Advertisement

الغيث الهامع شرح جمع الجوامع



الكتاب: الغيث الهامع شرح جمع الجوامع
المؤلف: ولي الدين أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي (ت: 826ه)
المحقق: محمد تامر حجازي
الناشر: دار الكتب العلمية
الطبعة: الأولى، 1425ه - 2004م
عدد الأجزاء: 1
أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الغيث الهامع
للحافظ ولي الدين أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي
المتوفى 826ه

شرح
جمع الجوامع
للإمام تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي
المتوفى 771ه

تحقيق
محمد تامر حجازي

دار الكتب العلمية
(1/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
قال سيدنا ومولانا الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام، بقية المجتهدين، ولي الدين أبو زرعة أحمد العراقي الشافعي، تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته.
أما بعد حمد الله، والصلاة على رسوله، فهذا تعليق وجيز على (جمع الجوامع) لشيخنا قاضي القضاة تاج الدين بن السبكي رحمه الله أقتصر فيه على حل اللفظ وإيضاح العبارة غالباً تنحلت أكثره من شرح صحابنا العلامة بدر الدين الزركشي رحمه الله تعالى سميته (الغيث الهامع في شرح جمع الجوامع) وأسأل الله النفع به، وأن يرزقنا فهم المشتبه.
ص: نحمدك اللهم على نعم يؤذن الحمد بازديادها.
ش: افتتح بالجملة الفعلية لدلالة الفعل على التجدد والحدوث، وبهذا انفصل المصنف عن سؤال ترك التأسي بالتنزيل بالجملة الاسمية، فإنه قديم، وهذا التصنيف نعمة جديدة.
وافتتح الفعل المضارع بالنون للمشاركة لا لتعظيم نفسه، فإن الحمد على هذه النعمة يعم كل منتفع به.
وقوله: (اللهم) مثل قولك: يألله، زيدت الميم في آخره عوضاً من حرف النداء، هذا هو الصحيح، وقول البصريين.
والتنكير في قوله: (على نعم) للتعظيم بدليل الوصف.
وقوله: (يؤذن) أي: يعلم، والازدياد أبلغ من الزيادة كالاكتساب
(1/17)

والكسب، والدال بدل عن التاء، وأصله ازتياد، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: {لئن شكرتم لأزيدنكم}.
قلت: وقد تبين أن المراد بالحمد هنا أحد قسميه، وهو ما كان منه على نعمة، ولو أطلقه كما في التنزيل لتناول القسم الآخر، وهو ما كان على غير نعمة، والله أعلم.
ص: ونصلي على نبيك محمد هادي الأمة لرشادها.
ش: قوله: (ونصلي) لفظه خبر، ومعناه الطلب، ليكون امتثالاً لقوله تعالى: {صلوا عليه} فهو من عطف الإنشاء على الإنشاء، وعطف الخبر على الإنشاء ممتنع عند علماء البيان، والصلاة من الله تعالى بمعنى الرحمة، أو المغفرة، أو الإحسان، أو القدر المشترك بينها، وهو الاعتناء بالمصلى عليه، ومن الخلق الدعاء.
والنبي، قيل: مشتق من النبوة، وهي المرتفع من الأرض، وقيل: من النبأ، وهو الخبر، والرسول أخص منه، لأنه إنما يؤمر بالتبليغ، وفضل ابن عبد السلام/ (1ب/ م) النبوة على الرسالة، والراجح خلافه،
وكان ينبغي قرن الصلاة بالتسليم.
وقوله: (هادي الأمة) مأخوذ من قوله تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} وهو بمعنى بيان الطريق كما في قوله تعالى: {وأما ثمود فهديناهم} وإما بمعنى الخلق، لقوله تعالى: {من يهد الله فهو المهتدي} فهو خاص بالله تعالى، والرشاد ضد الغي.
(1/18)

ص: وآله/ (1/ب/د) وأصحابه، ما قامت الطروس والسطور لعيون الألفاظ مقام بياضها وسوادها.
ش: آل النبي صلى الله عليه وسلم بنو هاشم وبنو المطلب، وأصحابه كل من لقيه مسلماً، ولو أضاف الآل إلى الظاهر لكان أولى، للخروج من خلاف من منع إضافته إلى ضمير، وقدم الآل على الأصحاب للأمر بالصلاة على الآل، ولهذا وجبت في التشهد على قول، وهم أشرف نسباً، وإن كان في الصحابة من هو أفضل من الآل كأبي بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما،
و (ما) هنا مصدرية ظرفية، أي مدة قيام الطروس، وهي جمع طرس، بكسر الطاء، وأراد بها هنا الصحيفة، وبها فسر الجوهري، ثم قال: ويقال: هي التي محيت ثم كتبت، وعليه اقتصر في (المحكم).
وفي قوله: (عيون الألفاظ) استعارة مرشحة بالبياض والسواد، فإنهما من لوازم العيون، وفيه لف ونشر مرتب، فالبياض للطروس، والسواد للسطور،
(1/19)

وبين الطروس والسطور جناس القلب، لاختلافهما في/ ترتيب الحروف، والمراد بهذا تأبيد الصلاة لدوام العلم، وهو مأخوذ من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله)).
ص: ونضرع إليك في منع الموانع عن إكمال جمع الجوامع، الآتي من فن الأصول بالقواعد القواطع، البالغ من الإحاطة بالأصلين مبلغ ذوي الجد والتشمير، الوارد من زهاء مائة مصنف، منهلا يروي ويمير، المحيط بزبدة ما في شرحي على المختصر والمنهاج مع مزيد كثير.
ش: قوله: (نضرع) أي: نخضع ونذل، وهو أبلغ من السؤال، وأصله نتضرع، فحذفت التاء تسهيلاً.
وقوله: (في منع) متعلق به، (وعن) متعلق ب (منع) و (جمع الجوامع) علم على هذا الكتاب، وسأل انتفاء الموانع، لأن المقتضيات موجودة.
ثم وصفه بأنه أتى، أي: جاء، من فن الأصول، أي: أصول الفقه والدين، (بالقواعد) أي: الأدلة القواطع، وفي هاتين اللفظتين الجناس اللاحق، لاتفاقهما في عدد الحروف والهيئات، واختلافهما في الآخر، وبأنه بلغ من الإحاطة بهما مبلغ ذوي الجد، وهو بالكسر الاجتهاد، (وزهاء) بالمد،
(1/20)

كما اقتضاه كلام الأخفش/ (2أ/ م)، وعليه اقتصر في (المشارق)، أو بالقصر كما دل عليه ذكر الجوهري له في المعتل، أي: قدر.
وقوله: (يروي) بالضم من الري، وقوله: (يمير) بفتح أوله ويجوز ضمها، يقال: مار، وأمار، أي: حمل الميرة، وهو الطعام، والمراد مختصر ابن الحاجب.
ومنهاج البيضاوي، وإنما شرح المصنف من (المنهاج) من قوله: (وجوب الشيء مطلقاً) وما قبل ذلك من كلام والده
(1/21)

رحمه الله
ص: وينحصر في مقدمات وسبعة كتب.
ش: إن أراد انحصار هذا التصنيف ورد عليه أن فيه زيادة/ (2أ/د) على ذلك علم أصول الدين، وخاتمة التصوف، وإن أراد انحصار أصول الفقه المدلول عليه بذكر شرحي (المختصر) و (المنهاج) فإنه ليس فيهما غير أصول الفقه، ورد عليه أن من المقدمات حد أصول الفقه، وغيره من قواعد المنطق، وليس من أصول الفقه، وقد يعد منها لتوقفه عليها.
وفي المقدمة لغتان: الكسر وهو أشهر، والفتح، وهي عند المناطقة: القضية المجعولة جزء دليل، وعند الأصوليين: ما يتوقف عليه حصول أمر آخر وهو المراد هنا، فالمقدمات لبيان السوابق، والكتب لبيان المقاصد.
(1/22)

تعريف أصول الفقه
ص: الكلام في المقدمات، أصول الفقه: دلائل الفقه الإجمالية، وقيل: معرفتها.
ش: هذا تعريف لأصول الفقه باعتبار مدلوله اللقبي، وهل هو دلائل الفقه الإجمالية أو معرفة دلائل الفقه الإجمالية؟ فيه خلاف، ذهب إلى الأول القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين، والرازي،
(1/23)

والآمدي، واختاره ابن دقيق العيد، لأن الأدلة إذا لم تعلم لم تخرج عن كونها أصلاً، ومشى على الثاني البيضاوي وابن الحاجب، إلا أنه عبر بالعلم، ولكل وجه، لأن الفقه كما هو متفرع عن أدلته هو متفرع عن العلم بأدلته، وقيدت الدلائل بالإجمالية لإخراج التفصيلية، فإن النظر فيها وظيفة الفقيه، لأنه يتكلم على أن الأمر في قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} للوجوب, والنهي في قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنى} للتحريم، بخلاف الأصولي فإنه يتكلم على مقتضى الأمر والنهي، من غير نظر إلى مثال خاص.
والدلائل تتناول الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والأشبه كما قال السبكي : أن الإجمال قيد للمعرفة، فإن أدلة الفقه/ (2/ب/م) لها جهتان/، فالأصولي
(1/24)

يعرفها من إحداهما، وهو الإجمال، والفقيه يعرفها من الجهة الأخرى وهو التفصيل، وليست الأدلة منقسمة إلى ما هو إجمالي غير تفصيلي، وتفصيلي غير إجمالي، ووجه جعلها قيداً للأدلة أن لها نسبتين، فهي باعتبار إحداهما غيرها باعتبار الأخرى.
وقد أورد على المصنف أنه هلا قال: أصول الفقه: دلائله الإجمالية؟ ‍وأجاب بأجوبة أحسنها: أن الفقه في قولنا: (دلائل الفقه) غير الفقه في (أصول الفقه) لأنه في أصول الفقه أحد جزئي لقب مركب من متضايفين، وفي قولنا: (دلائل الفقه) العلم المعروف.
ص: والأصولي: العارف بها، وبطرق استفادتها ومستفيدها.
ش: لا يكفي في صدق اسم الأصولي معرفة الأصول حتى يعرف مع ذلك أمرين.
أحدهما: طرق استفادتها وذلك يرجع إلى التراجيح، أي ترتيب الأدلة، كتقديم الخاص على العام والظاهر على المؤول.
(1/25)

ثانيهما: أن يعرف مستفيدها، وهو المجتهد، فإنه الذي يستفيد من الأدلة بخلاف المقلد، فإنه إنما يستفيد من المجتهد، ويدخل في ذلك المقلد أيضاً إن سمينا علمه فقهاً، واعتبار هذين الأمرين في الأصولي/ (2/ب/د) دون الأصول انفرد به المصنف، واعتبر غيره في مدلول الأصول الأمور الثلاثة.
واعترف المصنف بذلك فقال: جعل المعرفة بطرق استفادتها جزءاً من مدلول الأصولي دون الأصول، لم يسبقني إليه أحد، ووجهه: أن الأصول لما كانت عندنا نفس الأدلة لا معرفتها، لزم من ذلك أن يكون الأصولي هو المتصف به، لأن الأصولي نسبة إلى الأصول، وهو من قام به الأصول، وقيام الأصول به، معناه معرفته إياه، ومعرفته إياه متوقفة على معرفة طرق الاستفادة، فإن من لا يعرف الطريق إلى الشيء محال أن يعرف الشيء، انتهى.
وقد يقال: يكتفى في صدق اسم الأصولي بمعرفة الأدلة، لأن المراد معرفتها على وجه به يحصل استفادة الأحكام منها، فيستغنى بذلك عن التصريح باشتراط معرفته طرق استفادتها، لأن المراد معرفة خاصة كما قدمته.
وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: لو اقتصر في تعريف أصول الفقه على الدلائل وكيفية الاستفادة منها لكفى، ويكون حال المستفيد كالتابع/ (3/أ/م) والتتمة، لكن جرت العادة بإدخاله في أصول الفقه، وضعاً فأدخل فيه جزءاً.

تعريف الفقه
ص: والفقه: العلم بالأحكام الشرعية العملية، المكتسب من أدلتها التفصيلية.
ش: هذا حد الفقه من جهة الاصطلاح، ف (العلم) جنس، وقال الشيخ تقي الدين: لو عبر بالمعرفة لكان أحسن، فإن العلم يطلق بمعنى حصول المعنى في الذهن، ويطلق على أخص من ذلك، وهو الاعتقاد الجازم المطابق
(1/26)

لموجب، ولهذا جاء سؤال الفقه من باب الظنون.
وأجاب المصنف عن هذا بأن المراد بالعلم هنا الصناعة، كقولك: علم النحو أي صناعته، فيندرج فيه الظن أيضاً، ولا يرد السؤال، لكن جوابهم عن ذلك السؤال يدل على أن مرادهم بالعلم اليقين.
وخرج بقوله: (بالأحكام) العلم بالذوات والصفات والأفعال، والمراد (بالحكم) نسبة أمر إلى آخر، بالإيجاب/ أو السلب.
وخرج بقوله: (الشرعية) العقلية واللغوية، والمراد بالشرعية المتوقفة على الشرع.
وخرج بقوله: (العملية) العلمية، كأصول الدين.
قاله القرافي ...............
(1/27)

وساعده الباجي، وخالفه السبكي فقال: أصول الدين منه ما ثبت بالعقل وحده، كوجود الباري، ومنه ما ثبت بالعقل والسمع كالوحدانية، وما ثبت بالسمع وحده ككثير من أحوال يوم القيامة، فخرج ما ثبت بالعقل بقولنا: (الشرعية) وأما المتوقف على السمع، فقد يقال بدخوله في حد الشرعية، وفي (المحصول): أن الاحتراز بالعملية عن كون الإجماع حجة، والقياس حجة، فإنه ليس علماً بكيفية عمل، واستشكله ابن دقيق العيد، لأن جميع هذه القواعد التي ذكر أنه يحترز عنها، فإنما الغاية المطلوبة منها العمل.
وقوله: (المكتسب) مرفوع صفة للعلم، وخرج به علم الله تعالى، وما يلقيه في قلوب الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام: (3أ/د) من الأحكام.
وخرج بقوله: (من أدلتها التفصيلية) اعتقاد المقلد، كما قال الإمام وغيره، فإنه مكتسب من دليل إجمالي، وهو أنه أفتاه به المجتهد، وكل ما أفتاه به فهو حكم الله في حقه، لكن الحق أن اعتقاد المقلد لم يدخل في الحد حتى يحتاج إلى إخراجه فإنه ليس علماً كما صرح به في (المحصول) وجعله قسيماً للعلم، فلذلك قال المصنف: الأولى/ (3ب/م) أن يخرج به علم الخلاف، لأن الجدلي، لا يقصد صورة بعينها، وإنما يضرب الصورة مثالاً لقاعدة
(1/28)

كلية، فيقع علمه مستفاداً من الدليل الإجمالي، لا من التفصيلي.
وقال الشارح: الظاهر أن ذكرها ليس للاحتراز عن شيء فإن اكتساب الأحكام لا يكون من غير أدلتها التفصيلية، وإنما ذكر للدلالة على المكتسب منه بالمطابقة، فالصواب عدم وصفها بالتفصيلية، لئلا يوهم أنه قيد زائد.
قلت: لا يقال في الموهم: إنه غير الصواب، وقد علم أنه لبيان الواقع، والله أعلم.

تعريف الحكم
ص: والحكم: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف،
ش: لما ذكر الحكم في تعريف الفقه، أخذ في تعريفه، فالخطاب جنس والمراد المخاطب به، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، وهو: ما يقصد به إفهام من هو متهيئ للفهم، وبإضافته إلى الله تعالى خرج خطاب الملائكة والإنس والجن.
وقوله: (المتعلق) أي: الذي من شأنه أن يتعلق، فهو مجاز من تسمية الشيء، بما يؤول إليه.
والمراد بفعل المكلف، الصادر منه، ليشمل القول والنية، و (المكلف) هو البالغ العاقل، ومن هنا يعلم أن الصبي لا يتعلق بفعله حكم.
وأما قول الفقهاء: إنه يثاب، ويندب له، فهو عند الأصوليين تجوز، قاله المصنف، وسبقه إليه الهندي، قال: والمعني بتعلق الضمان بإتلاف
(1/29)

الصبي أمر الولي بإخراجه من ماله.
والمراد بالمكلف الجنس، وعبر المصنف بالإفراد ليتناول الأحكام المتعلقة بفعل مكلف واحد، كالخصائص، وإجزاء العتاق عن أبي بردة بن نيار.
وخرج بالمتعلق بفعل المكلف أربعة أمور: ما تعلق بذاته تعالى، نحو: {الله لا إله إلا هو} وبفعله نحو: {خالق كل شيء}، وبالجمادات نحو: {ويوم نسير الجبال} وبذوات المكلفين نحو: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم}.
وقوله (من حيث إنه مكلف) يخرج ما تعلق بفعل المكلف، لا من حيث تكليفه، كخبر الله تعالى عن أفعال المكلفين، نحو: {والله خلقكم وما تعملون} وقوله عليه الصلاة والسلام: ((صلة الرحم تزيد في العمر)) واكتفى المصنف بذلك عن قول غيره بالاقتضاء أو التخيير، واختار والده أن يقال: (على وجه الإنشاء ليدخل فيه خطاب الوضع، ولا يرد عليه ما
(1/30)

أوردته المعتزلة من الترديد، وهو عندي/ (4أ/ م) أحسن من تعبير المصنف، لأن اعتبار التكليف يخرج ما لا تكليف فيه، كالإباحة وهي أحد أقسام الحكم، وهي مندرجة في الإنشاء.
وقد أورد على المصنف: أنه كان ينبغي/ (3ب/ د) أن يزيد: (به) فيقول: (من حيث إنه مكلف به).
وأجاب عنه: بأنه لو قال: به، لاقتضى أن المكلف لا يخاطب إلا بما هو مكلف به، وليس كذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطب بما كلف به الأمة بمعنى تبليغهم وكذا جميع المكلفين بفرض الكفاية، وإن كان المكلف به بعضهم، لا الكل على المختار، انتهى.
وهو عجيب، فإنه عليه الصلاة والسلام مخاطب بما كلف به الأمة على سبيل التبليغ لا على سبيل الفعل، فالذي كلف به غير الذي كلفوا به، ولا يمكن القول بأن الإنسان يكلف بفعل غيره.
وكلامه في فرض الكفاية متناقض، كيف يقول أولاً: إن الخطاب للجميع، ثم يقول (إن المكلف البعض) هذا لم يقل به أحد، والخلاف في أن فرض الكفاية يتعلق بالجميع أو بالبعض مشهور.
ص: ومن ثم لا حكم إلا لله.
ش: هذا فرع لما سبق، أي: لأجل أن الحكم خطاب الله، فحيث لا
(1/31)

خطاب لا حكم، لم يكن الحكم إلا لله تعالى، خلافاً للمعتزلة في دعواهم أن العقل يدرك الحكم بالحسن والقبح، فهو عندهم طريق إلى العلم بالحكم الشرعي، فهم لم يجعلوا لغير الله حكماً، بل قالوا: إنه يمكن إدراك حكمه بالعقل من غير ورود سمع، وعبارة المصنف توهم خلاف ذلك، و (ثم) هنا للمكان المجازي.

تعريف الحسن والقبح
ص: والحسن والقبح بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته، وصفة الكمال والنقص عقلي، وبمعنى ترتب الذم عاجلاً، والعقاب آجلاً شرعي، خلافاً للمعتزلة.
ش: الحسن والقبح يطلق بثلاث اعتبارات:
أحدها: ما يلائم الطبع وينافره، كقولنا: إنقاذ الغريق حسن، واتهام البريء قبيح.
والثاني: صفة الكمال والنقص، كقولنا: العلم حسن، والجهل قبيح، وهو بهذين الاعتبارين عقلي بلا خلاف، أي: إن العقل يستقل بإدراكهما من غير توقف على الشرع.
والثالث: ما يوجب المدح أو الذم الشرعي عاجلاً، والثواب أو العقاب آجلاً، وهو موضع الخلاف.
فالمعتزلة قالوا: هو عقلي أيضاً، أي: يستقل العقل بإدراكه،
وقال أهل السنة: هو شرعي.
أي: لا يعرف إلا بالشرع.
(1/32)

تنبيه:
كان ينبغي أن يقول في الأول: عقليان، ولكنه حذف خبر أحد المبتدأين لدلالة الآخر أو التقدير: / (4ب/م) كلاهما عقلي، فحذف أحد جزأي الخبر.
وقوله: (خلافاً للمعتزلة) منصوب على المصدر أو الحال، أي: أقول ذلك خلافاً لهم، أي: مخالفاً لهم.
واقتصر المصنف على الذم والعقاب، مهملاً للمدح والثواب لتلازمهما نفياً وإثباتاً.
والمراد بترتب العقاب نص الشارع عليه، وذلك لا ينافي جواز العفو، فلو قال/: كونه متعلق العقاب، لكان أحسن.
ص: وشكر المنعم واجب بالشرع لا بالعقل.
ش: لا يستقل العقل بإيجاب شكر المنعم خلافاً: للمعتزلة. وأورد عليهم الشيخ أبو إسحاق في كتاب الحدود مناقضة، فإنهم قالوا: يجب على الله أن يثبت المطيعين، وأن ينعم على الخلق، وإذا وجب الثواب فلا معنى للشكر، لأن من قضى دينه لم يستحق الشكر، ففي الجمع بين هاتين المقالتين مناقضة، والمراد بشكر المنعم الإتيان بالمستحسنات العقلية، والانتهاء عن المستخبثات العقلية.
ص: ولا حكم قبل الشرع بل الأمر موقوف إلى وروده وحكمت المعتزلة العقل فإن لم يقض فثالثها لهم الوقف عن الحظر والإباحة.
(1/33)

ش: مذهب أئمتنا أنه لا حكم قبل ورود الشرع، وظاهر كلام المصنف انتفاء الحكم نفسه، وهو الذي حكاه القاضي أبو بكر في (مختصر التقريب) عن أهل الحق، وقاله الإمام في (البرهان) والغزالي، وقال النووي: إنه الصحيح عن أصحابنا.
وقيل: المراد عدم العلم بالحكم أي: إن لها حكماً قبل ورود الشرع، لكنا لا نعلمه، وقال البيضاوي، إنه مراد الأشعري بالوقف في هذه المسألة، لأن الحكم عنده قديم، فتفسير الوقف بعدم الحكم يلزم منه حدوث الحكم، وهو خلاف مذهبه، وقول المصنف: (بل الأمر موقوف إلى وروده) دفع به توهم ما قاله البيضاوي، وبين أن مرادهم بالوقف أن الأمر موقوف إلى ورود الشرع، وأن الحكم منتف قبل وروده، وذهبت المعتزلة إلى أن ما قضى فيه العقل بحسن أو قبح، اتبع فيه حكمه، وانقسم إلى الأحكام الخمسة، فما قضى
(1/34)

بحسنه إن لم يرجح فعله على تركه، فهو المباح، وإن ترجح فإن ألحق الذم على تركه فهو الواجب، وإلا فهو المندوب، وما قضى بقبحه إن قضي بالذم على فعله فالحرام، وإلا فالمكروه، وإن لم يقض فيه بشيء ففيه ثلاثة مذاهب: أحدها: الحظر، والثاني: الإباحة، والثالث: الوقف (5أ/م).
قال ابن التلمساني: والقائلون بالحظر لا يريدون أنه باعتبار صفة في المحل، بل حظر احتياطي، كما يجب اجتناب المنكوحة إذا اختلطت بأجنبية، والقائلون بالوقف أرادوا وقف حيرة، هكذا حرر الآمدي وابن الحاجب موضع الخلاف، وأطلقه في (المحصول) وقال القرافي: إطلاقه الخلاف ينافي قواعدهم، إذ الحظر يقتضي تحريم إنقاذ الغريق، والإباحة تقتضي إباحة القتل، أما ما لم يطلع العقل على مفسدته أو مصلحته فيمكن أن يجيء فيه الخلاف، ثم رأيت كلام أبي الحسين، في (المعتمد) حكى عنهم الخلاف من غير تقييد، وهو أعلم بمذهبهم فرجعت إلى طريقة الإمام.
ص: والصواب امتناع تكليف الغافل والملجأ وكذا المكره على الصحيح، ولو على القتل، وأثم القاتل لإيثاره نفسه.
(1/35)

ش: فيه مسائل:
الأولى: يمتنع تكليف الغافل كالنائم والساهي والمجنون والسكران، وللأشعري قول بجوازه بناء على جواز تكليف ما لا يطاق، وهو مقابل الصواب في عبارة المصنف، والمشهور منعه، وإن جوزنا ذاك، لأن في ذاك فائدة الابتلاء، ولا فائدة له هنا.
ونقل ابن برهان في (الأوسط) عن الفقهاء جوازه على معنى ترتب الفعل في الذمة، وقد يتوهم أن الشافعي يرى تكليف الغافل/ لنصه على تكليف السكران، وليس كذلك، فإنه إنما قال بتكليف السكران عقوبة له، لتسببه إلى ذلك بمحرم باختياره، واستثنى البيضاوي تبعاً لصاحب (الحاصل) بمعرفة الله تعالى فإنه مكلف بها مع الغفلة عن ذلك، إذ لو عرف تكليفه بها لعرف الله تعالى، فيكون الأمر بمعرفته تحصيلاً للحاصل، وهو محال، والحق أنها لا تستثنى، فإن الحاصل المعرفة الإجمالية، والمكلف به المعرفة التفصيلية.
الثانية: يمتنع تكليف الملجأ، وهو الذي صار كالمرتعش بالنسبة للرعشة، كالملقى من شاهق، وتعبير المصنف يفهم حكاية خلاف فيه، وكلام الآمدي يشير إليه بناء على جواز تكليف ما لا يطاق عقلاً.
الثالثة: في تكليف المكره قولان:
أحدهما وهو قول المعتزلة: المنع، أمر بالمكره عليه دون ما عداه من الأفعال، وهو مختار المصنف هنا.
الثاني: الجواز، وإن كان غير واقع، وهو قول الأشاعرة، وقد رجع إليه
(1/36)

المصنف آخراً، وطرد المصنف مع تكليفه في القتل، فالإكراه عليه يخرج المكره عن التكليف، ثم استشعر سؤالا، وهو أنه آثم بلا خلاف، ويجب عليه القصاص في الأصح، فكيف لا يكون مكلفاً؟ وأشار إلى الجواب عنه بأنه لم يأثم من جهة الإكراه بل من جهة أنه آثر نفسه على غيره، فإن معنى قول المكره: اقتل زيداً، وإلا قتلتك التخيير بين نفسه ونفس زيد، فإذا قتل زيداً فقد آثر نفسه فأثم لاختياره، فهذا الفعل ذو جهتين: جهة الإكراه، ولا إثم فيها، وجهة الإيثار، ولا إكراه فيها.
وقال الشارح: ما اختاره في القاتل هو بظاهره مضاد للإجماع، ففي (التلخيص) لإمام الحرمين: (أجمع العلماء قاطبة على توجه النهي على المكره على القتل، وهذا عين التكليف في مثال الإكراه، وهو مما لا منجاة منه.
وقال الشيخ في (شرح اللمع): (انعقد الإجماع على أن المكره على القتل مأمور باختيار القتل، ودفع المكره عن نفسه، وأنه آثم بقتل من أكره على قتله، وذلك يدل على أنه مكلف حال الإكراه، وبه صرح الغزالي، وغيره انتهى.
ص: ويتعلق الأمر بالمعدوم تعلقاً معنوياً، خلافاً للمعتزلة.
ش: مذهب الأشاعرة: أن الأمر وكذا النهي يتعلق بالمعدوم تعلقاً معنوياً لا تنجيزياً فأمر الله ونهيه يتعلقان في الأزل بالمكلف لا على معنى تنجيز التعلق في حال عدمه، بل على معنى أنه إذا وجد بصفة التكليف صار مكلفاً بذلك الطلب القديم من غير تجدد طلب آخر، وهذا مبني على إثبات الكلام النفسي، فلذلك خالف فيه المعتزلة لإنكارهم الكلام النفسي، وقال الشيخ/ (4/أ/د) المقترح جد ابن دقيق العيد، لأمه: الأمر لم يتعلق بالمعدوم، بل
(1/37)

بالموجود المتوقع فكما أن العلم الأزلي يتعلق بالموجود الذي سيكون، فكذلك الطلب الأزلي يتعلق بالمكلف الذي سيكون.

الأحكام الشرعية
ص: فإن اقتضى الخطاب الفعل اقتضاء جازماً فإيجاب، أو غير جازم فندب، أو الترك جازماً فتحريم، أو غير جازم بنهي مخصوص فكراهة، أو بغير مخصوص فخلاف الأولى، أو التخيير فإباحة.
ش: هذا تقسيم للحكم، وجعل مورد القسمة الخطاب، لأنه بمعناه، وتقديره: أنه إما أن يقتضي الفعل أو الترك، وعلى كل من التقديرين/، فإما أن يكون جازماً أم لا، فإن اقتضى الفعل جزماً فالإيجاب، أو بدون جزم فالندب، أو الترك جزماً فالتحريم، أو بدون جزم، فإن كان بنهي مخصوص فالكراهة، أو غير مخصوص فخلاف الأولى، وإن خير بين الفعل والترك فهو الإباحة، والمشهور أن الأحكام خمسة: الإيجاب والندب والتحريم والكراهة والإباحة.
وتبع المصنف في زيادة السادس وهو خلاف الأولى إمام الحرمين، لكن عدل عن تعبيره بالنهي المقصود إلى المخصوص، وفيه نظر، لأن المقصود يحترز به عن الأمر بالشيء، فإنه نهي عن ضده، فهو منهي عنه إلا أنه غير مقصود، والمخصوص يحترز به عما استفيد من عموم، من غير تنصيص على المنهي عنه بخصوصه.
قال السبكي: والإمام أول من علمناه ذكره.
(1/38)

قلت: مع أنه لم ينشئه من عند نفسه، بل نقله عن غيره، فقال: إنه مما أحدثه المتأخرون.
ص: وإن ورد سبباً وشرطاً ومانعاً وصحيحاً وفاسداً فوضع.
ش: إذا لم يكن في الخطاب اقتضاء بل ورد سبباً أو شرطاً أو مانعاً أو صحيحاً، أو فاسداً فليس خطاب تكليف، وإنما هو خطاب وضع، أي وضعه الله تعالى في شرائعه، لإضافة الحكم إليه، تعرف به الأحكام تيسيراً لنا، فإن الأحكام مغيبة عنا، والفرق بينه وبين خطاب التكليف من حيث الحقيقة: أن الحكم في الوضع هو قضاء الشرع على الوصف بكونه سبباً أو شرطاً أو مانعاً، وخطاب التكليف لطلب أداء ما تقرر بالأسباب والشروط والموانع، وكان ينبغي للمصنف أن يقول: فإن ورد سببياً أو شرطياً أو مانعياً، لأن السبب ليس نفس الحكم، بل جعل الشارح إياه.
وأجيب عنه بأن انتصابها بمصدر محذوف، أي: بجعل الوصف سببا ... إلى آخره، ولا تردد في أن الثلاثة الأول من خطاب الوضع، وأما الصحة والفساد فهو الصحيح فيهما، لأنه حكم من الشارع بذلك، وقال ابن الحاجب: هما عقليان.
تنبيهان:
أحدهما: ظاهر عبارة المصنف أنه أفرد خطاب الوضع عن خطاب التكليف، وجعله قسيماً له، وكذلك فعل ابن الحاجب في قوله في تعريف الحكم بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، واختار الإمام: (4/ب/ د) فخر الدين إدخاله في خطاب التكليف، لأن معنى كون الشيء شرطاً حرمة المشروط بدون شرطه، وادعى بعضهم اقتضاء عبارة المصنف ذلك، وهو بعيد.
ثانيهما: مقتضى عبارة المصنف أن في الإباحة اقتضاء، لأن تقدير كلامه: إن اقتضى الخطاب التخيير، والمعروف أنه/ (5/ب/م) لا اقتضاء فيه، فإن الاقتضاء
(1/39)

الطلب، ولا طلب فيه وإنما فيه التخيير بين الفعل والترك.
ص: وقد عرفت حدودها.
ش: أي أنواع القسم الأول، وهو خطاب التكليف، وذلك بأن يؤخذ مورد التقسيم بينها فيجعل جنساً، وما تميز به كل نوع فيجعل فصلاً، فيقال: الإيجاب اقتضاء الفعل اقتضاء جازماً، وهكذا في بقيتها، وكأنه أراد بالحد مطلق التعريف، حتى يدخل فيه الرسم الذي هو بالعرضيات، فقد لا يكون مورد التقسيم جنساً، كقولنا: الماشي إما أن يكون ناطقاً أم لا، فإن قولنا: الإنسان ماش ناطق ليس حداً له، والله أعلم.
ص: والفرض والواجب مترادفان خلافاً لأبي حنيفة وهو لفظي.
ش: الفرض والواجب لفظان مترادفان بمعنى واحد، وفرق أبو حنيفة بينهما فجعل الفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل
(1/40)

ظني.
قال أصحابنا: ونقض الحنفية أصلهم في أشياء منها: جعلهم مسح ربع الرأس، والقعدة في آخر الصلاة فرضاً، مع أنهما لم يثبتا بدليل قطعي، والنزاع في ذلك لفظي، أي: مرجعه إلى الاصطلاح.
ص: والمندوب، والمستحب، والتطوع، والسنة مترادفة، خلافاً لبعض أصحابنا وهو لفظي.
ش: المخالف في ذلك من أصحابنا: القاضي حسين، والبغوي،
(1/41)

والخوارزمي، قالوا: السنة ما واظب عليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والمستحب: ما فعله مرة أو مرتين، والتطوع: ما ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد.
ص: ولا يجب بالشروع خلافاً لأبي حنيفة، ووجوب إتمام الحج لأن نفله كفرضه، نية وكفارة، وغيرهما.
ش: لا يجب التطوع من صلاة وصيام وغيرهما بالشروع فيه، بل له قطعه، ولو بغير عذر.
وقال أبو حنيفة: يلزم بالشروع، وحكي عن مالك أيضاً.
وقد أورد علينا الحج فإنه يلزم من تطوعه بالشروع ويجب إتمامه، وفرق بينه وبين غيره باختصاص الحج بأن نفله كفرضه في النية والكفارة وغيرهما، أي: كالمضي في فاسده، وهذا المطوي في كلام المصنف هو الذي أجاب به الشافعي، ومعناه: أنه يجب المضي في فاسده، فكيف في صحيحه؟ ولا يختص الحج بخروجه عن هذه القاعدة، فالأضحية سنة وإذا ذبحت لزمت
(1/42)

بالشروع، كما ذكره الساجي في نصوص الشافعي.
وقال بعضهم: لا يحتاج إلى استثناء الحج، لأنه لا يكون من المستطيع تطوعاً قط، بل هو في حق من لم يحج فرض عين، وفي حق من حج فرض كفاية/.
ص: (5أ/د) والسبب/ (6أ/م) ما يضاف الحكم إليه للتعلق به من حيث إنه معرف للحكم أو غيره.
ش: أخذ في بيان أقسام خطاب الوضع، فمنها: الحكم على الوصف بكونه سبباً، وهو خاص بالحكم الذي عرفت علته، وعرفه بما ذكره، وبين بقوله: (للتعلق به) أن معنى كون السبب حكماً تعلق الحكم به، وبهذا يندفع إيراد من أورد أن الزنا حادث، فلا يؤثر في القديم.
وأشار بقوله: (من حيث إنه معرف) إلى أنه ليس المراد منه كونه موجباً لذلك لذاته، أو لصفة ذاتية، كما تقول المعتزلة، بل المراد عند الأكثرين أنه معرف للحكم، وعند الغزالي: أنه موجب لا لذاته ولا لصفة ذاتية، ولكن بجعل الشارع له موجباً، وهو مراد المصنف (بغيره).
وأراد صحة التعريف على المذهبين، ومراد الغزالي أن الموجب للحكم هو الشارع، وإنما نصب السبب للاستدلال به على الحكم لعسر معرفته، لا سيما بعد انقطاع الوحي كالعلامة، فشابه ما يحصل الحكم عنده لا به، فسمى به، فهو من حيث المعنى لا يخالف مذهب الأكثرين، والعلة أخص من السبب،
(1/43)

لأنه لا بد فيها من المناسبة، ولا يشترط ذلك في السبب.
ص: والشرط يأتي.
ش: أي في التخصيصات.
ص: والمانع: الوصف الوجودي الظاهر المنضبط المعرف نقيض الحكم كالأبوة في القصاص.
ش: المذكور هنا مانع الحكم، فلا بد أن يزيد في تعريفه مع بقاء حكمة السبب، فإن الأبوة مانعة للحكم، أي الذي هو القصاص لحكمة، وهو كون الأب سبباً في إيجاده، فلا يكون الابن سبباً في إعدامه، وهذه الحكمة تقتضي
(1/44)

عدم القصاص الذي هو نقيض الحكم مع بقاء حكمة السبب وهي الحياة، والمراد بهذه الزيادة إخراج مانع السبب وهو ما يستلزم حكمة تحل بحكمة السبب، كالدين في الزكاة، إذا قلنا: إنه مانع من الوجوب، فإن حكمة السبب وهو الغنى مواساة الفقراء من فضل ماله، وليس مع الدين فضل يواسى به.
قال المصنف: وإنما لم أذكر هنا مانع السبب، لأن كلامنا هنا في الحكم ومتعلقاته، وليست الأسباب عندنا من الأحكام، خلافاً لابن الحاجب.
وقد تضمن كتاب القياس تعريف مانع السبب حيث قلنا فيه عند ذكر العلة: ومن شروط الإلحاق بها اشتمالها على حكمة تبعث على الامتثال، وتصلح شاهداً لإناطة الحكم، ومن ثم كان مانعها وصفا وجودياً يخل بحكمتها.
فإن قيل: هو إن لم يكن من/ (6/ب/م) الأحكام فهو من متعلقات الأحكام، فكان ينبغي ذكره.
قلنا: المعنى بمتعلقات الأحكام حاكم ومحكوم به وعليه، وشروط كل واحد منها، وليست الأسباب من ذلك، انتهى.
ويرد عليه أنه كان ينبغي لذلك أن لا يذكر السبب، وقد ذكره، والله أعلم.
ص: والصحة موافقة ذي (5 ب/ د) الوجهين الشرع وقيل في العبادة: إسقاط القضاء.
(1/45)

ش: المشهور تعريف الصحة سواء أكانت في عبادة أو معاملة بموافقة الشرع أي أمر الشرع وهو مذهب المتكلمين، لكن لا يوصف بالصحة وعدمها إلا الفعل ذو الوجهين، وهو الذي يمكن وقوعه تارة على موافقة الشرع، وتارة على غيرها، فما لا يقع إلا على وجه واحد كمعرفة الله تعالى لا يوصف بذلك.
وقال بعضهم: الصحة في العبادة إسقاط القضاء، وهو محكي عن الفقهاء، وتظهر فائدة الخلاف فيمن صلى محدثاً على ظن أنه متطهر ثم ظهر له حدثه فصلاته على رأي المتكلمين صحيحة، لأنها موافقة للأمر، وعلى رأي الفقهاء باطلة.
وقال السبكي: إن تسمية الفقهاء هذه الصلاة باطلة ليس لاعتبارهم سقوط القضاء في حد الصحة كما ظنه الأصوليون، بل لأن شرط الصلاة الطهارة في نفس الأمر، والصلاة بدون شرطها فاسدة، وغير مأمور بها.
ثم استدل على هذا بأن الفقهاء يقولون: كل من صحت صلاته صحة مغنية عن القضاء جاز الاقتداء به، فإنه يقتضي انقسام الصحة إلى ما يغني عن القضاء وإلى ما لا يغني، ثم استدل بغير هذا أيضاً، ثم قال: فالصواب أن يكون حد الصحة عند الفريقين موافقة الأمر، غير أن الفقهاء يقولون: ظان الطهارة مأمور مرفوع عنه الإثم بتركها.
والمتكلمون يقولون: ليس مأموراً، فلذلك تكون صلاته صحيحة عند المتكلمين لا الفقهاء. انتهى.
وقال القرافي وغيره: هذا الخلاف لفظي، لأنه إن لم يتبين له حدثه فلا قضاء، وإلا وجب اتفاقاً في الصورتين.
وقال الشارح: ليس كذلك، بل الخلاف معنوي، فالمتكلمون لا
(1/46)

يوجبون القضاء، ووصفهم إياها بالصحة صريح في ذلك، فإن الصحة هي الغاية من العبادة، ولا يستنكر هذا، فللشافعي في القديم مثله، فيما إذا صلى بنجس لم يعلمه، أنه لا يجب القضاء، نظراً لموافقة الأمر حال التلبس، وكذا من صلى إلى جهة ثم تبين الخطأ، ففي القضاء قولان للشافعي، بل الخلاف/ (7أ/م) بينهم مفرع على أصل، وهو أن القضاء هل يجب بالأمر الأول أو بمتجدد؟ فعلى الأول بنى الفقهاء قولهم: أنها سقوط القضاء، وعلى الثاني رأى المتكلمون أنها موافقة الأمر، فلا يوجبون القضاء، ما لم يرد نص جديد به، انتهى.
ص: وبصحة العقد ترتب آثاره.
ش: قوله: (بصحة العقد) خبر مقدم، وقوله (ترتب آثاره) مبتدأ مؤخر، وقدم الخبر لأمر صناعي، وهو عود الضمير من المبتدأ وهو (الهاء) في آثاره، على بعض الخبر، وهو العقد، فهو كقوله تعالى: {أم على قلوب أقفالها} وآخر بياني، وهو الحصر، فإن تقديم المعمول يفيده عند جماعة، والمعنى أن ترتيب الآثار، وهي ما شرع ذلك العقد له كالتصرف في البيع والاستمتاع في النكاح واقع بصحة العقد لا بغيره/ (6/أ/د) وهذا أولى من تعريف صحة العقد بترتب الأثر، فإن ترتب الأثر ليس نفس الصحة، وإنما هو ناشئ عنه، مع أنه لو عبر بهذه العبارة: (وقيل: صحة العقد ينشأ عنها ترتب الأثر) لأورد عليه أنه قد يتخلف ترتب الأثر كالمبيع قبل القبض، أو في زمن الخيار، فكان تعبير المصنف بأن (بصحة العقد ترتب الأثر) أولى، أي أن ترتب الأثر إذا وجد فهو ناشئ عن الصحة، ولا يلزم منه أن الصحة يلازمها
(1/47)

ترتب الأثر، ومع ذلك فيرد عليه الخلع والكتابة الفاسدان، فإنه يترتب عليهما أثرهما من البينونة والعتق، مع أنهما غير صحيحين، ويجاب عنه بأن ترتب الأثر فيهما ليس من جهة العقد بل للتعليق، وهو صحيح لا خلل فيه، ونظير ذلك القراض والوكالة الفاسدان، يصح فيهما التصرف لوجود الإذن فيه وإن لم يصح العقد.
ص: والعبادة إجزاؤها أي كفايتها في سقوط التعبد وقيل إسقاط القضاء.
ش: قوله: (العبادة) مجرور عطفاً على صحة العقد، أي وبصحة
(1/48)

العبادة إجزاؤها كما قال: (وبصحة العقد ترتب آثاره) أي إن إجزاء العبادة ينشأ عن صحتها فيقال: صحت العبادة فأجزأت، ثم عرف الإجزاء بأنه الكفاية في سقوط التعبد، أي كون الفعل كافياً في سقوط التعبد، ولم يقيد الفعل بكونه من المتعبد، ليتناول حج النائب عن المعضوب، ولو عبر بإسقاط/ (7/ب/م) التعبد لكان أولى، ثم حكى قولاً آخر أن الإجزاء إسقاط القضاء، وحكاه في (المنتخب) عن الفقهاء.
ص: ويختص الإجزاء بالمطلوب وقيل بالواجب.
ش: الصحة أعم من الإجزاء، فإنه يوصف بها العبادات والمعاملات، وأما الإجزاء فالمشهور اختصاصه بالمطلوب، سواء أكان واجباً أو مندوباً، وقيل: يختص بالواجب، فلا يوصف به المندوب، ونصره القرافي والأصبهاني شارحاً (المحصول) واستبعده السبكي، وقال: كلام الفقهاء يقتضي أن المندوب يوصف بالإجزاء كالفرض، وقد ورد في الحديث: (أربع لا تجزئ في الأضاحي) واستدل به من قال بوجوب الأضحية، وأنكر عليه، انتهى.
(1/49)

ص: ويقابلها البطلان وهو الفساد خلافاً لأبي حنيفة.
ش: أي إن البطلان والفساد لفظان مترادفان، وهما يقابلان الصحة، وذلك شامل للعبادات، والمعاملات، وفرق أبو حنيفة بينهما، وتحرير مذهبه في ذلك أن العوضين إن كانا غير قابلين للبيع، كبيع الملاقيح، وهي ما في بطون الأمهات بالدم فهو باطل قطعاً، وإن كانا بأصلهما قابلين للبيع ولكن اشتمالا على وصف يقتضي عدم الصحة كالربا، فإن الدراهم بأصلها قابلة للبيع، وإنما جاء البطلان/ (6/ب/ د) من الزيادة في أحدهما ففاسد قطعاً، وإن كان المبيع غير قابل للبيع دون الثمن كبيع الملاقيح بالدراهم، أو بالعكس، كبيع ثوب مثلاً بدم، ففي كل منهما خلاف، والصحيح عندهم إلحاق الأول بالأول، والثاني بالثاني، وفائدة التفصيل عندهم أن الفاسد يفيد الملك إذا اتصل به القبض دون الباطل.
(1/50)

ص: والأداء فعل بعض وقيل: كل ما دخل وقته قبل خروجه.
ش: عرف المصنف الأداء بأنه فعل بعض ما دخل وقته قبل خروجه، فقوله: (فعل) جنس، وقوله: (بعض) لم يقصد به إخراج الكل، بل التنبيه على دخوله بطريق الأولى، فإنه إذا كان فعل البعض أداء ففعل الكل أولى، لكن فيه إجمال، لأنه ليس كل بعض تصير العبادة بفعله أداء، وإنما خاص بركعة بناء على الأصح أن من صلى ركعة في الوقت وباقيها خارجه كان الجميع أداء، وهذا ماش على أحد احتمالين للسبكي قال: إنه المتبادر من كلامهم: أن الوقت خرج في حق هذا كغيره، وله احتمال آخر أن الوقت لم يخرج في حقه، بل اتسع له إلى فراغ صلاته، وحينئذ فلم يفعل البعض في الوقت، والبعض خارجه، بل الجميع في الوقت، واستشهد لهذا/ (8/أ/م) الاحتمال بمفهوم قول الشافعي في (المختصر): فإذا طلعت الشمس قبل أن يصلي منها ركعة فقد خرج وقتها.
وخرج بقوله: (ما دخل وقته) فعله قبل دخول وقته، وهو باطل إلا فيما جوزه الشرع، كزكاة الفطر، فهو تعجيل، والوقت يتناول الأصل والتابع، وهو وقت العصر والعشاء في جمع التأخير، فالصحيح أن المؤخرة أداء.
وقوله: (قبل خروجه) خرج به فعله بعد خروجه، وهو القضاء، ثم حكى في تعريفه قولاً آخر: أنه فعل كل ما دخل وقته قبل خروجه، وهذا على الوجه الذاهب إلى أن الجميع قضاء، وهذا الذي اعتبره في الأداء من فعل البعض لم يعتبره الأصوليون، والظاهر أنهم لا يسمون فعل البعض ولو كان ركعة أداء، وتبع المصنف في ذلك الفقهاء، وما كان ينبغي ذلك في بيان مصطلح أهل الأصول، ولا يلزم من قوله عليه الصلاة والسلام: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) أن تكون أداء، وغايته أن الشارع
(1/51)

جعل حكمه كحكم المدرك على طريق الفضل والامتنان، والتوسيع، وإعطائه حكمه لا أنه مؤد حقيقة، كيف وتأخير الصلاة بحيث يخرج بعضها عن الوقت حرام؟ فكيف يساوي فعل هذا المرتكب للحرام فعل المصيب الموقع لجميع الصلاة في وقتها؟ ولعله عليه الصلاة والسلام إنما ذكر هذا الإدراك بالنسبة إلى إلزام الزائل عذره فعل تلك العبادة لا بالنسبة لجعله مؤدياً، ويدل لذلك أن هذا لم يطرده الفقهاء في الجمعة، بل قالوا/ (7/أ/ د) بامتناع الجمعة بخروج جزء منها عن الوقت، وإنما يكمل ظهراً، والله أعلم.
وقوله: (بعض وكل) غير منونين للإضافة، فإن أحدهما مضاف إلى قوله: (ما) والآخر إلى نظيره تقديراً، وفعل ذلك المصنف اختصاراً، وهو كقوله: (قطع الله يد ورجل من قالها) وجواز مثله خاص بالمصطحبين، كاليد والرجل، والبعض والكل، ولو اجتنب المصنف مثل هذا في التعريفات لكان أولى، فإنها موضوعة للإيضاح والبيان، وهذا ينافيه.
ص: والمؤدى ما فعل.
ش: أي ما فعل بعضه، وقيل: كله، بعد دخول وقته، وقبل خروجه، وإنما عرف المؤدى مع أنه مفهوم من تعريف الأداء لينبه على التنكيت على ابن الحاجب في تعريفه الأداء، بأنه ما فعل ... إلى آخره، فأشار إلى أنه إنما ينبغي أن يصدر بهذا تعريف المؤدى لا الأداء، ولا يجوز جعل (ما) في عبارة ابن الحاجب مصدرية، لإعادته الضمير عليها في قوله: (في وقته) ولأن الضمير إنما يعود على الأسماء، والمصدرية حرف./ (8ب/م).
ص: والوقت: الزمان المقدر له شرعاً مطلقاً.
ش: هذا تعريف للوقت المذكور في تعريف الأداء، فقوله: (الزمان) جنس، وقوله: (المقدر له شرعاً) أي للفعل، خرج به زمان الفعل المأمور
(1/52)

به من غير تعرض للزمان، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الشرع لم يقدر له زماناً، وإن كان الأمر يدل على الزمان بالالتزام، ومن ضرورة الفعل وقوعه في زمان، ولكن ليس مقصوداً للشارع، وقوله: (مطلقاً) أي سواء أكان مضيقاً كصوم رمضان، أو موسعاً كالصلوات الخمس.
قال الشارح: وقد توقت العبادة بوقت لا نهاية له، كطواف الإفاضة.
قلت: هذا مردود، فإن طواف الإفاضة لم يحد له الشرع وقتاً معيناً حتى يقال: إنه موقت، والله أعلم.
ولم يتعرض المصنفون لتعريف الوقت، وإن كانت عبارة ابن الحاجب في حد الأداء تستلزم ذلك.
وأخذ المصنف ذلك من كلام والده حيث قال: الأحسن عندي في تفسيره أنه الزمان المنصوص عليه للفعل من جهة الشرع.
وسبقه إلى ذلك الشيخ عز الدين، فقال في أماليه: الوقت على قسمين: مستفاد من الصيغة الدالة على المأمور، ووقت يحده الشارع للعبادة، والمراد بالوقت في حد الأداء هو الثاني، دون الأول، ويترتب على ذلك أنا إذا قلنا بالفور في الأمر، فأخر المأمور به، لا يكون قضاء، لأنها إنما خرجت عن الوقت الذي دل عليه اللفظ لا الوقت الذي قدره الشرع.
ص: والقضاء فعل كل وقيل بعض ما خرج وقت أدائه استدراكاً لما سبق له مقتض للفعل مطلقا.
ش: عرف المصنف القضاء بأنه فعل كل ما خرج وقت أدائه إلى آخره.
فالفعل جنس، وقولنا: (كل) خرج به البعض، فإنه/ (7ب/د) متى فعل البعض في الوقت كان الجميع أداء، وهذا معترض كما تقدم في تعريف الأداء، فإن
(1/53)

ذلك مخصوص في بعض، وهو ركعة.
وخرج بقوله: (ما خرج وقت أدائه) الأداء، وقوله: (استدراكاً لما سبق له مقتض للفعل) احتراز عما فعل بعد وقت الأداء، لا بقصد الاستدراك، فإنه لا يسمى قضاء، ودخل في قوله: (مقتض للفعل) أي طالب له الواجب والمندوب، فكلاهما مطلوب شرعاً، وكلاهما يوصف بالقضاء، وهذا أحسن من تعبير ابن الحاجب والبيضاوي بالوجوب، والحق أنه لا يحتاج إلى هذه الزيادة، فإنه متى لم يسبق مقتض للفعل لا يكون المفعول/ (9/أ/م) بعد خروج وقت الأداء تلك العبادة بل غيرها.
وقوله: (مطلقاً) أي سواء أكان أداؤه واجباً كالصلاة المتروكة عمداً، أو لم يجب وأمكن كصوم المسافر، أو امتنع عقلاً كصلاة النائم أو شرعاً كصلاة الحائض.
ثم حكى المصنف في تعريف القضاء قولاً آخر: إنه فعل بعض ما خرج وقت أدائه إلى آخره، لأجل القول الآخر.
وقوله: (كل وبعض) غير منونين للإضافة الملفوظة والمنوية كما تقدم في نظيره.
ص: والمقضي المفعول.
ش: عبر هنا بالمفعول، لأنه أحسن وعبر هناك بما فعل إشارة للاستدراك على ابن الحاجب كما تقدم، فلا حاجة إلى تكريره.
ص: والإعادة فعله في وقت الأداء قيل: لخلل وقيل: لعذر، فالصلاة المكررة معادة.
ش: الإعادة نوع من الأداء، وهي فعله، أي فعل الأداء المعاد في وقت الأداء، ويفهم من هذا التعبير أن المراد فعله ثانياً.
وخرج بقوله: (في وقت الأداء) القضاء، ثم حكى خلافاً في أنه هل يعتبر
(1/54)

في الإعادة أن يكون فعل الثانية لخلل واقع في الأولى، وهو أن يختل فيها ركن أو شرط أو لعذر، وإن لم تكن مختلة، والمراد به أن تكون الثانية أكمل من الأولى، وإن كانت الأولى صحيحة، وبنى عليهما الصلاة المكررة فهي على الثاني معادة، وعلى الأول ليست معادة، إذ لا خلل في الأولى، وجزم البيضاوي بالأول، ورجحه ابن الحاجب.
وقال السبكي: إن كلام الأصوليين يقتضي الأول، والأقرب إلى إطلاقات الفقهاء الثاني، واللغة تساعد على ذلك، فليكن هو المعتمد، انتهى.
ولم يرجح المصنف واحداً من القولين: لأنه زيفهما في (شرح المختصر) بما إذا تساوت الجماعتان من كل وجه، ثم اختار أنها ما فعل في وقت الأداء ثانياً مطلقًا، أي أعم من أن يكون لخلل أو عذر أو غيرهما.
قال الشارح: وهو ممنوع، لأنه لا يدرى القبول في أيتهما، فالاحتياط الإعادة، كما لو ترجحت الثانية، وقد أشار إليه احتمالاً.
قلت: فيكون العذر لازماً للإعادة، لو لم يكن إلا احتمال عدم القبول، والله أعلم.
وما ذكرناه من أن الإعادة قسم/ (8/أ/د) من الأداء، وهو ما صرح به الآمدي/ (9/ب/م) وغيره.
وقال السبكي: إنه مقتضى إطلاق الفقهاء، ومقتضى كلام الأصوليين، القاضي أبي بكر في (التقريب)، و (الإرشاد) والغزالي في (المستصفى) والإمام في (المحصول)، ولكن الإمام لما أطلق ذلك ثم قال: إنه إن فعل ثانياً بعد خلل سمي إعادة، ظن صاحبا (الحاصل) و (التحصيل) أن
(1/55)

هذا مخصص للإطلاق المتقدم فقيداه، وتبعهما البيضاوي، فجعلوا الإعادة قسيمة للأداء، واعتبروا في حق الأداء ألا يسبق بأداء مختل.
قال: وليس لهم مساعدة من إطلاق الفقهاء، ولا من كلام الأصوليين، فالصواب: أن الأداء اسم لما وقع في الوقت مطلقاً مسبوقاً كان أو سابقاً، أو منفرداً، انتهى.
(1/56)

تقسيم الحكم إلى رخصة وعزيمة
ص: والحكم الشرعي إن تغير إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي فرخصة، كأكل الميتة، والقصر، والسلم، وفطر مسافر لا يجهده الصوم، واجباً ومندوباً ومباحاً وخلاف الأولى وإلا فعزيمة.
ش: هذا تقسيم للحكم إلى رخصة وعزيمة، ولا يحتاج لتقييده بالشرعي، فإن كلامه فيه وقد قال قبل ذلك: (ومن ثم لا حكم إلا لله) وتقديره أن الحكم إن تغير إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي فرخصة، وإلا فعزيمة.
فخرج بقولنا: (تغير) ما كان باقياً على حكمه الأصلي وبقولنا: (إلى سهولة) الحدود والتعازير، مع تكريم الآدمي المقتضي للمنع منها، وبقولنا: (لعذر) التخصيص، فإنه تغير، لكن لا لعذر، وبقولنا: (مع قيام السبب للحكم الأصلي) ما نسخ في شريعتنا من الآصار التي كانت على من قبلنا تيسيراً وتسهيلاً، كإباحة الغنائم والإبل والشحوم، فلا يسمى نسخها لنا رخصة، وفهم من هذا أن شرط الرخصة أن يكون المقتضي للحكم الأصلي قائماً، وإنما يرجح معارضه، كأكل الميتة للمضطر، فإن دليل تحريم أكل الميتة
(1/57)

قائم مستمر، ثم قسم حكم الرخصة إلى أربعة أقسام.
أحدها: أن تكون واجبة، كأكل الميتة للمضطر على الصحيح، وقيل: بالجواز فقط.
الثاني: أن تكون مندوبة، كقصر الصلاة للمسافر إذا بلغ سفره ثلاث مراحل، خروجاً من خلاف أبي حنيفة، فإنه يوجب القصر في هذه الحالة، فإن كان دون ذلك فالإتمام أفضل، للخروج من خلافه أيضاً، فإنه يمنعه فيما دون ذلك.
(1/58)

الثالث: أن تكون مباحة كالسلم، ولو مثل بالعرايا لكان أحسن، للتصريح في الحديث بالرخصة فيها، وهو قوله/ (10أ/م): (وأرخص في العرايا) وقد تردد الغزالي في (المستصفي) في السلم فقال: قد يقال: إنه رخصة، لأن عموم نهيه عن بيع ما ليس عنده، يوجب تحريمه، ويمكن أن يقال: هو عقد آخر، فهو بيع دين، وذاك بيع عين، فافتراقهما في الشرط لا يلحق / (8ب/د) أحدهما بالرخص، فيشبه أن يكون هذا مجازاً وأن قول الراوي (نهى عن بيع ما ليس عندك) (وأرخص في السلم) تجوز في العبارة، انتهى.
الرابع: أن تكون خلاف الأولى، كالفطر في حق المسافر إذا لم يجهده الصوم، أي لم يحصل له به جهد، وهو المشقة، فإن أجهده فالأولى له الفطر.
تنبيه: فهم من اقتصاره على هذه الأقسام أنها لا تكون محرمة، ولا مكروهة، وهو ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه))
(1/59)

لكن في كلام الأصحاب ما يوهم مجيئهما مع الرخصة، أما التحريم فإنهم قالوا: لو استنجى بذهب أو فضة أجزأه مع أن استعمالهما حرام، والاستنجاء بغير الماء رخصة، كذا قال الشارح.
لكن المنقول جوازه على الصحيح، وأنه يجوز بالديباج قطعاً، وأما الكراهة فالقصر في أقل من ثلاثة مراحل فإنه مكروه، قاله الماوردي.
وقوله: (وإلا فعزيمة) أي: وإن لم يتغير الحكم بل استمر على أصله، أو تغير ولكن لا إلى سهولة، أو لا لعذر، أو لا مع قيام السبب للحكم الأصلي، فهو العزيمة، فاندرج في العزيمة هذه الأقسام كلها، وظاهر كلام المصنف انقسامها إلى الأحكام الخمسة، وهو مقتضى كلام البيضاوي، وجعلها الإمام منقسمة إليها ما عدا الحرمة، وخصها الغزالي والآمدي وابن الحاجب في مختصره الكبير بالوجوب، وخصها القرافي بالواجب والمندوب فقط، لأنها طلب مؤكد فلا يجيء المباح.
وقول والدي رحمه الله في نظم المنهاج (إن لطلب جزم حوى) يحتمل موافقة الغزالي، ويحتمل اختصاصها بالوجوب والتحريم وله وجه حسن، وإن لم أر أحداً صرح به، لأن كلاً منهما فيه عزم مؤكد، الأول في فعله، والثاني في تركه، بخلاف غيرهما من الأحكام.
ص: والدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
(1/60)

ش: عبر بقوله: (ما يمكن) ولم يقل: ما يتوصل، لأن المراد التوصل بالقوة، فقد لا ينظر في الدليل، / (10 ب/ م) ولا يخرجه ذلك عن كونه دليلاً، وخرج (بصحيح النظر) فاسده، وتناول قوله: (إلى مطلوب) القطعي والظني، وهو الأمارة، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وخطأ من خصه بالقطعي، وخرج بقوله: (خبري) التصوري كالحد والرسم، فإنهما لبيان التصور، لا التصديق.
ص: واختلف أئمتنا هل العلم عقيبه مكتسب.
ش: ذهب جمهور أئمتنا إلى أن حصول العلم عقب الدليل مكتسب بقدرة حادثة، وقال الأستاذ أبو إسحاق والإمام في البرهان: هو واقع بقدرة الله تعالى اضطراراً، وليس مكتسباً حاصلاً بقدرة حادثة، إذا لو لم يكن ذلك لأمكنه / (9أ /د) تركه، وليس كذلك، فدل على أنه مضطر إليه، وعبر بقوله: (أئمتنا) ليبين أن الخلاف في ذلك بين أهل السنة.
ص: والحد الجامع المانع، ويقال: المضطرد المنعكس.
ش: عقب ذكر الدليل بذكر الحد، لأن المطلوب بالأول التصديق،
(1/61)

وبالثاني التصور، وهم قسما العلم، ولهم في الحد عبارتان.
إحداهما: أن يكون جامعاً مانعاً، أي جامعاً لأفراد المحدود، مانعاً من دخول غيره فيه، كقولنا: الإنسان حيوان ناطق، فلو جمع ولم يمنع كالإنسان حيوان، أو منع ولم يجمع، كالإنسان رجل، لم يكن حداً صحيحاً.
والثانية: أن يكون مطرداً منعكساً، أي كلما وجد الحد وجد المحدود، وكلما انتفى الحد انتفى المحدود، وقد يفهم من تقديم الاطراد على الانعكاس، أن المطرد هو الجامع والمنعكس هو المانع، وبه قال القرافي وسبقه إليه أبو علي التميمي في التذكرة في أصول الدين, لكن المشهور عكسه أن المطرد هو المانع, والمنعكس هو الجامه, وبه قال الغزالي وابن الحاجب وغيرهما.
واعلم أن استعمال المطرد مردود في العربية، وقد نص على ذلك سيبويه، فقال: يقولون: طردته فذهب، ولا يقولون: فانطرد، ولا:
(1/62)

فاطرد، وفي (الصحاح) أنه يقال في لغة رديئة، وفي (المحكم) على هذه اللغة.
أتعرف رسما كاطراد المذاهب .....
ص: والكلام في الأزل، قيل: لا يسمى خطاباً، وقيل: لا يتنوع.
ش: فيه مسألتان.
إحداهما: اختلف في أن كلام الله تعالى هل يسمى في الأزل خطاباً، أو لا يسمى بذلك إلا عند وجود المخاطب؟ والأول محكي عن الأشعري، والثاني عن القاضي أبي بكر، ولذلك قال الأشعري: إن المعدوم مأمور بالأمر الأزلي على تقدير الوجود، ويعترض على المصنف في جزمه بذلك/ (11/أ/ م) فيما تقدم عن أصحابنا فقال: ويتعلق الأمر بالمعدوم خلافاً للمعتزلة، وحكي هذا الخلاف من غير ترجيح مع أن هذه المسألة أصل لذلك.
الثانية: اختلف أيضاً في أن كلام الله تعالى هل يتنوع؟ فقال الجمهور: لا، وكونه أمراً ونهياً وخبراً، أوصاف للكلام لا أقسام له، وقال بعضهم: يتنوع إلى أمر ونهي وخبر واستخبار ونداء، وزاد بعضهم أمرين آخرين وهما: الوعد الوعيد.
ص: والنظر: الفكر المؤدي إلى علم أو ظن.
(1/63)

ش: هذا الحد للقاضي أبي بكر.
فقوله: (الفكر) جنس، والمراد به الفكر الذي يعد في خواص الإنسان، وهو حركة الذهن في المعقولات، أي حركة كانت، سواء في محسوس وهو المتخيل، أو في خلافه، وليس المراد به الفكر المرادف للنظر، لأنه ليس أظهر منه حتى يفسر به، ولأنه لو أراده لم يقيده بما قيده به.
وقوله: (المؤدي إلى علم أو ظن) فصل خرج به ما لا يؤدي لذلك، وهو الحدس، ودخل في إطلاق العلم التصور والتصديق، وأما الظن فلا يتناول إلا التصديق، ويسمى الأول دليلاً/ (9ب/ د) والثاني أمارة.
ص: والإدراك بلا حكم تصور، وبحكم تصديق، وجازمه الذي لا يقبل التغير علم كالتصديق، والقابل اعتقاد صحيح إن طابق فاسد إن لم يطابق، وغير الجازم ظن ووهم وشك، لأنه إما راجح أو مرجوح أو مساو.
ش: إدراك الماهية من غير حكم عليها يسمى تصوراً، ومع الحكم يسمى تصديقاً، لكن هل التصديق مجموع الأمرين، أو الحكم وحده؟ ذهب الإمام فخر الدين إلى الأول، وقال الشيخ تقي الدين: إنه أقرب.
ثم قسم المصنف الإدراك مع الحكم إلى جازم وغيره، فالجازم إن لم يقبل التغير أي لا في نفس الأمر، ولا بالتشكيك فهو العلم، وإن قبل التغير فهو اعتقاد، ثم إن طابق الواقع فهو اعتقاد صحيح، وإن لم يطابق فهو اعتقاد فاسد، وأما غير الجازم فهو منقسم إلى ظن ووهم وشك، لأنه إما أن يترجح أحد طرفيه أو لا، بل يتساويان، فإن ترجح أحدهما فالراجح ظن، والمرجوح وهم، وإن تساويا يسمى كل منهما شكا، هذه طريقة الأصوليين.
(1/64)

وأما الفقهاء، فالأغلب عندهم إطلاق/ (11 ب/ م) الشك على غير الجازم، ولو راجحاً أو مرجوحاً.
واعترض على المصنف فإنه جعل الشك والوهم من أقسام التصديق، مع أنه لا حكم فيهما، وأجيب عنه بأن الوهم حاكم بالطرف المرجوح حكماً مرجوحاً، والشاك حاكم بجواز وقوع كل من النقيضين بدلاً عن الآخر، والله أعلم.
ص: والعلم قال الإمام: ضروري، ثم قال: هو حكم الذهن الجازم المطابق لموجب، وقيل: ضروري فلا يحد، وقال إمام الحرمين: عسر فالرأي الإمساك عن تعريفه.
ش: اختلف في العلم، فقال الإمام في المحصول: هو ضروري، أي: تصوره بديهي، لأن ما عدا العلم لا يعرف إلا به فيستحيل أن يكون غيره كاشفاً له، ثم إن الإمام بعد ذلك ذكر تقسيماً حصر فيه العلم وأضداده، عرفه فيه بأنه الحكم الجازم المطابق لموجب، فاقتضى كلامه أنه ضروري، وأنه يحد وهذا متناقض، فإنه إذا كان تصوره ضرورياً، فكيف يحد ليتصور؟!
فقوله: (الجازم) خرج به الظن والشك والوهم.
وقوله: (المطابق) خرج به الجهل.
وقوله: (لموجب) خرج به التقليد.
ثم حكى المصنف قولاً أنه ضروري فلا يحد، واقتضى كلامه أن هذا غير مقالة الإمام.
وقال إمام الحرمين: (حده عسر) وإنما يعرف بالتقسيم والمثال، وهذا
(1/65)

أولى من نقل ابن الحاجب عنه منع حده، فإنه صرح في البرهان وغيره بإمكان التعبير عنه، وأن العسر الحد بجميع أنواع التعريف.
وفي المستصفى اختصاص ذلك بالحقيقي، وهو توسط بينهما، ومال المصنف إلى مقالة إمام الحرمين فقال: فالرأي الإمساك عن تعريفه.
ص: ثم قال المحققون: لا يتفاوت، وإنما التفاوت بكثرة المتعلقات.
ش: كذا حكاه إمام الحرمين في (الشامل) عن المحققين، واختاره هو/ (10/أ/د) والإبياري في (شرح البرهان)، ولكن الأكثرون على التفاوت، أي يكون علم أجل من علم، ونقله في (البرهان) عن أئمتنا ومن فوائد الخلاف أن الإيمان هل يزيد وينقص بناء على أنه من قبيل العلوم لا الأعمال خلافاً للمعتزلة.
ص: والجهل انتفاء العلم بالمقصود وقيل تصور المعلوم على خلاف هيئته.
ش: هذا الخلاف أخذه المصنف من قصيدة ابن مكي المعروفة ب
(1/66)

(الصلاحية) لترغيب السلطان صلاح الدين/ (12أ/م) فيها، فصدر كلامه بأنه انتفاء العلم بالمقصود، ثم حكى قولاً: أنه تصور المعلوم على خلاف هيئته.
والمعروف تقسيم الجهل إلى بسيط ومركب، فالبسيط هو المذكور في الحد الأول، والمركب هو المذكور في الحد الثاني، هكذا ذكره الإمام والآمدي وغيرهما، وقال الرافعي في الكلام على قاعدة مد عجوة: معنى الجهل المشهور الجزم بكون الشيء على خلاف ما هو عليه، ويطلق ويراد به عدم العلم انتهى.
ويسمى الأول بسيطاً، لأنه جزء واحد، كانتفاء علمنا بما تحت الأرض، وفي قعر البحر، وسمي الثاني مركباً، لأنه مركب من جزأين: أحدهما عدم العلم، والثاني اعتقاد غير مطابق، ولو قال المصنف: (تصور الشيء) لكان أولى من المعلوم، لأن هذا جهل لا علم فيه، وقوله: (على خلاف هيئاته) أي على خلاف الواقع، وخرج به تصوره بهيئاته فإنه علم.
قال المصنف: وهذا أحسن من قول إمام الحرمين: (على خلاف ما هو
(1/67)

به) فإن ظاهره التدافع، لأن تصور المعلوم يعطي وقوع تصوره، وقوله: (على خلاف ما هو به) يعطي أنه لم يقع تصوره.
قال الشارح: وقد يجاب عن إمام الحرمين بأن المراد بقوله: (تصور الشيء) على ما في زعمه، وقوله: (على خلاف ما هو به في نفس الأمر.
قلت: لم يظهر لي التفاوت بين تعبير إمام الحرمين، والمصنف.
ص: والسهو الذهول عن المعلوم.
ش: خرج بقوله: (عن المعلوم) الذهول عما لا يعلم، لا يقال له سهو، وقال السكاكي: السهو ما ينبه صاحبه بأدنى تنبيه، وقال بعضهم: زمن السهو قصير، بخلاف النسيان، فإن زمنه طويل لاستحكامه.
ص: مسألة: الحسن: المأذون واجباً ومندوباً ومباحاً، قيل: وفعل غير المكلف، والقبيح: المنهي ولو بالعموم، فدخل خلاف الأولى، وقال إمام الحرمين: ليس المكروه قبيحاً ولا حسناً.
ش: ينقسم الفعل الذي هو متعلق الحكم إلى حسن وقبيح، وعرف المصنف رحمه الله الحسن بالمأذون فيه، ثم ذكر أنه يندرج فيه الواجب والمندوب والمباح وفعل غير المكلف، وفي اندراج فعل غير المكلف في ذلك إشكالان:
(1/68)

أحدهما أن كلامه في الفعل/ (12/ب/ م) الذي هو متعلق الحكم وهو فعل المكلف، فلا يصح أن يدخل تحت أحد قسميه وهو الحسن فعل غير المكلف، وهذا كما لو قال: فعل المكلف ينقسم إلى فعل مكلف، وإلى فعل غير مكلف.
وأجيب عنه بأن الحسن مع قطع النظر عن كونه أحد قسمي فعل المكلف يتناول فعل المكلف وغيره، ومن حيث كونه أحد قسمي فعل المكلف لا يتناول فعل/ (10 ب/ د) غيره، فكلامه في الحسن مع قطع النظر عن كون فعل المكلف.
ثانيهما: أن فعل غير المكلف لم يؤذن فيه شرعاً، فكيف يندرج تحت المأذون.
وفي بعض النسخ ذكر فعل غير المكلف بصيغة التمريض، فقال: (قيل، وفعل غير المكلف) وكأنه أشار بذلك للبيضاوي، ولو عبر كما عبر البيضاوي بأنه: (ما لم ينه عنه) لكان اندراج فعل غير المكلف فيه واضحاً، فإنه لا نهى عنه، ولا أذن فيه.
ثم ذكر المصنف أن القبيح هو المنهي عنه، فاندرج فيه المنهي عنه بالجزم، وهو الحرام، وبغير الجزم، وهو المكروه، ثم ذكر أنه لا فرق في النهي
(1/69)

غير الجازم بين أن يكون بخصوص وهو المكروه، أو بعموم وهو خلاف الأولى.
قال الشارح: وفي إطلاق القبيح على خلاف الأولى نظر، ولم أره لغير المصنف، وغايته أنه أخذه من إطلاقهم المنهي عنه والأقرب أنهم أرادوا النهي المخصوص، ولا يساعده قول ابن الحاجب تبعاً للغزالي وغيره: إن المكروه يطلق على خلاف الأولى، لأنه لبيان إطلاق حملة الشرع والكلام في حقيقة القبيح، والظاهر أن المصنف أخذ هذا من كلام الهندي، فإنه قال: القبيح عندنا ما نهي عنه، ونعني به ما يكون تركه أولى، وهو القدر المشترك بين المحرم والمكروه، فإن جعل النهي حقيقة فيه فلا كلام وإلا فاستعماله فيه بطريق التجوز، فيدخل تحته المحرم والمكروه، انتهى.
ثم حكي عن إمام الحرمين أن (المكروه ليس قبيحاً ولا حسناً) وقد علل ذلك بأن القبح ما يذم عليه، والحسن ما يسوغ الثناء عليه، وهذا لا يذم عليه، ولا يسوغ الثناء عليه.
قال السبكي: ولم نر أحداً نعتمده خالف إمام الحرمين فيما قال، إلا أناساً أدركناهم قالوا: إنه قبيح، لأنه منهي عنه، والنهي أعم من نهي تحريم وتنزيه.
وعبارة البيضاوي بإطلاقها تقتضي ذلك/ (13أ/م) وليس أخذ المذكور من هذا الإطلاق بأولى من رد هذا الإطلاق، لقول إمام الحرمين، انتهى.
قلت: وإذا قال إمام الحرمين هذا في المكروه، فكيف يقول في خلاف الأولى، والله أعلم.
ص: مسألة: جائز الترك ليس بواجب وقال أكثر الفقهاء، يجيب الصوم على الحائض والمريض والمسافر، وقيل: المسافر دونهما، وقال الإمام: عليه أحد الشهرين، والخلف لفظي.
ش: صدر المسألة بأن جائز الترك ليس بواجب، لأنه يدخل في ذلك
(1/70)

مسائل، ووجهه أن الواجب مركب من طلب الفعل مع المنع من الترك، فلو كان جائز الترك واجباً لاستحال كونه جائزاً، وكان ينبغي أن يزيد: (مطلقاً) ليخرج الواجب الموسع والمخير، فإنه يجوز تركهما في حالة لا مطلقاً، ومع ذلك فهما واجبان.
فمن المسائل الداخلة في الأصل أن الحائض والمريض والمسافر لا يجب عليهم صوم شهر رمضان، لأنهم يجوز لهم تركه، وقد نص الشافعي على ذلك/ (11/ أ/د) في الحائض، وقال النووي: أجمع المسلمون على أنه لا يجب عليهم الصوم في الحال، ثم قال الجمهور: ليست مخاطبة به في زمن الحيض، وإنما يجب القضاء بأمر جديد، وذكر بعض أصحابنا وجهاً: أنها مخاطبة به في حال الحيض، وتؤمر بتأخيره، انتهى.
وخالف في ذلك بعض الفقهاء، فأوجب الصوم عليهم، وتبع المصنف في نقله ذلك عن أكثر الفقهاء صاحب (المحصول) قاله الشارح.
قلت: الذي في (المحصول) نقله عن كثير من الفقهاء، وحكاه الشيخ أبو حامد في كتابه في الأصول عن مذهبنا، والقول بوجوبه على المسافر دونهما حكاه ابن السمعاني عن الحنفية.
وقوله: (وقال الإمام عليه) أي على المسافر (أحد الشهرين) أي:
(1/71)

إما الحاضر أو آخر غيره، وأيهما أتى به كان هو الواجب، كخصال الكفارة، وهذا قول القاضي أبي بكر.
وقوله: (والخلف لفظي) تبع فيه الشيخ أبا إسحاق فقال: لا فائدة له، لأن تأخير الصوم حالة العذر جائز بلا خلاف، والقضاء بعد زواله واجب بلا خلاف، وحكى ابن الرفعة عن بعضهم أن فائدة الخلاف تظهر فيما إذا قلنا: إنه يجب التعرض للأداء والقضاء في النية.
انتهى.
وقال الشارح: فائدته في أنه هل وجب بأمر جديد أو بالأمر الأول؟
قلت: وقد تظهر فائدته فيما إذا حاضت المرأة بعد الطواف وقبل أن تصلي ركعتيه، هل تقضيهما؟ / (13/ب/م) وقد نقل النووي في شرح المهذب عن ابن القاص،
(1/72)

والجرجاني أنها تقضيهما، وأن الشيخ أبا علي أنكره، قال: هو الصواب، ولكنه جزم في شرح مسلم بمقالة ابن القاص والجرجاني ونقلها عن الأصحاب.
ص: وفي كون المندوب مأموراً به خلاف، والأصح ليس مكلفاً به.
ش: فيه مسألتان:
إحداهما: في كون المندوب مأموراً به خلاف أكثر أصحابنا، كما حكاه ابن الصباغ في (العدة) على أنه مأمور به حقيقة، وحكاه القاضي أبو الطيب عن نص الشافعي، واختار الشيخ أبو حامد وغيره أنه ليس مأموراً به حقيقة بل مجازاً.
(1/73)

قال الشارح: وظاهر كلام المصنف أن الخلاف في كونه مأموراً به أم لا، وإنما الخلاف في أنه حقيقة أو مجاز.
قلت: إذا قلنا: إن الأمر به مجاز صح نفي أنه مأمور به، فإن علامة المجاز صحة النفي، فصح ما قاله المصنف.
الثانية: في كونه مكلفاً به خلاف أيضاً، الأصح ليس مكلفاً به، فإن التكليف يشعر بتطويق المخاطب الكلفة من غير خيرة، والندب فيه تخيير، وهذا اختيار إمام الحرمين ومقابله مذهب القاضي.
ص: وكذا المباح، ومن ثم كان التكليف إلزام ما فيه كلفة لا طلبه، خلافاً للقاضي.
ش: أي اختلف في المباح أيضاً هل هو مكلف به؟ والأصح عند الجمهور أنه غير مكلف به، ومقابله للأستاذ، ووجهه أنا كلفنا، باعتقاد إباحته، ورد بأن العلم بحكم الشيء خارج عنه.
فأشار بقوله: (ومن ثم) / (11ب/ د) إلى أن الخلاف في المسألتين مبني على الخلاف في حقيقة التكليف، فالجمهور على أنه إلزام ما فيه كلفة، فلا يكون المندوب والمباح مكلفاً بهما.
وقال القاضي أبو بكر: هو طلب ما فيه كلفة، فيكونان مكلفاً بهما، وما أدري أي طلب في المباح!!
(1/74)

وهذا النقل عن القاضي هو في (البرهان) لإمام الحرمين، لكنه في التلخيص من (التقريب) للقاضي صرح بأنه إلزام ما فيه كلفة، وإذا كان المندوب والمباح غير مكلف بهما فالمكروه أولى بذلك، ففهم الخلاف فيه منهما، وقد صرح بهما ابن الحاجب في (مختصره).
ص: والأصح أن المباح ليس بجنس للواجب.
ش: هذا مبني على تفسيره بأنه التخيير بين الفعل والترك، فإنه لو كان جنساً له لكان نوعه وهو الواجب كذلك، وهذا محال، ومقابله مبني على تفسيره بعدم الحرج، وثبوت هذا للواجب صحيح، ولهذا كان الخلاف في ذلك لفظياً، كما ذكره المصنف بعد، وهو راجع/ (14أ/م) للمسألتين معاً.
ص: أنه غير مأمور به من حيث هو، والخلف لفظي.
ش: الجمهور على أن المباح غير مأمور به.
وقال الكعبي: هو مأمور به لكنه دون الأمر بالندب، كما أن الأمر بالندب دون الأمر بالإيجاب، كذا حكاه عنه القاضي أبو بكر والغزالي، وحكى عنه الإمام الرازي أنه واجب، لأن فعل المباح ترك الحرام، وترك الحرام واجب، ففعل المباح واجب، ثم رده بأن فعل المباح ليس هو ترك الحرام، بل هو شيء يحصل به، وفي هذا تسليم لكلامه لأنه إذا حصل به وبغيره كان من الواجب المخير، ولهذا قال الآمدي: إنه صادر ممن لم يعرف غور كلامه، وأنه لا خلاص عنه إلا بمنع وجوب المقدمة، ولهذا لما نفى
(1/75)

المصنف أنه مأمور به قيد ذلك بقوله: (من حيث هو) أي بالنظر إلى ذاته، أي إما بالنظر إلى غيره، وهو أنه يحصل به ترك الحرام كما يحصل بغيره، فهو مأمور به أو بغيره، فهو من الواجب المخير، ولذلك قال: إن الخلاف في ذلك لفظي، ومن العجب، ما حكاه عنه إمام الحرمين وابن برهان والآمدي من إنكار المباح في الشريعة، وأنه لا وجود له أصلاً وهو خلاف الإجماع.
ص: وأن الإباحة حكم شرعي.
ش: أي ورد بها الشرع، وهذا مبني على تفسيرها بالتخيير بين الفعل والترك، والمخالف فيه بعض المعتزلة، وهو مبني على تفسيرها بنفي الحرج، وهذا ثابت من قبل الشرع، فهذا الخلاف أيضاً لفظي، فلو أخر المصنف قوله (والخلف لفظي) عن هذه المسألة لعاد للمسائل الثلاث.
ص: وأن الوجوب إذا نسخ بقي الجواز أي عدم الحرج، وقيل: الإباحة وقيل: الاستحباب.
ش: إذا أوجب الشارع شيئاً ثم نسخ وجوبه/ (12أ/ د) فهل يبقى جوازه؟ قال الأكثرون: نعم. وقال الغزالي: لا، بل يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل الإيجاب، من إباحة، أو تحريم، أو براءة أصلية.
وحكاه القاضي أبو بكر عن بعض الفقهاء، وقال: تشبث صاحبه بكلام ركيك تزدريه أعين ذوي التحقيق، وادعى الشارح أنه الذي وجده في كلام أكثر أصحابنا الأقدمين، ثم حكى المصنف ثلاثة أقوال في المراد بالجواز هنا:
أشهرها: أنه رفع الحرج، عن الفعل.
والثاني: رفع الحرج عن الفعل والترك مع استواء الطرفين، وهو المراد بالإباحة.
والثالث: رفع الحرج عنهما، مع ترجيح الفعل وهو الاستحباب، وهذا غريب.
(1/76)

وكلام الغزالي وغيره/ (14ب/م) يقتضي أنه لم يقل به أحد، لكن كلام المجد ابن تيمية في (المسودة) يقتضيه، فإنه قال: إذا صرف الأمر عن الوجوب جاز أن يحتج به على الندب والإباحة، وبه قال بعض الشافعية والحنفية، كذا قال الشارح، وفيه نظر، فإن الذي في كلام ابن تيمية هو القول الأول، وهو بقاء القدر المشترك بين الندب والإباحة، وهو رفع الحرج عن الفعل، وليس فيه تعيين أن الباقي الندب كما في القول الثالث، والله أعلم.
وقال بعضهم: الخلاف لفظي، فإنا إن فسرنا الجواز برفع الحرج عن الفعل فلا شك أنه في ضمن الوجوب، وإن فسرناه برفع الحرج عن الفعل والترك، فليس هو في ضمن الواجب بل ينافيه.
ص: مسألة: الأمر بواحد من أشياء يوجب واحداً لا بعينه، وقيل: الكل ويسقط بواحد، وقيل: الواجب معين، فإن فعل غيره سقط، وقيل: هو ما يختاره المكلف.
ش: الأمر بواحد من أشياء وهو الواجب المخير كخصال الكفارة فيه مذاهب.
أصحها: أن الواجب منها واحد لا بعينه، وحكى القاضي أبو بكر إجماع سلف الأمة وأئمة الفقهاء عليه، وحرر ابن الحاجب معنى الإبهام فيه فقال: إن متعلق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال، ولا تخيير فيه، لأنه لا يجوز تركه، ومتعلق التخيير خصوصيات الخصال، ولا وجوب فيها.
(1/77)

قلت: أراد بالقدر المشترك أحد قسميه وهو المبهم بين شيئين أو أشياء، كأحد الرجلين، فأما القسم الآخر وهو المتواطئ، كالرجل فلا إبهام فيه، لأن حقيقته معلومة متميزة عن غيرها، ولا يقال: إن الوجوب يتعلق بخصوصياته لا على التعيين، ولا على التخيير، وليس من الواجب المخير في شيء، والله أعلم.
الثاني وهو قول المعتزلة أن الكل واجب، لا على معنى أنه يجب الإتيان بجميعها، بل يسقط الواجب بفعل واحد منها، فلا خلاف بيننا وبينهم في المعنى، لكن فروا من انتفاء وجوب بعضها، لما فيه من التخيير بين واجب وغيره، بناء على قاعدتهم في أن الأحكام تابعة للمصالح، فإن كان بعض الخصال ليس فيه مقتضى الوجوب لم يصح التخيير بينه وبين/ (12ب/د) ما فيه مقتضى الوجوب وإلا لزم القول بوجوب الكل.
الثالث: أن الواجب معين، أي عند الله تعالى، ويسمى هذا قول التراجم، لأن كلا من الأشاعرة والمعتزلة ترويه عن الأخرى/ (15أ/م) وهي تنكره، فاتفق الفريقان على بطلانه.
قال والد المصنف: وعندي أنه لم يقل به قائل، وعلى هذا القول قولان:
أحدهما: أن الآتي ببعض الخصال إن صادف الواجب فذاك، وإلا فقد أتى ببدله، فيسقط الوجوب بفعل ذلك البدل.
ثانيهما: أن الواجب يتعين باختيار المكلف، فأي خصلة أتى بها تعينت للوجوب.
ص: فإن فعل الكل فقيل الواجب أعلاها وإن تركها فقيل: يعاقب على أدناها.
(1/78)

ش: المراد ما إذا فعلها دفعة واحدة، فإنه إذا أتى بها على التعاقب كان الأول هو الواجب، والقول بأن الواجب أعلاها، وأنه في الترك يعاقب على أدناها حكاه في (المحصول).
وقال ابن التلمساني: إنه الحق، وحكاه ابن السمعاني في (القواطع) عن الأصحاب، وضعفه صاحب (الحاصل) لأنه يوجب تعيين الواجب، وفيه نظر، فإنه لا يلزم من تعيينه بعد الإيقاع تعينه في أصل التكليف والمحذور هو الثاني.
ص: ويجوز تحريم واحد لا بعينه، خلافاً للمعتزلة، وهي كالمخير، وقيل: لم ترد به اللغة.
ش: اختلف في الحرام المخير فأثبته الأشاعرة، ونفاه المعتزلة، ومثاله نكاح الأختين، ونقل السبكي عن شيخه علاء الدين الباجي أنه قال: الحق نفيه، لأن المحرم، الجمع بينهما لا إحداهما، ولا كل واحدة منهما، ثم قال السبكي: وأنا أقول كذلك: إن المحرم في الأختين الجمع بينهما، وأثبت الحرام المخير، وأمثله، بما إذا أعتق إحدى أمتيه، فإنه يجوز له وطء إحداهما، ويكون الوطء تعييناً للعتق في الأخرى، وكذا طلاق إحدى امرأتيه، إذا قلنا بأحد القولين: إن الوطء تعيين، قال: ففي هذين المثالين الحرام واحدة، لا بعينها.
وهذه المسألة كالتخيير، وهو الأمر بخصلة مبهمة من خصال معينة، وبنى المعتزلة نفي الحرام المخير على أصلهم في تبعية الحكم للمصالح، وقالوا: النهي عن إحداهما يدل على قبحهما، فيجب اجتنابهما فلا يثبت الحرام المخير، فامتناعه من جهة العقل، وحكى المصنف قولاً أن امتناعه من جهة اللغة، فإنها لم ترد به، وأجاب قائل هذا عن قوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفوراً}
(1/79)

بأن (أو) بمعنى (الواو) وقال إمام الحرمين: إنه ساقط لا طائل وراءه.
ص: مسألة: فرض الكفاية، مهم يقصد حصوله من غير نظر بالذات إلى فاعله.
ش: عرف الغزالي فرض الكفاية بأنه كل مهم ديني، يقصد به الشرع حصوله، من غير نظر إلى فاعله، وحذف المصنف قوله: (ديني) لأن فرض/ (15ب/ م) الكفاية يكون في الحرف والصناعات/ (13أ/د) وليست دينية، وزاد قوله: (الذات) لأنه لا يقال في فرض الكفاية: (إن فاعله غير مقصود مطلقاً، فإن انتفاء ذلك إنما هو بالذات، لكن هو مقصود بالعرض، إذ لا بد للفعل من فاعل، ولهذا تعلق به الثواب، فقوله: (مهم يقصد حصوله) جنس متناول لفرض الكفاية والعين، وقوله: (من غير نظر إلى فاعله) فصل أخرج فرض العين.
ص: وزعمه الأستاذ وإمام الحرمين وأبوه أفضل من العين.
ش: قال النووي في (زيادة الروضة): قال إمام الحرمين: الذي أراه أن القيام بفرض الكفاية أفضل من فرض العين، لأن فاعله ساع في صيانة الأمة كلها عن المأثم، ولا شك في رجحان من حل محل المسلمين أجمعين في القيام بمهمات الدين، انتهى.
وقوله: (الذي أراه) يوهم أنه تفقه له، وليس كذلك، فقد نقله ابن الصلاح
(1/80)

في فوائد الرحلة عن الشيخ أبي محمد، والأستاذ أبي إسحاق، بل نقله الشيخ أبو علي السنجي في أول (شرح التلخيص) عن المحققين.
وزعم الشارح أن بين تعبير المصنف بأنه أفضل وبين تعبير غيره بأن القيام به أفضل تفاوتاً، وفيه نظر، فإنه لا يراد تفضيل ذات العبادة، بل تفضيل القيام بها بمعنى كثرة ثوابه، ولذلك علل بسعيه في إسقاط الإثم عن الأمة، فلا تفاوت، لأن هذا التقدير مراد بلا شك، والله أعلم.
ص: وهو على البعض وفاقاً للإمام، لا الكل خلافاً للشيخ الإمام والجمهور.
ش: اختلف في أن فرض الكفاية يتعلق بجميع المكلفين أو ببعضهم، فقال بالأول الجمهور، وعليه مشى الشيخ الإمام والد المصنف، وقال بالثاني الإمام الرازي، كذا في موضع من (المحصول) وفي موضع آخر موافقة الجمهور،
(1/81)

واحتج المصنف لتعلقه بالبعض بقوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} وبقوله تعالى {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} واستدل القرافي بهاتين الآيتين على أن الوجوب متعلق بالمشترك، لأن المطلوب فعل أحد الطوائف، ومفهوم أحد الطوائف قدر مشترك بينهما لصدقه على كل طائفة، كصدق الحيوان على سائر أنواعه.
ص: والمختار البعض مبهم، وقيل: معين عند الله تعالى، وقيل: من قام به.
ش: هذا الخلاف مفرع على تعلقه بالبعض، فحكي عن المعتزلة أنه يتعلق ببعض مبهم، وهو مقتضى كلام (المحصول) وإذا قلنا ببعض معين، فهل هو بعض معين عند الله دون الناس، أو هو من قام به؟ قولان، وهو نظير الخلاف في الواجب المخير.
ص: / (16أ/م) ويتعين بالشروع على الأصح.
ش: هذه مسألة فقهية، لم يتعرض لها أهل الأصول، وهذا الترجيح لابن الرفعة في (المطلب) في باب الوديعة.
وقال البارزي في (التمييز): لا يلزم فرض الكفاية بالشروع في الأصح، إلا في الجهاد، وصلاة الجنازة، انتهى.
ولم يرجح الرافعي والنووي / (13ب/ د) في هذه القاعدة شيئاً مخصوصاً، وهي عندهما من
(1/82)

القواعد التي لا يطلق فيها ترجيح لاختلاف الترجيح في فروعها.
ص: وسنة الكفاية كفرضها.
ش: هذا يقتضي انقسام السنة إلى كفاية، وعين، فالقصد في سنة الكفاية الفعل من غير نظر إلى الفاعل، كتشميت العاطس، وابتداء السلام، ويقتضي شيئين آخرين
أحدهما: طرد الخلاف في أنها مطلوبة من الجميع أو البعض.
قال الشارح: ولم أر من تعرض لذلك.
ثانيهما: أنها أفضل من سنة العين.
قلت: قد ينازع في ذلك لانتفاء العلة، وهي السعي في إسقاط الإثم عن الأمة، وهذا لا يحصل بفعله الثواب لغيره، ولا إثم في الترك، والله أعلم.
ص: مسألة: الأكثر أن جميع وقت الظهر جوازاً، ونحوه وقت لأدائه، ولا يجب على المؤخر العزم على الامتثال خلافاً لقوم، وقيل: الأول، فإن أخر فقضاء، وقيل: الآخر فإن قدم فتعجيل والحنفية: ما اتصل به الأداء من الوقت وإلا فالآخر، والكرخي، إن قدم وقع واجباً بشرط بقائه مكلفاً.
ش: اختلف في إثبات الواجب الموسع، وهو ما كان وقته زائداً على فعله، كصلاة الظهر، فأثبته الجمهور، بمعنى أن جميعه وقت لأدائه، فأي جزء أوقعه فيه وقع عن الواجب.
وتقييد المصنف وقت الظهر بالجواز ليخرج وقت الضرورة كوقت العصر في حق المسافر، وهو من زيادة المصنف على غيره.
وقوله: (ونحوه) أي ونحو وقت الظهر من الواجبات الموسع وقتها،
(1/83)

ثم اختلف هؤلاء في أنه إذا أخرها عن أول الوقت هل يجب عليه العزم على إيقاعها في بقية الوقت أم لا يجب ذلك؟ فنقل الإمام الرازي وجوب العزم عن أكثر أصحابنا، وأكثر المعتزلة، ونصره القاضي أبو بكر والآمدي وصححه النووي في (شرح المهذب) وادعى المصنف أن ذلك لا يعرف إلا عن القاضي ومن تابعه كالآمدي، وأنه معدود من هفواته، ومن العظائم في الدين، فإنه إيجاب بلا دليل.
وعلى القول بإنكار الواجب الموسع أربعة أقوال، حكاها المصنف.
أحدها: أن الواجب يختص بأول الوقت، فإن أخره كان قضاء، حكاه الإمام والرازي في (المعالم) عن بعض الشافعية، وهو غلط، فلم يقل به أحد منهم، ولعل سبب الاشتباه أن الشافعي حكاه في (الأم) عن بعض أهل الكلام وغيرهم ممن/ (16ب/م) يفتي.
الثاني: أن الوجوب يختص بآخر الوقت، فإن فعله في أوله كان تعجيلاً وهو محكي عن الحنفية.
الثالث: أنه يختص بالجزء الذي يتصل به الأداء، وإلا فآخر الوقت الذي يسع الفعل ولا يفضل عنه، وحكاه المصنف عن الحنفية تبعاً لقول والده والصفي الهندي أنه المشهور عندهم.
الرابع: وهو محكي عن الكرخي، أنه إن أوقع العبادة في أول الوقت وقع فعله واجباً بشرط بقائه/ (14أ/ د) مكلفاً، فإن مات في أثناء الوقت أو خرج عن التكليف بجنون أو نحوه فما فعله أولاً نفل، كذا حكاه عنه الإمام والآمدي وابن الحاجب، وحكى عنه الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع أن الواجب يتعين بالفعل في أي وقت كان، وحكى عنه الآمدي القولين معاً، ولم يحك المصنف هذه المقالة الأخيرة، وبها تكمل في المسألة سبعة مذاهب.
(1/84)

ص: ومن أخر مع ظن الموت عصى، فإن عاش وفعله فالجمهور أداء، وقال القاضيان أبو بكر والحسين: قضاء.
ش: إذا ظن المكلف أنه لا يعيش إلى آخر الوقت، تضيق عليه الوقت اعتباراً بظنه، فإن أخر العبادة عصى فإن تخلف ظنه فعاش وفعلها في الوقت فقال الجمهور، هي أداء، إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه، حكاه عنهم ابن الحاجب، وقال السبكي: إنه الحق.
وقال القاضي أبو بكر والقاضي الحسين: هي قضاء.
وقال الشارح: إنه لا يعرف عن القاضي حسين التصريح بذلك، والظاهر أن المصنف أخذه بالاستلزام من قوله، فيما إذا شرع في الصلاة ثم أفسدها ثم صلاها في وقتها إنها قضاء لتضيق الوقت بالشروع، فإنه لا يجوز له الخروج عنها، فلم يبق لها وقت شروع، فكانت قضاء، وفيه نظر، فإن القاضي أبا بكر قال: إنها قضاء لاعتقاده أن الوقت خرج، وقال القاضي الحسين: إن الوقت باق مع كونها قضاء.
قلت: الظاهر أن مراد القاضي حسين بقاء الوقت في حق غيره، لا في حقه هو، فهي كمقالة القاضي أبي بكر، والله أعلم.
واعلم أن تصوير المسألة بالموت مثال، فلو ظن الفوات بسبب آخر كإغماء وجنون وحيض فالحكم كذلك، ولهذا قال في (النهاية): لو اعتادت طرو الحيض عليها في أثناء الوقت من يوم معين تضيق الوقت عليها.
ص: ومن أخر مع ظن السلامة فالصحيح لا يعصي بخلاف ما وقته العمر كالحج.
ش: هذا مقابل لقوله فيما تقدم: (ومن أخر مع ظن الموت) والقسمان في
(1/85)

الواجب المؤقت المحدود الطرفين، فإذا أخر الصلاة مع ظن السلامة بالاستصحاب فمات في أثناء / (17أ/ م) الوقت فالصحيح أنه لا يعصي، لأنه مأذون له في التأخير، وقيل: يعصي، وإلا لم يتحقق الوجوب، أما لو أخر فنام إلى خروج الوقت عن غير غلبة فإنه يعصي إن غلب على ظنه أنه لا يستيقظ إلا بعد خروجه، أو استوى عنه الاحتمالان كما صرح ابن الصلاح بالثانية.
أما الموسع بمدة العمر كالحج وقضاء الفائتة بعذر فإنه يعصي فيه بالموت، على الصحيح، وإن لم يغلب على ظنه قبل ذلك الموت، وقيل: لا، وقيل: يعصي الشيخ دون الشاب، واختاره الغزالي، وحكى الجوزي عن الأصحاب تقدير التأخير المستنكر ببلوغه نحوا من خمسين سنة أو ستين سنة، وهو غريب، والفرق على الصحيح بين هذا وبين المحدود الطرفين خروج الوقت في الحج بالموت بخلاف الصلاة، فإن وقتها باق، ونظير/ (14 ب/د) الحج أن يموت آخر وقت الصلاة فإنه يعصي لخروج الوقت والله أعلم.
ص: مسألة: المقدور الذي لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب، وفاقاً للأكثرين، وثالثها إن كان سبباً كالنار للإحراق، وقال إمام الحرمين: إن كان شرطا شرعياً لا عقلياً أو عادياً.
ش: الشيء الذي لا يتم الواجب إلا به، وهو المسمى بالمقدمة هل هو واجب أم لا؟ حكى فيه المصنف أربعة مذاهب.
الأول وبه قال الأكثرون : أنه واجب، سواء كان سبباً وهو الذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، أو شرطاً وهو الذي يلزم من عدم العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، وسواء كانا شرعيين أو عقليين أو عاديين.
واعلم أنه دخل فيما لا يتم الواجب إلا به جزء الواجب، وليس مراداً هنا، لأن الأمر بالكل أمر به تضمنا بلا خلاف.
الثاني: أنه غير واجب.
(1/86)

الثالث: أنه واجب، إن كان سبباً كالنار للإحراق فيما إذا وجب إحراق زيد فإنه يتوقف على النار التي هي سبب الإحراق، بخلاف الشرط، فإنه لا يجب.
الرابع: أنه يجب الشرط إن كان شرعياً كالوضوء للصلاة، دون العقلي والعادي، وبه قال إمام الحرمين، واختاره ابن الحاجب، وإذا قلنا بالأول، فله شرطان.
أحدهما: أن يكون مقدوراً للمكلف، واحترزنا بذلك عن القدرة والداعية فإن الإتيان الفعلي متوقف على القدرة، وهي إرادة الله تعالى له، والداعية وهي العزم المصمم على الفعل، وإلا لكان وقوعه في وقت دون وقت ترجيحاً من غير مرجح، وهما غير مقدورين للمكلف، فلا يجبان عليه.
قال الشارح: وهذا الشرط يعتبره من لم يجوز تكليف ما لا يطاق، دون من يجوزه، كذا قاله الصفي الهندي، وحينئذ فالمصنف ممن يجوزه كما سيأتي، فكيف يحسن منه هذا التقييد!!
قلت: وبما ذكرنا ينتفي هذا الإيراد لتعييننا/ (17ب/م) أن الاحتراز عن القدرة والداعية خاصة، وإيضاح ذلك أن ما يتوقف عليه الفعل إما أن يكون من فعل الله تعالى أو من فعل العبد، وكل منهما إما أن يتوقف عليه الوجوب أم لا، فهذه أربعة أقسام.
الأول: ما هو من فعل الله، ويتوقف عليه الوجوب، كالعقل وسلامة الأعضاء وغيرهما.
والثاني: ما يكون من فعل الله، ولا يتوقف عليه الوجوب، وهو القدرة والداعية.
والثالث: ما يكون من فعل العبد، ويتوقف عليه الوجوب، كتحصيل النصاب بالنسبة للزكاة، والإقامة في بلد بالنسبة للجمعة.
(1/87)

والرابع: ما يكون من فعل العبد ولا يتوقف عليه الوجوب، كالوضوء للصلاة، والسير للحج.
ولا يصح الاحتراز عن الأول والثالث، لانتفاء الوجوب فيهما، فبقي الثاني والرابع، ولما لم يذكر الرابع علمنا ثبوت وجوبه مع المقدرة عليه، ومع العجز عنه، فالأول بالاتفاق، والثاني عند من جوز التكليف بالمحال، فتعين/ (15أ/د) الاحتراز عن الثاني فإنه غير واجب، لعدم القدرة عليه، والله أعلم.
الشرط الثاني: أن يكون الإيجاب مطلقاً أي غير مقيد بحالة وجود السبب والشرط، فلو قيد التكليف بوجودهما فهما غير مكلف بهما اتفاقاً.
ص: فلو تعذر ترك المحرم إلا بترك غيره وجب، أو اختلطت منكوحة بأجنبية حرمتا، أو طلق معينة ثم نسيها.
ش: المقدمة على قسمين.
أحدهما: يتوقف عليها نفس وجود الواجب.
والثاني: يتوقف عليها العلم بوجوده، فهذه فروع من القسم الثاني.
الأول: إذا لم يمكن الكف عن المحرم إلا بالكف عما ليس بمحرم كما إذا اختلطت نجاسة بماء طاهر قليل: فيجب الكف عن استعماله، وحكي عن ابن السمعاني في (القواطع) خلافاً في أنه يصير كله نجساً، وإنما حرم الكل لتعذر الإقدام على تناول المباح لاختلاط المحرم به، قال: والأول هو اللائق بمذهبنا، والثاني هو اللائق بمذهب الحنفية.
قلت: ولا ينبغي أن يكون هذا من المقدمة إلا على المذهب الثاني، وأما على الأول فالكل نجس مقصود بالتحريم.
الثاني: لو اختلطت منكوحة بأجنبية حرمتا: الأجنبية بالأصالة،
(1/88)

والمنكوحة، لأنه لا يتيقن الكف عن الأجنبية إلا بالكف عنها، ولو عبر بالحلال لكان أولى ليشمل الأمة.
وقوله: (الأجنبية) مثال، فالأجنبيتان كذلك.
الثالث: إذا طلق إحدى زوجتيه بعينها، ثم نسيها، لزم الكف عنهما حتى يتذكر، فإنه لا يمكن الكف عن المطلقة إلا بذلك.
ص: مطلق الأمر لا يتناول المكروه خلافاً للحنفية، فلا تصح الصلاة في الأوقات المكروهة، وإن كانت كراهة تنزيه.
ش: مطلق الأمر أي لا بقيد، لا يتناول المكروه، فإنه مطلوب الترك، والأمر/ (18أ/م) مطلوب الفعل، فيتناقضان، حكى الخلاف في هذا بيننا وبين الحنفية ابن السمعاني في (القواطع) وقال: تظهر فائدة الخلاف في قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} فلا يتناول عندنا الطواف بغير طهارة، وعلى مذهبهم يتناوله، فإنهم وإن اعتقدوا كراهة هذا الطواف ذهبوا إلى أنه دخل في الأمر، حتى يتصل به الإجزاء الشرعي، ونحن لا نقول إنه طواف مكروه، بل لا طواف أصلاً، لقيام الدليل على أن الطهارة شرط فيه كالصلاة.
وجعل المصنف من فروع ذلك الصلاة التي لا سبب لها في الأوقات المكروهة، فإن الراجح أنها لا تنعقد، سواء قلنا: إن تلك الكراهة للتحريم أو للتنزيه، كما اقتضاه كلام (الروضة) وقال في (المطلب): إنه الحق، لأن المقصود منها طلب الأجر وتحريمها أو كراهتها يمنع حصوله، وما لا يترتب عليه مقصوده باطل كما تقرر من قواعد الشريعة.
واستشكل ذلك شيخنا الإسنوي،
(1/89)

فإن الإقدام على المكروه جائز، فكيف لا ينعقد؟ وجوابه ما تقدم من تنافي رجحان/ (15ب/د) الترك، ورجحان الفعل، والله أعلم.
ص: أما الواحد بالشخص له جهتان كالصلاة في المغصوب، فالجمهور تصح ولا يثاب، وقيل: يثاب، والقاضي والإمام: لا تصح، ويسقط الطلب عندها، وأحمد: لا صحة ولا سقوط.
ش: للواحد بالشخص حالتان:
إحداهما: أن لا يكون له إلا جهة واحدة، فلا خلاف في امتناع كونه مأموراً به، منهياً عنه، إلا عند من يجوز تكليف ما لا يطاق، لأن مقتضى الأمر المنع من تركه، ومقتضى النهي المنع من فعله، وهما متنافيان.
الثانية: أن يكون له جهتان كالصلاة في الأرض المغصوبة، فهل يجوز الأمر به من وجه والنهي عنه من وجه؟
فيه مذاهب: أحدها وبه قال الجمهور : أنه يصح لتعدد الجهات، فهو كاختلاف المحال، فلا تناقض، وأما كونه لا ثواب فيها، فلم يصرح به الأصوليون، وحكاه النووي في (شرح المهذب) عن أبي منصور ابن أخي ابن الصباغ في فتاويه التي جمعها عن عمه، أنه قال إنه المحفوظ من كلام أصحابنا بالعراق، ثم قال: وذكر شيخنا يعني ابن الصباغ في كتابه (الكامل): أنه ينبغي حصول الثواب عند من صححها، قال أبو منصور: وهو القياس.
(1/90)

قلت: ينبغي أن يقابل بين ثواب العبادة وإثم المكث في المغصوب، فإن تكافآ أحبط الإثم الثواب، وإن زاد ثواب العبادة بقي له قدر من الثواب لا يضيع عليه، وحينئذ فلا يطلق انتفاء الثواب لحصول بعضه في بعض الأحوال، والله أعلم.
وقد ظهر أن قوله: (وقيل: يثاب) هو بحث لابن الصباغ، وهو المذهب الثاني.
والمذهب الثالث: أنه لا يصح، ولكن يسقط الطلب عندها، أي لا بها، وحكاه المصنف عن القاضي أبي بكر والإمام الرازي، وقال الصفي الهندي: الصحيح أن القاضي/ (18/ب/ م) إنما يقول بذلك لو ثبت القول بصحة الإجماع على سقوط القضاء، فأما إذا لم يثبت بذلك فلا يقول بسقوط القضاء بها ولا عندها، انتهى.
والمذهب الرابع: أنها لا تصح، ولا يسقط بها الفرض، وهو المنقول عن أحمد بن حنبل، وهو وجه عندنا، حكاه القاضي حسين في تعليقه في باب صلاة المسافر إلا أنه لم يصرح بأن الفرض لا يسقط.
ص: والخارج من المغصوب تائباً آت بواجب، وقال أبو هاشم: بحرام، وقال إمام الحرمين هو مرتبك في المعصية مع انقطاع تكليف النهي وهو دقيق.
ش: إذا دخل أرضا مغصوبة ثم ندم وأراد الخروج منها، ففي خروجه منها أقوال.
أحدها: أنه آت بواجب، فإنه باعتبار شغل بقعة غيره آت بمحرم، وباعتبار السعي في تفريغها آت بواجب، ولا يمكن التفريغ إلا بهذا الشغل.
الثاني وبه قال أبو هاشم: إنه آت بحرام، كاللابث فيها، لتصرفه في ملك غيره بغير إذنه.
الثالث وبه قال إمام الحرمين: إنه مرتبك في المعصية، أي مشتبك
(1/91)

فيها لا يمكنه التخلص ما دام فيها، فهو عاص باستصحاب التعدي السابق مع انقطاع تكليف النهي، واستبعده ابن الحاجب/ (16أ/د) وضعفه الغزالي، بأن النهي إذا انتفى فإلى ماذا تستند المعصية؟
ص: والساقط على جريح يقتله إن استمر وغيره، إن لم يستمر، قيل: يستمر، وقيل: يتخير، وقال إمام الحرمين: لا حكم فيه، وتوقف الغزالي.
ش: ذكر هذه عقب ما تقدم، لأن إمام الحرمين قال: إن غرضه يظهر بمسألة ألقاها أبو هاشم، فحارت فيها عقول الفقهاء، وهي: أن من توسط جمعا من الجرحى، وجثم على صدر واحد منهم، وعلم أنه لو بقي لأهلكه، ولو انتقل لأهلك آخر، قال: لم أتحصل فيها من قول الفقهاء على ثبت، والوجه: القطع بسقوط التكليف عنه، مع استمرار حكم سخط الله وغضبه.
وسأله الغزالي عن هذا فقال: كيف تقول: لا حكم، وأنت ترى أنه لا تخلو واقعة عن حكم؟!
فقال: حكم الله أن لا حكم.
قال الغزالي: فقلت له: لا أفهم هذا.
قال الإبياري: وهذا أدب حسن، وتعظيم للأكابر، لأن هذا تناقض إذ لا حكم: نفي عام، فكيف يتصور ثبوت الحكم مع نفيه على العموم؟! فهذا لا يفهم لا لعجز السامع عن الفهم بل لكونه غير مفهوم في نفسه انتهى.
والقولان اللذان حكاهما المصنف في أنه يستمر أو يتخيرهما احتمالان
(1/92)

