Advertisement

بديع النظام نهاية الوصول إلى علم الأصول



الكتاب: بديع النظام (أو: نهاية الوصول إلى علم الأصول)
المؤلف: مظفر الدين أحمد بن علي بن الساعاتي
المحقق: سعد بن غرير بن مهدي السلمي
الناشر: رسالة دكتوراة (جامعة أم القرى) بإشراف د محمد عبد الدايم علي
سنة النشر: 1405 هـ - 1985 م
عدد الأجزاء: 2 (في ترقيم واحد متسلسل)
أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] الخير دأبك اللهم، يا واجب الوجود؛ والفيض شعارك يا واسع الرحمة والجود، أنت الذي لاينقص فيضك العطاء، وكلتا يديك بالخير سحاء، لك النعمة السابغة، والحجة البالغة، وبعفوك عياذ العباد، ومنك المبدأ، وإليك المعاد، بعثت النبيين بالحق؛ فأقمت بهم الحجة، وأوضحت بهديهم المحجة، وخصصت محمدا سيد البشر بأنواع الكمالات، وختمت برسالته الرسالات، وقطعت بحجته العلل، ونسخت بملته الملل، اللهم فصل عليه صلاة تقف دونها نهايات الطلب، ويتبوأ بها أعلى المقامات والرتب واجعلنا اللهم ممن أرضاك باتباعه، وأخلص لك في قول الحق واستماعه، وأراد وجهك الكريم بما نقحه وصنفه واستصحب توفيقك فيما جمعه وألفه.
قد منحتك أيها الطالب، لنهاية الوصول إلى علم الأصول بهذا الكتاب البديع في معناه المطابق اسمه لمسماه، لخصته لك من كتاب الإحكام ورصعته بالجواهر
(1/1)

النفيسة من أصول فخر الإسلام فإنهما البحران المحيطان بجوامع الأصول، الجامعان
(1/3)

لقواعد المعقول، والمنقول، هذا حاو للقواعد الكلية الأصولية، وذاك مشحون بالشواهد الجزئية الفروعية.
وهذا الكتاب: يقرب منهما البعيد، ويؤلف الشريد، ويعبد لك الطريقين ويعرفك اصطللاح الفريقين، مع زيادات شريفة، وقواعد منقحة لطيفة، واختيار للفص واللباب، ورعاية للمذهب الذي هو أصل الباب، فما أجدرك بتحصيله، وتحقيق إجماله وتفصيله، والله الموفق لإدراك الأماني، واستجلاء أبكار المعاني.
وقد رتبته على أربع قواعد:
الأولى: في المبادئ.
والثانية: في الأدلة السمعية، وأقسامها وأحكامها.
والثالثة: في أحكام الإجتهاد، والمفتي والمستفتي.
والرابعة: في ترجيحات طرق المطلوبات.
(1/4)

القاعدة الأولى في المبادئ.
حق على من حاول علما أن يتصوره بحده أو رسمه، ويعرف موضوعه، وغايته، واستمداده.
فأصول
(1/5)

الفقه علما:
[هو] العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية.
واستنباط الأحكام: فصل عن استنباط الصنائع.
والشرعية: عن العقلية.
والفرعية: عن مثل كون الأدلة حججا.
والتفصيلية: عن الإجمالية.
كالمقتضي والنافي.
(1/6)

واستغنينا بالاستنباط عن الاستدلالية.
وأما مضافا: فالأصول أدلة الفقه، وجهات دلالتها، وحال المستدل بها على وجه كلي.
والفقه: العلم بجملة غالبة من الأحكام الشرعية الفرعية الاستدلالية بالتفصيل.
وقولنا: بجملة غالبة فصل عن العلم بحكم، أو حكمين، وعن التعميم المشعر بأن ما دون جملة الأحكام لا يكون فقها.
والشرعية والفرعية: عما سبق.
والاستدلالية: عن علم الله تعالى، والملك، والرسول صلى الله عليه وسلم، وبالتفصيل: عما سبق.
(1/7)

وموضوعه: الأدلة التي يبحث عن أقسامها، واختلاف مراتبها، وكيفية الاستثمار منها على وجه كلي.
وغايته: معرفة الأحكام الشرعية.
واستمداده: من الكلام، والعربية، والأحكام الشرعية.
أما الكلام: فلتوقف إفادة الأدلة لأحكامها على معرفة الله تعالى وصفاته، وأفعاله، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأما العربية: فلتوقف معرفة دلالاتها على العلم بموضوعاتها لغة من الحقيقة والمجاز، وعلى العموم، والخصوص، والإطلاق، والتقيد، والحذف، والإضمار، والمنطوق، والمفهوم، والإقتضاء والإشارة، والصريح، والكتابة وغيرها.
وأما الأحكام: فلأن تلك الأدلة تتوقف على تصور الأحكا م بحقائقها لتقصد، وليتمكن من إيضاح المسائل بالشواهد، لاعلى العلم بثبوتها، لاستلزام الدور.
(1/8)

المبادئ الكلامية
لما انقسم الدليل إلى ما يفيد العلم، والظن بواسطة النظر احتيج إلى تصور الدليل، والنظر، والعلم والظن.
فالدليل [في اللغة]: الدال.
والذاكر للدليل.
وما فيه إرشاد.
و [الدليل] في الأصول: ما أوصل إلى العلم.
والأمارة: ما أوصل إلى الظن.
فعلى العرف الفقهي هو: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
فقيد: الإمكان ليدخل فيه ما لم يتوصل به لعدم النظر فيه مع الإمكان.
والصحيح: فصل عن الفاسد، والخبري: عن التصوري.
وعلى الأصولي: ما يمكن التوصل به إلى العلم بمطلوب خبري، فتخرج الأمارة.
والأول المختار لاندراجها.
والنظر:
(1/9)

الاعتبار، وحد: بأنه الفكر الذي يطلب به- من قام به -علما أو ظنا.
والفكر: حركة النفس من المطالب إلى مبادئها، ثم الرجوع عنها إليها.
وقيل: تصرف العقل في الأمور السابقة بالعلم -أو الظن المناسبة للمطلوب
(1/10)

-بتأليف خاص- لتحصيل ما ليس بحاصل، فهذا يعم التصوري، والتصديقي، والقطعي والظني.
وقيل: ترتيب أمور ذهنية، يتوصل بها إلى أمر ذهني، وما عرفت جهة دلالته على المطلوب فصحيح وإلا ففاسد.
والعلم:
(1/11)

قيل: لا يحد لعسره، بل يعرف بالقسمة.
ويرد عليه: إن لم تفد تمييزا لم تفد تعريفا، وإن أفادته فهو المراد بالحد.
وقيل: لأنه ضروري لأن ما عداه لايعلم إلا به، فلو علم فهو بغيره دار، ولأن علمنا بوجودنا ضروري، والعلم أحد تصورات هذا التصديق، وليس بسديد.
أما الأول: فلاختلاف الجهة، فإن جهة توقف غير العلم على العلم؛ من حيث الإدراك، وتوقف العلم على الغير من جهة كون ذلك الغير صفة مميزة له عن غيره، لا إدراكا.
وأما الثاني: فلعدم توقف التصديق البديهي على بداهة تصوراته، فإن المقطوع به: النسبة؛ وأيضا: فلا يلزم من حصول العلم بشئ -ضرورة- تصور العلم الخاص ليستلزم العام، ولا سبق تصوره.
وقيل: في حده: صفة توجب لمن اتصف بها تمييزا لا يحتمل النقيض في الخارج؛ وتوجب تمييزا: فصل عن مثل الحياة، وبعض الصفات المشروطة بها، ولايحتمل النقيض عن الظن.
وزاد: في الخارج، لئلا ينقض بالعلم العادي،
(1/12)

فإنه وإن احتمل عقلا لكنه لا يحتمل خارجا، وزاد من أخرج إدراك الحواس؛ في المعاني الكلية.
وينقسم إلى قديم وحادث.
والحادث إلى ضروري، ومكتسب.
والظن: ترجيح أحد الإحتمالين من غير قطع، وإذا تساويا فشك؛ والمرجوح وهم.
المبادئ اللغوية
لما علم الله سبحانه حاجة هذا النوع الشريف إلى إعلام بعضهم بعضا، ما في نفوسهم؛ لتحصيل بعض مقاصدهم -التي لا يستقل الواحد بتحصيلها- أقدره على تركيب المقاطع الصوتية، عناية به، فإنه من أخف الأفعال الإختيارية؛ مقدور عليه عند الحاجة من غير تعب، مستغنى عنه عند عدمها.
ومن اختلاف التركيب، حدثت العبارات، فما ليس منها موضوعا لمعنى: مهمل، وما وضع لمعنى: فالنظر: في أنواعه؛ وابتداء وضعه؛ وطريق معرفته.
(1/13)

والأول نوعان:
مفرد: وهو: مادل بالوضع على معنى ولاجزء له يدل على شيء من حيث هو جزؤه.
ومركب بخلافه، فبعلبك؛ وعبدالله علما: مفرد، وصفة: مركب.
ولا يرد: مثل ضارب، ومخرج -من حيث دلالة الألف والميم على الفاعل؛ والمفعول- لأنا نمنع دلالتهما.
بل المجموع هو الدال على شخص حاله ذلك.
تقسيم: ودلالة المفرد لفظية: وهي التي نفهم منها معنى غير خارج عن مسمى اللفظ.
فإما على تمام مسماه؛ وهي: المطابقة، أو جزئه وهي: التضمن.
(1/14)

وغير لفظية: وهي التي يفهم منها معنى خارج عن مسماه، وهي الإلتزام.
وشرطه: اللزوم الذهني، فإنه لو قدر عدم الإنتقال الذهني لا يفهم.
والخارجي ليس بشرط لحصول الإلتزام بدونه -كالعدم والملكة-
(1/15)

وقيل: لأن الجوهر والعرض متلازمان خارجا؛ ولا يستعمل أحدهما في للآخر، وفيه نظر، لأن عدم الإستعمال مع اللزوم الخارجي لا يدل على عدم اشتراطه.
تقسيم: وهو: إما أن يستقل بالمفهومية أولا.
والثاني: الحرف.
والأول: إما أن يدل على أحد الأزمنة الثلاثة ببنيته، وهو: الفعل، أولا؛ وهو: الإسم.
وقد علم بذلك حدودهما.
تقسيم؛ وهو ومفهومه: إما أن يتحدا، أو يتعددا؛ أو يتحد الإسم، ويختلف مسماه؛ أو بالعكس.
فالأول: إما أن يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون بالفعل، أو بالقوة وهو الكلي، أولايصح وهو الجزئي الحقيقي.
والكلي: إن تساوى صدقه على ما تحته فمتواطئ، كالإنسان، وإن اختلف بشدة وضعف، أو تقدم وتأخر فمشكك، كالموجود والأبيض.
(1/16)

والثاني: المتباينة، كالإنسان والفرس.
والثالث: إن وضع للكل وضعا أولا فمشترك، كالعين؛ سواء تباينت المسميات، كالجون للسواد والبياض، أم لم تتباين، كالأسود على الأسود علما وصفة، فإن مدلوله -في العلمية- الذات، -وفي الإشتقاق- الذات مع الصفة.
فالمدلول -في العلم: جزؤ المدلول في المشتق.
ومدلوله -مشتقا- صفة لمدلول العلم.
وإن وضع لبعضها ثم استعير لغيره: فاستعماله في الموضوع حقيقة، وفي غيره مجاز.
والرابع: المترادفة: كالإنسان والبشر.
(1/17)

قاعدة: قد اصطلح قوم: على تسمية الكلي -الذي نسميه المطلق-
(1/18)

بالعام، والجزئي؛ بالخاص.
(1/19)

قالوا: اشتراك الأشخاص في الإنسانية.
وليس في مجرد الإسم، وليس وقوع الإنسان عليها، كوقوع زيد على جمع تسموا به، فإن زيدا لم يسم به، إلا لأنه هو؛ لا لمعنى كلي، يطابق كل زيد، ولو رأيت رجلا مجهول الإسم حكمت بأنه إنسان، ولم تحكم بأنه زيد، حتى تسأل عنه، فعلمت أنك -في هذا الحكم- متمثل صورة كلية مطابقة لكل إنسان، فساغ لك الحكم، ولم تتمثل من زيد صورة تطابق كل زيد لتحكم به.
فإذا عرفت الفرق -وأن وقوع اسم الليث على الأسد، لا يمنع الشركة؛ ووقوعه على شخص إنساني يمنعها؛ وأن مفهومه يختلف بالإعتبارين- عرفت أن العموم، إنما هو من عوارض المعاني، دون الألفاظ فإن اسم الليث واحد في المفهومين المختلفين، وقد صح العموم في أحدهما دون الآخر، فلولا اعتبار المعنى لتساويا في المنع وعدمه؛ لاتحاد الصيغة.
ويصح أن يقال: هو من عوارض الألفاظ؛ من حيث أنها ذوات معان؛ تطابق كثرة.
(1/20)

تحقيق: إذا قلنا مثلا: حيوان؛ فهناك أمور ثلاثة: من حيث هو.
وكونه كليا.
والمجموع.
والأول: موجود في الخارج؛ لأنه جزء الموجود فيه، دون الباقيين للزوم التشخص المانع من اعتبار الشمول.
والتكليف الشرعي ليس في الإعتبارات الذهنية.
فالحق: أن الدال على الماهية المفردة؛ كقوله تعالى: (فتحرير رقبة) مطلق؛ أي: دال على واحد في الخارج غير عين؛ لا عام بمعنى الشمول المعنوي؛ لعدم تصور عتق رقبة؛ مع اعتبار كليتها لعدم وجودها في الأعيان.
وقولنا: وجود الأخص يستلزم وجود الأعم.
معناه: من حيث هو؛ لا من حيث أنه كلي، وليس معنى قولنا: من حيث هو: أن يكون مجردا عن العوارض.
فإن المجرد [الكلي الطبيعي، لأن المنطقي والعقلي لا يوجدان في الخارج، فالتكليف بهما تكليف بالمستحيل.] هو بشرط لا شيء، ومن حيث هو معناه، لا بشرط شيء، ولا يلزم من الوجود، لا بشرط شيئ الوجود بشرط لا شيء.
تخلص:
فنحن قائلون: بالعموم المعنوي عقلا، ومانعون من التكليف به شرعا.
فتسمية الكلي -في الأصول- بالمطلق: هو الحق، فإن التكليف بالمطلق ممكن -فإنه موجود- وإن توقف وجوده على المشخصات، وليس التكليف به من حيث أنه كلي ممكنا لعدم وجوده في الخارج مطلقا.
قاعدة: والكلي: وإن كان أعم من الجزئي، فإن عدم الكلي أخص
(1/21)

من عدمه، فإنه كلما صدق السواد صدق، اللون، من غير عكس، فكذلك كلما صدق اللا لون؛ صدق اللا سواد، من غيرعكس.
قاعدة: كل معقولين، غير متباينين، فأحدهما مع الآخر: إما أخص مطلقا، أو أعم مطلقا.
أو أعم من وجه، وأخص من وجه.
كالإنسان والأبيض، فمن الإنسان ما ليس بأبيض، ومن الأبيض، ما ليس بإنسان، أومتساويان، كالناطق والإنسان.
فالأولان: لا يتعاكسان رأسا برأس بل كل من الموصوفات بأحدهما يوصف بالآخر، وليس كل ما يوصف بالآخر يوصف به بل بعضه.
والأخيران: يتعاكسان.
والأوسطان:
(1/22)

لا يتعاكسان على الحصر؛ بل على البعض.
وإذا تحقق عام وخاص مطلقان، فالاشتراك في الأخص يوجب الإشتراك في الأعم ضرورة.
وإلا لو وجد ما هو أخص بدون الأعم، ومعه أيضا؛ استلزم أن يكون الأخص مطلقا؛ أعم من أعمه.
قاعدة: والمعنى العام: إذا وجب له أمر، أو امتنع عليه لذاته اطرد فيما وقع تحته.
وما أمكن له لذاته، فقد لايمكن لما تحته، فإن خواص ما تحته قد تجب باعتبار ما، ويمتنع عليها ما يمكن بالإعتبار الأعم.
قاعدة: واللازم الحقيقي، ما لا يفارق الشيء في الخارج والذهن
(1/23)

جميعا، كالزوجية للأربعة بعد فهمها، والأمر الواحد، إذا اجتمع مع شيئين متقابلين، لم يكن لحوق أحدهما إياه لذاته؛ بل لأمر خارجي.
والحقيقة الإنسانية إذا تشخصت بالوقوع في الأعيان، وعمت بشرط التجرد، فهي لذاتها لا تقتضي عموما ولا خصوصا.
وكل ما لحقه أمر بسبب، إذا تجرد عن ذلك السبب، لا يلزمه لذاته، وإلا ما افتقر إلى الخارجي؛ فصح أن العموم والخصوص عرضيان للألفاظ من حيث أنها ذوات معان، وعرضيان للمعاني لا من حيث أنها ذوات ألفاظ، وليسا بعرضيين لازمين بل عارضين.
قاعدة: ولا دلالة للعام على الخاص
من حيث خصوصه، وللخاص دلالة على العام اللازم، إما تضمنا إن كان جزءه، أو التزاما، إن كان خارجا عنه.
فالقائل: رأيت فعلا، وحركة، ولم أر صلاة صادق.
والقائل: رأيت صلاة، ولم أر حركة ولا فعلا كاذب؛ لدلالة الصلاة -ضمنا- على الحركة والفعل.
والخاص: لما لم يكن جزء العام، ولا؛ لازمه، ولا كله -لتحققه دونه انتفت الدلالات كلها.
ومن هذه القاعدة يعلم: أن من اعترف: أن الإنسان عام أخطأ في تعريف هذا العموم بأنه: اللفظ الواحد الدال على شيئين فصاعدا.
فإن الإنسانية لا دلالة فيها على الكثرة بل على معنى واحد؛ يلزمه صحة انطباقه على الكثرة؛ لا دلالته عليها.
(1/24)

قاعدة -يفرق فيها بين هذا العموم وبين الاستغراقي- وهذه الأحكام للعام، ومعنى عدم منع الشركة: وهو الذي يضاف إلى المفرد من دون ضميمة تعريف، أو غيره.
فأما العام الاستغراقي، فهو المنسوب إلى الخبر، فقولنا: كل شيئ؛ ليس معناه: كل الشيئ.
فإن الأول: كل عددي.
والثاني: كل مجموعي.
وأنت تقول: كل حبة من البر غير متقوم، ولا تقول: كل الحبات منه غير متقوم.
ويعرف العددي بالتنوين.
والمجموعي باللام.
والأول: هو الاستغراق؛ فإنه يشير إلى تحقيق تحقق الحكم في كل واحد واحد.
فكل سواد لون، معناه: كل واحد واحد مما يوصف بأنه سواد كيف كان؛ فإنه موصوف بأنه لون.
و [الثاني]: العام المعنوي: يلزم من كذبه كذب الخاص، ولا عكس، ومن صدق الخاص صدقه، ولا عكس -والإستغراقي: يلزم -من كذب الحكم على الخاص- كذبه، ولا عكس.
ومن صدق الحكم فيه، صدقه على الخاص؛ ولا عكس- وهذا العام: هو الذي يتأتى الاحتجاج به، لتعرضه للآحاد؛ بخلاف الأول، فانك تحكم عليه بما لا يتعدى إلى الأشخاص.
تقول: السواد يمكن تخصصه بالإنسان.
ولا تقول: كل سواد، فإنه إذا تشخص بغيره؛ ففرض في الإنسان لم يكن هو هو، فلم يمكن للآحاد ما أمكن للماهية المطلقة، وهذه قواعد مهمة ونفعها عظيم.
(1/25)

مسألة: المشترك: جائز وواقع في اللغة والقرآن.
أما الأول: فلعدم امتناع وضع لفظ واحد لمفهومين مختلفين على البدل من واضع واحد، أو واضعين
(1/26)

يشتهر وضعاهما على أن الوضع تابع للغرض، وقد يقصد التعريف الإجمالي كالتفصيلي.
وأما الثاني: فقيل: المسميات غير متناهية، والأسماء متناهية لتركبها من الحروف المتناهية، فلولا وقوعه لخلت أكثر المسميات عما يدل عليها؛ وليس بسديد لعدم لزوم تناهي الألفاظ.
وإن تركبت من الحروف المتناهية؛ وإن سلم منع.
أن المتضادة والمختلفة التي يوضع لها المشترك غير متناهية، وإن سلم؛ إلا أن الوضع يشترط له القصد، ويستحيل في غير المتناهي.
وإن سلم: لم يلزم الوضع، كأنواع الروايح، وكثير من الصفات.
وقيل: إطلاق اللغة؛ القرء -على الطهر والحيض- دليل
(1/27)

الوقوع.
فيقال: كونه مشتركا غير منقول؛ ولعل الإطلاق لمعنى مشترك أو أنه حقيقة في أحدهما؛ مجاز في الآخر -وإن خفي، وهذان أحق نفيا للتجوز؛ والإشتراك في الأول، وترجيحا للمجاز على الإشتراك في الثاني.
والأقرب أن يقال: الموجود صادق على القديم.
والحادث حقيقة، فإن كان مدلوله الذات، فهي مخالفة لكل ما سواها من الحوادث، وإلا لوجب الإشتراك في الوجوب بالذات، أو صفة زائدة، فإن اتحد المفهوم منها؛ ومن اسم الموجود في الحادث استلزم أن يكون مسمى الوجود في الحادث واجبا لذاته، أو وجود القديم ممكنا، وإن اختلف المفهومان؛ وقع المشترك.
المانعون: الإشتراك يخل بمقصود الوضع -وهو الفهم- لتساوي النسبة، وخفاء القرائن.
وأجيبوا: بأن فهم الجملة مقصود، وليس فهم التفصيل ضروريا كأسماء الأجناس.
وأما الثالث: فكقوله تعالى (والليل إذا عسعس) لأقبل وأدبر، (وثلاثة قروء).
وما قيل: -إن قرن به البيان طال بغير فائدة، وإلا فلا فائدة- مردود: بأنها الإستعداد للإمتثال بتقدير البيان لظهور دليل التعيين، ونيل الثواب بالاجتهاد
(1/28)

في التأويل.
تنبيه: المشترك يفارق المجمل من حيث يترجح بعض مدلولاته بالإجتهاد؛ والمجمل لا يدرك إلا ببيان من المجمل.
وما يترجح من المشترك بالرأي مؤول، وما بين من المجمل مفسر.
مسألة: المترادف: جائز وواقع.
أما الأول: فلعدم امتناع وضع واحد ألفاظا لمعنى -ويتفق عليه- أو من واضعين، لا شعور لأحدهما بالآخر ويشتهر الوضعان.
وأما الثاني: فالصلهب والشوذب للطويل، والبهتر والبحتر للقصير؛ بالنقل.
(1/29)

قال المانع: في اتحاد المسمى تعطيل فائدة أحد اللفظين؛ والمؤونة في حفظ الواحد أخف، ولأنه إذا اتحد الإسم دعت الحاجة إلى معرفته؛ مع خفة المؤونة في حفظه، بخلاف ما إذا تعدد، لأنه إن حفظ الكل شق؛ وإلا اختل التخاطب لجواز اختصاص كل باسم لا يعرفه الآخر.
وأجيب بالمنع: كيف؟ وفيه توسعه، وتحصيل للمطلوب بطرق، مع فوائد تتعلق بالنظم والنثر، ومساعدة الفصحاء في مقاصد بيانهم وبديع ألفاظهم؟ ولا يجب حفظ الجميع لتعتبر خفة المؤونة ومشقة حفظ الجميع باطل باللغات المختلفة.
تنبيه: قد يظن في أسماء- وضعت لمسمى باعتبار صفاته: كالسيف والصارم، والمهند،
(1/30)

أو صفات صفاته، كالناطق والفصيح- أنها مترادفة، وليست.
تنبيه: والفرق: بين المترادف، والمؤكد، والتابع اللفظي.
أن المترادف: لا يزيد مرادفه إيضاحا، ولا يجب تقديم أحدهما ولا يكون بنفسه.
والمؤكد خلافه.
والتابع
(1/31)

خلافهما، حيث يشترط أن يكون على زنته، وقد لا يفيد كحسن بسن.
تقسيم: وهو: إما حقيقة: وهي: اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في الإصطلاح الذي به التخاطب، وهي: وضعية وعرفية وشرعية؛ كالأسد والدابة والصلاة.
(1/32)

وإما مجاز: وهو: المستعمل في غير ما وضع له أولا في الإصطلاح الذي به التخاطب لما بينهما من العلاقة؛ وهي المشابهة، إما في الشكل كالإنسان على المنقوش، أو صفة ظاهرة، كالأسد على الشجاع، لا خفية كالبحر، أو لما كان، كالعبد على العتيق أو لما يكون، كالخمر على العصير، أو للمجاورة كجرى النهر.
تنبيه: اذا جهلا، فالنقل من المعرفات، وإلا فصحة النفي دليل المجاز.
(1/33)

وقيل: دور، لاستلزامه سبق العلم بالمجاز.
والأصح: أنه حكم.
ومنه: تبادر غيره؛ من غير قرينة؛ وعلم به.
وأورد: المنقول؛ وهو سابق، والمشترك؛ ولا تبادر.
وأجيب: إن علمت المجازية، لم يرد، والا فالظاهر الحقيقة لاختصاصها به في الغالب.
ومن عمم المشترك لم يشكل، ومن جعله حقيقة في الواحد على البدل لاعينا فالمتبادر حقيقة، وغيره المعين مجاز.
ويردعلى الأول: كون المنقول حقيقة.
وعلى الثاني: كون المشترك متواطئا.
(1/35)

ومنها: عدم الاطراد من غير مانع لغوي أو شرعي، كالنخلة على الطويل، واستثناء المانع، احتراز عن مثل السخي؛ والفاضل -فإنهما للكريم؛ والعالم- ولا يطلقان على الله تعالى.
والقارورة للزجاجة لكونها مقرا، ولا يطرد في الكوز للمانع فيهما.
وزيف: بالدور؛ لأن نفس عدم الاطراد، يستلزم مانعا، ليس العقل إجماعا؛ ولا الشرع؛ والعرف بالوضع، فتعين سبق العلم بالمجاز.
ومنها: التزام تقييده؛ كجناح الذل؛ ونار الحرب.
ومنها: توقفه على مقابله كـ (مكروا ومكر الله).
ومنها: عدم الاشتقاق من غير منع: كالأمر: يطلق على الفعل، ولا يشتق منه آمر.
ومنها: الإضافة إلى غير قائل؛ كقوله تعالى: (واسأل القرية).
ومنها: إذا أطلق حقيقة على ما له متعلق، فإطلاقه على ما لا متعلق له مجاز، كالقدرة على المقدور في قولك: انظر إلى قدرة الله.
والمقدور لا متعلق له.
تنبيه: ويشتركان في أن الألفاظ عند وضعها لا تتصف بهما.
وإلا يلزم تقدم وضعها، وأن كل كلام عربي مستعمل لا يخلو عن أحدهما.
(1/36)

مسألة: قيل -وهو اختيار بعض أصحابنا- المجاز يستلزم الحقيقة وإلا خلا الوضع عن فائدة.
وضعف: بأنها للتجوز.
والمحققون: لا يستلزم، وإلا كان -لنحو: قامت الحرب على ساق؛ وشابت لمة الليل- حقيقة، وهذا مشترك الإلزام، فإن نفس الوضع لازم.
فيقال: لو لزم لوجب أن تكون موضوعة لمعان، ثم استعملت في غيرها، وليست.
وقيل: الحق أن لا مجاز في التركيب
(1/37)

لاتحاد جهة الإسناد، خلافا لعبد القاهر، حيث جعله في المفرد، والتركيب، وفيهما؛ كأحياني اكتحالي بطلعتك.
ولمن ينتصر له: منع الإتحاد؛ وادعاء ظهور المجاز في التركيب في: طلعت الشمس؛ ومات زيد لاستعمال مفرديه فيما وضعا له.
(1/38)

والأولى: لو استلزم لكان -لنحو؛ الرحمن؛ وعسى- حقيقة، ولم يستعمل؛ الرحمن: إلا في الله تعالى، وعسى: إلا في غير المتصرف، والرحمن: للإنعطاف، وعسى: للفعل الدال على الحدث والزمان.
تنبيه: المجاز في التركيب عقلي كـ (أخرجت الأرض أثقالها) لأن إسناد الإخراج إلى الأرض نقل بحكم عقلي، لا لفظ لغوي.
فإن قيل: موضوع لصدوره من القادر؛ فكان لغويا.
قلنا: الصيغة تدل بالتضمن على فاعل ما؛ لا على خصوصه، وإلا لكان أخرج خبرا تاما، وأخرجه القادر تكريرا، فكان التغيير في الإسناد العقلي.
مسألة: الأسماء الشرعية جائزة لعدم امتناع وضع الشارع اسما لغويا؛ أو غيره؛
(1/39)

لمعنى معلوم، أو مجهول، فإن دلالته ليست ذاتية، ولا يجب اسم لمسمى لانتفائه قبل التسمية، وجواز الإبدال أول الوضع.
وواقعة؛ خلافا
(1/40)

للقاضي قال: "لو وضعها لزمه تعريفها توقيفا؛ وإلا لزم ما لا يطاق،
(1/41)

والتعريف بالتواتر، وليس [ولا تواتر].
وأجاب -من أجازه- بالتزامه.
ومن منع؛ منع اللزوم؛ فإنه مشروط بتكليف الفهم قبل التفهيم، وليس.
والتعريف بالتكرير؛ والقرائن كتعليم الوالد ولده.
ولنا: القطع بالإستقراء: أن الصلاة للأفعال، والزكاة، والصيام، والحج، لإخراج مال، وإمساك خاص، وقصد البيت، حقيقة شرعية.
وهي في اللغة للدعاء، والنمو، والإمساك والقصد المطلقين.
وما قيل: أن معانيها اللغوية باقية، والزيادات شروط الإجزاء.
مردود بأن الصلاة للدعاء، والاتباع لغة، وقد يخلو عنهما المصلي شرعا، فلو بقي لدل الإطلاق عليه.
وما قيل: إنها مجازات -فإن الدعاء جزء الصلاة، والزكاة سبب النماء- مردود: بأنه إن أريد استعمال الشارع إياها فهو المراد.
وإن أريد استعمال أهل اللغة فيها أباه الظاهر؛ لجهلهم بها ظاهرا، فلو استعملوها لعرفوها؛ لسبق تعقل المعنى على الإستعمال، ولأنها سابقة إلى الفهم بغير قرينة، والمجاز يتوقف عليها.
ومن أصحابنا: من اعتقد أنها مجازات هجرت حقائقها بالشرع.
قالوا: شرعت الصلاة للذكر وكل ذكر دعاء، والحج القصد، سميت به هذه العبادة: لقوة العزم، وقطع المسافة.
قالوا: وينصرف عندالإطلاق إلى الشرعي، حتى لو نذر صلاة، أو حجا، أو صوما، لزمه المشروع.
وكذلك العرف، حتى لو حلف، لا يأكل رأسا، أو بيضا، أو طبيخا، أو شواء، تعين ما تعورف.
(1/42)

قال فخر الإسلام: "لأن الكلام موضوع لاستعمال الناس، وحاجتهم، فيصير المجاز باستعمالهم كالحقيقة".
وما قسمناه أولا أوضح.
مسألة: الحق أن المجاز في اللغة، كإطلاق الأسد على الشجاع، والحمار على البليد.
وقالوا: ظهر الطريق، ومتنه، وجناح السفر، وشابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق.
وليست حقائق في هذه، لأنها حقائق في غيرها قطعا، دفعا للإشتراك.
ولو كانت مشتركة: ما سبق ما يسبق منها عند الإطلاق ضرورة التساوي.
الأستاذ: "لو وقع؛ فإن أفاد مع قرينة لم يحتمل غير ما أفاد فكان حقيقة
(1/43)

أولا معها فكذلك، لأن الحقيقة لا تفتقر إليها" وأيضا: فالتعبير بالحقيقة ممكن، فالعدول -مع الحاجة، ولا ضرورة -بعيد.
قلنا: لا يفيد عند عدم الشهرة إلا بقرينة.
والحقيقة والمجاز: صفتا اللفظ دون القرائن المعنوية، فلا تكون الحقيقة صفة المجموع، والعدول للفوائد المعلومة في علم البيان.
مسألة: وهو في القرآن الكريم (ليس كمثله شيء) (وسئل القرية) (يريد أن ينقض) وهو تجوز بالزيادة، والنقصان، والإستعارة.
(1/44)

ومنعت الظاهرية.
أما في الأول: فهو نفي للتشبيه حقيقة، أي: ليس كذاته شيء، والمثل العين، (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به) أي: بنفسه.
والقرية مجمع الناس، وإن سلم أنها الجدران، فإنطاقها بجواب نبي -معجزة له- ممكن، وكذلك خلق الإرادة في الجدار.
وعارضت: بأن المجاز كذب -ولذلك صدق نفيه- وركيك، فيصان القرآن عنه، وإنما يصار للعجز عن الحقيقة، ولو جاز لوصف بالمتجوز.
وأجيبوا: ليس نفيا للتشبيه، وإلا تناقض، فإن التقدير ليس
(1/45)

مثل مثله، وفيه إثباته، والمثل في الآية زائد، لأنه المشارك في الصفات حقيقة.
فإن قيل: سلب كلي؛ فلم يقتض ثبوت الموضوع؟ فيجوز أن ينفي مثل المثل؛ لعدم المثل، وهو أبلغ.
قلنا: ولا يقتضي نفيه؛ فكان ممكنا، والنفي -هكذا للمبالغة- مجاز وأنتم تنفونه.
والقرية محل الإجتماع؛ لا نفس المجتمعين، وكلام الجماد معجزة يستلزم التحدي، وليس على أن المجاز فيه غير مدفوع.
(تجري من تحتها الأنهار)، و (واشتعل الرأس شيبا) و (واخفض لهما جناح الذل) و (الحج أشهر) و (الله نور السماوات)
(1/46)

و (وجزاء سيئة سيئة مثلها) و (الله يستهزء بهم) و (كلما أوقدوا نارا للحرب) وكونه كذبا وركيكا، وعند العجز، ممنوع.
وإنما يكون كذبا لو أثبت حقيقة، وقد يكون أبلغ، وأفصح من الحقيقة، ومنطوقا به مع القدرة، وأوصافه تعالى توقيفية ولم يرد المتجوز.
مسألة: العلاقة ضرورية: وهل يشترط معها النقل.
فقيل:
(1/47)

لا يشترط، وإلا لتوقف أهل العربية عليه، ولا يتوقفون.
وأيضا: لما افتقر إلى النظر في العلاقة.
وقيل: يشترط، إذ لو كفت العلاقة، لأطلقت النخلة على كل طويل، والشبكة على الصيد، والشجرة على الثمرة، والأب على الأبن وبالعكس؛ للسببية.
قلنا: امتنع لمانع لغوي.
مسألة: إذا دار لفظ بين الاشتراك والمجاز؛
فالمجاز أولى، لأن الإشتراك مخل بالتفاهم عند عدم القرينة، ولاحتياجه إلى قرينتين، والمجاز إلى قرينة، والمجاز أغلب وأبلغ، وأوجز، وأوفق، في استعمال الفصحاء ويتوصل به، إلى السجع، والمقابلة،
(1/48)

والمطابقة، والجناس، والروي.
وعورض: باطراد الإشتراك في مدلوله، فلا يضطرب إطلاقه، وبالإشتقاق منه؛ وباستغنائه عن العلاقة، ومخالفة الظاهر، وارتكاب الغلط، لوجوب التوقف عند عدم القرينة.
وفي المجاز: يحمل على الحقيقة، وقد لا تكون مرادة فيتعين الغلط.
وفوائد المجاز مشتركة، وهو حقيقة فكان أولى.
قلنا: كلها لا تعارض ترجيح المجاز بكونه أغلب؛ وهو الحق.
(1/49)

مسألة: حكمهما في إثبات الأحكام بهما سواء.
ومنهم من: منع عموم المجاز، تعلقا بأنه ضروري؛ والحقيقة الأصل، فلا تساوي، فإذا ورد (لاتبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء).
وورد (ولا الصاع بالصاعين)
(1/50)

انصرف إليه؛ ولم يعم كل مكيل.
ولنا: أنه ليس بضروري لما مر، ولا العموم ذاتي للحقيقة؛ وإنما يلحقها بأسباب -يلحق مثلها المجاز- كالتعريف للجنس، ثم عين الصاع ليس بمراد، فتعين عموم المجاز.
مسألة: أئمتنا، وجمع من المعتزلة: لا تصح إرادتهما معا في لفظ واحد؛
(1/51)

وكذلك معاني المشترك.
وأجازه الشافعي، والقاضي، وبعض المعتزلة،
(1/52)

إن لم يمتنع الجمع، كـ: إفعل، أمرا وتهديدا.
وأبو الحسين، والغزالي: يراد، لا لغة.
والخلاف في الجمع، كالأقراء؛ مبني على
(1/53)

المفرد.
وقيل: يصح فيه، وإن امتنع في المفرد.
لنا: إن مستعمله فيهما مريد ما وضع له، وما لم يوضع، وهو محال.
والمشترك: إن كان لأحد أمرين مختلفين على البدل، فاستعماله في المجموع لغير ما وضع له للتغاير بين المجموع وأفراده.
وإن وضع له أيضا فإن استعمله فيه وحده، أفاد أحد مفهوماته، أو في الكل أحال، لأن إفادة المجموع، تستلزم عدم الاكتفاء بدونه، وإفادته للمفرد تستلزم الاكتفاء به، وهو تناقض.
فإن قيل؛ لازم لمن يقول: إنه موضوع لأحدهما على البدل.
والشافعي معمم؛ ولهذا يحمله على الكل عند العراء عن القرينة.
قلنا: جاز استعماله في أحدهما بقرينة، فإذا استعمل في المجموع وحده، فإن كان حقيقة في الأفراد لم يكن استعمالا في الكل، أو مجازا فيها لم يعم الحقيقة والمجاز، وهو خلاف مذهبه.
وان أريدت الأفراد استحال بلزوم الاكتفاء وعدمه.
الشافعي:
(1/54)

(إن الله وملائكته يصلون) و (ألم تر أن الله يسجد له) والصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة استغفار والسجود مختلف.
قلنا: السجود: الخضوع، فهو متواطئ، والصلاة: الاعتناء بإظهار الشرف، أو مقدر خبره، أو الفعل بدليل ما يقارنه؛ فهما لفظان.
قاعدة: اذا قصدت الحقيقة بطل المجاز.
كالموصي لمواليه؛ وله عتقاء، ولهم عتقاء، اختصت بالأولين، لأنهم مواليه حقيقة، والآخرون مجازا -بالتسبيب وكالموصي لأبناء زيد؛ وله صلبيون، وحفدة.
ونقص بالمستأمن على أبنائه؛ لدخول الحفدة، وبمن حلف لا يضع قدمه في دار زيد؛ يحنث بالدخول مطلقا، وبمن أضاف العتق إلى يوم قدوم زيد، فقدم ليلا؛ عتق، وبمن لا يسكن دار زيد؛ عمت النسبة الملك
(1/55)

وغيره، وبأن أبي حنيفة، ومحمدا -رضي الله عنهما- قالا: -في من قال: لله علي صوم رجب؛ ناويا لليمين- إنه نذر ويمين.
وأجيب: بأن الأمان يحقن الدم المحتاط فيه، فانتهض الإطلاق شبهة، تقوم مقام الحقيقة فيه، ووضع القدم مجاز عن الدخول؛ فعم، واليوم إذا قرن بفعل لا يمتد؛ كان لمطلق الوقت (ومن يولهم يومئذ دبره) وللنهار إذا امتد لكونه معيارا، والقدوم غير ممتد؛ فاعتبر مطلق الوقت، وإضافة الدار نسبة للسكنى، وهي عامة، والنذر مستفاد من الصيغة، واليمين من الموجب، فإن إيجاب المباح يمين، كتحريمه بالنص، ومع الإختلاف لا جمع.
قاعدة: لما كانت العلاقة صورية ومعنوية، ساغ في الألفاظ الشرعية - لما بين معانيها من علاقة السبب والعلة - استعمال أحدهما في الآخر مجازا؛
(1/56)

اتفاقا، فالشافعي أوقع الطلاق بالعتاق؛ وبالعكس، وانعقد نكاحه - عليه السلام - بالهبة مجازا، لانتفاء خواص الهبة حقيقة، وإن أبى الشافعي الانعقاد بغير لفظتي: النكاح والتزويج في غير النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس بمنع المجاز، بل لاعتقاد قصور لفظ التمليك عن معناهما، وهو: الازدواج والضم المنبئ عن الاتحاد في القيام بمصالح المعاش؛ والمعاد، ولذلك لم يثبت ملك العين بهما، ونحن بنينا ذلك على أن لفظتي البيع والهبة لملك العين، وهو سبب لملك المتعة في القابل، وهو اتصال سببي، فإن قيل: فهلا استعملتم النكاح للبيع -والاتصال السببي قائم- لأن النسبة أمر لا يخص أحد المنتسبين.
قلنا:
(1/57)

الاتصال نوعان:
حكم بعلة وضعت له، كالشراء للملك، وهذا يسوغ الاستعارة من الطرفين؛ لأن العلة لم تشرع إلا لحكمها، كما أن الحكم لا يثبت بدونها، فتوقف كل على الآخر؛ وإن اختلفت الجهة، فإذا قال: إن اشتريت عبدا فهو حر؛ فاشترى نصفه وباعه، ثم اشترى الآخر عتق، ولا يشترط الجمع، ولو قال: إن ملكت؛ اشترط، فلو عنى بالشراء الملك؛ أو عكس؛ صدق، وإن كذبه القاضي في ما فيه تخفيف عليه.
والثاني: حكم بسبب؛ كاتصال زوال ملك المتعة بلفظ العتق تبعا لزوال ملك العين، وهذا يسوغ استعارة السبب للحكم؛ لافتقار الحكم إليه، ولا عكس؛ لاستغناء السبب عنه.
فرع: فلو استعار الإعتاق للطلاق صح -لأنه لإزالة ملك العين المستتبع لزوال ملك المتعة- والشافعي: العكس -أيضا- بناء على الإتصال المعنوي وهو: شمول معنى الاسقاط فيهما، ونحن: منعناه لما مر من استغناء الأصل عن الفرع؛ والاتصال [ولا اتصال]؛
(1/58)

فإن المسوغ للإطلاق الوصف الظاهر، والطلاق ينبئ عن رفع القيد، والنكاح غير موجب لملك العين، والمالكية قائمة؛ لكنه أوجب قيدا؛ رفعه الطلاق، والعتاق: إثبات قوة -عتق الطير: إذا قوي؛ وعتاق الطير- وبكر عاتق: بالغ، والرق كامل، والمالكية مسلوبة -والاعتاق: إثبات لها- ولا مناسبة بين إزالة قيد؛ ليعمل الملك القائم عمله، وبين إثبات الملك في محل لم يكن فيه.
قاعدة: أئمتنا: إن المجاز خلف، لكن أبو حنيفة - رحمه الله - في التكلم، وهما في الحكم.
(1/59)

وفائدة الخلاف: أنت ابني؛ لمن هو أكبر منه.
قالا: لايعيق؛ لأنه لم يفد حكمه، وهو إمكان النسب؛ ليثبت مجازه، وهو العتق، وشرط الخلفية: تصور حكم الأصل؛ وتعذره؛ كاليمين على مس السماء؛ ينعقد في حق الكفارة؛ للإمكان الذاتي، والتعذر الحالي.
هو يقول: عارضان للفظ؛ ولا حجر في إقامة لفظ مكان آخر، والمسوغ صحة العبارة، لا تصور حكم الحقيقة؛ فإذا تعذرت؛ وللكلام مجاز متعين؛ تعين بغير نية، كالنكاح بلفظ الهبة.
قال: انعقد لحكمة في الحرة؛ لتصوره؛ وتعذره، فاحتمال هبة الحرة؛ كمس السماء.
أجاب: بالمنع؛ فإن مستند الإحتمال الشرع.
مسألة: إذا أمكن العمل بالحقيقة تعينت؛ لأن المستعار لا يزاحم الأصل؛ كالعقد فيما ينعقد، وفي العزم: مجاز، وكالنكاح للجمع، وهو في الوطء: حقيقة، وفي العقد: مجاز؛ لأنه سببه، وكذلك إذا أمكن العمل بالمجاز -الذي يستفاد حكمه بغير واسطة- سقط اعتبار الواسطة، لشبه الأول بالحقيقة؛ لاستغنائها عنها، كقول أبي حنيفة - رضي الله عنه - في أمة، ولدت ثلاثة
(1/60)

[في] بطون؛ فقال المولى: أحدهم ولدي، ومات مجهلا: يعتق من كل ثلثه، ولم يعتبر ما يصيبه من أمه؛ ليعتق كل الثالث، ونصف الثاني، وثلث الأول، كقولهما؛ لأن ما يصيبه من أمه -بالنسبة إلى ما يصيبه من قبل نفسه- كالمجاز من الحقيقة.
(1/61)

مسألة [تقسيم]: وإذا تعذرت، أو هجرت، تعين المجاز، لعدم المزاحمة، أما التعذر؛ فكالحالف؛ لا يأكل من هذه النخلة، أو الدقيق، أو لا يشرب من هذه
(1/62)

البئر، ولو تكلف تناول عينها أكلا وكرعا، لم يحنث؛ وهو الأشبه، لأنه لما تعذر لم يرد.
وأما الهجر عادة: فكالحالف؛ لا يضع قدمه في دار زيد؛ هجرت إلى معنى الدخول عرفا.
وكما صرفناالتوكيل بالخصومة إلى مطلق الجواب -لهجرانها شرعا- فكانت كالمهجور عادة.
ولإمكان الحقيقة في: أنت إبني لممكن معروف؛ لجواز الثبوت منه، مع الاشتهار من غيره، عتق وصارت أمه أم ولد له.
وكمسألة الجامع: له عبد؛ ولعبده ابن؛ ولإبنه ابنان، فقال: في صحته أحدهم ولدي، وكل ممكن، ومات مجهلا.
قال: محمد - رحمه الله - عتق ربع الأول
(1/63)

وثلث الثاني، وثلاثة الأرباع من كل من الآخرين، لأن الواحد حر مطلقا، والآخر حر في ثلاثة أحوال، ورقيق في حال، فكان عتق ونصف بينهما؛ وعلى هذا: لو كان للثاني ابن عتق كله، ونصف الثاني، وثلث الأول؛ لاحتمال النسب [وهو حقيقة] ولو كان اعتاقا [الذي هو مجاز] لعتق من كل ثلثه؛ وفي الأولى؛ ربعه؛ بخلاف غير الممكن عند أبي حنيفة حيث يجعل إقرارا؛ فيتعدى، أو ابتداء إيقاع؛ فيقتصر.
مسألة: وقد يتعذران إذا امتنع حكمهما، لأن استعمال اللفظ لمعناه، فإذا بطل بطل، كقوله لامرأته: هذه ابنتي؛ وهي أكبر منه؛ أو أصغر؛ وهي منسوبة؛ لم تحرم عندنا لتعذر الحقيقة في الكبيرة؛ حقيقة، وفي الصغيرة؛ شرعا، والمجاز عن الطلاق المحرم،
(1/64)

لأنه لو ثبت نافى الملك؛ وتقدمه شرط، ففي إثباته نفيه، وتعذر أيضا النسب لإقراره؛ لبطلانه بالرجوع، وقد قام التكذيب شرعا مقامه.
مسألة: الحقيقة المستعملة أولى من المجاز المتعارف عند أبي حنيفة -رضي الله عنه - خلافا لهما.
وهذه فرع على جهة الخلفية، فرجح التكلم بأن الحقيقة الأصل، ورجحا الحكم بأنه أعم، ويظهر الأثر، فيمن حلف لا يأكل من هذه الحنطة، فالحنث عنده، بأكل عينها وعندهما بها وبما يتخذ منها.
(1/65)

مسألة: تترك الحقيقة؛ للعادة العرفية، والشرعية؛ -كما مر- وبدلالة اللفظ؛ كل مملوك لي؛ وامرأة: حر؛ وطالق.
يخرج المكاتب؛ والمبتوتة المعتدة، لقصورهما عن التناول عند الإطلاق لكماله؛ وتصور الزوجية؛ والملك، وبالسياق (ومن شاء فليكفر) أريد التهديد لقوله تعالى: (إنا اعتدنا)، وكمن استأمن مسلما، فأجابه: أنت آمن!! ستعلم ما تلقى، أو: لك عندي ألف، ما أبعدك، أو: طلق إن قدرت.
وبدلالة من المتكلم -كيمين الفور، ومن محل الكلام: (وما يستوي الأعمى والبصير) أي: في البصر؛ لاشتراكهما في أمور تعمهما.
(1/66)

والعام -في غير محل قابل له بمعنى المجمل- حكمه الوقف؛ حتى يعلم المراد منه.
وكالتشبيه؛ لا يعم، إلا عند قبول المحل، كقوله (إنما بذلواالجزية لتكون دماؤهم كدمائنا؛ وأموالهم كأموالنا).
تنبيه: ومنه (إنما الأعمال بالنيات) و (رفع الخطأ والنسيان)،
(1/67)

سقطت الحقيقة، لعدم قبول المحل لوجودها؛ فتعين المجاز، وهو: إما الثواب، أو الإجزاء.
وإما الفساد؛ أو الإثم، وهما مختلفان، والتعيين بدليل خارجي، فلا يستدل بإطلاقه على أحدهما، كالمشترك؛ قبل التأويل.
تقسيم: وهو: إما ظاهر المراد -كبعت؛ وطلقت؛ وأعتقت- وهو الصريح، فيتعلق الحكم باللفظ من غير توقف على نية.
أو مستتر: وهو الكناية
(1/68)

-كـ: بائن؛ وحرام- وهذا من حيث الوضع صريح في معناه، وهو كناية من حيث اشتباه المراد به، فتوقف حكمه على النية، فإذا تعين المراد عمل بحقيقة اللفظ فجعلت
(1/69)

بوائن، إلا في (اعتدي) بالنص قال -صلى الله عليه وسلم- لسودة (اعتدي، ثم راجعها) ولأن حقيقته؛ الأمر بالعدد، فإذا أريد عدد الأقراء؛ وجب به الطلاق؛ بعد الدخول اقتضاء، وجعل قبله مجازا عن الطلاق من حيث السببية، فتوجه الأمر، وكذا: استبرئي رحمك.
وأنت واحدة، فإنها صفة للطلقة، إذا أريدت.
ولما كان الأصل الصريح؛ اشترط فيما يندرئ بالشبهة؛ حتى لا يحد مصدق القاذف ولا المعرض به، كـ لست بزان.
تقسيمات: وما استفيد معناه من صيغته -كما يفهم الإطلاق من قوله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم) -
(1/70)

فهو الظاهر، وما لا يستفاد بعارض؛ فهو الخفي، ويتوقف على الطلب، وهو إما بزيادة، كما في الطرار
(1/71)

[لحذق] الحذق في صناعته، أو نقصان كالنباش لقصوره فيها، ويعدى في الحدود بالأول؛ لا الثاني، وما ازداد وضوحا بسبب قصد المتكلم نص،
(1/72)

كـ (مثنى وثلاث ورباع) و (وحرم الربا) سيقا لبيان العدد، والتفرقة بين الربا والبيع، وهو أرجح من الظاهر عند التعارض.
ويقابله المشكل: وهو ما ازداد خفاء؛ لغموض معناه؛ أو لاستعارة بديعة، فيحتاج إلى التأمل بعد الطلب.
وما ازداد وضوحا على النص -بأن كان مجملا فبين؛ أو عاما انسد باب تخصيصه- مفسر، ويقابله المجمل؛ وسيأتي، وما امتنع -مع ذلك نسخه-
(1/73)

محكم، كقوله تعالى: (والله بكل شيء عليم) ويقابله المتشابه؛
(1/74)

كآيات الصفات، والحروف المقطعة، وهذا لا سبيل لدركه عندنا، ويجب اعتقاد حقية المراد منه.
والمجمل يرد بيانه قولا وفعلا.
مسألة: المشتق ما وافق أصلا بحروفه الأصول؛ ومعناه،
(1/75)

واشترط بعضهم التغيير بزيادة أو نقصان، أو بهما في حرف أو حركة، أو فيهما.
وأورد مثل: طلب طلبا، فإن قيل: بناء وإعراب؛
فاختلفا باللزوم؛ وعدمه، قلنا: مطلق الحركة لازم، وهو الذي ينظر فيه الإشتقاقي، وقد يطرد، كاسم الفاعل؛ والمفعول، وقد يختص كالقارورة والدبران: من الإستقرار، والدبور.
مسألة: يشترط قيام الصفة -المشتق منها- لاطلاق اسم المشتق حقيقة،
(1/76)

ونفاه آخرون، وشرط ثالث إمكان بقائها.
الأولون: لو صح حقيقة بعد انقضائها؛ لما صح نفيه؛ وهو في الحال صادق، وأورد النفي مطلقا: أعم منه في الحال، وسلب الأخص لا يستلزم سلب الأعم.
أجابوا: بأن اعتبار المعنى الأعم يلزمكم اطلاقة حقيقة.
على من سيوجد منه، قالوا: الضارب حقيقة من حصل منه الضرب، وذلك يستلزم صدقه على من وقع منه، أو هو: ملابسه دون من لم يوجد منه.
أجيبوا بالمنع؛ وأنه ليس حقيقة إلا في الملابس لا مطلقا.
النافون: أجمع أهل اللغة، أن ضارب زيد أمس، لا يعمل، وإنه اسم فاعل.
أجيبوا: بأنهم أطلقوه على: ضارب زيدا غدا؛ وهو مجاز اتفاقا.
قالوا: لو اشترط؛ لما أطلق المتكلم والمخبر حقيقة، لأنه لا يصدق الا بعد وجودهما، والتمام بانقضاء الأجزاء، ولا صدق حقيقة قبل صدورهما، فلولا صدقه بعده لما صدق حقيقة، والا لصح نفيه؛ ولما حنث من حلف: أن فلانا لم يتكلم حقيقة، أو: لا أكلمه حقيقة.
(1/77)

أجيبوا بأن البقاء شرط عند الإمكان، وإلا فوجود آخر جزء كاف في الإطلاق؛ ورجح الأول؛ بأنه لولا اشتراطه لأطلق -على أجلاء الصحابة- الكفر باعتبار سبقه، والقائم قاعد؛ وبالعكس؛ وهو خلاف إجماع الكلام واللغة.
مسألة: لا يشتق اسم فاعل لشئ، والفعل قائم بغيره؛ خلافا للمعتزلة، لنا: الإستقراء.
قالوا: أطلق قاتل، وضارب، وهما قائمان بالمفعول.
قلنا: بل بالفاعل؛ وهو: التأثير.
قالوا: الخالق باعتبار الخلق الذي هو المخلوق؛ إذ لو كان مغايرا؛ فإما قديم أو حادث، وليس قديما لأنه نسبة، وهي متأخرة عن النسبتين، فلو كان قديما؛ لزم قدم العالم، وليس حادثا، وإلا افتقرت إلى نسبة أخرى فيتسلسل.
قلنا: هو ذات الغير، لا فعل قائم به، أو لأنه للتعلق الذي بين المخلوق والقدرة حال الإيجاد، فلما نسب إليه -تعالى- صح الاشتقاق لقيامه بالقدرة القائمة به، لا باعتبار المخلوق الملزوم له، جمعا بين الأدلة.
(1/78)

مسألة: لا مدخل للقياس في اللغة، خلافا للقاضي، وابن سريج،
(1/79)

وبعض أهل العربية، والاتفاق: أنه ممتنع في الأعلام، لأنها غير موضوعة لمعنى جامع؛ والقياس يستلزمه، ومثل: هذا سيبويه؛ مجاز عن حافظ كتابه، وفي الصفات: لوجوب الاطراد، لأن العالم؛ من قام به العلم، وهو يطرد فإطلاقه على كل من قام به وضعي، وموضع الخلاف؛ الأسماء الموضوعة لمسميات مستلزمة لمعان في محالها -وجودا وعدما- كالخمر: يطلق على النبيذ بواسطة تخمير العقل، والسارق: على النباش للأخذ خفية، والزاني: على اللائط للإيلاج المحرم، لنا: إما أن وضع الخمر لكل مسكر، أو خص بعصير العنب، لم ينقل فيه شيء، والتعدية في الأول لغوية، وفي الثاني: ممتنعة، وفي الثالث: محتملة، فامتنعت.
قالوا: كونه دليلا أظهر للدوران، ولأنهم وضعوا اسم الفرس؛ والإنسان للموجود عند الوضع، إنما يثبت في غيره قياسا، وهذا الاحتمال في القياس الشرعي، وهو صحيح، فكذا ههنا، لنا: كما دار مع الوصف؛ دار مع الشخص، وهو منقوض بتسمية الطويل: نخلة، والفرس الأسود: أدهم، والمتلون بالبياض والسواد: أبلق؛ ولم يطرد، وتلك الأسماء للأجناس، فهي للكل وضعا، ولا اعتبار بالقياس الشرعي، لقيام إجماع السلف عليه، ولا إجماع ههنا.
(1/80)

فصل: الفعل ما دل على معنى في نفسه مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة؛ فمنه ماض؛ ومستقبل، كـ قام، وقم، ويشترك المضارع في الحاضر، والمستقبل، ويتخلص بالسين أو سوف للاستقبال، ونقض به لانه غير مختص بأحد الأزمنة لاشتراكه.
ورد باختصاصه وضعا، واللبس عند السامع لصحة الإطلاق عليهما، ونقض باسم الفاعل العامل، ورد: بأن الزمان عارض مفارق، ولو كان وضعيا للزم مطلقا كما أن قام في قولك: إن قام: ماض؛ وإن عرض له معنى الإستقبال بقرينة الشرط، و: لم يضرب.
على العكس، ونقض بعسى، ونعم، وبئس، وفعل التعجب، وحبذا،
(1/81)

ورد: بأن تجردها عن الزمان عارض للإنشاء، ولذلك حكم النحاة بالنقل فيما أمكن، كـ: نعم، وبئس، وحب، والتزم في عسى، الإنشاء فجرد، والفعل مفرد مطلقا، وقيل: الماضي، لأن حرف المضارعة دال على موضوع ما، والماضي؛ وإن دل على الفعل، وموضوع، لكن بغير حرف، وألحق بعضهم المضارع الغائب بالماضي، وليس بحق لافتراقهما في الدلالة بالحرف.
فصل
الحرف: ما لا يستقل بالمفهومية؛ معناه: إن ذكر متعلقه شرط دلالته على معناه الافرادي، كـ من، وإلى، فإنه لا يفهم معنى الابتداء والانتهاء بدون ذكر المكان المخصوص الذي هو متعلقهما، بخلاف الابتداء والانتهاء، وابتدأ وانتهى.
ومعنى الافرادي: الاحتراز عن قسيميه، فإن ذكر متعلقيهما، كالفاعلية، والمفعولية شرط التركيب.
وأما مثل: ذو، وفوق، وإن لم يفد معناه الإفرادي إلا بذكر
(1/82)

متعلقه، فليس لأنه شرط، بل لأن وضعهما للتوصل لى وصف العلم بالجنس، وإلى علو خاص اقتضى ذلك.
وأصنافه مستقصاة في النحو، وهذه: مسائل يحتاج إليها الأصولي.
مسألة: الواو: للجمع المطلق من غير ترتيب؛ ولا معية، وقيل: للترتيب، وعن الفراء: إن امتنع الجمع.
لنا: النقل عن أئمة اللغة: أنها للجمع المطلق، واستدل
(1/83)

بلزوم التناقض في آيتي البقرة، والأعراف، (وادخلوا الباب سجدا) مع اتحاد القصة لولا الجمع وبصحة؛ تقاتل زيد وعمرو ولا ترتيب، ولكان: جاء زيد وبكر قبله تناقضا، وبعده تكرارا، ولما حسن الإستفسار عن المتقدم والمتأخر، ولصح دخولها في جواب الشرط، كإلفاء، وبأنها في الأسماء المختلفة جارية مجرى واو الجمع؛ وياء التثنية في المتماثلة، وبأن الجمع المطلق معقول، فاقتضى لفظا يفيده وليس إلا الواو إجماعا.
وأجيب: مجاز في هذه المواضع، وجريانها مجرى واو الجمع في المتماثلة ممنوع مطلقا لجواز ذلك مع كونها للترتيب، وكما أن الجمع المطلق معقول، فكذلك الترتيب المطلق، ولا حرف إلا الواو، ولا يلزم أن يجاب بها عند [عن] الشرط كـ ثم.
(1/84)

واستدل المرتبون بقوله تعالى: (واركعوا واسجدوا) وبسؤال الصحابة - رضي الله عنهم - لما نزلت (إن الصفا والمروة) بم نبدأ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - (بما بدأ الله به) وبإنكارهم على ابن عباس - رضي الله عنهما - في الأمر بتقديم العمرة، مع قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة) وبقوله عليه السلام: (بئس الخطيب أنت) للذي قال: "ومن يعصهما" (هلا قلت ومن يعص الله ورسوله)
(1/85)

ولولا الترتيب لما فرق، وبأن الترتيب في اللفظ له سبب، والوجود صالح له فتعين.
قلنا: الترتيب مستفاد من غيره، والبداءة، بالصفا من الأمر، وإلا لما سألوا، وليس الإنكار لفهم الترتيب، بل لأن الأمر بالتقديم ينافي الجمع المطلق، وتوجه الذم للتأديب بافراد اسم الله تعالى بالتعظيم لأن معصيتهما لا تنفكان ليتصور الترتيب، وكون الترتيب في الوجود سببا ينتقض بـ: رأيت زيدا؛ رأيت عمرا، فإنه لا ترتيب إجماعا، ويجوز أن يكون السبب الاهتمام، أو المحبة.
(1/86)

تنبيه: ظن قوم أن للترتيب عند أبي حنيفة، وللمعية عندهما، تخريجا من قوله: فيمن قال: قبل المسيس؛ إن دخلت الدار فأنت طالق، وطالق، وطالق، حيث تبين بواحدة عنده، وبالثلاث عندهما، وليس لذلك؛ بل لاختلافهم في موجب هذا التعليق، فقال: هو التفريق، لأن الجزاء الأول تعلق بلا واسطة، والثاني بواسطة الأول، والثالث بواسطتين، والمعلق تطليق عند وجود الشرط، والوسائط من ضرورة صحة العطف فينزل حين ينزل متفرقا، ومن ضرورته أن تبين بالأولى لأنها غير معتدة، وقالا: الجزاء الثاني جملة ناقصة، فشاركت الأولى، والترتيب في التعليق لا التطليق، فإنه لا ترتيب في الوقوع كما لو علق بشروط متفرقة، وفرق الإمام: فإنه لا ترتيب في الوقوع كما لو علق بشروط متفرقة.
وفرق الامام: بأن الشروط إذا تعددت، تعلقت الأجزية بها بغير واسطة، والتفرق في الزمان لا يوجب التفرق في التعلق؛ فكان كما لو أخر الشرط.
(1/87)

نقوض وأجوبة: إذا قال -لغير الملموسة- أنت طالق؛ وطالق؛ وطالق؛ بانت بواحدة، وإذا زوج أمتين بغير إذن الزوج والمولى، ثم أعتقهما معا، لم يبطل النكاح مطلقا، أو متفرقا، بطل في الثانية، أو هذه حرة؛ وهذه حرة؛
(1/88)

كان كالتفريق، وهاتان من الترتيب، ولو زوج أختين في عقدين، فأجازهما الزوج معا بطلا، أو متفرقا؛ بطل الثاني، أو أجزت هذه وهذه بطلا، ولو قال: من مات أبوه عن ثلاثة أعبد قيمتهم سواء، أعتق أبي في مرضه: هذا؛ وهذا وهذا؛ متصلا؛ عتق من كل ثلثه، أو متفرقا؛ عتق الأول، ونصف الثاني، وثلث الثالث، وهاتان من المعية.
وجواب الأولى: أنه منجز، فلم يتوقف أول كلامه، فنزل، وارتفعت المحلية، فلم تلحق الثانية.
وأما الثانية: فعتق الأولى أبطل محلية الوقف في الثانية، لعدم حل الأمة على الحرة، فبطل قبل التكلم بعتقها، ولا تدارك لفوات المحل في حق الوقف، وأما الثالثة: فأول الكلام يتوقف على آخره إذا غيره، وصدر الكلام وضع لجواز النكاح، وآخره يسلبه؛ فكان كالشرط والإستثناء، لا لإقتضاء المعية، وأما الرابعة: فكذلك، لأن موجب صدره العتق بغير سعاية، وعند الضم يتغير إلى رق عنده، كالمكاتب، وعن براءة إلى شغل ذمة عندهما، كالحر المديون.
(1/89)

قاعدة: إذا عطفت جملة على أخرى: فإن كانت الثانية تامة، لم تشارك الأولى في الحكم، وقد يسميها بعضهم واو الاستئناف، كقوله: هذه طالق ثلاثا؛ وهذه طالق، أو ناقصة، فالأصل مشاركتها فيما تمت به بعينيه، كإن دخلت الدار فطالق، وطالق، تعلقت الثانية بعين الشرط، وإنما يقدر معادا، اذا امتنعت الشركة كجاءني زيد وبكر لاستبداد كل بمجيء.
مسألة: وقد تستعار للحال.
والمجوز: الجمع.
وقد اختلفت فروع هذا الأصل، فالواو- في: أد إلي ألفا وأنت حر.
و: أنزل وأنت آمن- للحال حتى يتقيد العتق بالأداء، والأمان بالنزول، وأنت طالق، وأنت تصلين أو مصلية، أو مريضة:
(1/90)

لا يتقيد، ويحتمله بالنية.
وخذ هذا المال، واعمل به في البز: لا يتقيد مطلقا.
وطلقني ولك ألف: مختلف؛ قال أبو حنيفة: لا يجب شيء بالطلاق.
وأوجباه حملا على الحال، أو على الباء مجازا بدلالة الخلع، فإنه معاوضة: كاحمل هذا الطعام ولك درهم.
قال: لا تصلح المعارضة دليلا لأنها من عوارض الطلاق، والمعاوضة: في الإجازة أصلية، والأمر باداء الألف -مطلقا- لا معنى له إلا الشرط فحمل عليه، وأنت طالق تام، وأنت مصلية تحتمل الحال، فصحت النية.
والعمل في المضاربة لا يصلح حالا للأخذ فلم يتقيد.
فالضابط: الاعتبار بالصلاحية، وعدمها، فإن تعين معنى الحال تقيد، وإلا فإن احتمل؛ فالمعين النية، وإلا كانت لعطف الجملة.
(1/91)

مسألة: الفاء: للتعقب من غير مهلة بالنقل، ولهذا دخلت في الأجزية.
وتدخل على حكم العلة، كـ: جاء الشتاء فتأهب.
و: (لن يجزي ولد والده، حتى يجد مملوكا فيشتريه؛ فيعتقه) دل على أن العتق حكم للشراء
(1/92)

بواسطة الملك.
ولو قال: بعتك هذا العبد بكذا، فقال: فهو حر.
كان قبولا؛ بالواو.
وإن دخلت الدار فأنت طالق؛ فطالق؛ لغير ملموسة؛ بانت بالأولى.
تنبيه: وتدخل على العلل الدائمة لتراخيها معنى
كأبشر فقد أتاك الغوث.
وأد ألفا فأنت حر.
وأنزل فأنت آمن.
لم يتقيد بالأداء، والنزول، كأنه قائل: فقد عتقت، وأمنت.
(1/93)

مسألة: ثم للتراخي بالنقل.
وقيل: لا ترتب في الجمل: (ثم اهتدى)، (ثم كان من الذين آمنوا) وقيل: يحمل على دوام الإهتداء والإيمان.
ومعنى التراخي: عند أبي حنيفة -رضي الله عنه- انقطاع الكلام به؛ واستئنافه -معنى-
(1/94)

إعطاء للتراخي حقه.
وجعلاه: راجعا إلى الوجود؛ لا التكلم، فإذا قال -لغير الملموسة- أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق؛ إن قمت؛ فوجد؛ بانت بالأولى، ولو قدم الشرط، تعلق الأول، ولغا الثالث.
ولو كانت ملموسة: نزل الأول؛ والثاني؛ وتعلق الثالث إن أخر الشرط؛ وإن قدم تعلق الأول؛ ووقع الباقي.
وعندهما: تعلق الكل، ونزل مرتبا.
مسألة: وتستعار للواو -في مثل- (ثم الله شهيد) لاستحالة حدوث
(1/95)

الشهادة، فعلى هذا تحمل -في قوله عليه السلام (فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر) - على حقيقتها لإمكان حمل الأمر على مقتضاه؛ من وجوب الكفارة بعد الحنث، وفي رواية (فليكفر؛ ثم ليأت) فتحمل على الواو لتعذر العمل بحقيقة الأمر؛ جمعا بينهما.
(1/96)

مسألة: بل: إثبات للمعطوف، وإعراض عما قبله، فإذا وقعت في خبر؛ اعتبر التدارك، وفي إنشاء لم يصح.
وزفر لم يفرق حتى أوجب على من أقر بالف؛ بل بألفين، ثلاثة آلاف، كما لو قال: أنت طالق واحدة؛ بل ثنتين،
(1/97)

والجامع امتناع إبطال ما أقر به، أو أوقعه.
وقلنا: تدارك الغلط في الأخبار ممكن، كـ سني ثلاثون؛ بل أربعون.
وكنت طلقتها واحدة؛ بل ثنتين.
أما الانشاء؛ فابتداء إيقاع، لا يتصور رفعه بعد وقوعه ولهذا تبين غير الملموسة بواحدة في: أنت طالق؛ واحدة؛ بل ثنتين، ولو علق في غير مدخول بها وقع الثلاث؛ لأنه بقصد إبطال الأول ملحق للثاني، بعين الشرط بلا واسطة وإبطاله غير ممكن، وقصده بتقدير الشرط ثانيا ممكن، فكان حالفا بيمينين.
تنبيه: الفرق لأبي حنيفة -رضي الله عنه- بين هذه، وبين العطف بالواو، والمسألة بحالها:
(1/98)

إن العطف بالواو تعليق بالشرط بواسطة تقدم الواحدة، فنزل مرتبا، وههنا بواسطة إبطالها، وهو غير مملوك له، فاعتبر قصده، فقدر شرط ثان.
قاعدة: لكن: للاستدراك، اذا وقعت بين مفردين، لم تقع الا بعد نفي، أو بين جملتين؛ وجب تخالفهما في النفي والاثبات من غير ترتيب.
والفرق بينها وبين: بل: الاضراب بـ بل عن الأول مطلقا، نفيا كان، أو إثباتا.
وحكم لكن: إثبات ما بعدها، ونفي ما قبلها؛ مضاف إلى دليله.
والعطف بها: إنما يستقيم اذا اتسق الكلام وانتظم فيتعلق النفي بالاثبات المتصل به، وإلا فإنه مستأنف [يستأنف].
(1/99)

فروع: أقر إن هذا العبد لزيد؛ فقال: ما كان لي قط؛ لكنه لبكر، إن وصل كان لبكر، وإلا رد على المقر، لأنه نفاه عن نفسه مطلقا، فيرتد على مالكه وفيه احتمال نفيه عنه إلى بكر، فاعتبر الوصل لأنه مغير.
ولو تزوجت أمه بمائة بغير اذن، فلم يجز مائة لكن بمائتين، كان فسخا واستئنافا؛ لعدم الاتساق، لأنه نفي فعل، واثباته.
ولو قال: لك على ألف قرض، فقال: لا ولكن غصب، صح الوصل لبيان نفي السبب، لا الواجب.
(1/100)

