Advertisement

الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية


الكتاب: الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية
المؤلف: عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)
المحقق: د. محمد حسن عواد
الناشر: دار عمار - عمان - الأردن
الطبعة: الأولى، 1405
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله على مَا أفهم من الْبَيَان وألهم من التِّبْيَان وَأشْهد أَن لاإله إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شهاد عقدهَا الْجنان ونطق بهَا اللِّسَان وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الْمُخْتَار من ولد عدنان الْمَبْعُوث بأعظم شان وأفصح لِسَان صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه القادة الْأَعْيَان ذَوي البلاغة والبراعة والمحاسن والأحسان
وَبعد فَإِن علم الْحَلَال وَالْحرَام الَّذِي بِهِ صَلَاح الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى وَهُوَ الْمُسَمّى بِعلم الْفِقْه مستمد من علم أصُول الْفِقْه وَعلم الْعَرَبيَّة
فَأَما استمداده من علم الْأُصُول فَوَاضِح وتسميته بأصول الْفِقْه ناطقة بذلك
وَأما الْعَرَبيَّة فَلِأَن أدلته من الْكتاب وَالسّنة عَرَبِيَّة وَحِينَئِذٍ فَيتَوَقَّف فهم تِلْكَ الْأَدِلَّة على فهمها وَالْعلم بمدلولها على علمهَا
وَأما الْحَافِظ للأحاديث الْعَالم بسندها وطرقها (وَجَمِيع رِوَايَاتهَا) من غير أَن يقوى بَاعه فِي العلمين الْمَذْكُورين فَحكمه حكم من اعتنى بِالْكتاب الْعَزِيز فحفظه وأتقن رواياته السَّبع وَأكْثر مِنْهَا وَأحكم سَنَده وَلَا يخفى بعد من
(1/185)

ذَكرْنَاهُ عَن الِاجْتِهَاد واستنباط الْأَحْكَام فَإِذا تقرر مَا ذَكرْنَاهُ فقد كَانَ إمامنا الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ هُوَ رَأس أَرْبَاب الْمذَاهب فِي هذَيْن العلمين وَعَلِيهِ الْمعول بَينهم فِي كلا الْأَمريْنِ
أما أصُول الْفِقْه فَإِنَّهُ المبتكر لَهُ بِلَا نزاع وَأول من صنف فِيهِ بِالْإِجْمَاع كَمَا أوضحته فِي كتاب التَّمْهِيد
(1/186)

وَأما الْعَرَبيَّة فَكَانَ فِيهَا هُوَ الْكَعْبَة والمحجة وَالَّذِي ينْطق بِهِ فِيهَا حجه كَمَا شهد بِهِ معاصروه من عُلَمَاء هَذَا الْفَنّ مِنْهُم ابْن هِشَام صَاحب سيرة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَعَ كَونه معاصرا لَهُ ومساكنا لَهُ بِمصْر فَإِن الشَّافِعِي مَاتَ سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ وَمَات ابْن هِشَام سنة ثَلَاث عشرَة وَقيل ثَمَان عشرَة وَمَا نَقَلْنَاهُ عَن ابْن هِشَام قد نَقله ابْن الصّلاح فِي طبقاته فِي فصل المحمدين عَن ابْن عبد البر الْمَالِكِي بِسَنَدِهِ الصَّحِيح إِلَيْهِ أَعنِي إِلَى ابْن هِشَام وَلأَجل مَا ذَكرْنَاهُ من كَون كَلَامه حجَّة يعبر الإِمَام أَبُو عَمْرو بن الْحَاجِب فِي تصريفه بقوله وَهِي لُغَة الشَّافِعِي كَمَا يَقُول كغة (بني) تَمِيم وَرَبِيعَة وَنَحْوهمَا هَذَا وَهُوَ من المقلدين للْإِمَام مَالك رَضِي الله عَنهُ إِلَّا أَن علمه وَدينه قد حملاه على الِاعْتِرَاف بذلك وَكَيف لَا يكون الشَّافِعِي أَيْضا بِهَذِهِ الصّفة وَهُوَ من حرم مَكَّة شرفها الله تَعَالَى أَفْخَر دور العبر وَنسبه فِي قُرَيْش إِلَى الْمطلب
(1/187)

أخي هَاشم وَذَلِكَ أشرف النّسَب وَقد مدحته قَدِيما ببيتين متعرضا لهَذَا الْمَعْنى وذكرتهما فِي عدَّة تصانيف اشهارا لَهما وهما
يَا من سما نفسا الى نيل العلى
ونحا الى الْعلم الْعَزِيز الرافع ... قلد سمي الْمُصْطَفى ونسيبه
والزم مطالعة الْعَزِيز الرَّافِعِيّ
فَلَمَّا اتّصف امامنا رَضِي الله عَنهُ بِمَا وصفناه واشتمل على مَا ذَكرْنَاهُ كَانَ مذْهبه أصح مَذَاهِب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة مدْركا وأرجحها مسلكا وَإِن كَانَ كل مِنْهُم أَمَام هدى وَبِه يتَقرَّب إِلَى الله تَعَالَى ويقتدى رَضِي الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ وَرَضي عَنَّا بهم وَقد اعتنيت قَدِيما بِهَذَيْنِ العلمين بخصوصهما وصرفت لَهما مُدَّة مديدة همتي وأسهرت فيهمَا ليَالِي طَوِيلَة مقلتي حَتَّى انتصبت للإقراء فيهمَا ولي من الْعُمر دون الْعشْرين سنة وَكَاد نَظَرِي فِي العلمين الْمَذْكُورين يغلب على نَظَرِي فِي علم الْفِقْه وَلم أزل كَذَلِك إِلَى أَن أَرَادَ الله تَعَالَى صرف الهمة عَنْهُمَا وَعَن غَيرهمَا إِلَيْهِ وقصور النّظر غَالِبا عَلَيْهِ حَتَّى برز بِحَمْد الله تَعَالَى من التأليفات الْفِقْهِيَّة الغريبة مَا قضى بِهِ وَقدر وطار اسْمه فِي الْآفَاق واشتهر ثمَّ بعد ذَلِك كُله استخرت الله تَعَالَى فِي تأليف كتابين ممتزجين من الفنين الْمَذْكُورين وَمن الْفِقْه لم يتقدمني اليهما أحد من أَصْحَابنَا
(1/188)

أَحدهمَا فِي كَيْفيَّة تَخْرِيج الْفِقْه على الْمسَائِل الْأُصُولِيَّة
وَالثَّانِي فِي كَيْفيَّة تَخْرِيجه على الْمسَائِل النحوية
فأذكر أَولا الْمَسْأَلَة الْأُصُولِيَّة أَو النحوية مهذبة منقحة ثمَّ أتبعهَا بِذكر جملَة مِمَّا يتَفَرَّع عَلَيْهَا ليَكُون ذَلِك تَنْبِيها على مالم أذكرهُ ثمَّ أَن الَّذِي أذكرهُ على أَقسَام فَمِنْهُ مَا يكون جَوَاب أَصْحَابنَا فِيهِ مُوَافقا للقاعدة وَمِنْه مَا يكون مُخَالفا لَهَا وَمِنْه مَا لم أَقف فِيهِ على نقل بِالْكُلِّيَّةِ فأذكر فِيهِ مَا تَقْتَضِيه الْقَاعِدَة مَعَ مُلَاحظَة الْقَاعِدَة المذهبية والنظائر الفروعية وَحِينَئِذٍ فَيعرف النَّاظر فِي ذَلِك مَأْخَذ مَا نَص عَلَيْهِ أَصْحَابنَا وفصلوه ويتنبه بِهِ على اسْتِخْرَاج مَا أهملوه هَذَا مَعَ أَن الْفُرُوع الْمَذْكُورَة مهمة مَقْصُودَة فِي نَفسهَا بِالنّظرِ وَكثير مِنْهَا قد ظَفرت بِهِ فِي كتب غَرِيبَة كَمَا ستراه مُبينًا إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ أنني بدأت بالنوع الأول من هذَيْن النَّوْعَيْنِ وَيسر الله الْفَرَاغ مِنْهُ على النَّحْو الْمَطْلُوب وَالْوَجْه المحبوب مُسَمّى بالتمهيد ثمَّ شرعت فِي الثَّانِي مستعينا بِاللَّه تَعَالَى وسميته بالكوكب الدُّرِّي
وَاعْلَم أنني إِذا أطلقت شَيْئا من الْمسَائِل النحوية فَهِيَ من كتابي شَيخنَا أبي حَيَّان اللَّذين لم يصنف فِي هَذَا الْعلم أجمع مِنْهُمَا وهما
(1/189)

الارتشاف وَشرح التسهيل فَإِن لم تكن الْمَسْأَلَة فيهمَا صرحت بذلك
وَإِذا أطلقت شَيْئا من الْأَحْكَام الْفِقْهِيَّة فَهُوَ من الشَّرْح الْكَبِير للرافعي أَو من الرَّوْضَة للنووي رحمهمَا الله تَعَالَى فَإِن لم يكن فيهمَا صرحت بذلك ورتبته على أَرْبَعَة أَبْوَاب الأول فِي الْأَسْمَاء الثَّانِي فِي الْأَفْعَال الثَّالِث فِي الْحُرُوف الرَّابِع فِي تراكيب مُتَعَلقَة بِأَبْوَاب مُتَفَرِّقَة وَقد مهدت بِهَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ طَرِيق التَّخْرِيج لكل ذِي مَذْهَب وَفتحت بهما بَاب التفريغ لكل ذِي مطلب فلتستحضر أَرْبَاب الْمذَاهب مَا يعرض لَهَا من التَّفْرِيع ثمَّ تسلك مَا سلكته فَيحصل بِهِ النَّفْع التَّام للْجَمِيع إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالله المسؤول أَن ينفع بِهِ مُؤَلفه وكاتبه وقارئه والناظر فِيهِ وَجَمِيع الْمُسلمين بمنه وَكَرمه لَا رب غَيره وَلَا مرجو سواهُ وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل
(1/190)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الأول فِي الْأَسْمَاء - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
(1/191)

فِي الْأَسْمَاء وَفِيه فُصُول يشْتَمل كل مِنْهَا على مسَائِل

فصل فِي لفظ الْكَلَام اعْلَم أَن الْكَلَام فِي اللُّغَة اسْم جنس يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير كَذَا صرح بِهِ الْجَوْهَرِي ثمَّ زَاد عقبه أيضاحا فَقَالَ يَقع على الْكَلِمَة الْوَاحِدَة وعَلى الْجَمَاعَة مِنْهَا بِخِلَاف الْكَلم فَإِنَّهُ لَا يكون أقل من ثَلَاث كَلِمَات انْتهى فعلى هَذَا إِذا قلت كلمت زيدا فَمَعْنَاه وجهت الْكَلَام إِلَيْهِ
وَقَالَ ابْن عُصْفُور الْكَلَام فِي أصل اللُّغَة اسْم لما يتَكَلَّم بِهِ من الْجمل مفيدة كَانَت أَو غير مفيدة وَمَا ذكره من كَونه اسْما لَا مصدرا مُوَافق لما سبق عَن الْجَوْهَرِي وَحِينَئِذٍ فَيكون اسْما للألفاظ أَو مُشْتَركا بَينهَا وَبَين الْمعَانِي النفسانية وَأما تَقْيِيده بالجمل فمخالف لَهُ وَلغيره وَكَأَنَّهُ عبر بذلك نظرا للْغَالِب هَذَا كُله إِذا لم يسْتَعْمل اسْتِعْمَال الْمصدر كَقَوْلِك سَمِعت كَلَام زيد وَقَوله تَعَالَى {حَتَّى يسمع كَلَام الله} وَنَحْو ذَلِك فَإِن اسْتعْمل اسْتِعْمَاله كَقَوْلِك كلمت زيدا كلَاما أَو تكلم كلَاما فَاخْتَلَفُوا فِيهِ كَمَا قَالَه ابْن الخباز فِي
(1/193)

شرح الجزولية فَقيل إِنَّه مصدر لأَنهم أعملوه فَقَالُوا كَلَامي زيد أحسن وَقيل انه اسْم مصدر وَنَقله ابْن الخشاب فِي شرح جمل الْجِرْجَانِيّ الْمُسَمّى بالمرتجل عَن الْمُحَقِّقين
والخباز الْمَذْكُور أَولا فِي آخِره زَاي مُعْجمَة (والخشاب) الْمَذْكُور ثَانِيًا بالشين الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة وَالدَّلِيل على أَنه اسْم مصدر أَن الْفِعْل الْمَاضِي الْمُسْتَعْمل من هَذِه الْمَادَّة أَرْبَعَة
أَحدهَا كلم ومصدره التكليم كَقَوْلِه تَعَالَى {وكلم الله مُوسَى تكليما} وَكَذَلِكَ الْكَلَام بِكَسْر الْكَاف وَتَشْديد اللَّام كَقَوْلِه تَعَالَى {وكذبوا بِآيَاتِنَا كذابا} كَذَا قَالَه الْجَوْهَرِي وَمُقْتَضى كَلَامه أَن الثَّانِي مقيس وَلَكِن نَص النُّحَاة على خِلَافه
(1/194)

الثَّانِي تكلم ومصدره التَّكَلُّم بِضَم اللَّام وَمِنْه مَا أنْشدهُ ابْن الخشاب ... ونشتم بالأفعال لَا بالتكلم ...
الثَّالِث كالم ومصدره المكالمة وَكَذَا الْكَلَام بِكَسْر الْكَاف وَالتَّخْفِيف كضارب مُضَارَبَة وضرابا إلاأن الثَّانِي لَا ينقاس
الرَّابِع تكالم ومصدره تكالما بِضَم اللَّام فَظهر بذلك أَنه لَيْسَ مصدرا بل اسْم مصدر وَلم يتَعَرَّض فِي الارتشاف لهَذَا الْخلاف
وَلما كَانَ مَقْصُود النُّحَاة إِنَّمَا هُوَ الْبَحْث فِي الْأَلْفَاظ ترجموا الْكَلَام لَا التكليم والتكلم والمكالمة وَنَحْوهَا لِأَنَّهَا مصَادر مدلولها تَوْجِيه الْكَلَام إِلَى المستمع أَو من فِي حكم المستمع كالنائم والساهي تَقول كَلمه يكلمهُ تكليما أَي وَجه الْكَلَام إِلَيْهِ يوجهه توجيها
فَإِن قيل فَمَا الْفرق بَين الْمصدر وَاسم الْمصدر قُلْنَا فرق ابْن يعِيش وَغَيره فَقَالُوا الْمصدر مَدْلُوله الْحَدث وَاسم الْمصدر مَدْلُوله لفظ وَذَلِكَ اللَّفْظ يدل على الْحَدث
وَهَذَا الْفرق يَأْتِي نَحوه فِي الْفِعْل كاسكت مَعَ اسْم الْفِعْل كصه وَخَالف بَعضهم فَقَالَ أَن اسْم الْفِعْل وَاسم الْمصدر كالفعل والمصدر فِي الدّلَالَة وَالْأول هُوَ
(1/195)

الصَّوَاب الْمُوَافق لمدلول اللَّفْظ وَبِه جزم فِي اسْم الْفِعْل شَيخنَا أَبُو حَيَّان فِي أَوَائِل شرح الألفية عِنْد قَول ابْن مَالك كصة (وحيهل) هَذَا كُله فِيمَا يتَعَلَّق بالْكلَام من جِهَة اللُّغَة فتفطن لَهُ فَإِنَّهُ مُشْتَمل على أُمُور مهمه وَأما حَده عِنْد النُّحَاة فَفِيهِ عبارتان أحسنهما أَنه قَول دَال على نِسْبَة إسنادية مَقْصُودَة لذاتها واحترزنا بالإسنادية عَن النِّسْبَة التقييدية كنسبة الْإِضَافَة نَحْو غُلَام زيد وَنسبَة النَّعْت نَحْو جَاءَ الرجل الْخياط واحترزنا بالمقصودة لذاتها عَن الْجمل الَّتِي تقع صلَة نَحْو جَاءَ الَّذِي خرج أَبوهُ
إِذا علمت مَا ذَكرْنَاهُ من تَفْصِيل الْكَلَام لُغَة وَاصْطِلَاحا وَعلمت أَنه يُطلق فِي اللُّغَة على الْكَلِمَة الْوَاحِدَة مستعملة كَانَت أم لَا وَأَن أقل مَا يُمكن أَن تكون الْكَلِمَة على حرفين وَأَن انْتِقَال الْكَلَام والكلمة إِلَى مَا ذكره النجَاة عرف لَهُم حَادث فِي اللُّغَة فيتفرع عَلَيْهِ مَا قَالَه أَصْحَابنَا من إبِْطَال الصَّلَاة بذلك لِأَن قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام إِن صَلَاتنَا لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام الْآدَمِيّين متناول لَهُ لُغَة كَمَا تقدم وَعرفا فَإِن الْمغمى عَلَيْهِ وَنَحْوه
(1/196)

إِذا نطق مثلا بقوله الله وَنَحْوه (يَقُول الْحَاضِرُونَ) قد تكلم فتفطن لما ذكرته من المدارك فَإِنَّهُ يشكل على كثير من النَّاس وَيتَفَرَّع عَلَيْهِ أَيْضا مَا إِذا حلف لَا يتَكَلَّم فَأتى بذلك وَلم أره مَنْقُولًا
مَسْأَلَة

لَا يشْتَرط فِي الْكَلَام صدوره من نَاطِق وَاحِد وَلَا قصد الْمُتَكَلّم لكَلَامه وَلَا إِفَادَة الْمُخَاطب شَيْئا يجهله على الصَّحِيح فِي الثَّلَاث كَمَا ذكره فِي الارتشاف
فَأَما الْمَسْأَلَة الأولى فصورتها أَن يتواطأ (مثلا شخصان) على أَن يَقُول أَحدهمَا زيد وَيَقُول الآخر قَائِم
وَمن فروعها مَا إِذا كَانَ لَهُ وكيلان بِإِعْتَاق عبد أَو وَقفه أَو غير ذَلِك فاتفقا على أَن يَقُول أَحدهمَا مثلا هَذَا وَيَقُول الثَّانِي حر وَلَا استحضر فِيهَا الْآن نقلا
(1/197)

وَمِنْهَا أذا قَالَ لي عَلَيْك ألف فَقَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ إِلَّا عشرَة أَو غير عشرَة وَنَحْو ذَلِك فَهَل يكون مقرا بباقي الْألف فِيهِ خلاف قَالَ فِي التَّتِمَّة الْمَذْهَب أَنه لَا يكون مقرا
ومدرك الْخلاف مَا ذَكرْنَاهُ وَعلله أَيْضا فِي التَّتِمَّة بِأَنَّهُ لم يُوجد مِنْهُ إِلَّا فِي بعض مَا قَالَه خَصمه وَنفي الشَّيْء لَا يدل على ثُبُوت غَيره
وَأما الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فحاصلها إِدْخَال كَلَام الساهي والنائم والطيور وَنَحْو ذَلِك وفائدتها من الْفُرُوع اسْتِحْبَاب سُجُود التِّلَاوَة عِنْد قِرَاءَة هَؤُلَاءِ إِلَّا أَن كَلَام أَصْحَابنَا مشْعر بِعَدَمِ الِاسْتِحْبَاب فِي الْجَمِيع وَمن فَوَائده أَيْضا مَا إِذا حلف أَنه لَا يكلم زيدا وَقد ذكره الرَّافِعِيّ فِي أَوَاخِر تَعْلِيق الطَّلَاق فَقَالَ إِن هذى فَكَلمهُ نَائِما أَو مغمى عَلَيْهِ لم يَحْنَث وَإِن كَلمه مَجْنُونا فَفِيهِ خلاف وَالظَّاهِر تَخْرِيجه على الْجَاهِل وَنَحْوه وَإِن كَانَ سَكرَان حنث فِي الْأَصَح إِلَّا إِذا انْتهى إِلَى السكر الطافح
هَذَا كَلَامه وَالتَّفْصِيل بَين الطافح وَغَيره طَريقَة للْإِمَام وَالْغَزالِيّ ارتضاها الرَّافِعِيّ تَارَة وردهَا تَارَة أُخْرَى
(1/198)

وَأما الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فينبني عَلَيْهَا أَيْضا مَا إِذا حلف لَا يتَكَلَّم فَقَالَ مثلا النَّار حارة وَالسَّمَاء فَوق الأَرْض وَنَحْو ذَلِك وَيُؤَيّد عدم تَسْمِيَته كلَاما عندنَا أَنه إِذا قَالَ وَالله لَا أصعد السَّمَاء فَإِن يَمِينه لَا تَنْعَقِد على الصَّحِيح كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْأَيْمَان وَفَائِدَته أَن الْحَالِف على أَن لَا يحلف لَا يَحْنَث بذلك فترجيحهم عدم الِانْعِقَاد مَعَ تَأْكِيد النِّسْبَة بِالِاسْمِ الْمُعظم إِلْحَاق للَّذي أَتَى بِهِ بِعَدَمِ الْكَلَام بِالْكُلِّيَّةِ
مَسْأَلَة

كَمَا يُطلق الْكَلَام فِي اللُّغَة على اللَّفْظ يُطلق أَيْضا على الْمعَانِي النفسانية وَالصَّحِيح فِي الارتشاف وَغَيره أَنه إِطْلَاق مجازي وَقيل مُشْتَرك بَينهمَا وَحكى غَيره قولا ثَالِثا أَنه حَقِيقَة فِي النفساني دون اللساني
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة إِذا حلف لَا يتَكَلَّم أَو لَا يقْرَأ أَو لَا يذكر فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث إِلَّا بِمَا يتَكَلَّم بِهِ بِلِسَانِهِ دونما مَا يجريه على قلبه
وَمِنْهَا قَالُوا فِي حد الْغَيْبَة انها ذكر الشَّخْص بِمَا يكرههُ ثمَّ قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء وَتَبعهُ النَّوَوِيّ فِي الْأَذْكَار أَنَّهَا تحصل بِالْقَلْبِ كَمَا تحصل بِاللَّفْظِ
(1/199)

وَمِنْهَا اخْتِلَاف أَصْحَابنَا فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَإِذا كَانَ يَوْم صِيَام أحدكُم فَلَا يرْفث وَلَا يجهل فَإِن امْرُؤ شاتمه أَو قَاتله فَلْيقل إِنِّي صَائِم هَل يَقُول بِقَلْبِه أَو لِسَانه فِيهِ وَجْهَان جزم الرَّافِعِيّ بِالْأولِ فَقَالَ قَالَ الْأَئِمَّة كَذَا وَكَذَا وَمَعْنَاهُ أَنه يذكر نَفسه بذلك لينزجر فَإِنَّهُ لَا معنى لذكره بِاللِّسَانِ إِلَّا إِظْهَار الْعِبَادَة وَهُوَ رِيَاء وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الْأَذْكَار وَفِي لُغَات التَّنْبِيه أظهر الْوَجْهَيْنِ أَنه يَقُول بِلِسَانِهِ وَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب إِنَّه الْأَقْوَى قَالَ فَإِن جمع بَينهمَا فَحسن وَقَالَ إِنَّه يسْتَحبّ تكراره مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا لِأَن ذَلِك أقرب إِلَى إمْسَاك صَاحبه عَنهُ
وَحكى الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر وَجها وَاسْتَحْسنهُ انه إِن كَانَ صَوْم رَمَضَان فَيَقُول بِلِسَانِهِ وَإِن كَانَ نفلا (فيقوله بِقَلْبِه) وَحذف فِي الرَّوْضَة مَا نَقله الرَّافِعِيّ (عَن الْأَئِمَّة) فِي الْمَسْأَلَة
(1/200)

وَمِنْهَا صِحَة النّذر بِدُونِ لفظ (بل بِالنِّيَّةِ وَحدهَا) فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا عدم الصِّحَّة
مَسْأَلَة

يُطلق الْكَلَام أَيْضا على الْكِتَابَة وَالْإِشَارَة وَمَا يفهم من حَال الشَّيْء إِلَّا أَن الصَّحِيح كَمَا قَالَه فِي الارتشاف أَنه إِطْلَاق مجازي وَلَيْسَ من بَاب الِاشْتِرَاك إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا حلف لَا يكلمهُ فكاتبه أَو أَشَارَ إِلَيْهِ فَإِن فِيهِ قَوْلَيْنِ مشهورين أصَحهمَا عدم الْحِنْث لما ذَكرْنَاهُ
وَمِنْهَا من لَهُ زوجتان إِذا قَالَ إِحْدَاهمَا طَالِق وَأَشَارَ إِلَى واجدة مِنْهُمَا فَإِن الطَّلَاق يَقع عَلَيْهَا كَمَا ستعرفه بعد هَذَا فِي أثْنَاء كَلَام ننقله عَن الرَّافِعِيّ
وَمِنْهَا إِذا كَانَ قَادِرًا على النُّطْق فَكتب زَوْجَتي فُلَانَة طَالِق وَلم ينْو فَالصَّحِيح أَن الطَّلَاق لَا يَقع فَإِن نوى فوجوه أَصَحهَا وُقُوعه
وَثَالِثهَا يَقع من الْغَائِب دون الْحَاضِر وَيجْزِي بِمَا ذَكرْنَاهُ جَمِيعه فِي البيع وَنَحْوه
وَاعْلَم أَنا حَيْثُ شرطنا النِّيَّة هَهُنَا فَالْقِيَاس اشْتِرَاطهَا فِي جَمِيع اللَّفْظ الَّذِي لَا بُد مِنْهُ لَا فِي لفظ الطَّلَاق خَاصَّة لأَنا إِنَّمَا اشترطنا النِّيَّة فِيهِ لكَونه غير ملفوظ بِهِ لَا لانْتِفَاء الصراحة فِيهِ وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي الْجَمِيع وَحِينَئِذٍ فينوي الزَّوْجَة حِين يكْتب زَوْجَتي وَالطَّلَاق حِين يكْتب
(1/201)

طَالِق فَلَو كَانَ لَهُ زوجتان فَإِن عين وَاحِدَة بِقَلْبِه فَلَا كَلَام وَإِن لم يعين نظر إِن انْتَفَى التَّعْيِين فِي خطه أَيْضا عين بعد ذَلِك مَا أَرَادَ مِنْهُمَا وَإِن عين فِي الْخط فَالْقِيَاس أَنه لَا بُد أَن يَنْوِي الْمعينَة أَيْضا عِنْد كتَابَتهَا فَإِن لم ينوها فَلَا أثر لتعيينها بالخط نعم حكى الرَّافِعِيّ وَجْهَيْن من غير تَرْجِيح فِيمَن لَو كَانَ لَهُ زوجتان فَقَالَ امْرَأَتي طَالِق وَأَشَارَ إِلَى احداهما ثمَّ قَالَ أردْت الآخرى
أَحدهمَا يقبل ذَلِك مِنْهُ وَالثَّانِي لَا بل تطلقان فَيتَّجه جَرَيَان الْوَجْهَيْنِ هُنَا لِأَن التَّعْيِين بالخط لَا يتقاعد عَن الْإِشَارَة وَقد علم من كَلَام الرَّافِعِيّ هُنَا أَن الْإِشَارَة إِذا لم يعارضها شيءيؤخذ بهَا وَهَذَا هُوَ الْكَلَام الَّذِي سبق فِي الْمِثَال السَّابِق الْوَعْد بِذكرِهِ
فصل فِي الْمُضْمرَات

مَسْأَلَة

الضَّمِير إِذا سبقه مُضَاف ومضاف إِلَيْهِ وَأمكن عوده على كل مِنْهُمَا على انْفِرَاد كَقَوْلِك مَرَرْت بِغُلَام زيد فأكرمته فَإِنَّهُ يعود على الْمُضَاف دون الْمُضَاف إِلَيْهِ لِأَن الْمُضَاف هُوَ الْمُحدث عَنهُ والمضاف إِلَيْهِ وَقع ذكره بطرِيق التبع وَهُوَ تَعْرِيف الْمُضَاف أَو تَخْصِيصه كَذَا ذكره أَبُو حَيَّان فِي تَفْسِيره وَكتبه النحوية وأبطل بِهِ اسْتِدْلَال ابْن حزم وَمن نحا نَحوه كالماوردي فِي الْحَاوِي على نَجَاسَة
(1/202)

الْخِنْزِير بقوله تَعَالَى {أَو لحم خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْس} حَيْثُ زَعَمُوا أَن الضَّمِير فِي قَوْله تَعَالَى فَإِنَّهُ يعود إِلَى الْخِنْزِير وعللوه بِأَنَّهُ أقرب مَذْكُور إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ الف دِرْهَم وَنصفه فَالْقِيَاس أَنه يلْزمه ألف وَخَمْسمِائة لَا ألف وَنصف دِرْهَم وَهَكَذَا القَوْل فِي الْوَصَايَا والبياعات والوكالات والإجازات وَغَيرهَا من الْأَبْوَاب
مَسْأَلَة

من الْمُضْمرَات أَنْت بِفَتْح التَّاء فِي الْمُذكر وَكسرهَا فِي الْمُؤَنَّث وَاخْتلفُوا فَقَالَ الْفراء جَمِيعه هُوَ الضَّمِير وَقَالَ ابْن كيسَان الِاسْم مِنْهُ التَّاء فَقَط وَهِي التَّاء الَّتِي فِي فعلت وَلَكِن زيد مَعهَا أَن تكثيرا للفظ وَاخْتَارَهُ أَبُو حَيَّان وَذهب جمهود الْبَصرِيين إِلَى الْعَكْس فَقَالُوا الِاسْم هُوَ أَن وَالتَّاء حرف خطاب وَفَائِدَة الْخلاف فِيمَا لَو سمي بِهِ فَعِنْدَ الْفراء يعرب وَعند غَيره يحْكى لكَونه مركبا من اسْم وحرف كَذَا جزم بِهِ فِي الارتشاف
(1/203)

وَرَأَيْت فِي شرح ابْن بابشاذ للجمل مَا يُخَالف ذَلِك فَإِنَّهُ لما تكلم على تفعلين وَقَالَ أَن الْيَاء فِيهِ اسْم عِنْد سِيبَوَيْهٍ وحرف يدل على التَّأْنِيث عِنْد الْأَخْفَش قَالَ فَلَو سمي بِهِ فَإِنَّهُ يحْكى عِنْد سِيبَوَيْهٍ ويعرب عِنْد الأخفس إِذا لم يسم بِهِ مَعَ الضَّمِير هَذَا كَلَامه مَعَ كَونه مركبا من فعل وحرف وَهُوَ بالحكاية أولى وذكرته للشَّيْخ فِي وَقت فسلمه وَقَالَ إِذا قُلْنَا بالإعراب فيعرب إِعْرَاب مَا لَا ينْصَرف للعلمية وَشبه العجمة لِأَنَّهُ لَا نَظِير لَهُ فِي كَلَام الْعَرَب وَذهب بعض الْمُتَقَدِّمين فِي أَنْت إِلَى قَول عَجِيب لَا أصل لَهُ وَهُوَ أَنه مركب من الف أقوم وَنون نقوم وتاء تقوم وَقَالَ فِي أَنا انه مركب من الْألف وَالنُّون المذكورتين إِذا علمت ذَلِك فقد ذكر فِي الارتشاف وَغَيره أَنه قد يشار إِلَى الْمُؤَنَّث بِإِشَارَة الْمُذكر على إِرَادَة الشَّخْص وَعَكسه كَذَلِك أَيْضا بِتَقْدِير الذَّات أَو التَّسْمِيَة وَنَحْوهمَا وَمثله الضَّمِير وَمن فروع الْمَسْأَلَة ماإذا قَالَ
(1/204)

لامْرَأَة زَنَيْت بِفَتْح التَّاء أَو لرجل زَنَيْت بِكَسْرِهَا فَإِنَّهُ يكون قذفا كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي أَوَائِل اللّعان قَالَ وَكَذَا زَانِيَة للرجل وزان للْمَرْأَة على الْمَشْهُور وَفِيه قَول قديم انْتهى وَقِيَاس الطَّلَاق وَالْعِتْق وَنَحْوهمَا على مَا ذَكرْنَاهُ وَاضح
مَسْأَلَة

ضمير الْغَائِب قد يعود على غير ملفوظ بِهِ كَالَّذي يفسره سِيَاق الْكَلَام فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ عَليّ دِرْهَم وَنصفه فَإِنَّهُ يلْزمه دِرْهَم كَامِل وَنصف وَالتَّقْدِير كَمَا قَالَه ابْن مَالك وَنصف دِرْهَم آخر إِذْ لَو كَانَ عَائِدًا إِلَى الْمَذْكُور لَكَانَ يلْزمه دِرْهَم وَاحِد وَيكون قد أعَاد النّصْف تَأْكِيدًا وَعطفه لتغاير الْأَلْفَاظ
وَمِنْهَا لَو قَالَ الزَّوْج امْرَأَته طَالِق وعنى نَفسه قَالَ الرَّافِعِيّ فَفِي وُقُوع الطَّلَاق احْتِمَالَانِ حَكَاهُمَا القَاضِي شُرَيْح الرَّوْيَانِيّ عَن جده أبي الْعَبَّاس زَاد فِي الرَّوْضَة فَقَالَ أرجحهما الْوُقُوع
مَسْأَلَة

الضَّمِير الْمَرْفُوع للْوَاحِد الْمُتَكَلّم تَاء مَضْمُومَة وللمخاطب تَاء مَفْتُوحَة إِذا تقرر هَذَا فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ البَائِع بِعْتُك أَو الْوَلِيّ
(1/205)

للزَّوْج زَوجتك بِفَتْح التَّاء وَنَحْو ذَلِك فَالْقِيَاس أَن العقد لَا يَصح لِأَنَّهُ خطأ يخل بِالْمَعْنَى فَإِن مَدْلُوله أَن الْمُخَاطب قد بَاعَ نَفسه أَو زَوجهَا
وَإِذا اخل بِهِ بَطل كَمَا لَو قَالَ الْمُصَلِّي أَنْعَمت بِضَم التَّاء أَو كسرهَا بِخِلَاف مالو قَالَ الْحَمد لله بِكَسْر الدَّال وَذكر الْغَزالِيّ فِي فَتَاوِيهِ مَا يُوضح ذَلِك فَقَالَ فِي الْمَسْأَلَة الْعَاشِر بعد الْمِائَة إِذا قَالَ الْوَلِيّ زوجت لَك أَو زوجت إِلَيْك صَحَّ لِأَن الْخَطَأ فِي الصِّيغَة إِذا لم يخل بِالْمَعْنَى ينزل منزلَة الْخَطَأ فِي الْإِعْرَاب بالتذكير والتأنيث وَلَو قَالَ زوجتكه وَأَشَارَ إِلَى ابْنَته صَحَّ هَذَا كَلَامه
مَسْأَلَة

الظَّاهِر قد يَقع موقع الضَّمِير فِي الصِّلَة وَغَيرهَا وَمِنْه قَول الْعَرَب (أَبُو سعيد الَّذِي رويت عَن الْخُدْرِيّ) أَي عَنهُ وَقَول الشَّاعِر ... فيا رب ليلى أَنْت فِي كل موطن ... وَأَنت الَّذِي فِي رَحْمَة الله أطمع ... أَي فِي رَحمته
وَمذهب سِيبَوَيْهٍ أَن ذَلِك لَا ينقاس وَخَالف فِيهِ بَعضهم
(1/206)

إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي كتاب الطَّلَاق عَن القَاضِي شُرَيْح الرَّوْيَانِيّ أَنه لَو قيل لرجل اسْمه زيد يَا زيد فَقَالَ امْرَأَة زيد طَالِق قَالَ جدي أَبُو الْعَبَّاس تطلق امْرَأَته وَقيل لَا تطلق حَتَّى يُرِيد نَفسه لجَوَاز إِرَادَة زيد آخر قَالَ الرَّافِعِيّ عقبه فَيَجِيء هَذَا الْوَجْه فِيمَا إِذا قَالَ فَاطِمَة طَالِق وَاسم زَوجته فَاطِمَة قَالَ وَيُشبه أَن يكون هُوَ الْأَصَح ليَكُون قَاصِدا تطليق زَوجته
مَسْأَلَة

إِذا اشتركت الْجُمْلَة الأولى وَالْجُمْلَة المعطوفة عَلَيْهَا فِي اسْم جَازَ أَن تَأتي بِهِ فِي الثَّانِيَة ظَاهرا كَقَوْلِك فِي كلمتي الشَّهَادَة أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وضميرا كَقَوْلِه من يطع الله وَالرَّسُول فقد رشد وَمن يعصهما فقد غوى إِذا علمت ذَلِك فيتفرع عَلَيْهِ مَا إِذا أَتَى بِهِ فِي التَّشَهُّد فِي الصَّلَاة (ضميرا) فَقَالَ رَسُول فَفِي الاكتقاء بِهِ وَجْهَان وَاخْتلف فِي ذَلِك تَصْحِيح الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ كَمَا اوضحته فِي الْمُهِمَّات فَرَاجعه
(1/207)

مَسْأَلَة

الْفَصْل صِيغَة ضمير مَرْفُوع مُنْفَصِل يُؤْتى بِهِ بَين الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر كَقَوْلِك زيد هُوَ الْقَائِم أَو مَا أَصله الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر نَحْو كَانَ زيد هُوَ الْقَائِم وَهَكَذَا إِن وظننت وإخواتهما وَهُوَ حرف عِنْد الْأَكْثَرين وَصَححهُ ابْن عُصْفُور وَقيل اسْم وعَلى هَذَا فَلَا مَوضِع لَهُ من الْإِعْرَاب وَقيل مَحَله مَحل مَا قبله وَقيل مَا بعده إِذا علمت ذَلِك ففائدته هِيَ التوكيد على الْمَشْهُور كَمَا قَالَه فِي الارتشاف
(1/208)

وَقَالَ السُّهيْلي فَائِدَته الْحصْر ويبنى عَلَيْهِ التَّعَالِيق كلهَا كَقَوْلِه وَالله إِن زيدا هُوَ الْقَائِم هَل يَحْنَث إِذا كَانَ غَيره أَيْضا قد قَامَ
فصل فِي الموصولات

مَسْأَلَة

الأَصْل فِي من اطلاقها على الْعَاقِل وَتَقَع أَيْضا على الْمُخْتَلط بِمن يعقل كَقَوْلِه تَعَالَى {وَمِنْهُم من يمشي على رجلَيْنِ} فَإِنَّهُ يشْتَمل على الْإِنْسَان والطائر وعَلى الْمنزل منزلَة من يعقل كَقَوْلِه تَعَالَى {وَمن أضلّ مِمَّن يَدْعُو من دون الله من لَا يستجيب لَهُ} يَعْنِي الْأَصْنَام وَقَول الشَّاعِر ... أسرب القطا هَل من يعير جنَاحه ... لعَلي إِلَى من قد هويت أطير ...
فَإِن عبَادَة الْأَصْنَام ومخاطبة القطا تَنْزِيل لَهما منزلَة الْعَاقِل وَذهب قطرب إِلَى من تقع على مَا لَا يعقل من غير اشْتِرَاط شَيْء بِالْكُلِّيَّةِ وَأما مَا فَهِيَ لما لَا يعقل وَتَقَع أَيْضا كَمَا قَالَه ابْن مَالك على الْمُخْتَلط بالعاقل كَقَوْلِه تَعَالَى {وَللَّه يسْجد مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض من دَابَّة} ولصفات
(1/209)

من يعقل كَقَوْلِه تَعَالَى {وَالسَّمَاء وَمَا بناها} أَي وبانيها وَقَوله تَعَالَى {فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء} وَذهب جمَاعَة إِلَى أَنَّهَا تطلق أَيْضا على من يعقل بِلَا شَرط وَادّعى ابْن خروف أَنه مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَتطلق ايضا (مَا) على الْعَاقِل إِذا كَانَ مُبْهما لَا يعلم أذكر هُوَ أم أُنْثَى كَقَوْلِه تَعَالَى {إِنِّي نذرت لَك مَا فِي بَطْني محررا} وَاعْلَم أَن مَا وَقع فِي هَذَا
(1/210)

الْفَصْل جَمِيعه من التَّعْبِير بِالْعقلِ هُوَ التَّعْبِير الْمَعْرُوف عِنْد النُّحَاة وَالصَّوَاب كَمَا قَالَه ابْن عُصْفُور فِي شرح المقرب وَفِي تصنيفه الْمُسَمّى بأمثلة المقرب إِنَّمَا هُوَ التَّعْبِير بأولي الْعلم لِأَن من يُطلق على الله تَعَالَى كَقَوْلِه {أَفَمَن يخلق} وَقَوله {وَمن عِنْده علم الْكتاب} والبارىءسبجانه وَتَعَالَى يُوصف بِالْعلمِ وَلَا يُوصف بِالْعقلِ وَلأَجل ذَلِك يقسمون الْعُقَلَاء إِلَى ثَلَاثَة أَنْوَاع فَقَط وَهِي الْمَلَائِكَة وَالْإِنْس وَالْجِنّ إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا
(1/211)

وَقع عَلَيْهِ حجر من سطح فَقَالَ الزَّوْج إِن لم تخبريني السَّاعَة من رَمَاه فَأَنت طَالِق فَفِي فَتَاوَى القَاضِي الْحُسَيْن أَنَّهَا ان قَالَت رَمَاه مَخْلُوق لم تطلق وَإِن قَالَت رَمَاه آدَمِيّ طلقت لجَوَاز أَن يكون رَمَاه كلب أَو ريح كَذَا نَقله عَنهُ الرَّافِعِيّ فِي الطّرف السَّابِع من تَعْلِيق الطَّلَاق وَأقرهُ لَكِن الِاكْتِفَاء بِلَفْظ الْمَخْلُوق مَعَ كَون السُّؤَال بِمن الْمَوْضُوعَة للعقلاء لَا يَسْتَقِيم ثمَّ أَن السَّائِل بهَا إِنَّمَا يُجَاب بِتَعْيِين الشَّخْص لَا بالنوع وَلَا يَصح أَن يُقَال عبر بِمن لاشتباه الْحَال لِأَن الِاشْتِبَاه إِنَّمَا يسوغ التَّعْبِير بِمَا لَا بِمن وَمِنْهَا إِذا أوصى بِمَا تحمله هَذِه الْجَارِيَة فَإِن الْوَصِيَّة تصح وَيُعْطى وَلَدهَا وَإِن كَانَ التَّعْبِير بِمَا لما سبق من الِاشْتِبَاه
وَمِنْهَا إِذا قَالَ غصبتك مَا تعلم فَإِنَّهُ لَا يلْزمه شَيْء لِأَنَّهُ قد يغصب نَفسه فيحبسه كَذَا ذكره فِي بَاب الْإِقْرَار من زَوَائِد الرَّوْضَة عَن الْأَصْحَاب لكنه ذكر بعده أَنه لَو قَالَ غصبتك شَيْئا ثمَّ قَالَ أردْت نَفسك لم يقبل وَالَّذِي ذكره مُشكل
(1/212)

وَمِنْهَا لَو كَانَ فِي يَد شخص عين فَقَالَ وهبنيها أبي وأقبضنيها فِي صِحَّته وَأقَام بذلك بَيِّنَة فَأَقَامَ بَاقِي الْوَرَثَة بَيِّنَة بِأَن الْأَب رَجَعَ فِيمَا وهبه لِابْنِهِ وَلم تذكر الْبَيِّنَة مَا رَجَعَ فِيهِ قَالَ الْغَزالِيّ فِي فَتَاوِيهِ لَا تنْزع الْعين من يَده بِهَذِهِ الْبَيِّنَة لاحْتِمَال أَن هَذِه الْعين لَيست من المرجوع فِيهِ وَنَقله عَنهُ أَيْضا النَّوَوِيّ فِي آخر الْهِبَة من زَوَائِد الرَّوْضَة وَأقرهُ وَلم يفرقُوا بَين أَن تكون تِلْكَ الْعين جَارِيَة مثلا أَو بَهِيمَة
وَمِنْهَا قَول الْأَصْحَاب أَن من جملَة شُرُوط الْحَج أَن يكون المصروف فَاضلا عَن مؤونة من تلْزمهُ مؤونته هَذَا التَّعْبِير يَقْتَضِي أَنه إِذا كَانَ مَالِكًا لبهيمة يحْتَاج إِلَى ركُوبهَا أَو كَانَت زمنة لَا يرغب فِيهَا رَاغِب فَلَا نظر ألى مؤونتها وَهُوَ بَاطِل بِلَا شكّ
مَسْأَلَة

صِيغَة مَا قَول الْقَائِل أُعْطِيك مَا شِئْت وَنَحْو ذَلِك يجوز أَن تكون مَوْصُولَة أَي الَّذِي شِئْت وَأَن تكون مَصْدَرِيَّة ظرفية أَي مُدَّة مشيئتك إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت طَالِق مَا شِئْت فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد الْمِقْدَار الَّذِي شِئْت فَيرجع فِيهِ إِلَى الْعدَد الَّذِي تشاؤه الْمَرْأَة من الطَّلَاق وَيتَّجه اشْتِرَاط الْفَوْرِيَّة فِيهِ كَقَوْلِه إِن شِئْت فَأَنت طَالِق وَيحْتَمل أَن يُرِيد مُدَّة مشيئتك للطَّلَاق فَتطلق عِنْد مشيئتها لَهُ فِي أَي وَقت شَاءَت وَلَكِن
(1/213)

طَلْقَة وَاحِدَة فَإِن مَاتَ قبل الْبَيَان نظر إِن لم يكن صدر من الْمَرْأَة أحد الْأَمريْنِ لم يَقع شَيْء وَإِن صَدرا مَعًا وَقعت طَلْقَة وَاحِدَة لِأَنَّهَا المتيقنة وَمَا زَاد إِنَّمَا يَقع على تَقْدِير أَن يكون المُرَاد هُوَ الْعدَد وَنحن نشك فِي ذَلِك وَإِنَّمَا حملنَا الْمَشِيئَة هُنَا على مَشِيئَة الطَّلَاق لِأَنَّهُ الْمَفْهُوم مِنْهُ وَلِهَذَا حملوها عَلَيْهَا فِي قَوْله إِن شِئْت فَأَنت طَالِق
وَمِنْهَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق مَا شَاءَ الله وَقِيَاس مَا سبق أَن لَا يَقع شَيْء على التَّقْدِيرَيْنِ لأَنا لَا نعلم مَشِيئَة الله تَعَالَى لذَلِك لَكِن نقل الرَّافِعِيّ فِي آخر بَاب الِاسْتِثْنَاء عَن الْمُتَوَلِي وَغَيره إِطْلَاق القَوْل بِوُقُوع طَلْقَة وَعلله بِأَن الْيَقِين وإطلاقه مُشكل وَيَنْبَغِي حمله على مَا إِذا أَرَادَ الْمِقْدَار الَّذِي شاءه الله تَعَالَى
فصل فِي الْمُعَرّف بالأداة

مَسْأَلَة

إِذا احْتمل كَون أل للْعهد وَكَونهَا (لغيره) (كالعموم أَو الْجِنْس) فَإنَّا نحملها على الْمَعْهُود كَمَا قَالَه ابْن مَالك فِي التسهيل) لِأَن تقدمه قرينَة مرشدة إِلَيْهِ (مِثَاله قَوْله) تَعَالَى {كَمَا أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا فعصى فِرْعَوْن الرَّسُول} إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة إِذا
(1/214)

حلف لَا يشرب المَاء فَإِنَّهُ يحمل على الْمَعْهُود وَلَا نقُول يحمل على الْعُمُوم حَتَّى يَحْنَث أصلا كَمَا قُلْنَاهُ فِيمَن حلف لَا يشرب مَاء النَّهر فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث بِشرب بعضه على الصَّحِيح وَإِن كَانَ شرب الْجَمِيع مستحيلا وَهَكَذَا الْقيَاس لَو (حلف على الْإِثْبَات) فَقَالَ لأشربنه وَمِنْهَا الْحَالِف (على أَن) لَا يَأْكُل الْجَوْز لَا يَحْنَث بالجوز الْهِنْدِيّ كَمَا جزم بِهِ فِي الْمُحَرر وَحكى الرَّافِعِيّ فِي شَرحه وَجْهَيْن من غير تَرْجِيح وَكَذَا النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَمِنْهَا (وَهُوَ مُشكل) حلف لَا يَأْكُل الْبِطِّيخ (فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث بالهندي وَهُوَ الْبِطِّيخ الْأَخْضَر كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَغَيره فَإِن كَانَ هَذَا الِاسْم لَا يعْهَد فِي بِلَادهمْ إِطْلَاقه على هَذَا النَّوْع إِلَّا مُقَيّدا) فَمُسلم وَإِلَّا فَالْمُتَّجه الْحِنْث
وَمِنْهَا قَالَ وَالله لَا أشْرب المَاء حنث بِمَاء الْبَحْر المالح وَفِيه احْتِمَال للشَّيْخ أبي حَامِد حَكَاهُ عَنهُ الرَّافِعِيّ (وَهَذَا الِاحْتِمَال هُوَ الْمُوَافق للقاعدة)
(1/215)

مَسْأَلَة

الِاسْم الْمحلى بأل الَّتِي لَيست للْعهد يُفِيد الْعُمُوم مُفردا كَانَ أَو جمعا وَبِه جزم فِي الارتشاف فِي هَذَا الْبَاب وَلِهَذَا وَصفته الْعَرَب بِصفة الْجمع فَقَالُوا (أهلك النَّاس الدِّينَار الصفر وَالدِّرْهَم الْبيض) وَاسْتدلَّ فِي الارتشاف تبعا لِابْنِ مَالك بقوله تَعَالَى {أَو الطِّفْل الَّذين لم يظهروا على عورات النِّسَاء} )
قلت وَالِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ ذُهُول فقد نقل الْجَوْهَرِي فِي الصِّحَاح أَن الطِّفْل يُطلق على الْوَاحِد وَالْجمع والمضاف كالمحلى بأل فِيمَا ذَكرْنَاهُ من إِفَادَة الْعُمُوم وَكَذَلِكَ الْجمع بطرِيق الأولى وَيَنْبَغِي أَن يتفطن إِلَى أَن الْكَلَام الْآن فِي الْمُفْرد وَالْجمع المضافين أَو المعرفين بأل أما العاريان عَن ذَلِك فَسَيَأْتِي الْكَلَام عَنْهُمَا بعد ذَلِك فِي الْفَصْل الْمَعْقُود لألفاظ مُتَفَرِّقَة إِذا تقرر هَذَا فَأَما الْمُفْرد فيتفرع عله مسَائِل إِحْدَاهَا
دَعْوَى أَن الأَصْل جَوَاز البيع فِي كل مَا ينْتَفع بِهِ عملا بقول تَعَالَى {وَأحل الله البيع} حَتَّى يسْتَدلّ بِهِ مثلا على جَوَاز بيع لبن الآدميات وَنَحْوه مِمَّا وَقع فِيهِ الْخلاف إِن قُلْنَا أَنه للْعُمُوم وَإِلَّا فَلَا وَكَذَلِكَ
(1/216)

الِاسْتِدْلَال على بطلَان مَا فِيهِ غرر بقوله نهى عَن بيع الْغرَر وعَلى بطلَان بيع اللَّحْم بِأَيّ حَيَوَان كَانَ مَأْكُولا كَانَ أَو غير مَأْكُول بقوله نهى عَن بيع اللَّحْم بِالْحَيَوَانِ وعَلى نَجَاسَة الأبوال كلهَا بقوله تنزهوا من الْبَوْل وَنَحْو ذَلِك
وَالثَّانيَِة إِذا قَالَت الْمَرْأَة أَذِنت للعاقد بِهَذِهِ الْبَلَد أَن يزوجني وَلم تقم قرينَة على إِرَادَة وَاحِد معِين فَإِنَّهُ يجوز لكل عَاقد أَن يُزَوّجهَا كَذَا ذكره ابْن الصّلاح فِي فَتَاوِيهِ
(1/217)

الثَّالِثَة إِذا أوصى بِالثُّلثِ لولد زيد وَكَانَ لَهُ أَوْلَاد اشْتَركُوا كلهم ذكره الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر وَغَيره
الرَّابِعَة إذاقال وَالله لأشربن مَاء هَذِه الْإِدَاوَة أَو الْجب لم يبر إلابشرب الْجَمِيع وَإِن حلف أَنه لَا يشربه لم يَحْنَث بِشرب بعضه وَكَذَا الحكم نفيا وإثباتا فِيمَا لَا يُمكن شربه عَادَة كالبحر وَالنّهر والبئر الفطيمين على الصَّحِيح وَقيل لَا بل يحمل على الْبَعْض وَمثله أذا حلف لَا يَأْكُل خبز الْكُوفَة أَو بَغْدَاد فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث بِأَكْل بعضه ذكره الرَّافِعِيّ
(1/218)

الْخَامِسَة إِذا قَالَ مثلا وليتك الحكم فِي كل يَوْم سبت فَلَا إِشْكَال وَإِن لم يَأْتِ بِكُل بل قَالَ مثلا يَوْم السبت فَإِنَّهُ لَا يعم بل يحمل على السبت الأول خَاصَّة حَتَّى لَو لم يحكم فِيهِ فَلَا يحكم فِي السبت الَّذِي يَلِيهِ ذكره صَاحب الْبَحْر وَمُقْتَضى مَا سبق تعميمه
السَّادِسَة إِذا قَالَ الشَّيْخ أجزت لَك أَن تروي عني كتاب السّنَن وَهُوَ يروي كتبا من السّنَن لم تصح الْإِجَازَة كَمَا ذَكرُوهُ جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي أَوَائِل الْقَضَاء من زَوَائِد الرَّوْضَة
السَّابِعَة (إِذا قَالَ لثلاث نسْوَة) من لم تُخبرنِي مِنْكُن بِعَدَد رَكْعَات الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة فَهِيَ طَالِق فَقَالَت وَاحِدَة سبع عشرَة رَكْعَة وثانية خمس عشرَة وثالثة إِحْدَى
(1/219)

عشرَة لم تطلق وَاحِدَة مِنْهُنَّ فَالْأول مَعْرُوف وَالثَّانِي يَوْم الْجُمُعَة وَالثَّالِث فِي السّفر كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي الطّرف السَّابِع من تَعْلِيق الطَّلَاق عَن القَاضِي حُسَيْن وَالْمُتوَلِّيّ وَهُوَ كَلَام غير مُحَرر وتحريره أَن اللَّفْظ الْوَارِد من الزَّوْج على أَقسَام
الأول أَن يَقُول بِعَدَد رَكْعَات كل صَلَاة مَفْرُوضَة فِي كل يَوْم وَلَيْلَة فَمُقْتَضى مَا ذكره الآصحاب فِي التَّعْلِيق على الْإِخْبَار بِالْعدَدِ كَقَوْلِه من لم تُخبرنِي مِنْكُن بِعَدَد هَذَا الْجَوْز وَنَحْو ذَلِك أَنه إِن قصد التَّمْيِيز فَلَا بُد من ذكر عدد كل صَلَاة بخصوصها وَعدد كل يَوْم وَلَيْلَة بِخُصُوصِهِ وَفِي الْإِخْبَار بِمَا لَا يتَكَرَّر كَيَوْم الْجُمُعَة نظر لِأَنَّهَا لَيست مَفْرُوضَة فِي كل الْأَيَّام وكل اللَّيَالِي وَكَذَا صَلَاة السّفر الْمُتَّجه عدم دُخُولهَا فِي ذَلِك وَأَن لم يقْصد التَّمْيِيز فَيَكْفِي إخبارهن بأعداد تشْتَمل على الْأَعْدَاد الْمَفْرُوضَة
(1/220)

الْقسم الثَّانِي أَن يَأْتِي بِمَا ذَكرْنَاهُ بِعَيْنِه لَكِن بِحَذْف كلا الأولى وَيَأْتِي بِالثَّانِيَةِ وَله حالان
أَحدهمَا أَن يَأْتِي بِالصَّلَاةِ مُنكرَة فَيَقُول بِعَدَد رَكْعَات صَلَاة مَفْرُوضَة فِي كل يَوْم وَلَيْلَة فتتخلص كل امْرَأَة بِذكر صَلَاة وَاحِدَة من الصَّلَوَات الْمُتَقَدّم ذكرهَا
الثَّانِي أَن يَأْتِي بهَا معرفَة فَيَقُول بِعَدَد رَكْعَات الصَّلَاة ألى آخِره فَالْمُتَّجه استناد صَلَاة الْيَوْم وَاللَّيْلَة للقاعدة السَّابِقَة وَهُوَ كَونهَا للْعُمُوم عِنْد تعذر الْعَهْد وَالْجِنْس بعيد أَو مُتَعَذر
الْقسم الثَّالِث أَن يكون بِالْعَكْسِ وَهُوَ أَن يحذف كلا الثَّانِيَة وَيَأْتِي بِالْأولَى فَيَقُول بِعَدَد رَكْعَات كل صَلَاة مَفْرُوضَة أَو كل الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة فَالْمُتَّجه إِلْحَاقه بالقسم الأول وَجعل أل للْعُمُوم كَمَا سبق
الْقسم الرَّابِع أَن يحذفهما مَعًا فَلهُ حالان أَحدهمَا أَن يَأْتِي بِمَا بعدهمَا منكرين فَيَقُول بِعَدَد رَكْعَات صَلَاة مَفْرُوضَة فِي يَوْم وَلَيْلَة فتتخلص كل وَاحِدَة بِذكر صَلَاة وَاحِدَة من أَي يَوْم كَانَ وَيبقى النّظر فِي أَنه هَل يَكْفِي مُجَرّد الْعدَد أم لَا بُد من اقترانه بالمعدود فَنَقُول مثلا صَلَاة الْجُمُعَة رَكْعَتَانِ
(1/221)