وتوجيه الأول: أن الانتقال فعل مستأنف.
وأشار المصنف بتوقف الغزالي إلى أنه اختلف كلامه في (المنخول) فمرة قال: المختار أن لا حكم لله فيه، فلا يؤمر بمكث ولا انتقال، ومرة حكى كلام الإمام ثم قال: ولم أفهمه بعد.
وفرض الشيخ عز الدين/ (19/أ/م) بن عبد السلام في القواعد المسألة في الساقط على أطفال وقال: ليس في هذه المسألة حكم شرعي، وهي باقية على الأصل في انتفاء الشرائع قبل نزولها، ثم قال: الأظهر عندي فيما لو كان بعضهم كافراً لزوم الانتقال إلى الكافر، لأنا نجوز قتل أولاد الكفار عند التترس بهم.
قال الشارح: ولا يخفى أن هذا التردد في طفل كافر معصوم الدم، فإن كان حربياً فلا شك في لزوم الانتقال إليه، ويحتمل على بعد طرده فيه. انتهى.
وأجاب الشارح عن الإمام بأن مراده لا حكم أي من الأحكام الخمسة، والبراءة الأصلية حكم الله، ولا تخلو واقعة عن حكم بهذا الاعتبار.
ص: مسألة يجوز التكليف بالمحال مطلقاً، ومنع أكثر المعتزلة والشيخ أبو حامد والغزالي وابن دقيق العيد ما ليس ممتنعاً، لتعلق العلم بعدم وقوعه، ومعتزلة بغداد والآمدي: المحال لذاته، وإمام الحرمين كونه مطلوباً لا ورود صيغة الطلب.
ش: المحال قد يكون امتناعه عادة لا عقلاً، كالطيران في الهواء ونحوه، وقد يكون عقلاً لا عادة، كمن سبق في علم الله تعالى أنه لا يؤمن، فإن
(1/93)

العقل يحيل إيمانه لما يلزم عليه من انقلاب العلم القديم جهلاً، ولو سئل عنه أهل العادة لم يحيلوا إيمانه، وقد يكون عقلاً وعادة، كالجمع بين النقيضين ونحوه، فالقسم الثاني يجوز التكليف به/ (16ب/د) بل وقع بالاتفاق، لأن الله تعالى كلف الثقلين بالإيمان مع علمه بأن أكثرهم لا يؤمنون، وهذا مفهوم من تقييد المصنف قول المنع بما ليس ممتنعاً لتعلق العلم القديم بعدم وقوعه، فدل على أن ما امتنع لتعلق العلم القديم بعدم وقوعه ليس محل خلاف ولا يمنع التكليف به أحد.
وأما القسم الأول والثالث ففيهما مذاهب.
أحدهما وبه قال أكثر أصحابنا: جوازه مطلقاً، أي سواء كان محالاً لذاته وهو الممتنع عقلاً، أو لغيره وهو الممتنع عادة.
الثاني: المنع مطلقاً، وبه قال أكثر المعتزلة، ورجحه ابن الحاجب، وحكي عن الشافعي رضي الله عنه وحكاه المصنف عن الشيخ أبي حامد والغزالي وابن دقيق العيد، وفي النقل عن الأخيرين نظر، أما الغزالي فحكى عنه الآمدي: أنه مال إلى القول الثالث المفصل، وأما ابن دقيق العيد فإنه في (شرح العنوان) بعد أن اختار عدم جوازه، قال: إن المحال بنفسه هو الذي يمنعه.
الثالث: منع التكليف بالممتنع لذاته وهو المحال عقلاً وعادة، وجوازه بالممتنع لغيره وهو الممتنع عادة فقط، وبه قال الآمدي والمعتزلة البغداديون.
الرابع وبه قال إمام الحرمين : أنه/ (19/ ب/م) يمتنع التكليف بالمحال، أي طلب فعله، ولا يمتنع ورود صيغته غير مراد بها الطلب مثل: {كونوا قردة خاسئين}
قال الشارح: وهو في الحقيقة تنقيح مناط، ففي جعل المصنف له مذهباً رابعاً نظر، ولهذا قال ابن برهان: الخلاف على هذا لفظي بخلافه على قول
(1/94)

المعتزلة، ومن ثم حاول بعض المتأخرين نفي الجواز عن الأشعري، وزعم أن الذي جوزه ورود صيغة مضاهية لصيغة الأمر والعرض، منها: التعجيز، وبيان حلول العقاب الذي لا محيص عنه، وليس المراد طلبا واقتضاء، انتهى.
تنبيه: قال الشارح: في استثناء ما امتنع لتعلق العلم القديم بعدم وقوعه عن الخلاف خدش، فإنه ليس متفقاً على استحالته، فإن الغزالي قال في (المنخول) إنه لا يسمى مستحيلاً، لأنه في ذاته جائز الوقوع فلا يتغير حقيقته بالعلم.
قلت: مراده ليس مستحيلاً في العادة، ولا شك في استحالته عقلاً، وإلا انقلب العلم القديم جهلاً، وهو الذي ذكرناه أولاً، فلا خدش، والله أعلم.
ص: والحق وقوع الممتنع بالغير لا بالذات.
ش: اختلف القائلون بالجواز في وقوعه على مذاهب: الوقوع مطلقاً، وعدمه مطلقاً، وحكاه الإمام في (الشامل) عن الجمهور، والتفصيل بين الممتنع لذاته كقلب الحجر ذهباً مع بقاء الحجرية فيمتنع، والممتنع لغيره فيجوز وهو ظاهر اختيار الإمام في الشامل، وجرى عليه البيضاوي.
وقال المصنف: إنه الحق.
ص: مسألة: الأكثر أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطاً في / (17أ/د) صحة التكليف، وهي مفروضة في تكليف الكافر بالفروع، والصحيح وقوعه خلافاً لأبي حامد الإسفراييني وأكثر الحنفية
(1/95)

مطلقاً، ولقوم: في الأوامر فقط، ولآخرين: فيمن عدا المزتد، قال الشيخ الإمام: والخلاف في خطاب التكليف، وما يرجع إليه من الوضع لا الإتلاف والجنايات وترتب آثار العقود.
ش: اختلف الأصوليون في أن حصول الشرط الشرعي وهو ما يتوقف عليه صحة الشيء شرعاً كالوضوء للصلاة، هل هو شرط في صحة التكليف بالمشروط أم لا؟
فذهب أصحاب الرأي إلى اشتراطه، وذهب الجمهور إلى / (20/ أ/ م) أنه لا يشترط، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وقد نازع الصفي الهندي في ذلك، وقال: إن المحدث مكلف بالصلاة بالإجماع، ومقتضى هذه الترجمة طرد الخلاف في هذه الصورة، لكن المصنف وغيره قالوا: إن المسألة مفروضة في تكليف الكافر بالفروع، ومقتضاه أن الخلاف لا يطرد في سائر الشروط الشرعية، ووجه اندارج هذه المسألة في هذه القاعدة أن الإسلام شرط لصحة العبادات شرعاً وخرج بالشرط (الشرعي) العقلي، كالتمكن من الأداء الزائل بالنوم والفهم من الخطاب الزائل بالغفلة والنسيان، فإن حصوله شرط في صحة التكليف، وفي مسألة تكليف الكفار، بفروع الشريعة مذاهب.
أحدها: وهو قول مذهب الأئمة الثلاثة: نعم.
الثاني وبه قال أكثر الحنفية : لا، وقال به من أصحابنا الشيخ أبو حامد
(1/96)

الإسفراييني، وحكى أيضاً عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وأنه حكاه قولاً عن الشافعي.
الثالث: أنهم مكلفون بالنواهي دون الأوامر، وادعى بعضهم تكليفهم بالمناهي بلا خلاف.
الرابع: تكليف المرتد خاصة، دون الكفار الأصليين، وفي (المحصول) في أثناء الاستدلال ما يقتضي أن الخلاف في غير المرتد، ثم نقل المصنف عن والده الشيخ الإمام السبكي أنه قيد إطلاق الأصوليين محل الخلاف فقال: إن الخلاف في خطاب التكليف وما يرجع إليه من خطاب الوضع، ولذلك أمثلة منها:
ما كان سبب الأمر والنهي، ككون الطلاق سبباً لتحريم الزوجة، فهو من محل الخلاف، والفريقان مختلفان في أنه هل هو سبب في حقهم أم لا؟
ومنها: تعلق الزكاة بالمال تعلق شركة، كما هو الأصح من مذهب الشافعي، فالظاهر عدم ثبوته في حقهم، وإن قيل: إنهم مخاطبون بالزكاة لأمرين.
أحدهما: أن هذا التعلق المقصود به تأكد الوجوب لصيانة الواجب عن الضياع، وليس المقصود بتكليفهم بالزكاة أخذها منهم.
ثانيهما: أن المعتمد في ثبوت الشركة قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} وهذه غير متناولة لهم، فأما ما كان من خطاب الوضع لا يرجع
(1/97)

إلى خطاب التكليف، كالإتلاف/ (17ب/د) والجنايات، وترتب آثار العقود عليها، كصحة البيع والنكاح وفسادهما فهم داخلون فيه قطعاً / (20 ب/ م)
ص: مسألة: لا تكليف إلا بفعل، فالمكلف به في النهي الكف، أي: الانتهاء، وفاقاً للشيخ الإمام، وقيل: بفعل الضد، وقال قوم: الانتفاء، وقيل: يشترط قصد الترك.
ش: لا خلاف أن المكلف به في الأمر الفعل، وأما في المنهي ففيه أربعة مذاهب.
أصحها عند ابن الحاجب وغيره: أنه كف النفس عن الفعل، والكف فعل، وفسر المصنف تبعاً لوالده الكف بالانتهاء.
قال: فإذا قلت: لا تسافر، فقد نهيته عن السفر، والنهي يقتضي الانتهاء، لأنه مطاوعه، يقال: نهيته فانتهى، والانتهاء هو الانصراف عن المنهي عنه وهو الترك.
قال: واللغة والمعقول يشهدان له، وفرق بين قولنا: لا تسافر، وقولنا: أقم، لأن أقم أمر بالإقامة من حيث هي، فقد لا تستحضر معها السفر، ولا تسافر نهي عن السفر، فمن أقام قاصداً ترك السفر يقال فيه: انتهى عن السفر، ومن لم يخطر له السفر بالكلية لا يقال: انتهى عن السفر، والانتهاء أمر معقول، وهو فعل، ويصح التكليف به، وكذلك في جميع النواهي الشرعية، كالزنا والسرقة والشرب ونحوها، المقصود في جميعها الانتهاء عن تلك الرزائل ومن لازم ذلك الانتهاء التلبس بفعل ضد من أضداد المنهي عنه، انتهى.
فقوله: (وفاقاً للشيخ للإمام) يحتمل أن يكون في اختيار هذا القول، وهو أن المكلف به في النهي الكف، ويحتمل أن يكون في تفسير الكف بالانتهاء،
(1/98)

والله أعلم.
المذهب الثاني: أن المكلف به في النهي فعل ضد المنهي عنه فإذا قال: لا تتحرك، فمعناه افعل ما يضاد الحركة، وحكي هذا عن الجمهور، وضعف بأن النهي قسيم الأمر، والأمر طلب الفعل، فلو كان النهي طلب فعل الضد لكان أمراً، ولكان النهي من الأمر، وقسيم الشيء لا يكون قسيماً منه.
الثالث وبه قال أبو هاشم: أنه انتفاء الفعل، فالمكلف به في قولنا: (لا تتحرك) نفس أن لا يفعل، وهو عدم الحركة.
الرابع: أنه يشترط في امتثال النهي قصد ترك المنهي عنه، وهل يكتفى بنية ترك المنهيات في الجملة، أو لا بد من نية خاصة في كل منهي؟
فيه نظر، وهذا القول/ (21/ أ/ م) غير معروف، ومقتضاه أنه إذا لم يقترن بالترك قصد يأثم وهو بعيد، والمتجه نفي الثواب فقط، والمعروف قول مفصل بين الترك المجرد المقصود لنفسه/ (18/أ/د) من غير أن يقصد معه ضده كالصوم، فالمكلف به فيه الفعل، ولهذا وجبت فيه النية، وبين الترك المقصود من جهة إيقاع ضده كالزنا، فالمكلف به فيه الضد، وهذا هو ظاهر كلام الغزالي في (المستصفى).
ص: والأمر عند الجمهور يتعلق بالفعل قبل المباشرة بعد دخول وقته إلزاماً وقبله إعلاماً، والأكثر يستمر حال المباشرة، وقال إمام الحرمين والغزالي: ينقطع، وقال قوم: لا يتوجه إلا عند المباشرة، وهو التحقيق، فالملام قبلها على التلبس بالكف المنهي.
ش: هذه المسألة في وقت توجه الأمر للمكلف، وهي كما قال القرافي أغمض مسألة في أصول الفقه مع قلة جدواها، وأنه لا يظهر لها ثمرة في الفروع، وفيها للأشاعرة مذاهب.
الأول: أنه يتوجه قبل مباشرة الفعل بعد دخول وقته على سبيل الإلزام
(1/99)

وقبله على سبيل الإعلام، ثم اختلف هؤلاء في أنه يستمر حال المباشرة أو ينقطع، فالأكثرون على الأول.
واعتمد المصنف في نقل هذه عن الجمهور قول الآمدي: اتفق الناس على جواز كون الفعل مأموراً به قبل حدوثه، سوى شذوذ من أصحابنا، وعلى امتناع كونه كذلك بعد حدوثه، واختلفوا في جواز كونه كذلك، وقت حدوثه، فأثبته أصحابنا، ونفاه المعتزلة، وبه يشعر كلام الغزالي انتهى.
وقال آخرون: ينقطع توجه التكليف حال المباشرة، وحكاه المصنف عن إمام الحرمين والغزالي، وهو المذهب الثاني.
والمذهب الثالث: أنه لا يتوجه قبل المباشرة أصلاً، ولا يتوجه إلا عندها، وادعى المصنف أن هذا هو التحقيق، وحكاه عن الأشعري، واختاره الإمام فخر الدين والبيضاوي وغيرهما، وقال الصفي الهندي: وهو الذي يدل عليه صريح نقل الإمام الرازي عن الأصحاب، قال: ونقل إمام الحرمين في مذهب أصحاب الشيخ ما يقتضي أنه ليس بمأمور به قبل حدوثه، وهو الذي/ (21ب/م) يقتضيه أصلهم: أن الاستطاعة مع الفعل لا قبله، لكن أصلهم الآخر وهو جواز التكليف بالمحال يقتضي جواز الأمر بالفعل حقيقة قبل الاستطاعة، فعلى هذا يكون المأمور مأموراً قبل التلبس بالفعل، والمأمور به مأمور به قبل حدوثه، لكن لعلهم فرعوا هذا على استحالته، أو وإن قالوا بجوازه، لكنهم قالوا ذلك بناء على عدم وقوعه، انتهى.
وقوله: (فالملام قبلها) إلى آخره، جواب عن سؤال مقدر على هذا القول الأخير، تقديره: أن القول به يؤدي إلى سلب التكاليف، فإنه يقول: لا أفعل حتى أكلف، والفرض أنه لا يكلف حتى يفعل، وجوابه أنه قبل المباشرة متلبس بالترك وهو فعل، فإنه كف النفس عن الفعل، فقد باشر الترك، فتوجه إليه التكليف بترك الترك حالة مباشرته للترك، وذلك بالفعل، وصار الملام على ذلك، وهذا/ (18ب/د) جواب نفيس أشار إليه إمام الحرمين في مسألة تكليف ما لا يطاق، وأما المعتزلة فإنهم متفقون على توجه التكليف قبل
(1/100)

المباشرة وانقطاعه عندها، ولم يحكه المصنف عنهم، وإنما حكاه عن الغزالي وإمامه.
ص: مسألة: يصح التكليف، ويوجد معلوماً للمأمور إثره مع علم الآمر، وكذا المأمور في الأظهر انتفاء شرط وقوعه عند وقته كأمر رجل بصوم يوم علم موته قبله، خلافاً لإمام الحرمين والمعتزلة، أما مع جهل الآمر فاتفاق.
ش: هل يصح تكليف الإنسان بأمر مع أن شرط وقوعه في وقته منتف فلا يمكن وقوعه، لانتفاء شرطه، للمسألة ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يعلم الآمر دون المأمور انتفاءه كأمر الله تعالى رجلاً بصوم يوم وقد علم سبحانه موته قبله، وشرط الصوم الحياة فلا يمكن وقوعه لانتفاء شرطه.
قال الجمهور: نعم، وقال إمام الحرمين والمعتزلة: لا، فالثاني مبني على أن فائدة التكليف الامتثال فقط، والأول مبني على أنه قد يكون فائدته الابتلاء أيضاً، ويترتب على ذلك وجوب الكفارة في تركة المجامع في نهار رمضان إذا مات أو جن في أثناء ذلك، النهار، فيجب على الأول دون الثاني، وعدم وجوبها هو الأصح، خلاف مقتضى البناء.
الثاني: أن يعلم المأمور أيضاً انتفاءه، فذكر المصنف/ (22/أ/م) أن الأظهر صحته أيضاً.
قال الشارح: وهذا مما خالف فيه الأصوليين، فإنهم أطبقوا على المنع، وفرقوا بينهما بانتفاء فائدة التكليف، ونقل الصفي الهندي الاتفاق
(1/101)

عليه، إلا على رأي من يقول بتكليف ما لا يطاق، ومستند المصنف في خلافهم قول الفقهاء فيمن علمت أنها تحيض في أثناء النهار يجب عليها افتتاح النهار بالصوم.
قال الشارح: وقد سبقه إلى ذلك المجد ابن تيمية في المسودة الأصولية، فقال بعد ذكر الخلاف في الحالة الأولى: (وينبغي على مساق هذا أن نجوزه، وإن علم المأمور أنه يموت قبل الوقت كما نجوز توبة المجبوب من الزنا، ويكون فائدته العزم على الطاعة بتقدير القدرة، قال: وليست هذه المسألة مبنية على تكليف خلاف المعلوم، ولا على تكليف ما لا يطاق، وإن كان لها به ضرب من التعلق، لكن تشبه النسخ قبل التمكن، لأن ذلك رفع الخطاب وهذا رفع للحكم بعجز، وقد نبه ابن عقيل على ذلك، وينبني على أنه قد يأمر بما لا يريد انتهى.
الثالث: أن يجهل الآمر انتفاءه كأمر السيد عبده بخياطة الثوب غداً، فهذا يصح بالاتفاق كما قاله المصنف تبعاً لابن الحاجب، لكن قال الصفي الهندي: في كلام بعضهم إشعار بخلاف فيه، انتهى.
تنبيهان:
أحدهما: اقتصر ابن الحاجب على ذكر الخلاف في صحة هذا التكليف، وزاد عليه المصنف أن الخلاف أيضاً في وجود التكليف معلوماً للمأمور إثره، أي إثر، التكليف، أي عقبه من غير توقف على مضي زمن يمكن فيه الامتثال/ (19/أ/د) وقد ترجم الأكثرون المسألة بأنه هل يعلم المأمور كونه مأموراً قبل
(1/102)

التمكن من الامتثال أو لا حتى يمضي عليه زمن الإمكان؟ فمن جوزه قال: قد تحقق ورود الأمر، وهو شك في رفعه بانتفاء شرطه قبل وقوعه، ومن منع قال: يكون شاكاً في ذلك، لأن الشرط سلامة العاقبة، وهو لا يتحققها، ويلزمهم أن لا يوجد من المكلف عبادة لحصول الشك، فلا يصح لهم عمل.
وقوله: (إثره) هو بكسر الهمزة وإسكان الثاء المثلثة وبفتحها لغتان.
الثاني: منع المعتزلة ورود/ (22ب/م) الأمر مقيداً بشرط، سواء علم وقوع الشرط أو عدم وقوعه، لأنه مع العلم بالوقوع لا يكون شرطاً ومع العلم بعدمه لا يكون أمراً إلا على رأي بعض من يجوز تكليف ما لا يطاق، وقد ظهر بهذا الاعتراض على ابن الحاجب والمصنف من وجهين.
أحدهما: تقييد المسألة بالعلم، فذكرا بعض أفراد المسألة.
ثانيهما: نقلهما الاتفاق مع جهل الأمر، والمعتزلة تخالف فيه أيضاً، والله أعلم.
ص: خاتمة: الحكم قد يتعلق بأمرين على الترتيب، فيحرم الجمع أو يباح أو يسن.
ش: الواجب المرتب على ثلاثة أقسام:
أحدها: يحرم الجمع بين أفراده، كأكل المذكي والميتة، فإنه يجب على المضطر أكلها عند فقد المذكي.
ثانيها: يباح، ومثله في المحصول بالوضوء والتيمم، وفيه نظر، فإن التيمم مع القدرة على الوضوء فعل العبادة بدون شرطها، فتكون فاسدة، ويحرم الإتيان بالعبادة الفاسدة إجماعاً، فإن أتى بصورة التيمم بدون نيته فليس تيمماً.
قال الشارح: ويمكن تصويره على رأي ابن سريج في الماء المختلف في
(1/103)

طهوريته، كالمستعمل والنبيذ الذي يجوز أبو حنيفة الطهارة به، فإنه نص في كتاب الودائع على أنه يتوضأ به ويتيمم خروجاً من الخلاف، ومثله قول أبي حنيفة في سؤر الحمار، إن لم يجد غيره توضأ به وتيمم.
وثالثها: كخصال الكفارة المرتبة مثل كفارة القتل، قال السبكي: هذا يحتاج إلى دليل ولا أعلمه، ولم أر أحداً من الفقهاء صرح باستحباب الجمع، ولعل مراد الأصوليين الورع والاحتياط بتكثير أسباب براءة الذمة، ولعلهم أيضاً لم يريدوا أن الجمع قبل فعله مطلوب، بل إذا وقع كان بعضه فرضاً وبعضه ندباً.
وقال الشارح: في تصويره نظر، فإنه إذا كفر بالعتق ثم صام فقد سقطت الكفارة بالأولى، فلا ينوي بالثانية الكفارة، لعدم بقائها عليه، قال: وينبغي أن يكون على الخلاف فيما إذا بطل الخصوص هل يبطل العموم.
ص: وعلى البدل كذلك.
ش: أي تأتي هذه الأقسام في الواجب المخير أيضاً، ومثل الإمام وغيره المحرم الجمع/ (23/أ/م) بتزويج المرأة من كفأين، والمباح بستر العورة بثوبين، والمندوب بالجمع بين خصال كفارة الحنث، وفيه ما تقدم في الكفارة المرتبة.
(1/104)

ص: الكتاب الأول في (الكتاب)
ومباحث الأقوال
الكتاب: القرآن، والمعني به هنا: اللفظ المنزل على/ (19 ب/د) محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته.
ش: قدم الكلام في الكتاب لكونه أصلاً لبقية الأدلة الشرعية، وهو في الأصل جنس، لكن غلب استعماله في المراد هنا، فصارت اللام فيه للعهد، وتفسيره بالقرآن هو تفسير اللفظ بمرادفه، كقولنا: البر: القمح، وقوله: (والمعنى به هنا) أشار به إلى أن القرآن يطلق، ويراد به مدلول اللفظ، وهو المعنى القائم بالنفس وهو محل نظر المتكلمين، وأخرى ويراد به الألفاظ الدالة على ما في النفس، ومنه قوله تعالى: {فأجره حتى يسمع كلام الله} والمسموع هو العبارات، وهذا محل نظر الأصوليين والفقهاء والنحاة وغيرهم.
فقولنا: (اللفظ) كالجنس خرج به النفسي.
وقولنا: (المنزل) فصل أول أخرج اللفظ غير المنزل
وقولنا: (على محمد) أخرج المنزل على غيره، كالتوراة.
وقولنا: (للإعجاز) أخرج المنزل لا للإعجاز كالأحاديث.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: السنة وحي يتلى.
وقال الحليمي: علوم القرآن توجد في السنة، إلا الإعجاز.
وقولنا: (بسورة) من تتمة هذا الفصل، وهو بيان للواقع، لا للإخراج،
(1/105)

وليس احترازا عن شيء نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام للإعجاز، لا بسورة.
منه وأشار به إلى أن السورة أقل ما وقع به التحدي، لكن قوله تعالى: {فليأتوا بحدث مثله} قد يقتضي بآية.
وقولنا: المتعبد بتلاوته أخرج منسوخ التلاوة.
ص: ومنه البسملة أول كل سورة غير براءة على الصحيح.
ش: ومنه أي من القرآن البسملة في أول كل سورة على الصحيح.
والثاني: إنكار ذلك، وحكي عن الأئمة الثلاثة، وتحرير مذهب الشافعي على أنه لا خلاف في أنها آية من أول الفاتحة وإثبات الخلاف في غيرها من السور والصحيح: إنها آية من جميعها أيضاً، ومحل الخلاف في غير براءة فليست آية من أولها بلا خلاف، وفي غير سورة النمل، فهي بعض آية منها بلا شك.
ثم اختلف القائلون بإثباتها أول كل سورة: هل هي آية منها؟ أو بعض آية؟ أو آية مستقلة في أولها؟ والقائلون بالثالث أبو بكر الرازي، ومن أحسن أدلتنا ثبوتها في سواد المصحف أول كل سورة بقلم القرآن، مع إجماع الصحابة على أنه لا يكتب في المصحف غير القرآن، ذكر ذلك القاضي حسين والغزالي والنووي وغيرهم.
(1/106)

والجمهور كما قال الماوردي : على أنها آية حكماً لا قطعاً، لاختلاف العلماء فيها.
ومعنى الحكم: أنه لا تصح الصلاة إلا بها في أول الفاتحة، وهي نظير كون الحجر من البيت أي في الحكم، وهو الطواف به، ولم يثبت ذلك بقاطع، وكذا صحح النووي: أنها قرآن على سبيل الحكم، قال: ولو كانت على سبيل القطعي لكفرنا فيها، وهو خلاف الإجماع، لكن في الزوائد للعمراني عن صاحب/ (20/أ/د) (الفروع) وهو سليم الرازي أنا إذا قلنا: إنها من الفاتحة قطعاً كفرنا نافيها وفسقنا تاركها، ونقل الشارح عن شيخنا الإمام بهاء الدين ابن عقيل أنه قال: (الذي يظهر أن إثباتها قرآناً لا يكون إلا بقاطع كغيرها، ويجوز كونه خبر الواحد الذي احتفت به القرائن، وهو إجماعهم على كتبها في المصاحف كلها بقلم القرآن، وعدم تكفير نافيها لكون القطع ناشئاً عن ثبوت الخبر المحفوف بالقرائن، وهذا لم يحصل للنافي) انتهى.
ص: لا ما نقل آحاداً على الأصح.
ش: نقل المصنف خلافاً في أن القرآن هل يثبت بأخبار الآحاد أم لا؟
وقال الشارح: حكاية الخلاف فيها على الإطلاق لم أره في شيء من
(1/107)

كتب الأصول بعد التتبع، ومقصود ابن الحاجب الكلام في البسملة خاصة، ولما أفرد المصنف هذا الكلام عن البسملة أفهم ثبوته على الإطلاق، وأن البسملة ثبتت بالتواتر، قال: والحق أن ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله، لا خلاف في شرط التواتر فيه، وأما بحسب محله ووضعه وترتيبه فهل يشترط فيه التواتر أم يكفي فيه نقل الآحاد؟ هذا الذي يليق أن يكون محل الخلاف, قال: ثم رأيت الخلاف/ (24أ/م) مصرحاً به في كتاب (الانتصار) للقاضي أبي بكر، فقال ما نصه: (وقال قوم من الفقهاء والمتكلمين: يجوز إثبات قرآن وقراءة حكما لا علماً بخبر الواحد دون الاستفاضة، وكره أهل الحق ذلك وامتنعوا منه) انتهى.
قلت: الظاهر أن القاضي أبا بكر إنما أراد مسألة البسملة خاصة، ولهذا قيد ما ذكره بقوله: (حكما لا علماً) فلا يكون سلفاً للمصنف في حكاية الخلاف على الإطلاق، ولعل المصنف انتقل ذهنه من الخلاف في أن المنقول بخبر الواحد على أن يكون قرآناً هل يكون حجة إجراء له مجرى الأخبار أم لا؟ فإن الخلاف في ذلك معروف، وأما في ثبوته قرآناً فلا، والله أعلم.
ص: والسبع متواترة، قيل: فيما ليس من قبيل الأداء، كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة، قال أبو شامة: والألفاظ المختلف فيها بين القراء.
ش: القراءات السبع متواترة بإجماع من يعتد به، بشرط صحة إسنادها إلى أولئك القراء، ولا التفات إلى قول بعض المتأخرين، هي متواترة عن السبعة، ولكن أسانيدهم بها آحاد، لأنا نقول بل هي متواترة، واقتصارهم على بعض طرقهم لا يدل على أنه لا طريق لهم سواها، وقوله: (قيل) أشار به إلى قول ابن الحاجب: إن التواتر إنما هو فيما ليس من قبيل الأداء فأما ما كان من قبيل كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة، فليس متواتراً، وضعف المصنف هذا، ومال إلى تواتره أيضاً، وإنما الآحاد كيفيته، فاختيار القراء
(1/108)

مختلف في تقدير المد، فعن حمزة وورش المد بقدر ست ألفات، وقيل: خمس، وقيل: أربع، وصحح، وعن عاصم: ثلاث، وعن الكسائي: ألفين ونصف، وعن قالون: ألفين، وعن السوسي ألف ونصف، / (20ب/د) وكذلك الإمالة اختلفوا في كيفيتها مبالغة وقصوراً وكذا كيفية تخفيف الهمزة، فهذا هو الذي لا تواتر فيه، وأما أصل المد والإمالة وتخفيف الهمزة فمتواتر.
وقال الشارح: إنما أورد كلام ابن الحاجب بصيغة التمريض، لأنه وإن وافقه في استثناء ما ليس من قبيل الأداء، لكن لا يوافقه في التمثيل.
قلت: وهذا كلام معكوس، فإنه وافقه في التمثيل على أنه ليس متواتراً، أما أصل الاستثناء فلم يوافقه عليه، بل ادعى أنه متواتر، ثم حكى المصنف عن أبي شامة أن الألفاظ/ (24ب/م) المختلف فيها بين القراء ليست متواترة أيضاً، والمراد تنوع القراء في أدائها، فإن منهم من يبالغ في تشديد الحرف المشدد، فكأنه زاد حرفاً، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يرى الحالة الوسطى، ولذلك قال: (وألفاظ القراء) ولم يقل: القراءات، وتوقف المصنف في ذلك، وقال: الظاهر تواترها، فإن اختلافهم ليس إلا في الاختيار ولا يمنع قوم قوماً.
ص: ولا تجوز القراءة بالشاذ.
ش: حكى ابن عبد البر فيه الإجماع، قال النووي في (شرح المهذب): لا في الصلاة ولا في غيرها، وعبارة الرافعي تسوغ القراءة الشاذة إن لم يكن فيها تغيير معنى، ولا زيادة حرف، ولا نقصانه، وعبر عنه في
(1/109)

(الروضة) بقوله: تصح.
ص: والصحيح أنه ما وراء العشرة وفاقاً للبغوي والشيخ الإمام، وقيل ما وراء السبعة.
ش: السبعة معروفة، والثلاثة الأخرى: قراءة يعقوب وخلف وأبي جعفر بن يزيد بن القعقاع، فرجح المصنف أن الشاذ ما وراء هذه العشرة، وحكاه عن البغوي ووالده.
وقال الشارح: والذي رأيته في أول تفسير البغوي: ذكر أبي جعفر، ويعقوب، دون خلف، ثم قال: فذكرت قراءة هؤلاء للاتفاق على جواز القراءة بها، وقال أبو حيان: لا نعلم أحداً من المسلمين حظر القراءة بالثلاثة الزائدة على السبعة، بل قرئ بها في سائر الأمصار.
وقال المصنف: القول بأنها غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين.
(1/110)

ص: أما إجراؤه مجرى الآحاد فهو الصحيح.
ش: إجراء الشاذ مجرى أخبار الآحاد في الاحتجاج به هو الصحيح، لأنه بطل خصوص كونه قرآناً لفقد شرطه، وهو التواتر، فبقي عموم كونه خبراً، ولهذا احتجوا على إيجاب قطع يمين السارق بقراءة ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما) ونص عليه الشافعي في (البويطي) واختار ابن الحاجب أنه ليس بحجة، وحكاه إمام الحرمين في (البرهان) عن الشافعي، لكونه لم يوجب التتابع في كفارة الحنث مع علمه بقراءة ابن مسعود (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات).
ص: ولا يجوز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة خلافاً للحشوية.
ش: منع الأكثرون أن يرد في الكتاب/ (21أ/د) أو السنة ما لا معنى له، لأنه هذيان، فلا يليق النطق به بعاقل، فكيف بالبارئ سبحانه؟! وجوزه الحشوية، وهم قوم يجرون آيات الصفات/ (25أ/م) على ظاهرها، بل قالوا بوقوعه في
(1/111)

الحروف المقطعة أوائل السور، وفي قوله: {كأنه رؤوس الشياطين} وأجاب الجمهور بأن الحروف المقطعة أسماء للسور، وأن رؤوس الشياطين مثل في الاستقباح على عادة العرب في ضرب الأمثال بما يتخيلونه قبيحاً، وقال ابن برهان: الحق التفصيل بين الخطاب الذي يتعلق به تكليف، فلا يجوز، وما لا يتعلق به تكليف فيجوز، وهو مذهب ثالث.
تنبيهات:
أحدهما: إلحاق الحديث بذلك، ذكره في (المحصول) وقال الأصفهاني في (شرح المحصول): لم أره لغيره.
ثانيها: الظاهر أن خلاف الحشوية فيما له معنى ولا نفقهه، أما ما لا معنى له أصلاً فمنعه محل اتفاق.
ثالثها: الحشوية بفتح الشين، لأنهم كانوا يجلسون في حلقة الحسن البصري أمامه، فلما أنكر كلامهم، قال: ردوهم إلى (حشى) الحلقة أي جانبها، وقال ابن الصلاح: الفتح غلط، وإنما هو بالإسكان.
ص: ولا ما يعنى به غير ظاهره إلا بدليل خلافاً للمرجئة.
ش: لا يجوز أن يقع في الخطاب الشرعي ما يراد به غير ظاهره من غير بيان ذلك، خلافاً للمرجئة، وهم طائفة يقولون: بأنه لا يضر مع الإيمان
(1/112)

معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، قالوا: إن آيات الوعيد التي في القرآن الكريم توعد بها الفساق، ليست على ظاهرها، بل المراد بها خلاف الظاهر، وإن لم يبين الشرع ذلك.
ص: وفي بقاء المجمل غير مبين ثالثها الأصح لا يبقى المكلف بمعرفته.
ش: هل يجوز أن يبقى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن مجمل لا يعرف معناه؟ منعه بعضهم، لأن الله تعالى أكمل الدين، وقال آخرون بإمكانه، وفصل إمام الحرمين، فجوزه فما لا تكليف فيه، ومنعه فيما فيه تكليف، وصححه المصنف، وقال الشارح: الظاهر أن هذا تنقيح للقول الثاني، لا مذهب ثالث مفصل.
ص: والحق أن الأدلة النقلية قد تفيد اليقين بإنضمام تواتر أو غيره.
ش: اختلف في أن الأدلة النقلية هل تفيد اليقين أم لا؟ على مذاهب:
أحدها: تفيده مطلقاً، حكاه الآمدي عن الحشوية.
والثاني: لا، مطلقاً لتوقف اليقين فيها على أمور، لا طريق إلى القطع بها.
والثالث: وهو اختيار الآمدي في (الأبكار) والإمام في (المحصول)، و (الأربعين) أنها قد تفيده إذا انضم إليها تواتر أو غيره من القرائن الحالية ولا غيره بالاحتمال فإنه إذا لم ينشأ عن دليل لم يعتبر، وإلا لم يوثق بمحسوس.
(1/113)

ص: المنطوق والمفهوم.
ص: المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق
ش: لما توقف الاستدلال بالقرآن لكونه عربياً على معرفة أقسام اللغة، شرع في بيانها، وهي تنقسم باعتبارات/ (25ب/ م)
فباعتبار المراد من اللفظ: إلى منطوق ومفهوم.
وباعتبار دلالة اللفظ على الطلب بالذات: إلى أمر/ (21ب/ د) ونهى.
وباعتبار عوارضه وهي إما متعلقاته إلى عام وخاص، أو النسبة بين ذاته ومتعلقاته: إلى مجمل ومبين، أو بقاء دلالته أو رفعها: إلى ناسخ ومنسوخ.
فذكرها المصنف على هذا الترتيب، فبدأ بتقسيمه إلى منطوق ومفهوم.
فالمنطوق: ما دل عليه اللفظ في محل النطق، أي بغير واسطة، كدلالة قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} على تحريم التأفيف، فخرج المفهوم فإن دلالة اللفظ عليه لا في محل النطق، بل في محل السكوت، كدلالة هذه الآية على تحريم الضرب.
ص: وهو نص إن أفاد معنى لا يحتمل غيره كزيد، ظاهر إن احتمل مرجوحاً كالأسد.
ش: قسم المنطوق إلى نص
(1/114)

وظاهر، فالنص ما أفاد معنى لا يحتمل غيره، كزيد لدلالته على شخص بعينه، والظاهر، ما أفاد معنى مع احتمال غيره احتمالا مرجوحاً، كالأسد، فإن دلالته على الحيوان أرجح من دلالته على الرجل الشجاع.
واعلم أن في النص أربعة اصطلاحات:
أحدها: وهو المذكور هنا ما لا يحتمل التأويل.
ثانيها: ما احتمله احتمالاً مرجوحاً، فهو حينئذ بمعنى الظاهر، وهو الغالب في إطلاق الفقهاء.
ثالثها: ما دل على معنى كيف كان.
ذكر هذه الثلاث القرافي في (التنقيح).
رابعها: دلالة الكتاب أو السنة مطلقاً، وهو اصطلاح كثير من متأخري الخلافيين، كما ذكره الشيخ تقي الدين في شرح العنوان، وعليه مشى البيضاوي في القياس، وكلام الشارح هنا في ذكر معاني النص غير محرر.
ص: واللفظ إن دل جزؤه على جزء المعني فمركب وإلا فمفرد.
ش: اللفظ ينقسم إلى مفرد ومركب، فإن دل جزؤه على جزء معناه، فهو مركب، وإن لم يدل جزؤه على جزء معناه فهو مفرد، فتناول ما لا جزء له أصلاً، كالبناء مثلاً، وما له جزء، لكن لا يدل على جزء معناه ك (زيد) مثلاً، فإن الزاي منه لا تدل على جزء معناه، وهو الذات المعينة.
فإن قلت: قوله: (جزؤه) يتناول كل جزء منه، لأنه اسم جنس مضاف فيعم.
(1/115)

قلت: المراد بالجزء ما صار به اللفظ مركباً، كزيد وحده، وقائم وحده، من قولنا: (زيد قائم) والزاي جزء لزيد الذي هو جزء لقولنا: زيد قائم، فجزئية الزاي كزيد قائم باعتبار أنه جزء جزئه، والله أعلم / (26أ/ م).
ص: ودلالة اللفظ على معناه مطابقة، وعلى جزئه تضمن، وعلى لازمه الذهني التزام.
ش: الدلالة كون الشيء يلزم من فهمه فهم شيء آخر، وبإضافتها إلى اللفظ خرجت (الدلالة العقلية) وهي دلالة وجود المسبب على وجود سببه، (والوضعية) كدلالة الذراع على القدر المعين، وكان ينبغي أن يقول: دلالة اللفظ الوضعية ليخرج دلالة اللفظ العقلية، كدلالة اللفظ على حياة اللافظ، ودلالة اللفظ الطبيعية، كدلالة أح أح على وجع الصدر/ (22أ/د).
ودلالة اللفظ الوضعية وهي كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه المعنى من كان عارفاً بالوضع تنقسم إلى ثلاثة أقسام، لأن اللفظ إن دل على معناه الموضوع له فهي المطابقة، لتطابق اللفظ والمعنى، ولم يقل المصنف: (تمام مسماه) كالبيضاوي، لأن التمام إنما يكون في ذي أجزاء، فيخرج عنه دلالة الجوهر الفرد على معناه، وأيضاً فالتعريفات تصان عن الحشو، وهذه الزيادة لا معنى لها، لأن جزء الشيء غير الشيء، ومع ذلك فهي مضرة، وإن دل اللفظ على جزء معناه فهي التضمن، وإن دل على لازمه الذهني فهي الالتزام، وقيدنا اللزوم بالذهني لأنه المعتبر، سواء كان لازماً في الخارج، كالارتفاع مع السرير، أو لا كالعمى مع البصر، فدلالة الإنسان على الحيوان الناطق مطابقة، وعلى الحيوان فقط أو على الناطق فقط تضمن، وعلى الضاحك مثلاً التزام.
قال الشارح: واعلم أن اشتراط اللزوم الذهني هو رأي المنطقيين، وأما الأصوليون وأهل البيان فلا يشترطونه، بل دلالة الالتزام عندهم ما يفهم منه معنى خارج عن المسمى، سواء كان المفهم للزوم بينهما في ذهن كل أحد أو
(1/116)

عند العالم بالوضع أو في الخارج، أو لم يكن بينهما لزوم أصلاً، لكن القرائن الخارجية استلزمته، ولهذا يجري فيها الوضوح والخفاء بحسب اختلاف الأشخاص والأحوال، وهذا أظهر، والأولون إن ذكروه اصطلاحاً فلا مشاحة، أو بالوضع فممنوع انتهى.
قلت: بل ما ذكره المناطقة أظهر، فإن المراد بيان الدلالات التي يقع بها الخطاب الشرعي، وتقوم الحجة بها على المكلف، وذلك لا يأتي في غير اللزوم الذهني، ومراد البياني التفنن في البلاغة، واختبار الفطنة، والغباوة بفهم المعنى القريب والبعيد، / (26ب/م) ولا نسلم اكتفاء الأصولي في الدلالة بما يكتفي به البياني، بل هو كالمنطقي في ذلك، وعنه تلقى هذه الدلالات، والله أعلم.
ص: والأولى لفظية والثنتان عقليتان.
ش: الدلالة الأولى: وهي المطابقة لفظية، والثنتان وهما التضمن والالتزام عقليتان، هذا أحد المذاهب الثلاثة، واختاره صاحب (المحصول) وابن التلمساني والصفي الهندي وغيرهم.
والثاني: أن الثلاثة لفظية، وعزاه بعضهم للأكثرين.
والثالث: أن الالتزام فقط عقلية، وهو رأي الآمدي وابن الحاجب.
ص: ثم المنطوق إن توقف الصدق أو الصحة على إضمار فدلالة اقتضاء، وإن لم يتوقف ودل على ما لم يقصد فدلالة إشارة.
ش: دلالة المنطوق قد لا تستفاد من الصيغة فقط، بل باقتران أمر آخر بها، وتنقسم إلى دلالة اقتضاء
(1/117)

وإشارة.
الأولى: الاقتضاء وهي ما توقف الصدق، أي كون المتكلم صادقاً، أو ثبوت المخبر به، / (22ب/د) وصحته عقلاً أو شرعاً على إضمار، فهذه ثلاثة أقسام:
فالأول نحو قوله عليه الصلاة والسلام: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) فإنه لا بد من تقدير الحكم أو المؤاخذة لتعذر حمله على حقيقته،
(1/118)

فإنهما واقعان في هذه الأمة.
والثاني: كقوله تعالى: {فانفلق} فإنه إنما ينتظم بإضمار فضرب.
والثالث: كفهم حصول الملك لمن قال لغيره: أعتق عبدك عني على ألف قبيل العتق، لأن العتق لا يصح من جهة الشرع إلا في مملوك، وهذان القسمان داخلان في قول المصنف: (أو الصحة) أي عقلاً أو شرعاً.
الثانية: (الإشارة) وهي أن لا يتوقف الصدق ولا الصحة على إضمار لكن يدل اللفظ على ما ليس مقصوداً منه في الأصل، ولكنه من توابعه، كقوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} الآية، فإنه يعلم
(1/119)

من دلالة الآية على جواز ذلك إلى طلوع الفجر جواز صوم الجنب، فإنه متى استمر إلى الفجر كان جنباً في جزء من النهار، وقد حكي هذا الاستنباط عن محمد بن كعب القرظي من أئمة التابعين.
ص: والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق.
ش: خرج بقوله: (لا في محل النطق) المنطوق، وفهم منه أن دلالته ليست وضعية، وإنما هي انتقالات ذهنية، فإن الذهن ينتقل من فهم القليل إلى فهم الكثير، وعرفه بعضهم بأنه ما فهم عند النطق على وجه يناقض المنطوق به أو يوافقه.
ص: فإن وافق حكمه/ (27أ/ م) المنطوق فموافقة، فحوى الخطاب إن كان أولى، ولحنه إن كان مساوياً، وقيل: لا يكون مساوياً.
ش: قسم المفهوم إلى ما يوافق حكمه حكم المنطوق، وإلى ما يخالف حكمه حكمه.
فالأول: مفهوم الموافقة.
والثاني: مفهوم المخالفة.
ثم قسم مفهوم الموافقة إلى ما كان أولى بالحكم من المنطوق، وإلى ما كان
(1/120)

مساوياً له.
فالأول: يسمى فحوى الخطاب، كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب، والفحوى ما يعلم من الكلام بطريق القطع.
والثاني: وهو المساوي، كالأذى بما يساوي التأفيف يسمى لحن الخطاب، أي معناه من قوله تعالى: {ولتعرفنهم في لحن القول} أي معناه، وهذا التقسيم مبني على أنه لا يشترط في مفهوم الموافقة الأولوية وهو المختار عند المصنف، وقيل: يشترط، فلا يكون مساوياً وهو مقتضى نقل إمام الحرمين عن الشافعي، وعزاه الصفي الهندي للأكثرين، والخلاف في التسمية، واتفقوا على الاحتجاج بالمساوي كالأولى.
ص: ثم قال الشافعي والإمامان: دلالته قياسية، وقيل: لفظية، فقال الغزالي والآمدي: فهمت من السياق والقرائن وهي مجازية من إطلاق الأخص على الأعم، وقيل: نقل اللفظ لها عرفاً.
ش: في دلالة مفهوم الموافقة ثلاثة مذاهب.
الأول: أنها من باب القياس، نص عليه الشافعي في/ (23أ/د) (الرسالة) وذهب إليه الإمام فخر الدين، وحكاه المصنف في النسخة القديمة عن إمام الحرمين أيضاً، فقال: (قال الإمام الشافعي والإمامان) واعتمد في ذلك نقل بعضهم عن (البرهان) له أنه نقله فيه عن معظم الأصوليين، وهذا وهم فالذي حكاه في (البرهان) عن معظم الأصوليين أنها دلالة مفهوم، والله أعلم.
الثاني: أنها ليست قياسية بل لفظية، فهمت من السياق، والقرائن وهي مجازية، ونوع العلاقة فيها إطلاق الأخص على الأعم، وبهذا قال الغزالي والآمدي.
(1/121)

الثالث: أنها لفظية حقيقية، نقل اللفظ في العرف من وضعه الأصلي لثبوت الحكم في المذكور خاصة إلى ثبوت الحكم في المذكور والمسكوت معاً.
قال الشارح: وهذا الذي أخره المصنف وضعفه هو الذي ذكره المصنف في العموم حيث قال: وقد يعم اللفظ عرفا كالفحوى.
قلت: لعله مثل به هناك لهذا القسم على رأي مرجوح، والله أعلم.
ص: وإن خالف (27ب/ م) فمخالفة، وشرطه أن لا يكون المسكوت ترك لخوف ونحوه، ولا يكون المذكور خرج للغالب، خلافاً لإمام الحرمين، أو لسؤال أو حادثة أو للجهل بحكمه أو غيره مما يقتضي التخصيص بالذكر.
ش: هذا قسيم لقوله أولاً: (فإن وافق حكم المنطوق) أي، وإن خالف حكم المسكوت عنه حكم المنطوق فهو مفهوم مخالفة، ويسمى دليل الخطاب، وللاحتجاج به شروط:
أحدها: أن لا يكون المسكوت إنما ترك ذكره لخوف ونحوه، فالخوف هو المانع من الذكر فلا يكون المفهوم معتبراً.
قال الشارح: وكلام ابن الحاجب يقتضي عد هذا من شروط المذكور، أي لا يرد المذكور لدفع خوف، فإن ورد لذلك فلا مفهوم له.
الثاني: ألا يكون المذكور خرج مخرج الغالب، فما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، فإنه إنما خص بالذكر لغلبة حضوره في الذهن، كذا نقله إمام الحرمين عن الشافعي، ثم نازع فيه، وقال: الذي أراه أن ذلك لا يسقط التعلق بالمفهوم ولكن ظهوره أضعف من ظهور غيره، وقال ابن عبد السلام: إن القاعدة تقتضي العكس، وهو أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب يكون له مفهوم، بخلاف ما إذا لم يكن غالباً، وذلك لأن الوصف الغالب على الحقيقة تدل العادة على ثبوته لتلك الحقيقة، فالمتكلم يكتفي بدلالة العادة على ثبوته لها
(1/122)

عن ذكر اسمه، فذكره له إنما هو ليدل على سلب الحكم عما عداه لانحصار غرضه فيه، فإذا لم يكن عادة فقد يقال: إن غرض المتكلم بتلك الصفة إفهام السامع ثبوت هذه الصفة لهذه الحقيقة، وأجاب في أماليه بأن المفهوم إنما قلنا به لخلو القيد عن الفائدة لولاه، أما إذا كان الغالب وقوعه فإذا نطق/ (23ب/د) باللفظ أولا فهم القيد لأجل غلبته، فذكره بعده يكون تأكيداً لثبوت الحكم للمتصف بذلك القيد، فهذه فائدة أمكن اعتبار القيد فيها فلا حاجة إلى المفهوم بخلاف غير الغالب.
وأجاب القرافي بأن الوصف إذا كان غالباً كان ملازماً لتلك الحقيقة في الذهن فذكره إياه مع الحقيقة عند الحكم عليها لحضوره في ذهنه، لا لتخصيص الحكم به، بخلاف غير الغالب.
الثالث: أنه لا يخرج المذكور جواباً لسؤال كأن يسأل هل في الغنم السائمة زكاة؟ فيجاب: في الغنم السائمة زكاة.
الرابع: أن لا يخرج مخرج حادثة، كما لو/ (28أ/ م) قيل: (لزيد غنم سائمة) فيقال: فيها زكاة.
الخامس: أن لا يكون المنطوق إنما ذكر لجهل المخاطب بحكمه، كأن يعلم حكم المعلوفة بالنسبة إلى الزكاة ويجهل حكم السائمة، فيذكر حكمها، والضابط لهذه الشروط وما في معناها أن لا يظهر لتخصيص المنطوق بها، بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت عنه، وعلى ذلك اقتصر البيضاوي وتبع المصنف ابن الحاجب في سردها.
ص: ولا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق، بل قيل: يعمه المعروض، وقيل: لا يعمه إجماعاً.
ش: إذا ظهر للتخصيص بالذكر فائدة غير اختصاص الحكم به، كأن يعلم
(1/123)

أن قوله: (في سائمة الغنم الزكاة) خرج جواباً لسؤال عن السائمة جاز لنا أن نقيس المسكوت عنه وهي المعلوفة على السائمة في الحكم، وهو وجوب الزكاة، إذا وجد شرط القياس، ولا يكون التخصيص بالذكر في هذه الحالة مانعاً من القياس، فالضمير في قوله: (ولا يمنع) عائد على قوله: (ما يقتضي التخصيص بالذكر أو على التخصيص).
ثم حكى المصنف خلافاً في أن اللفظ المعروض في هذه الحالة كالغنم هل يعم المعلوفة فيستغني بذلك عن القياس أو لا يعمه، بل هو مسكوت عنه، وإنما عبر بالمعروض لأن السوم عارض له، ولم يعبر بالموصوف لئلا يتخيل اختصاص ذلك بالصفة، وأشار بقوله: (إجماعاً) إلى أن بعضهم حكى الإجماع على القول الثاني، وهو ابن الحاجب، فإنه قال في أثناء المسألة: وأجيب بأن ذلك فرع العموم، ولا قائل به، ولا يقال: كيف يحكي الإجماع على قول حكاه بصيغة التمريض، لأن حكاية الإجماع من تتمة هذه القولة التي عبر عنها ب (قيل) وحاصله نقل حكاية الإجماع عن بعضهم.
ص: وهو صفة كالغنم السائمة أو سائمة الغنم، لا مجرد السائمة على الأظهر، وهل المنفي غير سائمتها أو غير مطلق السوائم؟ قولان.
ش: شرع في ذكر مفاهيم المخالفة، فمنها:
مفهوم الصفة، وهو تعليق الحكم بإحدى صفتي الذات، فهو عند القائل بمفهوم الصفة يدل على انتفاء الحكم عند انتفاء تلك الصفة، وذكر له المصنف ثلاثة أمثلة:
أحدها: في الغنم السائمة الزكاة.
ثانيها: وهو لفظ الحديث (في سائمة الغنم الزكاة) وبين الصيغتين فرق في: / (24/أ/د) المعنى، فمقتضى الأولى عدم الوجوب في الغنم المعلوفة التي لولا القيد
(1/124)

بالسوم لشملها لفظ الغنم، ومقتضى الثانية: عدم الوجوب/ (28/ب/م) في سائمة غير الغنم كالبقر مثلاً التي لولا تقييد السائمة بإضافتها إلى الغنم لشملها لفظ السائمة، كذا قال المصنف.
والحق عندي أنه لا فرق بينهما فإن قولنا: (سائمة الغنم) من إضافة الصفة إلى موصوفها، فهو في المعنى كالأولى، فالغنم موصوفة، والسائمة صفة على كل حال، وقد عرف أنه ليس المراد بالصفة هنا النعت، ولهذا مثل بقوله عليه الصلاة والسلام: ((مطل الغني ظلم)) والتقييد فيه بالإضافة لكنه في المعنى صفة، فإن المراد به المطل الكائن من الغني لا من الفقير.
ثالثها: أن يقتصر على ذكر الصفة من غير ذكر الذات، كقولنا: (في السائمة الزكاة) واختلف في أن ذلك من مفهوم الصفة، كالمثالين قبله، أو لا مفهوم له كاللقب، بخلاف المثالين قبله، فإنه لا فائدة فيهما لذكر الصفة إلا نفي الحكم، والكلام بدونها لا يختل، حكاه الشيخ أبو حامد وابن السمعاني وغيرهما، وحكى ابن السمعاني الأول عن جمهور الشافعية، على خلاف ما رجحه المصنف، ثم نقل المصنف خلافاً في المثالين الأولين، هل المنفي فيهما غير سائمة الغنم، أو غير مطلق السوائم؟ فعلى الأول: إنما يدل على نفي الزكاة عن معلوفة الغنم، وعلى الثاني يدل على نفي الزكاة عن كل معلوفة ولو من الإبل أو البقر، وصحح الشيخ أبو حامد في كتابه في الأصول وصاحب
(1/125)

(المحصول) الأول، لأن المنطوق سائمة الغنم، والمفهوم نقيضه.
قال المصنف: ولعل الخلاف مخصوص تصوره في الغنم السائمة، أما صورة سائمة الغنم، فقد قلنا: إن المنفي فيها سائمة غير الغنم، فالمنفي سائمة لا غير سائمة، والمنفي هناك غير سائمة، لكن غير سائمة على العموم أو غير سائمة على الخصوص؟ فيه القولان.
ص: ومنها العلة والظرف والعدد والحال.
ش: هذه الأنواع من مفهوم الصفة، وإن غاير الأصوليون بينها وبين الصفة.
وقال إمام الحرمين: ولو عبر عن جميع هذه الأنواع بصفة لكان منقدحاً، فإن المحدود والمعدود موصوفان بعددهما وحدهما، والمخصوص بالكون في زمان أو مكان موصوف بالاستقرار فيهما.
وسبقه إليه في العدد القاضي أبو الطيب، فقال: إنه قسم من الصفة، لأن قدر الشيء صفته، وأشار إليه ابن الحاجب أيضاً، فالضمير في قوله: (منها) يعود على الصفة، فمثال مفهوم العلة قوله عليه الصلاة والسلام: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) فمفهومه أن ما لا يسكر كثيره لا يحرم، وفرق القرافي بينه وبين مفهوم الصفة، بأن الصفة قد تكون مكملة للعلة لا علة، وهي أعم من العلة، فإن وجوب الزكاة في السائمة ليس للسوم وإلا لوجبت في الوحوش، وإنما/ (29/ أ/ م) وجبت لنعمة الملك، وهو مع السوم أتم/ (24ب/د) منه مع العلف، ومثال مفهوم ظرف الزمان قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} والمكان
(1/126)

كقوله تعالى: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} ومثال العدد قوله تعالى: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} والمحكي عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه حجة.
وحكاه إمام الحرمين عن الجمهور، لكن جزم البيضاوي تبعاً للقاضي أبي بكر وإمام الحرمين وغيرهما أنه ليس بحجة.
أما مفهوم المعدود كقوله عليه الصلاة والسلام: ((أحلت لنا ميتتان ودمان)) فليس بحجة كما ذكره السبكي، وفرق بينه وبين مفهوم العدد بأن العدد يشبه الصفة، لأن قولك: في خمس من الإبل، في قوة قولك: في إبل خمس، تجعل الخمس صفة للإبل وهي إحدى صفتي الذات، لأن الإبل قد تكون خمساً وأقل وأكثر، فلما قيد وجوب الشاة بالخمس فهم أن غيرها بخلافه، فإذا قدمت لفظ العدد كان الحكم كذلك، والمعدود لم يذكر معه أمر زائد يفهم منه انتفاء الحكم عما عداه، فصار كاللقب.
واللقب لا فرق فيه بين أن يكون واحداً أو مثنى، ألا ترى أنك لو قلت: رجال لم يتوهم أن صيغة الجمع عدد، ولا يفهم منها ما يفهم من التخصيص بالعدد، فكذلك المثنى، لأنه اسم موضوع لاثنين كما أن الرجال اسم موضوع لما زاد، انتهى.
ومثال مفهوم الحال قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد}.
ص: وشرط.
ش: وهو معطوف على قوله: (صفة) أي ومن المفاهيم مفهوم
(1/127)

الشرط، وهو تقييد الحكم بما هو مقرون بحرف شرط، وهو أقوى من مفهوم الصفة، فإنه قال به بعض من لا يقول بمفهوم الصفة كابن سريج.
ص: وغاية.
ش: ومنها مفهوم الغاية، وهو تقييد الحكم بغاية ك (إلى) و (حتى) كقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} و {ولا تقربوهن حتى يطهرن}.
ص: وإنما ومثل لا عالم إلا زيد، وفصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل وتقديم المعمول.
ش: ومنها مفهوم الحصر: فيه مذاهب.
أحدها: إنكاره.
والثاني: أنه من المنطوق.
والثالث: أنه من المفهوم، وبه قال الجمهور، وله صيغ منها: (إنما) فالجمهور على أنها تدل على الحصر، ومعناه إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه، وكلام ابن دقيق العيد في شرح العمدة يقتضي الاتفاق عليه.
واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر بل تأكيد الإثبات فقط، ونقله أبو حيان عن البصريين.
(1/128)

ومنها: النفي والإثبات، سواء كان النفي ب (لا) أو (ما) نحو: لا عالم إلا زيد، وما قام إلا زيد، / (29/ب/م) وقد يفهم من تمثيله بالاستثناء المفرغ أن التام نحو قولك: ما قام أحد إلا زيد، بخلافه، وليس كذلك.
ومنها: ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر، كقولك: زيد هو العالم، فيفيد ثبوت العلم له ونفيه عن غيره بالمفهوم، ومنه: (إن شانئك هو الأبتر}
ومنها تقديم المعمول نحو: {إياك نعبد / (25 أ/ د) وإياك نستعين} أي لا غيرك، ودخل في المعمول الحال والظرف وتقديم الخبر نحو: تميمي أنا.
ص: وأعلاه: لا عالم إلا زيد، ثم ما قيل: منطوق أي بالإشارة، وهو إنما، ثم غيره.
ش: أعلى أنواع الحصر، أي أقواها النفي والإثبات نحو: (لا عالم إلا زيد) لأن (إلا) موضوعة للاستثناء، وهو الإخراج، فدلالته على الإخراج بالمنطوق، لكن الإخراج من عدم القيام ليس هو عين القيام، بل قد يستلزمه فلذلك كان من المفهوم، وبعد النفي والإثبات ما ذهب بعضهم إلى أن دلالته بالمنطوق ك (إنما) فإن قلت: القسم الأول داخل في هذا لأنه قيل: إنه بالمنطوق، لعلة التنبيه.
قلت: ذاك قيل: إنه منطوق بالنص ودلالة (إنما) قيل: إنها منطوق بالإشارة كما ذكره المصنف، أي بإشارة النص إليه، لا بنفس النص، ثم بعد ذلك غيره من أنواع الحصر، وهو ضمير الفصل، وتقديم المعمول كما تقدم.
(1/129)

ص: مسألة: المفاهيم إلا اللقب حجة لغة وقيل شرعاً وقيل معنى.
ش: جميع مفاهيم المخالفة عندنا حجة، إلا مفهوم اللقب، وهو تعليق الحكم بالاسم الجامد، سواء أكان اسم جنس أو علماً، فلا يدل على نفي الحكم عما عداه على الصحيح، وليس المراد باللقب الاصطلاح النحوي بل أعم منه ومن الاسم والكنية، ثم إن المشهور أن دلالته من جهة اللغة أي ليس من المنقولات الشرعية، بل هو باق على أصله.
وقيل: من جهة الشرع أي تصرف من جهة الشرع زائد على الوضع اللغوي، وقيل: من جهة المعنى، أي العرف العام.
(1/130)

ص: واحتج باللقب الدقاق والصيرفي وابن خويز منداد وبعض الحنابلة.
ش: الدقاق من أصحابنا الشافعية، وكنيته أبو بكر، ونقل الأستاذ أبو إسحاق أنه ألزم على قوله بمفهوم اللقب أن إيجاب الصلاة يكون دليلاً على عدم وجوب الزكاة والصوم وغيرهما.
قال: فبان له غلطه، وتوقف فيه، ويقال: إنه ألزم تكفير من قال: عيسى رسول الله، فإنه على قوله يدل على نفي الرسالة عن غيره، وحكى السهيلي في (نتائج الفكر) هذا المذهب عن الصيرفي أيضاً، ويقال: إنه/ 30/أ/م) حكاه فيه أيضاً عن أبي إسحق المروزي، وحكاه المازري عن ابن خويز منداد وهو بفتح الميم، وعن ابن عبد البر أنه بكسر الباء الموحدة وحكاه الآمدي
(1/131)

وابن الحاجب عن الحنابلة.
ص: وأنكر أبو حنيفة الكل مطلقاً، وقوم في الخبر، والشيخ الإمام في غير الشرع، وإمام الحرمين صفة لا تناسب الحكم، وقوم العدد دون غيره.
ش: اختلف المنكرون لمفاهيم المخالفة في الجملة على مذاهب.
أحدها: إنكارها مطلقاً ولا يرد على قول المصنف: (مطلقاً) مفهوم الموافقة، فإنه متفق عليه، كما حكاه القاضي أبو بكر وغيره، لأن الكلام في مفاهيم المخالفة، وبهذا قال أبو حنيفة، فلا يتوهم من اقتصار المصنف على نقله/ (25/ب/د) عنه انفراده به عنا، فإنه وجه عندنا، ذهب إليه ابن سريج والغزالي، وتوهم صاحب (المطلب) أن أبا حنيفة يقول بمفهوم الصفة لإسقاطه الزكاة في المعلوفة، وليس كذلك، بل إنما لم يوجبها فيها تمسكاً بالأصل.
الثاني: إنكار المفاهيم في الخبر والعمل بها في الأمر، أي وما في معناه من الإنشاء.
وهذا مأخوذ من كلام ابن الحاجب في أثناء الاستدلال.
الثالث: أنها ليست حجة في كلام الآدميين في الأوقاف والأقارير وغيرهما لغلبة ذهولهم، وإنما هي حجة في خطاب الشرع خاصة، لعلمه بواطن الأمور وظواهرها، ذهب إليه الشيخ الإمام تقي الدين السبكي، قال: فلو وقف على الفقراء لا نقول: إن الأغنياء خارجون بالمفهوم بل عدم استحقاقهم بالأصل، ويوافقه ما في فتاوى القاضي الحسين أنه لو ادعى عليه عشرة، فقال: لا تلزمني اليوم، لا يطالب بها، لأن الإقرار لا يثبت بالمفهوم، وحكى ابن تيمية هذا التفصيل في بعض مؤلفاته عن بعض الناس، وقال: إنه خلاف الإجماع، فإن الناس إما قائل بأن المفهوم من دلالات الألفاظ، أو ليس منها، فالتفصيل إحداث قول ثالث، حكاه الشارح، ثم قال: وعكس بعض
(1/132)

الحنفية هذا ففي (حواشي الهداية) للخبازي في باب جنايات الحج: أن شمس الأئمة ذكر في (السير الكبير) أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على أن الحكم بخلافه، إنما هو في خطاب الشرع، فأما في معاملات الناس وعرفهم فإنه يدل عليه، ويوافق هذا ما ذكره الهروي في (الأشراف) فيما لو قال/ 30/ب/م): ما لزيد علي أكثر من مائة، لم يكن مقرا بالمائة، لأنه نفي مجرد فلا يدل على الإثبات، وفيه وجه أنه إقرار وهو قول أبي حنيفة وأصل هذا أن دليل الخطاب هل هو حجة أم لا؟ انتهى، ففي هذا عن أبي حنيفة أنه إقرار مع أنه لا يقول بالمفهوم، ولما ذكر السبكي كلامه المتقدم قال: إنه لم ير في هذه المسألة نصاً لأصحابنا، ولا لغيرهم.
ويرد عليهم ما تقدم عن القاضي حسين وأن الكيا الهراسي حكى خلافاً في أن قواعد الأصول المتعلقة بالألفاظ كالعموم والخصوص وغير ذلك هل يختص بكلام الشارع أو يجري في كلام الآدميين.
(1/133)

الرابع: إنكار المفهوم إذا لم يشتمل على معنى يناسب الحكم، كقولهم: الإنسان الأبيض يشبع، والقول به إذا اشتمل على مناسب كالسائمة، فإن خفة المؤنة ظاهرة في الإيجاب وعدمها في عدمه وبهذا قال إمام الحرمين في (البرهان) وبهذا يعلم أن نقل صاحبي (المحصول) و (المنهاج) عنه المنع ونقل ابن الحاجب عنه القول به كلاهما مختل، وأنه إنما قال بهذا التفصيل.
الخامس: إنكار مفهوم العدد دون غيره من المفاهيم أي خلا اللقب، ولم يحتج لاستثنائه لفهمه بما تقدم، وقد قدمت حكاية الخلاف في مفهوم العدد.
ص: مسألة: الغاية قيل منطوق والحق مفهوم.
ش:/ (26/أ/د) ذهب القاضي أبو بكر إلى أن دلالة الغاية على نفي الحكم عما بعدها منطوق فإنهم اتفقوا على أن الغاية ليست كلاماً مستقلاً، فإن قوله تعالى {حتى تنكح زوجاً غيره} وقوله {حتى يطهرن} لابد فيه من إضمار لضرورة تتميم الكلام، وذلك المضمر إما ضد ما قبله أو غيره.
والثاني باطل، لأنه ليس في الكلام ما يدل عليه، فتعين الأول، فيقدر حتى يطهرن فاقربهن، وحتى تنكح فتحل، قال: والإضمار بمنزلة الملفوظ، فإنه إنما يضمر لسبقه إلى فهم العارف باللسان، انتهى.
والحق الذي عليه الجمهور أنه مفهوم ومنعوا وضع اللغة لذلك.
ص: يتلوه الشرط فالصفة المناسبة فمطلق الصفة غير العدد فالعدد فتقديم المعمول لدعوى البيانيين إفادته الاختصاص وخالفهم ابن الحاجب وأبو حيان.
ش: لما فرغ من بيان كونها حجة، شرع في بيان مراتبها في القوة والضعف،
(1/134)

وفائدته الترجيح عند التعارض، فأقواها مفهوم الغاية/ 31/ أ/م) ولهذا قيل: إنه منطوق، ثم مفهوم الشرط، وقدم على مفهوم الصفة، لأنه قال به بعض من لا يقول بمفهوم الصفة، كابن سريج، ثم مفهوم الصفة المناسبة، وقد جعلها في (المستصفى) من قبيل دلالة الإشارة لا المفهوم، ثم مطلق الصفة غير العدد، واقتضى كلامه استواء بقية أقسام مفهوم الصفة من العلة والظرف والحال.
قال الشارح: وينبغي أن يكون أعلاها العلة، لدلالتها على الإيماء فهي قريب من المنطوق، انتهى.
ثم مفهوم العدد، ثم تقديم المعمول، وإنما أخره لأنه لا يفيد في كل صورة، ولأن البيانيين لم يصرحوا بأنه للحصر، وإنما قالوا: للاختصاص، وفي كونه بمعناه نزاع يأتي، وخالف في دلالته على ذلك ابن الحاجب، واحتج على ذلك في شرح المفصل بأنه لو دل على الحصر لدل تأخيره على عدمه، وهو غير لازم، فتأخيره لا يدل على حصر، ولا عدمه، وكذلك أبو حيان، فنقل في أول تفسيره عن سيبويه أنه قال: كأنهم يقدمون الذي شأنه أهم لهم, وهم ببيانه أعني، ولم يذكر المصنف هنا مرتبة بقية أدوات الحصر، كأنه اكتفى بقوله: (فيما تقدم وأعلاها لا عالم إلا زيد، ثم ما قيل منطوق أي بالإشارة ثم غيره) ولكن ذاك إنما فيه بيان مراتبها في أنفسها، وليس فيه بيان مرتبتها مع غيرها من المفاهيم، وقال في شرح المختصر: إن أعلاها (ما) و (إلا) ثم مفهوم (إنما) والغاية ثم حصر المبتدأ في الخبر، وهو في تقديم ذلك على الشرط متابع للغزالي.
ص: والاختصاص: الحصر، خلافاً للشيخ الإمام حيث أثبته وقال: ليس هو الحصر.
ش: تقدم عن علماء البيان أن تقديم المعمول يدل على الاختصاص/ (26/ب/د) والذي يفهمه أكثر الناس من ذلك الحصر، وخالف في ذلك الشيخ الإمام السبكي، وقال: إنه غيره، فالاختصاص افتعال من الخصوص، وهو مركب
(1/135)

من عام مشترك بين أشياء، ومعنى ينضم إليه يفصله عن غيره، كضربت زيداً، فإنه أخص من مطلق الضرب، لما انضم إليه منك ومن زيد، فمطلق الضرب ووقوعه منك: وكونه واقعاً على زيد قد يقصدها المتكلم على السواء، وقد يرجح قصده لبعضها على بعض، ويعرف ذلك بما ابتدأ به كلامه، فإن الابتداء بالشيء يدل/ 31/ب/م) على الاهتمام به.
فإذا قلت: زيداً ضربت، علم أن خصوص الضرب على زيد هو المقصود، فهو الأهم الذي قصد إفادته من غير قصد غيره بإثبات ولا نفي، والحصر وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عن غيره زائد على ذلك، وإنما جاء هذا في {إياك نعبد} للعلم بأنه لا يعبد غير الله لا من موضوع اللفظ انتهى.
ص: مسألة: (إنما) قال الآمدي وأبو حيان: لا تفيد الحصر، وأبو إسحاق الشيرازي والغزالي وإلكيا والإمام والشيخ الإمام: تفيد فهما، وقيل: نطقاً.
ش: اختلف في (إنما) على مذاهب.
أحدها: أنها لا تدل على الحصر، وإنما تفيد تأكيد الإثبات، وبه قال الآمدي، واختاره أبو حيان، وحكاه عن البصريين، وفيه نظر، فقد نقل الأزهري في كتابه (الزاهر) عن أهل اللغة أنها تقتضي إيجاب شيء ونفي غيره.
الثاني: أنها تفيده من جهة المفهوم، وقال السكاكي: ليس الحصر في إنما من جهة أن (ما) للنفي كما يفهمه من لا وقوف له على علم النحو، يريد به
(1/136)

طريقة الإمام فخر الدين والبيضاوي، لأنها لو كانت للنفي لكان لها صدر الكلام، وإنما هي (ما) الكافة ل (إن) عن العمل، وكلام ابن دقيق العيد في (شرح العمدة) يقتضي الاتفاق على ذلك، فإنه قال: إن ابن عباس فهم الحصر من قوله: (إنما الربا في النسيئة) ولم يعارض في فهمه، وإنما عورض بدليل آخر يقتضي تحريم ربا الفضل، قال: وفي ذلك اتفاق منهم على أنها للحصر. انتهى.
وفي كلامه نظر من وجه آخر، وهو أن ابن عباس وإن روى هذه الصيغة عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد رواه عن أسامة بن زيد بلفظ: (ليس الربا إلا في النسيئة) وهو في صحيح مسلم، فلعله فهم الحصر من هذه الصيغة الثانية، وهي متفق عليها لا من الصيغة الأولى.
الثالث: أنها تفيده من جهة المنطوق، حكاه الشيخ أبو إسحاق في (التبصرة) عن القاضي أبي حامد المروزي، وتظهر فائدة الخلاف فيما لو قال: إنما قام زيد ثم قال: وعمرو، فمن قال بالمفهوم جعله تخصيصاً، ومن قال بالمنطوق جعله نسخاً.
ص: وبالفتح الأصح أن حرف/ (27/أ/د) أن فيها فرع المكسورة ومن ثم ادعى الزمخشري إفادتها الحصر.
ش:/ 32/أ،/م) ما تقدم في (إنما) بالكسر، أما المفتوحة كقوله تعالى: {قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} فقال الزمحشري: إنها تفيد الحصر
(1/137)

أيضاً انتهى.
وقال أبو حيان: إنه تفرد بهذه المقالة، وذكر المصنف أنه مفرع على (أن) المفتوحة فرع المكسورة، وهو الأصح، وقيل: المفتوحة أصل، وقيل: كل منهما أصل بنفسه، حكاها ابن الخباز، وهي مقوية لكلام الزمخشري، ويؤيده أن سيبويه بوب على إن وأخواتها باب الأحرف الخمسة، فجعل (إن) و (أن) واحدة وإذا كانت فرعها فكل حكم ثبت للأصل ثبت للفرع.
ص: مسألة: من الألطاف حدوث الموضوعات اللغوية ليعبر عما في الضمير، وهي أفيد من الإشارة والمثال وأيسر، وهي الألفاظ الدالة على المعاني.
ش: من ألطاف الله تعالى إحداث الموضوعات اللغوية لاحتياج الخلق إلى إعلام بعضهم بعضاً ما في أنفسهم من أمر معايشهم للمعاملات، فإن الإنسان لا يستقل بجميع ما يحتاج إليه، وأمر معادهم لإفادة معرفة الله تعالى وأحكامه، فوضع لهم الألفاظ للدلالة على المعاني، ووقفهم عليها على قول التوقيف، وهو مذهب الأشعري، أو جعلهم قادرين على وضع الألفاظ لمعانيها على قول الاصطلاح وهو رأي أبي هاشم.
قال الشارح: ولهذا عبر المصنف بالحدوث لينبه على أنه لطف على كلا القولين: بخلاف تعبير ابن الحاجب بالإحداث، فإنه يوهم التخصيص بالتوقيف.
قلت: بل التعبير بالإحداث أولى، فإنه مصدر أحدث، واللطف حاصل سواء قلنا إن الله تعالى أحدثها أو البشر لإقدارهم عليها، وأما الحدوث فإنه مصدر حدث، وهو فعل لازم غير منسوب إلى محدث، ومن تمام النعمة
(1/138)

أنه جعل ذلك بالنطق دون الإشارة والمثال، وهو وضع شيء على شكل المطلوب لكونه أكثر فائدة وأسهل، فالأول لأنه يعبر به عن الذات والموجود والحادث وأضداها، بخلاف الإشارة والمثال/ 32ب/م) فإنه لا يمكن التعبير بهما عن المعنى والمعدوم والقديم.
والثاني فلأنه مركب من الحروف، وهي كيفيات تعرض للنقص الضروري.
واعلم أن تعبير المصنف وغيره ب (أفيد) لا يستقيم، فإن صيغة أفعل إنما يصاغ من فعل ثلاثي، وفعل أفيد أفاد وهو رباعي.
ثم بين الموضوعات اللغوية، وأنها الألفاظ الدالة على المعاني، فخرج عن ذلك الخط والإشارة وغيرهما، ودخل في الألفاظ المقدرة وهي الضمائر المستترة في الأفعال، فهي ملفوظ بها حكماً، بدليل إسناد الفعل إليها، وجواز تأكيدها، والعطف عليها، وخرج/ (27/ب/د) بالدلالة على المعاني المهملات، ودخل في هذا التعريف المفرد والمركب.
ص: وتعرف بالنقل تواتراً أو آحاداً، وباستنباط العقل من النقل لا مجرد العقل.
ش: الطريق في معرفة الموضوع وهو اللغة منحصرة عقلاً في العقل والنقل، والمركب منهما.
أما الأول: فلا تعرف به اللغة، لأنه إنما يستقل بوجوب الواجبات وجواز الجائزات.
أما وقوع أحد الجائزين فلا مدخل له فيه، والوضع من ذلك.
وأما الثاني: فالنقل إما متواتر كالسماء والأرض، والحر والبرد، وإما آحاد كأكثر اللغات فيتمسك به في المسائل الظنية دون القطعية.
وأما الثالث: المركب منهما وهو استنباط العقل عن النقل، فمثاله: كون الجمع المعرف ب (أل) للعموم فإنه مستفاد من مقدمتين نقليتين حكم العقل بواستطها، إحداهما: أنه يدخله الاستثناء.
(1/139)

والثانية: أن الاستثناء إخراج ما تناوله اللفظ، فحكم العقل عند وجود هاتين المقدمتين بأنه للعموم، ولا التفات إلى قول الشيخ زين الدين بن الكتاني أنه إذا كانت المقدمتان نقليتين كانت النتيجة أيضاً نقلية، وإنما العقل يفطن لنتيجتها لأنا نقول: ليس هذا الدليل مركباً من نقليتين لعدم تكرر الحد الأوسط فيهما، وإنما هو مركب من مقدمة نقلية، وهي الاستثناء إخراج بعض ما تناوله اللفظ، ومقدمة عقلية لازمة لمقدمة أخرى نقلية، وهي أن كل ما دخله الاستثناء عام، لأنه لو لم يكن عاماً لم يدخل المستثنى فيه، ثم جعلت هذه القضية كبرى للمقدمة الأخرى النقلية، فصار صورة الدليل هكذا/ 33/ أ/م): الجمع المحلى ب (أل) يدخله الاستثناء، وكل ما يدخله الاستثناء عام ينتج أن المحلى ب (أل) عام.
ص: ومدلول اللفظ إما معنى جزئي أو كلي، أو لفظ مفرد مستعمل كالكلمة فهي قول مفرد، أو مهمل كأسماء حروف الهجاء أو مركب مستعمل.
ش: مدلول اللفظ ينقسم إلى معنى ولفظ، فالأول وهو المعنى ينقسم إلى جزئي وكلي، وسيأتي بيانهما.
والثاني: وهو اللفظ، ينقسم إلى مفرد ومركب، وكل منهما إما مستعمل أو مهمل، فهذه أربعة أقسام، فالمفرد المستعمل كالكلمة وهي قول مفرد.
ولما عبر المصنف بالقول لم يحتج إلى أن يقول كما قال غيره (وضع لمعنى مفرد) لأن القول خاص بالمستعمل، بخلاف من عبر باللفظ فإنه احتاج معه إلى ذكر الوضع لإطلاقه على المهمل والمفرد المهمل، كأسماء حروف الهجاء، ألا
(1/140)

ترى أن الصاد موضوع لهذا الحرف، وهو مهمل لا معنى له، وإنما يتعلمه الصغار في الابتداء للتوصل به إلى معرفة غيره، والمركب المستعمل نحو الخبر: كقام زيد، والمركب المهمل في وجوده خلاف، حكاه المصنف في باب الأخبار، وذكر هناك أقسام المركب فلذلك لم يذكر ههنا.
ص: والوضع/ (28/أ /د) جعل اللفظ دليلاً على المعنى.
ش: المراد جعله متهيئاً لأن يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له على وجه مخصوص كتسمية الولد زيداً، وعرفه بعضهم بأن تخصيص الشيء بالشيء بحيث إذا أطلق الأول فهم منه الثاني.
ص: ولا يشترط مناسبة اللفظ للمعنى خلافاً لعباد حيث أثبتها، فقيل: بمعنى: أنها حاملة للواضع على الوضع، وقيل: بل كافية في دلالة اللفظ على المعنى.
ش: قال الجمهور: لا يشترط أن تكون بين اللفظ والمعنى مناسبة، واشترط ذلك عباد بن سليمان من المعتزلة، واختلف النقل عنه، فقيل: أراد أن المناسبة حاملة للواضع على الوضع، وهو مقتضى نقل الآمدي عنه، وقيل: أراد أنها كافية في دلالة اللفظ على المعنى من غير وضع، وهو مقتضى نقل الإمام عنه، وهو ظاهر الفساد، والأول أقرب منه، وحكاه الشيخ تقي الدين بن تيمية/ 33/ ب/م) عن المحققين وهو مردود، فإنه يلزم عليه امتناع وضع اللفظ الواحد للضدين وهو باطل لوجود القرء والجون ونحوهما.
ص: واللفظ موضوع للمعنى الخارجي لا الذهني خلافاً للإمام، وقال الشيخ الإمام: للمعنى من حيث هو.
ش: اختلف في أن اللفظ وضع لماذا؟ على مذاهب.
أحدها: أنه موضوع للمعنى الخارجي أي الموجود في الخارج، وبه قال
(1/141)

الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) ونصره ابن مالك في (شرح المفصل)
والثاني: للمعنى الذهني، وإن لم يطابق الخارج، واختاره الإمام والبيضاوي، لدوران الألفاظ مع المعاني الذهنية وجوداً وعدماً، فإن من رأى شبحاً من بعد تخيله طللا سماه طللا، فإذا تحرك فظنه شجراً سماه شجراً، فلما قرب منه ورآه رجلاً سماه رجلاً، ورد ذلك بأنه إنما تغيرت التسمية لاعتقاد أنه في الخارج كذلك.
والثالث: أنه موضوع للمعنى من حيث هو أعم من الذهني والخارجي، واختاره الشيخ، الإمام السبكي وله فيه تصنيف.
ص: وليس لكل معنى لفظ، بل كل معنى يحتاج إلى اللفظ.
ش: لا يجب أن يوضع لكل معنى لفظ يدل عليه، فإن أنواع الروائح كثيرة، ولم يوضع لها ألفاظ توازيها، وإنما وضع لما تشتد الحاجة إلى التعبير عنه فيجب الوضع له للإفهام، وعبارة (المحصول) لا يجب أن يكون لكل معنى لفظ، بل لا يجوز، واقتصر في (الحاصل) على نفي الوجوب، وفي (المنتخب) على نفي الجواز، وأتى المصنف بلفظ يحتملهما.
ص: والمحكم: المتضح المعنى، والمتشابه: ما استأثر الله تعالى بعلمه، وقد يطلع عليه بعض أصفيائه.
ش: قال الله تعالى: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر
(1/142)

متشابهات} والمشهور أن المحكم هو المتضح/ (28/ب/د) المعنى، مأخوذ من الإحكام وهو الإتقان، فيدخل فيه النص والظاهر.
والمتشابه مقابله فهو ما لم يتضح معناه، فيدخل فيه المجمل، وما ظاهره غير مراد كالتشبيه، وهو المقصود هنا، وعبر عنه المصنف بحكمه فقال: إنه ما استأثر الله تعالى بعلمه، ثم قال: وقد يطلع عليه بعض أصفيائه، وهذا مذهب الأشاعرة والمعتزلة: أن الوقوف على قوله: {والراسخون في العلم} وأنه لا بد أن يكون في الراسخين من يعلمه.
وقال ابن الحاجب: إنه الظاهر، لأن الخطاب بما لا يفهم بعيد، وقال النووي في الأدب من (شرح مسلم) إنه الأصح، لأنه يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته انتهى.
وذهب آخرون من أصحابنا وغيرهم إلى الوقوف على قوله: {إلا الله} وقالوا: لا يعلم المتشابه سواه (34/أ/م)، قال الأستاذ أبو منصور: وهو الأصح
(1/143)

عندنا، لأنه قوله الصحابة، وقال ابن السمعاني: إنه المختار على طريقة أهل السنة، واختاره الشيخ موفق الدين بن قدامة.
ص: قال الإمام: واللفظ الشائع لا يجوز أن يكون موضوعاً لمعنى خفي إلا على الخواص، كما يقول مثبتو الحال: الحركة معنى يوجب تحرك الذات.
ش: قال الإمام فخر الدين الرازي: لا يجوز أن يكون اللفظ الشائع المشهور بين الخاصة والعامة في معنى موضوعاً لمعنى خفي جداً بحيث لا يعرفه إلا الخواص، والقصد بذلك الرد على مثبتي الأحوال في قولهم: إن الحركة معنى يوجب تحرك الذات، فإن ذلك معنى خفي إلا على الخواص، والمشهور تفسير الحركة بنفس الانتقال لا أنها/ معنى أوجب الانتقال، ورده الأصفهاني في شرحه، وقال: قد يدرك الإنسان معاني حقيقة لطيفة ولا يجد لها لفظاً يدل عليها لأن المعنى مبتكر، ويحتاج إلى وضع لفظ بإزائه، ليفهم الغير ذلك المعنى، سواء أكان اللفظ مشهوراً أم لا، نعم إن قيل: إن اللفظ المشهور موضوع بإزاء المعنى الخفي أو لا، فممنوع، قال: وأسماء الله المقدسة من القسم الأول، فإن فيها ألفاظاً مشهورة، وبإزائها معان دقيقة لا يفهمها إلا
(1/144)

الخواص.
ص: مسألة: قال ابن فورك والجمهور: اللغات توقيفية، علمها الله بالوحي أو خلق الأصوات أو العلم الضروري، وعزي إلى الأشعري، وأكثر المعتزلة: اصطلاحية حصل عرفانها بالإشارة والقرينة، كالطفل، والأستاذ القدر المحتاج في التعريف توقيف وغيره محتمل له وقيل: عكسه وغيره محتمل له وتوقف كثير، والمختار: الوقف عن القطع وأن التوقيف مظنون.
ش: ذكر في هذه المسألة الخلاف في واضع اللغات وفيه مذاهب:
أحدها: أنها توقيفية، بمعنى أن الله تعالى هو الذي وضعها، ووقف خلقه عليها إما بوحيها إلى نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإما بخلق أصوات تدل عليها وإسماعها لمن عرفها ونقلها، وإما بخلق علم/ (29أ/ د) ضروري بها عند من شاء، وبهذا قال الجمهور، ومنهم ابن فورك وهو من أكابر أصحاب الأشعري.
وقول المصنف: (وعزي إلى الأشعري) يقتضي توقفه في نسبته إليه، ولعل ذلك لأن بعضهم قال: إنما تكلم الأشعري في الوقوع مع تجويز صدور اللغة اصطلاحاً، ولو منع الجواز لنقله عنه القاضي وغيره من أصحابه.
(1/145)

الثاني وبه قال أكثر المعتزلة : أنها اصطلاحية، بمعنى أن الواضع لها واحد من البشر أو جماعة، وعلمها الباقون بالإشارة والقرائن كتعريف الأطفال ذلك في ابتداء نطقهم وتمييزهم.
الثالث: وبه قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني : أن ابتداءها وهو القدر المحتاج إليه في التعريف توقيفي، والباقي محتمل للتوقيف والاصطلاح، كذا نقلها عنه ابن برهان والآمدي وابن الحاجب والإمام في موضع، ونقل عنه في موضع آخر أن الباقي اصطلاحي، وتبعه على النقل الثاني البيضاوي.
والأول هو المعروف عنه.
الرابع: عكسه، أي ابتداؤها محتمل للتوقيف والاصطلاح، وباقيها توقيفي، هذا مقتضى اللفظ.
وقال الشارح: (قوله: عكسه) يفهم أن القدر المحتاج إليه اصطلاحي والباقي محتمل لكن الذين حكوا هذا المذهب قالوا: إن الباقي مصطلح.
قلت: صوابه توقيفي، وقوله: مصطلح، سبق قلم، لا أدري من المصنف أو الناسخ.
وقوله: (أن القدر المحتاج إليه اصطلاحي) فيه نظر، ومقتضى اللفظ ما قدمته من أنه محتمل، والله تعالى أعلم.
الخامس: التوقف في المسألة لتعارض الأدلة، وعزاه في (المحصول) للقاضي وجمهور المحققين.
السادس: الوقف عن القطع بشيء من هذه المذاهب، وترجيح مذهب الأشعري في التوقيف بحسب الظن، اختاره المصنف تبعاً لابن الحاجب/ وقال الآمدي: إن كان المطلوب اليقين فالحق قول القاضي، وإن كان المطلوب الظن وهو الحق فالقول قول الأشعري، لظهور أدلته.
(1/146)

فائدة:
ذكر الإبياري شارح (البرهان) أنه لا فائدة للخلاف في هذه المسألة.
وقال الماوردي في تفسيره: فائدته أن من قال بالتوقيف جعل التكليف مقارناً لكمال العقل، ومن قال بالاصطلاح أخر التكليف عن العقل مدة الاصطلاح على معرفة الكلام.
وقال بعضهم: فائدته قلب اللغة، ورتب بعضهم على هذا ما لو عقد النكاح بحضور الناس على ألفين مريدين بها ألفا.
والحق أن الخلاف في اللغات الموجودة هل هي توقيفية أو اصطلاحية، أما اصطلاح اثنين الآن على تسمية الألف ألفين أو الثوب فرساً فلا يجوز قطعاً.
ص: مسألة: قال القاضي وإمام الحرمين والغزالي والآمدي: لا تثبت اللغة قياساً، وخالفهم ابن سريج وابن أبي هريرة وأبو إسحاق الشيرازي والإمام، وقيل: تثبت الحقيقة/ (29/ب/د) لا المجاز ولفظ القياس يغني عن قولك محل الخلاف ما لم يثبت تعميمه باستقراء.
ش: اختلف في أن اللغة هل تثبت بالقياس أم لا؟ على مذاهب:
أحدها: المنع، وهو قول أكثر أصحابنا والحنفية، والمحكي هنا عن القاضي من المنع هو الموجود في تقريبه، وكذا حكاه عنه المازري وغيره، ونقل ابن الحاجب عنه جواز ذلك مردود.
الثاني: الجواز، والذاهبون إلى هذا منهم من جوزه من حيث اللغة، ومنهم من جوزه من حيث الشرع، فتحصل في ذلك مذهبان.
وبالثاني قال ابن سريج، كما حكاه عنه ابن السمعاني فقال بعد ذكر
(1/147)

المانعين: وهذه الأدلة قوية جداً، فالأولى أن نقول: يجوز إثبات الأسامي شرعاً، ولا يجوز لغة، وهو الذي اختاره ابن سريج، والدليل عليه: أنا نعلم أن الشريعة إنما سمت الصلاة صلاة لصفة، متى انتفت عنها لم تسم صلاة، فنعلم أن ما شاركها في تلك الصفة يكون صلاة، فبان بهذا ثبوت الأسماء الشرعية بالعلل، انتهى.
ونقل المنصف عن الإمام الجواز لا ينافيه قوله في مواضع: (هذا قياس في اللغة، فلا نقول به) فإن المناظرة قد يرتكب فيها مذهب الخصم والاعتماد على المذكور في مظنته دون المستطرد.
الرابع: أنه تثبت الحقيقة دون المجاز لأنه أخفض رتبة منها، فيجب تميزها عليه، وهذا يخرج من كلام القاضي عبد الوهاب.
تنبيهات:
أحدها: قال ابن الحاجب: ليس الخلاف فيما يثبت تعميمه بالاستقراء كرفع الفاعل ونصب المفعول، وذكر المصنف أن لفظ القياس يغني عن ذلك، أي فإن اطراد ذلك في كل ما أسند إليه فعل قد علم بالنص فلا يحتاج فيه القياس.
ثانيها: محل الخلاف إذا اشتمل الاسم على وصف، واعتقدنا أن التسمية لذلك الوصف، فهل يجوز تعدية الاسم إلى محل آخر مسكوت عنه كالخمر إذا اعتقدنا أن تسميتها بذلك باعتبار تخمير العقل فعديناه إلى النبيذ؟ أما الأعلام فلا يجري فيها القياس اتفاقاً، لأنها غير معقولة المعنى، والقياس فرع المعنى، وكذلك الصفات كاسم الفاعل والمفعول ونحوهما، لأنه/ 35/ب/م) لا بد للقياس من أصل وهو غير متحقق فيها، فإنه ليس جعل/ البعض أصلاً والبعض فرعاً بأولى من العكس، واطرادهما في محالها مستفاد من الوضع لوضعهم القائم مثلاً لكل من
(1/148)

قام.
وثالثها: فائدة الخلاف أن المثبت للقياس في اللغة يستغني عن القياس الشرعي، فإيجاب الحد على شارب النبيذ والقطع على النباش بالنص، ومن أنكر القياس في اللغة جعل ثبوت ذلك بالشرع، والله تعالى أعلم.
ص: مسألة: واللفظ والمعنى إن اتحدا فإن منع تصور معناه الشركة فجزئي وإلا فكلي.
ش:/ 30أ/ د) هذه المسألة في تقسيم اللفظ إذا نسب للمعنى باعتبار وحدته وتعدده، ووحدة المعنى وتعدده، وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: متحد اللفظ والمعنى، ويسمى المنفرد، لانفراد لفظه بمعناه، وينقسم إلى جزئي وكلي، فإن منع تصور معناه من وقوع الشركة فيه فهو الجزئي كالعلم نحو (زيد) وإن لم يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه فهو الكلي، سواء أوقعت فيه الشركة كالإنسان، أو لم تقع وأمكنت كالشمس، أو استحالت كالآلة، فإن استحالة ذلك للأدلة القاطعة عليه.
واعلم أن الجزئي والكلي بالذات هو ذلك المعنى، وإطلاقه على اللفظ الدال عليه باعتبار التبعية تسمية للدال باسم المدلول.
ص: متواطئ إن استوى، مشكك إن تفاوت.
ش: ينقسم الكلي إلى متواطئ ومشكك.
فالأول: ما استوى معناه في أفراده كالإنسان، فإن كل واحد من أفراده لا يزيد على الآخر في معنى الإنسانية وهي الحيوانية والناطقية.
والثاني: أن يتفاوت معناه في أفراده كالنور فإنه يطلق على الشمس والسراج، ولا يخفى ما بينهما من التفاوت، وسمي مشككاً لأنه يشكك الناظر
(1/149)

هل هو متواطئ لوحدة، الحقيقة فيه، أو مشترك لما بينهما من التفاوت.
وقال ابن التلمساني: لا حقيقة للمشكك لأن ما حصل به التفاوت إن دخل في التسمية فاللفظ مشترك، وإن لم يدخل بل وضع للقدر المشترك فهو المتواطئ، وأجاب عنه القرافي بأن كلا من المتواطئ والمشكك موضوع للقدر المشترك، ولكن الاختلاف إن كان بأمر من جنس المسمى فهو المشكك، وإن كان / 36/أ/م) بأمور خارجية من مسماه كالذكورة والأنوثة والعلم والجهل فهو المتواطئ.
واعلم أن بعضهم قال: التعبير بالاختلاف أولى من التعبير بالتفاوت، لأنه يدخل فيه ما كان اختلافه بالوجوب والإمكان، كالوجود واجب في حق الله تعالى، جائز في حق غيره، أو بالاستغناء والافتقار كالوجود يطلق على الأجسام مع استغنائها عن المحل، وعلى الأعراض مع افتقارها إليه، ولا يدخل ذلك في التعبير بالتفاوت.
وفيه نظر، فإن الواجب والجائز متفاوتان، والاستغناء والافتقار متفاوتان، فقد دخل هذان القسمان في التعبير بالتفاوت أيضاً، والله تعالى أعلم.
ص: وإن تعددا فمتباين.
ش: القسم الثاني أن يتعدد اللفظ والمعنى، كالإنسان والفرس فهو المتباين، سمي بذلك لتباين لفظه ومعناه، أي: أن كلا من اللفظين لفظه ومعناه غير لفظ، الآخر ومعناه، وعندي في مباينة هذا القسم للذي قبله نظر، فإن الكلي إن أخذ باعتبار معناه/ 30ب/د) وحده من غير نظر إلى لفظ آخر فهو مفرد، وإن أخذ باعتبار مدلول آخر فهو متباين بالنسبة إلى ذلك الآخر كالإنسان، فإن معناه مفرد وهو بالنظر إلى الفرس مثلاً متباين، فيدخل أحد/ القسمين في الآخر، فلينظر في ذلك فإني لم أر من تعرض له، والله تعالى أعلم.
(1/150)

ص: وإن اتحد المعنى دون اللفظ فمترادف، وعكسه إن كان حقيقة فيهما فمشترك وإلا فحقيقة ومجاز.
ش: القسم الثالث: أن يتعدد اللفظ ويتحد المعنى كالإنسان والبشر، فهو المترادف.
القسم الرابع: عكسه أن يتحد اللفظ، ويتعدد المعنى، فإن وضع لكل منهما وضعاً أولياً فهو مشترك بينهما كالقرء للطهر والحيض، وإن وضع لأحدهما ثم نقل للآخر لعلاقة سمي بالنسبة للأول حقيقة، وبالنسبة للثاني مجازاً كالأسد، ومحل هذا إذا لم يغلب استعماله في المنقول/ (36/ب/م) إليه فإن غلب سمي بالنسبة للأول منقولاً عنه، وبالنسبة للثاني منقولاً إليه، ومقتضى هذا أنه لا يطلق عليه اسم الحقيقة والمجاز، وهذا مخالف لقولهم: إنه قد تكون الحقيقة مرجوحة والمجاز راجحاً.
ص: والعلم ما وضع لمعين لا يتناول غيره، فإن كان التعين خارجياً فعلم الشخص، وإلا فعلم الجنس، وإن وضع للماهية من حيث هي فاسم الجنس.
ش: ذكر المصنف من أقسام الجزئي العلم، وعرفه بأنه ما وضع لمعين لا يتناول غيره.
فخرج بالمعين النكرات.
وبقوله: (لا يتناول غيره) بقية المعارف، فإن الضمير صالح لكل متكلم ومخاطب وغائب، واسم الإشارة صالح لكل مشار إليه، وكذلك بقيتها.
وهذا التعريف ذكره ابن الحاجب في كافيته، وزاد فيه (بوضع واحد) لئلا يرد عليه أن زيداً مثلاً قد يسمى به واحد وآخر فهو متناول لغيره، فأخرجه بقوله: (بوضع واحد) فإن ذلك بأوضاع.
واعترض عليه في قوله: (لا يتناول غيره) بأنه إذا قصد بذلك إخراج
(1/151)

الضمير ك (أنت) مثلاً فإنه يصح أن يخاطب به زيد وعمرو وغيرهما يقال له: والعلم كذلك، فكما أنه قد يعرض الاشترك في لفظ الضمير بحسب المخاطب قد يعرض في العلم باعتبار تعدد التسمية، لكن كل منهما لم يوضع إلا لواحد بخلاف النكرات، ولو تبع المصنف ابن مالك في تعريف العلم بأنه: (اسم يعين مسماه مطلقاً) أي من غير قيد ولا قرينة لكان أحسن.
ثم قسم المصنف العلم إلى علم الشخص كزيد، وعلم الجنس كأسامة، وفرق بينهما بأن التعين في الشخصي خارجي وفي الجنسي ذهني، وتقرير ذلك أن علم الشخص موضوع للحقيقة بقيد التشخص الخارجي، وعلم الجنس موضوع للماهية بقيد التشخص الذهني.
ومن المهمات: الفرق بين علم الجنس كأسامة، واسم الجنس كأسد، فإنهما في المعنى سواء لصدق كل منهما على كل فرد من هذا الجنس، وفي الأحكام اللفظية مختلفان فإن لأسامة حكم الأعلام من منع الصرف لاجتماع فرعية الأنوثة والعلمية/ (31/أ/د) وغير ذلك من الأحكام، وأسد نكرة محضة، قال القرافي: وكان الخسروشاهي يقرره ولم أسمعه من أحد إلا منه، / (37/أ/ م) وكان يقول: ما في البلاد المصرية من يعرفه، وتقرير الفرق بينهما أن الواضع إذا استحضر صورة الأسد ليضع لها فتلك الصورة المتشخصة في ذهنه جزئية باعتبار تشخصها في ذهنه، ومطلق الصورة كلي، فإن وضع اللفظ للصورة التي في ذهنه فهو علم الجنس، وإن وضعه لمطلق الصورة فهم اسم الجنس/ وحينئذ فلا يعرف الفرق بينهما إلا باعتبار وضع الواضع.
وفي كلام سيبويه إشارة إلى هذا الفرق، وقال ابن مالك بعد ذكره كلامه:
(1/152)

جعله خاصاً شائعاً في حال واحدة مخصوصة باعتبار تعيينه الحقيقة في الذهن، وشائعة باعتبار أن لكل شخص من أشخاص نوعه قسطاً من تلك الحقيقة في الخارج.
واختار والد المصنف أن علم الجنس ما قصد به تمييز الجنس عن غيره، مع قطع النظر عن أفراده، واسم الجنس ما قصد به مسمى الجنس باعتبار وقوعه على الأفراد، حتى إذا أدخلت عليه الألف واللام الجنسية صار مساوياً لعلم الجنس، لأن الألف واللام الجنسية لتعريف الماهية، وفرع على ذلك أن علم الجنس لا يثنى ولا يجمع، لأن الحقيقة من حيث هي لا تقبل جمعاً ولا تثنية، لأن التثنية والجمع إنما هو للأفراد.
ص: مسألة: الاشتقاق رد لفظ إلى آخر ولو مجازاً لمناسبة بينهما في المعنى والحروف الأصلية.
ش: الاشتقاق لغة الاقتطاع، واصطلاحاً ما ذكره بقوله: (رد لفظ إلى آخر) أي يجعل أحدهما أصلاً والآخر فرعاً، والفرع مردود إلى الأصل.
وقوله: (لمناسبة بينهما في المعنى) خرج به نحو: اللحم والملح والحلم، فإنها متوافقة في الحروف الأصلية دون المعنى.
وقوله: (والحروف) خرج به الألفاظ المترادفة كالإنسان والبشر.
وقوله: (الأصلية) أخرج به الحروف الزوائد، فإنه لا يحتاج إلى الاتفاق فيها.
قال ابن الحاجب: وقد يقال: (بتغيير ما) أي يزاد ذلك في التعريف، ولم يأت به المصنف، وهو الحق، فإنه إذا لم يكن فيه تغيير فالمشتق حينئذ هو المشتق منه.
وقد أورد على المصنف أنه أهمل/ (37/ ب/م) تبعاً لغيره الترتيب في الحروف، ولا بد منه.
(1/153)

وأجاب عنه بأنه إذا لم يكن على ترتيبه لم يناسبه.
وأشار بقوله: (ولو مجازاً) إلى أن الاشتقاق قد يكون من المجاز، كما يكون من الحقيقة وهذا هو الصحيح خلافاً للقاضي أبي بكر والغزالي وإلكيا حيث منعوا الاشتقاق من المجاز وجعلوا ذلك مختصاً بالحقيقة، كالأمر إذا كان بمعنى القول الطالب للفعل، كما هو حقيقة فإنه يشتق منه الآمر والمأمور وغيرهما، فإن كان بمعنى الفعل أو غيره من مجازاته لم يشتق منه، ويشهد للأول إجماع البيانيين على صحة/ (31ب/ د) الاستعارة التبعية، وهي مشتقة من المجاز، لأن الاستعارة أولاً تكون في المصدر ثم تشتق منه.
ص: ولا بد من تغيير، وقد يطرد كاسم الفاعل وقد يختص كالقارورة.
ش: فيه مسألتان:
إحداهما: أنه لا بد من تغيير بين لفظي المشتق والمشتق منه، وذلك بزيادة حرف أو حركة أو هما معاً، أو نقصان حرف أو حركة أو هما معاً، أو زيادة حرف ونقصانه، أو زيادة حركة ونقصانها، أو زيادة حرف ونقصان حركة، أو زيادة حركة ونقصان حرف، أو زيادة حرف مع زيادة حركة ونقصانها، أو نقصان حركة مع زيادة حرف ونقصانه، أو زيادة حرف مع زيادة حركة ونقصانها، أو زيادة حركة مع زيادة حرف ونقصانه، أو زيادة الحرف ونقصانه، وزيادة الحركة ونقصانها، فهذه خمسة عشر قسماً.
ثم قد يكون التغيير لفظياً، وقد يكون تقديرياً، كالفلك مفرداً أو جمعاً، فتقدير حركة الجمع غير حركة المفرد، وطلب من الطلب، فحركة البناء في الفعل غير حركة الإعراب في المصدر، وقد يزاد التغيير المعنوي، لأن التغيير اللفظي مفهوم من رد أحدهما إلى الآخر لاستحالة رد الشيء إلى نفسه.
ثانيهما: أن المشتق قد يطرد استعماله: كاسم الفاعل واسم المفعول وغيرهما، وقد لا يطرد كالقارورة، فهي مشتقة من الاستقرار، ولا يطرد في
(1/154)

كل مستقر بل مختص بالزجاجة.
ص: ومن لم يقم به وصف لم يجز أن يشتق له منه اسم، خلافاً للمعتزلة، ومن بنائهم اتفاقهم على أن سيدنا إبراهيم ذابح، واختلافهم/ (38/أ/م) هل إسماعيل مذبوح.
ش: لا يجوز أن يشتق الاسم إلا لمن قام به الوصف، فلا يطلق على من لم يتصف بالقيام أنه قائم، وهذا واضح، والقصد الرد به على المعتزلة في أنهم لم يثبتوا للباري الصفات الثمانية التي أثبتها الأشاعرة، وهي المجموعة في قول بعضهم.
حياة وعلم قدرة وإرادة كلام وإبصار وسمع مع البقا.
مع اعترافهم بثبوت الأسماء له، وهي أنه حي عليم إلى آخرها، فاشتقوا الاسم لمن لم يقم به الوصف، وهم لم يطردوا هذا في جميع الأمور، فغايته أن هذا لازم لمذهبهم، والصحيح أن لازم المذهب/ ليس بمذهب، وبنوا أي المعتزلة على هذا الأصل مسألة وهي: (النسخ قبل الفعل) فمنعه المعتزلة، وجوزه جمهور أصحابنا، واستدلوا بأن إبراهيم عليه السلام أمر بذبح ولده، ثم نسخ قبل التمكن، فأجابوا بأنه ذبح، وكان يلتحم، ووجه البناء الاتفاق على أن إبراهيم عليه السلام ذابح، مع أنه لم يقم به فعل الذبح، فإنه لا بد فيه من ثبوت مذبوح تزهق روحه، واختلفوا مع ذلك في أن إسماعيل مذبوح أم لا، كذا قاله المصنف هنا، وقال في (شرح المختصر): اتفقوا على أن إسماعيل ليس بمذبوح، واختلفوا في أن إبراهيم عليه السلام هل هو ذابح أم لا؟ فقال قوم: هو (32أ/د) ذابح للقطع، والولد غير مذبوح للالتئام وأنكره قوم، وقالوا: ذابح ولا مذبوح محال.
قال الشارح: وهو أولى من كلامه هنا.
(1/155)

ص: فإن قام به ما له اسم وجب الاشتقاق، أو ما ليس له اسم كأنواع الروائح لم يجب.
ش: اختلفوا في أنه هل يجب أن يشتق لمحل المعنى القائم بالشيء منه اسم قال في (المحصول): والحق التفصيل، فإن كان لذلك المعنى اسم وجب، وإن لم يكن له اسم كأنواع الروائح والآلام استحال أن يشتق لمحله منه اسم.
ص: والجمهور على اشتراط بقاء المشتق منه في كون المشتق حقيقة إن أمكن، وإلا فآخر جزء، وثالثها الوقف.
ش: إطلاق المشتق مع بقاء المشتق منه حقيقة بالاتفاق، وقيل: وجوده باعتبار المستقبل مجاز بالاتفاق، وأما/ (38/ ب/م) إطلاقه بعد انقضائه باعتبار (المضي كإطلاق الضارب) بعد انقضاء الضرب فهل هو حقيقة أو مجاز؟
فيه مذاهب.
أحدها: أنه مجاز، وإنما يكون حقيقة إذا أطلق مع قيام المشتق منه، ثم إن أمكن حصوله دفعة واحدة كالقيام والقعود فلا إشكال فيه، وإن لم يمكن كالأعراض السيالة التي لا يمكن اجتماع أجزائها دفعة واحدة كالكلام ونحوه اكتفى في كون الإطلاق حقيقياً، بأن يقترن ذلك بآخر جزء، وبهذا قال الجمهور، وفي (المحصول) أنه الأقرب، واختاره البيضاوي.
الثاني: أنه حقيقة، وبه قال أبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم، وابن
(1/156)

سينا.
فإن قلت: لم يشترط أبو علي وابنه صدق الأصل، وهذه فرع تلك.
قلت: إنما خالفا في صفات الله تعالى ووافقا فيما عداها.
الثالث: الوقوف في ذلك، وقال الشارح: لم أر هذا القول صريحاً لأحد إلا أن العضد في (شرح المختصر) قال: كان ميل ابن الحاجب إلى التوقف في المسألة، ولذلك ذكر أدلة الفريقين، وأجاب عنها.
تنبيه:
غاير الشارح بين القول الذاهب إلى أنه مجاز مطلقاً، والقول المفصل بين ما يوجد أجزاؤه دفعة واحدة، وبين ما يوجد أجزاؤه شيئاً فشيئاً، فيكتفي
(1/157)

في الإطلاق الحقيقي في الثاني بأن يكون ذلك عند آخر جزء، والحق أنهما قول واحد، ولكن لما اعترض القائل بالمذهب الثاني على الأول بأنه يلزم عليه أن المشتق مما لا يمكن اجتماع أجزائه لا يمكن كونه حقيقة أجاب عنه بأنه يكتفي في كونه حقيقة بأن يكون إطلاقه عند آخر جزء، فهذا من تتمة القول بأن إطلاقه بعد انقضاء المشتق منه مجاز، فإن/ ذلك قدر مشترك بين الحالتين، والتفصيل إنما هو في كيفية الإطلاق الحقيقي مع قيام المشتق منه، فهو تنقيح لهذا القول الذاهب إلى المجاز، لا مغاير له.
نعم في المسألة قول آخر: إن ما أمكن بقاء المشتق منه إلى حالة الإطلاق كالضارب فمجاز، وما لم يمكن كالمتكلم/ (32ب/د) فحقيقة، ولم يحكه المصنف ولا الشارح.
ورتب الشارح على هذه المغايرة التي سلكها أمرين.
أحدهما: قال:/ (39/أ/م) إن ما عزاه المصنف للجمهور تابع فيه الصفي الهندي، وفيه نظر، فإن كلام الإمام في (المحصول) مصرح بأنه بحث له لم يقل به أحد.
فإن أورد من جهة المانع أنه لو كان وجود المعنى شرطاً في كون المشتق حقيقة لما كان اسم المتكلم والمخبر حقيقة في شيء أصلاً، لأن الكلام اسم لجملة الحروف المركبة، ويستحيل قيام جملتها بالمتكلم حال التكلم ضرورة أنه لا يمكن النطق بالكل دفعة واحدة، بل على التدريج، مع أنه يقال: زيد متكلم ومخبر، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
ثم قال: فإن أجيب بأنه لم لا يجوز أن يقال: حصول المشتق منه شرط في كون المشتق حقيقة إذا كان ممكن الحصول فأما إذا لم يكن كذلك فلا.
قلنا: هذا باطل، لأنه لم يقل بهذا الفرق أحد من الأمة، وقال الآمدي في (الإحكام): هل يشترط بقاء الصفة المشتق منها في إطلاق الاسم المشتق حقيقة؟ فأثبته قوم ونفاه آخرون، وفصل بعضهم بين الممكن الحصول
(1/158)

فاشترط ذلك فيه، وبين ما لا يمكن حصوله فلا، والظاهر أن مراده به احتمال صاحب (المحصول) انتهى.
قلت: وهذا الذي نفاه الإمام وأثبته الآمدي هو القول الذي زدته لا القول الذي حكاه المصنف عن الجمهور، والذي حكاه عن الجمهور هو القول بالمجاز مطلقاً، كما قدمته، والله تعالى أعلم.
الثاني: قال الشارح: كان ينبغي للمصنف أن يقول: ورابعها الوقف، لأن هذا التفصيل هو ثالثها، كما صرح به ابن الحاجب.
قلت: ما زعم الشارح أنه ثالث ليس في كلام المصنف أصلاً، نعم في المسألة ثالث لم يحكه المصنف ولا الشارح كما قدمته، فالأقوال حينئذ أربعة، إن ثبت قول الوقف، لكن لا على الوجه الذي قرره الشارح، والله تعالى أعلم.
ص: ومن ثم كان اسم الفاعل حقيقة في الحال أي حال التلبس لا النطق خلافاً للقرافي.
ش: لما تقرر أن الجمهور على اشتراط بقاء المشتق منه/ (39/ب/م) في كون المشتق حقيقة، علم منه أن إطلاق اسم الفاعل ونحوه باعتبار الحال حقيقة، وهذا متفق عليه كما تقدم.
ثم بين أن المراد بالحال حال تلبس الفاعل بالفعل، لا حال نطق الناطق باللفظ المشتق، خلافاً للقرافي، ومقتضى هذه العبارة أن القرافي اعتبر حال النطق، وليس ذلك وافياً بقوله، فإنه قال: محل الخلاف إذا كان المشتق محكوماً به، كقولنا: (زيد زان) أو (سارق) فإن كان محكوماً عليه كقولنا: (السارق تقطع يده) فإنه حقيقة مطلقاً فيمن اتصف به في الماضي والحال والاستقبال، وإلا سقط الاستدلال بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} {الزانية
(1/159)

