Advertisement

الوجيز في إيضاح قواعد الفقة الكلية



الكتاب: الوجيز في إيضاح قواعد الفقة الكلية
المؤلف: الشيخ الدكتور محمد صدقي بن أحمد بن محمد آل بورنو أبو الحارث الغزي
الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان
الطبعة: الرابعة، 1416 هـ - 1996 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم.
اسم الكتاب:
الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية.
تأليف الشيخ الدكتور:
محمد صدقي بن أحمد بن محمد البورنو أبي الحارث الغزي.
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.
مؤسسة الرسالة.
(المجلد الأول) .
(/)

-- القسم الأول:
-- المقدمات والمبادئ.
(1/12)

-- المقدمة الأولى:
-- معنى القواعد الفقهية والتعريف بها:
1. المعنى اللغوي للقواعد:
القواعد جمع قاعدة، ومعنى القاعدة: أصل الأُس، وأساس البناء والقواعد الإساس، وقواعد البيت إسَاسُه، ومنه قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبَّل منا) . البقرة، آية (127) .
ومنه قوله تعالى: (فأتى الله بنيانَهم من القواعد) . النحل، آية (26) .
قال الزجاج: القواعد أساطين البناء التي تعمده، وقواعد الهودج خشبات أربع معترضة في أسفله تُرّكب عيدان الهودج فيها.
قال أبو عبيد: قواعد السحاب أصولها المعترضة في آفاق السماء، شُبهت بقواعد البناء.
قال ابن الأثير: أراد بالقواعد ما اعترض منها وسفل تشبيهاً بقواعد البناء.
(1/13)

قال ذلك في بيان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأل عن سحابة مرَّت فقال: كيف ترون قواعدها وبواسقها. وقالوا في المرأة التي قعدت عن الحيض والأزواج قاعد والجمع قواعد، ومنه قوله تعالى: (والقواعد من النساء التي لا يرجون نِكاحاً) . النور، آية (60) .
ومن معاني القاعدة في اللغة: الضابط وهو: الأمر الكلي ينطبق على جزئيات، مثل قولهم: كل أذون ولود وكل صموخ بيوض.
2. المعنى الاصطلاحي للقاعدة:
وأما معنى القاعدة في الاصطلاح الفقهي فقد اختلف الفقهاء في تعريفها بناء على اختلافهم في مفهومها هل هي قضية كلية أو قضية أغلبية؟ فمن نظر إلى أن القاعدة هي قضية كلية عرَّفها بما يدل على ذلك حيث قالوا في تعريفها: القاعدة هي:
1. قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها.
2. قضية كلية يتعرف منها أحكام جزئياتها.
3. حكم كلي ينطبق على جميع جزئياته ليتعرف أحكامها منه.
(1/14)

4. حكم كلي ينطبق على جميع جزئياته ليتعرف به أحكام الجزئيات والتي تندرج تحتها من الحكم الكلي.
5. الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منه.
6. أمر كلي منطبق على جزئيات موضوعه.
7. عبارة عن صور كلية تنطبق كل واحدة منها على جزئياتها التي تحتها.
8. هي القضايا الكلية التي تعرف بالنظر فيها قضايا جزئية.
9. قضية كلية يتعرف منها أحكام الجزئيات المندرجة تحت موضوعها.
10. أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تتضمن أحكاماً تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها.
11. أصول ومبادئ كلية تصاغ في نصوص موجزة تتضمن أحكاماً تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها.
وهذه التعريفات كلها متقاربة تؤدي معنى متحداً وإن اختلفت عباراتها حيث تفيد جميعها أن القاعدة هي حكم أو أمر كلي أو قضية كلية تفهم منها أحكام
(1/15)

الجزئيات التي تندرج تحت موضوعها وتنطبق عليها.
ومن نظر إلى أن القاعدة الفقهية قضية أغلبية نظراً لما يستثنى منها عرَّفها بأنها حكم أكثري لا كلي، ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه.
وقال في تهذيب الفروق: ومن المعلوم أن أكثر قواعد الفقه أغلبية، والقول إن أكثر قواعد الفقه أغلبية مبني على وجود مسائل مستثناة من تلك القواعد تخالف أحكامها حكم القاعدة، ولذلك قيل: حينما أرجع المحققون المسائل الفقهية عن طريق الاستقراء إلى قواعد كلية كل منها ضابط وجامع لمسائل كثيرة، واتخذوها أدلة لإثبات أحكام تلك المسائل رأوا أن بعض فروع تلك القواعد يعارضه أثر أو ضرورة أو قيد أو علة مؤثرة تخرجها عن الاطراد فتكون مستثناة من تلك القاعدة ومعدولاً بها عن سنن القياس فحكموا عليها بالأغلبية لا بالاطراد.
فمثال الاستثناء بالأثر جواز السلم والإجارة في بيع المعدوم الذي الأصل فيه عدم جوازه، ومثال الاستثناء بالإجماع عقد الاستصناع.
ومثال الاستثناء بالضرورة طهارة الحياض والآبار في الفلوات مع ما تلقيه الريح فيها من البعر والروث وغيره.
ولكن العلماء مع ذلك قالوا: إن هذا (أي الاستثناء وعدم الاطراد) لا ينقض كلية تلك القواعد ولا يقدح في عمومها للأسباب الآتية:
(1/16)

أولاً: لما كان مقصد الشارع ضبط الخلق إلى القواعد العامة، وكانت القواعد التي قد جرت بها سنة الله أكثرية لا عامة، وكانت الشريعة موضوعة على مقتضى ذلك الوضع، كان من الأمر الملتفت إليه إجراء القواعد على العموم العادي لا على العموم الكلي العام الذي لا يتخلف عنه جزئي ما.
ويقول الشاطبي في موافقاته تأييداً لهذا: إن الأمر الكلي إذا ثبت فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضاه لا يخرجه عن كونه كلياً، وأيضاً فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار القطعي.
ثانياً: إن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت، وهذا شأن الكليات الاستقرائية، وإنما يتصور أن يكون تخلف بعض الجزئيات قادحاً في الكليات العقلية.
فالكليات الاستقرائية صحيحة وإن تخلف عن مقتضاها بعض الجزئيات.
كما يقال كل حيوان يحرك فكه الأسفل حين المضغ، وهذه قاعدة كلية استقرائية خرج عنها: التمساح، حيث يقال: إنه يحرك فكه الأعلى حين المضغ فخروج التمساح عن القاعدة لا يخرجها عن كونها كلية. فكأنه قيل: كلي حيوان يحرك فكه الأسفل حين المضغ إلا التمساح.
فالعموم العادي المبني على الاستقراء لا يوجب عدم التخلف بل الذي
(1/17)

يوجب عدم التخلف إنما هو العموم العقلي لأن العقليات طريقها البحث والنظر، وأما الشرعيات فطريقها الاستقراء ولا ينقضه تخلف بعض الجزئيات.
ثالثاً: ومن ناحية أخرى فإن تخلف مسألة ما عن حكم قاعدة ما يلزم منه اندراج هذه المسألة تحت حكم قاعدة أخرى، فالمسألة المخرَّجة تندرج ظاهراً تحت حكم قاعدة، ولكنها في الحقيقة مندرجة تحت حكم قاعدة أخرى وهذا من باب تنازع المسألة بين قاعدتين.
فليس إذاً استثناء جزئية من قاعدة ما بقادح في كلية هذه القاعدة ولا بمخرج لتلك الجزئية عن الاندراج تحت قاعدة أخرى.
(1/18)

-- المقدمة الثانية:
-- الفروع بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية:
علم الفقه وعلم أصول الفقه علمان مرتبطان بارتباط وثيق بحيث يكاد المرء يجزم بالوحدة بينهما، وكيف لا يكون ذلك وأحدهما أصل والآخر فرع لذلك الأصل، كأصل الشجرة وفرعها، فالأصولي ينبغي أن يكون فقيهاً، والفقيه ينبغي أن يكون أصولياً وإلا كيف استنباط الحكم من الدليل؟ وكيف يكون مجتهداً من لم يتبحر في علم الأصول؟
ومع ذلك يمكن أن يقال: إنهما علمان متمايزان فأحدهما مستقل عن الآخر من حيث موضوعه واستمداده وثمرته والغاية من دراسته.
وبالتالي فإن قواعد كل علم منهما تتميز عن قواعد الآخر تبعاً لتمايز موضوعي العلمين: فموضوع علم أصول الفقه هو أدلة الفقه الإجمالية والأحكام وما يعرض لكل منها، وأما موضوع علم الفقه فهو أفعال المكلفين وما يستحقه كل فعل من حكم شرعي عملي. وبالتالي فإن قواعد علم أصول الفقه تفترق وتتميز عن قواعد علم الفقه، وإن من أول من فرَّق بين قواعد هذين العلمين وميَّز بينهما الإمام شهاب الدين القرافي في مقدمة كتابه (الفروق) حيث قال: أما بعد فإن الشريعة المعظمة المحمدية زاد الله منارها شرفاً وعلواً اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان: أحدهما المسمى بأصول الفقه وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد
(1/19)

الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة وما يعر لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح ونحو: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والصبغة الخاصة للعموم ونحو ذلك، وما خرج عن هذا النمط إلا كون القياس حجة وخبر الواحد وصفات المجتهدين.
والقسم الثاني: قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحِكَمِه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه وإن اتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال فبقي تفصيله لم يتحصل، وهذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع، إلخ ما قال:
وقال في موضع آخر: إن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه بل للشريعة قواعد كثيرة جداً عند أئمة الفتوى والفقهاء لا توجد في كتب أصول الفقه أصلاً.
وإذا دققنا النظر في قواعد الأصول وقواعد الفقه لرأينا أن فروقاً عدة تميز بينهما منها.
1. أن قواعد الأصول إنما تتعلق بالألفاظ ودلالاتها على الأحكام في غالب أحوالها، وأما قواعد الفقه فتتعلق بالأحكام ذاتها.
2. أن قواعد الأصول إنما وضعت لتضبط للمجتهد طرق الاستنباط واستدلاله وترسم للفقيه مناهج البحث والنظر في استخراج الأحكام الكلية من الأدلة الإجمالية، وأما قواعد الفقه فإنما تراد لتربط المسائل المختلفة الأبواب برباط
(1/20)

متحد وحكم واحد هو الحكم الذي سيقت القاعدة لأجله.
3. إن قواعد الأصول إنما تبنى عليها الأحكام الإجمالية وعن طريقها يستنبط الفقيه أحكام المسائل الجزئية من الأدلة التفصيلية.
وأما قواعد الفقه فإنما تعلل بها أحكام الحوادث المتشابهة وقد تكون أصلاً لها.
4. إن قواعد الأصول محصورة في أبواب الأصول ومواضعه ومسائله، وأما قواعد الفقه العام والفتوى عند جميع المذاهب ولم تجمع للآن في إطار واحد، وكان هذا هو الدافع لتأليف موسوعة القواعد الفقهية التي أرجو الله سبحانه أن يعينني على إتمامها بمنه وكرمه.
5. إن قواعد الأصول إذا اتفق على مضمونها لا يستثنى منها شيء فهي قواعد كلية مطردة كقواعد العربية بلا خلاف.
وأما قواعد الفقه فهي مع الاتفاق على مضمون كثير منها يستثنى من كل منها مسائل تخالف حكم القاعدة بسبب من الأسباب كالاستثناء بالنص أو الإجماع أو الضرورة أو غير ذلك من أسباب الاستثناء ولذلك يطلق عليها كثيرون بأنها قواعد أغلبية أكثرية لا كلية مطردة.
ومع وضوح الفروق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية فقد نجد قواعد مشتركة بين العلمين ولكن تختلف فيهما زاوية النظر، حيث إن القاعدة الأصولية ينظر إليها من حيث كونها دليلاً إجمالياً يستنبط منه حكم كلي، والقاعدة الفقهية ينظر إليها من حيث كونها حكماً جزئياً لفعل من أفعال المكلفين.
فمثلاً قاعدة: (الاجتهاد لا ينقض) بمثله أو بالاجتهاد، ينظر إليها
(1/21)

الأصولي من حيث كونها دليلاً يعتمد عليه في بيان عدم جواز نقض أحكام القضاة وفتاوى المفتين إذا تعلقت بها الأحكام على سبيل العموم والإجمال.
وينظر إليها الفقه من حيث تعليل فعل من أفعال المكلفين فيبين حكمه من خلالها، فإذا حكم حاكم أو قاض بنقض حكم في مسألة مجتهد فيها كالخلع هل هو فسخ للعقد أو طلاق، وقد كان حكم حاكم في مسألة بعينها بأن الخلع فسخ، وأجاز العقد على امرأة خالعها زوجها ثلاث مرات أو بعد طلقتين، ثم جاء حاكم آخر فأراد التفريق بين الزوجين؛ لأنه يرى أن الخلع طلاق فيقال له: لا يجوز ذلك؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله.
ولكن لك في مسألة أخرى متشابهة أن تحكم فيها باجتهادك لا أن تنقض حكمك أو حكم غيرك في مسألة اجتهادية لا نصية.
(1/22)

-- المقدمة الثالثة:
-- ميزة القواعد الفقهية ومكانتها في الشريعة وفوائد دراستها:
قال القرافي: إن القواعد ليست مستوعبة في أصول الفقه بل للشريعة قواعد كثيرة جداً عند أئمة الفتوى والفقهاء لا توجد في كتب أصول الفقه أصلاً.
هذه المقولة الصادقة من عالم مدقق فاحص تعطينا ميزات عظيمة من ميزات القواعد الفقهية وهي كونها قواعد كثيرة جداً غير محصورة بعدد، وهي منثورة في كتب الفقه العام والفتاوى والأحكام، وهو رحمة الله قد أراد من تأليف كتابه الفروق جمع هذه القواعد في كتاب واحد يجمع شتاتها ويكشف أسرارها وحكمها، ولكنه رحمه الله ما استوعب ولا قارب.
والميزة الثانية من ميزات القواعد أنها تمتاز بإيجاز عبارتها مع عموم معناها وسعة استيعابها للمسائل الجزئية إذ تصاغ القاعدة في جملة مفيدة مكونة من كلمتين أو بضع كلمات من ألفاظ العموم، مثل قاعد (العادة محكمة) وقاعدة: (الأعمال بالنيات) أو (الأمور بمقاصدها) وقاعدة (المشقة تجلب التيسير) فكل من هذه القواعد تعتبر من جوامع الكلم إذ يندرج تحت كل منها ما لا يحصى من المسائل الفقهية المختلفة.
والميزة الثالثة من ميزات القواعد أنها تمتاز بأن كلأ منها ضابط يضبط فروع الأحكام العملية ويربط بينها برابطة تجمعها وإن اختلفت موضوعاتها وأبوابها، قال الأستاذ مصطفى الزرقا مد الله في عمره في الخير: لولا هذه القواعد لبقيت الأحكام الفقهية فروعاً مشتتة قد تتعارض ظواهرها دون أصول تمسك بها وتبرز من
(1/23)

خلالها العلل الجامعة.
وأما فوائد القواعد الفقهية فهي كثيرة جداً نكتفي بذكر بعضٍ منها:
أولاً: ذكرنا أن من ميزات القواعد الفقهية أنها تضبط الفروع الفقهية وتجمع شتاتها تحت ضابط واحد مهما اختلفت موضوعاتها إذا اتحد حكمها. فهي بذلك تيسر على الفقهاء والمفتين ضبط الفقه بأحكامه فهو كما قال القرافي: (من ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات) . لأن حفظ جزئيات الفقه وفروعه يستحيل أن يقدر عليه إنسان، لكن حفظ القواعد مهما كثرت يدخل تحت الإمكان.
ثانياً: إن دراسة القواعد الفقهية تكوِّن عند الباحث ملكة فقهية قوية تنير أمامه الطريق لدراسة أبواب الفقه الواسعة والمتعددة ومعرفة الأحكام الشرعية واستنباط الحلول للوقائع المتجددة والمسائل المتكررة.
ثالثاً: إن دراسة هذه القواعد الفقهية والإلمام بها واستيعابها يعين القضاة والمفتين والحكام عند البحث عن حلول للمسائل المعروضة والنوازل الطارئة بأيسر سبيل وأقرب طريق.
ولذلك قال بعضهم: إن حكم دراسة القواعد الفقهية والإلمام بها على القضاة والمفتين فرض عين وعلى غيرهم فرض كفاية.
رابعاً: لما كانت القواعد الفقهية في أكثرها موضع اتفاق بين الأئمة المجتهدين ومواضع الخلاف فيها قليلة فإن دراسة القواعد والإلمام بها تربي عند الباحث
(1/24)

ملكة المقارنة بين المذاهب المختلفة وتوضح له وجهاً من وجوه الاختلاف وأسبابه بين المذاهب.
خامساً: إن دراسة القواعد الفقهية وإبرازها تظهر مدى استيعاب الفقه الإسلامي للأحكام، ومراعاته للحقوق والواجبات، وتسهل على غير المختصين بالفقه الاطلاع على محاسن هذا الدين، وتبطل دعوة من ينتقصون الفقه الإسلامي ويتهمونه بأنه إنما يشتمل على حلول جزئية وليس قواعد كلية.
(1/25)

-- المقدمة الرابعة:
-- أنواع القواعد الفقهية ومراتبها:
القواعد الفقهية ليست نوعاً واحداً، ولا كلها في مرتبة واحدة، وإنما هي أنواع وراتب، ويرجع هذا التنوع إلى سببين رئيسيين:
الأول: من حيث شمول القاعدة وسعة استيعابها للفروع والمسائل الفقهية.
الثاني: من حيث الاتفاق على مضمون القاعدة أو الاختلاف فيه.
فمن حيث الشمول والسعة تنقسم القواعد الفقهية إلى ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: القواعد الكلية الكبرى ذوات الشمول العام والسعة العظيمة للفروع والمسائل حيث يندرج تحت كلِّ منها جُلُّ أبواب الفقه ومسائله وأفعال المكلفين إن لم يكن كلها.
وهذه القواعد ست هي:
1. قاعدة (إنما الأعمال بالنيات) أو (الأمور بمقاصدها) .
2. قاعدة (اليقين لا يزول، أو لا يرتفع بالشك) .
3. قاعدة (المشقة تجلب التيسير) .
4. قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) أو (الضرر يزال) .
5. قاعدة (العادة محكَّمة) .
6. قاعدة (إعمال الكلام أولى من إهماله) .
المرتبة الثانية: قواعد أضيق مجالاً من سابقاتها (وإن كانت ذوات شمول وسعة) حيث يندرج تحت كل منها أعداد لا تحصى من مسائل الفقه في الأبواب المختلفة، وهي
(1/26)

قسمان:
(ا) قسم يندرج تحت القواعد الكبرى ويتفرع عليها.
(ب) قسم آخر لا يندرج تحت أي منها.
فمثال القسم الأول: قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات، وهي تتفرع على قاعدة (المشقة تجلب التيسير) وقاعدة (لا ينكر تغير الأحكام الاجتهادية بتغير الأزمان) وهي مندرجة تحت قاعدة (العادة محكَّمة) .
ومثال القسم الثاني: قاعدة: (الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، أو بمثله) .
وقاعدة: (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة) .
المرتبة الثالثة: القواعد ذوات المجال الضيق التي لا عموم فيها حيث تختص بباب أو جزء باب، وهذه التي تسمى بالضوابط جمع ضابط أو ضابطة، وفي هذا يقول الإمام عبد الوهاب بن السبكي رحمه الله فالقاعدة: (الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منها) . ومنها ما لا يختص بباب كقولنا: (اليقين لا يرفع بالشك) ومنها ما يختص كقولنا: (كل كفارة سببها معصية فهي على الفور) .
والغالب فيما قصد بباب وقُصد به نظم صور متشابهة أن يسمى (ضابطاً) . وأما من حيث الاتفاق على مضمون القاعدة والاختلاف فيها فهي تنقسم إلى مرتبتين:
المرتبة الأولى: القواعد المتفق على مضمونها عند جميع الفقهاء ومختلف المذاهب.
فمن قواعد هذه المرتبة: كل القواعد الكلية الكبرى وأكثر القواعد الأخرى.
(1/27)

المرتبة الثانية: القواعد المذهبية التي تختص بمذهب دون مذهب أو يعمل بمضمونها بعض الفقهاء دون الآخرين مع شمولها وسعة استيعابها لكثير من مسائل الفقه من أبواب مختلفة.
وهذه تعتبر من أسباب اختلاف الفقهاء من إصدار الأحكام تبعاً لاختلاف النظرة في مجال تعليل الأحكام.
ومن أمثلة هذه المرتبة: قاعدة: (لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل) . وأساسها قولهم: (إن التهمة إذا تطرقت إلى فعل الفاعل حكم بفساد فعله) . وهذه القاعدة يعمل بها الحنفية والحنابلة دون الشافعية، وقد يعمل بها المالكية ضمن قيود، ومنها عند الحنفية: (الأصل أن جواز البيع يتبع الضمان) .
وأما عند الشافعي: (فإن جواز البيع يتبع الطهارة) . ويأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله.
مسألة: رأينا أن القواعد ذوات المجال الضيق (أي التي تختص بباب أو جزء باب) هي ضوابط إذ مجالها التطبيقي بعض الفروع الفقهية من باب واحد من أبواب الفقه، أو هي تختص بنوع من الأحكام الفرعية لا يعمم في غير مجاله.
ومثال الضابط: (إن المحرم إذا أخر النسك عن الوقت الموقت له أو قدَّمه لزمه دم) .
وهذا الضابط عند أبي حنيفة رحمه الله، وخالفه في ذلك الفقهاء الآخرون ومنهم تلميذاه أبو يوسف ومحمد بن الحسن.
فما الفروق بين القاعدة والضابط؟
مع أن الفقهاء كثيراً ما يستعملون لفظ (القاعدة) ويعنون بها الضابط،
(1/28)

ويستعملون لفظ (الضابط) ويعنون به القاعدة، فالملاحظ أن بين القاعدة والضابط فرقين رئيسين هما:
الفرق الأول: أن القاعدة (كما سبق) تجمع فروعاً من أبواب شتى ويندرج تحتها من مسائل الفقه ما لا يحصى، وأما الضابط فإنه مختص بباب واحد من أبواب الفقه تعلل به مسائله، أو يختص بفرع واحد فقط.
الفرق الثاني: أن القاعدة في الأعم الأغلب متفق على مضمونها بين المذاهب أو أكثرها.
وأما الضابط فهو يختص بمذهب معين (إلا ما ندر عمومه) بل منه ما يكون وجهة نظر فقيه واحد في مذهب معين قد يخالفه فيه فقهاء آخرون من نفس المذهب، كما سبق في الضابط المتقدم.
(1/29)

-- المقدمة الخامسة:
-- مصادر القواعد الفقهية:
أعني بمصادر القواعد الفقهية منشأ كل قاعدة منها وأساس ورودها.
تنقسم مصادر القواعد الفقهية إلى أقسام ثلاثة رئيسية:
القسم الأول: قواعد فقهية مصدرها النصوص الشرعية من كتاب وسنة، فما كان مصدره نصاً من الكتاب الكريم هو أعلى أنواع القواعد وأولاها بالاعتبار حيث إن الكتاب الكريم هو أصل الشريعة وكليتها وكل ما عداه من الأدلة راجع إليه، فمن آيات الكتاب التي جرت مجرى القواعد:
1. قوله تعالى: (وأحلَّ الله البيعَ وحرَّم الرِبا) . البقرة، آية (275) فقد جمعت هذه الآية على وجازة لفظها أنواع البيوع ما أحل منها وما حرَّم عدا ما استثنى.
2. ومنها قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكُم بينَكم بالباطل) . البقرة، آية (188) . فهذه قاعدة شاملة لتحريم كل تعامل وتصرف يؤدي إلى أكل أموال الناس وإتلافها بالباطل من غير وجه مشروع يحله الله ورسوله، كالسرقة والغصب، الربا، والجهالة، والضرر، والغرر، فكل عقد باطل يعتبر نوعاً من أكل أموال الناس بالباطل.
3. ومنها قوله تعالى: (خُذِ العفو وأمُر بالعُرفِ وأعرِض عَنِ الجاهلين) . الأعراف، آية (199) .
فكما قال القرطبي وغيره: هذه الآية من ثلاث كلمات (أي جُمَل) تضمنت قواعد
(1/30)

الشريعة في المأمورات والمنهيات.
فقوله سبحانه: (خُذِ العَفو) دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين.
ودخل في قوله: (وَأمُر بالعُرفِ) صلة الأرحام وتقوى الله في الحلال والحرام وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار.
وفي قوله: (وأَعرِض عن الجاهلين) الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة.
وهذه الآية هي الجامعة لمكارم الأخلاق. قال جعفر الصادق: أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية.
4. ومنها قوله تعالى: (يا أيها الذينَ آمنوا أوفُوا بالعُقُودِ) . المائدة، آية (1) . فالأمر يقتضي الوفاء بكل عقد مشروع، واحترام كل ما يلتزم به الإنسان مع الناس.
(1/31)

5. قوله تعالى في الآية الجامعة الفاذة: (فَمَن يعمل مِثقال ذرَّةٍ خيراً يَرَه ومن يعمل مِثقالَ ذرةٍ شراً يَرَه) . الزلزلة، الآيتان (7 و8) .
وغير ذلك في كتاب الله كثير.
ومن الأحاديث الشريفة الجامعة التي جرت مجرى القواعد إلى جانب مهمتها التشريعية فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصاراً.
1. قوله عليه الصلاة والسلام وقد سئل عن حكم أنواع من الأشربة فقال عليه الصلاة والسلام: (كل مسكر حرام) . فدل هذا الحديث على وجازة لفظه على تحريم كل مسكر من عنب أو غيره مائع أو جامد، نباتي أو حيواني أو مصنوع.
2. ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: (لا ضرر ولا ضرار) . القاعدة الكلية الكبرى، فهذا الحديث نص في تحريم الضرر بأنواعه لأن لا النافية تفيد استغراق الجنس فالحديث وإن كان خبراً لكنه في معنى النهي، فيصير المعنى (اتركوا كل ضرر وكل ضرار) .
3. ومنها قوله عليه الصلاة والسلام (المسلمون عند شروطهم) فظاهر المعنى وجوب احترام كل ما رضيه المتعاقدان من الشروط، إلا الشروط التي تحل الحرام أو تحرم الحلال، كما ورد في رواية.
القسم الثاني: ما كان من غير النصوص:
(1/32)

وهو أنواع:
النوع الأول: قواعد فقهية مصدرها الإجماع المستند إلى الكتاب والسنة، فمن أمثلة قواعد هذا المصدر:
1. قولهم: (لا اجتهاد مع النص) فهذه القاعدة تفيد تحريم الاجتهاد في حكم مسألة ورد فيها نص من الكتاب أو السنة أو الإجماع لأنه إنما يحتاج للاجتهاد عند عدم وجود النص، أما عند وجوده فلا اجتهاد إلا في فهم النص ودلالته.
2. قولهم (الاجتهاد لا ينتقض بمثله) أو بالاجتهاد وهذا أمر مجمع عليه والمراد أن الأحكام الاجتهادية إذا فصلت بها الدعوى على الوجه الشرعي ونفذت أنه لا يجوز نقضها بمثلها لأن الاجتهاد الثاني ليس أولى من الاجتهاد الأول، ولأنه إذا نقض الأول جاز أيضاً نقض الثاني بثالث والثالث بغيره فلا يمكن أن تستقر الأحكام.
ولكن إذا تبين مخالفة الاجتهاد للنص الشرعي أو لمخالفته طريق الاجتهاد الصحيح، أو وقوع خطأ فاحش، فينقض حينئذٍ.
النوع الثاني: وهو قسمان:
الأول: قواعد فقهية أوردها الفقهاء المجتهدون مستنبطين لها من أحكام الشرع العامة ومستدلين لها بنصوص تشملها من الكتاب والسنة والإجماع ومعقول النصوص مثل:
1. قاعدة (الأمور بمقاصدها) مستدلين لها بقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات) وقد جعلنا هذا الحديث رأس القاعدة وعنواناً دالاً عليها لا دليلاً لها، وصُدِّرت به موسوعة القواعد الفقهية تيمناً واقتداء.
ومثل قاعدة (اليقين لا يزول بالشك) المستَدَلّ لها بأحاديث كثيرة عن
(1/33)

رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل قوله عليه الصلاة والسلام (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن) . الحديث.
ومثل قاعدة: (المشقة تجلب التيسير) وهي قاعدة رفع الحرج وقاعدة الرخص الشرعية.
وأدلتها كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
ومثل قاعدة: (العادة محكَّمة) وهي قاعدة اعتبار العرف وتحكيمه فيما لا نص فيه وأدلتها من الكتاب والسنة والإجماع كثيرة منها قوله تعالى: (خُذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) . الأعراف، آية (199) .
وقوله سبحانه (وعاشِروهن بالمعروف) . النساء، آية (19) .
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم لهند (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) .
ومنها قاعدة: (إعمال الكلام أولى من إهماله) ومن أدلتها قوله تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) . ق. آية (18) .
وقوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله تعالى عند كل لسان قائل فليتق الله عبد ولينظر ما
(1/34)

يقول) . إحدى روايات الحديث.
الثاني: قواعد فقهية أوردها الفقهاء المجتهدون في مقام الاستدلال القياسي الفقهي، حيث تعتبر تعليلات الأحكام الفقهية الاجتهادية ومسالك الاستدلال القياسي عليها، أعظم مصدر لتقعيد هذه القواعد وإحكام صيغها عند استقرار المذاهب الفقهية الكبرى وانصراف أتباعها إلى تحريرها وترتيب أصولها وأدلتها، كما قال أستاذنا الزرقا.
وهذه القواعد التي استنبطها الفقهاء المتأخرون من خلال أحكام المسائل التي أوردها أئمة المذاهب في كتبهم أو نقلت عنهم لا تخرج عن نطاق أدلة الأحكام الشرعية الأصلية أو التبعية الفرعية، فالناظر لهذه القواعد والباحث عن أدلة ثبوتها وأساس التعليل بها يراها تندرج كل منها تحت دليل شرعي إما من الأدلة المتفق عليها كالكتاب والسنة والإجماع، وإما من الأدلة الأخرى كالقياس والاستصحاب والمصلحة أو الاستصلاح والعرف، والاستقراء، وغير ذلك مما يستدل به على الأحكام؟ لأنه لا يعقل ويستبعد جداً أن يبني فقيه مجتهد حكماً لمسألة فقهية، أو يعلل لمسائل فقهية معتمداً على مجرد الرأي غير المدعوم بأدلة الشرع أو معتمداً على الهوى والتشهي، فهم رحمة الله عليهم كانوا أجلَّ وأورع وأتقى وأخشى لله من أن يفتي أحدهم أو يحكم في مسألة أو يقضي بحكم غير مستند إلى دليل شرعي مقرر، وسواء اتفق عليه أم اختلف الفقهاء في اعتباره فمن استند إلى القياس لا يقال: إنه حكم بغير ما أنزل الله: لأن هناك من يُنكر القياس ولا يعمل به.
وكذلك من استند في حكمه إلى المصلحة الغالبة أو مصلحة غلب على ظنه
(1/35)

وجودها لا يقال: إن حكمه مخالف للشرع لأن غيره من الفقهاء قد لا يعمل بالمصلحة ولا يستدل بها، أو لا يرى في هذه المسألة مصلحة، وكذلك بالنسبة للعرف أو قول الصحابي، أو شرع من قبلنا، أو سد الذرائع أو الاستقراء أو غير ذلك من الأدلة أو مواطن الاستدلال التي ما عمل بها من عمل إلا مستدلاً لها بأدلة من الكتاب أو السنة أو المعقول المبني على قواعد الشرع وحِكمه.
من أمثلة هذه القواعد المستنبطة والمعلل بها قولهم:
1. (إنما يثبت الحكم بثبوت السبب) هذه قاعدة أصولية فقهية استنبطها الفقهاء المجتهدون من الإجماع ومعقول النصوص، فمثلاً: يثبت وجوب صلاة الظهر وتعلقها في ذمة المكلف بزوال الشمس، فزوال الشمس سبب لثبوت الوجوب للصلاة، فلو لم يثبت الزوال لم يثبت الوجوب، وقد يستدل لها بقوله تعالى: (أقِم الصلاة لِدُلوكِ الشمس) الإسراء، آية (78) ومنها قولهم: (الأيمان في جميع الخصومات موضوعة في جانب المدعى عليه إلا في القسامة) .
وهذه القاعدة مستنبطة من الحديث: (البينة على المدعي واليمين على المدَّعى عليه) ، ومنها قولهم: (إذا اجتمعت الإشارة والعبارة واختلف موجبهما غُلِّبت الإشارة) .
(1/36)

هذه القاعدة مستنبطة من المعقول والعرف.
ومنها قولهم: (إذا وجبت مخالفة أصل أو قاعدة وجب تقليل المخالفة ما أمكن) .
فهذه القاعدة مستنبطة من معقول النصوص الرافعة للحرج والمشقة مثل قوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) . البقرة، آية (286) .
ومثل قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم) .
(1/37)

-- المقدمة السادسة:
-- حكم الاستدلال بالقواعد الفقهية على الأحكام:
هذه المسألة على جانب كبير من الأهمية حيث تتعلق بأمر عظيم وهو مصادر الأحكام وأدلتها، وهل تعتبر القواعد الفقهية أحد أدلة الأحكام فيستند إليها عند عدم وجود نص أو إجماع أو قياس في المسألة؟
وبعبارة أخرى: هل يجوز أن تجعل القاعدة الفقهية دليلاً شرعياً يستنبط منه حكم شرعي؟
وفي التقرير الذي صدرت به مجلة الأحكام العدلية قالوا: (فحكام الشرع ما لم يقفوا على نقل صريح لا يحكمون بمجرد الاستناد إلى واحدة من هذه القواعد، إلا أن لها فائدة كلية في ضبط المسائل، فمن اطلع عليها من المطالعين يضبط المسائل بأدلتها، وسائر المأمورين يرجعون إليها في كل خصوص.
وبهذه القواعد يمكن للإنسان تطبيق معاملاته على الشرع الشريف أو في الأقل التقريب.
وقالوا: أيضاً في المقالة الأولى من المقدمة وهي المادة الأولى من مواد المجلة: إن المحققين من الفقهاء قد أرجعوا المسائل الفقهية إلى قواعد كلية، كل منها ضابط وجامع لمسائل كثيرة، وتلك القواعد مُسلمة معتبرة في الكتب الفقهية تتخذ أدلة إثبات المسائل وتفهمها في بادئ الأمر، فذكرها يوجب الاستئناس بالمسائل ويكون وسيلة لتقررها في الأذهان.
(1/38)

وقال ابن نجيم في الفوائد الزينية كما نقله عنه الحموي في غمز عيون البصائر: لا يجوز الفتوى بما تقتضيه الضوابط لأنها ليست كلية بل أغلبية، خصوصاً وهي لم تثبت عن الإمام بل استخرجها المشايخ من كلامه.
وقال استاذنا الجليل الشيخ مصطفى الزرقا:
ولذلك كانت تلك القواعد الفقهية قلما تخلو إحداهما من مستنيات في فروع الأحكام التطبيقية خارجة عنها، إذ يرى الفقهاء أن تلك الفروع المستثناة من القاعدة هي أليق بالتخريج على قاعدة أخرى، أو أنها تستدعي أحكاماً استحسانية خاصة، ومن ثم لم تسوغ المجلة أن يقتصر القضاة في أحكامهم على الاستناد إلى شيء من هذه القواعد الكلية فقط دون نص آخر خاص أو عام يشمل بعمومه الحادثة المقضي فيها، لأن تلك القواعد الكلية على ما لها من قيمة واعتبار هي كثيرة المستثنيات، فهي دساتير للتفقيه لا نصوص للقضاء.
فهذه النقول وأمثالها تفيد أنه لا يسوغ اعتبار القواعد الفقهية أدلة شرعية لاستنباط الأحكام لسببين:
الأول: أن هذه القواعد ثمرة للفروع المختلفة وجامع ورابط لها، وليس من المعقول أن يجعل ما هو ثمرة وجامع دليلاً لاستنباط أحكام الفروع.
الثاني: أن معظم هذه القواعد لا تخلو عن المستثنيات، فقد تكون المسألة المبحوث عن حكمها من المسائل والفروع المستثناة، ولذلك لا يجوز بناء الحكم على أساس هذه القواعد، ولا يسوغ تخريج أحكام الفروع عليها، ولكنها
(1/39)

تعتبر شواهد مصاحبة للأدلة يستأنس بها في تخريج الأحكام للوقائع الجديدة قياساً على المسائل الفقهية الدوَّنة، هكذا قالوا:
وأقول: هذا الذي قالوه لا يؤخذ على إطلاقه حيث إن القواعد الفقهية تختلف من حيث أصولها ومصادرها أولاً، ثم من حيث وجود الدليل على حكم المسألة المبحوث عنها ثانياً، فمن حيث أصول القواعد ومصادرها فقد عرفنا في المقدمة السابقة أن من القواعد الفقهية ما كان أصله ومصدره من كتاب الله سبحانه وتعالى أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. أو يكون مبنياً على أدلة واضحة من الكتاب والسنة المطهرة، أو مبنياً على دليل شرعي من الأدلة المعتبرة عند العلماء، أو تكون القاعدة مبنية على الاستدلال القياسي وتعليل الأحكام.
فإذا كانت القاعدة نصاً قرآنياً كريماً فهي قبل أن تكون قاعدة أو تجري مجرى القواعد فهي دليل شرعي بالاتفاق فهل إذا جرى النص القرآني مجرى القاعدة خرج عن كونه دليلاً شرعياً معمولاً به، ولا يجوز تقديم غيره عليه؟
من أمثلة ذلك قوله سبحانه وتعالى: (وأحل اللهُ البيعَ وحرَّم الربا) . البقرة، آية (275) .
فهذا النص الكريم دليل شرعي يفيد حل البيع وحرمة الربا، وهو في نفس الوقت يصلح قاعدة فقهية تشمل أنواع البيوع المختلفة ومسائل الربا المتعددة، كما يستثنى منها بعض أنواع البيوع المحرمة، وبعض مسائل الربا إما بالنص وإما بالتخريج.
(1/40)

ومن السنة حديث (لا ضرر ولا ضرار) وحديث (الخراج بالضمان) .
وحديث: (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) وغيرها كثير.
فهذه أدلة شرعية وقواعد فقهية يمكن الاستناد إليها في استنباط الأحكام وإصدار الفتاوى وإلزام القضاء بها.
ولعل هذا لم يفت الفقهاء الذين وضعوا المجلة حيث قالوا: (فحكام الشرع ما لم يقفوا على نقل صريح) فلعلهم أشاروا بذلك إلى تلك القواعد التي هي في الأصل نصوص تشريعية، وكذلك ما أشار إليه الأستاذ الزرقا مد الله في عمره في الخير حين قال: ومن ثم لم تسوِّغ المجلة أن يقتصر القضاة في أحكامهم على الاستناد إلى شيء من هذه القواعد الكلية فقط دون نص آخر خاص أو عام.
ولكن الإجمال هنا موهم والتفصيل مطلوب.
وأما ما ذكر في المقالة الأولى من المقدمة وما نقله الحموي عن ابن نجيم في الفوائد الزينية فهو عام في عدم جواز الفتوى بما تقتضيه هذه القواعد، ومما ينبني على أدلة واضحة من الكتاب والسنة والإجماع.
قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) .
قاعدة: الضرر يزال.
قاعدة: الأمور بمقاصدها.
وقاعدة: المشقة تجلب التيسير.
وأمثال هذه القواعد فهي تشبه الأدلة وقوتها بقوة الأدلة المعتمدة عليها، فلا يمنع من الاحتكام إليها.
(1/41)

وأما إذا كانت القاعدة مبنية على دليل شرعي من الأدلة التي اختلف في اعتبارها فيجب الرجوع أولاً إلى الأدلة المتفق عليها فإذا وجد الحكم بأحدها يستأنس بالقاعدة ولا يحكم بها، وإلا نظر إلى الدليل الذي بنيت عليه القاعدة فإن أمكن إعطاء المسألة حكماً بموجبه (عن من يعتبرونه دليلاً) كان بها واعتبرت القاعدة دليلاً تابعاً يستأنس به.
وأما من حيث عدم وجود دليل شرعي لمسألة بعينها أو نص فقهي، أو دليل أصولي، ووجدت القاعدة الفقهية التي تشملها، فحينئذٍ هل تعتبر القاعدة الفقهية الاجتهادية دليلاً شرعياً يمكن استناد الفتوى والقضاء إليه؟
قلت سابقاً: إن القواعد الاجتهادية استنبطها العلماء المجتهدون من معقول النصوص والقواعد العامة للشريعة، أو بناء على مصلحة رأوها أو عرف اعتبروه، أو استقراء استقرأوه فعلى من تعرَّض لمثل هذه المسائل أن يكون على جانب كبير من الوعي والإدراك والأحاطة بالقواعد الفقهية وما بنيت عليه كل قاعدة أو استنبطت منه، وما يمكن أن يستثنى من كل قاعدة حتى لا يدرج تحت القاعدة مسألة يقطع أو يظن خروجها عنها.
وأما اعتلاهم بأن القواعد الفقهية ثمرة للأحكام الفرعية المختلفة وجامع لها ولذلك لا يصح أن تجعل دليلاً لاستنباط أحكام هذه الفروع، أقول: إن كل قواعد العلوم إنما بنيت على فروع هذه العلوم وكانت ثمرة لها، وأقرب مثال لذلك قواعد الأصول وخاصة عند الحنفية حيث استنبطت من خلال أحكام المسائل الفرعية المنقولة عن الأئمة الأقدمين، ولم يقل أحد إنه لا يجوز لنا أن نستند إلى تلك القواعد لتقرير الأحكام واستنباطها.
وكذلك قواعد اللغة العربية التي استنبطها علماء اللغة من خلال ما نطق به
(1/42)

العرب الفصحاء قبل أن تشوب ألسنتهم العجمة واللحن، وهي القواعد التي يستند إليها في استنباط أحكام اللغة والبناء عليها.
ولم يقل أحد إن هذه القواعد لا تصلح لاستنباط أحكام العربية لأنها ثمرة للفروع الجزئية.
وأما احتجاجهم بأن القواعد الفقهية كثيرة المستثنيات فيمكن أن يستنبط حكم المسألة من قاعدة وتكون هذه المسألة خارجة ومستثناة عن تلك القاعدة فهذا قد أجبنا عنه فيما سبق.
وقد قال القرافي رحمه الله في حديثه عن أدلة مشروعية الأحكام قال: الاستدلال هو محاولة الدليل المفضي إلى الحكم الشرعي من جهة القواعد لا من جهة الأدلة المنصوبة وفيه قاعدتان: قال: القاعدة الثانية: (إن الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع) بأدلة السمع لا بأدلة العقل (خلافاً للمعتزلة) وقد تعظم المنفعة فيصحبها الندب أو الوجوب مع الإذن، وقد تعظم المضرة فيصحبها التحريم على قدر رتبتها، فيستدل على الأحكام بهذه القاعدة إلى أن قال: يعلم ما يصحبه الوجوب أو الندب أو التحريم أو الكراهة من الشريعة وما عهدناه من تلك المادة. (والله أعلم) .
(1/43)

-- المقدمة السابعة:
-- نشأن القواعد الفقهية وتدوينها وتطورها:
عند الحديث عن مصادر القواعد الفقهية تبين أن من القواعد الفقهية ما أصله من نصوص الكتاب العزيز، أو من نصوص السنة النبوية المطهرة حيث جرى كثير منها مجرى القواعد كما جرى كثير مننها مجرى الأمثال.
وإلى جانب ذلك أثر عن فقهاء الصحابة رضوان الله عليهم وكثير من أئمة التابعين ومن جاء بعدهم من كبار أتباعهم عبارات وردت إما عند تأصيل مبدأ وإما عند تعليل أحكام، وهذه العبارات كانت أساساً لما سمي فيما بعد بالقواعد الفقهية.
ولما كان ما عدا ذلك ناتجاً عن اجتهادات للفقهاء في تعليل الأحكام وتأصيلها فإنه لا يعرف لكل قاعدة فقية معروف وقائل لها؛ لأن هذه القواعد لم توضع كلها جملة واحدة على يد هيئة واحدة أو لجنة واحدة كما توضع النصوص القانونية في وقت معين على أيدي أناس معلومين.
ولكن هذه القواعد تكونت مفاهيمها وصيغت نصوصها بالتدريج في عصر ازدهار الفقه ونهضته على أيدي كبار فقهاء المذاهب من أهل التخريج والترجيح استنباطاً من دلالات النصوص الشرعية، وعلل الأحكام وأسرار التشريع والمقررات العقلية، والمعاني الفقهية لهذه القواعد كانت مقررة في أذهان الأئمة المجتهدين يعللون بها ويقيسون عليها، وقد كانت تسمى عندهم أصولاً.
ولعل أقدم مصدر فقهي يسترعي انتباه الباحث في هذا المجال هو
(1/44)

(كتاب الخراج) الذي ألَّفه الإمام أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري أكبر تلاميذ الإمام أبي حنيفة وحامل لواء المذاهب بعده ورئيس قضاة الدولة الإسلامية في عهد الخليفة هارون الرشيد، وقد ألف أبو يوسف كتابه هذا للخليفة هارون الرشيد ليجعل نظاماً وقانوناً تسير عليه الدولة في تنظيم الخراج ومعاملة أهل الذمة، وقد اشتمل هذا الكتاب على عدد من العبارات التي جرت مجرى القواعد بل كانت أساساً بنى عليه من جاء بعده.
ولما كان المقصود من تأليف هذا الكتاب تيسير علم القواعد على العلماء والفقهاء وطلاب العلم، ولما كان وضع هذه المقدمات لتعطي الدارس صورة واضحة عن هذا العلم ومبادئه، ولما كان المقصد وجه الله سبحانه وابتغاء مرضاته رأيت أن أوفى بحث في هذا الجانب وهذه المقدمة هو ما كتبه الأخ الفاضل الدكتور علي بن أحمد الندوي في كتابه القواعد الفقهية: نشأتها، تطورها، دراسة مؤلفاتها، وهو الكتاب الذي قدمه لجامعة أم القرى للحصول على درجة الماجستير، وليس وراء هذا البحث زيادة لمستزيد رأيت أن أعتمد عليه في بيان هذه المقدمة لما اشتمل عليه من أبحاث جليلة مفيدة نافعة والحكمة ضالة المؤمن، قال حفظه الله: ولما توغلت في بحوث الكتاب (يعني كتاب الخراج) وقفت على عبارات
(1/45)

رشيقة تتسم بسمات وشارات تتسق بموضوع القواعد من حيث شمول معانيها وفيما يلي أورد طرفاً منها:
1. التعزيز إلى الإمام على قدر عِظَم الجرم وصِغَرهِ.
يقول عند تعرّضه لمسائل تتعلق بالتعزيز: (وقد اختلف أصحابنا في التعزيز قال بعضهم: لا يبلغ به أدنى الحدود أربعين سوطاً، وقال بعضهم: أبلغ بالتعزيز خمسة وسبعين سوطاً، أنقص من حد الحُرِّ وقال بعضهم: أبلغ به أكثر. وكان أحسن ما رأينا في ذلك والله أعلم: أن التعزيز إلى الإمام على قدر عِظَم الجرم وصِغَره) .
فهنا بعد أن سجَّل الخلاف القائم بين فقهاء ذلك العصر في موضوع التعزيز نحا الإمام أبو يوسف منحى جديداً، وهو أن وضع أصلاً في هذا الباب بتفويض الأمر إلى الحاكم، بحيث سوَّغ له أن يُقدِّر التعزيز في ضوء الملابسات المحيطة بالجرم وصاحبه.
2. (كل من مات من المسلمين لا وارث له، فماله لبيت المال) . لا شك أن هذه العبارة كسابقتها تقرر قاعدة قضائية مهمَّة، وهي بمثابة شاهد على وجود قواعد جرت على أقلام الأقدمين مصوغة بصياغات مُحكمة.
3. (ليس للإمام أن يُخرج شيئاً من يد أحدٍ إلا بحق ثابت معروف) هذه العبارة نظيرة للقاعدة المشهورة المتداولة (القديم يترك على قِدَمِه) .
(1/46)

ويمكن أن تكتسب العبارة سِمة القاعدة بعد تعديل طفيف فيها على النحو التالي: (لا يُنزَع شيء من يد أحد إلا بحقٍ ثابتٍ معروف) .
4. (ليس لأحد أن يُحدِث مرجاً في ملك غيره، ولا يتخذ فيه نهراً ولا بئراً ولا مزرعة، إلا بإذن صاحبه، ولصاحبه أن يُحدث ذلك كله) .
إذا نظرت في هذه العبارة ثم سرَّحت طرفك في القواعد المتداولة في الحِقبة الأخيرة، لمحت فيها شبيهاً للكلام المذكور.
وذلك الشبيه ما جاء في قواعد مجلة الأحكام العدلية أنه: (لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغيرة أو حقه بلا إذنه) .
وبجانب آخر يظهر عند الموازنة بين النصين أن عبارة كتاب الخراج تفيد الحظر على التصرف الفعلي في ملك الغير في حين أن قاعدة المجلة يتسع نطاقها إلى منع التصرف القولي مع التصرف الفعلي.
وكل ذلك يساعد على فهم التطور المثمر المتواصل في مجال هذا العلم.
5. (لا ينبغي لأحد أن يُحْدِث شيئاً في طريق المسلمين مما يضرّهم، ولا يجوز للإمام أن يقطع شيئاً مما فيه الضرر عليهم ولا يسعه ذلك) .
هذه العبارة يتحقق فيها معنى القاعدة باعتبار أن الشطر الأول منها تعلق
(1/47)

بقواعد رفع الضرر، والشطر الثاني يتمثل فيه مفهوم القاعدة الشهيرة: التصرف على الرعية منوط بالمصلحة.
6. وإن أقرَّ بحق من حقوق الناس من قذف، أو قصاص في نفس، أو دونها أو مال، ثم رجال عن ذلك نُفذ عليه الحكم فيما كان أقرَّ به، ولم يبطل شيء من ذلك برجوعه.
هذه العبارة كسابقتها وردت في صيغة مطولة، لكنها تصوِّر في معنى الكلمة مدلول القاعدة المتداولة: (المرء مؤاخذ بإقراره) .
7. (كل ما فيه مصلحة لأهل الخراج في أراضيهم وأنهارهم، وطلبوا إصلاح ذلك لهم، أجيبوا إليه، إذا لم يكن فيه ضرر على غيرهم) .
وبعد التأمل في تلك العبارات وأشباهها يمكن القول بأن فكرة التأصيل كانت مركوزة في أذهان المتقدمين، وإن لم تظهر في صورة جليّة لعدم الحاجة إليها كثيراً.
وكذلك من أقدم ما وصل إلينا من تلك المصادر بعض كتب الإمام محمد بن الحسن الشيباني (189 هـ) .
فإذا أمعنا النظر في كتاب الأصل ألْفيناه يعلل المسائل وهذا التعليل كثيراً ما يقوم
(1/48)

مقام التقعيد.
وإليك مقتبسات من الكتاب المذكور، حتى يتبين كيف يوصل الأحكام ويقرنها بقواعدها.
ويقول في مبحث (الاستحسان) : ولو أن رجلاً كان متوضئاً، فوقع في قلبه أنه أحدث وكان ذلك أكبر رأيه، فأفضل ذلك أن يعيد الوضوء، وإن لم يفعل وصلى على وضوئه الأول، كان عندنا في سعة، لأنه عندنا على وضوء حتى يستيقن بالحدث.
وإن أخبره أحد مسلم ثقة، أو امرأة ثقة مسلمة حرة أو مملوكة: أنك أحدثت أو نمت مضطجعاً، أو رعفت، لم ينبغ له أن يصلي هكذا، ولا يشبه هذا ما وصفت لك قبله من الحقوق، لأن هذا أمر الدين، الواحد فيه حجة إذا
(1/49)

كان عدلاً، والحقوق لا يجوز فيها إلا ما يجوز في الحكم.
فإذا تأملنا في هذا النص وجدناه يعلل الحكم، بأكبر الرأي، وهو الظن الغالب وبناء عليه يفضل إعادة الوضوء في الصورة المذكورة ثم يفتي بجواز الصلاة إن لم يعد الوضوء بناء على القاعدة المقررة (اليقين لا يزول بالشك) .
هذا في الفقرة الأولى، أما الفقرة الثانية فهو ينص فيها على أصلين:
أولاً: كون خبر الواحد حجة في أمر الدين إذا كان عدلاً، ولقد ذكر هذه القاعدة في موضع آخر فقال: (ما كان من أمر الدين، الواحد فيه حجة، إذا كان عدلا) .
ثانياً: الحقوق لا يجوز فيها إلا ما يجوز في الحكم، أي لا يكفي فيها قول واحد ولو كان عدلاً، كما في أمر الدين، بل لا بد من شاهدين كما في الحكم، والله أعلم.
ولا شك أن مثل هذا المنهج في التعليل أقرب ما يكون إلى منهج التقعيد الذي وجد في القرون المتأخرة.
وأحياناً نجده يسلك طريق البدء بالقاعدة ويفرِّع بعض المسائل عليها كما يتمثل ذلك في النص التالي.
3. وكل أمر لا يحل إلا بملك أو نكاح فإنه لا يحرم بشيء، حتى ينتقض النكاح والملك، ولا يكون الرجل الواحد المسلم ولا المرأة في لك حجة، إنه إنما حل من وجه الحكم ولا يحرم إلا من الوجه الذي حل به منه.
ألا ترى أن عقدة النكاح وعقدة الملك لا ينقضهما في الحكم إلا رجلان أو رجل وامرأتان، فإن كان الذي يحل بذلك لا يحل إلا به لم يحرم حتى ينتقض الذي حل، وكل أمر يحل بغير نكاح ولا ملك إنما يحل بالإذن فيه، فأخبر رجل مسلم ثقة أنه حرام فهو عندنا حجة في ذلك، ولا ينبغي أن يؤكل ولا يشرب ولا يتوضأ منه.
وقد وجدت هناك قواعد جامعة أخرى جرت على لسانه عند التعليل والتوجيه لبعض الأحكام، وإليك نماذج منها.
(1/50)

4. كل من له حق فهو له على حاله حتى يأتيه اليقين على خلاف ذلك.
واليقين أن يعلم أو يشهد عنده الشهود العدول.
5. التحري يجوز في كل ما جازت فيه الضرورة.
وبناء على ذلك إذا اشتبه عليه الطاهر بالنجس لم يجب عليه أن يتحرى في أحدهما للوضوء وينتقل إلى البدل وهو التيمم بخلاف الشرب.
6. (لا يجتمع الأجر والضمان) فانظر إلى هذه القواعد كيف أُحكم نسجها وصقلت صياغتها وإن منها ما يماثل تماماً الأسلوب الذي راج وشاع في كتب المتأخرين عند التقعيد على سبيل المثال قوله: (لا يجتمع الأجر والضمان) فقد عبرت عنه (المجلة) بالصيغة نفسها تقريباً وهي: (الأجر والضمان لا يجتمعان) .
وعلى ذلك المنوال جرى الإمام المذكور في مواضع من كتابه (الحجة)
(1/51)

أيضاً فعلى سبيل المثال نجده في كتاب البيوع من الكتاب المذكور يتطرق إلى مسائل كثيرة ثم في الختام يضع قاعدة مهمة فيقول:
7. (كل شيء كره أكله والانتفاع به على وجه من الوجوه فشراؤه وبيعه مكروه، وكل شيء لا بأس بالانتفاع به فلا بأس ببيعه) . وعلى غرار ما سبق لما قلبنا النظر في كتاب (الأم) الذي أملاه الإمام الشافعي رحمه الله (204 هـ) ، على بعض أصحابه وجدناه أحياناً يقرن الفروع بأصولها، وتلك الأصول في الغالب لا تعدو أن تكون ضوابط فقهية ومن الخليق بأن نسميها (كُلّيات) باعتبار بدايتها ب (كلّ) .
ويجانب ذلك هناك قواعد فقهية يمكن إجراؤها وتطبيق الفروع عليها في كثير من الأبواب، وهي آية بيّنة على رواسب هذا العلم في أقدم المصادر الفقهية، ورسوخ فكرة التعليل والتأصيل للأحكام عند الأئمة الأولين.
وإليك نماذج متنوعة من الكتاب المذكور:
1. (الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه) :
هذه القاعدة جرت على لسان الإمام الشافعي عند تعليل بعض الأحكام المتعلقة بالإكراه كما جاء في الكتاب المذكور تحت عنوان: (الإكراه وما في معناه) . قال الشافعي رحمه الله، قال الله عز وجل: (إلا مَن أُكرِهَ وقلبه مطمئِنُّ بالإيمانِ) . النحل، آية (106) .
(1/52)

ثم أضاف إلى ذلك قائلاً: (وللكفر أحكام كفراق الزوجة وأن يقتل الكافر ويغنم ماله، فلما وضع الله عنه، سقطت عنه أحكام الإكراه على القول كله لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه وما يكون حكمه بثبوته عليه) .
2. (الرخص لا يُتعدَّى بها مواضعها) : نص على هذه القاعدة عند بيان مسائل تتصل بصلاة العذر، إذ يقول معلّلاً لبعض الأحكام: (إن الفرض استقبال القبلة والصلاة قائماً، فلا يجوز غير هذا إلا في المواضع التي دل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليها، ولا يكون شيء قياساً عليه، وتكون الأشياء كلها مردودة إلى أصولها، والرخص لا يتعدى بها مواضعها) .
ونجده يوحي إلى معنى هذه القاعدة في موضع آخر من ضرب المثال لها فيقول: (ولم نُعَدِّ بالرخصة موضعه كما لم نُعَدِّ بالرخصة المسح على الخفين، ولم نجعل عمامة ولا قفازين قياساً على الخفين) .
ويبدو عند التأمل أن هذه القاعدة قريبة مما تقرره القاعدة المشهورة: (ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه) .
3. (ولا ينسب إلى ساكت قول قائل ولا عمل عامل إنما ينسب إلى كل قوله وعمله) .
(1/53)

هذه القاعدة أفصح عنها عند نقاش موضوع الاجتماع على مسائل فقهية، ثم تداولها الفقهاء وطبقوها في كثير من الأحكام، ولا شك أن القاعدة في موضعها جرت حسب مقتضى الموضوع، وربما لم تكن هناك حاجة إلى مزيد من الكلام لكن الفقهاء لم يقفوا عندها بل أتبعوها باستثناء يُكمل الموضوع فأضافوا إليها: (ولكن السكوت في موضع الحاجة بيان) وهذا المثال خير شاهد على التطور المستمر المتواصل في صيغ القواعد على امتداد الزمان.
4. (ا) يجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها.
(ب) قد يباح في الضرورات ما لا يباح في غير الضرورات.
(ج) كل ما أحل من مُحرَّم في معنى لا يحل إلا في ذلك المعنى خاصة، فإذا زايل ذلك المعنى عاد إلى أصل التحريم، مثلاً: الميتَة المُحرَّمة في الأصل المُحلة للمضطر، فإذا زايلت الضرورة عادت إلى أصل التحريم) . فهذه القواعد الثلاث التي تباينت صيغها ومظاهرها نجدها متحدة في مغزاها، فإنها تفضى إلى مفهوم واحد وهو بيان حكم الضرورة.
ثم القاعدة الأخيرة بجانب بيان الحكم تضيف قيداً إلى القاعدة، وهو: فإذا زايلت الضرورة عادت إلى أصل التحريم، ومما لا غبار عليه أن هذه القواعد جرت على نسق قويم ورصين، ثم هي وأشباهها ربما ساعدت الفقهاء على سبْك القاعدة وصهرها في قالب أضبط وأركز، فقد شاهدنا هذا التطور، ووجدنا الفقهاء يعبرون عما سبق بقولهم: الضرورات تبيح المحظورات، وكذا: الضرورة تُقدر بقدرها.
(1/54)

5. (الحاجة لا تُحق لأحد أن يأخذ مال غيره) .
هذه القاعدة يتبين فيها مدى احترام حقوق العباد في أموالهم والحفاظ عليها، إذ الحاجة لا تبرر أخذ مال الغير، فلو أخذه أحد لكان آثماً وضامناً، بخلاف الضرورة التي تسقط الإثم وتفرض الضمان إذ الاضطرار لا يُبطل حق الغير.
وقد أشار الإمام الشافعي أيضاً إلى ذلك الفرق بين الضرورة والحاجة في القاعدة التالية:
6. (وليس بالحاجة محرَّم إلا في الضرورات) .
وما سوى تلك القواعد هناك عبارات مذهبية تحمل سمة القواعد كما ورد في النص التالي: (والرخصة عندنا لا تكون إلا لمطيع، فأما العاصي فلا) .
فهذه العبارة وأمثالها لما تكررت على ألسنة الفقهاء اكتسبت صيغة مركزة، فقد عبر عنها الفقهاء المتأخرون في المذهب بقولهم: (الرخص لا تناط بالمعاصي) .
أما (الكليات) التي أشرت إلى وجودها في مستهل الكلام هنا فهي كثيرة، وبعضها قريب من مفهوم القواعد، ومعظمها ضوابط فقهية، وفيما يلي نقدم نماذج منها ونختم بها موضوع القواعد عند الإمام الشافعي.
1. (كل ما له مثل يرد مثله، فإن فات يردّ قيمته) .
2. (كل من جُعل له شيء فهو إليه إن شاء أخذه وإن شاء تركه) .
(1/55)

3. (كل حق وجب عليه فلا يبرئه منه إلا أداؤه) .
وفيما يبدو أن هذه الأمثلة يتحقق فيها مفهوم القاعدة وتصلح أن تدرج في سلكها من حيث المظهر والمعنى.
أما الكليات التي ينطبق عليها مفهوم الضابط فهي مثل قوله: (كل ثوب جهل من ينسجه، أنسجه مسلم، أو مشرك، أو وثني، أو مجوسي، أو كتابي، أو لبسه واحد من هؤلاء أو صبي، فهو على الطهارة حتى يعلم أن فيه نجاسة) .
وكذلك قوله: (كل حالٍ قدر المصلي فيها على تأدية فرض الصلاة كما فرض الله تعالى عليه صلاها، وصلى ما لا يقدر عليه كما يطيق) .
فإن هذين المثالين لا يسري عليهما حكم القاعدة، فإنهما من الضوابط، ولكن يمكن أن نعد كلا المثالين ضابطاً في ميدان القواعد، من حيث إن المثال الأول يتضمن فروعاً تتعلق بالقاعدة الأساسية الشهيرة (اليقين لا يزول الشك) .
والمثال الثاني بمثابة فرع لما تقرره القاعدة المتداولة بين الفقهاء: (الميسور لا يسقط بالمعسور) .
ومن القواعد المنسوبة إلى الإمام الشافعي رحمه الله، القاعدة المشهورة: (إذا ضاق الأمر اتسع) فقد ذكر العلامة الزركشي نقلاً عن أئمة الشافعية أن هذه القاعدة من عبارات الشافعي الرشيقة، وقد أجاب بها في عدة مواضع منها: ما
(1/56)

إذا فقدت المرأة وليها في سفر فولت أمرها رجلاً يجوز، قيل له: كيف هذا؟ فقال: إذا ضاق الأمر اتسع.
هناك عبارات مروية عن الإمام أحمد رحمه الله (241 هـ) ، أوردها الإمام أبو داود في كتاب (المسائل) تتسم بطابع القواعد.
وهي قواعد مفيدة في أبوابها منها: ما جاء في باب الهبة عنه قال: سمعت أحمد يقول: (كل ما جاز فيه البيع تجوز فيه الهبة والصدقة والرهن) . وفي باب بيع الطعام بكيله ورد عن طريقه قول أحمد أنه قال: كل شيء يشتريه الرجل مما يكال أو يوزن فلا يبعه حتى يقبض، وأما غير ذلك فرخص فيه.
ومن هذا الباب ما روى عن القاضي سوَّار بن عبد الله (245 هـ) ، قوله:
(1/57)

(كل أمر خالف أمر العامة فهو عيب يرد به) .
ومن خلال هذا العرض الوجيز لبعض ما وصل إلينا من الأحاديث والآثار والأقوال في معنى القواعد ممكن أن نخلص إلى الأمور التالية:
1. وجدت القواعد الفقهية ورسخت فكرتها عند الأقدمين في غضون هذه المراحل كلها، قبل أن تعرف العبارات باعتبارها قواعد وتصطبغ بصبغة العلم.
2. إذا أردنا أن نرسم صورة واضحة لتطور حكرة التأليف في مجال القواعد، فإن علينا أولاً أن نعتمد علة مثل تلك النصوص المعبثرة هنا وهناك فهي مصدر الانطلاق لنا في هذا الباب.
3. لقد جرت على ألسنة المتقدمين من القواعد ما تضارع القواعد المتداولة في القرون المتأخرة ولا سيما بعض ما ذكرناه عن الإمام محمد والإمام الشافعي رحمهما الله فهي تقريباً نفس القواعد المعهودة لدينا في أساليب وصيغها.
4. فيما يظهر أن تلك الآثار والأقوال كانت حافزاً للمتأخرين على استنباط القواعد وجمعها وتدوينها، والتقدم نحو هذا الاتجاه.
وعلى أقل التقدير يمكن القول بناء على هذه النماذج المأثورة أنه قامت اللبنة الأولى للقواعد في غضون القرون الثلاثة الأولى، بحيث شاع فيها استعمال تلك القواعد وتبلورت فكرتها في أذهانهم، وإن لم يتسع نطاقها، لعدم الحاجة إليها كثيراً في تلك العصور، وهو الطور الأول الذي أسميناه طور (النشوء والتكوين) للقواعد الفقهية.
(1/58)

-- الطور الثاني:
-- طور النمو والتدوين:
وأما بداية القواعد الفقهية باعتبارها فناً مستقلاً، فقد تأخرت عن العصور المبكرة إلى عصر الفقهاء في إبان القرن الرابع الهجري، وما بعده من القرون.
وتفصيلاً لهذا القول يمكن أن نقول إنه لما برزت ظاهرة التقليد في القرن الرابع الهجري، واضمحل الاجتهاد وتقاصرت الهمم في ذلك العصر مع وجود الثروة الفقهية العظيمة الوافية التي نشأت من تدوين الفقه مع ذكر أدلته وخلاف المذاهب وترجيح الراجح منها، وهو الذي عرف أخيراً بالموازنة أو المقارنة بين المذاهب، وبما خلفه الفقهاء من أحكام اجتهادية معَلَّلة، لم يبق للذين أتوا بعدهم إلا أن يخرجوا من فقه المذاهب أحكاماً للأحداث الجديدة كما أشار إلى ذلك العلامة ابن خلدون بقوله: (ولما صار مذهب كل إمام علماً مخصوصاً عند أهل مذهبه، ولم يكن لهم سبيل إلى الاجتهاد والقياس، فاحتاجوا إلى تنظير المسائل في الإلحاق، وتفريقها عند
(1/59)

الاشتباه بعد الاستناد إلى الأصول المقررة من مذاهب إمامهم) .
وعن طريق هذا التخريج للمسائل على أصول المجتهدين نما الفقه واتسع نطاقه، وتمت مسائله، وبدأ الفقهاء يضعون أساليب جديدة للفقه، فهذه الأساليب يذكرونها مرة بعنوان القواعد والضوابط، وتارة بعنوان الفروق، وتارة أخرى بعنوان الألغاز، والمطارحات، ومعرفة الأفراد، والحيل، وغيرها
(1/60)

من الفنون الأخرى في الفقه، وتوسعوا في بيان بعضها، منها الفروق والقواعد والضوابط.
وأما الفروق فقد وجدوا أن من المسائل الفقهية ما يتشابه في الظاهر مما قد يظن أن له حكماً واحداً، ولكنه في الحقيقة مختلف، وبين المسألة والأخرى المشابهة لها فرقاً يجعل لكل مسألة حكماً خاصاً بها، فألفوا (الفروق) كما سلفت الإشارة إلى ذلك في الفصل الأول.
وأما القواعد والضوابط فحينما كثرت الفروع والفتاوى بكثرة الوقائع والنوازل توسعوا في وضعها على هديٍ من سلفهم تدور في أبواب مختلفة من الفقه تضبط كثرة الفروع، وتجمعها في قالب متسق، لصيانتها من الضياع والتشتت كما فعل العلامتان أبو الحسن الكرخي في رسالته، وأبو زيد الدبوسي في تأسيس النظر تحت عنوان الأصول، غير أنها إذا كانت في موضوعات مختلفة سميناها قواعد؛ وإذا كانت في موضوع واحد سميناها ضوابط، حسب ما استقر عليه الاصطلاح في القرون التالية.
ومما يشهد له التاريخ ويظهر ذلك بالتتبع والنظر، أن فقهاء المذهب الحنفي كانوا أسبق من غيرهم في هذا المضمار، ولعل ذلك للتوسع عندهم في الفروع، وأخذ بعض الأصول عن فروع أئمة مذهبهم، ومن ثم ترى الإمام محمد رحمه الله، في كتاب الأصل يذكر مسألة فيفرع عليها فروعاً قد يعجز الإنسان عن وعيها والإحاطة بها.
وكل ذلك جعل الطبقات العليا من فقهاء المذهب يصوغون القواعد والضوابط التي تسيطر على الفروع الكثيرة المتناثرة وتحكمها.
(1/61)

ولعل أقدم خبر يروي في جمع القواعد الفقهية في الفقه الحنفي مصوغة بصيغها الفقهية المأثورة، ما رواه الإمام العلائي الشافعي (761 هـ) ، والعلامتان السيوطي (911 هـ) وابن نجيم (970 هـ) ، في كتبهم في القواعد: أن الإمام أبا طاهر الدبَّاس من فقهاء القرن الرابع الهجري قد جمع أهم قواعد مذهب الإمام أبي حنيفة في سبع عشرة قاعدة كلية، وكان أبو طاهر رحمه الله ضريراً يكرر كل ليلة تلك القواعد بمسجده بعد انصراف الناس، وذكروا أن أبا سعد الهروي الشافعي قد رحل إلى أبي طاهر، ونقل عنه بعض هذه القواعد، ومن جملتها القواعد الأساسية المشهورة وهي:
(1/62)