مسألة: أو: لأحد الشيئين، لا للشك، فإنه عارض بسبب
(1/101)

الخبر، وهي في الانسان للتخيير، فهذا حر أو هذا: إنشاء كأحدهما، وفيه احتمال الخبرية، فيظهر في بيان المولى؛ حتى كان اظهارا للواقع؛ أولا من وجه، وإنشاء من وجه؛ فيشترط قيام الأهلية والمحلية.
ووكلت هذا، أو هذا بكذا، توكيل لأحدهما، فيصح من أيهما وقع.
وبع هذا؛ أو هذا؛ تخيير في بيع أيهما شاء.
تمهيد: ما دخلت فيه؛ أو؛ وله موجب أصلي، اعتبر به، لا بما دخلت عليه عند أبي حنيفة.
وقالا: إن افاد التخيير أعتبر، وإلا فالأقل؛ فتزوجتك على الف حالة، أوعلى ألفين مؤجلة، مفيد فيتخير، وعلى ألف، أو ألفين لا يفيد، فأوجبا
(1/102)

الألف؛ كالإقرار، والوصية، والخلع، والعتق.
وأفسد أبو حنيفة: التسمية، وأوجب مهر المثل لأنه الموجب الاصلي وهو معلوم، وما هو المذكور بالتسمية غير معلوم، فلا يترك المعلوم به، وإنما وجب الأقل في الاقرار، وأخواته لعدم معارضة موجب أصل لجوازها بغير عوض.
مطالبة وجواب: هلا أوجبتم التخيير في السرقة الكبرى، كما في خصال الكفارة
(1/103)

والمقتضى فيهما واحد.
قلنا: دخلت بين أجزئة متنوعة وهي في مقابلة الجناية، فدل تنويعها على تنويعه، إلى تخويف، وأخذ مال، وقتل، وجمع، حتى قال ابو حنيفة: -رضي الله عنه- فيمن أخذ مالا، وقتل، يتخير الامام بين قطعه، ثم قتله، أو صلبه، وبين صلبه من دون قطع لتجاذب التعداد، والاتحاد في الجناية.
وأما الكفارة: ففي مقابلة جناية واحدة، وهو انشاء، فتخير على أن الواجب منها واحد يعينه الفعل.
(1/104)

مسألة: وتعم: لورودها في النفي: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) أي: واحدا منهما؛ وهو نكرة في النفي، فتعمهما، و: لا أكلم فلانا أو فلانا.
يحنث بأحدهما وبهما، ولا يتخير في التعيين، وعمومها على الأفراد لا على الاستغراق، فيعد عاصيا بأحدهما؛ بخلاف الواو.
مسألة: وتعم: في الإباحة، فإنها دليله، كـ جالس زيدا أو بكرا.
والفرق: بين الإباحة والتخيير.
مخالفة المأمور بالجمع فيه، دون الإباحة، ومعرفة الفرق من الخارج.
وعلى هذا: لا أكلم أحدا، إلا فلانا أو فلانا له الجمع، لأنه إطلاق بعد حظر، فكان إباحة، فعمت.
(1/105)

مسألة: وترد؛ حتى؛ مجازا، في اختلاف جهة العطف نفيا وإثباتا، وسبق النفي دليل الغاية، كـ لا أفارقك أو تقضيني.
و؛ لا أدخل هذه، أو؛ أدخل هذه الأخرى، أي: حتى أدخلها، فإن دخل الأولى حنث، أو الثانية أولا أنتهت اليمين.
مسألة: حتى: للغاية؛ حتى مطلع الشمس.
وأكلت السمكة حتى رأسها، -بالجر- أي: فإنه باق.
وللعطف: جاءني القوم حتى زيد، فيكون أكرمهم
(1/106)

أو أرذلهم، والسمكة حتى رأسها -بالنصب- أي: أكلته.
وقد يعطف بها تامة: كضربت القوم حتى زيد غضبان.
وناقصة: فيقدر الخبر كـ حتى رأسها -بالرفع- أي: مأكول.
مسألة: وهي للغاية في الفعل؛ وبمعنى: كي، فإن تعذرا: فللعطف (حتى يعطوا الجزية) و (حتى تغتسلوا) بمعنى إلى، و (حتى لا تكون فتنة)
(1/107)

بمعنى كي، و (حتى يقول الرسول) بالنصب بمعنى: إلا أن غاية لا يكون لفعلهم في قوله أثر.
وبمعنى: كي؛ فيكون فعلهم سببا له، وبالرفع على جملة مبتدأة؛ أي: هو يقول فتكون غاية.
فروع: عبدي حر إن لم أضربك حتى يدخل الليل، أو يشفع زيد، حنث إن أقلع قبل الغاية.
أو: إن لم آتك حتى تغديني.
فأتاه؛ ولم يغده، لم يحنث: لأن الشفاعة سبب الإقلاع، وليس الغداء دليل الامتناع عن الإتيان؛ والغداء صالح جزاء لإتيانه، فحمل عليه، فصار شرط بره: الإتيان المقيد.
(1/108)

أو: إن لم آتك حتى أتغدى عندك؛ عاطفة: لعدم صلاحية الغاية، وعدم سببية الإتيان لفعل نفسه، فكأنه قائل: إن لم آتك فأتغد، فإن تغدى عقيب إتيانه بر، وإلا حنث.
قال: فخر الإسلام: هذه استعارة بديعة فقهية، والمجوز ما بين الغاية والعطف من الاتصال، وقد استعملت للعطف مع الغاية، فجاز استعارتها من غير غاية للتعذر.
مسألة: الباء: للإلصاق؛ ولهذا صحبت الثمن، فيصح الاستبدال قبل
(1/109)

القبض -في: شريت هذا العبد بكر موصوف من الحنطة- لا بالعكس، فإنه يجب الأجل لكونه سلما، ويمتنع الاستبدال.
والفرق أن إضافة العقد إلى العبد تجعله أصلا ملصقا بالكر؛ والثمن تابع وشرط، وفي العكس بالعكس.
وعن الشافعي: للتبعيض
(1/110)

في (وامسحوا برؤوسكم) وعن مالك: صلة لتعدي الفعل.
وقلنا: ليس للتبعيض وضعا، فلا يترك له الوضعي لغير ضرورة،
(1/111)

والإلصاق ممكن، فإذا دخلت في الآلة تعدى الفعل إلى كل الممسوح كـ مسحت رأس اليتيم بيدي، أو على المحل؛ تعدى الفعل إلى إلاة، فالتقدير: وامسحوا أيديكم برؤوسكم: ألصقوها بها.
فلم يقتض استيعابا لحصول حقيقة المسح بالوضع، فجاء التبعيض لا لاقتضاء الباء.
والاستيعاب في التيمم بالسنة، ومن ذلك: إن خرجت إلا بإذني، اشترط تكرره لاقتضاء الملصق به بخلاف -إلا أن آذن- لحصول الغاية بالماهية.
مسألة: على: للاستعلاء، فاستعملت للإيجاب في الذمة، في قوله: لزيد علي ألف، إلا أن يغيره بأنها وديعة؛ وهي في المعاوضات كالبيع والإجارة، والنكاح بمعنى: الباء، والمجوز تناسب الوجوب وإلاصاق، وفي الطلاق بمعنى: الشرط، فلا يجب شيء -في طلقني ثلاثا على ألف- إذا طلقها واحدة؛ عند أبي حنيفة -رضي الله عنه- وأوجبا: ثلث الألف كما في الباء.
وفرق: بأن الواقع لا معارضة بينه وبين
(1/112)

ما لزمه بل بينهما معاقبة؛ وهي بالشرط أليق، وهو ممكن فإن الطلاق يتعلق، فإذا خالف مقصودها من التعليق لم يجب شيء، أما في المعاوضات: فلا يمكن اعتبار معنى الشرط فيها.
مسألة: من: للتبعيض، و: إلى؛ لانتهاء الغاية، واستعملت في الآجال، وأنت طالق إلى شهر؛ تنجيز وإضافة بالنية، فإن عري فتنجيز عند زفر، لأن التأجيل لا يمنع الوقوع، وقلنا: إضافة، لأن فائدة التأجيل تأخير ما دخلت عليه.
(1/113)

قاعدة: الغاية: إن قامت بنفسها لم تدخل في الحكم، كـ: بعتك من هاهنا إلى هناك، ومنه (ثم أتموا الصيام إلى الليل) وإن تناولها صدر الكلام، فالغاية لإخراج ما وراءها.
كما قلنا: في المرافق، وكما أدخل أبو حنيفة -رحمه الله - الغاية في الخيار، ومنع دخول العاشر في الإقرار: من درهم إلى عشرة، لعدم التناول، وأدخلاه لعدم القيام بنفسه، وكذلك في الطلاق، ودخول المبداء -عند أبي حنيفة- للضرورة.
(1/114)

مسألة: في: للظرفية، والخلاف في: أنت طالق غدا؛ أو في غد، فقالا: حذفها وإثباتها واحد، وفرق: بأن إسقاط الحرف أوجب اتصال الطلاق بالغد فوقع في كله؛ فتعين أوله، ولم يصدق في التأخير، وإثباته: أوجب اتصاله بجزء مبهم، فصدق لكون النية مبينة للإبهام.
ومثله: إن صمت الدهر، أو: في الدهر، فالأول على الأبد، والثاني على ساعة.
مسألة: وتستعار للمعية: إذا نسبت إلى الفعل كـ: طالق في دخولك الدار.
والمجوز: ما في الظرف من معنى المعية، فكان بمعنى الشرط.
فلا يقع بـ: طالق، في مشيئة الله.
وفي الدار؛ إن أراد الدخول؛ صدق ديانة، وتلزمه عشرة؛ في الإقرار
(1/115)

بعشرة؛ في عشرة، لعدم إمكان الظرفية، وإن نوى المعية؛ صدق.
وطالق واحدة؛ في واحدة؛ تقع واحدة، فإن نوى مع، قبل الدخول وقعا، أو الواو فواحدة.
مسألة: مع: للقران، فيقع في طالق؛ واحدة مع واحدة؛ أو معها واحدة: ثنتان قبل المسيس، وقبل: للتقديم، فتطلق للحال في: طالق قبل دخولك الدار، وفي غير الملموسة: واحدة قبلها واحدة = ثنتان.
أو: قبل واحدة؛ واحدة.
وبعد:
(1/116)

للتأخير، وحكمها: ضد قبل، والضابط: أن الظرف إذا قيد بالضمير كان صفة لما بعده، وإلا فلما قبله، وعند: للحضرة، فاستعملت في الأمانة لدلالتها على الحضرة دون اللزوم.
مسألة: إن، وإذا، ومتى، ومتيما، وكل، وكلما، وما، ومن: للشرط، وأصلها: إن: وتختص بمعدوم على خطر الوجود؛
(1/117)

وأثره في منع العلة عن الانعقاد، وفي: إن لم أطلقك فطالق، لا تطلق حتى يموت، فتطلق في آخر حياته، أو تموت هي فتطلق في آخر حياتها في الأصح.
مسألة: الكوفيون: إذا: للظرف والشرط؛ وعليه أبو حنيفة -رضي الله عنه- والبصريون: للظرف وفيها شمة من الشرط، ولا يسقط عنها معنى الوقت كـ: متى؛ والفرق:
(1/118)

لزوم المجازاة بـ متى؛ في غير الاستفهام بخلاف: إذا؛ وعليه صاحباه، فإذا، كـ إن عنده، وكـ متى عندهما، فأوقعاه: عقيب اليمين لأنها للوقت المستقبل، واستعملت خالية عن معنى الشرط في قولك: كيف الرطب إذا اشتد الحر، ولا تقول: إن وآتيك إذا ذهب البرد، لا، إن، لأنها شرط، وهو ما كان على خطر الوجود.
وإذا: لأمر مترقب، أو كائن، فكانت مفسرة، والشرط: مبهم، لكنها تستعار للشرط، لا يسقط عنها معنى الوقت كـ متى؛ في عدم التقييد بالمجلس إجماعا، قال: قد استعملت للشرط وحده، واحتج الفراء:
وإذا تصبك خصاصة فتجمل
وإذا استعملت فيهما، وقع الشك في الطلاق فلم تطلق، ووقع الشك في ارتفاع المشيئة بعد ثبوتها فلا تبطل.
(1/119)

مسألة: متى: للوقت المبهم: كـ إن، فجوزي بها، وجزم مع لزوم الوقت فوقع -بـ طالق متى لم أطلقك- عقيب اليمين.
ولم يتقيد -متى شئت- بالمجلس، وكذلك متيما، وكل وكلما يذكران في العموم.
مسألة: كيف: لسؤال الحال، فإن استقام، وإلا بطل: فأنت حر -كيف
(1/120)

شئت- إعتاق، وفي الطلاق: تقع واحدة.
والوصف، والقدر من بعد بالنية، وقالا: ما لا يقبل الإشارة؛ فحاله ووصفه أعنى البينونة والسنية كأصله، فيتعلق بتعلقه.
النوع الثاني: المركب: والأصوليون: إن الكلمة المركبة من حرفين فصاعدا؛ كلام.
فهو إذا: ما انتظم من الحروف المسموعة المتواضع عليها؛ الصادرة عن مختار واحد، والحروف: فصل عن الواحد، والمسموعة: عن المكتوبة، والثالث: المهمل، والرابع: عن صدورها عن أكثر من واحد، واختلف في إطلاقه على كلمات غير منتظمة المعاني.
وأهل
(1/121)

اللغة: إنه مركب من كلمتين بالإسناد وهو: نسبة أحد الجزأين إلى الآخر للإفادة، ولا يتأدى ذلك إلا في اسمين، أو فعل واسم لوجود المسند، والمسند إليه، والكلمة التي منها التركيب هي: المستقلة الموضوعة لمعنى مفرد.
الأصل الثاني: في مبدأ اللغات، وطريق معرفتها: ليس بين اللفظ والمعنى مناسبة طبيعية، خلافا لبعض المعتزلة، قال: لولا ذلك لما اختص كل لفظ بمعنى.
قلنا: لو وضع لضده ما امتنع، وقد وجد في المشتركة، والمخصص الإرادة.
مسألة: الأشعري وجمع من الفقهاء: أن
(1/122)

الواضع هو الله تعالى؛ متلقى بتوقيف بوحي أو بخلق الحروف المسموعة لواحد،
(1/123)

أو جمع، مع علم ضروري بدلالاتها، قالوا: (وعلم آدم) (لا علم لنا إلا ما علمتنا) (ما فرطنا) (علم الإنسان) فدخلت اللغات و (سميتموها) ذمهم على التسمية من غير توقيف، (واختلاف ألسنتكم) والحمل على اللغة أبلغ من الجارحة.
والبهشمية، وجمع من المتكلمين: إنها اصطلاحية: انبعثت داعية واحد؛ أو جمع على الوضع.
وعرف الباقون بالتكرار والإشارة كتعليم الطفل.
(وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) فالوضع متقدم.
(1/124)

وأبو إسحاق: ما يحتاج إليه في التواضع توقيفي، فرارا من التسلسل، وغيره ممكن بالطريقين.
والقاضي: كل من هذه ممكن، والوقوع ظني وهو المختار؛ على أن الأول ظاهر لظهور الآيات، فإن قيل: (وعلم): ألهم؛ (علمناه صنعة لبوس)، وإن سلم: فإن أريد جميعها منع، وإن سلم: لم يدل على التوقيف لجواز تعلم مصطلح ماض، وإن سلم: منع الاستمرار لجواز نسيان، واصطلاح متعقب.
و (ما فرطنا) لا يدل على التوقيف؛ لجواز تبيين المصطلح.
والذم: لاعتقاد إلاوهية.
واختلاف إلاسنة: محمول على الإقدار على اللغات، وهو أولى لتوقف التوقيف على أن ذلك اللفظ لذلك المعنى.
وهذا: وإن كان بتوقيف؛ تسلسل؛ فتعين الإصطلاح.
قلنا: خلاف الظاهر والأصل الحقيقة.
ولا يلزم المجاز في داود المجاز في آدم إلا بدليل الإشتراك، والأصل عدمه، ولا وجه لمنع تعلم كلها؛ فإنه علم جميع ما يمكن التخاطب به، والعموم يدل عليه، وتعليمه مصطلحا -قبله- خلاف الظاهر؛ فلابد من دليل، والأصل: عدم النسيان؛ وكذلك في (ما فرطنا).
وفي الذم: على الاعتقاد حيث أضيف إلى التسمية، والحمل على اختلاف اللغات أولى، لقلة الإضمار، والتسلسل: ينقطع بخلق العلم الضروري، وهو لازم في الإصطلاح، إذ ما يتخاطب به، إن كان باصطلاح تسلسل، فتعين التوقيف.
وجواب البهشمية: أن التوقيف ليس منحصرا في الرسالة.
(1/125)

مسألة: ما لم يتشكك فيه؛ مع التشكيك كالجوهر والعرض فمعلوم أن التواتر طريق تسميته، وما ليس كذلك؛ فطريقه الظن بأخبار الآحاد؛ والأكثر الأول.
(1/126)

المبادئ الفقهية:
الحكم الشرعي يستلزم حاكما ومحكوما فيه وعليه، فهذه أصول:

الأول: الحاكم الله تعالى، فلا تحسين للعقل ولا تقبيح، أي لا يوصف بهما
(1/127)

فعل لذاته، وإنما يطلقان باعتبار موافقة الغرض ومخالفته، أو أمر الشارع بالثناء على فاعله أو ذمه.
فيدخل في الأول فعل الله تعالى والواجب والمندوب، لا المباح، وفي الثاني الحرام لا المكروه والمباح.
أو لما لفاعله مع العلم والقدرة فعله بمعنى نفي الحرج، فيدخل المباح.
والقبيح: ما قابله، وليس هذا بذاتي؛ لاختلافه باختلاف الأغراض وأمر الشارع وأحوال الفاعلين.
وفعل الله تعالى بعد الشرع بالاعتبار الثاني والثالث وقبله بالثالث وفعل العاقل قبله بالأول والثالث، وبعده بالجميع.
والمعتزلة والكرامية وآخرون على انقسام
(1/128)

الفعل إلى حسن وقبيح لذاته:
فمنه ما يدركه العقل ضرورة كحسن الإيمان، أو نظراً كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع، أو بالسمع كحسن العبادات.
وقدماء المعتزلة بغير صفة موجبة.
والجبائية بصفة.
وآخرون في القبيح دون الحسن.
للأولين حجج: لو كان قبح الكذب ذاتيا لزم حسنه إذا قال: لأكذبن غدا، وإلا لزم من صدقه غدا كذبه اليوم، وما لزم منه القبيح قبيح.
ولأن المقتضي لقبح الخبر الكاذب إما نفس الخبر فيلزم القبح مطلقا، أو عدم المخبر عنه فيكون العدم علة لأمر ثبوتي، أو المجموع فجزء علته، أو خارج فإما لازم لنفس الخبر أو عدم المخبر عنه أو المجموع فيلزم ما لزم، أو لخارج عاد التقسيم وتسلسل، أو غير لازم فيمكن فراقه.
ولأن الخبر الكاذب يخرج بوصفه أمرا أو نيها عن الكذب، والحقائق لا تختلف باختلاف الأوضاع.
ولأنه ينقلب واجبا أو حسنا إذا استنقذ به نبي عن القتل.
ولأنه لو قبح الظلم لذاته لزم تقدم المعلول على علته؛ لتقدم قبح الظلم على الظلم، وإلا جاز فعله.
ولكان القبح -وهو وصف ثبوتي لاتصاف العدم بنقيضه- معللا بما العدم جزؤه؛ فإن الظلم إضرار غير مستحق.
وفيها نظر:
أما الأولى: فلجواز صدقهما عليه باعتبارين؛ فالصدق حسن لذاته وقبيح باعتبار استلزام القبيح، كالجبائية.
(1/129)

وأما الثانية: فلجواز كون عدم المخبر عنه شرطا في القبح، والشرط غير مؤثر.
وأما الثالثة: فلعدم امتناع كون القبح مشروطا بالوضع، وعدم المطابقة مع العلم.
وأما الرابعة: فلعدم تعين الكذب للخلاص؛ لجواز التعريض، ولو سلم فالحسن ما لازمه من التخليص، واللازم غير الملزوم، وغايته عدم الإثم مع القبح وعدم الحرمة شرعا.
وأما الخامسة: فالمتقدم الحكم بالقبح لا نفسه؛ لاستحالة تقدم الوصوف على الموصوف.
وكونه معللا بالعدم ممنوع، وعدم الاستحقاق لازم غير ذاتي، ولئن كان فالعلة ما فيه من الوجود، والعدم شرطه.
واستُدل:
لو كان ذاتيا لزم قيام العرض بالعرض؛ لأن الحسن زائد على الفعل، وإلا لزم تعقله بتعقله، ووجودي؛ لأنه نقيض لا حسن، وهو عدمي؛ لاتصاف العدم به، وإلا استلزم محلا وجوديا، وهو قائم بالفعل؛ لأنه صفته.
وبطلان التالي أن معنى قيامه به حصوله في الحيز تبعا لحصوله فيه، والعرض حاصل في الحيز تبعا لحصول الجوهر فيه، فكان قائما بالجوهر.
وضعف بأن الاستدلال على كونه وجوديا بالسلب
(1/130)

دور؛ فإنه لا يعلم كونه عدميا إلا بعد معرفة أنه سلب وجود، وليس؛ فإنه قد يكون ثبوتيا كاللامعدوم، أو منقسما كاللاامتناع، فلو علم به كونه وجوديا دار.
وبانطباقه على الإمكان، فإنه ثبوتي؛ لأنه نقيض لا إمكان.
وأجيب بأن الإمكان تقديري فنقيضه سلب التقدير، والمقدر ليس عرضا.
واستدل ليس الفعل اختياريا فلا يوصف بهما لذاته
(1/131)

إجماعا؛ لأنه إن لزم فظاهر، وإن جاز وافتقر إلى مرجح عاد التقسيم وتسلسل، وإلا كان اتفاقيا.
وضعف بأنا نقطع بأنه اختياري؛ للقطع بالفرق بين الضرورة والاختيار.
وبلزوم ذلك في أفعاله تعالى، وفي الحسن والقبح الشرعيين.
والحق أن المرجح هو الاختيار، وإن وجب الفعل به فلا حق لا ينافي القدرة.
قالوا العلم بتحسين العقلاء الصدق النافع مع قطع النظر عن العوارض ضروري، فكان ذاتيا.
ولأنا نعلم ممن استوى في حصول غرضه الصدق والكذب ميله إلى الصدق، وليس إلا لحسنه في ذاته.
ولأنه لولا ذلك لما فرق قبل الشرع بين المحسن والمسيء.
ولما كان فعله سبحانه حسنا.
ولجاز الأمر بالمعصية والنهي عن الطاعة، وإظهار المعجز للكاذب.
ولتوقف الوجوب على السمع، فيلزم إفحام الرسل؛ لأن المدعو يمتنع عن النظر في المعجز ما لم يعلم وجوبه، ولا وجوب قبل الشرع.
(1/132)

أجيبوا: بالمنع، وإلا لما اختلف العقلاء.
ولو سلم منع كونه ذاتيا إلا أن يتجرد عن أمر خارج وهو ممنوع.
وبمنع التساوي أصلا.
ولئن سلم منع الميل.
وبأن مفهومهما بمعنى موافقة الغرض ومخالفته وما للفاعل فعله وتركه متحقق قبل الشرع.
وفعله تعالى حسن بالمعنى الثاني.
والطاعة والمعصية ما ورد فيهما أمر ونهي، فلا يمتنع ورود الشرع بالضد.
وعن الإفحام بلزوم مثله في النظر؛ فإنه ليس بضروري، فله الامتناع ما لم يجب، ولا وجوب ما لم ينظر.
ونمنع توقف النظر على وجوبه، كحصوله ممن لا يعلم وجوبه.
ولو سلم منع التوقف على العلم بالوجوب، بل على نفس الوجوب، وهو شرعي نظر أو لم ينظر، ثبت أو لم يثبت بظهور المعجز، وإمكان الدعوى وعقل المدعو وتمكنه من النظر، وهو المفرط إن قصر.
مسألة:
إذا سلم أنهما عقليان فشكر المنعم ليس بواجب عقلا.
لأنه
(1/133)

لو وجب وجب لفائدة، وإلا كان عبثا، وهو قبيح.
وليست الفائدة لله لتعاليه.
ولا للعبد في الدنيا لأن الشكر فرع معرفة الله تعالى بإتعاب النفس، وتكليفها مشاق أفعال وتروك، وهو تعب ناجز.
ولا في الآخرة لعدم استقلال العقل بالأمور الأخروية.
لا يقال: استدلال على إبطال ضروري، ولئن سلم منع أن الوجوب لفائدة، وما المانع من كونها نفس الشكر لا أمرا خارجا، كتحصيل المصلحة ودفع المفسدة، وإن كان خارجا فالأمن من احتمال العقاب بتركه، ولا يخلو عاقل من خطوره.
لأنا نقول: ممنوع، ولئن سلم ففي من ينتفع به، والمانع كون تحصيل المصلحة جملة هي نفس الفائدة، وليس فعل الشكر الجملة المطلوبة من إيجاده، وإلا لعم الأفعال، وعدم خلو العاقل عنه خطوره ممنوع كما في الأكثر.
(1/134)

ولئن سلم عورض باحتمال خطور العقاب على الشكر؛ فإنه تصرف في ملكه بإتعاب النفس بغير فائدة راجعة إليهما، وهو قبيح، أو لأنه كالاستهزاء، كمن شكر ملكا جوادا على لقمة.
مسألة:
المختار أن لا حكم للأفعال قبل الشرع.
واختار بعض أصحابنا رحمهم الله الوقف، وفسروه بأن لله حكما، ولكن لا دليل لنا على تعيينه.
وفسره آخرون من المعتزلة الواقفية بعدم الحكم أصلا، لعدم الدليل المثبت، والحكم عندنا وإن كان
(1/135)

أزليا فالمراد ههنا عدم تعلقه بالفعل قبل الشرع؛ فإن الوجوب مثلا إما للأداء أو لترتيب العقاب على الترك، وكل منهما منتف قبل الشرع، فانتفى التعلق؛ لعدم فائدته.
والمعتزلة: إن حسن العقل فعلا واستوى فعله وتركه في النفع والضر فمباح، وإن ترجح الفعل وذم تاركه فواجب، وإلا فمندوب، وإن قبحه وذم فاعله فحرام، وإلا مكروه، وإن خلا عنهما قيل بالحظر والإباحة والوقف.
لنا: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا)، (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل).
والأولى تستلزم نفي الوجوب والحرمة وإلا لما حصل الأمن من العذاب بتقدير فعل الحرام وترك الواجب.
والثانية تفهم الاحتجاج قبله، فيلزم نفي الموجب والمحرم.
ولأن الحكم إما شرعي أو عقلي، وقدمنا أن العقل
(1/136)

غير موجب ولا محرم، ولا شرع قبل الشرع، فلا حكم.
فإن قيل: ليس العذب لازما؛ لجواز العفو والشفاعة، فلم يلزم من نفيه نفيهما، وإن سلم فاللزوم للواجب والمحرم شرعا، واللازم من نفيه نفيهما شرعا لا مطلقا.
ولا دلالة على نفي الإباحة والوقف لعدم لزوم العذاب.
والمفهوم إن كان حجة فعلى الثانية ما على الأولى، واستدلالكم على أن لا حكم حكم، وهو تناقض.
قلنا: اللازم عدم الأمن، ولا انفكاك.
ودلت الآية على الأمن، فلا لزوم، فلا حكم.
وبه اندفاع ما بعده.
والمراد نفي الوجوب والحرمة والباقي بدليل آخر.
ولا تناقض؛ فإن المنفي ليس هو الحكم مطلقا، بل نفي ما اثبتوه من الأحكام.
والقائل بالإباحة إن فسرها بما لا حرج في فعله وتركه فمسلم، أو ما أذن فيهما شرعا فلا شرع، أو ما حكم العقل فيه بالتخيير بينهما فالفرض أن لا مجال للعقل فيه.
قالوا: خلق المنتفع والمنتفع به مع القدرة وعود المنفعة إليه، فالحكمة تقتضي الإباحة.
قلنا: معارض بأنه ملك الغير، ويجوز أن يكون الخلق ليصبر المكلف عنه فيثاب.
والواقفية إن أرادوا به الوقف على السمع فمسلم، أو لتعارض الأدلة ففاسد لفسادها.
(1/137)

الأصل الثاني: في الحكم وأقسامه:
حد بأنه خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين.
ونقض
(1/138)

طرده بمثل: (والله خلقكم وما تعلمون)؛ فإنه متعلق بأفعالهم، وليس حكما، فزيد: (بالاقتضاء أو التخيير).
ونقض العكس بكون الشيء دليلا كالدلوك، وسببا كالبيع، وشرطا كالطهارة، وهي أحكام، فزيد: (أو بالوضع)، فأورد ما في (أو) من الترديد.
والأولى: خطاب الشرع بغاية شرعية مختصة به، أي لا تفهم إلا منه، لكونه إنشاء لا خارج له يفهم منه ليخرج مثل (غلبت الروم)؛ لجواز علمه من خارج.
وهو إن كان طلبا لفعل ينتهض تركه في جميع وقته سبا لاستحقاق العقاب فوجوب، وزاد الأشعري: (لفعل غير كف)، ودخل الواجب الموسع.
أو: لفعل ينتهض فعله خاصة للثواب فندب، و (خاصة) يفيد أن الترك لا يترتب عليه شيء.
أو لترك يصير فعله سببا لاستحقاق العقاب فتحريم.
أو لترك يصير تركه خاصة للثواب فكراهة، وإن لم يكن طلبا فإن كان تخييرا فإباحة، وإلا فوضعي.
وقد علم بذلك حدودها.
(1/139)

فصل: الواجب متعلق الوجوب.
فقيل: هو الفعل الذي ينتهض تركه سببا للعقاب، وحد بما يعاقب تاركه، وبما توعد به على تركه وبما يخاف.
وجواز العفو يرد الأول، وصدق إيعاد الله تعالى يرد الثاني، وما يشك في وجوبه الثالث.
والقاضي بما يذم تاركه شرعا بوجه ما.
وقال: (بوجه ما) ليدخل الموسع والكفاية؛ رعاية للعكس، فأدخل بالطرد لورود الناسي والنائم والمسافر؛ فإنه يذم بتقدير انتفائه، كما يذم في الكفاية بتقدير ترك الجميع.
فإن زعم أنه يسقط بذلك قلنا: ويسقط بفعل البعض، فلا حاجة إليه.
(1/140)

تنبيه: وعلى هذا فالفرض والواجب مترادفان، وعندنا متباينان.
فالفرض لغة: التقدير والقطع، والوجوب السقوط والاضطراب.
وفي العرف: الفرض الثابت بمقطوع به، والواجب: بمظنون.
وحكم الفرض اللزوم علما وعملا فيكفر جاحده، ويفس تاركه بغير عذر، وحكم الوجوب: اللزوم عملا فلا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إن استخف بسببه لا إن تأول.
واعترض بأن الاختلاف في طرق إثبات الحكم ليكون هذا معلوما وذلك مظنونا لا يوجب اختلاف ما يثبت به؛ ولهذا فإن اختلاف طرق الواجبات في الظهور والخفاء والشدة والضعف لا يوجب اختلاف الواجب من حيث
(1/141)

هو هو، واختلاف طرق النوافل لا يوجب اختلاف حقائقها.
وأجيب: بأن اختلاف الدليل في إثبات العلم والظن اختلاف في ماهية الحكم؛ لتباين المعلوم والمظنون، والاختلاف في الشدة والضعف وطرق النوافل في لواحق الماهية بعد ثبوتها.
فروع:
فمطلق القراءة فرض بالمقطوع (اقرؤوا ما تيسر)، والفاتحة
(1/142)

واجبة بالمظنون (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، (كل صلاة بغير فاتحة الكتاب خداج)، فوجب العمل على إنه إكمال للأول.
وكذا مطلق الركوع بـ (اركعوا)، والتعديل واجب بخبر الواحد، وكذا مطلق الطواف
(1/143)

(وليطوفوا) مع الطهارة، وكذا تأخير المغرب إلى العشاء بمزدلفة واجب، فإن صلى في الطريق أعاد عند أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما؛ عملا به، فإن أهمل فطلع الفجر لم يعد لخروج وقت العشاء الذي وجب التأخير إليه، فلو وجبت الإعادة بعده لحكم بفساد المغرب بخبر الواحد، والصحة ثابتة بالمقطوع.
وكذلك الحطيم من البيت بخبر الواحد، فوجب الطواف به احتياطا، ولم يصح التوجه إليه وحده لثبوته بالكتاب.
(1/144)

مسألة: الفقهاء في الواجب المخير -كخصال الكفارة- أنه واحد يعينه
(1/145)

فعل المكلف، والجبائي وابنه: أن الكل واجب على التخيير، وآخرون أنه واحد معين عند الله تعالى، ويسقط بفعله أو فعل غيره.
لنا: أن الأمر بواحد من أشياء جائز عقلا، فإنه يصح تكليف المولى عبده بكتابة هذا الكتاب أو ذاك على أن يثيبه على أيهما كتب، ويعاقبه بترك الجميع، والنص دال عليه؛ فإنه لم يرد الكل ولا واحدا بعينه، فتعين المبهم.
أما الأول: فلأن التخيير لو أوجب الجميع لوجب عتق الكل إذا وكله في إعتاق أحد عبديه، والتزويج بالخاطبين إذا وكلته بأحدهما.
وأما الثاني: فلأنه ينافي التخيير.
قالوا: غير المعين مجهول مطلقا، فاستحال التكليف به لاستحالة وقوعه منه، فوجب الكل، أو معين.
(1/146)

قلناك ممنوع؛ فإنه معلوم من حيث هو واجب واحد من ثلاثة، وإن أطلق عليه غير المعين لخصوصية أحد الثلاثة فصح التكليف لإمكان الوقوع.
قالوا: لو لم يجب الكل لوجب واحد، فإن تعين انتفى التخيير، أو وقع بين واجب وغيره، وإن لم يتعين فواحد غير واجب، فإن تغايرا لزم التخيير بين واجب وغيره، أو اتحدا اجتمع الوجوب وعدمه.
قلنا: لازم في التزويج والإعتاق.
والحق أن الواجب غير مخير فيه؛ لإبهامه، والتخيير فيه مجاز عن أفراده، والمخير فيه الأفراد، وليس بواجب، وإذا تعدد متعلق الواجب والمخير فيه تعددا، كما لو حرم واحدا وأوجب واحدا قالوا: يجب الكل، ويسقط بالواحد اعتبارا بفرض الكفاية، قلنا: العقاب بترك واحد من ثلاثة معقول، وقعاب واحد غير معين غير معقول، والإجماع على تأثيم الجميع هناك وتأثيمه بترك الواحد هنا.
قالوا: لو ثبت لوجب كونه معلوما عند الله لاستحالة إيجاب ما ليس بمعلوم.
قلنا: يعلمه حسبما أوجبه، وقد أوجبه غير معين، فيعلمه كذلك.
قالوا: يعلم ما يفعله المكلف، فيوجبه لامتناع إيجاب ما علم عدم وقوعه.
قلنا: ممنوع؛ وإلا لما وجب على الكافر ما علم عدم وقوعه.
ولئن سلم منع أن المفعول بخصوصه هو الواجب؛ للقطع بتساوي الخلق في الواجب، وعدم اختلافه بالنسب.
مسألة: الجمهور في الواجب الموسع -كالظهر في وقتها- أن جميعه
(1/147)

وقت للأداء.
والقاضي: أن الواجب الفعل أو العزم، وآخره متعين.
(1/148)

ومن الشافعية من عين أوله للأداء، فإن أخر فقضاء.
ومن الحنفية من عكس، وإذا قدم فنفل يسقط الفرض.
والكرخي: إن بقي بصفة المكلفين فما قدم واجب.
وفخر الإسلام رحمه الله ما نذكره في التقسيم بعد.
(1/149)

قالوا: الأمر أفاد الجميع إذ ليس المراد تطبيق أجزاء الصلاة على أجزاء الوقت، ولا تعيين جزء؛ لانتفاء دلالة اللفظ، فالتخصيص والتخيير تحكم.
ولأنه لو تعين من الموسع جزء فما تقدمه غير صحيح، وما تأخر قضاء، فيلزم العصيان.
القاضي: هو مخير في أول الوقت بين الفعل والعزم، فإذا أتى بأحدهما لم يعص، كخصال الكفارة.
أجيب: بأنه أول الوقت ممتثل؛ لأنه مصل، لا لأنه آت بأحد الأمرين.
وبأنه لو كان العزم بدلا وقد أتى به سقط المبدل، كما في سائر الأبدال.
ووجوب العزم على فعل كل واجب مضيقا أو موسعا من أحكام الإيمان.
وقال المعين للآخر: لو وجب من أوله لعصى بالتأخير؛ لتركه الواجب بغير عذر.
أجيب: بأنه مؤخر لا تارك مطلقاً، وله التأخير والتعجيل.
(1/150)

تقسيم:
العبادة إما غير مؤقتة وتجب على التراخي، خلافا للكرخي، أو مؤقتة ووقتها إما ظرف للمؤدى وشرط للأداء وسبب للوجوب كوقت الصلاة فإنه يفضل عنها
(1/151)

وتفوت بفوته ويمتنع تقديمها وتتبعه في وصفه. أو سبب ومعيار كالصوم فإنه مقدر به وشهود الشهر سبب مطلقا، ولهذا صح صوم المسافر عن الفرض، أو معيار لا سبب كالنذر والكفارة والقضاء، أو له من كل حظ وهو المشكل كوقت الحج فإنه فاضل فأشبه الصلاة، ولا يتصور في العام إلا حجة فأشبه الصوم ووقت الأداء أيضا مشتبه فإنه فرض العمر، وفي تعيين العام الأول خلاف والمؤخر إلى الثاني مؤد إجماعا. أما الأول فلا يمكن إضافة السببية إلى مجموع الوقت، وإلا فالأداء بعده خارج عن الوقت، وفيه تقديم على مجمووع السبب فوجب البعض
(1/152)

ولهذا وجب فرض الوقت على من أسلم أو طهرت وأيامها عشرة آخر جزء وأول الأجزاء موجود لا مزاح له، فكان أولى بالسببية لصحة الأداء لكن لا على التضييق، فليس من ضرورة نفس الوجوب الأداء للحال واعتبر بالثمن والمهر يجبان بالعقد والأداء بالطلب، والمكلف مخير بين التعجيل والتأخير فكان الوجوب بالسبب والأداء بالخطاب وإنما تعين إذا تضيق الوقت، ولهذا لم يكن على من مات قبل التضيق فرضه فإذا فات الجزء الأول ولم يتصل به الأداء انتقلت السببية إلى الثاني وهلم جرا. لأنه لما تضف إلى المجموع كان الجزء المتصل به الأداء أحق فإذا انتهى إلى آخر الوقت خوطب بالأداء واستقرت السببية واعتبر حال ذلك الجزء، فإن كان صحيحا كان الوجوب كاملا كما في الفجر فيفسد باعتراض الطلوع
(1/153)

أو فاسدا كالعصر تنشأ وقت الكراهة كان ناقصا فلم تفسد بالغروب، ولا يلزم ما إذا ابتدأها أول الوقت واعترض الاحمرار فإنها لا تفسد لأن الشرع أباح تعميم الوقت بالأداء، ومن ضرورته الحكم بالصحة لتعذر التحرز، وإذا خلا الوقت عن الأداء أمكنت الإضافة إلى المجموع لانتفاء ضرورة النقل إلى الجزء فيظهر في العصر تقضى وقت الاحمرار لا يصح لوجوبها كاملة سبب كامل فلا تقضى ناقصة. ومن أحكامه اختيار الإيقاع في الأجزاء والتعيين بالفعل كخصال الكفارة، وتأخيره عن الوقت مفوت ولا تنفي شرعية فرض الوقت شرعية غيره لكونه ظرفا.
والنية شرط وتعيينها أيضا لعدم التعيين بمطلق الاسم، ولا يسقط التعيين بالتضييق لأنه يعارض تقصير المكلف. وأما الثاني فحكمة انتفاء شرعية غيره معه ضرورة كونه معيارا فلا يجتمع فيه وصفان. فقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لو أدى المسافر واجبا عليه أو تنفل فيه لم
(1/154)

يجز لأن رخصة الفطر لا تَجعل غيرَ الفرض مشروعا في وقته، وقال أبو حنيفة: رخصةُ الترك لِحَقِّه تخفيفا، ومن التخفيف صحةُ القضاء فيه، ولأنه غيرُ مطالَب بالأداء الآنَ، فنُزِّل منزلةَ شعبان. والعلة الأولى تمنع النقلَ، والثاني تسوِّغُهما، وهما روايتان، وإطلاقُ النية يُوقِع عن رمضان في الأصح؛ لأن العزيمة والرخصة لا يظهر بها، والمريض يفارق المسافرَ في تعلق رخصة المريض بحقيقة العجز دونه، فيقعُ صومُه عن الفرض مطلقا في الأصح.
تنبيهٌ:
قال زُفَرُ: إذا تعيَّنت المشروعيةُ فما تصور فيه من إمساكٍ فرضٌ؛ لأنه هو المستحَقُّ على المكلف، فلم يحتج إلى تعيين، كهبة النصاب من الفقير.
قلنا: العبادة اختيارية، والقربة قَصْدية، وعدمُ (صحة غيرِ المشروع، لكونه) غيرَ مشروع، لا لاستحقاق المشروع، وهبةُ النصاب مَجازٌ عن الصدقة استحسانًا.
(1/155)

تنبيهٌ:
فقال الشافعي: لما كانت اختياريةً، وجب تعيينُ الرمضانية أيضًا.
قلنا: نعم، إلا أن العبادة متحدة في زمانها، فكان الإطلاقُ تقييدا، والخطأُ في الوصف غيرَ مانع
تنبيهٌ:
ولما وجب التعيينُ قال الشافعي: وجب من أوله؛ لافتقاره إلى النية، والعبادةُ متحدة، فإذا خلا بعضُها فسد، فلم يُفِد اعتراضُها من بعدُ، كما لو تأخَّرتْ عن الزوال، والتبييتُ إيقاعٌ لها قبلها، فصح.
قلنا: النيةُ للقربة، والعبادة متحدةٌ صحةً وفسادا، ودَوامُها وقِرانُها لأول جزء ساقطٌ للعجز المُبيحِ لجوازِ التقديمِ مع الفصلِ حقيقةً والاتصالِ حُكمًا، والعجزُ المبيحُ للتأخير مع الاتصال قائمٌ؛ فيمن
(1/156)

أفاق، أو قام بعد الصبح، ويومَ الشك، وللأول فضلُ الاستيعاب، وللثاني فضلُ الاتصال؛ فاستويا، والترجيحُ بالوجود أولى من الحال وكان موجودا مع الكل حكما للاتحاد؛ إقامةً للأكثر مقامَ الكل
تنبيهٌ:
ومن هذا: النذرُ المعيَّن؛ فإنه لا يَقبل صفةَ النفلية؛ لاتحاد العبادة، فتصح بمطلق النية، ومع الخطأ في الوصف, ويَتوقف مطلقُ إمساكه عليه, ولو أداه عن قضاء أو كفارةٍ صحَّ؛ لأن تعيينه عملٌ في إعدام النفلية التي هي حقُّه، لا في استعداد الوقت للقضاء والكفارة؛ لأنها حق الشرع
وأما الثالثُ فحكمُه: وجوبُ النية في الأكثر، ويَتوقف الإمساكُ على المشروع في الوقت؛ وهو النفل، فوجبت من أوله، ولم يَتوقف على الواجب؛ لأن التعيين من العبد، والتوقف لِمَا عُيِّن بالشرع، ولا يفوتُ؛ لعدم تعيُّن الوقت
وأما الرابعُ؛ فحكمُه عند
(1/157)

أبي يوسف إيجابُه مُضيَّقا، وعند محمد مُوسَّعا؛ بشرط عدمِ التفويت عن العمر، وأثرُ الخلاف في الإثم، وبنى بعضُهم الخلافَ على أن الأمر للفور عنده؛ خلافا لمحمد، والصحيحُ الاتفاقُ أن الأمرَ لا يُفيده، لكنْ محمد يقول: نسبةُ أوقات الحج كلَّ عام إلى العمر نسبةُ أيامِ قضاءِ رمضانَ، وإنما تتعيَّن أيامُه بالفعل، كذا ههنا، وهو مُؤَدٍّ إجماعا، ولو تعين الأولُ، كان قاضيا، ولَمَا صح فيه النفلُ، وأبو يوسف يَجعل العامَ الأولَ كوقت الظهر لفرضه؛ لتوجُّه الخطاب عند الإمكان، ولا مُزاحِمَ إلا بإدراك عام ثانٍ هو مشكوكٌ فيه، فلا مزاحمةَ، فتعيَّن، وخالَفَ أيامَ القضاء في أن إدراك اليوم الثاني ليس بنادر، فلم يفُتِ التأخيرُ؛ كأنه أدرك كلَّ الأيام، فيتخيَّر، فلم يتعين أولُها، وإنما جاز النفلُ لأن الحكم بالتعيين للاحتياط، فظهر في الإثم، وإنما كان في الثاني مؤديا (لأن تعيين) الأول للشك في إدراكه،
(1/158)

فإذا أُدرِك زال الشكُّ وقام مَقامَ الأول
ومن حُكمِه أن وقته ظرفٌ، فلم يَمنع شرعيةَ غيره فيه, فقلنا: إن التطوع يصحُّ في من لم يؤدِّ الفرضَ؛ خلافا للشافعي, ويصح بمطلقِ النية؛ على أن الحالة معيِّنةٌ للفرضية؛ فإن الظاهر أن لا يتنفل فيه من لم يؤدِّ فرضَه, فإنْ عيَّن النفلَ بطَلت الدلالةُ بالصريح، بخلاف رمضان؛ فإن وقته معيارٌ، ولا مزاحِمَ فيه، فلَغَت نيةُ النفلِ فيه، لا باعتبار المؤدَّى، بل بالنسبة إلى الواجب
تقسيماتٌ:
على أصولنا: الأداء في المؤقت: الإتيانُ بعين الواجب في وقته
(1/159)

الشرعي، وفي غير المؤقت مطلقا، وقضاءُ المؤقت: الإتيانُ بمثل الواجب خارجَ وقته، وغير المؤقت مطلقا، ومن الأداء كاملٌ؛ كصلاة الجماعة، وقاصرٌ؛ كالمنفرد حيث سقط الجهر، وكالمسبوق، ومُشبِهٌ للقضاء؛ كالمؤتم النائم، والمحدثِ يتوضأ ويعود بعد فراغ إمامه؛ فإنهم قالوا -في مسافر اقتدى بمثله في الوقت، فنام حتى فرغ الإمامُ، ثم (سبقه الحدثُ) فدخل مصرَه للوضوء والوقتُ باقٍ-: يَقصُر، ولو تكلم أثم، ولو لم يفرُغ أو كان مسبوقا يُتِم، ولو تكلم لأتم أيضا، والأصلُ أنه
(1/160)

مؤدٍّ؛ باعتبار قيام الوقت، قاضٍ؛ باعتبار فراغ الإمام؛ لأنه كان يقضي ما انعقدت له تحريمتُه بمثله فوجب بالسبب الموجب للأصل، (فما لم يتغير الأصلُ) لم يتغير المثلُ، فإذا لم يفرغ فوجد من المقتدي ما يوجب إكمالَ صلاته تمت بدخول المصر كونه [لكونه] مؤديا في الوقت، وإن وجد بعد فراغه فاعتراضُ الكمال على القضاء لا يغيِّره عن وصف الأداء، كما لو وُجد المغيِّر بعد خروج الوقت، وإذا تكلم بطَل معنى القضاء فعاد إلى الأداء، فتغير بالمغير لقيام الوقت، بخلاف المسبوق؛ لأنه مؤد، فلهذا فإن اللاحِقَ لا يقرأ ولا يسجدُ للسهو، والمسبوق يأتي بهما؛ لأنه قاضٍ ما انعقد له إحرامُ الجماعة
تقسيمٌ:
ومن القضاء ما هو بمِثْلٍ معقولٍ؛ كقضاء الصوم والصلاة بمثلهما مع سقوط شرف الوقت, وغيرِ معقول؛ كالفدية في الصوم وثواب الإنفاق في الحج، فالمثليةُ قائمةٌ نَصًّا {فدية طعام مسكين}
(1/161)

و (دَيْنُ الله أحق أن يقضى) فيقتصر عليه، ولهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أدى خمسةً زُيوفا عن جِيادٍ في الزكاة، يجوز؛ لأن الجودة لا مِثلَ لها صورةً ولا معنًى؛ لعدم التقوُّم، فسقطت، وكذا لا يَقضي الوقوفَ ولا الرميَ ولا الأضحية، فإن قيل: أوجبتُم التصدقَ بالعين أو بالقيمة،
(1/162)

قلنا: ثبتت التضحيةُ قربةً بالنص، مع احتمال أن يكون التصدقُ بأحدهما أصلًا؛ لأنه هو المشروع في الأموال، نُقِل إلى التضحية، واحتَمَل العكسَ، وهو الظاهر، فيُصار إليه عند القدرة، وإذا بطَلت تعيَّنت الصدقة احتياطا، لا لأنها مثلٌ، بل أصلٌ من وجه.
ومنه قضاءٌ يُشبِه الأداءَ؛ كمن أدرك إمامَه في العيد راكعا، يكبِّرُ وإن كان موضعُه
قد فات بلا مثل، واقتضى القياسُ السقوطَ، إلا أن للركوع شَبَهًا بالقيام، فكأنه مُدرِكُ مكانِه، فيثبت احتياطا، ولهذا تُحسَب تكبيرةُ الركوع منها، وليست في حال محض القيام, وكقضاء السورة الفائتة من الأُولَيين في الأُخرَيَين؛ لكون الصلاةِ محلَّ القراءة احتياطا، بخلاف الفاتحة؛ لأن شرعيتها في الأخريَين احتياطا، فلم يُمكن صرفُها إلى ما عليه، ولم يمكن اعتبارُ تصحيح الأداء؛ لأنه مشروعٌ أداءً فيتكرر، والسورةُ لا تجبُ قضاءً؛ لأنه لا سورة في الأُخريَين ليَصرِفَهما إلى ما عليه، وإنما وجبت تتميما لمعنى الأداء، فاقترفا
تقسيمُها في حقوق العباد:
أما الأداءُ الكامل فكرَدِّ المغصوب، وأما القاصرُ فكرَدِّ العبد المشغولِ عنده بالجناية، وكأداءِ الزَّيف في الدَّين إذا لم يَعلم القابضُ، أداءً بأصله دون
(1/163)

وصفه، فلو هلَكتْ بطَل حقُّه عند أبي حنيفة ومحمد؛ نظرًا إلى استيفاء حقه بالأصالة، ولا مثلَ للوصف صورةً ولا معنى؛ فسقط، وإن كان أبو يوسف استحسن ردَّ مثلِ المقبوض وطلبَ الجياد؛ إحياءً لحقه.
وأما المُشْبِهُ للقضاء فكمَنْ تُزوَّج على أبيها، وهو عبدٌ، فاستُحق؛ وجَبت قيمتُه، فلو لم يَقضِ بها حتى ملَك الزوجُ الأبَ، سلَّمه إليها؛ لأنه عينُ حقِّها، وهو في معنى القضاء؛ لأنه تبدَّلَ المِلكُ تبدُّلَ العينِ حُكما، فهو عينُ الحق ومثلُه حُكما، ولهذا وجب التسليمُ اعتبارا للعينية، ولم يُحكم بالعتق إلا بعد التسليم أو الحكمِ به لها اعتبارا للمثلية، وكذا لو اعتقه أو كاتَبَه أو باعه قبل التسليم صحَّ اعتبارا للمثلية وعليه القيمةُ، ولو حُكم بالقيمة قبله ثم ملَكه الزوجُ، لا يعود حقُّها فيه
وأما القضاءُ بمِثْل معقول، فمنه كاملٌ كالمِثْل صورةً ومعنًى؛ كضمان العدوان وبدلِ القرض تحقيقا للجَبْر، وقاصرٌ كالقيمة فيما له مثلٌ منقطع، عُدل إليها لفَوات المِثل الصُّوري، وعلى هذا: مَن قُطِع ثم قُتِل يُخيَّر وليُّه عند أبي حنيفة اعتبارًا للمِثْل الكامل والقاصر، وقالا: يَقتُله فقط؛ لأنه مُحقِّق جهة القطع، فآلت الجنايةُ إليه.
قلنا: قد يكون علةً قائمة (في الإهلاك) ماحيةً أثرَ القطع، فيتخير، ولهذا فإن أبا حنيفة يوجب القيمةَ في انقطاع المثل يومَ القضاء؛ لأن وجوده محتمل، فالقضاء القاصر غيرُ مشروع إلا بالحكم لينقطع به الاحتمالُ،
(1/164)

ولهذا لم تُضمن المنافعُ؛ لأن العين لا تُماثِلُها صورةً ولا معنى؛ لعدم التقوُّم؛ لعدم البقاء، فيعدم الإحرازُ لكونها أعراضا، إلا أن يُقصد بالعقد فتُحرز حكما شرعيا، لقيام العين مَقامَ المنفعة، وضمانُ العقد واجبٌ بالتراضي، وضمانُ العدوان (وأن) يعتمد أوصافَ العين، ولا يمكن، فافترقا
وأما القضاء بمِثْلٍ غيرِ معقول؛ فكَغَيرِ المال يُضمَن به، كالنفس تُضمن بالمال، ولا مماثلةَ بين المالك والمملوك، ولهذا لم تُشرع الديةُ مع احتمال القصاص؛ لأنه مِثْلٌ مطلقا، وهذا عند تعذُّره حفظا للدم عن الهَدَر، ولو شَهِد بالطلاق أو الردَّة أو القتلِ لم يَضمَن مِلكَ النكاح؛ لعدم التقوُّم، (وإنما قُوم في النكاح تعظيما لخَطَره، والخطرُ للمملوك لا للمِلك، حتي صح إبطالُه بغير شهود ولا وليٍّ) , فلا يلزم الشهادةُ بالطلاق قبل الدخول إذا رجَع عنها حيث يوجب ضمانَ نصف المهر؛ لأنه لم يجب قيمة البضع، ألا ترى أنه لم يجب مهرُ المثل كاملا، لكن المسمى لا يستحق تسليمه عند سقوط تسليم البضع، فلما أوجبوا تسليمَ النصف مع فَوات تسليم البضع، كان قصرا ليده عن المال، فأشبَهَ الغصبَ
وأما القضاءُ المُشْبِهُ للأداء؛
(1/165)

فكرجُلٍ تزوج على عبدٍ غيرِ معين، فأدى القيمة أُجبِرت على قَبولها، والقيمةُ قضاءٌ يُصار إليه للعجز عن الأصل، إلا أنه مجهول من وجه فيَعجِز عن تسليمه، فقلنا: إن أدَّى الأصل صَحَّ، وإن مال إلى العجز وجبت، ولمَّا لم يتعين الأصلُ إلا بالقيمة للجهالة كان التقويمُ أصلا من وجه، فزاحمت المسمى، بخلاف المعين؛ لعدم التوقف على التقويم، فكانت قضاء، فلم يُعتبر عند القدرة
تنبيهٌ:
القدرةُ -التي هي شرط التكليف- سابقةٌ، وهي نوعان: مُمكِّنة من الأداء، فلا تشترط للبقاء، فلا يسقط الواجبُ بالموت، ولا الحجُّ والفطرة بهلاك الزاد والراحلة والمال،
(1/166)

وقد قال زفرُ والشافعيُّ: إذا أسلم أو بلغ أو طهُرت الحائضُ، ولم يبق من الوقت ما يسعُ الأداءَ؛ لا تجب عليهم، وإن استحسنَّا نحن الوجوبَ لانعقاد السبب، وتقدر القدرة للإمكان الذاتي، والانتقالُ إلى القضاء للعجز الحالي.
ومُيَسِّرةٌ تُغيِّر صفةَ الواجب إلى السهولة؛ كالزكاة الواجبة جزأً من المال بشرط النماء الميسر، فاشتُرطت (للبقاء؛ لبقاء) تلك الصفة للمشروعية، فتسقط بالهلاك،
(1/167)

وإلا انقلبت غُرما مناقضا لليسر، بخلاف الاستهلاك للتعدي، وكصحة التكفير بالصوم للإعسار بعد الحنث؛ لقيام اليسر بالتخيير، واعتبار العدم الحالي لقوله: {فمن لم يجد}؛ إذ لو قَصَد علمَ الوجدان في العمر بطَل الصومُ، ولهذا ساوى الهلاكَ فيه الاستهلاكُ؛ لعدم تعين المال والوقت فلم يكن متعديا، والمال في الزكاة متعين، وكبطلانها بالدين؛ لمنافاة اليسر.
فإن نُقِض بالكفارة،
(1/168)

أُجيبَ: بالفرق؛ على قولِ أن الزكاة للإغناء، فاشتُرط كمالُ السببية وهو الغنى، والدَّين ينافيه، والكفارة زاجرة لا مغنية، ولهذا تأدَّت بالعتق والصوم، فكفى أصلُ المال مع اليسر لتحصيل الثواب المقابلِ للجناية
مسألةٌ:
ما لا يتم الواجبُ إلا به؛ إن كان مشروطا به لم يجب تحصيلُ الشرط، أو مطلقا
(1/169)

والوقوعُ مشروطٌ به وهو مقدورٌ للمكلف؛ فواجبٌ، وغيرُ الشرط: كترك الأضداد في الواجب، وفعلِ الضد في المحرم، وغسلِ جزء من الرأس غيرِ واجب، والأكثرُ على الوجوب، وقيل: لا يجب فيهما.
واستُدل على الأول: لو لم يجب كان مباحا، والمشروطُ واجبا مع عدمه، وفيه تكليفُ ما لا يُطاق.
ورُدَّ: بأن المشروط إذا كان مطلقا والشرط مباحا لم يلزم الوجوبُ حالَ (عدمه، بل حالَ) عدم وجوبه، على أن التكليف به حالَ عدم الشرط؛ إن كان محالا فالتكليفُ به مشروط بوجوده، وكلُّ ما وجوبُه مشروطٌ بشرط لم يجب تحصيلُ الشرط، وأيضا لو لم يجب الشرطُ لم يكن شرطا، وعلى الثاني: لو وجب لزِم تعقُّل المُوجِب له، وليس العقلَ ولا الشرعَ لعدمه، ولامتنع التصريحُ بغيره، ولكان مقدورا ومُثابا عليه ومعاقَبا بتركه، ولارتفع المباحُ، ولوجبت النيةُ.
قالوا: لو لم يجب لصح الفعلُ دونه، وإلا لزِم تكليفُ المحال بتقدير عدمه، ولما وجب التوصلُ إلى الواجب.
قلنا: إن أُريدَ بالوجوب والصحة ما لا بُد منه فمُسلَّمٌ، وإن أريد أنه مأمور به فممنوعٌ، وأين دليلُه؟ وإن سُلم أن التوسُّل واجبٌ ففي الأسباب المستلزمةِ لمسبَّباتها، لا لنفس الأمر بالفعل، بخلاف الشروط الحسية والعقلية، وفيه نظر؛ لِاطِّراده من حيثُ توقفُ المشروط على الشرط
(1/170)

فصلٌ:
المحظورُ: الممنوعُ.
(وفي) الشرع: ما يَنتهِض فعلُه سببا للذم شرعا بوجهٍ ما من حيثُ هو فعلٌ له، والأول فصلٌ عن باقي الإحكام، والثاني عن المخيَّر، والثالث عن المباح المستلزِمِ فعلُه تركَ واجب؛ فإنَّ ذمَّه من جهة ترك الواجب
مسألةٌ:
الاتفاقُ على استحالة اتصاف فعلٍ بالحظر والوجوب من جهة واحدة، إلا من جَوَّز تكليفَ المحال، والخلافُ في النوع الواحد؛ هل يوصف بهما؟ كالسجود لله تعالى
(1/171)

والصنمِ، وفي الفعل الواحد لاختلاف الجهة؛ كوجوب الصلاة في الدار المغصوبة من جهة كونِها صلاةً، وحرمتِها من جهة المعصية، فأجازه أكثرُ الفقهاء، وخالف في الأولى بعضُ المعتزلة، وفي الثانية الجبائيُّ وابنُه والظاهريةُ والحنابلة والزيدية، ولا تجب عندهم ولا تصح، ولا يسقط بها الفرضُ ولا عندها، والقاضي يوافقُهم ويُسقطه عندها (لا بها).
قالوا: السجودُ نوعٌ واحد مأمورٌ به لله تعالى، فلا يكونُ منهيا عنه للصنم من حيث هو سجودٌ، والنهيُ قصدُ تعظيمه.
قلنا: تغايَرَا بالشخصية، فلم يستلزم وجوبُ أحدهما وجوبَ الآخر ولا حرمتُه حرمتَه، وإن أردتم
(1/172)

مطلقَ السجود فممنوعٌ، بل المأمورُ به: المقيدُ بقصد تعظيم الله، ولهذا قال: {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله}، والمنهيُّ عنه هنا هو المأمورُ به.
وقالوا في الثانية: الوجوبُ والحظرُ متعلِّقان بفعل المكلف، وما وُجد منه أفعالٌ محرمةٌ عليه عاصٍ بها، فاستحال وصفُها بالطاعة.
قلنا: سوَّغه تغايُرُ الجهتين، فالمحكومُ عليه بالوجوب: الهيئةُ الاجتماعية من ذات الفعل وإحدى صفتيه، وبالحرمة: مجموعُ الذات والصفةِ الأخرى، قالوا: متلازمان ههنا، والواجب متوقف على الحرام، وما لا يتم الواجبُ إلا به فهو واجب، فالحرام واجب، ولأن الحركة والسكون داخلان في مفهوم الصلاة، وشَغْل الحيز داخل في مفهومي الحركة والسكون الداخلين في مفهومها، فشغل الحيز داخلٌ في مفهومها؛ لأنه جزؤها، فالشَّغلُ حرام، فالصلاةُ التي جزؤها حرامٌ ليست واجبة؛ لأن وجوبها إن استلزم وجوبَ أجزائها وجب الجزءُ الحرامُ، وإلا كان الواجبُ بعضَ أجزاء الصلاة لا نفسها، لتغايُرِ الكل والجزء.
قلنا: الاتفاقُ على أن العبد إذا أُمِر بخياطة ثوب، ونُهي عنه في موضع مخصوصٍ، فجَمَع كان طائعا عاصيا، للجهتين، وما قدر واردٌ، والجوابُ واحدٌ.
واستُدل: لو لم يصح لما سقط التكليفُ، قال القاضي: وقد سقط بالإجماع، فيحمل أن الفرض ساقطٌ عندها (لا بها)؛ جمعا بين دليله والإجماع.
والحقُّ نفيُ الإجماع؛ لمخالفة
(1/173)

أحمد, والفرقُ بين مسألتنا والخروجِ يؤيد (استحالةَ تعلقِ) الأمر والنهيِ به معا.
وقولُ أبي هاشم: إنه عاصٍ به وبالإقامة، مستلزمٌ لتكليف المحال، والقولُ باستصحاب المعصية بعيدٌ؛ لعدم النهي عنه، والقولُ بالجهتين غيرُ ممكن؛ لاستحالة امتثال الخروج وعدمِه معا
فصلٌ:
المندوبُ: هو "المطلوبُ فعلُه شرعا من غير ذمٍّ على تركه مطلقا"، والأولُ فصلٌ عن الحرام والمكروهِ والمباحِ والأحكامِ الثابتة بخطاب الوضع، ونفيُ الذم عن المخيَّر والموسعِ في أول الوقت
مسألةٌ:
وهو مأمورٌ به عند الكرخي والجَصَّاص مجازا،
(1/174)

والقاضي وجمعٍ من الشافعية حقيقةً، لنا: صحةُ نفيِ الأمرِ عنه دليلُ المجازيَّةِ؛ فيقال: صلاةُ الضحى ليس بمأمور بها، والعصرُ مأمورٌ به.
قالوا: طاعةٌ، وليس لذاته،
(1/175)

وإلا لذُمَّ بتقدير النهي عنه، ولا لكونه مُرادا، (ولا) لصفة مشتركةٍ بينه وبين غيره من الحوادث، وإلا لعَمَّت كلَّ حادث ومُرادٍ، ولا لأنه مُثابٌ عليه، وإلا لم يكن طاعةً بتقديرِ عدمه، ولا لكونه موعودا به؛ إذ لو ورد لوجب، فتعين أنه طاعةٌ لامثتال الأمر.
قلنا: بل لكونه مُقتضًى ومطلوبا ممن له ذلك، ولو كان لكونه مأمورا كان تركُه معصية، على أن قولَه: (لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسِّواك)، وقولَ بَرِيرةَ: تأمرني؟ فقال: (لا، بل أنا شافعٌ) دليلُ عدمِ الأمرِ حقيقةً
مسألةٌ:
الأكثرون أنه غيرُ تكليفي, ونازَعَهم أبو إسحاق.
(1/176)

والنزاعُ لفظيٌّ؛ فإنه إن عني به: ما أُمر به أو أُثيب عليه؛ فتكليفيٌّ، أو ما طُلب جزما فليس
فصلٌ:
المكروهُ لغةً: من الكرهة والشدة والكرب. وفي الشرع: يُطلق على الحرام,
(1/177)

وقولُ محمد: كلُّ مكروه حرامٌ، فحَدُّه حَدُّه, وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: هو إلى الحرام أقربُ.
ويُطلق على: ترك ما ترجَّحت مصلحتُه؛ كترك المندوب وإن لم يكن منهيًّا، فيُحد بـ: تركِ الأَوْلى, وعلى: ما نُهي عنه تنزيهًا؛ كالصلاة في الوقت المكروه، فيُحد بـ: النهي الذي لا ذَمَّ على فعله, والخلافُ في كونه تكليفًا كالمندوب
فصلٌ:
المباحُ: ما خُيِّر بين فعله وتركِه شرعا.
ونُقِض بخصالِ الكفارة، والأداءِ في أول الوقت مع العزم، والفعلُ واجبٌ.
وقيل: ما استوى جانباه في عدم الثوابِ والعقابِ.
ونُقِض بأفعال الله تعالى؛ فإنها لا تُوصف بالإباحة.
والأقربُ: ما دَلَّ الدليلُ السمعي على خطاب الشارع فيه بالتخيير بين الفعل والتركِ من غيرِ بدلٍ، والأولُ فصلٌ عن فعل الله تعالى، والثاني عن الواجبِ الموسَّع والمخيَّرِ
(1/178)

مسألةٌ:
الاتفاقُ أن الإباحة حكمٌ شرعي، وبعضُ المعتزلة: أنه لا معنى لها إلا نفيُ الحرج عن الفعل والترك؛ وهو قبلَ الشرع ومستمرٌّ بعده، فليس شرعيًّا.
قلنا: لا ننكر أن انتفاءَ الحَرَج عنهما ليس بإباحةٍ شرعية، وإنما الشرعيةُ خطابُ الشارع بالتخيير، وليس ثابتا قبلَ الشرع، فليس ما نَفَيتُموه ما أثبَتْناه
مسألةٌ:
المباحُ غيرُ مأمور به.
والكعبيُّ: لا مباحَ، بل ما يُفرضُ مباحا فهو واجبٌ مأمورٌ به.
لنا:
أن الأمر طلبٌ، وأقلُّه ترجيحُ الفعل، والمباحُ لا ترجيحَ فيه، والإجماعُ على أنه قسمٌ من الأحكام.
قال: كلُّ مباحٍ تَرْكُ حرامٍ، وتركُه واجبٌ
(1/179)

ولا يتمُّ إلا بأحدِ أضداده، وما لا يتم الواجبُ إلا به واجبٌ، وكونُه من الأحكام ملحوظٌ فيه ذاتُ الفعل دون تعلقِ الأمر به، بسبب توقفِ ترك الحرام عليه، وحينئذ لا يكونُ مأمورا به؛ جمعا بين الأدلة.
وأُجيبَ:
بأن المباح ليس تركَ الحرام، بل شيءٌ يُتركُ به، مع إمكان تركه بغيره، فلم يَلزم وجوبُه. فأجاب:
مع تسليمِ أن الترك لا يتمُّ إلا بأحدِ أضداده، وأن ما توقَّف عليه الواجبُ واجبٌ، لا يُمكن منعُ كونِ هذا الضد واجبا، غايتُه أنه غيرُ معين، فإذا اختاره المكلفُ تعيَّن ووجَب، ولا مَخلصَ إلا بأنَّ ما لا يتم الواجبُ إلا به -من عقلي أو عاديٍّ- فليس بواجب كما مرَّ، والتزم أيضا: لو كان كذلك لكان المحرمُ إذا تُرك به محرمٌ واجبا، والواجبُ إذا تُرك به واجبٌ حراما، فأجاب بأن لا مانعَ من اتصاف الفعل بهما لاختلاف الجهة، كما مرَّ
مسألةٌ:
الحقُّ أن المباحَ ليس داخلا في مُسمَّى الواجب؛ لأن المباح: ما خُيِّر فيه بين الفعل والتركِ، وهو مُبايِن للواجب.
وقيل: داخلٌ؛ لأن المباح ما لا حرجَ في فعله، وهو متحققٌ في الواجب، وما زاد به الواجب فَصْلٌ.
قلنا: ما به الاشتراكُ ليس تمامَ حقيقةِ المباح.
والنزاعُ لفظي؛ فإن عُني بالمباح ما أُذِن في فعله مطلقًا، فجنسٌ للواجب والمباحِ بالمعنى الأخصِّ والمندوبِ، وإن أُريد ما أُذن فيه ولم يُذم على تركه، فليس بجنسٍ قطعًا
(1/180)

تنبيهٌ:
وعلى هذا: فإذا نُسخ الوجوبُ هل يبقى الجوازُ؟
فنفاه أصحابُنا، وأثبته الشافعيُّ، وظهَرت الفائدةُ فيمن حلَف على يمينٍ فرأى غيرَها خيرًا منها؛ فليكفِّرْ عن يمينه ثم ليأتِ الذي هو خيرٌ، فإن الوجوب سابقا منسوخٌ بالإجماع، فبقي الجوازُ عنده، ولم يبقَ عندنا.
قال: لأن مِن ضرورةِ الوجوبِ الجوازُ، ولا عكسَ في الانتفاء.
قلنا: الماهيتان متغايرتان، فلو سُلم فما هو جزءُ الوجوب
(1/181)

مُنتَفٍ بانتفائه؛ لاستحالة بقاء حصةِ النوع من الجنس بعد عدمِ النوع، ولا وجودَ للأعمِّ إلا مُشخَّصًا، (فالحقُّ أن) الباقيَ ليس هو جزءَ الوجوب قطعا، بل هو حكمٌ شرعيٌّ يَثبُت بدليل منفصلٍ، كما في جوازِ صومِ عاشوراء بعد انتساخ الوجوبِ؛ فإنه ثابتٌ؛ لصلاحية كلِّ يومٍ لصوم النفلِ من قبلُ
مسألةٌ:
الحقُّ أنه ليس بتكليف، والنزاعُ فيه (مع أبي إسحاق) لفظيٌّ؛ فإن معناه وجوبُ اعتقاد الإباحة، والوجوبُ تكليفٌ، وعندنا: الفعل فيه كلفةٌ ومشقة، ولا تكليفَ مع التخيير
فصلٌ:
الأحكامُ الثابتةُ بخطاب الوضع أصنافٌ:
الأول: الحكمُ على الوصف بالسببية،
(1/182)