والزاني} {والسارق والسارقة} ونحوها في هذه الأعصار، فإنه يقال: لا يتناول حقيقة إلا من كان متصفاً بهذا الوصف حالة نزول الآية، وإطلاقه على غيره مجاز، والأصل عدم المجاز، انتهى.
وقد (33أ/د) عرفت/ منه أنه لم يدر ذلك مع زمن النطق، وإنما أدراه مع المحكوم به، ومتعلق الحكم، والمخلص مما قاله القرافي أن اسم الفاعل لا دلالة له على زمن الخطاب، بل مدلوله شخص متصف بصفة صادرة منه، لا تعرض له لزمان كما هو شأن الأسماء كلها، وإذا لم يدل على الزمان الذي هو أعم من الحال فلأن لا يدل على الحال الأخص منه أولى، وإنما جاء الفساد من جهة أنهم فهموا من قولنا: (زيد ضارب) أنه ضارب في الحال، فاعتقدوا أن هذا لدلالة اسم الفاعل عليه، وهو باطل لأنك تقول: (هذا حجر) وتريد إنسانا، فيفهم منه الحال أيضاً، مع أن الحجر والإنسان لا دلالة لهما على الزمان، وهذا من تحقيق والد المصنف.
قلت: لم يظهر لي ذلك، والحجر والإنسان لا دلالة لهما على الزمان أصلاً بخلاف ضارب فإنه يدل بحقيقته على الزمان والحال، وقولهم: إن الاسم لا دلالة له على الزمان، أي بهيئته التصريفية، وإلا فقد يدل على الزمان بأمر آخر، كلفظ الزمان والوقت، وضارب الآن، وضارب مطلقاً، والله تعالى أعلم.
ص: وقيل: إن طرأ على المحل وصف وجودي يناقض الأول لم يسم بالأول إجماعاً/ (40/أ/م).
ش: القائل لذلك هو الآمدي، وحكي إجماع المسلمين وأهل اللسان على أنه لا يجوز تسمية القائم والقاعد قائماً للقعود والقيام السابق، وهو مقتضى كلام الإمام وأتباعه، فإنهم ردوا على الخصوم بأنه لا يصح أن يقال لليقظان: إنه
(1/160)

نائم، باعتبار النوم السابق، وإذا كان كذلك فما أدري لم ذكره المصنف بصيغة التمريض.
ص: وليس في المشتق إشعار بخصوصية الذات.
ش: المشتق كضارب لا دلالة له على خصوصية تلك الذات من كونه بشرا أو حماراً أو غيرهما، فإنه لا معنى له، إلا أنه ذات قام بها المشتق منه، كالأسود يدل على ذات متصفة بسواد، من غير دلالة على خصوص تلك الذات، قال الصفي الهندي: فإن دلت على ذلك فهو بطريق الالتزام، وحينئذ فيحمل نفي المصنف الإشعار على المطابقة والتضمن.
ص: مسألة: المترادف واقع خلافاً لثعلب وابن فارس مطلقاً، وللإمام في الأسماء الشرعية.
ش: المترادف الكلمتان فصاعداً الدالتان على معنى واحد باعتبار واحد، واختلف في وقوعه على مذاهب أصحها نعم، ولغة العرب طافحة به.
والثاني: المنع، وبه قال ثعلب وابن فارس، فإن ورد ما يوهم الترادف أول.
(1/161)

ومن ذلك ما حكي عن ابن خالويه أنه قال بمجلس سيف الدولة: أحفظ للسيف خمسين اسماً.
فقال أبو علي الفارسي: ما أحفظ له إلا اسماً واحداً، هو السيف،
فقال ابن خالويه: وأين المهند، والصارم، والرسوب والمخدم وجعل يعدد.
(1/162)

فقال أبو علي: هذه صفات، وكان الشيخ لا يفرق بين الاسم والصفة.
قال الأصفهاني: وينبغي حمل كلامهم علي (33/ب/د) منعه في لغة واحدة، فأما في لغتين فلا ينكره عاقل.
والثالث: أنه واقع في اللغة دون الأسماء الشرعية، وإليه ذهب في (المحصول) فقال: الأظهر/ أنه لم يوجد، لأنه على خلاف الأصل، فيتقدر بقدر الحاجة، ويشكل على هذا قول الإمام: إن الفرض والواجب مترادفان وكذا السنة والتطوع.
ص: والحد، والمحدود ونحو: حسن بسن غير مترادفين على الأصح.
ش: فيه مسألتان:
الأولى: قيل: الحد والمحدود مترادفان، والصحيح تغايرهما وذلك خارج بقولنا، في تعريف المترادف باعتبار واحد، فإن دلالتهما على المعنى باعتبارين: الحد يدل على الأجزاء بالمطابقة،/ (40/ب/م) والمحدود يدل عليها بالتضمن، وقال القرافي في (التنقيح) هو غير المحدود، إن أريد اللفظ، ونفسه إن أريد المعنى، وأخذ ذلك من قول الغزالي في (المستصفى) إن ذلك ليس خلافاً، بل من نظر إلى الحقيقة في الذهن قال: إنه نفسه، ومن نظر إلى للعبارة عنها قال: إنه غيره.
الثانية: التابع وهو الذي لا يستعمل منفرداً، وإنما يستعمل مع متبوعه نحو حسن بسن، وخراب يباب، قيل: إنه مع متبوعه مترادفان، والصحيح المنع، فإنه إذا قطع عن متبوعه لا دلالة له أصلاً.
ص: والحق إفادة التابع التقوية.
(1/163)

ش: ذهب الآمدي إلى أنه لا فائدة للتابع أصلاً، وهو ظاهر قول البيضاوي: (والتابع لا يفيد) والحق أنه يفيد تقوية الأول، فإنه لم يوضع عبثاً، والفرق بينه وبين التأكيد أن التأكيد يفيد مع التقوية نفي احتمال المجاز، فإن قولك: (جاء القوم) يحتمل بعضهم على سبيل المجاز، فإذا قلت: كلهم، انتفى ذلك.
ص: ووقوع كل من المترادفين مكان الآخر إن لم يكن تعبد بلفظه خلافاً للإمام مطلقاً، وللبيضاوي والهندي: إذا كانا من لغتين.
ش: هل يجوز إقامة كل من المترادفين مقام الآخر أم لا؟ فيه مذاهب.
أحدها: الجواز مطلقاً، وهو اختيار ابن الحاجب.
والثاني: المنع مطلقاً، وهو اختيار الإمام وأتباعه.
والثالث: الجواز إذا كان من لغة واحدة والمنع إذا كان من لغتين، وبه قال البيضاوي والصفي الهندي.
وأشار المصنف بقوله: (إن لم يكن تعبد بلفظه) إلى تقييد محل الخلاف بذلك فيما تعبد بلفظه، كالتكبير لا يقوم غيره مقامه قطعاً، وفي هذا القيد نظر، فإن المنع هناك لعارض شرعي، والبحث في هذه المسألة إنما هو من حيث اللغة، وهذا هو الفرق بين هذه المسألة ومسألة الرواية بالمعنى، فإنهما متشابهتان، والفرق بينهما أن المستند في الجواز هنا أو المنع اللغة، وهناك الشرع، وفي عبارة البيضاوي إشارة إلى أن الخلاف في حال التركيب، فأما في حال الإفراد كما في تعديد الأشياء فلا خلاف في جوازه.
ص: مسألة: المشترك واقع خلافاً لثعلب والأبهري والبلخي مطلقاً ولقوم في القرآن، قيل: والحديث، وقيل/ (34أ/ د): واجب الوقوع، وقيل: ممتنع، وقال الإمام الرازي: ممتنع بين النقيضين فقط/
(1/164)

ش: في المشترك مذاهب.
أصحها: أنه جائز واقع،/ (41 / أ/ م) وليس بواجب.
الثاني: أنه جائز غير واقع، وبه قال ثعلب والأبهري والبلخي.
وقيل: المعروف عن هؤلاء الإحالة.
الثالث: أنه غير واقع في القرآن خاصة، وحكي عن ابن داود الظاهري.
الرابع: غير واقع في الحديث أيضاً.
الخامس: أنه واجب الوقوع.
السادس: أنه ممتنع أي محال عقلاً.
السابع: أنه ممتنع بين النقيضين فقط، وبه قال الإمام، وعلله بأن سماعه لا يفيد غير التردد بين الأمرين، وهو حاصل عقلاً، فالوضع له عبث، وأجيب بأن فائدته استحضار التردد بأمرين يغفل الذهن عنهما، والفائدة الإجمالية قد تقصد.
ص: مسألة: يصح إطلاقه على معنييه معاً مجازاً، وعن الشافعي والقاضي والمعتزلة: حقيقة زاد الشافعي: وظاهر فيهما عند التجرد عن القرائن فيحمل عليهما، وعن القاضي: مجمل، ولكن يحمل احتياطاً، وقال أبو الحسين والغزالي: يصح أن يراد لا أنه لغة، وقيل: يجوز في النفي لا الإثبات.
ش: تقدم على تقدير هذه المسألة الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل.
(1/165)

فأما الوضع: فهو جعل اللفظ دليلاً على المعنى، وهو من صفات الواضع.
وأما الاستعمال فهو إطلاق اللفظ، وإرادة المعنى وهو من صفات المتكلم.
وأما الحمل: فاعتقاد السامع مراد المتكلم، أو ما اشتمل على مراده، فتقدم الكلام على وضع المشترك في المسألة المتقدمة، وتكلم المصنف في هذه المسألة على الاستعمال، وذكر في إثباته مسألة الحمل، فأما استعمال المشترك في معنييه ففيه مذاهب.
أحدها وبه قال الأكثرون : جوازه، كقولنا: العين مخلوقة، ونريد جميع معانيها، وشرطه أن لا يمتنع الجمع بينهما، كاستعمال صيغة (افعل) للأمر والتهديد، واختار المصنف تبعاً لابن الحاجب أن ذلك مجاز، وإليه ميل إمام الحرمين.
الثاني: جوازه، وأنه حقيقة، وحكاه الآمدي عن الشافعي والقاضي أبي بكر، وحكاه المصنف عنهما، وعن المعتزلة، وهو قول بعضهم كأبي علي الجبائي والقاضي عبد الجبار، لكن منعه أبو هاشم وأبو الحسين وأبو عبد الله البصريان والكرخي.
الثالث: يصح أن يراد باللفظ الواحد معنياه بوضع جديد، لكن ليس من اللغة،/ فإن اللغة منعت منه.
الرابع: أنه يجوز: (41/ب/م) في النفي كقولنا: (لا قرء للحامل تعتد به) ويمتنع في الإثبات، والفرق بينهما أن النكرة في سياق النفي تعم، وبه قال صاحب (الهداية) من الحنفية، وبقي مذهبان آخران.
أحدهما: المنع مطلقاً، ونصره ابن الصباغ في (العدة) والإمام في (المحصول).
الثاني: أنه يجوز في الجمع نحو: (اعتدي بالأقراء) دون المفرد سواء في ذلك الإثبات والنفي، وأما حمله على معنييه فقد ذكره المصنف بقوله:/ (34/ب/د) (زاد
(1/166)

الشافعي) إلى قوله: (احتياطاً) وتقريره أنه اختلف في حمل السامع المشترك على معنييه عند تجرده عن القرائن على مذاهب.
أحدهما: المنع، وحكاه الصفي الهندي عن الأكثرين.
الثاني: وجوب حمله على معنييه، وأنه من باب العموم، وهو المحكي عن الشافعي.
الثالث: حمله على معنييه، وأنه من باب الاحتياط، وهو محكي عن القاضي أبي بكر كذا نقله المصنف، ونقل الآمدي عنهما أنه من باب العموم، ونقل البيضاوي عنهما أنه من باب الاحتياط.
واعلم أن نقل حمل المشترك على معنييه عن القاضي هو كذلك في (المحصول) لكن الذي في كتاب (التقريب) له أنه لا يجوز حمله عليهما ولا على واحد منهما إلا بقرينة.
ص: والأكثر أن جمعه باعتبار معنييه إن ساغ مبني عليه.
ش: اختلف في جمع المشترك باعتبار معنييه، كعيون زيد، وتريد به: باصرة، وذهباً، وجارية، فقال الأكثرون وهو مبني على الخلاف في المفرد : إن جوزنا هناك فكذا هنا، وإن منعنا امتنع.
وقول المصنف: (إن ساغ) هو من زيادته على المختصرات، وأشار به إلى خلاف النحاة في تثنية اللفظين المختلفين في المعنى، فرجح ابن الحاجب في (شرح المفصل) المنع، وحكاه عن الأكثرين، ورجح ابن مالك الجواز مطلقا، وصحح قول الحريري فانثنى بلا عينين يريد الباصرة والذهب.
ويؤيده قوله في الحديث: ((الأيدي ثلاث)) وقال ابن عصفور: إن اتفقا في المعنى الموجب
(1/167)

للتسمية كالأحمرين، أي: الذهب والزعفران جاز، وإلا فلا، كالعين الباصرة والذهب.
ص: وفي الحقيقة والمجاز الخلاف خلافاً للقاضي، ومن ثم عم نحو: {وافعلوا الخير} الواجب والمندوب، خلافاً لمن خصه بالواجب ومن قال: للقدر المشترك.
ش:/ (42/أ/م) استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه على الخلاف في استعماله في معنييه الحقيقين، إذا لم يكن بينهما تناف، كإطلاق الشراء على الشراء الحقيقي والسوم، وخالف في ذلك القاضي أبو بكر، فمنع استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وإن جوز استعماله في معنييه فارقاً بأن الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له، والمجاز فيما لم يوضع له، وهما متناقضان، كذا نقله عنه المصنف، ووهمه الشارح في ذلك، فقال: لم يمنع القاضي استعماله في حقيقته ومجازه، وإنما منع حمله عليهما بغير قرينة، فاختلطت مسألة الاستعمال بمسألة الحمل، وموضع الخلاف كما فرضه ابن السمعاني فيما إذا ساوى المجاز الحقيقة لشهرته، وإلا امتنع الحمل قطعاً، لأن المجاز لا يعلم تناول اللفظ له إلا بتقييد، / والحقيقة تعلم بالإطلاق.
ثم بين المصنف أن من فوائد الخلاف في ذلك الخلاف في عموم قوله تعالى {وافعلوا الخير} فمن حمله عليهما جعل الآية شاملة للواجب والمندوب، واستدل بها عليهما ومن منع ذلك/ 35أ/ د) خصها بالواجب، وقال بعضهم: هي للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو مطلق الطلب.
ص: وكذا المجازان.
ش: أي يجري الخلاف في استعمال اللفظ في مجازيه، كإطلاق الشراء
(1/168)

على السوم، وشراء الوكيل، وهي مسألة غريبة، قل من ذكرها، وقد تعرض لها إمام الحرمين، وابن السمعاني في (القواطع)، واختار الآمدي وابن الحاجب، فيها الإجمال، وهو مخالف لاختيارهما في الحقيقتين الإعمال.
قال الشارح: لا يخفى أن صورة المسألة حيث تعذرت الحقيقة، ولا بد من تقييد المجازين بالمتساويين فإنه متى رجح أحدهما تعين، ويحتمل أن يجري فيه خلاف الحقيقة والمجاز، لأن المجاز الراجح هنا بمثابة الحقيقة هناك، قال الأصفهاني: وشرطه ألا يتنافى المجازان كالتهديد والإباحة، فإن صيغة الأمر حقيقة في الإيجاب مجاز فيهما.
ص: الحقيقة لفظ مستعمل فيما وضع له ابتداء.
ش: لو صدر الحد بالقول لكن أولى، فإنه لا يتناول المهمل، فهو جنس أقرب، (43ب/م).
وخرج بقوله: (مستعمل) المهمل، واللفظ قبل الاستعمال، فإنه لا يوصف بأنه حقيقة ولا مجاز.
وقوله (فيما وضع له) يحتمل، أن يكون من تمام الفصل، ويحتمل أن يكون فصلاً مستقلاً، لإخراج الوضع الجديد، فإنه ليس من وضع واضع اللغة، والأعلام، إن قلنا: إنها ليست حقيقة، والمستعمل في غير ما وضع له غلطاً.
وقوله: (ابتداء) أخرج المجاز، فإنه موضوع وضعاً ثانياً.
وإنما عدل عن قول ابن الحاجب (أولاً) للخلاف في أن الأول هل يستلزم ثانياً؟ فإن قلنا: يستلزمه، لزم أن الحقيقة تستلزم المجاز، ولا قائل
(1/169)

به، إنما اختلفوا في عكسه.
ولم يقل المصنف (في اصطلاح التخاطب به) كما عبر به غيره، لإدخال الحقيقة الشرعية والعرفية، فإنهما باعتبار الوضع اللغوي مستعملان في وضع ثان، لأنه لم يقيد الوضع باللغوي، بل أطلقه فتناول الشرعي والعرفي، وهما مستعملان فيهما في وضع أول.
وقال الأصفهاني في (شرح المحصول)، لا يحتاج لقيد الأولية، لأنا وإن قلنا بوضع المجاز، فإن المراد به اعتبار العرب ذلك النوع، لا استعمال آحاد النوع، فهو غير الوضع المعتبر في الحقيقة.
ص: وهي لغوية وعرفية وشرعية ووقع الأوليان ونفى قوم إمكان الشرعية، والقاضي وابن القشيري، وقوعها، وقال قوم: وقعت مطلقاً، وقوم: إلا الإيمان، وتوقف الآمدي، والمختار وفاقاً لأبي إسحاق الشيرازي، والإمامين وابن الحاجب وقوع الفرعية لا الدينية ومعنى الشرعي ما لم يستفد اسمه إلا من الشرع وقد يطلق على المندوب والمباح.
ش: الحقائق ثلاث: اللغوية، والعرفية، والشرعية، ودخل في العرفية العامة، وهي المنقولة، عن موضوعها الأصلي إلى غيره بالاستعمال العام، إما بتخصيص الاسم ببعض مسمياته كالدابة فإنها موضوعة في اللغة لكل ما يدب، فخصها العرف العام بذات الحافر، وإما باشتهار المجاز بحيث يستنكر معه استعمال الحقيقة كإضافة الحرمة إلى الخمر، وهي في الحقيقة مضافة إلى الشرب، فهذان قسمان ذكرهما في (المحصول).
والخاصة وهي التي نقلها عن موضوعها الأصلي قوم مخصوصون، كاصطلاح / (44أ/م) النحاة على الرفع والنصب والجر وغيرها من اصطلاح أصحاب العلوم. فأما الأوليان: وهما اللغوية والعرفية فهما واقعتان قال الشارح: بلا
(1/170)

خلاف وهو مسلم في العرفية الخاصة، أما العرفية العامة فأنكرها قوم كالشرعية وفي الشرعية مذاهب.
أحدها: منع إمكانها، حكاه في (شرح المعتمد) لأبي الحسين عن قوم كذا في (شرح المحصول) للأصفهاني معترضاً به على قول (المحصول): اتفقوا على إمكانها، لكن قال الشارح: الذي رأيته في (المعتمد) لأبي الحسين لما حكي عن قوم من المرجئة نفي الحقيقة الشرعية، أي: وقوعها، قال: وبعض عللهم تدل على أنهم أحالوا ذلك.
قال الشارح: وحينئذ فلم يصرحوا به، نعم قال بعضهم: من يقول بأن دلالة اللفظ طبعية لا يقول بالجواز هنا، لأن الاسم عنده واجب للمسمى. انتهى.
الثاني: وهو قول القاضي أبي بكر وابن القشيري: نفي وقوعها والألفاظ المستعملة في الشرع لمعان لم تعهدها العرب باقية على مدلولها اللغوي، والأمور الزائدة على المعنى اللغوي بشروط معتبرة فيه، وحكاه الماوردي في (الحاوي) عن الجمهور.
الثالث، وهو قول المعتزلة: وقوعها مطلقاً، أي: أن الشارع ابتدأ وضع لفظ الصلاة والصوم وغيرهما للمعاني الشرعية من غير نقل لها من اللغة، فليست مجازات لغوية.
الرابع: وقوعها إلا الإيمان، فإنه باق على مدلوله اللغوي، قاله الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع).
(1/171)

الخامس: الوقف، وإليه ميل الآمدي.
السادس: الوقوع في فروع الشريعة كالصلاة والصوم دون أصولها، وهي المراد بالدينية، كالإيمان والكفر والفسق، واختاره المصنف، وفي نقله ذلك عن أبي إسحاق الشيرازي نظر، لأنه لم يستثن الدينية مطلقاً، بل الإيمان فقط، كما تقدم في (شرح اللمع) له، وعن الباقين نظر من وجهين.
أحدهما: أنهم لم يفرقوا بين الفروع والدينية.
والثاني: أن مقتضى كلامه أنهم أثبتوها في الفروع مطلقاً من غير أن يكون مجازات لغوية، كما تقول به المعتزلة على الإطلاق، وليس كذلك بل راعوا فيها الوضع اللغوي، وقالوا: إنها مجازات لغوية اشتهرت فصارت/ (44ب/ م) حقائق شرعية، فإطلاق لفظ الصلاة على ذات الأركان مجاز لغوي حقيقة شرعية، لا أنها مخترعة، بل سبق لها استعمال في اللغة مجازي.
ثم بين أن الحقيقة الشرعية هي التي استفيد وضعها للمعنى من جهة الشرع، هذه العبارة هي المحررة.
وأما قول المصنف: (ما لم يستفد اسمه إلا من الشرع) فإن/ 36أ/ د) مقتضاه حصرها في ألفاظ ابتكرها الشرع لا يعرفها أهل اللغة، وليس كذلك، وقد ذكر الصفي الهندي أنها على أربعة أقسام.
أحدها: أن يكون اللفظ والمعنى معلومين لأهل اللغة، لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم كذلك للمعنى ك (الرحمن).
الثاني: أن يكونا غير معلومين لهم أصلاً كأوائل السور عند من يجعلها أسماء لها وللقرآن.
الثالث: أن يكون اللفظ معلوماً لهم دون المعنى، كالصلاة والصوم ونحوهما.
(1/172)

والرابع: عكسه، ومثل له بالأب، فإن معناه معروف عند العرب، وهو العشب، لكنهم لا يعرفون هذا اللفظ.
كذا قيل، وفيه نظر، والأقسام الأربعة واقعة، كما قال الصفي الهندي: إنه الأشبه ولعل مراد المصنف بالاسم التسمية، أي: لم تعرف التسمية بها لهذا المعنى الخاص، إلا من الشرع وإن كان ذلك الاسم معهوداً في اللغة، وكان ينبغي تقديم تعريف الشرعية على ذكر حكمها، لأن الحكم على الشيء فرع تصوره.
ثم ذكر المصنف أن الاسم الشرعي لا يختص بالواجب، بل يطلق أيضاً على المندوب والمباح.
وقال الشارح: هذا بالنسبة إلى عرف الفقهاء لا الأصوليين، لكن قد يتوقف في إطلاقه على المباح، ولهذا قال إمام الحرمين في (الأساليب): الذي يعنيه الفقيه بالشرعي هو الواجب والمندوب.
وقال النووي في صلاة الجماعة من (الروضة): معنى قولهم: لا تشرع الجماعة في النوافل المطلقة: لا تستحب، فلو صلاها جماعة جاز، ولا يقال مكروه، انتهى.
قلت: الظاهر أن الخلاف في إثبات الحقيقة الشرعية يأتي في ألفاظ الأحكام الخمسة، وأن كلام إمام الحرمين والنووي في نفي الحكم وهو المشروعية، فلا يقال: شرع كذا وكذا، إلا في الواجب والمندوب فقط، وأما استعمال الشارع له لفظاً مبتكراً أو مجازاً لغوياً فليس كلامهما فيه والله أعلم.
تنبيه: / (45/أ/ م) قوله: الأوليان بضم الهمزة، وبالياء المثناة من تحت، تثنية أولى.
وإن قلت: الأولتان بفتح الهمزة، وتشديد الواو، وبالتاء المثناة من فوق، فهو تثنية أولة وهي لغة قليلة.
(1/173)

ص: مسألة: والمجاز اللفظ المستعمل بوضع ثان لعلاقة، فعلم وجوب سبق الوضع وهو اتفاق لا الاستعمال وهو المختار، قيل: مطلقاً، والأصح لما عدا المصدر، وهو واقع خلافاً للأستاذ والفارسي مطلقاً، وللظاهرية في الكتاب والسنة.
ش: (اللفظ) جنس.
وخرج بقوله (المستعمل) المهمل، واللفظ قبل الاستعمال، ولو عبر بالقول لكان أولى، كما تقدم.
وخرج بقوله: (بوضع ثان) الحقيقة، وهو أحسن من قول ابن الحاجب: (في غير وضع أول).
وخرج بالعلاقة العلم المنقول: كبكر، وكلب فليس بمجاز، لأنه لم ينقل لعلاقة.
وعلم من هذا التعريف أمران.
أحدهما: أن المجاز يستلزم وضعاً سابقاً عليه، ولا خلاف فيه.
وثانيهما: أنه لا يستلزم سبق استعمال، فقد يستعمل المجاز من غير استعمال الحقيقة،/ 36/ب/د) وهي مسألة أن المجاز هل يستلزم الحقيقة؟ ونقل فيه المصنف ثلاثة مذاهب.
أحدها: منع ذلك، بل لا بد لصحة المجاز من سبق استعمال اللفظ في حقيقته، وهذا مقابل المختار في كلام المصنف، وبه قال أبو الحسين البصري وابن السمعاني والإمام.
الثاني: جوازه، أي جواز استعمال المجاز بدون استعمال الحقيقة مطلقاً.
الثالث: وهو مختار المصنف تبعاً للآمدي: جوازه في غير المصدر.
(1/174)

ثم حكي الخلاف في أن المجاز واقع أم لا؟
والمشهور وقوعه مطلقاً أي في اللغة والشرع والعرف، وذهب الأستاد أبو إسحاق، وأبو علي الفارسي إلى منع وقوعه مطلقاً وتوقف الإمام والغزالي في صحته عن الأستاذ، وقالا: لعله أراد أنه ليس بثابت ثبوت الحقيقة، ونقل ذلك عن الفارسي هو في فوائد الرحلة لابن الصلاح، عن ابن كج عنه، لكن نقل عنه تلميذه أبو الفتح أن المجاز غالب على اللغات.
ومنع الظاهرية وقوع المجاز في الكتاب والسنة، كذا نقله في (المحصول) عن ابن داود، لكن قال الأصفهاني في شرحه: إن المنع في السنة لا يعرف إلا في (المحصول)
قال الشارح: لكن في (الإحكام) لابن حزم/ (45ب/ م) عن قوم منعه في القرآن والسنة.
وقال ابن الحاجب في الإضافة في (شرح المفصل): ذهب القاضي إلى أنه لا مجاز في القرآن.
قلت: وفي (طبقات العبادي) عن أبي العباس بن القاص من أصحابنا منعه في القرآن والحديث، وذلك يرد على الأصفهاني، والله أعلم.
ص: وإنما يعدل إليه لثقل الحقيقة أو بشاعتها أو جهلها أو بلاغته أو شهرته أو غير ذلك.
ش: إنما يعدل المتكلم في خطابه عن الحقيقة إلى المجاز، لأسباب: أحدها: ثقل لفظ الحقيقة على اللسان، كالخنفقيق بفتح الخاء
(1/175)

المعجمة، وإسكان النون وفتح الفاء، وكسر القاف وإسكان الياء المثناة، من تحت وآخره قاف، اسم للداهية، فيعدل عنه إلى النائبة أو الحادثة، أو نحوهما.
ثانيهما: بشاعة لفظها كالتعبير بالغائط عن الخراء.
ثالثها: جهل المتكلم أو المخاطب لفظه الحقيقي.
رابعها: بلاغة لفظ المجاز لصلاحيته للسجع والتجنيس وسائر أصناف البديع دون الحقيقة، قاله الشارح تبعاً لغيره، وفيه نظر، فمعنى البلاغة معروف، في علم المعاني والبيان، وهذه الأمور ليست من البلاغة، وإنما هي وجوه تحسينات للكلام زائدة عليها.
نعم، ما ذكره يصلح لأن يكون من الأسباب التي يعدل لأجلها عن الحقيقة.
خامسها: أن يكون المجاز أشهر من الحقيقة.
وقوله: (أو غير ذلك) أي كأن يكون معلوماً عند المتخاطبين، ويقصدان إخفاءه عن غيرهما، أو لعظم معناه كقولهم: سلام الله على المجلس العالي، فهو أرفع في المعنى من قوله، سلام عليك، أو لكونه أدخل في التحقير.
ص: وليس غالباً على اللغات، خلافاً لابن جني، ولا
(1/176)

معتمداً حيث تستحيل الحقيقة خلافاً لأبي حنيفة.
الأولى: قال في (المحصول) ادعى ابن جني أن المجاز غالب على كل لغة، سواء لغة العرب وغيرها، فإن قولنا: قام زيد، يفيد المصدر، وهو جنس يتناول جميع أفراد القيام، وهو غير مراد بالضرورة، قال: وهذا ركيك، فإن المصدر لا يدل على أفراد الماهية، بل على القدر المشترك.
قلت: وكيف يتناول جميع أفراد القيام، والأفعال في معنى النكرات والنكرة في سياق الإثبات لا تعم؟! / (46/أ/ م).
الثانية: إذا أريد باللفظ معناه المجازي وكان المعنى الحقيقي هناك مستحيلاً فالمجاز عندنا لاغ غير معتمد، وعند أبي حنيفة معمول به، مثاله: إذا قال لعبده الذي هو أسن منه: هذا ابني، وأراد به العتق، لم يعتق عندنا، لأن اللفظ إنما يصلح مجازاً، إذا كان له حقيقة، وهذا اللفظ في هذا المحل لا حقيقة له، فلغى، وقال أبو حنيفة: يعتق.
ص: وهو والنقل خلاف الأصل وأولى من الاشتراك، قيل: ومن الإضمار، والتخصيص أولى منهما.
ش: فيه مسائل:
الأولى: أن المجاز خلاف الأصل، فإن أريد بالأصل الغالب، فالمخالف فيه ابن جني كما تقدم، وإن أريد به الدليل فالمراد أن المجاز على خلاف الدليل، فإذا دار اللفظ بين احتمال الحقيقة والمجاز فاحتمال الحقيقة أرجح.
(1/177)

الثانية: أن النقل خلاف الأصل، فإذا دار اللفظ بين كونه منقولاً وكونه باقياً على حقيقته اللغوية فالثاني أولى، ولا يقال: لم يتقدم للمصنف ذكر النقل حتى يذكر معارضه، لأن الخلاف في وجود الحقيقة الشرعية هو الخلاف في النقل، فالقاضي يمنعه، والجمهور يجوزونه.
الثالثة: إذا تعارض المجاز والاشتراك فالمجاز أولى على الصحيح.
الرابعة: إذا تعارض النقل والاشتراك فالجمهور على ترجيح النقل أيضاً.
الخامسة: إذا تعارض المجاز والإضمار ففيه مذاهب.
أحدها: تقديم المجاز لكثرته، قاله الإمام في (المعالم) والصفي الهندي والقرافي.
ثانيها: تقديم الإضمار لأن قرينته متصلة.
ثالثها: تساويهما، قاله في (المحصول) وتبعه البيضاوي، وضعف المصنف الأول، فمختاره إما الثاني أو الثالث وهو الظاهر.
السادسة: إذا تعارض النقل والإضمار فمقتضى كلام المصنف جريان الخلاف فيه، والمعروف تقديم الإضمار.
السابعة والثامنة: التخصيص أولى منهما، أي من المجاز ومن النقل.
تنبيه: ذكر المصنف هنا مما يخل بالفهم أي اليقيني دون الظني: التخصيص، والمجاز، والإضمار، والنقل، والاشتراك، فهذه خمسة، وأهمل خمسة أخرى وهي: النسخ، والتقديم، والتأخير، والمعارض/ (46/ب/م) العقلي، وتغير الإعراب، والتصريف، لقوة الظن مع انتفاء الخمسة الأولى، فانتقاء الاشتراك والنقل يفيد أنه/ 37/ب / د) ليس للفظ سوى معنى واحد، وانتفاء المجاز والإضمار يفيد أن المراد باللفظ ما وضع له، وانتفاء التخصيص يفيد أن المراد جميع ما وضع له، ويقع التعارض بينهما على عشرة أوجه، وضابطه أن تأخذ كل واحد مع ما قبله، فالاشتراك يعارضه الأربعة قبله، والنقل يعارضه الثلاثة قبله، والإضمار يعارضه الاثنان قبله، والمجاز يعارضه التخصيص قبله، فهذه عشرة، ولبعضهم
(1/178)

في ذلك وضم إليها النسخ:
تجوز ثم إضمار وبعدهما ... نقل تلاه اشتراك فهو يخلفه
وأرجح الكل تخصيص وآخرها نسخ فما بعده قسم يخلفه.
ص: وقد يكون بالشكل أو صفة ظاهرة أو باعتبار ما يكون قطعاً أو ظناً لا احتمالا وبالضد والمجاورة والزيادة والنقصان والسبب للمسبب والكل للبعض والمتعلق للمتعلق وبالعكوس، وما بالفعل على ما بالقوة.
ش: يشترط لصحة المجاز علاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، وإلا لجاز إطلاق كل لفظ على كل معنى، وهل يشترط اعتبار العرب لنوعها؟ يأتي الكلام فيه، وذكر لها المصنف أربعة عشر نوعاً.
الأول: علاقة المشابهة في الشكل كتسمية صورة الأسد المنقوشة على جدار أسداً.
الثاني: علاقة المشابهة في الصفة، وقيدها المصنف بأن تكون ظاهرة لينتقل الذهن إليها، كإطلاق الأسد على الشجاع، بخلاف إطلاقه على الأبخر.
الثالث: علاقة الاستعداد، وهي تسمية الشيء باعتبار ما يكون، وعبارة ابن الحاجب: (باسم ما يؤول إليه)، وعبر الإمام بتسمية إمكان الشيء باسم وجوده، واشتهر التعبير عنها بتسمية الشيء باسم ما هو مستعد له، وزاد المصنف على المختصرات قوله: (قطعاً أو ظناً لا احتمالاً) فمثال القطع قوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} ومثال الظن تسمية العصير خمراً، في قوله تعالى: {إني أراني أعصر خمراً} وأخذ ذلك من قول أصحابنا في
(1/179)

الرد على الحنفية في قولهم في قوله عليه الصلاة والسلام: ((أيما امرأة نكحت نفسها/ (47/ أ / م) فنكاحها باطل) سماه باطلاً لأنه يؤول إلى البطلان باعتراض الولي المآل إلى البطلان هنا ليس قطعاً ولا غالباً.
وقال الشارح: لو عبر المصنف بدل قوله: (أو ظناً لا احتمالاً)، (أو غالباً لا نادراً) لكان أولى، قال: وحقه إذا زاد هذا القيد أن يقول: (بنفسه) ليخرج العبد فإنه لا يطلق عليه حر، باعتبار ما يؤول إليه.
الرابع: علاقة المضادة، وهي تسمية الشيء باسم ضده، كقوله تعالى {وجزاء سيئة سيئة مثلها} سمى القصاص سيئة باسم ضده.
الخامس: علاقة المجاورة، وهي تسمية الشيء باسم ما جاوره، كتسمية القربة رواية، والراوية في اللغة اسم الدابة التي يستقى عليها، فأطلق على القربة لمجاورتها.
السادس: / 38 / أ/ د) علاقة الزيادة، ومثل بقوله تعالى: {ليس كمثله شيء}
(1/180)

فالكاف زائدة، والتقدير (ليس مثله شيء) إذ لو كانت الكاف أصلية لكان التقدير: ليس مثل مثله شيء، فيلزم إثبات مثل لله تعالى، وهو محال.
السابع: علاقة النقصان، ومثل بقوله تعالى: {واسأل القرية} فإن تقديره أهل القرية، لأن القرية هي الأبنية المجتمعة، ولا تسأل.
الثامن: علاقة السببية وهي إطلاق اسم السبب على المسبب، سواء كان السبب مادياً كقولهم: سال الوادي، أو صورياً كقوله تعالى: {الله يد الله فوق أيديهم} أي قدرته فوق قدرتهم، أو فاعلياً كقوله:
(إذا نزل السماء بأرض قوم) ........
أي: المطر.
أو غائياً كتسمية العنب خمراً.
التاسع: علاقة المسببية أي إطلاق اسم المسبب على السبب، كإطلاق الموت على المرض الشديد.
العاشر: علاقة الكلية وهي إطلاق اسم الكل على البعض كقوله تعالى {يجعلون أصابعهم في آذانهم} أي أناملهم.
الحادي عشر: علاقة الجزئية وهي إطلاق اسم البعض على الكل، كقولهم للزنجي: أسود، مع بياض أسنانه، وبعض عينيه، ونوزع في هذا المثال بأنه ليس مفهوم الأسود من قام السواد بجميع أجزائه، بل من قام بظاهر جلده، فإطلاق الأسود على الزنجي حقيقة، فالأولى تمثيله بتسمية جميع الذات رقبة.
الثاني عشر: علاقة التعلق، أي تسمية المتعلق باسم المتعلق، والمراد التعلق الحاصل بين المصدر واسم الفاعل، واسم المفعول، فيشمل ستة
(1/181)

أقسام، إطلاق المصدر على اسم المفعول كقوله تعالى: {هذا خلق الله} أي مخلوقة/ (47/ب/م) وعكسه كقوله تعالى: {بأييكم المفتون} أي: الفتنة، وإطلاق اسم الفاعل على المفعول كقوله تعالى: {ماء دافق} أي مدفوق وعكسه كقوله تعالى: {حجابا ًمستوراً} أي: ساتراً، وإطلاق المصدر على اسم الفاعل كقولهم: رجل عدل، أي عادل، وعكسه قولهم: قم قائماً أي قياماً.
الثالث عشر: عكسه، أي تسمية المتعلق بفتح اللام باسم المتعلق بكسرها، ومثل بقوله عليه الصلاة والسلام: ((تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً)) فإن التقدير تحيضي ستاً أو سبعاً، وهو معلوم الله تعالى، فقول المصنف: و (بالعكوس) راجع للثلاثة الأخيرة، وقد بيناه كذا قرره المصنف
(1/182)

وتبعه الشارح.
والحق أن هذه الثالثة عشر ليست علاقة مستقلة، بل هي داخلة في التي قبلها، لأن لكل من هذه الثلاثة المذكورة وهي المصدر واسم الفاعل واسم المفعول تعلقاً بالأخرى، وكل منها متعلق باعتبار، ومتعلق باعتبار.
والمذكور في الثالثة عشر مندرج في الرابعة عشر.
والعجب تمثيل الشارح للثالثة عشر بمثال موافق لمثال الثانية عشرة، فإن كلا منهما أطلق المصدر على اسم المفعول، الخلق مصدر، والمخلوق مفعول، والعلم مصدر، والمعلوم مفعول، وكان ينبغي له إذ أفرد هذا القسم تمثيله بقوله تعالى {بأييكم المفتون} أي/ 38 ب/ د) الفتنة كما مثلته فهو عكسه، لكن لو فتحنا هذا التغاير لكثرت الأقسام لاستدعاء ذلك ذكر الأقسام الأربعة التي قدمتها، والله أعلم.
الرابع عشر: إطلاق ما بالفعل على ما بالقوة كتسمية الخمر في الدن بالمسكر.
قال الشارح: وقد يقال برجوع هذه إلى قوله أولاً: (باعتبار ما يكون)، ولهذا اقتصر الصفي الهندي على هذه ولم يذكر تلك، بل ذكر بدلها باعتبار ما كان، لكن الظاهر أن ما صنعه المصنف في حذفها أولى، خلافاً للمختصرين، لأنهم جزموا بأن إطلاق اللفظ باعتبار ما كان مجاز، ثم ترجموا مسألة إطلاق اسم الفاعل باعتبار الماضي، وحكوا فيها الخلاف، وهي عين المسألة المذكورة هنا.
(1/183)

قلت: الصواب ذكرها، وجزمهم هنا لا ينافي حكايتهم الخلاف في موضع آخر، لأنهم إنما أرادوا هنا بيان العلاقة عند من يجعله/ (48/ أ / م) مجازاً، وليسوا هنا بصدد بيان أنه حقيقة أو مجاز، فالخلاف في ذلك معروف في موضعه، وإنما أريد هنا بيان أنواع العلاقة، فذكرت هذه منها على قول من يجعل إطلاق اسم الفاعل باعتبار ما مضى مجازاً.
ثم إن الشارح لم يحقق أن هذه العلاقة وهي تسمية ما بالفعل على ما بالقوة، هل هي العلاقة المتقدمة، وهي تسميته باعتبار ما يكون؟ وظاهر كلام المصنفين ترادفها لأنهم لم يجمعوا بينهما بل اقتصروا على تلك العبارة أو على هذه، والظاهر أنها أخص منها، فإنه لا يلزم من إطلاقه باعتبار ما يكون أن ذلك الذي يكون موجوداً بالقوة قبل كونه بالفعل، فإن الموت ليس موجوداً في الحي بالقوة، وكذا الخمرية في العصير، بخلاف الإسكار في الخمر، فإنه حاصل فيها قبل شربها بالقوة فالعلاقة الأولى تغني عن الثانية، والثانية لا تغني عن الأولى، والله أعلم.
ص: وقد يكون في الإسناد خلافاً لقوم، وفي الأفعال والحروف وفاقاً لابن عبد السلام والنقشواني، ومنع الإمام الحرف مطلقاً والفعل والمشتق إلا بالتبع ولا يكون في الأعلام خلافاً للغزالي في متلمح الصفة.
ش: فيه مسائل:
الأولى: قد لا يقع المجاز في المفردات، بل في التركيب، وهو الإسناد كقوله تعالى: {وأخرجت الأرض أثقالها} فالمجاز في نسبة الإخراج للأرض وهو بالحقيقة لله تعالى، ويسمى المجاز العقلي، لأن التجوز فيه في نسبة الفعل إلى غير من صدر عنه، وخالف في ذلك قوم منهم السكاكي وابن الحاجب، لكن اختلفا فيما هو، فقال السكاكي: هو استعارة بالكناية، وقال
(1/184)

ابن الحاجب بل حقيقة لإسناد الفعل إلى فاعله عرفاً.
الثانية: ذكر الإمام فخر الدين الرازي أن الفعل والمشتق كاسم الفعل واسم المفعول لا يدخلهما المجاز بالذات وإنما يدخلهما بالتبع للمصدر الذي هو المشتق/ 39/أ / د) منه، فإن تجوز في المصدر تجوز فيهما، وإن كان المصدر حقيقة فهما كذلك، وخالفه في ذلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام، والنقشواني فقالا: إنه قد يقع في الفعل وغيره من المشتق، بدون وقوعه في المصدر،/ (48/ ب / د) واختاره المصنف، ومثل ابن عبد السلام ذلك بقوله {ونادى أصحاب الجنة} {ونادى أصحاب الأعراف} {ونادى أصحاب النار} فأطلق الماضي على المستقبل لتحققه وعكسه مثل قوله تعالى: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} أي تلته، واستعمل لفظ الخبر في الأمر في قوله {والوالدات يرضعن} وعكسه نحو: {من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} أي: مد.
الثالثة: اختلف في دخول المجاز في الحروف، فمنعه الإمام مطلقاً، ومراده بالأصالة لأن معناه غير مستقل بنفسه، فإن ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه كان حقيقة وإلا فهو مجاز في التركيب لا في المفرد، والكلام إنما هو في المفرد ومراده أنه مجاز عقلي لقوله بعد ذلك: إن المجاز في التركيب عقلي لا لغوي.
وقال النقشواني راداً على الإمام: إذا استعمل الحرف في موضعه كان حقيقة، وإذا استعمل في غيره لعلاقة كان مجازاً، ومثله بقوله تعالى: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} فإن حقيقة (في) الظرفية، وهنا استعملت
(1/185)

لغيرها.
وقال ابن عبد السلام في كتاب المجاز وقد تجوزت العرب في الحروف ك (هل) تجوزوا بها عن الأمر، نحو: {فهل أنتم مسلمون} أي فأسلموا، أو النفي {فهل ترى لهم من باقية} أي ما ترى، والتقرير {هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم}.
الرابعة: منع الجمهور وقوع المجاز في الأعلام بالأصالة وبالتبعية، إذ لا بد في المجاز من علاقة، ولا علاقة في الأعلام، فإن وجدت كمن سمى ولده مباركاً لما اعتقده من اقتران البركة بولادته فليس مجازاً، إذ لو كان كذلك لامتنع إطلاقه بعد زوال العلاقة، واعترضه النقشواني بأنك تقول: جاءني تميم أو قيس وأنت تريد طائفة منهم وهذا مجاز، وتميم علم، فقد تطرق المجاز إلى العلم، لما بين هؤلاء وبين المسمى بذلك العلم من التعلق انتهى.
وقال الغزالي: يدخل المجاز في الأعلام الموضوعة للصفة كالأسود، والحارث، دون الأعلام التي لم توضع إلا للفرق بين الذوات كزيد وعمرو.
ص: ويعرف بتبادر غيره لولا القرينة وصحة النفي وعدم وجوب الاطراد وجمعه على خلاف جمع الحقيقة وبالتزام تقييده، وتوقفه على المسمى الآخر والإطلاق على المستحيل.
ش: للمجاز علامات يعرف بها:
أحدها: / (49/أ/م) إن يتبادر غيره إلى الفهم، لولا القرينة، وأورد المجاز الراجح، وأجيب بأنه نادر، فلا يقدح لأن الغالب أن المتبادر الحقيقة.
ثانيها: صحة النفي كقولك للبليد ليس بحمار.
ثالثها: عدم وجوب الاطراد فقد يستعمل لوجود معنى في محل ولا
(1/186)

يستعمل في محل آخر مع وجود ذلك المعنى فيه كما تقول: اسأل القرية، أي أهلها، ولا تقول: اسأل البساط، قال ابن الحاجب: ولا عكس، أي / 39 ب / د) ليس الاطراد دليل الحقيقة، فإن المجاز قد يطرد كالأسد للشجاع، وجوابه: أنه وإن اطرد لكنه لا يجب، ولهذا عدل المصنف عن قول ابن الحاجب: (وبعدم اطراده) إلى قوله: (وعدم وجوب الاطراد).
رابعها: جمعه على خلاف جمع الحقيقة، كالأمر يجمع إذا كان بمعنى القول الذي هو حقيقته على أوامر، وإذا كان بمعنى الفعل على أمور.
خامسها: التزام تقييده كجناح الذل، ونار الحرب، فإن الجناح والذل يستعملان في مدلولهما الحقيقي من غير قيد، وخرج ب (الالتزام) المشترك، فقد يقيد كقولك: عين جارية، لكنه ليس قيداً لازماً.
سادسها: توقف استعماله على المسمى الآخر الحقيقي، سواء أكان ملفوظاً به كقوله تعالى: {ومكروا ومكر الله} فلا يقال: مكر الله ابتداء، أو مقدراً كقوله تعالى: {قل الله أسرع مكراً} ولم يتقدم لمكرهم ذكر في اللفظ، لكنه تضمنه المعنى.
سابعها: الإطلاق على المستحيل، فإن الاستحالة تقتضي أنه غير موضوع له، فيكون مجازاً كقوله: {واسأل القرية}.
وأورد أن المجاز العقلي كذلك مع أنه حقيقة لغوية.
وأجيب بأن المراد أن معرفة استحالة ذلك بديهة، والامتناع في المجاز العقلي نظري.
ص: والمختار اشتراط السمع في نوع المجاز وتوقف الآمدي.
ش: هل يشترط أن يكون بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي علاقة اعتبرتها
(1/187)

العرب وهو مراد المصنف (بالسمع) أي سماع ذلك من العرب؟
أجمعوا على أنه لا يعتبر شخص العلاقة، وأنه لا بد من جنسها، واختلفوا في النوع، فاختار المصنف اشتراطه، / (49 / ب / م) وهو الذي صححه الإمام وأتباعه، وصحح ابن الحاجب مقابله وتوقف فيه الآمدي، فعلى الأول لا يحتاج إلى استعمال العرب قولنا: سال الوادي، بل يكفي في ذلك إطلاقهم اسم السبب على المسبب في صورة ما، ولو قدم المصنف هذا على ذكر أنواع العلاقة لكان أولى.
ص: مسألة: المعرب لفظ غير علم استعملته العرب في معنى وضع له في غير لغتهم وليس في القرآن وفاقاً للشافعي وابن جرير والأكثر.
ش: عقب المجاز بالمعرب لأنهما ليسا من موضوعات اللغة الحقيقية، فخرج بقوله: (غير علم) الأعلام ك إبراهيم، وإسماعيل، وفيه نظر فالأعلام معربة قطعاً، ولكن اتفقوا على وقوعها في القرآن فإنها لو اتفقت فيها اللغتان لم تمنع من الصرف للعلمية والعجمة، وخرج بالفصل الأخير الحقيقة والمجاز، فإن كلا منهما استعمال اللفظ، فيما وضع له في لغتهم.
واختلف في وقوعه في القرآن، فنفاه الأكثرون، كما حكاه عنهم ابن الحاجب ولم يحك الشارح من لفظ المصنف حكاية ذلك عن الأكثرين.
ونص عليه الشافعي، واشتد في (الرسالة) نكيره على من خالفه، ونصره القاضي أبو بكر في / (40/ أ / د) التقريب، وابن جرير الطبري في تفسيره، وخالفه ابن الحاجب واستدلاله بإجماع النحاة على منع صرف إبراهيم للعلمية والعجمة، لا يحصل مقصوده، لأن محل الخلاف في أسماء الأجناس دون الأعلام كما تقدم، وتمسك بألفاظ وقعت في القرآن كالمشكاة وهي هندية، في قريب من ثلاثين لفظة، وأجاب الجمهور بأنها مما اتفقت عليه اللغات كالصابون، والله أعلم.
(1/188)

ص: مسألة: اللفظ إما حقيقة أو مجاز أو حقيقة ومجاز باعتبارين، والأمران منتفيان قبل الاستعمال.
ش: اللفظ الواحد قد يكون حقيقة فقط، كإطلاق الأسد على الحيوان المعروف، وقد يكون مجازاً فقط كإطلاقه على الشجاع، وقد عرف هذان القسمان، وقد يكون حقيقة ومجازاً باعتبارين، وذلك قد يكون بمعنيين مختلفين، كلفظ العام المخصوص على قول من يقول إنه حقيقة باعتبار دلالته على ما بقي، مجاز باعتبار/ (50أ / م) سلب دلالته على ما أخرج، وقد يكون بمعنى واحد، لكن بحسب وضعين كلغوي وعرفي، كاستعمال لفظ الدابة في الإنسان فهو حقيقة باعتبار اللغة ومجاز باعتبار العرف، فأما بمعنى واحد من واضع واحد فمحال لامتناع اجتماع النفي والإثبات من جهة واحدة، وقد لا يكون حقيقة ولا مجازاً، وهو اللفظ قبل الاستعمال فإنه لا يوصف بواحد منهما، لاشتراط الاستعمال في كليهما، وذكر البيضاوي في هذا القسم الرابع الأعلام أيضاً.
قال الشارح: وقد يقال: التقسيم ناقص، وبقي عليه اجتماعهما في الإرادة على قولنا: يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز.
قلت: وقد يدعى دخوله في قوله: أو حقيقة ومجاز باعتبارين.
ص: ثم هو محمول على عرف المخاطب أبداً ففي الشرع الشرعي لأنه عرفه ثم العرفي العام ثم اللغوي، وقال الغزالي والآمدي في الإثبات الشرعي وفي النفي الغزالي: مجمل والآمدي: اللغوي.
ش: هذه المسألة في تعارض الحقيقة الشرعية والعرفية واللغوية، وضابط ذلك أن اللفظ محمول على عرف المخاطب بكسر الطاء أبداً، فإن كان
(1/189)

الخطاب من الشارع حمل على الحقيقة الشرعية، لأنه عليه الصلاة والسلام بعث لبيان الشريعة لا اللغة، فإن تعذر حمل على الحقيقة العرفية العامة، فإن تعذر حمل على الحقيقة اللغوية، ومن أمثلة ذلك إذا حلف لا يبيع الخمر أو المستولدة وأطلق لم يحنث حملاً على الشرعي، لأن البيع الشرعي لا يتصور فيها، فإن أراد أنه لا يتلفظ بلفظ العقد مضافاً إليها حنث به تنزيلاً على العرف، فإن تعذر حمله على هذه الحقائق حمل على مجازاتها وينزل / (40/ب/د) مجاز كل واحدة منزلتها، هذا رأي الجمهور، ووراء ذلك مذهبان.
أحدهما: قاله الغزالي: إن ورد في الإثبات حمل على الشرعي كقوله عليه الصلاة والسلام ((إني أذن أصوم)) فيستدل به على صحة صوم النفل بنية من النهار، وإن كان في النفي فهو مجمل كالنهي عن صوم يوم النحر، فإنه لو حمل على الشرعي لدل على صحته لاستحالة النهي عما لا يتصور وقوعه.
ثانيهما: وهو اختيار الآمدي: أنه في الإثبات محمول على/ (50 ب / م) الشرعي، وفي النهي على اللغوي.
تنبيه:
هذا المذكور هنا من تقديم العرفي على اللغوي يخالفه قول الفقهاء: ما لا حد له في اللغة ولا في الشرع يرجع فيه إلى العرف، وجمع السبكي بينهما بأن مراد الأصوليين: إذا تعارض معناه في العرف ومعناه في اللغة قدمنا العرف،
(1/190)

ومراد الفقهاء: إذا لم يعرف حده في اللغة فإنا نرجع فيه إلى العرف، ولهذا قالوا: كل ما ليس له حد في اللغة، ولم يقولوا: معنى فالمراد أن أهل اللغة لم ينصوا على حده بما يبينه فيستدل عليه بالعرف، انتهى.
وحكى الشارح هذا الجمع عن الباجي، قال: وجمع بعضهم بينهما بحمل كلام الأصوليين على اللفظ الصادر من الشارع، وكلام الفقهاء على الصادر من غيره، قال: وفيه نظر، فإن الفقهاء يستعملون هذه العبارة في لفظ الشارع أيضاً، كالقبض في البيع وغيره.
قلت: كلام الرافعي يقتضي ترجيح تقديم اللغوي على العرفي في أصول المدلول، فقال في كتاب الطلاق: إذا تعارض المدلول اللغوي والعرفي فكلام الأصحاب يميل إلى اعتبار الوضع، والإمام والغزالي يريان اتباع العرف، ثم ذكر بعده بقليل مثله، فقال في مسألة الأصح: وبه أجاب المتولي مراعاة للفظ، فإن العرف لا يكاد ينضبط.
قلت: وهذا لا ينافي الجمع المتقدم عن بعضهم) فإن الظاهر أن كلام الرافعي في ألفاظ الآدميين فالعبارة المتقدمة عن الفقهاء إن أطلقوها في ألفاظ الشارع فالجمع ما ذكره السبكي، وإن أطلقوها في كلام غيره فهي موافقة لكلام الرافعي، والجمع بينهما وبين كلام الأصوليين أنها في ألفاظ غير الشرع، وكلام الأصوليين في ألفاظ الشرع والله تعالى أعلم.
ص: وفي تعارض المجاز الراجح والحقيقة المرجوحة أقوال ثالثها المختار مجمل.
ش: إذا غلب الاستعمال المجازي على الحقيقي كالدابة فإنها في اللغة كل ما يدب، ثم نقلت في العرف إلى الحمار، وكثر حتى صار حقيقة عرفية، وصار الوضع الأول مجازاً بالنسبة إلى العرف لقلة استعماله فيه:
فقال أبو حنيفة: تقدم الحقيقة، وقال أبو يوسف: يقدم المجاز، وقال
(1/191)

الإمام في (المعالم) يتساويان فيكون مجملاً، وحكاه في (المحصول) عن بعضهم، ونقله الصفي الهندي عن الشافعي واختاره/ (51أ/ م) المصنف.
ومحل الخلاف إذا لم تهجر الحقيقة بالكلية فإن هجرت فالمجاز (41أ/د) مقدم بالاتفاق.
ص: وثبوت حكم يمكن كونه مراداً من خطاب لكن مجازاً لا يدل على أنه المراد منه بل يبقى الخطاب على حقيقته خلافاً للكرخي والبصري.
ش: إذا كان للخطاب حقيقة ومجاز، ووجدنا حكماً شرعياً ثابتاً يمكن كونه مستنبطاً من ذلك الخطاب بتقدير المجاز، فهل نجعله مأخوذاً منه ونقول: إنه المراد منه ويحمل الخطاب المذكور على المجاز، أو يبقى ذلك الخطاب على حقيقته؟ ولعل لذلك الحكم دليلاً غير مجاز هذا الخطاب كقوله تعالى: {أو لامستم النساء} فحقيقة اللمس الجس باليد، ومجازه الجماع، وقد ثبت هذا الحكم للجماع بالإجماع على جواز التيمم للجماع، فهل يدل ذلك على حمل الآية على المجاز دون الحقيقة، حتى لا ينقض الوضوء باللمس أو الآية على حقيقتها دالة على الانتقاض باللمس؟
في المسألة مذهبان: ذهب إلى الأول الكرخي من الحنفية، والبصري من المعتزلة، وذهب إلى الثاني القاضي عبد الجبار، وتبعه في (المحصول) واختاره المصنف.
واعلم أن هذا الخلاف مفرع على امتناع استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، كما صرح به الأصفهاني، فإن حمل عليهما فلا ينافي.
وكان ينبغي للمصنف التنبيه على هذا، وقد ظهر أن كلامه مفرع على قول مرجوح عنده، والله أعلم.
(1/192)

ص: مسألة: الكناية: لفظ استعمل في معناه مراداً منه لازم المعنى فهو حقيقة فإن لم يرد المعنى وإنما عبرنا بالملزوم عن اللازم فهو مجاز والتعريض: لفظ استعمل في معناه ليلوح بغيره فهو حقيقة أبداً.
ش: هذا الكلام لعلماء البيان، وليس للأصوليين، ولكن الشيء بالشيء يذكر، فقالوا: اللفظ ينقسم إلى صريح، وكناية، وتعريض، فاختلف في الكناية هل هي حقيقة أو مجاز على مذاهب؟
الأول: أنها حقيقة، وإليه مال ابن عبد السلام، فقال: إنه الظاهر، لأنها استعملت فيما وضعت له، وأريد بها الدلالة على غيره.
الثاني: أنها مجاز.
الثالث: أنها ليست بحقيقة ولا مجاز، وإليه ذهب صاحب (التلخيص).
الرابع وهو اختيار المصنف تبعاً لوالده : أنها تنقسم إلى حقيقة ومجاز، فإذا قلت: زيد كثير الرماد، فإن أردت معناه استفاد منه الكرم، فإن كثرة الرماد / (51 ب/م) والطبخ لازم له غالباً فهو حقيقة، وإن لم ترد المعنى وإنما عبرت بالملزوم وأردت كما إذا استعملت كثرة الرماد وأردت الكريم فهو مجاز، لاستعماله في غير ما وضع له أولى.
وحاصله أن الحقيقة منها أن يستعمل اللفظ فيما وضع له ليفيد غير ما وضع له، والمجاز منها أن يريد غير موضوعه استعمالاً وإفادة.
وأما التعريض فهو لفظ استعمل في معناه ليلوح به إلى غرض آخر هو المقصود، سمي تعريضاً لفهم المعنى من عرض اللفظ أي جانبه، وهو يشبه الكناية إذا / (41 / ب / د) قصد بها الحقيقة، مثاله قوله: {بل فعله كبيرهم هذا} أي كبير الأصنام، غضب أن تعبد هذه الأصنام الصغار فكسرها،
(1/193)

فكذلك الله تعالى يغضب لعبادة من دونه، وهذا اللفظ مستعمل في معناه، لكن لوح منه للسامع غيره فهو حقيقة أبداً أي في جميع الأحوال بخلاف الكناية فإن فيها تفصيلاً تقدم، والله أعلم.
ص: الحروف.
ش: المراد الحروف التي يحتاج الفقيه إلى معرفتها، وليس المراد هنا قسيم الاسم والفعل بخصوصه، فقد ذكر معها كثير من الأسماء ك (إذا) و (كل) وأطلق عليها حروفاً تغليباً باعتبار الأكثر، وقال الصفار: الحرف يطلقه سيبويه على الاسم والفعل.
ص: الأول: (إذن) قال سيبويه: للجواب والجزاء، قال الشلوبين: دائماً وقال الفارسي: غالباً.
ش: معنى (إذن) الجواب والجزاء كما نص عليه سيبويه، فإذا قيل لك: أنا أقصدك، فقلت: إذن أكرمك، فقد أجبته وصيرت إكرامك جزاء على قصده، فحمله قوم منهم الشلوبين على ظاهره، وقال: إنها لهما دائماً، ويكلف تخريج ما خفي فيه ذلك، وقال الفارسي: هذا هو الغالب، وقد تتمحض للجواب وحده، نحو قولك: أحبك، فتقول: إذن أظنك صادقاً، فلا يتصور هنا الجزاء، وهذا كما قال سيبويه في (نعم) إنها عدة وتصديق وهو باعتبار حالين.
ص: الثاني: (إن) للشرط والنفي والزيادة.
ش: مجيء (إن) بكسر الهمزة وتخفيف النون للشرط هو الأكثر، والمراد به تعليق حصول مضمون جملة بحصوله بمضمون جملة أخرى فقط، أي من غير اعتبار ظرفية ونحوها، وهي أم أدوات الشرط.
ومجيئها للنفي بمعنى (ما) نحو إن زيد قائم، / (52أ/ م) ومذهب الكوفيين أنها ترفع
(1/194)

الاسم وتنصب الخبر، وعليه قراءة سعيد بن جبير: {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم} والأكثر إهمالها كما في قوله تعالى: {إن الكافرون إلا في غرور}.
والأكثر في زيادتها أن تكون بعد (ما) النافية لتأكيد النفي نحو: ما إن زيد قائم، واستغنى المصنف عن ذكر (إن) المشددة هنا بذكرها في مسالك العلة.
ص: الثالث: (أو) للشك والإبهام والتخيير ومطلق الجمع والتقسيم وبمعنى (إلى) والإضراب ك (بل) قال الحريري: والتقريب نحو: ما أدري أسلم أو ودع.
ش: مثال الشك: قام زيد أو عمرو، إذا لم يعلم) أيهما قام، والفرق بينها وبين (إما) التي للشك أن الكلام مع (إما) لا يكون إلا مبنياً على الشك بخلاف (أو) فقد يبني المتكلم كلامه على اليقين، ثم يدركه الشك، فيأتي بها.
ومثال الإبهام: (قام زيد أو عمرو) إذا علمت القائم منهما، ولكن قصدت الإبهام على المخاطب فالشك من جهة المتكلم / (42أ/ د) والإبهام من جهة السامع.
ومثال التخيير: (خذ ديناراً أو درهماً)
ولم يذكر المصنف الإباحة، وقد مثلها من غاير بينها وبين التخيير بقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، وفرق بينهما بامتناع الجمع في التخيير، وجوازه في الإباحة.
وقال الشارح: الظاهر أنهما قسم واحد لأن حقيقة الإباحة هي التخيير، وإنما امتنع في: (خذ ديناراً أو درهماً) للقرينة العرفية لا من مدلول اللفظ، كما أن الجمع بين صحبة العلماء والزهاد وصف كمال لا نقص
(1/195)

فيه، انتهى.
والتخيير أو الإباحة لا يكونان إلا في الطلب بخلاف الشك أو الإبهام، فإنهما في الخبر.
ومثال مطلق الجمع كالواو قوله تعالى: {أو يزيدون} وهذا قول كوفي.
ومثال التقسيم الكلمة اسم أو فعل أو حرف، وعبر ابن مالك بالتفريق المجرد أي عن المعاني السابقة، ومثله بقوله تعالى: {وقالوا كونوا هوداً أو نصارى} قال: والتعبير عنه بالتفريق أولى من التقسيم، لأن استعمال الواو فيما هو تقسيم أجود من استعمال (أو).
واعترض عليه بأن استعمال الواو في التقسيم / (52ب / م) أكثر لا يقتضي أن (أو) لا تأتي له بل يقتضي ثبوت ذلك، غير أكثر.
ومثال كونها بمعنى (إلى): لألزمنك أو تقضي حقي.
ومثال الإضراب قوله تعالى: {أو يزيدون} على قول الفراء.
ومثال التقريب ما ذكره المصنف أي: لسرعته، وإن كان يعلم أنه سلم أو لا وذكره أبو البقاء أيضاً وجعل منه قوله تعالى: {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب}.
وذهب بعضهم في (أو) إلى أنها موضوعة للقدر المشترك بين المعاني السابقة، وهو لأحد الشيئين أو الأشياء وإنما فهمت هذه المعاني من القرائن.
ص: (أي) بالفتح والسكون للتفسير ولنداء القريب أو البعيد أو المتوسط أقوال، وبالتشديد للشرط والاستفهام وموصولة ودالة على معنى الكمال ووصلة لنداء ما فيه أل.
(1/196)

ش: (أي) بفتح الهمزة، وإسكان الياء لها معنيان.
أحدهما: التفسير، ومعناه أن يكون ما بعدها مفسراً لما قبلها وعبارة عنه وهو أعم من (أن) المفسرة لدخولها على الجملة والمفرد ووقوعها بعد القول وغيره.
قال ابن مالك: والمذكور بعدها عطف بيان، يوافق ما قبلها في التعريف والتنكير.
ثانيها: النداء، وهل هي لنداء القريب أو البعيد أو المتوسط؟
فيه أقوال، والراجح الثاني، ونقله ابن مالك عن سيبويه، لأنه صرح بأنها مثل هيا وأيا في البعد.
أما (أي) بفتح الهمزة والتشديد فلها معان:
أحدها: الشرط نحو: (أيهم يكرمني أكرمه).
ثانيها: الاستفهام، نحو: {أيكم زادته هذه إيماناً}.
ثالثها: أن تكون موصولة بمعنى الذي نحو: {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتياً} التقدير: لننزعن الذي هو أشد. قاله سيبويه.
رابعها: أن تكون دالة على معنى/ (42 / ب / د) الكمال، وهي الصفة، وقد تكون صفة لنكرة، نحو: (زيد رجل) أي كامل في صفات الرجال، وتكون حالاً للمعرفة، كمررت بزيد أي رجل.
ثم الواقعة صفة إن أضيفت إلى مشتق فهي للمدح بالمشتق منه خاصة، نحو: مررت بعالم أي عالم، وإن أضيفت إلى غير مشتق فهي للمدح بكل صفة يمكن أن يثنى بها كمررت برجل أي رجل، فالثناء / (53/ أ / م) عليه بكل ما يمدح به الرجل.
(1/197)

خامسها: أن تكون وصلة لنداء ما فيه (أل) كقوله: {يا أيها النبي} وقال الشارح: كان ينبغي ذكر (إي) بكسر الهمزة وسكون الياء، ليستوفي جميع أقسامها، وهي حرف جواب بمعنى نعم، ولا يجاب بها إلا مع القسم في جواب الاستفهام كقوله: {أحق هو قل إي وربي}.
قلت: احتياج الفقيه لهذه اللفظة نادر فلذلك لم يذكرها.
ص: الخامس (إذ) اسم للماضي ظرفا ومفعولا به وبدلا من المفعول ومضافاً إليها اسم زمان وللمستقبل في الأصح وترد للتعليل حرفاً وقيل ظرفاً وللمفاجأة وفاقاً لسيبويه.
ش: (إذ) اسم بالإجماع، لتنوينها في نحو: (يومئذ)، والإضافة إليها نحو: {بعد إذ هديتنا} ولها معان أغلبها أن تكون ظرفاً للزمان الماضي، نحو قوله تعالى: {فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا}.
والثاني: أن تكون مفعولاً به نحو: {واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم} الثالث: أن تكون بدلاً من المفعول نحو: {واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت} ف (إذ) بدل اشتمال من مريم.
الرابع: أن يضاف إليها اسم الزمان، سواء صلح للاستغناء عنه نحو: يومئذ، أو لا نحو: {بعد إذ هديتنا}.
الخامس: أن تكون ظرفاً للزمان المستقبل، مثل (إذا) كذا صححه المصنف تبعاً لابن مالك وطائفة ومثاله قوله تعالى: {فسوف يعلمون إذ
(1/198)

الأغلال في أعناقهم} ومنع الأكثرون ذلك، وأجابوا عن هذه الآية ونحوها بأن ذلك نزل منزلة الماضي لتحقق وقوعه مثل {أتى أمر الله}.
السادس: أن تكون للتعليل مثل قوله: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم} {وإذ لم يهتدوا به فسيقولون} ثم اختلف في أنها حينئذ تكون حرفاً بمنزلة لام العلة، ونسب لسيبويه، وصرح به ابن مالك في بعض نسخ (التسهيل) أو ظرفاً والتعليل مستفاد من قوة الكلام لا من اللفظ.
السابع: أن تكون للمفاجأة الواقعة بعد بينا وبينما نحو قولك (بينا أنا كذا إذ جاء زيد) نص عليه سيبويه، ويعود هنا الخلاف في أنها حينئذ حرف أو باقية على ظرفيتها الزمانية، ويريد هنا قول إنها ظرف مكان كما قيل به في إذا الفجائية / (43أ/ د).
ص: السادس (إذا للمفاجأة حرفاً وفاقاً للأخفش وابن مالك وقال المبرد وابن عصفور/ (53 ب/م) ظرف مكان والزجاج والزمخشري ظرف زمان وترد ظرفاً للمستقبل مضمنة معنى الشرط غالباً وندر مجيئها للماضي والحال.
ش: ل (إذا) معان.
أحدها: أن تكون للمفاجأة، وهي التي يقع بعدها المبتدأ فرقاً بينها وبين الشرطية نحو: (خرجت فإذا الأسد) ومنه قوله تعالى: {فألقاها فإذا هي حية تسعى} قال ابن الحاجب: ومعنى المفاجأة: حضور الشيء معك في وصف من أوصافك الفعلية، وتصويره في هذا المثال: حضور السبع معك في زمن وصفك بالخروج أو في مكان خروجك، وحضوره معك في مكان
(1/199)

خروجك ألصق بك من حضوره في زمن خروجك، لأن ذلك المكان يخصك دون من أشبهك، وكذلك الزمان لا يخصك دون من أشبهك، وكلما كان ألصق كانت المفاجأة فيه أقوى.
واختلف فيها على ثلاثة مذاهب، أصحها: أنها حرف، وبه قال الأخفش وابن مالك.
والثاني: أنها ظرف مكان، وبه قال المبرد وابن عصفور.
والثالث: ظرف زمان، وبه قال الزجاج والزمخشري، ونسب القولان الأخيران لسيبويه، وتظهر فائدة الخلاف في أنه لا يصح إعرابها خبراً في قولك: (خرجت فإذا الأسد) لا على الحرفية ولا على ظرفية الزمان، لأن الزمان لا يخبر به عن الجثة، ويصح على ظرفية المكان أي فبالحضرة الأسد.
(1/200)

ثانيها: أن تكون ظرفاً للمستقبل متضمنة معنى الشرط غالباً، وكذلك يجاب بما يجاب به أدوات الشرط نحو: إذا جاء زيد فقم إليه، فهي باقية على ظرفيتها إلا أنها ضمنت معنى الشرط، ولذلك لم يثبت لها سائر أحكام الشرط، فلم يجزم بها المضارع ولا تكون إلا في المحقق، ومنه: {وإذا مسكم الضر في البحر} لأن مس الضر في البحر محقق، ولما لم يقيد بالبحر أتى ب (أن) التي تستعمل في المشكوك فيه نحو: {وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض}.
ثالثها: أن تكون ظرفاً للماضي مثل (إذ) كقوله تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك} قاله ابن مالك، وأنكره الجمهور، وتأولوا ما أوهم ذلك.
رابعها: أن تكون ظرفًا للحال كقوله تعالى: {والليل إذا يغشى} قاله ابن الحاجب وقال غيره: كما جردت هنا عن الشرط جردت عن الظرف، وهي هنا لمجرد الوقت من غير أن تكون ظرفاً.
ص: السابع/ (54/ أ / م) الباء للإلصاق حقيقة ومجازاً والتعدية والاستعانة والسببية والمصاحبة والظرفية والبدلية والمقابلة والمجاوزة والاستعلاء والقسم والغاية والتوكيد وكذا التبعيض وفاقاً للأصمعي والفارسي وابن/ (43 ب / د) مالك.
ش: للباء معان.
أحدها: أن تكون للإلصاق، وهو أصل معانيها، ولم يذكر لها سيبويه غيره، ولهذا قالت المغاربة، لا تنفك عنه إلا أنها قد تتجرد له، وقد يدخلها مع ذلك معنى آخر، ثم قد يكون حقيقة نحو: أمسكت الحبل بيدي، وقد يكون مجازاً نحو: مررت بزيد، فإن المرور لم يلصق بزيد، وإنما التصق بمكان
(1/201)

يقرب منه.
ثانيها: التعدية، وتسمى بالنقل أيضاً وهي القائمة مقام الهمزة في تصيير الفاعل مفعولاً: نحو {ذهب الله بنورهم} أي أذهب الله نورهم، وأصله ذهب نورهم.
ثالثها: الاستعانة وهي الداخلة على آلة الفعل نحو كتبت بالقلم.
رابعها: السببية نحو قوله تعالى: {فكلا أخذنا بذنبه} ولم يذكر في (التسهيل) باء الاستعانة، وأدرجها في السببية، وقال في شرحه: النحويون يعبرون عن هذه بالاستعانة، وأثرت التعبير بالسببية من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى، فإن استعمال السببية فيها يجوز، واستعمال الاستعانة فيها لا يجوز انتهى.
واستغنى المصنف بذكر باء السببية عن باء التعليل، لأن العلة والسبب واحد، وغاير ابن مالك بينهما، ومثل التعليلية بقوله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا} والفرق بينهما أن العلة موجبة لمعلولها بخلاف السبب لمسببه فهو كالأمارة عليها.
خامسها: المصاحبة وهي التي تصلح في موضعها (مع) أو يغني عنها، وعن مصحوبها الحال، كقوله تعالى: {قد جاءكم الرسول بالحق} أي مع الحق، أو محقاً.
سادسها: الظرفية بمعنى (في) للزمان في قوله تعالى: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل} والمكان في قوله تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر}.
(1/202)

سابعها: البدل بأن يجيء موضعها بدل كقوله في الحديث: ((ما يسرني بها حمر النعم)) أي بدلها.
ثامنها: المقابلة، وهي الداخلة على الأثمان والأعراض، نحو: اشتريت الفرس بألف.
تاسعها: المجاورة بمعنى (عن) وتكثر بعد/ (54ب/ م) السؤال نحو: {فاسأل به خبيراً} وتقل بعد غيره، نحو: {ويوم تشقق السماء بالغمام} وهذا مذهب كوفي، وتأوله الشلوبين على أنها باء السببية، أي: فاسأل بسببه أو تضمن (اسأل) معنى (اطلب) لأن السؤال طلب في المعنى.
عاشرها: الاستعلاء كقوله: {ومنهم من إن تأمنه بدينار} أي عليه، وحكاه إمام الحرمين في البرهان عن الشافعي.
حادي عشرها: القسم وهي أصل حروفه نحو: (بالله لأفعلن)
ثاني عشرها: الغاية، نحو: {وقد أحسن بي} أي إلي.
ثالث عشرها: التوكيد، وهي الزائدة إما مع الفعل نحو: أحسن بزيد، على قول البصريين أنه فاعل، أو مع المفعول نحو: {وهزي إليك بجذع النخلة} أو مع المبتدأ نحو (بحسبك زيد) والخبر نحو: {أليس الله بكاف عبده}.
(1/203)

رابع عشرها: التبعيض/ (44أ / د) قال به الكوفيون وجماعة من غيرهم كالأصمعي وأبي علي الفارسي وغيرهما، واختاره ابن مالك مثل قوله تعالى: {عيناً يشرب بها عباد الله} ومنه قوله:
شربن بماء البحر ثم ترفعت .........
وقوله:
شرب النزيف ببرد ماء الحشرج ..........
وخرج عليه قوله تعالى {وامسحوا برؤوسكم} وأنكره قوم منهم ابن جني، ورد عليه البيضاوي تبعاً للإمام بأنها شهادة نفي، فهي غير مسموعة، وقال ابن دقيق العيد: بل هي إخبار مبني على ظن غالب مستند إلى الاستقراء من أهل ذلك، مطلع على لسان العرب متتبع لسائر أحكامهم في نفي ما دل الاستقراء على نفيه، نعم إن وقع نقل إثبات من معتبر في الصنعة أنها للتبعيض قدم على هذا النفي، انتهى.
ص: الثامن (بل) للعطف والإضراب إما للإبطال أو للانتقال من غرض إلى آخر.
(1/204)

ش: إما أن يقع بعد (بل) مفرد أو جملة، فإن وقع بعدها مفرد فهي للعطف، ثم إن كانت في الإثبات نحو: جاء زيد بل عمرو، فهي لنقل الحكم عما قبلها، وجعله لما بعدها قطعاً، وليس المراد بذلك أنها تنفيه عما قبلها، بل تصيره كالمسكوت عنه، وإن كانت في النفي نحو ما قام زيد بل عمرو، فهي لتقرير حكم ما قبلها وجعل ضده لما بعدها، فتقرر نفي القيام عن زيد وتثبته لعمرو، وأجاز المبرد وعبد الوارث وتلميذه الجرجاني مع ذلك أن تكون ناقلة حكم النفي لما بعدها، كما في الإثبات، فيحتمل عندهم/ (55أ/ م) في نحو: ما قام زيد بل عمرو، أن يكون التقدير بل ما قام عمرو، وقال القواس في (شرح الدرة): وأوجبوا تقدير حرف النفي بعدها لتتحقق المطابقة في الإضراب عن منفي إلى منفي، كما تتحقق في الإضراب عن موجب إلى موجب، ويخالف كلام المبرد هذا قول أبي علي الفارسي في (الإيضاح): في (ما زيد خارجاً بل ذاهب) : لا يجوز إلا الرفع، لأن الخبر موجب و (ما) الحجازية لا تعمل في الخبر إلا منفياً، انتهى.
وإن وقع بعدها جملة لم تكن حرف عطف بل حرف ابتداء، ومعناها الإضراب ثم هو قسمان.
أحدهما: أن يكون لإبطال السابق نحو: {يقولون به جنة بل جاءهم بالحق}.
ثانيهما: أن يكون للانتقال من غرض إلى آخر كقوله تعالى: {بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون}.
تنبيه:
مقتضى كلام المصنف أنها إذا كانت للعطف لا تكون للإضراب وليس كذلك،
(1/205)

وأنها إذا كانت للإضراب لا تكون عاطفة وبه قال الجمهور، وظاهر كلام ابن مالك أنها عاطفة وصرح به ولده في شرح الألفية.
ص: التاسع: (بيد) بمعنى (غير) وبمعنى من أجل وعليه بيد أني من قريش.
ش: (بيد) اسم ملازم للإضافة إلى (أن) وصلتها، وله معنيان:
أحدهما: بمعنى (غير) كقوله عليه الصلاة والسلام: ((نحن الآخرون السابقون بيد أنهم/ (44 ب/ د) أوتوا الكتاب من قبلنا)).
وثانيهما: بمعنى (من أجل) قاله الشافعي فيما حكاه عنه ابن حبان في صحيحه وعليه الحديث الآخر: ((أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد بن بكر)) وقال الزمخشري في الفائق: هو من تأكيد المدح بما يشبه الذم.
ص: العاشر: (ثم) حرف عطف للتشريك والمهلة على الصحيح وللترتيب خلافاً للعبادي.
ش: (ثم) حرف عطف يدل على أمور.
أحدها: التشريك، أي بين المعطوف والمعطوف عليه، وخالف فيه الكوفيون فقالوا: قد تقع زائدة فلا تكون عاطفة أصلاً كقوله تعالى: {وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم}.
(1/206)

ثانيها: المهلة، أي: التراخي، وخالف فيها الفراء فقال: قد تتخلف بدليل: / (55 ب/ م) أعجبني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب، لأن (ثم) في ذلك لترتيب الإخبار، ولا تراخي بين الإخبارين، ووافقه ابن مالك فقال: قد تقع (ثم) في عطف المتقدم بالزمان، اكتفاء بترتيب اللفظ، وجعل منه قوله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب} فقول المصنف: (على الصحيح) عائد عليهما.
ثالثها: الترتيب وخالف فيها العبادي.
وقال الشارح: إنما قاله العبادي في بعض التراكيب الخاصة ففي فتاوى القاضي حسين: لو قال: وقفت على أولادي، ثم أولاد أولادي، بطناً بعد بطن، فهو للترتيب، وقال العبادي: للجمع.
قال الشارح: فلم يقل ذلك في الاقتصار على وقفت على أولادي، ثم أولاد أولادي، بل فيما إذا أضاف إليها بطناً بعد بطن، فإن ذلك يقتضي الجمع عنده، فلما اقتضى صدر الكلام الترتيب ل (ثم) وآخره الجمع وذلك تناقض مبطل للفظ حمل (ثم) على مجازها، وهو الجمع بدون ترتيب، فنقل الكلام من الحقيقة إلى المجاز بقرينة قوله: بطناً بعد بطن.
قلت: لم يقل أحد إن قوله: بطناً بعد بطن يدل على الجمع، بل قال فريق: إنه يدل على الترتيب، وقال آخرون: إنه يدل على استيعاب البطون وعدم الاقتصار على بعضها، ولا دلالة له على ترتيب، ولا معية، فإذا استفيد الترتيب من لفظ آخر لم يكن في قوله: بطنا بعد بطن معارضة له، فلولا مخالفة العبادي في (ثم) لما قال هنا: بالجمع بدون ترتيب، والله أعلم.
نعم، القول بأنها لا تدل على الترتيب كالواو حكاه السيرافي عن الفراء وعزاه غيره للأخفش.
(1/207)

ص: الحادي عشر: (حتى) لانتهاء الغاية غالباً وللتعليل وندر للاستثناء.
ش: ل (حتى) معان.
أحدها وهو الغالب: أن تكون لانتهاء الغاية، نحو قوله تعالى: {حتى مطلع الفجر}.
ثانيها: التعليل نحو: (كلمته حتى يأمر لي بشيء) وعلامتها أن يصلح موضعها (كي).
ثالثها: أن تكون للاستثناء وهذا نادر، ذكره ابن مالك في التسهيل والمراد الاستثناء المنقطع كقول الشاعر:
ليس العطاء من الفضول سماحة حتى تجود وما لديك / (45 / أ / د) قليل ويمكن جعلها هنا بمعنى إلى.
ومن المهم البحث عن حكمها في الترتيب، وقد قال ابن الحاجب: إنها في ذلك مثل الفاء، وقال ابن مالك في/ (56أ/م) (شرح العمدة) تبعاً لطائفة: هي كالواو، وأنكر على القائل: بأنها للترتيب، فإنك تقول: حفظت القرآن حتى سورة البقرة، وإن كانت أول ما حفظت أو متوسطاً، وقال ابن أبان: ليس ترتيبها كالفاء وثم، فإنهما يرتبان أحد الفعلين على الآخر في الوجود وهي ترتب ترتيب الغاية، وبشرط أن يكون ما بعدها من جنس ما قبلها، ولا يحصل ذلك إلا بذكر الكل قبل الجزء.
وقال القواس: تفيد المهلة، إلا أن المهلة فيها أقل من (ثم).
(1/208)

ص: الثاني عشر: (رب) للتكثير وللتقليل ولا تختص بأحدهما خلافاً لزاعمي ذلك.
ش: اختلف في (رب) على مذاهب.
أحدها: أنها للتقليل وعليه الجمهور.
الثاني: أنها للتكثير، ونسب كل منهما إلى سيبويه.
الثالث: أنها ترد لهما ولا تختص بأحدهما، وظاهر تعبير المصنف ورودها لهما على السواء، وهو قول الفارسي، واختار ابن مالك أن أكثر ورودها للتكثير، وندرت للتقليل، واختار أبو حيان أنها حرف إثبات لم توضع لتقليل ولا تكثير، وإنما يستفاد ذلك من القرائن.
ص: الثالث عشر: (على) الأصح أنها قد تكون اسماً بمعنى (فوق) وتكون حرفاً للاستعلاء والمصاحبة والمجاوزة والتعليل والظرفية والاستدراك والزيادة أما علا يعلو ففعل.
ش: اختلف في (على) هل تكون اسماً أم لا؟ على مذاهب.
أحدهما: أنها اسم دائماً، وبه قال ابن طاهر، وابن خروف وابن الطراوة والآمدي
(1/209)

والشلوبين، وحكي عن سيبويه.
ثانيها: أنها لا تكون اسماً إلا إذا دخل عليها حرف جر كقوله:
غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها .......
وهو المشهور عند البصريين.
ثالثها وبه قال الأخفش : أنها تكون اسما في موضع آخر، وهو أن يكون مجرورها وفاعل متعلقها ضميرين لمسمى واحد كقوله تعالى: {أمسك عليك زوجك}.
رابعها وبه قال الفراء: أنها لا تكون اسماً أبداً، والظاهر أن الثاني هو الذي صححه المصنف.
فأما إذا كانت حرفاً فلها معان.
أحدها ولم يثبت لها أكثر البصريين سواه : الاستعلاء، سواء كان حسياً كقوله تعالى {كل من عليها فان} أو معنوياً كقوله تعالى: {ولعلا بعضهم على بعض}.
ثانيها: المصاحبة نحو: {وأتى المال على حبه}.
ثالثها: المجاورة بمعني (عن) كقوله:
(1/210)

إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها.
رابعها: / (56 ب/ م) التعليل نحو: {ولتكبروا الله على ما هداكم}.
خامسها: الظرفية نحو: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان}.
سادسها: الاستدراك نحو: فلان لا يدخل الجنة، على أنه لا ييأس من رحمة الله.
سابعها: / (45 ب/ د) الزيادة، كقوله عليه الصلاة والسلام: ((من حلف على يمين)) أي يمينا، وأنكر سيبويه وقوعها زائدة.
أما مثل قوله تعالى: {إن فرعون علا في الأرض} فإنها فعل إذ لو كانت حرفاً لما دخلت على (في) وقد اجتمعت الفعلية والحرفية في قوله تعالى: {ولعلا بعضهم على بعض} ونبه المصنف بذكر المضارع في قوله: (يعلو) إلى أن الفعلية تفارق الاسمية والحرفية بتصرفها.
ص: الرابع عشر: الفاء العاطفة للترتيب المعنوي والذكري وللتعقيب في كل شيء بحسبه وللسببية.
ش: للفاء معنيان:
أحدهما: الترتيب والتعقيب.
فالترتيب معنوي، نحو: قام زيد فعمرو، وذكري وهو عطف مفصل على مجمل هو في المعنى، نحو: {فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه} ونحو: توضأ فغسل وجهه إلى آخره، والمشهور أن معنى التعقيب كون الثاني
(1/211)

بعد الأول بغير مهلة.
وقال المحققون: تعقيب كل شيء بحسبه، فيقال: تزوج فلان فولد له، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل، وإن طالت.
ونقل الإمام فخر الدين وأتباعه الإجماع على أنها للترتيب والتعقيب، لكن قال الفراء: إنها لا تدل على الترتيب بل قد تستعمل مع انتفائه كقوله تعالى: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسناً} مع أن مجيء البأس متقدم على الإهلاك، وأجيب بأنها للترتيب الذكري أو فيه حذف تقديره أردنا إهلاكها.
وقال الجرمي: إنها لا تدل على الترتيب إن دخلت على الأماكن والمطر، وقال ابن مالك: إنها تكون للترتيب بمهلة ك (ثم) بدليل قوله: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} وقال غيره: هذا من تعقيب كل شيء بحسبه.
ثانيهما: أن تكون للسببية نحو: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} ورد السهيلي ذلك إلى التعقيب.
تنبيه:
تقييد المصنف الفاء بالعاطفة ليخرج الرابطة للجواب، وبه صرح القاضي أبو بكر في (التقريب) فقال: إنها لا تقتضي التعقيب/ (57أ/ م)
ص: الخامس عشر: في للظرفين والمصاحبة والتعليل والاستعلاء والتوكيد والتعويض وبمعنى الباء وإلى ومن.
ش: ل (في) معان:
(1/212)

أحدها: أن تكون للظرفين أي المكان والزمان، ومثالهما قوله تعالى: {ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} وقد تكون مجازاً نحو: (نظر زيد في الكتاب) لأنه قد صار وعاء لنظره.
ثانيها: المصاحبة نحو: {فخرج على قومه في زينته}
ثالثها: التعليل نحو: {فذلكن الذي لمتنني فيه} أثبته ابن مالك وغيره وأنكره الإمام وتبعه البيضاوي.
رابعها: الاستعلاء نحو: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} كذا ذكره الكوفيون وتبعهم ابن مالك، وأنكر ذلك سيبويه والجمهور، وجعلها الزمخشري والبيضاوي/ (46أ/ د) في هذه الآية للظرف مجازاً، كأن الجذع ظرف للمصلوب، لما تمكن عليه تمكن المظروف من الظرف.
خامسها: التأكيد نحو: {وقال اركبوا فيها}.
سادسها: التعويض وهي الزائدة عوضاً من أخرى محذوفة كقولك: (رغبت فيمن رغبت أي فيه).
سابعهاً: أن تكون بمعنى (الباء) نحو: {يذرؤكم فيه} أي يلزمكم به.
ثامنها: أن تكون بمعنى (إلى) نحو: {فردوا أيديهم في أفواههم}.
تاسعها: أن تكون بمعنى (من) كقول امرئ القيس:
وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال.
(1/213)

أي: من ثلاثة.
ص: السادس عشر: (كي) للتعليل وبمعنى أن المصدرية.
ش: (كي) لها معنيان:
أحدهما: أن تكون للتعليل بمعنى اللام، قال أبو بكر بن طلحة: (كي) حرف سبب وعلة، كذا يقول النحويون، وإذا تأملتها وجدتها حرفاً يقع بين فعلين: الأول سبب للثاني، والثاني علة للأول، وذلك قولك: (جئتك كي تكرمني) فالمجيء سبب لوجود الكرامة، والكرامة علة في وجود المجيء.
قلت: المجيء سبب الكرامة في الخارج، والكرامة علة المجيء في الذهن فاختلفت الجهة، والله أعلم.
ثانيهما: أن تكون بمعنى (أن) المصدرية كقوله تعالى: {لكيلا تأسوا} فإنها لو كانت للتعليل لم يدخل فيها حرف تعليل.
ص: السابع عشر: (كل) اسم لاستغراق أفراد المنكر والمعرف المجموع وأجزاء المفرد المعرف.
ش: ل (كل) ثلاثة أحوال:
أحدها: أن تضاف إلى نكرة، فهي دالة على استغراق أفراده نحو: {كل نفس / (57 ب/ م) ذائقة الموت}.
ثانيها: أن يضاف إلى معرف مجموع نحو: (كل الرجال قاموا) فهي لاستغراق أفراده أيضاً، لكن أبدى السبكي احتمالين في أن الألف واللام أفادت العموم، و (كل) تأكيد لها، أو لبيان الحقيقة و (كل) تأسيس، ثم قال: ويمكن أن يقال: إن الألف واللام تفيد العموم في مراتب ما دخلت عليه، وكل تفيد العموم في أجزاء كل من تلك المراتب، فلكل منهما معنى وهو أولى
(1/214)

من التأكيد.
ثالثها: أن يضاف إلى معرف مفرد، نحو: كل زيد حسن، فيفيد التعميم، في أجزائه، وجعل بعضهم منه قوله تعالى: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل} وقوله عليه الصلاة والسلام: ((كل الطلاق واقع إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله)) رواه الترمذي وقال بعضهم: بل هذان المثالان من قسم المجموع لأن المقصود به الجنس، ونظيره: (كل الناس يغدو).
ص: الثامن عشر: اللام للتعليل والاستحقاق والاختصاص والملك والصيرورة أي العاقبة والتمليك وشبهه وتوكيد النفي والتعدية والتأكيد وبمعنى إلى وعلى وفي وعند وبعد ومن وعن.
ش: لللام معان:
أحدها: التعليل نحو: زرتك/ (46ب/ د) لشرفك، ومنه قوله: {لتحكم بين الناس} وقوله: (أنت طالق لرضى زيد) فيقع عند الإطلاق رضي أم سخط.
ثانيها: الاستحقاق نحو: النار للكافرين.
(1/215)

ثالثها: الاختصاص نحو: الجنة للؤمنين، وفرق القرافي بين الاستحقاق والاختصاص بأن الاختصاص أخص، فإن ضابطه ما شهدت به العادة كما شهدت للفرس بالسرج، وللدار بالباب، وقد يختص الشيء بالشيء من غير شهادة عادة نحو: هذا ابن لزيد، فإنه ليس من لوازم الإنسان أن يكون له ولد.
رابعها: الملك نحو: {ولله ملك السماوات والأرض} قال الراغب: وقد يطلق على ملك نوع من التصرف كقولك لمن يأخذ معك خشبة: خذ طرفك لآخذ طرفي.
قال الشارح: كذا جعلوا الملك والاستحقاق قسيماً للاختصاص، والظاهر أن أصل معانيها الاختصاص، ولهذا لم يذكر الزمخشري في مفصله غيره، وأما الملك فهو نوع من أنواع الاختصاص، وهو أقوى أنواعه، وكذا الاستحقاق لأن من استحق شيئاً فقد حصل له نوع اختصاص.
خامسها: أن تكون للصيرورة وهي لام/ (58أ/ م) العاقبة، والمآل نحو: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزناً}.
سادسها: التمليك نحو: وهبت لزيد ديناراً ومنه: {إنما الصدقات للفقراء.}.
وشبه التمليك نحو: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً}.
سابعها: تأكيد النفي نحو قوله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم} وتسمى لام الجحود لمجيئها بعد النفي.
(1/216)

ثامنها: التعدية نحو: ما أضرب زيداً لعمرو! وجعل منه ابن مالك قوله: {فهب لي من لدنك ولياً}
قال الشارح: والظاهر أنها لشبه التمليك.
تاسعها: التوكيد إما لتقوية عامل ضعف بالتأخير نحو: {إن كنتم للرؤيا تعبرون} أو لكونه فرعاً في العمل نحو: {إن ربك فعال لما يريد}.
عاشرها: أن تكون بمعنى إلى نحو: {فسقناه إلى بلد ميت}.
حادي عشرها: أن تكون بمعنى (على) نحو قوله: {يخرون للأذقان} وحكى البيهقي عن حرملة، عن الشافعي في قوله صلى الله عليه وسلم: ((واشترطي لهم الولاء)) أن المراد عليهم.
ثاني عشرها: أن تكون بمعنى (في) نحو: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة}.
ثالث عشرها: تكون بمعنى (عند) والمراد بها التأقيت إذا قرن بها الوقت أو بما يجري مجراها مثل ((صوموا لرؤيته)).
(1/217)

رابع عشرها: أن تكون بمعنى (بعد) كذا رأيته في نسخة مقروءة على المصنف ولم يذكرها الشارح، ويمكن أن يكون منه قراءة الجحدري {بل كذبوا بالحق لما جاءهم} بتخفيف اللام، أي: بعد ما جاءهم، وجعلها الزمخشري في هذه القراءة بمعنى (عند).
خامس عشرها: أن تكون بمعنى (من) نحو سمعت له صراخاً، أي: منه.
سادس عشرها: أن تكون / (47أ / د) بمعنى (عن) وهي الجارة اسم من غاب حقيقة أو حكماً عن قول قائل يتعلق به نحو: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً} أي عن الذين آمنوا، وإلا لقيل: ما سبقتمونا إليه.
قال الشارح: واعلم أن مجيئها لهذه المعاني مذهب كوفي، وأما حذاق البصريين فهي عندهم على بابها ثم يضمنون الفعل ما يصلح معها، ويرون التجوز في الفعل أسهل من التجوز في الحرف، انتهى.
ص: التاسع عشر: (لولا) حرف مقتضاه في الجملة الاسمية امتناع جوابه لوجود شرطه، وفي المضارعة التحضيض، وفي الماضية التوبيخ، وقيل: ترد للنفي.
ش: (لولا) له أحوال:
أحدها: أن يدخل على جملة اسمية فيكون معناه امتناع جوابه لوجود شرطه، نحو: (لولا زيد لأكرمتك) أي لولا زيد موجود، فامتنع الإكرام لوجود زيد.
ثانيها: أن تدخل على جملة فعلية مصدرة بفعل مضارع نحو: {لولا
(1/218)

تستغفرون الله} فهو للتحضيض وهو طلب بحث وفي معناه العرض، وهو طلب بلين نحو: {لولا أخرتني إلى أجل قريب}.
قال الشارح: وكأن المصنف / (58 أ / م) استغنى عنه بالتحضيض، لأنه يفهم من باب أولى.
ثالثها: أن تدخل على مصدرة بماض نحو: {لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء} فهو للتوبيخ، وذكر الهروي أنها ترد للنفي مثل (لم) وجعل منه قوله تعالى: {فلولا كانت قرية آمنت} وقال الجمهور: هي هنا للتوبيخ أيضاً، أي فهلا كانت قرية من القرى المهلكة آمنت قبل حلول العذاب فنفعها ذلك.
ص: (لو) حرف شرط للماضي، ويقل للمستقبل، قال سيبويه: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وقال غيره: حرف امتناع لامتناع، وقال الشلوبين: لمجرد الربط، والصحيح وفاقاً للشيخ الإمام: امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه ثم ينتفي التالي إن ناسب ولم يخلف المقدم وغيره ك {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} لا إن خلفه كقولك لو كان إنساناً لكان حيواناً ويثبت التالي إن لم يناف وناسب بالأولى ك (لو لم يخف الله لم يعصه) أو بالمساواة ك (لو لم تكن ربيبته لما حلت للرضاع أو الأدون كقولك: لو انتفت أخوة النسب لما حلت للرضاع وترد
(1/219)

للتمني وللعرض والتحضيض والتقليل نحو: (ولو بظلف محرق).
ش: (لو) حرف شرط للماضي، وإن دخلت على مضارع صرفته للمضي وهذا عكس (إن) الشرطية، فإنها تصرف الماضي إلى الاستقبال، كذا قال الزمخشري وابن مالك وغيرهما، وأنكر قوم كونها حرف شرط، لأن الشرط في الاستقبال، و (لو) للتعليق في الماضي.
وقال بعضهم: النزاع لفظي، فإن أريد بالشرط الربط المعنوي/ (47 ب / د) الحكمي فهي شرط، وإن أريد به ما يعمل في الجزأين فلا.
وقد ترد للمستقبل مثل (إن) فتصرف في الماضي إلى الاستقبال كقوله: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} قاله جماعة وخطأهم ابن الحاج، فإنك لا تقول: لو يقوم زيد فعمرو منطلق، كما تقول: إن لا يقم زيد فعمرو منطلق، وكذا قال بدر الدين بن مالك: عندي أنها لا تكون لغير الشرط في الماضي.
ولا حجة فيما تمسكوا به لصحة حمله على المضي.
واختلف في معناها على أربعة أقوال:
أحدها وبه قال سيبويه: أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، أي أنها تقتضي فعلاً ماضياً كان يتوقع ثبوته لثبوت غيره، والمتوقع غير واقع فكأنه قال: حرف يقتضي فعلاً امتنع لامتناع ما كان ثبت بثبوته.
الثاني / (59أ / م) وبه عبر الأكثرون : أنها حرف امتناع لامتناع، أي: يدل على امتناع الثاني لامتناع الأول، فقولك: لو جئتني لأكرمتك، دال على
(1/220)

انتفاء المجيء والإكرام، واعترض على هذا بأن جوابها قد لا يكون ممتنعاً، بل يثبت كقولك لطائر: لو كان هذا إنساناً لكان حيواناً، فإنسانيته منتفية وحيوانيته ثابتة، وكذا قول عمر في صهيب رضي الله عنهما إن ثبت: (لو لم يخف الله لم يعصه) فعدم المعصية محكوم بثبوته لأنه إذا ثبت مع عدم الخوف فثبوته مع الخوف أولى.
وأشرت بقولي: (إن ثبت) إلى أني لا أعلم لهذا الكلام إسناداً، ويغني عنه ما رواه أبو نعيم في الحلية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سالم مولى أبي حذيفة: ((إنه شديد الحب لله لو كان لا يخاف الله ما عصاه)) أي لانتفاء المعصية، سببين: المحبة والخوف، فلو انتفى الخوف لم توجد المعصية لوجود السبب الآخر لانتفائها وهو المحبة.
(1/221)

الثالث وبه قال الشلوبين : أنها لمجرد الربط، أي: إنما تدل على التعليق في الماضي، كما تدل على التعليق في المستقبل، ولا تدل على امتناع شرط ولا جواب، وضعف بأنه جحد للضرورات، إذ كل من سمع (لو فعل) فهم عدم وقوع الفعل، ولهذا جاز استدراكه فتقول: لو جاءني زيد لأكرمته، لكنه لم يجئ.
الرابع: أنه يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه، أي: يقتضي أمرين.
أحدهما: امتناع ما يليه وهو شرطه.
والثاني: كون ما يليه مستلزماً لتاليه وهو جوابه، ولا يدل على امتناع الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته، فإذا قلت: لو قام زيد لقام عمرو، فقيام زيد محكوم بانتفائه فيما مضى، فيكون ثبوته مستلزماً لثبوت قيام عمرو، وهل لعمرو قيام أو لا؟ ليس في الكلام تعرض له، وصحح المصنف هذه العبارة، وحكاها عن والده، ووقعت في بعض نسخ التسهيل، واعترضت بأنها لا تفيد لأن اقتضاءها للامتناع في الماضي.
فكان ينبغي التصريح به.
ثم قسم/ (48أ/ د) صاحب هذه المقالة الجواب، وهو مراده بالتالي إلى أقسام:
أحدها: أن يكون منتفياً، وذلك فيما إذا كان الترتيب بينه وبين الأول مناسباً ولم يخلف الأول/ (59 ب/ م) غيره نحو: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}.
ثانيها: أن يكون مع مناسبه خلفه غيره، كقولنا لطائر: لو كان إنسانا لكان حيواناً فإنه خلف الإنسانية شيء آخر يدل على الحيوانية فثبتت.
ثالثها: أن لا يكون الترتيب بين الأول والثاني مناسباً، فيثبت التالي.
ثم قسم المصنف ثبوته إلى أقسام:
أحدها: أن يكون بالثبوت أولى من الأول، نحو: لو لم يخف الله لم يعصه.
(1/222)

الثاني: أن يكون مساوياً كقوله عليه الصلاة والسلام في بنت أم سلمة:
((إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة)) فإن لتحريمها سببين: كونها ربيبته، وكونها ابنة أخيه من الرضاعة.
الثالث: أن تكون أدون منه ولكن يلحق به لمشاركته في المعنى، كقولك في أخت النسب والرضاعة: لو انتفت أخوة النسب لما كانت حلالاً، لأنها أخت من الرضاعة، فتحريم أخت الرضاعة دون تحريم أخت النسب، لكنه مستقل بالتعليل لصلاحيته له، ثم ذكر المصنف لها معاني أخر غير معناها المشهور.
الأول: التمني نحو {فلو أن لنا كرة} أي: فليت، ولهذا نصب {فنكون} في جوابها، وهل هي الامتناعية أشربت معنى التمني، أو قسم برأسه، أو هي المصدرية أغنت عن التمني؟
ثلاثة أقوال: وبالأخير قال ابن مالك.
الثاني: العرض نحو: لو تنزل عندنا فتصيب خيراً.
الثالث: التحضيض نحو لو فعلت كذا بمعنى افعل، وتقدم أن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحث.
الرابع: التقليل نحو: في قوله في الحديث: ((ردوا السائل ولو بظلف محرق)).
قال الشارح: أثبته ابن هشام الخضراوي وابن السمعاني في
(1/223)

(القواطع) والحق أنه مستفاد مما بعدها لا من الصيغة.
ص: الحادي والعشرون: لن حرف نفي ونصب واستقبال ولا تفيد توكيد النفي ولا تأبيده خلافاً لمن زعمه وترد للدعاء وفاقاً لابن عصفور.
(60أ/ م) ش: (لن) حرف يدل على النفي، وتنصب الفعل المضارع، وتخلصه للاستقبال، وزعم الزمخشري في (الكشاف) أنها تفيد تأكيد النفي، وفي (الأنموذج) تأبيده، وقال ابن مالك: وحمله على ذلك اعتقاده أن الله لا يرى، وهو باطل.
وقال ابن عصفور: ما ذهب إليه دعوى لا دليل عليها، بل قد يكون النفي (بلا) آكد من (لن) لأن المنفي ب (لا) قد يكون جواباً للقسم، والمنفي ب (لن) لا يكون جواباً له، ونفي الفعل إذا أقسم عليه آكد، ورده غيره بأنها لو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في قوله / (48 ب/ د) تعالى: {فلن أكلم اليوم إنسيا} ولكان ذكر الأبد في قوله تعالى: {ولا يتمنونه أبداً} تكراراً، والأصل عدمه، ولما صح التوقيت في قوله: {لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} ووافق الزمخشري على التأكيد جماعة، منهم ابن الخباز، وعلى التأبيد ابن عطية، وقالوا: لو بقينا على هذا النفي لتضمن أن موسى لا يراه أبداً ولا في الآخرة، لكن في الحديث المتواتر: أن أهل الجنة يرونه.
(1/224)

وأثبت لها المصنف معنى آخر، وهو الدعاء مثل: (لا) وحكاه ابن السراج عن قوم، وخرج عليه قوله تعالى: {فلن أكون ظهيراً للمجرمين} ورده ابن مالك وغيره وقالوا: هذا خبر، والدعاء لا يكون للمتكلم، وفي تعبير المصنف تجوز، والمراد أن الفعل المقترن بها يكون في الدعاء، كما عبر به في التسهيل فقال: ولا يكون الفعل معها دعاء خلافاً لبعضهم.
ص: الثاني والعشرون: (ما) ترد اسمية وحرفية موصولة ونكرة موصوفة وللتعجب واستفهامية وشرطية زمانية وغير زمانية ومصدرية كذلك ونافية وزائدة كافة وغير كافة.
ش: قد تكون (ما) اسمية، وهي التي لها وحدها موضع من الإعراب، وقد تكون حرفية وهي بخلافها وللإسمية موارد.
أحدها: أن تكون موصولة، وهي التي يصلح موضعها (الذي) نحو: يعجبني ما عندك، ومنه: {ما عندكم ينفد}.
ثانيها: نكرة موصوفة، وتقدر بشيء نحو: مررت بما معجب لك أي: بشيء.
ومنه:
ربما تكره النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال.
أي رب شيء، (وتكره النفوس) صفة له، والعائد محذوف أي تكرهه.
ثالثها: تعجبية، نحو: ما أحسن زيداً أي: شيء أحسن زيداً، أي صيره حسناً.
وجاز الابتداء بالنكرة للتعجب، وعبارة المصنف توهم أن / (60 ب/ م) التعجبية قسيمة
(1/225)

للنكرة، وقال الشارح: وليس كذلك، بل النكرة قسمان: ناقصة وهي الموصوفة وتامة وهي التعجبية.
رابعها: استفهامية نحو: {وما تلك بيمينك يا موسى}
خامسها: الشرطية وهي تنقسم إلى: زمانية نحو: {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم، وغير زمانية نحو: {ما ننسخ من آية أو ننسها}.
وأما الحرفية فلها استعمالات: أحدها: أن تكون مصدرية، أي تكون مع ما بعدها في تأويل المصدر نحو قولك: أعجبني ما قلت، أي: قولك.
وأشار بقوله: (كذلك) إلى أنها قد تكون زمانية أي ظرف زمان وهي الواقعة موقع الظرف نحو: {ما دمت حياً} أي مدة دوامي، وقد تكون غير زمانية نحو: يعجبني ما تقوم، أي قيامك، ومنه قوله تعالى: {لما تصف ألسنتكم الكذب} أي: لوصف، كذا قسمه الجزولي ونازع فيه ابن عصفور، لأن الظرفية ليست من معاني (ما) بل (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر والمصادر، قد تستعمل ظروفاً نحو: أتيتك خفوق النجم، أي: وقت خفوقه، فلا ينبغي أن يعد قسماً للمصدر.
ثانيها: أن تكون (49أ / د) نافية إما عاملة كقوله تعالى: {ما هن أمهاتهم} أو غير عاملة نحو: ما قام زيد.
ثالثها: أن تكون زائدة، إما كافة، إما عن عمل الرفع، نحو: قلما
(1/226)

وطالما، أو الرفع والنصب وهي المتصلة ب (إن) وأخواتها، نحو: {إنما الله إله واحد} أو الجر، وهي المتصلة ب (رب) وإما غير كافة نحو شتان ما بين زيد وعمرو.
تنبيه:
لا يفهم أن الموصولة وما بعدها إلى المصدرية أقسام الإسمية وأن قوله: (ومصدرية) إلى آخر كلامه أقسام الحرفية إلا بتوقيف.
ص: الثالث والعشرون (من) لابتداء الغاية غالباً، وللتبعيض والتبيين والتعليل والبدل والغاية وتنصيص العموم والفصل ومرادفة الباء وعن وفي وعند وعلى.
ش: ل (من) معان:
أحدها: ابتداء الغاية في المكان اتفاقاً، نحو: {من المسجد الحرام} وفي الزمان عند الكوفين نحو: من أول يوم، وصححه ابن مالك لكثرة شواهده.
وأشار المصنف بقوله: (غالباً) إلى أنه الغالب عليها، حتى رد بعضهم سائر معانيها لابتداء الغاية / (61أ/ م) فإذا قلت: أخذت من الدراهم، فقد جعلت الدراهم ابتداء غاية الأخذ.
ثانيها: التبعيض نحو: {تلك ... منهم من كلم الله}، وعلامتها صحة أن يوضع موضعها بعض.
ثالثها: التبيين نحو: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} وعلامتها أن يصلح موضعها الذي هو.
(1/227)

رابعها: التعليل، نحو: {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق}.
خامساً: البدل نحو: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة}.
سادسها: الغاية، أي انتهاء الغاية، مثل (إلى) فيكون لابتداء الغاية من الفاعل ولانتهاء غاية الفعل من المفعول نحو: رأيت الهلال من داري من خلل السحاب، أي من مكاني إلى خلل السحاب.
فابتداء الرؤية واقع من الدار وانتهاؤها في خلل السحاب، ذكر ابن مالك أن سيبويه أشار إلى هذا المعنى وأنكره جماعة، وقالوا: هي لابتداء الغاية لكن في حق المفعول، ومنهم من جعلها في هذا المثال لابتداء الغاية في حق الفاعل بتقدير: رأيت الهلال من داري ظاهراً من خلل السحاب، ويحتمل أن يريد المصنف الغاية كلها ابتداء وانتهاء حكاه ابن أبي الربيع عن قوم فيما إذا دخلت (من) على فعل ليس له امتداد فيكون المبتدأ والمنتهى واحداً.
سابعها: تنصيص العموم، وهي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي، نحو ما جاءني من رجل، فإنه قبل دخولها يحتمل نفي الوحدة، ولهذا يصح معه بل رجلان، فإذا دخلت تعين لنفي الجنس.
أما الداخلة على نكرة تختص بالنفي نحو: ما جاءني من أحد، فهي للتأكيد، وهذا كله في النفي ولا يجوز زيادتها في الإثبات خلافاً للكوفيين، ولا حجة/ (49ب/د) لهم في قوله تعالى: {يغفر لكم من ذنوبكم} لجواز إرادة البعض.
ثامنها: الفصل نحو: {والله يعلم المفسد من المصلح} وتعرف بدخولها على ثاني المتضادين.
تاسعها: مرادفة الباء، نحو: {ينظرون من طرف خفي}، قال
(1/228)

يونس: بطرف، ويحتمل ابتداء الغاية.
عاشرها: مرادفة (عن) كقوله تعالى: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} أي عن.
حادي عشرها: مرادفة (في) نحو: {ماذا خلقوا من الأرض} كذا قيل: والظاهر أنها على بابها، وينبغي تمثيله بما في (الشامل) لابن الصباغ عن الشافعي رضي الله عنه في قوله: {فإن كان من قوم عدو لكم} أنها بمعنى (في) بدليل قوله وهو {مؤمن}.
ثاني عشرها: مرادفة (عند) نحو: {لن/ (61/ ب/ م} تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك هم وقود النار} قاله أبو عبيدة.
ثالث عشرها: مرادفة (على) نحو: {ونصرناه من القوم الذين كذبوا} وقيل: ضمن قوله: (نصرناه) معنى (منعناه).
ص: الرابع والعشرون: من شرطية واستفهامية وموصولة ونكرة موصوفة قال أبو علي ونكرة تامة.
ش: (من) بالفتح تكون شرطية نحو: {من يعمل سوءا يجز به} واستفهامية نحو: {فمن ربكما يا موسى} وموصوله نحو: {ألم تر أن الله
(1/229)

