Advertisement

تاريخ التشريع الإسلامي


الكتاب: تاريخ التشريع الإسلامي
المؤلف: مناع بن خليل القطان (المتوفى: 1420هـ)
الناشر: مكتبة وهبة
الطبعة: الخامسة 1422هـ-2001م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
مقدمات
مقدمة الطبعة الرابعة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الرابعة:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
فهذه هي الطبعة الرابعة لكتابنا الذي نشر في الطبعات الثلاث السابقة بعنوان "التشريع والفقه في الإسلام تاريخا ومنهجا".
وقد رأيت العدول عن هذا العنوان إلى ما هو مشهور في المناهج الدراسية: "تاريخ التشريع الإسلامي" فإن الفقه مستمد من مصادر التشريع.
وهي طبعة أضيفت إليها بعض المسائل وهذب طرف منها، في ضوء ما أشار عليَّ به بعض الإخوة الذين يدرسون الكتاب لطلابهم.
وفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه.
مناع بن خليل القطان
الأستاذ والمشرف على الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
(1/3)

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى أله وصحبه، ومن دعا بدعوته، واهتدى بهديه؛ وبعد:
فهذه كلمات في تاريخ التشريع والفقه الإسلامي، تعرض لك أهم المباحث المتعلقة بالتشريع ومصادره، ونشأة الفقه وتطوره، ومذاهب الفقهاء، وقواعد كل مذهب منها ومناهجه، وسيرة هؤلاء المجتهدين، وما بذلوه من جهد شاق في البحث بالأدلة، واستنباط الأحكام منها، وتطلعك على نمو الفقه الإسلامي وازدهاره، وما يستطيع أن يقدمه لمشكلات الحياة في كل عصر من حلول ناجحة، تكفل للإنسانية عوامل الرقي والتطور، وتقيم لها حضارة مثالية فاضلة، ترتكز دعائما على مباديء الحق والعدل.
ولعل في مثل ذلك الاطلاع وهذا العرض ما يفتح الباب للباحثين، وينير السبيل أمامهم للأخذ بأسباب النهوض بالفقه الإسلامي في العصر الحاضر، حتى تستعيد أمتنا سالف مجدها، وتحتل الصدارة في مصاف الدول.
والله من وراء القصد ...
مناع خليل القطان
(1/5)

تمهيد:
يراد بالتاريخ تعريف الوقت، يقال: أرَخ الكتاب، وأرَّخه، وآرخه: وقَّته، أي بيَّن وقته. وعلم التاريخ علم يتضمن ذكر الوقائع وأوقاتها وما جرى فيها من أحداث، وما كان لها من أثر في حياة الناس، وتاريخ علم من العلوم أيا كان نوعه يشمل نشأة هذا العلم، ومراحل تطوره، وحياة رجاله، وما قدموه من نتاج فكري لخدمة هذا العلم والنهوض به.
وتاريخ العلوم على وجه الإجمال يأتي عرضا في كتب التاريخ العام أثناء ذكر الوقائع والحديث عن مشاهير الرجال والتعريف بالحالة العلمية والفكرية في عصر من العصور.
أما استخلاص هذا وتنسيقه وترتيبه ترتيبا علميًّا؛ ليكون فنًّا من الفنون، له موضوعه وقواعده وفوائده، فإنه لم يجد عناية كافية حتى يفرد كل علم بتاريخ له في بحث منهجي متكامل.
وهذا لا يعنى أن يكون السابقون قد أغفلوا تاريخ العلوم من مناهج بحثهم، فإن بعضهم تحدث عنها ولكنه حديث مجمل، لا يفي بالغرض المقصود، وقد أفرد ابن خلدون في مقدمته الباب السادس للحديث عن العلوم وأصنافها، والتعليم وطرقه، وسائر وجوهه، وما يعرض في ذلك كله من الأحوال، وخص الفصل السابع من هذا الباب بعلم الفقه وما يتبعه من الفرائض.
وأفرد الدكتور حسن إبراهيم حسن في كتابه "تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي" بابًا خاصًّا بالثقافة، تحدث فيه بإيجاز عن العلوم النقلية والعقلية، والحركة العلمية في كل علم منها بعصور الإسلام التي كتب فيها.
(1/7)

وألف الأستاذ أحمد أمين كتبه: فجر الإسلام، وضحى الإسلام، وظهر لإسلام، فتناول في بحثه الحياة العقلية في التاريخ الإسلامي، وشمل ذلك العلوم والمعارف.
فتاريخ التشريع والفقه الإسلامي هو أحد هذه العلوم التي لم يتوافر على خدمتها من العلماء إلا النزر اليسير من هؤلاء الذين ألفوا في هذا الفن الحديث، تأليفا موجزا يرسم الخطوط العامة لمناهج البحث التي ينبغي أن يقتفي أثرها الدارس لهذا العلم، فتكون دليلا له يعينه على استكمال عناصره، ومن ذلك "تاريخ التشريع الإسلامي" للخضري، و"نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي" للدكتور على حسن عبد القادر، و"تاريخ الفقه الإسلامي" للسايس. و"تاريخ الفقه الإسلامي" للدكتور محمد يوسف موسى، و" تاريخ التشريع الإسلامي" لعبد العظيم شرف الدين.
وقد ألف فضيلة الأستاذ محمد أبو زهرة مجموعة من الكتب في أبحاث موضوعية منها: "تاريخ المذاهب الإسلامية"، وكتبه عن الأئمة: "زيد بن علي" و"أبي حنيفة" و"مالك" و"الشافعي" و"أحمد" و"ابن حزم" و"ابن تيمية".
ومن الكتب التي عالجت هذا الموضوع أيضا كتاب "أصول التشريع الإسلامي" للأستاذ علي حسب الله، وكذلك كتاب "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" تأليف: محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي، وهو أوفاها في بحثه.
وهناك كتب أخرى تخدم هذا العلم، وتتناول كثيرًا من موضوعاته مثل: "المدخل الفقهي العام" للزرقا، "فلسفة التشريع في الإسلام" للمحمصاني، "مدخل الفقه الإسلامي" لمدكور، وصدر حديثا "مناهج التشريع الإسلامي في القرن الثاني الهجري" للدكتور محمد بلتاجي.
(1/8)

ومنها كتب أخرى في المذاهب تعتبر مصدرا لهذا العلم، ومن ذلك: اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى" لأبي يوسف. و"آداب الشافعي ومناقبه" للرازي، و"إعلام الموقعين" لابن القيم، و"الانتقاء من فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء" لابن عبد البر، و"ترتيب المدارك وتعريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك" للقاضي عياض، و"الديباج المذهب في معرفة أعياء علماء المذهب" لابن فرحون المالكي، و"الطبقات الكبرى" لابن سعد، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي، و"وفيات الأعيان" لابن خلكان، و"فوات الوفيات" لابن شاكر، و"الفوائد البهية في تراجم الحنفية" للكنوي، و"طبقات الفقهاء الحنفية" لطاش كبرى زاده، وطبقات الفقهاء" للشيرازي، و"طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي، و"طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلي، وغيرها من كتب التراجم.
أهمية دراسة تاريخ التشريع والفقه الإسلامي:
وإذا كان المقصودُ من دراسة تاريخ علم من العلوم التعريفَ بمبادئه ومسائله وأهدافه وثماره حتى تتحقق الاستفادة منه، فإن الفقه الإسلامي، لم يعد قاصرًا على مجموعة الأحكام الفرعية في العبادات والمعاملات ولكنه، بالمفهوم العام أصبح منهجا متكاملا لشعب الحياة الإنسانية كلها، في العقيدة والعبادة، والاجتماع والاقتصاد، والتشريع، والسياسة؛ لأن الطور الذي وصل إليه الفقه الإسلامي في آخر مراحله كان بناء متراصًّا، ينظم العمران البشري وأنواع المعاملات والعلاقات الإنسانية للمسلمين تنظيما دقيقا، وهذا يعطي دراسة تاريخ التشريع والفقه الإسلامي أهمية كبيرة؛ لأنها تتناول الحياة الإسلامية في أخص عناصر مقوماتها، حيث كانت شريعة الإسلام هي القاعدة التي أقيم عليها بناء أمته، والمنطلق الذي ارتكزت عليها في حضارتها.
ورأي الناس في تاريخ هذه الأمة النموذج الأمثل للحضارة الإنسانية في
(1/9)

أو عظمتها، تصورًا للحياة، وفهمًا لرسالتها، واتجاهًا نحو العمل فيها لخير الدنيا والآخرة.
وقد تعرض الإسلام في فترات من التاريخ إلى موجات عارمة من الغزو الفكري، لتوهين مفاهيم الإسلام والانحراف بها عن جادة الحق في القديم والحديث.
تعرَّض لها في القديم بموجة الفكر الفلسفي الروماني والفارسي، حين انخدع بهذا الجدل العقلي العقيم بعض الناس، وحاولوا التوفيق بين الدين والفلسفة في علم الكلام، فأدخلوا عناصر أجنبية من الفلسفة في مادته وصورته، واشتملت ما بحثه على أبحاث لا تمت إلى الدين الإسلامي بصلة، ولكن وضوح العقيدة الإسلامية وجهود المخلصين لها حالا دون التأثير عليها، ووقوع الدخل فيها.
واليوم، وفي العصر الحديث، يتعرض الإسلام لموجات عارمة أخرى بالتشكيك في صلاحية الإسلام لمسايرة تطورات العصر، ومتطلبات المدنية، واتهامه بالجمود والرجعية.
ولما كان الفقه الإسلامي هو الذي يمثل الحياة العلمية، والسلوك الاجتماعي في حياة المسلمين، فإنه جدير بأن يكون خط الدفاع الأول ضد الهجمات المتواصلة من المدنية الغريبة، والشيوعية الدولية على السواء.
ومن هنا كانت حركات الإصلاح والتقدم الإسلامي، التي يحاول بها المصلحون المسلمون التجديد، تبتدئ من الفقه؛ فهو يمثل عند دعاة الإصلاح الإسلامَ التاريخي، وهم يريدون الرجوع إلى الإسلام الأول، ويرون فيه حياة وقدرة على التطور الاجتماعي بمصادره الأصلية المستمدة من الكتاب والسنة.
أما الفقه في وضعه الحاضر، فهو في كثير منه من عمل الفقهاء أنفسهم، وهؤلاء المصلحون يريدون أن يصلوا من الإسلام نفسه -في مصادره التشريعية الأصيلة وإمكاناته الخاصة- إلى نظام حيوي تام متكامل للحياة الإنسانية. ولا
(1/10)

يكون هذا إلا بإعادة النظر في الفقه وتطوراته، وبناء الأسس الجديدة على ما كان عليه الإسلام في عهده الأول، وعهد نهضة المسلمين الفقهية، وأيام الاجتهاد.
حاجة الجماعة إلى نظام يحكم سلوكها:
تحتاج أي جماعة من الجماعات إلى روابط تقوم عليها تجمعها، ومبادئ تحدد علاقاتها، وتحفظ حقوق أفرادها؛ لئلا يكون أمرها فوضى، فقد جبل الإنسان على الأثرة، وحب الذات، وانطوت نفسه على كثير من الغرائز التي تحتاج إلى تقويم وتهذيب، حتى لا يطغى الإنسان على أخيه الإنسان.
ولن يستطيع المرء أن يعيش وحده في معزل عن الناس؛ فإن حياته مرتبطة بحياة غيره، يتعاون معه، ويتبادل المنفعة الاجتماعية والمصالح المشتركة، وهذا معنى قولهم: "الإنسان مدني بالطبع".
وقد أوضح ابن خلدون هذه الحقيقة بقوله: "إن الاجتماع الإنساني ضروري"، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: "الإنسان مدني بالطبع"، أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم وهو العمران ... وإن الواحد من البشر غير مستقل بتحصيل حاجاته في معاشه ... وإن البشر لا يمكن حياتهم ووجودهم إلا باجتماعهم، وتعاونهم على تحصيل قوتهم، وضروراتهم. وإذا اجتمعوا دعت الضرورة إلى المعاملة واقتضاء الحاجات، ومد كل واحد منهم يده إلى حاجته يأخذها من صاحبه؛ لما في الطبيعة الحيوانية من الظلم والعدوان بعضهم على بعض، ويمانعه الآخر عنها ... فيقع التنازع المفضي إلى المقاتلة، فاستحال بقاؤهم فوضى دون حاكم يزع بعضهم عن بعض".
وقد اقترنت الحياة البشرية منذ نواتها الأولى في آدم عليه السلام بما أوحى الله به إلى رسله حتى تسلم عقيدتهم، وتستقيم حياتهم على جادة الحق؛ إذ لا بد للإنسان من ضوابط تقيم هذه العلائق على العدل والمساواة، وقد نشأت المجتمعات البدائية الأولى في الأسرة والقبلية على قواعد ومبادئ أملتها عليها ظروف البيئة وما جرى عليه العرف والعادة.
(1/11)

وبتطور الحياة، وتجدد مطالبها، تطورت الأعراف والعادات، وارتقت ضوابط السلوك فيها، وأخذت طابعا إلزاميا في حياة الناس، يحتكمون إليه فيما بينهم.
وكلما ارتقت الجماعة البشرية في حياة أمة من الأمم، ارتقت معها أفكارها، وسنَّت لها من الأنظمة ما يحقق أمنها ورخاءها، ومثل هذه الأنظمة هو ما يسمى بالقانون.
معنى القانون:
فالقانون -إذًا- يُطلق على مجموعة القواعد والمبادئ والأنظمة التي يضعها أهل الرأي في أمة من الأمم؛ لتنظيم شئون الحياة الاجتماعية والاقتصادية؛ استجابة لمتطلبات الجماعة، وسدًّا لحاجاتها. وهو تعبير عن واقعها، يبين مدى ما وصلت إليه من رقي، وما أحرزته من تقدم، وبقدر ما تستفيد الأمة من تجارب بقدر ما تصحح من أخطاء قانونها، وتعمل على تغييره وتطويره، حتى يكون ملائما لطبيعة حياتها.
والقانون بهذا المعنى يختلف في كل أمة عن أختها؛ لاختلاف حياة الأمم في العادات والتقاليد والأعراف، واختلافها في درجات العلم والمعرفة، فالقانون الذي يصلح لأمة قد لا يصلح لأخرى، والذي يصلح لعصر لا يصلح لآخر، وقلما نجد في القوانين الوضعية توافقا في بلدين مختلفين بيئةً وعادةً وفكرًا.
ولا اعتبار في القانون للفضائل الأخلاقية التي توقظ الضمير الإنساني، وتربي فيه عواطف الخير، وتحفزه إلى مراعاة الحقوق الأدبية والتقيد بالتزاماتها.
كما أنه لا اعتبار فيه للعقيدة الدينية التي تصل العبد بخالقه، وتحدد علاقته بربه، وتبين أصل نشأته، ومصيره في الدار الآخرة.
ومثل هذه القوانين قد يسميها الناس -تجاوزا- بالشرائع الوضعية.
وكلمة "القانون" يونانية الأصل، كانت تستعمل بمعنى "القاعدة"، ودخلت إلى اللغة العربية، فاستعملت للدلالة على مقياس كل شيء، ولم يستعملها علماء
(1/12)

المسلمين في العصور الأولى بمعنى الشرع، أو الحكم الشرعي، كما لم يستعملوا الشارع أو المشروع في واضع القانون أو المقنن، وإنما استعمل ذلك المتأخرون الذين تأثروا بدراسة القوانين الوضعية، فأطلقوا مصطلحات الشريعة عليها، واصطلاح الفقه الإسلامي يأبى ذلك كل الإباء. وسوف يتضح هذا من التعريف بمعنى الشريعة والتشريع.
معنى الشريعة والتشريع:
الشرع في اللغة: مصدر شرَع بالتخفيف، والتشريع، مصدر شرَّع بالتشديد، والشريعة في أصل الاستعمال اللغوي: مورد الماء الذي يقصد للشرب، ثم استعملها العرب في الطريقة المستقيمة، وذلك باعتبار أن مورد الماء سبيل الحياة والسلامة للأبدان، وكذلك الشأن من الطريقة المستقيمة التي تهدى الناس إلى الخير، ففيها حياة نفوسهم، وريِّ عقولهم، قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا} 1. ويقال: "شرعت الإبل"، إذا وردت شريعة الماء، و"شرع له الأمر" بمعنى سنه وبيَّن طريقته: قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} 2. وقال: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه} 3. قال صاحب القاموس: الشريعة ما شرعه الله لعباده. وقال الراغب: الشرع: نهج الطريق الواضح. يقال: شرعت له طريقا، والشرع مصدر، ثم جعل اسما للطريق النهج، فقيل له: شرع، وشريعة، واستعير ذلك للطريقة الإلهية، قال بعضهم: سميت الشريعة شريعة: تشبيها بشريعة الماء من حيث إن من شرع فيها على الحقيقة المصدوقة روى وتطهر.
والشريعة الإسلامية في الاصطلاح: ما شرعه الله لعباده من العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات ونظم الحياة، في شعبها المختلفة لتنظيم علاقة الناس بربهم
__________
1 الجاثية: 18
2 الشورى: 13
3 الشورى: 21.
(1/13)

وعلاقاتهم بعضهم ببعض، وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة1؛ فشريعة الله هي المنهج الحق المستقيم الذي يصون الإنسانية من الزيغ والانحراف، ويجنبها مزالق الشر، ونوازع الهوى، وهي المورد العذب الذي يشفي غلتها، ويحيي نفوسَها، وترتوي به عقولها، ولهذا كانت الغاية من تشريع الله استقامة الإنسان على الجادة؛ لينال عز الدينا وسعادة الآخرة.
والشريعة بهذا المعنى خاصةٌ بما جاء عن الله تعالى، وبلغه رسلُه لعباده، والله هو الشارع الأول، وأحكامه هي التي تسمى شرعا، فلا يجوز إطلاق هذا على القوانين الوضعية؛ لأنها من صنع البشر، وقد جرى عرف كثير من الكاتبين على تسمية القوانين الوضعية بالتشريع الوضعي، وتسمية الوحي الإلهي بالتشريع السماوي، والحق أن الشرع أو الشريعة لا يجوز إطلاقها إلا على الطريقة الإلهية دون سواها من طرائق الناس وأنظمتهم.
مكان الشريعة الإسلامية بين الشرائع السماوية الأخرى:
خلق الله الناس وفَطَرَهم على الإيمان به، وركز في طباعهم من الغرائز والميول ما يعرض حياتهم للانحراف عن الحق تحت تأثير النزعات الجامحة والأهواء المختلفة: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} 2، "كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" "متفق عليه". وذلك هو العهد الذي أخذه الله على بنى آدم: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} 3. فاقتضت حكمة الله أن يصطفي من عباده رسلًا يرُدُّون الناس إلى فطرتهم ويرشدونهم
__________
1 يرى بعض الباحثين أن الشريعة خاصةٌ بالمعاملات، وليس الأمر كذلك -فيما أرى- فقد قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]
، والدين عقيدة تنبثق منها الشريعة، وهو الذي يسمى إسلامًا.
2 الروم: 30.
3 الأعراف: 172
(1/14)

المثل العليا في تقويم الأخلاق، والاهتداء بهدي الله حتى تقوم عليهم الحجة: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} 1.
وكانت رسالة كل رسول قاصرة على قومه، خاصة في إصلاح ما فسد من عقائدهم وأخلاقهم، والعمل على تهذيب نفوسهم وأرواحهم، بمرجعهم إلى فطرة التوحيد؛ حيث كانت المجتمعات الإنسانية في أطوارها الأولى محدودة المطالب، بدائية النشأة، سطحية التفكير محصورة في نطاق بيئتها: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِير} 2، ولم يك أمر الناس في المعاملة متشعب النواحي، ضيق المسالك حتى تحتاج الخليقة إلى نظم تذلل بها عقبات الحياة، وتحل مشاكلها فلم يشأ الله البقاء لرسالة رسولٍ قبل محمد صلى الله عليه وسلم؛ كي تحمل عناصر الخلود، فكانت شريعة كل رسول خاصة بقومه للمحافظة على عقيدة التوحيد التي فطر عليها الخلق في عبودية الإنسان لله وحده رب العالمين، وتقويم حياتهم على هدى من الله.
فلما نمت معارف الإنسان، واتسعت مطالبه، وتعقدت أمامه مشاكل حياته، أذن الله بفجر دين جديد يلقي أضواءه على جوانب الحياة كلها؛ ليكتمل صرح الحضارة الإنسانية التي بناها رسل الله، فكان هذا الدين هو شريعة الإسلام: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة، وأنا خاتمة النبيين" "متفق عليه".
وأخذ الله على أنبيائه بذلك العهد والميثاق: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} 3.
فالوحي الإلهي المتتابع يمثل نهرا تكونت له روافد، وتفرعت جداول، تروي ما يذبل من أيك العقيدة، وما يجف من أعواد الفضيلة لتبقى خصائص الإنسانية
__________
1 النساء: 165.
2 فاطر: 24.
3 آل عمران: 81
(1/15)

البناءة في ازدهار ونمو، تؤتي أكلها لخير الناس كل حين بإذن ربها، ينبع هذا النهر ويفيض خيره حيث يوحي الله إلى ملائكته سفرائه إلى رسله، أو يكلم رسله سفراءه إلى خلقه.
وقد انتهى مصب هذا الماء الغدق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم نبي الإسلامي، والنصوص القرآنية تعلن وحدة هذا التشريع من منبعه إلى مصبه.
{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} 1.
والقرآن الكريم يحكي رسالات الأنبياء السابقين بعنوان القومية الخاصة.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} 2.
{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 3.
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} 4.
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ} 5.
{وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} 6.
{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآياتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ} 7.
ويقول تعالى في شأن عيسى: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيل} 8.
ولكن رسولنا محمدا صلى الله عليه وسلم يعلن عالمية دعوته وأستاذيته للدنيا، ونبوته للعالمين، وختمه للنبيين.
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} 9.
__________
1 الشورى: 12
2 هود: 25.
3 هود: 50
4 هود: 61
5 هود: 84
6 الأعراف: 80
7 الأعراف: 103
8 آل عمران: 49
9 الفرقان: 1
(1/16)

{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} 1.
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} 2.
{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} 3.
وفي الحديث: "كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة" رواه البخاري و: "أنا العاقب فلا نبي بعدي" متفق عليه.
وقد اتفقت الشرائع السماوية في أصل العقيدة بالدعوة إلى توحيد الله تعالى، والإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} 4.
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} 5.
واتفقت في صول العبادات والأخلاق والتهذيب النفسي:
{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى، بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} 6.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} 7.
__________
1 الأنبياء: 107.
2 الأعراف: 158
3 الأحزاب: 40
4 الأنبياء: 25
5 آل عمران: 64
6 الأعلى: 14-19
7 البقرة: 183
(1/17)

وأكثر الشرائع السماوية لم تتجاوز هذه الأصول: عقيدة، وعبادة، وخلقا، وبمثلها في التربية النفسية والمعاني الروحية النصرانية شريعة عيسى عليه السلام.
أما الشريعة اليهودية التي أرسل الله بها موسى عليه السلام فقد شملت بعض أنواع المعاملات، إلا أنها كانت محدودة، تحمل طابع بيئة بني إسرائيل، ولم تكتسب صفة العموم والشمول التي تجعلها صالحة لزمن آخر، أو لقوم آخرين، وقد أشار القرآن الكريم في عقوبتهم بتحريم الطيبات عليهم إلى هذا:
{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} 1.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال:
"إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن أمرأة منهم ورجلًا زنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تجدون في التوراة من شأن الرجم"؟ قالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم، فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقال: صدقت يا محمد، فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرجما، قال: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة؛ ليقيها الحجارة".
أما شريعة الإسلام التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم فإنها جاءت وافية بمطالب الحياة الإنسانية، تسد عوزها، وتحقق لها أهداف العمران في شتى جوانب حياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فالإسلام عقيدة وعبادة، وخلق وتشريع، وحكم وقضاء، ومسجد وسوق، وهو علم وعمل، ومصحف وسيف، وهذا هو ما نعنيه عندما نقول: "الإسلام دين ودولة".
وقد اكتسبت نصوص الشريعة الإسلامية من المرونة والعموم ما جعل قواعدها
__________
1 النساء: 160، 161
(1/18)

صالحة للناس كافة في كل عصر من العصور، تساير عوامل النمو والارتقاء، وتقود الحضارة الإنسانية إلى معالم الحق وسبيل الرشاد، ولهذا أكمل الله بها الدين وأتم النعمة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا} 1.
الفرق بين التشريع السماوي والتقنين الوضعي:
تحدثنا آنفا عن كل من القانون الوضعي والتشريع السماوي، وبهذا يتبين الفرق بينهما، وقد ذكر هذه الفوارق على وجه التفصيل الشهيد عبد القادر عودة في مقدمة الجزء الأول من كتابه "التشريع الجنائي في الإسلام"، ونحن نجمل ذلك فيما يلي:
1- القانون الوضعي تنظيم بشري من صنع الناس، لا ينبغي مقارنته بالتشريع السماوي الذي جاء من عند الله؛ للفرق بين الخالق والمخلوق، ولن يستوي لدى العقول أن يقارن ما صنعه الناس بما صنعه رب الناس.
2- والذين يضعون القانون بشر، يخضعون للأهواء والنزعات، وتتغلب عليهم العواطف البشرية، فيقعون تحت تأثير هذه العوامل التي تحيد بهم عن تقدير الحق، والقيام على شئون الحياة بالقسط، ومهما ارتقى الناس في سلم المعرفة، فإنهم لا يستطيعون أن يدركوا حقائق الأمور، وأن يحيطوا بها خبرًا، وبهذا تكون القوانين الوضعية عرضة للتغيير والتبديل، ولا يكون لها مقياس ثابت لحكم، فما هو حلالٌ اليوم قد يصير حرامًا غدًا، وبذلك تختلف موازين الحياة ومقاييس الخير والشر، وتتلون بتلون الإنسان وتحوُّل ميوله وعواطفه، فتظل الحياة الإنسانية في اضطراب دائم، كما نشاهده اليوم في حياة الأمم التي تحكم بغير ما أنزل الله.
والشريعة وحي إلهي منزه عن ذلك كله، فهي تنزيل الحكيم العليم، الذي يعلم
__________
1 المائدة: 3
(1/19)

أحوال عباده، وما يصلح معاشهم ومعادهم، وما يحقق لهم الخير في دنياهم وأخراهم {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} 1، وهو سبحانه منزه عما يعتري الخلق من القصور والنقص {لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى} 2. وقد بنيت الشريعة الإسلامية الأصول الكلية التي تقوم عليها حياة البشر، ولا سبيل إلى الأخذ فيها بالرأي المجرد عن الدليل، والنبي صلى الله عليه وسلم مع عصمته لا يتبع إلا الوحي {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيّ} 3، ولا يكون حكمه إلا بما علم عن الله {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّه} 4، وانتزاع التشريع من أيدي البشر، ورده إلى الله ورسوله يضع لنا شريعة ربانية ثابتة المقياس لا يعتريها خلل أو قصور.
3- والقانون الوضعي نظام محدود القواعد، يلبي حاجة الجماعة لتنظيم حياتهم الحاضرة، ويتطور بتطورها، نشأ بادئ ذي بَدء في نظام الأسرة، ثم في نظام القبيلة، ولم يتحول إلى نظريات علمية إلا في القرن التاسع عشر.
والتشريع السماوي -بعامة- يولد متكاملًا وافيًا بمطالب الحياة، محكم النسيج، صافي المورد.
4- وقواعد القانون الوضعي مؤقتة لجماعة خاصة في عصر معين، فهي في حاجة إلى التغيير كلما تطورت الجماعة وتجددت مطالبها.
وقواعد الشريعة الإسلامية -بصفة خاصة- لم تأت لقوم دون قوم، أو لعصر دون عصر، ولكنها قواعد كلية ثابتة مستقرة، تسد حاجة الجماعة وترفع مستواها في كل عصر، وقد مر على الشريعة الإسلامية زهاء أربعة عشر قرنا من الزمان، تغيرت فيها أوضاع الجماعات، واندثرت فيها مئات القوانين والأنظمة، وانقلبت
__________
1 الملك: 14
2 طه: 52
3 الأنعام: 50
4 النساء: 105
(1/20)

مبادئها رأسا على عقب، ولا تزال تلك الشريعة غضة صالحة لكل زمان ومكان، تحمل نصوصها عناصر النمو والارتقاء.
5- والقانون الوضعي لا يتناول سوى المعاملات المدنية، في الشئون الاجتماعية والاقتصادية التي تقوم عليها سلطة الدولة إذا استثنينا ما يتصل بالعلاقات الدولية، ولا يمت بصلة إلى عقيدة التوحيد ومقتضياتها.
والشريعة الإسلامية تتناول الإيمان بالله ورسله وعالم الغيب، وصلة العبد بربه، وسلوكه الأخلاقي، وأنظمة الحياة المختلفة في شتى مرافقها.
6- والقوانين الوضعية تهمل المسائل الأخلاقية، وتقصر المخالفة على ما فيه ضرر مباشر بالأفراد، أو إخلال بالأمن والنظام العام، فلا تعاقب القوانين الوضعية على الزنا في هاتين الحالتين يمس ضرره المباشر الأفراد، كما يمس الأمن العام، وأكثر القوانين الوضعية لا تعاقب على شرب الخمر، ولا تعاقب على السكر لذاته، وإنما تعاقب السكران إذا وجد في الطريق العام في حالة سكر بيِّن، فالعقاب على وجوده في حالة سكر في الطريق العام؛ لأن وجوده في هذه الحال يعرض الناس لأذاه واعتدائه، وليس العقاب على السكر لذاته باعتباره رذيلة، ولا على شرب الخمر باعتبار أن شربها مضر بالصحة، مذهب للعقل، متلف للمال، مفسد للأخلاق.
والشريعة الإسلامية شريعة أخلاقية، وليست الأخلاق في الإسلام أدبا يجمل صاحبه، ولكنها التزامات من واجبات الدين.
والأخلاق في الإسلام غاية تربوية للعبادات، والتزام أدبي في المعاملات، يجعل حياة الناس قائمة على المعروف والحسنى، وقد حث الإسلام على أمهات الفضائل الإنسانية ودعا إلى المثل العليا، وأثنى على مكارم الأخلاق، وقال الله في نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم} 1.
7- تفقد القوانين الوضعية سلطتها على النفس البشرية؛ لأن سلطة العقوبة
__________
1 القلم: 4.
(1/21)

وحدها لا تكفي في ردع المجرم، ولذا فإن واضعي القانون يعملون على ترضية الجماهير وإقناعها بصلاحية النظم التي وضعوها حتي يمتثلوها، ولكن الناس يدركون أن لا سلطة للقوانين الوضعية إلا إذا وقع المرء تحت طائلة المخالفة، وضبط متلبسا بجريمته؛ إذ لا علاقة لها بالحياة الآخرة، فيكون المجال فسيحًا للخروج على القانون بوسائل الحيلة والدهاء. فلا يقف دون وصول الناس إلى أغراضهم السيئة من فساد في الأرض قانون مهما كان دقيقًا.
والشريعة الإسلامية تنبثق من فكرة الحلال والحرام، والإيمان بالدار الآخرة، وتربي الضمير الإنساني؛ ليكون رقيبا على المسلم في السر والعلن، يخشى عقاب الله الأخروي أكثر من خشيته للعقاب الدنيوي، فالفعل التعبدي، أو المدني أو الجنائي، أو الدستوري، أو الدولي، له أثره المترتب عليه في الدنيا من أداء الواجب، أو إفادة الحل والملك، أو إنشاء الحق أو زواله، أو توقيع العقوبة، أو ترتيب المسئولية، ولكن هذا الفعل الذي يترتب عليه أثره في الدنيا له أثر آخر مترتب عليه في الآخرة هو المثوبة أوالعقوبة الأخروية، ومن يتتبع آيات الأحكام يجد كثيرا منها قد رتب عليها جزاءان: جزاء دنيوي وجزاء أخروي.
ففي القتل يقول تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} 1.
وفي قطع الطريق أو الحرابة يقول تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم} 2.
وفي إشاعة الفاحشة ورمي المحصنات يقول جل شأنه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ
__________
1 النساء: 93.
2 المائدة: 33.
(1/22)

تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} 1 ... إلى غير ذلك من الآيات.
وبذلك يقيم الإسلام من داخل النفس البشرية رقابة على تعاليمه، بحيث يرعاهم المسلم في جوف الليل، كما يرعاها في وضح النهار، والأدلة الظاهرة لإثبات الحق في القضاء لا تجعل هذا الحق حلالا لمستحقه إلا إذا كان حقا له في الواقع، وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم خصومة بباب حجرته فخرج إليها فقال: "إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحسب أنه صدق فأقضى له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذْها أو ليتركْها" متفق عليه.
أدوار التشريع ومراحله في تاريخ الفكر الإسلامي:
يذهب بعض الباحثين في تقسيم أدوار التشريع والفقه الإسلامي إلى مراعاة النشأة والتطور، والقوة والضعف، في تاريخ الفكر الإسلامي، فيقسمون الأدوار التي مر بها التشريع والفقه إلى الأدوار الآتية:
الدور الأول: وهو عصر التشريع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عهد الخلفاء الراشدين.
الدور الثاني: الدور التأسيسي للفقه، ويشمل العمل الفقهي في العصر الأموي، والكلام على مدرسة الحجاز ومدرسة العراق.
الدور الثالث: دور النهضة الفقهية، وتأسيس المذاهب، وتدوين الحديث والفقه.
__________
1 النور: 20
(1/23)

الدور الرابع: دور التقليد وسد باب الاجتهاد بعد أن استقرت المذاهب.
الدور الخامس: دور اليقظة الفقهية وحركة الإصلاح الديني في الوقت الحاضرلفتح باب الاجتهاد.
ويذهب آخرون في تقسيمهم إلى مراعاة الأحداث السياسية والاجتماعية التي كان لها أثر في الفقه الإسلامي، فيقسمونه إلى الأدوار الآتية:
1- عهد التشريع: من البعثة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم سنة 11 هـ.
2- الدور الفقهي الأول: الفقه في عصر الخلفاء الراشدين 11-40هـ.
3- الدور الفقهي الثاني: الفقه في عهد صغار الصحابة وكبار التابعين إلى أوائل القرن الثاني الهجري.
4- الدور الفقهي الثالث: الفقه من أوائل القرن الثاني إلى منتصف القرن الرابع.
5- الدور الفقهي الرابع: الفقه من منتصف القرن الرابع إلى سقوط بغداد سنة 656 هـ.
6- الدور الفقهي الخامس: من سقوط بغداد إلى الوقت الحاضر.
وقد آثرنا التقسيم الثاني دون التزام بتفاصيل الأحداث الجزئية مع مراعاة الاهتمام بالجانب الموضوعي وما يستحق من عناية.
(1/24)

الفصل الأول: عصر التشريع
عصر التشريع من البعثة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم سنة 11هـ
حالة العرب والعالم عند البعثة وبيان المهمة التي جاء بها الإسلام
...
عصر التشريع "من البعثة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم سنة 11 هـ":
حالة العرب والعالم عند البعثة وبيان المهمة التي جاء بها الإسلام:
ساد العالم في القرن السادس الميلادي -قبيل البعثة- دولتان كبيرتان على مقربة من جزيرة العرب؛ إحداهما دولة الفرس في الشمال الشرقي، والأخرى دولة الروم في الشمال والغرب. ولكل دولة من هاتين الدولتين حضارة ذات ثقافة وقانون، ولها عقائد تدين بها.
ففي الفرس تعاقب الملوك الأكاسرة، الذين بسطوا نفوذهم على أجزاء العالم المحيطة بهم، وبنوا لأنفسهم حضارة سميت بالحضارة الفارسية، وكانت آخر دولة حكمت الفرس قبل الإسلام "الدولة الساسانية" التي استمرت في الحكم من سنة 226م إلى سنة 651م حين استولى عليها المسلمون.
واشتهر الفرس بميلهم إلى عبادة المظاهر الطبيعية، وكانت تعاليم "زرادشت" -الذي زعموه نبيا لهم- تقوم على أساس أن هناك نزاعا وتصادما بين القوى المختلفة: بين النور والظلمة، والخصب والجدب ... إلخ، وأن للعالم أصلين أو إلهين؛ أصل الخير، وأصل الشر، وهما في نزاع دائم، ولكل من هذين الأصلين قدرة الخلق، فأصل الخير هو النور، وقد خلق كل ما هو حسن وخير ونافع، كخلق الحيوانات النافعة، والطيور الجميلة، وأصل الشر هو الظلمة، وقد خلق كل ما هو شر في العالم، فخلق الحيوانات المفترسة والحيات والحشرات وما شابهها، ولكن الفوز النهائي لروح الخير، وترى الزردشتية أن للإنسان حياتين؛ حياة أولى في الدنيا وحياة أخرى بعد الموت، ونصيبه من حياته الآخرة نتيجة لأعماله في حياته الأولى، وأن يوم القيامة قريب، حين ينتصر إله الخير على إله الشر.
(1/27)

واتخذ الفرس النار رمزًا لآلهة الخير، يشعلونها في معابدهم، وينفحونها بأمدادهم حتى تقوى على آلهة الشر وتنتصر عليها.
ولم تخرج تعاليم "ماني" في المانوية التي شاع مذهبها عن تعاليم "زرادشت" إلا في القليل من آرائها. وحول سنة 487م ظهر في فارس "مزدك" ودعا إلى مذهب ثنوي جديد، فكان يقول أيضا بالنور والظلمة، ولكنه عرف بتعاليمه الاشتراكية، فكان يرى أن الناس ولدوا سواء فليعيشوا سواء، وأهم ما تجب فيه المساواة: المال والنساء.
قال الشهرستاني: "وكان "مزدك" ينهى الناس عن المخالفة والمباغضة والقتال، ولما كان أكثر ذلك إنما يقع بسبب النساء والأموال، فأحل النساء وأباح الأموال، وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والكلأ والنار".
وكان للفرس قانون في عهد الدولة الساسانية، تضمن الكلام على الأحوال الشخصية كالزواج، وعلى الملكية، وعلى الرق، وبعض الشئون العامة.
أما دولة الروم التي كان يحكمها القياصرة، فقد قامت حضارتها على الفلسفة النظرية والجدل المنطقي "اليوناني" ثم "الروماني"، وتوارثت آراء سقراط وأفلاطون وأرسطو، وسيطرت على مناطق البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك الشام ومصر والمغرب، حيث كانت عقائد النصرانية على اختلاف مذاهبها، ولقد لجأت النصرانية إلى الفلسفة اليونانية؛ لتستعين بها على الجدل، ولتؤيد تعاليمها وعقائدها أمام الوثنيين، وكانت الإسكندرية هي المركز الجغرافي لمزج الدين بالفلسفة، وظهر فيها المذهب المعروف بـ "الأفلاطونية الحديثة"، وذلك منذ عام 200 م تقريبا. وظلت النصرانية منتشرة في الشام ومصر والمغرب والنوبة والحبشة والعراق. كما قام السريانيون بنشر الفلسفة اليونانية، واتخذوا لأنفسهم مدارس متعددة، كانت أهم مراكزها في الرها ونصيبين وحران، واهتموا بترجمة الكتب اليونانية بعقائدها الوثنية، وثقافتها المتشعبة إلى اللغة السريانية، بما في ذلك القانون الروماني، وعلوم الطب، والفلك، والفلسفة.
(1/28)

وبإزاء هذا كله، كانت بقايا اليهودية متناثرة في بعض الأماكن، بشمال الجزيرة العربية وفي داخلها بـ "يثرب"، ولهؤلاء كذلك عقائدهم وموروثاتهم الدينية.
وأما العرب فقد كان أكثرهم من البدو الرحل الذين يعيشون في الصحراء، يربطهم نظام القبيلة بأعرافه الاجتماعية، وعادته التقليدية، ويحكمهم رؤساء القبائل الذين يفصلون في الخصومات ولهم سلطة الأمر والنهي عليهم، ولم يخلُ نظام القبيلة من بعض النظم الاجتماعية التي كانت سائدة أنذاك، كنظام الأسرة في الزواج، والقصاص في القتل.
وأقام بعضهم في المدن كمكة، ويثرب، والطائف، وباشروا الزراعة، وامتهنوا بعض الصناعات، وهذا من شأنه أن يقيم قواعد للمعاملات المالية والعلاقات التجارية. وساعد على هذا أسواقهم الكبرى، واجتماعهم في الحج، واشتهرت قريش في مكة بالتجارة، وكان لها علاقة تجارية مستمرة بسوريا "الرومانية"، والعراق "الساساني"، وباليمن في رحلتي الشتاء والصيف.
ولم يكن العرب في معزل عن الثقافات المحيطة بهم، بل إن النزاع الدائم بين الفرس والروم أدى إلى استفادة كل من الجانبين بالعرب، حتى يكونوا ردءا لصد غارات البدو عليهم. فأسس الفرس إمارة الحيرة على نهر الفرات، وأمروا عليها عمرو بن عدي، كما كون الغساسنة إمارة لهم في الشام. وكان آخر ملوك الحيرة النعمان بن المنذر الخامس، زوج هند، وهو الملقب بأبي قابوس، وصاحب النابغة الذبياني، وقد غضب عليه كسرى فحبسه حتى مات حوالي سنة 602 م.
وكان آخر ملوك الغساسنة جبلة بن الأيهم سنة 614م، ولما فتح المسلمون الشام أسلم جبلة وقدم المدينة، وأحسن عمر نزله، ولكنه لطم رجلا من بني فزارة، فنابذه وطلب إلى عمر القصاص، فأخذته العزة بالإثم، فقال له عمر: لا بد أن أقيدك، فهرب إلى قيصر، ولم يزل بالقسطنطينية حتى مات سنة 20هـ.
وقد تأثر عرب الحيرة بثقافة الفرس، كما تأثر الغسانيون بثقافة اليونان والديانة الرومية، وهؤلاء وأولئك كانوا على صلة بالعرب في قلب الجزيرة العربية.
(1/29)

وتسربت اليهودية إلى بلاد العرب، واتخذت لها معاقل في "تيماء" و"فدك" و"خيبر" و"يثرب" كما تسربت النصرانية واتخذت موطنها الأساسي في "نجران".
وهذه الأمور الثلاثة:
1- التجارة.
2- الإمارات على تخوم فارس والروم.
3- اليهودية والنصرانية.
كانت وسائل لنقل المدنيات المجاورة إلى العرب ونفاذ ثقافتها إليهم.
ومع أن العرب قد ورثوا شيئا من ملة إبراهيم وإسماعيل، فإن طبيعتهم الخشنة ظلت مستعصية أمام هذه العوامل؛ لغلبة الجهل، وانتشار الوثنية، يعيشون في تناحر وفوضى. يقول ابن خلدون فيهم:
"إن العرب لطبيعة التوحش الذي هم فيه أهل انتهاب وعبث، ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة ولا ركوب خطر، ويفرون إلى منتجعهم بالقفر ... وهم إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب؛ لأنهم أمة وحشية، فينقلون الحجر من المباني ويخربونها؛ لينصبوه أثافي للقدر، ويخربون السقف ليعمروا به خيامهم، ويتخذوا الأوتاد منه لبيوتهم، وليس عندهم من أخذ أموال حدٌّ ينتهون إليه ... وهم متنافسون في الرياسة، وقل أن يسلم واحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل، فيتعدد الحكام منهم والأمراء، وهم أصعب الأمم انقيادًا بعضهم لبعض؛ للغلظة، والأنفة، وبُعد الهمة، والمنافسة في الرياسة، فقلما تجتمع أهواؤهم.
من أجل ذلك لا يحصل لهم الملك إلا بصيغة دينية من نبوة، أو ولاية، أو أثر عظيم من الدين على الجملة".
ومع ذلك كله فقد كانت لهم تقاليد في مأكلهم ومشربهم وملبسهم، وفي
(1/30)

نكاحهم وطلاقهم، وفي بيوعهم وسائر معاملاتهم، وكانت لهم محارم يحرمونها كالأمهات والبنات والأخوات، ولهم مزاجر في مظالمهم في مثل الجنايات والديات والقسامة وما شاكلها.
تلك هي حال العرب والعالم قبل البعثة، وهي حال يستطير شرها، ويتفاقم خطرها بما أورثته للإنسانية من استبداد وظلم وشقاء وفساد، وفي وسط هذا الجو الخانق القاتل لقيم الحياة الإنسانية ومطالبها الروحية انبعث من بطحاء مكة صوت قوي رهيب يقول: "لا إله إلا الله". كان ذلك الصوت الداوي صوت محمد صلى الله عليه وسلم الذي اختاره الله؛ ليهدي العقول الحائرة إلى نور الإيمان بالعقيدة الصحيحة، ويفتح لها مسالك العلم النافع، ويمنحها العدل الذي يحطم قيود العسف والجبروت، والحرية التي ترقى بمستوى الإنسانية، وتحفظ لها حقوقها، والمساواة التي تهب لكل فرد فرصة يستثمر فيها مواهبه لخير المجتمع وصالحه، فأنذر وبشَّر، وأعلن دعوته ربانية عالمية، تتخطى جبال الحجاز، وهضاب نجد، وسعة البحار والوهاد، وتتجاوز كل مهمه قفر؛ لتعلن على الملأ إنسانيتها، وتدعو البشرية على اختلاف أجناسها وألوانها للانضواء تحت لوائها:
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} 1.
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} 2.
فكانت رسالة الهدى والرحمة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} 3.
__________
1 الأعراف: 158.
2 سبأ: 28.
3 يونس: 57.
(1/31)

التشريع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم:
عرفنا فيما سبق أن الشريعة خاصة بما جاء عن الله تعالى:
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} 1. وذلك لا يكون إلا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث انقطع الوحي بوفاته، فالتشريع إما أن يكون وحيا إلهيا بالمعنى واللفظ، وذلك يتمثل في القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإما أن يكون وحيا إليها بالمعنى دون اللفظ، وذلك يتمثل في سنة رسول صلى الله عليه وسلم، فإن لفظ الحديث من كلامه، وإن كان معناه وحيًا؛ لقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} 2. فالله وحده هو المشرع، ورسوله هو المبين لشرعه {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} 3. وقد أوجب الله طاعة رسوله؛ لأنها من طاعته {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه} 4. وجعل حكمه عن إلهام منه {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} 5 فلا شرع إلا ما شرع الله أو ما شرع رسوله، ولهذا كان للتشريع الإسلامي مصدران أساسيان؛ الكتاب والسنة، وبانتهاء حياة الرسول صلى الله عليه وسلم انتهى عهد التشريع.
وقد بين حديث عائشة كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الرؤيا الصالحة كانت أول أمره، ثم حبب إليه الخلاء، حتى جاءه الملك وهو يتعبد في غار حراء؛ فعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: "أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتنحث فيه -وهو التعبُّد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء،
__________
1 الشورى: 21.
2 النجم: 3، 4.
3 النحل: 44.
4 النساء: 80.
5 النساء: 105.
(1/32)

فجاءه الملك، فقال: اقرأ. قال: "ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ من الجهد، ثم أرسلني: فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} 1 "، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فقال: "زملوني، زملوني"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي"، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي -ابن عم خديجة- وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أوَمخرجي هُمْ؟ " قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحي"، والحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما.
ووقع في تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبي أن مدة فِترة الوحي كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن اسحاق، وحكى البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده وهو شهر ربيع الأول بعد إكماله أربعين سنة، وبدئ بذلك؛ ليكون تمهيدا وتوطئة لليقظة، ثم كان ابتداء وحي اليقظة في رمضان، قال ابن حجر في الفتح:
__________
1 العلق: 1-3.
(1/33)

