما ورد في الشريعة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فالأصل فيه كما قال ابن حزم رحمه الله تعالى: إن جاء النص فهو هو وإلا فالبراءة الأصلية. هذا ما كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه الزمن زمن التشريع وزمن كمال شريعة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] فالأصل حينئذٍ وقت التشريع أن يكون ما نزل هو المراد وما لم ينزل فيه شيء فالأصل على الحل والإباحة والبراءة الأصلية هذا الأصل فيه، وأما أن نبحث عن كل شيء لم ينص عليه ونلحقه بما نص عليه نقول: هذا فيه تكلف.
(8/7)

لذلك القياس كالميتة بمعنى أنه يلجأ إليه المجتهد عند حلول نازلة جديدة لم تقع فيما سبق حينئذٍ يحتاج إلى إثبات حكم لهذا الفرع فيبحث أَيُّ الأصول التي يمكن أن يلحق بها هذا الفرع بذلك الأصل، وأما فتح الباب هذا فيه نظر (حتى في الحدود والكفارات)، إذًا عرفنا أن الحدود مقصورة على ما جاء به النص وكذلك الكفارات، ولذلك انظر هنا قاسوا ماذا؟ قاسوا من أفطر بشرب أو أكل على من جامع بجامع ماذا؟ لأن كلاً انتهاك لحرمة الزمن ولو مشينا معاهم صحيح هذا حق لماذا؟ لأنه يحتمل في ظاهر النص أن ذاك لم يكن الكفارة من أجل كونه قد جامع وإنما لكون الزمن زمن حرمة وقد انتهكه، إذًا كل من انتهك زمن رمضان سواء كان بأكل أو شرب أو نحوه فتجب فيه الكفارة هذا من باب القياس نقول: لا ليس بصواب لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أن الكفارة إنما تعلقت بالجماع والجماع أشد ما يمكن أن يقع من المفسدات ولا مانع أن يكون الأشد يعلق به ما يكون كفارة، ولذلك الأكل والشرب قد الإنسان يمسك نفسه لكن الجماع قد لا يملك نفسه قالوا: يحتاج إلى رادع قوي. والله أعلم.
قال: (وفي الأسباب). كذلك يجري القياس في الأسباب لعموم الأدلة قالوا ماذا؟ كقياس اللواط على الزنا بجامع إيلاج فرج في فرج محرم شرعًا. كقياس اللواط على الزنا هذا سبب وهذا سبب بجامع ماذا؟ إيلاجه بجامع إيلاج فرج في فرج محرم شرعًا (وفي الأسباب عند الجمهور) كالسابق في الحدود والكفارات (ومنعه بعض الحنفية) يعني: منع بعض الحنفية القياس في السببية لماذا؟ لفقدان الجامع يعني: ليس بين سبب وسبب جامع بينهما فنحتاج أن نجعل أن هذا السبب الذي رتب عليه الشرع المسبب قد تضمن وصفًا حينئذٍ يكون هذا الوصف موجودًا في ذلك السبب، فلفقدان الجامع امتنع القياس (ومنعه بعض الحنفية) [قلنا وهو قول نعم] (1) (وفي الأسباب عند الجمهور، ومنعه) يعني: منع القياس على الأسباب. (بعض الحنفية) وهو الصحيح.
ثم قال أراد أن يفسر الإلحاق الذي ذكره فيما سبق وعبر عنه بالحمل (ثم إلحاق المسكوت بالمنطوق مقطوع) وما عداه فهو مظنون بمعنى أن الإلحاق إلحاق فرع بأصل قد يكون مقطوعًا به وقد يكون مظنونًا يعني: الأول لا يحتمل إلا الإلحاق، والثاني يحتمل أنه يلحق به ويحتمل أنه لا يلحق به. وهذا التقسيم يورده بعض الأصوليين بعبارة أخرى وهو أن القياس ينقسم باعتبار قوته وضعفه إلى قسمين: جلي، وخفي.
فالجلي هو الذي يكون بنفي الفارق ويكون مقطوعًا به.
والخفي يكون بنفي الفارق أو علة مستنبطة مختلف فيها ولا يكون نفي الفارق مقطوعًا به بل هو مظنون.
__________
(1) سبق.
(8/8)

ولذلك نقول: القياس الجلي هو ما قطع فيه بنفي الفارق المؤثر أو كانت العلة فيه منصوصًا أو مجمعًا عليه وهذا النوع الجلي لا يحتاج إلى التعرض فيه لبيان العلة الجامعة لذلك سمي بالجلي وهو ما يعبر عنه بمفهوم الموافقة فيما سبق معنا، وهذا النوع من القياس متفق عليه حتى ابن حزم رحمه الله تعالى ينكر القياس من أصله لكن هذا النوع يقول به، لأنه يجعله من مدلول اللفظ وقد سبق معنا، والصحيح أن دلالته دلالة لفظية [كقياس نعم] (1) كقياس الضرب ضرب الوالدين على التأفيف بجامع الإيذاء، قلنا: الصواب أنه ليس من باب القياس وإنما هو دلالة لفظية، كذلك قياس الإتلاف الحرق مثلاً حرق المال على أكل المال مال اليتيم قالوا: هذا قياس قيَاس جلي لأننا لا نحتاج إلى بحث في العلة وأنها موجودة في الأصل لأنه واضح كل من يسمع أو يقرأ أو يُخاطب يفهم المراد، فحينئذٍ أكل مال اليتيم لا شك أنه ليس المراد به الأكل يأكله فقط، بل المراد به إتلافه حينئذٍ سواء حرقه شربه أتلفه دفنه كل الحكم واحد فليس المقصود متعلق بالأكل فحسب حينئذٍ ما عدا الأكل نقول: اللفظ دل عليه ودلالته دلالة قطعية وهو نفي الفارق إذ لا فرق بين الأكل والإتلاف، والقياس الخفي هو ما لم يقطع فيه بنفي الفارق ولم تكن علته منصوصًا أو مجمع عليها لأن العلة نوعان: علة منصوص عليه يعني: جاء التنصيص عليه {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا} [المائدة: 32] جاء النص (سها فسجد) جاء التنصيص هنا وإن كان بالإيماء والتنبيه فالعلة تكون منصوصًا عليها وقد تكون مستنبطة والمستنبطة هذه قد يجمع عليها وقد يختلف فيها قد يكون ثَمَّ إجماع عليها وقد يختلف فيها إن كانت العلة منصوصة الأصل فيها أنه لا خلاف وإن كانت مستنبطة مجمع عليها القياس الذي توجد فيه العلة منصوصة أو مجمع عليها وهي مستنبطة يسمى قياسًا جليًّا ثم نفي الفارق بين الفرع والأصل إن كان مقطوعًا به فهو القياس الجلي وإن لم يكن مقطوعًا به فهو قياس الخفي.
النوع الثاني هذا القياس الخفي هو الذي وقع فيه النزاع وهو الذي شنع فيه ابن حزم على الجماهير وهذا النوع لا بد فيه من التعارض لبيان العلة وبيان وجودها في الفرع فيحتاج إلى مقدمتين:
الأولى: أن السكر مثلاً علة التحريم في الخمر، عندنا أصل فنحتاج إلى بيان علة الأصل هذه مقدمة وأنَّ الحكم الذي هو التحريم إنما جلب من أجل الإسكار هذه مقدمة هذه لا تثبت إلا بالأدلة الشرعية المقدمة الأولى لا تثبت إلا بالأدلة الشرعية.
المقدمة الثانية: وجود الإسكار في الفرع كالنبيذ مثلاً وهذه لا يشترط أن تكون ثابتة بأدلة شرعية بل قال تثبت بالحس الشم الذوق مثلاً أو بالعرف أو نحو ذلك.
__________
(1) سبق.
(8/9)

حينئذٍ المقدمة الأولى محصورة في الشرع والمقدمة الثانية قد تكون شرعية وقد لا تكون شرعية هنا قال: (ثم إلحاق المسكوت بالمنطوق). ما المراد بالمسكوت والمنطوق؟ المسكوت المراد به الفرع والمنطوق المراد به ما جاء التنصيص عليه وهو الأصل فهنا يعبرون عن الفرع بالمسكوت ويعبرون عن الأصل بالمنطوق (إلحاق) يعني: تسوية. المسكوت الفرع بالأصل المنطوق في الحكم مقطوع بمعنى أنه لا يحتمل الظن يعني: علم يقيني لا يحتمل الظن البتة مقطوع به (وهو مفهوم الموافقة) وقد سبق فيما سبق وضابطه يعني: ضابط هذا النوع الإلحاق المقطوع به وهو: القياس الجلي. أنه يكفي فيه نفي الفارق من غير تعرض للعلة يعني: يكفي أن تقول: لا فرق بين الضرب والتأفيف. يكفي هذا، يكفي أن تقول: لا فرق بين الضرب والتأفيف. في ماذا؟ في الحكم، بعلة؟ الإيذاء حينئذٍ نقول: يكفي. لا يحتاج أن تقول: إنما حرم الله التأفيف لعلة وهي بالاستنباط الأذى ثم بحثنا ونظرنا وتأملنا ووجدنا أن الأذية موجودة في الضرب بل هي أقوى إذًا لا بد من تسوية فرع. كل هذا محذوف اختصار إنما تقول: لا فرق بين التأفيف والضرب في الحكم وهو: التحريم. (وضابطه أنه يكفي فيه نفي الفارق من غير) (نفي الفارق) يعني: يقطع فيه بنفي الفارق المؤثر بالحكم (من غير تعرض للعلة) (من غير تعرض) يعني: من غير تعرض لبيان العلة الجامعة بين الفرع والأصل (وما عداه) وما عدا الإلحاق المذكور وهو أن يكون ماذا؟ أن تكون العلة مستنبطة مختلف فيها أو لا يقطع بنفي الفارق بل يكون مظنونًا يعني: يحتمل وإن كان في الظاهر إلحاق الفرع بالأصل إلا أنه يحتمل أن لا يكون ملحقًا إن لم يكن مقطوعًا به حينئذٍ يسمى قياسًا خفيًّا.
ثم قال: (وللإلحاق فيه طريقان). كيفية الإلحاق طريقان الإلحاق المراد به من حيث هو لا باعتبار كونه مقطوعًا أو مظنونًا وإنما الإلحاق من حيث هو إلحاق بقطع النظر عن كونه مقطوعًا به أو مظنونًا به له طريقان:
(أحدهما: نفي الفارق المؤثر) يعني: في الحكم بين الفرع والأصل (وإنما يحسن مع التقارب) يعني: بين الفرع والأصل.
(الثاني: بالجامع فيهما، وهو القياس) (بالجامع فيهما) يعني: في الأصل والفرع. (وهو القياس) يعني: المتفق على تسميته قياسًا.
إذًا الإلحاق من حيث هو إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق من حيث هو له طريقان: إما بالتعرض لنفي الفارق وهذا قد يكون مقطوعًا به وقد يكون مظنونًا أو نتعرض للعلة على ما ذكرناه في التفصيل السابق، والقياس الجلي لا نحتاج التعرض فيه إلى العلة لا تبرز أركان القياس وهذا فرع وهذا أصل العلة إلى آخره هذا كله يحذف وإنما تقول: لا فرق بين الفرع والأصل في هذا الحكم.
(8/10)

النوع الثاني لا لا بد من أركان القياس ولا بد من النظر في العلة والحكم الذي جلب من أجلها، ولذلك قال: (بالجامع فيهما). يعني: بالنظر في العلة التي هي جامع. الجامع يعبر به عن العلة. يعني: بالعلة فيهما. في الفرع والأصل نتحقق أولاً وجودها في الفرع ثم نثبت أن الشرع إنما حكم بالتحريم مسألة من أجلها ثم وجودها في الفرع ثم نسوي بين الفرع والأصل في الحكم (فإذًا) فإذا تقرر ذلك (أركان القياس أربعة) بالاستقراء والتتبع، والأركان جمع ركن عرفت أنها أركان بمعنى أنه لا يمكن وجود القياس بفوات واحد منها، وأركان جمع ركن والركن هو جانبه الأقوى الذي يعتمد عليه، يعني: لا توجد الحقيقة إلا بوجوده. والركن جزء الذات جزء الماهية الداخل فيها بمعنى أن الماهية تتوقف عليه توقف الماهية على ركنها كما أن الماهية تتوقف على شرطها لكنه خارج عنها فاشتركا الركن والشرط في توقف الماهية عليهما إلا أنه في الأول من باب توقف الماهية على ركنها وفي الثاني من باب توقف الماهية على شرطها، والركن جزء الذاتي وشرط خرج خَرج عن الماهية، إذًا أركان القياس أربعة.
(8/11)

الركن الأول: ((الأصل) وهو) أي: الأصل. (المحل الثابت له الحكم) يعني: محل الحكم المشبه به. عندنا أصل الخمر عندنا فرعه النبيذ نحن شبهنا النبيذ بالأصل وهو الخمر، ولذلك قال: (وهو). أي: الأصل. (المحل الثابت له الحكم الملحق به) يعني: الفرع المشبه به الفرع. (كالخمر مع النبيذ) فالخمر أصل وهو محل ثابت له الحكم وهو التحريم الملحق به النبيذ في الحكم وهو التحريم، إذًا الخمر أصل والنبيذ فرع، وله شرطان: (وشرطه أن يكون معقول المعنى لِيُعَدَّى) (وشرطه) يعني: شرط حكم الأصل. (أن يكون معقول المعنى) يعني: معلل. لأن الأحكام الشرعية نوعان: أحكام تعبدية غير معللة، وهي التي يعبر عنها بعض الفقهاء غير معقولة المعنى بمعنى لا ندري لم حكم الله تعالى في هذه المسألة بكذا وكذا؟ كالصلوات الخمس، لماذا خمس لا تكون ست؟ لا تكون أربعة؟ لماذا الفجر ركعتان أربعة ... إلى آخره نقول: هذه كلها أحكام تعبدية غير معقولة المعنى هذه لا يجري فيها القياس قولاً واحدًا، وإنما يجري القياس في النوع الثاني وهو ما كان معقول المعنى يعني: أدرك العقل بواسطة الشرع أو به أدرك العقل أن الحكم إنما جلب لمناسبته وهو الإسكار مثلاً في الخمر حينئذٍ نقول: هذا النوع هو الذي يصح أن يكون أصلاً والنوع الأول لا يصح أن يكون أصلاً، إذًا شرطه أن يكون معقول المعنى يعني: الحكم الثابت للأصل. (معقول المعنى لِيُعَدَّى) (معقول المعنى) أي: يدرك الفعل السبب في شرعيته أو بإيماء النص ونحو ذلك مما تدرك علته، قال: (لِيُعَدَّى). يعني: يعدا حكم الأصل إلى الفرع، إذًا العلة هي التي بسببها يتعدى الحكم من الأصل إلى الفرع. أشبه ما يكون بالسيارة التي يسير عليها الإنسان حينئذٍ نقول: العلة هي السبب الذي من أجله يعدا الحكم من الأصل إلى الفرع فلولا وجود العلة في الفرع لما عدي الحكم من أصله إلى فرع، إذًا شرطه الأول هذا مهم جدًا (أن يكون الحكم الثابت للأصل معقول المعنى لِيُعَدَّى، فإن كان تعبديًّا لم يصح القياس عليه) تعبدي مثل ماذا؟ قالوا: كنقض الوضوء بأكل الإبل. نقض الوضوء بأكل إبل هذا حكم تعبدي على الصحيح غير معقول المعنى لا ندري لم علق الشارع نقض الوضوء بأكل لحم الإبل فلو قال قائل: الخنزير نجس، الخنزير محرم فينقض الوضوء قياسًا على الإبل بل من باب أولى. نقول: هذا القياس باطل، ولذلك نقول: الحكم تعبدي فلو أكل لحمًا نجسًا، لو أكل خنزيرًا مثلاً هل ينقض أو لا وكان متوضئًا؟ لا ينقض الوضوء الصحيح قيل به قياسًا على الإبل نقول: الصواب أنه لا ينقض الوضوء. لأن نقض الوضوء حكم تعبدي بمعنى أن مفسدات الوضوء كلها تعبدية لا مجال للاجتهاد فيها البتة، ولذلك تجد الفقهاء من يتبع النص يقول: هذا مفسدًا أو ليس بمفسد؟ الأصل عدم الإفساد، عدم النقض، عدم الإبطال، فلا نبطل إلا بدليل شرعي واضح بين فإذا تردد في الناقض هل هو ناقضًا أو لا؟ رجحنا أنه ليس بناقض لأن الأصل عدم النقض، إذًا لو قيس أكل لحم الخنزير في الإبطال على الإبل نقول: هذا قياس باطل.
(8/12)

الشرط الثاني قال: (وموافقة الخصم عليه). وهذا فيما يتعلق بالمناظرات لا يعنينا، بمعنى أنه إذا أراد أن يناقش ويبحث مع شخص ما تناظرا حينئذٍ يسمى أدب، وهو أنه لا بد أن يكون الخصم موافق عليه على الحكم السابق (وموافقة الخصم عليه) أن يكون الحكمُ الحكم الأصلي ثابتًا بدليل متفق عليه بين الخصمين، أي: المتناظرين في مسألة فيها قياس. فإن لم يكن خصم فالشرط ثبوت الحكم للأصل بدليل يقول به القائس، إذا لم يكن وجد خصم أو لا إنما تقول بإثبات الحكم للأصل بدليل شرعي صحيح سلم به الخصم أو لم يسلم، لكن من أجل درع التشعب في باب المناظرات لا تناقش مسألة يخالف في الأصل الذي تناظره فيه وإنما تنطلقان من شيء مسلم فيه ثم بعد ذلك تصلان إلى المختلف فيه، فإذا كان الأصل مختلفًا فيه فمن باب أولى أن لا تسيرا إلى النتيجة، ولذلك قيل: (وموافقة الخصم عليه). لا كل الأمة (فإن منعه) يعني: الخصم منع الحكم. (وأمكنه إثباته بالنص جاز) هو الأصل هذا، الأصل أن يثبته بالنص (فإن منعه) أي: منع الخصم حكم الأصل. (وأمكنه) أي: المستدل. والمعنى أنه ينتقل إلى مسألة أخرى وهي: إثبات حكم الأصل لكن بالنص جاز له ذلك. يعني: يجوز للمستدل أن يثبت حكم الأصل بدليل معتمد وليس طريق إثبات حكم الأصل مقصورًا على الاتفاق قال: (لا بعلة عند المحققين). يعني: إثبات الحكم لا يكون بالعلة لأنها مختلف فيها (وقيل: الاتفاق شرط) يعني: فلا يكفي إثبات حكم الأصل بالنص على كلٍّ هذه المسألة أدبية لا شرعية، إذًا الأصل يشترط فيه شرط واحد أن يكون معقول المعنى ليعدى فإن كان تعبديًا لم يصح.
((الفرع)) وهو الركن الثاني قال: (وهو لغةً ما تولد عن غيره وانبنى عليه). (ما تولد) لأنه يقابل الأصل والأصل ما يبنى عليه غيره أو ما بُني عليه غيره وهو ما تفرع ما عندكم؟

ما مصور؟

لا.
.
(و (الفرع): وهو لغة) علة الأصل فيه من أجل تعدية الحكم، لأننا كما ذكرنا أن الوصف هو الجامع بين الفرع والأصل حينئذٍ نثبت أولاً وجود الحكم في الأصل لوجود العلة ثم نثبت وجود العلة في الفرع، ولذلك قال: (وشرطه: وجود علة الأصل فيه). ويكفي الظن ولا يشترط القطع يكفي الظن ولا يشترط فيه القطع (وشرطه: وجود علة الأصل فيه) لأنه مناط تعدية الحكم إليه وإلا فلا قياس.
(8/13)

(و (الحكم)) هذا الركن الثالث والمراد به حكم الأصل لا حكم الفرع، حكم الفرع مجهول وهنا الذي يدخل معنا في الأركان هو: حكم الأصل. لا بد أن يكون معلومًا (و (الحكم)) أي: حكم الأصل وهو: الحكم الشرعي الذي ورد به نص من كتاب أو سنة أو إجماع. (وهو الوصف المقصود بالإلحاق) الوصف الذي يراد إلحاق الفرع بالأصل فيه لأن الأحكام الشرعية أوصاف فتصف ذاك الفعل بالإيجاب والإيجاب وصف، والندب وصف، والكراهة وصف، والتحريم وصف، والإباحة وصف، لذلك عبر بالوصف فلا يشكل (وهو الوصف المقصود بالإلحاق) يعني: الوصف الذي يراد إلحاق الفرع بالأصل فيه كالتحريم بالنسبة للخمر حينئذٍ الخمر أصل والتحريم حكم الأصل نحن نريد أن نثبت هذا الحكم التحريم للنبيذ نعم (وهو الوصف المقصود بالإلحاق) وشرط الحكم أن يكون حكم الفرع مساويًا لحكم الأصل بمعنى أن تكون النتيجة واحدة متحدة لا يكون حكم الأصل الإيجاب ثم ننتج النتيجة حكم الفرع الندب أو حكم الأصل التحريم ثم يكون ماذا؟ حكم الفرع الكراهة نقول: هذا ليس بقياس، أين التسوية؟ أين الحمل؟ ليس عندنا حمل هنا اختلفا فلا يكون قياسًا (فالإثبات ركن لكل قياس والنفي إلا لقياس العلة عند المحققين لاشتراط الوجود فيها) الحكم قد يكون بالإثبات وقد يكون بالنفي تقول: هذا الماء ليس بمحرم. حكمت عليه بماذا؟ بالنفي ليس بمحرم حكم صحيح أو لا؟ حكم صحيح نعم، حكم شرعي؟ نعم حكم شرعي، هذا الماء مباح الشرب حكم شرعي هذا بالإثبات، إذًا زَيْدٌ قَائِمٌ هذا حكم بالإثبات، زَيْدٌ لَيْسَ بِقَائِمٍ هذا حكم بالنفي، فالحكم ليس محصورًا بالإثبات فقط وإنما يكون بالإثبات ويكون بالنفي قال هنا: (وهو الوصف المقصود بالإلحاق، فالإثبات ركن لكل قياس). (فالإثبات) أي: كون الحكم إثباتًا وليس بنفي ركن لكل قياس. يعني: صالح ويدخل قياس العلة وقياس الدلالة لكل قياس قصد به قياس العلة وقياس الدلالة بخلاف النفي فلا يكون ركنًا في قياس العلة، وإنما يكون في قياس الدلالة فقط (والنفي) يعني: الحكم كما يكون إثباتًا يكون نفيًا. لكن فيه تفصيل من حيث الركنية ودخوله في القياس أو لا (والنفي إلا لقياس العلة عند المحققين) يعني: والنفي الأصلي. النفي الأصلي يجري فيه قياس الدلالة دون قياس العلة والذي مضى معنا أولاً قلنا: العدم الأصلي البراءة الأصلية. هي التي عناها هنا النفي المراد به البراءة الأصلية العدم الأصلي أي: والنفي الأصلي يجري فيه قياس الدلالة دون قياس العلة فيستدل بانتفاء الحكم عن الشيء على انتفاء عن مثله، ويكون ذلك ضم دليل إلى دليل وإلا فهو استصحاب أي: ثابت بالاستصحاب مستغني عن الاستدلال والنظر.
(8/14)

وأما قياس العلة (والنفي إلا لقياس العلة) يعني: ثابت بقياس الدلالة. أو إن شئت قل: لكل قياس إلا قياس العلة. فحينئذٍ أدخل ماذا؟ أدخل قياس الدلالة فحسب لأن البراءة الأصلية قلنا: هي حكم ليس حكمًا شرعيًّا، وإذا كان كذلك حينئذٍ يمتنع أن يكون ثَمَّ علة لا يكون معللاً لأن الذي يعدا إلى الفرع لا بد أن تكون العلة شرعية والحكم الأصلي البراءة الأصلية التي هي قبل شرع قبل التكليف ليست منوطة بعلة شرعية فحينئذٍ كيف يتأتى قياس العلة فالحكم حكم الأصل غير معلل بل هو غير قابل للتعليل لأنه حكم قبل التشريع والفرع هذا موجود في الشريعة يعني: بعد الشرع. حينئذٍ يمتنع سحب العلة من الأصل إلى الفرع لعدم وجود علة شرعية معتبرة قبل الشرع (والنفي إلا لقياس العلة عند المحققين لاشتراط الوجود فيها) يعني: وجود العلة فيها في الفرع، كما أنها في الأصل أي: لا يأتي للنفي الأصلي وهو ما كان قبل ورود الشرع في قياس العلة، لأن قياس العلة يقتضي وجود علة شرعية، ولا علة شرعية قبل ورود الشرع فإن هذا النفي ثابت بالأصالة فلا علة له، (وشرطه) أي: شرط الحكم. (الاتحاد فيها قدرًا وصفة) (الاتحاد فيه) يعني: المساواة مساواة بين الفرع والأصل بأن يكون حكم الفرع مساويًا لحكم الأصل في العلة (قدرًا وصفةً) (قدرًا) أي: بلا تفاوت. (وصفةً) بأن تكون الصفة التي اقتضت علة الحكم موجودة في الفرع نوعًا أو جنسًا (قدرًا) يعني: بلا تفاوت. فلا يكون حكم الفرع الندب وحكم الأصل الإيجاب، ولا يكون حكم الفرع التحريم مثلاً والأصل أن يكون الكراهة لا بد من التساوي بين الحكمين في الفرع والأصل (وصفةً) بأن يكون الصفة التي اقتضت علة الحكم موجودة في الفرع نوعًا أو جنسًا، وسيأتي بحثه في تفصيله في العلة (وأن يكون شرعيًّا لا عقليًّا أو أصوليًّا) هذا الشرط الثاني أن يكون الحكم حكم الأصل شرعيًّا عمليًّا لا عقليًّا لأن العقلي لا ورود له هنا في الشرع، وإنما نريد ماذا؟ نثبت الأحكام الشرعية وسبق معنا القاعدة أن الحكم الشرعي محصور في الشرع لا حاكم إلا الله (أو أصوليًّا) أي: أن يكون الحكم عمليًّا والبراءة في الحكم الأصولي مسائل العقيدة يعني: أراد المصنف هنا بالحكم الأصولي لمن أراد به العقيدة حينئذٍ أن يكون الحكم شرعيًّا يعني: عمليًّا لا عقليًّا أو أصوليًّا عقديًّا، وهذه لا يرد فيها القياس.
(8/15)