يسجد له من في السماوات ومن في الأرض} ونكرة موصوفة نحو: مررت بمن معجب لك، أي: بإنسان معجب لك، فوصفك ل (من) بمعجب وهو نكرة، دليل على أن (من) نكرة.
وقال أبو علي الفارسي: تكون نكرة تامة لقوله:
(ونعم من هو في سر وإعلان).
فقال: إن الفاعل مستتر، ومن تمييز، وقوله: (هو) مخصوص بالمدح، وقال غيره: من موصول فاعل.
ص: الخامس والعشرون: (هل) لطلب التصديق الإيجابي لا للتصور ولا للتصديق السلبي.
ش: (هل) حرف استفهام، ولا يستفهم بها عن التصور، وهو العلم بالمفردات، أي لا يسأل بها عن ماهية الشيء، وإنما يستفهم بها عن التصديق وهو النسبة أي إسناد شيء إلى شيء، ولا يستفهم بها عن النفي فلا يقال: (هل لم يقم زيد؟) وإنما يستفهم بها عن التصديق الإيجابي، كقولك: هل قام زيد؟ وقد ترك الشارح هذا فلم يذكره ولم يشرحه؟
ص: السادس والعشرون الواو لمطلق الجمع وقيل للترتيب وقيل للمعية.
ش: في (الواو) العاطفة مذاهب: أصحها: أنها لمطلق الجمع، أي لا تدل على ترتيب ولا معية، فإذا قلت: قام زيد وعمرو، احتمل قيامهما معاً، وتقدم قيام زيد وتقدم، قيام عمرو، والتعبير بهذا أحسن من تعبير ابن الحاجب والبيضاوي وغيرهما بالجمع المطلق، فإن الجمع المطلق هو الجمع الموصوف بالإطلاق، فلا يتناول المقيد بمعية، ولا بتقديم ولا بتأخير، بخلاف مطلق الجمع، فإنه يتناول الصور كلها، وهذا
(1/230)

كمطلق الماء، والماء المطلق، وقد ادعى إجماع النحاة على هذا المذهب السيرافي والسهيلي والفارسي، ووافقهم الإمام فخر الدين والبيضاوي وهو مردود/ (50/ أ /د) بما سنحكيه من الخلاف.
الثاني: أنها تفيد الترتيب، حكي عن الفراء، وثعلب وقطرب وهشام، وأبي جعفر والدينوري، وأبي عمر الزاهد، وأنكره السيرافي عن الفراء وقال: لم أره في كتابه، وعزاه ابن الخبار وغيره للشافعي، وأنكر أصحابنا نسبته إليه، ونقله الماوردي عن جمهور أصحابنا.
الثالث: أنها للمعية، نسبه الإمام في (البرهان) للحنفية.
ص: الأمر (أم ر) حقيقة في القول المخصوص، مجاز في الفعل، وقيل: للقدر المشترك، وقيل: مشترك بينهما وبين الشأن والصفة والشيء.
ش: إنما عبر بقوله: (أم ر) ليبين أنه ليس المراد بالأمر هنا مدلوله بل لفظه، وفي ذلك مذاهب.
أحدها: أنه حقيقة في القول المخصوص، والمراد بالقول الصيغة، وبالمخصوص الطالب للفعل، وسيأتي تعريفه وهو إما فعل أمر، أو اسم فعل، أو فعل مضارع مقرون باللام، فإن أطلق الأمر على الفعل نحو قولك:
(1/231)

زيد في أمر عظيم، كان مجازاً وإلا لزم الاشتراك، والمجاز أولى منه.
القول الثاني: أنه حقيقة في القدر المشترك بين القول والفعل، دفعاً للاشتراك والمجاز، فيكون من باب المتواطئ.
قال الشارح: ولا يعرف قائله، وإنما ذكره في الأحكام على سبيل الفرض والالتزام، أي لو قيل: فما المانع؟ ولهذا قال ابن الحاجب: إنه قول حادث هنا.
القول الثالث: أنه مشترك بينهما، أي بين القول المخصوص والفعل والشأن كقوله تعالى: {وما أمر فرعون برشيد} والصفة كقوله: لأمر ما يسود من يسود، أي لصفة من صفات الكمال، والشيء، كقولنا: تحرك هذا الجسم لأمر، أي لشيء، حكاه المصنف عن أبي الحسين البصري.
قال الشارح: وعليه نقد، فإن أبا الحسين لم يتعرض للفعل بخصوصه، إنما ذكر الشأن وقد اعترض بذلك الأصفهاني على صاحبي (المنتخب) و (التحصيل)، ولذلك لم يذكر في (المحصول) عن أبي الحسين الفعل في ذلك.
ص: وحده اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير كف.
ش: الكلام المتقدم في الأمر بحسب ما يقتضيه لفظه، وهنا بحسب ما يقتضيه مدلوله.
فقوله: (اقتضاء فعل)، أي طلب فعل، وهو جنس يشمل الأمر والنهي، ويخرج الإباحة وغيرها (62/ ب / م) مما يستعمل فيه صيغة الأمر، وليس أمراً.
وقوله: (غير كف) فصل خرج به النهي، فإنه طلب فعل، وهو كف.
وقوله: (مدلول عليه بغير كف) صفة لقوله (كف) وهو قيد زاده
(1/232)

المصنف على ابن الحاجب لإدخال نحو، قولنا: كيف نفسك عن كذا، أو أمسك عن كذا، فإنه أمر مع أنه يخرج بقولنا: (غير كف) فبين أن الكف الذي أريد إخراجه ما دل عليه غير كف، أما طلب فعل هو كف دل عليه كف، فإنه ليس نهياً بل أمرا، وعلم أن هذا التعريف مبني على إثبات الكلام النفسي، فمن نفاه عرف الأمر/ (50/ ب/ د) بأنه القول الطالب للفعل.
ص: ولا يعتبر فيه علو ولا استعلاء وقيل: يعتبران، واعتبرت المعتزلة وأبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والسمعاني العلو، واعتبر أبو الحسين والإمام والآمدي وابن الحاجب الاستعلاء.
ش: في اعتبار العلو والاستعلاء في الأمر أربعة مذاهب.
أصحها: عدم اعتبارهما.
والثاني: اعتبارهما، وبه قال ابن القشيري والقاضي عبد الوهاب.
والثالث: اعتبار العلو، فإن كان مساويا له فهو التماس أو دونه فسؤال.
والرابع: اعتبار الاستعلاء، والمراد بالعلو كون الطالب أعلى رتبة من المطلوب منه، وبالاستعلاء، أن يكون الطلب بغلظة، وإظهار تعاظم، فالعلو صفة للمتكلم، والاستعلاء صفة للكلام.
ص: واعتبر أبو علي وابنه إرادة الدلالة باللفظ على الطلب.
ش: ذهب أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم إلى أنه يعتبر في الأمر إرادة الدلالة بلفظه على الطلب ليخرج صيغة التهديد، ومن سبق في العلم القديم موته على الكفر، فالإرادة هي المميزة، ولم يعتبر الأكثرون ذلك، وقالوا: يحصل التمييز بأن الصيغة حقيقية في الطلب، فإن أريد غيره فهو مجاز لا بد له من قرينة.
(1/233)

ص: والطلب بديهي.
ش: هذا جواب عن سؤال مقدر، فإنه أورد على ذكر الاقتضاء وهو الطلب في تعريف الأمر أن الطلب أخفى من الأمر، فهو تعريف بالأخفى، فأجيب عنه بأن الطلب بديهي التصور، بأن كل أحد يفرق بالبديهة بين طلب الفعل وطلب الترك والخبر، فهو وجداني كالجوع والشبع.
ص: والأمر غير الإرادة خلافاً للمعتزلة.
ش: ذهبت المعتزلة إلى / (63/أ/ م) أن الأمر بالشيء هو إرادة فعله، وقال أصحابنا، بل هو غيرها، فإن الميت على كفره مأمور بالإيمان بلا شك، وهو غير مراد منه، إذ لو أريد منه لم يتخلف، كذا قرره بعضهم، واعترض بأنه مصادرة على المطلوب لأنهم يقولون: يقع غير المراد، ويراد ما لا يقع! تعالى الله عن جهلهم، فالأولى تقدير أن الإيمان غير مراد منهم بأنه ممتنع لسبق العلم القديم بانتفائه، والممتنع غير مراد بالاتفاق منا ومنهم، كما قال في (المحصول).
وتعبير المصنف بالأمر أولى من تعبير غيره بالطلب، لأن الطلب ليس كله أمراً عند المعتزلة، بل أمر خاص وهو مع العلو.
ص: مسألة: القائلون بالنفسي اختلفوا هل للأمر صيغة تخصه؟ والنفي عن الشيخ فقيل: للوقف، وقيل: للاشتراك، والخلاف في صيغة: افعل.
ش: اختلف القائلون بالكلام النفسي في أن الأمر هل له صيغة تخصه أم لا؟
على قولين:
أحدهما: وهو المنقول عن الشيخ الأشعري أنه ليست/ (51 / أ/ د) له صيغة تخصه، فقول القائل: افعل متردد بين الأمر والنهي.
(1/234)

ثم اختلف أصحابه في تحقيق مذهبه، فقيل: أراد الوقف، أي أن قول القائل: افعل، لا ندري وضع في اللسان العربي لماذا؟
وقيل: أراد الاشتراك، أي أن اللفظ صالح لجميع المحامل، صلاحية اللفظ المشترك للمعاني التي يثبت اللفظ لها.
القول الثاني: أن له صيغاً تخصه، لا يفهم منها غيره عند التجرد عن القرائن كفعل الأمر، واسم الفعل، والفعل المضارع المقرون باللام، وذكر إمام الحرمين والغزالي أن الخلاف في صيغة: (افعل) دون قول القائل: أمرتك، وأوجبت عليك، وألزمتك، فإنه من صيغ الأمر بلا خلاف، وتبعهما المصنف، وقال الآمدي: لا وجه لهذا التخصيص، فإن مذهب الأشعري أن الأمر عبارة عن الطلب القائم بالنفس، وليس له صيغة تخصه، وإنما يعبر عنه بما يدل عليه لانضمام القرينة إليه.
أما المنكرون للكلام النفسي فلا حقيقة للأمر، وسائر الأقسام عندهم إلا العبارات، ولا يأتي عندهم هذا الخلاف، فلهذا خص الخلاف بالقائلين بالنفسي.
ص: وترد للوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد وإرادة الامتثال والإذن والتأديب والإنذار والامتنان والإكرام والتسخير والتكوين والتعجيز والإهانة والتسوية والدعاء والتمني والاحتقار والخبر والإنعام والتفويض والتعجب والتكذيب والمشورة والاعتبار.
ش: ذكر المصنف هنا لصيغة (افعل) ستة وعشرين معنى.
فمثال الواجب قوله: {وأقيموا الصلاة}
(1/235)

ومثال الندب {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً}.
ومثال الإباحة {كلوا من الطيبات}.
واختلف المعتزلة في الإباحة في الجنة كقوله تعالى: {وكلوا واشربوا} فقال أبو علي الجبائي هو كمباح الدنيا، وقال ابنه أبو هاشم: بجواز أن يريده الله تعالى لما فيه من زيادة السرور للمثاب.
وقال القاضي عبد الجبار: يجب أن يريده لأن الثواب لا يصح إلا بها، ومثال التهديد: {اعملوا ما شئتم}.
ومثال الإرشاد {واستشهدوا شهيدين} والفرق بينه وبين الندب تعلقه بمصلحة دنيوية، بخلاف الندب فإن مصلحته أخروية فلا ثواب في الإرشاد على المشهور.
وفرق بعضهم بين أن يأتي بالمرشد إليه بقصد امتثال الإرشاد, فيثاب دون ثواب الندب أو بقصد تحصيل المصلحة الدنيوية فلا يثاب، أو بقصدهما فيثاب وهو دون ثواب القسم الأول.
ومثال إرادة الامتثال كما في (المستصفى) في الكلام على أن الأمر لا يستلزم الإرادة إلا أنه لم يذكره عند تعداد معاني (افعل) قولك عند العطش: اسقني/ (51/ ب / د) ماء، فإنه يحدث لك إرادة السقي، وهو طلبه، والميل إليه، وهو خلاف المعاني السابقة، فإن فرض ذلك من السيد لعبده أمكن أن يكون للوجوب أو الندب مع زيادة كونه لغرض السيد، فإنه غير متصور في حق الباري تعالى، لغناه.
(1/236)

ومثال الإذن، قولك لطارق الباب: أدخل، وكأنه قسم من الإباحة.
ومثال التأديب قوله عليه الصلاة والسلام لعمر بن أبي سلمة: ((كل مما يليك)) وهو قسم من الندب، كما ذكره البيضاوي، وفي هذا المثال نظر، لأن الشافعي رضي الله تعالى عنه نص في (الأم) و (مختصر البويطي) على أن الأكل من غير ما يليه حرام، وجوابه أن الخطاب لعمر بن أبي سلمة، وكان إذ ذاك صغيراً، فليس أمره إيجاباً قطعاً.
وفيه نظر، لأنه عليه الصلاة والسلام خاطب بهذا اللفظ غير عمر بن أبي سلمة من البالغين.
وجوابه أن التمثيل إنما هو بخطابه لعمر بن أبي سلمة، والله أعلم.
ومثال الإنذار: {قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} وجعله بعضهم قسماً من التهديد، لكن الفرق بينهما أن التخويف هو التهديد، والإنذار هو الإبلاغ، لكن لا يكون إلا في المخوف، فقوله: {قل تمتعوا} أمر بإبلاغ هذا الكلام المخوف الذي عبر عنه بهذه/ (64/ أ/ م) الصيغة.
ومثال الامتنان: {وكلوا مما رزقكم الله}.
(1/237)

قال الشارح: والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة مجرد إذن، وأنه لا بد من اقتران الامتنان بذكر احتياج الخلق إليه، وعدم قدرتهم عليه، وأن الإباحة قد يتقدمها حظر، مثل: {وإذا حللتم فاصطادوا} قلت: الظاهر أن الامتنان نوع من الإباحة.
ومثال الإكرام: {آدخلوها بسلام آمنين} فقرينة السلام والأمن تدل على الإكرام.
ومثال التسخير: {كونوا قردة خاسئين} وقال القرافي: اللائق تسميته سخرية بكسر السين، لا تسخيراً فإن التسخير النعمة والإكرام، قال الله تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض} {فسخرنا له الريح} والسخري الهزل قال الله تعالى: {ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً}.
قلت: التسخير النقل إلى حالة ممتهنة وليس في السخرية انتقال أصلاً.
ومثال التكوين: {كن فيكون} وجعل الشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين هذين المعنيين واحداً، لكن الفرق بينهما أن التكوين سرعة الوجود عن العدم، والتسخير الانتقال إلى حالة ممتهنة، كما تقدم.
ومثال التعجيز: {فأتوا بسورة من مثله}.
(1/238)

ومثال الإهانة {ذق إنك أنت العزيز الكريم}.
ومثال التسوية: {فاصبروا أو لا تصبروا}.
ومثال الدعاء: (اللهم اغفر لي).
ومثال التمني: قول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
/ (52أ/ د) ومثال الاحتقار: قول موسى عليه السلام للسحرة: {ألقوا} والفرق بينه وبين الإهانة أن محل الاحتقار القلب، ومحل الإهانة الظاهر، فإذا اعتقدت في شخص أنك لا تعبأ به كنت محتقراً له بدون إهانة، وإذا أتيت بقول أو فعل يقتضي تنقيصه أو تركت قولاً أو فعلاً يقتضي تعظيمه كنت مهيناً له، وإن لم تحتقره بقلبك، فإن اجتمعا كان احتقاراً وإهانة.
ومثال الخبر قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) أي صنعت ما شئت، فمن لا حياء عنده يصنع ما شاء، لانتفاء المانع من ذلك وهو الحياء.
وجوز ابن عبد السلام أن تكون الصيغة هنا للإباحة على معنى أنك إذا أردت فعل أمر فاعرضه على نفسك، فإن وجدته لا تستحي منه فافعله، أو إنه تهكم).
ومثال الإنعام: {كلوا مما طيبات من رزقناكم} / (64/ ب/ م) قاله الإمام في (البرهان)، قال: وهو وإن كان فيه معنى الإباحة فإن الظاهر منه تذكر
(1/239)

النعمة.
قلت: والظاهر أنه نوع من الإباحة كما قدمته في الامتنان بل هو بمعنى الامتنان.
ومثال التفويض: {فاقض ما أنت قاض} ذكره الإمام.
ومثال التعجب كما ذكره الصفي الهندي: {قل كونوا حجارة} وذكر ابن برهان والآمدي ذلك مثالاً للتعجيز.
ومثل العبادي في طبقاته التعجب بقوله: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} ومثال التكذيب: {فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين}.
ومثال المشورة: {فانظر ماذا ترى}.
ومثال الاعتبار {انظروا إلى ثمره}.
ص: والجمهور حقيقة في الوجوب لغة أو شرعاً أو عقلاً؟ مذاهب، وقيل: في الندب، وقال الماتريدي: للقدر المشترك وقيل مشتركة بينهما وتوقف
(1/240)

القاضي والغزالي والآمدي فيها، وقيل: مشتركة فيهما وفي الإباحة، وقيل: في الثلاثة والتهديد، وقال عبد الجبار: لإرادة الامتثال، وقال الأبهري: أمر الله تعالى للوجوب، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المبتدأ للندب، وقيل: مشتركة بين الخمسة الأول، وقيل: بين الأحكام الخمسة والمختار وفاقاً للشيخ أبي حامد وإمام الحرمين: حقيقة في الطلب الجازم، فإن صدر من الشارع أوجب الفعل.
ش: لما ذكر لصيغة افعل هذه المعاني، أخذ في بيان الحقيقة منها والمجاز، وفيه مذاهب.
أحدها وبه قال الجمهور: أنها حقيقة في الوجوب مجاز في البواقي.
وهل ذلك بوضع اللغة أو الشرع أو العقل؟
أقوال، حكي في البرهان عن الشافعي الأول، واختار هو الثاني، وصحح الشيخ أبو إسحاق الأول أيضاً.
الثاني: أنها حقيقة في الندب وبه قال أبو هاشم وغيره.
والثالث: أنها / (52ب/ د) موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب، فيكون من المتواطئ وبه قال أبو منصور الماتريدي من الحنفية.
والرابع: أن الصيغة مشتركة بينهما بالاشتراك اللفظي، أي وضعت لكل منهما، وبه قال المرتضي من الشيعة.
(1/241)

والخامس: الوقف فيهما، أي: يحتمل أنه حقيقة في الوجوب، ويحتمل أنه حقيقة في الندب، ويحتمل أنه مشترك بينهما بالاشتراك اللفظي،/ (65 / أ / م) وبه قال القاضي أبو بكر والغزالي والآمدي وفي تأدية عبارة المصنف لما قررته نظر.
والسادس: أنها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة، وهل هو من الاشتراك اللفظي أو المعنوي فيه خلاف، وعبارة المصنف محتملة للأمرين.
والسابع: أنها مشتركة بين هذه الثلاثة وبين التهديد.
والثامن: أنها حقيقة في إرادة الامتثال والوجوب، وغير مستفادة من القرائن، وبه قال القاضي عبد الجبار.
قال الشارح: وهذا من المصنف تكرار فقد سبق في قوله (واعتبر أبو علي وابنه إرادة الدلالة باللفظ على الطلب) ثم إن هذه المسألة مفرعة على القول بالكلام النفسي، وعبد الجبار ممن ينكره فكان ينبغي أن يقول: وأما المنكرون له فقالوا: لا يكون أمراً إلا بالإرادة.
والتاسع: أن أمر الله حقيقة في الوجوب وأمر النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة في الندب، إذا كان مبتدأ، أي غير موافق لنص ولا مبيناً لمجمل، فإن كان كذلك فهو للوجوب أيضاً، حكاه القاضي عبد الوهاب عن شيخه أبي بكر الأبهري وذكر المازري أنه روى عنه أيضاً أنه للندب مطلقاً.
العاشر: أنها مشتركة بين الخمسة المذكورة أولاً في معاني صيغة (افعل) وهي الوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد، حكاه الغزالي.
الحادي عشر: أنها مشتركة بين الأحكام الخمسة المشهورة، وهي: الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم، حكاه في (المحصول).
الثاني عشر: أنها حقيقة في اللغة في الطلب الجازم، والتوعد على تركه بالعقاب ثبت بالشرع بأمر خارج فاستفيد الوجوب من مجموع ذلك، وهذا يوافق القول بأنها حقيقة في الوجوب، ولا يوافق واحداً من الأقوال المحكية هناك
(1/242)

في أن ذلك باللغة أو الشرع أو العقل، بل هو زائد عليها لقوله بثبوته لمجموع اللغة والشرع، وكلام الشافعي رضي الله عنه لا ينافيه، واختاره المصنف تبعاً للشيخ أبي حامد وإمام الحرمين.
ص: وفي وجوب اعتقاد الوجوب قبل البحث خلاف العام.
ش: إذا وردت صيغة الأمر / (65/ ب / م) (53أ/ د) من الشارع مجردة عن القرائن، وفرعنا على أنها حقيقة في الوجوب، فهل يجب اعتقاد أن المراد بها الوجوب قبل البحث عن كون المراد بها ذلك أو غيره؟ فيه الخلاف الآتي في وجوب اعتقاد العموم قبل البحث عن المخصص، حكاه الشيخ أبو حامد وابن الصباغ في (العدة) وهي مسالة غريبة قل من ذكرها.
ص: فإن ورد الأمر بعد حظر قال الإمام أو استئذان فللإباحة وقال أبو الطيب والشيرازي والسمعاني والإمام: للوجوب وتوقف إمام الحرمين.
ش: إذا فرعنا على اقتضاء الأمر الوجوب، فورد بعد حظر ففيه مذاهب:
أحدها: أنه للإباحة، فإن سبق الحظر قرينة صارفة، وهذا هو المحكي عن نص الشافعي، ونقله ابن برهان عن أكثر الفقهاء والمتكلمين، ورجحه ابن الحاجب.
والثاني: أنه للوجوب، لأن الصيغة تقتضيه، ووروده بعد الحظر لا ينافيه وهو اختيار القاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق الشيرازي وأبي المظفر السمعاني والإمام فخر الدين الرازي والبيضاوي، ونقله الشيخ أبو حامد عن أكثر أصحابنا، ثم قال: وهو قول كافة الفقهاء وأكثر المتكلمين.
والثالث: الوقف بينهما، وإليه مال إمام الحرمين مع كونه أبطل الوقف
(1/243)

في لفظه ابتداء من غير تقدم حظر.
قال الشارح: ولم يحكوا هنا القول الآتي في المسألة بعدها برجوع الحال إلى ما كان قبلها ولا يبعد طرده.

قلت: كان شيخنا الإمام البلقيني يقول: إن هذا هو المختار، فإنه للإباحة في قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} وللإيجاب في قوله تعالى {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} فالاصطياد كان قبل تحريمه بالإحرام مباحاً، فاستمر كذلك، وقتال المشركين قبل تحريمه في هذه المدة كان واجباً فاستمر كذلك.
تنبيهان:
أحدهما حكي عن القاضي أبي بكر أنه رغب عن تعبير الجمهور بالأمر بعد الحظر إلى أن الأولى أن يقال: افعل بعد الحظر، لأن افعل يكون أمراً تارة وغير أمر أخرى، والمباح لا يكون مأمورا به، وإنما هو مأذون فيه.
ثانيهما: ذكر الإمام أن الأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد التحريم، ومثل له بقوله عليه الصلاة والسلام لما قيل له كيف نصلي عليك: ((قولوا ....)) الحديث.
قلت: ويمكن التمثيل له أيضاً بقوله عليه الصلاة والسلام / (66 / أ / م) لما سئل عن
(1/244)

الوضوء من لحوم الإبل: ((توضؤوا منها)) فيجري فيه الخلاف المتقدم.
ص: وأما النهي بعد الوجوب فالجمهور للتحريم، وقيل: للكراهة وقيل: للإباحة، وقيل: لإسقاط الوجوب، وإمام الحرمين على وقفه.
ش: اختلف في النهي الوارد بعد الوجوب على مذاهب.
أحدها وبه قال الجمهور: أنه يقتضي التحريم، ونقل القاضي أبو بكر والأستاذ أبو إسحاق الاتفاق / (53 ب/ د) عليه، وفرق بينه وبين الأمر بأوجه.
أحدها: أن مقتضى النهي وهو الترك موافق للأصل، بخلاف مقتضى الأمر وهو الفعل.
ثانيها: أن النهي لدفع مفسدة المنهي عنه، والأمر لتحصيل مصلحة المأمور به، واعتناء الشارع بدفع المفاسد أشد من جلب المصالح.
ثالثها: أن القول بالإباحة في الأمر بعد التحريم سببه وروده في القرآن والسنة كثيراً للإباحة، وهذا غير موجود في النهي بعد الوجوب.
المذهب الثاني: أنه لكراهة التنزيه حكاه ابن تيمية في (المسودة الأصولية) عن حكاية القاضي أبي يعلى من الحنابلة.
الثالث: أنه للإباحة كالقول به في المسألة المتقدمة، ويدل له قوله تعالى: {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني}.
(1/245)

الرابع: أنه يرفع ذلك الوجوب فيكون نسخاً، ويعود الأمر إلى ما كان عليه قبله، وهذا يؤخذ من نقل صاحب (المسودة الأصولية).
الخامس: الوقف كالمسألة قبلها، وبه قال إمام الحرمين.
أما النهي بعد الاستئذان فهو مرتب على ما فهم من السؤال من إيجاب وندب وإرشاد وإباحة، لأن أصله الاستفهام عن الخبر وجوابه أيضاً خبر، لكن القرائن ترشد إلى أن المراد الاستفهام عن الحكم الشرعي نقل هذا عن السبكي، ومثل له بحديث سعد: أوصي بمالي كله؟ قال: (لا) وبحديث: أينحني بعضنا لبعض؟ قال: (لا) والظاهر فيهما التحريم لما فهم منه أن الاستفهام عن الإباحة.
قلت: ويحتمل أن المفهوم منه فيهما السؤال عن الندب، ويحتمل أن المفهوم من المثال الأول أن السؤال عن الندب، وفي الثاني عن الإباحة، ومن أمثلته حديث: سئل عن لحوم الغنم فقال: ((لا توضؤوا منها)) والظاهر أن السؤال فيه عن الوجوب فيكون معنى الجواب: لا يجب الوضوء منها، والله أعلم.
ص: مسألة: الأمر لطلب الماهية لا لتكرار ولا مرة والمرة ضرورية، وقيل: مدلولة، وقال الأستاذ والقزويني: للتكرار
(1/246)

مطلقاً، وقيل: إن / (66 / ب / م) علق بشرط أو صفة وقيل بالوقف.
ش: اختلف في الأمر المطلق أي الذي ليس مقيدا بمرة ولا تكرار على مذاهب:
أحدها: أنه لطلب فعل الماهية، من غير دلالة على تكرار ولا مرة، لكن المرة الواحدة لا بد منها في الامتثال، فهي من ضروريات الإتيان بالمأمور به، وهذا مختار الإمام مع نقله عن الأقلين، ورجحه أيضاً الآمدي وابن الحاجب وغيرهما.
الثاني: أنه يدل على المرة بلفظه، وأن هذا مدلوله فلا يحمل على التكرار إلا بدليل، وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحابنا وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء وعن اختيار القاضي أبي الطيب والشيخ أبي حامد، وقال أعني الشيخ أبا حامد : إنه مقتضى/ (54أ/ د) قول الشافعي.
الثالث: أنه للتكرار، وبه قال الأستاذ أبو إسحاق والشيخ أبو حاتم القزويني كما نقله عنه صاحبه الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع).
وقول المصنف: (مطلقاً) يحتمل أنه أراد به التكرار المستوعب لزمان العمر، وهو كذلك عند القائل به، لكن بشرط الإمكان دون أزمنة قضاء الحاجة والنوم وضروريات الإنسان كما قاله الشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ، ويحتمل أنه أراد به مقابل ما سنحكيه من التفصيل في القول بعده، وإليه ذهب الشارح.
والرابع: أنه إن علق على شرط أو صفة اقتضى التكرار مثل: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} وإن كان مطلقاً لم يقتضيه، وقال البيضاوي في هذه الصورة: يقتضه قياساً لا لفظاً.
(1/247)

الخامس: الوقف وهذا محتمل لأمرين كلاهما قول محكي، أحدهما: أن يكون مشتركاً بين التكرار والمرة، فيتوقف إعماله في أحدهما على قرينة.
والثاني: أنه لأحدهما ولا نعرفه، فيتوقف لعدم علمنا بالواقع، فتكون الأقوال ستة وفيه قول سابع، وهو: أن المعلق بالصفة يقتضي التكرار دون المعلق بالشرط، ارتضاه القاضي أبو بكر، ورجحه بعض المتأخرين، لأنهم لم يذكروا في القياس أن تعليق الحكم على الشرط يفيد كونه علة له، إنما ذكروا ذلك في الصفة، وذكر الآمدي وابن الحاجب والصفي الهندي وغيرهم: أن محل الخلاف فيما لم يثبت كونه علة فإن ثبت كونه علة كالزنا، تكرر الحكم بتكرره اتفاقاً، وهذا مناف لكلام الإمام وأتباعه، حيث مثلوا بهاتين الآيتين مع كون / (67/ أ / م) الجنابة علة للطهر، والسرقة علة للقطع، والله أعلم.
تنبيه:
جعل الشارح لفظ المصنف الأمر بطلب الماهية بالباء، وشرحه على أنه تصوير للمسألة، والخبر في قوله: (لا لتكرار ولا مرة) ولا معنى لذلك، فإن الأمر هو الطلب وإنما عبارة لطلب الماهية باللام وهو الخبر، وقوله: (لا التكرار ولا مرة) لتقرير ذلك، وتأكيده والله أعلم.
ص: ولا لفور خلافاً لقوم وقيل للفور أو العزم وقيل مشترك والمبادر ممتثل خلافاً لمن منع ومن وقف.
ش: اختلف في أن الأمر المطلق أي المجرد عن القرائن هل يقتضي الفور أم لا؟
على مذاهب.
أحدها: انه لا يفيد الفور ولا التراخي، قال إمام الحرمين: ينسب إلى الشافعي وأصحابه، وهو الأليق بتفريعاته في الفقه، وإن لم يصرح به في
(1/248)

مجموعاته في الأصول، واختاره الإمام والآمدي وابن الحاجب وغيرهم.
فقول المصنف: (ولا فور) معطوف على قوله: (لا لتكرار).
الثاني: أنه يقتضي الفور، وهو قول الحنفية والحنابلة، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن المالكية، وقال به من أصحابنا أبو بكر الصيرفي والقاضي أبو حامد.
الثالث: أنه يقتضي الفور أو العزم، وهذا شامل للمضيق والموسع، والعزم/ (54 ب/ د) إنما يكون في الموسع، ولا ينافي هذا العود للأعم، فإن انفراد بعض أفراد الأعم بالحكم لا يوجب عدم العود للأعم، وهذا اختيار القاضي أبي بكر بناء على أصله في الواجب الموسع أنه يجب العزم فيه عند التأخير على إيقاع الفعل في بقية الوقت.
الرابع: أنه مشترك بين الفور والتراخي، ولو عبر المصنف بالوقف لتناول القول بالاشتراك والوقف لعدم العلم بمدلوله، وهو قول خامس أنه يقتضي التراخي كذا أطلقه البيضاوي وجماعة، وقال الشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين: إن هذا الإطلاق مدخول، إذ مقتضاه أنه لو امتثل على البدار لم يعتد به، وليس هذا معتقد أحد.
قلت: إنما أرادوا التأخير جوازاً لا على سبيل التحتم، والله أعلم.
وسواء قلنا: الأمر يقتضي الفور/ أم لا لو بادر إلى فعله أول الوقت كان ممتثلاً للأمر، ووراءه قولان غريبان:
أحدهما: حكاه ابن الصباغ في العدة عن بعضهم أنه قال: لا يقطع بكونه ممتثلاً للأمر لجواز إرادة التراخي وقال: إنه خرق للإجماع، ومثله قول
(1/249)

الإمام في (البرهان): إن من ترجم المسألة بأن الصيغة (هل) تقتضي التراخي / (67/ ب / م) فلفظه مدخول، فإنه يقتضي اقتضاءها للتراخي على قول، حتى لو فرض الامتثال على البدار لم يعتد به، وليس هذا معتقد أحد.
الثاني: أنا نتوقف في ذلك لكونه مشكوكاً في أن المراد به الفور أو التراخي، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين، قلت: وعبارة ابن الصباغ تقتضي مساواة الأول من هذين القولين للثاني، والله أعلم.
ص: مسألة: الرازي والشيرازي وعبد الجبار: الأمر الأول يستلزم القضاء وقال الأكثر القضاء بأمر جديد.
ش: إذا أخرج المكلف الواجب عن وقته المعين له شرعاً فهل يجب القضاء بالأمر السابق، بمعنى أنه يستلزمه لا أنه عينه أم لا يجب القضاء إلا بأمر جديد؟
فيه مذهبان، وبالأول قال القاضي عبد الجبار من المعتزلة والرازي أي الإمام فخر الدين، وحكاه المصنف عن الشيرازي وهو الشيخ أبو إسحاق، وفيه نظر، فإنه صحح في (اللمع) قول الأكثرين وبالثاني قال الأكثرون.
ص: والأصح أن الإتيان بالمأمور به يستلزم الإجزاء، وأن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا به، وأن الآمر بلفظ يتناوله داخل فيه، وأن النيابة تدخل المأمور إلا لمانع.
ش: فيه مسائل:
الأولى: الأصح أن إتيان المكلف بالمأمور به على الوجه المشروع يستلزم الإجزاء، وإلا لكان الأمر بعد الامتثال مقتضياً إما لذلك المأتي به فيلزم تحصيل الحاصل، أو لغيره فيلزم أنه لم يأت بتمام المأمور به بل ببعضه والفرض خلافه.
(1/250)

وقال أبو هاشم وعبد الجبار: لا يوجبه كما لا يوجب النهي الفساد.
وفي الرد على أبي هاشم بما تقدم نظر فإنه لا يقول ببقاء التكليف بالمأمور به، بل يوافق على سقوطه، لكنه يقول: السقوط مستفاد من البراءة الأصلية / (55/ أ / د) وغيره يقول: من ذلك الأمر.
واعلم أن هذا الخلاف مبني على تفسير الإجزاء بسقوط القضاء، فأما إذا فسر بسقوط التعبد به كما هو المختار فإنه حاصل عند الإتيان بالمأمور به على الوجه المشروع بلا خلاف كما صرح به جماعة.
المسألة الثانية: الأصح أن الأمر الوارد على زيد بأن يأمر عمرا بشيء لا يصير عمراً مأموراً من جهة الأمر الأول بذلك الشيء، ومثال ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الأولاد: ((مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم على تركها وهم أبناء عشر)) فليس الصبيان مأمورين بأمر الشارع، ومثل له أيضاً بقوله عليه الصلاة والسلام / (68/ أ/ م) لعمر لما طلق ابنه عبد الله زوجته في الحيض: ((مره فليراجعها)) ونقل العالمي من الحنفية عن بعضهم أنه أمر، وحكى سليم الرازي في (التقريب) ما يقتضى أنه يجب على الناس الفعل جزماً، وإنما الخلاف في تسميته أمراً.
وقال في (المحصول): الحق أن الله تعالى إذا قال لزيد: أوجب على عمرو كذا، وقال لعمرو: كل ما أوجب عليك زيد فهو واجب عليك، فالأمر بالأمر أمر بالشيء في هذه الصورة، ولكنه بالحقيقة إنما جاء من قوله: كل ما أوجب عليك فلان فهو واجب عليك، فإن لم يقل ذلك لم يجب لقوله عليه
(1/251)

الصلاة والسلام: (مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع) فإن ذلك الأمر لا يقتضي الوجوب على الصبي.
وقال الشارح: الحق التفصيل، فإن كان للأول أن يأمر الثالث فالأمر للثاني بأمر الثالث أمر للثالث، وإلا فلا.
المسألة الثالثة: إذا ورد الأمر بلفظ يتناوله، أي تناول الآمر، فهل يدخل فيه الآمر أم لا؟ فيه مذهبان.
أصحهما عند المصنف: نعم نظراً إلى عموم الأمر، وكونه آمراً لا ينافيه وعزاه الهندي للأكثرين، لكن قال الشارح: إن الأكثرين وهو مذهب الشافعي على عدم الدخول لا سيما على قول من اشترط في الآمر العلو، قال: وينبغي أن يكون موضع الخلاف ما إذا لم يكن الآمر مأموراً بمخاطبة غيره، فإن كان لم يدخل فيه قطعاً ولهذا قال: قطع أصحابنا فيما لو وكله ليبرئ غرماءه والوكيل من جملة الغرماء أنه ليس له أن يبرئ نفسه، وعلله صاحب التتمة بما ذكرنا، ونص الشافعي على أنه لو وكله أن يفرق ثلثه على الفقراء ليس له صرفه على نفسه، وإن كان فقيراً أو مسكيناً، ووجهه القاضي أبو الطيب في تعليقه بأن المذهب الصحيح أن المخاطب لا يدخل في أمر المخاطب إياه في أمر غيره، فإذا أمر الله تعالى نبيه بأن يأمر أمته أن يفعلوا كذا لم يدخل هو في ذلك الأمر، انتهى.
واحترز بقوله: (بلفظ يتناوله) عما إذا أمر بلفظ خاص، فإنه لا يدخل الآمر تحته قطعاً.
تنبيه:
اعترض على المصنف/ (55 ب/ د) بأنه / (68 / ب / م) كيف يجتمع كلامه هنا مع قوله في آخر العام (الأصح أن المخاطب داخل في خطابه إن كان خبراً لا أمراً) وجمع المصنف
(1/252)

بينهما بحمل كلامه في الأوامر على الإنشاء، سواء صدر عن المنشئ للحكم، وهو الله تعالى، أو عن المبلغ عنه وهو النبي صلى الله عليه وسلم، وكلامه في العموم على الخطاب أعم من كونه إنشاء أو خبراً.
قال الشارح: ولا يخفى ما فيه من التعسف، مع وروده في الصورة التي يجتمعان فيها، ولو جمع بينهما بحمل المذكور هنا على ما إذا تناوله الخطاب كقوله: إن الله يأمر بكذا، والمذكور في العام على ما إذا لم يتناوله اللفظ كقوله تعالى {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} لكان أولى ولهذا لم يدخل موسى عليه السلام في ذلك الأمر بدليل قوله: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} ولا يظن بموسى عليه السلام ذلك.
وقول المصنف هنا بلفظ: (يتناوله) ولم يذكر هذا القيد هناك صريح فيما ذكرته، والعجب منه كيف لم يقع على هذا وهو ظاهر من لفظه، وقد رأيت في (التمهيد) لأبي الخطاب هذا التفصيل في هذه المسألة، ففرق المصنف المسألة في موضعين، وذكر كل شق في موضع. انتهى.
المسألة الرابعة: مذهبنا كما قال الآمدي: جواز دخول النيابة فيما كلف به من الأفعال البدنية، خلافاً للمعتزلة، استدلوا بأن الوجوب لقهر النفس وكسرها، والنيابة تنافي ذلك، وقال أصحابنا: النيابة لا تأباه لما فيها من بدل المؤنة وتحمل المنة.
وخرج بقول المصنف: (إلا لمانع) الصلاة والاعكتاف وكذا الصوم على الجديد، وعكس ذلك ابن عبد السلام في أماليه فقال: الطاعات لا تدخلها النيابة إلا الحج والصوم على قول، لأن القصد بها الإجلال والإنابة، ولا يلزم من تعظيم الوكيل تعظيم الموكل.
وقال الصفي الهندي: اتفقوا على جواز النيابة في العبادة المالية، ووقوعها
(1/253)

كتفرقة الزكاة، واختلفوا في البدنية، فذهب أصحابنا إلى جوازه ووقوعه ومنعه غيرهم.
ص: مسألة: قال الشيخ والقاضي: الأمر النفسي بشيء معين نهي عن ضده الوجودي، وعن القاضي: يتضمنه، وعليه عبد الجبار وأبو الحسين والإمام والآمدي، وقال إمام الحرمين والغزالي، لا عينه ولا يتضمنه، وقيل: أمر الوجوب يتضمن فقط، أما اللفظي فليس عين النهي قطعاً، ولا يتضمنه على الأصح، وأما النهي فقيل: أمر بالضد، وقيل: على الخلاف.
ش: اختلف المثبتون للكلام النفسي في أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده أم لا؟ على مذاهب.
أحدها: أنه عين النهي عن ضده، وهو قول للأشعري والقاضي أبي بكر وأطنب في نصرته في (التقريب).
واحترزنا بقولنا: (معين) عن الواجب الموسع والمخير، فإن الأمر بهما ليس نهياً عن الضد كما صرح به الشيخ أبو حامد والقاضي في (التقريب) وغيرهما / (56أ / د).
وقيدنا الضد بالوجودي، للاحتراز عن النقيض، وهو ترك المأمور به فإنه منهي عنه بلا خلاف فقولنا: قم، نهي عن ترك القيام، وهل هو نهي على التلبس بضد من أضداده الوجودية كالقعود والاضطجاع؟ وهذا موضع الخلاف.
(1/254)

الثاني: أنه ليس عينه ولكن يتضمنه عقلاً، وذكر إمام الحرمين أن القاضي أبا بكر صار إليه في آخر مصنفاته، ونقله الشيخ أبو حامد عن أكثر أصحابنا، وفي نقل المصنف هذا المذهب عن القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري نظر، فإنهما لا يثبتان الكلام النفسي أصلاً كغيرهما من المعتزلة، وإنما تكلما في الكلام اللساني كما سنوضحه، وأما الآمدي فإنه قال: إن جوزنا تكليف ما لا يطاق فليس عينه ولا يستلزمه وإن منعناه استلزمه.
الثالث: أنه ليس نهيا عن ضده، ولا يتضمنه، واختاره إمام الحرمين والغزالي وابن الحاجب، وقال إلكيا: إنه استقر عليه القاضي.
الرابع: التفصيل بين أمر الإيجاب فيتضمن النهي عن ضده، وأمر الندب ليس نهياً عن ضده، ولا يتضمنه فإن أضداده مباحة غير منهي عنها، وهو قول بعض المعتزلة.
أما المنكرون للكلام النفسي وهم المعتزلة فإن الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده عندهم قطعاً فإن الأمر والنهي لهما صيغتان مختلفتان، ولم يتكلم الشيخ والقاضي إلا في النفسي، فهو موضع الخلاف، ثم اختلف المعتزلة في أن الأمر اللساني بشيء هل يتضمن النهي عن ضده أم لا؟
فذهب قدماؤهم إلى منعه، والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين وغيرهما إلى إثباته.
أما النهي عن الشيء فهل هو أمر بضده أم لا؟
فيه طريقان: أحدهما: أنه على الخلاف السابق في الأمر.
والثاني: أنه أمر بالضد قطعاً، وهي طريقة القاضي في التقريب، فإنه جزم بذلك/ (69/ ب / م) بعد حكاية الخلاف في الأمر، ووجهه أن دلالة النهي على مقتضاه أقوى من دلالة الأمر على مقتضاه، فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وضعف إمام الحرمين هذه الطريقة، وقال: يلزم منها القول بمذهب الكعبي في نفي المباح، فإنه قال: لا يقدر مباح إلا وهو ضد محظور فيكون
(1/255)

واجباً، وحكى ابن الحاجب طريقة القطع على عكس المذكورة هنا، وهي أنه ليس أمرا بالضد قطعاً ونازعه المصنف في ثبوتها، وقال: إنه لم يعبر عليه نقلاً ولم يتجه له عقلاً، وقال غيره: إنه مبني على أن النهي طلب نفي الفعل لا طلب الكف عنه الذي هو ضده كما هو مذهب أبي هاشم فلا يكون أمرا بالضد.
ص: مسألة: الأمران غير متعاقبين أو بغير متماثلين غيران والمتعاقبان بمتماثلين ولا مانع من التكرار، والثاني غير معطوف قيل معمول/ (56/ ب / د) بهما، وقيل: تأكيد، وقيل بالوقف، وفي المعطوف التأسيس أرجح وقيل: التأكيد، فإن رجح التأكيد بعادي قدم، وإلا فالوقف.
ش: إذا صدر من الآمر أمران فلهما أحوال.
أحدها: أن يكونا غير متعاقبين أي لا يكون الثاني عقب الأول، فهما غيران بلا خلاف ويجب العمل بهما.
الثانية: أن يكون متعاقبين لكنهما مختلفان غير متماثلين، فهي كالأولى في وجوب العمل بهما قطعاً، سواء أمكن الجمع بينهما كصل وصم أو امتنع كصل وأد الزكاة.
الثالثة: أن يكونا غير متعاقبين بمتماثلين، والمأمور به لا يمكن تكرره نحو: اقتل زيداً، اقتل زيداً، فالثاني تأكيد قطعاً.
الرابعة: أن لا يمتنع التكرار، ويكون الثاني غير معطوف على الأول، نحو صل ركعتين، صل ركعتين ففيه ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه يعمل بهما فيجب التكرار، لأن التأسيس أولى من التأكيد، وعزاه الصفي الهندي للأكثرين.
والثاني: أنه تأكيد فلا يجب سوى مرة لكثرة التأكيد في كلامهم، والأصل عدم الزائد، وبه قال أبو بكر الصيرفي.
(1/256)

والثالث: الوقف لتعارض الأمرين، / (70/ أ/ م) وبه قال أبو الحسين البصري.
الخامسة: أن يعطف الثاني على الأول ولا يكون هناك مرجح للتأكيد، نحو صل ركعتين، وصل ركعتين، ففيه قولان:
أحدهما: وهو الراجح عنده أنه يجب الحمل على التأسيس فيتكرر المأمور به لاقتضاء العطف المغايرة من غير معارض.
والثاني: أنه يحمل على التأكيد فيجب مرة، لأنه المتيقن وفي حكاية المصنف الخلاف هنا نظر، فقد صرح الصفي الهندي وغيره بأنه لا خلاف هنا في الحمل على التأسيس، لأنه الشيء لا يعطف على نفسه، ولم يحك ابن الحاجب القول الثاني.
السادسة: أن يكون هناك مرجح للتأكيد بأمر عادي، كالتعريف نحو: صل ركعتين، وصل الركعتين، فيقدم التأكيد ويحمل عليه لرجحانه، هذا مقتضى عبارة المصنف، وعبارة ابن الحاجب: (قدم الأرجح) ورد الشارح كلام المصنف إليه، وقال: الأرجح هو العمل بالثاني، لأن صرف العطف المقتضي للتغاير معارض بلام التعريف وتبقي أظهرية التأسيس سالمة من المعارض، ويوافقه كلام شراح (ابن الحاجب).
السابعة: أن لا يترجح التأكيد بل يتساويان، فيجب الوقف.
قال الشارح: كذا قالوا، ويظهر أن التأكيد في هذا أرجح، وعلله بما لم يظهر لي، والذي يظهر عندي أن هذه الصورة السابعة لا وجود لها، وهي الخامسة، فإنه إذا عطف الثاني على الأول فذلك يقتضي التأسيس، فإما أن يعارضه ما يقتضي التأكيد أم لا، فعدم المعارضة هي الحالة الخامسة التي أنكر على المصنف حكاية قول فيها بالتأكيد فكيف يرجحه الشارح هنا؟ لكن هذه العبارة التي أتى بها المصنف في قوله (وإلا / (57أ / د) فالوقف) هي عبارة ابن الحاجب، ومثل ذلك شراحه بقوله: اسقني ماء، واسقني الماء، وهذا إنما يظهر مثالاً
(1/257)

للحالة السادسة، فقط ظهر الخلل في تصوير هذه الحالة وحكمها، والله أعلم.
ص: النهي: اقتضاء كف عن فعل، لا بقول: كف.
ش: هذا تعريف النهي، فالاقتضاء هو الطلب، وخرج بإضافته إلى الكف عن فعل الأمر فإنه اقتضاء فعل.
وبقولنا: (لا بقول كف) أي لا بقول القائل/ (70 / ب / م) كف عن كذا، وهو فعل أمر من الكف، فإنه يطلب كفا عن فعل وليس نهياً بل هو أمر وكان ينبغي أن يقول (وما في معناه) كقولك: اكفف، أو أمسك، أو ذر أو دع، أو جاوز، أو تنح، أو عد، أو تجاوز، أو إياك أو رويدك، أو مهلا، أو قف، فهذه كلها أوامر بالمطابقة وإن اقتضت كفا، وإنما هي نواهي بالتضمن، بناء على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده ضمناً.
ص: وقضيته الدوام ما لم يقيد بالمرة، وقيل: مطلقاً.
ش: حكى المصنف في مقتضى النهي قولين: أصحهما الدوام، أي: يفيد الانتهاء عن المنهي عنه دائماً، إلا أن يقيد بمرة واحدة فيحمل عليها.
والثاني: أنه يحمل على الدوام مطلقاً، ولو قيد بالمرة، وهذا الثاني قريب لم أره لغيره، وقال البيضاوي، إنه كالأمر في التكرار والفور، ومقتضاه أن الراجح عدم دلالته عليهما، لكن اقتضى كلامه قبل ذلك أنه يدل عليهما، وبه قال الشيخ أبو إسحاق والآمدي وابن الحاجب، وقال الشيخ أبو حامد وابن برهان وغيرهما: إنه مجمع عليه وفي (المحصول): إنه المشهور لكنه قال: إن المختار خلافه.
ص: وترد صيغته للتحريم والكراهة والإرشاد والدعاء وبيان العاقبة والتقليل والاحتقار واليأس.
(1/258)

ش: ترد صيغة النهي، وهي: (لا تفعل) لسبعة أمور، جمعها الغزالي والآمدي وغيرهما.
أحدها: التحريم، كقوله: {ولا تقتلوا النفس}.
الثاني: الكراهة كقوله: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون}.
الثالث: الإرشاد، والفرق بينه وبين الكراهة ما سبق في الفرق بينه وبين الندب، ولهذا اختلف أصحابنا في أن كراهة المشمس شرعية أو إرشادية؟
أي يتعلق بها الثواب أو ترجع لمصلحة طبية، ومثله إمام الحرمين بقوله: {لا تسألوا عن أشياء} قال الشارح: وفيه نظر، بل هو للتحريم.
قلت: الظاهر ما قاله إمام الحرمين، فإنه تعالى قال: {إن تبد لكم تسؤكم} فبين أن مصلحة دنيوية وهي تجنب ما يسؤهم بسماعهم ما يكرهون.
الرابع: الدعاء، كقوله: {ربنا لا تزغ قلوبنا}
الخامس: بيان العاقبة كقوله تعالى: {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون}.
السادس: التقليل والاحتقار أي للمنهي عنه، كقوله: {لا تمدن عينيك} واعلم أن التقليل هنا بالقاف / (57 ب/ د) فهو بمعنى الاحتقار وعطفه عليه تأكيد، ولو اقتصر على أحدهما لكان أولى، وظن بعض من تأخر عن الشارح أنه التعليل بالعين، فأفرده عنه، ومثله بقوله: لا تذنب فلا أحسن إليك،
(1/259)

وقال: لم يمثل الشارح هذا.
قلت: وهو مخالف لكلام غيره، ولو كان كما ظنه لم يجتمع هذا مع قوله أو لا تبعاً للشارح (لسبعة) فإنها حينئذ ثمانية، والله أعلم.
السابع: اليأس كقوله: {لا تعتذروا اليوم}
وبقى عليه ثامن، وهو الخبر نحو: {لا يمسه إلا المطهرون} ذكره في (المحصول).
وتاسع: وهو التهديد كقولك لمن لا يمتثل أمرك: لا تمتثل أمري.
وعاشر: وهو النهي بعد الإيجاب فهو إباحة للترك.
وحادي عشر: وهو الالتماس كقولك لنظيرك: لا تفعل هذا.
ص: وفي الإرادة والتحريم ما في الأمر.
ش: أي هل يعتبر في النهي إرادة الدلالة باللفظ على الترك أم لا، وهل صيغة النهي حقيقة في التحريم أو الكراهة، أو مشتركة بينهما، أو موقوفة؟ يعود فيه ما تقدم في الأمر.
ص: وقد يكون عن واحد ومتعدد جمعا كالحرام المخير، وفرقاً كالنعلين تلبسان أو تنزعان، ولا يفرق وجميعاً كالزنا والسرقة.
ش: النهي قد يكون عن واحد، وقد يكون عن متعدد، أي شيئين فصاعداً وهذا على ثلاثة أقسام.
أحدها: أن يكون نهياً عن الجمع أي الهيئة الاجتماعية، فله فعل أيهما شاء على انفراده، ومثله المصنف بالحرام المخير وسبق ما فيه.
ثانيها: عكسه، وهو النهي عن الافتراق دون الجمع كلبس إحدى النعلين
(1/260)

فقط فإنه منهي عنه لا لبسهما ولا نزعهما.
ثالثها: أن يكون نهياً عن الجمع أي عن كل واحد سواء أتى به منفرداً أو مع الآخر كالنهي عن الزنا والسرقة.
ص: ومطلق نهي التحريم وكذا التنزيه في الأظهر للفساد شرعاً، وقيل: لغة وقيل: معنى فيما عدا المعاملات مطلقاً، وفيها إن رجع، قال ابن عبد السلام: أو احتمل رجوعه إلى أمر داخل أو لازم وفاقاً للأكثر، وقال الغزالي والإمام: في العبادات فقط.
ش: النهي عن الشيء هل يدل على فساده أم لا؟
فيه مذاهب:
الأول: أنه يقتضي الفساد مطلقاً في العبادات والمعاملات، وحكاه القاضي أبو بكر عن جمهور أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وحكاه ابن السمعاني عن أكثر الأصحاب، وقال: إنه الظاهر من مذهب الشافعي.
الثاني: أنه لا يقتضيه، نقله القاضي عن جمهور المتكلمين، والإمام عن أكثر الفقهاء، والآمدي عن المحققين، واختاره القفال الشاشي، والقاضي أبو بكر والغزالي وغيرهم، وعلى هذا الثاني قولان.
أحدهما وبه قال الجمهور: إنه لا يدل على الصحة أيضاً، وادعى القاضي فيه الاتفاق.
والثاني: أنه يدل على الصحة، وحكي عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن.
الثالث وهو الذي نقله المصنف عن الأكثرين وحكاه ابن برهان / (58أ / د) عن نص الشافعي وحكي عن نص (الرسالة) التفصيل، فإن كان في غير المعاملات وهي العبادات والإيقاعات دل على الفساد مطلقاً، وإن كان في المعاملات فإن رجع إلى أمر داخل فيها كبيع الملاقيح، أو أمر خارج ولازم كالربا اقتضى الفساد، وإن رجع إلى أمر خارج غير لازم لم يقتض الفساد، وذلك كالنهي
(1/261)

عن البيع وقت نداء الجمعة فإن النهي عنه راجح إلى تفويت الجمعة، وهو أمر خارج غير لازم للعقد.
فإن شك هل هو راجع إلى داخل أو خارج حكمنا بفساده أيضاً، وهو معنى قول المصنف: قال ابن عبد السلام: (أو احتمل رجوعه) وأشار بذلك إلى قوله في القواعد: وكل تصرف نهي عنه ولم يعلم لماذا نهي عنه فهو باطل حملاً للفظ النهي على الحقيقة.
قال الشارح: وهي مسألة مهمة زادها المصنف على الأصوليين.
الرابع: أنه يدل على الفساد في العبادات فقط، وهو مذهب أبي الحسين البصري واختاره الإمام في (المحصول) وفي نقله عن الغزالي نظر، فقد صرح في آخر المسألة من (المستصفى) بأن كل نهي تضمن ارتكابه الإخلال بشرطه دل على الفساد من حيث الإخلال بالشرط، لا من حيث النهي.
تنبيه:
قوله: (مطلق النهي) خرج به ما اقترن به ما يدل على الفساد أو الصحة، فليس من محل الخلاف، وبين بإضافة النهي إلى التحريم أن المحل المتفق على جريان هذا الخلاف فيه أن يكون النهي للتحريم، فإن كان للتنزيه ففيه خلاف, الذي رجحه المصنف أنه كنهي التحريم لأن المكروه مطلوب الترك فلا يعتبر به إذا وقع، وذلك هو الفساد، ويخالف ذلك قول الصفي الهندي: محل الخلاف في نهي التحريم أما التنزيه فلا خلاف فيه على ما يشعر به كلامهم، وصرح بذلك بعض المصنفين.
قلت: وذكر ابن الصلاح والنووي أن الصلاة في الأوقات المكروهة لا
(1/262)

تنعقد، وإن قلنا إن الكراهة فيها للتنزيه، واستشكله شيخنا الإسنوي بأنه كيف يباح الإقدام على ما لا ينعقد وهو تلاعب ولا إشكال فيه، لأن نهي التنزيه إذا رجع إلى نفس الصلاة يضاد الصحة فإن المكروه غير داخل في مطلق الأمر، وإلا يلزم كون الشيء مطلوباً منهياً ولا يصح إلا ما كان مطلوباً، والله أعلم.
تنبيه آخر:
إذا قلنا باقتضاء النهي الفساد فهل ذلك من جهة الشرع أو اللغة؟
فيه مذهبان: نقلهما القاضي أبو بكر في (التقريب) وابن السمعاني، ونقل عن طائفة من الحنفية أنه يقتضيه من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، لأن النهي يدل على قبح المنهي عنه، وهو مضاد للمشروعية، / (58 ب / د) وقال إنه الأولى فلذلك نقل فيه المصنف ثلاثة مذاهب، وصحح الآمدي وابن الحاجب أنه يدل عليه شرعاً وجزم به البيضاوي.
ص: فإن كان لخارج كالوضوء بمغصوب لم يفد عند الأكثر، وقال أحمد: يفيد مطلقاً، ولفظه حقيقة وإن انتفى الفساد لدليل.
ش: تقدم أن النهي إنما يدل على الفساد إذا كان لأمر داخل في المنهي عنه أو خارج عنه لازم له، فأما إذا كان لأمر، خارج عنه غير لازم له فإنه لا يفيد الفساد عند الأكثرين، وقال أحمد بن حنبل: بل يفيده أيضاً، وذلك كالوضوء بماء مغصوب، فإن المنهي عنه لأمر خارج عنه وهو الغصب ينفك بالإذن من صاحبه أو الملك، ويترتب على قول الإمام أحمد باقتضاء النهي الفساد مطلقاً، أنه لو قام الدليل في نهي خاص على أنه ليس للفساد ولم يخرج النهي المذكور عن كونه باقياً على حقيقته.
- لم يصر مجازا، لأنه لم ينتقل عن جميع موجبه بل عن بعضه، فهو كالعموم الذي خص بعضه، فإنه حقيقة فيما بقي، ذكره ابن عقيل في الواضح.
(1/263)

قال الشارح: وهو مبني على أن لفظ النهي يدل على الفساد بصيغته، فإن قلنا من جهة الشرع أو المعنى لم يكن فيه إخراج بعض مدلول اللفظ.
قلت: ولك أن تقول: قد رجح المصنف/ (72/ ب/ م) أن النهي يدل على الفساد في العبادات مطلقاً، والتفصيل إنما هو في المعاملات، وحكاه عن الأكثرين، والوضوء من العبادات، فاقتضى كلامه فيه الفساد إذا كان لمغصوب فكيف يحكي هذا هنا عن أحمد خاصة، ويجعله فيه مخالفاً للأكثر، وأيضاً فقد تقدم لنا قول أن النهي يدل على الفساد مطلقاً، وأن القاضي نقله عن جمهور الشافعية، والحنفية، والمالكية، فكيف يجتمع ذلك مع تخصيصه الفساد في هذه الصورة بالنقل عن أحمد.
ص: وأبو حنيفة لا يفيد مطلقاً نعم المنهي لعينه غير مشروع ففساده عرضي ثم قال والمنهي لوصفه يفيد الصحة.
ش: اشتهر عن أبي حنيفة أن النهي لا يفيد الفساد مطلقاً، واستدرك المصنف على هذا أن ذلك إنما هو في المنهي عنه لغيره، أما المنهي عنه لعينه فلا خلاف في فساده، وقد صرح أبو زيد في (تقويم الأدلة)، وقال شمس الأئمة السرخسي: إن المنهي عنه لعينه غير مشروع أصلاً، فيترتب على ذلك أن فساده عرضي، ثم قال أي أبو حنيفة: إن المنهي عنه لوصفه لا يفيد الصحة، وإنما يفيد ذلك الوصف خاصة كما لو تبايعا درهماً بدرهمين ثم طرح زيادته فإنه يصح العقد.
قلت: وكيف يجتمع نفي الخلاف مع ما تقدم من حكاية قول بأنه/ (59أ / د) لا يقتضي الفساد مطلقاً.
ص: وقيل: إن نفي عنه القبول، وقيل: بل النفي دليل الفساد، ونفي الإجزاء كنفي القبول، وقيل: أولى بالفساد.
(1/264)

ش: إذا ورد من الشرع نفي القبول عن عباداة، فهل يدل ذلك على صحتها أو فسادها؟ مثل قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) وقوله: ((لا يقبل الله صلاة حائض)) أي: من بلغت سن الحيض ((إلا بخمار)) فيه قولان، حكاهما ابن عقيل من الحنابلة في كتابه في الأصول، فمن قال بالأول وهو مراد المصنف بقوله: (وقيل: إن نفى عنه القبول) أي يفيد الصحة لقوله فيما قبله: يفيد الصحة قال: إن القبول والصحة متغايران يظهر أثر الأول الثواب، والثاني في عدم القضاء، ومن قال بالثاني جعلهما متلازمين وهو مقتضى استدلال أصحابنا، وغيرهم بالحديثين المذكورين على اشتراط الطهارة وستر العورة في الصلاة، وحكى الشيخ تقي الدين/ (73/ أ / م) في (شرح العمدة) في تفسير القبول قولين: أحدهما: أنه يرتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، يقال: قبل عذر فلان إذا رتب عليه الغرض المطلوب، وهو عدم المؤاخذة، وعلى هذا فالصحة والقبول متلازمان.
والثاني: أن القبول كون العبادة بحيث يترتب الثواب عليها، وعلى هذا فهو أخص من الصحة، فكل مقبول صحيح، ولا ينعكس.
قلت: الذي ظهر لي في كون هذين الحديثين المذكورين نفى فيهما القبول وانتفت معه الصحة، وجاء في أحاديث أخر نفي القبول، فلم ينتف معه الصحة، كصلاة شارب الخمر، والعبد الآبق، وآتي العراف أنا ننظر فيما نفي فيه القبول، فإن قارنت ذلك الفعل معصية كالأحاديث الثلاثة المذكورة أجزأ، فانتفاء القبول (أي الثواب) لأن إثم المعصية أحبطه، وإن لم يقارنه معصية
(1/265)

كالحديثين الأولين، فانتفاء القبول بسببه انتفاء شرط وهو الطهارة في أحد الحديثين وستر العورة في الآخر، ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط، والله أعلم.
أما نفي الإجزاء نحو قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تجزئ صلاة من لا يقرأ فيها بأم القرآن)) فالمشهور أنه كنفي الصحة فيعود فيه ما سبق.
والثاني: أنه أولى بالفساد، فيعود فيه الخلاف بالترتيب، لأن الصحة قد توجد، حيث لا قبول بخلاف الإجزاء مع الصحة.
ص: العام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر.
ش: فهم من تصدير تعريف العام باللفظ أنه من عوارض الألفاظ، والمراد لفظ واحد للاحتراز عن الألفاظ المتعددة الدالة على أشياء متعددة.
وخرج بقوله: (يستغرق) المطلق، فإنه لا يدل على شيء من الأفراد أصلاً، والنكرة في سياق الإثبات مفردة / (59 ب / د) كانت أو مثناة أو مجموعة أو عدداً، فإنها إنما تتناول الأفراد على سبيل البدل.
واحترز بقوله: (الصالح له) عما لا يصلح فعدم استغراق (ما) لمن يعقل، إنما هو لعدم صلاحيتها له، أي: عدم صدقها عليه، لا لكونها غير عامة.
وخرج بقوله: (من غير حصر) أسماء العدد، فإنها متناولة للصالح لها، لكن مع الحصر، وهذا مبني على أنها ليست عامة، وهو المعروف، وبه صرح ابن الحاجب هنا، ومقتضى كلامه في الاستثناء أنها عامة، وتبعه المصنف
(1/266)

هناك، وزاد / (73 / ب / م) البيضاوي وغيره في هذا التعريف: (بوضع واحد) ليخرج المشترك إذا أريد به معنياه، فإنه مستغرق لما يصلح له لكن بوضعين لا بوضع واحد، فتناوله لهما ليس من العموم ولم يحتج المصنف لذكره، فإن تناول المشترك لمعنييه ليس من الشمول الوضعي بل بحسب الإرادة أو الاحتياط، لكن نقل الآمدي عن الشافعي والقاضي أن حمله على معنييه من باب العموم، وإذا كان كذلك فلا يؤتى بلفظ يخرجه، والله أعلم.
ص: والصحيح دخول النادرة وغير المقصودة تحته، وأنه قد يكون مجازاً، وأنه من عوارض الألفاظ، قيل: والمعاني، وقيل به في الذهني ويقال للمعنى: أعم، وللفظ: عام.
ش: فيه مسائل: الأولى: الصحيح أن الصورة النادرة تدخل في العموم.
وقال الشارح: زعم المصنف أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي حكى فيه خلافاً، ولم أجده في كتبه، وإنما يوجد في كلام الأصوليين اضطراب فيه يمكن أن يؤخذ منه الخلاف، وكذا في كلام الفقهاء، ولهذا اختلفوا في المسابقة على الفيل على وجهين.
أصحهما: نعم، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا سبق إلا في خف أو حافر)).
والثاني: لا، لأنه نادر عند المخاطبين بالحديث، وقال الغزالي في (البسيط): لو أوصى برأس من رقيقه جاز دفع الخنثى، وذكر صاحب (التقريب) وجهاً: أنه لا يجزئ، لأنه نادر لا يخطر بالبال، وهو بعيد، لأن العموم يتناوله.
قال الشارح أيضا: وينبغي أن يكون الخلاف فيما ظهر اندراجه في
(1/267)

اللفظ، فإن لم يظهر وساعده المعنى فلم أرهم تعرضوا له، وينبغي أن يجري فيه خلاف أصحابنا في بيع الأب مال ولده من نفسه وبالعكس، هل يثبت فيه خيار المجلس؟ وجهان.
والأصح: الثبوت، وإنما خص المتبايعين بالذكر آخراً للكلام على الغالب المعتاد، فلو قال المصنف: (والصحيح دخول النادرة تحت العموم ولو بالمعنى) لشمل، هذه الصورة، انتهى.
الثانية: الصحيح دخول الصورة التي ليست مقصودة في العموم، فإن اللفظ متناول/ (74 / أ / م) لها، ولا انضباط للمقاصد، وممن حكى الخلاف في ذلك القاضي عبد الوهاب، ويوجد في كلام أصحابنا، ولهذا قال في (البسيط) بعد حكاية الخلاف فيما لو وكله بشراء عبد فاشترى من يعتق (60 / أ / د) على الموكل: وصار الخلاف التعلق بالعموم والالتفات إلى المقصود.
قال المصنف: وليست غير المقصود هي النادرة، كما توهم بعضهم، بل النادرة هي التي لا تخطر غالباً ببال المتكلم، لندرة وقوعها، وغير المقصودة قد تكون مما يخطر بالبال ولو غالباً، وميل الحنابلة إلى عدم الدخول.
الثالثة: الصحيح أن المجاز كالحقيقة في أنه قد يكون عاماً فلم ينقل عن أحد من أئمة اللغة أن الألف واللام أو النكرة في سياق النفي أو غيرهما من صيغ العموم لا يفيد العموم إلا في الحقيقة، وخالف فيه بعض الحنفية، فزعم أن المجاز لا يعم بصيغته، لأنه على خلاف الأصل، فيقتصر به على الضرورة، ورد بأن المجاز ليس خاصاً بمجال الضرورات، بل هو عند قوم غالب على اللغات، واستدل على أن العام قد يكون مجازاً بقوله عليه الصلاة والسلام:
(1/268)

((الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أحل فيه الكلام)) فإن الاستثناء معيار العموم، فدل على تعميم كون الطواف صلاة وكون الطواف صلاة مجاز.
تنبيهان:
أحدهما: قال الشارح: ظهر بهذا أن العبارة مقلوبة، والصواب أن يقال: وأن المجاز يدخل العموم، فإن صورة المسألة أن يشتمل المجاز على السبب المقتضي للعموم من الألف واللام وغيرها، والمحل قابل للعموم، ولهذا ذكر صاحب (البديع) هذه المسألة في بحث المجاز لا في العموم.
ثانيهما: قال الشارح أيضاً: ظن المصنف في (الموانع) أن هذه مسألة المقتضى، وليس كذلك، فإن المقتضى لم يشتمل على دليل العموم، لأنه ليس بملفوظ، وإنما يقدر لأجل صحة الملفوظ فيقتصر على القدر الضروري، بخلاف المجاز المشتمل على أداة العموم، فإنه إذا لم يحمل على العموم يلزم منه إلغاء دليل العموم، انتهى.
الرابعة: لا خلاف أن العموم من عوارض الألفاظ، وليس المراد وصف اللفظ به مجرداً عن المعنى، بل باعتبار معناه الشامل للكثرة، وعطف المصنف ذلك على ما/ (74/ب/م) عبر فيه بالأصح يقتضي خلافاً فيه.
(1/269)

قال الشارح: وينبغي أن يجعل استئنافاً لا عطفاً على ما قبله.
قلت: يمكن أنه أراد من عوارض الألفاظ فقط، فيرجع التصحيح إلى تضعيف القول بأنه من عوارض المعاني أيضاً، لا إلى كونه من عوارض الألفاظ، ولذلك عقبه بقوله: (قيل والمعاني) والذاهبون إليه اختلفوا في أن عروضه للمعاني هل هو حقيقة أو مجاز؟ فقال بعضهم: حقيقة، فكما صح في الألفاظ شمول أمر لمتعدد صح في المعاني شمول معنى لمعاني متعددة بالحقيقة فيهما.
وقال القاضي عبد الوهاب: مراد قائله حمل الكلام على عموم الخطاب، وإن لم يكن هناك صيغة تعمها كقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} / (60/ ب / د) أن نفس الميتة وعينها لما لم يصح تناول التحريم لها عممنا بالتحريم جميع التصرف فيها من الأكل والبيع واللبس وسائر أنواع الانتفاع، وإن لم يكن للأحكام ذكر في التحريم لا بعموم ولا بخصوص.
وقال آخرون: بل هو مجاز، لأنه لا يتصور انتظامها تحت لفظ واحد إلا إذا اختلفت في أنفسها، وإذا اختلفت تدافعت، وقولهم: عمهم الخصب والرخاء متعدد، فإن ما خص هذه البقعة غير ما خص الأخرى، وعزاه الصفي الهندي للجمهور، والظاهر أن الذي حكاه المصنف هو الأول، فإنه لو أراد الثاني لكان الراجح عنده أنه ليس من عوارض الألفاظ لا حقيقة ولا مجازاً، ولما حكاه الشارح قال: إنه أبعد الأقوال بل في ثبوته نظر.
وفي المسألة قول رابع وهو: أنه من عوارض المعاني الكلية الذهنية، فإن المعنى الذهني واحد متناول لأمور كثيرة بخلاف المعاني الخارجية، لأن كل موجود في الخارج متخصص بمحل وحال مخصوص لا يوجد في غيره، فيستحيل شموله لمتعدد، وهذا بحث للصفي الهندي.
تنبيه
ليس المراد المعاني التابعة للألفاظ، فإنه لا خلاف في عمومها، لأن لفظها عام، وإنما المراد المعاني المستقلة كالمقتضى والمفهوم.
(1/270)

الخامسة: يقال في اصطلاح أهل الأصول للمعنى: أعم وأخص، وللفظ: عام وخاص.
قال القرافي: ووجه المناسبة أن صيغة (أفعل) تدل على الزيادة والرجحان والمعاني أعم من الألفاظ فخصت بصيغة أفعل التفضيل، / (75/أ/م) ومنهم من يقول فيها عام وخاص أيضاً.
ص: ومدلوله كلية، أي محكوم فيه على كل فرد مطابقة، إثباتاً أو سلبا، لا كل ولا كلي.
ش: مدلول العموم كلية، أي: محكوم فيه على كل فرد فرد، بحيث لا يبقى فرد، فقوله تعالى: {اقتلوا المشركين} تنزل منزلة قوله: (اقتلوا زيداً المشرك وعمراً المشرك) وهكذا، حتى لا يبقى فرد منهم إلا تناوله اللفظ، وهذا مثل قولنا: كل رجل يشبعه رغيفان، أي كل واحد على انفراده، وليست دلالته من باب الكل وهو الحكم على المجموع من حيث هو كأسماء العدد، ومنه: كل رجل يحمل الصخرة، أي المجموع.
لا كل واحد، ولا من باب الكلي، وهو ما اشترك في مفهومه كثيرون كالحيوان والإنسان، فإنه صادق على جميع أفراده، ويقابل الكلية الجزئية، والكل الجزء، والكلي الجزئي.
وأشار المصنف بقوله: (مطابقة) إلى الرد على القرافي في إنكاره ذلك، موجهاً له بأن دلالة المطابقة دلالة اللفظ على مسماه بكماله، ولفظ العموم لم يوضع لزيد فقط حتى تكون دلالته عليه بالمطابقة وقد أجاب عن ذلك الأصفهاني في شرح (المحصول) بأن قوله: اقتلوا / (61أ / د) المشركين في قوة جملة من القضايا لما قررناه من تناوله لكل فرد فرد، فاللفظ لا يدل على قتل زيد المشرك لخصوص كونه زيداً، بل لعموم كونه فرداً من تلك القضايا، والذي في ضمن ذلك المجموع دال عليه مطابقة، وقال: فافهم ما ذكرناه فإنه من دقيق الكلام، وليس هو من دلالة التضمن.
وأشار بقوله: (إثباتاً أو سلباً) إلى أن صيغة العموم قد تكون في الإثبات نحو قوله: {فاقتلوا المشركين} وقد تكون في السلب نحو: لا تقتلوا مسلماً، وكلاهما كلية، وأما سلب العموم نحو: ما كل
(1/271)

عدد زوجاً، فليس من العموم في شيء، فإنه لا يرتفع فيه الحكم عن كل فرد فرد، إذ يلزم عليه أن لا يكون في العدد زوج، فقط ظهر بذلك أن تنبيه الشارح هنا غير محتاج إليه، والله أعلم.
(1/272)

ص: ودلالته على أصل المعنى قطعية، وهو عن الشافعي – رحمه الله – وعلى كل فرد بخصوصه ظنية وهو عن الشافعية، وعن الحنفية قطعية.
ش: دلالة العام على أصل المعنى قطعية بلا خلاف، فلا معنى لتخصيص الشافعي بحكاية ذلك عنه، وأما دلالته على كل فرد بخصوصه/ (75/ب/م) بحيث يستغرق الأفراد ففيه مذهبان:
أحدهما: وبه قال الشافعية: أنها ظنية.
ثانيهما: أنها قطعية، وعزاه المصنف للحنفية، أي: أكثرهم فقد ذهب أبو منصور الماتريدي ومن تبعه من مشايخ سمرقند إلى أنها ظنية، ونقل الإبياري في (شرح البرهان) القطع عن المعتزلة وقال إمام الحرمين: الذي صح عندي من مذهب الشافعي أن الصيغة العامة لو صح تجردها عن القرائن لكانت نصا في الاستغراق فإنما التردد فيما عدا الأقل من جهة عدم القطع بانتفاء القرائن المخصصة. انتهي.
وعبارة المصنف توهم خلافه.
واعلم أن محل الخلاف في التجرد عن القرائن فإن اقترن به ما يدل على التعميم فدلالته على الأفراد قطعية بلا خلاف نحو قوله تعالى: {والله بكل شيء عليم}، {لله ما في السماوات وما في الأرض}، {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} وإن اقترن به ما يدل على أن المحل غير قابل
(1/273)

للتعميم فهو كالمجمل يجب التوقف فيه إلى ظهور المراد منه نحو قوله تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة}.
ص: وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والبقاع وعليه الشيخ الإمام.
ش: العام في الأشخاص عام في الأحوال والأزمنة والبقاع، وحكاه المصنف عن والده، وصرح به من المتقدمين أبو المظفر السمعاني في (القواطع) وقال جماعة من المتأخرين: بل هو مطلق باعتبار الأحوال والأزمنة والبقاع، فقوله: {فاقتلوا المشركين} يتناول كل مشرك/ (61ب/د) لكن لا يعم الأحوال حتى يقبل في حال الذمة والهدنة ولا خصوص المكان، حتى يدل على المشركين في أرض الهند مثلا، ولا الزمان حتى يدل على القتل يوم الأحد مثلا.
وقد أشاع هذا الكلام القرافي وظن أنه يلزم من هذه القاعدة أنه لا يعمل بعام في هذه الأزمنة، لأنه قد عمل بها في زمن ما، والمطلق يكتفى بالعمل به في صورة، ورد ذلك الشيخ تقي الدين في (شرح العمدة) وقال: تجب المحافظة على ما تقتضيه صيغة العموم في كل ذات، فإن كان المطلق مما لا يقتضي العمل به مرة مخالفة لمقتضى صيغة العموم اكتفينا في/ (76/أ/م) العمل به مرة واحدة، وإن كان العمل به مرة واحدة مما يخالف مقتضى صيغة العموم قلنا بالعموم، محافظة على مقتضى صيغته، لا من حيث إن المطلق يعم، فإذا قال: من دخل داري فأعطه درهما، لم يجز حرمان الداخلين آخر النهار، لأنه مطلق في الزمان لما يلزم عليه من إخراج بعض الأشخاص بغير تخصيص ذكر ذلك في الكلام على حديث أبي أيوب لما قدم الشام
(1/274)

فوجد مراحيض قد بنيت قبل القبلة، وكان أبو أيوب من أهل اللسان والشرع، وقد استعمل قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تستقبلوا ولا تستدبروا)) عاما في الأماكن، وهو مطلق فيها، وعلى ما قال هؤلاء لا يلزم منه العموم، وعلى ما قلناه نعم، لأنه إذا خرج عنه بعض الأماكن خالف صيغة العموم في النهي عن الاستقبال والاستدبار.
ص: مسألة: كل، والذي، والتي، وأي، وما، ومتى، وأين، وحيثما، ونحوها للعموم حقيقة، وقيل: للخصوص، وقيل: مشتركة، وقيل: بالوقف.
ش: اختلف في أن العموم هل له صيغة تخصه حقيقة أم لا؟ على مذاهب.
(1/275)

أحدها: -وبه قال الجمهور وهو الصحيح -: نعم.
الثاني: أن هذه الصيغ موضوعة للخصوص، وهو أقل الجمع، لأنه المتيقن، واستعملت في العموم مجازا.
الثالث: أنها مشتركة بين العموم والخصوص.
الرابع: الوقف، ونقله القاضي في (مختصر التقريب) عن الأشعري ومعظم المحققين واختاره، قال: وحقيقة ذلك أنهم قالوا: سبرنا اللغة فلم نجد صيغة دالة على العموم، سواء وردت مطلقة أو مقيدة بضروب من التأكيد.
وهذه الصيغ التي ذكرها المصنف قسمان:
أحدهما: يشتمل على جميع المفهومات وهو الأربعة المذكورة أولاً، ف (كل) أقوى صيغ العموم، سواء أكانت مبتدأ بها نحو: {كل من عليها فان} أو تابعة نحو: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} وجميع ما تفرع عن الذي والتي تثنية وجمعا مثلهما نحو: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى}، {واللذان يأتيانها منكم}، {واللاتي تخافون نشوزهن}، {واللائي يئسن}.
(وأي) عامة فيما تضاف إليه من الأشخاص/ (76/ب/م) والأزمان والأمكنة والأحوال ومنه ((أيما امرأة نكحت نفسها)) وينبغي تقيدها بالاستفهامية أو الشرطية أو الموصولة لتخرج الصفة/ (62/أ/د) كمررت برجل أي رجل، والحال نحو: مررت بزيد أي رجل.
(1/276)

القسم الثاني: يختص ببعض المفهومات فمنه (ما) وهي مختصة بما لا يعقل، و (متى) للزمان، نحو: متى تقم أقم، و (أين) و (حيثما) للمكان نحو: أين تجلس أجلس قال الله تعالى: {أينما تكونوا يدركم الموت} وحيثما .... وحكي عن ابن الحاجب تقيد الزمان بالمبهم فلا تقول: متى زالت الشمس فأتني.
ص: والجمع المعرف باللام أو الإضافة للعموم ما لم يتحقق عهد خلافا لأبي هاشم مطلقا، ولإمام الحرمين إذا احتمل معهودا.
ش: ومن صيغ العموم لا بأصل الوضع بل بقرينة: الجمع المعرف باللام في الإثبات نحو قوله تعالى: {أن الله بريء من المشركين ورسوله} أو الإضافة نحو: عبيدي أحرار، ونسائي طوالق، وسواء فيه جمع السلامة والتكسير هذا قول الأكثرين، ويدل له قوله عليه الصلاة والسلام في قولنا في التشهد: ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين))، (فإنكم إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض) ووراء ذلك مذهبان:
أحدهما – وبه قال أبو هاشم – أنه لا يفيد العموم بل الجنس مطلقا أي: سواء احتمل عهد أم لا، وعزاه الماوردي لأبي حامد الإسفرايني.
الثاني – وبه قال إمام الحرمين -: أنه إذا احتمل الجنس والعهد ولم يقم
(1/277)

دليل على أحدهما، فهو مجمل محتمل لهما، وليس في عبارة المصنف إفصاح عن هذا، غاية ما دل عليه أنه لا يقول هنا بالعموم فهل يحمله على الجنس أو يتوقف؟ لم يتعرض له، والمنقول عنه ما قدمته، وأشار المصنف بقوله: ما لم (يتحقق عهد) إلى أن محل الخلاف إذا لم يكن هناك عهد، فإن كان انصرف إلى المعهود ولم يعم، وقد نقل في (المحصول) وغيره الاتفاق عليه.
تنبيهات:
الأول: كيف يجتمع العموم في المعرف باللام مع قول سيبويه وغيره: إن جمع السلامة للقلة، وهي من الثلاثة للعشرة؟ وقد حمل إمام الحرمين كلام النحاة على النكرة، وقال غيره: لا مانع أن يكون/ (77/أ/م) أصل وضعها القلة وغلب استعمالها في العموم لعرف استعمال أو شرع، فنظر النحاة إلى أصل الوضع، والأصوليون إلى غلبة الاستعمال.
ثانيها: كيف يجتمع قولهم: إن محل الخلاف حيث لا عهد، مع قولهم: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع أن السبب قرينة في انصرافه إلى العهد؟
وأجيب بأن تقدم السبب الخاص قرينة على أنه مراد، لا أن غيره ليس بمراد، فمحل السبب قطعي، وغيره ظني، إذ ليس في السبب ما ينفيه.
ثالثها: قال الشارح: خلاف أبي هاشم والإمام: إنما هو في الجمع المعرف دون المضاف وطرده المصنف فيه لعدم الفارق.
ص: والمفرد المحلى مثله خلافا للإمام مطلقا، ولإمام الحرمين والغزالي إذا لم يكن واحده بالتاء، زاد الغزالي: أو تميز بالوحدة.
ش: ومن صيغ العموم بقرينة في الإثبات المفرد المحلى باللام نحو قوله
(1/278)

تعالى: {وأحل الله البيع} / (62ب/د) {والسارق والسارقة} نص عليه الشافعي في (الرسالة) وحكاه الآمدي عن الأكثرين، ورجحه ابن الحاجب، ووراءه مذاهب.
أحدها: أنه لا يفيد العموم مطلقا، صححه الإمام ومن تبعه.
الثاني: أنه لا يفيد العموم إذا لم يتميز الواحد منه عن الجنس بالتاء نحو: {الزانية والزاني} فإن تميز واحده عن جنسه بالتاء نحو: ((لا تبيعوا التمر بالتمر إلا مثلا بمثل)) أفاد الاستغراق قاله إمام الحرمين كما حكاه عنه المصنف، ولم ينقله على وجهه فإنه قال في القسم الأول: إن لاح قصد المتكلم للجنس، دل على الاستغراق نحو: الدينار أشرف من الدرهم وإن لم يعلم الحال فهو مجمل، ونقل في القسم الثاني قولين.
الثالث – وبه قال الغزالي – أنه لا يفيد العموم في صورتين:
إحداهما: ألا يتميز واحده عن جنسه بالتاء كما تقدم عن شيخه.
الثانية: أن يتميز بالواحدة كالدينار والرجل يصح أن يقال: دينار واحد، ورجل واحد، فإن تميز واحده عن جنسه بالتاء، وخلا عنها نحو: ((لا تبيعوا التمر بالتمر إلا مثلا بمثل)) أو لم يتميز بوصفه بالوحدة نحو الذهب، لا يقال: ذهب واحد، فهو للاستغراق في الصورتين.
تنبيهات:
أحدها: ألحق المصنف الجمع المضاف بالمعرف، ولم يلحق المفرد المضاف
(1/279)

بالمعرف، وقد ذكر في (المحصول) أن المفرد المضاف للعموم ذكره في الاستدلال بقوله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} على أن الأمر للوجوب مع أنه ينكر إفادة المفرد المعرف للعموم، فالإضافة عنده أدل على العموم من اللام، ومن العجيب قول الصفي الهندي: لم ينصوا على الإضافة هنا، لكن مقتضى التسوية بين الإضافة ولام التعريف في الأولى أن يكون كذلك هنا، ورد عليه الشارح بأنه قد صرح بالتسوية جماعة.
ثانيها: فهم من قوله: (مثله) أن شرط تعميمه أن لا يتحقق عهد، فإن كان هناك عهد انصرف إليه قطعا.
ثالثها: تعبير المصنف بالمفرد أعم من تعبير ابن الحاجب باسم الجنس لشموله الاسم الذي ليس بجنس، وهو ما يتغير لفظه عند تكرر مدلوله نحو: دينار، تقول: هذان ديناران، وهذه دنانير، بخلاف النساء والإبل ونحوهما، كذا فرق بينهما ابن التلمساني ولا أثر لذلك بالنسبة إلى العموم فإنه باعتبار التحلية باللام.
رابعها: عموم المفرد الذي دخلت عليه (أل) غير عموم الجمع، فالأول يعم المفردات، والثاني يعم الجموع، لأن (أل) تعم أفراد ما دخلت عليه، وقد دخلت على جمع.
وفائدة هذا تعدد الاستدلال بالجمع على مفرد في حالة النفي أو النهي لأن العموم وارد على أفراد المجموع، والواحد ليس بجمع.
خامسها: مقتضى عموم المفرد المعرف باللام أن الحالف بالطلاق يقع عليه بالحنث جميع الطلقات والمنقول أنه لا يقع غير واحدة، وأجاب عنه ابن عبد السلام بأنها يمين فيراعى/ (63أ/د) فيها العرف لا الوضع اللغوي، وجوز السبكي جوابا آخر، وهو أن الطلاق حقيقة واحدة، وهي قطع عصمة النكاح، وليس له
(1/280)

أفراد حتى يقال: إنها تندرج في العموم ولكن مراتبه مختلفة فقد يكون رجعيا وقد يكون بائنا بينونة صغرى، وقد يكون بائنا بينونة كبرى، فإذا لم يذكر المراتب، ولا نواها لم يحمل إلا على أقل المراتب، لأن أل لا دلالة لها على قوة مرتبة ولا ضعفها،/ (78/أ/م) فلا يحمل إلا على الماهية، وليست آحاد المراتب بمنزلة آحاد العموم حتى يقال بالاستغراق. انتهى.
ص: والنكرة في سياق النفي للعموم وضعا، وقيل: لزوما، وعليه الشيخ الإمام، نصا إن بنيت على الفتح وظاهراً إن لم تبن.
ش: من صيغ العموم النكرة في سياق النفي، والمراد النكرة المعنوية ليدخل في ذلك المطلق، وليس المراد النكرة الصناعية المقابلة للمعرفة.
ودخل في هذه العبارة ما باشره النفي نحو: ما أحد قائما، وما باشر عامله نحو: ما قام أحد، وسواء أكان النافي، (ما) أو (لم) أو (لن) أو (ليس) أو غيرها، وظهر بذلك أن قول الشارح: كان الأحسن أن يقول: (في النفي) لتعم ما كانت في سياقه وما انصب النفي عليها – مردود، بل التعبير بقولنا: (في سياق النفي) شامل للنوعين، وفرق الآمدي بين ما دخل النفي عليها فجعلها للعموم، وما كانت في سياقه ولم يباشرها نحو ليس في الدار رجل فقال: إنها ليست للعموم وهو خلاف المشهور.
وهنا أمران:
أحدهما: اختلف في أن دلالتها على العموم هل هو وضعي بمعنى أن اللفظ وضع لسلب كل فرد من الأفراد بالمطابقة – أو بطريق اللزوم بمعنى أن نفي فرد
(1/281)

مبهم يقتضي نفي جميع الأفراد ضرورة؟
والأول: ظاهر كلام أصحابنا واختاره القرافي.
والثاني: محكي عن الحنفية، واختاره والد المصنف ويؤيد الأول صحة الاستثناء من هذه الصيغة بالاتفاق فدل على تناولها لكل فرد، وينبني على هذا الخلاف التخصيص بالنية، فيصح على الأول ولا يصح على الثاني، فلو نوى معينا لم يسمع.
ثانيهما: دلالة النكرة في سياق النفي على العموم قسمان:
أحدهما: نص في ذلك، وهو ما إذا بنيت لتركبها مع (لا) نحو: لا إله إلا الله.
والثاني: ظاهرة في ذلك، وهو ما إذا لم تبن مع (لا) بل أعربت نحو: لا رجل في الدار، فإنه يصح أن يقال بعده: بل رجلان، فدل على أنها ليست نصا في العموم.
قال إمام الحرمين: ولهذا نص سيبويه على جواز مخالفته فتقول: ما فيها رجل، بل رجلان، كما تعدل عن الظاهر فتقول: جاء الرجال/ (78/ب/م) إلا زيدا. انتهى.
وهذا يدل على عمومه حيث لا قرينة، فمع القرينة يخرج عن ذلك فيكون ذلك كالاستثناء نحو: جاء الرجال إلا زيدا وبذلك يرد على القرافي في قوله: (إن المعربة لا تدل على (/ (63/ب/د) العموم) ويقال: بل هي دالة على العموم ظاهرا لا نصا فيعمل فيها بذلك حتى يقوم الدليل على خلافه، وعلى هذا يحمل قول الجرجاني والزمخشري إنها في هذه الحالة ليست للعموم – أي ليست نصا في
(1/282)

ذلك، والله أعلم.
ويرد على إطلاق المصنف أن غير المبنية ظاهرة في العموم المجرورة ب (من) نحو ما جاءني من رجل فإنها معربة، وهى نص في العموم أيضا، والله أعلم.
ص: وقد يعم اللفظ عرفا كالفحوى {حرمت عليكم أمهاتكم} أو عقلا، كترتيب الحكم على الوصف، وكمفهوم المخالفة، والخلاف في أنه لا عموم له لفظي، وفي أن الفحوى بالعرف وأن المخالفة بالعقل تقدم.
ش: قد يستفاد العموم من اللغة، وهو الأكثر وقد يستفاد من العرف أو العقل فالعرف في أمرين:
أحدهما: الفحوى، والمراد به مفهوم الموافقة إذا قلنا إن دلالته لفظية، فإن الحكم إنما ثبت فيه بطريق الأولى، وسبق في المفهوم أن استفادته من العرف رأي لم يرتضه المصنف.
ثانيهما: إضافة الحكم إلى الأعيان نحو: {حرمت عليكم أمهاتكم} فإن العرف دل على أن المراد تحريم الاستمتاعات المقصودة من النساء من الوطء ومقدماته، وقيل: إن العموم فيه من باب الاقتضاء لاستحالة تحريم الأعيان فيضمر ما يصح به الكلام، ويجري فيه الخلاف في عموم المقتضى، وقد يترجح هذا بقولهم: الإضمار خير من النقل مثل قوله تعالى: {وحرم الربا}
(1/283)

وأما استفادته العموم من العقل ففي (أمرين):
أحدهما: ترتيب الحكم على الوصف فإنه يشعر بكونه علة له، وذلك يفيد العموم بالعقل، بمعنى أنه كلما وجدت العلة وجد المعلول وكلما انتفت انتفى.
ثانيهما: مفهوم المخالفة عند القائلين به، كقوله عليه الصلاة والسلام: ((في سائمة الغنم الزكاة)) فهو دال على انتفاء الوجوب في غير السائمة، كذا في (المحصول) لكن/ (79/أ/م) الذي اختاره في (المعالم) أن دليل العموم فيه العرف العام وهو أظهر ولا متابع للمحصول على أن دلالة المفهوم عقلية، ولذلك اقتصر البيضاوي على القسم الأول ثم ذكر المصنف أن المخالف في عموم المفهوم – وهو الغزالي – ليس خلافه مع الجمهور خلافا محققا بل هو لفظي، لأن الغزالي موافق للجمهور على حجية المفهوم.
ومنشأ الخلاف أن الغزالي قال: إن العام ما يستغرق في محل النطق، والجمهور قالوا: ما يستغرق في الجملة.
ثم ذكر المصنف أن الكلام في أن العرف هو الدال على عموم الفحوى، وأن العقل هو الدال على عموم مفهوم المخالفة تقدم، أي في الكلام على المفهوم، وهو صحيح في الفحوى، وأما مفهوم المخالفة فالمذكور هناك أنه هل دل باللغة والشرع أو المعنى وهو/ (64أ/د) العرف كما تقدم ولم يذكر العقل.
ص: ومعيار العموم الاستثناء.
ش: يستدل على عموم اللفظ بقبوله للاستثناء، فإنه إخراج ما لولاه
(1/284)

لوجب دخوله في المستثنى منه، فلزم أن يكون كل الأفراد واجبة الاندراج، وهذا هو معنى العموم، وأورد على هذا صحة الاستثناء من العدد, ولا عموم فيه فأجاب عنه المصنف بأنا لم نقل: كل مستثنى منه عام، بل قلنا: كل عام يقبل الاستثناء فمن أين العكس
وفي جوابه نظر، فإن معيار الشيء ما يسعه وحده، فإذا وسع غيره معه خرج عن كونه معياره، فاللفظ يقتضي اختصاص الاستثناء بالعموم، ولذلك لم يشترط ابن مالك في الاستثناء كونه من عام، بل جوزه من النكرة في الإثبات بشرط الفائدة نحو: جاءني قوم صالحون، إلا زيدا وخرج عليه الاستثناء من العدد نحو: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما}.
ص: والأصح: أن الجمع المنكر ليس بعام، وأن أقل مسمى الجمع ثلاثة لا اثنان، وأنه يصدق على الواحد مجازا، وتعميم العام بمعنى المدح والذم إذا لم يعارضه عام آخر، وثالثها: يعم مطلقا، وتعميم نحو: {لا يستوون} ولا أكلت، قيل: وإن أكلت.
ش: فيه مسائل:
الأولى: الأصح – وبه قال الجمهور -: أن الجمع المنكر لا يقتضي العموم بل يحمل على أقل الجمع على الخلاف الآتي فيه وقال أبو علي الجبائي: (بل يقتضيه كالمعرف، قال الصفي الهندي: الذي أظنه) / (79/ب/م) أن الخلاف في غير جمع القلة، وإلا فالخلاف فيه بعيد جدا، إذ هو مخالف لنصهم على أنه للعشرة فما دونها.
(1/285)

قلت: وكلام الجمهور في الحمل على أقل الجمع محمول على جموع القلة، لنصهم على أن جموع الكثرة إنما يتناول أحد عشر فما فوقها، ويخالفه قول الفقهاء: إنه يقبل تفسير الأفراد بدراهم بثلاثة، مع أن دراهم جمع كثرة، وكأنهم جروا في ذلك على العرف من غير نظر إلى الوضع اللغوي.
تنبيه: لا بد من تقيد الجمع المنكر بكونه غير مضاف إذ المضاف عام كما تقدم.
الثانية: اختلف في أقل الجمع على مذهبين:
أحدهما: أن أقله ثلاثة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، واختاره الإمام وأتباعه.
الثاني: أن أقله اثنان وبه قال مالك، واختاره الأستاذ أبو إسحاق والغزالي.
وفهم من قول المصنف: (مسمى الجمع) أن محل الخلاف في اللفظ المسمى بالجمع في اللغة لا في المفهوم من لفظ الجمع لغة، وهو ضم شيء إلى شيء، فإن ذلك ثابت للاثنين فما زاد بلا خلاف، ثم الخلاف في جمع القلة، فإن أقل جمع الكثرة أحد عشر بإجماع النحاة، لكن ذكر الرافعي في فروع الطلاق لو قال: إن تزوجت النساء أو اشتريت العبيد فامرأتي طالق لم يحنث إلا إذا تزوج ثلاث نسوة أو/ (64ب/د) اشترى ثلاثة أعبد، ومقتضى ما تقدم أن لا يحنث إلا بأحد عشر.
الثالثة: يصدق مسمى الجمع على واحد مجازا، قاله إمام الحرمين.
ويفهم منه إطلاقه على اثنين بطريق الأولى، وفهم من كونه مجازا أنه لا بد له من قرينة، ومثل ذلك بقول الزوج، وهو يرى امرأته تتصدى لناظر لها:
(1/286)

تتبرجين للرجال؟ ولم تر إلا واحدا، فإن الأنفة من ذلك يستوي فيها الجمع والواحد.
واعترض بأنه إنما أراد الجمع بظنه أنها لم تتبرج لهذا الواحد، إلا وقد تبرجت لغيره، ومثله بعضهم بقوله: {وإني مرسلة إليهم بهدية} فإن المراد واحد وهو سليمان عليه السلام/ (80/أ/م) وكذا قوله: {بم يرجع المرسلون} والرسول واحد بدليل {ارجع إليهم}.
الرابعة: اختلف في تعميم العام إذا تضمن مدحا أو ذما نحو قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة} الآية، على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه يحمل الذهب والفضة على العموم إذ لا صارف عنه ولا تنافي بين العموم والذم، وقال به الشيخ أبو حامد: إنه المذهب.
الثاني: أنه ليس بعام لأنه إنما سيق لذم الكانزين وتعلق به ذكر النقد ونسب للشافعي ولهذا منع التمسك بآية الزكاة في وجوب زكاة الحلي، لأن اللفظ لم يقع مقصودا له، ونقل عنه أنه قال: الكلام يفصل في مقصوده، ويحمل في غير مقصوده.
الثالث: أنه للعموم إلا إن عارضه عام آخر، لم يقصد به المدح أو الذم، فيترجح الذي لم يسق كذلك عليه نحو قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} مع قوله {أو ما ملكت أيمانهم} فالأولى سيقت لبيان الحكم
(1/287)

فقدمت على ما سياقها المنة بإباحة الوطء بملك اليمين، وقد رد أصحابنا بهذا على داود الظاهري احتجاجه بالثانية على إباحة الأختين بملك اليمين.
وقال الشارح: هذه مسألة متكررة مع قوله أول الباب: (وغير المقصود) فإن القاضي عبد الوهاب لما حكى الخلاف في تعميمها مثل بأنه الزكاة، ووافقه عليه الشيخ تقي الدين في (شرح الإلمام) ولهذا حكى الأصفهاني في (شرح المحصول) الخلاف الذي نقله القاضي عبد الوهاب في غير المقصود هنا، وبه يظهر العجب من المصنف في (منع الموانع) الكبير فإنه استغرب الخلاف في غير المقصودة حتى نقله عن (المسودة الأصولية) لابن تيمية. انتهى.
الخامس: نفي الاستواء كقوله تعالى: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} فيه مذهبان:
أحدهما: أنه يقتضي نفي الاستواء من كل وجه فهو عام، وهذا مذهب الشافعي، وصححه ابن برهان والآمدي وابن الحاجب.
والثاني: لا وهو مذهب الحنفية، واختاره الإمام وأتباعه ومنهم البيضاوي.
ومن فوائد/ (65أ/د) الخلاف الاستدلال/ (80/ب/م) بهذه الآية على أن الفاسق لا يلي عقد النكاح، وعدل المصنف عن التمثيل بقوله تعالى: {لا يستوي أصحاب
(1/288)

النار وأصحاب الجنة} وهي الآية التي مثل بها الأصوليون، وتمسكوا بها على أن المسلم لا يقتل بالكافر، لأن قوله: {أصحاب الجنة هم الفائزون} قرينة على إرادة الاستواء في الفوز لا مطلقا، ويمكن دعوى مثل ذلك في الآية التي مثل بها المصنف لقوله عقبها: {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} الآيتين وأيضا فيحتمل أن يراد بالفاسق الكافر فلا يدل على نفي ولاية الفاسق للنكاح، وهي المسألة الخلافية، لكن هذا لا يمنع التمثيل لأنه إن لم يدل على نفي ولاية الفاسق دل على نفي ولاية الكافر على ابنته.
السادسة: الفعل المتعدي الذي ليس مقيدا بشيء إذا وقع بعد نفي نحو:
(والله لا أكلت) هل هو عام أم لا؟ فيه مذهبان:
أصحهما أنه عام، وممن رجحه البيضاوي.
والثاني: لا، وهو مذهب الحنفية، ورجحه الإمام كالمسألة قبلها.
وفائدة الخلاف قبول التخصيص ببعض المأكولات فيقبل على الأول فلا يحنث بغيره ولا يقبل على الثاني، لأن التخصيص فرع العموم، وهذا نفي للحقيقة وهي شيء واحد ليس بعام، وكلام القاضي عبد الوهاب يدل على جريان الخلاف في الفعل القاصر أيضا وهو مخالف لكلام الإمام والغزالي والآمدي وغيرهم فلو كان في سياق الشرط نحو: إن أكلت فأنت طالق فهو كالنفي، كما ذكره ابن الحاجب وأشار المصنف إلى تضعيفه، لأن إمام الحرمين مثل النكرة في سياق الشرط بقوله: من يأتني بمال أكرمه وقال: لا يخص هذا بمال معين.
(1/289)

فقال المصنف: مراده العموم البدلي لا الشمولي، يعني فإنه لا يتوقف الجزاء على الإتيان بجميع الأموال بل يكفي واحد كما لو قال: إن رأيت رجلا فأنت طالق، يقع برؤية واحد. وإذا كان العموم في النفي بالشمول وفي الشرط للبدل لم يستو الشرط والنفي، فلذلك ضعف المصنف إلحاقه به، لكن الذي فهمه الإبياري من كلام إمام الحرمين في الشرط عموم الشمول، والله أعلم.
ص: لا المقتضى والعطف على العام، والفعل المثبت، ونحو: كان يجمع في السفر، ولا المعلق بعلة لفظا، لكن قياسا خلافا/ (81/أ/م) لزاعمي ذلك.
ش: فيه مسائل:
الأولى: الصحيح أن المقتضى لا عموم له، فإذا لم يستقم الكلام إلا بتقدير واحتمل ذلك أمورا فلا يقدر الجمع، إذ لا عموم له، وإنما يقدر واحد بدليل، فإن لا يقم دليل معين على أحدهما فهو مجمل، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) هذا ما اختاره الشيخ أبو إسحاق والغزالي وابن السمعاني والرازي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم، وحكى القاضي عبد الوهاب/ (65/ب/د) عمومه عن أكثر الشافعية والمالكية، وصححه النووي في (الروضة) في الطلاق.
وسمي مقتضيا لأنه أمر اقتضاه النص لتوقف صحته عليه، وهو بكسر الضاد: اللفظ الطالب للإضمار، وبفتحها ذلك المضمر نفسه الذي اقتضاه الكلام تصحيحا، وهو المراد هنا.
الثانية: العطف على العام لا يقتضي عموم المعطوف خلافا للحنفية حيث قالوا: إن قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يقتل مسلم بكافر)) لو كان عاما
(1/290)

للذمي لكان المقدر في قوله: ((ولا ذو عهد في عهده)) وهو بكافر عاما، ضرورة اشتراك المعطوفين وليس كذلك، إذ الكافر الذي لا يقتل المعاهد به هو الحربي لا الذمي، هذا تقدير كلام المصنف، والذي في (المحصول) و (المنهاج) وغيرهما أن عطف الخاص على العام لا يقتضي تخصيصه خلافا للحنفية، كما في (المحصول) أو بعضهم كما في (المنهاج) ومثلوه بهذا المثال، وقالوا: إن الحنفية قالوا: تقديره: ولا ذو عهد في عهده بكافر، حذف من الثاني لدلالة الأول عليه، والكافر الذي يمنع قتل المعاهد به هو الحربي فقط، فإنه يقتل بالذمي فكذلك المعطوف عليه، فيكون الكافر الذي يمتنع قتل المسلم به هو الحربي دون الذمي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه.
وعلى كلا التقديرين ما أدري ما أوجب الحنفية تقدير (بكافر) في الجملة الثانية، فإن لفظ الحديث يفيد وحده ومعناه ولا ذو عهد، ما دامت مدة عهده قائمة غير منقضية فتقدير ما لا دليل عليه غير مقبول، وبتقدير قيام دليل على تقديره فدخول التخصيص في العموم لا يخرجه عن كونه عاما، فإن الصيغة للعموم وهو باق على تناوله لبقية الأفراد، وإن خرج بعضها بدليل، وبتقدير/ (81/ب/م) خروجه بذلك عن العموم هل يزيد ذلك على ما لو كان في أصل وضعه خاصا كقوله: (لا يقتل ذو عهد في عهده بحربي) أفيلزم من اختصاص ذلك بالحربي اختصاص الجملة الأولى بالحربي؟ على أن التخصيص
(1/291)

الذي ذكروه فيما لا دليل على تقديره لم يدخل في المعطوف نفسه، وإنما دخل في بعض متعلقاته والله أعلم.
الثالثة: الفعل المثبت نحو قول الصحابي: صلى النبي عليه الصلاة والسلام في الكعبة – لا عموم له، فلا يعم الفرض والنفل، لأن الأفعال نكرات كما حكى الزجاجي إجماع النحاة عليه، والنكرة لا عموم لها في الإثبات، إلا أن تكون في معرض الامتنان نحو قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} فإنها تدل على العموم كما ذكره القاضي أبو الطيب فإن كانت في سياق النفي أو الشرط دلت على العموم كما تقدم وخالف فيما ذكرناه من أن الفعل المثبت لا عموم له قوم.
الرابعة:/ (66أ/د) نحو قول الصحابي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الصلاتين في السفر، مثل الذي قبله في أنه فعل مثبت لكن فيه زيادة (كان) وقد اختلف في دلالتها على التكرار على ثلاثة مذاهب، صحح ابن الحاجب أنها تقتضيه، قال: ولهذا استفدناه من قولهم: كان حاتم يقري الضيف، وصحح في (المحصول) أنها لا تقتضيه عرفا ولا لغة.
وقال عبد الجبار: تقتضيه في العرف لا في اللغة، فإنه لا يقال في العرف: كان فلان يتهجد – إذا تهجد مرة.
وكلام الشيخ تقي الدين في (شرح العمدة) يميل إليه.
فإن قلنا: لا دلالة لها على التكرار استوت مع التي قبلها، وإن قلنا
(1/292)

بدلالتها على التكرار كان هذا المثال أولى بالعموم من الذي قبله، وقد ظهر بذلك أنه ليس مثالا له كما توهم بعضهم.
الخامسة: الصحيح أن الحكم المعلق بعلة كما لو قيل: حرمت الخمر لكونها مسكرة لا يعم جميع صور المسكر من جهة اللفظ، وإنما يعمها من جهة الشرع قياسا وقيل: يعمها من جهة اللفظ فيكون ذلك لغة، وقيل: لا يعم أصلا، وهو المحكي عن القاضي أبي بكر.
وقول المصنف: خلافا لزاعمي ذلك يرجع إلى المسائل الخمس التي أولها المقتضى.
ص: وأن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم، وأن نحو: {يا أيها النبي} لا يتناول الأمة إلا بدليل ونحو: {يا أيها الناس} / (82/أ/م) يشمل الرسول عليه الصلاة والسلام وإن اقترن بقل، وثالثها: التفصيل، وأنه يعم العبد والكافر ويتناول الموجودين دون من بعدهم.
ش: فيه مسائل.
الأولى: قال الشافعي رضي الله عنه: ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، مثاله قوله عليه الصلاة والسلام لغيلان لما أسلم على عشر نسوة: ((أمسك أربعا وفارق سائرهن)) ولم يسأله: هل ورد العقد عليهن معا أو مرتبا؟ فدل على عدم الفرق على خلاف قول الحنفية:
(1/293)

إن العقد إذا ورد مرتبا تعينت الأربع الأوائل.
قال في (المحصول): وفيه نظر، لاحتمال أنه عليه الصلاة والسلام أجاب بعد معرفة الحال. وأصل هذا قول إمام الحرمين: إنه يعم، إذا لم يعلم عليه الصلاة والسلام تفاصيل الواقعة، فإن علم لم يعم، وهو كالتقييد لكلام الشافعي، ومقابل الأصح المقدر في كلام المصنف أنه مجمل فيبقى على الوقف.
وعن الشافعي عبارة أخرى قد تعارض هذه العبارة، وهي قول: (حكايات الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال) فأثبت بعضهم للشافعي في ذلك قولين، وجمع القرافي بينهما بحمل الأولى على ما إذا كان الاحتمال في محل الحكم، والثانية على ما إذا كان في دليله، ولا حاصل لهذا الجمع، والحق حمل الأولى على ما إذا كان هناك قول يحال عليه العموم، والثانية على ما إذا لم يكن قول، وإنما هو (66ب/د) فعل فإن الفعل لا عموم له، وكان شيخنا الإمام البلقيني يعتمد ذلك في الجمع بين العبارتين، والله أعلم.
الثانية: الخطاب المختص بالنبي نحو: {يا أيها النبي} {يا أيها الرسول} لا تدخل الأمة تحته، كما لا يدخل الرسول في الخطاب المختص بالأمة إجماعا، إلا بدليل خارجي من قياس أو غيره. وقيل بدخولهم هنا، وحكي عن أبي حنيفة وأحمد واختاره إمام الحرمين.
الثالثة: الخطاب المتناول للرسول والأمة كقوله: {يا أيها الناس} فيه مذاهب:
الأصح وبه قال الأكثرون: أنه يتناوله.
(1/294)

والثاني: لا، لما له من الخصائص.
والثالث: التفصيل بين أن يقترن ب (قل) فلا يشمله، لأن الأمر بالتبيلغ قرينة عدم شموله، وإلا تناوله ونقل عن/ (82/ب/م) الصيرفي وزيفه إمام الحرمين وغيره.
الرابعة: الخطاب ب {يا أيها الناس} ونحوه، يتناول العبد كما حكاه ابن برهان عن معظم الأصحاب، وقيل: لا يتناوله إلا بدليل.
الخامسة: ويتناول الكافر أيضا على الصحيح، ولعل تقابله مبني على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع.
السادسة: الخطاب ب {يا أيها الناس} و {يا أيها الذين آمنوا} يختص بالموجودين حالة الخطاب، ولا يتناول من بعدهم إلا بدليل منفصل، من قياس أو غيره، وقال الحنابلة: بل هو عام، والخلاف لفظي للاتفاق على عمومه، ولكن هل هو بالصيغة أو الشرع قياسا أو غيره.
ص: وأن (من) الشرطية تتناول الإناث، وأن جمع المذكر السالم، لا يدخل فيه النساء ظاهرا، وأن خطاب الواحد لا يتعداه، وقيل: يعم عادة، وأن خطاب القرآن والحديث ب (يا أهل الكتاب) لا يشمل الأمة، وأن المخاطب داخل في عموم خطابه إن كان خبرا لا أمرا، وأن نحو: {خذ من أموالهم صدقة} يقتضي الأخذ من كل نوع وتوقف الآمدي.
ش: فيه مسائل:
(1/295)

الأولى: الصحيح أن (من) الشرطية تتناول الإناث بدليل قوله تعالى: {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى} فالتفسير بالذكر والأنثى دال على تناول القسمين، وقوله تعالى: {ومن يقنت منكن لله ورسوله} وقيل: يختص بالمذكر كقولهم في الاستفهام منة ومنتان حكاه ابن الحاجب وغيره، وحكاه ابن الدهان النحوي عن الشافعي وهو غريب وإنما حكي عن بعض الحنفية وأنهم تمسكوا به في مسألة المرتدة، فجعلوا قوله عليه الصلاة والسلام: ((من بدل دينه فاقتلوه)) لا يتناولها.
تنبيه:
التقييد بالشرطية ذكره إمام الحرمين وهي تخرج الموصولة والاستفهامية، وقال الصفي الهندي: الظاهر أنه لا فرق، والخلاف جار في الجميع، واعتذر بعضهم عن الإمام بأنه إنما خص الشرطية لأنه لم يذكر الاستفهامية والموصولة في صيغ العموم/ (67/أ/د) والحق أن الاستفهامية من صيغ العموم دون الموصولة نحو: مررت بمن قام، فلا عموم لها.
الثانية: جمع المذكر السالم نحو: مسلمين، هل يتناول الإناث؟ فيه مذاهب:
أحدها: وبه قال الجمهور: لا، إلا بدليل منفصل، وإلى ذلك أشار
(1/296)

بقوله: ظاهرا.
الثاني: يتناول الإناث ظاهرا ولا يخرجن عنه إلا بدليل حكاه الشارح عن الحنفية.
والذي في كلام الآمدي وابن الحاجب وغيرهما حكايته عن الحنابلة وصححه من أصحابنا/ (83/ 1/م) الماوردي والروياني.
الثالث: وبه قال إمام الحرمين دخولهن بالتغليب لا بأصل الوضع، وقيد المصنف جمع المذكر بالسالم فيخرج عنه جمع التكسير وفي بعض نسخه وكذا المكسر وضميرهما.
قال الشارح: وهو استدراك على تصويرهم المسألة بالجمع السالم فإن المكسر كذلك.
قال: ولم أر لهم تصريحا بذلك بل رأيت في بعض المسودات أن جمع التكسير لا خلاف في عدم الدخول فيه، ويشهد له أنه لو وقف على بني زيد فإنه لا يدخل فيه البنات. نعم، إن دلت قرينة على الدخول دخلن على الأصح كما لو وقف على بني تميم أو هاشم فإن القصد الجهة انتهى.
الثالثة: الخطاب الخاص لغة بواحد من الأمة لا يتعداه إلى غيره، إلا بدليل منفصل، قاله الجمهور، وقيل: يعم بنفسه من جهة العادة، لا من جهة اللغة.
وقال إمام الحرمين: الخلاف لفظي، وقال غيره: معنوي.
(1/297)

الرابعة: الخطاب الوارد في القرآن أو الحديث على أهل الكتاب كقوله تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} لا يشمل غيره من الأمة، لأن اللفظ قاصر عليهم، كذا جزم به المصنف لكن في (المسودة) الأصولية للشيخ مجد الدين ابن تيمية أنه يشملهم إن شركوهم في المعنى وإلا فلا.
قلت: نفي المصنف الشمول من حيث اللفظ وإثبات ابن تيمية له اعتبار القياس ولهذا قيده بأن يشركوهم في المعنى ثم قال ابن تيمية: والشمول هنا هل هو بطريق العادة العرفية أو للاعتبار العقلي؟ فيه خلاف.
قال: وعلى هذا ينبني استدلال الأئمة على حكمنا بمثل قوله: {أتأمرون الناس بالبر} الآية، فإن هذه الضمائر لبني إسرائيل قال: وهذا كله في الخطاب على لسان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أما خطابه لهم على ألسنة أنبيائهم فهي مسألة شرع من قبلنا .... انتهي.
أما عكسه وهو الخطاب للمؤمنين هل يشمل أهل الكتاب ففي (الاصطلام) لابن السمعاني عن بعض الحنفية نفيه، ثم اختار إثباته وقوله: {يا أيها الذين آمنوا} خطاب تشريف لا تخصيص وذلك راجع إلى أن الكفار هل هم مخاطبون بالفروع؟
الخامسة: في دخول المخاطب بكسر الطاء في خطابه؟ / (83/ب/م) ثلاثة مذاهب:
الدخول مطلقا، عزاه في (المحصول) للأكثرين، وعليه مشى المصنف في الأوامر حيث قال: (وأن الآمر بلفظ يتناوله داخل فيه).
وعدمه مطلقا.
(1/298)

والتفصيل بين/ (67ب/د) الخبر فيدخل فيه، والأمر فلا يدخل فيه، وعليه مشى المصنف هنا، وهو اختيار أبي الخطاب الحنبلي، وفرق بينهما بأن الأمر استدعاء الفعل على جهة الاستعلاء فلو دخل المتكلم تحت ما يأمر به غيره لكان مستدعيا من نفسه، ومستعليا، وهو محال، وهذا احتمال في المحصول.
قال الشارح: والحق إنه إن كان الكلام في شموله وضعا فليس كذلك سواء كان أمرا أو خبرا، وإن كان المراد حكما فمسلم إذا دل عليه دليل أو كان اللفظ (شاملا) كألفاظ العموم نحو: ((من أحيا أرضا ميتة فهي له)) بخلاف مثل قوله: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)) و ((لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول)) فلا يدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم ومن حكى فيه خلافا فقد شذ. انتهى.
السادسة: إذا كان المأمور به اسم جنس مجموعا مجرورا بمن نحو قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} فقال الجمهور: إنه يقتضي الأخذ من
(1/299)

كل نوع من الأموال، ونص عليه الشافعي في (الرسالة) والبويطي ووجهه أن الجمع المضاف للعموم، فقال الكرخي: يكفي أخذ صدقة واحدة من جملة الأموال لدلالة من على التبعيض، واختاره ابن الحاجب مع اعترافه بأن الأكثرين على خلافه، وتوقف الآمدي فقال: هي محتملة ومأخذ الكرخي دقيق.
قلت: وينبني على ذلك ما وقع في الفتاوى فيما لو شرط على المدرس أن يلقي كل يوم ما تيسر من علوم ثلاثة وهي التفسير والأصول والفقه هل يجب أن يلقي من كل واحد منها أم يكفي من واحد منها.