الْحَالة الثَّانِيَة أَن يَأْتِي بهما معرفين فَيَقُول بِعَدَد رَكْعَات الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة فَقِيَاس مَا سبق حمله على الْعُمُوم فِي الصَّلَوَات وَفِي الْأَيَّام حَتَّى لَا يبر إِلَّا بِذكر سبع عشرَة
الْقسم الْخَامِس أَن يحذفهما ويحذف مَعَهُمَا مَا تدخل عَلَيْهِ كل الثَّانِيَة فَلهُ أَيْضا حالان
الآول أَن يَأْتِي بِالصَّلَاةِ مُنكرَة فَيَقُول بِعَدَد رَكْعَات صَلَاة مَفْرُوضَة فَلَا إِشْكَال فِي خلاص كل وَاحِدَة بِعَدَد رَكْعَات صَلَاة وَاحِدَة أَي صَلَاة كَانَت
الثَّانِي أَن يَأْتِي بهَا معرفَة فَيَقُول بِعَدَد رَكْعَات الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة وَهُوَ الَّذِي اقْتصر عَلَيْهِ الرَّافِعِيّ وَلم يذكر مَعَه شَيْئا من الْأَقْسَام السَّابِقَة بأحوالها فراجع لَفظه إِذا علمت هَذَا التَّصْوِير فقياسه مِمَّا سبق أَن تخبر كل وَاحِدَة بِجَمِيعِ الصَّلَوَات حَتَّى لَا تبر إِلَّا بِسبع عشرَة رَكْعَة إِن جعلنَا أل للْعُمُوم
فَإِن قُلْنَا (لَا يدل عَلَيْهِ فيلتحق) بِالْحَال الَّذِي قبله حَتَّى يحصل الْخَلَاص بِذكر صَلَاة وَاحِدَة وَإِذا علمت جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ علمت أَن مَا فِي الرَّافِعِيّ لَا يمشي على الْقَوَاعِد ثمَّ إِنَّه كَمَا لم يُصَرح بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَة لم يُصَرح أَيْضا بالشهر وَلَا بِالسنةِ وَاللَّفْظ الَّذِي ذكره مُحْتَمل وَلَا يخفى حكم ذَلِك مِمَّا سبق وَأَنا قد فتحنا لَك هَذَا الْبَاب
(1/222)

الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة من مسَائِل الْقَاعِدَة

إِذا نوى الْجنب الطَّهَارَة للصَّلَاة فَإِنَّهُ يَصح ويرتفع الْأَكْبَر والأصغر كَمَا فِي الْوضُوء كَذَا ذكره ابْن الرّفْعَة فِي بَاب صفة الْوضُوء من الْكِفَايَة وَفَاء بالقاعدة السَّابِقَة وَلأَجل ذَلِك لم ينزلُوا اللَّفْظ على أَضْعَف الشَّيْئَيْنِ وَهُوَ الْأَصْغَر كَمَا نزلوه عَلَيْهِ فِي إِقْرَار الْأَب بِأَن الْعين ملك لوَلَده حَيْثُ نزلوه على الْهِبَة وجوزوا الرُّجُوع
الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة

وَهِي من الْفُرُوع الْمُخَالفَة لمقْتَضى مَا رجحوه فِي الْقَاعِدَة إِذا قَالَ الطَّلَاق يلْزَمنِي فَإِنَّهُ لَا يَقع عَلَيْهِ الثَّلَاث بل وَاحِدَة فَقَط وَكَذَا من لَهُ زَوْجَات وَعبيد إِذا قَالَ زَوْجَتي طَالِق وعبدي حر فَإِنَّهُ يَقع على ذَات وَاحِدَة ويعين وَلَا يعم لكَونه من بَاب الْيَمين والأيمان قد يسْلك فِيهَا مَسْلَك الْعرف نعم فِي الْمَسْأَلَة إِشْكَال آخر سَببه مُخَالفَة قَاعِدَة أُخْرَى فرعية فلتطلب من الْمُهِمَّات
(1/223)

الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة

إِذا نوى الْمُتَيَمم الصَّلَاة فَهَل يستبيح الْفَرْض وَالنَّفْل أم يقْتَصر على النَّفْل على وَجْهَيْن أصَحهمَا الثَّانِي
الْمَسْأَلَة الْحَادِيَة عشرَة

إِذا قَالَ الْمَرِيض أَعْطوهُ كَذَا كَذَا من دَنَانِير أَعنِي بالتكرار بِلَا عطف أعطي دِينَارا فَإِن كَانَ الْعَطف أعطي دينارين فَلَو أفرد الدِّينَار مَعَ الْإِضَافَة أعطي حبتين عِنْد الْعَطف وحبة وَاحِدَة عِنْد عَدمه كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْوَصِيَّة عَن الْبَغَوِيّ ثمَّ قَالَ أَنه يَنْبَغِي أَن يكون الْجمع كالأفراد حَتَّى يعْطى الحبتين عِنْد الْعَطف والواحدة عِنْد عَدمه
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة

إِذا أوصى السَّيِّد لمكاتبه بأوسط نجومه وَكَانُوا أَرْبَعَة مثلا قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ وضعُوا عَنهُ أَي النجمين شَاءُوا (إِمَّا) الثَّانِي وَإِمَّا الثَّالِث لِأَنَّهُ لَيْسَ وَاحِد مِنْهُمَا أولى باسم الْأَوْسَط من الآخر كَذَا
(1/224)

رَأَيْته فِي الْأُم فِي أَبْوَاب الْكِتَابَة ثمَّ ذكر بعده أَيْضا مثله وَنقل الرَّافِعِيّ هَذَا الْجَواب عَن ابْن الصّباغ خَاصَّة ثمَّ نقل عَن الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيب أَنه كِلَاهُمَا وحاول تَرْجِيحه وَفِي الْمَسْأَلَة أُمُور أُخْرَى ذكرتها فِي الْمُهِمَّات ثمَّ قَالَ أَعنِي الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ لَو قَالَ ضَعُوا عَنهُ ثلث كِتَابَته أَي مَال كِتَابَته كَانَ لَهُم أَن يضعوا عَنهُ ثلت كِتَابَته فِي الْعدَد إِن شَاءُوا الْمُؤخر وَإِن شَاءُوا مَا قبله وَكَذَلِكَ إِن قَالَ نصفهَا أَو ربعهَا عشرَة مِنْهَا انْتهى وَلم يذكر الرَّافِعِيّ هَذَا الْفَرْع
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة عشرَة

إِذا نوى المتوضىء الطَّهَارَة فَإِن قيدها بِالْحَدَثِ صَحَّ فَإِن لم يقل عَن الْحَدث لم يَصح على الصَّحِيح كَمَا قَالَه فِي زَوَائِد الرَّوْضَة وَعلله النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب بِأَن الطَّهَارَة تكون عَن حدث وَتَكون عَن خبث فَيشْتَرط التَّقْيِيد ثمَّ قَالَ إِن الْقوي صِحَّته
قلت وَالْأَمر كَذَلِك لِأَنَّهُ قِيَاس الْقَاعِدَة
(1/225)

الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة عشرَة

قَالَ لزوجته إِذا قدم الْحَاج فَأَنت طَالِق أَعنِي بِلَفْظ الْحَاج مُفردا كَمَا عبر فِي التَّنْبِيه لَا مجموعا فَالْقِيَاس مُرَاجعَته فِي مُرَاده فَإِن تعذر أَو لم يكن لَهُ إِرَادَة فينبني على أَن الْمُفْرد هَل يعم أم لَا وَلَو عبر بِهِ مجموعا كَمَا وَقع فِي الْمِنْهَاج فينبني أَيْضا على مَا ذَكرُوهُ فِيهِ أَي فِي الْجمع وَقد سبق وَلَكِن إِذا حملناه على الْعُمُوم فمقتضاه أَنه لَو مَاتَ أحدهم أَو انْقَطع كمانع لم يحصل الْمُعَلق عَلَيْهِ وَفِيه بعد وَحِينَئِذٍ فَهَل النّظر إِلَى الْأَكْثَر أَو مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْجمع أَو إِلَى جَمِيع من بَقِي وَهُوَ يُرِيد الْقدوم أم كَيفَ الْحَال فِيهِ نظر
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة عشرَة

إِذا قَالَ إِن كَانَ حملك ذكرا فَأَنت طَالِق طَلْقَة وَإِن كَانَ أُنْثَى فطلقتين فَولدت ذكرا وَأُنْثَى قَالُوا لَا يَقع الطَّلَاق لِأَن حملهَا لَيْسَ بِذكر وَلَا أُنْثَى بل بعضه هَكَذَا وَبَعضه هَكَذَا وَهُوَ مُوَافق لكَون الْمُضَاف للْعُمُوم
فَإِن قُلْنَا لَا يعم فقد علق على شَيْئَيْنِ وَوجد الْمُعَلق عَلَيْهِ فَيَقَع الثَّلَاث وَأما النَّوْع الثَّانِي وَهُوَ الْجمع الْمحلى بأل أَو الْمُضَاف إِذا لم تقم قرينَة تدل على مَعْهُود فيتفرع عَلَيْهِ فروع
(1/226)

مِنْهَا إِذا كَانَ الله يعذب الْمُوَحِّدين فامرأتي طَالِق طلقت زَوجته كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي آخر تَعْلِيق الطَّلَاق فِي الْفَصْل الْمَنْقُول عَن اسماعيل البوشنجي وَأقرهُ واستدرك عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَة استدراكا صَحِيحا فَقَالَ هَذَا إِذا قصد (تَعْذِيب أحدهم) فَإِن (قصد تَعْذِيب كلهم) أَو لم يقْصد شَيْئا لم تطلق لِأَن التعذيب يخْتَص ببعضهم
وَمِنْهَا التلقيب بِملك الْمُلُوك وَنَحْوه (إِذا قُلْنَا أَن الْجمع الْمحلى بأل والمضاف يعم أَيْضا وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ بعد ذَلِك فِي الْكَلَام على الْجمع (معنى) مَا ذَكرْنَاهُ) شاه شَاة أَي بالتكرار فَإِنَّهُ بِمَعْنَاهُ أَيْضا فَينْظر أَن أَرَادَ مُلُوك الدُّنْيَا (وَنَحْو ذَلِك) وَقَامَت قرينَة للسامعين تدل عَلَيْهِ جَازَ سَوَاء كَانَ متصفا بِهَذِهِ الصّفة أم لَا كَغَيْرِهِ من الألقاب الْمَوْضُوعَة للتناول أَو الْمُبَالغَة وَإِن أَرَادَ الْعُمُوم فَلَا إِشْكَال فِي التَّحْرِيم أَي تَحْرِيم
(1/227)

الْوَضع بِهَذَا الْقَصْد وَكَذَلِكَ التَّسْمِيَة بِقصد سَوَاء قُلْنَا أالجمع الْمَذْكُور للْعُمُوم أَو مُشْتَرك بَينه وَبَين الْخُصُوص وَكَذَلِكَ إِن قُلْنَا إِنَّه مَوْضُوع للخصوص فَقَط لِأَنَّهُ أحدث لَهُ وضعا آخر وَإِن أطلق عَارِيا بمدلوله فينبني على أَنه للْعُمُوم أم لَا
وَهَذِه الْمَسْأَلَة قد وَقعت بِبَغْدَاد فِي سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة لما استولى الْملك الملقب بِجلَال الدولة أحد مُلُوك الديلم على بَغْدَاد وَكَانُوا متسلطين على الْخُلَفَاء فزيد فِي ألقابه شاهنشاه الْأَعْظَم ملك الْمُلُوك وخطب لَهُ بذلك على الْمِنْبَر فَجرى فِي ذَلِك مَا أحْوج استفتاء عُلَمَاء بَغْدَاد فِي جَوَاز ذَلِك فَأفْتى غير وَاحِد بِجَوَازِهِ مِنْهُم القَاضِي أَبُو الطّيب وَأَبُو الْقَاسِم الكرفي وَابْن الْبَيْضَاوِيّ الشافعيون وَالْقَاضِي أَبُو عبد الله الصَّيْمَرِيّ
(1/228)

الْحَنَفِيّ وَأَبُو مُحَمَّد التَّمِيمِي الْحَنْبَلِيّ وَلم يفت مَعَهم الْمَاوَرْدِيّ فَكتب إِلَيْهِ كَاتب الْخَلِيفَة يَخُصُّهُ بالاستفتار فِي ذَلِك فَأفْتى بِالتَّحْرِيمِ فَلَمَّا وقفُوا على جَوَابه انتدبوا النقضة وَأطَال القاضيان الطَّبَرِيّ والصيمري فِي التشنيع عَلَيْهِ وَأجَاب الْمَاوَرْدِيّ عَن كَلَامهمَا بِجَوَاب طَوِيل يذكر فِيهِ أَنَّهُمَا أَخطَأ من وُجُوه قَالَ ابْن الصّلاح فِي أدب الْمُفْتِي والمستفتي بعد ذكره لهَذِهِ الْحِكَايَة كلهَا إِن الْمَاوَرْدِيّ قد أصَاب فِيمَا أجَاب وَإِن المجوزين قد أخطأوا فَفِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن أخنع اسْم عِنْد الله تَعَالَى رجل يُسمى ملك الْأَمْلَاك وَفِي رِوَايَة أخنى وَفِي أُخْرَى أَغيظ رجل عِنْد الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة وأخبثه رجل كَانَ يُسمى ملك الْأَمْلَاك لَا ملك إِلَّا الله تَعَالَى رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم إِلَّا الرِّوَايَة الْأَخِيرَة فَإِنَّهَا لمُسلم
(1/229)

خَاصَّة قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة ملك الْأَمْلَاك مثل شاهنشاة ثَبت ذَلِك عَنهُ فِي الصَّحِيح وأخنع (وأخنى) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَالنُّون ومعناهما أذلّ وأوضع وأرذل وَاقْتصر النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب على التَّحْرِيم وَذكره فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالأذكار مرَّتَيْنِ فَقَالَ فِي الْمرة الثَّانِيَة وَهِي فِي آخر الْكتاب إِنَّه يحرم تَحْرِيمًا غليظا
وَمِنْهَا جزم الشَّيْخ عز الدّين ابْن عبد السلام فِي الأمالي والقرافي
(1/230)

فِي آخر قَوَاعِده بِتَحْرِيم الدُّعَاء للْمُؤْمِنين وَالْمُؤْمِنَات بمغفرة جَمِيع الذُّنُوب أَو بِعَدَمِ دُخُولهمْ النَّار لأَنا نقطع بِخَبَر الله تَعَالَى وَخبر رَسُوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَن مِنْهُم من يدْخل النَّار وَأما الدُّعَاء بالمغفرة فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن نوح عَلَيْهِ السَّلَام {رب اغْفِر لي ولوالدي وَلمن دخل بَيْتِي مُؤمنا وَلِلْمُؤْمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات} وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ ورد بِصِيغَة الْفِعْل فِي سِيَاق الْإِثْبَات وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْعُمُوم لِأَن الْأَفْعَال نكرات ولجواز قصد مَعْهُود خَاص وَهُوَ أهل زَمَانه مثلا
وَمِنْهَا إِذا أوصى لفقراء بلد وَوَجَبَت الزَّكَاة لَهُم وَكَانُوا مَحْصُورين وَجب استيعابهم وَفَاء بالقاعدة وَإِن كَانُوا غير مَحْصُورين فقد قَالُوا انه يجب الصّرْف إِلَى ثَلَاثَة وَقِيَاس من قَالَ أقل الْجمع اثْنَان جَوَاز الِاقْتِصَار عَلَيْهِمَا فعلى الأول لَو أوصى للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَجب الصّرْف إِلَى سِتَّة
(1/231)

وَمِنْهَا إِذا أوصى لأقاربه فَإِن كَانُوا مَحْصُورين فَالْأَصَحّ وجوب استيعابهم وَقيل لَا وَهُوَ يشكل على مَا سبق فَإِن لم يُوجد إِلَّا وَاحِد فَالْأَصَحّ أَنه يعْطى كل المَال وَقيل لَا وعَلى هَذَا هَل يعْطى ثلثه أَو نصفه وَتبطل الْوَصِيَّة فِي الْبَاقِي على وَجْهَيْن مبنيين على أقل الْجمع وَإِن كَانُوا غير مَحْصُورين فعلى مَا سبق فِي الْفُقَرَاء
وَمِنْهَا إِذا قَالَ أَن تزوجت النِّسَاء أَو اشْتريت العبيد فَأَنت طَالِق فَإِنَّهُ يَحْنَث بِثَلَاثَة كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي آخر تَعْلِيق الطَّلَاق فِي الْفَصْل الْمَنْقُول عَن أبي الْعَبَّاس الرَّوْيَانِيّ
وَنقل أَيْضا أَعنِي الرَّافِعِيّ عَن اسماعيل البوشنجي نَحوه وَأقرهُ فَقَالَ إِذا حلف لَا يكلم بني آدم فَكلم اثْنَيْنِ فَالْقِيَاس أَنه لَا يَحْنَث إِلَّا إِذا أعطيناهما حكم الْجمع وَخَالف الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ فَقَالَا إِذا حلف
(1/232)

على مُتَعَدد كالناس وَالْمَسَاكِين فَإِن كَانَت يَمِينه على الْإِثْبَات كَقَوْلِه لأُكلمَن النَّاس ولأتصدقن على الْمَسَاكِين لم يبر إِلَّا بِثَلَاثَة اعْتِبَارا بِأَقَلّ الْجمع وَإِن كَانَت على النَّفْي حنث بِالْوَاحِدِ اعْتِبَارا بِأَقَلّ الْعدَد قَالَا وَالْفرق أَن نفي الْجمع مُمكن وَإِثْبَات الْجمع مُتَعَذر فَاعْتبر أقل الْجمع فِي الْإِثْبَات وَأَقل الْعدَد فِي النَّفْي
وَمِنْهَا حلف ليصومن الْأَيَّام فَيحْتَمل حمله على أَيَّام الْعُمر وَيحْتَمل حمله على ثَلَاثَة وَهُوَ الأولى كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي أَوَاخِر تَعْلِيق الطَّلَاق عَن البوشنجي وَأقرهُ
فصل فِي المشتقات

مَسْأَلَة

اسْم الْفَاعِل يُطلق على الْحَال وعَلى الِاسْتِقْبَال وعَلى الْمُضِيّ وَكَذَلِكَ اسْم الْمَفْعُول وَإِطْلَاق النُّحَاة يَقْتَضِي أَنه إِطْلَاق حَقِيقِيّ إِذا علمت ذَلِك فيتفرع على الْمَسْأَلَة فروع
(1/233)

الأول إِذا قَالَ لزوجته أَنْت طَالِق أَو مُطلقَة وَقد جزموا فِيهَا بالصراحة إِلَّا على وَجه غَرِيب فِي مُطلقَة قَالَه الرَّافِعِيّ وَكَذَلِكَ اسْم الْمَفْعُول فِي الْوَقْف كَقَوْلِه هَذَا مَوْقُوف على كَذَا وَقِيَاسه فِي البيع وَغَيره كَذَلِك
وَهَكَذَا الْقيَاس فِي بَاقِي المشتقات كَقَوْلِه أَنا وَاقِف هَذَا أَو مُطلق للْمَرْأَة أَو بَائِع للشَّيْء أَو مؤجر لَهُ أَو مزوج ابْنَتي أَو جاريتي مِنْك أَو منكحها اَوْ يَقُول ابْنَتي أَو جاريتي متزوجه مِنْك وَكَانَ مُقْتَضى الْقَاعِدَة أَن يُرَاجع فِي هَذَا كُله فَإِن أَرَادَ مَا يَقْتَضِي أيقاع الطَّلَاق أوقعناه وَإِن لم يرد شَيْئا اَوْ تَعَذَّرَتْ إِرَادَته بِمَوْت أَو غَيره فَإِن جَعَلْنَاهُ متواطئا لم تطلق لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون أَعم والأعم لَا يدل على الْأَخَص الْمُقْتَضِي للوقوع وَهُوَ الْحَال وَإِن جَعَلْنَاهُ مُشْتَركا وَهُوَ الظَّاهِر الْمُوَافق لما ذَكرُوهُ فِي الْمُضَارع فَكَذَلِك أَيْضا لأَنا إِن لم
(1/234)

نحمل الْمُشْتَرك على جَمِيع مَعَانِيه فَوَاضِح وَإِن حملناه عَلَيْهَا فَذَلِك إِنَّمَا كَانَ للِاحْتِيَاط فِي تَحْصِيل مُرَاد الْمُتَكَلّم وَالِاحْتِيَاط لَا يجب سلوكه فِي الطَّلَاق وَغَيره مِمَّا ذَكرْنَاهُ لِأَنَّهُ عكس الْمَقْصُود
الْفَرْع الثَّانِي إِذا عزل عَن الْقَضَاء فَقَالَ امْرَأَة القَاضِي طَالِق فَفِي وُقُوع الطَّلَاق عَلَيْهِ وَجْهَان حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ فِي آخر تَعْلِيق الطَّلَاق عَن أبي الْعَبَّاس الرَّوْيَانِيّ وَالْمَسْأَلَة لَهَا الْتِفَات إِلَى قَوَاعِد
إِحْدَاهمَا مَا ذَكرْنَاهُ وَالثَّانيَِة الْمُفْرد الْمحلى بأل هَل يعم أم لَا
وَالثَّالِثَة الْمُتَكَلّم هَل يدْخل فِي عُمُوم كَلَامه أم لَا
وَالرَّابِعَة إِقَامَة الظَّاهِر مقَام الْمُضمر
الثَّالِث إِذا قَالَ الْكَافِر أَنا مُسلم هَل يحكم بِإِسْلَامِهِ أم لَا فِيهِ اخْتِلَاف وَقع فِي كَلَام الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة أوضحته فِي الْمُهِمَّات فَإِن جَعَلْنَاهُ حَقِيقَة فِي الْحَال كَانَ مُؤمنا وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ لَو قَالَ أَنا مُسلم بعد ذَلِك لَا يلْزم بِالْإِسْلَامِ وَوجه عدم إِسْلَامه مُطلقًا أَنه قد يُسَمِّي دينه الَّذِي عَلَيْهِ إسلاما
(1/235)

الرَّابِع إِذا قَالَ أَنا مقرّ بِمَا يَدعِيهِ أَو لست مُنْكرا لَهُ فَإِنَّهُ يكون إِقْرَارا بِخِلَاف مالو قَالَ أَنا مقرّ وَلم يقل بِهِ فَإِنَّهُ لَا يكون إِقْرَارا لاحْتِمَال أَن يُرِيد الْإِقْرَار بِأَنَّهُ لَا شَيْء عَلَيْهِ وَبِخِلَاف مَا لَو أَتَى بالمضارع فَإِنَّهُ لَا يكون إِقْرَارا وَإِن أَتَى بالضمير مَعَه فِي أصح الْوَجْهَيْنِ وَذَلِكَ بِأَن يَقُول أقرّ بِهِ وَسَببه أَن الْمُضَارع مُشْتَرك على الْمَعْرُوف كَمَا سَيَأْتِي فِي قسم الْأَفْعَال
الْخَامِس إِذا نَادَى زَوجته فَقَالَ يَا طَالِق فَإِنَّهُ صَرِيح نعم لَو ادّعى أَنه أَرَادَ الْمَاضِي فَيقبل إِذا ثَبت وُقُوع ذَلِك كُله مِنْهُ لِأَنَّهَا قرينَة دَالَّة على مَا ادَّعَاهُ من التَّجَوُّز
السَّادِس إِذا قَالَ وقفت على سكان مَوضِع كَذَا فَغَاب بَعضهم سنة وَلم يبع دَاره وَلَا استبدل دَارا فَإِنَّهُ حَقه لَا يبطل كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن الْعَبَّادِيّ وَأقرهُ هُوَ وَالنَّوَوِيّ عَلَيْهِ مَعَ أَن السكان جمع اسْم الْفَاعِل وَهُوَ سَاكن وَلَيْسَ الْوَصْف قَائِما بِهِ فِي هَذِه الْحَالة وَيُؤَيِّدهُ مَا قَالَه فِي الْأَيْمَان
(1/236)

لَو حلف لَا يسكن هَذِه الدَّار فَخرج مِنْهَا بِنَفسِهِ لم يَحْنَث سَوَاء كَانَ بنية التَّحَوُّل أم لَا وَمُقْتَضى تَعْبِير الرَّافِعِيّ أَنه لَا فرق فِي ذَلِك بَين الْغَيْبَة حَال الْوَقْف أبعدها
السَّابِع إِن أَصْحَابنَا لما قَالُوا بِكَرَاهَة السِّوَاك للصَّائِم بعد الزَّوَال مستدلين بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لخلوف فَم الصَّائِم الحَدِيث
اخْتلفُوا فِي أَن كَرَاهَة السِّوَاك تَنْتَهِي بالغروب أم تبقى إِلَى الْفطر فالأكثرون على الأول وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد بِالثَّانِي كَذَا نَقله النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَالْخلاف مَبْنِيّ على مَا ذَكرْنَاهُ
وَذكر الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي شرح التَّنْبِيه أَنه يكره للصَّائِم إِذا أَرَادَ الشّرْب أَن يتمضمض ويمجه لِأَنَّهُ إِزَالَة أثر يُحِبهُ الله تَعَالَى وَالَّذِي قَالَه يَقْتَضِي بَقَاء
(1/237)

الْكَرَاهَة إِلَى الْإِفْطَار وَهُوَ أوضح مِمَّا قَالَه النَّوَوِيّ إِلَّا أَنه يَقْتَضِي كَرَاهَة إِزَالَته فِي النَّهَار بالمضمضة فِي الْوضُوء وَفِيه نظر
الثَّامِن قَالَ وقفت على حفاظ الْقُرْآن لم يدْخل فِيهِ من كَانَ حَافِظًا ونسيه قَالَه فِي الْبَحْر
التَّاسِع وقف على وَرَثَة زيد وَزيد حَيّ لم يَصح لِأَن الْحَيّ لَا وَرَثَة لَهُ قَالَه فِي الْبَحْر وَلَو قيل يَصح حملا للفظ على مجازه بِاعْتِبَار مَا سَيَأْتِي أَو على الْإِضْمَار وَالتَّقْدِير على ورثته لَو مَاتَ الْآن لَكَانَ مُحْتملا إِلَّا أَن ورثته عِنْد الْمَوْت غير مَعْرُوفَة الْآن
الْعَاشِر قَالَ لزوجاته الْأَرْبَع كلما ولدت وَاحِدَة مِنْكُن فصواحباتها طَوَالِق فَولدت كُلهنَّ فَلَهُنَّ أَحْوَال
أَحدهَا أَن يلدن مَعًا فَتطلق كل وَاحِدَة ثَلَاثًا وعدة جَمِيعهنَّ بالإقراء
(1/238)

الثَّانِي أَن يلدن مُرَتبا فَفِيهِ وَجْهَان الْأَصَح مِنْهُمَا أَنه إِذا ولدت الأولى طلقت كل وَاحِدَة من الْبَاقِيَات طَلْقَة فَإِذا ولدت الثَّانِيَة انْقَضتْ عدتهَا وَبَانَتْ وَتَقَع على الأولى بِوِلَادَة هَذِه طَلْقَة وعَلى كل وَاحِدَة من الْأُخْرَيَيْنِ طَلْقَة إِن بقيت عدتهَا فَإِذا ولدت الثَّالِثَة انْقَضتْ عدتهَا على طَلْقَتَيْنِ وَوَقع على الأولى طَلْقَة ثَانِيَة إِن بقيت فِي الْعدة وعَلى الرَّابِعَة طَلْقَة ثَالِثَة فَإِذا ولدت الرَّابِعَة انْقَضتْ عدتهَا عَن ثَلَاث طلقات وَوَقعت ثَالِثَة على الأولى وعدة الأولى بالإقراء وَفِي استئنافها الْعدة للطلقة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة الْخلاف فِي طَلَاق الرَّجْعِيَّة
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن الأولى لَا تطلق أصلا وَتطلق كل وَاحِدَة من الأخريات طَلْقَة وَاحِدَة وتنقضي عددهن بولادتهن لِأَن الثَّلَاث فِي وَقت ولادَة الأولى صواحبها لِأَن الْجَمِيع زَوْجَات فيطلقن طَلْقَة فَإِذا طلقن خرجن عَن كونهن صَوَاحِب الأولى وَكَون الأولى صَاحِبَة لَهُنَّ فَلَا يُؤثر بعد ولادتهن فِي حَقّهَا وَلَا فِي حق بَعضهنَّ وَمن قَالَ بِالْأولِ مَا دمن فِي الْعدة فهن زَوْجَات وَصَوَاحِب وَلِهَذَا لَو حلف بِطَلَاق زَوْجَاته دخلت الرَّجْعِيَّة فِيهِ
(1/239)

الثَّالِث أَن تَلد ثِنْتَانِ مَعًا ثمَّ ثِنْتَانِ مَعًا فعلى الْوَجْه الأول تطلق كل وَاحِدَة من الْأَوليين بِوِلَادَة الْأُخْرَى طَلْقَة وكل وَاحِدَة من الْأُخْرَيَيْنِ بِوِلَادَة الْأَوليين طَلْقَتَيْنِ فَإِذا ولدت الأخريان طلقت كل وَاحِدَة من الْأَوليين طَلْقَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ وَلَا يَقع على الْأُخْرَيَيْنِ شَيْء آخر وتنقضي عدتهما بولادتهما على الْمَذْهَب وعَلى نَصه فِي الْإِمْلَاء يَقع على كل وَاحِدَة مِنْهُمَا طَلْقَة وَاحِدَة وتعتدان بالإقراء وعَلى الْوَجْه الثَّانِي تطلق كل وَاحِدَة من الْأَوليين طَلْقَة طَلْقَة وكل وَاحِدَة من الْأُخْرَيَيْنِ طَلْقَتَيْنِ فَقَط وتنقضي عدَّة الْأُخْرَيَيْنِ بِالْولادَةِ وَتعْتَد الأوليان بالإقراء على الْوَجْهَيْنِ
الرَّابِع أَن تَلد ثَلَاث مِنْهُنَّ مَعًا ثمَّ الرَّابِعَة فَيَقَع على الرَّابِعَة ثَلَاث طلقات بِلَا خوف وَتطلق كل وَاحِدَة من الأوليات على الْوَجْه الأول
(1/240)

ثَلَاثًا مِنْهَا طَلْقَتَانِ بِوِلَادَة اللَّتَيْنِ ولدتا مَعهَا وثالثة بِوِلَادَة الرَّابِعَة إِن بَقينَ فِي الْعدة وعَلى الْوَجْه الثَّانِي لَا تطلق كل وَاحِدَة من الثَّلَاث إِلَّا طَلْقَتَيْنِ وَلَو كَانَ الْأَمر بِالْعَكْسِ بِأَن ولدت وَاحِدَة ثمَّ ولدت الثَّلَاث مَعًا فعلى الْوَجْه الأول تطلق كل وَاحِدَة من الثَّلَاث طَلْقَة بِوِلَادَة الأولى ثمَّ تَنْقَضِي عدتهن بولادتهن فَلَا يَقع عَلَيْهِنَّ شَيْء آخر على الْمَذْهَب وعَلى نَصه فِي الْإِمْلَاء يَقع على كل وَاحِدَة طَلْقَتَانِ أخريان ويعتددن بالإقراء الأولى تطلق بولادتهن ثَلَاثًا وعَلى الْوَجْه الثَّانِي لَا يَقع على الأولى شَيْء وَيَقَع على كل وَاحِدَة من الْبَاقِيَات طَلْقَة فَقَط
الْخَامِس أَن تَلد ثِنْتَانِ على التَّرْتِيب ثمَّ ثِنْتَانِ مَعًا فَيَقَع على الأولى ثَلَاث بولادتهن وعَلى كل وَاحِدَة من الْبَاقِيَات طَلْقَة بِوِلَادَة الأولى فَإِذا ولدت الثَّانِيَة انْقَضتْ عدتهَا وَوَقعت على كل وَاحِدَة من الْأُخْرَيَيْنِ طَلْقَة أُخْرَى فَإِذا ولدت الأخريان انْقَضتْ عدتهما بولادتهما وَلَا يَقع على
(1/241)

كل وَاحِدَة مِنْهُمَا شَيْء بِوِلَادَة صاحبتها على الْمَذْهَب هَذَا قِيَاس الْوَجْه الأول وعَلى الْوَجْه الثَّانِي لَا يَقع على الأول شَيْء وَلَا يَقع على كل وَاحِدَة من الْبَاقِيَات إِلَّا طَلْقَة وَلَو ولدت ثِنْتَانِ مَعًا ثمَّ ثِنْتَانِ مُرَتبا فعلى قِيَاس الْوَجْه الأول تطلق كل وَاحِدَة من الْأَوليين بولادتهما طَلْقَة وكل وَاحِدَة من الْأُخْرَيَيْنِ طَلْقَتَيْنِ فَإِذا ولدت الثَّالِثَة انْقَضتْ عدتهَا وَطلقت كل وَاحِدَة من الْأَوليين طَلْقَة أُخْرَى أَن بَقِيَتَا فِي الْعدة وَطلقت الرَّابِعَة طَلْقَة ثَالِثَة فَإِذا ولدت انْقَضتْ عدتهَا وَطلقت كل وَاحِدَة من الْأَوليين طَلْقَة ثَالِثَة إِن بَقِيَتَا فِي الْعدة وعَلى قِيَاس الْوَجْه الثَّانِي لَا تطلق كل وَاحِدَة من الْأَوليين إِلَّا طَلْقَة وَلَا كل وَاحِدَة من الْأُخْرَيَيْنِ إِلَّا طَلْقَتَيْنِ
مَسْأَلَة

إِذا أُرِيد باسم الْفَاعِل الْحَال أَو الِاسْتِقْبَال نصبت معمولة وَأَن أردْت بِهِ الْمُضِيّ فَإِن كَانَ مَعَه أل الْمعرفَة جَازَ النصب بِهِ فَإِن عري عَنْهَا فَلَا بل يتَعَيَّن إِضَافَته
(1/242)

وَقَالَ الْكسَائي يجوز أَن ينصب مُطلقًا وَحَيْثُ يجوز النصب بِهِ فَيجوز الْجَرّ أَيْضا بل هُوَ أولى عِنْد شَيخنَا لِأَنَّهُ الأَصْل وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ النصب والجر سَوَاء وَقَالَ هِشَام النصب أولى إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ شخص أَنا قَاتل زيد ثمَّ وجدنَا زيدا مَيتا وَاحْتمل أَن يكون قد مَاتَ قبل كَلَامه وَأَن يكون بعده فَإِن نونه وَنصب بِهِ مَا بعده لم يكن ذَلِك إِقْرَارا لِأَن اللَّفْظ لَا يَقْتَضِي وُقُوعه وان جَرّه فَكَذَلِك لجَوَاز أَن يكون الْمُضَاف بِمَعْنى الْحَال أَو الِاسْتِقْبَال هَذَا هُوَ مُقْتَضى الْقَوَاعِد لَكِن جزم القَاضِي حُسَيْن فِي فَتَاوِيهِ إِذا جر كَانَ إِقْرَارا بِخِلَاف مَا لَو نصب لِأَنَّهُ وعد بِذكر ذَلِك قبيل الْحُدُود وَكثير من أَمْثِلَة الْمَسْأَلَة السَّابِقَة يَأْتِي فِيهَا هَذَا الْعَمَل أَيْضا
مَسْأَلَة

مُقْتَضى اسْم الْفَاعِل صُدُور الْفِعْل مِنْهُ وَمُقْتَضى اسْم الْمَفْعُول صدوره عَلَيْهِ إِذا تقرر هَذَا فيتفرع عَلَيْهِ مَا إِذا حلف لَا يَأْكُل مستلذا فَإِنَّهُ يَحْنَث بِمَا يستلذه هُوَ أَو غَيره بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ شَيْئا لذيذا فَإِن الْعبْرَة فِيهِ بالحالف فَقَط كَذَا ذكره الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر وَفرق بِأَن المستلذ من صِفَات الْمَأْكُول واللذيذ من صِفَات الْأكل أَي أكلا لذيذا وَفِيمَا قَالَه نظر
(1/243)

مَسْأَلَة

اسْم الْمَفْعُول من افتعل المعتل الْعين كاختار مسَاوٍ فِي اللَّفْظ لصيغة اسْم الْفَاعِل مِنْهُ فَإِذا قلت ممثلا هَذَا مُخْتَار فألفه منقلبة عَن يَاء لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا فَإِن كَانَت حركتها كسرة كَانَ اسْم فَاعل وَإِن كَانَت فَتْحة كَانَ اسْم مفعول إِذا تقرر هَذَا فيتفرع عَلَيْهِ مَا إِذا أسلم الْكَافِر على خمس نسْوَة مثلا فَأَشَارَ إِلَى وَاحِدَة مِنْهُنَّ فَقَالَ هَذِه مختارة لي فَالْقِيَاس أَنا نراجعه فَإِن صرح بِإِرَادَة اسْم الْمَفْعُول كَانَ اخْتِيَارا أَو باسم الْفَاعِل فَلَا فَإِن تعذر بِمَوْت أَو غَيره فَالْقِيَاس أَنا إِن حملنَا الْمُشْتَرك عِنْد فقدان الْقَرِينَة على مَعَانِيه كَانَ اخْتِيَارا وَإِلَّا فَلَا لِأَن الأَصْل عَدمه وَهَذَا كُله بِنَاء على أَن مُجَرّد قَوْله اخْتَرْتُك أَو أمسكتك من غير تعرض للنِّكَاح اخْتِيَار وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَام الْأَئِمَّة كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ قَالَ وَلَكِن الْأَقْرَب أَنه كِنَايَة
مَسْأَلَة

أفعل التَّفْضِيل مقتضاها الْمُشَاركَة فَإِذا قَالَ زيد أَشْجَع من عَمْرو فحقيقتها اشتراكهما فِي الشجَاعَة وَزِيَادَة زيد فِيهَا على عَمْرو وَإِذا تقرر هَذَا فَلَا يخفى تفاريع الْمَسْأَلَة من النذور والأوقاف والوصايا وَغَيرهَا وَمِنْهَا إِذا شَرط الْوَاقِف النّظر للأرشد من أَوْلَاده فَأثْبت كل وَاحِد أَنه أرشد اشْتَركَا فِي النّظر من غير اسْتِقْلَال لِأَن الْبَيِّنَتَيْنِ لما تَعَارَضَتَا سقطتا وَبَقِي أصل الرشد فَصَارَ كَمَا
(1/244)

لَو قَامَت الْبَيِّنَة برشدهما من غير مفاضلة وَحكمه التَّشْرِيك لعدم المزية وَأما عدم الِاسْتِقْلَال فَكَمَا لَو أوصى إِلَى شَخْصَيْنِ مُطلقًا كَذَا قَالَه فِي الرَّوْضَة نقلا عَن ابْن الصّلاح وَمِنْهَا إِذا قَالَ يَا زاني فَقَالَ أَنْت أزنى مني لم يكن الْمُجيب قَاذِفا إِلَّا أَن يُرِيد الْقَذْف فَلَو قَالَ نعم زَنَيْت وَلَكِنَّك أزنى مني كَانَ قَاذِفا وَلَو قَالَ ابْتِدَاء أَنْت أزنى مني فَفِي كَونه قَاذِفا وَجْهَان حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ عَن حِكَايَة ابْن كج وَلم يرجح مِنْهُمَا شَيْئا وَتَبعهُ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَة
وَذكر الشَّيْخ أَبُو اسحق فِي التَّنْبِيه هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَصحح أَنه لَيْسَ بِقَذْف وَأقرهُ عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فَلم يسْتَدرك عَلَيْهِ فِي التَّصْحِيح وَلَو قَالَ زيد أزنى النَّاس أَو أزنى من النَّاس لم يكن
(1/245)

قاذفاإلا أَن ينويه لأَنا نقطع بكذبه كَذَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَحكى الشَّيْخ فِي التَّنْبِيه فِيهِ وَجْهَيْن وَهَذَا الْوَجْه الَّذِي زَاده وَهُوَ الْقَائِل بِوُجُوب الْحَد أَخذه الشَّيْخ عَن الْمَاوَرْدِيّ فَإِنَّهُ ذهب فِي الْحَاوِي إِلَيْهِ وَحَكَاهُ فِي الرَّوْضَة فِي زوائده عَنهُ
وَمِنْهَا إِذا أوصى لأقارب زيد فَالْأَصَحّ عِنْد الْأَكْثَرين كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح أَنه لَا يدْخل الأبوان وَالْأَوْلَاد وَيدخل الأجداد والأحفاد وَالْوَالِد وَالْولد لَا يوصفان عَادَة بِالْقربِ قَالَ وَلَو أوصى لأَقْرَب أَقَاربه دخل فِيهِ الأبوان وَالْأَوْلَاد وَيقدم الابْن على الْأَب وَالْأَخ على الْجد وَلقَائِل أَن يَقُول إِذا لم يدْخل فِي الْأَقَارِب فَكيف يدْخل فِي أقرب الْأَقَارِب مَعَ انْتِفَاء الْمُشَاركَة
مَسْأَلَة

لفظ الْأَكْثَر بالثاء الْمُثَلَّثَة أفعل تَفْضِيل فِي أصل الْوَضع إِذا تقرر هَذَا فَمن فروعه مَا قَالَه القَاضِي شُرَيْح الرَّوْيَانِيّ فِي رَوْضَة الْحُكَّام وزينة الْأَحْكَام لَو قَالَ على أَكثر الدَّرَاهِم يرجع إِلَى بَيَانه قَالَ وَحكى جدي عماد الدّين عَن بعض أَصْحَابنَا أَن عَلَيْهِ عشرَة دَرَاهِم لِأَن نِهَايَة مَا يعبر عَنهُ بِالدَّرَاهِمِ عِنْد الْعدَد عشرَة فَيُقَال ثَلَاثَة دَرَاهِم إِلَى عشرَة دَرَاهِم ثمَّ يُقَال
(1/246)

أحد عشر درهما وَشُرَيْح هَذَا هُوَ بالشين الْمُعْجَمَة وَهُوَ ابْن عَم صَاحب الْبَحْر وَقد اوضحت حَاله فِي كتاب الطَّبَقَات
وَمِنْهَا لَو قَالَ الْمَرِيض أَعْطوهُ كثر مَا لي كَانَت الْوَصِيَّة بِمَا فَوق النّصْف كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ
وَمِنْهَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق أَكثر الطَّلَاق فَإِنَّهَا تطلق ثَلَاثًا كَمَا قَالَه الْأَصْحَاب وَهُوَ يشكل على الفرعين السَّابِقين
وَمِنْهَا لَو قَالَ لفُلَان عَليّ مَال أَكثر من مَال فلَان كَانَ مُبْهما جِنْسا ونوعا وَقدرا حَتَّى يقبل تَفْسِيره بِأَقَلّ مُتَمَوّل وَإِن كثر مَال فلَان وَعلم بِهِ الْمقر وَلَو قَالَ لَهُ عَليّ من الذَّهَب أَكثر من مَال فلَان فالإبهام فِي الْقدر وَالنَّوْع وَلَو قَالَ من صِحَاح الذَّهَب فالإبهام فِي الْقدر وَحده وَلَو قَالَ عَليّ مَال أَكثر مِمَّا شهد بِهِ الشُّهُود على فلَان قبل تَفْسِيره بِأَقَلّ مُتَمَوّل لِأَنَّهُ قد يعتقدهم شُهُود زور ويقصد أَن قَلِيل الْحَلَال أَكثر بركَة من كثير الْحَرَام وَلَو قَالَ أَكثر مِمَّا قضى بِهِ القَاضِي فَهُوَ كَالشَّهَادَةِ على الْأَصَح قَالَه الرَّافِعِيّ
مَسْأَلَة

أول الَّذِي هُوَ نقيض الآخر الصَّحِيح أَن أَصله أوأل على وزن أفعل فقلبت الْهمزَة الثَّانِيَة واوا ثمَّ أدغمت قَالَ الْجَوْهَرِي وَيدل على ذَلِك قَوْلهم
(1/247)

هَذَا أول مِنْك وَيجمع على أَوَائِل وَأُوَالِي يَعْنِي بِالْقَلْبِ وَقَالَ قوم وَزنه فوعل وَأَصله ووأل قلبت الْوَاو الأولى همزَة وَله استعمالان
أَحدهمَا أَن يكون اسْما فَيكون مصروفا وَمِنْه قَوْلهم مَاله أول وَلَا آخر قَالَ فِي الارتشاف وَفِي محفوظي أَن هَذَا يؤنث بِالتَّاءِ وَيصرف أَيْضا فَنَقُول أولة وآخرة بِالتَّنْوِينِ
وَالثَّانِي أَن يكون صفة أَي أفعل تَفْضِيل بِمَعْنى الأسبق فَيعْطى حكم غَيره من صِيغ أفعل التَّفْضِيل كمنع الصّرْف وَعدم تأنيثه بِالتَّاءِ وَدخُول من عَلَيْهِ فَنَقُول هَذَا أول من هذَيْن وَمَا رَأَيْته (مذ أول) من أمس أَي يَوْمًا قبل أمس وَنبهَ الْجَوْهَرِي على فَائِدَة حَسَنَة لم يذكرهَا شَيخنَا فِي كتبه فَقَالَ فَإِن لم تره مُدَّة يَوْمَيْنِ قبل أمس قلت مَا رَأَيْته مذ أول من
(1/248)

أول من أمس قَالَ وَلَا تجَاوز ذَلِك إِذا علمت هَذِه الْمُقدمَة فَمَعْنَى الأول فِي اللُّغَة ابْتِدَاء الشَّيْء ثمَّ قد يكون لَهُ ثَان وَقد لَا يكون كَمَا تَقول هَذَا أول مَال اكتسبته فقد يكْسب بعده شَيْئا وَقد لَا يكْسب ذَلِك ذكره جمَاعَة مِنْهُم الواحدي فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى {إِن أول بَيت وضع للنَّاس} عَن الزّجاج وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى حِكَايَة عَن الْكفَّار المنكرين للبعث {إِن هَؤُلَاءِ ليقولون إِن هِيَ إِلَّا موتتنا الأولى} فَعبر بِالْأولَى وَلَيْسَ لَهُم غَيرهَا
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ إِن كَانَ أول ولد تلدينه ذكرا فَأَنت طَالِق وَنَحْو ذَلِك فَولدت فِي (مثالنا) ذكرا وَلم تَلد غَيره قَالَ الرَّافِعِيّ فِي تَعْلِيق الطَّلَاق قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ اتّفق اصحابنا على وُقُوع الطَّلَاق وَأَنه لَيْسَ من شَرط كَونه أَولا أَن يكون بعده آخر وَإِنَّمَا الشَّرْط أَن لَا يتَقَدَّم غَيره عَلَيْهِ وَفِي التَّتِمَّة وَجه ضَعِيف أَنه لَا يَقع
(1/249)

شَيْء وَأَن الأول يَقْتَضِي آخرا كَمَا أَن الآخر يَقْتَضِي أَولا زَاد فِي الرَّوْضَة فَقَالَ الصَّوَاب مَا نَقله الشَّيْخ أَبُو عَليّ ثمَّ ذكر كَلَام الزّجاج وَالِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ بِالْآيَةِ
وَاعْلَم أَن السَّبق يُخَالف الأولية فِي ذَلِك فَإِذا قَالَ لعبيده من سبق مِنْكُم فَهُوَ حر فَسبق اثْنَان ثمَّ جَاءَ بعدهمَا ثَالِث عتقا فَإِن لم يجىء بعدهمَا أحد لم يعتقا لِأَنَّهُ لَيْسَ فيهمَا سَابق كَذَا ذكره الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر فِي الْبَاب الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ الْمَعْقُود لجامع الايمان
فصل فِي الْمصدر

مَسْأَلَة

الْمصدر المنسبك نَحْو يُعجبنِي صنعك إِن كَانَ بِمَعْنى الْمَاضِي أَو الْحَال فينحل إِلَى مَا وَالْفِعْل نَحْو مَا صنعت أَو تصنع وَإِن كَانَ بِمَعْنى الِاسْتِقْبَال فينحل
(1/250)

إِلَى أَن وَالْفِعْل وَكَذَلِكَ أَن الْمُشَدّدَة مَعَ الْفِعْل وَذكر فِي الارتشاف أَن النُّحَاة فرقوا بَين انطلاقك مثلا وَبَين أَنَّك منطلق أَن الْمصدر لَا دَلِيل فِيهِ على الْوُقُوع وَالتَّحْقِيق وَأَن تدل عَلَيْهِمَا إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ أوصيت لَك بِأَن تسكن هَذِه الدَّار أَو بِأَن يخدمك هَذَا العَبْد فَإِنَّهُ يكون إِبَاحَة لَا تَمْلِيكًا حَتَّى تبطل الْوَصِيَّة بِمَوْت الْمُوصى إِلَيْهِ وَلَا يُؤجر وَفِي الْإِعَارَة وَجْهَان بِخِلَاف مَا لَو أَتَى بِالْمَصْدَرِ المنسبك فَقَالَ بسكناها أَو بخدمته فَإِنَّهُ يكون تَمْلِيكًا كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب الثَّانِي من أَبْوَاب الْوَصِيَّة عَن الْقفال وَغَيره وَلم يُخَالِفهُ
وَمِنْهَا إِذا قَالَ وَكلتك أَن تبيع هَذَا فَلَيْسَ لَهُ التَّوْكِيل فَلَو قَالَ فِي بَيْعه فَفِي جَوَاز التَّوْكِيل نظر وَقِيَاس مَا سبق فِي (الْخدمَة وَالسُّكْنَى) جَوَازه
مَسْأَلَة

قد يحذف الْمصدر وتقام صفته مقَامه كَقَوْل الْقَائِل ضَربته شَدِيدا أَي ضربا شَدِيدا وَهَكَذَا قَلِيلا وَكَثِيرًا وَنَحْو ذَلِك إِذا علمت هَذَا فَمن فروعه إِذا قَالَ لزوجته أَنْت وَاحِدَة وَنوى طَلاقهَا ثَلَاثًا
(1/251)

قُلْنَا فَإِن رفع وَاحِدَة وَقعت الثَّلَاث وَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْت متوحدة عَن الْأزْوَاج أَي مُنْفَرِدَة عَنْهُم والانفراد عَنْهُم يصدق بذلك وَأَن نَصبه وَقعت وَاحِدَة فَقَط وَالْأَصْل أَنْت طَالِق طَلْقَة وَاحِدَة فَحذف الْمصدر وأقيمت صفته مقَامه
فَلَو أوقعنا مَا زَاد لأوقعناه بِالنِّيَّةِ وَإِن جَرّه أَو أَتَى بِهِ سَاكِنا وَقَالَ أردْت الثَّلَاث كَمَا فرضناه أَولا فَإِن فسره بتفسير الْمَرْفُوع أَو الْمَنْصُوب فَحكمه مَا سبق وَإِن جهلنا المُرَاد بِمَوْت أَو غَيره فَالْقِيَاس الْحمل على (الْأَقَل) وَهُوَ الْوَاحِدَة لِأَن صلاحيته للثلاث إِنَّمَا هِيَ على تَقْدِير معنى الرّفْع وَلم يتَحَقَّق وَقد ذكر الرَّافِعِيّ فِي الْكَلَام على قَول الْقَائِل لَهُ كَذَا دِرْهَم بِالسُّكُونِ نَحْو مَا ذَكرْنَاهُ وَمِنْهَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق أقل من طَلْقَتَيْنِ وَأكْثر من طَلْقَة قَالَ القَاضِي الْحُسَيْن فِي تعليقته وَقعت هَذِه الْمَسْأَلَة بنيسابور فَأفْتى فِيهَا الشَّيْخ أَبُو الْمَعَالِي بِوُقُوع طَلْقَتَيْنِ ومدركه ظَاهر وَأفْتى فِيهَا الْفَقِيه أَبُو ابراهيم بِوُقُوع ثَلَاث لِأَنَّهُ لما قَالَ أقل من طَلْقَتَيْنِ كَانَ طَلْقَة وشيئا وَلما قَالَ أَكثر من
(1/252)

طَلْقَة وَقعت أَيْضا طَلْقَتَانِ فَيكون الْمَجْمُوع ثَلَاث طلقات وشيئا فَيَقَع الثَّلَاث قبل فَرجع الشَّيْخ إِلَى قَول الْفَقِيه
قلت وَالصَّوَاب الأول لِأَن قَوْله وَأكْثر من طَلْقَة لَيْسَ بإنشاء طَلَاق بل هُوَ عطف على أقل وَأَقل صفة لمصدر مَحْذُوف هُوَ تَفْسِير للمقدار فَيكون الْمَجْمُوع تَفْسِيرا وَالتَّقْدِير أَنْت طَالِق طَلَاقا أقل من طَلْقَتَيْنِ وَأكْثر من طَلْقَة وَهَذَا الْمَجْمُوع لايزيد على طَلْقَتَيْنِ قطعا وَبِتَقْدِير سلوك مَا سلكه أَبُو إِبْرَاهِيم فَلَا حَاجَة إِلَى أَن يتَكَلَّف فَيحمل الْأَقَل على طَلْقَة وَشَيْء بل نقُول الْمُتَيَقن من ذَلِك وَاحِدَة إِمَّا بِالْوَضْعِ أَو بِالسّرَايَةِ وَقَوله وَأكْثر من طَلْقَة يَقْتَضِي وُقُوع طَلْقَة وَشَيْء فَيكون الْمَجْمُوع طَلْقَتَيْنِ وشيئا وَحِينَئِذٍ فيسري وَيَقَع الثَّلَاث
مَسْأَلَة

يجوز إِيقَاع الْمصدر موقع فعل الْأَمر كَقَوْلِك ضربا زيدا أَي اضْرِب زيدا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {فَإِذا لَقِيتُم الَّذين كفرُوا فَضرب الرّقاب} أَي فاضربوا
(1/253)

رقابهم إِذا تقرر هَذَا فَمن فروع الْمَسْأَلَة أَن يَقُول لزيد مثلا إِذا دخلت الدَّار فإعتاق عَبدِي أَي فاعتقه فَقِيَاس ذَلِك جَوَاز إِعْتَاقه إِيَّاه بعد دُخُوله وَكَذَا مَا أشبهه كَالطَّلَاقِ وَنَحْوه
فصل فِي الظروف

مَسْأَلَة
مَعَ اسْم لمَكَان الاصطحاب أَو وقته على حسب مَا يَلِيق بِالِاسْمِ وحركته حَرَكَة اغراب وَيجوز بِنَاؤُه بِالسُّكُونِ على لُغَة وَلم يحفظها سِيبَوَيْهٍ فَزعم أَنه ضَرُورَة
وأصل مَعَ معي فحذفوا الْيَاء للتَّخْفِيف إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق طَلْقَة مَعَ طَلْقَة أَو مَعهَا طَلْقَة فَإِنَّهَا تطلق طَلْقَتَيْنِ ويقعان مَعًا بِتمَام الْكَلَام وَقيل يقعان متعاقبين وَتظهر فَائِدَة الْخلاف فِي غير الْمَدْخُول بهَا
وَمِنْهَا لَو حلف لَا يخرج من الْبَلَد إِلَّا مَعهَا فَخَرَجَا وَلَكِن تقدم بخطوات فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ
أَحدهمَا لَا يَحْنَث للْعُرْف وَصَححهُ فِي الرَّوْضَة من زوائده
وَالثَّانِي أَنه لَا يبر إِلَّا إِذا خرجا بِلَا تقدم
(1/254)