ثم قال في الركن الرابع والأخير: (و (الجامع)). يعني: العلة الجامع بين الأصل والفرع. (وهو المقتضي لإثبات الحكم) يعني: الوصف المشتمل على الحكمة الباعثة على تشريع الحكم ثم بين نوع هذا الجامع قال: (ويكون حكمًا شرعيًّا، ووصفًا عارضًا، ولازمًا، ومفردًا، ومركبًا، وفعلاً، ونفيًا، وإثباتًا، ومناسبًا، وغير مناسب) سيفصلها كلها، هذه كلها أوصاف وأنواع للجامع بمعنى العلة قد تكون حكمًا شرعيًّا وقد تكون وصفًا عارضًا ... إلى آخر ما ذكره، إذًا الجامع بين الأصل والفرع (ويكون حكمًا) يعني: الجامع هذا أنواع. يكون حكمًا شرعيًّا نحو ماذا؟ تَحْرُمُ الخمر فلا يصح بيعها كالميتة فالجامع هو التحريم وهو حكم شرعيٌّ علل به حكم شرعي وهو فساد البيع، إذًا تحرم الخمر فلا يصح بيعها، لا يصح البيع هذا فرع إذا قيل: الخمرة حرام. حرام شربها حينئذٍ بيعها؟ بيع الخمر هذا فرع نحتاج إلى إثبات حكم له فحينئذٍ نقول: بيع الخمر كشربها. حينئذٍ نأتي بالحكم الأصلي وهو: الشرب المعلق على شرب الخمر. فنعديه إلى ما سبق ما هو الجامع بينهما؟ الحكم الشرعي (ووصفًا عارضًا) كالشدة في الخمرة فهي علة التحريم وهي وصف عارض لأنه طرأ بعد إن لم يكن، (ولازمًا) كالأنوثة في ولاية النكاح بمعنى أنه لا ينفك لا يكون في وقت دون وقت، فإذا قيل: الإسكار علة الخمر. لا بد أن تكون الإسكار موجودة مع الخمر لا تنفك، وأما إن كانت تطرأ وتزول تطرأ وتزول فلا يصح التعليل بها، (ومفردًا) أي: من وصف واحد كالإسكار مثلاً. (ومركبًا) كالقتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص هذه مركبة قتل عمد عدوان فلو كان قتل عمد دون عدوان انتفى جزء من العلة (ومركبًا، وفعلاً) كالسرقة مثلاً وهي: علة للقطع. والقتل علة للقصاص (ونفيًا، وإثباتًا) أي: يجوز أن تكون العلة وصفًا منفيًا أو وصفًا مثبتًا نحو الصبي لم ينفذ تصرفه لعدم رشده وهذا فيه نفيه، وكذلك حُرِّمَ الخمر للإسكار هذا فيه إثبات (ومناسبًا، وغير مناسب) (ومناسبًا) يعني: وجدت الحكمة مع العلة. لأن الحكم الشرعي يدور مع علته وجودًا وعدمًا قد تكون هذه العلة وُضِّحَ وَبُيِّنَ في الشرع الحكمة التي من أجلها جيء بهذه العلة، مثلاً السفر، القصر والإفطار هذا لعلة، القصر في السفر لعلة السفر ليس المشقة، والمشقة هذه حكمة، يعني: لما بنى الشرع القصر والفطر على وجود السفر وجعله علة؟ نقول: للمشقة. هذه المشقة قد توجد وقد لا توجد، حينئذٍ نقول: كون الحكم مرتبًا هنا على حكمة نقول: هذا يسمى وصفًا مناسبًا. وإن كان الوصف لم يظهر من الشرع الحكمة التي من أجلها علق الحكم عليه يسمى وصفًا غير مناسبًا، (ومناسبًا) أي: وجدت الحكمة مع العلة كالإسكار لتحريم الخمر. (وغير مناسب) وهو ما تخلفت فيه الحكمة عن العلة في بعض الصور، وهذا كالمشقة التي ذكرتموها المشقة هذه قد توجد في بعض الأسفار وقد لا توجد في بعض الأسفار لكن الشرع علق القصر بالسفر فلا قصر إلا بسفر.
(8/16)

ثم قال: (وقد لا يكون موجودًا في محل الحكم). (وقد لا يكون) يعني: الجامع. وقد لا يكون الجامع وصفًا فهو غير موجود، ولا يكون موجودًا في محل حكم إلا أنه يترقب وجوده (كتحريم نكاح الحر للأمة لعلة رق الولد) تحريم نكاح الحر للأمة، لماذا؟ لرق الولد، هو ما تزوج ولا ولد له وإنما حرم لشيء لم يوجد والعلة التي علق بها الحكم وهو: تحريم النكاح. غير موجودة وهي: رق الولد. هو لم ينكح بعد حينئذٍ نقول: حرم النكاح لعلة وهي: رق الولد. وهي معدومة غير موجودة واضحة هذه؟ (وله ألقاب) يعني: للجامع بين الفرع والأصل العلة لها ألقاب. (منها: العلة وقد سبق تفسيرها) يعني: تسمى علةً، وتسمى مؤثرًا، ومناطًا، ومظنة. ... إلى آخره لكن ينظر في هذه الألفاظ باعتبار ما زاد على اللفظ من حيث اللغة وإلا كلها مضطردة بمعنى واحد بمعنى أنه هو الذي علق عليه الحكم فإن وجد في الْفَرْعِ تبعه الحكم وإن لم يوجد فلا، سواء سميناها مظنة سميناها علة مؤثرًا وصفًا حكمًا كل هذا لا يؤثر، ولكن الأصوليون يتفننون في تغير العبارات (والمؤثر) سميت بذلك لأن لها تأثيرًا في الحكم (وهو المعنى الذي عرف كونه مناطًا) أي: علةً (للحكم بمناسبةٍ) يعني: لمناسبةٍ. حينئذٍ إذا كان الوصف مناسبًا قلنا فيما سبق: الجامع قد يكون مناسبًا وقد يكون غير مناسب، إن كان مناسبًا سمي مؤثرًا. يعني: يختص باسم عند الأصوليين وهو أنه يسمى مؤثرًا، لماذا؟ لأن اللفظ يفسر ذلك وهو أنه قد حصل له تأثير وهذا متى يكون؟ إذا كان الوصف له مناسبةٌ (والمؤثر: وهو المعنى) أي: الوصف. (الذي عرف كونه مناطًا للحكم) يعني: علةً للحكم. (بمناسبة) يعني: كون ذلك الوصف مظنة لتحقق حكمة الحكم.
(و (المناطُ)) هذا من ألقاب العلة، وأصل المناط موضع التعليق هذا الأصل (وهو من تعلق الشيء بالشيء) سميت العلة مناطًا لأنها مناط الحكم، أي: مكان نوطه. أي: تعليقه. يعني: علق الحكم بالإسكار، والإسكار وصف مناسب، والإسكار كذلك مؤثر كلها ألفاظ والمؤدى واحد لكن لكون الحكم قد علق عليها سميت مناطًا هي العلة نفسها (وهو) أي: المناط. (من تعلق الشيء بالشيء ومنه: نياط القلب لِعَلاَّقَتِه، فلذلك هو عند الفقهاء متعلق الحكم) يعني: تحريم الخمر تعلق بالإسكار، والإسكار يعتبر متعلق للحكم وهو: التحريم. (والبحث فيه) يعني: في الجامع. البحث فيه والاجتهاد في العلة قال: (إما لوجوده أو تنقيته وتخليصه أو تخريجه). هذه ثلاثة أنواع حينئذٍ الاجتهاد في العلة ثلاثة أنواع: تحقيق المناط، تنقيح المناط، تخريج المناط.
(8/17)

(والبحث فيه) يعني: في الجامع. (إما لوجوده وهو (تحقيق المناط)) أي: تحقيق العلة في الفرع. يعني: البحث في العلة في الفرع هل هي موجودة أو لا؟ يسمى ماذا؟ يسمى تحقيقًا للمناط، والمناط هي العلة هل هي موجودة في الفرع أو لا؟ فيبحث فينظر إما يبحث في أدلة شرعية أو يبحث في أدلة حسية أو عرفية لأنه لا يشترط في وجود العلة في الفرع أن يكون الدليل دليلاً شرعيًّا. (إما لوجوده وهو (تحقيق المناط)) وهو ما عرف فيه علة الحكم بنص أو إجماع فيحقق المجتهد وجود تلك العلة في الفرع (أو تنقيته وتخليصه من غيره وهو (تنقيح المناط)) يسمى تنقيح المناط، وهذا مهم جدًا ويقع فيه غلط، وتنقيح المناط بمعنى التنقيح، التنقيح في اللغة التهذيب والتصفية، حينئذٍ إذا كان التنقيح والتهذيب هو بمعنى التصفية، فحينئذٍ يفهم أن بعض العلل أو الأوصاف الشرعية التي علق الشارع الحكم عليها قد يختلط بها ما ليس منها فنحتاج إلى إخراج ما لم يكن علةً للحكم، ونحتاج إلى زيادة قد يكون بزيادة وقد يكون بحذف.
تنقيح المناط بمعنى التنقيح في اللغة يعني معناه هو المعنى اللغوي التهذيب والتصفية، فحينئذٍ يكون المراد به تهذيب العلة تصفيتها بإلغاء ما لا يصلح للتعليل واعتبار الصالح له مثل ماذا؟ القصة المشهورة التي يذكرها الأصوليون وهي: الأعرابي المجامع في نهار رمضان. ففي بعض رواياتها أنه جاء
أولاً: أعرابي. هذا واحد.
ثانيًا: جاء يضرب صدره وينتف شعره، ويقول: هلكت واقعت أهلي في نهار رمضان. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اعتق رقبة». هذه أوصاف النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اعتق رقبة». لهذا الشخص، إذًا لكونه أعرابيًّا خرج العجمي، لكونه جاء يضرب صدره، فمن جاء بروية لا يشمله الحكم ينتف شعره عمومًا شعر رأسه وجسده فمن لم ينتف لا يثبت له الحكم هذا يسمى ماذا؟ لا بد من إثبات، ما هو الوصف الذي يصلح أن يكون منوطًا للحكم الشرعي؟ حينئذٍ نحذف كونه أعرابي نقول: الشارع لا يفرق بين العربي والعجمي. إذًا كونه أعرابي لا أثر له في قوله: «اعتق رقبة». كذلك يضرب صدره لا أثر له، كذلك ينتف شعره ويقول: هلكت وأهلكت واقعت أهلي في نهار رمضان. هذا الذي جُعِلَ مناطًا للحكم، حينئذٍ يأتي الباحث أو الناظر أو المجتهد يقول: الوصف الأول مُلْغَى، والوصف الثاني الذي هو يضرب صدره وينتف شعره نقول: هذه الأوصاف كلها ملغاة. حينئذٍ يخص الحكم بشيء واحد هذا يسمى التنقيح التهذيب والتصفية (أو تنقيته وتخليصه من غيره وهو (تنقيح المناط)) قال: (بأن). الباء هذه للتصوير أراد أن يفسر التنقيح ما المراد به؟ قال: (بأن ينص الشارع على حكم عقيب أوصاف فيلغي المجتهد غير المؤثر). (ينص الشارع) كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اعتق رقبة». نص الشارع هنا النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اعتق رقبة». (على حكم عقيب أوصاف) وهذه الأوصاف مجتمعة (فيلغي المجتهد غير المؤثر) كقوله: يضرب صدره وينتف شعره ويقول: هلكت. (ويعلق الحكم على ما بقي) وهو كونه واقع في نهار رمضان، وهذا واضح.
(8/18)

(و (تخريجه)) وهو النوع الثالث من الاجتهاد علة (بأن ينص الشارع على حكم غير مقترن بما يصلح علة، فيستخرج المجتهد علته باجتهاده ونظره) بمعنى أن الشارع ينص على حكم ولا يذكر له علة، فيبحث ويبحث المجتهد من أجل استنباط علة يمكن أن يكون الشارع رعاها في ترتب الحكم على هذا الشيء هذا يسمى ماذا؟ يسمى تخريج، استنباط يعني تخريج العلة الشارع لم يذكرها، ولذلك قلنا: العلة نوعان: علة منصوص عليها، وعلة مستنبطة.
هذه التي نقول فيها علة مستنبطة بأن ينص الشارع على حكم وهذا الحكم غير مقترن بما يصلح علة يعني: لم يذكره علته معه فيستخرج المجتهد باجتهاده وبمسالك العلة الآتي ذكرها علته باجتهاده ونظره لمسلك المناسبة والإخالة.
(8/19)

(و (المظنة)) يعني: من ألقاب العلة [لا إله إلا الله] (و (المظنة) وهي من ظننت الشيء) أي: مشتقة من الظن وهو خلاف اليقين (وقد تكون بمعنى العلم، كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ}) يعني: ظن تأتي لإدراك الراجح وتأتي بمعنى العلم، تأتي لهذا أو ذاك (وتارة بمعنى رجحان الاحتمال) أي: رجحان أحد الاحتمالين على الآخر بحيث يكون أقرب إلى اليقين، (فلذلك هي الأمر المشتمل على الحكمة الباعثة على الحكم) (فلذلك) الفاء للتفريع يعني: لما كانت المظنة من ألقاب العلة وهي: من ظننت الشيء، وقد تكون بمعنى العلم، وتارة بمعنى الرجحان، إذًا مترددة بين معاني لذلك الأمر (هي الأمر المشتمل على الحكمة الباعثة على الحكم)، (الأمر المشتمل) يعني: الذي اتصف على الحكمة وهو: المشقة مثلاً في السفر. (الباعثة على الحكم) وهو القصر. حينئذٍ صارت المظنة بمعنى العلة لأن هذا التعريف هو تعريف للعلة، (الأمر المشتمل على الحكمة الباعثة على الحكم) بمعنى أن الوصف قد يكون مقترنًا به حكمة الحكم، وقد لا يكون مقترنًا به حكمة الحكم، كالسفر بالنسبة للقصر، فالقصر هذا حكم [والأمر الوصف نعم] (1) القصر هو: الحكم. والسفر هو: الأمر الذي اشتمل على الحكمة. وهي: المشقة دفع المشقة. حينئذٍ هذا الوصف المناسب يسمى مظنة لماذا؟ لأنه أمر عُلِّقَ به الحكم وليس كذا فحسب بل دل على الحكمة المشتملة عليها ذلك الحكم إما قطعًا أو احتمالاً، لهذين الأمرين سميت مظنة لأن المظنة من الظن والظن يطلق بمعنى العلم، وقد يطلق ويراد به الرجحان (إما قطعًا كالمشقة في السفر) لحديث: «السفر قطعة من العذاب». إذًا الحكمة من التشريع في قصر الصلاة أو الإفطار بالنسبة للسفر وهو: علة الحكم. دفع المشقة وهي مقطوع بها لماذا؟ لأن الشارع نص عليها قطعًا لأن الشارع نص عليها، (أو احتمالاً) يعني: حصول المانع احتمالاً. (كوطء الزوجة بعد العقد في لحوق النسب) (كوطء الزوجة بعد العقد) يعني: مع الدخول. (في لحوق النسب) هنا مظنة حينئذٍ نقول: الولد للفراش ولو نكح وخلا بها فحينئذٍ إذا مات مباشرةً نقول: هذا الولد الذي حصل ينسب لأبيه. لماذا؟ هل هو مقطوع به؟ لا ليس مقطوعًا به بل هو مظنون (إما قطعًا كالمشقة في السفر أو احتمالاً كوطء الزوجة بعد العقد) يعني: مع الدخول. (في لحوق النسب) إذ هو مظنة حصول النطفة في الرحم هذا هو الأصل (فما خلا عن الحكمة فليس بمظنة) (فما خلا) فما يعني: وصف شرعي علة (خلا عن الحكمة) لم تبين الحكمة حينئذٍ لا نقول بأنه يلزم منها رفع الوصفية والعلية، لا هي علة باقية ويصح القياس بها كذلك، لكن الحكمة لم تعلم حينئذٍ لا يسمى مظنة، انظر أوصاف باعتبار ما يتعلق بالعلة (فما خلا) يعني: الجامع. إذا خلا عن الحكمة (فليس بمظنة) يعني: لا يسمى مظنة.
(و (السبب)) يعني: يطلق على الجامع أنه سبب كما سبق في أول الكتاب، ثم السبب
ومع علة ترادف السبب ... والفرق بعضهم إليه قد ذهب

فالسبب حينئذٍ من قال بأن السبب مترادف مع العلة قال: السبب نوعان:
سبب مدرك العلة.
وسبب غير مدرك العلة.
والسبب الذي يكون مدرك العلة يعني: له معنًى هذا هو الذي رادف العلة.
__________
(1) سبق.
(8/20)

والسبب الذي لا يكون له معنًى مدرك معلل هذا لم يرادف العلة.
(و (السبب)) يعني: يطلق على الجامع أنه سبب. (وأصله ما تُوصل به إلى ما لا يحصل بالمباشرة) أصله يعني: في اللغة، وسمي سببًا لذلك (ما توصل به) يعني: كالحبل مثلاً. (إلى ما لا يحصل بالمباشرة) قد تريد شيئًا في علو ولا تصل إليه إلا بسبب كالحبل مثلاً، (والمُتَسَبِّبُ) المراد هنا في باب الأصول المتسبب هو: (المتعاطي لفعله). يعني: لفعل السبب. عندنا سبب وعندنا متسبب، عندنا متسبب يعني: المتعاطي لفعل السبب (والمُتَسَبِّبُ المتعاطي لفعله) يعني: لفعل السبب. (وهو هنا ما تُوُصِّلَ به إلى معرفة الحكم الشرعي فيما لا نص فيه)، (وهو هنا) يعني: في مقام القياس والحديث عن العلة (ما يتوصل به) يعني: الطريق الموصل إلى معرفة الحكم الشرعي (فيما لا نص فيه) لأن الحكم الشرعي إنما يعرف في الفرع الذي لا نص فيه فكأن قال: (فيما لا نص فيه). ليس باعتبار الأصل، وإنما هو باعتبار الفرع [أنا ما أدري .... - كلام جانبي -] (وهو هنا ما يتوصل به إلى معرفة الحكم الشرعي فيما) يعني: في الفرع الذي لا نص فيه. الذي هو الركن الثاني السابق معنا، (وجزء السبب: هو الواحد من أوصافه، كجزء العلة) بمعنى أن السبب مرادف للعلة، والسبب والعلة قد يكون كل منهما شيئًا واحدًا كالإسكار غير متعدد، والعلة قد تكون متعددة، فحينئذٍ القتل العمد العدوان هذه علة القصاص وهي مركبة من ثلاثة أشياء كل واحد منها يسمى جزء علة ويسمى جزء سبب، فإذا سمي جزء علة لأنه علة، وهذا شيء واضح فإذا سمينا الكل قتل عمد عدوان سبب حينئذٍ العدوان وحده جزء السبب، لكن لا يترتب على الجزء ما ترتب على الكل لأن العلة مركبة فإذا انفرد جزء منها لم يلحقه الحكم البتة.
(و (المقتضي)) يعني: من ألقاب الجامع والمقتضي اسم فاعل من اقتضى (وهو لغة) طلب القضاء يعني: (طالب القضاء فيطلق هنا على الجامع لاقتضائه ثبوت الحكم). يعني: ثبوت الحكم الشرعي كالإسكار يقتضي تحريم الخمر، كل علة كل وصف اقتضى الحكم سمي مقتضيًا، يعني: طلب الحكم الشرعي. فالخمر الإسكار في الخمر طالب مقتضٍ للحكم الشرعي وهو: التحريم. كذلك إن وجد الإسكار في الفرع النبيذ صار طالبًا، إذًا الإسكار مقتضٍ للحكم في الأصل وهو: مقتضٍ للحكم في الفرع.
(و (المستدعي)) من ألقاب الجامع المستدعي (وهو من دَعَوْتُه إلى كذا، أي: حثثته عليه، لاستدعائه الحكم) يعني: لأن الجامع يستدعي الحكم ويطلبه وهذا واضح بين، إذًا هذه أسماء كلها لشيء واحد وإنما باعتبارات مختلفة وكل المؤدى واحد.
(ثم (الجامع)) شرع في بيان شروط اعتبار الجامع علة لثبوت الحكم به عرفنا أن العلة تكون جامعة هل كل ما ادعي فيه أنه علة جمع فيه بين الفرع والأصل أم لا بد من شروط؟ لا بد من شروط وهذه الشروط على نوعين: منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه. وما اختلف فيه أكثر مما اتفق عليه (ثم (الجامع)) يعني: ثم شرع في بيان شروط اعتبار الجامع علةً لثبوت الحكم به ذكرها إجمالاً ثم فصلها.
(8/21)

(ثم (الجامع) إن كان وصفًا موجودًا ظاهرًا منضبطًا مناسبًا معتبرًا مطردًا متعديًا فهو علة) بهذه الشروط كلها، كم شرط هذه؟ سبعة (فهو علة لا خلاف في ثبوت الحكم به) أن يكون وصفًا ويقابله أن يكون حكمًا شرعيًّا وسيأتي النص عليه، لأن الجامع إما أن يكون وصفًا وإما أن يكون حكمًا شرعيًّا فإن كان وصفًا معنًى حينئذٍ اشترط فيه أن يكون (موجودًا ظاهرًا منضبطًا مناسبًا معتبرًا مطردًا متعديًا فهو علة) يعني: متى تحققت هذه الشروط في الجامع. (فهو علة لا خلاف في ثبوت الحكم به.
أما (الوجود)) أراد أن يشرح كل شرط الآن، عرفتم كل شرط ذكره من السبعة أراد أن يشرحها.
(أما (الوجود)) أي: اشتراط كون العلة وصفًا وجوديًّا. أي: أمرًا ثبوتيًّا فشرط عند المحققين. يعني: فيه خلاف والصحيح أنه يعتبر شرطًا، لا بد أن يكون وجوديًّا (أما (الوجود)) أي: اشتراط كون العلة وصفًا وجوديًّا. أي: أمرًا ثبوتيًّا كتعليل تحريم الخمر بالإسكار والسفر علة إباحة القصر والفطر هذا عند المحققين يعتبر شرطًا، (فشرط ينتفي المشروط بانتفائه لاستمرار العدم، فلا يكون علة للوجود) بمعنى أن العدم لا يصلح أن يكون علة للوجود لماذا؟ لأن العدم مستمر، وما كان مستمرًا لن يقع وما كان كذلك لا يمكن أن يعلق عليه حكم شرعي البتة (لاستمرار العدم) يعني: حجة القائلين بالمنع لأن الوصف العدم المستمر بلا نهاية، فحينئذٍ سبر العدم غير ممكن (فلا يكون علة للوجود) يعني: وجود الحكم. لأن الحكم لا يثبت إلا بوجود معنًى يقتضيه العدم وليس بشيء، إذًا لا بد أن تكون العلة التي يعلق بها الحكم وهو وصف أن تكون وجودية، وأما العدم فلا بخلاف الحكم كما سيأتي لأنه ليس بحرم ليس بنجس يصح إلحاق الحكم به.
(8/22)

(وأما (النفي)) هذا تابع للوجود، (وأما (النفي)) أي: الوصف المنفي. وهو: عدم الوجود. وفرق بينهما بين العدم المحض الذي لا يدل عليه شيء وبين العدم الذي يكون دالاً عليه بصيغة النفي، (أما (النفي)) أي: الوصف المنفي. وهو: عدم الوجود. (فقيل: يجوز علة. ولا خلاف في جواز الاستدلال بالنفي على النفي) نعم (فقيل: يجوز علة) أي: يجوز أن يكون النفي علةً لإثبات حكم، مثل ماذا؟ قتل المرتد لعدم إسلامه، قتل المرتد هذا حكم شرعي العلة لعدم إسلامه فلعدم إسلامه هذه علة، هل هي موجودة أو منفية؟ منفية، إذًا النفي في مثل هذا التركيب صح {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] فجعل سبحانه انتفاء ذكر اسم الله علامة على تحريم الأكل، إذًا هنا نفي لكنه نفي علة لإثبات حكم نعم (وأما (النفي) فقيل يجوز علة، ولا خلاف في جواز الاستدلال بالنفي على النفي) يعني: بانتفاء حكم شيء على انتفائه في مثله، فحينئذٍ يحمل النظير على النظير في انتفاء الحكم عن كلٍّ، إذا نفي الحكم عن شيء ووجد نظيره فحينئذٍ يستدل بالنفي على النفي فكما أنه نفي عن الأصل كذلك ينفى عن الفرع (ولا خلاف في جواز الاستدلال بالنفي على النفي) بانتفاء حكم شيء عن انتفائه عن مثله، قالوا: الخمر لا يجوز بيعه فلا يجوز رهنه. الخمر لا يجوز بيعه مثله لا يجوز رهنه حينئذٍ كل متعلقات الخمر لا يجوز ابتداءً بالشرب لما نص على الشرب حرم الشرب حينئذٍ كل ما يتعلق به من بيع، وهبة، وعطية، ونحوها فلا تجوز إلحاقًا بالسابق حينئذٍ يكون فيه حمل النفي على النفي أو استدلال بالنفي على النفي (أما إن قيل: بعليته فظاهر) يعني: من قال بأنه علة النفي علة فظاهر أنه ألحق العلة بالعلة، فالنفي علة عنده حينئذٍ سوى بينهما لجامع وهو: علة. (وإلا) يعني: من لم يجعله علة. (فمن جهة البقاء على الأصل) يعني: الاستدلال. (فيصح فيما يتوقف على وجود الأمر المدعى انتفاؤه وإلا) يعني: وإلا يقل بعليته فيكون الاستدلال به من قبيل الاستصحاب وهو: البقاء على الأصل. لأنه لا يفتقر إلى سبب (فمن جهة البقاء على الأصل فيصح) الاستدلال بالنفي على النفي (فيما يتوقف على وجود الأمر) على وجود شيء (المدعى انتفاؤه، فينتفي لانتفاء شرطه، لا في غيره) (على وجود الأمر المدعى انتفاؤه) بناءً على الأصل نحو ماذا؟ الأصل عدم وجوب الوتر، هذا الأصل عدم وجوب الوتر إلا بدليل حينئذٍ يستدل على انتفاء عدم الوجود الدليل الموجب للوتر بعدم وجوب الوتر، يُسْتَدَلُّ على عدم وجود دليل دال على وجوب الوتر بانتفاء الوجوب على الوتر استدل بهذا النفي على هذا النفي فتقول مثلاً: الوتر ليس بواجب. طيب هذا يدل على ماذا؟ على أنه لا دليل يدل على وجوب الوتر فاستدل بالنفي على النفي، وقولك: الوتر ليس بواجب. هذا تابع للبراءة الأصلية وليس هو بحكم شرعي (فينتفي لانتفاء شرطه) وهو الدليل المثبت للحكم لأن الشرط علامة على المشروط فينتفي بانتفائه (لا في غيره) يعني: في شيء مغاير عنه. يعني: لا يستدل بالنفي على النفي في غير ما ذكر وهو: الاستدلال على وجود أمر يدعى انتفاؤه.
(8/23)

لا يجوز بيعه ولا يجوز رهنه لا تجوز هبته كله استصحاب هذا كله استصحاب.
(و (الظهور) و (الانضباط) ليتعين) هذا الشرط الثالث والرابع، الظهور هذا الشرط الثاني أو الثالث.