"إذا علم أنه كان يجاور في غار حراء في شهر رمضان، وأن ابتداء الوحي جاءه وهو في الغار المذكور اقتضى ذلك أن نبيء في شهر رمضان".
ثم كان نزول سورة المدثر بعد فترة الوحي، وفي الصحيحين عن أبي سلمة عن جابر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي، قال في حديثه: $"بينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} 1". والمراد بزملوني: دثروني، وإلا يقتضي ذلك نزول {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل} حينئذ؛ لأن نزولها تأخر عن نزول {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر} بالاتفاق؛ لأن أول المدثر الأمر بالإنذار، وذلك في أول البعثة، أما أول المزمل فهو الأمر بقيام الليل وترتيل القرآن.
وقد جاء في القرآن الكريم ثلاث آيات بينات تتعلق بنزول القرآن:
الأولى في سورة البقرة: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن} 2.
والثانية في سورة الدخان: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَة} 3.
والثالثة في سورة القدر: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر} 4.
ولا يجد الإنسان تعارضا بين هذه الآيات، فالليلة المباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان، وإنما يلتبس عليه التوفيق بين هذه الآيات والواقع التاريخي في نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجما في أكثر من عشرين عاما فكيف تجتمع هذه الأعوام في شهر بل في ليلة؟!! وللعلماء في هذا التوفيق مذهبان5:
__________
1 المدثر: 1، 5.
2 البقرة: 185.
3 الدخان: 3
4 القدر: 1.
5 من العلماء من ذهب إلى أن القرآن نزل أولا جملة إلى اللوح المحفوظ، ثم نزل من اللوح المحفوظ جملة كذلك إلى بيت العزة، ثم نزل مفرقا، فهذه تنزلات ثلاثة، ومنهم من يرى أن القرآن نزل إلى السماء الدنيا في ثلاث وعشرين ليلة قدر من ثلاث وعشرين سنة، ينزل في كل ليلة قدر ما يقدر الله سبحانه إنزاله في كل سنة وقد اقتصرنا على المذهبين المشهورين.
(1/34)

أما المذهب الأول ويتزعمه ابن عباس فيرى أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، في ليلة القدر من شهر رمضان، ثم نزل ذلك مفرقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفق الحوادث والمقتضيات مدة البعثة، وعلى هذا فلا تنافي بين الآيات والواقع، فالآيات أخبرت عن نزول القرآن جملة، ولم تخبر عن نزوله تفصيلا، فعن ابن عباس وغيره "أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم".
أما المذهب الثاني ويتزعمه الشعبي، فيرى أن أول ما بدئ به الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان في شهر رمضان في الليلة المباركة "ليلة القدر"، ثم نزل القرآن الكريم تباعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية حياته. وعلى هذا فالآيات الثلاث أخبرت عن بدء نزول القرآن لا عن نزوله كله. ولا يتعارض هذا المعنى مع الواقع.
وأنت ترى من خلال هذين المذهبين أن مذهب ابن عباس لا يعطي لشهر رمضان مزية خاصة ذات صلة مباشرة بالأمة المحمدية؛ إذ كان المراد نزول القرآن إلى السماء الدنيا لا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تظهر منة الله على هذه الأمة في شهر رمضان بهذا الفضل، والأقرب في ظهور المنة والفضل ما ذهب إليه الشعبي من بدء النزول في رمضان في ليلة القدر1، وقد ذهب ابن إسحاق إلى أنها ليلة السابع عشر من الشهر، وأشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} 2. والمراد بيوم التقاء الجمعين يوم التقاء المسلمين والمشركين ببدر، وهو يوم الجمعة 17 رمضان من السنة الثانية للهجرة، ويوم الفرقان هو اليوم الذي ابتدأ فيه نزول القرآن، وهما متحدان في الوصف، ويوافقان 17 رمضان وإن لم
__________
1 يجمع بين المذهبين بأن يكون نزول القرآن جملة، وابتداء نزوله مفرقا في ليلة واحدة هي ليلة القدر من شهر رمضان
2 الأنفال: 41.
(1/35)

يكونا من سنة واحدة، وقد حكى القسطلاني في شرحه على البخاري خلاف العلماء في تعيين هذه الليلة على أقوال كثيرة، ومنها القول الذي مال إليه ابن اسحاق، وقال: إنه رواه ابن أبي شيبة والطبراني من حديث زيد بن أرقم.
هذا بالنسبة إلى ابتداء نزول القرآن.
أما بالنسبة إلى آخر ما نزل منه:
أ- فقيل: آخر ما نزل آية الربا؛ لما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت آية الربا، والمراد بها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا} 1 الآية.
ب- وقيل: آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه} 2. الآية.
ج- وقيل: آخر ما نزل آية الدين؛ لما روى عن سعيد بن المسيب: أنه بلغه أن أحدث القرآن عهدا بالعرش آية الدين، والمراد بها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ} 3 الآية.
ويجمع بين الروايات الثلاث بأن هذه الآيات نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف: آية الربا، فآية {وَاتَّقُوا يَوْمًا} فآية الدين؛ لأنها في قصة واحدة، فأخبر كل راوٍ عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح، وبهذا لا يقع التنافي بينها.
د- وقيل: آخر ما نزل آية الكلالة. فقد روى الشيخان عن البراء بن عازب
__________
1 البقرة: 278.
2 البقرة: 281.
3 البقرة: 282.
(1/36)

قال: آخر آية: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَة} 1 الآية، وحمل هذا من البراء على أنه آخر ما نزل فيما يتعلق بالمواريث.
هـ- وقيل: آخر ما نزل قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُم} 2 إلى آخر السورة.
و وعن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح} 3.
وهذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكل قال بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، ويحتمل أن كلًّا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم، أو قال ذلك باعتبار آخر ما نزل في تشريع خاص، أو آخر سورة نزلت كاملة.
أما قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا} 4 فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع، ويدل ظاهرها على إكمال الفرائض والأحكام، وقد سبقت الإشارة إلى ما روي في نزول آية الربا، والدين، والكلالة، وغيرها، وقد ذكر الطبري في تأويل هذه الآية أنهم قالوا: لم ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من الفرائض، ولا تحليل شيء ولا تحريمه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة5.
ونستخلص مما سبق: أن بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
1 النساء: 176.
2 التوبة: 128
3 النصر: 1.
4 المائدة: 3.
5 كانت وفاته صلى الله عليه وسلم في أوائل شهر ربيع الأول سنة 11هـ على خلاف في تحديد اليوم.
(1/37)

بالرؤيا الصالحة كان على رأس الأربعين من عمره "في شهر ربيع الأول"، وأن أول نزول القرآن كان في شهر رمضان بسورة "اقرأ"، وأن آخر ما نزل على الرأي الراجح كان يوم عرفة بحجة الوداع، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول، بعد ذلك في العام الحادي عشر للهجرة، وبوفاته انتهى عهد التشريع الذي بدأ ببعثه صلى الله عليه وسلم، وهو مقدر بما يقرب من ثلاث وعشرين سنة، نزل عليه القرآن خلالها منجما، وهو المصدر الأول للتشريع، أما السنة فهي المصدر الثاني، ولا ثالث لهما في هذا العهد.
(1/38)

مصادر التشريع في هذا العصر
أولا: القرآن الكريم
مدخل
...
مصادر التشريع في هذا العصر:
أولا: القرآن الكريم
قال الراغب في المفردات: القرآن في الأصل مصدر، نحو كفران، ورجحان، قال الله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه} 1 قال ابن عباس: "إذا جمعناه وأثبتناه في صدرك فاعمل به". وقد خص بالكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فصار له كالعلم، كما أن التوراة أنزلت على موسى، والإنجيل على عيسى عليهما السلام. قال بعض العلماء: تسمية هذا الكتاب قرآنًا من بين كتب الله؛ لكونه جامعًا لثمرة كتبه، بل لجمعه ثمرة جميع العلوم، كما أشار تعالى إليه بقوله: {تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْء} 2، وقوله: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء} 3، وقوله: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَج} 4.
ومن كلام الراغب يتبين أن القرآن في الأصل مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، ومعناه في اللغة: الجمع والضم، وقد صار علما بالغلبة على الكتاب العزيز في عرف الشرع، وعرف بأنه: كلام الله الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ونقل إلينا تواترا؛ لنتعبد بتلاوته وأحكامه، وكان آية دالة على صدقه فيما ادعاه من الرسالة.
وقد نزل به جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان عربي: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} 5، فتحدى به رسول الله العرب وهم أرباب
__________
1 القيامة: 17، 18.
2 يوسف: 111.
3 النحل: 89.
4 الزمر.
5 الشعراء: 192-195.
(1/39)

الفصاحة والبيان، فظهر عجزهم، وبهذا قامت الحجة عليهم {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 1، {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 2، {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} 3. {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِين} 4.
وحيث كانت البشرية في أطوار نموها الأولى لا يبهرها شيء كما تبهرها الخوارق الكونية الحسية التي لا مجال فيها للتفكير والنظر ناسب هذا أن يبعث كل رسول إلى قومه خاصة، وأن تكون معجزته فيما نبغ فيه قومه، خارقة لما ألفوه؛ ليتحقق بعجزهم عنها إيمانهم بأنها من قوة سماوية عليا فوق طاقة البشر.
وظل الناس يستفيدون برسالات الله التي أخذت بأيديهم إلى مدارج الرقي، ووطأت الأكناف لختم النبوة حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالرسالة الخالدة إلى الناس كافة، وكانت معجزتها معجزة العقل البشري في أرقى تطورات نضجه ونموه. فحيث كان تأييد الله لرسله السابقين بآيات كونية تبهر الأبصار ولا سبيل للعقل في معارضتها، كمعجزة اليد والعصا لموسى، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله لعيسى، كانت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر مشرف على العلم معجزةً علميةً تحير العقل البشري وتتحداه إلى الأبد، وهي معجزة القرآن بعلومه ومعارفه، وأخباره الماضية والمستقبلة، فالعقل الإنساني على تقدمه لا يعجز عن معارضته؛ لأنه آية كونية لا قبل له بها، ولكن عجزه لقصوره الذاتي، فيكون هذا اعترافا منه بأنه وحي الله إلى رسوله، وان حاجته إلى الاهتداء له ماسة؛ ليستقيم عوجه وترقى مواهبه. ويهتدي إلى سبيل الرشاد، وهذا المعنى هو ما يشير إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله من آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا". رواه البخاري ومسلم.
__________
1 البقرة: 23.
2 هود: 13.
3 الإسراء: 88.
4 الطور: 33، 34.
(1/40)

ومن عنده إلمام قليل بتاريخ العرب وأدب لغتهم يدرك العوامل السابقة لبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم التي رقت بلغة العرب، وهذبت لسانها، وجمعت خير ما في لهجاتها من أسواق الأدب والمفاخرة بالشعر والنثر، حتى انتهى مصب جداول الفصاحة وإدارة الكلام بالبيان في لغة قريش التي نزل بها القرآن، وما كان عليه العرب من صلف، يعلو بأحدهم على أبناء عمومته أنفا وكبرا، مضرب مثل في التاريخ الذي سجل لهم أياما نسبت إليهم؛ لما أحدثوه فيها من معارك دامية، وحروب طاحنة أشعلها شرر من الكبرياء والأنفة..
ومثل هؤلاء مع توافر دواعي اللسان وقوة البيان التي يوقدها حماس القبيلة، ويؤججها أتون الحمية، لو تسنى لهم معارضة القرآن الكريم لأثر هذا عنهم، وتطاير خبره في الأجيال، فالقوم قد تصفحوا آيات الكتاب، وقلبوها على وجوه ما نبغوا فيه من شعر ونثر، فلم يجدوا مسلكا لمحاكاته، أو منفذا لمعارضته، بل جرى على ألسنتهم الحق الذي أخرسهم عفو الخاطر عندما زلزلت آيات القرآن قلوبهم، كما أثر ذلك عن الوليد بن المغيرة، وعندما عجزت حيلتهم رموه بقول باهت فقالوا: سحر يؤثر، أو شاعر مجنون، أو أساطير الأولين. ولم يكن لهم بد أمام العجز والمكابرة إلا أن يعرضوا رقابهم للسيوف، فاستسلموا للموت الزؤام، وبهذا ثبت إعجاز القرآن.
وعَجْز العرب عن معارضة القرآن مع توافر الدواعي عَجْز للغة العربية في ريعان شبابها وعنفوان قوتها.
والإعجاز لسائر الأمم على مر العصور يظل ولا يزال في موقف التحدي شامخ الأنف، فأسرار الكون التي يكشف عنها العلم الحديث ما هي إلا مظاهر للحقيقة العليا التي ينطوي عليها سر هذا الوجود في خالقه ومدبره، وهو ما أجمله القرآن او أشار إليه, فصار القرآن بهذا معجزا للإنسانية كافة، بكل ما يحمله لفظ الإعجاز من معنى.
فهو معجز في ألفاظه وأسلوبه، والحرف الواحد منه في موضعه من الإعجاز
(1/41)

الذي لا يغني عن غيره في تماسك الكلمة، والكلمة في موضعها من الإعجاز في تماسك الجملة، والجملة في موضعها من الإعجاز في تماسك الآية.
وهو معجز في بيانه ونَظْمِهِ، يجد فيه القارئ صورة حية للحياة والكون والإنسان.
وهو معجز في معانيه التي كشفت الستار عن الحقيقة الإنسانية ورسالتها في الوجود.
وهو معجز بعلومه ومعارفه التي أثبت العلم الحديث كثيرا من حقائقها المغيبة.
وهو معجز في تشريعه وصيانته لحقوق الإنسان، وتكوين مجتمع مثالي تسعد الدنيا على يديه.
والقرآن أولا وآخرا هو الذي صير العرب رعاة الشاء والغنم ساسة شعوب وقادة أمم، وهذا وحده إعجاز1.
والقرآن الكريم هو أساس الدين ومصدر التشريع، وحجة الله البالغة في كل عصر ومصر، بلغه رسول الله لأمته امتثالا لأمر ربه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} 2، واحتوى على الأمر الإلهي الصريح بوجوب اتباعه والعمل بما تضمنه من أحكام في غير موضع وبغير أسلوب واحد؛ قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} 3، وقال عز وجل: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} 4، وقال سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} 5، وقال جلَّ شأنه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ
__________
1 راجع بحث "إعجاز القرآن" في كتابنا: "مباحث في علوم القرآن".
2 المائدة: 67.
3 الأعراف: 3.
4 البقرة: 229.
5 المائدة: 48.
(1/42)

أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} 1.
وتلقاه الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاوةً له وحفظًا ودراسةً لمعانيه وعملًا بما فيه، قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لا يتجاوزونها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل. قال: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا2.
وهكذا استمر حفظ المسلمين للقرآن في كل عصر، وتوارثت الأمة نقله بالكتابة على مر الدهور، جيلا بعد جيل، من غير تحريف أو تبديل، وذلك مصداق قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 3.
وقد اشتمل القرآن الكريم على أصول الشريعة وقواعدها من الحلال والحرام، وجاءت أكثر أحكامه مجملة تشير إلى مقاصد الشريعة، وتضع بيد الأئمة والمجتهدين المصباحَ الذي يستنبطون في ضوئه أحكام جزئيات الحوادث في كل زمان ومكان، وهذا سر خلود الشريعة وشمول قواعدها الكلية ومقاصدها العامة لما يحدث في الناس من أقضيات.
وإنما فصَّل القرآن ما لا بد فيه من التفصيل الذي يجب أن يسمو عن مواطن الخلاف والجدل كما في العقائد وأصول العبادات، أو لأنه يبنى على أسباب لا تختلف ولا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، وذلك كما في تشريع المواريث ومحرمات النكاح، وعقوبة بعض الجرائم.
والقرآن الكريم كتاب هداية، يهتدي به من قرأه أو حفظه وتدبر معانيه،
__________
1 المائدة: 49، 50.
2 أخرج عبد الرزاق ما في معناه عن معمر عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي، وأخرجه ابن جرير في مقدمة تفسيره عن عطاء عن أبي عبد الرحمن وصححه أحمد شاكر، فإن أبا عبد الرحمن السلمي تابعي لا يحدث إلا عن الصحابة.
3 الحجر: 9.
(1/43)

واتعظ بما فيه، فتلزمه الحجة، وفي صحيح الحديث: "القرآن حجة لك أو عليك" 1. ولذا كان تدبره واجبًا، حتى يفتح مغاليق القلوب، وتستنير به الأفئدة، ويقود الناس إلى الوقوف عند حدوده، والعمل بما فيه {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِه} 2، وقال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} 3. وله من روعة التنزيل وجلال الأحكام والمواعظ ما تتصدع منه الجبال الرواسي، ولكن الله امتَنَّ على عباده، فجعل القرآن ربيع قلوبهم، وجلاء بصائرهم، ونور حياتهم {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّه} 4، وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستكون فتن كقطع الليل المظلم"، قلت: يا رسول الله وما المخرج منها؟ قال: "كتاب الله تبارك وتعالى؛ فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنتهِ الجن إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا، من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجِر، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى صراط مستقيم" 5.
وقد نزل القرآن الكريم منجما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنزل الآية أو الآيات حسب الوقائع والأحداث، وما يريده الله تعالى من تشريع؛ تثبيتًا لفؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومبالغة في الإعجاز، وتدرجا في التشريع، وتيسيرا لحفظه وفهمه، ودلالة قاطعة على أنه تنزيل من حكيم حميد6.
أما الكتب السماوية الأخرى: التوراة والإنجيل والزبور، فكان نزولها جملة لا مفرقة.
__________
1 أخرجه مسلم.
2 سورة ص: 29.
3 محمد: 24.
4 الحشر: 21.
5 أخرجه الترمذي وفي سنده الحارث بن عبد، وهو متهم.
6 راجع حكمة نزول القرآن منجما في كتابنا: "مباحث في علوم القرآن".
(1/44)

التشريع في مكة:
العقيدة هي لب الأديان السماوية، والأصل الذي ترتكز عليه دعائم الشريعة، ولن يقبل الناس الشريعة إلا إذا صلحت عقيدتهم وآمنوا بالله عز وجل وبوحدانيته في ألوهيته وربوبيته، وأسمائه وصفاته، وأفعاله، واستيقنوا بعالم الغيب والدار الآخرة، وما فيها من حساب وجزاء وجنة ونار، وإذا رسخت العقيدة في النفس أمكن بناء المجتمع الذي يلتزم في حياته شرع الله في علاقته بربه، وعلاقته بالإنسان، وعلاقته بالكون والحياة، ولهذا كانت العقيدة أول ما دعا إليه الرسل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} 1.
وقد اتجه التشريع طوال العصر المكي -قرابة ثلاثة عشر عامًا- إلى إصلاح العقيدة وتعميق جذورها والحفاظ على تطهيرها، وجعل الإسلام الشهادتين "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله" عنوانا لتحقيق العقيدة. ومفتاحا يدخل به الإنسان في الإسلام وتجري عليه أحكامه.
فالشهادة بوحدانية الله تتضمن كمال العقيدة في الله وتنزيهه عما لا يليق به والشهادة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم تتضمن التصديق بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر، وتقتضي وجوب المتابعة {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} 2. {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} 3.
__________
1 الأنبياء 25.
2 البقرة:285.
3 البقرة: 177.
(1/45)

ومنهج الإسلام في الدعوة إلى تلك العقائد يعتمد على الحجة العقلية وذلك بلفت أنظار الناس إلى التفكير في الكون، وتدبر ما فيه من دلائل القدرة وبديع الخلق، وكيف تسير عوالمه المختلفة على نسق محكم، يدل دلالة قاطعة على وجود خالق مدبر لهذا الكون، إذ لا يتأتى أن يكون هذا الإحكام وليد الصدفة، وإذا صح الإيمان بالله تبع ذلك الإيمان بملائكته وكتبه ورسله اليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.
والقرآن المكي بسورة وآياته يمثل هذا الاتجاه في إرشاد الناس إلى التفكير في الكون، والنظر في أرضه وسمائه، وما أودع الله فيه من أسراره، وما اشتمل عليه من دقة وإحكام، في وحدة متناسقة لا يعتريها خلل أو اضطراب، مما يوجب التصديق القلبي بوحدانية الخالق المدبر، والإيمان بأن هذا الكون سائر بتدبيره إلى الغاية التي حددها له سبحانه بعلمه وحكمته، وعندئذ يفعل به ما يشاء، مما أشارت إليه كتبه وآياته البينات، ووحيه المنزل، من ظواهر الانحلال والفناء، حيث تكون الدار الآخرة.
والقرآن الكريم في العصر المكي يعالج هذه الجوانب، فيخاطب المشركين بالمنطق الفطري في آيات قصيرة المقاطع ناصعة الحجة، تتصل اتصالا وثيقا بمظاهر بيئتهم.
{أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} 1.
{ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ، قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ، بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
__________
1 الغاشية: 17-20.
(1/46)

تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} 1.
{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} ... الآيات2.
{إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ، وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ، وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} 3.
{إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَت} 4.
{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ، وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ، وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ، وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ، وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ، وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} 1.
وإلى جانب هذا، نزل القرآن الكريم في مكة بإبطال ما توارثته الجاهلية من عقائد فاسدة وتقاليد باطلة، وحثهم على مكارم الأخلاق، وتطهير النفس، وبيَّن لهم الأصول الكلية في الحلام والحرام أمرًا ونهيًا.
فحرم وأد البنات وقتل النفس.
{وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} 6.
{وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} 7، وهذا يتعلق بحفظ النفس.
__________
1 سورة ق: 1-11.
2 النبأ: 1-5.
3 الانشقاق: 1-4.
4 الانفطار: 5.
5 التكوير: 1-14.
6 التكوير: 8، 9.
7 الأنعام: 151.
(1/47)

وورد المكي من القرآن بتحريم الزنا، والأمر بحفظ الفروج إلا على الأزواج أو ملك اليمين.
{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} 1.
وهذا يتعلق بحفظ النسل.
وورد فيه تحريم الظلم، وأكل مال اليتيم، والإسراف، والبغي، ونقص المكيال أو الميزان، والفساد في الأرض، وما دار بهذا المعنى {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْط} 2.
وهذا يتعلق بحفظ المال.
وشرعت الصلاة في مكة، كما ورد الأمر بالإنفاق والإحسان، وإن لم تشرع الزكاة إلا في المدينة، وأصل مشروعية الصيام كان بمكة؛ حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ويتحنث، ثم صام يوم عاشوراء بعد الهجرة، حتى فرض صوم رمضان بالمدينة.
وهذه هي أصول العبادات.
ونهى القرآن المكي عن الذبح لغير الله، والتقرب إلى الشركاء، وندد بما حرموه على أنفسهم وخصوا به آلهتهم، وأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه.
{فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} 3.
{وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} 4.
وهذا أصل في المطاعم.
قال الشاطبي في الموافقات:
"اعلم أن القواعد الكلية هي الموضوعة أولا، والتي نزل بها القرآن على النبي
__________
1 المؤمنون: 5-7.
2 الأنعام: 152.
3 الأنعام: 118، وما بعدها.
4 الأنعام: 136 وما بعدها.
(1/48)

صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم تبعها أشياء بالمدينة كملت بها تلك القواعد التي وضع أصلها في مكة، وكان أولها الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، ثم تبعه ما هو من الأصول العامة كالصلاة وإنفاق المال وغير ذلك، ونهى عن كل ما هو كفر أو تابع للكفر، كالإفتراءات التي افتروها من الذبح لغير الله وللشركاء الذين ادعوهم افتراء على الله، وسائر ما حرموه على أنفسهم، أو أوجبوه من غير أصل، مما يخدم أصل عبادة غير الله، وأمر مع ذلك بمكارم الأخلاق كلها، كالعدول والإحسان، والوفاء بالوعد، وأخذ العفو، والإعراض عن الجاهلين، والدفع بالتي هي أحسن، والخوف من الله وحده، والصبر والشكوى ونحوها، ونهى عن مساوئ الأخلاق من الفحشاء والمنكر، والبغي، والقول بغير علم، والتطفيف في المكيال والميزان، والفساد في الأرض، والزنا، والقتل، والوأد، وغير ذلك مما كان سائرا في دين الجاهلية.
وإنما كانت الجزئيات المشروعة بمكة قليلة، والأصول الكلية كانت في النزول والتشريع أكثر".
وكثر ذكر قصص الأنبياء في القرآن المكي؛ تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عبرةً للمكذبين، ودعمًا لأصول الدين التي جاءت بها الرسالات السماوية؛ ليفيء المشركون إلى الله ويستجيبوا لدعوة رسوله.
(1/49)

التشريع في المدينة:
كان حادث الهجرة فاصلًا بين عهدين في تاريخ الإسلام، حيث استقرت العقيدة الإسلامية في نفوس نفر من المهاجرين وأصحاب البيعة من الأنصار، وتكونت النواة الأولى للمجتمع الإسلامي، واتخذت المدينة مستقرا لها، فبدأت الدعوة في طور عملي تنظيمي جديد، واتجه التشريع إلى بناء الأمة وتحديد علاقاتها الاجتماعية، وكانت اللبنة التي بدأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء هذا المجتمع الجديد أن آخى بين المهاجرين والأنصار، حيث كان الأنصاري يؤثر أخاه المهاجري على نفسه:
{وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} 1.
وكانت المدينة بعد الهجرة تضم طوائف شتى:
تضم المهاجرين الذين هاجروا من مكة، وخلفوا وراءهم سائر عشيرتهم من المشركين.
وتضم الأنصار الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآووه ونصروه من الأوس والخزرج، وبين الأوس الأوس والخزرج معارك قديمة طاحنة تحز آثارها الدامية في النفوس.
وتضم جماعة من مرضى النفوس، الذين أظهروا الخضوع للإسلام انقيادًا لسطوة الدين الجديد، واستبطنوا الكفر والعداء لهذا الدين، وهم المنافقون.
وتضم اليهود الذين أقاموا بيثرب منذ زمن، وقرأوا الكتب المقدسة، ورأوا فيها البشارة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فعز عليهم بعد بعثه أن يذعنوا إليه، إبقاء على سلطانهم الديني، واستعلاء في الأرض {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} 2.
وقد اتجه التشريع المدني إلى مواجهة هذه العناصر بما يلائمها.
فاتخذ رباط العقيدة بين المؤمنين بالدين الجديد مهاجرين وأنصارا، أساسا لرباط الأمة الإسلامية، يحل محل رباط الدم في حياة القبيلة، وحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من العصبية وجعلها من دعوى الجاهلية: "ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من مات على عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية" 3، وقال فيها تلك العبارة المنفرة: "دعوها فإنها منتنة" 4.
__________
1 الحشر: 9.
2 البقرة: 89.
3 رواه أبو داود.
4 رواه البخاري ومسلم.
(1/50)

وذكر الله أوصاف المنافقين، وحذر منهم في القرآن المدني، بما فيه تحليل لنفسياتهم وبيان لمخاطرهم.
أما اليهود فقد نزل القرآن بفضح سريرتهم بكتمان ما أنزل الله، وما ارتكبوا من ظلم من قتلهم الأنبياء، وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وما جبلوا عليه من جبن وضعف وخيانة وغدر، حتى قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجهم من ديارهم.
وتناول التشريع في المدينة بقية العبادات، وهي الأركان العملية التي يبنى عليها الإسلام، فشرع الله الزكاة والصوم والحج.
وتناول شئون التعامل، فأحل الله البيع، وحرم الربا، وبيَّن ما يجب في المداينة من كتابة أو إشهاد، وما يكون من أداء أو إمهال، وأرشد إلى التجارة، ونهى عن أكل الأموال بالباطل.
وتناول نظام الأسرة في النكاح، والعشرة في الحياة الزوجية، والطلاق والميراث والوصية.
وتناول مشروعية القتال، وفرضية الجهاد، وما يتبع ذلك من عهود، أو فيء، أو غنيمة، أو أسر.
وتناول العقوبات على الجرائم الكبرى، صيانة للحقوق الإنسانية العامة التي جاءت بها الملل جميعا. وهي الكليات الخمس: حفظ الدين، والنفس، والمال، والنسل، والعقل. فيما فرض من قصاص أو حد.
وتناول شئون القضاء والحكم بالعدل بين الناس، وتحكيم كتاب الله تعالى:
{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} 1.
وخلاصة ذلك أن التشريع في المدينة أقام معالم حياة الأمة الإسلامية في جوانبها المختلفة، وحدد روابطها الاجتماعية وسلطانها السياسي، فكان الإسلام عقيدة وشريعة، ونظامًا متكاملًا للحياة، وكان محمد صلى الله عليه وسلم مؤسسا لدولته، فأكمل الله بهذا الدين، وأتم النعمة.
__________
1 المائدة: 49.
(1/51)

ارتباط التشريع المدني بالتشريع المكي:
لا يستطيع الإنسان أن يفصل بين التشريع المكي والتشريع المدني؛ فإن المدني يعتبر امتدادا للمكي حيث بني التشريع في المدينة على قواعد التوحيد وأصول الدين التي نزل بها الوحي في مكة. قال الشاطبي:
"المدني من السور ينبغي أن يكون منزلا في الفهم على المكي، وكذلك المكي بعضه مع بعض، والمدني بعضه مع بعض، على حسب ترتيبه في التنزيل، وإلا لم يصح، والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني في الغالب مبني على المكي، كما أن المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمه، دل على ذلك الاستقراء، وذلك إنما يكون ببيان مجمل أو تخصيص عموم، أو تقييد مطلق، أو تفصيل ما لم يفصل، أو تكميل ما لم يظهر تكميله. وأول شاهد على هذا أصل الشريعة؛ فإنها جاءت متممة لمكارم الأخلاق ومصلحة لما أفسد قبلُ من ملة إبراهيم عليه السلام.
ويليه تنزيل سورة الأنعام؛ فإنها نزلت مبينة لقواعد العقائد وأصول الدين، وقد خرج العلماء منها قواعد التوحيد التي صنف فيها المتكلمون، من أول إثبات واجب الوجود إلى إثبات الإمامة. هكذا قالوا.
وإذا نظرت بالنظر المسوق في هذا الكتاب تبين به من قرب بيان القواعد الشرعية المكية التي إذا انخرم منها كل واحد، انخرم نظام الشريعة، أو نقص منها أصل كلي.
ثم لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان أول ما نزل عليه سورة البقرة، وهي التي قررت قواعد التقوى المبنية على قواعد سورة الأنعام؛ فإنها بنيت على أقسام أفعال المكلفين جملتها، وإن تبين في غيرها تفاصيل لها.
كالعبادات التي هي قواعد الإسلام.
والعادات من أصل المأكول والمشروب وغيرهما.
(1/52)

والمعاملات من البيوع والأنكحة وما دار بها.
والجنايات من أحكام الدماء وما يليها. وأيضا فإن حفظ الدين فيها، وحفظ النفس والعقل والنسل والمال مضمن فيها، وما خرج عن المقرر فيها فبحكم التكميل، فغيرها من السور المدنية المتأخرة عنها مبني عليها، كما أن غير الأنعام من المكي المتأخر عنها مبني عليها، وإذا تنزلت إلى سائر السور بعضها مع بعض في الترتيب وجدتها كذلك حذو القذة بالقذة" أهـ.
(1/53)

مميزات المكي والمدني:
الذي يقرأ القرآن الكريم يجد للآيات المكية خصائص، ليست للآيات المدنية في وقعها ومعانيها، وإن كانت الثانية امتداداً للأولى في الأحكام والتشريع، فحيث كان القوم في جاهلية تعمى وتصم، يعبدون الأوثان ويشركون بالله، وينكرون الوحي، ويكذبون بيوم الدين.
{وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُون} 1
{وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْر} 2
وهم ألداء في الخصومة، أهل ممارات ولجاجات في القول. عن فصاحة وبيان، حيث كان القول. كذلك نزل الوحي المكي قوارع زاجرة، وشهبا منذرة، وحججا قاطعة، يحطم وثنيتهم في العقيدة، ويدعوهم إلى توحيد الألوهية والربوبية، ويهتك أستار فسادهم، ويقيم دلائل النبوة، ويضرب الأمثلة للحياة الآخرة، وما فيها من جنة ونار، ويتحداهم على فصاحتهم بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، ويسوق إليهم قصص المكذبين الغابرين عبرة وذكرى، فتجد في مكي القرآن ألفاظا شديدة القرع على المسامع، تقذف حروفها بشرر الوعيد، وألسنة العذاب، فكلا الرادعة الزاجرة، والصاخة والقارعة، والغاشية والواقعة، وحروف الهجاء من فواتح السور، وآيات التحدي في ثناياها، ومصير الأمم السابقة.
__________
1 الواقعة: 47.
2 الجاثية: 24.
(1/53)

{فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} 1. وإقامة الأدلة الكونية، والمجادلة العقلية، كل هذا نجده من خصائص القرآن المكي.
وحين تكونت الجماعة المؤمنة بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وامتحنت في عقيدتها بأذى المشركين، فصبرت وهاجرت بدينها، مؤثرة ما عند الله على متع الحياة، حين تكونت هذه الجماعة المؤمنة نرى الآيات المدنية طويلة المقاطع، تتناول أحكام الإسلام وحدوده، وتدعو إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، وتفصل أصول التشريع، وتضع قواعد المجتمع، وتحدد روابط الأسرة، وصلات الأفراد وعلاقة الأمم، كما تفضح المنافقين وتكشف عن دخيلتهم، وهذا هو الطابع العام للقرآن المدني:
وأقرب ما قيل في تعداد السور المكية والمدنية إلى الصحة: أن المدني باتفاق عشرون سورة:
1- البقرة.
2 آل عمران.
3 النساء.
4 المائدة.
5- الأنفال.
6- التوبة.
7- النور.
8- الأحزاب.
9- محمد.
10- الفتح.
11- الحجرات.
12- الحديد.
13- المجادلة.
14- الحشر.
15- الممتحنة.
16- الجمعة.
17- المنافقون.
18- الطلاق.
19- التحريم.
20- النصر.
وأن المختلف فيها اثنتا عشرة سورة:
1- الفاتحة
2- الرعد.
3- الرحمن.
4- الصف.
5- التغابن.
6- التطفيف.
7- القدر.
8- لم يكن.
9- إذا زلزلت.
10- الإخلاص.
11، 12- المعوذتان.
__________
1 العنكبوت: 40.
(1/54)

وأن ما سوى ذلك مكي باتفاق، وهو اثنتان وثمانون سورة، فيكون مجموع القرآن مائة وأربع عشرة سورة.
ولا يقصد بوصف السورة بأنها مكية أو مدنية أنها بأجمعها كذلك، فقد يكون في المكية بعض آيات مدنية، وفي المدنية بعض آيات مكية، ولكنه وصف بحسب أكثر آياتها.
ولذلك يأتي في التسمية: سورة كذا مكية إلا آية كذا فإنها مدنية، وسورة كذا مدنية إلا آية كذا فإنها مكية، كما نجد ذلك في المصاحف.
المكي والمدني:
للعلماء في المكي والمدني ثلاثة آراء اصطلاحية، كل رأي منها مبني على اعتبار خاص.
الأول: اعتبار زمن النزول، فالمكي ما نزل قبل الهجرة، وإن كان بغير مكة، والمدني ما نزل بعد الهجرة، وإن كان بغير المدينة. فما نزل بعد الهجرة ولو بمكة أو عرفة أو غيرهما مدني، كالذي نزل عام الفتح أو بحجة الوداع، كقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا} 1.
وهذا الرأي أولى من الرأيين بعده لحصره واطراده.
الثاني: اعتبار مكان النزول، فالمكي ما نزل بمكة وما جاورها، كمنى، وعرفات، والحديبية، والمدني، ما نزل بالمدينة وما جاورها، كأحد، وقباء، وسلع.
ويترتب على هذا الرأي عدم ثنائية القسمة وحصرها. فما نزل بالأسفار أو بتبوك، أو بيت المقدس، لا يدخل تحت القسمة، فلا يسمى مكيا ولا مدنيا، كما يترتب عليه كذلك أن ما نزل بمكة بعد الهجرة يكون مكيا.
__________
1 المائدة: 3.
(1/55)

الثالث: اعتبار المخاطب، فالمكي، ما كان خطابا لأهل مكة.
والمدني: ما كان خطابا لأهل المدينة.
ويبنى على هذا الرأي عند أصحابه أن ما في القرآن من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاس} مكي.
وما فيه قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} مدني.
وبالملاحظة يتبين أن هذا لا يطرد، وأن أكثر سور القرآن لم تفتتح بأحد الخطابين، والقرآن خطاب الله للخلق أجمعين، ويمكننا أن نحصر على وجه الإجمال مميزات كل من المكي والمدني فيما يأتي:
مميزات المكي:
1- الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله وحده، وإثبات الرسالة والبعث والجزاء بآيات الله الكونية والرد على المشركين ومجادلتهم، وقطع دابر خصومهم بالبراهين العقلية، وذكر القيامة وهولها، والنار وعذابها، والجنة ونعيمها.
2- وضع الأسس العامة للتشريع، والفضائل التي عليها يقوم المجتمع، وفضح جريمة المشركين في سفك الدماء وأكل أموال اليتامى ظلما، ووأد البنات، وما كانوا عليه من سوء العادات.
3- ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة زجرا لهم حتى يعتبروا بمصير المكذبين قبلهم، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يصبر على أذاهم، ويطمئن إلى الانتصار عليهم.
4- قصر الفواصل مع قوة الألفاظ، وإيجاز العبارة بما يصم الآذان، ويشتد قرعه على المسامع، ويصعق القلوب كقصار المفصل، إلا نادرًا.
5- وصيغة الخطاب في المكي تكون عامة كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاس} وقوله: {يَا بَنِي آدَمَ} . أما المدني فصيغة الخطاب فيه غالبًا للمؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} .
(1/56)

ولم يرد في المدني توجيه الخطاب إلى الناس إلا في سبع آيات:
اثنتان في البقرة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم} 1 {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} 2.
وأربع في النساء أولها:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُم} 3.
2- {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} 4
3- {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُم} 5
4- {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُم} 6.
وواحدة في الحجرات {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} 7.
6- يكثر القسم في الآيات المكية، فقد جاء القسم فيها ثلاثين مرة، ولم يأت إلا مرة واحدة في المدينة في قوله تعالى {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} 8.
وقد تعرض العلماء إلى تحديد تاريخ نزول سور في حوادث خاصة قبل الهجرة. من ذلك.
1- سورة النجم: نزلت عند الهجرة إلى الحبشة "في السنة الخامسة" بعد البعثة.
3- سورة طه: نزلت قبل إسلام عمر بن الخطاب الذي حصل "في السنة السادسة" قبل الهجرة.
__________
1 البقرة: 21.
2 البقرة: 168.
3- النساء: 1.
4 النساء: 133.
5- النساء: 174.
6- النساء: 170.
7- الحجرات: 13.
8- التغابن: 7.
(1/57)

3- سورة الروم: نزلت عند حرب الروم والفرس، التي وقعت "في السنة السابعة" أو "الثامنة" بعد البعثة.
4- سورة الجن: نزلت بعد ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وكان بعد موت أبي طالب وخديجة في "السنة العاشرة" من البعثة تقريبا.
5- سورة الإسراء: نزلت عند حادثة الإسراء والمعراج "في السنة العاشرة" من البعثة تقريبا كذلك.
ونستطيع أن تقسم السور المكية باعتبار موضوعاتها إلى الأقسام الآتية:
1- السور التي نزلت معارضة للمشركين، وردا على خصوم النبي صلى الله عليه وسلم المعاندين، مثل سورة: الهمزة، والماعون، والتكاثر، والفيل، وتبت.
2- السور التي تتضمن تسلية للرسول عما كان يناله من إيذاء الكفار له، مثل سورتي الضحى وألم نشرح.
3- السور التي تصف أهوال يوم القيامة، وما يتبعها من حساب وجنة ونار، كسورة التكوير، وسورة الواقعة.
4- السور التي جاءت في قصص الأنبياء في آيات قصيرة كسورة نوح، وسورة القمر.
مميزات المدني:
1- بيان العبادات والمعاملات والحدود والمواريث وفضيلة الجهاد، ونظام الأسرة وصلات المجتمع والدولة، وقواعد الحكم، ومسائل التشريع.
2- مخاطبة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ودعوتهم إلى الإسلام، وبيان تحريفهم لكتب الله، وتجنيهم على الحق، واختلافهم من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم.
(1/58)

3- الكشف عن سلوك المنافقين، وتحليل نفسيتهم، وإزاحة الستار عن خباياهم، وبيان خطرهم على الدين.
4- طول المقاطع والآيات في أسلوب يقرر الشريعة، ويوضح أهدافها ومراميها. وهناك سور مدنية يمكن تحديد تاريخها على وجه التقريب:
أ- سورة البقرة فإن الجزء الأكبر منها نزل "في السنة الثانية" من الهجرة قبيل غزوة بدر، وتناولت تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وتشريع المحرمات من المآكل، وشريعة الصوم، وأحكام الحج، والتفريق بين الزوجين.
ب- سورة الأنفال: نزلت في غزوة بدر، عقب الانتهاء منها، وتناولت حوادث الغزوة، وتقسيم الغنائم وحكم الأسرى.
جـ- سورة النساء: نزلت "في السنة الرابعة" تقريبا، وتناولت تشريعات النكاح، واليتامى، والميراث.
د- سورة الأحزاب: نزلت بغزوة الأحزاب "في السنة الخامسة" من الهجرة، وتضمنت إبطال التبني، ووصف حال المؤمنين والمنافقين في الغزوة، وقصة زينب بيت جحش، وعلاقات النبي وأزواجه بالمؤمنين، وحجاب النساء.
هـ- سورة التوبة: نزلت بعد غزوة تبوك "في العام التاسع للهجرة" وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤذن بصدرها، بالحج، فأنهت العهود، وبينت حرمات الأشهر الحرم، وفضحت المنافقين، وتضمنت غزوة تبوك.
(1/59)

أسلوب القرآن في الطلب والتخيير ومنهجه في بيان الأحكام:
ينقسم الحكم التكليفي إلى خمسة أقسام: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة.
ذلك لأن الخطاب إما أن يكون طلبا أو تخييرا، والطلب إما أن يكون طلب فعل أو طلب كف عن فعل، فإذا اقتضى طلب فعله فإن كان اقتضاؤه على وجه الإلزام فهو الإيجاب، والمطلوب فعله هو الواجب. وإن كان اقتضاؤه ليس على وجه الإلزام فهو الندب، والمطلوب فعله هو المندوب، وإذا اقتضى طلب كف عن فعل فإن كان اقتضاؤه على وجه الإلزام فهو التحريم، والمطلوب الكف عن فعله هو المحرم. وإن كان اقتضاؤه على وجه الإلزام فهو التحريم، والمطلوب الكف عن فعله هو المحرم. وإن كان اقتضاؤه ليس على وجه الإلزام فهو الكراهة، والمطلوب الكف عن فعله هو المكروه، وإذا اقتضى تخيير المكلف بين فعل شيء وتركه فهو الإباحة، والفعل الذي خير بين فعله وتركه هو المباح، فالمطلوب فعله قسمان: الواجب والمندوب، والمطلوب الكف عن فعله قسمان: المحرم، والمكروه، والمخير بين فعله وتركه هو القسم الخامس وهو المباح.
وحيث كان طلب الفعل شاملا للواجب والمندوب فإن التمييز بينهما يكون بدلالة الطلب على الإلزام، أو عدم دلالته عليه. وتعرف الدلالة على الإلزام بدلالة صيغة الطلب نفسها، أو بقرائن أخرى، كترتيب العقوبة على تركه، أو ذكر الفعل مقرونا بوعد أو نحو ذلك.
وحيث كان طلب الكف عن الفعل شاملا للمحرم والمكروه، فإن التمميز بينهما يكون بدلالة طلب الكف على الإلزام، أو عدم دلالته عليه. وتعرف الدلالة على الإلزام بدلالة صيغة طلب الكف نفسها، أو بقرائن أخرى كترتيب العقوبة على الفعل، أو ذكر الفعل مقرونا بوعيد أو نحو ذلك.
ويتضح من هذا العرض الموجز أن صيغة الطلب فعلا أو تركا ليست محصورة
(1/60)

في صيغة الأمر، وصيغة النهي، فإن الصيغ متعددة ومنها ما هو موضع اتفاق، ومنها ما هو مختلف فيه ويستطيع الناظر في آيات القرآن الكريم، أن يخرج بجملة خواص لأسلوب القرآن في الطلب والتخيير، ومنهجه في بيان الأحكام.
وقد استخلص الشيخ الخضري في كتابه "تاريخ التشريع الإسلامي" أساليب القرآن في طلب الفعل إيجابا أو ندبا، وأساليبه في طلب الكف تحريما أو كراهة. وأساليبه في التخيير، وآثرنا ذكرها بنصها مع إضافات يسيرة.
أولا- أساليب القرآن في طلب الفعل:
1- صريح الأمر كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} 1.
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} 2.
2- الإخبار بأن الفعل مكتوب على المخاطبين، كقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} 3.
وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} 4.
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام} 5.
وقوله: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} 6.
3- الإخبار بأن الفعل على الناس عامة أو على طائفة منهم خاصة، كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} 7.
وقوله {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} 8.
{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِك} 9.
__________
1 النحل: 90.
2 النساء: 58.
3 البقرة: 178.
4- البقرة: 180.
5- البقرة: 183.
6- النساء: 103.
7- آل عمران: 97.
8- البقرة: 233.
9- البقرة: 233.
(1/61)

4- الإخبار بأن الفعل حق لطائفة، كقوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين} 1.
5- الوصية بالفعل، كقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن} 2.
6- حمل الفعل المطلوب على المطلوب منه، كقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} 3.
وقوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} 4.
7- أن يطلب الفعل بالصيغة الطلبية وهي فعل الأمر أو المضارع المقرون باللام أو المصدر المؤكد لعامله كقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} 5.
وقوله: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} 6.
وقوله: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَاب} 7.
8- التعبير بفرضه، كقوله تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} 8.
9- ذكر الفعل جزاء لشرط في بعض المواضع كقوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} 9
وقوله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ
__________
1 البقرة: 241.
2 النساء: 11.
3 البقرة: 228.
4 البقرة: 234.
5 البقرة: 238.
6 الحج: 29.
7 محمد: 4.
8 الأحزاب: 50.
9 البقرة: 196.
(1/62)

مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} 1.
وقوله: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} 2.
10- وصف الفعل بأنه خير، كقوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} 3.
11- ذكر الفعل مقرونا بوعد، كقوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} 4.
12- وصف الفعل بأنه بر أو موصل للبر، كقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر} 5.
وقوله: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} 6.
وقوله: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون} 7.
13- اقتران الفعل بأداة التحضيض في بعض المواضع، كقوله تعالى: {أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ} 8.
14- محبة الله للفعل كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} 9.
ثانيا- أساليب القرآن في طلب الكف عن الفعل:
1- صريح النهي، كقوله تعالى: {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي} 10.
وقوله: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ} 11.
__________
1 البقرة: 196.
2- البقرة: 280.
3- البقرة: 220.
4- البقرة: 245.
5- البقرة: 177.
6- البقرة: 189.
7- آل عمران: 92.
8- التوبة: 13.
9- الصف: 4.
10- النحل: 90.
11- الممتحنة: 9.
(1/63)