وَمِنْهَا إِذا قَالَ بِعْ هَذَا العَبْد مَعَ هَذِه الْجَارِيَة قَالَ الْهَرَوِيّ فِي الاشراف يسْأَل فَإِن قَالَ أردْت اجْتِمَاعهمَا فِي صَفْقَة أَو لم أرد ذَلِك بل أردْت أَن العَبْد يُبَاع كَمَا أَن الْجَارِيَة مبيعة فَلَا كَلَام وَإِن لم يرد شَيْئا فَظَاهر مَا قَالَه الْعَبَّادِيّ أَنه مُخَيّر فِي البيع بَين تفريقهما واجتماعهما لِأَنَّهُ أَكثر فَائِدَة فَكَانَ حمل الْكَلَام عَلَيْهِ أولى
قَالَ الْهَرَوِيّ وَقد أَشرت إِلَى احْتِمَال وَجه أَنه يشْتَرط اجْتِمَاعهمَا لِأَنَّهُ الظَّاهِر من لفظ مَعَ وَلِأَن عَادَة التُّجَّار يضمون الرَّدِيء إِلَى الْجيد ويبيعونه بيعَة وَاحِدَة
وَمِنْهَا إِذا قَالَ لامْرَأَته زَنَيْت مَعَ فلَان فَإِنَّهُ يكون قذفا صَرِيحًا فِي حَقّهَا دونه كَذَا قَالَ الرَّافِعِيّ فِي أَوَائِل اللّعان وَفِيه نظر لما سبق
وَمِنْهَا إِذا قَالَ بِعْتُك هَذِه الدَّابَّة وَحملهَا فَإِن البيع يبطل فِي الْأَصَح لِأَن بيع الْحمل لَا يجوز وَمَا لَا يجوز بَيْعه وَحده لَا يجوز بَيْعه مَقْصُودا مَعَ غَيره
وَالثَّانِي لَا وَنَقله فِي الْبَيَان عَن الْأَكْثَرين كَمَا لَو قَالَ بِعْتُك الْجِدَار وأساسه إِذا تقرر هَذَا فَلَو أَتَى بمع فَتكون كالواو كَذَا جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فِي أثْنَاء الْأَمْثِلَة وَلَا ذكر للمسألة فِي الرَّافِعِيّ وَلَا فِي الرَّوْضَة نعم صرحا بِالْبَاء وألحقاها بِالْوَاو وَلَو قيل بِالصِّحَّةِ فِيهَا لم يبعد لِأَنَّهَا
(1/255)

للْحَال وَالتَّقْدِير ملتبسة بحملها وَإِن وَصفه بِهِ لَا يقْدَح وَالْحَال كالصفة وَمِنْهَا إِذا طلق امْرَأَة أَولا بِعَينهَا وأمرناه بالتبيين فَقَالَ أردْت هَذِه وَاقْتصر عَلَيْهَا فَلَا كَلَام فَإِن قَالَ أردْت هَذِه بل هَذِه أَو هَذِه أَو هَذِه مَعَ هَذِه أَو كرر هَذِه وَأَشَارَ إِلَيْهِمَا حكمنَا بطلاقهما مَعًا كَذَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَلقَائِل أَن يَقُول لَا يلْزم من الصُّحْبَة الزمانية أَو المكانية أَن يحكم عَلَيْهِ بالحكم الْمُتَقَدّم كَمَا لَو قَالَ ضربت زيدا فِي وَقت اجتماعه بِعَمْرو أَو مَكَان اجتماعه بِهِ
وَمِنْهَا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ دِرْهَم مَعَ دِرْهَم لزمَه دِرْهَم وَاحِد لِأَنَّهُ قد يُرِيد مَعَ دِرْهَم لي كَذَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْإِقْرَار لكنه ذكر قبله فرعا يُخَالِفهُ أوضحته فِي الْمُهِمَّات
وَمِنْهَا إِذا قَالَ إِن كلمت زيدا وعمرا وَبكر مَعَ عَمْرو فَأَنت طَالِق فَلَا بُد من كَلَام زيد وَعَمْرو وَالأَصَح كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ اشْتِرَاط كَون بكر مَعَ عَمْرو وَقت تكليمه قَالَ كَمَا لَو قَالَ وَإِن كلمت فلَانا وَهُوَ رَاكب
مَسْأَلَة

إِذا قطعت مَعَ عَن الْإِضَافَة فَإِنَّهَا تنون وَحِينَئِذٍ فتساوي جَمِيعًا فِي الْمَعْنى كَذَا قَالَ ابْن مَالك فِي التسهيل فِي بَاب الْمَفْعُول فِيهِ قَالَ فِي
(1/256)

الارتشاف وَمَعْنَاهُ انها لَا تدل على الِاتِّحَاد فِي الْوَقْت بل مَعْنَاهَا التَّأْكِيد خَاصَّة كَقَوْلِك كِلَاهُمَا وكلتاهما وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا قَالَ ابْن مَالك فقد ذكر احْمَد بن يحيى أَنَّهَا تدل على الِاتِّحَاد فِي الْوَقْت كَمَا فِي حَال الْإِضَافَة بِخِلَاف قَوْلنَا جَمِيعًا انْتهى كَلَامه وَيدل على مَا قَالَه شَيخنَا قَول متمم بن نُوَيْرَة يرثي أَخَاهُ مَالِكًا ... فَلَمَّا تفرقنا كَأَنِّي ومالكا ... لطول اجْتِمَاع لم نبت لَيْلَة مَعًا ... وَكَذَلِكَ قَول امرىء الْقَيْس فِي وصف الْفرس ... مكر مفر مقبل مُدبر مَعًا ... كجلمود صَخْر حطه السَّيْل من عل ...
فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الِاتِّحَاد فِي الْوَقْت بِلَا شكّ وَلَكِن على سَبِيل الْمُبَالغَة وَلَا يَسْتَقِيم فِيهِ وَفِي الْبَيْت قبله غَيره وَقد صرح بذلك أَيْضا ثَعْلَب وَكَذَا
(1/257)

ابْن خالويه فِي شرح الدريدية فَإِنَّهُ ذكر بَيت امرىء الْقَيْس ثمَّ قَالَ أَن هَذَا الْوَصْف بالمعية من الْوَصْف بالمستحيل إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ لامرأتيه إِن ولدتما مَعًا أَو دخلتما وَنَحْو ذَلِك فأنتما طالقتان أَو قَالَ لعبديه فأنتما حران وَالْمَنْقُول فِيهِ عندنَا أَن الاقتران فِي الزَّمَان لَا يشْتَرط كَذَا نَقله ابْن الرّفْعَة فِي أَبْوَاب الْعتْق من شرح الْوَسِيط عَن الشَّافِعِي وَنَقله أَيْضا الْقَمُولِيّ عَنهُ أَي عَن الشَّافِعِي فِي ضمن مَسْأَلَة من بَاب التَّدْبِير وَإِذا كَانَ مُجَرّد كَلَامه فِي مخاطباته حجَّة فِي اللُّغَة كَمَا سبق فِي خطْبَة الْكتاب فتصريحه بذلك أولى وَاعْلَم أَن كَلَام شَيخنَا يَقْتَضِي الِاتِّفَاق على أَن جَمِيعًا وَهُوَ الْوَاقِع حَالا غير دَال على الْمَعِيَّة وَكَأَنَّهُ أَخذه من وُقُوع هَذِه الْمَادَّة فِي التَّأْكِيد كَقَوْلِهِم جَاءَ الْقَوْم أَجْمَعُونَ فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِيه على الصَّحِيح كَمَا ستعرفه فِي بَابه وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامه مَرْدُود اسْتِعْمَالا وَمعنى أما الِاسْتِعْمَال فَقَوله تَعَالَى {لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا} أَو {أشتاتا} أَي مُجْتَمعين أَو مُتَفَرّقين وَأما الْمَعْنى فلَان الْحَال مُقَيّدَة لِلْعَامِلِ فَإِذا قلت جَاءَ الْقَوْم جَمِيعًا اقْتضى ذَلِك تَقْيِيد الْمَجِيء بِوَصْف الجمعية وَهُوَ معنى الِاتِّحَاد فِي الْوَقْت وَلَيْسَ فِي كَلَام التسهيل أَيْضا مَا يدل على أَن جَمِيعًا لَيْسَ للمعية
(1/258)

مَسْأَلَة

أَيَّام الْأُسْبُوع أَولهَا الْأَحَد عِنْد أهل اللُّغَة فَإِنَّهُم قَالُوا سمي الْأَحَد بذلك لِأَنَّهُ أول أَيَّامه وَسمي الَّذِي بعده الْإِثْنَيْنِ لِأَنَّهُ ثَانِي الْأُسْبُوع ثمَّ الثُّلَاثَاء لِأَنَّهُ ثالثه وَهَكَذَا الْأَرْبَعَاء وَالْخَمِيس وَاخْتلف النَّقْل فِيهِ عندنَا وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ تَعْلِيق الطَّلَاق وَالْعِتْق وَغير ذَلِك فَذكر النَّوَوِيّ فِي كتاب لُغَات التَّنْبِيه وَفِي بَاب صَوْم التَّطَوُّع من شرح الْمُهَذّب فِي الْكَلَام على اسْتِحْبَاب صَوْم الأثانين مثل مَا ذكر أهل اللُّغَة وَجزم الرَّافِعِيّ وَتَبعهُ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَة بِأَن أَوله السبت ذكر ذَلِك فِي بَاب النّذر فَقَالَ وَلَو عين يَوْمًا من أُسْبُوع والتبس عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَن يَصُوم يَوْم الْجُمُعَة لِأَنَّهُ آخر الْأُسْبُوع فَإِن لم يكن هُوَ الْمعِين أجزاه وَكَانَ فضاء هَذِه عِبَارَته وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّوَاب فقد روى مُسلم فِي صَحِيحه فِي الرّبع الْأَخير من الْكتاب عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ أَخذ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بيَدي فَقَالَ خلق الله الْبَريَّة يَوْم السبت وَخلق الْجبَال فِيهَا يَوْم الْأَحَد وَخلق الشّجر فِيهَا يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَخلق الْمَكْرُوه يَوْم الثُّلَاثَاء وَخلق النُّور يَوْم الْأَرْبَعَاء وَبث فِيهَا الدَّوَابّ يَوْم الْخَمِيس وَخلق الله آدم بعد الْعَصْر يَوْم الْجُمُعَة فِي آخر الْخلق فِي آخر سَاعَة من سَاعَات الْجُمُعَة فِيمَا بَين الْعَصْر إِلَى اللَّيْل هَذَا لفظ رِوَايَة مُسلم
(1/259)

وَفِي الصَّحِيح أَيْضا فِي حَدِيث الْأَعرَابِي الَّذِي قَالَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يخْطب فَادع الله عز وَجل أَن يسقينا الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ فِي آخِره فوَاللَّه مَا رَأينَا الشَّمْس سبتا أَي جُمُعَة فَعبر بِأول أَيَّامهَا على أَنه روى أَيْضا سِتا أَي اسْم الْعدَد الَّذِي بَين الْخمس والسبع وَكَذَلِكَ قَول الشَّاعِر ... ألم تَرَ أَن الدَّهْر يَوْمًا وَلَيْلَة ... يكران من سبت عَلَيْك إِلَى سبت ...
(1/260)

وَاعْلَم أَنَّك إِذا أردْت ضبط تَرْتِيب الْمَخْلُوقَات الْوَاقِعَة فِي الحَدِيث فأت بِكَلَام تكون حُرُوفه مرتبَة على تَرْتِيب أوائلها وَحِينَئِذٍ يسهل استحضاره فَقل تجشم بدا
مَسْأَلَة

الْأَشْهر الْحرم أَرْبَعَة قَالَ الله تَعَالَى {مِنْهَا أَرْبَعَة حرم} وَقد اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة عَددهَا كَمَا قَالَه الإِمَام أَبُو جَعْفَر النّحاس وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة اخْتِلَاف فِي أَولهَا قَالَ فَالصَّحِيح الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْجُمْهُور وَمِنْهُم أهل الْمَدِينَة وَجَاءَت بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة أَنه يُقَال ذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم وَرَجَب فيعدها ثَلَاثَة سردا وواحدا فَردا
وَذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى الِابْتِدَاء بالمحرم وَأنكر قوم الأول بِالْكُلِّيَّةِ قَالَ النّحاس وَهَذَا غلط بَين وَجَهل باللغة انْتهى كَلَامه وَنَقله عَنهُ النَّوَوِيّ فِي تَحْرِير التَّنْبِيه وَغَيره وفائد الْخلاف فِي النذور والآجال والتعاليق فَإِذا قَالَ وَهُوَ فِي شَوَّال مثلا أَنْت طَالِق فِي أول الْأَشْهر الْحرم طلقت بِدُخُول ذِي الْقعدَة على
(1/261)

الأول وبدخول الْمحرم على الثَّانِي فَإِن كَانَ فِي أثْنَاء ذِي الْقعدَة وَقُلْنَا بِالْأولِ وَقع الطَّلَاق عقيب اللَّفْظ كَمَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق فِي رَمَضَان وَهُوَ فِيهِ فَإِن قَيده أَيْضا بِأول الشَّهْر فَقَالَ فِي أول الشَّهْر الَّذِي هُوَ أول الْأَشْهر الْحرم انتظرنا مَجِيء أَوله وَفِي مَعْنَاهُ مَا لَو كرر أول مرَّتَيْنِ فتفطن لَهُ
مَسْأَلَة

لفظ قبل الَّذِي هُوَ نقيض بعد مَدْلُوله التَّقَدُّم فِي الزَّمَان فَإِذا قُلْنَا حصل كَذَا قبل كَذَا قبل كَذَا فَهَل يَسْتَدْعِي وجودهما أم لَا هُوَ قريب من لفظ الأول وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الْفَصْل الْمَعْقُود للمشتقات لَكِن صرح الرَّافِعِيّ فِي هَذِه الْكَلِمَة بِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْوُجُود وَمن فروعه مَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق قبل أَن تدخلي الدَّار أَو قبل أخبربك وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يقطع بِوُجُودِهِ قَالَ اسماعيل البوشنجي يحْتَمل وَجْهَيْن
أَحدهمَا وُقُوع الطَّلَاق فِي الْحَال كَقَوْلِه قبل موتِي وأصحهما لَا يَقع حَتَّى يُوجد ذَلِك الشَّيْء فَحِينَئِذٍ يَقع الطَّلَاق مُسْتَندا إِلَى حَال اللَّفْظ لِأَن الصِّيغَة تَقْتَضِي وجوده كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي تَعْلِيق الطَّلَاق فعلى هَذَا إِذا قَالَ من دخلت مِنْكُن قبل صاحبتها فَدخلت وَاحِدَة قبل دُخُول الْبَاقِيَات لم تطلق الْآن بِخِلَاف صِيغَة الأولى
(1/262)

مَسْأَلَة

صِيغَة بعد ظرف زمَان تدل على تَأَخّر مَا قبلهَا عَمَّا بعْدهَا فَإِذا قَالَ مثلا وَالله لَأَضرِبَن زيدا بعد عَمْرو لم يبر إِلَّا بِضَرْب عَمْرو ثمَّ زيد وَهَكَذَا فِي التَّوْكِيل فِي التَّصَرُّفَات وَنَحْو ذَلِك أذا علمت مَا ذَكرْنَاهُ فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ وقفت على أَوْلَادِي وَأَوْلَاد أَوْلَادِي بَطنا بعد بطن فَإِنَّهَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب لما ذَكرْنَاهُ وَقد صرح بِهِ كَذَلِك الْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي وَالْإِمَام فِي النِّهَايَة وَالْغَزالِيّ وَالْقَاضِي حُسَيْن فِي فَتَاوِيهِ وَصَاحب الذَّخَائِر وَصَححهُ صَاحب التَّعْجِيز وَهُوَ الْمَذْكُور فِي فَتَاوَى الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن رزين وَنَقله الرَّافِعِيّ عَن الرَّوْيَانِيّ وَبَعض أَصْحَاب الإِمَام وَذهب الْعَبَّادِيّ والنوراني وَالْبَغوِيّ إِلَى عدم التَّرْتِيب وَصَححهُ الرَّافِعِيّ تقليدا لِلْبَغوِيِّ ثمَّ النَّوَوِيّ تقليدا للرافعي وَهُوَ بَاطِل بحثا لما ذَكرْنَاهُ فَإِن صِيغَة بعد فِي اقْتِضَاء التَّرْتِيب أصرح من ثمَّ وَالْفَاء ونقلا أَيْضا فَإِن غَالب من تكلم على الْمَسْأَلَة أجَاب بِأَنَّهُ للتَّرْتِيب وَلَا شكّ أَن الرَّافِعِيّ لم يمعن النّظر فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَيدل
(1/263)

عَلَيْهِ أَنه لم يَنْقُلهُ عَن الإِمَام بل عَن بعض أَصْحَابه مَعَ أَنه مَقْطُوع بِهِ فِي كَلَام الإِمَام نَفسه نعم إِذا اقْتصر على قَوْله وقفته على أَوْلَادِي بَطنا بعد بطن وَلم يذكر أَوْلَاد الْأَوْلَاد فَيحْتَمل أَن يدْخل فِيهِ الْبُطُون كلهَا وَيحْتَمل عدم دُخُولهمْ وأ يكون المُرَاد بِمَا هُوَ يحدث من أَوْلَاد أَوْلَاده وَسَماهُ بَطنا فَإِن كَانَ حَيا فَيتَّجه الرُّجُوع إِلَيْهِ
مَسْأَلَة

إِذْ ظرف للْوَقْت الْمَاضِي من الزَّمَان لَازم للنصب على الظرفيه وَالْإِضَافَة إِلَى جملَة ملفوظ بهَا أَو مقدرَة وَأَجَازَ الْأَخْفَش والزجاج نَصبه على المفعولية وتبعهما أَكثر المعربين وَجعلُوا من قَوْله تَعَالَى {واذْكُرُوا إِذْ أَنْتُم} وقدروا لفظ اذْكروا حَيْثُ وَقع
وَذكر ابْن مَالك أَنَّهَا تجيىء حرفا للتَّعْلِيل وَنسبه بَعضهم لسيبويه وَجعل مِنْهُ قَوْله تَعَالَى {وَإِذ لم يهتدوا بِهِ فسيقولون هَذَا إفْك قديم} إِذا علمت
(1/264)

ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق إِذْ قَامَ زيد أَو إِذْ فعلت كَذَا فَيَقَع عَلَيْهِ الطَّلَاق وَإِذ للتَّعْلِيل مَعْنَاهُ لأجل الْقيام وَالْفِعْل
قَالَ الرَّافِعِيّ وَيُمكن أَن يكون الحكم فِيهِ على التَّفْصِيل فِي أَن الْمَفْتُوحَة بَين من يعرف النَّحْو وَبَين غَيره
وَنقل ابْن الرّفْعَة عَن صَاحب الذَّخَائِر أَن الشَّيْخ أَبَا اسحق الشِّيرَازِيّ قَالَ بذلك أَي بِمَا جاوله الرَّافِعِيّ
مَسْأَلَة

هَل تقع إِذْ موقع إِذا فَتكون للمستقبل وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ فِيهِ مذهبان حَكَاهُمَا فِي الارتشاف فِي الْكَلَام عَليّ إِذا وَقَالَ أصَحهمَا الْمَنْع وَجوزهُ بَعضهم لقَوْله تَعَالَى {وَإِذ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس}
(1/265)

الْآيَة وَفِي البُخَارِيّ فِي حَدِيث ورقة بن نَوْفَل لَيْتَني أكون حَيا إِذْ يخْرجك قَوْمك فَقَالَ أَو مخرجي هم قَالَه ابْن مَالك فِي كَلَامه على أَحَادِيث البُخَارِيّ وَفِيه دَلِيل على اسْتِعْمَال إِذْ للزمان الْمُسْتَقْبل وَلم يذكرهُ أَكثر النُّحَاة قلت قد سبق قَوْله عَن الارتشاف إِذا علمت ذَلِك فيتفرع على الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق إِذْ قَامَ زيد وَادّعى إِرَادَة ذَلِك أَو لم يَدعه وجهلنا الْحَال وَلَا يبعد التَّفْصِيل بَين الْعَارِف وَالْجَاهِل كَمَا سبق
مَسْأَلَة

إِذا ظرف للمستقبل من الزَّمَان وَفِيه معنى الشَّرْط غَالِبا وَقد يَقع للماضي وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِين كفرُوا وَقَالُوا لإخوانهم إِذا ضربوا فِي الأَرْض} وَقد لَا يكون فِيهَا معنى الشَّرْط كَقَوْلِه تَعَالَى {وَاللَّيْل إِذا يغشى وَالنَّهَار إِذا تجلى} أَي وَقت
(1/266)

(تغشيه وتجليه) وَإِذا دلّت على الشَّرْط فَلَا تدل على التّكْرَار على الصَّحِيح فِي الارتشاف وَغَيره وَقيل تدل عَلَيْهِ ككلما وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور
إِذا علمت ذَلِك فينبني على الْمَسْأَلَة الْإِيمَان والتعاليق وَالنُّذُور قإذا قَالَ لزوجته مثلا إِذا قُمْت فَأَنت طَالِق فَقَامَتْ ثمَّ قَامَت أَيْضا فِي الْعدة ثَانِيًا وثالثا فَإِنَّهُ لَا يَقع بهما شَيْء كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي أَوَائِل تَعْلِيق الطَّلَاق وَكَذَا لَو علق بمتى أم مَتى مَا وَقيل إنَّهُمَا للتكرار وَقيل مَتى مَا تَقْتَضِيه دون مَتى وَأعَاد الرَّافِعِيّ الْخلاف فِي كتاب الْأَيْمَان فِي آخر النَّوْع الرَّابِع وَزَاد فَقَالَ (وَفِي الرقم) للعبادي إِلْحَاق مَتى مَا وَمهما بكلما وَهُوَ خلاف النَّص
مَسْأَلَة

كَمَا لَا تدل إِذا على التّكْرَار لَا تدل أَيْضا على الْعُمُوم على الصَّحِيح فِي بَاب الجوازم من الارتشاف وَقيل تدل عَلَيْهِ وَمن فروع الْمَسْأَلَة أَن يكون لَهُ عبيد وَنسَاء فَيَقُول إِذا طلقت امْرَأَة فعبد من عَبِيدِي حر فَطلق أَرْبعا بالتوالي أَو الْمَعِيَّة فَلَا يعْتق إِلَّا عبد وَاحِد وتنحل الْيَمين كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي الْكَلَام على التَّعْلِيق بالتطليق
(1/267)

مَسْأَلَة

حَيْثُ كَانَت إِذا للشّرط فَلَا يلْزم اتِّفَاق زمَان شَرطهَا وجزائها بِخِلَاف مَتى فَإِنَّهُ يشْتَرط فِيهَا ذَلِك فَيصح أَن تَقول إِذا زرتني الْيَوْم زرتك غَدا وَلَا يَصح ذَلِك فِي مَتى كَذَا جزم بِهِ فِي الارتشاف وَغَيره فَأَما مَا قَالُوهُ فِي إِذا فَوَافَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَاب فجوزوا فِيهِ تقدم جوابها ومقارنته وتأخره فَتَقول إِذا جَاءَ زيداليوم فَأَنت طَالِق غَدا وَإِن شِئْت عكست أَو أطلقت فَأَما الَّذِي ذَكرُوهُ فِي مَتى فَكَلَام ألأصحاب لَا يساعده وَسَببه أَنه تَعْلِيق على مُمكن وَالْخَطَأ فِي الْإِعْرَاب إِذا كَانَ الْمَعْنى مفهوما منتظما للسامع غير قَادِح
مَسْأَلَة

تَقول صمت رَمَضَان وقمته وَنَحْو ذَلِك وَإِن شِئْت أضفت إِلَيْهِ شهرا فَتَقول قُمْت شهر رَمَضَان أَو صمته وَكَلَام سِيبَوَيْهٍ يَقْتَضِي جَوَاز إِضَافَة الشَّهْر إِلَى سَائِر أَعْلَام الشُّهُور وَخص بَعضهم ذَلِك برمضان والربيعين وَضَبطه بِكُل شهر فِي أَوله رَاء إِلَّا رَجَب إِذا علمت هَذَا فللمسألة ثَلَاثَة أَحْوَال
أَحدهَا أَن يَأْتِي بِالِاسْمِ وَحده فَيَقُول صمت رَمَضَان أَو (سرته) وَنَحْو ذَلِك فَيكون الْعَمَل فِي جَمِيعه على حسب مَا يقبله فَإِن الصَّوْم والآذان مثلا وَنَحْوهمَا إِنَّمَا يكون فِي أَوْقَات خَاصَّة
الْحَال الثَّانِي أَن يَأْتِي بالشهر وَحده فَيَقُول صمت شهرا فَإِن الْفِعْل يعم الْحَال
(1/268)

الْحَال الثَّالِث أَن يجمع بَينهمَا فَيَقُول مثلا صمت شهررمضان فَيجوز أَن يكون الْعَمَل فِي جَمِيعه وَأَن يكون فِي بعضه هَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور وَذهب الزّجاج إِلَى أَنه لَا فرق بَينهمَا بل كل مِنْهُمَا يحْتَمل التَّبْعِيض والتعميم وَلَو قَالَ صمت الشَّهْر الَّذِي تعلمه وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ يعم أَيْضا خلافًا لِابْنِ خروف إِذا تقرر هَذَا فيتفرع على ذَلِك مَا إِذا قَالَ لله عَليّ أَن أَصوم رَمَضَان أَو شهرا أَو أعتكفه أَو شهر كَذَا أَو سنة كَذَا وَنَحْوه كَيَوْم أَو يَوْم كَذَا فَيلْزمهُ اسْتِيعَاب جَمِيعه وَجزم الرَّافِعِيّ بِبَعْض ذَلِك فِي كتاب الِاعْتِكَاف وببعضه فِي كتاب النذور وَذكره الرَّافِعِيّ فِي آخر تَعْلِيق الطَّلَاق فَقَالَ لَو حلف بِالطَّلَاق لَا يساكنه شهر رَمَضَان فَقَالَ اسماعيل البوشنجي تَعْلِيق الْحِنْث بمساكنة جَمِيع الشَّهْر وَبِه قَالَ الشَّاشِي صَاحب الْحِلْية وَعَن مُحَمَّد بن الْحسن أَنه يَحْنَث (بمساكنة سَاعَة مِنْهُ) كَمَا لَو حلف لَا يكلمهُ شهر رَمَضَان هَذَا كَلَام الرَّافِعِيّ وتحرف (على النَّوَوِيّ
(1/269)

فِي الرَّوْضَة مُحَمَّد بن الْحسن لمُحَمد بن يحيى فاعلمه وَحِينَئِذٍ فَلَا خلاف عندنَا على خلاف مَا فِي الرَّوْضَة وَاعْلَم أَنه يتلخص فِي الْمَسْأَلَة أَرْبَعَة أَقسَام فَإِن الْمصدر إِن كَانَ منسبكا فَأَما أَن يكون مَعَه فِي كَقَوْلِه اعْتِكَاف فِي رَمَضَان أم لَا كَقَوْلِه اعْتِكَاف رَمَضَان وان كَانَ منحلا كَقَوْلِه لله عَليّ أَن أعتكف فَهُوَ على قسمَيْنِ أَيْضا وَالْمُتَّجه فِي المنسبك المقترن (بفي) عدم وجوب التَّعْمِيم لَا سِيمَا إِن كَانَ منونا
مَسْأَلَة

إِذا علقت (بِعلم من أَعْلَام) الْأَيَّام كالسبت فَيجوز أَن يكون (الْعَمَل) فِي جَمِيعه أَو فِي بعضه سَوَاء أضيف إِلَيْهِ يَوْم أَو لم يضف حَتَّى يجوز أَن تَقول مَاتَ زيد الْخَمِيس أَو يَوْم الْخَمِيس وَكَذَا سَار وَصَامَ
وَقَالَ ابْن خروف إِنَّهَا كأعلام الشُّهُور فَيَأْتِي فِيهَا مَا سبق فَإِذا قلت مثلا سرت السبت أَي بِلَا يَوْم فَإِن الْعَمَل لَا بُد ان يكون فِي جَمِيعه (حَتَّى) يمْتَنع أَن تَقول مَاتَ زيد السبت وَكَذَا قدم وَنَحْوهمَا مِمَّا لَا
(1/270)

يَمْتَد وفصول السّنة هِيَ الصَّيف والخريف والشتاء وَالربيع يجوز أَن يكون الْعَمَل فِي الْجَمِيع أَو (فِي) الْبَعْض حَتَّى يصلح أَن يكون جَوَابا لمتى وجوابا لكم وَأَن تَقول انْطَلَقت الصَّيف كَمَا تَقول سرته إِذا تقرر هَذَا فقد أجَاب الرَّافِعِيّ وغره بالتعميم ذكرُوا ذَلِك فِي مَوَاضِع من كتاب الِاعْتِكَاف وَالنّذر نعم لَو صرح بفي فَيتَّجه (عدم وجوب التَّعْمِيم كَمَا سبق)
مَسْأَلَة

غرَّة الشَّهْر تطلق إِلَى انْقِضَاء ثَلَاثَة أَيَّام من أَوله بِخِلَاف المفتتح فَإِنَّهُ إِلَى انْقِضَاء الْيَوْم الأول وَاخْتلفُوا فِي الْهلَال فَقيل إِنَّه كالغرة فَلَا يُطلق إِلَّا على الثَّلَاثَة الْأَوَائِل وَأما بعد ذَلِك فيسمى قمرا وَمِنْهُم من خصّه بِأول يَوْم فَإِن خَفِي فَفِي الثَّانِي وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح كَمَا قَالَ فِي الارتشاف
وَحكى اللغويون قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا الشَّيْخ أَبُو اسحق فِي الْمُهَذّب أَحدهمَا أَن هَذَا الِاسْم يُطلق عَلَيْهِ إِلَى أَن يستدير فَإِذا اسْتَدَارَ أطلق عَلَيْهِ الْقَمَر
وَالثَّانِي إِلَى أَن يشْتَد ضوءه إِذا علمت هَذَا الْخلاف فيتخرج عَلَيْهِ تعاليف الطَّلَاق وَالْعِتْق وَغير ذَلِك فَإِذا قَالَ مثلا أَنْت طَالِق فِي غرَّة الشَّهْر الغلاني فَإِنَّهَا تطلق كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ بِأول جُزْء من الشَّهْر لِأَن
(1/271)

الظرفيه قد تحققت قَالَ فَلَو قَالَ أردْت بالغرة الْيَوْم الثَّانِي أَو الثَّالِث دين لِأَن هَذِه الثَّلَاثَة هَذِه تسمى غررا وَلَا يقبل ظَاهرا وَقيل يقبل فَلَو قَالَ أردْت بِهِ غير الثَّلَاثَة الْأَوَائِل لم يدين لِأَن الْغرَّة (ضَامِن) بهَا وَلَو قَالَ فِي رَأس الشَّهْر فَحكمه حكم الْغرَّة هَذَا كَلَامه
مَسْأَلَة

سلخ الشَّهْر وانسلاخه ومنسلخه بِضَم الْمِيم وَفتح السِّين وَاللَّام وَهُوَ الْيَوْم الْأَخير وَأما اللَّيْلَة الْأَخِيرَة فتسمى دأداء بدالين مهملتين بَينهمَا همزَة سَاكِنة وبعدهما (ألف ثمَّ) همزَة وَجَمعهَا دآدىء فَإِذا علمت ذَلِك فينبني على الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق فِي سلخ الشَّهْر وَفِيه أوجه أَحدهَا وَرجحه فِي الرَّوْضَة من زوائده تطلق فِي آخر جزة من الشَّهْر
وَالثَّانِي فِي أول الْيَوْم الآخير وَهَذَا هُوَ الْمُوَافق لما سبق نَقله عَن النُّحَاة
(1/272)

وَالثَّالِث بِمَعْنى أول جُزْء من الشَّهْر فَإِن الانسلاخ يَأْخُذ من حِينَئِذٍ وَقَالَ الإِمَام اسْم السلخ يَقع على الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة من الشَّهْر كَمَا سبق فِي الْغرَّة فَيحْتَمل أَن يَقع فِي أول جُزْء من الثَّلَاثَة
مَسْأَلَة

تقع أَيْن للأمكنة شرطا واستفهاما (وَمَتى) وأيان للأزمنة فيهمَا أَيْضا وَكسر (همز) أَيَّانَ لُغَة سليم وَلَا يستفهم بهَا إِلَّا عَن الْمُسْتَقْبل وَبِه جَاءَ الْقُرْآن كَقَوْلِه تَعَالَى {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يبعثون} وَأما أَنى بتَشْديد النُّون وبالألف بعْدهَا فَتكون شرطا فِي الْأَمْكِنَة بِمَعْنى أَيْن وَتَكون أَيْضا استفهاما بِمَعْنى ثَلَاث كَلِمَات وَهِي مَتى وَأَيْنَ وَكَيف قَالَ فِي الارتشاف إِلَّا أَنَّهَا بِمَعْنى من أَيْن أَعنِي بِزِيَادَة الْحَرْف الدَّال على ابْتِدَاء غَايَة حُصُوله لَا بِمَعْنى أَيْن وَحدهَا أَلا ترى (أَن) مَرْيَم عَلَيْهَا السَّلَام لما قيل لَهَا {أَنى لَك هَذَا} أجابت بقولِهَا {هُوَ من عِنْد الله} وَلم تقل هُوَ عِنْد الله بل (لَو أجابت بِهِ) لم يحصل الْمَقْصُود
(1/273)

إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ مثلا وَالله ليَقُولن لي أَنى يُرِيد فَقِيَاس قاعدتنا أَنه إِذا أَرَادَ شَيْئا معينا من الثَّلَاثَة الْمُتَقَدّمَة تعين وَإِن لم يرد ذَلِك فَإِن قُلْنَا الْمُشْتَرك يحمل على جَمِيع مَعَانِيه فَلَا بُد من الثَّلَاثَة وَإِلَّا فَيخرج عَن الْعهْدَة بِذكر وَاحِد وَيحْتَمل الْخُرُوج بِوَاحِد مُطلقًا كَمَا لَو قَالَ إِن رَأَيْت عينا فَأَنت حر فَإِنَّهُ يعْتق بِالْوَاحِدِ مِمَّا يُسمى عينا كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي كتاب التَّدْبِير
مَسْأَلَة

الْوسط بِسُكُون السِّين ظرف مَكَان فَتَقول زيد وسط الْقَوْم وَأما مفتوحها فَهُوَ اسْم تَقول طعنت أَو ضربت وَسطه (والكوفيون لَا يفرقون بَينهمَا ويجعلونهما ظرفين) وَفرق ثَعْلَب وَغَيره فَقَالُوا مَا كَانَت أجزاؤه تنفصل بَعْضهَا من بعض كالقوم قلت فِيهِ وسط بِالسُّكُونِ وَمَا كَانَ لَا ينْفَصل كَالدَّارِ فَهُوَ بِالْفَتْح إِذا علمت ذَلِك
(1/274)

فَإِذا أجل المَال فِي البيع أَو السّلم أَو غَيرهمَا بوسط السّنة هَل هُوَ مَجْهُول أَو يحمل على نصفهَا لِأَنَّهُ الْوسط الْحَقِيقِيّ فِيهِ وَجْهَان حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ من غير تَرْجِيح فِي بَاب الْكِتَابَة وَيُقَاس بِهِ الْأَيْمَان وَغَيرهَا حَتَّى لَو حلف ليجلسن وسط الْجَمَاعَة فَإِن كَانَ عَددهمْ زوجا فَفِيهِ مَا سبق وَإِن كَانَ فَردا فَيكون شَبِيها بِمَا إِذا حلف ليشربن مَاء الْإِدَاوَة وَلَا مَاء فِيهَا وَقَول الْأَصْحَاب أَن إِمَام العراة يقف وَسطهمْ مِمَّا نَحن فِيهِ لَا سِيمَا أَن الْوسط الْحَقِيقِيّ للْإِمَام أولى فَإِن فِيهِ تَسْوِيَة بَين الْجَمِيع إِلَّا أَن يكون المُرَاد بَينهم وَقد سبق الْكَلَام على لفظ الْأَوْسَط فِي الْكَلَام على أَن الْمحلى بأل هَل يُفِيد الْعُمُوم أم لَا فَرَاجعه فَإِنَّهُ مُهِمّ
فصل فِي أَلْفَاظ مُتَفَرِّقَة

مَسْأَلَة

اتّفق النُّحَاة على أَن أصل غير هُوَ الصّفة وَأَن الِاسْتِثْنَاء بهَا عَارض بِخِلَاف إِلَّا فَإِنَّهَا بِالْعَكْسِ وَيشْتَرط فِيهَا أَي فِي غير أَن يكون مَا قبلهَا ينْطَلق على مَا بعْدهَا فَتَقول مَرَرْت بِرَجُل غير عَاقل وَلَا يجوز أَن تَقول مَرَرْت بِرَجُل غير امْرَأَة وَلَا رَأَيْت طَويلا غير قصير بِخِلَاف لَا النافية فَإِنَّهَا بِالْعَكْسِ
(1/275)

نعم إِن كَانَا علمين جَازَ الْعَطف بِلَا النافية وَبِغير إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة كَون غير (أَصْلهَا) للصفة مَا إِذا قَالَ لَهُ (عَليّ) دِرْهَم غير دانق فَقَالَت النُّحَاة إِن رفع غيرا فَعَلَيهِ دِرْهَم تَامّ لِأَنَّهُ صفة وَالْمعْنَى دِرْهَم لَا دانق وَإِن نصب فَقَالَ الْفَارِسِي أَنه مَنْصُوب على الْحَال وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك وَنَقله عَن ظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ فعلى هَذَا يلْزمه دِرْهَم كَامِل وَقيل أَنه مَنْصُوب على الِاسْتِثْنَاء وَهُوَ الْمَشْهُور فَيلْزمهُ خَمْسَة دوانق انْتهى كَلَام النُّحَاة وَاخْتلف أَصْحَابنَا فَأَخذه بَعضهم بِهَذِهِ الطَّرِيقَة النحوية وَالْأَكْثَرُونَ كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ حملوه على الِاسْتِثْنَاء وَإِن أَخطَأ فِي الْإِعْرَاب لِأَنَّهُ السَّابِق إِلَى فهم أهل الْعرف
وَمِنْهَا إِذا قَالَ كل امْرَأَة لي غَيْرك أَو سواك طَالِق وَلم يكن لَهُ إِلَّا المخاطبة وتفريعه على كَلَام النُّحَاة قد علم مِمَّا سبق وَالْمَنْقُول فِيهِ عندنَا أَن الطَّلَاق لَا يَقع كَذَا ذكره الْخَوَارِزْمِيّ فِي كتاب الْإِيمَان من الْكَافِي فَذكر أَن رجلا (متزوجا) خطب امْرَأَة فامتنعت لِأَنَّهُ متزوج فَوضع
(1/276)

امْرَأَته فِي الْمَقَابِر ثمَّ قَالَ كل امْرَأَة لي سوى الَّتِي فِي الْمَقَابِر طَالِق فَقَالَ لَا يَقع عَلَيْهِ (الطَّلَاق) مَعَ أَن جمَاعَة قَالُوا إِن سوى لَا تكون للصفة فَفِي غير مَعَ الِاتِّفَاق على الْوَصْف بهَا أولى فاعلمه
وتعليل الرَّافِعِيّ بِأَنَّهُ السَّابِق إِلَى الْفَهم يَقْتَضِيهِ أَيْضا فَإِن السَّابِق هُنَا إِلَى فهم كل سامع وَهُوَ مُرَاد كل قَائِل لَهُ بالاستقراء إِنَّمَا هُوَ الصّفة وَلِأَن الْمُقْتَضى لجعله فِي الْإِقْرَار اسْتثِْنَاء هُوَ الْأَخْذ بِالْأَصْلِ وَهُوَ مَوْجُود نَفسه فِي الطَّلَاق وَلَو أخر اللَّفْظ الْمخْرج فَلَو قَالَ كل امْرَأَة لي طَالِق غَيْرك أَو سواك فَإِنَّهُ لَا يَقع أَيْضا لِأَن الْفَصْل بَين الصّفة والموصوف بالْخبر جَائِز (وسنذكره أَن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب المركبات فاعلمه) وَمَا ذكرته فِي هَذَا الْفَصْل نقلا واستدلالا يَنْبَغِي التفطن لَهُ فقد يغْفل عَنهُ من لَا اطلَاع لدينِهِ فَيُفَرق بَين الزَّوْجَيْنِ فليب شعري إِذا فرق احْتِيَاطًا فَإِن منع الْمَرْأَة من تَزْوِيجهَا وَالزَّوْج من نِكَاح أُخْتهَا وعمتها وخالتها أَو أَربع سواهَا فعجيب وَإِن جوز ذَلِك فأعجب لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى مَحْذُور أَشد ويوقع أَيْضا فِي عدم الِاحْتِيَاط الَّذِي فر مِنْهُ وَإِذا كَانَ الْمَحْذُور لَا بُد مِنْهُ (فالبقاء على نِكَاح) تَيَقنا انْعِقَاده وشككنا فِي ارتفاعه أولى وأصوب مِمَّا
(1/277)

لَا نعلم انْعِقَاده وَأَبْرَأ للذمة من إنْشَاء عقد يتقلده لَا سِيمَا مَعَ أَنا نعلم أَن قَائِله إِنَّمَا يُرِيد الصّفة وَأَن المُرَاد هُوَ المُرَاد من قَول الْقَائِل كل امْرَأَة مُغَايرَة لَك طَالِق وَقَائِل هَذَا لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء بِالنِّسْبَةِ إِلَى المخاطبة
مَسْأَلَة

كَيفَ للْحَال سَوَاء وَقع استفهاما نَحْو كَيفَ زيد أَو خَبرا نَحْو اذْهَبْ كَيفَ شِئْت إِذا علمت ذَلِك فيتفرع عَلَيْهِ مَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن الْبَغَوِيّ فَقَالَ لَو قَالَ أَنْت طَالِق كَيفَ شِئْت قَالَ أَبُو زيد والقفال (تطلق شَاءَت أم لم تشأ) وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ لَا تطلق حَتَّى تُوجد مَشِيئَة فِي الْمجْلس إِمَّا مَشِيئَة أَن تطلق وَإِمَّا مَشِيئَة أَلا تطلق
(1/278)

قَالَ الْبَغَوِيّ وَكَذَا الحكم فِي قَوْله أَنْت طَالِق على أَي وَجه شِئْت وَلَو قَالَ أَنْت طَالِق إِن شِئْت أَو أَبيت فَمُقْتَضى اللَّفْظ وُقُوع الطَّلَاق بِأحد الْأَمريْنِ إِمَّا الْمَشِيئَة أَو الإباء كَمَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق إِن قُمْت أَو قعدت
مَسْأَلَة

صِيغَة كل عِنْد الْإِطْلَاق من الفاظ الْعُمُوم الدَّالَّة على التَّفْصِيل أَي ثُبُوت الحكم لكل وَاحِد وَقد يُرَاد بهَا الْهَيْئَة الاجتماعية بِقَرِينَة إِذا تقرر هَذَا فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ أَجْنَبِي لجَماعَة كل من سبق مِنْكُم فَلهُ دِينَار فَسبق ثَلَاثَة فَعَن الداركي أَن كل وَاحِد مِنْهُم يسْتَحق دِينَارا كَذَا نَقله عَنهُ الرَّافِعِيّ وَأقرهُ (قَالَ بِخِلَاف مالو اقْتصر على من) وَقِيَاس هَذَا انه لَو قَالَ لنسائه كل مِنْكُن طَالِق طَلْقَة فَيَقَع على كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ طَلْقَة ابْتِدَاء وَلَا نقُول يَقع على كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ جُزْء من طَلْقَة ثمَّ يسري وَفَائِدَة هَذَا فِيمَا لَو وَقع
(1/279)

ذَلِك على سَبِيل الْخلْع هَل يكون صَحِيحا يجب بِهِ الْمُسَمّى أَو فَاسِدا يجب بِهِ مهر الْمثل بِنَاء على أَن بعض الطَّلقَة (لَا يقبل مُعَاوضَة صَحِيحَة) وَفِيه خلاف للأصحاب وَاخْتِلَاف (فِي نقل الرَّافِعِيّ) نبهت عَلَيْهِ فِي الْمُهِمَّات
وَمِنْهَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق كل يَوْم فَوَجْهَانِ احدهما وَصَححهُ فِي الرَّوْضَة من زوائده أَنَّهَا تطلق كل يَوْم طَلْقَة حَتَّى تتكمل الثَّلَاث وَالثَّانِي لَا يَقع إِلَّا وَاحِدَة وَالْمعْنَى أَنْت طَالِق أبدا
وَمِنْهَا إِذا قَالَ وَالله لَا أجامع كل وَاحِدَة مِنْكُن فَإِن حكم الْإِيلَاء من ضرب الْمدَّة والمطالبة تثبت لكل وَاحِدَة على انفرادها حَتَّى إِذا طلق بَعضهنَّ كالن للباقيات الْمُطَالبَة إِلَّا أَنه إِذا وطىء إِحْدَاهُنَّ انْحَلَّت الْيَمين فِي حق الْبَاقِيَات عِنْد الْأَكْثَرين على مَا قَالَه الرَّافِعِيّ ثمَّ قَالَ وَجعلُوا مثل هَذَا الْخلاف فِيمَا لَو أسقط كلا أَيْضا فَقَالَ وَالله لَا كلمت وَاحِدًا من هذَيْن الرجلَيْن ثمَّ اسْتشْكل أَعنِي الرَّافِعِيّ مَا ذَكرُوهُ آخرا مَعَ مَا ذَكرُوهُ أَولا
وَمِنْهَا يجوز حذف مَا أضيف إِلَيْهِ كل عِنْد الْعلم بِهِ كَقَوْلِه تَعَالَى {قل كل يعْمل على شاكلته} وَقَوله تَعَالَى {وكل أَتَوْهُ داخرين} إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا أَشَارَ إِلَى عبيده
(1/280)

وَقَالَ كل أَحْرَار أَو سَأَلَهُ سَائل هَل فيهم (حر أم لَا) فَأَجَابَهُ بذلك (فَإِنَّهُم يعتقون) هَذَا هُوَ الْقيَاس وَقد علم من (الْآيَتَيْنِ المذكورتين) أَنه لَا فرق بَين أَن يخبر عَنهُ بِالْجمعِ أَو بالمفرد
فصل فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع

مَسْأَلَة
يشْتَرط فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع اتِّحَاد الْمُفْردَات فِي اللَّفْظ وَمَا ورد بِخِلَاف ذَلِك كالقمرين فِي الشَّمْس وَالْقَمَر والعمرين فِي أبي بكر وَعمر والأبوين فِي الْأَب وَالأُم فيحفظ وَلَا يُقَاس عَلَيْهِ وَهل يشْتَرط فيهمَا اتِّحَاد الْمَعْنى حَتَّى يمْتَنع تَثْنِيَة الْمُشْتَرك والحقيقة وَالْمجَاز وجمعهما فِيهِ مذهبان أشهرهما مَا قَالَه فِي الارتشاف هُوَ الْمَنْع وأصحهما على مَا اقْتَضَاهُ كَلَام ابْن مَالك فِي التسهيل وَصرح بِهِ فِي شَرحه أَنه لَا يشْتَرط لِأَن ألف التَّثْنِيَة فِي الْمثنى وواو الْجمع فِي الْمَجْمُوع بِمَثَابَة وَاو الْعَطف فَإِذا قلت جَاءَ الزيدان فكأنك قلت جَاءَ زيد وَزيد وَإِذا قلت جَاءَ الزيدون فكأنك كررته ثَلَاثًا إِذا علمت ذَلِك
(1/281)

فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا أوصى للموالي أَو وقف عَلَيْهِم وَنَحْو ذَلِك وَله موَالٍ من أَعلَى وهم الَّذين أعتقوه أَو انْتقل إِلَيْهِ الْوَلَاء من الْمُعْتق وموال من أَسْفَل وهم عتقاؤه فَفِيهِ وُجُوه أَصَحهَا كَمَا قَالَه فِي الرَّوْضَة والمنهاج أَنه يقسم بَينهمَا وَقيل يصرف إِلَى الموَالِي من أَعلَى لقَرِينَة مكافآتهم وَقيل من أَسْفَل لجَرَيَان الْعَادة بذلك لكَوْنهم مُحْتَاجين غَالِبا وَقيل لَا يَصح بِالْكُلِّيَّةِ فَلَو لم يعبر الْوَاقِف بِالْجمعِ بل عبر بالمفرد فَقَالَ عَليّ الْمولى قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَة لَا يتَّجه الِاشْتِرَاك وينقدح مُرَاجعَة الْوَاقِف قلت وَسَببه أَن ألأصل أَن من كَانَ القَوْل قَوْله فِي شَيْء كَانَ القَوْل قَوْله فِي صفة ذَلِك الشَّيْء كَمَا لَو قَالَ هَذِه الدَّار بَينهمَا أَو اخْتلفُوا فِي شَرط الْوَاقِف وَهُوَ مَوْجُود
مَسْأَلَة

الْقَوْم اسْم جمع بِمَعْنى الرِّجَال خَاصَّة واحده فِي الْمَعْنى رجل كَذَا نَص عَلَيْهِ النُّحَاة واللغويون وَيدل
(1/282)

عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا يسخر قوم من قوم عَسى أَن يَكُونُوا خيرا مِنْهُم وَلَا نسَاء من نسَاء عَسى أَن يكن خيرا مِنْهُنَّ} وَقَول الشَّاعِر ... فَمَا أَدْرِي وَلست أخال أَدْرِي ... أقوم آل حصن أم نسَاء ...
وَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا أوصى لقوم زيد أَو وقف عَلَيْهِم وَنَحْو ذَلِك فَلَا يصرف للإناث مِنْهُ شَيْء
وَنقل القَاضِي أَبُو الْفتُوح فِي كتاب أَحْكَام الخناثى وَجْهَيْن فِي دخولهن أَي النسْوَة
مَسْأَلَة

إِذا لم يضف الْجمع أَو لم تدخل عَلَيْهِ أل فَلَيْسَ للْعُمُوم بل إِن كَانَ جمع كَثْرَة فأقله أحد عشر وَإِن كَانَ جمع قلَّة فأقله ثَلَاثَة على الصَّحِيح عِنْد النُّحَاة كَمَا هُوَ فِي الصَّحِيح عِنْد غَيرهم وَقيل أَقَله اثْنَان وَأما أَكْثَره فعشرة وَمَا زَاد فَأول حد الْكَثْرَة وَهَذَا الْخلاف يجْرِي أَيْضا فِي الْمُضَاف والمقرون بأل إِذا امْتنع الْعُمُوم لمَانع
إِذا علمت ذَلِك فيتخرج على الْمَسْأَلَة فروع
(1/283)

أَحدهَا الْعتْق وَالنُّذُور والأقارير وَنَحْوهَا كَقَوْلِه لزيد عَليّ دَرَاهِم أَو أعتقت عبيدا من هَؤُلَاءِ أَو لله عَليّ أَن أعتق عبيدا أَو أَتصدق بِدَرَاهِم وَقد حكى الْهَرَوِيّ فِي الْأَشْرَاف وَجْهَيْن فِي أَن الْمقر بهما هَل يلْزمه ثَلَاثَة أَو دِرْهَمَانِ قَالَ إنَّهُمَا مبنيان على هَذِه الْقَاعِدَة وَأَشَارَ الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي إِلَى ذَلِك أَيْضا وَلَا شكّ أَن بَاقِي الْأَبْوَاب كَذَلِك
الثَّانِي أَن الصَّحِيح سُقُوط فرض صَلَاة الْجِنَازَة بِوَاحِد بَالغا كَانَ أَو صَبيا وَقيل لَا بُد من عدد لقَوْله فِي الحَدِيث صلوا على صَاحبكُم وَأَمْثَاله والقائلون بِهِ اخْتلفُوا هَل يَكْفِي اثْنَان أم لَا بُد من ثَلَاثَة على وَجْهَيْن ينبنيان كَمَا قَالَه ابْن الرّفْعَة فِي الْكِفَايَة على أَن أقل الْجمع مَا زَاد على اثْنَيْنِ وَفِيمَا قَالَه من الْبناء نظر
الثَّالِث مَا نَقله الْعَبَّادِيّ فِي الطَّبَقَات فِي تَرْجَمَة أبي عبد الله البوشنجي الْمَعْرُوف أَيْضا بالعبدي عَن الشَّافِعِي أَنه إِذا قَالَ ان كَانَ فِي كفي دَرَاهِم
(1/284)

هِيَ أَكثر من ثَلَاثَة فَعَبْدي حر وَكَانَ فِي كَفه أَرْبَعَة لَا يعْتق عَبده لِأَن مَا زَاد فِي هَذِه الْحَالة إِنَّمَا هُوَ دِرْهَم وَاحِد لَا دَرَاهِم
الرَّابِع إِذا حلف لَا يَأْكُل رطبا أَو بسرا فَأكل منصفا حنث لِأَن الْمنصف يشْتَمل عَلَيْهِمَا هَكَذَا قَالُوهُ مَعَ أَن الرطب جمع رطبَة كَمَا قَالَه الْجَوْهَرِي وَغَيره والبسر مثله وَقد نَص الْجَوْهَرِي أَيْضا على أَن الْعِنَب جمع عنبة وَهُوَ مثلهمَا وَذكر النَّوَوِيّ فِي الْإِيمَان من لُغَات التَّنْبِيه نَحوه
الْخَامِس إِذا حلف لَا يلبس حليا فَلبس وَاحِدًا مِنْهُ كخاتم أَو سوار أَو نَحْو ذَلِك فقد قَالُوا إِنَّه يَحْنَث وَفِيه كَلَام يتَوَقَّف
(1/285)

على مُقَدّمَة وَهِي إِن الْحلِيّ بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون اللَّام مُفْرد وَجمعه حلي بِضَم الْحَاء وَكسر اللَّام وَتَشْديد الْيَاء وَفِيه لُغَة أُخْرَى بِكَسْر الْحَاء ووزنه على اللغتين فعول وَأَصله حلوي اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء وَسبق أَحدهمَا بِالسُّكُونِ فقلبنا الْوَاو يَاء وأدغمنا على الْقَاعِدَة التصريفية ثمَّ كسرنا اللَّام لِأَن الِانْتِقَال من الضمة إِلَى الْيَاء فِيهِ عسر ثمَّ أَجَازُوا مَعَ ذَلِك كسر الْحَاء اتبَاعا وَإِذا علمت ذَلِك فَنَقُول إِن كَانَ الْحلِيّ الْمَذْكُور فِي صُورَة الْمَسْأَلَة هُوَ الْمُفْرد فالحنث بِالْوَاحِدِ مُسلم وَإِن كَانَ مجموعا وَهُوَ المتداول على الْأَلْسِنَة خُصُوصا حفاظ التَّنْبِيه فالحنث بِهِ مُشكل لانْتِفَاء مَا حلف عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَجْمُوع
مَسْأَلَة

جمع الْقلَّة خَمْسَة وَهِي أفعل كأفلس وأفعال كأحمال وأفعلة كألسنة وفعلة كصبية وَالْخَامِس جمع السَّلامَة كقائمين وهندات هَذَا
(1/286)

مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَقيل إِنَّهَا للكثرة وَقد نظم بَعضهم هَذِه الْأَلْفَاظ الْخَمْسَة فِي بَيْتَيْنِ وهما
بأفعل وبأفعال وأفعلة
وفعلة يعرف الْأَدْنَى من الْعدَد ... وَسَالم الْجمع أَيْضا دَاخل مَعهَا
فِي ذَلِك الحكم فاحفظها وَلَا تزد
إِذا علمت ذَلِك فَاعْلَم أَن الْحَاج إِذا دفع إِلَى مُزْدَلِفَة وَبَات بهَا فَيُسْتَحَب لَهُ أَن يَأْخُذ مِنْهَا الْحَصَى للرمي وَهل يَأْخُذ مَا يَرْمِي بِهِ ذَلِك الْيَوْم خَاصَّة وَهُوَ سبع حَصَيَات إِلَى جَمْرَة الْعقبَة أم يَأْخُذ لرمي جَمِيع الْأَيَّام وَهُوَ سَبْعُونَ حَصَاة فِيهَا وَجْهَان أصَحهمَا الأول وَهُوَ الْمَنْصُوص عَلَيْهِ للشَّافِعِيّ وَإِنَّمَا قُلْنَا بِهِ لما رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح على شَرط مُسلم عَن الْفضل ابْن الْعَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ غَدَاة يَوْم النَّحْر الْتقط لي حَصى فلقطت لَهُ حَصَيَات مثل حَصى الْخذف فَلَمَّا عبر بالحصيات وَهُوَ جمع قلَّة
(1/287)

على الصَّحِيح كَمَا سبق ونهايته عشرَة كَانَ دَلِيلا على أَنه لم يلتقط الْبَاقِي والخذف فِي الحَدِيث بِالْخَاءِ والذال المعجمتين
مَسْأَلَة

النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي تعم سواءباشرها النَّافِي نَحْو مَا أحد قَائِما أَو بَاشر هَا عاملها نَحْو مَا قَامَ أحد وَسَوَاء كَانَ النَّافِي مَا أَو لم أَو لن أَو لَيْسَ ثمَّ إِن كَانَت النكرَة صَادِقَة على الْقَلِيل وَالْكثير كشيء أَو مُلَازمَة للنَّفْي نَحْو أحد أَو دَاخِلا عَلَيْهَا من نَحْو (مَا جَاءَنِي) من رجل أَو وَاقعَة بعد (لَا العاملة عمل) إِن وَهِي لَا (الَّتِي لنفي الْجِنْس) فَوَاضِح كَونهَا للْعُمُوم وَمَا عدا ذَلِك نَحْو لَا رجل قَائِما بِنصب الْخَبَر وَمَا فِي الدَّار رجل فَالصَّحِيح أَنَّهَا للْعُمُوم أَيْضا وَنَقله شَيخنَا أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف فِي الْكَلَام على حُرُوف الْجَرّ عَن سِيبَوَيْهٍ لَكِنَّهَا ظَاهِرَة فِي الْعُمُوم لَا نَص فِيهِ وَلِهَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ على جَوَاز مخافته فَتَقول مَا فِيهَا
(1/288)