1. الأمور بمقاصدها.
2. اليقين لا يزول بالشك.
3. المشقة تجلب التيسير.
4. الضرر يزال.
5. العادة محكَّمة.
وإنه ليس من الميسور تحديد القواعد التي جمعها الإمام أبو طاهر، أو الوقوف عليها ما عدا هذه القواعد المشهورة الأساسية، إلا أنه يمكن أن الإمام الكرخي (340 هـ) الذي هو من أقران الإمام الدباس اقتبس منه بعض تلك القواعد، وضمَّها إلى رسالته المشهورة التي تحتوي على تسع وثلاثين قاعدة، ولعلها أو نواة للتأليف في هذا الفن.
وممن أضاف إلى ثروة هذه المجموعة المتناقلة عن الإمام الكرخي هو الإمام أبو زيد الدَّبوسي (430 هـ) في القرن الخامس الهجري، إذا يمكن أن يقال إن القرن الرابع الهجري هو المرحلة الثانية في نشأة القواعد الفقهية وتدوينها، حيث وجد أول كتاب في هذا الفن وهو يمثل بداية هذا العلم من ناحية التدوين.
أما بعد كتاب (تأسيس النظر) للدبوسي فلم أعثر على أي كتاب في هذا
(1/63)

العصر وكذلك في القرن السادس الهجري، اللهم إلا كتاب الإمام علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي (540 هـ) بعنوان (إيضاح القواعد) الذي ذكره صاحب هدية العارفين فإنه من المحتمل أن يكون ذلك الكتاب من قبيل هذا الموضوع.
ولا شك أن عدم العثور على المؤلفات لا يدل على انقطاع الجهود في هذه الحقبة المديدة، بل ينبغي أن يقال إنها طويت في لجة التاريخ أو ضاعت كما هو الشأن في كثير من الموضوعات.
أما في القرن السابع الهجري فقد برز فيه هذا العلم إلى حد كبير، وإن لم يبلغ مرحلة النضوج، وعلى رأس المؤلفين في ذلك العصر: العلامة محمد بن إبراهيم الجاجرمي السّهلكي (613 هـ) ، فألف كتاباً بعنوان: (القواعد في فروع الشافعية) ثم الإمام عز الدين بن عبد السلام (660 هـ) ألف كتابه (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) الذي طبَّق صِيتُه الآفاق.
ومن فقهاء المالكية ألف العلامة محمد بن عبد الله بن راشد البكري
(1/64)

القفصي (685 هـ) كتاباً بعنوان: (المُذهب في ضبط قواعد المذهب) .
فهذه المؤلفات تعطينا فكرة عامة عن القواعد الفقهية في القرن السابع الهجري، وأنها بدأت تختمر وتتبلور يوماً فيوماً.
أما القرن الثامن الهجري فهو يعتبر العصر الذهبي لتدوين القواعد الفقهية ونمو التأليف فيها، تفوقت فيها عناية الشافعية لإبراز هذا الفن، ثم تتابعت هذه السلسلة في المذاهب الفقهية المشهورة.
ومن أهم وأشهر ما ألف في ذلك العصر الكتب التالية:
1. الأشباه والنظائر: لابن الوكيل الشافعي (716 هـ) .
2. كتاب القواعد: للمقرَّي المالكي (758 هـ) .
3. المجموع المذهب في ضبط قواعد المذهب: للعلائي الشافعي (761 هـ) .
4. الأشباه والنظائر: لتاج الدين السبكي (771 هـ) .
5. الأشباه والنظائر: لجمال الدين الإسنوي (772 هـ) .
6. المنثور في القواعد: لبدر الدين الزركشي (794 هـ) .
(1/65)

7. القواعد في الفقه: لابن رجب الحنبلي (795 هـ) .
8. القواعد في الفروع لعلي بن عثمان الغزّي (799 هـ) .
ومعظم هذه المؤلفات (على اختلاف مناهجها ومناحيها) حملت ثروة كبيرة من القواعد والضوابط، والأحكام الأساسية الأخرى، وفيها إرهاص على نضوج هذا الفن إلى حد كبير ذلك العصر.
وفي القرن التاسع الهجري أيضاً جدت مؤلفات أخرى على المنهاج السابق، فتجد في مطلع هذا القرن العلامة ابن الملقِّن (804 هـ) ، صنَّف كتاباً في القواعد اعتماداً على كتاب الإمام السبكي، وما سواه من الكتب التي نسجلها كما يلي:
1. أسنى المقاصد في تحرير القواعد: لمحمد بن محمد الزبيري (808 هـ) .
2. القواعد لمنظومة: لابن الهائم المقدسي (815 هـ) ، وأيضاً قام بتحرير (المجموع المُذهب في قواعد المذهب) للعلائي، وأسماه (تحرير القواعد العلائية وتمهيد المسالك الفقهية) .
(1/66)

3. كتاب القواعد: لتقي الدين الحصني (829 هـ) .
4. نظم الذخائر في الأشباه والنظائر: لعبد الرحمن بن علي المقدسي المعروف بشُقير. (876 هـ) .
5. الكليات الفقهية والقواعد: لابن غازي المالكي (901 هـ) .
6. القواعد والضوابط لابن عبد الهادي (909 هـ) ، يوسف بن حسن.
(1/67)

ونستطيع أن نقول من خلال النظر في بعض تلك المؤلفات التي عثرنا عليها: إن الجهود في هذا الفن تتالت على مرور الأيام، وإن ظل بعضها مقصوراً وعالة على ما سبقها من الجهود في القرن الثامن الهجري، خاصة عند الشافعية، وإنما قام العلماء في هذا العصر بتكميل أو تنسيق لما جمعه الأوائل، كما تجد هذه الظاهرة واضحة في كتابي ابن الملقن وتقي الدين الحصني.
ويبدوا أنه رقي النشاط التدويني لهذا العلم في القرن العاشر الهاجري حيث جاء العلامة السيوطي (910 هـ) ، وقام باستخلاص أهم القواعد الفقهية المتناثرة المبدَّدة عند العلائي والسبكي والزركشي، وجمعهما في كتابه (الأشباه والنظائر) في حين أن تلك الكتب تناولت بعض القواعد الأصولية مع الفقهية ما عدا كتاب الزركشي كما سيأتي بيان ذلك بشيء من التفصيل.
وفي هذا العصر قام العلامة أبو الحسن الزقاق التجيي المالكي (912 هـ) ، بنظم القواعد الفقهية بعد استخلاصها وإقرارها من كتب السابقين مثل الفروق للقرافي وكتاب القواعد للمقرَّى.
واحتل الكتاب مكاناً رفيعاً عند فقهاء المالكية كما يظهر ذلك من الأعمال التي تتابعت على المنظومة.
وكذلك العلامة ابن نجيم الحنفي (970 هـ) ألف على طراز ابن السبكي والسيوطي كتابه (الأشباه والنظائر) وهو يعتبر خطوة متقدمة، لأنه بعد انقطاع مديد ظهر مثل هذا الكتاب في الفقه الحنفي، وتهافت عليه علماء الحنفية تدريساً وشرحاً.
وهكذا أخذ هذا العلم في الاتساع مع تعاقب الزمان دون انقطاع في القرن الحادي عشر وما بعده من قرون، ومن هنا يمكن القول بأن الطور الثاني وهو طور
(1/68)

النمو والتدوين (للقواعد الفقهية) الذي بدأ على أيدي الإمامين الكرخي والدبوسي، أوشك أن يتم ويتنسق بتلك المحاولات المتتالية الرائعة على امتداد القرون.
بعد هذا الاستعراض الوجيز لما تم ونضج في المرحلة الثانية لا بد من الوقوف وقفة إزاء تلك الجهود العلمية البناءة.
فيا تُرى هل جرى وضع القواعد الموجودة في المؤلفات المستقلة على أيدي مصنفيها، أو إنما هي مرحلة تدوينية فحسب استتبعت جهوداً سابقة في هذا المجال؟ فالذي يتبادر إلى الذهن وما يشهده له الواقع أن المدونين للقواعد اقتبسوها بصفة عامة من المصادر الفقهية الرئيسية الأصلية، كل من كتب مذهبه، كما نتلمح ذلك عند تقليب النظر في مصادر الفقه القديمة، حيث وردت القواعد فيها بصورة متناثرة في أماكن مختلفة.
لا يتنافى ذلك مع كون بعض المؤلفين الذين كانوا يتمتعون بملكة ورسوخ في الفقه مثل ابن الوكيل وابن السبكي والعلائي ربما تمكنوا من وضع بعض القواعد التي لم ترد في كتب السابقين كما تبدو هذه الظاهرة من خلال المدونات الموجودة بين أيدينا وأحياناً صاغوا بعض عبارات الأقدمين التي حملت سمة القواعد صياغة متقنة جديدة.
ولاستجلاء تلك الحقيقة لما دققنا النظر في بعض المصادر الفقهية من المذاهب المختلفة، وجدنا أن الفقهاء يتعرضون للقواعد عند تعليل الأحكام وترجيح الأقوال، مثل الكاساني وقاضيخان وجمال الدين الحصيري من الحنفية، والقرافي من المالكية والجويني والنووي من الشافعية، وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة.
فتراهم يذكرون القواعد الفقهية ويقرنون بها الفروع والأحكام، وهذا أمر
(1/69)

مهم وذو شأن في إطار هذا المبحث.
ونقدم هنا تفصيل ذلك بذكر بعض الأمثلة والنماذج للقواعد من المصادر الفقهية مع اختيار الترتيب الزمني دون المذهبي.
ففي القرن الخامس الهجري وجدنا إمام الحرمين الجويني (478 هـ) رحمه الله شأمة بين فقهاء المذهب الشافعي في هذا الباب حيث قام بتأصيل هذه القواعد في آخر كتابه (الغياثي) فعقد فيه فصلاً مستقلا مُحكماً يتعلق بموضوعنا في أسلوبه الحواري الخاص.
يقول في المرتبة الثالثة من هذا الكتاب: (إن المقصود الكلي في هذه المرتبة أن نذكر في كل أصل من أصول الشريعة قاعدة تنزل منزلة القطب من الرحا والأس من المبنى، ونوضح أنها منشأ التفاريغ وإليها انصراف الجميع) .
وبدأ هذه الفصل بكتاب الطهارة:
1. ومن ضمن القواعد التي بحث مسائل الطهارة على أساسها (قاعدة استصحاب الحكم بيقين طهارة الأشياء إلى أن يطرأ عليها يقين النجاسة) .
وجاء في فصل الأواني: (إن كل ما يشك في نجاسته فحكم الأصل الأخذ بالطهارة) .
2. ذكر في مطلع كتاب الصالة قاعدة مهمة بعنوان: (إن المقدور عليه لا يسقط بسقوط المعجوز عنه) .
3. وفي الفصل نفسه عقد باباً بعنوان: (باب في الأمور الكلية
(1/70)

والقضايا التكليفية) ورمز فيه إلى قاعدة (الضرورة) مع بيان بعض تفاصيلها وذكر فروعها، يقول وفق طريقته الافتراضية الحوارية: (إن الحرام إذا طبَّق الزمان وأهله، ولم يجدوا إلى طلب الحلال سبيلاً، فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة، ولا تشترط الضرورة التي نرعاها في إحلال الميتة في حقوق آحاد الناس، بل الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة في حق الواحد المضطر، وضبط ذلك بقوله: فالمرعي إذاً رفع الضرار واستمرار الناس على ما يقيم قواهم.
4. وفي معرض هذا المبحث أورد القاعدة (الأصل في الأشياء الإباحة) بصيغة: (ما لا يعلم فيه تحريم يجري عليه حكم الحل) ، وساق الأدلة في إثباتها وترجيحها، ثم فصلها بقواعد فرعية أخرى مثلاً يقول: (أما القول في المعاملات) .
فالأصل المقطوع به فيها اتباع تراضي المُلاك، والقاعدة المعتبرة: (أن المُلاك يختصون بأملاكهم، لا يزاحم أحد مالكاً في ملكه من غير حق مستحق) .
5. ذكر في نفس الفصل مسائل قاعدتي الإباحة وبراءة الذمة، ثم ختمها بقاعدة مشهورة: إن التحريم مُغَلَّبٌ في الأبضاع.
6. وتعرض لقاعدة البراءة الأصلية بعنوان: (كل ما أشكل وجوبه فالأصل براءة
(1/71)

الذمة فيه) .
7. وركز على القاعدة العامة المتعلقة برفع الحرج في عديد من المواضيع، مثلاً يقول في نهاية هذا الفصل إنه: (من الأصول التي آل إليها مجامع الكلام أنه إذا لم يستيقن حجر أو حظر من الشارع في شيء فلا يثبت فيه تحريم) . وأورد في موضع آخر ما يشبه ذلك تماماً: (إن التحريم إذا لم يقدم عليه دليل فالأمر يجري على رفع الحرج) .
فالناظر في هذه الأمثلة المذكورة يقف على بعض القواعد المهمة الجديدة في صياغتها، ما عدا بعض القواعد المشهورة على سبيل المثال تأمل قاعدتين وهما:
1. (إن المقدور لا يسقط بالمعجوز عنه) .
2. (الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة في حق الواحد المضطر) .
فلعل الجويني رحمه الله أول قائل لهما بهذه الصيغة، ثم عم ذكرهما عند المتأخرين من الشافعية وغيرهم لا سيما عند المدونين للقواعد.
وفي القرن السادس الهجري لما شُرح بعض المصادر الفقهية الأصلية، أخذت القواعد في الاتساع، ونالت اهتمام الشارحين، ومنهم الإمام الكاساني (587 هـ) في (بدائع الصنائع) ، فقد سار في هذا الشرح على نهج قويم في ربط الفروع بأصولها وظهرت براعته في إبراز القواعد في مواطن كثيرة من الكتاب، ونجتزئ هنا ببعض الأمثلة فيما يلي:
(1/72)

1. (النادر ملحق بالعدم) .
2. (الإشارة تقوم مقام العبارة) .
3. (ذكر البعض فيما لا يتبعَّض ذكر لكله) .
4. (العجز حُكماً كالعجز حقيقة) .
5. (إن البقاء أسهل) .
6. (الأمين يُصدق ما أمكن) .
7. (إن كل ما لا يباح عند الضرورة لا يجوز فيه التحري) .
8. (التعليق بشرط كائن تنجيز) .
فانظر إلى هذه القواعد كيف تنسقت صياغتها عند الكاساني، وليس ببعيد ولا غريب أن يكون بعضها عريقة في صياغتها عند السابقين مثل الإمام محمد وغيره كما سلفت الإشارة إلى بعض الأمثلة من هذا القبيل في بداية هذا الفصل، وكل ذلك يدل على مدى تطور مستمر في صياغة القواعد وعناية الفقهاء بها عند تعليل الأحكام، وترجيح رأي من الآراء، وتوجيه أفكار أئمة المذاهب بتلك القواعد.
(1/73)

وفي نفس الفترة من الزمن تقريباً نلاحظ أن الإمام فخر الدين الفرغاني الشهير بقاضي خان (592 هـ) أولى القواعد عناية كبيرة، وهو يكاد ينفرد بين الفقهاء في هذا المجال، حيث في شرحه (الزيادات) و (الجامع الكبير) للإمام محمد، افتتح معظم الأبواب والفصول بذكر القواعد والضوابط، وافتنَّ في عرضها وقام بجهد جبار في ربط الفروع بأصولها.
ثم تابعه في ذلك تلميذه العلامة جمال الدين الحصيري (636 هـ) حيث صدَّر كل باب في (التحرير شرح الجامع الكبير) بالقواعد والضوابط وبطبيعة الحال بعضها أساسية مهمة ومعظمها فرعية ومذهبية، ولكنها لا تخلو عن الطرافة وجودة الصياغة في كثير من المواضع، وتوثيقاً للكلام نقدم هنا بعض النماذج من شرح الزيادات لقاضي خان وشرح الجامع الكبير للحصيري، وهي كما يلي:
1. (الجمع بين البدل والمبدل محال) : قال قاضي خان في الفصل الثالث من كتاب الطهارة: (إنه ينبني على أصل واحد: وهو أن الجمع بين الغسل والمسح على الخف لا يجوز لأن المسح بدل الغسل، والجمع بين
(1/74)

البدل والمبدل محال، فإذا غسل إحدى الرِّجلين أو غسل بعض الرِّجل لا يمسح على الأخرى كيلا يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل) .
2. (إنالمبتلى من أمرين يختار أهونهما) : قال في (بابا الصلاة التي يكون العذران) : (بنى الباب: على أن المبتلى من أمرين يختار أهونهما لأن مباشرة الحران لا تباح إلا لضرورة، ولا ضرورة في الزيادة) ، ثم فرع المسائل بناء على هذه القاعدة.
3. قال في باب الإقرار بالرق، بنى الباب على أصلين: أحدهما: (إن إقرار الإنسان يقتصر عليه، ولا يتعدى إلى غيره، إلا ما كان من ضرورات المُقرّ به، لقيام ولايته على نفسه، وعدم ولايته على غيره) .
والثاني: (إن الثابت بحكم الظاهر يجوز إبطاله بدليل أقوى منه) .
4. قال في (باب ما يصدق الرجل إذا أقرَّ أنه استهلك من مال العبد والحربي وما
(1/75)

لا يصدق) : (بنى الباب على: إن كل من أنكر حقاً على نفسه، كان القول قوله، لأنه متمسك بالأصل وهو فراغ الذمة، ومن أقر بسبب الضمان وادعى ما يسقطه لا يُصدق إلا بحجة، لأن صاحبه متمسك بالأصل في إبقاء ما كان) .
ومن القواعد التي قد تكرر استعمالها في مواضع من الشرح كما يلي:
5. (الظاهر يصلح حجة للدفع دون الاستحقاق) .
6. (الحادث يحال بحدوثه إلى أقرب الأوقات) .
7. (إن البينة حجة يجب العمل بها ما أمكن) .
والملحوظ هنا أنه عبر عن القاعدة بكلمة الأصل باعتبار ما يتفرع عليه من فروع وجزئيات.
ومن نماذج تلك الأصول والقواعد عند الحصيري في (التحرير شرح الجامع الكبير) ما يلي:
1. (باب من الطهر إلى الوضوء والثوب وغير ذلك) بدأه بقوله: (أصل الباب أن ترك القياس في موضع الحرج والضرورة جائز، لأن الحرج منفي ومواضع الضرورات مستثناة من قضيات الأصول) .
2. باب صلاة العيدين: استهل الكلام فيه بقوله: (أصل الباب أن رأي
(1/76)

المجتهد حجة من حجج الشرع، وتبدل رأي المجتهد بمنزلة انتساخ البعض يعمل به في المستقبل، لا فيما مضى) .
3. جاء في صدر (باب الصيام والاعتكاف) : (أصل الباب أن موجب اللفظ يثبت باللفظ ولا يفتقر إلى النية، ومحتمل اللفظ لا يثبت إلا بالنية، وما لا يحتمله لفظه لا يثبت وإن نوى) .
4. جاء في مستهل: (باب المرأتين في العقد الذي يكون أوله جائزاً ثم يفسد) : (أصل الباب: أن الإجازة إذا لحقت العقد الموقوف كان لحالة الإجازة حكم الإنشاء، لأن العقد لم يتم قبل الإجازة، وإنما تم ونفذ بالإجازة، فكان لها حكم الإنشاء فيكون الطارئ على العقد الموقوف يجعل كالمقارن للعقد. لأنه سبق النفاذ الذي هو المقصود بالعقد، فيجعل في التقدير سابقا على ما هو وسيلة لاستتباع المقاصد) .
5. قال في فاتحة (باب الإقرار في البيع في فساد وغير فساد) : (أصل الباب أن القاضي مأمور بالنظر والاحتياط لأنه نصب لدفع الظلم وإيصال الحقوق إلى أربابها، فيحتاط لإيفائها ويتحرز عن تعطيلها (الموهوم لا يعارض المتحقق) فلا يؤخر الحق الثابت بقيني لحق عسى يكون وعسى لا
(1/77)

يكون لأن التأخير إبطال من وجه فلا يجوز لحق موهوم) .
فهذه الأمثلة وما شابهها جرت وشاعت عند المتأخرين مع حسن الصياغة ووجازة التعبير.
وفي غضون تلك المراحل التي بدأ فيها تدوين القواعد ينشط نجد من الشافعية الإمام النووي (676 هـ) كثير الاعتداد بهذه القواعد، وقد أومأ إلى ذلك في مقدمة (المجموع شرح المهذب) عند بيان المنهج الذي سلكه في الشرح. يقول: (وأما الأحكام فمقصود الكتاب، فأبلغ في إيضاحها بأسهل العبارات، وأضم إلى ما في الأصل من الفروع والتتمات، والقواعد المحررات، والضوابط الممهدات) .
وحقاً إن القواعد نجدها متناثرة ومبددة في الشرح المذكور بحيث نيطت بها الفروع وعللت على أساسها الأحكام.
1. ففي مواضع متعددة من الشرح أصَّل الفروع الكثيرة بناء على القاعدة المشهورة: (اليقين لا يزول بالشك) .
2. ومن القواعد الشهيرة أيضاً: (الأصل في الأبضاع التحريم) فقد كثر فورعها في الكتاب في مواضع كثيرة مثلاً يقول: (إذا اختلطت زوجته بنساء واشتبهت لم يجز له وطء واحدة منهن بالاجتهاد بلا خلاف، سواء كن محصورات أو غير محصورات، لأن الأصل التحريم والأبضاع يحتاط لها، والاجتهاد خلاف الاحتياط) .
(1/78)

وأشار إلى نفس القاعدة، وقاعدة أخرى وهي ترجيح المحرم على المبيح عند اجتماعهما في قوله: (إن الأصول مقررة على أن كثرة الحرام واستواء الحلال والحرام يوجب تغليب حكمه في المنع كأخت أو زوجة اختلطت بأجنبية) .
3. ومن أمثلة القواعد: ما ذكر نقلاً عن الإمام أبي محمد الجويني: (أنه إذا سقط الأصل مع إمكانه فالتابع أولى) كما جاء في النص التالي:
(من فاته صلوات في زمن الجنون والحيض، فإنه لا يقضي النوافل الراتبة التابعة للفرائض، لأن سقوط القضاء عن المجنون رخصة مع إمكانه، فإذا سقط الأصل مع إمكانه فالتابع أولى) .
4. وكذلك القاعدة (الاستدامة أقوى من الابتداء) تناولها النووي في بعض المواضع من الشرح المذكور.
ومن فقهاء المالكية الإمام القرافي (684 هـ) رحمه الله فإنه كان ذا براعة فائقة وطراز نادر في ربط الفروع بأصولها، ومن المعلوم لدى الباحثين في الفقه الإسلامي أنه ألف الذخيرة في الفقه ثم استتبعه تأليف (الفروق) ولعل الثاني كان نتيجة للكتاب الأول حيث استصفى القواعد والضوابط والفروق التي عللت بها الفروع واستعملت كحجج فقهية في كثير من المواطن من (الذخيرة) مع التنقيح والزيادة وجمعت باسم الفروق بين القواعد.
(1/79)

فإن فكرة النزوع إلى التأليف على هذا الطراز استقرت عند القرافي بعد وضع لكتاب في فروع الفقه، وهذا مما يساند القول بأن المصادر الأولية الأصيلة للقواعد هي كتب الفقه ثم جرى الجمع والتدوين في مدونات مستقلة.
واستكمالاً لمسيرة الموضوع نسجل فيما يلي بعض النماذج من كتابه (الذخيرة) : جاء في بعض المواضع من كتاب الطهارة:
1. ق: (الأصل ألا تبنى الأحكام إلا على العلم، لكن دعت الضرورة للعمل بالظن لتعذر العلم في أكثر الصور، فثبتت عليه الأحكام لندرة خطئه وغلبة إصابته، والغالب لا يترك للنادر وبقي الشك غير معتبر إجماعاً.
من الملاحظ في هذه القاعدة أنها تثبت العلم بغلبة الظن، وعدم الاعتبار بالشك مطلقاً، وأن النادر يُعد مغموراً لا عبرة به في جنب الغالب.
2. ق: (إن كل مأمور يشق على العباد فعله سقط الأمر له، وكل منهي شق عليهم اجتنابه سقط النهي عنه) .
3. ق: (إذا تعارض المحرم وغيره من الأحكام الأربعة قُدِّم المُحرَّم لوجهين: أحدهما: أن المحرم لا يكون إلا لمفسدة وعناية الشرع والعقلاء بدرء المفاسد أشد من عنايتهم بتحصيل المصالح) .
4. ق: (الوسائل أبداً أخفض من المقاصد إجماعاً، فمهما تعارضتا تعين تقديم
(1/80)

المقاصد على الوسائل، ولذلك قدمنا الصلاة على التوجه إلى الكعبة لكونه شرطاً ووسيلة، والصلاة مقصد) .
وفي مطلع القرن الثامن الهجري برز على الساحة العلمية الإمامان ابن تيمية (728 هـ) ، وابن القيم (751 هـ) فظهر هذا اللون في كتبهما، ولا سيما ابن القيم فإنه كان يتمتع بعقلية تأتلف مع تقعيد القواعد كما يتبين ذلك في كل ما ألفه، وقد خلفت تلك الكتابات ثروة ثمينة في باب القواعد والظاهر أن من أتى بعدهما في هذا المذهب ودوَّن القواعد استقاها من كتبهما أو على أقل تقدير استفاد منها، وفيما يلي أقدم بعض النماذج التي ظفرت بها في كتب الإمامين.
أما الإمام ابن تيمية فالمصدر الأصيل من كتبه (مجموعة الفتاوى) التي تتضمن في طيَّاتها القواعد في موضوعات فقهية مختلفة، منها ما يلي:
1. (الاستدامة أقوى من الابتداء) .
2. (الإذن العرفي بطريق الوكالة كالإذن اللفظي) .
3. (الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها) .
4. (الحكم المقرر بالضرورة يقدر بقدرها) .
5. (السؤال كالمعتاد في الجواب) .
6. (العلم برضى المستحق يقوم مقام إظهاره للرضى) .
(1/81)

7. (المجهول في الشريعة كالمعدوم، والمعجوز عنه) .
وقد قام بتتبع كثير من أمثال هذه القاعدة عند ابن تيمية الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله في كتابيه (القواعد والأصول الجامعة، وطريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والأصول) انتقاها من المواضع المختلفة من عدة كتب، ولا يسعنا ذكرها في هذه العجالة القصيرة.
أما ابن القيم فمصدر القواعد عنده: (إعلام الموقعين) وبعض الكتب الأخرى: (كبدائع الفوائد) وبوجه عام ساقها في معرض الرد على المخالفين للقياس كما يظهر ذلك لمن مارس قراءة مباحث القياس في إعلام الموقعين، وفيما يلي نذكر بعض النماذج منها:
1. (إذا زال الموجِب زال المُوجَب) ذكرها في فصل عنوانه: (طهارة الخمر بالاستحالة توافق القياس) . قال: (وعل هذا الأصل فطهارة الخمر بالاستحالة على وفق القياس فإنها نجس لوصف الخبث، فإذا زال المُوجِب زال المُوجَب وهذا أصل الشريعة في مصادرها ومواردها، بل وأصل الثواب والعقاب) .
(1/82)

2. (لا واجب مع عجزٍ ولا حرام مع ضرورةٍ) قال: (إن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه وتعذر عليه الدخول في الصف ووقف معه فذاً، صحّت صلاته الحاجة، وهذا هو القياس المحض، فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها، وبالجملة ليست المصافة أوجب من غيرها، فإذا سقط ما هو أوجب منها للعذر، فهي أولى بالسقوط، ومن غيرها، فإذا سقط ما هو أجب منها للعذر، فهي أولى بالسقوط، ومن قواعد الشرع الكلية: أنه لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة) .
3. (إن الأعيان التي تحدث شيئاً فشيئاً مع بقاء أصلها، حكمها حكم المنافع، كالثمر في الشجر واللبن في الحيوان والماء في البئر) . قد ذكرها تحت (فصل) عنوانه: (إجارة الظئر توافق القياس) .
4. (المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعرف) بناء على ذلك اتفقوا على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه كما إذا باع مخزناً له فيه متاع لا ينقل في يوم ولا أيام، فلا يجب عليه جمع دواب البلد، ونقله في ساعة واحدة.
5. (إن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول) . وذلك كالتراب في الطهارة والصوم في كفارة اليمين، وشاهد الفرع مع شاهد الأصل، وقد اطر هذا في ولاية النكاح واستحقاق الميراث.
د الشرع الكلية: أنه لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة) .
3. (إن الأعيان التي تحدث شيئاً فشيئاً مع بقاء أصلها، حكمها حكم المنافع، كالثمر في الشجر واللبن في الحيوان والماء في البئر) . قد ذكرها تحت (فصل) عنوانه: (إجارة الظئر توافق القياس) .
4. (المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعرف) بناء على ذلك اتفقوا على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه كما إذا باع مخزناً له فيه متاع لا ينقل في يوم ولا أيام، فلا يجب عليه جمع دواب البلد، ونقله في ساعة واحدة.
5. (إن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول) . وذلك كالتراب في الطهارة والصوم في كفارة اليمين، وشاهد الفرع مع شاهد الأصل، وقد اطر هذا في ولاية النكاح واستحقاق الميراث.
د الشرع الكلية: أنه لا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة) .
3. (إن الأعيان التي تحدث شيئاً فشيئاً مع بقاء أصلها، حكمها حكم المنافع، كالثمر في الشجر واللبن في الحيوان والماء في البئر) . قد ذكرها تحت (فصل) عنوانه: (إجارة الظئر توافق القياس) .
4. (المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعرف) بناء على ذلك اتفقوا على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه كما إذا باع مخزناً له فيه متاع لا ينقل في يوم ولا أيام، فلا يجب عليه جمع دواب البلد، ونقله في ساعة واحدة.
5. (إن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول) . وذلك كالتراب في الطهارة والصوم في كفارة اليمين، وشاهد الفرع مع شاهد الأصل، وقد اطر هذا في ولاية النكاح واستحقاق الميراث.
(1/83)

6. (ما حُرم سداً للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة) كما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب من جملة النظر المُحرَّم.
7. (إتلاف المتسبب كإتلاف المباشر في أصل الضمان) .
8. (ما تبيحه الضرورة يجوز التحري فيه حالة الاشتباه، وما لا تبيحه الضرورة فلا) .
وعلى هذا المنوال ظل استعمال القواعد شائعاً ومُتبعاً في كثير من المصادر الفقهية الأصلية، وإلى هنا ينتهي الشوط الذي بدأناه بإمام الحرمين الجويني.
وفي نهاية المطاف يمكن أن نتوصل إلى النتائج التالية من خلال ما أسلفنا:
1. إن القواعد الفقهية ثمرة اختمار الفقه ومسائله في الأذهان، فلا يخلو فقيه إلا ويتعرض للقواعد ويستأنس بها.
2. قد بدت كلمات جامعة في كلام الأئمة الأقدمين، لها سمة القواعد في شمولها لأحكام فرعية عديدة، وهي تصلح أن تجري مجرى القواعد أو الضوابط بعد شيء من التعديل والتصقيل في الصياغة.
3. تناثرت القواعد في المصادر الأولية من الحديث والفقه ثم تكثفت في الشروح أكثر من المتون لما فيها من كثرة الفروع.
4. إن الكتب الفقهية هي المراجع الأولية التي استخلص منها المدونون تلك القواعد وجمعوها في كتب مستقلة، وذلك مما يدل أيضاً على رسوخهم في
(1/84)

الفقه واطلاع واسع على مصادره انتهى.
وإذا نظرنا إلى صيغ تلك القواعد وتتبعنا شيئاً عن تطورها التاريخي لرأينا أن عبارة القواعد الفقهية وصيغها في كتب المتقدمين تختلف عنها في كتب المتأخرين.
وذلك دليل واضح على تطور صيغ القواعد الفقهية وأساليبها والعبارات التي ورددت بها، ودليل على أن كثيراً من الصقل والتحوير طرأ على صيغ تلك القواعد وإضافة إلى ما سبق نقول:
أولاً: إن القواعد كانت تسمى عند المتقدمين أصولاً وأوضح مثال على ذلك ما أورده أبو الحسن الكرخي في رسالته المسماة بأصول الإمام الكرخي، حيث صدَّر كل قاعدة منها بلفظ: (الأصل) .
فمثلاً قال: الأصل أن من التزم شيئاً وله شرط لنفوذه فإن الذي هو شرط لنفوذ الآخر يكون في الحكم سابقاً، والثاني لاحقاً، والسابق يلزم للصحة والجواز.
وكذل ما أورده أبو زيد الدبوسي في كتابه تأسيس النظر حيث يصدر كل قاعدة بكلمة (الأصل) فمثلاً يقول: الأصل عند علمائنا الثلاثة أن الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الآحاد مقدم على القياس الصحيح، وعند مالك رضي الله عنه القياس الصحيح مقدم على خبر الآحاد. ح، وعند مالك رضي الله عنه القياس الصحيح مقدم على خبر الآحاد. ح، وعند مالك رضي الله عنه القياس الصحيح مقدم على خبر الآحاد. ح، وعند مالك رضي الله عنه القياس الصحيح مقدم على خبر الآحاد.
(1/85)

ثانياً: إن صيغ القواعد عند المتقدمين: في عبارتها طول وزيادة بيان بخلافها عند المتأخرين حيث امتازت بإيجاز عبارتها وقلة كلماتها مع استيعابها لمسائلها فهي من جوامع الكلم، ومن الأمثلة الدالة على ما دخل صيغ القواعد من تطور وصقل وتحوير (عدا ما هو من كتاب الله العزيز أو من سنة الرسول الكريم أو قول لصحابي أو تابعي أو أحد الأئمة مما جرى مجرى الأمثال) أقول من الأمثلة على ذلك: قول الإمام الكرخي: الأصل أن المرء يعامل في حق نفسه كما أقر به ولا يصدق على إبطال حق الغير أو إلزام الغير حقاً.
حيث عبَّر عنها المتأخرون بهذه العبارة الموجزة الجامعة وهي قولهم (الإقرار حجة قاصرة) ، وكذلك ما أورده أيضاً الإمام الكرخي في تعبيره عن كون العادة أو العرف حجة قال: الأصل أن جواب السؤال يمضي على ما تعارف كل قوم في مكانهم، والأصل أن السؤال والخطاب يمضي على ما عمَّ وغلب لا على ما شذ وندر حيث جمع كل ذلك في عبارة في غاية الإيجاز وهي قولهم (العادة محكمة) .
ومثل هذه قوله أيضاً الأصل أنه إذا مضى بالاجتهاد لا يفسخ باجتهاد مثله ويفسخ بالنص. وعند المتأخرين قالوا (الاجتهاد لا ينقض بمثله) .
(1/86)

المقدمة الثامنة:
وتحتها مسألتان:
المسألة الأولى:
يلاحظ الدارس للقواعد الفقهية أنها من حيث الأسلوب الذي صيغت به تلك القواعد ووردت به أنه إما أن يكون أسلوباً خبرياً، وإما أن يكون أسلوباً إنشائياً. وقد تجد قاعدة واحدة صاغها فقهاء مذهب ما بالأسلوب الخبري، وصاغها فقهاء مذهب آخر بأسلوب إنشائي، فعلام يدل ذلك الاختلاف في صيغ هذه القواعد؟
من خلال الدراسة لعدد من هذه القواعد تبين أن القاعدة الفقهية إذا وردت بصيغة الأسلوب الخبري فيكون ذلك إشارة إلى أن هذه القاعدة متفق على مضمونها بين العلماء، فمثلاً قاعدة: (الأمور بمقاصدها) وقاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) .
وأمثالها متفق على مضمونها بين علماء مختلف المذاهب، وقد يكون الاتفاق على مضمون القاعدة بين علماء مذهب معين، فمثلاً قاعدة: (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني) وردت عند الحنفية بهذا الأسلوب الخيري، فدل ذلك على أن مضمونها متفق عليه بينهم، وقد أوردها الشافعية بهذا النص (هل العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها؟) كما أوردها الحنابلة بهذه الصيغة (إذا وصِل بألفاظ العقود ما يخرجها عن موضوعها فهل يفسد العقد بذلك أو يجعل
(1/87)

كناية عما يمكن صحته على ذلك الوجه؟ فيه خلاف يلتفت إلى أن المغلب هل هو اللفظ أو المعنى؟) ثم من خلال المسائل التي أوردوها تمثيلاً رأينا أن مضمون هذه القاعدة ليس متفقاً عليه بينهم، بخلاف الحنفية والمالكية.
ولهذا نقول: إن القاعدة إذا وردت بالأسلوب الخبري فيكون ذلك دليلاً على أن مضمون هذه القاعدة ومدلولها متفق عليه بين العلماء سواء أكانوا علماء مذهب واحد أم أكثر. وأن القاعدة إذا وردت بالأسلوب الإنشائي فيكون ذلك دليلاً على أن مضمون القاعدة ليس متفقاً عليه بين العلماء سواء أكانوا علماء مذهب واحد أم أكثر.
وهذه المسألة كما ترد في القواعد ترد في الضوابط الفقهية، فمنها ما هو متفق على مدلوله فورد بالأسلوب الخبري، ومنه ما هو مختلف فيه فورد بالأسلوب الإنشائي.
المسألة الثانية:
من المؤلفين المُحدثين من يطلق لفظ (نظرية) إما على القاعدة الفقهية ذاتها كما قرر ذلك الأستاذ أبو زهرة رحمه الله في كتابه (أصول الفقه) حيث قال: (وإنه يجب التفرقة بين علم أصول الفقه وبين القواعد الجامعة للأحكام الجزئية، وهي التي في مضمونها يصح أن يطلق عليها: النظريات العامة للفقه الإسلامي) .
وقال الشيخ أحمد أبو طاهر الخطابي في مقدمة تحقيقه لقواعد الونشريسي متابعاً له في هذا:
(ا) النوع العام وهي تلك القواعد الجامعة لأحكام عدة من أبواب مختلفة
(1/88)

غالبا (يصح في مضمونها أن يطلق عليها بلغة العصر) النظريات العامة للفقه الإسلامي لاستيعابها أحكاماً لا تحصى في أقصر عبارة وأوسع دلالة.
ومنهم من يعتبر النظريات غير القواعد فهي (أي النظريات) أشمل موضوعاً وأوسع دلالة، ويدرج القواعد ضمن تلك النظريات.
قال أستاذنا الجليل الشيخ مصطفى بن أحمد الزرقا مد الله في عمره في الخير ونفع به ويعلمه قال في كتابه القيِّم (المدخل الفقهي العام) : نريد من النظريات الفقهية (تلك الدساتير والمفاهيم الكبرى التي يؤلف كل منها على حدة نظاماً حقوقياً موضوعياً، وذلك كفكرة الملكية وأسبابها، وفكرة العقد ونتائجه) .
إلى أن يقول: إلى غير ذلك من النظريات الكبرى التي يقوم على أساسها صرح الفقه بكامله، ثم يقول: وهذه النظريات هي غير القواعد الكلية التي صدِّرت مجلة الأحكام العدلية الشرعية بتسع وتسعين قاعدة، فإن تلك القواعد إنما هي ضوابط وأصول فقهية تراعى في تخريج الحوادث ضمن حدود تلك النظريات الكبرى فقاعدة (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني) مثلا ليست سوى ضابط في ناحية مخصوصة من ميدان أصل نظرية العقد.
وتابعه في ذلك الدكتور محمد وهبة الزحيلي الأستاذ بكلية الشريعة، جامعة دمشق حيث ألف كتاباً تحت عنوان النظريات الفقهية ضمنه الحديث عن نظرية المؤيدات التأديبية ونظرية المؤيدات المدنية، ونظرية الأهلية والولاية، ونظرية العرف، وختم بالقواعد التي اعتبرها مرحلة ممهدة لجمع القواعد المتشابهة والمبادئ
(1/89)

العامة لإقامة نظرية عامة في جانب من الجوانب الأساسية في الفقه.
ما يراد بيانه هو ما هو موقع (نظرية) بالنسبة للفقه الإسلامي وقواعده وما صلتها به؟ وهل هي صادقة الدلالة على المراد منها بالنسبة للقواعد الفقهية والأحكام والأدلة الشرعية العامة؟ وهي يصح التعبير بها عما يراد لها أن تدل عليه من مفاهيم أو مدلولات فقهية؟
إن كلمة (نظرية) بالمعنى المراد لها عند من يطلقونها هي كلمة مستحدثة منقولة عن مصطلحات القانونين الوضعين الغربيين، ولم تطلق عند العلماء المسلمين على هذا المعنى الحادث، قال القاضي الباقلاني: النظر هو الفكر الذي يطلب به علم أو غلبة ظن. والمراد بالفكر انتقال النفس في المعاني انتقالاً بالقصد.
وقال في القاموس الوسيط: النظرية: قضية ثبتت ببرهان وقالوا: نظرية المعرفة: البحث في المشكلات القائمة على العلاقة بين الشخص والموضوع أو بين العارف والمعروف، وفي وسائل المعرفة فطرية أو مكتسبة. نظريات، وقالوا في اللغة أيضاً: الأمر النظري: هو ما كان وسائل بحثه الفكر والتخيل.
وعلوم نظرية: قل أن تعتمد على التجارب العملية ووسائلها.
والنظري عند العلماء المسلمين هو ما يحتاج إلى بحث ونظر وفكر، ويقابله الضروري وهو ما لا يحتاج إلى ذلك سواء التصور أم التصديق.
(1/90)

وقالوا عن معنى كلمة (نظرية) في علم الهندسة: هي مطلوب يبرهن على صحته (Proposition) أو هي القواعد الرياضية التي تنبني عليها دراسة الموضوع (Theory) وعند الفلاسفة: النظرية هي جملة تصورات مؤلفة تأليفاً عقلياً تهدف إلى ربط النتائج بالمقدمات.
وقالوا أيضاً: ÷ي فرض علمي يميل الحالة الراهنة للعلم ويشير إلى النتيجة التي تنتهي عندها جهود العلماء أجمعين في حقبة معينة.
وقالوا أيضاً: النظرية طائفة من الآراء تفسر بها بعض الوقائع العلمية أو الفنية.
فهل كلمة نظرية بهذه المعاني أو ببعضها تؤدي المعنى الذي تؤديه كلمة: القاعدة أو الأصل؟ وهل لنا أن نطلق على ما ثبت بطريق الشرع وبالأدلة الشرعية كلمة (نظرية) التي وضعها من وضعها للدلالة على ما توصلت إليه عقولهم وأفكارهم من مبادئ وقواعد؟
إن علماءنا السابقين رحمهم الله تعالى عندما قعدوا هذه القواعد وأصلوا هذه الأصول أرادوا بها أن تكوِّن أسساً وأصولاً وقواعد تبنى عليها أحكام ثابتة لمسائل واضحة، ولذلك أعطوها اسماً هو الأصول وآخر هو القواعد دلالة على رسوخها في معانيها ودلالتها كرسوخ أسس البناء وثباتها واعتماد ما يبنى عليها.
وأما النظرية (فكما عرفنا) هي مشتقة من النظر الذي يراد به هنا البحث العقلي ويعبر عنه بالنظري، وهو ما يتوقف حصوله على نظر واكتساب كتصور النفس والعقل، وقد يكون ما يتوصل إليه عن طريقه حقاً وصدقاً وقد يكون باطلاً وكذباً وخطأً.
(1/91)

أقول على سبيل التمثيل: نحن معشر المسلمين ما عرفنا الملكية عن طريق النظر والبحث العقليين، إنما عرفناها عن طريق الشرع الذي علمنا به أن الله سبحانه قد منح عباده حلق الملكية والتملك، وأنزل أسس ذلك في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن أقرب الأدلة عل قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرضِ جميعاً) . البقرة، آية (29) .
فالملكية حق لبني آدم منحة من عند الله سبحانه وتعالى وأدلة ثبوت ذلك من الكتاب والسنة كثيرة جداً.
وكذلك ما يلق عليه (نظرية العرف) ، أليس العرف دليلاً شرعياً تبعياً عند أكثر الأصوليين والفقهاء وثبت اعتباره حجة في كثير من الأحكام بأدلة شرعية كثيرة من الكتاب والسنة؟
فلم لا يقال دليل العرف ولم يقل نظرية العرف؟
والعرف لم يعرف اعتباره حجة إلا عن طريق الشرع.
وكذلك حق العقد والتعاقد لا نظرية العقد، ومثل ذلك (واجب الالتزام) لا نظرية الالتزام.
لا يفهم من ذلك أن النزاع في ذات المصطلح لأن لكل أحد أن يضع مصطلحاً خاصاً به للدلالة على أمر مخصوص عنده، ولكن النزاع في أمرين:
الأول منهما: أن هذه المصطلحات وإن أُريد منها أن تدل على ما أرادوه هي مصطلحات مستوردة ليست نابعة من صلب فقهنا وشرعنا الذي يجب كما أعتقد أن يكون خالصاً من كل شائبة تقليد لغيرنا.
(1/92)

والأمر الثاني: هو دلالة هذه المصطلحات على موضوعاتها، فهل تدل كلمة نظرية على حقيقة المصطلح الفقهي التي وضعت عنواناً له، عدا عن أن تكون أدل على المقصد الفقهي، من الكلمة النابعة من صلب الفقه الإسلامي وأصوله؟ والله أعلم.
(1/93)

-- المقدمة التاسعة:
-- أشهر المؤلفات في القواعد الفقهية عبر القرون:
إن عملية حصر وتعداد المؤلفات في القواعد الفقهية متعذرة أو شبه متعذرة.
أولاً: لكثرتها وتنوعها.
وثانياً: لكثرة ما ضاع منها بعوامل الزمن والكوارث والنكبات.
وثالثاً: لأن أكثر ما هو موجود ونجا من التلف والضياع ما زال مخطوطاً مبعثراً في مكتبات العالم.
ولما كان الاهتمام بهذا العلم قبل هذا القرن ضعيفاً جداً فلم يعتن أحد قبل ذلك بحصر هذه المؤلفات، بل إن من كتب موسوعات المؤلفات والمؤلفين لم يفردوا علم القواعد ببحث مستقل وإنما ذكروا بعض ما ألف في علم القواعد الفقهية ضمن حديثهم عن الفقه والفقهاء والمؤلفات الفقهية باعتبار أن علم القواعد الفقهية أو علم الأشباه والنظائر يعتبر ضمن علم الفقه، فليس علماً منفصلاً قائماً بذاته، ولذلك تواجه الباحث عن المؤلفات في هذا العلم عقبات ومصاعب جمة، ومع ذلك فقد أمكن الحصول على عدد كبير لا يستهان به من أسماء المؤلفات في هذا العلم وأسماء أصحابها.
وسأسير في ترتيب هذه المؤلفات ترتيباً زمنياً لا مذهبياً، لأنه لما كان القصد من موسوعة القواعد جمع القواعد من كل المذاهب على اختلافها كان الترتيب الزمني أجدى للمطالع من الترتيب المذهبي، وإن كان كل مؤلف يذكر يشار إلى مذهب مؤلفه فيفهم منه المذهب الذي ألفت قواعد الكتاب له.
1. أول كتاب عُلم في القواعد الفقهية والأصول المذهبية هو رسالة (الإمام أبي الحسن عبيد الله بن الحسين بن دلال الكرخي) من كرخ جدان من كبار فقهاء
(1/94)

الحنفية توفي سنة (340 هـ) .
2. كتاب تأسيس النظر للإمام أبي زيد عبد الله بن عمر الدبوسي نسبة إلى قرة دبوسية بين بخارى وسمرقند، وهو من أجل فقهاء الحنفية في بلاد ما وراء النهر توفي سنة (430 هـ) .
وكتاب تأسيس النظر مطبوع ومعه رسالة أبي الحسن الكرخي التي أوضحها بالأمثلة الإمام نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد النسفي سنة 537 هـ، صاحب التفسير، وكتاب الدبوسي تأسيس النظر يعتبر أول كتاب في علم الخلاف الفقه المقارن، ولم يقل الدبوسي: إنه قد جمع قواعد، وإنما أطلق لفظ الأصل على ما اعتقد أنه جامع لمسائل شتى، وطريقته أن يذكر الأصل وصاحبه ثم يتلوه بذكر مسائل مختلفة ويذكر بعدها رأي المخالف، ولم يصل إلى علمي مؤلف للحنفية أو غيرهم في القواعد بعد الدبوسي خلال القرنين الخامس والسادس غير ما شرحه النسفي لقواعد الكرخي، ولا يعني ذلك خلو هذين القرنين من المؤلفات في هذا الفن، ولكن يغلب على الظن أن ما ألف فيهما قد ضاع كما ضاع غيره.
وأما في القرن السابع وما بعده فقد ظهرت مؤلفات في القواعد إما تحمل اسم القواعد وإما اسم الأشباه والنظائر، ويظهر أن علماء الشافعية قد نهضوا بهذا العلم في هذا القرن وما بعده فمن المؤلفات التي عرفت وعرف مؤلفوها:
3. كتاب القواعد في فروع الشافعية لمعين الدين محمد بن إبراهيم الجاجرمي الشافعي المتوفى سنة (613 هـ) ، والكتاب غير موجود، ولكن ذكر في الكتب الكشافات.
ويؤخذ من عنوان الكتاب أنه مؤلف في القواعد المذهبية، وهذا شأن كل المؤلفات في القواعد الفقهية على مدى القرون.
(1/95)

4. كتاب تخريج الفروع على الأصول للإمام أبي المناقب شهاب الدين محمد بن أحمد الزنجاني الشافعي المتوفى سنة (656 هـ) ، وهو في كتابه هذا يرسم علاقة الفروع والجزئيات من مسائل الفقه بأصولها وضوابطها من القواعد ضمن إطار لتقييد الاختلاف بين المذهبين الحنفي والشافعي، وهو مطبوع بتحقيق الدكتور محمد أديب الصالح.
5. كتاب قواعد الأحكام في مصالح الأنام للإمام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الشافعي المتوفى (660 هـ) ، وهو المسمى بالقواعد الكبرى، حيث له كتاب آخر يسمى بالقواعد الصغرى، وهو قد بنى كتابه هذا على قاعدة (جلب المصالح ودرء المفاسد) وكلا كتابيه مطبوع.
6. قواعد الشرع وضوابط الأصل والفرع للخلاطي أبي الفضل محمد بن علي بن الحسين الشافعي، المتوفى سنة (675 هـ) ، وهو على الوجيز، ولعله وجيز الغزالي، وإن لم يذكر الخلاطي فيمن علق عليه أو اعتنى به.
7. كتاب (أنوار البروق في أنواء الفروق) المعروف بكتاب الفروق للإمام شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المالكي المتوفى سنة 684 هـ، وهو مطبوع في أربع مجلدات، وهو من أوائل كتب القواعد التي اعتنى بها وطبعت، وقد علق على هذا الكتاب مصححاً ومستدركاً سراج الدين قاسم بن عبد الله الأنصارى المالكي المعروف بابن الشاط المتوفى سنة 723 هـ، حيث تعقب القرافي في كثير من مواضع كتابه السابق وسمى كتابه:
(1/96)

كتاب إدرار الشروق على أنوار الفروق. وهو مطبوع على حاشية الفروق كما أن الشيخ محمد علي حسين المالكي المتوفى سنة 1337 هـ، كتاب آخر على كتاب الفروق سماه:
8. تهذيب الفروق والقواعد السنية سار فيه على نسق القرافي شارحاً وموضحاً. وهو مطبوع أيضاً على حاشية الفروق، كما اختصر هذا الكتاب أيضاً أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري المالكي المتوفى سنة 707 هـ، في كتاب سماه:
9. مختصر قواعد القرافي، ومنه نسخة مخطوطة في خزانة القرويين بفاس وأخرى بدار الكتب الوطنية بتونس.
وللقرافي كتاب آخر يمكن أن يدرج ضمن القواعد وهو كتاب: الأمنية في إدراك النية. وهو مطبوع كذلك.
10. كتاب المُذهَب في ضبط قواعد المذهب لمحمد بن عبد الله بن راشد البكري القفصي المالكي المتوفى سنة 685 هـ، وله ترجمة في الديباج المذهب.
11. كتاب القواعد الكبرى في فروع الحنابلة للإمام نجم الدين سليمان ابن عبد القوي الطوفي الحنبلي المتوفى سنة 710 هـ.
12. كتاب الأشباه والنظائر للإمام صدر الدين محمد بن عمر الشافعي الشهير بابن الوكيل وابن المرَحِّل المتوفى سنة 716 هـ، وهو أول كتاب سمي بالأشباه والنظائر، وهذا الكتاب غير خالص للقواعد الفقهية بل يشمل إلى جانبها كثيراً من القواعد الأصولية، وقد حقق هذا الكتاب في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض الدكتوران: أحمد بن محمد العنقري، وعادل بن عبد الله الشويخ رحمه الله. وقد طبع أخيراً.
(1/97)

13. كتب القواعد النورانية الفقهية لابن تيمية الإمام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم الحرَّاني، شيخ الإسلام المتوفى سنة 728 هـ، وهو كتاب فقهي ذكر فيه كثيراً من القواعد والضوابط.
14. كتاب المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات لابن الحاج أبي عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري المالكي الفاسي المتوفى سنة 737 هـ.
15. كتاب (القواعد) لأبي عبد الله محمد بن أحمد المقري المالكي المتوفى سنة 758 هـ، وهذا الكتاب جمع فيه مؤلفه مائتين وألف قاعدة؛ وهي ليس كلها قواعد بالمعنى الاصطلاحي للقاعدة، بل أكثره ضوابط، وقد حقق قسماً منه الدكتور أحمد بن عبد الله بن حميد للحصول على درجة الدكتوراه من كلية الشريعة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة وقد طبع القسم المحقق منه.
16، 17. كتاب المجموع المذهب في قواعد المذهب، وكتاب الأشباه والنظائر في فروع الفقه الشافعي، كلاهما للإمام صلاح الدين خليل بن كيكليدي الشافعي الشهير بالعلائي والمتوفى سنة 761 هـ، وكلاهما غير مطبوع وإن حقق أولهما.
18. كتاب الأشباه والنظائر للإمام تاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي المعروف بابن السبكي الشافعي المتوفى 771 هـ، وقد سلك في كتابه طريقة ابن الوكيل ولكنه فاقه في استيفائه وتنسيقه ولغته، وهو يعتبر
(1/98)

بحق معلمة فقهية، وهو محقق ومطبوع في مجلدين بتحقيق الشيخين عادل أحمد عبد الموجود وعل محمد معوض.
19. كتاب الأشباه والنظائر لجمال الدين عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعي المتوفى سنة 772 هـ، وما زال مخطوطاً.
20. كتاب الاستغناء في الفروق والاستثناء. لبدر الدين محمد بن أبي بكر بن سليمان البكري الشافعي، لم يذكر أحد تاريخ وفاته غير أنه في معجم المؤلفين قال إنه توفى سنة 1062 هـ، نقلا عن البغدادي في هدية العارفين وإيضاح المكنون، وهذا غير صحيح قطعاً، لأن المذكور من تلاميذ الإمام الأسنوي السابق المتوفى سنة 772 هـ، ومن تلاميذه التقي بن فهد وغيره ممن أخذ عنه السخاوي صاحب الضوء اللامع المتوفى سنة 902 هـ.
وكتاب الاستغناء وقد يقال الاعتناء وهو محقق ومطبوع تحت العنوانين لمحققين مختلفين.
21. كتاب (المسند المذهب في ضبط قواعد المذهب) . للشيخ محمد بن أحمد أبي عبد الله الشهير بعظوم المالكي المتوفى سنة 782 هـ، ولا زال مخطوطاً ومنه نسخة في المكتبة الوطنية بتونس.
22. كتاب مختصر قواعد العلائي والإسنوي تأليف محمد بن سليمان الصرخدي الشافعي المتوفى سنة 792 هـ.
23. كتاب (المنثور في القواعد الفقهية) .
(1/99)

للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي الشافعي المتوفى سنة 794 هـ. وقد طبع هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء ونشر بعناية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت ضمن أعمال موسوعة الفقه الإسلامي سنة 1402 هـ.
24. كتاب تقرير القواعد وتحرير الفوائد: للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي المتوفى سنة 795 هـ، وهذا الكتاب مطبوع تحت عنوان (القواعد في الفقه الإسلامي) بتحقيق الشيخ حامد الفقي، والكتاب مشهور عند طلاب العلم باسم قواعد ابن رجب.
25. كتاب (القواعد في الفروع) : لعلي بن عثمان الغزي الدمشقي الحنفي شرف الدين المتوفى سنة 799 هـ، ذكره البغدادي في هدية العارفين.
26. كتاب الأشباه والنظائر لابن الملقن عمر بن علي الأنصاري الشافعي المتوفى سنة 804 هـ.
27. كتاب (أسنى المقاصد في تحرير القواعد) لمحمد بن الزبيري العيزري الشافعي، المتوفى سنة 808 هـ.
28. كتاب القواعد المنظومة: لابن الهائن شهاب الدين أحمد بن محمد بن عماد الشافعي المتوفى سنة 815 هـ،
(1/100)

وقد شرح هذا الكتاب القباقبي إبراهيم بن محمد المتوفى سنة 901 هـ.
29. كتاب (القواعد) لتقي الدين أبي بكر بن محمد الحصني البكري الشافعي المتوفى سنة 829 هـ، وهو كتاب مختصر لكتاب العلائي السابق الذكر (المجموع المذهب) . وقد حقق هذا الكتاب في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للحصول على درجة الماجستير في الشريعة على يد الدكتورين الفاضلين: عبد الرحمن بن عبد الله الشعلان، وجبريل بن محمد حسن بصيلي.
30. كتاب مختصر قواعد العلائي والإسنوي لابن خطيب الدهشة أبي الثناء محمود بن أحمد الهمذاني الحموي الشافعي المتوفى سنة 834 هـ، وهو مطبوع بتحقيق الشيخ الدكتور مصطفى بن محمود البنجويني العراقي.
31. كتاب (نظم الذخائر في الأشباه والنظائر) لعبد الرحمن بن علي المقدسي الشافعي المعروف بشقير، والمتوفى سنة 876 هـ.
32. كتاب (الكليات الفقهية والقواعد) لابن غازي أبي عبد الله محمد بن أحمد المكناسي المالكي المتوفى سنة 901 هـ، وقد عني بتحقيق هذا الكتاب وإخراجه الدكتور محمد أبو الأجفان أستاذ في كلية الشريعة بالجامعة الزيتونية بتونس.
33. كتاب (القواعد والضوابط) لابن عبد الهادي جمال الدين يوسف بن حسن بن أحمد الشهير بابن المبرد الصالحي الحنبلي المتوفى سنة 909 هـ،
(1/101)

ولعله خاتمة كتاب مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام وهو كتاب في الفقه الحنبلي مطبوع.
34. كتاب الأشباه والنظائر، للإمام العلامة عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي الشافعي المتوفى سنة 911 هـ، وهذا الكتاب يعتبر من أهم كتب القواعد عند الشافعية، ومن أوائل ما طبع من كتب قواعد مذهب الإمام الشافعي وهو مطبوع متداول في أكثر من طبعة.
وقد نظم قواعده أبو بكر بن أبي القاسم الأهدل المتوفى سنة 1053 هـ، باسم الفرائد البهية.
وشرح هذه المنظومة الشيخ عبد الله بن سليمان الجرهزي اليمني المتوفى سنة 1201 هـ، تحت عنوان (المواهب السنية على الفرائد البهية) وقد وضع على هذا الشرح الشيخ محمد ياسين بن عيسى الفاداني المكي المتوفى سنة 1376 هـ، حاشية جليلة نافعة تحت عنوان (الفوائد الجنية حاشية على المواهب السنية) مطبوعة.
35. كتاب المنتخب على قواعد المذهب، منظومة في قواعد مذهب مالك لأبي الحسن علي بن قاسم الزقاق الفاسي التجيي المتوفى سنة 912 هـ. ولهذه المنظومة شروح عدة من أهمها شرح العلامة أحمد بن علي الفاسي أبي العباس الشهير بالمنجور والمتوفى سنة 992 هـ، وقد اختصر هذا الشرح الشيخ أبو القاسم ابن محمد بن التوائي.
36. كتاب إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك للونشريسي أحمد بن
(1/102)

يحيى بن محمد التلمساني المتوفى سنة 914 هـ، وهو اختصار لقواعد المقري، وقد حققه الدكتور أحمد بوطاهر الخطابي المغربي، وهو مطبوع متداول.
37. كتاب شرح قواعد الزركشي، لسراج الدين عمر بن عبد الله العبادي الشافعي المتوفى سنة 941 هـ، أو سنة 947 هـ.
38. كتاب الأشباه والنظائر، لابن نجيم زين الدين بن إبراهيم بن محمد بن بكر الحنفي المتوفى سنة 970 هـ، وهذا الكتاب مع كتاب السيوطي السابق من أشهر كتب القواعد الفقهية في نهاية القرن الرابع عشر وأوائل القرن الخامس عشر حيث إنهما أهم كتابين أعتنى بهما في المذهبين الحنفي والشافعي، وقد لاقى كتاب ابن نجيم من العناية وحسن الإقبال عليه ما لم يلاقه كتاب آخر في بابه، فقد اعتنى به علماء الحنفية منذ ظهر للوجود في نهاية القرن الرابع عشر عناية فاقت الحد حيث بلغ عدد الكتب من حواش وشروح وتعليقات ومختصرات وتهذيبات عشرات الكتب والرسائل وقد ذكر حاجي خليفة في كشف الظنون منها ثلاثة عشر شرحاً وتعليقة وما لم يذكر أكثر مما ذكره، ومن أشهر هذه الشروح وأهمها:
39. كتاب غمز البصائر للسيد أحمد بن محمد الحنفي الحموي المتوفى سنة 1098 هـ، وهو مطبوع في أربع مجلدات.
(1/103)

40. كتاب التحقيق الباهر على الأشباه والنظائر لمحمد هبة الله بن محمد بن يحيى التاجي الحنفي المتوفى سنة 1224 هـ، وتوجد نسخة خطية كاملة ضمن مخطوطات مكتبة جامعة الإمام الإسلامية بالرياض تقع في ستة أجزاء.
41. كتاب (عقد الجواهر في نظم النظائر) لأبي الحسن علي بن عبد الواحد بن محمد الأنصاري السجلماسي الجزائري المالكي المتوفى سنة 1057 هـ، وله كتاب آخر اسمه (اليواقيت الثمينة في نظائر عالم المدينة) وهو نظم لقواعد الإمام مالك أو لعله هو ذيل كشف الظنون.
42. الباهر في اختصار الأشباه والنظائر لأبي زيد بن عبد القادر بن علي بن أبي المحاسن يوسف الفاسي المغربي المالكي المتوفى سنة 1096 هـ، هدية العارفين.
43. كتاب مجامع الحقائق وشرحه منافع الدقائق لأبي سعيد محمد بن مصطفى بن عثمان الحسيني الخادمي الحنفي المتوفى سنة 1176 هـ، وهذا كتاب في الأصول ولكن في خاتمته جمع مؤلفه أربعاً وخمسين ومائة قاعدة رتبها على حروف المعجم، وقد شرح هذا الكتاب مع القواعد مصطفى بن محمد الكوزل حصاري البولداني سنة 1246 هـ، وكذلك شرح الخاتمةة سليمان القرق أغاجي وطبع هذا الشرح سنة 1299 هـ.
44. مجلة الأحكام العدلية العثمانية الصادرة سنة 1286 هـ، إذ صُدرت بتسع
(1/104)

وتسعين قاعدة فقهية مختارة من أهم ما جمع بن نجيم والخادمي بإضافة بعض القواعد الأخرى من المادة 2 إلى المادة 100 ولهذه المجلة شروح من أهمها:
1. دور الحكام لعلي حيدر مطبوع في أربع مجلدات.
2. شرح المجلة لمفتي حمص الشيخ محمد خالد الأتاسي، وأكمله ابنه الشيخ طاهر الأتاسي وهو مطبوع في ست مجلدات طبع سنة 1930 إلى 1931 م، وهناك شروح أخرى منها المطبوع ومنها المخطوط.
وممن شرح قواعد المجلة الشيح أحمد الزرقا الحنفي الحلبي رحمه الله المتوفى سنة 1357 هـ، وقد طبع حديثاً بدار الغرب الإسلامي سنة 1403 هـ، بعناية ولده أستاذنا الجليل الشيخ مصطفى بن أحمد الزرقا.
45. كتاب (الفوائد البهية في القواعد الفقهية) للشيخ محمود بن محمد بن نسيب المعروف بابن حمزة الحسيني الدمشقي الحنفي مفتي دمشق المتوفى سنة 1305 هـ، وهو من أوسع ما جمع باسم القواعد الفقهية وهو يعتبر أول من افرد القواعد الفقهية والضوابط وجردها في كتاب مستقل مقدمة لإفراد القواعد بكتاب مستقل، وإن كان ما في الكتاب من الضوابط والفوائد الفقهية أكثر بكثير مما فيه من القواعد الكلية، وقد أخرجت ما فيه من القواعد فكانت ثلاثاً وأربعين ومائتي قاعدة فقهية.
46. كتاب قواعد الفقه للشيخ المفتي: السيد محمد عميم الإحسان المجددي البركتي البنجلاديشي الحنفي
(1/105)

وهو كتاب يحتوي على خمس رسائل: الرسالة الأولى ذكر فيها أصول الإمام الكرخي، والرسالة الثانية ذكر فيها أصول الإمام الدبوسي. والرسالة الثالثة: ذكر فيها ستاً وعشرين وأربعمائة قاعدة من قواعد المذهب الحنفي، وقد طبع الكتاب في باكستان سنة 1407 هـ.
47. ومما كتب حديثاً في القواعد ما كتبه شيخنا الجليل الأستاذ مصطفى بن أحمد الزرقا الحلبي في كتابه العظيم (المدخل الفقهي العام) إذ أفرد القواعد الكلية بقسم خاص في نهاية الجزء الثاني منه، تكلم فيه عن القواعد الفقهية في الفقه الإسلامي ونشأتها وتطورها وتدوينها وأشهر ما ألف فيها كما شرح قواعد المجلة شرحاً موجزاً وأردفها بذكر إحدى وثلاثين قاعدة أخرى مرتبة على حروف المعجم فكان ما ذكره ثلاثين ومائة قاعدة.
48. ومن كتب القواعد رسالة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي الحنبلي المتوفى سنة 1376 هـ، وهي عبارة عن شرح لنظم في القواعد الفقهية، وكلاهما للمؤلف نفسه والكتاب يشتمل على ستين قاعدة فقهية وأصولية.
49. ومن الكتب المؤلفة حديثاً كتاب (إيضاح القواعد الفقهية) . للشيخ عبد الله بن سعيد محمد عبادي اللحجي الحضرمي، وقد ألفه لطلاب المدرسة الصولتية بمكة المكرمة، التي ربما تكون هي المدرسة الوحيدة التي كانت تدرس القواعد الفقهية كعلم مستقل، وهذا الكتاب شرح فيه مؤلفه قواعد الإمام السيوطي التي نظمها أبو بكر بن أبي القاسم الأهدل وشرحها الشيخ عبد الله بن سليمان الجرهزي، وهو شرح لطيف لخمسين قاعدة فقهية، وهو مطبوع سنة 1388 هـ.
(1/106)

50. كتاب مقاصد المكلفين للدكتور عمر بن سليمان الأشقر الذي نال به درجة الدكتوراه من كلية الشريعة بجامعة الأزهر طبع سنة 1401 هـ.
51. ومنها كتاب الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية. للعبد الفقير محمد صدقي بن أحمد بن محمد البورنو الغزي أبو الحارث، وهو كتاب جمع فيه مؤلفه ثمانين ومائة قاعدة فقهية منها القواعد الست الكبرى وما تفرع عليها من قواعد، وقد شرحت كل قاعدة منها شرحاً مختصراً يتضمن معنى القاعدة من حيث اللغة والاصطلاح الفقهي، ودليل القاعدة إن وجد لها دليل صريح من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو المعقول، ثم التمثيل للقاعدة وبيان الخلاف بين المذاهب في بعض المسائل الخلافية، وكان هذا الكتاب مقدمة لجمع القواعد جمعاً شاملاً غير مذهبي، حيث يذكر القاعدة بألفاظ ورودها حيثما وردت وهو لهذا الكتاب الذي بين أيدينا. وكان هذا الكتاب مقدمة لظهور موسوعة القواعد الفقهية، وقد طبع الكتاب أول مرة سنة 1414 هـ، والطبعة الثالثة ظهرت سنة 1415 هـ، والطبعة الرابعة سنة 1416 هـ، وهذه الطبعة الخامسة وقد تلقاه طلاب العلم بالقبول والحمد لله.
52. كتاب القواعد الفقهية نشأتها، وتطورها، دراسة مؤلفاتها. للدكتور الشيخ علي بن أحمد الندوي الهندي الذي أعده وقدمه لنيل درجة الماجستير من جامعة أم القرى بمكة المكرمة، وطبع في دمشق بدار القلم سنة 1406 هـ، وهو يعتبر بحق من أفضل وأوفى الكتب في موضوعه، وقد سد من المكتبة الفقهية جانباً عظيماً لما اشتمل عليه من مباحث جليلة، فجزى الله مؤلفه خيراً ونفع به وبعلمه.
(1/107)

53. كتاب القواعد الفقهية وتايخها وأثرها في الفقه. تأليف الدكتور محمد حمود الوائلي وهو كتاب صغير جعله مؤلفه في بابين وعشرة فصول تحدث في الباب الأول عن تعريف القواعد الفقهية والفرق بينها وبين قواعد الأصول والنظريات ونشأة القواعد ووضعها وأهميتها وأثرها، وجعل الباب الثاني في المؤلفات الفقهية في المذاهب الأربعة حيث ذكر بعض ما أُلف في كل مذهب ومثل لكل كتاب منها، وقد طبع سنة 1407 هـ.
54. كتاب النظريات الفقهية. للدكتور محمد بن وهبة الزحيلي أستاذ في كلية الشريعة بجامعة دمشق.
وهذا الكتاب مشتمل على أربعة أبواب، الأبواب الثلاثة الأولى في بيان وشرح ثلاث نظريات هي: نظرية المؤيدات الشرعية (الزواجر) والمدنية، ونظرية الأهلية والولاية، ونظرية العرف، والباب الرابع في القواعد الكلية في الفقه الإسلامي. وقد طبع سنة 1414 هـ.
55. كتاب قاعدة (إعمال الكلام أولى من إهماله) . للشيخ محمود بن مصطفى عبود اللبناني حيث قدمه للحصول على درجة الماجستير من كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وهو بحث عظيم كشف عن عظمة هذه القاعدة واستيعابها وشمولها وقد نال به صاحبه درجة الماجستير بامتياز سنة 1404 هـ.
56. كتاب بعنوان (قاعدة المشقة تجلب التيسير) .
(1/108)