2- التحريم، كقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} 1.
وقوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُم} 2.
وقوله: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} 3.
وقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ} 4.
3- عدم الحل، كقوله تعالى: {لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} 5.
وقوله: {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} 6.
وقوله: {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} 7.
4- صيغة النهي، وهي المضارع المسبوق بلا الناهية، أو فعل الأمر الدال على طلب الكف، مثل: دع، وذر، واجتنب، كقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن} 8.
وقوله: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ} 9.
وقوله: {وَدَعْ أَذَاهُم} 10.
وقوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} 11.
5- نفي البر عن الفعل، كقوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} 12.
__________
1 الأعراف: 33.
2 الأنعام: 151.
3 النور: 3.
4 النساء: 23.
5 النساء: 19.
6 البقرة: 229.
7 البقرة: 228.
8 الإسراء: 34.
9 الأنعام: 120.
10 الأحزاب: 48.
11 الحج: 30.
12 البقرة: 177.
(1/64)

وقوله: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} 1.
6- نفي الفعل، كقوله تعالى: {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِين} 2.
وقوله: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} 3.
وقوله: {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} 4.
7- ذكر الفعل مقرونا باستحقاق الإثم، كقوله تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَه} 5.
8- ذكر الفعل مقرونا بوعيد، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّة َ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} 6.
وقوله: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} 7.
9- وصف الفعل بأنه شر، كقوله: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُم} 8.
10- التعبير بنفي الصحة بلفظ "ما كان" كقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم} 9.
وقوله: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا} 10.
__________
1 البقرة: 189.
2 البقرة: 193.
3 البقرة: 197.
4 البقرة: 233
5 البقرة: 181.
6 التوبة: 34.
7 البقرة: 275.
8 آل عمران: 180.
9 الأحزاب: 36.
10 الأحزاب: 53.
(1/65)

وقوله: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّه} 1.
وقوله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} 2.
11- الإستفهام الإنكاري في بعض المواضع، كقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُم} 3.
وقوله: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين} 4.
12- ذكر الفعل مقرونا بعقوبة نصية، كقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّه} 5.
13- الحكم على الفعل بأنه كفر، أو ظلم، أو فسق، كقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} 6. و {الظَّالِمُونَ} و {الْفَاسِقُون} .
14- لعن الفاعل، كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} 7.
15- مقت الله للفعل، كقوله تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} 8.
16- نفي محبة الله للفاعل، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} 9.
17- كون الفعل مانعا من الهدى، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّار} 10. وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} 11.
__________
1 التوبة: 17.
2- الأنفال: 67.
3 البقرة: 44.
4 التوبة: 13.
5- المائدة: 38.
6 المائدة: آيات 44، 45، 47.
7 البقرة: 159.
8 الصف: 3.
9 النساء: 36.
10 الزمر: 3.
11 غافر.
(1/66)

18- وصف الفعل بالسوء، كقوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 1.
19- جعل الفعل سببا للوم، كقوله تعالى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} 2.
ثالثا- أساليب القرآن في التخيير والإباحة:
1- لفظ الحل مسندا إلى الفعل، كقوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَام} 3.
وقوله: {يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} 4.
وقوله: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} 5.
2- نفي الإثم، كقوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} 7.
3- نفي الجناح، كقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا} 8.
وقوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُن} 9.
4- نفي النهي، كقوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} 10.
__________
1 المنافقون: 2.
2 الإسراء: 29.
3 المائدة: 1.
4 المائدة: 4.
5 المائدة: 5.
6 البقرة: 203.
7 البقرة: 182.
8 المائدة: 93.
9 النور: 58.
10- الممتحنة: 8.
(1/67)

رابعا- منهج القرآن في بيان الأحكام:
1- بعض آيات الأحكام قد جاء بصيغة قاطعة، ولا مجال للاجتهاد فيها، كآيات وجوب الصلاة والزكاة، والصوم، وكآيات المواريث التي حددت أنصبة الوارثين، وكآيات حرمة الزنا، والقذف، وأكل أموال الناس بالباطل، والقتل بغير حق، وما إلى ذلك مما اشتهر عند المسلمين، وأخذ حكم المعلوم بالضرورة.
وبعض آيات الأحكام لا يتعين المراد منها، فكانت مجالا للبحث والاجتهاد، كتحديد المسح بالرأس في الوضوء، ووجوب النفقة للمطلقة طلاقا بائنا.
والفرق بين النوعين أن الأول بمنزلة العقائدن وهو واجب الاتباع عينا على كل إنسان، فمن أنكره يكون خارجا عن الملة، بخلاف الثاني، فإن من أنكر فيه فهما معينا تحتمله الآية كما تحتمل غيره، لا يكون كذلك، وكل مجتهد يتبع فيه ما ترجح عنده.
ومن هذا النوع الثاني تعددت المذاهب الإسلامية، واختلفت آراء الفقهاء، فوصلت إلى السبعة أو الثمانية في المسألة الواحدة، ولا يمكن أن يقال: إن الكل دين يجب اتباعه، لأنها آراء متناقضة، ولا آن الدين واحد معين منها، لأنه لا أولوية لبعضها على بعض، إلا إذا وجد مرجح، ولا أن الدين واحد منها لا بعينه، لأنه شائع لا يعرف على التحديد، وإنما الذي يقال في هذا وأمثاله، إنها آراء وأفهام، للحاكم أن يختار منها في العمل أيها شاء، تبعا لما يراه من المصلحة، ولعل هذا هو السر في سعة الفقه الإسلامي واستطاعته حل المشاكل الاجتماعية، مهما امتد الزمن بالحياة، وكثرة صور الحوادث، وتقدمت الحضارات.
2- وبيان القرآن لتلك الأحكام لم يكن على سنة البيان المعروف في القوانين الوضعية، بأن يذكر الأوامر والنواهي جافة مجردة عن معاني الترغيب والترهيب وإنما يسوقها محتفة بأنواع من المعاني التي من شأنها أن تخلق في نفوس المخاطبين بها الهيبة والمراقبة، والإرتياح والشعور بالفائدة العاجلة والآجلة، فيدعوهم كل هذا إلى المسارعة إليها، وامتثال الأمر فيها نظرا إلى واجب الإيمان، وبداعية الخوف من عقاب الله وغضبه، والطمع في ثوابه ورضاه، وهذا هو الوازع الديني الذي تمتاز بغرسه في النفوس الشرائع السماوية، وهو بلا شك أكبر عون للوازع الزمني، للسلطة التنفيذية في الحصول على مهمته، لإصلاح الأمة واستقامتها على
(1/68)

أمر الله، وتستطيع أن تدرك هذا المعنى بالنظر في آيات التشريع.
3- لم ينهج القرآن في ذكره لآيات الأحكام منهج الكتب المؤلفة، التي تذكر الأحكام المتعلقة بشيء واحد في مكان واحد، ثم لا تعود إليه إلا بقدر ما تدعو إليه المناسبة، وإنما جاءت آيات الأحكام مفرقة في مواضع مختلفة، فقد يأتي ما يتعلق بالطلاق والرضاع وأحكامهما، وما يتعلق بالخمر وحرمتها بين ما يتعلق بالقتال وشئون البيتامي، كما في آيات سورة البقرة التي تناولت آيات الصلاة والصيام والحج، وآيات القتال والردة، وآيات نكاح المشركات، والأيمان، وآيات القصاص والوصية، وآيات الطلاق وما يتبعه.
ولكنك ترى أحكام الحج التي ذكر بعضها في سورة البقرة، جاء ذكر بعضها الآخر في سورة الحج.
وترى أحكام الطلاق والزواج والرجعة التي ذكر بعضها في سورة البقرة قد ذكر بعضها في سورة النساء، وبعضها في سورة الطلاق.
وهكذا نجد القرآن في ذكره لآيات الأحكام وكأنه في ذلك أشبه شيء ببستان تنوعت ثماره وأزهاره، وازدانت بها جميع نواحيه، حتى يقتطف الإنسان منها أنى وجد فيه ما ينفعه وما يشتهى من ألوانه مختلفة وأزهار متباينة، وثمار متنوعة، يعاون بعضها بعضا في الروح العام الذي يقصد في التشريع وهذه الروح هي: التغذية بالنافع، والهداية إلى الخير.
ولهذا النهج القرآن في بيان الاحكام إيحاء خاص، وهو أن جميع ما في القرآن وإن اختلفت أماكنه، وتعددت سوره وأحكامه فهو وحدة عامة، لا يصح تفريقه في العمل، ولا الأخذ ببعض دون بعض: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} 1.
4- جاءت أكثر أحكام القرآن مجملة، تشير إلى مقاصد التشريع وقواعده الكلية، وتدع للمجتهدين مجال الفهم والإستنباط على ضوء هذه القواعد وتلك المقاصد، وإنما جاء التفصيل في الأحكام التي لا بد من تفصيلها، سموا بها عن مواطن الجدل، كما في العقائد والعبادات، أو لابتنائها على أسباب لا تختلف
__________
1 المائدة: 49.
(1/69)

باختلاف الأزمنة والأمكنة، كالمواريث ومحرمات النكاح، وعقوبات بعض الجرائم، كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
وهذا النهج من ضرورة خلود الشريعة ودوامها، فليس من المعقول أن تعرض شريعة جاءت على أساس من الخلود والبقاء والعموم لتفصيل أحكام الجزئيات التي تقع في حاضرها ومستقبلها، فإنها مع كثرتها الناشئة من كثرة التعامل وألوانه، متجددة بتجدد الزمن وصور الحياة، فلا مناص إذن من هذا الإجمال والاكتفاء بالقواعد العامة، والمقاصد التى تنشدهم للعالم.
وبإزاء هذا حثت الشريعة على الاجتهاد واستنباط الأحكام الجزئية التي تعرض حوادثها من قواعدها الكلية ومقاصدها العامة.
وقد جعل القرآن لأهل الذكر والاستنباط منزلة سامية، وأمر الناس بالرجوع إليهم فيما يحتاجون إليه، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} 1
وقال: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} 2.
وقال: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} 3.
وبهذه الآيات ونحوها حث القرآن على الاجتهاد في تعرف الأحكام وسؤال أهل العلم والمعرفة.
وقد مهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه من بعده طريق الاستنباط لمن جاء بعدهم من أئمة المسلمين وعلمائهم، وبذلك اتضح مقدار سعدة الشريعة الإسلامية. وتناولها لكل ما يجد في الحياة.
وإنها بحق: صالحة لتنظيم جميع الشئون: اجتماعية، أو فردية إلى يوم الدين. هذا، ولم يتفق العلماء الباحثون في القرآن على عدد آيات الأحكام، نظرا لاختلاف الأفهام، وتفاوت جهات الدلالة.
__________
1 النساء: 59.
2 النساء: 83.
3 النحل: 43.
(1/70)

ثانيا: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي
السنة لغة:
هي الطريقة والسيرة، سواء أكانت محمودة أم مذمومة، وقد ورد استعمالها في القرآن الكريم، وفي الحديث النبوي بهذا المعنى.
ففي القرآن يقول تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} 1.
ويقول: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا} 2
ويقول: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} 3.
وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن"؟ 4.
ويقول: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا" 5
والسنة عند الفقهاء: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجوب، فهي أحد الأحكام التكليفية الخمسة، الواجب، والحرام، والسنة، والمكروه، والمباح، وقد يستعملونها في مقابل البدعة، فيقولون: طلاق السنة كذا، وطلاق البدعة كذا.
__________
1 الأنفال: 38.
2 الإسراء: 77.
3 الفتح: 23.
4 متفق عليه.
5 رواه مسلم.
(1/71)

والسنة عند الأصوليين، ما صدرعن النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.
والسنة عند المحدثين: ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل، أو تقرير، أو صفة، أو سيرة، وهي بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوي عند أكثرهم.
فالقول: كقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى....." 1
وقوله: "لا ضرر ولا ضرار" 2.
وقوله: "لا ضرار ولا ضرار" 2.
وقوله في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" 3.
والفعل: كأفعاله صلى الله عليه وسلم التي نقلت إلينا. مثل وضوئه وكيفية صلاته، وأدائه مناسك الحج، وقضائه باليمين والشاهد، ونحو ذلك.
والتقرير: هو ما أقره الرسول صلى الله عليه وسلم مما صدر عن بعض أصحابه من أقوال وأفعال بسكوته وعدم إنكاره، أو بموافقته وإظهار استحسانه، ومن أمثلة ذلك.
ما روى عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر، ثم آتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له، فقال للذي يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك" وقال للذي توضأ وأعاد: "ذلك الأجر مرتين" 4.
__________
1 رواه البخاري ومسلم
2 رواه أحمد وابن ماجه.
3 أخرجه أصحاب السنن الأربعة.
4 رواه أبو داود والنسائي.
(1/72)

وما ورد عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين بعثه إلى اليمن: "كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضى بكتاب الله. قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا في كتاب الله؟.
قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله" 1.
وأما الصفة والسيرة: فقد روى من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وشمائله الكثير، وألف الترمذي كتابا في الشمائل.
وقد اعتنت الأمة الإسلامية بالسنة عناية فائقة، فحفظوها وكتبوها ورواها كل عن الآخر، حتى جاء بعضها متواترا باللفظ والمعنى، أو بالمعنى فقط متصلا ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من خصائص أمتنا نحن المسلمين.
قال ابن حزم: نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مع الاتصال خص به المسلمون دون سائر الملل.
__________
1 رواه أبو داوود.
(1/73)

حجية السنة:
اتفق المسلمون على أن ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير في شأن من شئون التشريع، أو شئون الرئاسة والقضاء، ونقل إلينا بسند صحيح، يكون حجة على المسلمين، ومصدرا تشريعيا يستنبط منه المجتهدون الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين. فالسنة النبوية هي الأصل الثاني من أصول الأدلة الشرعية، ومنزلتها تلى منزلة القرآن، ويجب إتباعها كما يجب إتباع القرآن.
(1/73)

وقد دل على حجيتها أمور كثيرة منها:
1- نصوص القرآن الكريم: فقد أمر الله تعالى باتباع رسوله وطاعته فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} 1 و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} 2.
وحذرنا من مخالفته فقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم} 3.
ولم يجعل لنا الخيرة أمام حكمه فقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} 4.
وجعل ذلك من أصول الإيمان فقال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} 5.
وفرض على المؤمنين طاعته لأنها من طاعة الله فقال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه} 6.
فهذه النصوص تدل دلالة قاطعة على أن الله أوجب اتباع رسوله فيما شرعه وأن السنة مصدر تشريعي لأحكام المكلفين.
2- عمل الصحابة: فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتثلون أوامره ونواهيه، ولا يفرقون بين حكم أوحى الله به في القرآن وحكم صدر من رسول الله صلى الله عليه. فقد قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} 7.
__________
1 الحشر: 7.
2 النساء: 59.
3 النور: 63.
4 الأحزاب: 36.
5 النساء: 65.
6 النساء: 80.
7 النجم: 3، 4.
(1/74)

وكذلك كان شأنهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، يرجعون إلى كتاب الله تعالى يلتمسون الحكم فيه، فإن لم يجدوا في كتاب الله، رجعوا إلى سنة الله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3- توقف القيام بفرائض الله المجملة على بيان رسول لله: فقد ورد في القرآن الكريم نصوص مجملة كثيرة، فرض الله فيها على الناس فرائضه. ولم يبين القرآن كيفية أدائها، كفرائض الصلاة والزكاة والصيام والحج: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاة} 1.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَام} 2.
{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} 3 وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الإجمال بسنته القولية والعملية، حيث قال تعالى فيه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} 4 فلو لم تكن هذه السنن البيانية حجة على المسلمين واجبة الاتباع، ما أمكن تنفيذ أوامر القرآن وفرائضه ولا أتباع أحكامه.
وبهذا يثبت أن ما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التشريعية يكون حجة واجبة الاتباع وإذا كان وجوب اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتباره رسولا، فإنه يجب اتباعه في جميع الأحكام التي صحت عنه، سواء أكانت مبينة حكمة في القرآن أم منشئة حكما سكت عنه القرآن، لأنها كلها مصدرها المعصوم الذي منحه الله سلطة التبيين والتشريع5.
وبذلك تثبت حجية السنة.
__________
1 النور: 56.
2 البقرة: 183.
3 آل عمران: 97.
4 النحل: 44.
5 انظر علم أصول الفقة. عبد الوهاب خلاف ط دار القلم ص 37- 39.
(1/75)

نسبة السنة إلى القرآن من حيث ما ورد فيها من الأحكام:
الأحكام التي وردت في السنة. إما أحكام مقررة لأحكام القرآن أو أحكام مبينة لها أو أحكام سكت عنها القرآن، ولا تعدو السنة أن تكون واحدا من هذه الامور الثلاثة.
وقد بين الإمام الشافعي هذا في "الرسالة" وقسم الأحكام إلى أقسام:
1- ما أبامه الله لخلقه نصا، كجمل فرائضه من الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحريم الزنا والخمر والسرقة، وأكل الميتة ولحم الخنزير، وسائر أصول الحلال والحرام.
2- وما جاء حكمه في القرآن مجملا، وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم بسنته القولية والعملية، كتفصيل مواقيت الصلاة، وعدد ركعاتها، وكيفية أدائها، وبيان مقادير الزكاة وأوقاتها، والأموال التي تزكي. وبيان أحكام الصوم، ومناسك الحج، والذبائح والصيد، وما يؤكل وما لا يؤكل، وتفاصيل الأنكحة، والبيوع والجنايات، مما وقع مجملا في القرآن، وهو الذي يدخل في الآية الكريمة: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} 1.
3- وما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس فيه نص الحكم بالقرآن، حيث فرض الله في كتابه طاعة رسوله والانتهاء إلى حكمه: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} 2 فمن قبل هذه السنة امتثل أمر أمر الله.
وتعرض ابن القيم في بيان وجوب اتباع السنة، ولو كانت زائدة على ما في القرآن، إلى مثل هذا التقسيم مستشهدا بالأمثلة فقال:
والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:
__________
1 النحل: 44.
2 النساء: 59.
(1/76)

أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها.
وهذا يعنى أن الحكم يكون له دليلان، دليل من القرآن، ودليل من السنة، ومن ذلك الأمر بإقامة الصلاة، وإبتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت والنهي عن الشرك بالله، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، وقتل النفس بغير حق، وغير ذلك من المأمورات والمهيات التي دل عليها القرآن والسنة معا.
والثاني: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له.
ومن هذا القسم السنن التي فصلت إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والسنن التي بينت صحيح البيع وفاسده، وأنواع الربا المحرم، وسائر السنن التي بينت مجمل القرآن ومطلقه وعامه.
والثالث: أن تكون موجبة لما يسكت القرآن عن إيجابه، أو محرمة لما سكت عن تحريمه، أي أن تنشيء حكما لا يدل عليه نص في القرآن.
ومن أمثلة ذلك: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وتحريم لبس الحرير والتختم بالذهب على الرجال.
ولا تخرج السنة عن هذه الأقسام فلا تعارض القرآن بوجه ما.
فما كان منها زائدة على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم تجب طاعته فيه، ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديما لها على كتاب الله، ولكنه امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به.
فكيف يمكن لأحد من أهل العلم ألا يقبل حديثا زائدا على كتاب الله، فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها ولا على خالتها، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب.
(1/77)

ومما لا شك فيه أن الاستقراء يدل على أن السنة جاءت بأحكام لا تحضى كثرة لم ينص عليها القرآن، كتحريم الحمر الأهلية، وألا يقتل مسلم بكافر، وأنواع المعاوضات المالية المحرمة، فلا مناص من الاعتراف بأحكام في الشريعة لم تثبت إلا في السنة وحدها.
فأنت ترى بعد ذلك أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثروة خصبة في بيان مجمل القرآن، وتخصيص عامة، وتقييد مطلقه، وتشريع أحكام لم يأت لها نص في القرآن، وهي مادة غزيرة تغذى الفقه الإسلامي، وتنمى أحكام الشريعة ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل، لأن الله افترض طاعة رسوله، ولا يحل لمسلم علم ما في الكتاب وما في السنة أن يقوم بخلاف واحد منها.
(1/78)

المتوافر والآحاد:
ينقسم الحديث من حيث السند إلى قسمين رئيسيين: المتواتر والآحاد.
1- المتواتر هو ما رواه عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، من أول السند إلى منتهاه، واستندوا إلى أمر محسوس.
ولا حد لهذه الكثرة في الرواية، والمعتبر في ذلك أن يكون عدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند كافيا في الثقة بهم، والاطمئنان إلى صدقهم واستحالة إمكان إتفاقهم على الكذب فيما رووه، مع استنادهم في الرواية إلى أمر محسوس كالسماع والمشاهدة.
والمتواتر يفيد العلم الضروري، فلا يكاد المرء يعرف الرواية المتواترة بشروطها، حتى يجد في نفسه اليقين بصحتها وصدق ما تضمنته، ولذلك يجب العمل بالحديث المتواتر من غير بحث عن رجاله، ولا يعتبر فيه عدد معين في القول الأصح.
والمتواتر منه ما هو متوتر لفظا، ومنه ما هو متواتر معنى.
(1/78)

فالمتواتر اللفظي: هو الحديث الذي توافرت فيه شروط التواتر مع اتفاق الرواة على لفظه في واقعة واحدة.
ومثاله: حديث: "من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعدة من النار".
والمتواتر والمعنوي: هو أن ينقل جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب وقائع مختلفة تشترك في أمر يتوافر عندهم.
ومثاله: أحاديث رفع اليدين في الدعاء فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو مائة حديث جاء فيها أنه رفع يديه في الدعاء. لكنها في وقائع مختلفة، لم تتوافر كل واقعة منها، وإنما تواتر القدر المشترك فيها، وهو رفع اليدين عند الدعاء، فهذا القدر حصل فيه التواتر باعتبار مجموعها.
ومن الأحاديث المتواترة: حديث الحوض، وحديث المسح على الخفين، وحديث رفع اليدين في الصلاة، وحديث: "نضر الله أمرأ سمع مقالتي"، وحديث نزول القرآن على سبعة أحرف وحديث: "كل ميسر لما خلق له" إلى غير ذلك من الأحاديث..
2- الآحاد: وحديث الآحاد هو: ما اختل فيه شرط من شروط التواتر، سواء أكان مشهورا، أم عزيزا، أم غريبا.
"أ" والمشهور عند المحدثين: هو ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين، ولم يبلغ حد التواتر. وسماه جماعة من الفقهاء المستفيض لانتشاره، من فاض الماء يفيض فيضا.
وقد يطلق المشهور ويراد به ما اشتهر على الألسنة، سواء أكانت شهرته عند الفقهاء أو الأصوليين، أو النجاة أو العوام، ولو لم يروه إلا راو واحد، أو لم يوجد له إسناد أصلا، ولذا فإن شهرة الحديث لا تدل على صحته، فقد يكون ضعيفا أو موضوعا.
(1/79)

وخص الحنفية المشهورة بما كان آحاد الأصل متوترا في القرن الثاني والثالث، كحديث: "إنما الأعمال بالنيات" وجعلوه قسيما للمتواتر والآحاد.
ومثال المشهور عند أهل الحديث أنس: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهرا بعد الركوع يدعو على رعل وذكوان".
ومثال المشهور عند أهل الحديث والعلماء والعوام: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".
ومثال المشهور عند الفقهاء حديث: " أبغض الحلال عند الله الطلاق" وحديث: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد".
ومثال المشهور عند الأصوليين: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
ومثال المشهور عند النحاة: "نعم العبد صهيب ... لو لم يخف الله لم يعصه".
قال العراقي وغيره: لا أصل له، ولا يوجد بهذا اللفظ في شيء من كتب الحديث.
ومثال المشهور بين العامة: "اختلاف أمتي رحمة" وهو ضعيف.
ب- والعزيز: هو ما رواه اثنان في أي طبقة من طبقات السند، بحيث لا يقل العدد عن اثنين، ولو زاد العدد في بعض الطبقات، وسمى عزيزا لعزته، أي قوته بمجيئه من طريق آخر، من عز: إذا قوى، أو لقلة وجوده، من عز: إذا ندر.
ومثال: ما رواه الشيخان من حديث أنس والبخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده ووالده".
جـ- والغريب: ما تفرد بروايته راو واحد في أي طبقة من طبقات السند. ومثاله: حديث النهي عن بيع الولاء وهبته.
(1/80)

القطعي والظني من السنة:
السنة المتواترة قطعية الثبوت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن التواتر يفيد القطع بصحة الخبر، وقد تكون قطعية الدلالة إذا لم تحتمل سوى معنى واحد، وقد تكون ظنية الدلالة إذا احتملت أكثر من معنى.
وسنة الآحاد ظنية الثبوتق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن سندها لا يفيد القطع بصحة الخبر، وقد تكون قطعية الدلالة إذا كان نصها لا يحتمل تأويلا. وقد تكون ظنية الدلالة إذا كان نصها يحتمل التأويل.
مقارنة:
إذا قارنا بين القرآن والسنة من حيث القطعية والظنية تبين لنا:
أن القرآن كله قطعي الثبوت. ومنه ما هو قطعي الدلالة، ومنه ما هو ظني الدلالة.
أما السنة فمنها ما هو قطعى الثبوت، ومنها ما هو ظني الثبوت، وكل واحد منهما قد يكون قطعي الدلالة وقد يكون ظني الدلالة.
(1/81)

حجية السنة الصحيحة سواء أكانت متواترة أم آحادا:
والسنة سواء أكانت متواترة أم أحادا إذا كانت صحيحة توافرت فيها العدالة، وتمام الضبط واتصال السند، والسلامة من الشذوذ والعلة، تكون حجة يجب اتباعها والعمل بها.
أما السنة المتواترة فأمرها ظاهر، لأنها قطعية الثبوت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما ستة الآحاد فإنها وإن كانت ظنية الثبوت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن هذا الظن ترجح بما توافر في الرواة من العدالة وتمام الضبط، وغلبة الظن تكفي في وجوب العمل بها، وأكثر الأحكام مبنية على الظن الراجح ولو التزم القطع في كل حكم من الأحكام العملية لتعذر ذلك وأصاب الناس الحرج.
(1/82)

شبه المخالفين في حجية السنة:
1- زعم قوم في القديم والحديث أن القرآن الكريم، بدلالاته المختلفة، هو مصدر الأحكام، ويجب الاقتصار عليه وحده، واستدلوا على ذلك بمثل قوله تعالى:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا} 1 وقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} 2.
أما ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان باعتباره إماما للمسلمين، يقدر ما تمليه مصلحتهم، فهو اجتهاد منه، يتغير تبعا للمصلحة، وليس تشريعا عاما للمسلمين في جميع الأزمنة والأحوال، ولو كانت السنة تشريعا لأمر رسول الله بتدوينها، كما أمر بذلك في القرآن، وإنما ثبت عنه النهي عن كتابتها حيث قال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" 3.
فلما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه قال: "إيتوني بكتاب أكتب
__________
1 المائدة: 3
2 النحل: 89.
3 رواه مسلم.
(1/82)

لكم كتابا لن تضلوا بعده" قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله، حسبنا"1.
وبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} 2. يراد به ما تواتر عنه عمليا، كهيئة الصلاة، وكيفة الحج، ونحو ذلك وما عدا هذا مما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير فإنه إن صحت روايتهق يكون من قبيل الاجتهاد الذي يتغير تبعا للمصلحة، وليس تشريعا عاما دائما.
وهذه شبهة واهية، فإن اتباع السنة اتباع للقرآن، حيث أمرنا الله باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا معنى لاتباع رسوله بعد وفاته سوى اتباع ما صدر عنه، وصحت نسبته إليه، وقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم} أي أكملت لكم ما تحتاجون إليه من أصول الحلال والحرام، والقواعد التي تقوم عليها شئون الحياة في جوانبها المختلفة، ولا يعنى هذا تفصيل الأحكام وكذلك قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} أي إن جماع ما أبانه الله لخلقه، من أصول الدين، وقواعد الأحكام في كتاب الله، ولكن تفصيل ذلك هو ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو معنى قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ولو لم نأخذ من أحكام الشريعة إلا ما جاء في القرآن لما لزمنا في الصلاة إلا ركعة، ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر، لأن هذا هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} 3 ومن أين لنا معرفة ركعات الصلاة، ومقادير الزكاة، وتفاصيل شعائر الحج، وسائر أحكام العبادات والمعاملات، فإن قالوا: إن السنن العملية المتواترة هي التي يعمل بها ومن ذلك الصلاة ونحوها..
__________
1 رواه مسلم
2 النحل: 44
3 الإسراء: 78.
(1/83)

قلنا: وسنة المسلمين العملية المتواترة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، هي الاستدلال على الأحكام الشرعية بما صح من السنة، وقد اتفق علماء المسلمين الذين يعتد بهم على أن السنة هي الأصل الثاني للأدلة الشرعية.
2- وأنكر بعضهم حجية خبر الآحاد، لأنه يفيد الظن، وقالوا: إنه لا يجوز أن يتعبدنا الله بالظن.
وأجيب عن ذلك بأن الدلائل تقطع بوجوب العمل بخبر الواحد. إذا صحت نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أ" يقول تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} 1 والطائفة من الشيء بعضه، وتقع في لغة العرب على الواحد فصاعدا، ولو لم يكن إنذار الطائفة المتفقهة حجة توجب العمل بنذارتها، لما اكتفى الله تعالى بها في الآية، وإذا وجب قبول نذارة العدل النافر للتفقه في الدين، فإنه يجب قبول رواية العدل الحافظ لما تفقه فيه.
ب- والمتواتر المجمل قطعي الثبوت، ولكنه ظني الدلالة، وقد قلتم بوجوب قبوله، وهذا يعني وجوب العمل بالظني، وأن الله تعبدنا به.
جـ- وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله آحادا إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، ولو لم تقم بهم الحجة في البلاغ لكان إرسالهم عبثا، والثاني باطل، فبطل ما أدى إليه، وثبتت حجية خبر الآحاد، فكل ما نقله الثقة عن الثقة يبلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب قبوله واعتقاده والتدين به.
د- ووجوب العمل عند ظن مالصدق معلومفي الشرع، كالحكم بشهادة اثنين، والحكم بالشاهد الواحد مع يمين المدعى، والحكم بيمين المدعى مع نكول المدعى عليه، فكذلك يجب العمل بخبر الواحد عند ظن صدقه.
__________
1 التوبة: 122.
(1/84)

هـ والعمل بخبر الواحد ليس تعبدا للظن، إنما جعل خبر الواحد العدل علامة على صدق ما أخبر به، ولسنا متعبدين بالعلم بصدقه، ولكن بالعمل عند ظن صدقه، كما جعلت رؤية هلال رمضان من الآحاد علامة على وجوب صوم شهر رمضان.
3- وذهب المستشرقون وعلى رأسهم شيخهم اليهودي المجري "جولد تسيهر" إلى إن السنة لم تدون إلا بعد أن اشتد النزاع بين الأمويين وخصومهم من آل البيت والزبيرين على السواء، فاخترع كل فريق من الأحاديث ما يدعم به رأيه، وما يكون حجة ضد خصمه، واستغل الأمويون بدهائهم الإمام الزهري في ذلك، ولم يقتصر الأمر على وضع أحاديث سياسة لصالح البيت الأموى، بل تعداه في أمور العبادات.
وأجيب عن ذلك بأنه اتهام كاذب للخلفاء الأمويين، ولعلماء الإسلام جميعا، يناقضه الواقع الذي عرف عنهم، فعبد الملك بن مروان، الذي كتب الزهري السنة في عهده ذكر ابن سعد وغيره من أصحاب السير عنه، أنه كان صاحب نسك وتقوى منذ نعومة أظفاره، حتى كان الناس يلقبونه بحمامة المسجد، وفي عهده تمت الفتوحات الإسلامية العظيمة.
والزهري وقرناؤه من العلماء لم يكونوا لعبة في يد حاكم، بل عرف عنهم من التقوى والاعتزاز بالإسلام مايؤكد أن أحدا منهم لم يتخذ مطية لهوى سلطان يكتسب به رضاه ويبوء بسخط من الله.
وكان ابن شهاب الزهري أعلم الناس بالسنة في عصره، قال فيه سفيه بن عيينه: لم يكن في الناس أحد أعلم بالناس من الزهري، وقال يحيى بن سعيد القطان: ما بقي عند أحد من العلم ما بقي عند ابن شهاب، وهو أول من سبق إلى تدوين السنة وجميعها بعد أن كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بالمدينة أبي بكر بن حزم، وإلى ولاته بالأمصار أن يجمعوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أبا بكر بن حزم لم يجمع إلا جزءا يسيرا، أما الذي ثابر على الجمع وتوافر عليه وعرف عنه ذلك فهو الزهري.
(1/85)

وأجمع علماء الجرح والتعديسل على توثيقه وأمانته وجلاله قدره في الحديث وما زعمه "جولد تسيهر" من صلته بالأمويين واستغلاله في وضع أحاديث موافقة لأهوائهم محض افتراء لا يليق برجل كالزهرى في أمانته وروعه، فإذا اتصل بالخلفاء أو اتصلوا به فلا يؤثر هذا الاتصال عليه إلا بالقدر الذي يقول به نحوهم من النصح في الدين، والتذكير بحقوق الأمة عليهم، وما ألقاه الله على عاتقهم من واجبات لرعيتهم، وما يقوم به كذلك من تأديب لأولادهم حتى يكونوا أسوة حسنة لغيرهم.
4- وتحامل بعض الكاتبين ولا سيما المحدثين، كأحمد أمين في كتابه "فجر الإسلام" وأبي رية في كتابه "أضواء على السنة المحمدية" على أبي هريرة، وقالوا: إنه أكثر الصحابةحديثا، ولم يكن يكتب، بل كان يحدث من ذاكرته، وإنه لم يكن يقتصر على ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان يحدث عنه بما سمعه من غيره، وأن بعض الصحابة قد انتقده وشك في صدقه، وإنه كان محتقرا متهما في إسلامة متشيعا لبني أمية.
وأجيب عن هذه الادعاءات:
بأن كثرة مرويات أبي هريرة ترجع إلى ما آل إليه أمره من قوة الذاكرة، فقد كان كما روى أئمة الحديث سيء الحظ حين أسلم، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "افتح كساءك" فبسطه، ثم قال له: ضمه إلى صدرك" فضمه، فما نسى حديثا بعده قط، وقال ابن حجر- بعد أن ساق ذلك: والحديث المذكور من علامات النبوة، فإن أبا هريرة كان أحفظ الناس للأحاديث النبوية في عصره.
وكان أبو هريرة أكثر الصحافة ملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فاطلع على ما لم يطلع عليه غيره من أقوال الرسول وأعماله، وقال الإمام الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. وقال الحاكم: كان من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وألزمهم له صحبة.
(1/86)

وأما أنه لم يكن يكتب الحديث بل كان يحدث من ذاكرته، فذلك شأن عامة الصحابة، إلا القليل منهم كعبد الله بن عمرو بن العاص ممن كان يكتب لنفسه، وقد كان العرب أمة أمية، فاستعاضت عن الكتابة في السطور بالحفظ في الصدور.
وأما أنه كان يحدث عن رسول الله ماسمعه من غيره، فهذا لم ينفرد به أبو هريرة، بل شاركه فيه صغار الصحابة، ومن تأخر إسلامه، فإنهم اسندوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعوه من صحابته، ولم يجدوا حرجا في ذلك، لأن الصحابة عندهم عدول، ولذا ذهب العلماء إلى الاحتجاج بمرسل الصحابي، وأن حكمه حكم المرفوع.
وأما ما روى من نقد لبعض الأحاديث التي رواها، والتشكيك في صدقه، فإنه لم يصح شيء من ذلك، وقد أجمع السلف على تعديل الصحابة، ولم يعرف أن أحدا منهم كان يكذب الآخر أو يشك في صدقه، والذي صح في ذلك إن دل على شيء إنما يدل على التعجب من كثرة ما رواه أبو هريرة من أحاديث وبيان أبي هريرة لسبب ذلك، والتعجب من الأمر لا يكون تكذيبا له، أو تشكيكا في صحته. روى مسلم في صحيحه أن أبا هريرة قال: "إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكان الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم".
وأما ما ذكره أبو رية من أنه كان محتقرا اختلفوا في اسمه، متهما في إسلامه، متشيعا لبني أمية، فإنه محض افتراء وتشويه للحقائق فإن الاختلاف في اسم الرجل لا يحقر من شأنه، فالمرء يقدر بعلمه لا باسمه ولقبه، وقد اختلف المؤرخون في أسماء كثير من الصحابة ولم يغض ذلك من شأنهم، ولم يحط من قدرهم.
وكان إسلام أبي هريرة إسلاما خالصا لله كإسلام الصحابة جميعا، لازم رسول
(1/87)

الله صلى الله عليه وسلم، وانقطع للعلم، ولا يضيره أنه كان فقيرا، وأنه كان من أهل الصفة الذين يأوون إلى المسجد حيث لا مال لهم ولا أهل في المدينة فقد كان هؤلاء وهم كثير - من كرام الصحافة.
وأما ما قيل من تشيعه لبني أمية، فإن ما ورد في ذلك لم يرد في كتب الأخبار الموثوق بها، وإنما ورد في كتب الأدب وكتبه الشيعة التي تتعصب لآل البيت، وتحمل على كثير من الصحابة، والثابت الصحيح أن أبا هريرة لم يشترك في الفتنة بين على ومعاوية، ولم يسمه شررها من قريب أو بعيد ولكن أبا رية يأبي إلا أن ينفث سموم خبثة، ويدس على الصحابة ما هم منه براء.
وقد تناول الدكتور مصطفى السباعي في كتابه "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي هذه الشبه وغيرها تناولا علميا دقيقا، فليرجع إليه من شاء المزيد.
(1/88)

جمع الحديث وتدوينه:
كانت المحاولة الأولى لجمع الحديث وتدوينه بصفة عامة بعد الجهود الفردية على يد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، حيث كتب إلى أبي بكر بن حزم عامله على المدينة كتابا قال فيه: "انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سنة ماضية أو حديث عمرة فاكتبه فإني خفت على دروس العلم وذهاب أهله" 1.
وكتب عمر إلى الأمصار الأخرى: "انظروا إلى حديث رسول الله فأجمعوه" ولكن هذا الجمع لم يكن شاملا، وتوفى عمر بن عبد العزيز قبل أن يبعث إليه أبو بكر بن حزم بما جمعه.
__________
1 رواه الدارمي في سننه، وابن سعد في الطبقات الكبرى وقوله: "أو حديث عمرة" أراد به ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وكانت على علم بحديث عائشة رضي الله عنها، وكذلك القاسم ابن محمد بن أبي بكر.
(1/88)

أما المحاولة الجادة الشاملة فكانت على يد الإمام الجليل محمد بن شهاب الزهري، حيث استجاب لعمر بن عبد العزيز عن رغبة صادقة، وافقت ما كان عليه من حب للحديث وشغف بجمعه، فاستقصى ما توصل إليه من حديث وجمعه، وكانت محاولته تمهيدا لمن جاء بعده من المصنفين في الأمصار المختلفة ومن أشهرهم:
أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وسفيان بن عيينة، ومحمد بن إسحاق، وسعيد بن أبي عروبة، والربيع بن صبيح، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والإمام مالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة.
المطبوع المتداول من ذلك:
1- "الموطأ" للإمام مالك بن أنس.
2 و "المصنف" لعبد الرزاق بن همام الصنعاني.
3 و "السنن" لسعيد بن منصور.
4 و "المصنف" لأبي بكر بن أبي شيبة.
وهذه المصنفات لا تقتصر على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما تمزج بين الأحاديث وأقوال الصحابة وفتاوي التابعين، ثم كان الاقتصار على الأحاديث عند من صنف من العلماء فيما بعد.
(1/89)

مناهج تدوين الحديث وأشهر المصنفات في ذلك:
نهج المصنفون للحديث مناهج شتى في التأليف:
1- طريقة المسانيد:
وهي جمع أحاديث كل صحابي على حدة، والمسانيد التي صنفها الأئمة المحدثون كثيرة، وترتيب أسماء الصحابة فيها قد يكون على نسق حروف المعجم، وقد يكون على السابقة في الإسلام، أو القبائل أو البلدان.
(1/89)

ومن أشهر هذه المسانيد:
1- مسند أبي داود سليمان بن داود الطيالسي "ت 204هـ".
2- مسند أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي "ت 219هـ".
3 مسند الإمام أحمد بن حنبل "ت 241هـ".
4- مسند أبي بكر أحمد بن عمرو البزار "ت 292هـ".
وهذه المسانيد لا تقتصر على جمع الحديث الصحيح، بل تشمل الصحيح وغيره، ولم ترتب على حسب أبواب الفقه، لأن ترتيبها يقوم على جمع مسند كل صحابي دون مراعاة لموضوعات مروياته، وذلك يجعل الاستفادة منها شاقة على الباحث حيث يصعب عليه الوقوف على أحاديث حكم فقهي بعينه.
2- طريقة الموضوعات والأبواب:
وجمع كثير من المصنفين الأحاديث مرتبة على حسب الموضوعات والأبواب في العقائد والأحكام الفقهية والآداب وغيرها، كما في الجوامع، أو في الأبواب الفقهية والآداب، كما في السن، مما سهل على الباحثين الرجوع إليها في مواضعها ومن هؤلاء:
1- الإمام محمد بن إسماعيل البخاري.
2- الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري.
3 أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني.
4- ابن ماجه محمد بن زيد.
5- الترمذي محمد بن عيسى بن سورة السلمي في جامعه
6- النسائي أبو عبد الرحمن أحمد بن علي في سننه
7- ابن خزيمة محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري في صحيحه
8- الحافظ على بن عمر الدارقطني في سننه
9- الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في سننه
10- عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في سننه.
(1/90)

3- طريقة المعاجم:
ومن المصنفين من جمع الأحاديث على طريقة المعاجم، وذلك بترتيبها على حسب أسماء الصحابة أو شيوخ المصنف على حروف المعجم، وأشهر من صنف على هذه الطريقة:
1- أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معاجمه الثلاثة: الكبير، والأوسط، والصغير.
أما المعجم الكبير: فقد رتب فيه مسانيد الصحابة على حروف المعجم عدا مسند أبي هريرة فإنه أفرده في مصنف، وهو أكبر المعاجم، حيث ذكر العلماء أن فيه ستين ألف حديث.
وأما المعجم المتوسط: فقد رتبه الطبراني على أسماء شيوخه، وهم قريب من ألفي رجل.
وأما المعجم الصغير: فقد خرج فيه عن ألف شيخ من شيوخه، واقتصر فيه غالبا على حديث واحد عن كل واحد منهم.
4- التأليف الموضوعي:
ومن المؤلفين من اعتنى بجميع الأحاديث المتعلقة بموضوع من الموضوعات، كأحاديث الأذكار، والأحاديث الآداب والفضائل، وأحاديث الترغيب والترهيب - ومن الكتب المؤلفة على هذا النسق:
كتب الزهد- للإمام أحمد بن حنبل.
2 رياض الصالحين - لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي.
3- الأذكار - للنووي كذلك.
4- الترغيب والترهيب - لزكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري
5- الأدب المفرد - للبخاري.
6- شعب الإيمان - البيهقي.
7- الكلم الطيب- لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(1/91)

5- كتب الأحكام:
ومن المؤلفين من اقتصر على جمع أحاديث الأحكام فقط، ورتبها على أبواب الفقه، ومن أشهر ما ألف في ذلك.
1- الأحكام - لعبد الغني بن عبد الواحد المقدسي.
2- عمدة الأحكام عن سيد الأنام - له أيضا.
3- الإلمام بأحاديث الأحكام - لمحمد بن على المعروف بابن دقيق العيد.
4- المنتقي في الأحكام - لعبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني.
5- بلوغ المرام من أدلة الأحكام للحافظ أحمد بن على بن حجر العسقلاني.
6- مصابيح السنة - لأبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي.
7- مشكاة المصابيح - للشيخ ولي الدين محمد بن عبد الله الخطيب العمري التبريزي، وقد ضمنه كتاب "مصابيح السنة" للبغوي السنة" للبغوي، وذيله، وزاد عليه، ونشره المكتب الإسلامي في دمشق بتحقيق محمد ناصر الدين الألباني.
(1/92)

أهم الكتب الحديثية وشروحها:
وإليك أهم الكتب الحديثية وشروحها:
1- الموطأ:
يعتبر الإمام مالك أول من عرف بالتدوين والتأليف، وكتابه "الموطأ" أقدم مؤلف معروف في الحديث، سماه بذلك لأنه وطأ به الحديث، أي يسره للناس، أو لمواطأة علماء المدينة له فيه وموافقتهم عليه.
فقد روى عن مالك أنه قال: عرضت كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة، فكلهم واطائني عليه، فسميته الموطأ1.
__________
1 نقل هذا السيوطي في تنوير الحوالك على موطأ مالك.
(1/92)

وجمهور المالكية يقدم أحاديث الموطأ على الصحيحين، ومن العلماء من جعله في طبقة واحدة مع الصحيحين، وجمهور المحدثين يعتبره دون مرتبة الصحيحين لا حتوائه على المرسل والمنقطع.
وقد عنى العلماء بشرح الموطأ ومن شروحه: "الاستذكار في شرح مذهب علماء الأمصار"، و "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" وكلاهما لابن عبد البر القرطبي، و "المنتقى" لأبي الوليد الباجي، و "تنوير الحوالك" للسيوطي، و "المستوى" للدهلوي، و "أوجز المسالك" لمحمد زكريا الكاندهلوي.
2- مسند الإمام أحمد بن حنبل:
وهو كتاب كبير يشتمل على نحو أربعين ألف حديث، رتبة الإمام أحمد على مسانيد الصحابة، مراعيا في ترتيب أسمائهم أمورا متعددة منها: أفضليتهم، ومنها مواقع بلدانهم التى نزلوها، ومنها قبائلهم، وربخا جعل أحاديث بعضهم في أكثر من موضع، فلا يستطيع الباحث أن يهتدي إلى جميع مرويات الصحابي إلا بمراجعة فهارس الأجزاء كلها، ولكن الطبعة الأخيرةت المصورة خدمها الناشرون: أصحاب "المكتب الإسلامي" و "دار صادر" ببيروت، فألحقوا بها فهرسا بأسماء الصحابة مرتبا على نسق حروف المعجم، وأمام كل صحابي رقم الجزء والصفحة، فسهل هذا معرفة مرويات كل صحابي حيث كان موضعها من الكتاب.
وقد اشتمل المسند على "904" مسانيد من مسانيد الصحابة منها، منها مسانيد بلغت مئاتق الأحاديث، كمسند أبي هريرة والمكثرون من الصحابة، ومنها مسانيد لا تشتمل إلا على حديث واحد، ومنها مسانيد بين ذلك.
وابتدأ المصنف بمسانيد العشرة المبشرين بالجنة مقدما الخلفاء الراشدين.
والكتاب مطبوع في ستة مجلدات كبيرة، وطبع على حاشية كتاب: "منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال" لعلى بن حسام الدين الشهير بالمتقي1.
__________
1 انظر: "أصول التخريج ودراسة الأسانيد" د. محمود الطحان ص 43 المطبعة العربية - حلب.
(1/93)