التخصيص
ص: التخصيص قصر العام على بعض أفراده والقابل له حكم ثبت لمتعدد.
ش: عرف التخصيص بأنه قصر العام على بعض أفراده، ولم يقل: (اللفظ) ليتناول ما عمومه عرفي أو عقلي كالمفهوم فإنه يدخله التخصيص/ (84/أ/م) مع أنه ليس بلفظ، وإنما لم يقل بدليل، لأن القصر لا يكون إلا بدليل، وعدل عن تعبير ابن الحاجب (بمسمياته) إلى (أفراده) فإن مسمى العام واحد، وهو كل الأفراد لكن كان ينبغي التقييد بالغالبة ليخرج النادرة وغير المقصودة،
(1/300)

فإن القصر على أحدهما ليس بتخصيص خلافا للحنفية، كتأويلهم، ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)) بحمله على المكاتبة أو المملوكة لندرة هذا، وظهور قصد العموم فيه.
وقد يتوهم من تعبيره هنا (بالقصر) وفي الاستثناء بالإخراج المنافاة بينهما، وليس كذلك بل القصر أعم منه، فإن الإخراج يستدعي (68أ/د) سبق الدخول أو تقديره، والقصر قد يكون كذلك، وقد يكون مانعا للدخول بالكلية، وحاصله أن الإخراج يصير العام مخصوصا، والقصر غير الإخراج مراده به الخصوص.
ثم بين المصنف رحمه الله أن الذي يقبل التخصيص هو الحكم الثابت لمتعدد إما من جهة اللفظ كقوله: {فاقتلوا المشركين} أو المعنى كالمفهوم وتخصيص العلة عند من جوزه، فلا يدخل التخصيص الأفعال المثبتة فإنه لا عموم لها والتخصيص فرع العموم، ولا الواحد لكن قال القرافي: الواحد قد يكون بالشخص وإخراج بعض أجزائه صحيح، كقولك: رأيت زيدا، وتريد بعضه.
ولا منافاة بين قوله هنا: (لمتعدد) وبين تعريف العام باستغراق الصالح له من غير حصر، فإن التعدد لا ينافي عدم الحصر، فإن كان غير منحصر متعدد، وليس كل متعدد غير منحصر.
وقد أورد على هذا الكلام أمران:
أحدهما: أسماء الأعداد، فإنها لمتعدد، ولا تقبل التخصيص, وإلا لزم عمومها, فيبطل قولكم في تعريف العام: من غير حصر.
ثانيهما: الجمع المنكر, فإنه ثبت لمتعدد, ولا يقبل التخصيص, فإنه ليس بعام.
وأجاب المصنف عن الأول بأن مدلول أسماء العدد واحد لا متعدد، فإن
(1/301)

المتعدد في المعدود لا في اسم العدد.
وعن الثاني بمنع كونه لا يقبل التخصيص، وقولكم: (لعدم عمومه).
جوابه أنه صالح للعموم بقرينة لفظية أو معنوية، ولا يلزم من قوله: (للتخصيص) وقوع التخصيص فيه حال تنكيره وتجرده عن قرائن العموم كالإنسان/ (84/ب/م) قابل للثبوت على الراحلة ولا يلزم خروج المعضوب عن حد الإنسان.
ص: والحق جوازه إلى واحد إن لم يكن لفظ العام جمعا، وإلى أقل الجمع إن كان، وقيل: مطلقا وشذ المنع مطلقا، وقيل بالمنع، إلا أن يبقى غير محصور وقيل: إلا أن يبقى قريب من مدلوله.
ش: اختلف في الغاية التي يجوز انتهاء التخصيص إليها على مذاهب:
أحدها: وبه قال القفال الشاشي، وقال المصنف: إنه الحق – إنه إن كان لفظ العام جمعا كالمسلمين جاز التخصيص حتى لا يبقى إلا أقل الجمع، وهو ثلاثة على الأصح، واثنان عند قوم وإن لم يكن جمعا نحو (من) ونحوها جاز حتى لا يبقى بعد الإخراج إلا واحد فقط.
قال المصنف: وما أظن القفال يقول به في كل تخصيص، ولا يخالف في صحة استثناء الأكثر إلى الواحد, بل الظاهر أن قوله مقصوراً على ما عداً الاستثناء من التخصيصات بدليل احتجاج بعض أصحابنا عليه بقول القائل: له علي عشرة إلا تسعة/ (68ب/د).
قلت: الكلام في تخصيص العموم، وليس هذا المثال من العموم في شيء، والله أعلم.
(1/302)

الثاني: أنه يجوز في جميع صيغ العموم إلى واحد وبه قال الشيخ أبو إسحاق واستدل بقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} والقائل نعيم بن مسعود الأشجعي.
الثالث: أنه يمتنع إلى واحد مطلقا، فغاية جوازه إلى أن يبقى أقل الجمع، حكاه ابن برهان، وذكر المصنف أنه شاذ.
والرابع: أنه لا بد من بقاء جمع غير محصور، وصححه الإمام فخر الدين، والبيضاوي وغيرهما.
الخامس: أنه لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام قبل التخصص وحكاه الآمدي وابن الحاجب كذا غاير المصنف بين هذا المذهب، والذي قبله، والظاهر أنهما واحد، والمراد بقربه من مدلول العام أن يكون غير محصور، فإن العام هو المستغرق لما يصلح له من غير حصر.
ص: والعام المخصوص عمومه مراد تناولا لا حكما، والمراد به الخصوص ليس مراد بل كلي استعمل في جزئي، ومن ثم كان مجازا قطعا، والأول الأشبه حقيقة وفاقا للشيخ الإمام والفقهاء، وقال الرازي: إن كان الباقي غير منحصر وقوم: إن/ (85/ب/م) خص بما لا يستقل إمام الحرمين حقيقة ومجاز باعتبارين تناوله والاقتصار عليه والأكثر مجاز مطلقا، وقيل: إن استثني منه، وقيل: إن خص بغير لفظ.
(1/303)

ش: لم يتعرض المتقدمون للفرق بين العام المخصوص، والعام الذي أريد به الخصوص، وهو مهم، وهذا الفرق المذكور هنا اعتمده والد المصنف، وتقريره: أن العام المخصوص أريد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لها، لا من جهة الحكم، والذي أريد به الخصوص لم يرد شموله لجميع الأفراد لا من جهة التناول ولا من جهة الحكم، بل هو كلي استعمل في جزئي، ولهذا كان مجازا قطعا، لنقل اللفظ عن موضوعه الأصلي، بخلاف العام المخصوص فإن فيه خلافا، سنحكيه، وكان شيخنا الإمام البلقيني يقول: إن الفرق بينهما من أوجه:
أحدها: أن قرينة العام المخصوص لفظية، وقرينة الذي أريد به الخصوص عقلية.
الثاني: أن قرينة المخصوص قد تنفك عنه، وقرينة الذي أريد به الخصوص لا تنفك عنه.
ثم حكى المصنف الخلاف في أن العام المخصوص حقيقة في الباقي أم لا وفيه مذاهب.
أحدها: وهو الذي رجحه المصنف وعزاه للشيخ الإمام والده، وللفقهاء: أنه حقيقة، وقال الشيخ أبو حامد: إنه مذهب الشافعي وأصحابه، ونقله إمام الحرمين عن جمهور الفقهاء وحكاه البيضاوي عن بعض الفقهاء.
الثاني - وبه قال/ (69أ/د) أبو بكر الرازي-: أنه حقيقة إن كان الباقي بعد الإخراج غير منحصر، أي في كثرة يعسر العلم بعدده وإلا فمجاز.
الثالث: إنه إن خص ما لا يستقل بنفسه من شرط أو صفة أو استثناء أو غاية فهو حقيقة، أو بمستقل من سمع أو عقل فمجاز، حكاه في الأصل عن
(1/304)

قوم، وهو قول أبي الحسين وغيره. واختاره الإمام فخر الدين.
الرابع وبه قال إمام الحرمين: أنه حقيقة في تناول ما بقي، مجاز في الاقتصار عليه، ففي عبارة المصنف لف ونشر.
الخامس: أنه مجاز مطلقا، نقله الإمام عن الأكثرين، واختاره ابن الحاجب/ (85/ب/م) والبيضاوي والصفي الهندي.
السادس: أنه مجاز إن خص باستثناء، حقيقة إن خص بشرط أو صفة.
السابع: أنه مجاز إن خص بغير لفظ، حقيقة إن خص بدليل لفظي سواء أكان متصلا أو منفصلا.
ص: والمخصص قال الأكثر: حجة، وقيل: إن خص بمعين: وقيل: بمنفصل، وقيل: إن أنبأ عنه العموم، وقيل: في أقل الجمع، وقيل: غير حجة مطلقا.
ش: العام المخصص – بفتح الصاد – أي الذي دخله التخصيص هل يبقى حجة في الباقي بعد التخصيص أم لا؟ فيه مذاهب:
أحدها: نعم، سواء خص بمعين، ك (اقتلوا المشركين إلا زيدا) أو بمبهم ك (إلا بعضهم) وتبع المصنف في عزوه للأكثرين ابن برهان، لكن الآمدي نقل الاتفاق على أن المخصص بمبهم ليس حجة، وهو واضح.
الثاني: أنه حجة إن خص بمعين، فإن خص بمبهم فلا لإجماله وبهذا قال الأكثرون.
الثالث: أنه حجة إن خص بمنفصل، وإلا فلا، كذا يقتضيه كلام المصنف وهو معكوس، وصوابه حجة إن خص بمتصل كالشرط والاستثناء وإلا فلا، وبهذا قال الكرخي، فإذا أردنا تصحيح كلام المصنف جعلنا تقديره:
(1/305)

إنه ليس حجة إن خص بمنفصل وإلا فحجة ويبقى غير مطابق للتعبير عن القولين اللذين قبله وبعده.
الرابع: أنه حجة إن أنبأ عنه العموم كقوله: (اقتلوا المشركين) فإنه ينبئ عن الحربي، فإذا خرج عنه الذمي بقي حجة في الحربي بخلاف آية السرقة فإن عمومها لا ينبئ عن كون المسروق نصابا ولا في حرز، فإذا خرجت حالة انتفائهما لم يكن حجة في حالة وجودهما.
الخامس: أنه حجة في أقل الجمع دون ما زاد عليه.
السادس: أنه ليس حجة مطلقا، وحكي عن عيسى بن أبان وأبي ثور ومعناه أنه يصير مجملا ويكون كما لو خص بمبهم، فلا يستدل به في البقية إلا بدليل، قاله الشيخ أبو إسحاق وغيره.
فائدة:/ (69ب/د) لك أن تقول في هذه المسألة: هي التي قبلها إلا أنه عبر هناك بأنه حقيقة أم لا، وهنا بأنه حجة أم لا، ولا فرق بينهما.
وجوابه: أن هذه مرتبة على تلك، والخلاف هنا مفرع على القول هناك بأنه مجاز، فأما إذا قلنا: إنه حقيقة فهو حجة قطعا، وكان ينبغي/ (86/أ/م) الإفصاح عن ذلك لدفع الإبهام.
ص: ويتمسك بالعام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البحث عن المخصص، وكذلك بعد الوفاة خلافا لابن سريج، وثالثها: إن ضاق الوقت ثم يكفي في البحث الظن خلافا للقاضي.
ش: هل يتمسك بالعام – أي يعمل به في جميع أفراده – قبل البحث
(1/306)

عنه هل دخله تخصيص أم لا؟ أما في حياته عليه الصلاة والسلام فنعم، بلا خلاف كما صرح به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني. وأما بعده فكذلك على الراجح عند صاحب (الحاصل) والبيضاوي ومال إليه الإمام فإنه رد دليل مقابله، وقال ابن سريج: يجب التوقف فيه حتى يبحث عن ذلك، فإن وجد له مخصصا وإلا عمل بالعموم وحكاه الشيخ أبو حامد والشيخ أبو إسحاق وغيرهما عن عامة أصحابنا.
ومنهم من فرق بين أن يضيق الوقت فلا يجب البحث، أو يتسع فيجب، زاد المصنف حكايته ولم يتعرض لذكره الشارح، وقد تابع المصنف الإمام وغيره في حكاية الخلاف في ذلك.
وحكى الغزالي والآمدي، وابن الحاجب وغيرهم الإجماع على أنه لا يجوز العمل بالعام قبل البحث عن المخصص، وجعلوا الخلاف في اعتقاد العموم في العام بعد وروده وقبل وقت العمل به، ولكن الحق ما ذكره الإمام وقد سبقه إليه أبو إسحاق والأستاذ والشيخ، وإذا قلنا بوجوب البحث فقال الجمهور: يكفي فيه أن يغلب على الظن عدمه، وقال القاضي أبو بكر وطائفة: لا بد من القطع بذلك، وحكى الغزالي قولا ثالثا متوسطا: أن الشرط أن يعتقد عدمه اعتقادا جازما من غير قطع.
ص: والمخصص قسمان: الأول المتصل، وهو خمسة: الاستثناء وهو الإخراج بإلا أو إحدى أخواتها من متكلم واحد، وقيل: مطلقا.
ش: المخصص حقيقة إرادة المتكلم ويطلق على الدال عليها مجازا وهو المراد هنا، وهو منقسم إلى متصل وهو ما لا يستقل بنفسه، ومنفصل وهو ما استقل، فالأول خمسة أشياء:
(1/307)

أحدها: الاستثناء وهو الإخراج بإلا أو إحدى أخواتها، مثل (خلا) و (عدا) و (حاشا) وخص (إلا) بالذكر لأنها أصل أدوات الاستثناء وعبر بأو لأن / (70أ/د) الإخراج بأحدها لا بها جميعا، ولم يقيد إلا بغير الصفة كما فعل البيضاوي احترازا عن مثل قوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} لأن المتبادر إلى الفهم من (إلا) الاستثناء فاستغني بذلك مع تقدم ذكر الإخراج كذا اعتذر به ابن مالك في (شرح الكافية) وهو صريح في أن (إلا) التي للصفة لا إخراج فيها.
وخرج بقوله: (من متكلم واحد) ما لو قال الله تعالى: {فاقتلوا المشركين} فقال النبي صلى الله عليه وسلم على الاتصال إلا أهل الذمة، فلا يكون استثناء بل هو من المخصصات المنفصلة، كذا رجحه الصفي الهندي وقال القاضي أبو بكر في (التقريب): إنه الصحيح، لكنه بناه على رأيه أن شرط الكلام صدوره من ناطق واحد، وقد ضعفه ابن مالك، وقال بعضهم في المثال المتقدم: بل هو استثناء متصل، وجعلوا صدوره من النبي صلى الله عليه وسلم كالمصرح به في كلام الله تعالى.
ص: ويجب اتصاله عادة. وعن ابن عباس إلى شهر. وقيل: سنة وقيل: أبدا، وعن سعيد بن جبير إلى أربعة أشهر، وعن عطاء والحسن في المجلس، ومجاهد: سنتين، وقيل: ما لم يأخذ في كلام آخر، وقيل: بشرط أن ينوى في الكلام، وقيل: في
(1/308)

كلام الله فقط.
ش: يشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه، لأنهما في حكم جملة واحدة، ولولا ذلك لما استقر عتق ولا طلاق ولا حنث لجواز الاستثناء بعده، والمراد الاتصال العادي، فلا يضر طول الكلام المستثنى منه، ولا فصل المستثنى من المستثنى عنه، بتنفس أو سعال وحكي الخلاف في ذلك عن ابن عباس، ولم يثبته الأكثرون بل أولوه، ثم قيل عنه: يجوز إلى شهر وقيل: إلى سنة، وقيل: أبدا.
وحكي عن سعيد بن جبير جواز تأخيره أربعة أشهر، وعن عطاء بن أبي رباح والحسن البصري: يمتد ما دام المجلس موجودا.
وعن مجاهد: يجوز إلى سنتين، وقيل: يجوز تأخيره ما لم يأخذ في كلام
(1/309)

آخر. وهذه مذاهب شاذة.
وقوله: (وقيل: يشترط أن ينوي في الكلام) هذا متفق عليه عند الذاهبين إلى اشتراط اتصاله، فلو لم تعرض له نية الاستثناء إلا بعد فراغ المستثنى منه، لم يعتد به، ثم قيل: يعتبر وجود النية في أول الكلام وقيل: يكتفى بوجودها قبل فراغه، وهذا هو الصحيح وتعبير المصنف عنه ب (قيل) لا يدل على تمريضه وإنما يكون دالا على ذلك/ (87/أ/م) إذا أتى به في مقابلة ذكر مذهب مختار كذا قاله/ (70ب/د) الشارح، وفيه نظر، فالاصطلاح أن لا يغتر بذلك إلا في قول ضعيف أو متوقف في ثبوته، والظاهر أن المصنف إنما ذكر ذلك تفريعا على مذهب من لا يشترط الاتصال، فمنهم من أخذه على إطلاقه ومنهم من قيده بأن ينوي ذلك في أثناء الكلام فيغتفر عنده الفصل الطويل في اللفظ إذا اقترنت نيته بأول الكلام وعلى هذا نزل القاضي مذهب ابن عباس فقال: لعل مراده – إن صح النقل عنه – ما إذا نوى الاستثناء متصلا بالكلام ثم أظهر نيته بعده، فإنه يدين وذهب بعضهم إلى جواز الاستثناء المنفصل في كلام الله تعالى فقط، وحمل بعضهم مذهب ابن عباس عليه، وأنه جوز ذلك في استثناءات القرآن فقط، وفي الفروع المرتبة على أنه لا يضر طول الفصل أنه لو قال: له علي ألف أستغفر الله إلا مائة – صح كما في زيادة (الروضة عن العدة) للطبري و (البيان) لكن قال: إن فيه نظراً، والله أعلم.
ص: أما المنقطع فثالثها متواطئ والرابع مشترك والخامس الوقف.
(1/310)

ش: الاستثناء المنقطع وهو ما كان من غير الجنس أي لم يدخل المستثنى في المستثنى منه، كقولك: جاء الناس إلا حمارا، فيه مذاهب.
أصحها: أنه مجاز.
والثاني: أنه حقيقة وعلى هذا مذهبان.
أحدهما: أن إطلاقه عليه وعلى المتصل من باب المتواطئ أي أن حقيقتهما واحدة، والاشتراك بينهما معنوي.
ثانيهما: أنه من الاشتراك اللفظي، أي أنه موضوع لكل منهما على انفراده فإنه ليس بينهما قدر مشترك فإن المتصل إخراج بخلاف المنفصل، وإذا كان التواطؤ والاشتراك فرعين على الحقيقة لم يحصل من ذلك إلا ثلاثة مذاهب، فجعل المصنف لها أربعة مردود، فالمذهب الأخير وهو الوقف ليس خامسا، وإنما هو رابع، وهو من زيادته على (المختصر) ولم يذكره المصنف في شرحه.
قلت: ويحتمل أن يكون خامسا، ويكون المذهب الثاني إنكار إطلاق لفظ الاستثناء على المنقطع لا بالحقيقة ولا المجاز، وهذا إن صح غريب والله أعلم.
ص: والأصح وفاقا لابن الحاجب: أن المراد بعشرة في قولك: عشرة إلا ثلاثة العشرة باعتبار الأفراد ثم أخرجت ثلاثة/ (87/ب/م) ثم أسند إلى الباقي تقديرا وإن كان قبله ذكرا. وقال الأكثر: المراد سبعة وإلا قرينة وقال القاضي: عشرة إلا ثلاثة بإزاء اسمين مفرد ومركب.
ش: أصل الخلاف في هذه المسألة ناشئ عن استشكال الاستثناء فإن
(1/311)

المستثنى إن دخل في المستثنى منه تناقض الكلام لأنك أثبته ثم نفيته/ (71أ/د) وإن لم يدخل فكيف صح إخراجه وقد أجمع أهل العربية على أن الاستثناء إخراج؟ فاختلف في تقديره على أقوال:
أحدها – وهو الذي صححه ابن الحاجب والمصنف-: أنه أريد جميع أفراد المستثنى منه, ولكن لم يحكم بالإسناد إلا بعد إخراج المستثنى، فإذا قلت: له علي عشرة إلا ثلاثة، فالمراد أولا العشرة، باعتبار الأفراد ولكن لا يحكم بإسناد الخبر، وهو (له) إلى المبتدأ وهو (عشرة) إلا بعد إخراج الثلاثة منه فأسند لفظا إلى عشرة، ومعنى إلى سبعة، ولم يقع الإسناد إلى بعد الإخراج فلم يسند إلا إلى سبعة، وليس الاستثناء مبينا للمراد بالأول بل به يحصل الإخراج.
قال ابن الحاجب: ففي هذا توفية بإجماع النحاة أن الاستثناء إخراج، ولا يؤدي إلى التناقض لأنك لم تنسب إلا بعد إخراج المستثنى.
الثاني – وبه قال الأكثرون -: أن المراد بعشرة في المثال المذكور سبعة وأداة الاستثناء نحو (إلا) قرينة على إطلاق اسم الكل وإرادة البعض مجازا، فالاستثناء موضع لمراد المتكلم.
الثالث – وبه قال القاضي أبو بكر: أن المستثنى والمستثنى منه جميعا وضعا لمعنى واحد وهو المفهوم منه آخرا فللسبعة اسمان مفرد وهو سبعة ومركب وهو عشرة إلا ثلاثة، فاحترز بهذا عما أورد من التناقض لكن بقي عليه مخالفة النحاة في أن الاستثناء إخراج، ولا إخراج على ما قرره وتظهر فائدة هذا الخلاف فيما لو قال: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، ووقع الاستثناء بعد موتها فإن قلنا: ليس ببيان طلقت ثلاثا وإلا فثنتان.
ص: ولا يجوز المستغرق خلافا لشذوذ وقيل لا الأكثر وقيل: ولا المساوي، وقيل: إن كان العدد صريحا.
(1/312)

ش: الاستثناء المستغرق نحو: (له علي عشرة إلا عشرة) باطل بالإجماع، كما حكاه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما، لكن في (المدخل) لابن طلحة في: (أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا) قولان/ (88/أ/م) في اللزوم وعدم اللزوم يقتضي صحة الاستثناء المستغرق وهو الشذوذ الذي أشار إليه المصنف، وأغرب منه ما نقله الشيخ أبو حيان عن الفراء أنه يجوز أن يكون أكثر نحو: (له علي ألف إلا ألفين) لكن قال: إنه منقطع وقريب منه ما حكاه المحاملي في (التجريد) في قوله: (له علي ألف إلا ثوبا) وفسر الثوب بما قيمته ألف، أن فيه وجهين، ومحل الإجماع إن صح إذا اقتصر عليه فلو عقبه باستثناء آخر فالخلاف فيه مشهور، نحو: (له علي عشرة إلا عشرة إلا ثلاثة) فقيل: يلزمه عشرة لبطلان الأول لاستغراقه، والثاني لترتبه عليه، وقيل: ثلاثة ومحل بطلان المستغرق عند الاقتصار عليه، فإن عقبه بما يصححه صح، وقيل سبعة ويحصل/ (71ب/د) الاستثناء الثاني عائدا للأصل لبطلان الأول لاستغراقه.
ثم قال الجمهور: يصح استثناء المساوي نحو: (له علي خمسة إلا خمسة) والأكثر نحو: (له علي عشرة إلا تسعة) وقيل: يمتنع استثناء الأكثر، وحكاه البيضاوي عن الحنابلة وقيل: يمتنع المساوي أيضا وحكاه الشيخ أبو إسحاق
(1/313)

والآمدي وابن الحاجب عن الحنابلة, وحكاه الشيخ أبو حيان عن نحاة البصرة وبه قال القاضي أبو بكر، وقال قوم: إن كان العدد صريحا لم يجز استثناء الأكثر نحو: (عشرة إلا تسعة) وإلا جاز مثل: خذ هذه الدراهم إلا ما في الكيس الفلاني، وكان ما فيه أكثر من الباقي كذا قرره الشارح، ومقتضى عبارة المصنف أنه يمتنع استثناء المساوي أيضا فيما إذا كان العدد صريحا، والله أعلم.
ص: وقيل: لا يستثنى من العدد عقد صحيح، وقيل: مطلقا.
ش: في الاستثناء من العدد مذاهب:
المشهور: الجواز مطلقا كغيره.
والثاني: المنع مطلقا، وصححه ابن عصفور، وأجاب عن قوله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} بأن الألف يستعمل في التكثير كقولك: اقعد ألف سنة أي زمنا طويلا وذكر المصنف في (شرح المختصر) أن القاضي حسين والمتولي ذهبا إليه حيث قالا: لو قال لنسوته الأربع: أربعتكن طوالق إلا ثلاثة لم يصح لأنه نص.
وقال الشارح:/ (88/ب/م) ليس كما قال، فإنهما صرحا بالجواز مع تقدم الاستثناء كقوله أربعتكن إلا فلانة طوالق وذلك لوقوع الحكم بعد الإخراج فلا تناقض بخلاف التأخير ولو كان مدركهما ما توهمه المصنف لمنعاه مطلقا.
الثالث: أنه لا يجوز استثناء عقد صحيح، نحو: له مائة إلا عشرة ويجوز إلا ثلاثة.
(1/314)

ص: والاستثناء من النفي إثبات وبالعكس خلافا لأبي حنيفة.
ش: الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، هذا مذهب الشافعي والجمهور، وخالف أبو حنيفة فيهما كما حكاه الصفي الهندي، وتبعه المصنف، لكن الإمام في (المعالم) جعل الخلاف في الأولى فقط، وحكى الاتفاق على أن الاستثناء من الإثبات نفي، فلو قدم المصنف ذكر الاستثناء من الإثبات لفهم منه موافقة الإمام في تخصيص الخلاف بالاستثناء من النفي، فلما عكس تبين أن قوله خلافا لأبي حنيفة عائد إليهما.
ص: والمتعددة إن تعاطفت فللأول وإلا فكل لما يليه ما لم يستغرقه.
ش: الاستثناءات المتعددة إن تعاطفت أي عطفت بعضها على بعض فإنها ترجع كلها إلى الأول، وهو المستثنى منه، نحو: له علي عشرة إلا أربعة، وإلا ثلاثة وإلا اثنتين فلا يلزمه في هذه الصورة سوى درهم، وإن لم يعطف بعضها على بعض، رجع كل منهما لما يليه لا إلى المستثنى منه/ (72أ/د) نحو: له علي عشرة، إلا ثمانية إلا سبعة، فالسبعة مثبتة مستثناة من الثمانية، فتضم إلى ما بقي من العشرة بعد الثمانية، وهو اثنان فيكون مقرا بتسعة، إلا أن يكون الاستثناء الثاني مستغرقا للأول، فيعودان معا للمستثنى منه، كقوله: له علي عشرة إلا ثلاثة، فيكن مقرا بأربعة.
ص: والوارد بعد جمل متعاطفة للكل تفريقا، وقيل: جمعا، وقيل: إن سيق الكل لغرض، وقيل: إن عطف بالواو، وقال أبو حنيفة والإمام: للأخيرة وقيل: مشترك وقيل بالوقف، والوارد بعد مفردات أولى بالكل.
ش: الاستثناء الواقع عقب جمل عطف بعضها على بعض، كقوله
(1/315)

تعالى {والذين يرمون المحصنات} الآية، اختلف فيه على أقوال:
أحدها – وهو مذهب الشافعي -: أنه يعود للجميع إلا أن يقوم الدليل/ (89/أ/م) على إرادة البعض، كما في هذه الآية، فإنه حكم فيها بجلد القاذف، وعدم قبول شهادته، وأنه فاسق، ثم استثنى من تاب فلا يبقى فاسقا ولا مردود الشهادة، لكن الجلد لا يسقط، لما تقرر من أن حد الآدمي لا يسقط بالتوبة وقوله: (تفريقا وقيل: جمعا) لم يذكره الشارح ولم يشرحه وأشار به إلى الخلاف في أن المفرق يجمع أو يبقى على تفريقه, فإن جمعناه أعدنا الاستثناء للمجموع منهما وإن أبقيناه على تفريقه وهو الأصح جعلنا الاستثناء من كل منهما كما لو قال: أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعا، فإن قلنا: إن المفرق لا يجمع وهو الأصح أوقعنا الثلاث؛ لأن قوله: إلا أربعاً, استثناء من كل منهما, وهو باطل لاستغراقه وإن جمعنا المفرق فكأنه قال: ستا إلا أربعا فيقع ثنتان ولم أر من تعرض لهذا التفريع وإن كان الخلاف في التفريق والجمع معروفا.
فقوله: تفريقا أي يجعل الاستثناء من كل من المفرقين مع بقائهما على تفريقهما.
وقوله: وقيل: جمعا، أي: يجمع المفرق ويستثنى ذلك من الحاصل منهما، وقد عرفت كيفية ظهور ثمرة الخلاف وتوقف ابن الرفعة في نسبة هذا المذهب للشافعي، لنقل ابن الصباغ عن نص البويطي فيما لو قال: أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعة، أنه يقع ثلاث، ثم قال ابن الصباغ: وهذا إنما هو لأنه أوقع جملتين، واستثنى إحداهما بجملتها فلم يقع لأن الاستثناء يرجع إلى الأخيرة من الجملتين.
وأجاب المصنف في (شرح المختصر) عن هذا بتخصيص المسألة بغير
(1/316)

العدد، وليس كما قال.
وأجاب عنه الشارح بأن شرط العود للجميع إمكان عوده إلى كل واحد منهما وهو منتف هنا/ (72ب/د) فلهذا اختص بالأخيرة والحق عندي بناؤه على ما قررته قريبا، والله أعلم.
المذهب الثاني: أنه يعود للكل إن سيق الكل لغرض واحد، كأكرم بني تميم، واخلع عليهم، فإن الغرض فيهما التعظيم، فإن اختلفا عاد للأخيرة فقط وهو قول أبي الحسين البصري من المعتزلة.
الثالث: عوده للكل إن كان/ (89/ب/م) العطف بالواو فإن كان ب (ثم) أو غيرها اختص بالأخيرة وبه قال إمام الحرمين، وعليه جرى الآمدي وابن الحاجب وهو الذي في (المحرر) للرافعي، و (المنهاج) للنووي وتوهم بعضهم أن ذلك قيد في المسألة وليس كذلك بل هو قول مخالف للمشهور، وهو الذي يقتضيه كلام المصنف، وصرح الغزالي في (البسيط) في الوقف بأن كل حرف يقتضي الترتيب كذلك، وصرح القاضي أبو بكر في (التقريب) بالفاء وغيرها، وهو المعتمد.
وقد أفردت ذلك بالكلام عليه.
الرابع: اختصاصه بالجملة الأخيرة وبه قال أبو حنيفة، ولهذا قال: إن شهادة القاذف مردودة، ولو تاب، واختاره الإمام فخر الدين في (المعالم).
الخامس: أنه مشترك بينهما لوروده تارة للجميع، وتارة للأخيرة، وبه قال المرتضى من الشيعة.
السادس: الوقف في المسألة لعدم العلم بمدلوله، وبه قال القاضي أبو بكر
(1/317)

والغزالي واختاره الإمام فخر الدين في (المحصول) و (المنتخب).
أما الاستثناء المتعقب للمفردات فهو أولى بعوده لكلها لعدم استقلالها، ولهذا اقتضى كلام جماعة الاتفاق فيها. وقال الرافعي في الطلاق: إذا قال: حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله – فهو من باب الاستثناء عقب الجمل.
ص: أما القران بين الجملتين لفظا فلا يقتضي التسوية في غير المذكور حكما خلافا لأبي يوسف والمزني.
ش: القران بين الجملتين في اللفظ في حكم من الأحكام لا يقتضي التسوية بينهما في غيره عند الجمهور، ويدل له قوله تعالى: {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه} فعطف واجبا على مباح، وقال أبو يوسف والمزني: إنه يقتضي التسوية، لأن العطف يقتضي الشركة، واستدل بعض الحنفية بذلك على أنه لا تجب الزكاة في مال الصبي كما لا تجب عليه الصلاة لقرنهما في قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} لكن الذي في كتب الحنفية تخصيص ذلك بالجمل الناقصة نحو قوله: {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا} فهما كجملة واحدة والإشهاد في المفارقة غير واجب، وكذا في الرجعة بخلاف قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة/ (90/أ/م) وآتوا الزكاة} فإن كلا/ (73أ/د)
(1/318)

من الجملتين مستقلة بنفسها فلا يقتضي ثبوت الحكم في إحداهما ثبوته في الأخرى.
ص: الثاني: الشرط وهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهو كالاستثناء اتصالا، وهو أولى بالعود إلى الكل على الأصح ويجوز إخراج الأكثر به وفاقا.
ش: الثاني من المخصصات المتصلة: الشرط، عقليا كان كالحياة مع العلم، أو شرعيا كالإحصان مع الرجم، أو عاديا كالسلم مع الصعود وهذا التعريف قال القرافي: إنه أجود الحدود.
ف (ما) جنس، وخرج بالفصل الأول المانع، فإنه لا يلزم من عدمه شيء وبالثاني السبب فإنه يلزم من وجوده الوجود، وبالثالث وهو قولنا: (لذاته) شيئان:
أحدهما: مقارنة الشرط وجود السبب فيلزمه الوجود، لكن لا لذات الشرط بل لوجود السبب.
الثاني: الشرط الأخير فإنه يحصل معه المشروط لكن لا لذاته بل لضرورة كونه أخيرا كالحياة والعقل والاشتغال فهي شروط للعلم ويحصل عند الأخير منها، وهو الاشتغال وإن كان الحصول بالمجموع.
وهذا التعريف للأصوليين، وقال ابن الرفعة: هو في اصطلاح الفقهاء ما يلزم من انتفائه انتفاء الشيء الذي جعل شرطا فيه مع أنه ليس بمقوم له، وخرج بهذا الأخير الركن، فإنه يقوم له بمعنى أنه داخل في مسماه، ولا يتصور
(1/319)

ركن إلا لمركب، والشرط يتصور للمركب والبسيط والشرط كالاستثناء في أنه يشترط اتصاله بالكلام، وهذا متفق عليه هنا، لكن كلام المصنف يوهم جريان خلاف فيه.
وإذا ورد بعد جمل نحو أكرم ربيعة، وأعط مضر إن نزلوا بك، فيعود فيه الخلاف في أنه للكل، أو للأخيرة أو الوقف أولى بعوده للكل، ولهذا قال في (المحصول): إن أبا حنيفة وافق هنا على عوده للكل، لكنه في الكلام على التخصيص بالشرط حكي عن بعض الأدباء اختصاصه بالأولى إن تقدم، وبالأخيرة إن تأخر، ثم قال: والمختار الوقف كما في الاستثناء، واتفقوا في الشرط على جواز إخراج الأكثر به، فلو قال: أكرم بني زيد إن كانوا/ (90/ب/م) علماء، وكان الجهال أكثر جاز وفاقا قاله في (المحصول).
قال الصفي الهندي: وقد لا يبقى من مدلوله شيء، كقوله: أكرم من يدخل الدار إن أكرمك وقد لا يكرمه أحد منهم، وأورد على نقل الاتفاق على إخراج الأكثر أنه تقدم لنا قول في كل مخصص أنه لا بد من بقاء جمع يقرب من مدلول العام.
قال الشارح: والممكن في جوابه حمل إطلاقه هنا على ما إذا كان الباقي بعد الإخراج غير محصور ليوافق ما سبق، وإنما (73ب/د) أعاده هنا لينبه على أنه ليس كالاستثناء في مجيء الخلاف.
(ص) الثالث: الصفة، كالاستثناء في العود، ولو تقدمت أما المتوسطة فالمختار اختصاصها بما وليته.
ش: الصفة من المخصصات المتصلة نحو: أكرم من لقيت من العلماء وهي كالاستثناء في العود لجميع الجمل ولو تقدمت نحو وقفت على محتاجي أولادي وأولادهم فيشترط الحاجة في أولاد الأولاد، أما لو توسط مثل
(1/320)

أولادي المحتاجين وأولادهم فقال المصنف: لا نعلم فيها نقلا، ويظهر اختصاصها بما وليته ويدل له ما حكاه الرافعي في الأيمان عن ابن كج فيما لو قال: عبدي حر إن شاء الله، وامرأتي طالق، ونوى صرف الاستثناء إليهما فإن مفهومه أنه إذا لم ينو لا يحمل استثناء عليهما وإذا ثبت هذا في الشرط فالصفة أولى.
وهل يجري الخلاف المذكور في الاستثناء في إخراج الأكثر والمساوي هنا؟ فيه نظر والظاهر أنه لا يجري، وذكر شيخنا الإسنوي فيما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار ثلاثا، ولا نية له أنه يحتمل تقديره دخولا ثلاثا لقربه، وطلاقا ثلاثا لأنه المعتاد وأن يعود إليها، والله أعلم.
ص: الرابع: الغاية، كالاستثناء في العود، والمراد غاية تقدمها عموم يشملها، لو لم تأت مثل {حتى يعطوا الجزية} وأما مثل: {حتى مطلع الفجر} فلتحقيق العموم، وكذا قطعت أصابعه من الخنصر إلى البنصر.
ش: الرابع: من المخصصات المتصلة الغاية، وهي منتهى الشيء، وحكم ما بعدها مخالف لما قبلها قاله الشافعي والجمهور وقيل: يدخل فيما قبله وقيل به إن كان من الجنس وقيل: إن لم يكن معه من دخل وإن كان معه فلا، وهي كالاستثناء في العود على الجميع كقوله: وقفت على أولادي (91/أ/م) وأولاد أولادي إلى أن يستغنوا قال السبكي: وذلك فيما إذا تقدمها عموم يشملها لو لم يأت بها كقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية} فلولا هذه الغاية لقاتلناهم وإن أعطوها.
قال: فيستثنى من إطلاقهم شيئان:
أحدهما: الغاية التي لو سكت عنها لم يدل عليها اللفظ كقوله {حتى
(1/321)

مطلع الفجر} فإن الغاية فيها لتأكيد العموم لا للتخصيص فإن طلوعه وزمن طلوعه ليسا من الليل.
ثانيهما: ما كان اللفظ الأول شاملا لها أي صريحا، كقوله: قطعت أصابعه كلها من الخنصر إلى الإبهام، فإنه لو اقتصر على الأول دخل الإبهام فهو تأكيد، فالغاية في الأول خارجة قطعا، وفي الثاني داخلة (74أ/د) قطعا.
قلت: وقيدت كلام السبكي بقولي: (أي صريحا) حتى يخرج موضع الخلاف فإن اللفظ لا بد من شموله للغاية كما قرره، لكن لا صريحا فإنه لم يصرح أولا بالقتال مع إعطاء الجزية، بل هو من جملة الأحوال الداخلة في ذلك، بخلاف لفظ الأصابع فإن لفظه يتناول الإبهام صريحا، والله أعلم.
ص: الخامس بدل البعض من الكل ولم يذكره الأكثرون, وصوبهم الشيخ الإمام.
ش: ذكر ابن الحاجب من المخصصات المتصلة بدل البعض من الكل نحو: أكرم الناس قريشا، ولم يذكره الأكثرون، وأنكره عليه الأصفهاني شارح (المحصول) والصفي الهندي وكذا الشيخ الإمام السبكي، لأن المبدل منه في نية الطرح فلم يتحقق فيه معني الإخراج، والتخصيص لا بد فيه من إخراج وذلك المفهوم من لفظ البدل فإنه لا يجتمع مع المبدل منه، فإذا اجتمعا قدر عدم اجتماعهما وفاء بذلك.
ص: القسم الثاني المنفصل يجوز التخصيص بالحس والعقل خلافا لشذوذ ومنع الشافعي تسميته تخصيصا وهو لفظي.
ش: لما فرغ من المخصصات المتصلة ذكر المنفصلة، وهي التي تستقل أي لا يحتاج معها إلى ذكر العام، وهي ثلاثة: الحس، والعقل، والدليل السمعي، فالأول الحس، والمراد به المشاهدة، وإلا فالدليل السمعي من المحسوسات إذ هو مدرك بحاسة السمع وقد جعله قسيما له نحو قوله
(1/322)

تعالى: {وأوتيت من كل شيء} لأنا نشاهد أشياء لم تؤت منها كالسماوات وملك سليمان.
والثاني: العقل ضروريا كان كقوله تعالى: {الله خالق كل شيء} لخروج الذات والصفات العلية عن ذلك، أو نظريا كتخصيص {ولله على الناس حج البيت من استطاع/ (91/ب/م) إليه سبيلا} بغير الطفل والمجنون لعدم فهمهما الخطاب، وخالف في التخصيص بالعقل فريق وهو ظاهر كلام الشافعي في (الرسالة) فمنهم من جعله خلافا محققا ومنهم من جعله لفظيا، وإليه ذهب القرافي والمصنف، لأن خروج هذه الأمور من العموم لا نزاع فيه، إلا أنه لا يسمى تخصيصا إلا ما كان باللفظ.
ص: والأصح جواز تخصيص الكتاب به، والسنة بها وبالكتاب والكتاب بالمتواتر وكذا بخبر الواحد عند الجمهور وثالثها: إن خص بقاطع وعندي عكسه وقال الكرخي: بمنفصل، وتوقف القاضي وبالقياس خلافا للإمام مطلقا، وللجبائي: إن كان خفيا ولابن أبان إن لم يخص مطلقا ولقوم إن لم يكن أصله مخصصا من العموم، وللكرخي إن لم يخص بمنفصل، وتوقف إمام الحرمين، وبالفحوى وكذا دليل الخطاب على الأصح وبفعله/ (74/ب/د) صلى الله عليه وسلم وتقريره في الأصح.
(1/323)

ش: في التخصيص بالدليل السمعي مسائل:
الأولى: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب خلافا لبعض الظاهرية ويرده تخصيص قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} وبقوله: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}
الثانية: يجوز تخصيص السنة بالسنة خلافا لداود وطائفة، حيث قالوا: يتعارضان، وهذا يشمل تخصيص المتواترة بالمتواترة، والآحاد بالآحاد، وتصوير الأول في زمننا عسر كما قال القرافي لفقد التواتر، قال: وإنما يتصور في عصر الصحابة والتابعين فإن الأحاديث كانت في زمانهم متواترة لقرب العهد وشدة العناية بالرواية. انتهى.
ومثاله في الآحاد تخصيص قوله عليه الصلاة والسلام: ((فيما سقت السماء العشر)) بقوله: ((ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)) أما تخصيص المتواترة بالآحاد فهي مثل تخصيص الكتاب بها، وسيأتي ذكره.
الثالثة: يجوز تخصيص السنة متواترة كانت أو آحادا بالكتاب خلافا لبعض أصحابنا.
الرابعة: يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة بالإجماع كما حكاه الصفي الهندي، وقال الآمدي: لا أعلم فيه خلافا ومنهم من حكى خلافا في السنة
(1/324)

الفعلية.
الخامسة: في تخصيص الكتاب بخبر الواحد مذاهب.
أحدها وبه قال الجمهور: الجواز مطلقا/ (92/أ/م) فإنا لو لم نعمل الخاص لزم إبطاله مطلقا، وحكاه ابن الحاجب عن الأئمة الأربعة.
قال الشارح: لكن الحنفية ينكرونه.
الثاني: المنع مطلقا، حكاه ابن برهان عن طائفة من المتكلمين.
الثالث: الجواز إن خص قبل ذلك بدليل قطعي وإلا فلا، قاله عيسى بن أبان.
الرابع: وهو من تخريج المصنف: عكسه، وهو المنع إن خص قبل ذلك بقطعي وإلا جاز، ووجهه أن غالب العمومات مخصوصة، فأقدمنا على تخصيص ما لم يخص قبل ذلك بالآحاد، أخذا بالغالب بخلاف المخصوص بقاطع، فإنه قد يحصل الغرض من دخوله في الغالب بذلك التخصيص.
الخامس: وبه قال الكرخي: الجواز إن خص قبله بدليل منفصل فإن لم يخص أو خص بمتصل لم يجز.
السادس: الوقف بمعنى عدم العلم، أو بمعنى وقوع التعارض في القدر الذي دل العموم على إثباته، والخصوص على نفيه، فيتوقف على العمل، وهذا ظاهر كلام القاضي أبي بكر في (التقريب).
تنبيهان:
أحدهما: ذكر ابن السمعاني أن محل هذا الخلاف في خبر الواحد الذي لم يجمعوا على العمل به فإن أجمعوا/ (75أ/د) على العمل به خص الكتاب به بلا
(1/325)

خلاف كالمتواتر وقد يقال: الدال على التخصيص حينئذ إنما هو الإجماع.
ثانيهما: هذا الخلاف جار في تخصيص السنة المتواترة بالآحاد، كما صرح به القاضي أبو بكر، وإن لم يتعرض له المتأخرون كالإمام وابن الحاجب.
السادسة: في جواز تخصيص عموم الكتاب أو السنة بالقياس مذاهب:
أحدها: الجواز مطلقا وبه قال الأئمة الأربعة والأشعري.
الثاني: المنع مطلقا حكاه المصنف عن الإمام وهو اختياره في (المعالم) لكنه اختار الأول في (المحصول).
الثالث: المنع إن كان القياس خفيا، فإن كان جليا جاز، حكاه المصنف عن أبي علي الجبائي، والمعروف عنه المنع مطلقا، وإنما التفصيل لابن سريج.
الرابع: المنع إن لم يكن أصل ذلك القياس مخرجا من ذلك العموم بنص، فإن كان مخرجا منه جاز.
الخامس: المنع إن لم يخص أو خص بمتصل، فإن خص بمنفصل جاز قاله الكرخي.
السادس: الوقف في القدر الذي تعارضا فيه والرجوع/ (92/ب/م) إلى دليل آخر غيرهما وبه قال إمام الحرمين أي في كتبه الأصولية، لكنه قال في النهاية في مسألة بيع اللحم بالحيوان: يخص الظاهر بالقياس الجلي إذا كان التأويل لا ينبو عن النص، بشرط أن يكون القياس صدر من غير الأصل الذي ورد فيه الظاهر، فإن لم يتجه قياس من غير مورد الظاهر لم تجز إزالة
(1/326)

الظاهر بمعنى مستنبط منه يتضمن تخصيصه وقصره على بعض المسميات.
تنبيه: محل الخلاف في القياس المظنون، أما المقطوع فيجوز تخصيصه به قطعا كما أشار إليه الإبياري شارح (البرهان).
السابعة: يجوز التخصيص بالفحوى أي مفهوم الموافقة كما إذا قال: من أساء إليك فعاقبه، ثم قال: إن أساء إليك زيد فلا تقل له: أف.
ومقتضى كلام المصنف وغيره: الاتفاق عليه، وصرح به الآمدي لكنه أطلق الكلام في المفهوم.
أما التخصيص بدليل الخطاب – وهو مفهوم المخالفة – فالأرجح جوازه كتخصيص قوله عليه الصلاة والسلام: ((الماء لا ينجسه شيء)) بمفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا).
الثامنة: يجوز التخصيص بفعله عليه الصلاة والسلام كأن يرد عنه لفظ عام في تحريم شيء، ثم يفعل بعضه فيكون فعله تخصيصا للفظ العام إلا أن يتبين اختصاصه به خلافا للكرخي، مثاله: نهيه عليه الصلاة والسلام عن استقبال القبلة بغائط أو بول ثم فعله ذلك في البنيان.
أما تقريره عليه الصلاة والسلام واحدا من أمته على خلاف مقتضى العموم
(1/327)

فهو تخصيص لذلك العموم في/ (75ب/د) حق ذلك الواحد، وكذا غيره ممن شاركه في العلة إن تبين المعنى في ذلك فإن لم يتبين فالمختار عند ابن الحاجب أنه لا يتعدى إلى غيره، وخالفه المصنف في شرحه واختار التعميم، وإن لم يظهر المعنى ما لم يظهر ما يقتضي التخصيص، ثم إن استوعبت الأفراد كلها فهو نسخ، وإلا فتخصيص.
تنبيه: لم يذكر المصنف هنا التخصيص بالإجماع مع كونه في (المختصر) و (المنهاج) لأن المخصص دليل الإجماع، لا نفس الإجماع، وكان في أصل المصنف هنا: (والأصح أن مخالفة الأمة تتضمن ناسخا) ثم ضرب عليه/ (93/أ/م) وألحقه بباب النسخ، وسيأتي هناك، وكان ينبغي أن يقول هنا: وإن عمل الأمة في بعض أفراد العام بما يخالفه يتضمن تخصيصا.
ص: وأن عطف العام على الخاص لا يخصص، ورجوع الضمير أو البعض ومذهب الراوي ولو صحابيا وذكر بعض أفراد العام لا يخصص.
ش: فيه مسائل:
الأولى: عطف العام على الخاص، لا يقتضي تخصيص العام كقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} فإنه عام في المطلقات، والمتوفى عنهن، وإن كان قد عطف على ما هو خاص بالمطلقات، وهو قوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} وهذه مسألة غريبة ذكرها القفال الشاشي ومثلها بهذه الآية، وهي عكس المسألة المشهور ة في عطف الخاص على العام وتلك خلافية بيننا وبين الحنفية، ومدركهم هناك في التخصيص وهو اشتراك المتعاطفين في الأحكام يقتضي طرد خلافهم هنا، وتعبير المصنف يقتضي أن
(1/328)

فيها خلافا، والله أعلم.
الثانية: إذا عقب العام بضمير يختص ببعض أفراده لم يوجب تخصيصه مثل قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ثم قال: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} فالمطلقات عام في الرجعيات والبوائن والضمير في قوله: {وبعولتهن} يختص بالرجعيات هذا مذهب الأكثرين واختاره الغزالي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم، وحكى القرافي عن الشافعي تخصيصه به، وهو منقول عن أكثر الحنفية، واختار الإمام في (المحصول) الوقف.
الثالثة: لا يجوز التخصيص بمذهب الراوي للحديث عندنا، وعند الجمهور خلافا للحنفية وحكاه الشارح عن الحنابلة أيضا، وفرق بعضهم بين أن يكون صحابيا فتخصص بمذهبه وبين غير الصحابي فلا ومثل/ (76أ/د) في (المحصول) ذلك بحديث أبي هريرة في الأمر بالغسل من ولوغ الكلب سبعا مع فتواه بثلاث وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن ذلك لم يصح عن أبي هريرة.
ثانيهما: أن ذلك ليس من باب العموم، فإن العدد نص لا عموم/ (93/ب/م) فيه، والتخصيص فرع العموم وقرره الشيخ علاء الدين الباجي، بأن لفظ الكلب مفرد معرف بأل فهو عام يشمل كلب الزرع وغيره وأبو هريرة يرى الاقتصار في
(1/329)

كلب الزرع على ثلاث، لكن لا نعرف عن أبي هريرة هذه التفرقة، والأحسن تمثيل ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: (من بدل دينه فاقتلوه)) فإن مذهب راويه ابن عباس أن المرأة لا تقتل بالردة، وهو مذهب أبي حنيفة أيضا، وقد مثل به ابن برهان والصفي الهندي.
الرابعة: ذكر فرد من أفراد العام والحكم عليه بمثل الحكم على العام لا يخص العام خلافا لأبي ثور، وذلك كقوله عليه الصلاة والسلام في شاة مولاة ميمونة: ((دباغها طهورها)) فإنه ذكر بعض أفراد ما دخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر)) فلا يقتضي تخصيص الحكم بذلك الفرد، واختلف في تحرير مذهب أبي ثور، فذكر ابن برهان وإمام الحرمين أن مفهوم حديث مولاة ميمونة إخراج ما لا يؤكل لحمه ونقل عنه في (المحصول) أن مفهومه إخراج جلود غير الشاة، وعلى كل حال فقد رده الجمهور بأنه مفهوم لقب، وهو غير معمول به عند الأكثرين ومن هنا نقل عن أبي ثور القول بمفهوم اللقب، ومقتضى هذا تسليم التخصيص حيث كان المفهوم معمولا به كأن يقول: (اقتلوا المشركين) ثم يقول: (اقتلوا المشركين المجوس) فإن مفهوم الصفة حجة، وبهذا صرح أبو الخطاب الحنبلي ويلزم
(1/330)

من هذا تخصيص قولنا: ذكر بعض أفراد العموم لا يخصص، وفهم من قول المصنف، (ولو بأخص من حكم العموم) أنه لا فرق بين أن يذكر لذلك الفرد جميع حكم العام أو بعض حكمه، كما لو لم يذكر في حديث مولاة ميمونة إلا بعض أحكام الطهارة كالصلاة فيه أو بيعه، ولم يتعرض الشارح لذكر ذلك، والله أعلم.
ص: وأن العادة بترك بعض المأمور تخصص إن أقرها النبي صلى الله عليه وسلم أو الإجماع وأن العام لا يقصر على المعتاد، ولا على ما وراءه بل تطرح له العادة السابقة.
ش: اختلف النقل في أن العادة تخصيص أم لا؟ فنقل الإمام فخر الدين وأتباعه/ (76ب/د) أنها تخصيص، وعكسه الآمدي وابن الحاجب/ (94/أ/م) ولم يتوارد النقلان على محل واحد، وعلى ذلك مشى المصنف.
فكلام الإمام وهو المذكور أولا فيما إذا ورد من الشارع لفظ عام ووجدنا العادة جارية لإخراج بعض أفراده كالنهي عن بيع الطعام بالطعام متفاضلا إذا جرت العادة ببيع بعض الأطعمة متفاضلا فتكون العادة مخصصة للعموم ودالة على جواز التفاضل في بيع ذلك الطعام، إن كانت تلك العادة موجودة في عصره عليه الصلاة والسلام وأقرهم عليهم، وكذا إذا دل على جواز بيع ذلك النوع بجنسه مع التفاضل الإجماع، وكلام الآمدي وابن الحاجب، وهو المذكور ثانيا فيما إذا ورد النهي عن بيع الطعام بالطعام، وجرت العادة بأن لا يباع من الطعام إلا القمح، فهل يختص النهي به أو يشمل كل ما صدق عليه اسم الطعام؟
(1/331)

قال أبو حنيفة: يختص به، وقال الجمهور: لا، فلا يختص الحكم بالمعتاد ولا بما وراء المعتاد، بل تطرح تلك العادة ويؤخذ بالعموم فالكلام الأول في إخراج المعتاد عن غير المعتاد والثاني: في إدخال غير المعتاد مع المعتاد في حكمه، وحمل ابن دقيق العيد الكلام الثاني على العادة الفعلية، كما مثلناه.
أما القولية فكأن يعتاد أهل العرف تخصيص اللفظ ببعض موارده اعتبارا يسبق الذهن بسببه إلى ذلك الخاص، فإذا أطلق العام قوي تنزيله على الخاص المعتاد، لأن الظاهر إنما يدل باللفظ على ما شاع استعماله فيه لأنه المتبادر إلى الذهن.
ص: وأن نحو قضى بالشفعة للجار لا يعم وفاقا للأكثر.
ش: ذهب الأكثرون – كما حكاه الآمدي وغيره – إلى أن قول الصحابي: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار، لا يفيد العموم لأن ما ذكره ليس لفظ الرسول بل حكاية لفعله، ويحتمل أن قضاءه كان لجار بصفة يختص بها.
والحجة في المحكي وقد يكون خاصا فيتوهمه عاما، واختار الآمدي وابن الحاجب عمومه، لأن الظاهر أنه روى كما سمع من غير زيادة ولا نقص، وقال ابن دقيق العيد في (شرح العنوان) الحق الأول، إن كان/ (94/ب/م) المحكي فعلا لو شوهد لم يجز حمله على العموم.
(1/332)

والثاني: إن كان قولاً لو حكي لكان دالاً على العموم.
فإن قلت: هذه المسألة مفهومة من قوله فيما تقدم: إن الفعل المثبت ليس بعام.
قلت: الفعل لا صيغة له حتى يتمسك بعمومه بخلاف القضاء ونحوه، فإنه لا يصدر إلا عن صيغة وقد يفهم الراوي منها العموم، فيرويه على ذلك.
تنبيه:
طرد الغزالي هذا في مثل نهي عن بيع الغرر/ (77أ/د) ونكاح الشغار وأمر بقتل الكلاب.
وتبعه شيخنا الإسنوي في (التمهيد) وجزم بعضهم هنا بالتعميم لأن (أمر) و (نهي) يدلان على ورود خطاب مكلف، ولما لم يذكر مأمورا ولا منهيا علم أن المخاطب به الكل.
ص: مسألة: جواب السائل غير المستقل دونه تابع للسؤال في عمومه والمستقل الأخص جائز إذا أمكنت معرفة المسكوت
(1/333)

والمساوي واضح.
ش: إذا كان خطاب الشارع جوابا لسؤال فله حالتان:
إحداهما: أن يكون غير مستقل بدون السؤال مثل أن يسأل: هل يتوضأ بماء البحر؟ فيقول: نعم. فهو تابع للسؤال، إن كان عاما فهو عام، وإن كان خاصا فهو خاص.
الثانية: أن يكون مستقلا بنفسه بحيث لو ورد ابتداء لأفاد العموم فهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون أخص من السؤال كقولك: من جامع في نهار رمضان فعليه ما على المظاهر، في جواب السؤال عمن أفطر في نهار رمضان، فهو جائز إذا أمكنت معرفة حكم المسكوت عنه منه، وهذا يفهم اشتراط أمرين:
أحدهما: أن يكون في الجواب تنبيه على حكم المسؤول عنه، وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
ثانيهما: أن يكون السائل من أهل الاجتهاد وإلا لم يفد التنبيه.
ولا بد من شرط ثالث وهو أن لا يفوت وقت العمل بسبب استعمال السائل بالاجتهاد لئلا يلزم تكليف بما لا يطاق، ولم يبين المصنف رحمه الله حكمه في العموم والخصوص وهو كحكم السؤال في ذلك لكن لا يسمى عاما وإن كان السؤال عاما، لأن الحكم في غير محل التنصيص غير مستفاد من اللفظ بل من التنبيه قاله الصفي الهندي.
الثاني: أن يكون الجواب مساويا للسؤال إما في العموم أو الخصوص/ (95/أ/م)
(1/334)

وحكمه واضح.
وقال الغزالي: إن هذا هو المراد بقول الشافعي: ترك الاستفصال مع تعارض الاحتمال يدل على عموم الحكم.
الثالث: أن يكون الجواب أعم من السؤال فهو مندرج في المذكور بعده وهو العام على سبب خاص لأن السبب قد يكون سؤالا وقد يكون غيره.
ص: والعام على سبب خاص معتبر عمومه عند الأكثر فإن كانت قرينة التعميم فأجدر، وصورة السبب قطعية الدخول عند الأكثر، فلا تخص بالاجتهاد، وقال شيخ الإمام: ظنية، قال: ويقرب منها خاص في القرآن تلاه في الرسم عام للمناسبة.
ش: إذا ورد العام على سبب خاص لم يختص الحكم بذلك السبب فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، هذا مذهب/ (77ب/د) الأكثرين، وبه قال الشافعي كما حكاه القاضي أبو الطيب والماوردي وغيرهما، وخالف في ذلك مالك والمزني وأبو ثور، ونقل إمام الحرمين والغزالي والآمدي وابن الحاجب عن الشافعي كمقالتهم، وأنكره الإمام وقال: أنه التبس على ناقله، لأن الشافعي يقول: إن الأمة تصير فراشا بالوطء لقصة عبد بن زمعة.
وقال أبو حنيفة: لا تصير فراشا، ولا نلحقه إلا باعترافه، وحمل تلك
(1/335)

القصة على الزوجة وإخراج الأمة من عمومه، فقال الشافعي: إن هذا ورد على سبب خاص وهو الأمة.
قال الإمام: فتوهم الواقف على هذا الكلام أن الشافعي يجعل العبرة لخصوص السبب، وإنما أراد أن الأمة هي السبب في ورود العموم فلا يجوز إخراجها لأن محل السبب لا يجوز إخراجه عن العموم قطعا، انتهى.
فإن كانت هناك قرينة تقتضي التعميم فهو أجدر وأولى بالتعميم، كقوله تعالى: {والسارق والسارقة} فإن سببها سرقة رجل رداء صفوان بن أمية، فالإتيان بالسارقة معه قرينة دالة على التعميم، وقد تقوم القرينة على الاختصاص بالسبب كالنهي عن قتل النساء والصبيان فإن سببه أنه عليه الصلاة والسلام رأى امرأة في بعض مغازيه مقتولة وذلك يدل على/ (95/ب/م) اختصاصه بالحربيات فلا يتناول المرتدة، ثم إن صورة السبب قطعية الدخول حتى لا يجوز تخصيصها بالاجتهاد، بخلاف الزائد عليها فقد يدخله التخصيص وقد تقدم من كلام الإمام القطع بذلك، لكن المصنف إنما حكاه
(1/336)

عن الأكثر لأنه حكي عن أبي حنيفة تجويز إخراجه استنباطا لما تقدم عنه من لحوق الولد بالفراش في الحرة دون الأمة.
ومال الشيخ الإمام السبكي إلى أن دلالته على صورة السبب ظنية فقال: القطع بالدخول ينبغي أن يكون محله إذا دلت قرائن حالية أو مقالية على ذلك أو على أن اللفظ العام يشمله بطريق الوضع لا محالة، وإلا فقد ينازع الخصم في دخوله وضعا تحت اللفظ العام، ويدعي أنه يقصد المتكلم بالعام إخراج السبب، وبيان أنه ليس داخلا في الحكم، فإن للحنفية أن يقولوا في حديث عبد بن زمعة: إن قوله عليه الصلاة والسلام: ((الولد للفراش)) وإن ورد في الأمة فهو وارد لبيان حكم ذلك الولد. وبيان حكمه إما بالثبوت أو الانتفاء فإذا ثبت أن الفراش هي الزوجة، لأنها التي يتخذ لها الفراش غالبا، وقال: (الولد للفراش) كان فيه حصر أن الولد للحرة، ومقتضاه أنه لا يكون للأمة/ (78/أ/د) ففيه نفي السبب عن المسبب وإثباته لغيره، فالمقطوع به أنه لا بد من بيان حكم السبب، أما القطع بدخوله أو خروجه فلا. انتهى.
قلت: هو كلام ضعيف عجيب فإنه عليه الصلاة والسلام صرح بإلحاقه لسيد الأمة بقوله: ((هو لك يا عبد بن زمعة)) فكيف يستقيم مع ذلك حمل الفراش على الحرة دون الأمة؟ ثم ذكر السبكي أنه يقرب من ورود الحكم على سبب أن يرد في القرآن الكريم آية خاصة ثم يتلوها في الرسم آية عامة، لكن يقتضي مناسبتها لها دخول ما دلت عليه الآية الخاصة فيها، فهل تكون
(1/337)

كالسبب في دعوى القطع بالدخول أو يكون كسائر العمومات؟ وقال: الحق إنه رتبة متوسطة دون السبب وفوق العموم المجرد، ومثل ذلك بقوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} فإن مناسبتها لما قبلها وهي قوله/ (96/أ/م) {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} وما بعدها أن ذلك إشارة إلى قول كعب بن الأشرف وقد سأله قريش من أهدى سبيلا؟ فقال: أنتم، فنزلت الآية فيه وفي أمثاله من أهل الكتاب الذين كتموا أمر النبي صلى الله عليه وسلم مع بيانه لهم، وأخذ المواثيق عليهم أن لا يكتموا ذلك، وأن ينصروه فكان ذلك أمانة عندهم فلم يؤدوها وخانوا فيها، وذلك يناسب الأمر بالأمانة.
ص: مسألة: إن تأخر الخاص عن العمل نسخ العام، وإلا خصص، وقيل: إن تقارنا تعارضا في قدر الخاص كالنصين، وقالت الحنفية وإمام الحرمين: المتأخر ناسخ فإن جهل فالوقف أو التساقط.
ش: إذا تعارض نصان أحدهما عام والآخر خاص فله أحوال:
أحدها: أن يعلم تأخر الخاص عن العام، فإن تأخر عن وقت العمل به كان ناسخا أي لقدر مدلوله من العام، لا لجميع أفراد العام، فإنه لا خلاف
(1/338)

في العمل بالعام في بقية الأفراد في المستقبل، وإنما لم يجعله تخصيصا لأن تأخير بيانه عن وقت العمل ممتنع، وإن لم يتأخر عن وقت العمل به فالأكثرون على أنه تخصيص، وأحال المعتزلة ذلك لمنعهم تأخير البيان عن وقت الخطاب.
الثاني: أن يتأخر العام عن الخاص سواء تأخر عن وقت العمل به أم لا فيقدم الخاص فيما تعارضا فيه.
الثالث: أن يتقارنا أي يوجدا في حالة واحدة، سواء تقدم في/اللفظ الخاص أو العام كأن يقول: ((فيما سقت السماء العشر)) ثم يقول عقبه: ((لا زكاة فيما دون خمسة أوسق)) أو بالعكس فيقدم/ (78ب/د) الخاص فيما تعارضا فيه، وحكى في (المحصول) في هذه الحالة قولا: إنهما يتعارضان في قدر الخاص.
الرابع: أن لا يعلم تاريخهما فيعمل بالخاص أيضا.
وقد يتناول هذه الأحوال الثلاثة الأخيرة، والقسم الثاني من الحالة الأولى قوله: (وإلا خصص) فإنه أحد في القسم الأول أن يتأخر الخاص عن وقت العمل فيصدق نفي ذلك بتأخر الخاص لا عن وقت العمل وبتأخر العام وتقارنهما وبعدم العلم، وما ذكرناه في هذه الأحوال هو مذهبنا./ (96/ب/م).
وقال الحنفية وإمام الحرمين: المتأخر ناسخ للمتقدم مطلقا، سواء تأخر العام أو الخاص، والمراد النسخ فيما تعارضا فيه فإن جهل الأمر في ذلك فحكى ابن الحاجب عنهم (التساقط) وصاحب البديع: (الوقف) فلهذا تردد
(1/339)

المصنف بينهما.
ص: وإن كان عاما على وجه فالترجيح وقال الحنفية: المتأخر ناسخ.
ش: إذا كان كل من الدليلين المتعارضين عاما من وجه خاصا من وجه فلا سبيل إلى تقديم أحدهما على الآخر، إلا بمرجح لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من بدل دينه فاقتلوه)) مع نهيه عن قتل النساء، فإن الأول خاص في المرتدين عام في النساء والرجال والثاني خاص في النساء عام في الحربيات والمرتدات، وقد ترجح الأول بقيام القرينة على اختصاص الثاني بسببه، وهو الحربيات، قال الشيخ تقي الدين في شرح (الإلمام): وكان مرادهم الترجيح الذي لا يخص مدلول العموم كالترجيح بكثرة الرواة وسائر الأمور الخارجية عن مدلول العموم من حيث هو.
قال الشارح: وفيما قاله نظر، فإن صاحب (المعتمد) حكى عن بعضهم في هذه المسألة أن أحدهما إذا دخله تخصيص مجمع عليه فهو أولى بالتخصيص، وكذا إذا كان أحدهما مقصودا بالعموم، فترجح على ما عمومه اتفاقي، قال: وما حكاه عن الحنفية من أن المتأخر ناسخ فهو قياس ما تقدم عنهم لكن لم أجده صريحا في هذه المسألة. انتهى.
(1/340)

ص: المطلق والمقيد
المطلق: الدال على الماهية بلا قيد، وزعم الآمدي وابن الحاجب دلالته على الوحدة الشائعة توهماه النكرة، ومن ثم قالا: الأمر بمطلق الماهية أمر بجزئي وليس بشيء وقيل بكل جزئي وقيل: إذن فيه.
ش: لما كان معنى المطلق والمقيد قريبا من معنى العام والخاص ذكرهما في ذيل مسائلهما، وعرف المطلق بأنه الدال على الماهية بلا قيد، أي: من غير اعتبار عارض من عوارضهما كقولنا الرجل خير من المرأة.
وقولنا: (بلا قيد) مخرج للمعرفة والنكرة، لأن الأول يدل عليها مع وحدة معينة كزيد، والثانية/ (79أ/د) مع وحدة غير معينة/ (97/أ/م) كرجل، وهذا صريح في الفرق بين المطلق والنكرة.
وذهب الآمدي وابن الحاجب إلى أنهما بمعنى واحد، فقال الآمدي: المطلق النكرة في سياق الإثبات، وقال ابن الحاجب: ما دل على شائع في جنسه فقوله: شائع، أي لا يكون متعينا، بحيث يمتنع صدقه على كثيرين، وقوله: (في جنسه) أي له أفراد تماثله، فيدخل فيه الدال على الماهية من حيث هي، والدال على واحد غير معين وهي النكرة.
قال الشارح: وقول المصنف: (توهماه النكرة) ممنوع، بل تحققاه
(1/341)

وما صنعاه خير مما صنعه المصنف، فإن مفهوم الماهية بلا قيد، ومفهومها مع قيد الوحدة، لا يخفى تغايرهما على أحد، ولكن لم يفرق الأصوليون بينهما لعدم الفرق بينهما في تعليق التكليف، فإن التكليف لا يتعلق إلا بالموجود في الخارج، والمطلق الموجود في الخارج واحد غير معين في الخارج، لأن المطلق لا يوجد في الخارج إلا في ضمن الآحاد، ووجوده في ضمنه هو صيرورته عينه/ بانضمام مشخصاته إليه، فيكون المطلق الموجود واحدا غير معين، وذلك هو مفهوم النكرة، والأصولي إنما يتكلم فيما يقع به التكليف، وأما الاعتبارات العقلية كما فعله المصنف فلا تكليف بها، إذ لا وجود لها في الخارج، لأن المكلف به يجب إيقاعه والإتيان بما لا يقبل الوجود في الخارج لا يمكن، فلا يكلف به ثم زاد ذلك بسطا.
وقوله: (ومن ثم) أي ولأجل هذا التأصيل، قال الآمدي، وابن الحاجب: إن الأمر بمطلق الماهية أمر بجزئي من جزئيات الماهية لا بالكلي المشترك، فإذا قيل اضرب من غير تعيين فالمطلوب الفعل الجزئي الممكن المطابق للماهية الكلية المشتركة، لا أن الماهية هي المطلوبة لأن الماهية الكلية يستحيل وجودها في الأعيان فلا تطلب.
وقال المصنف: إنه ليس بشيء، لأنا نفرق بين الماهية بشرط شيء وبشرط لا شيء ولا بشرط شيء وإذا فرقت بينهما علمت أن المطلوب الماهية من حيث هي لا بقيد الجزئية ولا الكلية، وهو غير مستحيل، بل موجود في الجزئيات وذهب الإمام فخر الدين إلى أنه أمر بالماهية المشتركة بين الأفراد لا بجزئي معين، وحكاه أبو المناقب الزنجاني عن مذهب الشافعي، وإليه أشار
(1/342)

بقوله: (وقيل بكل جزئي) ووجه بناء هذه المسألة على هذا الأصل أن من قال: الأمر بمطلق الماهية أمر بواحد من جزئياتها – فالمطلق عنده عبارة عن جزئي ممكن مطابق للماهية لا عين الماهية، ومن قال: إنه أمر بالماهية من حيث هي فالمطلق عنده عبارة عن الماهية من حيث هي.
وقوله: (وقيل إذن فيه) أشار به إلى بحث/ (79ب/د) الصفي الهندي حيث قال: ويمكن أن الأمر بالماهية الكلية وإن لم يقتض الأمر بجزئياتها لكن يقتضي تخيير المكلف في الإتيان بكل واحد من تلك الجزئيات بدلا عن الآخر عند عدم القرينة المعينة لواحد منهما والتخيير بينهما يقتضي جواز فعل كل منها وهو الذي أشار المصنف إليه بالإذن، والله أعلم.
ص: مسألة: المطلق والمقيد كالعام والخاص، وزيادة أنهما إن اتحد حكمهما وموجبهما وكانا مثبتين وتأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق فهو ناسخ، وإلا حمل المطلق عليه، وقيل: المقيد ناسخ إن تأخر، وقيل: يحمل المقيد على المطلق وإن كانا منفيين فقائل المفهوم يقيده به، وهي خاص وعام، وإن كان أحدهما أمرا والآخر نهيا فالمطلق مقيد بضد الصفة، وإن اختلف السبب فقال أبو حنيفة: لا يحمل وقيل: يحمل لفظا، وقال الشافعي: قياسا، وإن اتحد الموجب واختلف حكمهما فعلى الخلاف.
ش: المطلق والمقيد كالعام والخاص في جريان الأحكام المتقدمة هناك اتفاقا واختلافا ويزيد هنا الكلام في تعارض المطلق والمقيد وله أحوال:
أحدها: أن يتحد حكمهما وموجبهما – بكسر الجيم، أي: سببهما – ويكونا مثبتين كتقييد الرقبة في كفارة القتل في موضع وإطلاقها في موضع آخر، فإن تأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق فهو ناسخ وإن تقدم عليه أو تأخر
(1/343)

عنه لا عن وقت العمل ففيه مذاهب:
أصحها: حمل المطلق عليه جمعا بين الدليلين، ويكون المقيد بيانا للمطلق أي بين أنه المراد منه، وقد حكى الآمدي وغيره الاتفاق على هذا لكن/ (98أ/م) الخلاف فيه موجود عند الحنفية كما حكاه ابن السمعاني في (القواطع) والمالكية كما حكاه الطرطوشي.
الثاني: كالذي قبله في الأخذ بالمقيد، لكن لا يجعل بيانا للمطلق إن تأخر عنه بل هو ناسخ له.
الثالث:/ (80أ/د) أنه يحمل المقيد على المطلق، فيبقى المطلق على إطلاقه ويكون المقيد ذكر فرد من أفراد الماهية.
الحالة الثانية: كالتي قبلها في اتحاد الحكم والسبب، لكنهما منفيان نحو: لا تعتق مكاتبا، ولا تعتق مكاتبا كافرا، فالقائل، بأن المفهوم حجة يقيد قوله: (لا تعتق/مكاتبا) بمفهوم قوله: (لا تعتق مكاتبا كافرا) فيجوز إعتاق المكاتب المسلم، وبهذا صرح الإمام فخر الدين في (المنتخب) وهو مقتضى كلام (المحصول) ومن لا يقول بالمفهوم يعمل بالإطلاق، ويمنع إعتاق المكاتب مطلقا، وبهذا قال الآمدي وابن الحاجب، وهذا من باب الخاص والعام لكونه نكرة في سياق النهي، فإن الأفعال في معنى النكرات وليس من باب المطلق والمقيد كما توهمه ابن الحاجب.
(1/344)

وقال الشيخ تقي الدين في (شرح العمدة) في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول)) هذا يقتضي تقييد النهي بحالة البول وفي رواية أخرى النهي عن مسه باليمين من غير تقييد فمن الناس من أخذ بهذا المطلق – وقد يسبق إلى الفهم أن العام محمول على الخاص – فيخص النهي بهذه الحالة، وفيه بحث لأن هذا يتجه في باب الأمر والإثبات، فإنه لو جعلنا الحكم للمطلق والعام في صورة الإطلاق أو العموم كان فيه إخلال باللفظ الدال على طلب القيد وقد تناوله الأمر، وذلك غير، جائز وأما في باب النهي فإنا إذا جعلنا الحكم للمقيد أخللنا بمقتضى اللفظ المطلق مع تناول النهي له، وذلك غير سائغ، وهذا كله بعد النظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم. انتهى.
قلت: وقد يقال في هذا الحديث: إنه من مفهوم الموافقة لأنه إذا نهى عن إمساكه حالة البول من الاحتياج لذلك ففي غير هذه الحالة مع عدم الاحتياج لإمساكه أولى بالنهي، وقد يقال: لا مفهوم له أصلا لأنه خرج مخرج الغالب، والله أعلم/ (98/ب/م).
الحالة الثالثة: كالتي قبلها أيضا لكن أحدهما أمر، والآخر نهي، كأن يقول: أعتق رقبة، ويقول: لا تملك رقبة كافرة، فلا يعتق كافرة لاستحالة ذلك لعدم ملكها، وتقييد المطلق بضد الصفة التي هي الكفر، وهو الإيمان، وليس من حمل المطلق على المقيد، وقد ذكر هذه الصورة الآمدي وابن الحاجب.
الحالة الرابعة: أن يختلف السبب ويتحد الحكم كإطلاق الرقبة في كفارة
(1/345)

الظهار وتقييدها بالإيمان في القتل ففيه مذاهب:
أحدها: وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يحمل عليه أصلا.
الثاني: أنه يحمل عليه، من جهة اللفظ، وحكي عن جمهور أصحابنا وقال الماوردي/ (80ب/د) والروياني وسليم الرازي: إنه ظاهر مذهب الشافعي.
الثالث: أنه يحمل عليه من جهة القياس إن اقتضى ذلك بأن يشتركا في المعنى، وعزاه المصنف تبعا للآمدي للشافعي.
قال الشارح: وأصحابه أعرف بمذهبه، وصحح هذا الثالث الإمام والآمدي وغيرهما.
وقال الشارح: تخصيص الحمل بالقياس تبع فيه ابن الحاجب مع أن القائل بأنه لا يحمل بنفس اللفظ يقول: لا بد من دليل، إما قياس أو غيره ولا نخصه بالقياس انتهى.
وقال الماوردي: عندي أنه يعتبر أغلظ الحكمين فإن كان حكم المطلق أغلظ حمل على إطلاقه ولم يقيد إلا بدليل.
الحالة الخامسة: أن يختلف الحكم ويتحد السبب كآية الوضوء فإنه قيد فيها غسل اليدين إلى المرفقين، وأطلق في التيمم الأيدي، وسببهما واحد، وهو الحدث، ففيها الخلاف، أي في الحالة التي قبلها كما ذكره أبو الوليد الباجي وأبو بكر بن العربي، وحكى القرافي عن أكثر الشافعية حمل المطلق
(1/346)

هنا على القيد، لكن قال ابن الحاجب: إن اختلف حكمهما مثل اكس ثوبا، وأطعم طعاما نفيسا، فلا يحمل أحدهما على الآخر بوجه اتفاقا، أي سواء اتحد السبب أو اختلف.
قال المصنف: وأومأ غيره إلى المخالفة، فقال: ينبغي أن يكون الثوب نفيسا كالطعام.
ص: والمقيد بمتنافيين يستغنى عنهما إن لم يكن أولى بأحدهما من الآخر قياسا.
ش: محل حمل المطلق على المقيد إذا لم يكن هناك قيدان متنافيان/ (99أ/م) فمتى كان كذلك استغنى عن القيدين وسقطا وتمسكنا بالإطلاق هذا إذا قلنا بالحمل من جهة اللفظ، فإن قلنا به من جهة/القياس حمل على ما حمله عليه أولى، فإن لم يكن قياسا رجع إلى أصل الإطلاق، وقد جعل القرافي من هذا الترتيب في غسل ولوغ الكلب عند القائل به، فإنه ورد مطلقا في قوله: (إحداهن بالتراب) وتعارض فيه قيدان:
أحدهما: (أولاهن) والآخر: (السابعة) والحق التخيير بين الغسلتين وأن القيد كونه في أحدهما لا بعينها بدليل قوله في رواية أخرى (أولاهن) أو (أخراهن بالتراب) وهو ظاهر نص الشافعي فليس هذا من تنافي القيدين بل من التخيير، والله أعلم.
(1/347)

ص: الظاهر والمؤول
الظاهر ما دل دلالة ظنية: والتأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل لدليل فصحيح، أو لما يظن دليلا ففاسد، أو لا لشيء فلعب، لا تأويل ومن البعيد تأويل أمسك على ابتدئ وستين مسكينا على ستين مدا/ (81أ/د) و ((أيما امرأة نكحت نفسها)) على الصغيرة والأمة والمكاتبة و ((لا صيام لمن لم يبيت)) على القضاء والنذر، و ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) على التشبيه و {إنما الصدقات} على بيان المصرف و (من ملك ذا رحم) على الأصول والفروع، (والسارق يسرق البيضة) على الحديد (وبلال يشفع الأذان) على أن يجعله شفعا لأذان ابن أم مكتوم.
ش: الظاهر في الاصطلاح ما دل على معنى دلالة ظنية.
وخرج بالظنية القطعية وهي دلالة النص.
قال الشارح: وهذا التعريف أعم مما ذكره المصنف في باب المنطوق والمفهوم، حيث قال: (ظاهر إن احتمل مرجوحا كالأسد) فإن المراد هنا ما يفيد معنى سواء أفاد معه معنى آخر إفادة مرجوحة أو لم يفده.
قلت: لو لم يدل على معنى آخر دلالة مرجوحة لكان نصا، فإنه إذا لم يحتمل معنى آخر كانت دلالته قطعية فلا تفاوت بين التعبيرين، والله أعلم.
وأما التأويل فإنه حمل الظاهر على المحتمل المرجوح أي يكون للفظ دلالتان راجحة ومرجوحة، فيحمل على المرجوحة، وهذا يشمل الصحيح والفاسد، فإن كان ذلك الحمل لدليل صيره راجحا فهو صحيح، وإن كان لما يظن دليلا وليس بدليل فهو فاسد، أو لا لشيء فهذا لعب/ (99ب/م) غير معتد به، لأنه
(1/348)

إنما سمي مؤولا لأنه يؤول إلى الظهور عند قيام الدليل عليه، فإذا لم يكن دليل قائم ولا مظنون فلا تأويل، ثم ذكر المصنف صورا من التأويلات البعيدة:
أحدها: تأويل الحنفية قوله عليه الصلاة والسلام لغيلان بن سلمة لما أسلم على عشرة نسوة: ((أمسك أربعا وفارق سائرهن)) على أن معنى الإمساك ابتداء نكاح أربع منهن، وإنما كان بعيدا لأنه لم ينقل عنه ولا عن غيره تجديد نكاح مع كثرة إسلام الكفار المتزوجين.
الثانية: تأويلهم أيضا قوله تعالى: {فإطعام ستين مسكينا} على أن المراد إطعام طعام ستين مسكينا وهو ستون مدا، فيجزي عندهم ذلك ولو أعطاه لمسكين واحد، فيلزم على تقديرهم، الذي لا دليل عليه، إلغاء المنصوص عليه وهو ستون مسكينا، ولا يجوز أن يستنبط من النص معنى يبطله، ولا يقال حاجة واحد في ستين يوما مثل حاجة ستين في يوم واحد، لأنه يفوت منه دعاء الجمع الكثير وهو أقرب إلى الإجابة.
الثالثة: حملهم أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: ((أيما امرأة نكحت نفسها فنكاحها باطل)) على الصغيرة والأمة والمكاتبة، ووجه بعده في الصغيرة أنها لا تسمى في/ (81ب/د) العرف امرأة، مع أنه عندهم صحيح، موقوف على إجازة الولي، وفي الأمة أنه قال في بقية الحديث ((فإن دخل بها فلها المهر)) ومهر
(1/349)

الأمة ليس لها، وإنما هو لسيدها، وفي المكاتبة أنها صورة نادرة قليلة الوقوع، فحمل اللفظ العام المؤكد عليها بعيد.
الرابعة: حملهم أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)) على القضاء والنذر، فإن صوم الفرض يصح عندهم بنية من النهار، فحملوا صيغة العموم على النادر.
الخامسة: حملهم أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: ((ذكاة الجنين ذكاة
(1/350)

أمه)) على أنه يذكى كما تذكى أمه، فرووا الحديث بالنصب وقرروا دلالته على مدعاهم/بوجهين:
أحدهما: أن التقدير كذكاة أمه، حذفت الكاف فانتصب.
ثانيهما: أنه أعمل فيه الذكاة الأولى لأنها مصدر فكأنه قال: ذكاة الجنين ذكاة مثل ذكاة أمه، والخبر محذوف أي واجبة.
وقال أصحابنا: إن النصب غلط، والمحفوظ في الرواية الرفع وقوله:/ (100أ/م) (ذكاة الجنين) خبر مقدم، وقوله (ذكاة أمه) مبتدأ مؤخر، أي: إن ذكاة أم الجنين ذكاة له، لا يحتاج مع تذكيتها إلى تذكيته، أي: إذا لم يدرك ذكاته، وادعى الحنفية أن رواية الرفع تشهد لهم أيضا لأن تقديرها: مثل ذكاة أمه، وهو بعيد، لأن الجنين ما دام في البطن، لا يمكن تذكيته، فإذا خرج واستقل وأمكنت تذكيته صار كبقية الحيوانات في التذكية فلا مزية للجنين على غيره في ذلك حتى يخص بالذكر، ويدل لما قلناه رواية البيهقي: ((ذكاة الجنين في ذكاة أمه)) وفي رواية: (بذكاة).
السادسة: حمل المالكية قوله تعالى {إنما الصدقات للفقراء} الآية على أن المراد بيان المصرف، فجوزوا إعطاء صنف واحد وفي ذلك حرمان للباقين، وقد ملكهم الله تعالى بلام التملك وشركهم بواو التشريك.
السابعة: حمل بعض الشافعية قوله عليه الصلاة والسلام: ((من ملك ذا رحم محرم عتق عليه)) على الأصول والفروع دون بقية الأرحام المحارم
(1/351)

لاختصاص العتق عندهم بالأصول والفروع وهو بعيد، لأن للأب والابن اسما يعرف به، هو أبلغ في تعريفه فالعدول عنه إلى لفظ عام لا معنى له إلا شمول الحكم لجميع ما دل عليه اللفظ، والمعتمد عند أصحابنا في الجواب عن ذلك ضعف الحديث، فقد قال الترمذي: لا يتابع راويه عليه، وهو خطأ عند أهل الحديث، وقال النسائي: إنه حديث منكر.
الثامنة: حمل بعضهم قوله عليه الصلاة والسلام: ((لعن الله السارق/ (82/أ/د) يسرق البيضة)) على بيضة الحديد، وهي الخوذة دون بيضة الدجاجة ونحوها، حكاه ابن قتيبة عن يحيي بن أكثم، وقال: هو باطل، وليس هذا موضع تكثير لما يأخذه السارق إنما هو موضع تقليل وكأنه أورد على ظاهر الآية، ثم أعلم بعد أن القطع إنما يكون في ربع دينار فصاعدا.
قلت: والأحسن الجواب بأنه ينجر به سرقة القليل إلى أن يسرق نصابا فيقطع، والله أعلم.
التاسعة: حمل بعضهم قوله: أمر بلال أن يشفع الأذان على أن المراد أن يجعله شفعا لأذان ابن أم مكتوم، وهنا قول بعض السلف: إن كلمات الأذان مفردة وهو بعيد، لأن بلالا كان أذانه متقدما على أذان ابن أم مكتوم لقوله عليه الصلاة والسلام ((إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا
(1/352)

أذان ابن أم مكتوم)) فكيف يكون أذانه شفعا/ (100ب/م) لأذان ابن أم مكتوم، وهو متقدم عليه؟
ص: المجمل ما لم تتضح دلالته فلا إجمال في آية السرقة ولا في نحو {حرمت عليكم أمهاتكم} {وامسحوا برؤوسكم} ((لا نكاح إلا بولي)) ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) لوضوح دلالة الكل وخالف قوم.
ش: عبر ب (ما) ليتناول القول والفعل كتركه عليه الصلاة والسلام التشهد الأول فإنه يحتمل العمد فيكون غير واجب، والسهو فلا يدل على أنه غير واجب سواء تركه عمدا أو سهوا، فلا إجمال فيه، واحترز بقوله: لم تتضح دلالته، عن المهمل فإنه لا دلالة له أصلا، وهذا له دلالة غير واضحة، ثم ذكر صورا ادعى فيها الإجمال، والأصح خلافه:
الأولى: آية السرقة قال بعض الحنفية: فيها إجمال في القطع، لأنه يحتمل الشق والإبانة وفي اليد لاحتمالها الجميع إلى المنكب، وإلى الكوع والأصح خلافه والقطع هو الإبانة وإطلاقه على الشق لأن فيه إبانة لانفصال بعض أجزاء اللحم عن بعضها، واليد حقيقة إلى المنكب وإطلاقها هنا إلى الكوع مجاز من إطلاق الكل على الجزء، دل عليه فعل النبي صلى الله عليه وسلم والإجماع.
(1/353)

الثانية: لا إجمال أيضا في قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} لأن العرف دال على التعميم فيتناول العقد والوطء، وقد تقدم هذا في قول المصنف: في العموم: (وقد يعم اللفظ عرفا كالفحوى) {حرمت عليكم أمهاتكم} وحمله الكرخي على ظاهره وقال: الحكم متعلق بالعين، ومعناه خروجها عن أن يكون/ (82ب/د) محلا شرعا كما أن حرمة الفعل خروج عن الاعتبار شرعا.
الثالثة: قال الحنفية أو بعضهم: قوله تعالى في آية الوضوء: {وامسحوا برؤوسكم} مجمل لاحتماله مسح الكل والبعض على السواء، وبينت السنة المراد بمسحه عليه الصلاة والسلام على الناصية: وقال الجمهور: لا إجمال فيه. ثم قال المالكية: هو حقيقة في مسح الكل.
وقال الشافعية: إنه حقيقة في القدر المشترك بين الكل والبعض وهو ما ينطلق عليه الاسم.
الرابعة: مثل قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا نكاح إلا بولي)) وقوله:
(1/354)

((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) وقوله: ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)) ذهب قوم إلى أنه مجمل ثم اختلفوا في سبب إجماله على أقوال:
أحدها: أنه ليس المراد نفي الوقوع، فإن وقوعها مشاهد ولم يعلم المراد منها فكانت مجملة.
ثانيها: أنها مترددة بين نفي الجواز ونفي الكمال.
الثالث: أنها ظاهرة في نفي الوجوب ونفي الحكم فسارت مجملة، وقال الجمهور: لا إجمال فيها وهو مبني على ثبوت الحقائق الشرعية وتقديمها على اللغوية واختصاصها بالصحيح، والحقائق الشرعية الصحيحة منتفية في هذه الصورة لانتفاء جزئها أو شرطها.
الخامسة: قوله عليه الصلاة والسلام: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) ذهب البصريان أبو الحسين وأبو عبد الله إلى أنه مجمل وقال الجمهور: لا إجمال فيه، بل معناه نفي المؤاخذة والعقاب، لكن هل هو بالعرف أو اللغة؟ جزم ابن الحاجب بالأول وابن السمعاني بالثاني.
وقال الشارح: نفى المصنف في باب العموم أن يكون هذا عاما حيث قال: (لا المقتضى) وهنا نفى أن يكون مجملا، وهو في الاضطراب متابع لابن الحاجب.
قلت: لا اضطراب في ذلك فلا عموم فيه، ولا إجمال وإنما معناه رفع شيء مخصوص وهو العقاب بدليل اقتضى ذلك، والله أعلم.
وقول المصنف: (خالف قوم) أي في جميع ما تقدم كما أوضحناه.
ص: إنما الإجمال في مثل القرء والنور والجسم ومثل المختار
(1/355)

لتردده بين الفاعل والمفعول وقوله تعالى: {أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح} {إلا ما يتلى عليكم} {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به} وقوله عليه السلام: ((لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره)) وقولك: زيد طبيب ماهر الثلاثة زوج وفرد.
ش: ذكر في هذه الجملة أمثلة للمجمل، والإجمال تارة يكون في المفرد وتارة في/ (83/أ/د) المركب، فالأول قد يكون لوضع اللفظ لكل منهما كالقرء، فإنه وضع في اللغة للطهر وللحيض، ولهذا جعل الشافعي العدة بالأطهار وأبو حنيفة بالحيض، وقد يكون لصلاحيته لمتماثلين كالنور للعقل ونور الشمس وغيرها، والجسم للسماء والأرض وغيرهما، وقد يكون لصلاحيته للفاعل والمفعول، كالمختار تقول: اخترت فلانا، فأنا مختار، وهو مختار، قال العسكرى: ويتميز بحرف الجر فتقول في الفاعل: مختار لكذا،/ (101ب/م) وفي المفعول: مختار من كذا ثم ذكر للثاني أمثلة:
أحدها: قوله تعالى: {أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح} فإنه
(1/356)

محتمل للزوج والولي، وقد حمله الشافعي على الأول ومالك على الثاني كذا ذكره ابن الحاجب من المجمل ولا إجمال فيه عندنا، لقيام الدليل على أن المراد به الزوج، وذلك مبسوط في موضعه.
ثانيهما: قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} فهو مجمل لكونه دخله استثناء لمجهول، والمجهول إذا أخرج من المعلوم صار الجميع مجهولا.
ثالثها: قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} فإن الواو فيه مترددة بين العطف والقطع ولهذا اختلفوا في أن الوقف على قوله: {إلا الله} أم لا؟ وقد سبق ذلك، وأن الأصح أنه لا إجمال فيه.
رابعها: قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره)) فقد وقع التردد في مرجع الضمير في قوله: (جداره) هل يعود على صاحب الخشبة، لأنه أقرب مذكور أو على الجار ويوافق الأول منع الشافعي في الجديد إجبار الجار على وضع جذوع جاره على جداره.
خامسها: قول القائل: زيد طبيب ماهر، قد ترجع المهارة إلى الصنعة وهي الطب وإلى الموصوف وهو زيد، فتكون مهارته في غير الطب.
سادسها: قول القائل: الثلاثة زوج وفرد، متردد من حيث اللفظ بين أن يكون المراد أن مجموع أجزائه زوج وفرد، وأن يكون المراد أنه موصوف
(1/357)

بالزوجية والفردية، وإن كان الواقع هو الأول لصدق اللفظ، ولو حمل على الثاني لكان كذبا، وفي عد هذا من المجمل نظر لا يخفى.
ص: والأصح وقوعه في الكتاب والسنة.
ش: المخالف في وقوع المجمل في القرآن والسنة داود الظاهري، قال الصيرفي: لا أعلم قال به غيره، والحجة عليه ما سبق من الآيات والأحاديث.
ص: وأن المسمى الشرعي أوضح من اللغوي/ (83/ب/د) وقد تقدم فإن تعذر حقيقة فيرد إليه بتجوز أو مجمل أو يحمل على اللغوي أقوال.
ش: لما كان المسمى الشرعي أوضح من اللغوي قدم عليه، فيحمل اللفظ على مدلوله الشرعي، إلا أن يقوم دليل على إرادة اللغوي، وقد تقدم ذلك في فصل الحقيقة والمجاز.
فإن تعذرت الحقيقة الشرعية فهل يرد إليها بتجوز أو يحمل على الحقيقة اللغوية أو يجعل مجملا؟ فيه أقوال، أصحها/ (102/أ/م) الأول، ومثاله قوله عليه الصلاة والسلام: ((الطواف بالبيت صلاة)) فإنه ليست فيه حقيقة الصلاة الشرعية فكان مجازا، والمراد أن حكمه حكم الصلاة في الطهارة وستر العورة، ويدل لذلك قوله في بقية الحديث: ((إلا أن الله أحل فيه الكلام)) فدل على أن المراد كونه صلاة في الحكم إلا ما استثني لا في الحقيقة.
ومن حمله على اللغوي قال: الصلاة هنا بمعنى الدعاء، ومن قال بالإجمال فللتردد بينهما أي بين المجاز الشرعي والحقيقة اللغوية.
(1/358)

ص: والمختار أن اللفظ المستعمل لمعنى تارة ولمعنيين ليس ذلك المعنى أحدهما مجمل فإن كان أحدهما فيعمل به ويوقف الآخر؟
ش: إذا ورد من الشارع لفظ له استعمالان أحدهما لمعنى واحد، والثاني لمعنيين ففيه مذهبان:
أحدهما – وهو المختار: أنه مجمل إذا لم تقم قرينة على المراد.
والثاني – واختاره الآمدي: أنه يحمل على ما يفيد معنيين كما لو دار بين ما يفيد وما لا يفيد، وأطلق الغزالي وغيره المسألة، وقيدها المصنف بما إذا لم يكن ذلك المعنى المنفرد أحد ذينك المعنيين، فإن كان أحدهما عمل به قطعا لأنه إن كان هو تمام المراد باللفظ فلا إشكال، وإلا فهو أحد المرادين ويوقف الآخر عن العمل به، فإنه محل نظر.
(1/359)

البيان والمبين
ص: البيان، إخراج الشيء من خيز الإشكال إلى حيز التجلي وإنما يجب لمن أريد فهمه اتفاقا.
ش: هذا التعريف للبيان حكاه ابن السمعاني وغيره عن أبي بكر الصيرفي، وزاد عنه إمام الحرمين وابن الحاجب: (والوضوح) وأورد عليه القاضي أنه يخرج عنه البيان ابتداء وهو الظاهر من غير سبق إجمال، وأورد عليه إمام الحرمين، أن لفظ الحيز مجاز، ودخوله في التعريف ممتنع، وأجاب المصنف عن الأول بمنع تسمية الواضح ابتداء بيانا، وعن الثاني بأن المجاز الظاهر يجوز دخوله، وإلا لم يسلم لهم تعريف، فلذلك تبعه المصنف فيه واتفقوا على أنه/ (84أ/د) لا يجب بيان المجمل إلا لمن أريد منه الفهم إما للعمل كالصلاة/ أو للإفتاء كأحكام الحيض في حق الرجال، فالمراد فهمهم/ (102ب/م) لها ليفتوا بها النساء، وكأنه أريد بالواجب هنا ما لا بد منه، فإن الله تعالى لا يجب عليه شيء.
ص: والأصح أنه قد يكون بالفعل وأن المظنون يبين المعلوم وأن المتقدم، وإن جهلنا عينه من القول والفعل هو البيان وإن لم يتفق البيانان كما لو طاف بعد الحج طوافين، وأمر بواحد فالقول وفعله ندب أو واجب متقدما أو متأخرا وقال أبو الحسين المتقدم.
(1/360)

ش: فيه مسائل:
الأولى: يجوز البيان بالقول إما من الكتاب أو السنة اتفاقا، واختلف في البيان بالفعل والأصح جوازه، كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وحجه فإنهما مبينان لقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} {ولله على الناس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا} ومن منع قال: الفعل يطول فيتأخر به البيان مع إمكان تعجيله.
قال القاضي في (التقريب): فلو قال: القصد بما كلفتم بهذه الآية ما أفعله ثم فعل فعلا فلا خلاف أنه يكون بيانا.
الثانية: إذا كان المجمل معلوما فهل يجوز أن يكون المبين له مظنونا؟ فيه مذاهب:
الأول: الجواز، حكاه القاضي أبو بكر عن الجمهور واختاره هو والإمام فخر الدين.
الثاني: أن البيان يجب أن يكون أقوى دلالة من المبين، واختاره ابن الحاجب.
الثالث: أنه يجوز أن يكون مساويا، وبه قال الكرخي.
الرابع: إن عم وجوبه سائر المكلفين كالصلاة ونحوها وجب أن يكون بيانه معلوما متواترا، وإن لم تعم به البلوى، واختص العلماء بمعرفته كنصاب السرقة وأحكام المكاتب قبل في بيانه خبر الواحد، حكاه القاضي أبو بكر عن العراقيين.
الثالثة: إذا ورد بعد المجمل قول وفعل فلهما حالتان:
(1/361)

إحداهما: أن يتفقا في الحكم فالبيان هو المتقدم منهما.
والثاني: تأكيد له، فإن علم عينه فذاك وإلا فهو المبين مع الجهل به في الصحيح.
وقال الآمدي: الأشبه مع الجهل تقدير المرجوح سابقا فيكون هو المبين والثاني تأكيد له، لئلا يلزم من عكسه تأكيد الراجح بالمرجوح، وهو ممتنع.
الثانية: أن يختلفا في الحكم كما لو طاف عليه الصلاة والسلام بعد الحج طوافين وأمر بواحد، فالصحيح أن البيان بالقول، ويحمل فعله على أنه من خصائصه إما مندوب أو واجب، ولا فرق بين أن يتقدم القول أو الفعل.
وقال أبو الحسين البصري: البيان هو المتقدم منهما، قولا كان أو فعلا كما لو اتفقا./ (103/أ/م).
ص: مسألة:/ (84/ب/د) تأخير البيان عن وقت الفعل غير واقع، وإن جاز وإلى وقته واقع عند الجمهور سواء كان للمبين ظاهر أم لا، وثالثها: يمتنع في غير المجمل، وهو ما له ظاهر، ورابعها: يمتنع تأخير البيان الإجمالي فيما له ظاهر بخلاف المشترك والمتواطئ، وخامسها: في غير النسخ، وقيل: يجوز تأخير النسخ اتفاقا، وسادسها: لا يجوز تأخير بعض دون بعض، وعلى المنع المختار أنه يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم تأخير التبليغ إلى الحاجة وأنه يجوز أن لا يعلم الموجود بالمخصص ولا بأنه مخصص.
ش: تأخير البيان عن وقت احتياج المكلف إليه وهو وقت الفعل، أطلق
(1/362)

أكثر أهل الأصول أنه ممتنع، وعللوه بأنه تكليف بما لا يطاق، ومقتضاه أنه يجري فيه الخلاف في تكليف ما لا يطاق، وبه صرح في (المحصول) فعلى هذا يكون الأرجح جوازه، وإن كان لم يقع، وكذلك عبر به المصنف، وعدل عن تعبير غيره بوقت الحاجة إلى وقت الفعل، فإن الأستاذ أبا إسحاق قال: هي عبارة تليق بمذهب المعتزلة القائلين بأن للمؤمنين حاجة إلى التكليف.
قلت: لا يلزم من هذه العبارة القول بمذهب المعتزلة هذا، فإنه لا يتوقف على الحاجة إلى التكليف، بل على حاجة المكلف إلى بيان ما كلف به.
تنبيه:
صرح القاضي أبو بكر بأن المراد تأخير البيان عن وقت جواز الشروع في الفعل، ومقتضاه/ أن تأخير بيان صلاة الظهر عن وقت الزوال تأخير البيان عن وقت الحاجة، وعلى هذا يشكل تعليلهم المنع بأنه تكليف بما لا يطاق، لأنه إذا بين له في نصف الوقت فقد أخر عن الزوال، ولم يلزم عليه تكليف ما لا يطاق، وأما تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الفعل ففيه مذاهب:
أصحها – وبه قال الجمهور: أنه جائز، وواقع، سواء أكان للمبين ظاهر كتأخير بيان التخصيص ومدة النسخ أو لا.
الثاني: أنه ممتنع وهو قول المعتزلة كما حكاه القاضي أبو بكر عنهم، وبه قال أبو إسحاق المروزي من أصحابنا.
الثالث: أنه يمتنع في غير المجمل وهو ماله ظاهر للإلباس ويجوز فيما لا ظاهر له أنه لا يحصل فيه تجهيل، وبه قال/ (103/ب/م) الكرخي، وحكى الإبياري في (شرح البرهان) قولا بعكسه، وعلله بأن للعام فائدة في الجملة بخلاف المجمل.
الرابع: أنه يمتنع تأخير البيان الإجمالي فيما له ظاهر، مثل أن يقول:
(1/363)

هذا العموم مخصوص، وهذا المطلق مقيد، ويجوز تأخير البيان التفصيلي أما ما ليس له ظاهر يعمل به كالمشترك فيجوز تأخير بيانه/ (85/أ/د) مطلقا، وبه قال أبو الحسين البصري.
الخامس: أنه يمتنع في غير النسخ، ويجوز فيه وهو قول الجبائي، ومقتضاه أن النسخ من محل الخلاف، لكن قال بعضهم: إنه يجوز تأخير النسخ اتفاقا، وهو مقتضى كلام القاضي أبي بكر وإمام الحرمين والغزالي.
السادس: أنه يمتنع إبداء بعض، وتأخير بعض لئلا يعتقد المكلف بإظهار البعض أن لا إشكال بعده، بخلاف تأخير بيان الكل، فإنه جائز، وإذا فرعنا على امتناع تأخير البيان فهنا مسألتان:
إحداهما: المختار أنه يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم تأخير تبليغ الحكم إلى وقت الحاجة، فإن معرفته إنما هي لوجوب العمل، ولا عمل قبل الوقف، وقيل: تجب المبادرة، وكلام الإمام فخر الدين والآمدي وابن الحاجب يقتضي أن الخلاف في غير القرآن، أما القرآن فيجب تبليغه على الفور قطعا، واستشكل الفرق.
الثانية: يجوز أن لا يعلم المكلف الموجود بالمخصص – بكسر الصاد – بل يجوز إسماعه العام المخصوص بدون مخصصه، خلافا للجبائي فإنه منعه في المخصص السمعي دون العقلي وخرج (بالموجود) من ليس موجودا حالة ورود التخصيص فلا يشترك إسماعه بلا خلاف، لعدم إمكانه، هذا مقتضى عبارة المصنف وشرحه عليه شارحه لكن الذي تقتضيه عبارة ابن الحاجب أن المراد المخصص الموجود أي الذي ورد مع ورود العام المخصوص للاحتراز عن مخصص لم يرد، فيكون الوجود صفة للدليل المخصص لا المكلف، وعليه شرحوه، فكلام المصنف مخالف له في التقرير، وعلى كل حال، فأي فرق بين هذه المسألة وبين المذكورة قبلها وهي تأخير التبليغ يحتاج ذلك إلى تأمل.
(1/364)

وقوله: (ولا بأنه مخصص) أي ولا بأن العام مخصص بفتح الصاد أي دخله تخصيص، فكأن المراد أنه لا يجب إعلامه بتعين المخصص الوارد على الرسول، ولا بأن ذلك العام مخصوص، فلا يجب الإعلام لا على التفصيل ولا على الجملة، والمراد قبل وقت العمل، فكأن القائل بالمنع اكتفى بإعلام الرسول بذلك، وإن لم يعلم به المكلفين،/ (104/أ/م).
ولعل فرق ما بين هذه المسألة والتي قبلها فرق ما بين العام والخاص فالأولى في مطلق التبليغ، وإن لم يكن بيانا لمجمل، وقوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ} لا يدل على الفور، والثانية: في بيان المجمل.
وقال الشارح في قوله: (ولا بأنه مخصص) هذا العطف يقتضي طرد الخلاف السابق هنا، وليس كذلك، بل الجميع كما قال القاضي (85/ب/د) على جواز أن يسمع الله المكلف العام من غير أن يعلمه أن في العقل ما يخصصه، ولعله أراد المخصص السمعي. انتهى.