رجل بل رجلَانِ وَلَا رجل فِيهَا بل رجلَانِ أَي بِرَفْع رجل كَمَا يعدل عَن الظَّاهِر فَتَقول جَاءَ الرِّجَال إِلَّا زيدا وَذهب الْمبرد إِلَى أَنَّهَا لَيست للْعُمُوم وَتَبعهُ عَلَيْهِ الْجِرْجَانِيّ فِي أول شرح الْإِيضَاح والزمخشري فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى {مَا لكم من إِلَه غَيره} وَقَوله {وَمَا تأتيهم من آيَة} كَذَا أطلق النُّحَاة الْمَسْأَلَة وَلَا بُد من اسْتثِْنَاء شَيْء قد ذكرته فِي كتاب التَّمْهِيد وَهُوَ سلب الحكم على الْعُمُوم كَقَوْلِنَا مَا كل عدد زوجا فَإِن ذَلِك لَيْسَ من بَاب عُمُوم السَّلب أَي لَيْسَ حكما (بالسلب) على كل فَرد وَإِلَّا لم يكن فِي الْعدَد زوج وَذَلِكَ بَاطِل بل الْمَقْصُود بِهَذَا الْكَلَام إبِْطَال قَول من قَالَ إِن كل عدد زوج (إِذا علمت ذَلِك فينفرع عَلَيْهِ مسَائِل احداها) إِذا قَالَ لَيْسَ لي بَيِّنَة حَاضِرَة فَحلف
(1/289)

الْمُدعى عَلَيْهِ ثمَّ جَاءَ الْمُدَّعِي بِبَيِّنَة فَإِنَّهَا تسمع وَإِن قَالَ لَيْسَ لي بَيِّنَة حَاضِرَة وَلَا غَائِبَة فَوَجْهَانِ أصَحهمَا أَيْضا السماع لِأَنَّهُ قد لايعرفها أَو ينساها وَإِن قَالَ لَا بَيِّنَة لي وَاقْتصر عَلَيْهِ وَهِي مَسْأَلَتنَا فَقَالَ الْبَغَوِيّ هُوَ كَمَا لَو قَالَ لَا بَيِّنَة لي حَاضِرَة وَقَالَ فِي الْوَجِيز أَنه كالقسم الثَّانِي حَتَّى يكون على الْوَجْهَيْنِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي الشَّرْح الصَّغِير وَلم يصحح فِي الْكَبِير وَالرَّوْضَة شَيْئا
الثَّانِيَة قد تقرر أَن اسْم لَا إِذا كَانَ مَبْنِيا على الْفَتْح كَانَ نصا فِي الْعُمُوم بِخِلَاف الْمَرْفُوع فَإِذا قَالَ الْكَافِر لَا إِلَه إِلَّا الله بِالْفَتْح حصل بِهِ الْإِسْلَام وَيكون الخبرمحذوفا وَلَفظ الله مَرْفُوع على الْبَدَلِيَّة أَو على الصّفة على الْموضع وَتَقْدِيره لَا إِلَه مُغَاير لله فِي الْوُجُود فَلَو رفع لفظ الْإِلَه فَيحْتَمل عدم الْحُصُول لما سبق من كَونه ظَاهرا لَا نصا
الثَّالِثَة وَهِي مُخَالفَة لمقْتَضى الْقَاعِدَة إِذا حلف لَا يكمل أَحدهمَا أَو أحدهم أَو وَاحِدًا مِنْهُمَا أَو مِنْهُم وَلم يقْصد وَاحِدًا بِعَيْنِه فَإِذا كلم وَاحِدًا حنث وانحلت الْيَمين فَلَا يَحْنَث إِذا كلم الآخر وَالْحكم فِي الْإِثْبَات كَالْحكمِ فِي النَّفْي أَيْضا كَمَا إِذا قَالَ وَالله لأُكلمَن أَحدهمَا أَو وَاحِدًا مِنْهُمَا
كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي الْكَلَام على الْحلف على أكل اللَّحْم وَالْعِنَب وَلَو زَاد كلا فَقَالَ كل وَاحِد مِنْهُم فَكَذَلِك عِنْد الْأَكْثَرين كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ
(1/290)

فِي بَاب الْإِيلَاء وأجرى هُنَاكَ الْخلاف الَّذِي فِيهِ فِيمَا إِذا قَالَ وَاحِدًا مِنْهُم أَعنِي بِإِسْقَاط كل وَوجه الْحِنْث فِي الْمسَائِل كلهَا بِكَلَام وَاحِد أَن الْمَحْلُوف عَلَيْهِ هُوَ مُسَمّى الْوَاحِد الْمَوْجُود فِي كل فَرد وَقد وجد فَيحنث بِهِ وَلَا يَحْنَث بِمَا عداهُ لانحلال الْيَمين بِوُجُود الْمَحْلُوف عَلَيْهِ
الرَّابِعَة إِذا كَانَ لَهُ زَوْجَات فَقَالَ وَالله لَا (أَطَأ) وَاحِدَة مِنْكُن فَلهُ ثَلَاثَة أَحْوَال
أَحدهَا أَن يُرِيد الِامْتِنَاع عَن كل وَاحِدَة فَيكون مؤليا مِنْهُنَّ كُلهنَّ ولهن الْمُطَالبَة بعد الْمدَّة فَإِن طلق بَعضهنَّ بَقِي الْإِيلَاء فِي حق الْبَاقِيَات وَإِن وطىء بَعضهنَّ حصل الْحِنْث لِأَنَّهُ خَالف قَوْله لَا أَطَأ وَاحِدَة مِنْكُن وتنحل الْيَمين ويرتفع الْإِيلَاء فِي حق الْبَاقِيَات
الْحَال الثَّانِي أَن يَقُول أردْت الِامْتِنَاع عَن وَاحِدَة مِنْهُنَّ لَا غير فَيقبل قَوْله لاحْتِمَال اللَّفْظ وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد لَا يقبل للتُّهمَةِ وَالصَّحِيح الأول ثمَّ قد يُرِيد مُعينَة وَقد يُرِيد مُبْهمَة فَإِن أَرَادَ مُعينَة فَهُوَ مؤل مِنْهَا
(1/291)

وَيُؤمر بِالْبَيَانِ كَمَا فِي اللطلاق فَإِذا بَين وَصدقه الْبَاقِيَات فَكَذَلِك وَإِن ادَّعَت غير الْمعينَة أَنه أرادها وَأنكر صدق بِيَمِينِهِ وَإِن نكل حَلَفت المدعية وَحكم بِأَنَّهُ مؤل مِنْهَا أَيْضا فَلَو أقرّ فِي جَوَاب الثَّانِيَة أَنه نَوَاهَا وأخذناه بِمُوجب الإقرارين وطالبناه بالفيئة أَو الطَّلَاق وَلَا يقبل رُجُوعه عَن الأولى وَإِذا وَطئهَا فِي صُورَة إِقْرَاره تعدّدت الْكَفَّارَة وَإِن وَطئهَا فِي صُورَة نُكُوله وَيَمِين المدعية لم تَتَعَدَّد الْكَفَّارَة لِأَن يَمِينهَا لَا تصلح لإلزامه الْكَفَّارَة وَلَو ادَّعَت وَاحِدَة أَولا أَنَّك أردتني فَقَالَ مَا أردتك أَو مَا آلَيْت مِنْك وَأجَاب بِمثلِهِ الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة تعيّنت الرَّابِعَة للإيلاء وَإِن أَرَادَ وَاحِدَة مُبْهمَة أَمر بِالتَّعْيِينِ
قَالَ السَّرخسِيّ وَيكون مؤليا من إِحْدَاهُنَّ لَا على التَّعْيِين فَإِذا عين وَاحِدَة لم يكن لغَيْرهَا الْمُنَازعَة وَيكون ابْتِدَاء الْمدَّة من وَقت الْيَمين أَو من وَقت التَّعْيِين وَجْهَان بِنَاء على الْخلاف فِي الطَّلَاق الْمُبْهم إِذا عينه هَل يَقع من اللَّفْظ
(1/292)

أم من التَّعْيِين وَإِن لم يعين وَمَضَت أَرْبَعَة أشهر قَالُوا يُطَالب إِذا طلبن بالفيئة أَو الطَّلَاق وَإِنَّمَا يعْتَبر طلبهن كُلهنَّ ليَكُون طلب الْمولي مِنْهَا حَاصِلا فَإِن امْتنع طلق القَاضِي وَاحِدَة على الْإِبْهَام وَمنع مِنْهُنَّ إِلَى أَن يعين الْمُطلقَة وَإِن فَاء إِلَى وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاث أَو طلق لم يخرج عَن مُوجب الْإِيلَاء وَإِن قَالَ طلقت الَّتِي آلَيْت مِنْهَا يخرج عَن مُوجب الْإِيلَاء لَكِن الْمُطلقَة مُبْهمَة فَعَلَيهِ التَّعْيِين هَذَا هُوَ الْمَذْهَب فِي الْحَال الَّذِي نَحن فِيهِ ووراءه شَيْئَانِ
أَحدهمَا قَالَ الْمُتَوَلِي إِذا قَالَ أردْت مُبْهمَة قَالَ عَامَّة الْأَصْحَاب تضرب الْمدَّة فِي حق الْجَمِيع فَإِذا مَضَت ضيق الأمرعليه فِي حق من طَالب مِنْهُنَّ لِأَنَّهُ مَا من امْرَأَة إِلَّا وَيجوز أَن يعين الْإِيلَاء مِنْهَا وَظَاهر هَذَا أَنه مؤل من جَمِيعهنَّ وَهُوَ بعيد
الثَّانِي حكى الْغَزالِيّ وَجها أَنه لَا يكون مؤليا من وَاحِدَة مِنْهُنَّ حَتَّى يبين إِن أَرَادَ مُعينَة أَو يعين إِن أَرَادَ مُبْهمَة لِأَن قصد الْإِضْرَار حِينَئِذٍ
(1/293)

يتَحَقَّق وَحكى الإِمَام هَذَا الْوَجْه عَن الشَّيْخ أبي عَليّ السنجي على غير هَذِه الصُّورَة فَقَالَ روى وَجها أَنه إِذا قَالَ أردْت وَاحِدَة لَا يُؤمر بِالْبَيَانِ وَلَا بِالتَّعْيِينِ بِخِلَاف إِبْهَام الطَّلَاق لِأَن الْمُطلقَة خَارِجَة عَن النِّكَاح فإمساكها مُنكر بِخِلَاف الْإِيلَاء
الْحَال الثَّالِث أَن يُطلق اللَّفْظ فَلَا يَنْوِي تعميما وَلَا تَخْصِيصًا فَهَل يحمل على التَّعْمِيم أم على التَّخْصِيص بِوَاحِدَة وَجْهَان أصَحهمَا الأول وَبِه قطع الْبَغَوِيّ وَغَيره وَفِي كَلَام الرَّافِعِيّ إِشْكَال مَذْكُور فِي الْمُهِمَّات فَرَاجعه
(1/294)

فصل فِي الْأَلْفَاظ الْوَقْعَة فِي الْعدَد وَفِيه مسَائِل

إِحْدَاهَا لفظ الْعدَد أَقَله اثْنَان فَصَاعِدا قَالُوا أحد لَيْسَ بِعَدَد بل هُوَ أصل لَهُ وَقد صرح أَصْحَابنَا فِي الْفُرُوع بذلك وَجزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي الصَّلَاة فِي الْكَلَام على أقل الْوتر وَفِي الْجَنَائِز فِي الْكَلَام على أقل الْكَفَن وَفِي الْبَاب الثَّانِي من أَبْوَاب الْإِقْرَار إِذا علمت ذَلِك فيتفرع عَلَيْهِ الْإِقْرَار والوصايا وَالنُّذُور وَنَحْوهَا فَإِذا قَالَ لَهُ عَليّ أقل أعداد الدَّرَاهِم لزمَه دِرْهَمَانِ كَذَا قَالَ الرَّافِعِيّ فِي الْإِقْرَار فِي الْبَاب السَّابِق ذكره لكنه ذكر بعده بأسطر مَا يشكل عَلَيْهِ فَقَالَ لَو قَالَ عَليّ مائَة عدد من الدَّرَاهِم اعْتبر الْعدَد دون الْوَزْن وَهُوَ كَلَام غير مُحَرر بل إِن كَانَ هَذَا اللَّفْظ وَهُوَ عدد مجرورا فِي هَذَا الْكَلَام بِالْإِضَافَة وَهُوَ الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم فَالْقِيَاس وجوب مِائَتي دِرْهَم عددا نَاقِصَة لِأَنَّهُ اعْترف بِمِائَة من الْعدَد وَأَقل الْعدَد اثْنَان وَإِن كَانَ مَنْصُوبًا فَكَذَلِك لِأَنَّهُ تَفْسِير للمائة كَمَا لَو قَالَ مائَة ثوبا أَي بِالتَّنْوِينِ فَإِن الْمِائَة تجب كَمَا نَقله ابْن الرّفْعَة وَإِن كَانَ الْجُمْهُور من النُّحَاة قد منعُوا النصب وَإِن كَانَ مَرْفُوعا فَالْقِيَاس إِن الْمِائَة مُبْهمَة وَيلْزمهُ تَفْسِيرهَا بِمَا لَا ينقص قِيمَته عَن دِرْهَمَيْنِ عددا
(1/295)

وَقد جزم الرَّافِعِيّ فِي (نَظِيره) بِمثلِهِ فَقَالَ لَو قَالَ لَهُ عَليّ ألف دِرْهَم (برفعهما وتنوينهما) من غير عطف فسر الْألف بِمَا لَا ينقص قِيمَته عَن دِرْهَم وَإِن كَانَا ساكنين أَوجَبْنَا الْأَقَل لاحْتِمَال إِرَادَته وَقد صرح بِهِ أَيْضا الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب الْمَذْكُور فِي مِثَال آخر فَقَالَ إِذا قَالَ لَهُ عِنْدِي كَذَا دِرْهَم بِالسُّكُونِ فَيكون كالمجرور لِأَنَّهُ الْمُتَيَقن
الثَّانِيَة كم اسْم يدل عَلَيْهِ دُخُول حرف الْجَرّ حَيْثُ قَالُوا بكم دِرْهَم شريت ثَوْبك خلافًا لمن زعم أَنَّهَا حرف وَهِي بسيطة خلافًا للكسائي وَالْفراء حَيْثُ ذَهَبا إِلَى أَنَّهَا مركبة من كَاف التَّشْبِيه وَمَا الاستفهامية فحذفت ألها كَمَا تحذف مَعهَا سَائِر حُرُوف الْجَرّ ثمَّ سكنت الْمِيم لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وتستعمل لمُطلق الْأَعْدَاد كَقَوْلِك خُذ كم شِئْت وَتَكون أَيْضا استفهامية فتفسر باسم مَنْصُوب وخبرية للتكثير فتفسر باسم مجرور فَتَقول كم دِرْهَم عِنْد زيد (بجر) دِرْهَم أَي عِنْده كثير من الدَّرَاهِم إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ لوَكِيله
(1/296)

بِعْ هَذَا الثَّوْب بكم شِئْت فَإِنَّهُ يَبِيعهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكثير وَلَكِن لَا يَبِيعهُ إِلَّا بِالْحَال من نقد الْبَلَد بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ بِمَا شِئْت فَإِن لَهُ أَن يَبِيع بِنَقْد الْبَلَد وَغَيره لِأَنَّهَا مَوْضُوعَة للْحَقِيقَة وَلَكِن لَا يَبِيعهُ إِلَّا بِثمن الْمثل حَالا خلاف مَا لَو قَالَ لَهُ كَيفَ شِئْت فَإِنَّهُ يَبِيع بِالْحَال والمؤجل لِأَن كَيفَ للصفة وَلَا يَبِيعهُ إلابثمن الْمثل من نقدالبلد لِأَنَّهُ لم يَأْذَن فِي البيع بِغَيْرِهِمَا فحملنا الْإِطْلَاق عَلَيْهِ كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَغَيره
الثَّالِثَة كَذَا أَصْلهَا كَاف التَّشْبِيه وَاسم الْإِشَارَة ثمَّ إِن الْعَرَب نقلوها عَن ذَلِك فاستعملوها للعدد وَلغيره فَإِن كَانَت لغير الْعدَد فَتكون مُفْردَة ومعطوفة فَتَقول لَهُ عِنْدِي كَذَا (أَي شَيْء) وَنزل الْمَطَر مَكَان كَذَا ومررت بدار كَذَا فمكان كَذَا وَتقول أَيْضا أعجبتني دَار كَذَا بتنوين دَار ووصفها بِكَذَا وَإِذا كَانَت كِنَايَة عَن اعدد فمذهب الْبَصرِيين أَن تمييزها لَا يكون إِلَّا مُفردا مَنْصُوبًا مُطلقًا
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ إِنَّهَا تفسر بِهِ الْعدَد الَّذِي هُوَ كِنَايَة عَنهُ فَمن الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة يُمَيّز بِجمع مجرور بعد مُفْرد نَحْو لَهُ عِنْدِي كَذَا دَرَاهِم
(1/297)

وَعَن الْمركب كَأحد عشر إِلَى تِسْعَة عشر بمفرد مَنْصُوب بعد تركيب كَذَا فَتَقول لَهُ عِنْدِي كَذَا كَذَا درهما وَعَن الْعُقُود بمفرد مَنْصُوب بعد إِفْرَاد كَذَا فَإِن كنيت بهَا بعد عَن عقد مَعْطُوف كَأحد وَعشْرين إِلَى تسعين عطفت ونصبت تمييزها وَإِن كنيت عَن الْمِائَة وَالْألف فتفردها (وتجر تمييزها) إِذا تقرر مَا ذَكرْنَاهُ فقد اخْتلف أَصْحَابنَا فَذهب أَبُو اسحق الْمروزِي إِلَى سلوك مَا سبق أَنه مُقْتَضى النَّحْو إِن كَانَ الْمقر عَارِفًا بِهِ وَالْمَشْهُور خِلَافه بل يلْزمه دِرْهَم وَاحِد سَوَاء رفع مَا بعد كَذَا أَو نَصبه أَو جَرّه أَو وقف عَلَيْهِ وَسَوَاء كرر لفظ كَذَا أَو لم يكرره اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا كَرَّرَه بالْعَطْف مَعَ النصب فَيلْزمهُ دِرْهَمَانِ وَلَو قَالَ (لَهُ عَليّ) كَذَا وَسكت فَهُوَ كَقَوْلِه شَيْء هَكَذَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي بَاب الْإِقْرَار وَقَالَ فِي بَاب الْوَصِيَّة لَو قَالَ أَعْطوهُ كَذَا كَذَا من (دنانيري) أعطي دِينَارا فَإِن عطف فدينارين فَإِن (أفرد أَي) قَالَ من ديناري فحبة بِلَا عطف وحبتين مَعَ الْعَطف كَذَا نَقله عَن الْبَغَوِيّ ثمَّ استشكله وَقَالَ يَنْبَغِي إِلْحَاق الْجمع بِالْإِفْرَادِ حَتَّى يَكْتَفِي بالحبة والحبتين وَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت كَذَا أَو علق
(1/298)

فَقَالَ إِن دخلت فَأَنت كَذَا وَنوى الطَّلَاق بِلَفْظ كَذَا فَإِنَّهَا لَا تطلق لِأَنَّهُ لَا إِشْعَار لكذا بِلَفْظ الْفرْقَة كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن الْمُسْتَدْرك لإسماعيل البوشنجي وَيَنْبَغِي تَخْرِيج هَذَا وَأَمْثَاله على أَن اللُّغَات (توقيفية أَو اصطلاحية)
مَسْأَلَة

النيف يكون (بِغَيْر تَاء للمذكر) والمؤنث وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا مَعْطُوفًا على الْعُقُود قإن كَانَ بعد الْعشْرَة فَهُوَ لما دونهَا وَإِن كَانَ بعد الْمِائَة فَهُوَ للعشرة فَمَا دونهَا وَإِن كَانَ بعد الْألف فَهُوَ للعشرة فَأكْثر إِذا علمت ذَلِك فيتفرع عَلَيْهِ الأقارير وَغَيرهَا من الْأَبْوَاب
مَسْأَلَة

زهاء بزاي مُعْجمَة مَضْمُومَة وهاء مُخَفّفَة وهمزة ممدودة مَعْنَاهُ الْمِقْدَار فَإِذا قَالَ أوصيت لَهُ أَو لَهُ عَليّ زهاء ألف فَمَعْنَاه مِقْدَار ألف كَذَا قَالَه النُّحَاة والجوهري وَغَيره من أهل اللُّغَة لَكِن جزم الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْوَصِيَّة بِأَن مَعْنَاهُ أَكثر الشَّيْء حَتَّى يسْتَحق فِي مثالنا خَمْسمِائَة وحبة وَاسْتَشْكَلَهُ النَّوَوِيّ هُنَاكَ يكون التَّفْسِير بِهَذَا يُخَالف مَدْلُول اللَّفْظ وَالْأَمر كَمَا قَالَه من الْإِشْكَال
(1/299)

مَسْأَلَة فِي الْبضْع

تَقول لَهُ عِنْدِي بضعَة عشر رجلا وبضع عشرَة امْرَأَة أَي بِإِثْبَات التَّاء فِي الْبضْع مَعَ الْمُذكر وحذفها مَعَ الْمُؤَنَّث وَكَذَلِكَ الحكم إِذا عطفت عَلَيْهِ أَيْضا تَقول بضعَة وَعِشْرُونَ رجلا وبضع وَعِشْرُونَ امْرَأَة وَهَكَذَا تَقول إِلَى التسعين
والبضع بِكَسْر الْبَاء وَهُوَ يصدق من الْوَاحِد إِلَى التِّسْعَة وَقيل من الثَّلَاثَة فَإِن اسْتعْمل دون عقد فَقَالَ الْفراء لَا يجوز
وَقَالَ غَيره يجوز لقَوْله تَعَالَى {فِي بضع سِنِين} إِلَّا أَنه لَا يصدق إِلَّا على الثَّلَاثَة فَصَاعِدا إِذا علمت ذَلِك لم يخف قِيَاس تنزل الْفُرُوع عَلَيْهِ وَيلْزمهُ الْأَقَل مِمَّا يصدق عَلَيْهِ
(1/300)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّانِي فِي الْأَفْعَال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
مَسْأَلَة

الْمُضَارع فِيهِ خَمْسَة مَذَاهِب أَحدهَا أَنه حَقِيقَة فِي الْحَال مجَاز فِي الِاسْتِقْبَال وَالثَّانِي عَكسه وَالثَّالِث أَنه فِي الْحَال حَقِيقَة وَلَا يسْتَعْمل فِي الِاسْتِقْبَال أصلا لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا وَالرَّابِع عَكسه وَالْخَامِس قَالَ فِي الارتشاف وَهُوَ الْمَشْهُور وَظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ أَنه مُشْتَرك بَينهمَا إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ لزوجته طَلِّقِي نَفسك فَقَالَت أطلق فَلَا يَقع فِي الْحَال شَيْء لِأَن مُطلقَة للاستقبال فَإِن قَالَت أردْت الْإِنْشَاء وَقع حَالا كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن البوشنجي زَاد فِي الرَّوْضَة فَقَالَ هُوَ كَمَا قَالَ وَلَا يُخَالِفهُ قَول النُّحَاة أَن الْحَال أولى بِهِ إِذا تجرد لِأَنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْحَال وعارضه أصل بقائ المكاح هَذَا كَلَامه وَلَا شكّ فِي
(1/301)

جَرَيَانه فِي سَائِر الْعُقُود والفسوخ وَمَا ذكره النَّوَوِيّ كَلَام نَاقص لِأَنَّهُ إِذا لم يكن صَرِيحًا فِي الْحَال فَلَا يلْزم أَن يتَعَيَّن الِاسْتِقْبَال لِأَن الْمُشْتَرك لَا يتَعَيَّن أحد محمليه إِلَّا بمرجح فَيَنْبَغِي الِاقْتِصَار على التَّمَسُّك بِأَن الأَصْل بَقَاء النِّكَاح نعم ذكر ابْن مَالك فِي التسهيل قَرِيبا من ذَلِك فَإِنَّهُ جعله مُشْتَركا وَمَعَ ذَلِك صرح بِأَن الْحَال يتَرَجَّح مَعَ التجرد وَلقَائِل أَن يَقُول مَذْهَبنَا حمل الْمُشْتَرك عل جَمِيع مَعَانِيه وَحِينَئِذٍ يتَعَيَّن الْوُقُوع فِي مَسْأَلَتنَا وَمُقْتَضى ذَلِك أَنه لَو قَالَ مثلا وَالله لَأَضرِبَن زيدا فَلَا يبر إِلَّا بضربه الْآن وضربه أَيْضا بعده
الثَّانِي إِذا قَالَ أقسم بِاللَّه لَأَفْعَلَنَّ وَأطلق ذَلِك فَالْأَصَحّ أَنه يكون يَمِينا وَلَا يحمل على الْوَعْد
الثَّالِث إِذا قيل للْكَافِرِ آمن بِاللَّه أوأسلم لله فَأتى الْكَافِر بِصِيغَة الْمُضَارع فَقَالَ أُؤْمِن أَو أسلم فَإِنَّهُ يكون مُؤمنا وَلَا يحمل أَيْضا على الْوَعْد وَهُوَ نَظِير مَا سبق فِي أقسم
(1/302)

كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن منهاج الْحَلِيمِيّ وَأقرهُ
الرَّابِع إِذا قَالَ الْمُدَّعِي عَلَيْهِ أَنا أقرّ بِمَا يَدعِيهِ وَقِيَاس مَا سبق أَن يُقَال إِن قُلْنَا أَن الْمُضَارع حَقِيقَة فِي الْحَال فَقَط كَانَ إِقْرَارا وَإِن قُلْنَا فِي الْمُسْتَقْبل فَقَط فَلَا لِأَنَّهُ وعد فَإِن قُلْنَا إِنَّه مُشْتَرك وحملنا الْمُشْتَرك على جَمِيع مَعَانِيه إِذا لم تقم قرينَة كَانَ أَيْضا إِقْرَارا وَإِن قُلْنَا لَا يحمل فَإِن جَوَّزنَا الِاسْتِعْمَال سُئِلَ عَن المُرَاد وَعمل بِهِ فَإِن تعذر فَلَا شَيْء عَلَيْهِ عملا بِالْأَصْلِ إِذا علمت ذَلِك كُله فقد حكى الرَّافِعِيّ فِي الْمَسْأَلَة وَجْهَيْن وَاقْتضى كَلَامه أَن الْأَكْثَرين على أَنه لَيْسَ بِإِقْرَار وَهُوَ مُوَافق للصحيح وَهُوَ كَونه مُشْتَركا لَكِن إِذا قُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يحمل على الْمَعْنيين
الْخَامِس إِذا أوصى بِمَا تحمله هَذِه الشَّجَرَة أَو الْجَارِيَة فَإِنَّهُ يُعْطي الْحمل الْحَادِث دون الْمَوْجُود كَمَا جزم ابْن الرّفْعَة فِي الْكِفَايَة نقلا عَن الْمَاوَرْدِيّ فَحَمَلُوهُ هُنَا على الِاسْتِقْبَال خَاصَّة
السَّادِس إِذا قَالَ الْكَافِر أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله إِلَى آخِره فَإِنَّهُ يكون مُسلما بالِاتِّفَاقِ حملا لَهُ على الْحَال
(1/303)

السَّابِع إِذا أَتَى الشَّاهِد عِنْد الْحَاكِم بِصِيغَة أشهد فَإِنَّهَا تقبل بالِاتِّفَاقِ حملا أَيْضا على الْحَال
الثَّامِن إِذا أسلم الْكَافِر على ثَمَان نسْوَة مثلا فَقَالَ لأَرْبَع أردتكن ولأربع لَا أريدكن حصل التَّعْيِين بذلك
كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن الْمُتَوَلِي ثمَّ زَاد عَلَيْهِ فَقَالَ وَقِيَاس ذَلِك مَا سبق أَن التَّعْيِين يحصل بِمُجَرَّد قَوْله أردتكن قلت وَلَا يخفى قِيَاس الْفَرْع من النَّظَائِر السَّابِقَة ثمَّ إِن حُصُول التَّعْيِين بِمُجَرَّد الْإِرَادَة فِيهِ نظر فَإِن الْإِرَادَة هِيَ ميل الْقلب ونجد النَّاس كثيرا مَا يُرِيدُونَ الشَّيْء وَلَا يبرزونه فِي الْخَارِج
التَّاسِع إِذا قَالَ امْرَأَة من يَشْتَهِي أَن يفعل كَذَا طَالِق تعلّقت الْيَمين بشهوته فِي الْحَال لَا فِي الْمُسْتَقْبل قَالَه الْغَزالِيّ فِي فَتَاوِيهِ
الْعَاشِر لَو قَالَ لشخص أَتُرِيدُ أَن أطلق زَوجتك فَقَالَ نعم كَانَ توكيلا فِي طَلاقهَا قَالَه القَاضِي الْحُسَيْن قبيل طَلَاق الْمَرِيض من تعليقته وَفِيه مَا سبق إِلَّا أَن الْإِرَادَة من الوجدانيات الَّتِي لَا قدرَة لَهُ على تَحْصِيلهَا فإخباره بهَا يدل على وُقُوعهَا الْآن
(1/304)

مَسْأَلَة
الْمُضَارع الْمَنْفِيّ (بِلَا) يتَخَلَّص للاستقبال عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَقَالَ الْأَخْفَش إِنَّه بَاقٍ على صَلَاحِية الْأَمريْنِ وَاخْتَارَهُ ابْن مَالك فِي التسهيل فَإِن دخلت عَلَيْهِ لَام الِابْتِدَاء أَو حصل النَّفْي بليس أَو مَا أَو إِن مضارعا كَانَ أَو غَيره فَفِي تَعْيِينه للْحَال مذهبان الْأَكْثَرُونَ كَمَا قَالَه فِي أول التسهيل على أَنه يتَعَيَّن ثمَّ صحّح فِي الْكَلَام على مَا الحجازية (خِلَافه) إِذا علمت ذَلِك فينبني على هَذِه الْمسَائِل مسَائِل مِنْهَا مَا إِذا حلف على شَيْء بِهَذِهِ الصِّيَغ وتفريعها لَا يخفى وَمن فروعها أَيْضا مَا إِذا قَالَ لَا أنكر مَا يَدعِيهِ وَالْقِيَاس وَهُوَ مَا أجَاب بِهِ الْهَرَوِيّ فِي الاشراف أَنا إِن قُلْنَا النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي تعم كَانَ إِقْرَارا لِأَن الْفِعْل نكره وَإِن قُلْنَا لَا تعم لم يكن إِقْرَارا وَقد أجَاب الرَّافِعِيّ بخلاصة هَذَا فَجزم بِأَنَّهُ يكون إِقْرَارا وَلم يحملهُ على الْوَعْد وَقد سبق أَيْضا مثله فِي اسْم الْفَاعِل
(1/305)

وَمِنْهَا إِذا أذن الْمُرْتَهن للرَّاهِن فِي عتق الْمَرْهُون ورد الرَّاهِن الْإِذْن فَقَالَ لَا أعْتقهُ ثمَّ أعْتقهُ قَالَ فِي الْبَحْر قَالَ وَالِدي رَحمَه الله يحْتَمل وَجْهَيْن انْتهى وَقَرِيب من هَذَا وَجْهَان حَكَاهُمَا ابْن الرّفْعَة فِي بَاب الْوكَالَة من الْكِفَايَة فِي أَن إِبَاحَة الطَّعَام هَل ترتد بِالرَّدِّ أم لَا
وَمِنْهَا إِذا قَالَ الْوَصِيّ لَا أقبل هَذِه الْوَصِيَّة فَإِنَّهُ يكون ردا لَهَا كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي نَظِيره من الْوكَالَة
مَسْأَلَة

الْفِعْل الْمَاضِي إِذا وَقع شرطا انْقَلب إِلَى الْإِنْشَاء بِاتِّفَاق النُّحَاة فَمن فروعه إِذا قَالَ إِن قُمْت فَأَنت طَالِق فَلَا يحمل على قيام صدر مِنْهَا فِي الْمَاضِي إِلَّا بِدَلِيل آخر وَهُوَ كَذَلِك بِلَا خلاف
مَسْأَلَة

إِذا وَقع الْفِعْل الْمَذْكُور صلَة أَو صفة لنكرة عَامَّة احْتمل الْمُضِيّ والاستقبال كَمَا قَالَه فِي التسهيل أما الأول فقد اجْتمع فِيهِ الْأَمْرَانِ فِي قَول الشَّاعِر ... وَإِنِّي لآتيكم تشكر مَا مضى ... من الْأَمر واستجلاب مَا كَانَ فِي غَد ...
(1/306)

وَأما الثَّانِي وَهُوَ الصّفة فمثال الْمُضِيّ فِيهِ وَاضح وَأما الِاسْتِقْبَال فكقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام نضرالله امْرَءًا سمع ممقالتي فوعاها فأداها كَمَا سَمعهَا
وَنَازع أَبُو حَيَّان فِيمَا ذكره ابْن مَالك وَقَالَ الَّذِي نرَاهُ حمله على الْحَقِيقَة إِلَّا أَن يقوم دَلِيل من خَارج كَمَا فِي كَلَام هَذَا الاستشهاد إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ إِ أكرمت الَّذِي أهنته أَو رجلا أهنته فَأَنت طَالِق فَإِن أكرمت الَّذِي أهانه قبل التَّعْلِيق وَبعده وَقع الْحِنْث وَإِن أهانه فِي أَحدهمَا رُوجِعَ فَإِن تَعَذَّرَتْ مُرَاجعَته لم يَقع شَيْء هَذَا قِيَاس مَا قَالَه ابْن مَالك وَقِيَاس مَا قَالَه أَبُو حَيَّان تعلقه بالماضي فَقَط وَهُوَ مُوَافق لما ذكره
(1/307)

الرَّافِعِيّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كتاب الايمان إِذا حلف لَا يلبس مَا غزلته فُلَانَة فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث إِلَّا بِمَا غزلته قبل الْيَمين وَلَو قَالَ مَا تغزله فَلَا يَحْنَث إِلَّا بِالَّذِي تغزله بعْدهَا فَلَو قَالَ من غزلها دخل فِيهِ الْمَاضِي والمستقبل وَكَذَلِكَ الحكم فِي نَظَائِره كَقَوْلِه مَا منت بِهِ أُوتُمِنَ
وَاعْلَم أَن قَوْله من غزلها هُوَ من بَاب إِيقَاع الْمصدر موقع اسْم الْمَفْعُول أَي من مغزولها وَاسم الْمَفْعُول مُحْتَمل إِلَّا أَنه صَار حَقِيقَة عرفية فِي الْخَيط وَلَا يلمح بِهِ الْمصدر
وَمِنْهَا اخْتِلَاف أَصْحَابنَا فِي تَحْرِيم وسم الدَّوَابّ على وَجههَا فَإِن مُسلما روى فِي صَحِيحه أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رأى حمارا قد وسم على وَجهه فَقَالَ لعن الله من فعل هَذَا فَإِن هَذَا الْمَاضِي وَهُوَ فعل إِن كَانَ للاستقبال فَيدل على التَّحْرِيم وَإِن كَانَ بَاقِيا على حَقِيقَته من الْمُضِيّ فَإِن قُلْنَا إِن تَرْتِيب الحكم على الْوَصْف يُفِيد الْعلية دلّ أَيْضا على تَحْرِيمه وَإِن قُلْنَا لَا يفيدها فَإِن حملنَا الْمُشْتَرك على معنييه فَيدل أَيْضا وَإِلَّا فَلَا دلَالَة فِيهِ على التَّحْرِيم لِأَنَّهُ أخبر عَن هَذَا الشَّخْص بِخُصُوصِهِ بِأَن الله تَعَالَى قد لَعنه أَو دَعَا عَلَيْهِ بذلك وَسكت عَن الْمُوجب لَهُ وخلاصة الْمَنْقُول فِي هَذِه الْمَسْأَلَة عندنَا القَوْل بِتَحْرِيمِهِ فَإِن الشَّافِعِي فِي الْأُم قد أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَالَ وَالْخَبَر عندنَا يَقْتَضِي التَّحْرِيم وَصَححهُ النَّوَوِيّ وَأما الرَّافِعِيّ فصحح الْجَوَاز
(1/308)

مَسْأَلَة

كَانَ تدل على اتِّصَال اسْمهَا بخبرها فِي الْمَاضِي وَهل تدل على انْقِطَاعه أم لَا بل هِيَ ساكتة عَنهُ فِيهِ مذهبان الْأَكْثَرُونَ كَمَا قَالَه فِي الارتشاف على أَنَّهَا تدل عَلَيْهِ ثمَّ اسْتدلَّ بِالْقِيَاسِ على سَائِر الْأَفْعَال الْمَاضِيَة وَمَا ادَّعَاهُ من الِانْقِطَاع فِي غَيرهَا مَمْنُوع إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا ادّعى عينا فَشَهِدت لَهُ بَينته بِالْملكِ فِي الشَّهْر الْمَاضِي مثلا أَو أَنَّهَا كَانَت ملكه فِيهِ أَو ادّعى الْيَد فَأَقَامَ بَينته على نَحْو مَا ذَكرْنَاهُ فَفِي قبُولهَا قَولَانِ أصَحهمَا وَبِه قطع بَعضهم أَنَّهَا لَا تقبل نعم يجوز لَهُ أَن يَقُول كَانَ ملكه وَلَا أعلم لَهُ مزيلا وَأَن يشْهد بِالْملكِ فِي الْحَال استصحابا لما عرفه قبل ذَلِك من شِرَاء أَو إِرْث أَو غَيرهمَا
وَمِنْهَا لَو قَالَ الْمُدعى عَلَيْهِ كَانَ ملكه أمس فَقيل لَا يُؤَاخذ بِهِ كَمَا لَو قَامَت بَيِّنَة بذلك فَإِنَّهَا لَا تسمع كَمَا أوضحناه فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة وَالأَصَح أَنه يُؤْخَذ بِهِ وَالْفرق بَين صِحَة إِقْرَاره بِالْملكِ فِي الزَّمَان الْمَاضِي وَعدم صِحَة الشَّهَادَة عَلَيْهِ أَن الْإِقْرَار لَا يكون إِلَّا عَن تَحْقِيق وَالشَّاهِد قد يخمن حَتَّى لَو استندت الشَّهَادَة إِلَى تَحْقِيق بِأَن قَالَ هُوَ ملكه اشْتَرَاهُ قبلت هَكَذَا ذكر الرَّافِعِيّ هَذِه الْمسَائِل جَمِيعهَا
(1/309)

وَمِنْهَا قَالَ الْخَوَارِزْمِيّ فِي الايمان من الْكَافِي لَو قَالَ وَالله لَا أَتزوّج امْرَأَة قد كَانَ لَهَا زوج فَطلق امْرَأَته ثمَّ نَكَحَهَا لَا يَحْنَث لِأَن يَمِينه تَنْعَقِد على غير زَوجته الَّتِي فِي نِكَاحه وَلَو كَانَت لَهُ مُطلقَة طَلَاقا بَائِنا فَتزَوج بهَا حنث (انْتهى) وللمسألة الْتِفَات إِلَى دُخُول الْمُتَكَلّم فِي عُمُوم كَلَامه وَأما دلَالَة كَانَ على التّكْرَار فَلَا استحضرالآن فِيهِ كلَاما للنحاة نعم اخْتلف الأصوليون فِيهِ فصحح ابْن الْحَاجِب انها تفيده قَالَ وَلِهَذَا استفدناه من قَوْلهم كَانَ حَاتِم يقري الضَّيْف
وَصحح فِي الْمَحْصُول إِنَّهَا لَا تَقْتَضِيه لَا عرفا وَلَا لُغَة وَلم يصحح الْآمِدِيّ فِي الْأَحْكَام شَيْئا
مَسْأَلَة

لَيْسَ فعل على الْمَشْهُور وَقيل إِنَّهَا حرف لعدم تصرفها إِذْ الأَصْل فِي الْأَفْعَال هُوَ التَّصَرُّف وَأَيْضًا فَإِن وَزنهَا لَيْسَ من أوزان الْأَفْعَال وَأَجَابُوا عَن هَذَا الثَّانِي بِأَن ياءها مَكْسُورَة فِي الأَصْل وَلَكِن سكنوها للتَّخْفِيف وَكَأن قياسها على هَذَا (كسر) أَولهَا عِنْد إسنادها للضمير وَقد نَقله الْفراء
(1/310)

وَنقل أَيْضا ضمهَا وَهُوَ يدل على أَن أصل الْيَاء فِيهَا هُوَ الضَّم لَا الْكسر وَاعْترض على ذَلِك كُله بِأَن الْيَاء لَو كَانَت محركة فِي الأَصْل لَكَانَ يلْزم انقلابها ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا ثمَّ اخْتلفُوا فِي مَعْنَاهَا فَقيل إِنَّهَا للنَّفْي مُطلقًا وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ لَا يَصح نَفيهَا للمستقبل وَقَالَ جمَاعَة لَا يجوز نَفيهَا للماضي وَلَا للمستقبل الكائنين مَعَ قد فَلَا تَقول لَيْسَ زيد قد ذهب وَلَا قد يذهب وَذهب أَبُو عَليّ الشلوبين إِلَى أَنَّهَا لنفي الْحَال فِي الْجُمْلَة الَّتِي لم تتقيد بِزَمَان وَأما الْمقيدَة بِهِ فَإِنَّهَا لنفي مَا دلّ عَلَيْهِ التَّقْيِيد وَصَححهُ فِي الارتشاف
إِذا علمت ذكل كُله فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا لَو قَالَ لولد نَفَاهُ أَبوهُ ثمَّ اسْتَلْحقهُ لست ابْن فلَان يَعْنِي الْأَب الْمُسْتَلْحق قَالَ الرَّافِعِيّ فَهُوَ كَمَا لَو قَالَ لغير الْمَنْفِيّ وَالظَّاهِر أَنه قذف كَمَا سبق قَالَ وَقد
(1/311)

يُقَال إِذا كَانَ أحد التفاسير المقبولة أَن الْملَاعن نَفَاهُ فالاستلحاق بعد النَّفْي لَا ينافى (كَونه نَفَاهُ) فَلَا يبعد (الا) يَجْعَل صَرِيحًا وَيقبل التَّفْسِير بِهِ انْتهى كَلَامه وَمَا ذكره من قبُول التَّفْسِير قد استحسنه فِي الرَّوْضَة من زوائده
مَسْأَلَة

صِيغَة تفَاعل (وَمَا تصرف مِنْهَا) كَقَوْلِنَا تخاصم زيد وَعَمْرو ويتخاصمان (تخاصما تدل) على الْمُشَاركَة أَي وُقُوع الْفِعْل من كل وَاحِد مِنْهُمَا إِذا تقرر ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا بَاعَ عينا لِرجلَيْنِ بِأَلف إِلَى شهر مثلا بِشَرْط ان يتضامنا فَإِنَّهُ لَا يَصح العقد وَإِن كَانَ يَصح أَن يشْتَرط على المُشْتَرِي أَن يضمنهُ غَيره بِالثّمن كَذَا جزم بِهِ القَاضِي الْحُسَيْن فِي كتاب الضَّمَان من تعليقته وَكَذَلِكَ الْغَزالِيّ فِي الْوَسِيط وَغَيرهمَا وَوَجهه أَن مَدْلُول الصِّيغَة هُوَ الِاشْتِرَاك من الْجَانِبَيْنِ كَمَا قدمْنَاهُ وَحِينَئِذٍ فَيكون قد شَرط على كل وَاحِد مِنْهُمَا أَن يضمن صَاحبه وَيضمنهُ صَاحبه وَاشْتِرَاط ضَمَان المُشْتَرِي لغيره بَاطِل بالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ شَرط خَارج عَن مصلحَة عقده بِخِلَاف الْعَكْس وَهُوَ اشْتِرَاط ضَمَان غَيره لَهُ
(1/312)

مَسْأَلَة

رأى يسْتَعْمل بِمَعْنى علم وَمِنْه قَول الشَّاعِر ... رَأَيْت الله أكبر كل شَيْء ... محاولة وَأَكْثَرهم جُنُودا ...
أَي علمت وَبِمَعْنى ظن كَقَوْلِهِم رأى الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة كَذَا وَكَذَا أَي أدّى اجتهادهم إِلَيْهِ وَغلب على ظنهم وَمن ذَلِك إِطْلَاق أَئِمَّة أَصْحَابنَا بخراسان أهل الرَّأْي على الْحَنَفِيَّة لاستعمالهم الأقيسة كثيرا إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ لغيره أَنْت تعلم أَن العَبْد الَّذِي فِي يَدي حر فَأَنا نحكم بِعِتْقِهِ لِأَنَّهُ قد اعْترف بِعِلْمِهِ وَلَو لم يكن حرا لم يكن الْمَقُول لَهُ عَالما بحريَّته وَلَو قَالَ أَنْت تظن أَنه حر لم نحكم بِعِتْقِهِ لِأَنَّهُ قد يكون مخطئا فِي ظَنّه فَلَو قَالَ أَنْت ترى فَيحْتَمل الْعتْق وَعَدَمه لِأَن الرُّؤْيَة تطلق على الْعلم وعَلى الظَّن كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ قبيل كتاب التَّدْبِير عَن الرَّوْيَانِيّ وَأقرهُ وَقَالَ النَّوَوِيّ الصَّوَاب عدم الْوُقُوع وَالَّذِي قَالَه وَاضح لَكِن الْقيَاس أَنه يُرَاجع إِن أمكنت مُرَاجعَته
نعم قَالُوا فِي الْإِقْرَار أَن قَول الْمقر عَبدِي لزيد بَاطِل وَقِيَاسه بطلَان هَذَا أَيْضا لِاسْتِحَالَة وَصفه بالعبودية وَالْحريَّة وَلَو قيل يَصح فِي الْجَمِيع حملا (للفظ) على الْمجَاز وَأَنه كَانَ قبل ذَلِك لَهُ لم يكن بَعيدا
(1/313)

مَسْأَلَة

إِذا وَقعت كَاد فِي الْإِثْبَات (فَقلت كَاد) زيد يفعل فَمَعْنَاه قَارب الْفِعْل (وَإِن وَقعت) فِي النَّفْي كَقَوْلِك مَا كَاد يفعل فَقَالَ ينْقل جمَاعَة أَن مَعْنَاهَا الْإِثْبَات أَي فعل بعد مشقة وعسر وَالصَّحِيح فِي الارتشاف وَغَيره أَنَّهَا لنفي المقاربة كَغَيْرِهَا من الْأَفْعَال وَيلْزم من عدم المقاربة عدم الْفِعْل إِذا علمت ذَلِك فيتفرع على الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ مَا كدت أطلق زَوْجَتي فَإِنَّهُ يكون إِقْرَارا بِالطَّلَاق على الأول دون الثَّانِي هَذَا هُوَ الْقيَاس وَجزم الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّهُ إِقْرَار وَكَأَنَّهُ اخْتَار الأول
(1/314)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الثَّالِث فِي الْحُرُوف - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
فصل فِي حُرُوف الْجَرّ

مَسْأَلَة

(الْبَاء الْمُوَحدَة قد تكون للسَّبَبِيَّة كَقَوْلِه تَعَالَى {فبظلم من الَّذين هادوا حرمنا عَلَيْهِم طَيّبَات أحلّت لَهُم} وَبِمَعْنى فِي كَقَوْلِه تَعَالَى {وَإِنَّكُمْ لتمرون عَلَيْهِم مصبحين وبالليل} أَي وَفِي اللَّيْل إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة) مَا إِذا قَالَ إِن عصيت بسفرك فَأَنت طَالِق فَينْظر إِن أَرَادَ أَحدهمَا ترَتّب الحكم عَلَيْهِ وَإِن تعذر معرفَة إِرَادَته أَو أطلق فَالْقِيَاس أَن الحكم لَا يَتَرَتَّب على أَحدهمَا فَقَط لجَوَاز إِرَادَة الآخر وَمن هُنَا يعلم أَن قَول أَصْحَابنَا أَن العَاصِي فِي سَفَره يترخص بِخِلَاف العَاصِي بِسَفَرِهِ إِنَّمَا يَسْتَقِيم على أَن يُرِيدُوا بِالْبَاء السَّبَبِيَّة لَا الظَّرْفِيَّة
(1/315)

مَسْأَلَة

من تسْتَعْمل لمعان مِنْهَا
التَّبْعِيض كَقَوْلِك أخذت من الدَّرَاهِم وتعرف بصلاحية إِقَامَة صِيغَة بعض مقَامهَا فَنَقُول فِي مثالنا أخذت بعض الدَّرَاهِم إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي الطَّلَاق أَنه إِذا قَالَ لزوجته اخْتَارِي من ثَلَاث طلقات مَا شِئْت أَو طَلِّقِي نَفسك من ثَلَاث مَا شِئْت فلهَا أَن تطلق نَفسهَا وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ وَلَا تملك الثَّلَاث
وَمِنْهَا مَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب الأول من أَبْوَاب الْوكَالَة فَقَالَ لَو قَالَ بِعْ مَا شِئْت من أَمْوَالِي أَو اقبض مَا شِئْت من ديوني جَازَ ذكره فِي الْمُهَذّب والتهذيب وَذكر فِي الْحِلْية مَا يُخَالِفهُ فَإِنَّهُ
(1/316)

قَالَ لَو قَالَ بِعْ من رَأَيْت من عَبِيدِي لم يَصح حَتَّى يُمَيّز انْتهى كَلَامه زَاد فِي الرَّوْضَة فَإِنَّهُ إِنَّمَا يتَصَرَّف فِي الْبَعْض لِأَن من للتَّبْعِيض فَقَالَ صرح إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ فِي الْبَسِيط بِأَنَّهُ إِذا قَالَ بِعْ من شِئْت من عَبِيدِي لَا يَبِيع جَمِيعهم لِأَنَّهَا للتَّبْعِيض فَلَو باعهم إِلَّا وَاحِدًا صَحَّ
وَاعْلَم أَن النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة قد استدرك على الرَّافِعِيّ فَقَالَ إِن الَّذِي نَقله عَن الْحِلْية إِن كَانَ المُرَاد بِهِ حلية الرَّوْيَانِيّ فَهُوَ غلط من الرَّافِعِيّ عَلَيْهِ فَإِن الْمَذْكُور فِي الْحِلْية خِلَافه ثمَّ ذكر كَلَام الْحِلْية وَالَّذِي ذكره النَّوَوِيّ غلط فَاحش فَإِن الرَّوْيَانِيّ قد صرح بذلك فِي الْكتاب الْمَذْكُور فذهل عَنهُ النَّوَوِيّ وَنقل كلَاما آخر مَذْكُورا (بعده بِنَحْوِ) خَمْسَة أسطر ظنا مِنْهُ أَنه هُوَ وَقد أوضحت ذَلِك فِي الْمُهِمَّات فَرَاجعه
مَسْأَلَة

وَمن مَعَاني من أَيْضا التَّعْلِيل كَمَا قَالَ فِي التسهيل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {كلما أَرَادوا أَن يخرجُوا مِنْهَا من غم} إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا
(1/317)

إِذا قَالَ بَرِئت من طَلَاقك وَنوى الطَّلَاق لَا يَقع بِخِلَاف مَا إِذا أَرَادَ إِلَيّ فَقَالَ بَرِئت إِلَيْك من طَلَاقك فَإِنَّهُ يَقع وَالتَّقْدِير بَرِئت إِلَيْك من أجل إِيقَاع الطَّلَاق عَلَيْك كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي كتاب الطَّلَاق عَن اسماعيل البوشنجي وَأقرهُ
قَالَ بِخِلَاف مَا لَو قَالَ بَرِئت من نكاحك فَإِنَّهُ كِنَايَة سَوَاء أَتَى بِلَفْظ إِلَى أم لم يَأْتِ بهَا
مَسْأَلَة

تجوز زِيَادَة من فِي النَّفْي وَشبهه وَهُوَ النَّهْي والاستفهام إِذا كَانَ الْمَجْرُور نكرَة كَقَوْلِه تَعَالَى {مَا لكم من إِلَه غَيره}
وَأما فِي الْإِثْبَات فَلَا تجوز عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَجُمْهُور الْبَصرِيين وَقَالَ الْأَخْفَش تجوز مُطلقًا كَقَوْلِه تَعَالَى {يغْفر لكم من ذنوبكم} وَقيل إِن كَانَ نكرَة جَازَ كَقَوْلِه تَعَالَى {يحلونَ فِيهَا من أساور من ذهب} وَإِن كَانَ معرفَة فَلَا يجوز وَاخْتَارَ ابْن مَالك الألفية الأول وَفِي التسهيل الثَّانِي
(1/318)

إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ الْوَلِيّ زوجت مِنْك فَإِن النِّكَاح يَصح لما ذَكرْنَاهُ هَذَا حَاصِل مَا أجَاب بِهِ الْغَزالِيّ فِي فَتَاوِيهِ فَإِنَّهُ جزم بِالصِّحَّةِ فِيمَا إِذا قَالَ زوجت لَك أَو إِلَيْك ثمَّ علله فَقَالَ لِأَن الْخَطَأ فِي الصلات أَي الْحُرُوف إِذا لم يخل بِالْمَعْنَى ينزل منزلَة الْخَطَأ فِي الْإِعْرَاب بالتذكير والتأنيث وَلَو قَالَ زوجتكه وَأَشَارَ إِلَى ابْنَته صَحَّ هَذَا كَلَامه
مَسْأَلَة

لَام الْجَرّ أَصْلهَا الْفَتْح وَإِنَّمَا كسرت مَعَ الظَّاهِر مناسة لعملها وَيدل على مَا ذَكرْنَاهُ فتحهَا مَعَ الْمُضمر والإضمار يرد الشَّيْء إِلَى أَصله إِذا تقرر هَذَا فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا ادّعى عَلَيْهِ شَيْئا فَقَالَ مَا لَهُ عَليّ حق بِضَم اللَّام فَقِيَاس الْقَوَاعِد انه إِن أحسن الْعَرَبيَّة لزمَه وَإِلَّا فَلَا وَقد نقل الإِمَام احْمَد بن فَارس اللّغَوِيّ فِي تصنيفه الْمَنْقُول عَن فَتْوَى فَقِيه الْعَرَب ان ابا عبيد بن حربويه من أَصْحَابنَا صرح بذلك
(1/319)

مَسْأَلَة

إِلَى حرف يدل على انْتِهَاء الْغَايَة زَمَانا ومكانا تَقول سرت إِلَى الْبَصْرَة وَإِلَى طُلُوع الشَّمْس وَإِذا لم تقم قرينَة تدل على أَن مَا بعْدهَا دَاخل فِيمَا قبلهَا فَفِي دُخُوله مَذَاهِب
أَحدهَا يدْخل مُطلقًا وَالثَّانِي وَعَلِيهِ أَكثر الْمُحَقِّقين كَمَا قَالَه فِي الارتشاف أَنه لَا يدْخل
وَالثَّالِث إِن كَانَ من جنس مَا قبله فَيحْتَمل الدُّخُول وَإِن كَانَ الْأَظْهر خِلَافه هَذَا حَاصِل مَا نَقله الشَّيْخ فِي كتبه
قلت وَمذهب سِيبَوَيْهٍ كَمَا قَالَه أَمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان أَنه إِن اقْترن بِمن فَلَا يدْخل وَإِلَّا فَيحْتَمل الدُّخُول وَعَدَمه
وَقد ذكرت فِي كتاب التَّمْهِيد مَذَاهِب أُخْرَى للأصوليين فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَذكرت أَيْضا عَن الْبُرْهَان للْإِمَام أَن مَذْهَب الشَّافِعِي أَنه لَا يدْخل بل يدل على عدم الدُّخُول إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا حلف لَا تخرج امْرَأَته إِلَى الْعرس فَخرجت بِقَصْدِهِ وَلم تصل إِلَيْهِ فَلَا يَحْنَث لِأَن الْغَايَة لم تُوجد وَكَذَا لَو انعكس الْحَال فَخرجت لغير الْعرس ثمَّ دخلت إِلَيْهِ بِخِلَاف مَا إِذا أَتَى بِاللَّامِ فَقَالَ للعرس فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط وصولها إِلَيْهِ بل الشَّرْط أَن
(1/320)