الشرط الثاني، الأول الوجود قال: (إن كان وصفًا موجودًا ظاهرًا). نعم (ظاهرًا)، وأما النفي فهو تابع للوجود النفي داخل في مسمى الوجود.
((الظهور) و (الانضباط)) الظهور هذا هو الشرط الثاني من شروط الجامع أن يكون الوصف ظاهرًا لا خفيًّا، أي: أن يكون مدركًا بالواحس ليمكن التحقق من وجوده في الأصل والفرع كالإسكار في ماذا؟ في الخمر فإنه يدرك بالحس ويمكن التحقق من وجوده، وأما الوصف الخفي الذي لا يدرك بالحس هذا لا يمكن أن نعلل به الأصل لأنه لا يمكن أن يتحقق في الفرع بأنه موجود فيه كما وجد في الأصل، إذًا أن يكون ظاهرًا يعني: غير خفي. والوصف الخفي لا يصح التعليل به لانتفاء ما سبق فلا يعلل البلوغ بكمال العقل مثلاً، لأن كمال العقل هذا لا يدرك وإنما لا بد من جعل علامة تدل عليه كالاحتلام والإنبات ونحو ذلك، وأما الأصل هو: كمال العقل. لكنه يتفاوت ولا يمكن إدراكه فحينئذٍ صار وصفًا خفيًا، وإذا كان كذلك إن علق عليه الشارع جعل علامة عليه كالاحتلام مثلاً وغيره، فلا يعلل البلوغ بكمال العقل لأنه خفي، ولهذا إذا كانت العلة وصفًا خفيًّا جعل الشارع لها أمارة وعلامة ظاهرة هي مظنة، فعلامة البلوغ الاحتلام، وهي مظنة، كذلك العمد في القصد جعل الآلة علامة عليه، كذلك القصاص مثلاً في العمد العدوان، عمد عدوان هذا قصد قلبي ما الذي دل عليه؟ كونه أخذ خنجرًا مثلاً أو سكينًا نقول: هذه الآلة علامة على كونه قصدًا. وهذا شأن سائر الأحكام.
(و (الانضباط)) هو الشرط الثالث بأن يكون الوصف منضبطًا أي: متميزًا عن غيره فتكون له حقيقة معينة محددة يمكن التحقق من وجودها، فالوصف المعلل به ينبغي أن يكون منضبطًا أي: مستقرًا على حالة واحدة لا يختلف باختلاف الأشخاص ولا الأزمان ولا الأحوال، كالسفر مثلاً علة إباحة القصر، وهذه يستوي في الكل في كل زمان وفي كل مكان سواء وجدت معه المشقة أو لا، قال: (ليتعين). أي: الجامع.
(و (المناسبة) وهي حصولُ مصلحةٍ يغلبُ ظنُّ القصدِ لتحصيلها بالحكم، كالحاجة مع البيع.
(8/24)

وغيره (طردي) وليس بعلة عند الأكثرين) (و (المناسبة)) الشرط الرابع المناسبة والمراد بالمناسبة الملائمة، المراد بها الملائمة يعني: أن تكون العلة وصفًا مناسبًا للحكم، وفسرها هنا بقوله: (وهي). أي: المناسبة. (حصولُ مصلحةٍ) يعني: من جلب نفع أو دفع ضر. (يغلبُ ظنُّ القصدِ لتحصيلها بالحكم) بمعنى أنه إذا علل الحكم بهذه العلة حينئذٍ قد يقطع وقد يظن بأن هذا الحكم إنما رتب على هذا الوصف حينئذٍ رتب عليه من أجل ماذا؟ من أجل تحصيل منفعة أو دفع مضرة إن كانت العلاقة بين الحكم والوصف المعلق على الحكم المناسبة بأن يكون ثَمَّ دفع مضرة أو جلب مصلحة سميت مناسبة (وهي حصولُ مصلحةٍ) من جلب نفع أو دفع ضُر (يغلبُ ظنُّ) يعني: ظن المجتهد. (القصدِ لتحصيلها بالحكم) يعني: قصد الشارع. لتحصيل هذه المصلحة بالحكم كالإسكار مثلاً ترتب عليه منفعة وهو: حفظ العقل، وحفظ المجتمع. ونحو ذلك (كالحاجة مع البيع) يعني: مع إباحة البيع. أبيح البيع لماذا؟ لأن المشتري قد تعلقت نفسه بالسلعة التي في يد البائع، والبائع قد تعلقت نفسه بالثمن الذي في يد المشتري كل منهما قد رغب فيما عند الآخر وزهد فيما في يده أليس كذلك؟ حينئذٍ هذه حاجة ولا يمكن قضاء حوائج الناس إلا بهذا حينئذٍ حِلّ البيع مدرك من حيث التعليل (وغيره (طردي)) غير المناسب طردي، والوصف الطردي المراد به هنا الذي ليس بينه وبين الحكم مناسبة ويعرف باستقراء موارد الشرع، وهذا كما ذكرناه في الأعرابي كونه أعرابيًّا هذا وصف طردي، كونه طويلاً سمينًا قصيرًا وسيمًا ونحو ذلك فهذه كلها أوصاف طردية لا يتعلق بها حكم شرعي البتة (وغيره (طردي)) طرديٌّ بإثبات الياء ثَمَّ طرد بدون ياء وهنا المراد به طردي (وغيره) يعني: غير المناسبة أو المناسب. (طردي ليس بعلة عند الأكثرين) لأن الصحابة لم ينقل عنهم إلا العمل بالمناسب أما غيره فلا، (وقال بعض الشافعية: يصح مطلقًا) يعني: يصح التعليل بالوصف مطلقًا مناسبًا أو لا، سواء كان في مقام الجدل أو في مقام العمل أو في مقام الفتوى (وقيل) يصح التعليل بالطرد (جدلاً)، وأما فتوًى وعملاً فلا.
(8/25)

الرابع أو الشرط الخامس من شروط الجامع الاعتبار (و (الاعتبار) أن يكون المناسب معتبرًا في موضع آخر) بمعنى أنه يوجد له شاهد بأن الشرع قد اعتبره، بمعنى أنه رتب عليه أحكام شرعية في موضع آخر هذا يسمى ماذا؟ يسمى الاعتبار، والاعتبار إما أن يكون اعتبارًا بالإلغاء، وإما أن يكون اعتبارًا بترتيب الحكم عليه. والثاني هو الذي يراد هنا، (و (الاعتبار)) الشرط الخامس من شروط الجمع (و (الاعتبار) أن يكون المناسب) يعني: وصف العلة. (معتبرًا) بعينه بالحكم ذاته أو في مكان (معتبرًا في موضع آخر) فالأول نحو الأذى في الحيض، الحيض {قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222] هذه علة لتحريم ماذا؟ لتحريم الإتيان في الحيض، حينئذٍ في نفس الموضع في نفس الآية في نفس الحكم الشرعي علله، وقد يكون في موضع آخر مثل ماذا؟ أنه ثبت بالإجماع اعتبار الصغر علةً للولاية في مال الصغيرة فيكون هذا الوصف معتبرًا في الحكم في موضع آخر وهو: الولاية في النكاح. حينئذٍ ولاية المال للصغر هذا مجمع عليها، مثلها الولاية في النكاح لأجل الصغر لأن الشرع قد اعتبر العلة في موضع آخر حينئذٍ النظير يحمل على نظيره (وإلا فهو مرسل) (وإلا) يعني: وإلا يكن المناسب معتبرًا. بمعنى أن الشارع اعتبره في الموضع نفسه أو في موضع آخر (فهو مرسل) يعني: المناسب المرسل. وهو الوصف الذي لم يشهد له دليل خاص بالاعتبار ولا بالإلغاء (يمتنع الاحتجاج به عند الجمهور) لكمال الشريعة ولأنه يفتح باب الأهواء يعني: لو اعتبر لفتح باب الأهواء. هذا ما ذكرناه في السابق الذي هو ماذا؟ أنه اجتهاد ينقدح في ظن المجتهد ولا يستطيع التعبير عنه هو هذا المرسل المناسب المرسل الذي لم يدل الدليل على اعتباره هو يرى أن الحكم هذا معلق بكذا ولم يثبته شرعًا وإنما قدح في نفسه قلنا: هذا ممنوع عند الجماهير. (يمتنع الاحتجاج به عند الجمهور) لكمال الشريعة ولأنه يفتح باب الأهواء فلا يجوز تشريع الحكم بناءً على مناسب المرسل لأن الشرع لم يعتبره.
(8/26)

(و (الاطراد)) هذا الشرط السادس من شروط الجامع وهو (شرط عند القاضي) الاطراد، وهو أنه كلما وجدت العلة وجد معها الحكم، كوجود التحريم حيث وجد الإسكار [كلما وجد التحريم] (1) كلما وجد الإسكار وجد التحريم، أي: أن الاطراد شرط في صحة العلة فإذا تخلف الحكم عنها مع وجودها استدللنا على أنها ليست بعلة، وهذا يسمى بالنقض فالنقض يقدح في صحة العلة بمعنى أننا لو عللنا الحكم التحريم في الخمر الذي إسكار ووجدنا أن الإسكار موجود في شيء آخر لم نحكم بالتحريم حينئذٍ نقول: هذا نقض. نقض لماذا؟ لأن الأصل في العلة أنها كلما وجدت وجد الحكم معها، فإذا وجدت العلة بعينها ولم يوجد الحكم حينئذٍ قلنا: هذه ليست بعلة. فالتعليل بها عليل هذا قول، وهذا يسمى بالنقض فالنقض يقدح في صحة العلة (و (الاطراد): شرط عند القاضي وبعض الشافعية. وقال أبو الخطاب) وهو قول أكثر الحنابلة (وبعض الشافعية: يختص بمورده) يعني: لا يشترط اطراد العلة. فلا يقدح النقض في صحتها بل هو تخصيص لها يختص بمورد الحكم وتبقى العلة حجةً فيما عدا المحل المخصوص كالعام إذا خص، بمعنى أن العلة كما سبق قد يكون لها شرط وقد يكون ثَمَّ مانع، إذًا قد توجد العلة ولا يتحقق شرطها فعدم وجود شرطها ليس نقضًا للعلة أو تتحقق العلة وتكون هي مناط الحكم، ولكن يمنع من تأثيرها مانع حينئذٍ وجود المانع أو فوات الشرط لا يؤثر في العلة في كونها علة، فإذا وجدت العلة مثلاً في موضع ما وانتفى التعليل انتفى الحكم الشرعي ننظر لا نستدل بعدم الحكم مع وجود العلة أن العلة فاسدة بل ننظر هل ثَمَّ شرط فات من شروط العلة؟ أو وجد مانع من موانع العلة؟ إن تحققنا بعدم استفاء الشروط وانتفاء الموانع ولم يوجد الحكم صار ماذا؟ تعليل بالعلة عليل استدللنا على بطلان العلة، وأما إذا تحققنا وجود العلة مع فوات شرط فحينئذٍ نقول: هذا لا يعتبر قدحًا.
__________
(1) سبق.
(8/27)

قال: (و (الاطراد)). أي: والشرط السادس من شروط العلة الاطراد. وهو شرط مختلف فيه كما ذكرنا أي: اطراد شرط في صحة العلة فإذا تخلف الحكم عنها مع وجودها استدللنا على أنها ليست بعلة وهذا يسمى بالنقض فالنقض يقدح في صحة العلة، (وقال أبو الخطاب) وهو قول أكثر الحنابلة (وبعض الشافعية: يختص بمورده) يعني: لا يشترط اطراد العلة حينئذٍ لا يقدح النقض في صحتها بل هو تخصيص لها يختص بمورد الحكم وتبقى العلة حجة فيما عدا المحل المخصوص كالعام إذا خص، (وقال أبو الخطاب وبعض الشافعية: يختص بمورده) مثل ماذا؟ قال: قد يتخلف الحكم عن العلة لفوات محل أو شرط فالأول محل مثلاً نحو القتل العمد العدوان هذا علة لوجوب القصاص لكن هذا ينتقض بماذا؟ بقتل الوالد ولده أليس كذلك؟ الأصل القصاص، والقتل العمد العدوان موجود لكن هذا يسمى ماذا؟ يسمى تخصيصًا للعلة بمعنى أن النص لولا النص لقتل الوالد بولده هذا الأصل فيه لوجود العلة بكاملها وهي: مركبة. لكن لوجود النص استثني فاستثناء قتل الوالد لولده لا يعتبر نقضًا للعلة بل هي مطردة في غير هذا المحل معتبرة نعم فإنه لا يجب القصاص فلا يقتل به مع أن العلة موجودة لأن الأبوة مانعة من تأثير العلة في الحكم فلا تبطل، أشبه ما يكون بالمانع فلا تكن في غير الأب لأنها ليست علة ملفوظة، ومثال الثاني وهو: فوات الشرط. شرط العلة الزنا علة للرجم وشرطه الإحصان، كما سبق معنا الزنا علة للرجم هل كل من زنا رجم؟ الجواب: لا، لا بد من تحقق شرط العلة وهو: الإحصان. فإذا تخلف الإحصان تخلف الرجم مع وجود الزنا العلة حينئذٍ هل يسمى نقضًا للأصل؟ الجواب: لا، (و (التخلف) إما لاستثنائه) هذا أراد أن يبين ماذا؟ التخلف تخلف الحكم عن العلة لما ذكر الاطراد والاطراد فيه شيء من تخلف الحكم عن العلة حينئذٍ أراد أن يبين متى يتخلف أو ما هي أنواع التخلف، لما ذكر تخصيص العلة بتخلف حكمها ذكر أقسام التخلف وهي: ثلاثة أضرب. (و (التخلف)) أي: تخلف الحكم عن العلة. ال للعهد الذهني (إما لاستثنائه) يعني: يرد دليل ونص يستثني هذا النوع أو هذا الفرع أو هذا الأصل وحينئذٍ لا إشكال فيه، إذا جاء التنصيص فلا إشكال فيه (إما لاستثنائه) أي: أنه مستثنى من قاعدة القياس على جهة الاستحسان والأولى أن يقال بالنص (كالتمر في لبن المصرّاة) أي: إيجاب صاع من تمر في لبن المصراة إذا ردها المشتري مع أن علة إيجاب المثل في المثليات التماثل بينها فالأصل أن يضمن لبن مصراة بلبن مثله لهذه العلة لكن استثني شرعًا فلا تلزمه العلة بمعنى أنه لو اشترى شاةً وحلبها عنده ثم ردها لعيب ونحوه حينئذٍ يضمن اللبن، والأصل أن يضمنه ماذا؟ بلبن مثله لكن جاء الشرع بعدم التساوي هنا في المثليات وأعطاه تمرًا، كذلك العرايا الأصل أنها داخلة في مسمى الربا، لأنه بيع تمر رديء بجيد أو طيب برديء، فالأصل فيه أنه ربا، لكن جاء النص باستثنائه، إذًا الاستثناء لا يُعدل عنه بمعنى أن الاستثناء إذا ورد [على نص مؤصل] (1)
__________
(1) سبق ..
(8/28)

على أصل مؤصل حينئذٍ لا نجعل هذا الاستثناء ناقضًا للأصل، بل نقول: الأصل المطرد هو كذا وكذا، ثم بعد ذلك جاء الشرع استثنى ويبقى الأصل ما عدا هذه الصورة المستثناه. (أو لمعارضة علة أخرى أخص منها) يعني: يتخلف الحكم بتعارض بين علتين. مثاله قالوا: تعليل رق الولد برق أمه. وهذا إجماع لكن ولد من تزوج امرأةً على أنها حرة فبانت أمة غرة غرر به على أنها حرة فبانت أمةً حينئذٍ إذا ولد له منها فالأصل ما هو؟ الأصل أن يكون الولد حرًا أو عبدًا الولد الرق رق الولد تابع لأمه، وهذا تزوج حرة فبان أنها أمة فولد له فالأصل أن يكون الولد تابع لأمه حينئذٍ يكون عبدًا، هذا الأصل فيه لكن في مثل هذه لكونه غرر به لم يعمل بهذا الأصل، وإنما تخلف الحكم لوجود علة أخرى وهي: أن الشرع متشوف إلى التحرير. حينئذٍ لما كان الشرع متشوفًا للتحرير وقد وجد الغرر هنا روعي الغرر بمعنى أنه جعل قصد الوالد مطردًا واستثني من العلة الأصلية لوجود التعارض بين علتين يعني: قدمت العلة الكبرى عن الصغرى لكن ولد من تزوج امرأةً على أنها حرة فبانت أمة يكون ولده منها حرًا مع أن العلة وهي: رق الأم. موجودة لكنها عورضت بعلة أخرى وهي: الغرر. الذي صار سببًا لحرية الولد، فهاتان علتان: علة الرق تبعًا لأمه، وعلة الحرة تبعًا لاعتقاد أبيه حريته. وثبت حينئذٍ الثانية، إذًا (أو لمعارضة علة أخرى أخص منها، أو لعدم المحل، أو فوات شرطه) كما ذكرنا قد يتخلف الحكم لعدم المحل كالأبوة هناك قاتل الولد الأب قاتل ابنه (أو فوات شرطه) كالزنا بالنسبة للرجم (فلا ينقض) يعني: فلا يُنْقَض. نعم (و (التخلف) إما لاستثنائه أو لمعارضة علة أخرى، أو لعدم المحل، أو فوات شرطٍ، فلا ينقض) يعني: فلا يتخلف الحكم عن العلة حينئذٍ لا تنتقض العلة فلا تنقض (فلا ينقض) فلا تنقض يعني: بالتاء يجوز فيه الوجهان. (وما سواه فناقض) يعني: ما سوى هذه الثلاثة التي يمكن أن يتخلف الحكم مع وجود العلة فناقض، كلما وجدت العلة الأصل وجود الحكم، ويستثنى هذه الثلاث المسائل وما عداه يعتبر ناقضًا بمعنى أنه يستدل على أن العلة ليست بعلة لفوات الحكم وعدم الاطراد.
(8/29)

(و (التعدي)) وهذا الشرط السابع التعدي يعني: تعدي العلة من محل النص إلى غيره. لأن القياس إنما شرع من أجل ذلك وهو: أن يتعدى الحكم من الأصل إلى الفرع. فإن لم تكن العلة متعدية ما الفائدة؟ نعم قد يعلل الحكم بعلة وهي قاصرة لا تتعدى حينئذٍ تكون هذه العلة مفيدة للحكم في محلها، وأما أن يلحق بها غيرها فلا، كالثمنية بالنسبة للذهب (و (التعدي) لأنه الغرض من المستنبطة) يعني: من العلة المستنبطة. (فأما القاصرة وهي ما لا توجد في غير محل النص كالثمنية في النقدين فغير معتبرة) غير معتبرة لا في تعليل الحكم، وإنما غير معتبرة في إجراء القياس، وأما في تعليل الحكم فلا شك فنقول مثلاً: المرض بالنسبة للجمع جمع الصلوات يجوز للمرض لكن لا يتعدى حكمه، يعني: المرض قاصر على صاحبه فلا يتعدى، كذلك السفر قاصر على صاحبه فالعلة القاصرة لا يعلل بها بمعنى أنه لا تتعدى محلها، وأما الحكم في محلها فهذا معلل ولا شك (كالثمنية في النقدين فغير معتبرة) فلا يصح التعليل بها لعدم الفائدة وهي منحصرة في إثبات الحكم بها، وهو منتفي هنا (وهو قول الحنفية) وأكثر الحنابلة (خلافًا لأبي الخطاب والشافعية) كأنه يجوز تعليل حكم العلة القاصرة والصحيح الأول، أنه العلة القاصرة تفيد إثبات الحكم في محله فحسب، وأما إلحاق الحكم فلا لأنها اسمها قاصرة بمعنى أنها لا توجد إلا في هذا المحل ونحن لا بد أن نوجد ونتحقق من وجود العلة في الفرع.
(8/30)

ثم قال: (فإن لم يشهد لها إلا أصل واحد فهو المناسب). هذا مقابل لقوله: (و (الاعتبار)). الاعتبار لا بد أن يكون لها دليل يعتبرها، (فإن لم يشهد لها) يعني: للعلة. (إلا أصل واحد فهو المناسب الغريب) والمناسب الغريب حده بعضهم بماذا؟ ما اعتبر عينه في عين الحكم فترتب الحكم وفق الوصف فقط دون أن يشهد له أصل آخر بمعنى أنه لا نظير له، لا يوجد إلا في هذا المحل فحسب ولم يوجد له نظير مثله قد حكم الشرع باعتبار الحكم أو حكم الشارع باعتبار ذلك الوصف في هذا الموضع الثاني، هذا يسمى مناسبًا غريبًا بمعنى أن المناسب قد يشهد له أصل وقد يشهد له أصلان فأكثر إن كان اثنان فأكثر حينئذٍ نقول: هذا مناسب مشهور ومعتبر شرعًا، وإن لم يوجد إلا أصل واحد في موضع واحد يقصد الأصل الواحد هنا موضع واحد في محل واحد في مسألة واحدة فرعية هذا يمسى مناسبًا غريبًا كأنه انفرد عن سائر المسائل، إذًا ما اعتبر عينه في عين الحكم، وسيأتي المناسب المؤثر وغيره فيما يأتي (وإن كان حكمًا) هذا معطوف على قوله: (ثم (الجامع) إن كان وصفًا). وعرفنا الشروط المعتبرة، (وإن كان حكمًا شرعيًّا) يعني: الجامع حكمًا شرعيًّا. (فالمحققون) ففيه خلاف هل يصح التعليل بالحكم الشرعي أو لا؟ قال: (فالمحققون تجوز عليته). يعني: أن يكون الحكم الشرعي علة. المحققون على أنه يصح أن تعلل حكمًا شرعيًّا بحكم شرعي فيكون الحكم الشرعي في الأصل فتذكره في الفرع وترتب عليه الحكم فالعلة الجامعة مثلاً في تحريم الخمر فلا يصح بيعها كالميتة، فالعلة الجامعة هي: التحريم. وهو حكم شرعي علل به حكم شرعي كالميتة فالعلة الجامعة هي: التحريم. تحريم الخمر فلا يصح بيعها كالميتة، والميتة محرمة ولا يصح بيعها حينئذٍ العلة الجامعة بين مسألتين هو التحريم في كل، وله مثال (قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أرأيت لو كان على أبيكَ دَيْنٌ». «أرأيتَ لو تمضمضت») هذا فيه دليل على جواز كون العلة حكمًا شرعيًّا حينئذٍ أورد مثالين قاس فيهما النبي - صلى الله عليه وسلم - وجعل العلة هي الحكم الشرعي، وهنا: («أرأيت لو كان على أبيك دين») هذا حكم شرعي وهو: قضاء الدين. دين المخلوق، على حكم شرعي وهو: قضاء دين الخالق. («أرأيت لو كان على أبيك دين») أو «على أمك دين». حينئذٍ قضاء ديون الخلق أصل، وقضاء ديون الخالق فرع فسوى بينهما بجامع أن كلاً منهما يقضى أو يجب قضاؤه («أرأيتَ لو تمضمضت») هذا جاء في ماذا؟ في السؤال في القبلة للصائم («أرأيتَ لو تمضمضت») ماذا يحصل؟ لا ينتقض الصوم، مثله لو قبل أيهما أصل وأيهما فرع؟ المضمضة أصل، والقبلة فرع فعدى الحكم وهو: عدم الإفساد. إذًا جمع بينهما بالحكم (فنبّه بحكم على حكم)، وهذا التنبيه والتشبيه وحمل النظير على النظير هو القياس (وقيل: لا) يعني: لا يجوز تعليل الحكم الشرعي بحكم شرعي وهو: ضعيف. والأول أصح (ثم هل يشترط انعكاس العلة؟) يعني: انتفاء الحكم لانتفاء العلة.
(8/31)