والسببُ: ما يُتوصل به إلى مقصودٍ ما.
وفي الشرع: كلُّ وصفٍ ظاهرٍ منضبطٍ دلَّ السمعُ على كونه مُعرِّفا لإثبات حكمٍ شرعي؛ كجَعْل الدُّلوكِ سببا للصلاة.
ولله تعالى في كل واقعةٍ عُرِف حكمُها بالسبب حُكمان:
نفسُ الحكم، والسببيةُ المحكومُ بها على الوصف المعرِّف له.
وفائدةُ نَصْب الأسباب تعريفُ الأحكام بعد انقطاعِ الوحي؛ لعُسر الوقوف في كل واقعةٍ على الخطاب.
والمُوجِب هو اللهُ.
والسببُ أمارةٌ، لا مُوجبٌ لذاته؛ وإلا لكان مُوجِبا قبلَ الشرع.
والخطابُ عندنا للأداء والوجوبِ بالسبب، فهو جَبْري، والأداءُ اختياريٌّ، كما تجبُ الصلاةُ على النائم والمجنونِ والمُغمَى عليه، إذا انقطع الجنونُ والإغماءُ دون يوم وليلةٍ، وكما يجب العُشرُ والفِطرةُ على الصبي عندنا،
(1/183)

والزكاةُ عند الشافعي؛ نظرا إلى انعقاد السبب، (ولا خطابَ)
فإن قيل: لو كانت السببيةُ حكما لافتقرت إلى سببٍ معرِّف، ويدور أو يَتسلسل، ثم إن كان الوصفُ معرِّفا بنفسه لزِم ذلك قبلَ الشرع، أو بصفةٍ فالكلامُ فيه عائد، والدَّورُ أو التسلسلُ لازمٌ.
ثم الطريق إلى معرفة كونِ الوصفِ سببا هو ما استَلزَم من الحكمة الداعيةِ مِن جلب مصلحةٍ أو دفع مفسدةٍ، وهو ممتنعٌ؛ لإمكان تعريفِ الحكمِ بنفسِ الحِكمة الداعيةِ مِن دون الوصفِ.
ولأنها إن كانت قديمةً لزِم قِدَمُ معرفةِ السببية، أو حادثةً احتاجت إلى مُعرِّف آخرَ؛ لخفائها، ويعودُ التقسيمُ.
قلنا: منقطعٌ بأن معرفة السببيةِ بالخطاب أو الحكمةِ الملازمةِ للوصف مع اقتران الحُكم بها في صورة، والحكمةُ المعرِّفةُ ليست بمطلقِ حكمةٍ، بل المضبوطةُ بالوصف المقترنةُ بالحكم، وإلا يمتنعُ تعريفُ الحكم بها؛ لخفائها واضطرابِها واختلافِها بالأشخاص والأحوالِ والأزمان، ثم إذا كانت مضبوطةً بالوصف فهي معروفةٌ بنفسها، ولا يَلزم من تقدُّمِها على الشرع كونُها معرِّفة للسببية؛ لتوقفِ ذلك على اعتبارها في الشرع
(1/184)

تنبيهٌ:
سببُ وجوب الإيمان العقلُ؛ على القول بأنه مُوجِب بنفسه، ومعناه أن الله مُوجِبٌ والعقل مُعرِّف، وعليه فخرُ الإسلام، وعلى هذا فالإسلامُ واجبٌ على مَن لم تبلُغْه الدعوةُ، وعلى الصبي العاقلِ قبل الشرع، والأداءُ منه بعدَ انعقاد السبب.
ونفسُ الخطاب؛ على القول بأن العقل غيرُ مُوجِب، فعلى هذا لا يجبُ قبلَه، وبعدَه بالعقل بجَعْلِ الشرع.
وسببُ وجوبِ الصلاة وقتُها، وأمارةُ السببية النسبةُ؛ باللام {لدلوك الشمس}، والإضافة
(1/185)

كصلاة الظهر؛ الدالَّينِ على الاختصاص، والتكرُّرِ بتكرره، وفسادِ الأداء قبله، والصحةِ في أوله، مع تأخُّر اللزوم كما مرَّ.
وسببُ الزكاة مِلكُ النصاب للنسبة، ولهذا جاز التعجيلُ، غيرَ أن الغِنى لا يتمُّ دون الاستنماء في زمانٍ، فأُقيم الحولُ مُقامَ حقيقةِ النَّماء، وكان المالُ الواحدُ -سببُ تكرُّر (النماء بتكرُّر) الأحوال- متكررًا حكما، وسببُ الصوم أيامُ رمضان، ومتى كان الوقتُ سببا كان ظرفا صالحا للأداء، فخرج الليلُ؛ (لعدم الصلاحية) ولأنه منسوبٌ إليه ومتكرِّر به، ولهذا وجب على صبىٍّ بلَغَ وكافرٍ أسلَمَ في بعضه؛ لأن كلَّ يوم سببُ صومه، وسببُ الفِطرةِ على كل مسلمٍ: غِنَى الرأس ومن يَمُونه بالنص (أدُّوا عمن تمونون، أدوا عن كل حر وعبد)، وكذلك يُضاعَف الوجوبُ بالرؤوس، والوقتُ
(1/186)

شرطُه والنسبةُ إليه مجازية
وسببُ الحج البيتُ؛ للنسبة، والوقتُ شرطُ الأداء؛ لعدم التكرر بتكرره، وكذلك الاستطاعةُ بالمال؛ لصحَّة الأداء من الفقير، ولا يصلُح المالُ سببا لعبادةٍ بدنيةٍ.
وسببُ العشر الأرضُ الناميةُ حقيقةً بالخارج، وفيه معنى المُؤْنة والعبادة، ويتكررُ بتكرر الخارج تقديرًا، ولم يجُزِ التعجيلُ قبل الخارج لأنه بمعنى السبب لوصف العبادة، فلو عُجِّل خرَج معنى المُؤنة والعبادة، وكذلك سببُ الخراج، والنماءُ معتبرٌ فيه تقديرًا بالتمكُّن من الزراعة، فهو مُؤنةٌ باعتبار الأصل، عقوبةٌ باعتبار الوصف، وسببُ الطَّهارة الصلاةُ، وهي شرطُها، فلم يجب قصدا، بل عند إرادة الصلاة، والحدثُ شرطٌ لا سبب؛ لزواله بها، وأسبابُ الحدود ما تُنسَب إليه؛ مِن زنًا وسرقةٍ وقتلٍ،
(1/187)

وسببُ الكفارة ما تُنسب إليه، ويكون دائرا بين الحظر والإباحة، كالفطر وقتلِ الخطأ والصيد واليمين، لا قتل العمد والغموس
الثاني: الحكمُ على الوصف بالمانعيَّة؛ فمنه مانعُ الحُكمِ؛ وهو: كلُّ وصف وجوديٍّ ظاهرٍ منضبِطٍ مستلزِمٍ لحِكمةٍ مُقتضاها نقيضُ حكمِ السبب مع بقاء حِكمةِ السبب؛ كالأبوة في القصاصِ مع قتل العمد.
ومنه مانعُ السبب؛ وهو: كلُّ وصف يُخل وجودُه بحكمة السبب؛ كالدَّين في الزكاة مع مِلكِ النصاب
الثالثُ: الحكمُ بالشرطية، فما كان عدمُه مُخِلًّا بحِكمةِ السببِ
(1/188)

فهو شرطُ السبب؛ كالقدرة على التسليم في باب البيع.
وما كان عدمُه مستلزِما لعدم السببِ فهو شرطُ الحُكم؛ كعدم الطهارة في الصَّلاة مع الإتيان بمُسمَّى الصلاة
الرابعُ: الحكمُ بالصحة، ففي العبادات عند المتكلم: موافقةُ الأمر، وعند الفقيه: سقوطُ القضاء بالفعل.
وفى المعاملات: ترتُّب ثمرةِ العقدِ عليه
الخامسُ: الحكمُ بالبطلان، والباطلُ: ما لم يُشرَع بأصله ولا وصفِه،
(1/189)

والفاسدُ عند الشافعي مرادفٌ له، وعندنا مغايرٌ للباطل والصحيح
السادسُ: الرخصةُ؛ وهي: ما شُرع لِعُذر مع المُحرِّم، فمنها كاملةٌ؛ وهي:
(1/190)

ما استُبِيحَ (لعذر) مع المحرِّم، وحكمُه كالمُكرَه على الكفر بالقتل؛ فإن العزيمة في الصبر؛ لقيام الحرمة، والعذرُ أن حق العبد يفوتُ به صورةً ومعنًى، وحقُّ الله باقٍ معنًى؛ لوجود التصديق، وصورةً من وجه؛ لعدم وجوب التكرار، لكن فيه هتك حق الله ظاهرًا، فكان له تقديمُ حقِّه، والصبرُ أولى لكونه جهادًا، وكذلك الأمرُ بالمعروف رُخص تركُه خوفَ القتل، والإقدامُ جهادٌ؛ باعتبار تفرُّق الفَسَقة، بخلافِ غازٍ يُقدِم ويَعلم أنه يُقتَل من غير نكايةٍ في العدو؛ لكونه مضيِّعًا نفسَه، وكذلك المُكرَهُ على إتلاف مالِ الغيرِ، وعلى الفطر، والجنايةِ في الإحرام.
ومنها قاصرةٌ: وهي: ما استُبِيح مع المحرِّم وتَراخَى حكمُه؛ كفطر المسافر في رمضان، والعزيمةُ أَولى؛ لكمال السببية
ومثلُ (ورَخَّص في السَّلَم) مجازٌ؛ فإن الأصلَ أن يكون المبيعُ عينًا، وقد سقط في السَّلم أصلا
(1/191)

تخفيفا.
وكذلك مَن أُكره على الخمر أو الميتةِ أو اضطُر إليهما؛ لسقوط الحرمة وتأثُّمه بالصبر؛ لأن الحرمة لصيانة عقله ونفسه، فإذا فات ما لأجله حُرم لم يَستقم صيانةُ البعض لفَوات الكل، وكان بالصبر مُضيِّعًا نفسَه.
وكذلك القَصْر عندنا؛ لتسميتِها صدقةً في النص، والصدقةُ بما لا يَحتمِلُ التمليكَ إسقاطٌ،
(1/192)

ولأن الرخصة تيسيرٌ، وهو متعينٌ فيه.
ولأن التخييرَ للترفُّق، وأنه يَستدعي جهتَيْ يُسر؛ كفطر المسافر؛ خفيفٌ من وجه لمشاركة الصوَّام، وغيرُ خفيف للمشقة الناجزة، وجهةُ اليسر ههنا متحدةٌ، فكانت إسقاطا.
ولا يَلزم خيارُ المأذون له في الجمعة بينها وبين الظهر، ولا خيارُ مَن حلَف إن دخل الدار أن يصومَ سنةً، فدخَل وهو مُعسرٌ، بين صومها وصومِ الكفارة؛ لاختلاف ما فيه الخيارُ، فاستقام طلبُ الترفُّق.
ونظيرُ مسألتنا: المُدبَّر يَجني، يَلزَمُه الأقلُّ مِن الأرشِ والقيمةِ، بخلاف العبد؛ حيث يُخيَّر مَوْلاه بين الدَّفْعِ والفداءِ، والفرقُ الاتحادُ والاختلافُ
(1/193)

الأصلُ الثالثُ: في المحكوم فيه:
ميلُ الأشعري إلى جواز التكليفِ بالمحال لذاته كالجمع بين الضدَّين.
واختُلف في الوقوع.
والإجماعُ على التكليف بما عَلم اللهُ أنه لا يَقعُ.
والمختارُ أن الإمكان شرطُ التكليف؛ لأنه لو صح التكليفُ بالمستحيل لكان مطلوبَ الحصولِ؛ لأنه معناه، وهو محالٌ؛ لعدم تصوُّر وقوعه، وإلا يلزم تصورُ شيء على خلاف ماهيته،
(1/194)

واستدعاءُ الحصول فرعُه.
فإن قيل: لو لم يُتصوَّرْ لم يُحكم بكونه محالا، فإنه فرعُ تصورِه، وهو مُعارَض بما يدلُّ على وقوعه شرعا؛ چ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ ? ... ? قَدْ آمَنَ چ، وكانوا مكلفين بتصديق نوحٍ مطلقا، ومن ضرورته تكليفُهم تصديقَه في عدم تصديقهم، وكُلف أبو لهب بتصديق النبي (صلى الله عليه وسلم) في إخباره، ومنه إخبارُه أنه لا يصدِّقه، فقد كلَّفه بتصديقه بعدمِ تصديقه، وفيه جمعٌ بين الضدَّين.
قلنا: الجمعُ المعلوم المحكومُ بنفيه عن الضدين هو جمعُ المختلفات، ولا يَستلزمُ تصوُّرُه منفيا عنهما تصوُّرَه مُثبَتا لهما؛ لاستلزامه التصور على خلاف الماهية، وإنما كُلفوا بتصديقه فقط، وعلمُ الله تعالى بعدم تصديقهم وإخبارُه به لا يَستلزِمُ رفعَ الإمكانَ الذاتي، لكن لو كُلفوا بعدَ علمِهم لكان من باب ما علِم المكلفُ امتناعَ وقوعِه، وذلك غيرُ واقع؛ لانتفاءِ فائدةِ التكليف، لا لأنه مستحيلٌ، وقيل: القدرةُ مقارِنةٌ للفعل، والتكليفُ سابقٌ عليه، والتكليفُ حالَ عدم القدرة تكليفٌ بما لا يُطاق. ورُدَّ: بالمنع؛ بل هي سابقةٌ عندنا بمعنى سلامةِ الآلات، وبأنه مستلزِمٌ لكون جميع التكاليفِ تكليفا بالمحال، وهو باطل بالإجماع
(1/195)

مسألةٌ:
جمهورُ الشافعية والمعتزلة: لا يشترط في التكليف بفعلٍ حصولُ شرطه الشرعي حالةَ التكليف، وهي مفروضةٌ في تكليف الكافر بالفروع، وعندنا: أنه أهلٌ
(1/196)

لحُكم (لا يُثاب) عليه؛ كالمؤن والمعاملات.
قالوا: لا يمتنعُ الخطابُ بالعبادة مشروطا بتقديم الإيمان عقلًا، ودليلُ الوقوع شرعا: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله} {فلا صدق ولا صلى}، ذمَّه على ترك الجميع، {قالوا لم نك من المصلين}، والتعذيبُ دليل الخطاب، ولو امتنع لامتنع الأمرُ بالصلاة حالَ عدم الطهارة، ولكان اشتراطُ تقديم النية مانعا من وجوب الصلاة.
قلنا: التكليفُ بها إن كان حالَ وجود الإيمان لم يكن سابقا، أو حالَ عدمه لم يجُز عقلًا، والتكليفُ للامتثال، وهو فائتٌ؛ لامتناعِ الأداء حالةَ الكفر، وبعد الإيمان لكونه يجُبُّ ما قبله، ولأنه لو وجب لوجب القضاءُ لوجوبه بالأمر الأول، والآياتُ مؤولة بإطلاق العبادة والصلاة، وإرادةِ الإيمان، وجوازِ أن يكون غيرُ المصلين غيرَ المكذبين؛ لاشتمال الناس على الصنفين، جمعا بين الأدلة.
والشرطُ تابعٌ يجبُ بوجوب مشروطه كالطهارة، والإيمانُ أصل
(1/197)

مسألةٌ:
المتكلمون: التكليفُ إنما هو كسبي؛ من فعلٍ أو كفٍّ، لا بنفيِ فعلٍ من غير تلبُّسٍ بضدٍّ، خلافا لأبي هاشم.
قالوا: لو كُلف به لكان مُستدعَى الحصولِ، ولا يُتصوَّر؛ لأنه غيرُ مقدور له، فالتكليفُ به تكليفٌ بالمحال.
قال أبو هاشم: بل هو مقدورٌ؛ فإن القادر على الزنا قادرٌ على تركه قطعًا.
قالوا: العدمُ نفيُ الأثر، والنفي لا يتعلقُ بالفاعل، ولأن العدم مستمرٌّ، فهو مستغنٍ عن السبب.
وفيه نظرٌ؛ فإنه لا يمتنعُ تعلقُه بالفاعل؛ فإنه المتنازعُ فيه، ومعنى تعلقِه مع استمراره: أن لا يُوجَد الفعلُ، لا أن يؤثر العدمُ
(1/198)

مسألةٌ:
التكليفُ سابقٌ على الفعل، ومنقطعٌ بعده، وهل يتعلقُ به حالَ حدوثه؟
فأثبته الأشعري، ونفاه المعتزلةُ وإمامُ الحرمين، وأبو الحسين: إن أراد أن تعلقَه بالفعل لنفسه فتعلقُه به بعدَه لازمٌ والإجماعُ ينفيه، أو بتنجيزه فتكليفٌ بإيجاد الموجود، ولعدم صحة الابتداء فتنتفي فائدةُ التكليف؛ وهو التنجيزُ أو الامتحانُ.
قال: مقدورٌ بالإجماع فصح التكليفُ، ولهم منعُ التكليف بما قالوه
مسألةٌ:
النيابةُ لا تجري في التكاليف البدنية عند المعتزلة، خلافا للشافعية.
ومذهُبنا الجوازُ
(1/199)

في المالية مطلقا، والمنعُ في البدينة مطلقا، والجوازُ فيما تركَّب منهما كالحجِّ الفرضِ في حالة الاضطرار.
لنا:
أن البدنية للابتلاء بقهر النفس، وأنه يَخُصُّ من قام به، والغرض في المالية تنقيصُه؛ وهو حاصلٌ بالنائب مطلقا، وما تركَّب منهما: حالةَ العجز يَلمَحُ تنقيصَ المال، فيجوزُ، وحالةَ القدرة فهي النفسُ، فيمتنع، وإن لم يختلف الحالُ في النفل لسعة بابه.
قالوا: ليس بممتنعٍ عقلا، ودليلُ الوقوع شرعا: الحجُّ، وإن كان قهرُ النفس مرادا، فليس في النيابة ما يَرفع أصلَ التكليفِ والمشقةِ بتقدير بذل العوضِ للنائب، وليس المعتبرُ في التكليف أعلاه، بل أصله، ونحن قائلون بالموجب في الحج، والعوضُ فيه معتبر، ويَمتنعُ في البدنية بقاءُ أصل المشقة؛ لعدم شرعيةِ بذلِ العوض؛ لعدم تعلقِ قصدِ الشارعِ فيها بالمال
(1/200)

الأصلُ الرابعُ: في المحكوم عليه.
شرطُ التكليف العقلُ والفهمُ اتفاقا؛ لاستحالة خطابِ غيرِ عاقلٍ فاهمٍ. ومَن له أصلُ الفهم دون التفاصيل -كالمجنون والصبي غيرِ المميز- لا يُخاطَب؛ لتوقف المقصود على فهم التفاصيل، والمميزُ لم يَكمُل فهمُه فما يتعلق به المقصودُ؛ مِن معرفة الله تعالى وكونِه مُكلِّفا وباعثا للرسل، وإن قرُب من البلوغ وفهمُه من الكمال، إلا أنه وُضع عنه الخطابُ تخفيفا، وجُعل البلوغُ أمارةَ ظهورِ العقل.
ويَرِدُ وجوبُ الزكاة -على من يَعتقِدهُ - والمؤنُ والضمانُ والأمرُ بالصلاة.
فيُجاب: بتعلقها بماله أو بذمتِه التي بها نفسُ الأهلية لقَبول الفهم عند البلوغ، ويتولي الوليُّ الأداءَ، أو هما بعد الإفاقة والبلوغ، وليس ذلك من التكليف، والأمرُ بالصلاة من الولي لا الشارعِ؛
(1/201)

لقوله: (مروهم)

تقسيمُ الأهلية:
وعندنا أنها نوعان: أهليةُ وجوبٍ تعتمد قيامَ الذمة وصلاحيةَ الحكم؛ لأن الوجوب للأداء، فإذا بطَل بطَل، كما يفوتُ لفَواتِ المحلِّ، فالغراماتُ المالية لازمةٌ للصبي؛ لتصورِ الأداء بالنائب، وكذا الصلاتُ التي تشبهُ المؤنَ؛
(1/202)

كنفقة الزوجة والقرابة، لا المشبهُ للجزاء كتحمُّل العَقْل، وما تمحَّض عقوبةً أو جزاءً لا يجبُ؛ لعدم صلاحيةِ الحكم، وكذا حقوقُ الله، فلا يجبُ الإيمانُ قبل العقل؛ لعدم الأداء، ويجبُ بعده؛ لانعقاد السبب، دون الخطاب بأدائه، وكذا العباداتُ البدنية والماليةُ؛ إذ المقصودُ الابتلاءُ بالأداء اختيارا، وما أُدِّي بالنائب ليس بطاعة
والثاني: أهليةُ الأداء:
وهي: قاصرةٌ، وكاملةٌ، فالأولى تعتمد قدرةً قاصرة؛ كالصبي والمعتوه، يصحُّ منهما الأداءُ -كالإيمان والعبادات البدنية- من غير لزومِ عهدةٍ، وما ينفعُه؛ كقَبول الهبة وقبضِها، لا ما يضره؛ كالقرض والصدقةِ، وإن مَلَكَ القاضي القرضَ عليه، فلأنه نفعٌ لقدرته على الاستخلاص.
والدَّينُ أحفظُ من العين، وما يتردد بينهما كالبيع يصحُّ
(1/203)

برأيِ الوليِّ ليكمل نقصانه. ويصحُّ توكيلُ المحجور من غير إذنٍ ولا عهدة، ومع الإذن يلزمُه، ولم يصح إيصاؤه لاشتماله على ترك الأَولى، ولئن شُرع للبالغ كما شرع الطلاقُ والعتاق، ولم يخيره بين الأبوين لميله إلى الشهوة، ولا خيارَ للولي ههنا فبطَل، واعتُبِرت ردتُه في أحكام الآخرة وما لزِمه من أحكام الدنيا عندهما، خلافا لأبي يوسف فحُكميٌّ، كما إذا ثبت تبعا لأبويه، وبالثانية يتوجه الخطاب بالأداء.
تفريعٌ:
السَّكرانُ والغافلُ؛ قيل: لا يُخاطَبان؛ لأنهما أسوأُ حالا من الصبي
(1/204)

المميِّز، وتخريجُ لزومِ الضمانِ عليهما قد مرَّ، ونفوذُ الطلاق -في قول- ووجوبُ الحدِّ: من باب ما ثَبَت بخطاب الوضع.
وأُورِد: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} تكليفٌ.
وأُجِيب: نَهَى عن السكر وقتَ إرادة الصلاة؛ كقوله: "لا تمُتْ وأنت ظالم"، والخطابُ إن كان زمنَ الحلِّ، فواضح، أو التحريمِ حُمِل على خطابِ المنتشي الثابتِ العقلِ، باعتبار ما يؤول إليه، ويجبُ التأويلُ جمعًا بين الأدلة.
وقلنا: السكرُ مِن مباح -كمُكرَهٍ على الشرب ومضطرٍّ سكِرَ مما اضطُر إليه أو بدواءٍ- بمنزلة الإغماء؛ يمنعُ صحةَ الطلاق والعتاق، ومِن حرامٍ لا يُنافي الخطابَ
(1/205)

للآية، ولا يصح ورودُه حالَ الصحو، إذ لا يُقال للعاقل: "إذا جُنِنت فلا تفعل كذا"، فتعيَّن وقت السكر، فلم يبطُل به شيءٌ من الأهلية، وتصح عباراتُه، وينافي القصد، فلا يصح كفرُه استحسانا، وإن صح إسلامُه كالمُكرَه، ويَلزم إقرارُه بالقصاص، ويلزم إذا باشر سببَه، وكذا حدُّ القذف؛ لعدَمِ الرجوعِ فيه صريحا ودلالة.
والسكرُ لا يُزيلُ أصلَ العقل؛ لأنه سرورٌ يغلبه، فإن كان بمعصية لم يُعذر، أو بمباح عُذِر
مسألةٌ:
مَن قال: "إن الأمر يتعلق بالمعدوم" لم يُرد التنجيزَ، بل تعلقَ الطلب القديم بالفعل
(1/206)

من المعدوم حالَ وجوده وتهيئةً للفهم، وهو المختار، وإلا لم يكن الأمرُ؛ أزليًّا ومِن ضرورته التعلقُ بالغير.
ومَن لم يقل به، قال: أمرٌ ونهيٌ وخبرٌ مِن غير متعلَّق موجودٍ محالٌ؛ لأنه سَفَه.
وأُجِيب:
بأنه محلُّ النزاع، وإنما هو استبعادٌ، وقد حمَل ابنَ سعيد على أن قال: بقِدمِ الأمرِ المشتركِ وحدوثِ كونه أمرا ونهيًا وخبرًا.
وأُجِيب:
بأنها أنواعُه، ولا وجودَ للجنس بدون نوعٍ.
قالوا: لو كانت قديمةً لزِم تعدُّد الكلام، وهو واحدٌ.
أُجِيبوا: بأن التعدُّدَ في التعلُّقات، فلا يستلزمُ تعددا وُجوديًّا
(1/207)

مسألةٌ:
يصحُّ التكليفُ بما عَلِمُ الآمِرُ انتفاءَ شرطِ وقوعِه عند وقته، ولصحةِ التكليف عُدَّ المكلف عالما بالتكليف قبلَ الوقت، ونفاه المعتزلةُ، والاتفاقُ على الصحة إذا جَهِل؛ كأمر السيدِ عبدَه بفعلٍ ما غدا مع جهله ببقائه.
لنا:
لو لم يصحَّ لم يعصِ أحدٌ؛ لأن شرط الفعل إرادةٌ قديمة أو حادثةٌ، والعاصي ليس مريدا للطاعة على القولين، وهو مأمورٌ بها عند عدم الإرادة المعلومِ لله، وأيضا لم يُعلم تكليفٌ ما؛ لأن بقاء المكلَّف شرطٌ، وهو غيرُ معلوم قبلَه، فلا يكون المكلَّفُ به معلومًا قبلَه ولا معَه ولا بعدَه؛ لانقطاع التكليف فيهما، فإن فُرض زمانُه متسًعًا بحيث يُعلم التمكنُ نقلنا الكلامَ إلى أجزاء ذلك الوقت كالمُضيَّق.
والتكليفُ معلومٌ إجماعا، واستدل القاضي بالإجماع على الوجوب والتحريمِ قبل التمكن؛ فإن البالغ العاقل مأمورٌ بالطاعات منهيٌّ عن المعاصي، وهما مع عدم الأمر والنهيِ محالٌ
المعتزلة: لو صحَّ لم يكن الإمكانُ شرطا في التكليف؛ لأن الفعل بدون شرطه محالٌ،
(1/208)

فالتكليفُ به تكليفٌ به.
قلنا: الإمكانُ الذي هو شرطُ التكليف: أن يتأتى الفعلُ عادةً عند اجتماع شرائطه في وقته وهو قائمٌ، وأما الذي هو شرطُ الوقوع ففيه النزاعُ؛ فإنا نجيز الأمرَ بدون الامتثال، على أن ذلك لازمٌ في جهلِ الآمِر؛ فإنه لو صح لم يكُنِ العلمُ بالإمكان شرطا.
قالوا: لو صحَّ لصح مع علم المأمور بانتفاء الشرط اعتبارا بالأمر، والجامعُ كونُه غيرَ متصورِ الحصولِ.
قلنا: الفرقُ انتفاءُ فائدةِ التكليف ههنا وبقاؤه ثَم، وهو الاختبارُ بظهور البِشْرِ والكراهة، وهما سببا الثواب والعقاب
فروعٌ:
فَعَلى هذا: مَن واقَعَ في رمضان ثم مات، وجبت الكفارةُ، ويجب على الحائض الشروعُ في صومِ يومٍ علِم الله حيضَها فيه، ومن قال: "إن شرَعتُ في صومٍ أو صلاةٍ واجبتين، فطالقٌ"، ثم شرَع فمات في أثنائها، طلُقت؛ خلافا للمعتزلة
(1/209)

فصلٌ
وتَعترِضُ على الأهلية أمورٌ سماويةٌ وأُخَرُ مكتسبةٌ؛ فمِن السماوية: الجنونُ، والقياسُ أن يسقط الوجوبُ لعدم القدرة على الأداء، والاستحسانُ في غير الممتدِّ إلحاقُه بالنوم؛ لعدَم الحرج، والممتدُّ في الصوم باستغراق الشهر، وفي الزكاة بالحول عند محمد، وبأكثره عند أبي يوسف، وهذا مختصٌّ بالعارضي عندَه، ولا فرق عند محمد، حتى لو بلَغ مجنونا ثم أفاق في بعض الشهر، وجَب قضاءُ ما مضى عند محمد خلافا له، ولا يُنافي الضمانَ؛ لأهلية
(1/210)

الحكم، فكان سببا للحَجْر في الأقوال، وإيمانُه صحيحٌ تَبَعا لا قصدًا؛ لعدمِ رُكنِه، ويسقط به ضررٌ يَحتمِل السقوطَ كالطلاق والعِتاقِ والحدودِ
ومنها: الصِّغَرُ: وكان عارضيًّا لعدمِ الدخولِ في مفهوم الإنسانية، وهو كالجنون في أوله، وعند التمييز يسقطُ به ما يسقطُ عن البالغ بعُذر، ويصحُّ منه وله: ما خلا عن عُهدة، ولم يُحرَم عن الإرث بالقتل، وإن حُرِم بالرق والكفر؛ لمنافاة الرق أهليةَ الإرث، والكفرِ أهليةَ الولاية، فليس الحرمانُ فيهما جزاءً.
ومنها العَتَه: وحكمُ المعتوه كالصبيِّ المميز؛ لا يلزمُه عُهدةٌ، ويَضمنُ الأموالَ لعصمة المحلِّ، والجنونُ، وإن كان كأول الصِّبَى، لكن الفرق أن امرأةَ المجنون إذا أسلَمَت عُرِض على أبويه
(1/211)

الإسلام، فإن أسلَمَ أحدُهما وإلا فُرق بينهما، ولا يُعرَض عليه؛ لعدم صحة الأداء، ولا يُؤخر؛ لأن زواله موهومٌ، وفي الصبي: يُؤخر إلى البلوغ؛ للتيقن بزوال الصِّبَى، والمعتوهُ كالصبي المميزِ لا يَفترقان في صحة أداء الإسلام
ومنها: النسيانُ:
وهو عذرٌ في حق الله تعالى؛ إذ أغلبُ وجوده فيه؛ كالصوم والذبح؛ لعُروضه من جهته، دون حقوق العباد، لحاجاتهم، ولا يُلحق بالمنصوص عليه غيرُه؛ للتفرقة في غلبة الوجود، فسلامُ الناسي غيرُ قاطعٍ للصلاة، بخلاف كلامه؛ للغلبة في الأول دون الثاني.
ومنها: النومُ:
وهو منافٍ للاختيار؛ للعجز عن استعمال العقلِ مع بقاء أصلِه، فيبطل به ما يُبنى عليه؛ كالطلاق والعتاقِ والإسلامِ والردَّةِ والقراءةِ في الصلاةِ والكلامِ فيها والقهقهةِ في الأصحِّ،
(1/212)

والإغماءُ مثلُه، لكن يزيد عليه بأنه مُزيلٌ للقوة أصلا، فافترقا في أنه -من حيث هو- حدثٌ، بخلاف النوم، وبأنه في الصلاة نادرٌ، فامتنع البناءُ، واعتُبر امتداده في الصلاة خاصةً؛ بأن يزيد على يومٍ وليلةٍ، دون الزكاة والصوم، ولم يُعتبر في النوم واعتُبر في الجنون؛ لغلبتِه فيه، وندرتِه في النوم، وتوسطِه في الإغماء
ومنها: الرِّقُّ:
وهو عجزٌ حُكمي بقاءً، وإن شُرع في الأصل جزاءً، به يصيرُ عرضةً للتملك،
(1/213)

ولا يتجزأ، فالمُقر برقِّ نصفِه رقيقٌ كلٌّه؛ لأنه معنًى حُكميٌّ يحل بالمحل كالعلم والقدرة والعتق لا يتجزأ، والخلاف في الإعتاق، فقالا: يَستلزمُه العتقُ؛ لأنه مطاوعة فلم يتجزأ كالتطليق مع الطلاق. وقال أبو حنيفة: هو إزالةٌ لمِلك متجزئ، وهو حقُّه، فإن الرق حقُّ الشرعِ، لكن تعلق بسقوط كل المِلك حكمٌ غيرُ متجزئ هو العتقُ، فإزالةُ بعض الملك بعضُ العلة، فيعتق البعضُ كالمكاتب، واعتُبر بأعضاء الوضوء لإباحة الصلاة، وأعدادِ الطلاق للتحريم
تنبيهٌ:
وهو منافٍ لمالكيةِ المال؛ لقيام المملوكية، فلا يَملِك العبدُ التسريَ؛ لاعتماده الملك، ولا حِجةَ الإسلام؛ لعدم المال، ومنافعُه البدنية لمولاهُ، وإن استُثني عنها الصومُ والصلاةُ، وتملكُ غير المال
(1/214)

كالنكاح والدم، ونقصت الكرامات عنه فذمتُه ضعيفة عن تحمُّل الدَّينِ بنفسها، ما لم ينضم إليها ماليةُ الرقبة والكسب، وكذلك الحَلُّ، فينكح ثِنْتَين، وتُطلق الأمة ثِنْتَين، وتُنَصف العدةُ والحدُّ والقَسْم، وانتقصت قيمتُه عن دية الحرِّ؛ لنقصان الولاية؛ حيث يَملِك التصرفَ في المال يدًا لا مِلكًا، كالمرأة تنصفت ديتُها لملكها المالَ دون النكاحِ والطلاقِ، والعبدُ يملكهما ناقصًا
والمأذونُ أصيلٌ في التصرُّف عندنا، والمولى خليفته في الملك كالوكيل، فكما لا تَبطُل الوكالة بمرضِ الموكِّل، وتعلقُ حق الوارث والغريم بماله لا يُبطل الإذنَ بمرض المولى مع تعلق الحقوق، ولو لم يكن أصيلا لانتفى، وعند الشافعية: ليس أهلا للتصرُّف؛ لعدم أهلية حكمه؛ لأن شرعية السبب للحكم.
قلنا: أهليةُ التكلم ثابتةٌ، والذمةُ قابلةٌ، فإذا احتاج إلى قضاءِ دينٍ كان أهلا، وأقل الطرق اليد، وهو أصل؛ لأن الملك وسيلة
تنبيهٌ:
ولا تأثيرَ له في عصمة الدم؛ لأن كمالها بالإسلام والدار، وهو كالحر فيه، فقتل به قصاصًا، ويوجب نقصا في الجهاد والحج؛ لعدم استثنائهما على المولى، فلم يستحق سهما كاملا
(1/215)

تنبيهٌ:
والولايات منقطعة به، وإنما صح أمانُ المأذون لأنه شريك في الغنيمة، فيلزمه ثم يتعدى، كشهادته بهلال الصوم
يهٌ:
ولَمَّا ملَك ما ليس بمالٍ وما فيه إلزام ضمنيٌّ صحَّ إقرارُه بالحدِّ والقصاصِ وبالسرقة المستهلَكة، ومن المأذون بالقائمة، ثم تعدى إلى المولى والمسروق، حتى تُرَد إلى المُقَرِّ له.
وصح من المحجور بالحدِّ والمال عند أبي حنيفة، خلافا لمحمد، وبالحدِّ لا غيرُ عند أبي يوسف
(1/216)

ومنها: المرضُ:
وهو سببُ تعلق حق الوارث والغريمِ بالمال؛ لكونه من أسباب الموت الذي هو علة الخلافة، وكان سببا للحَجْر إن اتصل به الموتُ مستندا إلى أوله، فالتصرفاتُ المحتملةُ للفسخ تصحُّ في الحال؛ لأهلية الحكم والعبارة، ثم يُنقض كالمحاباة والهبة،. والتي لا تَحتمِلُه؛ كالإعتاق الواقع على حق مستحق، جُعل كالمتعلق بالموت، وحين أبطَل الشرعُ إيصاءه لوارثٍ، بطَل مطلقا، فلم يصح بيعُه منه مطلقًا عند أبي حنيفة، وإقرارُه له، وإن حصل باستيفاء دين الصحة، وتقومت الجودة في حقهم للتهمة كما تقومت في حق الصغار
(1/217)

ومنها: الحيضُ والنفاسُ:
ولا يُعدِمان أهليةً، لكن الطهارة عنهما شرطُ أداءِ الصوم والصلاةِ، فيفوت الأداءُ، ثم في قضاء الصلاة حرج، فسقط بهما أصلُ الصلاة دون الصوم.
واختَلَف أصحابُ الشافعي في تكليفهما بالصوم على قولين، وفي الأحكام: إن أُريدَ به تكليفُها بتقدير زوال الحيض المانعِ فحَقٌّ، وإلا فهو ممتنعٌ في الحال؛ لكونه منهيًّا عنه، فلا يكون واجبًا.
وأُورِدَ:
لولا الوجوبُ لم يكن القضاءُ.
أُجِيب:
بأنه بأمر جديد، وسُمي قضاءً لاستدراك ما انعقد سببُه ولم يجمع لمانع
(1/218)

ومنها: الموتُ:
وهو: عجزٌ تامٌّ يَسقُط به التكليفُ لفَوت الأداء عن اختيار، فلا تبقى الزكاة، بل المأثم.
وما عليه وهو متعلقٌ بعين باقٍ ببقائه، أو بذمته لم يبقَ
(1/219)

بمجردها بل بانضمام مالٍ أو كفيلٍ، حتى لم يصح عن الميت كفالةٌ بدون أحدهما عند أبي حنيفة، كأن الدين ساقط، بخلافها عند عبد محجورٍ أقَرَّ بدين؛ لكمال ذمته في نفسه، وإن ضُمت إليها الماليةُ في حق المولى، وما عليه صلةٌ تَبطُل، إلا أن يوصي فيصح من الثلث.
وما شُرع لحاجته لم ينافيه [؟] الموتُ، فيبقى، فلذلك قُدم جَهازُه ثم ديونُه ووصاياه من ثلثه، ثم وجبت المواريثُ خلافة، ولهذا بقيت الكتابةُ بعد موت المولى وبعد المكاتب عن وفاء.
وغسَّلت المرأةُ زوجَها في عدته؛ لبقاء مِلكه، والغَسْلُ من حوائجه، من غير عكسٍ عندنا؛ لأنها مملوكةٌ وقد بطَلت.
وما لا يصلح لحاجته كالقصاص فواجبٌ للورثة أولا بسبب الفقد للمورث، ولهذا صح عفوُ كلٍّ منهما.
ولم يُورث عند أبي حنيفة، وإذا انقلب مالًا بعفوِ البعض أو بصلحٍ صار موروثا، وهو خَلَفٌ، إلا أن المال صالحٌ لحوائجه، ولهذا تعلق به حقُّ الموصى له، لا بالقود، فاعتُبر سهامُ الورثة في الخلف دون الأصل، واختلفا؛ لاختلاف حالهما
(1/220)

فصلٌ:
ومن المكتسبة: الجهلُ، وعُدَّ منها للتفريط في العلم وإن كان أصليا، فجهلُ الكافر ليس بعذر؛ لجحود ما اتضح برهانُه،
(1/221)

ودِينُه دافعٌ للتعرض، ولدليل الشرع عند أبي حنيفة رحمه الله في حكم يحتمل التغيير؛ كأن الخطاب في تحريم الخمر غيرُ نازل في حقه؛ فيجوز البيع، ويصحُّ الضمانُ، ويصحُّ نكاحُ المَحرَم، حتى لو أسلما وقد وطئ ثبت إحصانُهما ويصح طلبُها النفقةَ به، ولم يُفسخ إلا بالترافع، وهما فرَّقا بين الحكم الأصلي وغيره، فقالا: تقوُّم الخمر والخنزير وإباحتُهما أصلي فيبقى، وإباحةُ المحرم ليس بأصل فيُنفى.
وقيامُ دليل التحريم شبهةٌ مانعة من حدِّ القذف، وعند الشافعي: دافع للتعرض لا غير، حتى لا يجب حدُّ الخمر لا في الأحكام
وجهلُ صاحبِ هوًى بصفات الإلهية، ليس بعذر؛ لوضوح الحجة.
وجهلُ الباغي؛ وإن كان
(1/222)

متأوِّلا، ولذلك ضمَّناه مالَ العادل ونفسَه بإتلافه من غير مَنَعة.
وعند المنعة: تسقط الولاية، ويجب الجهادُ وقتلُ الأسير والتدفيفُ على الجريح، ولا ضمانَ ولا حرمانَ بالقتل.
وإن لم يُحْرَموا عند أبي حنيفة ومحمد؛ للتأويل وإن كان باطلا، وتُحبَس أموالهم زجرًا، ولا تملك؛ لاتحاد الدار حقيقة واختلافِها حكما، فتثبت العصمةُ من وجه، فلم يُضمن بالشك، ولم يُملك بالشبهة، بخلاف أهل الحرب؛ لاختلاف الدار والمنعة المبطلة للعصمة مطلقًا
والجهلُ في موضع الاجتهاد أو الشبهةِ شبهةٌ؛ كمَن صلى الظهر بغير طُهر، ثم صلى العصر به، ثم صلى المغرب وقضى الظهر، وعندَه أن العصر مجزية، جاز؛ للاجتهاد في الترتيب، وكما لو عفى أحدُ وليي قصاصٍ، فقتله الآخرُ ظانًّا بقاءَ القصاص له، لم يُقتص منه للشبهة، وكمَن زنى بجاريةِ ولده
(1/223)

على ظنِّ الحلِّ، لم يُحد، وكحربيٍّ أسلم ودخل إلينا فشَرِب جاهلًا بالحرمة، لا ذمي، وبخلاف الزنا، وجهلُ مَن أسلم في دار الحرب عُذرٌ؛ لخفاء الدليل وعدمِ التقصير، وكذا جهلُ الوكيل والمأذون بالإطلاق وضدِّه، وللشفيع بالشفعة، وللبكر بالنكاح، والأمة المنكوحة بخيار العتق، بخلاف خيار البلوغ؛ لخفاء الدليل في حقها دون الحرة
ومنها: الهزلُ:
وهو ينافي اختيارَ الحكم والرضا به دون مباشرته، كخيار الشرط.
وشرطُه التصريحُ به وإن لم يذكر في العقد، ولا ينافي الأهليةَ ولا الحكمَ، لكن يجب التخريجُ
(1/224)

بحسب أثره؛ فإن دخَل على ما يمكن نقضُه كالبيع؛ فإما أن يهزلا بأصله، أو بقدر العوض، أو بالجنس، وكلٌّ منها إما أن يتفقا بعد المواضعة على الإعراض أو البناء، أو يسكتا، أو يختلفا، فإن هزَلا بأصله ثم أعرَضا بطَل الهزلُ، أو بَنَيا انعقد فاسدا غيرَ مُوجِبٍ للمِلك، كشرط الخيار من الجانبين، فمن نقضه أو أجازه انتقض وجاز، ويجب تقديرُه في الهزل بالثلث عند أبي حنيفة، ولذلك لم يثبت به المِلكُ مع القبض، وإن سكَتا أو اختلفا صحَّ العقدُ عنده؛ مَيلا إلى صحة الإيجاب ظاهرا لعدم إيصال الهزل به.
وقالا: بطَل في السكوت، وجعَلا القولَ لمدعي البناء في الاختلاف؛ مَيلا إلى اعتبار المواضعة لسبقها، حتى يوجد الناقض اعتبارا للعادة
وإن هَزلا في العوض؛ بأن سَمَّيا ألفين والثمنُ ألف، فإن أعرضا صحَّ،
(1/225)

أو سكَتا أو اختلفا فالتسميةُ عندَه (والمواضعةُ عندهما، أو بيَّنَا فالتسميةُ عندَه) أيضا؛ لأنهما جَدَّا في الأصل، فلو عمل بالمواضعة فسَد؛ لأنه شرطٌ فاسد، فترجَّح الأصلُ على الوصف، بخلاف المواضعة في الأصل
وإن دَخَل على ما لا يُنقض؛ فإما أن لا يكون فيه مالٌ؛ كالطلاق والعتاق والعفو واليمين والنذر، فالهزلُ باطل.
(ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِد وهزلُهن جِد: النكاحُ والطلاقُ واليمينُ).
ولأنه رضًا بسببٍ لا يُرد حكمُه فلزِم، أو يكونَ المالُ تابعًا كالنكاح، فإنْ هَزَلَا بأصله لزِم، أو بالقدر وأعرَضَا فالمُسمَّى، أو بَنَيَا فالمواضعةُ،
(1/226)

والفارقُ أن النكاح لا يَبطُل بالشرط الفاسدِ، بخلاف البيع، وإن سَكَتا أو اختَلَفا فالمُسمَّى كالبيع أو المواضعة لتبعية المهر؛ روايتان.
فإن هَزَلا في الجنس وأعرضا فالمسمى، أو بَنَيا فمهرُ المثل، بخلاف البيع؛ لتوقفه على تسمية الثمن، وإنْ سَكَتا أو اختلفا فمهرُ المثل اتفاقا في رواية، والمسمى عنده والمثلُ عندهما في الأخرى.
وإن قُصِد المالُ -كالخلع والعتقِ بمال والصلحِ عن عمد- بطَل الهزلُ عندهما؛ سواءٌ هزلا بأصله أو ببدله أو بجنسه وبنيا، وصح عنده فيجب المسمى عندهما ويقع الطلاقُ مطلقًا، وعندَه يتوقفُ على اختيارها كما في خيار الشرط في الخلع من جانبها، وإن أَعرَضا بطَل الهزلُ اتفاقا، أو سكتا أو اختلفا فعندَه القولُ لمدعي الجِدِّ وعندهما لمدعي البناء
والهزلُ في الإقرار يُبطِله؛ للدلالة على عدم المُخبَرِ به، وكذا تسليم الشفعة بعد الطلب والإشهاد هزلا.
هذا، وإن دخل على اعتقاد، فإن تبرأ كافرٌ عن دينه وهزَل بالإسلام حُكم بصحته كالمكره، بمنزله الإنشاء لا يمكن رد حكمه
(1/227)

ومنها: السَّفَهُ:
ولا ينافي الأهليةَ ولا الأحكامَ، وليس بسبب للنظر.
(1/228)

ومنعُ المال عنه أولَ بلوغه عقوبةٌ، أو غير معقول، فلا يُقاس عليه.
وقالا: وجب النظرُ للمسلمين ولدينه، لا لسفهه.
أجاب: بأنه جائز لا واجب، كيف وقد تضمَّن ضررا فوقه؛ من إلحاقه بالصبي والمجنون لأجل اليد التي هي نعمة طارئة، والأهلية نعمة أصلية، ولا يَبطلُ الأعلى بالأدنى.
وقالا: ثبت له هذه النعمةُ رفقا به، فإذا أضرت رُدت؛ نظرا للمسلمين، لا لسفهه من حيث هو، ولهذا تعددت طرقُ الحَجْر؛ فيبيعُ القاضي على المديون الممتنع مِن بيعِ ماله في الدين، ويَحجُر عليه كيلا يبيعَ مالَه تلجئةً، ويحصره على الغرماء
(1/229)

ومنها: الخطأُ:
وهو عذرٌ يَسقُط به حقُّ الله إذا حصل عن اجتهاد، وشبهةٌ في العقوبات فلا يأثم ولا يؤخذ بحد ولا قصاص، وليس بعذر في حقوق العباد؛ فيجب ضمانُ الأموال لعصمة المحل، ووجبت الديةُ على وجه التخفيف والكفارة لتقصيره في التثبت، وصح طلاقُه، ومنعه الشافعي؛ اعتبارا بالنائم.
قلنا: مُنافٍ لأصل العمل
(1/230)

بالعقل، فلا يُقام البلوغُ مُقامَه، والعلم بدوام العمل من غير سهو حرجٌ، فأقيم البلوغُ مُقامَه، مع أنه لا يخلو عن تقصير، فلم يكن سببا للكرامة ولهذا لم يُلحق الخاطئ بالناسئ في بقاء الصوم
ومنها: الإكراهُ:
والمختارُ في الأحكام أن المُلجَأ إلى الفعل، بحيث لا يُمكنُه تركُه، وصار فعلُه
(1/231)

كحركة المرتعش؛ غيرُ مُكلَّف، وإن جاز عقلا فممتنعٌ سَمْعًا؛ لقوله عليه السلام: (وما استُكرِهوا عليه)، والمراد رفعُ المؤاخذة المستلزِمُ لرفع التكليف، ولزومُ الغرامات: لعصمةِ المحلِّ، وإن لم يُضطر فهو مكلفٌ عقلا وشرعا، وعندنا: هو مكلف مطلقًا؛ لأنه مُبتلًى بين فرض وحظر وإباحة ورخصة وإثم وأجر، فإنه لا يُرخص له قتل ولا جرح ولا زنا ولا حظر في الميتة والخمر والخنزير، ورُخص في إجراء كلمة الكفر، وإفسادِ الصوم والصلاة، وإتلافِ المال، والجنايةِ على الإحرام، وتمكينِ المرأة من الزنا.
وفارقت الرجلَ في الرخصة بسبب أن نسبة الولد عنها لا تنقطع، فلم يكن بمعنى القتل، ولهذا قام إكراهُ القاصر شبهةً في الدرء عنها دونه، وهذا آية الخطاب، ولا ينافي الاختيارَ وإلا لبطَل الإكراهُ، لأنه حاملٌ على موافقة الملجئ، فلم يناف شيئا من الأقوال والأفعال، وإنما أثر الكامل منه في تبديل النسبة، والقاصر في تفويت الرضا
وأصلُ الشافعي:
(1/232)

أن باطلَه مُبطلٌ للحكم مطلقا؛ لإبطاله الاختيارَ الذي تَبتني عليه صحةُ القول، ومتى تم الإكراهُ -بأن أبيح الفعل- فإن أمكنت نسبتُه إلى الملجئ، وإلا بطل، فيضمن الملجئ المال وجزاء صيد الحرم وفى الإحرام، ويحد الزاني لعدم الإباحة، ويقتل القاتل لذلك، والملجئ أيضا بالتسبب، وصح إسلام الحربي دون الذمي، وبيعُ المديونِ أموالَه لصحة الإكراه.
وأصلُنا: أنه مفسدٌ للاختيار، فإن عُورض
(1/233)

باختيارٍ صحيح ترجَّح وجُعل الفاسدُ معدومًا، فيُنزَّل آلةً له إن أمكن، وإلا بقيت النسبة إلى الفاسد؛ لعدم المعارضة، فالأقوالُ لا يصلح فيها آلةٌ فاقتصرت عليه، وفسد بالإكراه مطلقًا ما احتمل الفسخ، وتوقف على الرضا كالبيع والإجارة، وبطلت الأقاريرُ لاعتماد صحتها قيامَ (المخبر به) وقد قامت دلالةُ عدمه، وما لا يحتمله ولا يتوقفُ على رضًا واختيارٍ -كالطلاق والعتاق والنكاح- لم يبطل؛ لعدم بطلانه بالهزل وشرط الخيار مع منافاة الرضا بالحكم والاختيار، وهذا مفسدٌ لا منافٍ فكان أولى، وإذا أُكره على قَبول المال في الخلع وقع الطلاق ولم يجب المالُ لكونه معدما للرضا بالسبب والحكم، فلم يلزم المال لعدم الرضا، ووقع الطلاقُ بغير مال كطلاق الصغير على مال، بخلاف الهزل؛ لمنافاته الرضا بالحكم دون التسبب فكان كشرط الخيار
وما يصلحُ فيه آلة؛ كإتلاف مال أو نفس لزِم الملجئَ بالكامل منه حكمُه؛ لإمكان النسبة بفساد الاختيار، فوجب القصاصُ وضمانُ المال.
وما لا يصلح آلة؛ كالأكل والزنا، فيقتصر.
وما صلح فيه صورةً لا محلًّا، لا تنقل النسبة؛ لتضمُّنِه إبطالَ الإكراه (كما إذا أُكره) مُحرم على قتل صيد، ففي نفس القتل صلَح آلةً، لكنه يستلزم نقلَ محل الجناية؛ إذ المجنيُّ عليه الإحرام، فلو جُعل فيه آلة انتقل، فلم يكن
(1/234)

جناية على إحرام غيره؛ لقيام فعله به، فيبطل الإكراه، ويقتصر الفعل على فاعله، ولهذا يأثم إذا أُكره على قتل مسلم؛ لاقتصاره عليه، باعتبار أنه جناية على الدِّين، ويقتصُّ من الملجئ باعتبار تفويتِ المحل، وفي النقل لا يتبدلُ المحل، وكذلك مَن أكره على البيع والتسليم، يقتصر التسليمُ عليه وإن صلح آلة؛ من حيث استلزامُه لإتلاف المالية بالتسليم، إلا أنه تصرف في فعل نفسه لقيامه به، فلم يصلح آلة فيه، وإلا لتبدل ذاتُ الفعل؛ لكون التسليم إتماما لا غصبا، فلو انتقل صار غصبا، لا يُقال: أمكن من حيث (إتلافُ المال) وقد قلتم بالاقتصار مطلقا؛ لأنا نقول: نسبناه إليه من حيث الغَصْبيَّة حتى يثبت له تضمينُه لو هلك المبيع في يد المشتري، ولمَّا كان النقلُ حكما، قلنا: المُكرَه على الإعتاق يقتصر عليه؛ من حيث إنه إثبات قوة شرعيّة، وما استلزم من الإتلاف الذي يضمنه منقولٌ إلى الملجئ؛ حتى ضمن

القاعدة الثانية في الأدلة الشرعية:
وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ لأنه إما أن يرد عن الرسول أو غيره، والأول إما متلو أو غيره، والثاني إما عن معصوم أو غيره. والأصل هو الكتاب والسنة مخبرة عن حكم الله تعالى، وهما مستند الإجماع، والقياس مستنبط منها.

أما الكتاب:
فقيل: القرآن المنزل المكتوب
(1/235)

في المصحف المتواتر بلا شبهة، وزاد بعضهم: بالأحرف السبعة المشهورة. وليس بسديد، فإن النقل المتواتر والكتابة فرع تصوره فهو دور. وقيل: القرآن القابل للتنزيل. واحترز بالأول عن غيره من الكتب وعما أنزل ولم يتل وبالثاني عن الكلام النفسي. وقيل: الكلام المنزل للإعجاز بسورة. وبحث الأصولي ليس في النفسي، والأصح من مذهب أبي حنيفة أنه النظم والمعنى وصح رجوعه عن الإجزاء بالمعنى في الصلاة لوجوب القراءة فيها بـ (اقرأوا ما تيسر من القرآن) ولا ينطبق حده على المعنى وحده. وقولهم: النظم ركن زائد غير محصل مع الدخول في الماهية.
(1/236)

مسألة:
ما نقل آحادا كتلاوة أيام متتابعات حجة، ونفاه الشافعي بأنه لا يجوز نقله على أنه قرآن لوجوب التواتر، فتردد بين كونه خبرا ومذهبا فلم يكن حجة، قلنا: كونه خبرا راجح لأنه غير قياسي ليكون مذهبا، ولو كان لصرح به نفيا للتلبيس على من اعتقد نقله حجة. قالوا: كونه مذهبا أولى لموافقة براءة الذمة، ولكونه لم يصرح بالخبرية.
قلنا: بل الخبر أولى لوجوب أصل الصوم، وفي التتابع الخروج عن العهدة بيقين.
(1/237)

مسألة
ما لم ينقل متواترا قطع بأنه ليس بقرآن، وإنما لم يكفر أحد المخالفين الآخر في التسمية لقوة الشبهة في كل طرف، والحق أنها ليست من القرآن في أول كل سورة، وإنما هي بعض آية في النمل لعدم التواتر بأنها قرآن في هذه الحال فوجب القطع بالنفي كغيرها. قالوا: كتبت في المصحف بخط المصحف وعن ابن عباس
(1/238)

رضي الله عنهما: لم نعلم انقضاء السورة حتى تنزل، وسرق الشيطان من الناس آية، يعنيها، قلنا: غير قطعي فلا يصلح للإثبات، قالوا: القطع بكونها من القرآن حاصل، والخلاف في الوضع أوائل السور ولا يشترط فيه القطع، قلنا: ضعيف لاستلزامه سقوط كثير من المتكرر وهو باطل قطعا. قالوا: اتفق حصول العلم بانتفاء السقوط مع جوازه لتواتر المكرر. قلنا: بل وجب لكونه قرآنا، فلو كانت التسمية قرآنا لكانت كذلك. وما نقل عن ابن مسعود رضي الله عنه من إنكار المعوذتين والفاتحة لم يصح، وإنما نقل خلو مصحفه عنها فإن صح حمل الترك على ظهور أمرها دون إنكارها.
مسألة:
القراءات السبع
(1/239)

مشهورة، وقيل: متواترة، وإلا لكان بعض القرآن غير متواتر، كمالك وملك، ونحوهما والتخصيص تحكم لاستوائهما.
(1/240)

مسألة:
لا يجوز اشتماله على ما لا معنى له وما عوض [عورض] به من حروف المعجم و {عشرة كاملة} و {نفخة واحدة} و {إلهين اثنين} فجهل، فإن الحروف أسماء السور عند الأكثر، وكاملة لدفع توهم التخير أو لرفع توهم قصور الصوم عن الهدي من جهة قصور الخلف عن الأصل، واثنين وصف للتأكيد، فإن قيل: (فيه ما لا يفهم) {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به}
(1/241)

والواو للابتداء، وإلا عاد الضمير إلى المجموع وهو مستحيل على الله، وآيات الصفات لا يمكن حملها على ظاهرها لغة، وما هو المراد غير معلوم.
أجيب بأن من جوز التكليف بما لا يطاق أجاز مثله في القرآن، ومن منع منع منه لاشتماله على إخراج القرآن عن كونه بيانا وجعل الواو عاطفة وخصص الضمير بالراسخين للدليل العقلي، وآيات الصفات كنايات وتجوزات فهم العرب المراد منها بأدلة صارفة إليها، وفخر الإسلام على وجوب اعتقاد الحقيقة في ذلك وأن أهل العلم مكلفون بالوقف عن طلب معناه للابتلاء، والواو عنده للابتداء.

وأما السنة:
فالطريقة والعادة، وفي الشرع: العبادات النافلة وأقواله عليه السلام وأفعاله وتقريره والبحث في الأقوال يأتي فيما تشترك فيه الأدلة.
(1/242)

مسألة:
القاضي وأكثر المحققين: أنه لا يمتنع على نبي قبل البعثة معصية ما ولا كفر، ومنعت الشيعة منه مطلقا، واستثنت المعتزلة الصغيرة لاستلزام احتقاره في النفوس الموجب للنفرة عن الاتباع وأنه مناف للحكمة. قلنا: لا سمع قبل البعثة ولا دلالة العقل مبنية على التحسين والتقبيح العقلي ورعاية الأصلح وقد مر ما فيه. وأما بعد البعثة فالاتفاق أنه معصوم عن تعمد ما يخل بصدقه (فيما دلت المعجزة على صدقه فيه) من دعوى الرسالة والتبليغ. واختلف في الجواز غلطا ونسيانا فمنع الأكثرون
(1/243)

لما يستلزم من مناقضة دليل المعجزة، وجوزه القاضي ميلا إلى خروجهما عن التصديق المقصود بالمعجز. وأما المعاصي: القولية والفعلية فالاتفاق أنه معصوم عن تعمد الكبيرة سوى الحشوية والخوارج، ومنعت الشيعة وقوعه نسيانا أيضا. وما أوجب خسة وسقوط مروءة فكذلك ومستند العصمة السمع عندنا
(1/244)

والعقل عند المعتزلة، ومثل نظرة أو كلمة سفه نادرة في غضب، فالأكثرون على جوازه مطلقا، ومنعت منه الشيعة وجمع من المعتزلة، وعندنا: هو معصوم عن المعصية دون الزلة، والفرق أن المعصية مقصودة، والزلة فعل غير مقصود يسوقه إليه مباح ولا يخلو عن بيان منه أو من الله تعالى.
مسألة:
ما كان من أفعاله عليه السلام جبليا كقيام وقعود، فالاتفاق أنه مباح لنا وله، وما اختص به فالاتفاق على الاختصاص، وما كان بيانا بقول مثل "صلوا كما رأيتموني أصلي" أو بفعل عند الحاجة لإطلاق أو عموم كالقطع من الكوع والتيمم إلى المرفقين فالاتفاق أنه بيان لآيتي القطع والتيمم
(1/245)

ولما لم يكن كذلك فما علمت صفته من وجوب أو ندب أو إباحة فالجمهور الاقتداء به فيه على تلك الصفة لاتفاق الصحابة على التأسي في فعله على الصفة التي أتى بها والآيات الدالة على التأسي دالة عليه، والتأسي هو أن يفعل مثل فعله على وجهه لأجل فعله. وكذلك الترك، وما جهلت صفته فقيل بالوجوب، وبالندب وبالوقف والإباحة، واختيار فخر الإسلام قول الجصاص:
(1/246)

لنا فعله مع اعتقاد الإباحة، خلافا للكرخي رحمه الله في الوقف عن الاتباع إلا بدليل، وفي الأحكام: إن ظهر قصد القربة فمندوب وإلا فمباح. الوجوب: {واتبعوه} {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} وهو صادق على الفعل {وما آتاكم الرسول فخذوه} وفعله مأتي به {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} وهو زجر في طي أمر. أي تأسوا به فمن كان يؤمن فهو متأس ومن لا فلا {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} والاتباع من لوازم محبة الله تعالى وهي واجبة {فلما قضى زيد} ولولا الوجوب لما رفع تزويجه الحرج عن المؤمنين في أزوواج أدعيائهم ولما خلع نعله فخلعوا متابعة
(1/247)

بين لهم علة انفراده ولما نهاهم عن الوصال وواصل سألوه، فقال: لست كأحدكم، فأقرهم على ما فهموه من وجوب المشاركة، ولما سألته أم سلمة عن بل الشعر في الغسل أجاب: أما أنا فيكفيني أن أحثو على رأسي ثلاث حثيات من ماء، ولولا الاتباع لما كان هذا جوابا، ولما أمرهم بالتحلل بالحلق والذبح
(1/248)

فتوقفوا فذبح وحلق فأقدموا لوجوب الاتباع وللإجماع أن الصحابة رضي الله عنهم تركوا اختلافهم في الغسل من غير إنزال بما روت عائشة رضي الله عنها من غسله عنه، ولأن الحمل على الوجوب أحوط كما إذا نسي تعيين صلاة من يوم أو تعيينه مطلقة، ولأن فعله قام مقام قوله في بيان المجمل والتخصيص والتقييد، فكان مطلقه محمولا على الوجوب.
الندب:
{أسوة حسنة} وأدنى درجاته الندب؛ لأن الزائد مشكوك فيه، ولأن فعله حسنه فلا يخرج عن الواجب والمندوب، لكن المندوب أولى لغلبته على أفعاله.
الوقف:
متردد بين مختص وغيره، والثاني بين الواجب والمندوب والمباح ولا صيغة للفعل ترجح وليس البعض أولى.
(1/249)

الإباحة:
هي الأصل والأصل عدم المغير. الكرخي: الإباحة متيقنة ويمكن اختصاصه به فوجب الوقف. وجه المختار: أنه المقتدى، فالاتباع أصل والاختصاص عارض، وجه اختيار الأحكام: أنه إذا ظهرت القربة لم يمكن القول بالإباحة بمعنى نفي الحرج لعدم القربة بمثله، فتعين الندب.
والجواب: قلنا في أقواله للإجماع على أن المتابعة في الفعل إنما تجب لوجوبه، فإذا كان غير واجب فاتباع ما ليس بواجب غير واجب ومطلقه غير معلوم وجوبه، والأمر محمول على القول، للإجماع على أنه حقيقة فيه وإن كان حقيقة في الفعل فالمشترك لا يعم والقول راجح ولو عم فالتحذير من مخالفة فعل يستدعي وجوبه فلو استفيد وجوبه من التحذير دار على أن ذكر الدعاء قبله يرجح القول. وأخذ ما أتى به إنما يجب إذا وجب ولا يجب أخذ ما ليس بواجب، وهو تناقض فلا يكون الأخذ في الآية واجبا حتى يجب الفعل، فلو وجب من الآية دار. على أن مقابلة (ما آتاكم) بـ (ما نهاكم) ترجح القول، وقد مر تفسي التأسي، ومطلق فعله لم يثبت وجوبه لنكون بإيجاب فعلنا متأسين، وهو الجواب عن آية الاتباع. وغاية آية زيد الدلالة على مساواة حكمنا لحكمه وجوبا وندبا وإباحة، ولا يلزم اتصاف جميع أفعاله بالوجوب ليجب فعلنا ونمنع أن خلعهم كان للوجوب لإنكاره عليهم، ولو ظنوا وجوبها فلدليل آخر من ظن أن الخلع من هيئات الصلاة وهم مأمورون بالاتباع فيها (صلوا كما رأيتموني أصلي)، والوصال كان مباحا له وسؤالهم كان للمشاركة نحن قائلون به. ووجوب بل الشعر لقوله: (بلوا الشعر
(1/250)

وأنقوا البشرة) وتحلله بيان لقوله (خذوا عني مناسككم)، وهو أبلغ لدلالته على المقصود عيانا واستفاد الوجوب من الأمر غير أنهم ترقبوا ما وعدوا به من الظهور على قريش وطمعوا أن يعجل وينسخ عنهم الأمر، فلما تحلل بنفسه يئسوا، والغسل من غير إنزال لقوله عليه السلام: (إذا التقى الختانان وجب الغسل) ورواية عائشة رضي الله عنها لمطابقة الفعل القول والاحتياط يجير فيما يثبت وجوبه كفاية من صلاة يوم وليلة أو كان الأصل ثبوته كالثلثين من رمضان، فأما ما احتمل الوجوب وغيره فلا، ولا يلزم من كون الفعل بيانا للقول أن يكون موجبا لما يوجبه القول.
وعن الندب ما سبق، ومنع أن الغالب المندوب، بل المباح. وعن الوقف أنه إن أريد به عدم الحكم بإيجاب وندب إلا بدليل فحق، أو ثبوت أحدهما وجهل المعين فخطأ؛ لاستدعاء ذلك دليلا ولا دليل سوى الفعل.
مسألة:
إذا سكت عليه السلام عن إنكار فعل بحضرته أو في عصره مع القدرة والعلم، فإن كان معتقدا لكافر كالاختلاف إلى الكنيسة فلا أثر للسكوت اتفاقا، وإن سبق تحريمه فسكوته وتقريره نسخ، وإلا فدليل على الجواز، وإلا لكان تقريره مع تحريمه
(1/251)

والقدرة على إنكاره خصوصا مع استبشاره محرما، فيجب الإنكار، فعدمه دليل الجواز، وأيضا فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة لإيهام الجواز والنسخ.
مسألة:
لا تعارض بين فعليه لأنهما إن تماثلا أو اختلفا وتصور اجتماعهما كالصوم والصلاة أو لم يتصور لكنهما لا يتناقض حكاهما فلا تعارض لإمكان الجمع، وإن تناقض كما إذا صام في وقت بعينه وأكل في مثله فكذلك؛ لإمكان كونه واجبا أو مندوبا أو مباحا، وفي الوقت الآخر بخلافه من غير رفع وإبطال إذ لا عموم للفعلين ولا لأحدهما، لكن إن دل دليل على تكرره أو لزوم التأسي به في مثل ذلك الوقت فتلبس بضد مع القدرة دل على نسخ دليل التكرار في حقه، لا نسخ حكم الصوم المتقدم لعدم اقتضاء التكرار، ورفع الموجود محال، أو أقر من أكل في مثله من الأمة كان نسخا لدليل تعميم الصوم على الأمة في حق ذلك الشخص أو تخصيصه، وقد يطلق النسخ والتخصيص على الفعل بمعنى زوال التعبد به تجوزا.
مسألة:
إذا تعارض فعله وقوله فإن لم يدل دليل على تكرره في حقه ولا على التأسي
(1/252)

فيه واختص القول به، فإن تقدم الفعل كما إذا فعل فعلا في وقت ثم قال: لا يجوز لي مثله في مثله فلا تعارض؛ لإمكان الجمع لعدم تكرار الفعل فلم يكن رافعا لحكمه في الماضي ولا المستقبل. وإن تقدم القول، كما إذا قال وجب علي كذا في وقت كذا وتلبس بضده فيه كان الفعل ناسخا لحكمه عند من جوزه قبل التمكن من الفعل وهو مذهبنا، ومن لم يجوزه منعه وقال: لا يتصور تعمده إن قيل بالعصمة وإلا فهو معصية. وإن اختص القول بنا فلا تعارض لعدم تعلق فعله بنا، وإن تقدم القول فلا تعارض في حقنا لعدم تواردهما علينا، وأما في حقه فكما تقدم في خصوص القول به. وإن دل على تكرره في حقه وعلى التأسي به فإن اختص القول به وعلم
(1/253)

تقدم الفعل فالقول ناسخ في حقه دوننا، أو القول فالفعل ناسخ في حقه بعد التمكن من الامتثال، أو قبله على الخلاف، وموجب للفعل علينا، وإن جهل فلا تعارض في حقنا لعدم تناول القول إيانا، وأما في حقه: فمنهم من أوجب العمل بالقول، ومنهم بالفعل، ومنهم من توقف، واختار بعضهم القول وبعضهم الوقف للاستواء في التقدير. فالحكم بأحدها ولا ضرورة تحكم. وإن اختص القول بنا فلا معارضة في حقه وأما في حقنا فالمتأخر ناسخ، فإن جهل فالمختار وجوب العمل بالقول، ووجهه أن القول دال بنفسه ويعبر به عن المعقول والمحسوس ويقبل التأكيد بالقول والعمل به ههنا ينسخ مقتضى الفعل عنا دونه، والفعل دال بواسطة أنه لا يفعل المحرم، ويختص بالمحسوس ولا يقبل التأكيد والعمل به يبطل القول أصلا، والجمع من وجه أولى، فإن قيل: مبين للقول فكان آكد كما بين جبريل عليه السلام أوقات الصلاة بالإمامة،
(1/254)

وكما بين عليه السلام المناسك بفعله، وكذلك كل من بالغ في التفهيم أكد قوله بإشارة أو تشكيل. قلنا: والقول أيضا مبين مع أن كثرة الأحكام مستندها الأقوال، ولو تساويا سلمت التراجيح المتقدمة. وإن عم القول فالمتأخر ناسخ مطلقا، وإن جهل فالمختار المختار، وإن دل على تكرره في حقه دون التأسي به، فإن اختص القول بنا فلا معارضة لعدم المزاحمة. أو به أو عم تعارضا في حقه لعدم دليل التأسي، وإن دل على التأسي دون التكرار في حقه فإن اختص القول به وتأخر عن الفعل فلا معارضة مطلقا، وإن تقدم كان الفعل ناسخا في حقه. وإن جهل فعلى ما مر من الخلاف. وإن اختص بنا فلا معارضة في حقه لعدم المزاحمة والمتأخر ناسخ في حقنا، وإن جهل فالمختار المختار. وإن عم وتقدم الفعل فلا تعارض في حقه والقول ناسخ في حقنا، وإن تقدم القول نسخ الفعل مطلقا، وإن جهل فالمختار المختار.