تخرج لَهُ وَحده أَو مَعَ غَيره لِأَن حرف الْغَايَة وَهُوَ إِلَى لم يُوجد كَذَا قَالَه القَاضِي أَبُو الطّيب فِي كتاب الايمان من تعليقته فِي فرعين متصلين فتفطن لَهُ وَوجه التَّفْرِقَة بَين اللَّام وَإِلَى (أَن أصل إِلَى) الْغَايَة بِخِلَاف اللَّام فَإِن أَصْلهَا الْملك فَإِن تعذر فَتحمل على مَا يَقْتَضِيهِ السِّيَاق من التَّعْلِيل والانتهاء
وَمِنْهَا لَو حلف بِالطَّلَاق أَو غَيره أَنه بعث فلَانا إِلَى بَيت فلَان وَعلم أَن الْمَبْعُوث لم يمض إِلَيْهِ فَقيل يَقع الطَّلَاق لِأَنَّهُ يَقْتَضِي حُصُوله هُنَاكَ وَالصَّحِيح خِلَافه (لِأَنَّهُ يصدق أَن يُقَال) بَعثه فَلم يمتثل كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي آخر تَعْلِيق الطَّلَاق عَن أبي الْعَبَّاس الرَّوْيَانِيّ وَهُوَ وَاضح لِأَن الْمَحْلُوف عَلَيْهِ هُوَ الْبَعْث إِلَيْهِ وَقد وجد وَلم يحلف على الْوُصُول إِلَيْهِ
مَسْأَلَة

فِي للظرفيه وتستعمل الْبَاء أَيْضا بِمَعْنَاهُ كَقَوْلِه تَعَالَى {وَإِنَّكُمْ لتمرون عَلَيْهِم مصبحين وبالليل} أَي وَفِي اللَّيْل إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ لزوجته وهما فِي مصر مثلا أَنْت طَالِق فِي مَكَّة
(1/321)

فَفِي الرَّافِعِيّ قبيل الرّجْعَة عَن الْبُوَيْطِيّ أَنَّهَا تطلق فِي الْحَال وَتَبعهُ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَة وَسَببه أَن الْمُطلقَة فِي بلد مُطلقَة فِي بَاقِي الْبِلَاد لَكِن رَأَيْت فِي طَبَقَات الْعَبَّادِيّ عَن الْمَذْكُور وَهُوَ الْبُوَيْطِيّ أَنَّهَا لَا تطلق حَتَّى تدخل مَكَّة وَهُوَ مُتَّجه فَإِن حمل الْكَلَام على فَائِدَة أولى من إلغائه وَقد ذكر الرَّافِعِيّ قبل النَّص الْمَذْكُور بِقَلِيل فِي الْفَصْل الْمَنْقُول عَن اسماعيل البوشنجي مثله أَيْضا وَأقرهُ عَلَيْهِ
وَمِنْهَا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ (دِرْهَم فِي دِينَار) فَيجب عَلَيْهِ دِرْهَم إِلَّا أَن يُرِيد بفي معنى مَعَ فَيلْزمهُ (دِرْهَم ودينار) كَذَا قَالَه الشَّيْخ فِي التَّنْبِيه وَأقرهُ عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي تصميمه وَهُوَ مُقْتَضى الْقَوَاعِد إِلَّا أَن الرَّافِعِيّ ألحقهُ بِمَا إِذا قَالَ لَهُ فِي هَذَا العَبْد ألف حَتَّى تَجِيء فِيهِ الْأَقْسَام الْمَعْرُوفَة
(1/322)

مَسْأَلَة

الظرفيه المستفادة من فِي ظرفية مُطلقَة أَي لَا إِشْعَار لَهَا يكون المظروف فِي أول الظّرْف أَو آخِره أَو وَسطه فَمن فروع ذَلِك إِذا وَكله أَن يَشْتَرِي لَهُ دَارا فِي هراة مثلا فَيكون الربض وَهُوَ الدّور الْخَارِجَة عَنْهَا الْمُتَّصِلَة بهَا دَاخِلا فِي هَذَا اللَّفْظ وَإِن أَتَى بِالْبَاء فَقَالَ بهراة فيشتري بِالْبَلَدِ إِن كَانَ بلديا وَفِي الرساتيق أَي الْقرى الَّتِي حواليها إِن كَانَ رستاقيا وَإِن لم يعرف حَاله فيشتري أَيْن شَاءَ كَذَا قَالَه الْعَبَّادِيّ فِي الزِّيَادَات ثمَّ قَالَ عقب ذَلِك وَعِنْدِي أَنه يجب بتبيين موصعه
قلت وَهَذَا الْأَخير هُوَ الَّذِي جزم بِهِ الرَّافِعِيّ فَإِنَّهُ اشْترط ذكر حُدُود الدَّار الَّتِي يُوكل فِي شِرَائهَا وَهُوَ أبلغ من ذكر الْموضع
وَمِنْهَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق فِي يَوْم كَذَا طلقت عِنْد طُلُوع الْفجْر من ذَلِك الْيَوْم لِأَن الظَّرْفِيَّة قد تحققت وَفِيه قَول أَنَّهَا تطلق عِنْد غرُوب الشَّمْس وَقس على الْيَوْم غَيره من الْأَوْقَات المحدودة كوقت الظّهْر وَالْعصر
(1/323)

وَنَحْوهمَا فَلَو قَالَ الَّذِي أردْت بِقَوْلِي فِي شهر كَذَا أَو يَوْم كَذَا وَنَحْوه إِنَّمَا هُوَ الْوسط وَالْآخر دين وَلَا يقبل ظَاهرا وَقيل يقبل وَمِنْهَا لَو أسلم فِي شَيْء على أَن يُؤَدِّيه فِي يَوْم كَذَا أَو فِي شهر رَمَضَان مثلا أَو بَاعَ أَو أجر كَذَلِك فَإِن الْأَصَح بطلَان العقد للْجَهَالَة المؤدية إِلَى النزاع
وَمِنْهَا لَو قَالَ فِي السّلم على أَن يُؤَدِّيه فِي عشر سِنِين مثلا فَالْأَصَحّ كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي بَاب الْكِتَابَة بطلَان العقد للْجَهَالَة وَقيل يَصح ويوزع المَال على عدد السنين
مَسْأَلَة

كَاف التَّشْبِيه كَقَوْلِك زيد كالأسد حرف يدل على مُطلق التَّشْبِيه وَيتَعَيَّن مَحل ذَلِك بالقرائن وَقد يخرج عَن الحرفية إِلَى الاسمية فيستعمل فَاعله ومفعوله ومجروره وَغير ذَلِك فَتَقول جَاءَنِي كالأسد أَي مثله وَكَذَا رَأَيْت كالأسد ومررت ب كالأسد لَكِن خُرُوجهَا إِلَى الاسمية لَا يكون عِنْد سِيبَوَيْهٍ إِلَّا فِي ضَرُورَة الشّعْر وَأَجَازَهُ الأخفس وَجَمَاعَة فِي الْكَلَام وَعكس
(1/324)

صَاحب الْمشرق فَقَالَ يكون اسْما دَائِما وَفِي معنى الدّلَالَة على مُطلق التَّشْبِيه لفظ مثل وَمَا أَخذ مِنْهَا وَكَذَا الْمُسَاوَاة إِذا احتملت أنواعا إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ أَحرمت كإحرام زيد من حج أَو عمْرَة أَو قرَان أَو تمتّع حَتَّى نقل فِي الرَّوْضَة من زوائده قبيل سنَن الْإِحْرَام عَن صَاحب الْبَحْر أَنه لَو قَالَ كإحرام زيد وَعَمْرو وَكَانَ أَحدهمَا محرما بِالْحَجِّ وَالْآخر بِالْعُمْرَةِ صَار قَارنا وَلم يَقُولُوا أَنه يدْخل فِي مُجَرّد الْإِحْرَام ثمَّ يصرفهُ لما أَرَادَ وَسَببه أَن الْإِحْرَام لَا يشْتَرط فِيهِ التَّعْيِين فَلَو حملنَا ذَلِك على اصل الْإِحْرَام لم يبْق لقَوْله كإحرام زيد وَعَمْرو فَائِدَة
فَائِدَة لَو قَالَ الزَّوْج أَنْت طَالِق كالثلج أَو كالنار طلقت فِي الْحَال ولغا التَّشْبِيه كَذَا قَالَ الرَّافِعِيّ فِي آخر الْبَاب الأول من
(1/325)

أَبْوَاب الطَّلَاق قَالَ وَقَالَ أبوحنيفة إِن قصد التَّشْبِيه بالثلج فِي الْبيَاض وبالنار فِي الاستضاءة (طلقت للسّنة) وَإِن قصد التَّشْبِيه بالثلج فِي الْبُرُودَة وبالنار فِي الْحَرَارَة والإحراق طلقت فِي زمن الْبِدْعَة
وَمِنْهَا إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت عَليّ كالميتة وَالدَّم وَالْخمر وَالْخِنْزِير فَإِن أَرَادَ فِي الاستقذار صدق وَإِن أَرَادَ الطَّلَاق أَو الظهاري نفذ وَإِن نوى التَّحْرِيم لزمَه الْكَفَّارَة وَإِن أطلق فَقَالَ الرَّافِعِيّ ظَاهر النَّص أَنه كالحرام وَبِه صرح الإِمَام قَالَ وَالَّذِي ذكره الْبَغَوِيّ وَغَيره أَنه لَا شَيْء عَلَيْهِ انْتهى
(1/326)

وَلَو قَالَ لامْرَأَته أَنْت كالحمار وَنوى الطَّلَاق فَيتَّجه أَن يكون كِنَايَة وَإِن كَانَ الْأَشْهر فِيهِ إِرَادَة البلادة لصِحَّة إِرَادَة غَيره كتحريم الْوَطْء وَنَحْوه
وَمِنْهَا مَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي آخر تَعْلِيق الطَّلَاق عَن أبي الْعَبَّاس الرَّوْيَانِيّ أَنه لَو رأى امْرَأَته تنحت خَشَبَة فَقَالَ ان عدت الى مثل هَذَا الْفِعْل فَأَنت طَالِق فنحتت خَشَبَة من شَجَرَة أُخْرَى فَفِي وُقُوع الطَّلَاق وَجْهَان لِأَن النحت كالنحت لَكِن المنحوت غَيره وَصحح النَّوَوِيّ من زوائده الْوُقُوع
وَمِنْهَا لَو قَالَ لزيد عَليّ ألف ولعمرو عَليّ كَمَا لزيد فَيحْتَمل وجوب الْألف وَالْمُتَّجه أَنه يرجع فِي تَفْسِير الْوَاجِب إِلَيْهِ وَيكون التَّشْبِيه فِي أصل الْوُجُوب وَلَيْسَ نَظِير قَوْله فِي الْوَصِيَّة أوصيت لزيد بِمثل مَا أوصيت بِهِ لعَمْرو وَقَالُوا تكون وَصِيَّة بذلك الْمِقْدَار لِأَن نَظِيره إِنَّمَا هُوَ حذف الْبَاء الدَّاخِلَة على مثل وَمَعَ حذفهَا لَا نسلم وجوب الْمِقْدَار وأا مَعَ الْإِتْيَان بهَا فَإِنَّهُ صَرِيح فِيهِ
(1/327)

وَمِنْهَا قَالَ الْعَبَّادِيّ فِي الطَّبَقَات قَالَ الْكَرَابِيسِي أحد اصحاب الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم إِذا قَالَ أَنْت طَالِق مثل ألف طلقت ثَلَاثًا لِأَنَّهُ شبه بِعَدَد فَصَارَ كَقَوْلِه مثل عدد نُجُوم السَّمَاء
وَإِذا قَالَ مثل الْألف أَي بالتعريف طلقت وَاحِدَة وَإِذا لم ينْو شَيْئا لِأَنَّهُ تَشْبِيه بعظيم فَأشبه مَا لَو قَالَ مثل الْجَبَل وَلم يذكر الرَّافِعِيّ هَذِه الْمَسْأَلَة بل نقل عَن الْمُتَوَلِي مَسْأَلَة أُخْرَى قريبَة مِنْهَا وَمِنْهَا مَا إِذا قَالَ لعَبْدِهِ أَنْت حر مثل هَذَا العَبْد وَأَشَارَ إِلَى عبد آخر لَهُ قَالَ الرَّوْيَانِيّ فَيحْتَمل أَلا يعْتق الْمُشبه لعدم حريَّة الْمُشبه بِهِ وَتَكون الْحُرِّيَّة فِي كَلَامه مَحْمُولَة على حريَّة الْخلق قَالَ فَلَو لم يذكر العَبْد بل قَالَ انت حر مثل هَذَا فَيحْتَمل أَن يعْتق وَالأَصَح أَنَّهُمَا لَا يعتقان كَذَا نقل الرَّافِعِيّ هذَيْن الفرعين قبيل كتاب التَّدْبِير وَلم يُخَالف
(1/328)

فيهمَا وَاعْترض عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فَقَالَ يَنْبَغِي عتق الْمُشبه فِي الصُّورَة الأولى قَالَ وَالصَّوَاب عتقهما فِي الثَّانِيَة أَيْضا وَمَا ذكره النَّوَوِيّ فِي الْمَسْأَلَة الأولى وَاضح وَيُؤَيِّدهُ أَن هذَيْن اللَّفْظَيْنِ وهما حر وَمثل خبران عَن قَوْله أَنْت
وَأما مَا ذكره فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة فضعيف وَالصَّوَاب فِيهَا مقَالَة ثَالِثَة وَهِي عتق الأول دون الثَّانِي وَوَجهه مَا ذَكرْنَاهُ من كَونهمَا خبرين مستقلين فَإِن نصبت لفظ مثل فَكَذَلِك لاحْتِمَال نَصبه على الْحَال من الضَّمِير فِي (فِي حر) لَا على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف فَإِن قيل المُرَاد بقوله مثل هَذَا أَي فِي الْحُرِّيَّة قُلْنَا لَيْسَ فِي الْكَلَام تَصْرِيح بِهِ فَإِن ادّعى أَنه نَوَاه كَانَ كِنَايَة وَقع على الثَّانِي لأجل ذَلِك لَا لِأَنَّهُ مَدْلُول اللَّفْظ
فصل فِي النواصب للْفِعْل

مَسْأَلَة

إِذا نصبت الْمُضَارع بحتى فِي نَحْو قَوْلك لَأَضرِبَن الْكَافِر حَتَّى يسلم فمذهب الْبَصرِيين أَنَّهَا حرف جر وَالنّصب بعْدهَا بإضمار أَن وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ إِنَّهَا ناصبة بِنَفسِهَا وَلَيْسَت هِيَ الجارة وَحَيْثُ نصبت كَانَت للتَّعْلِيل كَمَا مثلنَا وللغاية كَقَوْلِك سر حَتَّى تطلع الشَّمْس وَذكر
(1/329)

ابْن هِشَام وَتَبعهُ ابْن مَالك أَنَّهَا تَأتي بِمَعْنى إِلَّا أَن فَتكون للاستثناء الْمُنْقَطع وضابطه أَن يكون مِمَّا لَا يتَكَرَّر فِيهِ الْفِعْل كَقَوْلِك لأقتلن الْكَافِر حَتَّى يسلم بِخِلَاف مَا يدل على التّكْرَار كالضرب وَالسير وَنَحْوهمَا إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق حَتَّى تتمم الثَّلَاث وَلم ينْو شَيْئا فَهَل تقع وَاحِدَة أَو ثَلَاث فِيهِ وَجْهَان حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ فِي بَاب تعدد الطَّلَاق وَلم يرجح شَيْئا وَقِيَاس مَا سبق وُقُوع الثَّلَاث ثمَّ قَالَ وَيقرب من هَذِه الصُّورَة مَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق حَتَّى أكمل ثَلَاثًا أَو أوقع عَلَيْك ثَلَاثًا
مَسْأَلَة

الْحُرُوف الناصبة للمضارع (تخلصه) للاستقبال على الصَّحِيح المجزوم بِهِ فِي أَوَائِل التسهيل وَقيل لَا بل هُوَ بَاقٍ على احْتِمَال الْأَمريْنِ إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا لَو قَالَ لوَكِيله خَالع وزجتي أَو طَلقهَا على أَن تَأْخُذ مَالِي
(1/330)

مِنْهَا فَإِنَّهُ يشْتَرط تَقْدِيم أَخذ المَال على الطَّلَاق كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن أبي الْفرج السَّرخسِيّ ثمَّ رَأَيْته كَذَلِك فِي كَلَام أبي الْفرج أَيْضا وَلقَائِل أَن يَقُول مُقْتَضى مَا سبق أَن يكون الْأَخْذ بعد الْخلْع
فصل فِي حُرُوف الْعَطف

مَسْأَلَة

الْوَاو العاطفة تشرك فِي الحكم بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إذاقال أَنْت طَالِق الْيَوْم وَإِن جَاءَ رَأس الشَّهْر فَإِنَّهَا تطلق طَلْقَة وَاحِدَة فِي الْحَال وَكَذَا أَنْت طَالِق الْيَوْم وَإِن دخلت الدَّار كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي بَاب تَعْلِيق الطَّلَاق فِي آخر الطّرف الأول مِنْهُ وَالْقِيَاس وُقُوع طَلْقَتَيْنِ فِي التَّعْلِيق الأول وَهُوَ قَوْله وَإِن جَاءَ رَأس الشَّهْر لِأَنَّهُ تَعْلِيق آخر بِخِلَاف التَّعْلِيق الثَّانِي وَهُوَ قَوْله وَإِن دخلت الدَّار فَإِن الْمَعْنى الْمَفْهُوم مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ الْوُقُوع سَوَاء دخلت أَو لم تدخل وَلَا يتخيل ذَلِك فِي التَّعْلِيق الأول فَيكون تَعْلِيقا آخر كَمَا ذكرنَا
وَمِنْهَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق الْيَوْم وَغدا وَبعد غَد وَقعت فِي الْحَال وَاحِدَة وَلَا يَقع بعْدهَا شَيْء لِأَن الْمُطلقَة فِي وَقت مُطلقَة فِيمَا بعده بِخِلَاف مَا إِذا كرر لفطة فِي فَإِن الطَّلَاق يَتَعَدَّد وَلِأَن المظروف يَتَعَدَّد بِتَعَدُّد الظّرْف
(1/331)

كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن التَّتِمَّة ثمَّ قَالَ وَلَيْسَ الدَّلِيل الْمَذْكُور أخيرا بواضح قلت وَالْقِيَاس وُقُوع ثَلَاث لِأَن الْعَطف يَقْتَضِي إنْشَاء طَلَاق آخر ثمَّ قَالَ الرَّافِعِيّ إِنَّه لَو أَتَى بالحرف أَولا فَقَط فَقَالَ أَنْت طَالِق بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار وَقعت وَاحِدَة
مَسْأَلَة

ذهب بعض الْبَصرِيين وَجَمَاعَة من الْكُوفِيّين إِلَى أَن وَاو الْعَطف تفِيد التَّرْتِيب وَنَقله صَاحب التَّتِمَّة فِي كتاب الطَّلَاق عَن بعض أَصْحَابنَا وَبَالغ الْمَاوَرْدِيّ فِي الْوضُوء من الْحَاوِي فنقله عَن الْأَخْفَش وَجُمْهُور أَصْحَابنَا وَاخْتَارَهُ الشَّيْخ أَبُو اسحق فِي التَّبْصِرَة
وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَعْرُوف عَن الْبَصرِيين أَنَّهَا لَا تدل على تَرْتِيب وَلَا على معية قَالَ فِي التسهيل لَكِن احْتِمَال تَأْخِير الْمَعْطُوف كثير وتقدمه قَلِيل والمعية احْتِمَال رَاجِح وَمَا ذكره مُخَالف لكَلَام سِيبَوَيْهٍ وَغَيره فَإِن سِيبَوَيْهٍ قَالَ وَذَلِكَ قَوْلك مَرَرْت بِرَجُل وجمار كَأَنَّك قلت مَرَرْت بهما وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيل على أَنه بدا بِشَيْء قبل شَيْء وَلَا بِشَيْء مَعَ شَيْء هَذَا كَلَامه
(1/332)

وَاعْلَم أَن القَوْل الثَّالِث يعبر عَنهُ بِأَنَّهَا لمُطلق الْجمع وَلَا يَصح التَّعْبِير بِالْجمعِ الْمُطلق لِأَن الْمُطلق هُوَ الَّذِي لم يُقيد بِشَيْء فَيدْخل فِيهِ صُورَة وَاحِدَة وَهِي قَوْلنَا مثلا قَامَ زيد وَعَمْرو وَلَا يدْخل فِيهِ الْمُقَيد بالمعية وَلَا بالتقديم وَلَا بِالتَّأْخِيرِ لخروجها بالتقييد عَن الْإِطْلَاق وَأما مُطلق الْجمع فَمَعْنَاه أَي جمع كَانَ وَحِينَئِذٍ فَيدْخل فِيهِ الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة وَهَذَا فرق لطيف غَرِيب أضيف لم أر من نبه عَلَيْهِ إِذا علمت ذَلِك فللمسألة فروع
الأول إِذا قَالَ لزوجته إِن دخلت الدَّار وَكلمت زيدا فَأَنت طَالِق فَلَا بُد مِنْهَا ولافرق بَين أَن يتَقَدَّم الْكَلَام على الدُّخُول أَو يتَأَخَّر عَنهُ وَأَشَارَ فِي التَّتِمَّة إِلَى وَجه فِي اشْتِرَاط تَقْدِيم الْمَذْكُور أَولا تَفْرِيعا على أَن الْوَاو تَقْتَضِي التَّرْتِيب كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي بَاب تَعْلِيق الطَّلَاق فِي الْكَلَام على اعْتِرَاض الشَّرْط على الشَّرْط
(1/333)

الثَّانِي إِذا قَالَ فِي مرض مَوته أعتقت زيدا وعمرا وضاق الثَّالِث عَنْهُمَا فَإِن قُلْنَا بالترتيب تعين الأول وَإِن قُلْنَا بِعَدَمِهِ فَيتَّجه تَخْرِيجه على الْقَوْلَيْنِ فِي مَا إِذا قَالَ لامرأنه قبل الدُّخُول أَنْت طَالِق وَطَالِق الْجَدِيد وُقُوع وَاحِدَة وَالْقَدِيم ثِنْتَانِ وعَلى هَذَا فيقرع بَينهمَا
الثَّالِث وَهُوَ مُخَالف لمقْتَضى مَا سبق إِذْ حملوه على التَّرْتِيب إِذا قَالَ لوَكِيله خُذ مَالِي من زَوْجَتي وَطَلقهَا قَالَ الْبَغَوِيّ فَلَا بُد من أَخذ المَال قبل الطَّلَاق فِي أصح الْوَجْهَيْنِ كَذَا نَقله عَنهُ الرَّافِعِيّ قبيل كتاب الْخلْع وَالْمعْنَى فِي إِيجَاب هَذَا التَّرْتِيب أَنه الِاحْتِيَاط لاحْتِمَال الْإِنْكَار بعد الطَّلَاق وَالِاحْتِيَاط وَاجِب على الْوَكِيل إِذا لم يكن فِي لفظ الْمُوكل مَا يَنْفِيه إِلَّا أَن أَبَا الْفرج السَّرخسِيّ لما حكى هذَيْن الْوَجْهَيْنِ اسْتدلَّ على عدم الِاشْتِرَاط بِمَا إِذا قدم الطَّلَاق فَقَالَ طَلقهَا وَخذ مَالِي مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط تَقْدِيم الْأَخْذ ثمَّ قَالَ وَالثَّانِي يشْتَرط لِأَنَّهُ أَخذ المَال قبل الْخلْع هَذِه عِبَارَته فَدلَّ على أَن الْمُقْتَضى مُجَرّد التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَلَو رَاعى الْمَعْنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ لم يفْتَرق الْحَال بَين الْأَمريْنِ
الرَّابِع لَو قَالَ خُذ هَذَا وَدِيعَة يَوْمًا وعارية يَوْمًا فَهُوَ وَدِيعَة فِي الْيَوْم الأول وعارية فِي الْيَوْم الثَّانِي ثمَّ لَا يعود وَدِيعَة أبدا بِخِلَاف مالو قَالَ وَدِيعَة
(1/334)

يَوْمًا وَغير وَدِيعَة يَوْمًا فَإِنَّهُ يكون وَدِيعَة أبدا كَذَا نقل الرَّافِعِيّ عَن الرَّوْيَانِيّ أَن الْأَصْحَاب اتَّفقُوا عَلَيْهِ
الْخَامِس وَهُوَ مُخَالف إِذْ حملوه على الْمَعِيَّة إِذا قَالَ لزوجته قبل الدُّخُول بهَا إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق وَطَالِق وَطَالِق أَي بتكراره ثَلَاثًا أَو قدم الْجَزَاء فَقَالَ أَنْت طَالِق وَطَالِق وَطَالِق إِن دخلت الدَّار فَدخلت وَقع الطَّلَاق فِي أصح الْأَوْجه لِأَن الْجمع يَقع فِي حَال الدُّخُول وَالثَّانِي لَا يَقع فيهمَا إِلَّا وَاحِدَة كَمَا لَو نجز الثَّلَاث كَذَا وَالثَّالِث ان قدم الشَّرْط فَوَاحِدَة وَإِن قدم الْجَزَاء وَقعت الثَّلَاث ولوأتى بثم أَو بِالْفَاءِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لم يَقع الا وَاحِدَة
السَّادِس مِمَّا حملوه فِيهِ على التَّرْتِيب إِذا قَالَ لعَبْدِهِ إِذا مت وَمضى شهر فَأَنت حر عتق بعد مَوته بِشَهْر وَلَا يَكْفِي تقدم الشَّهْر على الْمَوْت كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي أَوَائِل كتاب التَّدْبِير زذكر بعده بِقَلِيل عَن الْبَغَوِيّ مثله أَيْضا فَقَالَ إِن مت وَدخلت الدَّار فَأَنت حر فَيشْتَرط الدُّخُول بعد الْمَوْت إِلَّا أَن يُرِيد الدُّخُول قبله
(1/335)

مَسْأَلَة

قَالَت النُّحَاة وَمِنْهُم ابْن مَالك فِي شرح التسهيل فِي الْكَلَام على تَثْنِيَة الْمُشْتَرك وَجمعه إِن وَاو الْعَطف بِمَثَابَة ألف التَّثْنِيَة مَعَ الِاثْنَيْنِ وبمثابة وَاو الْجمع مَعَ الثَّلَاثَة فَصَاعِدا حَتَّى يكون قَول الْقَائِل قَامَ الزيدان كَقَوْلِك قَامَ زيد وَزيد إِذا علمت ذَلِك فللقاعدة أَمْثِلَة صَحِيحَة كَقَوْلِك بِعْتُك هَذَا وَهَذَا بِكَذَا فَإِنَّهُ لَا فرق بَينه وَبَين قَوْلك بِعْت هذَيْن بِكَذَا وَنَحْو ذَلِك من الْعُقُود والفسوخ لَكِن ذكر الْأَصْحَاب فروعا كَثِيرَة مُخَالفَة لَهَا
مِنْهَا إِذا كَانَ للْمَرِيض عَبْدَانِ كل مِنْهُمَا ثلث مَاله فَقَالَ أعتقت هَذَا وَهَذَا عتق الأول وَإِن قَالَ أعتقت هذَيْن أَقرع بَينهمَا كَذَا ذكره الْأَصْحَاب وَفرع الرَّافِعِيّ على هَذِه الْمَسْأَلَة فِي الْكَلَام على سرَايَة الْعتْق فروعا حَسَنَة وَمِنْهَا إِذا قَالَ لَهَا أَنْت طَالِق وَطَالِق وَطَالِق فَإِنَّهُ يَقع عَلَيْهِ ثَلَاث طلقات إِذا أطلق بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ أَنْت طالقان بالتثنية أَو طَوَالِق بِالْجمعِ فَإِنَّهُ لَا يَقع إِلَّا وَاحِدَة ذكره الْقفال فِي فَتَاوِيهِ وَنَقله عَنهُ الرَّافِعِيّ فِي الْكَلَام على كنايات الطَّلَاق وَلم يُخَالِفهُ
وَمِنْهَا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ دِرْهَم وَدِرْهَم وَدِرْهَم إِلَّا درهما وَفِيه وَجْهَان أَحدهمَا أَنا نجمع هَذَا المفرق وَيصِح الِاسْتِثْنَاء فَكَأَنَّهُ قَالَ عَليّ ثَلَاثَة
(1/336)

دَرَاهِم إِلَّا درهما وأصحهما أَنا لَا نجمع وَحِينَئِذٍ فَيبْطل الِاسْتِثْنَاء لكَونه مستغرفا وَيَأْتِي هَذَا الْخلاف أَيْضا فِيمَا إِذا كَانَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مجموعا وَالِاسْتِثْنَاء مفرقا كَقَوْلِه على ثَلَاثَة إِلَّا درهما ودرهما فَإِن جَمعنَا أبطلنا لصيرورته مُسْتَغْرقا وَإِن لم نجمع صححنا الِاسْتِثْنَاء فِي دِرْهَمَيْنِ وأبطلنا فِي الثَّالِث لحُصُول الِاسْتِغْرَاق بِهِ
وَمِنْهَا لَو أكرهه على طَلَاق حَفْصَة مثلا فَقَالَ لَهَا ولعمرة طلقتكما فَإِنَّهُمَا تطلقان لِأَنَّهُ عدل عَن الْمُكْره عَلَيْهِ فأشعر بِالِاخْتِيَارِ وَإِن قَالَ طلقت حَفْصَة وَعمرَة أَو أعَاد طلقت فَقَالَ طلقت حَفْصَة وَطلقت عمْرَة أَو حَفْصَة طَالِق وَعمرَة طَالِق لم تطلق الْمُكْره عَلَيْهَا وَهِي حَفْصَة وَتطلق الْأُخْرَى كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن الْمُتَوَلِي وَالْبَغوِيّ وَغَيرهمَا قَالَ وَأطلق الإِمَام عَن الْأَصْحَاب وُقُوع الطَّلَاق عَلَيْهِمَا وَلم يفصل بَين العبارتين وَهُوَ مُحْتَمل هَذَا كَلَام الرَّافِعِيّ لكنه نقل فِي الْكَلَام على كنايات الطَّلَاق مَا يشكل على هَذَا فَقَالَ وَلَو قَالَ كل امْرَأَة أَتَزَوَّجهَا فَهِيَ طَالِق وَأَنت يَا أم أَوْلَادِي قَالَ أَبُو عَاصِم الْعَبَّادِيّ لَا تطلق وَهُوَ كَمَا قَالَ غَيره لَو قَالَ لزوجته نسَاء الْعَالمين طَوَالِق وَأَنت يَا فَاطِمَة لَا تطلق لِأَنَّهُ عطف على نسْوَة لم يطلقن هَذَا كَلَامه وَقِيَاس غَيره كَذَلِك حَتَّى يسْتَثْنى الْعَطف على الْبَاطِل من تَفْرِيق الصَّفْقَة
(1/337)

مَسْأَلَة

الْفَاء تدل على التَّرْتِيب بِلَا مهلة ويعبر عَنهُ بالتعقيب (كَأَن الثَّانِي) أَخذ بعقب الأول وَقَالَ الْفراء يجوز أَن يكون مَا بعْدهَا سَابِقًا وَقَالَ الْجرْمِي إِن دخلت على الْأَمَاكِن والمطر فَلَا تفِيد التَّرْتِيب إِذا علمت ذَلِك فللمسألة فروع
الأول إِذا قَالَ مثلا إِن دخلت الدَّار فكلمت زيدا فَأَنت طَالِق فَيشْتَرط فِي الْوُقُوع تَقْدِيم الدُّخُول على الْكَلَام كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي الطّرف السَّابِع من تَعْلِيق الطَّلَاق
الثَّانِي إِذا قَالَ السَّيِّد إِذا مت فشئت أَي بِالْفَاءِ وَضم التَّاء من شِئْت فَأَنت حر فَإِنَّهُ لَغْو لِاسْتِحَالَة مَشِيئَته بعد الْمَوْت وَحِينَئِذٍ فَيفوت التَّرْتِيب كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء التَّدْبِير وَلقَائِل إِذا تَعَذَّرَتْ الْحَقِيقَة فَلم لَا تحمله على الْمجَاز وَهُوَ اسْتِعْمَال الْفَاء مَوضِع الْوَاو وَحِينَئِذٍ تعْتَبر الْمَشِيئَة قبل الْمَوْت (وَآخر كَلَام الرَّافِعِيّ مشْعر بِهِ)
(1/338)

الثَّالِث إِذا عبر السَّيِّد بقوله إِذا مت فشئت كَمَا ذَكرْنَاهُ إِلَّا أَنه فتح التَّاء من شِئْت أَو قَالَ إِن وَقع كَذَا فَكَذَا فَأَنت حر فَفِي اشْتِرَاط الِاتِّصَال وَجْهَان حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ فِي موضِعين من كتاب التَّدْبِير وَقَالَ الْأَصَح هُوَ الِاشْتِرَاط وَمُقْتَضى ذَلِك جريانهما فِي الطَّلَاق وَالْوكَالَة كَقَوْلِه بِعْ هَذَا فَهَذَا وَغير ذَلِك من الْأَبْوَاب
الرَّابِع إِذا قَالَ بِعْتُك بدرهم فدرهم انْعَقَد البيع بِدِرْهَمَيْنِ على قِيَاس الْمَذْكُور فِي الطَّلَاق لِأَن كلا مِنْهُمَا إنْشَاء كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْإِقْرَار عَن أبي الْعَبَّاس الرَّوْيَانِيّ
مَسْأَلَة

فَاء الْجَزَاء كَقَوْلِك من يقم فَإِنِّي أكْرمه هَل تدل على التعقيب كَمَا تدل عَلَيْهِ لَو كَانَت لمُجَرّد الْعَطف فِيهِ مذهبان وَمن فَوَائِد الْخلاف وجوب اسْتِتَابَة الْمُرْتَد فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام قد قَالَ من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ فَإِن جعلنان للتعقيب كَانَت دَلِيلا على عدم الْوُجُوب وَإِلَّا فَلَا
مَسْأَلَة

ثمَّ من حُرُوف الْعَطف وَيجوز أبدال ثائها فَاء وَأَن يلْحق آخرهَا تَاء التَّأْنِيث متحركة تَارَة وساكنة أُخْرَى وَهِي تفِيد التَّرْتِيب وَلَكِن بمهلة
(1/339)

وَقيل تسْتَعْمل أَيْضا للتَّرْتِيب بِلَا مهلة كالفاء وَقَالَ الْفراء والأخفش وقطرب إِنَّهَا لَا تدل على التَّرْتِيب بِالْكُلِّيَّةِ إِذا علمت ذَلِك ففروع الْمَسْأَلَة كَثِيرَة مِنْهَا إِذا قَالَ لوَكِيله بِعْ هَذَا ثمَّ هَذَا وَنَحْو ذَلِك
وَمِنْهَا فِي الْوَقْف إِذا قَالَ وقفت على زيد ثمَّ عَمْرو أَو قَالَ أوصيت إِلَى زيد ثمَّ عَمْرو فَلَا بُد من التَّرْتِيب وَقِيَاس كَونهَا للانفصال أَن لَا يَصح تصرف الْوَكِيل وَالْوَصِيّ مُتَّصِلا بِولَايَة الأول وَأَن يكون الْوَقْف مُنْقَطِعًا فِي لَحْظَة
وَذهب أَبُو عَاصِم الْعَبَّادِيّ إِلَى أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب فِي صُورَة خَاصَّة وَهِي مَا إِذا قَالَ وقفت على أَوْلَادِي ثمَّ على أَوْلَادهم بَطنا بعد بطن نَقله عَنهُ القَاضِي الْحُسَيْن فِي فَتَاوِيهِ
وَمِنْهَا وَهُوَ مُخَالف لهَذِهِ الْقَاعِدَة لَو قَالَ لوَكِيله طلق زَوْجَتي ثمَّ خُذ مَالِي مِنْهَا جَازَ تَقْدِيم قبض المَال لِأَنَّهُ زِيَادَة خير كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ قبيل كتاب الْخلْع وَفِيه نظر لِأَنَّهُ مَمْنُوع من الْقَبْض قبل ذَلِك وَزِيَادَة الْخَيْر إِنَّمَا تسوغ للْوَكِيل إِذا لم يُصَرح الْمُوكل بِخِلَافِهِ كَمَا لَو قَالَ بِعْهُ بِمِائَة وَلَا تبعه بِزِيَادَة عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا يَبِيع بذلك وَإِن كَانَ فِيهِ زِيَادَة خير
(1/340)

وَمِنْهَا لَو قَالَ لعَبْدِهِ إِن صمت يَوْمًا ثمَّ يَوْمًا ثمَّ يَوْمًا آخر فَأَنت حر فَالْقِيَاس أَنه لَا يَكْفِي الْيَوْم الَّذِي بعد الْيَوْم الأول لِأَنَّهُ مُتَّصِل بِهِ إِذا اللَّيْل لَا يقبل الصَّوْم فَلَا بُد من الْفَصْل بِيَوْم لما ذَكرْنَاهُ ولتتميز ثمَّ عَن الْوَاو
مَسْأَلَة

أَو تقع لمعان مِنْهَا التَّخْيِير كَقَوْلِه تَعَالَى {ففدية من صِيَام أَو صَدَقَة أَو نسك} وللإباحة نَحْو جَالس الْحسن أَو ابْن سِيرِين فَإِذا عبر بهَا فِي النَّهْي عَن مَا كَانَت فِيهِ للْإِبَاحَة استوعبت مَا كَانَ مُبَاحا بالِاتِّفَاقِ
كَذَا قَالَه فِي الارتشاف وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَلَا تُطِع مِنْهُم آثِما أَو كفورا} قَالَ وَإِذا وَقعت فِي النَّهْي عَن الْمخبر فَقَالَ السيرافي يستوعب الْجَمِيع أَيْضا وَقَالَ ابْن كيسَان لَا يلْزم ذَلِك بل يحْتَمل الْجَمِيع وَالْبَعْض إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي آخر كتاب الْأَيْمَان فَقَالَ وَفِي كتب الْحَنَفِيَّة أَن كلمة أَو إِذا دخلت بَين نفيين اقْتَضَت انتفاءهما كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَلَا تُطِع مِنْهُم آثِما أَو كفورا}
(1/341)

فَإِذا قَالَ وَالله لَا أَدخل هَذِه الدَّار أَو هَذِه فأيتها دخل حنث بِخِلَاف الدَّاخِلَة بَين إثباتين فَإِنَّهَا تَقْتَضِي ثُبُوت أَحدهمَا حَتَّى إِذا قَالَ لأدخلن الْيَوْم هَذِه الدَّار أَو هَذِه فيبر بِدُخُول إِحْدَاهمَا قَالَ الرَّافِعِيّ عقيب ذَلِك وَيُشبه أَن يُقَال إِذا دخلت بَين نفيين كفى للبر أَن لَا يدْخل وَاحِدَة وَلَا يضر دُخُول الْأُخْرَى كَمَا يَكْفِي الْوَاحِدَة فِي طرف الْإِثْبَات قلت وعَلى الأول لم يتَعَرَّض إِلَى أَنه إِذا دخلهما هَل يلْزمه كفارتان أَو كَفَّارَة وَاحِدَة وتنحل الْيَمين بِالدُّخُولِ وَالْقِيَاس الثَّانِي كَمَا لَو قَالَ وَالله لَا أَدخل كل وَاحِدَة مِنْهُمَا أَو أَطَأ وَنَحْو ذَلِك فَإِن الْيَمين تنْحَل بِالْفِعْلِ الأول عِنْد الْأَكْثَرين كَمَا أوضحه الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْإِيلَاء فاعلمه ثمَّ قَالَ الرَّافِعِيّ فِي أَوَاخِر كتاب الايمان نقلا عَنْهُم أَيْضا وَلَو قَالَ لَا أَدخل هَذِه الدَّار أبدا أَو لأدخلن تِلْكَ الدَّار فِي هَذَا الْيَوْم انْعَقَدت الْيَمين على التَّخْيِير الَّذِي ذكره حَتَّى يبر إِذا امْتنع من الأولى وَإِن لم يدْخل الثَّانِيَة أَو دخل الثَّانِيَة وَإِن لم يمْتَنع من الأولى وَفِي الْإِقْنَاع للماوردي أَنه لَو قَالَ
(1/342)

لَا أكلت خبْزًا أَو لَحْمًا فَيرجع إِلَى مُرَاده مِنْهُمَا فَيتَعَلَّق بِهِ الْيَمين انْتهى كَلَام الرَّافِعِيّ وَاعْلَم أَن الْقَاعِدَة يتَفَرَّع عَلَيْهَا أَيْضا مَا لَو قَالَ بِعْ هَذَا أَو هَذَا ثمَّ نهى عَنهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور أَي بِصِيغَة أَو وَكَذَا أبحت لَك هَذَا أَو هَذَا فَخذ أَيهمَا شِئْت ثمَّ نهى عَنهُ بِهَذِهِ الصِّيغَة وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ مثلا لعَبْدِهِ خطّ هَذَا الْقَمِيص أَو ذَاك ثمَّ قَالَ لَا تخط ذَا أَو ذَاك
مَسْأَلَة

وَمن مَعَاني أَو التَّقْسِيم كَقَوْلِك الْكَلِمَة اسْم أَو فعل أَو حرف وَنَحْو ذَلِك سَوَاء كَانَ الْكَلَام خَبرا أَو إنْشَاء تَعْلِيقا كَانَ أَو تنجيزا إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ إِن دخلت الدَّار أَو كلمت زيدا فَأَنت طَالِق أَو أَنْت طَالِق إِن دخلت أَو كلمت طلقت بِأَيِّهِمَا وجد وتنحل الْيَمين فَلَا يَقع بِالْأُخْرَى شَيْء
وَمِنْهَا أَنا قَالَ أَنْت طَالِق وَهَذِه أَو هَذِه فَينْظر كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ قبيل تَعْلِيق الطَّلَاق بأسطر نقلا عَن البوشنجي فَإِن أَرَادَ ضم الثَّانِيَة إِلَى
(1/343)

الأولى فهما حرف وَالثَّالِثَة حزب وَالطَّلَاق مردد بَين الْأَوليين وَالثَّالِثَة فَإِن عين الثَّالِثَة طلقت وَحدهَا وَإِن عين الْأَوليين أَو إِحْدَاهمَا طلقتا وَإِن عين ضم الثَّانِيَة إِلَى الثَّالِثَة وجعلهما حزبا وَالْأولَى حزبا طلقت الأولى وَإِحْدَى الْأُخْرَيَيْنِ وَهَذَا الضَّم والتحزيب يعرف من قرينَة الوقفة والنغمة قَالَ البوشنجي فَإِن لم تكن قرينَة فَالَّذِي أرَاهُ أَنه ان كَانَ عَارِفًا بِالْعَرَبِيَّةِ فَمُقْتَضى الْوَاو الْجمع بَين الأولى وَالثَّانيَِة فِي الحكم فيجعلان حزبا وَالثَّانيَِة حزبا وَإِن كَانَ جَاهِلا طلقت الأولى بِتَعْيِين وَيُخَير بَين الْأُخْرَيَيْنِ
وَمِنْهَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق غَدا أَو عَبدِي حر بعد غَد قَالَ البوشنجي يُؤمر بِالتَّعْيِينِ فَإِذا عين الطَّلَاق أَو الْعتْق تعين فِي الْيَوْم الَّذِي ذكره
وَمِنْهَا إِذا ردد بَين تعليقين فَقَالَ إِن دخلت الدَّار فَعَبْدي حر أَو كلمت فلَانا فَأَنت طَالِق سألناه ليبين أَي اليمينين أَرَادَ وَيُؤْخَذ بِهِ كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي آخر تَعْلِيق الطَّلَاق عَن البوشنجي وَأقرهُ وَذكر مثله فِي تَنْجِيز الطَّلَاق أَيْضا كَقَوْلِه أَنْت طَالِق وَاحِدَة أَو اثْنَتَيْنِ قَالَه فِي بَاب تعدد الطَّلَاق
(1/344)

وَمِنْهَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق الْيَوْم أَو غَدا فَقيل تطلق فِي الْحَال تَغْلِيبًا للإيقاع وَالصَّحِيح أَنه لَا يَقع إِلَّا فِي الْغَد لِأَنَّهُ الْيَقِين وَهَكَذَا إِذا قَالَ غَدا أَو بعد غَد أقَال إِذا جَاءَ الْغَد أَو بعد الْغَد كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي أَوَائِل تَعْلِيق الطَّلَاق فِي الْكَلَام على التَّعْلِيق بالأوقات وَهُوَ مُشكل على مَا سبق فَإِن سِيَاقه التَّخْيِير
وَمِنْهَا إِذا قَالَ بِعْ هَذَا العَبْد أَو ذَاك فقد قَالَ أَصْحَابنَا لَا يَصح هَذَا التَّوْكِيل كَذَا ذكره فِي الرَّوْضَة من زوائده فِي كتاب الْوكَالَة وَهُوَ مُشكل فان أَو ظَاهِرَة فِي التَّخْيِير أَو الْإِبَاحَة فَيكون كَقَوْلِه بِعْ أدهما وَحملهَا على الشَّك يُعِيد لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتَّجه وَيظْهر فِي شَيْء وَقع
مَسْأَلَة

إِذا لم تأت بأوفى قَوْلك جَالس الْحسن أَو ابْن سِيرِين وَنَحْو ذَلِك من أَقسَام الْإِبَاحَة بل أتيت بِالْوَاو فَقَالَ فِي الارتشاف فِي الْكَلَام على أَو
(1/345)

قَالَ أَصْحَابنَا لَا يجوز لَهُ مجالسة أَحدهمَا دون الآخر بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ بِأَو فَإِن لَهُ أَن يفعل ذَلِك وَأَن يجالسهما أَو مثلهمَا فِي الْفضل إِذا علمت ذَلِك فقياسه فِي الْفُرُوع أَنه لَو قَالَ لَهُ بِعْ هَذَا وَهَذَا جَوَاز بيع كل مِنْهُمَا مُنْفَردا وَبِه جزم الرَّافِعِيّ فِي آخر الْوكَالَة وَيلْزم مِنْهُ جَوَاز الِاقْتِصَار على أَحدهمَا بِلَا شكّ
مَسْأَلَة

الْوَاو العاطفة بجوز حذفهَا إِذا دلّ عَلَيْهَا دَلِيل كَذَا قَالَه الْفَارِسِي وَاخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور وَابْن مَالك وَاسْتَدَلُّوا بقول الْعَرَب أكلت لَحْمًا سمكًا تَمرا وَخَرجُوا عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الغاشية {وُجُوه يَوْمئِذٍ خاشعة عاملة} ثمَّ قَالَ {وُجُوه يَوْمئِذٍ ناعمة} أَي ووجوه وَذهب ابْن جني
(1/346)

والسهيلي إِلَى منع ذَلِك إِذا علمت مَا ذَكرْنَاهُ فيتفرع على الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ مثلا بِعْتُك عَبدِي سالما (عَبدِي) غانما بِأَلف أَو قَالَ زَوجتك بنت عمي فلَان بنت خَالَتِي فُلَانَة وَنَحْو ذَلِك من الْعُقُود وَادّعى إِرَادَة الْعَطف فَيتَّجه أَن يُقَال مَا يسْتَقلّ بِهِ الشَّخْص كالوقف وَالْعتاق وَالطَّلَاق فَيرجع فِيهِ إِلَيْهِ وَأما الفسوخ وَنَحْوهَا مِمَّا يشرع لدفع الضَّرَر فَفِيهِ احْتِمَال وَمَا لايستقل بِهِ أَن لم يُوَافقهُ الآخر عَلَيْهِ فَلَا يقبل وَإِن وَافقه فَيقبل (فِيهِ إِن لَا) يشْتَرط فِيهِ الْإِشْهَاد كَالْبيع وَنَحْوه وَأما مَا يشْتَرط فِيهِ ذَلِك كَالنِّكَاحِ فَالْمُتَّجه فِيهِ عدم الْقبُول لِأَن الشُّهُود لَا مطلع لَهُم على إِرَادَة ذَلِك الْمَحْذُوف فَأشبه مَا لَو قَالَ قبلت وَلم يقل نِكَاحهَا بل أَرَادَهُ وَيحْتَمل الصِّحَّة كَمَا لَو كَانَ لَهُ بنتان فَقَالَ زَوجتك بِنْتي فاتفقا على إِرَادَة وَاحِدَة بِعَينهَا
وَمِنْهَا مَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي كتاب الايمان عَن القَاضِي أبي الطّيب أَنه لَو قَالَ إِن شَاءَ الله فَأَنت طَالِق وعبدي حر فَإِن الطَّلَاق وَالْعتاق لَا يقعان قَالَ فَلَو حذف الْفَاء أَو الْوَاو الدَّاخِلَة على عَبدِي فَكَذَلِك أَيْضا لِأَن حرف الْعَطف قد يحذف مَعَ إِرَادَة العاطف ثمَّ بحث الرَّافِعِيّ فِي حذف الْوَاو الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْمِثَال فَقَالَ وَليكن هَذَا فِيمَا إِذا نوى صرف الِاسْتِثْنَاء إِلَيْهِمَا فَإِن أطلق فَيُشبه أَن يَجِيء فِيهِ الْخلاف فِي أَن الِاسْتِثْنَاء هَل ينْصَرف إِلَى الجملتين أم يخْتَص بالأخيرة
(1/347)

مَسْأَلَة

الْفَاء الدَّاخِلَة على خبر الْمُبْتَدَأ فِي قَوْلك الَّذِي يأتيني فَلهُ دِرْهَم أَو كل رجل يأتيني فَلهُ دِرْهَم وَمَا أشبه ذَلِك يشْعر كَمَا قَالَه فِي التسهيل وَغَيره بِاسْتِحْقَاق ذَلِك بالإتيان بِخِلَاف حذفهَا فَإِن الْكَلَام حِينَئِذٍ يدل على مُجَرّد الْإِخْبَار من غير استناد إِلَى الْإِتْيَان وَكَذَلِكَ إِذا وَقعت بعد من شَرْطِيَّة كَانَت أَو مَوْصُولَة إِذا علمت ذَلِك فيتفرع على الْمَسْأَلَة عدم اسْتِحْقَاق الْجعل فِي هَذِه الْحَالة إِذا صدر ذَلِك من الْمَالِك أَعنِي بِغَيْر الْفَاء وَكَلَام أَصْحَابنَا مشْعر بذلك فَإِن الرَّافِعِيّ وَغَيره ضبطوا الْإِيجَاب بقَوْلهمْ فِي الصِّيغَة الدَّالَّة على الْإِذْن فِي الْعَمَل بعوض يلْزمه وَقد ذكر أهل اللِّسَان أَن حذف الْفَاء لَا يدل على الِالْتِزَام ثمَّ إِنَّهُم أَيْضا لما مثلوه قرنوه بِالْفَاءِ فَدلَّ على مَا قُلْنَاهُ
فصل فِي لَو وَلَوْلَا

مَسْأَلَة

لَو حرف يدل على وُقُوع شَيْء لوُقُوع غَيره وَلَا يَليهَا عِنْد الْمُحَقِّقين إِلَّا ماضي الْمَعْنى سَوَاء كَانَ بِلَفْظ الْمَاضِي أَو الْمُضَارع وَيسْتَعْمل أَيْضا
(1/348)

بِمَعْنى أَن فَيكون للشّرط فِي الْمُسْتَقْبل وَمِنْه قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق لَو دخلت الدَّار فَالْقِيَاس أَن يسْأَل الْحَالِف فَإِن أَرَادَ معنى أَن فَوَاضِح وَإِن أَرَادَ أَنه لَو حصل فِي الْمَاضِي دُخُول لَكَانَ يَقع الطَّلَاق فَيقبل أَيْضا فَإِن تَعَذَّرَتْ الْمُرَاجَعَة فَالْأَصْل عدم الْوُقُوع وَلَا يحضرني نقل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَلَو قدم لَو فَقَالَ لَو دخلت الدَّار أَنْت طَالِق فَيتَّجه أَن يكون كالصورة السَّابِقَة
مَسْأَلَة

لَوْلَا تكون تَارَة حرف امْتنَاع لوُجُود وَحِينَئِذٍ فَلَا يَليهَا إِلَّا الْمُبْتَدَأ على الْمَعْرُوف نَحْو لَوْلَا زيد لأكرمتك أَي امْتنع الْإِكْرَام لأجل وجود زيد وَتارَة حرف تحضيض بِمَعْنى هلا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {لَوْلَا أنزل إِلَيْهِ ملك فَيكون مَعَه نذيرا} إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ
(1/349)

أَنْت طَالِق لَوْلَا دخلت الدَّار وَنَحْو ذَلِك وَهَذِه الْمَسْأَلَة قد وَردت عَليّ من الْيمن من جملَة مسَائِل وَلَا شكّ أَنه يحْتَمل أَن يكون قد أَرَادَ بلولا تحضيض التحضيضية وأتى بهَا بعد إِيقَاع الطَّلَاق اما حثا لَهَا على الدُّخُول أَو إنكارا وتعليلا للإيقاع وَهُوَ الظَّاهِر وَيحْتَمل إِرَادَة لَوْلَا الامتناعية إِلَّا أَنه أَخطَأ فَأتى بِالْجُمْلَةِ الفعلية عَقبهَا والإسمية جَوَابا لَهَا وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم فَإِن أطلق أَو تَعَذَّرَتْ مُرَاجعَته فَفِيهِ نظر
فصل فِي تَاء التَّأْنِيث

مَسْأَلَة الأَصْل وَالْغَالِب دُخُول التَّاء الْمَذْكُورَة للْفرق بَين الْمُذكر والمؤنث وَمن فروع ذَلِك مَا ذكره القَاضِي حُسَيْن فِي تعليقته قبيل بَاب الْكِتَابَة بِنَحْوِ ورقتين أَنه لَو قَالَ لعَبْدِهِ أَنْت أبنتي أَي بتاء التَّأْنِيث فَإنَّا لَا نحكم بِعِتْقِهِ قَالَ وَكَذَا لَو قَالَ لأمته أَنْت ابْني أَي بالتذكير قَالَ لِأَنَّهُ محَال
مَسْأَلَة

تَاء التَّأْنِيث تدخل على اسْم الْعدَد من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة إِذا كَانَ الْمَعْدُود مذكرا وَإِن كَانَ مؤنثا لم تدخل عَلَيْهِ فَتَقول ثَلَاثَة رجال وَثَلَاث نسْوَة قَالَ الله تَعَالَى {سخرها عَلَيْهِم سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام حسوما} وَمَا
(1/350)

ذَكرْنَاهُ هُوَ الأَصْل على تَفْصِيل فِيهِ لأهل الْعَرَبيَّة يطول ذكره إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا أوصى فَقَالَ أَعْطوهُ عشرا أَو عشرَة من الْإِبِل أَي إِمَّا بِالتَّاءِ أَو بحذفها فَفِيهِ وَجْهَان حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ أَحدهمَا أَنا نسلك قَاعِدَة الْعَرَبيَّة فَإِن أَتَى بِالتَّاءِ أعطيناه ذُكُورا وَإِن لم يَأْتِ بهَا أعطيناه إِنَاثًا قَالَ وأصحهما جَوَاز إِعْطَاء النَّوْعَيْنِ فِي الْحَالَتَيْنِ لِأَن الِاسْم يتناولهما
مَسْأَلَة

التَّاء الْمَذْكُورَة تَأتي للْمُبَالَغَة وَمِنْه قَوْلهم راوية لكثير الرِّوَايَة وَكَذَا قَول الْعَرَب مَا من سَاقِطَة إِلَّا وَلها لاقطة كَمَا قَالَه الشلوبين قَالَ وَمَعْنَاهُ أَن مَا من شَيْء يَنْتَهِي فِي السُّقُوط إِلَى الْغَايَة إِلَّا لَهُ من يُبَالغ فِي الْتِقَاطه ويحرض عَلَيْهِ وَأما قَوْلهم عَلامَة ونسابة فالتاء فيهمَا لتأكيد الْمُبَالغَة لِأَن الْمُبَالغَة قد استفيدت من هذَيْن اللَّفْظَيْنِ قبل دُخُول التَّاء فَإِنَّهَا تَأتي للْمُبَالَغَة وَحِينَئِذٍ فَيكون أبلغ من التَّعْبِير بالزاني ثمَّ ذكر الإِمَام بعد تَعْلِيل بِمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ أَن وُرُودهَا للْمُبَالَغَة لَا ينقاس
(1/351)