مراد بالانعكاس هنا انتفاء الحكم لانتفاء العلة، والمراد انتفاء العلة أو الظن بها لانتفاء الحكم نفسه إذ لا يلزم من انتفاء دليل الشيء انتفاؤه (فعند المحققين لا يشترط مطلقًا) (فعند المحققين) كلمة المحققين هذه أنا ما أرى أنها مناسبة لأنه قد يأتي التحقيق المراد به إثبات المسألة بدليلها، فكل من أثبت مسألة بدليلها فهو محقق، حينئذٍ يصدق على كل متبع، المقلد خارج عامي، فحينئذٍ كل من أثبت مسألة بدليلها وهو متبع، وهو محقق، ويستعملها البعض كأنها أشبه ما يكون بالتخويف، فحينئذٍ يقول: وقال المحققون: كذا وكذا. ثم يعني بالمحققين ابن تيمية وكذا .. إلى آخره، ثم يأتي في مسألة أخرى يخالف يقول: قال المحققون كذا. ويُخرج ابن تيمية، مرة يدخله ومرة يخرجه، ووجدت هذا بالفعل نقول: هذا غلط وليس بصحيح، ولذلك هذه الكلمة أشبهت كلمة إرهابية يعني: يجب حذفها. يعني: كأنه إذا أراد أن يفزع من أمامه قال: هذا قول المحققين. يعني: انتبه لا تخالف، وحينئذٍ يعني: انظر قال المحققون، قد يدخل أبا يعلى في المحققين، وقد تكون مرت معنا أبو يعلى يخالف في مسألة السابقة، كيف مرة تدخل محقق ومرة غير محقق؟ هذا تناقض لأن الوصف هنا عام كونه متبع يعني: لا يقول قولاً إلا بدليل. هذا المراد بالتحقيق، حينئذٍ إذا قيل: ابن تيمية محقق. ما تأتي مرة تخرجه ومرة .. على كلٍّ (فعند المحققين لا يشترط انعكاسها مطلقًا) سواء تعددت العلة أم لا (والحق أنه لا يشترط إذا كان له علة أخرى) بمعنى أنه إذا تعددت العلل حينئذٍ لا يشترط انتفاء الحكم أن يكون دليلاً على انتفاء العلة لأنه مثلاً قد تكون الأسباب والأسباب علل مثلاً الوضوء ينتقض بماذا؟ بوجود البول والمس مثلاً أو النوم ونحو ذلك هذه العلل اجتمعت حينئذٍ نقول: إذا قصد برفع الحدث علةً واحدةً حينئذٍ نقول: هنا العلة متداخلة والأسباب متداخلة والحدث الصحيح أنه لا يتبعض، وإذا كان كذلك فحينئذٍ يعلل بعلة واحدة وإذا لم يقصد العلة الأخرى لا يلزم منه انتفاء ما ترتب على العلة الأولى (فعند المحققين لا يشترط مطلقًا، والحق أنه لا يشترط إذا كان له علة أخرى، وأما إذا لم يكن للحكم علة أخرى فالعكس لازم) أي: الحق هو التفصيل وهو أنه إذا اتحدت العلة فلا بد من عكسها لأن انتفاء العلة يوجب انتفاء الحكم إذ لا بد له من علة، وأما إذا تعددت العلة فلا يلزم من انتفاء بعض العلل انتفاء الحكم، عدم البول لا يلزم منه عدم نقض الوضوء هذا بالعكس عكس المثال، عدم البول لا يلزم منه عدم نقض الوضوء صحيح؟ انتفى علة وسبب وهو: عدم البول. لا يلزم منه عدم نقض الوضوء لأن نقض الوضوء ليس منحصرًا في البول قد ينتقض بماذا؟ بشيء آخر غير البول، ثم قال: (وتعليل الحكم بعلتين في محلين أو زمانين جائز اتفاقًا). تعليل الحكم بعلتين بمعنى أن يكون الحكم مرتبًا على علتين، لكن بشرط قال: (في محلين أو زمانين). (في محلين) يعني: شخصين. في شخصين، كمثلاً كتعليل إباحة قتل زيد بِرِدَّتِهِ وعمرو بالقصاص، اختلفا أولا؟ اختلفا باختلاف الشخصين هذا متفق عليه لا إشكال فيه (في محلين) يعني: شخصين.
(8/32)

اختلفا هذا قُتل لردته، وهذا قتل قصاصًا، إذًا العلة مختلفة (أو زمانين) بمعنى أنه قد .. كما مثل هنا ... (كتحريم وطء الزوجة تارة للحيض، وتارة للإحرام) تحريم وطء الزوجة هذا حكم شرعي معلل بعلتين لكن في وقتين المحل واحد زوجة (تارة للحيض) فهو حرام، إذًا هذه العلة وهو: الأذى. (وتارة للإحرام) وهي ليست بحائض مثلاً حينئذٍ نقول: هذه علة وتلك علة. وهذا جائز (فأما مع اتحاد المحل أو الزمان فالأشبه بقول أصحابنا يجوز وقيل: يضاف إلى أحدهما) (فأما مع اتحاد المحل) يعني: الشخص الواحد. (أو الزمان) اتحد الزمن (فالأشبه بقول أصحابنا) وهو قول الجمهور (وهو قول بعض الشافعية) كما قال هنا (يجوز) يعني: يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين. وأن كل واحدة منهما علة بمعنى أن الحكم مرتب على علتين معًا، وكل واحد من هاتين العلتين علة مستقلة في إثبات الحكم، (وقيل: يضاف إلى أحدهما) بمعنى أن الحكم لا يعلل بعلتين وإنما يضاف إلى واحدة منهما وينظر الأقرب إلى الحكم، (والصحيح بهما مع التكافؤ) الصحيح الذي صححه المصنف هنا جواز التعليل بعلتين مع التكافؤ في القوة كالغائط والبول في وقت واحد حينئذٍ نقول: هذا علة. يعني: انتقض الوضوء للبول والغائط في وقت واحد، أما إذا كان أحدهما أسبق فلا صارت علة واحدة لأن الثاني لم يزد الأول شيئًا فيما يترتب عليه (بهما مع التكافؤ) يعني: في القوة. (وإلا فالأقوى) يعني: من الوصفين هو: العلة. الأقوى من الوصفين هو: العلة. (مع اتحاد الزمن أو المتقدم) (وإلا فالأقوى) يعني: ماذا؟ (وإلا فالأقوى) يعني: يكون علةً متفقًا عليها، كالبول ومختلف فيها كلمس الذكر يعني: لو انتقض وضوؤه بعلتين إحدى العلتين البول، والعلة الثانية لمس الذكر. أيهما أقوى؟ البول، لماذا؟ لأنه متفق عليه، وأما الثاني هذا محل خلاف حينئذٍ نعلل الحكم الشرعي بالأقوى ولا ننظر إلى الأدنى لوجود الخلاف (وإلا فالأقوى مع اتحاد الزمن أو المتقدم) متقدم هذا واضح كأن يكون بال أولاً ثم بعد ذلك مس ذكره حينئذٍ نقول: المعتبر هو المتقدم هو الذي يعتبر علة.
(وثبوت الحكم في محل النص بالنص عند أصحابنا والحنفية، لوجوب قبوله وإن لم تعرف علته، وعند الشافعية: بالعلة) ثبوت الحكم حكم التحريم مثلاً (في محل النص) الذي هو الخمر (بالنص) لأنه هو الذي أفاد الحكم، النص هو الذي أفاد الحكم وليس العلة حينئذٍ عندما نقول: الخمر حرام للنص لا للعلة وإن كانت العلة موجبة للحكم، لكن النص هو الذي بين لنا وكشف ذلك وأفاد الحكم، والعلة باعثة (عند أصحابنا والحنفية لوجوب قبوله) أي: الحكم. (وإن لم تعرف علته) بمعنى أن الحكم هنا ينوط مع التسليم، فإذا قيل: هذا وحي. وجب التسليم به سواء علمت علته أو لا، إذًا صار المعتبر هو: النص. فإن علمت علته حينئذٍ صارت العلة تابعة للنص لا أصلاً (وإن لم تعرف علته كما في التعبدات وعند الشافعية بالعلة مع كون المعرف له النص) أي: الباعث على حكمه. والخلاف لفظي لكن إسناد الحكم لأي شيء؟ هل هو للنص أو للعلة؟ الصحيح أنه إلى النص لأن المصدر هو: النص.
(8/33)


(والأكثرون أن أوصاف العلة لا تنحصر في عدد، وقيل: إلى خمسة) هذا تفريع على القول بتركيب العلة الشرعية وهي العلة قد تكون بسيطة كالإسكار وقد تكون مركبة، وأعلى ما تركب ثلاث خمس لا حصر لها قد تركب من شيئين من ثلاث من أربع من خمس لا إشكال فيه (والأكثرون أن أوصاف العلة لا تنحصر) يعني: تكون مركبة من وصفين أو أكثر، لكن قالوا: أقوى العلل ما تركب من وصفين. وهذا هو الغالب في الشرع (وقيل: إلى خمسة) وإذا زادت استثقلوها ولم يتمموها.
(8/34)

ثم قال رحمه الله تعالى: (ولإثبات العلة طرق ثلاثة). مسالك العلة هذا يسمى مسالك العلة، يعني: المسلك الذي تستطيع أن تثبت به العلة، كيف تثبت العلة؟ ما هو الطريق الذي تسلكه في إثبات العلة؟ لأن العلة قلنا: منصوصة، مجمعة، مستنبطة ... إلى آخره. قال: (ولإثبات العلة). وهو ما دل على كون الوصف علة في الأصل (طرق ثلاثة) تسمى مسالك العلة، ومسالك العلة نوعان من حيث الجملة: مسالك عقلية وهي: الاستنباط. ومسالك نقلية وهي: النص والإجماع. مسلك عقلي وهو: الاستنباط. الذهن، ومسلك نقلي وهو: النص والإجماع. وكل منهما ثلاثة ثَلاثة أضرب، (ولإثبات العلة طرق ثلاثة) جمع بينها ولم يفصل بالتفصيل الذي .. [النص والإجماع والاستنباط] هذا مراده النص والإجماع والاستنباط، ولكن جرى الشيخ الأمين على هذا وغيره كذلك ((النص)) يعني: من كتاب أو سنة. وتسمى حينئذٍ العلة منصوصًا عليها وهو: ضربان. يعني: التنصيص ضربان: صريح في التعليل، ثانيًا إيماء وتنبيه. صريح في التعليل يعني: ينطق به صريحًا. كقوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ} [المائدة: 32]. نطق بالعلة ولها ألفاظ، أو يكون دل عليه لا بصريح اللفظ كما ذكرناه بالأمس المنطوق غير الصريح وهو: التنبيه والإيماء. بالنص قال: ((النص) بأن يدل عليها بالصريح). يعني: باللفظ الصريح أن يكون اللفظ موضوعًا للتعليل، يعني: في لسان العرب هذا اللفظ، وهذا الحرف أو الكلمة موضوعة للتعليل فإن جاءت ورتب عليه الحكم الشرعي عرفنا أنها علة أن يكون اللفظ موضوعًا للتعليل أو مشهورًا فيه في عرف اللغة نحو {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} هذا علة (وكي) كي هذه للتعليل هذا الأصل فهذا لا يحتمل غير التعليل فدلالته عليه قطعية، والثاني الذي يكون بالإيماء والتنبيه أو ما يسمى بظاهر النص عند بعضهم فهذا كالباء واللام وحتى فإنها تفيد التعليل إفادةً راجحة لورودها لمعاني أخرى، الحرف إذا احتمل معنيين فأكثر ولو كان منها ما يستعمل للتعليل حينئذٍ نقول: هذا ظاهر وليس بنص. هذا ظاهر في التعليل وليس بنص في التعليل، والمنصف أدمج النوعين ولم يفصل بينها (بأن يدل عليها بالصريح كقوله: العلة كذا) ما جاء هكذا لكن لو قيل: العلة كذا. نص عليها بس بلفظها (أو بأدواتها وهي: الباء. كقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا}). يعني: بسبب كفرهم أن وما دخلت عليه في تأويله مصدر، والباء تعتبر جارة لهم أليس كذلك؟ ({ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ}) يعني: بسبب كفرهم بكفرهم يعني: بسبب كفرهم. هنا ذكر الباء في النص قال: (بأن يدل عليها بالصريح)، (وهي الباء). وهذا محل نظر لأن الباء لا تأتي دائمًا سببية، وإنما تأتي للتبعيض وتأتي للتعدية إلى آخرها حينئذٍ نقول: لما احتملت معانٍ أخرى لا تكون نصًا في التعليل فقوله فيه نظر.
(8/35)

(واللام {لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]) اللام كذلك هي محتملة (وكي {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً} [الحشر: 7]، وحتى نحو: {حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193]، ومن أجل نحو: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا} [المائدة: 32]) هذه كلها المصنف أدخل الصريح مع غير الصريح على ما ذكرناه فيما سبق (أو بالتنبيه والإيماء) يعني: الدلالة على العلة من جهة المعنى لا اللفظ، وسبق معنا أن التنبيه والإيماء.
أن يقرن الوصف بحكم إن يكن ... لغير علةٍ يَعِبْهُ من فطن

فقط بمعنى أنه لولا أن هذا الحكم مرتبٌ على هذا الوصف وهذا الوصف ما ذكر إلا من أجل الحكم لصار لغوًا، وليس من عادة الفصيح أن يقرن الأحكام على غير محالها، وهذه ينزه عنه الشارع. قال: (إما بالفاء). وهذا الإيماء والتنبيه أنواع سيذكر كل ما يأتي بالإيماء والتنبيه وهو: أنواع.
الأول: أن يذكر الحكم عقب وصفٍ بالفاء، فيدل على أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم نحو: {قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء} [البقرة: 222] {قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ} الفاء هذه واقعة بعد قوله: {أَذًى}. ثم جاء الأمر قال: اعتزلوا، {فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء} لأجل الأذى فالفاء هنا دلت على ماذا؟ على التعليل وهذا جيد، إذًا الأول أن يذكر الحكم عقب وصفٍ بالفاء ويدل على ذلك الوصف علة ذلك الحكم نحو {قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء} ({وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ} [المائدة: 38]) فا دالةٌ على التعليل، ويلحق بهذا من ما رتبه الراوي بالفاء كقوله: ((سَهَا فَسَجَد)). وتدخل على السبب (كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإنه يُبعث ملبيًا». وعلى الحكم مثل: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ}) إلى آخره. وكذلك من قول الراوي ((سَهَا فَسَجَد) و (زَنَى فَرُجِم)) كل هذا يدل على التعريف بأنه رتب بالفاء حكمًا على سببٍ سابقٍ دل على أنه علةٌ له.
النوع الثاني: من دلالات الإيماء والتنبيه أو ترتيبه على واقعة سئل عنها (كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أعتِق رقبة». في جواب سؤاله عن المواقعة في نهار رمضان)، دل على أن الوقاع هو سبب الحكم واضح هذا، سؤالٌ فجواب، فدل على أن من ذكر في السؤال هو علة الحكم لماذا؟ لأن القاعدة أن الجواب يطابق السؤال، فلو لم يكن السؤال الجواب المتضمن الحكم الذي تضمنه فلو لم يكن الجواب مطابقًا للسؤال من حيث ترتب الحكم على سببه لما وقع جوابًا للسائل.
(8/36)

ثالثًا: (أو لعدم فائدته إن لم يكن علة) يعني: أن يذكر مع الحكم شيئًا لو لم يقدر التعليل به لكان لفظًا غير مفيد (كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنها من الطوّافين عليكم الطوافات») حينئذٍ هذه علة وليست خاصة بالهر، وإنما لكل ما كثر تطوافه فحينئذٍ ارتفع النجاسة (أو نفي حكم بعد ثبوته) يعني: كالإرث للوارث. (لحدوث وصف، كقوله: «لا يرث القاتل») لِمَ لا يرث؟ لقتله لكونه قاتلاً («لا يرث القاتل») مع كون السبب موجود قد يكون ابنًا قتل أباه حينئذٍ نقول: لا يرث مع كونه السبب الموجب للإرث موجودًا، لكن هنا لما قال: («لا يرث القاتل»). حينئذٍ علقه بوصف وهو: اسم فاعل. دل على ماذا؟ على علية ما منه الاشتقاق، ولذلك قالوا: إذا ترتب الحكم على مشتقٍ دل على عِليَّة ما منه الاشتقاق (أو الامتناع عن فعلٍ بعد فعلِ مِثْلِهِ لعذر فيدل على عليَّة العذر) امتناع يعني: امتناع الشارع هذا في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد يكون في حق البشر لكن ليس هذا مرادًا، امتناع الشارع عن فعلٍ لم يفعله بعد فعل مثله فعله فيما سبق (لعذر فيدل) امتناعه (على عليَّة العذر) أي: على أن هذا الذي توقف في دخول البيت كالمسألة الذي سيأتي به دل على أنه علة مثل ماذا؟ (كامتناعه عن دخول بيت فيه كلب) دخل قبل ذلك فعل الدخول ثم امتنع مرةً ثانية لم يفعل، والفعل الثاني كالفعل الأول لكن علله بماذا؟ لوجود الكلب فدل أن وجود الكلب علةٌ في عدم الفعل (أو تعليقه على اسم مشتق من وصف مناسب له، كقوله تعالى: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5].) هذا كالسابق («لا يرث القاتل») مثله، بمعنى أن الحكم المعلق على اسم المشتق اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفةٍ مشبهة ونحو ذلك يدل على عِليَّة ما منه الاشتقاق، يعني: الذي اشتق منه هو: العلة. ({فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ}) لشركهم هذا المراد، المشركين جمع مشرك (أو إثبات حكمٍ إن لم يجعل علةً مؤثرًا لحكمٍ آخر لم يكن مفيدًا كقوله تعالى) المسائل كلها متداخلة (لم يكن مفيدًا كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275] لصحته {وَحَرَّمَ الرِّبَا} لبطلانه) هذا إثبات حكمٍ وهو: حل البيع. وهو علةٌ لحكمٌ وهو صحة البيع، أليس كذلك؟ إذا أحل الله البيع واستوفى شروطه وانتفت الموانع صح البيع، حينئذٍ لما أحل البيع رتب عليه الصحة ({وَحَرَّمَ الرِّبَا})، إذًا كل عقدٍ فيه ربا يترتب عليه فساده بمعنى أنه لا يترتب عليه المقصود من العقد.
(و (الإجماع)) هذا الثاني، الضرب الثاني ثبوت العلة بالإجماع، كالإجماع على تأثير الصغر في الولاية على المال وبعضهم يقدم الإجماع على النص، لأن النص يحتمل النسخ بخلاف الإجماع ومرادهم بالإجماع هنا الإجماع القطعي لا الظني، والقطعي هو: الإجماع القولي لا السكوتي. هو الذي يعتبر هنا مسلكة من مسالك العلة (فمتى وجد الاتفاق عليه، ولو من الخصمين ثبت) هذا في قياس المناظرة، إذا قالوا: خصمين. ونحوهما المراد به آداب البحث والمناظرة، هذا أدبٌ يذكر ولا يعلق بحكم الشرع اتفقا أو اختلفا ليس لنا فيهما شغلٌ وإنما نريد إثبات الأحكام الشرعية وحينئذٍ لا بد من التزامها.
(8/37)

الثالث: الاستنباط وهو: استخراج العلة بالاجتهاد. وأضرب إثبات العلة بالاستنباط ثلاثة: سيذكرها المصنف واحدًا تلو الآخر (إما بالمناسبة) ويعبر عنه بالمصلحة والاستدلال وعرفنا الاستنباط المراد به لم يرد نصٌ في تعليل علة ولم يرد إجماعٌ على العلة، وإنما ينظر المجتهد في الحكم وفي محله هل ثَمَّ وصفٌ مناسبٌ أو لا؟ فقد يجد وقد لا يجد حينئذٍ إذا وجد فقد يوافق وقد يخالف، حينئذٍ صارت هذه العلة مستنبطة والاستنباط هنا (و (الاستنباط) إما بالمناسبة وهي حصول المصلحة في إثبات الحكم من الوصف) بمعنى أنه لو أدرك أن الحكم إنما أباحه الشارع للمناسبة كحل البيع مثلاً للحاجة، معلومٌ أن البيع لو لم يحل الله تعالى البيع لوقع الناس في المشقة أليس كذلك؟ لأنك تريد ما في يد غيرك وهو يريد ما في يدك، حينئذٍ إباحة البيع واضح أنه لمصلحة صار الوصف هنا الحاجة مناسب، إباحة البيع لماذا؟ للحاجة الحاجة بالنسبة للإباحة حكمٌ متعلقٌ بها المناسبة بينهما بمعنى أنها لو لم ترد الحاجة أو لم يرد الحكم الشرعي بناءً على الحاجة لوقع الناس في حرجٍ شديد (وهي حصول المصلحة في إثبات الحكم من الوصف، كالحاجة مع البيع) يعني: الحاجة إلى المبيع. وصف مناسبٌ لحل البيع (ولا يعتبر كونها منشأ الحكمة) (منشأ) يعني: الظهور أو الموضع الذي يظهر منه ويبدوا. (ولا يعتبر كونها) يعني: المناسبة. (منشأ الحكمة) يعني: الحكمة قد لا تكون مأخوذة من العلة بل هي شيءٌ آخر، كالسفر من حيث هو سفر قد يترتب عليه مشقة وقد لا تترتب عليه مشقة حينئذٍ نقول: قد يؤخذ من المناسبة منشأ الحكمة وقد لا يأخذ منها منشأ الحكمة، (ولا يعتبر كونها منشأ الحكمة) بمعنى أن المناسبة لا يشترط فيها أن تكون مناسبةً إلا لوجود الحكمة لا لا يشترط بل قد يفهم منها الحكمة وقد لا يفهم منها الحكمة، (و (المؤثر)) أنواع المؤثر (ما ظهر تأثيره في الحكم بنص أو إجماع، وهو ثلاثة: المناسب المطلق، والملائم، والغريب) المناسب أنواع لأنه ذكر المصلحة وهي: ما يترتب على المناسبة. حينئذٍ المناسبة ما هي؟ هل كل ما يدعى فيه أنه مناسب يقبل؟ لا، بل هو ثلاثة أنواع، (و (المؤثر)) يعني: الوصف المؤثر. (ما ظهر تأثيره في الحكم بنص) يعني: الأدلة. (أو إجماع، وهو) أي: المؤثر. (ثلاثة) بالنظر إلى نوعية اعتبار الشارع له، وليس أقسامًا للمؤثر بل أقسام للمناسب كما هو ظاهر كلام المصنف أن أقسامه للمؤثر بل هو للمناسب يعني: المناسب هذا الذي اكتشفناه نحن ورتبنا عليه الحكم الشرعي، هل الشرع اعتبره أم لا؟ قد يكون معتبر وقد لا يكون معتبر، قد يكون اعتبره في موضعٍ واحدٍ فقط المناسب الغريب، وقد لا يكون معتبرًا أصلاً حينئذٍ قسم لنا المناسب إلى ثلاثة أنواع: المناسب المطلق هذا الأول، والمناسب الملائم، والمناسب الغريب.
(8/38)

المناسب المطلق يعني: المطلق من دليلٍ اعتبارٍ أو إلغاء هذا الذي سبق معنا قلنا: يتعلق به المصلحة المرسلة. وقلنا: الصحيح أنه لا يعتبر. لماذا؟ لأنه يترتب عليه فتح باب البدعة، ويكون فيه استدراكًا على الشارع بأن يحدد أن الحكم كذا وكذا لمناسبةٍ من عنده دون أن يعتبرها الشارع وهو: ما ينقدح في نفس المجتهد ولا يستطيع التعبير عنه. (المناسب المطلق) يعني: مطلق عن قيد. يعني: مطلق من دليل اعتبار أو إلغاء.
والمناسب الملائم، والمناسب الغريب وهذه كلها سيشرحها رحمه الله تعالى: (وقد قصر قوم القياس على المؤثر وحده) والصحيح عدم قصر القياس على المؤثر وحده لأن إشارة النص وإيمائه تفيد علية الحكم.
ثم قال: (وأصول المصالح خمسة). لأنه لما قسم لنا المناسب المطلق، والملائم، والغريب. احتجنا أن نعرف ما هي المصالح الخمسة فقال: ... (وأصول المصالح خمسة:
ثلاثة منها ذكرت في الاستصلاح). الضروري، والحاجي، والتحسيني، وهذه جعلها ثلاثة وهي في الأصل قسمٌ واحد لماذا؟ لأن الضروري والحاجي والتحسيني ظهر اعتبارها شرعًا اعتبرها الشارع وهي: قسمٌ واحد. (وهي المعتبرة.
(8/39)