ص: النسخ: اختلف في أنه رفع أو بيان والمختار رفع الحكم الشرعي بخطاب فلا نسخ بالعقل وقول الإمام من سقط رجلاه/نسخ غسلهما مدخول ولا بالإجماع ومخالفتهم تتضمن ناسخا.
ش: النسخ يطلق في اللغة على الإزالة، وعلى النقل، فقيل: مشترك بينهما، وقيل: حقيقة في الأول، وقيل: في الثاني.
وأما في الاصطلاح فاختلف في أنه رفع أو بيان، فقال بالأول القاضي أبو بكر وطائفة، وبالثاني الأستاذ أبو إسحاق وطائفة.
(1/365)

ومعنى الأول: أن المزيل لحكم الأول هو الناسخ إذ لولا وروده لاستمر
ومعني الثاني: أنه انتهى بذاته، ثم حصل بعده حكم، لأنه عند الله مغيا بغاية معلومة.
فالناسخ بيان لها، واختار المصنف الأول، وارتضى في تعريفه أنه رفع الحكم الشرعي بخطاب، فخرج بالحكم الشرعي رفع البراءة الأصلية، كتحريم، أو إيجاب ما هو على البراءة الأصلية، لم يرد فيه قبل ذلك حكم، فإنه لا يسمى نسخا.
وتناول قوله: (بخطاب) اللفظ والمفهوم، وأورد عليه النسخ بالفعل كنسخ الوضوء مما مست النار بأكل الشاة ولم يتوضأ وأجيب عنه بأن الفعل نفسه لا ينسخ وإنما يدل على نسخ سابق وخرج به الرفع بالنوم أو الغفلة أو الجنون أو الموت، وعلم من ذلك أنه لا نسخ بالعقل فمن سقطت عنه العبادة لعجزه عنها لا يقال: إنها نسخت في حقه، ومن ذلك رد على الإمام فخر الدين في قوله في (المحصول): إن من سقطت رجلاه فقد نسخ عنه غسلهما، لأن زوال الحكم لزوال محله أو سببه ليس نسخا، وكذلك الإجماع لا ينسخ به، لأنه لا ينعقد في زمنه عليه الصلاة والسلام، ولا نسخ بعده، فإن أجمعوا على مخالفة نص فهو دال على ناسخ سواه، فالنسخ بدليله لا به، وعلى هذا يحمل قول الشافعي: إن النسخ كما يثبت بالخبر يثبت بالإجماع، وقد كان المصنف رحمه الله تعالى ذكر هذا في التخصيص/ (104/أ/م) ثم ضرب عليه هناك وألحقه هنا فإنه محله.
ص: ويجوز على الصحيح نسخ بعض القرآن تلاوة وحكما أو أحدهما فقط.
(1/366)

ش: خرج بالبعض الجميع، فلا يجوز نسخ جميع القرآن بالاتفاق ومثال نسخ التلاوة والحكم ما في (صحيح مسلم) عن عائشة رضي الله عنها: (كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس) ومثال نسخ التلاوة دون الحكم: (الشيخ/ (86/أ/د) والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) كان في القرآن كما رواه النسائي.
والمراد بالشيخ والشيخة المحصن والمحصنة، ومثال عكسه نسخ عدة الوفاة بالحول المدلول عليه بقوله تعالى: {متاعا إلى الحول غير إخراج} بقوله تعالى: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} والمعروف أن الخلاف في نسخ أحدهما فقط، وعبارة المصنف تبعا لابن الحاجب تقتضي جريانه في نسخهما معا لكنه قال في شرحه: الخلاف في نسخهما معا لا يتجه إلا ممن يمنع نسخ القرآن من حيث هو، والمقصود بهذا الخلاف الخاص إنما هو نسخ التلاوة دون الحكم وبالعكس وإنما ذكروا نسخهما لضرورة التقسيم، وإن كان لا يخالف فيه أحد ممن يجوز وقوع النسخ في القرآن.
قلت: والمانع من وقوع النسخ في بعض القرآن مطلقا هو أبو مسلم الأصفهاني، وذكر ابن التلمساني في شرح (المعالم) أنه الجاحظ، وفيه
(1/367)

نظر، فليست كنية الجاحظ أبا مسلم بل أبو عثمان، وأبو مسلم شخص آخر من المعتزلة معروف.
ص: ونسخ الفعل قبل التمكن.
ش: الجمهور على أنه يجوز نسخ الشيء بعد وجوبه أو ندبه قبل التمكن من فعله، سواء أكان قبل مجيء وقته أو بعده، ولكن لم يمض منه ما يمكن فعله فيه، وخالف في ذلك المعتزلة وبعض الحنفية والحنابلة فأما نسخه بعد خروج وقته بلا عمل فمتفق على جوازه وكذلك في الوقت بعد مضي زمن يسعه كما صرح بنفي الخلاف فيه ابن برهان وإمام الحرمين والغزالي، لكن مقتضى كلام ابن الحاجب في أثناء الخلاف جريان الخلاف فيه، وحكى الصفي الهندي المنع في هذه الصورة عن الكرخي.
ص: والنسخ بالقرآن لقرآن وسنة وبالسنة للقرآن وقيل يمتنع بالآحاد والحق لم يقع إلا بالمتواترة قال الشافعي وحيث وقع بالسنة فمعها/قرآن أو بالقرآن فمعه سنة عاضدة له تبين توافق/ (105/أ/م) الكتاب والسنة.
ش: فيه مسائل:
الأولى: يجوز نسخ القرآن بالقرآن إجماعا، كما تقدم في عدتي الوفاة.
(1/368)

الثانية: يجوز نسخ السنة بالقرآن كالتوجه لبيت المقدس إذا قلنا إنه كان ثابتا بالسنة، فإنه نسخ بالقرآن، وكذا مباشرة الصائم ليلا حرمت بالسنة ثم نسخ تحريمها بالقرآن، والمشهور عن الشافعي منعه، ونسبه الرافعي لاختيار أكثر أصحابنا.
الثالثة: نسخ القرآن بالسنة له صورتان.
إحداهما: أن تكون متواترة، والمشهور جواز وقوعه ومنعه الشافعي.
والمشهور عنه الجزم بمنعه، كذا نقله إمام الحرمين والآمدي وابن الحاجب والنووي وغيرهم.
وذكر البيضاوي أن له في ذلك قولين،/ (86/ب/د) والظاهر أنه إنما نفى الوقوع فقط.
الثانية: أن تكون آحادا والمشهور جوازه عقلا، وحكى الآمدي وغيره الاتفاق عليه، لكن الخلاف ثابت، نقله القاضي أبو بكر وغيره، والمشهور عدم وقوعه، وحكى إمام الحرمين عليه إجماع الأمة لكن مخالفة بعض الظاهرية في هذا مشهورة وكأنه ما اعتد بخلافهم لكن ذهب القاضي أبو بكر والغزالي إلى وقوعه في زمنه عليه الصلاة والسلام دون ما بعده، ثم قال الشافعي: (حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فلا بد أن يكون مع السنة قرآن يعضدها على النسخ، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فلا بد أن يكون مع القرآن سنة موافقة له على النسخ) وعبارته في (الرسالة): (فإن قيل: فهل تنسخ السنة بالقرآن؟. قيل: لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الأخيرة حتى تقوم الحجة على الناس بأن الشيء ينسخ بمثله) انتهى.
وفائدته في الصورة الأولى الاطلاع على عظمة النبي صلى الله عليه وسلم في نسخ القرآن بسنته، وفي عكسه، انتقال الناس من سنة إلى سنة لما يترتب عليه من الأجر العظيم، لأن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
(1/369)

ص: وبالقياس وثالثها: إن كان جليا، والرابع: إن كان في زمنه عليه والسلام والعلة منصوصة.
ش: هل يجوز النسخ بالقياس، كأن يرد نص بإباحة بيع الأرز بالأرز متفاضلا لم يرد جريان الربا في السنة المنصوصة فتنسخ الإباحة/ (105/ب/م) المتقدمة بالقياس على السنة المنصوصة؟ فيه مذاهب:
أحدها: الجواز مطلقا، وكلام المصنف يقتضي ترجيحه.
الثاني: المنع مطلقا، وبه قال الأكثرون كما حكاه القاضي أبو بكر واختاره، وحكاه أبو إسحاق المروزي عن نص الشافعي وقال القاضي حسين: إنه المذهب.
الثالث: أنه يجوز بالقياس الجلي دون غيره.
الرابع: يجوز إن كان في زمنه عليه الصلاة والسلام، وكانت علته منصوصة وإلا فلا، واختاره الآمدي وجعل الصفي الهندي المنع بعد وفاته عليه الصلاة والسلام محل وفاق.
تنبيه:
أورد على المصنف أنه كيف يجتمع تجويزه هذا مع قوله تبعا لغيره في القياس على المستنبطة أن لا تكون معارضة في الأصل بمعارض. فإذا كانت المعارضة تقطعها عن العمل فقياس المستنبطة ملغى عند المعارضة فلا يكون ناسخا.
وأجاب عنه المصنف بأنا لم نقل: إن القياس ينسخ، وإن كانت علته مستنبطة بل أطلقنا أنه ناسخ وإنما يكون ناسخا/ (87/أ/د) إذا كان معتبرا، وإنما يعتبر إذا سلمت علته عن المعارضة.
(1/370)

قلت: إطلاقه أولا النسخ بالقياس ثم تفصيله في القول الرابع بين أن يكون علته منصوصة أم لا، يدل على اختياره النسخ بالقياس ولو كانت علته مستنبطة والله أعلم.
ص: ونسخ القياس في زمنه عليه الصلاة والسلام وشرط ناسخه إن كان قياسا أن يكون أجلى، وفاقا للإمام، وخلافا للآمدي.
ش: الجمهور على جواز نسخ القياس لكن بشرط أن يكون ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام لاستحالته بعده، ثم قد يكون ناسخه نصا كأن يقول: حرمت المفاضلة في البر لأنه مطعوم فيقاس عليه الأرز فنقول بعد ذلك: بيعوا الأرز بالأرز متفاضلا، وقد يكون قياسا بأن ينص على حكم آخر على ضد حكم أصل ذلك القياس.
واشترط/الإمام فخر الدين فيما إذا كان قياسا أن يكون الثاني أجلى بأن يترجح أمارته على أمارة الأول، ووافقه المصنف – ولم يتشرط الآمدي ذلك – ومنع القاضي عبد الجبار وغيره نسخ القياس لأنه مستنبط من أصل، فحكم الفرع باق ببقاء حكم الأصل، واختار الآمدي مذهبا ثالثا، وهو الجواز فيما علته منصوصة والمنع في المستنبطة.
ص: ويجوز نسخ الفحوى دون أصله/ (106/أ/م) كعكسه على الصحيح والنسخ به والأكثر أن نسخ أحدهما يستلزم الآخر.
ش: فيه مسائل:
الأولى: يجوز نسخ الفحوى دون أصله، كنسخ الضرب دون التأفيف، وعكسه كنسخ التأفيف دون الضرب كالنصين ينسخ أحدهما مع بقاء الآخر.
وحكى ابن السمعاني في الأولى الجواز عن أكثر المتكلمين، والمنع عن أكثر
(1/371)

الفقهاء ويتحصل في الصورتين ثلاثة أقوال، ثالثها: منع الأولى، وجواز الثانية وعليه ابن الحاجب.
الثانية: يجوز النسخ بالفحوى، وادعى الإمام والآمدي الاتفاق فيه، لكن نقل فيه الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) خلافا بناء على أنه قياس، وأن القياس لا ينسخ به، وحكى ابن السمعاني المنع عن الشافعي.
الثالثة: هل يلزم من نسخ الأصل نسخ الفحوى وعكسه؟ فيه مذاهب: أحدها وبه قال الأكثرون: نعم واختاره البيضاوي لتلازمهما.
والثاني: المنع.
والثالث: أن نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى، لأنها تابعة فلا تبقى بدون متبوعها بخلاف عكسه.
وقال ابن برهان في (الأوسط): إنه المذهب.
فإن قلت: ما الفرق بين هذه المسألة والأولى؟
قلت: لعل تلك فيما إذا نص مع نسخ أحدهما على بقاء الآخر وهذه عند/ (87/ب/: د) الإطلاق. والله أعلم.
ص: ونسخ المخالفة وإن تجردت عن أصلها لا الأصل دونها في الأظهر ولا النسخ بها.
ش: فيه مسائل.
(1/372)

الأولى: يجوز نسخ مفهوم المخالفة سواء نسخ الأصل أم لا، ومثال نسخها بدون المنطوق نسخ مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما الماء من الماء)) بقوله: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)) مع بقاء منطوقه، وهو وجوب الغسل من الإنزال.
الثانية: في نسخ الأصل بدون مفهوم المخالفة احتمالان للصفي الهندي وقال: إن أظهرهما أنه لا يجوز، قال: وليس المعنى فيه أنه يرتفع العدم، ويحصل الحكم الثبوتي، بل المعنى فيه أنه يرتفع العدم الذي كان شرعيا ويرجع إلى ما كان عليه من قبل.
الثالثة: لا يجوز النسخ بمفهوم المخالفة، قاله ابن السمعاني، لكن قال الشيخ أبو إسحاق في اللمع بعد حكايته وجها: المذهب الصحيح جوازه.
ص: ونسخ الإنشاء ولو بلفظ القضاء أو الخبر أو قيد بالتأبيد، وغيره مثل صوموا أبدا صوموا حتما، وكذا الصوم واجب مستمر أبدا إذا قاله إنشاء خلافا لابن الحاجب.
ش: هذا معطوف على الإثبات/ (106ب/م) والمتقدم وليس معطوفا على المنفي قبله، وحاصله أن الإجماع منعقد على نسخ الإنشاء في الجملة ولكن اختلف في
(1/373)

صور منها:
إحداها: أن يكون بلفظ (قضى بكذا وكذا) فقال بعضهم: لا يجوز نسخه، لأن لفظ القضاء إنما يستعمل فيما لا يتغير حكمه.
قال الشارح: وهذا القول غريب لا يعرف في كتب الأصول، إنما أخذه المصنف من كتب التفسير.
الثانية: أن يكون بصيغة الخبر نحو: {والوالدات يرضعن أولادهن}. فقال الجمهور: يجوز نسخه باعتبار معناه.
وقال أبو بكر الدقاق: يمتنع باعتبار لفظه.
الثالثة: أن يقيد بالتأبيد جملة فعلية كقوله: صوموا أبدا وغيره، مما هو في معناه كقوله: صوموا حتما، فقال بعض المتكلمين: يمتنع نسخه لئلا يؤدي إلى البداء، وجوزه الجمهور كما يقال: لازم غريمك أبدا، والمراد: إلى أن يقضيك، والمراد هنا إلى وقت النسخ، وحكاه ابن برهان عن المعظم، وقال: القصد به المبالغة لا الدوام.
الرابعة: أن يقيد بالتأبيد جملة اسمية كقوله: الصوم واجب مستمر أبدا،/ إذا قاله على سبيل الإنشاء، فالجمهور على جواز نسخه، ومنعه ابن الحاجب وعلله بأنه خبر، فيلزم من تطرق النسخ إليه الخلف، بخلاف الإنشاء لفظا ومعنى.
واختار المصنف التسوية بين الصورتين نظرا للمعنى.
ص: ونسخ الإخبار بإيجاب الإخبار بنقيضه لا الخبر وقيل:/ (88/أ/د) يجوز إن كان عن مستقبل.
(1/374)

ش: اختلف في جواز نسخ الخبر على مذاهب:
أحدها: المنع مطلقا، وهو مختار المصنف تبعا لابن الحاجب، وحكاه في (المحصول) عن أكثر المتقدمين.
الثاني: الجواز مطلقا، وهو قول الإمام فخر الدين والآمدي.
الثالث: الجواز إن كان مدلوله مستقبلا وإلا فلا، واختاره البيضاوي واستدل عليه بأنه يصح أن يقول السيد لعبده: لا أرضى عنك أبدا، ثم يقول: عاما واحدا.
وقال الخطابي: أنه الصحيح.
هكذا أطلق الجمهور الخلاف، وقال القاضي أبو بكر: يجوز نسخ إيجاب الإخبار بشيء، بإيجاب الإخبار بنقيضه، وهذا هو الذي بدأ المصنف بذكره، واقتضى كلامه نفي الخلاف فيه، وهو مسلم فيما يقبل التغيير كالتكليف بالإخبار بقيام زيد/ (107/أ/م) ثم التكليف بالإخبار بعدمه، لاحتمال كونه قائما عند الأول، وغير قائم عند الثاني، فإن لم يقبل التغيير كحدوث العالم فمنعه المعتزلة بناء على التقبيح العقلي وجوزه أهل السنة.
ص: ويجوز النسخ ببدل أثقل وبلا بدل لكن لم يقع وفاقا للشافعي.
ش: فيه مسألتان:
إحداهما: يجوز النسخ ببدل أثقل كصوم عاشوراء إن قلنا بوجوبه
(1/375)

برمضان، والحبس في البيوت بالزنا بالحد، وترك قتال المشركين لقوله: {ودع آذاهم} بإيجابه، ومنعه ابن داود الظاهري، وذكر ابن برهان أن بعضهم نقله عن الشافعي وليس بصحيح.
الثانية: يجوز النسخ بلا بدل ومنعه أكثر المعتزلة ثم قال أكثر أصحابنا بوقوعه كصدقة النجوى، فإنها وجبت ثم نسخت لا إلى بدل، وتوهم بعضهم أنه أبدل منها الزكاة وهو مردود لأنه تعالى قرن بها الصلاة والطاعة بقوله تعالى: {فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله} وهما فرضان قبل ذلك ولتوقفه على معرفة التاريخ.
وإنما المعنى: رفعناه عنكم، فتمسكوا بما لا بد منه من الصلاة والزكاة وسائر الطاعات.
وذهب الشافعي إلى أنه لم يقع، فقال في (الرسالة): (وليس ينسخ فرض أبدا إلا أثبت مكانه فرض) ووافقه المصنف، لكن أوله أبو بكر الصيرفي على أن المراد بالفرض الحكم، أي إذا نسخ لا بد أن يعقبه حكم آخر، وليس منافيا لكلام أهل الأصول لأنه يرجع إلى ما كان عليه وهو حكم فإن صدقة النجوى
(1/376)

لما/ (88/ب/د) نسخ إيجابها عاد الأمر إلى ما كان عليه من التخيير.
ص: مسألة: النسخ واقع عند كل المسلمين وسماه أبو مسلم تخصيصا فقيل: خالف، فالخلف لفظي.
ش: أشار بالمسلمين إلى مخالفة غيرهم فيه, وهو فرقة من اليهود أحالته عقلا, وهو السمعونية, وأخرى منهم وهم العنانية منعت وقوعه فقط, وثالثة منهم وهم العيسوية قالت بوقوعه.
كذا ذكر ابن برهان والآمدي, وغيرهما, وذهب أبو مسلم الأصفهاني من المعتزلة إلى إنكاره، فقيل: إنما أراد في القرآن كما تقدم عنه، وقيل: خلافه لفظي، لأنه يجعل المعنى في علم الله تعالى كالمعنى في اللفظ، ويسمي الكل تخصيصا ويسوي بين قوله: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} وبين صوموا مطلقا/ (107/ب/م) مع علمه تعالى بأنه سينزل: لا تصوموا ليلا، والجمهور يسمون الأول تخصيصا، والثاني نسخا فالخلاف لفظي.
ص: والمختار أن نسخ حكم الأصل لا يبقى معه حكم الفرع.
ش: إذا نسخ حكم الأصل استمر حكم الفرع عند الحنفية، وقال الجمهور: بل يرتفع، لأنه تابع فيزول بزوال متبوعه ثم سماه بعضهم نسخا.
(1/377)

وعبر المصنف تبعا لابن الحاجب بقوله: (لا يبقى) وهو أحسن، لأنه قد زال حكمه لزوال علته فلا يقال فيه: إنه منسوخ.
ص: وأن كل حكم شرعي/يقبل النسخ ومنع الغزالي نسخ جميع التكاليف والمعتزلة نسخ وجوب المعرفة والإجماع على عدم الوقوع.
ش: ذهب أصحابنا إلى أن كل حكم شرعي يقبل النسخ وخالفهم المعتزلة في مسألتين:
إحداهما: أنهم منعوا نسخ جميع التكاليف ووافقهم الغزالي على ذلك.
ثانيهما: منعوا أيضا نسخ وجوب معرفة الله تعالى، كذا قال المصنف وهو مثال.
ولا يختص الحكم بذلك عندهم، بل منعوا النسخ في كل ما كان بذاته أو بلازم ذاته حسنا أو قبيحا لا يختلف باختلاف الأزمنة، وهو مبني على أصلهم في الحسن والقبح العقليين.
والخلاف في المسألتين في الجواز العقلي مع الإجماع على عدم وقوع ذلك.
ص: والمختار أن الناسخ قبل تبليغه صلى الله عليه وسلم الأمة لا يثبت في حقهم وقيل يثبت بمعنى الاستقرار في الذمة لا الامتثال.
ش: لا يثبت الحكم الشرعي قبل بلوغه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بلغه ثبت حكمه في حقه، وحق كل من بلغه، أو لم يبلغه لكن تمكن من العلم به، فإن لم يبلغه ولا تمكن من العلم به فهو محل الخلاف.
قال الجمهور: لا يثبت لا بمعنى الامتثال ولا بمعنى الثبوت/ (89أ/د) في الذمة.
(1/378)

وقال بعضهم: يثبت بالمعنى.
الثاني: كالنائم، وذكر القاضي أبو بكر أن الخلاف لفظي، وما رجحه المصنف تبع فيه ابن الحاجب وغيره، لكن ابن برهان في (الأوسط) إنما حكاه عن الحنفية، وحكى الثبوت عن مذهبنا ونصره، وهو الموجود لأصحابنا المتقدمين.
وقال ابن دقيق العيد: لا شك أنه لا يثبت/ (108/أ/م) في حكم النائم، وهل يثبت في حكم القضاء إذ هو من الأحكام الوضعية؟ هذا فيه تردد، لأنه ممكن بخلاف الأول لأنه يلزم منه تكليف ما لا يطاق.
قلت: وهو معنى كلام المصنف، فالذي عبر عنه المصنف بالاستقرار في الذمة هو الذي عبر عنه بالقضاء، والذي عبر عنه المصنف بالامتثال هو الذي عبر عنه بالتأثيم والله أعلم.
ص: أما الزيادة على النص فليست بنسخ خلافا للحنفية ومثاره هل رفعت وإلى المأخذ عود الأقوال المفصلة والفروع المبينة.
ش: للزيادة على النص صور:
الأولى: أن يكون المزيد من غير جنس الأول، كزيادة الزكاة على الصلاة، فليست نسخا بالإجماع.
الثانية: أن يكون من جنسه مع استقلاله كزيادة صلاة على الصلوات الخمس، وليس نسخا أيضا عند الجمهور.
وقال بعض أهل العراق: هو نسخ، لأنه بغير الوسط فتتغير الصلاة المأمور بالمحافظة عليها في قوله تعالى: {حافظوا على الصلاوات والصلاة
(1/379)

الوسطى} وأجيب عنه بأجوبة أحسنها: أن الوسطى في الآية ليست من عدد بل هي علم على صلاة معينة، وهو مأخوذ من الوسط وهو الخيار، والفاصل لا يتغير بزيادة صلاة.
الثالثة: أن لا يستقل كزيادة ركعة أو ركوع فقال أصحابنا: ليس نسخا أيضا.
وقال الحنفية: هو نسخ، واختاره بعض أصحابنا ومثار الخلاف أن الزيادة هل رفعت حكما شرعيا فيكون نسخا أو لم ترفع فلا؟ وإلى هذا المأخذ ترجع الأقوال المفصلة في المسألة، كقول عبد الجبار، هي نسخ إن غيرت حكم المزيد عليه، كأن صار لا يعتد به كجعل الصلاة الثنائية رباعية، وإن لم يتغير كضم التغريب إلى الجلد، فليست بنسخ واختاره القاضي، وكقول بعضهم: إن نفاها مفهوم الأول كقوله في (المعلوفة زكاة) بعد قوله: ((في السائمة زكاة)) فنسخ وإلا فلا، واختاره الإمام في (المعالم) وكذلك يرجع إلى هذا المأخذ الفروع المبنية عليها، لأنه إذا رجع المبني عليه إلى ذلك فرجوع المبني إليه أولى.
ص: كذا الخلاف في جزء العبادة أو شرطها.
ش:/ (108ب/م) الخلاف المتقدم في أن الزيادة على النص نسخ يجري في النقصان منه سواء الجزء كنقص ركعة من أربع والشرط/ (89/ب/د) كالطهارة، وفرق بعضهم بينهما فقال: إسقاط الجزء نسخ، وإسقاط الشرط ليس بنسخ، وبه قال عبد الجبار، ووافقه الغزالي في الجزء وتردد/في الشرط.
(1/380)

ص: خاتمة
يتعين الناسخ بتأخره وطريق العلم بتأخره الإجماع أو قوله صلى الله عليه وسلم: هذا ناسخ أو بعد ذلك، أو كنت نهيت عن كذا فافعلوه أو النص على خلاف الأول أو قول الراوي: هذا سابق.
ش: ذكر هنا ما يعرف به الناسخ من المنسوخ، وسماه خاتمة، لتعلقه بسائر أنواع النسخ، وضابطه التأخر، فمتى عرف المتأخر من الدليلين فهو الناسخ، ولذلك طرق:
أحدها: الإجماع، وقد نص عليه الشافعي، ولم يتعرض له كثير من المصنفين، وذلك كنسخ الزكاة بسائر الحقوق المالية، ذكره ابن السمعاني، وكقول حذيفة في وقت سحوره مع النبي صلى الله عليه وسلم: (هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع)، مع الإجماع على تحريم تناول المفطر بطلوع الفجر، كما دل عليه القرآن فالإجماع مبين للنسخ لا ناسخ.
ثانيها: نصه عليه الصلاة والسلام على ذلك كقوله: هذا ناسخ، أو بعد ذلك، كحديث المتعة أو: كنت نهيتكم عن كذا فافعلوه، كقوله: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)).
ثالثها: أن ينص على خلاف الأول مع تعذر الجمع.
(1/381)

رابعها: قول الراوي: هذا سابق كقول جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار).
ص: ولا أثر لموافقة أحد النصين الأصل وثبوت إحدى الآيتين في المصحف وتأخر إسلام الراوي وقوله هذا ناسخ لا الناسخ خلافا لزاعميها.
ش: ذكر في هذه الجملة أشياء قيل: إنه يثبت النسخ بها:
أحدها: كون أحد النصين موافقا للأصل أي البراءة الأصلية، فيكون الناقل عنها ناسخا لأن الأصل عدم العود إلى البراءة بعد الانتقال عنها، وهو ضعيف لجواز أن يكون الموافق للبراءة متقدما مؤكدا لها ثم نسخ.
ثانيها: ثبوت إحدى الآيتين في المصحف قبل الأخرى قيل: إن الثانية ناسخة وهو ضعيف، لأن ترتيب الآيات ليس على ترتيب النزول، وقد قال/ (109/أ/م) هبة الله في الناسخ والمنسوخ: إن قوله تعالى: {لا يحل لك النساء من
(1/382)

بعد} منسوخ بقوله قبل ذلك: {ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك}.
ثالثها: تأخر إسلام راوي أحد الدليلين قيل بدلالته على النسخ، وهو ضعيف لجواز أن يسمع متقدم الإسلام بعده.
رابعها: قول الراوي: هذا ناسخ، لجواز أن يقوله عن اجتهاد وقال/ (90/أ/د) الكرخي: إن عينه فقال: هذا نسخ هذا، لم يرجع إليه، وإن لم يعينه بل قال: هذا منسوخ – قبل، وقيل: يثبت مطلقا وهو ظاهر نص الشافعي حيث قال: (ولا يستدل على الناسخ والمنسوخ إلا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بوقت يدل على أن أحدهما بعد الآخر، أو بقول من سمع الحديث أو العامة) فتناول قوله: (أو بقول من سمع الحديث) قوله: هذا سابق، وقوله: هذا منسوخ، ولم يرد الأولى لدخولها في قوله: أو بوقت يدل على أن أحدهما بعد الآخر، والله أعلم.
أما لو ثبت كون الحكم منسوخا ولم يعرف ناسخه فقال الراوي: هذا الناسخ – فإنه يقبل وهو معنى قول المصنف: (لا الناسخ) وهي مسألة غريبة قل من ذكرها.
(1/383)

ص: الكتاب الثاني في السنة
وهي أقوال محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله.
ش: لم يذكر في تعريفها تقريره عليه الصلاة والسلام لأنه كف عن الفعل والكف فعل عن المختار فهو مندرج في الأفعال.
والمراد من أقواله وأفعاله ما لم يكن على وجه الإعجاز.
وقال الشارح: كان ينبغي أن يزيد (وهمه) فقد احتج الشافعي في (الجديد) على استحباب تنكيس الرداء في الاستسقاء بجعل أعلاه أسفله فإنه عليه الصلاة والسلام هم بذلك فتركه لثقل الخميصة عليه.
قلت: وكذلك همه بمعاقبة المتخلفين عن الجماعة، استدل به على وجوبها، وقد يقال الهم خفي فلا يطلع عليه إلا بقول أو فعل فيكون
(1/384)

الاستدلال بأحدهما فلا يحتاج حينئذ إلى زيادة، والله أعلم.
ص: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون لا يصدر عنهم ذنب ولو سهوا، وفاقا للأستاذ والشهرستاني/وعياض والشيخ الإمام.
ش: الاستدلال بالسنة متوقف على العصمة فلذلك بدأ بالكلام فيها، والمراد بالأستاذ هنا أبو إسحاق الإسفرايني/ (109ب/م) وهذا المذهب أنزه المذاهب، أنه لا يصدر عن الأنبياء ذنب لا كبيرة ولا صغيرة، ولا عمدا ولا سهوا بل طهر الله ذواتهم عن جميع النقائص، وقد حكى ابن برهان هذا عن اتفاق المحققين.
ص: فإذن لا يقر محمد صلى الله عليه وسلم أحدا على باطل، وسكوته ولو غير مستبشر على الفعل مطلقا، وقيل: إلا فعل من يغريه الإنكار، وقيل: إلا الكافر ولو منافقا، وقيل: إلا الكافر غير المنافق دليل الجواز للفاعل، وكذا لغيره خلافا للقاضي.
ش: يتفرع على وجوب العصمة أن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يقر/ (90/أ/د) أحدا على باطل، ولا خلاف في ذلك.
قال الشارح: وإنما قال (أحدا) لئلا يتوهم أنه (لا يقر) بفتح
(1/385)

القاف فيكون خطأ.
واختلفوا فيما إذا فعل فعل بحضرته أو في عصره واطلع عليه ولم ينكره على مذاهب:
أصحها وبه قال الجمهور: أنه دليل على جواز ذلك الفعل لذلك الفاعل وهل تتعين الإباحة أو يحتمل الوجوب والندب أيضا؟ لم يستحضر فيه السبكي نقلا ومال إلى الإباحة لأنه لا يجوز الإقدام على فعل إلا بعد معرفة حكمه فلذلك دل تقريره على الإباحة، وذكر الشارح أن أبا نصر ابن القشيري ذكرها في كتابه في الأصول وحكى التوقف في ذلك عن القاضي ثم رجح حمله على الإباحة لأنها الأصل انتهى.
ولا فرق في دلالة تقريره على الإباحة بين أن يستبشر عليه الصلاة والسلام بذلك الفعل أو لا يوجد منه إلا مجرد السكوت عليه.
الثاني: أن التقرير لا يدل على الجواز إلا في حق من لا يغريه الإنكار على الفعل، فمن أغراه الإنكار على الفعل لا يجب الإنكار عليه كما قال الشاعر:
إذا نهي السفيه جرى إليه وخالف والسفيه إلى خلاف
حكاه ابن السمعاني عن المعتزلة وقال: الأظهر أنه يجب إنكاره ليزول توهم الإباحة.
الثالث: أنه يستثنى من التقرير ما لو كان الفاعل كافرا أو منافقا فلا يدل تقريره على الإباحة، وبه قال إمام الحرمين.
الرابع: أنه لا يستثنى من ذلك إلا الكافر قاله المازري وكما يدل على جوازه للفاعل يدل على جوازه لغيره. قاله الجمهور، لأن الأصل استواء
(1/386)

المكلفين في الأحكام وقال القاضي أبو بكر: لا يتعداه إلى غيره فإن التقرير لا صيغة له.
أما ما فعل في عصره ولم يعلم هل اطلع عليه أم لا فقال الأستاذ/ (110/أ/م) أبو إسحاق: اختلف فيه قول الشافعي، ولهذا جرى له قولان في إجزاء الأقط في الفطرة.
ص: وفعله غير محرم للعصمة وغير مكروه للندرة.
ش: قد عرف انقسام السنة إلى قول وفعل، فمباحث القول سبقت في الكلام على الكتاب، وأما الفعل فلا يمكن أن يصدر منه عليه الصلاة والسلام فعل محرم لما تقرر من عصمته، ولا مكروه لأنه نادر من غيره فكيف منه؟ قال الشارح: وأنا أقول: لا يتصور منه وقوع مكروه فإنه إذا فعل شيئا وكان مكروها في حقنا فليس بمكروه منه، لأنه قصد به بيان الجواز.
قلت: قد يتصور فيما إذا تكرر منه، فإن البيان حصل منه بالفعل الأول، فاستفدنا من قولهم: (أنه لا يقع منه مكروه) أنه إذا فعل المكروه في حقنا لبيان الجواز لا يكره، وكذلك القول/ (91/أ/د) في خلاف الأولى عند من يفرق بينه وبين المكروه، وقد حكى النووي عن العلماء في وضوئه عليه الصلاة والسلام مرة مرة ومرتين مرتين أنه أفضل في حقه من التثليث للبيان.
ص: وما كان جبليا أو بيانا أو مخصصا به فواضح وفيما تردد بين الجبلي والشرعي كالحج راكبا تردد وما سواه إن علمت صفته فأمته مثله في الأصح.
ش: فعل النبي صلى الله عليه وسلم على أقسام:
أحدها: أن يكون جبليا كالقيام والقعود والأكل ونحوها وذكر المصنف
(1/387)

أن حكمه واضح وكأنه أراد بذلك أنه دال على الإباحة فقط لأنه القدر المحقق، والحرام والمكروه منتفيان كما تقدم، وقد قال شيخنا الإمام الإسنوي: إنه لا نزاع في ذلك.
لكن حكى القرافي في (التنقيح) قولا أنه للندب، وجزم به الشارح فقال: أما في الجبلي فالندب لاستحباب التأسي به، وحكى الأستاذ أبو إسحاق فيه وجهين:
أحدهما هذا وعزاه إلى أكثر المحدثين.
قال: والأصل فيه أنه يستدل به على إباحة ذلك.
والثاني: أنه لا يتبع فيه إلا بدلالة. انتهى.
الثاني: أن يكون بيانا لمجمل كالصلاة/المبينة لقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} والقطع من الكوع المبين لقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} فهو واجب عليه صلى الله عليه وسلم لوجوب التبليغ/ (110ب/م) عليه، فإن قلت: لا يتعين التبليغ بالفعل، قلت: لا يخرجه ذلك عن كونه واجبا، فإن الواجب المخير يوصف كل من خصاله بالوجوب.
الثالث: أن يكون من خصائصه كتخيير نسائه، وغير ذلك، فلا يلحق به في ذلك أمته.
وقول الشارح: (إن حكم المخصص به الوجوب) ممنوع، فقد يكون مندوبا وقد يكون مباحا، فالخصائص تنقسم إلى هذه الأقسام، وإلى قسم رابع وهو المحرم عليه، ولكن ذلك لا يمكن صدوره منه كما تقدم والله أعلم.
الرابع: ما تردد بين الجبلي والشرعي، ولم يذكره الأصوليون ومثله المصنف بالحج راكبا، ومن أمثلته أيضا جلسة الاستراحة، فهل تحمل على
(1/388)

الجبلي لأن الأصل عدم التشريع أو الشرعي لأنه عليه الصلاة والسلام بعث لبيان الشرعيات، ينبغي أن يتخرج فيه قولان من القولين في تعارض الأصل والظاهر، ومقتضى ذلك ترجيح الأصل فيكون كالجبلي، لكن كلام أصحابنا في الحج راكبا وجلسة الاستراحة وغيرهما يدل على ترجيح التأسي فيه، وقد حكى الرافعي وجهين في ذهابه إلى العيد في طريق ورجوعه في أخرى، وقال: إن/ (91/ب/د) الأكثرين على التأسي فيه.
الخامس: أن تعلم صفة ذلك الفعل من الوجوب أو الندب أو الإباحة فالأصح أن حكم أمته فيه كحكمه، ومقابله أنهم مثله في العبادات فقط.
ص: وتعلم بنص وتسوية بمعلوم الجهة ووقوعه بيانا أو امتثالا لدال على وجوب أو ندب أو إباحة.
ش: يعلم جهة الفعل من كونه واجبا أو مندوبا أو مباحا بأمور:
أحدها: التنصيص على أحد هذه الأمور.
الثاني: تسويته بفعل قد علمت جهته وأنه من أي هذه الأقسام فيكون حكم الآخر كحكمه.
الثالث: وقوعه بيانا لمجمل، فحكمه حكم ذلك المجمل في الوجوب والندب والإباحة.
فإن قلت: قد تكرر منه ذكر ما كان بيانا لمجمل.
قلت: لا تكرار فيه فالأول أراد به حكم فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بيانا لمجمل وهو الوجوب عليه/ (111/أ/م) كما تقدم، والثاني أراد به حكمه في حقنا، وهو تابع لحكم المجمل.
الرابع: وقوعه امتثالا لنص يدل على أحد هذه الأمور فيلحق به في ذلك.
(1/389)

ص: ويخص الوجوب أماراته كالصلاة بالأذان وكونه ممنوعا لو لم يجب كالختان والحد.
ش: لما ذكر ما يعرف به جهة الفعل من الوجوب والندب والإباحة، ذكر ما يخص الوجوب وهو شيئان.
أحدهما: أن يقترن به أمارة الوجوب أي علامته كاقتران الأذان والإقامة بصلاة، فيدلان على وجوبها لأنهما شعار مختص بالفرائض.
ثانيهما: أن يكون ذلك الفعل ممنوعا منه لو لم يجب، كالختان والحد كقطع السرقة، فإن الجرح والإبانة ممنوع منهما، فجوازهما يدل على وجوبهما ومثل ذلك البيضاوي بالركوعين في صلاة الخسوف، واعترض بأن النووي ذكر في (شرح المهذب) أنه لو صلى صلاة الكسوف كسائر الصلوات صح، ومثله بعضهم بإحداد زوجة المتوفى عنها، وقد نقضت هذه القاعدة بسجود السهو والتلاوة في الصلاة، فإن الأصل المنع منهما، ومع هذا فلم يدل فعله لهما على وجوبهما وذكر البيضاوي.
ثالثا: وهو أن يوافق نذرا كأن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن هزم العدو عني فلله علي صوم يوم، ثم يهزم العدو فيصوم يوما ولم يذكره المصنف لأن النذر لا يتصور منه عليه الصلاة والسلام بناء على أنه مكروه.
ص: والندب مجرد قصد القربة وهو كثير.
ش: قوله: (الندب) معطوف على الوجوب فهو منصوب، أي يخص الندب قصد القربة مجردا عن أمارة دالة على الوجوب، ولا فائدة مقصودة في
(1/390)

قول المصنف: (وهو كثير) وزاد البيضاوي/ (92/أ/د): أن يعلم كونه قضاء لفعل مندوب لأن القضاء يحكى الأداء.
ص: وإن جهلت فللوجوب وقيل للندب وقيل للإباحة وقيل بالوقف في الكل وفي الأولين مطلقا وفيهما إن ظهر قصد القربة.
ش: إذا جهلت جهة الفعل بالنسبة إليه وإلى الأمة ففيه مذاهب:
أحدها: الحمل على الوجوب، وبه قال من الشافعية ابن سريج وأبو علي بن خيران والإصطخري ومال إليه المصنف، وصححه ابن السمعاني/ (111/ب/م) وقال: إنه الأشبه بمذهب الشافعي، لكنه لم يتكلم إلا فيما ظهر فيه قصد القربة.
الثاني: الندب، وهو المحكي عن الشافعي.
الثالث: الإباحة، وهو المحكي عن مالك واختاره إمام الحرمين في (البرهان) واختار ابن الحاجب أنه إن ظهر فيه قصد القربة فالندب وإلا
(1/391)

فالإباحة.
الرابع: الوقف بين الثلاثة حتى يقوم دليل على حكمه، وصححه القاضي أبو الطيب، وحكي عن جمهور المحققين، كالصيرفي والغزالي وأتباعهما، واختاره الآمدي والبيضاوي تبعا للمحصول هنا، لكن جزم فيه في الكلام على جهة الفعل بالإباحة، واختار في (المعالم) الوجوب.
الخامس: الوقف بين الأولين فقط، وهما الوجوب والندب.
السادس: الوقف بينهما فقط، إن ظهر فيه قصد القربة، فإن لم يظهر فيه قصد القربة احتمل الإباحة أيضا وقول المصنف: (وفيهما إن لم يظهر قصد القربة) معكوس وصوابه: (إن ظهر قصد القربة كما قررته).
ص: وإذا تعارض القول والفعل ودل دليل على تكرر مقتضى القول فإن كان خاصا به فالمتأخر ناسخ، فإن جهل فثالثها الأصح الوقف، وإن كان خاصا بنا فلا معارضة فيه، وفي الأمة المتأخر ناسخ إن دل دليل على التأسي فإن جهل التاريخ فثالثها الأصح أنه يعمل بالقول وإن كان عاما لنا وله، فتقدم الفعل أو القول له وللأمة كما مر إلا أن يكون العام ظاهرا فيه فالفعل تخصيص.
ش: التعارض بين شيئين هو تقابلهما على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبه، فإذا تعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله ودل دليل على تكرر مقتضى القول فله أحوال:
الأولى: أن يكون القول خاصا به، فإن عرف المتأخر منهما فهو ناسخ للمتقدم، سواء أكان قولا أو فعلا، وإن جهل فأقوال أصحها الوقف إلى
(1/392)

قيام الدليل، لأن العمل بأحدهما ترجيح من غير مرجح.
والثاني: العمل بالقول لقوته.
والثالث: العمل بالفعل لوضوحه.
الثانية: أن يكون القول خاصا بنا فلا معارضة بينه وبين الفعل فيه-/ (92/ب/د) أي في حقه صلى الله عليه وسلم – لعدم تناوله له، وأما في حقنا فإن لم يقم دليل على التأسي به في الفعل المتقدم فلا تعارض بالنسبة إلينا، لأن حكم الفعل لم يتعلق بنا،/ (112/أ/م) وإن دل دليل على وجوب التأسي به فيه فإن عرف المتأخر منهما فهو الناسخ قولا كان أو فعلا، وإن جهل ففيه الأقوال المتقدمة، وهي الوقف، وتقديم القول وتقديم الفعل لكن الأصح هنا العمل بالقول.
قلت: وكأنه إنما رجح هنا لاحتياجنا إلى العمل بأحدهما فقدمنا القول لقوته وأما في حقه عليه الصلاة والسلام فقد انقطع العمل فكان الأحوط الوقف والله أعلم.
الثالثة: أن يكون القول عاما متناولا له صلى الله عليه وسلم وللأمة، ولا بد مع ذلك من أن يدل دليل على وجوب التأسي به في ذلك الفعل، فإن عرف المتأخر منهما فهو الناسخ قولا كان أو فعلا، وإن لم يعرف عادت الأقوال، ويكون الأصح في حقه عليه الصلاة والسلام الوقف، وفي حقنا العمل بالقول كما تقدم، وعبر المصنف رحمه الله عن هذا بقوله: (فيقدم الفعل أو القول له وللأمة كما مر) أي من التفصيل بين معرفة التاريخ أم لا، وعود الأقوال واختلاف الترجيح بالنسبة إليه وإلينا، وشرحه شارحه بقوله: يعني أن المتأخر ناسخ قولا كان أو فعلا. وفي هذا الشرح قصور لعدم تناوله لحالة جهل التاريخ ولا شك أن قرمطة عبارة المصنف هي التي أوجبت للشارح هذا التقصير.
(1/393)

ثم قيد المصنف ما دل عليه الكلام المتقدم من كون القول المتأخر ناسخا للفعل المتقدم في حقه صلى الله عليه وسلم بما إذا كان تناول القول له نصا، فإن كان بطريق الظهور كأن يقول: هذا الفعل واجب على المكلفين، ونقول: إن المخاطب يدخل في عموم خطابه فيكون الفعل السابق مخصصا لهذا العموم، لأن التخصيص عندنا لا يشترط تأخره عن العام.
قال الشارح: وهذا الاستثناء زاده المصنف على المختصرات.
تنبيه:
أما تعارض القولين فسيأتي في التعادل والتراجيح وأما الفعلان ففي المختصر والمنهاج/الجزم بأنهما لا يتعارضان ووجهه أنه يجوز أن يكون الفعل في وقت واجبا وفي غيره بخلافه، لأن الأفعال لا عموم لها.
قال الشارح: لكن حكى جماعة قولا بحصول التعارض وطلب الترجيح من خارج كما اتفق في صلاة الخوف، ولهذا رجح الشافعي منهما ما هو أقرب لهيئة الصلاة، وقدم بعضهم الأخيرة منهما إذا علم/ (112ب/م).
قلت: ليس/ (93/أ/د) الترجيح هنا بمعنى إلغاء الآخر، فإن جميع الهيئات الواردة في ذلك يجوز العمل بها، والترجيح إنما هو في الأفضلية خاصة، وليس مما نحن فيه، واستثنى ابن الحاجب وغيره من الفعلين ما إذا دل دليل من خارج على وجوب تكرير الفعل له أو لأمته فإن الفعل الثاني حينئذ ناسخ لكن العمل في الحقيقة بذلك الدليل. والله أعلم.
(1/394)

ص: الكلام في الأخبار
المركب إما مهمل وهو موجود خلافا للإمام وليس موضوعا وإما مستعمل والمختار أنه موضوع.
ش: صدر الكلام في الأخبار بمقدمة، وهي أن المركب سواء أكان مهملا أو مستعملا هل هو موضوع للعرب أم لا؟
أما المركب المهمل فقال الإمام فخر الدين: الأشبه أنه غير موجود، لأن الغرض من التركيب الإفادة وتبعه صاحبا (التحصيل) و (الحاصل) وخالفهما البيضاوي ومثل له بالهذيان فإنه لفظ مدلوله لفظ مركب مهمل، ورجحه المصنف.
وما ذكره الأولون إنما يدل على أن المهمل غير موضوع، لا على أنه لم يوضع له اسم وهذا معنى قول المصنف: (إنه ليس موضوعا) بعد قوله: (إنه موجود) فأراد بوجوده وجود اسم دال عليه، وبكونه ليس موضوعا أن نفس ذلك اللفظ المهمل لم تضعه العرب ولا يجوز نسبته إليها لا حقيقة ولا مجازا، وهذا لا خلاف فيه، وأما المركب المستعمل فرجح ابن الحاجب وابن مالك وغيرهما أنه ليس موضوعا، وإلا لتوقف استعمال الجمل على النقل عن العرب كالمفردات ورجح المصنف تبعا للقرافي وغيره أنه موضوع لأن العرب حجرت في التراكيب كما حجرت في المفردات. وقد ظهر لك بهذا التقرير أن الكلام في المهمل والمستعمل ليس على حد سواء، فالكلام في المهمل في وضع اسم دال عليه، وفي المستعمل في وضعه وهل هو وضعته العرب كما وضعت المفردات أم لا؟ وكان ينبغي ذكر الأول في تقسيم
(1/395)

الألفاظ كما فعل البيضاوي والثاني في الوضع.
ص: والكلام ما تضمن من الكلم إسنادا مفيدا مقصودا لذاته.
ش: هذا التعريف لابن مالك في (التسهيل).
فقوله: (ما) جنس بمعنى شيء.
وخرج بقوله: (تضمن من الكلم) الخط والرمز والإشارة وإطلاق الكلام عليها مجاز وخرج ب (الكلم) الكلمة الواحدة/ (113/أ/م) وهو أحسن من قول (المفصل): (ما تركب من كلمتين) لأنه يخرج عنه ما تركب من أكثر منهما، ومن قول ابن الحاجب: (ما تضمن كلمتين) لأنه لا يتناول المركب من كلمتين لأن لفظ التضمن يقتضي أن (93/أ/د) يكون له أجزاء تزيد على الكلمتين.
والمراد بالإسناد تعليق خبر بمخبر عنه، كزيد قائم، أو طلب بمطلوب كاضرب.
وخرج بالمفيد نحو: قولهم: السماء فوقنا فإنه لا يسمى في اصطلاح النحاة كلاما وبالمقصود كلام النائم والناسي والطيور.
وخرج بقولنا: (لذاته) المقصود لغيره، كالجملة التي هي صلة الموصول، فإنه إنما قصد بها إيضاح معنى الوصول.
ص: وقالت المعتزلة: إنه حقيقة في اللساني، وقال الأشعري مرة: في النفساني، وهو المختار، ومرة: مشترك، وإنما يتكلم الأصولي في اللساني.
ش: لا شك في إطلاق الكلام على اللساني والنفساني وهو الفكر التي يدبرها الإنسان في نفسه قبل أن يعبر عنها، وفي التنزيل {ويقولون في أنفسهم} {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور}.
(1/396)

وقال الشاعر:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
واختلف في أنه حقيقة في ماذا على أقوال:
أحدها: إنه حقيقة في النفساني وحكاه المصنف عن المعتزلة، لأنه لم يصر إليه أحد من أئمتنا.
الثاني: إنه حقيقة في النفسي وهو أحد قولي الأشعري/واختاره المصنف تبعا لإمام الحرمين في باب الأوامر من (البرهان).
قال الشارح: ومرادهم في الكلام القديم لا مطلق الكلام فإنهم يوافقون على أنه في الحادث حقيقة في اللفظ، وإنما صار الأشعري في أحد قوليه إلى هذا فرارا من قول المعتزلة المؤدي لخلق القرآن، ومن قول الحشوية بالحرف والصوت المؤدي إلى أن يكون الذات المقدسة محلا للحوادث ولم يرد الأشعري أنه حقيقة لغوية.
الثالث: إنه حقيقة فيهما بالاشتراك وهو أحد قولي الأشعري، وقال إمام الحرمين: إنه الطريقة المرضية عندنا وهو معنى كلام الأشعري، وحكاه في (المحصول) عن المحققين والصفي الهندي عن الأكثرين.
ثم ذكر المصنف أن الأصوليين إنما يتكلمون في اللساني، وقال الإبياري في (شرح البرهان): أهل العربية مطبقون على إطلاق الكلام على الألفاظ.
(1/397)

ص: فإن أفاد بالوضع طلبا فطلب ذكر الماهية استفهام وتحصيلها أو تحصيل الكف عنها أمر ونهي ولو من ملتمس وسائل وإلا فما لا يحتمل الصدق والكذب تنبيه وإنشاء ومحتملهما الخبر.
ش: قسم المصنف المركب أو الكلام إلى أقسام:
أحدها: أن يفيد بالوضع طلب ذكر الماهية وهو الاستفهام.
ثانيها: أن يفيد بالوضع طلب تحصيلها وهو الأمر.
ثالثها: أن يفيد بالوضع طلب الكف عنها وهو النهي.
فقول المصنف: (وتحصيلها أو تحصيل/94/أ/د) الكف عنها أمر ونهي). من اللف والنشر المرتب.
وقوله: (ولو من ملتمس) أي ولو صدر ذلك من ملتمس وهو المساوي في الرتبة (وسائل) وهو الأسفل في الرتبة, فالقسمان داخلان في الأمر بناء على ما سبق أنه لا يشترط فيه علو ولا استعلاء.
وخرج بالوضع الطلب اللازم، كقولك: أطلب منك أن تذكر لي حقيقة الإنسان، أو أن تسقيني ماء، أو أن لا تؤذيني فلا يسمى الأول استفهاما ولا الثاني أمرا ولا الثالث نهيا.
رابعها: أن لا يكون فيه طلب أصلا، أو يكون فيه طلب بلازمه لا بذاته كما تقدم تمثيله ولا يحتمل الصدق والكذب وهو التنبيه والإنشاء فهما لفظان مترادفان فإن سمى بالأول لأنك نبهت به على مقصودك، وبالثاني لأنك ابتكرته من غير أن يكون موجودا قبل ذلك في الخارج من قوله تعالى: {إنا أنشأناهن إنشاء} ويندرج فيه التمني والترجي والنداء والقسم.
والفرق بين الترجي والتمني أن الترجي لا يستعمل إلا في الممكن بخلاف التمني فإنه يستعمل في الممكن والمستحيل تقول: ليت الشباب يعود، ولا
(1/398)

تقول: لعل الشباب يعود.
خامسها: أن لا يكون فيه طلب بذاته، ويحتمل الصدق والكذب وهو الخبر. وذكر الغزالي وغيره أن التعبير بالتصديق والتكذيب أحسن من الصدق والكذب، لأن من الخبر ما لا يحتمل الكذب، كقولنا: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه ما لا يحتمل الصدق كقول القائل: مسيلمة صادق، مع أن كلا من المثالين يحتمل التصديق والتكذيب، ولذلك كذب بعض الكفار الأول، وصدق الثاني وفيه نظر فإن الخبر من حيث هو محتمل الصدق والكذب وسقوط أحد الاحتمالين في بعض الصور لعارض لا يخرجه عن احتمال ماهيته لذلك وأيضا فالتعبير بالتصديق والتكذيب قال في (المحصول) رديء/ (114/أ/م) لأن التصديق والتكذيب كون الخبر صدقا أو كذبا فتعريفه به دور، قال: والحق أن الخبر تصوره ضروري لا يحتاج إلى حد ولا رسم.
ص: وأبى قوم تعريفه كالعلم والوجود والعدم وقد يقال الإنشاء ما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام والخبر خلافه أي ما له خارج صدق أو كذب.
ش: بعد أن يعرف الخبر بما تقدم حكي عن قوم منهم فخر الدين الرازي أنه لا يعرف أي لا بحد ولا برسم لأنه ضروري وقيل بعسره، ونظير ذلك العلة والوجود والعدم فإن كلا منهم قيل فيه ذلك، لأنه ضروري والصحيح فيها خلافه، ثم أشار إلى مقالة أخرى في تعريف الإنشاء والخبر وهي أن الإنشاء ما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام كبعت وتزوجت/ (94/ب/د) وطلقت فإن الشرع/رتب عليها مقتضاها إما مع اللفظ أو آخر جزء منه على الخلاف المشهور في ذلك، والخبر خلافه، أي ما كان مدلوله حاصلا في الخارج قبل الكلام إما على سبيل الصدق أو الكذب، وهذا معنى قول بعضهم الإنشاء يتبعه مدلوله والخبر يتبع مدلوله.
(1/399)

وهذا التعريف للإنشاء أعم من التعريف المذكور أولا لتناوله الطلب فإنه إنما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام ولا خارج له قبل ذلك، فعلى الأول الكلام ثلاثة أقسام: الطلب والإنشاء والخبر. وعلى الثاني قسمان فقط: الإنشاء والخبر والطلب داخل في قسم الإنشاء. وتفسير الإنشاء على الأول: إيقاع لفظ لمعنى يقاربه في الوجود. وعلى الثاني ما لا نسبة له في الخارج، وقد أورد على الثاني الإخبار عن المستقبل نحو: سيقوم زيد فإنه خبر قال الله تعالى: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} مع أنه عند النطق به ليس له خارج صدق ولا كذب فلا يمكن وصفه بذلك.
ص: ولا مخرج له عنهما لأنه إما مطابق للخارج أو لا وقيل بالواسطة فالجاحظ إما مطابق مع الاعتقاد ونفيه أو لا مطابق مع الاعتقاد ونفيه فالثاني فيهما واسطة وغيره: الصدق المطابقة لاعتقاد المخبر طابق الخارج أو لا/ (114ب/م) وكذبه عدمها فالساذج واسطة والراغب: الصدق في المطابقة الخارجية مع الاعتقاد فإن فقد فمنه كذب وموصوف بهما بجهتين.
ش: قد تقرر انقسام الخبر إلى صدق وكذب، ثم اختلفوا هل بينهما واسطة أم لا، فقال الجمهور: لا واسطة بينهما ولا يخرج الخبر عن كونه صدقا أو كذبا، لأنه إما أن يطابق الخارج المخبر عنه أو لا، فإن طابقه فهو صدق وإن لم يطابقه فهو كذب، ولا عبرة باعتقاد المخبر وذهب آخرون إلى أن بينهما واسطة، ثم اختلف هؤلاء على مذاهب:
أحدها: وبه قال الجاحظ: أنه يعتبر في الصدق المطابقة مع اعتقاد المخبر ذلك، وفي الكذب عدم المطابقة مع اعتقاد المخبر ذلك، فإن طابق مع
(1/400)

انتفاء اعتقاد المخبر المطابقة – إما لاعتقاده عدمها وإما لخلوه عن اعتقاد أو لم يطابق مع انتفاء اعتقاد المخبر عدم المطابقة إما لاعتقاده للمطابقة وإما لخلوه عن اعتقاد لم يكن صدقا ولا كذبا، بل هو واسطة بينهما وهي أربعة أقسام وقد تناولها قول المصنف: (والثاني فيهما واسطة) ومراده بالثاني نفي الاعتقاد وقوله: (فيهما) أي في المطابق وغير المطابق، ولا يتوقف ذلك عند/ (95أ/د) الجاحظ على الاعتقاد الجازم بل الظن في معناه، كذا حكاه عنه أبو الحسين في المعتمد، قال: وقد أفسده عبد الجبار بأن ظن المخبر واعتقاده يرجع إليه لا إلى المخبر، فلم يكن شرطا في كونه كذبا.
الثاني: أنه يعتبر في الصدق المطابقة لاعتقاد المخبر خاصة، سواء طابق الخارج أم لا، وفي الكذب عدم المطابقة لاعتقاد المخبر سواء طابق في الخارج أم لا، فيخرج عنهما ما إذا لم يكن للمخبر في ذلك اعتقاد وهو مراد المصنف بالساذج وهو بذال معجمة، قال في (المحكم): أرى أصله ساذه فعرب، فهذا واسطة بينهما لا يسمى صدقا ولا كذبا حكاه المصنف عن غير الجاحظ وذكر الخطيئي ذلك احتمالا في كلام صاحب (التلخيص) لكن صرح صاحب (الإيضاح) في علم المعاني والبيان بأن صاحب هذا القول لا يثبت واسطة بينهما، فعلى هذا يدخل في قوله: (عدمها) ما لا اعتقاد معه، وهذا القول في أصله غريب، وقيل: إنه لم يحكه إلا صاحب (الإيضاح).
الثالث: وهو قول أبي القاسم الراغب، إنه يعتبر في الصدق المطابقة في الخارج مع اعتقاد المخبر ذلك،/ (115/أ/م) كذا أطلق المصنف عنه وإنما اعتبر الراغب هذا في الصدق التام، قال: فإن كان اختل أحدهما لم يكن صدقا تاما، بل فيه تفصيل إن انتفى الاعتقاد ككلام المبرسم لم يوصف بصدق ولا كذب وإن كان مطابقا للخارج دون الاعتقاد كقول المنافقين {نشهد
(1/401)

إنك لرسول الله} فيصح وصفه بالصدق لمطابقته للخارج وبالكذب لمخالفته لاعتقادهم، ولذلك كذبهم الله تعالى.
وقد ظهر لك بهذا التقرير أن قول المصنف: (فقدا) غير مطابق لكلام الراغب فإنه إنما ذكر ذلك في فقد أحدهما، فنقل المصنف عنه محتمل من وجهين. أما إذا فقد أي المطابقة في الخارج والاعتقاد فهو عنده كذب تام.
ص: ومدلول الخبر الحكم بالنسبة لا ثبوتها وفاقا للإمام وخلافا للقرافي وإلا لم يكن شيء من الخبر كذبا.
ش: مدلول الخبر الحكم بثبوت النسبة لا نفس الثبوت، فإذا قلت: زيد قائم، فمدلوله الحكم بثبوت قيامه لا نفس ثبوت قيامه إذ لو كان الثاني لزم منه أن لا يكون شيء من الخبر كذبا، بل يكون كله صدقا، وقد ذكر الإمام هذا في (المحصول) لكنه قال في التعليل: وجب أن لا يكون الكذب خبرا فقال بعضهم: هذا معكوس لأن مقتضاه أن يكون الكذب متحققا لا بصيغة الخبرية، والواقع على هذا التقرير انتفاء الكذب فلهذا قال في (التحصيل): وإلا لم/ (95ب/د) يكن الخبر كذبا وهو تعبير فاسد لإيهامه أن كل خبر كذب، فلذلك عدل عنه المصنف إلى قوله: (شيء من الخبر) وهو تعبير حسن، لكن تعليل الإمام أيضا صحيح، وتقريره أن مدلول النسبة لو كان ثبوتيا لكان الكذب غير خبر لكن اللازم منتف ضرورة أن الكذب أحد قسمي الخبر الذي هو صدق وكذب، فالملزوم مثله وبيان الملازمة أن ثبوت النسبة وقوعها في الخارج فغير الواقع في الخارج ليس خبرا على هذا، وتعليل المصنف أوضح، ولما لم يكن نفس تعليل الإمام لم يصله به، لئلا يتوهم أنه من كلامه، وخالف القرافي في ذلك فقال: إن العرب لم تضع الخبر إلا
(1/402)

للصدق لاتفاق اللغويين والنحويين على أن معنى: (قام زيد) حصول/ (115/ب/م) القيام منه في الزمن الماضي، واحتماله للكذب ليس من الوضع بل من جهة المتكلم كذا قال وهو شاذ.
ص: ومورد الصدق والكذب النسبة التي تضمنها ليس غير كقائم في: (زيد بن عمرو قائم) لا بنوة زيد، ومن ثم قال مالك وبعض أصحابنا: الشهادة بتوكيل فلان بن فلان فلانا شهادة بالوكالة فقط، والمذهب بالنسب ضمنا والوكالة أصلا.
ش: هذه قاعدة مهمة أهملها أهل الأصول وأخذها المصنف من البيانيين كالسكاكي وغيره وتقريرها أن مورد الصدق والكذب في الخبر هو النسبة التي تضمنها الخبر لا واحد من طرفيها وهما المسند والمسند إليه فإذا قيل: (زيد بن عمرو قائم) فقيل: صدقت أو كذبت، فالصدق والكذب راجعان إلى القيام لا إلى النبوة الواقعة في المسند إليه ولهذا قال مالك وبعض الشافعية: إذا شهد شاهدان بأن فلان بن فلان وكل فلانا، فهي شهادة بالوكالة فقط ولا ينسب إليهما الشهادة بالنسب، فليس له عند التنازع في النسب أن يكون قد ثبت نسبي بتلك الشهادة لكن الصحيح عندنا أنها تتضمن الشهادة بالنسب وإن كان أصل الشهادة إنما هو بالوكالة، ذكره الهروي في (الإشراف) والماوردي والروياني، قال الشارح: وينبغي أنه يستثنى من ذلك ما لو كانت صفة المسند إليه مقصودة بالحكم بأن يكون المحكوم عليه في المعنى الهيئة الحاصلة من المسند إليه وصفته، كقوله عليه الصلاة والسلام: ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)) فإن المراد الذي جمع كرامة نفسه وآبائه وكذلك الصفات
(1/403)

الواقعة في الحدود، نحو: الإنسان حيوان ناطق فإن المقصود الصفة/ (96أ/د) والموصوف معا، ولو قصدت الإخبار بالموصوف فقط لعسر الحد. انتهى.
واعلم أنه يرد على هذه القاعدة الحديث المرفوع في صحيح البخاري: ((يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد)) وكذلك استدل الشافعي وغيره على صحة أنكحة الكفار بقوله تعالى: {وقالت امرأت فرعون} قلت: وقد يدعى أن الآية والحديث مما استثناه الشارح من موضع الخلاف، فإن قصد عابدي/ (116/أ/م) المسيح بنسبته إلى الله إقامة حجتهم في عبادته، وأريد في الآية التعجب من صدور هذه المقالة البديعة في الحسن منها مع انتسابها إلى ذلك المتمرد العاتي، ويمكن أن الذي خص ذلك بالنسبة أراد دلالة المطابقة وهذه دلالة تضمن كما تقدم وأن من قال: لا يثبت النسب بذلك لا ينكر هذه الدلالة ولكنه لا يثبت النسب بدلالة التضمن، وإنما يثبتها بدلالة المطابقة، والله أعلم.
تنبيه:
عبر المصنف بقوله (ليس غير) لإنكار بعضهم أن يقال: لا غير، وقال: إنما يقطع (غير) عن الإضافة مع (ليس) فقط، لكن أنكر ذلك ابن بري وسوى بينهما، ويجوز فيه ضم الراء وفتحها، مع التنوين فيهما وتركه، فهذه أربعة أوجه.
ص: مسألة: الخبر إما مقطوع بكذبه كالمعلوم خلافه ضرورة أو استدلالا، وكل خبر أوهم باطلا ولم يقبل التأويل فمكذوب، أو
(1/404)

نقص منه ما يزيل الوهم، وسبب الوضع نسيان أو افتراء أو غلط أو غيرها، ومن المقطوع بكذبه على الصحيح: خبر مدعي الرسالة بلا معجزة أو تصديق الصادق، وما نقب عنه ولم يوجد عند أهله، وبعض المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي على نقله خلافا للرافضة.
ش: الخبر من حيث ذاته محتمل للصدق والكذب كما تقدم لكن قد يعرض له ما يقتضي القطع بكذبه أو صدقه، فالمقطوع بكذبه أنواع:
الأول: ما علم خلافه بالضرورة، كقول القائل: النار باردة. أو بالاستدلال كقول الفيلسوف: العالم قديم.
الثاني: أن يوهم أمراً باطلا من غير أن يقبل التأويل، لمعارضته للدليل العقلي كما اختلق بعض الزنادقة حديثا: أن الله تعالى أجرى فرسا ثم خلق نفسه من عرقها تعالى الله عن ذلك وتردد المصنف في هذا النوع بين أن يكون مكذوبا وبين أن يكون سقط منه على/ (96/ب/د) بعض روايته ما يزيل الوهم.
قال الشارح: وقد مثل له بما ذكره ابن قتيبة في (مختلف الحديث) أنه عليه الصلاة والسلام ذكر سنة مائة: ((أنه لا يبقى على ظهر الأرض يومئذ نفس منفوسة)) وهو خلاف المشاهدة وقد تبين أن لفظه ((لا يبقى على ظهر/ (116/ب/م) الأرض منكم)) فأسقط الراوي لفظة ((منكم)).
الثالث: أن يدعي شخص الرسالة عن الله تعالى بغير معجزة، وهذا ذكره إمام الحرمين، وفصل فيه بين أن يزعم أن الخلق كلفوا تصديقه فيقطع بكذبه
(1/405)

وإلا فلا، لكنه فرضه في دعوى النبوة، ولما فرضه المصنف في دعوى الرسالة لم يحتج لهذا التقييد ولا يخفى أن هذا قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم وأما بعده فيقطع بكذبه مطلقا، لقيام القاطع على أنه خاتم النبيين، وهو راجع إلى القسم الأول وهو ما علم خلافه استدلالا وضم المصنف إلى المعجزة تصديق الصادق، وهو نبي معلوم النبوة قبل ذلك، بصدق هذا المدعي للنبوة في دعواه فلا يحتاج معه إلى معجزة.
الرابع: الخبر المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد استقرار الأخبار، إذا فتش عنه فلم يوجد في بطون الكتب ولا صدور الرواة، ذكره الإمام فخر الدين وسبقه إليه صاحب (المعتمد) وقال القرافي: يشترط استيعاب الاستقراء بحيث لا يبقى ديوان ولا راو إلا وكشف أمره في جميع أقطار الأرض وهو عسر أو متعذر، وقد ذكر أبو حازم في مجلس هارون الرشيد حديثا وحضره الزهري فقال: لا أعرف هذا الحديث فقال: أحفظت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كله؟ فقال: لا، قال: فنصفه؟ قال: أرجو. قال: اجعل هذا في النصف الذي لم تعرفه، هذا وهو الزهري شيخ مالك فما ظنك بغيره؟ نعم إن فرض دليل عقلي أو شرعي يمنع منه، عاد إلى ما سبق.
قلت: ليس هذا مما نحن فيه، لأن الكلام بعد استقرار الأخبار كهذه الأزمنة وقبلها بمدد لما دونت الأحاديث وضبطت، وأما في الأعصار الأولى فقد كانت السنة منتشرة لانتشار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الأمصار، بحيث لا يفتش الآن على الأحاديث من صدور الرواة، وإنما يرجع إلى دواوين الإسلام الحديثية وهي معروفة محصورة، فما لم يوجد فيها لا يقبل من راويه، ومن العجب قوله في هذه الحكاية: إن الزهري وأبا/ (97أ/د) حازم اجتمعا في مجلس هارون
(1/406)

الرشيد، وقد ماتا قبل مجيء الدولة العباسية، وإنما كان اجتماعهما في مجلس سليمان بن عبد الملك.
الخامس: بعض الأحاديث المروية/ (117/أ/م) عن النبي صلى الله عليه وسلم على الإيهام مقطوع بكذبه، لأنه روي عنه أنه قال: (سيكذب علي) فإن كان هذا الخبر صحيحا فقد حصل المدعى لامتناع الخلف في خبره وإن كان كذبا – وهو الواقع، لأنه لا يعرف لهذا اللفظ إسناد – فقد كذب عليه، وضعف هذا الاستدلال لإمكان التزام صحته ولا يلزم وقوع الكذب في الماضي لجواز وقوعه في المستقبل وقد جاء في معنى هذا الحديث ما في مقدمة (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة مرفوعا: ((يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم)).
السادس: الخبر المنقول بطريق الآحاد فيما لم يتوفر الدواعي على نقله، إما لغرابته كسقوط الخطيب عن المنبر يوم الجمعة أو لتعلقه بأصل من أصول الدين كالنص على الإمامة فعدم تواتره دليل على عدم صحته. وخالفت الرافضة في ذلك فادعوا أن النص دل على استحقاق علي رضي الله عنه للإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتواتر ورد عليهم بما ذكرناه.
وللوضع أسباب:
أحدها: نسيان الراوي، بأن يطول عهده بالسماع، فيزيد فيه أو يغير معناه أو يرفعه وهو موقوف.
(1/407)

الثاني: افتراء الزنادقة (تنفيرا) للغفلى عن الشريعة قال حماد بن زيد: وضعت الزنادقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر ألف حديث.
قلت: وكم وضع بعد زمن حماد بن زيد؟
ثالثها: الغلط، بأن يريد الراوي التلفظ بشيء فيسبق لسانه إلى غيره. وقول المصنف: (أو غيرها) قال الشارح: يعني كما ذهب إليه بعض الكرامية من جواز وضع الحديث في الترغيب والترهيب وهو راجع إلى الافتراء.
قلت: بقى لذلك أسباب، منها: الارتزاق والاحتراف فقد كان جماعة يرتزقون بذلك في قصصهم كأبي سعد المدائني ومنها الاحتساب وطلب الأجر كأحاديث فضائل القرآن، ومنها الانتصار لآرائهم كما يفعل الخطابية.
واعلم أن المصنف ذكر سبب الوضع في أثناء أقسام المقطوع بكذبه، ولو أخره إلى استيفائها لكان أولى، والله أعلم.
ص: وإما بصدقه، كخبر الصادق وبعض المنسوب إلى النبي/ (97/ب/د) (117/ب/م) صلى الله عليه وسلم والمتواتر معنى أو لفظا وهو خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن محسوس وحصول العلم آية اجتماع شرائطه ولا تكفي الأربعة وفاقا للقاضى والشافعية، وما زاد عليها صالح من غير ضبط، وتوقف القاضي في الخمسة، وقال الإصطخري: أقله عشرة. وقيل: اثنا عشر. وعشرون، وأربعون، وسبعون،
(1/408)

وثلاثمائة، وبضعة عشر. والأصح: لا يشترط فيه إسلام ولا عدم احتواء بلد، وأن العلم فيه ضروري وقال الكعبي والإمامان: نظري. وفسره إمام الحرمين بتوقفه على مقدمات حاصلة. لا الاحتياج إلى النظر عقيبه، وتوقف الآمدي، ثم إن أخبروا عن عيان فذاك وإلا فيشترط ذلك في كل الطبقات.
ش: وأما المقطوع بصدقه فهو أنواع أيضا.
الأول: خبر الصادق، وهو يتناول خبر الله تعالى، وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم وخبر كل الأمة، لأن الإجماع حجة. واعترض على هذا بأنه إن أريد أنه حجة قطعية كما صرح به الآمدي هنا فهو مخالف لقوله وقول الإمام إنه ظني، وإن أراد أنه حجة ظنية، فالظن لا يفيد القطع.
الثاني: بعض المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم على الإيهام.
الثالث: الخبر الذي بلغت رواته حد التواتر، وسواء أكان التواتر لفظيا: وهو ما اتفق رواته على نقل قضية واحدة، أو معنويا وهو ما نقل رواته قضايا بينها قدر مشترك، كأن ينقل واحد عن حاتم أعطى دنانير وآخر: أعطى دراهم، وآخر: أعطى جمال، فهذه قضايا مختلفة لكن بينها قدر مشترك وهو الإعطاء الدال على الجود.
ثم أخذ المصنف يتكلم على التواتر/اللفظي فعرفه بما حكينا فخرج بالجمع
(1/409)

خبر الواحد، وبقوله: (يمتنع تواطئهم على الكذب) جمع لا يمتنع ذلك فيهم، وزاد بعضهم (بنفسه) ليخرج ما امتنع فيهم ذلك بالقرائن أو موافقة دليل عقلي أو غير ذلك، ولا يحتاج لذلك لأن المفيد للقطع هو مع القرائن، وقوله: (عن محسوس) يدل على أمرين:
أحدهما: أن يكون عن علم لا ظن.
والثاني: أن يكون علمهم مدركا بإحدى الحواس الخمس، هكذا ذكره الإمام فخر الدين والآمدي وأتباعهما/ (118/أ/م) والذي ذهب إليه القاضي أبو بكر وغيره من المتقدمين – وتابعهم إمام الحرمين -: أن المعتبر أن يكون ذلك العلم ضروريا سواء كان عن حس أو قرينة أو خبر فلو أخبروا عن نظر لم يفد العلم، لتفاوت العقلاء في النظر، ولهذا يتصور الخلاف فيه إثباتا ونفيا.
والجمهور على أنه لا يشترط للمخبرين عدد، بل ضابط ذلك حصول العلم فمتى أفاد خبرهم العلم من غير قرينة انضمت إليه فهو متواتر وإلا فلا، ولا يكفي أن يكون عددهم أربعة لأنه لو اكتفى بذلك/ (98/أ/د) لاستغني عن تزكية شهود الزنا، وبه قال القاضي أبو بكر فقال: أقطع بأن قول الأربعة لا يفيد، وأتوقف في الخمسة، وعزى المصنف عدم الاكتفاء بأربعة للشافعية، اعتمادا على قول ابن السمعاني: ذهب أكثر أصحاب الشافعي إلى أنه لا يجوز التواتر بأقل من خمسة فما زاد. وحكي عن الإصطخري: أنه يشترط أن يكون عددهم عشرة والذي في (القواطع) عنه: أنه لا يجوز أن يتواتر بأقل من عشرة، وإن جاز أن يتواتر بالعشرة فما زاد، لأن ما دونها جمع الآحاد فاختص بأخبار الآحاد، والعشرة فما زاد جمع الكثرة، وقيل: اثنا عشر، عدة النقباء الذين بعثهم موسى عليه السلام ليعلموه بأحوال بني إسرائيل.
(1/410)

وقيل: عشرون، لقوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون} وقيل: أربعون لقوله تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} وكانوا عند نزول الآية أربعين.
وقيل: سبعون، لقوله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين} وقيل: ثلاثمائة وبضعة عشر، عدة أهل بدر لحصول العلم بخبرهم للمشركين، أو لأن الواقعة تواترت بهم. والبضع بكسر الباء: ما بين الثلاثة إلى التسعة وهذه الأقاويل ضعيفة جدا، فإنه لا تعلق لشيء من هذه الأعداد بالأخبار، وبتقدير أن يكون لها بها تعلق ليس فيها ما يدل على كون ذلك العدد شرطا لتلك الوقائع، ولا على كونه مفيدا للعلم
ثم ذكر المصنف مسائل من التواتر:
الأولى: أنه لا يشترط في رواة المتواتر الإسلام خلافا لابن عبدان من الشافعية ولا ألا يحصيهم عدد ولا يحيط بهم بلد خلافا لقوم لأن أهل الجامع لو أخبروا بسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة أفاد العلم.
الثانية: اختلفوا في أن/ (118ب/م) العلم الذي يفيده التواتر ضروري أو نظري: فقال
(1/411)

بالأول الجمهور.
أي: يلزم التصديق به عند اجتماع شرائطه بالضرورة، وقال بالثاني الكعبي وإمام الحرمين والإمام فخر الدين فأما إمام الحرمين فقد صرح بالبرهان بموافقة الكعبي لكنه فسر النظري بتوقفه على مقدمات حاصلة، وأنه ليس المراد الاحتياج إلى نظر عقبه وقال: إن هذا مراد الكعبي، وأما الإمام فخر الدين ففي (المحصول) موافقته للجمهور، وتوقف في ذلك الآمدي وقبله الشريف المرتضى.
الثالثة: إن أخبر عدد التواتر عن معاينة فأمره واضح، وإن لم يخبروا عن معاينة اشترط وجود الجمع الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب في جميع الطبقات، وهو معنى قولهم: لا بد في التواتر من استواء الطرفين والواسطة. ومن هنا يعلم أن المتواتر قد ينقلب آحادا عند الاندراس.
تنبيه:
بقي من أقسام المقطوع به/ (98/ب/د) ما علم مدلوله ضرورة كقولنا: الواحد نصف الاثنين أو استدلالا كقولنا: العالم حادث. وأن يخبر جمع عظيم عن أحوال أنفسهم فنقطع بأن فيهم صادقا وإن لم يتعين. والخبر المحفوف بالقرائن عند جماعة كما سيأتي.
ص: والصحيح ثالثها أن علمه لكثرة العدد: متفق للسامعين وللقرائن قد يختلف، فيحصل لزيد دون/عمرو. وأن الإجماع على وفق خبر لا يدل على صدقه وثالثها: يدل إن تلقوه بالقبول. وكذلك بقاء خبر تتوفر الدواعي على إبطاله خلافاً للزيدية. وافتراق
(1/412)

العلماء بين مؤول ومحتج خلافا لقوم. وأن المخبر بحضرة قوم لم يكذبوه – ولا حامل على سكوتهم – صادق. وكذا المخبر بمسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ولا حامل على التقرير والكذب، خلافا للمتأخرين وقيل: يدل إن كان عن دنيوي.
ش: فيه مسائل:
الأولى – وهي من بقايا مسائل المتواتر – أنه هل يجب اطراد حصول العلم بالمتواتر لكل من بلغه أو يمكن حصول العلم لبعضهم دون بعض؟ فيه ثلاثة أقوال:
ثالثها – وهو الراجح عند المصنف تبعا للصفي الهندي: إن كان حصول العلم لمجرد كثرة العدد اطرد، وهذا معنى قول المصنف (إن علمه متفق) أي تتفق: الناس كلهم في العلم به ولا يختلفون وإن/ (119/أ/م) كان لإحفاف قرائن به اضطرب فقد يحصل لبعضهم دون بعض. وفيه نظر، فإن الخبر الذي لم يحصل العلم فيه إلا بانضمام القرينة إلى الخبر ليس من التواتر بل لا بد أن يكون حصول العلم بمجرد روايتهم.
الثانية: إذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث وانعقد الإجماع على العمل على وفقه فهل يدل ذلك على القطع بصدقه؟ فيه مذاهب:
أصحها: لا لاحتمال أن يكون للإجماع مستند آخر.
والثاني. نعم، وبه قال الكرخي.
والثالث: أن مجرد العمل لا يدل على صدقه، بل إن تلقوه بالقبول حكم بصدقه، وإلا فلا، حكاه إمام الحرمين عن ابن فورك.
قال الشارح: واعلم أنهما مسألتان:
(1/413)

إحداهما: الإجماع على وفقه من غير أن يتبين أنه مستندهم، وفيها قولان في أنه هل يدل على صدقه قطعا أم لا.
والثانية: أن يجمعوا على قبوله والعمل به، ولا خلاف أنه يدل على صدقه وإنما الخلاف في أنه هل يدل عليه قطعا أو ظنا: فالجمهور من أصحابنا على القطع، وذهب القاضي أبو بكر وإمام الحرمين إلى الظن، وجمع المصنف فيهما ثلاثة أقوال، ومقتضاه أن الصحيح أنه لا يدل على صدقه وإن تلقوه بالقبول، وهذا لا يقوله أحد. انتهى.
قلت: الحق أن الجمع بين المسألتين، تخليط فإنه ليس بينهما قدر جامع، فإن الأولى في العمل على وفقه من غير أن يستدلوا به والثاني في معرفته والعمل به وتلقيه بالقبول فكان الواجب إفراد كل منهما/ (99/أ/د) عن الأخرى.
الثالثة: قالت الزيدية: بقاء نقل خبر مع توفر الدواعي على إبطاله يقتضي القطع بصحته كقوله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم لعلي رضي الله عنه: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) وقوله: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)) فقد سار نقلهما في زمن الأمويين مع توفر دواعيهم على إبطالهما، وخالفهم الجمهور، وقالوا: قد يشتهر خبر الواحد بحيث يعجز العدو عن إخفائه.
الرابعة: إذا ورد حديث فافترق العلماء فيه فمنهم من قبله واحتج به ومنهم من أوله – دل ذلك على القطع بصحته عند طائفة منهم ابن السمعاني والأكثرون على خلافه، لأن المظنون كالمقطوع في العمل به.
(1/414)

الخامسة: إذا أخبر واحد بخبر بحضرة جمع كثير بحيث لا يخفى/ (119/ب/م) على مثلهم عادة حاله، وسكتوا عن تكذيبه، ولا حامل لهم على السكوت من خوف أو رجاء – هل يدل على القطع بصحته؟
قال الجمهور: نعم. وقال آخرون: ليس بقطعي لاحتمال مانع من التكذيب واختاره الإمام فخر الدين والآمدي.
السادسة: إذا أخبر إنسان بأمر والنبي صلى الله عليه وسلم يسمعه، فلم ينكر عليه، مع أنه لا حامل له على ترك الإنكار، بأن يكون قد بين الحكم قبل ذلك، والمخبر معاند، لا ينفع فيه الإنكار – ففيه مذاهب:
أحدها – وهو الذي اختاره المصنف -: إن ذلك يدل على صدقه.
والثاني: لا، وحكاه المصنف عن المتأخرين، ومنهم الآمدي وابن الحاجب.
والثالث: التفصيل، فإن كان ذلك الأمر دنيويا لم يدل ذلك على صدقه، فإنه عليه الصلاة والسلام لم يبعث لبيان الدنيويات وإن كان دينيا دل على صدقه قاله في (المحصول) وما عرفت معنى ذكر المصنف هنا الكذب مع التقرير فليحرر.
ص: وأما مظنون الصدق فخبر الواحد، وهو ما لم ينته إلى التواتر ومنه المستفيض، وهو الشائع عن أصل وقد يسمى مشهورا وأقله اثنان وقيل: ثلاثة.
ش: لما ذكر المقطوع بكذبه والمقطوع بصدقه ذكر قسما ثالثا وهو مظنون
(1/415)

الصدق، وهو خبر العدل الواحد/والمراد به ما لم ينته إلى التواتر ولو زادت رواته على واحد، ومن خبر الواحد نوع يسمى المستفيض والمختار في تعريفه أنه الشائع عن أصل، فخرج الشائع لا عن أصل يرجع إليه فإنه مقطوع بكذبه، كذا قال الشارح، وقد يقال: من أين يجيء القطع؟ وجوابه أن ذلك مستفاد من عدم الإسناد، فلما لم ينقله راو دل على أن ذاكره اختلقه. ثم ذكر أن المستفيض قد يسمى مشهورا فهما لفظان مترادفان، وأقل عدد الاستفاضة اثنان وقيل: ثلاثة، وقيل: ما زاد/ (99/ب/د) على ذلك، وجزم الآمدي وابن الحاجب بالثلاثة، وحكى الرافعي في الشهادات عن الشيخ أبي حامد وأبي إسحاق المروزي وأبي حاتم القزويني أن أقل ما يثبت به الاستفاضة سماعه من اثنين، وإليه ميل إمام الحرمين.
قال: واختار ابن الصباغ وغيره سماعه من عدد يمتنع تواطؤهم على الكذب، قال: وهو أشبه بكلام الشافعي. انتهى.
وقال ابن فورك: إن المستفيض يفيد القطع. فجعله من أقسام المتواتر.
ص: مسألة: خبر/ (120/أ/م) الواحد لا يفيد العلم إلا بقرينة وقال الأكثر: لا مطلقا وأحمد: يفيد العلم مطلقا، والأستاذ وابن فورك: يفيد المستفيض علما نظريا.
ش: اختلف في أن خبر الواحد هل يفيد العلم أم لا؟
على أقوال: أحدها: أنه يفيده إن احتفت به قرائن كإخبار ملك بموت ولده مع سماع الصياح من داره، وخروجه مع جنازته على هيئة غير معتادة،
(1/416)

وإلا فلا وهو اختيار المصنف وفاقا لإمام الحرمين والغزالي والإمام والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي.
الثاني: أنه لا يفيد العلم مطلقا، ولو احتفت به قرائن، وبه قال الأكثرون.
الثالث: أنه يفيد العلم مطلقا، وحكاه الباجي عن أحمد بن حنبل وابن خويز منداد، وقال أبو الحسين: حكي عن قوم أنه يقتضي العلم الظاهر وعنوا به الظن.
الرابع – وبه قال الأستاذ أبو إسحاق وابن فورك – أنه إن كان غير مستفيض لم يفد العلم وإن كان مستفيضا أفاد العلم النظري، بخلاف المتواتر فإنه يفيد العلم الضروري.
ص: مسألة: يجب العمل به في الفتوى والشهادة إجماعا، وكذا سائر الأمور الدينية، قيل: سمعا، وقيل: عقلا. وقالت الظاهرية: لا يجب مطلقا. والكرخي: في الحدود وفي ابتداء النصب. وقوم: فيما عمل الأكثر بخلافه، والمالكية: فيما عمل أهل المدينة. والحنفية: فيما تعم به البلوى أو خالفه راويه أو عارض القياس. وثالثها في معارض القياس إن عرفت العلة بنص راجح على الخبر ووجدت قطعا في الفرع – لم يقبل، أو ظنا فالوقف وإلا قبل: والجبائي: لا بد من اثنين أو اعتضاد وعبد الجبار: لا بد من أربعة في الزنا.
ش: يجب العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة بالإجماع، والمراد في الفتوى واحد، وفي الشهادة اثنان، ويؤخذ من ذلك من طريق الأولى العمل به في الأداء والحروب وسائر الأمور الدنيوية كإخبار طبيب أو مجرب بضرر شيء أو نفعه، وتبع المصنف في تعبيره في ذلك بالوجوب/ (100/أ/د) البيضاوي وعبر في
(1/417)

(المحصول) بالجواز، واختلف في العمل به في الأمور الدينية الظنية على أقوال:
أحدها: وبه قال الجمهور – وجوبه: ثم قال أكثرهم: دل على ذلك السمع فقط، وقال أبو العباس بن سريج والقفال الشاشي – من أصحابنا – وأبو الحسين/ (120ب/م) البصري من المعتزلة -: دل عليه العقل أيضا. فكان ينبغي للمصنف أن يقول: وقيل: وعقلا.
القول الثاني: أنه لا يجب العمل به مطلقا، وعزاه المصنف للظاهرية.
قال الشارح: وإنما يعرف عن بعضهم كالقاشاني وابن داود كما نقله ابن الحاجب، بل قال ابن حزم: مذهب داود أنه يوجب العلم والعمل جميعا. والذين ذهبوا إلى عدم وجوب العمل به افترقوا فقالت فرقة: سببه عدم دليل شرعي أو عقلي على ذلك وقالت فرقة: سببه قيام دليل سمعي على عدم العمل به. وقالت فرقة: قيام الدليل العقلي على منع التعبد به.
الثالث – وبه قال الكرخي -: إنه لا يعمل به في الحدود خاصة، لأن الآحاد شبهة والحدود/تدرأ بها.
(1/418)

الرابع – وبه قال بعض الحنفية -: أنه لا يقبل في ابتداء النصب، وإن قبل في أثنائها فيقبل فيما زاد على خمسة أوسق، لأنه فرع، ولا يقبل في ابتداء نصاب الفصلان والعجاجيل، لأنه أصل.
الخامس: أنه لا يقبل فيما عمل الأكثر بخلافه، قاله بعضهم، وهو ضعيف، لأن قول البعض ليس بحجة.
السادس: أنه لا يقبل فيما عمل أهل المدينة بخلافه وبه قال المالكية ولهذا نفوا خيار المجلس.
السابع: أنه لا يقبل فيما تعم به البلوى، كنقض الوضوء بمس الذكر، أو خالفه راويه كالغسل من ولوغ الكلب سبعا، فإن راويه أبا هريرة أفتى بثلاث. أو عارض القياس كخبر المصراة، وعزاه المصنف للحنفية، لكن نقل عنهم البيضاوي أنهم اشترطوا فقه الراوي إذا خالف القياس وهو صريح في أنهم لا يردونه مطلقا، وسيأتي في كلام المصنف.
وفي خبر الواحد المخالف للقياس مذهبان آخران:
أحدهما – وهو الصحيح – تقديم الخبر مطلقا، وقال الباجي: إنه الأصح عندي من قول مالك فإنه سئل عن حديث المصراة فقال: أو لأحد في هذا الحديث رأي.
ثانيهما: وهو المختار عند الآمدي وابن الحاجب -: التفصيل في ذلك، فإن عرفت علة ذلك القياس بنص راجح على الخبر ووجدت في الفرع قطعا، لم يقبل الخبر. وإن كان وجودها فيه ظنا فالوقف وإن لم تعرف العلة بنص راجح قبل الخبر ولو عبر المصنف/ (121/أ/م) بالتقديم كان أولى من تعبيره بعدم القبول.
الثامن – وبه قال أبو علي الجبائي -: أن خبر الواحد لا يقبل إلا إن
(1/419)

رواه اثنان أو اعتضد: إما بظاهر/ (100/ب/د) أو عمل بعض الصحابة أو كونه منتشرا حكاه عنه أبو الحسين في (المعتمد) وهو أعرف بمذهبه من إمام الحرمين حيث نقل عنه في (البرهان) اعتبار العدد مطلقاً.
التاسع: أنه إن كان خبر الواحد في الزنا لم يقبل إلا برواية أربعة, حكاه المصنف عن القاضي عبد الجبار, والذي في (المعتمد) لأبي الحسين أن عبد الجبار، حكاه عن الجبائي ومقتضى كلام الغزالي في (المستصفى) في حكاية هذا القول: التعميم في كل خبر، فإنه قال: (وقال قوم: لا بد من أربعة، أخذا من شهادة الزنا) فإن صح ذلك فهو قول عاشر. والله أعلم.
ص: مسألة: المختار – وفاقا للسمعاني وخلافا للمتأخرين -: أن تكذيب الأصل الفرع لا يسقط المروي ومن ثم لو اجتمعا في شهادة لم ترد وإن شك أو ظن والفرع العدل جازم، فأولى بالقبول وعليه الأكثر.
ش: إذا كذب الأصل الفرع، وقال: (لم أحدثك بهذا) أو: (ليس هذا من حديثي) فهل يسقط ذلك المروي؟
فيه قولان:
أحدهما: نعم، وحكاه المصنف عن المتأخرين، وحكاه ابن السمعاني عن الأصحاب وذكر إمام الحرمين أن القاضي أبا بكر عزاه للشافعي وحكى الصفي الهندي الإجماع عليه.
الثاني: لا وهو الذي اختاره المصنف تبعا لابن السمعاني وجزم به الماوردي والروياني في الأقضية، وقالا: لا يقدح ذلك في صحة الحديث، إلا
(1/420)

أنه لا يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل، ومما استدل به على عدم إسقاط المروي أن ذلك لا يقدح في الراوي ولهذا لو اجتمعا في شهادة – أي الأصل والفرع – لم ترد، ومقتضى كلام المصنف الاتفاق على هذا، لكن قال الصفي الهندي: لا يصير واحد منهما بعينه مجروحا بذلك، وإن كان لا بد من جرح أحدهما لا بعينه كالبينتين المتكاذبتين./ (121/ب/م).
قال: ويظهر فائدته في قبول رواية كل منهما وشهادته إذا انفرد، وعدم قبول روايته وشهادته مهما اجتمعا ولو كان في غير ذلك الحديث. أما إذا لم يجزم الأصل بتكذيب الفرع، بل ظن ذلك أو شك فيه، مع جزم الفرع بروايته – عنه فقال المصنف: أنه أولى بالقبول، وعليه الأكثر وفيه وجهان لأصحابنا:
أحدهما: لا تقبل كالشهادة على الشهادة، وبه قال أكثر الحنفية كما حكاه بعضهم.
وأصحهما: القبول، لجواز نسيان الأصل ويقع ذلك كثيرا، وقد صنف فيه الدارقطني والخطيب، والفرق بينه وبين الشهادة زيادة الاحتياط في الشهادة.
قال القاضي أبو بكر: وهو مذهب الدهماء من العلماء/والفقهاء من أصحاب مالك والشافعي/ (101/أ/د) وأبي حنيفة.
وخرج بقول المصنف: (والفرع جازم) ما إذا كان شاكا فلا تقبل روايته
(1/421)

قطعا، أو ظانا فقال الصفي الهندي: إن كان الأصل شاكا فالأشبه أنه من صور الخلاف، وإن كان هو أيضا ظانا عدم تحديثه له فالأشبه أنه من صور الوفاق على عدم القبول، والضابط: أنه متى تعادل قولهما فهي صورة اتفاق وإن رجح قول الفرع فهو من محل الخلاف.
ص: وزيادة العدل مقبولة إن لم يعلم اتحاد المجلس وإلا فثالثها الوقف، ورابعها: إن كان غيره لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة لم تقبل والمختار وفاقا للسمعاني: المنع، إن كان غيره لا يغفل أو كانت تتوفر الدواعي على نقلها، فإن كان الساكت عنها أضبط أو صرح بنفي الزيادة على وجه يقبل تعارضا.
ش: إذا زاد عدل في رواية حديث زيادة لم يذكرها الباقون نحو ما في (صحيح مسلم) وغيره من رواية أبي مالك الأشجعي عن ربعي، عن حذيفة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((جعلت لنا الأرض مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا)) فهذه الزيادة تفرد بها أبو مالك الأشجعي، وسائر الرواة قالوا: ((جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا)) ففيه أقوال:
أحدها: إنها مقبولة إن لم يعلم اتحاد المجلس سواء علم اختلافه أو جهل ذلك فإن علم اتحاد المجلس/ (122/أ/م) الذي سمع فيه الراويان ذلك الحديث لم
(1/422)

يقبل.
الثاني: القبول مطلقا، نص عليه الشافعي وحكاه الخطيب البغدادي عن جمهور الفقهاء والمحدثين وادعى ابن طاهر اتفاق المحدثين عليه، وهو الصحيح.
الثالث: عدم القبول مطلقا، وحكي عن الحنفية وعزاه ابن السمعاني لبعض أهل الحديث، وقال الأبهري: تحمل الزيادة على الغلط.
الرابع: الوقف للتعارض، فإن من يثبت الزيادة يعارض من ينفيها.
الخامس: إن كان غير الراوي للزيادة لا يغفل مثله عن مثلها في العادة، لم تقبل وإلا قبلت وبه قال الآمدي وابن الحاجب.
السادس: أنها غير مقبولة إن كان غير الراوي لها لا يغفل عن مثلها، أو كانت مما تتوفر الدواعي على نقله، وإلا قبلت، واختاره المصنف وعزاه لابن السمعاني.
قال الشارح: والذي رأيته في (القواطع) بعد أن صحح القبول قال: واعلم أن على موجب هذه الدلالة ينبغي أن من ترك الزيادة لو كانوا جماعة لا يجوز أن يغفل جماعتهم عن تلك الزيادة وكان المجلس واحدا ألا تقبل الزيادة. ثم قال: في الحجاج مع الخصوم: قد بينا أن الذي ترك الزيادة لو كانوا جماعة لا يجوز عليهم الغفلة ينبغي ألا تقبل رواية هذا الواحد/ (101/ب/د)
قال الشارح: وينبغي أن يقول الجماعة: إنهم لم يسمعوه، فإنهم إذا لم يقولوا ذلك يجوز أنهم رووا بعض الحديث ولم يرووا البعض لغرض لهم. انتهى.
ثم جزم المصنف بأنه متى كان الساكت عن رواية الزيادة أضبط من الراوي لها أو صرح بنفي الزيادة على وجه يقبل تعارضا ولم تقدم الزيادة.
وتبع في ذلك الإمام فخر الدين، ومقتضى كلامهما إخراج هذه الصورة عن
(1/423)

محل الخلاف لكن نقل الإبياري في شرح (البرهان) الخلاف فيها، فقال: قال قائلون: هو تعارض.
وقال آخرون: الإثبات مقدم.
قال: وهذا هو الظاهر عندنا فإنه إذا لم يكن بد من تطرق الوهم إلى أحدهما، لاستحالة حديثهما، وامتنع الحمل على تعمد/ (122/ب/م) الكذب – لم يبق إلا الذهول والنسيان، والعادة ترشد أن نسيان ما جرى أقرب من تخيل ما لم يجر، وحينئذ فالمثبت أولى. انتهى.
وقول المصنف: (على وجه يقبل) من زيادته على كلام الإمام، وكأنه أراد به ما إذا كان النفي مخصوصا فإنه لا يقبل إلا كذلك فأما النفي المطلق فغير مقبول.
تنبيه:
عبارة المصنف تقتضي أنه إذا لم يعلم اتحاد المجلس فهي مقبولة قطعا، وأن ذلك ليس من مجمل الخلاف وهو فيما إذا علم بعدده تابع للإبياري وابن الحاجب والصفي الهندي، لكن أجرى فيه ابن السمعاني التفصيل المذكور فيما إذا علم اتحاد المجلس، وفيما إذا جهل الأمر فيه بتابع للإبياري لكن قال الآمدي: حكمه حكم المتحد وأولى بالقبول ومقتضاه جريان الخلاف فيه.
ص: ولو رواها مرة وترك أخرى فكراويين، ولو غيرت إعراب الباقي تعارضا، خلافا للبصري، ولو انفرد واحد عن آخر قبل عند الأكثر، ولو أسند وأرسلوا أو وقف ورفعوا فكالزيادة.
ش: فيه مسائل تتعلق بزيادة الثقة:
الأولى: الكلام المتقدم مفروض فيما إذا كان راوي الزيادة غير راوي الناقصة فلو أنه راو واحد رواها مرة وتركها مرة، فحكمه كما لو صدر ذلك من راويين ويعود فيه ما تقدم وقال في (المحصول): إن العبرة بما وقع منه
(1/424)

أكثر فإن استوت قبلت أيضا.
الثانية: إذا غيرت الزيادة إعراب الباقي، كأن يروي أحدهما: (في أربعين شاة شاة) ويروي الآخر: (نصف شاة) فقد تغير إعراب الشاة رفعا وجرا، فقال الأكثرون كما قال الصفي الهندي -: يتعارضان فلا يقبل أحدهما إلا بمرجح.
وقال أبو عبد الله البصري: لا فرق بين تغير الإعراب وعدمه لأن الموجب/ (102/أ/د) للقبول زيادة العلم، وهو حاصل مع تغير الإعراب.
الثالثة: لو كان الراوي للزيادة واحدا، وللناقصة واحدا، فالأكثرون على أنها كحالة التعدد لقبول خبر الواحد، ومقابله قول الجبائي في اشتراط العدد ولا حاجة لذكر هذه المسألة هنا، لأن قبول/ (123/أ/م) الواحد الفرد قد عرف الخلاف فيه وهذه مرتبة على تلك.
الرابعة: لو أسند راو الحديث – أي ذكر صحابيه – وأرسل الباقون فلم يذكروا الصحابي أو وقف راوي الحديث على الصحابي ورفعه الباقون إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فهو كزيادة الثقة فيعود فيه ما سبق ويكون الراجح قبول قول المسند والرافع لما معهما من زيادة العلم ورجح آخرون الإرسال والوقف،
(1/425)

ومنهم من رجح قول الأحفظ، ومنهم من رجح قول الأكثر.
ص: وحذف بعض الخبر جائز عند الأكثر إلا أن يتعلق الحكم به.
ش: قال الأكثرون: يجوز للراوي أن يقتصر على بعض الحديث ويحذف باقيه إذا لم يكن للمحذوف تعلق بالمذكور، كأن يكون غاية له نحو: (لا تباع الثمرة حتى تزهو) أو استثناء نحو: (لا يباع البر بالبر إلا سواء بسواء).
ومقابله فيما حكاه إمام الحرمين وغيره قولان: الجواز والمنع.
والتجويز مع تعلق المحذوف بالمذكور بعيد، وقد صرح الإبياري والصفي الهندي بأنه لا خلاف في منعه، وهو الحق.
ص: وإذا حمل الصحابي – قيل: أو التابعي – مرويه على أحد محمليه المتنافيين فالظاهر حمله عليه، وتوقف أبو إسحاق الشيرازي وإن لم يتنافيا فكالمشترك في حمله على معنييه، فإن حمله على غير ظاهره فالأكثر على الظهور، وقيل: على تأويله مطلقا، وقيل: يحمل على تأويله.
إن صار إليه، لعلمه بقصد النبي صلى الله عليه وسلم إليه.
ش: إذا روى الصحابي حديثا فيه لفظ مشترك وحمله على أحد معنييه، فله حالتنان:
(1/426)

إحداهما: أن يكونا متنافيين، كالقرء المشترك بين الطهر والحيض، فالظاهر اتباعه فيه، وحمله على ذلك المعنى، وتوقف فيه الشيخ أبو إسحاق.
قال الشارح: كذا حكاه عنه، وعبارته في (اللمع): (وإذا احتمل اللفظ أمرين احتمالا واحدا، فصرفه إلى أحدهما، كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه حمل قوله عليه الصلاة والسلام: ((الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء)) على القبض في المجلس، فقد قيل: إنه يقبل، لأنه أعرف بمعنى الخطاب وفيه نظر عندي) انتهى.
الثانية: ألا يتنافيا فهو كسائر المشتركات/ (123ب/م) عند من يحمل المشترك على معنييه في الحمل على معنييه، ولا يختص بما حمله عليه الصحابي. فإن قلنا: لا يحمل على جميعها، ففي (البديع) أن المعروف حمله على ما عينه، لأن الظاهر أنه لم يحمله عليه إلا لقرينة، قال: ولا يبعد أن يقال/ (102/ب/د): لا يكون تأويله حجة على غيره.
قال الشارح: وينبغي تقييد كلام المصنف في الحمل على جميعها بما إذا لم يجمعوا على أن المراد أحدهما، وجوزوا كلا منهما. ثم استشهد لذلك ثم قال: والخلاف – كما قاله الهندي فيما إذا قال ذلك لا بطريق التفسير للفظه، وإلا فتفسيره، أولى بلا خلاف.
أما إذا لم يكن من مروي باب المشترك، بل كان له ظاهر، فحمله على
(1/427)

غير ظاهره ففيه مذاهب:
أصحها – وبه قال الأكثرون: حمله على ظاهره قال الآمدي: وفيه قال الشافعي: كيف أترك الخبر لأقوال أقوام لو عاصرتهم لحججهم.
الثاني: أنه يحمل على تأويله مطلقا، لأنه لا يقوله إلا بتوقيف، وحكي عن أكثر الحنفية.
والثالث – وبه قال أبو الحسين البصري: أنه يحمل على تأويله إن صار إليه، لعلمه بقصد النبي صلى الله عليه وسلم من مشاهدته قرائن تقتضي ذلك فإن جهل وجوز أن يكون لظهور نص أو قياس أو غيرهما، وجب النظر في الدليل فإن اقتضى ما ذهب إليه عمل به، وإلا فلا.
تنبيه:
فرض الجمهور المسألة في الصحابي، ومنهم من أجراه في التابعي أيضا، ومقتضى كلام المصنف في (التخصيص) ترجيحه، وجعله هنا مرجوحا.
قال الشارح: ولا بد من التقييد بكونه من الأئمة.
ص: مسألة: لا يقبل مجنون وكافر وكذا صبي في الأصح، فإن تحمل فبلغ فأدى قبل عند الجمهور.
(1/428)

ش: يشترط فيمن تقبل روايته شروط.
أحدها: كونه عاقلا، فلا تقبل رواية المجنون.
قال الشارح: والمراد بالجنون: المطبق، أما المنقطع فإن أثر جنونه في زمن إفاقته لم تقبل، وإلا قبل، قاله ابن السمعاني في (القواطع).
قلت: لا يحتاج لذكر ذلك، فإنه في حال الإفاقة – إذا لم يستمر به الخبل – ليس مجنونا، فإن استمر به الخبل فهو في تلك الحالة مجنون، إلا أن أحوال المجنون تختلف والله أعلم.
ثانيها: كونه مسلما، فلا تقبل رواية الكافر، سواء علم من دينه التحرز عن الكذب أم لا، هذا في المخالف في القبلة أما الموافق فيها كالمبتدع الذي يكفر ببدعته/ (124/أ/م) كالمجسمة إن كفرناهم فسيأتي الكلام فيه.
ثالثها: البلوغ، فلا تقبل رواية الصبي غير المميز بلا شك، وكذا المميز على الصحيح، وادعى القاضي أبو بكر الإجماع عليه، لكن يستثنى من ذلك الإذن في دخول الدار، وحمل الهدية، فيقبل قوله فيهما على الصحيح إن لم يجرب عليه الكذب، وكذا إخباره بطلب صاحب الوليمة لإنسان فإنه يجب به الإجابة كما صرح به الماوردي وكذا الروياني، إلا أنه اشترط أن يقع في قلب المدعو (103/أ/د) صدقه، وفي باب الأذان من شرح (المهذب) للنووي: عن الجمهور قبول روايته فيما طريقه المشاهدة دون ما طريقه الاجتهاد، وسبقه إلى ذلك المتولي ومحل الخلاف فيه أيضا أن يكون المخبر به رواية محضة، فلو أخبر برؤية الهلال وجعلناه رواية لم يقبل جزما، ولم يخرجوه على الخلاف.
فإن تحمل قبل البلوغ وأدى بعده، فقال الجمهور: إنه يقبل، للإجماع على قبول رواية أحداث الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم كابن عباس وابن الزبير وغيرهما، من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده.
قال الشارح: ولو قال المصنف: (فبلغ أو أسلم فأدى) لكان
(1/429)

أحسن ليشمل ما لو تحمل في حال كفره ثم أسلم وأدى، والحكم سواء على الصحيح.
قلت: هذه الصورة لا خلاف فيها، إنما الخلاف في التحمل صبيا والله أعلم.
ص: ويقبل مبتدع يحرم الكذب، وثالثها: قال مالك: إلا الداعية.
ش: اختلف في قبول رواية المبتدع على أقوال:
أحدها: قبول روايته، إلا أن يستحل الكذب لنصرة مذهبه أو غيره. فإن الاتفاق على أنه لا تقبل روايته.
قال الشافعي: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقهم واختاره المصنف تبعا للإمام والبيضاوي.
والثاني: المنع من ذلك مطلقا، وهو قول القاضي أبي بكر واختاره الآمدي وعزاه للأكثر وابن الحاجب.
والثالث: التفصيل بين أن يكون داعية إلى مذهبه فترد روايته، أو غير داعية فلا، وعزاه المصنف لمالك، والخطيب لأحمد، ونقل ابن حبان من المحدثين الاتفاق عليه، وعزاه ابن الصلاح للأكثرين وقال: إنه أعدل المذاهب وأولاها.
تنبيه:
لا فرق في جريان/ (144ب/م) هذا الخلاف بين أن يكون ذلك المبتدع يكفر ببدعته كالمجسمة إن كفرناهم، أم لا، ولذلك أطلق المصنف الخلاف والترجيح.
(1/430)

ص: ومن ليس فقيها – خلافا للحنفية – فيما يخالف القياس والمتساهل في غير الحديث، وقيل: يرد مطلقا، والمكثر وإن ندرت مخالطته للمحدثين إذا أمكن تحصيل ذلك القدر في ذلك الزمان.
ش: فيه مسائل:
الأولى: لا يشترط في الراوي أن يكون فقيها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فرب حامل فقه غير فقيه)).
وحكى المصنف عن الحنفية اشتراط فقهه فيما إذا روى ما يخالف القياس، كحديث المصراة ولم يحكه الشيخ أبو إسحاق عنهم إلا فيما خالف قياس الأصول لا مطلق القياس ولم يحكه صاحب (البديع) منهم إلا عن فخر الإسلام منهم خاصة بشرط، فحكى عنه أنه إن كان الراوي من المجتهدين، كالخلفاء الراشدين والعبادلة (103/ب/د) قدم الخبر على القياس لأنه يقيني الأصل والقياس ظنية أو من الرواة كأبي هريرة وأنس، فالأصل العمل بما لم يوجب الضرورة تركه كحديث المصراة فإنه معارض بالإجماع في ضمان العدوان بالمثل أو القيمة، وقد تكررت هذه المسألة لقول المصنف فيما تقدم قريبا: (أو عارض القياس).
الثانية: إذا كان الراوي يتساهل في أحاديث الناس مع تحرزه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم فروايته مقبولة على الصحيح. وقيل: ترد رواية المتساهل مطلقا ونص عليه أحمد أما المستاهل في الحديث فلا خلاف في أنه لا يقبل، كما قاله في (المحصول) وغيره.
(1/431)

الثالثة: إذا أكثر الراوي من الروايات مع قلة مخالطته لأهل الحديث فإن أمكن تحصيل ذلك القدر في ذلك الزمان، قبلت روايته وإلا ردت كلها ذكره في (المحصول).
ص: وشرط الراوي العدالة، وهي ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة، وهوى النفس، والرذائل المباحة كالبول في الطريق.
ش: يشترط في قبول رواية الراوي كونه عدلا، والعدالة لغة: التوسط وشرعا ملكة أي هيئة راسخة في النفس تمنعها عن اقتراف الكبائر.
والصغائر الدالة على الخسة كسرقة لقمة وتطفيف/ (125/أ/م) حبة عمدا، واستثنى الحليمي من كون هذا القسم من الصغائر: ما إذا كان المسروق منه مسكينا محتاجا إلى المأخوذ منه فتكون كبيرة، ولم يحتج إلى ذكر الإصرار على الصغائر، لأن الإصرار عليها يصيرها كبيرة، وقوله: (وهوى النفس) أي تمنعه عن هوى النفس.
قال الشارح: وهذا من تفقه والده فإنه قال: لا بد عندي في العدالة من وصف لم يتعرضوا له، وهو الاعتدال عند انبعاث الأغراض حتى يملك نفسه عن اتباع هواه، فإن المتقي للكبائر والصغائر الملازم للطاعة والمروءة قد يستمر على ذلك ما دام سالما من الهوى فإذا غلبه هواه خرج عن الاعتدال وانحل عصام التقوى وانتفاء هذا الوصف هو المقصود من العدول، قال تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} انتهى.
قلت: إن أراد المصنف أن تلك الملكة تمنع وجود هوى النفس – وهو ظاهر كلامه وكلام الشارح – فهذا مردود فليس يعتبر في العدل، ألا يهوى خلاف الحق، وإنما المعتبر فيه ألا يوقعه الهوى في الباطل، فمن خالف هواه
(1/432)

فهذا من أكمل العدول، ولا تظهر ثمرة التقوى إلا إذا هوي الإنسان غير الحق، فأما إذا كان هوى الإنسان تابعا للحق واجتمعا في جانب واحد، فلا تظهر ثمرة التقوى وإن أراد المصنف أن تلك الملكة تمنعه عن اقتراف الكبائر والصغائر الخسة ولو هويتها النفس، فهذا داخل في كلامهم، ومتى لم تمنعه من ذلك فليست ملكة، فمن لم يمتنع من الكبائر إلا إذا لم يهواها ليس عدلا ولا فيه تلك الملكة (104/أ/د) ولا يحتاج إلى هذا لدخوله في إطلاقهم، وقوله: (والرذائل المباحة كالبول في الطريق) أي: وما في معناه من الأكل في الطريق وعشرة من لا يليق به عشرته، فإنه دال على عدم/ (125/ب/م) اكتراثه باستهزاء الناس، وهذا هو المراد بالمحافظة على المروءة بأن يسير سيرة أمثاله زمانا ومكانا.
قال الغزالي: إلا أن يكون ممن يقصد كسر النفس، وإلزامها التواضع كما يفعله كثير من العباد.
فإن قلت: التعبير بالكبائر والرذائل يخرج اقتراف كبيرة واحدة أو رذيلة واحدة مع أنه مخل بالعدالة.
قلت: المراد الجنس فيصدق بالواحد، وبتقدير إرادة الجمع فإذا قويت تلك الملكة على دفع الجمع فهي على دفع الواحد أقوى.
فإن قلت: اجتناب الرذائل المباحة ليس جزءا من حقيقة العدالة وإن اشترط في قبول الشهادة فإن اسم العدالة صادق بدونه.
قلت: قسم الماوردي المروءة المشترطة في قبول الشهادة ثلاثة أقسام، وجعل منها قسما شرطا في العدالة، وهو مجانبة ما يستحق من الكلام المؤدي إلى الضحك وترك ما قبح من الفعل.
قال: فمجانبة ذلك من المروءة المشترطة في العدالة، وارتكابها مفسق انتهى.
(1/433)