للدكتور الشيخ صالح بن سليمان بن محمد اليوسف الحنبلي حيث نال به درجة الماجستير من كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وطبع الكتاب سنة 1408 هـ.
57. كتاب القواعد الفقهية للفقه الإسلامي. تأليف أحمد محمد الحصري المصري وهو مطبوع سنة 1413 هـ، بالقاهرة بمكتبة الكليات الأزهرية وقد أدرج فيه المؤلف رسالة الإمام الكرخي، وأصول الإمام الدبوسي، تأسيس النظر، وقواعد ابن نجيم، وبعض القواعد من المذاهب الأخرى، مع ترجمة لبعض من كتبوا في القواعد.
وختم الكتاب بشرح للقواعد الكلية الكبرى وبعض ما تفرع عنها.
هذا ما تيسر جمعه من المؤلفات في القواعد الفقهية وقد تركت ذكر ما يطلق عليه كتب الفروق، عدا كتاب القرافي (لأنها ليست كتباً خاصة بالقواعد وإنما يأتي ذكر بعض القواعد عرضاً، كما تركت ذكر بعض المؤلفات التي يشك فيها من حيث كونها كتباً في قواعد الفقه كما لم أذكر عدداً من الكتب أو التعليقات أو المختصرات أو المنظومات لبعض كتب القواعد اكتفاء بالأصل والأهم، وإلا فكتب القواعد والأشباه والنظائر يتعذر حصرها وذكرها جميعاً، وقد اعتمدت فيما ذكرته من كتب القواعد على ما اطلعت عليه أو عثرت عليه وحصلته وعلى ما ذكره الأخوة الذين كتبوا في القواعد أو حققوا شيئاً منها وقدموا لما حققوه، وأخص منهم الأخ الشيخ الدكتور على
(1/109)

بن أحمد الندوي ولما ذكره في كتابه القيم سالف الذكر، والأخ الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله الشعلان، والأخ الشيخ الدكتور أحمد بن محمد العنقري، وما ذكراه في مقدمة تحقيقهما لكتابي ابن الوكيل والحصني، نفع الله بهم وبعلومهم وبارك فيهم، والحمد لله رب العالمين.
(1/110)

-- استعراض بعض مؤلفات القواعد وترتيبها منهجياً:
نستطيع بعد الاطلاع على أشهر ما أُلف في القواعد الفقهية خلال عصورها المختلفة ثم من خلال ما كتب عنها على ضوء ما اخترناه ورجحناه من معنى محدد لكلمة قاعدة ومعنى لعلم القواعد الفقهية أستطيع أن أرتب هذه المؤلفات وأقسمها إلى ثلاث مجموعات كبرى تبعاً للاتجاه الغالب عند مؤلفيها.
المجموعة الأولى:
وهي تلك المؤلفات التي وعي فيها مؤلفوها الفروق بين القواعد والضوابط، أو الفوائد كما يسميها بعضهم، فأفردوا القواعد الكلية بالذكر والتوضيح والتفريع، كما ذكروا الضوابط ومثلوا لها، ووعوا أيضاً الفروق بين قواعد الفقه وبين قواعد الأصول وقواعد اللغة.
ومن أهم مؤلفات هذه المجموعات المؤلفات التي تحمل اسم (الأشباه والنظائر) فهذه الكتب تشتمل على كثير من القواعد الفقهية بالمعنى المحدد لكلمة قاعدة، وإن لم يفردوا علم القواعد باعتباره علماً قائماً بذاته متميزاً عن علم الفقه بمعناه العام، ومن أشهر هذه الكتب وأكثرها تداولاً وعناية، كتابان، الأول: كتاب الأشباه والنظائر للسيوطي الشافعي والثاني: كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي، وهذان الكتابان مطبوعان منذ زمن ليس بالقصير ولعل هذا سبب شهرتهما دون غيرهما، وقد لاقى كتاب ابن نجيم الحنفي من العناية والاهتمام ما لم يلاقه كتاب آخر في القواعد الفقهية إذ زادت شروحه وتعليقات العلماء عليه على ثلاثين شرحاً وتعليقاً ومن أهم هذه الشروح شرح السيد أحمد محمد الحنفي الحموي المسمى ب (غمز عيون البصائر) ومن أوسعها الشرح المسمى (التحقيق الباهر)
(1/111)

لمحمد هبة الله بن يحيى التاجي المتوفى سنة 1224 هـ.
وهذان الكتابان جرى مؤلفاهما في تأليفهما على غرار كتاب يحمل نفس الاسم (الأشباه والنظائر) لتاج الدين السبكي المتوفى سنة 771 هـ، ولعل السبكي اقتص أثر الشيخ صدر الدين محمد بن عمر الملقب بابن الوكيل والمتوفى سنة 716 هـ، حيث إن له كتاباً يحمل نفس الاسم، وكتاب السبكي وابن الوكيل قد طبعاً أخيراً.
وأما كتاب الإمام جلال الدين السيوطي فهو يشتمل على سبعة كتب (أي أبواب) الكتاب الأول منها ذكر فيه القواعد الخمس الكبرى وشرحها بالأمثلة، وبيَّن ما يندرج تحت كل قاعدة من أبواب الفقه المختلفة وما يتفرع على كل منها من قواعد فرعية.
والكتاب الثاني: ذكر فيه قواعد كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية، وهي أربعون قاعدة، وهذه القواعد الأربعون أقل في عمومها وشموليتها من تلك الخمس الكبرى.
والكتاب الثالث: ذكر فيه عشرين قاعدة مختلفاً عليها.
وأما الكتب الأربعة الأخرى فقد خصصها: لأحكام يكثر دورها ويقبح بالفقه جهلها، وفي نظائر الأبواب، وما افترقت فيه الأبواب المتشابهة، ثم في نظائر شتى، نثر بين موضوعاتها قواعد مختلفة وضوابط شتى، وكان مجموع ما في الكتاب من القواعد ثلاثين ومائة قاعدة كلية وفرعية.
وأما كتاب ابن نجيم فهو يسير على غرار أشباه السيوطي إذ أنه يشتمل على سبعة فنون (أبواب) الفن الأول: في القواعد ذكر فيه نوعين من القواعد:
النوع الأول: القواعد الكبرى حيث عدَّها ستاً بزيادة قاعدة على ما ذكره
(1/112)

السيوطي وهي قاعدة (لا ثواب إلا مع النية) وبيَّن مع كل قاعدة ما يندرج تحتها من قواعد فرعية وما يدخل كل قاعدة من الأبواب الفقهية مع التمثيل.
والنوع الثاني: في قواعد كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية، فكان مجموع ما تحت النوعين خمسين قاعدة كبرى كلية وفرعية.
الفن الثاني: في الفوائد من الطهارات إلى الفرائض نثر بينها عدداً يسيراً من القواعد الكلية وكثيراً من الضوابط الفقهية المذهبية.
الفن الثالث: في الجمع والفرق من الأشباه والنظائر حيث جمع فيه أحكاماً مختلفة.
الفن الرابع: في الألغاز والمراد بها تلك الأسئلة الفقهية التي يراد بها الأعجاز والتعمية على المسئول مع ذكر أجوبتها.
الفن الخامس: في الحيل، والفن السادس في الفروق، والسابع في الحكايات والمراسلات.
ويدخل ضمن هذه المجموعة ما جمعه أبو سعيد الخادمي، وديَّل به كتابه الأصولي مجامع الحقائق حيث جمع فيه نيفاً وخمسين ومائة قاعدة رتبها على حروف المعجم، ومنها أيضاً كتاب (الفرائد البهية في القواعد الفقهية) للشيخ محمود بن محمد حمزة الحسيني، غير أن أكثر ما يشتمل عليه فوائد فقهية تضمنت ضوابط فقهية مذهبية.
ثم مجلة الأحكام العدلية الصادرة عن الحكومة العثمانية حيث صُدِّرَت هذه المجلة بتسع وتسعين قاعدة فقهية.
ومنها كذلك كتاب أستاذنا الجليل الشيخ مصطفى أحمد الزرقا، المدخل الفقهي العام حيث ختمة كما قدمت بشرح موجز لقواعد مجلة الأحكام مضيفاً إليها عدداً من القواعد الأخرى بلغت كلها ثلاثين ومائة قاعدة.
(1/113)

ومن هذه المجموعة أيضاً كتاب المنثور في القواعد الفقهية للزركشي الذي طبعته وزارة الأوقاف الإسلامية بالكويت في ثلاثة أجزاء.
وكتاب مختصر قواعد العلائي والأسنوي لابن خطيب الدهشة.
وكتاب القواعد للشيخ تقي الدين أبي بكر الحصني الشافعي الذي حقق منذ وقت قصير.
المجموعة الثانية:
كتب تحمل اسم القواعد ولكنها في الواقع ومع تضمنها لكثير من القواعد لم يفرق مؤلفوها بين القواعد والضوابط والفوائد، أو أن الكتاب مع اشتماله على كثير من القواعد الفقهية جاء مشتملاً على قواعد أصولية أو لغوية أو مشتملاً على أحكام وتقسيمات فقهية عامة منها:
1. كتاب القواعد في الفقه الإسلامي لابن رجب الحنبلي إذ بنى مباحثه على ستين ومائة قاعدة، وهو يضع تحت القاعدة موضوعاً فقهياً ثم يتناوله بإيضاح وإسهاب، وهو كتاب مذهبي حصر فيه مؤلفه مذهب الحنابلة ضمن ضوابط فقهية سماها قواعد، فمن درسه كان ملماً بأمهات المسائل الفقهية في المذهب الحنبلي، وقد ذكر ذلك ابن رجب نفسه إذ قال في مقدمة كتابه (فهذه قواعد مهمة جمة تضبط للفقيه أصول المذهب وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه تغيب إلى آخر ما قاله.
ففي القاعدة الستين يقول: (التفاسخ في العقود الجائزة متى تضمن ضرراً على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممن له تعلق بالعقد، لم يجز ولم ينفذ، إلا أن
(1/114)

يمكن استدراك الضرر بضمان أو نحوه، فيجوز على ذلك الوجه) ، ثم هو يذكر بعد ذلك جملة من الفروع الفقهية والأمثلة مما رآه يندرج تحت هذه القاعدة في الفقه الحنبلي، فهذه القاعدة إنما هي ضابط لبعض أحكام التفاسخ في العقود.
ومنها القاعدة الحادية بعد المائة (من خُيِّر بين شيئين وأمكنه الإتيان بنصفيهما معاً فهل يجزئه أولاً؟) .
فيه خلاف يتنزل عليه مسائل.
فهذه أيضاً ليست قاعدة اصطلاحية إنما هي مسألة جزئية خلافية في المذهب، والكتاب مع ذلك عظيم القيمة يحمل من الثروة الفقهية ما يجل عن الوصف، وقد قال فيه صاحب كشف الظنون: وهو كتاب نافع من عجائب الدهر حتى إنه استكثر على ابن رجب.
2. ومنها كتاب (إيضاح المسالك إلى قواعد مذهب مالك) ، لأحمد بن يحيى بن محمد بن عبد الواحد الونشريسي المالكي المتوفى سنة 914 هـ، وهو كتاب يشتمل على ثمان عشرة ومائة قاعدة أكثرها في الحقيقة ضوابط مذهبية.
منها قوله في القاعدة الثامنة: (الواجب الاجتهاد أو الإصابة) .
ومنها القاعدة العاشرة (كل مجتهد في الفروع الظنية مصيب أو المصيب واحد لا بعينه؟) .
(1/115)

وهاتان ليستا قاعدتين فقهيتين، بل هما مسألتان كلاميتان يوردهما الأصوليون عند حديثهم عن الاجتهاد ومسائلة.
3. ومن هذه المجموعة أيضاً كتاب (الفروق) للإمام القرافي المالكي فقد جمع فيه ثمانية وأربعين وخمسمائة فرق أو قاعدة، ووضح الفرق بين كل اثنتين منها وربما يناسبهما من فروع ومسائل وأمثلة، وقد تضمن كتابه هذا مباحث لم يسبق إليها ولكنه مع ذلك لم يجمع قواعد فقهية بالمعنى الاصطلاحي وإنما أراد من القواعد معنى الأحكام الأساسية والضوابط اللغوية أو الأصولية أو الكلامية، فهو يعرض هذه الأحكام والضوابط في كل موضوعين متشابهين ثم يجلو ما بينهما من فروق، ومع ذلك فقد انتشرت في فصوله قواعد فقهية كثيرة بالمعنى الاصطلاحي في مناسبات تعليل الأحكام ونصب الضوابط وبعض المقارنات المذهبية.
ومن أمثلة كتاب الفروق: الفرق الثامن: (الفرق بين قاعدة أجزاء العلة والشرط) .
الفرق الثالث عشر في الفرق بين (قاعدتي فرض الكفاية وفرض العين وضابط كل منهما وتحقيقه بحيث لا يلتبس بغيره) .
ومن هذه المجموعة كتب في القواعد أو الأصول (كما كانت تسمى) تعتبر مع اشتمالها على كثير من القواعد الاصطلاحية من كتب الخلاف أي من كتب الفقه المقارن، وإنما ألحقت بكتب القواعد لأنها بنيت على الأصول المختلفة لفقهاء المذاهب المختلفة التي بموجبها اختلفت أحكام الفروع والمسائل.
ومن أول هذه الكتب وأهمها كتاب تأسيس النظر للإمام أبي زيد الدبوسي
(1/116)

الحنفي، وقد سبق ذكر بعض أمثلته، وهو كتاب يشتمل على الأصول التي سار عليها علماء الحنفية الأوائل والخلاف بينهم فيها ثم بينهم وبين مالك أو الشافعي أو ابن أبي ليلى، فهو يقول في مقدمة كتابه (إني لما نظرت في المسائل التي اختلف فيها الفقهاء فوجدتها منقسمة على أقسام ثمانية:
1. قسم منها خلاف بين أبي حنيفة رحمه الله وبين صاحبيه محمد بن الحسن وأبي يوسف بن إبراهيم الأنصاري.
2. وقسم منها خلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف وبين محمد بن الحسن رحمهم الله.
3. وقسم منها خلاف بين أبي حنيفة ومحمد وبين أبي يوسف رحمة الله تعالى عليهم أجمعين.
4. وقسم منها خلاف بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى.
5. وقسم منها خلاف بين علمائنا الثلاثة، أبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد وبين زفر رحمة الله عليهم أجمعين.
6. وقسم منها خلاف بين علمائنا وبين الإمام الأقدم مالك بن أنس رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
7. وقسم منها خلاف بين علمائنا الثلاثة محمد بن الحسن والحسن بن زياد وزفر وابن أبي ليلى.
8. وقسم منها خلاف بين علمائنا الثلاثة وبين أبي عبد الله الإمام القرشي محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله.
ثم هو يذكر أسلوبه وطريقته في بيان الخلاف فيقول: ثم جعلت لكل قسم
(1/117)

من هذه الأقسام الثمانية باباً، وذكرت لكل باب منه أصولاً (أي قواعد) وأوردتم فيه لكل اصل ضرباً من الأمثلة والنظائر إلى آخر ما قاله.
ومن هذه الكتب أيضاً كتاب تخريج الفروع على الأصول لمحمود بن أحمد الزنجاني الشافعي المتوفى سنة 656 هـ، وهو في كتابه هذا يرسم علاقة الفروع والجزئيات من مسائل الفقه بأصولها وضوابطها من القواعد ضمن إطار لتقييد الاختلاف بين المذهبين الشافعي والحنفي، وبيان الأصل الذي تُرد إليه كل مسألة خلافية فيهما.
وقد التزم السير وراء أبواب الفقه ملتزماً تخريج فروعها على الأصول التي تنتمي إليها، فقد قال هو عن كتابه هذا: فبدأت بالمسألة الأصولية ثم رددت الفروع الناشئة منها إليها، فتحرر الكتاب مع صغر حجمه حاوياً لقواعد الأصول جامعاً لقوانين الفروع.
وطريقته في كتابه أن يأتي بالقاعدة الأصولية أو الضابط الفقهي ثم يذكر الخلاف فيه وبعد ذلك يفرع المسائل على كلا المذهبين بعد ذكر استدلال كل مذهب على أصله، ومن أمثلته: من مسائل الإقرار، الأصل عند الشافعي رضي الله عنه: أن الفعل إذا وجد مطابقاً لظاهر الشرع حكم بصحته، ولا تعتبر التهمة في الأحكام، لأن الأحكام تتبع الأسباب الجلية دُون المعاني الخفية.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: (كل فعل تمكنت التهمة فيه حكم بفساده لتعارض دليل الصحة والفساد، ويتفرع على هذا الأصل مسائل) . إلخ.
(1/118)

المجموعة الثالثة:
كتب نسبت لعلم القواعد الفقهية إما لأنها تحمل اسم القواعد أو القوانين الفقهية أو لأنها تشتمل على قواعد ولكنها عند التحقيق ليست قواعد فقهية.
من أمثلة كتب هذه المجموعة:
1. كتاب (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) للإمام العز بن عبد السلام الشافعي سلطان العلماء، وهو كتاب مبني على فصول فقهية أخلاقية تحتها أحكام مفصلة تفصيلاً فيه كثير من بيان حكمة التشريع، وهو قد بني كتابه هذا على قاعدة جلب المصالح، ودرء المفاسد، بل أرجع الكل إلى اعتبار المصالح لأن درء المفاسد من اعتبار المصالح، وهو لم ينهج نهج غيره من الفقهاء في اعتبار القواعد التي ذكروها ولم يُرجع كل فرع فقهي إلى قاعدته أو ضابطه ليسهل على الناظر فهمه، لأنه في حقيقة الأمر لم يرد من كتابه أن يكون كتاباً فقهياً بالمعنى الأخص لكلمة (الفقه) بل أراد من كتابه كما قال في فصل بيان مقاصد الكتاب: الغرض بوضع هذا الكتاب بيان مصالح الطاعات والمعاملات وسائر التصرفات، ليسعى العباد في تحصيلها، وبيان مقاصد المخالفات ليسعى العباد في درئها، وبيان مصالح العبادات ليكون العباد على خبر منها، وبيان ما يقدم من بعض المصالح على بعض، وما يؤخر من بعض المفاسد على بعض، وما يدخل تحت اكتساب العبيد دون ما لا قدرة لهم عليه ولا سبيل لهم إليه. فالكتاب حقه أن يدرج ضمن الكتب التي تبحث في أسرار التشريع لا في كتب القواعد الفقهية.
2. ومنها كتاب (التمهيد في تخريج الفروع على الأصول) لجمال الدين عبد
(1/119)

الرحيم بن الحسن الإسنوي المتوفى سنة 772 هـ، وهو كتاب في مسائل الخلاف الأصولي ضمن مذهب الشافعي فقط، وقد بنى الكتاب على ترتيب كتب الأصول إذ يجعل الموضوع الأصولي عنواناً ثم يذكر تحته مسائل وما يتفرع على كل مسألة منها. فمثلاً يقول: (باب أركان الحكم وهو الحاكم والمحكوم عليه وبه) ثم يذكر مسألة (الأفعال الصادرة من الشخص قبل بعثة الرسل) وهي مسألة الإباحة والحظر، ويذكر الخلاف المذهبي فيها، ثم يفرع على ذلك فروعاً مع بيان الخلاف بين علماء مذهب الشافعي في كل منها. وهو كتاب في قواعد الأصول الخلافية لا في قواعد الفقه.
3. ومنها كتاب (القوانين الفقهية) لمحمد بن أحمد بن جزي المالكي المتوفى سنة 741 هـ، وفيه تلخيص لمذهب المالكية مع التنبيه على مذهب الشافعية والحنفية والحنابلة، وقد ذكر في مقدمة كتابه طريقته في إيراد المسائل إذ يبدأ أولاً بمذهب مالك ثم يتبعه بمذهب غيره، وقد صدَّر كتابه بعشرة أبواب في التوحيد، وقد رتب كتابه على الأبواب الفقهية إذ بدأ بكتاب الطهارة من العبادات وهي عشرة كتب، وتلا ذلك بعشرة كتب أخرى بدأها بكتاب النكاح، وختم الكتاب بكتاب جامع في السيرة وتاريخ الخلفاء والأخلاق، وعادته أن يذكر المسألة والأقوال فيها بدون ذكر الأدلة، وهو كتاب ليس فيه من القواعد الفقهية شيء، وعده من كتب القواعد تجوز ومن وضع الشيء في غير موضعه. والله أعلم.
(نهاية المجلد الأول) .
(1/120)

بسم الله الرحمن الرحيم.
اسم الكتاب:
الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية.
تأليف الشيخ الدكتور:
محمد صدقي بن أحمد بن محمد البورنو أبي الحارث الغزي.
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.
مؤسسة الرسالة.
(المجلد الثاني) .

القسم الثاني:
المقاصد:
القواعد الفقهية وشرحها:
النوع الأول:
القواعد الكلية الكبرى:
(1/121)

القاعدة الأولى:
قاعدة الأمور بمقاصدها:
أدلة القاعدة وأصلها:
1. قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) وهو حديث صحيح مشهور أخرجه الستة من حديث سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو أصل القاعدة.
2. ما رواه البيهقي من حديث أنس رضي الله عنه: (لا عمل لمن لا نية له) .
3. ما رواه القضاعي في مسند الشهاب من حديث أنس أيضاً (نية المؤمن أبلغ من عمله) . ضعيف.
وفيه عن النواس بن سمعان الكلابي رضي الله عنه: (نية المؤمن خير من عمله ونية الفاجر شر من عمله. كما روه الطبراني في (الكبير) وأبو نعيم في (الحلية) ، والخطيب في التاريخ، وفي إسناده من هو غير معروف.
4. ما أخرج في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت فيها حتى ما تجعل فيّ في امرأتك) .
5. ما ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما (ولكن جهاد ونيَّة) .
6. ما أخرجه أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود رضي الله (رب قتيل
(1/122)

بين الصفين الله أعلم بنيته) .
7. ما أخرجه ابن ماجة من حديث أبي هريرة، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (يبعث الناس على نياتهم) .
كل هذه الأحاديث وكثير غيرها تدل دلالة واضحة على أن ميزان الأعمال إنما هو النية والقصد من وراء ذلك العمل.
معنى القاعدة:
1. في اللغة: الأمور: جمع أمر ومعناه الحال والشأن والحادثة والفعل، ودليل ذلك قوله تعالى: (وما أمرُ فرعون برشيد) . هود، آية (97) .
أي حاله: وقوله تعالى: (ليس لك من الأمر شيء) . آل عمران، آية (128) . أي الشأن والحال.
ويقال: أمور فلان مستقيمة أي أحواله، والأمر يجيء أيضاً بمعنى طلب الفعل، وهذا المعنى ليس مقصوداً هنا، بل المقصود هنا بلفظ الأمر نفس الفعل وهو عمل الجوارح، ومنها اللسان وفعله القول ومنها القلب وفعله الاعتقاد.
والمقاصد: جمع مقصد من القصد ومعناه: الاعتزام، والتوجه، والأم والقصد يأتي بمعنى: النية وهو المعنى المراد هنا.
فمعنى القاعدة في اللغة: إن الأفعال والتصرفات تابعة للنيات.
ومعنى القاعدة في الاصطلاح الفقهي:
(1/123)

(إن أعمال المكلف وتصرفاته من قولية أو فعلية تختلف نتائجها وأحكامها الشرعية التي تترتب عليها باختلاف مقصود الشخص وغايته وهدفه من وراء تلك الأعمال والتصرفات، أو أن الحكم الذي يترتب على أمر يكون موافقاً ومطابقاً لما هو المقصود من ذلك الأمر) .
أمثلة القاعدة:
1. من قتل غيره بلا مسوغ شرعي إذا كان عامداً فلفعله حكم وإذا كان مخطئاً فلفعله حكم آخر.
2. ومن قال لغيره: (خذ هذه الدراهم، فإن نوى التبرع كان هبة، وإلا كان قرضاً واجب الإعادة، أو أمانة وجب عليه حفظها، وإلا كان ضامناً، فصورة الإعطاء واحدة ولكن المقاصد من وراء ذلك مختلفة فتترتب الأحكام تبعاً لتك المقاصد والأهداف.
3. ومن التقط لقطة بقصد أخذها لنفسه كان غاصباً عليه ضمانها إذا تلفت في يده، ولو التقطها بنية حفظها وتعريفها وردها لصاحبها متى ظهر كان أميناً، فلا يضمنها إذا هلكت بلا تعد منه عليه أو تقصير في حفظها.
وهذه القاعدة على وجازة لفظها وقلة كلماتها ذات معنى عام متسع يشمل كل ما يصدر عن الإنسان بقول أو فعل، إذ لفظ: (الأمور) عام بدليل دخول أل الجنسية عليه فهو من ألفاظ العموم، ولفظ (مقاصدها) كذلك عام لإضافته إلى ضمير لفظ عام.
(1/124)

وكان ذلك كذلك لأن كل تصرف من تصرفات المكلف يحكمه ويوجهه دافع منبعث من القلب، سواء في ذلك تصرفاته الدنيوية أم الأخروية.
مباحث النيَّة:
لما كان القصد يأتي بمعنى النية، وهو المعنى المراد في قاعدتنا هذه، فما معنى النية وما حقيقتها؟
1. معنى النية في اللغة:
النية في اللغة: مصدر الفعل نوى ينوي كضرب يضرب، وأصلها نِوية على وزن فِعلة، اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصارت (نيَّة) ومعناها: العزم على الشيء يقال: نويت نيَّة أي عزمت، والنية الوجه الذي تنويه أي تقصده.
2. النية في الاصطلاح:
لها معنيان معنى عام ومعنى خاص:
(ا) النية بمعناها العام هي: (انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض من جلب نفع أو دفع ضُرٍ حالاً أو مآلاً) . وهذا المعنى العام شامل للأعمال الدينية والدنيوية.
(ب) النية بمعناها الخاص: هي (قصد الطاعة والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بإيجاد الفعل أو الامتناع عنه) .
فالنية بمعناها الخاص (وهو قصد الطاعة والتقرب إلى الله سبحانه
(1/125)

وتعالى) تدخل في جل أبواب الفقه إن لم يكن كلها، وقال الشافعي رحمه الله (إن حديث النية يدخل في سبعين بابا) وقال غيره (يدخل في ثلاثين بابا) وابن نجيم جعل للنية في الأعمال الأخروية قاعد من قواعده الكبرى وهي قاعدة (لا ثواب إلا بالنية) ولكنها تختص بالجانب الأخروي العبادي منها، ولذلك أدرجناها ضمنها لأن الأمور أعم من كونها دنيوية أو أخروية، ومقاصد الأعمال أعم كذلك من كونها يرجى ثوابها أو لا يرجى.
ما حكم النية؟
النية عبادة مشروعة، وقد اختلف في كونها ركناً أو شرطاً أو هي ركن في بعض العبادات شرطاً في غيرها.
ما المقصود من النية؟
يقصد من النية أمران:
الأمر الأول: تمييز العبادات عن العادات، حيث إن أكثر العبادات لها مثيل في العادات، فمثلاً: الإمساك عن المفطرات قد يكون حمية أو تداوياً أو لعدم الحاجة، وهذه أمور عادية دنيوية، وقد يكون الإمساك لصوم شرعي ابتغاء الثواب، فلا بد من النية لتمييز هذا عن ذاك وليستحق الممسك الأجر والثواب، والجلوس في المجسد قد يكون للاستراحة، فهو عادة، أو للاعتكاف فهو عبادة، ودفع المال قد يكون هبة أو لغرض دنيوي، وقد يكون قربة كزكاة أو صدقة أو كفارة.
والذبح قد يكون للأكل فيكون مباحاً أو مندوباً أو للأضحية فيكون
(1/126)

عبادة أو يكون لقبر أو صنم فيكون حراماً أو شركاً، ولا يفرق بين هذه الأفعال إلا بالنية المميزة.
الأمر الثاني: تمييز العبادات بعضها عن بعض حيث إن العبادات من صلاة وصيام وغسل وحج قد تكون فرضاً ونذراً ونفلا وكله تقرب إلى الله تعالى، لكن لما اختلفت ربتها شرعت النية لتمييزها.
هل من العبادات ما لا يشترط فيه النية؟
لما كانت النية مشروعة لتمييز العبادات من العادات فإن العبادة التي لا تكون عادة ولا تلتبس بغيرها لأنها عبادة خالصة لا تشترط فيها النية، وذلك كالإيمان بالله تعالى ومعرفته والخوف منه والرجاء فيه، والنية. وقراءة القرآن والأذكار، لأنها متميزة بصورتها، إلا إذا كانت القراءة منذورة فتشترط النية لتمييز الرفض عند غيره، وهناك مسائل اختلف في اشتراط النية لها كالأذان وخطبة الجمة وغسل الميت، والخروج من الصلاة.
تعيين النية ومتى يشترط؟
رأينا أنه لا تكون عبادة إلا بنية ولكن هل يشترط في كل عبادة تعيين نيتها بحيث إنها لا تجوز بنية مطلقة؟
قالوا: لما كانت العبادات منها ما يكون وقتها طرفاً للمؤدي بمعنى أن الوقت يسعه ويسع غيره من جنسه كالصلاة، وهو ما يسميه الأصوليون بالواجب الموسع، فهذا النوع من العبادة يجب فيه تعيين النية بلا خلاف بين الأئمة، فمن أراد الصلاة يجب أن يعين ما يريد أداءه إن كان فرضاً أو نفلا، أداء أو قضاء أو نذراً
(1/127)

ظهراً أو عصراً.
ومن العبادات ما يكون وقته معياراً للمؤدي كصوم رمضان وهو ما يسميه الأصوليون بالواجب المضيق، فوقت العبادة وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لا يسع غير صوم واحد.
فهذا في تعيين النية فيه خلاف، فعند الحنفية: إن التعيين ليس بشرط بل يجوز بمطلق النية وبنية واجب آخر وبنية النفل، لأن التعيين في المتعين لغو.
وعند الشافعية يشترط التعيين لتمييز رمضان من القضاء والنذر والكفارة والفدية وإن كان ما صامه في رمضان لا يقع عن غيره.
وعند الحنابلة خلاف.
هذا إذا كان مريد الصوم صحيحاً مقيماً، وأما إذا كان مريد الصوم مسافراً أو مريضاً ففي وجوب تعيين نية الصوم عليه خلاف.
ففي الصلاة إذا كانت فرضاً يشترط تعيين نيتها باتفاق، لأنها تلتبس بغيرها، لأنها تكون أداءً وقضاء ونذراً وإعادة وتلتبس بالنافلة، لذلك اشترط تعيينها.
وأما النوافل فإذا كانت رواتب غير مطلقة أو ذات سبب كصلاة الضحى وتحية المسجد عند الشافعية والحنابلة فيشترطون لها تعيين نيتها.
وأما عند الحنفية فالنوافل الراتبة وغير الراتبة لا يشترط فيها التعيين، بل تصح بنية النفل وبمطلق النية.
قالوا: ومما لا يشترط فيه تعيين النية: الطهارات والحج والعمرة والزكاة
(1/128)

والكفارات، لأنه لو عين غيرها انصرف إليها، فلو توضأ بمطلق نية الوضوء للطهارة وإزالة الحدث جاز وله أن يصلي به الفرائض والنوافل، ويقرأ به القرآن، ويطوف به حول الكعبة، وكذلك لو أحرم بنية حج مطلقة جاز أن يتمتع أو يفرد أو يقرن ولكن يعين عند بدء الفعل وهكذا.
ماذا يترتب على اشتراط التعيين أو عدم اشتراطه؟
مما يترتب على اشتراط التعيين أن العبادة التي يشترط لها تعيين النية لو أخطأ المكلف في نيتها أنها تبطل، كمن أراد أن يصلي الظهر فنوى العصر، فلا يصح ظهراً ولا عصراً قبل دخول وقته.
وأما ما لا يشترط فيه التعيين فلو أخطأ فيما نوى فلا يضره خطؤه، كمن نوى في رمضان صوم قضاء أو نافلة فيقع عن رمضان ولا يضره خطؤه.
هل تدخل نية العبادة في المباحات؟
تدخل النية سائر القرب بمعنى توقف حصول الثواب على قصد التقرب بها إلى الله تعالى، وأما المباحات فيمكن أن تصبح عبادات إذا صحبتها نية التقرب إلى الله تعالى، كالأكل والنوم والاكتساب إذا قصد بها التقوى على طاعة الله سبحانه، والنكاح إذا قصد به إقامة السنة أو الإعفاف أو تحصيل الولد الصالح وتكثير الأمة، كل ذلك يكون عبادة يثاب عليها فاعلها.
ما حكم انفراد النية عن الفعل أو الفعل عن النية؟
1. إذا انفردت النية ولم تقترن بفعل ظاهر لا تترتب عليها أحكام شرعية، فلو طلق إنسان زوجته في قلبه أو باع داره أو أعتق عبده ولم ينطق بلسانه فلا يترتب على ذلك الفعل الباطني حكم شرعي دنيوي، وكذلك لو نوع أن يقف وقفاً أو يغصب شيئاً ولم يصدر منه فعل، فلا يترتب على نيَّته تلك حكم، لأن
(1/129)

الأحكام الشرعية تتعلق بالظواهر، والنية وحدها لا يترتب عليها حكم شرعي دنيوي.
أما أحكام الآخرة عند الله سبحانه وتعالى فقد يترتب على النية ولو لم يصاحبها فعل ظاهر (حكم) دليل ذلك حديث صهيب رضي الله عنه الذي رواه الطبراني: (إيما رجل تزوج امرأة فنوى أن لا يعطيها من صداقها شيئاً مات يوم يموت وهو زان) . الحديث.
2. أما لو انفردت الأفعال عن النية فهي مختلفة:
(ا) إذا كان الفعل لفظاً فإما أن يكون اللفظ صريحاً أو غير صريح، فإن كان اللفظ صريحاً فلا يحتاج إلى نية ويكفي صدور اللفظ لترتب الحكم عليه لأن اللفظ الصريح تكون النية متمثلة به، كما لو قال شخص لآخر: بعتك هذه الشيء أو أوصيت لك به أو أقر بشيء أو وكلّ أو أودع أو قذف أو طلق، فكل هذه أمور لا تتوقف على النية بل يكفي التلفظ بها لترتب الحكم عليها.
وإما أن يكون اللفظ غير صالح (أي لفظاً كنائياً) كمن قال لامرأته: اذهبي لأهلك أو قال لعبده ليس لي عليك يد، فيختلف هنا حكم اللفظ الواحد باختلاف مقصد الفاعل إذا غير الصريح لا يعطي حكمه إلا بالقصد فلا ينفصل الفعل عن النية فيه.
(ب) وأما إذا كان التصرف فعلاً غير النطق كمن سرق، أو ضرب، أو هرب من المعركة، فالحكم في مثل هذا تابع للفعل ولا ينظر إلى نيته ومقصده غالباً.
كما أن هناك أفعالاً لا تتبدل أحكامها باختلاف القصد أو النية كما لو أخذ
(1/130)

شخص مال آخر على سبيل المزاح بدون إذنه، فمبجرد وقوع الأخذ يكون الآخذ غاصباً ولا ينظر إلى نيته، كذلك لو أقدم إنسان على عمل غير مأذون فيه فإنه يضمن الخسارة الناشئة عن عمله ولو حصلت عن غير أرادة منه، كمن أخذ مال صغير أو مغمى عليه أو سكران ليحفظه له فضاع المال فهو ضامن.
مبحث شروط صحة النية:
لما كانت النية عبادة كان لها شروط لا تصح إلا بها، ولا يعتد بالنية إذا فقد واحد منها وهي: (الإسلام، والتمييز، والعلم بالمنوي، عدم المنافي بين النية والمنوي) .
وإليك تفصيل القول في كل منها:
الشرط الأول، الإسلام: يشترط في الناوي أن يكون مسلماً، لأن النية عبادة ونية العبادة لا تصح من الكافر؛ لأن العبادة لا تصح منه، لأنه فاقد شرط صحة قبول العبادة وهو الإيمان بالله تعالى.
وبناء على هذا الشرط فقد اختلف العلماء في مسائل:
المسألة الأولى:
المرأة الكتابية (اليهودية أو النصرانية) إذا كانت زوجة لمسلم وطهرت من الحيض هل يشترط غسلها ليحل وطؤها؟ وإذا قلنا بوجوب ذلك فهل تشترط نيتها؟
عند الأئمة مالك والشافعي وقول عند أحمد رحمهم الله: يلزمها الغسل وتشترط النية لذلك الغسل، وإن كانت ليست من أهلها، ليحل وطؤها، فالغسل لِحق الزوج، وتكون المسألة بذلك مستثناة من القاعدة لفقدان شرط الإسلام،
(1/131)

وأما إن امتنعت أجبرها الزوج على الاغتسال واستباحها وإن لم تنو للضرورة.
وعند الحنفية يحل وطء الكتابية بمجرد انقطاع الدم لأقل من عشرة أيام ولا يتوقف على الغسل لأنها ليست من أهله، وإن صح منها لو فعلته، وعلى هذا تكون المسألة مندرجة تحت القاعدة.
المسألة الثانية:
يمين الكافر وهل تنعقد؟ وبالتالي هل تجب عليه الكفارة بالحنث؟ وهل عليه كفارة لو قتل مسلماً خطأ؟
في هاتين المسألتين خلاف.
فعند أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى: أن الكافر لا تنعقد يمينه، سواء حنث حال كفره أم بعد إسلامه، ولا تصح منه الكفارة، ودليلهما قوله تعالى في الكفار (إنهم لا أيمان لهم) . التوبة، آية (12) وكذلك لا تصح منه الكفارة لو قتل مسلماً خطأ لأن الكفارة عبادة وهو ليس من أهلها.
أما عند الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى: فإن يمين الكافر تنعقد وتلزمه الكفارة بالحنث فيها سواء حنث حال كفره أم بعد إسلامه.
وكذلك تجب عليه كفارة القتل الخطأ عقوبة له، ويشترط نيتها للتمييز لا القربة.
فعلى مذهب أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تكون هاتان المسألتان مندرجتين تحت القاعدة، وعلى مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله تكونان مستثنتين منها
(1/132)

لاعتبار النية مع فقدان شرط صحتها وهو إسلام الناوي.
الشرط الثاني: التمييز، ومعناه القوة التي في الدماغ وبها تستنبط المعاني، فلا يصح عبادة صبي لا يميز ولا مجنون، والطفل المميز هو الطفل الذي أصبح له بصر عقلي يستطيع به الفصل بين الحسن والقبيح من الأمور، ويعرف به الفرق بين الخير والشر والنفع والضر، وحُدَّ ببلوغه سبع سنين.
ممن فقد التمييز: الصبي والمجنون والسكران، فما حكم تصرفاتهم وجناياتهم، وهل تجب الكفارة عليهم إذا قتلوا؟
أولاً: الصبي والمجنون إذا قتلا عامدين:
فعند الحنفية حكم عمدهما حكم الخطأ سواء كان الصبي مميزاً أم غير مميز، كما لا تنعقد يمين الصبي، والسكران عندهم مكلف فهو كالصاحي في جميع تصرفاته إذا كان السكر بمحرم غير مكره أو مضطر، ولكن لم يعتبروه كالصاحي في مسائل: إذا ارتد حال سكره، أو أقر بحد خالص لله، أو أشهد على شهادة نفسه، أو زوج صغيراً أو صغيرة بأقل من مهر المثل أو بأكثر، أو وُكِّل بالطلاق صاحياً فسكر وطلق، لم يقع طلاقه، أو وُكّل بالبيع صاحباً فسكر وباع لم ينفذ بيعه على موكله.
كما أنه لا كفارة عندهم في قتل الصبي والمجنون لعدم القصد الصحيح. ولكن تلزم الدية على عاقلتهما.
والسكران ينتقض وضوءه وتبطل صالته بالسكر فمذهب الحنفية في كل هذه المسائل مندرج تحت القاعدة إلا في السكران فهو استثناء من القاعدة عقوبة له.
(1/133)

وأما عند المالكية: فإن لا قود على صبي ولا مجنون، ولا قصاص إلا على بالغ غير مغلوب على عقله، فهم مع القاعدة في ذلك لعدم القصد عند الصبي والمجنون، والدية على العاقلة، فهم اعتبروا عمد الصبي والمجنون خطأ كالحنفية سواء ولكنهم أوجبوا الكفارة عليه إن كان غنياً.
قالوا: والسكران عليه قود.
وأما عند الشافعية فالطفل إذا كان غير مميز فعمده خطأ وكذلك المجنون غير المميز، وأما ما كان عنده تمييز منهما فقد اختلفوا فيه، والأصح عندهم أن عمدهما عمدٌ.
وأما السكران فهو مكلف وحكموا عليه ببطلان وضوئه وصلاته إذا انتشى وفقد التمييز أو كاد.
وأما عند الحنابلة فالراجح أن عمد الصبي والمجنون عمد وتضاعف عليهما الدية من مالهما وتجب عليهما الكفارة، ولكن قال في منار السبيل: ولا قصاص على صغير ومجنون والدية على العاقلة كالقاتل خطأ. وهو قول آخر في المذهب.
أما السكران فقالوا: بانتقاض وضوئه وإن كان مميزاً، ويجعل كالصاحي في أقواله وأفعاله فيما عليه المشهور من المذهب.
(1/134)

الشرط الثالث: العلم المنوي:
ومعناه: أن يعلم المكلف حكم ما نواه من فرض أو نفل، عبادة أو غيرها، فمن جهل فرضية الصلاة أو الوضوء لم يصح منه فعلهما.
لكن الذي لا يميز بين السنن والفرائض تصح عبادته بشرط أن لا يقصد التنفل بما هو فرض.
واستُثني من هذا الشرط الإحرام المبهم في الحج، فمن أحرم بما أحرم به زيد من الناس وهو لا يعلمه، صح إحرامه، لأن علياً رضي الله عنه أحرم بما أحرم به النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يعلمه وصححه له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما في غير الحج فلا يصح إلا بالعلم فلو قال: طلقتك مثلما طلق زيد، وهو لا يدري كم طلق زيد أو قال: بعتك مثلما باع زيد، وهو لا يعلم قدره لا يصح في الصورتين لعدم العلم، وعند الحنابلة وجهان.
الشرط الرابع: أن لا يأتي بمنافٍ بين النية والمنوي:
والمراد بالمنافي العمل الخارج عن المنوي وليس من النية، كمن ارتد بعد نية العبادة فقد بطلت عبادته.
أنواع المنافي:
(ا) من المنافي نية القطع:
فمن نوى قطع الإيمان والعياذ بالله تعالى، صار مرتداً في
(1/135)

الحال.
ومن نوى قطع الصلاة بطلت عند الشافعي؛ لأنها شبيهة بالإيمان، ولم تبطل عند الحنفية.
ومن نوع قطع الصلاة بعد الفراغ منها لم تبطل عند الجميع، وكذا سائر العبادات.
ومن نوى الأكل أو الجماع في الصوم، أو نوى فعل مناف في الصلاة كالأكل والفعل الكثير، لم يضره ما لم يفعل.
ومن نوى الصوم من الليل ثم قطع النية قبل الفجر سقط حكمها، ولو صام لم يصح صومه ما لم يجدد النية قبل الفجر، بخلاف ما لو نوى ثم أكل بعد النية فلا تطبل لأن الأكل ليس ضدها، وهذا عند غير الحنفية، وعندهم لو نوى بعد الفجر صح صومه.
من نوع قطع الحج والعمرة لم يبطلا بلا خلاف لأنه لا يخرج منهما بالإفساد.
ومن نوع قطع الجماعة بطلت صلاته عند الحنفية.
ومن نوع الإتمام في أثناء الصلاة امتنع عليه القصر.
(ب) ومما يقرب من نية القطع نية القلب أو النقل، فمن نقل فرضاً إلى فرض لم يحصل واحد منهما، ومن نقل نفلاً إلى فرض لم يحصل واحد منهما، وأما إن نقل فرضاً إلى نفل فإنه يصح.
(ج) ومن المنافي التردد وعدم الجزم في أصل النية من ذلك:
من اشترى خادماً للخدمة أو فرساً للركوب أو بيتاً للسكنى وهو ينوي إن أصاب ربحاً باعه فلا زكاة عليه لعدم خلوص نية التجارة.
ومن نوى يوم الشك: إن كان من شعبان فليس بصائم، وإن كان من رمضان
(1/136)

كان صائماً، لم تصح نيته، وأما لو تردد في الوصف بأن نوى، إن كان من شعبان فسيصوم نفلاً وإن كان من رمضان ففرضاً، صحت نيَّته وجاز صومه؛ لأن صوم رمضان يصح بنية النفل ولأن أصل الصوم لا تردد فيه.
ومن عليه صلاة فائتة، وشك في قضائها. فقضاها، ثم تيقنها لم يجزئه القضاء، وعليه إعادة قضائها، لأن نية القضاء متردد فيها.
(د) ومن المنافي عدم القدرة على المنوي: إما عقلاً وإما شرعاً وإما عادةً.
فمن أمثلة عدم القدرة على المنوي عقلاً.
نوى بوضوئه أن يصلي صلاة وأن لا يصليها، لم تصح نيته لتناقضه.
ومن أمثلة عدم القدرة على المنوي شرعاً:
نوى بوضوئه الصلاة في مكان نجس، قالوا: ينبغي أن لا يصح وضوءه.
ولكني أرى صحة وضوئه، وأما إن صلى في ذلك المكان فصلاته باطلة لا وضوءه.
ومن أمثلة عدم القدرة على المنوي عادة:
نوى بوضوئه صلاة العيد وهو في أول السنة، أو نوى به الطواف وهو بالشام ففي صحة وضوئه خلاف.
وأرى أن وضوءَه صحيح لأن النية المستحيلة ليست من نواقض الوضوء.
مما استثنى وصحت فيه النية مع التردد أو التعليق:
من عليه صوم واجب لا يدري هل هو من رمضان أو نذر أو كفارة، فنوى صوماً واجباً أجزأه، كمن نسي صلاة من الخمس فصلى الخمس.
وإن قال مريد الإحرام: إن كان زيد محرماً فقد أحرمت، فإن كان زيد محرماً
(1/137)

انعقد إحرامه.
وإذا أحرم يوم الثلاثين من رمضان، وهو شاك فقال: إن كان من رمضان فإحرامي بعمرة، وإن كان من شوال فإحرامي بحج، ثم تبين أن اليوم أول شوال كان إحرامه بالحج صحيحاً.
وكذلك من شك في قصر إمامه فقال: إن قصر قصرت وإلا أتمت، ثم ظهر أن إمامه كان قاصراً فصلاته قصر.
مسألة: هل تعقيب النية بالمشيئة يعتبر من المنافي فيبطل النية والعمل؟
إذا عقب النية بالمشيئة، كمن نوى الصوم ثم قال: إن شاء، أو نوى صلاة وعقبها بقوله: إن شاء الله، أو طلق أو أعتق، أو حلف يميناً ثم استثنى بقوله بعده: إن شاء الله، فهل تبطل النية؟
الأقوال في المسألة:
1. عند الحنفية وقول عند الشافعية وقول لأحمد وغيرهم الاستثناء بالمشيئة يؤثر في النطق ولا يؤثر في النبات.
والمراد بالنطق: الأحكام التي يشترط فيها التلفظ كالطلاق والعتاق واليمين والبيع، فلا يقع الطلاق ولا العتق، ولا يحنث في اليمين إذا عقب اللفظ بقوله: إن شاء الله.
والتعليل لذلك: أنه علقه على مشيئة لم يعلم وجودها فلم يقع كما لو علَّقه على مشيئة زيد من الناس، ودليلهم قوله صلى الله عليه وسلم: (من حلف على
(1/138)

يمين فقال إن شاء الله لم يحنث) .
والمراد بالنيات: أي العبادات التي يكتفي فيها بالنية القلبية كالصلاة والصوم. فمن عقب نية الصلاة أو الصوم بقوله: إن شاء الله، صحت صلاته وصومه.
2. وأما عند المالكية وقول عند أحمد ورجحه ابن قدامة في المغني: بأنه ليس في الطلاق ولا العتاق استثناء إن شاء الله، وإنما هو الاستثناء في اليمين بالله خاصة، فمن قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، طلقت عند مالك وأحمد.
والتعليل: إن هذا استثناء يرفع جملة الطلاق فلم يصح كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، ولأنه إزالة ملك فلم يصح تعليقه على مشيئة الله كما لو قال: أبرأتك إن شاء الله، أو تعليق على ما لا سبيل إلى علمه فأشبه تعليقه على المستحيلات.
والدليل: قول ابن عباس رضي الله عنهما: (إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فهي طالق) وما روى عن ابن عمر وأبي سعيد قالا: (كنا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى الاستثناء جائزاً في كل شيء إلا في العتاق والطلاق) .
3. وقول عند الشافعية وهو الأصح عندهم: أنه إذا نوى التعليق بطلت نيته وبالتالي بطل صومه وصلاته ولم يقع طلاقه أو عتقه؛ للتردد وعدم الجزم، وأما إذا نوى
(1/139)

التبرك فلا تبطل النية ولا العمل في الجميع.
9. شرط قبول النية في العبادات وشرط ترتب الثواب عليها:
لما كانت المقصود من النية كما سبق بيانه، تمييز العبادات عن العادات، ولما كان المقصود من العبادة وجه الله سبحانه وتعالى وطلب مرضاته ورضوانه، كان لا بد من شرط مهم لقبول العبادة وترتب ثوابها عليها وهذا الشرط هو: (الإخلاص) :
والمراد بالإخلاص هنا: إرادة وجه الله وحده من العبادة.
ودليل ذلك قوله تعالى: (وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنفاء) . سورة البينة، آية (5) .
ومن ثم لا يجوز التشريك في النية، فذلك يبطل العمل ويحبطه، ومن هنا لم تقبل النيابة ولا التوكيل في النية، لأن المقصود اختبار سر العبادة.
ولكن أجيز التوكيل في النية؛ إذا اقترنت بفعل كتفرقة زكاة أو ذبح أضحية أو صوم عن الميت أو حج.
والإخلاص أمر زائد على النية لا يحصل بدونها وقد تحصل هي بدونه، ونظر الفقهاء قاصر على النية وأحكامهم تجري عليها، وأما الإخلاص فأمره إلى الله تعالى لأنه أمر قلبي وهو من شؤون الآخرة.
مسائل على التشريك في النية وأثر ذلك في العمل:
لو نوى إنسان مع العبادة ما ليس بعبادة فقد تبطل العبادة، مثل أن يذبح الأضحية
(1/140)

لله ولغيره، فانضمام غير الله إليه يوجب حرمة الذبيحة.
وإذا كانت البدنة تجزئ عن سبعة فإن كان الكل مريداً للقربة، وإن اختلفت جهاتها من أضحية وقران ومتعة صحت وأجزأت، وأما إن كان أحدهم مريداً لحماً لأهله أو كان نصرانياً لم يجز عن واحد منهم.
والتعليل: أنه لم يقع البعض قربة خرج الكل عن ان يكون قربة لأن الإراقة لا تتجزأ.
هذا عند الحنفية، وأما عند الشافعية والحنابلة فيجوز إذا كان أحدهم يريد اللحم، وأما مالك رحمه الله فلا يجيز الاشتراك في الأضحية.
لو افتتح الصلاة خالصاً لله تعالى ثم دخل في قلبه الرياء، والمراد بالرياء هنا: أنه لو خلا عن الناس لا يصلي ولو كان مع الناس يصلي ففي هذه المسألة قولان:
1. هو على ما افتتح صلاته.
2. أنه لو صلى رياء فلا أجر له وعليه الوزر.
إذا صلى مع الناس يُحسِّن صلاته، وإذا صلى وحده لا يحسنها، فله ثواب أصل الصلاة دون الإحسان، والمراد بتحسين الصلاة: إطالة القراءة وتحسين الصوت وإطالة الركوع والسجود وإظهار التخشع فيها.
السوقي الذي يصاحب الجيش بقصد التجارة قالوا: إنه لا سهم له؛ لأنه عند المجاوزة لم يقصد إلا التجارة لا إعزاز الدين وإرهاب العدو، فإن قاتل استحق، لأنه
(1/141)

ظهر بالمقاتلة أنه قصد القتال، والتجارة تبع فلا تضره.
ومن ذلك أيضاً لو سافر للحج والتجارة، فالأرجح الباعث على العمل، فإن كان القصد الدنيوي هو الأغلب فلا أجر له، وإن كان المديني هو الأغلب كان له الأجر بقدره، وإن تساويا تساقطا.
نوى الوضوء أو الغسل والتبرد، فالأصح الصحة، لأن التبرد حاصل، قصده أم لم يقصده، فلم يجعل تشريكاً وتركاً للإخلاص، بل هو قصد العبادة على حسب وقوعها لأن من ضرورتها حصول التبرد، ولكن هل يثاب على الوضوء أو الغسل؟
قالوا: الأصح أنه لا يثاب.
10. محل النية:
النية محلها القلب، فلا يكفي التلفظ باللسان دونه، كما لا يشترط مع القلب التلفظ، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه التلفظ بالنية، لا في حديث صحيح ولا ضعيف، إلا في الحج بخلاف بقية العبادات.
واستحب الشافعية التلفظ بالنية مساعدة للقلب، واختلف فقهاء الحنفية في التلفظ بها فبعضهم استحبه، ورآه بعضهم سنة وكرهه آخرون.
وعند المالكية: أن التلفظ بالنية جائز ولكن الأولى تركه، ورأى بعضهم أن النطق بالنية مكروه وبدعة إلا مَن كثر عليه الوسواس فيجوز له ذلك لدفع الوسواس.
(1/142)

وعند الحنابلة: أن التلفظ بالنية بدعة كما ذكر ابن القيم في زاد المعاد.
ومن لا يقدر أن يحضر قلبه لينوي به أو شك في النية يكفيه التكلم بلسانه، كما قال تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلى وُسعها) . البقرة، آية (286) .
ولو اختلف اللسان والقلب فالمعتبر ما في القلب عند الجميع.
ومما استثنى فاعتبر اللسان دون القلب:
عند الحنفية: لو سبق لسانه إلى لفظ اليمين بغير قصد انعقدت الكفارة، أو قصد الحلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره انعقدت الكفارة كذلك، هذا إذا كانت اليمين بالله تعالى.
وأما عند الشافعية: فمن سبق لسانه إلى لفظ اليمين بلا قصد فلا تنعقد، ولا يتعلق به كفارة، وكذلك لو قصد الحلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره.
وأما الإيلاء والطلاق والعتاق فيقع قفضاء لا ديانة ولا يقبل في الظاهر لتعلق حق الغير به، وهذا عند الجميع.
ومما خرج عن هذا الأصل كذلك: الزكاة في قول عند الشافعية، حيث قالوا: يكتفي بنيتها لفظاً، بدليل أنها تخرج من مال المرتد ولا تصح نيته، وكذلك تجوز النيابة فيها لمن ليس من أهلها كالعبد والكافر.
ومما استثنى أيضاً: لو لبى بحج أو عمرة ولم ينو، ففي قول إنه ينعقد إحرامه
(1/143)

ويلزمه ما سمي، وعلى هذا لو لبى مطلقاً انعقد الإحرام مطلقاً، على رأي ضعيف عند الشافعية.
وعند الحنابلة، كما هو رأي الجمهور لا ينعقد الإحرام بغير نية.
ومما يكتفي فيه باللفظ: النذر والطلاق، حيث قالوا: لا يكفي في انعقاد النذر أو وقوع الطلاق النية بل لا بد من التلفظ، ومثل ذلك العتق فلا يكفي فيه مجرد النية دون اللفظ، وكذلك ألفاظ العقود لا بد من اللفظ ولا عمل للنية المجردة.
وعند الحنفية إن الوقوف لا بد فيه من التلفظ به ولو كان الموقوف مسجداً.
وأما عند الآخرين فيجوز بمجرد النية بل بإباحته بالفعل.
11. وقت النية:
الأصل أن وقت النية أول العبادات ولو حكماً، لأن الأولية تكون حقيقية كمصاحبة النية لتكبيرة الإحرام، وقد تكون الأولية حكمية، كما لو نوى الصلاة قبل الشروع فيها عند الوضوء، فإذا توضأ ونوى عند الوضوء أن يصلي الظهر أو العصر مع الإمام ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة، إلا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم تحضره النية جازت صلاته بتلك النية؛ لأن النية المتقدمة يبقيها إلى وقت الشروع حكماً إذا لم يبدلها بغيرها كما في الصوم، وهذا عند الحنفية، والحنابلة، وقول عند المالكية.
(1/144)

وأما عند الشافعية، وأكثر المالكية، فالواجب مقارنة النية لأول الفعل الواجب كالوضوء والصلاة إلا في الصوم والكفارة والزكاة والأضحية حيث تصح بالنية المتقدمة للمشقة.
وعلى ذلك: فيجوز تقديم نية الزكاة على دفعها للإمام أو وكيله عند العزل تيسيراً أو عندما يوكل رب المال غيره في دفعها، وهذا عند جمهور الفقهاء.
وقال بعض فقهاء الحنفية والشافعية يجب مقارنة النية دفع الزكاة إلى الأمام أو الأصناف ولا يجوز تقديمها، والأول الراجح.
والخلاف في صدقة الفطر كالخلاف في الزكاة.
وأما الصوم فعند الشافعية والحنابلة يجب تقديم النية من الليل في الصوم الواجب فلو نوى مع الفجر لم يصح في الأصح.
وأما عند الحنفية فيجوز تقديم النية من الليل ومقارنتها للفجر وتأخيرها عن الشروع إلى ما قبل نصف النهار، تيسيراً على الصائمين، في صوم رمضان وفي النفل، وأما عند المالكية فيجب تقديم النية عن الفجر في كل صوم واجب أو نفل.
وأما القضاء والنذر والكفارة فلا يجوز فيها تأخير النية عن الفجر عند الجميع.
(1/145)

وأما الحج فالنية فيه سابقة على الأداء عند الإحرام عند الجميع.
ومما يجوز تقديم النية فيها الأضحية فيجوز تقديمها على الذبح ولا يجب اقترانها به في الأصح، كما تجوز النية عند الدفع إلى الوكيل في الأصح.
ومنها نية الاستثناء في اليمين فإنها تجب قبل الفراغ من الحلف مع وجوبها في الاستثناء أيضاً.
(1/146)

-- أولاً: القواعد المندرجة تحت قاعدة (الأمور بمقاصدها) والمتفرعة عنها:
-- القاعدة الأولى: قاعدة العقود:
اختلف في صيغة هذه القاعدة عند فقهاء المذاهب تبعاً لاختلافهم في الأحكام المترتبة عليها، تبعاً للاتفاق أو للاختلاف على مضمونها، فالحنفية والمالكية صاغوها بالأسلوب الخيري؛ لأن معناها ومدلولها متفق عليه عندهم، وقد اتفقوا على أحكامها دون تردد، ولذلك فسنعمد في شرحها على مفهومها عندهم مع الإشارة إلى اختلاف غيرهم إن وجد.
ولما كان الشافعية والحنابلة قد اختلف فقاؤهم في مفهوم هذه القاعدة وأحكامها فقد أوردوها بالأسلوب الإنشائي الذي يشير إلى الاختلاف.
صيغ القاعدة:
1. عند الحنفية والمالكية: (العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني) .
2. عند الشافعية: (هل العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها) ؟
3. عند الحنابلة: (إذا وصل بألفاظ العقود ما يخرجها عن موضوعها فهل يفسد العقد بذلك أو يجعل كناية عما يمكن صحته على ذلك الوجه؟) .
أجاب
(1/147)

ابن رجب: فيه خلاف يلتفت إلى أن المغلَّب هل هو اللفظ أو المعنى؟
شرح القاعدة:
معاني المفردات:
العبرة: الاعتداد.
العقود: جمع عقد وهو ارتباط الإيجاب بالقبول، كعقد البيع والإجارة والإعارة.
اللفظ: هو الكلام الذي ينطق به الإنسان بقصد التعبير عن ضميره وما في نفسه.
المقاصد: جمع مقصد ومعناه نية المتكلم ومراده.
المعاني: جمع معنى وهو الصورة الذهنية التي دل عليها القول أو الفعل.
ومعنى القاعدة عند الحنفية في الاصطلاح:
إنه عند حصول العقد لا ينظر للألفاظ التي يستعملها العاقدان وإنما ينظر إلى مقاصدهم الحقيقية من الكلام الذي يلفظ به حين العقد، لأن المقصود الحقيقي هو المعنى، وليس اللفظ ولا الصيغة المستعملة، لأن الألفاظ ما هي إلا قوالب للمعاني.
وأما إذا تعذر التأليف بين الألفاظ والمعاني المقصودة فلا يجوز إلغاء الألفاظ.
مسائل القاعدة:
لو اشترى شخص من بقال سلعة وقال له: خذ هذا السيف أمانة عندك حتى أحضر لك الثمن، فالسيف يعتبر رهناً، وله حكم الرهن، ولا يكون أمانة، لأن الأمانة يحق للمؤتمن استرجاعها وقتما يشاء، ويجب على الأمين إعادتها وليس ما نحن فيه كذلك.
ولو قال شخص لآخر: قد أحلتك بالدين المطلوب مني على فلان، على أن تبقى ذمتي مشغولة حتى يدفع المحال عليه لك الدين.
(1/148)

فالعقد هذا لا يكون عقد حوالة لأن الحوالة هي نقل ذمة إلى ذمة أخرى، وهنا بقيت ذمة المدين مشغولة بالدين، والذي جرى وقصد إنما هو ضم ذمة إلى ذمة أخرى، وهذا عقد كفالة، فأصبح المحال عليه كفيلاً بالدين والمدين أصيلاً.
وكذلك الكفالة إذا اشترط فيها عدم مطالبة الدائن للمدين المكفول انقلبت حوالة وأخذت أحكامها، لأنها تصبح في معناها.
والهبة إذا اشترط فيها الثواب أي دفع العوض كمن قال لآخر: وهبتك هذا الشيء بكذا أو بشرط أن تعطيني كذا، أخذ العقد أحكام البيع عند الحنفية والمالكية قولاً واحداً، لأنه أصبح في معناه على الرغم من استعمال العاقد لفظ الهبة، فيرد الموهوب بالعيب، وكذا يسترد الموهوب له العوض المدفوع إذا استحق الموهوب في يده، وكذا سائر أحكام البيع.
وأما عند الشافعية والحنابلة ففي صحة العقد خلاف:
فعند الشافعية الأصح كونه بيعاً اعتباراً بالمعنى.
وعند الحنابلة في المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أنه بيع نظراً للمعنى.
الثاني: أنه عقد هبة صحيح، لأنه يصح عندهم شرط العوض في الهبة كما يصح شرط العوض في العارية.
الثالث: أنه عقد فاسد.
ولو أعاره شيئاً وشرط عليه العوض، فهل يصح أو لا يصح؟ على الوجهين: أحدهما: يصح ويكون كناية عن القرض، هذا إذا كان مما يتلف كالأطعمة
(1/149)

والأشربة فيملكه بالقبض، وعلى آخذه رد بدله، وإذا كان مما لا يتلف فيكون عقد إجارة.
الثاني: قال بعضهم إنه عقد عارية لأنه يصح عندهم شرط العوض في العارية كالهبة ولا تفسد بذلك.
وفي قول آخر: إنها تفسد (أي يبطل عقد العارية) ولا يكون عقداً آخر.
ولو قال: خذ هذا المال مضاربة والربح كله لك أوْلي.
فقال القاضي أبو يعلى وابن عقيل: هي مضاربة فاسدة يستحق فيها أجر المثل، وبمثل ذلك قال صاحب المغني. لكنه قال: إنه لا يستحق شيئاً في الصورة الثانية، لأنه دخل على أن لا شيء له ورضي به.
وقال ابن عقيل وابن قدامة في موضع آخر: إنه إبضاع صحيح، فيراعي الحكم دون اللفظ، وعلى هذا يكون في الصورة الأولى قرضاً.
وعلى هذا فمن اعتبر العقد في هذه الصور صحيحاً نظراً للمعنى فتكون هذه الأمثلة مندرجة تحت قاعدة الأمور بمقاصدها، لأنه إنما صححت العقود نظراً إلى مقاصد المتعاقدين، وأما من لم يعتبر العقد صحيحاً في هذه الصور فتكون هذه
(1/150)

الأمثلة وأمثالها خارجة عن قاعدة الأمور بمقاصدها ومستثناة منها، لإهمال المقاصد والعناية بالألفاظ.
استثناءات:
يستثني من هذه القاعدة.
لو باع شخص لآخر شيئاً مع نفي الثمن بقوله: بعتُك هذه السلعة بدون ثمن. فعند الحنفية يكون البيع باطلاً ولا يعتبر العقد هبة، وكذلك لو آجره بدون أجرة لأن الثمن والأجرة من أركان العقد.
وأما عند الشافعية والحنابلة: فإنه ليس بيعاً وفي انعقاده هبة قولان، لتعارض اللفظ والمعنى.
ولو قال: أسلمت إليك هذا الثوب في هذا العبد، فليس بسلم قطعاً، وفي انعقاده بيعاً قولان.
(1/151)

-- ثانياً: قواعد في الأيمان:
-- القاعدة الأولى: هل النية تخصص اللفظ العام أو تعمم اللفظ الخاص؟
معاني المفردات:
العام في اللغة: معناه الشامل لمتعدد سواء كان لفظاً أم غير لفظ. ومنه: عمَّهم المطر. أي شملهم. ومطر عام: أي شامل.
والعام في الاصطلاح: (هو اللفظ المستغرق لما يصلح له بحسب الوضع، دفعة من غير حصر) كلفظ الرجال مثلاً، يشمل ويستغرق معناه كل رجل.
وأما الخاص أو التخصيص في اللغة: فهو تفرد بعض الشيء بما لا يشاركه فيه الجملة، وهو خلاف العموم.
والخاص في الاصطلاح هو: (إخراج بعض ما كان داخلاً تحت العموم على تقدير عدم المخصص (أو) قصر العام على بعض أفراده) .
صيغ القاعدة باختلاف المذاهب:
1. اتفق المالكية والحنابلة على مضمون القاعدة فقالو: (النية تعمم الخاص وتخصص العام) .
2. وقال الشافعية: النية في اليمين تخصص اللفظ العام ولا تعمم الخاص.
(1/152)

3. وأما عند الحنفية فقالو: (تخصيص العام بالنية مقبول ديانة لا قضاء) وعند الخصاف: مقبول قضاء أيضاً. وأما تعميم الخاص بالنية فقد اختلف فيه علماء الحنفية ما بين نافٍ ومثبت.
فبالنظر إلى هذه التعريفات نرى أن تخصيص اللفظ العام في اليمين بالنية متفق عليه بين المذاهب، وإن كان جمهور الحنفية يعتبرونه ديانة لا قضاءً وأما تعميم الخاصة بالنية فأجازه المالكية والحنابلة ومنه الشافعية وجمهور الحنفية.
أمثلة على القاعدة: (أمثلة الشطر الأول) :
من حلف لا يكلم أحداً، ثم قال: نويت زيداً فقط. فعند المالكية والحنابلة والشافعية والخصاف من الحنفية إنه لا يحنث لو كلم غير زيد، إذ لفظ (أحداً) نكرة في سياق النفي فهي عامة تشمل كل أحد، ولكنه حينما قال: نويت زيداً فقط، أعملت نيته فخص عدم التكلم به، وجاز أن يكلم غير زيد ولا يحنث.
وأما عند غير جمهور الحنفية فهو يحنث قضاء وعليه الكفارة ويدَّيَّن بينه وبين الله تعالى.
من قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق. ثم قال: نويت من بلدة كذا أو محلة كذا صح له أن يتزوج امرأة من غير البلدة التي عينها أو المحلة التي ذكرها عند غير جمهور الحنفية، وأما عند جمهورهم فلو تزوج أي امرأة طلقت منه، ولكن يدَّيَّن بينه وبين الله تعالى.
(1/153)

وأما الشطر الثاني من القاعدة فمن أمثلته:
(لو حلف لا يشرب من فلان ماء من عطش) فعند الحنفية والشافعية أنه لا يحنث بطعامه أو ثيابه، لأن اليمين عندهم تنعقد على الماء خاصة، ولو نوى أنه لا ينتفع منه بشيء.
وأما عند المالكية والحنابلة فهو يحنث بتناول أي شيء يملكه المحلوف عليه.
وكذلك لو حلف لا يدخل هذا البيت يريد هجران أهله فدخل عليهم بيتاً آخر حنث عند المالكية والحنابلة.
وأما من قال لزوجته: إن لبست ثوباً فأنت طالق. وقال: أردت ثوباً أحمر. فجمهور الحنابلة يقبل منه ديانة، وفي قبوله في الحكم (أي القضاء) روايتان.
وخلاصة الأمر:
أن تخصيص اللفظ العام في اليمين بالنية متفق عليه بين المالكية والشافعية والحنابلة والخصاف من الحنفية، وأما عد جمهور الحنفية فإن تخصيص العام بالنية مقبول ديانة فقط لا قضاء، ومعنى ذلك أن ادعاء الحالف التخصيص غير مقبول في الحكم، إذ يعتبر حانثاً وتجب عليه الكفارة ولكنه يدين به بينه وبين الله تعالى.
وأما تعميم الخاص بالنية فهو جائز على الإطلاق عند المالكية والحنابلة، وإن اختلف الحنابلة في تقييد المطلق بالنية.
والشافعية منعوا تعميم الخاص بالنية على الإطلاق.
وكذلك عند الحنفية على الراجح لأنهم يمنعون عموم المشترك فهذا أولى بالمنع، وإن ورد عنهم بعض أمثلة تدل على أخذ بعضهم بتعميم الخاص، ولكنها غير مسلمة عند الأكثرين منهم.
(1/154)

ومن هنا نقول: إن رأي الحنفية والشافعية في هذه القاعدة يجعل هذه القاعدة مستثناة من قاعدة (الأمور بمقاصدها) لإهمالهم النية وتمسكهم باللفظ وقد خالف الحنفية في هذه القاعدة النهج الذي ساروا عليه في قاعدة العقود حيث غلبوا هناك القصد على اللفظ.
وسبب الخلاف ومرجعه عندهم القاعدة التالية التي تقول:
(1/155)

-- القاعدة الثانية:
(هل الأيمان مبنية على الألفاظ أو على الأغراض) ؟
خلاف بين المذاهب في ذلك.
فعند المالكية والحنابلة: (أن الأيمان مبنية على النيات) إذا مبنى اليمين عندهم على نية الحالف إذا احتملها اللفظ ولم يكن ظالماً، سواء كان موافقاً لظاهر اللفظ أم مخالفاً له.
وأما عند الحنفية والشافعية فإن الأيمان مبنية عندهم على الألفاظ إن أمكن استعمال اللفظ، وإلا فالأعراض، أي النيات.
فعندهم لو اغتاظ من إنسان فحلف أن لا يشتري له شيئاً بريال فاشتري له شيئاً بمائة ريال لم يحنث.
وكذلك لو حلف لا يبيعه بعشرة، فباعه بأحد عشر أو بتسعة، لم يحنث مع أن غرضه الزيادة، لكن لا حنث بلا لفظ عندهم، وأما عند المالكية والحنابلة فإن يحنث في ذلك كله.
(1/156)