وأما الإجماع:
فالعزم والاتفاق أيضا، وفي الأصول: قيل اتفاق الأمة خاصة على أمر ديني. وليس بسديد، فإن أهل عصر ليسوا كل الأمة، وليس فيه ذكر أهل الحل والعقد ولخروج القضية العقلية والعرفية المتفق عليهما. فالحق: اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر على واقعة. فالاتفاق يعم الأقوال والأفعال والسكوت والتقرير. والقيد الثاني: يخرج اتفاق بعضهم واتفاق العامة، والثالث يخرج اتفاق الأمم السالفة، والرابع يخرج توهم إجماع كلهم في جميع الأعصار. والخامس يعم الإثبات والنفي والأحكام العقلية والشرعية.
مسألة:
ونفاه بعضهم قالوا: إن كان عن دليل قطعي أحالته العادة،
(1/255)

وإلا نقل، أو ظني فآكد، لتباين قرائحهم ودواعيهم المقتضي للاختلاف كما تحيل اتفاقهم على أكل طعام واحد في وقت واحد. قلنا: لم ينقل القاطع لعدم الحاجة، وإنما يكون أن لو لم يكن نفس الإجماع كافيا وفيه النزاع، ولا يمتنع الاتفاق والدليل ظني، فإن أهل الكتابين والفلاسفة والمجوس متفقون على إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى قدم العالم، والتثنية استنادا إلى شبه تناقضها القواطع، فكيف يمتنع على ظني لا يعارضه قطعي. وخرج ما تمثلوا به لعدم الداعي إليه مع انتقاض ذلك بالواقع من إجماع الكل على أركان الإسلام وغيرها من الأحكام التي لم يكن طريق علمها ضروريا والوقوع دليل الضرورة.
(1/256)

مسألة:
وهو واقع ونفاه بعضهم مصيرا إلى أنه متوقف على السماع من كل من أهل الحل والعقد، أو مشاهدة فعل أو ترك دال عليه وهو متوقف على معرفتهم مع تفرقهم وتنائي أوطانهم وأنه متعذر، ومع الإمكان فقد لا يفيد اليقين بأنه معتقده لجواز الإخبار والفعل على خلاف ما عنده، ولو حصل اليقين فالرجوع ممكن قبل الوصول إلى الباقين. قلنا: باطل بالواقع، فإنا نعلم أن مذهب جميع الحنفية جواز قتل المسلم بالذمي، وأن جميع الشافعية نقيضه مع تلك التشكيكات، فإن قيل مستند إلى معرفة قول الإمامين والباقون مقلدون ولا نص في الإجماع يكون مستندا. قلنا: وإن تم في هذه الصورة فلا يتم في اتفاق أهل الكتابين على إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يظهر لنا مستندهم من قول متبع يقلدونه.
تنبيه:
إذا تصور الاطلاع عليه فنقل الإجماع السابق إن كان بإجماع كل عصر كان كالحديث
(1/257)

المتواتر، وإن كان بآحاد كقول عبيدة السلماني: ما اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كإجماعهم على الأربع قبل الظهر والإسفار بالصبح وتحريم الأخت في عدة الأخت. كان كنقل السنة بالآحاد، فهو مقطوع بأصله، مظنون الطريق فيوجب العمل دون العلم. فيقدم على القياس، ومن الفقهاء من أنكر نقله آحادا.
مسألة:
الحق أن الإجماع حجة قاطعة
(1/258)

خلافا للشيعة والخوارج والنظام. لنا {ومن يشاقق الرسول}
(1/259)

الآية. توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين، فكان محرما، وجمع بينه وبين المشاقة المحرمة في التوعد، فانتظمتهما الحرمة جميعا {ولا تفرقوا} وخلاف الإجماع تفرق {فإن تنازعتم في شيء فردوه} والمشروط عدم عند عدم شرطه، فالاتفاق كاف، ومن السنة "لا تجتمع أمتي على الضلالة"، "ما رآه
(1/260)

المسلمون حسنا فهو عند الله حسن"، "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق"، "من خرج عن الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" ونحوها مما اجتمع السلف على العمل بها، ولأنهم أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف، والعادة تحيل اجتماع العدد الكثير من المحققين على قطع في شرعي من غير قاطع، فوجب تقدير نص فيه، وأيضا أجمعوا على تقديمه على قواطع الأدلة فكان قاطعا، وإلا تعارض الإجماعان لعدم تقديم غير القاطع على القاطع بالإجماع، فإن قيل: مشروط بمشاقة الرسول، سلمنا الانفراد، ولكن سبيل غير المؤمنين الكفر، واللام في المؤمنين للاستغراق، فأين الاختصاص بأهل عصر عصر؟ مع أنه يعم الجاهل. والسبيل مفرد فلا يعم، وإلا لوجب متابعتهم فيما فعلوه مباحا وقد حكموا بإباحته ولوجب اتباعهم في إجماعهم على جواز الاجتهاد في الحكم قبل الاتفاق عليه، واتباعهم في امتناعه بعده، وهو تناقض
(1/261)

فتعين التأويل بمتابعة سبيلهم في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وترك مشاقته. أو في الإيمان وهو أرجح لإعمال اللفظ في زمنه عليه السلام والإجماع خاص بما بعده، وأيضا مشروط بسبق تبين الهدى المعرف باللام المستغرقة لكل هدى حتى إجماعهم على الحكم الشرعي وتبين الهدى بدليله، فلزم تقدم دليل كون الإجماع هدى، وليس هو نفس الإجماع وغيره كاف عنه. سلمنا الإطلاق، لكن المراد الأئمة المعصومون أو من فيهم المعصوم؛ لأن سبيلهم حينئذ حق. على أنه معارض بقوله {تبيانا لكل شيء} {فردوه إلى الله والرسول} {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} والنهي دليل التصور فلا عصمة، وقد سأل عليه السلام معاذا عن الأدلة التي يحكم بها، فلم يذكر الإجماع، وأقره.
(1/262)

وبالأحاديث التي تشهد بخلو العصر عمن تقوم بهم الحجة: "لا ترجعوا بعدي كفارا" "حتى إذا اتخذ الناس رؤوسا جهالا" "ثم تبقى حثالة كحثالة التمر والشعير لا يعبأ الله بهم" وقوله تعالى: {ولا تفرقوا} أي في الاعتصام، كقولنا: (ادخلوا البلد، ولا تفرقوا)؛ أي في الدخول، فإذا لم يعلم أن الإجماع اعتصام لم يكن التفرق منهيا وإن سلم لكنه مخصوص بما قبل الإجماع، فإن كلا مخاطب بأن يعمل باجتهاده، والآراء مختلفة فالتفرق مأمور به.
(1/263)

وشرط وجوب الرد إلى الكتاب والسنة عند الإجماع إن كان بناء عليهما فهما كافيان. وإلا ففيه تجويز الإجماع من غير دليل، على أن بقاء الشرط ممنوع، فإن الكلام مفروض في نزاع المتأخرين لإجماع من تقدمهم. وأما السنة فآحاد. ولئن سلم التواتر لكن يجوز إرادة عصمتهم عن الكفر من غير تأويل وشبهه، أو عن الخطأ في الشهادة في المعاد أو فيما يوافق المتواتر مع أنه يجوز إرادة كل الأمة، فيخرج كل عصر. ولئن سلم فلم يلزم أن يكون حجة على المجتهدين مع أن كل مجتهد مصيب، وقد أثبتم الإجماع بالإجماع، أو بنص يتوقف على كونه حجة، وهو دور، وإحالة العادة تبتني على التواتر وليس بشرط عندكم.
والجواب: اتباع غير سبيلهم متوعد عليه عند المشاقة ولا جائز أن يكون لغير مفسدة وإلا لما حسن التوعد وما تعلق به من المفسدة إن كانت من جهة المشاقة فذكرها كاف وإن لم تكن لزم التوعد عليه. والسبيل الطريق فلا يخصص بكفر ولا غيره وإلا كان اللفظ مبهما، وهو خلاف الأصل، ولا يصح أن يعم الكل إلى القيامة؛ لأن المؤمنين حقيقة: الأحياء المتصفون به، ومن مات أو لم يوجد ليس بمؤمن حقيقة. على أن المراد الحث على متابعة سبيلهم، والحمل على ذلك يبطله، وكون الجاهل غير مراد مختلف ولئن خرج فالمخصوص حجة لما سيأتي، ويجب عموم لفظ السبيل لما مر، ودفع التناقض أن فعلهم المباح وإن كان سبيلا فحكمهم بجواز الترك سبيل ولا يلزم من مخالفة الآية في وجوب اتباع الفعل مخالفتهم في اتباعهم في اعتقاد جواز الترك، وتلك التأويلات تخصيصات للسبيل من غير ضرورة فلا تقبل. وتبين الهدى شرط التوعد على المشاقة لاختصاص إطلاقه لمن عرف الهدى أولا، وإلا لا يكون
(1/264)

مشاقا، وأيضا فتبين الأحكام الفروعية ليس شرطا في المشاقة، فإن من تبين صدق الرسول وحاد عنه كان مشاقا، وإن جهلها فلا يكون شرطا للوعيد بالاتباع، والحق أن الآية ظاهرة لا قاطعة، وحينئذ لا يصح التمسك به إلا بالإجماع وهو دور. ولا يلزم هذا في القياس المثبت (باعتبروا) لأن الظاهر فيه لم يثبت بالقياس، واشتراط المعصوم ممنوع بما تقرر في الكلام، ولكونه تخصيصا من غير ضرورة. على أن التوعد لاحق باتباع غير سبيلهم، وعندهم باتباع غير سبيل المعصوم وحده وهو خلاف الظاهر. وعن المعارضة: أنه لا تنافي بين ما أثبتناه من كون الإجماع حجة وبين كون الكتاب تبيانا لكل شيء. وعن الثانية: القول بالموجب فإنا لما تنازعنا في كون الإجماع حجة رددناه إلى الكتاب والسنة فأثبتناه بهما، وعن الأخريين أن المراد كل واحد من الأمة، ولا يلزم من جواز المعصية على الأفراد جوازها على المجموع، ولو دل فالجواز عقلي فلا يلزم الوقوع ويكفيك نهيه عليه السلام أن يكون من الجاهلين والكافرين مع العلم بعصمته وبأن من مات ولم يعص علم أن الله تعالى عالم بعصمته لتعلق العلم بذلك مع كونه منهيا عنها. وترك معاذ الإجماع لكونه ليس بحجة حينئذ. على أنه معارض بما يدل على بقاء من تقوم بهم الحجة "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة" ويجب حمل النهي عن
(1/265)

التفرق على العموم وإلا لأفاد عين ما أفاده الأمر بالاعتصام. والأصل التأسيس دون التأكيد والأمر والنهي إنما هو مع أهل كل عصر بتقدير وجودهم وفهمهم كما سيأتي. وإن كان الإجماع يستدعي دليلا فانحصاره في الكتاب والسنة ممنوع لجواز أن يكون قياسا. والسؤال الثاني مشكل. وأما السنة آحادا إلا أن العلم القطعي حاصل من مجموعها بقصد تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم أمته كما علم جود حاتم وشجاعة علي رضي الله عنه. فكان إجماعهم على قول أو فعل حقا وإلا اجتمعوا على خطأ، ولأنه لا نكير في العمل بها، ولا يقال يحتمل وجود منكر فلا قطع، وفي الاستدلال بها (عليه) دور لثبوتها به؛ لأنا نقول: لو وجد لاشتهر، وليست ثابتة به، بل بإحالة العادة الاحتجاج بما لا صحة له في الأصول، ولا دور فإنا أثبتنا كونه حجة بنص مستفاد عن صورة (من صور) الإجماع بطريق عادي لا بإجماع. وتوقف إحالة العادة على التواتر ممنوع.
مسألة:
لا اعتبار بالكافر فيه؛ لأن أدلة الإجماع لا إشعار لها به
(1/266)

وهو غير مقبول القول فلا اعتبار به في حجة شرعية.
مسألة:
ولا باتفاق جميع الملة إلى القيامة لإفضائه إلى إبطاله، لعدم كمال المجمعين قبلها، وارتفاع التكليف بعدها.
مسألة:
ولا بقول العامي، واعتبره القاضي؛ لأن قول الأمة إنما كان حجة لعصمتهم ولا يمتنع كونها صفة الهيئة الاجتماعية ومخالفة حكم المجموع لحكم الأفراد جائز. لنا: أنه مقلد لهم فلا يعتبر خلافه، ولأنهم من أهل الاستدلال لتثبيت الاحتجاج وليس هو من أهله كالصبي والمجنون، والسلف متفقون على عدم اعتباره.
(1/267)

تنبيه:
من أدخله أدخل الأصولي والفقيه الحافظ بطريق الأولى، ومن منع فمنهم من أدخلهما نظرا إلى تفاوت الرتبة، ومنهم من طرد نظرا إلى عدم أهلية الاجتهاد. وآخر فصل فاعتبر الفقه، ومنهم الأصولي، لكونه أقرب إلى مقصود الاجتهاد.
مسألة:
ولا بقول المجتهد المبتدع الذي لا يكفر ببدعته، ومنهم من اعتبره نظرا إلى دخوله في مفهوم الأمة والحل والعقد، وفسقه به لا يخل بأهلية الاجتهاد مع أن الظاهر صدقه فيما يخبر عن اجتهاده أو بالقرائن.
(1/268)

لنا: أنه ليس من أهل الكرامة فلا يقبل قوله في إخباره فالتحق بالكافر، ولأنه لا يقلد في الفتوى فلا يعتبر خلافه كالصبي.
مسألة:
وليس بمخصوص بإجماع الصحابة، خلافا لداود وأحمد في رواية.
(1/269)

لنا: أن الأدلة غير فاصلة، قالوا: بل خطاب للموجودين {كنتم خير أمة} و {جعلناكم أمة وسطا} ومن لم يوجد غير متصف بالإيمان، فكانوا كل الأمة. ومن بعدهم ليسوا كلهم من دون من تقدمهم، وبموتهم لم يخرجوا من الأمة، ولذلك منع خلاف الواحد منهم اجتماع التابعين، وإذا لم يكونوا كلهم لم ينعقد إجماعهم، ثم إن كان عن إجماع الصحابة رضي الله عنهم فالأول كاف، أو عن قياس وجب اتفاقهم عليه ليكون مناطا، وهذا مختلف بينهم، أو عن نص وجب معرفة الصحابة رضي الله عنهم له؛ لأنهم طريق معرفة التابعين، فلو كان متمسكا به لما تواطؤوا على تركه، والأدلة مخصصة لهم: "أصحابي كالنجوم"
(1/270)

"اقتدوا باللذين من بعدي" "ثم يفشو الكذب" "ثم يبقى حثالة" فوجب الاقتصار عليهم، ولأنهم مجمعون أن كل مسألة خلت عن نص أو إجماع مجتهد فيها، فلو قيل بإجماع التابعين في واقعة خلت عنهما استلزم خرق إجماعهم في أنها اجتهادية، قلنا: يلزم أن يقدح موت الموجود وقت الخطاب في انعقاد إجماع الباقين لخروج بعض المخاطبين، وأن لا يعتد بخلاف من أسلم بعد الخطاب، ويلزم من كون التابعين ليسوا كل الأمة عدم إجماع المتخلفين من الصحابة رضي الله عنهم. فنقول: إذا هم كل الأمة المعتبرين في الإجماع. والدليل كان معلوما للصحابة رضي الله عنهم، غير أن الواقعة مختصة بالتابعين فاختصوا بإثباتها. وأصحابي كالنجوم لا يدل على عدم الاهتداء بغيرهم،
(1/271)

والمفهوم ليس حجة وهذا مفهوم اللقب. وظهور الكذب في الأعصار لا يستلزم عدم من تقوم الحجة بهم من العلماء، ولا يمكن حمل إجماعهم على تجويز الخلاف مطلقا، وإلا لما تصور إجماع التابعين فيها لتعارض الإجماعين، بل لا بد من قيد عدم الإجماع، فارتفع التناقض.
مسألة:
ولا يعتبر إجماع الأكثر مع مخالفة الأقل، خلافا لأحمد في رواية
(1/272)

وللطبري والرازي منا. وبعضهم: إن بلغ الأقل عدد التواتر منع، والجرجاني: إن أجازوا اجتهاد المخالف اعتد به كالعول، وإن أنكروه فلا كالمتعة. لنا: أن أدلة الإجماع متناولة للكل حقيقة فوجب الحمل عليه، ولأن الأكثر سوغوا للواحد الاجتهاد كأبي بكر رضي الله عنه في قتال مانع الزكاة، وابن عباس رضي الله عنهما في العول، وابن مسعود رضي الله عنه في الفرائض إلى غيرهم. ولو كان حجة لأنكروه وإن نقل فإنكار مناظرة. قالوا: يصدق على الأكثر كبني تميم يحمون الجار، و"عليكم بالسواد الأعظم"
(1/273)

ولأن اعتماد الأمة في خلافة أبي بكر الإجماع وقد تخلف قوم.
قلنا: مجاز ولذلك صح نفيه، والسواد الأعظم هو الكل لأنه الأعظم، والتأخر عن البيعة كان لعذر ثم اتفقوا.
مسألة:
ولا إجماع الصحابة رضي الله عنهم مع مخالفة تابعي من أهل الاجتهاد قبل الانعقاد. ومن شرط انقراض العصر اعتبر خلافه مطلقا، وبعض المتكلمين وأحمد
(1/274)

في رواية لا يعتبر أصلا، لنا: عدم صدق إجماع الأمة عند خروج التابعي المجتهد عنهم، وما قيل من أن "الصحابة رضي الله عنهم جوزوا للتابعين الاجتهاد معهم في الوقائع ورجعوا إليهم ولو كان باطلا لما سوغوه" ضعيف؛ لجواز أن يختص التجويز بمواقع الخلاف دون الوفاق، ألا ترى أن قول التابعي إنما يعتبر بعد انقراض عصر الصحابة رضي الله عنهم إذا لم يكن منهم وفاق. احتجوا "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي" "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما" "أصحابي كالنجوم" ولهم مزية الصحبة وشهود الوحي والتأويل وهم المرضيون فالحق لا يعدوهم، ونقض علي رضي الله عنه حكم شريح في ابني عم أحدهما أخ لأم حين أعطى الأخ الكل. قلنا: سبق جواب النصوص في إجماع غير الصحابة رضي الله عنهم، واعتبار المزية يوجب رد الأدنى مع الأعلى
(1/275)

كالأنصار مع المهاجرين وهم مع العشرة وباقيهم مع الأربعة، ونقض علي رضي الله عنه ليس لعدم اعتباره، وإلا لما انقاد لحكمه عليه على خلاف مذهبه أو لاطلاعه على نص يمنع الاجتهاد.
مسألة:
ولا إجماع أهل المدينة وحدهم خلافا لمالك رحمه الله، وأوله بعضهم على ترجيح روايتهم، وآخرون على أولوية اتباعهم، وآخرون على إجماع الصحابة رضي الله عنهم. لنا أن أدلة الإجماع لا تخص. احتجوا أن "المدينة تنفي
(1/276)

خبثها" والخطأ خبث فينفى، وهي دار الهجرة ومهبط الوحي ومجمع الصحابة فلا يعدو إجماعهم الحق. قلنا: لا يدل على عدم نفي الخبث عن غيرها ولا على اختصاص الإجماع المعتبر بهم، وتخصيصها بالذكر لإبانة شرفها وفضلها لا ينفي فضل غيرها، ولا يدل على اعتبار إجماع أهلها، فإن مكة على فضائلها لم تدل على ذلك، فلا أثر للبقاع، بل للعلم والاجتهاد.
مسألة:
ولا أهل البيت وحدهم خلافا للشيعة لما مر، احتجوا {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} والخطأ من الرجس فينتفي. والأهل علي
(1/277)

وفاطمة والحسنان، لقوله عليه السلام: "هؤلاء أهل بيتي" وبما ورد "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي"
(1/278)

فلا حجة في غيرهما، ولأنهم المختصون بشرف النسب والمعصومون لما قرر في الإمامة، فكانوا بل الواحد منهم حجة. قلنا: نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم لرفع التهمة عنهن، وسياق الآيات يدل عليه. والإشارة إلى علي رضي الله عنه ومن معه لا ينفيهن وإنما ذكر الضمير تغليبا للتذكير. والخبر من الآحاد، على أنه ورد "كتاب الله وسنتي" وقول العترة على روايتهم جمعا بني الأدلة وهو معارض بـ"أصحابي كالنجوم" و"اقتدوا باللذين من بعدي" وأما النسب فلا أثر له في الاجتهاد، والعصمة ممنوعة لما قرر في الإمامة فلم يكن قول الواحد حجة. يعضده أن عليا رضي الله عنه لم ينكر على مخالف ولا في زمن ولايته، ولو كان حجة لكان الترك خطأ قادحا في العصمة.
(1/279)

مسألة:
ولا إجماع الأربعة وحدهم خلافا لأحمد في رواية ولأبي خازم منا، ولا إجماع الشيخين خلافا لبعضهم. قالوا: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، والعطف للشركة. واستدل الآخرون: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما" قلنا: عام ولا دلالة على الحصر في الأربعة، ولو دل عورض بأصحابي كالنجوم، وهو جواب الآخرين.
(1/280)

مسألة:
لا يشترط فيه عدد التواتر: لنا أن الأمة والمؤمنين صادق على جمع لم يبلغوا عدد التواتر فتناولتهم أدلة الإجماع. فإن قيل لا يتصور مع بقاء التكليف بالدين وأدلته النقلية ولا ناقل غير المسلمين فلا يتصور نقصهم عن عدد التواتر. ولئن سلم فإيمانهم غير معلوم، فكيف يعلم صدقهم في الغير، ولو سلم فلو بقي من الأمة واحد ما حكمه.
قلنا: إن كان المجمعون المجتهدين فنقصانهم لا يستلزم انقطاع الحجة بالتكليف لانضمام العامة، وإن دخلوا ونقص المجموع فكذلك لإمكان الدوام بإخبارهم مع غيرهم، وإن لم يعتقدوا الدين وبخبر القليل من المسلمين مع القرائن المفيدة للعلم. وقد يعلم إيمانهم بخبرهم للقرائن، ولو كان المخبر واحدا، لجواز خلق الله تعالى علما ضروريا به. وأما حكم الواحد فقائل: هو حجة لصدق الأمة عليه وحده {إن إبراهيم كان أمة} والأصل الحقيقة فتناولته نصوص الإجماع. وقائل: إن الإجماع يشعر بالاجتماع فلا بد من اثنين.
(1/281)

مسألة:
إذا أفتى مجتهد وسكت أهل عصره بعد علمهم ونظرهم فهو إجماع وحجة. وشرط الجبائي انقراض العصر. والشافعي رحمه الله
(1/282)

نفاهما في قول وأبو هاشم حجة لا إجماع. وابن أبي هريرة: إن كان فتوى فإجماع أو حكما فلا. لنا: أنه لولا الوفاق لبعد سكوتهم عادة. ولأن الفتوى بعد العرض واجبة، فالسكوت عن خلاف حرام. النافون: السكوت يحتمل
(1/283)

الوفاق وعدم الاجتهاد فيهما بعد، والاجتهاد مع الوقف، أو مع المخالفة والكتم للتروي والتفكر، أو الاعتقاد أن كل مجتهد مصيب، أو لخوف فتنة أو لمهابة كما وافق ابن عباس عمر رضي الله عنهما في العول وخالفه بعده، وقال: هبته. ومع الاحتمالات فلا إجماع ولا حجة. قلنا: خلاف الظاهر، أما عدم الاجتهاد فبعيد مع وجوبه عليهم، وكذا الوقف مع كثرة الأمارات وقيام الأهلية، والتأخير للتفكر وإن جاز لكن تحيل العادة استمراره في حق الكل مع تطاول الزمان، وأما اعتقاد الإصابة فمما يمنع البحث والنظر في المآخذ الشرعية ليعرف الحق كما كان يجري بين الصحابة رضي الله عنهم في مسائل الجد والعول ونحوهما. وأما التقية فبعيد، فإن مباحث المجتهدين مأمونة العواقب ومحاباة ذي الشوكة منهم غش، والظاهر النصيحة
(1/284)

كقول معاذ رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه: ليس لك سبيل على ما في بطنها لما رأى جلد الحامل حتى قال: لولا معاذ لهلك عمر، وكقول عبيدة السلماني لعلي رضي الله عنهما حين تجدد له رأي في بيع أم الولد: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما لا يكاد يصح فقد كان عمر رضي الله عنه شديد الانقياد للحق، أو جعل الهيبة عذرا في عدم المبالغة في المناظرة مع الثبات على مذهبه. قال ابن أبي هريرة: العادة قاضية بأن السكوت في الفتيا وفاق، دون الحكم، للزوم اتباعه. قلنا: لزومه قبل استقرار المذاهب غير مانع من إبداء الخلاف.
(1/285)

مسألة:
إذا لم تنتشر فتوى مجتهد وجهل المخالف لا يكون إجماعا لأن الوفاق يستلزم سبق تصورهم، مع احتمال أنه لا قول لهم فيها، أو لهم ولكنه مخالف أو موافق ومع الجهل فلا حكم بالوفاق.
مسألة:
لا يشترط انقراض عصر
(1/286)

المجمعين خلافا لأحمد وابن فورك. وقيل: إن كان سكوتيا فشرط وإلا فلا. لنا: أن أدلة الإجماع لا تشترط.
واستدل: أن الحجة إن كانت الانقراض وحده فمحال، أو مع الاتفاق فيكون موتهم مؤثرا في كون أقوالهم حجة فلا يصح، كموت الرسول صلى الله عليه وسلم. فتعين الاتفاق وحده، وهو ضعيف؛ لجواز أن تكون هي اتفاقهم مشروطا بعدم مخالف في عصرهم. وإحالة ذلك محل النزاع. والفرق أن قول الرسول عليه السلام مستند إلى الوحي فلا يقابله قول غيره، بخلاف غيره فإن قوله عن اجتهاد يقابله مثله. واستدل: لو اشترط لما تصور إجماع لتلاحق المجتهدين وتجويز مخالفة
(1/287)

السابقين في عصرهم، وهو ضعيف، إما لأن اللاحق لا مدخل له في رواية من اشترط، أو لأن الشرط انقراض عصر المجمعين الأولين خاصة. قالوا: {لتكونوا شهداء على الناس} ومتى حظر عليهم الرجوع كانوا حجة على أنفسهم. وعلي رضي الله عنه أظهر الخلاف في بيع أم الولد بعد وفاقه لقول عبيدة رضي الله عنه: "رأيك مع الجماعة أحب إلينا"، وعمر خالف أبا بكر رضي الله عنهما في تسوية القسمة، وأقره الباقون ولو لم يشترط لامتنع رجوع المجتهد، ولو لم تعتبر المخالفة في عصرهم لم تعتبر مخالفة من مات؛ لأن الباقين كل الأمة، ولأن قولهم لا يزيد على قول النبي عليه السلام وموته عليه السلام شرط استقرار الحكم فكذلك فيهم، ولأنه لو لم يشترط فتذكروا نصا مخالفا إن رجعوا كان الإجماع خطأ وإلا استمروا على حكم ظهر دليل نقيضه. قلنا: لا منافاة والمفهوم ليس بحجة، وليس في قول علي رضي الله عنه
(1/288)

دليل على خلاف إجماع الأمة، فإنه قال: ورأي عمر رضي الله عنه، على أنه نقل: أن جابرا رضي الله عنه خالف عمر في زمانه فلا إجماع، وعمر في التسوية خالف أبا بكر رضي الله عنه في زمانه، واستمر بالنقل، وامتناع الرجوع بعد الوفاق لكون الإجماع قطعيا فلا يترك بالظني، ونمنع أن الباقين كل الأمة بالنسبة إلى قول الميت فإن فتواه لا تبطل بموته، وهذا منع على قول أبي حنيفة: إن الاختلاف السابق مانع من الإجماع اللاحق تخريجا من قوله: إن القضاء ببيع أم الولد نافذ. وأول بعضهم هذا على أنه إجماع مجتهد فيه فكان ظنيا فنفذ القضاء فيه. وأما على قول محمد: فالقضاء باطل والخلاف السابق غير مانع وأبطل دليله بالإجماع اللاحق ولم يظلله لعدم وقوعه تحت وقت الإجماع، والرأي قبله حجة. والفرق لا يمتنع، بخلاف رفع حكم الإجماع القاطع بالاجتهاد. وفرض العثور على نص مخالف للإجماع محال؛ إما لعصمة الأمة عن الإجماع حينئذ أو لعصمة الراوي عن النسيان إلى تمام انعقاده.
(1/289)

مسألة:
لا إجماع إلا عن مستند، خلافا لشواذ. لنا: أن الفتوى بغير دليل خطأ ولا إجماع على خطأ، ولأن اشتراط الاجتهاد في المجمعين مجمع عليه فلو انعقد بدون دليل لم يكن في اشتراطه فائدة، قالوا: لو تقف لكان الدليل هو حجة المجمع عليه لا الإجماع. قلنا: ممنوع، وفائدة كون الإجماع حجة الأخذ به وإسقاط البحث عن دليله وحرمة الخلاف الجائز قبله على أن ذلك يوجب عدم انعقاده عن دليل، ولا قائل به، ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم حجة في نفسه وإن استند إلى الوحي.
مسألة:
وقد ينعقد عن قياس، ومنعت الظاهرية
(1/290)

ونفاة القياس جوازه وآخرون وقوعه، وجوز آخرون بجلية دون خفية، لنا: أن فرض وقوعه لا يستلزم المحال لذاته، وأما وقوعه فلأن الصحابة أجمعوا على استخلاف أبي بكر رضي الله عنه. وقال جماعة: رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا. وعلى قتال مانعي الزكاة،
(1/291)

وقال أبو بكر رضي الله عنه: لا فرقت بين ما جمع الله {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}، وعلى تحريم شحم الخنزير اعتبارا بلحمه، وإراقة الدبس السيال لموت فأرة اعتبارا بالسمن، وعلى حد الشارب ثمانين، وقال علي رضي الله عنه: "شرب فسكر فهذى فافترى، فأرى عليه حد الفرية". وعورض: بأن
(1/292)

عصرا لا يخلو من نفاة القياس، فيمتنع الاتفاق عليه، وبأنه أصل معصوم عن الخطأ والقياس فرع معرض له فلا يصلح مستندا، وبأن مخالفة المجتهد جائز بالإجماع، فلو انعقد به حرمت المخالفة المجمع عليها فيتناقض، ومستند ما نقل نصوص ظهر بعضها واكتفي بالإجماع فيما لم ينقل فيه نص. قلنا: ممنوع؛ فإن الخلاف في القياس حادث كيف وفي خبر الواحد خلاف، ولا خلاف في انعقاده عنه وإذا أجمع على حكم القياس سبقه الإجماع على صحته فلم يكن ظنيا، والقياس الذي هو مستند الإجماع ليس فرعا للإجماع، بل للكتاب والسنة، فلا يكون بناء الأصل على فرعه والإجماع على جواز مخالفة المجتهد المنفرد لا الأمة، وما ظهر أن مستنده نص فسلم فما لا نص فيه وقد صرح بالقياس فلا جواب عنه.
مسألة:
إذا اختلف أهل عصر على قولين لم يسغ ثالث عند الجمهور، وخص بعض
(1/293)

أصحابنا بالصحابة رضي الله عنهم والأصح الإطلاق. مثاله: وطئ بكرا ثم وجد عيبا؛ قيل يمنع الرد، وبه مع الأرش. فالرد مجانا ثالث. وكالجد قيل يرث مع الأخ الكل، وقيل يقاسمه، فحرمانه ثالث، وكالأم مع زوج وأبوين أو زوجة وأبوين: قيل بثلث الأصل وثلث الباقي، فالتفريق ثالث. وكالنية، قيل: تعتبر في جميع الطهارات وقيل في البعض، فتعميم النفي ثالث. ومنهم من فصل واختاره في الأحكام، إن كان الثالث رافعا للاتفاق فممتنع كالبكر فإنها لا ترد مجانا، وكالجد فإنه يرث اتفاقا، وإن وافق كلا من وجه فجائز فإنه حينئذ غير مخالف للإجماع كفسخ النكاح ببعض العيوب الخمسة دون بعض، وكالتفصيل في الأم، فإنه يوافق في كل صورة مذهبا. قال هؤلاء: الرافع خالف الإجماع فامتنع، وغيره وافق كلا فساغ، وهذا كما لو قيل: لا يقتل مسلم بذمي، ولا يصح بيع الغائب، وقيل بجوازه وصحته، فالقائل بجوازه وعدم الصحة أو بالعكس (ليس) مخالفا للإجماع بالإجماع، فإن قيل: لا قائل بالتفصيل؛ لأن كلا قائل بنفيه، قلنا: عدمه لا يمنع القول به وإلا امتنع الاجتهاد في واقعة
(1/294)

لم يسبق فيها قول، وليس النفي صريحا ولا مستفادا من إطلاق النفي والإثبات وإلا امتنع في مسألة القتل والبيع. الجمهور: إن كان الثالث عن غير دليل امتنع، أو عنه لزم تخطئة الأمة بالجهل به، ولأن حصر الاختلاف في قولين إجماع معنى على المنع من ثالث لإيجاب كل طائفة الأخذ بقولها أو قول مخالفها وتحريم الأخذ بغير ذلك. المخالف: الاختلاف مسوغ للاجتهاد، والثالث صادر عنه، ولأن الصحابة رضي الله عنهم لو أجمعوا على الاستدلال بدليلين ساغ للتابعي دليل ثالث فكذا قول. على أن دليل الجواز الوقوع، فإن الصحابة على قولين في الأم وابن سيرين قائل بثلث الأصل في الزوج والأبوين وبثلث الباقي في الزوجة والأبوين، وتابعي آخر بالعكس. ولا نكير، وكذلك في أنت علي حرام على ستة أقوال، أحدث مسروق سابعا أن لا يتعلق به حكم
(1/295)

أجيب: أن تسويغ الاجتهاد من غيرهم ممنوع، والدليل الثالث مؤكد والقول مبطل فافترقا، والثالث مردود وعدم نقل الإنكار لا يدل على عدمه، وللمفصل أن يجيب بأنه من قبيل الفسخ بالعيوب الخمسة.
مسألة:
الأكثرون أن أهل عصر إذا استدلوا بدليل أو أولوا دليلا فلمن بعدهم إحداث تأويل آخر ودليل لم ينص الأولون على إبطاله. لنا أنه قول عن اجتهاد غير مصادم لإجماع فجاز، ولأنه لو امتنع لأنكر لما وقع، ولم يزل المتأخرون يستخرجون الأدلة والتأويلات المغايرة لما تقدم منها ولا نكير.
قالوا: اتباع لغير سبيل المؤمنين، قلنا: معناه لما اتفقوا عليه لا لما لم يتعرضوا له وإلا امتنع الاجتهاد فيما لم يتعرض الإجماع له بنفي أو إثبات. قالوا: {يأمرون بالمعروف} عام، وإذا لم يأمروا بالثاني لم يكن معروفا فكان منكرا. قلنا معارض بقوله: {وينهون عن المنكر} فوجب النهي ولم ينهوا فلم يكن منكرا، قالوا: ذهبوا عنه فلو كان صوابا كان ذهابهم عنه خطأ. قلنا: استغنوا عنه بدليلهم أو تأويلهم فلم يكن خطأ مع صحته.
(1/296)

مسألة:
اتفاق العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول وقد استقر خلافهم جائز وحجة ومنعه الصيرفي والأشعري
(1/297)

وأحمد والغزالي والجويني رحمهم الله.
لنا: لو لم يكن حجة لزم تخطئة الأمة الأحياء في إجماعهم. قالوا: أجمع الأولون على جواز الأخذ بكل من القولين، والثاني مانع من المصير إلى أحدهما فامتنع سمعا وإلا لزم تخطئة الإجماع الأول لاستحالة كون الحق في أخذه وتركه معا، قلنا: الإجماع ممنوع فإن أحد القولين خطأ لقوله "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن أصاب فأجران" ولا إجماع على خطأ. سلمناه لكن بشرط عدم إجماع لاحق، وإن سلم فالأول إجماع على أحدهما والثاني موافق لمقتضاه فلا يمتنع، ثم هو واقع في قضية دفن رسول الله
(1/298)

صلى الله عليه وسلم وإمامة أبي بكر رضي الله عنه وقتال مانعي الزكاة بعد اختلافهم، واتفاق التابعين على منع بيع أم الولد بعد اختلاف الصحابة وفي الصحيح كان عمر رضي الله عنه ينهى عن المتعة، وقال البغوي: ثم حصل الإجماع.
مسألة:
اتفاق عصر بعد اختلافهم إجماع وحجة، وبعد استقرار الخلاف؛ مَن شَرَط انقراض العصر، قطع بالجواز، ومن لم يشرطه بين مجوز ومانع، وهذه أظهر من التي قبلها لأنه لا قول لغيرهم على خلافه.
(1/299)

مسألة:
ثبوت الإجماع بخبر الواحد جائز وواقع كقول عبيدة السلماني: ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كإجماعهم على الأربع قبل الظهر والإسفار بالصبح وتحريم الأخت في عدة الأخت. وهذا ظني يوجب العمل ويقدم على القياس لكونه يقيني الأصل وأنكره بعض فقهائنا والغزالي. لنا: أن نقل الخبر الظني موجب للعمل قطعا، فنقل القطعي أولى. قالوا: فيه إثبات أصل بظاهر والأصول لا تثبت به وجوابه المنع.
مسألة:
جاحد حكم الإجماع القطعي كافر. قال فخر الإسلام رحمه الله: وأما إجماع التابعين فهو كالخبر المشهور والإجماع المسبوق بالخلاف كخبر الواحد الصحيح، والنسخ جار في جميع ذلك بمثله. والمختار في الأحكام أن حكمه إن كان كالعبادات الخمس والتوحيد والرسالة ونحوها مما يدخل في مفهوم الإسلام كفر وإلا فلا.
(1/300)

مسألة:
لا يصح التمسك بالإجماع فيما تتوقف صحته عليه كوجود الباري تعالى وصحة الرسالة ودلالة المعجزة للزوم الدور. وما لا يتوقف وهو ديني فالإجماع فيه صحيح اتفاقا، عقليا كان كالرؤية لا في جهة ونفي الشريك، أو شرعيا كوجوب العبادات، وما هو دنيوي كتدبير الجيوش وترتيب أمر الرعية فللقاضي فيه قولان. والمختار أنه حجة لازمة لشمول أدلة الإجماع.

وتشترك هذه الأصول الثلاثة في السند والمتن.
فالنوع الأول: السند، وهو الإخبار عن طريق المتن، وفيه فصول.
(1/301)

فصل:
في حقيقة الخبر وأقسامه: يطلق بالمجاز على الإشارات الحالية والدلائل المعنوية كأخبرتني عيناك وخبرنا الغراب،
وكم لسواد الليلي عندي من يد تخبر أن المانوية تكذب
وبالحقيقة على الصيغة والمعنى النفسي لكنه بالصيغة "لغة" أشبه، للتبادر عند الإطلاق، ثم قيل: لا يحد
(1/302)

لكونه ضروريا لأن كل أحد يعلم وجوده، وأن الشيء لا يكون موجودا معدوما معا، ومطلق الخبر جزء منه والعلم بالخاص علم به لتوقف العلم بالكل على العلم بجزئه، ولأن كلا يجد تفرقة بين الخبر وغيره وهو مستلزم لسبق تصوره. ويقال: الاستدلال دليل عدم الضرورة إذ الضروري لا يقبله. ويجاب بأن كون العلم نظريا أو ضروريا قابل له كما يستدل على أن العلم بكون الكل أعظم من الجزء ضروري بأن تصور طرفيه كاف في الجزم بالنسبة بخلاف الاستدلال على حصوله ضرورة فإنه مناف للضرورة، ويرد بأنه لا يلزم م حصول العلم بالخبر الخاص تصوره أو تقدم تصوره لعدم استلزام العلم الضروري بالثبوت العلم بالتصور لكون التصور غير الثبوت وإذا انفك تصور الخاص عن ثبوته لم يلزم تصور مطلق الخبر منه. ويقال أيضا: لو كان المطلق جزءا لزم انحصار الأعم في الأخص. فإن قيل مشترك بين جزئياته فكان جزءا يجاب: ليس معنى الشركة الوجود في الأنواع أو الأشخاص بل موافقة حد الطبيعة التي عرض لها أنها كلية لحد ما تحتها من الطبائع الخاصة. وعلى الثاني: بأنه لا يلزم من التفرقة بين أمرين ضرورة تصورهما ضرورة.
(1/303)

على أنه يلزم أن يكون الأمر ضروريا وهو محدود. وأيضا: فإن حقائق أنواع اللفظ مبنية على الوضع الذي لا يمتنع تبدله فلم تكن ضرورية. وحده القاضي والمعتزلة في آخرين بالكلام الذي يدخله الصدق والكذب، ونقض بمثل محمد ومسيلمة صادقان، وبقول الكاذب دائما كل أخباري كاذب، فإن صدق كذب هذا وإن كذب صدق في الكل فيتناقض، ويلزم الدور؛ لأن الصدق هو الخبر المطابق والكذب ضده، وبأنهما متقابلان فلا يجتمعان واللازم إما امتناع الخبر أو وجوده مع عدم صدق الحد. وبخبره تعالى. وأجيب بأنهما خبران في المعنى وإنما يوصف بهما الخبر من حيث هو خبر. ورد بأنه وإن كان في معنى خبرين لإفادته حكما لشخصين لكن لا يمتنع وصفه بهما كما لا يمتنع في أشخاص في قولك كل موجود ممكن حادث. وأجيب بأنه كذب لأنه أضاف الخبر إليهما معا وهو لأحدهما، وهذا حق ولكن لم يدخله الصدق وقوله: كل أخباري، إن طابق فصدق وإلا فكذب، ولا خلو عنهما، والدور لا جواب عنه وأجيب بأن المحدود جنس الخبر وهما مجتمعان فيه كالسواد والبياض في جنس اللون، ورد بأن اللازم صدق الحد على الآحاد الشخصية وإلا لزم وجود الماهية بدون حدها.
(1/304)

والحق أن الواو وإن أفادت الجمع لكن المراد الترديد بين القسمين تجوزا لكن يجب خلو الحد عن مثله. وحد بما دخله الصدق أو الكذب. ونقض بالإشكالين الأولين وبأن أو للترديد وهو مناف للتعريف. وأجيب بأن المراد قبوله لأحدهما وهو جازم. وحد بما يدخله التصديق والتكذب وبأو. ونقض بالدور والترديد. وحده أبو الحسين: بالكلام المقيد بنفسه نسبة. والكلام عنده يصدق على الكلمة، فاحترز بالمفيد نسبة عن المفرد، وبنفسه عن مثل قائم فإنه وإن أفاد نسبة إلى الضمير لكن بواسطة الموضوع. ويرد مثل ثم، فإنه مفيد بنفسه نسبة القيام إلى المأمور أو الطلب إلى الأمر، ومثل النسب التقيد به كحيوان ناطق، ومثل: ما أحسن زيدا. والمختار: كلام محكوم فيه بنسبة خارجية أي ثابتة في نفس الأمر ذهنية كانت أو خارجية. فيدخل مثل طلبت القيام، ويخرج الأمر وغير الخبر، إنشاء وتنبيه، ومنه الأمر والنهي والاستفهام
(1/305)

والتمني والترجي والقسم والنداء. والحق أن مثل بعت واشتريت وطلقت التي يقصد بها الوقوع إنشاء لأنها لا خارج (لها) ولا تقبل صدقا ولا كذبا، ولو كان خبرا لكان ماضيا، ولما قبل التعليق، ولأنا نقطع بالفرق بينهما، ولهذا يسأل المطلق رجعيا عن قوله طلقتك ثانيا.
تقسيم:
وهو صادق وكاذب؛ لأنه إما مطابق أو غير مطابق. قال الجاحظ: وعار عنهما وزاد الاعتقاد وعدمه مع المطابقة وعدمها، وما ليس كذلك فهو الثالث، واحتج بقوله تعالى: {أفترى على الله كذبا أم به جنة}
(1/306)

والمراد الحصر فيهما، والثاني ليس بكذب لتقدمه ولا صدق لعدم اعتقاد صدقه، فالإخبار حال الجنون عار عنهما، ولأن من أخبر خبرا مطابقا غير معتقد لم يكن صادقا لأنه غير ممدوح ولا كاذبا للمطابقة، وليس الكذب عدم المطابقة وإلا لزم الكذب في العام المخصوص والمطلق المقيد، ولأنه لو أخبر معتقدا للمطابقة ولم يكن، لم يك كاذبا وإلا لذم، ولا صادقا لعدم المطابقة. وأجيب: بأن المراد: افترى أو لم يفتر أو مخبر كاذب أم ليس بمخبر، فإن المجنون لا ينسب إليه خبر لعدم صحة القصد. والمدح والذم تابعان للمقاصد، فإن الأمة حاكمة بصدق المكذب برسول الله صلى الله عليه وسلم (في قوله محمد رسول الله) مع عدم اعتقاده ومكذبة له في نفي الرسالة مع اعتقاده وتخصيص العموم وتقييد الإطلاق من المجاز، وليس بكذب، ومثله إطلاق المشترك وإرادة بعض محامله.
تقسيم آخر:
الخبر منه معلوم الصدق ومعلوم الكذب وما لا يعلم واحد منهما.
الأول: ما علمت مطابقته ضرورة إما بنفسه كخبر التواتر أو بغيره كخبر من وافق ضروريا أو نظريا كخبر الله تعالى وخبر رسوله عنه وخبر الإجماع وخبر من ثبت بخبر الله أو رسوله أو الإجماع صدقه، وخبر من وافق خبره خبر الصادق. والثاني ما خالف معلوم الصدق، والثالث منه مظنون الصدق كخبر من اشتهر بالعدالة،
(1/307)

ومظنون الكذب كخبر المشهور بالكذب. ومشكوك كخبر المجهول. وقول القائل كل خبر لم يعلم صدقه كذب قطعا وإلا لنصب له دليل كخبر التحدي بالرسالة غير محق [محقق] فإنه مقابل بمثله في نقيضه على أنه يلزم كذب كل شاهد وكفر كل مسلم لم يقم قاطع بصدقهما والعادة هي القاطعة بكذب المتحدي إذا لم تقارنه المعجزة، لا صِرفُ العقل وينقسم إلى متواتر وآحاد.
فصل في المتواتر:
التواتر لغة: تتابع أشياء بينها مهلة، وفي الأصول: خبر جماعة مفيد للعلم بنفسه. والجماعة فصل عن خبر الواحد والمفيد للعلم عن خبر جماعة لا يفيده وبنفسه عما أفاده بغيره كالمخبر المعلوم صدقه بالقرائن أو موافقة دليل عقلي أو غير ذلك.
(1/308)

مسألة:
العقلاء على أن خبر التواتر بشرطه مفيد للعلم بصدقه لأنا نجد علما ضروريا بالبلاد النائية والأمم الماضية والملوك والأنبياء والخلفاء بمجرد الإخبار، كما نجد العلم بالمحسوسات، ومنكر ذلك مباهت، وما يورده البراهمة والسمنية تشكيك في الضروري فلا يسمع، قالوا: إجماع الخلق الكثير مع تباين أمزجتهم وآرائهم وأغراضهم على خبر ممتنع كما يمتنع على حب طعام واحد، ولو سلم فكل واحد يمكن كذبه لو انفرد، والجملة مركبة منه فأمكن لها فاستحال العلم على أنه يلزم منه تناقض المعلومين بتعارض تواترين متساويين في الكمية والكيفية فكان باطلا. ولحصل العلم بنقل أهل الكتابين ما يضاد الإسلام ولما فرقنا ضرورة بين خبر التواتر وبين المحسوسات والبديهيات؛ لأن الضروري لا يختلف
(1/309)

(ولما خالفناكم، فإن الضروري لا يخالف). قلنا: مردود، فإنا قد علمنا وقوعه ولا يلزم من ثبوت أمر للآحاد ثبوته للجملة، فإن المعلوم الواحد متناه، ومعلوماته تعالى غير متناهية والواحد جزء العشرة، وليست العشرة جزءا منها، وكل لبنة جزء من الدار، وليست الدار جزءا منها، وفرض اجتماع تواترين محال، وأخبار أهل الكتابين ليس على شرط التواتر ليحصل به العلم وليس بديهيا ليساوي المحسوس والبديهي، بل هو عادي فيجوز قصوره عنه في سرعة الحصول مع أنه علم. وأما مخالفتكم فعناد، وإلا كان خلاف السوفسطائية لكم في المحسوس قادحا والجواب واحد.
مسألة:
الجمهور: أن العلم بخبر التواتر ضروري، وأبو الحسن والكعبي:
(1/310)

نظري، والغزالي ضروري بمعنى عدم الحاجة إلى الشعور بالواسطة مع حضورها في الذهن، وليس بضروري بمعنى استغنائه عنها، إذ لا بد منها وتوقف الرضي وصاحب الأحكام، لنا: لو كان نظريا لافتقر إلى
(1/311)

توسط المقدمتين، والقطع واقع مع انتفاء ذلك ولما وقع لمن ليس من أهل النظر كالصبي، ولساغ الخلاف فيه عقلا كسائر النظريات. أبو الحسين: لو كان ضروريا ما افتقر إلى ترتيبه على علم آخر وقد افتقر، لأن العلم به تابع للعلم بأن المخبر عنه محسوس من جماعة لا داعي لهم إلى الكذب، وكل ما كان كذلك فليس بكذب، فيلزم أن يكون صدقا، قلنا: نمنع احتياجه إلى سبق علم بذلك، بل تعلم هي عند حصول الخبر. قالوا: صورة الترتيب ممكنة، قلنا: مطرد في سائر الضروريات. قالوا: لو كان ضروريا لعلم كونه ضروريا لعدم حصول العلم من غير شعور به. قلنا: معارض بمثله في النظري. والحق أنه لا يلزم من الشعور بالعلم الشعور بوصفه.
(1/312)

مسألة:
اتفقوا في التواتر على شروط، أما في المخبرين: فأن يبلغوا عددا يمتنع معه التواطؤ على الكذب مستندين إلى الحس مع تساوي الطرف
(1/313)

والواسطة. وشرط في الأحكام: أن يكونوا عالمين لا ظانين، وقيل: لا حاجة إليه لجواز أن لا يعمهم العلم، وأما في المستمعين: فالتأهل للعلم مع عدمه من قبل لامتناع تحصيل الحاصل. ومن زعم أنه نظري شرط سبق العلم بذلك كله، ومن قال ضروري لم يشترط. وضابط العلم بحصولها عنده: حصول العلم بالخبر لا أن ضابط حصول العلم به (سبق حصول العلم بها) واختلف في أقل العدد، فقيل: خمسة لأن الأربعة بينة تزكى وقيل اثنا عشر بعدد النقباء المبعوثين ليحصل العلم بخبرهم، وقيل عشرون لقوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون} وأربعون أخذا من الجمعة عند قوم،
(1/314)

وسبعون لاختيار موسى عليه السلام. والصحيح أنه لا ينحصر في عدد، فضاطبه ما حصل العلم عنده؛ لأنا قاطعون (به) من غير علم بعدد خاص لا متقدما ولا متأخرا، والعادة تقطع السبيل إلى وجدانه، فإنه حاصل بتزايد الظنن على تدريج خفي، كما يحصل كمال العقل بالتدريج، والقوة البشرية لا تفي بمعرفته، وأدلة الحاصرين مع عدم مناسبتها مضطربة، فإن حصول العلم غير لازم عند عدد منها ضرورة، فقد يحصل لقوم دون قوم، ولو كان موجبا لما اختلف، وهو واقع بسبب اختلاف القرائن المعرفة وقوة السماع والفهم بها واختلاف الوقائع واختلف في شروط: منها تنائي الأماكن،
(1/315)

وعدم الانحصار في عدد مع العدالة، وقد شرطها فخر الإسلام لأن الكفر عرضة للكذب والإسلام والعدالة ضابطان للصدق والتحقيق، ولذلك جعل إجماعهم حجة قاطعة، ولو وقع بخبر الكفار لزم صدق النصارى في قتل المسيح والتثليث. وقال من لم يشرط ذلك: نحن قاطعون بحصول العلم بدون ذلك، فإن أهل بلد أو جامع إذا أخبروا بواقعة حدثت لهم أفاد العلم، وهم محصورون، وكذلك أهل قسطنطينية إذا أخبروا بقتل ملكهم مثلا، والضابط في التواتر الكثرة المانعة من الكذب. وخصوصية الإجماع بالإسلام للأدلة السمعية، وإخبار النصارى باطل لعدم استواء الطرفين والواسطة. ومنها اشتراط الشيعة المعصوم فيهم دفعا للكذب، ومنها اشتراط اليهود أهل الذلة والمسكنة فيهم لإمكان تواطؤ غيرهم على الكذب لعدم خوفهم من المؤاخذة، وهو باطل لحصول العلم بأخبار الشرفاء العظماء الكثيرين عن محسوس بل قد يكون حصوله أسرع لترفعهم عن الكذب ولا يمتنع أن تقرب هذه سرعة حصول العلم: أما أن يكون مشروطا فلا.
(1/316)

مسألة:
إذا اشتملت أخبار التواتر على معنى كلي مشترط بجهة التضمن أو الالتزام مع الاختلاف في الوقائع حصل العلم به، كوقائع عنترة في الحروب وحاتم في الجود وعلي (رضي الله عنه) في الشجاعة، لأن الكل مخبرون به لكن لا يبعد أن يكون العلم بغيره أسرع لاتحاد ألفاظه ومعانيه، وإن اتحد المدلولان من جهة التضمن والالتزام.
(1/317)

فصل: في خبر الواحد، وفيه أربعة أقسام:
الأول: في حقيقته: خبر الواحد خبر لم ينته إلى التواتر والمشهور،
(1/318)

وقيل: ما أفاد الظن، وهو غير مطرد، فإن القياس يفيده وغير منعكس في خبر لا يفيده، وينقسم إلى (ما لا يفيده عند تعارض الاحتمالات) وإلى ما يفيده عند ترجح أحدها، وفي الأحكام: إذا زادت نقلته على ثلاثة سمي مشهورا، وشرط فخر الإسلام أن يكون أحاديث الأصل متواتر الفرع، فيضلل جاحده ويزاد به على الكتاب كالرجم ومسح الخف والتتابع في الكفارة ويوجب علم طمأنينة.
مسألة:
خبر العدل يفيد الظن، لترجح الصدق بالعدالة وانتفاء اليقين بالاحتمال،
(1/319)

وأحمد في رواية يفيد العلم ويطرد في كل واحد، ومنع بعض المحدثين الاطراد. وقيل: يفيده بقرينة، والأكثرون: لا يفيده مطلقا، واختار في الأحكام حصوله مع القرائن وامتناعه عادة بدونها، واستدل: لو أفاده بمجرده لتناقض معلومان عند إخبار عدلين بمتناقضين، وأيضا لما تزايد بثان وثالث لعدم قبوله للزيادة، فإن قيل: قابل فإنا نجد بعض العلوم أجلى، كالضروري مع المكتسب. قلنا: ممنوع
(1/320)

فإنها تشترك في انتفاء احتمال النقيض، وذلك التفاوت ليس في نفس العلم بل في افتقار النظري إلى النظر دون الآخر، وأيضا يلزم ثبوت نبوة المخبر بها عن نفسه بغير معجزة والحكم بشهادة واحد، ومن غير تزكية ولوجب تخطئة من خالفه بالاجتهاد، ولعورض به التواتر ولامتنع التشكيك بما يعارضه وذلك خلاف الإجماع. وأما إفادة العلم مع القرائن فإنا نجزم بخبر موت ولد ملك إذا احتفت به قرينة أن لا مريض عنده غيره مع خروج النساء على هيئة منكرة معتادة في موت مثله مع العويل وخروج الملك وراء الجنازة لذلك، ولا يقال علم ذلك بمجرد القرائن؛ لأنا نقول: لولا (المجاز) [الخبر] لجاز أن يكون في موت آخر. قالوا: {ولا تقف ما ليس لك به علم} وأجمعنا على اتباع خبر الواحد، ولولا إفادته العلم لكان الإجماع على مخالفة النص. وأيضا {إن يتبعون إلا الظن} فلو أفاده لكنا مذمومين على اتباعه، ولو لم يفده لما أوجبه عند كثرة العدد إلى حد التواتر؛ لأن الجملة (مركبة) من الآحاد، ولما أبيح قتل المقر بالقتل ولا بينة عليه، ولما أقيم حد لكونه قاضيا على العقل وبراءة الذمة. واستدل من خصص بأن عليا (رضي الله عنه) كان يستحلف الراوي ويستثني أبا بكر رضي الله عنه قاطعا بصدقه. قلنا: وجوب العمل به بناء على الإجماع وهو قاطع فاتباعه اتباع العلم، والمنع من اتباع غير العلم هو فيما يراد فيه العلم كالاعتقادات القطعية، وحكم الجملة قد يغاير حكم الآحاد، وقد تقدم، والأحكام الشرعية تبنى على الظن بإجماع السلف،
(1/321)

وغاية الأمر أن عليا (رضي الله عنه) صدق أبا بكر رضي الله عنه من غير يمين لاختصاصه بزيادة العدالة والتصديق بناء على غلبة الظن جائز وإن لم يكن قطعيا.
مسألة:
إذا أخبر واحد في حضرته عليه السلام ولم ينكر عليه دل على صدقه ظنا، وقيل: قطعا، وإلا لأنكر. قلنا: يحتمل أنه لم يسمعه، أو لم يفهمه أو قد بينه، أو علم أن الإنكار لا يفيد أو رأى تأخيره، وإن كان دنيويا فيحتمل عدم العلم به ولو قدر عدم الجميع فالصغيرة غير ممتنعة، ومع الاحتمال لا قطع.
مسألة:
وكذا لو أخبر بحضرة جمع عظيم وسكتوا عن تكذيبه. وقيل: يقطع بصدقه لأنه يمتنع عادة جهل الكل بكذبه، ومع الاطلاع فهي حاكمة بأن السكوت مع اختلاف الآراء والأمزجة دليل الصدق. قلنا: يحتمل أنهم لا يعلمون كذبه، أو علمه بعضهم وسكتوا، أو علموه ومنعهم عن الإنكار مانع، ولا قطع مع الاحتمال.
مسألة:
وكذا لو رآه ثم أجمعت الأمة على العمل به، وقطع أبو هاشم وأبو عبد الله البصري في آخرين بصدقه،
(1/322)

قالوا: وإلا كان عملهم خطأ ولا إجماع على خطأ. قلنا: يحتمل أن يكون عملهم أو عمل بعضهم بغيره، ومع عمل الكل فهم مكلفون بالعمل بالمظنون فلم يكن خطأ.
مسألة:
إذا انفرد مخبر بما تتوفر الدواعي على نقله مع مشاركة الجم الغفير، كما إذا انفرد بأن ملك مدينة قتل عقيب الجمعة وسط الجامع دل على كذبه قطعا، خلافا للشيعة. لنا: أنا نجد من أنفسنا
(1/323)

العلم بكذبه لأن الطباع مجبولة على نقل كل معلوم وإن صغر، فكيف بالأمور العظام (في) الجمع العظيم فالعادة حاكمة باستحالة السكوت عنه، ولو جاز كتمانه لجاز كتمان مثل بغداد ومصر، وهو محال. وبمثله عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن، والنص على إمام، فإنه لو وجد لتوفرت الدواعي على نقله. والتشكيك فيه شغب، فلا يسمع. فإن قيل: يجوز أن يدعوهم إلى الكتمان داع لغرض يعمهم أو أغراض، والوقوع شاهد، فإن النصارى لم ينقلوا كلام المسيح في المهد ونقلوا ما دونه. ونقل المسلمون القرآن متواترا وما دونه من معجزاته آحادا، كانشقاق القمر وتسبيح الحصى ونبع الماء من أصابعه وحنين الجذع وصفة دخوله مكة من عنوة أو صلح، وإفراد الإقامة وتثنيتها، وإفراد الحج وقرانه، إلى غيرها.
قلنا: العادة تحيل قيام الداعي كما تحيل اتفاق الكل على طعام واحد. وكلام المسيح لم يكن زمن اشتهاره، فنقله الآحاد. وكذا نقل ما سوى القرآن كالانشقاق فإنه آية ليلية غير منتظرة فاختص بنقله من رآه، ولا كذلك القرآن فإنه لم يزل يردده بينهم أيام عمره فلم يبق إلا من علم به فاستحال تواطؤهم على عدم نقله. وأما دخول مكة، فالمشهور دخوله قهرا وغلبة، والمخالف اشتبه عليه بأداء دية من قتله خالد ولا يبعد ظنه من الآحاد. والاختلاف في الإقامة وأمثالها يحتمل أن يستند إلى اختلاف السماع، وجواز الأمرين والإفراد في الحج وأمثاله ليس مما يجب ظهوره لتعلقه بالنية.
(1/324)

مسألة:
يجوز التعبد بخبر الواحد عقلا، خلافا للجبائي. لنا لو ورد السمع به لم يلزم منه محال لذاته، واحتمال الكذب والخطأ غير مانع، وإلا لمنع في الشاهدين والمفتي، قالوا: لو جاز لجاز في الأصول، ولجاز التعبد في الأخبار عن الله تعالى بغير معجزة، ولجاز في نقل القرآن، وللزم التناقض بالتعارض. قلنا: الفروع مظنونة بالإجماع والعادة تحيل صدقه بغير معجزة، والقرآن معجز فحكمت (العادة) فيه بالتواتر. والتناقض يندفع بالترجيح أو التخيير أو الوقف.
(1/325)

مسألة:
يجب العمل بخبر الواحد خلافا لقوم، والجمهور أنه بالسمع.
(1/326)

وأحمد والقفال وابن سريج وأبو الحسين بالعقل. لنا: إجماع الصحابة رضي الله عنهم على العمل به بدليل ما نقل من الوقائع المختلفة التي لا تكاد تحصى على عملهم، ومن اطلع عليها حصل له العلم العادي. بذلك عمل أبو بكر بخبر المغيرة
(1/327)

ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة، وعمر بخبر عبد الرحمن
(1/328)

في أخذ الجزية من المجوس، وبخبر حَمَل
(1/329)

في الغرة وقال: لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره، وبخبر الضحاك بأنه عليه السلام كتب إليه أن يورث امرأة أشيم من دية زوجها ورجع إليه، وبخبر عمرو بن حزم بأنه في
(1/330)

كل إصبع عشرا. وعثمان بخبر فريعة بنت مالك أن عدة الوفاة
(1/331)

في منزل الزوج، وابن عباس بخبر أبي سعيد في الربا في النقد ورجع إليه
(1/332)

وتحول أهل قباء بخبر الواحد، وعمل الصحابة بخبر أبي بكر: الأئمة من قريش،
(1/333)

والأنبياء يدفنون حيث يموتون، ونحن معاشر الأنبياء لا نورث.
وكذلك التابعون من غير نكير. فإن قيل: آحاد فلزم الدور، ويحتمل أن يكون عملهم بغيرها، وإن سلم فهم البعض فلا اتفاق، وإن سلم عدم الإنكار لكن أبو بكر رضي الله عنه أنكر على المغيرة رحمه الله حتى رواه ابن مسلمة، ورد عمر رضي الله عنه خبر أبي موسى
(1/334)

في الاستئذان حتى رواه أبو سعيد رحمه الله، ورد علي خبر أبي سنان رضي الله عنهما في المفوضة. وكان يحلف غير أبي بكر رضي الله عنه.
(1/335)

وردت عائشة رضي الله عنها خبر ابن عمر في
(1/336)

تعذيب الميت ببكاء أهله. وإن سلم لكنها مخصوصة فلم تعم. قلنا: متواترة في المعنى كشجاعة علي رضي الله عنه وجود حاتم، والسياق دليل أن العمل بها والعادة تحيل العمل بغيرها وهو غير منقول، والشيوع مع عدم الإنكار اتفاق، وإنما أنكر من أنكر عند الارتياب وعمل بها من عمل لظهورها دون خصوصها كظاهر الكتاب والمتواتر. وأيضا فبالتواتر أنه عليه السلام كان يبعث الآحاد إلى النواحي لتبليغ الأحكام مع العلم بتكليف المبعوث إليهم العمل بمقتضاه. أبو الحسين: العقل يوجب العمل بظن تفصيل جمله علم وجوبها عقلا، فإن العدل إذا أخبر بمضرة أكل شيء والقيام من تحت حائط مائل، وجب
(1/337)

لاشتماله على تفصيل واجب معلوم وهو اجتناب المضار. والرسول عليه السلام مبعوث للمصالح ودفع المضار فالخبر تفصيل له، وأجيب بأنه في العقل ليس بواجب، بل هو أولى، وإن سلم فممنوع في الشرعي، وإن سلم فهو قياس ظني في الأصول.

الثاني في شروطه:
منها العقل، والبلوغ أمارة كماله فلا تقبل رواية الصبي، أما قبل التمييز فلكمال الخلل، وأما بعده فليس لعدم القدرة على الضبط فإن المراهق قادر. ولا لما قيل: لا يسمع إقراره على نفسه فعلى غيره أولى؛ لانتقاضه بالعبد والمحجور عليه. بل لاحتمال الكذب. كالفاسق وأولى، فإنه مكلف يخاف الله تعالى
(1/338)

والصبي غير مكلف. ولو تحمل قبله وأدى بعده قبلت لعدم الخلل في العلم والأداء والصحابة رضي الله عنهم قبلوا رواية ابن عباس وابن الزبير والنعمان رضي الله عنهم في مثله، والسلف والخلف مجمعون على استماع الصبيان من المشايخ، واعتبارا بالشهادة المتحملة قبل البلوغ والرواية أولى. ومنها الإسلام، للإجماع على سلب الكافر أهلية الرواية لا لمنافاة الكفر الصدق، بل لتهمة العداوة. وأما الكافر بنحو التجسيم فمردود عند القاضي والغزالي وعبد الجبار وآخرين لقوله تعالى
(1/339)

{إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} وهذا فاسق. وقبله أبو الحسين وغيره إن كان متنزها عن الكذب لظهور صدقه، واختار في الأحكام الرد للفسق. ومنها الضبط وهو الحفظ والفهم لمعنى الصيغة لغة، وإنما لم يعتبر في القرآن لأن المقصود فيه النظم للإعجاز والمعنى تابع، والسنة بالعكس، حتى لو أمكن نقلها بالصيغة اكتفي بالنظم ورجحان ضبطه وذكره على سهوه هو الشرط لحصول غلبة الظن حينئذ، فإن جهل حمل على الأغلب، فإن قيل: الظاهر أن لا يروي العدل إلا ما يذكر ولذلك أنكر على أبي هريرة رضي الله عنه الإكثار وقبل. قلنا: لا يروي إلا ما يعتقد أنه يذكره لكن (لا) يوجب غلبة ظن السامع، وليس إنكارهم لاختلال الضبط بل لأن الإكثار يخاف معه ذلك، وما قيل من أن الخبر دليل، والأصل الصحة فلا يترك بالاحتمال كالشك في الحدث بعد الطهارة مردود بأنه لا يكون دليلا ما لم يغلب الظن به، ومع التساوي في الراوي أو رجحان السهو يقع التردد في كونه دليلا لا في خارج عنه، بخلاف شك الحدث فإنه وارد على يقين سابق بالطهر فلم يقدح. ومنها العدالة: وهي الاستقامة والتوسط، وفي الاصطلاح: هيئة نفسانية تحمل
(1/340)

على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة، وإنما يتحقق باجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر. وروى ابن عمر: الكبائر تسع: الإشراك بالله وقتل النفس، وقذف المحصنة والزنا والفرار من الزحف والسحر وأكل مال اليتيم والعقوق والإلحاد في البيت الحرام.
(1/341)

وزاد علي رضي الله عنه "السرقة وشرب الخمر" وأبو هريرة رضي الله عنه: أكل الربا وما يدل على الخسة كسرقة لقمة، وعلى نقص المروءة كالأكل في السوق والبول في الشارع والإفراط في المزح إلى الاستخفاف وصحبة الأرذال. ويعتبر في الشهادة بعد هذه: البصر والحرية والذكورية والعدد وعدم القرابة والعداوة؛ لأنها تتوقف على تمييز يختل بالعمى، وكمال ولاية يعدم بالرق، وينقص بالأنوثة. والرواية لا تعتمدها لأن ما يلزم السامع فهو بالتزامه طاعة الشارع لا بإلزام المخبر، كالقاضي يلزمه القضاء بالتزامه لا بإلزام الخصم، ولأنه يلزمه ثم يتعدى، بخلاف الشاهد، ولا يلزم رد رواية الفقير والعبد في الزكاة للزوم اعتقاده في أهله فيتعدى.
(1/342)

مسألة:
المجهول الذي لم يعرف إلا بحديث أو اثنين إن قبله السلف وعملوا به أو سكتوا عنه التحق بالمعروف، فإن سكوتهم بيان، كقبولهم وإن رده البعض وقبله آخرون قبل عندنا ترجيحا للتعديل كقبول ابن مسعود
(1/343)

وعلقمة ونافع بن جبير ومسروق والحسن رضي الله عنهم رواية معقل بن سنان، وقد عمل عبد الله بروايته
(1/344)

في بروع بنت واشق الأشجعية أنه مات عنها هلال ولم يكن فرض لها ولا دخل بها وأنه عليه السلام قضى لها بمثل مهر نسائها. ورده علي رضي الله عنه لمخالفته رأيه. وإن ردوه جميعا لم تقبل، وإن استتر حديثه فلم يرد ولم يقبل لم يجب العمل به، ويجوز لظاهر عدالة السلف، وجوز أبو حنيفة القضاء بظاهر العدالة. أما اليوم فلا بد من التزكية لغلبة الفسق. لنا أن العدالة أصل والفسق شرط التثبت، فإذا انتفى انتفى، ولقوله: نحن نحكم بالظاهر، وقبل الصحابة رضي الله عنهم حديث من لم يظهر فسقه. أما إذا ظهر الفسق انعكس الحال، فلا ينتفي إلا بالخبرة أو التزكية.
(1/345)

مسألة:
المقطوع بفسقه بتأويل إن تدين بالكذب رد بلا خلاف كالخطابية وإلا فالأكثر القبول. والقاضي والجبائي وأبو هاشم رحمهم الله في آخرين ردوا شهادته وروايته. وهؤلاء كالخوارج واختار في الأحكام الرد للفسق وفخر الإسلام رحمه الله إن دعا إلى هواه ردت روايته
(1/346)

دون شهادته، لأن الدعوة لا يؤمن معها الافتراء لأجلها بخلاف الشهادة، قالوا يحكم الظاهر، وهذا ظاهر الصدق لتحرزه عن الكذب، وقبل علي والصحابة رضي الله عنهم قول قتلة عثمان رضي الله عنه. والخوارج، ولا نكير فكان إجماعا. والجواب أنه مقطوع بفسقه فلا ظاهر وليس كل من قبل شهادتهم اعتقد فسقهم، فإن الخوارج مسلمون ومنهم صحابة ولم يعتقدوا فسق أنفسهم فلا إجماع.
مسألة:
الأكثر على الاكتفاء بالواحد في الجرح والتعديل في الرواية دون الشهادة.
(1/347)

وقيل: لا يثبت فيهما، والقاضي: يكتفى به فيهما. لنا أنهما شرطان فلا يزيدان على مشروطهما. قالوا: شهادة فيشترط فيها العدد، قلنا أخبار فلا يشترط. قالوا احتياط فكان أولى. قلنا: ما قلناه أحوط حذرا من تضييع الشرائع.
مسألة:
القاضي: لا يشترط ذكر سبب الجرح والتعديل،
(1/348)

وقيل باشتراطه فيهما، واشترط الشافعي رحمه الله في الجرح، وقيل بالعكس، وقيل إن كان عالما بأسبابهما لم يحتج، وفخر الإسلام رحمه الله: إن كان الطاعن صحابيا ولا خفاء فجرح، كيمين عمر رضي الله عنه أنه لا ينفي أحدا، وكقول علي رضي الله عنه: كفى بالنفي فتنة، ولا يخفى على الإمم أمر الحد، وكامتناع عمر رضي الله عنه من قسمة سواد العراق
(1/349)

جرح لحديث التغريب وتحتم القسمة. وفي محل الخفا ليس بجرح كرد أبي موسى الأشعري حديث الوضوء من القهقهة. وإن كان غير صحابي لم يقبل إلا مفسرا بسبب صالح للجرح متفق عليه من غير متعصب. لنا: الأصل العدالة فلا تنتفي إلا بيقين الجرح ولا يقين مع تخلف بعض هذه الشروط. القاضي: إذا كان عدلا بصيرا لم يترك ولم يجرح إلا عن بصيرة فلا معنى لاشتراط ذكر السبب. قلنا: يحتمل أن يكون جارحا عنده دون غيره. قالوا: الظاهر أن لا يطلق العدل العالم الجرح إلا في موضع الوفاق وإلا يكون ملبسا. قلنا: وقد يحمله التدين بقوة اعتقاده في مختلف فيه أنه جارح فيطلقه ولا تلبيس عنده. وتعرف أسباب الجرح من مظانها فهي كثيرة (وما لا يصلح كالعنعنة والإرسال وقليل المزح وكالصبي بعد صحة التحمل وكطعن الملحدين على أهل السنة تعصيبا).
(1/350)

مسألة:
التصريح بالتزكية مع سببها تعديل بالاتفاق، وبغير سبب تعديل في الأظهر، والحكم بالشهادة من حاكم عادل لا يرى الحكم بغير عدل تعديل بالاتفاق مساو للأول وراجح على الثاني، والعمل بالرواية ولا مستند سواها
(1/351)

ولا احتياط قيل تعديل بالاتفاق (أيضا) وإلا لفسق (بالعمل) برواية من ليس عدلا وهو مرجوح بالنسبة إلى التصريح والضمني. ورواية العدل قبل التعديل، وليس، وفصل ثالث: إن علم من عادته أن لا يروي إلا عن عدل، فتعديل، وإلا فلا، وهو المختار في الأحكام، لأنه لو لم يكن عدلا عنده لم يرو عنه بدليل عادته، وقولهم: لو لم يكن تعديلا كان تدليسا غير مستقيم لأن الرواية لا توجب العمل على السامع بمجردها فعليه بالاستكشاف وهذا مرجوح بالنسبة إلى ما تقدم للاتفاق في الأوليين واقتران العمل مع الرواية في الآخر.
مسألة:
الجمهور على عدالة الصحابة رضي الله عنهم، وقيل: هم فيها كغيرهم، وقيل: إلى ظهور الفتن بينهم، وقيل: يرد من قاتل عليا رضي الله عنه منهم.
(1/352)

لنا: الأدلة الموجبة لعدالتهم (كنتم خير أمة) (جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) (والذين معه أشداء على الكفار) والتواتر بمناصرتهم وجهادهم وامتثالهم الأوامر (والنواهي) والفتن تحمل على اجتهادهم والعمل بالاجتهاد واجب أو جائز على مذهب المصوب وغيره.
مسألة:
الصحابي من رآه صلى الله عليه وسلم ولو ساعة، وقيل: من طالت صحبته
(1/353)

وإن لم يرو، وقيل من اجتمعا فيه. والنزاع لفظي، والأشبه الأول لأنه قابل للتقييد بالقليل والكثير والرواية وعدمها فكان للمشترك، ولأن الحالف ليصحبن فلانا يبر بصحبة ساعة، قالوا: صح نفيه عن غير الملازم وأطلق على الملازم كأصحاب الجنة والقرية والحديث والأصل الحقيقة. قلنا: فهمت الملازمة عرفا ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فلو قال المعاصر أنا صحابي وهو ظاهر العدالة صدق ويحتمل ضده للتهمة بنسبة رتبة إلى نفسه كما لو قال: أنا عدل.