ص: فلا يقبل المجهول باطنا، وهو المستور، خلافا لأبي حنيفة وابن فورك وسليم، وقال إمام الحرمين: يوقف، ويجب الانكفاف إذا روى التحريم إلى الظهور، وأما المجهول ظاهرا وباطنا فمردود إجماعا وكذا مجهول العين، فإن وصفه نحو الشافعي بالثقة فالوجه قبوله وعليه إمام الحرمين خلافا للصيرفي والخطيب، وإن قال: لا أتهمه فكذلك، وقال الذهبي: ليس توثيقا.
ش: إذا تقرر اشتراط العدالة ترتب على ذلك رد رواية المجهول، فإن الشرط لا بد من تحققه وهو أقسام:
أحدها: من جهلت حاله باطنا لا ظاهرا وهو المستور، والمشهور رد روايته، وقبله أبو حنيفة ومن أصحابنا ابن فورك وسليم الرازي.
وقال ابن الصلاح: يشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة بهم. انتهى.
وذكر صاحب (البديع) أن أبا حنيفة إنما قبل ذلك في صدر الإسلام حيث كان الغالب على الناس العدالة فأما اليوم فلا بد من التزكية لغلبة الفسق.
وقال إمام الحرمين: يتوقف إلى أن يتبين حاله، فلو روى لنا مستور ما يقتضي تحريم شيء تقرر عندنا حله، وجب الانكفاف عنه إلى الظهور.
قال الشارح: وهذا إذا أمكن البحث عنه فلو فرض/ (126/أ/م) اليأس من ذلك فهذه مسألة اجتهادية، فالظاهر أنه لا يجب الانكفاف وانقلبت الإباحة
(1/434)

كراهة.
القسم الثاني: مجهول الحال باطنا وظاهرا، وهو مردود الرواية بالإجماع كذا حكاه المصنف، وفيه نظر فقد (104/ب/د) نقل ابن الصلاح الخلاف في ذلك.
القسم الثالث: مجهول العين، وهو من لم يرو عنه إلا واحد، وقيل: من لم يرو عنه إلا اثنان، حكاه ابن عبد البر، ومقتضى كلام المصنف الإجماع على رد روايته وهو مصرح به في بعض نسخه فقال: أما المجهول باطنا وظاهرا ومجهول العين فمردودان إجماعا لكن الخلاف في ذلك موجود ثم محل رد روايته: إذا لم ينضم إلى ذلك توثيق إمام له، فإن وثق مع رواية واحد عنه اكتفي بذلك، ذكره أبو الحسين بن القطان وهو واضح، لأن من وثقه لم يوثقه إلا بعد معرفة عينه، وما زلت أعجب من رد المحدثين رواية مجهول العين، وكيف لا تثبت العين برواية ثقة عنه، وأي معنى لتوقف ثبوت عينه على رواية اثنين عنه مع الاكتفاء في معرفة حاله بتوثيق واحد؟
وقوله: (فإن وصفه) قال الشارح: الضمير فيه عائد إلى أقرب مذكور وهو مجهول العين، لا مطلق المجهول، ومراده به نحو: حدثني رجل أو امرأة أو إنسان ووصفه الراوي عنه بالثقة أو قال: أخبرني الثقة كما يقع للشافعي كثيرا.
قلت: هذا تخليط من المصنف والشارح، فليس المراد بمجهول العين من لا يسمى، وإنما المراد به من يسمى، لكن لم يرو عنه إلا واحد كما تقدم وأما هذه فمسألة أخرى وهي التوثيق على الإبهام من غير تسمية المروي عنه، فذهب أبو بكر الصيرفي والخطيب إلى عدم الاكتفاء بذلك، لأنه لو سماه فقد يعرف غيره من جرحه ما لا يعرفه هو.
واختار المصنف أن من كان إماما عارفا بأسباب الجرح والتعديل واختلاف العلماء في ذلك قبل منه، وإلا فلا، وحكاه عن إمام الحرمين ثم ذكر أنه لو
(1/435)

قال: (حدثني من لا أتهم) كان في معنى قوله: (حدثني الثقة) أي: في قبوله من مثل الشافعي دون غيره، وليس المراد أنه مثله في المرتبة ولكنه مثله في مطلق القبول ثم حكى عن شيخه الحافظ أبي عبد الله الذهبي أن ذلك ليس توثيقا بل نفي للتهمة، ولم يتعرض لإتقانه ولا لأنه حجة.
قال المصنف: وهو صحيح غير أن هذا إذا وقع من الشافعي محتجا به على مسألة في دين الله فهي والتوثيق سواء في أصل الحجة، وإن كان مدلول اللفظ لا يزيد على ما ذكره الذهبي فمن ثم خالفناه في مثل الشافعي أما من ليس مثله فالأمر على ما وصفه شيخنا رحمه الله.
قال الشارح: والعجب اقتصاره على نقله عن الذهبي مع أن ذلك قاله طوائف من فحول أصحابنا ثم حكاه عن أبي بكر الصيرفي والماوردي والروياني/ (105/أ/د).
قلت: هؤلاء منعوا القبول في قوله: (حدثني الثقة) أيضا، فسووا بين اللفظين والمحكي عن الذهبي انحطاط قوله: (من لا أتهم) عن قوله (الثقة) وأنه لا يلزم من كونه لا يتهمه أن يكون ثقة، والله أعلم.
ص: ويقبل من أقدم جاهلا على مفسق مظنون أو مقطوع في الأصح.
ش: يقبل رواية من أقدم على فعل أمر يقتضي الفسق لشبهة اقتضت عنده جواز الإقدام عليه، سواء أكان دليلنا على فسقه ظنيا أو قطعيا فالأول كقول الشافعي في الحنفي الشارب للنبيذ من غير سكر: (أحده وأقبل شهادته).
والثاني: كقوله: (أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، لأنهم يشهدون بالزور لموافقيهم).
(1/436)

وهنا تنبيهات:
أحدها: يحتمل أن يكون قول المصنف: (في الأصح) راجعا إلى المقطوع، ويكون قبوله رواية مظنون الفسق متفقا عليه، فيوافق كلام (المحصول) ويحتمل أن يعود إليهما فيوافق قول الصفي الهندي: الأظهر ثبوت الخلاف فيه أيضا.
ثانيها: كان ينبغي أن يستثني من قول المقطوع بفسقه المتدين بالكذب، وقد استثناه الشافعي بقوله: (إلا الخطابية).
ثالثها: في التعبير عن ذلك بالجهل نظر، وكان ينبغي التعبير عنه بالإقدام عليه بتأويل كما مثلناه، أما الإقدام عليه للجهل بكونه فسقا فلم يتعرض له في الأصول، وذكره الماوردي فقال في المختلف فيه كشرب النبيذ والنكاح بلا ولي، إن فعله معتقدا تحريمه فكبيرة، وإن لم يعتقد/ (127/أ/م) تحريمه ولا إباحته مع علمه بالخلاف فيه فوجهان قال البصريون بفسقه لتركه الاسترشاد في الشبهات تهاونا بالدين، وقال البغداديون: لا يفسق، لأن اعتقاد الإباحة أغلظ من التعاطي، ولا يفسق معتقد الإباحة.
رابعها: قد عرفت صورة المسألة، فلا يخفى عليك أنه لو قامت عليه بينة بارتكاب مفسق، مجمع عليه أنه غير مقبول، وإن كانت البينة المذكورة إنما أفادت الظن لا القطع، والله أعلم.
ص: وقد اضطرب في الكبيرة فقيل: ما توعد عليه بخصوصه وقيل: ما فيه حد. والأستاذ والشيخ الإمام: كل ذنب، ونفيا الصغائر والمختار وفاقا لإمام الحرمين: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة.
ش: في حد الكبيرة أوجه:
(1/437)

أحدها: أنها ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة هذه عبارة أصل (الروضة) ولم يقيد المصنف الوعيد بكونه شديدا، فيحتمل أن ذلك لأن كل وعيد من الله تعالى فهو شديد، ويكون ذلك من الوصف اللازم، وقوله: (بخصوصه) أي: لم يندرج ذلك تحت عموم وعليه يدل قوله: (بنص) ولا يحتاج إلى التصريح/ (105/ب/د) بأن ذلك الوعيد في الكتاب والسنة لأن الوعيد لا يكون إلا فيهما.
الثاني: إنها المعصية الموجبة لحد، قال الرافعي: وهم إلى ترجيح هذا أميل.
والأول أكثر ما يوجد لهم وهو أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر أي لأن الربا وأكل مال اليتيم وقطع الرحم والعقوق ونحوها من الكبائر مع أنه لا حد فيها، واعتمد صاحب (الحاوي الصغير).
الثاني: لقول الرافعي: إنهم إلى ترجيحه أميل.
الثالث: أنها ما نص الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حد، حكاه الرافعي عن أبي سعد، الهروي بزيادة لم يذكرها المصنف، وهي ترك فريضة تجب على الفور والكذب في الشهادة والرواية واليمين، ولم يذكر الشارح هذا القول.
الرابع: أنها كل ذنب ولا صغيرة في الذنوب، وهذا/ (127/ب/م) قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني وبه قال القاضي أبو بكر والإمام وابن القشيري، وحكاه ابن فورك عن الأشاعرة وحكاه المصنف عن والده، وما كان ينبغي حكاية هذا القول في ضبط الكبيرة لأمرين:
أحدهما: أن القائل به ينكر الصغيرة فلا تحتاج الكبيرة عنده إلى ضبط بل سائر المعاصي كبائر.
الثاني: أن الخلاف بينه وبين الجمهور لفظي، فإنه لا يقول بسقوط العدالة بكل ذنب، قال القرافي: كأنهم كرهوا تسمية معصية الله صغيرة إجلالاً له عز وجل، مع أنهم وافقوا في الجرح أنه لا يكون بمطلق المعصية، وأن من
(1/438)

الذنوب ما يكون قادحا في العدالة، وما لا يقدح هذا مجمع عليه وإنما الخلاف في التسمية والإطلاق والصحيح التغاير لقوله تعالى: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} فجعلها رتبا وسمى بعض المعاصي فسقا دون بعض.
وفي الصحيح: (الكبائر سبع) فخص الكبائر ببعض الذنوب ولأن ما عظمت مفسدته أحق باسم الكبيرة.
قلت: وقوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} صريح في انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر فلذلك قال الغزالي: لا يليق إنكار الفرق بينهما وقد عرفا من مدارك الشرع، والله أعلم.
الخامس: قاله إمام الحرمين في (الإرشاد) وغيره، واختاره المصنف: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة.
قال الإمام: وكل جريمة لا تؤذن بذلك بل تنفي حسن الظن بصاحبها لا تحبط العدالة.
قال: وهذا أحسن ما يميز أحد الضدين عن الآخر.
وقال الواحدي: الصحيح أنه ليس لها حد تعرفه العباد بل أخفاها الله تعالى عنهم ليجتهدوا في اجتناب المناهي خشية الوقوع فيها، كإخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر.
(1/439)

ص: كالقتل والزنا، واللواط، وشرب الخمر، ومطلق المسكر، والسرقة، والغصب، والقذف، والنميمة، وشهادة الزور،/ (106أ/د) واليمين الفاجرة وقطيعة الرحم، والعقوق/ (128/أ/م) والفرار، ومال اليتيم وضرب المسلم وسب الصحابة وكتمان الشهادة، والرشوة، والدياثة، والقيادة، والسعاية، ومنع الزكاة، ويأس الرحمة، وأمن المكر، والظهار، ولحم الخنزير، والميتة، وفطر رمضان، والغلول، والمحاربة، والسحر، والربا، وإدمان الصغيرة.
ش: لما ذكر الخلاف في ضابط الكبائر شرع في تفصيلها.
فإن قيل: كان ينبغي أن يبدأها بالكفر فإنه أكبر الكبائر كما قال عليه الصلاة والسلام لما سئل: أي الذنب أعظم؟: ((أن تجعل لله ندا وهو خلقك)).
قلت: كلامه في قادح العدالة بعد ثبوت وصف الإسلام.
الأولى: القتل والمراد به العمد وشبه العمد، إذا كان على وجه التعدي دون الخطأ، قاله شريح الروياني، وقال الحليمي: إن قتل أبا أو ذا رحم في الجملة أو أجنبيا محرما بالحرم أو في شهر حرام فهو فاحشة فوق الكبيرة.
الثانية: الزنا ففي الصحيح عده الكبيرة.
(1/440)

الثالثة: اللواط، فهو في معنى الزنا بل أفحش وقد أهلك الله به قوم لوط عليه السلام، ويلحق به وطء الزوجة أو الأمة في الموضع المكروه.
الرابعة: شرب الخمر بل مطلق المسكر وإن لم يكن خمرا فإنها تختص بعصير العنب، ولا فرق بين أن يكون ذلك القدر يسكر أم لا ويلحق به كل مزيل للعقل بلا ضرورة.
وقال شريح الروياني: إذا شرب المعتقد لمذهب الشافعي نبيذا هل تكون كبيرة؟ وجهان.
وقال الحليمي: من مزج خمرا بمثلها من الماء فذهبت شدتها فشربها صغيرة، واستغربه المصنف في (الطبقات).
قال الشارح: وليس بغريب بل هو جار على المذهب لأن المنع حينئذ للنجاسة لا للإسكار.
الخامسة: السرقة، وتعليل ذلك بوجوب الحد فيها، ويقتضي أن المراد سرقة نصاب من حرز مثله بلا شبهة.
السادسة: الغصب، للوعيد عليه بقوله عليه الصلاة والسلام: ((من ظلم قيد شبر من الأرض/ (128/ب/م) طوقه يوم القيامة من سبع أرضين)) ولعنة فاعله بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لعن الله من غير منار الأرض أو سرق منار الأرض)) رواه مسلم، وقيده العبادي وشريح الروياني وغيرهما بغصب ما قيمته ربع دينار وقال الحليمي: سرقة التافه صغيرة إلا إذا كان المسروق منه مسكينا، لا غنى به عن المسروق منه، فيكون كبيرة.
(1/441)

قال الشارح: لا من جهة السرقة بل من جهة الأذى، ويأتي مثله في الغصب.
السابعة: القذف أي بالزنا أو اللواط، للوعيد عليه في القرآن، وفي الصحيح عده من السبع الموبقات، ومحله في غير عائشة رضي الله عنها، فقذفها كفر لتضمنه تكذيب القرآن، وقال/ (106/ب/د) ابن عبد السلام: الظاهر أن من قذف محصنا في خلوة بحيث لا يسمعه إلا الله والحفظه أن ذلك ليس بكبيرة موجبة للحد، لانتفاء المفسدة.
قال الشارح: وإنما يظهر ذلك في الصادق دون الكاذب لجرأته على الله تعالى ويستثنى من تحريم القذف ما إذا علم الزوج زنا زوجته، فيباح له ذلك، بل يجب إن كان ثمة ولد علم أنه ليس منه، وكذا يباح القذف في جرح الراوي والشاهد.
الثامنة: النميمة وهي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم قال تعالى: {مشاء بنميم} وفي الصحيحين: ((لا يدخل الجنة نمام)).
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة)) فعنه أجوبة.
(1/442)

أحدها: أن المراد في كبير تركه والاحتراز عنه.
والثاني: أن المراد ليس كبيرا في اعتقادكم كما قال تعالى: {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم}
والثالث: أن المراد أنه ليس أكبر الكبائر، ويدل لكونه كبيرة قوله في بقية الحديث عقب ما حكيناه (بلى إنه لكبير) وهو في صحيح البخاري.
وتباح النميمة إذا كان فيها دفع مفسدة كإخبار من عزم على قتله بغير حق بذلك، وقد يفهم من سكوت المصنف عن الغيبة أنها صغيرة وهو ما حكاه الرافعي عن صاحب (العدة) وفيه نظر لورود الوعيد عليها في الكتاب والسنة وذلك ضابط الكبيرة كما تقدم عن الرافعي أنه أكثر ما يوجد/ (129/أ/م) لهم، وقد نقل القرطبي في تفسيره الإجماع على أنها كبيرة.
قال الشارح: وظفرت بنص الشافعي في ذلك.
التاسعة: شهادة الزور وقد تقرر في الأدلة السمعية الو عيد عليها، وفي الصحيحين أنها من أكبر الكبائر، قال القرافي: ومقتضى العادة أنها ليست كبيرة إلا إذا عظمت مفسدتها، لكن الشرع جعلها فسوقا مطلقا وإن لم يثبت بها على المشهور عليه غير فلس.
العاشرة: اليمين الفاجرة ففي الصحيح: ((من اقتطع حق مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار)) قيل: يا رسول الله ولو كان شيئا يسيرا؟ فقال: ((ولو كان قضيبا من أراك)).
الحادية عشر: قطيعة الرحم، وهي فعيلة من القطع، وهو ضد الوصل،
(1/443)

والرحم القريب من جهة الأب أو الأم، وفي التنزيل: {وتقطعوا أرحاكم} وفي الصحيح: ((لا يدخل الجنة قاطع رحم)) كذا نقل الرافعي عن صحاب (العدة) أنها كبيرة ثم قال: إن للتوقف فيه مجالا.
قلت: وهل تختص القطيعة بالإساءة أم تتعدى إلى ترك الإحسان؟ فيه نظر والأول أقرب، والله أعلم.
الثانية عشر: العقوق ففي الصحيحين أنه من أكبر الكبائر والمشهور اختصاصه بالوالدين.
وقال الشارح: لم يقيده بذلك لما في الحديث: (الخالة بمنزلة الأم) صححه الترمذي وعلى قياسه العم أب، وفي الصحيح: ((عم الرجل صنو أبيه)) قلت: لا يمكن أن يتخيل/ (107/أ/د) في الخالة والعم أن مخالفتهما في الإثم كمخالفة الوالدين، وإنما هما من جملة الأقارب فقطيعتهما قطيعة رحم، وليس في الحديثين المذكورين عموم، فلا يلزم من كونها بمنزلتها وكونه صنوه أن يكون ذلك في جميع الأمور، والله أعلم.
الثالثة عشر: الفرار من الزحف، وهو من السبع الموبقات، وفي التنزيل
(1/444)

{ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير}.
الرابعة عشر: أخذ مال اليتيم بغير حق، وعبر بالآية بالأكل لأنه أعم وجوه الانتفاع، وفي الصحيح عده من السبع الموبقات.
وقال الشيخ عز الدين في (القواعد) / (129/ب/م): نص الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر فإن وقعا في مال خطير فظاهر وإن وقعا في حقير كزبيبة أو تمرة فهو مشكل، يجوز أن يجعل كبيرة قمعا عن المفسدة كشرب قطرة خمر، ويجوز ضبطه بنصاب السرقة.
الخامسة عشر: الخيانة في الكيل أو الوزن، وفي معناهما الزرع قال تعالى: {ويل للمطففين}.
قال الشارح: ومطلق الخيانة أيضاً من الكبائر, قال الله تعالى: {إن الله لا يحب الخائنين}
السادسة عشر: تقديم الصلاة على وقتها وتأخيرها عنه من غير عذر يبيح ذلك كالسفر وغيره، وعليه حمل الحديث الذي رواه الترمذي: ((من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر)) وفهم من
(1/445)

ذلك تركها بالكلية.
وقال ابن حزم: لا ذنب بعد الشرك أعظم من ترك الصلاة حتى يخرج وقتها، وقتل مؤمن بغير حق.
السابعة عشر: الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) ولا يخفى تقييد إطلاق المصنف بالتعمد فإنه يصدق مع الخطأ على المشهور.
وقال الشيخ أبو محمد الجويني: إن الكذب عليه كفر.
قال الشارح: ولا شك أن تعمد الكذب عليه في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض، وإنما الخلاف في تعمده فيما سوى ذلك، قال: وتقييد المصنف يوهم أن الكذب على غيره ليس بكبيرة وليس على إطلاقه ومنه الكذاب في غالب أقواله.
قلت: إنما صار فعل ذلك كبيرة بالإصرار والله أعلم.
الثامنة عشر: ضرب المسلم أي بغير حق، كذا حكاه الرافعي عن صاحب (العدة) وفيه نظر وطرده في كل مسلم وفي كل ضرب بعيد.
قال الشارح: وخص المصنف المسلم لأنه أفحش أنواعه، وإلا فالذمي
(1/446)

بغير حق كذلك.
قلت: إن أراد في التحريم فمسلم، وإن أراد في كونه كبيرة فممنوع والله أعلم.
التاسعة عشر: سب الصحابة، ففي الصحيحين النهي عنه وفي صحيح البخاري: ((من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب)).
قلت: ولو عبر بسب/ (107/ب/د) صحابي لكان أحسن، ويستثنى من ذلك سب الصديق/ (130/أ/م) رضي الله عنه بنفي الصحبة فهو كفر لتكذيب القرآن والله أعلم.
العشرون: كتمان الشهادة قال الله تعالى: {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} وذكر في التفسير أنه مسخ القلب، قال ابن القشيري: من كتمان الشهادة الامتناع من أدائها بعد تحملها، ومنه أن لا يكون عند صاحب الحق علم بأن له شهادة وخانه صاحبه.
الحادية والعشرون: الرشوة وهي مثلثة الراء: بذل مال لتحقيق باطل أو إبطال حق.
قلت: كذا أطلقه الشارح، وهذا بالنسبة للباذل، فلو بذل ليصل إلى حقه لم يحرم، كفك الأسير أما من جهة الآخذ فهي حرام في الأحوال الثلاثة.
والأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ((لعن الله الراشي والمرتشي)) وحكي عن العبادي وغيره أنه لو بذل مالا لمن يتكلم في أمره مع
(1/447)

السلطان فهو جعالة.
وقال الغزالي: إن بذل المال للتقرب إلى شخص ليتوسل بجاهه إلى أغراضه هدية إن كان جاهه بالعلم أو النسب، ورشوة إن كان بالقضاء والعمل.
الثانية والعشرون: الدياثة وهي استحسان الرجل على أهله والقيادة وهي استحسانه على أجنبية، كذا قال الشارح: لكن في أصل (الروضة) في الطلاق عن (التتمة) أن القواد من يحمل الرجال إلى أهله ويخلي بينهم وبين الأهل، ثم قال: ويشبه أن لا يختص بالأهل بل هو الذي يجمع بين الرجال والنساء بالحرام، ثم حكي عن (التتمة) أيضا أن الديوث من لا يمنع الناس الدخول على زوجته، وعن (الرقم) للعبادي أنه الذي يشتري جارية تغني للناس. انتهى.
وهذا يقتضي أن يفرق ما بينهما فرق ما بين العام والخاص، والله أعلم.
قال الله تعالى: {والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} وفي الحديث: ((ثلاثة لا يدخلون الجنة)) فذكر منهم الديوث.
قال الذهبي: إسناده صالح.
الثالثة والعشرون: السعاية، أي عند السلطان بما يضر المسلم وإن كان/ (130/ب/م) صدقا.
(1/448)

الرابعة والعشرون: منع الزكاة أي من غير جحود، فإن جحودها كفر وقد قاتل الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة وإن لم يجحدوا وجوبها وأجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم ويدخل في ذلك المنع المطلق والمنع وقت الوجوب بلا عذر أما لو جحد وجوب الزكاة مخصوصة كزكاة مال الصبي فإنه لا يكفر للخلاف فيه.
الخامسة والعشرون: اليأس من رحمة الله قال الله تعالى: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} والآيس مكذب لقوله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} وفي معناه القنوط، والظاهر أنه أبلغ منه للترقي إليه في قوله تعالى: {وإن/ (108/أ/د) مسه الشر فيؤوس قنوط}
السادس والعشرون: الأمن من مكر الله بالاسترسال في المعاصي والاتكال على الرحمة، قال الله تعالى: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} وقال تعالى: {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون}.
السابعة والعشرون: الظهار، وهو قول الزوج لزوجته: أنت علي كظهر أمي، قال تعالى: {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا}
الثامنة والعشرون: أكل لحم الخنزير أو الميتة من غير اضطرار قال تعالى: {إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} وفي هذه الآية عطف الخاص على العام، وفي كلام المصنف عطف العام
(1/449)

على الخاص.
التاسعة والعشرون: فطر رمضان لأن صومه من أركان الإسلام وفي الحديث: ((من أفطر يوما من رمضان من غير عذر ولا رخصة لم يقضه صيام الدهر)).
الثلاثون: الغلول، وهو الخيانة من الغنيمة أو بيت المال أو الزكاة، قاله الأزهري وغيره، وقال أبو عبيد: من المغنم خاصة.
وقال الإمام أحمد: ما نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة على أحد إلا على الغال. وقاتل نفسه.
الحادية والثلاثون: المحاربة، لقوله تعالى: {إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله} الآية.
قلت: ولم يعدها في (الروضة) من الكبائر ولا شك فيه، إذا حصل فيها قتل أو أخذ مال/ (131/أ/م) وهي حينئذ مندرجة فيما سبق فإن لم يوجد إلا إخافة السبيل من غير انضمام أحدهما فقد يتوقف في عدها من الكبائر والله أعلم.
الثانية والثلاثون: السحر، ففي الصحيح عده من السبع الموبقات قلت: ونقل ابن عطية في تفسيره/عن مالك والشافعي: أنه كفر، والله أعلم.
(1/450)

الثالثة والثلاثون: الربا وهو معروف، ففي الصحيح عده من السبع الموبقات، وفي التنزيل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} وجوز الشارح في كلام المصنف أن يكون بالياء المثناة من تحت، فإنه من الكبائر أيضا.
وفي صحيح مسلم في حديث الشهيد والعالم والمنفق في سبيل الخير رياء إنه يقال لكل منهم: إنما فعلت ليقال ثم يؤمر به فيسحب إلى النار، وأنهم أول ثلاثة تسعر بهم النار.
وصحح الحاكم مرفوعا: ((اليسير من الرياء شرك)).
الرابعة والثلاثون: إدمان الصغيرة أي: الإصرار عليها إما فعلا أو عزما وهل المراد المداومة على نوع من الصغائر أم الإكثار من الصغائر؟ سواء أكانت من نوع أو أنواع؟ فيه وجهان.
قال الرافعي والنووي: موافق.
الثاني – قول الجمهور: من غلبت طاعته معاصيه/ (109/ب/د) كان عدلا وعكسه فاسق.
ولفظ الشافعي في المختصر يوافقه فعلى هذا لا تضر المداومة على نوع من الصغائر إذا غلبت الطاعات. وعلى الأول: تضر.
واعترض عليه ابن الرفعة في (المطلب) بأن مقتضاه أن مداومة النوع
(1/451)

الواحد مضر على الوجهين، أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأنه في ضمن حكايته قال: إن الإكثار من نوع واحد كالإكثار من أنواع.
نعم يظهر أثرهما فيما لو أتى بأنواع من الصغائر، فإن قلنا بالأول لم يضر لمشقة كف النفس عنه، وهو ما حكاه في (الإبانة) وإن قلنا بالثاني ضر.
وكان شيخنا الإمام البلقيني يقول: الإكثار من النوع غير المداومة عليه ويحمل الإكثار على الأكثرية التي يغلب بها معاصيه على طاعته وهذا غير المداومة/ (131/ب/م) فالمؤثر إنما هو الغلبة لا المداومة.
ص: مسألة: الإخبار عن عام لا ترافع فيه الرواية وخلافه الشهادة.
ش: مما يحتاج إليه الفرق بين الرواية والشهادة واختلافهما في بعض الأحكام، كاشتراط العدد والحرية والذكورة في الشهادة دون الرواية، لا يدل على اختلاف حقيقتيهما.
وقال القرافي: أقمت مدة أطلب الفرق بينهما حتى ظفرت به في كلام الماوردي، وهو أن المخبر عنه إن كان عاما لا يختص بمعين ولا ترافع فيه إلى الحكام، فهو الرواية.
وإن اختص بمعين والترافع فيه ممكن فهو الشهادة، ولذلك استظهر في الشهادة باشتراط العدد فيها لما فيها من التهمة لتعلقها بمعين، ويعارضه أن الرواية شرع عام لجميع المكلفين، فهي أجدر بالاحتياط من إثبات على معين لكن فرق الشيخ عز الدين بوجوه:
أحدها: هيبة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف غيره.
ثانيها: أنه لو لم يقبل رواية واحد لفات على أهل الإسلام تلك المصلحة
(1/452)

العامة، بخلاف فوات حق واحد.
ثالثها: كثرة العداوة بين الناس، وهي حاملة لهم على شهادة الزور، بخلاف الأحاديث النبوية.
قلت: وكون الرواية لا تختص بمعين هو الغالب، فإن خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره كإجزاء العناق عن أبي بردة بن نيار في الأضحية مختصة بمعين.
ص: وأشهد إنشاء تضمن الإخبار لا محض إخبار أو إنشاء على المختار.
ش: في قول الشاهد: أشهد بكذا – ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه إخبار محض وهو ظاهر كلام أهل اللغة، قال ابن فارس في (المجمل): الشهادة خبر عن علم، وقال الإمام فخر الدين: قوله: أشهد، إخبار عن الشهادة وهي الحكم الذهني المسمى كلام/ (109/أ/د) النفس.
الثاني: أنه إنشاء، وإليه مال القرافي لأنه لا يدخله تكذيب شرعا وأما قوله تعالى: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} راجع إلى تسميتهم ذلك شهادة، لأنها ما واطأ فيه القلب اللسان.
الثالث – وهو المختار -: أنها إنشاء تضمن الخبر عما في النفس.
قال الشارح: واعلم/ (132/أ/م) أن نقل المذاهب في هذه المسألة هكذا لا يوجد مجموعا، وإنما هو مفرق في كلام الأئمة بالتلويح.
ص: وصيغ العقود كبعت إنشاء خلافا لأبي حنيفة.
(1/453)

ش: صيغ العقود ك (بعت واشتريت) وكذا الفسوخ نحو: (فسخت وطلقت وأعتقت) اختلفوا في أنها في الشرع باقية على مدلولها اللغوي، وهو الإخبار، أو نقلت عنه إلى الإنشاء؟
فذهب أصحابنا إلى الثاني، وفي (المحصول) أنه الأقرب، وعزاه الصفي الهندي والأصفهاني للأكثرين، وحكي الأول عن الحنفية وفي حكاية المصنف ذلك عن أبي حنيفة نظر، فإنه لا يعلم له فيه نص.
وقد أنكره القاضي شمس الدين السروجي وقال: لا أعرفه لأصحابنا والمعروف عندهم أنه إنشاء.
ص: فقال القاضي: يثبت الجرح والتعديل بواحد وقيل: في الرواية فقط وقيل: لا فيهما.
ش: اختلف في اشتراط العدد في الجرح والتعديل على مذاهب:
أحدها: أنه يكتفى فيهما بواحد سواء أكان في الرواية أو الشهادة، وهو اختيار القاضي أبي بكر، قال: هذا القول قريب لا شيء عندنا يفسده وإن كان الأحوط أنه لا يقبل في تزكية الشاهد خاصة أقل من اثنين.
الثاني: أنه لا يقبل فيهما إلا اثنان، حكاه القاضي أبو بكر عن أكثر
(1/454)

الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم.
الثالث: الفرق بينهما فيكفي في الرواية واحد ويشترط في الشهادة اثنان، حكاه الآمدي وابن الحاجب عن الأكثرين ورجحه الإمام والآمدي وأتباعهما.
ص: وقال القاضي: يكفي الإطلاق فيهما، وقيل: يذكر سببهما وقيل: سبب التعديل فقط، وعكس الشافعي وهو المختار في الشهادة وأما الرواية: فالمختار: يكفي الإطلاق إذا عرف مذهب الجارح، وقول الإمامين: يكفي إطلاقهما للعالم بسببهما هو رأي القاضي إذ لا تعديل وجرح إلا من العالم.
ش: اختلف في اشتراط بيان السبب في الجرح والتعديل على مذاهب:
أحدها: أنه لا يشترط ذلك بل يكتفى بالإطلاق.
الثاني: لا بد من بيان سببهما.
الثالث: أنه يشترط ذكر سبب التعديل دون الجرح لكثرة التصنع في أسباب العدالة.
الرابع: عكسه أنه يشترط بيان سبب الجرح دون التعديل لاحتياجه في ذكر سبب التعديل إلى تفصيل/ (109/ب/د) جميع الأوامر والنواهي بخلاف الجرح فإنه يحصل بخصلة واحدة، وهو قول الشافعي رحمه الله.
وتبع المصنف في نقله القول الأول عن القاضي أبي بكر – الإمام فخر الدين والآمدي، ونقل عنه إمام الحرمين والغزالي في (المنخول) القول الثالث:
(1/455)

وهو بيان سبب التعديل دون الجرح، والموجود في (مختصر التقريب) له القول الرابع وهو ذكر سبب الجرح دون التعديل.
ورواه الخطيب البغدادي في (الكفاية) بسنده إليه، ونقله على الصواب الغزالي في (المستصفى) واختار المصنف في ذلك التفصيل وهو الاحتياج إلى ذكر سبب الجرح دون التعديل في الشهادة، والاكتفاء بالإطلاق في الرواية، إذا علم أن مذهب الجارح أنه لا يجرح إلا بقادح
ثم نبه المصنف على أن قول الإمامين – إمام الحرمين والإمام فخر الدين الرازي، أنه يكفي إطلاقهما أي الجرح والتعديل من العالم بأسبابهما دون غيره، ليس مذهبا خارجا عما سبق، بل هو رأي القاضي أبي بكر الذي بدأنا بذكره، لأن الجرح والتعديل إنما يعتبران من العالم بأسبابهما، فالجاهل بذلك لا يعتد بقوله والله أعلم.
تنبيه:
قال الشارح: ينبغي أن يكون الواو في قوله: (وقال القاضي) بمعنى (ثم) لأنه دخول منه في مسألة أخرى.
قلت: وليس كما قال، بل الواو على بابها، ولو كان دخولا في مسألة أخرى، وإنما يحسن الإتيان ب (ثم) لو تفرعت هذه المسألة على التي قبلها، وليس كذلك بل هما مسألتان مستقلتان ليست إحداهما مفرعة على الأخرى، والله أعلم.
ص: والجرح مقدم إن كان عدد الجارح أكثر من المعدل إجماعا وكذا إن تساويا أو كان الجارح أقل، وقال ابن شعبان:
(1/456)

يطلب الترجيح.
ش: إذا تعارض الجرح والتعديل فإما أن يكون عدد الجارح أقل من المعدل/ (133أ/م) أو أكثر أو يتساويا فإن كان الجارح أكثر قدم بالإجماع كما حكاه غير واحد وإن تساويا فكذلك، وحكى القاضي في (مختصر التقريب) الإجماع عليه أيضا، لكن حكى ابن الحاجب قولا: إنهما يتعارضان ولا يرجح أحدهما إلا بمرجح.
وإن كان الجارح أقل فكذلك أيضا عند الجمهور، وقيل: يقدم التعديل لزيادة عدده، وقال ابن شعبان من المالكية: يطلب الترجيح بينهما وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: إنما يقوى تقديم الجرح بشرطين:
أحدهما: مع التفريع على أن الجرح لا يقبل إلا مفسرا.
ثانيهما: أن يبنى على أمر مجزوم به، لا بطريق اجتهادي، كما اصطلح أهل الحديث في الاعتماد في الجرح على اعتبار حديث الراوي بحديث غيره والنظر إلى كثرة الموافقة والمخالفة.
قلت: لم يعتمد أهل الحديث على ذلك في معرفة العدالة والجرح، وإنما اعتمدوا عليه في معرفة الضبط والتغفل (110/أ/د) والله أعلم.
ويستثنى من ذلك صورتان:
إحداهما: إذا عين الجارح سببا فنفاه المعدل بطريق معتبر بأن قال: (قتل فلانا ظلما يوم كذا) فقال المعدل: (رأيته حيا بعد ذلك) أو: (كان القاتل في ذلك الوقت عندي) فإنهما يتعارضان.
(1/457)

الثانية: إذا عين الجارح سببا فقال المعدل: تاب عنه، وحسنت توبته، فيقدم التعديل، لأن معه هنا زيادة علم، كما حكاه الرافعي عن جماعة منهم ابن الصباغ، وجزم به الرافعي في (المحرر) والنووي في (المنهاج).
ص: ومن التعديل حكم مشترط العدالة بالشهادة، وكذا عمل العالم في الأصح، ورواية من لا يروي إلا للعدل.
ش: قد يكون التعديل بالتصريح بعدالته وقد يكون بالتضمن، وذلك في صور.
الأولى – وهي أعلاها -: أن يحكم بشهادته من يشترط العدالة في قبول الشهادة: وتقييد الحاكم بكونه يشترط العدالة في قبول الشهادة ذكره الآمدي وغيره ولا بد منه، وهذه من خواص الشهادة ولكن إذا قبلت شهادته قبلت روايته.
الثانية: أن يعمل عالم بروايته إذا لم يعلم منه أنه إنما عمل بها احتياطا ونقل الآمدي فيه الاتفاق/ (133ب/م) لكن الخلاف فيها محكي في (البرهان) و (المنخول) وغيرهما، ولذلك عبر فيه المصنف بالأصح.
الثالثة: أن يروي عنه من عرف منه أنه لا يروي إلا عن عدل، إما بتصريحه بذلك، وإما بالاستقراء من حاله كشعبة ومالك ويحيى القطان وقيل الرواية عنه تعديل له مطلقا، وقيل: لا، مطلقا.
(1/458)

وعبر المصنف باللام في قوله: (للعدل) دون (عن) للإعلام بأنه لا ينحصر ذلك في الرواية عنه، بل روايته له في كتاب التزم فيه أن لا يروي فيه إلا للعدل – تعديل له، وذلك كصحيحي (البخاري) و (مسلم) ويلتحق بهما المستخرجات عليهما وصحيح (ابن خزيمة) و (ابن حبان) وكذلك (مستدرك) الحاكم، لولا ما شانه به من التساهل في تمشية حال الرواة والله أعلم.
ص: وليس من الجرح ترك العمل بمرويه والحكم بمشهوده، ولا الحد في شهادة الزنا، ونحو النبيذ ولا التدليس بتسمية غير مشهورة، قال ابن السمعاني: إلا أن يكون بحيث لو سئل لم يبينه ولا بإعطاء شخص اسم آخر تشبيها كقولنا: أبو عبد الله الحافظ يعني الذهبي، تشبيها بالبيهقي يعني الحاكم، ولا بإيهام اللقي والرحلة، أما مدلس المتون فمجروح.
ش: ثم ذكر أمورا قد يتوهم أنها تقتضي جرح الراوي وليس كذلك.
أحدها: ترك العمل بحديث قد رواه، أو ترك الحكم بشهادة قد أداها، فإنه لم يتعين أن يكون ذلك يجرحه، فقد يكون ذلك (110/ب/د) لمعارض وقال القاضي أبو بكر: إن تحقق تركه له مع ارتفاع الموانع كان جرحا، وإن لم يثبت قصده إلى مخالفته لم يكن جرحا.
الثاني: أن يقام عليه حد القذف لشهادته على شخص بالزنا إذا لم يكمل النصاب، لأن الحد لنقص العدد لا لمعني في الشاهد وهذا مبني على
(1/459)

الأظهر في إقامة الحد على شهود الزنا إذا لم يكمل النصاب، وألحق به الرافعي الجارح للراوي بذكر الزنا إذا لم يكمل النصاب حتى يكون قاذفا على الأصح، وقال النووي: المختار أو الصواب أنه لا يجعل قاذفا لأنه معذور في شهادته بالجرح، فإنه مسؤول عنها وهي في حقه فرض الكفاية، أو متعينة بخلاف شهود الزنا فإنهم مندوبون إلى الستر فهم مقصرون.
الثالث: ارتكاب مختلف فيه كشرب قدر من النبيذ لا يسكر، ولهذا قال الشافعي: (أحده وأقبل شهادته)، وقد تقدم هذا في قول المصنف: (ويقبل من أقدم على مفسق مظنون).
وقال مالك في/ (134أ/م) المستحل لنكاح المتعة: أحده للمعصية وأرد شهادته لفسقه.
الرابع: أن يستعمل الإنسان تدليس الشيوخ بأن يسمي الراوي بتسمية غير مشهورة لأنه صادق في نفس الأمر، وقد فعله غير واحد من الأئمة، واستثنى منه ابن السمعاني ما إذا كان لو سئل عنه لم يفصح عنه ولم يسمه باسمه المشهور، لأنه تزوير وإيهام لما لا حقيقة له، وذلك يؤثر في صدقه، وفصل الآمدي بين أن يكون سبب تدليسه ضعفه فهو جرح، وإن كان لصغر سنه أو للاختلاف في قبول روايته كالمبتدع، وهو يرى قبولها فليس جرحا.
قلت: ويلتحق بالقسم الثاني ما إذا فعل ذلك إيهاما لكثرة الشيوخ كما حكي عن الخطيب البغدادي.
ثم نبه المصنف أيضا على أن مما لا يقدح وصف الإنسان بصفة اشتهر بها غيره للتشبيه به، إذا لم يحصل بذلك التباس كما كان المصنف رحمه الله يقول في بعض مصنفاته: أنا أبو عبد الله الحافظ، يريد به الذهبي ومما حكي عن الشارح أنه قال في بعض تصانيفه: أنا أبو عبد الله الحافظ يريد به مغلطاي تشبيها بقول البيهقي فيما يرويه عن شيخه الحاكم: حدثنا أبو عبد الله الحافظ.
وكذلك مما لا يقدح استعمال الراوي لفظا يوهم الرحلة ولقي المشايخ الذين
(1/460)

تباعدت أقطارهم كقوله: حدثنا فلان بما وراء النهر، موهما نهر جيحون وإنما أراد نهر عيسى ببغداد، أو الجيزة بمصر، ومن ذلك قول القائل: حدثنا فلان بحلب، يوهم إرادة البلدة المعروفة وإنما يريد محلة بظاهر (111/أ/د) القاهرة.
أما تدليس المتون فهو جرح، قال الأستاذ أبو منصور: وهو الذي يسميه المحدثون بالمدرج، أي أنه أدرج كلامه مع كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولم يميز بينهما فظن أن جميعه كلام النبي صلى الله عليه وسلم
تنبيه:
سكت المصنف عن تدليس الإسناد، والمراد به أن يسقط الراوي اسم شيخه ويرتقي إلى شيخ شيخه بلفظ محتمل للاتصال ك (عن) ونحوها مع إيهام أنه سمعه منه لكونه عاصره أما لو أتى بصيغة صريحة في الاتصال كسمعت، فهذا كذب وإن لم يدرك/ (134/ب/م) شيخ شيخه فليس بتدليس وإنما هو إرسال، والحكم في هذا النوع من التدليس قبول رواية فاعله إذا صرح بالسماع كحدثنا وأخبرنا، فإن عنعن فروايته مردودة، فليس حينئذ جرحا.
وقالت طائفة: بل هو جرح ترد به رواية فاعله مطلقا، والله أعلم.
ص: مسألة: الصحابي من اجتمع مؤمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يرو ولم يطل بخلاف التابعي مع الصحابي وقيل: يشترطان وقيل: أحدهما، وقيل: الغزو أو سنة.
ش: عدل عن تعبير ابن الحاجب وغيره ب (الرؤية) إلى (الاجتماع) لتناول من اجتمع به من العميان كابن أم مكتوم.
(1/461)

وقيد الاجتماع بحالة الإيمان ليخرج من اجتمع به في حالة الكفر، فإنه ليس صحابيا.
ولا يشترط في ذلك أن يروي عنه حديثا، ولا أن تطول صحبته له هذا هو الصحيح المشهور.
قوله: (وقيل: يشترطان) أي: الرواية عنه، وطول الصحبة له فلا يسمى صحابيا إلا باجتماعهما.
وقوله: (وقيل: أحدهما) مقتضاه أنه يكتفى على هذا القول بالرواية أو طول الصحبة.
وقال الشارح: مراد المصنف بقوله: (وقيل أحدهما) أنه يشترط الصحبة الطويلة، ولا تشترط الرواية لأنه لم يذهب أحد إلى اشترط الرواية دون المجالسة كما يوهمه ظاهر هذه العبارة.
وقيل: يشترط أحد أمرين، إما الغزو معه أو صحبته سنة، وهو المحكي عن سعيد بن المسيب وهو ضعيف لإخراجه مثل جرير البجلي ووائل بن حجر، وغيرهما ممن لم يشهد معه غزوة، ولا أقام معه سنة مع أن
(1/462)

الإجماع على عدهم من الصحابة، وهذا بخلاف التابعي فإنه لا يثبت له هذا الاسم بمجرد رؤية الصحابي بل لا بد من صحبته له، هكذا ذهب إليه جماعة منهم الخطيب البغدادي.
والفرق: شرف رؤية النبي صلى الله عليه وسلم فمن اجتمع به ولو مرة انطبع قلبه على الاستقامة بخلاف رؤية الصحابي، وذهب آخرون إلى الاكتفاء فيه بمطلق الاجتماع كالصحابي بل هو أولى بذلك منه من حيث الاشتياق لتأكد الأمر في الصحبة بخلاف التبعية، والله أعلم.
ص: ولو ادعى المعاصر العدل الصحبة قبل وفاقا للقاضي.
ش:/ (135/أ/م) إنما حكاه المصنف عن القاضي لأن كلام ابن الحاجب يقتضي أن المسألة غير منقولة وتوقف فيها من جهة أنه يدعي لنفسه (رتبة) فيتهم في ذلك كما لو/ (111/ب/د) قال: أنا عدل.
قلت: وفي النفس من عمل المحدثين في ذلك شيء، وهم أنهم يثبتون الصحبة لكن من ادعاها في العصر الذي كان الصحابة فيه موجودين ثم يستدلون على عدالته بصحبته لا يطلبون على ذلك مزيدا وذلك يقتضي اكتفاءهم في معرفة العدالة بمجرد دعوى الصحبة، ولعلهم اكتفوا في ثبوت عدالته برواية من روى عنه ادعاءه للصحبة، فإنه لولا معرفته بعدالته لما روى عنه وتلقى دعواه بالقبول والله أعلم.
ص: والأكثر على عدالة الصحابة وقيل: كغيرهم وقيل: إلى قتل عثمان وقيل: إلا من قاتل عليا.
(1/463)

ش: جمهور العلماء من السلف والخلف على أن الصحابة كلهم عدول لا يحتاج إلى البحث عن عدالتهم من لابس منهم الفتنة وغيرهم لأن الله تعالى عدلهم في آيات منها قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال إمام الحرمين: ولعل السبب في أنهم حملة الشرع، فلو ثبت توقف في رواياتهم لانحصرت الشريعة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ولما استرسلت على سائر الأعصار.
ووراء ذلك مذاهب شاذة:
أحدها: أن حكمهم في ذلك كغيرهم فيجب في كل منهم البحث عن عدالتهم.
الثاني: أنهم على عدالتهم إلى قتل عثمان رضي الله عنه لظهور الفتن فيحتاج بعده للبحث عن العدالة.
الثالث: أن من قاتل عليا رضي الله عنه فهو فاسق لخروجه عن الإمام الحق.
ص: مسألة: المرسل قول غير الصحابي قال صلى الله عليه وسلم.
ش: هذا تعريف الأصوليين وغير الصحابي يتناول التابعي وتابع التابعي ومن بعدهما، وخصه المحدثون بالتابعي وقيده بعضهم بالكبير منهم وهو من أكثر رواياته عن الصحابة فإن كان الساقط واحدا قبل التابعي كرواية الشافعي/ (135/ب/م) عن نافع سمي منقطعا، وإن كان أكثر من واحد كرواية أحمد بن حنبل عن نافع سمي معضلا.
(1/464)

ولو عبر المصنف برواية غير الصحابي لكان أحسن ليتناول ما إذا كانت صيغة روايته غير قال من صيغ الرواية.
وفهم منه أن رواية الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا توصف بالإرسال وإن لم يسمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم وهو كذلك من حيث الحكم كما سيأتي وأما الصورة فإذا روى قصة لم يدركها فهي مرسلة.
ص: واحتج به أبو حنيفة ومالك والآمدي مطلقا، وقوم: إن كان المرسل من أئمة النقل، ثم هو أضعف من المسند، خلافا لقوم والصحيح: رده، وعليه الأكثر منهم الشافعي والقاضي أبو بكر الباقلاني قال مسلم: وأهل العلم بالأخبار.
ش: لما ذكر صورة المرسل أخذ يذكر حكمه، وفيه مذاهب:
أحدها: أنه حجة مطلقا وبه قال أبو حنيفة ومالك: (112/أ/د) وأحمد في أشهر الروايتين عنه، واختاره الآمدي.
الثاني: التفصيل بين أن يكون المرسل – بكسر السين – من أئمة النقل فهو حجة، أو غيرهم فلا، وبه قال عيسى بن أبان، واختاره ابن الحاجب وصاحب (البديع) ثم ذكر المصنف تفريعا على القول بأنه حجة أنه أضعف من المسند بحيث لو تعارضا قدم المسند عليه خلافا لقوم من الحنفية قالوا: إنه أقوى من المسند.
الثالث: رده، وأنه ليس بحجة وبه قال الشافعي واختاره القاضي
(1/465)

أبو بكر، وعزاه المصنف للأكثر اعتمادا على قول مسلم في مقدمة صحيحة: (والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة).
وقد اعترض على نقل ذلك عن مسلم بأنه لم يقله من عند نفسه وإنما حكاه عن خصمه.
وجوابه أنه لما حكاه عن خصمه ولم يرده عليه وإنما رد من كلامه غير هذا، كان موافقا له عليه وفي هذا الكلام رد على من زعم أن الشافعي أول من رد المرسل، ولا يقال كونه قول الأكثر لا ينافي أن يكون أولهم الشافعي لأنه جعله/ (136/أ/م) أصل قول أهل العلم بالأخبار مطلقا، فكيف يكون هذا من أصولهم المقررة عندهم، وهو قول اخترعه الشافعي بعد دهور متطاولة.
قال الشارح: وفي تسوية المصنف بين الشافعي والقاضي في الإنكار مطلقا نظر، فإن الشافعي قبله في بعض المواضع.
قال القاضي: ونحن لا نقبل المراسيل مطلقا، ولا في الأماكن التي قبلها فيه الشافعي حسما للباب، بل وزاد القاضي وأنكر حجية مرسل الصحابي إذا احتمل سماعه من تابعي، نص عليه في (التقريب) انتهى.
ص: فإن كان لا يروي إلا عن عدل كابن المسيب قبل وهو مسند.
ش: هذا استثناء من رد المرسل فيحتج به فيما إذا كان المرسل – بكسر السين – لا، يروي أي المرسلات إلا عن عدل، أي أنه استقرئ أمره فكان إذا أرسل لا يرسل إلا عن ثقة.
وقول المصنف: (وهو مسند) أي له حكم المسند في الاحتجاج به ولم يرد أنه مسند حقيقة وهذا معنى قول الشافعي رحمه الله: (أقبل مراسيل ابن المسيب لأني اعتبرتها فوجدتها لا ترسل إلا عمن يقبل خبره، ومن هذا حاله
(1/466)

أحببت مراسيله) وأشار إمام الحرمين إلى أن هذا مذهب الشافعي، ومنه يعلم أنه لا يخص القبول بمراسيل سعيد بن المسيب بل يطرده في كل من هذه صفته.
وقال النووي في (الإرشاد) اشتهر عند أصحابنا أن مرسل سعيد حجة عند الشافعي وليس كذلك، وإنما قال الشافعي في (مختصر المزني): (إرسال ابن المسيب عندنا حسن) فذكر صاحب (التهذيب) وغيره من أصحابنا في أصول الفقه في (112/ب/د) معنى كلامه وجهين:
أحدهما: أن مراسيله حجة، لأنها فتشت فوجدت مسانيد.
والثاني: ليس بحجة، بل هي كغيرها، وإنما رجح الشافعي به والترجيح بالمرسل صحيح، وحكاه الخطيب ثم قال: والصحيح عندنا الثاني، لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندا بحال من وجه يصح، وذكر البيهقي نحوه، وأن الشافعي لم يقبل مراسيل ابن المسيب حيث لم يجد/ (136/ب/م) لها ما يؤكدها، وإنما يزيد ابن المسيب على غيره أنه أصح الناس إرسالا فيما زعم الحفاظ.
قال النووي: فهذا كلام الخطيب والبيهقي وهما ما هما في معرفة نصوص الشافعي وطريقته، وأما قول القفال في شرح (التلخيص) قال الشافعي في الرهن الصغير: (مرسل ابن المسيب عندنا حجة) فهو محمول على ما قاله الخطيب والبيهقي.
ص: وإن عضد مرسل كبار التابعين ضعيف يرجح كقول الصحابي أو فعله أو الأكثر أو إسناد أو إرسال أو قياس، أو انتشار أو عمل العصر كان المجموع حجة، وفاقا للشافعي لا مجرد المرسل ولا المنضم فإن تجرد ولا دليل سواه فالأظهر الانكفاف لأجله.
ش: يستثنى من رد المرسل مطلقا ما إذا كان المرسل – بكسر السين –
(1/467)

من كبار التابعين، وهو من أكثر رواياته عن الصحابة، واعتضد بأمر ضعيف أي لا يصلح، للاحتجاج به على انفراده ولكنه ترجح بصلاحيته للاحتجاج به عند انضمام غيره إليه، فإن بعض الضعف ينجبر وبعضه لا ينجبر كما قرره المحدثون في الكلام على ألفاظ التجريح وذلك يتناول صورا:
أحدها: أن يعتضد بقول صحابي أو فعله فإن الظن يقوى عنده.
قلت: وكان فتوى الصحابي على وفقه تدل على أن له أصلا في الشريعة، وقد احتج بعضهم بالمرسل وبعضهم بقول الصحابي، فإذا اجتمع تأكد أحدهما بالآخر.
ثانيها: أن يوافق قول أكثر أهل العلم.
قال الشارح: وظن القاضي أن الشافعي يريد الإجماع أو قول العوام، فردد عليه الكلام، وإنما أراد أكثر أهل العلم.
ثالثها: أن يروى مثله مسندا من جهة أخرى، قال في (المحصول) وهذا في مسند لم تقم الحجة بإسناده وهو مقتضى إدراج المصنف له في صور الضعيف، وقال غيره: بل هو في مسند صحيح، وهذا مقتضى إطلاق المصنف الإسناد.
فعلى الأول يحصل لهما قوة بالاجتماع، ويتقوى كل منهما بالآخر.
وعلى الثاني يتبين بمجيء المسند صحة المرسل ويصيران دليلين يرجحان إذا عارضهما دليل آخر.
رابعها: أن يروى مثله مرسلا من راو آخر أخذ العلم عن غير شيوخ الأول واحترز بذلك عن مثل مرسل أبي العالية في انتقاض الوضوء بالقهقهة
(1/468)

في الصلاة، فإنه روى (113/أ/د) من مرسلات غيره أيضا لكن تتبعت فوجدت كلها ترجع لمرسل أبي العالية.
خامسها: أن يوافق قياسا.
سادسها: أن ينتشر من غير نكير.
سابعها: أن ينضم إليه عمل أهل العصر به.
قال الشارح: وأشار المصنف بقوله: (كان المجموع حجة) إلى الجواب عما اعترض به القاضي وغيره على الشافعي من أن ضم الضعيف إلى الضعيف لا يوجب القبول.
وأجاب عنه المحققون بأن صورة الاجتماع تثير ظنا غالبا، وهذا شأن كل ضعيفين اجتمعا لأن الظن يتقوى فلا يلزم، من عدم الاحتجاج بالأضعف عدم الاحتجاج بالأقوى، ونظير ذلك الخبر المحتف بالقرائن يفيد القطع عند قوم، مع أنه لا يفيد ذلك بمجرده ولا القرائن بمجردها انتهى.
أما إذا تجرد المرسل ولم ينضم إليه شيء مما تقدم ففيه أقوال:
أحدها: أنه لا يحتج به حكاه البيهقي عن الشافعي.
الثاني: أنه يحتج به إذا لم يكن في الباب سواه، حكاه الماوردي عن الشافعي أيضا.
الثالث – وهو الذي قال المصنف: إنه الأظهر -: الانكفاف لأجله.
قال الشارح: وهو توسط بين القولين.
(1/469)

قلت: الذي فهمته من هذه العبارة: أن المجتهد ينكف عن العمل في تلك المسألة بما يقتضيه المرسل لأنه غير حجة وبما يخالفه لاحتمال كونه حجة، وهذا معنى قوله: (لأجله).
وحاصله: أنه يحدث شبهة توجب التوقف في تلك المسألة، والله أعلم.
تنبيه:
قال الشارح: من تأمل نصوص الشافعي في (الرسالة) وجدها مصرحة بأنه لم يطلق أن المرسل حينئذ حجة، بل يسوغ الاحتجاج به ولهذا قال الشافعي بعد ذلك: ولا أستطيع أن أقول: الحجة تثبت به كثبوتها بالمتصل.
قال الشارح: فائدة ذلك أنه إذا عارضه متصل كان المتصل مقدما عليه، ولو كان حجة مطلقا لتعارض.
وقد قال القاضي: في (التقريب): قال الشافعي في هذه المواضع: أستحب قبوله ولا أستطيع أن أقول الحجة تثبت به كثبوتها بالمتصل.
قال: فقد نص على أن القبول القول عند هذه الأمور مستحب لا واجب، لكن قال البيهقي: مراده بقوله أحببنا: اخترنا، انتهى.
قلت: لا فرق بين كونه حجة وبين كونه يسوغ الاحتجاج به، فإنه لا يسوغ الاحتجاج إلا بما هو حجة، وقول الشافعي: لا أستطيع أن أقول: إن الحجة تثبت به كثبوتها بالمتصل) لا يدل على أنه ليس حجة، بل هو حجة لكن غيره أقوى منه فلو عارضه متصل أقوى منه قدم عليه.
وقول الشارح: لو كان حجة مطلقا لتعارضا 0 مردود فإن الذي هو حجة مطلقا يقدم عليه معارضه إذا كان أقوى منه، والله أعلم.
(1/470)

ص: مسألة: الأكثر على جواز نقل الحديث بالمعنى للعارف، وقال الماوردي: إن نسي (113/ب/د) اللفظ، وقيل: إن كان موجبه علما وقيل: بلفظ مرادف، وعليه الخطيب ومنعه ابن سيرين وثعلب والرازي وروي عن ابن عمر.
ش: في جواز رواية حديث النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى مذاهب:
الأول: وبه قال الأئمة الأربعة والجمهور – الجواز لكن بشرط أن يكون فاعل ذلك عارفا بمدلولات الألفاظ، فإنه يشترط أن يكون اللفظ المأتي به مساويا للفظ الرسول صلى الله عليه وسلم في المعنى بلا زيادة ولا نقص ومساويا له في الجلاء والخفاء إذ لو أبدل جليا بخفي أو العكس لترتب على ذلك تقديم ما يجب تأخيره أو العكس لوجوب تقديم أجلى الخبرين المتعارضين على مخالفه.
وروى ابن منده في معرفة الصحابة من حديث عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي قال: قلت: يا رسول الله إني أسمع منك الحديث ولا أستطيع أن أؤديه كما سمعته منك، يزيد حرفا أو ينقص حرفا، فقال: ((إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس)) فذكر ذلك للحسن فقال: لولا هذا ما حدثنا.
الثاني: أنه يجوز مع نسيان اللفظ، ولا يجوز مع تذكره، لأنه قد تحمل اللفظ والمعنى، وعجز عن أحدهما، فيلزمه أداء الآخر وبه قال الماوردي وجعل محل الخلاف في الصحابي وقطع في غيره بالمنع.
الثالث: التفصيل فإن كان مقتضاه علما جاز وإن اقتضى عملا/ (138/أ/م) فمنه ما لا يجوز الإخلال بلفظه، كقوله: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم).
(1/471)

و (خمس يقتلن في الحل والحرم) حكاه ابن السمعاني وجها لبعض أصحابنا.
الرابع: أنه يجوز إبدال اللفظ بما يرادفه دون غيره، وبه قال الخطيب: البغدادي.
الخامس: المنع مطلقا وبه قال محمد بن سيرين، واختاره ثعلب وأبو بكر الرازي من الحنفية، ورواه ابن السمعاني عن ابن عمر.
تنبيه: يسأل عن الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة جواز إقامة أحد المترادفين مقام الآخر، وجوابه: أن تلك في بحث اللغوي فالمجيز فيها والمانع كلاهما مستند إلى نقل اللغة، وهي عامة في سائر الكلام، وهذه في أمر شرعي فالمستند فيها الدليل السمعي، وهي خاصة بنقل حديثه عليه الصلاة والسلام.
ص: مسألة: الصحيح يحتج بقول الصحابي: قال – صلى الله عليه وسلم وكذا عن، على الأصح، وكذا سمعته أمر ونهى، أو أمرنا أو حرم، وكذا رخص في الأظهر والأكثر يحتج بقوله من السنة فكنا معاشر الناس أو كان الناس يفعلون في عهده صلى الله عليه وسلم فكنا نفعل في عهده صلى الله عليه وسلم فكان الناس يفعلون (114/أ/د) فكانوا لا يقطعون في الشيء التافه.
ش: ذكر في هذه المسألة الصيغ التي يعبر بها الصحابي فيما ينقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلاها: أن يأتي بلفظ صريح في الاتصال، كحدثني وأخبرني،
(1/472)

وسمعته يقول: ونحوها، ولم يذكر المصنف هذه لوضوحها وعدم الخلاف فيها.
الثانية: قال صلى الله عليه وسلم فالصحيح الاحتجاج بذلك حملا على سماعه منه، لأن الظاهر أنه لا يجزم بذلك إلا وقد سمعه منه، ومقابل الصحيح في كلام المصنف ما حكاه الآمدي وابن الحاجب عن القاضي: أنه متردد بين سماعه منه ومن غيره عنه، فإن قلنا بعدالة جميع الصحابة قبل، وإلا فكالمرسل لكن المصنف في شرح المختصر قال: إنهما وهما في ذلك على القاضي وأنه لا خلاف في/ (138/أ/م) القبول، ويوافقه قول الصفي الهندي: لا يتجه فيه خلاف لظهوره في الرواية عنه صلى الله عليه وسلم وبتقدير روايته عن الصحابي فغير قادح لثبوت عدالتهم وأما احتمال روايته عن تابعي فنادر.
قال الشارح: لكن القاضي في (التقريب) لما اختار رد المرسل قال: وكذلك مرسل الصحابي إذا احتمل سماعه من تابعي وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق وأغرب ابن برهان في (الأوسط) فقال: إنه الأصح.
ويتحصل من كلامهم خلاف في سبب المنع وإن كان الكل عدولا هل هو احتمال روايته عن تابعي أو عن صحابي قام به مانع كسارق رداء صفوان ونحوه. انتهى.
قلت: هذا متناقض كيف يجتمع عدالة كلهم مع اتصاف سارق الرداء بغير ذلك، وهو منهم؟ فالحق عدالة جميعهم للنص عليها ولا يفسق أحد منهم بارتكاب ما يفسق غيرهم بارتكابه والله أعلم.
الثالثة: أن يأتي بصيغة (عن) كذا صححه ابن الصلاح والبيضاوي،
(1/473)

والصفي الهندي وفي (المحصول): في كونه حجة مذهبان من غير ترجيح، ومقتضى كلامه أن مقابل الأصح هنا التوقف لا الجزم بالمنع.
ثم رتب المصنف أن على وكذا عن ومقتضاه تصحيح القبول فيها أيضا إلا أن الخلاف فيها مرتب على الخلاف في عن، وهذا مفهوم من عطف المصنف لها بالفاء، وقد ذكر الخلاف فيها الصفي الهندي، فقال: منهم من ذهب إلى أنه ظاهر في أنه أخبره به إنسان آخر عنه عليه الصلاة والسلام وهو ساقط لما سبق في المرسل. انتهى.
والخلاف في ذلك مشهور عند المحدثين في غير الصحابي أكثرهم على القبول وقال أبو بكر البرديجي بأنها محمولة على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى، وحكاه ابن الصلاح عن (114/ب/د) يعقوب بن شيبة وأحمد بن حنبل، ورد عليه والدي رحمه الله في نقله ذلك عنهما.
الرابعة: أن يقول: سمعته عليه الصلاة والسلام أمر أو نهى، فالجمهور فيها على القبول وحكى القاضي أبو بكر عن بعض أهل العلم أنه ليس بحجة، لاحتمال أن يعتقد ما ليس بأمر أمرا، وفهم الخلاف/ (139/أ/م) في هذه من قول المصنف: وكذا, فلو لم يقل: سمعته بل اقتصر على أنه عليه الصلاة والسلام أمر أو نهى فهذه أحط مرتبة من تلك، لاحتمال الواسطة وإن كان الجمهور على القبول فيها أيضا.
وتوقف الإمام فخر الدين في ذلك، وضعف صاحب (الحاصل) كونها
(1/474)

حجة، فلو قال: أمرنا بكذا، أو نهانا عن كذا، على البناء للمفعول قبل أيضا على الصحيح، لانصرافه إلى من له الأمر والنهي وهو النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن الكرخي والصيرفي: أنه متردد بين أمره وهو خاصة، وأمر كل الأمة وأمر بعض الولاة.
الخامسة: أن يقول: حرم أو رخص على البناء للمفعول فيهما والأظهر الاحتجاج به واحتمال إسناده إلى استنباط أو قياس بعيد.
قال الشارح: وفي حكاية المصنف الخلاف نظر، فقد قال الشيخ أبو إسحاق في (التبصرة): إذا قال صحابي: أرخص لنا بكذا، رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا خلاف.
قلت: الظاهر أنه أراد نفي الخلاف تفريعا على الصحيح في المسألة قبلها، فإنه متى جرى الخلاف في تلك جرى في هذه بلا شك والله أعلم.
السادسة: أن يقول من السنة كذا، فالأكثرون على الاحتجاج به حملا له على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه المتبادر عند الإطلاق وبه قال الإمام والآمدي وأتباعهما ويوافقه قول الشافعي رحمه الله في (الأم) في باب عدد الكفن: (وابن عباس والضحاك بن قيس صحابيان لا يقولان: السنة، إلا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم) وخالف فيه الصيرفي والكرخي، وحكاه الإمام في (البرهان) عن المحققين، ويوافقه قول الصيدلاني في أسنان إبل الخطأ: إن الشافعي في القديم كان يرى أن ذلك مرفوع، إذا صدر من الصحابي أو التابعي، ثم رجع عنه، لأنهم قد يطلقونه ويريدون سنة البلد.
السابعة: أن يقول: كنا معاشر الناس، أو: كان الناس يفعلون في عهده صلى الله عليه وسلم لأن الظاهر أن قصده بذلك تعليم الشرع، حكاه الصفي الهندي
(1/475)

عن الأكثرين.
وقال المصنف: لا يتجه فيه خلاف لتصريحه بنقل الإجماع المعتضد بمعرفة النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت:/ (139/ب/م) وهذا ينافي عطف المصنف هذه على قوله (115/أ/د): من السنة بالفاء المقتضية لتأخرها في المرتبة عنها مع حكايته الخلاف في تلك.
الثامنة: أن يقول: كنا نفعل في عهده صلى الله عليه وسلم, فيقبل ذلك وهي أحط من التي قبلها؛ لأن الضمير في (كنا) يحتمل طائفة مخصوصة.
وحكى ابن الصلاح عن أبي بكر الإسماعيلي إنكار كونه مرفوعاً, قال: والاعتماد على الأول.
قال الشارح: أما إذا قال: كنا نفعل, ولم يضفه إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فموقوف بلا خلاف.
قلت: مقتضى كلام الإمام فخر الدين والآمدي – الرفع في هذه أيضاً, فإنهما لم يقيدا ذلك بعصره عليه الصلاة والسلام, وبه صرح أبو عبد الله الحاكم من المحدثين, وحكاه النووي في (شرح المهذب) عن كثير من الفقهاء, وقال: إنه أقوى من حيث المعنى, ويوافقه قول المصنف بالرفع في الصورتين الأخيرتين, فإنه ليس فيهما إضافة ذلك إلى عهده صلى الله عليه وسلم.
التاسعة: أن يقول: كان الناس يفعلون، من غير تصريح بكون ذلك على عهده صلى الله عليه وسلم وهي دون التي قبلها لعدم التصريح بزمنه عليه الصلاة والسلام.
قال الشارح: لكنها فوقها من جهة تصريحه بجميع الناس، فيحتمل تساويهما، والأظهر رجحان تلك لأن التقييد بالعهد ظاهر في التقرير وهو تشريع.
العاشرة: نحو قول عائشة رضي الله عنها: (كانوا لا يقطعون في الشيء التافه)، وهذه دون الكل لعدم التصريح بكونه في زمنه عليه الصلاة والسلام
(1/476)

وبما يعود عليه الضمير في قوله: (كانوا).
وفهم ترتيب هذه الصورة الأخيرة من عطف المصنف بعضها على بعض بالفاء والله أعلم.
ص: خاتمة: مستند غير الصحابي قراءة الشيخ إملاء وتحديثا، فقراءته عليه فسماعه، فالمناولة مع الإجازة، فالإجازة لخاص في خاص، فخاص في عام، فعام في خاص فعام في عام فلفلان ومن يوجد من نسله، فالمناولة فالإعلام، فالوصية فالوجادة، ومنع الحربي وأبو الشيخ والقاضي الحسين والماوردي الإجازة، وقوم العامة/ (140/أ/م) منها والقاضي أبو الطيب من يوجد من نسل زيد وهو الصحيح والإجماع على منع من يوجد مطلقا.
ش: مستند غير الصحابي في تحمل الحديث عن شيخه تنقسم إلى أقسام:
(1/477)

أولها السماع من لفظ الشيخ، وهو مراد المصنف بقراءة الشيخ سواء أكان ذلك إملاء، أي يملي الشيخ ما يقوله والسامع يكتبه حالة الإملاء، أو تحديثا مجردا عن الإملاء وسواء أكان ذلك من حفظ الشيخ أو كتابه.
ثانيها: قراءته على الشيخ وهو ساكت يسمع، فيقول: نعم أو يشير بها أو يقر على ذلك ولا ينكره.
وقد عرض ضمام بن ثعلبة على النبي صلى الله عليه وسلم شعائر الإسلام التي سمعها من (115/ب/د)
(1/478)

رسوله، وهو يصدقه على ذلك وكان الناس يذكرون للصحابة رضي الله عنهم الأحكام فيقرون الحق وينكرون الباطل.
وشرط إمام الحرمين في صحة التحمل بها أن يكون بحيث لو فرض من القارئ لحن أو تصحف لرده الشيخ ويسمى هذا عرضا، لأن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه.
وتقديم المصنف السماع من لفظ الشيخ على القراءة عليه هو الصحيح، وحكاه ابن الصلاح عن جمهور أهل المشرق وأصله الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يقرأ على الناس القرآن، ويعلمهم السنن، وقيل: إن القراءة عليه أعلى وبه قال أبو حنيفة وابن أبي ذئب، وحكاه ابن فارس والخطيب عن مالك، وحكي أيضا عن ابن جريج وشعبة والليث بن سعد وغيرهم.
وقيل: إنهما سواء، وهو المشهور عن مالك وأصحابه، وإليه ذهب معظم علماء الحجاز والكوفة والبخاري، وحكاه الصيرفي في كتاب (الدلائل) عن الشافعي.
ثالثها: سماعه بقراءة غيره، وجعل المصنف هذا قسما غير الذي قبله فيه نظر، فالحق أنه قسم منه.
رابعها: المناولة المقرونة بالإجازة بأن يدفع الشيخ للطالب أصل سماعه أو فرعا مقابلا به فيقول: هذا سماعي أو روايتي عن فلان، فاروه عني أو أجزت لك روايته عني، وهذا مجمع على صحة الرواية به.
قال القاضي عياض: وهو قول كافة أهل النقل والأداء والتحقيق/ (140/ب/م) من أهل النظر.
وقال قبل ذلك: إنها صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين، بل ذهب بعضهم إلى أنها في رتبة السماع، حكاه أبو عبد الله الحاكم عن ابن شهاب وربيعة الرأي ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك في آخرين، وقال والدي
(1/479)

رحمه الله: إنه خلط غرض المناولة بغرض السماع.
وحكاه الخطيب عن ابن خزيمة، لكن الصحيح انحطاط المناولة عن السماع، وحكاه الحاكم عن الشافعي وصاحبيه البويطي والمزني وأبي حنيفة وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق والأوزاعي وآخرين.
رابعها: الإجازة المجردة عن المناولة وهي أقسام:
أعلاها أن يجيز لخاص في خاص، أي يكون المجاز له معينا، والمجاز به معينا، كأجزت لك أو لفلان – ويرفع في نسبه بما يميزه عن غيره – أن يروي الكتاب الفلاني.
ويليه أن يجيز لخاص في عام كأجزت لك أن تروي عني جميع مسموعاتي.
ويليه: الإجازة لعام في خاص كأجزت لجميع المسلمين رواية صحيح البخاري عني.
ويليه الإجازة لعام في عام، كأجزت لجميع المسلمين أن يرووا عني جميع مسموعاتي
ويليه: الإجازة للمعدوم تبعا للموجود، كأجزت لفلان ومن يوجد بعد ذلك من نسله، وقد فعل ذلك أبو بكر بن أبي داود فقال: أجزت لك ولوالدك ولحبل الحبلة، يعني الذين لم يولدوا بعد.
أما الإجازة للمعدوم ابتداء كقوله: أجزت لمن يتجدد لفلان من الأولاد فالصحيح منعها، وسيأتي لذلك مزيد بيان، فهذه ستة أقسام (116/أ/د) للإجازة، ووراء ذلك أقسام أخر، مذكورة في كتب علم الحديث.
خامسها: المناولة المجردة عن الإجازة، وكلام المصنف يقتضي أنها من طرق التحمل، وليس كذلك، بل إن اقتصر على مجرد المناولة لم يجز له روايته
(1/480)

عنه بالاتفاق كما نقله الصفي الهندي وهو واضح، وإن قال له مع ذلك: هذا من سماعي فقال ابن الصلاح: هي مناولة مختلة لا تجوز الرواية بها عند الجمهور، وحكى الخطيب عن قوم جوازها.
قلت: وإنما أراد المصنف هذا التقسيم الثاني. وقد قال ابن الصلاح: إن الرواية به تترجح على الرواية بمجرد إعلام الشيخ لما فيه من المناولة فإنها لا تخلو من إشعار بالإذن في الراوية/ (141/أ/م).
سادسها: الإعلام الخالي عن المناولة والإجازة، بأن يخبره أن الكتاب سماعه من فلان.
وقد حكى القاضي عياض صحة الرواية به عن الأكثرين، وبه قال ابن جريج، وعبيد الله بن عمر، وجماعة من أهل الفقه والحديث وأهل الظاهر، وابن الصباغ – من أصحابنا – ومنع الغزالي روايته عنه، وقال ابن الصلاح: إنه المختار.
وهذا على تقدير جوازه منحط عن الذي قبله كما قدمته.
وزاد بعض من صحح هذا القسم فقال: إنه لو منعه من روايته عنه مع إعلامه بأن سماعه لم يضره ذلك وله روايته عنه قاله أبو محمد بن خلاد الرامهرمزي.
قال القاضي عياض: ولا يقتضي النظر سواه.
ورده ابن الصلاح تشبيها باسترعاء الشهادة، هذا في الرواية به، أما العمل به فإنه واجب كما جزم به ابن الصلاح، وحكاه القاضي عن محققي أصحاب الأصول.
سابعها: الوصية بالكتب، فإذا أوصى بشيء من روايته عند موته أو سفره لشخص فجوز بعض السلف روايته عنه بذلك.
وقال شخص لمحمد بن سيرين: إن فلانا أوصى لي بكتبه أفأحدث بها
(1/481)

عنه؟ فقال: نعم.
ثم قال بعد ذلك: لا آمرك ولا أنهاك.
قال ابن الصلاح: وهذا بعيد جدا، وهو إما زلة عالم أو متأول، على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة.
وأنكر ذلك عليه ابن أبي الدم، وقال: الوصية أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف، وهي معمول بها عند الشافعي وغيره – كما سيأتي – فهذه أولى.
ثامنها: الوجادة وهي مصدر مولد لم تنطق به العرب، فرعه المولدون لما وجدوا العرب فرقوا بين مصادر (وجد) لاختلاف معانيها، وهي أن تجد حديثا بخط رجل سواء عاصرته أم لا، لم يحدثك به، ولم يجزه لك، فتقول: وجدت بخط فلان كذا وكذا، وليس لك روايته عنه بصيغة حدثنا أو أخبرنا أو غيرهما من الصيغ، لكن يجوز العمل بما تضمنه ذلك الحديث، كما قال الشافعي ونظار (116/ب/د) أصحابه، خلافا لمعظم المحدثين والفقهاء من المالكية وغيرهم، كما قاله القاضي عياض.
قال ابن الصلاح: وقطع بعض المحققين من أصحاب الشافعي بوجوب العمل به عند حصول الثقة به، وقال: لو عرض ما ذكرناه على جملة المحدثين/ (141/ب/م) لأبوه.
قال ابن الصلاح: وما قطع به هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة.
وقال النووي: إنه الصحيح، ثم حكى المصنف الخلاف في الإجازة والجمهور على جواز الرواية بها والعمل بمقتضاها ومنعها آخرون منهم
(1/482)

إبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو الشيخ بن حيان الأصبهاني والقاضي الحسين والماوردي وقالا: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة، وهذا محكي عن شعبة أيضا، وهو قول عن الشافعي رواه عنه الربيع.
ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك، وحكي عن أبي حنيفة أيضا.
وقال أبو طاهر الزيادي: من قال لغيره: أجزت لك أن تروي عني – فكأنه يقول: أجزت لك أن تكذب علي، إذ الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع.
وقال ابن حزم: إنها بدعة غير جائزة، ومنع قوم الإجازة العامة كأجزت لجميع المسلمين.
ونقلها الخطيب وابن منده وحكاها الخطيب عن القاضي أبي الطيب، ونقلها الحازمي عمن أدركه من الحفاظ، ورجح جوازها ابن الحاجب والنووي.
وأما الإجازة للمعدوم فتقدم عن أبي بكر بن أبي داود أنه أجازها تبعا للموجود، وتكلم المصنف آخرا على فعلها للمعدوم ابتداء، وقال: إن كان له نوع تعيين كتقييده بكونه من ذرية زيد مثلا، فالصحيح المنع منها وبه قال القاضي أبو الطيب، وأجازها الخطيب وحكاه عن أبي يعلى بن الفراء وأبي الفضل بن عمروس.
وحكاه القاضي عياض عن معظم الشيوخ المتأخرين، وإن لم يكن له نوع تعيين كأجزت لمن يوجد مطلقا فالإجماع على المنع منها.
تنبيه:
أهمل المصنف من طرق التحمل المكاتبة، وهي: أن يكتب الشيخ شيئا
(1/483)

من حديثه أو يأمر غيره بكتابته عنه إما لحاضر عنده أو غائب عنه، فإن اقترنت بها إجازة فهي كالمناولة المقرونة بالإجازة في الصحة والقوة، وإن تجردت عن ذلك فالصحيح المشهور عند المحدثين صحتها، وبه قال أيوب السجستاني ومنصور، والليث بن سعد، وغير واحد من الشافعية منهم أبو المظفر السمعاني وجعلها أقوى من الإجازة، وبه جزم في (المحصول) وفي صحيح (البخاري) في (كتاب الأيمان والنذور):/ (142/أ/م) كتب إلي محمد بن بشار، وفي (صحيح مسلم) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص: كتب إلي جابر بن سمرة.
ومنع منها طائفة منهم الماوردي وقال الآمدي: لا يرويه إلا بتسليط من الشيخ، كقوله: فاروه عني أو: أجزت لك روايته، ومن العجب (117/أ/د) كون الشارح مع متابعته للمصنف في إهمال المكاتبة ذكر طرق التحمل عشرة وما هي في الحقيقة بعد إسقاط الكتابة إلا سبعة، لأنه أفرد السماع على الشيخ عن القراءة عليه، وعد المناولة قسمين باعتبار اقترانها بالإجازة وتجردها عنها، وأفرد الإجازة للمعدوم عن بقية أنواع الإجازة وجعلها مرتبة مستقلة، ولو سلك الطريقة المعروفة عند المحدثين وغيرهم لعدها ثمانية، منها: المكاتبة، والله أعلم.
ص: وألفاظ الرواية من صناعة المحدثين.
ش: أي الألفاظ التي يستعملها الراوي عند الأداء إذا تحمل بطريق من
(1/484)

الطرق المتقدمة من صناعة المحدثين - فلا ينبغي ذكرها في كتب الأصول تحرزا من خلط العلوم. والله أعلم.

ص: الكتاب الثالث في الإجماع
وهو اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر على أي أمر كان.
ش: قدم الإجماع على القياس لعصمته عن الخطأ بخلافه وهذا التعريف بديع يستخرج منه جميع مسائل هذا الكتاب.
فالاتفاق جنس يشمل القول والفعل والاعتقاد وما في معناها من السكوت عند القائل به.
وخرج بالمجتهد اتفاق بعض المجتهدين، واتفاق العوام.
ولفظ المجتهد مفرد أريد به الجنس، وليس جمعا فلا يكتب بالياء كما قاله المصنف وانفصل بذلك عن قول القائل: أقل الجمع ثلاثة، فيخرج ما إذا لم يكن في العصر إلا مجتهدان مع أن اتفاقهما إجماع وإذا كان مفردا مضافا عم.
(1/485)

وقد أورد عليه حينئذ أنه يتناول المجتهد الواحد إذا لم يكن في العصر سواه، والمختار أنه ليس إجماعا، وأجيب عنه بخروج هذه الصورة/ (142/ب/م) بلفظ الاتفاق، فإنه إنما يكون من اثنين فصاعدا وخرج بإضافة المجتهد للأمة اتفاق الأمم السالفة فليس حجة على الأصح، وعلى القول بأنه حجة فالكلام فيما هو حجة الآن، وتلك حجة انقرضت.
والألف واللام في الأمة للعهد، والمراد هذه الأمة، وخرج بالوفاة الإجماع في عصره عليه الصلاة والسلام فإنه لا ينعقد، ودل بقوله: (في عصر) على أنه يكفي اتفاق المجتهدين في عصر من الأعصار، ثم يصير حجة عليهم وعلى من بعدهم، ودفع به توهم إرادة اجتماع كلهم في جميع الأعصار إلى يوم القيامة.
وهذا من زيادة الآمدي، وأجاب من لم يذكره بأن المقصود العمل وإنما يكون في عصر.
وقوله: (على أي أمر كان) يعم الإثبات والنفي والأحكام الشرعية واللغوية، والعقلية، والدنيوية، فهي حجة فيها كما جزموا به في الأولين، ورجحوه في الآخرين.
وأدخل المصنف على أمر صيغة عموم ولم يفعل ذلك في عصر تأكيدا للتعميم في الأمر، فإنه قد يتخيل الفرق بين بعض الأمور/ (117/ب/د) وبعض، كما منع بعضهم الإجماع في العقليات وفيما أصله أمارة، ولا يتخيل الفرق بين عصر وعصر، ولا يقال: لولا اختلاف الأعصار لما اختص الإجماع بأعصار هذه الأمة وبعصر الصحابة عند القائل به، لأن ذلك ليس لاختلاف الأعصار بل لاختلاف أهلها، ولذلك لو كان بين الصحابة تابعي مجتهد لم يعتد بخلافه من يخص الإجماع بالصحابة، مع أنه في عصرهم، هذا معنى كلام المصنف في انفصاله عن سؤالين والله أعلم.
(1/486)

ص: فعلم اختصاصه بالمجتهدين، وهو اتفاق، واعتبر قوم وفاق العوام مطلقا، وقوم في المشهور بمعنى إطلاق أن الأمة اجتمعت لا افتقار الحجة إليهم، خلافا للآمدي، وآخرون: الأصولي في الفروع.
ش: علم من أخذ المجتهد في التعريف اختصاص الإجماع بالمجتهدين، وأنه لا اعتبار بقول العوام في وفاق ولا خلاف وبهذا قال الأكثرون، واعتبر قوم وفاقهم مطلقا، أي: في المسائل المشهورة والخفية وآخرون: وفاقهم في/ (143/أ/م) المسائل المشهورة دون الخفية كدقائق الفقه.
ثم بين المصنف أنه ليس معنى اعتبار وفاقهم أن قيام الحجة تفتقر إلى ذلك، وإنما معناه: أنه لا يصدق إطلاق اجتماع الأمة مع مخالفتهم وإن كان الآمدي خالف في ذلك، فجعله في افتقار الحجة إليهم.
وحكاه الإمام وغيره عن القاضي أبي بكر، وهو غلط عليه، فقد صرح في غير موضع من مختصر (التقريب): بعدم اعتبار قولهم، بل زاد على هذا: أن نقل الإجماع على عدم اعتباره وأن الخلاف إنما هو في أنه هل يصدق أن يقال: أجمعت الأمة، أو لا يقال إلا أجمع علماء الأمة؟ لا في أن لقول العلماء مع مخالفة العوام حجة أم لا.
وبهذا التحقيق يظهر أنه لا خلاف في المسألة في المعنى، ولهذا قال المصنف في أول كلامه: إن اختصاصه بالمجتهدين اتفاق، ثم رتب المصنف على عدم اعتبار قول العوام مسألة أخرى، وهي اعتبار قول المجتهد في فن فيما ليس مجتهدا فيه لأنه في غير فنه كالعامي.
لكن اختلفوا في اعتبار قول الأصولي الذي ليس بفقيه والفقيه الذي ليس
(1/487)

أصوليا في الفروع على أربعة أقوال:
الاعتبار مطلقا.
وعدمه مطلقا.
والثالث: اعتبار قول الأصولي، لأنه أقرب إلى مقصود الاجتهاد واستنباط الأحكام من مآخذها، وليس من شرط الاجتهاد حفظ الأحكام، بخلاف الفقيه الحافظ للأحكام، وهذا القول هو المحكي في كلام المصنف، واختاره القاضي أبو بكر، وقال الإمام: إنه الحق.
والرابع: عكسه وهو اعتبار قول الفقيه/ (118/أ/د) دون الأصولي، لأنه أعرف بمواقع الاتفاق والاختلاف.
ص: وبالمسلمين فخرج من نكفره.
ش: علم من اعتبار مجتهد الأمة اختصاصه بالمسلمين.
قلت: بناء على أن المراد بالأمة أمة الإجابة لا أمة الدعوة، فلا اعتبار بقول الكافر في علم من العلوم، ولو بلغ رتبة الاجتهاد فيه، سواء في ذلك المعترف بالكفر وغيره، وهو المبتدع إن فرعنا على تكفيره ببدعته، فإن لم نكفره/ (143/ب/م) فالمختار: أنه لا ينعقد الإجماع دونه لدخوله في مسمى الأمة.
وقيل: ينعقد دونه، وقيل: لا ينعقد عليه بل على غيره، فيجوز له مخالفة إجماع من عداه، ولا يجوز ذلك لغيره.
(1/488)

قلت: كذا حكاه الشارح، وينبغي عكسه: أنه ينعقد إجماع غيره عليه ولا ينعقد إجماعه على غيره، والله أعلم.
قال الشارح: إذا كان الإجماع في أمر دنيوي فلا يبعد أن لا يختص بالمسلمين لا سيما إذا بلغ المجمعون حد التواتر ولم يشترط في نقل المتواتر الإجماع
قلت: ليس هذا نقلا ورواية وإنما هو اجتهاد واستنباط فلا معنى لما ذكره آخرا. نعم أول بحثه قريب في انعقاد الإجماع بالكافر في الأمور الدنيوية، والله أعلم.
ص: وبالعدول، إن كانت العدالة ركنا، وعدمه إن لم تكن وثالثها: في الفاسق يعتبر في حق نفسه ورابعها: إن بين مأخذه.
ش: ويعلم أيضا من اعتبار الاجتهاد الاختصاص بالعدول إن فرعنا على أن العدالة ركن في الاجتهاد.
فإن قلنا: ليست بركن لم يختص الإجماع بالعدول.
وفهم عنه حكاية خلاف في اعتبار قول الفاسق وبناؤه على اشتراط العدالة في الاجتهاد، وسيأتي في باب الاجتهاد تصحيح عدم اشتراطها فيلزم منه اعتبار الفاسق في ذلك لكن الأكثرون على عدم اعتباره.
وفي المسألة قول ثالث: أنه يعتبر خلافه في حق نفسه دون غيره.
(1/489)

ورابع: إن بين مأخذه اعتبر وإلا فلا.
قال ابن السمعاني: ولا بأس به، ثم هذا في الفاسق بلا تأويل، أما المتأول فكالعدل وقد تقدم من نص الشافعي قبول شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية.
ص: وأنه لا بد من الكل، وعليه الجمهور، وثانيها: يضر الاثنان وثالثها: الثلاثة، ورابعها: بالغ عدد التواتر، وخامسها: إن ساغ الاجتهاد في مذهبه، وسادسها: في أصول الدين، وسابعها: لا يكون إجماعا بل حجة.
ش: علم من قوله (مجتهد الأمة) أنه لا بد من اتفاق جميعهم، لأنه مفرد مضاف فيعم، فلا ينعقد الإجماع مع مخالفة بعض مجتهدي العصر، ولو كان واحدا، هذا هو الصحيح وقول الجمهور.
القول الثاني: أنه إن كان المخالف اثنين قدح في الإجماع، أو واحدا فلا.
الثالث: إنما يضر الثلاثة، حكاه الإمام/ (118/ب/د) عن محمد بن جرير الطبري وأبي بكر الرازي وأبي الحسين الخياط من المعتزلة ونقل عنهم البيضاوي: أنه لا يضر مخالفة الأقل، ومقتضاه أن العبرة بقول الذين هم أكثر من النصف، وإن كثر عدد المخالفين ولم يحك المصنف هذا القول.
(1/490)

الرابع: إن بلغ المخالفون عدد التواتر قدحت مخالفتهم في الإجماع، وإلا فلا.
وقال القاضي أبو بكر: إنه الذي يصح عن ابن جرير.
الخامس: إن كان مذهب المخالف في ذلك مما يسوغ الاجتهاد فيه عند الأكثرين قدح في الإجماع، وإلا فلا.
ومثل الشارح الأول بخلاف ابن عباس في العول/.
والثاني: بخلافه في المتعة وربا الفضل.
قال: وهو قول الجرجاني من الحنفية، وحكاه السرخسي عن أبي بكر الرازي.
السادس: إن كان في أصول الدين قدح، وإلا فلا.
السابع: إن ندر المخالف لم يكن إجماعا قطعيا لكنه حجة لأنه يبعد أن يكون الراجح مع الأقلين، صححه ابن الحاجب.
قال الشارح: وحكي ثامن: أنه إجماع وحجة.
(1/491)

وتاسع: أنه ليس بحجة ولا إجماع، لكن الأولى اتباع الأكثر وإن كان لا تحرم مخالفتهم.
قلت: وعاشر تقدمت حكايته عن البيضاوي والله أعلم.
ص: وأنه لا يختص بالصحابة وخالف الظاهرية وعدم انعقاده في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأن التابعي المجتهد معتبر معهم فإن نشأ بعد فعلى الخلاف في انقراض العصر.
ش: فيه مسائل:
الأولى: أن الإجماع لا يختص بالصحابة، وهذا مفهوم من إطلاق مجتهد الأمة، وبه قال الجمهور، خلافا للظاهرية.
قال ابن حزم: ذهب داود وأصحابنا إلى أن الإجماع إنما هو إجماع الصحابة فقط، وهو قول لا يجوز خلافه، لأن الإجماع إنما يكون عن توقيف، والصحابة هم الذين شهدوا التوقيف.
فإن قيل: فما تقولون في إجماع من بعدهم أيجوز أن يجمعوا على خطأ؟
قلنا: هذا لا يجوز لأمرين.
أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمننا من ذلك بقوله: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)).
والثاني: أن سعة الأقطار بالمسلمين وكثرة العدد لا يمكن أحد ضبط أقوالهم، ومن ادعى هذا لم يخف على أحد كذبه. انتهى.
(1/492)

ومقتضاه: أن الظاهرية لا يمنعون الاحتجاج بإجماع من بعد الصحابة ولكن يستبعدون العلم به/ (144/ب/م)
الثانية: أنه لا ينعقد الإجماع في حياته عليه الصلاة والسلام كما صرح به في التعريف، لأنه إن كان مع المجمعين فالحجة في قوله، وإلا فلا اعتبار بقولهم.
الثالثة: إذا كان في عصر الصحابة تابعي بلغ رتبة الاجتهاد اعتبر قوله معهم، وهذا مأخوذ من إطلاق المجتهد، فلا ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته خلافا لقوم، ولا يخفى أن هذا مبني على اعتبار مخالفة النادر، فإن لم يتصف بصفة الاجتهاد/ (119/أ/د) إلا بعد إجماعهم فنشأ له الاجتهاد، وخالف قبل انقراضهم بني على الخلاف في اعتبار انقراض العصر، فإن لم نعتبره لم يعتد بخلافه، وإن اعتبرناه اعتد بخلافه.
ص: وأن إجماع كل من أهل المدينة وأهل البيت والخلفاء الأربعة والشيخين وأهل الحرمين وأهل المصرين الكوفة والبصرة غير حجة.
ش: علم من العموم في قوله: مجتهد الأمة، انتفاء الإجماع في كل من هذه المسائل الست.
فالأولى: خالف فيها مالك، فأخذه أكثر أصحابه على ظاهره، وأوله بعضهم على ترجيح روايتهم على غيرهم.
(1/493)

وخالف في الثانية الشيعة، والمراد بأهل البيت علي وفاطمة وأبناؤهما الحسن والحسين رضي الله عنهم، وحكى الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) عن الشيعة أيضا أن قول علي – رضي الله عنه – وحده حجة.
فإن قلت: كيف يجتمع هذا النقل عن الشيعة مع أنه اشتهر عنهم إنكار حجية الإجماع؟
قلت: أنكروا كونه حجة على تفسيره المعروف، لا مطلقا.
وخالف في الثالثة القاضي (أبو خازم بالخاء والزاي المعجمتين) وهو من أئمة الحنفية ولهذا لم يعتبر خلاف زيد في منع توريث ذوي الأرحام بناء على أن الخلفاء الأربعة يورثونهم وأنفذ المعتضد حكمه بذلك، وكتب به إلى الآفاق، وكان قاضيا في زمنه.
وقال بإجماعهم أيضا الإمام أحمد كما نقله ابن الحاجب.
ومدرك المخالف في الرابعة قوله عليه الصلاة والسلام: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)) رواه الترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان والحاكم.
ومدرك المخالف في الأخيرتين انتشار الصحابة – رضي الله عنهم – في هذه البلاد دون غيرها./ (145/أ/م)
ص: وأن المنقول بالآحاد حجة.
(1/494)

ش: إذا نقل الإجماع لنا بطريق الآحاد فالصحيح عند الإمام والآمدي وابن الحاجب وغيرهم: أنه حجة كنقل السنة وهذا مفهوم من إطلاق التعريف/ المتقدم.
وحكى الآمدي عن الأكثرين: أنه لا يكون حجة، إلا إذا نقل إلينا بطريق التواتر.
ص: وهو الصحيح في الكل.
ش: أي أن ما ذكرناه هو الصحيح في جميع المسائل المتقدمة، وعلم من ذلك نقل الخلاف في المسائل الست المتقدمة، وإن لم يصرح به هناك.
ص: وأنه لا يشترط عدد التواتر، وخالف إمام الحرمين.
ش: علم من إطلاق مجتهد الأمة أنه لا يشترط للمجمعين عدد وذلك يقتضي أنه لا يشترط بلوغهم عدد التواتر وبه قال الأكثرون خلافا لإمام الحرمين.
قال الشارح: والذي رأيته في (البرهان) بعد حكاية الخلاف في ذلك: والذي نرتضيه – وهو الحق – أنه يجوز انحطاط عددهم، بل يجوز شغور الزمان عن العلماء وتعطيل الشريعة.
وأما/ (119/ب/د) القول بأن إجماع المنحطين عن التواتر حجة فهو غير مرضي، قاله الشارح.
فعلى هذا، هنا مسألتان: جواز ذلك، وهل هو حجة أم لا؟.
والإمام يوافق على الأول ويخالف في الثاني.
(1/495)

وكلام المصنف فيه.
قلت: فلا اعتراض على المصنف، والله أعلم.
ص: وأنه لو لم يكن إلا واحد لم يحتج به، وهو المختار.
ش: علم من لفظ الاتفاق أنه لو لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد لم يكن قوله حجة، واختاره المصنف.
وقال أبو إسحاق: إنه حجة، وعزاه الصفي الهندي للأكثرين. وقال بعضهم: لا خلاف في أنه ليس بإجماع.
وقال الغزالي: إن اعتبرنا موافقة العوام: فإن ساعده العوام فهو إجماع الأمة، وإن لم يلتفت إلى قولهم فلم يوجد ما يتحقق به اسم الإجماع، لأنه يستدعي عددا حتى يسمى إجماعا.
ص: وأن انقراض العصر لا يشترط، وخالف أحمد وابن فورك وسليم فشرطوا انقراض كلهم أو غالبهم أو علمائهم، أقوال اعتبار العامي والنادر، وقيل: يشترط الانقراض في السكوتي, وقيل: إن كان فيه مهلة وقيل: إن بقي منهم كثير، وأنه لا يشترط تمادي الزمن واشترطه إمام الحرمين في الظني.
ش:/ (145/ب/م) علم من قوله: (في عصر) أنه لا يشترط في انعقاد الإجماع انقراض عصر المجمعين، لحصول مسمى اتفاقهم في عصر، وبهذا قال الأكثرون.
(1/496)

والثاني: اشتراطه فلو رجع بعضهم قبل موتهم فله ذلك، وبه قال أحمد بن حنبل وابن فورك وسليم الرازي من الشافعية.
وإذا قلنا بهذا فهل يشترط انقراض كلهم أو غالبهم أو علمائهم؟
فيه ثلاثة أقوال:
فالأول: قول من يعتبر قول العامي والفرد النادر.
والثاني: قول من لا يعتبر قول النادر.
والثالث: قول من لا يعتبر قول العامي.
القول الثالث: أنه لا يشترط انقراضهم في الإجماع السكوتي دون القولي، وهو قول الأستاذ، واختاره الآمدي.
الرابع: اشتراطه فيما فيه مهلة، فأما ما لا مهلة فيه، ولا يمكن استدراكه من قتل نفس أو استباحة فرج فلا يشترط فيه انقراضهم.
الخامس: أنه إن بقي كثير منهم، وضبط بعدد التواتر لم يكن إجماعهم حجة, وإن كان الباقي منهم قليلا, وهو دون عدد التواتر انعقد الإجماع قبل انقراضهم.
وقوله: (وأنه لا يشترط تمادي الزمن) مفرع على الأول، وهو عدم اشتراط الانقراض أي: لا يشترط أيضا في حصول الإجماع مرور الأزمنة
(1/497)

وطول المدة، وهذا مفهوم من إطلاق الاتفاق المذكور في التعريف، واشترطه إمام الحرمين إن كان الحكم ظنيا، فإن قطعوا بالحكم فلا. ويرد على المصنف أن إمام الحرمين لم يقتصر على طول الزمان بل شرط/ (120/أ/د) معه تكرار الواقعة وعبارته في (البرهان): وشرط ما ذكرناه أن يغلب عليهم في الزمن الطويل ذكر تلك الواقعة وترداد الخوض فيها فلو وقعت الواقعة، فسبقوا إلى حكم فيها ثم تناسوها إلى ما سواها فلا أثر للزمان، والحالة هذه. ثم بنى على ذلك أنهم لو قالوا عن ظن، ثم ماتوا على الفور، لا يكون إجماعهم إجماعا، ثم أشار إلى ضبط الزمن فقال: المعتبر زمن لا يعرض في مثله استقرار الجم الغفير على رأي إلا عن قاطع أو نازل منزلة القاطع انتهى.
وظهر بذلك أن نقل ابن الحاجب عن إمام الحرمين/ (146/أ/م) أنه إن كان عن قياس اشترط انقراض العصر، وإلا فلا – غلط عليه، فإنه لا ينظر إلى الانقراض وإنما تعتبر طول المدة وتكرر الواقعة، والله أعلم.
ص: وأن إجماع السالفين/غير حجة وهو الأصح.
ش: علم من لفظ الأمة – وهو للعهد كما تقدم – أن إجماع الأمم السالفة ليس حجة وبه قال الجمهور، لأن العصمة لم تثبت إلا لهذه الأمة وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أن إجماع كل أمة حجة.
قال الشارح: ولم يثبتوا أن الخلاف في كونه حجة عندنا أو عندهم. ويحتمل أنه عندنا، وهو مفرع على كونه حجة عندهم، ويتفرع على حجيته عندهم الخلاف في أنه شرع عندنا أم لا، فإن قلنا: نعم، كان إجماعهم عندنا حجة، وإلا فلا.
(1/498)

وفيه نظر. انتهى.
ص: وأنه قد يكون عن قياس خلافا لمانع جواز ذلك أو وقوعه مطلقا أو في الخفي.
ش: علم من إطلاق الاجتهاد أنه قد يكون مستنده نصا ولا خلاف فيه أو قياسا وهو جائز واقع عند الجمهور.
وقيل: إنه غير ممكن وقيل: إنه ممكن إلا أنه غير واقع وقيل: إن كانت الأمارة جلية جاز، أو خفية فلا.
وعلى القول الأول: فاختلفوا في تحريم مخالفته إذا وقع مع إطباقهم على أنه حجة.
ص: وأن اتفاقهم على أحد القولين قبل استقرار الخلاف جائز، ولو من الحادث بعدهم، وأما بعده منهم فمنعه الإمام، وجوزه الآمدي مطلقا، وقيل: إلا أن يكون مستندهم قاطعا، وأما من غيرهم فالأصح ممتنع إن طال الزمان.
ش: إذا اختلف أهل العصر على قولين فهل يجوز بعد ذلك الاتفاق على أحدهما؟
للمسألة حالان.
إحداهما: أن يكون قبل استقرار الخلاف، فجزم المصنف بجوازه، سواء
(1/499)

أكان الاتفاق منهم أو ممن حدث بعدهم من المجتهدين، وهو مفهوم من إطلاق الاتفاق، وبه قال الجمهور لرجوع الصحابة إلى الصديق رضي الله عنهم في قتال/ (120/ب/د) مانعي الزكاة بعد الاختلاف قبل ذلك وخالف فيه الصيرفي.
قلت: ولك أن تقول: إن أريد بالاستقرار الخلاف جزم كل بقوله، فقبل الجزم لا خلاف، وإن أريد موتهم فيرده أن المسألة/ (146/ب/م) أعم من اتفاقهم واتفاق من بعدهم كما تقدم، ولست أرتضي قول من قال: إن المراد اشتهاره وأن يصير مذهبا يعزى إلى قائله، لأن شهرة القول لا تحدث له حكما لم يكن له قبل شهرته.
ولعل المراد باستقراره طول الزمان، وتكرر الواقعة مع تصميم كل على قوله، ولا يلزم من كون ذلك غير مشترط في انعقاد الإجماع عدم اشتراطه في هذه الصورة الخاصة عند بعضهم، والله أعلم.
الثانية: أن يكون بعد استقرار الخلاف وتحته صورتان:
إحداهما: أن يكون الاتفاق من أهل ذلك العصر بعينه، ففيه مذاهب.
أحدها: المنع، وهو اختيار الإمام.
والثاني: الجواز، وهو اختيار الآمدي.
والثالث: أنه يجوز إن كان مستندهم ظنيا، ولا يجوز إن كان قطعيا ولا يخفى أن محل الخلاف إذا لم يشترط انقراض العصر، فإن شرطناه جاز قطعا.
الثانية: أن يكون الاتفاق من أهل العصر الذي بعدهم ففيه مذاهب:
الجواز مطلقا وبه قال الإمام وأتباعه وابن الحاجب.
(1/500)

والمنع مطلقا وبه قال الإمام أحمد، والشيخ أبو الحسن، والصيرفي وإمام الحرمين، والغزالي والآمدي ونقل كل منهما عن الجمهور والأصح عند المصنف: الامتناع إن طال الزمان، والجواز إذا قرب وحكي عن إمام الحرمين.
والفرق أن استمرار الخلاف مع طول الزمان يقتضي العرف فيه، بأنه لو كان ثم وجه لسقوط أحد القولين لظهر.
ص: وأن التمسك بأقل ما قيل حق.
ش: من الأدلة التي اعتمدها الشافعي الأخذ بأقل ما قيل إذا لم يجد دليلا سواه، ووافقه القاضي أبو بكر والجمهور، وذلك كدية الكتابي قيل: إنها كدية المسلم، وقيل: على النصف منها، وقيل:/الثلث، فأخذ الشافعي بالثلث، وهو مركب من الإجماع والبراءة الأصلية، فإن إيجاب الثلث مجمع عليه، ووجوب الزيادة عليه مدفوع بالبراءة الأصلية، والصورة أنه لم يقم دليل على إيجاب الزيادة، ولذلك أدخله المصنف في مسائل الإجماع، وأشار إلى أنه مفهوم من التعريف المتقدم، وقد عرفت أنه ليس إجماعا محضا بل مركب من أمرين، وقال القاضي أبو بكر: إن الناقل عن الشافعي/ (147/أ/م) أنه من الإجماع لعله زل في كلامه.
وقال الغزالي: هو سوء ظن به، فإن المجمع عليه وجوب هذا القدر ولا مخالفة فيه، والمختلف فيه سقوط الزيادة ولا إجماع فيه، وحينئذ فليس تمسكا
(1/501)

بالإجماع بل مجموع هذين/ (121/أ/د) الدليلين.
قال شارحه العبدري: قوله: (ليس تمسكا بالإجماع) أي: في إبطال الزيادة على أقل ما قيل، أما في أقل ما قيل فهو تمسك بالإجماع بدليل قوله: المجمع عليه وجوب هذا القدر، ولا مخالف، فيه انتهى.
أما إذا قام دليل على الزيادة فإن الشافعي يأخذ به، كما قال بالتسبيع في غسلات الكلب، لقيام الدليل عليه، ولم يتمسك بأقل ما قيل، وهو الاقتصار على ثلاث غسلات. والله أعلم.
ص: أما السكوتي فثالثهما حجة لا إجماع ورابعها: بشرط الانقراض وقال ابن أبي هريرة: إن كان فتيا، وأبو إسحاق المروزي عكسه، وقوم: إن وقع فيما يفوت استدراكه، وقوم: في عصر الصحابة، وقوم: إن كان الساكتون أقل، والصحيح: حجة، وفي تسميته إجماعا خلاف لفظي، وفي كونه إجماعا تردد، مثاره أن السكوت المجرد عن أمارة رضا وسخط مع بلوغ الكل ومضي مهلة النظر عادة عن مسألة اجتهادية تكليفية هل يغلب ظن الموافقة؟
ش: ما تقدم في الإجماع القولي، أما السكوتي وهو أن يفتي بعض المجتهدين ويبلغ الباقين فيسكتوا من غير تصريح بموافقة ولا إنكار، ففيه مذاهب:
أحدها: أنه ليس بإجماع، ولا حجة، لاحتمال توقف الساكت في ذلك أو ذهابه إلى تصويب كل مجتهد، واختاره القاضي أبو بكر، ونقله عن الشافعي، وقال: إنه آخر أقواله وإمام الحرمين وقال: إنه ظاهر مذهبه، ولهذا قال: لا ينسب إلى ساكت قول.
(1/502)

قال إمام الحرمين: وهي من عباراته الرشقة.
وقال الغزالي في (المنخول): نص عليه في الجديد، واختاره الإمام فخر الدين وأتباعه.
الثاني: أنه إجماع وحجة، ويوافقه استدلال الشافعي بالإجماع السكوتي في مواضع، وأجاب من نقل عنه الأول: بأنه إنما استدل به في وقائع تكررت كثيرا بحيث انتفت/ (147/ب/م) فيها الاحتمالات التي اعتل بها من منع كونه حجة.
ويمكن الجواب بأن تلك الوقائع ظهرت من الساكتين فيها قرينة الرضى فليست من محل النزاع، كما ادعى الاتفاق على ذلك الروياني من أصحابنا والقاضي عبد الوهاب من المالكية.
الثالث: أنه حجة وليس بإجماع، وهو قول أبي هاشم والصيرفي وهو معنى قول الآمدي: إنه إجماع ظني يحتج به, ووافقه ابن الحاجب في مختصره الكبير وتردد في مختصره الصغير بين القول بكونه إجماعا، والقول بكونه حجة.
الرابع: أنه إجماع بشرط انقراض العصر وبه قال أبو علي الجبائي والبندنيجي من أصحابنا وفي (اللمع) للشيخ أبي إسحاق: إنه المذهب، قال: فأما قبل انقراضه فهل نقول: ليس إجماعا/ (121/ب/د) قطعا أو على الخلاف؟ طريقان.
الخامس: أنه إجماع إن كان فتيا لا إن كان حكما، وبه قال ابن أبي هريرة، كذا حكاه الآمدي، والذي في (المحصول) عنه: لا، إن كان من حاكم، وبينهما فرق، فلا يلزم من صدوره من حاكم أن يكون حكما فقد يكون فتوى.
(1/503)

السادس: عكسه، وبه قال أبو إسحاق المروزي، لأن الأغلب أن الصادر من الحاكم لا يصدر إلا عن تشاور.
السابع: أنه إجماع إن كان في أمر يفوت استدراكه كإباحة/فرج وإراقة دم، وإلا فلا، حكاه ابن السمعاني.
الثامن: إنه إن كان في عصر الصحابة فإجماع، وإلا فلا، حكاه الماوردي.
التاسع: أنه إجماع إن كان الساكتون أقل، وإلا فلا، حكاه السرخسي من الحنفية.
ولما حكى المصنف هذه المذاهب صحح منها كونه حجة، اقتداء بالرافعي فإنه قال في كتاب القضاء: إنه المشهور.
قال: وهل هو إجماع؟ فيه وجهان.
ثم أشار المصنف إلى أن الخلاف في كونه إجماعا مع الجزم بأنه حجة خلاف لفظي، أي: هل نسميه بذلك أم لا؟ وأن التردد في كونه إجماعا حقيقة مثاره ومنشؤه: أن السكوت المجرد عن أمارة الموافقة والمخالفة مع علم جميع مجتهدي العصر بفتوى أولئك وبمضي مدة يمكن من حيث العادة الاجتهاد فيها في تلك المسألة هل يغلب على الظن الموافقة/ (148/أ/م) أم لا؟
وقيد المصنف ذلك بقيدين:
أحدهما: أن يكون السكوت عن مسألة اجتهادية، أي واقعة في محل الاجتهاد ليخرج مسائل الوفاق فليست من ذلك.
ثانيهما: أن يكون من مسائل التكليف ليخرج به ما لو كانت المسألة في تفضيل شخص على آخر.
وفاته قيد ثالث أن يتكرر مع طول الزمان.
ورابع: وهو أن يكون بعد استقرار المذاهب.
(1/504)

ص: وكذا الخلاف فيما لم ينتشر.
ش: تقدم الكلام في فتوى البعض وسكوت الباقين مع علمهم به، فإن انتشر ولم يدر هل علموا به أم لا، فيجري فيه الخلاف المتقدم أيضا، لكن الظاهر هنا أنه ليس بحجة، وهو المحكي عن الأكثرين، واختاره الآمدي وهو خلاف ما يقتضيه عبارة المصنف.
وقال الإمام فخر الدين: الحق أنه إن كان فيما تعم به البلوى –أي: تقع فيه الناس كثيرا كنقض الوضوء بمس الذكر – فهو حجة وإلا فلا، وجزم به البيضاوي.
واعلم أن المراد بالانتشار الشهرة لا العلم ببلوغ الخبر للباقين، وألا تتحد مع المسألة التي قبلها.
واشترط الآمدي وابن الحاجب عدم الانتشار يريدان به نفي العلم باطلاعهم ولم يريدا به عدم/ (122/أ/د) الشهرة، فلا خلاف في المعنى.
ص: وأنه قد يكون في دنيوي وديني وعقلي لا تتوقف، صحته عليه.
ش: علم من قوله: (على أي أمر كان) أن الإجماع حجة في الأمور الدنيوية كالآراء والحروب وتدبير الجيوش، وأمور الرعية، وللقاضي عبد الجبار فيه قولان: وجه المنع اختلاف المصالح بحسب الأحوال، فلو كان حجة للزم ترك المصلحة وإثبات المفسدة، وقطع به الغزالي وصححه ابن السمعاني وأما الأمور الدينية فلا خلاف فيها، وأما العقلية فإنها تكون حجة فيما لا يتوقف الإجماع عليه، كحدوث العالم ووحدة الصانع لإمكان تأخر معرفتهما عن الإجماع دون ما يتوقف الإجماع عليه كإثبات الصانع والنبوة، فإن إثبات
(1/505)