-- القاعدة الثالثة:
(هل الأيمان مبنية على العرف) :
اختلف الأئمة في ذلك:
فعند الحنفية وفي قول عند الحنابلة: إن الأيمان مبنية على عرف الحالف: إن لم يمكن الحمل على المعنى الشرعي.
فلو حلف لا يسكن بيتاً فسكن بيتاً من جلود أو شعر أو خيمة فلا يحنث إن كان من سكان المدن، ويحنث إن كان من أهل البادية.
وعند الشافعي وأحمد في قول: يحنث إذا لم تكن له نية، قروياً كان أو بدوياً.
وأما عند المالكية فإن الإيمان عندهم مبنية على النية أولاً، فإن لم تكن له نية فعلى الباعث أو ما يسمونه البساط، فإن لم يكن باعث فعلى العرف، وإلا فعلى الوضع اللغوي.
فعندهم من حلف أن لا يدخل أو لا يسكن بيتاً، وهو من أهل المدن، وسكن بيتاً من بيوت الشعر، فإن لم تكن له نية، فهو حانث لأن الله تبارك وتعالى سماه بيتاً.
وهذا يعني أن اليمين هنا بدون النية مبنية على الاستعمال القرآني وهو موافق للوضع اللغوي، وعلى هذا ففي اعتبار العرف عندهم خلاف.
(1/157)

-- القاعدة الرابعة:
قاعدة: هل اليمين على نية الحالف أو على نية المستحلف؟
عند الحنفية أن مقاصد اللفظ على نية اللافظ إلا في اليمين، فقد اسثنوها فقالوا: اليمين عند القاضي على نيَّة الحالف إن كان مظلوماً، وعلى نية المستحلف أي القاضي إن كان الحالف ظالماً.
هذا في غير الطلاق والعتاق ففيهما على نية الحالف سواء كان ظالماً أم مظلوماً.
وأما عند المالكية والشافعية فاليمين على نية المستحلف أي القاضي عند التحالف في الأحكام كلها، فلا يصح فيها التورية ولا ينفع الاستثناء.
وأما عند الحنابلة فقد قال في منار السبيل: يرجع في الأيمان إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ ولم يكن ظالما، وهم بهذا كالحنفية.
(1/158)

-- ثالثا: القواعد المستثناة من قاعدة (الأمور بمقاصدها) :
(ا) قاعدة: (من استعجل ما أخره الشرع يجازى برده) .
اختلفت تعبيرات الفقهاء عن هذه القاعدة، ولكنها مهما اختلفت فالمقصود منها معنى متحد.
قال الحنفية: (من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه) .
وقال المالكية: (الأصل المعاملة بنقيض المقصود الفاسد) .
وقالوا أيضاً: (من استعجل الشيء قبل أوانه يعاقب بحرمانه) .
وقال الشافعية: (المعارضة بنقيض المقصود) .
وقالوا أيضاً: (من استعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه) .
وقال الحنابلة: (من أتى بسبب يفيد الملك أو الحل أو يسقط الواجبات على وجه محرم، وكان مما تدعو النفوس إليه ألغى ذلك السبب وصار وجوه كالعدم، ولم يترتب عليه أحكامه) .
وقالوا أيضاً: (من تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم
(1/159)

عوقب بحرمانه) .
فهذه القواعد مهما اختلفت صيغها فهي ذات مضمون واحد وهو: (إن من يتوسل بالوسائل غير المشروعة تعجلا منه للحصول على مقصوده المستحق له فإن الشرع عامله بضد مقصوده، فأوجب حرمانه جزاء فعله واستعجاله) .
مكانة هذه القواعد:
(هذه القواعد تمثل جانباً من جوانب السياسة في القمع وسد الذرائع) . فهذه القواعد تعتبر استثناء من قاعدة (الأمور بمقاصدها) .
حيث إن الفاعل هنا يعامل ويعارض بنقيض مقصوده، وسنرى من خلال الأمثلة أن مقصد الفاعل من فعله كان تحايلاً على الشرع من جانب، أو استعجالاً لأمر مستحق أو مباح من جانب آخر بفعل أمر محرم، ولذلك أهمل قصد الفاعل وعومل بنقيض ما قصد عقوبة له وزجراً لغيره، إلى جانب العقوبة المستحقة على الفعل نفسه.
أمثله على هذه القواعد:
إذا قتل الوارث مورثة الذي يرث منه عمداً مستعجلاً الإرث، فإنه يحرم من الميراث، سواء كان متهماً أم غير متهم عند أكثر الحنابلة.
إذا قتل الموصى له الموصي فهو يحرم من الوصية بالإجماع.
ومنها لو طلق الرجل امرأته ثلاثاً بغير رضاها في مرض موته قاصداً حرمانها من الإرث ومات وهي في العدة فإنها ترثه.
وفي قول آخر إنها ترث ولو مات بعد انقضاء عدتها.
(1/160)

ومنها الفارُّ من الزكاة قبل تمام الحول بتنقيص النصاب أو إخراجه عن ملكه، إذا تجب فيه الزكاة.
ومنها: لو صرف أكثر أمواله في ملك لا زكاة فيه كالعقار والحلي، عن من يقول بعدم الزكاة فيه، فهل ينزل منزلة الفارّ من الزكاة؟ وجهان عند الحنابلة والمالكية.
ومنها الغال من الغنيمة يحرم أسهمه منها. على قول.
ومنها من تزوج امرأة من عدتها من غيره حرمت عليه على التأييد على رواية.
ومنها: من تزوجت بعبدها فإنه يحرم عليها على التأييد، كما روى عن عمر رضي الله عنه.
ومنها: من ثبت عليه الرشوة لغرض ما فهو يحرم منه عقوبة له.
ومنها: السكران يشرب الخمر عمداً، يجعل كالصاحي في أقواله وأفعاله فيما عليه.
استثناءات من القواعد:
مما خرج عن هذه القواعد:
لو قتلت أم الولد سيدها عتقت، ولا تحرم العتق للقتل، ولو تعمدت قتله للعتق لأن إعتاقها ثابت بالشرع، ولا ينفي ذلك القصاص منها.
ولو قتل المدبَّر سيده عتق، على قول ويسعى في جميع قيمته؟ لأنه لا وصية لقاتل وعلى قول آخر بطل تدبيره عقوبة له. (والمدبر هو العبد أو الأمة التي قال سيدها أو سيده: أنت عتيق على دُبر مني أي بعد وفاتي فكأنه أوصى بعتقه بعد الوفاة) .
ومنها: لو قتل الدائن صاحب الدين المدين، حلّ دينه على قول راجح
(1/161)

وطالب به الورثة.
ومن أمسك زوجته مسيئاً لعشرتها لأجل إرثها، ورثها لو ماتت والحالة هذه، ولو أمسكها لأجل الخلع نفذ وجاز.
ومنها لو شربت دواء فحاضت لا تقضي الصلواتـ وكذلك من شرب شيئاً قبل الفجر ليمرض فأصبح مريضاً جاز له الفطر.
(ب) قال الشافعية: (الإيثار في القرب مكروه وفي غيرها محبوب) .
معاني المفردات:
الإيثار: معناه تفضيل الغير على نفسه وتقديمه عليه، ومنه قوله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) . سورة الحشر، آية (9) .
ويقابل الإيثار الأثرة ومعناها الاستثار بالشيء ومنعه من الغير.
والإيثار نوعان: إيثار الغير على النفس في الحظوط الدنيوية وهو محبوب مطلوب، كمن آثر غيره على نفسه بطعامه أو بشرابه مع حاجته إليه، أو يؤثر غيره بالحياة ويعرض نفسه للقتل بدلاً عنه، كالمجاهدين وهذا أعلى درجات الإيثار.
وهذا النوع من الإيثار مندرج وداخل تحت القاعدة الكبرى (الأمور بمقاصدها) .
النوع الثاني: إيثار في الحظوظ الأخروية وهذا النوع قد يكون حراماً وقد يكون مكروهاً وهو موضوع هذه القاعدة.
والقُرَبُ: جمع قربة وهو كل ما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى من طاعة
(1/162)

وعبادة.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: لا إيثار في القربات، فلا إيثار بماء الطهارة ولا بستر العورة ولا بالصف الأول، والتعليل لأن الغرض بالعبادات التعظيم والإجلال لله سبحانه وتعالى، فمن آثر به غيره فقد ترك إجلال الإله وتعظيمه، فيصير بمثابة من أمره سيده بأمر فتركه، وقال لغيره: قم به، فإن هذا يستقبح عند الناس بتباعده من إجلال الآمر وقربه.
وقد يكون الإيثار في القرب حراماً أو مكروهاً أو خلاف الأولى.
فمثال الإيثار المحرم: إيثار غيره بماء الطهار حيث لا يوجد غيره، أو إيثاره غيره بستر العورة في الصلاة، أو يؤثر غيره بالصف الأولى ويتأخر هو.
ومثال المكروه: أن يقوم رجل عن مجلسه في الصف لغيره، وتأخر، وكان ابن عمر: (إذا قام له رجل عن مجلسه لم يجلس فيه) كما رواه مسلم في صحيحه.
مثال خلاف الأولى: كمن آثر غيره بمكانه الأقرب للإمام في نفس الصف.
والحاصل أن الإيثار إذا أدى إلى ترك واجب فهو حرام كالماء وساتر العورة، وإن أدى إلى ترك سنة أو ارتكاب مكروه فمكروه، أو لارتكاب خلاف الأولى مما ليس فيه نهي مخصوص فخلاف الأولى.
وهذا النوع من الإيثار يعرض فاعله للمعاملة بنقيض مقصوده فيكون مستثنى من القاعدة الكبرى.
استدراك على قاعدة (الأمور بمقاصدها) :
هل تشترط النية في التروك؟
(1/163)

قالوا: إن ترك المنهي عنه كالزنا وشرب الخمر والفواحش لا يحتاج إلى نية للخروج عن عهدة النهي، فمن لم يزن أو لم يشرب الخمر أو لم يقتل يعتبر منتهياً عن تلك الأفعال ولو لم تحضره نية الترك.
ولكن هل يثاب على ذلك الترك؟
علمنا مما سبق أن الثواب مترتب على نية التقرب إلى الله تعالى بإيجاد الفعل أو الامتناع عنه، فمن ترك الزنا بدون استحضار نية الترك أو لعدم قدرته عليه، أو كان أعمى فترك النظر المحرم، فهنا لا ثواب على الترك لأنه لم يتقرب إلى الله بهذا الترك، وإنما يحصل الثواب بأن كان قادراً على الفعل ودعته نفسه إليه فكفها عنه طاعة لله وخوفاً من عقابه، فهو يثاب بهذه النية لا بمجرد الترك.
طريقة معرفة حكم الجزئيات من القاعدة الكلية:
فمثلاً قاعدة: (الأمور بمقاصدها) كلية وإذا أردنا أن نتعرف منها حكم جزئية ما مما يندرج تحتها نقول مثلاً: (زيد أعطى فلانا من الناس مالاً) فما حكمه.
فنستخرج من القاعدة الكلية الأمور بمقاصدها أن إعطاك المال قد يكون مقصوداً به التصدق مثلاً، أو الهبة، أو القرض أو الإيداع، أو الوفاء أو غير ذلك من المقاصد، ولما كان لكل مقصد حكم يخصه، نقول: إن كان مقصد زيد من الإعطاء التصدق أو الهبة كان فعله طاعة يثاب عليها، وإن كان قصده إقراضه إياه أو إيداعه عنده كان له حق استرداده وعلى الآخذ وجوب الرد، وهو مضمون على الآخذ في الأولى غير مضمون عليه في الثانية، إذا لم يتعدَّ أو يقصر في الحفظ، وإن كان قصده وفاء دين عليه كان الحكم براءة ذمته ورداً لحق الآخر، لأن الأمور بمقاصدها.
(1/164)

ولو رأينا شخصاً يريد الصلاة ولا يستطيع القيام لمرض أصابه فأقعده فنقول له: صل قاعداً وإن لم تستطع فمضطجعاً أو على جنب لأن المشقة تجلب التيسير، وهكذا.
(1/165)

-- القاعدة الثانية من القواعد الكبرى:
قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) أو (لا يزال، أو لا يرفع) :
أصل هذه القاعدة:
هذه القاعدة من أصول أبي حنيفة رحمه الله وقد عبر عنها في تأسيس النظر بقوله: (الأصل عند أبي حنيفة أنه متى عُرِف ثبوت الشيء من طريق الإحاطة والتيقن لأي معنى كان فهو على ذلك ما لم يتيقن بخلافه) .
وهي الأصل الأول من أصول الإمام الكرخي وعبر عنها بقوله: (إن ما ثبت باليقين لا يزول بالشك) .
أدلة ثبوت هذه القاعدة:
(ا) من الكتاب العزيز:
قوله تعالى: (وما يتَبِعُ أكثرهُم إلا ظناً إنَّ الظن لا يغني من الحقِ شيئاً) . يونس، آية (36) .
(ب) من السنة المطهرة:
1. قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه
(1/166)

أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) .
قال النووي رحمه الله: (وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها) .
2. وفي الصحيحين عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: شُكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجلُ يخيَّلُ إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) .
3. وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً! فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع
(1/167)

كانتا ترغيماً للشيطان) .
4. وروى الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أم اثنتين فليبن على واحدة، فإن لم يتيقن صلى اثنتين أم ثلاثاً فليبن على اثنتين، فإن لم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم) .
(ج) دليل عقلي:
وهو أن اليقين أقوى من الشك، لأن في اليقين حكماً قطعياً جازماً فلا ينهدم بالشك.
معنى القاعدة:
(ا) المعنى اللغوي: اليقين: هو طمأنينة القلب على حقيقة الشيء.
يقال: يقِن الماء في الحوض إذا استقر فيه.
والشك في اللغة: هو مطلق التردد، أو هو التردد بين النقيضين دون ترجيح لأحدهما.
والشك عند الفقهاء: تردد الفعل بين الوقوع وعدمه، فهو قريب من المعنى اللغوي، وأما الشك في اصطلاح الأصوليين: فهو استواء طرفي الشيء، وهو الوقوف بين شيئين حيث لا يميل القلب لأحدهما، فإن ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظن، فإن طرحه فهو غالب الظن، وهو بمنزلة اليقين، وإن لم يترجح فهو وهم.
(1/168)

المدركات العقلية:
ورتب بعضهم المدركات العقلية كالآتي:
1. اليقين: وهو جزم القلب مع الاستناد إلى الدليل القطعي.
2. الاعتقاد: جزم القلب من غير استناد إلى الدليل القطعي، ومثلوا له باعتقاد العامي.
3. الظن: وهو تجويز أمرين أحدهما أقوى من الآخر.
4. الشك: وهو تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، أي متساويين.
5. الوهم: تجويز أمرين أحدهما أضعف من الآخر مع إدراك الجانب المرجوح.
(ب) معنى القاعدة في الاصطلاح الفقهي:
(إن الأمر المتيقن ثبوته لا يرتفع إلا بدليل قاطع، ولا يحكم بزواله لمجرد الشك، كذلك الأمر المتيقن عدم ثبوته لا يحكم بثبوته بمجرد الشك، لأن الشك أضعف من اليقين فلا يعارضه ثبوتاً وعدماً) .
وبعبارة أخرى: إذا ثبت أمر من الأمور ثبوتاً يقينياً قطعياً وجوداً وعدماً ثم وقع الشك في وجود ما يزيله، يبقى المتيقن هو المعتبر إلى أن يتحقق السبب المزيل.
مكانة هذه القاعدة:
هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه والمسائل المخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه أو أكثر.
(1/169)

أمثلة لهذه القاعدة وبعض الفروع المخرجة عليها:
المتيقن للطهارة إذا شك في الحدث فهو متطهر عند الأئمة الثلاثة، أبي حنيفة، والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، وأما عند مالك رحمه الله: فمن شك في الطهارة يجب عليه الوضوء، بناء على قاعدة تقول: (الشك في الشرط مانع من ترتب المشروط) .
والطهارة شرط في صحة الصلاة، فالشك فيها مانع من صحة الصلاة، وحمل الأحاديث الواردة والتي ذكرت دليلاً للقاعدة، على المتلبس بالصلاة فعلاً، وأما من كان خارج الصلاة وشك في الطهارة فيجب عليه التطهر بناء على القاعدة آنفة الذكر.
وإذا ثبت دين على شخص وشككنا في وفائه، فالدين باق.
وإذا وقع النكاح بين رجل وامرأة بعقد صحيح، ثم وقع الشك في الطلاق، فالنكاح باق لأنه شك طرأ على يقين فوجب إطراحه، ويقول ابن قدامة هنا: والورع التزام الطلاق، فإن كان المشكوك فيه طلاقا رجعياً راجع امرأته إن كانت مدخولاً بها، أو جدد نكاحها إن كانت غير مدخول بها أو انقضت عدتها، وإن شك في طلاق ثلاث طلقها واحدة وتركها.
نص الفقهاء على عدم جواز البيع مجازفة في الأموال الربوية كالمكيلات والموزنات، لأن المماثلة في بيعها شرط محقق، والمماثلة مع المجازفة مشكوك فيها، فلا تثبت
(1/170)

صحة بين المجازفة بناء على الأصل المقرر وهو: (إن الحكم المعلق على شرط أو المشروط بشرط، إذا وقع الشك في وجود شرطه لا يثبت) لأن ما ليس ثابتاً بيقين لا يثبت بالشك والثابت بيقين لا يزول بالشك.
ْْْْْْْْْْْْ
(1/171)

-- القواعد الكلية المندرجة تحت قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) :
1. القاعدة الأولى:
قاعدة (الأصل بقاء ما كان على ما كان) .
وهي قاعدة: (ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه) .
معنى القاعدة:
(أن ما ثبت على حال في الزمان الماضي، ثبوتاً أو نفياً، يبقى على حاله ولا يتغير ما لم يوجد دليل يغيره) .
وهذه القاعدة: دليل الاستصحاب.
معنى الاستصحاب وأنواعه:
(ا) معنى الاستصحاب في اللغة:
مأخوذ من الصحبة قال ابن فارس: الصاد والحاء والباء أصل واحد يدل على مقارنة شيء ومقاربته، وكل شيء لاءمَ شيئاً فقد استصحبه.
وقال في القاموس: استصحبه دعاه إلى الصحبة ولازمه.
فيكون معنى الاستصحاب: الملازمة وعدم المفارقة والملاءمة.
(ب) في الاصطلاح الأصولي:
الاستصحاب عند الأصوليين أنواع هي:
(1/172)

1. استصحاب النص إلى أن يرد نسخ (أي العمل بالنص من كتاب أو سنة حتى يرد دليل ناسخ) وهذا متفق عليه بينهم.
2. استصحاب العموم إلى أن يرد دليل تخصيص (أي العمل باللفظ العام حتى يرد المخصص، فيقتصر العام على بعض أفراده وهذا أيضاً متفق عليه بينهم.
3. استصحاب الحال وهو (ظن دوام الشيء بناء على ثبوت وجوده قبل ذلك) . وهذا قريب من تعريف الفقهاء التالي للاستصحاب وقد اختلف الأصوليون في كونه حجة أو ليس بحجة: فذهب الأكثرون منهم مالك وأحمد وجماعة من أصحاب الشافعي، كالمزني والصيرفي وإمام الحرمين، والغزالي، إلى أنه حجة.
وذهب جمهور الحنفية وأبو الحسين البصري، وجماعة من المتكلمين وأبو الخطاب من الحنابلة إلى أنه ليس بحجة.
(1/173)

وأما الاستصحاب في الاصطلاح الفقهي وهو مدار البحث فهو: (لزوم حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه) كالملك عند جريان العقد المملّك وكشغل ذمة المتلف عند وقوع الاتلاف، وذمة المديون عند مشاهدة استدانته.
وقال الجرجاني في تعريفه لاستصحاب: هو عبارة عن إبقاء ما كان على ما كان عليه لانعدام المغير) وهذا قريب من نص القاعدة.
وكما قال أيضاً في تعريفه (هو الحكم الذي يثبت في الزمان الثاني بناء على الزمان لأول) .
ويكون التعريف الأول منهما تعريفاً للمعنى المصدري للاستصحاب، والثاني تعريفاً للمفعول وهو المستصحب.
أقسام الاستصحاب عند الفقهاء الحنفية:
الأول: استصحاب الماضي للحال وهذا القسم متفق عليه عند جميع المذاهب وهو الذي دل عليه تعريف الاستصحاب الفقهي السابق، ومعناه أن الشيء إذا كان على حال في الزمان الماضي فهو على حاله في المستقبل ما لم يوجد ما يغيره.
وهذا القسم هو الذي تشير إليه قاعدتنا، ومن أمثلته وفروعه:
مسألة الفقود الذي انقطع خبره ولم يعلم موته ولا حياته، فهو يحكم بحياته، لأنه حين تغيبه كانت حياته محققة، فما لم يقم دليل على موته حقيقة أو يحكم بموته فهو حي حكماً، فليس لورثته اقتسام تركته، ولا تؤخذ وديعته من مودَعه، ولا تبين منه امرأته.
الثاني: استصحاب الحال للماضي: ومعناه أن الشيء على حالته الحاضرة
(1/174)

بحكم أنه كان عليها في الزمن الماضي ما لم يقم دليل التغيير، هذا القسم قال به الحنفية والشافعية، وسموه الاستصحاب المعكوس أو المقلوب، ومن أمثلته عندهم:
الاختلاف في جريان ماء الطاحون أو البالوعة أو الماء الذي يجري إلى دار أحد أو أرضه بأنه حادث أو قديم. فإذا وقع الخلاف فيه ينظر إليه قبل وقت الخصومة هل كان موجوداً أو غير موجود، فإن كان موجوداً يحكم ببقائه على الحال التي وُجِد عليها.
ومنها: مات نصراني فجاءت امرأته مسلمة وقالت: أسلمت بعد موته فاستحق في ميراثه، وقال الورثة: بل أسلمت قبل موته، فلا ميراث لك.
فعند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد القول قول الورثة. والتعليل: أن سبب الحرمان من الميراث وهو اختلاف الدين قائم في الحال، فثبت فيما مضى تحكيماً للحال، كما في جريان ماء الطاحون، وعند زفر بن الهذيل أن القول للزوجة. والتعليل أن إسلامها حادث والحادث يضاف إلى أقرب أوقاته.
حكم الاستصحاب:
1. عند الحنفية: الاستصحاب عند أكثر الحنفية يصلح حجة للدفع لا للاستحقاق وهذا نص القاعدة عند الكرخي حيث قال: (الأصل أن الظاهر يدفع الاستحقاق ولا يوجبه) كمسألة المفقود التي سبقت، حيث أن استصحاب حياته يمنع تقسيم تركته وبينونة امرأته، ولكنه لو مات شخص يرثه المفقود فلا يستحق المفقود من إرثه شيئاً لعدم تحقق حياته عند موته مورثه.
(1/175)

فاستصحاب حياة المفقود لم يصلح حجة لاستحقاقه الإرث في حال غيبته والتعليل عندهم: (أن الثابت باستصحاب الحال يصلح حجة لإبقاء ما كان على ما كان ولا يصلح لإثبات ما لم يكن) .
ولذلك قالوا: كون الاستصحاب يصلح حجة للدفع يدخل تحت قاعدة اليقين لا يزول بالشك، فالمفقود تجري عليه أحكام الأحياء فيما كان له، لأن حياته حين تغيبه متيقنة وموته مشكوك فيه، فيدخل تحت قاعدة اليقين لا يزول بالشك، وأما فيما لم يكن له فتجري عليه أحكام الأموات فلا يرث أحداً إلا ببرهان على حياته كأنه ميت حقيقة.
وبناء على أن الاستصحاب لا يصلح للاستحقاق قالت الحنفية: إن الجزء إذا بيع من الدار وطلب الشريك الشفعة فأنكر المشتري ملك الطالب فيما في يده فالقول للمشتري ولا شفعة للطالب إلا بينة.
2. عند المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية إن الاستصحاب يصلح حجة للدفع والاستحقاق حيث قالوا: إن المفقود يرث ولا يورث، لأنه قبل فقده كان حياً يقيناً فيجب استصحابه حياته حتى يظهر خلاف ذلك.
والحنابلة يوقفون نصيب المفقود لحين ظهور حياته أو موته، فإن ظهر حياً ورث، وإلا رد المال لورثة مورث المفقود.
من فروع هذه القاعدة:
من تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو متطهر، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة
(1/176)

فهو محدث.
شك في الطاهر المغير للماء هل هو قليل أو كثير، فالأصل بقاء الطهورية.
أحرم بالعمرة ثم الحج، وشك، هل كان أحرم بالحج قبل طواف العمرة فيكون إحرامه بالحج صحيحاً أو بعده فيكون باطلاً، حكم بصحة إحرامه بالحج؛ لأن الأصل جواز الإحرام بالحج حتى يتيقن أن إحرامه بالحج كان بعد طواف العمرة.
وكمن تزوج وأحرم ولم يدر هل أحرم قبل تزوجه أو بعده! قالوا: إن الشافعي نص على صحة نكاحه، لأن الأصل عدم الإحرام.
أحرم بالحج ثم شك هل كان إحرامه في أشهر الحج أو قبلها؟ كان إحرامه بالحج صحيحاً؛ لأنه على يقين من هذا الزمان، وعلى شك من تقدمه.
أكل آخر النهار بلا اجتهاد وشك في الغروب، بطل صومه؛ لأن الأصل بقاء النهار، وأما من أكل آخر الليل وشك في طلوع الفجر صح صومه؛ لأن الأصل بقاء الليل، وكذا لو وقف بعرفة آخر الليل وشك في طلوع الفجر صح حجه.
تعاشر الزوجان مدة مديدة ثم ادعت الزوجة عدم الكسوة والنفقة، فالقول قولها عند عدم بينة الزوج مع يمينها؛ لأن الأصل بقاؤهما في ذمته وعدم أدائهما، كالمديون إذا ادعى دفع الدين وأنكر الدائن.
ولو ادعت المطلقة امتداد الطهر وعدم انقضاء العدة صدقت ولها النفقة؛ لأن الأصل بقاؤها، أي العدة.
استثناء من قاعدة الاستصحاب:
الأمين يصدق يمينه في براءة ذمته: لو ادعى الأمين أنه أعاد الوديعة لصاحبها أو أنها تلفت في يده بلا تعدِّ منه أو تقصير، يقبل ادعاؤه مع يمينه، مع أنه كان يجب
(1/177)

بمقتضى قاعدة الاستصحاب أن يعد الأمين مكلفاً بإعادة الأمانة ما لم يثبت إعادتها، لأن الحال الماضي هو وجود الأمانة عند المودع.
ولكن السبب في تصديقه بيمينه: أن الأمين هنا يدَّعي براءة الذمة من الضمان، وأما المودع فهو يدعي شغل ذمة الأمين، وذلك خلاف الأصل: (لأن الأصل براءة الذمة) .
ومن هنا نرى أن كل استثناء من قاعدة يندرج تحت قاعدة أخرى.
قاعدة متفرعة على قاعدة الاستصحاب:
تفرع على قاعدة الاستصحاب قاعدة تقول: (القديم يترك على قِدَمِه ولا يغير إلا بحجة) .
أي أن القديم المشروع يجب أن يترك على حاله ما لم يثبت خلافه، لأن بقاء الشيء مدة طويلة دليل على أنه مستند إلى حق مشروع، فيحكم بأحقيته، وذلك من باب حسن الظن بالمسلمين بأنه ما وضع إلا بوجه شرعي.
ما لم يكن هذا القديم ضاراً فيجب إزالته بناءً على القاعدة التي تقول: (الضرر لا يكون قديماً) أي لا يعتبر قِدَمه حجة في بقائه.
والمراد بالقديم هنا ما لا يعرف أوله ومبدؤه، لا ما يعرف مبدؤه لا يكون قديماً.
(1/178)

-- القاعدة الكلية الفرعية الثانية:
-- قاعدة: (الأصل براءة الذمة) :
دليل هذه القاعدة:
هذه القاعدة مأخوذة من الحديث الشريف وهو قوله صلى الله عليه وسلم (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) .
المعنى اللغوي للقاعدة:
المراد بالأصل في نص القاعدة (القاعدة المستمرة) كقولهم: الأصل أن الفاعل مرفوع.
الذمة في اللغة: العهد والأمان إذ أن نقض العهد موجب للذم.
والذمة عند الفقهاء: بمعنى النفس أو الذات التي لها عهد، والمراد بها هنا: أهلية الإنسان لتحمل عهدة ما يجري بينه وبين غيره من العقود الشرعية أو التصرفات.
المعنى الفقهي للقاعدة:
القاعدة المستمرة أن الإنسان بريء الذمة من وجوب شيء أو لزومه، وكونه مشغول الذمة خلاف الأصل.
ولأن الأصل براءة ذمة الإنسان، فالمتمسك بالبراءة متمسك بالأصل، والمدعى متمسك بخلاف الأصل، ولذلك لا يقبل في دعوى شغل الذمة شاهد واحد ما لم يعتضد بشاهد آخر أو يمين المدعى عليه، ولذلك كان القول للمدعى عليه مع
(1/179)

يمينه عند عدم البينة لأنه متمسك بالأصل.
وتعليل ذلك أن المتمسك بالأصل متمسك بالظاهر، والمتمسك بخلاف الأصل متمسك بخلاف الظاهر، وكل من يتمسك بخلاف الظاهر ويريد إثبات أمر عارض فهو مدَّع والمدعي تجب عليه البينة كما نص الحديث لأنه مثبت.
وكل من يتمسك بالظاهر منكر للأمر العارض فهو مدّعى عليه فعليه اليمين لأنه نافٍ ولا سبيل لإقامة البينة على النفي.
وقد عبر عن ذلك أبو الحسن الكرخي في أصوله بقوله: (الأصل أن من ساعده الظاهر فالقول قوله والبينة على من يدعي خلاف الظاهر) .
وهذا الأصل أي براءة الذمة إنما يعتبر ويكون القول قول من يتمسك به مع يمينه إذا شهد له ظاهر سواء كان الظاهر هو الأصل بحسب ما يتبادر أو بحسب المعنى.
مثال ذلك: إذا ادعى رجل على بكر بالغة أنَّ وليها زوجها منه قبل استئذانها، فلما بلغها سكتت وقالت: بل رددت. فالقول لها في الراجح؛ لأن الزوج يدعي سكوتها ليتملك بضعها من غير ظاهر معه، وهي تنكر، والظاهر هو الاستمرار على الحالة المتيقنة، وهي عدم ورود ملك عليها الذي هو الأصل، فكانت هي متمسكة بأصل معنى هو الظاهر، فكان القول لها، كالمودَع يدعي رد الوديعة والمودِع ينكر، فإن القول لمدعي الرد وإن كان مدعياً صورة لتمسكه بالأصل الظاهر وهو فراغ ذمته
(1/180)

وبراءتها من الضمان لكونه ظاهراً.
أما إن أقام الزوج البينة على سكوتها فيعمل بها.
من أمثلة هذه القاعدة وفروعها:
اختلفا في قيمة المتلف، حيث تجب قيمته على متلفه كالمستعير، والمستام والغاصب، والمودع المتعدي، فالقول قول الغارم، مع يمينه لأن الأصل براءة ذمته مما زاد.
لو أقر شخص بشيء أو حق قُبِل تفسيره بماله قيمة، والقول للمقر مع يمينه.
(1/181)

-- القاعدة الكلية الفرعية الثانية:
-- قاعدة: (ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين) .
أو (الذمة إذا أعمرت بيقين فلا تبرأ إلا بيقين) .
هاتان القاعدتان في الحقيقة بيان للقاعدة الكبرى، لأن اليقين إذا لم يُزل بالشك فهو يزول ويرتفع بيقين مثله.
أصل هذه القاعدة: قال السيوطي في الأشباه: إن هذه القاعدة ذكرها الشافعي رضي الله عنه.
ويرتبط بهاتين القاعدتين قواعد:
1. من شك هل فعل شيئاً أو لا؟ فالأصل أنه لم يفعله.
وهذه في الحقيقة تعود إلى القاعدة السابقة الأصل براءة الذمة.
2. قاعدة من تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير حمل على القليل لأنه المتيقن، اللهم إلا أن تشتغل الذمة بالأصل فلا تبرأ إلا بيقين.
3. قاعدة عند المالكية: (إن الشك في النقصان كتحققه، وإن الشك في الزيادة كتحققها) .
فروع هذه القاعدة وأمثلة لها:
شك في ترك مأمور في الصلاة: قالوا يسجد للسهو.
شك في ارتكاب فعل منهي عنه وهو في الصلاة فلا يسجد؛ لأن الأصل عدم الفعل.
(1/182)

سها وشك هل سجد للسهو؟ يسجد، لأن الذمة أعمرت بيقين، والسجود مشكوك فيه، فعليه باليقين وهو السجود فعلاً.
من شك في صلاة هل صلاها أو لا؟ أعاد في الوقت، وإن خرج الوقت فلا إعادة.
من عليه دين وشك في قدره، لزمه إخراج القدر المتيقن به إبراء الذمة.
وإن شك في ركوع أو سجود وهو فيها أعاد، وإن كان بعدها فلا يعيد.
ولو شك أصلى ثلاثاً أم أربعاً، أتى برابعة.
أو شك في بعض أشواط الطواف أو السعي، أو شك هل أتى بالثالثة في الوضوء أم لا؟ في كل ذلك يبني على الأقل لأنه المتيقن.
شك في حصول التفاضل في عقود الربا، فالعقد باطل.
لو نسي صلاة من الخمس تلزمه الخمس.
لو كان عليه زكاة بقر وشياه وإبل وشك في أن عليه كلها أو بعضها لزمه زكاة الكل؛ لأن ذمته هنا مشغولة بالأصل فلا يبرأ إلا مما تيقن أداءه.
لو شك هل طلق أو لم يطلق؟ لم يقع الطلاق، لأن الإباحة متيقنة بعقد النكاح، والطلاق المحرم مشكوك فيه، فلا يزول اليقين بالشك، وقد سبق أن ذكرنا قول ابن قدامة: الورع التزام الطلاق.
وكذلك لو شك أنه طلق واحدة أو أكثر بنى على الأقل لأنه المتيقن، والمسألة فيها خلاف.
وإذا شك فيما عليه من صيام، أو شكّت فيما عليها من عدة هل هي عدة طلاق أو وفاة ينبغي أن يلزم الأكثر عليها وعلى الصائم أخذاً بالأحوط، وهذا بناء على قاعدة (الشك في الزيادة كتحققها) ، وأيضاً فإن الذمة أعمرت هنا بيقين فلا تبرأ إلا بيقين، والله أعلم.
(1/183)

-- القاعدة الكلية الفرعي الرابعة:
قاعدة: (الأصل العدم) :
أو (الأصل في الصفات أو الأمور العارضة العدم) .
وردت هذه القاعدة بالعبارة الأولى عند ابن نجيم والسيوطي.
مقدمة:
الأشياء لها صفات وهذه الصفات نوعان:
(ا) صفات أصلية: وهي ما كان الأصل وجودها في الموصوف ابتداءً مثل كون المبيع صحيحاً سليماً من العيوب، وكون رأس مال المضاربة على حاله خالياً من الربح أو الخسارة.
(ب) صفات عارضة: وهي صفاتٌ الأصل عدم وجودها في الموصوف، ولم يتصف بها ابتداءً، كالعيب في المبيع والربح والخسارة في مال المضاربة.
مثال: لو اشترى شخص من آخر فرساً أو سيارة، وتسلمه ثم ادعى أن فيه عيباً قديماً، وادعى البائع السلامة من العيوب، ولا بينة لأحدهما فالقول قول البائع مع يمينه، لأن الصحة من الصفات الأصلية والأصل فيها الوجود، والذي يدعي الصفة الأصلية متمسك بأصل متيقن وظاهر، فالقول له مع يمينه لأنه مدعى عليه، والذي يدعي الصفة العارضة متمسك بخلاف الأصل وهو مشكوك فيه فكان مدعياً، ومن ادعى خلاف الأصل فعليه البيِّنة.
معنى القاعدة:
(1/184)

(أنه عند الاختلاف في ثبوت الصفة العارضة وعدمها القول قول من يتمسك بعدمها مع يمينه) .
فروع على هذه القاعدة وأمثلة لها:
إذا اختلف شريكا المضاربة في حصول الربح وعدمه، فقال رب المال: ربحت ألفاً وقال المضارب: ما حصل ربح، فالقول للمضارب مع يمينه، لتمسكه بالأصل وهو عدم الصفة العارضة وهي الربح، والبينة على رب المال لإثبات الربح، لأنه يدعي خلاف الأصل، فيحتاج للإثبات.
إذا باع شخص من آخر بقرة، ثم طلب المشتري ردها لكونها غير حلوب، فأنكر البائع وقوع البيع على هذه الشرط، فالصفة الأصلية في البقرة كونها غير حلوب، وصفة الحلب طارئة، فالقول هنا للبائع الذي يدعي عدم حصول هذا الشرط، وعلى المشتري الذي يدعي خلاف الأصل إثبات ما يدعيه.
لو باع الوكيل نسيئة (أي بالدين) فقال موكله: أمرتك بنقد، وقال الوكيل: بل أطلقت أي لم تحدد صُدِّق الآمر مع يمينه، لتمسكه بالصفة الأصلية في الوكالة وهي الخصوص.
ومنها لو ثبت على أحد دين بإقرار أو بينة، ثم ادعى الأداء أو الإبراء، فالقول لغريمه مع يمينه، لأن الأصل عدم ذلك، فثبوت الدين في الذمة متيقن، ودعوة الأداء أو الإبراء بعد ذلك مشكوك فيها، فالقول لصاحب اليقين وهو الدائن وعلى المدين البينة.
لأن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين مثله، ودعوى الأداء أو الإبراء صفة عارضة فعلى مدعيها البينة.
(1/185)

من مستثنيات هذه القاعدة:
1. إذا أراد الواهب الرجوع في الهبة، وادعى الموهوب له تلف الهبة، فالقول له بلا يمين، والعلة في ذلك؛ أن تلف الهبة وصف عارض وهو خلاف الأصل، فكان الواجب بمقتضى القاعدة أن يكون الموهوب له مكلفاً بإثبات ذلك، لكن بما أن الموهوب له هنا ينكر وجوب الرد على الواهب، فأصبح شبيهاً بالمستودع الذي يدعي براءة الذمة.
2. كذلك إذا تصرف الزوج في مال الزوجة فأقرضه آخر، وتوفيت الزوجة وادَّعى ورثتها أن الزوج تصرف في المال بدون إذن وطلبوا الحكم بضمانه، وادعى الزوج أن تصرفه كان بإذنها، فالقول للزوج مع يمينه، مع أن الإذن الذي ادعاه الزوج من الصفات العارضة، فكان الواجب أن يكون القول للورثة؛ ولكن الزوج هنا ينكر الضمان ويتمسك بأصل أقوى وهو براءة الذمة، فكان القول له مع يمينه.
(1/186)

-- القاعدة الكلية الفرعية الخامسة:
قاعدة: (الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته) :
أو (الأصل في كل حادث تقديره بأقرب زمن) .
معنى هذه القاعدة:
(إذا وقع اختلاف في زمن حدوث أمر، ولا بينة ينسب هذا الأمر إلى أقرب الأوقات إلى الحال، ما لم يثبت نسبته إلى زمن أبعد) .
تعليل ذلك: (إن أحكام الحوادث ونتائجها وما يترتب عليها كثيراً ما تختلف باختلاف تاريخ حدوثها، فعند التنازع في تاريخ الحادث يحمل على الوقت الأقرب إلى الحال حتى يثبت الأبعد، لأن الوقت الأقرب قد اتفق الطرفان على وجود الحادث فيه وانفرد أحدهما بزعم وجوده قبل ذلك.
فوجود الحادث في الوقت الأقرب متيقن وفي الأبعد مشكوك.
فروع على هذه القاعدة وأمثلة لها:
لو تبين في المبيع عيب بعد القبض وادعى البائع حدوثه عند المشتري وادعى المشترى حدوثه عند البائع، فالقول لمدّعي الوقوع في الزمن الأقرب، ويعتبر العيب هنا حادثاً عند المشتري، فيكون القول للبائع منع يمينه، وليس للمشتري حق فسخ البيع حتى
(1/187)

يثبت أن العيب قديم عند البائع، إلا أن يكون العيب مما لا يحدث، بل هو من أصل الخلقة كالخيّف في الفرس.
ويمكن لهاذ المثال أن يندرج أيضاً تحت قاعدة: (الأصل العدم) ، حيث إن المشتري متمسك بالوصف العارض والأصل فيه العدم فيكون القول للبائع مع يمينه لأنه متمسك بوصف أصلي هو سلامة المبيع من العيب.
من رأى في ثوبه منياً ولم يذكر احتلاماً لزمه الغسل وتجب عليه إعادة كل صلاة صلاها من آخر نومه نامها فيه.
ومن ضرب بطن حامل فانفصل الولد حياً، وبقي زماناً بلا ألم ثم مات، فلا ضمان على الضارب لأن الظاهر أن الولد مات بسبب آخر إلا إذا عاضد ذلك السبب ظاهر قوي كمن جُرح وبقي زماناً يتألم من جرحه ثم مات إذ ينسب الموت هنا إلى الجرح لأنه سبب ظاهر مع احتمال أن يكون مات بغيره.
إذا ادَّعت الزوجة أن زوجها طلقها أثناء مرض الموت (طلاق الفار) وطلبت الإرث وادعى الورثة أنه طلقها في حال صحته، وأنه لا حق لها في الإرث، فالقول للزوجة، لأن الأمر الحادث المختلف على زمن وقوعه هنا هو الطلاق، فيجب أن يضاف إلى الزمن الأقرب، وهو مرض الموت الذي تدعيه الزوجة، ما لم يقم الورثة البينة على أن طلاقها كان حال الصحة.
إذا ادعى المحجور عليه أو وصيه أن عقد البيع الذي أجراه المحجور قد حصل بعد صدور الحكم بحجره، وطلب فسخ البيع، وادعى المشتري حصول البيع قبل تاريخ
(1/188)

الحجر، فالقول للمحجور أو وصيه، لأن وقوع البيع بعد الحجر أقرب زمناً مما يدعيه المشتري، وعلى المشتري إثبات خلاف الأصل وهو حصول البيع له قبل صدور الحكم بالحجر.
من مستثنيات هذه القاعدة:
إذا قال الوكيل بالبيع بعت وسلمت قبل العزل عن الوكالة، وقال الموكل: بل بعت وسلمت بعد العزل، كان القول للوكيل إن كان المبيع مستهلكاً، ولو فرعنا على القاعدة لكان القول قول الموكل لأنه يضيف الفعل إلى الزمن الأقرب، ولكن قالوا: إن القول للوكيل مع يمينه لأنه ينفي عن نفسه الضمان ويندرج تحت قاعدة (الأصل براءة الذمة) بخلاف ما إذا كان المبيع قائماً لم يستهلك فالقول للموكل مع يمينه.
وإذا قال شخص لغيره: قطعت يدك وأنا صغير فقال المقر له: بل قطعتها وأنت كبير، كان القول للمقر، لأنه ينفي عن نفسه الضمان مع أنه تبعاً للقاعدة يكون القول للمقر له لأنه يضيف الحادث إلى أقرب أوقاته.
إذا ادعت زوجة ذمي نصراني أو يهودي أنها أسلمت بعد وفاة زوجها، وأن لها الحق في أن ترث منه لكونها على دينه حين وفاته، وادعى الورثة أنها أسلمت قبل وفاته فلا ترث لاختلاف الدين، فهذا الفرع تنازعه أصلان: الأصل الأول الاستصحاب المعكوس أو المقلوب، وهو أن اختلاف الدين سبب للحرمان من الإرث وهو موجود بالحال، فاستصحب الحال للماضي فاعتبرت الزوجة مسلمة في الزمن السابق أيضاً فلا ترث، ويكون القول للورثة وعلى الزوجة البينة، وبهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد.
(1/189)

والأصل الثاني إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، فيكون القول للزوجة؛ لأن اعتناقها الإسلام أمر حادث والزوجة تدعي حدوثه في الوقت الأقرب، وعلى الورثة أن يثبتوا خلاف الأصل.
وبهذا قال زفر بن الهذيل تلميذ أبي حنيفة، فلو نظرنا إلى الأصل الأول نقول إن هذه المسألة مستثناة من الأصل الثاني، وإذا نظرنا إلى الأصل الثاني تكون هذه المسألة مستثناة من الأصل الأول.
ونلاحظ هذا أن المسائل المستثناة من أي قاعدة تندرج تحت قاعدة أخرى أوجبت التعارض فلزم الترجيح، ومن هنا قال ابن نجيم وغيره: إن هذه المسائل تحتاج إلى نظر دقيق للفرق بينها.
(1/190)

-- القاعدة الكلية السادسة:
قاعدة: (هل الأصل في الأشياء الإباحة أو الحرمة؟)
في هذه المسألة ثلاثة أقوال ولكل قول أدلته:
القول الأول: الأصل في الأشياء الإباحة، وهذا قول الأكثرين.
ومن أدلة هذا القول:
(ا) من الكتاب العزيز:
1. قوله تعالى: (هو الذي خلَقَ لكم ما في الأرضِ جميعاً) . سورة البقرة، آية (29) . والاستدلال بهذه الآية من وجهين.
الوجه الأول: إن هذه الآية وردت في مقام الامتنان فقد امتن الله سبحانه وتعالى علينا بخلق ما في الأرض لنا، وأبلغ درجات المن الإباحة.
والوجه الثاني: أن الله عز وجل أضاف ما خلق لنا باللام، واللام تفيد الملك وأدنى درجات الملك إباحة الانتفاع بالمملوك.
2. قوله تعالى: (قُل مَن حرَّمَ زينةَ الله التي أخرَجَ لِعِبادهِ والطيباتِ من الرزقِ) . سورة الأعراف، آية (32) . حيث أنكر سبحانه وتعالى من حرَّم ذلك، فوجب أن لا تثبت حرمته، وإذا لم تثبت حرمته ككل امتنع ثبوت الحرمة في فرد من أفراده لأن المطلق جزء من المقيد، فلو ثبت الحرمة في فرد من أفراده لثبتت الحرمة في زينة الله وفي الطيبات من الرزق، وإذا انتفت الحرمة بالكلية ثبتت الإباحة.
(1/191)

3. قوله تعالى: (قُل لا أَجِدُ ما أُوحي إليَّ مُحرماً على طاعِمٍ يطعمه إلا أن يكونَ ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لَحمَ خِنزيرِ فإنه رِجسٌ أو فِسقاً أُهِلَّ لغير الله به فَمَنِ اضطُرَّ غير باغٍ ولا عادٍ فإنَّ ربك غفورٌ رحيمٌ) . سورة الأنعام، آية (145) .
فجعل الأصل الإباحة والتحريم مستثن.
4. قوله تعالى: (قُل تعالوا أتْلُ ما حرَّم ربكم عليكم ألا تُشركوا بهِ شيئاً وبالوالِدَينِ إحساناً ولا تقتُلوا أولادَكم من إِملاقٍ نحنُ نرزُقُكُم وإيَّاهُم ولا تقربوا الفواحِشَ ما ظهَرَ منها وما بَطنَ ولا تقتلوا النَّفسَ التي حرَّم اللهُ إلا بالحقِ ذلِكم وصَّاكُم بهِ لعَلَّكُم تَعْقِلُونَ) . سورة الأنعام، آية (151) .
5. قوله تعالى: (قُل إنما حرَّمَ ربي الفواحِشَ ما ظهر منها وما بَطنَ والإثمَ والبغي بغيرِ الحَقِ وأن تُشركوا باللهِ ما لم يُنزّل بهِ سُلطاناً وأن تَقُولوا على الله ما لا تعلَمُونَ) . سورة الأعراف، آية (33) .
ففي هاتين الآيتين بيَّن سبحانه ما حرَّم بتعداده وبطريق الحصر، فدل ذلك على إباحة ما سواه.
(ب) من السنة المطهرة:
1. قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أحل الله فهو حلال، وما حرَّم هو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فأقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً) . الحديث رواه أبو الدرداء وأخرجه البطراني والبزار بسندٍ حسن، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
1. قول صلى الله عليه وسلم: (ما أحل الله فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً) .
2. قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله فرض فلا تضيعوها، ونهى عن
(1/192)

أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها)
وفي لفظ: (وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلفوها رحمة لكم فاقبلوها) .
3. حديث سلمان رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن الجبن والسمن والفراء، فقال: (الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه. وما سكت عنه فهو مما عفا عنه) .
4. قوله صلى الله عليه وسلم: (أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرَّم فحرِّم من أجل مسألته) .
(ج) دليلان عقليان:
1. إن الانتفاع بالمباح انتفاع بما لا ضرر فيه على المالك، وهو الله سبحانه، قطعاً، ولا على المنتفع فوجب أن لا يمتنع كالاستضاء بضوء السراج والاستظلال بظل الجدار.
2. إن الله سبحانه إما أن يكون خلق هذه الأعيان أو الأشياء لحكمة أو لغير حكمة وكونه خلقها لغير حكمة باطل؛ لقول تعالى: (وما خلقنا السماواتِ والأرضَ وما بينهما لاعبين) . سورة الدخان، آية (38) .
والعبث لا يجوز على الحكمة فثبت أنه سبحانه خلقها لحكمة، ولا تخلو هذه الحكمة إما تكون لعود النفع إليه سبحانه أو إلينا،
(1/193)

والأول باطل لاستحالة الانتفاع عليه عز وجل، فثبت أنه خلقها لينتفع بها المحتاجون إليها، فعلى ذلك كان نفع المحتاج مطلوب الحصول أينما كان، فثبت أن الأصل في المنافع الإباحة.
وقال قبله الزركشي: عند الإمام الشافعي رضي الله عنه: (ما لم يدل دليل على تحريمه فهو الحلال) وعن أبي حنيفة رحمه الله: (ما دلَّ الدليل على حله فهو الحلال) .
وقال الحنفية: المختار أن الأصل الإباحة عند جمهور أصحابنا، ودليل هذا القول قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) أخبر سبحانه بأنه خلقه لنا على وجه المنة علينا، وأبلغ وجوه المنة علينا، وأبلغ وجوه المنة إطلاق الانتفاع فثبتت الإباحة.
وذكر في الهداية: (إن الإباحة أصل) وقالوا أيضاً: إن الأصل في الأشياء الإباحة عند بعض أصحابنا ومنهم الكرخي.
فإذا كان الشافعية والحنفية يرون أن الأصل في الأشياء الإباحة فمن إذن الذي يقول إن الأصل في الأشياء التحريم؟
(1/194)

قال ابن نجيم في الأشباه: وقال بعض أصحاب الحديث: الأصل فيها الحظر.
وقال ابن قدامة في الروضة: (وقال ابن حامد والقاضي وبعض المعتزلة: هي على الحظر، لأن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح والله سبحانه المالك، ولم يأذن، ولأنه يحتمل أن في ذلك ضرراً فالإقدام عليه حظرٌ.
أدلة القائلين بأن الأصل التحريم والرد عليها:
1. استدلوا بقوله تعالى: (ولا تقولوا لِما تَصِفُ ألسنتُكم الكذِبَ هذا حَلالٌ وهذا حرامٌ لتفتروا على الله) . سورة النحل، آية (116) . قالوا: أخبر الله سبحانه أن التحريم والتحليل ليس إلينا، وإنما إليه، فلا نعلم الحلال والحرام إلا بإذنه.
ويجاب على دليلهم هذا: بأن القائلين بالإباحة لم يقولوا بذلك من جهة أنفسهم، بل قالوه بالدليل الذي استدلوا به من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأيضاً هذا الدليل كما هو لكم هو عليكم لأنكم حرمتم شيئاً لم يقم الدليل على تحريمه.
2. استدل بعضهم بقوله صلى الله عليه وسلم: (الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه
(1/195)

وعرضه) . الحديث.
فأرشد صلى الله عليه وسم إلة اتقاء الشبهات بترك ما بين الحلال والحرام، ولم يجعل الأصل فيه أحدهما.
وأجيب عن دليلهم هذا: بأن هذا الحديث لا يدل على أن الأصل المنع، لأن المراد بالمشتبهات في الحديث ما تنازعه دليلان أحدهما يدل على إلحاقه بالحلال والآخر يدل على إلحاقه بالحرام، كما يقع ذلك عند تعارض الأدلة، أما ما سكت عنه فهو مما عفا الله عنه.
3. كذلك استدل المانعون بدليل عقلي حيث قالوا: إن التصرف في ملك الغير بغير إذنه لا يجوز، والقول بالإباحة دون دليل تصرف في ملك الله بغير إذنه، وهذا باطل.
وأجيب عن هذه بأن ذلك بالنسبة للعباد لأنهم يصيبهم الضرر عند التصرف في أملاكهم بغير إذنهم، وأما بالنسبة لله عز وجل فذلك غير وارد؛ لأنه سبحانه لا يصيبه ضرر بتصرف العباد فيما يملك، ولم يرد دليل بالمنع.
القول الثالث:
الوقف بمعنى أنه لا يدري هل هنا حكم أولاً، وإن كان فلا ندري أهو إباحة أم حظر؟ وهؤلاء تعارضت عندهم الأدلة فلم يترجح واحد منها.
وأصحاب هذا الرأي بعض الحنفية، وأبو الحسن الأشعري، وأبو بكر الصيرفي، وأبو الحسن الخزري الحنبلي.
(1/196)

ورد على هذا القول: بأن لكل تصرف حكم ولا يخلو تصرف عن حكم عرفه من عرفه وجهله من جهله.
متى يظهر أثر الخلاف؟
يظهر أثر الخلاف في المسكوت عنه، ويتخرج على هذه القاعدة ما أشكل حاله، كالحيوانات التي لم ينص الله عز وجل ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريمها أو تحليلها بدليل عام ولا خاص.
كذلك النباتات التي تنبتها الأرض مما يدل دليل على تحريمها ولا كانت مما يضر مستعمله بل مما ينفعه.
فالحيوان المشكل أمره كالزرافة والفيل مثلاً فيهما وجهان، أصحهما في الزرافة الحل. والنبات المجهول سمِّيته فيه خلاف الأظهر الحل.
ومنها إذا لم يعرف حال النهر هل مباح أو مملوك؟ هل يجري عليه حكم الإباحة أو الملك؟ فيه وجهان.
ومنها لو دخل برجه حمام وشك هل هو مباح أو مملوك؟ فهو أولى به وله التصرف فيه؛ لأن الأصل الإباحة، إلا إذا كان مثله لا يوجد إلا مملوكاً فهو لُقطة، فعليه تعريفه وحفظه حتى يأتي أصحابه.
ويتخرج على هذا الأصل كثير من الأطعمة والأشربة من النباتات والفواكه والحبوب التي ترد إلينا من بلاد بعيدة ولا نعرف أسماءها ولم يثبت ضررها.
ويتخرج عليها أيضاً كثير من أنواع الفرش والأثاث والآلات المستحدثة فيما لا يندرج تحت نهي.
كما يتخرج عليها أيضاً بعض أنواع العقود المستحدثة والمعاملات الجديدة إذا
(1/197)

ثبت خلوها عن الربا والجهالة والغرر والضرر.
استثناء: استثنى من هذه القاعدة قاعدة أخرى متفق عليها هي:
(1/198)

القاعدة الكلية الفرعية السابعة:
(الأصل في الأبضاع التحريم) .
(الأصل في الذبائح التحريم) .
المراد بالأبضاع: الفروج، جمع بُضع وهو الفرج كناية عن النساء والنكاح، أي أن الأصل في النكاح الحرمة والحظر وأبيح لضرورة حفظ النسل، ولذلك لم يبحه الله سبحانه وتعالى إلا بإحدى طريقتين: هما العقد وملك اليمين، وما عداهما فهو محظور.
ولهذا لو تقابل في المرأة حِل وحرمة، غُلّبت الحرمة:
فلو أن رجلاً له جوارٍ أعتق واحدة منهم بعينها، ثم نسيها فلم يدر أيتهن أعتق، لم يسعه أن يتحرى للوطء ولا للبيع بمعنى أنه يحرم عليه أن يطأ واحدة منهن أو يبيعها ولو تحرى واجتهد، كما لا يسع الحاكم أن يخلي بينهن وبينه حتى يبين المعتقة من غيرها.
وكذلك إذا طلق إحدى نسائه بعينها ثلاثاً ثم نسيها، هذا رأي الجمهور في هذه المسألة، وعند أحمد بن حنبل رحمه الله قولان في هذه المسألة:
الأول: أنها تعين بالقرعة، ويحل له البواقي، لأن القرعة قامت مقام الشاهد والخبر للضرورة.
القول الثاني: لا يقرع بل يتوقف حتى يتبين، واختار ابن قدامة الثاني وجمهور الحنابلة الأول.
كذلك امتنع الاجتهاد فيما إذا اختلطت محرَّمة بنسب أو رضاع، بنسوة قرية محصورات، لأنه ليس أصلهن الإباحة حتى يتأيد الاجتهاد باستصحابه، وإنما جازِ
(1/199)

النكاح في غير صورة المحصورات رخصة من الله لئلا ينسد باب النكاح عليه.
ولو وكل شخص آخر في شراء جارية ووصفها فاشترى الوكيل الجارية بالصفة ومات قبل أن يسلمها للموكل، لم يَحُل للموكل وطؤها؛ لاحتمال أن الوكيل اشتراها لنفسه، وإن كان شراء الوكيل للجارية بالصفات المذكورة ظاهراً في الحل، ولكن الأصل التحريم حتى يتيقن الحل.
(1/200)

-- القاعدة الكلية الفرعية الثامنة:
قاعدة: (لا عبرة للدلالة فهي مقابلة التصريح) .
ما المراد بالدلالة هنا؟
المراد بالدلالة هنا غير اللفظ من حال أو عرف أو إشارة أو يد أو غير ذلك، وأما الصريح فهو عند العلماء ما كان المراد منه ظاهراً ظهوراً بيِّناً وتاماً ومعتاداً نطقاً أو كتابة.
معنى القاعدة:
أن التصريح بالمراد أقوى من الدلالة فإذا تعارضاً أي الصريح والدلالة، فلا عمل للدلالة ولا اعتداد بها، وأما عند عدم التعارض فيعمل بالدلالة لأنها في حكم التصريح وقوته، وهذا في المواضع التي جعلوا السكوت فيها كالنطق.
-- التعليل:
وكان ذلك لأن دلالة الحال في مقابلة الصريح ضعيفة، فلا تقاوم التصريح القوي.
مجال العمل بهذه القاعدة:
مجال هذه القاعدة الأحكام المتعلقة بالتعبير عن الإرادة من إيجاب وقبول وإذن ومنع رضا ورفض، ونحو ذلك.
فعلى ذلك لو أن شخصاً كان مأذوناً بدلالة الحال بعمل شيء فمنع
(1/201)

صراحة عن عمل ذلك الشيء فلا يبقى اعتبار لحكم ذلك الإذن الناشئ عن الدلالة.
أمثلة على القاعدة وفروع لها:
إذا دخل إنسان دار آخر بإذنه فوجد إناءً معداً للشرب فهو إذن بالشرب دلالة، فإذا أخذ ذلك الإناء ليشرب منه فوقع من يده وانكسر، فهو غير ضامن، وأما لو نهاه صاحب البيت أو الدار عن الشرب منه، ثم أخذه ليشرب به فوقع وانكسر، فإنه يضمن قيمته؛ لأن التصريح بالنهي أبطل حكم الإذن المستند إلى دلالة الحال، ففي صورة عدم التصريح بالنهي هو مأذون شرعاً بالدلالة (والجواز الشرعي ينافي الضمان) كما سيأتي إن شاء الله، وأما التصريح بالنهي فإنه يعدم بالدلالة فلا حكم لها.
والأمين له السفر بالوديعة دلالة فأما إذا نهاه المودع عن السفر بها صراحة فليس له السفر بها؛ لأن التصريح أقوى من الدلالة.
في قوله تعالى: (فإن لم يكن له ولدٌ وورثهُ أبواهُ فلأمِّهِ الثلث) . تخصيص الأم بالثلث بيان لكون الأب يستحق الباقي ضرورة ودلالة.
ولو تصدِّق على إنسان فسكت المتصدَّق عليه يثبت له الملك ولا حاجة إلى قوله: قبلتُ، لكن لو صرح بالرد والرفض لا يملك؛ لأن الصريح أقوى من الدلالة.
كذلك إذا أبرأ دائن مدينه فسكت المدين برئت ذمته من الدين، لأن السكوت قبول لإبراء دلالة، ولكنه لو رده ارتدّ؛ لأن الرد يفيد عدم القبول صراحة فهو أقوى.
إذا قبض الأب مهر ابنته البكر البالغة من الزوج فسكتت، كان سكوتها إذناً بالقبض
(1/202)

دلالة ويبرأ الزوج؛ لأن ما كان السكوت فيه كالنطق فهو من قبيل الدلالة، ولكن لو صرحت البنت بالنهي لا يجوز قبض الأب عليها ولا يبرأ الزوج.
متى ترجح الصراحة على الدلالة؟
إنما تكون الصراحة راجحة على الدلالة عند حصول معارضة بينهما قبل ترتب حكم مستند إلى الدلالة، أما بعد العمل بالدلالة، أي بعد ترتب الحكم وجريانه استناداً إليها، فلا اعتبار للصراحة.
تنبيه: اللفظ المطلق في عبارات المكلفين منه ما يوجد مقيداً بقيد نصاً، ومنه ما يكون مقيداً بالعرف والعادة، فحين الإطلاق إذا انصرف اللفظ إلى قيده المتعارف فهو تقييد من المتكلم دلالة بحسب العرف، كمن قال لآخر: اشتر لي لحماً، والمتعارف عندهم لحم الإبل مثلاً، فلا يجوز شراء لحم الضأن.
وأما إذا صرَّح بعدم إرادة القيد العرفي كما لو قال: اشترط لحم ضأن أو بقر، فلا اعتبار للدلالة المتعارفة بمقابلة الصريح.
وكذلك إذا شهدت البينة أن شراء الخارج كان قبل شراء ذي اليد، كان الخارج أولى، لأن الصريح أولى من الدلالة، حيث البينة صريح واليد دلالة.
استثناء من القاعدة:
قد تكون الدلالة أقوى من الصريح إذا كانت دلالة الشرع، لأن دلالة الشرع أقوى من صريح العبد، لعدم احتمال دلالة الشرع الكذب، فيعمل بها.
(1/203)

فدلالة الشارع في أن الولد للفراش أقوى في ثبوت النسب من منكر جماع المطلقة رجعياً أو إنكاره أنه راجعها في العدة، بقوله: لم أجامعها أو لم أراجعها.
فيعمل بدلالة الشرع وينسب الولد إليه؛ لأن دلالة الشرع أقوى من صريح العبد.
(1/204)

-- القاعدة الكلية التاسعة:
قاعدة: (لا ينسب إلى ساكت قول) :
(ولكن السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان) .
هذه القاعدة مشتملة على فقرتين:
الفقرة الأولى: تفيد أن الشرع حيث ربط معاملات الناس بالعبارات الدالة على المقاصد فما جعل للسكوت حكماً ينبني عليه شيء كما تبنى الأحكام على الألفاظ.
ولهذا قال: لا ينسب إلى ساكت قول.
الفقرة الثانية: كالاستثناء مما قبلها، وهي قاعدة ذكرها الأصوليون أيضاً حيث أفادت أن السكوت في حكم النطق، وذلك في كل موضع تمس الحاجة فيه إلى البيان.
وسمى الأصوليون هذا بيان الضرورة، وهو نوع من أنواع البيان يقوم السكوت فيه مقام الكلام، إما لدلالة حال في المتكلم، تدل على أن سكوته لو لم يكن بياناً ما كان ينبغي له أن يسكت عنه وذلك كسكوت صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم عند أمر يعاينه، عن التغيير أو الإنكار، فيكون سكوته إذناً به.
وإما لأجل حال في الشخص اعتبر سكوته كلاماً لأجل حاله، كسكوت البكر البالغة في إجازة النكاح لأجل حالها الموجبة للحياء عن بيان الرغبة في الرجال، وكسكوت الناكل عن اليمين، فإنه يجعل بياناً لثبوت الحق عليه عند أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله.
وأما عند مالك والشافعي رحمهما الله فيتعتبر النكول عن اليمين إنكاراً وردا
(1/205)

اليمين على المدعي.
وإما لضرورة دفع الغرور كسكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد علمه بالبيع إذ جعل سكوته إسقاطاً للشفعة لدفع الضرر عن المشتري.
والفقرة الأولى من هذه القاعدة هي الأصل، لأن المعاملات مربوطة بالعقود والألفاظ الصريحة، وليس لجزئياتها عدد محصور.
أمثلة الفقرة الأولى:
إذا سكتت الثيب عند الاستئذان في النكاح لم يقم سكوتها مقام الإذن قطعاً.
ولو باع أجنبي مال أحد فضولاً وسلمه للمشتري، وصاحب المال يشاهد البيع والتسليم وهو ساكت أو بلغه فسكت، لا يعد سكوته توكيلاً بالبيع ولا إجازة.
ولو سكن شخص داراً لآخر غير معدة للإيجار وصاحب الدار ساكت، لا يعد سكوته إيجاراً، ولا حق له في طلب الأجرة.
ولو أتلف شخص مال آخر وصاحب المال يشاهد وهو ساكت، لا يكون سكوته إذناً بالإتلاف، بل له أن يضمنه.
وأما الفقرة الثانية من هذه القاعدة فهي كالاستثناء من الأولى؛ إذ يعتبر السكوت فيها كالنطق، فمسائلها محصورة معدودة بالاستقراء حيث أوصلها بعض الفقهاء إلى نيف وأربعين مسألة، منها:
سكوت البكر عند استثمار وليها قبل التزويج.
سكوتها عند قبض أبيها مهرها من زوجها.
سكوتها إذا بلغت بكراً فلا خيار لها بعده.
لو حلفت أن لا تتزوج فزوجها أبوها فسكتت حنثت.
(1/206)

سكوت المتصدق عليه يعتبر قبولاً بخلاف الموهوب له.
سكوت الوكيل قبول ويرتد برده.
إذا سكت المحرم، وقد حلق رأسه حلال، مع القدرة على منعه، لزمه الفدية في الأصح.
القراءة على الشيخ وهو ساكت ينزل منزلة نطقه في الأصح.
إذا قال الزوج المطلق رجعياً، قد راجعت، والزوجة تسمع فتسكت، ثم تدعي من الغد أن عدتها كانت قد انقضت، فلا يعتد بقولها هذا، ويعتبر سكوتها إقراراً بالرجعة.
(1/207)

-- القاعدة الكلية الفرعية العاشرة:
قاعدة: (لا عبرة بالتوهم) .
معنى القاعدة:
(ا) في اللغة: لا عبرة: أي لا اعتبار ولا اعتداد.
التوهم: التخيل والتمثل في الذهن، وهو أدنى درجة من الظن أو الشك، والمراد به هنا تخيل غير الواقع، أي الاحتمال العقلي البعيد النادر الحصول، فهذا لا ينبني عليه حكم، ولا يمنع القضاء ولا يؤخر الحقوق؛ لأن التوهم غير مستند إلى دليل عقلي أو حسي، بل هو أحط درجة من الشك.
(ب) معنى القاعدة في الاصطلاح:
(لا يثبت حكم شرعي استناداً إلى وهم، كما لا يجوز تأخير الشيء الثابت بصورة قطعية بوهم طارئ) .
وقد ذكر الحنفية لذلك أصلاً في بدائع الصنائع: (بأن ما لم يكن نابتاً إذا وقع الشك في ثبوته لا يثبت مع الشك فكيف مع التوهم؟ فهو باطل لا يثبت معه حكم شرعي، كما لا يؤخر لأجله حكم شرعي.
أمثلة لهذه القاعدة وفروع عليها:
لو اشتبهت عليه القبلة فصلى إلى جهة بدون نحر ولا اجتهاد، لا تصح صلاته؛ لابتنائها على مجرد الوهم، بخلاف ما لو تحرى واجتهد مع غلبة الظن إذ تصح
(1/208)

صلاته وإن أخطأ القبلة.
ومنها إذا مات الشهود أو غابوا بعد أداء الشهادة في المعاملات فللحاكم أن يزكيهم ويحكم بشهادتهم، ولا يؤخر الحكم لتوهم رجوعهم عن الشهادة؛ لأن التوهم لا عبرة به.
وكذلك لو مات مدين عن تركة مستغرقة بالديون، وطلب الغرماء من القاضي بيعها وتقسيم أثمانها بينهم، يفعل ولا يؤخر العمل بمجرد احتمال ظهور دائن آخر، إذ لا عبرة بالتوهم، فلو فرض ظهور دائن آخر يستوفي حقه على حسب الأصول المشروعة.
ومنها ما لو كان لدار شفيعان أحدهما غائب فللحاضر أن يأخذ كل الدار بالشفعة لأن سبب ثبوت الحق على الكمال وجد في حقه، وقد تأكد بالطلب، ولم يعرف تأكد حق الغائب، لأنه يحتمل أن يطلب وأن لا يطلب أو يعرض، فلم يقع التعارض والتزاحم، فلا يمنع الحاضر من استيفاء حقه الثابت بحق محتمل، ولا عبرة بالتوهم.
(1/209)

-- القاعدة الكلية الفرعية الحادية عشرة:
قاعدة: (لا عبرة بالظن البيِّن خطؤه) .
الظن: هو إدراك الاحتمال الراجح الذي ظهر رجحانه على نقيضه بدليل معتبر، فإذا ازداد قوة حتى أصبح خلافه موهوماً فهو غالب الظن.
معنى هذه القاعدة الاصطلاحي:
(إذا بني فعل من حكم أو استحقاق على ظن ثم تبين خطأ ذلك الظن فيجب عدم اعتبار ذلك الفعل وإلغاؤه) .
مجالات اعتبار هذه القاعدة:
هذه القاعدة لها فروع مختلفة الأنواع تشمل: الاجتهاديات وأحكام القضاة والعبادات والمعاملات الجارية بين الناس من عقود وإقرار وإبراء وغيرها، فالعبرة في جميع ذلك لما في نفس لا لخطأ الظن، فكل ما كان مبنياً على خطأ الظن لا يعتبر.
فروع لهذه القاعدة وأمثلة لها:
المجتهد في المسائل الظنية إذا عرض له استنباط أو دليل آخر أقوى فيجب عليه الرجوع عن قوله الأولى إلى ذلك القول الآخر، لأن القول الأول ثبت أنه كان مبنياً على ظن خاطئ.
والقاضي إذا حكم على ظن أن حكمه موافق للشرع وهو في نفس الأمر ليس كذلك فحكمه باطل لا عبرة به، ويجب الرجوع إلى الحكم الموافق للشرع، كما لو ظهر أن الشهود عبيد، مثلاً بطل حكمه.
(1/210)