3- الجامع الصحيح للبخاري:
وهو أصح كتاب بعد كتاب الله عزوجل عند جمهور المحدثين، اقتصر فيه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري على الحديث الصحيح، وهو أول من أفرد الصحيح بالتأليف، لكنه لم يستوعبه، ورتبه على الموضوعات والأبواب وضمنه عددا من التعاليف والمتابعات، وتبلغ أحاديثه الموصولة بلا تكرار "2602" حديثا.
وقد عنى العلماء بشرح صحيح البخاري عناية قائمة، ومن أج شروحه: "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" للحافظ ابن حجر العسقلاني، و "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" لبدر الدين العيني الحنفي، و "إرشاد الساري إلى صحيح البخاري" للقسطلاني.
ولصيح البخاري مختصر حذف منه المكررات والمعلقات والأسانيد وهو "التحرير الصريح" للزبيدي.
4- صحيح مسلم:
للإمام أبي الحسن مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، وهو في المرتبة الثانية بعد صحيح البخاري عند جمهور المحدثين، وذهب بعض علماء المغاربة والمشارقة إلى تقديمه على صحيح البخاري، وقد اقتصر مسلم فيه على الأحاديث الصحيحة المسندة المرفوعة، ولم يكثر من التعاليق.
واعتنى العلماء بشرحه، وأحسن شروحه "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" للحافظ أبي زكريا ميحيى الدين النووي. كما شرحه الإبي والسنوسي. ولصحيح مسلم مختصر كذلك هو "مختصر صحيح مسلم" للمنذري، وقد طبع طبعة جديدة بتحقيق الشيخ الألباني.
5- سنن أبي داود السجستاني:
اقتصر أبو داود في كتابه على أحاديث الأحكام دون أحاديث الفضائل والرقائق والآداب، ولم يلتزم الصحة في أحاديثه، ولكنه خرج الحديث الصحيح والحسن والضعيف المحتمل، ورتب أحاديثه ترتيبا جيدا، واعتبره العلماء في مقدمة كتب السنن الأربعة.
(1/94)

ومن أهم شروحه: "معالم السنن" لأبي سليسمان الخطابي، و "تهذيب السنن" لابن القيم و "عون المعبود على سنن أبي داود" لشرف الحق محمد أشرف الصديقي، و "المنهل المورود" لمحمود السبكي، لكنه لم يكمله.
6- جامع الترمذي:
ألفه الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى السلمي الترمذي، وخرج أحاديثه، الصحيح والحسن والضعيف والغريب والمعلل، وهو أحد الكتب الستة.
وشرح المعروف المطبوع "عارضة الأحوذي على الترمذي" للحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله الإشبيلي المعروف بابن العربي المالكي، و "تحفة الأحوذي" للياركفوري.
7- سنن النسائي:
ألفه الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب النسائي، وذكر العلماء أن الإمام النسائي صنف في أول الأمر كتابا يقال له "السنن الكبرى". ثم استخلص منه كتاب "السنن" المطبوع المتداول المعروف الذي سمى "المجتبي من السنن" فإذا أطلق المحدثون وقالوا: رواه النسائي فمرادهم هذا المختصر المسمى بالمجتبي، وهو أحد الكتب الستة الكبرى.
وقد شرحه الحافظ جلال الدين السيوطي، كما شرحه أبو الحسن نور الدينبن عبد الهادي السندي، والكتاب المطبوع بشرح السيوطي وعلى حاشيته شرح السندي1.
8- سنن أبن ماجه:
ألفه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه الربعي القزويني، وهو سادس الكتب الستة، ومن العلماء من يجعل موطأ مالك سادس الكتب الستة، لأنه أعلى درجة من سنن ابن ماجه، ومنهم من يجعل مسند الدارمي سادسها لقلة الضفعاء في رجاله، وقد خرج ابن ماجه الحديث الصحيح والحسن والضعيف.
ومن شروحه "مصباح الزجاجة على سنن ابن ماجه" للحافظ و "كفاية الحاجة في شرح ابن ماجه" لأبي الحسن بن عبد الهادي السندي2.
__________
1، 2، انظر بحوث في تاريخ السنة المشرفة د. أكرم ضياء العمر، طه مؤسسة الرسالة.
(1/95)

شروح لكتب أخرى في الأحكام والمواعظ والآداب والآذكار:
ومن أهم شروح كتب أحاديث الأحكام:
1- "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" للعلامة ابن دقيق العيد.
2- "العدة" وهي حاشية على "الإحكام" السابق للسيد محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني.
3- "سبل السلام شرح بلوغ المرام" للصناعني.
4- "نيل الأوطار شرح منتقي الأخبار" للقاضي محمد بن على الشوكاني.
ومن شروح كتب أحاديث المواعظ والآداب والأذكار:
1- دليل الفالحين شرح رياض الصالحين" لمحمد بن علان الصديقي الشافعي.
2- الأربعون النووية" شرح النووي.
3- جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم". لابن رجب، المعروف بشرح الخمسين الرجبية.
4 "فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد" لفضل الله الجيلاني.
5- الفتوحات الربانية في شرح الأذكار النبوية" لمحمد بن علان الصديقي الشافعي.
هذا وقد عني المحدثون كذلك ببيان غريب، الحديث، فألفت كتب تشرح المفردات والجمل الغريبة في الأحاديث، ومن أهمها:
1- "غريب الحديث" لأبي عبيد.
2- النهاية في غريبة الحديث والأثر" لابن الأثير
3- الفائق في غريب الحديث" للزمخشري.
وتناول العلماء كذلك بيان ما ظاهره التعارض من الأحاديث، وأشهر كتاب في ذلك "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة.
(1/96)

وجوه أخرى للعناية بالحديث:
وما فتيء العلماء يبذلون قصارى جهدهم في المؤلفات الحديثة من وجوه أخرى.
المستدركات:
والمستدرك استدرك فيه ما فات من كتاب آخر على شريطته. وقد ألف أبو عبد الله الحاكم كتابه "المستدرك على الصحيحين" استدرك فيه الأحاديث التي جاءت على شرط البخاري ومسلم أو على شرط أحدهما ولم يخرجاها.
كما ذكر فيه أحاديث صحت عنده وإن لم تكن على شرطهما، أو شرط واحد منهما.
المجاميع:
وألف العلماء كتبا حديثة، كل كتاب جمع فيه مؤلفه أحاديث عدة مصنفات، ورتيبة على ترتيب تلك المصنفات التي جمعها فيها، ومن أشهرها:
"أ" جامع الأصول من أحاديث الرسول" لأبي السعادات المعروف بابن الأثير، جمع فيه بين أصول ستة: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وجعل سادسها موطأ مالك بدلا من سنن ابن ماجه، لما فيه من كثرة الأحاديث الضعيفة، ولذلك ود بعض الحفاظ لو كان مسند الدرامي مكانه.
"ب" مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" للحافظ على بن أبي بكر الهيثمي. جمع فيه الأحاديث الزائدة في مسند أحمد ومسند أبي يعلي الموصلي- ومسند أبي بكر البزار - ومعاجم الطبراني الثلاثة: "الكبير والأوسط والصغير" عن الأحاديث الموجودة في الكتب الستة.
جـ "جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد، لمحمد بن محمد بن سليمان المغربي.
جمع فيه المؤلف بين كتابي ابن الأثير والهيثمي، وأضاف إليهما زوائد الدارمي وابن ماجه، فجاء موسوعة حديثية جمعت اكثر من عشرة آلاف حديث، من أربعة عشر مصنفا حديثيا، وهي: الصحيحان والموطأ، والسنن الأربعة، ومسند البزار، ومسند أحمد، ومسند أبي يعلي، ومسند الدارمي، ومعاجم الطبراني الثلاثة.
(1/97)

الاهتمام بتخريج الحديث ومعرفة موضعه وتسهيل الكشف عنه:
اهتم كثير من المحدثين بتأليف كتب تدل على موضع الحديث في مصادره الأصلية التي أخرجته بسنده وتبين مرتبته.
ودون هذا في المرتبة العلمية الكتب التي تعزو الحديث إلى مصنف من المصنفات التي لا تعتبر مصدرا أصليا من كتب السنة، فتعرف القاريء بأن هذا الحديث مذكور في كتاب كذا، وإن لم يكن هذا الكتاب من مصادر السنة الأصلية، ومن أشهر هذه الكتب.
1- "نصب الراية الأحاديث الهداية" للحافظ جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي، خرج فيه الزيلغي أحاديث كتاب "الهداية" في الفقه الحنفي لعلي بن أبي بكر المرغياني، فلم يترك الزيلعي حديثا استشهد به صاحب الهداية دون أن يذكر طرقه ويبين موضعه في كتاب السنة وأقوال أئمة الجرح والتعديل فيه، فجاء كتابا نافعا جليلا، واعتبره العلماء موسوعة ضخمة لتخريج أحاديث الأحكام.
2- "الدراية في تخريج أحاديث الهداية" للحافظ ابن حجر العسقلاني. لخص فيه ابن حجر كتاب "نصب الراية" للحافظ الزيلعي الآنف الذكر.
3- "التلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح الوجيز الكبير" للحافظ ابن حجر العسقلاني، وهو تلخيص لكتاب "البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير" لسراج الدين عمر بن على الملقن وكتاب "الشرح الكبير" كتاب في الفقه الشافعي لأبي القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي، شرح فيه كتاب "الوجيز" لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي.
4- "المغنى عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار" وهو كتاب خرج فيه الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي الأحاديث التي في كتاب "إحياء علوم الدين للغزالي" وطبع هذا.
(1/98)

التخريج بذيل كتاب "إحياء علوم الدين" فكان عظيم الفائدة، لما يشتمل عليه كتاب الإحياء من الأحاديث الكثيرة الضعيفة والموضوعة.
5- "تخريج أحاديث الكشاف" للحافظ ابن حجر العسقلاني وكتاب آخر للزيلعي.
6- ومن الكتب الحديثية كتب الأطراف التي تذكر طرف الحديث بما يدل على بقيته، ثم تذكر أسانيده على سبيل الاستيعاب أو بالنسبة لكتب مخصوصة، ومن أشهرها:
"أ" "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" للحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف ابن عبد الرحمن المزي، جمع فيه أحاديث الكتب الستةوبعض ملحقاتها.
ب- ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث" للشيخ عبد الغني النابلسي، جمع فيه أطراف الكتب الستة وموطأ مالك.
7- وألفت كتب حديثية كثيرة تسهل الكشف عن الحديث وتخريجه على تفاوت بينها في مستوى هذا التخريج للوفاء به، أو القصور على المطلوب، ومن أشهرها:
أ- "الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير" لجلال الدين عبد الرحمن ابن أبي بكر السيوطي، حذف فيه المصنف الأسانيد، ورتبه على حروف المعجم مراعيا أول الحديث فما بعده، ليسهل على المراجع الكشف عنه، وجمع فيه عشرة آلاف وواحد وثلاثين حديثا، انتقاها من كتابه "جمع الجوامع" وضمنه رموز المصدر الحديث في كتب السنة ورموز الرتبة الحديث.
وانتقى السيوطي "الزيادة على الجامع الصغير" وقام الشيخ يوسف النبهاني بضم هذه الزيادة إلى أحاديث الجامع الصغير وجعلها مؤلفا واحدا سماه "الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الكبير" لكنه حذف الرموز التي فيها بيان مرتبة الأحاديث.
(1/99)

وقد شرح "الجامع الصغير" العلامة المناوي في كتابه "فيض القدير" واختصره في شرح مختصر سماه "التيسير".
"ب" "الجامع الكبير" للسيوطي كذلك، وهو كتاب ضخم قصد السيوطي من تأليفه جمع السنة كلها، وقسمه قسمين:
الأول: الأحاديث القولية مرتبة ترتيب حروف المعجم مراعيا أول الكلمة فما بعده.
والثاني: الأحاديث الفعلية مرتبة على مسانيد الصحابة بادئا بالعشرة المبشرين بالجنة ثم على حروف المعجم في الأسماء والكني.
وقد رتبه العلامة على الدين على المتقى بن حسام الدين الهندي على الأبواب والموضوعات في كتابه الذي سماه "كنز العمل في سنن الأقوال والأفعال".
8- المعجم المفهرس للألفاظ أو للموضوعات والمعاني:
"أ" ألف جماعة من المستشرقين كتابا قيما يعين على معرفة مواضع الأحاديث في كتب السنة عن طريق معرفة كلمة يقل دورانها على الألسنة من متن الحديث، وسموا هذه الكتاب "المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي" واشتمل على ألفاظ الحديث الموجودة في تسعة مصادر من أشهر مصادر السنة، وهي: الكتب الستة، وموطأ مالك، ومسند أحمد، ومسند الدارمي.
وطريقة ترتيب مواد هذا المعجم قريبة من طريقة ترتيب المعاجم اللغوية، ووضعت رموز للكتب التي استوعبها المعجم ترشد القاريء إلى مصدر الحديث وقوله في بابه.
ب- وألف المستشرق الهولندي الدكتور أرند جان فنسنك كتاب "مفتاح كنوز السنة" رتبة على حسب الموضوعات والمعاني لا الألفاظ والمباني، على نسق حروف المعجم بالنسبة لألفاظها، فهو معجم للموضوعات، ونقله إلى العربية الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي.
(1/100)

والكتاب جعله مؤلفه فهرسا موضوعيا لأربعة عشر كتابا من مشاهير كتب
السنة، وهذه الكتب هي:
1- صحيسح البخاري
2- صحيح مسلم
3- سنن أبي داوود.
4 - جامع الترمذي.
5- سنن النسائي.
6- سنن ابن ماجه.
7- موطأ مالك.
8- مسند أحمد.
9- مسند أبي داوود الطيالسي.
10- سنن الدارمي.
11- مسند زيد بن علي.
12- سيرة ابن هشام.
13- مغازي الواقدي.
14- طبقات ابن سعد.
(1/101)

الأحاديث المشتهرة على الألسنة أو الموضوعة
...
الأجهزة المشتهرة على الألسنة أو الموضوعة:
عنى كثير من العلماء في العصور المختلفة بالأحاديث المشتهرة على ألسنة الناس، فبينوا درجاتها وما فيها من ضعيف أو موضوع أولا أصل له، وإن شاعت على الألسنة، ومن العلماء من عني بالموضوعات خاصة. ومن أهم الكتب التي عنيت بذلك.
"أ" اللآليء المنثورة في الأحاديث المشهورة، مما ألفه الطبع وليس له أصل في الشرع" للحافظ ابن حجر.
ب- "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة" لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي.
جـ- "الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة" لجلال الدين السيوطي.
د- "تتميز التطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث" لعبد الرحمن بن على الشيباني.
(1/101)

هـ- "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" لإسماعيل بن محمد العجلوني.
و أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب" لمحمد بن درويش الشهير بالحوت البيروني.
ز- "الموضوعات" لابن الجوزي.
ح- "المنار المنيف في الصحيح والضعيف" لابن القيم، حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة.
ط- "اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" للسيوطي.
ي- المصنوع في معرفة الحديث الموضوع" وهو الموضوعات الصغيرة للعلامة نور الدين على بن محمد المشهور بالملا على القاري الهروي، وقد حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة.
ك- "الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" المعروف بالموضوعات الكبرى للملا على القاري كذلك، وقد حققه الشيخ محمد الصباغ.
ل- "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني.
م- "سلسلة الأحاديث الضعيفة" للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
وعنى العلماء في كتب مصطلح الحديث وكتب الرجال والجرح والتعديل بالضوابط التي تضبط صحة السند وصحة المتن، فتكلموا عن شروط قبول الراوي من العدالة والضبط، وعن الجرح والتعديل وألفاظ التعديل ومراتب ذلك.
وألفت مصنفات في تراجم الرجال وتاريخهم لتمييز القوى من الضعيف والصادق من الكاذب حماية للسنة، وتعددت مناهج هذه المصنفات في عمومها وخصوصها، ومن أشهرها:
1- المصنفات في معرفة الصحابة - والصحابة عدول، ولكن تاريخهم يفيد في معرفة الحديث الرسل من الحديث الموصول.
(1/102)

أ- "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر الأندلسي.
ب- أسد الغابة في معرفة الصحابة" لعز الدين أبي الحسن على بن محمد ابن الأثير الجزري.
جـ- الإصابة في تمييز الصحابة" للحافظ بن حجر العسقلاني.
2- المصنفات في الطبقات - وهي المشتملة على تراجم الشيوخ طبقة بعد طبقة سواء أكانت في طبقات الرجال عامة أم في طبقات أناس مخصوصين.
أ- "الطبقات الكبرى" لأبي عبد الله محمد بن سعد الواقدي.
ب- "تذكرة الحفاظ" لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي.
3- المصنفات في رواة الحديث عامة وهي التي لم تخص بتراجم كتب بعينها.
أ- "التاريخ الكبير" للإمام البخاري.
ب- الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم.
4- المصنفات في رجال كتب مخصوصة.
أ- ما هو خاص بالصحيحين:
"الجمع بين رجال الصحيحين لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي المعروف بابن القسراني.
ب- ما هو خاص برجال الكتب الستة:
"الكمال في أسماء الرجال" للحافظ عبد الغني المقدسي، وقد تناوله العلماء بالتهذيب والاختصار في الكتب الآتية:
(1/103)

1- "تهذيب الكمال" للمزي
2- "تهذيب التهذيب" للذهبي
3- "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني.
4- "تقريب التهذيب" لابن حجر كذلك.
5- "خلاصة تذهيب تهذيب الكمال" للخزرجي.
5- المصنفات في الثقات خاصة - وأشهرها:
"كتاب الثقات" لمحمد بن أحمد بن حبان البستي.
6- المصنات في الضعفاء خاصة - وأشهرها:
"أ" الضعفاء الكبير للبخاري.
ب- "الضعفاء الصغير للبخاري كذلك.
جـ- "الضعفاء والمتروكون" للنسائي.
د- "كتاب الضعفاء" لأبي جعفر محمد بن عمرو العقيلي.
هـ- "معرفة المجروحين من المحدثين" لأبي حاتم محمد بن أحمد بن حبان البستي.
و "الكامل في ضعفاء الرجال" لأبي أحمد بن عبد بن عدي الجرجاني.
ز- "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" للذهبي.
ح- "لسان الميزان" للحافظ ابن حجر العسقلاني.
(1/104)

بدء كتابة السنة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم
...
بداية كتابة السنة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم:
من المعروف أن العرب قبل الإسلام لم يعرفوا الكتابة والقراءة، ولكن مكة بمركزها التجاري شهدت بعض الكتابين والقارئين قبيل البعثة، وإن ذهبت بعض الأخبار إلى أنه لم يكن بها سوى بعضة عشر رجلا يقرأون ويكتبون، كما وجد في المدينة قلة تكتب وتقرأ كذلك، وهذا هو ما يقصد غالبا عند وصف العرب بالأميين.
وتدل الأخبار على أن الكاتبين في مكة كانوا أكثر عددا منهم في المدين’ يشهد لذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لأسرى بدر "المكيين" بأن يفدي كل كاتب منهم نفسه بتعليم عشرة من صبيان "المدينة" الكتابة والقراءة. وأن كتبة الوحي الذين بلغ عددهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين رجلا كان أكثرهم من المكيين، ذكر أسماؤهم صاحب التراتيب الإدارية، بل ذكر البلاذري في فتوح البلدان عددا من النساء الكاتبات منهن أم المؤمنين حفصة، وأم كلثوم بنت عقبة، والشفاء بنت عبد الله القرشية، وعائشة بنت سعد، وكريمة بنت المقداد، بين أن المسلمين ما كادوا يستقرون في المدينة حتى بدلت الحال غير الحال، فكثر فيهم الكاتبون منذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن سعيد بن العاص أن يعلم الكتابة بالمدينة، وكان كاتبا محسنا كما ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب.
وذكر ابن سعد أن أصحاب البيعة من الأنصار كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مكة: إبعث إلينا رجلا يفقهنا في الدين، ويقرئنا القرآن، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير فكان يقرئهم القرآن ويعلمهم.
(1/105)

ومن المعروف كذلك أن الصحابة كانوا يعولون في حفظ الحديث على الاستظهار في الصدور، لا على الكتابة في السطور لانضرافهم إلى تلقي القرآن الكريم، وانشغالهم بجمعه وكتابته، والخوف من التباس السنة بالقرآن إذا كتب الحديث، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في باديء الأمر عن كتابة الحديث، وقال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فيلمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، وشطره الأخير في البخاري.
وهذا الحديث هو الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهي عن كتابة السنة، وقال النووي في شرحه، قال القاضي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثيرون منهم، وأجازها أكثرهم - ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف.
واختلفوا في المراد بهذا الوارد في النهي:
فقيل: "هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب وتحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لا يوثق بحفظه كحديث: "اكتبوا لأبي شاة" وحديث صحيفة على رضي الله عنه، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر رضي الله عنه أنسا رضي الله عنه حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبي هريرة أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب، وغير ذلك من الأحاديث.
وقيل: إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة.
وقيل: إنما نهي عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القاريء في صحيفة واحدة.
وحين نزل أكثر الوحي وحفظه الكثير، وأمن اختلاطه بسواه، أذن رسول الله
(1/106)

صلى الله عليه وسلم لبعض صحابتهس إذن خاصاس في كتابة الحديث، ليساعدهم ذلك على زيادة الضبط إن خيف نسيانهم، ولم يوثق بحفظهم ولعله خص بهذا الإذن من كان أشد ضبطا وحفظا، وبهذا ينتفي ما قيل من تعارض بين النصوص الواردة في النهي عن كتابة الحديث والإذن في ذلك، وقد اتفقت الكلمة بعد الصدر الأول على جواز كتابة الحديث.
قال ابن الصلاح: "ثم إنه زال الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الأخيرة".
ويستفاد من بعض الآثار أن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن بكتابة الحديث في آخر حياته إذنا عاما، بعد أن أمن اختلاط السنة بالقرآن، فإنه قيل وفاته أراد أن يكتب للمسلمين كتابا لا يضلوا بعده ولم ير بأسا في ذلك كما سبق في حديث عمر.
روى الترمذي أن سعد بن عبادة الأنصاري كان يملك صحيفة جمع فيها طائفة من أحاديث الرسول وسننه، وكان ابن هذا الصحابي الجليل يروى من هذه الصحيفة.
ويروى البخاري أن هذه الصحيفة كانت نسخة من صحيفة عبد الله بن أبي أوفى، الذي كان يكتب الأحاديث بيده، وكان الناس يقرأون عليه ما جمعه بخطه.
ومن أشهر الصحف المكتوبة في العصر النبوي "الصحيفة الصادقة" التي كتبها جامعها عبد الله بن عمرو بن العاص من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر أهل السير أنها اشتملت على ألف حديث، وأن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب كل شيء سمعه من رسول الله، فهناه بعض الصحابة، لأنه بشر يتكلم في الرضا والغضب، فأمسك عن الكتابة، ثم استفتى رسول الله قائلا:
أأكتب كل ما أسمع؟ ... قال: نعم، قال: في الرضا والضغب؟ قال: نعم فإني
(1/107)

لا أقول في ذلك إلا حقا" وروى ذلك الإمام أحمد في مسنده.
وكان ابن عمرو يعظم أمر هذه الصحيفة ويقول: ما يرغبني في الحياة إلا حصلتان: الصادقة والوهط، فأما الصادقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله، وأما الوهط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص، كان يقوم عليها، وقد روى هذا البزار في سننه وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله.
وهذه الصحيفة هي ما جاء بسند عبد الله بن عمرو في مسند الإمام أحمد.
ولا بد أنه اشتغل بكتابة غيرها، فقد قال أبو هريرة.
"ما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب".
وحسبنا هذا الحديث الذي أورده البخاري في باب العلم دليلا على ذلك.
وعرف عن ابن عباس أنه كتب الكثير من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته في ألواح كان يحملها معه في مجالس العلم، وكان تلميذه سعيد بن جبير يكتب عنه ما يلمي عليه، وظلت صحيفة ابن عباس معروف متداولة وتعاقب الناس على الرواية منها، والاستشهاد بها في كتب التفاسير، وإن لم تنقل هذه الصحيفة.
وقد جمع أبو هريرة صحفا كثيرة مما كتبه الصحابة "تلفت غالبا" وروى عنه تلميذه همام بن منبه صحيفة منها، ثم نسبت إليه، فقيل صحيفة همام، وهي في الحقيقة صحيفة أبي هريرة لهمام، وكان لهذه الصحيفة أهمية خاصة في تدوين الحديث، لأنها وصلت إلينا كاملة سالمة كما رواها ودونها همام عن أبي هريرة، وسماها صاحب كشف الظنون بالصحيفة الصحيحة، وهي برمقتها في مسند أحمد، وجاءت متفرقة بأبواب مختلفة في البخاري وغيره.
وذكر العلماء نرا من الصحابة الذين كتبوا الحديث سوى هؤلاء.
وهذه الأخبار في مجموعها تدل على بدء كتابة السنة في عهد رسول الله صلى
(1/108)

الله عليه وسلم وإن لم تكن كتابة جمع وتدوين.
ثبت في الصحيحين أنه لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب خطبه، فقام أبو شاة - رجل من اليمن - فقال: اكتبوا لي يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اكتبوا لأبي شاة".
وروى البخاري عن أبي جحيفة قال: "قلت لعلي" هي عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر".
وروى أحمد عن أبي الطفيل: سئل على رضي الله عنه، هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء فقال: ما خصنا إلا ما كان من قراب سيفي هذا. فأخرج صحيفة كتب فيها: لعن الله من ذبح لغير الله.
وروى أحمد كذلك عن طارق بن شهاب: "رأيت عليا على المنبر يخطب، فسمعته يقول: والله ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا كتاب الله تعالى وهذه الصحيفة، فيها فرائض الصدقة".
كما روي عن الحارث بن سويد: قيل لعلي رضي الله عنه: إن رسولكم كان يخصكم بشيء دون الناس عامة.... فأخرج صحيفة فيها شيء من أسنان الإبل.
وذكر ابن حجر في الإصابة، وابن عبد البر في الاستيعاب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل عمرو بن حزم الأنصاري على نجران. وكتب له كتابا فيه أحكام الطهارة والصلاة والغنيمة والصدقة، وكتاب الجراح والديات وغير ذلك.
وذكر أصحابس التراجم أن أنس بن مالك رضي الله عنه كان كاتبا وأن مدوناته كانت تحمل في مخال، وقد بعثه أبو بكر رضي الله عنه إلى البحرين ساعيا وكتب له كتاب الصدقة ونصب الزكاة.
وقد ذكر الخطيب البغدادي في تقييد العلم الخلاف في الكتاب ونقل نصوص المنع، ونصوص الإباحة من الأحاديث المرفوعة والموقوفة، والآثار الواردة عن التابعين وأتباع التابعين، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى ذلك.
(1/109)

إجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم:
ارتكزت دعوة رسولنا صلى الله عليه وسلم على توحيد الله، والبراءة من الشرك حتى يستقيم أمر البشرية على عبادة الله وحده، وتلك هي دعوة الرسل في موكب النبوة الذي أضاء للإنسانية جوانب حياتها، ومن شان هذه الدعوة أن تربي المؤمنين بها على الانقياد لما جاء عن الله أمرا ونهيا، وأن تبني الشخصية المؤمنة بناء سويا يهتدي بهدى الله، ويتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} 1.
ويتضح من النصوص والوقائع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أن شخصيته ذات جانبين: أحدهما: الجانب البشري، وهذا الجانب يجوز عليه صلى الله عليه وسلم فيه ما يجوز على غيره، والآخر: الجانب الذي يتميز به عن عامة البشر، وهو ما يتصل فيه بربه جلت عظمته من حيث إنه رسول كلف بتبليغ رسالة الله إلى الناس كافة.
وحرص رسولنا صلى الله عليه وسلم على تأكيد بشريته، وإن كان الوحي يتنزل عليه. ففي القرآن الكريم: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} 2.
وحذر صلى الله عليه وسلم من غلو الناس فيه، روى البخاري عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
__________
1 الأحزاب: 21.
2 الكهف: 110.
(1/110)

"لا تطروني" كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله" ولم ينس هذا المعنى وهو يعالج سكرات الموت، روى مسلم عن جندب ابن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك". وفي رواية البخاري عن عائشة وابن عباس قالا: "لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا.
وقد اتفق العلماء على أن الأنبياء صلوات الله وسلامة عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله في تبليغ رسالاته، بخلاف غيرهم فإنهم غير معصومين.
أما العصمة في غير ما يتعلق بالتبليغ، فقد اختلف الناس فيها:
1- فذهب بعضهم إلى أنهم معصومون من الذنوب، لأن التأسي بهم مشروع. ولأن الذنوب تنافى كمالهم، وأولوا النصوص الدالة على وقوع الذنوب منهم تأويلا فاسدا.
وأجيب عما ذكروه بأن التأسي بهم مشروع فيما أقروه عليه دون ما نهوا عنه. وأن منافاة الذنوب للكمال إنما تكون مع البقاء عليها لا مع التوبة منها، فإن التوبة النصوح التي يقبلها الله تعالى ترفع صاحبها إلى أعظم مما كان عليه.
2- وذهب جمهور العلماء إلى أنه قد يقع منهم الذنوب، ولكنهم معصومون من الإقرار عليها، لأنهم يبادرون إلى التوبة، والاستغفار، واستدلوا على ذلك بما جاء في القرآن الكريم من النصوص الكثيرة.
فقد قال تعالى في آدم: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} 1 ثم قال: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} 2
__________
1 طه: 121.
2- طه: 122.
(1/111)

وقال تعالى في نوح: {فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} 1 ثم قال على لسان نوح: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} 2.
وقال في يونس: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} 3.
وقال في إبراهيم: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} 4.
وقال في موسى: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} 5.
وقال في داود: {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} 6.
وقال في نبينا صلى الله عليه وسلم: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} 7.
وتناول العلماء بالبحث موضوع اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1- فذهب نفر منهم إلى أنه لا يجوز له الاجتهاد لإمكان استطلاع الحكم بالوحي.
2- وذهب جمهورهم إلى أنه يجوز له الاجتهاد، وأنه يخطيء في اجتهاده ويصيب، ولكنه لا يقر على خطأ.
وهذا هو الذي تضافرت النصوص عليه في صور مختلفة.
أ- روى البخاري عن البراء بن عازب، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا - أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون
__________
1 هود: 46.
2 هود: 47.
3 الأنبياء: 87.
4- الشعراء: 82
5 القصص: 16.
6 سورة ص: 24، 25.
7 التوبة: 43.
(1/112)

قبلته قبل البيت" وفي رواية: "وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة" فأنزل الله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} 1 فتوجه إلى الكعبة.
ووجه الدلالة أنه عليه الصلاة والسلام رأي باجتهاده أحقية البيت الحرام بالتوجه إلى الصلاة، وبدأ اجتهاده في صورة رغبة وأمنية، فحققها له الله سبحانه وتعالى، وبذلك أصبح ما رآه بالاجتهاد مشروعا مقرا عليه من ربه.
ب- واستأذن بعض المنافقين النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف عن غزوة تبوك فأذن لهم، دون أن يتبين أعذارهم، وعاتبه الله سبحانه وتعالى على إذنه لهم بذلك في قوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} 2.
ووجه الدلالة أن العفو هو التجاوز عن الذنب والتقصير، وترك المؤاخذة، والمراد به هنا الإذن للمنافقين، وقد كان الإذن المعاتب عليه هنا إجتهادا منه صلى الله عليه وسلم فيما لا نص فيه من الوحي، فدل هذا على أنه جائز في حق الأنبياء، وليسوا معصومبين من الخطأ فيه.
جـ- وروى البخاري وغيره عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد لما جرح وكسرت رباعيته، ورأي تمثيل الكفار بعمه حمزة سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية، فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} 3.
ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم عندما دعا عليهم، وطلب من الله أن يلعنهم، كان ذلك عن اجتهاد منه، لكن لم يقره الله سبحانه وتعالى على اجتهاده فيما أوحى به إليه في الآية.
__________
1 البقرة: 144.
2 التوبة: 43.
3 آل عمران: 128.
(1/113)

د وفي حديث حرمة مكة عنبد البخاري لما قال صلى الله عليه وسلم: "لا يعضد شوكها" قال العباس: يا رسول الله ... إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "إلا ذخر".
ووجه الدلالة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم باجتهاده في صيغة العموم قطع الإذخر، ثم عدل عن تحريمه إلى إباحته عندما ثبتت له الحاجة إليه فيما ذكره ابن عباس له.
هـ- وروى ابن أبي شيبسة والترمذي وحسنه، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: "لما كان يوم بدر جيء بالأساري، فقال أبو بكر: يا رسول الله.... قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم، وقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ... كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، قدمهم فاضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة: انظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارا، فقال العباس - وهو يسمع ما يقول: قطعت رحمك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئا، فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال أناس: يأخذ برأي عمر. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} 1 ومثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام إذ قال: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} ومثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام إذ قال: {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} " 3 ثم قال صلى الله عليه وسلم: "أنتم عالة فلا ينفلتن أحد من الأسرى إلا بفداء أو ضرب عنق" فأنزل الله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ... } إلى قوله: {عَظِيم} 4.
__________
1 المائدة: 118.
2 يونس: 88
3 نوح: 26.
4 الأنفال: 67، 68.
(1/114)

ويروى أحمد ومسلم من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: "لما أسر الأسارى يعني يوم بد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي وعمر: "ما ترون في هؤلاء الأسارى"؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ترى يا بان الخطاب"؟ فقال: لا والله، لا أرى الذي رأي أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الك وصناديدها، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان، قلت: يا رسول الله ... أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت، فقال صلى الله عليه وسلم: "أبكي للذي عرض لأصحابي من أخذهم الفداء، وقد عرض على عذابهم أدنى من هذه الشجرة" - لشجرة قريبية منه صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} إلى آخر الآيتين.
ووجه الدلالة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار الصحابة في أسرى بدر، واجتهد في أخذه برأي أبي بكر، ولم يكن ذلك الاجتهاد موافقا للصواب، فنزلت آيات العتاب.
و واخرج الترمذي والحاكم وابن حبان عن عائشة في نزول صدر سورة عبس قالت: "نزلت في ابن أم مكتوم الأعمى، قال: يا رسول الله أرشدني، وعند النبي صلى الله عليه وسلم ناس من وجوه المشركين منهم: أبو جهل، وعتبة ابن ربيعة، وغيرهما، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عن ابن أم مكتوم ويقبل على غيره، فنزلت: {عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى، كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} 1.
__________
1 عبسى: 1- 11.
(1/115)

ووجه الدلالة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتهد في الإعراض عن الأعمى عندما جاءه وهو مشغول بدعوة أكابر قريش إلى الإسلام، وقد لاحت له بارقة رجاء في إيمانهم بتحدثهم معه فعلم صلى الله عليه وسلم أن إقباله على الأعمى قد ينفرهم ويقطع عليه طريق دعوته، فقد كان يرجو بإيمانهم انتشار الإسلام في جميع العرب، ولم يكن يعلم حينئذ أن سنة الله في البشر أن يكون أول من يتبع الأنبياء والمصلحين فقراء الأمم وأوساطهم، دون الأكابر المجرمين المترفين الذين يرون في اتباع غيرهم ضعة بذهاب بأسهم، فعاتبه الله سبحانه وتعالى على ذلك.
ز- وأخرج البخاري أنه في غزوة "خبير" لما أمسى الناس في اليوم الذي فتحت عليهم - يعني خيبر - أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون"؟ قالوا: على لحم، قال: "أي لحم"؟ قالوا: الحمر الإنسية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهريقوها واكسروها" فقال رجل: يا رسول الله، أو نهريقها ونغسلها، قال: "أو ذاك".
ووجه الدلالة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذهم أولا بالأشد منعا لهم من أكلها اجتهادا منه، فلما سلموا بالحكم وأشار بعض صحابته بالاكتفاء بغسيل القدور بدلا من تكسيرها وتفويت منفعتها رخض لهم في غسلها وعدل عن اجتهاده الأول.
ذلك هو أصح ما ورد من وقائع دالة على اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخلاف في المسألة مبسوط في علم الأصول، وللشيخ عبد الجليل عيسى مؤلف خاص في اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم نشرته دار البيان بالكويت.
وينبغي أن نذكر هنا أن تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم منها ما هو تشريعن ومنها ما ليس بتشريع.
(1/116)

1- فهناك أمور سبيلها التجربة والدربة في الحياة، والخبرة بأحوالها فيما اعتاده الناس - كشئون الزراعة والطب، فهذه يجتهد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم اجتهاد غيره، ويخطيء ويصيب، وليست شرعا، ولذا قال في تأبير النخل: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" بعد أن نصح لهم بعدم تلقيحه اجتهادا منه، ثم تبين له خلاف ذلك، حيث لم يكن لديه معرفة بالزراعة والفلاحة.
ففي الصحيحين: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون النخل، فقال: "لو لم تفعلوا لصلح" فخرج شيصا، فمر بهم فقال: "ما لنخلكم؟ " قالوا: قلت كذا وكذا، قال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم".
وفي بعض الروايات أنه قال: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر".
2- وهناك أمور أخرى سبيلها التدبير الإنساني اعتمادا على الظروف الخاصة، كتوزيع الجيوش في المواقع الحربية، وتنظيم الصفوف في الموقعة، واختيار أماكن النزول، وطرق الكر والفر، فهذه كذلك ليست شرعا يتعلق به طلب الفعل أو الترك، ولكنها من الشئون البشرية التي لا يكون مسلك الرسول صلى الله عليه وسلم فيها تشريعا ولا مصدر تشريع.
ومن ذلك ما رواه ابن كثير وابن الأثير وابن إسحاق من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل في غزوة "بدر" على أدنى ماء من مياه "بدر" إلى المدينة، فأتاه الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح فقال: يا رسول الله ... أرأيت هذا المنزل؟ أهو منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "بل هو الرأي والمكيدة"، فقال: يا رسول الله ... ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا، فتملأه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال له: "لقد أشرت بالرأي" وفعل كما قال.
(1/117)

ومن ثم هذا القبيل إقراره صلى الله عليه وسلم كتابة شروط الصلح مع قائدي "غطفان" يوم الخندق.
روى ابن كثير في تاريخه قال ابن إسحاق: لما اشتد البلاء على الناس بالحصار الذي مكث نحو شهر، بعث صلى الله عليه وسلم إلى عيينه بن حصن، والحارث بن عوف المري، وهما قائدا غطفان، وأعطاهما ثلثا ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، فلما أراد صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك بعث إلى السعدين - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة - فذكر لهما ذلك.
فقالا: يا رسول الله ... أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لا بد من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمرما" فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله ... قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "أنت وذاك" فتناول سعد الصحيفة فما ما فيها من الكتابة، ثم قال: ليجهدوا أنفسهم.
3- أ- أما ما يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجع التبليغ في شأن من شئون العقائد أو العبادات أو الحلال والحرام أو الأخلاق أو ما يتصل بذلك من أمور الدين ووظائف الرسالة.
ب- أو ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم من شئون الرئاسة العامة والقضاء، كقسمة الغنائم وعقد المعاهدات، والفصل في الخصومات فهذا وذاك يكون تشريعا، وهو الذي يرى فيه جمهور المحققين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجوز له الاجتهاد فيه حيث لا نص، ولكنه لا يقر على خطأ، وهو الذي استشهدنا عليه بالنصوص والوقائع الآنفة الذكر التي تدل على اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم فيما لا نص فيه.
(1/118)

تلقي الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كانت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صحابته، تمثل الديمقراطية التي يتنغنى بها الناس، وتداعب أحلامهم في هذا العصر، فلم يكن بينه وبين أصحابه حجاب يمنعه عنهم أو يمنعهم عنه، فهو يخالطهم في المسجد، والسوق، والمنزل، والسر والحضر، وهم حريصون على لقائه وصحبته وملازمته للاقتباس منه، والاهتداء بهديه، والتأسي بسيرته، وبلغ تنافسهم في ذلك إلى أنهم كانوا يتناوبون في ملازمة مجلسه، فعن عمر قال: "كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد1 وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوما، وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم وإذا نزل فعل مثل ذلك". رواه البخاري في كتاب العلم.
وحيثما حدث لأحدهم من الأمر ما لا يعرف أسرع في السفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع المسافات الواسعة ليستفتي.
روى البخاري عن عقبة بن الحارث أنه أخبرته امرأة بأنها أرضعته هو وزوجته، فركب من فوره وكان بمكه قاصدا المدينة، حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع، ثم أخبرته بذلك من أرضعتها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "كيف وقد قيل" ففارق: زوجته لوقته، فتزوجت بغيره.
ولم يكن الصحابة جميعا على مبلغ واحد من العلم بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم، لتفاوت أحوالهم، وظروف حياتهم، وأماكن إقامتهم، ولم يكن للرسول صلى الله عليه وسلم مجلس خاص للتعليم يجلس إليه فيه الصحابة، بل كانت.
__________
1 أي ناحية بني أمية. سميت البقعة باسم من نزلها.
(1/119)

حياته كلها منارة للعلم، وإن تخولهم بالموعظة من وقت لآخر فضلا عن أيام الجمعة والعيدين.
روى البخاري عن ابن مسعود، قالك "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا الموعظة تلو الموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا".
وقد أشار مسروق إلى تفاوت الصحابة في تلقيهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: "لقد جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدتهم كالأخاذ "الغدير" فالأخاذ يروي الرجل، والأخاذ يروي العشرة، والأخاذ يروي المائة، والأخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم".
ومن الطبيعي أن يكون أكثر الصحابة علما بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبقوا إلى الإسلام، كالخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود. ومن كان أكثر ملازمة له وكتابة عنه كما سبق آنفا.
أما فيما يتعلق بالأمور المتصلة بالجنس وما يختص بالمرأة، فقد كان الرجال يسألون تارة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتارة يرسل أحدهم امرأته لتسأل زوجاته لعلمهن بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم العائلية، وقد تسأل النساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشأن السؤال عنه من أمورهن، فإذا كان هناك ما يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من التصريح للمرأة بالحكم الشرعي، أمر إحدى زوجاته أن تفهمها إياه، كما جاء أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم كيف تتطهر من الحيض؟ فقال لها "خذي فرصة ممسكة فتوضيء بها" فقالت: يا رسول الله.... كيف أتوضأ بها؟ فأعاد كلامه السابق فلم تفهم، فأشار إلى عائشة أن تفهمها ما يريد، فأهمتها المراد، وهو أن تأخذ قطعة قطن نظيفة فتضعها في مكان الدم، فإذا خرجت بيضاء كان ذلك علامة طهرها. والحديث في البخاري وغيره.
(1/120)

حفظ القرآن في الصحف والصدور:
يعبر العلماء عن هذا الموضوع بجمع القرآن.
وجمع القرآن يستعمل تارة بمعنى الحفظ ومنه قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَه} 1 ويستعمل تارة بمعنى كتابته كله مفرق الآيات والسور، أو مرتب الآيات فقط، وكل سورة في صحيفة على حدة، أو مرتبس الآيات والسور في صحائف مجتمعة تضم السور جميعا. وقد رتب إحداها بعد الأخرى.
أ- أما جمع القرآن - بمعنى حفظه واستظهاره - فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول الحفاظ له بهذا المعنى، وتيسر لعدد من أصحابه ذلك، هم جماعة القراء، وتدل الأخبار على أن عددهم لم يكن قليلا حيث روى أنه قتل يوم بئر معونة سبعون من حفظة القرآن الكريم2، وأنه اشتهر من بين هؤلاء: عبد الله بن مسعود، وسالم بن معقل "مولى أبي حذيفة" ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد "ابن السكن" وأبو الدرداء، وقد ورد في البخاري ذكر هؤلاء:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "خذوا القرآن من أربعة، من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب".
وعن معاذ قال: "سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله؟ فقال: أربعة كلهم من الأنصار، أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قلت: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي".
وفي رواية أخرى عن أنس، قال: "مات النبي صلى الله عليه وسلم
__________
1 القيامة: 17
2 عن أنس رضي الله عنه أنه قال: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا لحاجة، يقال لهم: القراء، فعرض لهم حيان من بني سليم، رعل وذكوان، عند بئر يقال لها بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون، في حاجة النبي صلى الله عليه وسلم، فقتلوهم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم شهرا في صلاة الغداة، وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت" "رواه البخاري في كتاب المغازي - غزوة الرجيع".
(1/121)

وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد ابن ثابتن وأبو زيد".
وذكر ابن حجر في الإصابة عند ترجمته لسعيد بن عبيد، أنه كان يلقب بالقاريء.
وأورد السيوطي كثيرا من القراء بأسمائهم، فعد من المهاجرين، الخلفاء الأربعة، وطلحة وسعدا، وابن مسعود، وحذيفة، وسالما، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة، ابن عباس وابن عمرو بن العاص، وابن عمر وابن الزبير" وعائشة، وحفصة، وأم سلمة. ومن الأنصار: عبادة ابن الصامت، معاذ "الذي يكنى أبا حليمة"، ومجمع ابن جارية، وفضالة بن عبيد، وسلمة بن مخلد.
وقد اشتهر بإقراء القرآن من الصحابة سبعة: عثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله ابن مسعود، وأبو موسى الأشعري.
وقرأ على هؤلاء بعض الصحابة، وأخذ عنهم خلق كثير من التابعين، وكان الاعتماد آنذاك في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، فالأمة العربية كانت بسجيتها قوية الذاكرة، تستعيض عن أميتها في كتابة أخبارها وأشعارها وأنسابها بسجل صدورها.
والحفظ في الصدور خصيصة شرف امتن الله بها على هذه الأمة.
ب- وأما جمع القرآن بمعنى كتابته وهو المعنى الثاني الذي يراد بالجمع، فإن حديثنا هنا يقتصر على جمع القرآن كتابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسمونه بالجمع الأول.
اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا للوحي، منهم: الخلفاء الأربعة، ومعاوية، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب وخالد بن
(1/122)

الوليد، وثابت بن قيس، تنزل الآية فيأمرهم بكتابتها ويرشدهم إلى موضعها من سورتها، كما كان بعض الصحابة يكتبون ما ينزل من القرآن ابتداء من أنفسهم، دون أن يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، حتى تظاهر الكتابة جمع القرآن في الصدور، فيحفظونه في العسب، واللخاف، والكرانيف، والرقاع، والأقتاب، وقطع الأديم، وعظام الأكتاف، والأضلاع.
أخرج الحاكم عن زيد بن ثابت، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع "والعسب" جمع عسب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون ويكتبون في الطرف العريض، و "اللحاف": جمع لحفة" وهي صفائح الحجارة، و "الكرانيف": جمع كرنفة وهي: أصول السعف الغلاظ، والرقاع" جمع رقعة، وقد تكون من جلد أوورق، والأقناب": جمع قنب، وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه.
وكان جبريل يعارض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن كل سنة من ليالي رمضان، ويعارض الصحابة رسولهم: حفظا وكتابة، ولم تكن هذه الكتابة مجتمعة في مصحف عام، بل عند هذا ما ليس عند ذاك من الآيات والسور، وكان كل ما يكتب يوضع في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينسخ الكتاب لأنفسهم نسخة منه.
وقد نقل العلماء أن نفرا منهم: على بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود قد جمعوا القرآن كله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن زيد بن ثابت كان عرضه متأخرا عن الجميع.
وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن محفوظ في الصدور ومكتوب على الترتيب الذي هو عليه الآن في مصاحفنا، وبتوقيف.
(1/123)