الثالث في مستند الراوي:
وهو إما صحابي أو غيره، فإذا قال الصحابي: سمعته عليه السلام يقول كذا، أو أخبرني أو حدثني، فهو خبر واجب القبول. واختلف في مسائل منها: إذا قال: قال صلى الله عليه وسلم فالأكثر محمول على السماع منه، والقاضي
(1/354)

متردد، فمن قال بعدالة الصحابة فكالسماع، ومن جعلهم كغيرهم فكمراسيل تابع التابعين، والظاهر الأول مع إمكان الواسطة. ومنها: إذا قال: سمعت عليه السلام يأمر بكذا وينهى عن كذا، فالأكثر أنه حجة، لأنه لا يقول ذلك إلا عن تحقيق، ولأنه يقال ذلك على وجه الاحتجاج ظاهرا، وما يقال إن الأمر والنهي مختلف فيهما فلعله أطلقه فيما يعتقده دون غيره، أو هو ممن يعتقد أن الأمر بالشيء نهي عن أضداده، أو النهي أمر بضد منها، فنقله وليس بأمر ولا نهي عند غيره، خلال [خلاف] الظاهر لبعده من مثله، ومنها: إذا قال: أمرنا أو نهينا وأوجب علينا وحرم وأبيح، فالأكثر إضافته إليه عليه السلام، وقيل ومنهم الكرخي: لا يضاف. لنا أن الظاهر أنه لا يقول ذلك إلا عن أمره. قالوا: مشكوك فيه، فلعله إضافة إلى الكتاب أو إلى الأمة أو إلى بعض الأئمة أو القياس. والجواب الاستبعاد، ومنها إذا قال: من
(1/355)

السنة كذا، فالأكثر سنته عليه السلام، وعن الكرخي رحمه الله عكسه، وهي مثل ما قبلها. ومنها: إذا قال: كنا أو كانوا يفعلون كذا، فالأكثر محمول على فعل الجماعة، قالوا: لو أضيف إليهم لكان إجماعا فلم تسغ المخالفة، قلنا: ساغت لأنها إضافة ظنية، وأما غير الصحابي فمستنده قراءة الشيخ أو قراءته عليه أو إجازته له أو مناولته ما يرويه عنه أو كتابته له بذلك، أما الأولان فالمختار أنهما سواء.
(1/356)

والمحدثون: أن الأول أعلاها، قلنا هي برسول الله صلى الله عليه وسلم أحق لكونه مأمونا عن السهو ولم يكتب، وأما فيمن يقرأ من كتاب ويسهو فلا فرق بينهما، لمساواة من يتكلم أو يستمع فيستفهم فيقول نعم. على (أن) رعاية الطالب لما يقرأه [يقرؤه] قد تكون أشد. فإن قرأ الشيخ من حفظه فالأولى أعلى بالاتفاق. فإن قصد إسماعه وحده أو مع غيره قال حدثنا وأخبرنا وقال وسمعته وإن لم يقصد قال قال وأخبر وحدث وسمعته. وأما قرأته من غير إنكار ولا موجب لسكوت من إكراه أو غفلة
(1/357)

أو غيرهما فمعمول به خلافا لبعض الظاهرية، ويقول حدثنا وأخبرنا قراءة عليه. ويجوز مطلقا في الأصح، قال الحاكم: القراءة على الشيخ إخبار، على ذلك عهدنا أئمتنا، ونقله عن الأئمة الأربعة. وأما قراءة غيره من غير إنكار فكقراءته. وأما الإجازة فأن يقول: أجزت لك أن تروي عني كذا أو ما صح عندك من مسموعاتي، وحده، أو مع غيره، فالأكثر تجويز الرواية بها، فيقول: أجازني، أو حدثني وأخبرني إجازة. والأكثر على منع أخبرني وحدثني مطلقا، ومنع قوم حدثني إجازة.
(1/358)

والمختار: إن كان المجيز عالما بما في الكتاب، والمجاز له فهما ضابطا جازت الرواية، وإلا بطلت عند أبي حنيفة ومحمد (رضي الله عنهما)، وصحت عند أبي يوسف (رحمه الله) تخريجا من كتاب القاضي إلى مثله، فإن علم ما فيه شرط عندهما لا عنده. والأحوط ما قالاه صونا للسنة وحفظا لها. والمناولة مع الإجازة مثلها إذا أمن على الكتاب من زيادة أو نقصان. وأما الكتابة فأن يكتب: حدثنا فلان إلى المتن، ثم يقول: فإذا بلغك كتابي هذا وفهمته فحدث به عني بهذا السند وهو مثل الخطاب. وقد كان عليه السلام يبلغ الأحكام بالكتب والرسالة، والمختار في هذا أن يقول: أخبرنا لا حدثنا، فإن من حلف لا يحدث بكذا لا يحنث بالكتاب ويحنث لو حلف لا يخبر.
تنبيه:
وما يكون من الكتابة مذكرا فهو حجة مطلقا وما لا يكون لا يعمل به في القضاء ولا الرواية ولا الصك عند أبي حنيفة (رضي الله عنه) وعن أبي يوسف
(1/359)

استثناء الصك، وعن محمد الإطلاق في الثلاثة، وأجاز أبو يوسف للقاضي العمل به إذا كان تحت يده، للأمن عن التزوير لتطرقه فيه عادة، وفي الحديث إذا كان خطا معروفا لا يخاف تغييره عادة، ويد غيره من الأمناء كيده، ولم يجز في الصك إلا إذا كان في يد الشاهد، وأجاز محمد عند التيقن أنه خطه مطلقا. وما يجده بخط أبيه أو معروف فيقول وجدت بخط أبي أو فلان ولا يزيد. وخط المجهول مفردا باطل، ومضافا إلى جماعة لا يتوهم في مثله التزوير كالمعروف.

الرابع:
فيما اختلف في رده به نقل الحديث بالمعنى. الأكثرون: إن كان عارفا بمواقع الألفاظ واختلافها جاز، والأولى الأداء بصورته إن أمكن، وإلا لم
(1/360)

يجز، وعن ابن سيرين وأبي بكر الرازي رحمهما الله وجوب نقل اللفظ، وقيل: إن كان بلفظ مرادف جاز، وإلا فلا، وفخر الإسلام: إن كان محكما جاز للعالم باللغة نقله، أو محتملا للمجاز أو المخصوص فللمجتهد، ولا رخصة في غيرهما من مشكل أو مشترك ومتشابه لعدم الفهم. والافتقار إلى تأويل ليس بحجة على الغير. لنا رواية ابن مسعود وغيره قال عليه السلام كذا أو نحوه. ونقلوا أحاديث في وقائع متحدة بألفاظ مختلفة من غير نكير، والاتفاق على التفسير بالأعجمية، فالعربية أولى، وكان عليه السلام يبعث الرسل إلى الأطراف ولا يقيدهم بلفظ، ولأنه في السنة غير مقصود، فإذا أتى بالمعنى جاز. قالوا: نضر الله امرأ الحديث،
(1/361)

قلنا: نقول بالموجب فإنه إذا أتى بالمعنى على وجهه فقد أداه كما سمعه ولذلك يقول المترجم: أديته كما سمعته، قالوا: اختلف أهل العربية في معاني اللفظ الواحد، فيتنبه هذا لما يغفل عنه غيره فقد يحمله الناقل على فهمه ولعله لا يكون مرادا، ثم إذا تكرر النقل والحال الحال [؟] أدى إلى الإخلال بالكلية. قلنا: الكلام في تأدية المعنى على وجهه حتى لو ظهر زيادة أو نقصان امتنع. قالوا: لو جاز لاطرد في القرآن والأذان والتشهد. قلنا: اللفظ مقصود للإعجاز، والأذان والتشهد متعبد بكلماتهما.
مسألة:
إذا أنكر الأصل رواية الفرع فإن كان تكذيبا لم يعمل به اتفاقا، فإن أحدهما كاذب فيكون قادحا، لكنهما على عدالتهما لأنهما أصل فلا تبطل بالشك، وإن لم يكن تكذيبا فالأكثر: يعمل به، وهو قول محمد، خلافا لأبي حنيفة
(1/362)

وأبي يوسف، قيل: تخريجا من اختلافهم في القاضي تقوم البينة بحكمه ولا يذكر، قال أبو يوسف: لا تقبل خلافا لمحمد. القائل عدل غير مكذب فوجب العمل بروايته كما لو جُنَّ الأصل أو مات، واستدل بحديث ربيعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين، ثم نسيه سهيل فكان يقول حدثني ربيعة عني، ولم ينكر، قلنا صحيح ولكن أين وجوب العمل أو جوازه. المانع: قال عمار لعمر رضي الله عنه: أما نذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت فصليت، فقال عليه السلام: إنما كان يكفيك ضربتان، فلم يقبله عمر رضي الله عنه لما كان ناسيا له. ويقال ليست مسألتنا فإن عمار لم يكن راويا عن عمر رضي الله عنه، ولعل عدم العمل لشكه، واستدل بالقياس على الشهادة حيث لا يعمل بالفرع عند نسيان الأصل. وليس بسديد، فإن باب الشهادة أضيق ولأن صحة شهادة الفرع متوقفة على تحمل الأصل فتبطل بإنكاره.
(1/363)

مسألة:
إذا انفرد العدل بزيادة لا تخالف، كما إذا نقل أنه عليه السلام دخل البيت، فزاد وصلى، فإن اختلف المجلس قبلت باتفاق، وإن اتحد وكان غيره قد انتهى في العدد إلى حد لا يتصور غفلتهم عن مثل ما زاد لم تقبل وإن لم ينته فالجمهور على القبول خلافا لبعض المحدثين وأحمد في رواية. لنا: عدل جازم فوجب العمل بروايته، وعدم نقل الغير يجوز أن يكون لعروض شاغل أو اشتغال أو سهو أو نسيان فلم يقدح. قالوا: لو عمل به لعمل مع الشك، فإن احتمال الغلط والسهو والوهم قائم في نقلها بل وتطرق الغلط على الواحد أكثر فكان أولى بالترك، قلنا: تلك الاحتمالات أرجح ولأن السهو فيما سمعه أكثر منه فيما لم يسمعه أنه سمعه، وما رجح به زيادة عدد التاركين غير مطرد. ولو تساويا وهو من صور النزاع. وإن جهل حال المجلس فالقبول أولى، وإن كانت الزيادة مخالفة فالظاهر التعارض خلافا لبعض
(1/364)

المعتزلة، ولو رواها العدل مرة وأهملها أخرى فكتعدد الرواة، ولو أسند واحد وأرسل الباقون أو رفع وأوقفوه أو وصل وقطعوه فالخلاف كالزيادة.
مسألة:
إذا نقل بعض الحديث وترك البعض، فإن لم يتعلق بعضه ببعض فهو كأخبار متعددة، فيجوز، والأولى نقله بكامله، كقوله: المسلمون تتكافأ دماؤهم الحديث. وإن اشتمل على غاية أو شرط أو استثناء كقوله: حتى يزهى، وإلا سواء بسواء
(1/365)

لم يجز.
مسألة:
خبر الواحد فيما تعم به البلوى كخبر نقض الوضوء بمس الذكر،
(1/366)

والجهر بالتسمية ونحوه غير مقبول عندنا، والأكثر على القبول. لنا: أن تكرر البلوى مستلزم لشيوع حكمها لتوفر الدواعي على نقل أحكام الوقائع
(1/367)

فإذا انفرد بنقله الواحد دل على عدم الصحة. قالوا: عدل جازم بالرواية فيما يمكن فيه صدقه فوجب القبول كخبره فيما لا تعم به بلوى. قلنا: إمكان الصدق عقلا عارضه استحالته عادة، بخلاف ما لا تعم به بلوى.
مسألة:
إذا خالف الكتاب رد، فلا يترك ظاهره به ولا يخص عمومه قبل أن يخصص بغيره ولا يزاد به عليه ولا ينسخ به لأن الكتاب يقيني المتن والثبوت فلا يترك بما فيه شبهة.
مسألة:
إذا روى مشتركا وحمله على أحد محامله وتبينا على أنه لا يحمل على جمعها [جميعها] فالمعروف حمله على ما عينه، لأن الظاهر أنه لم يحمله عليه إلا لقرينة. ولا يبعد أن يقال: لا يكون تأويله حجة على غيره، فإن اجتهد فلاح له
(1/368)

تأويله ذلك وجب، وإلا فتعيين الراوي صالح للترجيح. وإن كان ظاهرا فحمله على غيره فالأكثر الحمل على الظاهر، وقيل على ما عينه. وعبد الجبار وأبو الحسين: إن علم أنه صار إليه لعلمه بقصده عليه السلام وجب، وإن جهل وجوز أن يكون لظهور نص أو قياس أو غيرهما وجب النظر في الدليل، فإن اقتضيا ما ذهب إليه، وجب وإلا فلا، واختار في الأحكام: إن علم مأخذ خلافه وأنه مما يوجبه صير إليه، اتباعا للدليل، وإن جهل عمل بالظاهر لأن الأصل في خبر العدل وجوب العمل ومخالفة الراوي للظاهر تحتمل النسيان والدليل مع الخطأ أو الصواب، فلا يفسق. وإن كان نصا لا يحتمل تأويلا فلا وجه للمخالفة إلا لظهور ناسخ عنده، وقد لا يكون ناسخا عند غيره فلا يكون حجة فلا يترك النص بالاحتمال.
(1/369)

مسألة:
إذا خالف ما رواه قبل الرواية لم يرد، وبعدها يرد، فإنه إن كان حقا لم يكن حجة، أو باطلا سقطت روايته. وإن جهل التاريخ لم يرد لجواز التقدم.
مسألة:
إذا ثبت أنه عليه السلام عمل بخلاف خبر لم يكن داخلا في عمومه أو كان ذلك الفعل من خواصه عمل بالخبر وإلا عمل بالراجح من الخبر والفعل إن تعذر التخصيص، وإن عمل بخلاف الخبر أكثر الأمة لم يرد باتفاق إلا إن كان كإجماع المدينة عند القائل بأنه حجة.
مسألة:
خبر الواحد فيما يوجب الحد مقبول عند الأكثر، وهو قول أبي يوسف
(1/370)

واختيار الجصاص، ومنع الكرخي منه، لنا: عدل جازم في حكم ظني فوجب قبوله، قالوا: لو قبل لم يسقط الحد بالشبهة؛ لأن خبر الواحد محتمل. قلنا: لا شبهة مع الصحة كما لا شبهة مع البينة والاحتمال قائم.
مسألة:
إذا تعارض خبر الواحد والقياس قدم الخبر عند الأكثر، وقيل بالعكس، وعيسى بن أبان: إن كان الراوي ضابطا غير متساهل قدم، وإلا فموضع
(1/371)

اجتهاد. وفخر الإسلام: إن كان الراوي من المجتهدين كالخلفاء الراشدين والعبادلة قدم؛ لأنه يقيني الأصل، والقياس ظنية [ظنيه] أو من الرواة كأبي هريرة
(1/372)

وأنس رضي الله عنهما، فالأصل العمل ما لم توجب الضرورة تركه كحديث المصراة
(1/373)

فإنه معارض للإجماع في ضمان العدوان بالمثل أو القيمة دون الثمن، وفصل أبو الحسين: إن كانت العلة بنص قطعي فالقياس لأن النص على العلة كالنص على حكمها، وإن كان الأصل مقطوعا به خاصة فموضع اجتهاد وإلا فالخبر لاستواء النصين في الظن وترجح الخبر بالدلالة على الحكم بدون واسطة وإن كانت العلة مستنبطة فحكم الأصل إن كان بخبر واحد فالخبر (أولى) أو بدليل مقطوع به فموضع اجتهاد. وتوقف القاضي، واختار في الأحكام إن كانت العلة منصوصة وقلنا لا تخرجه عن القياس وكان النص مساويا لخبر الواحد في الدلالة أو مرجوحا فالخبر لدلالته من غير واسطة، أو راجحا والعلة في الفرع قطعية فالقياس، أو ظنية فالوقف، لأن رجحان الدلالة قابلة [قابله] دلالة الخبر بغير واسطة، وإن كانت مستنبطة فالخبر مطلقا، ودليله أن عمر رضي الله عنه ترك القياس في الجنين بخبر ابن مالك، وقال: لولا هذا لقضينا فيه برأينا، وفي إيجاب دية الأصابع على قدر منافعها بالخبر في كل إصبع عشر وفي ميراث الزوجة من الدية من غير نكير. قالوا: خالف ابن عباس خبر أبي هريرة رضي الله عنهما في
(1/374)

الوضوء مما مست النار، بالقياس وقال: ألسنا نتوضأ بماء الحميم
(1/375)

فكيف نتوضأ بما عنه نتوضأ، وخالف خبره إذا استيقظ أحدكم، قلنا: خالف الأول بما روى أنه أكل كتف شاة مصلية وصلى ولم يتوضأ، وخالف الثاني لأنه رأى أنه غير ممكن وقال: فكيف نصنع بالمهراس، وأيضا حديث معاذ رضي الله عنه أخر العمل بالقياس
(1/376)

وأقره عليه السلام، ولأن الخبر أقوى في غلبة الظن لأنه مجتهد فيه في العدالة والدلالة، والقياس مجتهد فيه في ثبوت حكم الأصل وكونه معللا وصلاحية الوصف للتعليل ونفي المعارض في الأصل وفي وجوده في الفرع ونفي المعارض فيه، فاحتمال الخطأ في الخبر أقل. قالوا: معارض باحتمال كذب الراوي وفسقه وكفره وخطأه [وخطئه] واحتمال الإجمال في دلالته والتجوز والإضمار والنسخ مما لا يحتمله القياس، قلنا بعيد وهو متطرق إلى الأصل الثابت بخبر الواحد وهو من صور النزاع وما يتطرق في الدلالة فمثله في ظاهر الكتاب والسنة المتواترة وهما مقدمان. قالوا: ظنه في القياس من قبل نفسه وفي الخبر من غيره وهو بنفسه أوفق. قلنا: إلا أن تطرق الخطأ إليه أقرب من الخبر. على (أن) الخبر مستند إلى كلام المعصوم وغير مفتقر إلى شيء من القياس ويصير ضروريا بانضمام أخبار إليه، وعدم التيقن في القياس بانضمام قياسات. هذا وإن كان أعم خصه القياس أو أخص فعلى القول بتخصيص العلة يعمل بالخبر فيما دل عليه وبالقياس فيما عداه. وعلى القول بالبطلان فهما متعارضان.
مسألة:
المرسل من العدل مقبول عند الأكثر مطلقا. وعيسى بن أبان من
(1/377)

القرون الثلاثة وأئمة النقل والشافعي: إن كان من صحابي أو أسنده غيره أو أرسله آخر وشيوخهما مختلفة أو عضده قول صحابي أو أكثر العلماء أو عرف أنه لا يرسل إلا عن عدل كابن المسيب قبل وإلا فلا. واختيارنا قول عيسى لأن إرسال الأئمة التابعين كان مشهورا مقبولا ولم ينكر أحد، كإرسال سعيد
(1/379)

والشعبي وإبراهيم النخعي. فإن قيل: لا إجماع في مسائل الاجتهاد، قلنا: قطعي وهذا ظني
(1/380)

ولئن منع عدم الإنكار قلنا: هو الأصل والظاهر أنه لو وجد لنقل وأيضا فإن العدل من الأئمة إذا أطلق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جازما فالظاهر أنه لم يطلق إلا بعد ثبوته وأنه يستلزم تعديل الواسطة وإلا لما كان عالما ولا ظانا بخبره، وأيضا فلو لم يكن عدلا عنده كان مدلسا. قالوا: جهل بعين الراوي فكان جهلا بصفته ضرورة والجهل بالصفة مانع فكيف بهما، والعلم بعدالة الراوي شرط القبول والمرسل لا يعرفها، والخبر كالشهادة في العدالة، وإرسال شهادة الفرع مانع ولو جاز المرسل فلا ذكر الإسناد والبحث عنه عن فائدة، ولو جاز لجاز في عصرنا. قلنا: لا يكون جهلا بصفته مطلقا، فإن إرساله عنه دليل تعديله في الجملة كما لو قال أخبرني عدل، وبه الجواب عن معرفة العدالة، وباب الشهادة أضيق فافترقا، والفائدة في ذكر الرواة في غير الأئمة وفي المنقول عنه لاشتباه حاله، ظاهرة، وفي الأئمة تفاوت رتب المنقول عنهم، وأما في عصرنا: فإن كان من الأئمة قبل وإلا فلا. القائل مطلقا: العدل إذا أرسل غلب على الظن تعديله، قلنا: التعميم ممنوع لجواز أن العدل من غير الأئمة يرسل جهلا بمن رواه، ولذلك لم يقبل في عصرنا، وقد أخذ على الشافعي في اشتراطه إسناد غيره أو إسناده مرة بأن العمل بالمسند، ولذلك إذا أرسله اثنان وشيوخهما مختلفة فإن ضم الباطل إلى مثله لا يوجب القبول. وأجيب عن الثاني بأن الظن يحصل أو يقوى بالانضمام.

النوع الثاني: المتن:
وفيه ثلاثة فصول، الأول: فيما تشترك فيه الثلاثة من دلالة المنطوق،
فمنه: الأمر، وهو حقيقة في القول المخصوص باتفاق،
(1/381)

وهو قسم من أقسام الكلام النفسي، وإن كان واحدا بالذات فيصح كونه أمرا ونهيا وخبرا باختلاف تعلقه ومتعلقه، والخلاف في الفعل، فالأكثر أنه مجاز فيه، وقيل مشترك، وقيل متواطئ. لنا أنه يسبق إلى الفهم القول عند الإطلاق فكان حقيقة غير متواطئ؛ إذ لا دلالة للأعم على الأخص
(1/382)

واستدل: لو كان حقيقة في الفعل لاطرد لأنه من لوازمها، ولا يقال للأكل أمر ولاشتق له آمر ولا مانع ولاتحد جمعاهما ولوصف بكونه مطاعا ومخالفا وللزم الاشتراك ولما صح نفيه. وحَدَّه أكثر المعتزلة بقول
(1/383)

القائل لمن دونه: افعل أو ما يقوم مقامه، قصدوا إدراج الأمر من غير العربية، وليس بسديد لدخول التهديد والإباحة والإرشاد والامتنان وغيرها، ولصدوره من الأعلى خضوعا وليس بأمر، ومن الأدنى استعلاء وهو أمر وقيل: صيغة افعل مجردة عن القرائن الصارفة عن الأمر وفيه تعريف الشيء بنفسه، وإن أسقط لزم التجرد مطلقا، وقيل: صيغة (افعل) باقتران إرادات ثلاث: إرادة وجود اللفظ، وإرادة دلالتها على الأمر، وإرادة الامتثال. والأول عن النائم، والثاني عن التهديد وغيره، والثالث عن الحاكي والمبلغ. وهو فاسد، فإن الأمر الذي هو المدلول إن كان الصيغة فسد، وإن كان غيرها لم يكن الأمر الصيغة وقد قال إنه هي، وفيه تعريف الأمر بمثله، وقيل إرادة الفعل، ويرد عليه صدور الأمر مع تخلفها في مثل ما إذا توعد سلطان على ضرب زيد عبده من غير جزم، فادعى مخالفة أمره وأراد تمهيد عذره بمشاهدته فإنه يأمره ولا يريد امتثاله، وهذا لازم لكل من يحده بافرادة. ووجه آخر لو كان الأمر بفعل إرادته لوجب وجود أوامر الله كلها، فإن إرادة الفعل تخصصه بحال حدوثه، فإذا لم يوجد لم يخصص فلم يتعلق به. وحدَّه غيرهم بأنه خبر عن الثواب على الفعل، والعقاب على الترك، وفيه لزومهما فغير باستحقاقهما
(1/384)

فنقض باستلزام الصدق أو الكذب بخلاف الأمر. وحده القاضي والغزالي وغيرهما: بالقول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به ونقض بأن المأمور مشتق من الأمر وبأن الطاعة موافقة الأمر وهما دور. وابن الحاجب:
(1/385)

اقتضاء فعل غير كف على جهة الاستعلاء، ويرد مثل اترك وكف فإنهما أمران، وهما اقتضاء فعل هو كف. ولا تكف ولا تترك، فإنهما اقتضاء فعل غير كف، وهما نهي واختار في الأحكام: طلب الفعل على جهة الاستعلاء، فالفعل عن النهي والباقي عن الدعاء والالتماس. ثم القائلون بالنفسي اختلفوا؛ فالأكثر له صيغة تخصه ونفاه الأشعري ومن تبعه، وحقق الإمام والغزالي هذه الترجمة فقالا: لا خلاف في إمكان التعبير بأمرتك وأنت مأمور وأوجبت وندبت وسخطت [؟] وإنما الخلاف في صيغة افعل وأنها تستعمل في خمسة عشر محلا: في الوجوب
(1/386)

(أقم الصلاة) والندب (كاتبوهم) والإرشاد (فاستشهدوا) والإباحة (فاصطادوا) والتأديب "كل مما يليك" والامتنان (كلوا مما رزقكم الله) والإكرام (ادخلوها بسلام)
(1/387)

والتهديد (اعملوا ما شئتم) والتسخير (كونوا قردة) والتعجيز (كونوا حجارة) والإهانة (ذق إنك أنت العزيز) والتسوية (فاصبروا أو لا تصبروا) والدعاء (اغفر لي) والتمني "ألا أيها الليل الطويل ألا انجل" وكمال القدرة (كن فيكون) والاتفاق
(1/388)

على أنها مجاز في غير الوجوب والندب والإباحة والتهديد. والجمهور: حقيقة في الوجوب. وأبو هاشم ومتبعوه: في الندب. وقيل للطلب المشترك، وقيل بالاشتراك (فيها) وقيل مشترك فيهما وفي الإباحة.
(1/389)

وقيل في الإذن المشترك فيهما. وقيل مشترك في الأربعة، الجمهور: استدل الأئمة بمطلقها على الوجوب من غير بيان قرينة من غير نكير فدل قطعا على ظهورها فيه كالعمل بالخبر. واعترض بأنه ظن لا قطع، قلنا ممنوع، ولو سلم فيكفي في مدلول اللفظ نقل الآحاد، وغلا تعذر العمل بأكثر الظواهر. وأيضا (أطيعوا) وهدد على المخالفة (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل) (فليحذر الذين يخالفون) والتهديد يستلزم الوجوب (ما منعك) ذما على المخالفة لا استفهاما بالاتفاق (أفعصيت أمري)
(1/390)

(لا يعصون الله ما أمرهم) (لا أعصي لك أمرا) والذم يستلزمه وحديث بريرة "أبأمرك؟ قال لا (إنما) أنا شافع"، فعقلت أن الوجوب من لوازمه وأقرها عليه. "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" وقوله لأبي سعيد حيث لم يجب نداءه في الصلاة: "أما سمعت استجيبوا"
(1/391)

ولأن الإيجاب معنى مطلوب فلا بد له من لفظة تخصه، ولأنه مقابل للنهي وهو للامتناع جزما، فيكون الأمر للطلب الجازم، ولأن الأمر بشيء نهي عن جميع أضداده، والامتناع عنها بفعل المأمور به وهو في الوجوب أحوط، فكان أولى. ويقال إنها ظنية والمسألة قطعية. وأما النصوص: فنمنع اقتضاء أطيعوا للوجوب، وقوله: فإن تولوا إن كان إخبارا لم يدل، أو تهديدا دل على وجوب ما هدد فيه لا مطلقا وإلا لدخل الندب، وهو مطرد في كل أمر هدد فيه أو حذر على مخالفته أو سمى به عاصيا. على أن قوله "يخالفون عن أمره" مطلق فلا يعم. وإن سلم فقد تخلف في الندب، على أنه يجوز حمل المخالفة على اعتقاد غير موجبه من وجوب أو ندب. وسؤال بريرة عن أمر يترتب عليه الثواب. فلما نفي قالت لا حاجة لي فيه. والحق أن هذا وحمل المخالفة على الاعتقاد بعيد، وأمر السواك مقرون بالمشقة الدالة على الوجوب. واستجيبوا للوجوب بقرينة حالية وهي تعظيم الله ورسوله والوجوب وإن كان معنى مطلوبا فالندب مثله، ونمنع كون النهي للمنع جزما إلا بدليل، وإن سلم فقياس الأمر عليه قياس في اللغة، وكون الأمر نهيا عن جميع أضداده ممنوع، وإن سلم فإنما يكون النهي عنها مانعا من فعلها، أن لو كان الأمر للوجوب، وإلا فهو للتنزيه فيتوقف الوجوب على المنع الجزمي المتوقف على الوجوب وهو دور. والاحتياط معارض بالإضرار. القائلون
(1/392)

بالندب "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" والتفويض إلى الاستطاعة ندب، ولأن المندوب داخل في الواجب، فكل واجب مندوب ولا عكس، فوجب الحمل عليه لكونه متيقنا. قلنا: كل واجب كذلك فإنه لا يؤتى منه إلا المستطاع وليس الندب داخلا في الوجوب لأنهما ماهيتان متباينتان. ولو سلم فالإباحة أحق بمعنى نفي الحرج عن الفعل، لأنه المتيقن بخلاف الندب لرجحان جانب الفعل وهو غير يقيني. القائل بمطلق الطلب: الرجحان ثابت فجعله لأحدهما تقييد بغير دليل، فكان للمشترك دفعا للاشتراك، قلنا: بل بدليل على أن فيه إثبات اللغة بلوازم الماهيات وهو خطأ، فما من شيئين إلا وهما مشتركان في لازم فيلزم رفع الاشتراك (بالاشتراك). القائل بالاشتراك: أطلق عليهما أو عليها والأصل الحقيقة، ويحسن الاستفهام والتقييد افعل واجبا أو ندبا أو مباحا، قلنا: خلاف الأصل، والتقييد بالوجوب تأكيد، وبغيره قرينة صارفة. ومال في الأحكام إلى الوقف لأن العقل لا يستقل بدرك الاشتراك والوضع لأحدهما ولا تواتر، والظن غير كاف فتعين الوقف. فإن قيل مركب من العقل والنقل. قلنا ظني، قالوا: يلزمكم مثله فإن العقل لا يستقل بالوقف ولا تواتر والظن غير كاف. قلنا: الواقف ساكت عن الحكم فلم يفتقر إلى دليل. وأجيب بأن الدلائل الاستقرائية كافية في هذا الباب للظهور وهو كاف للعمل.
(1/393)

تقسيم:
لما اقتضى الأمر الإيجاب وهو أعلى أنواع الطلب اقتضى أكمل أنواع الحسن الشرعي، وهو كون المأمور به حسنا لعينه إلا بدليل. هذا اختيار شمس الأئمة رحمه الله. وقيل: بل لغيره لثبوته اقتضاء وهو ضروري فيكتفى فيه بالأدنى. ثم ما حسن لعينه فمنه ما لا يحتمل السقوط أصلا كالإيمان بالله، ومنه ما يحتمله لعروض ما يبيحه كالإقرار الدال عليه يسقط بالإكراه مع ثبات الاعتقاد، وكالصلاة من حيث إنها شرعت لتعظيم الله قولا وفعلا مع احتمال السقوط بعارض، والزكاة والصوم والحج وإن شرعت لإغناء الفقير وقهر النفس وتعظيم البيت فلا يخرجها ذلك عن أن تكون حسنة لعينها، فإن الفقير لا يستحق عبادة ولا النفس جانية في ذاتها، ولا البيت معظم لذاته فكانت عبادات خالصة لله تعالى. وشرط لها أهلية كاملة، وحكم هذا القسم أن لا يسقط إلا بالأداء أو بإسقاط من الشارع فيما يحتمله.
(1/394)

والثاني: ما حسن لغيره، فمنه ما لا يوجد ذلك الغير إلا بفعل مقصود كالسعي إلى الجمعة مأمور لأدائها بأفعال مقصوده [مقصودة]، وحكمة [وحكمه] السقوط إذا حصل ما قصد به، فلو سعى فأكره على ضده ثم ترك وجب، ولو أكره على السعي إلى الجامع فأدى سقط، ويسقط أيضا بسقوط ما لأجله شرع بعارض، وكالوضوء شرع لأداء الصلاة بأفعال مقصوده [مقصودة]، فلا يشترط فيه النية من حيث إنه شرط لها، ولو نوى صار قربة، وفرق ما بين السعي والوضوء الاشتراط وعدمه، ومنه ما يوجد الغير به كصلاة الجنازة والجهاد والحدود المشروعة لتعظيم السلم وقهر الكافر وزجر العاصي، وحكمة السقوط بالأداء وبعدم ما لأجله حسنت حتى لو تصور إسلام الخلق وتقواهم سقط الجهاد والحد كما تسقط الصلاة بردة المسلم وبغيه [؟].
تقسيم: ومما حسن لكونه شرطا للأداء القدرة ولا يشترط وجودها حال الأمر بل حال الأداء لتوقف الفعل الاختياري عليها فيحسن الأمر بالأداء بتقدير التمكن منه في وقته كما يحسن أمر المعدوم بتقدير وجوده واستعداده للخطاب والمريض بالجهاد إذا برئ.
وهي نوعان: مطلقة وكاملة. فالأول أدنى ما يتمكن به من الفعل، ماليا كان المأمور به أو بدنيا ولا يشترط لبقائه، فلا يسقط الواجب بالموت ولا الحج والفطرة بهلاك الزاد والراحلة والمال. قال زفر والشافعي:
(1/395)

إذا أسلم أو بلغ أو طهرت ولم يبق من الوقت ما يسع الأداء لا يجب عليهم وإن استحسنا نحن الوجوب لانعقاد السبب وتوهم القدرة بالإمكان الذاتي والانتقال إلى القضاء للعجز الحالي.
والثاني: الميسرة وهي تغير صفة الواجب إلى السهولة كالزكاة الواجبة جزء من المال بشرط النماء الميسر فاشترطت للبقاء لبقاء تلك الصفة للمشروعية فتسقط بالهلاك وإلا انقلبت غرما مناقضا لليسر، بخلاف الاستهلاك للتعدي، وكصحة التكفير بالصوم للإعسار بعد الحنث لقيام اليسر بالتخيير واعتبار العدم الحالي لقوله تعالى (فمن لم يجد) إذ لو قصد عدم الوجدان في العمر بطل الصوم ولهذا ساوى الهلاك فيه الاستهلاك، لعدم تعين المال والوقت فلم يكن متعديا، والمال في الزكاة متعين. وكبطلانها بالدين لمنافاة اليسر فإن نقض بالكفارة أجيب بالفرق على قول أن الزكاة للإغناء فاشترط كمال السببية وهو الغنى والدين ينافيه، والكفارة زاجرة لا مفتية [؟] ولهذا تأدت بالعتق والصوم فيكفي أصل المال الميسر للأداء لتحصيل الثواب المقابل للجناية.
(1/396)

مسألة:
إذا ثبت حسنه كان مجزيا، فإن فسر الإجزاء بامتثال الأمر فهو دليله اتفاقا، وإن فسر بسقوط القضاء فكذلك، وإلا لم يعلم امتثال أبدا، ولأن القضاء استدراك ما فات من مصلحة الأداء، والتقدير الإتيان بجميع المأمور به، فلو وجب كان تحصيلا للحاصل، وأيضا لو لم يسقط بالأمر فالكلام في القضاء مثله لأنه مأمور به، ويتسلسل فلا يتصور إجزاء بفعل مأمور به أصلا. قال (القاضي) عبد الجبار: لا يكون دليل الإجزاء وإلا يلزم أن لا يعيد أو يأثم إذا علم الحدث بعدما صلى بظن الطهارة، لأنه إما مأمور بظنها أو تيقنها. قلنا: أمر ثان متوجه بالأداء حال العلم على حسب حاله حتى لو مات أجزأته وسقطت الإعادة. ولمن يوجب القضاء بالأمر الأول أن يجعله مشروطا بعدم العلم. قال: ومن أفسد حجه مأمور بالأداء ولا إجزاء. قلنا: لم يؤمر إلا بالصحة وهو باق، وهذا الأمر بالتحلل عن الإحرام بطريقة [بطريقه] وهو غير الأول ومجزء [مجزئ] في نفسه.
(1/397)

مسألة:
صيغة الأمر لا تقتضي اقتصارا على المرة ولا تحتمل التكرار. والأستاذ: للتكرار مدة العمر مع الإمكان. وآخرون: للمرة ويحتمله. ووقف آخرون في
(1/398)

الزائد. لنا: أن مدلولها طلب حقيقة الفعل، والمرة والتكرار خارجان غير لازمين، فلم تدل عليه، ولأنهما صفتان للفعل كالقليل والكثير، ولا دلالة للموصوف على الصفة فلا دلالة للأمر الدال على الفعل عليهما، فإن قيل: أوقعتم ثلاثا في طلقي نفسك إذا نوى. قلنا: الثلاث كل الجنس فهو واحد حكما، ولهذا لم توقع ثنتين إذا نوى لأنه عدد. الأستاذ: لو لم يكن للتكرار لم يتكرر الصوم والصلاة. قلنا: التكرار من غير الصيغة. وعورض بالحج. قالوا: النهي ترك أبدا، فالأمر فعل أبدا لاشتراكهما في الاقتضاء. قلنا: قياس في اللغة والنهي يقتضي النفي، ولأن التكرار في النهي لا يمنع من فعل غيره بخلافه في الأمر. قالوا: نهي عن جميع أضداده والنهي يعم فيستلزم تكرار المأمور. قلنا: ممنوع. والنهي المستفاد من الأمر لا يعم لأن عمومه فرع عموم الأمر، فلو أثبت تكرار الأمر به دار، بخلاف النهي الصريح. قالوا: إذا قال لعبده: أحسن صحبة زيد وأكرمه قطع بالتكرار. قلنا: لقرينة أن الأمر بالإكرام لكرامته والأصل دوامها. دليل المرة: إذا قال لعبده: دخل الدار، ففعل مرة امتثل، قلنا: يبرأ بها لحصول حقيقة المأمور به لأنها من ضرورته، لا أن الأمر ظاهر فيها ولا في التكرار. قالوا: لو كان للتكرار لكان صل مرارا تكريرا ومرة نقضا. قلنا: ولو كان للمرة لتوجه مثله. الوقف: لو ثبت واحد منها فإما: بدليل عقلي وهو باطل أو نقلي قطعي وليس، والظن غير مفيد.
(1/399)

مسألة:
إذا علق الأمر بشرط أو صفة، فإن كان علة تكرر باتفاق لتكرر العلة لا للصيغة، وإلا فالمختار أن لا تكرار.
(1/400)

لنا: لو وجب، فإما بالأمر أو بالشرط أو بهما، وليس للأول لما مر، ولا للثاني لعدم تأثير الشرط في المشروط، وليس وقوع الطلاق المعلق بدخول الديار بالدخول، بل بأنت طالق، وهو علة، ولا للثالث، فإنا نقطع بأن من قال لعبده: إذا دخلت السوق فاشتر كذا، فهو ممتثل بالمرة مقتصرا. واستدل بأن تعليقه بالخبر لا يقتضيه فكذا الشرط وهو فاسد لأنه قياس في اللغة.
قالوا: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا)، (وإن كنتم جنبا فاطهروا)، (والسارق) و (الزانية). قلنا: ما كان علة كالزنا والسرقة فمسلم، وما عداه فبدليل خارجي، ولذلك لم يثبت في الحج وإن علق بالاستطاعة. قالوا: تكرر بالعلة فليتكرر بالشرط فإنه أقوى لانتفاء المشروط بانتفائه. قلنا: العلة مقتضية لمعلولها والشرط لا يقتضي مشروطه.
(1/401)

مسألة:
بعض أئمتنا: يقتضي التراخي، ومراده عدم اقتضاء الفور، فإنه لو اقتضى التراخي لم يمتثل إذا قدم، والصحيح أنه لا يقتضي الفور ولا التراخي وأيهما حصل أجزأ. والمكررون والكرخي قائلون بالفور، ونسب المذهبان إلى الشافعي والحنابلة باقتضائه أول أزمنة الإمكان.
(2/402)

وقال القاضي: إما بالفور أو بالعزم، وقيل بالتوقف لغة وإن بادر امتثل. وقيل مطلقا. لنا: وصفان للمصدر المطلوب بالأمر ولا دلالة للموصوف على الصفة فالأمر أولى، ولأنه حقيقة في طلب الفعل فإذ [فإذا] أتى به مقدما أو مؤخرا فقد أتى بما أمر به فيكون ممتثلا غير آثم، والزمان وإن كان من ضرورته لكنه ليس بداخل في الحقيقة ولا بمتعين. قالوا: نقطع بالفور إذا قال لعبده: اسقني ماء. قلنا: للعادة، فإن طالبه يحتاج إليه سريعا، والكلام في المطلق عن القرينة. قالوا: كل مخبر أو منشئ فالظاهر قصده للزمان الحاضر بدليل: أنت طالق وحر وقام زيد. قلنا: قياس في اللغة. قالوا نهي عن جميع أضداده، والنهي للفور فيتوقف
(2/403)

على فعل المأمور به على الفور، وقد تقدم. قالوا (ما منعك أن تسجد) ذمه على ترك البدار. قلنا: مقيد بقوله (فإذا سويته) قالوا مستلزم له لاستلزام الوجوب إياه، لأن وجوب الفعل مستلزم لوجوب اعتقاده على الفور، ولأن المقدم خارج عن العهدة إجماعا فكان أحوط، ولأنه لو جاز التأخر فإما إلى غاية معينة معلومة مذكورة، والفرض الأمر المطلق، أو لا إليها، فإما ببدل غير واجب، وهو محال أو واجب وليس، والالزام [وإلا لزم] إنباه النائم أول الوقت حذرا من فوات البدل كما إذا ضاق الوقت، ولكان البدل محصلا مقصود الأصل إذا أتى به فيؤدي إلى سقوط الأصل، ولأونه إما أن يجوز تأخيره، وفيه تسلسل، وإما أن لا يجوز فسيزيد البدل على أصله، وإن جاز التأخير مطلقا ففيه إخراج الواجب عن حقيقته. قلنا: لا يلزم من تعجيل وجوب الاعتقاد تعجيل الفعل بدليل ما لو صرح بالتأخير، والاحتياط في اتباع ما أوجبه الظن والمنفصلة في جواز التأخير بعينها مع التصريح بالتأخير، وإنما يجوز بشرط التمكن من الخروج عن العهدة، قالوا (فاستبقوا الخيرات) (وسارعوا) والأمر للوجوب. قلنا: المراد المسارعة إلى سببها اقتضاء، ولا عموم له فيختص بمواقع الإجماع واستدل القاضي بما تقدم في الموسع. والواقف: الطلب متحقق والتأخير مشكوك فيه فوجب البدار ليخرج عن العهدة بيقين. قلنا: الشك ممنوع.
(2/404)

مسألة:
القاضي: الأمر بشيء معين نهي عن أضداده. وقال آخرًا باستلزامه ونفاهما إمام الحرمين والغزالي. ومنهم من اقتصر والجصاص: الأمر يوجب النهي عن أضداده والنهي يوجب الأمر بضده إن كان واحدا ولا موجب له في أضداده، والمعتزلة ليس نهيا.
(2/405)

لاعتبارهم الصيغة، وأثبته أبو الحسين من حيث المعنى وهو اقتضاء الأمر إيجاد الفعل والمنوع من كل مانع. ومنهم من خص ذلك بأمر الوجوب، وبعض أصحابنا: يستلزم كراهة ضده والنهي سنة مؤكدة فيه. وفخر الإسلام يقتضي الكراهة. واختار في الأحكام استلزام النهي إيجابا كان أو ندبا. القاضي: لو لم يكن عينه لكان ضدا أو مثلا أو خلافا، لأنهما إن تساويا في الذاتيات واللوازم فمثلان، وإلا فإن تنافيا بأنفسهما فضدان، وإلا فخلافان، وليس الأولين، وإلا لما اجتمعا، ولا الثالث وإلا لجاز أحدهما مع ضد الآخر وخلافه كالعلم والكراهة. ونحن نقطع باستحالة الأمر بالفعل مع ضد النهي عن ضده، وهو الأمر بضده لأنهما نقيضان أو تكليف بغير الممكن. والجواب: إن أراد بطلب ترك ضده طلب الكف عن ضده فهما
(2/406)

خلافان، ونمنع الملازمة كما في المتضايفين لاستحالة وجود أحدهما مع ضد الآخر، وقد يكون كل من الخلافين ضدا لضد الآخر كالظن والشك، فإنهما ضد العلم، فيكون كل من الأمر بالشيء والنهي عن ضده ضدا لضده فلا يستحيل اجتماعهما. وإن أراد بترك ضده عن المأمور به عاد النزاع لفظيا في تسميته تركا ثم في تسمية طلبه نهيا. القائل بالاستلزام عقلا: أمر الإيجاب طلب لفعل يذم تاركه بالاتفاق، ولا ذم إلا على فعل منهي عنه وهو الكف عنه أو الضد فيستلزم النهي عن ضده أو النهي عن الكف عنه.
والجواب: أن تضمنه للنهي مبني على أنه من معقوله وهذا (منا) دليل خارجي، وإن سلم منع أن الذم إنما هو على فعل، بل هو على أنه لم يفعل فلا يذم تارك الصلاة لأنه أكل، بل لأنه تارك. الجصاص: إذا كان له ضد واحد كلا تتحرك فهو أمر بالسكون لاستلزام وجوب إعدام المنهي عنه وجوب ضده المعين، بخلاف الأضداد فإنه لا يجب جميعها وإلا لارتفع المباح. وليس البعض أولى من البعض. القائل بوجوب الضد استلزاما: لا يتم النهي إلا بالتلبس بأحد أضداد المنهي عنه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والجواب: يلزم وجوب الزنا لكونه تركا للواط المنهي عنه المستلزم لكون تركه مأمورا به وبالعكس. وأيضا نفي المباح لأنه ترك المنهي عنه فيكون مأمورا به. وللمقتصر إما أن النهي طلب نفي وهو عدم لا طلب فعل الضد. وإما للزوم الإلزام المتقدم ورفع المباح،
(2/407)

وإما لأن أمر الإيجاب مستلزم للذم على الترك وهو فعل لاستلزام الذم، الفعل. والنهي طلب كف عن فعل فلم يستلزم الأمر لأنه طلب فعل لا كف. وللمخصص بأمر الوجوب أن الندب لا يستلزم ذم الترك ولارتفع المباح، ودليل مختار الأحكام: أن فعل المأمور به لا يتصور إلا بترك أضداده، فهي واجبة الترك إن كان أمر إيجاب، ومندوحة الترك إن كان ندبا، وليس عنيه، إما لتغاير الصيغتين وإما لأن النفساني القديم وإن اتحد فإنه يختلف بالمتعلق والتعلق. والحادث متعدد فهما غيران. النافي مطلقا: لو كان عينه أو استلزمه لزم تعقل الضد والكف عنه لأنه مطلوب النهي لامتناع تعقل الشيء بدون نفسه أو لازمه عقلا، واللازم باطل للقطع بالطلب مع الذهول عنهما. واعترض بأن المراد الضد العام وهو متعقل ضرورة كون الطلب لما ليس بموجود، وأجيب بجواز الطلب في المستقبل مع التلبس في الحال، ولو سلم فعدم تعقل الكف واضح، واختيار فخر الإسلام بناء على الاستلزام، إلا أن النهي لما لم يكن مقصودا سماه اقتضاء لأنه ضروري، وأثبت به أقل ما يجب بالنهي وهو الكراهة. وفائدة هذا الأصل أن المأمور بالعبادة لا يفسدها ضدها إلا أن يفوت المأمور به كالقائم في الصلاة لا يكون منهيا عن القعود قصدا فلو قعد ثم قام كره لعدم التفويت وكقول أبي يوسف فيمن سجد على نجاسة ثم أعاده
(2/408)

على الطاهر يكره لذلك، وكما قال في ارتفاع الإحرام بترك القراءة في مسائل النفل. وأما في النهي فأثبت في ضده السنية كما قلنا إن المحرم منهي عن لبس المخيط فيسن له لبس الإزار والرداء.
مسألة:
أكثر القائلين بالوجوب أن الأمر بعد الحظر للإباحة، وتوقف إمام الحرمين واختار في الأحكام احتمالها، فإن قيل بالتساوي فالوقف وإلا فالرجحان للإباحة لكثرة الورود فيها، وفخر الإسلام والمعتزلة: أنها للوجوب ولا أثر للحظر
(2/409)

لأنه لو منع لما صح التصريح بالوجوب، وللأكثرين (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا) (وإذا حللتم فاصطادوا) و"كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروها" فكان ظاهرا فيها. قلنا بدليل خارجي.
مسألة:
الأمر بفعل في وقت معين إذا فات عنه فالقضاء بعده بأمر جديد عند بعض أئمتنا والمعتزلة ومحققي الشافعية. وبالأول عند الحنابلة
(2/410)

وكثير من الفقهاء. وأكثر أصحابنا على أن وجوب القضاء في المنذورات المتعينة بالقياس، لأن النص الموجب للقضاء (فعدة من أيام أخر) "فليقضها إذا ذكرها" فعلل بضمان مثل الأداء، فشرعية جنسه نفلا وصرفه إلى ما عليه مع سقوط فضل الوقت للعجز فيتعدى. وتخرج مسألة النذر بالاعتكاف في رمضان مع التفويت وعدم الإجزاء في مثله على هذا، فقائل علة القضاء التفويت دون النذر، والتفويت مطلق فيجب به كاملا. وقائل: هو بالنذر ووجوبه قياسي، لكن وجوبه مطلقا يستلزم صوما مقصودا، وقد سقط
(2/411)

لشرف الوقت، وقد فات لعدم القدرة على مثله إلا بحياة يعارضها الموت على السواء فبقي مضمونا بالإطلاق فوجب كاملا فلم يتأد بالناقص وهو الصوم الضمني. القائلون بالأمر الجديد: لو اقتضاه الأول لأشعر به وصم يوم الخميس لا يشعر بيوم الجمعة، ولأن تقييده بالوقت لحكمة لا تحصل في غيره وإلا لساوتها في الوقت الأول فيمتنع ترجيح الأول. أو زادت عليه فيجب ترجيح الثاني فلا يلزم من اقتضائه الفعل في الوقت الأول اقتضاؤه له فيما بعده، وأيضا لاطرد في الجمعة والجهاد، ولخلا "فليصلها إذا ذكرها" عن فائدة، وعورض "فأتوا منه ما استطعتم" وبأن الزمان ظرف ليس من فعل المكلف، فالمطلوب بالأمر الفعل لا غير. وأيضا لكان أداء مثله وبأن الوقت كأجل الدين ففواته غير مسقط. وأجيب بأن المراد ما استطعتم في زمانه، والمأمور فعل مقيد بوقت حتى لو قدم لم يعتد به فاختلاله مؤثر، وإنما سمي قضاء لاستدراك مصلحة المأمور به وليس الوقت أجلا إذ معناه وقت مهلة يتأخر فيها المطالبة، ووقت المأمور به صفة له فلا يحصل بدون صفته.
مسألة:
الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا بالشيء خلافا لبعضهم. لنا: لو كان أمرا لكان
(2/412)

مر عبدك بأن يتجر في مالك تعديا على ملك الغير، والناقض قول السيد لغانم مر سالما بكذا: قوله لسالم لا تطعه وليس، ولكان "مروهم بالصلاة لسبع" أمر إيجاب للصبيان، قالوا فهم من قول السلطان لوزيره: قل لفلان افعل كذا. وأمر الله رسوله يأمرنا وأمر الرسول رسله في القبائل بأمرهم أن الأمر هو لله ورسوله، والسلطان، قلنا للعلم بأنهم مبلغون.
مسألة:
إذا أطلق الأمر فالمطلوب فعل ممكن الوجود مطابق للماهية المشتركة، وقيل نفس الماهية الكلية وذلك كالأمر بالبيع لا يكون أمرا به بغبن فاحش ولا بثمن المثل فإن الأمر متعلق بالقدر المشترك وهو غير مستلزم لخصوصية كل منهما، والأمر بالأعم لا يكون أمرا بالأخص، وهذا ليس بحق فإن الماهية الكلية لا وجود لها في الأعيان وإلا لتشخصت فكانت كلية وجزئية معا فلم تكن مطلوبة بالأمر وإلا لكان تكليفا بالمحال.
(2/413)

مسألة:
الأمران المتعاقبان بغير عطف إن اختلفا عمل بها اتفاقا على الاختلاف في مقتضى الأمر، أو تماثلا فإن لم يقبل التكرار كصم يوم الجمعة صم يوم الجمعة، أو قبله ومنعت العادة كاسقني ماء اسقني ماء، والثاني معرف فمؤكد، وإن لم تمنع ولم يتعرف كصل
(2/414)

ركعتين صل ركعتين، فعبد الجبار يعمل بهما إعمالا للصيغة على الأصل وتوقف أبو الحسين. والترجيح للأول لإفادته التأسيس، والثاني التأكيد والأول أصل، فإن قال: إلا أنه مخالف للبراءة الأصلية فتعارض الترجيحان قلنا معارض بما يلزم من الوقف من مخالفة مقتضى الأمر على كل قول فيبقى الترجيح بالتأسيس سالما، أما إذا عطف فإن اختلفا عمل بهما أو تماثلا ولم يقبل تكرارا، أو قبل ولم تمنع عادة ولا الثاني معرف فكذلك مع ترجيح آخر وهو موافقة العطف. وإن منعت أو تعرف، تعارضا والعمل بهما أرجح. وإن اجتمعا مع العطف كاسقني ماء واسقني الماء فالوقف لتعارض العطف والتأسيس مع المنع والتعريف.

ومنه النهي:
وهو طلب الامتناع على جهة الاستعلاء، وما تقدم في حد الأمر وأن له صيغة فمثله ههنا، وصيغة لا تفعل وإن احتملت التحريم والكراهة والتحقير (لا تمدن) وبيان العاقبة (ولا تحسبن الله غافلا)
(2/415)

والدعاء (لا تؤاخذنا) واليأس (لا تعتذروا) والإرشاد (لا تسألوا عن أشياء) فهي حقيقة في طلب الامتناع مجاز في غيره، وكونها حقيقة في التحريم أو الكراهة أو مشتركة أو موقوفة فعلى ما مر.
تنبيه:
ومقتضاه قبح المنهي عنه شرعا، فإن قيل: هلا قلتم يقتضي حسن الانتهاء قلنا: صفة وجودية فيقتضي محلا موجودا. والانتهاء امتناع عن إيجاد الفعل وهو عدمي. فإن قيل ترك فكان فعلا مقصودا، قلنا: موجب النهي الانتهاء دائما بإبقاء العدم الأصلي وهو الامتناع مقصودا كان أو غير مقصود، والترك فعل يستلزم القصد عند إرادة إيجاد المنهي عنه وهو غير مستغرق، والانتهاء مستغرق
(2/416)

فهو أعم من الترك، ومثل هذا: إن لم أشأ طلاقك فأنت طالق، ثم قال: لا أشاء لم تطلق، ولو قال: إن أبيت ثم قال قد أبيت طلقت. والفرق أن الإباء فعل يقابل إرادة الإيقاع بقصد ولا يستغرق، وعدم المشيئة امتناع عن إيقاعه وهو مستغرق فلا يوجد الشرط بإخباره ولا بامتناعه في جزء من العمر.
تقسيم:
فمنه لعينه ومنه لغيره، وهذا على قسمين، مجاور ووصف لازم فالأول كالعبث والسفه لخلوهما عن فائدة تقصد بالشرعية، وكبيع المضامين والملاقيح للإضافة إلى غير محل، وكالصلاة بغير طهارة لارتفاع أهلية الأداء شرعا،
(2/417)

وحكمه عدم الشرعية أصلا. والثاني كالوطي [كالوطء] في الحيض للأذى المجاور، وكالبيع وقت النداء للإعراض عن السعي الواجب، وكالصلاة في الأرض المغصوبة لشغل ملك الغير وحكمه الصحة على مثال الصايم [الصائم] يترك الصلاة فهو مطيع بالصوم وعاص بتركها كما هو مطيع بالصلاة وعاص بشغل ملك الغير، وواطي [وواطئ] بملك النكاح المبيح وعاص باستعمال الأذى، ولذلك ثبت به الحل والإحصان. والثالث: كالزنا قبيح لتضييع النسل وكالربا لعدم المساواة التي هي شرط هذا البيع، وكالصوم في العيد لأنه إعراض عن الضيافة. والاتفاق أن الأفعال الحسية كالقتل والزنا والسرقة ملحقة بالقبيح لعينه، واختلف في العبادات والمعاملات فموجب التي فيها بقاء المشروعية والفساد وصفا، وقال الشافعي: مثل القبيح لعينه في رفع المشروعية أصلا، فالمحرم الصوم الواقع، وعدنا [وعندنا] الوقوع لا الواقع، وهما غيران. لنا نهي عن
(2/418)

شرعي فيقتضي الصحة وإلا لا يكون شرعيا، ويقتضي الفساد لوجوب [لوجود] قبح في المنهي عنه وإلا لا يكون منهيا، فوجب الحكم بشرعية أصله وفساد وصفه؛ لاستحالة كون المشروع قبيحا لعينه، واحتج بأنه ضد الأمر فوجب اقتضاؤه قبح عينه كاقتضاء الأمر حسنه فوجب ارتفاع المشروعية لأن كل منهي قبيح ولا شيء من القبيح بمشروع، فلا شيء من المنهي بمشروع، ولأن فاعله عاص وأدنى المشروع أن يكون مباحا. قلنا: لا يجب تقابل أحكام المتقابلات ولو سلم فالنقيض لاقتضاء الحسن وهو أعم من اقتضاء القبح والصغرى على الإطلاق ممنوعة فإنها محل النزاع، فليس منهيا باعتبار أصله، وكذلك الكبرى لكونه مشروعا بأصله، والعصيان باعتبار ملابسته الوصف القبيح لا مطلقا. وقيل: الفساد شرعي لا لغوي، وقيل بالثاني، وفصل أبو الحسين فقال به في العبادات دون المعاملات بناء على أن فساد العبادة عدم إجزائها، والمعاملة عدم ترتب أثرها، وهو دال في الأول دون الثاني كالبيع
(2/419)

وقت النداء، ورد بأن الفساد في الوصف، فأثره في الكراهة فلا ينافي الإجزاء القائل بالفساد شرعا لا لغة، أما الثاني فليس في اللفظ ما يدل على سلب أحكامه قطعا، فإنه لو قال نهيتك عن ذبح شاة الغير لعينه ولو ذبحت حلت لم يتناقض، وأما الأول فإن العلماء لم تزل تستدل عليه بالنهي في الربويات والأنكحة وغيرها، ولأن النهي لغير مقصود محال للقبح أو لامتناع خلو الأحكام عن الحكم، ويمتنع أن يكون مقصود النهي مرجوحا على مقصود الصحة أو مساويا لامتناع أن يقصد إلا الراجح، فامتنع انعقاد التصرف لرجحان مقصود النهي. وأجيب بأن استدلال البعض لا يكون حجة على الباقين، وليس بلغوي ولا قطعي، وقد فهم غيرهم غيره، وبأنهما مقصودان كما في المنهي عنه لغيره.
تنبيه:
ومن الفروع على أصل الشافعي: أن المنهي عنه معصية
(2/420)

فلا ينتهض سببا لحكم شرعي، فلا تثبت المصاهرة بالزنا ولا الملك بالغصب، ولا الترخص للعاصي بسفره، ولا الملك للكافر باستيلائه.
تنبيه:
وعلى أصلنا إذا باع بخمر فسد، لا لخلل في ركن البيع ومحله، بل في الثمن الذي هو تابع وهو كونه مالا غير متقوم وكان ذكره مفيدا لإيجاب القيمة لا العين فانعقد بأصله دون وصفه. وكذلك لو باع الخمر بعبد لا بنقد لأن المبيع في المعاوضة ثمن من وجه، وفي النقد مبيع مطلقا فلم يصح إيراد العقد على الخمر مقصودا، وصوم العيد حسن لأنه صوم، وقبيح لوقوعه في العيد، فصح النذر به لكونه طاعة، ووصف القبح من لوازم الفعل لا الاسم ولم يلزم بالشروع لاتصال الأداء بالعصيان والصلاة في الوقت المكروه حسنة لذاتها والوقت صحيح، والفساد في وصفه للنسبة إلى الشيطان
(2/421)

والوقت سبب وظرف فأثر نقصانه في نقصانها فلم يتأد بها الكامل، وضمنت بالشروع، ولما كان وقت الصوم معيارا لم يضمن به، والصلاة في المكان المغصوب والبيع وقت النداء كذلك، ولا يلزم بيع الحر والمضامين والملاقيح لعدم تصور الانعقاد أصلا للإضافة إلى غير المحل، والنكاح بغير شهود منفي لا منهي، والفرق أن الأول إعدام شرعي ينبني عليه الامتناع، والثاني طلب امتناع ينبني عليه العدم فلم يكن مشروعا مطلقا، ولأن ملك النكاح لا ينفصل عن الحل والنهي محرم فبطل العقد للمضادة، والحل في البيع منفصل عن الملك فلا تضاد والاستيلاء منهي لعصمة المحل عندنا بناء على الحكم وهو منقطع عن الكفار، ولتناهي العصمة بتناهي سببها وهو الإحراز بدارنا، والملك في الغصب ثابت شرطا لحكم الضمان المشروع جبرا، وهو يعتمد فوات ملك الأصل، وشرط الحكم يحسن بحسنه تبعا وإن قبح مقصودا، والزنا لا يحرم بنفسه بل لأنه سبب للولد الذي هو الأصل في ذلك ولا معصية فيه، ثم يتعدى إلى أسبابه فتقوم مقامه فاعتبر مجرد السببية دون وصف الحرمة. ونفس السفر حسن والقبح في القصد المجاور له والرخصة معلقة به لا بما قصد به.
مسألة:
النهي يقتضي الانتهاء دائما خلافا
(2/422)

لشواذ، لنا أنه يعد فاعل من نهى عن فعل مجردا عن قرينة مخالفا في أي وقت فعله، قالوا: للدوام كالنهي عن الزنا، ولغيره كنهي الحائض عن الصلاة، فكان للقدر المشترك دفعا للاشتراك والمجاز، قلنا عدم الدوام لقرينة ولو لزم المجار، فكونه للدوام حقيقة أولى لإمكان التجوز به عن البعض بخلاف العكس

ومنه العام والخاص:
أبو الحسين: العام اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له، وليس بمانع لدخول أسماء العدد كعشرة، والغزالي: اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا، وليس بجامع لخروج لفظ المستحيل والمعدوم لعدم الدلالة على شيئين، لأن مدلولهما ليس بشيء، والموصولات لأنها ليست بلفظ واحد لاحتياجها إلى صلاتها، ولا مانع لدخول المثنى وعشرة، ومثل المعهود والنكرة، وله التزام ذين. وفخر الإسلام: كل لفظ ينتظم جمعا من المسميات لفظا أو معنى، وليس بمانع، لدخول أسماء العدد، وقيد اللفظ يخرج المعنى والعموم من عوارضه كما نبين، ولفظ كل مشعر بالإفراد والحد للماهية والأولى: ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقا، وقلنا ما دل ليدخل المعاني على ما اخترناه، ويندرج في المسميات الموجود والمعدوم وهو فصل عن المسمى الواحد، والمثنى والنكرة فإنها مطلقة غير شاملة لمسميات، وخرج مثل عشرة بقولنا: اشتركت فيه، والمعهودون بقولنا مطلقة لأن دلالة العهد بقرينة والخاص ما دل على مسمى واحد.
(2/423)

تنبيه:
حكم الخاص ثبوت مدلوله قطعا ولا يلحقه بيان لاستغنائه عنه كما أولنا الأقراء بالحيض لقوله تعالى: {ثلاثة} وهو اسم لعدد كامل ولو كانت الأطهار لانتقص، وكما جعلنا مطلق الركوع فرضا بـ {اركعوا} وهو خاص بالميل،
(2/424)

وأوجبنا الاعتدال بخبر الواحد إكمالا، وكما أجزنا طواف المحدث بقوله تعالى: {وليطوفوا} وكما اكتفينا في فرائض الوضوء بالغسل والمسح بقوله تعالى: {فاغسلوا} و {امسحوا} وهما خاصان، وكما قال محمد والشافعي
(2/425)

في مسألة الهدم إن حتى في قوله تعالى: {حتى تنكح} غاية للحرمة الغليظة خاصة به، وغاية الشيء جزؤه، فلا يوجد قبل أصله، فلا يوجب حلا جديد. وأوجبنا بأن الدخول ثابت بالسنة المشهورة فيزاد، ومن لوازمه التحليل بقوله عليه السلام "أتريدين أن تعودي (إلى رفاعة) " فرفع الحرمة قصدا فلا يتخلف عنه لازمه، وفيه نظر، لأنا نمنع اللزوم مطلقا، ونخص النص بمورده.
(2/426)

مسألة:
الاتفاق أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة بمعنى وقوع الشركة في المفهوم لا بمعنى الشركة في اللفظ، وبعض أصحابنا: في المعاني أيضا. وقيل: مجاز وهو اختيار بعض أصحابنا. وقيل مختص بالألفاظ. المثبتون: العموم اللغوي حقيقة في شمول أمر لمتعدد كعم المطر والخصب وكذلك الحقائق الكلية الشاملة لمعاني الجزئيات لدخولها تحتها، فإن قيل المراد أمر واحد شامل لأمور متعددة من جهة واحدة، وعموم المطر شمول متعدد لمتعدد لاختصاص
(2/427)

كل جزء من الأرض بجزء من المطر. قلنا ليس في اللغة بهذا القيد، ولو سلم فلا شك في عروضه للصوت الواحد الشامل لسامعيه وللأمر والنهي وهما طلب نفساني واحد لمن تعلقا به والمعنى الكلي الذهني المطابق للجزئيات كمطابقة اللفظ العام لمدلولاته، فكان العروض فيهما حقيقة، وقد مر تحقيقه في القواعد.
مسألة:
المحققون: للعموم صيغة موضوعة له، وهي أسماء الشروط، كمن وما والاستفهام والموصولات والجموع المنكرة والمعرفة للجنس والمضافة والجنس المعرف والنكرة في النفي. وخالف أبو هاشم في الجمع المنكر والمعرف واسم الجنس المعرف. وأرباب الخصوص: هي حقيقة فيه.
(2/428)

والأشعري: بالاشتراك مرة والوقف أخرى. ومن الواقفية من خصه بالإخبار دون الأمر والنهي، ومنهم من لا يدري أموضوعة للعموم أو للخصوص أو مشتركة ومنهم من يعلم الوضع ويجهل الحقيقة من المجاز. لنا: القطع في لا تضرب أحدا، فضرب واحدا أنه مخالف واستدلال العلماء على حد كل زان وسارق بقوله: {والزاني} و {والسارق} وبميراث كل ذكر ضعف الأنثى {بأولادكم} واحتجاج عمر على أبي بكر رضي الله عنهما في قتال مانعي الزكاة: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" واحتجاج أبي بكر رضي الله عنه "الأئمة من قريش" فسلمت الأنصار، و"نحن معاشر الأنبياء لا نورث"
(2/429)