لو وكل دائن وكيلاً بقبض دين له على رجل، ثم وهب الموكل الدين للمدين للمدين.
والوكيل لا يعلم وقبض الوكيل الدين من المدين وهلك في يده، يرجع المدين على الموكل، لأن العبرة لما في نفس الأمر لا لخطأ الظن.
وكذلك لو ادعت امرأة نكاحاً على رجل فأنكر، ثم صالحها على مال بذله لها، لا يجوز وله أن يسترد المال لأنه لا يخلو الحال من أحد أمرين: إما أن يكون النكاح ثابتاً، أو غير ثابت، فإن لم يكن النكاح ثابتاً كان دفع المال إلى المرأة من الرجل بمعنى الرشوة، وإن كان النكاح ثابتاً فلا تثبت الفرقة بهذا الصلح، لأن العوض في الفرقة تعطيه الزوجة لا الزوج، فلا يكون المال الذي تأخذه المرأة عوضاً عن شيء، فلا يجوز، فهو ظن بيِّن الخطأ.
إذا قال الزوج لزوجته: إن كان زيد في الدار فأنت طالق ثلاثاً، ومضى مع زوجته على ظن أن زيداً ليس في الدار، ثم تبين في الغد وجوده فيها، فتعتبر الزوجة طالقاً من حين القول، وتعتد منه لا من وقت التبين.
كذلك كل أمر يوجب نقض القسمة للتركة بعد وقوعها، كما لو ظهر دين على الميت بعد القسمة، أو ظهر وارث آخر كان غائباً، أو ثبت فيها خطأ فاحش، فيجب نقض القسمة؛ إذ لا عبرة بالظن البيِّن خطؤه.
وفي العيادات لو ظن الماء نجساً فتوضأ به ثم تبين أنه طاهر، جاز وضوءه إذا لم يصل.
وأما إذا صلى فيعيد الصلاة.
ولو ظن المدفوع إليه غير مصرف للزكاة فدفع له، ثم تبين أنه مصرف، أجزأه اتفاقاً.
(1/211)

لو ظن أنه متطهر فصلى ثم تبين له الحدث، أو ظن دخول الوقت فصلى ثم تبين أنه صلى قبل الوقت، أو ظن طهارة الماء فتوضأ به ثم تبين نجاسته، ففي كل ذلك لا اعتداد بظنه لأنه ظن تبين خطؤه.
استثناءات من هذه القاعدة:
باع شخص حيواناً من آخر، فطلبه جاره بالشفع، فظن المشتري أن الشفعة تجري في المنقول كما في غيره، وسلم الحيوان للشفيع برضاه واختياره، فليس له بعد ذلك، إذا اطلع على خطئه، استرداد الحيوان، لأنه بتسليمه المبيع يكون قد عقد بينه وبين ذلك الرجل عقداً جديداً.
لو أعطى زكاته من ظنه مصرفاً لها ثم تبين أنه غنى أو أنه ابنه، أجرأه عند أبي حنيفة ومحمد وجمهور الفقهاء، ولم يجزئه عند أبي يوسف، ولكن لو تبين أنه عبده أو مكاتبه أو حربي لم يجزئه اتفاقاً.
لو صلى في ثوب وعنده أنه نجس فظهر أنه طاهر، أعاد الصلاة.
وكذلك لو صلى وعنده أنه محدث ثم ظهر أنه متوضئ، أعاد كذلك.
ولو صلى الفرض وعنده أن الوقت لم يدخل فظهر أنه كان قد دخل، لم يجزئه ووجب عليه إعادة الصلاة.
إذا رأى المتيمم ركباً فظن أن معهم ماء توجه عليه الطلب.
لو خاطب امرأته بالطلاق وهو يظنها أجنبية أو عبده بالعتق، وهو يظنه لغيره نفذ طلاقه وعتقه، ولا عبرة بخطأ ظنه في كل هذه المسائل.
(1/212)

-- القاعدة الكلية الفرعية الثانية عشرة:
قاعدة: (الممتنع عادة كالممتنع حقيقة) :
الممتنع حقيقة: هو المستحيل الذي لا يمكن وقوعه عقلاً، كمن ادعى على من هو أصغر منه أو مساويه سناً أنه أبوه، فهذا الادعاء غير مقبول قطعاً للاستحالة.
وأما الممتنع عادة: فهو الذي لم يعهد وقعه وإن كان فيه احتمال عقلي بعيد، كما لو ادعى معروف الفقر أموالاً عظيمة على آخر أنه اقترضها منه دفعة واحدة، أو غصبها منه حال كونه لم يرث ولم يصب مالاً، لا تسمع هذه الدعوى لأنها مستحيلة عادة.
مقدمات:
المقدمة الأولى: الشيء الممتنع عند الأصوليين والمتكلمين ينقسم إلى قسمين:
الأول: الممتنع حقيقة وهو نوعان:
(ا) أن يكون امتناع وقوعه عقلاً لذاته، كشريك الباري سبحانه، واجتماع النقيضين والجمع بين الضدين.
(ب) أن يكون امتناع وقوعه لغيره، وهو ما يمتنع لعلم الله سبحانه وتعالى بعدم وقوعه؛ لعدم تعلق الإرادة كإيمان أبي جهل مثلاً، فإنه ممكن في نفسه ممتنع لغيره، وهو تعلق علم الله وإرادته بعدم وقوعه.
فالأول: وهو الممتنع لذاته لا نزاع بين أهل السنة والمعتزلة في عدم وقوع التكليف به، كما أنه لا نزاع بين الطرفين في وقوع التكليف بالثاني وهو الممتنع لغيره.
(1/213)

الثاني: الممتنع عادة، كالصعود إلى السماء مثلاً، فالجمهور على أن التكليف به غير واقع، خلافاً للأشعري القائل بوقوعه، مع الاتفاق على جواز التكليف به.
المقدمة الثانية: إن الفقهاء الذي لا ينظرون إلا في أحكام المكلفين عندهم أن الممنوع عادة كالممنوع حقيقة، فالمرء مؤاخذ بإقراره مع أنه قد يكون كاذباً إلا أنه لما كان إقرار الإنسان على نفسه كذباً بما هو ضرر عليه ممتنعاً في العادة نزّل الممتنع في العادة منزلة الممتنع في الحقيقة فكان مؤاخذاً.
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
من أقر بثوب في ثوب أو في منديل لزمه الثوبان أو الثوب والمنديل، لأن الثوب قد يظرف في ثوب أو في منديل فيلزمه بإقراره الظرف والمظرف فيه.
ومن أقر بثوب في عشرة أثواب لزمه ثوب واحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، لأن العادة تمنع أن يلف في عشرة أثواب، فكان كالممتنع حقيقة، وأما عند محمد فيلزمه أحد عشر ثوباً، لأن النفيس من الثياب قد يلف في عشرة أثواب، فأمكن جعلها ظرفاً له.
ويدخل تحت هذه القاعدة كل شيء مستبعد في العادة.
استثناء من هذه القاعدة:
استثنى من هذه القاعدة فلم يعتبر الممتنع عادة كالممتنع حقيقة في اليمين عند أبي يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله، حيث إن شرط انعقاد اليمين عنده أن تكون في أمر في المستقبل ممكن أو غير ممكن، أما كون المحلوف عليه متصور الوجود عادة فهو ليس بشرط عنده، فإذا قال إنسان: والله لأشربن الماء الذي في هذه الكأس
(1/214)

معتقداً أن معتقداً فيها ماء، فإذا هي لا ماء فيها، حنث عند أبي يوسف وحده، ولم تنعقد اليمين عند جمهور الحنفية ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى، لأن شرط انعقاد اليمين عندهم أن تكون على أمر في المستقبل مع إمكان البر أو الحنث، أما مع عدم الإمكان فلا تنعقد، وكذلك لو حلف لأقتلن فلاناً معتقداً حياته، وهو ميت ولا يعلم بموته، فتنعقد اليمين عند أبي يوسف، ولا تنعقد عند جمهور الفقهاء لأن المحلوف عليه غير متصور الوجود عادة.
(1/215)

-- القاعدة الكلية الفرعية الثالثة عشرة:
قاعدة: (لا حجة مع الاحتمال الناشئ عن دليل) :
معاني المفردات:
الحجة: معناها البرهان.
الدليل: مأخوذ من الدلالة، ومعناها الإرشاد، والدليل اصطلاحاً: كون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلم أو الظن بشيء آخر، أو هو كومن الشيء بحيث يلزم من الظن به الظن بشيء آخر.
معنى القاعدة اصطلاحاً:
(إنه لا حجة مقبولة أو مفيدة مع الاحتمال الذي ينشأ عن دليل ظني أو قطعي بوجود تهمة) .
وأصل هذه القاعدة في تأسيس النظر: (إن التهمة إذا تمكنت من فعل الفاعل حكم بفساد فعله) وهذا عند أبي حنيفة دون صاحبيه ودون الشافعي.
ومعنى تمكن التهمة أن لها مؤيداً من ظاهر الحال وليست مجرد توهم.
ومن فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
لو أقر شخص من مرض موته لبعض ورثته بدين، لا ينفذ إقراره إلا بتصديق باقي الورثة، لأن احتمال اتخاذ هذا الإقرار مطية لترجيح بعض الورثة على بعض في الإرث هو احتمال قوي تدل عليه حالة المرض.
وأما إذا كان الإقرار في حال الصحة فجائز، واحتمال إرادة حرمان
(1/216)

بعض الورثة حينئذ من حيث إنه احتمال مجرد ونوع من التوهم لا يمنع حجية الإقرار.
أما لو أقر لأجنبي فإنه يصح بمنزلة إقراره في حال صحته، لأن هذا من حوائجه، فإنه يحتاج إلى إظهار ما عليه ليفك رقبته، وحاجته مقدمة على حق الورثة.
وهذا أي الإقرار في مرض الموت عند أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله، وأما عند مالك فإن كان المورث لا يتهم صح وإلا لم يصح، وعند الشافعي يصح إقراره.
(1/217)

-- القاعدة الثالثة من القواعد الكلية الكبرى:
قاعدة: (المشقة تجلب التيسير) :
معنى القاعدة:
(ا) في اللغة:
المشقة في اللعب: التعب من قولك شق علي الشيء يشق شقاً ومشقة إذا أتعبك. ومنه قوله تعالى: (وتحمِلُ أثقالَكُم إلى بلدٍ لم تكونوا بالِغيه إلا بشقِ الأنفُس) . سورة النحل، آية (7) .
أي تعبها ومن معاني المشقة الانكسار والجهد والعناء.
والتيسير في اللغة: السهولة والليونة، يقال يَسر الأمر إذا سهل ولان، ومنه الحديث: (إن الدين يسر) أي سهل سمح. قليل التشدد، واليسر ضد العسر.
والمعنى اللغوي الإجمالي للقاعدة: (إن الصعوبة والعناء تصبح سبباً للتسهيل) .
(ب) المعنى الشرعي الاصطلاحي للقاعدة:
(إن الأحكام التي ينشأ عن تطبيقها حرج على المكلف ومشقة في نفسه أو ماله، فالشريعة تخففها بما يقع تحت قدرة المكلف دون عسر أو إحراج) .
أدلة هذه القاعدة:
لهذه القاعدة أدلة كثيرة من الكتاب العزيز، ومن السنة المطهرة، وعمومات الشريعة النافية للحرج، ومشروعية الرخص، والإجماع الدال على عدم التكليف
(1/218)

بالشاق من الأعمال، وهي تلك الأدلة التي تشير إلى أن الشارع الحكيم لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه، وتبين أن أصل الشريعة مبني على السماحة واليسر دون الإعنات والعسر.
أولاً: الأدلة من الكتاب العزيز:
1. قوله تعالى: (يُريدُ الله بكُمُ اليسر ولا يريدُ بكم العُسر) . البقرة، آية (185) .
2. قوله تعالى: (لا يُكلف الله نفساً إلا وُسعَها) . البقرة، آية (286) .
3. وقوله جل ذكره: (ربنا ولا تحمِل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلِنا ربنا ولا تُحملنا ما لا طاقة لنا به) . البقرة، آية (286) .
4. قوله سبحانه: (يُريد الله أن يخفف عنكم) . النساء، آية (28) .
5. قوله تعالى: (ما يُريد الله ليجعَل عليكُم من حَرَجٍ) . سورة المائدة، آية (6) .
6. قوله جل ذكره: (ويضَعُ عنهم إصرَهُم والأغلالَ التي كانتْ عليهِم) . سورة الأعراف، آية (157) .
7. قوله سبحانه: (وما جَعَلَ عليكُم في الدّينِ مِنْ حَرجٍ) . سورة الحج، آية (78) .
ثانياً: من السنة المطهرة:
1. قوله عليه الصلاة والسلام: (بعثت بالحنيفية السمحة) .
(1/219)

2. وقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن عباس رضي الله عنهما وقد سئل أي الأديان أحب إلى الله قال: (الحنيفية السمحة) .
3. ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة وغيره: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) .
4. وما رواه الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً: (إن الله شرع الدين فجعله سهلاً سمحاً واسعاً ولم يجعله ضيقاً) .
5. وقول عائشة رضي الله عنها: (ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً) .
6. قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) .
ثالثاً: ما ثبت من مشروعية الرخص:
وهذا أمر مقطوع به ومما علم من دين الأمة بالضرورة: كرخص القصر والفطر والجمع، وتناول المحرمات في الاضطرار، فإن هذا نمط يدل قطعاً على مطلق رفع الحرج والمشقة.
وكذلك ما جاء في النهي عن التعمق والتكلف، وعن كل ما يسبب الانقطاع عن دوام الأعمال.
ولو كان الشارع قاصداً للمشقة في التكليف لما كان ثم ترخص ولا تخفيف.
(1/220)

رابعاً: الإجماع على عدم وقوع التكليف بالشاق من الأعمال.
وهو يدل دلالة قطعية على عدم قصد الشارع الحكيم إليه.
والأدلة على سماحة الشريعة أكثر من أن تحصر، لأن أحكام الشريعة كلها مبنية على التيسير ومصالح العباد، وكيف لا تكون كذلك وهي الشريعة السمحة التي جعل الشارع الحكيم من أهم مقاصدها مصلحة العباد في دنياهم وأخراهم ودرء المفاسد والمشاق عنهم.
فلو أن كل واحد لا ينتفع إلا بما هو ملكه، ولا يستوفي إلا ممن عليه حقه، ولا يأخذه إلا بكماله، ولا يتعاطى أموره إلا بنفسه لكان في ذلك مشقة عظيمة، ولكن حرصاً من الشارع الحكيم على مصلحة عباده، ودفعاً للمشقة عنهم سهل الأمر بإباحة الانتفاع بملك الغير بطريق الإجارة والإعارة والقرض، وبالاستعانة بالغير وكالة وإيداعاً وشركة ومضاربة ومساقاة، وبالاستيفاء من غير المديون حوالة، وبالتوثيق على الدين برهن أو كفيل ولو بالنفس، وبإسقاط بعض الدين صلحاً أو كله إبراءً، ولحاجة افتداء اليمين جوز الشرع الصلح عن إنكار.
ومن الأدلة على رعاية الشرع لمصالح العباد جوازُ تعاطي العقود الجائزة، لأن لزومها لو وجبت، شاق فيكون سبباً لعدم تعاطيها، ووقف عزل الوكيل والقاضي على علمهما بالعزل دفعاً للحرج.
ومنها: مشروعية الوصية عند الموت ليتدارك الإنسان ما فرط فيه في حال حياته، ومنها إسقاط الإثم عن المجتهدين في الخطأ، والتيسير عليهم بالاكتفاء بالظن دون القطع واليقين.
ومنها: إباحة الشارع النظر إلى الأجنبية للطبيب والشاهد وعند الخطبة وللسيد.
(1/221)

ومنها: جواز النكاح من غير نظر لما في اشتراطه من المشقة التي لا يتحملها كثير من الناس في بناتهم وأخواتهم من نظر كل خاطب، ولم يكن في النكاح خيار رؤية كالبيع.
ومنها: إباحة أربع نسوة تيسيراً على الرجل وعلى النساء لكثرتهن.
ومنها: مشروعية الطلاق لما في إبقاء الزوجية مع التنافر من المشقة، وكذلك مشروعية الخلع والافتداء والرجعة في العدة قبل الثلاث.
ومنها: مشروعية الكفارة في الظهار واليمين تيسيراً على المكلفين، وكذلك التخيير في كفارة اليمين لتكريرها، إلخ ما في هذه الشريعة السمحة من أحكام مبنية على اليسر، وما ذكرناه غيض من فيض هذه الشريعة الدال على السماحة واليسر ودفع الحرج.
والناظر في التخفيفات الواردة في الشرع يرى أنها لا تخرج عن أحد نوعين:
الأول: نوع شرع من أصله للتيسير وهو عموم التكاليف الشرعية في الأحوال العادية.
الثاني: نوع شرع لما يوجد من الأعذار والعوارض وهو المسمى بالرخصة وهو المقصود من قاعدتنا هذه.
فقاعدة: (المشقة تجلب التيسير) إذاً مجالها الرخص بأنواعها والعوارض سماوية كانت أم غير سماوية، فهي قاعدة الضرورات والاضطرار بخلاف قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) الآتية.
الرخصة ومعناها:
(1/222)

(ا) في اللغة:
هي السهولة واللين واليسر والتوسع، قال ابن فارس: الراء والحاء والصاد أصل يدل على لين وخلاف شدة، من ذلك اللحم الرخص: هو الناعم، ومن ذلك الرخص: خلاف الغلاء، والرخصة في الأمر: خلف التشديد.
وقال في المصباح المنير: والرخصة: التسهيل في الأمر والتيسير فيه، يقال: رخص الشرع لنا في كذا ترخيصاً إذا سهله ويسره، وفلان يترخص في الأمر أي لم يتسقص، وقضيب رخِص: أي طري لين ورَخُُص البدن رخصة إذا نَعُم ولان ملْمسه.
(ب) في اصطلاح الفقهاء:
(هي الأحكام التي ثبتت مشروعيتها بناءً على الأعذار مع قيام الدليل المحرم، توسعاً في الضيق) .
وكان ذلك كذلك لأن من الأحكام ما ينشأ عن تطبيقها حرج على المكلف ومشقة تصيبه في نفسه أو ماله أو ضرورة من ضرورياته بسبب مرض أو فقر أو ظرف خاص طارئ، فالشريعة رحمة بالمكلف تخفف هذه الأحكام وتبدلها بما يقع تحت قدرة المكلف تيسيراً عليه ودفعاً للإحراج والتضييق والتشديد.
وعلى هذا الأساس جُعل المرض والسفر رخصة في الواجبات الدينية كالصلاة والصوم، فأسقطت الشرعية بعضها وخففت بعضاً آخر وأخرت ثالثاً إذ أسقطت الشريعة عن المريض والمسافر صلاة الجمعة، وشُرع قصر الصلاة الرباعية للمسافر، وجواز الصلاة قاعداً أو مضجعاً لمن لم يستطع القيام أو القعود، وشرع إباحة الفطر
(1/223)

للمسافر والمريض وقضاء الصوم حين الإقامة والصحة.
كما شرع بيع السلم مع أنه بيع معدوم، وبيع المعدوم باطل، ولكن لحاجة الناس جُوِّز هذا العقد تيسيراً وتسهيلاً.
وكذلك الخطأ في الأفعال والتصرفات يبدل الأحكام العامة المقررة لها في حال العقد، لأن المؤاخذة على الخطأ كالعمد فيه إحراج عظيم على المكلفين.
وقلة عدالة الشهود تسوغ قبول شهادة الأمثل فالأمثل.
أنواع المشاق والمشقة الميسرة:
المشاق التي يتعرض لها المكلف تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مشقة في الحدود العادية، وهي المشقة التي لا تنفك عنها العبادة غالباً، ويستلزمها أداء الواجبات والقيام بالمساعي التي تقتضيها الحياة الصالحة، كما لا يمكن انفكاك التلكيفات المشروعة عنها، لأن كل واجب لا يخلو عن مشقة كمشقة العلم واكتساب المعيشة، ومشقة البرد في الوضوء والغسل، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، ومشقة ألم الحدود ورجم الزناة، وقتل الجناة وقتال البغاة، في حال الصحة والقدرة، فهذه المشقة لا أثر لها في إسقاط العبادات في كل الأوقات، لأن لكل تكليف منها نوع مشقة تستلزمها طبيعته وتختلف بحسبه درجته، وهذا لا ينافي التكليف ولا يوجب التخفيف، لأن التخفيف فيه حينئذ إهمال وتفريط، فأحوال الإنسان كلها كلفة في هذه الدار، ولقد جعل الله له القدرة عليها بحيث تكون تلك التصرفات تحت قهره لا أن يكون هو تحت قهر التصرفات، فكذلك التكاليف.
ولقد رأينا بالدليل أن الشارع الحكيم لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه.
(1/224)

القسم الثاني: وهو ثلاث مراتب:
الأولى: مشقة عظيمة فادحة تتجاوز الحدود العادية والطاقة البشرية السوية، كما إذا كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه أو عن بعضه، أو يؤدي إلى خلل في صاحبه في نفسه أو ماله، كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأعضاء، فالمشقة هنا خارجة عن المعتاد وموجبة للتخفيف والترخيص قطعاً؛ لأن حفظ النفوس والأطراف لإقامة مصالح الدين أولى من تعريضها للفوات في عبادة أو عبادات.
ومن أمثلتها: الخوف من الاغتسال للجنابة من شدة البرد بأن لا يجد مكاناً يؤويه ولا ثوباً يتدفأ به ولا ماء مسخناً ولا حماماً، فجاز له التيمم.
وكذا إذا لم يجد للحج إلا طريقاً من البحر وكان الغالب عدم السلامة فلا يجب عليه الحج.
المرتبة الثانية: مشقة خفيفة كأدنى وجع في إصبع أو أدنى صداع في الرأس أو سوء مزاج خفيف، فهذا وأمثاله لا أثر له ولا التفات إليه، لأن تحصيل مصالح العبادات أولى من دفع مثل هذه المفسدة التي لا أثر لها.
المرتبة الثالثة: متوسطة بين هاتين، فما دنا من المرتبة العليا أوجب التخفيف، أو من المرتب المرتب الدنيا لم يوجبه كحمى خفيفة أو وجع ضرس يسير وذلك كمريض في رمضان يخاف من الصوم زيادة مرض أو بطء البرء أو تأخيره، فيجوز له الفطر إذا غلب على ظنه ذلك، وهكذا في المرض المبيح للتيمم، واعتبروا في الحج الزاد والراحلة المناسبين للشخص، حتى قالوا، يعتبر في حق كل إنسان ما يصح معه بدنه.
عوامل المشقة الميسرة وأسباب التخفيف:
(1/225)

ومع أن أصل الشريعة كما رأينا مبناه على التيسير ودفع الجرح، فقد شرعت إلى جانب ذلك رخص التسهيل تابعة للعوارض التي تصيب الإنسان سماوية كانت أو غير سماوية، فمن العوارض السماوية المسببة للتخفيف:
الصغر والجنون والعته والنسيان والنوم والإغماء والرق والمرض والموت والحيض والنفاس.
فالصغر يرفع التكليف ويسقط به ما يحتمل السقوط عن البالغ بالجنون لأن التكليف مناطه العقل والجنون المطبق يسقط به كل العبادات والتكاليف.
والعته أدنى درجة من الجنون أو هو نوع منه يمنع العهدة، ويصح من المعتوه ما لا عهدة فيه كالصبي المميز.
والنسيان يكون عفواً في حقوق الله تعالى، وهو عذر في سقوط الإثم، لا في حقوق العباد.
والنوم لما كان عجزاً عن استعمال القدرة وجب تأخير الخطاب ولم يمنع الوجوب، والنوم مناف للاختيار.
ومثل النوم الإغماء، إلا إذا امتد فيسقط به الأداء، وذلك إذا زاد عن يوم وليلة.
أما الرق فهو عجز حكمي لا حقيقي، يسقط عن العبد الجمعة والحج.
والمرض شرعت العبادات عليه بالقدرة الممكنة.
والحيض والنفاس، وهما لا يعدمان الأهلية، ولكن تسقط بهما الصلاة ويؤخر الصوم دفعاً للحرج.
والموت يسقط كل التكاليف الدنيوية ويبقى للميت ما تقتضي به الحاجة من تجهيز وديون ووصايا.
(1/226)

وأما العوارض المكتسبة: فمنها:
الجهل بالشريعة في دار الحرب من مسلم لم يهاجر إلينا، فيعذر بالجهل بالأحكام، ويلحق به جهل الشفيع بالبيع حيث يكون له عذراً، وله حق الشفعة حين يعلم، ويلحق به جهل الأمة إذا عتقت أن لها خيار العتق.
ومن العوارض المكتسبة: السفه، والمراد به هنا الإساءة بالتصرف في المال، فيحجر على السفيه في ماله نظراً له.
والسفر من أسباب التخفيف.
والخطأ كذلك فهو عذر صالح لسقوط حق الله تعالى.
والإكراه عذر فإن له رخصاً معلومة.
أسباب التخفيف:
وقد حصر بعض الفقهاء أسباب التخفيف في سبعة أسباب رئيسية هي:
الأول: السفر، ورخصه تتعلق بقصر الصلاة، وتأخير الصوم، والمسح أكثر من يوم وليلة في السفر الطويل، وترك الجمعة، والتنفل على الدابة به وبالسفر القصير.
الثاني: المرض، ورخصه كثيرة كالتيمم عند الخوف من استعمال الماء بزيادة المرض أو تأخير الشفاء، وكالقعود في صلاة الفرض والاضطجاع والإيماء فيها، والتخلف عن الجماعة مع حصول الفضيلة، والفطر في رمضان للشيخ الفاني مع وجوب الفدية عليه، وإباحة النظر للطبيب حتى العورة والسوأتين.
الثالث: الإكراه، ومن رخصه جواز النطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان.
الرابع: النسيان، ومن خصه رفع الإثم بسببه، وعدم الفطر له أكل أو شرب ناسياً، وعدم القضاء عند غير مالك رحمه الله.
الخامس، الجهل، وهو أربعة أنواع:
(1/227)

1. جهل باطل لا يصلح عذراً في الآخرة كجهل الكافر بصفات الله تعالى وأحكام الآخرة، وجهل صاحب الهوى، وجهل الباغي، وجهل من خالف في اجتهاده الكتاب والسنة المشهورة والإجماع.
2. الجهل في موضوع الاجتهاد الصحيح أو في موضع الشبهة فهو يصلح عذراً، كمن زنى بجارية ولده أو جارية زوجته على ظن أنها تحل له.
3. الجهل في دار الحرب من مسلم لم يهاجر، فهو عذر في حقه، فلو شرب الخمر جاهلاً حرمتها لم يعاقب.
4. جهل الشفيع بحقه في المشفوع، وجهل الأمة بالإعتاق، وجهل البكر بنكاح الولي، ففي هذه الثلاثة يعتبر الجهل عذرا حتى يعلم.
السادس: العسر وعموم البلوى، كالصلاة مع النجاسة المعفو عنها، ونجاسة المعذور التي تصيب ثيابه، وطين السوق، ومس المصحف للصبيان للتعلم.
وهذا السبب يعتبر من أعم الأسباب وأهمها للترخيص، بل إن أحكام الشرع كلها مبنية على التخفيف لذلك السبب.
متى يعتبر العسر وعموم البلوى عذراً؟
يعتبر العسر وعموم البلوى عذراً في موضع لا نص فيه؛ لأنه لا اعتبار للبلوى في موضع النص، كحرمة رعي حشيش الحرم وقطعه إلا الإذخر، وعدم العفو عن بول الآدمي يصيب الثوب أو البدن.
السابع: النقص، وبسببه لم يكلف الصبي ولا المجنون لنقص عقليهما، وفوض أمر أموالهما إلى الولي، وكذلك عدم تكليف النساء بكثير مما وجب على الرجال.
(1/228)

أنواع رخص الشرع التي ورد فيها التخفيف:
قسم الفقهاء الرخص الشرعية إلى سبعة أنواع:
1. رخصة إسقاط: كإسقاط العبادات عند وجود أعذارها كإسقاط الصلاة عن الحائض والنفساء، وعدم وجوب الحج عمن لم يجد له طريقاً إلا البحر، وكان الغالب عدم السلامة، وعدم وجوب الحج على المرأة إذا لم تجد محرماً.
2. رخصة تنقيص: أي إنقاص للعبادة لوجود العذر كالقصر في السفر، والقعود والاضطجاع والإيماء في الصلاة.
3. رخصة إبدال: أي إبدال عبادة بعبادة، كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، وإبدال القيام في الصلاة بالعقود أو الاضطجاع للمرض، وإبدال الركوع والسجود بالإيماء عند عدم الاستطاعة، ولا ينافي ذلك كونها رخصة تنقيص أيضاً؛ لأن القعود أنقص من القيام، والإيمان أنقص من الركوع والسجود، بل هو رخصة إسقاط أيضاً وإن كان إلى بدل، وإبدال الصيام بالإطعام عند عدم القدرة.
4. رخصة تقديم: كالجمع بعرفات بين الظهر والعصر، وتقديم الزكاة على الحول، وزكاة الفطر على الفطر في رمضان.
5. رخصة تأخير: كالجمع بمزدلفة بين المغرب والعشاء، (هذا عند الحنفية فقط، وأما عند غيرهم فيجوز الجمع تقديماً وتأخيراً بعرفات ومزدلفة وغيرهما) ، وتأخير صيام رمضان للمسافر والحائض والنفساء، وتأخير الصلاة عن وقتها في حق مشتغل بإنقاذ غريق أو العناية بمريض يخشى عليه أو جريح تجري له عملية.
6. رخصة اضطرار: كشرب الخمر للغصة، وأكل الميتة والخنزير عند المسغبة وخشبة الموت جوعاً.
7. رخصة تغيير: كتغيير نظم الصلاة للخوف.
(1/229)

-- القواعد الكلية الفرعية المندرجة تحت قاعدة المشقة تجلب التيسير.
القاعدة الأولى: (إذا ضاق الأمر اتسع من قول الإمام الشافعي رضي الله عنه) .
القاعدة الثانية: (إذا اتسع الأمر ضاق) .
هاتان القاعدتان متقابلتان ومعناهما: (أنه إذا ظهرت مشقة في أمر فيرخص فيه ويوسع فإذا زالت المشقة عاد الأمر إلى ما كان) .
أي أنه إذا حصلت ضرورة عارضة للشخص أو الجماعة أو طرأ ظرف استثنائي أصبح معه الحكم الأصلي للحالات العادية محرجاً للمكلفين ومرهقاً لهم حتى يجعلهم في ضيق من التطبيق، فإنه يخفف عنهم ويوسع عليهم حتى يسهل ما دامت تلك الضرورة قائمة، فإذا انفرجت الضرورة وزالت عاد الحكم إلى أصله، وهذا معنى (إذا اتسع ضاق) .
وفي الحقيقة هذا شأن الرخص كلها إذا اضطر الإنسان ترخص، وإذا زالت الأسباب الموجبة للترخيص عاد الأمر إلى العزيمة التي كان عليها.
أدلة هاتين القاعدتين:
لهاتين القاعدتين أدلة كثيرة من الكتاب والسنة نذكر منها:
أولاً من الكتاب: قوله سبحانه وتعالى: (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَن تَقْصُرُوا
(1/230)

مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا 101، وَإِذا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُم مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَيْلَةً واحِدَةً، وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِن كانَ بِكُمْ أَذًى مِن مَطَرٍ أَوْ كُنتُم مَرْضى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ؛ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا 102، فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ، فَإِذا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا 103) .
ففي الآيتين الأوليين دليل القاعدة الأولى، حيث إن الله سبحانه خفف على المؤمنين في حال الخوف فأباح لهم قصر الصلاة وتغيير كيفية أدائها وشرع لهم صلاة الخوف، وفي الآية الثالثة دليل القاعدة الثانية، حيث أمرهم سبحانه عند الاطمئنان وزوال حالة الخوف بإتمام الصلاة وأدائها على كيفيتها الأصلية.
ثانياً: من السنة ومنها:
ما أخرجه أبو داود عن عمرة بنت عبد الرحمن (هي عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة النجارية روت عن عائشة وأم سلمة وكانت عالمة، وكانت هي وأخواتها في حجر عائشة) ، قالت: سمعت عائشة تقول دَفَّ ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ادخروا الثلث وتصدقوا بما بقي) فلما كان بعد ذلك قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله لقد
(1/231)

كان الناس ينتفعون من ضحاياهم ويجملون منها الودك ويتخذون منها الأسقية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما ذاك) ؟ أو كما قال.
قالوا: يا رسول الله نهيت عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم، فكلوا وتصدقوا وادخروا) .
وفي رواية عن نبيشة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنا كنا نهيناكم عن لحومها أن تأكلوها فوق ثلاث لكي تسعكم، فقد جاء الله بالسعة فكلوا وادخروا واتجروا) .
فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث أو فوق الثلث لما ضاق الأمر على المسلمين للحاجة حينما دفت الدافة، فلما اتسع الأمر وزالت الحاجة رجع الأمر إلى أصله، فأباح لهم الادخار والانتفاع كما كانوا قبل ذلك.
فإذاً لا تقتصر دلالة هاتين الآيتين على الترخص عند الطوارئ، بل تدلان أيضا على جواز نوع من التضييق على الناس لصالح أناس آخرين عند الحاجة الماسة إلى ذلك، إذا زالت تلك الحاجة رجع الأمر إلى ما كان عليه قبل نزول تلك الحاجة، وما سبق من السنة دليل على ذلك.
(1/232)

ومن فروع هاتين القاعدتين وأمثلتهما:
المدين إذا كان معسراً ولا كفيل له بالمال يترك إلى وقت الميسرة، وإذا لم يقدر على إيفاء الدين جملة يساعد على تأديته مقسطاً.
إذا فقدت المرأة وليها في سفر فولت أمرها رجلاً يجوز ذلك كما قال الشافعي.
ومنها شهادة النساء والصبيان في الحمامات والمواضع التي لا يحضرها الرجال دفعاً لحرج ضياع الحقوق، والأصل في ذلك متفق عليه ولكن اختلفوا في الفروع.
ومنها شهادة القابلة على الولادة ضرورة حفظ الولد ونسبه.
ومنها إباحة أكل الميتة للمضطر، أو أكل مال الغير على أن يضمنه حفظاً للحياة.
ومنها الأعذار الموجبة لفسخ الإجارة دفعاً للضرر.
ومنها جواز الإجارة على الطاعات كتعليم القرآن والأذان والإمامة حفظاً للشعائر من الضياع.
(1/233)

-- القاعدة الكلية الفرعية الثالثة:
قاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات) :
هذه القاعدة أدرجها السيوطي وابن نجيم تحت قاعدة (الضرر يزال) ولكن لما كانت قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) نصاً في الترخص للاضطرار، وكما رأينا أن قاعدة (المشقة تجلب التيسير) تتعلق أيضاً بالرخص والتخفيضات الشرعية رأيت أن قاعدة (الضرورات) أولى بها أن تكون مندرج' تحت قاعدة المشقة، ومتفرعة عليها، وسنرى أن قاعدة (الضرر يزال) أو قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) مجالها الأوسع هو ما يتعلق بالعدوان على الأموال أو الأنفس والأطرف أو الحقوق. ومن هنا نرى أن هاتين القاعدتين غير متحدتين، خلافاً لما يراه بعضهم بل فيهما نوع تداخل بجامع أن كلاً منهما فيها دفع ضرر مع الاعتراف باختلاف أسباب الأضرار وعواملها ونتائجها في كل منهما، هذه القاعدة فقهية أصولية.
أصل هذه القاعدة ودليلها:
1. قوله تعالى: (وقد فصَّل لكُم ما حَرَّم عليكُم إلا ما اضطررتُم إليهِ) . سورة الأنعام، آية (119) .
2. وقوله تعالى: (فَمَن اضطرَّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عَلَيهِ إن اللهَ غفورٌ رحيمٌ) . سورة البقرة، آية (173) .
(1/234)

3. وقوله تعالى: (فمن اضطرَّ في مَخمصةٍ غير متجانفٍ لإثمٍ فإن اللهَ غفورٌ رحيمٌ) . سورة المائدة، آية (3) .
4. وقوله تعالى: (فمن اضطرَّ غير باغٍ ولا عادٍ فإنَّ ربكَ غفورٌ رحيمٌ) . الأنعام، آية (145) .
5. وقوله تعالى: (فمن اضطرَّ غير باغٍ ولا عادٍ فإن الله غفورٌ رحيمٌ) . النحل، آية (115) .
معنى القاعدة:
(ا) في اللغة:
الضرورات جمع ضرورة مأخوذة من الاضطرار وهو الحاجة الشديدة.
والضروري هنا ما لا يحصل وجود الشيء إلا به كالغذاء الضروري بالنسبة للإنسان.
والمحظورات جمع محظورة والمراد بها هنا الحرام المنهي عن فعله.
(ب) ومعنى القاعدة على ذلك اصطلاحاً:
(إن الممنوع شرعاً يباح عند الحاجة الشديدة، وهي الضرورة) .
من الأحكام التي تتعلق بفعل المكلف حكم يتعلق به أولاً وبالذات مقاصد أخروية، وهي إما عزيمة أو رخصة، وهذه القاعدة تتعلق بالرخص الشرعية.
أنواع الرخص التي تتخرَّج على قاعدة الضرورة:
(1/235)

النوع الأول: يفيد إباحة المرخص به (أي تغيير حكم الفعل ووصفه) ما دامت حالة الضرورة قائمة، وذلك كأكل الميتة للمضطر بقدر دفع الهلاك عند المجاعة، وأكل لحم الخنزير، وإساغة اللقمة عن الغصة بالخمر، أو عند العطش، أو عند الإكراه التام لا الناقص.
هذه الأشياء تباح عند الاضطرار لقوله تعالى: (إلا ما اضطررتم إليه) . أي دعتكم شدة الحاجة لأكلها، والاستثناء من التحريم إباحة.
وكما رأينا فإن الاضطرار كما يتحقق بالمجاعة يتحقق أيضاً بالإكراه التام فيباح التناول (وقد يصبح واجباً) ويحرم الامتناع حتى لو امتنع حتى مات أو قتل كان آثماً؛ لأنه بالامتناع صار ملقياً بنفسه إلى التهلكة وقد نهى عن ذلك.
وأما إن كان الإكراه ناقصاً كحبس أو ضرب لا يخاف منه التلف، فلا يحل له أن يفعل.
النوع الثاني: نوع من الرخص لا تسقط حرمته بحال أي أن الفعل يبقى حراماً لكن رخص في الإقدام عليه لحالة الضرورة كإتلاف مال المسلم أو القذف في عرضه أو إجراء كلمة الكفر على لسانه مع اطمئنان القلب بالإيمان (إذا كان الإكراه تاماً) فهذه الأفعال في نفسها محرمة مع ثبوت الرخصة، فأثر الرخصة في تغيير حكم الفعل وهو المؤاخذة فقط (لا في تغييره وصفه أي حرمته، والامتناع عن الفعل) في هذا النوع أفضل حتى لو امتنع فقتل كان مأجوراً.
النوع الثالث: أفعال لا تباح بحال ولا يرخص فيها أصلاً لا بالإكراه التام ولا غيره كقتل المسلم أو قطع عضو منه أو الزنا أو ضرب الوالدين أو أحدهما، فهذه الأفعال لا يباح الإقدام عليها ولا ترتفع المؤاخذة ولا الإثم لو فعل مع الإكراه، لأنه قد تعارض هنا مفسدتان روعي أشدهما بارتكاب أخفهما: فقتل المسلم أشد من
(1/236)

تهديده بالقتل، ولو قُتِلَ في هذه الحالة كان مأجوراً ولو قَتلَ كان ظالماً.
لكن لو قتل في هذه الحال هل يقتص منه أو من المكره أو من كليهما؟ خلاف بين الفقهاء، ولو زنا تحت الإكراه التام فإنه يسقط عنه الحد للشبهة لكن لا يرفع الإثم.
وعلى هذا: فالضرورة في النوع الأول: ترفع حكم الفعل وصفته، فالفاعل لا يؤاخذ ولا يأثم، لأن الفعل أصبح مباحاً بل واجباً كما رأينا، ولكن لو اضطر لأكل مال الغير فعليه ضمانه؛ لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير كما سبق وكما سيأتي.
والنوع الثاني: ترفع الضرورة فيه المؤاخذة فقط فالفاعل لا يأثم لكن لا ترفع الضرورة صفة الفعل ولا الضمان، إذ يبقى الفعل حراماً.
والنوع الثالث: لا ترفع الضرورة فيه المؤاخذة ولا الصفة ولا الضمان ولكن يدرأ الحد بالشبهة.
وبناء على ذلك فهذه القاعدة لا تتناول النوع الأخير لأنه لا يباح بحال من الأحوال فهو مستثنى من هذه القاعدة، ولكن يذكر هنا لبيان خروجه حتى لا يلتبس بالنوعين الأولين، ولأن بعض فروعه ومسائله وقع فيها الخلاف بين الفقهاء.
فالقاعدة إنما تتناول النوع الأول مع ثبوت إباحته، والنوع الثاني مع بقاء حرمته، والترخيص إنما هو في رفع الإثم كنظر الطبيب إلى ما لا يجوز انكشافه شرعاً من مريض أو جريح، فإنه ترخيص في رفع الإثم لا الحرمة، وكالاضطرار لأكل مال الغير عند المخمصة، فإنه لا يسقط حرمة مال الغير بل يسقط الإثم، ويجب عليه ضمانه أو الاستحلال من صاحبه.
(1/237)

مما بنى على هذه القاعدة:
أخذ رب الدين من مال المدين الممتنع من أداء الدين بغير إذنه إذا ظفر بجنس حقه.
وجاز دفع الصائل ولو أدى ذلك الدفع إلى قتله إن لم يمكن الدفع بدونه وللمسألة صور ينبني عليها أحكامٌ متعددة.
استدراك على القاعدة:
زاد الشافعية على هذه القاعدة قيداً وهو عدم نقصان الضرورة عن المحظور، إذ قالوا: (الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها) .
وقالوا: ليخرج عن هذه القاعدة لو كان الميت نبياً فإنه لا يحق أكله للمضطر؛ لأن حرمة النبي في نظر الشرع أعظم من مهجة المضطر.
وهذا الشرط ملتزم أيضاً عند غير الشافعية وإن لم يشترطوه، فإنه لو أكره إنسان على قتل غيره بقتل فلا يرخص له، وكذلك لو دفن الميت بغير تكفين لا ينبش عليه، لأن مفسدة هتك حرمته أشد من مفسدة عدم تكفينه، لأن التستر بالتراب قام مقامه.
وهذا في الحقيقة يندرج تحت القاعدة القائلة: (باختيار أهون الضررين) .
(1/238)

-- القاعدة الكلية الفرعية الرابعة:
قاعدة: (ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها) .
أو (الضرورات تقدر بقدرها) .
هذه القاعدة تعتبر قيداً لسابقتها أي أن كل فعل أم ترك جوِّز للضرورة فلا يتجاوز عنها.
ويترتب على هذه القاعدة وأمثلتها:
أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر سد الرمق، أي بمقدار ما يدفع عن نفسه خطر الهلاك جوعاً.
الطبيب ينظر من العورة بقد الحاجة للمعالجة.
اليمين الكاذبة لا تباح للضرورة، وإنما يباح التعريض لاندفاع الضرورة به.
إذا أحدث رجل في بنائه شباكاً أي نافذة تُطل على مقر نساء جاره لا يؤمر بهدم الحائط وسد شبَّاكه كلياً، بل بقدر ما يرفع الضرر عن جاره بصورة تمنع النظر.
وإذا ظهر للحاكم مماطلة مدين في أداء دينه مع اقتداره وطلب الغرماء بيع ماله وتأدية دينه، حجر الحاكم عليه ماله، وأمره ببيعه لإيفاء الدين، وإذا امتنع باع عليه الحاكم بدءاً بما هو أهون في حق المدين بتقديم النقود أولاً، فإن لم تلف بسداد الدين باع العروض، فإن لم تف باع العقار؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها.
ومنها المرضعة إذا ظهر بها حبل وانقطع لبنها، وليس لأب الصغير ما يستأجر به
(1/239)

مرضعة ولم يمكن استغناء الطفل بغير ثدي أمه وخيف هلاك الولد، قالوا: يباح أن تعالج المرضعة في استنزال الدم ما دام الحمل نطفة أو علقة أو مضغة لم يخلق له عضو، وقدروا تلك المدة بمائة وعشرين يوماً؛ لأنه يكون قتل نفس محترمة لصيانة نفس أخرى وهذا لا يجوز.
ومنها أن الكفار في حال الحرب إذا تترسوا بالمسلمين، أو أقاموا لهم معسكرات بين المسلمين فلا بأس بالرمي لضرورة إقامة فرض الجهاد، لكن يقصد بالرمي الكفار دون المسلمين.
لكن هل يجب الدية والكفارة فيما لو أصيب مسلمون؟ عند الجمهور إنها لا تجب، وقال الحسن بن زياد اللؤلؤي من علماء الحنفية القدماء، إنه تجب الدية والكفارة؛ لأن دم المسلم معصوم، فكان ينبغي أن يمنع من الرمي إلا أنه لم يمنع لضرورة فرض الجهاد، وتقدر الضرورة بقدرها في رفع المؤاخذة لا في نفي الضمان.
وإذا اضطر محارب في دار الحرب إلى الطعام أخذ من الغنيمة قبل القسمة على سبيل الحاجة، وبعد الخروج من دار الحرب لا يجوز له ذلك، ويجب عليه رد ما فضل إلى الغنيمة، لأن الانتفاع يكون بقدر الضرورة.
كذلك الجبيرة يجب أن لا تستر من العضو الصحيح في مواضع الغسل، إلا بقدر ما لا بد منه في استمساك الجبيرة، فلو زاد لم يصح المسح عليها ولا الاكتفاء بغسل ظاهرها.
(1/240)

-- القاعدة الكلية الفرعية الخامسة:
قاعدة: (ما جاز لعذر بطل بزواله) .
ومعناها قريب من القاعدة السابقة، أي أن مقام على الضرورة يزول بزوال هذه الضرورة، لأن جوازه لما كان لعذر فهو خلف عن الأصل المتعذر، فإذا زال العذر أمكن العمل بالأصل، فلو جاز العمل بالخلف أيضا لزم الجمع بين البدل والمبدل منه فلا يجوز، كما لا يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز، فمعنى البطلان هنا شامل لسقوط اعتباره من حيث إنه يصير في حكم العدم، ولوجوب الانسلاخ منه وتركه.
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
المتيمم إذا وجد الماء وقدر على استعماله بطل تيممه، فإن كان العجز عن الماء لفقده بطل التيمم بالقدرة على الماء، وإن كان لمرض بطل بشفائه وبرئه، وإن كان لبرد بطل بزواله.
فمن لبس الحرير بسبب جرب أو حكة يجب عليه خلعه إذا زالت الحكة والجرب.
والموميء في الصلاة إذا قدر على القيام لزمه، والأمي إذا قدر على القراءة، والعاري إذا وجد ثوباً يستر عورته، لأن القيام والقراءة والستر فرض على القادر عليها والسقوط كان للعجز وقد زال.
ومنها المعتدة عن وفاة زوجها يجب عليها المكث في بيتها المعتدة فيه إلى تمام عدتها، لكن إذا لم تجد نفقة واضطرت للخروج لكسب عيشها جاز خروجها، فمتى حصل لها مال فاستغنت عن الخروج أو وجد من ينفق عليها فقد زال العذر فليس لها الخروج، ويتخرج على هذه القاعدة كثير من أحكام عوارض الأهلية.
(1/241)

-- القاعدة الكلية الفرعية السادسة:
قاعدة: (الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة) :
المراد بالحاجة هنا ما كان دون الضرورة، لأن مراتب ما يحرص الشرع على توفيره للإنسان ثلاث:
الأولى: الضرورة: وهي بلوغ الإنسان حداً إذا لم يتناول الممنوع عنه هلك أو قارب، وهذا يبيح تناول الحرام، كما فُصِّل في قاعدة سابقة.
الثانية: الحاجة: وهي بلوغ الإنسان حداً لو لم يجد ما يأكله لم يهلك غير أه يكون في جهد ومشقة، فهذا لا يبيح الحرام، ولكنه يسوغ الخروج على بعض القواعد العامة ويبيح الفطر في الصوم.
الثالثة: الكمالية أو التحسينية: وهي ما يقصد من فعله نوع من الترفه وزيادة في لين العيش.
وما عدا ذلك فهو زينة وفضول دون الخروج عن الحد المشروع.
فإذا كانت هناك حاجة عامة لمجموع من الناس أو خاصة بشخص ما نزِّلت هذه الحاجة منزلة الضرورة في جواز الترخيص لأجلها، لكن الحاجة مبنية على التوسع والتسهيل فيما يسع العبد تركه بخلاف الضرورة لأن مبنى الضرورة على لزوم فعل ما لا بد منه للتخلص من عهدة تلزم العبد ولا يسعه الترك.
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
مشروعية الإجارة والجعالة والحوالة والسلم جوزت على خلاف القياس لعموم الحاجة إلى ذلك، والحاجة إذا عمّت كانت كالضرورة؛ لأن الإجارة والسلم بيع
(1/242)

معدوم وبيع المعدوم باطل، ولكنه جوِّز هنا لحاجة الناس، والجعالة فيها جهالة.
وفي الحالة بيع دين بدين وهو ممنوع، ولكنه جوّز هنا لعموم الحاجة.
ومنها جواز الاستصناع وهو عقد مقاولة مع أهل الصنعة على أن يعمل شيئاً مثل أن يقول لصانع، كخياط مثلاً، اصنع لي ثوباً، أو خِط لي ثوباً من هذا القماش بهذه الصفة وبهذا الثمن، فيصح، أو يقول لمقاول ابن لي بيتاً على هذا المخطط.
ومنها ضمان الدَرَك وهو عبارة عن ضمان الثمن عند استحقاق المبيع، جوِّز على خلاف القياس للجهالة من المكفول به للحاجة إليه.
(1/243)

-- القاعدة الكلية الفرعية السابعة:
قاعدة: (الاضطرار لا يبطل حق الغير) :
هذه القاعدة تعتبر قيداً لقاعدة: (الضرورات تبيح المحظورات) .
لأن الاضطرار وإن كان في بعض المواضع يقتضي تغيير الحكم من الحرمة إلى الإباحة كأكل الميتة، وفي بعضها يقتضي الترخيص في فعله مع بقاء حرمته ككلمة الكفر، إلا أنه على كل حال لا يبطل حق الآخرين، وإلا كان من قبيل إزالة الضرر بالضرر وهذا غير جائز.
فبناءً عليه لو اضطر لأكل طعام غيره، فبعد زوال الاضطرار عليه قيمة ما أكل إن كان قيمياً، ومثله إن كان مثلياً.
والاضطرار كما يكون سماوياً كالمجاعة، يكون أيضاً بالإكراه الملجئ كالقتل أو القطع أو الإتلاف، أو بالإكراه غير الملجئ كالضرب والحبس، ففي الملجئ الضمان على الآمر لا على الفاعل وفي غير الملجئ على الفاعل.
والراجح عند الحنابلة في الإكراه على القتل اشتراك المكرَه والمكرِه في القَوَد والضمان. قالوا: لأن الإكراه ليس بعذر في القتل.
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
لو صال عليه حيوان محترم كجمل أو ثور فقتله، فعند الحنفية يضمن قيمته لصاحبه؛ لأن الاضطرار لا يبطل حق الغير، إلا إذا عرف هذا الحيوان بالأذية
(1/244)

وطلب من صاحبه حفظه عن الناس فلم يفعل، فلا ضمان على قاتله.
وأما عند الشافعية والحنابلة فإن لا ضمان عليه مطلقاً؛ لأنه دفع الهلاك عن نفسه.
وإذا استأجر شخص قارباً أو حصاناً ساعة من الزمن وبعد أن وصل إلى عرض البحر بالقارب أو مسافة بعيدة بالحصان وانقضت مدة الإجارة فبمقتضى العقد يجب على الراكب أن يبارح القارب أو ينزل عن الحصان ويسلمه إلى صاحبه، إلا إذا رضي المؤجر أن يؤجره ثانية، لكن بما أنه يوجد هنا اضطرار فصاحب السفينة أو الحصان مجبر على أن يبقى المستأجر في القارب حتى يخرج به إلى البر، أو على ظهر الحصان حتى يرده إلى منزله، ولكن هذا الإجبار لا يمنع المؤجر من أن يطالب المستأجر بدفع أجرة المثل عن المدة الزائدة.
ولو أشرفت السفينة على الغرق فألقى متاع غيره ليخففها ضمنه.
(1/245)

-- القاعدة الكلية الفرعية الثامنة:
قاعدة: (إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل) :
ولأن المصير إلى البدل إنما يجوز عند عدم الأصل.
لما كان إتيان البدل عند تعذر الأصل رخصة كانت هذه القاعدة مندرجة تحت قاعدة (المشقة تجلب التيسير) ومتفرعة عليها.
أدلة هذه القاعدة:
لهذه القاعدة أدلة كثيرة من كتاب الله:
1. منها قوله تعالى: (فَمَن كانَ مِنكُم مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ، وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ) . البقرة، آية (184) .
2. وقوله تعالى: (فَإِذا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الْحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ) . البقرة، آية (196) .
3. قوله تعالى: (حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْبانًا؛ فَإِذا أَمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) . سورة البقرة، الآيتان (238 و239) .
(1/246)

4. وقوله تعالى: (وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُم مِن فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) . النساء، آية (25) .
5. وقوله تعالى: (وَإِن كُنتُم مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) . النساء، آية (43) .
6. وقوله تعالى: (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) . النساء، آية (101) .
ففي كل هذه الآيات كان الأصل عزيمة ولما شق أداؤه وتعسر خفف الله سبحانه عن عباده بالانتقال إلى البدل وهو الرخصة، لأن المشقة تجلب التيسير.
معنى القاعدة:
المراد بالأصل هنا ما يجب أداؤه أي العزيمة ولكن إذا تعذر أو تعسر وشق على المكلف ولم يمكنه إيفاء الأصل بالفوات أو التفويت ينتقل الحكم إلى البدل، أي الرخصة.
ومعنى الأداء: تسليم عين الواجب، ويكون في حقوق الله تعالى كالصلاة على وقتها وصوم رمضان، ويكون في حقوق العباد كرد المغصوب دون نقصان، وتسليم عين المبيع إلى المشتري.
أنواع الأداء: الأداء ثلاثة أنواع:
(1/247)

(ا) أداء كامل: كالصلاة على وقتها في جماعة، ورد المغصوب دون نقصان.
(ب) أداء ناقص: كالصلاة منفرداً، أو رد المغصوب وقد شغل بجناية أو دين.
(ج) أداء يشبه القضاء: كما لو جعل عبد غيره مهراً، ثم اشتراه وسلمه لها، فإنه أداء من حيث إنها تجبر على قبوله، وهو شبيه بالقضاء لأنه قبل التسليم ملكه ينفذ فيه اعتاقها، ولو كان ذا رحم محرم منها لا يعتق عليها، ولأنه في معنى المثل؛ إذ أن تبدل الملك يوجب تبدلاً في العين.
ويقابل الأداء وهو الإتيان بالأصل القضاء وهو الإتيان بالخلف أو البدل.
والقضاء قسمان:
(ا) قضاء كامل: كمن اغتصب حنطة واستهلكها، فعليه مثلها أو قيمتها.
(ب) قضاء قاصر: كمن يؤدي قيمة مغصوب قيمي بدلاً عنه لأنها مثل غير معقول.
أنواع البدل:
الإبدال التي يصار إليه عند العجز ثلاثة أنواع:
(ا) الأول: نوع بدل ينتقل إليه عند العجز مع إمكان القدرة على الأصل مستقبلاً ولكن بوقت يفوت بفواته: وأمثلته:
من دخل عليه وقت الصلاة ولم يجد الماء ينتقل إلى التيمم، وإن كان يرجو القدرة على الماء بعد خروج الوقت.
المتمتع إذا عجز عن الهدي ينتقل إلى الصوم، ولو كان له مال غائب لأنه تعلق بوقت يفوت بفواته.
ومثله المحصر إذا وجد الثمن ولم يجد الهدي يصوم ولا يلزمه الصبر للضرورة.
ومثله المال الغائب لا يمنع نكاح الأمة كما لا يمنع ابن السبيل الزكاة.
(ب) الثاني: نوع بدل لا يتعلق بوقت يفوت بفواته ولا يضر تأخيره، مثل كفارة
(1/248)

القتل، واليمين، والجماع في الصوم، فلا يجوز الانتقال عنها إلى البديل إذا كان يرجو القدرة عليه، بل يصبر حتى يجد الرقبة، لأن الكفارة على التراخي، وبتقدير أن يموت يؤدي من تركته بخلاف العاجز عن المال.
(ج) الثالث: ما يحتمل الوجهين مثل كفارة الظهار، يمكن أن يقال: يلزمه التأخير لأنها ليست مضيقة الوقت، أو له الانتقال إلى البدل لأنه يتضرر بالتأخير، ولو كان واجداً طول الحرة ولا يجد في القرية حرة، فهل له الزواج بالأمة؟
في المسألة خلاف، إلا إذا خشي العنت أي الزنا فله نكاح الأمة.
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
إذا مات الزوج حين يهل الشهر فابتداء العدة بالأهلّة: لأنها أصل في الشهور العربية لقوله تعالى: (يسألُونك عن الأهِلَّةِ قل هي مواقيتُ للناسِ والحج) . البقرة، آية (189) .
وإن مات في خلال الشهر فالعدة بالأيام واعتبار الشهر ثلاثون يوماً، وكذا الإجارة وأجل البيع.
وقيل: الشهر الأول يتم بالأيام والباقي بالأهل، لأن الضرورة تقدر بقدرها.
يذبح الصيد إذا استأنس، ويكفي جرح نَعَمَ توحش أو سقط في بئر ولم يمكن ذبحه؛ لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار.
لما كان الأصل في إثبات الأحكام هو البينة الشرعية، فإذا تعذرت البينة ينتقل إلى بدلها، فالعمل بالاستصحاب إنما يصار إليه عند عدم وجود الأصل وهو البينة فهو
(1/249)

بدل عنها.
والرجوع إلى تعامل القائمين السابقين على الوقف بدل من البينة الشرعية، أو التسجيل لشروط الوقف في ديوان القضاة إذا اختلف أهل الوقت في شرط الواقف.
وكذلك تحكيم مهر المثل إذا اختلف الزوجان في مقدار المهر ولا بينة لأحدهما.
وكذلك اختلاف المتبايعين في مقدار الثمن أو جنسه.
وفي كل موضع يكون القول فيه لأحد المتخاصمين مع يمينه يكون بدلاً عن الأصل وهو البينات الشرعية.
(1/250)

ْْْْْْْْْْْْ
بسم الله الرحمن الرحيم.
اسم الكتاب:
الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية.
تأليف الشيخ الدكتور:
محمد صدقي بن أحمد بن محمد البورنو أبي الحارث الغزي.
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.
مؤسسة الرسالة.
(المجلد الثالث) .
-- القاعدة الرابعة من القواعد الكلية الكبرى:
قاعدة: (لا ضرر ولا ضرار) أو (الضرر يزال) .
عبَّر أكثر من كتب في القواعد عن هذه القاعدة بقولهم: (الضرر يزال) وجعلوا ما عبَّرنا به، وهو الحديث دليلاً على القاعدة وأصلاً لها.
ولكن التعبير بصيغة الحديث عن القاعدة أشمل وأعم، حيث يشمل الضرر ابتداءً ومقابلة، وأيضاً يعطي ذلك القاعدة قوة؛ إذ يجعلها دليلاً شرعياً صالحاً لبناء الأحكام عليه باعتبار أنها نص حديث نبوي كريم، بخلاف قولنا الضرر يزال فليس لهذا القول قوة شرعية كنص الخبر.
-- أصل هذه القاعدة وهو دليلها:
هذه القاعدة نص حديث نبوي كريم في رتبة الحسن أخرجه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلاً.
وأخرجه الحاكم في المستدرك، والبيهقي، والدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري، كما أخرجه ابن ماجة من حديث ابن عباس، وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم.
معنى الحديث:
الضرر: إلحاق مفسدة بالغير مطلقاً.
(1/251)

والضرار: مقابلة الضرر بالضرر، أو إلحاق مفسدة بالغير على جهة المقابلة.
وفسره بعضهم: بأن لا يضر الرجل أخاه ابتداء ولا جزاء.
والحديث نص في تحريم الضرر؛ لأن النفي بلا الاستغراقية يفيد تحريم سائر أنواع الضرر في الشرع؛ لأنه نوع من الظلم، إلا ما خص بدليل كالحدود والعقوبات، أي أن الضرر والإضرار المحرَّمين إذا كانا بغير حق، وأما إيقاع الضرر بحق فهو مطلوب شرعاً، لأنه إدخال الضرر على من يستحقه، كمن تعدى حدود الله فيعاقب بقدر جريمته، أو كونه ظلم غيره فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل.
وإلحاق الضرر بغير حق على نوعين:
(ا) أحدهما: أن لا يكون له في ذلك غرض سوى الضرر بذلك الغير، أي ليس ثمة نفع يعود عليه، فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه، وقد ورد في القرآن الكريم النهي عن مثل ذلك في مواضع:
منها النهي عن المضارة في الوصية في قوله تعالى: (مِن بَعدِ وصيَّةٍ يُوصى بِها أو دَينٍ غَيْرِ مُضَارٍ) . سورة النساء، آية (12) .
ولذلك كان الأضرار بالوصية من الكبائر.
ومنها الرجعة في النكاح في قوله: (وإذا طلقتُم النِساءَ فبَلَغنَ أجَلَهُنَّ فأمسِكُوهُنَّ بمعروفٍ أو سَرِّحوهُنَّ بمعروفٍ ولا تُمسِكُوهُنَّ ضِراراً لتَعْتدُوا) . سورة البقرة، آية (231) .
(1/252)

ومنها في الرضاع في قوله تعالى: (لا تُضارَّ والِدَة بِوَلَدِها ولا مَولودٌ بِوَلَدِهِ) . سورة البقرة، آية (233) .
قالوا: لا يمنع أمه أن ترضعه ليحزنها بذلك، أو أن المطلقة تطلب إرضاع ولدها بزيادة عن أجرة المثل لقصد المضارة بالزوج.
(ب) والنوع الثاني: أن يكون له غرض آخر صحيح مثل أن يتصرف في ملكه بما فيه مصلحة له فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره، أو يمنع غيره من الانتفاع بملكه فيتضرر الممنوع بذلك، فأما الأول وهو التصرف في ملكه فإن كان على غير الوجه المعتاد، كمن أوقد في أرضه ناراً في يوم عاصف فتعدت إلى جاره وأحرقت ماله، فالفاعل متعد في ذلك وعليه الضمان.
وأما إن كان على الوجه المعتاد، ففي منعه قولان: أحدهما لا يمنع من ذلك وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهم لأنه تصرف في خالص حقه.
والقول الثاني: بالمنع وهو قول أحمد ووافقه مالك في بعض الصور كمن فتح كوة في بنائه العالي مشرفة على جاره، أو يبني بناءً عالياً يشرف على جاره ولا يستره، فعند أحمد وطائفة من أصحاب الشافعي يلزم بستره، ويجتهد الحاكم في منعه إذا ظهر له قصد الفساد.
منها أن يحدث في ملكه ما يضر جاره من هز أو دق، أو له رائحة خبيثة تضر بالسكان، فإنه يمنع في ظاهر مذهب مالك وأحمد وهو أحد الوجوه للشافعية.
ومنها أن يكون له ملك في أرض غيره ويتضرر صاحب الأرض بدخوله إلى أرضه، فإنه يجبر على إزالته ليندفع به ضرر الدخول.
(1/253)

-- شرح القاعدة إجمالاً:
هذه القاعدة من أركان الشريعة وتشهد لها نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، وقد سبق ذكر بعض منها، وهي أساس لمنع الفعل الضار وترتيب نتائجه في التعويض المالي والعقوبة، كما أنها سند لمبدأ الاستصلاح في جلب المصالح ودرء المفاسد، وهي عدة الفقهاء وعمدتهم وميزانهم في تقرير الأحكام الشرعية للحوادث.
وعلى هذه القاعدة ينبني كثير من أبواب الفقه: كالرد بالعيب، وجميع أنواع الخيارات والحجر بسائر أنواعه والشفعة، والقصاص، والحدود والكفارات، وضمان المتلفات، والجبر على قسمته المشترك إذا اتحد الجنس، ونصب الأئمة والقضاة، ودفع الصائل، وقتال المشركين والبغاة.
إلى غير ذلك مما في حكمة مشروعيته دفع للضرر (إذ لا ضرر ولا ضرار) .
ونص هذه القاعدة (كما رأينا) ينفي الضرر فيوجب منعه وتحريمه مطلقاً، ويشمل ذلك: الضرر العام والخاص، وأيضاً: دفع الضرر قبل وقوعه بطرق الوقاية الممكنة، كما يشمل أيضاً: رفعه بعد وقوعه بما يمكن من التدابير التي تزيل آثاره وتمنع تكراره.
ومن ثم كان إنزال العقوبات المشروعة بالمجرمين لا ينافي هذه القاعدة وإن ترتب عليها ضرر بهم، لأن فيها عدلاً ودفعاً لضرر أعم وأعظم.
ما المقصود بنفي الضرار؟
(1/254)

إذا عرفنا أن معاني الضرار مقابلة الضرر بالضرر، فإذاً يكون المقصود بنفي الضرار هنا نفي فكرة التأر بمجرد الانتقام، الفكرة التي تزيد في الضرر وتوسع دائرته.
فالإضرار ولو كان على سبيل المقابلة لا يجوز أن يكون هدفاً مقصوداً، وإنما يلجأ إليه اضطراراً.
فمن أتلف مال غيره مثلاً لا يجوز أن يقابل بإتلاف ماله، لأن في ذلك توسعة للضرر بلا منفعة، وأفضل منه تضمين المتلف قيمة ما أتلف.
وذلك بخلاف الجناية على النفس أو البدن مما شرع فيه القصاص، لأن الجنايات لا يقمعها إلا عقوبة من جنسها.
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
لو انتهت مدة إجارة الأرض الزراعية قبل أن يستحصد الزرع، تبقى في يد المستأجر بأجر المثل حتى يستحصد؛ منعاً لضرر المستأجر بقلع الزرع قبل أوانه.
إذا كان الملك المشترك بين يتيمين محتاجاً إلى تعمير فأبى أحد الوصيين، وكان في إبائه ضرر على اليتيم، يجبر من قبل الحاكم دفعاً للضرر.
كذلك لو باع ثمر نخل، والمشتري إذا ارتقى ليقطع الثمر يطلع على عورات الجيران، يؤمر بأن يخبرهم وقت الارتقاء ليستتروا مرة أو مرتين، فإن فعل وإلا رفع إلى الحاكم ليمنعه من الارتقاء.
ولو باع شيئاً مما يسرع إليه الفساد كالفواكه مثلاً، وغاب المشتري قبل نقد الثمن وقبض المبيع وخيف فساده، فللبائع أن يفسخ البيع ويبيع من غيره دفعاً للضرر.
ويجوز حبس المشهورين بالدعارة والفساد حتى تظهر توبتهم، ولو لم يثبت عليهم جرم معين بطريق قضائي دفعاً لشرهم.
(1/255)

-- القواعد المتفرعة على قاعدة لا ضرر ولا ضرار، والمندرجة تحتها:
-- القاعدة الفرعية الأولى:
قاعدة: (الضرر يدفع بقدر الإمكان) .
معنى القاعدة: (إن الضرر يدفع شرعاً، فإن أمكن دفعه بدون ضرر أصلاً وإلا فيتوسل لدفعه بالقدر الممكن) .
هذه القاعدة تفيد وجوب دفع الضرر قبل وقوعه بكل الوسائل والإمكانيات المتاحة، وفقاً لقاعدة المصالح المرسلة والسياسة الشرعية، فهي من باب الوقاية خير من العلاج، وذلك بقدر الاستطاعة، لأن التكليف الشرعي مقترن بالقدرة على التنفيذ.
دليل هذه القاعدة:
لهذه القاعدة أدلة شرعية من الكتاب والسنة منها:
قوله تعالى: (وأَعِدُّوا لَهُم ما استَطَعْتُم من قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّا اللهِ وعَدُوَّكُمْ) . سورة الأنفال، الآية (60) .
(1/256)

(ا) ففي جانب المصالح العامة:
شرع الجهاد لدفع شر الأعداء، ووجبت العقوبات لقمع الأجرام وصيانة الأمن، ووجب سد ذرائع الفساد من جميع أنواعه.
(ب) ومن جانب الحقوق الخاصة:
شرع حق الشفعة لدفع الضرر المتوقع عن الجار.
وشرع الحجر على السفيه لدفع الضرر سوء تصرفاته المالية.
وشرع الحجر على المفلس منعاً للضرر عن الدائنين.
وحق للقاضي منع المدين من السفر بناء على طلب الدائن، أو يوكل وكيلاً بالخصومة.
وشرع الإجبار القضائي على قسمة المال المشترك القابل للقسمة، بناء على طلب أحد الشركاء دفعاً لضرر شركة الملك.
ولو امتنع الأب من الإنفاق على ولده القاصر أو العاجز، يحبس لدفع ضرر الهلاك عن الولد.
ومن شهر على المسلمين سيفاً فعليهم أن يقتلوه إذا مست الضرورة، لقوله عليه الصلاة والسلام: (مَن شهر على المسلمين سيفاً فقد أحلَ دمه) . الحديث رواه الترمذي في الحدود، وكذلك ابن ماجة باختلاف لفظ، النسائي في كتاب التحريم) .
لأنه باغ فلضرورة دفع الضرر سقطت عصمته.
وكذلك للمضطر أن يأكل مال غيره حفاظاً على حياته، لكن عليه الضمان، لأن الضرر يدفع بقدر الإمكان، ولأن الاضطرار لا يبطل حق الغير كما سبق بيانه.
ومنها أن الأجير الذي لعمله أثر في العين، كالصبغ مثلاً أو الخياطة، إذا حبسها لقبض الأجرة فهلكت، يلزمه الضمان لكن له الأجر، لأن الضرر يدفع بقدر الإمكان.
(1/257)