جبريل إياه على ذلك، وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا.
ولم يجمع في مصحف عام حيث كان الوحي ينزل تباعا، فيحفظه القراء، ويكتبه الكتبة، ولم تدع الحاجة إلى تدوينه في مصحف واحد.
(1/124)

إجتهاد الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا على الاجتهاد فيما لم يجد فيه نصا عن الله ورسوله، فعن أناس من أصحاب معاذ عن معاد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن، قال: "كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ " قال: أقضى بما في كتاب الله، قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم-؟ قال: أجتهد رأيي لا آلوا. قال: وضرب عليه الصلاة والسلام صدري، ثم قال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله، إلى ما يرى رسول الله" صلى الله عليه وسلم.
وأصحاب معاذ وإن لم يسموا، فإنهم من أفاضل المسلمين وخيارهم، وشهرتهم بالعلم والدين والفضل، بالمحل الذي لا يخفي، ولا يعرف منهم متهم، وقد جاء ما ينفي الجهالة في رواية عبادة بن أنس عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ وهذا إسناد متصل مثل: "لا وصية لوارث" هو الطهور ماؤه الحل ميتته" "الداية على العاقلة" وإن كانت هذه الأحاديث لم تثبت من جهة الإسناد.
وقد نقل أهل العلم هذا الحديث، واحتجوا به على جواز اجتهاد الصحابة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما لا نص فيه من كتاب أو سنة.
ووردت حوادث تدل على أنهم كانوا يجتهدون في زمن النبي صلى الله عليه
(1/124)

وسلم في كثير من الأحكام ولم يعنفهم منها ما كانت في غيبته ومنها ما كان في حضرته:
1- ما كان في غيبته:
هناك حوادث كثيرة اجتهد الصحابة فيها بغيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم نذكر منها ما يلي:
أ- قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" وذلك في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق حين أدركتهم الصلاة، وقال: لم يرد منا التأخير، وإنما أراد سرعة النهوض والتعجيل بالمسير، فنظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظةن فصلوها ليلا، ونظروا إلى اللفظ.
قال ابن القيم تعليقا على هذا في إعلام الموقعين: وهؤلاء سلف أهلف الظاهر، وأولئك سلف أصحاب المعاني والقياس.
ب- ولما كان على رضي الله عنه باليمين أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام، فقال كل واحد منهم: هو ابني، فجعل على رضي الله عنه يخيرهم واحدا واحدا، أترضى أن يكون الولد لهذا؟ فأبوا، فقال: أنتم شركاء متشاكسون، فأقرع بينهم، فجعل الولد للذي خرجت له القرعة، وجعل عليه للرجلين الآخرين ثلثي الدية، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فضحك حتى بدت نواجذه من قضاء على رضي الله عنه، روى ذلك الخطيب البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه.
وقد اعتبر على في هذا الحكم أنه بالنسبة للقارع بمنزلة الإتلاف للآخرين كما أتل رقيقا بينه وبين شريكين له، فإنه يجب عليه ثلثا القيمة لشريكيه، فإتلاف الولد الحر بحكم القرعة كإتلاف الرقيق الذي بينهم.
(1/125)

جـ- ومسألة الزبية مشهورة عن على كذلك: روى أن قوما من أهل اليمن حفورا زبية للأسد، فاجتمع الناس على رأسها، وتدافعوا حولها، فهوى واحد، فجذب ثانيا، فجذب الثاني الثالثن ثم جذب الثالث رابعا، فقتلهم الأسد، فرفع ذلك إلى على كرم الله وجه فقال: للأول ربع الدية، لأنه هلك فوقه ثلاثة، وللثاني ثلث الدية، لأنه هلك فوقه اثنان، وللثالث نصف الدية، لأنه هلك فوقه واحد، وللرابع كمال الدية، ثم جعل الدية على عاقلة من ازدحموا على رأس الزبية. فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "هو كما قال". رواه أحمد والبزار والبيهقي من حديث حنش بن المعتمر عن علي.
قال الشوكاني في نيل الأوطار: "وقد استدل بهذا القضاء الذي قضى به أمير المؤمنين وقرره رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن دية المتجاذبين في البئر تكون على الصفة المذكورة، فيؤخذ من قوم الجماعة الذين ازدحموا على البئر وتدافعوا ذلك المقدار، ثم يقسم على تلك الصفة، فيعطي الأول من المتردين ربع الدية، ويهدر من دمه ثلاثة أرباع لأنه هلك بفعل المتزاحمين وبفعل نفسه، وهو جذبه لمن بجنبه، فكأن موته وقع بمجموع الازدحام ووقوع الثلاثة الأنفار عليه، ونزل الازدحام منزلة سبب واحد من الأسباب التي كان بها موته، ووقوع الثلاثةي عليه منزلة ثلاثة أسباب، فهدر من ديته ثلاثة أرباع، واستحق الثاني ثلث الدية لأنه هلك بمجموع الجذب المتسبب عن الازدحام ووقوع الاثنين عليه، ونزل الازدحام منزلة سبب واحد، ووقوع الاثنين عليه منزلة سببين، فهدر من دمه الثلثان، لأن وقوع الاثنين عليه كان بسببه، واستحق الثالث نصف الدية لأنه هلك بمجموع الجذب ممن تحته المتسبب عن الازدحام، وبوقوع من فوقه عليه، هو واحد، وسقط نصف ديته، ولزم نصفها، والرابع كان هلاكه.
(1/126)

بمجرد الجذب له فقط فكان مستحقا للدية كلها".
وكانت الدية على عاقلة المتزاحمين دون عاقلة الجاذبين لأن الجاذب لم ييباشر الإهلاك، وإنما كان سببا إليه، أما الحاضرون، فكان تزاحمهم سببا! وهذا التسبب منهم أقوى من تسبب الجاذب، لأن الجاذب ألجيء إلى جذب من يليه.
د- وخرج رجلان من الصحابة في سفر فحضرت، وليس معهما ماء، فيتيمما صعيدا طيبا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء للصلاة، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال للذي لم يعد: "أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك" وقال للذي توضأ وأعاد "لك الأجر مرتين" رواه النسائي وأبو داود وغيرهما، فقد صوب الرسول الله صلى الله عليه وسلم هذين الصحابين في اجتهادهما، وبين ما لك واحد منهما من أجر.
هـ- وعن عمار قال: "أجنبت فلم أصب الماء، فتمعكت في الصعيد وصليت فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إنما يكفيك هكذا" وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه". رواه البخاري ومسلم.
و إقراره صلى الله عليه وسلم من رقي بالفاتحة على أخذ الأجر. روى البخاري عن أبي سعيد الخدري، قال: "انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عندهم بعض الشيء؟ فأتوهم فقالوا: إن سيدنا لدغ، فهل عند أحدكم شيء؟ فقال بعضهم: نعم.
(1/127)

ولكن لا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يقرأ عليه "الحمد لله رب العالمين" فكأنما أنشط "1" من ‘قال، فانطلق يمشي وما به علة، فأوفوهم جعلهم، فقال بعضهم: أقسموا، فقال الذي رقي: لا تفعلوا حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا، فذكروا ذلك له صلى الله عليه وسلم، فقال: وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال: قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهما، وضحك صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ ابن حجر: في رواية: أنهم أعطوهم ثلاثين شاة، وكان عدد الركب ثلاثين رجلا وقوله: "الحمد لله": أي فاتحة الكتاب. وقوله: "وما يدريك" زاد في رواية، فقلت: يا رسول الله: شيء ألقي في روعي. قال الحافظ: وهو ظاهر من أنه لم يكن عنده علم متقدم بمشروعية الرقي بالفاتحة، أي فيكون قد فعل ذلك اجتهادا منه.
2- ما كان في حضرته:
وهناك حوادث أخرى اجتهد الصحابة فيها بحضرته صلى الله عليه وسلم نذكر منها ما يلي:
أ- اجتهد سعد بن معاذ في بني قريظة، وحكم فيهم باجتهاده في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، وصوبة النبي صلى الله عليه وسلم في حكمة، فعن أبي سعيد الخدري أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد ابن معاذ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد، فأتاه على
__________
1 قال ابن الأثير في "النهاية": نشط من عقال: أي حل.... وأنشطت البعير من عقاله: "أطلقته".
(1/128)

حمار، فلما دنا قريبا من المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قوموا إلى سيدكم -أو خيركم-" فقعد عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، ونسبي ذراريهم، فقال: لقد حكمت بما حكم به الملك" وفي لفظ: "قضيت بحكم الله عز وجل". رواه البخاري ومسلم وفي رواية "لقد حكمت اليوم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبمع سموات".
وقد استدل الخطيبس البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه بهذا الحديث على جواز الاجتهاد بالرأي، لاجتهاد سعد بالرأي في بني قريظة، وإقرا النبي صلى الله عليه وسلم له، كما استدل به ابن القيم في إعلام الموقعين.
ب- وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: "جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خصمان يحتكمان، فقال لعمرو، اقض بينهما يا عمرو، فقال: أنت أولى بذلك مني يا رسول الله، قال: وإن كان، قال: فإذا قضيت بينهما فما لي؟ قال: إن أنت فضيت بينهما فأصبت القضاء فلك عشر حسنات، وإن أنت اجتهدت فأخطأت فلك حسنه".
جـ- وفي حديث أم عطية الأنصارية رضي الله عنها الذي يرويه الجماعة، قالت: "دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته، فقال: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن، بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافورا، أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه - يعني إزاره.
(1/129)

فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إن رأيتن" الأمر فيه إلى اجتهادهن ورأيهن في زيادة عدد الغسلات.
د- وروى البخاري ومسلم عن أبي قتادة، قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولةن قال: فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين، فاستدرت إليه حتى آتيته من ورائه، فضربته على حبل عاتقه، وأقبل على فضمني ضمة وجدت فيها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب، فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه، قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال: مثل ذلك، فقال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال ذلك الثالثة. فقمت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك يا أبا قتادة؟ فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي فأرضه من حقه. وقال أبو بكر الصديق: لا ها الله1 إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق، فأعطه إياه، فأعطاني".
قال النووي: "وفي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لأبي بكر الصديق في إفتائه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، واستدلاله لذلك. وتصديق النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. وفيه منقبة ظاهرة.
__________
1 في بعض الروايات: "لا ها الله ذا" بغير ألف في أوله، وهو الي رجحه الخطابي، و "ها". بمعنى الواود التي يقسم بها فكأنه قال: لا والله ذا.. أي: ذا يميني أو ذا قسمي.
(1/130)

لأبي قتادة فإنه سماه أسدا من أسد الله تعالى، يقاتل عن الله وعن رسوله، وصدقه النبي صلى الله عليه وسلم.
ومما تجدر الإشارة إليه أن اجتهاد الرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا العهد، أو إذنه لصحابته في الاجتهاد، أو إقراره لهم على اجتهادهم، كان من باب النظر في التطبيق بالجزئيات ولا يعتبر هذا مصدرا من مصادر التشريع، حيث كان اجتهاده صلى الله عليه وسلم عند الحاجة، وتأخر نزول الوحي، فلا يلبث الوحي أن ينزل فيقره على اجتهاده، أو يبين له وجه الخطأ فيه، فيكون المصدر في المآل هو الوحي.
وكان اجتهاد الصحابة بحضرته إقرارا منه لهم....
وكذلك كان اجتهاد الصحابة عند غيبتهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم حيث لا يتمكنون من الرجوع إليه، فإذا ما رجعوا إما أن يقرهم الرسول على ما رأوا، وإما أن يبين لهم خطأهم، فيرجع التشريع إلى السنة ببيان الرسول لهم.
فهذه الحوادث ونظائرها رجع الحكم فيها إلى الوحي من الكتاب والسنة.
وبذلك يتضح أن الاجتهاد ليس من مصادر التشريع في هذا العصر، ويكون مصدر التشريع في عهد النبوة قاصرا على الكتاب والسنة لا غير.
وإنما كان اجتهاد الصحابة في قضايا جزئية معينة، لا في أحكام عامة، فإن هذا لم يقع من أحد من الصحابة ألبتة في حضوره صلى الله عليه وسلم.
(1/131)

خصائص التشريع في القرآن والسنة:
1- المعروف والمنكر:
تهدف الشريعة الإسلامية إلى تأسيس الحياة الإنسانية على المعروف، وتجنبها للمنكر، وتقوم دعوتها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمعروف، هو: الخير الذي يوافق {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} 1 وعرف في الشرع حسنه.
والمنكر، هو: الذي ينافي هذه الفطرة، وعرف بالشرع قبحه.
ولا تكتفي الشريعة الإسلامية ببيان المعروف وتعداد أنواعه، ولكنها ترسم للإنسانية، منهاج الحياة المتكامل على وجه ينمي فيها المكارم والفضائل، ويبعث فيها روح الخير، ويساعدها على النماء والرقي، ويجب إليها فعل المعروف بكافة صوره.
كما لا تكتفي بالنهي عن المنكر وبيان الرذائل، وإنما توضح مضارها، وتحذر من اقترافها حتى يصير المجتمع المسلم مجتمعاس فاضلا نظيفا.
والمعروف درجات:
فمنه: الواجب الذي ورد بصيغة ملزمة تفرض القيام به، لأهميته في صلاح الفرد وصلاح المجتمع.
ومنه: المندوب الذي ترغب الشريعة فيه لاستكمال الخير وتنميته.
ومنه: المباح، الذي لا يتعلق بتركه محظور، ولا يترتب على فعله أثر ظاهر في التقوى، ولا يقتصر هذا على ما أذن الشرع فيه، بل يتناول ما لا يخالف أمرا من أمور الشريعة، فدائرته أعم وأوسع.
وكذلك الشأن في المنكر، ليس على درجةواحدة.
__________
1- الروم: 30.
(1/132)

فمنه: المحرم الذي يجب اجتنابه، وورد، النهي عنه لما يترتب عليه من شر يفسد الحياة الفردية والحياة الجماعية.
ومنه المكروه الذي يكون دون ذلك، فما يخل بواجب الصلاح، ويحول دون وصول الناس إلى مراتب الرقي في التقرب إلى الله والدرجات العلا في الحياة الآخرة.
وهذه الأنواع هي المعروفة في الاصطلاح بأقسام الحكم التكليفي. ولها أدلتها من الكتاب والسنة.
2- شمول الشريعة:
وهذه الأحكام التكليف في المعروف والمنكر، جاءت شاملة لشعب الحياة كلها، في العقيدة وما يتصل بها من عالم الغيب.
وفي العبادات وكيفيتها وتفصيلها.
وفي المعاملات اللازمة لحياة الجماعة في تبادل المنافع.
وفي حياة الأسرة منذ تكوين نواتها الأولى في بناء الحياة الزوجية، وما يتلو ذلك من عشرة ولد.
وفي شئون الحكم وأسسه وتبعاته، وواجبات كل من الراعي والرعية. وفي القضايا المالية والاقتصادية والإدارية.
وفي حالات الحرب والسلم، والعلاقات بالأمم الأجنبية.
وفي الحياة الخاصة للفرد بالأكل والشرب واللباس والكلام ونحو ذلك.
فما من ناحية من هذه النواحي إلا وتناولتها الشريعة الإسلامية في القرآن والحديث بالنص أو الفحوي، وأوضحت فيها الخير من الشر، والطيب من الخبيث، والصحيح من الفاسد، في صورة كاملة لنظام الحياة في الإسلام الذي يجب أن يقوم على فعل الحسنات وتنميتها، وتجنب السيئات والعمل على استئصالها
(1/133)

3- الشريعة كل لا يقبل التجزئة:
وهذا المنهج التشريعي لفروع الحياة الإنسانية بكافة صورها، يمثل وحدة متكاملة لا تقبل التجزئة، هذه الوحدة هي التي تسمي "إسلاما" فلا يجوز أن يأخذ الناس بعض هذه الشريعة دون بعض، لأن جوانبها المختلفة هي التي تكون بمجموعها "دين الله" والأخذ بجزء دون آخر يخل بهذه الشريعة، ويشوه حقيقتها، والمجتمعات التي تنتسب إلى الإسلام، وتعمل بجانب منه وتترك جوانب أخرى، لا يتحمل الإسلام أوزارها ومفاسدهان فالإسلام: عقيدة وعبادة، وخلق وتشريع ومنهج حياة.
أرأيت شجرة باسقة مورقة مثمرة، يتفيأ الناس ظلالها، ويأكلون من ثمارها ويستروحون عبير أزهارها؟
إنها شجرة مكتملة الخصائص تؤدي نفعها لخير الإنسانية.
فشريعة الإسلام تلك الشجرة، والعقيدة جذورها، والعبادات ساقها، والمعاملات أفنانها، والأخلاق أوراقها، والأخوة والعزة والجنة قطوفها، فإذا أتيت إلى هذه الشجرة وأسقطت ثمارها وأوراقها، ولم يبق إلا جذورها، بل أتيت على هذه الجذور بالتحريف والتأويل، فهل نستطيع بعد ذلك أن نقول: إن هذه هي الشجرة الباسقة المثمرة المورقة؟
4- نصوص الشريعة الإسلامية وكفايتها بحاجة البشرية:
ونصوص الشريعة الإسلامية في الكتاب والسنة، منها القطعي، ومنها المحتمل:
أ- أما القطعي: فهو الأحكام الصريحة القطعية الواردة في القرآن والسنة الصحيحة. وهذه الأحكام بينت أصول الحلال والحرام، وتناولت القواعد العامة التي تبني عليها الحياة الإنسانية في الإسلامن وهي تقرر الأمور الثابتة في الشريعة التي لا يختلف حكمها باختلاف الزمان والمكان.
(1/134)

ب- وأما المحتمل، فهو عامة ما ورد في الكتاب والسنة: أمرا ونهيا وإرشادا، مما يحتمل معناه أكثر من وجه.
وهذا الجانب في الشريعة الإسلامية هو مجال الاجتهاد الذي تتفاوت فيه الأفهام، وكان التربة الخصبة للأئمة المجتهدين.
وإذا أضفنا إليه القواعد الكلية والمباديء العامة في الشريعة الإسلامية، أدركنا مدى نمو هذه الشريعة وتلبيتها لحاجة المجتمع وتطوراته، وحلها لمشكلاته ومعضلاته، وصلاحها لقيام مدنية فاضلة مؤمنة بكل عصر ومصر.
(1/135)

جملة الأحكام التي جاء بها القرآن والسنة:
يمكن إجمال الأحكام الواردة بالقرآن والسنة في الأبواب الآتية:
1- الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخرن والقدر خيره وشره، وما يتبع ذلك من الإيمان بالغيب والبعث والحشر والحساب والجزاء، والجنة والنار، ويسمى هذا بالعقائد.
2- الأحكام المتعلقة بصلة العبد بربه في عبادته لله وحده، وتشمل: الصلاة والزكاة، والصومن والحج، وما يتعلق بها من شروط وأركان وواجبات، ومندوبات وتسمى العبادات.
3- الأحكام المتعلقة بنظام الأسرة، وحياة البيت، وتتناول: النكاح، والصداق، والخلع، والطلاق، وحقوق الحياة الزوجية، والرضاع، والنفقات، والمواريث، ولواحق هذا كله، ويسميها الناس اليوم: الأحوال الشخصية.
4- الأحكام المتعلقة بتعامل الناس بعضهم مع بعض، ومعاوضاتهم المالية، كالبيع، والربا، والسلم، والقرض، والرهن، والكفالة، والوكالة،
(1/135)

والشركة، والمزرعة، والإجارة، والغصب، والشفعة، ومباديء الإسلام في النظام الاقتصادي، وإحياء الموات وتسمى"المعاملات".
5- الأحكام المتعلقة بنظام الحكم وسياسة الوالي مع الرعية، وحقوق كل وواجباته، كالإمامة والوزارة، والولاية، والقضاء، ونحو ذلك، وتسمى "الأحكام السلطانية" أو "السياسة الشرعية".
6- الأحكام المتعلقة بمؤاخذة المجرمين، وتتناول: القصاص، والديات، والحدود، والتعزيرات، وتسمى "العقوبات".
7- الأحكام المتعلقة بصلة الدولة الإسلامية بغيرها في: السلم، والحرب، والأمان، والهدنة، والقتال، والغنائم، وهي المعروفة في الإسلام بباب "الجهاد والسير" وتسمى في اصطلاح القانون: الحقوق الدولية.
8 - الأحكام المتعلقة بالطعام والشراب واللباس، وما أحل الإسلام من ذلك وما نهى عنه، والأصل في ذلك أنه من المباحثات.
9- الآداب الاجتماعية والفضائل الأخلاقية، كآداب المناجاة، وآداب المجلس، والزيارة، والسلام، والاستئذان، والأكل، والشرب، والحث على مكارم الأخلاق، كالتواضع، والحلمن والصبر، والصدق، والحياء، والتعاون، والأمانة، وحقوق الجار، وإكرام الضيف، وتراحم المسلمين، والنهي عن الرذائل. وهذا يسمى "الأخلاق".
(1/136)

أهم ما أبطله القرآن والسنة في أحكام الجاهلية
...
أهم ما أبطله القرآن والسنة من أحكام الجاهلية:
جاء التشريع الإسلامي، وللعرب عقائد ومعاملات، وعرف وعادات، فما كان منها صالحا أقره وهذبه، كالقسامة، والديات، وبعض المكرمات، وما كان منها ضارا مفسدا نهى عنه وحرمه وأبطله، ومن أهم ما أبطله ما يأتي:
1- العقائد الوثنية، ومظاهر الشركن بما في ذلك إسنادهم الإهلاك إلى الدهر، وكفرهم بآيات الله ولقائه، والبعث بعد الموت، واعتقادهم أن الملائكة بنات الله، وتخصيص أنعام وحرث لآلهتهم، وما زعموه في البحيرة والسائبة، والوصيلة والحامي.
2- الأعمال القبيحة، كقتل الأولاد خشية الإملاق، ووأد البنات مخافة العار.
3- أنكحة الجاهلية: كان يجتمع الرهط دون العشرة، فيدخلون على المرأة فيصيبونها، فإذا حملت ووضعت ترسل إليهم فلا يستطيع واحد منهم أن يمتنع، فإذا اجتمعوا عندها تقول لهم: قد غرفتم الذي كان من أمركم، فهو ابنك يا فلان، تسمى من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع عنه الرجل.
وكان الرجل يقول لامرأته إذا ظهرت من طمثها: أرسلي غلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا، حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.
وإذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإنا شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجها، فهم أحق بها من أهلها.
4- نظام التبني: الذي ظل فترة في صدر الإسلام حتى نزل قوله تعالى:
{وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} 1.
5- الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وإن كانت الخمر قد حرمت بالتدريج.
6- تعالى بعض القبائل على بعض في القصاص والديات، فيجعلون جراحاتهم
__________
1 الأحزاب: 4، 5.
(1/137)

ودياتهم ضعف جراحات الخصوم ودياتهم، وربما زادوا على ذلك وأعنتوا، فطلبوا العدد بالواحد، أو طلبوا غير القاتل أو قتلوا الحر بالعبد، إلى أن نزلت آية القصاص.
7- وكان الظهار طلاقا، حتى ظاهر أوس بن الصامت من امرأته خولة بنت ثعلبة فذهبت تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظلت تراجعه حتى أنزل الله سبحانه وتعالى صدر سورة المجادلة.
8- وكان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، فوقت الله لهم أربعة أشهر، فإن نكحها كفر عن يمينه، وإن مضت قبل أن ينكحها خيره. السلطان: إما أن يفيء، وإما أن يعزم فيطلق.
9- وكانت قريش ومن دان بدينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون "الحمس" وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه أن يأتي عرفات، ثم يقف بها، ثم يفيض منها، وذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} 1.
10- وكانوا يستحلون الربا أضعافا مضاعفة، يكون لأحدهم دين على الآخر، فإذا حل الأجل قال له: أتقضي أم تربي، فإن لم يقض زاده هذا في المال، وزاده هذا في الأجل حتى نزل تحريم الربا2.
__________
1 البقرة: 199.
2 وردت هذه القضايا كلها في أحاديث، وهذا على سبيل التمثيل وليس على سبيل الاستقصاء.
(1/138)

تاريخ تشريع بعض الأحكام:
سبق أن أشرنا إلى أن التشريع المكي جاء بالأصول والقواعد التي بني عليها التشريع المدني، وأن المدني جاء بتفصيل الأحكام المبنية على المكي - وإليك تاريخ تشريع بعض هذه الأحكام:
أولا - في العبادات:
{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} 1 ثم قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} 2 فذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة كله كانت مفروضة، ثم نزل التخفيف بعد ستة عشر شهرا، بما جاء في آخر السورة {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ....} بفرض قيام بعض الليل.
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم: أن فرض قيام الليل كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وأنه صلى الله عليه وسلم مكث على هذه الحال عشر سنين، يقوم الليل كما أمره الله، وكان طائفة من أصحابه يقومون معه، فأنزل الله تعالى عليه بعد عشر سنين، {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} إلى قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاة} فخفف الله عنهم بعد عشر سنين، ثم نسخ ذلك بما فرضه الله ليلة الإسراء والمعراج من الصلوات الخمس.
__________
1 المزمل: 1- 6.
2 المزمل: 20.
(1/139)

وقيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في أول البعثة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وعلى هاتين الصلاتين تحمل الآيات المكية التي ورد فيها ذكر الصلاة، كآية {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُون} 1.
وقد اتفق العلماء على أن فرض الصلوات الخمس كان ليلة الإسراء والمعراج قبل الهجرة بسنة، وأنها كانت خمسين، ثم خففت وصارت خمسا، كما روى في حديث الإسراء والمعراج.
وصح عن عائشة رضي الله عنها: أن الصلوات الخمس فرضت ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر.
2- أما أوقات الصلوات الخمس فقد جاءت مجملة في قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} 2 وجاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم. ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين بقرق الفجر وحرم الطعام على الصائم. وصلى في المرة الثانية الظهر حين صار ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب لوقت الأولى، ثم صلى العشاء الأخيرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إلى جبريل وقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين " [رواه أبو داوود وابن ماجه والترمذي وقال: هذا حديث حسن، وأصله في الصحيحين] .
__________
1 المؤمنون: 1، 2.
2 الروم: 17، 18.
(1/140)

3- وأصل مشروعية الطهارة كان بمكة وفي سورة المدثر - وهي أول سورة نزلت بعد "أقرأ" {وَثِيَابَكَ فَطَهِّر} 1 والتطهير لفظ عام يتناول الطهارة الحسية والطهارة المعنوية كما ذكر المفسرون، وهذا أصل في طهارة الثوب والبدن والمكان، وفي القرآن الكريم المكي {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} 2 وثبت عند أهل السير قصة إسلام عمر، وأن أخته منعته من مس الصحيفة حتى اغتسل، وهذا أصل في الغسل لموجبه، وجماع هذه النصوص يدل على وجوب إزالة النجاسة.
أما الوضوء فكان قريبا لفرض الصلاة، إذ لا يتأتي صلاة بدون وضوء. فيكون فرض الوضوء قبل الهجرة عقب فرض الصلاة وذهب ابن حزم أن الوضوء لم يشرع إلا بالمدينة محتجا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ... } 3 فإنه الآية مدنية لذكر التيمم فيها.
وذهب بعضهم إلى أن الوضوء قبل الهجرة كان مندوبا ثم فرض بالمدينة، وبهذا بمكن الجمع بين الرأيين.
4- وفرضت صلاة الجمعة قبل الهجرة، فإنه بعد أن كانت بيعة العقبة وبايع القوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث معهم مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمى المقريء بالمدينة. وكان نزوله على أسعد بن زرارة كان يصلي بهم. واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجمعة فأذن له. فأقامها في المدينة قبل الهجرة، وأخرج الطبراني أن أول من جمع بالمدينة مصعب بن عمير.
__________
1 المدثر: 4.
2 الواقعة: 79.
3 المائدة: 6
(1/141)

وأخرج أبو داود وابن ماجه وابن حبان والبيهقي أن أول من جمع بهم أسعد بن زرارة.
وجمع الحافظ ابن حجر الروايتين بأن أسعد كان أميرا ومصعبا كان إماما.
أما آية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} 1فهي مدنية، وقد نزلت بعد فرضية الجمعة لتأكيد ما أثبتته السنة بالقرآن، والتنصيص على ترك البيع وقتها.
قال ابن كثير في تفسيره، وإنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع، فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار، وفيه كمل جميع الخلائق، فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض، وفيه خلق آدم. وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها. وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه، كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة، وثبت أن الأمم قبلنا أمروا به فضلوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق آدم، واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتدئ فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة يوم الجمعة الذي ابتدئء الخليقة، كما أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم إن هذا يومهم الذي فرض الله عليه فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد".
وعلى هذا فتسمية يوم الجمعة إسلامية، وقيل سماه بها كعب بن لؤي في الجاهلية.
5- ومشروعية الخطبة كانت في السنة الأولى من الهجرة، كما روى ابن إسحاق، وأورد أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قام فيهم
__________
1 الجمعة: 9
(1/142)

فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: "أما بعد: أيها الناس قدموا لأنفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم ثم ليدعن غنمه ليس راع، ثم ليقولن له ربه وليس ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه.... " قال إبن إسحاق: ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس مرة أخرى، فقال: "إن الحمد لله، أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له....".
وقيل: كان هذا في في المسجد النبوي لأول بنائه، وقيل بقباء، ومن ذلك الحين شرعت الخطب في الإسلام.
6- كما شرع الأذان في السنة الأولى من الهجرة، وهو اللفظ المعلوم المشروع في أوقات الصلوات للإعلام بوقتها، فإنهم كانوا يتحينون وقت الصلاة فيجتمعون لها، فلما كثروا شاورا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فيما يتخذ للإعلام بدخول الوقت، فأشار بعضهم باتخاذ الناقوس كالنصارى، وبعضهم بالبوق كاليهود، وبعضهم بإيقاد النار، فرأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الخزرجي رؤياه التي قصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا رؤيا حق، فأمر بلالا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. ورأي عمر مثل رؤيا عبد الله كذلك.
والأصل في مشروعية الأذان ما رواه ابن إسحاق بسنده، عن عبد الله بن زيد، وأخرجه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح: قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به الجمع الناس للصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله. .. أتبيع الناقوس؟ فقال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلين فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي
(1/143)

على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. قال: ثم استأخر عني غير بعدي، ثم قال: تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت، فقال: إنها رؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى صوتا منك: فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه، ويؤذن به، فسمع ذلك عمر بن الخطاب منك فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه، ويؤذن به، فسمع ذلك عمر بن الخطابس رضي الله عنه - وهو في بيته فخرج يجر رداءه، فقال: يا رسول الله.... والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلله الحمد".
7- وشرعت صلاة العيدين في السنة الثانية من الهجرة، حيث قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كما روى أبوداد والنسائي ولهم يومان يلعبون فيهما. فقال: "أبد لكم الله تعالى بهما خيرا منهما: يوم الفطر ويوم الأضحى" وتبع ذلك مشروعية الأضحية، وفيما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث جابر قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيد الأضحى، فلما انصرف أتي بكبش فذبحه فقال: "بسم الله والله أكبر. اللهم إن هذا عني وعن من لم يضح من أمتي" وروى أحمد عن أبي رافع: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين سيمنين أقرنين أملحين. فإذا صلى وخطب الناس أتى بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدينة، ثم يقول: اللهم هذا عن أمتى جميعا، من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتي بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: هذا عن محمد وآل محمد، فيطعمهما جميعا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس لرجل من بني هاشم يضحى، قد كفاه الله المؤنة برسول الله صلى الله عليه وسلم والغرم".
8- وفي السنة الثانية الهجرة كان تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وكان يكثري النظر إلى السماء ينتظر أمر الله، فأنزل الله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي
(1/144)

السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} 1 وكانت أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر، وقد ارتاب من ذلك اليهود وأهل النفاق وقالوا: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} ؟ فأنزل الله {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِب} 2. وأنزل {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه} 3.
9- وكانت بداية مشروعية الصيام عقب الهجرة حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسم المدينة فصام يوم عاشوراء قبل أن يفرض صيام رضمان فقد أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدين’ فرأي اليهود تصوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، نجي الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه، وقال: "أنا أحق بموسى منكم" فصامسه وأمر بصيامه.
وفي رواية فقال لهم: "ما هذا اليوم الذي تصومون؟ " قالوا: هذا يوم عظيم أنجي الله فيه موسى وقومه، وغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فنحن أحق وأولى بموسى منكم" فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه.
ثم فرض صيام شهر رمضان في العام الثاني من الهجرة وأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} 4.
__________
1 البقرة: 144.
2 البقرة: 142.
3 البقرة: 115.
4 البقرة: 183- 185.
(1/145)

فلما فرض رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه" أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر.
10- وشرعت زكاة الفطر على الأبدان في السنة الثانية من الهجرة قبل أن تفرض زكاة الأموال. لما رواه النسائي عن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله".
واختلفوا في حكمها:
فذهب الجمهور إلى أنها فرض لحديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين".
وقال الحنفية بالوجوب دون الفرضية بناء على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب، إذ لا يوجد دليل قاطع تثبت به الفرضية.
وقال أشهب من المالكية، وابن اللبان من الشافعية، وأهل الظاهر: إنها سنة مؤكدة.
11- واختلفوا في الوقت الذي فرضت فيه زكاة الأموال:
فذهب أكثر العلماء إلى أن ذلك كان بعد الهجرة.
وقال ابن خزيمة: إنها فرضت قبل الهجرة.
واختلف الأولون:
فقال النووي: إن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة، وعليه أكثر العلماء.
وقال ابن الأثير: إنها فرضت في التاسعة، قال ابن حجر في الفتح: وفيه نظر، لأنها ذكرت في حديث ضمام بن ثعلبة المتفق عليه، وقدوم ضمام كان سنة خمس، وفي عدة أحاديث، وكذا في مخاطبة أبي سفيان مع هرقل، وكانت في أول السابعة، وقال فيها: يأمرنا بالزكاة.
(1/146)

ولعل مراد ابن الأثير من أنها في التاسعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العمال لقبضها في هذه السنة، فهو الذي تأخر إلى التاسعة.
وحديث ضمام بن ثعلبة في البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: "نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد ... أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدقن قال: من خلق السماء؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا الزكاة في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسك الله أمرك بهذا؟ قال نعم: قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك الله آمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: صدق: قال: ثم ولى، قال: والذي بعثك بالحق لا أريد عليهن ولا أنقص منهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لئن صدق ليدخلن الجنة" وهذا اللفظ لمسلم.... والرجل الذي جاء من أهل البادية اسمه ضمام بن ثعلبة كما جاء مسمى في رواية البخاري وغيره، ففي رواية البخاري: "فقال الرجل: آمنت بما جئت به" وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر".
12- واختلفوا في قصر الصلاة في السفر:
فذهب جماعة إلى أن قصر الصلاة هو الأصل، ثم زيد في صلاة الحضر، فصارت أربعا عدا صلاة الفجر لطول القراءة فيها، والمغرب لكونها وترا للنهار، وأقرت صلاة السفر على ما كانت عليه، وفي حديث عائشة المتفق عليه بألفاظ منها: "فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر".
(1/147)

وذهب آخرون إلى أن قصر الصلاة في السفر وصلاة الخوف شرعا معا في السنة الرابعة في غزوة ذات الرقاع، وقد نزل قول الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} 1.
وذهب أكثر أهل السير إلى أن غزوة ذات الرقاع "2" كانت بعد بني النضير وقيل خيبر، وقبل الخندق سنة أربع. وذكر بعضهم أنها كانت بعد بني قريطة والخندق سنة خمس.
13- وشرع التيمم في السنة الرابعة من الهجرة لفاقد الماء حقيقة أو حكما بدلا عن الغسل والوضوء، وذلك في غزوة المريسيع، حيث فقدت عائشة رضي الله عنها عقدها، أخرج البخاري وغيره عن عائشة قالت: "خرجنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقدي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر. وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعنى من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا. فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر؟ قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته".
__________
1 النساء: 101.
2 ذات الرقاع: قال النووي: هي غزوة معروة كانت سنة خمس من الهجرة بأرض غطفان من نجد، سمت ذات الرقاع لأن أقدام المسلمين نقبت من الحفاء فلفوا عليها الحزق، وقيل غير ذلك.
(1/148)

والمراد بآية التيمم الآية التي في سورة النساء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} 1 أما آية المائدة فإنها متأخرة النزول، لأن المائدة من أواخر ما نزل.
14- وكانت العمرة، كما كان الحج، مشروعين منذ شرعة إبراهيم عليه السلام، وأول عمرة اعتمرها برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة كانت عمرة الحديبية سنة ست، حيث صده المشركون عن البيت، فنحر البدن، وحلق هو وأصحابه رؤوسهم، وحلوا من إحرامهم، ورجع من عامه إلى المدينة.
ثم كانت عمرة القضية في العام المقبل سنة سبع، فدخل مكة وأقام بها ثلاثا، ثم خرج بعد إكمال عمرته.
واختلف، هل كانت قضاء للعمرة التي صد عنها في العام الماضي أو عمرة مستأنفة؟ على قولين للعلماء: أحدهما أنها قضاء، والثاني أنها ليست بقضاء.
احتج الأولون بأنها سميت عمرة القضاء، وهذا الاسم تابع للحكم.
واحتج الآخرون بأنها المقاضاة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضي أهل مكة عليها، وليست من قضي يقضي قضاء، والذين صدا عن البيت كانوا ألفا وأربعمائة، وهؤلاء كلهم لم يكونوا معه في عمرة القضية، ولو كانت قضاء لم يتخلف منهم أحد، ولم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه بالقضاء. ثم كانت عمرته الثالثة من الجعرانة سنة ثمان لما خرج إلى حنين، ثم رجع إلى مكة، فإنه اعتمر من الجعرانة داخلا إليها.
__________
1 النساء: 43.
(1/149)

ثم كانت عمرته صلى الله عليه وسلم الرابعة التي قرنها مع حجته، فإنه كان قارنا في أصح الأقوال، وذلك سنة عشر.
واختلفوا في مشروعية الحج في الإسلام:
فقيل: شرع في السنة السادسة عام الحديبية حين نزلت الآية: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه} 1 ولقد نزلت بالحديبية سنة ست.
وأجيب عن ذلك بأن الآية ليس فيها ابتداء فرض الحجن وإنما فيها الأمر بإتمامه إذا شرع فيه، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء.
وقيل: شرع الحج في السنة الرابعة، لأن قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} 2 نزل عام الوفود، وهو العام الرابع من الهجرة، وقد نزل صدر سورة آل عمران في وفد نجران.
وقيل: شرع الحج في أواخر سنة تسع، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الحج، وأمره أن يؤذن في الناس: ألا لا يحج بعد العام مشرك. ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه، بعلي رضي الله عنه، وأمره أن يؤذن بصدر سورة براءة، لينبذ إلى كل ذي عهد عهده، وكان ذلك توطئة لحج رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة حتى لا يقترن حجة بشائبة من شوائب الشرك.
وقيل: شرع الحج في السنة العاشرة فبادر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج، وما كان له أن يؤخر الحج بعد فرضه.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: اختلفوا في وقت ابتداء فرضه: فقيل: قبل الهجرة، وهو شاذ، وقيل بعدها، ثم اختلف في سنته، فالجمهور على أنها سنة ست، لأنها نزل فيها قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه} وهذا ينبني على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض، ويؤيده قراءه علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي
__________
1 البقرة: 196.
2 آل عمران: 97.
(1/150)

بلفظ: "وأقيموا" أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم، وقيل: المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع، وهذا يقتضي تقدم فرضه قبل ذلك. وقد وقع في قصة ضمام ذكر الأمر بالحج، وكان قدومه على ما ذكر الواقدي سنة خمس، وهذا يدل إن ثبت - على تقدمه على سنة خمس أو وقوعه فيها".
ورجع ابن القيم في زاد المعاد أن يكون فرض الحج سنة تسع أو عشر.
أما أحكام المحصر فقد كانت في السنة السادسة عام الحديبية حين حال المشركون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والوصول إلى البيت، وفي ذلك نزل قوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} 1.
كما كانت حرم مكة في السنة الثامنة عند الفتح:
أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" وقال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها. ولا يختلي خلاه" فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: "إلا الإذخر".
15- وشرع وجوب ستر العورة في السنة التاسعة، فقد روى مسلم وغيره عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة وتقول: من يعيرني تطوافا؟ تجعله على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله.
فنزلت هذه الآية: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد} 2.
__________
1 البقرة: 196.
2 الأعراف: 31.
(1/151)

وصح أن العرب كانت تطوف بالبيت عراة إلا الحمس1 والحمس قريش وما ولدت، وكان سائر العرب يطوفون بالبيت عراة لاعتقادهم أن ثيابهم مدنسة، وأن ثياب قريش طاهرة، فإذا لم يعطهم الحمس ثيابا طافوا عراة، حتى نزلت الآية: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا يطوف بالبيت عريان" كما منع المشركون من دخول مكة بنزول سورة براءة.
16- وشرعت صلاة الكسوف في السنة العاشرة يوم مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن المغيرة بن شعبة قال: انكسفت الشمش على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم، فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فادعو الله وصلوا، حتى ينكشف" [متفق عليه] .
وفي رواية بلفظ: "إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته. ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصلاة" ثم صلى بهم جماعة صلاة الكسوف على الكيفية المذكورة في كتب السنة، وإنما قالوا: إنها كسفت لموت إبراهيم لأنها كسفت في غير يوم كسوفها المعتاد، فإن كسوفها كما قال أبو داوود كان في اليوم العاشر أو الرابع من شهر ربيع الأول، والمعتاد أن يكون كسوفها في الرابع عشر، فلذا قالوا: إنما هو لأجل هذا الخطب العظيم، فرد عليهم صلى الله عليه وسلم ذلك. وأخبرهم أن كسو الشمس وخسوف القمر علامتان من العلامات الدالة على وحدانية الله تعالى وقدرته، وعلى تخويف عباده من بأسه وسطوته: قال تعالى {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} 2.
__________
1 الحمس: جمع أحمس، سموا حمسا لأنهم تشددوا في دينهم، والحماسة، الشجاعة.
2- الإسراء: 59.
(1/152)

وقوله: "لحياته" مع أنهم لم يدعوا ذلك لبيان أنه لا فرق بين الأمرين، فكما أنهم لا يقولون بكسوفهما لحياة أحد كذلك لا يكسفان لموته.
ثانيا- في المعاملات:
1- كان تحريم التطفيف في الكيل والوزن من أول ما نزل في المعاملات بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة: أخرج النسائي وابن ماجه عن طريق على بن الحسين بن واقد متصلا عن ابن عباس قال: "لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلا أنزل الله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِين} 1 فحسنوا الكيل بعد ذلك" والتطفيف: البخس في المكيال والميزان إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما بالنقصان إن قضاهم، وبهذا فسره الحق تبارك وتعالى: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} 2.
2- وشرع للحاكم العادل في السنة الرابعة من الهجرة أن يقطع بعض الأفراد من الأرض الميتة والمعادن والمياه ما دامت هناك مصلحة، أما أن يقطعهم محاباة لهم بغير حق ولا مصلحة - كما يفعل بعض الحكام اليوم - فإنه جور لا يجوز.
وقد دلت الآثار على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع أقواما، وأن الخلفاء من بعده أقطعوا، ورأي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاح فيما فعل من ذلك، إذ كان فيه تأليف على الإسلام، وعمارة للأرض، وكذلك الخلفاء إنما أقطعوا من رأوا أن له غناء في الإسلام، ونكاية للعدو، ورأوا أن الأفضل ما فعلوا.
أخرج أبو داود عن ابن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير حضر فرسه، فأجرى فرسه حتى قام، ثم رمى بسوطه فقال: أعطوه من حيث بلغ السوط"3.
__________
1 المطفقين: 1.
2 المطففين: 2، 3.
3 الحضر: بضم الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة فراء: العدو. وحضر فرسه: أي قدر ما تعدو عدوة واحدة "حتى قام" أي وقف فرسه ولم يقدر أن يمشي.
(1/153)

وفي البخاري عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه الرسول صلى الله عليه وسلم على رأسي، وهو مني على ثلثي فرسخ".
قال في سبل السلام: وأخرجه أحمد من حديث أسماء بنت أبي بكر وفيه أن الإقطاع كان من أموال بني النضير.
وإنما يقطع الحاكم من أجل المصلحة، فإذا لم تتحقق بأن لم يعمرها من أقطع له ولم يستثمرها فإنها تنزع منه إن تركها ثلاث سنين كما جاءت بذلك الآثار.
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع لأناس من مزينة أو جهينة - أرضا فلم يعمروها فجاء قوم فعمروها، فخاصمهم الجهينون - أو المزينون - إلى عمر بن الخطاب فقال: لو كانت مني أو من أبي بكر لرددتها، ولكنها قطيعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنين فلم يعمرها فعمرها قوم آخرون فهم أحق بها".
3- وكانت مشروعية الوقف في السنة السابعة من الهجرة بعد أن قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة خيبر، واصاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه سهما منها، فاستشار عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سهمه، فأشار عليه بحبسه في سبيل الله.
أخرج ابن أبي شيبة" أن أول حبس في الإسلام صدقة عمر".
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "أصاب عمر أرضا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله ... إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه، فقال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها". فتصدق بها عمر، وأنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب، فتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول مالا" [متفق عليه] .
(1/154)

4- وشرعت المساقاة والمزارعة في السنة السابعة حين عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود خيبر.
عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" [متفق عليه] وفي رواية لهما: فسألوه أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نقركم بها على ذلك ما شئنا" فقروا بها حتى أجلاهم عمر رضي الله عنه ولمسلم: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم ولهم شطر ثمنها".
والجمهور على جواز المساقاة والمزارعة خلافا للحنفية، ووافقهم أبو يوسف ومحمد ابن الحسن: قال ابن القيم في زاد المعاد: في قصة خيبر دليل على حواز المساقاة والمزارعة بجزء من الغلة من ثمر أو زرع، فإنه صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر على ذلك. واستمر على ذلك إلى حين وفاته ولم ينسخ البتة، واستمر عمل خلفائه الراشدين عليه، وليس هذا من باب المؤاجرة في شيء، بل من باب المشاركة، وهو نظير المضاربة سواء، فمن أباح المضاربة وحرم ذلك فقد فرق بين متماثلين، فإنه صلى الله عليه وسلم دفع إليهم الأرض على أن يعتملوها من أموالهم، ولم يدفع إليهم البذر، ولا كان يحمل إليهم البذر من المدينة قطعا، فدل هذا على أن هديه عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض وأنه يجوز أن يكون من العامل، وهذا كان هديه صلى الله عليه وسلم وهدى الخلفاء الراشدين من بعده، وكما أنه هو المنقول فهو الموافق للقياس، فإن الأرض بمنزلة المال في المضاربة، والبذر يجري مجرى سقي الماء، ولهذا يموت في الأرض ولا يرجع إلى صاحبه، ولو كان بمنزلة رأس المال في المضاربة لا شتراط عوده إلى صاحبه، وهذا يفسد المزارعة، فعلم أن القياس الصحيح هو الموافق لهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين".
5- وكان تحريم بيع الخمر والميتةوالخنزير والأصنام في السنة الثامنة من الهجرة حيث فتحت مكة.
(1/155)

روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام"، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلي بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا، هو حرام"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "قاتل الله اليهود، إن الله عز وجل لما حرم عليهم شحومها أجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه".
6- وشرعت أكثر أحكام العقود والمعاملات في السنة العاشرة من الهجرة، فنزلت سورة المائدة -وهي من أواخر ما نزل- وجاء في صدرها الأمر بالوفاء بالعقود {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} 1 وقد نزل قبل ذلك النهي عن أكل أموال الناس بالباطل في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} 2 وقوله: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 3.
وشرع تحريم الربا بعد غزوة خيبر التي كانت في المحرم سنة سبع، ثم نزل في القرآن الكريم تحريم الربا المضاعف، ثم نزل حل البيع وتحريم الربا القليل منه والكثير في سورة البقرة. ولما كانت حجة الوداع وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ربا الجاهلية تحت قدميه. وأكد حرمة الدماء والأموال والأعراض.
روى مسلم في صحيحه عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت فضالة ابن عبيد الأنصاري يقول: "أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب وزنا بوزن".
__________
1 المائدة: 1
2 النساء: 29.
3 البقرة: 188.
(1/156)

وروى مسلم كذلك عن فضالة بن عبيد قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر نبايع اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن". ونزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} 1.
ثم نزلت الآيات الأخيرة من سورة البقرة: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} 2 ثم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ،} 3.
وفي حجة الوداع خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بعرفة كما جاء في رواية أبي داود وغيره فقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم إياس ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله".
ثالثا - في شئون الأسرة "الأحوال الشخصية":
1- نزل القرآن المكي بحفظ الفروج، وأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكحة الجاهلية، ورغب الإسلام في الزواج، ونهى عن التبتل، وفي أوائل العهد المدني شرعت أحكام النكاح، وجاء كثير منها في سورة النساء: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا، وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} 4.
__________
1 آل عمران: 130، 131.
2 البقرة: 275.
3 البقرة: 278.
4 النساء: 3، 4.
(1/157)

2- وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة. فكانوا يتوارثون بذلك إرثا مقدما على القرابة، يرث المهاجري الأنصاري، والأنصاري المهاجري، ونزل في السنة الثانية من الهجرة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} 1 فكانت ولاية نصرة وإرث. ثم نزل قوله تعالى: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} 2 فكان الإرث بين ذوي الأرحام.
وفي السنة الثالثة بعد غزوة أحد نزلت آيات الفرائض.
روى أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم عن جابر قال: "جاءت امرأة سعد بن الربيع الأنصاري فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد، وإن عمهما أخذ مالهما، قال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث، فأرسل إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، فما بقي فهو لك".
وآية الميراث هي قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} ... إلى قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيم} 3.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس: "كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} 4.
نسخت، ثم قال: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُم} 4 من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له".
__________
1 الأنفال: 72.
2 الأطفال: 75.
3 النساء: 11، 12.
4 النساء: 33.
(1/158)

وقوله: "موالي" أي أولياء ورثة، وقوله: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُم} المراد مولى اليمين وهو الحليف.
وروى البخاري عن ابن عباس كذلك: "كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للوالدين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع".
والمراد يقول ابن عباس: "كان المال للولد" ما كان عليه العرب في الجاهلية، فإنهم كانوا لا يورثون البنات، فأنزل الله تعالى قوله: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} 1.
3- وشرع الله الطلاق والرجع والخلع والعدة في السنة الثالثة من الهجرة، حيث نزلت سورة الطلاق، وأيات الطلاق والعدة في سورة البقرة، وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة عن أنس قال: "طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ} 2 فيل له: راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة".
ورواه ابن جرير عن قتادة مرسلا.
وأخرج أبو داوود والنسائي وابن ماجه وأحد "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة ثم راجعها" وليس فيه أن ذلك كان سبب نزول أول الطلاق.
وعن ابن عمر رضي الله الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" [متفق عليه] .
__________
1 النساء: 7.
2 الطلاق: 1.
(1/159)

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله، ثابت بن قيس، ما أعيب عليه في خلق ولادين، ولكني أكره الكفر في الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقبل الحديقة، وطلقها تطليقة" [رواه البخاري] .
4- وشرع الاستئذان والحجاب باديء ذي بدء في السنة الخامسة بآية الحجاب الخاصة بزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة الأحزاب، وهي مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما ثبت ذلك في الصحيحين.
عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "وافقت ربي عز وجل في ثلاث: قلت: يا رسول الله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى} 1 وقلت: يا رسول الله.... إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرت نساءك أن يحتجبن، فأنزل الله آية الحجاب. وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم لما تمالأن عليه في الغيرة {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} 2 فنزلت كذلك.
وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ... يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب".
والمراد بآية الحجاب قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} 3.
قال ابن كثير: وكانت وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله صلى الله عليه
__________
1 البقرة: 125.
2 التحريم: 5.
3 الأحزاب: 53.
(1/160)

وسلم بزينب بنت جحش، التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي العقدة من السنة الخامسة في قول قتادة والواقدي وغيرهما.
روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأي ذلك قام، فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا، فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا} 1 الآية
ورواه مسلم والنسائي من طرق آخرآ
ثم نزل في السنة نفسها آيات الاستئذان والحجاب التي في سورة النور:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ... } إلى قوله تعالى: { ... وَمَا تَكْتُمُون} 2
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ... } 3 الآيتان.
{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ... } 4.
{وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} 5.
5- وشرع الإيلاء في السنة الخامسة من الهجرة كذلك حيث نزل قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ
__________
1 الأحزاب: 53.
2 النور: 27، 29.
3 النور: 58، 59.
4 النور: 30، 31.
5 النور: 60.
(1/161)

غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} 1 فأبطل الله بهذا ما كان عليه أهل الجاهلية من إطالة مدة الإيلاء، إذا كان الرجل في الجاهلية يولي من امرأته سنة وسنتين، وأنظر المولى أربعة أشهر، فإما أن يفيء أو يطلق.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين فوقت الله أربعة أشهر فإن آلى أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء" [أخرجه البيهقي والطبراني] .
6- وكان الظهار طلاقا في الجاهلية، وتحريما للزوجة، حتى شرع الظهار في السنة السادسة من الهجرة، ونزل صدر سورة المجادلة.
أخرج أحمد والنسائي، وابن ماجه وابن أبي حاتم، وابن جرير - واللفظ لابن أبي حاتم - عن عائشة قالت: "تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفي على بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: يا رسول الله ... أكل مالي، وأفنى شبابي، ونشرت له بطنى، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكوك إليك، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الأية: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} 2 قالت: وزوجها أوس بن الصامت".
وأخرج الإمام أحمد، عن خويلة بنت ثعلبة قالت: "في والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة قالت: كنت عنده وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه، قالت، فدخل على يوما فراجعته بشيء، فغضب، فقال: أنت على كظهر أمي، قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة ثم دخل على فإذا هو يريدني عن نفسي، قالت: قلت: كلا والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إلى وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت: فواثبني، فامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عني، قالت: ثم خرجت
__________
1 البقرة: 226، 227.
2 المجادلة: 1.
(1/162)

إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابان ثم خرجت حتى جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا خويلة: ابن عمك شيك كبير، فاتقى الله فيه، قالت: فوالله ما برحت حتى نزل في قرآن، فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سرى عنه، فقال لي: يا خويلة.... قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآنا، ثم قرأ على {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير} إلى قوله تعالى: {ِوَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيم} 1 قالت: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: مريه فليعتق رقبة، قالت: فقلت: يا رسول الله ما عنده ما يعتق، قال: فليصم شهرين متتابعين، قالت: فقلت: والله إنه لشيخ كبير ما له من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر، قالت: فقلت: والله يا رسول الله ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنا سعنينه بفرق من تمر، قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا سأعينه بفرق آخر، قال: قد أصبت وأحسنت، فاذهبي فتصدقي به عنه. ثم استوصى بابن عمك خيرا، قالت: ففعلت".
ورواه أبو داوود في كتاب الطلاق من سننه من طريقين، وعنده خولة بنت ثعلبة، ويقال فيها خولة بنت مالك بن ثعلبة، وقد تصغر فيقال خويلة، قال ابن كثير في تفسيره: ولا منافاة بين هذه الأقوال، فالأمر فيها قريب، والله أعلم.
7- وكان نكاح المتعة ويسمى الزواج المؤقت - مباحا لضرورة الغزو والسفر، ثم نهى عنه في غزوة خيبر، ثم أبيح، ثم نهى عنه في غزوة الفتح، ثم أبيح في غزوة أوطاس بعدها ثلاثة أيام ثم منع، وكان ذلك سنة ثمان.
عن ابن مسعود قال: "كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معنا نساء، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا بعد أن ننكح المرأة
__________
1 المجادلة 1- 4.
(1/163)

بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} 1 الآية" [متفق عليه] .
وعن علي رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر" وفي رواية: "نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية" [متفق عليهما]
وعن سلمة بن الأكوع قال: "رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في متعة النساء عام أو طاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها" [رواه أحمد ومسلم] .
وعن سبرة الجهني "أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة، قال: فأقمنا بها خمسة عشرة، فأذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في متعة النساء" وذكر الحديث إلى أن قال: "فلم أخرج حتى حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء، فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا" [رواهن أحمد ومسلم]
وفي لفظ عن سبرة قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم تخرج منها حتى نهانا عنها" [رواه مسلم] .
وفي رواية عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع نهى عن نكاح المتعة".
وما حكى عن ابن عباس أو غيره من إباحة المتعة فإنه معارض بالرجوع عن ذلك، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض، قال الشوكاني: وعلى كل حال فنحن متعبدون بما بلغنا عن الشارع. وقد صح لنا عنه التحريم المؤبد.
__________
1 المائدة: 87.
(1/164)

8- وكانت الوصية واجبة بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} 1 ثم نسخ ذلك، واختلفوا في الناسخ، فقيل: آية الفرائض: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن....} إلى قوله تعالى: {.... وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيم} 2 وقيل: حديث: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" [رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، وصححه الترمذي] وقيل: دل الإجماع على ذلك وإن لم يتعين دليله.
وقيل: الآية مخصوصة وليست منسوخة، لأن الأقربين أعم من أن يكونوا وارثين أم لا؟ فكانت الوصية واجبة لجميعهم، وخص منها الوارث بآية الفرائض وبالسنة الصحيحة، وبقي حق من لا يرث من الأقربين من الوصية على حاله.
وفي السنة العاشرة منعت الوصية بأكثر من الثلث في قصة سعد بن أبي وقاص عندما مرض في مكة بحجة الوداع.
عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: "جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله: إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال، لا قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا قلت: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير أو كبير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" [متفق عليه] وكان هذا في مكة، في حجة الوداع.
9- وروى الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ...
__________
1 البقرة: 180.
2 النساء: 11، 12.
(1/165)

الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} 1
وقد نزلت بسبب جابر، قال جابر بن عبد الله: "مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعوداني ماشين، فأغمى على، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صب على من وضوئه، فأفقت، فقلت: يا رسول الله.. كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد على شيئا حتى نزلت آية الميراث: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} [رواه مسلم] وتسمى آية الصيف، لأنها نزلت في زمن الصيف.
روى ابن ماجه عن عمر قال: "إني والله لا أدع شيئا أهم إلى من أمر الكلالة، وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، فما أغلظ في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن بإصبعه في جنبي أو في صدري - ثم قال: يا عمر ... ألا تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء"
وهذه الآية في الإخوة أو الأخوات الأشقاء أو لأب عند عدم الأشقاء، وقد نزل قبلها في الإخوة لأم قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} 2.
رابعا- في الجنايات:
1- كانت مشروعية الرجم في الزنا عند الإحصان في السنة الرابعة من الهجرة بما جاء في قضية اليهودي واليهودية اللذين زنيا فرجمهما النبي صلى الله عليه وسلم.
عن ابن عمر: "أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة منهم قد زنيا، فقال: ما تجدون في كتابكم، فقالوا: تسخم وجوهمها ويخزيان3 قال:
__________
1 النساء: 176.
2 النساء: 12.
3 تسخم: تطلي بالسواد، والسخم محركة: السواد وسخم وجهه: سوده، ويخزيان: أي يفضحان ويشهران.
(1/166)

كذبتم، إن فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فجاءوا بالتوراة، وجاءوا بقاريء لهم، فقرأ حتى إذا انتهى إلى موضع منها وضع يده عليه، فقيل له: ارفع يدك، فرفع يده فإذا هي تلوح، فقال: أو قالوا -: يا محمد.... إن فيها الرجم، ولكنا كنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال: فلقد رأيته يجئنا عليها1 يقيها الحجارة بنفسه" [متفق عليه] .
روى أحمد ومسلم من حديث جابر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم رجلا من أسلم، ورجلا من اليهود وامرأة".
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} 2 الآيات.
والأحاديث تدل على أن حد الزنا يقام على الكافر كما يقام على المسلم، ولا يشترط في الإحصان الموجب للرجم الإسلام، وهو مذهب الجمهور.
وقد أجاب من اشترط الإسلام عن هذه الأحاديث بأنه صلى الله عليه وسلم إنما أمضي حكم التوراة على أهلها، ولم يحكم عليهم بحكم الإسلام، وقد كان ذلك عند مقدمة المدينة، وكان إذ ذاك مأمورا باتباع حكم التوراة، ثم نسخ ذلك الحكم بقوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} 3.
__________
1 يجنأ عليها: أي يتحنى عليها، يقال: جئنا عليه كجعل وفرح جنوءا وجنأ: أكب.
2 المائدة: 41.
3 النساء: 15.
(1/167)

قال الشوكاني: ولا يخفي ما في هذا الجواب من التعسف، ونصب مثله ي مقابلة أحاديث الباب من الغرائب، وكونه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك عند مقدمة المدينة لا ينافي ثبوت الشرعية، فإن هذا حكم شرعه الله لأهل الكتاب وقرره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا طريق لنا إلى ثبوت الأحكام التي توافق أحكام الإسلام إلا بمثل هذه الطريق، ولم يتعقب ذلك في شرعنا ما يبطله، ولا سيما وهو مأمور بأن يحكم بينهم بما أنزل الله، ومنهي عن اتباع أهوائهم كما صرح بذلك القرآن، وقد أتوه صلى الله عليه وسلم يسألونه عن الحكم، ولم يأتوه ليعرفهم شرعهم فحكم بينهم بشرعه، ونبههم على أن ذلك ثابت في شرعهم كثبوته في شرعه، ولا يجوز أن يقال: إنه حكم بينهم بشرعهم مع مخالفته لشرعه، لأن الحكم منه عليهم بما هو منسوخ عنده لا يجوز على مثله، وإنما أراد بقوله: "فإني أحكم بينكم بالتوراة" كما وقع في رواية من حديث أبي هريرة - إلزامهم الحجة، وأما الاحتجاج بقوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُم} فغاية ما فيه أن الله شرع هذا الحكم بالنسبة إلى نساء المسلمين، وهو مخرج على الغالب كما في الخطابات الخاصة بالمؤمنين والمسلمين، مع أن كثيرا منها يستوي فيه الكافر والمسلم بالإجماع، ولو سلمنا أن الآية تدل بمفهومها على أن نساء الكفار خارجات والمسلم بالإجماع، ولو سلمنا أن الآية تدل بمفهومها على أن نساء الكفار خارجات عن ذلك الحكم، فهذا المفهوم قد عارضه منطوق حديث ابن عمر المذكور في البابن فإنه مصرح بأنه صلى الله عليه وسلم رجم اليهودية مع اليهودي
وكان حكم الزنا في ابتداء الإسلام الحبس بالنسبة إلى المرأة، والإيذاء بالنسبة إلى الرجل، قال تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} 1 ثم نسخ ذلك برجم الثيب وجلد البكر.
أخرج مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "كان نبي الله.
__________
1 النساء: 15، 16.
(1/168)

صلى الله عليه وسلم إذا أنزلت عليه كرب لذلك وتربد وجهه، قال: فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك فلما سرى عنه قال: خذو عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكرش جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" وأخرجه كذلك أحمد وأبو داود والترمذي.
وقال تعالى: في سورة النور: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} 1
قال النووي في شرح مسلم: أما قوله صلى الله عليه وسلم "فقد جعل الله لهن سبيلا" فأشار إلى قوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا،} فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا هو ذلك السبيل، واختلف العلماء في هذه الآية، فقيل: هي محكمة، وهذا الحديث مفسر لها، وقيل: منسوخة بالآية التي في أول سورة النور، وقيل: إن آية النور في البكرين، وهذه الآية في الثيبين، وأجمع العلماء على وجوب جلد الزاني البكر مائة، ورجم المحصن وهو الثيب ولم يخالف في هذا أحد من أهل القبلة إلا ما حكى القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة كالنظام وأصحابه، فإنهم لم يقولون بالرجم.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: "البكر بالبكر" والثيب بالثيب" فليس هو على سبيل الاشتراط، بل حد البكر الجلد والتغريب سواء زنى ببكر أم ثيب، وحد الثيبس الرجم سواء زنى بثيب أم بكر، فهو شبيه بالتقييد الذي يخرج على الغالب.
واعلم أن المراد بالبكر من الرجال والنساء من لم يجامع في نكاح صحيح وهو بالغ عاقل، سواء جامع بوطء شبهة أو نكاح فاسد أو غيرهما أم لا، والمراد بالثيب من جامع في دهره مرة في نكاح صحيح وهو بالغ عاقل حر. والرجل والمرأة في هذا سواء، وسواء في هذا كله المسلم والكافر، والرشيد والمحجور عليه لسفه.
__________
1 النور: 2.
(1/169)

2 وفي السنة الرابعة كذلك شرع حد القذف في أعقاب حديث الإفك، ونزل قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 1
3- وكان تحريم الخمر على مراحل حتى نزل تحريمها القطعي في المرحلة الأخيرة:
وتحريم الميسر والأنصاب والأزلام في السنة السادسة من الهجرة، كما في حديث سعد بن أبي وقاص، قال: وضع رجل من الأنصار طعاما فدعانا، فشربنا الخمر قبل أن تحرم حتى انتشينا فتفاخرنا، فقالت الأنصار: نحن أفضل، وقالت قريش: نحن أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور فضرب به أنف سعد ففزره2، وكانت أنف سعد مفزوزة، فنزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} 3.
4- وشرع حد الحرابة في السنة السادسة أو السابعة:
روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك: "أن نفرا من عكل وعرينة ثمانية قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال: "ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها؟ " فقالوا: بلي، فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها فصحوا، فقتلوا الراعي، وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلسم، فبعث في آثارهم، فادركوا، فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا" وعند البخاري، قال أبو قلابة: "فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم.
__________
1 النور: 4، 5.
2 فزره: شقه.
3 المائدة: 90، 91.
(1/170)

وحاربوا الله ورسوله" وفي رواية لمسلم عن أنس قال: "إنما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة" وفي رواية "وصلبهم" قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ،} 1.
ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المثلة بعد ذلك.
5- وكانت مشروعية القصاص في النفس والأطراف في السنة الثامنة من الهجرة، وأبطل الإسلام ما كان في الجاهلية من تفاوت بين الأشخاص في القصاص، لتفاوتهم حسبا ونسبا، وأمر الله بالعدل والمساواة.
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} 2 قال: يعني إذا كان عمدا الحر بالحر، وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا بالحر منهم، والمرأة منا الرجل منهم، فنزل فيهم {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} 2.
وفي آية المائدة {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
__________
1 المائدة: 33، 34.
2 البقرة: 178.
3 المائدة: 45.
(1/171)

6- وشرع في السنة الثامنة كذلك حد السرقة، ونزل قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ،} 1.
وفي الصحيحين - واللفظ لمسلم- عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجتريء عليه إلا أسامة ابن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه فيها أمامة بن زيد، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أتشفع في حد من حدود الله عز وجل؟ فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختطب فأنثى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، إني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها، قالت عائشة: فحسنت توبتها وتزوجت، وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وورد في السنة حد الردة: "من بدل دينه فاقتلوه" رواه البخاري وأبو داود والنسائي والترمذي:
7- وكانت مشروعية اللعان في السنة التاسعة لحديث عويمر العجلاني المتفق عليه، حيث قال: يا رسول الله: أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك. قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه. فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه إبتليت به، فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات في سورة النور: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ} إلى قوله: {إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِين} 2 فتلاها عليه ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من
__________
1 المائدة: 38.
2 النور: 6- 9.
(1/172)

عذاب الآخرة، فقال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعها فوعظها وأخبرها أن عذاب الدينا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، فبدا بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غذب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما.
وفي رواية "أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "البينة وإلا حد في ظهرك" فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يبريء ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُم} فقرأ حتى بلغ {إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِين}
قال ابن حجر في الفتح: وقد اختلف الأئمة في هذا الموضع: فمنهم من رجح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جمع بينها بأن أول من وقع له ذلك هلال وصادف مجيء عويمر أيضا، فنزلت في شأنهما معا في وقت واحد، وقد جنح النووي إلى هذا.... ولا مانع من أن يتعدد القصص ويتحد النزول.... ويحتمل أن النزول سبق بسبب هلال، فلما جاء عويمر ولم يكن علم بما وقع لهلال أعلمه النبي صلى الله عليه وسلم بالحكم، ولهذا قال في قصة هلال: "فنزل جبريل" وفي قصة عويمر: "قد أنزل الله فيك".
خامسا - في الجهاد والسير "العلاقات الدولية":
1- شرع الإذن بالقتال عقب هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى، وذلك بنزول قوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ
(1/173)

عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} 1
روى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قالك "لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا بينهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن القوم، فأنزل الله عز وجل {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} وهي أول أية نزلت في القتال".
2- ثم كان أمر المسلمين بقتال من قاتلهم حماية للدعوة، ودفاعا عن حوزة الدين، والنهي عن القتال في الحرم إلا إذا قاتل المشركون فيه، قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين} 2.
3- وكانت سرية عبد الله بن جحش في السنة الثانية من الهجرة كما روى ابن أبي حاتم وأصحاب السير، حيث بعث رسول الله سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا، فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه، فإذا فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم" فلما قرأ الكتاب، قال: سمعا وطاعة، ثم أخبر أصحابه بما فيه فمضى ومضى معه أصحابه، وفي الطريق أصل اثنان منهم بعيرا لهما كانا يعتقبانه، فتأخرا في طلبه ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل نخلة، فمرت به عير لقريش تحمل طعاما وتجارة. فيها عمرو بن الحضرمي وآخرون فقتلوا ابن الحضرمي وأسروا أسيرين واستولوا على العير ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادي. وأقبل عبد الله.
__________
1 الحج: 39- 41.
2 البقرة: 190- 191.
(1/174)

ابن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المشركون للمسلمين قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} 1
4- وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وفيها نزلت سورة الأنفال.
"أ" فكان في السنة الثانية أحكام النفل والغنائم وتخميسها بنزول قوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} 2.
وقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،} 3.
ب- وكان في السنة الثانية في بدر كذلك بداية التشريع في حكم الأسرى قبل أن يشتد ساعد المسلمين، إذا استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته في أسرى بدر، فاشار عمر رضي الله عنه بقتلهم، وأشار أبو بكر رضي الله عنه بالعفو عنهم وقبول الفداء منهم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي أبي بكر، فنزلت الآيات: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 4.
كما نزل قوله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} 5.
__________
1 البقرة: 217.
2 الأنفال: 1
3 الأنفال: 41.
4 الأنفال: 67، 68.
5 محمد: 4.
(1/175)

ج- وفرض الله على المسلمين أن لا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، روى البخاري عن ابن عباس قال: "لما نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ} 1
ثقل على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين ومائة ألفا، فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} الآية2 فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتجوزوا عنهم".
5- ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام:
قسم صالحهم ووادعهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه، ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم، وهم اليهود.
وقسم حاربوه ونصبوا له العدواة وهم المشركون.
وقسم تاركوه، فلم يصالحوه ولم يحاربوه، بل أظهروا أنهم معه، وأبطنوا العدواة له، وهؤلاء هم المنافقون.
فعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم كا طئافة من هؤلاء بما أمره به ربه تبارك وتعالى.
فصالح يهود المدينة وكتب بينهم وبينه كتاب أمن، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة: بني قينقاع، وبنى النضيرن وبني قريظة.
"أ" وكان بنو قينقاع أول من نقض العهد من اليهود بعد انتصار المسلمين في بدر، وكانوا حلفاء عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين، فتوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس جند الله في نصف شوال من السنة الثانية.
__________
1 الأنفال: 65.
2 الأنفال: 69.
(1/176)

للهجرة، وحاصرهم خمس عشرة ليلة، إلى هلال ذي القعدة، وكلم حليفهم عبد الله بن أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرجوا من المدينة فخرجوا إلى أذرعات بالشام، وفيهم نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} إلى قوله: {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} 1.
ب- ثم نقض العهد بنو النضير في السنة الرابعة من الهجرة، حين خرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه ليعينوه في دية القتيلين اللذين قتلهما عمرو من أمية الضمري من بني عامر، للجوار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية ذينك الرجلين القتيلين قالوا: نعم يا أبا القاسم، ثم تأمروا على إلقاء صخرة عليه وهو يستند إلى جدار من بيوتهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعا إلى المدينة، ولحقه أصحابه، فأخبرهم بما همت يهود به، وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرجوا من المدينة، وأمهلهم عشرا. فأبو وتحصنوا بحصونهم. فنهض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صحابته وحاصرهم، وقطع نخيلهم وحرق، وقذف الله في قلوبهم الرعب حتى سألوه أن يجيلهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، ففعل. فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، وكان الرجل منهم يهدم بيته ويحمل على ظهر بعيره بابه، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وفيهم نزلت سورة الحشر، وكانت مشروعية قسمة الفيء {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} الآيات2.
جـ- ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة الخندق جاء حيي
__________
1 المائدة: 51، 56.
2 الحشر: 2 وما بعدها.
(1/177)

ابن أخطب رئيس بني النضير إلى بني قريظة في ديارهم سنة خمس من الهجرة، وظل يحرضهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قريش وغطفان حتى استجابوا له، ونقضوا العهد. فما كاد ينتهي من غزوة الأحزاب حتى جاءه الوحي بالمسير إلى بني قريظة، فقال لصحابته: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صحابته، وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرسل إلينا أبا لبابة ابن عبد المنذر نستشيره وكانوا حلفاء الأوس فلما رأوه قاموا في وجهه يبكون، وقالوا: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محم؟ قال: نعم: وأشار بيده إلى حلقه يقول إنه الذبح قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانها حتى عرفت أني خنت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمدة وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله على مما صنعت، فتاب الله عليه، ثم إنهم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقامت إليه الأوس، فقالوا: يا رسول الله.. قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا، فأحسن فيهم فقال ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك إلى سعد بن معاذ، قالوا: قد رضينا: فأرسل إلى سعد بن معاذ وكان في المدينة لم يخرج معهم لجرح كان به، فأركب حمارا، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل الأوس يقولون له: يا سعد ... أجمل إلى مواليك فأحسن فيهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكمك فيهم، لتحسن فيهم، وهو ساكت لا يرد عليهم شيئا، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لوة لائم، فلما سمعوا ذلك منه رجع بعض من كان معه من قومه إلى المدينة، فنعى إليهم رجال بني قريظة قبل أن يصل سعد إليهم، فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قوموا إلى سيدكم" فأما المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار، وأما الأنصار، وأما الأنصار فيقولون: قد عم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاموا إليه، فلما أنزلوه قالوا: يا سعد.... إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك: وحكمي نافذ عليهم؟ قالوا: نعم، قال: وعلى المسلمين؟
(1/178)

قالوا: نعم، قال: وعلى من ههنا؟ في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبي الذراري والنساء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات" وفيهم نزل قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} 1.
كما أنزل الله فيمن نقض العهد {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ، فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} 2.
6- ثم كان نزول سورة براءة سنة تسع من الهجرة، وفيها الإعلام بانتهاء كل قوم إلى عهدهم، وقتال المشركين حيث وجدوا، وضرب الجزية على أهل الكتاب {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} 3.
__________
1 الأحزاب: 26، 27.
2 الأنفال: 55- 58.
3 التوبة: 29.
(1/179)

الفصل الثاني: الفقه في عصر الخلفاء الراشدين
الفقه
...
الفقه في عصر الخلفاء الراشدين:
من سنة 11هـ إلى سنة 40 هـ.
الفقه:
الفاء والقاف والهاء أصل واحد يدل على إدراك الشيء والعلم به، تقول: فقهت الحديث أفقهه، وكل علم بشيء فهو فقه، ثم اختص بذلك علم الشريعة، فقيل لكل عالم بالحلال والحرام فقيهن وإذا كان الفقه في الأصل بمعنى العلم بالشيء والفهم له، فقد غلب على العلم بالشريعة لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم، حتى صار ذلك عرفا خاصا، فلا يطلق الفقه إلا على الفهم في الدين.
وما من شيء يصدر عن الإنسان من أقوال وأفعال سواء أكان من أنواع العفود أم من التصرفات الأخرى في العبادات أو المعاملات أو الجرائم إلا وله في الشريعة الإسلامية حكم بينته نصوص الكتب والسنة، أو أقامت الشريعة له أمارات ودلائل يستنبط منها المجتهدون الحكم.
ومجموع هذه الأحكام هو الذي يسمى بالفقه، فالفقه: هو مجموع الأحكام الشرعية العملية المستفادة من أدلتها التفصيلية، وموضوع علم الفقه، هو فعل المكلف من حيث ما يثبت له من الأحكام الشرعية.
والحديث عن الفقه الإسلامي وتاريخه حديث عن الضوابط التي ترسى عليها البشرية دعائم نهضتها في صلة الإنسان بربه، وفي صلته بأبناء مجتمعه، وفي صلة
(1/183)

الأمة الإسلامية، بغيرها من أمم الدينا، وتلك هي الجوانب الثلاثة التي تقوم عليها الحضارة الإنسانية في الإسلام، وهي المعيار الذي يقاس به موقف الأمة الإسلامية من شريعة ربها في التزامها بهذه الشريعة واعتصامها بحبلها وإقامة حياتها على أسسها.
ولم تعد الشريعة الإسلامية موضع جدل في صلاحتها لكل زمان ومكان ووفائها بحاجات البشرية في كل عصر، حتى لدى أولئك الذين أثاروا في وجهها التهم، وأشاعوا قصورها وأغروا العالم الإسلامي بأن يستبدل بها القوانين الوضعية ونجحوا في ذلك بمعظم ديار الإسلام فإن المؤتمرات الدولية للقانون المقارن التي تعقد من حين لآخر قد فاءت إلى رشدها واعترفت بأن الفقه الإسلامي معين ثر له كيانه المستقبل المميز، وأنه مصدر قانوني أصيل.
ولا نسوق هذا شاهدا ندعم به أصالة الفقه الإسلامي الذي يستعلى بذاته عن هذه الاعتبارات، إنما نسوقه دليلا على تخبط الحياة البشرية التي تلهث وراء القوانين الوضعية فلا تجد ما يروي ظمأها، ويلبي حاجتها وتشعر بالقصور في كل حين.
ويكفي أن الله سبحانه وتعالى أكمل لنا بهذه الشريعة الدين، وأتم النعمة، وارتضى لنا الإسلام دينا، فأنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى ببضعة وثمانين يوما في يوم عرفة بحجة الوداع هذه الآية الكريمة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا} 1.
وقد سبق أن ذكرنا فيما مضى أن عصر التشريع ينتهي بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي سميناه بعصر التشريع أما ما تلا ذلك فهو من باب الفقه، في الشريعة، وفي بداية حديثنا عن الدور الفقهي الأول يحسن بنا أن
__________
1 المائدة: 3.
(1/184)

نلم بالحالة السياسية لما لها من أثر في الحياة الفقهية.
(1/185)

الحالة السياسية:
جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدث ذات يوم على المنبر إلى أصحابه فقال: "إن عبدا قد خيره الله بين زهرة الدنيا وما عنده، فاختار ما عند الله".
وفهم أبو بكر ما يقصد بهذه العبارة فقال: "بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا".
ولم يدرك الصحابة حقيقة مغزاها إلا حين اختار الله رسوله للرفيق الأعلى ...
ولم يلبث النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك الحديث حتى أحس بالوجع، فكان يُمَرَّضَ في بيت عائشة، ويخرج إلى الصلاة، فلما ثقل عليه المرض أمر أبا بكر أن يصلي بالناس.
وتوفى النبي صلى الله عليه وسلم وارتاب المسلمون حين نبئوا بوفاته، وماج بعضهم في بعض، وكان عمر أشدهم شكا، ولكن أبا بكر رضي الله عنه تلا عليهم الآيسة الكريمة من سورة آل عمران: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ،} 1، فثاب المسلمون إلى صوابهم، وذكروا قول الله لنبيه {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} 2.
لم يكد النبي صلى الله عليه وسلم يفارق أصحابه حتى ظهر بينهم خلال أوشك أن يكون عظيم الخطر على وحدتهم، حيث اختلفوا فيمن يخلف النبي صلى الله عليه وسلم في سياستهم وتدبير شئونهم.
أما الأنصار فظنوا أن الأمر ينبغي أن يكون فيهم، آووا النبي صلى الله عليه وسلم
__________
1 آل عمران: 144.
2 الزمر: 30.
(1/185)

وسلم والذين هاجروا، وخاضوا المعارك في سبيل الله، فاجتمعوا بالفعل، وأزمعوا أن يبايعوا رجلا منهم بالخلافة، ورشحوا سعد بن عبادة زعيم الخزرج.
ولكن الأمر انتهى إلى زعماء المهاجرين، فأسرع أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة ابن الجراح إلى الأنصار، ودار بينهم شيء من الجدال، وخطب فيهم أبو بكر وقال لهم: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. وأقنعهم بالأمر حتى سمحت نفوسهم، وكرهوا أن يأخذوا الخلافة أجرا على ما أبلوا في دين الله من البلاء، ثم أسرع عمر إلى بيعة أبي بكر، فتبعه الأنصار، وبايع بعد ذلك سائر المسلمين في المدينة، واستقام الأمر لأبي بكر.
ولكن أبا بكر رضي الله عنه واجه خلافا كاد شره أن يستطير ويصبح خطرا على الإسلام، لولا أن الله كتب لهذا الحفظ {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 1. فألقى في قلب أبي بكر اليقين، فثبت لهذا الخلاف أروع ثبات، وصمم على حسمه مهما كلفه من عناء.
واجه أبو بكر قوما امتنعوا عن الزكاة، وقالوا: نقيم الصلاة ولا نؤتى الزكاة، فأبى إلا أن يؤدوا إليه ما كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لا فرق بين الصلاة والزكاة، وقال كلمته المأثورة: "والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلهم عليه ما استمسك السيف بيدي".
وواجه قوما آخرين ظهر منهم كذابون ادعوا لأنفسهم النبوة، وتلوا على قومهم كلاما زعموا أنه وحي من الله، ظهر الأسود العنسي في اليمن، ومسيلمة في بني حنيفة باليمامة، وطلحة في بني أسد، وظهرت سجاح في أحياء من
__________
1 الحجر: 9.
(1/186)

جاء عمر رضي الله عنه بعد أبي بكر، وواصلت جيوش المسلمين زحفها، ففتحت بلاد فارس، والشام ومصر، من بلاد الروم، وكثرت الغنائم، وواجه عمر مشكلات جديدة في إرسال الجيوش، وإمدادها، وتنظيم الجند، وحكم البلاد التي تفتح بحكم الله، وكلما أمعن المسلمون في الغزو وأبعدوا في الأرض كلما كثرت المشكلات.
وقد وفق عمر إلى حل هذه المشكلات وتدبير أمور الدولة في حكم الأقطار البعيدة عنه والقريبة منه توفيقا معدوم النظير، وظلت حياة المسلمين مستقيمة في حياة عمر استقامتها في حياة أبي بكر، كلاهما ساس الناس كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسوسهم أثناء حياته، والتزم عمر القرآن وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة أبي بكر، ومشورة الصحابة، في حل ما عرض له من المشكلات التي نشأت عن الفتوح، واتساع الدولة، وانتشار الجيوش، وكثرة الغنائم والفيء وتنظيم أمور الأرض التي ظهر عليها المسلمون في البلاد المفتوحة، فكان كلما عرضت له مشكلة التمس حلها في كتاب الله، فإن لم يجد ففي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجد ففي سيرة أبي بكر، فإن لم يجد دعا أولى الرأي من المهاجرين والأنصار، فشاورهم حتى يجد الحل للمشكلة، أو المشكلات التي عرضت له.
وولى أمور المسلمين بعد عمر عثمان رضي الله عنه، فاستقامت له الأمور أعواما. ومضت جيوش المسلمين في الفتح شرقا وغربا، ولكن كرم خلقه، ولين طبعه، ورقة عاطفته - لكن ذلك- أغرى قوما من قريش عامة، ومن بني أمية رهطه خاصة في الحصول على مظاهر الغنى والجاه من ورائه، حتى طمعوا فيه، واستأثروا بكثير من أمره، فلم يلبث أن ضعفت مقاومته للطامعين، وفشت قالة السوء، وانتشرت الفتنة في الأقاليم والأمصار، وحضر الجنود من البصرة، والكوفة، ومصر، يضجون بالشكوى إلى أن انتهت ثائرتهم بقتل الخليفة في وضح النهار.
(1/187)

وبمقتل عثمان تفتحت أبواب الفتنة على مصاريعها حيث أقبل الناس على على رضي الله عنه فبايعوه، واتخذ الكوفة عاصمة الخلافة، وأبي معاوية في الشام أن يؤمن لهذه البيعة.
وذهب فريق من الصحابة مغاضبين إلى البصرة، على رأسهم أم المؤمنين عائشنة بنت أبي بكر، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، ثم كانت موقعة الجمل، وتبعتها موقعة صفين، وقصة التحكيم فيها برفع المصاحف على الأسنة من قبل جيش معاوية، دعوة لعلي وأصحابه إلى كتاب الله يحتكمون إليه، وكانت الهدنة بين الفريقين، إلا أن عاقبتها كانت فرقة واختلافا.
فقد رضيت كثرة جيش على بالهدنة، وفرضت على على أن يقبل اختيار أبي موسى الأشعري حكما واختيار معاوية عمرو بن العاص، وأبت قلة من جيش على هذه الهدنة، وأعلنوا أن علينا وأصحابه الذين قبلوا الهدنة قد كفروا، لأنهم حالفوا عن أمر الله في قوله تعالى:
{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} 1 ولما كان على قد عرض الصلح على معاوية وأصحابه فرفضوه، ثم كانت الحرب فقد كان من الواجب المضي فيها حتى يقضي الله أمره، ولكن عليا وأصحابه قبلوا التحكيم فيما رأي الخوارج، فحكموا الرجال في دين الله والله وحده أحكم الحاكمين، وما كان ينبغي أن يضع السيوف حتى يفيء معاوية وأهل الشام إلى أمر الله.
ثم عظم أمر الخوارج، فأئتمر نفر منهم بقتل ثلاثة زعموا أنهم ملأوا الأرض شرا وهم: على، ومعاوية، وعمرو بن العاص، ولم يبلغ أربه من هؤلاء الثلاثة إلا صاحب على: عبد الرحمن بن ملجم، قتلهه في المسجد غيلة.
__________
1 الحجرات: 9، 10.
(1/188)

ثم اجتمع أمر جمهور المسلمين بعد ذلك على معاوية بن أبي سفيان، وبهذا انتهى عصر الخلفاء الراشدين وقد افترق المسلمون ثلاث فرق:
الأولى: جمهور المسلمين، وهم الذين رضوا بإمرة معاوية.
الثانية: الشيعة، وهم الذين والوا عليا وظلوا على حبه.
الثالثة: الخوارج، وهم الذين نقموا على على ومعاوية معا.
وكان لهذه الفرق الثلاث أثر في الفقه الإسلامي يظهر في الدور الآتي:
(1/189)

مصادر الفقه في هذا العصر:
اقتضت الحاجة إلى حل ما جد من مشكلات بعد الفتح الإسلامي في عصر الصحابة إلى اتساع دائرة الفقة، ولم يكن بد من أن يكون النظر لحل أي مشكلة جديدة في كتاب الله تعالى، لأنه أساس الدين، ووحي الله وكلامه المبين، فإذا لم يجدوا في القرآن كان النظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها بيان للتنزيل، فإذا وردت أقضية لا يرون فيها نصا من كتاب الله أو سنة رسوله لجئوا إلى استشارة أهل الرأي من فقهاء الصحابة، فإذا اجتمع رأيهم على شيء كان القضاء به، وذلك هو ما يسمى بالإجماع.
وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أذن لصحابته في الاجتهاد أو أشار إليه، كما في حديث معاذ، فقدوجه الصحابة قضاتهم هذه الوجه كذلك إذا لم يجدوا الحكم في الكتابة والسنة.
وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى شريح: "إذا وجدت شيئا في كتاب الله فاقض به، ولا تلتفت إلى غيره، وإن أتاك شيء ليس في كتاب الله، فاقض بما سن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يسن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بما أجمع عليه الناس، وإن أتاك ما ليس في كتاب الله، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتكلم فيه
(1/189)

أحد قبلك، فإن شئت أن تجتهد رأيك فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، وما أرى التأخر إلا خيرا لك"1
وكانت طريقة أبي بكر وعمر على المنوال. قال أبو عبيد في كتاب القضاء: عن ميمون بن مهران "كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس. هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا أو بكذا، فإن لم يجد سنة سنها النبي صلى الله عليه وسلم جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضي به، وكان عمر يفعل ذلك، فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة سأل: هل كان أبو بكر قضي فيه بقضاء، فإذا كان لأبي بكر قضاء قضى به، وإ لا جمع علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضي به" رواه البغوي والدارمي.
وعن عبد الله بن أبي يزيد قال: "رأيت ابن عباس إذا سئل عن شيء هو في كتاب الله قال به، فإن لم يكن في كتاب الله، وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم قال به، فإن لم يكن في كتاب الله، ولم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقاله أبو بكر أو عمر قال به، وإلا اجتهد رأيه"2.
وعن عبد الله بن مسعود، قال: أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هنالك، وإن الله قد قدر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون، فمن عرض له قضاء فليقض فيه بما في كتاب الله عز وجل، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض فيه بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله ولم يقض فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليقض بما قضى به الصالحون،
__________
1 رواه ابن عبد البر في الجامع بيان العلم وفضله باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة - جـ2. ورواه الدارمي.
2 رواه ابن عبد البر - الباب السابق.
(1/190)

ولا يقل لي إني خائف، وإني أرى، فإن الحرام بين، والحلال بين وبين ذلك أمور مشتبهة، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك"1
وبذلك كانت مصادر الفقه في هذا العصر أربعة: الكتاب والسنة، والإجماع، والقياس.
__________
1 أخرجه الدارمي.
(1/191)

جمع القرآن
أولا: جمعه في عهد أبي بكر
...
جمع القرآن:
سبق أن تكلمنا عن جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جمع القرآن في عهد أبي بكر، ثم في عهد عثمان.
أولا: جمعه في عهد أبي بكر
قام أبو بكر بأمر المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وواجهته أحداث جسام في ارتداد جمهرة العرب، فجهز الجيوش، وأوفدها لحروب المرتدين، وكانت غزوة أهل اليمامة تضم عددا كبيرا من الصحابة القراء، استشهد منهم الجم الغفير، فهال ذلك عمر بن الخطاب، ودخل على أبي بكر رضي الله عنه، وأشار عليه بجمع القرآن وكتابته خشية الضياع، فنفر أبو بكر من هذه المقالة، وكبر عليه أن يفعل ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد توفى والقرآن محفوظ في الصدور، ومكتوب في اللخاف والأكتاف ونحوهما، ولم يكن جمع على هيئة كتاب واحد، حيث لم تدع الحاجة إلى ذلك لوجوده صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ورجوعهم إليه في كل ما اختلفوا فيه، وظل عمر يراود أبا بكر حتى شرح الله صدره لهذا الأمر، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت، لمكانته في القراءة والكتابة والحفظ والفهم والعقل، واقتص عليه قول عمر، فنفر زيد من ذلك كما نفر أبو بكر من قبل، وتراجعا حتى طابت نفس زيد للكتابة، وبدأ زيد بن ثابت مهمته الشاقة، معتمدا على المحفوظ في صدور القراء، والمكتوب لدى الصحابة، وبقيت.
(1/191)

تلك الصحف عند أبي بكر رضي الله عنه حتى توفى، ثم صارت بعده غلى عمر، وظلت عنده حتى مات، ثم كانت عند حفصة بنته صدرا من ولاية عثمان حتى طلبها عثمان من حفصة.
وبهذا يتبين فضل أبي بكر وعمر وزيد ومن أعانهم على جمع القرآن، فإنهم بذلك قد حفظوا لنا أصل الدين كما حفظوه بالجهاد في سبيل الله- وهذا الجمع هو المسمى بالجمع الثاني.
(1/192)

ثانيا: جمع عثمان القرآن، وكتابة المصاحف، وإرسالها إلى الأمصار
ثبت أن القرآن نزل على سبعة أحرف، كما روى عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "أقرأني جبريل "القرآن" على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف"راه البخاري.
وأذن صلى الله عليه وسلم لكل من أصحابه أن يقرأ بما أخذ عنه من تلك الأحرف، تيسيرا لهم، وتخفيفا عنهم، ولم يكن بينهم من الاختلاف ما يدعو إلى المنع من ذلك، لقلته، واجتماع الصحابة وقلة عددهم بالنسبة لمن بعدهم، ولوجود الرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ورجوعهم إليه فيما اختلفوا فيه، ولم تدع الحاجة في عهد أبي بكر وعمر لأكثر من جمع القرآن من غير ترتيب بين سورة، ولا إلزام للناس أن يقرأوا بحرف واحد من السبعة.
وفي عهد عثمان اتسعت الفتوحات الإسلامية، وتفرق القراء في الأمصار.
ووأخذ أهل كل مصر عمن وفد إليهم قراءته.
ووجوه القراءة التي يؤدون بها القرآن مختلفة باختلاف الأحرف التي نزل عليها، فكانوا إذا ضمهم مجمع أو موطن من مواطن الغزو، عجب بعضهم من وجوه هذا الاختلاف، وقد يقنع بأنها جميعا مسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا لا يحول دون تسرب الشك للناشئة التي لم تدرك الرسول صلى الله عليه وسلم، فيدور الكلام حول فصيحها وأفصحها، وذلك يؤدي إلى الملاحاة إن استفاض أمره، ثم إلى اللجاج والتأثيم، وتلك فتنة لا بد لها من علاج.
(1/192)