والرابع: ما لم يعلم من الشرع الالتفات إليه ولا إلغاؤه، فلا بد من شهادة أصل له) يعني: فلا يقبل المناسب المرسل إلا إذا كان ترتب الحكم عليه يحقق مصلحةً تشهد لها عمومات الشريعة وقواعدها، مثل جمع القرآن حصل في عهد الصحابة المصالح المرسلة هنا لكن يشهد لها أصل وهو: حفظ الدين. ... إلى آخره حينئذٍ نقول: (ما لم يعلم من الشرع الالتفات إليه ولا إلغاؤه). هذا يسمى ماذا؟ المناسب المرسل، يعني: لم يرد أنه اعتبر ولم يرد أنه ألغي. يعني: متوقف فيه لا يعلم حكم الشارع فيه، هل نرتب عليه أحكام؟ الجواب: لا، لأن المناسب لا يكون مناسبًا إلا إذا اعتبره الشارع، وأما ما دل على إلغائه فهو ملغى كاسمه، وإما ما لم يدل على إلغائه ولا اعتباره فالأصل عدم اعتباره، لماذا؟ لأن الأحكام الشرعية إن عُلِّلَت فتعليلاتها شرعية حينئذٍ لما لم يكن شرعًا فالأصل عدم تعليق الأحكام الشرعية عليه، (والخامس: ما علم من الشرع إلغاؤه فهو ملغى بذلك) لأن الشرع لم يعتبره كالأعرابي مثلاً كونه أعرابيًا كونه أعجميًا، هذه أوصاف يفترق بها الناس وثقافاتهم تختلف وعاداتهم تختلف بناءً على هذا لكن الشارع لم يعتبرها بل هي ألغيت بل بالنص (أو بالسبر والتقسيم) هذا إما بالمناسبة (أو بالسبر والتقسيم)، معطوفٌ على ما سبق، بمعنى أن الاستنباط كما يكون بالمناسبة يعني: الوصف المناسب. كذلك يكون بالسبر والتقسيم. والسبر لغةً: الاختبار. والمراد هنا اختبار الأوصاف بإلغاء ما لا يصلح وإبقاء الصالح، يكون عندك مجموعة أوصاف بعضها يحتمل وبعضها ما لا يحتمل حينئذٍ يأتي ويسبر يلغي ما لا يعتبر ويثبت ما يعتبر (والتقسيم) هو تجزئة الشيء بأن يقال هذا إما كذا وإما كذا، يعني: ينظر إلى الحكم الشرعي فنقول: الحكم الشرعي لا يمكن أن يكون إلا لعلة كذا أو لكذا الأول باطل لكذا فيتعين الثاني. هذا يسمى ماذا؟ يسمى تقسيمًا الأول باعتبار الأوصاف السبر تنظر تقول: عندنا وصفٌ كذا أعرابي إلى آخره، ثم تقول: هذا لا يصلح هذا يصلح هذا لا يصلح. ... إلى آخره، وأما التقسيم فتقول: يحتمل العلة المرتب الحكم عليها إما كذا وإما كذا وإِما كذا، فالأول باطل لكذا والثاني باطل لكذا. وتسكت عن الثالث فيتعين أنه هو العلة (بحصر العلل) يعني: الأوصاف أوصاف الأصل المقيس عليه. ... (وإبطال ما عدا المدَّعى علة) إذا ادعيت أن هذا الوصف هو العلة تبطل ما عداه وتسكت عن هذه العلة فتستقر، (أو بقياس الشبه) هذا الثالث استنباط إما بالمناسبة أو بالسبر والتقسيم أو بقياس الشبه يعني: إثبات العلة بالشبه. وقياس الشبه اختلف في تفسيره وهو: الفرع المتردد بين أصلين مختلفي الحكم من إلحاق الفرع بأحد الأصلي. وهذا سيأتي ذكره هنا نعم سيأتي سَيأتي، (أو بقياس الشبه) ثم قال: (وبنفي الفارق بين الأصل والفرع إلا بما لا أثر له، وهو مثبت للعلة). يعني: في الفرع. (لدلالته على الاشتراك فيها على الإجمال) هذا الضرب الثاني من أضرب إثبات العلة [بـ لا نعم.
.]
(أو بنفي الفارق) أو نعم (أو بنفي الفارق) هذه ساقطة من بعض النسخ.
.
(8/40)

[أي نعم نعم، الاستنباط إما بالمناسبة نعم نَعم أي] (أو بنفي الفارق بين الأصل والفرع) أن يقال: لا فرق بين الأصل والفرع إلا كذا، وهو لا مدخل له في الحكم فيلزم اشتراكهما في الحكم حينئذٍ، فإلحاق الفرع بالأصل بنفي الفارق على ما ذكر في أول أنواع الإلحاق، (أو بنفي الفارق بين الأصل والفرع إلا بما لا أثر له) يعني: لا فرق بين الفرع والأصل إلا كذا، وهذا لا أثر له، ليس له تأثير حينئذٍ سُوِّيَ بينهما وهو: مثبتٌ للعلة في الفرع. يعني: القياس بنفي الفارق مثبتٌ للعلة في الفرع. لماذا؟ لدلالته على الاشتراك، يعني: اشتراك الفرع والأصل فيها. يعني: في العلة. وهي المؤثر على الإجمال، أي: أن علة الأصل متحققة في الفرع من حيث الجملة من غير تعيين وأكثر الأصوليين لا يعدون ذلك من مسالك العلة، لأنه لا يدل على أن هذا الوصف المعين علة وإنما يدل على أن علة الأصل متحققةٌ في الفرع من غير تعيين لأن النظر هنا للفرع فإذا قيل: لا فرق بين الفرع والأصل إلا كذا. ولا أثر له هذا لا يدل على أن علة الأصل هي كذا وكذا، وإنما يدل على أنها موجودة في الفرع، ووجود الشيء في الفرع وصف الفرع لا يدل على أنه إذا وجد في الأصل أن يكون هو علة الحكم ففرقٌ بين المسألتين.
(وقد استُدِلَّ على إثبات العلة بمسالك فاسدة كقولهم: سلامة الوصف من مناقض له دليل على عليته) بمعنى أنه إذا جاء وصفٌ ورتب عليه الحكم قالوا: إذا لم يكن ثَمَّ ناقضٌ واعتراضٌ ومعارضةٌ [لهذا الحكم] (1) لهذا الوصف دل على أنه علة، وهذا فاسد لأن عدم الاعتراف لا يدل على أنه علةٌ في نفسه، وإلا قد لا يوجد له اعتراض، (سلامة الوصف من مناقض له دليل على عليته) أي: إذا لم يوجد ما يعارض الوصف ولا ما يناقضه دل على صحة التعليل به.
__________
(1) سبق.
(8/41)

(وغايته) يعني: غاية هذا المسلك. (سلامة الوصف من المعارضة، وهي أحد المفسدات) المعارضة إحدى مفسدات القياس، وهذه لم يذكرها هنا تذكر في المطولات (ولو سلم من كلها لم يثبت) لو سلم الوصف من كل المفسدات لم يثبت كونه علة بمعنى أن الوصف إذا لم يعارض بأي مفسدٍ من المفسدات لا يدل على أنه علة (ومنها) أي: من مسالك الفاسدة. (الطرد) (ومنها: الطرد وهو قولهم: ثبوت الحكم معه أينما وجد دليل عليته). (ثبوت الحكم معه) يعني: مع الوصف. (أينما وجد دليل عليته) يعني: لا يلزم من وجود الوصف مع الحكم أنه علةٌ له، إذا وجد الوصف دل على أنه حكمٌ له، لكن إذا وجد الحكم لا يدل على أنه ذاك الوصف علة له لأنه قد يوجد من الأوصاف ما هو غير مناسبٍ، وهذا ما يسمى بالملازمة في الثبوت الطرد وهو: الملازمة في الثبوت. كلما ثبت الوصف ثبت معه الحكم ويسمى الدوران كما سيأتي، (ومنها: الدوران) الدوران مأخوذ من دَارَ يَدُورُ دَوْرًا دَوَرَانًا (ووجود الحكم، معها وعدمه بعدمها) أخص أو أعم؟ أخص من السابق السَّابق التلازم في الثبوت، وهنا تلازم في الثبوت والعدم، دوران العلة مع الحكم وجودًا وعدمًا، الاطراد الملازمة في الثبوت ولا يلزم منه الملازمة في النفي، وأما الدوران فلا، وجود الحكم معها لأن عنده وجود العلة، وعدم الحكم بعدمها يعني: بعدم العلة. (قيل: صحيح) يعني: مسلكٌ صحيح. وهو مذهب الجمهور أن مسلك الدوران في الوجود والعدم مسلكٌ صحيح (لأنه أمارة) ويفيد العلة ظنًا، (وقيل: فاسد) الدوران مسلكٌ فاسد لا يفيد التعليل مطلقًا لا قطعًا ولا ظنًا، (لأنه طرد) لا فرقٌ بين الدوران والطرد الطرد هو: الملازمة في الثبوت. وأما الدوران فهو أعم منه لأن الملازمة قد تكون في الثبوت وقد تكون في النفي، الثبوت يعني: كلما وجد وَجد، والنفي كلما انتفى انتفَى.
(8/42)

(لأنه طرد، والعكس لا يؤثر لعدم اشتراطه) العكس يعني: انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف. (لا يؤثر لعدم اشتراطه في العلة الشرعية إذ الشروط وجودية، ووجود مفسدة في الوصف مساوية أو راجحة) بمعنى أنه قد توجد مفسدة في الوصف إما أن تكون مساوية أو تكون راجحة هل هو دليلٌ على عدم العلية أو لا؟ هذه المسألة تتعلق بالمناسبة وهي: هل تنخرم المناسبة؟ أي: تبطل بوجود مفسدةٍ في الوصف مساويةً للمصلحة (أو راجحة)، عليها قولان: (قيل: يخرم مناسبته، وقيل: لا). (يخرم مناسبته) بالخاء أي: ينفيها ويبطلها فتلغى المصلحة نعم (قيل: يخرم مناسبته) وهو قول الأكثر، لأن المناسب ما لا يعارضه مفسدةٌ مساوية أو راجحة فلا يكون مناسبًا عند العقلاء، وليس من شأنهم تحصين الدينار وخسارة دنارين (وقيل: لا) يعني: لا تنخرم المناسبة. لأن الوصف قد تضمن مصلحةً ولزمت المفسدة ذلك الوصف، فوجب اعتبارها لاختلاف الجهة والصحيح أنها معتبرة يعني: وجود مفسدة في الوصف مساوية أو راجحة هذا يخرم المناسبة لأنه كيف يقال بأنه مناسبٌ ثم يترتب عليه مفسدة مساوية أو راجحة؟ نحن ما جعلنا هذا الوصف مناسبًا إلا لكونه مناسبًا، والمناسبة هي التي ينبني عليها أو تحقق المصلحة بدفع مضرةٍ أو جلب مصلحة. قال هنا: وليس من شأنهم تحصيل دينارٍ وخسارة دينارين أو دينارٍ. نعم (وقال النظّام) وهذا تابعٌ لما سبق (يجب الإلحاق بالعلة المنصوصة عليها بالعموم اللفظي لا بالقياس) النظام ينكر يُنكر ماذا؟ ينكر القياس حينئذٍ الإلحاق عنده باللفظ يرى الإلحاق القياس لكنه باللفظ لا بالقياس الذي هو المعتبر من جهة الوصف، (يجب الإلحاق) يعني: إلحاق الفرع بالأصل. عن طريق العلة الثابتة بالنص من جهة اللفظ لكونه عامًا ورد بصيغة عموم وليس الإلحاق بواسطة القياس، يعني: إذا قيل بأن النظام أنكر القياس كذلك ابن حزم يقع في هذا حينئذٍ كيف نلحق الفرع بالأصل؟ لا بد أن يلحق فرعًا بأصل وما من زمن إلا وتقع فيه نوازل قالوا: هذا من جهة اللفظ لا من جهة القياس. فكل من أنكر القياس ألحق الفرع بالأصل من جهة اللفظ والمثال الذي سيذكره هنا واضح.
(إذ لا فرق) يقول النظام: (لا فرق لغةً بين (حرمت الخمر لشدتها)، وبين (حرَّمت كل مشتد)). لا فرق ((حرمت الخمر لشدتها)) هذا النص الذي جاء مثلاً حينئذٍ سَوَّى بينه وبين العموم كأنه جعله عامًا ((حرَّمت كل مشتد)) حينئذٍ كلما وجد مشتد دخل في النص فلا فرق بينهما، فاللفظ دالٌ عليه (وهو خطأ لعدم تناول (حرمت الخمر لشدتها) كل مشتد غيرها) نعم واضح لأنه قوله: ((الخمر لشدتها)). يحتمل أنه لخصوص الخمر فلا تكون هذه العلة متعدية قد تكون ماذا؟ قاصرة كالذهب الثمنية مثلاً (وهو خطأ) يعني: فلا نُسَلِّم باستواء العبارتين (لعدم تناول (حرمت الخمر لشدتها) كل مشتد غيرها، ولولا القياس) الذي هو الإلحاق (لاقتصرنا عليه) يعني: تحريم الخمر. فقط فتكون التعليل قوله: ((لشدتها)). (دوران التحريم مع الشدة) فيزول الحكم الذي هو التحريم عند زوال العلة وهي: الشدة.
ثم قال: (وأنواع القياس أربعة).
هذا نجعله مع الخاتمة إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد.
(8/43)

عناصر الدرس
أنواع القياس.
أوجه تطرق الخطأ إلى القياس.
الاستدلال.
ترتيب الأدلة.
الاجتهاد، والتقليد.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قد سبق الحديث عن أركان القياس ومر معنا تقسيم المصنف رحمه الله تعالى مؤثر ما ظهر تأثيره في الحكم بنص أو إجماع وهو ثلاثة، المناسب المطلق قلنا: هذا الذي لم يشهد له دليل اعتبار أو دليل إلغاء. يعني: لم يرد الشارع باعتباره ولا بإلغائه والملائم هو الذي يكون كالإسكار مثلاً يسمى ملائمة مناسبة بين الحكم وبين العلة والغريب هذا الذي كما سبق الإشارة إليه أنه لم يشهد له إلا أصل واحد، وهذا يمثلون له بماذا؟ بوصف المعاملة بنقيض القصد إن استعجل شيء قبل أوانه عوقب بحرمانه هذه قاعدة عامة وهي أصل ما دليلها؟ دليلها لا يرث القاتل، لم يرد لهذا القاعدة ولهذا الأصل ما يشهد له إلا نص واحد وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يرث القاتل». حينئذٍ اعتمد وعمم وصار كلما استعجل الشيء أو الشخص الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، فإذا طلق زوجته بتًّا في مرض الموت حينئذٍ يعاقب بنقيض قصده فترث، وكذلك الموصى له لو قتل وصيه الموصى كذلك يكون شأنه شأن الوارث، وهكذا حينئذٍ صار المناسب الغريب له اعتبار عندهم إلا أنه تقعد القاعدة أو يجعل أصل عام لكن لم يشهد لهذا الأصل إلا، لم يشهد لهذه القاعدة والوصف العام إلا نص واحد.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وأنواع القياس أربعة). هذا بالنظر إلى الجامع بين الفرع والأصل، والأكثر على أنها ثلاثة بإسقاط قياس الطرد لعدم اعتباره ونص على ذلك، إذًا هي ثلاثة: قياس العلة، وقياس الدلالة، وقياس الشبه. وأضعفها قياس الشبه وأقواها قياس العلة، إذًا أنواع القياس بالنظر إلى الجامع بين الفرع والأصل أربعة:
الأول: (قياس العلة)، يعني: من إضافة الشيء إلى سببه. يعني: لماذا سمي قياس علة؟ لأن العلة هي المعتبر في القياس (وهو ما جمع فيه بين الأصل والفرع بالعلة نفسها)، سواء كانت منصوصة أو مجمع عليها، وهذا واضح بين وهو أشهر أنواع القياس والعمدة عليه لأنه هو الأقوى.
(9/1)

والثاني: (وقياس الدلالة وهو ما جمع فيه بين الأصل والفرع بدليل العلة)، إذ اشتراكهما فيه يفيد اشتراكهما في العلة فيشتركان في الحكم، العلة قد يكون لها دليل يدل عليها بمعنى إذا قيل الإسكار أنه علة لتحريم الخمر قد يدل على الإسكار الشدة مثلاً كونها مضطرب أو الرائحة الكريهة ونحو ذلك هذا يسمى ماذا؟ يسمى دليل العلة وليست هي العلة بنفسها فالإسكار من حيث هو كيف نعرفه؟ نعرفه بعلامته وأماراته، هذه الأمارة هي التي تكون جامعًا [بين القياس] (1) بين الفرع والأصل، وهو أضعف من الأول لماذا؟ لاحتمال أن تكون هذه الرائحة كريهة مثلاً لغير الإسكار ليس المطردة كلما وجدت رائحة كريهة فثَمَّ إسكار حينئذٍ نقول: للمظنة أو الظن صار أضعف من السابق، فالجمع بين الفرع والأصل بالعلة نفسها أقوى من الجمع بين الفرع والأصل بدليل العلة وأمارة العلة، لأنها قد توجد الأمارة والعلامة وتتخلف العلة فثَمَّ خطأ في النظر (ما جمع فيه بين أصل وفرع بدليل العلة)، وهو: إما بملزومها، أو أثرها، أو حكمها. يعني: دليل العلة إما بملزومها، أو أثرها، أو حكمها. مثل ماذا؟ قالوا: قياس النبيذ على الخمر بجامع الرائحة الكريهة والشدة الدالة على الإسكار. يعني: كمثال.
والشأن لا يعترض المثال ... إذ قد كفى الفرض والاحتمال

فلا يناقش فيه، فقياس النبيذ على الخمر بجامع الرائحة الكريهة والشدة الدالة على الإسكار فإنه يلزم من وجود الشدة وجود الإسكار إذا قيل بأنه مسكر يلزم من وجود الرائحة الكريهة وجود الإسكار وهذا التلازم ليس عقليًّا إنما هو تلازم عادي ومثله إلحاق القتل بالمثقل بالقتل بالمحدد في القصاص بجامع الإثم هذا الجامع هنا الإثم وهو: حكم العلة. لأن الإثم هو أثر العلة والقتل والعمد عدوان قال هنا: (ما جمع فيه). يعني: بين الأصل والفرع. (بدليل العلة، ليلزم من اشتراكهما فيه)، في الدليل يعني، (وجودها) (ليلزم من اشتراكهما)، اشتراك الفرع والأصل (فيه)، يعني: في دليل العلة. (وجودها)، يعني: وجود العلة. ليدل اشتراكهما في الدليل على اشتراكهما في العلة فيلزم اشتراكهما في الحكم، فإذا نظرت فيه وجدت فيه شيئًا من الضعف لأنه ليس ثَمَّ تلازم عقلي ولا شرعي وإنما هو تلازم عادي قد يتخلف، ولذلك هو أضعف من السابق.
(وقياس الشبه) هو أضعفها وأكثرها استعمالاً في كتب الفقهاء، وهذا يدل على ماذا؟ يدل على أن القياس ينبغي النظر إليه بنظرة شرعية، وهو أنه كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وهو مؤصل علم أصول الفقه أنه: كالميتة. بمعنى أن لا نحتاج إلى كثير من هذه التفريعات التي قد يكون الأمثلة عليها متكلفة، وتكون كذلك الاستنباطات التي تربط بالأدلة فيها شيء من التكلف، وإنما يكون عندنا أربعة أركان والأصل العلة الحكم الأصل يكون معللاً إن وجدت العلة بعينها هذا هو الأصل، وأما بقياس الشبه أو ما سميناها الآن بقياس الدلالة دليل علة، فهذه أقل أَقل ما يمكن أن تقع وأكثر ما يقاس بها يكون القياس ضعيفًا فيها.
__________
(1) سبق.
(9/2)

قياس الشبه سمي بالشبه لتردده بالشبه بين الوصف المناسب والوصف الطردي (وقد اختلف في تفسيره فقال القاضي يعقوب) سماه هنا (هو أن يتردد الفرع بين حاظر ومبيح) والمشهور أنه يتردد بين أصلين مختلفي الحكم تردد الفرع بين أصلين مختلفي الحكم، قالوا: كالعبد مثلاً. العبد هل إذا قتل يضمن الدية أو تلزم القيمة؟ قالوا: متردد بين أصلين:
الأصل الأول: كونه حرًا.
الأصل الثاني: نعم أشبه الحر من حيث كونه مكلفًا بالتكاليف الشرعية التوحيد والصلاة إلى آخره، ويشبه البهيمة من وجه آخر في كونه يباع ويشترى ويوقف ويوهب إلى آخره.
إذًا ثَمَّ تردد بين أصلين مختلفي الحكم فالذي يترتب على الحر ليس كالذي يترتب على البهيمة حينئذٍ وقع تردد في العبد، هل إذا قتل يضمن قاتله بالدية إذا أشبه الحر أو القيمة إذا أشبه البهيمة؟ والأكثر على الثاني أنه أقرب إلى البهيمة قياس الشبه نعم قال: (هو أن يتردد بين حاظر ومبيح). قال هنا في الحاشية: كالمذي المتردد بين المني والبول. لكن فيه نص المذي متردد بين المني والبول، نعم هو متردد بينهما لكن جاءت فيه نصوص موضحة للحكم الشرعي فيه، قال: (فيلحق بأكثرهما شبهًا). تردد الفرع بين حاظر ومبيح يعني: أصل. حاظر يعني: يمنع يحرم، ومبيح أصل آخر حينئذٍ يتضمن الإباحة، (فيلحق بأكثرهما شبهًا، وقيل: هو الجمع بوصف يوهم اشتماله على المظنة من غير وقوف عليها) والأول هو الأشهر في الحد (هو الجمع بوصف)، يعني: الجمع بين الفرع والأصل، (بوصف يوهم)، يعني: يظن. (اشتماله)، أي: هذا الوصف أنه مشتمل (على المظنة) أي: الحكمة. يعني: ليست الحكمة معلومة قطعًا وإنما هي مظنونة، فهذا الوصف يوهم بمعنى أن الناظر فيه يتوهم أن الحكمة موجودة مترتبة عليه، وهذه دائرة الظن، (من غير وقوف عليها)، يعني: من غير قطع بوجودها، لكن الشارع اعتبره في بعض الأحكام (وهو صحيح)، وهو قياس صحيح (في إحدى الروايتين)، يعني: الإمام أحمد رحمه الله تعالى. (وأحد قولي الشافعي)، وهو قول الجمهور قياس الشبه قياس صحيح، وأكثر ما يورد في كتب الفقهاء كذا مثل ذا الذي يعنون له بهذا التعبير مراد به قياس الشبه وهو ضعيف.
والقول الثاني في قياس الشبه أنه لا يصح لماذا؟ قال: لأنه قائم على المناسبة المتوهمة والأصل عدم العمل بالظن، هنا المناسبة متوهمة بمعنى أنها مظنونة وإذا كانت مظنونة حينئذٍ لا يمكن أن يلحق الفرع بالأصل بل يجعل الأصل له البراءة الأصلية يجعل الفرع بحكم البراءة الأصلية فإما الإباحة وإما ما يتعلق بها، إذًا هذه ثلاثة أنواع: قياس العلة وهو: الأصل، وقياس الدلالة فيه شيء من الضعف، وقياس الشبه وهو ضعيف.
(9/3)

الرابع وهو: (قياس الطرد). هناك الوصف الطردي وهنا قياس الطرد (وهو ما جمع فيه)، يعني: بين الفرع والأصل. (بوصف غير مناسب) كما ذكرنا في السابق كالطول والقصر والسمن ونحو ذلك كونه أعجمي كونه عربي هذا أوصاف طردية إذا جمع سمي القياس قياس طرد إذا جمع بين الفرع والأصل بهذه الأوصاف التي هي غير معتبرة شرعًا حينئذٍ نقول: هذا قياس الطرد. والوصف طردي بإثبات الياء والقياس بدون ياء مجرد اصطلاح، (ما جمع فيه بوصف غير مناسب) كالطول مثلاً والقصر والسواد (أو) يكون الوصف (ملغى بالشرع) بمعنى أن الشرع نص على إلغائه، مثل اشتراك الابن مع البنت في البنوة من الميت وصف مناسب الابن مع البنت مع أخته في البنوة كل منهما ينتسبان إلى الميت بوصف مشترك هذا الأصل وإذا قلنا بهذا ووقفنا معه فالأصل الاشتراك في الميراث، لكن جاء الشرع بماذا؟ بعدم اعتبار التسوية والاشتراك في البنوة كون هذا أخ وهذا بنت وكل منهما ينتسبان إلى الميت في البنوة، إذًا شيء واحد لا يتجزأ لكن جاء الشرع بإثبات الفرق بينهما {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، إذًا هذا الوصف ملغى كونهما اشتركا في البنوة هذا وصف ملغى (وهو باطل)، يعني: هذا القياس باطل. لماذا عده إذًا مع القياس؟ (وهو باطل وأربعتها تجري في الإثبات) هذه الأنواع الأربعة: العلة، والدلالة، والشبه، والطرد. تجري في الإثبات، يعني: في إثبات حكم الأصل للفرع تجري في إثبات حكم الأصل للفرع، (وأما النفي) فكما سبق شيء منه أما النفي الذي يقابل الإثبات عندنا إثبات وعندنا نفي، وكما سبق أن العلة قد تكون مثبتة أو الوصف وقد يكون منفيًّا كذلك الحكم قد يكون بالإثبات وقد يكون بالنفي وكما يكون الوصف جامعًا كذلك يكون الحكم الشرعي جامعًا، (وأما النفي)، فقسمان: طارئ، وأصلي.
والطارئ يقصدون به ما تقدم ثبوته، يعني: ثبت الشيء ثم نفي.
والأصلي الذي لم يتقدمه ثبوت كنفي صلاة سادسة ويعنون به البراءة الأصلية التي هي قبل ورود الشرع.
وما من البراءة الأصلية ... قد أخذت فليست الشرعية
(9/4)

هذه التي يعنون بها بالنفي الأصلي، وأما النفي الطارئ فالمراد به ثبوت الشيء ثم ينفى، إذًا تقدمه ثبوت ثم نفي وهنا يختلف الحكم، (وأما النفي) قلنا: فقسمان. (فـ (طارئ)) الطارئ هذا حكم شرعي يجري فيه النوعان الأولان (طارئ كبراءة الذمة من الدين) براءة الذمة هذا نفي طارئ بعد ثبوت الدين في الذمة، يعني: إذا استدان حينئذٍ بقي الدين حتى يؤديه إلى صاحبه، الذمة مشغولة بذلك فإذا أداه برأت الذمة برأت الذمة بحكم شرعي بمعنى أن الأصل في حقوق العباد أنها مبنية على المشاحة فحينئذٍ إذا أدى ما عليه دل الشرع أنه قد برأت ذمته، إذًا براءة الذمة هذا حكم شرعي وقد سبق ماذا؟ أنها شغلت بماذا؟ بدليل شرعي، إذًا هذا النفي يسمى ماذا؟ يسمى نفيًا طارئًا لأنه نفي بعد ماذا؟ بعد الثبوت (كبراءة الذمة من الدين) براءة الذمة نفي طارئ لأن الإثبات هنا إشغال الذمة هذا ثبوت، براءتها يعني: عدم إشغالها. إذًا صار نفيًا (كبراءة الذمة من الدين فيجري فيه الأولان)، يعني: القياسان الأولان العلة والدلالة، إذًا في الطارئ الذي هو حكم شرعي يرد فيه قياس العلة ويرد فيه قياس الدلالة، قالوا: مثال قياس العلة في النفي الطارئ علة براءة الذمة من دين الآدمي هي أدائه، والعبادات هي دين الله فأداؤها علة البراءة منها بدليل «فدين الله أحق بالقضاء». إذًا هذا براءة الذمة من الديون وكذلك براءة الذمة من العبادات، حينئذٍ قيس هذا على ذاك، ومثالهم في القياس الدلالة الاستدلال بانتفاء خواص الشيء على انتفائه وهذا سيأتي بحثه فيما يأتي.
قال هنا: (كبراءة الذمة من الدين فيجري فيه الأولان). يعني: قياس العلة، وقياس الدلالة. والخلاف هو في قياس العلة فقط قياس الدلالة ثابت في النوعين: الطارئ، والأصلي. وأما قياس العلة هو الذي وقع فيه خلاف، والأصح ما ذكره المصنف هنا أن الأول الطارئ يجري فيه قياس العلة وقياس الدلالة لأنه حكم شرعي براءة الذمة أو النفي الطارئ حكم شرعي لأنه تعلق بعدم شيء أو بإعدام شيء بعد ثبوته شغلت الذمة أولاً ثم جاء الدليل بإبرائها.
(9/5)