-- القاعدة الكلية الفرعية الثانية:
قاعدة: (الضرر يزال) :
هذه القاعدة تفيد وجوب إزالة الضرر ورفعه بعد وقوعه.
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
إذا سلط إنسان ميزابه على الطريق العام بحيث يضر بالمارين، فإنه يزال، وكذلك إذا تعدى على الطريق ببناء أو حفر بالوعة أو غير ذلك.
وكذلك يضمن المتلف عوض ما أتلف للضرر الذي أحدثه.
وإذا طالت أغصان شجرة لشخص وتدلت على دار غيره فأضرته يكلف رفعها أو قطعها.
وقد شرع كثير من الخيارات في بعض العقود لإزالة الأضرار الواقعة على أحد المتعاقدين، كخيار العيب وخيار الغبن.
(1/258)

-- القاعدة الكلية الفرعية الثالثة:
قاعدة: (الضرر لا يزال بمثله) .
أو (الضرر لا يزال بالضرر) .
هذه القاعدة تعتبر قيداً لسابقتها، لأن الضرر مهما كان واجب الإزالة، فلا يكون بإحداث ضرر مثله، ولا بأكثر منه بطريق الأولى.
فالشرط إذاً أن يزال الضرر بلا إضرار بالغير إن أمكن وإلا فبأخف منه.
فمن فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
لا يجوز لإنسان محتاج إلى دفع الهلاك جوعاً عن نفسه أن يأخذ مال محتاج مثله، كما لا يجوز لمن أكره بالقتل أن يقتل إذا كان المراد قتله مسلماً بغير وجه حق، لأن هذه إزالة ضرر بمثله، بخلاف أكل ماله.
وإذا ظهر في المبيع عيب قديم وحدث عند المشتري عيب جديد، امتنع رد المبيع بالعيب القديم؛ لتضرر البائع بالعيب الحادث، إلا أن يرضى، ولكن يعود المشتري على البائع بالنقصان.
(1/259)

-- القاعدة الكلية الفرعية الرابعة:
وردت هذه القاعدة بألفاظ مختلفة:
(ا) الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.
(ب) يختار أهون الشرين، أو أخف الضررين.
(ج) إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما.
(د) وإذا اجتمع ضرران أسقط الأصغر للأكبر.
هذه القواعد مهما اختلفت ألفاظها فهي متحدة المعنى، أي (أن الأمر إذا دار بين ضررين أحدهما أشد من الآخر فيتحمل الضرر الأخف، ولا يرتكب الأشد) .
-- أصل القاعدة:
والأصل في هذه القاعدة قولهم: (إن من ابتلي ببليتين وهم متساويتان يأخذ بأيتهما شاء، وإن اختلفتا يختار أهونهما، لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة في حق الزيادة) .
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
(1/260)

لو كان برجل جرح لو سجد سال دمه، يومئ ويصلي قاعداً؛ لأن ترك السجود أهون من الصلاة من الحدث - عند من يوجبون انتقاض الوضوء عن سيلان الدم - ولأن ترك السجود أهون من الصلاة مع النجاسة، ولأن الدم نجس وملوِّث، كما أن ترك السجود في هذه الحالة يدفع عن الجريح ضرر خروج الدم ونزفه، وزيادة ضرره أو تأخر برئه.
لو أن مصلياً لو صلى قائماً ينكشف من عورته ما يمنع جواز الصلاة، ولو صلى قاعداً لا ينكشف منه شيء، فإنه يصلي قاعداً؛ لأن ترك القيام أهون.
ولو ابتلعت دجاجة شخص لؤلؤة ثمينة لغيره، فلصاحب اللؤلؤة أن يتملك الدجاجة بقيمتها ليذبحها.
وإذا خشي من السفينة غرقها، فإنه يرمي منها ما ثقل من المتاع ويغرم أهل السفينة ما رموا به على قيمة ما معهم من المتاع.
جاز شق بطن المرأة الميتة لإخراج الجنين إذا كانت حياته ترجى.
لو أحاط الكفار بالمسلمين - ولا مقاومة بهم - جاز دفع المال إليهم، وكذلك جاز استنقاذ الأسرى منهم بالمال، إذا لم يمكن بغيره، لأن مفسدة بقائهم بأيديهم واصطلامهم للمسلمين أعظم من بذل المال.
لو هدد بالقتل أو يرمي نفسه من مكان عال - كالمنارة مثلاً - فهل له أن يختار؟ وهل المفسدتان هنا متساويتان؟ عند أبي حنيفة رحمه الله: له الخيار إن شاء فعل ذلك وإن شاء لم يفعل ويصير حتى يقتل لتساوي البليتين.
وعند أبي يوسف ومحمد رحمها الله: يصبر ولا يلقى بنفسه، لأن في إلقاء نفسه شبهة الانتحار وهو لا يجوز بحال، ولا يجوز للمسلم أن يعين على قتل نفسه
(1/261)

وهو الصحيح إن شاء الله.
هذا بخلاف ما لو كان في سفينة فاحترقت فهو بالخيار بين أن يلقي بنفسه في الماء - وإن كان يخشى الغرف - أو يبقى في السفينة فيحترق.
وعند الحنابلة خلاف في المسألة، وعند أحمد فيها روايتان.
(1/262)

-- القاعدة الكلية الفرعية الخامسة:
قاعدة: يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام:
هذه القاعدة تدخل ضمناً في القاعدة السابقة - وإن كانت أخص منها موضوعاً - وهي قاعدة مهمة مبنية على المقاصد الشرعية في مصالح العباد، استخرجها المجتهدون من الإجماع ومعقول النصوص، وتعتبر قيداً لقاعدة (الضرر لا يزال بمثله) التي سبقت.
فالشرع إنما جاء ليحفظ على الناس دينهم وأنفسهم وعقولهم وأنسابهم وأموالهم، فكل ما يؤدي إلى الإخلال بواحد منها فهو مضرة يجب إزالتها ما أمكن، وفي سبيل تأييد مقاصد الشرع يدفع الضرر الأعم بارتكاب الضرر الأخص، ولهذه الحكمة شرع الله حد القطع حماية للأموال، وحد الزنا والقذف صيانة للأعراض، وحد الشرب حفظاً للعقول، والقصاص وقتل المرتد صيانة للأنفس والأديان.
ومن هذا القبيل شرع قتل الساحر المضر، والكافر المضل، لأن أحدهم يفتن الناس والآخر يدعوهم إلى الكفر، فيتحمل الضرر الأخص ويرتكب لدفع الضرر الأعم.
ومن فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
جواز الرمي إلى كفار تترسوا بالمسلمين من الأسرى أو الصبيان أو النساء.
ومنها جواز الحجر على المفتي الماجن حرصاً على دين الناس.
والحجر على الطبيب الجاهل حرصاً على أرواح الناس.
والحجر على المكاري المفلس حرصاً على أموالهم وأوقاتهم.
(1/263)

كما يجوز التسعير على الباعة - في بعض الأحوال - دفعاً لضررهم عن العامة.
ومنها وجوب هدم حائط مال إلى طريق العامة أو هدم عمارة آيلة للسقوط. دفعاً للضرر العام.
ومنها بيع طعام المحتكر جبراً عليه عند الحاجة وامتناعه من البيع دفعاً للضرر العام.
ومنها اتخاذ حانوت للطبخ - مطبخ - في سوق باعة القماش والتجار دفعاً لضرر الحريق عن الآخرين.
(1/264)

-- القاعدة الكلية الفرعية السادسة:
قاعدة: (درء المفاسد أولى من جلب المصالح) :
معنى القاعدة:
المراد بدرء المفاسد دفعها ورفعها وإزالتها.
فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة، فدفع المفسدة مقدم في الغالب، إلا أن تكون المفسدة مغلوبة؛ وذلك لأن اعتناء الشرع بترك المنهيات أشد من اعتنائه بفعل المأمورات، لما يترتب على المناهي من الضرر المنافي لحكمة الشارع في النهي.
دليل هذه القاعدة:
1. قوله تعالى: (ولا تَسُبُوا الَّذِينَ يَدْعُونَ من دوُنِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) . سورة الأنعام، آية (108) .
ففي سب آلهة الكفار مصلحة وهي تحقير دينهم وإهانتهم لشركهم بالله سبحانه، ولكن لما تضمن ذلك مفسدة وهي مقابلتهم السب بسب الله عز وجل نهى الله سبحانه وتعالى عن سبهم درءاً لهذه المفسدة.
2. وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بالشيء فخذوا به ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه) . الحديث رواه النسائي في باب وجوب الحج واللفظ له، ورواه ابن ماجة في المقدمة، بلفظ: (فخذوا منه) .
(1/265)

ومثل هذه القاعدة قاعدة أخرى تقول:
(إذا تعارض المانع والمقتضي يقدم المانع إلا إذا كان المقتضي أعظم) .
والمراد بالمانع هنا المفسدة، والمراد بالمقتضي الأمر الطالب للفعل لتضمنه المصلحة فوجود المانع يمنع من الفعل إلا إذا كانت المصلحة أعظم.
وهذا من باب تغليب جانب الحرمة على جانب الحلال بناء على القاعدة القائلة: (إذا اجتمع الحلال والحرام أو المبيح والمحرم غلّب الحرام) .
لأن في تغليب جانب الحرمة درء مفسدة وتقديم المانع، ومن ثَمَّ إذا تعارض دليل يقتضي التحريم وآخر يقتضي الإباحة قدم دليل التحريم في الأصح تغليباً للتحريم ودرءاً للمفسدة.
ومن أمثلة هذه القواعد وفروعها:
إذا وجب على امرأة الغسل ولم تجد سترة من الرجال تؤخر الغسل؛ لأن في كشف المرأة على الرجال مفسدة وأي مفسدة - بخلاف الرجل إذا لم يجد سترة من الرجال يغتسل ولا يؤخره. وأما إذا أراد الرجل أن يستنجى ولم يجد سترة من الرجال فلا يتكشف بل يترك الاستنجاء، لأن النجاسة الحكمية أقوى من النجاسة الحسية، والمرأة بين النساء كالرجل بين الرجال.
منع التجارة في المحرمات من خمر ومخدرات وخنزير، ولو أن فيها أرباحاً ومنافع
(1/266)

اقتصادية.
ويمنع مالك الدار من فتح نافذة تطل على مقر نساء جاره، ولو كان فيها منفعة له.
وإذا كانت جارية بين شريكين يحرم وطؤها عليهما.
وإذا اشتبه محرّمة بأجنبيات محصورات لم يحل الزواج بإحداهن.
وما كان أحد أبويه مأكول اللحم والآخر غير مأكول لا يحل أكله على الصحيح كالبغل.
ومنها إذا أرسل كلبه المعلم وشاركه كلب غير معلم في الصيد حرم أكل الصيد بهما.
وكذلك لو وضع المجوسي أو الشيوعي يده على يد المسلم الذابح لا يحل أكل المذبوح لاجتماع المحرم والمبيح.
ولو اشتبه مذكي بميتة أو لبن بقر بلبن أتان، أو ماء وبول، لم يجز تناول شيء منها، ولا بالاجتهاد، ما لم تكثر الأواني.
ولو اختلطت زوجته بغيرها فليس له الوطء، ولا بالاجتهاد، حتى يستيقن.
استثناء من القاعدة:
لو رمى سهماً على طائر فجرحه ووقع على الأرض فمات فإنه يحل أكله، وإن أمكن إحالة الموت على الوقوع على الأرض والارتطام بها - لأن ذلك لا بد منه - فعفي عنه، بخلاف ما لو وقع في الماء.
ومنها معاملة من أكثر ما له حرام إذا لم يعرف عين المال فلا يحرم في الأصح ولكن يكره.
(1/267)

وإذا اختلطت محرّمة - برضاع أو نسب - بنسوة غير محصورات فله النكاح منهن.
ومنها جواز مس كتب التفسير للمحدث إلا إذا كان الأكثر قرآناً، وبعضهم لم يفصل.
والصلاة مع اختلال شرط من شروطها من الطهارة أو التستر أو الاستقبال، فإن في ترك ذلك مفسدة لما فيه من الإخلال بجلال الله تعالى في أن لا يناجي إلى على أكمل الأحوال، لكن متى تعذر شيء من ذلك جازت الصلاة بدونه تقديماً لمصلحة الصلاة على هذه المفسدة.
ومنه الكذب مفسدة محرمة لكن متى تضمن ذلك جلب مصلحة تربو عليه جاز كالكذب في الإصلاح بين الناس، وفي الحرب لخداع العدو، وعلى الزوجة لإصلاحها.
وإذا جمع في عقد واحد بين من تحل له وبين من لا تحل، كمن يجمع بين مسلمة ووثنية، أو أجنبية ومحرمة، جاز العقد فيمن تحل، وبطل في غيرها.
كل ما سبق فيما إذا اجتمع حلال وحرام.
اختلاط الواجب بالمحرم:
وأما إذا اختلط الواجب بالمحرم فتراعى مصلحة الواجب.
من أمثلة ذلك:
إذا اختلط موتى المسلمين بالكفار، ولم يمكن التمييز بينهم غسِّل الجميع وصلى عليهم ويكون التمييز بالنية.
(1/268)

ودليل ذلك ما احتج به البيهقي: (بأن النبي صلى الله عليه وسلم مر بملجسٍ فيه أخلاط من المسلمين والمشركين فسلم عليهم) .
اختلاط الشهداء بغيرهم يجب غسل الجميع والصلاة عليهم، وإن كان الغسل والصلاة على الكفار والشهداء حراماً.
المرأة يحرم عليها ستر وجهها في الصلاة ولا يمكن إلا بكشف شيء من الرأس، وستر الرأس واجب في الصلاة فإذا صلت راعت مصلحة الواجب.
الهجرة على المرأة من بلاد الكفار واجبة وإن كان سفرها وحدها دون محرم حراماً.
(1/269)

-- القاعدة الخامسة من القواعد الكلية الكبرى:
قاعدة: (العادة محكَّمة) :
أصل هذه القاعدة:
في أصول الإمام الكرخي: (الأصل أن السؤال والخطاب يمضي على ما عَمّ وغلَب لا على ما شذ وندر، والأصل أن جواب السؤال يمضي على ما تعارف كل قومٍ في مكانهم) .
دليل هذه القاعدة:
قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) .
قال العلائي عن هذا الحديث: لم أجده مرفوعاً في شيء من كتب الحديث أصلاً، ولا بسند ضعيف بعد طول البحث وكثرة الكشف والسؤال، وإنما هو من قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه موقوفاً عليه، أخرجه أحمد في مسنده.
(1/270)

وقال السخاوي في المقاصد الحسنة: حديث: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) . أخرجه أحمد في كتاب السنة ووهم من عزاه للمسند.
وقال المعلق في هامشه: بل هو في المسند أيضاً - من حديث أبي وائل عن ابن مسعود - ثم روى الحديث بطوله وقال: هو موقوف حسن.
وكذا أخرجه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في ترجمة ابن مسعود من الحلية، بل هو عند البيهقي في الاعتقاد من وجه آخر عن ابن مسعود.
بهذا الحديث استدل من ذكر هذه القاعدة ولم يذكروا معه دليلاً آخر.
ولكن يمكن أن يستدل لهذه القاعدة بأدلة أخرى من الكتاب والسنة، نعم لم يرد في الكتاب العزيز لفظ العُرف والمعروف، كما ورد في السنة لفظ المعروف، كما وردت أخبار كثيرة يستفاد منها أثر العادة في بناء الأحكام:
أولاً: الأدلة من الكتاب العزيز:
1. قوله تعالى: (خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بالعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ) . سورة الأعراف، آية (199) .
2. وقوله تعالى: (فَاتْبِاعٌ بِالمَعْرُوفِ وأدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) . سورة البقرة، آية (178) .
3. وقوله تعالى: (الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ بِالمَعْروفِ حَقاً عَلَى المُتَّقِينَ) . سورة البقرة، آية (180)
(1/271)

4. وقوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ) . سورة البقرة، آية (228) .
5. ومثله قوله تعالى: (وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وكِسوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ) . سورة البقرة، آية (233) .
6. ومثله قوله: (ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقاً عَلَى المُتّقِينَ) . سورة البقرة، آية (241) .
وقد ورد لفظ المعروف في القرآن العظيم في سبعة وثلاثين موضعاً، كما أن أثر العادة والعرف والمعروف ورد في السنّة تارة مصرحاً به وتارة لم يصرح به ولكن بنى الحكم عليه، فمما ورد في السنة مصرحاً بلفظ المعروف وبناء الحكم عليه:
ثانياً: الأدلة من السنة المطهرة:
1. قوله صلى الله عليه وسلم لهند زوجه أبي سفيان رضي الله عنهما: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) . البخاري في البيوع والنفقات والأقضية وغيرها وعند مسلم وغيره.
2. وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا جناح على من وَليها أن يأكل بالمعروف) . البخاري ومسلم وغيرهما.
3. (للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف) .
ومما ورد فيه أثر العرف والعادة وبناء الأحكام عليهما وإن لم يصرح بهما:
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدِم المدينة وهم يسلفون في الثمر السنة والسنتين. وربما قال: السنتين والثلاث، فقال: (مَن سلَّفَ فليسلِّف في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم) .
(1/272)

فالرسول صلى الله عليه وسلم أجاز السلم - وهو بيع معدوم - لأن الناس كانوا يتعاملون به فأقرَّهم صلى الله عليه وسلم ونظَّم عملية التبادل ليقطع النزاع.
وهذا من العرف العملي ويكون السلف جائزاً بإقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء على العرف الموجود والعادة المتبعة بينهم، ومثل ذلك في السنة كثير.
فإذا ثبت أنَّ لقاعدة (العادة محكَّمة) أدلة كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع فما معنى هذه القاعدة:
معنى هذه القاعدة:
العادة في اللغة: مأخوذة من العود أو المعاودة بمعنى التكرار، والعادة: اسم لتكرير الفعل أو الانفعال حتى يصير سهلاً تعاطيه كالطبع، ولذلك قيل: العادة طبيعة ثانية.
ومادة العادة تقتضي تكرار الشيء وعوده تكراراً كثيراً حتى يخرج عن كونه واقعاً بطرق الاتفاق، ولذلك كان خرق العوائد لا يجوز إلا في معجزة نبي أو كرامة ولي.
وأقل المرات ليكون الشيء عادة ثلاث متواليات على الأرجح عند الأكثرين، وأما كلمة (محكَّمة) فهي اسم مفعول مت التحكيم، ومعنى التحكيم القضاء والفصل بين الناس، أي أن (العادة هي المرجع للفصل عند التنازع) .
وأما معنى العرف: (فهو المعروف من الإحسان) والمعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حُسْنه، والمنكر ما ينكر بهما، ولهذا قيل للاقتصاد في الجود معروف لما كان ذلك مستحسناً في العقول والشرع.
(1/273)

وقال الجرجاني في تعريفاته: (العرف ما استقر في النفوس بشهادة العقول وتلقته الطبائع بالقبول) ثم قال: (وكذا العادة، وهذا في الحقيقة هو الجامع بين العادة والعرف.
وأما معنى العادة في الاصطلاح فهو يختلف عند الأصوليين عنه عند الفقهاء.
تعريف العادة عند الأصوليين:
عرَّف الأصوليون العادة (بأنها الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية) .
لأن التكرار إذا كان ناشئاً عن علاقة عقلية، وهي التي يحكم العقل فيها لم يكن عندئذ من قبيل العادة، بل من قبيل التلازم العقلي، وذلك كتكرر حدوث الأثر كلما حدث مؤثرة، بسبب إن المؤثر علة لا يختلف عنها معلولها، كتحرك الخاتم بحركة الإصبع وتحرك ورق الشجر كلما تحرك الريح، وتبدل مكان الشيء بحركته، فهذا لا يسمى عادة مهما تكرر، لأنه ناشئ عن تلازم وارتباط في الوجود بين العلة والمعلول، يقضي به العقل، وليس ناشئاً عن ميل الطبع.
2. تعريف العادة عند الفقهاء:
عرَّف الفقهاء العادة بأنها (عبارة عما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المعقولة عند الطباع السليمة) .
فكون العادة الأمر المتكرر متفق عليه بين الأصوليين والفقهاء، والأمر المتكرر يشمل كل حادث يتكرر لأن لفظ الأمر من أوسع ألفاظ اللغة عموماً وشمولاً.
(1/274)

ويفترق تعريف الفقهاء عن تعريف الأصوليين بأنه لم يشترط نفي العلاقة العقلية، فتعريف الأصوليين أخص وتعريف الفقهاء أعم من هذا الوجه.
ومع أن تعريف الفقهاء للعادة يتضمن قبولها عند الطباع السليمة لكن إطلاق لفظ العادة عند الفقهاء يتضمن ما يلي:
1. يطلق لفظ العادة على ما يعتاده الفرد من الناس في شئونه الخاصة، كعادته في نومه وأكله، ونوع مأكوله وملبوسه وحديثه وكثير من أفعاله، وهذا يسمى عادة فردية.
2. يطلق أيضاً على ما تعتاده الجماعات مما ينشأ في الأصل عن اتجاه عقلي وتفكير حسناً كان ذلك أو قبيحاً، وهذا يسمى عند الأكثرين عرفاً.
3. كما تطلق العادة على كل حال متكررة سواء كانت ناشئة عن سبب طبيعي كإسراع بلوغ الأشخاص ونضج الثمار في الأقاليم الحارة، وإبطائه في الباردة وكثرة الأمطار في بعضها صيفاً وفي بعضها شتاءً.
أم كانت ناشئة عن الأهواء والشهوات وفساد الأخلاق، كالتقاعس عن فعل الخبرات، والسعي بالضرر والفساد، وتفشي الكذب وأكل المال بالباطل والفسق والظلم، مما يسميه الفقهاء فساد الزمان.
أم كانت ناشئة عن حادث خاص كفشو اللحن من اختلاط العرب بالأعاجم، فكل ذلك يعتبر في نظر الفقهاء من قبيل العادة، مع أن ما ذكر ثالثاً: إما أن يكون من قيل التلازم العقلي، وإما أن يكون مما لا يكون مقبولاً عند الطباع السليمة، فالأول ليس عادة عند الأصوليين لأنهم اشترطوا في العادة عدم التلازم العقلي، والثاني: يجب أن لا يكون عادة عند الفقهاء لأنه غير مقبول عند الشرع
(1/275)

ولا عند الطباع السليمة.
فمعنى القاعدة في الاصطلاح الفقهي.
(إن العادة تجعل حَكَمَاً لإثبات حكم شرعي) .
أي أن (للعادة في نظر الشارع حاكمية تخضع لها أحكام التصرفات، فتثبت تلك الأحكام على وفق ما تقضي به العادة أو العرف إذا لم يكن هناك نص شرعي مخالف لتلك العادة) .
رأينا في تعريف العادة أنها مأخوذة من العود والمعاودة، فهي بتكررها مرة بعد أخرى صارت معروفة مستقرة في النفوس والعقول متلقاة بالقبول من غير علاقة ولا قرينة حتى صارت حقيقة عرفية، فهل العرف يختلف عن العادة؟
حينما عرَّف بعضهم العادة قال: (العادة والعرف ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول) ، فعلى هذا فالعرف هو العادة المعروفة، فالعرف والعادة لفظان بمعنى واحد من حيث الماصَدَق - أي من حيث ما يدل عليه لفظاهما اصطلاحاً ويصدقان عليه، وهو العادة المعروفة - وإن كان مختلفين ن حيث المفهوم - اللغوي - حيث أن مفهوم كل واحد منهما مختلف عن الآخر. فالعادة هي العود والتكرار، والعرف هو المتعارف.
وقد فرق بعض العلماء المُحدَثين بين مدلولي العرف والعادة، فأطلق العادة على ما يشتمل عادة الفرد والجماعة، وخص العرف بعادة الجماعة حيث عَرَّفه بأنه (عادة جمهور قوم في قول أو عمل) . فبينهما عموم وخصوص مطلق.
(1/276)

أنواع العادة والعرف وأقسامها:
أولاُ: من حيث العموم والخصوص:
العادة والعرف ثلاثة أنواع:
1. عادة عرفية عامة - أو عرف عام: هو عرف هيئة غير مخصوصة بطبقة من طبقاتها وواضعه غير متعين، وهو العرف الجاري منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم حتى زماننا، وهو العرف الذي قبله المجتهدون وعملوا به - ولو كان مخالفاً للقياس ويثبت به حكم عام. وهو العرف المعتبر الذي تخص به النصوص ويترك به القياس - أي القواعد العامة - ولكن لا يعتبر ذلك العرف إلا في زمن الرسالة، وأما الأعراف المستجدة بعد زمن الرسالة مهما عمَّت فلا تُخص بها النصوص ولا يترك بها القياس. وإنما ينزل الناس على حكمها فيما يتعاملون به ولم ينص على خلافه.
والعموم قد يكون عموماً زمانياً فيكون العرف عاماً في الأزمنة كلها منذ عهد الصحابة إلى الآن، أو في عصر من العصور، وقد يكون عموماً مكانياً، بمعنى أن العرف يعم الأمكنة كلها ويعمل به في جميع البلاد أو أكثرها.
ومن أمثلة العادة العرفية العامة:
إذا حلف إنسان أن لا يضع قدمه في دار فلان - فهو يحنث ولو دخلها محمولاً وبقيت قدمه خارجها - ولا يحنث لو وضع قدمه فيها وبقي هو خارجها؛ لأن المراد بوضع القدم عند الجميع هو الدخول وليس مجرد وضع قدم فقط.
وتعارف الناس عقد الاستصناع وهو الاتفاق على صنع أشياء معينة بأوصاف مبينة محددة وهو من بيع المعدوم ولكن جاز لتعارف الناس وتعاملهم به من العصر الأول، وهذا العرف يصلح مخصصاً للنص ويترك به القياس، كجواز السلم وغيره.
(1/277)

عادة عرفية خاصة، أو عرف خاص، وذلك ما كان عرفاً لإقليم خاص، أو طائفة مخصوصة، أو اصطلاحاً لطائفة مخصوصة، مثل: الرفع عند النحاة، فإنه عندهم اسم لما هو علم الفاعلية.
والفرق والجمع والنقض عند علماء الجدل والمناظرة، فإن الفرق عندهم هو أن يبين في الأصل - المقيس عليه - وصف له مدخل في العلّية لا يوجد في الفرع فلا يصح القياس.
والجمع هو أن يجمع بين الأصل والفرع بعلة مشتركة بينهما فيقع القيس.
والنقض هو تخلف الحكم المدَّعى عن الدليل.
مع أن معاني هذه الألفاظ اللغوية مختلفة عن هذه المعاني الاصطلاحية.
النوع الثالث: عادة عرفية شرعية أو العرف الشرعي:
كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من المصطلحات الشرعية، حيث تركت معانيها اللغوية بمعانيها الشرعية، فالصلاة في اللغة الدعاء، والزكاة معناها الزيادة أو الطهارة، والصوم مطلق الإمساك.
والحج معناه القصد، لكن انتقلت هذه الألفاظ عن معانيها اللغوية إلى معانيها الشرعية، فأصبحت حقائق شرعية وأعرافاً شرعية بحيث أنها إذا أطلقت لم يتبادر إلى الأذهان إلى المعنى الشرعي، وهذا النوع يعتبر أيضاً من العرف الخاص.
فالعادة العرفية الخاصة أو العرف الخاص إذا كان خاصاً في المكان بأن كان عرف أهل بلدة واحدة أو ناحية، فهو لا يعتبر عند جمهور الفقهاء مخصصاً ولا يجوز أن يترك به القياس، إذ قالت الحنفية والشافعية: (المذهب عدم اعتبار العرف الخاص) .
(1/278)

ولكن بعض فقهاء الحنفية والشافعية أفتوا باعتباره، ومثلوا له بما لو دفع غزلاً إلى حائك لينسجه بذراع منه أو بجزء شائع كالربع مثلاً، فعند جمهور فقهاء الحنفية والشافعية بأنه لا يجوز قياساً على قفيز الطحان.
لكن بعض فقهاء الحنفية والشافعية - في بلاد ما وراء النهر - تركستان - أفتوا بجوازه حيث قالوا: وفيه عرف شائع عندنا ولو لم نُجَوِّزه، وعلل تجويزه بقوله: وإنما عدم جوازه قياساً على المنصوص - أي أن الأصل في المنع الأثر، ونسج الثوب مقيس على قفيز الطحان - قال: لكن القياس يترك بالعرف كما في الاستصناع. أي فحيث كان دليل المنع هنا القياس على قفيز الطحان، جاز العمل بخلاف القياس للعرف الشائع، وليس في ذلك مصادمة للنص.
ونزل القفال من الشافعية العادة المطردة في ناحية منزلة الشرط، فقال: إذا عَمَ الناس اعتياد إباحة منافع الرهن للمرتهن فاطراد العادة فيه بمثابة شرط عقد في عقد حتى يفسد الرهن ويصبح عارية مضمونة، وجعل العرف الخاص بمثابة العادة العامة، ولم يساعده الجمهور على ذلك.
والعلة في عدم جواز تخصيص النص أو القياس بالعرف الخاص كتعامل أهل بلدة واحدة؛ لأن تعامل أهل بلدة إن اقتضى أن يُجَوِّز التخصيص فترك التعامل من أهل بلدة أخرى يمنع التخصيص، فلا يثبت التخصيص بالشك.
ثانياً: من حيث العمل والقول:
يقسم العرف إلى القسمين:
(1/279)

(ا) العرف العملي أو الفعلي:
وهو ما جرى عليه عمل الناس في تصرفاتهم واعتيادهم على شيء من الأفعال العادية أو التصرفات المنشئة للالتزامات.
من أمثلة العرف العملي:
اعتياد الناس تعطيل بعض أيام الأسبوع عن العمل، وكاعتيادهم أكل نوع خاص من المآكل أو استعمال نوع من الملابس أو الأدوات.
تعارف بعض البلدان والأقطار تقسيم المهر في الزواج إلى مقدم ومؤخر، وإن الذي يجب دفعه قبل الزواج هو المقدم، وأما الثاني فلا يجب إلا بالموت أو الطلاق أيهما أقرب.
وتعارف الناس تقديم الأجرة قبل استيفاء المنفعة في إجارة الأماكن شهرياً أو سنوياً.
اعتياد بعض الناس عند بيع الأشياء الثقيلة أن تكون حمولتها إلى مكان المشتري على البائع.
والعرف العملي عند الحنفية يعتبر مخصصاً إذا كان عاماً خلافاً للجمهور حيث لا يعتبرون العرف مخصصاً إلا إذا كان قولياً.
مثال للعرف العملي المخصص:
لو وكل شخص آخر بأن يشتري له خبزاً أو لحماً، ومن عادة الناس في تلك البلدة أكل خبز خاص ولحم خاص، فليس للوكيل أن يشتري للموكل خبزاً من نوع آخر أو لحماً غير ما اعتادوه، اعتماداً على إطلاق الموكل، لأن العرف هنا يخص به الإطلاق، فيسمى عرفاً عاماً مخصصاً.
(1/280)

(ب) العرف القولي:
وهو اصطلاح جماعة على لفظ يستعملونه في معنى مخصوص حتى يتبادر معناه إلى ذهن أحدهم بمجرد سماعه، وهذا العرف إذا كان عاماً فهو عند الجميع يسمى عرفاً مخصصاً كما سبق، أو هو تعارف الناس على إطلاق لفظ على معنى غير معناه اللغوي بحيث يتبادر منه هذا المعنى العرفي عند إطلاقه بدون حاجة إلى قرينة، حتى سموا استعمال اللفظ فيه حقيقة عرفية، لأن المعنى اللغوي صار مهجوراً لا يقصد من اللفظ إلا بقرينة تدل على إرادته.
أمثلته:
من قال لآخر اشتر لي دابة، والمتعارف عندهم أن لفظ الدابة يطلق على الحمار مثلاً فليس له أن يشتري فرساً أو بغلاً، استنباطاً من أن لفظ الدابة يطلق عند آخرين على ذات الأربع.
وكذلك لو قال شخص لآخر: اشتر لي سيارة بخمسة آلاف، ولم يعين النقود هنا، فيلزم الوكيل أن يشتري بالريالات السعودية لأنها المتعارفة هنا عند الإطلاق، وليس له أن يشتري بريالات قطرية مثلاً أو دولارات أو جنيهات.
مجالات عمل العادة والعرف.
أو متى تكون العادة والعرف حجة وحكماً؟
إنما يعتبر العرف والعادة حجة وحكماً عند عدم مخالفته لنص شرعي أو شرط لأحد المتعاقدين، وفي حالة انعدام النص الموافق له، لأنه إذا وجد نص موافق للعرف، فالمعتبر النص دون العرف، ولذلك قالوا: (إن العادة تحكَّم فيما لا
(1/281)

ضبط له شرعاً أو لا نص لأحد المتعاقدين فيه) .
وقد اعتمد الفقهاء على العرف في مسائل كثيرة جداً منها:
أقل سن الحيض والبلوغ.
وفي قدر الحيض والنفاس أقله وأكثره وأغلبه.
وفي حرز المال المسروق.
وفي كثرة الأفعال المنافية للصلاة.
وفي التأخير المانع من الرد بالعيب.
وفي الشرب وسقى الدواب من الجداول.
وأما إذا كان هناك نص أو شرط مخالف للعرف فلا اعتبار للعرف هنا.
وذلك كما لو استأجر شخص آخر ليعمل له من الظهر إلى العصر فقط بأجرة معينة، فليس للمستأجر أن يلزم الأجير بالعمل من الصباح إلى المساء بحجة أن عرف البلدة كذلك، بل يتبع المدة المشروطة بينهما.
العرف والعادة أمام النصوص الشرعية:
أولاً: إذا وافق العرف والعادة الدليل الشرعي فيجب مراعاته وتطبيقه؛ لأن العمل في الحقيقة بالدليل الشرعي لا بالعرف وإنما يستأنس بالعرف فقط.
ثانياً: إذا خالف العرف الدليل الشرعي فالنظر إلى ذلك من أوجه:
الوجه الأول:
أن يخالف العرف الدليل الشرعي من كل وجه، وهو ما يعبر عنه بمصادمة النص، ويلزم من اعتبا العرف ترك النص، فهذا لا شك في رده وعدم اعتباره، لأن العرف والعادة إنما تعتبر حَكَمَاً لإثبات حكم شرعي إذا لم يرد نص في ذلك
(1/282)

الحكم المراد إثباته، فأما إذا ما ورد النص فيجب العمل بموجبه، ولا يجوز ترك النص للعمل بالعادة أو العرف لأسباب ثلاثة:
الأول: لأنه ليس للعابد حق تغيير النصوص.
الثاني: ولأن النص أقوى من العرف.
الثالث: ولأن العرف قد يكون مستنداً على باطل، وأما نص الشارع فلا يجوز أن يكون مبنياً على باطل، فلذلك لا يترك القوي لأجل العمل بالضعيف.
ومن أمثلة مخالفة العرف للنصوص:
تعارف الناس كثيراً من المحرمات كالمعاملة بالربا وفوائد البنوك وشرب الخمر والتبرج ولبس الحرير والتختم بالذهب للرجال، وغير ذلك مما ورد تحريمه نصاً.
الوجه الثاني:
أن تكون مخالفة العرف للدليل الشرعي لا من كل وجه، وذلك بأن يرد الدليل عاماً والعرف خالفه في بعض أفراده، أو كان الدليل قياساً، فإن العرف يعتبر إذا كان عرفاً عاماً، وهو المتعارف في جميع البلاد أو أكثرها، لأن العرف العام يصلح مخصصاً ويترك به القياس، كما سبق بيانه، وذلك كما في جواز السلم والاستصناع، ودخول الحمام، والشرب من السقاء، وكثير من مسائل الفقه، مذكورة في أبوابه، وأما إذا كان العرف خاصاً فلا يعتد به عند الأكثرين.
الوجه الثالث:
أن يكون النص الذي جاء العرف بمخالفته مبنياً على العرف والعادة السائدين في زمان نزوله، فإنه عند بعض الأئمة يترك النص ويصار إلى العرف والعادة إذا تبدلت بتبدل الزمان.
(1/283)

مثال ذلك:
الأموال الربوية إما وزنية كالذهب والفضة وما يقاس عليها، وإما كيلية كالتمر والبر والشعير والملح وما يقاس عليها، فعند جمهور الفقهاء وأئمة المذاهب أنه لا يجوز بيع الوزني بجنسه إلا وزناً، ولا بيع الكيلي بجنسه إلا كيلا؛ لأن النص ورد فيها كذلك فلو تغير عرف الناس وأصبح الذهب يباع عدداً مثلاً، والتمر ما معه يباع وزناً، فلا يجوز استبدال الذهب والفضة بجنسهما إلا وزناً، وكذلك لا يجوز استبدال التمر أو أحد أخواته إلا كيلاً، وإلا كان رباً فيحرم، ولكن بعض الفقهاء رأى أنه إذا تبدل العرف فيجوز استعمال الناس بالعرف الحادث، ومنهم أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، والشيخ تقي الدين ابن تيمية حيث قال: إن بيعَ المكيل بشيء من جنسه وزناً ساغ.
وقال في الفروع: ويتوجه من جواز بيع حب بدقيقه وسويقه جواز بيع مكيل وزناً وموزون كيلاً اختاره شيخنا، وفي هذا في الحقيقة تسهيل ورفع حرج عظيم عن الناس فيما اعتادوه من استعمال ما نص عليه الشارع أنه مكيل موزوناً وبالعكس.
الوجه الرابع:
أن يخالف العرف مسائل فقهية لم تثبت بصريح النص، بل بالاجتهاد والرأي، وكثير منها بناه المجتهد على ما كان في عرف زمانه، بحيث لو كان في الزمان
(1/284)

الذي حدث فيه العرف الجديد لقال بخلاف ما قال أولاً، فهذا يعتبر فيه عرف الحادثة ولو خالف حكماً سابقاً مبنياً على عرف مخالف، وهذا مبني على قاعدة (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) .
ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد: إنه لا بد فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام يختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد.
ولهذا ترى كثيراً من العلماء خالفوا ما نص عليه المجتهدون في مواضع كثيرة بناء على ما كان في زمنهم، لعلمهم بأنهم لو كانوا في زمنهم لقالوا بما قالوا به أخذاً من قواعد مذهبهم.
أمثلة وفروع على القاعدة:
إفتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه لانقطاع عطاء المعلمين، إذ لو اشغل المعلمون بالتعليم بلا أجرة يلزم ضياعهم وضياع عيالهم، ولو اشتغلوا بالاكتساب من حرفة أو صناعة يلزم ضياع القرآن والدين، فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم، وكذلك على الإمامة والأذان، مع أن ذلك مخالف لما اتفق عليه كثير من أئمة المذاهب من عدم جواز الاستئجار وأخذ الأجرة عليها كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك.
ومن ذلك تضمين الساعي بالفساد، مع أن ذلك مخالف لقاعدة (الضمان على المباشر دون المتسبب) ولكن أفتوا بضمانه زجراً بسبب كثرة السعاة المفسدين.
وتضمين الأجير المشترك.
(1/285)

وقولهم: إن الوصي ليس له أن يضارب في مال اليتيم والوقف، وبعدم إجارته دور اليتيم والوقف لأكثر من سنة، والأراضي لأكثر من ثلاث سنين، مع مخالفة ذلك لاجتهادات كثير من الأئمة بعدم الضمان وعدم التقدير بمدة.
ومن ذلك منع النساء عما كنَّ عليه في زمن صلى الله عليه وسلم من حضور المساجد لصلاة الجماعة.
وإفتاؤهم بمنع الزوج من السفر بزوجته بغير رضاها، وإن أوفاها المهر المعجل.
وعدم قبولهم قول الزوج: إنه استثنى بعد الحلف بطلاق زوجته، أي قوله بعد الطلاق: إن شاء الله، إلا ببينة لفساد الزمان.
إلى غير ذلك من الشواهد على تغيير الأحكام لتغيير الأعراف والأحوال.
ولكن لا بد للمفتي والحاكم من نظر سديد وتبحر مديد في الأحكام الشرعية أصلاً وفروعاً، مع الوقوف على أحوال الزمان وأهله وعادتهم، ومعرفة أن هذا العرف خاص أو عام، وأنه مخالف للنص أولاً، وعن هذا قال أحد المحققين: (لا بد للحاكم من فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس، يميز به بين الصادق والكاذب والمحق والمبطل، ثم يطابق بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفاً للواقع.
وكذلك المفتي الذي يفتي بالعرف لا بد له من معرفة الزمان وأحواله أهله، ومعرفة أن هذا العرف عام أو خاص، وأنه مخالف للنص أو غير مخالف) .
تعارض الألفاظ:
أولاً: تعارض اللفظ بين العرف والشرع:
ومعناه أن يرد لفظ له معنى في الشرع ومعنى في العرف ويكون معناه في
(1/286)

الشرع أعم أو أخص.
فإذا تعارض لفظ بين العرف والشرع فينظر:
(ا) إذا كان ذلك اللفظ استعمل في الشرع بلا تعلق حكم ولا تكليف قدِّم العرف وخاصة في الإيمان، لأن الإيمان مبناها على عرف الحالف.
فمن ذلك:
إذا حلف لا يجلس على الفراش أو البساط، أو لا يستضيء بالسراج، لم يحنث بجلوسه على الأرض وإن سماها الله تعالى فراشاً وبساطاً.
ولا يحنث بالاستضاءة بالشمس، وإن سماها الله تعالى سراجاً.
كذل إذا حلف لا يجلس تحت سقف فجلس تحت السماء لم يحنث، وإن سماها الله تعالى سقفاً.
وكذلك لو حلف لا يأكل لحماً لم يحنث بأكل السمك، وإن سماه الله تعالى لحماً.
وكذلك لو حلف لا يركب دابة، فركب كافراً لم يحنث، وإن سماه الله تعالى دابة، إذا يقدم في ذلك كله وأمثاله عرف الاستعمال لأنه المتبادر حين الحلف.
أو حلف لا يأكل ميتة أو دماً لم يحنث بالسمك ولا بالجراد ولا بالكبد والطحال.
(ب) أن يكون اللفظ في إطلاق الشارع قد تعلق به حكم، فيقدم استعمال الشرع هنا على الاستعمال العرفي.
ومن أمثلته:
إذا حلف لا يصلي لم يحنث إلا بذات الركوع والسجود، أو حلف لا يصوم لم يحنث بمطلق الإمساك بغير نية.
أو حلف لا ينكح حنث بالعقد إن كان غير متزوج لا بالوطء لأنه الشائع شرعاً، وأما إن كان زوجة وحلف لا ينكح فيحنث بالوطء.
(1/287)

أو قال: إن رأيت الهلال فأنت طالق، فرآه غيره وعلمت به، طلقت، حملاً له على الشرع فإن الرؤية فيه بمعنى العلم. لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتموه فصوموا) .
ج: وأما إن كان اللفظ العرفي يقتضي العموم والشرعي يقتضي التخصيص اعتبر خصوص الشرع في الأصح عند الحنفية وغيرهم.
ومن أمثلته:
إذا حلف لا يأكل لحماً لم يحنث بأكل الميتة، لأن الشارع ما سمي الميتة لحماً.
وإذا أوصى لأقاربه، لم يدخل ورثته عملاً بتخصيص الشرع حيث: (لا وصية لوارث) .
هذا عند الحنفية والشافعية، وأما عند الحنابلة ففيه وجهان.
ثانياً: تعارض اللفظ بين اللغة والعرف:
(ا) عند الحنفية:
إن الأيمان مبنية على العرف قولاً واحداً لا على الحقائق اللغوية، فمن حلف لا يأكل الخبز لم يحنث إلا بما اعتاده أهل بلده.
ولو حلف لا يأكل الرأس لم يحنث إلا برأس الغنم إذا كان أهل بلده لا يعدّون غيره رأساً.
وكذلك لو حلف لا يدخل بيتاً لم يحنث بدخول الكعبة أو المسجد أو كنيسة أو بيعة أو بيت نار.
(1/288)

وقد خرجت عن هذا مسائل عند بعضهم اعتد فيها بالإطلاق اللغوي منها:
ولو حلف لا يأكل لحماً حنث بأكل لحم الخنزير والآدمي.
ولو حلف لا يركب حيواناً يحنث بالركوب على الإنسان.
وكذلك قالوا فيمن حلف لا يهدم بيتاً حنث بهدم بيت العنكبوت، بخلاف لا يدخل بيتاً، قالوا: والعلة في ذلك لتناول اللفظ، والعرف العملي لا يصلح مقيداً، بخلاف لا يركب دابة، ولكن الراجح في المذهب خلافه.
(ب) أما عند الشافعية:
فقد اختلفوا في ذلك، إذ قدم بعضهم الحقيقة اللفظية عملاً بالوضع اللغوي، فإذا حلف لا يسكن بيتاً وسكن خيمة حنث، سواء كان بدوياً أو قروياً.
وقد آخرون الدلالة العرفية: قالوا: لأن العرف يحكم في التصرفات لا سيما الأيمان.
ومبنى خلافهم اختلاف ما ورد عن الإمام الشافعي رحمه الله في ذلك، حيث اعتبر الحقيقة اللغوية تارة، والعرفية تارة أخرى.
لو دخل دار صديقه فقدم إليه طعاماً فامتنع، فقال: إن لم تأكل فامرأتي طالق. فخرج ولم يأكل. ثم قدم اليوم الثاني فقدم إليه ذلك الطعام فأكل، فعلى القول الأول لا يحنث، أو لا تطلق امرأته، وعلى الثاني يحنث.
وإن حلف لا يسكن بيتاً فإن كان بدوياً حنث بالمبني وغيره، لأنه قد تظاهر فيه العرف واللغة؛ لأن الكل يسمونه بيتاً، وإن كان من أهل المدن فوجهان، إن اعتبر العرف لم يحنث. وقالوا: والأصح الحنث ترجيحاً للاستعمال اللغوي.
ولو حلف لا يشرب ماء، حنث بالمالح، وإن لم يعتد شربه، اعتباراً بالإطلاق والاستعمال اللغوي.
(1/289)

حلف لا يأكل الخبز، حنث بخبز الأرز، وإن كان من قوم لا يتعارفون ذلك، لإطلاق الاسم عليه لغة.
وإذا قال: أعطوه دابة. أعطى فرساً أو بغلاً أو حماراً على المنصوص، لا الإبل والبقر؛ إذ لا يطلق عليها عرفاً وإن كان يُطلق عليها لغة. فهنا قدم العرف.
ومن تقديم العرف عندهم: إذا قال: زوجتي طالق. لم تطلق سائر زوجاته عملاً بالعرف. وإن كان وضع اللغة يقتضي ذلك؛ لأن الاسم الجنس إذا أضيف عمّ.
وكذلك قوله: الطلاق يلزمني. لا يحمل على الثلاث. وإن كانت الألف واللام للعموم.
(ج) وأما عند الحنابلة:
ففرقوا بين أن يكون قد غلب استعمال الاسم العام في بعض أفراده حتى صار حقيقة عرفية، فهذا خصوا به العموم دون خلاف، أي أعملوا العرف، فمن حلف على شواء، اختصت يمينه باللحم المشوي دون البيض وغيره مما يشوي.
كذلك لو حلف على لفظ الدابة والسقف والسراج والوتد، لا يتناول إلا ما يسمى في العرف كذلك، دون الآدمي والسماء والشمس والجبل؛ لأن هذه التسمية في هذه هجرت حتى عادت مجازاً.
وبين أن لا يكون غلب الاستعمال الخاص وتحت ذلك صورتان.
(ا) أحدهما: ما لا يطلق عليه الاسم العام إلا مقيداً به ولا يفرد بحال، فهذا لا يدخل في العموم بغير خلاف. مثل جوز الهند لا يدخل في مطلق الجوز، والتمر هندي لا يدخل في مطلق التمر، فمن حلف لا يأكل جوزاً أو تمراً لا يحنث بأكل
(1/290)

جوز الهند أو التمر هندي.
(ب) الثانية: ما يطلق عليه الاسم العام لكن الأكثر أن لا يذكر معه إلا بقرينة ولا يكاد يفهم عند الإطلاق دخول فيه، فهذا فيه خلاف.
فلو حلف لا يأكل الرؤوس فعند بعضهم: إنه يحنث بأكل كل ما يسمى رأساً من رؤوس الطير أو السمك، وعند آخرين إنه لا يحنث إلا برأس يؤكل في العادة مفرداً.
وكذلك لو حلف لا يأكل البيض فهو على الوجهين أيضاً.
كذلك لو حلف لا يأكل اللحم ففي أكل السمك وجهان أيضاً.
وكذلك لو حلف لا يدخل بيتاً.
(د) وأما عند المالكية، فقد سبق أن ذكرت أن الأيمان عندهم مبنية على النية أولاً، فإن لم تكن نية فعلى الباعث، أو ما يسمونه البساط، أي ملابسات الحادثة، فإن لم يكن باعث فعلى العرف وإلا فعلى الوضع اللغوي.
ومنهم من لم يعمل العرف.
(1/291)

-- القاعدة الكلية الفرعية المندرجة تحت قاعدة (العادة محكَّمة) :
-- القاعدة الكلية الفرعية الأولى:
قاعدة: (استعمال الناس حجة يجب العمل بها) .
هذه القاعدة بمعنى القاعدة الكبرى، العادة محكمة، ومبينة لها وهي شاملة للعرف القولي والعرف العملي.
معنى القاعدة:
(إن عادة الناس، إذا لم تكن مخالفة للشرع، حجة ودليل يجب العمل بموجبها، لأن العادة محكَّمة) .
واستعمال الناس إن كان عاماً يعدّ حجة في حق العموم.
وأما إذا كان العرف خاصاً ببلدة مثلاً، فقد رأينا أن جمهور الحنفية والشافعية لا يعدُّونه حجة تخصص النص العام أو القياس.
ودليلهم على ذلك: أن الإجماع العمومي يستحيل تواطؤ أفراده على الكذب والضلال لكثرتهم واختلاف أقطارهم، وأما العرف الخاص فلا يمتنع فيه ذلك، وهو مع ذلك يخالفه عرف بلد آخر.
فما يتفق مع النص ويساير القياس فهو أولى بالاعتبار من المخالف.
وحاصل القاعدة: أن استعمال الناس غير المخالف للشرع ولا لنصوص الفقهاء، يعدُّ حجة كبيع السلم وعقد الاستصناع مثلاً، فقد اتفق الفقهاء على جوازهما لما مسَّت الحاجة إليهما مع أنهما في الأصل غير جائزين لأنهما بيع
(1/292)

معدوم.
ملحوظة: قد يعتبر استعمال الناس المخالف لنصوص الفقهاء إذا كانت هذه النصوص مبنية على العرف أو على ضرب من الاجتهاد والرأي، فبتبدل العرف لا مانع من تبدل الحكم إذا كان الاستمرار على الحكم السابق فيه ضرر ومشقة تصيب العباد.
فمن ذلك: عدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة، فعلى الحاكم أن يتحقق من عدالة الشهود مع أن ذلك مخالف لما نص عليه أو حنيفة رحمه الله من الاكتفاء بظاهر العدالة، وبناءً على ما كان في زمنه من غلبة العدالة على الناس، ولكن أبا يوسف ومحمداً نصاً على أنه لا يكتفي بذلك الظاهر لفشو الكذب في زمانهما، وعلى ذلك فقهاء مختلف المذاهب.
ومن ذلك تضمين الساعي (أي النمَّام) بالفساد بين الناس ما أتلف بسبب سعايته مع مخالفة ذلك لقاعدة: (الضمان على المباشر دون المتسبب) ، ولكن لكثرة السعاة المفسدين أفتوا بتضمينه.
وسيأتي مزيد من الأمثلة على ذلك حين الحديث عن قاعدة: (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) .
من أمثلة هذه القاعدة وفروعها:
إذا استعان شخص بآخر على شراء عقار، وبعد وقوع البيع والشراء طلب المستعان به من المستعين أجرة، فينظر تعامل أهل السوق، فإن كان معتاداً في مثل هذه الحال أخذ أجرة كصاحب مكتب عقاري، فللمستعان به أخذ الأجرة المثلية من
(1/293)

المستعين وإلا فلا.
وإذا تقاول ملاح مع نجار على أن يصنع له زورقاً أو سفينة وبيَّن له طولها وعرضها وأوصافها اللازمة، وقبل النجار بعد بيان الثمن المطلوب، انعقد الاستصناع.
وكذلك لو اتفق إنسان مع مقاول أو متعهد أن يبني له بيتاً طبقاً لمخطط مرسوم ومواصفات خاصة بثمن مبين وشروط واضحة، انعقد الاستصناع وجازت المعاملة.
ومنها لو استأجر أجيراً يعمل له مدة معينة، حُمِل على ما جرت العادة بالعمل فيه من الزمان دون غيره، بغير خلاف، إلا إذا نص في العقد على زمن مخصوص.
(1/294)

-- القاعدتان الكليتان الفرعيتان الثانية والثالثة:
2. قاعدة: (إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت) .
3. قاعدة: (العبرة للغالب الشائع لا للنادر) .
هاتان القاعدتان تعبران عن بعض شرائط العرف لكي يعتبر.
وهي شرائط: الاطراد، والغلبة، والشيوع.
ما المراد باطراد العرف؟
المراد من اطراد العرف هنا: أن يكون العمل به مستمراً في جميع الأوقات والحوادث، بحيث لا يتخلف إلا بالنص على خلافه، ومعنى ذلك أن تكون العادة كلية.
فجريان العرف على تقسيم المهر في النكاح، في بعض البلدان، إلى معجل ومؤجل إنما يكون مطرداً في البلد إذا كان أهله يجرون على هذا التقسيم في جميع حوادث النكاح، ولا يخرجون عنه إلا عند النص على خلافه.
ما المراد من الغلبة؟
المراد من الغلبة هنا: أن يكون جريان أهله عليه حاصلاً في أكثر الحوادث أو عند أكثر الناس.
فاشتراط الاطراد والغلبة هو في الحقيقة اشتراط للأغلبية العملية فيه لأجل اعتباره حاكماً في الحوادث.
ما المراد من الشيوع؟
(1/295)

والمراد من الشيوع هنا: اشتهار العمل بذلك العرف وانتشاره بين الناس، وأما إذا كان العرف خاصاً، فقد رأينا أنه لا يعتد به في الأصح في تخصيص النص أو الأثر، فأولى بذلك العرف النادر استعماله.
وأما إذا تساوى عمل الناس وعدمه بالعادة أو العرف فيسمى حينئذ عرفاً مشتركاً، والعرف المشترك لا يعتبر في معاملات الناس ولا يصلح مستنداً ودليلاً للرجوع إليه في تحديد الحقوق والواجبات المطلقة، لأن عمل القوم به أحياناً إذا صلح دليلاً على قصدهم إلى تحكيمه، فتركهم له أحياناً مماثلة ينقض هذه الدلالة.
وهذان الشرطان شاملان للعرف العام والعرف الخاص، عند من يقول باعتباره، فكلاهما يشترط لاعتباره وتحكيمه في المعاملات المطلقة أن يكون في محيطه مطرداً أو غالباً على أعمال أهله، وشائعاً بينهم شيوعاً شاملاً لهم.
(1/296)

-- القاعدة الكلية الفرعية الرابعة:
4. قاعدة: (العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر اللاحق) .
ولذلك قالوا: (لا عبرة بالعرف الطارئ) :
هذه القاعدة تعبر عن شرط آخر من شروط اعتبار العرف وهو: كونه سابقاً للحكم في الوجود لا تالياً له متأخراً عنه، وأن يحمل الحكم على العرف الموجود وقت التلفظ، فلا يجوز أن يحمل حكم حدث قبلاً على عرف حدث متأخراً؛ لأن النصوص التشريعية يجب أن تفهم مدلولاتها اللغوية والعرفية في عصر صدور النص لأنها هي مراد الشارع أو العاقد، ولا اعتبار بتبديل مفاهيم اللفظ في الأعراف المتأخرة.
فمثلاً: لفظ في سبيل الله، ولفظ ابن السبيل من آية مصارف الزكاة لها معنى عرفي إذ ذاك وهو مصالح الجهاد الشرعي أو سبل الخيرات في الأول، ومن ينقطع من الناس في السفر، في الثاني، فلو تبدل عرف الناس في شيء من هذه التعابير فأصبح سبيل الله مثلاً، معناه طلب العلم خاصة، وابن السبيل الطفل اللقيط مثلاً، فإن النص الشرعي يبقى محمولاً على معناه العرفي الأول عند صدوره، ومعمولاً به في حدود ذلك المعنى لا غير، ولا عبرة للمعاني العرفية أو الاصطلاحية الطارئة.
ولأن العبرة بالعرف المقارن السابق لا المتأخر أثرت العادة الغالبة في المعاملات لكثرة وقوعها، ولم تعتبر في التعليق والإقرار والدعوى، إذ يبقى الشرط
(1/297)

في التعليق على عمومه ولا يخصه العرف الطارئ عليه، لأن انعقاده إنما هو على العرف المقارن للتلفظ لا على العرف الحادث بعده، فلو كان العرف في بلدة على بيع رأس الغنم وأكله فقال لزوجته: إن أكلت رأساً فأنت طالق، ثم تعورف فيها أكل رأس البقر فأكلت بعد تبديل العرف رأس البقر، قالوا: لا يقع الطلاق، لأن اليمين انعقدت على رأس الغنم بحسب العرف المقارن للتعليق، فلا يتغير بالعرف المتأخر.
وأما الإقرار فهو إخبار عن وجوب سابق وربما يتقدم الوجوب على العرف الحادث الغالب في البلد، فلو اعتبر فيه العرف دائماً لأدى إلى إبطال بعض الحقوق فلا بد من التفصيل.
فلو أقر لإنسان بألف ريال غصبها أو سرقها أو استدانها منذ خمسين سنة ولم يبين فيجب حملها على الريالات التي كانت سائدة في ذلك الزمن، لا الريالات التي يتعارفها الناس اليوم، إلا أن يُبين.
وكذلك الدعوى، لأن الدعوى كالإقرار فهي إخبار بما تقدم، فلا يقيدها العرف المتأخر، بخلاف العقد فإنه باشره للحال فقيده العرف، ولذلك صدرت هذه المقولة: (إن العادة الغالبة إنما تؤثر في المعاملات لكثرة وقوعها، ولا تؤثر في التعليق والإقرار والدعوى، بل يبقى اللفظ فيها على عمومه ولا يخصصه العرف فإذا اشترى بألف في بلد عملته الريالات لزمه ذلك، لأن البيع معاملة والغالب أن المعاملة تقع بما اعتاده الناس من نقود) .
(1/298)

-- القواعد الكلية الفرعية الخامسة والسادسة والسابعة وهي:
5. قاعدة: الحقيقة تترك بدلالة العادة.
6. قاعدة: الكتاب كالخطاب.
هذه القواعد الثلاث تتعلق باعتبار العرف اللفظي وما يقوم مقامه عرفاً في التعبير كالكتابة والإشارة.
-- القاعدة الأولى منها: (الحقيقة تترك بدلالة العادة) :
هذه القاعدة تدخل تحت مسألة تعارض اللغة مع العرف.
فمعنى الحقيقة في اللغة: من حَقَّ الشيء إذا ثبت، والمراد بالحقيقة هنا: دلالة اللفظ في أصل وضع اللغة، وهو المعبر عنه في اصطلاح البلاغيين بأنه: (اللفظ المستعمل فيما وضع له) أي تعيَّن له بحيث يدل عليه بغير قرينة، سواء كان التعيين من جهة واضع اللغة فيكون حقيقة لغوية، أم غيره، فيكون حقيقة عرفية أو شرعية.
أنواع الحقيقة:
للحقيقة أربعة أنواع:
1. حقيقية لغوية:
وهي الألفاظ المستعملة فيما وضعت له لغة، كلفظ الأسد للحيوان المفترس، ولفظ الحمار للحيوان الناهق، ولفظ الدابة في كل ما دب على
(1/299)

الأرض.
2. حقيقة شرعية:
وهي الألفاظ التي وضعها الشارع للدلالة على معانيها الخاصة كالصلاة والزكاة والصوم والحج، إلخ.
3. حقيقة عرفية عامة:
وهي اللفظ الذي غلب استعماله في غير مسماه اللغوي، كلفظ الدابة في ذوات الأربع، أو على الحمار خاصة أو الفرس في بعض البلدان.
4. حقيقة عرفية خاصة:
وهي الألفاظ التي يستعملها بعض الطوائف كاصطلاح لهم، كلفظ الفعل والفاعل عند النحاة، والجوهر والعرض عند المتكلمين، والسبب والوتد عند العروضيين.
ولما كان الأصل في الكلام الحقيقة، كما سيأتي بيانه، كان الواجب استعمال كل لفظ في معناه الحقيقي؛ ولكن قد يهجر المعنى الحقيقي عرفاً أو عادة، فيكون الحكم في ذلك متعذراً أو كالمتعذر.
مثال ذلك: لو حلف لا يضع قدمه في دار فلان، إذ ينصرف المعنى إلى الدخول بأي وجه كان راكباً ما ماشياً، حافياً أو منتعلاً لأنه هو المتعارف، لا المعنى الحقيقي، وهو مباشرة القدم دخل أو لم يدخل، لأن هذا المعنى مهجور عرفاً، والعرف قاض على الوضع، وقد تركت الحقيقة هنا بدلالة العادة والعرف.
-- معنى القاعدة اصطلاحاً:
إن دلالة اللفظ الحقيقية تترك ولا تعتبر إذا دل العرف والعادة على استعمال هذه اللفظة استعمالاً مغايراً لمعناها الحقيقي، ويبني الحكم على المعنى الذي دل عليه العرف والعادة.
من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
صيغ الماضي في العقود كبعث واشتريت يتم العقد بها، وإن كانت للماضي
(1/300)

وضعاً، لأنها جعلت إيجاباً للحال في عرف أهل اللغة والشرع.
وأما القاعدة الثانية وهي:
قاعدة: (الكتاب كالخطاب) :
فتفيد أن العبارات الكتابية كالمخاطبات الشفهية، لأن المراد بالخطاب هنا المخاطبة والمكالمة، فما يترتب على المكالمات الشفوية يترتب على المكالمة الكتابة وكما قيل: القلم أحد اللسانين، والكتابة ممن نأى بمنزلة الخطاب ممن دنا.
والرسول صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بتبليغ الرسالة إلى الناس كافة وبلغهم بالكتاب مرة وبالخطاب أخرى، والقرآن أصل الدين قد وصل إلينا بالكتاب بعد ثبت بالحجة.
والكتابة على هذا معمول بها سواء كانت من الجانبين، كما لو كان رجل في مكة فكتب إلى آخر في دمشق: بعتك داري الكائنة في دمشق أو غيرها وذكر أوصافها وحدودها والمبلغ الذي سيبيعها به، فكتب إليه الآخر: اشتريت منك الدار المذكورة، فيعقد البيع بينهما كالمشافهة، أم كانت الكتابة من جانب واحد كما لو قال المكتوب إليه في دمشق، حال قراءة الكتاب في المجلس: اشتريت، أو خاطبه بالقبول هاتفياً.
وعلى هذا سائر التصرفات المالية والعقود من كفالة أو حوالة أو إيجار أو نكاح، إلخ، غير أن صحة عقد النكاح تتوقف على أن يقرأ المكتوب إليه الكتاب ويعلن الموافقة بمحضر من الشهود.
-- شروط الكتابة المقبولة:
من شروط الكتابة المقبولة التي هي في حكم الخطاب، أن تكون مستبينة
(1/301)

أي بينة واضحة الخط، ومعنونة بأن كانت على الرسم المعتاد، فلو لم تكن مستبينة أو غير معنونة فلا يعمل بها إلا بالنية أو الإشهاد عليها، أو الإملاء على الغير، إلا في خط السمسار والبياع والصراف يكتبون ما عليهم في دفاترهم، فيعمل به وإن لم يكن معنوناً.
والحاصل: أن كل كتاب يحرر على الوجه المتعارف بين الناس يكون حجة على كاتبه كالنطق باللسان.
-- القاعدة الثالثة:
(الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان) .
-- معنى هذه القاعدة:
إن إشارة الأخرس، وهو المعقول اللسان خلقه أو عاهة دائمة، إشارته المعهودة منه كالإشارة باليد أو بالعين أو الحاجب تعتبر كبيان الناطق في بناء الأحكام عليها.
-- التعليل:
إن الأخرس لو لم تعتبر إشارته لما صحت معاملته لأحد من الناس، ولكان عرضة للموت جوعاً وعرياً إن لم يجد أحداً يقضي له مصالحه نيابة عنه، ووجود النائب في كل حال متعذر، وكيف تقبل نيابته إذا لم تعتبر إشارته؟!
ويفهم من إيراد هذه القاعدة مطلقة أن إشارة الأخرس تكون معتبرة سواء كان عالماً بالكتابة أو غير عالم؛ لأن الكتابة والإشارة بدرجة واحدة من حيث الدلالة على المراد.
(1/302)

فيم تعتبر إشارة الأخرس؟
تعتبر إشارة الأخرس في كل تصرفاته ومعاملاته من: نكاح وطلاق وعتق وبيع وشراء ورهن وهبة وإبراء وإقرار ويمين ونكول ووصية ودعوى ولعان وقذف وإسلام وغير ذلك من الأحكام، وهذا من باب استحسان الضرورة لما قد يصيب الأخرس من ضرر وحرج لو لم تعتبر إشارته.
فكما أن الشرع قد اعتبر إشارة الأخرس في العبادات فإذا حَرَّك لسانه بالقراءة والتكبير كان صحيحاً معتبراً فكذلك في المعاملات.
وإذا كانت الإشارة قد تكون بياناً من القادر في بعض المواضع، كما ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أفصح العرب والعجم، قد أنبأنا بالإشارة عدد أيام الشهر حينما قال: (الشهر هكذا) ويشير بيده أنه تسعة وعشرون يوماً، فالعاجز عن النطق أولى أن تقبل إشارته وتكون بياناً لما يريد، ولأن الكتاب من الغائب إذا كان معتبراً كالخطاب ففي حق الأخرس أولى، لأن عجزه أظهر وألزم عادة، لأن الغائب يقدر على الحضور والأخرس لا يقدر على الكلام والتعبير، فكان قبول إشارته أولى.
ما الإشارة المعتبرة للأخرس؟
الإشارة المعتبرة للأخرس هي الإشارات المعهودة المعتاد صرف كل إشارة منها لمعنى خاص، فلو لم تكن إشارته معهودة معلومة عند القاضي يلزم استفساره
(1/303)

ممن يعرف من نحو أصحابه وجيرانه وأقربائه، ويشترط أن يكون المترجم عدلاً، لأن الفاسق لا يقبل كلامه.
مَن الأخرس الذي يعتد بإشارته؟
اختلف في المراد بالأخرس هل هو الأخرس خلقه دون من عرض له اعتقال اللسان أو هما سواء! خلاف بين المذاهب، فعند الحنفية إنما يعتد بإشارة الأخرس خلقة دون من عقل لسانه إلا إذا امتد، وأما عند الشافعية فهما سواء.
متى لا تعتبر إشارة الأخرس ولا يعتد بها؟
رأينا أن إشارة الأخرس تقبل في عبادته ومعاملاته وتصرفاته الحقوقية والمدنية كلها، ولكن في الحدود والعقوبات الخالصة لله تعالى، لا تقبل إشارته بناء على قاعدة (وجوب درء الحدود بالشبهات) فالأخرس لا يحد ولا يحد له، واختلفوا في القذف، فعند أبي حنيفة إذا كان الأخرس قاذفاً ليس بصريح والحد لا يجب إلا بالقذف بصريح الزنا، وإن كان مقذوفاً فلعله بإيمائه يكون مصدقاً للقاذف، فلا يتيقن بطلبه الحد، ولهذا اشترط الحنفية أن يكون المشهود عليه بالزنا غير أخرس، لأنه، أي الأخرس لا يقدر على دعوى شبهة تسقط الحد، والحدود إنما شرعت زاجرة فلا تثبت مع الشبهة لعدم الحاجة.
والقذف عند الحنفية حق خالق لله تعالى وهي رواية عن أحمد، وأما عند مالك والشافعي ورواية عن أحمد أن القذف حق العبد، ولذلك يحد الأخرس به ويسقط بإسقاط المقذوف.
(1/304)

وتقبل إشارة الأخرس في القصاص لأنه حق غير خالص لله تعالى وفيه معنى المعاوضة.
وعند أبي حنيفة وأحمد لا تصح شهادة الأخرس وإن كانت له إشارة تفهم، وقال مالك تصح شهادة الأخرس إذا كانت له إشارة تفهم، وعند الشافعية خلاف في قبول شهادته.
استثناءات لا تعتبر بها الإشارة من الأخرس وغيره:
1. شهادته لا تقبل بالإشارة عند غير مالك.
2. يمينه لا ينعقد بها إلا اللعان، عند الشافعية، وعند الحنفية تنعقد يمينه في كل دعوى.
3. إذا خاطب بالإشارة في الصلاة لا تبطل على الصحيح.
4. حلف لا يكلمه فأشار إليه، لا يحنث.
(1/305)

-- القواعد الكلية الفرعية الثامنة والتاسعة والعاشرة وهي:
1. قاعدة: (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً) .
2. قاعدة: (التعيين بالعرف كالتعيين بالنص) .
3. قاعدة: (المعروف بين التجار كالمشروط بينهم) .
هذه القواعد الثلاث تعبر عن سلطان العرف العملي، فالناظر في نصوص الفقهاء يرى أن للعرف العملي في نطاق أفعال العباد وتصرفاتهم العادية، ومعاملاتهم الحقوقية سلطاناً وسيادة تامَّين في فرض الأحكام وتقييد آثار العقود وتحديد الالتزامات على وفق المتعارف، ما لم يصادم ذلك العرف نصاً شرعياً، فالعرف عند ذلك يلتزم ويعتبر مرجعاً للأحكام ودليلاً شرعياً عليها حيث لا دليل سواه.
-- معاني هذه القواعد:
أولاً: القاعدتان الأوليان من هذه القواعد الثلاث تعبران عن العرف العملي العام ومعناهما: (إن ما تعرف عليه الناس في معاملاتهم وإن لم يذكر صريحاً، هو قائم مقام الشرط في الالتزام والتقييد) .
وعلى ذلك قالوا: فيما يفترع على هاتين القاعدتين:
إن توابع العقود التي لا ذكر لها صريحاً في العقود تحمل على عادة كل بلد، فمن
(1/306)