مَسْأَلَة

التَّاء فِي أَسمَاء الْأَجْنَاس كالشاة وَنَحْوهَا لَيست للتأنيث بل للدلالة على الْوحدَة بِخِلَاف مَا حذفت مِنْهُ فَإِن أَقَله ثَلَاث كَمَا سبق الْكَلَام عَلَيْهِ قبيل بَاب الْأَفْعَال وَمِنْه الْبَقَرَة كَمَا نَص عَلَيْهِ النُّحَاة واللغويون وَلِهَذَا قَالَ الْجَوْهَرِي الْبَقَرَة تقع على الذّكر وَالْأُنْثَى
إِذا تقرر هَذَا فَمن فروع الْمَسْأَلَة إِذا أوصى بِشَاة فَفِي جَوَاز إِعْطَاء الذّكر وَجْهَان الْأَصَح الْجَوَاز على وفْق الْقَاعِدَة
وَمِنْهَا إِذا أوصى ببقرة فَالْقِيَاس إِجْرَاء الذّكر لما ذَكرْنَاهُ لكِنهمْ صححوا وجوب الْأُنْثَى تعليلا بِالْعرْفِ وَفِيه نطر أَيْضا لِأَن الْعرف مُضْطَرب فِيهِ
فصل

حُرُوف الْجَواب سِتَّة أجل وبجل وَأي وبلى وَنعم وَإِن الأول أجل بلام سَاكِنة قيل لَا يُجَاب بِهِ لَا فِي النَّفْي وَلَا فِي النَّهْي وَيُجَاب بِهِ فِيمَا عداهما وَقيل يُجَاب بِهِ فِيمَا عدا الِاسْتِفْهَام وَقَالَ الْأَخْفَش يُجَاب بِهِ مُطلقًا
(1/352)

الثَّانِي بجل بباء مُوَحدَة وجيم مفتوحتين وَلَام سَاكِنة وَمَعْنَاهُ معنى نعم وَسَيَأْتِي أيضاحه
الثَّالِث إِي بِهَمْزَة مَكْسُورَة وَمَعْنَاهُ نعم إِلَّا أَنه لَا بُد من الْقسم بعده لقَوْله تَعَالَى {قل إِي وربي إِنَّه لحق}
الرَّابِع بلَى وَهُوَ ثلاثي الْوَضع وَقيل أَصله بل الَّتِي هِيَ للْعَطْف فَدخلت الْألف للْإِيجَاب وَقيل للإضراب وَالرَّدّ وَقيل للتأنيث كالتاء فِي ربت وثمت وَهِي أَي بلَى لإِثْبَات النَّفْي مُجَردا كَانَ أَو مَقْرُونا بإداة الِاسْتِفْهَام سَوَاء كَانَ الِاسْتِفْهَام حَقِيقَة أَو مرَادا بِهِ التَّقْرِير
فَإِذا قَالَ قَائِل لم يقم زيد أَو قَالَ ألم يقم زيد فَقلت بلَى فَمَعْنَاه أَنه قَامَ وَكنت مُكَذبا لَهُ فِي النَّفْي بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ أردْت تَصْدِيقه فِي النَّفْي فَإنَّك تَأتي بنعم قَالَ الله تَعَالَى {أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى} قَالَ ابْن عَبَّاس لَو قَالُوا نعم لكفروا
(1/353)

وَالْخَامِس نعم وَفِيه أَربع لُغَات فتح الْعين وَكسرهَا وإبدال عَنْهَا حاء كَذَلِك وَهُوَ فِي الْمُوجب وَالسُّؤَال عَنهُ تَصْدِيق للثبوت وَفِي النَّفْي وَالسُّؤَال عَنهُ تَصْدِيق للنَّفْي فَإِذا قَالَ قَامَ زيد وَهل قَامَ زيد فَقلت نعم فَمَعْنَاه أَنه قَامَ وَإِذا قَالَ لم يقم زيد وألم يقم زيد أَي بِالْهَمْزَةِ فَأُجِيب بنعم فَمَعْنَاه أَنه لم يقم وَمِنْه مَا تقدم نَقله عَن ابْن عَبَّاس وَالْقَوْل الْجَامِع فِي نعم أَنه لتصديق الْمخبر ولإعلام المستخبر كَقَوْلِك هَل جَاءَ زيد فَتَقول نعم أَي أَنا أضربه السَّادِس إِن الْمُشَدّدَة قَالَ سِيبَوَيْهٍ تكون بِمَعْنى نعم وَتَابعه عَلَيْهِ ابْن مَالك فِي
(1/354)

التسهيل وأنشدوا ... اكس بنياتي وأمهنه ... وَقل لَهُنَّ إِن إِن إِنَّه ...
أَي نعم نعم نعم وَمنع ذَلِك ابْن عُصْفُور وَتَأَول مَا ورد مِنْهُ إِذا علمت ذَلِك كُله فتفاريعه لَا تخفى إِلَّا أَنه إِذا قَالَ أَلَيْسَ لي عَلَيْك ألف فَقَالَ بلَى فَإِنَّهُ يلْزمه قطعا فَلَو قَالَ نعم فَوَجْهَانِ أَحدهمَا لَا يلْزمه وَفَاء بقاعدة الْعَرَبيَّة وأصحهما اللُّزُوم رُجُوعا إِلَى الْعرف
فصل فِي حُرُوف مُتَفَرِّقَة

مَسْأَلَة السِّين فِي استفعل وَمَا تفرع عَلَيْهِ كالمضارع وَالْأَمر وضعت للدلالة على الطّلب فَإِذا قيل مثلا فلَان يسْتَخْرج فَمَعْنَاه يطْلب
(1/355)

خراج أرضه أَو زراعته أَو فلَان يستعطي مَعْنَاهُ أَنه يطْلب أَن يعْطى لَهُ إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا حلف لَا يستخدم فلَانا فخدمه والحالف سَاكِت لم يطْلب ذَلِك مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث لِأَن مَدْلُول السِّين لم يُوجد هَكَذَا ذكره الْأَصْحَاب حكما وتعليلا وَهُوَ يَقْتَضِي أَن طلب الْخدمَة يَحْنَث بهَا وَإِن لم تُوجد الْخدمَة وَهُوَ الْقيَاس وَإِن الْإِشَارَة لَا أثر لَهَا لِأَن اسْم الطّلب لَا يصدق عَلَيْهَا بِالْحَقِيقَةِ
وَمِنْهَا إِذا قَالَ صَاحب الدّين لغريمه استوفيت مِنْك أَو قَالَ أجبني لَهُ هَل استوفيت من غريمك فَقَالَ نعم فَالْقِيَاس إِنَّه لَا يكون إِقْرَارا بِالْقَبْضِ لِأَن مَعْنَاهُ طلب الْوَفَاء لَا حُصُوله لَك نقل الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب الثَّانِي من أَبْوَاب الْكِتَابَة عَن التَّهْذِيب أَنه يكون مقرا بِالْقَبْضِ وَلم يذكر عَن غَيره مَا يُخَالِفهُ قَالَ إِلَّا أَنَّهُمَا لَو اخْتلفَا فَقَالَ الْمَدْيُون استوفيت الْجَمِيع وَقَالَ صَاحب الدّين إِنَّمَا الْبَعْض فالمصدق هُوَ صَاحب الدّين قَالَ وَكَذَا لَو لم يذكر السِّين بِأَن قَالَ أَلَيْسَ قد أوفيتك فَقَالَ بلَى
قلت وَمَا ذكره فِي الصُّورَة الأولى مُشكل لَا يُوَافق اللُّغَة وَلَا الْعرف وَأما الثَّانِيَة فالعرف خَاصَّة يُخَالِفهُ وَلَا شكّ أَن صُورَة الْمَسْأَلَة إِذا اقْتصر على مَا ذَكرْنَاهُ بِأَن قَالَ السَّيِّد مثلا كاتبته على كَذَا واستوفيت مِنْهُ مَا كاتبته عَلَيْهِ وَنَحْو ذَلِك فَلَا إِشْكَال فِيهِ
وَمِنْهَا إِذا قَالَ جاريتي هَذِه قد استولدتها أَو هِيَ مستولدتي فَإِن الِاسْتِيلَاد يثبت بذلك كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ إِشَارَة تَارَة وَتَصْرِيحًا أُخْرَى
(1/356)

وَمِنْهَا قَالَ الْأَصْحَاب إِذا اطلع المُشْتَرِي على عيب بِالْمَبِيعِ فَيشْتَرط فِي جَوَاز الرَّد ترك الِاسْتِعْمَال فَيُؤْخَذ من تعبيرهم أَنه لَو خدمه وَهُوَ سَاكِت لم يمْتَنع الرَّد وَهُوَ مُتَّجه وَإِن مُجَرّد الطّلب مَانع مِنْهُ سَوَاء وجد الْعَمَل أَو لم يُوجد وَفِيه نظر
وَمِنْهَا قَالَ الْأَصْحَاب فِي وضوء الْقَادِر يسْتَحبّ أَن لَا يَسْتَعِين بِغَيْرِهِ وَهَذَا التَّعْبِير يَقْتَضِي اخْتِصَاص ذَلِك بِمَا إِذا طلب المتوضىء الْإِعَانَة حَتَّى لَو أَعَانَهُ غَيره وَهُوَ سَاكِت لَا يكون تَارِكًا الْمُسْتَحبّ لَكِن اسْتدلَّ الرَّافِعِيّ وَغَيره بِأَحَادِيث تَقْتَضِي أَنه لَا فرق بَين أَن يطْلب أم لَا المُرَاد إِنَّمَا هُوَ اسْتِقْلَال المتوضىء بِالْفِعْلِ
وَمِنْهَا مَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي آخر تَعْلِيق الطَّلَاق عَن أبي الْعَبَّاس الرَّوْيَانِيّ أَنه لَو جلس مَعَ جمَاعَة فَقَامَ وَلبس خف غَيره فَقَالَت لَهُ زَوجته استبدلت بخفك ولبست خف غَيْرك فَحلف بِالطَّلَاق أَنه لم يفعل ذَلِك فان كَانَ خرج بعد خُرُوج الْجَمَاعَة وَلم يبْق هُنَاكَ إِلَّا مَا لبسه لم تطلق لِأَنَّهُ لم يسْتَبْدل بل استبدل الخارجون قبله وَإِن بَقِي غَيره طلقت اعْترض فِي الرَّوْضَة فَقَالَ هَذَا كَلَام ضَعِيف فِي الطَّرفَيْنِ جَمِيعًا بل صَوَاب الْمَسْأَلَة أَنه إِن خرج بعد خُرُوج الْجَمِيع نظر ان قصد أَنِّي لم آخذ بدله كَانَ كَاذِبًا وَإِن كَانَ عَالما بِأَنَّهُ
(1/357)

أَخذ بدله طلقت وَإِن كَانَ سَاهِيا فعلى قولي طَلَاق النَّاسِي وَإِن لم يكن لَهُ قصد خرج على الْخلاف السَّابِق فِي أَن اللَّفْظ الَّذِي تخْتَلف دلَالَته بِالْوَضْعِ وَالْعرْف على أَيهمَا يحمل لِأَن هَذَا يُسمى استبدالا فِي الْعرف وَأما أَن خرج وَقد بَقِي بعض الْجَمَاعَة فَإِن علم أَن خفه مَعَ الخارجين قبله فَحكمه مَا ذَكرْنَاهُ وَإِن علم أَنه كَانَ بَاقِيا أَو شكّ فَفِيهِ الْخلاف فِي تعَارض الْوَضع وَالْعرْف هَذَا آخر كَلَام الرَّوْضَة وَهُوَ جيد
مَسْأَلَة

قد تدخل على الْمَاضِي الْمُتَصَرف لتقريب زَمَانه من الْحَال وتفيد التَّحْقِيق وَتدْخل ايضا على الْمُضَارع الْمُجَرّد وَلَا تفِيد تقليلا فِيهِ بل تدل على التوقع فِيمَا يُمكن فِيهِ ذَلِك فَإِن لم يُمكن التوقع كَانَ بِمَعْنى الْمَاضِي كَقَوْلِه تَعَالَى {قد يعلم مَا أَنْتُم عَلَيْهِ} أَي قد علم إِذا تقرر ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ لعبد الْغَيْر قد أَعتَقتك قَالَ الْغَزالِيّ إِن ذكره فِي معرض الْإِنْشَاء فلغو وَإِن ذكره فِي معرض الْإِقْرَار فيؤاخذ بِهِ ان ملكه وَقَالَ القَاضِي الْحُسَيْن هُوَ إِقْرَار لِأَن لفظ قد مُؤَكد معنى الْمَاضِي فِي الْفِعْل الْمَاضِي
(1/358)

قَالَ الإِمَام وَمُقْتَضى كَلَامه أَن قَوْله أَعتَقتك بِدُونِ قد لَا يكون إِقْرَارا قَالَ وَعِنْدِي لَا فرق بَينهمَا وَالْوَجْه أَن يُرَاجع وَيحكم بِمُوجب قَوْله فَإِن لم يُفَسر ترك كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي أول كتاب الْعتْق
مَسْأَلَة

إِلَّا تدل على الْحصْر قطعا وَكَذَلِكَ إِنَّمَا على مَا اخْتَارَهُ ابْن عُصْفُور وَابْن مَالك وَجُمْهُور الْمُتَأَخِّرين وَنقل شَيخنَا أَبُو حَيَّان عَن الْبَصرِيين أَنَّهَا لَا تدل عَلَيْهِ بل تفِيد تَأْكِيد الْإِثْبَات وَإِذا قُلْنَا بدلالتها عَلَيْهِ فقد ذكر أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي الشيرازيات مَا حَاصله أَنَّهَا تدل بالمنطوق لَا بِالْمَفْهُومِ لِأَنَّهُ صرح بِأَن لَفْظَة مَا فِي إِنَّمَا للنَّفْي وَلَا شكّ أَن الْكَلَام النَّافِي يدل على إِثْبَات الحكم فِي الْمَنْطُوق فَدلَّ على مَا قُلْنَاهُ وَهُوَ مُوَافق لاستدلال الْمَحْصُول عَلَيْهِ بَان أَن للإثبات وَمَا للنَّفْي فَيجب الْجمع بَينهمَا بِالطَّرِيقِ الْمُمكن وَحكى الرَّوْيَانِيّ فِي كتاب الْقَضَاء من الْبَحْر وَجْهَيْن فِي أَنه بالمنطوق أَو بِالْمَفْهُومِ إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة الِاكْتِفَاء بهَا
(1/359)

فِي التَّحَالُف وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا بُد فِيهِ من الْجمع بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات فِي يَمِين وَاحِدَة فَتَقول مثلا وَالله مَا بِعته بِكَذَا وَلَقَد بِعته بِكَذَا لِأَنَّهُ مدعي ومدعى عَلَيْهِ فَلَو قَالَ وَالله إِنَّمَا بِعته بِكَذَا فَقِيَاس قَول من قَالَ إِنَّهَا للحصر أَن يكْتَفى بذلك لَا سِيمَا إِذا قُلْنَا أَنه من بَاب الْمَنْطُوق لَكِن إِنَّمَا يتَّجه ذَلِك إِذا قُلْنَا أَن تَقْدِيم النَّفْي على الْإِثْبَات لَيْسَ بِوَاجِب فَتَأَمّله وَقد صحّح الْمُتَأَخّرُونَ وُجُوبه ثمَّ إِن الِاكْتِفَاء بِمَا ذَكرْنَاهُ وَهُوَ إِنَّمَا مَحَله إِذا لقنه الْحَاكِم ذَلِك فَإِن لقنه التَّفْصِيل فَعدل إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ فَالْمُتَّجه عدم الِاكْتِفَاء
مَسْأَلَة

يجوز تَخْفيف إِن وإبقاء عَملهَا كَقَوْلِه تَعَالَى {وَإِن كلا لما ليوفينهم رَبك أَعْمَالهم} وإهمالها أَيْضا كَقَوْلِه تَعَالَى {وَإِن كَانَت لكبيرة إِلَّا على الَّذين هدى الله} وَكَقَوْلِه تَعَالَى {وَإِن يكَاد الَّذين كفرُوا ليزلقونك} {بِأَبْصَارِهِمْ} وَقَوله {وَإِن وجدنَا أَكْثَرهم لفاسقين} فَإِن أهملتها وَجَبت
(1/360)

اللَّام بعْدهَا كَمَا فِي هَذِه الْآيَات للْفرق بَينهَا وَبَين إِن النافية على تَفْصِيل فِيهِ مَذْكُور فِي مَوْضِعه وَأنكر الْكُوفِيُّونَ تخفيفها فَقَالُوا مَا ورد من ذَلِك فَإِن فِيهِ نَافِيَة وَاللَّام بِمَعْنى إِلَّا إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ إِن هِنْد لطالق فَإِن جعلناها مُخَفّفَة كَمَا قَالَه البصريون وَقع الطَّلَاق وَنَحْوه كَالْعِتْقِ وَإِن قُلْنَا بمقالة الْكُوفِيّين فَيحْتَمل أَلا يَقع لبعده عَن الْإِنْشَاء وَهَكَذَا لَو صرح بِهِ فَقَالَ مَا هِنْد إِلَّا طَالِق
مَسْأَلَة

وَاو مَعَ كَقَوْلِنَا لَأَضرِبَن زيدا وعمرا إِذا لم يرد الْعَطف بل الْمَعِيَّة تدل على الْمُقَارنَة فِي الزَّمَان وَيعلم ذَلِك من حَدهمْ الْمَفْعُول مَعَه وَقد حَده فِي التسهيل وَغَيره بقوله هُوَ الِاسْم التَّالِي واوا تَجْعَلهُ بِنَفسِهَا فِي الْمَعْنى كمجرور مَعَ وَفِي اللَّفْظ كمنصوب (يتَعَدَّى) بِالْهَمْزَةِ وَقد سبق فِي بَاب الْأَسْمَاء ان مَعَ تفِيد الْمُقَارنَة فِي الْوَقْت وَأما مَعًا
(1/361)

المنونة كَقَوْلِك جَاءَ الزيدان مَعًا فَفِي دلالتها على الِاتِّحَاد خلاف أوضحناه أَيْضا هُنَاكَ فَرَاجعه وَالَّذِي يتَفَرَّع على هَذِه الْمَسْأَلَة من الْفُرُوع لَا يخفى
مَسْأَلَة

أل الْمَوْضُوعَة للتعريف كالداخلة على الْغُلَام وَنَحْوه هلى تقوم مقَام الضَّمِير الْمُضَاف إِلَيْهِ كَقَوْلِك مَرَرْت بِالرجلِ الْحسن الْوَجْه بِالرَّفْع أَي وَجهه فِيهِ خلاف ذهب سِيبَوَيْهٍ وَأكْثر الْبَصرِيين إِلَى أَنَّهَا لَا تقوم وَخَالفهُم الْكُوفِيُّونَ وتبعهم ابْن مَالك والزمحشري وَجعل مِنْهُ قَوْله تَعَالَى {جنَّات عدن مفتحة لَهُم الْأَبْوَاب} أَي أَبْوَابهَا وَقَوله تَعَالَى {فَإِن الْجنَّة هِيَ المأوى} وَقَوله {فَإِن الْجَحِيم هِيَ المأوى} أَي مَأْوَاه وَنسبه
(1/362)

بَعضهم لسيبويه فَإِنَّهُ نَص على أَن بدل الْبَعْض من الْكل لَا بُد فِيهِ من ضمير ثمَّ فسر قَول الْعَرَب ضرب زيد الظّهْر والبطن بقوله أَي ظَهره وبطنه
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا لم يقل الزَّوْج قبلت نِكَاحهَا أَو تَزْوِيجهَا بل قَالَ قبلت النِّكَاح أَو التَّزْوِيج وَفِي صِحَة العقد بذلك وَجْهَان حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ من غير تَصْرِيح بتصحيح وَتَبعهُ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَة ومدركهما مَا قُلْنَا فَإِن قيل إِذا منعنَا من إِقَامَة أل مقَام الضَّمِير فَلم لَا يضح هُنَا على إِرَادَة الْمَعْهُود وَهُوَ الَّذِي أوجبه الْوَلِيّ مَعَه قُلْنَا لِأَن الْإِرَادَة لَا تعلم إِلَّا من جِهَته فَلم يَصح العقد بهَا لعدم اطلَاع الشُّهُود عَلَيْهَا كَمَا قُلْنَا فِي الْكِنَايَات
وَمِنْهَا إِذا قَالَ الْكَافِر آمَنت بِمُحَمد النَّبِي كَانَ إِيمَانًا برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ بِمُحَمد الرَّسُول لِأَن النَّبِي لَا يكون إِلَّا لله تَعَالَى وَالرَّسُول قد يكون لغيره كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي آخر كتاب الرِّدَّة عَن الْحَلِيمِيّ حكما وتعليلا وارتضاه وَلم يحكموا بِإِسْلَامِهِ من إِقَامَة أل مقَام الْإِضَافَة لِأَنَّهُ لَا قرينَة على ذَلِك
(1/363)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْبَاب الرَّابِع فِي التراكيب وَمَعَان مُتَعَلقَة بهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
فصل فِي الِاسْتِثْنَاء

مَسْأَلَة قَالَ فِي التسهيل الِاسْتِثْنَاء هُوَ الْإِخْرَاج تَحْقِيقا أَو تَقْديرا بإلا أَو مَا فِي مَعْنَاهَا إِذا علمت ذَلِك فيتفرع على الضَّابِط مسَائِل مِنْهَا إِذا قَالَ هَذِه الدَّار لَهُ وَهَذَا الْبَيْت لي أَو هَذَا الْخَاتم لَهُ وفصه لي فَإِنَّهُ يقبل مِنْهُ كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَعلله بقوله لِأَنَّهُ إِخْرَاج بعض مَا يتَنَاوَلهُ اللَّفْظ فَكَانَ كالاستثناء
وَمِنْهَا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ ألف أحط مِنْهَا مائَة أَو استثنيه وَنَحْو ذَلِك فَمُقْتَضى مَا سبق قبُوله أَيْضا وَفِي ذَلِك وَجْهَان للأصحاب حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي وَمِمَّا يتَعَلَّق بِمَا نَحن فِيهِ الْكَلَام على غير وَقد سبق فِي
(1/365)

أَوَاخِر الْبَاب الأول وَيَأْتِي أَيْضا التَّعَرُّض لَهُ فِي هَذَا الْبَاب فَرَاجعه فَإِنَّهُ مُهِمّ تعم بِهِ الْبلوى
مَسْأَلَة

ذهب الْفراء وَعلي بن الْمُبَارك الْأَحْمَر والسهيلي إِلَى أَن مَا النافية تقع للاستثناء وَخَرجُوا على ذَلِك قَول الْعَرَب كل شَيْء مهه مَا النِّسَاء وذكرهن يَعْنِي إِلَّا النِّسَاء والمهه بميم مَفْتُوحَة ثمَّ هاءين الأولى مِنْهُمَا مَفْتُوحَة أَيْضا هُوَ الْيَسِير وَالْمعْنَى إِلَّا النِّسَاء فَإِن الْكَلَام عَن الْحَرِيم صَعب وَالْجُمْهُور منعُوا ذَلِك وَخَرجُوا مَا ورد على أَنه مَنْصُوب بإضمار عدا وَيتَفَرَّع على الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ مثلا أَنْت طَالِق ثَلَاثًا مَا وَاحِدَة وَادّعى الِاسْتِثْنَاء فعلى الأول تقبل وعَلى الثَّانِي فِيهِ نظر لِأَن الْإِضْمَار على خلاف الأَصْل وَاعْلَم أَن مَا ذَكرْنَاهُ من تَفْسِير المهه باليسير ذكره الْجَوْهَرِي وَابْن
(1/366)

مَالك وَوَقع فِيهِ لشَيْخِنَا أبي حَيَّان فِي الشَّرْح والارتشاف وهم عَجِيب فَقَالَ مَا نَصه قَالَ ابْن مَالك مهه يسير وَقَالَ غَيره المهه الطراوة والنضارة هَذِه عِبَارَته وحاصلها إِيهَام انْفِرَاد ابْن مَالك بتفسيرها باليسير وَأَن الْمَعْرُوف إِنَّمَا هُوَ تَفْسِيرهَا بِمَا ذكره هُوَ وَالَّذِي قَالَه الْجَوْهَرِي وَغَيره أَن الَّذِي يُطلق على الطراوة والنضارة إِنَّمَا هُوَ المهاه يزيادة ألف بَين الهاءين وَأَن الْيَسِير يُطلق عَلَيْهِ اللفظان مَعًا فاشتبهت عَلَيْهِ لَفْظَة بِلَفْظَة
مَسْأَلَة

الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع مجَاز كَمَا جزم بِهِ فِي آخر الارتشاف فِي بَاب الْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَحِينَئِذٍ فَإِذا تردد الِاسْتِثْنَاء بَين الِاتِّصَال والانقطاع فَالْأَصْل هُوَ الِاتِّصَال لِأَنَّهُ الْحَقِيقَة إِذا تقرر هَذَا فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ مثلا لَهُ عَليّ ألف إِلَّا ثَلَاثَة دَرَاهِم فَقِيَاس مَا سبق أَن تكون الْألف دَرَاهِم وَلَيْسَ كَذَلِك بل لَهُ تَفْسِير الْألف بِمَا أَرَادَ بِلَا خلاف وَلَا يكون تَفْسِير الْمُسْتَثْنى تَفْسِيرا للمستثنى مِنْهُ
(1/367)

كَذَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي وَسَببه أَن هَذِه الْقَاعِدَة قد عارضها أَن الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة من الزَّائِد وَلِأَن الْمُوجب إِمَّا النِّيَّة أَو الْإِضْمَار أَو غير ذَلِك والجميع خلاف الأَصْل
مَسْأَلَة

إِلَّا قد تكون للصفة وَلَا تكون ذَلِك غَالِبا إِلَّا إِذا وَقعت تَابِعَة لجمع منكور غير مَحْصُور كَقَوْلِه تَعَالَى {لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا} وَقَالَت جمَاعَة لَا يشْتَرط فِيهَا ذَلِك وَيتَفَرَّع على الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ عَليّ ألف أَو الآلف إِلَّا مائَة أَعنِي بِرَفْع الْمِائَة فَإِنَّهُ يكون إِقْرَارا بِجَمِيعِ الأول كَمَا صرح بِهِ النُّحَاة وَبِه أجَاب بعض أَصْحَابنَا لَكِن الْأَكْثَرُونَ مِنْهُم قد صَرَّحُوا فِي الْكَلَام على مَا أذا أَتَى بِصِيغَة غير بِأَن النَّحْو لَا أثر لَهُ فِي الْإِقْرَار وَقِيَاس ذَلِك لُزُوم مَا عد الْمِائَة
(1/368)

مَسْأَلَة

اخْتلفُوا فِي الِاسْتِثْنَاء من الْعدَد على ثَلَاثَة مَذَاهِب
أحده لَا يجوز مُطلقًا لِأَن أَسمَاء الْأَعْدَاد نُصُوص والنصوص لَا تقبل التَّخْصِيص وَهَذَا مَا نَقله ابْن عُصْفُور عَن الْبَصرِيين قل أَلا إِذا كَانَ ذَلِك الْعدَد مِمَّا يسْتَعْمل للْمُبَالَغَة كالمائة وَالْألف وَالسبْعين فَيجوز ذَلِك رفعا لتوهم الْمُبَالغَة مجَازًا وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {فَلبث فيهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما}
وَالثَّانِي يجوز مُطلقًا وَالثَّالِث إِن كَانَ الْمُسْتَثْنى عقدا كالعشرة وَالْعِشْرين فَلَا يجوز وَإِن لم يكن كالواحد والتسعة جَازَ إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ مثلا لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا وَاحِدًا لزمَه تِسْعَة كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ
وَمِنْهَا إِذا قَالَ لنسوته الْأَرْبَع أربعتكن طَوَالِق إِلَّا فُلَانَة
قَالَ القَاضِي الْحُسَيْن وَالْمُتوَلِّيّ لَا يَصح هَذَا الِاسْتِثْنَاء لِأَن الْأَرْبَع لَيست صِيغَة عُمُوم وَإِنَّمَا هِيَ اسْم لعدد مَعْلُوم خَاص فَقَوله إِلَّا فُلَانَة رفع للطَّلَاق عَنْهَا بعد التَّنْصِيص عَلَيْهَا فَهُوَ كَقَوْلِه طَلَاقا لَا يَقع
(1/369)

عَلَيْك كَذَا نَقله عَنْهُمَا الرَّافِعِيّ فِي أثْنَاء تَعْلِيق الطَّلَاق ثمَّ رد عَلَيْهِمَا بِأَن مُقْتَضى هَذَا التَّعْلِيل بطلَان الِاسْتِثْنَاء من الْأَعْدَاد فِي الْإِقْرَار قَالَ وَمَعْلُوم أَنه لَيْسَ كَذَلِك ثمَّ حكى عَن القَاضِي أَنه لَو قدم المستثى على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فَقَالَ أربعتكن إلآ فُلَانَة طَوَالِق صَحَّ ثمَّ اسْتشْكل الرَّافِعِيّ الْفرق بَينهمَا وَلَيْسَ مُشكلا بل مدركه أَن الحكم فِي هَذِه الصُّورَة وَقع بعد الْإِخْرَاج فَلَا يلْزم التَّنَاقُض بِخِلَاف الصُّورَة السَّابِقَة إِلَّا أَن الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْإِقْرَار قد سوى بَينهمَا فِي الصِّحَّة وَهَذَا كُله فِي الِاسْتِثْنَاء بِاللَّفْظِ فَإِن قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ أردْت إِلَّا وَاحِدَة أَو قَالَ اربعتكن طَوَالِق وَقَالَ نَوَيْت بقلبي إِلَّا فُلَانَة لم يقبل ظَاهرا والاصح أَيْضا أَنه لَا يدين لِأَنَّهُ نَص فِي الْعدَد بِخِلَاف مَا اذا قَالَ كل امْرَأَة لي طَالِق وعزل بَعضهنَّ بِالنِّيَّةِ فانه يقبل بَاطِنا وَلَا يقبل ظَاهرا عِنْد الْأَكْثَرين كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ
مَسْأَلَة

الِاسْتِثْنَاء الْمُسْتَغْرق بَاطِل وَنقل فِي الارتشاف عَن الْفراء أَنه يجوز أَن يكون زَائِدا على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَمثل بقوله عَليّ ألف إِلَّا أَلفَيْنِ قَالَ إِلَّا أَنه يكون مُنْقَطِعًا إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا
(1/370)

إِلَّا ثَلَاثًا وَنَحْو ذَلِك فَإِن الِاسْتِثْنَاء يبطل وَيَقَع الثَّلَاث وَلقَائِل أَن يَقُول يَنْبَغِي وُقُوع وَاحِدَة فَقَط لِأَن اسْتثِْنَاء طَلْقَتَيْنِ جَائِز
فَالَّذِي اسْتثْنى الثَّلَاث جَامع بَين مَا يجوز وَمَا لَا يجوز فيتخرج على قَاعِدَة تَفْرِيق الصَّفْقَة
ومنهاإذا قَالَ كل امْرَأَة لي طَالِق إِلَّا عمْرَة أَو إِلَّا أَنْت وَلم يكن لَهُ غَيرهَا فَإِن الطَّلَاق يَقع عَلَيْهَا كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي الْكَلَام على الْكِنَايَات وَفِيه بحث تعلمه قَرِيبا فَلَو أَتَى بِغَيْر أَو نَحْوهَا فَقَالَ كل امْرَأَة لي غَيْرك طَالِق أَو طَالِق غَيْرك فالمنقول فِيهِ عندنَا أَن الطَّلَاق لَا يَقع كَذَا ذكره الْخَوَارِزْمِيّ فِي كتاب الايمان من الْكَافِي وَلم يذكر أحد من أَصْحَابنَا مَا يُخَالِفهُ وَسَببه أَن الأَصْل فِي غير أَن تكون للصفة كَمَا سبق إيضاحه فِي بَاب الْأَسْمَاء فِي الْفَصْل الْمَعْقُود لألفاظ مُتَفَرِّقَة فَرَاجعه
وَيحْتَمل إِلْحَاق إِلَّا بِغَيْر لِأَنَّهَا قد تقع صفة وَضمير الرّفْع قد يستعار لضمير النصب والجر كَقَوْلِهِم مَا أَنا كَاتب وَلَا أَنْت كَاتبا وَلِأَن من قاعدتنا أَن الْإِعْرَاب لَا أثر لَهُ وَذكر الرَّافِعِيّ أَيْضا أَنه
(1/371)

لَو قَالَ نسَائِي طَوَالِق إِلَّا عمْرَة وَلَيْسَ لَهُ غَيرهَا لم تطلق قَالَ وَكَذَا لَو كَانَت امْرَأَته فِي نسْوَة فَقَالَ طلقت هَؤُلَاءِ إِلَّا هَذِه وَأَشَارَ إِلَى زَوجته
مَسْأَلَة

ذهب البصريون إِلَى أَن الْمُسْتَثْنى لَا بُد أَن ينقص عَن نصف الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وَقيل يجوز اسْتثِْنَاء النّصْف أَيْضا
وَقيل بل يجوز الْأَكْثَر إِذا علمت ذَلِك فتفاريع الْأَصْحَاب مُوَافقَة لِلْقَوْلِ الثَّالِث الْمَرْجُوح
فَمِنْهَا أَنهم صححوا الِاسْتِثْنَاء إِذا قَالَ عَليّ عشرَة إِلَّا تِسْعَة أَو لَهُ هَذِه الدَّار إِلَّا ثلثهَا أَو أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا طَلْقَتَيْنِ وَنَحْو ذَلِك
وَمِنْهَا إِذا قَالَ الْمَرِيض أَعْطوهُ ثلث مَالِي إِلَّا كثيرا مِنْهُ جَازَ إِعْطَاؤُهُ أقل مُتَمَوّل وَلَو قَالَ إِلَّا قَلِيلا أَو إِلَّا شَيْئا فَكَذَلِك وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور يعْطى زِيَادَة على السُّدس وَالْمَعْرُوف كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ هُوَ الأول
(1/372)

مَسْأَلَة

لايجوز تَقْدِيم الْمُسْتَثْنى فِي أول الْكَلَام نَحْو إِلَّا زيدا قَامَ الْقَوْم خلافًا للكسائي والزجاج لِأَن أَدَاة الِاسْتِثْنَاء فِي الْمَعْنى بِمَثَابَة الْعَطف بِلَا النافية وَتَقْدِيم الْمَعْطُوف مُمْتَنع وَيجوز بِالْإِجْمَاع تَقْدِيمه على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فَتَقول قَامَ قَامَ إِلَّا زيدا الْقَوْم إِذا علمت ذَلِك فيتفرع على الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ إِلَّا عشرَة دَرَاهِم ألف دِرْهَم وَنَحْو ذَلِك وَالصَّحِيح فِيهِ الصِّحَّة على وفْق هَذِه الْقَاعِدَة كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي أول كتاب الايمان وَحكى مَعَه وَجها أَنه لَا يَصح وَيلْزمهُ الْألف ثمَّ قَالَ أَنه ضَعِيف وَذكر الرَّافِعِيّ فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء فِي الطَّلَاق أَنه لَو قدم الِاسْتِثْنَاء على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فَقَالَ أَنْت غلآ وَاحِدَة طَالِق ثَلَاثًا حكى الشَّيْخ فِي الْمُهَذّب عَن بعض الْأَصْحَاب أَنه لَا يَصح وَيَقَع الثَّلَاث ثمَّ قَالَ أَعنِي الشَّيْخ وَعِنْدِي أَنه يَصح فَيَقَع طَلْقَتَانِ وَاعْلَم أَنَّك لَو عكست الْمِثَال السَّابِق أَي قدمت الِاسْتِثْنَاء على الْعَامِل وَلَكِن أَخَّرته عَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ كَقَوْلِك الْقَوْم إِلَّا زيدا قَامُوا فَفِيهِ مَذَاهِب أَصَحهَا إِن كَانَ متصرفا كَهَذا الْمِثَال جَازَ وَإِن لم يكن كَقَوْلِك الْجَمَاعَة إِلَّا عمرا فِي الدَّار فَلَا يجوز وَقِيَاسه من الْفُرُوع لَا يخفى إِلَّا أَن الْقَاعِدَة المذهبية تَقْتَضِي الصِّحَّة مُطلقًا
مَسْأَلَة

لَا يجوز الْفَصْل بَين الْمُسْتَثْنى والمستنى مِنْهُ حَتَّى لَو سكت سكُوتًا زَائِدا على الْعَادة أَو تكلم بِكَلَام أَجْنَبِي عَمَّا هُوَ فِيهِ ثمَّ اسْتثْنى لم يَصح إِذا تقرر هَذَا فَمن
(1/373)

فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ عَليّ ألف أسْتَغْفر الله إِلَّا مائَة فَإِنَّهُ يَصح الِاسْتِثْنَاء عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة دليلنا أَنه فصل يسير فَلم يُؤثر كَقَوْلِه عَليّ ألف يَا فلَان إِلَّا مائَة كَذَا رَأَيْته حكما وتعليلا فِي الْعدة لأبي عبد الله الطَّبَرِيّ وَالْبَيَان للعمراني وَنَقله عَنْهُمَا فِي زَوَائِد الرَّوْضَة وَقَالَ إِن فِيهِ نظرا وَلَو وَقع مثل هَذَا الْفَصْل بَين الشَّرْط والمشروط كَقَوْلِه أَنْت طَالِق أسْتَغْفر الله إِن دخلت الدَّار فَالْمُتَّجه الْجَزْم بالوقوع
مَسْأَلَة

الِاسْتِثْنَاء من الْإِثْبَات نفي وَمن النَّفْي إِثْبَات هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَجُمْهُور الْبَصرِيين وَقَالَ الْكسَائي إِن الْمُسْتَثْنى مسكوت عَنهُ فَإِذا قلت قَامَ الْقَوْم إِلَّا زيدا فَهُوَ إِخْبَار عَن غير زيد بِالْقيامِ وَأما زيد فَيحْتَمل قِيَامه وَعدم قِيَامه وَهُوَ الأَصْل إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا خَمْسَة أَو مَاله عَليّ شَيْء إِلَّا خَمْسَة فَإِنَّهُ يلْزمه خَمْسَة
وَمِنْهَا لَو قَالَ مَاله عِنْدِي عشرَة إِلَّا خَمْسَة فَقيل يلْزمه أَيْضا خَمْسَة لما ذَكرْنَاهُ وَالصَّحِيح كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ أَنه لَا يلْزمه
(1/374)

شَيْء لِأَن الْعشْرَة إِلَّا خَمْسَة مدلولها خَمْسَة فَكَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ عَليّ خَمْسَة وَمِنْهَا إِذا قَالَ وَالله لَا أُعْطِيك إِلَّا درهما أَو لَا آكل إِلَّا هَذَا الرَّغِيف نَحْو ذَلِك كَقَوْلِه لَا أضْرب أَو لَا اسافر فَلم يفعل بِالْكُلِّيَّةِ فَفِي حنثه وَجْهَان حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْإِيلَاء من غير تَرْجِيح أَحدهمَا نعم لاقْتِضَاء اللَّفْظ ذَلِك وَهُوَ كَون الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَاتًا وَالثَّانِي لَا لِأَن الْمَقْصُود عَادَة منع الزِّيَادَة وَقِيَاس مَذْهَبنَا هُوَ الأول لَكِن صحّح النَّوَوِيّ من زوائده الثَّانِي
وَمِنْهَا إِذا قُلْنَا بالأصح وَهُوَ أَن التَّحَالُف يَكْفِي فِيهِ يَمِين وَاحِدَة يجمع فِيهَا بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات فَأتى بِهَذِهِ الصِّيغَة فَقَالَ وَالله مَا بِعته إِلَّا بِكَذَا فَهَل يَكْفِي ذَلِك عَنْهُمَا فِيهِ وَجْهَان حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيّ وَاقْتضى كَلَامه تَصْحِيح عدم الِاكْتِفَاء لَكِن مُقْتَضى الْقَاعِدَة أَنه يَكْفِي وَقد سبق فِي بَاب الْحُرُوف فِي الْكَلَام على إِنَّمَا كَلَام آخر يتَعَلَّق بمسألتنا فَرَاجعه
(1/375)

مَسْأَلَة

إِذا قصد بِالنَّفْيِ رد الْكَلَام على من أوجب لم يكن إِثْبَاتًا مِثَاله إِذا قَالَ الْقَائِل قَامَ الْقَوْم إِلَّا زيدا وَالسَّامِع يعلم أَن الْأَمر على خلاف مَا قَالَه فَلهُ نفي كَلَامه بِأَن يَقُول مَا قَامَ الْقَوْم إِلَّا زيدا أَي لم يَقع مَا قلت وَهَذِه الْمَسْأَلَة ذكرهَا ابْن مَالك فِي التسهيل وَشَرحه وَسَبقه إِلَيْهَا ابْن السراج وَفرع ابْن مَالك على ذَلِك بَقَاء النصب على حَاله وَإِن كَانَ بعد نفي لِأَن الْمُتَكَلّم لم يقْصد النَّفْي وَالْإِثْبَات بل النَّفْي الْمَحْض إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ مَاله عَليّ ألف إِلَّا مائَة أَو لَيْسَ لَك عَليّ عشرَة إِلَّا خَمْسَة فَالصَّحِيح كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ أَنه لَا يلْزمه شَيْء ومدركه مَا ذَكرْنَاهُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَقع غَالِبا لرد كَلَام ملفوظ بِهِ أَو متوهم وَعلله الرَّافِعِيّ بِأَن الْألف إِلَّا مائَة مدلولها تِسْعمائَة وَحِينَئِذٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ لَك عَليّ هَذَا الْعدَد وَهَكَذَا الْقيَاس فِي عشرَة إِلَّا خَمْسَة وَنَحْو ذَلِك وَقيل يلْزمه مائَة فِي الْمِثَال الأول وَخَمْسَة فِي الثَّانِي وَلَو قَالَ لَيْسَ لفُلَان عَليّ شَيْء إِلَّا خَمْسَة فَالْقِيَاس أَن يكون الحكم كَذَلِك أَيْضا
لَكِن الرَّافِعِيّ جزم بِلُزُوم الْخَمْسَة وَلَا يَصح أَن يُقَال إِنَّمَا لم يتَحَقَّق الْكَلَام الْمَرْدُود عَلَيْهِ لأَنا نقُول يَكْفِي صلاحيته لذَلِك مَعَ كَون الأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة
(1/376)

مَسْأَلَة

إِذا تكَرر الِاسْتِثْنَاء من غير عطف وَأمكن أَن يكون كل وَاحِد مُسْتَثْنى مِمَّا قبله فمذهب الْبَصرِيين أَنا نسلك ذَلِك فَإِذا قَالَ مثلا لَهُ عَليّ مائَة إِلَّا عشرَة إِلَّا اثْنَيْنِ فَيلْزمهُ اثْنَان وَتسْعُونَ وَذَلِكَ بعد استحضارك أَن الِاسْتِثْنَاء من الاثبات نفي وَمن النَّفْي إِثْبَات وَقيل يعود الْجَمِيع إِلَى الأول فَيلْزمهُ ثَمَانِيَة وَثَمَانُونَ وَقيل يحْتَمل هَذَا وَالَّذِي قبله فَيتَوَقَّف وَقيل إِن الثَّانِي مُنْقَطع بِمَعْنى لَكِن فَيكون فِي الْمِقْدَار كَالْأولِ وَإِن اخْتلف التَّخْرِيج هَذَا حَاصِل مَا قَالَه النُّحَاة وَالْفُرُوع المذهبية عندنَا جازمة بِمَا قَالَه البصريون
مَسْأَلَة

فَإِن تكَرر وَلم يُمكن اسْتثِْنَاء كل وَاحِد مِمَّا قبله كَقَوْلِه عَليّ عشرَة إِلَّا ثَلَاثَة إِلَّا أَرْبَعَة فَقَالَ الْفراء تكون الثَّلَاثَة مستنثاة من الْعشْرَة فَيبقى سَبْعَة فتزيد عَلَيْهَا أَرْبَعَة فَيكون الْمقر بِهِ أحد عشر وَصَححهُ فِي التسهيل وَقَالَ غَيره إنَّهُمَا مَعًا مستثنيان من الْعشْرَة فَيكون الْمقر بِهِ ثَلَاثَة إِذا تقرر هَذَا فقد حكى الرَّافِعِيّ فِي الطَّلَاق وَجْهَيْن فِي المساوىء كَقَوْلِه أَنْت طَالِق إِلَّا ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَة بتكرار هَذَا اللَّفْظ أَي اسْتثِْنَاء الْوَاحِدَة أَحدهمَا
(1/377)

وُقُوع طَلْقَتَيْنِ لِأَن الثَّانِي مُسْتَغْرق للْأولِ فيلغيه وَهَذَا هُوَ الَّذِي جزم بِهِ فِي كتاب الْإِقْرَار فِيمَا إِذا قَالَ لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا خَمْسَة بالتكرار
وَالثَّانِي وُقُوع الثَّلَاث لِأَن الِاسْتِثْنَاء من النَّفْي إِثْبَات وَلم يحكوا وَجها بِوُقُوع طَلْقَة وَاحِدَة على عود الثَّانِي إِلَى صدر الْكَلَام مَعَ وضوحه فَإِن فِيهِ حملا للْكَلَام على الصِّحَّة والتأسيس وَسَيَأْتِي نَظِير هَذَا الْبَحْث وَاعْلَم أَن الصَّيْمَرِيّ قد أجَاز أَن يَقُول قَامَ الْقَوْم إِلَّا زيدا إِلَّا عمرا على أَنَّهُمَا مستثنيان وَلَكِن حذف العاطف من الثَّانِي وَقَالَ أَن إِلَّا قَامَت مقَام العاطف كَذَا نَقله عَنهُ أَبُو حَيَّان بعد ان اقْتضى كَلَامه الْجَزْم بِوُجُوب ذكره وَهُوَ مُشكل على مَا سبق
مَسْأَلَة

إِذا تَأَخّر الِاسْتِثْنَاء عَن اسْمَيْنِ يحْتَمل عوده إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا فعوده إِلَى الثَّانِي أولى فَاعِلا كَانَ أَو مَفْعُولا نَحْو غلب مائَة مُؤمن مائَة كَافِر إِلَّا اثْنَيْنِ لِأَن الأَصْل فِي الْمُسْتَثْنى أَن يكون مُتَّصِلا بالمستثنى مِنْهُ وَإِن تقدم عَلَيْهِمَا نظر إِن لم يكن أَحدهمَا مَرْفُوعا لَا فِي اللَّفْظ وَلَا فِي الْمَعْنى فعوده أَيْضا إِلَى الأول أولى نَحْو استبدلت إِلَّا زيدا من أَصْحَابنَا بأصحابكم لما ذَكرْنَاهُ من الِاتِّصَال فَإِن
(1/378)

كَانَ أَحدهمَا مَرْفُوعا لفظا نَحْو ضرب إِلَّا زيدا أَصْحَابنَا أصحابكم أَو معنى نَحْو (ملكت أَو أَعْطَيْت) إِلَّا الْأَطْفَال (عبيدنا أبناءنا) فعوده إِلَيْهِ أولى مُتَقَدما كَانَ أَو مُتَأَخِّرًا إِذا تقرر ذَلِك لم يخف تَنْزِيل الْفُرُوع عَلَيْهِ كَمَا إِذا أَمر وَكيله بالاستبدال وَنَحْو ذَلِك وَكَلَام أَصْحَابنَا لَا يَنْفِيه
مَسْأَلَة

مَا قدمْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة مَحَله إِذا لم يكن الِاسْتِثْنَاء متعقبا للْحَمْل فَإِن كَانَ متعقبا لَهَا نظر إِن كَانَ الْعَامِل فِيهَا وَاحِدًا عَاد إِلَى جَمِيعهَا كَقَوْلِك أَهجر بني فلَان وَبني فلَان إِلَّا الصَّالح مِنْهُم وَهَكَذَا أَيْضا لَو أعَاد اهجر ثَانِيًا للتوكيد فَقَالَ واهجر بني فلَان فَإِن كَانَ أَي الْعَامِل مُخْتَلفا نظر إِن اخْتلف الْمَعْمُول أَيْضا عَاد إِلَى الْأَخِيرَة خَاصَّة كَمَا قَالَه ابْن مَالك وَغَيره كَقَوْلِك اكس الْفُقَرَاء أَو اطعم أَبنَاء السَّبِيل إِلَّا من كَانَ مبتدعا وَإِن اتَّحد كَقَوْلِه تَعَالَى {وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا وَأُولَئِكَ هم الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا} فَقَالَ ابْن مَالك تعود إِلَى تِلْكَ الْجمل وَقَالَ المهاباذي فِي شرح
(1/379)

اللمع والفارسي فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ ابْن برهَان الأصولي فِي كتبه الْأُصُولِيَّة أَنه يعود إِلَى الْأَخِيرَة خَاصَّة إِذا علمت ذَلِك فالمعروف عندنَا أَنه يعود إِلَى الْجَمِيع فقد أطلق ذَلِك كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ قَالَ وَرَأى إِمَام الْحَرَمَيْنِ تَخْصِيصه بِشَرْطَيْنِ
أَحدهمَا أَن يكون الْعَطف بِالْوَاو فَإِن كَانَ بثم اخْتصَّ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَة وَالثَّانِي أَن لَا يَتَخَلَّل بَين الجملتين كَلَام طَوِيل فَإِن تحلل كَقَوْلِه (وقفت على أَوْلَادِي وَأَوْلَاد أَوْلَادِي) على أَن من مَاتَ مِنْهُم وأعقب فَنصِيبه بَين أَوْلَاده {للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ} وَإِن لم يعقب فَنصِيبه للَّذين فِي دَرَجَته فَإِذا انقرضوا فَهُوَ مَصْرُوف إِلَى إخوتي إِلَّا أَن يفسق أحدهم فالاستثناء يخْتَص بالأخوة
(1/380)

وَمَا ذكره الْأَمَام من اشْتِرَاط الْعَطف بِالْوَاو وَصرح بِهِ الأصوليون كالآمدي وَابْن الجاجب واستدلال الإِمَام فَخر الدّين يدل عَلَيْهِ أَيْضا إِذا تقرر هَذَا فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي وَالرُّويَانِيّ فِي الْبَحْر لَو قَالَ عَليّ ألف دِرْهَم وَمِائَة دِينَار إِلَّا خمسين فَإِن أَرَادَ بالخمسين جِنْسا غير الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فَيقبل وَكَذَلِكَ إِن أَرَادَ عوده إِلَى الجنسين مَعًا أَو إِلَى أَحدهمَا وَإِن مَاتَ قبل الْبَيَان عَاد إِلَيْهِمَا عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة لنا أَنه يحْتَمل ذَلِك وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة فَإِن عَاد إِلَيْهِمَا فَهَل يعود إِلَى كل كل مِنْهُمَا (جَمِيع الِاسْتِثْنَاء فَيسْقط) خَمْسُونَ دِينَارا وَخَمْسُونَ درهما أَو يعود إِلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ فَيسْقط خَمْسَة وَعِشْرُونَ من كل جنس فِيهِ وَجْهَان قَالَ الرَّوْيَانِيّ أصَحهمَا الأول وَلم يصحح الْمَاوَرْدِيّ مِنْهُمَا شَيْئا وَيَأْتِي أَيْضا هَذَا الْكَلَام فِيمَا إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ ألف وَلفُلَان ألف إِلَّا خمسين
وَمِنْهَا مَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي كتاب الايمان عَن القَاضِي أبي الطّيب أَنه لَو قَالَ إِن شَاءَ الله أَنْت طَالِق وعبدي حر فَلَا يَقع الطَّلَاق وَالْعتاق قَالَ وَكَذَا لَو
(1/381)

حذف الْوَاو لِأَن حرف الْعَطف قد يحذف مَعَ إِرَادَة الْعَطف قَالَ الرَّافِعِيّ وَليكن هَذَا فِيمَا إِذا نوى صرف الِاسْتِثْنَاء إِلَيْهِمَا فَإِن أطلق فَيُشبه أَن يَجِيء الْخلاف فِي أَنه هَل ينْصَرف إِلَيْهِمَا أم يخْتَص بالأخيرة وَمِنْهَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق طَلْقَتَيْنِ وَوَاحِدَة إِلَّا وَاحِدَة
وَالْقِيَاس فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَن يعود إِلَى الْجُمْلَة الأولى وَهِي طَلْقَتَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَيَقَع عَلَيْهِ طَلْقَتَانِ لِأَنَّهُ قد تعذر عوده إِلَى الْجُمْلَة الثَّانِيَة لاستغراقه اياها فَتعين الِاقْتِصَار على الأولى لِأَنَّهُ إِذا عَاد إِلَيْهَا أَي الأولى مَعَ أمكان اقْتِصَار عوده إِلَى مَا يَلِيهِ فَمَعَ تعذره بطرِيق الأولى لَكِن بنى الرَّافِعِيّ هَذِه الْمَسْأَلَة على أَن المفرق هَل يجمع فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا عدم الْجمع سَوَاء كَانَ مُسْتَثْنى أَو مُسْتَثْنى مِنْهُ فَإِن قُلْنَا بِالْجمعِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَة فَيَقَع طَلْقَتَانِ وَإِن قُلْنَا
(1/382)

لَا يجمع فَيكون الِاسْتِثْنَاء مُسْتَغْرقا فَيَقَع الثَّلَاث وَالَّذِي قَالَه مُشكل لما ذَكرْنَاهُ ثمَّ أَنه مهما أمكن حمل الْكَلَام على الصِّحَّة كَانَ أولى من ألغائه بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا تقدم إيضاحه وَاعْلَم أَن التَّعْبِير بِالْحملِ قد وَقع على الْغَالِب وَإِلَّا فَلَا وَفرق فِي الحكم بَين الْحمل والمفردات وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيّ فِي كتاب الطَّلَاق إِذا قَالَ حَفْصَة وَعمرَة طالقتان إِن شَاءَ الله كَانَ ذَلِك من الِاسْتِثْنَاء عقب الْحمل
فصل فِي الْحَال

مَسْأَلَة

الْحَال وصف من جِهَة الْمَعْنى حَتَّى يُفِيد التَّقْيِيد بِهِ فِي الْإِنْشَاء وَغَيره فَإِذا قَالَ مثلا أكْرم زيدا صَالحا استفدنا تَقْيِيد الْأَمر بِحَالَة الصّلاح إِذا علمت ذَلِك فَمن فروعه مَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي بَاب تَعْلِيق الطَّلَاق قبيل الطّرف الثَّالِث الْمَعْقُود للْحَمْل والولادة أَنه إِذا قَالَ أَنْت إِن دخلت الدَّار طَالقا وَاقْتصر عَلَيْهِ قَالَ فِي التَّهْذِيب إِن قَالَ نصبت على الْحَال وَلم أتم الْكَلَام قبل مِنْهُ وَلم يَقع شَيْء وَإِن أَرَادَ مَا يُرَاد عِنْد الرّفْع ولحن وَقع الطَّلَاق إِن دخلت الدَّار
(1/383)

ومنهاإذا قَالَ أَنْت طَالِق مَرِيضَة بِالنّصب لم تطلق إِلَّا فِي حَال الْمَرَض فَلَو رفع فَقيل تطلق فِي الْحَال حملا على أَن مَرِيضَة صفة وَاخْتَارَ ابْن الصّباغ الْحمل على الْحَال النَّحْوِيّ وَإِن كَانَ لحنا فِي الْإِعْرَاب وَهَذَا الْفَرْع قريب مِمَّا قبله قلت وتعليل الأول بِكَوْنِهِ صفة ضَعِيف بل الْأَقْرَب جعله خَبرا آخر
وَمِنْهَا لَو نذر أَن يُصَلِّي قَائِما لزمَه الْقيام وَمُقْتَضى كَلَام الرَّافِعِيّ وَغَيره أَن لَا بُد من الْقيام فِي جَمِيع الصَّلَاة لَكِن الْجُزْء من الصَّلَاة الصَّحِيحَة يصدق عَلَيْهِ أَنه صَلَاة بِدَلِيل مَا لَو حلف لَا يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَحْنَث بِمُجَرَّد الْإِحْرَام على الصَّحِيح وَحِينَئِذٍ فَإِذا قَامَ فِي بعض الصَّلَاة صدق عَلَيْهِ أَنه صلى فِي حَال قِيَامه
وَمِنْهَا لَو قَالَ لله عَليّ أَن أحج مَا شيا فَيلْزمهُ الْمَشْي من حِين الْإِحْرَام إِلَى حِين التَّحَلُّل فَلَو عكس فَقَالَ لله عَليّ أَن أَمْشِي حَاجا فَالصَّحِيح كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ أَنه كالعكس وَهُوَ مُشكل فَإِنَّهُ إِذا مَشى فِي لَحْظَة بعد الْإِحْرَام صدق أَن يُقَال مَشى فِي كَونه حَاجا كَمَا يُقَال جَامع محرما أَو صَائِما وَنَحْو ذَلِك وَهَكَذَا لَو أَتَى بِالْحَال (جملَة إسمية كَانَت أَو فعلية)
(1/384)