(وأصلي) هذا النوع الثاني من النفي أي: نفي أصلي. (وأصلي) أي: نفي أصلي، وهو الذي لم يتقدمه ثبوت، وهو الذي عبر عنه بقوله: ... (البقاء على ما كان قبل الشرع). وهو: البراءة الأصلية. (فليس بحكم شرعي) وإذا لم يكن بحكم شرعي امتنع فيه قياس العلة لأن قياس العلة لا بد أن تكون العلة شرعية وليس عندنا شيء شرعي قبل الشرع قال هنا: (فليس بحكم شرعي). لأنه لم يثبت بورود الشرع، وإنما هو سابق على الشرع ولا حكم إلا بدليل من الشرع قال هنا: (ليقتضي). (فليس بحكم شرعي ليقتضي علة شرعية)، يعني: إذا قيل ليس بحكم شرعي حينئذٍ لا يقتضي ما ليس بحكم شرعي علة شرعية، لأن الذي يقتضي علة شرعية هو: الحكم الشرعي. فإذا نفينا الحكم الشرعي لو وجد وصف في هذا الذي نفي عنه الحكم الشرعي لا يعتبر وصفًا شرعيًّا لماذا؟ لأن الذي يعلل هو الحكم الشرعي وهذا وجوده وعدمه سواء (ليقتضي علة شرعية)، لأن البراءة الأصلية لا تفتقر إلى سبب (فيجري فيه قياس الدلالة) فقط وأما قياس العلة فلا يجري فيه لما ذكرناه من أن العلة لا تكون إلا شرعية، وهي مستلزمه للحكم الشرعي، وإذا انتفى الحكم الشرعي انتفت العلة الشرعية ولو وجد وصف يظن الظان أنه مناسب ومعنى قياس الدلالة في النفي الأصلي الاستدلال بانتفاء الحكم في شيء عن انتفائه عن مثله، وهذا ممكن حتى قبل ورود الشرع فيستدل على انتفاء وجوب الوتر بانتفاء دليل الوجوب كل ما قيل بأنه ليس بواجب تنفيه، وهذا يدل على ماذا؟ على عدم دليل الوجوب تقول: هذا ليس بمشروع لعدم دليل الشرعية. وهذا يدخل تحته ما لا حصر من الأمور المحدثة تقول: هذا ليس بشرعي. حينئذٍ تقول: إذا لم يكن شرعيًّا لماذا؟ لعدم الدليل الشرعي فهو ليس بحكم شرعي لعدم الدليل الشرعي، إذًا نفي يستلزم النفي وهكذا.
ثم قال بعد بيان أنواع القياس الأربعة قال: (والخطأ يتطرق للقياس من خمسة أوجه). خطأ اجتهاد، خطأ القياس اجتهاد، وإذا كان اجتهادًا حينئذٍ الاجتهاد قد يكون صوابًا وقد يكون خطئًا، متى نقول بأن هذا القياس دخله الخطأ؟ قال هنا: (من خمسة أوجه).
(9/6)

الأول: (أن يكون الحكم تعبديًّا). (أن يكون الحكم) حكم ماذا؟ حكم الأصل (تعبديًّا)، يعني: غير معقول المعنى. بمعنى أنه لا يدرك لماذا خص الشارع هذا المكان أو هذا الزمان؟ حينئذٍ نقول: هذا حكم تعبدي. القياس عليه باطل، ومن هنا مسألة نازلة وهي ما يكون في الحج في المبيت بمنى حينئذٍ إذا صار زحام يقال بأنه ينزل الناس بأقرب الخيم التي تكون متصلة بمنى نقول: هذا ما بابه؟ ما دليله؟ الآن عندنا حكم شرعي وهو: وجوب المبيت. إذا قلنا بالوجوب في داخل حيز أو أرض معينة شرعًا حينئذٍ نقول: هل الحكم مدرك؟ يعني: لماذا حكم الرب بكون المبيت يكون في هذه البقعة دون غيرها؟ هل هو معلل أو لا؟ غير معلل، إذًا الواجب أن يقع المبيت في هذه القطعة غيرها لا يجزئ عنها البتة بإجماع، ولذلك لو وقف أو ناس يعني: باتوا حجاج في غير منى نقول: ما أجزأهم. لماذا؟ لأنه محدد بمكان معين حينئذٍ إذا أمكن أن يبيت في هذا الموضع كان بها، هذا الواجب عليه إن لم يمكن حينئذٍ نقول: سقط عنه الواجب ولا واجب مع العجز. من سوى بين ما كان متصلاً بخيم منى بمنى نقول: هذا قياس ليس له وجه لا من نص كتاب ولا سنة ولا إجماع، وإنما ليس له دليل إلا القياس حينئذٍ نقول: القياس هنا ماذا صنع؟ لو فرض أن هذا الحدود منى سَوَّى بين هذه الأرض وهذه الأرض سوى بينهما في الحكم كما أنه يصح المبيت في هذه القطعة كذلك يصح المبيت هنا ويجزئه وتبرأ الذمة ولا شيء عليه نقول: هذا تسوية فرع بأصل. هذا فرع مجهول الحكم وهذا أصل، تسوية فرع بأصل لعلة أين العلة؟ ليس عندنا علة، ولذلك نقول: الفتوى هذه لا معنى لها. لماذا لا معنى لها؟ لأنها لم تستند إلى دليل شرعي لا كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس لانتفاء التعليل لأن الحكم هنا تعبدي فقياس غير منى على منى قياس باطل، وأما الجواز الصلاة خارج المسجد إذا اتصفت الصفوف نقول: هذا الأصل فيه جواز، «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». ففرق بين أن يكون الأصل المنع وبين أن يكون الأصل الجواز، فحينئذٍ لا قياس خارج منى ما الأصل فيه المنع على خارج المسجد اتصلت فيه الصفوف ما الأصل فيه الجواز، إذًا فرق بين الأصل وهذا قياس فاسد فهمت هذه؟ يعني: لا يقاس المبيت خارج منى وهو الأصل فيه الجواز أو المنع؟ الأصل فيه المنع، على إذا ما اتصلت الصفوف في المساجد نقول: لو أهل المسجد هذا صلوا ابتداءً دون حاجة خارج المسجد أجزأهم أو لا؟ أجزأهم باتفاق، لو صلوا الجماعة قالوا: ما نريد المسجد، الجو طيب نصلي خارج، نقول: أجزأهم بالإجماع. لو أرادوا أن يبيتوا في العزيزية ولم يريدوا أن يبيتوا في منى حينئذٍ نقول: بالإجماع لا يجزئهم مع أي إمكان.
(9/7)

إذًا لا يقاس ما الأصل فيه المنع على ما الأصل فيه الجواز هذه فائدة عرضية (أن يكون الحكم تعبديًّا)، هذا الخطأ الأول، فيقيس حينئذٍ ما الأصل فيه المنع على ما الأصل فيه الجواز وهذا منه هذا مثال لما ذكره المصنف (أو يخطئ علته عند الله تعالى)، يعني: ما يصيب يقول: علة كذا الحكم كذا ولكنه يخطأ فأخطأ في تحديد العلة (أو يقصر في بعض الأوصاف)، يعني: قد تكون العلة مركبة فيثبت وصفًا ويتجاهل أو لا يتنبه لوصف آخر كعلة القصاص مثلاً قتل العمد ويترك العدوان نقول: هذا علة قاصرة لا يثبت بها الحكم أو يضم ما ليس من العلة إليها يضم بعض الأوصاف أنها علة وهذا كثير عند الفقهاء، يظن أن هذا علة أو أنه جزء علة وليس بعلة كأن يجعل مثلاً علة وجوب الكفارة في نهار رمضان كونه أعرابيًّا مثلاً نقول: هذا أخطأ. أو يجعل كونه انتهاك الحرمة مطلق انتهاك الحرمة نقول: هذا أخطأ، بل الصواب أنه جماع في نهار رمضان هذا الصواب، وإذا جعله عمم بأن زاد أوصافًا على هذا النص نقول: هذا ليس بمصيب.
(أو يظن وجودها في الفرع وليست موجودة فيه)، يعني: يظن أن هذه العلة موجودة في هذا الفرع فحينئذٍ يسوي بين فرع بالأصل في الحكم والعلة لا تكون موجودة، هذه خمسة أوجه إن وجد واحد منها حكمنا على القياس بأنه فاسد الاعتبار قياس باطل لا يصح.
ثم قال: (والاستدلال). الاستدلال من جملة الطرق المفيدة للأحكام، يعني: مما تستفاد به الأحكام الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال.
(9/8)

والاستدلال في اللغة: طلب دلالة الدليل. يعني: يبحث من أجل أن يفهم الدليل حينئذٍ يستدل به على وجود أو على إثبات الحكم الشرعي له معنى عام وله معنى خاص، له معنى عام وهو: إقامة الدليل مطلقًا من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس. والمراد به هنا معنًى أخص من هذا المعنى وهو دليل لكنه ليس بنص ولا إجماع ولا قياس، بمعنى أنه ينظر فيه بإثبات الأحكام الشرعية وليس هو بنص ولا، يعني: ليس بنص لا كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، ولذلك جروا فيه على طريقة المناطقة هذا النوع بأنواعه هو باب القياس في كتب المنطق والاستدلال استفعال، السين هذه للطلب قال: (ترتيب أمور معلومة يلزم من تسليمها تسليم المطلوب). هذا هو حد القياس حد قياس المنطق (ترتيب أمور معلومة)، يقصدون بالأمور المعلومة المقدمات، يعني: ورتب الصغرى قبل الكبرى، ثم يستدل للصغرى يثبتها هل هي ثابتة أو لا؟ وهذه إن كانت نظرية، وإن كانت يقينية لا تحتاج إلى إثبات، ثم يقدم الصغرى ويأتي بالكبرى ثم بعد ذلك يأتي بالنتيجة العالم متغير هذه صغرى ودليلها الحس والمشاهدة، وكل متغير حادث قالوا: هذه كبرى. ولا تحتاج إلى دليل لأنها مسلمة، ثم النتيجة العالم حادث العالم متغير هذا ترتيب أمور معلومة مقدمة صغرى مقدمة كبرى حينئذٍ تدخل الصغرى في الكبرى لأن العالم متغير هذا جزئي وكل متغير كل هذه كلية عامة فيندرج تحتها تندرج تحتها الصغرى، ثم سبق معنا أن الحكم على العام يتبع أفراده فأنت تدخل العالم متغير تحت كل متغير، إذًا عالم منه ما الحكم؟ حادث، إذًا العالم حادث لزم منه النتيجة، كذلك يرتب على هذا الترتيب ولا بأس به وهو الصحيح تقول مثلاً: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} أمر، ومطلق الأمر للوجوب الصلاة واجبة. بهذا الترتيب كل جزئي تأتي به مقدمة صغرى يعني: التي هي متعلقها جزئي هذا يعنون به المقدمة الصغرى حينئذٍ نقول: الصلاة {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} أمر لا بد من مبتدأ وخبر، العالم متغير جملة اسمية وجملة فعلية حينئذٍ تقول: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} هذا أمر يعني: أمر في اللغة، ومطلق الأمر للوجوب وهذا مطلق غير مقيد، إذًا الصلاة واجبة، كذلك {وَآَتُوا الزَّكَاةَ} كذلك {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا} [آل عمران: 130] تقول: نهي {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا} نهي ومطلق النهي للتحريم، إذًا مطلق النهي دخل فيه {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا} حينئذٍ تثبت له التحريم وهكذا.
وما من المقدمات صغرى ... فيجب اندراجها في الكبرى

يعني: الصغرى تدخل تحت الكبرى من أجل ماذا؟ من أجل تنزيل الحكم المعلق على موضوع الكبرى على الصغرى وهي: النتيجة. ولذلك النتيجة مؤلفة من محمول العالم متغير وكل متغير حادث العالم حادث النتيجة تكون مركبة من موضوع الصغرى ومحمول الكبرى، موضوع الصغرى يعني: المبتدأ الذي يكون في الصغرى، ومحمول الكبرى وهكذا هذا الذي عناه المصنف، ولذلك يحتاج الطالب أن يأخذ شيئًا في المنطق من أجل أن يفهم هذا الباب.
(9/9)

(ترتيب أمور معلومة يلزم من تسليمها)، يعني: تسليم كل واحدة منها إذا سلمت بها (تسليم المطلوب) وهو: النتيجة. النتِيجة هي المطلوب، ثم هل المطلوب ظنية أو يقينية؟ بحسب [وما نعم] (1) يعني: تكون إذا كانت الصغرى إذا كانت الظنية سواء كانت الكبرى ظنية أو لا تكون النتيجة ظنية، يعني: متى يكون البرهان الذي سيذكره المصنف برهان الاستدلال متى يكون يقينيًّا؟ إذا كان كل من المقدمتين يقينية، وإذا لم يكن كذلك صار ماذا؟ صار ظنيًّا لأن ما تركب من ظن وقطع أفاد الظن لا بد أن يكون القطعي مركب من قطعيين وهكذا (وصوره كثيرة)، يعني: صور الاستدلال الذي هو القياس المنطقي كثيرة.
(ومنها (البرهان)) البرهان وهو في اللغة: الدليل. {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} كما سبق معنا أولاً، الدليل يسمى برهانًا، وخصه بعضهم بالقطع، وبعضهم قال: يجوز أن يطلق على القطع والظني {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}.
والبرهان في الاصطلاح: الدليل المركب من المقدمات يقينية. يعني: مقطوع بها علم اليقين بمعنى أنه لا بد أن تكون الصغرى يقينية والكبرى يقينية، حينئذٍ تكون النتيجة يقينية لأنه لا يكون يقينيًّا إلا إذا كانت الصغرى والكبرى يقينية.
فإن لازم المقدمات ... بحسب المقدمات آت

هو الذي يرى # ... 29.0 نعم، (وهو ثلاثة) أنواع يعني: البرهان ثلاثة أنواع.
__________
(1) سبق.
(9/10)

(برهان الاعتلال) باللام ليس بالدال (وهو قياس بصورة أخرى تنتظم من مقدمتين ونتيجة) (قياس) هو قياس قيَاس منطقي (بصورة أخرى)، يعني: له ترتيب معين وهو ما ذكرناه سابقًا لأن هذا نوع منها، يعني: الاستدلال ترتيب أمور معلومة لا بد أن يكون هذا المعنى موجودًا في ضمن أفراده أليس كذلك؟ حينئذٍ قال: (وهو قياس بصورة أخرى تنتظم من مقدمتين)، يعني: تتألف هذه الصورة من مقدمتين، مُقدمتين فأكثر على الصحيح يعني: قد يكون مقدمتين وقد تكون أكثر، لكن لا يتألف إلا من مقدمتين أما أقل فلا يتألف منه، ولذلك هو مركب وإذا كان مركبًا لا بد من ماذا؟ لا بد من إذا كان مركب لا بد من مقدمتين فأكثر إذا قلت فأكثر من مقدمتين خرج المقدمتان كما يقول بعض الطلاب إذا كان الماء أكثر من قلتين لم يحمل الخبث هذا التعبير خطأ، وإنما إذا كان الماء قلتين فأكثر إذا قلت أكثر من قلتين أخرجت القلتين أليس كذلك؟ وليس بمراد إنما تقول: قلتين فأكثر. على كلٍّ البرهان في الاصطلاح الدليل المركب من مقدمات يقينية قال هنا: (برهان الاعتلال وهو قياس بصورة أخرى). يعني: ليست بالصورة المعلومة المتقدمة من حيث التفصيل، وأما من حيث الجنس لا بد أن يكون داخلاً فيه (تنتظم من مقدمتين فأكثر) وهو القياس المنطقي (ونتيجة ومعناه) أو حقيقته (إدخال واحد معين تحت جملة معلومة) (إدخال واحد معين)، المراد بالواحد المعين موضوع الصغرى العالم متغير تحت ماذا؟ تحت جملة معلومة التي هي المقدمة الكبرى (كقولنا) انظر (النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، النبيذ حرام)، هذا قياس من الشكل الأول (النبيذ مسكر) هذه مقدمة صغرى، النبيذ يسمى موضوعًا والمسكر يسمى محمولاً (وكل مسكر حرام) (وكل مسكر)، هذا موضوع وهو كلي هنا قاعدة كلية، (حرام) هذا محمول خبر (فينتج النبيذ حرام) (النبيذ)، هذا جزئي وهو واحد معين دخل تحت قولنا: كل مسكر. تحت الموضوع حينئذٍ ينزل عليه المحمول، محمول الكبرى وهو كونه حرام فكون كل مسكر حرام ثبت عندنا أن النبيذ مسكر، إذًا دخل تحته فالنتيجة النبيذ حرام هذا محمول الكبرى.
(وبرهان الاستدلال) الأول الاعتلال الثاني برهان الاستدلال (وهو: أن يستدل على الشيء بما ليس موجبًا له، إما بخاصيته) [أو بنظيره أو بالإثبات نعم] (1) أو نتيجته أو بنظيره ثلاثة أشياء ثلاثة أنواع، (أن يستدل على الشيء بما ليس موجبًا له) يعني: أن الشيء قد يوجب الشيء بمعنى أنه يقتضيه عقلاً، وقد لا يقتضي لا يكون موجبًا له لكن عرف عادةً أنه خاصة له وهو ما يسمى بالعرض الخاص هنا، ولذلك قال: (أن يستدل على الشيء بما ليس موجبًا له). يعني: بما ليس علة موجبة له. ولكن تثبت علته بوجه من وجوه الدلالة العقلية.
__________
(1) سبق.
(9/11)

وهو ثلاثة أنواع: (إما بخاصيته)، يعني: بصفته. والخاصية هذا تعبير المناطقة والمراد به العرض الخاص، العرض هو الوصف الذي يأتي ويزول هذا المراد به ليس بلازم وإنما يكون وصفًا عامًا وقد يكون وصفًا خاصًا قالوا: الوصف العام كالمشي. المشي هذا عام يدخل فيه زيد وعمرو وخالد ويدخل فيه أنواع الحيوانات ليس خاصًا بنوع دون نوع من أنواع الحيوانات حينئذٍ هذا وصف عام، وأما الضحك مثلاً قالوا: هذا وصف خاص لا يوجد من بني الحيوان بمعنى أن الإنسان حيوان ناطق، لا يوجد من يضحك وهو عنده قابلية الضحك إلا الإنسان هكذا قيل، فإن صح هذا أنه لا يضحك إلا الإنسان حينئذٍ صار وصفًا خاصًا، بمعنى أنه إذا وجد الضحك دل على أنه إنسان، إذا قلت: رأيت شيئًا يضحك. تعرف أنه إنسان لماذا؟ لأنك ذكرت خاصية من خواصه التي ينفرد بها عن غيره، وهكذا، وهو ثلاثة عَرَض خاص (بخاصيته) وهو: العرض الخاص. وهو: الاستدلال على الشيء بوجوب خاصيته، لأن وجود الخاصية يدل على وجود ذي الخاصية. وجود الخاصية يدل على وجود ذي الخاصية، صحيح؟ يعني: صاحب خاصية لأنه يستلزمه لأنه عرض خاص لا يوجد إلا متلبسًا به فوجوده دون غيره هذا محال لأن العرض لا يقوم إلا بجوهر حينئذٍ لا بد من محل يقوم به فإذا لم يكن هذا محلاً له وهو صاحبه انتفى عنه أن يكون وصفًا لذاته، (إما بخاصيته) قال: (كالاستدلال على نفلية الوتر بجواز فعله على الراحلة) الوتر يجوز على الراحلة أو يؤدى على الراحلة، وكل ما يؤدى على الراحلة مع القدرة نفل الوتر نفل هكذا واضح؟ الوتر لا يتشرط فيه القيام لأن النوافل عامة القيام ليس ركنًا فيها، والوتر يؤدى على الراحلة، أي نعم في السفر على الراحلة نعم، وكل ما يؤدى على الراحلة نفل حينئذٍ الوتر نفل هذه خاصية للنفل (كالاستدلال على نفلية الوتر بجواز فعله على الراحلة) نعم يقيد بالسفر.
(أو نتيجته) هذا النوع الثاني من برهان الاستدلال (أو نتيجته)، أي: من أنواع الاستدلال الاستدْلال بوجود نتيجة الشيء على وجوده نحو الاستدلال عن صحة البيع بحصول ثمرته وآثاره ونتيجته وهي الملك، إذا قيل: هذا البيع ترتبت عليه آثاره المقصودة منه. دل على أنه صحيح، والاستدلال على عدم صحة البيع بعدم حصول ثمرته، إذا قيل: هذا البيع بهذه الصورة لا تمتلك السلعة ولا يمتلك البائع الثمن. إذًا نفي عنه الثمرة، إذًا البيع ليس بصحيح وهو نتيجة لهم (كقوله: لو صح البيع لأفاد الملك)، لكنه لم يصح فلم يفد الملك لكنه لم يفد الملك فلم يصح أليس كذلك؟ (لو صح البيع لأفاد الملك)، لكنه لم يفد الملك حينئذٍ لم يصح هذا مراده.
(9/12)

(أو بنظيره، إما بالنفي على النفي) (أو بنظيره)، يعني: نظير الشيء. استدلال على الشيء بنظيره، فما ثبت لهذا ثبت لنظيره، وما نفي عن هذا نفي عن نظيره، ولذلك أورد هنا أربعة صور الاستدلال بنفي النظير على النظير، إما بالنفي على النفي تستدل بنفي الشيء على نفي الشيء عن نظيره، أو بالإثبات على الإثبات، أو بالنفي على الإثبات، أو بالإثبات على النفي. صور أربع وهي عقلية صور أربعة إما بالنفي على النفي يعني: التلازم بين حكمين منفيين فإذا نفي عن هذا الشيء وهذا نظيره، إذًا أخذ حكمه وهو النفي (كقوله: لو صح التعليق لصح التنجيز)، لكنه لم يصح التنجيز فلم يصح التعليق هو يختصر، وهذا في قوة لو لم يصح التنجيز لم يصح التعليق أي: لم يصح التعليق لأنه لا يصح التنجيز يعني: بالعكس، ومثله وهو أوضح لو صح الوضوء بغير نية لصح التيمم بغير نية وهو في قوة قولك: لو لم تشترط النية في الوضوء لم تشترط في التيمم. على كلٍّ فيه نظر لكن المراد المثال.
(أو بالإثبات على الإثبات) تلازم بين حكمين ثبوتيين حينئذٍ أفاد إثبات أحدهما، إذا أثبت أحدهما دل على إثباته في نظيره تلازم بين حكمين ثبوتيين أفاد إثبات الحكم في أحدهما لزم منه ثبوته في الآخر، (كقوله) مثلاً في الذمي (لو لم يصح طلاقه لما صح ظهاره) فالاستدلال بصحة الطلاق على صحة الظهار يثبت بالطرد ويقوى بالعكس وهو أنه كل من لا يصح طلاقه لا يصح ظهاره، وهذا استدلال بالدوران المطلق، إذًا (لو لم يصح طلاقه لما صح ظهاره) لكنه صح ظهاره حينئذٍ صح طلاقه هكذا لأن لو دائمًا يأتي ماذا؟ تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره لو جاء زيد لأكرمته لكنه لم يجئ فلم أكرمه حينئذٍ انتفاء الشيء لانتفاء مقابله (أو بالإثبات على النفي)، يعني: استدلال بالإثبات على النفي تلازم بين ثبوت ونفي، قال هنا: (كقوله: لو كان الوتر فرضًا لما صح فعله على الراحلة). هو يطلق فقط يعني: من أجل المثال هنا انتفت فرضيته لأنه يفعل على الراحلة، يعني: مع القدرة. لو كان عاجزًا الفرض لا إشكال فيه الفرض والنفل سواء لكن مع القدرة كونه صلى على الراحلة، لو كان فرضًا ما صح حتى لو قيد بالسفر مثلاً نقول: لو كان فرضًا لما صح لكن لكونه نافلة صح أداؤه على الراحلة (لو كان الوتر فرضًا لما صح فعله على الراحلة)، لكنه صح فعله على الراحلة فليس بفرض (صح فعله على الراحلة)، انظر إثبات فليس بفرض نفل صار النتيجة نفي.
(أو بالنفي على الإثبات) عكس الثالث يعني: التلازم بين نفي وإثبات. (كقوله: لو لم يجز تخليل الخمر لحرم نقلها من الظل إلى الشمس، وما حرم) ما نافية (وما حرم)، يعني: ما حرم نقلها من الظل إلى الشمس. (فيجوز تخليلها) هنا استدل بماذا؟ استدل بالنفي (فما حرم)، يعني: النقل. على ماذا؟ على الإثبات (فيجوز تخليلها، ويلزمه بيان التلازم ظاهرًا لا غير)، يعني: يلزم من أراد أن يستدل بهذه الصور الأربعة أن يبين التلازم بين هذه الأنواع. وكما رأيت هذه كله من باب التكلف.
(9/13)