اشترى سيارة دخل فيها عُدّتها ومفاتيحها وعجلها الاحتياطي بدون ذكر في العقد للعرف المتداول والعادة الجارية، إلا إذا نص على خلافه.
ومن وكل شخصاً بشراء لحم أو خبز أو ثوب مثلاً تقيد عقد الوكالة بنوع اللحم والخبز المعتاد أكله، والثوب المعتاد لبسه، فلو اشترى لو نوعاً خر غير معتاد لا يلزمه.
وإن نفقة الزوجة على زوجها يكون بالقدر المتعارف المعتاد بين أمثالها من الناس وبحسب حالهما غنى وفقراً.
ومن استأجر دابة أو سيارة للحمل فإن له تحميلها النوع والقدر المعتاد مما لا ضرر منه عليها.
وفي أحكام الجوار قالوا:
لا يجوز لأحد ذي حق في منفعة أن يتجاوز في استيفاء حقه إلى حد يضر بغيره، فلو فعل كان ضامناً للضرر، ومقياس التجاوز وعدمه إنما هو العرف والعادة، فلو أوقد صاحب الأرض أو مستأجرها ناراً في الأرض فتطاير منها ما أحرق شيئاً لجيرانه من يبادر ونحوها، فإن كان أوقدها بصورة معتادة عرفاً، فهو غير ضامن، وأما إذا تجاوز المعتاد أو أوقدها في هبوب الرياح كان ضامناً.
وقد قرر الفقهاء، أنه يجوز للصديق وهو في بيت صديقه أن يأكل مما يجد أمامه، وأن يستعمل بعض الأدوات للشرب ونحوه، وأن يقرأ في بعض كتبه بدون إذن صاحب البيت؛ لأنه مباح عرفاً، فلو انكسرت الآنية أثناء استعماله المعتاد أو تلفت بآفة سماوية لا يكون ضامناً لها شرعاً كما يضمن الغاصب، لأنه لا يعتبر متعدياً.
ومن ذلك صمت البكر عند استئذانها للزواج لجريان عادة الأبكار بذلك، فسكوتها يعتبر توكيلاً وإذناً منها بالزواج والنص الشرعي مؤيد لذلك.
(1/307)

ومن ذلك عقود التعاطي استئذانها للزواج لجريان عادة الأبكار بذلك، فسكوتها يعتبر توكيلاً وإذناً منها بالزواج والنص الشرعي مؤيد لذلك. تالتي أقر الفقهاء، غير الشافعي، فيها انعقاد المعاوضات المالية بالقبض والدفع دون إيجاب وقبول باللفظ، كما لو سأل مريد الشراء صاحب البضاعة عن سعرها فبينه له، أو وجد سعرها مكتوباً عليها فدفعه له وأخذها ومضى وكلاهما ساكت، فإن البيع ينعقد بينهما شرعاً، ومستند ذلك هو العرف العام.
وأما ثالثة القاعدتين:
فهي تعتبر عن العرف الخاص لطائفة ما، وهي داخلة تحت القاعدتين السابقتين ولكن ذكرها من قبيل ذكر الأخص بعد الأعم اهتماماً بشأن المعاملات التجارية، فما يقع بين التجار من المعاملات التجارية أو بين غيرهم من العقود والمعاملات التي هي من نوع التجارة ينصرف عند الإطلاق إلى العرف والعادة ما لم يوجد شرط مخالف.
من أمثلة هذه القاعدة وفروعها:
لو تبايع تاجران شيئاً ولم يصرحا في صلب العقد أن الثمن نقد أو نسيئة، فعقد البيع، وإن كان مقتضاه نقد الثمن حالاً، إلا أنهم إذا تعارفوا على أن ذلك الشيء يؤدي ثمنه بعد أسبوع أو شهراً، أو مقسطاً، لا يلزم المشتري أداء الثمن حالاً، وينصرف إلى عرفهم وعادتهم في الأجل، لأن المعروف بينهم كالمشروط.
ومن العرف الزمني أن المستفيد من سند الأمر إذا وقع في ظهره توقيعاً مجرداً على بياض وسلمه لشخص كان ذلك التوقيع حوالة منه إلى المستلم أو إلى من يختاره
(1/308)

المستلم، وإذا وقع شخص على صك يعتبر رضاً بالعقد في عرف الناس اليوم؛ لأن التوقيع إنما يوضع عادة للتعبير عن الرضا والموافقة.
وعلى هذا لو عقد فضول إجارة أو بيعاً على مال شخص وكتب بالعقد صك وقعه العاقدان، ثم اطلع عليه المالك فوقعه باسمه أيضاً، فتوقيع المالك يعتبر بحسب العرف إجازة لعقد الفضولي فينفذ عليه.
(1/309)

-- القاعدة الكلية الفرعية الحادية عشرة:
وهي قاعدة: (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) .
إن تغير الأوضاع والأحوال الزمنية له تأثير كبير في كثير من الأحكام الشرعية الاجتهادية، لأن ما كان من الأحكام الشرعية مبنياً على عرف الناس وعاداتهم تتغير كيفية العمل بمقتضى الحكم باختلاف العادة عن الزمن السابق.
وأما أصل الحكم الثابت بالنص فلا يتغير، فمثلاً أثبت الشرع خيار الرؤية لمن اشترى شيئاً ولم يره، وهذا ثابت بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار إذا رآه) .
فبناء على هذا الحديث، وقد رأى الفقهاء المتقدمون اعتياد الناس في عصرهم بناء الدور على نسق واحد لا تفاوت بين بيوتها، فقالوا: إن رؤية بيت واحد من الدار يغني عن رؤية الجميع في إسقاط الخيار.
ولكن لما اختلفت طُرُز الإنشاءات وصارت الدار يختلف بعض بيوتها عن بعض بحسب عادتهم أفتى المتأخرون بأنه لا بد من رؤية جميعها، فهذا ليس اختلاف حجة وبرهان، بل اختلاف عصر وزمان.
وكذلك أفتى المتأخرون، من علماء الحنفية بعدم تصديق الزوجة بعد الدخول بها بأنها لم تقبض المشروط تعجيله من المهر، مع أنها منكرة للقبض، والقاعدة إن القول للمنكر مع يمينه، لكنها في العادة لا تسلم نفسها قبل قبضه.
(1/310)

ويوضح هذه القاعدة مسألتان:
المسألة الأولى: ما الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان؟
نص القاعدة عام في ظاهره فالتغير في الظاهر شامل للأحكام النصية وغيرها، لكن هذا العموم ليس مقصوداً، لأنه اتفقت كلمة الفقهاء على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس إنما هي الأحكام الاجتهادية فقط المبنية على المصلحة أو على القياس أو على العرف أو العادة، وعلى ذلك فالأحكام النصية ثابتة لا تقبل التغيير ولا تدخل تحت هذه القاعدة، ولذلك رأى بعضهم أن يكون نص القاعدة:
(لا ينكر تغير الأحكام الاجتهادية بتغير الأزمان) .
دفعاً لهذا اللبس، وهذا قيد حسن.
المسألة الثانية:
ما العوامل التي تسبب تغير الأحكام؟
العوامل التي ينشأ عنها تغير الأحكام نوعان:
1. النوع الأول: فساد الزمان وانحراف أهله عن الجادة، حيث ينشأ عن ذلك تبدل وتشدد في كثير من الأحكام.
2. النوع الثاني: تغير العادات وتبدل الأعراف وتغير المصلح وتطور الزمن.
(ا) أمثلة لتغير الأحكام بناء على فساد الزمان وانحراف أهله:
من المقرر في أصول مذهب الحنفية أن المدين تنفذ تصرفاته في أمواله بالهبة والوقف وسائر وجوه التبرع، ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلها، باعتبار أن الديون تتعلق بذمته، فتبقى أعيان أمواله حرة، فينفذ فيها تصرفه، هذا مقتضى القواعد القياسية.
(1/311)

لكن لما فسد الزمان وخربت الذمم وكثر الطمع وقل الورع، وأصبح المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها أو هبتها لمن يثقون به من قريب أو صديق، أفتى المتأخرون من فقهاء الحنفية والحنابلة في وجه عندهم بعدم نفاذ هذه التصرفات من المدين، إلا فيما يزيد عن وفاء الدين من أمواله.
وعند الإمام أبي حنيفة أنه لا يلزم تزكية الشهود ما لم يطعن فيهم الخصم، اكتفاء بظاهر العدالة، وأما عند صاحبيه أبي يوسف ومحمد فيجب على القاضي تزكية الشهود بناء على تغير أحوال الناس.
كذلك أفتى المتأخرون بتضمين الساعي بالفساد لتبدل أحوال الناس مع أن القاعدة (إن الضمان على المباشر دون المتسبب) ، وهذا لزجر المفسدين، كما سبق بيانه.
كذلك جواز إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة في زماننا، مع أنه مكان معد للعبادة ينبغي أن لا يغلق، وإنما جوز الإغلاق صيانة للمسجد عن السرقة.
ومن ذلك أيضاً قبول شهادة الأمثل فالأمثل، وجواز أخذ الأجرة على أداء الشعائر وتعليم القرآن، والتقاط ضالة الإبل زمن عثمان رضي الله عنه.
(ب) أمثلة للأحكام التي تغيرت لتغير العادات وتبدل المصالح وتطور الزمن.
منها نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة حديثه، ثم انصرف العلماء إلى تدوين السنة بأمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
ومنها كتابة القرآن الكريم في الورق ثم طباعته بعد ذلك وإعجامه بعد أن كان مجرداً.
ومنها إنشاء المدارس ومراحل التعليم المختلفة والجامعات بأنواعها ونظمها المختلفة.
(1/312)

ومنها إنشاء المستشفيات والوزارات المتخصصة.
ومنها إنشاء المحاكم على درجات مختلفة.
ومنها اعتبار عقد الملكية حين التسجيل ولو لم يتسلم المشتري العقار أو يخليه له البائع.
إلى غير ذلك من التصرفات والأحكام.
(1/313)

-- القاعدة الكلية الكبرى السادسة:
وهي قاعدة: (إعمال الكلام أولى من إهماله) :
هذه القاعدة ذات مكانة عظيمة وفوائد عميمة ذكرها كل من كتب في القواعد أو صنف فيها، ولكن العلماء الذين دونوا القواعد لم يعتبروها من القواعد الكبرى ولم يتوسعوا في الحديث عنها ولم يذكروا في فروعها إلا القليل، ولكني بعد دراستي لهذه القاعدة دراسة واعية متأنية وإدراكي العميق لما اشتملت عليه من قواعد فرعية ومسائل جزئية لا تحصى، ولما تبين لي مكانتها من الفقه من جانب وأصوله من جانب آخر، وبخاصة بعد ما كتب فيها تلميذنا النجيب محمود مصطفى عبود رسالته لنيل درجة الماجستير تأكد لدي أن هذه القاعدة من حقها أن تكون سادسة القواعد الكلية الكبرى.
ونتبين أهمية هذه القاعدة عندما نعلم أنها محل اتفاق عند جميع العلماء كما يظهر من تفريعاتهم عليها وتعليلاتها بها، كما تزداد أهميتها عندما نعلم أنها تتعلق بتصرفات المكلف القولية كلها وتصحيحها، وهذا أمر ضروري عند جميع الأئمة لأن تصحيح الكلام مبدأ أخذ به الجميع دون استثناء.
وأيضاً فهي تتعلق بالدرجة الأولى بخطابات الشارع الحكيم، كما تتعلق بالكلام الصادر عن المكلف من حيث كونه يجب صونه عن الإهمال والإلغاء.
ومن هنا كان لهذه القاعدة تأثير كبير في بعض الأبحاث القرآنية التي تتعلق بكلام الله سبحانه وتعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
(1/314)

كما أن لهذه القاعدة تعلقاً كبيراً وتأثيراً واضحاً في بعض المسائل الأصولية التي تتعلق بالخطابات الشرعية.
وهذا كله يدلنا على أهمية هذه القاعدة وضرورتها في تشريع الأحكام.
-- معنى القاعدة:
إعمال الكلام: أي إعطاؤه حكماً مفيداً حسب مقتضاه اللغوي.
وإهمال الكلام: عدم ترتب ثمرة عملية عليه بإلغاء مقتضاه ومضمونه.
فالعاقل يصان كلامه عن الإلغاء ما أمكن، بأن ينظر إلى الوجه المقتضي لتصحيح كلامه فيرجح، سواء كان بالحمل على الحقيقة أم المجاز، إلا عند عدم الإمكان فيلغى.
فإن اللفظ الصادر في مقام التشريع أو التصرف إذا كان حمله على أحد المعاني الممكنة يرتب عليه حكم، وحمله على معنى آخر يقتضيه لا يترتب عليه حكم، فالواجب حمله على المعنى المفيد للحكم، لأن خلافه إهمال وإلغاء.
أما إذا لم يوجد إمكان لحمل الكلام على الحقيقة أو المجاز فيلغى ويهمل.
ومن مسائل هذه القاعدة وفروعها:
من حلف لا يأكل من هذه النخلة شيئاً، ثم أكل من ثمرها أو جُمارها أو طلعها أو يسرها أو الدبس الذي يخرج من رطبها حنث، لأن النخلة لا يتأتى أكل عينها فحمل على ما يتولد منها.
وكذلك لو حلف لا يأكل من هذا القدر يحمل على ما يطبخ فيه.
فأما إذا لم يوجد إمكان لحمل الكلام على الحقيقة أو المجاز ألغي، كقول الرجل لزوجته الثابت نسبها من غيره: هذه بنتي فلا تحرم عليه، سواء كانت أكبر منه سناً
(1/315)

أو أصغر. لأنه لما تعذر كل من الحقيقة والمجاز وقع لغواً.
وتعذر الحقيقة لاستحالة أن تكون ابنته إن كانت أكبر منه سناً، وإن كانت أصغر فلا شتهار ثبوت نسبها من غيره، فإقراره في حق نفسه لا يعتبر إقراراً في حق غيره.
وأما تعذر المجاز، وهو إرادة الطلاق المحرم بقوله هذا، فلا يجوز استعارة، هذه بنتي للطلاق الذي هو من حقوق النكاح.
ما يتفرع على هذه القاعدة من قواعد فرعية:
تفرعت عن هذه القاعدة قواعد عدة ترسم كيفية إعمال الكلام الذي أوجبته هذه القاعدة، وتبين الطرق الراجحة المعقولة فيه.
من هذه القواعد:
(1/316)

القواعد الكلية الفرعية الأولى وهي:
قاعدة: (الأصل في الكلام الحقيقة) :
المعنى اللغوي الاصطلاحي:
الأصل: معناه هنا، الراجح عند السامع، أي أن السامع يحمل كلام المتكلم على معناه الحقيقي.
الحقيقة: فعليه بمعنى مفعولة، وهي صفة لموصوف محذوف من حق الشيء إذا ثبت واستقر، وأصلها الكلمة الحقيقة، ثم نقلت من الوصفية إلى الاسمية.
ومعناها اصطلاحاً: (اللفظ المستعمل في المعنى الذي وضع له في أصل اللغة) كلفظ الأسد للحيوان المفترس.
ويقابل الحقيقة المجاز ومعناه: (اللفظ المستعمل في غير المعنى الذي وضع له في أصل اللغة لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي) كاستعمال لفظ النور للعلم أو للإسلام، ومن خلال تعريف المجاز نرى أنه يشترط في المجاز أن يكون ثمة علاقة بين المعنى الموضوع له اللفظ والمعنى المنقول إليه، كما يشترط أن تكون هناك قرينة تدل على أن المتكلم إنما أراد المعنى المجازي لا المعنى الحقيقي.
المعنى الفقهي للقاعدة:
إن إعمال كلام المتكلم من شارع أو عاقد أو حالف أو غيرهم، إنما يكون بحمل ألفاظه على معانيها الحقيقية عند الخلو عن القرائن التي ترجح إرادة المجاز.
(1/317)

من فروع هذه القاعدة وأمثلتها:
إذا قال شخص لآخر: وهبتك هذا الشيء، فأخذه المخاطب ثم ادعى القائل أنه أراد بلفظ الهبة البيع مجازاً ثمناً، فلا يقبل قوله؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وحقيقة الهبة تمليك بدون عوض، بخلاف ما إذا قال: وهبتكه بدينارين. فإن ذكر الدينارين على سبيل العوضية قرينة على أنه أراد بالهبة البيع مجازاً فيحمل عليه.
إذا وقف شخص على أولاده دخل الأبناء مع البنات، لأن لفظ الولد يشملهم جميعاً حقيقة.
وإذا أوصى شخص لأولاد فلان وكان لفلان أولاد صلبيون وحفدة انصرفت الوصية إلى الأولاد الصليبين فقط، أي الطبقة الأولى من ذريته، لأنه المعنى الحقيقي للأولاد، وقيل يدخل ولد الولد أيضاً حملاً للكلام على الحقيقة والمجاز معاً.
وإذا قال: هذه الدار لزيد، كان إقراراً له بالملك، حتى لو قال: أردت أنها مسكنه لم يسمع قوله.
وإذا حلف إنسان إنه لا يبيع ولا يشتري، فوكل في ذلك لم يحنث، حملاً للفظ على الحقيقة، إلا إذا كان الحالف ممن لا يتولى هذه الأمور بنفسه، أو كان الفعل مما لا يفعله بنفسه كالبناء مثلاً، فإنه يحنث بالأمر بفعله.
(1/318)

-- القاعدة الكلية الفرعية الثانية وهي:
قاعدة: (إذا تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز) :
الحقيقة هي الأصل الراجح المقدم في الاعتبار، والمجاز فرع الحقيقة، فحيث كان المجاز خلفاً عن الحقيقة، فإن احتمل اللفظ الحقيقة والمجاز ولا يوجد مرجح تتعين الحقيقة لأنها الأصل.
فمثلاً: المعنى الحقيقي للفظ النكاح عند الحنفية هو الوطء دون المجازي وهو العقد ودليله قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نَكَح آباؤكم من النساء) . سورة النساء، آية (22) .
فبناء على ذلك تحرم مزنية الأب على فروعه عندهم بهذا النص، وأما حرمة المعقود له عليها عقداً صحيحاً فبالإجماع.
والحقيقة هي الأصل ما أمكنت، كمن لو قال لعبد له يولد مثله لمثله معروف النسب من غيره: هذا ابني، عتق وأمه أو ولد له، فيصدق في حق نفسه، لا في إبطال نسبه من غيره، فكأن ادعاء البنوة هنا مجاز عن العتق فيعتق.
شرط الانصراف عن الحقيقة إلى المجاز:
يشترط في اللفظ المستعمل في معناه المجازي وجود قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي، كاستحالة الحقيقة وتعذرها، أو يكون المعنى الحقيقي مهجوراً شرعاً أو عرفاً.
ومن أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من وقف على ولده وله ولد ولد، فالوقف لولد ولده، وهو المجاز.
من قال لأجنبية: إن نكحتك فلك كذا ينصرف إلى المجاز عند الحنفية، وهو
(1/319)

العقد دون الوطء، لأن المعنى الحقيقي وهو الوطء مهجور شرعاً لحرمة وطء الأجنبية.
أما لو قال هذا لزوجته، فيحمل على المعنى الحقيقي وهو الوطء، حتى لو أبانها أي طلقها طلقة بائنة، ثم تزوجها لم يحنث حتى يطأها.
وإذا حلف أن لا يأكل من هذا الدقيق، يحنث لو أكله بعد أن صار خبزاً، ولا يحنث له استفه، لأن أكل الدقيق دون خبز مهجور عرفاً.
وإذا حلف ليأكلن من هذه الشجرة، فإن حقيقة الأكل منها هو أكل خشبها وذلك مهجور عرفاً، لأنه متعسر، فيكون قرينة على إرادة المجاز وهو الأكل من ثمرها، فينصرف إليه.
(1/320)

-- القاعدة الكلية الفرعية الثالثة وهي:
قاعدة: (إذا تعذر إعمال الكلام يهمل) :
معنى تعذر أعمال الكلام:
أي استحال حمله على معنى صحيح حقيقي أو مجازي، فحينئذ يعتبر لغواً فيهمل. أي يلغى ولا يعتد به.
أسباب إهمال الكلام:
من أسباب إهمال الكلام وإلغائه:
تعذر إرادة كل من المعنيين جميعاً الحقيقي والمجازي، كما في قوله لزوجته الأكبر منه سناً المعروفة النسب من غيره: هذه بنتي.
ومنها أن يكون اللفظ مشتركاً بين معنيين ولا يوجد مرجح لأحدهما على الآخر، كما لو أوصى لمواليه، وله معتِق ومعتَق، فعند الحنفية بطلت الوصية، لصحة إطلاق هذا اللفظ عليهما مع اختلاف المعاني والمقاصد، وأما عند غير الحنفية فتكون الوصية للجميع.
ومنها تعذر صحة الكلام شرعاً، كما لو قال لإحدى زوجتيه، أنت طالق أربعاً فقالت: الثلاث تكفيني. فقال: أوقعت الزيادة على فلانة زوجته الأخرى، لا يقع على الأخرى شيء، لأنها لما لم تصح الرابعة على الأولى أصبحت لغواً فلم تقع على الأخرى؛ لأن الشرع لم يوقع الطلاق بأكثر من الثلاث.
ومنها ما يكذبه الظاهر، كمن ادعى على إنسان أنه قطع يده فإذا هي غير مقطوعة، أو أنه قتل شخصاً فإذا هو حي.
ومنها ما يكون فيه مصادمة للشرع فيلغى، كمن أقر بأن أخته ترث ضعفي حصته من تركة أبيه.
ففي كل هذه الأحوال يعتبر الكلام لغواً غير مفيد وغير ملزم.
(1/321)

-- القاعدة الكلية الفرعية الرابعة وهي:
-- قاعدة: (ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله) :
أصل هذه القاعدة في تأسيس النظر (الأصل أن ما لا يتجزأ فوجود بعضه كوجود كله) .
وخالف في ذلك زفر بن الهذيل من تلاميذ أبي حنيفة فلم يعتبر ذلك.
وعبر عنها الزركشي بقوله: (ما لا يقبل التبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كله وإسقاط بعضه كإسقاط كله) .
معنى هذه القاعدة:
إذا كان إعمال اللفظ أولى من إهماله فكل ما لا يقبل التجزئة فذكر بعضه في الحكم كذكر كله، ووجود بعضه كوجود كله، إذ لا يخلو إما أن يجعل ذكر البعض كذكر الكل فيعمل الكلام، وإما لا فيهمل، لكن الإعمال أولى من الإهمال.
ومن أمثلة هذه القاعدة وفروعها:
إذا طلق رجل نصف امرأته أو ربعها تطلق كلها، أو طلقها نصف تطليقة، فتعتبر تطليقة كاملة عند الجميع.
وفي الكفالة بالنفس إن كفل ربع الشخص أو نصفه كان كفيلاً به كله، لعدم إمكان تجزئ الشخص، بخلاف الكفالة بالمال.
(1/322)

فعدم التجزؤ يكون في نحو: الطلاق والقصاص ولكفالة بالنفس والشفعة ووصاية الأب والولاية، وهذا راجع لعدم إمكان التجزو عقلاً.
وقد يكون عدم التجزؤ لحق الغير. كلزوم الضرر على المشتري بتفريق الصفقة.
ومنها من أذن لعبده في نوع من التجارة صار مأذوناً في جميعها، عند غير زفر من علماء الحنفية.
ومنها من أجوب على نفسه ركعة لزمه أن يصلي ركعتين لأن ذلك لا يتبعض، فذكر أحداهما كذكر كليهما.
ومنها أن المرأة إذا طهرت من حيضتها أو نفاسها آخر الوقت، وقد بقي من الوقت مقدار ما يمكنها من الاغتسال فيه والتحريمة للصلاة لزمها صلاة ذلك الوقت لأن الواجب لا يتبعض.
ومنها إذا أسلم الكافر أو أدرك الغلام في آخر الوقت، ولم يبق من الوقت إلا مقدار ما يمكنه التحريمة للصلاة، لزمه فرض تلك الصلاة.
استثناءات من هذه القاعدة:
إذا قال نصفي كفيل لك بفلان أو بدينه لم تنعقد الكفالة.
إذا عفا عن بعض حد القذف، فلا يسقط منه شيء في الصحيح عند الشافعية.
ومما خرج وزاد فيه البعض عن الكل:
إذا قال لزوجته، أنت علي كظهر أمي فإنه صريح ويعتبر مظاهراً لكنه لو قال: أنت كأمي، كان كناية عن الاحترام مثلا ولا يقع ظهاراً إلا إذا نواه.
(1/323)

-- القاعدة الكلية الفرعية الخامسة وهي:
قاعدة: (المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد نصاً أو دلالة) .
وهذا عند أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة.
وأما عند أبي حنيفة رضي الله عنه:
ف (إن الإذن المطلق إذا تعرى عن المتهمة والخيانة لا يختص بالعرف) .
الإطلاق والتقييد من صفات الألفاظ:
فاللفظ المطلق: هو ما دل على أمر مجرد عن القيود التي توجب فيه بعض المعاني أو الحدود، وعرّفه الأصوليون بأنه (هو اللفظ الشائع في جنسه بلا شمول ولا تعيين) .
واللفظ المقيد: هو الذي يكون محدداً بشيء من تلك القيود.
فلفظ فرس مثلاً مطلق، وإذا قلنا: فرس أبيض، صار مفيداً، ولفظ مكان، مطلق، ومكان الدراسة مقيد.
معنى القاعدة: إن اللفظ المطلق يعمل به على إطلاقه حتى يقوم دليل التقييد إما بالنص عليه أو بدلالة الحال، وأما عند أبي حنيفة يتقيد بدلالة العرف إلا بوجود تهمة أو خيانة.
من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من وكل شخصاً بشراء فرس أو سيارة فاشتراها له حمراء أو بيضاء. فقال: أردت سوداء، يلزم بما اشتراه الوكيل، لأن كلامه مطلق فيجري على إطلاقه.
وعقد الإعارة أو الإجارة المطلقة يسوِّغ للمستعير أو المستاجر جميع وجوه الانتفاع
(1/324)

بالحدود المعتادة، فلا يتقيد بمكان ولا زمان أو استعمال مما ليس عليه دليل.
حالات التقييد:
1. التقييد بالنص:
وهو اللفظ الدال على القيد، كما لو قال الموكل لوكيله مثلاً: بع بعشرين، فلا ينفذ بيع الوكيل بأقل، أو قال: بيع بالنقد، فليس له البيع نسيئة.
2. التقييد بالدلالة:
والمراد بالدلالة غير اللفظ، فقد تكون عرفية أو حالية، كما لو وكل طالب علم شرعي آخر بشراء بعض الكتب، فاشترى له كتباً في الفن أو الهندسة أو الطلب، فإنه لا يلزمه ما اشتراه، لأن حالته تنبئ أن مراده كتب العلم الشرعي، وإن كان اللفظ مطلقاً، واتفقوا على أن وكيل الشراء يتقيد بثمن المثل، فلا ينفذ على الموكل شراؤه بأكثر منه.
(1/325)

-- القاعدة الكلية الفرعية السادسة وهي:
قاعدة: (الوصف في الحاضر لغو وفي الغائب معتبر) :
معنى القاعدة:
(ا) مفردات: الوصف: هو الصفة وهي الحالة القائمة بذات الموصوف.
اللغو: معناه الباطل الذي لا حكم له.
المعتبر: معناه المعتد به.
(ب) إجمالاً اصطلاحياً: وصف الشيء الحاضر مع الإشارة إليه لا اعتبار به؛ لأن الإشارة إليه أقوى، وأما في الشيء الغائب فالوصف يعتد به لأنه يميزه.
مجال هذه القاعدة:
هذه القاعدة تجري في سائر عقود المبادلة كالبيع والإجارة والنكاح، حيث يشترط لصحتها معرفة البدلين وانتفاء الجهالة، وذلك يكون بتمييز الشيء عن غيره بجنسه ونوعه وصفته، ويحصل هذا الإشارة إليه حساً إذا كان هذا الشيء حاضراً، أو بالذكر إذا كان غائباً.
فإذا كان حاضراً مشاراً إليه فالعبرة لتعريفه بالإشارة؛ لأن التعريف بها أقوى من التعريف بالوصف، من حيث إن الإشارة ترفع الاشتراك واحتمال المجاز في اللفظ، إلا إذا ظهر أن ذلك الشيء المسمى جنس آخر، فلا عبرة حينئذ للإشارة لعدم وجود المسمى من أصله، فيكون الاعتبار للوصف.
وأما الغائب فلما لم يمكن الإشارة إليه اعتبر ذكر أوصافه، فإذا ظهر بخلاف تلك الصفة لم يلزم.
(1/326)

من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا قال: بعتك هذا الفرس الأبيض، وأشار إليه، وكان أسود، صح البيع إذا قبل المشتري، وألغي الوصف.
وأما إذا كان الفرس غائباً فذكر أنه باعه فرساً أبيض ثم ظهر أنه أسود، فالمشتري بالخيار.
وإذا قال: بعتك هذا الحجر من الماس، ثم ظهر أنه من الزجاج فالبيع باطل، لاختلاف الجنس، وإن أشار إليه.
وإذا باع بقرة حلوباً ثم ظهر أنها غير حلوب، فالمشتري بالخيار بين أن يأخذها بكل الثمن أو أن يترك.
ملحوظة:
الوصف المراد به هنا هو الوصف الذي يعرف الموصوف تعريفاً، لا وسف الشرط في اليمين ولا الوصف الداعي إلى اليمين.
فمثال الأول: إذا قال: (إن دخلت الدار راكبة فأنت طالق) فإنه يعتبر في الحاضر أيضاً، لأن وصف الشرط كالشرط فيتعبر للتعليق لا للتعريف.
ومثال الثاني: كما لو حلف لا يأكل هذا الرطب أو هذا العنب، فأكله بعد ما صار تمراً أو زبيباً لا يحنث، لأنه أفاد شيئاً غير التعريف، وهو تقييد اليمين به، فيعتبر ولو كان حاضراً، لأن هذه الأوصاف داعية لليمين، فإنه قد يضره أكل الرطب أو العنب دون التمر أو الزبيب.
(1/327)

-- القاعدة الكلية الفرعية السابعة وهي:
قاعدة: السؤال معاد في الجواب، أو كالمعاد في الجواب.
معنى القاعدة:
إذا ورد جواب بإحدى أدواته: (نعم، بلى، أجل) بعد سؤال مفصل، يعتبر الجواب مشتملاً على مضمون السؤال، لأن مدلولات هذه الأدوات تعتمد على ما قبلها من تفصيل؛ ولأن الجواب غير مستقل بنفسه في الإفادة.
فمن سئل: هل أخذت من فلان مالاً؟
فأجاب: بنعم. كان جوابه متضمناً إقراره بالأخذ.
ومن سئل: ألم تقتل فلاناً؟ فأجابه: ببلى. كان مقراً بالقتل، وهكذا.
استدراك:
قد يكون المراد بالسؤال هنا أعم من الاستخبار فيشمل الإخبار والإنشاء.
فلو باع شخص فضولي مالاً من آخر، وبلغ صاحب المال، وحينما وصله الخبر قال: رضيت، فيعتبر قوله: رضيت إذناً وصح البيع.
ولو قال شخص لآخر: بعتك داري أو دكاني. فقال: نعم أو قبلت. كان رضاء بالبيع.
وإذا قال الزوج لزوجته: أمرك بيدك، ونوى الثلاث. فطلقت نفسها ثلاثاً أو قالت: طلقت نفسي، أو اخترت نفسي ولم تذكر الثلاث، كان ثلاثاً، لأنها جواب تفويض الثلاث فيكون ثلاثاً.
(1/328)

-- القاعدة الكلية الفرعية الثامنة وهي:
قاعدة: التأسيس أولى من التأكيد:
معنى القاعدة: أسس البناء جعل له أساً وهو القاعدة والأساس.
التأكيد: معناه التقوية. يقال أكد كلامه باليمين، أي قواه به، والمراد بالتأسيس هنا إفادة معنى جديد.
معنى القاعدة الاصطلاحي:
إن الكلام إذا دار بين أن يفيد معنى جديداً وبين أن يؤكد معنى سابقاً، كان حمله على إفادة المعنى الجديد أولى من حمله على التأكيد، وكما قالوا: (الإفادة خير من الإعادة) .
من أمثلة هذه القاعدة وفروعها:
من قال لزوجته: أنت طالق طالق طالق، طلقت ثلاثا. فإن قال: أردت به التأكيد، صدق ديانة لا قضاء، لأن القاضي مأمور باتباع الظاهر. وهذا عند أبي حنيفة ومالك رحمهما الله، وقال الشافعي وأحمد رحمهما الله، لا يلزمه إلا واحدة.
وإذا حلف على أمر بأنه لا يفعله، ثم حلف في ذلك المجلس أو مجلس آخر لا يفعله أبداً، ثم فعله. إن نوى بالثاني يميناً آخر أو الشديد على نفسه، أو لم ينو شيئاً فعليه كفارة يمينين. وأما إن نوى بالثاني الأول، أي تكريره وتوكيد، فعليه كفارة واحدة.
ْْْْْْْْْْْْ
(1/329)

-- النوع الثاني:
-- القواعد الكلية غير الكبرى:
(1/330)

-- القاعدة الأولى:
قاعدة: (التابع تابع) :
معنى القاعدة: (إن ما كان تابعاً لغيره في الوجود لا ينفرد بالحكم، بل يدخل في الحكم مع متبوعه) .
والمراد بالتابع هنا: ما لا يوجد مستقلا بنفسه، بل وجوده تابع لوجود غيره، فهذا لا ينفك حكمه عن حكم متبوعه.
فإذا بيعت دابة وفي بطنها حمل يدخل الحمل في البيع تبعاً لأمه، ولا يجوز إفراده بالبيع.
الشرب وحق المرور في الطريق يدخلان في بيع الأرض تبعاً، ولا يفردان بالحكم، فعلى هذا كل ما جرى في العرف على أنه من مشتملات المبيع في البيع من غير ذكر، وكذلك ما كان في حكم جزء من أجزاء المبيع مما لا يقبل الانفكاك عن المبيع نظراً إلى غرض المشتري، يدخل في البيع بدون ذكر.
من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
القفل يدخل في البيع مفتاحه، وكذلك توابع المبيع المتصلة به اتصال قرار كالأبواب والنوافذ والأحواض في بيع الدور، والأشجار في بيع الحدائق والبساتين.
كذلك بالنسبة للعقود فكل ما كان من توابع العقد التي لا ذكر لها فيه تحمل على عادة كل بلد وعرفها، فمثلاً: من استأجر خياطاً ليخيط له ثوباً فإن الخيوط والأزرار على الخياط، ومن استأجر فلاحاً ليحفر أو يحرث فإن أدوات الحفر
(1/331)

والحرث على الفلاح، وكذلك من استأجر بناءً ليبني له فإن أدوات البناء وآلاته على البناء.
ومن توابع هذه القاعدة قول الحنفية والحنابلة: إن خطاب الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم يعم الأمة، وحجتهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم له منصب الاقتداء به كل شيء إلا بدليل صارف على الاختصاص به وكل من هو كذلك يفهم من أمره شمول أتباعه، واحتجوا أيضاً بقوله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) . سورة الطلاق، آية (1) . الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد هو وأتباعه، إذ التابع لا ينفك عن المتبوع.
استثناء من القاعدة:
قالوا يصح أعتاق الحمل دون أمه بشرط أن تلده لأقل من ستة أشهر، ويصح كذلك إفراده بالوصية.
ومنها ما لو اشترى أمة، وهي حبلى من أبيه، والأمة لغير الأب، جاز الشراء وعتق ما في بطنها، ولا تعتق الأمة، ولا يجوز بيعها إلا بعد الوضع، وكون الأمة لغير الأب لأنها لو كانت للأب لكانت أم ولد له.
ومنها لو أسقط المرتهن حقه في حبس الرهن، جاز مع بقاء الدين.
ومنها لو أبرأ الدائن الكفيل صح مع بقاء الدين كذلك، مع أن الرهن والكفيل تابعان للدين.
(1/332)

-- القاعدة المتفرعة على قاعدة: التابع تابع.
القاعدة الكلية الفرعية الأولى وهي:
قاعدة: التابع لا يفرد بالحكم:
هي القاعدة بمعنى سابقتها، وتفيد أن ما لم يوجد مستقلاً بنفسه بل وجوده تبع لوجود غيره، فهو ينزل منزلة المعدوم من حيث تعلق الأحكام، فلا يجوز إفراده بالحكم.
وذلك كالجنين في بطن أمه، وكالصفة القائمة بالموصوف، وكحق الشرب أو المرور تبعاً للأرض، فعلى ذلك:
لا يجوز بيع الجنين في بطن أمه منفرداً ولا هبته، ولا بيع حق الشرب أو المرور دون الأرض.
كذلك الصفات مثل الخبز والكتابة في العبد لما كانت تابعة للمبيع غير مستقلة بنفسها فلا يقابلها شيء من الثمن: حتى لو اشترى عبداً بشرط أنه خباز أو كاتب فظهر بخلافه أخذه بكل الثمن أو تركه، لأن الوصف لا يفرد بالحكم دون الموصوف، وهذا عند الحنفية، وأما عند الحنابلة فله الفسخ أو أرش فقد الصفة.
(1/333)

-- القاعدة الكلية الفرعية الثانية وهي:
قاعدة: (من مَلك شيئاً ملك ما هو من ضروراته) .
ما المراد بالضرورة هنا؟
الضرورة هنا يراد بها اللزوم لا الضرورة بمعنى الاضطرار، فمن ملك شيئاً ملك ما هو من لوازمه عقلاً أو عرفاً، ولو لم يشترط في العقد.
من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
من ملك الأرض ملك ما فوقها وما تحتها، ومن اشترى بقرة دخل في البيع لبنها في ضرعها، ومن اشترى غنماً دخل في البيع صوفها على ظهرها.
من اشترى داراً واقعة في سكة غير نافذة مشتركة بين عدة دور يملك بحكم التبعية حصة الدار من الطريق من هذه السكة، ولو لم ينص عليها في العقد؛ لأن الطريق من ضرورات الدار ولوازمها، والدار بدون الطريق لا يمكن الانتفاع بها أو السكنى فيها.
ملحوظة: الأصل أن ما يدخل في شراء الدار وغيرها من غير ذكر يندرج تحت قاعدتين:
(ا) كل ما كان في الدار من بناء وغيره يتناوله اسم المبيع عرفاً، كالحجارة المخلوقة والمثبتة في الأرض والدار.
(ب) ما كان متصلاً اتصال قرار وهو ما وضع لا لأن يفصل، فيدخل الشجر لاتصاله بها اتصال قرار، ولا يدخل الزرع لأنه متصل لأن يفصل.
وفي حكم المتصل المنقول المنفصل التابع للمتصل كالمفتاح تبعاً للقفل بحيث لا
(1/334)

ينتفع به إلا به فيصير في حكم الجزء.
وما لم يكن من القسمين فإنه من حقوقه ومرافقه، فلا يدخل إلا بالذكر الصريح أو بقوله: بعتكها بكل ما فيها.
(1/335)

-- القاعدة الكلية الفرعية الثالثة هي:
قاعدة: (التابع يسقط بسقوط المتبوع) :
أو: (الفرع يسقط إذا سقط الأصل) :
وهذه القاعدة شبه طردة في المحسوسات والمعقولات فالشيء الذي يكون وجوده أصلاً لوجود شيء آخر يتبعه في الوجود، يكون ذلك فرعاً مبتنى عليه، كالشجرة إذا ذوت ذوي أغصانها وذوي ثمرها.
وكالإيمان بالله سبحانه وتعالى أصل وجميع الأعمال فروعه، فإذا زال الإيمان، والعياذ بالله تعالى، حبطت الأعمال، لأن اعتبارها مبني عليه.
ومن أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا بريء الأصيل بريء الضامن والكفيل لأنهما فرعه، فلو أبرأ ذمة مدينة تبرأ ذمة كفيلة تبعاً، فلا حق في مطالبة الكفيل، أما لو أبرأ الكفيل فلا يبرأ الأصيل.
كذلك الوكيل ينعزل بموت الموكل أو جنونه، إذا لم يتعلق بوكالته حق غيره، فلا يبقى له حق التصرف، بخلاف موت الوكيل أو جنونه.
ومن فاتتها صلوات في أيام الحيض أو النفاس لا تقضى سننها الرواتب.
ومن فاته الحج وتحلل بأفعال العمر لا يأتي بالرمي ولا بالمبيت؛ لأنهما تابعان للوقوف بعرفة وقد سقط.
وإذا مات الفارس سقط سهم فرسه، لا العكس.
استثناءات:
(1/336)

إذا مات الغازي المجاهد والعالم ومن له حق منهم في ديوان الخراج يفرض لأولادهم تبعاً، ولا يسقط بموت الأصل؛ ترغيباً في الجهاد وفي طلب العلم.
المحرم الذي لا شعر على رأسه يندب أمرار الموسى عليه أو يجب، مع أن الأصل قد سقط وهو الشعر.
ومنها إذا بطل أمان رجال، لم يبطل أمان نسائهم وصبيانهم في الأصح.
(1/337)

-- القاعدة الكلية الفرعية الرابعة وهي:
قاعدة: (قد يثبت الفرع مع سقوط الأصل) :
هذه القاعدة عكس سابقتها، ويمكن أن تعتبر استثناء من القاعدة الأم، وفيها تعبير عن إثبات الحقوق، وهو أكثر استعمالاتها أمام القضاء ولا تبحث عن نشوءها في الواقع، لأن وجود الفرع في الواقع يستلزم وجود الأصل الذي تفرع عنه، ولكن إثبات المسؤوليات الحقوقية على الأشخاص قد تفقد وسائل إثباتها في حق الأصل وتتوافر في حق الفرع.
من أمثلة هذه القاعد' ومسائلها:
لو قال شخص: لزيد على عمرو ألف، وأنا ضامن. فأنكر عمرو: لزم القائل وهو الكفيل إن ادعاها زيد؛ لأن المرء مؤاخذ بإقراره، فهنا سقط الأصل وثبت المال في ذمة الفرع وهو الكفيل.
إذا ادعى الزوج الخلع وأنكرت المرأة، بانت، ولم يثبت المال الذي هو الأصل، وثبتت البينونة التي هي فرع عن المال.
لو أقر أحد لشخص مجهول النسب أنه أخوه، فهذا الإقرار يمس حقوق الأب لأن فيه تحميلاً للنسب عليه، لأن كونه أخاً للمقر هو فرع عن بنوته لأبيه فيحتاج إلى تصديق الأب.
فإذا أنكر الأب بنوته ولم يمكن إثباتها بالبينة لا تثبت بنوته للأب، ولكن يؤاخذ بإقراره أنه أخوه فيقاسمه حصته من ميراث أبيه.
(1/338)

-- القاعدة الكلية الفرعية الخامسة وهي:
قاعدة: التابع لا يتقدم على المتبوع:
من أمثله هذه القاعدة ومسائلها:
لا يصح تقدم المأموم على إمامه في الموقف ولا في تكبيرة الإحرام والسلام ولا في سائر الأفعال.
إذا باع بشرط الرهن فقدم لفظ الرهن على البيع لم يصح.
المزارعة على البياض بين النخيل والعنب جائزة بشروط: أن يتقدم لفظ المساقاة، فلو قدم لفظ المزارعة فقال: زارعتك على البياض وساقيتك على النخيل على كذا، لم يصح؛ لأن التابع لا يتقدم على المتبوع.
هذه عند الشافعية، وعند الحنابلة تجوز المزارعة إطلاقاً بشروطها.
(1/339)

-- القاعدة الكلية الفرعية السادسة وهي:
قاعدة: (يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها) .
أو (قد يثبت الشيء ضمناً وحكماً ولا يثبت قصداً) .
أو (يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل) .
هذه القاعدة وردت بهذه العبارات المختلفة وهي في كلها تؤدي معنى واحداً.
أصل هذه القاعدة:
أصلها في أصول الإمام الكرخي وهو قوله: (الأصل أنه قد يثبت الشيء تبعاً وحكماً وإن كان يبطل قصداً) .
الشرائط الشرعية المطلوبة يجب توافرها جميعاً في المحل الأصلي، ولكن التوابع قد يتساهل في استيفائها بعض هذه الشروط، لأنه قد يكون للشيء قصداً شروط مانعة، وأما إذا ثبت ضمناً أو تبعاً لشيء آخر فيكون ثبوته ضرورة ثبوت متبوعة أو ما هو ضمنه.
من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
يشترط في الوقف أن يكون الموقوف عقاراً، أو مالاً ثابتاً، فلا يصح وقف
(1/340)

المنقولات إلا ما تعورف عليه، مثل كتب العلم وأدوات الجنازة، ولكن لو وقف عقاراً كقرية أو دار بما فيها من منقولات، صح الوقف في هذه المنقولات أيضاً تبعاً للعقار.
الجنين في بطن الذبيحة إذا كان تام الخلق جاز أكله عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومالك والشافعي وأحمد رحمهم الله، لتبعيته لأمه في الذبح؛ لأن ذكاة أمه ذكاة له، مع أنه لا يجوز أكله بدون ذبح لو ولدته حياً أو أخرج من بطنها بعد ذبحها وهو حي.
كذلك الرمي على المسلمين إذا تترس بهم الكفار يجوز قصداً إلى الكفار، مع أن قصد المسلمين بالقتل حرام.
من حلف لا يشتري صوفاً فاشترى شاة على ظهرها صوف، لم يحنث لأن الصوف دخل في البيع تبعاً للشاة لا قصداً فاغتفر فيه.
من حلف لا يشتري خشباً أو إسمنتاً أو حديد يدخل تبعاً بدون تسمية فلم يصر مقصوداً بالعقد.
وكذلك كل شيء ثبت دلالة أو ضرورة لا قصداً يغتفر فيه ما لا يغتفر في القصد، مثل الزيادة المتولدة من أصل الرهن كالولد والثمر، فهي مرهونة كالأصل ومحبوسة مع الأصل بكل الدين، وليس للراهن أن يفك أحدهما إلا بقضاء الدين كله، غير أنها تفارق الأصل بأنها لو هلكت لا يكون لها حصة من الضمان، إلا إذا صارت مقصودة بالفكاك.
استثناءات من هذه القاعدة:
قالوا: الفاسق يجوز تقليده القضاء إذا ظن صدقه، عند عدم وجود غيره، لكن إذا قُلّد عدلاً ففسق في أثناء قضائه انعزل، فقد جاز تقليده ابتداء ولم يجز انتهاء.
(1/341)

-- القاعدة الكلية الفرعية السابعة وهي:
قاعدة: (إذا بطل الشيء بطل ما في ضمنه) .
أو (إذا بطل المتضمِّن بطل المتضمَّن) .
ويقرب من هذا قولهم: (المبني على الفاسد فاسد) .
المعنى اللغوي للقاعدة:
المتضمِّن، بكسر الميم: اسم فاعل من تضمَّن بمعنى اشتمل واحتوى.
والمتضمَّن بفتح الميم: اسم مفعول.
فالشيء قد يتضمَن شيئاً آخر حقيقة بأن يكون المتضمَّن من أجزاء مدلوله ويشمله المتضمِّن في حكمه، كما أن اللفظ الدال على معناه بالمطابقة يدل على جزئه بالتضمن، كلفظ (أسد) يدل على الحيوان المفترس الذي يزأر مطابقة، ويدل على الحيوان وعلى الذي يزأر تضمناً لأن كل واحد منهما جزء مدلوله.
وهذا القسم المتضمَّن يكون مصاحباً في الحكم للمتضمِّن غير متأخر عنه زماناً وإن تأخر رتبة، بحيث متى أطلق المتضمِّن يشمل حكمه المتضمَّن، كالصلاة مثلاً: فهي متضمنة لأجزاء فروض وواجبات وسنن وآداب وإذا بطلت بطل جميع ما تضمنته والمطلق مثلاً متضمن للمقيد فإذا نسخ المطلق ينسخ المقيد في ضمنه.
وقد يكون المتضمَّن مرتباً على المتضمِّن ترتب المسبب على السبب، فإطلاق المتضمِّن والمتضمَّن عليهما مجاز لأدنى ملابسة.
(1/342)

معنى هذه القاعدة اصطلاحاً:
(إن الشيء الذي ثبت ضمناً إذا بطل متضمنه لا يبقى له حكم) .
من أمثلة هذه القاعدة ومسائلها:
إذا صالح عن عيب في المبيع ثم زال العيب بطل الصلح ويرد ما أخذ؛ لأن المعوَّض عنه، وهو صفة السلامة قد عادت، فبطل الصلح وببطلانه بطل أخذ العوض.
ولو أكره غير المسلم على أن يقر أنه أسلم لا يحكم بإسلامه؛ لأن الإكراه يمنع صحة الإقرار، وإذا بطل الشيء وهو هنا الإقرار، بطل ما في ضمنه، وهو هنا اعترافه بأنه أسلم.
وإذا تصالح طرفان فابرأ الواحد منهما الآخر، وكتبوا بذلك صحكوكاً فيما بينهما، ثم ظهر أن هذا الصلح فاسد فالإبراء الذي تضمنه هذا الصلح باطل، لبطلانه أيضاً.
ولو قال شخص لآخر: بعتك دمي بألف، فقتله، وجب القصاص، لأن العقد إذا بطل بطل ما في ضمنه وهو الإذن.
ولو جعل الكفيل بالنفس مالاً للمكفول له ليسقط عنه كفالة النفس، فأسقطها تسقط ولا يجب المال، إذا سقط بإسقاط الكفالة.
لو جدد النكاح لمنكوحته بمهر لم يلزمه، لأن النكاح الثاني لم يصح، فلم يلزم ما في ضمنه من المهر.
وإذا صولح الشفيع بمال ليترك الشفعة، لم يصح الصلح لكن يكون إسقاطاً لشفعته، وكذلك لو باع شفعته بمال لم يصح وسقطت، فقد بطل المتضمِّن والمتضمَّن في كليهما.
(1/343)

وكذلك لو قال العنين لامرأته أو المخير للمخيرة اختاري ترك الفسخ بألف فاختارت لم يلزم المال وسقط خيارها، فقد بطل التزام المال وما في ضمنه.
استثناءات من القاعدة:
إذا أبرأ المولى مكاتبة عن بدل الكتابة فلم يقبل عتق وبقي البدل، مع أن الإبراء متضمِّن للعتق، وقد بطل المتضمِّن بالرد ولم يبطل ما في ضمنه من العتق.
وإذا اشترى شخص من آخر اليمين الموجهة عليه في المحاكمة وهذا شراء باطل، فلا تسقط اليمين التي في ضمنه مع بطلانه، فقد بطل المتضمن ولم يبطل ما في ضمنه.
(1/344)

-- القاعدة الثانية من القواعد الكلية غير الكبرى:
قاعدة: (تبدل سبب الملك قائم مقام تبدل الذات) .
وبمعناها قاعدة: (اختلاف الأسباب بمنزلة اختلاف الأعيان) .
أصل هذه القاعدة ودليلها ما في الحديث الشريف: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوماً على بريرة معتقة عائشة رضي الله عن أبيها وعنها، فقدمت إليه تمراً وكان القدر يغلي من اللحم فقال عليه السلام: ألا تجعلين لي نصيبا من اللحم؟ فقالت: يا رسول الله إنه لحم تصدق به عليَّ. فقال عليه الصلاة والسلام: لك صدقة ولنا هدية. يعني أنك أخذته من مالكه فكان صدقة عليك، فملكته وإذا أعطيتنا إياه يصير هدية لنا منك.
فدل هذا الحديث على أن تبدل الملك يوجب تبديلاً في العين.
معنى القاعدة:
(إذا تبدل سبب تملك شيء ما يُعَدّ ذلك الشيء متبدلاً حكماً، وإن لم يتبدل هو حقيقة) .
من مسائل هذه القاعدة:
الفقير إذا أخذ زكاة أو صدقة ثم وهبها أو أهداها لغني أو هاشمي أو باعها منهما حل ذلك لهما؛ لتبدل العين بتبدل سبب الملك.
وإذا تصدق رجل على قريبه أو أعطاه زكاة ماله ثم مات المتصدق عليه، وعادت
(1/345)

الصدقة للمعطي بالوراثة، ملكها وما ضاع ثوابه.
ومنها أن الواهب وإن كان يصح، رجوعه في هبته عند عدم المانع، برضى الموهوب له أو بحكم الحاكم لكن لو باع الموهوب له الهبة أو وهبها، فلا يبقى للواهب حق الرجوع في الهبة لأن الموهوب بانتقال ملكيته إلى غير الموهوب له صار كأنه شيء آخر حكماً، وحتى لو عاد الموهوب للموهوب له بملك جديد كشراء أو غيره، فليس للواهب الرجوع فيه، وكذلك لو مات الموهوب له وانتقل الملك إلى وارثه.
(1/346)

-- القاعدة الثالثة:
قاعدة: (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة) :
أصل هذه القاعدة: قول الشافعي رضي الله عنه (منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم) .
وأصله قول عمر رضوان الله عليه (إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة وإلى اليتيم، إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، فإن استغنيت استعففت) . أخرجه الدارمي في سننه.
وما ذكره أبو يوسف رحمه الله في كتاب الخراج حيث قال: بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمار بن ياسر على الصلاة والحرب، وبعث عبد الله بن مسعود على القضاء وبيت المال، وبعث عثمان بن حُنيف على مساحة الأرضين، وجعل بينهم شاة كل يوم، في بيت المال، شطرها وبطنها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود، وربعها الآخر لعثمان بن حنيف، وقال: إني أنزلت نفسي وإياكم من هذا المال بمنزلة ولي اليتيم، فإن الله تبارك وتعالى قال: (ومَن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف) . سورة النساء، آية (6) .
(والله ما أرى أرضاً يؤخذ منها شاة كل يوم إلا استسرع خرابها) .
ومن أدلة هذه القاعدة:
قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يسترعيه الله عز وجل رعية يموت
(1/347)

وهو غاش رعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة) .
2. قوله عليه الصلاة والسلام: (ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لم يجهد لهم وينصح لهم كنصحه وجهده لنفسه إلا لم يدخل معهم الجنة) .
معنى القاعدة:
في اللغة: المراد بالرعية هنا: عموم الناس الذين هم تحت ولاية الوالي.
منوط: اسم مفعول من الفعل نيط به مبنياً للمفعول، ومعنى نيط به أي ربط وعلق ومنه قولهم: ذات أنواط، فمنوط معناه، معلّق ومرتبط ومعهود به.
المعنى الاصطلاحي: (إن تصرف الإمام وكل من ولي شيئاً من أمور المسلمين يجب أن يكون مبنياً ومعلقاً ومقصوداً به المصلحة العامة، أي بما فيه نفع لعموم من تحت يدهم، وما لم يكن كذلك لم يكن صحيحاً ولا نافذاً شرعاً) .
فهذه القاعدة تضبط الحدود التي يتصرف في نطاقها كل من ولي شيئاً من أمور العامة من إمام أو والٍ أو أمير أو وقاض أو موظف، وتفيد أن أعمال هؤلاء وأمثالهم وتصرفاتهم لكي تنفذ على الرعية وتكون ملزمة لها يجب أن تكون مبنية على مصلحة الجماعة وخيرها.
لأن الولاة والعمال والأمراء والقضاة والقادة وغيرهم ليسوا عمالاً لأنفسهم إنما هو وكلاء على الأمة في القيام بشؤونها، فعليهم أن يراعوا خير التدابير لإقامة العدل وإزالة الظلم وإحقاق الحق وصيانة الأخلاق وتطهير المجتمع من الفساد، ونشر العلم ومحاربة الجهل، والحرص على الأموال العامة ورعايتها وإنفاقها فقط فيما يعود على الأمة بالخير والنفع، كما لا يجوز لهم أن يحابوا بها أحداً دون أحد لجاه أو
(1/348)

لسلطان أو رغبة أو طمع، لأنه لا يجوز للوالي أن يأخذ درهماً من أموال الناس إلا بحق، كما لا يجوز له أن يضعه إلا في يد تستحق، كما لا يجوز له كذلك أن يأخذ من مال أحد شيئاً إلا بحق ثابت معروف.
مسائل وأمثلة على هذه القاعدة:
إذا لم يكن لإنسان وارث بقرابة أو ولاء أو موالاة إذا مات فتركته لبيت مال المسلمين، وإذا قتله أحد عمداً فوليه السلطان لقوله عليه الصلاة والسلام: (السلطان ولي من لا ولي له) . وليس للسلطان أن يعفو عن قاتله، لأن القصاص حق المسلمين، بدليل أن ميراثه لهم والسلطان نائب عنهم في إقامة الحد، وفي العفو إسقاط حقهم أصلاً، ولكن للإمام أن يصالح على الدية يأخذها من القاتل أو يدفعها من ماله ليضعها في بيت مال المسلمين.
وإذا قسم الإمام المال على المستحقين يحرم عليه التفضيل مع تساوي الحاجات؛ لأن عليه التعميم وكذا التسوية بخلاف المالك.
فلا يجوز للإمام أن يقدم في مال بيت مال المسلمين الغني على الفقير أو ذي القرابة على البعيد، أو غير المحتاج على المحتاج.
وإذا أمر وال أو قاض شخصاً بأن يستهلك مالاً من بيت المال أو مالاً لشخص آخر، فإنه غير صحيح، والمستهلك ضامن حتى أن الوالي نفسه أو القاضي لو استهلك ذلك المال كان ضامناً.
كذلك لا يجوز للوالي أو القاضي أو الناضر أو الوصي أن يهب أموال الوقف أو
(1/349)

أموال الصغير، لأن تصرفه فيها يجب أن يكون مقيداً بالمصلحة.
ولا يجوز لأحد من ولاة الأمور أن ينصب إماماً للصلوات فاسقاً.
وإن صحح بعضهم الصلاة خلفه، لأنها مكروهة، وولي الأمر مأمور بمراعاة المصلحة، ولا مصلحة في حمل الناس على فعل المكروه.
كما أنه ليس لولي الأمر أن يزوج امرأة ليس لها ولي بغير كفء وإن رضيت؛ لأن حق الكفاءة للمسلمين وهو نائب عنهم فلا يقدر على إسقاطه.
(1/350)

-- القاعدة الرابعة:
قاعدة: (الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان) :
معنى هذه القاعدة:
(ا) مفردات: البرهان: هو البينة والدليل الشرعي، والمراد به هنا البينة العادلة. العيان: المعاينة والمشاهدة.
(ب) المعنى الإجمالي الاصطلاحي: (الشيء الثابت بالبينة أو الدليل الشرعيين يعتبر كالثابت بالمعاينة والمشاهدة في الإلزام) .
أدلة هذه القاعدة:
أولاً: من القرآن الكريم قوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان ممن ترضون من الشهداءِ) . البقرة، آية (282) .
وقوله تعالى: (شهادةُ بينكم إذا حضر أحدكم الموتُ حين الوصية اثنان ذوا عدلٍ منكم) . المائدة، آية (106) .
ثانياً من السنة: قوله صلى الله عليه وسلم: (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) .
وقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما أنا بشر وإنكم لتختصمون إلي وعسى أن يكون بعضكم ألحن بحجته من الآخر فأقضي له على نحو ما
(1/351)

أسمع) . الحديث.
ووجه الدلالة من الآيتين والحديثين أن البينة لو لم تكن حجة وقائمة مقام المعاينة لما أمر الله عز وجل بالاستشهاد، ولما أمر رسوله عليه الصلاة والسلام بالبينة واليمين، ولما قضى عليه الصلاة والسلام بهما، فدل كل ذلك على أن الثابت بالدليل قائم مقام الثابت بالمشاهدة؛ وذلك تيسيراً على العباد وضماناً لعدم ضياع الحقوق لو لم يقبل إلا المعاينة والمشاهدة.
أمثلة على القاعدة:
من قال تكفلت بما لك عليه، بلا تعيين قدر المال، ثم اختلفا فيه فبرهن الطالب على ألف، لزم الكفيل؛ لأن الثابت بالبينة كالثابت معاينته.
وينتج عن كون الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان ثلاث نتائج:
1. أنه لا يقبل من المدعى عليه الإنكار بعد ذلك الثبوت.
2. وأنه لا يسمع منه بعد القضاء ادعاء بخلاف ما قضي به عليه، إلا بسبب جديد.
3. وأنه يسري الإثبات بالبينة على غير المقضي عليه بها من ذوي العلاقة الذين تجمعهم وحدة السبب الموجب، فيعتبر الموضوع ثابتاً بالنسبة لهم أيضاً.
فمن شُهِد عليه بإتلاف مال لغيره أو غصبه منه أو سرقته وثبت ذلك بالبينة العادلة وقضى به عليه، فلا يقبل إنكاره بعد ذلك الثبوت، كما لا يقبل منه ادعاء بخلاف ما قضي به عليه، وإذا كان قد باع المغصوب أو المسروق أو وهبه إلى غيره، فيسترد منه بناء على الحكم بثبوت اغتصابه أو سرقته.
(1/352)

-- القاعدة الخامسة:
قاعدة: (المرء مؤاخذ بإقراره) :
أو: (إقرار الإنسان على نفسه مقبول) :
معنى القاعدة لغة:
الإقرار: إفعال من قرَّ الشيء إذا ثبت فالإقرار إثبات لما كان متردداً بين الإثبات والجحود.
الإقرار شرعاً: إخبار عن ثبوت حق للغير على نفسه.
معنى القاعدة اصطلاحاً: (إن الإنسان مؤاخذ ومصدق في إخباره عن ثبوت حق للغير على نفسه) .
حكم الإقرار: هل الإقرار حجة ملزمة؟
الإقرار في الأصل خبر، والخبر هو القول الذي يحتمل الصدق والكذب، فكان الإقرار بحسب ظاهره محتملاً والمحتمل لا يكون حجة، ولكن الإقرار مع ذلك حجة لأدلة.
أولاً: دليل الشرع:
(ا) قوله تعالى: (وَليُمللِ الذي عليه الحق وليتَّقِ الله ربهُ ولا يبخَس منه شيئاً) . البقرة، آية (282) .
والإملال هو الإملاء، أي فليملل المدين الذي عليه الحق على الكاتب لأنه المشهود عليه، والإملاء هنا لا يتحقق إلا بالإقرار، لأنه لو لم يقر بالحق
(1/353)

لم يملل، وكذلك في الآية نهى عن الكتمان والبخس، وهو دليل على لزوم ما أقر به.
(ب) وقوله تعالى: (قال أأقررتُم وأخذتُم على ذلكم إصْرِى قالوا أقررنا) . سورة آل عمران، آية (81) . ولو لم يكن الإقرار حجة لما طلبه.
ثانياً: دليل العقل:
وهو ظهور رجحان صدق المقر على كذبه، لأن عقل الإنسان ودينه يمنعانه من الكذب وخاصة على نفسه ويحملانه على الصدق، فكان الصدق ظاهراً فيما أقر به، لأن العاقل لا يقر بضرر على نفسه دون حق، ولأن اعتبار الإقرار أعمال للكلام وهو أولى من إهماله.
مسألة: هل يقبل رجوع المقر؟
لو أقر زيد لعمرو بمبلغ معلوم من المال ديناً عليه، ثم ادعى الغلط أو الخطأ. هل يقبل رجوعه؟
قالوا: لا يقبل رجوع المقر عن إقرار لأنه تكذيب لنفسه، إلا إذا كان مكذباً شرعاً أو كان الإقرار بمحال أو كان الإقرار بحق لله تعالى كالزنا.
فلو ادعى المشتري الشراء بألف والبائع بألفين وأقام البينة، فإن الشفيع يأخذها بألفين، لأن قضاء القاضي تكذيب للمشتري في إقراره.
لو أقر بقتل إنسان ثم تبين حياته، أو بقطع يد ثم تبين سلامتها، فإقراره غير مقبول لأنه يكذبه ظاهر الحال.
لو أقر على نفسه بالزنا ثم أكذب نفسه يعتبر رجوعاً ولا يقام عليه الحد متى يصح إقراره؟
(1/354)

يشترط في المُقر أن يكون عاقلاً بالغاً، فلا يصح إقرار الصغير والصغيرة والمجنون والمجنونة والمعتوه والمعتوهة.
كما يشترط رضا المقر فلا يصح الإقرار الواقع بالجبر لأنه لا إقرار مع الإكراه.
(1/355)

-- القاعدة السادسة:
قاعدة: (الإقرار حجة قاصرة) :
أصل هذه القاعدة: من أصول الإمام الكرخي ونصها: (الأصل أن المرء يعامل في حق نفسه كما أقر به ولا يصدق على إبطال حق الغير ولا بإلزام الغير حقا) .
-- معنى القاعدة:
(ا) المفردات: حجة: أي دليل ملزم وبرهان.
قاصرة: اسم فاعل من قصر يقصر قصراً، والقصر معنا الحبس ومنه قوله تعالى: (وعندهم قاصرات الطرف عينٌ) . الصافات، الآية (48) .
أي حابسات أبصارهن على أزواجهن وعن غير أزواجهن.
ومعنى قاصرة هنا: أي حابسة أثر الإقرار عن غير المقر وعلى المقر فقط.
(ب) معنى القاعدة اصطلاحاً:
إذا أثبت الإنسان حقاً لغيره على نفسه، فإن إقراره ملزم له فقط ولا يتعداه إلى غيره؛ لأن الإقرار لا يتوقف على القضاء بل حجة في نفسه.
ويقابل الإقرار البينة والمراد بها الشهود وما يثبت الحق غير الإقرار، فإذا كان الإقرار حجة قاصرة فإن البينة حجة متعدية؛ لأن الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان كما مر قريباً، ولذلك فقد صيغت القاعدة التالية:
(البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة) .
(1/356)

ومعنى تعدية البينة هنا أن الثابت بالبينة غير مقصور على المدعى عليه، بل يمكن أن يتجاوزه إلى غيره ممن له علاقة بالقضية، لأن حجية البينة مستندة إلى القضاء.
أمثلة على القاعدة بشقيها:
من أقر بدين مشترك عليه وعلى غيره فإن إقراره هذا ينفذ في حق نفسه فقط فيؤاخذ به في ماله ولا يتعداه إلى شريكه ما لم يصدقه أو تقوم البينة.
وأما إذا قامت البينة بشهادة الشهود على أن زيداً من الناس أقرض فلاناً وفلاناً مالاً أو ضار بهما معاً، فإن المؤاخذة على الاثنين فيطالبان معاً برد المال.
لو أقر المشتري أن المبيع مستحق فلا يرجع على البائع بالثمن، ولكن لو ثبت استحقاق المبيع بالبينة فإنه يرجع على البائع بالثمن.
لو ادعى أنه اشترى الوديعة من صاحبها وصدقه المودَع لم يؤمر بدفعها إليه، لأنه إقرار على الغير.
ولو أقر عبد بالدين لا يؤخذ من مولاه، بل يؤخذ به العبد بعد عتقه.
أمثلة لما استثني من القاعد' وتعدي أثر الإقرار غير المقر:
لو أقرت الزوجة بدين فللدائن حبسها، وإن فات حق الزوج بسبب الحبس.
ولو أقر المؤجر بدين ولا وفاء له إلا العين المؤجرة فله أن يبيعها لقضاء دينه ولو تضرر المستأجر.
لو أقرت المجهولة النسب بأنه بنت أب الزوج وصدقها الأب انفسخ النكاح بينهما؛ لأن تصديق الأب أثبت بنوتها له وأخوتها للزوج فينفسخ النكاح.
أما لو كان الإقرار لأجنبي فلا يعتبر إقرارها إلا في حق نفسها ولا ينفسخ النكاح.
(1/357)

-- القاعدة السابعة:
قاعدة: (الإقرار لا يرتد بالرد) .
إذا أقر إنسان عاقل مكلف بأمر ما، فهل للمُقر له رد الإقرار، أي إنكار ما أقرَّ به المُقِرّ، وهل يترتب على ذلك الرد عدم اعتبار الإقرار وإلغائه؟
المُقَرُّ به لا يخلو أن يكون أحد أمرين:
الأمر الأول: أن يكون مما يحتمل الإبطال والإلغاء، فهو يرتد برد المُقّرِّ ولا يثبت في ذمة المُقِرِّ إلا بإقرار جديد أو بينة.
فمن قال لآخر لك عليَّ ألف درهم، فقال الآخر المقَرُّ له، ليس لي عليك شيء، ثم قال في مجلسه: نعم لي عليك ألف درهم. فلا يقبل قوله بغير حجة أو إقرار جديد، لأن المقر أقر بما يحتمل الإبطال، وهو مستقل بإثبات ما أقر به، أي لا يحتاج إلى تصديق خصمه فيما أقر، وقد رده المقر له فيرتد.
وأما قوله بعد ذلك: نعم لي عليك ألف درهم، غير مفيد لأنه دعوى، فلا بد لها من بينة أو تصديق خصم.
الأمر الثاني: أن يكون المُقَرُّ به مما لا يحتمل الإبطال، كالحرية والرق والطلاق والعتق وولاء العتاقة والوقف والنسب، فهذا لا يرتد بالرد فلو أنكر المُقّرُّ له شيئاً من ذلك لا يعتبر إنكاره رداً للإقرار، ولا يعتبر الإقرار بهذا الرد باطلاً.
فمن أقر بحرية عبد غيره وكذبه المولى فهو في حقه حر ولا يرتد إقراره، حتى لو ملكه بعد ذلك يعتق عليه بإقراره السابق، وقلنا إنه في حقه لأن الإقرار حجة قاصرة.
ولو قال لآخر أنا عبدك، فرده المقر له ثم عاد إلى تصديقه فهو عبده لا يرتد الإقرار
(1/358)

بالرق بالرد.
ومن قالت لزوجها: إني طالق منك
فقال الزوج: لا ثم قال: نعم، يعتبر تصديقه ولا يرتد برده.
ولو أقر بأرض في يد غيره أنها وقف ثم اشتراها أو ورثها، صارت وقفاً، مؤاخذة له بزعمه.
ولو أقر بنسب صبي عنده من فلان الغائب، ثم قال: هو ابني، لم يكن ابنه أبداً ولو جحد فلان الغائب.
(1/359)