مَسْأَلَة

لَا يكون الْحَال لغير الْأَقْرَب إِلَّا لمَانع كَمَا قَالَه فِي التسهيل فَإِذا قلت مثلا لقِيت زيدا رَاكِبًا كَانَ ذَلِك حَالا من زيد وَمن كَلَام الْعَرَب لقِيت زيدا مصعدا منحدرا وَقد اخْتلفُوا فِيهِ وَالصَّحِيح كَمَا قَالَه فِي الارتشاف أَن الأول للثَّانِي وَالثَّانِي للْأولِ لِأَن فِيهِ اتِّصَال أحد الْحَالين بِصَاحِبِهِ وَقيل بِالْعَكْسِ مُرَاعَاة لما سبق إِذا تقرر هَذَا فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إذاقال إِ 4 ن قتل زيدا فِي الْمَسْجِد فَأَنت طَالِق فَيشْتَرط حُصُول الْمَقْتُول فِيهِ دون الْقَاتِل حَتَّى لَو رَمَاه من خَارج الْمَسْجِد فَقتله فِيهِ حنث وَهَذَا بِخِلَاف الْقَذْف فَإِن الشَّرْط فِيهِ وجود الْقَاذِف لَا الْمَقْذُوف
كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ وَفرق بِأَن قرينَة الْحَال تشعر بِأَن الْمَقْصُود هُوَ الِامْتِنَاع عَمَّا يهتك حُرْمَة الْمَسْجِد والهتك يحصل بِمَا ذَكرْنَاهُ قَالَ فَإِن ادّعى إِرَادَة الْعَكْس قبل فِي الظَّاهِر على الْأَصَح فَلَو قَالَ إِن قتلت أَو قذفت فِي الدَّار سُئِلَ عَمَّا أَرَادَ انْتهى
وَقِيَاس الْقَاعِدَة النحوية أَن يعود إِلَى الْأَقْرَب إِلَيْهِ كَمَا سبق ثمَّ إِن إِطْلَاقه يَقْتَضِي أَنه لَا فرق بَين أَن يُرِيد احدهما أَو يُرِيدهُمَا مَعًا وَيُؤَيِّدهُ أَن الْحَال وصف من جِهَة الْمَعْنى وَقد قَالُوا إِن الصّفة عقيب الْجمل تعود إِلَى الْجمع وَمن هَذِه الْمَسْأَلَة أَيْضا مَا إِذا قَالَ من يدْخل الدَّار من عَبِيدِي فيكلم فلَانا
(1/385)

وَهُوَ رَاكب فَهُوَ حر فَإِن الْجُمْلَة الدَّالَّة على الرّكُوب حَال من العَبْد الْمُتَكَلّم لَا من فلَان كَذَا ذكره فِي شرح مَعَاني الْحُرُوف لمُحَمد بن الْحسن لِأَنَّهُ الْمُحدث عَنهُ بطرِيق الْأَصَالَة
مَسْأَلَة

يجوز إِيقَاع الْجُمْلَة موقع الْحَال كَقَوْلِك جَاءَ زيد وَهُوَ رَاكب عوضا عَن قَوْلك رَاكِبًا إِذا علمت ذَلِك فيتفرع على مَا ذَكرْنَاهُ فروع كَثِيرَة من الْإِيمَان وَالنُّذُور والتعليقات كَقَوْلِه مثلا وَالله لَا آكل مُتكئا أَو وَأَنا متكىء وَنَحْو ذَلِك
وَمن فروعه المشكلة عَلَيْهِ مَا إِذا قَالَ لله عَليّ أَن اعْتكف يَوْمًا صَائِما فَإِنَّهُ يلْزمه بِهَذَا النّذر ثَلَاثَة أَشْيَاء وَهِي الصَّوْم وَالِاعْتِكَاف وَكَذَا الْجمع بَينهمَا على الصَّحِيح بِخِلَاف مَا لَو أَتَى بِالْجُمْلَةِ كَقَوْلِه وَأَنا صَائِم وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ كَقَوْلِه وَأَنا فِيهِ صَائِم فَإِن النّذر الْمَذْكُور لَا يُوجب صوما حَتَّى لَو اعْتكف فِي رَمَضَان أَجزَأَهُ لِأَنَّهُ لم يلْتَزم الصَّوْم وَإِنَّمَا نذر الِاعْتِكَاف بِصفة وَقد وجدت كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ حكما وتعليلا وَالْفرق الَّذِي ذكره مُشكل ثمَّ انه جعل الْمَجْرُور كَقَوْلِه اعْتكف بِصَوْم حكمه حكم الْمُفْرد حَتَّى يلْزمه الثَّلَاثَة وَسَببه أَنه فِي مَوضِع الصّفة لمصدر مَحْذُوف تَقْدِيره اعْتكف اعتكافا بِصَوْم وَالْأَحْسَن كَمَا قَالَ ابْن مَالك وَجَمَاعَة تَعْلِيقه بمفرد فَيكون التَّقْدِير كَائِنا بِصَوْم
(1/386)

فصل فِي الْعدَد

مَسْأَلَة

إِذا ميزت الْعدَد الْمركب بمختلط كَقَوْلِك عِنْدِي سِتَّة عشر عبدا وَأمة أَو درهما ودينارا كَانَ الْمَجْمُوع سِتَّة عشر فَقَط ثمَّ إِن كَانَ الْعدَد يَقْتَضِي التنصيف كمثالنا كَانَ التَّمْيِيز منصفا وَإِن كَانَ لَا يَقْتَضِيهِ كخمسة عشر كَانَ تَمْيِيزه مُجملا حَتَّى يحْتَمل أَن يكون العبيد أَكثر أَو أقل كَذَا جزم بِهِ فِي الارتشاف إِذا علمت ذَلِك فقد ذكر الْمُتَوَلِي فِي التَّتِمَّة هَذِه الْمَسْأَلَة قَالَ الْحَادِي عشر إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ اثْنَا عشر درهما ودانقا فَإِن رفع دانقا أَو خفضه لزمَه اثْنَا عشر درهما بِزِيَادَة دانق وَهُوَ السُّدس لِأَن الْعَطف يَقْتَضِي الزِّيَادَة وَإِن نصب لزمَه ثَمَانِيَة دَرَاهِم إِلَّا دانقا لجَوَاز أَن يُرِيد اثْنَي عشر من الدَّرَاهِم والدوانق وَغَايَة مَا يُطلق عَلَيْهِ اسْم الدوانق خَمْسَة لِأَن مَا زَاد عَلَيْهِ يُسمى درهما فَجعلنَا الدوانق خَمْسَة وَالْبَاقِي وَهُوَ السَّبْعَة دَرَاهِم ومجموع ذَلِك ثَمَانِيَة إِلَّا سدسا كَمَا ذَكرْنَاهُ وَاعْلَم أَنه إِذا أَتَى بالدانق سَاكِنا فَيجب مَعَه الْأَقَل لِأَنَّهُ الْمُتَيَقن فَيكون حكمه حكم الْمَنْصُوب وَحكى شَارِح الْوَسِيط وَجْهَيْن آخَرين أَحدهمَا أَنه يلْزمه دِرْهَمَانِ وَنصف وَثلث لِأَن الْإِقْرَار ينزل على الْأَقَل فَيمْتَنع مِنْهُ بدرهم وَاحِد وَيجْعَل الْبَاقِي دوانق فَيحصل مِنْهُ مَا ذَكرْنَاهُ وَالثَّانِي يلْزمه سَبْعَة دَرَاهِم تَنْزِيلا للتفسيرين على التنصيف
(1/387)

مَسْأَلَة

إِذا وَقع الْمُخْتَلط تمييزا لعدد مُضَاف فَلهُ حالان
أَحدهمَا أَن يكون لَهُ تنصيف جمعي كَقَوْل الْقَائِل لَهُ عِنْدِي عشرَة أعبد وإماء فَلَا بُد فِي تَفْسِيره من جمع لكل من النَّوْعَيْنِ وَقَالَ الْفراء لَا يعْطف الْمُذكر على الْمُؤَنَّث وَلَا الْمُؤَنَّث على الْمُذكر بل إِن وَقع ذَلِك كَانَا كلامين مستقلين حَتَّى يلْزمه فِي مثالنا عشرَة أعبد وَعشر إِمَاء
الْحَال الثَّانِي أَن لَا يكون لَهُ تنصيف جمعي فيعطف على الْعدَد لَا الْمَعْدُود وَيصير الْمَعْطُوف مُجملا فَإِذا قَالَ مثلا لَهُ أَرْبَعَة أعبد وإماء فَيجب رفع الْإِمَاء وَحِينَئِذٍ فَيلْزمهُ أَرْبَعَة من العبيد وَثَلَاث من الْإِمَاء لِأَنَّهَا أقل الْجمع وَقِيَاسه من الْفُرُوع لَا يخفى لَكِن لَو جر فَفِيهِ نظر
مَسْأَلَة

أحدعشر إِلَى تِسْعَة عشر تدل على الْعدَد الْمَعْرُوف لَكِن هَل يدل أحد عشر مثلا على جملَة الْعدَد بالمطابقة بِحَيْثُ يكون الْوَاحِد وَالْعشرَة كالإثنين وَالثَّلَاثَة فِي أَنَّهُمَا جزءان من الْمُسَمّى يدل اللَّفْظ عَلَيْهِمَا بالتضمن أم يدل ذَلِك على الْوَاحِد بالمطابقة وَإِمَّا على أَجزَاء الْعشْرَة على أَجزَاء الْعشْرَة فبالتضمين مُقْتَضى كَلَام النَّحْوِيين هُوَ الثَّانِي لأَنهم نصوا على أَن اُحْدُ عشر أَصْلهَا أحد وَعشر وَأَن الْوَاو مقدرَة بعد التَّرْكِيب وَأَنه بنى لأجل ذَلِك
(1/388)

وَقَوْلهمْ إنَّهُمَا جعلا بالتركيب اسْما وَاحِدًا لَا يُنَافِيهِ لِأَن ذَلِك صَحِيح بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّفْظ فَإِنَّهُمَا لَا يعربان حَتَّى لَو أضيف الْمركب فنفى الْبناء أَيْضا وَيجوز إِعْرَاب الْعَجز وَحده فِي لُغَة وكل هَذَا دَلِيل على أَنَّهُمَا فِي اللَّفْظ خَاصَّة كالاسم الْوَاحِد ويبنى على مَا ذَكرْنَاهُ مَا إِذا قَالَ لزوجته قبل الدُّخُول أَنْت طَالِق إِحْدَى عشرَة طَلْقَة فعلى الْبَحْث الأول يَقع ثَلَاث وَهُوَ المجزوم بِهِ فِي الرَّافِعِيّ
وعَلى الثَّانِي يَقع طَلْقَة وَاحِدَة لِأَنَّهَا بَانَتْ بهَا فَأشبه مَا لَو قَالَ إِحْدَى وَعشْرين وَفِيه وَجْهَان أصَحهمَا فِي زَوَائِد الرَّوْضَة وُقُوع الْوَاحِدَة فَقَط وَهَكَذَا إِذا قَالَ لَهُ عِنْدِي أحد عشر درهما فَإِن هَذَا التَّمْيِيز وَهُوَ الدِّرْهَم يعود إِلَى الْإِفْرَاد كلهَا وَلَو صرح بالْعَطْف لَكَانَ فِيهِ وَجْهَان وَإِن كَانَ الْأَصَح عوده أَيْضا إِلَى الْجَمِيع
مَسْأَلَة

تَعْلِيلهم السَّابِق يشْعر بِأَن التَّمْيِيز يعود إِلَى الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ فَإِذا قَالَ لَهُ عِنْدِي خَمْسَة وَعِشْرُونَ درهما كَانَ الْجَمِيع دَرَاهِم وَقد اخْتلف أَصْحَابنَا فِي الْفُرُوع على وَجْهَيْن أصَحهمَا أَن الْأَمر كَذَلِك وَالثَّانِي لَا بل يكون
(1/389)

الأول بَاقِيا على إبهامه حَتَّى يميزه بِمَا أَرَادَ وَهَكَذَا لَو ضم إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ لفظ الْمِائَة فَقَالَ مائَة وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ درهما أَو ضم أَيْضا لفظ الْألف إِلَيْهِ وَكَذَا لَو قَالَ الف وَثَلَاثَة أَثوَاب بِخِلَاف ألف وثوب
مَسْأَلَة

إِذا قلت لَهُ عِنْدِي عشرَة بَين عبد وَأمة كَانَت العبيد خمْسا وَالْإِمَاء خمْسا وَإِذا عطفت فَقلت أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ بَين عبد وَأمة فَكَذَلِك على مَا دلّ عَلَيْهِ كَلَام النُّحَاة بِخِلَاف مَا إِذا لم يَنْقَسِم كَأحد وَعشْرين إِذا تقرر هَذَا فَقِيَاس مَذْهَبنَا أَنه لَا يلْزمه التَّسْوِيَة مُطلقًا كَمَا لَو قَالَ هَذِه الدَّار الَّتِي فِي يَدي بَين زيد وَعَمْرو
فصل فِي الْقسم

مَسْأَلَة

جَوَاب الْقسم إِذا وَقع فِي الْإِيجَاب أَو كَانَ جملَة اسمية يجب اقترانه بِاللَّامِ أَو بِأَن مخففه كَانَت كَقَوْلِه تَعَالَى {السَّمَاء والطارق وَمَا أَدْرَاك مَا الطارق النَّجْم الثاقب إِن كل نفس لما عَلَيْهَا حَافظ} أَو مُشَدّدَة نَحْو وَالله إِن زيدا لقائم سَوَاء كَانَ فِي خَبَرهَا اللَّام أم لَا وَقيل لَا بُد مَعهَا من اللَّام وَإِن كَانَ جملَة فعلية فَإِن صدرت بماض جامد كنعم وَبئسَ وَجَبت اللَّام وامتنعت قد أَو متصرف كقام جَازَ دُخُول اللَّام وَقد وَدخُول اللَّام وَحدهَا (وَقد وَحدهَا) كَقَوْلِه تَعَالَى {وَالشَّمْس وَضُحَاهَا} إِلَى أَن قَالَ {قد أَفْلح من زكاها} وحذفهما مَعًا
(1/390)

كَقَوْلِه {وَالسَّمَاء ذَات البروج} إِلَى أَن قَالَ {قتل أَصْحَاب الْأُخْدُود} وَإِن كَانَ مضارعا مثبتا وَجَبت اللَّام وَإِن وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ والفارسي يجوز الِاقْتِصَار على أَحدهمَا وَإِن كَانَ منفيا بِلَا جَازَ إِثْبَاتهَا وحذفها كَقَوْلِه {تالله تفتأ تذكر يُوسُف} أَي لَا تفتؤ إِذا علمت ذَلِك فيتفرع على هَذَا الْأَخير مَا إِذا قَالَ وَالله أقوم فقياسه أَنه إِن قَامَ حنث وَإِن ترك الْقيام فَلَا لِأَن الْمَحْلُوف عَلَيْهِ هُوَ نفي الْقيام إِذْ لَو حلف على إثْبَاته لاقترن بِاللَّامِ وَالنُّون على مَا سبق
فصل فِي الْعَطف

مَسْأَلَة

إِذا قَالَ مثلا قَامَ زيد وَعَمْرو وَنَحْوه فَالصَّحِيح أَن الْعَامِل فِي الثَّانِي هُوَ الْعَامِل فِي الأول بوساطة الْوَاو وَالثَّانِي أَن الْعَامِل فعل آخر مُقَدّر بعد الْوَاو وَالثَّالِث أَنه الْوَاو نَفسهَا قَامَت مقَام فعل آخر إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا حلف لَا يَأْكُل هَذَا الرَّغِيف وَهَذَا الرَّغِيف قَالَ الْأَصْحَاب لَا يَحْنَث
(1/391)

(إِلَّا) بأكلهما جَمِيعًا كَمَا لَو عبر بالرغيفين قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَفِيه إِشْكَال من جِهَة أَن الْعَامِل مُقَدّر وَلَيْسَ كالمثنى وَإِذا تَأَمَّلت مَا قَالَه الإِمَام علمت أَن الَّذِي حاوله صَحِيح على ذَلِك القَوْل وَأَن الَّذِي قَالَه الْأَصْحَاب ماش على الْمَعْرُوف من كَون الْعَامِل هُوَ الأول
وَمِنْهَا إِذا قَالَ وقفت هَذَا على زيد وَعَمْرو ثمَّ على الْفُقَرَاء فَمَاتَ أَحدهمَا فَهَل يصرف نصِيبه إِلَى صَاحبه أم إِلَى الْفُقَرَاء وَفِيه وَجْهَان ان قُلْنَا أَن الْعَامِل مُقَدّر فهما جملتان إِذْ التَّقْدِير وقفته على زيد ووقفته أَيْضا على عَمْرو وَلَكِن ظَاهره مُسْتَحِيل فَيكون الْمَعْنى وقفت نصفه على زيد ثمَّ على الْفُقَرَاء وَنصفه الآخر على عَمْرو ثمَّ على الْفُقَرَاء فَإِذا مَاتَ أَحدهمَا صرف إِلَى الْفُقَرَاء وان قُلْنَا بالأصح ان الْعَامِل هُوَ الأول بوساطة الْحَرْف فَإِذا مَاتَ أَحدهمَا صرف إِلَى صَاحبه وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ جملَة وَاحِدَة دَالَّة على وقف وَاحِد على مُتَعَدد ثمَّ على الْفُقَرَاء
وَمِنْهَا هَل تجب فِي التَّشَهُّد إِعَادَة أشهد فِي الْمرة الثَّانِيَة فَيَقُول وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله أم لَا فِيهِ خلاف صحّح الرَّافِعِيّ وُجُوبه وَهل يُوَافق القَوْل الصَّحِيح فَإِنَّهُ قد ورد فِي الْإِتْيَان بِهِ تَأْكِيدًا اهتماما وحذفه مفوت كَذَلِك وَصحح النَّوَوِيّ عدم الْوُجُوب وَهُوَ يُنَاسب الْقَائِل بالتقدير لِأَن الْمَعْنى حِينَئِذٍ لَا يخْتَلف بَين تَقْدِيره وَالتَّصْرِيح بِهِ
مَسْأَلَة

إِذا عطف على منفي بِإِعَادَة لَا النافية كَقَوْلِك مَا قَامَ زيد وَلَا عَمْرو كَانَ ذَلِك نفيا لكل وَاحِد بِخِلَاف مَا إِذا لم تكن معادة فَإِنَّهُ يكون نفيا
(1/392)

للمجموع حَتَّى يصدق ذَلِك بِانْتِفَاء قيام وَاحِد كَذَا جزم بِهِ فِي التسهيل وَشَرحه
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ وَالله لَا أكلم زيدا وَلَا عمرا فَيحنث الْحَالِف بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا وَلَا تنْحَل الْيَمين بِأَحَدِهِمَا بِخِلَاف مَا إِذا لم تكَرر لَا فَإِن ذَلِك يكون يَمِينا وَاحِدَة حَتَّى ينعكس بالحكم الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الْحِنْث بِأَحَدِهِمَا كَذَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَفِي التَّعْجِيز لِابْنِ يُونُس عَن الْبَغَوِيّ أَن التصويرين يَمِين وَاحِدَة وَلَا أثر لتكرار لَا وَذكر الرَّافِعِيّ أَيْضا فِي آخر الايمان عَن أبي الْحسن الْعَبَّادِيّ من غير مُخَالفَة لَهُ أَنه لَو قَالَ لَا ُأكَلِّمهُ يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ فاليمين على يَوْمَيْنِ وَلَو حذف لَا فَقَالَ يَوْمًا ويومين فاليمين على ثَلَاثَة
مَسْأَلَة

يغْتَفر فِي الْمَعْطُوف مَا لَا يغْتَفر فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ ويعبر عَنهُ أَيْضا بِعِبَارَة هِيَ أَعم مِمَّا ذَكرْنَاهُ فَيُقَال يغْتَفر فِي الثواني مَا لَا يغْتَفر فِي الْأَوَائِل وَبَيَان ذَلِك بِذكر مَسْأَلَتَيْنِ
(1/393)

الْمَسْأَلَة الأولى اسْم الْفَاعِل المقرون بأل يجوز إِضَافَته إِلَى مَا فِيهِ أل فَيَقُول جَاءَ الضَّارِب الرجل بِالْكَسْرِ وَلَا يجوز عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور أضافته إِلَى العاري عَنْهَا فَلَا تَقول جَاءَ الضَّارِب زيد بِالْكَسْرِ بل بِالنّصب فَإِن كَانَ مَعْطُوفًا على مَا فِيهِ أل كَقَوْلِك جَاءَ الضَّارِب الرجل وَزيد فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ وَغَيره يجوز جَرّه لكَونه فِي الثواني كَمَا سبق وَمنعه الْمبرد الْمَسْأَلَة أول الثَّانِيَة (مجرور رب) لَا يكون إِلَّا نكرَة فَلَا يجوز أَن يكون ضميرا لكَونه معرفَة وَيجوز أَن يعْطف على مجرورها مُضَاف وَمِنْه قَوْلهم رب شَاة وسخلتها وَرب رجل وَابْنه كَذَا قَالَ الْأَخْفَش وَغَيره وَاخْتَارَهُ أَبُو حَيَّان وَعلله فِي شرح الْغَايَة وَغَيرهَا بِمَا سبق وَهُوَ أَنه يغْتَفر فِي الثواني مَا لايغتفر فِي الْأَوَائِل قلت وَمَا ذكره شَيخنَا عَجِيب فَإِن ضمير النكرَة نكرَة عِنْد سِيبَوَيْهٍ نَص على ذَلِك فِي بَاب كَانَ فَقَالَ إِذا اجْتمعت معرفَة
(1/394)

ونكرة جعلت الْمعرفَة اسْما لَكَانَ والنكرة خَبرا لَهَا ثمَّ قَالَ وَقد يعكسون وَأنْشد عَلَيْهِ قَول الشَّاعِر ... أظبي كَانَ أمك أم حمَار ... وَحِينَئِذٍ فالمعطوف فِي هَذِه الْأَمْثِلَة نكرَة أَيْضا كالمعطوف عَلَيْهِ وَمَا ذكره سِيبَوَيْهٍ قد أَشَارَ إِلَيْهِ فِي التسهيل فِي الْكَلَام على عد المعارف حَيْثُ عبر بقوله ثمَّ ضمير الْغَائِب السَّالِم عَن الْإِبْهَام إِذا علمت ذَلِك كُله فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا وقف على أَوْلَاده فَإِن أَوْلَاد الْأَوْلَاد لَا يدْخلُونَ فَلَو نَص عَلَيْهِم فَقَالَ وعَلى أَوْلَادِي أَوْلَادِي أوادي دخلُوا وَإِن كَانُوا معدومين حَال الْوَقْف مَعَ أَنه لَو وقف ابْتِدَاء على من يحدث لَهُ مِنْهُم لم يَصح وَمثله أَيْضا إِذا وقف على مدرسة أَو مَسْجِد سيبنيه لم يَصح فَإِن قَالَ على هَذِه الْمدرسَة أَو الْمَسْجِد وَمَا سأبنيه مِنْهُمَا صَحَّ كَمَا صرح بِهِ القَاضِي الْحُسَيْن فِي تعليقته وَالْبَغوِيّ فِي التَّهْذِيب وَغَيرهمَا
وَمِنْهَا إِذا وَكله بِاسْتِيفَاء حُقُوقه وَمَا سيجب مِنْهَا وَنَحْو ذَلِك كالتوكيل فِي بيع مَا هُوَ فِي ملكه وَمَا سيملك فَإِنَّهُ يَصح كَمَا نَقله صَاحب الْبَيَان عَن الشَّيْخ أبي حَامِد وَلم يحك غَيره وَمثل بِاسْتِيفَاء الدّين وَجزم بِهِ أَيْضا ابْن الرّفْعَة وَمثل بِالْبيعِ وَتوقف الرَّافِعِيّ فِي الْمَسْأَلَة وَحكى فِيهَا احْتِمَالَيْنِ لَهُ من غير تَرْجِيح
(1/395)

ذكر ذَلِك فِي الْكَلَام على حَدِيث عُرْوَة الْبَارِقي وَحذف النَّوَوِيّ الْمَسْأَلَة فَلم يذكرهَا فِي الرَّوْضَة بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ عَجِيب فَإِنَّهَا من الْمسَائِل المهمة وَأفْتى ابْن الصّلاح بِمَا هُوَ أبلغ مِنْهُ فَقَالَ إِذا وَكله فِي الْمُطَالبَة بحقوقه دخل فِيهِ مَا يَتَجَدَّد وَحكى عَن الْأَصْحَاب الصِّحَّة فِيمَا إِذا وَكله فِي بيع ثَمَرَة قبل إثمارها
وَمِنْهَا أَن بيع الْحمل وَحده لَا يَصح لجهالته فَلَو قَالَ بِعْتُك الْجَارِيَة وَحملهَا فَالْأَصَحّ أَنه لَا يَصح البيع أَيْضا لِأَنَّهُ جعل التَّابِع مَقْصُودا وَجعل الْمَجْهُول مَبِيعًا مَعَ الْمَعْلُوم وَقيل يَصح لِأَنَّهُ دَاخل عِنْد الْإِطْلَاق فَلَا يضر التَّصْرِيح بِهِ فَلَو قدم ذكر الْحمل فَقَالَ بِعْتُك حمل هَذِه الْجَارِيَة وَالْجَارِيَة فَالْمُتَّجه الْقطع بِالْبُطْلَانِ لكَون الْحمل تَابعا فَكيف يتَقَدَّم مُنْفَردا
مَسْأَلَة

إِذا أمكن عود الْمَعْطُوف إِلَى مَا هُوَ أقرب فَلَا يُعَاد إِلَى الْأَبْعَد لِأَن الأَصْل فِي التَّابِع أَن يَلِي الْمَتْبُوع
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَة وَوَاحِدَة فَالصَّحِيح كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ عود الْمَعْطُوف إِلَى الْمُسْتَثْنى الَّذِي قبله وَحِينَئِذٍ فَيَقَع وَاحِدَة قَالَ وَحكى ابْن كج وَجها أَنه يعود على قَوْله ثَلَاثًا وَحِينَئِذٍ فَيَقَع الثَّلَاث كَأَنَّهُ قَالَ أَنْت طَالِق طَلْقَتَيْنِ
(1/396)

وَوَاحِدَة وَوَجهه أَن الْمَقْصُود بالْكلَام إِنَّمَا هُوَ الْجُمْلَة الْمُسْتَثْنى مِنْهَا والمستثنى وَقع فضلَة فَكَانَ عوده إِلَى الْمَقْصُود أولى وَهَذَا قريب من بحث فِي الضَّمِير سبق ذكره فِي قسم الْأَسْمَاء
مَسْأَلَة

إِذا حكم على الْعَام بِحكم وَلَكِن صرح مَعَ ذَلِك أَيْضا بفرد من أَفْرَاد ذَلِك الْعَام مَعْطُوفًا مَحْكُومًا عَلَيْهِ بذلك الحكم كَقَوْلِه تَعَالَى {من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَجِبْرِيل وميكال} وَقَوله {حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى} هَل يَقْتَضِي عدم دُخُول ذَلِك الْفَرد فِي الْعَام لِأَن الْعَطف يَقْتَضِي الْمُغَايرَة أم لَا بل هُوَ بَاقٍ على عُمُومه وَفَائِدَة التَّخْصِيص هُوَ الاهتمام بِهِ فِيهِ مذهبان ذهب أَبُو عَليّ الْفَارِسِي وَابْن جني إِلَى الأول وَجزم ابْن مَالك فِي بَاب الْعَطف من التسيهل بِالثَّانِي وَبنى عَلَيْهِ وجوب عطفه بِالْوَاو خَاصَّة وإفراده مَعَ التَّقْدِيم قريب من التَّأْخِير أَيْضا إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة رجحانه عِنْد مُعَارضَة دَلِيل وَاحِد لِأَن الْفُرُوع يرجح فِيهَا بِكَثْرَة الْأَدِلَّة
وَمِنْهَا إِذا قَالَ اوصيت لزيد وللفقراء بِثلث مَالِي وَزيد فَقير فَفِيهِ أوجه سَوَاء وصف زيدا بالفقر أم لم يصفه وَسَوَاء قدمه على الْفُقَرَاء كَمَا هُنَا أَو أَخّرهُ أَصَحهَا أَنه كأحدهم فَيجوز أَن يعْطى أقل مَا يتمول وَلَكِن لايجوز حرمانه
(1/397)

وَالثَّانِي أَنه يعْطى سَهْما من سِهَام الْقِسْمَة فَإِن قسم المَال على أَرْبَعَة من الْفُقَرَاء أعْطى زيدا الْخمس أَو على خَمْسَة فالسدس وَقس على ذَلِك وَالثَّالِث لزيد ربع الْوَصِيَّة وَالْبَاقِي للْفُقَرَاء لِأَن الثَّلَاثَة أقل من يَقع عَلَيْهِ اسْم الْفُقَرَاء
وَالرَّابِع لَهُ النّصْف وَلَهُم النّصْف وَالْخَامِس أَن الْوَصِيَّة فِي حق زيد بَاطِلَة لجَهَالَة الَّذِي اضيف إِلَيْهِ أَي الَّذِي جعل لَهُ وَالْوَجْه الأول وَالثَّانِي متفقان على دُخُوله وَالثَّالِث وَالرَّابِع على عدم الدُّخُول وَلَو وصف زيدا بِغَيْر صفة الْجَمَاعَة فَقَالَ اعطوا ثُلثي لزيد الْكَاتِب وللفقراء فَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ لَهُ النّصْف بِلَا خلاف كَذَا نَقله عَنهُ الرَّافِعِيّ ثمَّ قَالَ وَيُشبه أَن يَجِيء قَول الرَّابِع إِن لم يجىء بَاقِي الْأَوْجه وَاعْلَم أَنه إِذا كَانَ لَهُ ثَلَاث أُمَّهَات أَوْلَاد فأوصى بِثُلثِهِ لأمهات أَوْلَاده وللفقراء وَالْمَسَاكِين فقد ذكر الرَّافِعِيّ بعد ذَلِك نقلا عَن الْمُتَوَلِي من غير اعْتِرَاض عَلَيْهِ أَن الْأَصَح قسْمَة الثُّلُث على الْأَصْنَاف أَثلَاثًا قَالَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ يقسم على خَمْسَة وَقد ذكرت فِي كتاب التَّمْهِيد مَسْأَلَة أُخْرَى قريبَة من هَذِه الْمَسْأَلَة وَهِي أَن نحكم على ذَلِك الْفَرد بِحكم أخص مِمَّا حكم بِهِ على الْأَفْرَاد الدَّاخِلَة فِي الْعَام فَرَاجعهَا
(1/398)

فصل فِي النَّعْت

مَسْأَلَة

الْفَصْل بَين الصّفة والموصوف يجوز بالمبتدأ كَقَوْلِه تَعَالَى {أَفِي الله شكّ فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض} وبالخبر كَقَوْلِك زيد قَائِم الْعَاقِل وبجملة الْقسم كَقَوْلِه تَعَالَى {قل بلَى وربي لتأتينكم عَالم الْغَيْب} إِذا تقرر هَذَا فيتفرع عَلَيْهِ مَا إِذا قَالَ الزَّوْج كل امْرَأَة لي سواك أَو غَيْرك طَالِق وَلم تكن لَهُ إِلَّا المخاطبة فَإِنَّهَا لَا تطلق كَمَا تقدم إيضاحه فِي بَاب الْأَسْمَاء فِي الْكَلَام على غير فَلَو أخر سوى وَنَحْوهَا وَفصل بالْخبر وَهِي مَسْأَلَتنَا فَكَذَلِك أَيْضا كَمَا تقدم هُنَاكَ فَرَاجعه
مَسْأَلَة

مُقْتَضى كَلَام النَّحْوِيين أَن الصّفة المعتقبة للجملتين لَا تعود إِلَيْهِمَا إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ وقفت على أَوْلَادِي وَأَوْلَاد أَوْلَادِي المحتاجين وَمُقْتَضى كَلَام النُّحَاة عودهَا إِلَى الثَّانِيَة خَاصَّة وَخَالفهُم أَصْحَابنَا فَقَالُوا بِأَن هَذِه الصّفة شَرط فِي الْجَمِيع كَذَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَغَيره قَالَ وَكَذَا لَو تقدّمت الصّفة عَلَيْهِمَا كَقَوْلِه على المحتاجين من كَذَا وكذاقال وَقد أطلق الْأَصْحَاب ذَلِك وَرَأى الإِمَام تَقْيِيده بالقيدين الْمَذْكُورين فِي الِاسْتِثْنَاء قلت وَقد سبق هُنَاكَ بيانهما فَرَاجعه
(1/399)

فصل فِي التوكيد

مَسْأَلَة

جزم النحويون وَمِنْهُم شَيخنَا فِي كتبه بِأَن فَائِدَة التَّأْكِيد بِكُل وَنَحْوه رفع احْتِمَال التَّخْصِيص وعَلى أَن فَائِدَته فِي النَّفس وَالْعين رفع احْتِمَال التَّجَوُّز فَإنَّك لَو قلت مثلا جَاءَ الْأَمِير فَيحْتَمل إِرَادَة أَتْبَاعه وخدمه فَإِذا تقرر هَذَا فمقتضاه أَنه لَو قَالَ زوجاتي كُلهنَّ طَوَالِق أَو عَبِيدِي كلهم أَحْرَار وَأخرج بَعضهم بنيته لم يُؤثر التَّخْصِيص شَيْئا وَالْمَنْقُول عندنَا أَنه يَصح كَذَا جزم بِهِ الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي وَالرُّويَانِيّ فِي الْبَحْر كِلَاهُمَا فِي كتاب الْقَضَاء وَهُوَ الظَّاهِر من جِهَة الْمَعْنى وَقد يسْتَدلّ لَهُ بِأَنَّهُ لَو امْتنع لامتنع التَّصْرِيح بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى (حِكَايَة عَن الشَّيْطَان) {فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين} نعم حكى الْمَذْكُورَان وَجْهَيْن لِأَصْحَابِنَا فِي جَوَاز نسخ الحكم المقترن بقوله أبدا وَنَحْو ذَلِك كنسخ الْمُقَيد بِوَقْت قبل انْقِضَاء وقته وَقِيَاس ذَلِك إجراؤهما فِي مَسْأَلَتنَا وَلقَائِل أَن يسْتَشْكل مَا قَالَه النحويون بِأَن التَّأْكِيد بِالْمَصْدَرِ لَا يرفع احْتِمَال التَّجَوُّز وَدَلِيله قَول الشَّاعِر وَهُوَ هِنْد بنت النُّعْمَان بن بشير فِي
(1/400)

زَوجهَا روح بن زنباع بزاي مُعْجمَة مَكْسُورَة ثمَّ نون سَاكِنة وباء مُوَحدَة وَعين مُهْملَة
بَكَى الْخَزّ من روح وَأنكر جلده
وعجت عجيجا من جذام المطارف ... وَقَالَ العبا نَحن كُنَّا ثِيَابهمْ
وأكسية مضروجة وقطائف
والمطارف أكسية من خَز لَهَا أَعْلَام وَاحِدهَا مطرف مثلث الْمِيم مَفْتُوح الرَّاء وَفِي آخِره فَاء والمضروجة بضاد مُعْجمَة وَرَاء مُهْملَة وجيم هِيَ الَّتِي تقطعت من عُنُقهَا
وَذكر عبد الكريم بن عطايا فِي شرح أَبْيَات الْجمل فِي الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت أَنه قد اخْتلف فِي هِنْد فَقيل مرتجل وَقيل مَنْقُول فَإِن هِنْد اسْم
(1/401)

مِائَتَيْنِ من الْإِبِل وأمامة اسْم لثلاثمائة مِنْهَا وَأَيْضًا من كَلَامهم هندته الْمَرْأَة تيمته
مَسْأَلَة

الْحَرْف الَّذِي يُجَاب بِهِ نَحْو (لَا وبلى وَنعم) يجوز تكراره للتوكيد وَإِن لم يجب بِهِ فَقَالَ ابْن السراج والسهيلي لَا يجوز تكراره إِلَّا بِإِعَادَة مَا دخل عَلَيْهِ نَحْو إِن زيدا (إِن زيدا) قَامَ وَخَالف الزَّمَخْشَرِيّ وَابْن هِشَام فجوزا تكراره وَحده إِذا تقرر هَذَا فَإِذا كرر الْمُتَكَلّم كلمة نَافِيَة لَا يَتَأَتَّى دُخُولهَا على الْكَلِمَة الَّتِي صاحبتها نَحْو لم (لم) يقم زيد (أَي بتكرار لم وَكَذَا لن وَنَحْو ذَلِك كَانَ الْحَرْف مؤكدا وَالْكَلَام بَاقٍ على مَا كَانَ عَلَيْهِ وَإِن كَانَ شاذا عِنْد بَعضهم وَهَكَذَا إِذا كرر لَيْسَ فَإِن كرر مَا النافية بِأَن قَالَ
(1/402)

مثلا مَا قَامَ زيد أَي بتكرار مَا فالمفهوم من كَلَام الْعَرَب كَمَا قَالَه شَيخنَا ابو حَيَّان ان الْكَلَام بَاقٍ على النَّفْي وان مَا الثَّانِيَة توكيد لَفْظِي وَيتَفَرَّع على ذَلِك فروع كَثِيرَة تجْرِي فِي أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة كالأقارير وَالْإِيمَان وَنَحْوهمَا حَتَّى إِذا قَالَ مثلا (مَا) مَا لَهُ عِنْدِي شَيْء لم يَتَرَتَّب على هَذَا القَوْل شَيْء لَكِن ذكر الرَّافِعِيّ فِي آخر الْبَاب الأول من أَبْوَاب الْإِقْرَار أَن نفي النَّفْي إِثْبَات ذكره فِي كَلَام على نعم وبلى وَحِينَئِذٍ فَيصير التَّقْدِير فِي الْمِثَال الْمَذْكُور (لَهُ عِنْدِي) وَسَببه أَن التأسيس خير من التَّأْكِيد نعم (إِذا) ادّعى الْمقر أَنه أَرَادَهُ فَيقبل مِنْهُ كَمَا لَو كرر أَنْت طَالِق
مَسْأَلَة

إِذا أتيت بأجمعين فِي التَّأْكِيد فَقلت مثلا جَاءَ الْقَوْم أَجْمَعُونَ أَو كلهم أَجْمَعُونَ فَقَالَ الْفراء (يُفِيد الِاتِّحَاد) فِي الْوَقْت وَالْجُمْهُور على أَنه لَا يفِيدهُ وَأَنه بِمَثَابَة كل وَدَلِيله قَوْله تَعَالَى {فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ}
(1/403)

إِذا علمت ذَلِك فيتفرع على الْمَسْأَلَة مَا إِذا أَمر وَكيله بتصرفات بِهَذِهِ الصِّيغَة أَو حلف على ذَلِك وَنَحْوه وَمُقْتَضى كَلَام أَصْحَابنَا يُوَافق مقَالَة جُمْهُور النُّحَاة نعم إِذا وَقعت لَفْظَة جَمِيع مَنْصُوبَة على الْحَال أفادت الِاتِّحَاد فِي الْوَقْت كَمَا سبق إيضاحه فِي الْبَاب الأول فِي فصل الظروف فِي الْكَلَام على مَعَ
مَسْأَلَة

لَا يشْتَرط فِي التَّأْكِيد اتِّفَاق الْأَلْفَاظ فَتَقول مَرَرْت بالقوم كلهم أَجْمَعِينَ (إِذا علمت ذَلِك) فَمن فروعه إِذا قَالَ لزوجته أَنْت مُطلقَة أَنْت مسرحة أَنْت مُفَارقَة
قَالَ الرَّافِعِيّ فِي بَاب تعدد الطَّلَاق (فأصح الْوَجْهَيْنِ) أَنه يكون كَمَا لَو كرر قَوْله أَنْت طَالِق ثَلَاث مَرَّات وَحكمه مَعْلُوم
وَقيل لَا بل يَقع الثَّلَاث هَهُنَا على كل حَال وَذكر الرَّافِعِيّ فِي أَوَائِل بَاب أَرْكَان الطلاف عَن حِكَايَة القَاضِي شُرَيْح الرَّوْيَانِيّ من غير مُخَالفَة أَنه إِذا كرر الْكِنَايَة وَنوى فَإِن كَانَت الْأَلْفَاظ متحدة كَقَوْلِه اعْتدي اعْتدي (أَي بالتكرار) فَإِن نوى التَّأْكِيد وَقعت وَاحِدَة (أَو الِاسْتِئْنَاف فيتعدد وَإِن لم ينْو شَيْئا) فَقَوْلَانِ وَإِن كَانَت مُخْتَلفَة وَقع بِكُل لَفْظَة طَلْقَة
(1/404)

مَسْأَلَة

لَا يجوز الْفَصْل بَين الْمُؤَكّد والمؤكد (فَمن فروع ذَلِك) مَا إِذا كرر قَوْله أَنْت طَالِق ثَلَاث مَرَّات قَالَ الرَّافِعِيّ فَإِن قصد بالأخيرين تَأْكِيد الأول وَقعت وَاحِدَة وَإِن قصد الِاسْتِئْنَاف وَقع الثَّلَاث وَإِن أطلق فَكَذَلِك فِي أصح الْقَوْلَيْنِ وَالثَّانِي يَقع وَاحِدَة حملا على التَّأْكِيد
وَلَو قَالَ قصدت بالثالثة تَأْكِيد الثَّانِيَة أَو بِالثَّانِيَةِ تَأْكِيد الأولى وبالثالثة الِاسْتِئْنَاف وَقع طَلْقَتَانِ وَلَو قصد بالثالثة تَأْكِيد الأولى وَقعت الثَّلَاث إِذْ الْفَصْل يمْنَع التَّأْكِيد وَقيل يَقع طَلْقَتَانِ وَلَا يقْدَح هَذَا الْفَصْل لكَونه يَسِيرا وَإِن قصد بِالثَّانِيَةِ الِاسْتِئْنَاف وَلم يقْصد بالثالثة شَيْئا أَو عكس وَقعت الثَّلَاث فِي أظهر الْقَوْلَيْنِ وَالثَّانِي طَلْقَتَانِ
(1/405)

مَسْأَلَة

حمل اللَّفْظ على فَائِدَة جَدِيدَة أولى من حمله على التَّأْكِيد لِأَن الأَصْل فِي وضع الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ إفهام السَّامع مَا لَيْسَ عِنْده وفروع الْمَسْأَلَة كَثِيرَة وَاضِحَة وَلَكِن للنَّظَر مجَال فِي مسَائِل
مِنْهَا إِذا كرر الْمُنجز فَقَالَ أَنْت طَالِق (أَنْت طَالِق) وَلم ينْو شَيْئا فَفِيهِ قَولَانِ أصَحهمَا حمله على الِاسْتِئْنَاف
وَلَو كرر طَالقا فَقَط فَقَالَ الْجُمْهُور إِنَّه على الْقَوْلَيْنِ وَقَالَ القَاضِي الْحُسَيْن يَقع وَاحِدَة قطعا
وَمِنْهَا إِذا كرر الْجُمْلَة الشّرطِيَّة كلهَا بِأَن قَالَ إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق ثمَّ أعَاد (اللَّفْظ) ثَانِيًا وثالثا فَدخلت قَالَ الرَّافِعِيّ فِي بَاب تعدد الطَّلَاق ينظر إِن قصد التَّأْكِيد فَوَاحِدَة وَإِن قصد الِاسْتِئْنَاف فَثَلَاث وَإِن أطلق فعلى أَيهمَا يحمل قَالَ الْبَغَوِيّ فِيهِ قَولَانِ بِنَاء على مَا لَو حنث فِي أَيْمَان بِفعل وَاحِد هَل تَتَعَدَّد الْكَفَّارَة وَقَالَ الْمُتَوَلِي يحمل على التَّأْكِيد إِذا لم يحصل (فصل أَو حصل) وَلَكِن اتَّحد الْمجْلس فَإِن اخْتلف فعلى أَيهمَا
(1/406)

يحمل فِيهِ وَجْهَان وَإِذا حمل على الِاسْتِئْنَاف فَيَقَع عِنْد الدُّخُول طَلْقَة أم تَتَعَدَّد فِيهِ وَجْهَان بِنَاء على تعدد الْكَفَّارَة وَعدمهَا وَلَا فرق فِي الصُّورَة كلهَا بَين الْمَدْخُول بهَا وَغَيرهَا لأَنا إِذا قُلْنَا بالتعدد فَيَقَع الْجمع دفْعَة وَاحِدَة حَال الدُّخُول
وَمِنْهَا إِذا كرر الْجُمْلَة الشّرطِيَّة فَقَط أَي دون الْجَزَاء كَقَوْلِه إِن دخلت الدَّار إِن دخلت فَأَنت طَالِق فَهَل تكون تأسيسا حَتَّى لَا تطلق إِلَّا بِالدُّخُولِ مرَّتَيْنِ وَيصير كَأَنَّهُ قَالَ إِن دخلت الدَّار بعد إِن دخلت كَمَا لَو اخْتلف الشَّرْط فَقَالَ إِن دخلت هَذِه إِن دخلت تِلْكَ أَو تَأْكِيدًا لِأَنَّهُ الْمُتَبَادر فِي مثل ذَلِك وَأَيْضًا فَلِأَن أَصَالَة التأسيس عارضها أَصَالَة بَقَاء الْعدَد فِيهِ نظر
وَالْمَنْقُول عَن مُحَمَّد بن الْحسن صَاحب أبي حنيفَة هُوَ الثَّانِي وَيَأْتِي هَذَا النّظر أَيْضا فِيمَا إِذا أخر الشَّرْطَيْنِ أَو فرقهما فَقَالَ إِن دخلت الدَّار فَأَنت طَالِق إِن دَخَلتهَا (نعم إِن ادّعى الْمقر أَنه أَرَادَهُ فَيقبل مِنْهُ كَمَا لَو كرر أَنْت طَالِق)
(1/407)

فصل فِي الْبَدَل

وَهُوَ التَّابِع الْمَقْصُود بالحكم من غير توَسط حرف مُتبع كَقَوْلِك مَرَرْت بأخيك زيد أَو بزيد أَخِيك واحترزنا بالقيد الأول عَن النَّعْت والتأكيد وَعطف الْبَيَان وبالقيد الثَّانِي عَن عطف النسف إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا كَانَ لَهُ بنت وَاحِدَة اسْمهَا زَيْنَب مثلا فَقَالَ زَوجتك بِنْتي حَفْصَة فَالْقِيَاس وَبِه صرح بَعْص النُّحَاة أَنه إِن قصد الْبَدَلِيَّة صَحَّ لِأَن الْبَدَل يحب تَقْدِير الْعَامِل مَعَه فَهُوَ هَهُنَا فِي تَقْدِير جملتين فَكَأَنَّهُ قَالَ زَوجتك بِنْتي زَوجتك حَفْصَة
وَلَو نطق هَكَذَا لَكَانَ العقد صَحِيحا بِالْجُمْلَةِ الأولى عِنْد من يجوز الْفَصْل الْيَسِير بالأجنبي بِخِلَاف عطف الْبَيَان فَإِن الْعَامِل لَيْسَ مُقَدرا بل هُوَ عَامل وَاحِد توجه إِلَى قَوْله بِنْتي المفسرة بحفصة وَلَيْسَت لَهُ بنت بِهَذَا التَّفْسِير وَأَيْضًا فَإِن الْبَدَل لَا يسْتَلْزم أَن يكون مَدْلُوله مَدْلُول الْمُبدل مِنْهُ فَإِنَّهُ قد يكون للإضراب وَقد يكون للغلط وَعطف الْبَيَان يسْتَلْزم ذَلِك
وَحِينَئِذٍ فَبَان بذلك أَن مُرَاده بالبنت هُوَ مَا بعده وَلَيْسَ لَهُ ذَلِك فأبطالناه وَقد أطلق الرَّافِعِيّ فِي الْمَسْأَلَة حِكَايَة وَجْهَيْن وَصحح الصِّحَّة وَتَبعهُ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَة وَلَا بُد من مَجِيء مَا ذَكرْنَاهُ وَلَو كَانَت لَهُ دَار وَاحِدَة فَقَالَ
بِعْتُك دَاري وحدودها وَغلط فِي حُدُودهَا فَيتَّجه إِلْحَاقه بِمَا ذَكرْنَاهُ فَإِن لم يعلم المُرَاد فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَالْقِيَاس الصِّحَّة حملا للعقود على ذَلِك
(1/408)

وَمِنْهَا لَو كَانَ لَهُ بنتان فَأَرَادَ تَزْوِيج إِحْدَاهمَا فَلَا بُد من تمييزها عَن الْأُخْرَى إِمَّا بِالنِّيَّةِ أَو بِالْإِشَارَةِ أَو الصّفة وَنَحْو ذَلِك فَلَو ميزها فَقَالَ مثلا
ابْنَتي فَاطِمَة فَالْقِيَاس عكس مَا ذَكرْنَاهُ فِي الْفَرْع قبله فَإِن أَرَادَ عطف الْبَيَان صَحَّ لِأَنَّهُ بَين مُرَاده وَإِن اراد الْبَدَل لم يَصح لِأَنَّهُ لَو كَانَ لَهُ بنتان فَاطِمَة وَزَيْنَب فَقَالَ زَوجتك فَاطِمَة وَلم يقل بِنْتي فَإِنَّهُ لَا يَصح كَمَا قَالَه أَصْحَابنَا وعللوه بِكَثْرَة الفواطم إِذا علمت ذَلِك فإرادة الْبَدَل هَهُنَا تَجْعَلهُ جملتين كَمَا تقدم فَكَأَنَّهُ قَالَ زَوجتك بِنْتي زَوجتك فَاطِمَة وَلَو قَالَ هَكَذَا لم يَصح لِأَنَّهُ لم يحصل (تَفْسِير لَا للْبِنْت) وَلَا لفاطمة وَقد أطلق الرَّافِعِيّ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة الصِّحَّة وَالْمُتَّجه حمله على مَا إِذا أَرَادَ عطف الْبَيَان أَو أطلق كَمَا تقدم فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة وَقَرِيب من هَذِه الْمسَائِل مَا ذكره فِي الْبَحْر فَقَالَ لَو زوج ابْنَته من وَكيل الْخَاطِب فَقَالَ زوجت بِنْتي (مِنْك للخاطب) الَّذِي وكلك قَالَ الْأُسْتَاذ ابو اسحق الإِسْفِرَايِينِيّ لايجوز لِأَنَّهُ أضَاف النِّكَاح إِلَى غير الزَّوْج وَالْمَقْصُود من النِّكَاح أَعْيَان الزَّوْجَيْنِ وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا يجوز لِأَنَّهُ قد بَين بقوله للَّذي وكلك أَن العقد وَاقع لَهُ
قلت ومراعاة عطف الْبَيَان يَقْتَضِي الصِّحَّة بِخِلَاف الْبَدَل وَكَلَام الْقَائِل الأول يُوهم بطلَان العقد بِالْكُلِّيَّةِ وَالْقِيَاس وُقُوعه للْوَكِيل
(1/409)

مَسْأَلَة

مَا سبق من الْعَطف والنعت والتأكيد وَالْبدل يُسمى تَوَابِع لِأَنَّهَا تتبع الِاسْم فِي الْإِعْرَاب وَفِي غَيره كَمَا أوضحوه فِي مَوْضِعه وَالتَّابِع لَا يكون لَهُ تَابع أَي لَا يعْطف على الْمَعْطُوف فَإِذا قلت مثلا جَاءَ زيد وَعَمْرو وَبكر فَلَا يكون بكر مَعْطُوفًا على عَمْرو بل على مَا عطف عَلَيْهِ عَمْرو وَهُوَ زيد وَكَذَلِكَ فِي النَّعْت والتأكيد وَالْبدل وَجوز بَعضهم أَن يكون للتابع تَابع إِذا علمت ذَلِك فقد أجَاب الْأَصْحَاب فِي فروع بِمَا حَاصله مُوَافقَة الْمَذْهَب الْمَرْجُوح
مِنْهَا إِذا خطب إِمَام الْجُمُعَة بِأَرْبَعِينَ وَأحرم بهم ثمَّ لحقهم أَرْبَعُونَ وأحرموا مَعَ الإِمَام ثمَّ انفض السامعون جَمِيعهم وَبَقِي الْأَرْبَعُونَ وهم الَّذين لم يسمعوا صحت الْجُمُعَة بهم تبعا للسامعين المنفضين وَفِيه احْتِمَال لإِمَام الْحَرَمَيْنِ فَلَو لحق بِهَذِهِ الْأَرْبَعين الثَّانِيَة أَرْبَعُونَ أُخْرَى ثمَّ انْقَضتْ الثَّانِيَة أَيْضا فَهَذِهِ الصُّورَة لم يُصَرح بهَا الرَّافِعِيّ وَمُقْتَضى كَلَام غَيره الصِّحَّة تبعا للثَّانِيَة الَّتِي هِيَ تَابِعَة للأولى
(1/410)

وَمِنْهَا اذا حضر الْجُمُعَة من لَا تَنْعَقِد بِهِ كَالْعَبْدِ وَالْمُسَافر وَالْمَرْأَة فَلَا يَصح إحرامهم إِلَّا بعد إِحْرَام أَرْبَعِينَ من أهل الْكَمَال لأَنهم تبع لَهُم كَمَا قَالَ فِي أهل الْكَمَال مَعَ الامام كَذَا ذكره القَاضِي الْحُسَيْن فِي صَلَاة الْجَمَاعَة من فَتَاوِيهِ وَفِي تعدِي ذَلِك الى امْتنَاع التَّقَدُّم فِي الْأَفْعَال احْتِمَال
وَمِنْهَا اذا تبَاعد الْمَأْمُوم عَن إِمَامه أَكثر من ثلثمِائة ذِرَاع وَكَانَ بَينهمَا شخص يحصل بِهِ الإتصال صَحَّ بِشَرْط أَن يحرم قبله لِأَنَّهُ تبع لَهُ كَمَا أَنه تَابع لإمامه كَذَا ذكره القَاضِي أَيْضا فِي الْموضع الْمَذْكُور وَنَقله عَنهُ الرَّافِعِيّ
فصل فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء

مَسْأَلَة
إعتراض الشَّرْط على الشَّرْط هُوَ دُخُول جملَة شَرْطِيَّة على مثلهَا كَقَوْلِه تعاى {وَامْرَأَة مُؤمنَة إِن وهبت نَفسهَا للنَّبِي إِن أَرَادَ النَّبِي أَن يستنكحها خَالِصَة لَك من دون الْمُؤمنِينَ} وَقَوله تَعَالَى {وَلَا ينفعكم نصحي إِن أردْت أَن أنصح لكم إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم هُوَ ربكُم} وكقول الْقَائِل إِن أكلت إِن دخلت فَأَنت طَالِق فِيهِ مذهبان احدهما وَهُوَ مَا جزم بِهِ ابْن مَالك فِي شرح الكافية أَن الشَّرْط الثَّانِي فِي مَوضِع نصب على الْحَال وَالثَّانِي وَهُوَ مَا صَححهُ فِي الارتشاف أَن الْمَذْكُور ثَانِيًا مُتَقَدم فِي الْمَعْنى على الْمَذْكُور أَولا وَإِن تَأَخّر فِي اللَّفْظ لِأَن الشَّرْط مُتَقَدم على الْمَشْرُوط وَالشّرط الثَّانِي قد جعل شرطا لجَمِيع مَا قبله وَمن جملَة ذَلِك الشَّرْط الأول وَالْآيَة السَّابِقَة تدل
(1/411)

عَلَيْهِ لِأَن الشَّرْط الثَّانِي وَهُوَ إِرَادَة الله تَعَالَى سَابِقَة على إِرَادَة المخلوقين لِأَنَّهَا قديمَة وَرَأَيْت فِي كَلَام بَعضهم مذهبا ثَالِثا عزاهُ إِلَى الْفراء أَنه إِن كَانَ بَينهمَا ترَتّب فِي الْعَادة كَالْأَكْلِ مَعَ الشّرْب قدم الْمُعْتَاد تَقْدِيمه وَإِن لم يكن فالمقدم هُوَ الثَّانِي
إِذا علمت ذَلِك فقد اخْتلف أَصْحَابنَا فِي الْمَسْأَلَة على ثَلَاثَة أوجه وَقد بسط الرَّافِعِيّ الْكَلَام على ذَلِك فِي تَعْلِيق الطَّلَاق فَقَالَ الظَّاهِر الَّذِي ذكره الْجُمْهُور أَنه لَا بُد من تقدم الثَّانِي على الأول سَوَاء كَانَا متقدمين أَو متأخرين أَو مُتَفَرّقين وَسَوَاء كَانَا متفقين أَو مُخْتَلفين كَإِن وَإِذا وَدَلِيله الْآيَة السَّابِقَة وَهِي قَوْله تَعَالَى {وَلَا ينفعكم} وَلِأَن التَّعْلِيق يقبل التَّعْلِيق فعلى هَذَا لَو قدم الأولى لم يَحْنَث
قَالَ فِي التَّتِمَّة وتنحل الْيَمين لِأَنَّهَا انْعَقَدت على الْمرة الأولى وَفِي فَتَاوَى الْقفال أَنه يشْتَرط تَقْدِيم الْمَذْكُور أَولا وَهُوَ غَرِيب وَذكر الْغَزالِيّ فِي الْوَجِيز نَحوه وَهُوَ مَحْمُول على سبق الْقَلَم وَيدل عَلَيْهِ أَنه فِي الْبَسِيط جزم بِالْمَعْرُوفِ وَمَال الامام الى أَنه لَا يشْتَرط تَرْتِيب أصلا
انْتهى كَلَام الرَّافِعِيّ مُلَخصا وَمَا ذكره هُنَا من وجوب تَقْدِيم الثَّانِي قد خَالفه فِي كتاب التَّدْبِير وَأجَاب بِالْعَكْسِ وَأما استغراب الْوَجْه الثَّانِي حَتَّى إِنَّه نسب الْغَزالِيّ فِي اخْتِيَاره الى سبق الْقَلَم فَهُوَ الْغَرِيب فان الامام فِي
(1/412)