ثم قال: (وبرهان الْخَلْف). هذا النوع الثالث نعم برهان الاعتلال، وبرهان الاستدلال، وبرهان الخلف. قال في اللسان: الْخَلْفُ الرديء من القول يقال: هذا خَلْفٌ من القول أي: رديء. خلف، ولذلك خَلَفِيٌّ خَلْفِيٌّ الأصل من هذا الباب يسمى خَلْف برهان خلفي (وهو كل شيء تَعَرَّضَ فيه لإبطال مذهب الخصم بلزوم صحة مذهبه)، يعني: يكون ثَمَّ مذهبان أو أكثر فيتعرض الناظر أو المجتهد بإبطال هذا القول الذي يقابل قولي فإذا أبطلته دل على ماذا؟ على أن قولي صحيح، إذا كان في المسألة قولان فقط: الصحة، والكراهة. أبطلت وأنا أرى الكراهة أبطلت دليل القائل بالتحريم تعين الثاني هل أحتاج أن أذكر دليلي؟ لا أحتاج لماذا؟ لأن المقابل أبطلته فتعين أن يكون قولي هو الصحيح (هو كل شيء تَعَرَّضَ فيه)، يعني: الناظر أو المجتهد. (لإبطال مذهب الخصم بلزوم صحة مذهبه)، يعني: أبطله إذا أبطله تعين صحة مذهبه، وهذا له طريقان: (إما بحصر المذاهب وإبطالها إلا واحدًا)، حصر المذاهب الأربعة مثلاً أربعة أقوال وتبطل ثلاثة وتترك واحد، دل على أن الذي تركته ولم تبطله هو قولك (إما بحصر المذاهب وإبطالها إلا واحدًا) وهذا يقوم على طريقة السبر والتقسيم (أو يذكر أقسامًا ثم يبطلها كلها) (يذكر أقسامًا) التي يمكن أن يتعلق بها الحكم من جهة المخالف (ثم يبطلها كلها) ولا يتعرض لقسمه هو فيتعين يكون هو الذي رجحه، يعني: يريد إقامة الدليل على صحة مذهبه. هذا المراد قد يأتي بالسبر والتقسيم يذكر مذهبه مع المذاهب المذكورة فيبطل الكل ما عدا المذهب الذي اختاره فيتعين صحته، أو يأتي بالأقوال المقابلة دون ذكر مذهبه فيبطلها كلها حينئذٍ تعين أن يكون قوله هو الحق (وسمي خلفًا إما لأنه لغةً الرديء) وكل باطل رديء (أو لأنه الاستقاء)، يعني: بمعنى استقاء الماء. (الاستقاء) بمعنى استقاء الماء (وهو استمداد فكأنه)، أي: المستدل. (استمد صحة مذهبه من فساد مذهب خصمه)، يعني: كأنه اتكأ على فساد قول المذاهب المقابلة على صحة مذهبه، هذا مجرد تسمية وإلا الأصل أن مذهبه إنما كان مبنيًّا على دليل شرعي، وهذا ليس بدليل شرعي حينئذٍ لا يكون هو المقوي له ابتداءً وإنما يكون قوله معتمدًا على دليل من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح ثم بعد ذلك إذا أراد أن يبطل كان هذا الإبطال تتمة لقوله، ولذلك أقول دائمًا: لا يلزم من أراد إقامة القول الحق في مسألة فقهية أن يتعرض للأقوال المقابلة بل لا يلزمه الإجابة عن كل دليل يرده المخالف.
(9/14)

لماذا؟ لأن الفقه ما هو؟ هو أنك تأخذ الحكم الشرعي بطريق صحيح من الكتاب والسنة، فإذا أخذته بدليل صحيح وطريقة صحيحة لزمك، لا يجوز القول بغيره وهو المتعين عليك، حينئذٍ النظر في أقوال الآخرين لا بد أن يكون لدليل عنده قد يُذْكَر وقد لا يُذْكر ثم الذي يذكر قد تكون العلة أو الاستنباط واضحًا يعني: التماس هذا القول والفرع الذي أرى أنه باطل أو ضعيف دلالة اللفظ عليه قد يكون، له وجه لكن يكون إما من جهة أنه معنى مرجوح، أو أنه معارض بما عندي وهو مقدم عليه، حينئذٍ لو تركت الأدلة كما هي ولم تتعرض لردها أو نقدها أو إبطالها لا يلزمك الكف عن قولك أنت ولا يكون داعيًا للمرء أن يقف عن القول الذي اختاره من أجل أنه لم يتمكن من الرد على أقوال المخالفين، وهذا قد يظنه ظان أنه لا بد أن يكون ثَمَّ نعم يكمل مذهبه ويقويه أما أن يكون أصلاً فلا لأنك لست ملزم عن إجابة ما اختاره فلان أو فلان من أهل العلم، ثم قد يخفى بعض الأدلة من حيث الاستدلال ينقل النص بجوار الحكم الشرعي ولم تدري لم اختار هذا من ذاك، ولذلك تجد في كثير من أقوال الفقهاء وخاصة المتأخرين: والحكم كذا للندب. تنظر في الدليل لا وجه له إما أنه يدل على الوجوب وإما يدل على التحريم وقد لا تذكر الوجه الصارف مع ذكر الحكم الشرعي وإنما يقول: للكراهة أو للندب لقوله - صلى الله عليه وسلم - كذا. وإذا نظرت في الدليل من حيث هو إما إيجاب وإما تحريم، حينئذٍ نقول: هذا لا يمكن الإجابة عنه. لأنه لا بد أن يبين لماذا صرف هذا النهي أو هذا الإيجاب لماذا صرفه عن الإيجاب أو التحريم إلى الندب أو الكراهة؟ فإذا لم ينقل لست مكلفًا بالإجابة عنه، بل أقول: الأصل هذا النص الذي توقفت عليه دل على التحريم ولا أعلم قرينة صارفة له فيبقى على التحريم. حينئذٍ تكون أنت جانبك مقوى قال هنا: (ويجوز أن يكون من الخَلْف وهو الوراء، لعدم الالتفات إلى ما بطل) يحتمل.
(9/15)

(ومنها: ضروب غير ذلك)، يعني: من ضروب الاستدلال. (كقولهم: وجد سبب الوجوب فيجب) (وجد سبب الوجوب) بالباء (فيجب)، يعني: الاستدلال بوجود السبب، فإذا وجد سبب الوجوب وجد الحكم حينئذٍ تقول مثلاً: إذا بلغ الصبي وجبت عليه الصلاة. إذا بلغ الصبي هذا سبب الوجوب، إذًا تعلق به الحكم وهو: التكليف. إذا زالت الشمس وجبت الصلاة صلاة الظهر فزالت الشمس وجبت الصلاة، إذًا وجد السبب سبب الوجوب فيجب (أو فقد شرط الصحة فلا يصح)، يعني: الاستدلال بفقد شرط الصحة على عدم الصحة، حينئذٍ تقول: كل ما جعل شرطًا شرط صحة حينئذٍ إذا لم يوجد تستدل بنفي بعدم وجود الشرط على عدم الصحة، الصلاة هذه باطلة لماذا؟ لفقدان الطهارة، إذًا استدللت ببطلان على بطلان الطهارة بفقد الشرط، هذا البيع باطل لماذا؟ لفقدان العلم بالمبيع مثلاً أو الجهل بالثمن نقول: البيع باطل. فحينئذٍ العلم بالمبيع شرط من شروط صحة البيع (أو لم يوجد سبب الوجوب فلا يجب)، عكس الأول (لم يوجد سبب الوجوب فلا يجب) لم تجب الصلاة على الصبي ليست بواجبة لماذا؟ لعدم البلوغ لأن سبب الوجوب وهو البلوغ لم يوجد (أو لا فارق بين كذا وكذا، إلا كذا وكذا ولا أثر له) كما مر معنا نفي الفارق قد يكون مؤثرًا وقد لا يكون مؤثرًا، (أو لا نص ولا إجماع ولا قياس في كذا فلا يثبت) تنفي الدليل فإذا أثبتت مشروعية شيء ما حينئذٍ تطالب بالدليل، وإذا لم يوجد دليل تقول: لا نص ولا كتاب ولا إلى آخره حينئذٍ الحكم الشرعي لا يثبت.
(أو الدليل ينفي كذا، خالفناه) بكذا أو (لكذا فبقي على مقتضى النافي) (الدليل ينفي كذا، خالفناه [بكذا] [49.14])، يعني: بأمر ما. (فبقي على مقتضى النافي)، هذا استصحاب النفي استصحاب النافي، إذا دل الدليل على نفي ما فيستصحب حتى يرد الدليل المثبت، والعكس بالعكس، إذا أثبت الشيء نستمسك بهذا الشيء المثبت حتى يدل الشيء على النافي، (وهذا يعرف عنده بالدليل النافي)، يعني: للصحة. (وأشباه ذلك) وهذه كلها تؤخذ بالممارسة من كتب الفقهاء.
(فصل
وأما ترتيب الأدلة وترجيحها)
(9/16)

هذا الكلام في ترتيب الأدلة، الأدلة الشرعية المراد هنا بترتيب الأدلة الأَدلة الشرعية، ومعلوم أن الأدلة ليست على مرتبة واحدة بل هي متفاوتة في القوة فبعضها أقوى من بعض، حينئذٍ يحتاج الفقيه أو المجتهد إلى معرفة الأقوى ليقدم هذا الأقوى على غيره عند التعارض، والأدلة الشرعية الأربعة من حيث وجوب العمل بها في مرتبة واحدة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. كلها في مرتبة واحدة هذا من حيث العمل وجوب العمل، يعني: يجب العمل بالسنة كما يجب العمل بالكتاب، ويجب العمل بالإجماع كما يجب العمل بالكتاب والسنة، وكذلك يجب العمل بالقياس وَقَيِّدْهُ بالصحيح القياس الصحيح يجب العمل به كما يجب العمل بالكتاب والسنة، إذًا كلها من حيث الوجوب في مرتبة واحدة إذ الجميع يجب إتباعه والاحتجاج به، ومن حيث المنزلة والمكانة هنا باعتبار المتكلم وهو المشرع فلا شك أن القرآن أعظم منزلة من السنة هذا كلام الله وهذا كلام بشر، إذًا لا يتساويان، الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس ترتيب الأدلة من حيث النظر فيها يعني: الباحث هنا المجتهد لا يريد من حيث العمل متفق عليه، وكذلك من حيث المكانة متفق عليها لكن إذا أراد أن ينظر ويبحث المسألة حينئذٍ كيف ينظر بماذا يبدأ هل يبدأ بالكتاب أو يبدأ بالإجماع أو يبدأ بالسنة يبدأ بمذهب أهل الحديث بمذهب الفقهاء كيف يكون النظر؟ هو الذي يتكلم عنه الأصوليون في هذا الموضع، فهذا المقصود هنا بحثه في هذا الموضع وطريقة السلف في ذلك الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ثم القياس على الترتيب الذي يذكره الفقهاء.
(فصل: وأما ترتيب الأدلة) الترتيب المراد به وضع كل شيء في موضعه، والأدلة جمع دليل المراد به هنا الكتاب والسنة والإجماع والقياس لأنها تثبت بها الأحكام، (وترجيحها) ترجيحها إنما يكون عند التعارض، إذًا عندنا ترتيب وعندنا ترجيح وعندنا تعارض، عندنا ترتيب أدلة وعندنا ترجيح وعندنا تعارض، ترتيب الأدلة جعل كل دليل في رتبته التي يستحقها بوجه من الوجوه، والتعارض تقابل الدليلين على سبيل المخالفة أو بعضهم يعبر بالممانعة تقابل الدليلين على سبيل الممانعة أو المخالفة يعني: كل منهما لا يمكن العمل به في محل واحد في وقت واحد لا يمكن، وهذا التعارض نوعان: تعارض كلي من كل وجه، وتعارض جزئي في وجه دون وجه، الأول ممتنع وقوعه في الشرع بمعنى أنه يوجد تعارض بين النصين قرآن وقرآن أو قرآن وسنة ولا يمكن العمل بهما البتة لأنه لا يمكن الجمع بينهما بحال من الأحوال ولو بتنزيل أحد الدليلين على حال مخالف للآخر، هذا لا وجود له في القرآن ولا في السنة لماذا؟ لأنه حق والحق لا يتناقض ولا يتعارض، والتعارض الجزئي الذي يكون في وجه من الوجوه ويمكن الجمع هذا يقع لكن لا لذاته يقع في الأدلة لا لذات الأدلة، وإنما لنظر [أي نعم] لنظر الناظر المجتهد، وإنما يكون التعارض في الفهم عند قصور الناظر إما لقلة علمه أو لقلة فهمه أو لتقصيره في البحث ونحو ذلك، وكل من رأى تعارض بين دليلين فلا بد أن يكون له حظ من هذا إما أنه لم يطلع أو أنه لم يتعلم أو أنه بقي عليه شيء من الفهم ونحو ذلك، إذًا تعارض كلي وتعارض جزئي.
(9/17)

التعارض الكلي إن كان التعارض بين الدليلين من كل وجه بحيث لا يمكن الجمع بينهما فهذا هو التناقض وهو ممنوع في الشرع.
التعارض الجزئي إن كان تعارض بين الدليلين من وجه دون وجه بحيث يمكن الجمع بينهما وهذا واقع في الأدلة لكن لا لذاتها بل للناظر فيها، والترجيح تقوية أحد الدليلين على الآخر، لأن الأصل هو إعمال الدليلين هذا الأصل، [ومتى ما أمكن الجمع حينئذٍ لا يقدم أحدهما على الآ لا يمكن نعم] (1) مهما أمكن الجمع حينئذٍ لا يترك واحد من الدليلين البتة، لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما بل هو واجب، هذا هو الأصل حينئذٍ يكون الترجيح ماذا يصنع المرجح؟ يقوي أحد الدليلين على الآخر إما أن يفك الجهة وإما أن ينزل كل واحد منهما على حالة تخالف الحالة الدليل الثاني، إذًا الترجيح تقوية أحد الدليلين على الآخر، ومحل الترجيح هو الظنيات إذ الترجيح فرع التعارض لأن التعارض لا يقع في القطعيات يعني: قطعي وقطعي لا يمكن أن يتعارضا، لأنه إذا قيل بأنه قطعي يعني: يحتمل أن يوجد مخالف له ظني فضلاً على أن يكون قطعيًّا، وكذلك لا تعارض بين قطعي وظني لأن القطعي مقدم مطلقًا باتفاق، إذًا متى يقع التعارض في الأدلة؟ بين الظنيات، وأما القطعي والقطعي لا تعارض قطعي وظني لا تعارض لأن القطعي مقدم بقي محل التعارض، والترجيح إنما هو في الظنيات، إذ الترجيح فرع التعارض لا يصار إلى الترجيح بين الأدلة المتعارضة إلا بعد محاولة الجمع بينها فإن الجمع مقدم على الترجيح فإن أمكن الجمع وزال التعارض امتنع الترجيح الذي هو تقوية أحد الدليلين على الآخر، ومتى امتنع الجمع بين المتعارضين وجب الترجيح، إذا أمكن الجمع حينئذٍ جمعنا فيكون إعمال الدليلين، والترجيح تقوية أحد الدليلين على الآخر نقول: هذا ناسخ وهذا منسوخ، هذا نافي هذا مثبت، والمثبت مقدم على النافي مثل هذا، أعملت أحد الدليلين وقدمته على الآخر، إذًا لم تعمل أحد الدليلين وهذا لا يصار إليه إلا بعد محاولة إمكان الجمع فإن أمكن فهو متعين.
__________
(1) سبق.
(9/18)

فإن أمكن الجمع وزال التعارض امتنع الترجيح، ومتى امتنع الجمع بين المتعارضين وجب الترجيح، لا يجوز الترجيح بدون دليل هذا من قواعد الترجيح لا يجوز الترجيح بدون دليل إذ هو تحكم وهوى وهو باطل، يعني: هكذا من نفسه قَدِّم هذا على ذاك فيه تحريم وفيه كراهة والكراهة أخف على الناس، إذًا حكمه الكراهة وهذا ترجيح بلا مرجح وهو باطل، قال هنا المصنف: (وأما ترتيب الأدلة وترجيحها فإنه يبدأ بالنظر في الإجماع). وهذه طريقة ابن قدامة رحمه الله تعالى في الروضة، أن الإجماع مقدم لأنه لا [ذكره سيأتي هنا] (فإنه يبدأ بالنظر في الإجماع، فإن وجد لم يحتج إلى غيره) نعم إذا وجد الإجماع لا تحتاج إلى غيره من الأدلة البتة لا لكوننا معرضين عن الكتاب والسنة ولا نحكم بالشرع لا لأن هذا الدليل قاطع في بابه بمعنى أنه لا يحتمل غير ما نص عليه، ولذلك الإجماع لا يكون إلا نص ليس عندنا ظاهر ومجمل في الإجماع وإنما هو نص على حكم شرعي واجب حرام إلى آخره جائز لا يجوز نقول: هذا نص فإذا كان نصًا حينئذٍ إجماع لا يقبل النسخ لماذا؟ لأنه لا يكون إلا بعد زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذًا أين الناسخ؟ لا يكون ثَمَّ ناسخ إذا كان نصًا هل يحتمل التأويل مجمل يحتاج إلى قرينة أو ظاهر يحتاج إلى مؤول؟ لا يحتاج، إذًا صار مقدمًا من كل وجه (فإن وجد لم يحتج إلى غيره فإن خالفه) إن وجد ما ظاهره أنه مخالف للإجماع من نص (فإن خالفه نص من كتاب أو سنة عُلم أنه منسوخ أو مُتأوّل) إذا وجد إجماع صحيح ثابت قطعي ووجد في ظاهر الكتاب أو ظاهر السنة ما يخالف الإجماع [إما أن يكون الإجماع منسوخًا فيطرح نعم] (1) إما أن يكون النص منسوخًا فيطرح أو يكون متأولاً يعني: نوجد له معنى يخالف ظاهره نؤوله، لا بد من تأويله هنا يتعين التأويل فنؤول هذا النص الذي يدل على حكم مخالف للإجماع بوجود الإجماع القطعي لأن هذا يحتمل التأويل والإجماع لا يحتمل التأويل، فإذا تعارض ما احتمل التأويل مع ما لا يحتمل التأويل وجب تأويل ما احتمل التأويل ولا يكون معارضًا، ولذلك قال: (عُلم أنه). أي: النص. من كتاب أو سنة منسوخ فيطرح، أو متأول إن صح، لأن الإجماع قاطع لا يقبل نسخًا ولا تأويلاً، فهذا الإجماع إذا وجدت إجماع فامسك به.
__________
(1) سبق.
(9/19)

(ثم في الكتاب)، يعني: يكون النظر في القرآن. (والسنة المتواترة [ولا تُعَارَض) نعم] (1) (ولا تَعَارض في القواطع، إلا أن يكون أحدهما منسوخًا) (ولا تعارض في القواطع)، يعني: ما كان قطعيًّا من حيث الدلالة ومن حيث الثبوت لا يعارض القطعي من حيث الدلالة والثبوت لأن القطع قد يكون وصفًا للثبوت يعني: من جهة التواتر السند، وقد يكون وصفًا للدلالة، ولذلك صارت القسمة رباعية: قطعي الدلالة والثبوت، ظني الدلالة والثبوت، [قطعي الدلالة، ظني نعم] (2) قطعي الثبوت ظني الدلالة، ظني الثبوت، قطعي الدلالة يعني: صارت قسمة رباعية لا يقع التعارض بين قطعيين (إلا أن يكون أحدهما منسوخًا) فلو نظر ناظر ... النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى إلى البيت المقدس وصلى إلى الكعبة، وكل منهما شرط صحة استقبال القبلة شرط صحة للصلاة، والقبلة اختلفت كانت في أول الإسلام هي: بيت المقدس. والثاني يكون، كيف الجمع بينهما؟ هل يصلي هكذا مستقبل للجهتين؟ نقول: لا هذا لا يمكن، حينئذٍ يتعين يكون أحدهما نسخًا لماذا؟ لأنه يستحيل أن يكون قد صلى في وقت واحد إلى تلك الجهتين (ولا تعارض في القواطع، إلا أن يكون أحدهما منسوخًا ولا في علم وظن) علم اليقين وظن (لأن ما عُلِمَ لا يظن خلافه) إذا كان يقينًا لا يظن خلافه يعني: لا يوجد أصلاً. لا يوجد خلافه يعني: ما يخالف هذا القطع، أو هذا العلم ويكون مظنونًا حينئذٍ يقدم العلم.
(ثم) بعد الكتاب والسنة المتواترة ينظر المجتهد (في أخبار الآحاد ثم) الأخبار الآحاد انظر التفريق هنا السنة المتواترة أخبار آحاد هذا عند التعارض، ثم إذا لم يجد نصًا انتقل إلى القياس لأن القياس كما ذكرنا إنما هو ضرورة إذا لم يجد نصًا في كتاب أو سنة أو إجماع حينئذٍ انتقل إلى القياس (في قياس النصوص)، وهو بعد خبر الآحاد، وعند من يرى أن قول الصحابي حجة قدمه على القياس كما ذكرنا فيما مضى، يعني: ثم في أخبار الآحاد ثم في قول الصحابي عند من يرى أنه حجة، ثم في قياس صحيح في قياس النصوص، وإذا لم يكن قول الصحابي حجة حينئذٍ أسقطه وقدم القياس عليه، ثم قال لما ذكر ما يجب في الأدلة المعتبرة الأربعة بَيَّنَ الحكم فيما إذا حصل التعارض في نفس الدليل (والتعارض هو التناقض)، كما ذكرنا سابقًا (فلذلك لا يكون في خبرين)، وإنما يكون في الأحكام الشرعية يمكن أن يكون حينئذٍ يقدم أحدهما على الآخر، وأما التعارض في الأخبار لا يمكن أن يكون هذا يعني: ما يتعلق بعلم الساعة وأشراط الساعة، إذا صح كل منهما لا يقع تعارض، كذلك ما يتعلق بذات الرب جل وعلا وبأسمائه وصفاته هذا لا يقع فيه تعارض البتة، لماذا؟ لأنها أخبار، والأخبار إما صدق وإما كذب، حينئذٍ الذي يقابل الخبر هو أنه كذب، وهذا باطل يعني: تكذبه من أصله قال: هذا كذب لم يثبت. حينئذٍ نقول: هذا متعذر في الأخبار. (والتعارض هو التناقض فلذلك لا يكون في خبرين، لأنه يلزم كذب أحدهما) نعم إما هذا صدق وإما هذا كذب.
ما احتمل الصدق لذاته جرى ... بينهما قضية وخبرا
__________
(1) سبق في التشكيل.
(2) سبق.
(9/20)

إما صدق وإما كذب، فإذا كان خبر الله تعالى صدقًا حينئذٍ انتفى الكذب بكل وجوهه فكيف حينئذٍ يجوز التناقض أو التعارض؟ (ولا في حكمين)، يعني: أمر ونهي، أو حظر وإباحة. يعني: لا يجمع بينهما في وقت واحد. هو يقع تعارض لا بد يعني: لا بد، لكن نجد بعض النصوص دل على الإيجاب، وبعض النصوص تعتبر قرينة صارفة وقع التعارض حينئذٍ وقع التعارض، لكن كونه لا يمكن الجمع بينهما ويكون المطالب به محرم واجب في وقت واحد قلنا: هذا مستحيل، ولذلك هناك مر معنا في مسألة النهي يقتضي فساد المنهي عنه في كون الصلاة في الدار المغصوبة باطلة لأنه لا يمكن أن يكون واجب محرم عليه في وقت واحد، والصلاة واحدة والمحل واحد هذا باطل لا يمكن، وهو محال (فإن وجد التعارض بين حكمين)، يعني في الظاهر، حينئذٍ ما السبب؟ إن نظر الناظر المجتهد فوجد أن ثَمَّ تعارض بين حكمين أو خبرين كذلك، فإن وجد التعارض بين الحكمين (فإما لكذب الراوي)، يعني: أحد النصين كذب. (فإما لكذب الراوي)، وقد يكون مراد الكذب هنا الغلط يحتمل ليعم (أو نسخ أحدهما)، إن كان مما يقبل النسخ، إما أن يكون منسوخًا وإما أن يكون فيه شيء من الغلط، يعني: لم يثبت النص. (فإن أمكن الجمع بأن يُنَزَّلَ على حالين أو زمانين) [ماذا عندكم طيب زمانين كله واحد بعدها أي] (فإن أمكن الجمع بأن يُنَزَّلَ على حالين أو زمانين) زمن زمان الخلاف مو صحيح زمن زمانين (جُمِع)، يعني: جمع بينهما. (على حالين)، وهذا ما يعبر عنه بانفكاك الجهة بأن يكون هذا النص دال على حال، وهذا النص يدل على حال آخر كما قلنا مثلاً نعم حمل أحد الدليلين على حال وحمل الآخر على حالٍ أخرى، وهذا ما يعرف بحمل العام على الخاص أو حمل المطلق على المقيد لأنه يقع كما سبق أنه قد يكون الشيء مصدقه واحدًا حينئذٍ يقع التعارض فالجزء الذي دل عليه اللفظ العام عارضه الجزء الذي أو النص الذي دل على استثناء الخاص، والخاص مدلوله خاص، والعام مدلوله عام فثَمَّ قدر مشترك وهو الذي جاء فيه النص الخاص، هذا الفرد مختلف فيه النص الخاص أخرجه من دلالة العام، والنص العام دل على أنه داخل فيه وقع تعارض حينئذٍ نقول: العام يحمل على أفراده ما عدا صورة التخصيص، والمراد بالدليل الخاص خاص بالصورة التي هي تسمى بصورة التخصيص، (أو زمانين) فيكون المتأخر حينئذٍ ناسخًا للأول (وإن لم يمكن الجمع أُخِذَ بالأقوى)، وقبل ذلك النسخ بشرط أن يعلم التاريخ (أُخِذَ بالأقوى والأرجح)، يعني: المتواتر مقدم على الآحاد. ما اتفق عليه الستة مقدم على ما انفرد عليه به مثلاً النسائي وهكذا.
(والترجيح إما في الأخبار فمن ثلاثة أوجه)، الترجيح في الأخبار يعني: في الألفاظ. (فمن ثلاثة أوجه) إما السند، وإما المتن، وإما أمر من خارج، إما هذا أو ذاك.
(9/21)