من غير نكير فكان إجماعا، فإن قيل فهم بالقرائن، قلنا يلزم انسداد باب الفهم لظاهر من لفظ لجوازه من قرينة ونحن نقطع بأنه لو قال: كل من قال لك ألف فقل له باء فترك واحدا خالف، واعترض بأنه سكوتي فلا ينهض في الأصول. أجيب: تكرر وشاع ولا مخالف وهو قاطع عادة، ولو سلم فالمطلوب دلالة لفظ والظن كاف، وأيضا فالاتفاق فيمن دخل من عبيدي حر ومن نسائي طالق العموم، وقول إبراهيم لللائكة: {إن فيها لوطا} وجوابهم {لننجينه} دليل فهم العموم من أهل هذه القرية وصحة الاستثناء في أكرم الناس إلا الفساق وهو إخراج الداخل. قالوا: إخراج الصالح، قلنا: إجماع العربية إخراج ما لولاه لدخل، وأيضا "من جاءك" استفهاما، إما حقيقة في الخصوص أو العموم أو مشتركة أو موقوفة أو لا موضوعة. والأول منتف لحسن الجواب بجملة العقلاء، وكذا الاشتراك والوقف وإلا لما حسن إلا بعد الاستفهام، وكذا الأخير للاتفاق، فتعين العموم. والشرطية من دخل داري فأكرمه يقبح التوبيخ لعموم الإكرام، ويحسن اللوم لو أخل بواحد، وأيضا: كل الناس علماء يكذبه: كلهم ليسوا علماء، والقطع بالفرق بين كل وبعض، وبالفرق بين تأكيد العموم والخصوص في الوضع، رأيت زيدا عينه ونفسه لا كلهم ولا الرجال عينه، والتأكيد مطابق، واستدل باعتراض ابن الزبعرى
(2/430)

في {إنكم وما تعبدون} بالملائكة والمسيح فخصص بقوله: {إن الذين سبقت} ولم ينكر فهمه العموم. وأجيب بخطائه في فهم أن ما ظاهره فيما لا يعقل، ولذلك قال له عليه السلام "ما أجهلك بلغة قومك" واستدل بأن العموم معنى ظاهر فاحتيج إلى التعبير عنه كغيره، وأجيب بالاستغناء عنه بالدلالة عليه مجازا أو مشتركا. القائلون بالخصوص: متيقن فجعله له حقيقة
(2/431)

أولى، ورد بأنه إثبات اللغة بالترجيح، وعورض بأن العموم أحوط فكان أولى، قالوا: لو كانت للعموم لكان الخصوص كذبا كعشرين مع إرادة العشرة. ورد بأنه يلزم إذا كان نصا كعشرين. قالوا: لو كانت للعموم لكان التأكيد عبثا والاستثناء نقضا. ورد لدفع احتمال التخصيص وبلزوم ذلك في الخاص وبالاتفاق على صحة الاستثناء في عشرة إلا خمسة، وليس بنقض مع أنه صريح. القائل بالفرق: التكليف واقع بالأمر والنهي على العموم ولولاه لما كان عاما. ورد بلزومه في الخبر الذي يقع التكليف العام بمعرفته كقوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم} وعمومات الوعد والوعيد.
مسألة:
العام موجب للعلم في مدلوله كالخاص إلا فيما لا يحتمل إجراءه على عمومه لعدم قبول المحل فهو كالمجمل يجب التوقف ليظهر المراد، خلافا للشافعي في إيجابه للظن
(2/432)

حتى إنه ينسخ الخاص عندنا كما نسخ حديث العرنيين بقوله عليه السلام "استنزهوا" و"ليس فيما دون خمسة أوسق" بـ"ما سقته السماء ففيه العشر" ويرجح العموم بعد التعارض كما في اختلاف المضارب ورب المال في عموم المضاربة وخصوصها بدلالة العقد، وإذا أوصى بخاتم وبفصه
(2/433)

لآخر بكلام مفصول كانت الحلقة للأول وقسم الفص بينهما. ولو وصل كان الفص كله للثاني لكون الثاني مخصصا، فظهر أن المراد بالأول الحلقة وحدها، وإذا لم يخص لا يخص بخبر الواحد ولا بالقياس حتى لا يكون "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" تخصيصا لـ {اقرءوا ما تيسر} ولا يخصص عموم النهي في {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} بخبر الواحد، فإن الناسي ذاكر حكما، إقامة للعلة مقام الذكر، ولا قوله {ومن دخله كان آمنا} فيثبت الأمن لمباح الدم بعمومه. لنا: أن الأصل في دلالة اللفظ على معناه القطع إلا بدليل، فإن قيل: احتمال التخصيص يذهب القطع، قلنا: لا عبرة بالاحتمال العقلي في الوضع كالخاص في احتمال غير مدلوله، وإنما يعتبر إذا قام دليله. قالوا: التأكيد دليله. قلنا: وجوده دليل انتفاء الاحتمال فلا يكون عدمه دليل وجوده مع (وجوب) ثبوت المعنى للفظ الموضوع له ظاهرا، وهو المراد بالقطع في الوضع
(2/434)

لا بمعنى أنه محكم. كالخاص يؤكد بما يقطع احتمال المجاز والمؤكد مطابق لا مفسر.
مسألة:
الجمع المنكر عام خلافا لقوم، لنا أنه يصح إطلاقه على كل جمع حقيقة فإذا حمل على الاستغراق كان حملا على جميع حقائقه، ولأنه لو لم يكن للعموم لكان مختصا بالبعض وليس باتفاق. قالوا: للجمع أي جمع كان كرجل للواحد أي واحد كان فلم يكن ظاهرا في العموم، كما أن رجلا ليس بظاهر في زيد وعمرو. قلنا: صح إطلاقه على الجمع المستغرق حقيقة لكونه بعض المجموع، ولا يصح إطلاق رجل على الأفراد إلا على البدل.
مسألة:
أقل الجمع ثلاثة حقيقة، وقيل: اثنان حقيقة،
(2/435)

وقيل: مجازا، وقيل لا يصح. وإمام الحرمين: يصح للواحد. وموضع الخلاف مثل رجال ومسلمين وضمائر الغيبة والخطاب لا في لفظ جمع ولا نحو نحن فعلنا ولا {صغت قلوبكما} فإنه وفاق.
(2/436)

لنا: تسبق الثلاثة عند الإطلاق ولا يصح نفي الصيغة عنها وهو دليل الحقيقة، وصح نفيها عن المثنى فكان مجازا، ودليل الإطلاق مجازا {فإن كان له إخوة} والمراد الأخوان. وقال ابن عباس لعثمان رضي الله عنهما: ليس الإخوة أخوين. فقال: لا أنقض ما توارثه الناس. وعدل إلى التأويل ولم ينكر استدلاله. وعن زيد: الأخوان إخوة، والجمع بينهما أن الأول حقيقة
(2/437)

والثاني مجاز. المثبتون: {فإن كان له إخوة} والأصل الحقيقة، ورد بقصة ابن عباس رضي الله عنهما. قالوا: {إنا معكم مستمعون} لموسى وهارون صلى الله عليهما. قلنا: وفرعون أيضا. قالوا: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} قلنا الطائفة جماعة. قالوا: {وكنا لحكمهم شاهدين} قلنا الضمير للقوم أو لهم وللحاكم فيكون الحكم بمعنى الأمر وإلا فلا يصح إضافة المصدر إلى الفاعل والمفعول معا. قالوا: الاثنان فما فوقها جماعة.
(2/438)

قلنا: المراد إدراك فضيلتهما لتعريفه الشريعة دون اللغة. النافون مطلقا: أنكر ابن عباس رضي الله عنهما الإطلاق. قلنا حقيقة بدليل قول زيد. قالوا: لا يصح رجال عاقلان ولا رجلان عاقلون. قلنا: رعاية لجانب اللفظ في الوصف للتبعية، قالوا: له عندي دراهم لم يقبل في أقل من ثلاثة. قلنا لظهوره فيها.
تنبيه:
إذا حلف لا يشتري عبيدا وصرفت القرينة الاستغراق لم يحنث بدون الثلاثة للتيقن بها وإذا عرف للجنس كقوله {لا يحل لك النساء} ولا اشتري العبيد، حنث بالواحد اعتبارا لمطلق الجنس لسقوط استغراقه.
تنبيه:
من مفرد اللفظ عام المعنى {ومنهم من يستمعون} {ومنهم من ينظر} ومن شاء من عبيدي العتق حر، فشاءوا عتقوا. وأما من شئت منهم فأعتقه، فشاء الكل عتقوا عندهما على أن من مبينة، واستثنى أبو حنيفة واحدا على أنها مبعضة والواحد متيقن وانقطع التبعيض في الأولى بقرينة الصفة العامة.
(2/439)

تنبيه:
ويفرق بين كل ومن بالإحاطة وعدمها في من دخل هذا الحصن أولا فله كذا، فدخل واحد استحقه دون الاثنين معا، ولو قال كل من دخله أولا فكانوا عشرة معا استحقوا، للإحاطة وكل أول بالإضافة إلى غيرهم، ولو تتابعوا استحقه الأول لتخصص العموم.
تنبيه:
كلمة الجميع عامة في الاجتماع، فلو قال جميع من دخل الحصن أولا، فدخل عشرة، قسم على جميعهم، ولو تتابعوا استحق الأول كما في كل.
تنبيه:
أي يراد بها جزء مما تضاف إليه {أيكم يأتيني} وأي الرجال أتاك لا أتوك
(2/440)

فإذا وصفت بعام عمت كقوله: أي عبيدي ضربك حر فضربوه عتقوا، لعموم صفة الضرب لأي، ولو قال: ضربته فضرب الكل عتق واحد لانقطاع هذه الصفة عنها إليه وهو معرفة والنكرة في الإثبات لا تعم.
تنبيه:
وهي في الإثبات مطلقة عندنا كقوله {فتحرير رقبة} لعدم الدلالة على الشمول فلا تقيد بالإيمان للزوم نسخ الإطلاق، والشافعي عامة وخصت الزمنة فتخص الكافرة قياسا، قلنا لم يتناول الزمنة لتخص، لأن الرقبة اسم لكاملة الوجود، بدلالة العتق والزمنة هالكة معنى، وقد مر في القواعد لهذا تحقيق.
(2/441)

مسألة:
المختار أن العام بعد التخصيص مجاز وبعض أصحابنا حقيقة مطلقا
(2/442)

كالحنابلة. أبو بكر الرازي: حقيقة إن كان الباقي جمعا. أبو الحسين إن خص بقرينة لا تستقل من شرط كمن دخل داري وأكرمني أكرمته، أو صفة كعالما أو استثناء كإلا بني تميم. القاضي: بشرط أو استثناء. عبد الجبار: بشرط أو صفة. وقيل بلفظي. إمام الحرمين: حقيقة في تناوله مجاز في الاقتصار عليه. لنا: حقيقة في الاستغراق، فلو كان حقيقة في الباقي كان مشتركا ولأنه لو كان حقيقة فيه لم يفتقر إلى قرينة. وإذا كان باستثناء كان تكلما بالباقي وهو معلوم مستغرق لغير المخرج به. الحنابلة: اللفظ متناول للباقي كما كان قبل التخصيص فكان حقيقة. قلنا: كان قبله متناولا له مع غيره، وبعده منقطعا عنه فلم يكن هو. قالوا: يسبق إلى الفهم فكان حقيقة قلنا بقرينة فكان مجازا. الرازي: إن كان الباقي غير منحصر كان معنى العموم باقيا فكان حقيقة.
(2/443)

قلنا: لم يبق لأنه حقيقة في الاستغراق. أبو الحسين: لو كان التخصيص بغير مستقل موجبا للتجوز لزم كون المسلمين للجماعة مجازا. والجامع أن حرف الجمع غير مستقل. ونحو المسلم للجنس والعهد، ونحو (ألف سنة إلا خمسين عاما) قلنا: الفرق أن واو الجمع كألف ضارب وواو مضروب، فالمجموع هو الدال. بخلاف الصفة والشرط عند من خصص بهما فإنهما ليسا من صيغة الكلمة، وكذا لام الجنس أو العهد جزء الصيغة إن جعلت حرفا، وإن جعلت اسما فكالموصولات. والقاضي كذلك، إلا أن الصفة عنده (كأنها) مستقلة. وعبد الجبار أيضا إلا أن الاستثناء عنده ليس بتخصيص. القائل باللفظي: لو كانت القرائن اللفظية توجب تجوزا لزم كون المسلمين مجازا قياسا. والجامع كون الواو قرينة لفظية تفهم الجمع، وهذا أضعف لأن الأول قرينة لفظية غير مستقلة، وهذه لفظية فقط. إمام الحرمين: العام كتكرير الآحاد، فإن معنى الرجال: زيد وعمرو وبكر، فإذا خرج بعضها لم يخرج الباقي عن حقيقته في تناوله وإنما اختصر. قلنا ممنوع، فإن العام ظاهر في الجميع فبالتخصيص خرج عن وصفه الأول قطعا بخلاف المكرر فإنه نص في مدلوله.
مسألة:
العام المخصوص بمجهول أو معلوم حجة فيها شبهة، حتى صحت معارضته
(2/444)

بالقياس وتخصيصه به وبخبر الواحد. الكرخي وابن أبان وأبو ثور: لا يبقى حجة مطلقا إلا في الاستثناء بمعلوم (وقيل حجة إن كان بمعلوم)، وقيل: إن كان بمجهول سقط واعتبر العموم. البلخي: حجة إن خص بمتصل.
(2/445)

أبو عبد الله البصري: إن كان لفظ العموم منبئا عنه قبل التخصيص كاقتلوا المشركين المنبئ عن الذمي، وإلا فلا كالسارق لا ينبئ عن الحرز والنصاب. عبد الجبار: إن كان قبله لا يفتقر إلى بيان كالمشركين وإلا فلا كـ (أقيموا الصلاة) فيفتقر إلى بيان الشرعية، قبل أن يخص بالحائض. وقيل في أقل الجمع. لنا: استدلال الصحابة رضي الله عنهم بالعمومات بعد تخصيصها من غير نكير والقطع بأنه إذا قال أكرم بني تميم وفلانا لا تكرمه فترك عصى. ولأنه كان متناولا قبل التخصيص، والأصل بقاؤه. واستدل: لو لم يكن حجة
(2/446)

بعده لكانت دلالته عليه قبله موقوفة على دلالته في الآخر، واللازم باطل؛ لأنه إن عكس فدور، وإلا فتحكم، وأجيب بالعكس، ولا دور لأن هذا توقف معية لا توقف تقدم. وفخر الإسلام: المخصص شبيه بالاستثناء حكما من حيث يبين عدم دخول المخصوص، وهذا لا يكون إلا مقارنا، وبالناسخ من حيث استقلال صيغته فوجب اعتبار جهتيه، فإذا كان مجهولا جهل الباقي للشبه بالاستثناء فيمتنع ثبوت الحكم فيما وراءه، وسقط هو في نفسه باعتبار الشبه بالناسخ المجهول حيث لا يصلح دليلا، فيبقى حكم العام فلا يبطل واحد منهما بالشك أي لا يسقط دليل المخصوص بالجهالة ولا تخرج صيغة العموم فيما وراءه عن كونها حجة بالشك، وإذا كان معلوما صح تعليله باعتبار الصيغة، فأوجب الجهالة لعدم العلم بما يتعدى إليه التعليل، وامتنع باعتبار شبه الاستثناء (لأنه يبين أن المراد ما وراه قطعا) (فاعتبار الصيغة يخرج
(2/447)

العام عن كونه حجة فيما بقي والحكم يوجبه فيه قطعا فلا يبطل كونه حجة بالشك فيثبت كونه حجة موجبة للعمل دون العلم). الكرخي: إن كان مجهولا جهل الباقي، أو معلوما احتمل التعليل، بخلاف الاستثناء بالمعلوم لأنه تكلم بالباقي وله عموم معلوم، ولأنه يصير مجازا في الباقي ومراد المتكلم لا يعلم إلا منه فصار كالمجمل، كالعام في غير محله، ولأنه لو بقي حجة كان حقيقة فيما وراءه وهو مجاز فلا يجتمعان من لفظ واحد. قلنا: التعليل يورث شبهة لا تزيل الاحتجاج لما مر من الإجماع. ونمنع المجاز به على قول بعض أصحابنا، وعلى اختيارنا ولا يخرج بها عن كونه حجة فيها شبهة والملازمة ممنوعة، وإنما يلزم أن يكون حقيقة لو كانت قطعية. القائل بالتفصيل: أما في المجهول فظاهر، والمعلوم كالاستثناء فلم يتغير تناوله فيما عداه، قلنا: يحتمل التعليل الموجب للجهالة. القائل بسقوط دليل الخصوص للجهالة: أشبه الناسخ لاستقلاله فلم يصلح دليلا. قلنا: وأشبه الاستثناء بحكمه فوجب اعتباره في إثارة الشبهة. القائل بأقل الجمع هو متحقق والباقي مشكوك، قلنا ممنوع إذا كان معلوما بما سبق من الأدلة.
تنبيه:
الفرق بين المخصوص وبين خبر الواحد في جواز المعارضة بالقياس في الأول
(2/448)

دون الثاني أن الناسخ المعلوم المعلل إذا ورد في بعض ما تناوله النص معارض له لا مبين عدم الدخول فلا يصح تعليله وإلا لزم معارضة الرأي للنص فيبقى فيما وراءه حجة قطعية والمخصص المعلوم مبين غير معارض فاحتمل التعليل فأوجب الجهالة واحتمل عدمها لعدمه فوقع الشك في أصل الدليل فشابه القياس فصحت معارضته. أما خبر الواحد فمقطوع بأصله والشك في الطريق فلم يتساويا.
فروع:
نظير الاستثناء إذا باع عبدا وحرا بثمن واحد، بطل لعدم دخول الحر فكان بيعا في العبد بحصته ابتداء كما لو باعه بحصته من ألف تقسم على قيمته وعلى آخر. ونظير النسخ إذا باع عبدين فمات أحدهما قبل التسليم أو ظهر مكاتبا أو مدبرا أو مستحقا، صح في الباقي بحصته للدخول ثم الخروج. ونظير التخصيص: إذا باعهما بألف وهو بالخيار في أحدهما لم يصح حتى يبين من فيه الخيار، وقدر ثمنه، لأن الخيار لا يمنع الدخول في الإيجاب ويمنعه في الحكم. فهو في السبب كالنسخ وفي الحكم كالاستثناء.
مسألة:
إذا ورد الجواب غير مستقل فهو تابع للسؤال مختص به، كبلى في جواب أليس لي عندك ألف، ونعم وأجل في أكان كذا، وإن استقل، فإن كان عاما اعتبر عمومه سواء ورد على سبب خاص مع السؤال، كقوله عليه السلام
(2/449)

لما سئل عن بئر بضاعة "خلق الماء طهورا" أو لا معه كقوله لما مر بشاة ميمونة "أيما إهاب دبغ فقد طهر"
(2/451)

خلافا للشافعي فيهما وإذا خرج مخرج الجواب اختص به كقوله في جواب تغد عندي: إن تغديت فعبدي حر، وإذا زاد عم كما لو قال: اليوم، ولو خصص صدق ديانة لنا أن الصحابة رضي الله عنهم استدلوا على التعميم مع الأسباب الخاصة من غير نكير كآية السرقة، وسببها المجن أو رداء صفوان،
(2/452)

وآية الظهار وهي في سلمة ابن صخر،
(2/454)

واللعان وهو في هلال ابن أمية وغيرها فكان إجماعا، ولأن اللفظ عام بوضعه والحكم تابع للفظ. قالوا: لو كان عاما لم ينقل السبب لعدم الفائدة. قلنا: فائدته منع تخصيصه والاطلاع على أسباب التنزيل والأخبار. قالوا: لو عم لم يطابق. قلنا: طابق وزاد. قالوا: لو عم لكان الحكم بعدم إخراج السبب مع جوازه في غيره تحكما لعدم ظهوره في السبب. قلنا: نص في السبب بقرينة خارجية وهي ورود الخطاب بيانا له.
مسألة:
مثل قول الصحابي "قضى بالشفعة للجار" يعم كل جار
(2/455)

خلافا للأكثرين. لنا: عدل عارف باللغة والمعنى فالظاهر أنه لم ينقل العموم إلا بعد ظهوره أو القطع به والظن بصدقه موجب لاتباعه. قالوا: يحتمل جارا خاصا، أو سمع صيغة ليست عامة فتوهم العموم والحجة هي المحكية لا الحكاية، قلنا: خلاف الظاهر.
مسألة:
مثل (لا يقتل مسلم بكافر،
(2/456)

ولا ذو عهد في عهده) معناه بكافر فيقتضي العموم. لنا لو لم يقدر شيء امتنع قتله مطلقا، فوجب تقدير الأول للقرينة فيعم إلا بدليل. قالوا: التقدير خلاف الأصل. قلنا: ساق إليه الدليل. قالوا: لو كان لوجب صحة الرجعة في البائن بقوله (وبعولتهن) لعود الضمير إلى المطلقات. قلنا: لولا الصارف. قالوا: لكان ضربت زيدا يوم الجمعة وعمرا معناه يوم الجمعة. قلنا: يعم ظاهرا، والفرق بعدم امتناع ضربه في غير الجمعة.
مسألة:
مثل (لئن أشركت) خطاب للأمة إلا بدليل يخصه، وبعض الشافعية:
(2/457)

إلا بدليل يعمهم. لنا فهم أهل اللغة من الأمر للأمير بالركوب لكسر العدو وشن الغارة أنه "أمر" لأتباعه معه. وأيضا (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) ولولا أنه لهم لما صح إضمارهم. وأيضا (زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنؤن) ولو خص لم يصح التعليل، وأيضا لما كان لتخصيصه عليه السلام ببعض الأحكام كـ (خالصة لك) و (نافلة لك) فائدة. قالوا: نقطع بأن
(2/458)

المفرد لا يتناول غيره لغة وإلا يلزم أن يعم خطاب المولى بعض عبيده، الجميع. قلنا: لا ندعي الشمول مطابقة، بل نفس الفهم لغة.
مسألة:
خطابه لواحد من الأمة لا يعم إلا بدليل، والحنابلة عكسه، لنا أن المفرد وضعا لا يتناول غيره، والفرق بين هذه والتي قبلها أن الأول متبَع ففهم الاتباع وهذا متبِع، وأيضا لو كان لما كان في قوله "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة"
(2/459)

فائدة. قالوا: لو خص لم يكن مبعوثا إلى الكل، قلنا: ممنوع، فإن معناه أن يعرف كلاما يختص به ولا يلزم شركة الكل في الكل. قالوا: لو لم يكن لما صدق: حكمي على الواحد. قلنا: استفيد من هذا الخبر لا أن حكمه على الواحد عين حكمه على الجماعة للتغاير قطعا. قالوا: الإجماع من الصحابة أن حكمه على الواحد حكم على الكل. قلنا بدليل خارجي. قالوا: لو لم يعم لم يكن لتخصيص المخاطب كخزيمة فائدة. قلنا الفائدة قطع إلحاق الغير.
مسألة:
جمع الرجال لا يتناول النساء، ولا بالعكس اتفاقا، ويدخل الجميع في الناس
(2/460)

اتفاقا، واختلف في مثل (المسلمين) و (فعلوا) مما يغلَّب فيه المذكر، فالأكثر لا يدخل النساء ظاهرا، وأكثر أصحابنا والحنابلة يدخلن تبعا، وبعضهم والشافعي: لا يدخلن إلا بدليل. لنا: أن الشركة في الأحكام لظاهر الخطاب دليل الدخول، وأيضا أهل اللغة غلبوا المذكر باتفاق و (اهبطوا منها) خطاب لآدم وحواء وإبليس، وأيضا لولا الدخول لما استهجن أنتم آمنون ونساؤكم آمنات. قالوا: لو دخلن لما حسن (إن المسلمين والمسلمات) قلنا: تأكيد وتنصيص. قالوا: قالت أمة سلمة "ما نرى ذكر الله تعالى إلا الرجال"، فنزلت
(2/461)

فنفت ذكرهن مطلقا ولو دخلن لم يصدق ولم يصح تقريره. قلنا: أرادت ذكرهن مقصودا لا تبعا، تشريفا لهن وإلا فالشركة في الأحكام دليل دخولهن تبعا، فليس النفي مطلقا، فصدق النفي وصح التقرير على مرادها.
مسألة:
(من) الشرطية تعم المذكر والمؤنث. لنا لو قال: من دخل داري فأكرمه أو فهو حر، فترك إكرامهن خالف، ولو دخلن عتقن، والأصل الحقيقة قالوا: القرينة دخول الدار كالزائر يستحق الإكرام. قلنا: ولو قال: فأهنه اتحد الحكم.
(2/462)

مسألة:
الخطاب بالناس والمؤمنين يعم الحر والعبد، وقيل يخص الأحرار. أبو بكر الرازي: يعم إن كان لحق الله. لنا: أنه من الناس والمؤمنين حقيقة فوجب الشمول. قالوا: مال. قلنا: ومكلف بالإجماع. قالوا: ثبت أن منافعه لمولاه فلو خوطب بصرفها إلى غير تناقض. قلنا: في غير وقت العبادات المتضايقة لاستثنائها فلا تناقض قالوا: حقه يقتضي تخصيصه لاستغناء الله وافتقاره، ولأنه يمنعه عن النوافل. قلنا: لو كان كذلك لم يقدم حق الله بالخطاب الخاص والثاني معارض بالفرائض.
مسألة:
مثل (يا أيها الناس) (يا أيها الذين آمنوا) يعم الرسول عند الأكثرين
(2/463)

الحليمي: إلا أن يكون في أوله قل، وقيل: لا يعم. لنا أنه منهم حقيقة، وأيضا لو لم يدخل لما فهموه فإنهم كانوا يسألونه عند الترك ليبدي المخصص. قالوا: هو آمر فلا يكون مأمورا. قلنا: مبلغ. قالوا: فكيف يبلغ نفسه؟ قلنا يبلغ أمته خطاب جبريل عليه السلام ويدخل هو فيه. قالوا له خصائص فكان منفردا. قلنا: لا يمنع دخوله في العمومات. الحليمي: إذا قال أمير لوزيره قل لفلان كذا لم يدخل. قلنا: كل العمومات يقدر فيها ذلك، ولكن الدخول بتبليغ خطاب جبريل عليه السلام.
(2/464)

مسألة:
بعض أصحابنا (يا أيها الناس) خطاب للموجودين وإنما يثبت لمن بعدهم بإجماع أو قياس أو نص آخر، وهو المختار. وبعضهم خطاب كالحنابلة واختاره أبو اليسر. لنا القطع بامتناع خطاب المعدوم ولأنه إذا امتنع في الصبي والمجنون ففيه أولى. قالوا: لو لم يكن مخاطبا لم يكن مرسلا إليه. قلنا: لا يتعين الخطاب الشفاهي، بل البعض شفاها والبعض بنصب الأدلة أن حكمهم حكمهم. قالوا: استدل العلماء على من بعد الصحابة رضي الله عنهم بمثل ذلك. قلنا: فهموه بدليل خارجي جمعا بين الأدلة. وقد مر في المحكوم عليه أن الأمر يتعلق بالمعدوم لا بمعنى التنجيز بناء
(2/465)

على الكلام النفسي، وذلك يصلح أن يسمى أمرا للمعدوم لا خطابا.
مسألة:
المخاطِب داخل في عموم خطابه أمرا ونهيا وخبرا كقوله (والله بكل شيء عليم). وقول السيد لعبده: من أحسن إليك فأكرمه أو فلا تهنه خلافا لشذوذ، لنا: لفظ عام ولا مانع من التناول فوجب الدخول. قالوا: يلزم في قوله تعالى (الله خالق كل شيء). قلنا خص بالعقل.
(2/466)

مسألة:
مثل (خذ من أموالهم صدقة) لا يقتضي أخذا من كل نوع من المال عند الكرخي وخالفه الأكثرون. له: أنه إذا أخذ صدقة واحدة من أنواع المال صدق أنه أخذ منها فكان ممتثلا ضرورة أنها نكرة في إثبات فلم تعم. قالوا: جمع مضاف وهو للعموم والمعنى من كل مال. قلنا: كل للعموم بمعنى التفصيل للفرق بين للرجال عندي درهم وبين لكل رجل عندي درهم باتفاق.
مسألة:
العام المتضمن للمدح أو الذم (كالأبرار والفجار) و (يكنزون) للعموم،
(2/467)

وعن الشافعي خلافه. لنا عام صيغة فوجب العموم، وليس المدح والذم مانعين من إرادته. قال: القصد المبالغة في الطاعة والزجر فلم يعم. قلنا: هي مع العموم أبلغ ولا منافاة فوجب التعميم للمقتضي وانتفاء المانع.

ومنه التخصيص:
وهو قصر العام على بعض مسمياته
(2/468)

فمنه عقلي كـ (الله خالق كل شيء) وحسي كـ (أوتيت من كل شيء) ولفظي، فمن أصحابنا من قسمه إلى مستقل وغيره، وعليه الأكثرون
(2/469)

ليدخل الاستثناء والشرط والصفة والغاية. ومنهم من شرط الاستقلال مع الاتصال في أول مخصص. والفرق أن غير المستقل إذا كان معلوما فالعام فيما وراءه موجب للعلم لعدم قبول التعليل، ولأن الاستثناء تكلم بالباقي وهو معلوم العموم بخلاف المستقل المتصل فإنه يوجب تغير العام من القطع إلى الاحتمال لشبهه بالاستثناء حكمه وبالناسخ صيغة. والمستقل إذا تراخى وهو معلوم كان ناسخا. وحكم العام بعده إيجاب العلم في الباقي لعدم التعليل لكونه مخرجا بالمعارضة بخلاف التخصيص، وإن لم يلحق أولا. وقد خص العام بمستقل متصل لم يشترط قرانه وصح التخصيص به كالخبر والقياس لاشتراكهما في إيجاب الظن، وشرطه صحة التوكيل بكل. أي يكون ذا أجزاء يصح افتراقها حسا أو حكما.
مسألة:
والجمهور على جواز التخصيص بالعقل
(2/470)

لنا (الله خالق كل شيء) (وهو على كل شيء قدير) والعقل قاطع باستحالة كون القديم مخلوقا أو مقدورا. وأيضا (ولله على الناس حج البيت) وغير العاقل والفاهم غير مراد بالعقل. واعترض بلزوم أروش الجنايات وضمان المتلفات الصبي وبالإجماع على صحة صلاته وحجه. قلنا: أما الأول فلعصمة المحل فهو من خطاب الوضع. وأما الثاني فمن العاقل والمخاطب بتميزنه: الولي، وكلامنا في غيره. قالوا: لو صح به لأريد لغة ولا دلالة للفظ بالذات والعاقل لا يريد ما يخالف العقل. قلنا: التخصيص عدم الإرادة مع تناول اللفظ لغة والتناول غير ممتنع بالضرورة. قالوا: لو خص لكان متأخرا والعقل متقدم. قلنا: إن أريد تأخير ذاته منع أو تأخير بيانه فهو كذلك. قالوا: لو جاز لجاز النسخ به. قلنا: ممنوع فإن النسخ محجوب عن العقل على تفسير به، بخلاف التخصيص. قالوا: تعارض فلا يعمل بهما أو يهدر العقلي، قلنا: تعارض القطعيين لا يستقيم فوجب تأويل المحتمل وهو العام.
(2/471)

مسألة:
العراقيون: إذا ورد خاص وعام، فإن تأخر العام نسخ، أو الخاص
(2/472)

نسخ العام بقدره أو معا خصص. وإن جهل التاريخ فالوقف ويؤخر المحرِّم احتياطا. والشافعي والقاضي أبو زيد (وجمع من مشايخنا): الخاص مبين للعام (مطلقا). وبعضهم لا يجيز تخصيص الكتاب بالكتاب مطلقا. لنا أن في النسخ إعمالا للدليلين في زمانين، وفي التخصيص إبطال العموم في بعض أفراده بخلاف ما إذا وردا معا لاستحالة
(2/473)

النسخ لوجوب تراخيه، وأيضا فإنه إذا تقدم: لا تقتل زيدا المشرك ثم تأخر اقتل المشركين كان في قوة اقتل زيدا وأنه نسخ. فإن قيل بل مخصص، فإنه إذا تعارضا ترجح لأنه مانع، والنسخ رافع والأول أسهل. قلنا: إنما يكون مانعا إذا اقترن ليصير تكلما بالباقي حكما وإذا انفصل وجوب استغراق العام فتعين الرفع، وأيضا فالمخصص مترتب على العام لشبهه بالاستثناء حكما، فإذا تقدم زمانه لم يكن بيانا. قالوا: لو لم يخصص مطلقا لبطل القاطع وهو الخاص بالمحتمل. قلنا: قاطعان لما مر. المانع مطلقا: لو صح لم يكن النبي مبينا وهو منتف بقوله (لتبين) قلنا كل مبين لقوله (تبيانا لكل شيء) والنبي صلى الله عليه وسلم مبين بهما.
مسألة:
يجوز تخصيص السنة بالسنة، والخلاف فيه كما مر، وتخصيص المتواترة بالكتاب خلافا لقوم، وبالعكس لأنهما مثلان فصح بيان أحدهما بالآخر. واختلف في تخصيص الكتاب بخبر الواحد
(2/474)

فعندما لا يجوز ما لم يخص الكتاب وأجاز الباقون مطلقا، وتوقف القاضي. لنا أنه قبل التخصيص قطعي السند والدلالة والخبر ظني فلا يخصه وبعده يتساويان. القاضي: الكتاب قطعي بسنده. والخبر بدلالته فتعارضا. قلنا: قبل التخصيص الكتاب قطعي بهما فلا تساوي. قالوا: أجمع الصحابة رضي الله عنهم
(2/475)

على تخصيصه بخبر الواحد كما خصوا (وأحل لكم ما وراء ذلكم) برواية أبي هريرة رضي الله عنه "لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها" وبـ (يوصيكم الله في أولادكم) بـ"لا يرث القاتل" و"لا يتوارث أهل ملتين" و"نحن معاشر الأنبياء لا نورث" قلنا: مشاهير، لإجماعهم على العمل بها فيزاد بها وهو نسخ عندنا.
(2/476)

مسألة:
الإجماع مخصص ومعناه تضمن وجود المخصص لا أنه في نفسه مخصص لعدم اعتباره زمن الوحي كما عملوا بخلاف النص الخاص لتضمنه الناسخ.
مسألة:
العادة مخصصة يترك العموم بها ويقيد الإطلاق كانصراف الدراهم إلى غالب نقد البلد. ولا آكل رأسا إلى المتعارف، وكقوله حرمت الربا في الطعام والعرف أنه الحنطة والشعير، خلافا للأكثري. لنا: ظاهر في إرادة المجاز العرفي. قالوا: الصيغة عامة ولا مخصص. قلنا: الثانية ممنوعة بما قلنا.
(2/477)

مسألة:
الجمهور: إذا وافق خاص عاما لم يخصصه خلافا لأبي ثور، كقوله: "أيما إهاب" وكقوله في شاة ميمونة رضي الله عنها "دباغها طهورها" لنا لا تعارض فالعمل بهما واجب. قال: المفهوم مخصص عند قائليه فذكرها يخرج غيرها. قلنا: أما على أصلنا فظاهر ومن أجاز المفهوم فبغير مفهوم اللقب.
مسألة:
رجوع الضمير إلى بعض العام المتقدم لا يخصه خلافا لأبي الحسين
(2/478)

وأبي المعالي، وقيل بالوقف. ومثاله (والمطلقات يتربصن) (وبعولتهن أحق بردهن) لنا: لفظان خص المضمر منهما فلا يلزم تخصيص المظهر لأن الأصل إجراء العموم على حقيقته. قالوا: يلزم وإلا لما كان المضمر طبق المظهر. قلنا: ممنوع فإنه كالمظهر ولو رجع مظهرا لم يلزم. الواقف ليس إجراء الأول على عمومه بمخالفة ظاهر الضمير أولى من إجراء هذا على مقتضاه وتخصيص الأول به. قلنا: بل الأول أرجح لأن دلالة المظهر على العموم أقوى من المضمر.
(2/479)

مسألة:
مذهب الراوي على خلاف ظاهر العموم مخصص عند أكثر أصحابنا والحنابلة خلافا للشافعي في الجديد والأكثرين. لنا: إن خالف بغير دليل لزم فسقه وهو باطل أو بدليل فكان مخصصا جمعا بين الدليلين. قالوا:
(2/480)

مذهبه ليس بحجة فلا يترك به العموم. قلنا: حجة على ما يأتيك.
مسألة:
تقريره عليه السلام ما فعل واحد من الأمة بين يديه مخالفا للعموم غير منكر مع العلم فخصص، خلافا لشواذ. لنا: دليل على الجواز، وإلا لوجب النكير فالسكوت بيان، ثم إن أمكن تعقل معنى جوز له المخالفة جاز القياس عليه لمن شاركه، وإلا فلا. قالوا: لا صيغة للتقرير فلا يقابل الصيغة قلنا: حجة قاطعة في الجواز نفيا للخطأ عنه عليه السلام، فصح تخصيصه.
مسألة:
فعله عليه السلام مخصص عند الأكثر، ونفاه الكرخي. قال في الأحكام: والتحقيق
(2/481)

في التفصيل، فإن عم الأمة والنبي كما لو قال: كشف الفخذ حرام على كل مسلم وكشف فالاتفاق على إباحته في حقه وتخصيصه، وأما غيره فإن قلنا بوجوب التأسي كان نسخا، وإلا تخصيصا في حقه. وإن عم الأمة وحدهم لم يكن مخصصا في حقه، وأما غيره فإن قيل بوجوب الاتباع فنسخ وإلا فلا يكون مخصصا مطلقا، فلا وجه لهذا الخلاف. قال: والأظهر الوقف بناء على أن دليل وجوب التأسي عام (أيضا) فتعارضا، فإن قيل: الفعل خاص فكان أولى. قلنا: ليس موجبا بنفسه، بل بالأدلة العامة. فإن قيل: الفعل مع أدلة التأسي أخص من اللفظ العام مطلقا. قلنا: لا دلالة للفعل على وجوب التأسي أصلا والموجب مساو للعام.
مسألة:
يخص العام المخصوص بالقياس وأجازه أبو الحسين
(2/482)

والأشعري وأبو هاشم مطلقا. ابن شريح: إن كان جليا. وقيل: إن كان المقيس عليه مخرجا، ومنع منه الجبائي مطلقا. وتوقف القاضي وأبو المعالي، واختار بعضهم إن ثبتت العلة بنص أو إجماع أو كان الأصل مخرجا بدليل، جاز وإلا فالمعتبر القرائن المرجحة في آحاد الوقائع، فإن ظهر ترجيح خاص للقياس اعتبر وإلا فلا. لنا أنهما متساويان في إفادة الظن كما مر فصح تخصيصه به بخلاف ما قبله إذ الظني لا يقابل القطعي. الجبائي: لو صح لزم تقديم الأضعف على الأقوى لما مر في الخبر. قلنا: نمنع أنه أقوى، ولو سلم فإنما يلزم المحال بتقدير الإبطال والتخصيص إعمال لهما، ويلزمه على رأيه فإن السنة والمفهوم يخصان عنده والسنة أضعف من الكتاب والمفهوم منهما. وجه المختار:
(2/483)

أن العلة إذا كانت كذلك تنزلت منزلة النص الخاص إذ التنصيص على العلة كالتنصيص على الحكم، بخلاف المستنبطة لأنها إن كانت مرجوحة على العام في محل التخصيص امتنع تقديمها، أو ساوت فلا أولوية أو رجحت. فكونها مرجوحة أو مساوية أكثر، لأن احتمال أمر من اثنين أرجح من احتمال أمر معين، وأجيب بلزومه في كل تخصيص، وبأنا نختار أنها راجحة أو مساوية فيجوز التخصيص جمعا بين الأدلة. الواقف: تعارض الأمران فتعين الوقف. قلنا: الإجماع على العمل بأحدهما، فالوقف خلاف الإجماع. على أن في العمل بالقياس عملا بهما. وفي العموم مطلقا إبطال القياس أصلا، والأول أولى.

ومنه المطلق والمقيد:
المطلق: اللفظ الدال على الماهية من حيث هي هي.
(2/484)

والمقيد الدال عليها من حيث ما يشخصها كرقبة ورقبة مؤمنة، ثم المطلق
(2/485)

يوجد في الخارج وإن توقف وجوده على المشخصات، (فالتكليف به من حيث هو هو، لا من حيث النظر إلى المشخص) كالأمر يقتضي الماهية دون التكرار والفور والتراخي وإن كان الزمان والمرة من ضرورات الوجود.
مسألة:
إذا ورد مطلق ومقيد فإما أن يردا في السبب أو في الحكم، فإما أن يتحد الحكم والحادثة أو يتحد الحكم وتتعدد الحادثة أو بالعكس، مثال السبب: "أدوا عن كل حر وعبد". فالسبب في الأول مقيد، وفي
(2/486)

الثاني مطلق. ومثال اتحاد الحكم وتعدد الحادثة (فتحرير رقبة مؤمنة) في كفارة القتيل (ورقبة) في الظهار واليمين. ومثال اتحاد الحادثة واختلاف الحكم (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) ومثال اتحادهما: (فصيام ثلاثة أيام) مع قراءة ابن مسعود رضي الله عنه (متتابعان) [متتابعات] فهنا يحمل المطلق على المقيد ضرورة، وفي الباقي لا يحمل. ومن الشافعية من يحمله من غير جامع
(2/487)

وأكثرهم بجامع، واختار بعضهم إن ثبت قياس فكتخصيص العام بالقياس وإلا فلا. لنا: أن المطلق غير متعرض للمشخصات وهي من ضرورة الوجود لا التكليف. فأي مقيد أتى به المكلف كان آتيا بالمطلق والمقيد متعرض للتشخص الخاص فلا بد منه في الخروج عن العهدة، وهما غيران. والأصل إجراء كل لفظ على مقتضاه إلا لضرورة. قالوا: كلام الله واحد، فإذا نص على الإيمان في القتل لزم في الظهار، قلنا: إن أريد به القائم بالذات فهو وإن كان واحدا فإن تعلقه مختلف باختلاف المتعلقات فلا يلزم من تعلقه بأحد المختلفين بإطلاق أو تقييد أو عموم أو خصوص أو غيرها تعلقه بالآخر بذلك، وإلا لزم أن يكون أمره ونهيه بأحد المختلفات أمرا ونهيا بالجميع وهو محال. وإن أريد العبارة عنه فهو متعدد. قالوا: وصف فكان شرطا فينتفي الحكم عند انتفائه، فلو أجري على إطلاقه تعارض، والمخلص حمله عليه الاحتماله التقييد دون العكس. قلنا: ساكت عنه في المطلق والانتفاء أصلي لا لانتفاء الشرط ولا تعارض،
(2/488)

إذ لا تنافي بين حكم يمكن حصوله مطلقا بشرط تارة وبغيره أخرى كالملك يوجد بالشراء وغيره. والكلام في الحكم قبل الوجود لا في حال الوجود، ولا مزاحة في الأسباب الشرعية، فإن قيل: هلا أجزتم صوم الكفارة متتابعا ومتفرقا كما فعلتم في صدقة الفطر بالحديثين. قلنا: لأنهما في الصوم وردا في حكم يستحيل وجوده بوصفين متضادين، وفي الفطر في السبب ولا مزاحمة.

ومنه المجمل والمبين:
المجمل المبهم لغة أو المجموع من أجملت الحساب وفي الأصول: ما لا يوقف على المراد منه إلا ببيان غير اجتهادي. ويخرج المشترك لجواز التأويل
(2/489)

بالاجتهاد، وكذلك ما أريد مجازه للنظر في الوضع والعلاقة والعلامات ومثال المجمل (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (وحرم الربا) والعام المضاف إلى غير محله والمخصوص بمجهول والمستثنى المجهول كـ (إلا ما يتلى عليكم) والوصف المجهول مثل (محصنين) وتبين أن قول بعض أصحابنا أن المشترك نوع من المجمل فيه نظر لعدم انطباق حد الجنس عليه، وإنما هو شبيه به من حيث عدم تبيين المراد قبل التأويل. وحد بأنه اللفظ الذي لا يفهم منه عند الإطلاق شيء. ويرد على طرده المهمل والمستحيل فإن مدلوله ليس بشيء، وعلى عكسه فهم أحد محامله وإن لم يقطع به. والمبين
(2/490)

نقيض المجمل.
مسألة:
مثل (حرمت عليكم أمهاتكم) و (حرمت عليكم الميتة) و (أحلت لكم بهيمة الأنعام) مجمل عند الكرخي وأبي عبد الله البصري، وقيل
(2/491)

ظاهر في المجاز فلا إجمال. وفخر الإسلام: ليس بمجاز. الكرخي: لا بد من إضمار فعل لمتعلق الحكم لاستحالة الظاهر، وما وجب للضرورة يقدر بقدرها فلا يضمر الجميع والبعض غير متضح، وهو معنى المجمل. أجاب القائل بالمجاز: متضح في بعض معين بالاستقراء أن العرف في مثله الفعل المقصود وهو الأكل من المأكول والوطء في المنكوح. فخر الإسلام: التحريم
(2/492)

نوعان: مضاف إلى الفعل مع قبول المحل كأكل مال الغير، فيكون عدمه مضافا على امتناع المكلف. ومضاف إلى العين لقد إعداد القابلية شرعا فيصير امتانع المكلف تابعا لانتفاء المحل. فالإضافة إلى العين أدل على تحقيق التحريم. قلت: لا يخرج بهذا التقرير عن المجازية، فإن عدم القابلية شرعا ووجودها حقيقة سواء وإنما هو إظهار فائدة العدول عن الحقيقة إلى المجاز وهو قصد المبالغة في الانتهاء وإلا فالحرام من أوصاف الأفعال التكليفية دون الأعيان، فإن اللمس والنظر إلى الأم ليسا محرمين.
مسألة:
بعض أصحابنا (وامسحوا برءوسكم) مجمل بين
(2/493)

بالفعل وهو مسح الناصية. لنا: احتملت الباء الصلة والإلصاق والتبعيض ولا دليل يعين بعضها. قالوا: إن ثبت عرف في صحة إطلاقه على البعض كالشافعية وعبد الجبار وأبي الحسين فلا إجمال لظهوره فيه والأقل متيقن وإن لم يثبت كمالك والقاضي وابن جني فلا إجمال لظهوره في الجميع. قلنا: إذا لم يثبت عرف فما الواجب لتعين الكل، كيف وفي الصحيح اقتصاره في المسح على الناصية.
(2/494)

مسألة:
إذا ورد لفظ شرعي له محمل فيه ومحمل في اللغة مثل "الطواف صلاة" يحتمل: كالصلاة في الطهارة أو في الثواب. وأنه دعاء في اللغة. وكـ"الاثنان فما فوقها جماعة" أي مثلها في الفضيلة، والجماعة حقيقة، ليس بمجمل.
لنا العرف الشرعي موضح للمراد، فإن الشارع يعرف الأحكام، لا موضوعات اللغة. قالوا: يصلح لهما ولا معرف. قلنا: عرفه معرف.
(2/495)

مسألة:
ما له مسمى لغوي وشرعي ليس بمجمل وقيل به. والغزالي: إن كان في الإثبات فالشرعي، وفي النهي فمجمل، وقيل وفي النهي فلغوي، والإثبات كقوله لما سأل "هل عندكم شيء؟ فقالوا: لا. إني إذا صائم" والنهي كنهيه عن صوم يوم النحر. لنا: أن العرف الشرعي قاض بظهوره فيه فلا إجمال. قالوا: يطلق عليهما فلم يتضح. ورد بما قلنا. قالوا: الإثبات واضح وفي النهي يضعف حمله عليه ظاهرا وإلا لزم صحته. قلنا نعم وجبت صحته أصلا لا وصفا وقد حقق. وأجيب على أصله بأن الشرعي لا يستلزم الصحيح، بل معناه الهيئات المخصوصة وإلا لزم أن يكون "دعي الصلاة" مجملا وهو باطل. قالوا: في الإثبات واضح، وفي النهي الإجماع على تعذر حمله على الصحيح كبيع الملاقيح والمضامين والحر. قلنا: ليس لأنه منهي، بل لعدم تصور ركن البيع وهو الإضافة إلى المال وإلا يلزم في البيع وقت النداء والصلاة في الأرض
(2/496)

المغصوبة، و"دعي الصلاة" أي اللغوية وهو باطل إجماعا.

ومنه البيان:
وهو الإظهار وينقسم إلى مقرر ومفسر ومغير ومبدل وضروري لأنه إما بلفظي أو غيره، والأول إما بمنطوقه أو لا. والأول إما موافق لمدلول اللفظ أو مخالف. والأول إما مع إجمال أو غيره. والثاني إما مقارن أو متأخر. فغير المنطوق ضروري، والمنطوق الموافق بغير إجمال تقرير، ومعه تفسير، والمخالف المقارن مغير والمتأخر ناسخ.
(2/497)

وغير اللفظي كالفعل إما التقرير: فمثل تأكيد الحقيقة والعام بما يرفع احتمال المجاز والتخصيص وهذا يصح مفصولا وموصولا. وأما التفسير فمثل ما يرفع إبهام المجمل والمشترك ومنه تفسير الكنايات. ولفلان علي عشرة دراهم وفي البلد نقود مختلفة فبين فهو تفسير. ويصح مفصولا أيضا، وأما التغيير فلا يصح إلا موصولا كالشرط والاستثناء، وسمي بيانا من جهة أن اللفظ علة شرعية كطالق مثلا ويتبين بالشرط أن المراد عدم انعقادها في الحال والنطق بالعلة من دون حكم سائغ كالبيع بالخيار وهو مع ذلك تغير من التنجيز إلى التعليق وكذلك الاستثناء. فإن العشرة مثلا اسم لعدد خاص، فإذا قال: إلا ثلاثة غيره وتبين أن مراده سبعة، فكان كالاستثناء مانعا من انعقاد الكلام موجبا لحكمه في البعض كما منع الشرط انعقاد العلة لحكمها فهو كلام واحد حكما وكلامان صورة، والتخصيص من بيان التغيير كما مر، وسيأتي تقرير الشرط. وهذه مسائل الاستثناء.
(2/498)

مسألة:
الاستثناء المتصل إخراج بإلا وأخواتها يبين أن المراد الباقي. والمنقطع مجا، وقيل حقيقة فقيل بالتواطؤ والاشتراك. القائل بالمجازية: يفهم المتصل من غير قرينة وهو دليل المجاز في غيره، وقيل لأنه مأخوذ من ثنيت العنان: نقضته، ولا
(2/499)

نقض إلا في المتصل، فيقال هو مشتق من التثنية كأنه ثنى الكلام به. وهو متحقق فيهما ولا يلزم من الاشتقاق لمعنى أن لا يكون حقيقة في معنى آخر كالعين. القائل بالتواطؤ: بوب العلماء له وقسسوه [؟]. قلنا: كما بوبوا اسم الفاعل وهو مجاز في المستقبل باتفاق. قالوا: الأصل عدم الاشتراك والمجاز فتعين التواطؤ. قلنا: لا تثبت اللغة بلوازم الماهيات. وعرف على التواطؤ: ما دل على مخالفة بين المستثنى والمستثنى منه بإلا غير الصفة وأخواتها. وما دل على مخالفة جنس لأن مخالفة حكم المستثنى للمستثنى منه إما بنفيه أو بأنه حكم آخر غيره ضروري، وقيد بغير الصفة لتخرج التي بمعناه. وعرف المنفصل على الاشتراك أو المجاز: ما دل على مخالفة بإلا غير الصفة أو أخواتها من غير إخراج. والمتصل: قول ذو صيغ مخصوصة دال على أن المذكور به لم يرد بالقول الأول، والقول فصل عن الفعل والقرينة، وذو صيغ عن مثل رأيت المؤمنين ولم أر زيدا، فإن المراد بالصيغ آلات الاستثناء، وأورد على طرده الشرط والوصف بالذين والغاية كأكرم بني تميم إن دخلوا داري والذين وإلى أن يدخلوا. وأجيب بأن المذكور بها مراد. وعلى عكسه كقام القوم إلا زيدا، فإنه ليس بذي صيغ، وأجيب بأن المراد صيغة منها. وفي الأحكام: لفظ
(2/500)

متصل بجملة لا يستقل بنفسه دال على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به ليس بشرط ولا صفة ولا غاية. ويرد على طرده: قام القوم لا زيد وما قام القوم بل زيد، ولكن وعلى عكسه ما جاء إلا زيد لعدم الاتصال بالجملة بناء على أن زيدا فاعل.

مسألة:
الاستثناء تكلم بالباقي بعد المستثنى فهو بيان معنوي أن المستثنى لم يكن مرادا واستخراج صوري. وقال الشافعي: إخراج
(2/501)

للبعض عما دل عليه صدر الجملة بالمعارضة كالتخصيص فمعنى علي عشرة إلا ثلاثة سبعة. وعنده إلا ثلاثة فإنها ليست علي. لنا (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) ولولا أنه تكلم بالباقي للزم نفي حكم الخبر الصادق بعد ثبوته وهو محال. وأيضا لو رفع الحكم بالمعارضة لصح المستغرق لاستواء البعض والكل في جواز المنع بالمعارضة، كالناسخ، وأيضا لو كان معارضا كالتخصيص لزم بقاء الحكم في الباقي بصيغته كانطباق اسم المشركين بعد تخصيص أهل الذمة على الباقي. وليس فإن اسم العشرة لا يصدق على السبعة بعد إخراج الثلاثة. قالوا: الإجماع أن الاستثناء من النفي إثبات وبالعكس وإلا لم تكن كلمة التوحيد توحيدا للسكوت عن إثبات الألوهية في الله ولا يتم التوحيد إلا بهما فوجب أن يكون معارضا لصدر الجملة في البعض. قلنا: معارض بقولهم تكلم بالباقي
(2/502)

بعد الثنيا. والجمع أن يجعل استخراجا وتكلما بالباقي بوضعه، ونفيا وإثباتا بإشارته، وتحقيقه: أن الاستثناء كالغاية من الصدر لكونه بيانا أنه ليس بمراد منه، وبالغاية ينتهي الحكم السابق إلى خلافه فيجب إثبات الغاية ليتم الصدر، لكن لما لم يكن المقصود إلا الصدر جعل إثبات الثاني إشارة، ولذلك اختير في كلمة التوحيد لكون المقصود نفي الألوهية عن غير الله تعالى نفيا ينتهي بإثباتها فيه تعالى فنحن قائلون بالموجَب.

تنبيه:
مثل: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء" أي بيعوه كذلك. عند الشافعي فيبقى الصدر عاما في القليل والكثير. لأن المعارض أخرج المكيل خاصة. وعلي مائة درهم إلا ثوبا أي قيمته لوجوب العمل بالمعارض عنده، وقد أمكن بذلك. وعندنا استثناء حال فيعم الصدر الأحوال فيتعين المقدر والاستثناء في الثانية منقطع فلم يؤثر في الصدر. ومنه آية القذف. قيل: هو منقطع وقيل عام في الأحوال.

تنبيه:
ومن المغير: علي ألف وديعة أو أسلمتها إلي في كذا ولم أقبضها
(2/503)

صدق إن وصل وكذا أعطيتني وأقرضتني. وأما نقدتني أو دفعت إلي فكذا عند محمد مجازا عن العقد، وأبو يوسف هو حقيقة في التسليم فتناقض ولو وصل في قرض أو ثمن: هي زيوف صدقاه لأنها نوع، وأبو حنيفة: الزيافة عيب ومطلق الاسم لا يتناوله فكان رجوعا. وبعتك هذا العبد بألف إلا نصفه، بيع للنصف بالألف وعلى أن لي نصفه بيع للنصف بخمسمائة لدخول الاستثناء على البيع وهو تكلم بالباقي منه والثمن لحاله والصدر عارض الصدر وجعل الإيجاب منقسما عليهما. وفي بيعه من نفسه فائدة قسمة الثمن فجعل داخلا ثم خارجا لتحصيل القسمة كمن باع عبدين أحدهما ملك المشتري.

مسألة:
شرط الاستثناء الاتصال لفظا أو حكما كانقطاعه بتنفس أو سعال وشبهه.
(2/504)

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: يصح وإن طال الزمان شهرا، وقيل يصح اتصاله بالنية وانفصاله لفظا ويديَّن المضمر، وحمل بعضهم مذهب ابن عباس رضي الله عنهما عليه. لنا: أن الأصل ترتب حكم الكلام عليه تنجيزا، وإنما توقف إذا وجد مغير لتنزله كالجزء منه، فإذا انفصل ثبت حكم الصدر لوجود المقتضي وعدم المانع وأيضا لو صح لما قاله "فليكفر عن يمينه" ولخيره بين الاستثناء وبينه مع أن الاستثناء أولى لعدم الحنث، وأيضا لما تم إقرار ولا طلاق ولا عتاق، لإمكان الاستثناء.
(2/505)

ولما علم صدق ولا كذب. قالوا: لو لم يصح لم يفعله عليه السلام في "لأغزون قريشا" وسكت، وقال: "إن شاء الله" ملحقا، ولما سئل عن أهل الكهف قال: "غدا أجيبكم" فتأخر الوحي ونزل {ولا تقولن لشيء} فقال: إن شاء الله، قلنا: لم يلحق لجواز التقدير بأفعل إن شاء الله. قالوا: لولا صحته لم يقل به ابن عباس، قلنا: مؤول بما تقدم.

مسألة:
المستغرق باطل. وجوز الأكثرون الأكثر، والمساوي كعشرة إلا تسعة
(2/506)

وخمسة، ومنعته الحنابلة والقاضي في أول قوليه. وقيل: هو ثانيهما: إن صرح بهما منع وإلا جاز كخذ ما في الكيس إلا الزيوف وهي الأكثر. لنا: لو لم يجز لم يقع في قوله: {إلا من اتبعك من الغاوين} وهم الأكثرون لقوله {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} فالمساوي أولى. ولما وقع في العرف كـ"كلكم جائع إلا من أطعمته" وهم الأكثرون وللإجماع على أن المقر بعشرة إلا تسعة يلزمه درهم. قالوا: الاستثناء خلاف الأصل لأنه إنكار بعد إقرار
(2/507)

خولف في الأقل لأنه قد يوفي المقر بعضه ثم ينساه فيستثنيه فلو لم يجز لتضرر. قلنا: ممنوع فإنه تكلم بالباقي، ولو سلم قلنا في الأكثر بعينه لإمكان صدق المستثنى فلو لم يجز لتضرر. قالوا: لو جاز لجاز عشرة إلا تسعة ونصف وثلث وإنه قبيح. قلنا: لا يدل على عدم جوازه لغة مع قبحه.

مسألة:
الجمل المتعاقبة بالواو العاطفة إذا تعقبها استثناء رجع إلى الأخيرة. والشافعية إلى الكل. عبد الجبار وأبو الحسين: إن تبين إضراب عن الأولى اقتصر بأن يختلفا نوعا كالأمر والخبر، أو اسما وحكما لا نوعا كأكرم بني تميم واضرب ربيعة الطوال. أو اسما فقط كأكرم وأكرم، أو حكما فقط كأكرم واستأجر. وإن تعلقت فللجميع بأن يتحدا نوعا واسما وغرضا كأكرم بني تميم وسلم على بني تميم إلا الطوال. أو نوعا وفي الثانية ضمير الأول كأكرم واستأجرهم، أو اسما، وحكم الأولى مضمر في الثانية كأكرم بني تميم وربيعة. أو في الأخيرة ضمير إما تقدم أو اتحد الغرض كآية القذف للضمير واتحاد غرض الانتقام.
(2/508)

وتوقف القاضي والغزالي ومختار الأحكام: إن كانت الواو ابتدائية اقتصر أو عاطفة رجع إلى الكل أو أمكنا فالوقف. لنا: المقتضي لرجوعه عدم استقلاله فيكفي فيه جملة يتم بها، والأخيرة أقرب فتعينت. وأيضا آية القذف على القول باتصال الاستثناء لا يعود إلى الكل لأنه لا يعود إلى الجلد إجماعا. الشافعية: العاطفة تجعل الجمل المتعددة كالمفردة. وأجيبوا بالمنع، وإنما ذلك في المفردات. قالوا: وجب العود إلى الكل كالشرط والمشيئة. قلنا: الشرط مقدم تقديرا والاستثناء مؤخر، ولو سلم أنه استثناء فلتوقف الكلام على آخره إذا غير بشرط الاتصال بقرينة اليمين حتى لو فرق اقتصر. قالوا تدعو الحاجة إلى العود إلى الكل وتعقب كل جملة باستثناء مستهجن. قلنا: عند اتصالها خاصة. ولو سلم فلما فيه من الطول مع إمكام [إمكان] إلا كذا من الجميع. قالوا: صالح للعود إلى الكل فكان ظاهرا كالعام لأن تخصيص البعض تحكم. قلنا: لا تستلزم الصلاحية الظهور والعام حقيقة في الكل بخلاف الاستثناء.

وأما بيان الضرورة:
فمنه ما هو في حكم المنطوق مثل {وورثه أبواه فلأمه
(2/509)

الثلث} بيان أن الباقي للأب. ومثله إذا بين نصيب المضارب كان بيانا لنصيب رب المال. وأما العكس فالقياس يأباه؛ لأن نصيب رب المال ليس مستحقا بالشرط فلا يتعين الباقي للمضارب ضرورة لجواز اشتراك عاملين فيه بخلاف الأول لاستحقاق المضارب بالشرط. والاستحسان أنه بيان لتضمن صدر الكلام الشركة ظاهرا، وكذلك لو أوصى بالثلث على أن لفلان منه كذا. ومنه سكوته عليه السلام عن تغيير ما يعاينه وعند الحاجة إلى البيان كسكوت الصحابة رضي الله عنهم عن تقويم منفعة البدن في ولد المغرور. وكسكوت البكر في النكاح. وكقولنا في أمة أتت بثلاثة في بطون فادعى المولى أكبرهم. كان نفيا للباقين. ومنه لدفع الغرر كسكوت المولى عن عبده وهو يبيع ويشتري وسكوت الشفيع.
(2/510)

مسألة:
مثل مائة ودرهم بيان ضرورة بواسطة العطف. وظهوره في أن المراد الجنس في المقدر عرفا. والشافعي أبقى المائة على إجمالها، قال: ليس العطف موضوعا للبيان وإلا يلزم في مائة وثوب وشاة وعبد. قلنا: ليس البيان من جهة الوضع، بل من العادة في المقدرات التي يثبت مثلها في الذمم عند كثرة العدد كمائة وعشرة دراهم فيجعل بيانا عند قيام العرف.

مسألة:
الفعل بيان. لنا: أنه عليه السلام عرف الصلاة والحج بالفعل. قالوا: بقوله: صلوا وخذوا عني. قلنا: دليل على أن المبين الفعل، وأيضا نقطع (على) أن مشاهدة الفعل أدل في بيانه من الإخبار عنه "وليس الخبر كالمعاينة" قالوا: لو كان بيانا لتأخر البيان مع إمكانه قبله بالقول. قلنا: تأخره إلى وقت الحاجة جائز.
(2/511)

مسألة:
لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة اتفاقا إلا على القول بجواز تكليف ما لا يطاق. وأما تأخره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فالجمهور على جوازه، والصيرفي على امتناعه، وأصحابنا على الجواز في المجمل والامتناع في التخصيص، وأبو الحسين في المجمل أيضا. وأما غيره فيجوز تأخير بيانه التفصيلي لا الإجمالي مثل هذا العموم مخصوص والمطلق مقيد والحكم سينسخ. والجبائي وابنه على تأخير النسخ لا غير.
(2/512)

لنا {فأن لله خمسه} ثم بين أن السلب للقاتل إما عموما أو برأي الإمام وأن ذوي القربى بنو هاشم، دون بني أمية وبني نوفل وهذا تأخير التفصيل والإجمال إذ لم ينقل اقتران إجمالي وإلا لنقل ظاهرا مع أن الأصل عدمه. وأيضا تأخر بيان الصلاة إلى بيان جبريل والرسول لذلك. والزكاة والسارق ثم بين الصفة والمقدار والحرز على تدريج. واعترض بأن المؤخر التفصيل، وبأن الأمر إن كان على الفور لم يجز تأخيره، أو التراخي فتأخير عن وقت الحاجة. وأجيب بما سبق وبأن الأمر قبل البيان لا يجب به الفعل مطلقا، واستدل على جواز تأخير المخصص بقوله {أن تذبحوا بقرة} وكانت معينة بدليل {يبين لنا ما هي} {ما لونها} {إنها بقرة} إنها إنها وهو ضمير المأمور بها وبدليل (أنه) لم يؤمر بمتجدد قلنا: غير معينة فإن الصيغة مطلقة ولو ذبحوا أي بقرة شاءوا أجزأتهم،
(2/513)

ولكنهم شددوا فشدد عليهم بدليل: {وما كادوا يفعلون} فقيد المطلق وذاك نسخ يجوز تراخيه كما نبين. واستدل {إنكم وما تعبدون} وخص بـ {إن الذين سبقت لهم} قلنا (ما) لما لا يعقل فهو مبين ونزول الثانية زيادة بيان لدفع التعنت. وأيضا {إنا مهلكوا أهل هذه القرية} وخصه بعد سؤال إبراهيم {لننجينه} قلنا هو مبين بقوله {إن أهلها كانوا ظالمين} فهو كالاستثناء في الأخرى {إلا آل لوط} والفرق أن بيان المجمل تفسير والعام تغيير قالوا: تأخير بيان المجمل تأخير صفة العبادة وذلك مخل بها في وقتها للجهل بصفتها. بخلاف النسخ. قلنا: وقتها وقت بيانها لا قبله. قالوا: لو جاز كان خطابا بما لا يفيد. قلنا: فائدته التكليف باعتقاد أن المراد منه حق مع انتظار بيانه والعزم على الفعل فيطيع، أو الترك فيعصي. المانع مطلقا: لو جاز
(2/514)

تأخير بيان الظاهر في غير ظاهره؛ فإما إلى مدة معينة وهو تحكم، أو إلى الأبد فيلزم المخالفة للمراد. وأجيب: إلى معين عند الله وهو الوقت الذي يكون مكلفا فيه، أي وقت الحاجة إلى البيان، قالوا: لو جاز لكان مفهما بخطابه في الحال، لأن الخطاب يستلزم التفهيم وليس ظاهر الخطاب ولا باطنه لعدم البيان معه. وأجيب: لو صح امتنع الخطاب بما سينسخ لظهور الخطاب في الدوام وهو غير مراد وهو صحيح بالاتفاق. قالوا: لو جاز لجاز الخطاب بالمهمل وتأخير بيانه. قلنا: المجمل يفيد معنى فيعتقد على إجماله. والمهمل غير مفيد أصلا.