النِّهَايَة قد جزم بِهِ وَزَاد على ذَلِك فنقله عَن الْأَصْحَاب ثمَّ ذكر الْبَحْث الَّذِي تقدم نَقله عَنهُ وَهُوَ الِاكْتِفَاء بوقوعهما كَيفَ كَانَ وَنَقله أَيْضا القَاضِي الْحُسَيْن فِي تَعْلِيقه ثمَّ قَالَ والعراقيون قَالُوا بعكسه وَلَو كَانَ الشرطان بِفعل وَاحِد كَمَا لَو كرر إِن دخلت الدَّار فَيتَّجه حمله على التَّأْكِيد وَبِه صرح بَعضهم
مَسْأَلَة

إِذا عطف شَرط على شَرط بِالْوَاو فان كَانَ بِإِعَادَة أَدَاة الشَّرْط نَحْو إِن صمت وَإِن قَرَأت فَأَنت حر فَيَكْفِي وجود أَحدهمَا فِي حُصُول الْعتْق وَإِن لم يكن بإعادتها فَلَا بُد مِنْهُمَا مَعًا كَذَا جزم بِهِ فِي الارتشاف فِي آخر بَاب الجوازم إِذا علمت ذَلِك فقد ذكر الرَّافِعِيّ فِي تَعْلِيق الطَّلَاق فِي الْكَلَام على اعْتِرَاض الشَّرْط على الشَّرْط مثل مَا ذكره النُّحَاة فَقَالَ إِن الشَّرْطَيْنِ المعطوفين بِالْوَاو يمينان سَوَاء تقدما أَو تأخرا ثمَّ ذكر بعد ذَلِك قبيل كتاب الرّجْعَة بِنَحْوِ ورقتين فِي الْمسَائِل المنقولة عَن اسماعيل البوشنجي مَا يُخَالف ذَلِك فَقَالَ وَإِن قَالَ إِن شتمتني إِن لعنتني فَأَنت طَالِق فلعنته لم تطلق لِأَنَّهُ علق على الْأَمريْنِ هَذِه
(1/413)

عِبَارَته من غير مُخَالفَة لَهُ وَقد تَابعه عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَة أَيْضا وَرَأَيْت فِي الرَّوْضَة الَّتِي هِيَ بِخَط النَّوَوِيّ تَصْوِير الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة باعادة ان كَمَا ذكرته لَك فتفطن لَهُ قَالَ النحويون واذا كَانَ الْعَطف بِالْوَاو كَانَ الْجَواب لَهما وَإِن كَانَ بِأَو فَالْجَوَاب لأَحَدهمَا حَتَّى لَو اخْتلفَا بالتذكير أَو الْإِفْرَاد أَو ضدهما كنت بِالْخِيَارِ فِي مُطَابقَة مَا شِئْت فَتَقول إِن جَاءَك زيد أَو إِن جاءتك هِنْد فَأكْرمه وَإِن شِئْت فأكرمها
مَسْأَلَة

اذا اجْتمع شَرط وَقسم وَلَيْسَ مَعَهُمَا مُبْتَدأ فَيكون الْجَواب للمتقدم ويحذف جَوَاب الْمُتَأَخر لدلَالَة الأول عَلَيْهِ فعلى هَذَا تَقول وَالله إِن قُمْت لأقومن بِاللَّامِ وَالنُّون لَا بِالْجَزْمِ لِأَن الْجَواب للقسم لَا للشّرط وَلَو عكست فَقلت وَالله ان يقم وَالله أقِم لَكَانَ مَجْزُومًا لِأَن الْجَواب للشّرط وَجَوَاب الْقسم مَحْذُوف إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا اذا قَالَ مثلا لزوجته وَالله إِن قُمْت لتطلقن وَالْمُتَّجه فِيهِ وُقُوع الطَّلَاق عِنْد الْقيام إِن لم يكن الْجَزَاء مَوْجُودا لِأَن جَوَاب الْقسم يقوم مقَامه كَمَا ذَكرْنَاهُ
مَسْأَلَة

الشَّرْط الَّذِي لَا يَقْتَضِي التّكْرَار كالمعلق بِأَن وَنَحْوهَا وَلَكِن يُمكن تكراره إِذا ربط بِالْفَاءِ على مَا يَقْتَضِي التّكْرَار فأصول الْبَصرِيين كَمَا قَالَه فِي الارتشاف قاضية بِأَنَّهُ أَيْضا يُفِيد التّكْرَار سَوَاء كَانَ مناسبا
(1/414)

كَقَوْلِه لزوجته كلما اغْتَسَلت من الْجَنَابَة فان اغْتَسَلت فِي الْحمام فَأَنت طَالِق أَو غير مُنَاسِب كَقَوْلِه لَهَا كلما اغْتَسَلت فان يصد الْأَمِير فعلى هَذَا إِذا أجنبت ثَلَاثًا وَاغْتَسَلت فِي الْحمام لكل جَنَابَة طلقت ثَلَاثًا فان اجنبت ثَلَاثًا وَلَكِن اغْتَسَلت مرّة وَقعت وَاحِدَة وَهَكَذَا فِي صيد الْأَمِير أَيْضا وَصرح الْفراء بِاشْتِرَاط التّكْرَار فِي الْمُنَاسب وبعدمه فِي غَيره إِذا علمت ذَلِك فالقواعد المذهبية تَقْتَضِي التّكْرَار وَبِه جزم الشَّيْخ نصر الْمَقْدِسِي فِي التَّهْذِيب قَالَ فان لم يكن تكراره كَمَا لَو علق فِي مثالنا بعد الِاغْتِسَال على موت زيد أَو قدومه فاغتسلت ثَلَاث مَرَّات وَمَات زيد أَو قدم فانها تطلق ثَلَاثًا وَالْمعْنَى إِن قدم زيد أَو مَاتَ فَأَنت طَالِق بِعَدَد كل إغتسال وَهَكَذَا الحكم فِي تَعْلِيق الْعتْق انْتهى مُلَخصا ذكر ذَلِك قبيل الْبَاب الْمَعْقُود لما يَقع بِهِ الطَّلَاق وَفِي جعله الْقدوم مِمَّا لَا يتَكَرَّر نزاع ظَاهر
وَقَالَ فِي الارتشاف وَكلما الْمُقْتَضِيَة للتكرار مَنْصُوبَة على الظَّرْفِيَّة وَالْعَامِل فِيهَا مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ جَوَاب الشَّرْط وَتَقْدِيره أَنْت طَالِق كلما كَانَ كَذَا وَمَا الَّتِي مَعهَا هِيَ المصدرية التوقيتية مَنْصُوبَة
(1/415)

على الظَّرْفِيَّة قَالَ والمستقرأ من لِسَان الْعَرَب أَنه لَا يَليهَا الا فعل ماضي اللَّفْظ وَالْعَامِل فِيهَا لَا يكون الا فعلا مَاضِيا مُتَأَخِّرًا قَالَ وَزعم ابْن عُصْفُور وَشَيخنَا أَبُو الْحسن الأبذي أَن كلما مَرْفُوعَة على الِابْتِدَاء وَمَا نكرَة مَوْصُوفَة والعائد على الْمَوْصُوف مَحْذُوف وَجُمْلَة الشَّرْط وَالْجَزَاء فِي مَوضِع الْخَبَر وَالتَّقْدِير فِي الْمِثَال السَّابِق كل وَقت اغْتَسَلت فِيهِ من الْجَنَابَة فان اغْتَسَلت فِي الْحمام بعده فَعَبْدي حر وَلَا بُد من ذَلِك لأجل ربط الصّفة بالموصوف وَالْخَبَر بالمبتدأ وَتَكون جملَة الشَّرْط وَالْجَزَاء مُسْتَحقَّة لكل مرّة أجنبت فِيهَا سَوَاء ناسب فعل الشَّرْط أَو لم يُنَاسب
(1/416)

قَالَا وَلَا يجوز فِيهِ غير الِابْتِدَاء انْتهى كَلَام الأبذي وَابْن عُصْفُور وَنقل صَاحب الْبَسِيط عَن سِيبَوَيْهٍ أَن مَا فِي قَول الْقَائِل كلما تَأتِينِي أكرمتك مَصْدَرِيَّة ظرفية بمنزلتها فِي قَوْلك مَا تدوم لي أدوم لَك وَالتَّقْدِير أزمان إتيانك لي أكرمك ثمَّ ادخلت كل على ذَلِك فأعربت باعرابه
مَسْأَلَة

اذا دخلت ان الشّرطِيَّة وَنَحْوهَا من الجوازم على الْمُضَارع فان يكون مَجْزُومًا اذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا أَتَى بِهِ مَرْفُوعا كَقَوْلِه ان تدخلين الدَّار فَأَنت طَالِق أَي باثبات النُّون أَو قَالَ ان تدخل هِنْد أَي بِرَفْع اللَّام وَنَحْو ذَلِك فَقِيَاس مَا قَالَه اصحابنا فِي فتح ان من التَّفْصِيل
(1/417)

بَين الْعَارِف بِالْعَرَبِيَّةِ وَبَين غَيره أَن يَأْتِي ذَلِك هَهُنَا حَتَّى يَقع على الْعَارِف من الْآن حملا على إِن النافية فان كَانَ جَاهِلا أَو جهل حَاله لم يَقع شئ
وَمِنْهَا اذا قَالَ أَي عَبِيدِي ضربك فَهُوَ حر فَضَربهُ الْجَمِيع عتقوا واذا قَالَ أَي عَبِيدِي ضَربته فَهُوَ حر فَضرب الْجَمِيع عتق وَاحِد فَقَط فان ترتبوا عتق الأول وان ضربوا دفْعَة فيختار وَاحِدًا مِنْهُم كَذَا ذكره ابْن جني وَابْن يعِيش فِي شرح خطْبَة الْمفصل مشغوفا بِهِ وَغَيرهمَا من النُّحَاة وسبقهم اليه مُحَمَّد بن الْحسن صَاحب أبي حنيفَة وَفرقُوا بِوُجُوه مِنْهَا وَهُوَ الْأَشْهر أَن فَاعل الْفِعْل فِي الْكَلَام الأول وَهُوَ الضَّمِير فِي ضربك عَام لِأَنَّهُ ضمير أَي وَحِينَئِذٍ فَيكون الْفِعْل الصَّادِر عَنهُ عَاما لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل تعدد الْفَاعِل وانفراد الْفِعْل اذا فعل أَحدهمَا غير فعل الآخر وَلِهَذَا قُلْنَا بِعِتْق الْجَمِيع
(1/418)

وَأما الْكَلَام الثَّانِي وَهُوَ قَوْله أَي عَبِيدِي ضَربته فالفاعل فِيهِ وَهُوَ تَاء الْمُخَاطب خَاص وَالْعَام فِيهِ انما هُوَ ضمير الْمَفْعُول أَعنِي الْهَاء واتحاد الْفِعْل مَعَ تعدد الْمَفْعُول لَيْسَ محالا فان الْفَاعِل الْوَاحِد قد يُوقع فِي وَقت وَاحِد فعلا وَاحِدًا بمفعولين أَو أَكثر
وَمِنْهَا أَن الْفَاعِل كالجزء من الْفِعْل بِدَلِيل تسكين آخر الْفِعْل الْمَاضِي اذا كَانَ الْفَاعِل ضميرا مَعَ قَوْلهم ان الْمَاضِي مَبْنِيّ على الْحَرَكَة واذا كَانَ الْفِعْل وَالْفَاعِل كالكلمة الْوَاحِدَة فَيلْزم من عُمُوم أَحدهمَا عُمُوم الآخر فَلهَذَا قُلْنَا بِعِتْق الْجَمِيع وَأما الْكَلَام الثَّانِي فالعام فِيهِ إِنَّمَا هُوَ ضمير الْمَفْعُول أَعنِي الْهَاء من ضَربته وَهُوَ فِي نِيَّة الِانْفِصَال عَن الْفِعْل وَلَيْسَ كالجزء مِنْهُ بِدَلِيل بَقَائِهِ على فَتحه فَلذَلِك قُلْنَا لَا تعدد
إِذا علمت ذَلِك فَلَقَد اخْتلف أَصْحَابنَا فِي الْمَسْأَلَة فالمنقول عَن فَتَاوَى الشَّاشِي صَاحب الْحِلْية هُوَ التَّعْمِيم فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَأجَاب القَاضِي الْحُسَيْن فِي تعليقته بِالتَّفْرِيقِ كَمَا ذكره النُّحَاة وَنَقله عَن ابْن الرّفْعَة فِي الْكِفَايَة فِي أَوَائِل الطَّلَاق وَلم ينْقل مَا يُخَالِفهُ فَقَالَ أَعنِي القَاضِي فرع اذا
(1/419)

قَالَ (طلق من) نسَائِي من شِئْت لَا يُطلق الْكل فِي أصح الْوَجْهَيْنِ وَإِذا قَالَ طلق من نسَائِي من شَاءَت فَلهُ أَن يُطلق كل من اخْتَارَتْ الطَّلَاق وَالْفرق أَن التَّخْصِيص والمشيئة مُضَافَة إِلَى وَاحِد فَإِذا اخْتَار وَاحِدَة سقط اخْتِيَاره وَفِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة الِاخْتِيَار مُضَاف إِلَى جمَاعَة فَكل من اخْتَارَتْ طلقت
نَظِيره إِذا قَالَ أَي عبد ضَربته من عَبِيدِي فَهُوَ حر فَضرب عبدا ثمَّ عبدا لَا يعْتق الثَّانِي لَان حرف أَي وان كَانَ حرف تَعْمِيم فالمضاف إِلَيْهِ الضَّرْب وَاحِد وَلَو قَالَ أَي عبد ضربك فَهُوَ حر فَضَربهُ عبد ثمَّ عبد عتقوا لِأَن الضَّرْب وَاحِد وَلَو قَالَ أَي عبد ضربك فَهُوَ حر فَضَربهُ عبد ثمَّ عبد عتقوا لِأَن الضَّرْب مُضَاف إِلَى جمَاعَة هَذَا كَلَامه وَأَرَادَ بالمضاف الْإِضَافَة المعنوية وَهُوَ الْإِسْنَاد وبالحرف الْكَلِمَة وَأجَاب الْغَزالِيّ فِي آخر فَتَاوِيهِ فِي الْمَسْأَلَة الثَّامِنَة والثمانين من بعد الْمِائَة بِأَنَّهُ لَا يتَكَرَّر مُطلقًا فَإِذا قَالَ أَي عَبِيدِي حج فَهُوَ حر فحجوا كلهم أَو قَالَ لوَكِيله أَي رجل دخل الْمَسْجِد فأعطه درهما فَدخل أَو حج جمَاعَة رتبنا الحكم على وَاحِد لِأَنَّهُ الْمُتَيَقن هَذَا كَلَامه وَالْمُتَّجه التَّعْمِيم فِي الصُّورَتَيْنِ كَمَا قَالَ الشَّاشِي وَقد ذكر الْعِرَاقِيُّونَ وَمِنْهُم الشَّيْخ فِي التَّنْبِيه مَا يُوَافقهُ فَقَالَ لَو قَالَ لنسائه أيتكن حَاضَت فصواحباتها طَوَالِق وَقع بحيض كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ على الْبَوَاقِي طَلْقَة وَذكر الرَّافِعِيّ تبعا للغزالي هَذِه الْمَسْأَلَة بِصِيغَة كلما وَلم يتعرضا لصيغة أَي وَسوى ابْن يُونُس وَابْن الرّفْعَة بَين الصيغتين
(1/420)

مَسْأَلَة
يَقع الْجَزَاء تَارَة مضارعا كَقَوْلِه تَعَالَى {إِن يعلم الله فِي قُلُوبكُمْ خيرا يُؤْتكُم خيرا} وماضيا كَقَوْلِه تَعَالَى {وَإِن عدتم عدنا} فَمن فروع الْمَسْأَلَة أَن يَقُول إِن دخلت الدَّار تطلقي أَو طلقت بكسرالتاء وَقِيَاس الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة وُقُوع الطَّلَاق بل لَو أَتَى بالمضارع وَالْحَالة هَذِه مَرْفُوعا فَقَالَ تطلقين بِإِثْبَات النُّون كَانَ كَذَلِك أَيْضا لِأَنَّهُ وَإِن لم يكن جَوَابا عِنْد سِيبَوَيْهٍ فَهُوَ عِنْده على نِيَّة التَّقْدِيم وَيكون دَلِيلا على جَوَاب مَحْذُوف كَمَا إِذا قدمه فَقَالَ أَنْت طَالِق أَن دخلت وَلَا أستحضر الان فِي الْمَسْأَلَة لِأَصْحَابِنَا نقلا فَلَو قَالَ إِن دخلت طَلقتك فقد يُقَال لَا يَقع وَقد يفصل بَين التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير
مَسْأَلَة

إِذا وَقعت الْجُمْلَة الإسمية جَوَابا للشّرط فَلَا بُد من تصديرها بِالْفَاءِ أَو مَا قَامَ مقَامهَا وَهِي إِذا الفجائية وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {وَإِن تصبهم سَيِّئَة بِمَا قدمت أَيْديهم إِذا هم يقنطون} وَأما قَول الشَّاعِر ... من يفعل الْحَسَنَات الله يشركها ... وَالشَّر بِالشَّرِّ عِنْد الله مثلان ...
(1/421)

فَإِنَّهُ شَاذ قَالَ شَيخنَا وَفِي حفظي أَن بَعضهم أنكر هَذِه الرِّوَايَة وَقَالَ إِن الرِّوَايَة من يفعل الْخَيْر فالرحمن يشكره قلت كَذَا ذكره فِي الارتشاف و (شرح التسهيل) وَهَذَا الَّذِي ذكره وَلم يستحضر ناقله قد ذكره الْمبرد وَنَقله عَنهُ الإِمَام فَخر الدّين فِي الْمَحْصُول والمنتخب إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ أَن دخلت الدَّار إِذا أَنْت طَالِق فَالْمُتَّجه وُقُوع الطَّلَاق عِنْد الدُّخُول وَإِن كَانَ يحْتَمل أَن يكون هَذَا شرطا بِلَا جَزَاء وَالتَّقْدِير إِن دخلت وَقت وُقُوع الطَّلَاق عَلَيْك حصل كَذَا وَكَذَا وَلم يكمل الْكَلَام إِلَّا أَنه صدنَا عَن ذَلِك أَن أَعمال اللَّفْظ أولى من إلغائه وَمِنْهَا إِذا قَالَ إِن دخلت الدَّار وَأَنت طَالِق بِالْوَاو (قَالَ الْبَغَوِيّ) إِن قَالَ أردْت التَّعْلِيق فَيقبل أَو التَّنْجِيز فَيَقَع
(1/422)

وَإِن قَالَ أردْت جعل الدُّخُول وطلاقها شرطين لعتق أَو طَلَاق قبل قَالَ البوشنجي فَإِن لم يقْصد شَيْئا طلقت فِي الْحَال وألغيت الْوَاو كَمَا لَو قَالَ ابْتِدَاء وَأَنت طَالِق كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي أول تَعْلِيق الطَّلَاق وَاعْترض فِي الرَّوْضَة على مَا قَالَه البوشنجي فَقَالَ إِنَّه فَاسد وَإِن الْمُخْتَار أَنه عندالإطلاق تَعْلِيق بِدُخُول الدَّار إِن كَانَ قَائِله لَا يعرف الْعَرَبيَّة فَإِن عرفهَا فَلَا يكون تَعْلِيقا وَلَا تنجيزا إِلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهُ غير مُفِيد عِنْده وَأما الْعَاميّ فيطلقه للتعليق وَيفهم مِنْهُ أَيْضا التَّعْلِيق
قلت أما قَول النَّوَوِيّ أَن مقَالَة البوشنجي فَاسِدَة فَمُسلم وَأما قَوْله فِي عَارِف الْعَرَبيَّة أَنه غير مُفِيد عِنْده فعجيب بل هُوَ صَحِيح على جعل إِن نَافِيَة وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن وَحِينَئِذٍ فَيحْتَمل أَن تكون الْوَاو بعْدهَا وَاو الْحَال فَلَا يَقع أَو وَاو الْعَطف فَيَقَع فَيسْأَل فَإِن كَانَ أَرَادَ الأول لم يَقع وَإِن أَرَادَ الثَّانِي وَقع نوى الطَّلَاق أم لَا اكْتِفَاء بنية الْعَطف فَإِن تَعَذَّرَتْ مُرَاجعَته
(1/423)

بِمَوْت أَو غَيره لم يَقع شَيْء لجَوَاز إِرَادَة الْحَال ثمَّ أَنه أهمل قسما آخر وَهُوَ مَا إِذا جهلنا حَاله فَلم يدر أَنه مِمَّن يحسن الْعَرَبيَّة أم لَا وَالْمُتَّجه عدم الْوُقُوع فِيهِ عِنْد تعذر الْمُرَاجَعَة
وَمِنْهَا مَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي أول تَعْلِيق الطَّلَاق فَقَالَ لَو قَالَ إِن دخلت الدَّار أَنْت طَالِق أَي بِحَذْف الْفَاء فقد أطلق الْبَغَوِيّ وَغَيره أَنه تَعْلِيق وَقَالَ البوشنجي يسْأَل فَإِن قَالَ اردت التَّنْجِيز حكم بِهِ وَإِن قَالَ أردْت التَّعْلِيق أَو تَعَذَّرَتْ الْمُرَاجَعَة حمل على التَّعْلِيق انْتهى كَلَامه وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَة أَيْضا وَالصَّوَاب فِيهِ إِن كَانَ عَارِفًا بِالْعَرَبِيَّةِ وَقع الْآن كَمَا سبق إيضاحه وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا كَلَامهم فِيمَا إِذا فتح ان الشّرطِيَّة وَإِن كَانَ جَاهِلا لم يَقع شَيْء
مَسْأَلَة

الْجُمْلَة الإسمية الْوَاقِعَة جَوَابا للشّرط يجوز أَن يحذف الْمُبْتَدَأ مِنْهَا عِنْد الْعلم بِهِ كَقَوْلِه تَعَالَى {وَإِن تخالطوهم فإخوانكم} أَي فهم إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة أَن يَقُول إِن دخلت الدَّار فطالق
(1/424)

(صِحَة) التَّعْلِيق إِن لم يكن لَهُ زَوْجَة غَيرهَا وَتطلق المخاطبة فَإِن كَانَ لَهُ غَيرهَا فَيَقَع على وَاحِدَة وَتعين وَيحْتَمل أَن يكون كِنَايَة مُطلقًا
فصل فِي مسَائِل مُتَفَرِّقَة

مَسْأَلَة

التَّرْخِيم حذف أَوَاخِر الْأَسْمَاء فِي النداء وَيجوز التَّرْخِيم فِي غير النداء للضَّرُورَة إِذا تقرر هَذَا فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ يَا طَال بِحَذْف الْقَاف فَإِن الطَّلَاق يَقع إِذا نوى وَلَو قَالَ أَنْت طَال وَنوى فَنقل الرَّافِعِيّ عَن الْعَبَّادِيّ أَنه يَقع لوروده وَعَن البوشنجي أَنه يَنْبَغِي أَن لَا يَقع لما ذَكرْنَاهُ من اخْتِصَاصه بالشعر وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ لم يبين المُرَاد بِهَذِهِ النِّيَّة فَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بهَا نِيَّة الطَّلَاق وَأَن يكون المُرَاد نِيَّة الْحَذف من طَالِق
مَسْأَلَة

قد يتَغَيَّر مَدْلُول الْكَلَام بِمُجَرَّد التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير الْجَائِز فَمن ذَلِك مَا إِذا قَالَ عَليّ دِرْهَم وَنصف أَو مائَة دِرْهَم وَنصف فَلَيْسَ النّصْف مُجملا على الْأَصَح وَلَو عكس لَكَانَ مُجملا
(1/425)

مَسْأَلَة

الْمَحْذُوف للْعلم بِهِ بِمَثَابَة لامذكور فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا قَالَ هِنْد طَالِق وَزَيْنَب فَإِنَّهُمَا يطلقان وَكَذَلِكَ مَا أشبه هَذَا من سَائِر الْعُقُود والفسوخ
وَمِنْهَا إِذا قَالَ للمدخول بهَا أَنْت طَالِق طَلْقَة قبلهَا وَبعدهَا طَلْقَة فَالصَّحِيح كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي بَاب عدد الطَّلَاق أَنَّهَا تطلق ثَلَاثًا لما ذَكرْنَاهُ وَقيل يَقع طَلْقَتَانِ وَيَلْغُو قَوْله قبلهَا وَيُمكن تَعْلِيل الأول أَيْضا بِأَن مُقْتَضى اللَّفْظ قسْمَة الطَّلقَة على نصف مُتَقَدم وَنصف مُتَأَخّر ثمَّ يسري النصفان
مَسْأَلَة

الْمُقدر إِمَّا مَعَ الْعَطف بِالْوَاو وَإِمَّا مَعَ غَيره قد يَزُول مَعْنَاهُ إِلَى معنى آخر بالتصريح بِهِ فَمن فروعه إِذا قَالَ لإحدى زوجتيه أَنْت طَالِق وَهَذِه فَفِي افتقار طَلَاق الثَّانِيَة إِلَى النِّيَّة وَجْهَان حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ فِي الْكَلَام على الْكِنَايَات من غير تَصْحِيح
(1/426)

وَمِنْهَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق الْيَوْم وَغدا وَبعد الْغَد
وَقد سبق أيضاحها فِي الْبَاب الثَّالِث فِي أول الْفَصْل الْمَعْقُود لحروف الْعَطف
مَسْأَلَة

تَقْدِيم الْمَعْمُول نَحْو إياك نعْبد وزيدا ضربت وبعمرو مَرَرْت لَا يُفِيد الْحصْر عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَالْجُمْهُور بل تَقْدِيمه للاهتمام بِهِ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وَغَيره إِنَّه يدل عَلَيْهِ وَيتَفَرَّع على الْمَسْأَلَة حنث الْحَالِف بِهَذِهِ الصِّيغَة إِذا كَانَ قد ضرب غَيره أَو مر بِهِ وَنَحْو ذَلِك
مَسْأَلَة

مَالا يعْمل لَا يُفَسر وإيضاح ذَلِك أَنا إِذا قُلْنَا فِي الِاشْتِغَال زيدا ضَربته بِالنّصب فزيد مَنْصُوب بإضمار فعل يفسره ضربت الملفوظ بِهِ وَتَقْدِيره ضربت زيدا ضَربته وَإِنَّمَا جَازَ نَصبه لَهُ لِأَن الملفوظ بِهِ لَو عري عَن الضَّمِير لَكَانَ يجوز لَهُ أَن ينصب السَّابِق فَيَقُول زيدا ضربت فَمَا جَازَ أَن ينصبه بِنَفسِهِ جَازَ أَن يكون لَهُ فرع ينصبه عِنْد اشْتِغَاله بضميره بِخِلَاف مَا إِذا امْتنع عمله فِيهِ كَمَا لَو وَقع الِاسْم مثلا قبل إِن الشّرطِيَّة كَقَوْل زيدا إِن أكرمته أكرمك فَإِنَّهُ لَا يَصح نَصبه بعامل يفسره الظَّاهِر لِأَنَّهُ لَا يَصح عمله فِيهِ بِنَفسِهِ
(1/427)

إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة جَوَاز التَّوْكِيل فِي شَيْء لمن لَهُ أَهْلِيَّة التَّصَرُّف فِيهِ وامتناعه فِي حق من لَيْسَ لَهُ ذَلِك فَمن جَازَ لَهُ أَن يَلِي عقد النِّكَاح مثلا لِاجْتِمَاع الشُّرُوط فِيهِ فَيجوز لَهُ أَن يُوكل عَنهُ من يتعاطاه وَمن لَا يتعاطاه كالمجرم وَالْفَاسِق فَيمْتَنع عَلَيْهِ التَّوْكِيل هَذَا هُوَ الأَصْل وَيسْتَثْنى من الطَّرفَيْنِ مسَائِل مَذْكُورَة فِي أَبْوَابهَا لمعان قَامَت بهَا
مَسْأَلَة

إِذا قَالَ لَا أكلم زيدا مَا دَامَ عَمْرو قَائِما فمدلول ذَلِك هُوَ الِامْتِنَاع عَن الْكَلَام مُدَّة دوَام اتصاف عمر بِالْقيامِ فَلَو قعد عَمْرو ثمَّ قَامَ انْقَطع الدَّوَام وَحِينَئِذٍ فَمُقْتَضى اللَّفْظ أَنه لَا يَحْنَث وَقد نَقله الرَّافِعِيّ فِي آخر تَعْلِيق الطَّلَاق فِي الْفَصْل الْمَنْقُول عَن اسماعيل البوشنجي فَقَالَ لَو قَالَ لزوجته إِن دخلت دَار فلَان مَا دَامَ فلَان فِيهَا فَأَنت طَالِق فتحول فلَان مِنْهَا ثمَّ عَاد إِلَيْهَا فدخلتها لَا تطلق انْتهى وَذكر أَيْضا مثله فِي غير هَذَا الْموضع وَهُوَ آخر كتاب الايمان فَقَالَ لَو حلف لَا يصطاد مَا دَامَ الْأَمِير فِي الْبَلَد فَخرج مِنْهَا ثمَّ عَاد فاصطاد وَلم يَحْنَث لِأَن الدَّوَام قد انْقَطع بِالْخرُوجِ وَقِيَاس ذَلِك أَنه لَو قَالَ وقفت على زيد مَا دَامَ فَقِيرا فاستغنى ثمَّ افْتقر لم يسْتَحق شَيْئا
(1/428)

مَسْأَلَة

إِبْدَال الْهَاء من الْحَاء لُغَة قَليلَة وَكَذَلِكَ إِبْدَال الْكَاف من الْقَاف فَمن فروع الأول إِذا قَرَأَ فِي الْفَاتِحَة الهمد لله أَعنِي بِالْهَاءِ عوضا عَن الْحَاء فَإِن الصَّلَاة تصح كَمَا نَقله القَاضِي الْحُسَيْن فِي بَاب صفة الصَّلَاة من تعليقته وَنَقله عَنهُ فِي الْكِفَايَة
وَأما الثَّانِي فَمن فروعه إِذا قَرَأَ الْمُسْتَقيم بِالْقَافِ المعقودة المشبهة للكاف وَهِي قَاف الْعَرَب أَي الَّتِي ينطقون بهَا فَإِنَّهَا تصح أَيْضا كَمَا ذكره الشَّيْخ نصر الْمَقْدِسِي فِي كِتَابه الْمُسَمّى بِالْمَقْصُودِ وَالرُّويَانِيّ فِي الْحِلْية وَجزم بِهِ ابْن الرّفْعَة فِي الْكِفَايَة وَنَقله النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب عَن الرَّوْيَانِيّ ثمَّ قَالَ وَفِيه نظر وَمَال الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي شرح التَّنْبِيه إِلَى الْبطلَان لَكِن اللّحن الَّذِي فِي الْفَاتِحَة لَا يمْنَع الصِّحَّة إِذا كَانَ لَا يخْتل الْمَعْنى كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَإِن كَانَ حَرَامًا كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَحكى فِيهِ وَجها أَن الصَّلَاة لَا تصح أَيْضا وَحِينَئِذٍ فالصحة فِي أَمْثَال هَذِه الْأُمُور لأجل وُرُوده فِي اللُّغَة وَبَقَاء الْكَلِمَة على مدلولها أظهر بِخِلَاف الْإِتْيَان بِالدَّال الْمُهْملَة فِي الَّذين عوضا عَن الْمُعْجَمَة فَإِن إِطْلَاق الرَّافِعِيّ وَغَيره يَقْتَضِي الْبطلَان وَأَنه لَا يَأْتِي فِيهِ الْخلاف فِي الضَّاد مَعَ الظَّاء وَسَببه عسر التَّمْيِيز فِي الْمخْرج
(1/429)

مَسْأَلَة

ضَرُورَة الشّعْر تبيح أمورا مَمْنُوعَة فِي الِاخْتِيَار كقصر الْمَمْدُود وَغَيره وَاخْتلفُوا فِي حد الضَّرُورَة فَقَالَ ابْن مَالك هُوَ مَا لَيْسَ للشاعر عَنهُ مندوحة وَقَالَ ابْن عُصْفُور الشّعْر نَفسه ضَرُورَة وَإِن كَانَ يُمكنهُ الْخَلَاص بِعِبَارَة أُخْرَى وَهَذَا الْخلاف هُوَ الْخلاف الَّذِي يعبر عَنهُ الأصوليون بِأَن التَّعْلِيل بالمظنة هَل يجوز أم لَا بُد من حُصُول الْمَعْنى الْمُنَاسب حَقِيقَة وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ فروع كَثِيرَة مِنْهَا إِذا قَالَ لزوجته إِن كنت حَامِلا فَأَنت طَالِق وَكَانَ يَطَؤُهَا وَهِي مِمَّن تحبل فَهَل يجب التَّفْرِيق إِلَى أَن يستبريها الزَّوْج فِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا لَا لِأَن الأَصْل عدم الْحمل وَقيل نعم لِأَن الْوَطْء مَظَنَّة لَهُ
وَمِنْهَا اشْتِرَاط الشَّهْوَة فِي النَّقْض بِمَسّ الْأَجَانِب وَالصَّحِيح عدم الِاشْتِرَاط وَمِنْهَا أَنهم قَالُوا يجوز للْعَبد أَن يَصُوم بِغَيْر إِذن السَّيِّد فِي وَقت لَا ضَرَر عَلَيْهِ فِيهِ فَإِن كَانَ فِيهِ ضَرَر لم يجز إِلَّا بِإِذْنِهِ لَكِن الضَّرَر أَمر مظنون وَقد يَظُنّهُ العَبْد غير مُؤثر فِي الْخدمَة مَعَ أَنه مُؤثر فَلم يَقُولُوا بِالْمَنْعِ مُطلقًا تعليلا بالمظنة
(1/430)

وَمِنْهَا جَوَاز رُجُوع الْأُصُول كالآباء والأمهات فِيمَا وهبته لفروعهم دون الْأَجَانِب لِأَن الْأُصُول يقصدون مصلحَة فروعهم فقد يرَوْنَ فِي وَقت أَن الْمصلحَة فِي الرُّجُوع إِمَّا لقصد التَّأْدِيب أَو غير ذَلِك فجوزناه بِخِلَاف الْأَجْنَبِيّ وَاخْتلفُوا فِي اشْتِرَاط هَذِه الْمصلحَة لجَوَاز الرُّجُوع وَالصَّحِيح عدم اشْتِرَاطهَا تعليلا بالمطنة
وَهَذِه الْمَسْأَلَة هِيَ نَظِير مَا إِذا كَانَ الْأَب أَو الْجد عدوا للبكر وَقد نقل الرَّافِعِيّ فِيهِ عَن ابْن كج وَابْن الْمَرْزُبَان أَنه لَا يجبرها على التَّزْوِيج ثمَّ نقل أَعنِي الرَّافِعِيّ فِيهِ احْتِمَالا فِي الْجَوَاز وَقِيَاس ولَايَة المَال أَن يكون كولاية النِّكَاح فِي ذَلِك
وَمِنْهَا أَن الْمُكْره على الطَّلَاق لَو قدر على التورية كَقَوْلِه طَارق بالراء وَنَحْوه فَهَل يلْزمه ذَلِك على وَجْهَيْن أصَحهمَا لَا
وَمِنْهَا أَنهم جوزوا للمعتكف الْخُرُوج إِلَى بَيته للْأَكْل ولقضاء حَاجَة الْإِنْسَان لاستحيائه من فعل ذَلِك مَعَ الطارقين هُنَاكَ فَلَو اعْتكف فِي مَوضِع مغلق عَلَيْهِ كالمنارة مثلا أَو كَانَ الْمَسْجِد نَفسه مَهْجُورًا يغلقه على نَفسه إِذا دخل إِلَيْهِ فَيتَّجه امْتنَاع الْخُرُوج لانْتِفَاء الْمَعْنى وَيحْتَمل الْجَوَاز اعْتِبَارا بالمظنة لَا بآحاد الْأَفْرَاد
(1/431)

- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب الْحَقِيقَة وَالْمجَاز - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -
اعْلَم أَن أَكثر النُّحَاة قد أهملوا هَذَا الْبَاب وَقد ذكره شَيخنَا فِي آخر الارتشاف تبعا لجَماعَة فتبعته على ذَلِك فالحقيقة هُوَ اللَّفْظ الْمُسْتَعْمل فِيمَا وضع لَهُ وَالْمجَاز هُوَ الْمُسْتَعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ لمناسبة بَينهمَا وَهُوَ أَنْوَاع
مَسْأَلَة

من أَنْوَاع الْمجَاز الْإِضْمَار كَقَوْلِه تَعَالَى {واسأل الْقرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا} وَاخْتلفُوا فَذهب الْفَارِسِي وَجَمَاعَة كَمَا قَالَه فِي بَاب الْعَطف من الارتشاف إِلَى أَن الْإِضْمَار أولى من تضمين كلمة معنى أُخْرَى على سَبِيل الْمجَاز وَذهب أَبُو عُبَيْدَة والأصمعي وَجَمَاعَة إِلَى الْعَكْس ثمَّ اسْتدلَّ بعد ذَلِك بِأَن الْإِضْمَار فِي كَلَام الْعَرَب أولى من التَّضْمِين
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة مَا إِذا أَشَارَ إِلَى عَبده الَّذِي هُوَ (أسن) مِنْهُ فَقَالَ هَذَا ابْني فَيحْتَمل أَن يكون قد عبر بالبنوة عَن الْعتْق فَيحكم بِعِتْقِهِ وَيحْتَمل أَن يكون فِيهِ إِضْمَار تَقْدِيره مثل ابْني أَي فِي الحنو أَو فِي غَيره فَلَا يعْتق وَالْمَسْأَلَة فِيهَا خلاف عندنَا وَالْمُخْتَار كَمَا قَالَه فِي زَوَائِد الرَّوْضَة أَنا لَا نحكم بِالْعِتْقِ بِمُجَرَّد ذَلِك قَالَ لِأَن ذَلِك يذكر فِي الْعَادة للملاطفة وَهَكَذَا الحكم إِذا قَالَ ذَلِك لزوجته أَيْضا وَاعْلَم أَن التَّضْمِين غَالِبا إِنَّمَا يُطلق على العوامل كَقَوْلِه تَعَالَى {وَالَّذين تبوؤوا الدَّار وَالْإِيمَان}
(1/432)

فَإِن الْإِيمَان لَا يُوصف بالتبوؤ وَقَول الشَّاعِر ... علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا ... فَإِن الْعلف لَا يُطلق عل ى المَاء فَقيل إِن ذَلِك من بَاب الْإِضْمَار وَتَقْدِيره فِي الْآيَة واعتقدوا الْإِيمَان فَيكون من عطف الْجمل
وَقيل إِنَّا نضمن تبوأ معنى يَصح إِسْنَاده إِلَى الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ وَهُوَ أَحبُّوا وَنَحْوه وَاخْتَارَ فِي الارتشاف أَنه إِن كَانَ الْعَامِل الأول تصح نسبته حَقِيقَة إِلَى الَّذِي يَلِيهِ كالآية وَالْبَيْت كَانَ الْإِضْمَار فِي الثَّانِي أولى لِأَنَّهُ أَكثر من التَّضْمِين وَإِن كَانَ لَا تصح كَقَوْل الْعَرَب ... علفتها مَاء بَارِدًا وتبنا أَي بِتَقْدِيم المَاء تعين التَّضْمِين قَالَ وَالْأَكْثَرُونَ على أَن هذاالتضمين أَي الْمَذْكُور فِي الْعَطف ينقاس وَالضَّابِط أَن يجمع الأول وَالثَّانِي معنى عَام
(1/433)

مَسْأَلَة

من أَنْوَاعه أَيْضا إِطْلَاق الْمصدر على الذَّات كَقَوْلِك رجل عدل وَصَوْم وَمِنْه قَول الشَّاعِر ... فَأَنت طَلَاق وَالطَّلَاق عَزِيمَة ... ثَلَاث وَمن يبدأأعق وأظلم ...
فَإِن قصدت بِإِطْلَاق الْمصدر الْمُبَالغَة لدوامه عَلَيْهِ لم تؤوله وَإِن لم ترد الْمُبَالغَة فَقَالَ البصريون أَنه على حذف مُضَاف تَقْدِيره ذُو صَوْم وَعدل أَي عَدَالَة وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ أَنه وَاقع موقع اسْم الْفَاعِل تَقْدِيره صَائِم وعادل وَهَذَا كُله إِذا لم يكن فِي أَوله مِيم فَإِن كَانَ فَلَا يجوز الْوَصْف بِهِ الْكُلية وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى {يَا أهل يثرب لَا مقَام لكم} أَي إِقَامَة فَتَقول فِي الْكَلَام مَرَرْت بِرَجُل إِقَامَة على التأولين السَّابِقين وَلَا تَقول بِرَجُل مقَام إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة إِذا قَالَ لزوجته أَنْت طَلَاق أَو الطَّلَاق أَو طَلْقَة فَإِنَّهُ يكون كِنَايَة على الصَّحِيح بِأحد التقديرات الْمُتَقَدّمَة وَقيل إِنَّه صَرِيح لِأَن طَالقا فرع عَنهُ وَهُوَ صَرِيح فَالْأَصْل أولى وَلَو قَالَ
(1/434)

أتيت نصف طَلْقَة فَهَل هُوَ صَرِيح أَو كِنَايَة جهان قَالَ الْبَغَوِيّ وَلَو قَالَ أتيت كل طَلْقَة أَو نصف طَالِق فصريح كَقَوْلِه نصفك طَالِق كَذَا نقل الرَّافِعِيّ هَذِه الْمسَائِل ثمَّ قَالَ وَيجوز أَن يَجِيء فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَي نصف طَالِق الْخلاف الْمُتَقَدّم فِي نصف طَلْقَة
قلت وَيَجِيء قَوْله كل طَلْقَة مَا تقدم أَيْضا فِي قَوْله أَنْت طَلْقَة لِأَنَّهُ وصفهَا بِالْمَصْدَرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاعْلَم أَن هَذَا الْعَمَل جَمِيعه يَأْتِي فِي الْعتْق أَيْضا فَاسْتَحْضرهُ
مَسْأَلَة

من أَنْوَاع الْمجَاز أَيْضا إِطْلَاق اسْم الْبَعْض على الْكل وَعَكسه وَفِي مَعْنَاهُ الْأَخَص مَعَ الْأَعَمّ إِذا تقرر ذَلِك فللمسألة فروع
الأول إِذا قَالَ أَنْت طَالِق نصف طَلْقَة فَإِنَّهُ يَقع عَلَيْهِ طَلْقَة كَامِلَة ثمَّ حكى الرَّافِعِيّ وَغَيره وَجْهَيْن من غير تَصْرِيح بترجيح فِي أَن ذَلِك من بَاب التَّعْبِير بِالْبَعْضِ عَن الْكل أَو من بَاب السَّرَايَة أَي وَقع النّصْف ثمَّ سرى إِلَى الْبَاقِي وللخلاف فَوَائِد وَهَذَا الْكَلَام الَّذِي ذكره الْأَصْحَاب عَجِيب لِأَن التَّعْبِير بِبَعْض الشَّيْء عَن جَمِيعه من صِفَات الْمُتَكَلّم ويستدعي قَصده لهَذَا الْمَعْنى بِالضَّرُورَةِ وَإِلَّا لم يَصح أَن يُقَال عبر بِهِ عَنهُ أَيْضا فالمجاز لَا بُد فِيهِ من قصد صرف اللَّفْظ عَن الْمَدْلُول الْحَقِيقِيّ بِشُرُوط أُخْرَى لِأَن النّصْف قد يُرَاد بِهِ الْمَعْنى الْمجَازِي وَإِذا تقرر ذَلِك كُله فَنَقُول إِن أَرَادَ الزَّوْج الْمَعْنى الْمجَازِي وَقع
(1/435)

كَذَلِك بِلَا خلاف لِأَن اسْتِعْمَال الْمجَاز جَائِز بِلَا خلاف وَإِن لم يقْصد ذَلِك فَيحمل على الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ قطعا إِلَّا أَنه الْتزم أيقاع نصف طَلْقَة وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِك إِلَّا بِوُقُوع طَلْقَة كَامِلَة فأوقعناها لِأَن ذَلِك من بَاب السَّرَايَة لَا من بَاب التَّعْبِير بِالْبَعْضِ عَن الْكل
فَإِن قيل إِذا قَالَ أَنْت طَالِق ثَلَاثًا إِلَّا نصف طَلْقَة وَقعت الثَّلَاث فِي أصح الْوَجْهَيْنِ فَلم لَا قُلْتُمْ إِن رفع بعضه كرفع كُله لكَونه لَا يتَجَزَّأ وَحِينَئِذٍ فَيَقَع عَلَيْهِ طَلْقَتَانِ فَقَط قُلْنَا فعلنَا ذَلِك تَغْلِيبًا للإيقاع فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِسَبَب الْبَعْض الْبَاقِي فيهمَا
الثَّانِي إِذا قَالَ لله عَليّ صَوْم نصف يَوْم فقياسه مِمَّا ذَكرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة أَنه إِن أَرَادَ الْمَعْنى الْمجَازِي لزمَه صَوْم الْيَوْم بِلَا نزاع وَإِن أَرَادَ الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ فَيحْتَمل الْبطلَان لِأَن صَوْم بعض الْيَوْم بَاطِل شرعا وَيحْتَمل اللُّزُوم لإمكانه بالإتيان بِالْبَاقِي وَلم يذكر الرَّافِعِيّ فِيهِ التَّفْصِيل الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَلَا الْخلاف الَّذِي ذكره فِي نَظِيره من الطَّلَاق فِي أَنه من بَاب التَّعْبِير بِالْبَعْضِ عَن الْكل بل حكى فِيهِ وَجْهَيْن موافقين لما ذَكرْنَاهُ من الِاحْتِمَالَيْنِ وَصحح الْبطلَان
(1/436)

الثَّالِث إِذا نذر رُكُوعًا لزمَه رَكْعَة بِاتِّفَاق الفرعين كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي كتاب النّذر فِي الْكَلَام على نذر الصَّوْم قَالَ فَإِن نذر سجودا أَو تشهدا فَكَمَا لَو نذر أَن يَصُوم بعض الْيَوْم وَفِي مَا قَالَه نظر لِأَن إِطْلَاق الرَّكْعَة على الرُّكُوع وَعَكسه مجَاز بِلَا شكّ فَيكون كَنِصْف الْيَوْم وَنَحْوه نعم إِن أَرَادَ بِالرُّكُوعِ الرَّكْعَة الْكَامِلَة فَلَا إِشْكَال
الرَّابِع إِذا حلف لَا يشرب لَهُ مَاء من عَطش وَنوى جَمِيع الانتفاعات فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث إِلَّا بِمَا يلفظ بِهِ وَهُوَ المَاء من الْعَطش خَاصَّة وَلَا يتَعَدَّى إِلَى مَا نَوَاه بِهِ وَإِن كَانَ بَينهمَا مخاصمة أَو امتنان عَلَيْهِ يَقْتَضِي ذَلِك لِأَن النِّيَّة إِنَّمَا تُؤثر إِذا احْتمل اللَّفْظ مَا نوى بِجِهَة يتجوز بهَا فَإِذا لم يحْتَمل اللَّفْظ ذَلِك لم يبْق إِلَّا النِّيَّة وَهِي وَحدهَا لَا تُؤثر كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي آخر كتاب الايمان وَفِيمَا ذكره نظر لِأَن فِيهِ جِهَة صَحِيحَة وَهِي إِطْلَاق اسْم الْبَعْض على الْكل
الْخَامِس إِذا أَشَارَ الزَّوْج إِلَى زوجتيه فَقَالَ إِحْدَاكُمَا طَالِق ونواهما جَمِيعًا قَالَ الإِمَام فَالْوَجْه عندنَا أَنَّهُمَا لايطلقان وَلَا يَجِيء فِيهِ الْخلاف فِي قَوْله أَنْت طَالِق وَاحِدَة وَنوى ثَلَاثًا لِأَن حمل إِحْدَى
(1/437)

الْمَرْأَتَيْنِ عَلَيْهِمَا مَعًا لَا وَجه لَهُ وَهُنَاكَ يتَطَرَّق إِلَى الْكَلَام تَأْوِيل كَذَا نَقله عَنهُ الرَّافِعِيّ فِي بَاب الشَّك فِي الطَّلَاق وارتضاه وَفِيه نظر لما أَشَرنَا إِلَيْهِ بل لقَائِل أَن يَقُول مُسَمّى إِحْدَاهمَا قدر مُشْتَرك وَهُوَ صَادِق عَلَيْهِمَا وَقد اوقع الطَّلَاق عَلَيْهِ ونواهما فَتعين وُقُوعه عَلَيْهِمَا بل كَانَ يَنْبَغِي ذَلِك عِنْد عدم النِّيَّة لما ذَكرْنَاهُ قإن ادّعى أَنه مُشْتَرك بالاشتراك اللفطي فَكَذَلِك لِأَن اسْتِعْمَاله فيهمَا جَائِز
السَّادِس إِذا قَالَ لزوجته أَنْت طَالِق يَوْم يقدم زيد فَقدم لَيْلًا فَلَا يَقع الطَّلَاق على الصَّحِيح لِأَن الْيَوْم مَا بَين طُلُوع الْفجْر والغروب وَقيل يَقع لِأَن الْيَوْم قد يسْتَعْمل فِي مُطلق الْوَقْت هَذَا علله الرَّافِعِيّ وَمَعْنَاهُ مَا ذَكرْنَاهُ وَهَذَا الْخلاف مُشكل لَان الزواج ان أَرَادَ اسْتِعْمَاله فِيهِ مجَازًا كَمَا ذَكرْنَاهُ وَقع بِلَا إِشْكَال وَإِن يرد ذَلِك فَتقدم الْحَقِيقَة قطعا نعم إِن ادّعى مُدع غَلَبَة هَذَا الْمجَاز على الْحَقِيقَة وَسلم لَهُ مَا ادَّعَاهُ فَيَأْتِي فِيهِ الْخلاف فِي الْحَقِيقَة المرجوحة وَالْمجَاز الرَّاجِح
السَّابِع أذا نذر الْإِتْيَان إِلَى بقْعَة من بقاع الْحرم لزمَه حج أَو عمْرَة بِخِلَاف بقاع الْحل كمسجد مَيْمُونَة (وَمر الظهْرَان) إِلَّا عَرَفَة فَإِنَّهُ إِذا
(1/438)

نذر أتيانها أَرَادَ الْتِزَام الْحَج وَعبر عَنهُ بِعَرَفَة من بَاب التَّعْبِير بالجزء عَن الْكل فَإِنَّهُ يلْزمه قَالَ الرَّافِعِيّ وَكَذَلِكَ إِذا نوى إتيانها محرما
الثَّامِن لَو قَالَ إِن شفى الله مريضي فَللَّه على رقبتي أَن أحج مَاشِيا لزمَه وَلَو قَالَ على رجْلي فَكَذَلِك (إِلَّا أَن يُرِيد) (الْتِزَام الرجل) خَاصَّة كَذَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَلَا تبعد التَّسْوِيَة
مَسْأَلَة

من أَنْوَاع الْمجَاز أَيْضا الْمُجَاورَة كإطلاق اسْم الْمحل على الْحَال وَذَلِكَ كإطلاق الرِّوَايَة على الْإِنَاء الْجلد الَّذِي يحمل فِيهِ المَاء مَعَ ان الرِّوَايَة فِي اللُّغَة هُوَ الْحَيَوَان الْمَحْمُول عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْغَائِط (اسْم للمكان المطمئن من الأَرْض ثمَّ أَطْلقُوهُ مجَازًا على الفضلة الْخَارِجَة من الْآدَمِيّ فِيهِ فَمن فروعه مَا إِذا قَالَ أُصَلِّي على الْجِنَازَة وأتى بِالْجِيم مَكْسُورَة فَإِنَّهُ لَا يَصح لِأَن المكسور اسْم
(1/439)

للنعش وَإِذا أُرِيد الْمَيِّت فتحت جيمه كَذَا قَالَه القَاضِي الْحُسَيْن فِي تعليقته وَمَا ذكره فِي المُرَاد من المفتوح والمكسور هُوَ الْمَعْرُوف وَهُوَ معنى قَوْلهم الْأَعْلَى للأعلى والأسفل للأسفل لَكِن الْمُتَّجه الصِّحَّة إِذا أَرَادَ الْمَيِّت وغايته أَنه عبر بِلَفْظ مجازي للعلاقة الْمَذْكُورَة
مَسْأَلَة

وَمِنْهَا أَي من أَنْوَاع الْمجَاز الِاسْتِثْنَاء من غير الْجِنْس وَكَذَلِكَ التَّعْرِيض كَقَوْلِه تَعَالَى {يَا قوم لَيْسَ بِي سفاهة} كَذَا ذكرهَا فِي الارتشاف فَأَما الِاسْتِثْنَاء فقد سبق أيضاحه فِي بَابه وَأما التَّعْرِيض فَمن فروعه مَا إِذا قَالَ لغيره وهما فِي الْخُصُومَة يَا حَلَال يَا ابْن الْحَلَال وَنوى الْقَذْف أَو قَالَ أما أَنا فلست بزان وَنَحْو ذَلِك فَيَقْتَضِي كَونه مجَازًا أَن يرتب عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ إِذا نَوَاه وَهُوَ وَجه اخْتَارَهُ الشَّيْخ فِي التَّنْبِيه وَالأَصَح أَنه لَا شَيْء فِيهِ أصلا وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم
(1/440)

تمّ الْكتاب وَالله الْمُوفق للصَّوَاب وَكَانَ الْفَرَاغ مِنْهُ فِي أثْنَاء سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة سوى زيادات ألحقتها بعد ذَلِك وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسلم وَالْحَمْد لله وَحده وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
نجز الْكتاب بِحَمْد الله وعونه وَحسن توفيقه بتاريخ ثامن من ذُو الْحجَّة الْحَرَام الْمُبَارك من شهور سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف غفر الله تَعَالَى لكَاتبه وقارئه والناظر فِيهِ وَلمن كَانَ السَّبَب فِي تَحْصِيله وَجَمِيع الْمُسلمين ... فَإِن تَجِد عَيْبا فسد الخلللا ... جلّ من لَا فِيهِ عيب وخلا ...
وَجَاء فِي نِهَايَة النُّسْخَة م تمّ الْكتاب وَالله الْمُوفق للصَّوَاب وَكَانَ الْفَرَاغ مِنْهُ فِي أثْنَاء سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة سوى زيادات ألحقتها بعد ذَلِك وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسلم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
وَجَاء فِي نِهَايَة النُّسْخَة ل تمّ الْكتاب وَالله الْمُوفق للصَّوَاب قَالَ مُصَنفه رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ الْفَرَاغ مِنْهُ فِي أثْنَاء سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة سوى زيادات ألحقتها بعد ذَلِك كتبه بِخَطِّهِ من بِعَفْو الله راجي الْفَقِير مُحَمَّد أَحْمد خفاجي لطف الله تَعَالَى بِهِ وَغفر لَهُ ولوالديه وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين وَذَلِكَ فِي أول ربيع الثَّانِي الَّذِي هُوَ من شهور سنة 1326 هـ سِتّ وَعشْرين وثلثمائة وَألف هجرية على صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وأزكى التَّحِيَّة وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وعَلى آله وَصَحبه وَسلم
وَجَاء فِي نِهَايَة النُّسْخَة ص وَافق الْفَرَاغ من هَذِه النُّسْخَة على يَد أَضْعَف عباد الله وأحوجهم إِلَى عَفوه ومغفرته مُوسَى بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن جُمُعَة الْأنْصَارِيّ الْحلَبِي عَفا الله عَنهُ يَوْم الثُّلَاثَاء حادي عشر من رَجَب الْفَرد عَام إِحْدَى وَسبعين وَسَبْعمائة بِالْقَاهِرَةِ المعزة حرسها الله تَعَالَى وَالْحَمْد لله وَحده وَفِي حَاشِيَة النُّسْخَة بلغ مُقَابلَة
(1/441)