إما السند (السند) هو: طريق الإخبار عن المتن. (فيرجح بكثرة الرواة)، بأن يكون رواة أحدهما أكثر من رواة الآخر (لأنه أبعد عن الغلط)، ولقوة الظن به وهذا واضح، وقال بعض الحنفية: لا يرجح بالكثرة. (وقال بعض الحنفية: لا)، يعني: لا يرجح بكثرة الرواة. (كالشهادة)، يعني: قياسًا للرواية على الشهادة، وهذا فيه نظر والصحيح الأول أنه إذا لم يمكن الجمع إلا بهذه حينئذٍ عدلنا إلى هذه، ولذلك قلنا: لماذا قيل بأن سمعت أعلى الدرجات في التلقي والأداء؟ لأنها تنفي الواسطة وتدل على المباشرة والقول بأنها أعلى الدرجات إذا جاء خبر ولم يكن ثَمَّ جمع بينهما إلا أن هذا صرح بالسماع وهذا صرح بقال مثلاً أو أخبرني يكون الأول مقدم على الآخر، لكن هذا لا يكاد يكون له مثال (وبكون راويه أضبط وأحفظ وبكونه أورع وأتقى)، واضح هذا (وبكونه صاحب القصة)، لاختصاصه بمزيد علم ليس عند الآخر كما مر معنا قصة ميمونة (أو مباشرها دون الآخر)، يعني: الذي باشر القصة.
(والمتن) وهو ما انتهى إليه السند من الكلام، (فيرجح بكونه ناقلاً عن حكم الأصل)، يعني: ترجيح الناقل عن الأصل البراءة الأصلية على المبقي عليها، لأن مع النقل زيادة علم كما ذكرنا في الأحاديث المختلف فيها بين نقض مس الذكر أو لا كونه بضعة منك هذا أصل، يعني: كسائر المحال، والدليل الذي دل على أنه ناقض للوضوء هذا ناقل عن الأصل فيكون مقدمًا، وهكذا (والمثبت أولى من النافي)، لأن معه زيادة علم، من أثبت مقدم على من نفى، ولذلك من أثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بال قائمًا مقدم على من نفى وهي: عائشة رضي الله تعالى عنها. لأن معه زيادة علم، وهكذا (والحاضر على المبيح عند القاضي)، لأنه أحوط يعني: الحظر مقدم على الإباحة. لأنه أحوط وأبرأ للذمة وأسلم للناس (لا المسقط للحد على الموجب له)، يعني: للخبر المسقط. هذا مما لا يقع به الترجيح، هل إذا جاء خبر يدل على إسقاط حد وخبر يدل على إثبات حد فنقول: نقدم الخبر الذي يدل على الإسقاط على الخبر الثاني لأنه شبهة لوجود التعارض؟ نقول: لا، لذلك قال: (لا المسقط للحد). يعني: لا الخبر المسقط للحد، (على الخبر الموجب له)، لماذا؟ لأن الموجب هذا ناقل على الأصل، الأَصل عدم الحد هذا الأصل، فإذا دل الدليل على أنه يحد نقول: هذا ناقل أصلي وهو مقدم، وأما العكس فلا (لا المسقط للحد على الموجب له) لأن الموجب هذا ناقل بل يرجح الموجب للحد لإفادته التأسيس، وقيل: يرجح المسقط بما فيه من اليسر وعدم الحرج. نقول: لا اليسر وعدم الحرج هذه ليست قاعدة مطلقة هكذا ليست قاعدة مطلقة، وإنما ما جاءت به الشريعة هي: رفع الحرج. ما لم يرد فيه نص نحن نتحدث في ماذا الآن؟ في الأخبار، إذًا ينظر في الخبر باعتبار قواعد الشريعة، وأما هذه النظرة نقول: هذا فيما لم يكن فيه نص وكان للاجتهاد فيه مجال حينئذٍ قد يكون لهذه القاعدة وهذا النظر وهذا المعنى وجه من الصحة، بل يرجح الخبر الموجب للحد على المسقط، وجمهور الأصوليين بترجيح الخبر المسقط للحد على الموجب له، الجمهور على العكس يعني: يرجح عندهم الخبر المسقط للحد على الموجب له، لما فيه من اليسر ورفع الحرج.
(9/22)

قال: (ولا الموجب للحرية على المقتضي للرق). يعني: تعارض خبران أحدهما يترتب عليه الحرية، والثاني يترتب عليه الرق. قال: الأصل الشرع متشوف للحرية، إذًا نقدم ونرجح الموجب للحرية على الموجب للرق، لأن الرق هذا غير مراد شرعًا، بل يرجح المقتضي للرق لأن الخبر المثبت للرق موافق للدليل الدال على صحة ملك الرقبة وهكذا.
(وأمر من خارج)، يعني: عن السند والمتن، ما سبق ينظر في السند نفسه، وفي المتن نفسه وهنا من أمر خارج (مثل) ماذا؟ (أن يعضده كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس)، حينئذٍ عندنا خبران كل منهما معارض للآخر وجد مع أحدهما ما يشهد له من: كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس، صار مقدمًا، وهذا ما يسمى بتقوية تأتي التقوية من خارج لا من ذات السند ولا المتن (أو يعمل به الخلفاء الأربعة) صار مقويًّا له، (أو صحابي غيرهم)، لأنه يغلب على الظن قوته في دلالة سلامته من المعارض، (أو يختلف على الراوي فيقفه قوم ويرفعه آخرون)، يعني: إذا تردد في الوقف والرفع، وهذه كل ما تردد عند المتأخرين وخاصة الأصوليين الرفع مقدم لأنه معه زيادة علم، والصحيح أنه ينظر فيه بحسب القرائن قد يرجح هذا وقد يرجح ذاك ليس فيه قاعدة مطردة، (أو ينقل عن الراوي خلافه فتتعارض روايتاه)، ينقل عن الراوي نفسه (خلافه) أنه خالف هذه الرواية، وعلى هذا النص أنه لا يعتبر (أو يكون مرفوعًا)، مسندًا (والآخر مرسلاً)، هذا واضح بين، لكن هذا إنما يكون عند من يحتج بالمرسل، يعني: أحدهما مرفوع، والآخر مرسل وهو حجة عنده، أما إذا كان ضعيف لا إشكال أنه لا تعارض بين الصحيح والضعيف، وإنما أراد المصنف هنا بما يوافق مذهب بعض من صحح الحديث المرسل وهو كثير من المتقدمين.
(وأما في المعاني)، يعني: ما يتعلق بالعلل. (وأما في المعاني)، أي: بين علل المعاني. (فترجح العلة بموافقتها لدليل آخر من كتاب، أو سنة، أو قول، أو خبر مرسل)، يعني: ترجيح [نعم].
..
ما عندي قول صحابي
(9/23)

(قول صحابي) [نعم] يعني: إذا وجد للعلة دليل يؤيدها إما (من كتاب، أو سنة، أو قول صحابي، أو خبر مرسل)، يعني: ترجيح القياس من جهة علته، فإذا استنبط في الأصل الواحد علتان وقد عضد إحدى العلتين دليل آخر فإنها ترجح على الأخرى، (وبكونها ناقلة عن حكم الأصل)، على العلة المبقية على الأصل كحديثي مس الذكر كما سبق (ورجحها قوم بخفة حكمها، وآخرون بثقلها، وهما ضعيفان)، يعني: لا يرجح علة على علة لكونها خفيفة أو لكونها ثقيلة، وقيل بهذا وقيل بذاك، أي: إذا اجتمع قياسان، وعلة أحدهما تفيد حكمًا أخف فهي أرجح، وبعضهم قال: لا نقف مع التي تفيد الحكم الأثقل. وكلاهما ضعيف، (فإن كانت إحدى العلتين حكمًا، والأخرى وصفًا حسيًّا)، حكم شرعيًّا مثل الحرمة مثلاً، والأخرى وصفًا حسيًّا كالإسكار (فرجح القاضي الثانية)، يعني: الوصف الحسي. يعني: القياس الذي علته حسية. وهذه المسائل كلها باطل، المسائل هذه كلها باطلة، أنا أردت أن أصبر حتى أنتهي لكن ما استطعت، لماذا؟ لأن التعارض هنا بين قياسين، ولا يمكن هذا أن يوجد قياسان متعارضان وإما أن يكون أحدهما صحيح والآخر فاسد، أما التعارض فيما سبق ليس التعارض بين حديث مكذوب وحديث صحيح، أو حديث ضعيف وحديث صحيح، وإنما التعارض بين ما صح أنه دليل شرعي حينئذٍ يقع التعارض ويقع الترجيح، ولذلك الترجيح ما هو؟ تقوية أحد الدليلين على الآخر، دليل إذًا اسمه دليل شرعي، والقياس الفاسد الذي عارض ما كانت العلة فيه أصلاً أو دل عليه الدليل، هذا لا يعتبر معارض لا يلتفت إليه البتة هو ساقط من أصله فلا يكون معارضًا ولا نشتغل به على كلٍّ هنا قال: (تعارض قياسان). قياس فيه العلة حكم شرعي، وقياس آخر عارضه فيه وصف شرعي، أيهما نقدم؟ قال: (رجح القاضي الثاني). يعني: القياس الذي علته حسية. (وأبو الخطاب الأولى)، يعني: الحكمية. لأن المطلوب هو: الحكم الشرعي. (وبكثرة أصولها)، يعني: [إذا تعددت الأوصاف إذا تعددت الأصول وليست الأوصاف] (1) إذا تعددت الأصول في أحد القياسين وليس في القياس الآخر إلا أصل واحد كأن يقاس فرع بجامع على أصول كثيرة وأمكن قياسه بجامع على أصل واحد فالأصول مقدمة على أصل واحد، (وباطرادها وانعكاسها)، يعني: العلة المطردة المنعكسة مقدمة على العلة غير المطردة المنعكسة. يعني: ما وجد فيه الشروط المتحققة السابقة. (والمتعدي على القاصرة)، أصل القاصر لا يصح التعليل بها (لكثرة فائدتها)، هي فيها فائدة القاصرة لكنها تفيد ماذا؟ علية الحكم في محله، وأما كونه يتعدى فلا، (ومنع منه قوم والإثبات على النفي)، يعني: يترجح من القياسين ما كانت علته إثباتًا على ما كانت علته بالنفي، لأن التعليل بالإثبات متفق عليه والتعليل بالنفي مختلف فيه، (والمتفق على أصله على المختلف فيه)، يعني: كأن عندنا قياسان تعارضا هذا الأصل متفق عليه، وهذا الأصل مختلف فيه، المتفق عليه مقدم على المختلف فيه، (وبقوة الأصل فيما لا يحتمل النسخ على محتمله)، يعني: القياس الذي دليل أصله لا يحتمل النسخ فلم ينسخ بالاتفاق، هذا مقدم على ما يحتمل النسخ، وهكذا.
__________
(1) سبق استدركه الشيخ.
(9/24)

(وبكونه رده الشارع إليه)، يعني: ترجح العلة المردودة على أصل قاس الشرع عليه، بقياس الحج على الدين مثلاً بأنه لا يسقط بالموت، (والمؤثر على الملائم، والملائم على الغريب، والمناسبة على الشبهية)، المناسبة متفق عليها على الشبيهة، على كلٍّ هذه كلها أمثلة لا دليل عليها وليس لها مثال أصلاً كلها ترجيحات أو أصول ليس عليها دليل لأنه يُجَوِّزُ قيام قياسين ويسوي بينهما في التعارض وهذا باطل، إذا امتنع أن ينسخ بالقياس وامتنع أن يخص بالقياس فمن باب أولى أن يوجد قياس يخالف قياسًا آخر.
(الباب الثالث
في الاجتهاد والتقليد)
متقابلان.
(الاجتهاد لغة: بذل الجهد في فعل شاق) (بذل الجهد)، يعني: الطاقة. (في فعل شاق)، إذًا إذا لم يكن شاقًا لا يقال فيه اجتهاد، ولذلك لا يقال: اجتهدت في حمل النواة. وإنما يقال: اجتهدت في حمل الصخرة. لأنها شاقة، وأما الذي لا يشق فهذا لا يحتاج إلى اجتهاد، لا تقول: اجتهد في حفظ ألفية. ولا تقول: اجتهدت في حفظ البيقونية. مثلاً ما تحتاج إلى اجتهاد، صحيح؟ أي نعم، الألفية تحتاج إلى الاجتهاد، إذًا الاجتهاد (بذل الجهد في فعل شاق) هذا في معناه اللغوي، (وعرفًا: بذل الجهد في تعريف الأحكام)، أو (في تَعَرُّف الأحكام) (بذل الجهد في تَعَرّف الأحكام)، يعني: بذل الوسع والطاقة في التعرف على الحكم واستنباطه. والاجتهاد هو: بذل الوسع في النظر في الأدلة الشرعية لاستنباط الأحكام الشرعية. (وتمامه)، إذًا له أصل وله تمام، (تمامه: بذل الوسع في الطلب إلى غايته) بحيث يعجز عن مزيد طلب، حينئذٍ لا يكون مجتهدًا على وجه التمام، وهذا لا ينافي أن يكون مجتهدًا إذا لم يعجز، حينئذٍ له درجة دنيا وله درجة عليا، العليا أن لا يترك كتابًا إلا ونظر فيه، وأما الدنيا فهو ما يستطيع أن يقف معه وتتعلق به قدرته، (وتمامه) أي: تمام الاجتهاد. (بذل الوسع في الطلب إلى غايته)، يعني: العجز عن مزيد الطلب. هذا الاجتهاد، (والمجتهد)، لأنه شرع في ذكر شرط المجتهد، المُجتهد هو: الفقيه الذي له القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها. وهذا له شروط يعني: متى يكون قادرًا على الاستنباط؟ عرفنا طرق الاستنباط، ولذلك ذكر في حد أصول الفقه من حيث كونه عَلَمًا ولقبًا على الفن أنه قال: (معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد). فبين لك الأدلة المجملة للفقه، ثم بين كيف تستثمر الأحكام الشرعية من هذه الأدلة وهي: القواعد الأصولية. وكيف تفعل عند التعارض بين هذه القواعد وبين هذه الأدلة، تعارض عام وخاص، ومطلق ومقيد، وناسخ ومنسوخ، ثم من هو الذي يحكم على الدليل بكونه دليلاً شرعيًّا صالحًا للاستدلال به؟ ومن هو الذي يستنبط؟ نحتاج إلى معرفة شرطه، إذًا المجتهد هو: الفقيه الذي له القدرة في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها. وهذه القدرة معقولة، يعني: قدرة معقولة ليس شيئًا معجزًا يحتاج إلى معجزة وكرامة من أجل أن يكون فقيهًا أو مجتهدًا، لا شيء يدرك بالاكتساب لكنه يحتاج إلى بذل وسع وإلا لو كان ليس في مقدور بشر لما جاز لما صح تشريعها أصلاً وهو عام في كل زمان وفي كل مكان.
(9/25)

(وشرط المجتهد: الإحاطة بمدارك الأحكام وهي: الأصول الأربعة والقياس وترتيبه)، (الإحاطة بمدارك) مدارك جمع مدرك، والمراد بها طرق الأحكام التي تدرك منها، يعني: أدلة الأحكام. (وهي الأصول الأربعة) الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والبراءة الأصلية، على ما ذكره المصنف (والقياس) هذا تابع لها، (وترتيبها) ترتيبها من حيث النظر فيها، ومن حيث التقديم والتأخير عند التعارض، كما ذكر فيما سبق المتواتر المقدم الآحاد مثلاً على ما ذكره (وما يعتبر للحكم في الجملة)، يعني: كل ما يعتبر طريقًا لإفادة الحكم من الكتاب والسنة، وَسَيُفَصِّل بعض المسائل المتعلقة بها من اللغة ونحوها، (إلا العدالة) على المشهور، العدالة ليست بشرط يعني: أن لا يكون فاسقًا، قد يكون مجتهدًا وهو فاسق، لا مانع لا يمنع العقل أن يكون مجتهدًا وهو فاسق لكن هل العدالة شرط يف الاستنباط أو لا؟ بمعنى أنه لا يحق له أن يستنبط إلا إذا كان عدلاً يؤدي الواجبات وينتهي عن المحرمات ويجتنب عن سفاسف الأمور وخوارم المروءة ونحو ذلك، حينئذٍ هل له أن يستنبط ويقدم على الشرع ويقول: هذا حكم الله في كذا وهذا حكم الله في كذا. وهو ليس بعدل، التفصيل هو المرجح عند المتأخرين من الأصوليين وهو أنه له أن يستنبط وليس له أن يستفتى، يعني: العدالة شرط في الفتوى، لا يفتي إلا عدل ولا يستفتي الناس إلا عدلاً، وأما الفاسق فلا يصح لا يجوز أن يَنْصِبَ نفسه ولا يُنْصَب ولا يجوز للناس أن يستفتوه لأنه فاسق والعدالة شرط في صحة الفتوى، وأما كونه يستنبط هو بنفسه فيعمل هذا لا بأس به، ولذلك قال: (وما يعتبر للحكم في الجملة). من العلم بالكتاب والسنة إلى آخره (إلا العدالة) على المشهور، (فإن له الأخذ باجتهاد نفسه) ولو كان فاسقًا، قد يكون خمارًا حينئذٍ له، ويعتقد حرمة ويعتقد إجبارًا حرمة الخمر ويشرب الخمر، حينئذٍ نقول: هذا فاسق ولو كان مجتهدًا ولو كان منسوبًا إلى العلم وأهل العلم، إلا أنه يجوز له أن يستنبط لكنه يعمل في نفسه ولا يعمل لغيره، ولذلك قال: (بل هي شرط لقبول فتواه). إذًا ثَمَّ تفصيل.
(9/26)

ثم قال مما يشترط في المجتهد: (فيعرف من الكتاب والسنة). هذا تفصيل لقوله: (وما يعتبر للحكم في الجملة). (فيعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام)، يعني: النصوص التي تستنبط منها الأحكام الشرعية. (فمن القرآن)، حددوا من القرآن ومن السنة إلى آخره، والأصل أن يكون عالمًا بالكتاب والسنة، بكل الكتاب وبكل السنة إلا أن الأحكام الشرعية هناك أحكام فقهية، وهناك أحكام عقدية، وهناك أدلة تفيد الأحكام العقدية، وهناك أدلة تفيد الأحكام الفقهية، هكذا من السنة حينئذٍ إذا كان يلتمس الحكم الفقهي حينئذٍ لا شك أن النظر يكون فيما يفيد الحكم الفقهي، وإذا كان يلتمس الحكم العقدي فلا شك أن يكون النظر فيما يفيد الحكم العقدي، وهذا لا يلزم منه أن يكون بعض القرآن أو بعض السنة ليس مفيدًا لحكم الشرع بل كل القرآن من أوله إلى آخره، محل لاقتباس الأحكام الشرعية ثم هي منها ما يتعلق بأفعال العباد، ومنها ما يتعلق بعقائد العباد، ومنها ما يتعلق بسلوكيات العباد وآداب العباد ونحو ذلك وإلا فالقرآن كله محل للاستنباط والفقه والفهم، وأما قولهم بأن هذا أحكام وهذا كذا المراد به ما يتعلق بأحكام الصلاة والزكاة ونحو ذلك، (فيعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام فمن القرآن قدر خمسمائة آية)، وهي التي تحد بأنها آيات الأحكام، والصحيح أنه لا يحد بعدد، ولذلك اختلفوا هذا قال: خمسمائة. وهذا أنقص مائة، هذا زاد مائة قال: ستمائة. واختلفوا في هذا نقول: الصواب أنه لا يحد، بل القرآن كله محل للاستنباط نعم إن أرادوا الآيات الدالة على الأحكام التي هي متعلقة بالصلاة والزكاة هي أقل من هذا، يمكن حصرها وهي التي ينبغي العناية بها، (لا حفظها لفظًا)، يعني: لا يشترط حفظها. وإنما المراد أنه يقف عندها ويتأملها ويتدبرها بلسان العرب بقواعد الشرع، وأما الحفظ فهذا محل كمال وهذا لا يتكأ عليه الطالب بأنه لا يلزم منه حفظ القرآن لا حفظ القرآن لا يحفظ من أجل الاقتباس فحسب لا تحفظه من أجل أن تقرأ ومن أجل أن يكون لك محل بنهاية كل آية تقرأها في الجنة، له فضله، له ترداده، قراءته، التأمل، التفكر ... إلى آخره ففوائد حفظ القرآن أعم من فوائد الاستنباط، فإذا قيل أنه لا يحفظ معناه ارتحنا واسترحنا لا يشترط، لا نقول: لا بد من حفظ القرآن وهو السنن أهل العلم في التلقي، وهو الأول الذي يعتنى به ابتداءً في تلقي القرآن في تلقي العلم الشرعي، ولذلك نقول دائمًا وهذا موجود في الساحة أن من حفظ القرآن حفظ كل المتون يستطيع، لكن العكس قليل جدًا من أراد أن يحفظ المتون ويكون بارزًا في العلوم هذا إذا لم يكن حافظًا للقرآن فالغالب أنه لا يسير (لا حفظها)، لا يشترط حفظها (لفظًا) بل يكفي معرفتها (بل معانيها ليطلبها عند حاجته)، يعني: يرجع إليها عند الحاجة.
(9/27)

(ومن السنة) أي: لا بد أن يعرف المجتهد من السنة ما يتعلق بالأحكام، ومرادهم هنا معرفة الأحكام الشرعية الفقهية (ما هو مدون في كتب الأئمة، والناسخ والمنسوخ منهما)، يعني: [من الكتاب والسنة] (1) من السنة. (والصحيح والضعيف من الحديث للترجيح) عند التعارض (والمجمع عليه من الأحكام)، يعني: ينبغي أن يجب عليه أو الشرط أن يتحقق أن يكون عالمًا بالسنة بما يتعلق بأحاديث الأحكام، ثم هذه السنة منها ما هو ثابت مقطوع بثبوته، ومنها ما هو مختلف فيه، فالأول لا يحتاج إلى تعرض للسند ونحوه، والثاني لا بد من التعرض لثبوته أولاً ثم بعد ذلك ينظر فيه، حينئذٍ لا بد أن يكون عنده أدنى ملكة يستطيع أن ينظر في أقوال أهل الحديث ويرجح بين تضعيف وتصحيح، ولذلك قال: (والصحيح والضعيف). يعني: من الأحاديث. (للترجيح عند التعارض)، حينئذٍ إذا لم يكن له نصيب وحظ من ذلك صار مقلدًا في ثبوت الحديث، وهذا يخرج عن كونه مجتهدًا، (والمجمع عليه من الأحكام)، يعني: لا بد أن يعرف ما هو الذي أجمع عليه ثم يتحقق من صحة الإجماع، يعني: ليس كل ما ادعي فيه الإجماع قبل، لئلا يفتي بخلافه ونصب نعم (ونصب الأدلة وشرطها)، يعني: ومن شروط المجتهد العلم بقواعد الاستدلال وشروطه، والمراد بنصب الأدلة وشرطها أصول الفقه يعني: يكون عالمًا بهذا الفن، وهو فن وقاعدة لكل علوم الشريعة ليس خاصًا بالفقه فحسب لا أصحاب المعتقد والذين يتكلمون في الاعتقاد لا بد لهم من علم بهذا الأصول، لماذا؟ لأنه يأتيه عام، يأتيه خاص، يأتيه مطلق، يأتيه مقيد، يأتيه ناسخ، يأتيه منسوخ، ولا لا يتأتى الناسخ والمنسوخ هنا، يأتيه مسائل تحتاج إلى أن يعرف القواعد التي يستنبط بها الأحكام الشرعية ولو كانت مفيدة للعلميات.
__________
(1) سبق.
(9/28)

(ومن العربية ما يميز به بين صريح الكلام وظاهره، ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه)، كل أصول الفقه دلالات الألفاظ كلها دخلت هنا (ومن العربية ما يميز به بين) كذا وكذا وهذا يدل على أنه لا بد من معرفة لسان العرب، ولا يمكن أن ينتج إلا من كان عالمًا بلسان العرب وأصول الفقه مبناه على هذا العلم، والفقه بل الشريعة مبناها على أصول الفقه والعلوم مترابطة، العلوم بعضها يخدم بعضًا وليس عند أهل العلم المعتبرين ما يسمى بالتخصص ليس ثَمَّ تخصص إلا بعد أن يستوفي حظه ونصيبه من العلوم التي يحتاجها ثم بعد ذلك فليتبحر في أي فن من الفنون، والتخصص أشبه ما يكون بالتبحر في فن، لكن بعد أخذ ما يحتاجه من الفنون الأخرى هذا الذي جرى عليه أهل العلم، وأما التخصصات أن يكون أصوليًّا أو فَقِيهًا ولا يدري من العلوم الأخرى شيء فهذا باتفاق أهل العلم أنه لا يعد من أهل العلم ولا يجوز أخذ قوله لا في فتوى ولا في غيره، وإنما يستفاد لكثرة البلوى بهم الآن يستفاد منهم نعم صحيح يستفاد منهم في نقل العلم فحسب، ولذلك العز بن عبد السلام في ((قواعد الأحكام)) بَيَّنَ أن من لا يدري أصول الأحكام وعلل الأحكام أنهم نقلت فقه لا فقهاء، وهؤلاء نقلت علم نقلت فقه لا فقهاء نقلت أصول لا أصوليين، والله المستعان نقلت تفسير لا مفسرين وهكذا، إنما يستفاد منهم لئلا يعني: لو جعلنا هذا الشرط اعتبارًا في أخذ العلم لما استطعنا أن نوجد من يُدَرِّسُ العلم على وجه صحيح، وإنما يستفاد منهم في فهم المسائل فقط وأما تجريحه هو تقول: جزاك الله خيرً