وأما التبديل وهو النسخ:
فهو بيان انتهاء حكم شرعي مطلق عن التأبيد والتوقيت بنص متأخر عن مورده. واحترزنا بالشرعي عن غيره، وبالمطلق عن الحكم الموقت بوقت خاص فإنه لا يصح نسخه قبل انتهائه، وكذلك المقيد بالتأبيد
(2/515)

وبنص عن الإجماع والقياس وغيرهما. وبمتأخر عن التخصيص وعن الاستثناء بالغاية والشرط والوصف. قال فخر الإسلام: هو بيان بالنسبة إلى الشارع تبديل بالنسبة إلينا، على مثال القتل فإنه بيان انتهاء أجل القتيل عند الله وتبديل لحياته المظنون استمرارها عندنا. أقول: فإذا كانت له جهتان فيجوز أن يحدد أيضا بأنه رفع حكم شرعي بعد ثبوته بنص متأخر عنه وليس التحرز عن الرفع بطائل لأنه إن علل بأن الحكم وتعلقه قديمان فغير مفيد لأن انتهاء أمد الحكم على المكلف ينافي بقاءه عليه وهو معنى الرفع، فإنا لا نعني بالمرفوع الخطاب القديم ولا تعلقه، بل الحكم الحاصل على المكلف المتعلق به تعلق التنجيز لقطعنا بأن الوجوب المشروط بالعقل منتف بانتفائه، وبأن تحريم شيء بعد وجوبه منتف لاستحالة اجتماعهما
(2/517)

وإن علل بأنه يرتفع تعلقه بفعل مستقبل لزم منع النسخ قبل الفعل أو بأنه بيان أمد التعلق بالمستقبل المظنون استمراره فلا خلاف في المعنى، وقد احترز في هذا الحد بقوله: بعد ثبوته عن رفع الإباحة الأصلية فإنه ليس بنسخ، ومن أجاز النسخ بالفعل يقول بدليل شرعي.
مسألة:
أهل الشرائع على جوازه عقلا ووقوعه شرعا، وخالفت اليهود في الجواز وأبو مسلم الأصفهاني في الوقوع.
(2/518)

لنا القطع بعدم استحالة تكليف في وقت ورفعه. وإن اعتبرنا المصالح كالمعتزلة فالمصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات، وفي التوراة: أمر الله آدم عليه السلام بتزويج بناته من بنيه وقد حرم ذلك. وقوله لنوح عليه السلام بعد الطوفان: جعلت لك كل دابة مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه. وقد حرم كثير منها. واستدل بتحريم السبت وكان مباحا وبجواز الختان مطلقا ووجوبه في ثامن الولادة عندهم، وبإباحة الأختين في شرع يعقوب عليه السلام وتحريمه عندهم. وأجيب بأنها رفع إباحات كانت ثابتة عقلا والنسخ لحكم شرعي. قالوا: لو صح بطل قول موسى عليه السلام المتواتر أن شريعته مؤبدة قلنا مختلف ولأنا نقطع عادة بأنه لو صح عارضوا به محمد عليه السلام. قالوا: إن نسخ لحكمة ظهرت بعد أن لم تكن لزم البداء وإلا فالعبث. وأجيب بعدم تسليم اعتبار المصلحة
(2/520)

أنه لحكمة علم أزلا أنها تكون عند نسخه لاختلاف الأزمان والأحوال فلا يلزم الظهور بعد أن لم يكن. قالوا: إن قيد الأول بوقت فليس بنسخ لانتهائه بانتهاء وقته، وإن دل على التأبيد لم يقبل النسخ لاجتماع الإخبار بالتأبيد ونفيه، وهو تناقض، ولأنه يؤدي إلى تعذر الاجتهاد بالتأبيد لاحتمال النسخ، وإلى نفي الوثوق بتأبيد حكم ما وللزوم نسخ شريعتكم مع التصريح بالتأبيد. قلنا: مطلق فيدل على تعلق الوجوب. وأما البقاء وعدمه فلا يستفاد من الصيغة، ولو سلم دلالته على التأبيد صريحا منع التناقض على قول من يجيز النسخ فإن الأمر بشيء في المستقبل أبدا لا يستلزم استمراره وإنما يستلزم أن الفعل في المستقبل أبدا متعلق الوجوب فإذا تبين زوال التعلق به لناسخ لم يكن مناقضا. كالموت، وإنما التناقض في الإخبار ببقاء الوجوب أبدا مع نسخه. ونسخ شريعتنا محال لثبوت الأخبار المتواترة ببقائها بأن محمدا عليه السلام
(2/521)

خاتم النبيين. قالوا: لو جاز لكان إما قبل الفعل ولا ارتفاع لما (لم) يوجد ولا بعده لأنه معدوم ولا معه وإلا ارتفع حال وجوده. قلنا المراد أن التكليف الثابت بعد أن لم يكن زال كما يزول بالموت، لا الفعل. قالوا: إن علم استمراره أبدا فلا نسخ وكذا إن كان مغيا بمدة معينة لأن ارتفاع الحكم بوجود ايته ليس بنسخ. قلنا يعلم مستمرا إلى وقت ارتفاعه بالنسخ وذلك يحققه ولا يمنعه. والحجة على الأصفهاني: إجماع الأمة أن شريعتنا ناسخة للشرائع وأن التوجه إلى الكعبة ناسخ لبيت المقدس
(2/522)

وآية المواريث ناسخة لآية الوصية للوالدين والأقربين.
مسألة:
شرط النسخ التمكن من الاعتقاد
(2/523)

فيجوز قبل الفعل خلافا للمعتزلة والصيرفي. لنا: إذا ثبت التكليف قبله وجب جواز رفعه اعتبارا بجواز رفع التكليف بالموت، والجامع قطع تعلق التكليف، ولأن كل نسخ قبل الفعل، لأنه محال بعده لتحصيل الحاصل ومعه لاجتماع الفعل ونفيه، وأيضا لو لم يجز لم يقع وقد وقع، فإنه نسخ فرض خمسين صلاة ليلة المعراج بخمس قبل التمكن
(2/524)

من الفعل ويستدل بأن إبراهيم أمر بذبح الولد (افعل ما تؤمر) ولإقدامه عليه، ولولاه لم يقدم ونسخ قبل التمكن. وأجيب: بأنه لم ينسخ فإن الأمر قائم غير منته وإنما لم يتصل بمحله للفداء، لا للنسخ. واعترض بعد تسليمه إنما يكون قبل التمكن لو اقتضى الأمر الفورية أو تضيق وقت الوجوب. وأجيب: لو كان موسعا حكمت العادة بالتأخير رجاء النسخ أو الموت. لعظم الأمر ولأنه لو كان موسعا لم يمتنع رفع تعلق الوجوب بالمستقبل لبقاء الأمر حيث لم يفعله بعد، وبقاء الأمر هو المانع من الجواز عند الخصم حذرا من توارد النفي والإثبات مع اتحاد الوقت والمحل، قالوا: لم يؤمر ولهذا نسبه إلى المنام، ولجواز أنه أمر بمقدماته، ولذلك قيل (قد صدقت الرؤيا) فلو كان المأمور به الذبح ولم يحصل لم يصدقه. قلنا: منام النبي عليه السلام وحي، ولو كان وهما لما أقدم على الحرام، والأمر بالمقدمات خلاف الظاهر. قالوا: وجد، وكلما ذبح التحم. وروي أنه صفح
(2/525)

عنقه بنحاس فمنعه منه فلا يكون نسخا. قلنا: لو التحم اشتهر لأنه معجز باهر ولو صفح كان تكليفا بما لا يطاق ولاشتهر فكان نسخا قبل الفعل. قالوا: لو جاز فإما أن يؤمر بالفعل وقت نسخه وفيه توارد النفي والإثبات، أو لا يؤمر لم ينسخ لعدم ارتفاع شيء. قلنا: لم يكن مأمورا به (في) ذلك الوقت بل قبله.
مسألة:
إذا قيد المأمور به بالتأبيد لا يجوز نسخه خلافا للجمهور، ولو كان التأبيد لبيان مدة بقاء الوجوب نصا لم يقبل الناسخ وفاقا. لنا: أنه حكم مقيد بالتأبيد فكان نصا على عدم انتهائه بمدة والناسخ بيان انتهائه فيتناقض وأيضا
(2/526)

التأبيد للدوام والنسخ يقطعه فيتناقض. قالوا: لا منافاة بين تأبيد الفعل الذي تعلق به التكليف وبين انقطاع التكليف كانقطاعه بالموت. قلنا: ثابتة بين تكليفين بالضرورة بخلاف الموت.
مسألة:
الجمهور على جواز النسخ بأثقل خلافا لبعض الشافعية. وأما الأخف والمساوي فاتفاق. لنا: إن لم نقل برعاية الأصلح فلا إشكال، وإن قيل
(2/527)

بها فلا امتناع عقلا في أن ينسخ حكم بأثقل. وأيضا فلو لم يجز لم يقع وقد نسخ التخيير في صوم رمضان والفدية بتحتمه، وعاشوراء برمضان والحبس في البيوت
(2/528)

بالحد والصفح عن الكفار بقتال مقاتلهم ثم بقتالهم كافة. قالوا: نقلهم إلى الأثقل أشق وأبعد من المصلحة. قلنا: لازم في ابتداء التكليف وبتقدير المصلحة فلا يبعد أن يكون في الانتقال إلى الأثقل قالوا (نأت بخير منها أو مثلها) أي بخير لكم وإلا فالقرآن لا 3 تفاضل فيه والأشق ليس بخير للملف. قلنا: خير له باعتبار جزيل الثواب في العاقبة (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ) الآية.
مسألة:
يجوز نسخ التلاوة والحكم معا، والتلاوة وحدها والحكم وحده خلافا لبعض المعتزلة. لنا: أن جواز التلاوة حكم، وما يتعلق بها من الأحكام
(2/529)

حكم آخر فتغايرا فجاز نسخهما ونسخ أحدهما كغيرهما، وأيضا الوقوع أما فيهما فما روت عائشة رضي الله عنها "كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات" وأما نسخ التلاوة فما روى عمر "كان فيما أنزل الشيخ والشيخة" إلى آخره. وتلاوة ابن مسعود في كفارة اليمين (متتابعات). وأما الحكم فكنسخ
(2/530)

(آية) الاعتداد بالحوث وحبس الزواني والأذى باللسان بالحد. قالوا: التلاوة مع حكمها كالعلم مع العالمية ولا ينفكان. قلنا: لا تغاير، فإن العالمية قيام العلم بالذات بخلاف التلاوة جاز بقاؤها لترتب حكم الإعجاز وجواز الصلاة عليها وهما مقصودان كالمتشابه فجاز الانفكاك. وأيضا فالتلاوة أمارة الحكم في ابتدائها دون دوامها، فإذا انتفى دوامها لم يلزم انتفاء مدلولها، وبالعكس. قالوا: لو نسخ الحكم وحده كانت التلاوة موهمة ببقائه فيؤدي إلى التجهيل وإبطال فائدة القرآن. قلنا: لا جهل مع الدليل للمجتهد، والمقلد فرضه التقليد والفائدة الإعجاز وجواز الصلاة.
مسألة:
الزيادة على النص نسخ كقيد الإيمان في كفارة
(2/531)

اليمين والنفي على الجلد خلافا للشافعي. لنا: أن المطلق لا تعرض له بقيد فيتساوى الأفراد بالنسبة إليه، والتقييد ينافيه،
(2/533)

فإذا ورد متأخرا كان رافعا لما اقتضاه الأول من الإطلاق وبيانا لمدة انتهاء حكمه وهو معنى النسخ. قالوا: تخصيص قلنا: التخصيص بيان أن بعض الأفراد ليس بمراد مع التناول، والمطلق من حيث هو لا دلالة له إلا على الماهية من حيث هي. من غير دلالة على المشخصات من حيث خصوصها، وإن كانت لوازم الوجود فالمأمور به في المطلق ليس إلا الماهية من حيث هي، والمكلف يأتي به في ضمن مقيد هو من لوازم الوجود (لا من حيث دلالة) الأمر عليه، وإذا لم يتناولها اللفظ لا يكون تخصيصا ولأن ما وراء المخصوص ثابت بنظم العام والحكم بعد زيادة القيد ثابت به لا بالمطلق، فالتخصيص إخراج وهذا إثبات وعلى هذا فالنفي إذا ألحق بالجلد لم يبق حدا، بل بعضه، وبعض الشيء ليس له حكم كله. ولذلك لم نزد فرضية الفاتحة ولا اشتراط الطهارة للطواف، ومثله كثير.
مسألة:
الإجماع لا ينسخ به لأنه إن كان عن نص فهو الناسخ، ولأن النسخ لا يكون إلا في حياته صلى الله عليه وسلم. ولا إجماع حينئذ، ومن أطلق من أصحابنا ذلك فمراده أنه دليل وجود الناسخ. وكذلك القياس ولما تبين.
مسألة:
فيجوز نسخ الكتاب بالكتاب كالعدتين. والسنة المتواترة بمثلها والآحاد
(2/534)

بمثلها اتفاقا "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" "وعن ادخار الأضاحي فادخروا"
(2/535)

وفي العكسين خلاف الشافعي. لنا: أن التوجه إلى بيت المقدس ثبت بالسنة ونسخ (بالكتاب) ومصالحته عليه السلام أهل مكة عام الحديبية بالسنة على أن من جاءه مسلما رده فجاءت امرأة فنزلت (فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن). ومباشرة الصائم ليلا كانت حراما بالسنة فأطلقت
(2/536)

بالكتاب، وكذا صوم عاشوراء، وفي العكس: نسي عليه السلام آية فلما أخبر قال: ألم يكن فيكم أبي، فقال: بلى لكني ظننت أنها نسخت، فقال: لو نسخت لأخبرتكم. فأقره، وعن عائشة رضي الله عنها: "ما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له من النساء ما شاء" وأيضا فالنسخ بيان.
(2/537)

فللرسول بيان الكتاب (لتبين للناس ما نزل) ولله بيان ما أجرى على لسان رسوله، ولأن الكتاب فوق السنة بنظمه والسنة تنسخ حكم الكتاب فهما متساويان. واستدل بآية الوصية، نسخت بقوله عليه السلام "لا وصية لوارث" وأجيب: بل بآية المواريث. وأيضا بأن الإمساك في البيوت نسخ بالرجم الثابت بالسنة وأجيب: بأن في الصحيح عن عمر رضي الله عنه:
(2/538)

"كان مما يتلى آية الرجم" فالنسخ بها. وأيضا (قل لا أجد) نسخت بنهيه عن كل ذي ناب. وأجيب بالمنع أو بأن المعنى: لا أجد الآن، وتحريم حلال الأصل ليس بنسخ. قالوا: لتبين والنسخ رفع لا بيان. قلنا: معناه لتبلغ وهو بيان كما مر، ولو سلم فليس فيه ما يدل على عدم النسخ. قالوا: لو نسخ الكتاب السنة لحصلت النفرة. قلنا: إذا علم أن الكل من الله لم تحصل. قالوا: (نأت بخير منها أو مثلها) والسنة ليست مثل الكتاب ولا خيرا، والضمير في نأت لله والبدل إنما يكون نم جنس البدل. لنا: المراد الحكم وإلا فلا تفاضل في الكتاب. والناسخ أصلح للمكلف أو مساو فيكون حكم السنة أصلح وصح الضمير لأن الكل منه، والمثلية لأنهما في الحكم سواء. قالوا: (قل ما يكون لي أن أبدله) قلنا: ظاهر في تبديل الرسم، والنزاع في الحكم، ولو سلم فالسنة أيضا بالوحي. قالوا: (وإذا بدلنا آية مكان آية) قلنا: ليس فيه ما يدل على نفي غيره.
(2/539)

قالوا: "إذا روي عني حديث فاعرضوه" قلنا: معناه عند إشكال التاريخ أو إذا لم يكن في الصحة بحيث ينسخ به الكتاب. أما إذا اشتهر أو تواتر أو علم تاريخه فلا.
مسألة:
لا يثبت حكم الناسخ قبل تبليغه عليه السلام. لنا: لو ثبت أدى إلى وجوب وتحريم معا، لأنا قاطعون بأنه لو ترك الأول أثم، وأيضا لو عمل بالثاني عصى وأيضا لو ثبت لثبت قبل تبليغ جبريل عليه السلام لأهما سواء. قالوا: حكم متجدد فلا يعتبر فيه علم المكلف. قلنا: لا بد من اعتبار التمكن وهو منتف.

الفصل الثاني:
في وجوه اقتناص الحكم من النظم:
(2/540)

فمنها العبارة وهي ما استفيد من لفظه مقصودا به، ومنها الإشارة وهي
(2/541)

ما استفيد منه غير مقصود به. ولا تفاوت بينهما في الثبوت، والأول أرجح عند التعارض. أمثله (وعلى المولود له) قصد به إيجاب النفقة على الوالد. وأشير باللام إلى أن النسب إليه وأن له حق التملك. وانفراد والأب بتحمل النفقة. وفي الوارث إشارة إلى استحقاق النفقة بغير الولاد لشمول اللفظ وعموم المعنى وهو الاشتقاق من الإرث وإن خصصنا ذوي الأرحام بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه خلافا للشافعي وفي قوله (أحل لكم ليلة الصيام الرفث) إشارة إلى (أن) من أصبح جنبا لم يفسد صومه،
(2/542)

والمقصود نفس الإباحة، وفي (ثم أتموا) الصيام إلى الليل. إشارة إلى جواز النية نهارا. ومنها الدلالة: وهي المسماة بمفهوم الموافقة وفحوى الخطاب تحريم الضرب من قوله (فلا تقل لهما أف) وكالجزاء بما فوق المثقال من قوله (فمن يعمل مثقال ذرة) وكتأدية ما دون القنطار من قوله (بقنطار يؤده إليك) وهو من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى فلذلك كان الحكم في السكوت أولى. أو بالشيء على ما يساويه، والثابت بها كالثابت بما قبلها، إلا أن تينك أولى عند التعارض. وليست الدلالة من باب القياس لتوقفه على المعنى المستنبط بالاجتهاد الذي يختص به الفقهاء،
(2/543)

وتساوي أهل اللغة في فهم الدلالة ولهذا أثبتنا الحد والكفارة بها لا بالقياس. وقيل هو قياس جلي. لنا أنا قاطعون بذلك لغة للمبالغة قبل شرع القياس، وأيضا فإن الأصل لا يكون مندرجا في الفرع إجماعا وهذا قد يكون كلا تعطه ذرة. فإنه إذا أعطاه دينارا كان الأصل داخلا قطعا. قالوا: لو قطع النظر عن المعنى وأنه في الفرع آكد لما حكم به وهو معنى القياس. قلنا: ذاك شرط الفحوى لغة، ولهذا قال به من لم يقل بالقياس سوى من لا يؤبه له. وهذه على قسمين: قطعية كما مثلنا، وظنية كما نمثل، فقد أوجبنا الكفارة على من أفطر في رمضان بالأكل والشرب دلالة، فإن قول السائل "واقعت
(2/544)

وقع عن الجناية التي هي معنى المواقعة في هذا الوقت لا عين الوقاع فإنه ليس بجناية في نفسه والجواب وقع عن حكم الجناية فأثبتنا الحكم بالمعنى وهو في هذين أظهر لأن الصبر عنهما أشد والشوق إليهما أعظم. ولذلك أثبتنا حكم النسيان الوارد في الأكل والشرب في الجماع من حيث أن النسيان سماوي ودعاء الطبع إلى الوقاع كدعائه إلى الأكل والشرب فكان نظيرا لهما. فإن قيل: متفاوت لكثرته في مورد النص وندرته ههنا ولذلك لم يعذر به في الصلاة والحج للحالة المذكورة. قلنا: كثير ليس بقاهر. والوقاع قليل قاهر فاعتدلا. ومنها الاقتضاء: والمقتضى ما يتوقف عليه صحة المنطوق شرعا
(2/545)

مرادا معه، واحترزنا بشرعا عما تتوقف عليه صحته عقلا ولغة ومرادا معه عن مضمر النص فإنه لا يراد (معه) كـ (اسئل القرية) حيث ينتقل السؤال إلى أهلها عنها، ومثاله: أعتق عبدك عني بألف. فإن الأمر بالإعتاق مترتب على البيع الثابت في ضمنه شرعا. ولما كان ثبوته شرطا شريا قدم على الملفوظ وكان الثابت بالاقتضاء كالثابت بالمنطوق فيقدم على القياس ويؤخر عن النص عند التعارض.
مسألة:
ولا عموم له خلافا للشافعية
(2/546)

حتى لا تصح نية الثلاث في طالق ولا في اعتدي ولا مكان دون آخر في إن خرجت فعبدي حر، ولا مأكول ومشروب دون آخر في إن أكلت إن شربت ولا تخصيص سبب في إن اغتسلت بخلاف طلاقا وموضعا ومأكولا ومشروبا وغسلا
(2/547)

لنا: ثابت بالضرورة الشرعية فيتقدر بقدرها والعموم صفة اللفظ ولا ملفوظ، والتخصيص تصرف فيه وليس. قالوا: في معنى الملفوظ فيعم كعمومه قلنا فيما تتوقف عليه صحته شرعا لا مطلقا. قالوا: لا أكلت نفي للحقيقة بالنسبة إلى كل مأكول وهو معنى العموم فأمكن تخصيصه. قلنا: تصرف في اللفظ. وليس قالوا كلي لا وجود له إلا مشخصا والممنوع منه مشخص غير معين فصح تخصيصه به وإلا كان حالفا على غير موجود، قلنا: مطلق موجود من حيث هو في مشخص ما، لأنه جزؤه وهو ممتنع عن المركب من حيث المطلق لا من حيث التشخص وإن كان من ضرورات الوجود، والتحقيق أنه سلب كلي فلا يقتضي وجود موضوع ليلزم التشخص الذي هو من لوازم الوجود فهو امتناع عن إيقاع نفس الماهية بخلاف ذكر المفعولات لأنها نكرات ي سياق النفي فتعم.
تنبيه:
المقتضى يثبت بشروط ما توقف عليه لا بشروط نفسه لأنه تابع كما أن البيع الثابت في ضمن الأمر بالإعتاق عار عن القبول وهو ركنه، وكما قال أبو يوسف في أعتقه عني بغير شيء: يثبت الملك بالهبة ويسقط القبض وهو أولى فإن القبض شرط، والقبول ركن وهو أقوى، ونظَّر بأعتقه عني بألف ورطل خمر والقبض شرط الملك في البيع الفاسد. وقالا: يقع عن المأمور
(2/548)

لأن العتيق تالف من المولى فليس قابضا ولا الأمر حقيقة ولا العبد نيابة عنه ولا يمكن أيضا بخلاف ما إذا أمر بأن يطعم ن كفارته المساكين من مال المأمور حيث يصح ولا قبض بحكم الهبة لإمكان جعل الفقير قابضا عن الأمر ثم عن نفسه لوقوع العين في يده ودوامه. ولا كذلك الملك في العبد فإنه تالف فلا مقبوض ينوب فيه العبد، ثم الملك في الموهوب لا يثبت بدون القبض فلم يمكن سقوطه بخلاف القبول، فإن سقوط ركني البيع ممكن كما في التعاطي فالشرط أولى، ولما كان الفاسد مشروطا بأصله أشبه الصحيح في احتمال سقوط القبض.
تنبيه:
"إنما الأعمال بالنيات" و"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" من المضمر لا من المقتضى، وعدم العموم فيه ليس من قبيل الاقتضاء بل لأن المضمر وإن كان عاما بلا خلاف لكنه لما أضيف إلى غير محله سقط عمومه، لأن كلا من الخطأ والنسيان والعمل غير مرفوع، وما يضمر ههنا يحتمل الحكم بالصحة والفساد، ويحتمل الثواب والإثم، فلم يكن الإطلاق دالا على أحدهما، وحكم المشترك الوقف حتى يقوم دليل على المراد، وهذا عند الشافعية
(2/549)

مجرى على عمومه، قالوا: رفع الذات مستلزم لرفع أحكامها، فالمجاز متعين ورفع كل الأحكام أقرب إلى رفع الذات من رفع البعض، فكان أولى. قلنا: لو أمكن رفع الذات مرادا استتبع أحكامها ولكن المراد هو المحذوف دونها، وتعيين المحذوف مع اختلافه بغير دليل تحكم، فإن قيل بالتعميم كانت مسألة تعميم المشترك وقد تقدمت. قالوا: إن عين واحدا فتحكم وإلا لزم الإجمال. قلنا: إن تعين بدليل فلا تحكم، وإلا فليلزم.
تنبيه:
وما ثبت بالإشارة يمكن تخصيصه بخلاف الدلالة، والفرق أن معنى النص إذا ثبتت عليته لم يحتمل بطلانها وهذا بناء على مذهبنا في إبطال تخصيص العلل، والإشارة من المنطوق فهي كالنص العام.

الفصل الثالث:
في المفهوم وهو ما دل عليه اللفظ في غير محل النطق، وهو نوعان:
(2/550)

مفهوم موافقة وهو الدلالة كما مر. ومخالفة: وهو أن يكون المسكوت عنه مخالفا للمنطوق في الحكم ويسمى دليل الخطاب، وليس شيء منه حجة عندنا وهو أقسام منها: مفهوم الصفة مثل
(2/551)

"في الغنم السائمة زكاة"، فقال به الشافعي وأحمد والأشعري وكثير من الفقهاء، ووافقنا على المنع الغزالي
(2/552)

والمعتزلة، وفصَّل أبو عبد الله البصري إن كان للبيان كالسائمة أو للتعليم نحو "إذا اختلف المتبايعان" أو كان ما عدا الصفة داخلا تحتها كالحكم بالشاهدين حيث يدل على نفسه عن الواحد فحجة وإلا فلا وشرطه عند قائليه: أن لا يظهر أن السكوت عنه أولى ولا مساويا احترازا عن الدلالة ولا خرج مخرج الأعم الأغلب مثل {وربائبكم اللاتي في حجوركم} {فإن خفتم أن لا يقيما}
(2/553)

"أيما امرأة نكحت نفسها" ولا لسؤال كما لو سئل أفي الغنم السائمة؟ ولا مخرج حادثة كما لو قيل لزيد غنم سائمة فقال: فيها زكاة. ولا مخرج جهالة بحكمها كما لو علم أن في المعلوفة زكاة وجهل حكم السائمة فقال في السائمة أعلا ما بها. ولا خوف عن تخصيصها باجتهاد
(2/554)

لولا ذكرها. لنا: لو ثبت فإما بدليل عقلي ولا مدخل له في اللغة، أو نقلي ولا تواتر، والآحاد المفيدة للظن معارضة بمثلها فلا تثبت اللغة بالشك، وأيضا فإما بالمطابقة فيلزم الوضع أو بالتضمن وليس بجزء وإلا استحال دونه أو بالالتزام فيجب تقدم اللزوم الذهني وإلا فدور، ولا لزوم عقلا وإلا لما انفك، ولا شرعا لأنه إما خارجي فهو الدليل أو المفهوم فدور، وأيضا لما صح أدوا زكاة السائمة والمعلوفة كما لا يصح لا تقل له أف واضربه لعدم الفائدة في ذكرهما لقيام الغنم مقامهما وللتناقض فإن ذكر السوم حينئذ يدل على نفي زكاة المعلوفة والعطف يثبتها. وأورد: الفائدة عدم تخصيصها بالاجتهاد، فلو أتي بالعام أمكن به. قلنا ممنوع على ما سبق في الخصوص. قالوا: لو لم يدل لم يفهمه أهل اللغة وقد فهم
(2/555)

أبو عبيد من قوله عليه السلام "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته. أن لي غيره لا يحلهما، ومن "مطل الغني ظلم" أن مطل غيره ليس بظلم، وقيل له المراد من قوله عليه السلام "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا" هجاء الرسول. فقال لو كان لخلا ذكر الامتلاء
(2/556)

عن معنى فإن قليله كذلك، وكذلك قال الشافعي وهما إمامان في اللغة، فالظاهر فهمهما منها. قلنا: بنيا على اجتهادهما فلا يكون حجة على غيرهما وهو معارض بمذهب الأخفش وغيره منهم قالوا: لو لم يكن للحصر لزم الاشتراك إذ لا واسطة وليس باتفاق. لنا: لا يلزم من نفي دلالة الحصر دلالة الاشتراك لجواز أن لا يدل عليهما أصلا. قالوا: إذا قيل: الفقهاء الحنفية أفاضل ولا مقتضى للتخصيص مما تقدم نفرت الشافعية مع إقرارهم بفضلهم ولا ذاك إلا للإشعار بالمخالفة. قلنا: لعلها من التصريح بالحنفية وتركهم على الإجمال أو لتوهمهم لاعتقاد ذلك. قالوا: أكثر فائدة فكان أولى، قلنا: إثبات لغة بتكثير الفائدة فلا يصح.
(2/557)

وأجيب بلزوم الدور من جهة أن دلالته تتوقف على تكثير الفائدة المتوقف على دلالته، وليس بسديد، لأن تكثير الفائدة حامل على الوضع لتحصيلهما فتعقله سبب الفعل، وحصوله مسبب فلا دور.
ومنها مفهوم الشروط:
وهو انتفاء الحكم عند عدم ما علق عليه فقال به من لا يقول بمفهوم الصفة، ووافقنا على المنع عبد الجبار والبصري. القائل به بما تقدم، وأيضا يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط وما دخل عليه حرف الشرط شرط، وأجيب بأنه
(2/558)

لا يلزم أن يكون شرطا لجواز كونه سببا والتعدد في الأسباب ممكن. وفخر الإسلام بنى الخلاف على حرف آخر، وهو أن الشرط عندنا مانع عن انعقاد السبب وعندهعن الحكم، فالتعليق سبب. وعندنا عند وجود الشرط، فعدم الحكم يضاف إلى عدم سببه، وعنده إلى انتفاء شرطه مع وجود سببه. لنا: أن السبب هو المفضي إلى الحكم والتعليق يمين تعقد للبر فنافت الحنث، فأثر التعليق في منع الانعقاد فبقي الحكم على عدمه الأصلي. قالوا: سبب شرعي يجب ترتب حكمه عليه، فأثر الشرط في تأخيره عنه كشرط الخيار في البيع. قلنا: الشرط مغير فإن نجز انعقد وإلا تغير عن السببية لعدم الإفضاء إلى الحكم ظاهرا، وأما شرط الخيار فعلى خلاف القياس لعدم إمكان تعليق البيع
(2/559)

لأنه إيجاب والغرض التدارك فجعل داخلا على الحكم لمنع اللزوم.
تنبيه:
ويتفرع على هذا أن التعليق بالملك قبله في الطلاق والعتق صحيح. وتعجيل النذر المعلق وكفارة اليمين ممتنع وطول الحرة غير مانع من نكاح الأمة خلافا له.
تنبيه:
وبنى الخلاف في الصفة على هذا فقال هي مانعة من عمل اللفظ المطلق بموجبه فكانت كالشرط، وعندنا أن قصارى ذلك أن تكون علة ولا أثر لها في النفي.
نقضان:
لو أتت بثلاثة في أبطن فادعى المولى نسب الأكبر اقتصر، ولولا الدلالة لثبت الآخران لأنهما ولدا أم واحدة ولو شهدا في ميراث: لا نعلم له وارثا في أرض كذا لم تقبل عندهما ويجعل النفي الخاص إثباتا في غيره. وجواب الأول:
(2/560)

أن النفي ليس للمفهوم، بل لقرينة خارجية، وهي أن التبري عن الإلحاق لظهور دليله فرض كالالتزام بدليله فكان سكوته عن التبري في موضعه بيانا له كيلا يكون تاركا للغرض. والثاني: أن زيادتهما أورثت شبهة قادحة في القبول. وقال أبو حنيفة: سكوت في غير موضع الحاجة، لأن ذكر المكان غير واجب وقد يكون احترازا عن المجازفة.
ومنها مفهوم الغاية:
وقال به أكثر الفقهاء والمتكلمين. وعندنا هو من قبيل الإشارة لا المفهوم
(2/561)

القائل به: بما تقدم، وبأن معنى صوموا إلى أن تغيب الشمس أنه آخره، فلو فرض بعده لم يكن آخرا هذا خلف.
ومنها مفهوم اللقب:
كقولنا: زيد قائم، فالجمهور: لا يدل على نفي غيره خلافا للدقاق وبعض الحنابلة. لنا: المقتضي للمفهوم معدوم لأن الشرط
(2/562)

في مفهوم المخالفة أنه لو حذف متعلق الحكم لم يختل الكلام، وههنا يختل بإسقاط اللقب، وأيضا لو كان حجة لز الكفر من قولنا: محمد رسول الله وزيد موجود، فإن الأول ينفي سائر الأنبياء، والثاني واجب الوجود، وأيضا إبطال القياس لأن النص في الأصل حينئذ دال على نفي الحكم في الفرع فلو علل كان على مضادة النص. قالوا: إذا قال لمن يخاصمه ليست أمي زانية ولا أختي، تبادر نسبته إلى أم الخصم وأخته، ولذلك حد عند مالك وأحمد ولولا الدلالة ما حد. قلنا: جاز أن يكون لقرينة خارجية لا للقب، ولذلك لا يحد عندنا.
ومنها الحصر بإنما:
فعندنا لا يفيده، بل يؤكد الإثبات. والقاضي والغزالي:
(2/563)

يفيده بمنطوقه ظاهرا ويحتمل التأكيد. وقيل بمفهومه. لنا: إنما زيد قائم بمعنى إن زيدا قائم فكانت ما مؤكدة للمعنى، وأيضا لو دل لم يصح عمل بغير نية ولا ولاء لغير معتق بقوله "إنما الأعمال بالنيات" و"إنما الولاء لمن أعتق". الغزالي: {إنما إلهكم الله} بمعنى ما إلهكم إلا الله، فيدل كما يدل. وهذه أدلة استقرائية فقد يكون الحصر وعدمه مستفادا من خارج ولا دليل من قبل الوضع فتعين العمل بالمنطوق وهو تأكيد الإثبات لا غير.
ومنها الحصر:
في مثل: صديقي زيد، والعالم زيد، ولا يكون المبتدأ معهودا فعندنا لا يفيده، وقيل يفيده بمنطوقه، وقيل بمفهومه. لنا: لو أفاده لأفاد عكسه لأنه فيهما لا يستقيم للجنس ولا لمعهود معين لعدم القرينة وهو الدليل
(2/564)

عندهم. وأيضا لكان التقديم يغير مدلول الكلمة من كونها مبتدأ وخبرا، وأيضا يلزم استعمال اللام لغير الجنس والعهد والذهني. والأولان واضحان والثالث باطل، إذ الذهني في بعض غير مقيد بصفة كأكلت الخبز وشربت الماء. القائل به: لو لم يدل لأدى إلى الإخبار بالأخص عن الأعم إذ لا عهد ولا يستقيم للجنس فوجب جعله لمعهود ذهني مقيد بما يصيره مطابقا كالكامل والمنتهي وهو مرادنا بالحصر. قلنا: حق ولكنه يفيد المبالغة فمن أين الحصر وهي حاصلة في زيد العالم بنص سيبويه في زيد الرجل، أي الكامل في الرجولية. قالوا: لا يلزم فإنه إخبار عن الأخص بالأعم. قلنا شرطه أن يكون الأعم نكرة. قالوا: يجوز أن يكون للعهد لقرينة بخلاف العالم زيد. قلنا: يمتنع لوجوب استقلال الخبر بالتعريف منقطعا عن المبتدأ كوجوب استقلال الصفة به.
ومنها: مفهوم قران العطف.
قال به البعض مصيرا منهم إلى أن العطف يقتضي الشركة فقوله:
(2/565)

{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} يقتضي أن لا تجب الزكاة على الصبي كالصلاة للاشتراك في العطف. قلنا: العطف من حيث هو لا يوجب الشركة، بل نقصان المعطوف ليتم بما تم به المعطوف عليه وعند تمامها لا يشارك إلا فيما يفتقر إليه كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق وعبدي حر، لأنه في حكم التعليق قاصر وإن كان تاما في نفسه.
تفريع:
{ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} جعل مشاركا في الجلد لصلاحية كونه جزءا واحدا لأنه إيلام معنوي والجلد صوري وهو مفوض إلى الإمام بخلاف {وأولئك هم الفاسقون} لأنه حكاية حال فقام دليل الانفصال.
(2/566)

وأما القياس:
فهو التقدير حقيقة والمساواة مجازا، وفي الأصول مساواة فرع لأصل في علة حكمه. ومن يصوب كل مجتهد يزيد: في نظر المجتهد.
(2/567)

وهذا تعريف الصحيح، وإن عمم قيل تشبيه الفرع على المذهبين فإن التشبهي أعم من حصول المساواة في العلة وعدمه. وأورد قياس الدلالة
(2/568)

والعكس. وأجيب ليسا بمرادين من مطلق القياس ولهذا لا يستعملان إلا مضافا وهو دليل المجاز، وقولهم: بذل الجهد في استخراج الحق، والدليل الموصل إلى الحق والعلم عن نظر مزيف بالنص والإجماع، وبأن بذل الجهد صفة القائس لا القياس والعلم ثمرته لا نفسه. وقيل: حمل الشيء على غيره بإجراء حكمه عليه. ويرد ما يحمل بغير جامع وليس بقياس. وقيل حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما لأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما، ويرد: أن الحمل ثمرة، وإثبات لهما مشعر أن حكم الأصل قياس أيضا وليس، وإلا لزم الدور، ويجامع كاف وما بعده مستغنى عنه لأنه أقسامه، وقد تنفك ماهية القياس عنها، وأورد: ثبوت حكم الفرع
(2/569)

فرع معرفة القياس فتعريفه به دور. وأجيب بأن المحدود الماهية الذهنية، وثبوت حكم الفرع في الخارج ليس فرعا لها، وقول فخر الإسلام: مدرك من مدارك أحكام الشرع حق، إلا أنه فرع تصوره، يريد أنه ليس بمثبت ابتداء. وقيل: إبانة مثل حكم الأصل في الفرع بمثل علة الأصل. وقيل: إبانة مثل حكم أحد المذكورين بمثل علة الآخر ليدخل القياس بين المعدومين، ولم يتعرض للنص ليدخل القياس العقلي، ونص على الإبانة لأنه ليس بمثبت، وقال مثل الحكم والعلة لأن تعديتهما وهما قائمان بمحلهما محال.
وأركانه:
الأصل والفرع وحكم الأصل والوصف. وأما حكم الفرع فثمرته لتوقفه عليه فلو كان ركنا لتوقف على نفسه وهو محال. فالأصل محل الحكم المشبه به، وقيل النص الدال على حكمه، وقيل حكمه، وقيل نزاع لفظي لأن هذه المعاني متفق عليها، ولما كان الأصل ما يبتنى عليه غيره وهو مستغن عنه
(2/570)

كان كل من هذه أصلا بالاعتبار الأول، ويختص المحل باستغنائه عنهما وافتقارهما إليه فكان أولى. والفرع: محل الحكم المشبه أو حكمه على القولين، وقيل لما كان مفتقرا مبنيا على غيره كان الحكم أولى إلا أنهم لما سموا محل المشبه به أصلا سمي محل المشبه فرعا، والوصف الجامع بالنسبة إلى الأصل فرع لأنه ينشأ عنه، وأصل في الفرع لأن حكمه ينبني عليه.
(2/571)

فصل في شروطه:
أما حكم الأصل فمن شرطه أن يكون شرعيا لأنه الغرض منه، وأن لا يكون منسوخا لأن التعدية بواسطة اعتبار الشرع الوصف الجامع، فإذا نسخ زال اعتباره، وأن يكون دليله شرعيا، وأن لا يكون مخصوصا بحكمه بنص كقبول شهادة خزيمة
(2/572)

وجواز السلم رخصة، وكقول الشافعي في اختصاص نكاحه عليه السلام
(2/573)

بالهبة بقوله تعالى {خالصة لك}. ونحن جعلنا الخلوص في عدم وجوب العوض إكراما له كما لم تحل نساؤه بعهده بقوله {أمهاتهم} وفيما ثبت كرامة له لم نعده حتى لم يصح في الهبة لغيره إلا بعوض. وكقولنا في تقوم المنافع وماليتها في الإجارة بالنص، ومنها أن لا يكون معدولا به عن القياس كأكل الناسي في الصوم عدل به عنه وهو فوات القربة بما يضادها بالنص لا مخصوصا به وأثبتنا حكمه في المواقع ناسيا دلالة لا قياسا. وكترك التسمية في الذبيحة ناسيا. ومنها أن لا يكون
(2/574)

ذا قياس مركب وهو عراؤه عن النص والإجماع والاستغناء بموافقة الخصم لحكم الأصل وهو نوعان مركب الأصل ومركب الوصف، فالأول أن يجمع بعلة فيعين الخصم أخرى كما لو قال شافعي: عبد فلا يقتل به الحر كالمكاتب، فنقول العلة في الأصل جهالة المستحق من السيد والورثة فإن صحت بطل الإلحاق، وإن بطلت منعنا حكم الأصل فلا ينفك عن عدم العلة في الفرع أو منع الأصل، وسمي مركبا للاختلاف في تركيب الحكم، فالشافعي ركب العلة على الحكم ونحن خلافه. الثاني: أن يجمع بعلة مخالفة في وجوبها في الأصل كما لو قال: تعليق للطلاق فلا يصح قبل النكاح، فنقول العلة معدومة في الأصل فإن صح وجودها منعنا حكم الأصل وإن بطلت بطل الإلحاق فلا ينفك عن منع أو عدم العلة في الأصل. ومنها أن لا يكون دليل حكم الأصل شاملا لحكم الفرع لأنه حينئذ معلوم من ذلك الدليل لا من القياس ولأنه ليس جعل أحدهما أصلا أولى من الآخر. ومنها أن لا يتغير بالتعليل حكم النص
(2/575)

لأن تغييره بالرأي باطل كقول من يقبل شهادة القاذف بعد التوبة اعتبارا بسائر الجرام لأن حكم النص يوجب إبطالها دائما حدا فالقبول تغيير، وكرد الشهادة بالفسق اعتبارا بالصبي والمجنون وحكم النص التثبت والوقف {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا}.
نقوض وأجوبة:
"لا تبيعوا الطعام بالطعام" عام وخصصتم القليل بالتعليل، وعينت الشاة في الزكاة فأجزتم القيمة. وأجبت [؟ أوجبت] للثمانية فأجزتم الصرف
(2/576)

إلى واحد. وعين التكبير للافتتاح فأجزتم غيره، والماء لقلع النجاسة فأجزتم المائع. قلنا: خصصناه بالنص مصاحبا للتعليل، لأن استثناء الحال وهو قوله "إلا سواء بسواء" من الأعيان لا يستقيم فكان من الأحوال التساوي والتفاضل والجزاف هو مختص بالكثير المعلوم بالكيل، وأما الزكاة فليست للفقير ملكا لأنها عبادة، وإنما سقط حقه في الصورة بإذنه تعالى نصا لأنه وعد الفقراء وعين مالا لنفسه وأمر بإنجاز تلك المواعيد منه فقامت دلالة الاستدلال تحصيلا لمقاصد الفقراء فكان رزقهم في مطلق المال لا الخاص، والتعليل لصلاحية دفع الشاة إليه وهو أنها تقع لله تعالى بابتداء قبض الفقير مزية وبدوام اليد مصروفا إليه من الله تعالى، فالفقراء مصارف لحاجتهم لا مستحقون، وأسماء الأصناف أسباب الحاجة فمن أصيب منهم فقد أصيب المصرف
(2/577)

والجزء والكل فيه واحد كاستقبال الكعبة، والتكبير وجب للتعظيم لا لعينه لأنه جزء من البدن الذي فرض على كل من أجزائه تعظيم يناسبه، والثناء تعظيم اللسان فحكم النص باق بعد التعليل وكذلك الماء ليس بواجب الاستعمال لذاته بل الواجب إزالة النجاسة والماء آلة والمائع كذلك فلا تغيير، وأورد إزالة الحدث وأجيب: غير معقول فأثبت على الأعضاء الظاهرة نجاسة حكمية، فتسمية الشرع الوضوء طهورا ضرورية فيتقدر بقدرها فلم يتعد، وأورد فكيف صح بلا نية؟ أجيب بأن التطهير معقول وهو للماء بطبعه لا بالنية.
ومنها أن لا يكون فرعا عند الكرخي خلافا للحنابلة وأبي عبد الله البصري. لنا: إن اتحدت العلة فذكر الوسط غير مفيد،
(2/578)

كما لو قاس شافعي الربا في السفرجل على التفاح بعلة الطعم ثم قاس التفاح على تحريم الربا بعلة الطعم أيضا، وإن تغايرت وكانت منصوصة أو مجمعا عليها في الأصل الممنوع فقد أمكن إثبات حكم الفرع بها ولا حاجة إلى القياسين. وإن كانت مستنبطة كما لو قال: الجذام عيب يفسخ به البيع فكذا النكاح قياسا على الرتق والقرن فإذا منع قاسهما على الجب والعنة بواسطة فوات غرض الاستمتاع لم يصح فإن حكم الفرع الأول يثبت بعلة الفرع الثاني فإذا ثبت بعلة أخرى استنبطت من الأصل الآخر امتنعت التعدية بالأولى لعدم ثبوتها لعدم اعتبار الشارع إياها حيث يثبت حكم أصلها بغيرها وفاقا. والثانية ليست في الفرع هذا وإن كان فرعا يخالفه المستدل كما لو قال حنفي في صوم الفرض بنية النفل: أتى بما أمر به كمن عليه فريضة الحج فنوى النفل لم يصح لأنه إما مقرر أو ملزم. وليس الأول لأنه لا يعتقده ولا الثاني لجواز إنكاره بناء الحكم على تلك العلة وهو أعرف بمذهبه ولو لم ينكر فحاصله إظهار أخطاء المعترض في الفرع ضرورة تصويبه في علة الأصل وليس هذا بأولى من خطأ المستدل في الأصل وتصويبه في الفرع.
وأما شروط علة الأصل:
فالاتفاق على جواز التعليل بالأوصاف الظاهرة العرية عن الاضطراب معقولا كان الوصف كالرضا والسخط أو محسوسا كالقتل والسرقة أو عرفيا كالحسن والقبح وسواء كان موجودث في المحل أو ملازما له. والخلاف في شروط منها: الأكثرون أن لا تكون محل الحكم ولا جزأه. وأجازه آخرون.
(2/579)

واختار الآمدي امتناعه بالمحل دون الجزء. والحجة أن العلة لو كانت المحل بخصوصه كانت قاصرة إذ لو تحقق بخصوصه في الفرع لاتحدا، فلا تعديه، ومن جوز القاصرة أجاز استلزام المحل لحكمة غير متعدية ونحن منعناه مطلقا، وأما الجزء فيحتمل أن يعم الأصل والفرع. ومنها:
أجازه بعضهم بمجرد الأمارة الطردية، والحق أنه لا بد أن تكون باعثة أي مشتملة على حكمة صالحة مقصودة للشارع، ولا يمنع التعليل في الأصل بمجردها إذ لا فائدة للأمارة سوى تعريف الحكم وهو معلوم بالخطاب، ولأنها مستنبطة من حكم الأصل متفرعة عنه فلو عرف بها لتوقف هو عليها وأنه دور. ومنها: أن لا يكون عدما في
(2/580)

الحكم الثبوتي. لنا: لو كان عدما فإما أن يكون مناسبا للحكم أو مظنة مناسب إذا خفي هو، والثاني باطل لأنه إما عدم مطلق فنسبته إلى الكل سواء، أو عدم خاص فإما أن يكون وجود ذلك الأمر منشأ مصلحة فعدمه يستلزم عدمها، أو مفسدة فوجوده مانع عن المصلحة، وعدم التمانع ليس علة لها باتفاق ولا مظنة. وإما أن يكون منافيا لوجود مناسب الحكم لم يكن عدمه مناسبا لمنافيه المناسب، لأنه إن كان ظاهرا كان علة ولا حاجة إلى المظنة أو خفيا كان العدم أيضا خفيا للتقابل لتساويهما في التعقل، وإن لم ينافيه كان وجوده كعدمه فلم يكن عدمه مناسبا ولا مظنة. واستدل: لا علة عدم، لجواز الحمل على المعدوم. فلو كانت وجودية اتصف المعدوم بالوجود فكانت العلة وجودية، وإلا لزم ارتفاع النقيضين وقد مر في الحسن مثله. قالوا: لو لم يجز لم يصح تعليل الضرب بعدم الامتثال. قلنا: العلة الكف عن الامتثال وهو وجودي. ومنها: أن لا يكون العدم جزءا منها قالوا: لو لم يصح لم يقع وانتفاء معارضة المعجزة جزء المعرف لها لأنها الإتيان مع التحدي وانتفاء المعارض. وكذلك جزء الدوران وجودا وعدما معرف لعلية المدار وهي وجودية والجزء عدمي، قلنا: هو شرط لا جزء.
(2/581)

تنبيه:
ولا يستثنى من هذا إلا حكم أضيف إلى سبب معين أو مجمع على دليله فعدمه دليل عدمه كقول محمد في ولد المغصوب لم يغصب، وفيما لا خمس فيه من اللؤلؤ لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فأما مثل التعليل في إفساد النكاح بشهادة النساء بأنه ليس بمال وفي أنه لا يعتق الأخ بالملك بأنه ليس بينهما ولاد ومثل جواز إسلام المروي في مثله (لأنه) لا يجمعهما طعم ولا ثمنية ليس بمانع عن وجود علة يضاف الجواز والعتق والمنع من السلم
(2/582)

إليها بخلاف الأول، ومنها التعدية فلا يصح التعليل بالقاصرة المستنبطة كتعليل الشافعي الربا في النقدين بجوهرية الثمن.
(2/583)

لنا: لو صحت لأفادت فأما في الفرع ولا فرع لقصورها ولا في الأصل لثبوته بالنص أو الإجماع. قالوا: إذا دل الإيماء أو المناسبة أو غيرهما على التعدية غلب على الظن أن الحكم مضاف إليها. قلنا: فيه إبطال للنص فإن قيل بل يفيد اختصاصه بها قلنا: حاصل بترك التعليل فلا فائدة. قالوا: لو توقف صحتها على التعدية لم تتوقف التعدية على صحتها وإلا لزم الدور. قلنا: توقف معية لا تقدم، فلا دور.
ومنها: أنه يجوز أن يكون حكما شرعيا
(2/584)

كقوله عليه السلام للتي سألته عن الحج: "أرأيت لو كان على أبيك دين" وكقولنا في المدبر مملوك تعلق عنقه بمطلق موت المولى.
ومنها: اختلف في اتحاد الوصف فقيل: يجب، والحق أنه يجوز فيه التعدد، فالأول تعليل رب النساء بالجنس أو الكيل أو الوزن،
(2/585)

والثاني تعليل ربا الفضل بهما. لنا: أن الوجه الذي يثبت به الواحد يثبت به المتعدد. قالوا: لو صح تركيبها لكانت العلية صفة زائدة على المجموع لتعقل الهيئة الاجتماعية مع الجهل بكونها علة، والمجهول غير المعلوم ولأنها موصوفة بالعلية والصفة غير الموصوف واللازم باطل لأنها إن كانت قائمة بكل واحد فكل علة، أو بواحد، فهو العلة. قلنا: منتقض بالحكم على المتعدد من الحروف بأنه خبر أو غيره مع ما ذكر بعينه. والتحقيق منع أن العلية وصف زائد فلا معنى لكون المجموع علة إلا أن الشارع قضى بالحكم عندها للحكمة وليس ذلك صفة، ولو سلم منع أنها وجودية لامتناع قيام المعنى بالمعنى. وأيضا فعلل الشرع أمارات فلا بعد في اجتماعها ضربة ومتعددة. ومنها: اختلف في تخصيص
(2/586)

العلة ويسميه بعضهم النقض وهو وجود العلة ولا حكم،
(2/587)

فأبو منصور وفخر الإسلام والأكثرون منا ومن الشافعية على المنع. والتخلف لعدم العلة لا لمانع مع وجودها، والعراقيون وأبو زيد والمعتزلة على الجواز، والتخلف لمانع على أنه تخصيص للعلة لا نقض. وقيل: بني الخلاف على القول بعروض العموم للمعاني، والحق أن ذلك بناء على أن التخصيص هنا إبطال للعلية، فلا يصح، وإن كانت عامة. والمجوز: ليس بإبطال بل تخصيص كالعموم اللفظي، وقيل بالجواز في العلة المنصوصة لا المستنبطة وقيل بالعكس، واختار بعضهم في المستنبطة عدم الجواز (إلا) لمانع أو عدم شرط، وفي المنصوصة بالتخصيص إذا ثبتت العلية بظاهر عام. لنا: لو صح لزم التناقض، لأن كون الوصف علة شرعية يقتضي اللزوم مطلقا لكونها تامة فاستحال تخلف الحكم عنها مع وجودها لاستحالة انفكاك الحكم عن العلة التامة، وأيضا التخلف لا يمكن إلا لمانع أو انتفاء شرط فنقضها إذا جزء العلة التي يترتب الحكم عليها وإلا امتنع الترتب، فالعلة هي المجموع فالتخلف إذًا نقض لجزئها فلا يكون نقضا لها، فإن قيل: نزاع لفظي لأنه إن أريد بالعلة الأولى التامة فنحن نمنع التخلف عنها، وإن أريد بها الباعثة على الحكم فالمانع أو انتفاء الشرط شرطان في إثبات الحكم لا جزءان
(2/588)

قلنا: الكلام في نفس العلة فلا اعتبار لها عندنا إلا ترتب الحكم عليها وحينئذ لا تكون إلا تامة وأيضا فالاعتبار بالعلل العقلية والجامع كونهما علة مع دلالة الدليل على وجوب تعلق الحكم بهما. قالوا: كما جاز عدم إرادة المخصوص من النص العام مع التناول بدليله، جاز خروج بعض الصور عن عموم العلة مع وجودها بالمانع، والجامع أن كلا منهما أمارة على الحكم وهذا ليس بنقض. قلنا: دفع التعارض بالتخصيص عند إمكانه في النص واجب يوجب العصمة وإلا فالنسخ بخلاف العلة، وإلا يلزم عصمة المجتهد فالتخلف ناقض للعلية لا مخصص. قالوا: (يجوز) أن التخلف لفسادها أو لمانع، فإذا أبدى المانع تعين البيان. قلنا: المانع إن كان نصا فقد أبطل العلة لعدم اعتبارها وكذلك الإجماع والضرورة لأنهما في حكمه وكذلك الاستحسان لما يأتيك فلا بيان.
المجوز في المنصوصة: لو بطل به بطل النص العام المخصوص فيما وراه إذ النص على العلة كالنص على الحكم. وأجيب بالمنع وأن المانع إن كان نصا فرافع ولو سلم فإن قارن فالمجموع هو العلة فلا تخلف، وإن تأخر عن العام نسخ فكان مبطلا.
المجوز في المستنبطة وحدها: أن النص العام الدال على العلية لا يحتمل التخصيص لأنه نص على التعميم فلا تحتمله العلة فالتخصيص مبطل بخلاف المستنبطة، فإن التعميم ليس بقطعي فجاز التخصيص بالمانع وأجيب بما مر.
وجه المختار: أن التخلف في المستنبطة محال إلا لمانع أو انتفاء شرط، وإلا لما ثبت التخلف وفي المنصوصة يجب التخصيص لأن عمومها يكون بنص ظاهر عام. أما الظهور فلأنه لو كان قاطعا لم يتخلف، وأما العموم فلأنه لو كان خاصا بمحله لم يتخلف فوجب الجمع بين الدليلين بالتخصيص لأن النص على العلة كالنص على الحكم. قلنا: التخلف لعدم العلة وقد مر جواب الثاني.
(2/589)

تنبيه:
موضع التخلف يعلل بالمانع عند المخصص، وبعدم العلة عندنا.
فإذا قيل في صايم صب الماء في فيه: فات ركن الصوم، فأورد الناسي فأجاب: خص بمانع وهو الأثر، قلنا: عدمت العلة فيه فإن فعل الناسي مضاف إلى صاحب الحق فكان عفوا، وهذا فساد من قبل غيره. وإذا قيل الغصب سبب ملك البدل فكان سببا لملك المبدل، فأورد المدبر. قال المخصص قام المانع وهو عدم احتمال نقل الملك فيه، وقلنا لم توجد
(2/590)

العلة لأن ضمان المدبر بدل عن اليد الفائتة لا العين.
تنبيه:
القائل بالمانع قسمه إلى ما يمنع انعقاد العلة كبيع الحر، وما يمنع تمامها كبيع الفضولي، وما يمنع الحكم كشرط الخيار وما يمنع تمامه كخيار الرؤية وما يمنع لزومه كخيار العيب على مثال الرامي ينقطع وتره أو يحول بينه وبين المرمي حائط أو يصيبه لكن يمنع درعه الجرح أو يجرحه لكن يبرأ أو يطول فيصير كالطبيعي. ومنها وجوب تعيين العلة وتمييزها وكون النص معللا بها للحال. واختلف في ذلك فقيل: الأصل عدم التعليل إلا بدليل
(2/591)

إذ الموجب هو الصيغة وبالتعلل ينتقل حكمه إلى معناه وهو كالمجاز من الحقيقة. وقيل: بل هو بكل وصف ممكن إلا بدليل. وقيل: التعليل أصل لكن لا بد من مميز وهو الأشبه بمذهب الشافعي. لنا: أن التعليل لا يجب للنص دائما فادعاؤه مفتقر إلى دليل، وليس بكل وصف لأنه تعليل بمجهول، فلا بدمن مميز. مثاله: قولنا في النقدين إن الحكم معلل فالدليل أنه تضمن التعيين بقوله عليه السلام "يدا بيد" وهو من باب الربا فإن تعيين أحد البدلين واجب تحرزا عن الدين بالدين وتعيين الآخر طلبا للتسوية تحرزا عن شبهة الفضل. وقد وجدناه متعديا في الطعام بمثله عند الشافعي حتى شرط التقابض. وأبطلنا جميعا حنطة بعينها بشعير بغير عينه حالا، وإن كان موصوفا، ووجب تعيين رأس المال إجماعا فثبت أنه معلول.
(2/592)

ووصف الثمنية غير مانع. ومنها أنه يجوز أن يكون وصفا لازما كالثمنية جعلناها علة للزكاة في الحلي، وكالطعم في الربا عند الشافعي. وعارضا واسما كدم عرق انفجر والانفجار عارض.
(2/593)

وعللنا بالكيل وهو غير لازم. ومنها أنه يجب أن يكون معنى معقولا صالحا للعلية معدلا، والمعنى بالصلاحية: ملاءمته للمعاني المنقولة عن السلف، وبالتعديل: أن يكون له أثر في الشرع، وقيل يكفي الإخالة ثم العرض على الأصول،
(2/594)

وقيل بالثاني. لنا: أن الوصف إنما يعلم كونه حجة بأثره، لأنه غير محسوس ولا اعتبار بالخيال لأنه ظن وقد تعارض بالمثل. ولا بالعرض لأنه تزكية يترتب على الشهادة. مثال الأثر: التعليل بالطوف في "إنها ليست بنجسة إنها من الطوافات" فالأثر الضرورة التي هي سبب التخفيف، ومثل أمره عليه السلام للمستحاضة بالوضوء لكل صلاة بأنه دم عرض انفجر، فللدم أثر في النجاسة التي هي سبب الطهارة، وللانفجار أثر في التخفيف لأنه مرض لازم، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه وقد سأله عن القبلة في الصوم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته" تعليل بمؤثر فإن الفطر نقض الصوم الذي هو كف عن اقتضاء
(2/595)

الشهوتين، وليس في القبلة شيء منهما، فكان كالمضمضمة وقول عمر لعبادة رضي الله عنهما حين قال: "ما أرى النار تحل شيئا، أليس يكون خمرا ثم يصير خلا فيؤكل" فعلل بالتغير الطبيعي. وكقول أبي حنيفة في اثنين اشتيا قريب أحدهما: لا يضمن لشريكه شيئا لأنه أعتقه برضاه، وللرضا أثر في سقوط العدوان. وكقول محمد في إيداع الصبي: سلطه على استهلاكه، وكقول الشافعي: الزنا أمر رجمت عليه والنكاح حمدت عليه، فلا يوجب حرمة المصاهرة. وعلى هذا فرعنا فقلنا: مسح فلا يسن تثليثه كالخف، لأن للمسح أثر في التفيف، وقولهم ركن فيسن كالغسل فغير مؤثر في إبطال التخفيف، وعللنا في ولاية النكاح بالصغر والبلوغ الذين هما مؤثران في العجز والقدرة، بخلاف البكارة والثيوبة.
(2/596)

وأما شروط الفرع:
فمنها: أن يكون خاليا عن المعارض الراجح على القول بتخصيص العلل.
ومنها: أن تكون العلة فيه مشاركة لعلة الأصل. ومنها: أن يكون حكم النص معدى إليه من دون تغيير لأن التعليل للتعدية لا للتغيير مثل السلم الحال باطل لأن الشرط في المبيع أن يكون موجودا مملوكا مقدور التسليم. والشرع رخص في السلم بوصف الأجل، فكان النص ناقلا لشرط الأصل إلى ما يخلفه وهو الأجل. فالتعليل لإبطاله باطل، ومثل اعتبار الخاطئ والمكره بالناسي بجامع عدم القصد وهو مغير فليس الصوم
(2/597)

في الناسي لعدم القصد فإن لم ينو لعدم الشعور برمضان لم يصح صومه، وليس بقاصد، لكنه لم يجعل فطرا بالنص غير معلول، فسقط فعله لأنه جبلي نسب إلى الشرع فلم يصح اعتبار الخاطئ به وهو مقصر. ومنها: أن يكون نظيرا لأصل، فإن خالفه لم يصح كما يعدى حكم التيمم إلى الوضوء في اشتراط النية وليس بنظير فإن التيمم تلويث وهذا غسل وتطهير. فإن قيل: عديتم حرمة المصاهرة من الحلال إلى الحرام وليس بنظيره في استحقاق الكرامة، قلنا: لم نعده بل بواسطة الولد المستحق لها لإثبات الجزئية به ثم يتعدى ذلك إلى سببه وهو الوطء فليس أصلا وإنما عمل بسبب الأصل. ونظيره الغصب، فإنه تبع لوجوب ضمان الغصب، لا أصلا بنفسه فثبت بشرط الأصل لا بشرط نفسه، ومنها أن لا يكون فيه نص لأنه يكون نقضا للنص بالتعليل، وليس جعله أصلا أولى من العكس، والتعدية مع الموافقة لغو لاستغنائنا عنه بالنص وهذا مثل الكفارة في قتل العمد والغموس واشتراط الإيمان في مصارف الصدقة اعتبارا بالزكاة، واشتراط الإيمان في رقبة اليمين والظهار وهو تعدية إلى ما فيه نص بتغيره بالتقييد، فإن المؤاخذة في اليمين الغموس مطلقة، والعمد قود، فيقتضي أن يكون كل الموجب فإضافة الكفارة تغيير، وكذا الباقي. لأن النصوص مطلقة فيه. ومنها: أن لا يكون
(2/598)

متقدما على حكم الأصل كقياس الوضوء على التيمم في وجوب النية لم يلزم من ثبوت حكم الفرع قبل ثبوت العلة لكونها مستنبطة من حكم متأخر عنه، وهو معنى قولنا أن يكون نظيرا، وشرط قوم أن يكون الحكم في الفرع ثابتا بنص جملة لا تفصيلا، وليس بحق فإن الأئمة قاسوا "أنت علي حرام" على الطلاق واليمين والظهار فلا نص جملة ولا تفصيلا.

فصل في الطرد وتقسيمه:
اختلف القائلون به في تفسيره فقيل: الوجود عند الوجود. وقيل: والعدم عند العدم، وقيل: وأن يكون النص قائما في الحالين ولا حكم له
(2/599)

قالوا: أوصاف النص بمنزلته، والعلل أمارات فلا ضرورة إلى معنى معقول قلنا: جعله الشارع شاهدا على الحكم فلا بد من أثر له معقول يمكن إضافته إليه. وهي أمارات في أنفسها، ومؤثرات عندنا كالمقتول يموت بأجله، والقتل مزيل لحياته عندنا حتى يترتب عليه القصاص فلا بد من التمييز بين العلة والشرط، والطرد غير مميز. ولا العدم عند عدمه، لمزاحمة الشرط والعدم ليس بشيء فلا يصلح دليلا. كيف ويجوز أن يثبت بعلة أخرى. واحتج من شرط قيام النص مع عدم الحكم: بآية الوضوء. وبقوله عليه السلام "لا يقضي القاضي وهو غضبان" فإن علة الوضوء الحدث، فإن الوضوء يدور معه وجودا وعدما، والنص تعرض للقيام وهو موجود في الحالين بغير حكم وكذلك الغضب موجود مع شغل القلب وعدمه، والقضاء وعدمه يدور مع الشغل، لا لعين الغضب.
(2/600)

قالوا: العلة مغيرة والحكم مع الوصف قد يكون اتفاقيا وقد يكون لكونه علة فلا يكون مغيرا إلا بعدم الحكم عند عدمه واشتراط قيام النص من غير حكم ليضاف إلى العلة. قلنا: إن سلم فلا وجود له إلا نادرا، فلا يجعل أصلا وإلا فممنوع، فإن الحدث منصوص عليه في البدل الذي هو التيمم والغسل فكان نصا في الطهارة الصغرى وقد قرئ {من مضاجعكم} وهو دليل الحدث، ولأن الوضوء مطهر بصورته فدل على قيام نجاسة، بخلاف التيمم، ولما شرع الوضوء سنة وفرضا في كل صلاة سكت عن ذكر الحدث، ولما كان الغسل غير مسنون لكل صلاة نص على الحدث فيه وشغل القلب ملازم للغضب فالحكم ثابت بالنص والتعليل للتعدية، فاشتراط قيامه من غير حكم يبطل التعليل، وأول وجوه الطرد: الوجود وهو لا يفيد إلا كثرة الشهود، أو كثرة أداء الشهادة وصحتها لا تعرف إلا بالأهلية والعدالة. وثانيها العدم عند العدم. وهذا يجوز أن يكون لأنه شرط لا علة. وثالثها: التعليل بالنفي. وهو غير صحيح كما مر، ورابعها: استصحاب الحال
(2/601)

وهو صحيح عند الشافعي موجبا، وعندنا دافعا حتى أجزنا الصلح على الإنكار ولم نجعل براءة الذمة الأصلية حجة على المدعي، وهو جعله حجة موجبة حتى أبطل بها دعوى المدعي وأبطل الصلح، قال: إذا ثبت حكم بدليل بقي به كما بقيت الشرائع، وللإجماع على أن متيقن الوضوء لا يعيد للشك في الحدث، وبالعكس. وبأن الشهادة بأن هذه العين كانت له موجبة. ولنا: أن الموجب للوجود ليس موجبا للبقاء لأنه عرض فيفتقر بقاؤه إلى علة. وأما الشرائع فعدم احتمال النسخ فيها بعد الرسول عليه السلام لتقرر الأدلة موجب، والتنصيص على التأبيد بخلافها وهو حي لجواز النسخ ومسائل الإجماع البقاء فيها بدليل وهو أن حكم الملك التأبيد والطهارة البقاء ولهذا لم يصح التوقيت فيهما صريحا، لكنه يسقط بمعارض يقبل وجوده فيبقى على التأبيد بدليله، وكلامنا فيما يبقى بغير دليل كالقعود. وخامسها: الاحتجاج بتعارض الأشباه كقول زفر في المرفق: من الغاية ما لا يدخل ومنها ما يدخل، فلا يدخل بالشك، وهذا ليس بدليل لأن غايته عدم العلم بأحدهما. وسادسها: الاحتجاج بوصف فارق
(2/603)

كقولهم مس الفرج فكان حدثا كما لو مسه وهو يبول، وكقولهم مكاتب فلا يصح إعتاقه كفارة كما لو أدى بعض البدل. وسابعها: بما يكون مختلفا كقولهم فيمن ملك أخاه: يصح التكفير بإعتاقه فلا يعتق بالملك كابن العم. وفي الكتابة الحالة عقد كتابة لا يمنع من التكفير ففسد كالكتابة بالخمر، وفساده للاختلاف. وثامنها: بما هو ظاهر الفساد كقولهم للسبع أحد عددي صوم المتعة، فكان شرطا للصلاة، كالثلاث، يريد الفاتحة، ولأن الواحد أو الثلاث ناقص عن السبع فلا يتأدى به الصلاة كما دون الآية، ولأن الصلاة لها تحريم وتحلل فكانت كالحج في أن من أركانها السبع، وكما علل بعض أصحابنا الوضوء فعل يقام في أعضائه فلم تكن النية ركنا كالقطع قصاصا أو سرقة. وتاسعها: الاحتجاج بلا دليل وقد
(2/604)

جعله بعضهم دليلا وهو فاسد، إذ عدم الدليل لا يكون دليلا لجواز وجوده في نفس الأمر. لا يقال: قد علل محمد لنفي الخمس في العنبر لعدم الأثر لأنا نقول: معناه أنه بمنزلة السمك وهو بمنزلة الماء ولا خمس في الماء. بمعنى أن القياس ينفيه ولا أثر يترك به القياس فيه فوجب العمل به. ولا يقال {لا أجد فيما أوحي} لأنا نقول هو للشارع فإذا لم يجد لم يكن لوجوب العصمة بخلاف غيره.
فصل:

وحكم العلة التعدية إلى ما لا نص فيه بغالب الرأي على احتمال
(2/605)

الخطأ وما يعلل به أربع: إثبات الموجب أو وصفه والشرط أو وصفه والحكم أو وصفه وتعدية حكم معلوم بسببه وشرطه بوصف معلوم. والتعليل للأول باطل لأن القياس غير مثبت. وفي إثبات الموجب أو وصفه إثبات الشرعية وفي إثبات الشرط أو وصفه رفع الحكم ونسخه بالرأي وإثبات الحكم نفيا وإثباتا بالرأي باطل، فتعين الرابع. مثال الأول: الجنس بانفراده محرم للنساء فإنه خلاف في الموجب فلا يثبت إلا بإشارة أو دلالة أو اقتضاء. والثاني: كصفة السوم لزكاة والحل للوطء المثبت لحرمة الصهر به وصفة القتل
(2/606)

واليمين الموجب للكفارة. والثالث: كشرط التسمية للذبح والصوم للاعتكاف والشهود في النكاح، والرابع كالشهود في النكاح: رجال أم نساء، ورجال عدول أم لا، وكالوضوء شرط فلا يشترط له النية. والخامس: كالركعة الواحدة وفي صوم بعض اليوم وفي حرمة المدينة والأشعار. والسادس كصفة الوتر وصفة الأضحية والعمرة والرهن بعد الاتفاق على أنه وثيقة للاستبقاء وفي كيفية وجوب المهر وحكم البيع في ثبوته بنفسه أو تراخيه إلى القيام من المجلس، لا يقال: الاختلاف في صوم يوم النحر بالرأي لأنا نقول: ليس اختلافا في شرعية الصوم بل في صفة حكم النهي، وهذا الإنكار منا مضاف إلى ما لم يوجد له في الشريعة أصل. فلو وجد فلا بأس كالتقابض في الطعام بالطعام فأصل إثباته الصرف وأصل نفيه باقي السلع، وأما الرابع ففيه وجهان: القياس والاستحسان،
(2/607)

وهذا تقسيمها: من القياس ما ضعف أثره ومنه ما ظهر فساده لاستتار أثره، ومن الاستحسان ما قوي أثره وإن خفي، ومنه ما ظهر أثره وخفي فساده. والاستحسان هو القياس الذي يجب به العمل، والاستحسان أنواع: ما يثبت بالأثر كالسلم والإجارة وبقاء الصوم في الناسي، وبالإجماع كالاستصناع.
(2/609)

وبالضرورة كتطهير الآبار والحياض. ولما صارت العلة علة بأثرها سمينا الضعيف الأثر قياسا والقوي استحسانا، أي قياسا مستحسنا وقدمناه لقوة أثره، وإن كان خفيا على الأول، وإن كان جليا. مثاله: سور سباع الطير نجس قياسا اعتبارا بسباع البهائم، وهذا ظاهر الأثر وفي الاستحسان طاهر، لأن السبع ليس بنجس العين بل ضرورة تحريم لحمه فتثبت نجاسة بمجاورة رطوبات لعابه ففارقه الطير لأنه يشرب بمنقاره وهو طاهر بنفسه. ومثال ما ظهر فساده واستتر أثره وقابله استحسان ظهر أثره واستتر فساده: من تلا آية السجدة في الصلاة يركع بها قياسا للنص {وخر راكعا} وفي الاستحسان لا يركع لأنه مأمور بالسجود وهو غير الركوع، والقياس هاهنا أولى بأثره الباطن الصحيح وهو أن السجود مأمور به لا لعينه ولهذا لم يشرع قربة مقصودة بل للخضوع الخاصل بالركوع أيضا. وهذا القسم عزيز والأول غزير.
(2/610)

تنبيه:
وفرق ما بين الاستحسان بالثلاثة الأول والقياس الخفي: صحة التعدية بهذا دون الأول، كالاختلاف في الثمن قبل قبض المبيع لا يوجب يمين البائع قياسا لأن البائع هو المدعي دون المشتري، وفي الاستحسان يجب لأنه ينكر تسليم المبيع بالثمن الذي يدعيه المشتري. ويعدى إلى الإرث والإجارة. وأما بعد القبض فاليمين ثابت بالأثر فلم يتعد إلى الوارث وإلى حال هلاك (المبيع). وإذا عرفت المراد بالاستحسان فلا وجه لتشنيع من شنع.

فصل:
في إثبات العلة وفيه مسالك الأول: الإجماع، والثاني:
(2/611)

النص، وهو على مراتب: ما دل بوضعه؛ مثل العلة كذا أو السبب كذا، أو لأجل أو من أجل أو كي أو لكي أو إذا، ومثل لكذا، وإن كان كذا، أو بكذا. ومثل "فإنهم يحشرون" ومثل {والسارق والسارقة فاقطعوا} و"من أحيا أرضا ميتة فهي له" ومثل "سها فسجد" و"زنا ماعز فرجم"
(2/612)

وما دل بالتنبيه والإيماء وهو كل اقتران بحكم لو لم يكن للتعليل كان بعيدا، وهو مراتب منها: حكمة عقيب حادثة بحكم كواقعت امرأتي في نهار رمضان، فقال: "أعتق رقبة" فإنه دليل أن الوقاع علة له كأنه قال: واقعت فكفر إذ الأمر بالعتق ابتداء من غير ترتيب بعيد. ومنها ذكره مع الحكم وصفا لو لم يكن علة لم يفد، إما مع سؤال في
(2/613)

محله كقوله عليه السلام "أينقص إذا جف" أو في نظيره كقول الخثعمية: إن أبي توفي وعليه الحج، أفينفعه أن أحج عنه؟ فقال: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه فقالت نعم. قال: فدين الله أحق" فذكر النظير مرتبا عليه فيلزم في نظيره وفيه تنبيه على الأصل والفرع والعلة. وإما من "غير" سؤال كقوله حين توضأ بنبيذ التمر "تمرة طيبة وماء طهور" دل على جواز الوضوء به
(2/614)

وإلا كان ضايعا، ومنها: أن يفرق بين أمرين بصفة فإنه يشعر بأنها علة التفرقة إما مع ذكر أحدهما "كالقاتل لا يرث" أو ذكرهما: "للراجل سهم وللفارس سهمان". وقد يكون بالغاية مثل {حتى يطهرن} وبالاستثناء كـ {إلا أن يعفون} وبالاستدراك {ولكن لا يؤاخذكم}.
(2/615)

ومنها أن يذكر معه وصفا مناسبا كقوله عليه السلام: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" فإنه يشعر بأن الغضب علة لتشويش النظر. ومثل أكرم العالم وأهن الجاهل، لأنه ألف من الشارع اعتبار المناسبات فيغلب على الظن لمقارنته ومناسبته أنه علة.
مسألة:
إذا صرح بالوصف وكان الحكم مستنبطا منه غير مصرح مثل {وأحل الله البيع وحرم الربا} فإيماء وبالعكس كـ"حرمت الخمر لعينها"
(2/616)

استنبط منه أن العلة الشدة المطربة ليس بإيماء، وقيل إيماء فيهما وبالعكس.
وجه التفصيل: أن الإيماء كون الوصف مذكورا على وجه يظهر من سياقه التعليل والأول كذلك وإن لم يصرح به الحكم فهو لازم لأنه يلزم من الحل الصحة والتعذره مع انتفائها. والثاني ليس كذلك لأن الوصف ليس بمذكور أصلا.
مسألة:
اشترط قوم المناسبة في صحة علل الإيماء ونفاه قوم وفصل آخرون: إن كان التعليل إنما فهم من الوصف المناسب اشترط، وإلا فلا، لأنه إنما فهم من المناسبة فإذا انتفت انتفى.