ذلك بالإجماع يلزم منه الدور.
ص: ولا يشترط فيه إمام معصوم.
ش: المخالف في ذلك/ (148/ب/م) الرافضة بناء على زعمهم أنه لا يجوز خلو الزمان عنه، وحينئذ فالحجة به لا بالإجماع.
ص: ولا بد له من مستند وإلا لم يكن لقيد الاجتهاد معنى.
ش: الجمهور على أنه لا بد للإجماع من مستند، أي دليل شرعي من كتاب أو سنة أو قياس على خلاف فيه تقدم، وذلك معلوم من قوله في التعريف: (مجتهد الأمة) وإلا لم يكن لقيد الاجتهاد فائدة.
وجوز قوم حصوله مصادفة بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير توقيف على مستند، لكن وافقوا على أنه غير واقع كما قاله الآمدي.
ص: الصحيح إمكانه وأنه حجة، وأنه قطعي حيث اتفق المعتبرون لا حيث اختلفوا كالسكوتي وما ندر مخالفه وقال الإمام والآمدي: ظني مطلقا.
ش: فيه ثلاث مسائل:
الأولى:/الصحيح إمكان الإجماع، وأحاله النظام، واعترف بعضهم بإمكانه، ولكن قال: لا سبيل إلى الاطلاع عليه.
الثانية: إذا ثبت إمكانه فهو حجة، خلافا لمن أنكر ذلك، لتضافر أدلة الكتاب والسنة عليه.
(1/506)

الثالثة: إذا ثبت كونه حجة فهل هو حجة قطعية بحيث يكفر أو يضلل مخالفه أو ظنية؟
ذهب الأكثرون إلى الأول، والإمام والآمدي إلى الثاني، واختار المصنف التفصيل بين أن يتفق المعتبرون على أنه إجماع، فيكون قطعيا وبين أن يكون مختلفا فيه كالإجماع السكوتي، وما ندر مخالفه فيكون ظنيا عند القائل به، وقد عرفت أن الأصح أن الأول حجة دون الثاني، ولهذا جمع المصنف بينهما.
ص: وخرقه حرام، فعلم تحريم إحداث ثالث، والتفصيل إن خرقاه، وقيل: خارقان مطلقا، وأنه يجوز إحداث دليل أو تأويل أو علة إن لم يخرق وقيل: لا.
ش: خرق الإجماع حرام، للتوعد عليه في قوله تعالى: {ويتبع غير سبيل المؤمنين} وهو متفق عليه إذا/ (122/ب/د) كان مستنده نصا، فإن كان عن اجتهاد فالصحيح كذلك، وحكى القاضي عبد الجبار قولا: إنه يجوز لمن بعدهم مخالفتهم.
ويتفرع على هذا الأصل مسائل:
الأولى: إذا اختلف أهل العصر على قولين/ (149/أ/م) فهل لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟
فيه مذاهب:
(1/507)

أحدها – وبه قال الجمهور -: المنع، كما لو أجمعوا على قول واحد فإنه يحرم إحداث قول ثان.
والثاني: الجواز.
والثالث – واختاره الإمام والآمدي وابن الحاجب وغيرهم -: أنه إن لم يرفع مجمعا عليه جاز، وإلا فلا، وهو المفهوم من قول المصنف: (إن خرقاه) فإنه متعلق بهذه المسألة والتي بعدها.
ومثل ذلك بمسألة الجد والإخوة، فإن العلماء بين حاجب للإخوة وبين مشرك لهم معه في الإرث، فالقول بحجبهم له مطلقا خارق لما أجمعوا عليه من توريثه بكل حال.
فإن قلت: في (المحلى) لابن جزم قول بحجب الجد بهم؟ قلت: يحتمل أن هذا إن ثبت سابق أجمعوا بعده على خلافه، أو متأخر عن الإجماع فهو حينئذ فاسد غير معتد به، والله أعلم.
تنبيه:
أشار المصنف بالفاء الدالة على التفريع في قوله: (فعلم) إلى أنه لا يجوز إحداث قول ثالث مع اعتقاد أنه خارق، بل من جوزه اعتقده غير خارق.
الثانية: إذا لم يفصل أهل العصر بين مسألتين بل أجابوا فيهما بجواب واحد، فليس لمن بعدهم التفصيل بينهما، وجعل حكمهما مختلفا إن لزم منه خرق الإجماع، وذلك في صورتين:
الأولى: أن يصرحوا بعدم الفرق بينهما.
الثانية: أن يتحد الجامع بينهما كتوريث العمة والخالة، فإن العلماء بين مورث لهما ومانع، والجامع بينهما عند الطائفتين كونهما من ذوي الأرحام، فلا يجوز منع واحدة وتوريث أخرى، فإن التفصيل بينهما خارق لإجماعهم في
(1/508)

الأولى نصا، وفي الثانية تضمنا، ويجوز التفصيل فيما عدا هاتين الصورتين.
ثم حكى المصنف قولا بمنع التفصيل بينهما مطلقا، وأن ذلك خارق للإجماع، وكلام القاضي أبي بكر والإمام فخر الدين يدل على ذلك.
وقول الآمدي: إنه لا خلاف هنا في الجواز – مردود.
تنبيه:
توهم بعضهم أنه لا فرق بين هذه المسألة والتي قبلها، لأن الآمدي وابن الحاجب جمعا بينهما وحكما عليهما بحكم واحد ولأن في كل منهما/ (149/ب/م) إحداث قول ثالث، لكن الفرق بينهما أن هذه فيما إذا كان محل الحكم متعددا وتلك فيما إذا كان متحدا كذا فرق القرافي وغيره ويمكن أن يقال: تلك مفروضة في الأعم من كون المحل متعددا، وكونه متحدا وهذه في كونه متعددا، فالأولى أعم.
الثالثة: إذا استدل المجمعون على/ (123/أ/د) حكم بدليل أو ذكروا له تأويلا أو علة فلمن بعدهم إحداث/دليل، وتأويل وعلة، إن لم يكن في ذلك إبطال ما أجمعوا عليه، هذا قول الأكثرين ومنعه بعضهم مطلقا لأن ذلك الدليل ليس سبيلا للمؤمنين فلا يقبل، أما إذا كان فيه إبطال مجمع عليه فلا يجوز.
ص: وأنه يمتنع ارتداد الأمة سمعا وهو الصحيح، لا اتفاقها على جهل ما لم تكلف به على الأصح لعدم الخطأ.
ش: فيه مسألتان:
إحداهما: اختلف في أنه هل يمكن ارتداد جميع الأمة في عصر من الأعصار؟ والصحيح امتناعه لأنه ضلال، وهو منفي عن هذه الأمة، وأشار المصنف بقوله: (سمعا) إلى أن محل الخلاف في امتناعه من جهة السمع ولا يمتنع عقلا قطعا.
(1/509)

الثانية: اختلف أيضا في أنه هل يمكن اتفاق الأمة على الجهل بما لا تكلف العلم به كتفضيل عمار على حذيفة أو عكسه؟
والصحيح: أنه لا يمتنع، فإنه ليس في ذلك خطأ لعدم التكليف به، أما ما كلفوا به فيمتنع جهل جميعهم به، ككون الوتر واجبا أم لا.
ص: وفي انقسامها فرقتين كل مخطئ في مسألة تردد مثاره هل أخطأت.
ش: هل يجوز انقسام الأمة فرقتين كل فرقة مخطئة في مسألة، مخالفة للأخرى، كاتفاق شطر الأمة على أن الترتيب في الوضوء واجب، وفي الصلوات الفائتة غير واجب، والفرقة الأخرى على عكس ذلك في الصورتين؟
ذهب الأكثرون إلى المنع، لأن خطأهم في المسألتين لا يخرجهم عن أن يكونوا قد اتفقوا على الخطأ، ولو في المسألتين، وهو منفي عنهم، وجوزه المتأخرون لأن المخطئ في كل مسألة بعض الأمة، ومثار الخلاف أن المخطئين في المسألتين/ (150/أ/م) معا كل الأمة أو بعضهم وهو معنى قول المصنف: (هل أخطأت) أي كل الأمة.
ص: وأنه لا إجماع يضاد إجماعا سابقا، خلافا للبصري.
ش: ذهب الجمهور إلى أنه إذا انعقد الإجماع في مسألة على حكم لم يجز أن ينعقد بعده إجماع يضاده لاستلزامه تعارض دليلين قطعيين، وجوزه أبو
(1/510)

عبد الله البصري، وقال: لا امتناع في تخصيص بقاء كون الإجماع حجة قطعية، بما إذا لم يطرأ عليه إجماع آخر، لكن لما أجمعوا على وجوب العمل بالمجمع عليه في جميع الأعصار أمنا من وقوع هذا الجائز، فاستفيد عدم الجواز من الإجماع الثاني دون الإجماع الأول.
ص: وأنه لا يعارضه دليل إذ لا تعارض بين قاطعين ولا قاطع ومظنون.
ش: لا يعارض الإجماع دليل قطعي ولا ظني، أما القطعي فلأن تعارض القاطعين محال، لأن التعارض يقتضي خطأ أحدهما وأما الظني فإنه لا يعارض القطعي، وفهم منه أن محل ذلك في الإجماع القطعي أما الظني فتجوز معارضته/ (123/ب/د) فالإجماع المتفق عليه أولى من المختلف فيه.
ص: وأن موافقته خبراً لا تدل على أنه عنه بل ذلك الظاهر، إن لم يوجد غيره.
ش: إذا وجدنا إجماعا موافقا لخبر، ولم نجد للإجماع دليلا سواه، فلا يتعين كون الإجماع ناشئا عن ذلك الدليل، لاحتمال أن يكون له مستند آخر استغني عن ذكره بالإجماع، وإن كان الظاهر أنه ناشئ عنه.
وقال أبو عبد الله البصري: بل يتعين أن يكون هو مستنده وأوله بعضهم على أن ذلك هو الظاهر، لا أنه لازم، وحكاه ابن برهان في (الوجيز) عن الشافعي أيضا.
قال القاضي عبد الوهاب: ومحل الخلاف في خبر الواحد، فإن كان متواترا فهو عنه، بلا خلاف.
تنبيه:
قال الشارح: لينظر في هذه المسألة مع قول المصنف في باب
(1/511)

(الأخبار) وأن الإجماع على وفق خبر لا يدل على صدقه.
وثالثها:/ (150/ب/م) إن تلقوه بالقبول بأن كونه مستندا لإجماع، ودلالة الإجماع على صدقه متقارب.
قلت: تلك المسألة في الاستدلال بذلك على صحة الخبر وهي كعمل العالم على وفق خبر لا يدل على صحته، فالبحث هناك عن الأخبار وصحتها/وهذه المسألة بعد صحة الخبر لا تدل موافقة الإجماع له على أنه ناشئ عنه فهذا من مباحث الإجماع، هل يتعين أن يكون سنده هذا الخبر أو يجوز أن يكون غيره؟ والله أعلم.
ص: خاتمة: جاحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة كافر قطعا، وكذا المشهور المنصوص في الأصح، وفي غير المنصوص تردد، ولا يكفر جاحد الخفي ولو منصوصا.
ش: من جحد حكما من أحكام الشرع مجمعا عليه فله أحوال:
أحدها: أن يكون معلوما من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس فهو كافر.
واعلم أن أحكام الشرع – على قاعدة الأشاعرة – لا يعرف منها شيء إلا بالدليل السمعي فهي نظرية لكن لعدم تطرق الشك إليها واستواء الخلق فيها أشبهت الضروري فسميت باسمه.
ثانيها: أن لا يبلغ رتبة الضروري لكنه مشهور، وفيه نص، فالأصح يكفر جاحده فإن لم يكن منصوصا ففي الحكم بكفره تردد، وهو خلاف لأصحابنا صحح النووي في باب: (الردة) التكفير، وحكى الرافعي في باب (حد الخمر) عن الإمام أنه لم يستحسن إطلاق القول بتكفيره وقال: كيف نكفر من
(1/512)

خالف الإجماع، ونحن لا نكفر من رد أصل الإجماع وإنما نبدعه ونضلله؟ وأول كلام الأصحاب على ما إذا صدق المجمعين على أن التحريم ثابت في الشرع ثم خالفه فإنه يكون رادا للشرع.
ثالثها: أن لا يكون من مشهورات الأحكام، بل من خفياتها فلا يكفر جاحده ولو كان فيه نص مثل كون بنت الابن لها/ (124/أ/د) مع بنت الصلب السدس تكملة الثلثين، فإنه مجمع عليه، وفيه نص، ومع ذلك فلا يكفر جاحده لخفائه، وأنكر على ابن الحاجب حيث أوهمت عبارته حكاية قول فيه/ (150/أ/م) بالتكفير.
(1/513)

ص: الكِتَابُ الرَّابِعُ
فِي القِيَاسِ
ص: وهو حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعلومٍ لِمُسَاوَاتِهِ فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ عِنْدَ الحَامِلِ، وإِنْ خُصَّ بِالصَّحيحِ حُذِفَ الأَخِيرُ.
ش: القِيَاسُ لُغَةً: التّقْدِيرُ وَالتَّسْوِيةُ، ومِنْه نَقْلُ اللّفْظِ إِلَى القِيَاسِ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، لأَنَّ فِيهِ مُسَاوَاةَ الفَرْعِ للأَصْلِ.
وَاخْتَارَ المُصَنِّفُ فِي تَعْرِيفِهِ اصْطِلاَحًا مَا ذَكَرَهُ، لأَنَّ أَصْلَهُ لِلقَاضِي أَبِي بَكْرٍ.
وَالمُرَادُ بِالحَمْلِ الإِلحَاقُ، وَالمُرَادُ بِالمَعْلومِ المُتَصَوَّرُ، فَيَتَنَاوَلُ العِلْمَ اليَقِينِيَّ، وَالاعْتِقَادَ وَالظَّنَّ.
وإِنَّمَا لَمْ يُعَبِّرْ بمَوْجُودٍ ولاَ بِشَيءٍ، لأَنَّ القِيَاسَ يَجْرِي فِي المَوْجُودِ وَالمَعْدُومِ، وَالشَّيءُ لاَ يُطْلَقُ علَى المَعْدُومِ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ.
وإِنَّمَا لَمْ يُعَبِّرْ بِالفَرْعِ وَالأَصْلِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ ابْنُ الحَاجِبِ، لأَنَّ تَعْرِيفَ القِيَاسِ بِهِمَا دَوْرٌ.
وإِنَّمَا قَالَ: لِمُسَاوَاتِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: لِمُشَارَكَتِهِ، كَمَا فَعَلَ غيرُه لأَمْرَينِ:
أَحَدُهُمَا: لِتَطَابُقِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، فإِنَّه المُسَاوَاةُ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثَانِيهُمَا: أَنَّ لَفْظَ المُشَارَكَةَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ هذَا المَعْنَى وَبَيْنَ المُنَاصَفَةِ فِي المَالِ، كَقَوْلِكَ: اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو فِي المَالِ، فَاجْتِنَابُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ فِي التَّعْرِيف أَولَى.
(1/514)

قَالَ الشَّارِحُ: هَكَذَا حَرَّرَه المُصَنِّفُ، وأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا عَبَّرَ بِالمُسَاوَاةِ دُونَ المُشَارَكَةِ، لأَنَّ المُشَارَكَةَ فِي أَمْرٍ مَا لاَ يُوجِبُ اسْتِوَاءَهُمَا فِي الحُكْمِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الأَمْرُ فِيهِمَا بِالسَّوَاءِ أَوْ بِالقَرِيبِ مِنَ السَّوَاءِ، قَالَ: وَلَكَ أَنْ تَقُولَ قَوْلُه: فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ: كَانَ يَنْبَغِي تَجَنُّبُهُ كَمَا تَجَنَّبَ لَفْظَ الأَصْلِ وَالفَرْعِ، لأَنَّ العِلَّةَ مِنْ أَرْكَانِ القِيَاسِ، فَلاَ يُمْكِنُ تَعْرِيفُهَا إِلاَّ بِهِ، فأَخْذُهَا فِي تَعْرِيفِ القِيَاسِ يَلْزَمُ مِنْهُ الدَّوْرُ، وَلهذَا قَالَ بَعْضُهُم: لاسْتِوَائِهِمَا فِي مَشْغُولٍ بِهِ.
قُلْتُ: فإِنْ أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بأَنَّ العِلَّةَ مِنْ حَيْثُ هي غَيْرُ مُسْتَلْزِمَةٍ لِلقِيَاسِ، فإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ قَاصِرَةً فَلاَ قِيَاسَ مَعَهَا، فهذَا مَرْدُودٌ، لأَنَّ القَاصِرَةَ لاَ اشْتِرَاكَ فِيهَا وَلاَ مُسَاوَاةَ، فَلَمْ تَتَنَاوَلْهَا عِبَارَتُه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: عِنْدَ الحَامِلِ، عَبَّرَ بِهِ لِيَشْمَلَ القِيَاسَ الصَّحِيحَ وَالفَاسِدَ، فإِنْ أُرِيدَ تَخْصِيصُ التَّعْرِيفِ بِالصَّحِيحِ حُذِفَ قَوْلُهُ: عِنْدَ الحَامِلِ، لِيَخْتَصَّ بِالمُسَاوَاةِ فِي نَفْسِ (151/ب/م) الأَمْرِ، ولَمْ يُعَبِّرْ بِالمُجْتَهِدِ، لِيَتَنَاوَلَ المُقَلِّدَ الذي يَقِيسُ علَى أَصْلِ إِمَامِهِ.
وأَسْقطَ المُصَنِّفُ مِنْ كلاَمِ القَاضِي أَبِي بَكْرٍ قَوْلَه فِي ذَيْلِ هذَا التَّعْرِيفِ: (فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا) فإِنَّه لَيْسَ مِنْ تَمَامِ التَّعْرِيفِ.
وتَوَهَّمَ ابْنُ الحَاجِبِ أَنَّه مِنْ تَمَامِهِ، فأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ إِثْبَاتَ الحُكْمِ فِيهِمَا مَعًا لَيْسَ بِالقِيَاسِ.
ص: وهو/ (124/ب/د) حُجَّةٌ فِي الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، قَالَ الإِمَامُ: اتِّفَاقًا، وأَمَّا غَيْرُهَا فَمَنَعَه قَوْمٌ عَقْلاً، وَابْنُ حَزْمٍ شَرْعًا ودَاوُدُ: غَيْرَ الجَلِيِّ وأَبُو حَنِيفَةَ: فِي الحُدُودِ وَالكَفَّارَاتِ وَالرُّخَصِ وَالتَّقْدِيرَاتِ، وَابْنُ
(1/515)

عَبْدَانَ: مَا لَمْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ، وَقَوْمٌ: فِي الأَسْبَابِ وَالشَّرَائِطِ وَالمَوَانِعِ، وَقَوْمٌ: فِي أُصُولِ العِبَادَاتِ، وَقَوْمٌ: الجُزْئِيَّ الحَاجِيَّ إِذَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ علَى وَفْقِهِ كَضَمَانِ الدِّرْعِ، وآخَرُونَ: فِي العَقْلِيَّاتِ، وآخَرُونَ: فِي النَّفْيِ الأَصْليِّ، وَتَقَدَّمَ قِيَاسُ اللُّغَةِ، وَالصَّحِيحُ: حُجَّةٌ إِلاَّ فِي العَادِيَّةِ وَالخِلْقِيَّةِ وإِلاَّ فِي كُلِّ الأَحْكَامِ، وإِلاَّ القِيَاسَ عَلَى مَنْسُوخٍ، خِلاَفًا لِلمُعَمِّمِينَ.
ش: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ كَمَا قَالَ الإِمَامُ فِي (المَحْصُول) علَى أَنَّ القِيَاس حُجَّةٌ فِي الأُمُور الدّنْيَوِيَّةِ كَالأَدْوِيَةِ وَالأَغْذِيَةِ وَالأَسْفَارِ، وَاخْتُلِفَ فِي الشَّرْعِيَّةِ علَى مَذَاهِب.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُمْنَعُ التّعَبُّدُ بِهِ عَقْلاً وَبِهِ قَالَ الإِمَامِيَّةُ مِنَ الشِّيعَةِ، وذَهَبَتِ الزّيْدِيَّةُ مِنْهُم إِلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ، ومِمَّنْ قَالَ بَِامْتِنَاعِهِ عَقْلاً أَيْضًا النّظَّامُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، كَذَا حَكَاهُ عَنْهُ البَيْضَاوِيُّ، لَكِنَّ الذي فِي (المَحْصُولِ) (وَالحَاصِلِ) وغَيْرِهِمَا عَنْهُ إِحَالَتُه فِي شَرْعِنَا فَقَطْ.
قَالَ: لأَنَّ مَبْنَاهُ علَى الجَمْعِ بَيْنَ المُخْتَلِفَاتِ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ المُتَمَاثِلاَتِ.
الثَّانِي: امْتِنَاعُه شَرْعًا فَقَطْ، قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِريُّ.
الثَّالِثُ: مَنَعَ غَيْرِ الجَّلِيِّ ولَوْ كَانَ مُسَاوِيًا، أَمَّا الجَلِيُّ: وهو مَا كَانَ المُلْحَقُ أَولَى بِالحُكْمِ مِنَ المُلْحَقِ بِهِ فهو غَيْرُ مُمْتَنَعٍ، قَالَهُ دَاوُدُ الظَّاهِريُّ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ الآمِدِيّ، لَكنْ نَقَلَ عَنْهُ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالغَزَالِيُّ مَنْعَهُ مُطْلَقًا، ونَقَلَ عَنْهُ الإِمَامُ فَخْرُ الدّينِ إِحَالَتُهُ عَقْلاً، لكنَّ مَا حَكَاهُ عَنْهُ الآمِدِيّ أَثْبَتُ، لِكَونِهِ حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ حَزْمٍ، وهو أَعْرَفُ بِمَذْهَبِه، لكِنْ قَالَ/ (152/أَ/م) الشَّارِحُ: دَاوُدُ وإِنْ قَالَ بِالجَلِيِّ لاَ يُسَمِّيهِ قِيَاسًا، وَابْنُ حَزْمٍ أَعْلَمُ بِمَذْهَبِهِ.
(1/516)

قَالَ فِي كِتَابِ (الإِحْكَامِ): وَدَاوُدُ وأَصْحَابُه لاَ يَقُولونَ بِشَيْءٍ مِنَ القِيَاس سَوَاءً كَانَتِ العِلَّةُ فِيهِ مَنْصُوصَةً أَمْ لاَ، انْتَهَى.
الرَّابِع وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : العَمَلُ بِالقِيَاسِ إِلاَّ فِي الحُدُودِ، كَقَطْعِ النّبَّاشِ قِيَاسًا علَى السَّارِقِ، وجَلْدِ اللاََّّئِطِ إِنْ كَانَ بِكْرًا مَِائَةً، ورَجْمِهِ إِنْ كَانَ ثَيِّبًا قِيَاسًا علَى الزَّانِي، وَالكَفَّارَاتُ كإِيجَابِهَا علَى القَاتِلِ عَمْدًا، قِيَاسًا علَى قَتْلِ الخَطَأِ، وَالرُّخَصُ كَقِيَاس العِنَبِ علَى الرّطَبِ فِي العَرَايَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ، وَالتَّقْدِيرَاتُ كأَعْدَادِ الرّكَعَاتِ.
وأَشَارَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الحَنَفِيَّة نَاقَضُوا أَصْلَهُم، فأَوْجَبُوا الكَفَّارَةَ بِالإِفْطَارِ بِالأَكْلِ، قِيَاسًا علَى الإِفْطَارِ بِالجِمَاعِ، وفِي قَتْلِ الصيدِ خَطَأً قِيَاسًا علَى قَتْلِه عَمْدًا، وَقَاسُوا فِي التّقْدِيرَاتِ حَتَّى قَالُوا فِي الدّجَاجَةِ إِذَا مَاتَتْ فِي البِئْرِ يَجِبُ/ (125/أَ/د) نَزْعُ كَذَا وكَذَا دَلْوٍ، وفِي الفَأْرَةِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، ولَيْسَ هذَا التّقْدِيرُ عَنْ نَصٍّ، ولاَ إِجْمَاعٍ، فَيَكُونُ قِيَاسًا.
وقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيِّبِ، نَاقَضَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي تَقْدِيرِه مُدَّةَ الرّضَاعِ وَالعَدَدَ الذي يَنْعَقِدُ بِهِ الجُمُعَةِ، ومَسْحِ الرّأْسِ بمَا لَيْسَ فِيهِ تَوْقِيفٌ ولاَ اتِّفَاقٌ، انْتَهَى.
ومَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَرَيَانِ القِيَاس فِي الرّخَصِ هو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، كَمَا حَكَاهُ الإِمَامُ وغَيْرُه، لكِنَّه نَصَّ فِي (البُوَيْطِيِّ) علَى أَنَّه لاَ يَجْرِي فِيهَا، فَلَعَلَّ لَهُ، فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، ويَدُلُّ لَهُ اخْتِلاَفُ جَوَابِه فِي جَوَازِ العَرَايَا فِي غَيْرِ الرّطَبِ وَالعِنَبِ قِيَاسًا.
الخَامِسُ وَبِهِ قَالَ أَبُو الفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا : مَنْعَ القِيَاس مَا لَمْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ، بأَنْ تَحْدُثَ حَادِثَةٌ تَقْتَضِي الضّرُورَةُ مَعْرِفَةُ حُكْمِهَا، حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الصّلاَحِ فِي طَبَقَاتِهِ وقَالَ: يَأْبَاهُ وَضْعُ الأَئِمَّةِ الكُتُبَ الطَّافِحَةَ بِالمَسَائِلِ
(1/517)

القِيَاسِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالحَادِثَةِ.
السَّادِسُ: مَنَعَ القِيَاسَ فِي الأَسبَابِ، كجَعْلِ الزّنَا سَبَبًا لإِيجَابِ الحَدِّ، فَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ اللّوَاطُ، قَالَ فِي (المَحْصُولِ) إِنَّه المَشْهُورُ، وصَحَّحَه الآمِدِيّ/ (152/ب/م) وَابْنُ الحَاجِبِ وجَزَمَ بِهِ البَيْضَاوِيُّ، ونَقَلَ الآمِدِيّ عَنْ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ جَرَيَانَهُ فِيهَا، ومَشَى عَلَيْهِ المُصَنِّفُ، ويَجْرِي الخِلاَفُ فِي الشُّرُوطِ، كَمَا ذَكَرَه الآمِدِيُّ وغَيرُه، وصَرَّحَ بِهِ +إِلكيَاالهرَاسي+ فِي الشُّرُوطِ وَالمَوَانِعِ.
السَّابِعُ: مَنَعَ القِيَاس فِي إِثْبَاتِ أُصُولِ العِبَادَاتِ، حُكِيَ عَنِ الحَنَفِيَّة، وبَنُوا عَلَيْهِ أَنَّه لاَ يَجُوز إِثْبَاتُ الصّلاَةِ بإِيمَاءِ الحَاجِبِ قِيَاسًا علَى الإِيمَاءِ بِالرَّأْسِ؛ لأَنَّهُ لوْ جَازَ لأَمْكَنَ إِثْبَاتُ عِبَادَةٍ مُسْتَقِلَّة قِيَاسًا عَلَى العِبَادَاتِ المَشْرُوعَاتِ بِجَامِعِ المَصَالِحِ المُتَعَلِّقَةِ بِالعِبَادَاتِ، وأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ إِثبَاتِ عِبَادَةٍ زَائِدَةٍ، بأَنَّه تَشْرِيعٌ بَاطِلٌ لاَ قِيَاسٌ.
الثَّامِنُ: مَنَعَ قَوْمٌ القِيَاسَ الجُزْئِيَّ الحَاجِيَّ إِذَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ علَى وَفْقِه مَعَ عُمُومِ الحَاجَةِ إِلَيْهِ، كضَمَانِ الدَّرْكِ، فإِنَّ القِيَاسَ الجُزْئِيَّ يقْتَضِي مَنْعَه؛ لأَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ، وعُمومُ الحَاجةِ إِلَيْه لمُعَامَلَةِ مَنْ لاَ يَعْرِفُ يقْتَضِي جَوَازَه، كَذَا حكَى هذَا الخِلاَفَ عَنْ أَهْلِ الأُصُولِ الشَّيْخ صَدْرُ الدِّينِ بْنُ الوَكِيلِ فِي (الأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ).
ولاَ يُعْرَفُ فِي كُتُبِ الأُصُولِ، وقَدْ مَنَعَ ابْنُ سُرَيْجٍ ضَمَانَ الدَّرْكِ علَى مُقْتَضَى القِيَاسِ، وخَرَّجَهُ قَوْلاً، وَالأَصَحُّ صِحَّتُه بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ؛ لأَنَّهُ وقْتُ الحَاجَةِ
(1/518)

المُؤَكَّدَةِ.
التَّاسِعُ: مَنَعَ قَوْمٌ مِنَ الحَشْوِيَّةِ وغُلاَةُ الظَّاهِريَّةِ القِيَاسَ فِي العَقْلِيَّاتِ، وجَوَّزَه أَكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ كقَوْلِنَا: العَالِمِيَّةُ فِي الشَّاهِدِ مُعَلَّلَةٌ بِالعِلْمِ فكذَا فِي الغَائِبِ. العَاشِرُ: يَكْتَفِي فِي النّفْيِ الأَصْلِيِّ، أَي البَقَاءُ علَى مَا كَانَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ بَاسْتِصْحَابِ حُكْمِ العَقْلِ، وَهَلْ يَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ الاسْتِدْلاَلُ عَلَيْهِ بِالقِيَاسِ، بأَنْ نَجِدَ صُورَةً لاَ حُكْمَ للشَّرْعِ فِيهَا، ثُمَّ نَجِدُ أُخْرَى تُشْبِهُهَا فَنَقِيسُهَا/ (125/ب/د) علَى التي بَحَثْنَا عَنْهَا ولَمْ نَجِدْ للشَّرْعِ حُكْمًا فِيهَا، أَمْ لاَ؟
فِيهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
ثَالِثُهَا وَبِهِ قَالَ الغَزَالِيُّ وَالإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ التَّفْصِيلُ، فَيجُوزُ بقِيَاسِ الدَّلاَلَةِ وهو الاسْتِدْلاَلُ بَانْتِفَاءِ آثَارِه وخَوَاصِّهِ علَى عَدَمِه دُونَ قِيَاسِ العِلَّةِ؛ لأَنَّ العَدَمَ الأَصْلِيَّ أَوْلَى، وَالعِلَّةُ حَادِثَةٌ بَعْدَه فَلاَ يُعَلَّلُ بِهَا، وعَزَاهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ للمُحَقِّقِينَ.
وخَرَجَ بَالأَصْلِيِّ العَدَمُ الطَّارِئُ، فإِنَّه يَجْرِي فِيهِ القِيَاسُ بنَوْعَيْه، أَي قِيَاسُ الدَّلاَلَةِ وَالعِلَّةُ/ (153/أَ/م) اتِّفَاقًا؛ لأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ حَادِثٌ، فهو كسَائِرِ الأَحْكَامِ الوُجُودِيَّةِ.
الحَادِي عَشَرَ: مَنَعَ بَعْضُهُمُ القِيَاسَ فِي اللُّغَاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي فَصْلِ اللُّغَاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ المُصَنِّفُ بَعْدَ حِكَايَةِ الخِلاَفِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ القِيَاسَ حُجَّةٌ إِلاَّ فِي ثَلاَثَةِ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: الأُمُورُ العَادِيَّةُ وَالخِلْقِيَّةُ، فَلاَ يَجْرِي القِيَاسُ فِيهَا، كَمَا حَكَاهُ فِي (المَحْصُولِ) عَنِ الشَّيْخ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، لكِنَّهُ فَصَلَ فِي (شَرْحِ اللُّمَعِ) بَيْنَ مَا لاَ يَكُونُ عَلَيْهِ أَمَارَةٌ كأَقَلِّ الحَيْضِ وأَكْثَرِهِ، فَلاَ يَجْرِي فِيهِ القِيَاسُ، لأَنَّ اشْتِبَاهَهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لاَ قَطْعًا ولاَ ظَنًَّا وَبَيْنَ مَا عَلَيْهِ أَمَارَةٌ فَيجُوزُ إِثْبَاتُه بِالقِيَاسِ، كَالخِلاَفِ فِي الشِّعْرِ هَلْ تُحِلُّه الرُّوحُ أَمْ لاَ، وذَكَرَ المَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ:
(1/519)

أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ القِيَاسِ فِي المَقَادِيرِ، كَأَقَلِّ الحَيْضِ وأَكْثَرِه.
قَالَ الشَّارِحُ: وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ الكَلاَمَيْنِ بِحَمْلِ الأَوَّلِ علَى الحَيْضِ مِنْ حَيْثُ الجُمْلَةِ، وَالثَّانِي فِي الأَشْخَاصِ المُعَيَّنَةِ.
ثَانِيهَا: لاَ يَجُوزُ إِثْبَاتُ جَمِيعِ الأَحْكَامِ بِالقِيَاسِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، بَلْ فِي بعْضُهَا مَا لاَ يَجْرِي القِيَاسُ فِيهِ لاخْتِلاَفِ أَحْكَامِه، وجَوَّزَه قَوْمٌ كَمَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ كُلِّهَا بِالنَّصِّ.
ثَالِثُهَا: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ القِيَاسُ علَى أَصْلٍ منْسوخٍ، وقَوْلُ المُصَنِّفِ: (خِلاَفًا للمُعَمِّمِينَ) يَرْجِعُ للمَسَائِلِ الثَّلاَثِ.
قَالَ الشَّارِحُ: ولاَ يُعرَفٌ خِلاَفٌ فِي امْتِنَاعِ القِيَاسِ علَى منْسوخٍ، إِلا أَنَّهُ سَبَقَ فِي النَّسْخِ عَنِ الحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا نُسِخَ حُكْمُ الأَصْلِ يبقَى حُكْمُ الفَرْعِ، وهو يقتَضِي جَوَازَ القِيَاسِ علَى المَنْسوخِ، فإِنهم قَالُوا ببَقَاءِ حُكْمِ الفَرْعِ، ولو قَالَ: وإِلاَّ القِيَاسَ علَى مَخْصُوصٍ، لأَمْكَنَ الخِلاَفُ، فإِن الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ ذَكَرَ فِي (اللُّمَعِ) من مُفْسِدَاتِ القِيَاسِ كونَ الشَّرْعِ وَرَدَ بتَخْصِيصِ الأَصْلِ كقِيَاسِ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازَ النِّكَاحِ بلَفْظِ الهِبَةِ قِيَاسًا علَى النَّبِيِّ صلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ وُرُودِ الشَّرْعِ بتَخْصِيصِه بذلك.
ص: ولَيْسَ النَّصُّ علَى العِلَّةِ ولوْ فِي التَّرْكِ أَمْرًَا بِالقِيَاسِ، خِلاَفًا للبَصْرِيِّ، وثَالِثُهَا: التَّفْصِيلُ.
ش: اخْتُلِفَ فِي النَّصِِّ علَى عِلَّةِ الحُكْمِ هَلْ يكونُ أَمْرًَا بِالقِيَاسِ، فَيكفِي فِي تَعَدِّي الحُكْمِ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ وإِن لَمْ يَرِدِ التَّعَبُّدُ بِالقِيَاسِ، أَمْ لاَ؟ علَى مَذَاهِب.
(1/520)

أَحَدُهَا وبه/ (126/أَ/د) قَالَ الجُمْهُورُ : لاَ، سَوَاءَ أَكَانَ فِي الفِعْلِ كأُكْرِمُ زَيْدًا لِعِلْمِه، أَو فِي التَّرْكِ، ك: حُرِّمَتِ الخَمْرُ لإِسْكَارِهَا.
وَالثَّانِي وَبِهِ قَالَ البَصْرِيُّ، أَي أَبُو الحُسَينِ وَالشَّيْخُ/ (153/ب/م) أَبُو إِسْحَاقَ وأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ وَالإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وغَيْرُهُم : نَعَمْ.
وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ التَّرْكِ فِيُعَدَّى وَالفِعْلِ فلاَ، وحَكَاهُ ابْنُ الحَاجِبِ عَنِ البَصْرِيِّ، ومُرَادُه أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَلاَ يُتَخَيَّلُ أَنَّ بَيْنَ نَقْلِهِ ونَقْلِ المُصَنِّفِ اخْتِلاَفًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: وأَرْكَانُه أَرْبَعَةٌ: الأَصْلُ، وهو مَحَلُّ الحُكْمِ المُشَبَّهِ بِهِ وَقِيلَ: دَلِيلُه، وَقِيلَ حُكْمُه.
ش: أَرْكَانُ القِيَاسِ أَرْبَعَةٌ وهي: الأَصْلُ، وَالفَرْعُ، وحُكْمُ الأَصْلِ، وَالوَصْفُ الجَامِعُ.
ولَمْ يذْكُرُوا مِنْهَا حُكْمَ الفَرْعِ لأَنَّهُ ثَمَرَةُ القِيَاسِ، فلَوْ عُدَّ مِنْ أَرْكَانِه كَانَ دَوْرًا.
كذَا أَجَاب بِهِ الآمِدِيّ، وفِيه نَظَرٌ، لأَنَّ ثَمَرَةَ القِيَاسِ العِلْمُ بِحُكْمِ الفَرْعِ، لأَنَّهُ هو المُسْتَفَادُ مِنَ القِيَاسِ، لاَ حُكْمُ الفَرْعِ بِعَيْنِه.
وأَجَابَ بعْضُهم عنْ ذَلِكَ بأَنَّهُ هو حُكْمُ الأَصْلِ فِي الحَقِيقَة وإِنْ غَايَرَه بَاعْتِبَارِ مَحَلِّه.
وفِي المُرَاد بَالأَصْل مَذَاهِب:
أَحَدُهَا وهو قَوْلُ الفُقهَاءِ وبَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ : أَنَّهُ مَحَلُّ الحُكْمِ المُشَبَّهِ بِهِ
(1/521)

كَالخَمْرِ فِيمَا إِذَا قِسْنَا النَّبِيذَ عَلَيْهَا فِي التَّحْرِيمِ، للِعِلَّةِ الجَامِعةِ بَيْنَهُمَا، وهي الإِسْكَارُ، ونَقَلَه ابْنُ الحَاجِبِ عَنِ الأَكْثَرِينَ، وقَالَ الآمِدِيُّ: إِنَّهُ الأَشبَهُ.
الثَّانِي وهو قَوْلُ المُتَكَلِّمِينَ : أَنَّهُ الدَّلِيلُ، وهو هُنَا الدَّلِيلُ الدَّالُّ علَى تَحْرِيمِ الخَمْرِ.
الثَّالِثُ وهو قَوْلُ الإِمَامِ : أَنَّهُ الحُكْمُ، وهو التَّحْرِيمُ الثَّابِتُ للخَمْرِ فِي هذَا المِثَالِ.
وَالخِلاَفُ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ.
وقَدِ اعْتُرِضَ علَى المُصَنِّفِ بأَنَّ كَلاَمَه فِي أَوَّلِ الكتَابِ يُخَالفُ جَعْلَه هُنَا القَوْلَ بأَنَّه دَلِيلُه مَرْجُوحًا.
وأُجِيبَ عَنْهُ بأَنَّ اصْطِلاَحَ الأُصُولِيِّينَ فِي المُقَدِّمَاتِ إِطْلاَقُ الأَصْلِ علَى شَيْءٍ وفِي القِيَاسِ إِطْلاَقُه علَى آخَرَ.
ص: ولاَ يُشْتَرَطُ دَالٌّ علَى جَوَازِ القِيَاسِ عَلَيْهِ بِنَوْعِهِ أَوْ شَخْصِه، ولاَ الاتِّفَاقُ علَى وُجُودِ العِلَّةِ فِيهِ، خِلاَفًا لِزَاعِمَيْهِمَا.
ش: فِيهِ مَسْأَلتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: الجُمْهُورُ علَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ القِيَاسِ أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ علَى جَوَازِ القِيَاسِ علَى ذَلِكَ الأَصْلِ بِخُصُوصِهِ، إِمَّا بِنَوْعِهِ أَوْ شَخْصِه، وَاشْتَرَطَه عُثْمَانُ البَتِّيُّ، فقَالَ: لاَ بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ علَى جَوَازِ القِيَاسِ
(1/522)

فِي أَحْكَامِ البَيْعِ إِذَا كَانتِ المَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ البَيْعِ، وكذَا النِّكَاحِ وَغَيْرُه.
الثَانِيَةُ: لاَ يُشْتَرَطُ الاتِّفَاقُ علَى وُجُودِ العِلَّةِ فِي الأَصْلِ، بَلْ يَكْفِي قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، خِلاَفًا لبَعْضِهم.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ:/ (154/أَ/م) إِنْ أَرَادَ إِجْمَاعَ الأُمَّةِ أَدَّى إِلَى إِبطَالِ القِيَاسِ لأَنَّ نُفَاةَ القِيَاسِ مِنْ جُمْلَتِهِم، وإِنْ أَرَادَ اجْتِمَاعَ بَعْضِ القَائِسِينَ فَهُمْ بَعْضُ الأُمَّةِ وَلَيْسَ قَوْلُهُم بِدَلِيلٍ.
ص: الثَّانِي: حُكْمُ الأَصْلِ، ومِنْ شَرْطِه ثُبُوتُه بِغَيْرِ القِيَاسِ، قِيلَ: وَالإِجمَاعِ، وكَوْنُه غَيْرَ مُتَعَبَّدٍ فِيهِ بِالقَطْعِ، وشَرْعِيًّا إِنِ اسْتَلْحَقَ شَرْعِيًّا (126/ب/م) وَغَيْرَ فَرْعٍ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ للوَسَطِ فَائِدَةٌ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا، وأَنْ لاَ يَعْدِلَ عَنْ سُنَنِ القِيَاسِ ولاَ يَكُونُ دَلِيلُ حُكْمِهِ شَامِلاً لِحُكْمِ الفَرْعِ.
ش: الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ القِيَاسِ حُكْمُ الأَصْلِ، وَلَهُ شُرُوطٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ لاَ يَكُونَ دَلِيلُه قِيَاسًا، فإِنَّه إِنِ اتَّحَدَتِ العِلَّةُ فَالقِيَاسُ علَى الأَصْلِ الأَوَّلِ، وإِنِ اخْتَلَفَتْ لَمْ يَنْعَقِدِ القِيَاسُ، لِعَدَمِ التَّسَاوِي فِي العِلَّةِ، هذَا قَوْلُ الجُمْهُورِ، خِلاَفًا لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيِّ وَبَعْضِ الحَنَابِلَةِ.
ثُمَّ قَدْ يَكُونُ نَصًّا وقَدْ يَكُونُ إِجْمَاعًا، ومَنَعَ بَعْضُهُم أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعًا، إِلا أَنْ يُعْلَمَ النَّصُّ الذي أَجْمَعوا عَلَيْهِ كَذَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وأَسْقَطَ المُصَنِّفُ هذَا الاسْتِثْنَاءُ، لأَنَّ القِيَاسَ حِينَئِذٍ علَى النَّصِّ كَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وفِيه نَظَرٌ، فلَمْ يتَعَيَّنْ كَوْنُ القِيَاسِ علَى النَّصِّ فإِنَّ الإِجْمَاعَ أَقوَى مِنْهُ، ولهذَا
(1/523)

لاَ يَجُوزُ مُخَالَفَتُه، ولَوْ عَارَضَه نَصٌّ آخَرُ عُمِلَ بِالإِجمَاعِ، ولو كَانَ العَمَلُ بِذَلِكَ النَّصِّ لَتَسَاقَطَا عِنْدَ التَّكَافُؤِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: أَنْ لاَ يُتَعَبَّدَ فِيهِ بِالقَطْعِ، بَلْ يَكْتَفِي فِيهِ بِالظَنِّ، فَيَخْرُجُ مَا تُعُبِّدَ فِيهِ بِالعِلْمِ، كإِثبَاتِ حُجِّيَّةِ خَبَرِ الوَاحِدِ بِالقِيَاسِ علَى قَبُولِ الشِّهَادَةِ، وَالفَتْوَى علَى القَوْلِ بأَنَّهُ مِنَ المَسَائِلِ العِلْمِيَّةِ، كَذَا ذَكَرَه الإِمَامُ.
وقَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِذَا كَانَ المُرَادُ بِالحُكْمِ الذي هو رُكْنٌ فِي القِيَاسِ الظَّنِّيِّ المُخْتَلَفِ فِيهِ, فأَمَّا إِنْ أُرِيدَ تَعْرِيفُ الحُكْمِ الذي هو رُكْنٌ فِي القِيَاسِ كَيْفَ كَانَ فَلاَ يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ حَذْفُ قَيْدِ العِلْمِ عَنْهُ.
وقَالَ الشَّارِحُ: قَدْ يُسْتَشْكَلُ هذَا الشَّرْطُ مَعَ تَرْجِيحِ المُصَنِّفِ/ (154/ب/م) جَرَيَانَ القِيَاسِ فِي العَقْلِيَّاتِ مَعَ أَنَّا مُتَعَبِّدُونَ فِيهَا بِالقَطْعِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الأَصْلِ شَرْعِيًّا أَي لاَ لُغَوِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا، كَذَا ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ، وعَلَّلُوه بأَنَّا إِذَا أَجْرَيْنَا القِيَاسَ فِيهمَا لَيْسَ شَرْعِيًّا بَلْ لُغَوِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا، وكَلاَمُنَا فِي الشَّرْعِيِّ، فلِذَلِكَ زَادَ المُصَنِّفُ هذَا القَيْدَ وهو (إِنِ اسْتَلْحَقَ شَرْعِيًّا) فإِنَّه لاَ بُدَّ مِنْهُ وهو مَفْهُومٌ مِنْ تَعْلِيلِهِم.
الرَابِعُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الأَصْلِ غَيْرَ فَرْعٍ عَنْ أَصْلٍ آخَرَ، خِلاَفًا لِلحَنَابِلَةِ وبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ، كَذَا أَطْلَقَ أَهْلُ الأُصُولِ هذَا الخِلاَفَ، فأَشَارَ المُصَنِّفُ إِلَى تَضْعِيفِه بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ: مُطْلَقًا.
وَاختَارَ المُصَنِّفُ تَقْيِيدَهُ بِمَا إِذَا لَمْ يَظْهَرْ للْوَسَطِ فَائِدَةٌ كقِيَاسِ السَّفَرْجَلِ علَى التُّفَّاحِ، وَالتُّفَّاحِ علَى البُرِّ، فإِنْ ظَهَرَتْ لَهُ فَائِدَةٌ جَازَ كَقَوْلِنَا: التُّفَّاحُ رَبَوِيٌّ، قِيَاسًا علَى الزَّبِيبِ، وَالزَّبِيبُ رَبَوِيٌّ قِيَاسًا علَى التَّمْرِ، وَالتَّمْرُ رَبَوِيٌّ قِيَاسًا علَى الأَرْزِ، وَالأَرْزُ رَبَوِيٌّ قِيَاسًا علَى البُرِّ، إِذَا قَصَدَ بقِيَاسِ التُّفَّاحِ علَى الزَّبِيبِ
(1/524)

الوَصْفَ الجَامِعَ بَيْنَهُمَا وهو الطَّعْمُ، وبقِيَاسِ الزَّبِيبِ علَى التَّمْرِ الطَّعْمَ مَعَ الكَيْلَ، وبِالتَّمْرِ علَى الأَرْزِ/ (127/أَ/د) الطَّعْمَ وَالكَيْلَ مَعَ التَّقَوُّتِ، وبِالأَرْزِ علَى البُرِّ الطَّعْمَ وَالكَيْلَ وَالقُوتَ الغَالِبَ، ولوْ قِيسَ التُّفَّاحُ علَى البُرِّ ابْتِدَاءً لَمْ يَسْلَمْ مِنْ مَانِعٍ يَمْنَعُ عَلِيَّةَ الطَّعْمِ فجَمَعَ بَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمِْر فِي الكَيْلِ، ثُمَّ أَخَذَ يُسْقِطُ الكَيْلَ وَالقُوتَ عَنِ الاعْتِبَارِ لِيَثْبُتَ لَهُ دَعْوَى أَنَّ العِلَّةَ الطَّعْمَ فَقَطْ.
تَنْبِيهٌ:
اعْتُرِضَ علَى المُصَنِّفِ بأَنَّ ذِكْرَ هذَا الشَّرْطِ تَكَرَّرَ قَدْ عُلِمَ مِنَ الشَّرْطِ الأَوَّلِ، فإِنَّ اشْتِرَاطَ ثُبُوتِه بِغَيْرِ القِيَاسِ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ كَوْنِه غَيْرَ فَرْعٍ، ولِهذَا اقْتَصَرَ البَيْضَاوِيُّ علَى ذَلِكَ الأَوَّلِ وَابْنُ الحَاجِبِ علَى الثَّانِي، ولَمْ يَجْمَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بَيْنَهُمَا، وأَجَابَ عَنْهُ المُصَنِّفُ بأَنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ بِالقِيَاسِ، ولاَ يَكُونُ فَرْعًا لِلقِيَاسِ المُرَادُ ثُبُوتُ الحُكْمِ فِيهِ، وإِنْ كَانَ فَرْعًا لأَصْلٍ آخَرَ.
قُلْتُ: فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (وَغَيْرَ فَرْعٍ) أَرَادَ بِهِ غَيْرَ فَرْعٍ لِذَلِكَ الأَصْلِ المَقِيسِ عَلَيْهِ، ولَمْ يُرِدِ انْتِفَاءَ الفَرْعِيَّةِ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الخَامِسُ: أَنْ لاَ يَكُونَ حُكْمُ الأَصْلِ مَعَهُ ولاَ بِهِ عَنْ سُنَنِ القِيَاسِ، أَي خَرَجَ عَنِ المَعْنَى لاَ لِمَعْنَى، فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ/ (155/أَ/م) أَنَّهُ لاَ يَتَنَاوَلُ أَمْرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: مَا شُرِعَ ابْتِدَاءً لاَ لِمَعْنَى فإِنَّه لَمْ يَدْخُلْ حتَّى يُقَالَ خَرَجَ.
ثَانِيهُمَا: مَا اسْتُثْنِيَ مِنْ مَعْقُولِ المَعْنَى كَالعَرَايَا اسْتُثْنِيَتْ مِنَ الرِّبَوِيَّاتِ لِحَاجَةِ الفُقَرَاءِ.
وَقَوْلُ الغَزَالِيِّ: إِنَّهُمَا مَعْدُولٌ بِهِمَا عَنْ سُنَنِ القِيَاسِ تَجَوُّزٌ.
السَّادِسُ: أَنْ لاَ يَكُونَ دَلِيلُ حُكْمِ الأَصْلِ شَامِلاً لِحُكْمِ الفَرْعِ، وإِلاَّ فَلَيْسَ حَمْلُ أَحَدُهُمَا أَصْلاً وَالآخَرَ فَرْعًا أَوْلَى مِنَ العَكْسِ.
(1/525)

ص: وكَوْنُ الحُكْمِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، قِيلَ: بَيْنَ الأُمَّةِ، وَالأَصَحُّ: بَيْنَ الخَصْمَيْنِ، وأَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ اخْتِلاَفُ الأُمَّةِ، فإِنْ كَانَ الحُكْمُ مُتَّفَقًا بَيْنَهُمَا ولكِنْ لِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فهو مُرَكَّبُ الأَصْلِ فِيهِ أَو لِعِلَّةٍ يَمْنَعُ الخَصْمُ وُجُودَهَا فِي الأَصْلِ فَمُرَكَّبُ الوَصفِ، ولاَ يُقْبلاَنِ، خِلاَفًا للخِلاَفِيِّينَ، ولوْ سَلَّمَ العِلِّيَّةَ فأَثْبَتَ المُسْتَدِلُّ وُجُودَهَا أَو سَلَّمَه المُنَاظِرُ، انْتَهَضَ الدَّلِيلُ، فإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا علَى الأَصْلِ ولكِنْ رَامَ المُسْتَدِلُّ إِثبَاتَ حُكْمِه ثُمَّ إِثبَاتَ العِلَّةِ فَالأَصَحُّ قَبُولُه.
ش: الشَّرْطُ السَّابِعُ: كَوْنُ حُكْمِ الأَصْلِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لِئَلاَّ يُمْنَعَ فَيَكُونُ الاشْتِغَالُ بإِثبَاتِهِ انْتِقَالاً مِنْ مَسْأَلَةٍ إِلَى أُخْرَى.
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي المُرَادِ بِالاتِّفَاقِ: فَالأَصَحُّ أَنَّ المُرَادَ اتِّفَاقَ الخَصْمَيْنِ، وَقِيلَ: يُشتَرَطُ اتِّفَاقُ الأُمَّةِ، وَمِنْهُم مَنْ عَكَسَ هذَا الشَّرْطَ، فَاشْتَرَطَ فِي صِحَّةِ حُكْمِ الأَصْلِ اخْتِلاَفُ الأُمَّةِ فِيهِ، وهو رَأْيُ الآمِدِيِّ، وسَمَّى بعْضُهُم المُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ فَقَطْ بِالقِيَاسِ المُرَكَّبِ، ويَنْدَرِجُ تَحتَه نَوعَانِ مُخْتَلَفٌ فِيهمَا:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ كقِيَاسِ حُلِيِّ البَالِغَةِ علَى حُلِيِّ الصَّبِيَّةِ فِي أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِيهِ، فإِنَّ ذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حُلِيِّ الصَّبِيَّةِ، لكِنْ لِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَينِ، فعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ/ (127/ب/د) لِكَوْنِه حُلِيًّا مُبَاحًا، وعِنْدَ الحَنَفِيَّةِ لِكَوْنِهِ مَالَ صَبِيَّةٍ،
(1/526)

ويُسَمَّى هذَا مُرَكَّبَ الأَصْلِ، لاخْتِلاَفِهمَا فِي تركيبِ الحُكْمِ علَى العِلَّةِ فِي الأَصْلِ.
ثَانِيهُمَا: أَنْ يَكُونَ الخَصْم مَعَ مُوَافَقَتِه علَى العِلَّةِ يَمْنَعُ وُجُودُهَا فِي الأَصْلِ كَقَوْلِنَا/ (155/ب/م) فِي تَعْلِيقِ الطَّلاَقِ قَبْلَ النِّكَاحِ: تَعْلِيقٌ للطَّلاَقِ، فَلاَ يَصِحُّ، كَمَا لوْ قَالَ: زَيْنَبُ التي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ، فَيَقُولُ الحَنَفِيُّ: العِلَّةُ وهي التَّعْلِيقُ مَفْقُودَةٌ فِي الأَصْلِ، فإِنَّ قَوْلَه: زَيْنَبُ التي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ، لَيْسَ تَعْلِيقًا وإِنَّمَا هو تَنْجِيزٌ، ويُسَمَّى هذَا مُرَكَّبُ الوَصْف لاخْتِلاَفِهِمَا فِي نَفْسِ الوَصْفِ الجَامِعِ.
وَالمَشْهُورُ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ أَنَّهُمَا غَيْرُ مَقْبُولَيْنَ، أَمَّا الأَوَّلُ فلأَنَّ الخَصْمَ إِمَّا أَنْ يَمْنَعَ عَدَمَ العِلَّةِ فِي الفَرْعِ أَوِ الحُكْمِ فِي الأَصْلِ، فَلاَ يَتِمُّ القِيَاسُ.
وأَمَّا الثَّانِي: فلأَنَّه إِمَّا أَنْ يَمْنَعَ الأَصْلَ أَو حُكْمَه، ومُخَالَفَتُه الخِلاَفِيِّينَ فِيهِمَا حَكَاهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ.
فلو سَلَّمَ الخَصْمُ العِلَّةَ فأَثْبَتَ المُسْتَدِلُّ فِي النَّوْعِ الثَّانِي أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الأَصْلِ أَو سَلَّمَأَنَّ العِلَّةَ التي عَيَّنَهَا المُسْتَدِلُّ فِي الأُولَى هي العِلَّةُ وأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الفَرْعِ انْتَهَضَ الدَّلِيلُ، وصَحَّ القِيَاسُ لاعْتِرَافِ الخَصْمِ بمُقْتَضَاه.
قُلْتُ: ولوْ حَذَفَ المُصَنِّفُ لَفْظَةَ المَنَاطِ لكَانَ أَولَى، لإِيهَامِه أَنَّ المُسَلَّمَ ثَانِيًا غَيْرَ المُسَلَّمَ أَوَّلاً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا إِذَا كَانَ حُكْمُ الأَصْلِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا، فلو لَمْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ فأَرَادَ المُسْتَدِلُّ إِثبَاتَ حُكْمِه بنَصٍّ ثُمَّ إِثبَاتَ العِلَّةِ بطَرِيقٍ مُعْتَبَرٍ فمَنَعَه بعْضُهُم، وَالأَصَحُّ قَبُولُه، وإِلاَّ لَمْ يُقْبَلْ فِي المنَاظَرَةِ مُقَدِّمَةٌ تَقْبَلُ المَنْعَ.
قُلْتُ: وعُلِمَ مِنْ هذَا أَنَّ اشْتِرَاطَه أَوَّلاً اتِّفَاقَ الخَصْمَيْنِ علَى حُكْمِ الأَصْلِ مُسْتَدْرَكٌ، فإِنَّه ذَكَرَ آخِرًا أَنَّهُ يُقْبَلُ وإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ إِذَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ الخَصْمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: وَالصَّحِيحُ لاَ يُشْتَرَطُ الاتِّفَاقُ علَى تَعْلِيلِ حُكْمِ الأَصْلِ أَوِ النَّصِّ علَى العِلَّةِ.
ش: لاَ يُشْتَرَطُ الاتِّفَاقُ علَى أَنَّ حُكْمَ الأَصْلِ مُعَلَّلٌ، ولاَ أَنْ يَرِدَ نَصٌّ دَالٌّ
(1/527)

علَى عَيْنِ تِلْكَ العِلَّةِ، هذَا هو الصَّحِيحُ، وخَالفَ فِيهِ بِشْرَ المَرِيسِيَّ، فَاشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا، هذَا مُقْتَضَى كَلاَمِ المُصَنِّفِ، لكِنَّ الذي فِي (المَحْصُولِ) عَنْ بِشْرٍ اشْتِرَاطُ الأَمْرَينِ معًا، وحكَى البَيْضَاوِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ اشْتَرَطَ إِمَّا قيَامَ الإِجْمَاعِ عَلَيْهِ أَو كَوْنَ عِلَّتِه مَنْصُوصَةً، وهو مُخَالِفٌ لِكَلاَمِ الإِمَامِ/ (156/أَ/م) مِنْ وَجْهَينِ وكَلاَمُ المُصَنِّفِ يُخَالِفُهُمَا.
ص: الثَّالِثُ: الفَرْعُ، وهو المَحَلُّ المُشَبَّهُ، وَقِيلَ: حُكْمُهُ، ومِنْ شَرْطِهِ وُجُودُ تَمَامِ العِلَّةِ فِيهِ، فإِنْ كَانَتْ قَطْعِيَّةً فَقَطْعِيٌّ، أَو ظَنِّيَّةٌ فقِيَاسُ الأَدْوَنِ، كَالتُّفَّاحِ علَى البُرِّ بِجَامِعِ الطَّعْمِ.
ش: حكَى المُصَنِّفُ قَوْلَيْنِ/ (128/أَ/د) فِي الفَرْعِ: هَلْ هو المَحَلُّ المُشَبَّهُ كَالنَّبِيذِ فِي المِثَالِ السَّابِقِ فِي الأَصْلِ؟ وَبِهِ قَالَ الفُقَهَاءُ، أَو حُكْمِهِ؟ وَبِهِ قَالَ المُتَكَلِّمُونَ، ولَمْ يَقُلْ أَحَدٌ هُنَا: إِنَّهُ دَلِيلُه، وَلَهُ شُرُوطٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ تُوجَدَ فِيهِ العِلَّةُ بتَمَامِهَا، وهذَا أَحسَنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الحَاجِبِ: أَنْ يُسَاوِي الفَرْعُ فِي العِلَّةِ عِلَّةَ الأَصْلِ، لأَنَّ لَفْظَ المُسَاوَاةِ قَدْ يُفْهَمُ مَنْعُ الزِّيَادَةِ فَيَخْرُجُ قِيَاسُ الأَوْلَى، بِخِلاَفِ عِبَارَةِ المُصَنِّفِ فإِنَّ الزِّيَادَةَ لاَ تُنَافِيهِ، وهو شَامِلٌ لقِيَاسِ الأَوْلَى، وَالمسَاوِي وَالأَدْوَنِ.
فإِن كَانتِ العِلَّةُ فِي الأَصْلِ مَقْطُوعًا بِهَا فقَدْ يَكُونُ الفَرْعُ أَوْلَى، كقِيَاسِ
(1/528)

الضَّرْبِ علَى التَّأَفِيفِ بجَامِعِ الأَذَى، وَقَدْ يَكُونُ مُسَاوِيًا كقِيَاسِ النَّبِيذِ علَى الخَمْرِ بجَامِعِ الإِسْكَارِ.
وإِن كَانتِ العِلَّةُ فِي الأَصْلِ مَظْنُونَةً فهو قِيَاسُ الأَدْوَنِ، وذلك كقِيَاسِ التُّفَّاحِ علَى البُرِّ بجَامِعِ الطَّعْمِ، فَالمَعْنَى المُعْتَبَرُ وهو الطَّعْمُ مَوْجُودٌ فِي الفَرْعِ بتَمَامِهِ، وإِنَّمَا سُمِّيَ قِيَاسًا، أَدْوَنَ لأَنَّهُ لَيْسَ مُلْحَقًا بَالأَصْلِ إِلاَّ علَى تَقْدِيرِ أَنَّ العِلَّةَ فِيهِ الطَّعْمَ.
فإِنْ كَانتْ فِيهِ مُرَكَّبَةً مِنَ الطَّعْمِ مَعَ التَّقْدِيرِ بِالكَيْلِ، أَو كَانتِ العِلَّةُ القُوتُ أَو غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يُلْحَقْ بِهِ التُّفَّاحُ.
وظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ المُرَادُ بِالأَدْوَنِ أَن لاَ يُوجَدَ فِيهِ المَعْنَى بتَمَامِه، بَلْ أَنْ تَكُونَ العِلَّةُ فِي الأَصْلِ ظَنِّيَّةً، وحِينَئِذٍ فَلاَ اعْتِرَاضَ علَى البَيْضَاوِيِّ فِي تَقْسِيمِه الفَرْعَ إِلَى أَوْلَى ومُسَاوٍ وأَدْوَنَ، ولاَ مُنَافَاةَ بَيْنَه وَبَيْنَ قَوْلِ (المَحْصُولِ): يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَكُونَ بَيْنَ العِلَّتَيْنِ تَفَاوُتٌ لاَ فِي المَاهِيَّةِ ولاَ فِي الزِّيَادَةِ ولاَ فِي النُّقْصَانِ، لأَنَّهُ إِذَا وُجِدَ المَعْنَى بتَمَامِه فَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ إِنْ وُجِدَا فِي الفَرْعِ فخَارِجَانِ عَنِ المُعْتَبَرِ فِي العِلَّةِ ويَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى الاصْطِلاَحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: وَتُقْبَلُ المُعَارَضَةُ فِيهِ بِمُقْتَضٍ نَقِيضٍ أَو ضِدٍّ لاَ خِلاَفَ الحُكْمِ علَى المُخْتَارِ، وَالمُخْتَارُ قَبُولُ التَّرْجِيحِ، وأَنَّهُ لاَ يَجِبُ الإِيمَاءُ إِلَيْهِ فِي الدَّلِيلِ.
ش: الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ لاَ يُعَارِضَ بِمَا يقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمِه أَو ضِدَّ حُكْمِه لاَ خِلاَفَ حُكْمِه، فإِنَّ مُعَارَضَتَه نَقِيضَه أَو ضِدَّه تُبْطِلُه،/ (156/ب/م) وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِه هذَا فِي فَصْلِ المُعَارَضَةِ، وَاقْتَصَرَ علَى النَّقِيضِ، وذَكَرَه فِي (المُنْتَهَى) فِي شُرُوطِ الفَرْعِ، كَمَا فَعَلَ المُصَنِّفُ، وتَبِعَهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ وقَالا: إِنَّمَا يَتِمُّ
(1/529)

اشْتِرَاطُهُ علَى القَوْلِ بجَوَازِ تَخْصِيصِ العِلَّةِ، فإِنْ لَمْ نُجَوِّزْهَا لَمْ يُشْتَرَطْ.
ثم قَالَ الهِنْدِيُّ: وهذَا فِي الحَقِيقَةِ لَيْسَ شَرْطًا للفَرْعِ الذي يُقَاسُ، بَلْ لِلفَرْعِ الذي يَثْبُتُ فِيهِ الحُكْمُ بمُقْتَضَى القِيَاسِ.
مثَالُ النَّقِيضِ: قَوْلُ القَائِلِ: بَيْعُ الجَارِيَةِ إِلاَّ حَمْلَهَا، صَحِيحٌ فِي وَجْهٍ، كَبَيْعِ هذه الصَّبْرَةِ إِلا صَاعًا مِنْهَا، فَيُعَارَضُ بأَنَّهُ لاَ يَصِحُّ كَمَا لو بَاعَ جَارِيَةً إِلاَّ يَدَهَا.
ومِثَالُ الضِّدِّ: قَوْلُ الحَنَفِيِّ: الوِتْرُ وَاجِبٌ قِيَاسًا علَى التَّشَهُّدِ بجَامِعِ مُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ/ (128/ب/د) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمَا، فَيُعَارَضُ بأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ قِيَاسًا علَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا يُفْعَلُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ مِنْ فُروضِ الصَّلاَةِ، فإِنَّ الوِتْرَ فِي وَقْتِ العِشَاءِ، وَالفَجْرُ فِي وقْتِ الصُّبْحِ، ولمْ نَعْهَدْ مِنَ الشَّرْعِ وضْعَ صَلاَتَيْ فَرْضٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
ومثَالُ الخِلاَفِ قَوْلُ القَائِلِ: اليَمِينُ الغَمُوسُ لاَ تُوجِبُ الكَفَّارَةَ، كشِهَادَةِ الزُّورِ بجَامِعِ إِثْمِ القَائِلِ، فَيُقَالُ: الغَمُوسُ تَوجِبُ التَّعْزِيرَ قِيَاسًا علَى الزُّورِ، بجَامِعِ إِظْهَارِ البَاطلِ علَى وَجْهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ، يَغْلِبُ ظَنَّ كَوْنِه حَقًّا، ففِي الغَمُوسِ بِاليَمِينِ، وفِي الزُّورِ بِالشِّهَادَةِ، فهذَا لاَ يَقْدَحُ فإِنَّه لاَ مُنَافَاةَ بَيْنَ ثُبُوتِ التَّعْزِيرِ ونَفْيِ الكَفَّارَةِ.
تَنْبِيهٌ:
قَوْلُه: (نَقِيضٌ) و (ضِدٌّ) و (خِلاَفٌ) مَنْصُوبَاتٌ بِالوَصْفِ قَبْلَهَا، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ للإِضَافَةِ المَلْفُوظَةِ فِي خِلاَفٍ، وَالمَقْدِرَةُ فِي قَوْلِه: (نَقِيضٌ وَضِدٌّ) وحَذْفُ المُضَافِ إِلَيْهِ فِيهِمَا لدَلاَلَةِ ذِكْرِه فِي خِلاَفٍ، وهو نَظِيرُ قَوْلِه:
.......... ... بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الأَسَدِ.
(1/530)

وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وطَرِيقُ دَفْعِ المُعَارَضَةِ القَدْحَ فِيمَا اعْتُرِضَ بِهِ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُه بِالتَّرْجِيحِ؟
فِيه مَذْهَبَانِ، المُخْتَارُ مِنْهُمَا: نَعَمْ، لأَنَّهُ إِذَا تَرَجَّحَ وَجَبَ العَمَلُ بِهِ للإِجمَاعِ علَى وُجُوبِ العَمَلِ بِالرَّاجِحِ، وعلَى المُخْتَارِ فَهَلْ يَجِبُ الإِيمَاءُ إِلَى التَّرْجِيحِ فِي نَفْسِ الدَّلِيلِ؟
فِيه مَذْهَبَانِ:
المُخْتَارُ مِنْهُمَا: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ، لأَنَّ التَّرْجِيحَ / (157/أَ/م) علَى مُعَارَضَةٍ خَارِجٌ عَنِ الدَّلِيلِ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ، لأَنَّهُ شَرْطٌ فِي العَمَلِ بِهِ فَلاَ يَثْبُتُ الحُكْمُ دُونَه فهو كَجُزْءِ عِلَّةٍ.
ص: ولاَ يَقُومُ القَاطِعُ علَى خِلاَفِه وِفَاقًا ولاَ خَبَرُ الوَاحِدِ عِنْدَ الأَكْثَرِينَ.
ش: الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ لاَ يَقُومَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ علَى خِلاَفِه، لأَنَّ القِيَاسَ ظَنِّيٌّ، فَلاَ يُعَارِضُ القَطْعِيَّ، وهذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فإِنْ عَارَضَه خَبَرُ الوَاحِدِ فهي مَسْأَلَةُ تَعَارُضِ القِيَاسِ وخَبَرِ الوَاحِدِ، وَالمَشْهُورُ تقْدِيمُ خَبَرِ الوَاحِدِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الأَخْبَارِ.
ص: ولِيُسَاوِ الأَصْلَ وحُكْمُه حُكْمُ الأَصْلِ فِيمَا يُقْصَدُ مِنْ عَيْنٍ أَو جِنْسٍ، فإِنْ خَالَفَ فَسَدَ القِيَاسُ، وجَوَابُ المُعْتَرِضِ بِالمُخَالَفَةِ بِبَيَانِ
(1/531)

الاتِّحَادِ.
ش: الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يُسَاوِي الفَرْعُ الأَصْلَ، وحُكْمُه حُكْمُ الأَصْلِ، فِيمَا يُقْصَدُ المُسَاوَاةُ فِيهِ، مِنْ عَيْنِ الحُكْمِ أَوْ جِنْسِه، فَالأَوَّلُ كقِيَاسِ القَصَاصِ فِي النَّفْسِ بِالمُثْقَلِ عَلَيْهِ فِي القَتْلِ بِالمُحَدَّدِ، فَالحُكْمُ فِي الفَرْعِ هو الحُكْمُ بِعَيْنِه فِي الأَصْلِ وهو القَتْلُ.
وَالثَّانِي: كقِيَاسِ الأَطرَافِ علَى النَّفْسِ فِي وُجُوُِ القَصَاصِ بجَامِعِ الجِنَايَةِ، فَالحُكْمُ فِي الفَرْعِ لَيْسَ هو عَيْنُ الحُكْمِ فِي الأَصْلِ، وهو القَتْلُ بَلْ جِنْسُه، فإِنْ خَالفَ حُكْمُ الفَرْعِ حُكْمَ الأَصْلِ فَسَدَ القِيَاسُ، مِثْلَ قَوْلِنَا:/ (129/أَ/د) الظِّهَارُ يقْتَضِي الحُرْمَةَ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ كَالمُسْلِمِ، فَيَعْتَرِضُ الحَنَفِيُّ بِاخْتِلاَفِ حُكْمِهِمَا، لأَنَّ الحُرْمَةَ فِي حَقِّ المُسْلِمِ تَنْتَهِي بِالكَفَّارَةِ، وفِي الذِّمِّيِّ مُؤَبَّدَةٌ، لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الكَفَّارَةِ.
وجَوَابُه أَنْ يُبَيِّنَ المُسْتَدِلُّ الاتِّحَادَ فَيَمْنَعُ كَوْنَ الذَّمِّيِّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الكَفَّارَةِ،
ص: ولاَ يَكُونُ مَنْصُوصًا بِمُوَافِقٍ، خِلاَفًا لِمُجَوِّزِ دَلِيلَيْنِ، ولاَ بِمُخَالِفٍ إِلاَّ لِتَجْرِبَةِ النَّظَرِ.
ش: الشَّرْطُ الخَامِسُ أَنْ لاَ يَكُونَ حُكْمُ الفَرْعِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، كَذَا أَطْلَقَه الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ، ونَقَلَ الإِمَامُ عَنِ الأَكْثَرِينَ عَدَمَ اشْتِرَاطِهِ، وَذَكَرَ المُصَنِّفُ تَبَعًا للصَّفِيِّ الهِنْدِيِّ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاً تَقْرِيرَهُ أَنَّ النَّصَّ قَدْ يَكُونُ مُوَافِقًا للقيَاسِ، وقدْ يَكُونُ مُخَالِفًا لَهُ، فإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فهو مَوْضِعُ الخِلاَفِ
(1/532)

الذي قَدَّمْنَاه، فمَنْ أَطْلَقَ المَنْعَ تَمَسَّكَ بقَضِيَّةِ مُعَاذٍ فإِنَّهَا تُفْهِمُ امْتِنَاعَ القِيَاسِ عِنْدَ وُجُودِ النَّصِّ/ (157/ب/م)، ومَنْ قَالَ بِالجَوَازِ فَلِجَوَازِ تَرَادُفِ الأَدِلَّةِ علَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ، ومَحَلُّ الخِلاَفِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنِ النَّصُّ الدَّالُّ علَى ثُبُوتِ حُكْمِ الفَرْعِ هو بِعَيْنِه الذي دَلَّ علَى حُكْمِ الأَصْلِ، فإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فقَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: ينْبَغِي أَنْ يَكُونَ القِيَاسُ بَاطِلاً إِذ لَيْسَ جَعْلَ تِلْكَ الصُّورَةِ أَصْلاً وَالأُخْرَى فَرْعًا أَوْلَى مِنَ العَكْسِ، وإِنْ كَانَ مَدْلُولُ النَّصِّ مُخَالِفًا لِمَدْلُولِ القِيَاسِ بَطَلَ القِيَاسُ، لِئَلاَّ يَلْزَمَ تَقْدِيمُه علَى النَّصِّ. وَقَوْلُه: (إِلاَّ لِتَجْرِبَةِ النَّظَرِ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَي لاَ فَائِدَةَ لِلقِيَاسِ فِي هذه الحَالَةِ إِلاَّ تَجْرِبَةَ النَّظَرِ أَي التَّمْرِينَ ورِيَاضَةَ الذِّهْنِ فِي المَسَائِلِ ولاَ سَبِيلَ إِلَى قَبُولِه وَالعَمَلِ بِهِ.
ص: ولاَ مُتَقَدِّمًا علَى حُكْمِ الأَصْلِ وجَوَّزَه الإِمَامُ عِنْدَ دَلِيلٍ آخَرَ.
ش: الشَّرْطُ السَّادِسُ أَن لاَ يَتَقَدَّمَ حُكْمُ الفَرْعِ علَى حُكْمِ الأَصْلِ، كقِيَاسِ الوُضُوءِ علَى التَّيَمُّمِ فِي إِيجَابِ النِّيَّةِ فِيهِ لأَنَّ التَّعَبُّدَ بِالتَيَمُّمِ إِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ الوُضُوءِ فلو قِيسَ عَلَيْهِ لَثَبَتَ حُكْمُ الفَرْعِ قَبْلَ ثُبُوتِ العِلَّةِ لِتَأَخُّرِ الأَصْلِ.
وقَالَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ تَبَعًا لأَبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ : يَجُوزُُ إِن كَانَ لِحُكْمِ الفَرْعِ دَلِيلٌ آخَرُ مُتَقَدِّمٌ، لِجَوَازِ أَن يَدُلَّنَا اللَّهُ تعَالَى علَى الحُكْمِ بأَدِلَّةٍ مُتَرَادِفَةٍ كَمَا يَتَرَادَفُ مُعْجِزَاتُ النُّبُوَّةِ بَعْدَ المُعْجِزَةِ المُقَارِنَةِ لابْتِدَاءِ الدَّعْوَةِ.
قَالَ الشَّارِحُ: ولمْ يَحْفَظِ المُصَنِّفُ فِي هذه المَسْأَلَةِ خِلاَفًا سِوَى تَفْصِيلِ
(1/533)

الإِمَامِ، وقَدْ أَطْلَقَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي (العِدَّةِ) امْتِنَاعُ هذَا الشَّرْطُ، وجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ علَى الحُكْمِ أَمَارَاتٌ مُتَقَدِّمَةٌ ومُتَأَخِّرَةٌ كَالمُعْجِزَاتِ بجَوَازِ الاسْتِدْلاَلِ علَى النُّبُوَّةِ بمَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بِالمَدِينَةِ فكذَا فِي الأَحْكَامِ المَظْنُونَةِ.
قُلْتُ: كَلاَمُ ابْنِ الصّبَّاغِ هو كَتَفْصِيلِ الإِمَامِ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: الكَلاَمُ فِي تَفْرِيعِه عَنِ الأَصْلِ/ (129/ب/د) المُتَأَخِّرِ وذلك لاَ يُمْكِنُ سَوَاءً أَكَانَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ غَيْرُه أَمْ لاَ.
قُلْتُ: لاَ امْتِنَاعَ فِي تَفَرُّعِه عَنْ مُتَأَخِّرٍ إِذَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ فَرْعًا لأَصْلَيْنِ وُجِدَ أَحَدُهُمَا قَبْلَه، وَالآخَرُ بَعْدَه، وقَوْلُه: (إِنَّه لاَ يُمْكِنُ) فِيهِ نَظَرٌ، فإِنَّه مَوْضِعُ النِّزَاعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: ولاَ يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ حُكْمِه بِالنَّصِّ جُمْلَةً خِلاَفًا لِقَوْمٍ ولاَ انْتِفَاءُ نَصٍّ أَو إِجْمَاعٍ يُوَافِقُه خِلاَفًا للْغَزَالِيِّ/ (158/أَ/م) وَالآمِدِيِّ.
ش: ذَكَرَ فِي هذه الجُمْلَةِ شَرْطَيْنِ مُخْتَلَفًا فِيهمَا:
أَحَدُهُمَا: ذَهَبَ قَوْم مِنْهُم أَبُو هَاشِمٍ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الفَرْعِ وُرُودُ نَصٍّ عَلَيْهِ فِي الجُمْلَةِ دُونَ التَّفْصِيلِ، وَالقِيَاسُ يَدُلُّ علَى تَفْصِيلِه.
قَالُوا: ولولاَ وُرُودُ الشَّرْعِ بمِيرَاثِ الجَدِّ فِي الجُمْلَةِ لَمَا اسْتَعْمَلَ الصَّحَابَةُ القِيَاسَ فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِه مَعَ الإِخْوَةِ.
وأَنْكَرَ الجُمْهُورُ اشْتِرَاطَهُ، وقَالُوا: قَاسَ الصَّحَابَةُ رضِيَ اللَّهُ عَنْهُم: (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) علَى الطَّلاَقِ تَارَةً، وعلَى الظِّهَارِ أُخْرَى، وعلَى اليَمِينِ أُخْرَى،
(1/534)

وَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ، لاَ جُمْلَةً ولاَ تَفْصِيلاً.
ثَانِيهُمَا: ذَهَبَ الغَزَالِيُّ وَالآمِدِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ انْتِفَاءُ نَصٍّ أَو إِجْمَاعٌ يُوَافِقُه، ولمْ يَشْتَرِطِ الجُمْهُورُ ذَلِكَ، وقَالُوا: فَائِدَةُ القِيَاسِ مَعَ النَّصِّ زِيَادَةُ مَعْرِفَةِ العِلَّةِ أَو الحُكْمِ، وفَائِدَةُ النَّصِّ ثُبُوت الحُكْمِ.
فإِن قُلْتَ: مَا الجَمْعُ بَيْنَ هذَا وَبَيْنَ قَوْلِه فِيمَا سَبَقَ وأَنْ لاَ يَكُونَ مَنْصُوصًا.
قُلْتُ: ذَلِكَ فِي الفَرْعِ نَفْسِه، وهذَا فِي النَّصِِّ علَى مُشَبَّهِه، كَذَا أَجَابَ بِهِ الشَّارِحُ، وفِيه نَظَرٌ، فَكَيْفَ نَتَخَيَّلُ أَنَّ النَّصَّ علَى مُشَبَّهِه يَمْنَعُ جَرَيَانَ القِيَاسِ فِيهِ، وَهَلْ النَّصُّ علَى مُشَبَّهِه إِلاَّ النَّصُّ علَى أَصْلِه الذي هو مُشَبَّهُه وذلك مُقْتَضٍ لِلقِيَاسِ لاَ مَانِعَ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: الرَّابعُ: العِلَّةُ، قَالَ أَهْلُ الحَقِّ: المُعَرَّفُ، وحُكْمُ الأَصْلِ ثَابِتٌ بِهَا لاَ بِالنَّصِّ خِلاَفًا للحَنَفِيَّةِ، وَقِيلَ: المُؤَثِّرُ بِذَاتِه، وقَالَ الغَزَالِيُّ: بإِذْنِ اللَّهِ، وقَالَ الآمِدِيُّ: البَاعِثُ.
ش: الرُّكْنُ الرَّابِعُ من أَركَانِ القِيَاسِ العِلَّةُ.
وفِي تَعْرِيفِهَا أَقوَالٌ:
أَحَدُهَا وَبِهِ قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّهَا المَعْرِفَةُ للحُكْمِ أَي تَدُلُّ علَى وُجُودِهِ، ولاَ تُؤَثِّرُ فِيهِ، لأَنَّ المُؤَثِّرَ هو اللَّهُ تَعَالَى.
ثم حَكَى المُصَنِّفُ خِلاَفًا فِي أَنَّ حُكْمَ الأَصْلِ ثَابِتٌ بِالعِلَّةِ أَو بِالنَّصِّ، وبِالأَوَّلِ قَالَ أَصْحَابُنَا، وبِالثَّانِي قَالَ الحَنَفِيَّةُ.
ووَجْهُ ذِكْرِه هذه المَسْأَلَةَ بَعْدَ هذَا التَّعْرِيفِ التَّنْبِيهُ علَى خَطَأِ ابْنِ الحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ أَصحَابَنَا بَنَوْا قَوْلَهُم أَنَّ حُكْمَ الأَصْلِ ثَابِتٌ بِالعِلَّةِ علَى
(1/535)

تَفْسِيرِهَا بِالبَاعِثِ، فأَشَارَ المُصَنِّفُ إِلَى أَنَّهُم قَالُوا هذَا مَعَ تَفْسِيرِهِمُ العِلَّةَ بِالعُرْفِ، ووَجْهُ تَوَهُّمِ ابْنِ الحَاجِبِ/ (158/ب/م) ذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ العِلَّةَ فَرْعًا للأَصْلِ أَصْلاً للفَرْعِ خَوْفًا مِنْ لُزُومِ الدَّوْرِ/ (130/أَ/د) فإِنَّهَا مُسْتَنْبَطَةٌ مِنَ النَّصِّ فلو كَانتْ مَعْرِفَةً لَهُ وهي إِنَّمَا عُرِّفَتْ بِهِ لُزُومُ الدَّوْرِ.
وَالحَقُّ تَفْسِيرُهَا بِالمُعَرَّفِ يَعْنِي أَنَّهَا نُصِبَتْ أَمَارَةً يَسْتَدِلُّ بِهَا المُجْتَهِدُ علَى وُجُودِ الحُكْمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِهِ، وَيَجُوزُ تَخَلُّفُه فِي حَقِّ العَارِفِ كَالغَيْمِ الرَّطْبِ أَمَارَةُ المَطَرِ.
وقَدْ يَتَخَلَّفُ، وتَخَلُّفُ التَّعْرِيفِ بِالنِّسَبَةِ للعَارِفِ لاَ يُخْرِجُهَا عَن كَوْنِهَا أَمَارَةً، فَاتَّضَحَ أَنَّ العِلَّةَ هي المُعَرَّفُ فِي الأَصْلِ وَالفَرْعِ ولاَ يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
القَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا المُؤَثِّرُ بِذَاتِهِ لاَ بِجَعْلِ اللَّهِ تعَالَى، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، بِنَاءً علَى قَاعِدَتِهِم فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ العَقْلِيَّيْنِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهَا المُؤَثِّرَةُ لاَ بِذَاتِهَِا ولاَ بِصِفَةٍ فِيهَا، ولكِنْ بِجَعْلِ الشَّارِعِ لَهَا مُؤَثِّرَةً، قَالَهُ الغَزَالِيُّ، وزَيَّفَه الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ بأَنَّ الحُكْمَ قَدِيمٌ، وَالعِلَّةُ حَادِثَةٌ، وَالحَادِثُ لاَ يُؤَثِّرُ فِي القَدِيمِ.
الرَابِعُ: أَنَّهَا البَاعِثُ علَى التَّشْرِيعِ بمَعْنَى اشْتِمَالِ الوَصْفِ علَى مَصْلَحَةٍ صَالِحَةٍ أَنْ تَكُونَ المَقْصُودَ للشَارِعِ مِنْ شَرْعِ الحُكْمِ، وهو اخْتِيَارُ الآمِدِيِّ وَابْنِ الحَاجِبِ، وهو مَبْنِيٌّ علَى جَوَازِ تَعْلِيلِ أَفعَالِ البَارِي تعَالَى بِالغَرَضِ.
وهو مَحْكِيٌّ عَنِ الفُقَهَاءِ.
(1/536)

وَالمَنْصُورُ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ خِلاَفُه، فإِنَّه تعَالَى لاَ يَبْعَثُه شَيْءٌ علَى شَيْءٍ.
وقَالَ المُقْتَرِحُ: إِنْ أُرِيدَ بأَنَّهَا البَاعِثُ للشَارِعِ علَى الحُكْمِ إِثبَاتُ غَرَضٍ حَادِثٍ لَهُ فهو مُحَالٌ، وإِن أُرِيدَ أَنْ يَعْقُبَهَا حُصُولُ الصَّلاَحِ فِي العَادَةِ فسُمِّيَتْ بَاعِثَةً تَجَوُّزًا، فهذَا لاَ يَجُوزُ إِطْلاَقُه علَى البَارِي تعَالَى، لمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ المُحَالِ، إِلاَّ أَنْ يَتَحَقَّقَ إِذنٌ مِنَ الشَّارِعِ فِي إِطْلاَقِه لاَ سَبِيلَ إِلَيْهِ.
وجَمَعَ السُّبْكِيُّ بَيْنَ كَلاَمِ المُتَكَلِّمِينَ وَالفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ بأَنَّ مُرَادَ الفُقَهَاءِ أَنَّ العِلَّةَ بَاعِثٌ للمُكَلَّفِ علَى امْتِثَالِ الحُكْمِ، لاَ أَنَّهَا بَاعِثٌ للشَّارِعِ علَى شَرْعِ الحُكْمِ كَمَا تَوَهَّمَه بَعْضُهُم، فَالمُعَلَّلُ فِعْلُ المُكَلَّفِ لاَ حُكْمُ اللَّهِ تعَالَى.
قُلْتُ: وسَيَأْتِي بعد ذَلِكَ مَا يَشْهَدُ لَه.
ص: وقدْ تَكُونُ دَافِعَةً أَو رَافِعَةً أَو فَاعِلَةَ الأَمْرَيْنِ.
ش: الوَصْفُ المَجْعُولُ عِلَّةً ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ دَافِعًا للْحُكْمِ/ (159/أَ/م) فَقَطْ، كَالعِدَّةِ تَدْفَعُ حِلَّ النِّكَاحِ فِي الابْتِدَاءِ ولاَ يَرْفَعُه فِي الأَثْنَاءِ، كَالمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ تَعْتَدُّ، وهي بَاقِيَةٌ علَى الزَّوْجِيَّةِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ رَافِعًا للحُكْمِ فَقَطْ، كَالطَّلاَقِ يَرْفَعُ الحِلَّ ولاَ يَدْفَعُه فإِنَّه لاَ يَمْنَعُ عَقْدَ نِكَاحٍ جَدِيدٍ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ دَافِعًا رَافِعًا كَالرَّضَاعِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ ودَوَامَه.
ص: وَوَصْفًا حَقِيقِيًّا ظَاهِرًا مُنْضَبِطًا أَو عُرْفِيًّا مُطَّرَدًا، وكذَا فِي
(1/537)

الأَصَحِّ لُغَوِيًّا أَو حُكْمًا شَرْعِيًّا، وثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ المَعْلُولُ حَقِيقِيًّا.
ش: قَسَّمَ المُصَنِّفُ العِلَّةَ إِلَى أَقسَامٍ:
الأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ وصْفًا حَقِيقِيًّا، وهو مَا يُعْقَلُ بِاعْتِبَارِ نَفْسِه، ولاَ يَتَوَقَّفُ علَى وَضْعٍ، كَقَوْلِنَا: مَطْعُومٌ فَيَكُونُ رَبَوِيًّا/ (130/ب/د)، فَالطَّعْمُ يُدْرَكُ بِالحِسِّ، وهو أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ، أَي لاَ يَتَوَقَّفُ مَعْقُولِيَّتُه علَى مَعْقُولِيَّةِ غَيْرِه، ويُعْتَبَرُ فِيهِ أَمْرَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ظَاهرًا لاَ خفِيًا.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُنْضَبِطًا أَي يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِه، ولاَ خِلاَفَ فِي التَّعْلِيلِ بِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عُرْفِيًّا، ويُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُطَّرَدًا لاَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الأَوْقَاتِ، فإِنَّه لو لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَجَازَ أَنْ لاَ يَكُونَ ذَلِكَ العُرْفُ حَاصِلاً فِي زَمَنِه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، فَلاَ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ.
ومَثَّلَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ ذَلِكَ بِقَوْلِنَا فِي بَيْعِ الغَائِبِ إِنَّهُ مُشْتَمِلٌ علَى جَهَالَةٍ مُجْتَنَبَةٍ فِي العُرْفِ، ثُمَّ أَعَادَهُ ومَثَّلَ له بِالشَّرَفِ وَالخِسَّةِ وَالكَمَالِ وَالنُّقْصَانِ، فتَعَلَّلَ بِهَا فِي الكَفَّارَةِ وَغَيْرِهَا، فإِنَّ الشَّرَفَ يُنَاسِبُ التَّعْظِيمَ، وَالخِسَّةَ تُنَاسِبُ ضِدَّه.

الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ لُغَوِيًّا، وفِي التَّعْلِيلِ بِهِ خِلاَفٌ، وَالأَصَحُّ جَوَازُهُ، كَقَوْلِنَا فِي النَّبِيذِ: إِنَّهُ يُسَمَّى خَمْرًا، فَيَحْرُمُ كَالمُعْتَصِرِ مِنَ العِنَبِ.
وَالرَابِعُ: أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا وفِي التَّعْلِيلِ بِهِ مَذَاهِبُ.
أَحَدُهَا : وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ : جَوَازُهُ، لأَنَّ العِلَّةَ هي المُعَرَّفُ، فَلاَ بِدْعَ فِي جَعْلِ حُكْمٍ مُعَرِّفًا لِحُكْمٍ.
(1/538)

وَالثَّانِي: مَنْعُه، لأَنَّهُ مَعْلُولٌ، فَلاَ يَكُونُ عِلَّةً.
وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الحُكْمُ المَعْلُولُ حَقِيقِيًا، فَيَمْتَنِعُ، أَوْ شَرْعِيًّا فَيَجُوزُ، وتَعْبِيرُ المُصَنِّفِ قَدْ يُوهِمُ خِلاَفَه.
وَاخْتَارَ ابْنُ الحَاجِبِ الجَوَازَ، إِن كَانَ التَّعْلِيلُ بَاعِثًا/ (159/ب/م) علَى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ كَتَعْلِيلِ رَهْنِ المَسَاغِ بجَوَازِ بَيْعِه، وَالمَنْعَ إِنْ كَانَ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ كَتَعْلِيلِ بُطْلاَنِ البَيْعِ بِالنَّجَاسَةِ.
ومِثَالُ تَعْلِيلِ الحَقِيقِيِّ بِالشَّرْعِيِّ تَعْلِيلُه إِثْبَاتَ الحَيَاةِ فِي السِّعْرِ + كذا بالأصل؟ + بأَنَّهُ تَحْرِيمٌ بِالطَّلاَقِ، ويَحِلُّ بِالنِّكَاحِ، فتَكُونُ حَيًّا كَاليَدِ.
وَوَجْهُ الانْحِصَارِ فِي هذه الأَقْسَامِ الأَرْبَعَةِ أَنَّ الوَصْفَ إِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ علَى وَضْعٍ فهو الحَقِيقِيُّ، وإِنْ تَوَقَّفَ علَى وَضْعٍ فإِنْ كَانَ الوَاضِعُ الشَّرْعُ فهو الشَّرْعِيُّ، أَو غَيْرُه، فإِنْ كَانَ العَرَبُ فهو اللُّغَوِيُّ، أَو مَنْ بَعْدَهُم فَالعُرْفِيُّ.

ص: أَوْ مُرَكَّبًا وثَالِثُهَا لاَ يَزِيدُ علَى خَمْسٍ.
ش: تَنْقَسِمُ العِلَّةُ إِلَى بَسِيطَةٍ وهي مَا لاَ جُزْءَ لهَا كَالإِسْكَارِ، ومُرَكَّبَةٌ وهي التي لَهَا جُزْءٌ كَالقَتْلِ العَمْدِ العُدْوَانِ، وفِي التَّعْلِيلِ بِالمُرَكَّبَةِ ثَلاَثَةُ أَقوَالٍ:
أَصَحُّهَا وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ : جَوَازُهُ.
وَالثَّانِي: مَنْعُه.
وَالثَّالِثُ: جَوَازُهُ إِلَى خَمْسَةِ أَوْصَافٍ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا، وعَزَاه صَاحِبُ (الخِصَالِ) إِلَى الجُرْجَانِيِّ مِنْ الحَنَفِيَّةِ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وغَلَطَ قَائِلُه، وذَكَرَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ أَنَّ الشَّيْخَ حَكَاهُ فِي سَبْعَةٍ.
(1/539)

ص: ومِنْ شُرُوطِ الإِلْحَاقِ بِهَا اشْتِمَالُهَا علَى حِكْمَةٍ تَبْعَثُ علَى الامْتِثَالِ، وتَصْلُحُ شَاهِدًا لإِنَاطَةِ الحُكْمِ، ومِنْ ثَمَّ كَانَ مَانِعُهَا وَصْفًا وُجُودِيًّا يُخِلُّ بِحِكْمَتِهَا.
ش: يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الإِلْحَاقِ بِالعِلَّةِ أَن تَشْتَمِلَ علَى حِكْمَةٍ تَبْعَثُ المُكَلَّفَ علَى امْتِثَالِ الحُكْمِ، وتَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ شَاهِدًا لإِنَاطَةِ/ (131/أَ/د) الحُكْمِ بِهَا.
ومَثَّلَ ذَلِكَ بِحِفْظِ النُّفُوسِ، فإِنَّه عِلَّةٌ بَاعِثَةٌ علَى القَصَاصِ، الذي هو فِعْلُ المُكَلَّفِ المَحْكُومِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، فحُكْمُ الشَّرْعِ لاَ عِلَّةَ ولاَ بَاعِثَ عَلَيْهِ لِقُدْرَتِه علَى حِفْظِ النُّفُوسِ بِدُونِ ذَلِكَ، بِخِلاَفِ المُكَلَّفِ، فإِذَا انْقَادَ المُكَلَّفُ امْتِثَالاً لأَمْرِ اللَّهِ ووَسِيلَةً إِلَى حِفْظِ النُّفُوسِ فَلَه أَجْرَانِ: أَحَدُهُمَا علَى القَصَاصِ، وَالآخَرُ علَى حِفْظِ النُّفُوسِ.
وقَدْ أَمَرَ بِالأَولِ فِي قَوْلِهِ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ} وأَوْمأَ إِلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ: {وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ} وهذَا يَدُلُّ علَى أَنَّ المُرَادَ بِكَوْنِ العِلَّةِ بَاعِثًا أَنَّهَا بَاعِثَةٌ للمُكَلَّفِ علَى الامْتِثَالِ لاَ للشَّارِعِ علَى شَرْعِ الحُكْمِ، وهو/ (160/أَ/م) شَاهِدٌ لِمَا قَدَّمْتُه عَنِ السُّبْكِيِّ.
وَعُلِمَ مِنَ اشْتِرَاطِ اشْتمَالِ العِلَّةِ علَى حُكْمِه أَنَّ مَانِعَ العِلَّةِ وَصْفٌ وُجُودِيٌّ يُخِلُّ بِحِكْمَتِهَا، كَالدَّيْنِ عِنْدَ مَنْ جَعَلَه مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فإِنَّه يُخِلُّ بِحِكْمَةِ إِيجَابِ الزَّكَاةِ، وهي الاسْتِغْنَاءُ بِالنِّصَابِ لاحْتِيَاجِ مَالِكِهِ إِلَيْهِ فِي وَفَاءِ دَيْنِه.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَانِعَ العِلَّةِ هو الذي عَبَّرَ عَنْهُ الأُصُولِيُّونَ بِمَانِعِ السَّبَبِ، فَإِنَّهم جَعَلُوا مِنْ خِطَابِ الوَضْعِ الحُكْمَ علَى الوَصْفِ بِالمَانِعِ، وَقَسَّمُوهُ إِلَى مَانِعِ الحُكْمِ، وقَدْ ذَكَرَه المُصَنِّفُ فِي صَدْرِ الكتَابِ، ومَانِعُ السَّبَبِ وذَكَرَه هنَا.
(1/540)

ص: وأَنْ تَكُونَ ضَابِطًا لِحِكْمَةٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ كَوْنُهَا نَفْسَ الحِكْمَةِ، وَقِيلَ: إِنِ انْضَبَطَتْ.
ش: يُشْتَرَط أَنْ يَكُونَ الوَصْفُ المُعَلَّلُ بِهِ ضَابِطًا لِحِكْمَةٍ وهي المَصْلَحَةُ المَقْصُودَةُ لِشَرْعِ الحُكْمِ.
وقَدْ تُطْلَقُ الحِكْمَةُ علَى الوَصْفِ الضَّابطِ لهَا مجَازًا، مِنْ تَسْمِيَةِ الدَّلِيلِ بِاسْمِ المَدْلُولِ، وَهَلْ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِنَفْسِ الحِكْمَةِ؟ فِيهِ مَذَاهِبُ.
أَحَدُهَا: المَنْعُ، وهو ظَاهِرُ كَلاَمِ المُصَنِّفِ، وَحَكَاهُ الآمِدِيُّ عَنِ الأَكْثَرِينَ.
وَالثَّانِي: الجَوَازُ مُطْلَقًا، وهو اخْتِيَارُ الإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالبَيْضَاوِيِّ.
وَالثَّالِثُ: الجَوَازُ إِنْ انْضَبَطَتْ وَالمَنْعُ إِنْ لَمْ تَنْضَبِطْ، كَالمَشَقَّةِ فهي خَفِيَّةٌ غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ، إِذْ قَدْ تَحْصُلُ للحَاضِرِ وتَنْتَفِي عَنِ المُسَافِرِ، وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ وَالصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ.
ص: وأَنْ لاَ تَكُونَ عَدَمًا فِي الثُّبُوتِيِّ وِفَاقًا للإِمَامِ، وخِلاَفًا لِلآمِدِيِّ، وَالإِضَافِيُّ عَدَمِيٌّ.
ش: تَعْلِيلُ الحُكْمِ العَدَمِيِّ بِالعِلِّيَّةِ العَدَمِيَّةِ مُتَّفَقٌ علَى جَوَازِهُ، وَاخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِ الحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ بِالعِلَّةِ العَدَمِيَّةِ كَتَعْلِيلِ بُطْلاَنِ بَيْعِ الآبِقِ بِعَدَمِ القُدْرَةِ علَى التَّسْلِيمِ علَى قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهَا: المَنْعُ وهو مُخْتَارُ المُصَنِّفِ، وعَزَاه للإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ، وهو كَذَلِكَ فِي كَلاَمِهِ علَى الدَّوَرَانِ لَكِنَّه صَحَّحَ هُنَا الجَوَازَ.
(1/541)

فَقَوْلُ الشَّارِحِ: (إِنَّ نَقْلَ المُصَنِّفِ عَنْهُ المَنْعَ سَبْقُ قَلَمٍ)، لَيْسَ كذلك، فَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ كَلاَمَه اضْطَرَبَ فِي ذَلِكَ، فَتَبِعَ المُصَنِّفُ أَحَدَ المَوْضِعَينِ، ومِمَّنْ صَحَّحَ المَنْعَ الآمِدِيُّ وَابنُ/ (160/ب/م) الحَاجِبِ، وعَزْوُ المُصَنِّفِ للآمِدِيِّ عَكْسُه وَهْمٌ/ (131/ب/د).
الثَّانِي: الجَوَازُ، وصَحَّحَه البَيْضَاوِيُّ، وهو أَحَدُ قَوْلَيِ الإِمَامِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ نَقْلَه عَنِ الآمِدِيِّ وَهْمٌ.
وقَالَ الشَّارِحُ: فِي ثُبُوتِ الخِلاَفِ بَيْنَ الإِمَامِ وَالآمِدِيِّ نَظَرٌ، لِعَدَمِ تَوَارُدِهِمَا علَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فإِنَّ الإِمَامَ بَنَاه علَى رَأْيِهِ: أَنَّ العِلَّةَ بِمَعْنَى المُعَرَّفِ، وهو بِهذَا التَّفْسِيرِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فِيهِ خِلاَفٌ، إِذْ لاَ امْتنَاعَ فِي أَنْ يَكُونَ المَعْدُومُ عَلَيْهِ لِلمَوْجُودِ، وَالآمِدِيُّ بنَاهُ علَى أَنَّهَا بِمَعْنَى البَاعِثِ انْتَهَى.
قُلْتُ: الخِلاَفُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ، ولوْ بَنَى كُلٌّ مِنْهُمَا قَوْلَه علَى أَصْلٍ يُخَالِفُ أَصْلَ الآخَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَم أَنَّ الخِلاَفَ فِي تَعْلِيلِ الثُّبُوتِيِّ بِالعَدَمِ يَجْرِي فِي كَوْنِه العَدَمَ جُزْءُ عِلَّةٍ أَيضًا.
وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الحَاجِبِ، وأَهْمَلَه المُصَنِّفُ لوُضُوحِه، بَلْ قَد يُدَّعَى دُخُولُه فِي كلاَمِهِ، لأَنَّهُ متَى كَانَ جُزْءُ العِلَّةِ عَدَمًا فقَدْ صَدَقَ التَّعْلِيلُ بِالعَدَمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالوَصْفُ الإِضَافِيُّ وهو مَا يُعْقَلُ بِاعْتِبَارِ غَيْرِه، كَالأُبُوَّةِ، وَالبُنُوَّةِ، وَالمَعِيَّةِ، وَالقَبْلِيَّةِ، وَالبَعْدِيَّةِ عَدَمِيٌّ فَيَجْرِي فِيهِ الخِلاَفُ فِي تَعْلِيلِ الثُّبُوتِيِّ بِالعَدَمِ.
(1/542)

ص: وَيَجُوزُ التَّعْلِيلُ بمَا لاَ يُطَّلَعُ علَى حِكْمَتِه فإِنْ قُطِعَ بَانْتِفَائِهَا فِي صُورَةٍ فقَالَ الغَزَالِيُّ وَابْنُ يَحْيَى، يَثْبُتُ الحُكْمُ لِلْمَظَنَّةِ، وقَالَ الجَدَلِيُّونَ: لاَ.
ش: المَعْنَى فِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بمَا لاَ يُطَّلَعُ علَى حِكْمَتِه أَنَّهُ لاَ يَخْلُو عَنْهَا فِي نَفْسِ الأَمْرِ، ويُسَمَّى أَمَارَةً.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا لوْ قُطِعَ بَانْتِفَائِهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، كَاسْتِبْرَاءِ الصَّغِيرَةِ فإِنَّ الاسْتِبْرَاءَ لِتَيَقُّنِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وهو مُتَيَقَّنٌ فِيهَا.
فقَالَ الغَزَالِيُّ وصَاحِبُه مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، يَثْبُتُ الحُكْمُ لِلمَظَنَّةِ.
وقَالَ الجَدَلِيُّونَ: لاَ يَثْبُتُ لانْتِفَاءِ الحِكْمَةِ، فإِنَّهَا رُوحُ العِلَّةِ، ونَظِيرُ هذَا قَوْلُ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ: إِنَّهُ يُكْرَه للْمُسْتَيْقِظِ مِنَ النَّوْمِ مَعَ تَيَقُّنِ طَهَارَةِ يَدِه غَمْسَهَا فِي الإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا، مَعَ القَطْعِ بَانْتِفَاءِ المَعْنَى فِي الكَرَاهَةِ، وهو احْتِمَالُ النَّجَاسَةِ.
وقَالَ الجُمْهُورُ: لاَ يُكْرَه، وهو مُوَافِقٌ للمَحْكِيِّ هُنَا عَنِ الجَدَلِيِّينَ، وذَكَرَ الأَصحَابُ فِي بَابِ صَلاَةِ العِيدِ فِيمَا فَعَلَه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِمَعْنًى، وزَالَ كَالرَّمَلِ ونَحْوِه هَلْ تَبْقَى سُنِّيَّتُه؟ وَجْهَيْنِ/ (161/أَ/م).
قَالَ الشَّارِحُ: وَلَيْسَ هو هذَا الخِلاَفُ المَذْكُورُ هنَا، لأَنَّا حَيْثُ قُلْنَا بِبَقَاءِ سُنِّيَّتِه فَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ، وهو جَارٍ علَى قَوْلنَا: يَجُوزُُ تَعْلِيلُ الحُكْمِ الوَاحِدِ فِي حَالٍ بِعِلَّةٍ وفِي أُخْرَى بِغَيْرِهَا.
قُلْتُ: اسْتِبْرَاءُ الصَّغِيرَةِ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ المَعْنَى قَطُّ، وأَمَّا الرَّمَلُ فكَانَ مَعْنَاه
(1/543)

حِينَ ابْتُدِئَ فِعْلُه مَعْلُومًا، وَاسْتَمَرَّتِ المَشْرُوعِيَّةُ بَعْدَ زَوَالِ المَعْنَى اسْتِحْضَارًا لتلك الحَالَةِ التي أَوْجَبَتْ ذَلِكَ، لِيَعْرِفَ قَدْرَ النِّعَمِ المُتَجَدِّدَةِ بِتَمَكُّنِ الإِنسَانِ مِنْ إِقَامَةِ المَنَاسِكِ مِنْ غَيْرِ صَادٍّ ولاَ مَانِعٍ، وَانتشَارِ الإِسلاَمِ وقُوَّةِ أَهْلِه بَعْدَ خَفَائِه وضَعْفِ أَهْلِه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: وَالقَاصِرَةُ مَنَعَهَا قَوْمٌ مُطْلَقًا، وَالحَنَفِيَّةُ: إِنْ لَمْ تَكُنْ/ (123/أَ/د) بِنَصٍّ أَو إِجْمَاعٍ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهَا، وفَائِدَتُهَا، مَعْرِفَةُ المُنَاسَبَةِ، ومَنْعُ الإِلحَاقِ، وتَقْوِيَةُ النَّصِّ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ: وزِيَادَةُ الأَجْرِ عِنْدَ قَصْدِ الامْتِثَالِ لأَجْلِهَا.
ش: اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالعِلَّةِ القَاصِرَةِ وهي التي لاَ تَتَعَدَّى مَحَلَّ النَّصِّ كَتَعْلِيلِ الرِّبَا فِي النَّقْدَينِ بجَوْهَرَيْهِمَا علَى مَذَاهِبَ.
أَحَدُهَا: المَنْعُ مُطْلَقًا، سوَاءَ أَكَانَتْ مَنْصُوصَةً أَو مُسْتَنْبَطَةً، حَكَاهُ القَاضِي عَبْدُ الوَهَّابِ فِي مُلَخَّصِه، وعَزَاه لأَكْثَرِ فُقَهَاءِ العِرَاقِ، وهو يَرُدُّ علَى نَقْلِ القَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالآمِدِيِّ وَابْنِ الحَاجِبِ وَغَيْرِهِم الاتِّفَاقَ علَى الجَوَازِ فِي المَنْصُوصَةِ.
الثَّانِي: التَّفْصِيلُ، فَيُمْتَنَعُ فِي المُسْتَنْبَطَةِ، وَيَجُوزُ فِي الثَّابِتَةِ بِنَصٍّ أَو إِجمَاعٍ، وهو قَوْلُ الحَنَفِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالنَّوَوِيُّ فِي (شَرْحِ المُهَذَّبِ) وَجْهًا لِبَعْضِ أَصحَابِنَا.
وَالثَّالِثُ: الجَوَازُ مُطْلَقًا، وهو الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وأَحَمَدُ، وَاختَارَه الإِمَامُ وَالآمِدِيُّ وأَتبَاعُهُمَا.
وعَلَّلَ المَانِعَ مِنْ ذَلِكَ بأَنَّهُ لاَ فَائِدَةَ لهَا، لأَنَّ الحُكْمَ فِي الأَصْلِ ثَابِتٌ بغَيرِهَا،
(1/544)

وَلَيْسَ لهَا فَرْعٌ لقُصُورِهَا.
وذَكَرَ المُجَوِّزُ لهَا فوَائدَ غَيْرَ تَعَدِّي الحُكْمِ:
أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ المُنَاسَبَةِ أَي مُنَاسَبَةُ ذَلِكَ الحُكْمِ لِذَلِكَ الفِعْلِ، فإِنَّ النَّفْسَ إِلَى قَبُولِ مَا تَعْرِفُ عِلَّتَه أَمْيَلُ منهَا إِلَى قَبُولِ مَا تَجْهلُ عِلَّتَه.
ثَانِيهَا: أَنَّهُ إِذَا عُرِفَ قُصُورُهَا عُرِفَ امْتِنَاعُ أَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ غَيْرُه.
ثَالِثُهَا:/ (161/ب/م) أَنَّهَا تُقَوِّي النَّصَّ وتُعَضِّدُه، ذَكَرَهُ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وكذَا كُلُّ دَلِيلَيْنِ اجْتَمَعَا فِي مَسْأَلَةٍ، فَيَكُونُ الحُكْمُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ وَالعِلَّةِ معًا.
قَالَ الشَّارِحُ: ويَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ هذَا علَى مَا إِذَا كَانَ النَّصُّ ظَاهِرًا فكأَنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ إِلَى مَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، فأَمَّا إِذَا كَانَ قَاطعًا فَلاَ تُقَوِّيه، وَبِهِ صَرَّحَ الإِمَامُ فِي (البُرْهَانِ).
رَابِعُهَا: إِنْ كَانَ المُكَلَّفُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَجْلِ تِلْكَ العِلَّةِ، فَيَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ قَصْدِ الفِعْلِ للامْتِثَالِ، وأَجْرُ قَصْدِ الفِعْلِ لأَجْلِهَا، فَيَفْعَلُ المأُمُورَ بِهِ لِكَوْنِهِ أَمرًا وللِعِلَّةِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الإِمَامُ السُّبْكِيُّ.
وَقَدْ ظَهَرَ بمَا ذَكَرْنَاه مِنَ الفوَائِدِ بُطْلاَنُ قَوْلِ أَبِي زَيْدٍ مِنَ الحَنَفِيَّةِ: إِنهَا لاَ تُفِيدُ عِلْمًا ولاَ عَمَلاً.
ص: ولاَ تَعَدِّيَ لهَا عِنْدَ كَوْنِهَا مَحَلَّ الحُكْمِ أَو جُزْأَهُ الخَاصُّ أَو وَصْفَه اللاَّزِمَ.
ش: هذه مَسَائِلُ مُفَرَّعَةٌ علَى التَّعْلِيلِ بِالعِلَّةِ القَاصِرَةِ فإِنَّه لاَ تَعْدِيَةَ فِيهَا:
إِحْدَاهَا: أَنْ تَكُونَ العِلَّةُ مَحَلُّ الحُكْمِ، كَتَعْلِيلِ جَرَيَانِ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ بِكَوْنِه ذَهَبًا.
(1/545)

الثَانِيَة: أَنْ تَكُونَ جُزْأَه الخَاصُّ، كَتَعْلِيلِ حُرْمَةِ الخَمْرِ بِكَوْنِهَا مُعْتَصَرَةً.
وخَرَجَ بِالخَاصِّ أَنْ يَكُونَ جُزْأَه العَامُ المُشْتَرَكُ بَيْنَه وَبَيْنَ غَيْرِه كَتَعْلِيلِ إِبَاحَةِ البَيْعِ بِكَوْنِه عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ، فَعَقْدُ المُعَاوَضَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ البَيْعِ وَغَيْرِه، وهذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي/ (132/ب/د) المُتَعَدِّيَةِ.
الثَالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ وَصْفُه اللاَّزِمُ كَالتَّعْدِيَةِ فِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، فإِنَّه وَصْفٌ لاَزِمٌ لَهُمَا.
وَالأَكْثَرُونَ كَمَا نَقَلَه الأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ (المَحْصُولِ) علَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِمَحَلِّ الحُكْمِ وجُزْئِه الخَاصِّ، وذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى المَنْعِ.
وَحَكَاهُ الآمِدِيُّ عَنِ الأَكْثَرِينَ، وَاخْتَارَ الإِمَامُ وَالآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ وَالصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ جَوَازَهُ فِي القَاصِرَةِ دُونَ المُتَعَدِّ