-- القاعدة الثامنة:
قاعدة: (من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه) :
معنى هذه القاعدة:
(أنه إذا عمل شخص على نقض ما أجراه وتم من جهته باختياره ورضاه فلا اعتبار لنقضه ونكثه) .
والحكمة من ذلك لما في عمله من التعارض والمنافاة بين الشيء الذي تم من قِبَله وبين سعيه الأخير في نقضه، وهذا تدافع بين كلامين متناقضين يمنع استماع الدعوى فيكون سعيه مردوداً عليه وغير معتبر.
وشرط اعتبار هذا التناقض أن يكون أمام خصم منازع، وإلا لا يعتبر متناقضاً ويسمع، فلو كانت دار بيد رجل ويقول: هذه الدار ليست لي، وهنالك شخص آخر يدعيها، يكون نفي الأول إقراراً بالملك للمدعي، حتى لو ادعاها لنفسه بعد ذلك لا تقبل دعواه.
أما لو لم يكن هناك خصم منازع فلا يصح نفيه، وله بعد ذلك أن يقول: الدار لي، وتصح دعواه بها.
من أمثلة هذه القاعدة وفروعها:
إذا باع عبداً وقبضه المشتري وذهب به إلى منزله والعبد ساكت، وهو ممن يعبر عن نفسه، فهو إقرار منه بالرق، فلا يصدق في دعوى الحرية بعده، لسعيه في نقض ما تم من جهته إلا أن يبرهن.
أقر لغيره بمبلغ من المال، فلا يجوز رجوعه عن إقراره.
(1/360)

أقر أنه لا حق له قِبل فلان، ثم ادعى مالاً أنه غصبه منه، لا يصدق إلا أن يبرهن أنه غصبه منه بعد إقراره، إذ البراءة ثبتت بيقين وهو الإقرار، فلا يبطل حكمها إلا بيقين وهو البينة.
استثناءات من القاعدة:
اشترى عبدا وقبضه، ثم ادعى أن البائع باعه قبله من فلان الغائب بكذا وبرهن على ذلك، فإنه تقبل دعواه ويفسخ البيع.
اشترى أرضاً ثم ادعى أن بائعها جعلها مقبرة أو مسجداً، فتقبل دعواه إذا برهن على ذلك.
باع الأب مال ولده ثم ادعى أنه وقع بغبن فاحش، وكذلك الوصي ومتولي الوقف، فتقبل الدعوى.
(1/361)

-- القاعدة التاسعة:
قاعدة: (الجواز الشرعي ينافي الضمان) :
أصل هذه القاعدة: (كل موضوع بحق إذا عطب به إنسان فلا ضمان على واضعه) .
معنى هذه القاعدة:
المراد بالجواز الشرعي أي إذن الشارع المطلق، الضمان، يراد به هنا تحمل المسؤولية والغرم المالي تعويضاً عن ضرر غيره.
(فالإنسان لا يؤاخذ بفعل ما يملك أن يفعله شرعاً، فإِذن الشارع يمنع المؤاخذة ويدفع الضمان إذا وقع بسبب الفعل المأذون فيه ضرر للآخرين) .
من أمثلة القاعدة:
من حفر في ملكه، من أرض أو دار، حفرة فوقع بها إنسان أو حيوان، فالحافر هنا غير ضامن؛ لأنه غير متعد، ولكن له حفر في الطريق حفرة فوقع فيها إنسان، أو حيوان فهو ضامن؛ لأن الحفر في الطريق غير مأذون فيه.
من استأجر دابة وحمّلها حملاً معتاداً فهلكت لا يضمن لأنه غير متعد، بخلاف ما لو حملها أكثر من المعتاد فإنه يضمن.
يجوز لولي المقتول أمر غيره بالقصاص من قاتله نيابة عنه، ولا ضمان على ذلك الغير إذا اقتص بحضوره، لأن جواز القتل لظهور الأمر ينافي الضمان.
ومن كسر لمسلم طبلاً أو مزماراً أو قتل خنزيراً فلا يضمن على الأصح؛ لأن فعله بإذن الشرع، ولكن إذا كان هناك حاكم مسلم منفذ لشرع الله، فله
(1/362)

تعزيره؛ لافتياته على حق الحاكم في ذلك.
وكذا إذا حد القاضي، فيما يوجب الحد، أو عزر ومات المضروب فلا ضمان على القاضي للإذن الشرعي.
وإذا أبضع أحد شريكي العنان أو المفاوضة أو استأجر أجيراً، أو رهن متاعاً من الشركة بدين وجب بعقده، أو احتال بدين للشركة على آخر أو غير ذلك من التصرفات الجائزة للشريك فحصل ضرر فلا يضمن لأن (الجواز الشرعي ينافي الضمان) .
استثناءات:
خرج عن هذه القاعدة مسائل:
لو تصدق الملتقط باللقطة فجاء ربها بعد ذلك فله تضمين الملتقط أو الفقير الذي تُصدِّق بها عليه، إذا هلكت اللقطة أو استهلكت، وإلا فله استردادها، مع أن تصرف الملتقط مستند إلى إذن الشرع حيث قال صلى الله عليه وسلم: (من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل، وليحفظ عفاصها ووكاءها، فإن جاء صاحبها فلا يكتم وهو أحق بها، وإن لم يجيء صاحبها فهو مال الله تعالى يؤتيه من يشاء) .
وإنما وجب الضمان هنا؛ لأن أخذ مالِ الغير بلا عقد ولا عوض حرام، فقوبل بالضمان.
إذا غاب أحد الشريكين في البستان المشترك يكون الآخر قائماً على ذلك البستان وعند إدراك الثمرة يأخذ حصته منها، وله أيضاً بيع حصة الغائب وحفظ ثمنها لكن
(1/363)

يكون الغائب عند حضوره مخيراً إن شاء أجاز البيع وأخذ الثمن المحفوظ، وإن شاء لم يجز وضمنه حصته.
هذا إذا لم يكن البيع بإذن القاضي، وأما إذا كان بإذن القاضي فلا ضمان.
وذكر بعضهم أن المضطر يجوز له أن يأكل مال الغير مع أنه ضامن له، ولكن يظهر عند التحقيق أن هذه المسألة ليست مستثناة من هذه القاعدة لأن الجواز هنا مقيد بعدم الإضرار بالغير، فالمسائل التي تدخل تحت هذه القاعدة إذا كان الجواز فيها مشروعاً على الإطلاق لا الممنوع المرخص عند الاضطرار.
(1/364)

-- القاعدة العاشرة:
قاعدة: (الخراج بالضمان) .
قاعدة: (الغرم بالغنم) .
وقاعدة: (النعمة بقدر النقمة، والنقمة بقدر النعمة) .
هذه القواعد ذوات معنى واحد وأولاها نص حديث نبوي كريم رواه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان من حديث عائشة رضي الله عنها.
وفي بعض طرقه ذكر السبب: وهو أن رجلاً ابتاع عبداً فأقام عنده ما يشاء أن يقيم ثم وجد به عيباً، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليه. فقال الرجل: يا رسول الله قد استعمل غلامي. فقال عليه الصلاة والسلام: (الخراج بالضمان) وهو حديث صحيح من جوامع الكلم، ولاشتماله على معانٍ كثيرة جرى مجرى المثل.
-- معنى هذه القاعدة:
(ا) في اللغة:
الخراج ما خرج من الشيء، فخراج الشجرة الثمرة، وخراج الحيوان درُّه ونسله، وخراج العبد غلَّته، والخراج والخرج اسم لما يخرج من غلة الأرض.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الأموال: والخراج في هذا الحديث هو غَلَّة العبد، يشتريه الرجل فيستعمله زماناً ثم يعثر منه على عيب دلسه البائع فيرده ويأخذ جميع الثمن، ويفوز بِغَلّته كلها؛ لأنه كان في ضمانه ولو هلك هلك
(1/365)

من ماله.
والضمان في اللغة:
هو الكفالة والالتزام، والمقصود به هنا:
المؤونة كالإنفاق والمصاريف وتحمل التلف والهلاك والخسارة والنقص.
والغُرم: معناه الخسارة. والغنم: هو الربح.
(ب) في الاصطلاح: (إن ما خرج من الشيء من غلّة ومنفعة وعين فهو للمشتري عوض ما كان عليه ضمان الملك، فإنه لو تلف المبيع كان من ضمانه، فالغلة له ليكون في مقابلة الغرم) .
ولأن من تحمل الخسارة لو حصلت يجب أن يحصل على الربح، لأن النقمة بقدر النعمة، والنعمة بقدر النقمة.
أو نقول: (إن من يضمن شيئاً إذا تلف يكون نفع ذلك الشيء له في مقابلة ضمانه حال التلف) .
من أمثلة هذه القواعد:
لو أعتق الراهن العبد المرهون نفذ عتقه، فإن كان الراهن غنياً فلا سعاية على العبد، لإمكان المرتهن أخذ حقه من الراهن، وهو الأداء إن كان الدين حالاً أو قيمة الرهن إن كان مؤجلاً.
وأما إن كان الراهن فقيراً فيسعى العبد للمرتهن في الأقل من قيمته ومن الدين؛ لتعذر أخذ الحق من الراهن، فيؤخذ ممن حصلت له فائدة العنق وهو العبد، لأن الخراج بالضمان، والغرم بالغنم.
وإذا رد المشتري حيواناً أو سيارة، أو داراً بخيار العيب بعد قبضه واستعماله غير عالم بالعيب، وكان قد استعمل المشتري مدة، بنفسه أو آجره من غيره وقبض أجرته، لا يلزم رد ذلك للبائع معه لكونه في ضمان المشتري، لأنه لو كان تلف في
(1/366)

يده قبل الرد لكان تلفه عليه ومن ماله، أما لو كان المشتري عالماً بالعيب واستعمل المبيع بعد إطلاعه عليه فيسقط خياره ولا يحق له الرد.
ما يرد هذه القاعدة:
يرد على هذه القاعدة سؤالان:
السؤال الأول: إذا كان الخراج في مقابلة الضمان فكان يجب أن تكون الزوائد قبل قبض المبيع من قبل المشتري للبائع لا للمشتري؛ لأن المبيع قبل قبض المشتري على ضمان البائع، تم العقد أو انفسخ، لكونه من ضمانه، ومع ذلك لم يقل بهذا أحد، لأن الزوائد من حق المشتري هنا.
الجواب: إن علة جعل الزوائد هنا من حق المشتري أن المبيع هنا أصبح مملوكاً للمشتري، فالزوائد هي زوائد ملكه، وأما بعد القبض فإن حق المشتري يتأكد في الزوائد بعلة الملك والضمان معاً.
واقتصر في الحديث على التعليل بالضمان؛ لأنه أظهر عند البائع وأقطع لطلبه وأدفع لاستنكاره أن الخراج للمشتري.
السؤال الثاني: إنه لو كانت عِلَّة الخراج بسبب الضمان للزم أن تكون زوائد المغصوب للغاصب؛ لأن الغاصب يضمن ما غصب، وبهذا احتج أبو حنيفة رحمه الله وقال: إن الغاصب لا يضمن منافع المغصوب، فهو هنا مع ظاهر الحديث.
والجواب على ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالخراج في ضمان الملك لا لمجرد الضمان، وجعل الخراج لمن هو مالكه فعلاً، إذا تلف تلف على مالكه وهو المشتري، والغاصب لا يملك المغصوب، وبأن الخراج: وهو المنافع جعلها لمن عليه الضمان، ولا خلاف أن الغاصب لا يملك المنافع بل إذا أتلفها فالخلاف في ضمانها عليه.
(1/367)

والتعليل إن الخبث إذا كان لعدم الملك فإن الربح لا يطيب، فربح الغاصب من المغصوب، والأمين من الأمانة من هذا الباب، فلا يحل للغاصب ولا للأمين.
وأما إذا كان الربح لفساد الملك كالبيع الفاسد فإن الربح يطيب؛ لأن المبيع كان على ضمان المشتري.
استثناء:
خرج عن هذه القاعدة مسألة وهي: ما لو أعتقت المرأة عبداً فإن ولاءه يكون لابنها، ولو جنى هذا العبد جناية خطأ فالعقل (أي الدية) على عصبة المرأة لا على ابنها، فعصبة المرأة هنا عليهم العقل ولا ميراتث لهم بوجود الابن.
وأصل هذا الحكم: الأثر الذي أورده الزيلعي: أن علي ابن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهما اختصما إلى عثمان رضي الله عنه في معتق صفية بنت عبد المطلب عمة علي وأم الزبير، حين مات، فقال علي رضي الله عنه: هو مولى عمتي فأنا أحق بإرثه لأني أعقل عنه وعنها، وقال الزبير: هو مولى أمي فأنا أرثها وكذا أرث معتقها.
فقضى عثمان بالولاء للزبير وبالعقل على علي رضي الله عن الجميع.
(1/368)

-- القاعدة الحادية عشرة:
قاعدة: (الساقط لا يعود) .
قاعدة: (المعدوم لا يعود) .
المراد بالساقط هنا الحكم أو التصرف الذي تم، والساقط صفة لموصوف محذوف هو الحكم أو التصرف، وإسقاطه يكون بفعل المكلف أو بالإسقاط الشرعي.
ومعنى لا يعود: أي يصب؛ كالمعدوم لا سبيل لإعادته إلا بسبب جديد يعيد مثله لا عينه.
هذه القاعدة تجري في كثير من الأبواب الفقهية.
ما يجري فيه الإسقاط:
يجري الإسقاط في الحقوق المجرد' كالخيارات، والشفعة، والإبراء عن الدعاوى، وإبراء الذمم.
والمراد بالحقوق هنا حقوق العباد، لأن حقوق الله تعالى لا تقبل الإسقاط من العبد، كما لو عفا المقذوف ثم عاد وطلب، حُدَّ القاذف ولكن لا يقام الحد بعد عفو المقذوف لعدم المطالب.
وأما لو عفا ولي المزني بها عن الزاني فلا يعتد بعفوه، بل يقام الحد على الزاني والمزني بها إن كانت مطاوعة؛ لأن هذا الحد من حقوق الله الخالصة فلا يقبل الإسقاط.
طرق الإسقاط:
(1/369)

للإسقاط طرق متنوعة، منها: الإسقاط الصريح كإبراء الدائن مدينه عن الدين ومنها الإسقاط بالالتزام، أو بالإشارة، أو بالدلالة.
ما لا يمكن إسقاطه:
هناك أمور لا يجري فيها الإسقاط وذلك في الأعيان، لأن الإسقاط في الأعيان لا يتصور، أو إسقاط الوارث، إرثه حيث لا يسقط، كأن يقول: تركت حقي في الميراث أو برئت منه أو من حصتي، فلا يصح، وهو على حقه؛ لأن الإرث جبري لا يصح تركه.
وكذلك الحقوق الخالصة لله تعالى لا تقبل الإسقاط كما مر.
مسائل على هذه القاعدة:
من باع بثمن حال فللبائع حق حبس المبيع حتى يقبض جميع الثمن، لكن لو سلمه للمشتري قبل قبض الثمن سقط حقه في الحبس، فليس له أن يسترده من المشتري ليحبسه حتى يقبض الثمن، لأن الساقط لا يعود.
من اشترى شيئاً قبل أن يراه فباعه أو رهنه أو آجره سقط خياره، فلو حكم عليه بالرد بخيار العيب، أو هو أفتكه من المرتهن، أو انقضت مدة الإجارة، لا يعود خياره لأن الساقط لا يعود، وهكذا كل خيار إذا سقط بمسقطه الشرعي، سواء كان في بيع أم نكاح أم شفعة أم غيرها لا يعود بالسقوط.
وكذا لو صالح على أقل من جنس حقه من الدراهم أو الدنانير يعتبر استيفاء لبعض حقه وإبراء عن الباقي، فليس له بعدُ أن ينقض هذا الصلح، لأن الساقط لا يعود.
ولو كان لأحد حق في مسيل أو مرور في أرض آخر فأسقط حقه من ذلك، أو أذن لصاحب الأرض أن يحدث بناء على ذلك الممر سقط حقه، وليس له بعد حق الرجوع، بخلاف ما لو كان مالكاً لرقبة المسيل أو الممر فقال: أسقطت ملكيتي لها،
(1/370)

أو بنى فيه صاحب الأرض بإذنه، فإن له أن يسترد الرقبة؛ لأن الإسقاط لا يتصور في الأعيان.
وكذا لو أجاز الورثة الزائد عن الثلث من وصية مورثهم سقط حقهم المتعلق بالزائد، فلا يصح رجوعهم عن الإجازة، لأن الساقط لا يعود.
وهذا عند من يقول بجواز الوصية فوق الثلث.
وإذا حكم القاضي برد شهادة الشاهد، مع وجود الأهلية، لفسق أو تهمة ثم تاب الشاهد لا تقبل شهادته بعد ذلك في تلك الحادثة.
كذلك لا تعود النجاسة بعد الحكم بزوالها بغير المائعات، فلو دبغ الجلد بالتشمس ونحوه، وفرك الثوب من المني، وجفت الأرض بالشمس، والخف بالدلك، ثم أصابها ماء طاهر لا تعود النجاسة.
كذلك الإقالة بعد الإقالة في السلم لا تصح، لأن السلم دين سقط بالإقالة، فلو صحت الإقالة الثانية لزم عود السلم والساقط لا يعود.
(1/371)

-- القاعدة الثانية عشرة:
قاعدة: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) :
وفي رواية: (تؤدي) :
أصل هذه القاعدة:
هذه القاعدة نص حديث نبوي كريم رواه أحمد في مسنده، وأصحاب السنن الأربعة، والحاكم، في مستدركه كلهم عن سمرة بن جندب رضي الله عنه، وحسنه الترمذي.
معنى هذا الحديث: (إن من أخذ شيئاً بغير حق كان ضامناً له ولا تبرأ ذمته حتى يرده) .
المراد باليد هنا: صاحبها من إطلاق البعض وإرادة الكل، وعبر باليد لأن بها الأخذ والإعطاء.
أنواع الضمان: الضمان نوعان:
(ا) ضمان عقد.
(ب) ضمان يد.
فضمان العقد مرده ما اتفق عليه المتعاقدان أو بدله.
وضمان اليد مرده المثل أو القيمة.
والمقصود في القاعدة ضمان اليد لا العقد.
أمثلة على القاعدة:
من أخذ بدل صلح ثم اعترف قابضه بعد الصلح أنه لا حق له فيه وجب عليه رد ما أخذ.
(1/372)

وكذلك لو دفع إنسان مالاً على ظن أنه مدين به ثم تبين له خطؤه فعلى الآخذ الرد.
وإذا التقط اللقطة لنفسه كان غاصباً ضامناً حتى يؤديها لصاحبها، وهذا مبني على أنه لا يجوز التصرف في مال غيره بغير إذن منه أو ولاية.
(1/373)

-- القاعدة الثالثة عشرة:
قاعدة: (ليس لعرق ظالم حق) :
أصل هذه القاعدة:
هذه القاعدة أيضاً جزء من حديث نبوي كريم رواه أبو داود والنسائي والترمذي ويحيى بن آدم في كتاب الخراج، وأبو عبيد القاسم بن سلام في بحث أحياء موات الأرض من كتابه الأموال، كما رواه قبل أبو يوسف في كتابه الخراج.
ونص الحديث: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق) .
معنى الحديث: لغة:
العرق: واحد عروق الشجر، والمراد الشجرة نفسها، وهو على حذف المضاف، أي لذي عرق ظالم، فجعل العرق نفسه ظالماً، والحق لصاحبه.
ووصف العرق بالظلم مجاز والمراد ظلم صاحبه.
معنى الحديث اصطلاحاً: (إن الظلم لا يكسب الظالم حقاً) .
معنى العرق الظالم: العرق الظالم أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها قبله رجل فيغرس فيها غرساً غصباً أو يزرع أو يحدث فيها شيئاً ليستوجب به الأرض، وإنه إنما صار ظالماً لأنه غرس في الأرض وهو يعلم أنها ملك لغيره، فصار بهذا الفعل ظالماً غاصباً، فكان حكمه أن يقلع ما غرس أو يهدم ما بنى، ولكن لو رضي صاحب الأرض ببقاء الغرس أو البناء ويدفع للغاصب قيمة الشجر أو البناء فله ذلك.
(1/374)

وهذا الحديث أساس في أن العدوان لا يكسب المعتدي حقاً، فمن غصب أرضاً فزرع فيها أو غرس أو بنى فلا يستحق تملكها بالقيمة أو البقاء فيها بأجر المثل إلا أن يرضى ربها؛ لأنه (لا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد إلا بسبب شرعي) .
(1/375)

-- القاعدة الرابعة عشرة:
قاعدة: (لا يتم التبرع إلا بالقبض) :
أو (التبرع لا يتم إلا بالقبض) :
أصل هذه القاعدة:
1. قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجوز الهبة إلا مقبوضة) ، أي لا تملك إلا بالقبض.
2. قول أبي بكر لعائشة رضي الله عنهما: (كنت نحلتك جداد عشرين وسقاً من مالي بالعالية، وإنك لم تكوني قبضتيه ولا حزتيه، وإنما هو مال الورثة) . فلو كانت الهبة التبرع تملك قبل القبض لكان المال لعائشة رضي الله عنها لا للوراثة.
معنى القاعدة:
لغة التبرع: هو تمليك للحال مجاناً بلا مقابل، فيشتمل الهبة والهدية والصدقة.
اصطلاحاً: (لأنه لا يملك أحد إثبات ملك لغيره بلا رضى منه واختيار كان لا بد من رضاء الموهوب له أو المهدي إليه أو المتصدق عليه بما يعطى، وإنما يتم ذلك ويظهر بقبض المملِّك وتسلمه) .
شروط صحة التبرع:
للتبرع شرطان لا يتم إلا بهما:
1. لما كان التبرع تمليكاً للحال فلا يصح أن يكون معلقاً بماله خطر الوجود والعدم
(1/376)

أي لا يعلق تنفيذه على أمر مستقبل يحدث، أو لا يحدث، كقدوم فلان مثلاً أو دخوله، كما لا يجوز إضافته إلى وقت، كملكتك غداً أو آخر الشهر.
2. إن القبض شرط صحة التبرع، فلو لم يقبض لم يتم العقد، أي لا يكتفى فيه بالإيجاب والقبول بل لا بد من القبض والتسليم، فلا يملك الموهوب أو المهدي أو المتصدَّق به قبل قبضه، وعند مالك أن القبض شرط تمام الهبة لا شرط صحتها، فتصح الهبة دون قبض وفي رواية عند أحمد مثله.
والعلة في لزوم القبض: إن إثبات ملك الموهوب له قبل القبض فيه إلزام المتبرع بما يتبرع به، فيثبت للموهوب له والمهدى إليه والمتصدق عليه ولاية مطالبة الواهب بالتسليم فيصير عقد ضمان، وهذا تغيير المشروع فلا يجوز.
وعلى ذلك إذا توفي الواهب أو الموهوب له قبل القبض تبطل الهبة، وللواهب أن يرجع عن هبته قبل القبض بدون رضاء الموهوب له، وكذلك المهدي والمتصدق.
استثناء:
1. الوصية مع أنها تبرع، فإنها تخالف الهبة من حيث إنها، أي الوصية، تمليك مضاف لما بعد الموت، ولذلك جوزت رحمة بالناس لتدارك الخير وابتغاء الأجر.
2. وهبة الدين تعتبر أيضاً استثناء من القاعدة، لأنها إبراء لا تمليك، ولا قبض، وعند الشافعي لا تجوز هبة الدين.
وبمعنى القاعدة: (لا يملك أحد إثبات ملك لغيره بلا اختياره) .
(ليس لأحد تمليك غيره بلا رضاه) .
(1/377)

-- القاعدة الخامسة عشرة:
قاعدة: (يضاف الفعل إلى الفاعل لا الآمر ما لم يكن مجبراً) :
وبمعناها: (الآمر لا يضمن بالأمر) :
معنى القاعدة:
(ا) مفردات:
المراد بالفعل هنا ما صدر من فاعل على وجه التعدي على حق من حقوق غيره نفساً أو مالاً.
الآمر: المراد به هنا كل من يصدر منه أمر لغيره ليفعل شيئاً بدون إلزام ولا إكراه.
الإجبار: يراد به هنا الإكراه، المجبر هو المُكرِه.
(ب) المعنى الإجمالي الاصطلاحي:
إن ما يَصدر من فعل عن فاعل ما يجعل ذلك الفاعل مسؤولاً عما صدر منه ما لم يكن مكرهاً، أما إذا فعل ما فعله على سبيل الإكراه والإلزام فالمسؤولية على الآمر المكرِه.
التعليل: إن الآمر لا يضمن بسبب أمره لأنه غير ملزِم بل هو مجرد طالب من المأمور إيقاع الفعل باختياره فيضاف الحكم إليه دون الآمر؛ لأن الأصل إضافة الحكم إلى العلة دون السبب ولو آمراً.
أمثلة على القاعدة:
لو أمره بأخذ مال غيره أو إتلافه أو تخريق ثوبه، فالضمان على المأمور.
إذا أمره بحفر باب في حائط الغير ففعل، فالضمان على الحافز الغير ففعل، فالضمان على الحافز ولا يرجع على
(1/378)

الآمر، إلا إذا قال الآمر: (احفر باباً في حائطي هذا، أو كان ساكناً في ذلك البيت، ثم ظهر أن الحائط ليس له فالضمان على الآمر) .
استثناءات:
استثنى من هذه القاعدة مسائل:
إذا كان الآمر سلطاناً فإن أمره إكراه.
إذا كان الآمر أباً فأمر ابنه بإتلاف مال لغيره، فالأب الآمر ضامن، أو غير الأب إذا كان المأمور صبياً.
إذا كان الآمر سيداً والمأمور عبداً، فالضمان على السيد.
والضابط لذلك: أن كل ما لا يصح في الأمر فالضمان على المأمور لا الآمر، وكل موضع يصح فيه الأمر فيجب الضمان على الآمر.
(1/379)

-- القاعدة: السادسة عشرة.
قاعدة: (الأمر بالتصرف في ملك الغير باطل) .
هذه القاعدة لها ارتباط بقاعدة (يضاف الفعل إلى الفاعل لا الآمر) .
لأن الأمر الباطل كالعدم فالمؤاخذة على الفاعل المأمور لا الآمر.
معنى القاعدة:
الملك ما يملكه الإنسان سواء كان أعياناً أم منافع، وقد أثبت الشرع لصاحبه فقط قدرة على التصرف به، ومنع غير المالك من التصرف بغير إذن المالك، وفي هذه القاعدة منع الآمر بالتصرف في ملك الغير بناء على قاعدة (ما حَرُمَ فعله حَرُم طلبه) فإذا كان التصرف في ملك الغير لا يجوز بغير إذنه فكذلك الأمر بالتصرف باطل بغير إذن المالك.
وعليه: فلو أمر أحد رجلاً أن يأخذ مال آخر ويلقيه في البحر أو يهدم بيته أو يمزق ثوبه ففعل، فالضمان على الفاعل؛ لأن الأمر الصادر إليه باطل، إلا إذا كان الفاعل مكرهاً كما مر فالضمان على الآخر وما لم يكن الآمر وصياً أو ولياً أو وكيلاً فالضمان على الآمر.
(1/380)

-- القاعدة: السابعة عشرة:
قاعدة: (لا مساغ للاجتهاد في مورد النص) :
دليل هذه القاعدة قوله تعالى: (وما كانَ لمؤمن ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخِيرة من أمرِهم) . سورة الأحزاب، آية (36) .
وحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه حينما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم إرساله إلى اليمن قاضياً ومعلماً إذ قال له: (كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال أقضي بكتاب الله أو بما في كتاب الله. قال: (فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: اجتهد رأي ولا آلو، أي لا أقصر في البحث والاجتهاد. قال معاذ: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري بيده ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله) .
وكذلك روى عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
معنى القاعدة:
(ا) في اللغة:
مساغ، مفعل من ساغ يسوغ بمعنى سهل.
يقال ساغ الشراب في الحق: سهل انحداره، لانفتاح منفذه، فلا مساغ: أي لا منفذ ولا طريق.
الاجتهاد: المراد به هنا بذل الجهد العلمي في استنباط الأحكام من أدلتها، لأن الاجتهاد هو بذل الجهد واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال، ولا يستعمل إلا بما
(1/381)

فيه كلفة ومشقة، فيقال: اجتهد في حمل الرحى، ولا يقال اجتهد في حمل خردلة.
والاجتهاد منه تام وناقص، فالتام أن يبذل المجتهد وسعه في الطلب بحيث يحس من نفسه العجز عن مزيد طلب، وغيره الناقص.
أنواع الاجتهاد:
الاجتهاد نوعان:
(ا) اجتهاد في فهم النصوص لإمكان تطبيقها.
وهذا واجب على كل مجتهد، وخاصة إذا كان النص محتملاً لوجوه مختلفة في تفسيره وتطبيقه، أو كان عاماً أو مجملاً أو مطلقاً.
(ب) النوع الثاني:
اجتهاد عن طريق القياس والرأي، وهذا لا يجوز الالتجاء إليه إلا بعد ألا نجد حكم المسألة المبحوث عنها في الكتاب أو السنة أو الإجماع، وهو المقصود هنا.
وللاجتهاد والمجتهد شروط مبينة بالتفصيل في مبحث الاجتهاد والتقليد في أصول الفقه.
النص: لغة الرفع والإظهار، ومنه نص الحديث رفعه وأسنده، ونص المتاع جعله بعضه فوق بعض، ونص الشيء حركه. ونص الدابة: استحثها لسير سريع.
والمنصة: مجلس العروس سميت لارتفاعها وظهورها، والمنصوص عليه: المبيَّن والمعيَّن.
والنص اصطلاحاً هو: خطاب الشارع، وهو آيات الكتاب العزيز والأحاديث النبوية
(1/382)

الصحيحة الثابتة، والإجماع الثابت بالنقل الصحيح.
معنى القاعدة اصطلاحاً:
(لا يجوز الاجتهاد باستعمال الرأي والقياس لإيجاد حكم لمسألة ما قد ورد فيها نص شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع صحيح) .
كما إذا كان النص صريحاً واضحاً في إفادة الحكم الذي سيق لأجله بحيث لا يحتمل التأويل، لا يجوز تأويله بما يخرجه عن ظاهره.
والاجتهاد الممنوع هنا في مورد النص ما كان مصادماً لنص ثابت واضح المعنى الذي ورد فيه وضوحاً لا يقبل التأويل ولا يحتمله.
أمثلة للقاعدة وفروعها:
فلو قضى حاكم بعدم صحة رجعة الزوجة الرجعية بدون رضاها، لا ينفذ ذلك القضاء لأنه مخالف لقوله تعالى: (وبعولتُهُنَّ أحق بردِّهِنَّ) . سورة البقرة، آية (228) .
وكذا لو قضى بحل المطلقة ثلاثاً بمجرد عقد الزواج الثاني: لا ينفذ؛ لأن حديث العسيلة يخالفه، فيكون التحليل بدون الوطء مخالفاً له، فلا يجوز.
وكذا لو منع أحد بينة المدعي وألزم المدعي عليه البينة أو رد اليمين على المدعي مع وجو بينته فهذا اجتهاد لا ينفذ؛ لأنه مخالف لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) لأن الحديث صريح في وجوب قبول البينة من المدعي للإثبات.
على أنه قد يرد حديث في موضوع ما يراه بعض الفقهاء صحيحاً فيعمل بموجبه ويترك القياس المخالف له، بينت لا يراه غيره كذلك فيتركه ويلجأ للقياس، وهذا جائز وليس مما نحن فيه.
(1/383)

-- القاعدة: الثامنة عشرة:
قاعدة: (الاجتهاد لا ينقض بمثله أو بالاجتهاد) :
أصل هذه القاعدة في قواعد الإمام الكرخي: (الأصل أنه إذا مضي بالاجتهاد لا يفسخ باجتهاد مثله ويفسخ بالنص) .
دليل هذه القاعدة: الإجماع: حيث إن أبا بكر رضوان الله عليه قد حكم في مسائل خالفه بها عمر رضوان الله عليه، ولما تولى لم ينقض حكم أبي بكر.
معنى القاعدة:
(إذا اجتهد مجتهد في مسألة ما من المسائل الشرعية الاجتهادية وعمل باجتهاده، ثم بان له رأي آخر فعدل عن الأول في مسألة أخرى، فلا ينقض اجتهاده الثاني حكمه الناشئ عن اجتهاده الأول) .
العلة في عدم نقض الاجتهاد:
أن الاجتهاد الثاني ليس بأقوى من الأول، وإنه يؤدي إلى أن لا يستقر حكم؛ لأنه لو نقض الأول بالثاني ونقض الثاني بغيره، لأنه ما من اجتهاد إلا ويجوز أن يتغير ويتسلسل فيؤدي الأمر إلى أن لا تستقر الأحكام.
ما المقصود هنا بالاجتهاد الذي لا ينقض بمثله؟
يقصد به هنا الاجتهاد الذي مضى حكمه وتنفيذه ولكن يغير الحكم في
(1/384)

المستقبل إذا تغير الاجتهاد، ودليل ذلك قول عمر رضوان الله عليه: (تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي) .
ما المراد بالاجتهاد المقصود هنا؟
ليس المراد بالاجتهاد هنا ذلك الاجتهاد الاصطلاحي الذي مر تعريفه في القاعدة السابقة، وإنما يراد به معنى أعم وأشمل وذلك ثلاثة أنواع:
النوع الأول: اجتهاد المجتهد في المسائل الظنية التي لم يرد فيها دليل قاطع.
النوع الثاني: الحادثة التي وقع فيها الحكم من القاضي.
النوع الثالث: مسائل التحري.
أما النوع الأول: فإن المجتهد إذا حكم في المسائل الظنية التي لم يرد فيها نص قاطع ولم يصادم في حكمه الكتاب ولا السنة ولا الإجماع نفذ حكمه ولا يجوز نقضه لا من قِبله إذا تغير اجتهاده، ولا من مجتهد آخر يرى خلافه، لأنه لو نقض به لنقض أيضاً، ولكن إذا تبدل اجتهاد الحاكم في غير تلك المسألة أو الحادثة فله أن يحكم فيها بحسب اجتهاده الثاني ولا ينقض الأول؛ حتى لا يتسلسل الأمر ولتستقر الأحكام.
قال في المستصفى: المجتهد إذا أداه اجتهاده إلى أن الخلع فسخ لا طلاق، فنكح امرأة خالعها ثلاثاً ثم تغير اجتهاده (أي رأى أن الخلع طلاق) لزمه تسريحها ولم يجز له إمساكها على خلاف اجتهاده، ولكن لو حكم بصحة النكاح حاكم بعد أن خالع الزوج، ثم تغير اجتهاده لم يفرق بين الزوجين ولم ينقض اجتهاده السابق بصحة النكاح لمصلحة الحكم) .
(1/385)

النوع الثاني: إذا حكم القاضي المقلد في المسائل الاجتهادية وكان حكمه مقيداً بمذهب ما أو باللوائح والأنظمة الآمرة من الحاكم، فهذا أيضاً لا يجوز نقضه.
وهذا معنى قول الفقهاء: (الدعوى متى فصلت مرة بالوجه الشرعي لا تنقض ولا تعاد) . فلو حكم القاضي برد شهادة فاسق ثم تاب وأعادها لم تقبل بخلاف شهادة الصبي والعبد.
النوع الثالث: الاجتهاد بمعنى التحري مثل لو تغير اجتهاده في القبلة عمل بالثاني، ولم يبطل الأول، حتى لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات بالاجتهاد صحت صلاته ولا قضاء عليه ولا إعادة.
وكذلك لو تحرى في ثياب اختلطت طاهرة منها بنجسة أو أواني ماء وصلى ببعضها أو توضأ ببعضها باجتهاده، ثم تغير اجتهاده فلا ينقض اجتهاده الجديد اجتهاده السابق ولا قضاء عليه ولا إعادة.
استثناء:
ومع ذلك فإنه يجوز نقض الاجتهاد إذا تبين الخطأ بيقين، كما لو وجدت مصلحة عامة تقتضي نقض اجتهاد ما يجوز نقضه باجتهاد لاحق، أو لو قضى بحكم مخالف للنص أو للإجماع أو خالف قياساً جلياً، أو خالف المذاهب الأربعة، في قول أو كان حكماً لا دليل عليه، أو كان بخلاف شرط الواقف، أو تبين خطأ الحاكم في نفس الحكم أو سببه أو طريقه، فينتقض الحكم هنا لتبين بطلانه.
(1/386)

-- القاعدة: التاسعة عشرة:
قاعدة: ما حرم أخذه حرُم إعطاؤه.
وقاعدة: ما حرُم فعله حرُم طلبه.
وقاعدة: ما حرُم استعماله حرُم اتخاذه.
هذه القواعد الثلاث متقاربة المعنى وكلها تفيد سد أبواب الحرام أخذاً وإعطاءً وفعلاً وطلباً واستعمالاً واتخاذاً.
ودليلها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (لعنت الخمر على عشرة أوجه: بعينها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، وشاربها وساقيها) .
وفي رواية: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة) .
وعند أبي داوود لعن الله الخمر، إلخ الحديث.
وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (لعن الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها) .
أمثلة لهذه القواعد:
الربا لا يجوز أخذه ولا إعطاؤه.
قال صلى الله عليه وسلم: (لعن الله آكل
(1/387)

الربا وموكله وشاهده وكاتبه) .
حرمة مهر البغي (أي الفاجرة وحلوان الكاهن) أي المنجم ومدعي علم الغيب، والرشوة وأجرة النائحة، وأجرة الزامر أي المطرب، فكل ذلك لا يجوز أخذاً ولا إعطاء.
وكما حرُم شرب الخمر وحرُم الزنا والقتل وغيره حرِّم طلب ذلك الفعل من غيره على أي وجه كان، إذ الحرام لا يجوز فعله ولا الأمر بفعله.
كذلك لما حرم استعمال أواني الذهب والفضة، حيث ورد النهي عن استعمالها صريحاً في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حرُم أيضاً اتخاذهما واقتناؤهما، حتى لا يكون الاتخاذ وسيلة إلى الاستعمال.
كذلك حرُم اتخاذ الكلب لمن لا يصيد أو لا يريد أن يحرس ماشيته أو زرعه.
كذلك حرم اتخاذ آلات الملاهي والطرب والموسيقى.
وحرم اتخاذ الخنزير والفواسق واختزان الخمر والحرير والحلي للرجال.
وكل ذلك حتى لا يجر الاتخاذ إلى الاستعمال.
كذلك لا يجوز دفع صدقة لمن له قوة الكسب، لأنه لا يجوز أخذها، للحديث القائل: (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة قوي أو سوي) .
استثناءات:
استثنى جواز إعطاء الرشوة للحاكم أو لمن يمنع الحق إلا بها؛ لكي يصل المعطي إلى حقه والإثم على الآخذ.
(1/388)

كذلك استثنى إعطاء فدية لفك الأسير، وإعطاء شيء لما يخاف هجوه.
وإذا خاف الوصي أن يستولي غاصب على المال فله أن يؤدي شيئاً ليخلصه.
كذلك يجوز الاستقراض بالربا في حال الاضطرار، وذلك دليل زوال الرحمة والتعاون في قلوب المسلمين، وهذا من باب اختيار أهون الضررين.
كذلك إذا ادَّعى إنسان دعوى صادقة، ولا بينة، وأنكر الغريم فللمدعي تحليف المدعى عليه رجاء أن ينكل عن اليمين فيتبين حق المدعي، وهذا عند من يعتبر النكول عن اليمين بذلاً أو إقراراً.
كذلك يجوز طلب الجزية من الذمي مع أنه يحرم عليه إعطاؤها، لأن في إعطائها بقاؤه على الكفر وهو متمكن من إزالة الكفر بالإسلام، فإعطاؤه إياها إنما هو على استمراره على الكفر وهو حرام.
(1/389)

-- القاعدة: العشرون:
قاعدة: لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير أو حقه بلا إذن:
لأن في التصرف بدون إذن اعتداء على حق المالك.
وعدم الجواز شامل هنا لجميع أنواع التصرف من استعمال أو إعارة أو إيداع أو إجارة أو صلح أو هبة أو بيع أو رهن أو هدم أو بناء.
لكن ما أجراه من عقود تمليكاً بعوض أو بغيره يتوقف على إجازة المالك، فإن أجاز نفذ وإلا بطل، لأن الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة.
وقولنا (بلا إذن) يشمل إذن الشارع وإذن المالك.
أنواع التصرف في ملك الغير:
(ا) التصرف في ملك الغير إما فعلي بالأخذ أو الاستهلاك أو الحفر أو الذبح، فكل فعل من ذلك دون إذن يعتبر تعدياً وفاعله ضامن لأنه في حكم الغاصب.
(ب) وإما تصرف قولي بطريق التعاقد كالبيع أو الهبة أو الإجارة أو الإعارة، فإذا صاحب ذلك تنفيذ كان تصرفاً فعلياً، وأما إن بقي في حيز القول كان فضولاً، والمتصرف الفضولي يتوقف عقده على إجازة المالك ما رأينا.
ففي حالة التصرف الفعلي دون إذن المالك يكون معنى عدم الجواز المنع الموجب للضمان، وأما في حالة التصرف القولي فمعناه عدم النفاذ.
وقولنا أو حقه لأن هناك حقوقاً لا يجوز التصرف فيها بغير إذن من له الحق وليست من الملك في شيء كصلاة الجنازة، فلو صلى أحد على جنازة غير السلطان أو القاضي بدون إذن الولي فللولي إعادتها إن شاء؛ لتصرف الغير في حقه
(1/390)

بلا إذنه.
أمثلة على القاعدة:
لا يجوز أن تبيع الأم مال ولدها الصغير لنفقتها إذ لا ولاية لها في التصرف حال الصغر ولا في الحفظ بعد الكبر.
ويضمن مودَع الابن الغائب لو أنفق الوديعة على أبويه بلا أمر قاض؛ لتصرفه في مال الغير بلا إنابة ولا ولاية.
ولا يجوز المشي في ملك الغير بلا إذنه داراً كان أو بستاناً أو أرضاً مزروعة أو مكروبة أي محروثة، حتى لا يجوز إجابة دعوة من سكن في دار مغصوبة ولا عيادته.
وإن قيدت المضاربة ببلد أو سلعة أو وقت أو معامل فليس له أن يتجاوز تلك القيود، وإن تجاوز ضمن ما شراه والربح له.
والإذن قد يكون صريحاً كمن يوكل شخصاً بتصرف ما في ما له، وقد يكون دلالة كأجير لرعي الغنم رأى شاة أشرفت على الموت، فذبحها لئلا تموت حتف أنفها فلا ينتفع بها صاحبها، فلا ضمان على الأجير، لأنه مأذون دلالة.
والأذن أيضا كما يكون من المالك يكون أيضاً من صاحب الشرع فيجوز التصرف، وكذلك يجوز التصرف دون إذن للضرورة.
استثناءات:
مما استثني من هذه القاعدة وكان التصرف مشروعاً.
لو سقط ثوبه في بيت غيره وخاف لو أعلمه أخذه، فله الدخول لأخذه ولو بدون
(1/391)

علم صاحب البيت.
ويجوز للولد والوالد إذا مرض أحدهما الشراء من مال المريض ما يحتاج إليه المريض بلا إذنه، ولا يجوز في المتاع.
وكذلك لو أنفق المودَع على أبوي المودِع بلا إذنه، وكان في مكان لا يمكن استطلاع رأي القاضي لم يضمن استحساناً.
ولو مات بعض الرفقة في السفر فباعوا قماشه وعدته وجهزوه بثمنه وردوا البقية إلى الورثة، أو أغمي عليه أو مرض مرضاً يمنعه من الإذن فأنفقوا عليه من ماله لم يضمنوا استحساناً.
(1/392)

-- القاعدة: الحادية والعشرون:
قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب:
هذه في الحقيقة قاعدة أصولية لا قاعدة فقهية، وهي المسماة بمقدمة الواجب.
وقد اختلف العلماء في ضبط المقصود بهذه القاعدة، وفي حكمه، وأرجح الأقوال في ذلك، أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب مطلقاً سواء كان شرطاً أم سبباً.
والشرط هو: (ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، كالطهارة للصلاة) .
والسبب هو: (ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، كالدلوك سبب لوجوب الصلاة) .
وسواء أكان ذلك السبب شرعياً كالتلفظ بصيغة الإعتاق لحصول العتق الواجب، أم عقلياً كالنظر المحصل للعلم الواجب، أم عادياً كحز الرقبة بالنسبة للقتل الواجب، كما إذا قال الشارع: اقتل هذا قصاصاً فإن معناه حز الرقبة، فإنه هو الذي في وسع المكلف.
وكذلك الشرط سواء كان أيضاً شرعياً كالوضوء للصلاة، أم عقلياً وهو الذي يكون لازماً للمأمور به عقلاً كترك ضد الواجب، وذلك كترك القعود في الصلاة الذي هو ضد القيام الواجب للصلاة للقادر عليه، فإنه شرط عقلي لذلك الواجب، أم كان عادياً، كما إذا وجب غسل الوجه ولم يمكن إلا بغسل جزء من الرأس، وكذلك إذا وجب الصوم ولم يمكن إلا بإمساك جزء من الليل قبل الفجر.
(1/393)

شرط مقدمة الواجب:
يشترط في وجوب ما لا يتم الواجب إلا به شرطان:
الأول: أن يكون الوجوب مطلقاً أي غير معلق على حصول ما يتوقف عليه، فإن كان معلقاً على حصول ما يتوقف عليه فهو غير ملزم، كما لو قال السيد لعبده: إن صعدت السطح ونصبت السلم فاسقني ماء، فإنه لا يكون مكلفاً بالصعود ولا بنصب السلم بلا خلاف، بل إن حصل ذلك صار مكلفاً بالسقي وإلا فلا، فالمراد بالواجب المطلق ما لا يكون وجوبه مقيداً بما يتوقف عليه وجوده، وإن كان مقيداً بما يتوقف عليه وجوبه، كقوله تعالى: (أَقِم الصلاةَ لدُلوكِ الشمسِ إلى غسقِ الليلِ) . الإسراء، آية (78) فإن وجوب الصلاة مقيد بوجود الدلوك، وواجب مطلق بالنسبة للطهارة والتوجه للقبلة.
الشرط الثاني: أن يكون ما يتوقف عليه الواجب مقدوراً للمكلف، بأن يكون في وسع المكلف الإتيان به، كالوضوء للصلاة والسير إلى مكة للحج، فإن لم يكن مقدوراً للمكلف فلا يجب عليه تحصيله، ولا يكون واجباً بوجوب الواجب المطلق. كحضور العدد في الجمعة بالموضع الذي تقام فيه، فإنه غير مقدور للمكلف، لأن كل واحد لا يقدر إلا على حضور نفسه دون غيره، فالجمعة بالنسبة لحضور العدد واجب مطلق، ويتوقف على حضور العدد وجود الجمعة، لأنها لا تنعقد بدونه، لكنه لا يجب لكونه غير مقدور، ولتوقف وجوب الجمعة على وجود العدد بالمصر الذي تقام فيه الجمعة واجب مقيد فلا يوجب إيجابه وجوب مقدمته.
(1/394)

مسائل على هذه القاعدة:
إذا اشتبهت زوجته بأجنبية، فيجب الكف عن الجميع، أو طلق معينة من زوجتيه طلاقا بائناً ثم نسيها، حرم عليه قربان أي منهما، لأن الكف عن الحرام، وهو وطء الأجنبية والبائنة واجب، ولا يحصل العلم به إلا بالكف عن الزوجة فيحرم عليه قربانها، لأن ما يتم الواجب إلا به فهو واجب.
إذا وقع بول في ماء قليل حرُم الكل لتعذر الإقدام على تناول المباح لاختلاط المحرم به فلا يوجد ترك المحرم إلا بترك المباح.
إذا اشتبهت ميتة بمذكاة، فلا يجوز التحري ولا أكل أي منهما.
إذا اشتبهت الثياب الطاهرة بنجسة، فإنه يلزمه أن يصلي بعدد النجس ويزيد صلاة وينوي بكل صلاة الفرض، ولا يتحرى عند الإمام أحمد: وقال ابن عقيل: يتحرى مطلقاً.
لو اختلط سائل كزيت مغصوب بمباح مثله، ولا يمكن الفصل، الأرجح التحريم لامتزاج الحرام بالحلال واستحالة الفصل.
الأكل من مال منن في ماله حرام هل يجوز أو لا، خلاف.
لو اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، فإنه يغسل الجميع ويكفنون ويصلى عليهم جميعاً، ينوي بالصلاة المسلم.
غسل المرفقين في الوضوء قبل وجوبه، وهو المذهب عند الحنابلة.
(1/395)

-- القاعدة: الثانية والعشرون:
قاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور:
دليل هذه القاعدة:
1. قوله تعالى: (لا يكلفُ الله نفساً إلا وُسعَهَا) . البقرة، آية (286) .
2. قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم) .
معنى هذه القاعدة:
(إن الأمر الذي يستطيع المكلف فعله وهو يسير عليه لا يسقط بما شق فعله عليه أو عسر) .
وهذه القاعدة من الأصول الشائعة التي لا تكاد تنسى ما أقيمت أصول الشريعة.
أمثلة على هذه القاعدة:
القادر على بعض السترة يستر به القدر الممكن جزماً.
القادر على بعض الفاتحة في الصلاة يأتي به بلا خلاف. أي إذا تعسر على إنسان قراءة كل الفاتحة وهو يحفظ بعضها فليأت بالبعض الذي يحفظه ولا يجوز له أن يتركه لأنه لا يحفظها كلها.
ومقطوع باقي الأطراف يجب عليه غسل الباقي.
ولو عجز عن الركوع والسجود دون القيام، لزمه القيام بلا خلاف؛ لأن جزء العبادة هنا عبادة مشروعة في نفسه فيجب فعله عند تعذر فعل الجميع بلا خلاف.
(1/396)

والعاجز عن القراءة وهو قادر على القيام يلزمه؛ لأن القيام عبادة.
ومن قدر على بعض صاع في الفطرة أخرجه.
ولو عجز عن سداد كل الدين أدى ما قدر عليه، ولو عجز عن سداده دفعه أداه مقسطاً.
وإذا لم يستطع القيام في الصلاة صلى قاعداً، وإن لم يستطع فعلى جنب أو مضطجعاً، وإن لم يستطع الركوع أو السجود أدى ما استطاع أو بالإيماء.
وإذا كان محدثاً وعليه نجاسة ولم يجد ماءً إلا ما يكفي أحدهما غسل النجاسة وتيمم للحدث.
وفي كفارة القتل الخطأ أو الظهار إذا لم يجد إلا طعام ثلاثين مسكيناً، فالأصح وجوب إطعامهم.
ومن عجز عن بعض غسل الجنابة لزمه الإتيان بما قدر عليه منه، وتيمم للباقي.
استثناءات هذه القاعدة:
إذا وجد بعض الرقبة في الكفارة لا يعتقها بل ينتقل إلى البدل بلا خلاف.
وتعليل ذلك: إن إيجاب بعض الرقبة مع صوم شهرين جمع بين البدل والمبدل، وصيام شهر مع عتق نصف رقبة فيه تبعيض للكفارة وهو ممتنع.
وبأن الشارع قال: (فَمَن لم يجِدْ) . النساء، آية (62) ، والآية (196) من سورة البقرة.
وواجد بعض الرقبة لم يجد رقبة، والرقبة عبادة كاملة، وجزؤها ليس في نفسه عبادة وهو غير مأمور به لضرورة.
فلو قدر على البعض ولم يقدر على الصيام ولا الإطعام فيه أوجه:
(ا) يخرجه ويكفيه، وهذا هو الأقرب إلى سماحة الشريعة ودليلة قوله تعالى:
(1/397)

(لا تُكلف نفس إلى وسعَها) . آية (233) من سورة البقرة. وهذا وسعه.
(ب) يخرجه ويبقى الباقي في ذمته.
(ج) لا يخرجه.
ومما خرج أيضا لو قدر على صوم بعض يوم دون كله، لا يلزمه إمساكه بلا خلاف؛ لأن صوم اليوم لا يتبعض.
وإذا أوصى بثلث ماله ليشتري به رقبة، فلم يف الثلث بها، فلا يشتري شقص أي جزء.
ومنها عند الحنابلة إذا عجز في الصلاة عن وضع جبهته على الأرض وقدر على وضع بقية أعضاء السجود، قالوا: فإنه لا يلزمه ذلك على الصحيح، لأن السجود على بقية الأعضاء إنما وجب تبعاً للسجود على الوجه وتكميلاً له.
(1/398)

-- القاعدة: الثالثة والعشرون:
قاعدة: ما ثبت بالشرع مقدم على ما ثبت بالشرط:
ومعناها: كل شرط بغير حكم الشرع باطل:
هذه القاعدة أصلها ودليلها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) .
والمراد بما ليس في كتاب الله ما يتضمن مخالفة لأسس الشريعة التي قررها القرآن والسنة، فالتعاقد على ذلك أو اشتراطه باطل، فكتاب الله هنا ليس معناه القرآن، بل ما كتبه وأوجبه، أي شريعته التي شرعها، فالكتاب هنا مصدر بمعنى اسم المفعول أي المكتوب بمعنى المفروض، كما في قوله تعالى: (إن الصلاةَ كانت على المؤمنينَ كِتاباً موقوتاً) . النساء، آية (103) .
والحديث جزء من حديث بريرة رضي الله عنها بسبب ما اشترطه عليها مواليها قبل بيعها إلى السيدة عائشة رضي الله عنها.
ما تفيده القاعدة:
تفيد هذه القاعدة أن الشرط إذا ثبت منافاته لمقتضيات الشرع بحيث تتعطل الغاية الشرعية من العقد إن كان في العقود، فعندئذ يبطل العقد أو الشرط، فيبطل العقد إذا كان الشرط يعطل ركناً من أركانه، أو يعارض مقصوداً أصلياً للعقد، كاشتراط عدم حل الزوجة لزوجها في عقد الزواج مثلاً، أو يمنع أحد المتبايعين من الانتفاع بالمبيع، فهنا يبطل العقد.
(1/399)

وقد يبطل الشرط فقط إذا كان لا يعطل ركناً من أركان العقد، كمن يشترط عدم الدخول بالمرأة بالنسبة لعقد النكاح، أو يقيد استعمال المشتري للمبيع، أو تشترط المرأة عدم سفر زوجها معها إذا سافرت، فهنا يلغو الشرط ويصح العقد، لأن استمتاع الرجل بالمرأة مقصود أصلي من مقاصد عقد النكاح وهو ثابت شرعاً.
وكذلك حرية التصرف في المبيع ثابتة للمشتري قطعاً، وكذلك عدم حل سفر المرأة دون محرم ثابت شرعاً، فهو مقدم على الشرط بعدم السفر معها.
أما إذا شرطت أن لا يسافر زوجها بها إذا أراد هو السفر، أو أن لا ينقلها من دارها، فهذا الشرط صحيح لأنه مصلحة مقصودة لا تمنع المقصود من النكاح فيصح اشتراطها، ويثبت للمرأة خيار الفسخ إذا لم يف الزوج لها به.
من أمثلة هذه القاعدة وفروعها:
عدم صحة نذر الواجب، لأن الواجب إنما ثبت بالشرع وهو سابق ومقدم على النذر.
ولو قال لزوجته: طلقتك بألف على أن لي الرجعة، سقط قوله بألف ويقع رجعياً، لأن المال ثبت بالشرط، والرجعة إنما ثبتت بالشرع فكان أقوى.
وتدبير المستولد' لا يصح؛ لأن عتقها بعد الوفاة ثابت بالشرع.
ومن لم يحج إذا أحرم بتطوع أو نذر وقع عن حجة الإسلام؛ لأنه يتعلق بالشرع ووقوعه عن التطوع والنذر بإيقاعه عنهما، والأول أقوى.
ولو نكح أمة مورثة، ثم قال: إذا مات سيدك فأنت طالق، فمات السيد والزوج يرثه، فالأصح أنه لا يقع الطلاق؛ لأنه اجتمع المقتضي للإنفساخ، وهو كون الزوج أصبح سيداً للأمة فهو يطأها بملك اليمين وهو أقوى من النكاح، وهذا ثابت بالشرع، ووقوع الطلاق، والجمع بينهما ممتنع، فقدم أقواهما وهو الانفساخ لأنه حكم ثبت بالقهر شرعاً، ووقوع الطلاق تعلق باختياره، والأول أقوى.
(1/400)

-- القاعدة الرابعة والعشرون:
قاعدة: (المعلق بالشرط يجب ثبوته عند ثبوت الشرط) :
التصرفات القولية ومنها العقود لها حالتان عامتان:
الحالة: حالة الإطلاق: عندما تصدر العبارة عن المتكلم منجزة ومطلقة من كل قيد وشرط، ففي هذه الحالة يعتبر التصرف أو العقد شرعاً، وتترتب عليه أحكامه وآثاره فور إنشائه، كما لو قال أحد العاقدين للآخر مثلاً:
بعتك سيارتي هذه بعشرة آلاف ريال نقداً وقبل الآخر، فإن ينبرم العقد بينهما فيأخذ حكمه حالاً، فيملك المشتري المبيع ويملك البائع الثمن، ويسمى هذا العقد منجزاً مطلقاً.
الحالة الثانية: حالة التقييد أو التعليق وذلك حينما يصدر التصرف من المتكلم مربوطاً بأمر يقصد به ربط وجود العقد بوجود شيء آخر أو تقييد حكمه وآثاره، أو تأخيره مفعوله إلى زمن مستقبل.
فمثلاً: إذا قال البائع: بعتك هذه الدار بكذا إذا رضي شريكي، وقبل المشتري فهنا يكون المتبايعان غير معتزمين تنجيز البيع، وإنما علقاه وربطاه برضى الشريك الذي يمكن أن يرضى أو لا يرضى، فالبيع تحت احتمال الوجود والعدم فالعقد هنا يسمى عقداً معلقاً على شرط.
وإذا قال البائع: بعتك هذه السيارة على أن أستعملها شهراً أو بشرط أن أقوم بإصلاح ما يطرأ عليها من خلل إلى شهر مثلاً: وقبل المشتري فالبيع منعقد منجزاً
(1/401)

ولكنه مقيد بقيد يحفظ لأحدهما حقاً، وهذا يسمى عقداً مقيداً بشرط.
وأما إذا قال البائع بعتك هذه السيارة بكذا اعتباراً من أول الشهر القادم، وقبل المشتري، فالعقد هنا غير ناجز، بل تأخر حكمه إلى أو الشهر القادم بذلك القيد، وهذا يسمى عقداً مضافاً إلى زمن مستقبل.
فما يعلق عليه العقد وما يقيد به وما يقصد به تأخير سريان مفعوله يسمى شرطاً.
فما الشرط، وما أنواعه، وما معنى التعليق، والتقييد، والإضافة؟
1. الشرط: لغة العلامة، ومنه أشراط الساعة أي علاماتها جمع شرط، ويطلق الشرط في العقود على ما يقع فيها من القيود التي تذكر في الكلام من صفة أو حال أو شرط أو استثناء أو لفظ، نحو على أن يكون، أو بشرط كذا.
مثال المقيد بالصفة: جعلت غلة وقفي هذا على العلماء الفقراء.
مثال المقيد بالحال: إن دخلت الدار راكباً فعبدي حر.
مثال المقيد بالشرط الاصطلاحي: أنا كفيل لمالك على زيد إن سكن هذه البلدة.
مثال المقيد بالاستثناء: أجرتك داري إلا هذا البيت.
مثال المقيد بلفظ على أن أو بشرط أن: ضاربتك بهذه الألف على أن تعمل بها في الرياض، أو بعتك هذه بشرط أن تعطيني كفيلاً بالثمن.
وأما الشرط الاصطلاحي: فهو عند النحاة الجملة الشرطية المصدرة بإن أو أحدى أدوات الشرط مع وجود فعل الشرط وجوابه.
وأما عند الأصوليين والفقهاء فهو (الأمر الخارج عن الماهية الذي يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم) فعدم الشرط يستلزم عدم المشروط له، وأما وجود الشرط فلا يلزم منه وجود المشروط ولا عدمه.
(1/402)

فأهلية العاقد مثلاً شرط في كل عقد، ففاقد الأهلية كالمجنون أو الصغير لا ينعقد عقده، ولكن قد يكون الإنسان ذا أهلية كاملة ولا يعقد عقداً، والأهلية مع ذلك ليست جزءاً ذاتياً من العقد، والشرط بهذا المعنى الاصطلاحي ليس مقصوداً هنا فالمقصود هنا أعم.
2. أنواع الشرط:
الشرط المقصود هنا نوعان:
(ا) شرط شرعي:
وهو الشرط الذي مصدره الشارع، كالأهلية والقدرة على تسليم المبيع وعدم الربا.
(ب) شرط جعلي:
وهو مصدره إرادة الشخص، وسمي جعلياً لأن العاقد هو الذي جعله شرطاً معلقاً عليه.
3. معنى التعليق:
التعليق لغة: مصدر الفعل علق يعلق ومعناه تشبث وتمسك، وفيه معنى الربط، فكأن العقد المعلق على الشرط مربوط به لا ينفك عنه ولا يوجد إلا بوجوده.
وأما معنى التعليق في اصطلاح الفقهاء فهو (ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى) وهو معنى الشرط والجزاء، وقد عُرِّف أيضاً بأنه (ترتيب أمر لم يوجد على أمر لم يوجد) ، وعرَّفه شيخنا مصطفى الزرقا بأنه (ربط حصول أمر بحصول أمر آخر) .
أدوات التعليق: أدوات التعليق هي أدوات الشرط.
شرط التعليق: اشترط لكي يكون العقد معلقاً أن يكون الشرط المعلق عليه حصول العقد معدوماً حين العقد، ممكن الحصول بعد ذلك، وهذا ما يعبر عنه الفقهاء بقولهم:
(1/403)

(يشترط في صحة التعليق أن يكون الشرط معدوماً على خطر الوجود) .
ولهذا لو عُلّق على شيء موجود متحقق في الحال كان العقد منجزاً لا معلقاً.
أمثلة للعقد المعلق: إذا قال الدائن لمدينة: إن دفعت لي نصف ما عليك الآن أبرأتك من الباقي، فهذا التعليق يقتضي عدم براءة المدين من نصف الدين إلا إذا أدَّى القدر المشروط.
وإذا قال: إذا لم يدفع فلان ما عليه من دينك فأنا كفيل بأدائه، فتثبت الكفالة عند ثبوت عدم دفع المدين.
وأما لو قال: إذا كان لي عليك دين فقد أبرأتك منه، وكان له عليه دين محقق فيصبح المدين بريئاً من الدين في الحال، فهذا تنجيز في صورة تعليق.
ولو كان الشرط مستحيل الوقوع كان العقد باطلاً، لأنه يكون مبالغة في التعبير عن الامتناع، كأن يقول: إن عاش مدينك فأنا كفيله، والمدين ميت.
معنى القاعدة في الاصطلاح:
ومن هنا نعرف أن معنى قاعدة: (المعلق بالشرط يجب ثبوته عند ثبوت الشرط) . أن الشيء المعلق على شرط يكون معدوماً قبل ثبوت شرطه ويكون متحققاً واجب التنفيذ عند ثبوت الشرط وتحققه) .
ومعنى تعليقه بالشرط: أي الشرط الذي يصح شرعاً تعليقه به، وهذا يشير إلى:
(ا) أنه إذا كان الشرط ممنوعاً شرعاً لا يصح به التعليق.
(ب) أن من أنواع العقود ما لا يقبل التعليق بالشرط وهذا عند الحنفية، حيث اشترطوا لجواز التعليق بالشرط أن يكون المعلق من:
1. الإسقاطات المحضة كالطلاق والعتاق.
(1/404)

2. من الالتزامات التي يحلف بها كحج وصوم وصلاة.
3. الإطلاقات كالإذن بالتجارة والوكالة.
4. الولايات كالقضاء والإمارة والعزل عنها والكفالة والإبراء.
أمثلة على القاعدة:
إذا قال المولى لعبده: أذنت لك في التجارة إن قبضت الألف التي لي على فلان.
إذا قال الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه.
أو إن وصلت بلدة كذا فقد وليتك قضاءها، أو أمارتها، أو إن وصل إليك كتابي هذا فقد عزلتك.
أو قال إنسان لدائن إذا جاء مدينك فلان من سفره فأنا كفيل بما لك عليه.
أو قال المكفول للكفيل: إن أدى فلان نصف ما عليه من الدين فقد أبرأتك من الكفالة.
والتعليق إنما يتم ويصح إذا كان الشرط ملائماً، أي مقدوراً عليه، وأما إن كان الشرط غير ملائم فلا يصح التعليق، كما لو قال، إذا نزل المطر أو هبت الريح فقد أبرأتك من دينك.
وأما ما كان من التمليكات والمراد بها العقود التي يترتب عليها ملك سواء كان مبادلة مال بمال من الطرفين، أو لا، فهذه لا يصح، عند الحنفية، تعليقها بالشرط، وذلك كالبيع والإجارة والاستئجار والقسمة والهبة والصدقة والنكاح والإقرار والإبراء والمزارعة والمساقاة والوقف والتحكيم والإقالة والتسليم بالشفعة، قبل البيع.
وما علق منها على شرط فليغو الشرط ويصح العقد، وما كان فيه مبادلة مال بمال يبطل بالشرط كالبيع، فلو قال شخص آخر: إذا حضر فلان من سفره
(1/405)

فقد بعتك داري بكذا، أو أجرتها لك بكذا، أو أعرتكها أو وهبتكها، إلخ، ففي كل ذلك لا يثبت شيء ولا يصح، لأنهم يعتبرون أن هذه الشروط ليست من مقتضيات العقد فتفسده، فهم ضيقوا مجال الشرط في العقود.
وأما عند الشافعية: فما كان تمليكاً محضاً فلا يصح فيه تعليق قطعاً كالبيع والإجارة والوقف والوكالة، وأما ما كان إسقاطاً محضاً أو التزاماً فهو يقبل التعليق كالعتق والتدبير والحج والطلاق والإيلاء والظهار والخلع، وما كان بين ذلك ففيه خلاف عندهم، ومذهب المالكية قريب في ذلك من مذهب الحنفية والشافعية.
وأما عند الحنابلة فيوجبون الوفاء بكل ما يلتزمه العاقدان ويشترطانه، ما لم يكن فيما يشترط مخالفة لنص شرعي حيث يعتبر الاتفاق باطلاً، فهم يصححون التعليق في جميع العقود سواء كانت من التمليكات المحضة أو غيرها تمشياً مع حرية المتعاقدين، ما لم يكن الشرط ليس في كتاب الله، أي في حكم الله وشرعه.
(1/406)

-- القاعدة: الخامسة والعشرون:
قاعدة: يلزم مراعاة الشرط بقدر الإمكان:
أصل هذه القاعدة ودليلها قوله صلى الله عليه وسلم (المسلمون عند شروطهم) .
معنى القاعدة:
إن الشرط يراعى بقدر الاستطاعة وما زاد عن الطاقة فلا يجب مراعاته ولا اعتباره والأصل في الشروط اعتبارها ما أمكن ذلك.
فلو قال المودِع للوديع: أمسك الوديعة بيدك ولا تضعها ليلاً ولا نهاراً، فوضعها في بيته فهلكت، لم يضمنها، لأن ما شرطه عليه ليس في وسعه باعتبار العادة.
ولو قال: لا تخرج بالوديعة من الرياض، فخرج بها إلى جدة مثلاً فهلكت، كان ضامناً، فأما إذا انتقل الوديع من الرياض إلى جدة لأمر لم يكن منه بدِّ كأن انتقل عمله أو أهله، فهلكت الوديعة فلا ضمان عليه، لأن الشرط يراعى بقدر الإمكان.
فالشرط إذ إنما يراعى بقدر الاستطاعة، وأما ما زاد عليها فلا مؤاخذة عليه، والمراد بهذه القاعدة الشرط التقييدي وهو الذي يلزم مراعاته لا الشرط التعليقي.
الفرق بين المعلق بالشرط وبين المقيد بالشرط وهو مقصود هذه القاعدة:
(1/407)

العقد المعلق بالشرط: هو ما فيه شرط تعليقي فلا يكون الحكم منجزاً فيه بل هو متأخر إلى زمان وقوع الشرط لترتبه عليه ترتب الجزاء على الشرط.
وأما المقيد بالشرط وهو ما فيه شرط تقييدي، فيكون الحكم فيه منجزاً واقعاً في الحال، كمن أجر بيتاً واشترط أن تكون الأجرة مقدمة، صح العقد وثبت وعلى المستأجر الوفاء بالشرط.
الشرط المعتبر: والذي يلزم مراعاته من الشروط إنما هو الشرط الذي يوافق الشرع، لا أي شرط كان.
أقسام الشروط: الشروط ثلاثة أقسام:
1. قسم يجوز شرعاً وفيه فائدة لم اشترطه فهذا يلزم مراعاته.
2. قسم ممنوع شرعاً، ويقال له شرط فاسد، قد يفسد العقد إذا أخل بركن من أركانه أي يبطله، وقد يصح العقد ويفسد الشرط فقط إن لم يخل بمقصود العقد ومقتضاه.
3. قسم ثالث غير ممنوع شرعاً إلا أنه لا يلزم مراعاته لعدم فائدته أو استحالته فيلغو.
والشرط الذي لا ينافي العقد بل هو مقتضى العقد أو مؤيد لمقتضاه يسمى الشرط الملائم وهو كل شرط ورد به الشرع أو العرف.
كما لو باع بشرط أن يكون المبيع ملك المشري.
أو باع بشرط أن يحبس المبيع حتى يقبض الثمن، فهذا الشرط جائز لكونه بياناً لمقتضى العقد.
(1/408)

ولو باع بشرط أن يرهن المشتري عند البائع شيئاً معلوماً أو يقيم كفيلاً بالثمن صح البيع ويكون الشرط معتبراً.
وكذا البيع بشرط متعارف كالبيع بشرط توصيل المبيع إلى منزل المشتري.
وكذا لو استثنى البائع منفعة المبيع مدة معلومة صح البيع في الأرجح عند الحنابلة.
ويصح أن يقف وقفاً ويستثنى منفعته مدة معلومة أو مدة حياته.
والشرط الممنوع شرعاً ما كان منافياً لمقتضى العقد أو فيه تصادم مع نص شرعي بخلافه.
وأما من قال لآخر: وهبتك هذا المال على أن تخدمني شهراً، صح العقد وبطل الشرط.
أو قال: تزوجتك على غير مهر.
فعند الحنفية يصح النكاح ويبطل الشرط، ويجب مهل المثل.
وكذا لو قال لزوجته طلقتك على أن تتزوجي غيري، أو خالعتك على أن لي الخيار مدة شهر مثلاً، بطل الشرط ووجب المال.
والشرط الجائز هو كل شرط مفيد لم يمنعه الشرع كما لو قسم الشركاء الربح بينهم على الوجه الذي شرطوه متساوياً أو متفاضلاً.
والشرط غير المفيد ما كانوا لغوا، وإن كان غير ممنوع شرعاً، فلا يترتب على عدم رعايته حكم، كمن اشترط على المضارب، أن يضارب في سوق واحدة فقط، فهذا شرط غير معتبر.
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
ْْْْْْْْْْْْ
انتهى الكتاب وبالتوفيق إن شاء الله.
(1/409)