الثالث: السبر والتقسيم وهو
(2/617)

حصر الأوصاف في محل الحكم وإبطال ما لا يصلح للتعليل فيتعين وليس بحجة عندنا وصورته: أن يقول: الموجود في المحل بعد البحث إما وصفان
(2/618)

أو ثلاثة مثلا وكان أهلا للنظر عدلا. فيغلب عل الظن انتفاء سواها. أو يقول الأصل عدم ما سواها إلا بدليل ولا دليل ثم يحذف بعضها بدليله فيلزم انحصار التعليل في الباقي. فإن بين المعترض وصفا آخر لزمه إبطاله ولا يعد منقطعا والمجتهد يرجع إلى ظنه في ذلك. وإذا كان الحصر والإبطال قطعيا فقطعي وإلا فظني. وأما طرق الحذف فمنها: الإلغاء وهو بيان إثبات الحكم بالوصف المستبقى فقط دون المحذوف، ولا بد من إثبات الحكم مع المستبقى إذ لو ثبت دونه كما ثبت دون المحذوف كان إلغاء له أيضا، وحينئذ يثبت استقلاله بالعلية فيمتنع إدخال المحذوف واستقلاله. ولقائل أن يقول: دعوى الاستقلال من مجرد إثبات الحكم مع وجوده غير حقه إذ لو كفى ذلك من دون ضميمة تدل على استقلاله من طرق إثبات العلة لكفى في أصل القياس واستغنى عن السبر وغيره، وعند ذلك فإن أثبته في صورة الإلغاء بالسبر كما أثبته في الأصل الأول استغنى عنه لثبوت استقلال صورة الإلغاء بدليله، فذكر الأصل المستقل أيضا غير مفيد، وإن بينه بطريق آخر غير السبر فهو انتقال شنيع. ومنها: أن يكون الوصف من جنس ما ألف من الشارع إلغاؤه مطلقا كالطول والقصر والسواد والبياض. ومنها ما ألف إلغاؤه من جنس ذلك الحكم وإن كانت مناسبة كالذكورة في سراية العتق. ومنها: أن لا تظهر مناسبته بعد البحث ويكفي الناظر أن يقول: بحثت فلم أجد، فإن قيل: مثله في المستبقى رجح المستدل بالتعدية. واستدل على اعتبار السبر بأن حكم الأصل لا بد له من علة لإجماع الفقهاء إما بالوجوب كقول المعتزلة أو غيره كقول غيرهم. ولو لم يكن إجماعا فهو الغالب المألوف، فالحمل عليه أولى، ولا بد أن تكون ظاهرة وإلا كان تعبدا وهو خلاف الصل، لأن التعقل أغلب وأقرب إلى الانقياد. فإذا قال: سبرت وبحثت فما وجدت، وكان أهلا غلب على الظن صدقه. قلنا: يحتمل عدم السبر أصلا ومع وجوده فالوقوف على صفة
(2/619)

مع تركها ولو لم يجد لم يدل على عدمه، فإن الجهل ليس بدليل، ولو دل بالنسبة إليه لم يدل بالنسبة إلى الخصم لجواز علمه بوصف آخر، ولو سلم دلالته على الحصر فالحذف إنما يستلزمه في المستبقى، أن لو كان معقول المعنى، ويجوز أن لا يكون فيشترك المستبقى والمحذوف في عدم الاعتبار وبتقدير التعقل فغايته إبطال معارض العلة ولا يلزم منه صحة علية المستبقى، لأن ذلك باعتبار مصحح العلية، لا باعتبار انتفاء المعارض. الرابع: المناسبة والإخالة
(2/620)

وتلقب بتخريج المناط وهو تعيين العلة في الأصل بمجرد إبداء مناسبة من ذاته لا بنص ولا غيره. وفسرها أبو زيد بما لو عرض على العقول تلقته بالقبول. وهذا أقرب إلى اللغة وإثباته متعذر في مقام النظر، لإمكان أن لا يتلقاه عقل الخصم بالقبول، وتلقي غيره ليس بحجة عليه كما في العكس. فلذلك منع أبو زيد التمسك بها. وفسرها غيره بأنها وصف ظاهر منضبط يحصل من ترتب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودا، فإن كان خفيا أو غير منضبط فالمعتبر ملازمه، وهو المظنة كالعمدية في القصاص باستعمال الآلة الموضوعة للقتل عرفا. وكالمشقة في السفر في الفطر، والقصر يعتبر بالسفر الذي هو المظنة. ثم المقصود من شرع الحكم: إما جلب منفعة للعبد أو دفع مفسدة عنه أو مجموعها، وذلك إما في الدنيا كالمعاملات، أو في الأخرى، كإيجاب الطاعات وتحريم المعاصي وقد يحصل المقصود يقينا وظنا، وقد يكون الحصول ونفيه متساويين وقد يرج نفيه. فالأول كالبيع والثاني كالقصاص المترتب على القتل العمد العدوان لأن الغالب صيانة النفوس. والثالث لا مثال له على التحقيق، ويقرب منه الحد على الخمر لحفظ العقل، فإن الحصول ونفيه متساويان لتعارض كثرة الممتنعين كثرة المتقدمين. والرابع: كالحكم بصحة نكاح الآيسة لمقصود التوالد، فإن نفيه أرجح. والقائلون بالمناسبة مجموعون على الأولين، وأما الآخران فاتفقوا على اعتبارهما إذا كان المقصود ظاهرا من الوصف في غالب صور الجنس، وإلا فلا.
(2/621)

تقسيم المقاصد:
وهي ضربان: ضروري في أصله وهو أعلاها كالمقاصد الخمسة التي روعيت في كل ملة: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال وحصرها عادي فالدين: كقتل الكافر المضل وعقوبة الداعي إلى البدع. والنفس: كالقصاص. والعقل وكحد الشرب، والنسل: كالحد على الزنا. والمال: كعقوبة السارق والمحارب. ومكمل للضروري: كتحريم قليل الخمر والحد عليه وإن كان أصل المقصود حاصلا بتحريم المسكر منه لكن فيه تكميل له. وغير ضروري: وهو ما تدعو إليه الحاجة في أصله كالبيع والإجارة والقراض وتزويج الصغيرة لخوف فوات الكفؤ وهي الرتبة الثانية وهي معارضة للتكيل ولهذا جاز اختلاف العلل فيها. وبعض هذا آكد من بعض وقد تكون ضرورية كالإجارة على تربية الصغير وشراء المطعوم والملبوس له ولغيره ومكمل له كرعاية الكفاءة ومهر المثل في الصغيرة فإنه أفضى إلى دوام النكاح وإن كان أصله حاصلا وما لا تدعو إليه لكنه من قبيل التحسين كسلب العبد أهلية الشهادة لانحطاط رتبته فلا يليق به المناصب الشريفة.
تقسيم المناسب:
وهو مؤثر وملائم وغريب ومرسل؛ لأنه إما أن يعتبره الشارع أو لا، فالمعتبر
(2/622)

بنص أو إجماع مؤثر، والمعتبر بترتيب الحكم عليه في صورة فقط إن ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم أو جنسه في عين الحكم أو جنسه في جنس الحكم فهو الملائم، وهذان معتبران وفاقا وهذا نسميه الملائم المعدل كما مر، وإن لم يثبت فهو الغريب. ولا اعتبار به عندنا وعند جمع من الأصوليين. واعتبره آخرون مصيرا منهم إلى أنه يفيد الظن بالعلية، لأن الحكم إن ثبت لا لعلة فهو بعيد لمخالفة الأصل، أو بعلة غير ظاهرة فكذلك لأن التعبد بعيد، أو ظاهره وهو المطلوب. قلنا: شرعي فلا بد
(2/623)

من اعتبار الشارع إياه، وإفادته للظن بالإخالة ممنوعة والظهور باعتبار الشرع، وبعد التعبد ممنوع من حيث قيام الاحتمال وإن لم يعتبر فهو المرسل، ومنه ما ظهر إلغاؤه شرعا وهما مردودان كما أفتى بعض العلماء ملكا أفطر عمدا في رمضان بإيجاب شهرين متتابعين مع اتساع ماله نظرا إلى أنه أزجر له، فإنه وإن ناسب إلا أنه ملغى بإطلاق الكتاب. الخامس: الشبه وهو الوصف الذي لا يثبت مناسبته إلا بدليل منفصل. فله تمييز
(2/624)

عن الطردي لأنه غير مناسب وعن المناسب لأن مناسبته من ذاته وليس بحجة عندنا لأنه إما مطلع على المناسب المؤثر فيكون حاكما به أو لا. وهو حكم بغير دليل. والسادس: الطرد والعكس فقيل: يدل قطعا
(2/625)

والأكثرون ظنا، وقلنا: لا قطعا ولا ظنا. لنا أن الوصف الموصوف بهما يجوز أن يكون من لوازم العلة، لا العلة، وما يثبت به العلية غيرهما وهو مستقل بنفسه. واستدل بأن الدوران حاصل في المتضايفين، وليس أحدهما علة وأجيب بأن الظن انتفى لدليل خاص مانع. قالوا: إذا وجد الدوران ولا مانع من كونه علة ولا قاطع بغيرها حصل الظن عادة كما لو تكرر غضب إنسان عند دعائه باسم غلب على الظن أنه سببه، حتى إن الصغار يعلمون ذلك. قلنا: لولا ظهور انتفاء غير ذلك بدليل لم يظن وهو مستقل.
تنبيه:
الفرق بين تحقيق المناط وتنقيحه وتخريجه أن تحقيقه: نظر في إثبات العلة في بعض الصور بعد معرفتها في نفسها بنص أو إجماع أو استنباط، والتنقيح:
(2/626)

النظر في تعيين العلة المنصوص عليها بحذف ما اقترن به مما لا مدخل له في الاعتبار كحذف كونه أعرابيا وزيدا أو كون الموطوءة زوجة أو أمة، وكونه شهر تلك السنة. والتخريج: النظر في إثبات علة الحكم الثابت بنص أو إجماع بمجرد الاستنباط كالاجتهاد في إثبات الشدة المطربة علة لتحريم الخمر وليس بحجة كما مر.
فصل:
التعبد بالقياس جائز خلافا للشيعة والنظام وبعض المعتزلة. القفال
(2/627)

وأبو الحسين: واجب عقلا. لنا لو فرض واقعا لم يلزم محال لذاته قطعا ولا لغيره لأن الأصل عدمه، ولو لم يجز لم يقع. قالوا: العقل مانع من سلوك طريق لا يؤمن فيها الخطأ فامتنع القياس عقلا. قلنا: ليس بإخالة خصوصا مع ظن الصواب، قالوا: ورود الشرع بالعمل بالظن ممتنع عقلا، وقد علم وروده بخلافه في مثل الشاهد الواحد والعبيد وانفراد النساء في الأموال، قلنا: ورد بالعمل بخبر الواحد وظاهر الكتاب. والمنع في هذه لمانع خاص بها.
(2/628)

النظام: امتنع عقلا ورود الشرع به مع العلم بأنه يفرق بين المتماثلات ويجمع بين المتفرقات فإنه أوجب الغسل وأبطل الصوم
بالمني بخلاف البول والمذي، وقطع سارق القليل دون غاصب الكثير، وجلد بنسبة الزنا دون الكفر، وقتل بشاهدين دون الزنا، وفرق بين عدتي الموت والطلاق والحرة والأمة، وسوى بين قتل الصيد عمدا وخطأ وبين القاتل والواطئ الصائم والمظاهر في الكفارة. قلنا: غير مانع من الجواز لجواز انتفاء صلاحية ما ظن جامعا أو وجود المعارض في الأصل أو الفرع. وأما المختلفات فلاشتراكها في معنى جامع أو لاختصاص كل بعلة. قالوا: مفض إلى الاختلاف وهو مردود بقوله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} ورد بإلزام العمل بالظواهر والمراد بالاختلاف التناقض أو الاضطراب المخل بالبلاغة لا اختلاف الأحكام الشرعية للقطع بوقوعه. قالوا: لو جاز فإما أن يصوب كل مجتهد أو واحدا وكون الشيء ونقيضه حقا محال وتصويب أحدهما مع استوائهما محال. قلنا: يلزم في الظواهر مثله، وشرط النقيضين الاتحاد وتصويب أحد الظنين لا بعينه ليس بمحال، قالوا: لو جاز لجاز في الأصول فيتسلسل، قلنا لا يلزم من امتناعه فيها للتسلسل الامتناع في غيرها. القائل بالوجوب عقلا: الأحكام تعم صورا لا تتناهى والنص غير واف بها، فوجب التعبد به. قلنا: الجزئيات غير متناهية لا أجناسها، والتنصيص على الأجناس ممكن.
فصل:
أكثر المجوزين قائلون بالوقوع خلافا
(2/629)

لداود وابنه
(2/630)

والقاشاني والنهرواني والأكثر سمعا لا عقلا، والأكثر قطعي، خلافا لأبي الحسين. لنا: ثبت بالتواتر عن عظماء الصحابة رضي الله عنهم العمل به وإن كانت التفاصيل آحادا، العادة: أن لا يجتمع مثلهم على مثله إلا بقاطع، وأيضا فبالإجماع السكوتي رجعوا إلى أبي بكر في قتال بني حنيفة على الزكاة ولما قال له بعض الأنصار حين ورث أم الأم دون أم الأب: تركت التي لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت. فشرك بينهما، وقول عمر: "أقضي في الجد برأيي"، وقوله في الجنين
(2/631)

"لولا هذا لقضينا فيه برأينا" وورث المبتوتة بالرأي وقول علي رضي الله عنه في الشارب "أرى عليه حد الفرية" وقوله لعمر رضي الله عنه وقد شك في قتل الجمع بالواحد "أرأيت لو اشترك جماعة في سرقة أكنت تقطعهم؟ قال: نعم قال: فكذا هذا". ومن ذلك اختلافهم
(2/632)

في الجد، فأسقط بعضهم به الإخوة كالأب وقاسم بينهم آخرون. وفي أنت حرام فقيل ثلاث وواحدة ويمين وظهار إلى غير ذلك. قالوا: آحاد فلا قطع، ولو سلم فهم بعض الصحابة. ولو سلم أنه من غير نكير دليل، منع عدم النكير، ولو سلم منع أنه وفاق، ولو سلم فأقيسة خاصة. قلنا: متواتر المعنى كجود حاتم والشياع والتكرار من غير إنكار قاطع عادي، وإلا فالعادة قاضية بنقل الإنكار وقد مر حجة كونه وفاقا. والقطع حاصل بأن العمل بها إنما كان لظهورها لا لخصوصها كظاهر الكتاب والمتواتر، وأيضا فقد تواتر عنه عليه السلام، وإن كانت الجزئيات آحادا. تعليل الأحكام للبناء عليها وهو معنى القياس مثل "أرأيت لو كان على أبيك دين" "أينقص إذا جف" "إنها ليست بنجسة إنها من الطوافات" "فإنه لا يدري أين باتت يده"، واستدل على إلحاق كل محصن بماعز، ورد: إما بحكمي على الواحد وإما للإجماع على التعميم في مثله، واستدل (باعتبروا) أي انظروا فيمن هلك قبلكم بالكفر بما هلكوا به فاجتنبوا أسباب الهلاك، وضعف بأنه ظاهر في الاتعاظ بحالهم ولو سلم فصيغة الأمر تحتمله. وبحديث معاذ وأمثاله وهي ظنية.
(2/633)

فصل:
في دفع العلل المؤثرة، ولا يصح إلا بالممانعة
(2/634)

والمعارضة ولا وجه للمناقضة لظهور الأثر بالكتاب والسنة فإن تصورت
(2/635)

مناقضة خرج على ما مر من عدم الحكم لعدم العلة كقولنا: مسح في وضوء فلا يسن تكراره كالخف، لا يلزم الاستنجاء لأنه إزالة الخبث فإنه إذا لم يعقب أثرا لا يسن. ولا لفساد الوضع إذ لا يوصف الكتاب والسنة والإجماع به. ولا للفرق لأن السائل منكر فله الدفع، وذكر معنى آخر في الأصل
(2/636)

دعوى وغايته أن يذكر علة لا تتعدى لكنها لا تمنع التعدية، وحاصله في الفرع عدم العلة والعدم ليس بدليل. أما الممانعة فأربعة: أولها في نفس الحجة كما إذا كانت طردية أو عدمية كما يعلل فساد النكاح بشهادة النساء والرجال بأنه ليس بمال. وثانيها: في وجود الوصف في الفرع والأصل لجواز كونه مختلفا في كقولنا في إيداع الصبي مسلط على الاستهلاك وفي صوم العيد منهي، وهو دليل التحقق والخصم يقول مسلط على الحفظ والنهي نسخ.
وثالثها: في شرطها وقد عرفتها والممنوع ههنا شرط متفق عليه وقد فقد في الأصل أو الفرع كقولهم في السلم الحال: أحد عوضي المبيع فكان كثمن المبيع، فيقال: الشرط أن لا يغير حكم النص ولا يكون معدولا به عن القياس وقد فقدا. ورابعها: في أثرها لأن مجرد الوصف بلا أثر ليس بحجة عندنا. قلنا: المنع حتى يثبت. وأما المعارضة فنوعان: معارضة بمناقضة، وخالصة، فالأول وهو القلب نوعان: أحدهما أن يجعل العلة حكما والحكم علة ولا يتأتى إلا في التعليل بالحكم كقولهم الكفار يجلد بكرهم فيرجم ثيبهم كالمسلمين. والقراءة تكررت فرضا في الأوليين فكانت فرضا في الأخريين كالركوع. قلنا: المسلم لم يجلد بكره إلا لأنه يرجم ثيبه ولم يتكرر الركوع فرضا في الأوليين إلا لأنه فرض في الأخريين، والمخلص أن يخرج مخرج الاستدلال بأن يكونا نظيرين ليدل كل على الآخر كقولنا: ما يلتزم بالنذر يلتزم بالشروع إذا صح كالحج.
(2/637)

والثيب الصغيرة يولى عليها في مالها فيولى في نفسها كالبكر الصغيرة فيقال: إنما لزم الحج بالنذر لأنه يلزم بالشروع، وإنما يولى على البكر في مالها لأنه يولى عليها في نفسها. قلنا: النذر لما وقع قربة لكونه سببا لزم ابتداء الفعل رعاية له مع انفصاله عنه فلئن يلزم بمباشرة القربة أولى، والولاية شرعت للعجز في النفس والمال والثيب والبكر فيه سواء. أما الرجم والجلد والقراءة والركوع فيفترقان حتى افترقا في شرط الثيابة. والقراءة تسقط بالاقتداء عندنا، وبخوف فوت الركعة عندكم ويجب الفعل على العاجز عن الذكر، لا بالعكس وافترق الشفعان في سقوط السورة والجهر فلم يكونا نظيرين وثانيهما أن يجعل الوصف شاهدا لك، وقد جعله شاهدا عليك. ولا يتأتى إلا في وصف زائد مقرر ومفسر كقولهم في رمضان: صوم فرض فوجب تعيين النية كالقضاء. وفي المسح ركن فيثلث كالغسل. قلنا: لما كان فرضا استغنى عن التعيين بالتعيين كالقضاء إلا أن هذا يتعين بالشروع وذاك قبله. ولما كان ركنا وجب
(2/638)

أن لا يسن تثليثه بعد إكماله بالزيادة على الفرض كغسل الوجه لأن المسح يقام بالقليل فاستيعابه تكميل في محله كالتكرار في الغسل المستوعب وقد يلحق بهذا النوع العكس وإن لم يكن منه وهو نوعان: رد الشيء على سننه ويصلح للترجيح كقولنا ما يلتزم بالنذر يلتزم بالشروع كالحج، وعكسه الوضوء. والآخر رده على خلاف سننه كقولهم: عبادة لا يمضي في فاسدها فلم تلزم بالشروع كالوضوء، فيقال: فإذا يستوي فيه الذر والشروع كالوضوء وهذا ضعيف لذهاب المناقضة حيث أتي بحكم آخر، ولبطلان القياس باختلاف الاستواء فإنه في الوضوء سقوط وفي الصلاة ثبوت، فامتنعت تعدية استواء السقوط لإثبات الاستواء في الصلاة.
والثاني: المعارضة الخالصة وهي خمسة في الفرع وثلاثة في الأصل. وأصل الفرعية: المقابلة بالضد فإذا قيل ركن فيسن تثليثه كالغسل قيل مسح فلا يسن كالخف. وثانيها: مع زيادة مقررة: ركن فلا يسن تثليثه بعد إكماله كالغسل. وثالثها مع تغيير ينفي به ما أثبت كقولنا في اليتيمة: صغيرة فتنكح كالتي لها أب. فيقال: صغيرة فلا يولى عليها بولاية الإخوة كالمال. وهذا تغيير لأن الأول تعرض لإثبات الولاية، وهذا لتعيين الولي إلا أنه يستلز نفي الأول لاستلزام انتفاء ولاية الأخ انتفاءها مطلقا بالإجماع. ورابعها: هو ثاني قسمي العكس، وفيه صحة من وجه كما قلنا: يملك الكافر بيع (العبد) المسلم فيملك شراءه كالمسلم. فيقال: وجب استواء الابتداء والبقاء كالمسلم.
(2/639)

وخامسها: المعارضة في حكم آخر فيه نفي الأول كما لو عورض أبو حنيفة في المنعية إذا قال زوجها الأول أحق بالولد للفراش الصحيح. بأن الثاني ذو فراش فاسد فكان له كالمولود من نكاح بغير شهود، فظاهرها فاسد لاختلاف الحكم، لكن لما تعذر إثبات النسب لزيد بعد عمر وصحت بما يصلح سببا له فرجح الأول بالصحة فإذا عورض بالحضور رد بأن الصحة والملك أرجح في الاعتبار لأن الفاسد شبهه فلا يعارض الحقيقة. وأما الأصلية فأولها: المعارضة بمعنى غير متعد وهي باطلة لعدم حكمها. وثانيها: التعدية إلى مجمع عليه كالأرز بالأرز، وثالثها: إلى مختلف كالتفاحة بمثلها، ومن النظار من استحسنها في الأصل للإجماع على أن العلة إحداهما فإثبات هذه إبطال للأخرى ضرورة. ورد بأن الإجماع على فساد إحداهما لمفسد يخصها لا لصحة الأخرى.
فائدة:
كل ما يذكر في الأصل على وجه المفارقة فاجعله مانعة، كقولهم في إعتاق
(2/640)

الراهن تصرف لاقى حق المرتهنب الإبطال فيرد كالبيع. ففرقوا باحتمال البيع للفسخ، والحق أن القياس للتعدية دون التغير وهذا تغير لأن حكم الأصل وقف ما يحتمل الفسخ، وحكم الفرع إبطال ما لا يحتمله، وكذا إذا قيل: قتل آدمي مضمون فوجب المال كالخطأ. ففرق بأن المثل في الخطأ متعذر، قلنا: شرط القياس غير موجود لأن حكم الأصل كون المال خلفا عن القود وهذا مزاحم له.
وجوه دفع المناقضة:
قد سلف أنها لا ترد على المؤثرة لكن إذا تصورت مناقضة فالدفع بالجمع والتوفيق بأربعة أوجه: أولها: بالوصف: مسح فلا يسن تثليثه كالخف، فإذا نقض بالاستنجاء قلنا ليس بمسح بل إزالة نجاسة، ولهذا لا يسن إذا لم يؤثر. وكقولنا: نجس خارج فكان حدثا كالبول فلا ينقض بغير السائل لأنه طاهر غير خارج. ولهذا لم يجب غسله إجماعا. وثانيها بمعناه وتقريره: أن المسح تطهير حكمي غير معقول والتكرار توكيد فإذا لم يرد بطل، ولهذا تأدى الفرض ببعض المحل والاستنجاء إزالة نجاسة وفي التكرار توكيده ولهذا لم يتأد ببعضه فكان نظير الغسل وغير السائل لا يتعلق به تطهير والسائل أوجه فكان نظير البول. وثالثها: بالحكم كقولنا: الغصب سبب لملك البدل فكان سببا لملك المبدل فإذا أورد المدبر أجيب بأنه سبب أيضا ولهذا ظهر أثره فيما يضم إليه لكن امتنع حكمه لمانع. وكقولنا في الصائل قتله لإحياء نفسه فلم يناف العصمة كالمتلف لدفع المخمصة فإذا أورد مال الباغي أجيب بأن عصمته لم تبطل بإحياء المهجة. ورابعها: بغرض الحكم كقولنا: نجس خارج فإذا أورد المستحاضة، أجيب بأن الفرض التسوية بينه وبين الخارج من السبيلين وذلك حدث، فإذا دام كان عفوا لموضع الخطاب بالأداء فكذا هذا
(2/641)

وقد يلقب هذا القسم بأنه لا يفارق حكم أصله.
وجوه دفع العلل الطردية:
وهي أربعة: القول بموجب العلة وهو التزام ما يلزمه المستدل كقولهم ركن فيسن تثليثه كالغسل، فنقول: الاستيعاب تثليث وزيادة إذ ليس من لوازم التثليث اتحاد المحل. فإن غير التثليث إلى التكرار منعناه في الغسل والسنة ليس إلا الإكمال ولما تعذر بالإطالة كالركوع والسجود لاستيعاب المحل كان التكرار خلفا والإكمال في المسح ممكن فبطل الخلف وظهر الفقه وهو أن لا أثر للركنية في التكرار ولا التكميل، فإن مسح الخف مشارك في سنية الإطالة ولا ركنية فكذلك المضمضة. أما المسح فله أثر في التخفيف لأنه ليس لطهر معقول فسنت إطالته لا تكراره، وهذا بناء على أن الفرض يتأدى بالبعض وهو يمنعونه، بل الفرض الكل والبعض رخصة، وأجيب بأن الاستيعاب غير مراد من الباء في {برؤوسكم} فكان البعض أصلا والاستيعاب تكميلا، والزيادة على التكميل بدعة. وكقولهم في رمضان: صوم فرض فوجب تعيين
(2/642)

النية. فقلنا بالموجب من حيث إن الإطلاق فيه تعيين. وكقولهم باشر فعلا لا يمضي في فاسده فلم يقض بالإفساد كالوضوء. فقلنا بالموجب بأن القضاء ليس بالإفساد، ولهذا يجب بالفساد، كما لو وجد المتيمم في رحله ماء لكنه بالشرع يصير مضمونا وفواته موجب لمثله فإن غيرت العبارة إلى أنه لا يجب بالشروع ولا بالإفساد كالوضوء قلنا ضمان القربة عندنا بوصف الالتزام بالنذر. الثاني الممانعة: وهي أربعة: أولها في الوصف كقولهم عقوبة تعلقت بالجماع فلا تجب بالأكل كالزنا. وهو ممنوع فإن الكفارة عندنا تعلقت بالفطر. وكقولهم في التفاحة بمثلها: مطعوم بمطعوم مجازفة فيبطل كالصبرة بالصبرة فنقول: مجازفة ذات أو وصف، فإن قال ذات قلنا بالصورة أم بالمعيار ولا بد من المعيار لأن المطعوم بمثله كيلا جائز وإن تفاوتا بالذات. فإن قال: بي غنى عن هذا منع المجازفة مطلقة فيضطر إلى أن الطعم علة بشرط الجنس، مع أن الكيل الذي به الجواز لا يعدم إلا الفضل على المعيار. ومن الممانعة ما يدخل في الأصل كقولهم: طهارة
(2/643)

مسح فسن التثليث كالاستنجاء. فنقول: ليس الاستنجاء طهارة مسح بل طهارة عن نجاسة حقيقية فيضطر إلى التسوية بين الممسوح والمغسول وأحدهما مؤثر في التخفيف والآخر في التكرار، وهما طرفان. وثانيها: في الحكم كما إذا قيل ركن فيسن تثليثه كالغسل (فنقول في المغسول لا يسن تثليثه) بل إكماله كما مر، وثالثها: في صلاحية الوصف، ولما لم يصح الوصف إلا بمعناه وهو الأثر قلنا: المنع حتى يظهر. ورابعها: في نسبة الحكم إلى الوصف كقولهم الأخ لا يعتق على أخيه لعدم البعضية فنقول حكم الأصل لم يثبت لعدمها بل للقرابة المؤثرة في المحرمية. وكقولهم لا يثبت النكاح بشهادة النساء لعدم المالية كالحد فنقول: الحد لا يثبت بها لأنه ليس بمال بل لأنه يندري بالشبهة بخلاف النكاح حيث يثبت بها. الثالث فساد الوضع كتعليلهم لإيجاب الفرقة بإسلام أحد الزوجين ولإبقاء
النكاح مع ردة أحدهما فإنه فاسد الوضع إذ الإسلام لا يصلح قاطعا للحقوق ولا الردة للعفو.

الرابع: المناقضة: كقولهم في النكاح ليس بمال فلا يثبت بالنساء
(2/644)

كالحد فينقض بالبكارة وما لا يطلع عليه الرجال فيضطر إلى الفقه وهو أن شهادتهن حجة ضرورية فتظهر في موضعها وفيها يبتذل عادة كالمال فيمنع كونها ضرورية، بل هي أصلية فيها شبهة لا تمنع الأصالة كالملك الثابت بظاهر اليد، والنكاح يثبت مع الشبهة فإنه يثبت بالهزل الذي لا يثبت به المال فلئن يثبت بما يثبت به المال أولى، وإذا اندفعت العلة وتعين الانتقال فإن انتقل إلى علة أخرى لإثبات الأولى أو من حكم إلى حكم بالعلة الأولى، أو من حكم إلى حكم وعلة أخرى لم يكن منقطعا لأنه ساع في إثبات علة الحكم. كمن يعلل لضمان الصبي المودع المستهلك بالتسليط فإذا منع الوصف بينه، وكذا لو ادعى حكما بوصف، فسلم كان له أن يثبت به حكما آخر كقولنا: الكتابة عقد يفسخ بالإقالة فل يمتنع التكفير به كالبيع، فإن قال: العقد لا يمنع قبل فوجب أن لا يوجب نقصانا في الرق مانعا وإلا لم يقبل الفسخ، وإذا سلم فعلل بوصف آخر لحكم آخر فلا بأس، مع ضرب غفلة أو من علة إلى أخرى لإثبات الحكم الأول كان انقطاعا لأنه لم يثبت به المدعى، ولو نقض عليه لم يقبل منه وصف زائد فما الظن بالعلة المبتكرة. وقيل: ليس بانقطاع اعتبارا بقصة الخليل صلوات الله عليه، فإنه انتقل إلى علة أخرى لإثبات دعواه بعينها،
(2/645)

وأجيب بأن تعليله لازم لبطلان المعارض من دعوى الإحياء والإماتة إلا أنه لما خاف اللبس على قومه انتقل إلى ما "لا" لبس فيه دفعا له وهو حسن في مقام الاشتباه.
فصل في تقسيم الأحكام ومتعلقاتها من السبب والعلة والشرط:
أما الأحكام فمنها خالص حق الله تعالى عبادات محضة كالإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة والجهاد والاعتكاف وعبادة تتضمن مؤنة كصدقة الفطر فلم يشترط لها كمال الأهلية، ومؤنة فيها معنى القربة كالعشر لا يبتدأ به الكافر وإن أجاز محمد إبقاءه اعتبارا بالخراج، ومؤنة فيها عقوبة كالخراج لأن سببها الانقطاع إلى الحرث الذي هو سبب الذل شرعا فلا يبتدأ به المسلم وجاز إبقاؤه لتردده، فلم يجب ولم يبطل بالشك. وحق قائم بنفسه كالخمس في المعدن لأن الجهاد حقه فكان المصاب به
(2/646)

له وإن منّ بأربعة أخماسه على الغانمين ولهذا تولى الإمام قسمته وحل الخمس لبني هاشم لطهارته ولهذا جعلنا علة الاستحقاق نصرة الاجتماع.
وعقوبات كاملة كالحدود وقاصرة نسميها أجزئة كحرمان الإرث بالقتل وحقوق دائرة بين العقوبة والعبادة كالكفارة أداؤها عبادة ووجوبها جزاء، والعبادة غالبة للاختيار في الأداء وتؤدى بعبادة وتشترط لها النية ولهذا لم نوجبها في الغموس والقتل لعدم الإباحة بوجه، ومنعناها عن الصبي والمسبب لعدم الأهلية والمباشرة. وكفارة الفطر يغلب فيها العقوبة ولهذا قوبل بها الجناية الكاملة فأسقطناها بالشبهة كالحد، وباعتراض الحيض والمرض والفطر على سفر حادث على الصوم، وألحقها الشافعي بغيرها،
(2/647)

وخصصناها بقوله عليه السلام "فعليه ما على المظاهر" وهي فيه عقوبة وسببها حرام إجماعا. وما يجب عقوبة قد يستوفى عبادة، فإن إقامتها عبادة ولا عكس، ولهذا قلنا بالتداخل فيها. ومنها خالص حق العبد وهو كثير. ومنها غالب فيه حق الله تعالى كحد القذف. ومنها ما غلب فيه حق العبد كالقصاص. وكلها تنقسم إلى أصل وخلف كالتصديق في الإيمان ثم الإقرار في أحكام الدنيا ثم أدا أحد الأبوين ثم تبعية الدار والغنيمة وكالتيمم مع الماء وهو خلف مطلق عندنا وضروري عند الشافعي. وثبوت
(2/648)

الخلافة بالنص أو دلالته، وشرطها عدم الأصل للحال مع تصوره. وأما متعلقاتها فالسبب: ما يفضي إلى مطلوب يدرك فيه لا به والعلة: ما يجب به الحكم ابتداء كالبيع للملك والنكاح للحل والقتل للقصاص، والله تعالى هو الموجب وإنما نسب إلى العلة لجعله علة موجبة في حقنا لخفاء حكمه في كل واقعة بعد الوحي. وعلى هذا فالاتفاق أن شاهد العلة إذا رجع ضمن لنسبة الإيجاب إليه. والشرط: ما يتعلق به الوجود والعلامة ما يعرف بها من دون تعلق.
(2/649)

تقسيم:
السبب منه حقيقي وهو ما يتخلل بينه وبين الحكم علة كدلالة السارق والقاتل، وكدلالة مسلم في دارنا على مسلمين على حصن في دارهم فأصيب لم يشارك الدال. وكأمر بنكاح امرأة وكونها حرة فكانت أمة وقد استولدها لم يرجع عليه بقيمة الولد بخلاف ما لو زوجها على ذلك، لأنه حينئذ صاحب علة. ولا يلزم دلالة المحرم على الصيد لأنه يزيل بها أمنه إذا اتصل بها القتل فكان مباشرا، وليس المال محفوظا بالبعد عن اليد فافترقا. ولا دلالة المودع لأنه مباشر حيث ضيع ما التزم
(2/650)

من الحفظ بنفسه. ومنه مجازي كالتعليقات عندنا سميت أسبابا وإن لم تفض إلى البر الذي شرعت له اليمين لجواز الإفضاء إليه. وعند الشافعي هي أسباب بمعنى العلل ولهذا المجاز شبهة الحقيقة خلافا لزفر. والفائدة في مسألة إبطال التعليق بالتنجيز، ومنه ما هو في معناها كسوق الدابة وقودها إذا تلف به شيء، وكالشهادة بالقصاص فإنها سبب باعتبار تخلل حكم القاضي واختيار الولي قتل المشهود عليه وفي معنى العلة لإضافة المباشرة إليها لأنه تلف بالشهادة.

تقسيم:
العلة منها حقيقية وهي العلة اسما ومعنى وحكما كالبيع والنكاح للملك والحل،
(2/651)

وفي اقترانها بالحكم خلاف، والحق أنه يجب. ومن مشايخنا من أجاز تقدمها وفرق بينها وبين الاستطاعة مع الفعل؛ بأنها عرض فلعدم البقاء وجب القران وللعلل الشرعية بقاء حكما فتصور تقدمها. ومنها مجازية وهي ما كانت اسما لا غير كالتعليقات. ومنها علة اسما ومعنى كالبيع الموقوف لأنه بيع ومشروع، لا حكما لتراخيه لمانع فإذا زال ثبت به "من" أصله فيظهر كونه علة لا سببا، وكالبيع بشرط الخيار لدخول الشرط على الحكم دون السبب. ومنها ما يشبه السبب كنصاب الزكاة أول الحول علة اسما ومعنى لكنه بوصف النماء وهو متراخ ولذلك صح التعجيل، ومن حكمه أن لا يظهر الوجوب في أوله، ولما أشبه العلة كان الوجوب ثابتا منه تقديرا، وكمرض الموت علة لتغيير الأحكام لكن بوصف اتصاله بالموت، وكالجرح علة للسراية ولذلك علة العلة تشبه الأسباب كشراء القريب فإنه علة للملك الذي هو علة العتق. ومنها: الوصف الذي يشبه العلة كالحكم يتعلق بوصفين مؤثرين فلكل منهما شبهة العلة كقولنا في الجنس أو القدر بانفراده يحرم النساء لأنه شبهة الفضل فثبتت شبهة العلة. ومنها علة معنى وحكما لا اسما كحكم تعلق بعلة ذات وصفين، فإن آخرهما وجودا علة حكما لترجحه بالوجود. ومعنى لتأثيره لا اسما فإنه لا يسمى به أحدهما كالقرابة والملك للعتق
(2/652)

فإنه يتعلق بالملك حتى كان المشتري معتقا ولو تأخرت القرابة أضيف إليها كما لو ورث اثنان عبدا فادعى أحدهما بنوته غرم لشريكه، وأضيف إلى القرابة. ومنها علة اسما وحكما كالسفر للرخصة فإنه متعلقها وهي منسوبة إليه لا معنى لتعلقها بحقيقة المشقة، وإنما أضيفت إليه لأنه مظنتها.

تقسيم الشرط:
منه محض وهو ما يتوقف وجود العلة على وجوده
(2/653)

كالتعليقات كلها وكالعبادات تتعلق بأسبابها ثم بشروطها حتى إن من أسلم في دار الحرب جاهلا بالأحكام لم تلزمه فكانت الأسباب كالمعدومة لعدم الشرط. وكالنية والطهارة للصلاة وكالإشهاد في النكاح فأثر الشرط عندنا في منع العلة عن الانعقاد وعند الشافعي في تراخي حكمها ولا ينفك معنى الشرط عن صيغته، وأما {إن علمتم فيهم خيرا} فتعليق استحباب الكتابة بدليل {وآتوهم من مال الله} وما قيل شرط عادة مردود باستلزام إلغائه، وأما القصر المعلق بالخوف فالمراد قصر الأحوال من الإيماء على الدابة وتخفيف
(2/654)

القراءة والتسبيح بدليل {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم} {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة} وقصرها يتعلق به لا بالسفر والشرط دلالة مثل المرأة التي أتزوجها طالق، لوقوع الوصف في النكرة. ومنه ما هو في حكم العلة وهو أن يسلم عن معارضتها فيصلح أن يضاف الحكم إليه من حيث تعلق الوجود به، والعلة ليست علة بذاتها فتشابها، وهذا أصل كبير لنا فقد قلنا في شهود الشرط واليمين وقد رجعوا بعد الحكم
(2/655)

يضمن شهود اليمين لأنهم شهود علة، وإذا اجتمع السبب والعلة قدمت كشهود التخيير والاختيار في الطلاق قبل الدخول يضمن شهود الاختيار لأنه علة والتخيير سبب. فأما سلامة الشرط عن معارضتها: فكرجل قيد عبده ثم حلف إن كان قيده رطلا فهو حر أو حل فهو حر. فشهد بوزن القيد فحكم بعتقه ثم حل فكان أنقص ضمن الشاهدان قيمته عند أبي حنيفة لنفاذ القضاء مطلقا وعندهما: عتق بالحل لعدم النفاذ باطنا، وهما أثبتا شرط العتق عنده بسبب أن علة العتق وهو اليمين لا تصلح مضمنه لعدم التعدي، وكحفر البئر شرط إذ العلة وهي السقوط لا تصلح لأنها طبيعية، وكشق الزق، أما إشراع الجناح ووضع الحجر فمن الأسباب المشبهة بالعلل حكما. ومنه ما هو في حكم السبب بأن يتخلل الفعل الاختياري سابقا عليه، كرجل حل قيد عبد فأبق، لم يضمن، لأن الحل إزالة المانع والإباق سابق وهو علة التلف فكان الشرط كالسبب فالسبب مما يتقدم والشرط مما يتأخر، وقد اعترض عليه علة غير حادثة بالشرط فكان كمن أرسل
(2/656)

دابة في الطريق فجالت فتلف به شيء لم يضمنه المرسل لأنه ذو سبب أصلي وهذا ذو شرط جعل مسببا، ولو أتلفت بنفسها شيئا نهارا لم يضمن وكذلك ليلا عندنا لأنه ليس بذي سبب ولا علة ولا شرط. ومنه ما هو شرط اسما لا حكما وهو كل حكم تعلق بشرطين فإن أولهما شرط اسما والثاني اسما وحكما للتعليق به، مثل إن دخلت هذه وهذه فأنت طالق، ثم أبانها، فدخلت الأولى ثم نكحها فدخلت الأخرى، طلقت خلافا لزفر لقيام الملك عند وجود الشرط لترتب الجزاء لا لعين الشرط، وإلا لما انحلت اليمين بوجودهما في غير الملك، ولا لبقاء اليمين فإنها باقية مع الإبانة. ومنه ما هو علامة كالإحصان فإن حكم الشرط منع انعقاد العلة، وحكم الزنا لا يتوقف على إحصان يحدث بعده لكن إذا ثبت عرفنا به حكمه من غير توقف انعقاد عليَّة الزنا على وجوده، فلذلك لم يضمن شهود الإحصان بعد الرجوع. وأما العلامة فنوع واحد وهو ما يعرف الحكم
(2/657)

من دون تعلق وجود ولا وجوب (والله أعلم).
فصل:
ومن الأصوليين من ألحق بهذه الأدلة الشرعية دليلا سماه الاستدلال، وعرفه بأنه دليل ليس بنص ولا إجماع ولا قياس علة. وسوغ له التحديد بسلبها عنه تعريفها من قبل. قالوا: ونحو وجد السبب
(2/658)

فيثبت الحكم ووجد المانع وفقد الشرط فينتفي ليس بدليل، وقيل دليل للزوم ثبوت المطلوب من ثبوته. وعلى هذا فقيل استدلال لأنه ليس بنص ولا إجماع ولا قياس. وقيل: إن ثبت وجود السبب والمانع بغيرها وإلا فلا. وبعض أصحابنا: إن استدل بمثل ذلك في غضون كلامه فمعتمده ما يقرره به من قياس علة أو نص أو إجماع وإلا (إذا خلا عن ذلك) فليس بدليل ومن ذلك التلازم بين حكمين بأنواعه. ونذكر ههنا شرع من قبلنا ومذهب الصحابي. أما الأول: فالمختار أن ما قص منه ولم ينكر فهو لازم
(2/659)

لنا على أنه شرعنا، وقيل: ما لم ينسخ. وقيل: غير لازم حتى يثبت أنه شرع لنا. وجه الأول {فبهداهم اقتده} والهدى يقع على الإيمان والأحكام فالأصل الموافقة فيما لم ينسخ. وجه الثاني: {لكل جعلنا منكم شرعة} فالاختصاص. وجه المختار: أن الأصل في الشرع البقاء فإذا قص ولم ينكر كان دليل الشرعية، وهذا الشرط احتياط، وقد احتج محمد في القسمة والمهايأة بقوله تعالى {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم} {لها شرب ولكم شرب يوم معلوم}.
(2/660)

واستدل بمثل: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح}. وأجيب: بأنه رد لاستبعاد الإيحاء إلى بشر، ولو سلم فمعناه أنه متعبد بمثله، لا بالاتباع. وبمثل {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا}. وأجيب بأن المراد التوحيد. وتخصيص نوح للتشريف، ولو سلم فكما تقدم، وبمثل {أن اتبع ملة إبراهيم}. وأجيب بمثله إذ لا يقال في الفروع ملة أبي حنيفة والشافعي. المانعون: لم يذكر في حديث معاذ رضي الله عنه، وصوبه صلى الله عليه وسلم. وأجيب: باحتمال تركه لاشتمال الكتاب إياه أو لقة [لقلة] وقوعه. قالوا: لو كان لافترض تعلمه على الكفاية ولوجبت المراجعة والبحث، وأجيب بأن المعتبر ما يثبت بالتواتر أو الوحي كما شرطنا. قالوا: نسخت شريعته الشرائع، وأجيب: بأن معناه ناسخة لما خالفها، وإلا لزم نسخ وجوب الإيمان وحرمة الكفر.
(2/661)

حجية مذهب الصحابي:
وأما مذهب الصحابي فليس بحجة على مثله وفاقا ولا على غيره عند الشافعي.
(2/662)

وأبو سعيد البردعي منا، على أن تقليده واجب يترك به القياس، والكرخي لا يجب إلا فيما لا يدرك قياسا، وقيل يقلد الشيخان، وقيل الخلفاء الراشدون وأمثالهم رضي الله عنهم، والمختار: فيما لا يدرك قياسا الاتباع
(2/663)

وأن لا يكون تكذيبا إذ الظاهر التوقيف. وأما في القياس فالكرخي: احتمال الخطأ ممكن فلا يجوز تقليده. أبو سعيد: رأيهم أولى لاحتمال التوقيف ولرجحان الإصابة للاختصاص بمزية الصحبة وهو المختار.
(2/664)

والنافي: لو كان حجة لناقضت الحجج لاختلافهم كمسائل الجد. وأجيب باندفاعه بالترجيح، أو الوقف أو التخيير كأخبار الآحاد والأقيسة قالوا: ولجاز للمجتهد التقليد مع تمكنه وهو ممتنع كالأصول، وأجيب بأنه لا يمتنع أن تكون حجة فلا تقليد. المخصص: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر "أصحابي كالنجوم" وأجيب: لا عموم فيما يقتدى فيه. ولو سلم فالمراد المقلدون لأن خطابه للصحابة وغيرهم مثلهم.

القاعدة الثالثة في الاجتهاد وما يتبعه:
الاجتهاد: استفراغ الوسع في تحصيل أمر مشق. وفي الأصول: استفراغ
(2/665)

الفقيه وسعه في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية، والظن احتراز عن القطع والشرعية عن العقلية والحسية، وبشيء عن الاستغراق، فليس كل مجتهد محيطا بالأحكام كلها بالفعل، وفي الاسفتراغ إشارة إلى خروج المقصر، وللمجتهد شرطان:
(2/666)

أن يعلم من أصول الدين ما به يتم نسبة الأحكام إلى الله تعالى من وجوده وقدمه وحياته وقدرته وكلامه وجواز تكليفه وبعثة النبي عليه السلام ومعرفة معجزه وشرعه. لا تبحره في أدلتها التفصيلية، وأن يعلم مدارك الأحكام وأقسامها وطرق إثباتها ووجوه دلالتها وشروطها وكيفية الاستثمار منها، وطرق الجرح والتعديل، والصحيح والسقيم علما متقنا ومن اللغة والنحو ما يكون آلة له في الاستثمار، وأما المجتهد في حكم، فيكفي فيه معرفته بما يتعلق به خاصة. والمجتهد فيه: الأحكام الشرعية المظنونة الدليل، والأول فصل عن العقلية والحسية، والثاني: عن مثل العبادات الخمس.
مسألة:
المختار أنه عليه السلام كان متعبدا بانتظار الوحي فيما لم يوح إليه أولا ثم بالاجتهاد ثانيا، وقيل بالجواز، والمنع مطلقا، وقيل مجتهد في الحروب.
(2/667)

المجوز: {وشاورهم في الأمر} وطريقها الاجتهاد. {عفا الله عنك لم أذنت لهم} وإنما يتوجه فيما لم يوح إليه. "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي" ولا يستقيم فيما أوحي فيه. واستدل: {بما أراك الله} وقرر: بأن الإراءة ليست لإراءة العين، لاستحالته في الأحكام، ولا هي الإعلام لوجوب ذكر المفعول الثالث لذكر الثاني، فالمعنى: بما جعله الله لك رأيا. وأجيب بأن معناه: الإعلام، وما مصدرية فلا ضمير، وحذف المفعولين جايز. واستدل بأن الاجتهاد للحكم أثوب، للمشقة فلو اختص به الأمة لكانوا أفضل منه فيه. وأجيب: بأن شرط الاجتهاد إذا فقد لأمر أكبر فلا أثر لذلك. واستدل: بأنه أعلم بطرق الاستنباط مع البعد عن الخطأ والإقرار عليه فلو لم يقض به لكان تاركا حكم الله تعالى في ظنه وهو حرام، وأجيب: بأن ذلك فرع
(2/669)

التعبد به، ولو سلم فهو مشروط بعدم المعرفة بالوحي. المانع {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}. وأجيب: بأن الظاهر أنه رد على منكري القرآن، ولو سلم فإذا تعبد بالاجتهاد بالوحي لم ينطق إلا عن وحي، وأيضا لو كان لجاز أن يخالف فيه وأن لا يذم مخالفه لأنه من لوازم الاجتهاد، وأجيب بالمنع، وإذا كان الإجماع عن اجتهاد امتنعت مخالفته، فاجتهاده أحق، قالوا: لو كان لما تأخر عن أجوبة كثير من الأحكام. وأجيب بأن التوقف لانتظار الوحي المشروط عدمه في الاجتهاد. أو لاستفراغ الوسع فيه. قالوا: القادر على اليقين يحرم عليه الظن. وأجيب بالقول بالموجَب وإنما القدرة بالوحي. وجه المختار: أن اجتهاده وإن كان صوابا إلا أنه ضروري. والوحي نص وأصل ولا عدول عن الأصل إلى الضروري إلا للعجز عنه. ومدة الانتظار ما يرجى فيه نزول الوحي، إلا أن يخاف فوت الحكم في الحادثة.
مسألة:
ليس كل مجتهد في العقليات مصيبا اتفاقا، ومخالف الملة مخطئ آثم مطلقا. والجاحظ والعنبري: إن اجتهد
(2/670)

فلا إثم بخلاف المعاند. وأول نفي الإثم بالاجتهاد في مسائل الكلام كنفي الرؤية، لا في الكفر الصريح، والعنبري: كل مجتهد في العقليات مصيب، فإن عنى مطابقة الاعتقاد للمعتقد فغير معقول، لاستلزام النقيضين أو أنه أتى بما كلف فهو قول الجاحظ وهو باطل سمعا. لنا: الإجماع قبل المخالف على قتال الكفار مطلقا، وأنهم من أهل النار من غير فرق قالوا: لو كلفوا بنقيض اجتهادهم لكان تكليف ما لا يطاق. قلنا: بل هو ممكن.
مسألة:
لا إثم على مجتهد في حكم شرعي اجتهادي قطعا وبشر
(2/671)

والأصم: يؤثمان المخطئ من غير تكفير ولا تفسيق. لنا: العلم الضروري بالتواتر أن الصحابة رضي الله عنهم تكرر اختلافهم في الفروع ولا نكير منهم ولا تأثيم لمعين ولا مبهم، مع القطع بأنه لو خالف أحد في مثل العبادات الخمس أو الزنا أو القتل لخطئ وأثم.
(2/672)

مسألة:
ما فيه نص فقصر المجتهد في طلبه أخطأ وأثم، وما لا نص فيه
(2/673)

فالجبائي وابنه: كل مجتهد فيه مصيب، وحكم الله تعالى تابع لظنه، فالحق متعدد، فمن هؤلاء من سوى بينهما، ومنهم من قال إن أحدها أحق. وقيل: الحق واحد يصاب من غير دليل. والأستاذ وابن فورك: بل بدليل ظني. والأصم: بقطعي والمخطئ آثم. والأئمة الأربعة على التصويب والتخطئة، وقيل في المخطئ إنه مخطئ ابتداء وانتهاء. والمختار: الإصابة في الابتداء أعني في الطلب، والخطأ في الانتهاء أي المطلوب. والمروي عن أبي حنيفة: كل مجتهد مصيب، والحق عند الله واحد، وهذا معناه. لنا: لو
(2/674)

كان كل مجتهد مصيبا لاجتمع النقيضان، لأن استمرار قطعه بما أدى إليه ظنه مشروط ببقاء ظنه، وإلا فلو تغير ظنه وجب الرجوع إلى الثاني إجماعا فيلزم علمه لشيء وظنه له معا، ولا يقال ينتفي الظن بالعلم لأنا قاطعون ببقاء ظنه، ولاستحالة ظن النقيض مع ذكره، وأيضا {ففهمناها سليمان} وتخصيصه دليل اتحاد الحق وإصابته، وأيضا: أطلقت الصحابة رضي الله عنهم الخطأ في الاجتهاد، قال أبو بكر: قول في الكلالة برأيي فإن يك صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان. ولما حكم عمر رضي الله عنه بحكم قال جليس له: هذا والله الحق، فقال: "إن عمر لا يدري أنه أصاب الحق لكنه لم يألو جهدا" وعن علي وابن مسعود وزيد: تخطئة ابن عباس رضي الله عنه في ترك العول. وعن ابن عباس تخطئتهم فيه، وقال: من باهلني باهلته إن الله تعالى لم يجعل في مال واحد نصفا ونصفا وثلثا ولا نكير للتخطئة منهم. وأيضا الاتفاق على شرعية المناظرة وليس فائدتها إلا إصابة الحق، وأيضا فاجتماع الفساد والصحة والحظر والإباحة والوجود والعدم في محل واحد وزمان واحد محال، والمحال لا يكون حكما شرعيا، وصحة التكليف تحصل بما قلنا من صحة
(2/675)

الاجتهاد ابتداء. المصوبة: {وكلا آتينا حكما وعلما} ولو أخطأ أحدهما لم يحسن. قلنا: لا يمنع الخطأ في حادثة إطلاق أنه أتي حكما وعلما. على أنه محمول على العمل دون إصابة المطلوب. قالوا: "بأيهم اقتديتم اهتديتم" ولا هدى مع الخطأ. قلنا: كما صح أن يقال لكل مجتهد في اتباع ظنه مهتد صح لمقلده ذلك لأنه فعل الواجب عليه إجماعا. قالوا: اتفاق الصحابة على تسويغ الخلاف وتوليه القضاه مع العلم بمخالفتهم لهم ولو كان فيه خطأ لما سوغوه. قلنا: بل لأنهم أجمعوا على وجوب اتباع كل مجتهد ظنه ولم يجز الإنكار لعدم تعين المخطئ. قالوا: كلف المجتهدون إصابة الحق ولا وسع إلا أن يتعدد كاجتهاد جمع في القبلة فإنهم مصيبون بسقوط الفرض عنهم مع علمنا بخطأ المستدبر وتعدد الحق ممكن مع اختلاف الدليل والشرائع والزمان، فليمكن مع اختلاف المكلفين. والقائل باستوائها احتج بأن دليلها لم يوجب تفاوتا. والقائل بتفاوتها قال: استواؤها يقطع التكليف لإصابتها بمجرد الاختيار من غير اجتهاد وفيه إسقاط درجة العلم والنظر. قلنا: صح التكليف في نفس الطلب والكل مصيبون فيه ولا يستلزم إصابة المطلوب. ومسألة القبلة على الاختلاف، فإنا قلنا في قوم مؤتمين متحرين علم أحدهم أنه مخالف إمامه فسدت صلاته لخطأ إمامه عنده.
(2/676)

مسألة:
العقلاء على امتناع تقابل الدليلين العقليين، لاستلزام اجتماع النقيضين. واختلف في تقابل الأمارات الظنية: فالجمهور على الجواز. ومنعه الكرخي قال: لو تعادلا فإما أن يعمل بهما أو بمعين منهما أو يتخير، أو لا. والأول جمع بين النقيضين. والثاني تحكم، والثالث تخيير للمجتهد، وهو مردود بالإجماع والرابع جمع بين النقيضين لأنه يقول: لا حرام ولا واجب وهو أحدهما. وأجيب بأنه يعمل بهما في أن كلا منهما وقف الآخر فيقف أو يتخير أو بأن يعمل بأحدهما على التخيير، والإجماع على المنع إذا لم يتعادلا، أو بأن لا يعمل بهما ويتساقطان وإنما يلزم النقيضان أن لو اعتقد نفي الحكمين في نفس الأمر.
مسألة:
إذا أداه اجتهاده إلى حكم لم يجز له تقليد غيره اتفاقا، وإذا لم يجتهد فالأكثرون على منع التقليد أيضا.
(2/677)

وقيل فيما يفتي به لا فيما يخصه، وقيل: فيما لا يفوت وقته باشتغاله بالنظر، وقيل: بجوازه مطلقا. وعن أبي حنيفة قولان وعن محمد جوازه إن كان أعلم منه، وابن سريج: إن تعذر عليه. والشافعي والجبائي: يجوز أن يقلد صحابيا خاصة أرجح من غيره فإن استووا تخير، وقيل: وتابعيا. لنا: أنه متمكن من الأصل فلا يصير إلى البدل، كغيره. المجوز {فاسألوا أهل الذكر} قلنا: كلهم أهل فلم يدخلوا، لأن المعنى:
(2/678)

يسأل من ليس أهلا أهل الذكر. ولقوله تعالى {إن كنتم لا تعلمون}. المخصص: "أصحابي كالنجوم" وقد سبق.
فصل:
التقليد العمل بقول الغير بغير حجة وليس الرجوع إلى الإجماع ولا العامي إلى المفتي ولا القاضي إلى العدول بتقليد لقيام الحجة ولا مشاحة في التسمية. والمفتي: العالم بأصول الفقه والأدلة السمعية التفصيلية واختلاف مراتبها وبما يتوقف العلم بذلك عليه من العقليات. والمستغني: إن كان مجتهدا فقد سبق، أو عاميا أو محصلا لعلم معتبر فوظيفته الاتباع على المختار. وما فيه الاستفتاء: المسائل الاجتهادية.
مسألة:
لا يجوز التقليد في الأصول كوجود الباري تعالى.
(2/679)

وأجازه العنبري وقيل بحرمة النظر فيه. لنا: الإجماع على وجوب معرفة الله تعالى، والتقليد لا يحصلها لجواز كذب المخبر. وأيضا فلو أفاد التقليد علما فإما بالضرورة أو بالنظر. والأول باطل، والنظر يستلزم الدليل والأصل عدمه. قالوا: لو وجب النظر لما نهي عنه وقد نهى الصحابة عن الكلام في القدر وقوله تعالى: {ما يجادل في آيات الله} قلنا: المنهي عنه الجدال بالباطل فيهما لقوله تعالى {وجادلهم بالتي هي أحسن} قالوا: ولكانت الصحابة أولى ولنقل حينئذ كالفروع. قلنا: هو كذلك وإلا لأدى إلى نسبتهم إلى الجهل بالله تعالى قطعا وهو باطل لأنه ليس بضروري، وعدم النقل للوضوح وعدم المحوج إلى الكلام، بخلاف الفروع. قالوا: ولوجب الإنكار على تاركه من العامة وهم أكثر الخلق. قلنا: ليس المراد تحرير الأدلة والجواب عن الشبه وإنما المراد الدليل الجملي وأنه حاصل بأيسر نظر.
(2/680)

مسألة:
المختار أن المحصل لعلم معتبر إذا لم يبلغ رتبة الاجتهاد يلزمه التقليد. وقيل إن تبين له صحة اجتهاده بدليله، وإلا لم يجز، والجبائي: ما لم يكن كالعبادات الخمس. لنا {فاسألوا أهل الذكر} ويجب تعميمه لأن علة الأمر بالسؤال الجهل، ولأنه مقيد بشرط فيتكرر بتكرره، وأيضا لم يزل العلماء يستفتون ويتبعون من غير إبداء المستند من غير نكير. وأيضا لو توقف عمل المستفتين على الاطلاع فإما أن لا يجب شيء وهو باطل وإما أن يجب فيؤدي إلى إبطال المعايش والصنائع وأنه باطل قطعا. ولا يلزم ذلك في النظر في معرفة الله تعالى ليسره. قالوا {إنا وجدنا آباءنا على أمة} وهو يتضمن تحريم التقليد. قلنا: المراد ما يطلب فيه العلم. قالوا: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" قلنا: لا يمكن التمسك به فإن أحدا لم يقل بوجوب العلم بل النظر.
(2/681)

مسألة:
الاتفاق على استفتاء من عرف بالعلم والعدالة أو رئي منتصبا مسئولا معظما والامتناع في ضده، وأما من لم يعرف بعلم ولا جهل فالمختار: أن لا يستفتى فإن الأصل هو الجهل وهو الغالب فالظاهر أن المجهول من الغالب. قالوا: لو امتنع لامتنع فيمن علم علمه دون عدالته. قلنا: الغالب في العلماء العدالة وليس الغالب في الناس الاجتهاد بل العكس.
مسألة:
المختار أنه لا يحتاج المجتهد إلى تكرير النظر عند تكرر الواقعة. وقيل يحتاج.
(2/682)

لنا أنه قد اجتهد فيها والأصل بقاء ما أدى إليه اجتهاده وعدم اطلاعه على أمر آخر. قالوا: يحتمل اجتهاده التغير. قلنا: ذلك يوجب التكرير أبدا.
مسألة:
يجوز خلو العصر عن مجتهد. ومنعت الحنابلة منه لنا: لو امتنع لكان لغيره والأصل عدمه، ولقوله صلى الله الله عليه وسلم "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه، ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" قالوا: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله" وهو مستلزم للعلم. ومنعت الحنابلة منه لنا: لو امتنع لكان لغيره والأصل عدمه، ولقوله صلى الله الله عليه وسلم "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه، ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" قالوا: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله" وهو مستلزم للعلم. قلنا: حديثنا أدل على المقصود ولو سلم فإذا تعارضا سلم الأول. قالوا: التفقه فرض كفاية والخلو عنه يستلزم اتفاق الأمة على باطل قلنا عند الإمكان، فإذا فرض موت العلماء لم يمكن.
(2/683)

مسألة:
غير المجتهد يحق له أن يفتي بقول المجتهد ومنعه أبو الحسين. وقيل: إن عرف مأخذ المجتهد جاز، وإلا فلا. لنا: أنه ناقل فلا فرق كالأحاديث. المفصِّل: إجماع المسلمين في عصر على جواز ذلك. المانع: لو جاز لجاز للعامي لأنه لم يسأل إلا عما عنده ولا عند له كالعامي.
مسألة:
إذا تعدد المجتهدون فللمقلد تقليد من شاء وإن تفاضلوا وعن أحمد وابن سريج: يجب النظر في الأرجح. لنا: القطع بأن المفضولين في زمن
(2/684)

الصحابة رضي الله عنهم استفتوا وأفتوا مع الاشتهار والتكرر ولا منكر، وأيضا "أصحابي كالنجوم" واستدل بأن العامي يقصر عن الترجيح، وأجيب بأنه يظهر بالتسامع وكثرة المستفتين والمراجعة إليه. قالوا: قول المفتي للمقلد كالدليل للمجتهد فيرجح كما يرجح. قلنا: الفرق عسر الترجيح على العامي وتيسره للمجتهد.

القاعدة الرابعة: في الترجيح:
وأنه بعد التعارض ولا تعارض بالحقيقة في حجج الشرع، ولكن قد يتصور به،
(2/685)

فلذلك يجب دفعه ما أمكن. والمعارضة: تقابل الدليلين على سبيل الممانعة، ويشترط التساوي في الثبوت والقوة والمنافاة بين حكميهما مع اتحاد الوقت والمحل والجهة، فلا معارضة بين الكتاب وخبر الواحد، ولا بين المتواتر والواحد ولا امتناع بين الحل والحرمة والنفي والإثبات في زمانين في محل أو محلين في زمان أو بجهتين كالنهي عن البيع وقت النداء مع الجواز. والمخلص بيان فوت شرط من هذه، فإن اجتمعت تعذر الانفصال فإن كانا عامين حمل أحدهما على القيد والآخر على الإطلاق، أو أحدهما على الكل والآخر على البعض. أو خاصين فالقيد أو المجاز ما أمكن. أو خاصا وعاما بني العام على الخاص هنا إجماعا، دفعا للتعارض ثم الترجيح: فضل أحد المثلين
(2/686)

على الآخر وصفا واحترزنا بالوصف عن الترجيح بما يصلح علة بانفراده فلا يرجح النص بنص مثله ولا القياس بمثله ولا الكتاب بالخبر، ولا القياس بالنص، وإنما يرجح بقوة فيه كالمشهور أولى من الغريب، وعلى هذا لو جرح واحدا واحدة وآخر جراحات خطأ فمات فالدية نصفان ولا يترجح بالكثرة، لاستبداد كل جرحة بالعلية فلم يكن وصفا. ومثاله قوله في الشفيعين في الشقص الشائع في البيع بسهمين متفاوتين يستويان في الاستحقاق، لأن كل جزء من السهم علة لاستحقاق الجملة. والإجماع في ابني عم أحدهما زوج أن التعصيب لا يترجح بالزوجية. وعامة الصحابة رضي الله عنهم في ابني عم أحدهما أخ لأم أن
(2/687)

السدس له بالأخوة، والباقي بينهما بالتعصيب، ولم يرجحوا بالأخوة لانفرادها بعلية الاستحقاق، ولا يصلح وصفا لأنها أقرب من العمومة بخلاف الأخوة لأم حيث جعلت وصفا للأخوة من الأب لأن هذه الجهة تابعة. ومثال الترجيح وصفا: أن يكون أحد النصين محكما أو مفسرا أو محرما أو أن الراوي أفقه أو أضبط أو متنه عريا عن اللحن أو مسقطا لعقوبة أو موجبها فساد عبادة أو احتياطا فهو أولى مما يقابلها.
فصل:
ما به الترجيح: قوة الأثر وقوة الثبات على الحكم وكثرة الأصول. والعكس.
(2/688)

أما الأول: فلأن الأثر معنى الحجة، فإذا قوي قويت، كالاستحسان والقياس، والمشهور والغريب. ولا كذلك تفضيل الشاهد بالعدالة لأنها التقوى ولا وقوف على حدودها. ومثال ذلك في مسألة طول الحرة فقال الشافعي: إنه مانع من نكاح الأمة لإرقاق الماء مع الغنية عنه وأنه حرام. وقلنا: نكاح يملكه العبد إذا دفع إليه المولى مهرا صالحا للحرة والأمة وأطلقه فيهما. فيملكه الحر كسائر الأنكحة، وهذا قوي الأثر إذ الحرية من أسباب الشرف وتوسعة الحل والرق منصف وفي منع الحر توسعة بالرق وقلب للموضوع. وأما الإرقاق فضعيف الأثر لأنه دون التضييع الجائز بالعزل بإذن الحرة وضعيف الحال فإن نكاحها جائز مع سرية يستغني بها. ولقوله في إسلام أحد الزوجين: إنه سبب للفرقة عند انقضاء العدة، لا بنفسه وكذلك الردة. فسوى بينهما. وقلنا: الإسلام من أسباب العصمة حتى لو أسلم الآخر استقر نكاحهما وما هو سبب الفرقة لا يتوقف القرار عليه، وبقاء الآخر على أمره ليس مفرقا بالإجماع، لأنه غير طارٍ فوجبت الإضافة إلى فوت أغراض النكاح بالإباء عن الإسلام
(2/689)

حقا لمن أسلم، وهذا ظاهر الأثر في اللعان والإيلاء والجب والعنة، ولا كذلك الردة، فإنها منافية لأنها سبب زوال العصمة. وأما الثاني: فلأن الأثر يزداد قوة بما هو أثر به من الكتاب والسنة والإجماع كقولنا: مسح فإنه أثبت في دلالة التخفيف من قولهم ركن في دلالة التكرار، فإن الركنية وصف عام في الوضوء والصلاة. ومن قضية الإكمال بالإطالة كالركوع والسجود وتخلف التكرار عن الركنية في المضمضة. أما أثر المسح في التخفيف فلازم كالتيمم والجبيرة والخف والجوب. وأما الثالث: فكالاشتهار في السنن وقد مر. وأما الرابع: فأضعفها لعدم تعلق حكم بالعدم لكنه إذا علق بوصف فعدم عند عدمه دل على صحته فصلح للترجيح كقولنا: مسح ينعكس بما ليس بمسح. ولا كذلك قولهم: ركن للتكرار للتخلف من المضمضمة.
(2/690)

وكقولنا في بيع الطعام بمثله: مبيع عين فلا يشترط قبضه أولى من قولهم: ما لان لو قوبل كل بجنسه حرم ربا الفضل، لأنا نعكس ببدل الصرف ورأس مال السلم لأنه دين بدين، ولا عكس لتعليلهم لأن بيع السلم لا يشمل أموال الربا ووجب فيه القبض تحرزا عن الكالئ بالكالئ.
فصل:
إذا تعارض ضربا ترجيحٍ أحدهما ذاتي والآخر حالي فالاعتبار للذاتي لسبقه كاجتهاد أمضي حكمه لا ينسخ بغيره. ولقيام الحال بالذات فلو اعتبرناه مضادا للذات نسخنا الأصل بالتبع. مثاله: ابن ابن الأخ لأبوين أو أب أحق من العم لرجحان الأول في ذات القرابة والثاني في حالها. وكذلك العمة لأم والخال لأب وأم أحق بالثلثين، والثلث للخال لرجحانها في الذات والخال في الحال. وابن الأخ لأب وأم أحق منه لأب لاستوائهما في الذات فرجح بالحال وهو قوة الاتصال وابن ابن الأخ لأب وأم لا يرث مع ابن الأخ لأب
(2/691)

للرجحان في الذات. وعلى هذا فرعنا مسألة صنعة الغاصب حيث ينقطع بها حق المالك لقيام الصنعة بذاتها وهلاك العين من وجه فترجحت الصنعة بالوجود. ولا يقال قائمة بالمصنوع باقية به لأنا نقول البقاء تابع للوجود فهو حال والوجود أسبق.
فصل:
ترجيح القياس بمثله
(2/692)

فاسد، لانفراده بالعلية، وبغلبة الأشباه، كقولهم: الأخ يشبه الولد بالمحرمية، وابن العم بسائر الوجوه، كوضع الزكاة وحل الحليلة وقبول الشهادة ووجوب القصاص فكان أولى، لأن كل مشبه، كالقياس، فكان كالأول.
وبالعموم كقولهم: الطعم أحق لأنه يعم القليل والكثير. قلنا:
(2/693)

الوصف فرع النص، والعام كالخاص عندنا، وعندكم الخاص يقضي على العام، فكيف ترجح العام الذي هو فرعه.
وبقلة الأوصاف، فاسد كقولهم: ذات وصف فكان أولى من ذات وصفين. قلنا: العلة فرع النص، والنص المختصر والمطول واحد. والقلة والكثرة صورة، والترجيح ليس إلا بالمعاني.
تم الكتاب. والحمد لله أولا، وآخرا، وظاهرا وباطنا. وصلواته على خيرته من خلقه، محمد النبي الأمي وآله وأصحابه الطاهرين. فرغت هذه المسودة في شهر المحرم، من سنة أربع وتسعين وستمائة، من يد مؤلفها: أحمد بن علي بن تغلب بن الساعاتي، المدرس للحنفية بالمدرسة المستنصرية، رحمة الله على منشئها. وهو يسأل الله تعالى أن ينفع به المحصلين، ويوقع له القبول في أنفس الطالبين، ويلحق مؤلفه بالعلماء الراسخين. ويثيبه عليه ثواب المهتدين، بمحمد وآله الطاهرين.
(2/694)