فلما كانت غزوة "أرمينية" وغزوة "أذربيجان" من أهل العراق، كان فيمن غزاها "حذيفة بن اليمان" فرأى اختلافا كثيرا في وجوه القراء، مع إلف كل لقراءته، ووقوفه عندها، ومما رأه من المخالفة حينئذ فزع إلى عثمان رضي الله عنه، وأخبره بما رأي، وكان عثمان قد نمى إليه أن شيئا من ذلك الخلاف يحدث ممن يقرئون الصبية، فينشأ هؤلاء وبينهم من الاختلاف ما بينهم، فأكبر الصحابة هذا الأمر مخالفة أن ينجم منه التحريف والتبديل، وأجمعوا أمرهم أن ينسخوا الصحف الأولى التي كانت عند أبي بكر، ويجمعوا الناس عليها بالقراءات الثابتة، فأرسل عثمان إلى حفصة، فأرسلت إليه بتلك الصحف، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت الأنصاري، وإلى عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام القرشين، فأمرهم أن ينسخوها في المصاحف، وأن يكتب ما اختلف فيه زيد مع رهط القرشيين الثلاثة بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم.
كتبت المصاحف على القراءات المتواترة، ورد عثمان الصحف إلى حفصة، وبعث إلى كل أفق بمصحف من المصاحف، واحتبس بالمدينة واحدا هو مصحفه الذي يسمى "الإمام" حيث جاء في بعض الروايات:
"يا أصحاب محمد، اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما".
وأمر أن يحرق ما عدا ذلك من صحيفة أو صحف.
وبهذا قطع عثمان دابر الفتنة، وحسم مادة الاختلاف، وحصن القرآن من أن يتطرق إليه شيء من الزيادة والتحريف على مر العصور وتعاقب الأزمان، وكانت هذه المصاحف سبعة عدد الآفاق التي أرسل إليها: مكة، والشام، والبصرة، والكوفة، واليمن والبحرين، والمدينة.
ويمتاز مصحف عثمان بالترتيب المعروف في السور اليوم، وهذا الجمع هو المسمى بالجمع الثالث، وكان سنة 25 هجرية.
(1/193)

الفتوحات الإسلاميةومقتضياتها:
أخذ الفتح الإسلامي يبسط نفوذه في عهد الخلفاء الراشدين على الأقطار المجاورة للجزيرة العربية، ودخل تحت لواء الإسلام من أصحاب الحضارات القديمة ناس من الفرس والروم، لهم من العقائد والتقاليد والأنظمة، ما يتنافى - كله أو جله مع العقيدة الإسلامية وشريعتها الغراء، وطبيعة هذا الفتح تستوجب ثل المسئولية، وعظيم التبعية على المسلمين الفاتحين، وتستدعي من الخلفاء أن يواجهوا هذا بتنظيم الجيوش وإمدادها، وتولية الولاة على البلاد المفتوحة، وإدارة شئونها.
وباتساع الفتوحات الإسلامية تتجدد مشكلات الناس، وتجد أقضية لم تكن معهودة من قبل، وليس لها نص في كتاب أو سنة، وإذا كانت مدارك الصحابة، ودرجاتهم في الفهم متفاوتة، فذلك من شأنه أن يوقع الاختلاف فيما بينهم، وهكذا كان موقفهم من القضايا الجديدة، فمنها ما اتفقوا فيه على رأي ومنها ما اختلفوا فيه.
(1/194)

أهم القضايا التي اتفق عليها الصحابة:
1- كانت القضية الأولى التي واجهها الصحابة إثر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم: قضية الخلافة التي أشرنا إليها في صدر هذا البحث، حيث كان الخلاف بين المهاجرين والأنصار، وأراد الأنصار هذا الأمر لأنفسهم، واختاروا سعد بن عبادة من قبلهم، ولكن مبادة أبي بكر وعمر، وأبي عبيدة في الذهاب إلى الأنصار، حسمت هذا الخلاف بعد مجادلة وتفاهم، وتمت البيعة لأبي بكر الذي استخلفه الرسول صلى الله عليه وسلم للصلاة بالناس قبل وفاته، ولم يشذ عن هذه البيعة أحد سوى ما ذكره المؤرخون عن سعد بن عبادة الأنصاري.
لقد ذكر ابن كثير في البدايةوالنهاية قصى سقيفة بن ساعدة وروى ما جاء عن ذلك في كتب السنة وروى البخاري في فضائل الصحابة، عن عائشة.
(1/194)

رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله وسلم، مات، وأبو بكر بالسنح1 قال إسماعيل2ك تعنى بالعالية، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك 3. وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، فقال: بأبي أنت وأمي، طبت حيا وميتا، والله الذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبو بكر، جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} 4 وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} 5 قال: فنشج الناس يبكون، قال: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا منا أمير ومنكم أمير، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أنى قد هيأت كلاما قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء فقال الحباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء، وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارا6 وأعربهم أحسابا، فبايعوا عمر بن الخطاب، أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله
__________
1 السنح: بضم السين وسكون النون وتضم كذلك: منازل بني الحارث من الخزرج بالعوالي، وبينه وبين المسجدس النبوي، ميل.
2 هو إسماعيل بن أبي أويس شيخ البخاري أراد تفسير قول عائشة: بالنسح.
3 يعني عدم موته صلى الله عليه وسلم حينئذ.
4 الزمر: 30.
5 آل عمران: 144.
6 أي قريش.
(1/195)

صلى الله عليه وسلم فأخذ عمر بيده وبايعه، وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة 1 فقال عمر: قتله الله"
وذكرت الروايات أنه لما بويع أبو بكر في السقيفة، وكان الغد، كانت بيعة العامة
2- وكانت القضية الثانية التي واجهها الصحابة هي "امتناع جماعة من العرب عن أداء الزكاة" فعزم أبو بكر أمره على قتالهم، ولم يكن من رأي عمر باديء الأمر قتال هؤلاء، لأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فظل أبو بكر يراجعه حتى شرح الله صدره للقتال، واتفق الصحابة عليه.
فعن أبي هريرة قال: لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر رضي الله عنه، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر رضي الله عنه: "كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على؟ فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن شرح الله صدري لما شرح له صدر أبي بكر رضي الله عنه، فعرفت أنه الحق". رواه الجماعة إلا ابن ماجه.
__________
1 أي كدتم تقتلونه. وقوله "لا يذيقك الله الموتتين أبدا" رد على من زعم أنه سيحيا فيقطع أي رجال، لأن لو صح ذلك للزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه أكرم على الله من أن يجمع عليه موتتين كما جمعهما على غيره، كالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف، وكالذي مر على قرية، وقيل: لا يموت موتة أخرى في القبر كغيره، إذ يحيا ليسئل ثم يموت، لأن حياته في القبر لا يعقبها موت، بل يستمر حيا، وقيل: كني بالموت الثاني عن الكرب، أي لا تلقي بعد كرب هذا الموت كربا آخر.
(1/196)

3- وأرادت فاطمة أن ترث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فردها أبو بكر وتم الاتفاق على أنه لاحق لأحد من الورثة في ذلك، فقد روى البخاري في كتاب فضائل الصحابة عن عائشة: "أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي صلى الله عليه وسلم فيما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، تطلب صدقة النبي صلى الله عليه وسلم التي بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث: ما تركناه فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال يعني مال الله ليس لهم أن يزيدوا على المأكل وإني والله لا أعز1 شيئا من صدقات النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت عليها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولأعملن فيها بما بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي الحديث المتفق عليه "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة". فكان هذا مخصصا لآية الميارث وزال الخلاف.
4- واختلفوا في موضع دفنه صلى الله عليه وسلم، ثم اتفقوا على أن يدفن موضع فراشه حيث قبض صلى الله عليه وسلم، عندما روى لهم أبو بكر الصديق أنه لا يدفن نبي إلا حيث يموت. جاء في كتاب الجنائز من موطأ مالك: أن مالكا بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء، وصلى الناس عليه أفذاذا لا يؤمهم أحدا، فقال ناس: يدفن عند المنبر، وقال آخرون: يدفن بالبقيع، فجاء أبو بكر الصديق فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفى فيه" قال الحافظ ابن عبد البر: صحيح من وجوه مختلفة.
وفي كتاب الجنائز من جامع الترمذي حديث عائشة لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله صلى الله
__________
1 أعز: من وعز، بمعنى وأمر.
(1/197)

عليه وسلم شيئا ما نسيته، قال: "ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه" ادفنوه في موضع فراشه.
وفي كتاب الجنائز من سنن أبن ماجه عن ابن عباس: لما اختلف المسلمون في المكان الذي يحفر له، فقال قائلون: يدفن في مسجده وقال قائلون يدفن مع أصحابه، فقال أبو بكر: "إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض".
5- ومن القضايا التي اتفقوا عليها كذلك "جمع القرآن" فقد توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن القرآن قد جمع في مصحف واحد، وليس هناك من كتاب أو سنة ما يدل على جمعه، ولكن عمر رأي ضرورة ذلك بعد موقعة اليمامة كما ذكرنا من قبل، وظل يراجع أبا بكر حتى اقتنع بذلك، وصار هذا إجماعا من الصحابة1.
6- وشاور عمر في تدوين الدواوين، وكان قد اتبع رأي أبي بكر في التسوية بين الناس في الأعطية، فلما جاء فتح العراق رأي التفضيل فيما بينهم بقدر بلاء الرجل وجهاده، واستشار في ذلك فأقره الصحابة.
يقول عمر: "ما من أحد إلا له في هذا المال، وما أنا فيه إلا كأحدهم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته".
ويذكر المؤرخون أن عمر أراد آخر حياته أن يرجع إلى المساواة كما صنع أبو بكر، ومات قبل أن يفعل ذلك.
__________
1 انظر ص 191 وما بعدها في هذا الكتاب.
(1/198)

جاء في كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام، باب فرض الأعطية من الفيء ومن يبدأ به فيها، عن محمد بن عجلان، قال: لما دون لنا عمر الديوان قال: بمن نبدأ؟ قالوا: بنفسك فابدأ، قال: لا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إمامنا، فبرهطه نبدأ، ثم بالأقرب فالأقرب.
وذكر القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج، في فصل "كيف كان فرض عمر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم" أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقسم العطاء بين الناس بالسوية، على الصغير والكبير، والحر والمملوك والذكر والأنثى، فجاء ناس من المسلمين فقالوا: يا خليفة رسول الله: إن قسمت هذا المال فوسيت بين الناس، ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم، فلو فصلت أهل السوابق والفضل بفضلهم؟ فقال: أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك، وإنما ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه، وهذا معاش، فالأسوة فيه خير من الأثرة، فلما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجاءت الفتوح، فضل، وقال: لا أجعل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن قاتل معه، ففرض لأهل السوابق والقدم من المهاجرين والأنصار ممن شهد بدرا خمسة آلاف، ولمن لم يشهد بدرا أربعة آلاف، وفرض لمن كان إسلامة كإسلام أهل بدر ولم يشهد بدرا دون ذلك، أنزلهم على قدر منازلهم من السوابق، وساق أبو يوسف الروايات التفصيلية الواردة في ذلك، ثم ذكر رواية محمد بن السائب عن زيد1 عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: "والله الذي لا إله إلا هو ما أحد إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه، وما أحد أحق به من أحد إلا عبد مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدكم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله عز وجل وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرجل وتلاده في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته في الإسلام، والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو
__________
1 هو زيد بن أسلم العدوي مولى عمر، روى عن أبيه وعن ابن عمر.
(1/199)

مكانه قبل أن يحمر وجهه - يعني في طلبه - قال: ولما رأي المال قد كثر، قال: لئن عشت إلى هذه الليلة من قابل لألحقن أخرى الناس بأولاهم حتى يكونوا في العطاء سواء، قال: فتوفى رحمه الله قبل ذلك.
ودلت الروايات على أنه فرض لأزوج النبي صلى الله عليه وسلم لكل واحدة اثنا عشر ألف درهم في السنة، ومثلها لعمه العباس، وثلاثة آلاف لأبناء المهاجرين والأنصار، فرتب العطاء حسب السبق والبلاء والحاجة.
(1/200)

أهم القضايا التي اختلفوا فيها:
1- الغنائم:
تدخل الأرض في البلاد المفتوحة عنوة في عموم الغنيمة التي قال الله فيها:
{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} 1
ويقضي هذا أن تقسم الأرض المفتوحة قسم الغنائم، فيكون أربعة أخماسها للغزاة، والخمس للمصالح العامة المذكورة في الآية.
ولما فتحت الفتوحات في زمن عمر سأله الصحابة قسمة الأرص التي فتحت عنوة بين الغانمين، ولكن عمر رأي مستقبل المسلمين في هذه البلاد، وما تحتاجه من نفقات في إدارتها، وتنظيم شئونها، وتحقيق مصالح الناس فيها، يستدعى التفكير في إبقاء هذه الأرض دون أن تقسم، حتى يبقى لمن يجيء بعد الغانمين شيء، وذلك بوقفها على مصالح المسلمين، لهذا رأي عمر ترك الأرض لأهلها على أن يوضع عليهم ما يحتملون من خراج، تكون منه أعطيات للمسلمين، وما يحتاجون إليه من نفقات للجند والقضاة، والعمال، وسد حاجة المعوزين من
__________
1 الأنفال: 41.
(1/200)

اليتامي والمساكين، ووافق عمر على رأيه جماعة من الصحابة، منهم عثمان، وعلى، ومعاذ بن جبل، وطلحة، وخالفه آخرون منهم: عبد الرحمن بن عوف، وعمار بن ياسر، وبلال، ورأوا أن تخمس الأرض، ويقسم أربعة أخماسها على الغزاة، والخمس لمن ذكروا في كتاب الله تمسكا بآية الغنيمة.
وقد حاول بعض الفقهاء تبرير فعل عمر كما رواه أبو يوسف في الخراج، وذلك لقول الله تعالى:
{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} 1، ونقل عن عمر أنه قال في هذه الآية: "فكيف أقسم لكم وأدع من يأتي بغير قسم، فأجمع على تركه، وجمع خراجه وإقراره في أيدي أهله، ووضع الخراج على أيديهم والجزية على رؤوسهم.
وقد أورد أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال، الروايات الواردة في ذلك 2، وقال: وجدنا الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده قد جاءت في افتتاح الأرضين بثلاثة أحكام: أرض أسلم عليها أهلها، فهي لهم ملك أيمانهم، وهي أرض عشر لا شيء عليهم فيها غيره3، وأرض افتتحت صلحا على خرج معلوم، فهم على ما صولحوا عليه لا يلزمهم أكثر منه. وأرض أخذت عنوة فهي التي اختلف فيها المسلمون، فقال بعضهم: سبيلها سبيل الغنيمة فتخمس وتقسم، فيكون أربعة أخماسها خططا بين الذين افتتحوها خاصة، ويكون الخمس الباقي لمن سمى الله تبارك وتعالى، وقال بعضهم: بل حكمها والنظر فيها إلى الإمام، إن رأي أن يجعلها غنيمة فيخمسها ويقسمها، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فذلك له، وإن رأي أن يجعلها فيئا فلا يخمسها ولا يقسمها، ولكن تكون موقوفة على المسلمين عامة ما بقوا كما صنع عمر بالسواد.
__________
1 الحشر: 8- 10.
2 انظر كتاب فتح الأرضين صلحها وسننها وأحكامها باب "فتح الارض تؤخذ عنوة" بالجزء الأول.
3- المراد الزكاة، وهو العشر إذا كانت تسقي بماء السيح، أو نصفه إذا كانت تسقى بالسقاية.
(1/201)

وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر يقول. لولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر" رواه البخاري. وهذا يعني أن ترك عمر قسمة السواد كان باجتهاد منه.
وقال بلال لعمر بن الخطاب في القرى التي افتتحها عنوة: اقسمها بيننا وخذ خمسها، فقال عمر: لا، هذا عين المال، ولكني أحبسه فيما يجري عليهم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه: اقسمها بيننا، فقال عمر: اللهم اكفني بلالا وذويه.
فكان حكم عمر في السواد وغيره أن جعله فيئا موقوفا على المسلمين ما تناسلوا، ولم يخمسه. وهذا الرأي الذي أشار به عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومعاذ بن جبل رحمه الله.
وبهذا أخذ الإمام مالك فقد ذهب إلى أن الأرض المفتوحة لا تقسم، بل تكون وقفا يقسم خراجها في مصالح المسلمين من أرزاق المقاتلة، وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير، إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات ان المصلحة تقتضي القسمة، فإن له أن يقسم الأرض. وحكى هذا القول ابن القيم عن جمهور الصحابة ورجحه، وقال: إنه الذي كان عليه سيرة الخلفاء الراشدين.
فالخيار في أرض العنوة إلى الإمام، إن شاء جعلها غنيمة فخمس وقسم، وإن شاء جعلها فيئا عاما للمسلمين ولم يخمس ولم يقسم.
قال أبو عبيد: وكلا الحكمين فيه قدوة ومتبع من الغنيمة والفيء، إلا أن الذي اختاره من ذلك يكون النظر فيه إلى الإمام، كما قال سفيان، وذلك أن الوجهين جميعا داخلان فيه، وليس فعل النبي صلى الله عليه وسلم براد لفعل عمر، ولكنه صلى الله عليه وسلم اتبع آية من كتاب الله تبارك وتعالى فعمل بها، واتبع عمر آية أخرى فعمل بها، وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمون من أموال المشركين، فيصير غنيمة أو فيئا، قال اللن تبارك وتعالى:
(1/202)

{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل} 1.
فهذه آية الغنيمة، وهي لأهلها دون الناس، وبها عمل النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الله عز وجل:
{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} 2. فهذه آية الفيء، وبها عمل عمر، وإياها تأول حين ذكر الأموال وأصنافها، وإلى هذه الآية ذهب على ومعاذ حين أشاروا عليه بما أشارا، فيما نرى. والله أعلم.
والذي أورده أبو يوسف في الخراج في "فصل الفيء والخراج" يوضح هذا المعنى الأخير الذي أورده أبو عبيد في تأويل عمر لآية الفيء. فقد روى أبو يوسف عن محمد بن إسحاق عن الزهري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار الناس في السواد - أي أرض العراق - حين افتتح، فرأى عامتهم أن يقسم. وكان بلال بن رباح من أشدهم في ذلك، وكان رأي عمر رضي الله عنه أن يتركه ولا يقسمه، فقال: اللهم اكفني بلالا وأصحابه، ومكثوا في ذلك يومين أو ثلاثة أو دون ذلك. ثم قال عمر رضي الله عنه: إني قد وجدت حجة.
__________
1 الأنفال: 41.
2 الحشر: 7- 10.
(1/203)

قال الله تعالى في كتابه: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،} 1 حتى فرغ من شأن بني النضير، فهذه عامة في القرى كلها، ثم قال الله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ،} 2 ثم قال: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون} 3 ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم فقال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} 4 فهذا فيما بلغنا والله أعلم للأنصار خاصة ثم لم يرض حتى خلط بهم غيرهم، فقال: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ،} 5 فكانت هذه عامة لمن جاء بعدهم. فقد صار هذا الفيء بين هؤلاء جميعا، فكيف نقسم لهؤلاء وندع من تخلف بعدهم بغير قسم؟ فأجمع على تركه وجمع خراجه.
قال أبو يوسف: والذي رأي عمر رضي الله عنه من الامتناع من قسمة الأرضين بين من افتتحها عندما عرفه الله ما كان في كتابه من بيان ذلك توفيقا من الله كان له فيما صنع وفيه كانت الخيرة لجميع المسلمين وفيما رآه من جمع خراج ذلك وقسمته بين المسلمين عمود النفع لجماعتهم، لأن هذا لو لم يكن موقوفا.
__________
1 الحشر: 6.
2 الحشر: 7.
3 الحشر: 8.
4 الحشر: 9.
5 الحشر: 10.
(1/204)

على الناس من الأعطيات والأرزاق لم تشحن الثغور ولم تقو الجيوش على السير في الجهاد، ولما أمن رجوع أهل الكفر إلى مدنهم إذا خلت من المقاتلة والمرتزقة، والله أعلم بالخير حيث كان.
ونقل أبو عبيد رأيا آخر، وهو أن عمر رضي الله عنه إنما فعل ذلك برضا من الذين افتتحوا الأرض حيث استطاب نفوسهم، فإن الأرض حق الغانمين بنص الآية، فلولا أن عمر استطاب نفوسهم لما وسعه أن يحرمهم حقهم.
(1/205)

2- حد الخمر:
كان العمل قبل خلافة عمر في عقوبة شارب الخمر على الضرب بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، دون حد مقدر، حيث لم يفرض الرسول صلى الله عليه وسلم في الخمر حدا، ولم يسن سنة، فلما جاء عمر استشار الناس بعد أن كثر شرب الخمر، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر.
روى عن السائب بن زيدأنه قال: "كنا نؤتي بالشارب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إمره أبي بكر، وصدرا من إمرة عمر، فتقوم إليه نضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمره عمر فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين". رواه البخاري وأحمد.
وعن علي رضي الله عنه أنه قال: "ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت وأجد في نفسي منه شيئا إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه". متفق عليه.
فلما كان عهد عمر ورأي الناس قد انهمكوا في الخمر، واستخفوا العقوبة، استشار الصحابة كعادته في ذلك، فأشار عليه بعضهم بالجلد ثمانين لأنه أخف الحدود، وهو حد القذف فأمر به عمر.
(1/205)

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدة نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر. متفق عليه، واللفظ لمسلم.
قال ابن دقيق العيد: وفيه دليل على المشاورة في الأحكام والقول فيها بالاجتهاد، وقيل: إن الذي أشار بالثمانين هو على بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد يستدل به من يرى الحكم بالقياس أو الاستحسان.
وأخرج مالك في الموطأ أن عمر استشار الناسفي الخمر فقال له على بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، فجلد عمر في الخمر ثمانين. قال ابن حجر وهذا حديث معضل. وقد وصله النسائي والطحاوي - وأنكره ابن حزم وفي معناه نكارة، لأنه قال: إذا هذي افترى، والهاذي لا يعد قوله فرية، لأنه لا عمد له، ولا فرية إلا عن عمد، والثابت الصحيح أن الذي أشار بالجلد ثمانين عبد الرحمن بن عوف كما في الحديث المتفق عليه.
وذكرت بعض الروايات سبب استشارة عمر، أخرج أبو داود والنسائي: "أن خالد بن الوليد كتب إلى عمر، إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة. قال: وعنده المهاجرون والأنصار، فسألهم، فأجمعوا على أن يضرب ثمانين".
وحكاية الإجماع هذه عن الحاضرين، لم تثبت فإن الخلاف كان قائما في حد الخمر ولا زالهذا الخلاف بين الفقهاء كذلك، فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية والشافعي في أحد قوليه إلى أنه يجب الحد على السكران ثمانين جلدة للإجماع عليه في عهد عمر، وذهب أحمد في رواية والشافعي في المشهور عنه وداود إلى أنه أربعون لأنها التي كانت في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وزمن أبي بكر،
(1/206)

ودعوى اجماع الصحابة غير مسلمة فقد جلد على الوليد بن عقبة أربعين، وكأنه عدل عن إجتهاده السابق.
(1/207)

3- ربا الفضل:
حرم الله الربا في قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} 1 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ، وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 2، والربا الذي كان معلوما في الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلا من الأجل، وهذا الذي يسمى بالربا الجلي، أو ربا الديون، أو ربا النسيئة، ولا خلاف فيه.
واختلفوا في ربا الفضل.
فذهب ابن عباس إلى أن الربا المحرم هو ربا النسيئة، وأن ربا الفضل جائز لا حرمة فيه، ووافقه على ذلك بعض الصحابة ذكر منهم أسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، وابن الزبير.
قال ابن قدامة في المغني: وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة، فحكى عن ابن عباس وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم وابن الزبير أنهم قالوا: إنما الربا في النسيئة لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا ربا إلا في النسيئة" رواه البخاري. وفي رواية لمسلم "إنما الربا في النسيئة" ثم قال: والمشهور من ذلك قول ابن عباس. ثم إنه رجع إلى قول الجماعة.
__________
1 البقرة: 275.
2 البقرة: 277- 280.
(1/207)

وفي حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد". وفي رواية أبي سعيد الخدري "فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء".
والثابت الذي لا مجال للجدل فيه إجماع التابعين على تحريم ربا الفضل، وهذا الإجماع يرفع قول ابن عباس وغيره.
(1/208)

4- الطلاق الثلاث:
وأمضى عمر بن الخطاب الطلاق الثلاث على خلاف ما كان عليه الأمر قلبه روى مسلم في صحيحه عن طاوس عن ابن عباس، أنه قال:
كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر - طلاق الثلاث - واحدة فقال عمر بن الخطاب: "إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم" فأمضاه عليهم".
وفي رواية: أن أبا الصهباء قال لابن عباس، هات من هناتك1، ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق، فأمضاه وأجازه عليهم.
فعمل عمر كما ترى، كان بناء على سد الذرائع، لأن الناس قد تتابعوا فيما حرم الله عليهم، فاستحقوا العقوبة على ذلك، فعوقبوا بلزومه، فإن سنة الطلاق مرة بعد أخرى حيث يتاح للزوجين فرصة التراضي والوفاق.
__________
1 هناتك: أشياؤك. جمع هن كأخ، وهو الشيء، فكأنه قال: هات من الأشياء التي عندك.
(1/208)

ولم يتفق الصحابة على ذلك بل وافق عمر معظم الصحابة وخالفه آخرون منهم على وأبو موسى وابن عباس والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف.
وفي هذا اختلاف مشهور عند العلماء على مذاهب:
المذهب الأول: إذا طلق الرجل زوجه ثلاثا بلفظ واحد وقعت ثلاثا دخل بها أو لا.
المذهب الثاني: إذا طلق الرجل زوجه ثلاثا بلفظ واحد وقعت واحدة دخل بها أو لا.
المذهب الثالث: إذا طلق الرجل زوجه ثلاثا بلفظ واحد فإنه يقع في المدخول بها ثلاثا وفي غير المدخول بها واحدة.
المذهب الرابع: عدم وقوع الطلاق مطلقا لأن إيقاع الطلاق على ذلك الوجه بدعة محرمة.
(1/209)

5- صلاة التراويح:
ومما ينسب إلى عمر جمع الناس على صلاة التراويح في رمضان.
وقد جاء قيام رمضان عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى رسول الله بصحابته جماعة، ثم ترك ذلك مخافة أن تجب عليهم.
وقد صلاها الناس فرادي في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر، فخرج عمر ليلة فرأى الناس أوزاعا يصلون في المسجد، فقال: لو جمعتهم على إمام، فأمر أبي بن كعب فصلى بهم، ثم خرج ليلة أخرى فرآهم مجتمعين على أبي بن كعب فسر بهم.
كما ينسب إليه زيادة النفل في رمضان أو غيره على إحدى عشرة ركعة إلى عشرين ركعة أو أكثر، وهذا أمر لم يتم الاتفاق عليه.
(1/209)

ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضي صلاة الفجر أقبل على الناس ثم تشهد فقال: "أما بعد فإنه لم يخف على شأنكم الليلة، ولكن خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها".
وفي رواية لمسلم: "وذلك في رمضان" وفي رواية البخاري: "فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك".
وروى البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القاريء أنه قال: "خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله" 1
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة. وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح، وقد تنقسم إلى الأقسام الخمسة".
ولمالك في الموطأ عن يزيد بن رومان قال: "كان الناس في زمن عمر يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة".
__________
1 القاري: بتشديد الياء، ينسب إلى القارة، وهي قبيلة مشهورة بجودة الرمي.
(1/210)

وأخرج البخاري وغيره عن عائشة قالت: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا".
وقد استنبط عمر من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم من صلى معه في الليالي الثلاث مشروعية التجمع لصلاة التراويح، وإنما كره الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك لهم خشية أن تفرض عليهم، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم حصل الأمن من ذلك، وترجح لدى عمر التجمع، لما في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأن الاجتماع على واحد انشطة لكثير من المصلين.
وإلى قول عمر جنح الجمهور وعن مالك في إحدى الروايتين وأبي يوسف وبعض الشافعية: الصلاة في البيوت أفضل عملا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
(1/211)

6- الطلاق عند اختلاف الزوجين في الحرية والرق:
واختلفوا في الطلاق عند اختلا الزوجين في الحرية والرق، فأفتى عثمان ابن عفان، وزيد بن ثابت وعمر وابن عباس: بأن الحرة تكون زوجة للعبد تحرم الحرمة المؤبدة بطلقتين، واعتبر الطلاق بالزوج، لأنه الموقع للطلاق، وهو الذي بيده عصمة النكاح، فاعتبروا الطلاق بالرجل، وخالفهم على وابن مسعود فقالا: لا تحرم إلا بثلاث تطليقات: أما الأمة تكون زوجة للحر فتحرم بطلقتين، فاعتبروا الطلاق بالزوجة، لأنها هي التي وقع عليها الطلاق.
(1/211)

7- عدة الحامل المتوفى عنها زوجها:
قال الله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} 1.
وقال: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} 2؛ فقال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذكر الله في المطلقات أن عدة الحوال أن يضعن حملهن، وذكر في المتوفى عنها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا، فعلى الحامل المتوفي عنها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا، وأن تضع حملها حتى تأتي بالعدتين معا؛ فهي تعتد بآخر الأجلين، إذ لم يكن وضع الحمل إنقضاء للعدة نصا إلا في الطلاق، وروي هذا عن علي وابن عباس وأبي السنابل، يقول غيرهم: إذا وضعت ذات بطنها فقد حلت.
وروى البخاري والنسائي عن ابن مسعود أنه قال: من شاء باهلته، إن سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة النساء الطولي -يعنى البقرة- ومآله تخصيص آية البقرة بآية الطلاق.
روى الجماعة إلا أبا داود وابن ماجه عن أم سلمة: "أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة كانت تحت زوجها، فتوفي عنها وهي حبلى، فخطبها أبو السنابل ابن بعكك، فأبت أن تنكحه، فقال: والله ما يصلح أن تنكحي حتى تعتدي آخر الأجلين. فمكثت قريبا من عشر ليال ثم نفست، ثم جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أنكحي".
وجاء في رواية أخرى للجماعة إلا الترمذي في معناه من رواية سبيعة قال: "فأتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي".
__________
1 الطلاق: 4.
2 البقرة: 234.
(1/212)

8- وقت وقوع الطلاق في الإيلاء:
قال الله تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} 1.
فقال كثير من الصحابة إذا مضت أربعة أشهر وقف المولى؛ فإما أن يفيء وإما أن يطلق، وهذا مذهب ابن عمر رواه البخاري، وقال: ويذكر عن عثمان، وأبي الدرداء، وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وروي عن غيرهم من الصحابة: عزمة الطلاق انقضاء أربعة أشهر، وهو قول ابن مسعود وزيد بن ثابت وعلي.
عن ابن عمر قال: "إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق، يعني المولى" أخرجه البخاري وقال: ويذكر ذلك عن عثمان وعلى وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أحمد بن حنبل في رواية أبي طالب، قال عمر وعثمان وعلي وابن عمر: يوقف المولى بعد الأربعة فإما أن يفي وإما أن يطلق".
وأخرج الطبري عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت، أنها إذا مضت أربعة أشهر ولم يفئ طلقت طلقة بائنة، وروي عن ابن عباس مثل ذلك.
(1/213)

9- النفقة والسكنى للمبتوتة:
أفتى عمر بن الخطاب بأن المبتوتة لها النفقة ولها السكنى ولما بلغه حديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها نفقة ولا سكنى بعد الطقة الثالثة، قال: "لا نترك كتاب ربنا لقول امرأة لعلها حفظت أو نسيت".
(1/213)

وكتاب الله قوله تعالى: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة} 1. وأفتى غيره بألا نفقه لها ولا سكنى، احتجاجا بحديث فاطمة بنت قيس، وقد جاء فيه، إن زوجها طلقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له؛ فقال: "ليس لك عليه نفقة ولا سكنى". فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك.
وأفتى آخرون بألا نفقة لها ولا سكنى إلا إذا كانت حاملا لمفهوم قوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} 2.
وتحقيق هذه المسألة، أنه إذا طلق الرجل زوجه؛ فإما أن يكون الطلاق رجعيا أو بائنا، فإن كان الطلاق رجعيا كان لها النفقة والسكنى بلا خلاف؛ لأن ملك النكاح قائم، وإن كان الطلاق بائنا وكانت حاملا فلها النفقة إجماعا لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ} ، واختلفوا إذا كانت مبتوتة غير حامل.
والثابت أنه ما كان للمطلقة المبتوتة نفقة ولا سكنى لا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في عهد أبي بكر، لحديث فاطمة بنت قيس، روى مسلم ومالك في الموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب؛ فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال: "ليس لك عليه نفقة". وفي رواية "لا نفقة لك ولا سكنى" وفي رواية: "فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في السكنى والنفقة، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة".
ولكن عمر رضي الله عنه فهم من عموم قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ، لا
__________
1 الطلاق: 1.
2 الطلاق: 6.
(1/214)

تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} 1.
وقوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنّ} 2. فهم عمر من هاتين الآيتين أن لا فرق بين رجعية ومبتوتة، فجعل للمبتوتة النفقة السكنى، ولما بلغه أن فاطمة بنت قيس تحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها نفقة ولا سكنى، قال: "لا نترك كتاب ربنا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، قال الله تعالى: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِن} 3.
وما جاء في بعض الروايات من زيادة "وسنة نبينا" غير صحيح، فإن السنة الثابتة في حديث فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها نفقة ولا سكنى، ووافق عمر على ذلك بعض الصحابة كعائشة وابن مسعود وابن عمر، وخالفه آخرون.
وبرأي عمر أخذ أبو حنيفة، وقال مالك والشافعي: لها السكنى دون النفقة، وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور وابن أبي ليلى لا نفقة لها ولا سكني لأن الآية لا تتناول المطلقة البائنة.
__________
1 الطلاق: 1.
2 الطلاق: 6.
3 رواه مسلم ومالك وأبو داود والنسائي والترمذي.
(1/215)

10- ميراث الجد مع الإخوة:
واختلفوا في الجد، فقال زيد بن ثابت وهو المروي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود: يورث معه الإخوة على اختلاف بينهم في كيفية التوريث، وقال أبو بكر، وروي عن عائشة، وابن الزبير، وابن عباس، وعمران بن حصين، وعبد الله ابن عقبة، أنهم جعلوه أبا، وأسقطوا الإخوة معه.
(1/215)

11- ميراث الأخوات مع البنات:
وروى عن معاذ بن جبل، وابن مسعود، وعمر، وعلي، وزيد وجمهور من الصحابة أن الأخوات لأبوين، أو لأب عصبة مع البنات، وإن لم يكن معهم أخ، لهن ما فضل وليست لهن معهن فريضة مسماة.
وروي عن ابن عباس أنه كان لا يجعل الأخوات مع البنات عصبة؛ فقال في بنت وأخت، للبنت النصف ولا شيء للأخت، فقيل له: إن عمر قضى بخلا ذلك جعل للأخت النصف، فقال: ابن عباس: أنتم أعلم أم الله؟ يريد قول الله سبحانه {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} 1
فإنما جعل لها الميراث بشرط عدم الولد.
كما اختلفوا في الكلالة ومسائل أخرى من الميراث وغيره.
__________
1 النساء: 176.
(1/216)

12- المشركة:
لهذه المسألة عند القائلين بالتشريك أربعة أركان:
1- أن يكون فيها زوج.
2- أن يكون فيها أم أو جدة.
3 أن يكون فيها اثنان أو أكثر من أولاد الأم.
4 أن يكون فيها عصبة أشقاء أي إخوة من الأب والأم.
فقد رفعت هذه القضية أول الأمر إلى عمر فقضى فيها على الأصل المشهور من قبله، وهو سقوط العاصب إذا استغرقت الفروض التركة، ثم رفعت إليه قضية مثلها في العام التالي فشرك بين الإخوة للأم والإخوة للأب والأم، جعل الثلث بينهم سواء؛ فلما سئل عن قضائه الأول قال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي. ووافقه على ذلك: زيد بن ثابت، وعثمان بن عفان، وابن مسعود
(1/216)

وغيرهم، وهو مذهب مالك والشافعي، وخالفه علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وأبو موسى الأشعري، ورواية عن ابن عباس، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد.
(1/217)

13- العول في الميراث:
هو ازدحام فروض لا يتسع لها المال، أي زيادة في السهام، ونقصان في الأنصبة؛ ذلك أن جميع الفرائض لا تخرج عن ثلاثة أمور.
1- عادة: وهي التي تستوي فيها السهام مع الأنصبة، وتستغرق جميع المال بغير زيادة.
2- قاصرة: وهي نقصان من الأسهم وزيادة في الأنصبة.
3 عائلة: وهي أن تزيد الأسهم وتنقص الأنصبة، فهي عكس الأولى، أي القاصرة.
وأول مسألة عائلة هي: زوج وأختان، وذلك أنه في عهد عمر رضي الله عنه، ماتت امرأة عن زوج وأختين، فرفع أمرهم إلى عمر، فالتبس عليه الأمر ثم اجتهد وحكم بالعول.
وقيل: إن أول مسألة عائلة حدثت في زمن عمر هي: زوج وأخت وأم. ولم يؤثر أنه وجد عول في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في عهد أبي بكر؛ وإنما حدث هذا لأول مرة في عهد عمر. فجمع الصحابة رضي الله عنهم، وقال: فلم فرض الله للزوج النصف، وللأختين الثلثين، فإن بدأت بالزوج لم يبق للأختين حقهما، وإن بدأت بالأختين لم يبق للزوج حقه، فأشيروا علي؛ فأشار عليه العباس رضي الله عنه بالعول.
روى الزهري عن ابن عباس أنه قال: أول من أعال الفرائض عمر بن الخطاب، لما التوت عليه، ودافع بعضها بعضا، قال: والله ما أدري أيكم قدم الله.
(1/217)

وأيكم أخر؟ وكان امرءا ورعا؛ فقال: ما أجد شيئا هو أوسع لي سوى أن أقسم المال عليكم بالحصص، وأدخل على كل ذي حق ما دخل عليه من عول الفريضة.
وقد وافق عمر رضي الله عنه على رأيه هذا جمهور الصحابة، علي، والعباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، ولم يظهر الخلاف إلا ابن عباس رضي الله عنهما؛ فإنه رأي أن بعض الفرائض أقوى من بعض، فبعضها لا يحجب ولا يقبل السقوط أبدا، وبعضها يقبل السقوط، ولا شك أن الفرائض التي لا تقبل السقوط أقوى؛ فهي جديرة بأن تأخذ حقها كاملا وتقدم على الأضعف، وما بقي يقسم على بقية الورثة، ولا نحتاج إلى العول.
وروي أن ابن عباس لم يظهر رأيه هذا إلا بعد وفاة عمر.
(1/218)

أسباب الاختلاف في الفتوى:
من نصوص الشريعة الإسلامية ما هو ظني الثبوت والدلالة، أو ظني الدلالة قطعي الثبوت، وهذه وتلك هي التي تكون مجالا للاجتهاد حتى يستنبط الحكم منها بوجه وجوه الدلالة اللغوية في ضوء قواعد الشريعة العامة ونصوصها القطعية.
ويجد الناس من الأقضية ما لم يرد فيه نص أو ما لا يطلع المجتهد على ما ورد فيه ولم يقع الاتفاق على حكمه، وهذا كذلك يعمل فيه المجتهد رأيه ليتعرف على حكمه.
وحيث تتفاوت العقول والأفهام، وتختل وجوه الدلالة؛ فإنه لا يتأتى الاتفاق إنما يكون الاختلاف، ومن فضل الله على هذه الأمة أن حفظ لها دينها في أصول العقيدة والعبادة، وقواعد الشريعة بما ورد من نصوص قطعية الثبوت والدلالة لا مجال للاختلاف فيها؛ وإنما كان الاختلاف في الفرعيات.
(1/218)

ومن العلماء من يرى أن مثل هذا الاختلاف في مسائل الفروع أمر لا بأس به؛ بل هو من محاسن الشريعة؛ فهذا أمر محمود يدل على يسر الشريعة وسعة أحكامها، مما أكسب الفقه الإسلامي جدة وحيوية، وأيد هؤلاء ما ذهبوا إليه بنصين.
النص الأول: ما روي من طريق سلام بن سليم قال: حدثنا الحارث بن عضين عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وهو حديث موضوع رواه ابن عبد العبر في "جامع بيان العلم" ورواه ابن حزم في "الأحكام" وقال ابن عبد البر: هذا إسناد لا تقوم به حجة، لأن الحارث بن عضين مجهول، وقال ابن حزم: هذه رواية ساقطة، أبو سفيان ضعيف، والحارث بن عضين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليم يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك.
النص الثاني: "اختلاف أمتي رحمة" وهذا النص لا أصل له، ولم يقف له المحدثون على سند، حتى قال السيوطي في الجامع الصغير: "ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا".
- ومن العلماء من يذم الاختلاف وأيد هذا بأدلة كثيرة، من الكتاب والسنة، وقد تناول ابن حزم هذا بالبيان1؛ فذكر أن الاختلاف لا يسوغ البتة ولا يجوز؛ فإن الفرض علينا إتباع ما جاء به القرآن، وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد غلط قوم؛ فقالوا: الاختلاف رحمة، وهذا من أفسد قول يكون، لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا، وهذا ما لا يقوله مسلم، لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط، وقد قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} 2.
__________
1 انظر "الباب الخامس والعشرون في ذم الاختلاف" ج 5، ص 642، ط الإمام- الإحكام في أصول الأحكام.
2 هود: 118، 119.
(1/219)

وأمر تعالى بالاعتصام بحبله {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} 1، ونهى عن التفرق والاختلاف {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 2؛ فإن الاختلاف يوهن شأن الأمة، ويذهب بهيبتنا، ويعصف بكيانها {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} 3. وفي هذا جاء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا". رواه مسلم. وبين صلى الله عليه وسلم ما يؤدي إليه الاختلاف من هلاك الأمم فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم".
والحق أن الاختلاف في الفروع لا مندوحة عنه، وأن مثل هذا الاختلاف لا يكون مذموما ما دام مستندا إلى وجه الاستدلال، وليس هناك دليل أرجح؛ إنما يذم الاختلاف الذي يذكيه الهوى، ويؤججه التعصب، فيعمى أصحابه عن الدليل، ويحول بينهم وبين الرضوخ للحق عند تعارض الأدلة ومعرفة الراجح منها. وإذا تم الاتفاق فإنه يكون نعمة ورحمة.
وقد ألف العلماء قديما وحديثا في اختلاف الفقهاء وبينوا أسبابه، وذكروا أمثلته وما يجوز فيه الاختلاف وما لا يجوز، ومن ذلك: "تخريج الفروع على الأصول للإمام شهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني المتوفي سنة 656هـ "4"، و"رفع الملام عن الأئمة الأعلام" لشيخ الإسلام ابن تيمية "ت 728 هـ" و"التمهيد" في تخريج الفروع على الأصول للإمام جمال الدين أبي محمد عبد الرحيم بن الحسين الإسنوي المتوفى سنة 772هـ5 الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف"
__________
1 آل عمران: 103.
2 آل عمران: 105.
3 الأنفال: 46.
4 حققه الدكتور محمد أديب صالح - ط مؤسسة الرسالة.
5 حققه الدكتور محمد حسن هيتور طمؤسسة الرسالة.
(1/220)

لولي الله ابن أحمد الدهلوي، و"ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين" للشيخ عبد الجليل عيسى. و"أسباب اختلاف الفقهاء" للأستاذ على الخفيف و"أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء" للدكتور مصطفى الخن و"أسباب اختلاف الفقهاء" للدكتور عبد الله التركي.
وترجع أسباب هذا الاختلاف إلى أمور منها:
1- تفاوت الصحابة في فهم ما أجمل من القرآن، ومن أمثلة ذلك:
أ- تردد اللفظ بين معنيين؛ وذلك مثل كلمة "قرء" الواردة في قوله تعالى بيانا لعدة المطلقات ذوات الحيض {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء} 1 فإنها مشتركة بين الحيض والطهر، وثبت ورودها في كلام العرب لهما على حد سواء؛ فقالت عائشة: القروء: الأطهار، وقال بمثل قولها زيد بن ثابت وابن عمر وغيرهما، وبه قال مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وقال عمر، وابن مسعود، ونفر من الصحابة، المراد بها الحيض؛ فلا يحلوا المطلقة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة.
قال ابن القيم في زاد المعاد، وهذا قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وأبي موسى، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وابن عباس، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم. وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد.
وهذا هو الذي يعرف بالمشترك اللفظي، وهو اللفظ الموضوع لكل واحد من معنيين فأكثر، كالعين؛ فإنه وضع للباصرة، ووضع للجارية، ووضع للذهب، ووضع لذات الشيء، ولغير ذلك من المعاني، وكالجون فإنه وضع للأبيض، ووضع للأسود، وكالقارء فإنه يطلق على الطهر ويطلق على الحيض.
ب- احتمال الترتيب لوجهين كما في آية الإيلاء فإنه قوله تعالى: {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} 2،
__________
1 البقرة: 227.
2 البقرة: 226، 227.
(1/221)

يحتمل أن يكون مرتبا على ما قبله ترتيب المفصل على المجمل؛ فتكون الفاء للترتيب الذكري، فيكون الفيء في المدة، فإذا انقضت بدون فيء فيها وقع الطلاق بمضيها، ويحتمل أن تكون الفاء للترتيب الحقيقي. فتكون المطالبة بالفيء أو الطلاق عقب مضي الأجل المضروب.
جـ- ما يوهم ظاهره التعارض بين حكمين، لتردده بينهما، كعدة الحامل المتوفى عنها زوجها؛ فإنها مترددة بين أن تشملها آية معتدة الوفاة التي تتربص أربعة أشهر وعشرا، وآية معتدة الطلاق التي جعلت عدة الحامل وضع الحمل.
ومن ذلك: الخلاف في الجمع بين الأختين بملك اليمين؛ فقد قال الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُم} إلى قوله {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} 1.
وقال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} 2؛ فالآية الأولى بعمومها تحرم الجمع بين الأختين مطلقا، بعقد النكاح أو بملك اليمين، والآية الثانية بعموم الاستثناء فيها تجيز الجمع بين الأختين بملك اليمين؛ فكان التعارض بين عموم الآيتين، وفي هذا وقع الاختلاف.
فذهب جمهور الصحابة إلى تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين وقالوا: إن آية النساء ناسخة لعموم الاستثناء الوارد في آية "المؤمنون".
وتوقف بعضهم في ذلك، أو قال بالجواز، فروي عن عثمان وابن عباس أنهما أباحا ذلك وقالا: أحلتهما آية، وحرمتهما آية. وقال الشعبي: سئل على عن ذلك فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية؛ فالحرام أولى.
روى الإمام مالك عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية، وما كنت لأمنع ذلك.
__________
1 النساء: 23.
2 المؤمنون: 5، 6.
(1/222)

وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال علي بن أبي طالب: حرمتهما آية وأحلتهما آية.
ومن ذلك التزوج بالكتابيات؛ فقد قال تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِن} 1.
وقال: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} 2؛ فالآية الأولى بعمومها تحرم على المسلمين نكاح المشركات، والآية الثانية تحل نكاح الكتابيات فاختلفوا في نكاح الكتابيات.
ذهب جمهور الصحابة إلى جواز نكاح الكتابيات، استنادا إلى آية المائدة وجعلوا آية البقرة في المشركات غير الكتابيات؛ ذلك لأن قوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} لا يخلو من أحد معنيين: إما أن يكون إطلاقه مقتضيا لدخول الكتابيات فيه، أو مقصورا على عبدة الأوثان غير الكتابيات؛ فإن كان إطلاق اللفظ يتناول الجميع فإن قوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} يخصه وإن كان مقصورا، على عبدة الأوثان حيث فصل المشركون عن أهل الكتاب في مواضع كثيرة من القرآن، كقوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} 3 وهذا ينفي التعارض وقد تزوج جماعة من الصحابة نساء اليهود والنصارى ولم يروا بذلك بأسا.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز نكاح الكتابيات استنادا لآية البقرة، وهو رأي ابن عمر؛ فقد كان لا يرى التزويج بالنصرانية، ويقول: لا أعلم شركا أعظم من أن تقول: إن ربها عيسى، وقد قال الله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِن} 4.
وعن ميمون بن مهران قال: قلت لابن عمر: إنا بأرض يخالطنا فيها أهل الكتاب أفننكح نساءهم، ونأكل طعامهم؟ قال: فقرأ على آية التحليل وآية
__________
1 البقرة: 221.
2 المائدة: 5.
3 البينة: 1.
4 البقرة: 221.
(1/223)

التحريم، قال: قلت: إني أقرأ ما تقرأ أفتنكح نساءهم ونأكل طعامهم؟ قال: فأعاد على آية التحليل وآية التحريم، قال الجصاص: وهذا يعني أنه توقف.
2- تفاوتهم في السماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم والتحري في الأخذ بالسنة، والاجتهاد في فهمها، ولذل أمثلة كثيرة منها:
أ- أن يكون الصحابي قد سمع حكما أو فتوى من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يسمع الآخر ذلك الحديث؛ فيجتهد برأيه، وقد يوافق اجتهاده الحديث، وقد يخالفه؛ فكان حكم الاستئذان عند أبي موسى وجهله عمر، وكان حكم الجدة عند المغيرة ومحمد بن مسلمة، وجهله أبو بكر وعمر، وكان حكم أخذ الجزية من المجوس عند عبد الرحمن بن عوف وجهله جمهور من الصحابة.
إنه لما سئل أبو بكر رضي الله عنه عن ميراث الجدة قال: "مالك في كتاب الله من شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من شيء، ولكن أسأل الناس، فسألهم؛ فقام المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهما، فشهدا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، وقد بلغ هذه السنة عمران بن حصين رضي الله عنه أيضا. كما رواه أبو داود والترمذي من حديث قبيصة بن ذؤيب مرسلا وله طرق مرسلة منها حديث عمران بن حصين.
وكذلك عمر رضي الله عنه لم يكن يعلم سنة الاستئذان حتى أخبره بها أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، واستشهد بالأنصار. رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري. ولم يكن يعلم حكم المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" رواه البخاري وأحمد, وأبو داود والترمذي والشافعي.
وقضى عمر كذلك في دية الأصابع أنها مختلفة بحسب منافعها، وقد كان عند أبي موسى وابن عباس -وهما دونه بكثير في العلم- بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هذه وهذه سواء، يعني الإبهام والخنصر". رواه البخاري وأبو داوود
(1/224)

والنسائي وابن ماجه، ولم يكن ذلك عيبا في حق عمر حيث لم يبلغه الحديث.
ب- أن يبلغه الحكم، أو الحديث ولكنه يقع في نفسه أنه راوي الخبر قد وهم، كفعل عمر في خبر فاطمة بنت قيس.
جـ- أن يرى الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم فعل فعلا فيحمله بعضهم على القربة، ويحمله بعضهم على أنه كان على وجه الاتفاق أو لسبب زال فلا يكون مطلوبا لأمته، كالرمل في الطواف، فذهب ابن عباس إلى أن الرسول فعله لسبب وهو قول المشركين عن المسلمين: أوهنتهم حمى يثرب، فذهب بذهاب سببه، وليس بسنة. وقال غيره: إنه سنة.
ومن ذلك التحصيب في الحج وهو النزول في الأبطح بعد النفر من "منى".
قال ابن القيم في زاد الميعاد: وقد اختلف السلف في التحصيب هل هو سنة أو منزل اتفاق؟ على قولين:
فقالت طائفة هو من سنن الحج، فإن في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أراد أن ينفر من منى "نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر"، يعني بذلك المحصب؛ وذلك أن قريشا وبني كنانة تقاسموا على بني هاشم وبني المطلب، ألا يناكحوهم ولا يكون بينهم وبينهم شيء حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصد النبي صلى الله عليه وسلم إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر الكفر، والعداوة لله ورسوله، وهذه كانت عادته صلى الله عليه وسلم أن يقيم شعائر التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك، كما أمر النبي صلى الله عليه وسم أن يبني مسجد الطائف موضع اللات والعزي- قالوا: وفي صحيح مسلم عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا ينزلونه" وفي رواية لمسلم عنه: أنه كان يرى التحصيب سنة.
وقال البخاري عن ابن عمر: "كان يصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء،
(1/225)

ويهجع ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك"، وذهب آخرون منهم ابن عباس وعائشة إلى أنه ليس بسنة وإنما هو نزل اتفاق؛ ففي الصحيحين عن ابن عباس، "ليس المحصب بشيء، وإنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه".
وفي صحيح مسلم عن أبي رافع: لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنزل بمن معنى بالأبطح ولكن أنا ضربت قبته، ثم جاء فنزل؛ فأنزله الله بتوفيقه تصديقا لقول رسوله: "نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة" وتنفيذا لما عزم عليه، وموافقة منه لرسوله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج الستة عن هشام بن عروة عن أبيه عروة عن عائشة قالت: إنما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمحصب ليكون أسمح لخروجه، وليس بسنة؛ فمن شاء نزله، ومن شاء لم ينزله.
أو تختلف وجهة نظرهم في فعل الرسول كما حصل في حجه؛ فذهب بعضهم إلى أنه كان قارنا، وبعضهم إلى أنه كان متمتعا، وبعضهم إلى أنه كان مفردا.
د- أن يجتهد أحدهم حين لا يجد نصا، ثم يظهر النص بخلاف ما رأى.
أخرج مسلم أن ابن عمر: كان يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، فسمعت عائشة بذلك فقالت: "عجبا لابن عمر، كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات".
وسئل أبو موسى الأشعري عن ابنه، وابنة ابن، وأخت؛ فقال: "للابنة النصف، وللأخت النصف، وأما ابن مسعود فسيتابعني، فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت، وقد رجع أبو موسى لفتوى ابن مسعود، وقال لما أخبر.
(1/226)

بها: لا تسألوني ما دام هذا الخبر فيكم. والحديث رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي:
هـ- أن يجتهد بعضهم في التوفيق بين القرآن والسنة لمعنى معتبر كالمشركة في الميراث فقد جاء في القرآن قول الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} 1 ولا خلاف بين العلماء في أن هذه الآية في ولد الأم. وجاء في الحديث المتفق عليه "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فللأولى رجل ذكر"؛ فلما رأى عمر في المشركة أن الإخوة الأشقاء لا يبقى لهم شيء وقد اجتمعوا مع ولد الأم وقرابتهم أقوى جعل الأشقاء شركاء لولد الأم؛ إذ إن أدنى أحوال الأقوى أن يشارك الأضعف، ولما قال له زيد بن ثابت: هب أن أباهم كان حمارا، أو قال أحدهم: هب أن أبانا كان حجرا في اليم، رأي عمر أن التشريك بينهم في الثلث هو العدل يقسم بينهم بالسوية ذكورهم كإناثهم وسميت هذه الفريضة بالمشركة، أو المشتركة، أو الحمارية، أو الحجرية، أو اليمية.
3 تفاوتهم في الاجتهاد حيث لا نص:
ومن ذلك مسائل في الميراث منها الغراوية، وتتكون من زوج وأب وأم، أو من زوجة وأم وأب؛ فلها صورتان، وتلقبان بالغراويتين -لشهرتهما كالكوكب الأغر، وبالغريمتين، لأن كلا من الزوجين كالغريم صاحب الدين، وبالعمريتين، لأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان أول من قضى فيها للأم بثلث الباقي، وبالغريبتين لغرابتهما بين مسائل الفرائض. روى البيهقي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كان عمر رضي الله عنه إذا سلك بنا طريقا وجدناه سهلا، وإنه أتى في امرأة وأبوين فجعل للمرأة الربع، وللأم ثلث ما بقي.
__________
1 النساء: 12.
(1/227)

لقد فرض الله للأم مع عدم الفرع الوارث والعدد من الإخوة الثلث، قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} 1. ولم توضح الآية حكم ما إذا وجد مع الأبوين أحد الزوجين، ولم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء في ذلك، ولم يحدث هذا في عهد أبي بكر؛ فلما حدث في عهد عمر، اجتهد في المسألة، ورأى أنه لو أعطى في الصورة الأولى الزوج النصف والأم الثلث لم يبق للأب غير السدس، وهذا يتنافى مع قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن} 2 ولو أعطى في الصورة الثانية الزوجة الربع والأم الثلث والأب الباقي؛ فإنه لا يفضلها إلا بواحد من اثني عشر، وهذا لا يحقق معنى {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن} فرأى أن يقسم التركة بعد الزوج أو الزوجة بين الأب والأم للذكر مثل حظ الأنثيين، ووافقه على هذا عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وغيرهم، وهو ما أخذ به الأئمة الأربعة.
وخالفهم ابن عباس رضي الله عنهما، ورأي أن للأم ثلث التركة مطلقا؛ سواء أكانت مع الزوج أو الزوجة تمسكا بظاهر الآية، وبالحديث المتفق عليه "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر".
ووافق ابن سيرين الجمهور إذا كان مع الأبوين زوج حتى لا يأخذ الأب في هذه الحالة أقل من الأم، ووافق ابن عباس إذا كان مع الأبوين زوجة لأن الأب في هذه الحالة سيأخذ أكثر من الأم.
وليس فيما ذهب إليه عمر ومن وافقه ما يتعارض مع النصوص؛ وإنما تفسر الآية {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُث} على أن المراد ورثه أبواه خاصة، أو أن لها ثلث ما ورثاه سواء أكان جميع المال أو بعضه.
__________
1 النساء: 11.
2 النساء: 11.
(1/228)

التثبت في الرواية:
تدل الآثار الواردة عن الصحابة بأنهم كانوا يشيرون بقلة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية الوقوع في الكذب أو الخطأ، لكثرة ما روى، وإدارك كل واحد من الصحابة ما لم يدركه الآخر، وقد أدى بهم هذا إلى التحري فيما يروى، والتثبت من صحته؛ حتى كان أبو بكر وعمر يطلبان ممن روى حديثا أن يأتي بشاهد يشهد له، ولعل من بواعث هذا كذلك أنهم كانوا يخشون من كثرة الرواية أن تصدهم عن القرآن الكريم:
أ- روى الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ قال: ومن مراسيل ابن أبي مليكة: أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: "إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا؛ فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه".
ب- وروي عن قرظة بن كعب قال: "خرجنا نريد العراق؛ فمشى معنا عمر إلى حراء، ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيت معنا؛ فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جودوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، امضوا وأنا شريككم"؛ فلما قدم قرظة، قالوا: "حدثنا؛ فقال، نهانا عمر". وروي ذلك الدارمي في سننه.
جـ- وعرف عن ابن مسعود أنه كان يقل الرواية؛ فروي عن أبي عمر الشيباني قال: كنت أجلس إلى ابن مسعود حولا لا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذته الرعدة وقال: "هكذا" أو "نحو ذا" أو "قريب من ذا".
(1/229)

د- وروى الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ، كما رواه أبو داوود والترمذي قال: روى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تورث؛ فقال لها: ما أجد لك في كتاب الله شيئا وما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس؛ فقام المغيرة فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس، فقال: هل معك أحد؟ وشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه.
هـ- وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري، قال: "كنت جالسا في مجلس من مجالس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعا؛ فقالوا: ما أفزعك؟ قال: أمرني عمر أن آتيه، فأتيته فاستأذنت ثلاثا، فلم يؤذن لي، فرجعت فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت إني أتيت فسلمت على بابك ثلاثا، فلم يردوا علي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع" قال عمر: لتأتيني على هذه بالبينة، فقالوا: لا يقوم إلا أصغر القوم؛ فقام أبو سعيد معه فشهد له فقال عمر لأبي موسى: إني لم أتهمك ولكنه الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
و وروي عن المغيرة بن شعبة أن عمر استشارهم في إملاص المرأة يعني السقط، فقال المغيرة: قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة، فقال له: إن كنت صادقا فأت بواحد يعلم ذلك، قال: فشهد محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به رواه أحمد وأبو داوود النسائي وابن ماجه
(1/230)

الاجتهاد في هذا الدور:
أحكام الفقه الإسلامي من حيث مصادرها أربعة أنواع:
1- أحكام مصادرها نصوص قطعية الثبوت والدلالة.
2- أحكام مصادرها نصوص ظنية الثبوت والدلالة.
3- أحكام مصادرها الإجماع.
4 أحكام لم يدل عليها نص ولم ينعقد عليها إجماع.
أما النوع الأول فلا مجال للاجتهاد فيه.
وإنما يكون الاجتهاد في سائر الأنواع ما لم ينعقد الإجماع.
وقد كان الاجتهاد في هذا الدور لدى الصحابة المسلك الذي يلجئون إليه عندما يعوزهم النص في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بالمشاورة التي تصل بهم إلى الإجماع، أو القياس الذي كان يسمى بالرأي، والأمثلة التي ذكرناها من قبل عما اتفق عليه الصحابة في بعض القضايا الكوفة قال له: انظر ما يتبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدا، وما لم يتبين لك في كتاب الله فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لم يتبين لك فيه السنة فاجتهد فيه رأيك.
وكان للصحابة العذر كل العذر في هذا الاجتهاد، لكثرة ما تشعبت إليه المسائل، وما استحدثه الناس من قضايا، ولعلهم فهموا من إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالاجتهاد في حياته، ومن حديث معاد أن الاجتهاد حيث لا يوجد النص أمر مشروع، وفي كتاب عمر إلى أبي موسى" ثم الفهم فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيها ترى إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق".
وقد أخذ الصحابة في كثير من المسائل بالقياس الصحيح: فجعلوا العبد على النصف من الحر في النكاح والطلاق والعدة قياسا على ما نص الله عليه من قوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} 1
__________
1 النساء: 25.
(1/231)

وقدموا الصديق في الخلافة وقالوا: رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟ فقاسموا الإمامة الكبرى على إمامة الصلاة.
وأخذ الصحابة في الفرائض بالعول وإدخال النقص على جميع ذوي الفروض، قياسا على إدخال النقص على الغرماء إذا ضاق مال المفلس عن توفيتهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للغرماء: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك". وهذا من أحسن القياس.
وقاسوا حد الشرب على حد القذف، وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شاور الناس في حد الخمر، وقال: إن الناس قد شربوها واجترءوا عليها؛ فقال له علي رضي الله عنه: إن السكران إذا ذكر هذى، وإذا هذى افترى، فاجعله حد الفرية، فجعله عمر حد الفرية ثمانين ولم ينفرد على بهذا القياس، بل وافقه عليه الصحابة. والحديث أخرجه مالك في الموطأ مفصلا، ووصله النسائي والطحاوي وتكلم فيه بعض الحفاظ.
ومن مسائل اجتهاد الصحابة بالرأي عند عدم النص ما يأتي:
1- روى أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل في إملاص المرأة وهو لا يعلم قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه؛ فقال: أذكر الله امرءا سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين شيئا؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة قال: كنت بين جارتين لي يعني ضرتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح، فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة، فقال عمر: إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا" وعبر عن الضرتين بالجارتين للمجاورة بينهما، والمسطح: عود من أعواد الخباء والفسطاط، وفسرت الغرة في بعض الروايات بالعبد أو الأمة؛ وإنما تجب الغرة في الجنين إذا سقط ميتا، فإن سقط حيا ثم مات فيه الدية كاملة. فأنت ترى في عبارة عمر: "إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا" أنه لو لم يجد قضاء قضي به رسول الله صلى الله عليه وسلم لاجتهد برأيه.
(1/232)

2- واجتهد عبد الله بن مسعود في المفوضة؛ فقد روى أصحاب السنن "أنه أتى عبد الله بن مسعود في رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا؛ فمات قبل أن يدخل بها، فأتوا ابن مسعود فقال: التمسوا فعلكم أن تجدوا في ذلك أثرا، فأتوا ابن مسعود فقالوا: قد التمسنا فلم نجد؛ فقال ابن مسعود: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، أرى لها مثل صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة منا يقال لها بروع بنت وأشق بمثل ما قلت، ففرح عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بموافقة قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم".
و"بروع" كجدول؛ فقد أفتى ابن مسعود برأيه بعد أن أعياه الوصول إلى النص، وفرح بتوفيق الله إياه حين وجد النص وفق ما رأي.
3- وروى البيهقي في السنن الكبرى، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن عكرمة أنه قال: "أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين؛ فقال زيد: للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي، وللأب بقية المال، قال عكرمة: فأتيت ابن عباس فأخبرته فقال: ارجع إليه فقل له: أفي كتاب الله ثلث ما بقي؟ وكان ابن عباس يقول: للأم الثلث كاملا؛ فقال له زيد: "إنما أقول برأيي وتقول برأيك ولا أفضل أما على أب". وفي هذا الحديث مندوحة للاختلاف في الرأي عند عدم النص.
4- وروى ابن عبد البر في جامع بيان العلم، وأورده ابن القيم في إعلام الموقعين "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقي رجلا فقال له: ما صنعت؟ فقال الرجل: قضى علي وزيد بيننا بكذا في خصومة هي كذا؛ فقال عمر: لو كنت أنا الذي يقضي فيها لقضيت فيها بكذا خلاف هذا القضاء الذي قضى به علي وزيد فقال الرجل: فما يمنعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو سنة رسول الله لفعلت، ولكني أردك إلى رأيي، والرأي مشترك.
(1/233)

فلم ينقض ما قال علي وزيد: ولم ينقض عمر رأي علي وزيد حيث لا نص عنده من كتاب أو سنة يستند إليه ولكنه اجتهاد نه كاجتهادهما، والاجتهاد لا ينقض بمثله.
5- وكان موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من طاعون الشام وعزمه على الرجوع فيما أجاب به أبا عبيدة مستندا إلى الرأي حيث لا نص؛ ولكنه بعد أن بلغه النص الموافق لرأيه حمد الله تعالى.
روى البخاري أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع في أرض الشام، فاستشار الناس في الرجوع، فلما عزم على الرجوع بالناس إلى المدينة، قال له أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كانت لك إبل هبطت واديا له غدوتان، إحداهما خصيبة، والأخرى جدبة، أليس إن غربت الخصيبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان مغيبا في بعض حاجته فقال: إن عندي في هذا علما، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه، قال: فحمد الله عمر ثم انصرف...." وهذا هو ما يعرف اليوم بالحجر الصحي في الطب الوقائي.
ورواه مسلم بشيء من التفصيل حيث استشار المهاجرين فاختلفوا ثم استشار الأنصار فاختلفوا، ثم استشار مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فلم يختلف عليه رجلان، وقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء.
6- وحين قتل غلاما امرأة أبيه وخليلها باليمين، وأرسل إلى عمر بن الخطاب في شأن ذلك، تردد عمر في الأمر، حتى قال له علي: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة جزور، فأخذ هذا عضوا وهذا عضوا أكنت
(1/234)

قاطعهم؟ قال: نعم؛ فأرسل عمر إلى عامله: أن اقتلهما، فلو اشترك فيه أهل صنعاء كلهم لقتلتهم.
أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "قتل غلام غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به".
وأورد الصنعاني في سبل السرم عند شرحه لهذا الحديث، ما أخرجه الطحاوي والبيهقي عن ابن وهب قال: حدثني جرير بن حازم أن المغيرة بن حليمة الصنعاني حدثه عن أبيه: "أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها، وترك في حجرها ابنا له من غيرها غلاما يقال له أصيل؛ فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلا فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا فاقتله، فأبى، فامتنعت منه فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام، الرجل ورجل آخر والمرأة وخادمها، فقتلوه، ثم قطعوا أعضاءه وجعلوه في عيبة وعاء من أدم وطرحوه في ركيبة - بئر لم تطو- في ناحية القرية، ليس فيها ماء، ثم كشف الأمر: فأخذ خليلها فاعترف، ثم اعترف الباقون؛ فكتب علي -وهو يومئذ أمير- بشأنهم إلى عمر رضي الله عنه؛ فكتب عمر بقتلهم جميعا، وقال: والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلتهم أجمعين".
وروى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل واحد، قتلوه قتل غيلة، وقال عمر: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا".
وقد وافق عمر في هذا الحكم عليًا والمغيرة بن شعبة، وابن عباس، وبه قال من التابعين سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وقتادة، وهو مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي.
وخالف في ذلك ابن الزبير؛ فقضى بالدية، وهذا قول الزهري، وابن سيرين وربيعة الرأي، وداوود، وابن المنذر، وهو رواية عن أحمد.
وإنما نشأ الخلاف لعدم ورود نص في ذلك؛ حيث لم يحدث في زمن النبي
(1/235)

صلى الله عليه وسلم أن قتل جماعة واحدا، ولم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك قضاء؛ فلما كانت الحادثة زمن عمر اجتهد فيها الرأي حيث لا نص، ووافقه كثير من الصحابة على ذلك.
7- وفي الجد مع الإخوة، عرضت هذه المسألة للصحابة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن له فيها قضاء؛ فاعملوا فيها رأيهم، واختلفت أنظارهم.
فرأى أبو بكر وابن عباس وابن الزبير، ومعاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وعائشة وعبادة بن الصامت، وجمع من الصحابة - وهو رأي عمر في أول الأمر ثم رجع عنه أن الجد أولى من الإخوة؛ فإذا وجد معهم حجبهم، فلا يبقى لواحد منهم حظ في الميراث؛ لأنه أقرب إلى الميت منهم، لأنه أب، فيحجب الإخوة كما يحجبهم الأب، ولقد سماه القرآن الكريم أبا في كثير من الآيات كقوله تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيم} 1.
ورأي عمر وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، رضي الله عنهم، أن الإخوة والجد كليهما يرث؛ لأنهما يتساويان في درجة القرب؛ إذ كلاهما يدلي إلى الميت عن طريق الأب.
وضرب زيد بن ثابت لذلك مثلا قياسيا؛ فشبه الجد بساق الشجرة وأصلها، والأب بعض منها، والإخوة بفرعين تفرعا عن ذلك الغصن، وأحد الغصنين أقرب إلى الآخر منه إلى الشجرة؛ ألا ترى أنه إذا قطع أحدهما امتص الآخر ما كان يمتصه المقطوع، ولم يرجع إلى الساق.
وحين سأل عمر عليا عن هذا ضرب مثلا آخر، فشبه الجد بالنهر الكبير، والأب بالخليج المأخوذ منه، والميت وإخوته بالساقيتين الممتدتين من الخليج،
__________
1 الحج: 78.
(1/236)

والساقية إلى الساقية أقرب منها إلى النهر ألا ترى إذا سدت إحداهما أخذت الأخرى ماءها ولم يرجع إلى النهر1.
فكان زيد يجعله أخا حتى يبلغ ثلاثة، هو ثالثهم؛ فإن زادوا على ذلك أعطاه الثلث، وكان على يجعله أخا ما بينه وبين ستة وهو سادسهم، ويعطيه السدس؛ فإن زادوا على ستة أعطاه السدس، وصار ما بقي بينهم.
وقد انتصر ابن القيم في إعلام الموقعين لما ذهب إليه أبو بكر ومن معه وساق أدلة ذلك2.
فهذه الأمثلة وغيرها تدل على أن الصحابة رضي الله عنهم، مثلوا الوقائع بنظائرها، وشبهوها بأمثالها، وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد ونهجوا لهم طريقة وبينوا لهم سبيله.
__________
1 انظر العذب الفائض شرح عمدة الفارض للشيخ إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم الفرضي - ج1، ص 105. وما بعدها - ط الحلبي بمصر.
2 جـ1، ص 374- المكتبة التجارية الكبرى بمصر.
(1/237)

التوفيق بين ذم الرأي والعمل به:
أمرنا الله تعالى بطاعته، وطاعة رسوله في قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} 1.
وتكرار الأمر بالطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أن طاعة الرسول تجب استقلالا، من غير عرض ما أمر به على الكتاب؛ بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا، سواء أكان ما أمر به في الكتاب، أو لم يكن فيه؛ فإنه أوتي الكتاب ومثله معه، ولم يأمر الله بطاعة أولى الأمر استقلالا؛ بل حذف الفعل.
__________
1 النساء: 59.
(1/237)

وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول، إيذانا بأنهم يطاعون تبعا لطاعة الرسول؛ فمن أمر منهم بما جاء عن الرسول وجبت طاعته، ومن أمر بخلاف ذلك فلا سمع له ولا طاعة، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" 1 وقال: "إنما الطاعة في المعروف" 2.
وقد تضمنت الآية احتمال التنازع بين المؤمنين في بعض الأحكام وأوجبت الرد عند التنازع إلى الله والرسول، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته، والأمر بالرد عند التنازع إلى الكتاب والسنة يدل على أنهما يشتملان على حكم كل شيء لأن قوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} نكرة في سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين، ولو لم يكن ما في كتاب الله وسنة رسوله كافيا لبيان حكم ما تنازعوا فيه، لما أمروا بالرد إليه، وهذا يجعل مرد الحلال والحرام إلى الله والرسول، أما ما يراه المجتهد فهو حكم باجتهاده، ولذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أميره بريدة أن ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله، وقال: "فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك".
واجتهاد الصحابة الذي ذكرناه آنفا لا يعنى القول بالرأي المجرد؛ فإنه قد أثر عنهم ذم ذلك فأثر عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: "أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إن قلت في آية من كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم". وكان إذا اجتهد قال: هذا رأي؛ فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني، وأستغفر الله.
وأثر عن عمر نحو ذلك، وأنه قال: "إياكم والرأي".
__________
1 أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد. وأخرجه مسلم بلفظ "لا طاعة في معصية الله".
2 رواه البخاري ومسلم.
(1/238)

وروي عن عبد الله بن مسعود قال: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله، أما إني لا أقول: أمير خير من أمير، ولا عام أخصب من عام؛ ولكن فقهاءكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفاء، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم".
وقال في المفوضة1: أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريء.
ومثل هذا روى عن عثمان، وقال على بن أبي طالب: "لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه".
وأتيى زيد بن ثابت قوم فسألوه عن أشياء فأخبرهم بها، فكتبوها، ثم قالوا: لوأخبرنا، فأتوه فأخبروه، فقال: "أعذروا لعل كل شيء حدثتكم به خطأ، إنما اجتهدت لكم برأيي.
وإذا كان قد أثر عن الصحابة ذلك في ذم الرأي، فالمراد بالرأي المذموم الرأي الباطل بأنواعه، كالرأي المخالف للنص، أو الكلام في الدين بالخرص والظن، من غير تبصر بالنصوص وتفهم لها، لاستنباط الأحكام منها، أو الرأي الذي يتضمن تعطيل أسماء الله وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة، أو الذي يميل مع الهوى فيما يستحدث من بدع، أو القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان، وردا لفروع بعضها على بعض قياسا دون ردها إلى أصولها، والنظر في عللها، أو ما يكون من باب الاشتغال بالمعضلات والأغلوطات، وقد قال صلى الله عليه وسلم: إن الله يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال" رواه البخاري ومسلم.
أما الرأي الذي يكون عن نظر في الأدلة والاجتهاد في فهمها؛ فهو الذي كان من الصحابة وقال فيه ابن القيم: "إنهم خصوه بما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجوب الصواب بما تتعارض فيه الإمارات، وهو الرأي المحمود، فإن كان عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حري بأن يكون مقبولا.
__________
1 التفويض: العقد على المرأة دون ذكر المهر أو ترك تحديدة لها بعهد أو لأحدهما أو لأجنبي انظر المعنى ص 712، ج6.
(1/239)

وقد نقل ابن القيم عن الشافعي قوله: "وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل، ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنأههم بما آتاهم من ذلك ببلوغ منازل الصديقين والشهداء والصاحلين أدوا إلينا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عاما وخاصا، وعزما وإرشادا، وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وروع وعقل، وأمر استدرك به علم، واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا".
تلك هي منزلة الصحابة عند الشافعي فيما يروي عنهم من رأي، وقد كان أحدهم يري الرأي فينزل القرآن بموافقته، كما رأي عمر في أسارى بدر أن تضرب أعناقهم؛ فنزل القرآن بموافقته، ورأي أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فنزل القرآن بمواقته، وقال لنساء النبي صلى الله عليه وسلم لما اجتمعن في الغيرة علين: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَات} 1. فنزل القرآن بموافقته. ولما توفى عبد الله بن أبي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوبه، فقال: "يا رسول الله ... إنه منافق" فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عليه {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} 2.
وعلى هذا ينتفي التعارض بين ما روى عن الصحابة من ذم للرأي، وما اجتهدوا فيه برأيهم؛ فالرأي الذي ذموه هو الرأي المجرد الذي لا دليل عليه؛ بل هو خرص وتخمين، على نحو ما ذكرنا من قبل، أما الرأي الذي هو بصيرة القلب، أو الرأي الذي يستند غلى استدلال واستنباط يفسر النصوص، ويبين درجة وجه الدلالة منها، فهذا أو ذاك هو ما أخذ به الصحابة، وهو الفهم الذي يختص الله سبحانه به من يشاء من عباده.
__________
1 التحريم: 5.
2 التوبة: 84.
(1/240)

فقهاء الصحابة
مدخل
...
فقهاء الصحابة:
إذا كان أهل الحديث يخصون الصحابي بمن صحب الرسول صلى الله عليه وسلم قليلا أو كثيرا، ويرون عنه، فإن فقهاء الصحابة هم الذين طالت صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق التتبع والأخذ منه وعرفوا بالفقه والنظر، وهم الذين حفظت عنهم الفتوى، وكانوا يسمون بالقراء؛ بل ظل هذا لقب أهل الفتيا فترة طويلة في صدر الإسلام، يقول ابن خلدون: "ثم إن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا، ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم؛ وإنما كان ذلك مختصا للحاملين للقرآن، العارفين بناسخه ومنسوخه، ومتشابهه ومحكمة، وسائر دلالته مما تلقوه عن النبي أو ممن سمعه منهم من عليتهم، وكانوا يسمون لذلك القراء، أي الذين يقرءون الكتاب، لأن العرب كانوا أمة أمية، فاختص من كان منهم قارئًا للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ. وبقي الأمر كذلك صدر الملة، ثم عظمت أمصار الإسلام، وذهبت الأمية من العرب، بممارسة الكتاب، وتمكن الاستنباط وكمل الفقه، وأصبح صناعة وعلما".
وقد ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين أن الذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة ونيف وثلاثون نفسا، ما بين رجل وامرأة، وجعل منهم المكثرين والمقلين:
أما المكثرون فسبعة وهم:
عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر.
قال أبو محمد بن حزم: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم.
(1/241)

ومن المتوسطين: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وعثمان بن عفان، وأبو سعيد الخدري، وأبو موسى الأشعرى، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل، وعبد الله ابن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير.
ومن المقلين: أبو الدرداء، وأبو عبيدة بن الجراح، والنعمان بن بشير، وأبي ابن كعب، وأبو طلحة، وأبو ذر، وصفية، وحفصة، وأم حبيبة، وآخرون.
وهذه تراجم مختصر لعدد من الفقهاء المكثرين في هذا ال دور:
(1/242)

عمر:
هو عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي، كان له شرفف السفارة في قريش، واحترف التجارة ومارسها طوال حياته قبل أن يتولى خلافة المسلمين، ويتفرغ لمصالحهم.
أسلم في السنة السادسة من البعثة، والمسلمون -إذ ذاك- بضعة وثلاثون أو بضعة وأربعون، يستخفون بإسلامهم لقلتهم واضطهاد قريش لهم، ويجتمعون في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي؛ فكان إسلام عمر كسبا كبيرا لهم، ودعما لدعوة الحق، وإعزازا لدين الله، فقد عرف عمر بقوة الشكيمة، وشدة البأس، وعزة الجانب والشجاعة في الحق.
وذكر أهل السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين: عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام".
فاستجاب الله دعاءه وأسلم عمر، وقال فيما قاله لرسول الله: علام نخفي ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل، والذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان؛ فخرج إلى الكعبة على رأس صف من المسلمين، وخرج حمزة على رأس صف آخر، ففي ذلك في عضد قريش، وأصابها الغم والكآبة، ولهذا سمى الفاروق؛ لأنه اظهر الإسلام وفرق بين الحق والباطل.
قال عبد الله بن مسعود: كان إسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمارته رحمة، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت حتى أسلم عمر؛ فلما أسلم قاتلهم حتى تركونا، فصلينا، فما زال يناضل عن المسلمين، وينافح عن رسول الله حتى أذن لهم بالهجرة، فهاجروا مستخفين، إلا عمر، فإنه لشدة بأسه على قريش هاجر على ملأ منهم.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "ما علمت أن أحدا من المهاجرين
(1/243)

هاجر إلا متخفيا إلا عمر بن الخطاب؛ فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهما، ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا، ثم أتى المقام فصلى، ثم خرج على القول فقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تشكله أمه، وييتم ولده، وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، فما تبعه أحد من المشركين".
وشخصية عمر شخصية متعددة الجوانب، وأهم جوانبها التي تتصل بموضوعنا عبقريته في حصافة الرأي وبعد النظر، ودقة الفهم؛ فقد كان رأيه الصائب سهما من سهام الحق، يقع على المرمى فيصيب الحجة، وحسبك دليلا على ذلك موافقته التي سبقت الإشارة إليها؛ فقد روى الثقات أن عمر بن الخطاب قال: وافقت ربي في ثلاث -أو وافقني ربي- في ثلاث: قلت يا رسول الله ... لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} 1، وقلت يا رسول الله ... يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه، فدخلت عليهن فقلت: إن انتهين أو ليبدلن الله رسوله خيرا منكن، حتى أتت إحدى نسائه فقالت: يا عمر ... أما في رسول الله ما يعظ النساء حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ} 2 الآية.
رواه البخاري، وروى قريبا منه مسلم.
وروي أن الرسول صلى الله عليه وسلم استشار أصحابه في أسرى بدر فأشار عمر بضرب أعناقهم وأشار أبو بكر بالعفو والفداء، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء، فأنزل الله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى} 3. الآيات.
وعن ابن عباس قال: سمعت عمر يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فلما وقت قلت: أعلى عدو الله.
__________
1 البقرة: 125.
2 التحريم: 5.
3 الأنفال: 67.
(1/244)

عبد الله بن أبي القائل كذا وكذا، والقائل كذا وكذا؟! أعدد أيامه ورسوله الله صلى الله عليه وسلم يبتسم، حتى إذا أكثرت قال: "يا عمر، أخر عني، إني قد خيرت، قد قيل لي: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} 1 فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها" ثم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشى معه حتى قام على قبره، حتى فرغ منه فعجبت له ولجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِه} 2، فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعد حتى قبضه الله عز وجل، روى ذلك أصحاب السنن وجاء عند البخاري ومسلم.
ولعمر رضي الله عنه أوليات كثيرة في اجتهاده، روى البيهقي قال: أخرج عبد الرزاق عن معمر عن سماك بن الفضل عن وهب بن منبه عن مسعود بن الحكم الشقفي قال: "قضى عمر رضي الله عنه في امرأة تركت زوجها وأمها والأب، جعل الثلث بينهم سواء، فقال رجل: يا أمير المؤمنين ... إنك لم تشرك بينهم ما قضينا اليوم، وهذه المسألة هي المعروفة في الميراث، بالمشركة أو المشتركة كما ذكرنا من قبل.
وكتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في القضاء كتاب فريد في بابه، يجمع كثيرا من قواعد الأصول والفقه واستنباط الأحكام، ويدل على أصالة رأي ودقة فهم، وحسن بصيرة، وقد شرحه العلامة ابن القيم في كتابه "أعلام الموقعين" شرحا مستفيضا، واستخلص منه علما غزيرا، ويطول بنا الحديث لو تطرقنا إلى سيرة عمر رضي الله عنه، ووقفنا على فضائله ومزاياه، وقد لقي ربه
__________
1 التوبة: 80.
2 التوبة: 84.
(1/245)

مقتولا قتل الشهداء؛ بيد أبي لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وترك الأمر شورى بين الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض: علي، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان، والزبير، وكانت وفاته سنة 23 هجرية بعد عشر سنوات ونصف أمضاها في الخلافة.
(1/246)

علي بن أبي طالب:
هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو الحسن، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، وتربى في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أول الناس إسلامًا في قول كثير من أهل العلم، ولم يفارق رسول الله، وشهد معه المشاهد كلها، إلا غزوة تبوك، وقال له بسبب تأخيره بالمدينة "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي" وزوجه بنته فاطمة، وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد ولما آخى النبي صلى الله عليه بين أصحابه قال له: "أنت حي".
ومناقب على كثيرة حتى قال الإمام أحمد: لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي، وقد علل العلماء كثرة ما أثر من مناقبه بما كان من بغض بني أمية له؛ فحرص كل من لديه علم بمنقبه له من الصحابة على أن يثبتها، بيانا لرفعة شأنه، وعلو منزلته، وإن كان الرافضة قد ولدوا له مناقب موضوعة هو في غنى عنها، وتتبع النسائي ما خص بعلي من دون الصحابة؛ فجمع من ذلك شيئا كثيرا بأسانيد، أكثرها جيد لا بأس به.
واشتهر على بالفروسية، والشجاعة والإقدام، وفي يوم خيبر قال صلى الله عليه وسلم: "لأدفعن الراية غدًا إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه"؛ فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غدوا كلهم يرجو كل واحد منهم أن يعطاها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أين علي بن أبي طالب"؟ فقالوا: هو يشتكي عينيه، فأتى به فبصق في عينه، فدعا له، فبرأ
(1/246)

فأعطاه الراية، قال عمر: ما أحببت الإمارة إلا ذلك اليوم. ولما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية لعلي أسرع، فجعلوا يقولون له: أرفق، حتى انتهى إلى الحصن، فاجتذب بابه، فألقاه على الأرض، ثم اجتمع عليه سبعون رجلا حتى أعادوه. ولبس ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة، وقد قصد المشركون قتل رسول الله وأحاطوا ببيته؛ فلما أصبحوا رأوا عليا، وذلك منتهى ما تكون عليه رباطة الجأش، والتضحية في سبيل الله وافتداء نبيه.
وكان على أحد رجال الشورى الذين نص عليهم عمر في الخلافة فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف وشرط عليه شروطا امتنع من بعضها؛ فعدل عنه إلى عثمان فقبلها، فولاه وسلم على وبايع عثمان، فلما قتل عثمان بايعه الناس، ثم كان من قيام جماعة من الصحابة: طلحة، والزبير، وعائشة في طلب دم عثمان، وكانت موقعة الجمل، ثم موقعة صفين، حيث قام معاوية في أهل الشام يطالب بدم عثمان، وكان رأي على أنهم يدخلون في الطاعة، ثم يقوم ولي دم عثمان فيدعى به عنده، ثم يعمل معه ما يوجبه حكم الشريعة المطهرة، وكان من خالفه يقول له: تتبعهم واقتلهم؛ فيرى أن القصاص بغير دعوى ولا إقامة بينة لا يتجه، وكل من الفريقين مجتهد، بينما اعتزل ذلك كله فريق من الصحابة ولم يدخلوا في شيء من القتال.
وبرز علي بن أبي طالب في العلم والفقه، وتصدى للفتيا بعد النبي صلى الله عليه وسلم وكان عمر يتعود من معضلة ليس لها أبو الحسن، وكان ابن عباس يقول: إذا جاءنا الثبت عن علي لم نعدل به، وكان على يقول: سلوني، سلوني عن كتاب الله تعالى؛ فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار.
وقد انتشرت أحكام على وفتاواه، ولكن الشيعة أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه؛ ولذلك فإن أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفسواه إلا ما كان من طريق أهل بيته، وأصحاب عبد الله بن مسعود كعبيدة السلماني، وشريح، وأبي وائل ونحوهم، وكان رضي الله عنه يشكو عدم
(1/247)

حملة العلم الذي أودعه كما قال: إن ههنا علما لو أصبت له حملة.
وقتل علي في ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، وقد كانت بيعته بعد قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين فتكون مدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر.
(1/248)

عبد الله بن مسعود:
هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي حليف بني زهرة، وقد ينسب إلى أمه؛ فيقال ابن أم عبد، جاء ابن مسعود من هذيل إلى مكة، بعد وفاة أبيه يطلب الكسب، فاشتغل برعي الغنم لعقبة بن أبي معيط، والتقى به رجلان، كلمه أحدهما كلاما عذبا، ورأى منه ما سره، ثم أدرك أنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر؛ فإذا به يأتي إلى عقبة ويترك له أغنامه، وينصرف باحثا عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يجده، ويسأله أن يعلمه من الكلام الذي سمعه منه فيخبره عليه الصلاة والسلام بدعوته؛ فيدخل فيها ويسلم، ويقول له الرسول صلى الله عليه وسلم "إنك غلام معلم" ويصبح سادس المسلمين، يقول ابن مسعود: لقد رأيتني سادس ستة، ما على ظهر الأرض مسلم غيرنا، وكان أول من جهر بالقرآن وأسمعه قريشا، إذا اجتمع يومًا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فهل من رجل يسمعهم؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا؛ فقالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، قال دعوني، فإن الله سيمنعني، فإذا ابن مسعود حتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها؛ فقام عند المقام ثم قرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} رافعا بها صوته، {الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ} ثم استقبلهم يقرؤها، فتأملوه قائلين: ماذا يقول ابن أم عبد؟ إنه يتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه وجعلوا يضربون وجهه وهو ماض في قراءته، حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم عاد إلى أصحابه مصابا في وجهه.
(1/248)

وجسده؛ فقالوا له: هذا الذي خشيناه عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون على منهم الآن، ولئن شئتم لأعاودنهم بمثلها غدا، قالوا له:. حسبك فقد أسمعتهم ما يكرهون.
وهاجر ابن مسعود الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد بعدها، وإذا كان أبو جهل قد ضربه في البيت الحرام عندما قرآن القرآن؛ فلقد كان الإجهاز على أبي جهل في بدر بيد ابن مسعود، وقال له وقد أعلى صدره، ها قد أخزاك الله يا عدو الله، فقال: ها أنت ذا يا راعي الغنم؟ لقد ارتقيت مرتقى صعبا.
وكان ابن مسعود يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يفارقه، وهو صاحب نعليه وسواكه وطهوره، وعن أبي موسى قال: قدمت أنا وأخي من اليمن وما نرى ابن مسعود إلا أنه رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من دخوله ودخول أمه على النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل لحذيفة: حدثنا بأقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلم هديا ودلا1 نلقاه فنأخذ عنه، ونسمع منه؛ فقال: كان أقرب الناس هديا ودلا وسمتا برسول الله صلى الله عليه وسلم ابن مسعود ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله زلفى، أخرجه البخاري والترمذي، والمحفوظون: الذين حفظهم الله من تخريف أو تحريف في قول أو فعل.
وكان لهذه الصحبة أثرها في علم ابن مسعود وفقهه، يقول رضي الله عنه:
والله ما نزل في القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، ولو أعلم أحدا تمتطي إليه الإبل أعلم مني بكتاب الله لأتيته، وما أنا بخيركم.
وكان يقول: أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سعبين سورة. روى ذلك البخاري ومسلم والنسائي.
__________
1 الدل: حالة السكينة وحسن السيرة.
(1/249)

وقال زيد بن وهب: كنت جالسا عند عمر فأقبل عبد الله فدنا منه؛ فأكب عليه، وكلمه بشيء، ثم انصرف، فقال عمر: كنيف1 مليء علما. وقال عبد الله بن بريدة في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا} 2. قال: هو عبد الله بن مسعود.
وقال عقبة بن عمرو: ما أرى أحدا أعلم بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم من عبد الله؛ فقال أبو موسى: إن تقل ذلك، فإنه كان يسمع حين لا نسمع، ويدخل حين لا ندخل.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يقرأ القرآن غضا كما نزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد". وقال: "لو كنت مؤمرًا أحدا دون شورى المسلمين لأمرت ابن أم عبد" أخرجه الترمذي.
وشهد ابن مسعود فتوح الشام، وسيره عمر إلى الكوفة ليعلمهم أمور دينهم، وبعث عمارا أميرا، وقال: إنهما من النجباء من أصحاب محمد فاقتدوا بهما، ثم أمره عثمان على الكوفة وعزله بعد ذلك، وأمره بالرجوع إلى المدينة، فلم يمتنع، وقال: إن له على حق الطاقة، ولا أحب أن أكون أول من فتح باب الفتن، ثم مات بالمدينة على الصحيح سنة اثنتين وثلاثين.
__________
1 الكنيف كزبير: لقب ابن مسعود لقبه به عمر تشبيها بوعاء الراعي، تصغير الكنف بالكسر والكنف بكسر الكاف: وعاء أداة الراعي.
2 محمد: 16.
(1/250)

زيد بن ثابت:
هو أبو سعيد زيد بن ثابت بن الضحاك النجاري الأنصاري، استصغره رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وأولى مشاهده: الخندق، وقيل شهد أحدا، وكانت معه راية بني النجار يوم تبوك، وكانت أولا مع عمارة بن حزم، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم منه، فدفعها لزيد بن ثابت، فقال: يا رسول الله.... بلغك عني شيء؟ قال: لا، ولكن القرآن مقدم، وهو الذي تولى
(1/250)

قسم غنائم اليرموك وكان زيد يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ويكتب له الرسائل، روى عنه أنه قال: أتى بي النبي صلى الله عليه وسلم مقدمة المدينة، فقيل هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأت عليه، فأعجبه ذلك، فقال: تعلم كتاب يهود فإني ما آمنهم على كتابي، ففعلت، فما مضى لي نصف شهر حتى حذفته، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له.
وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر، وقال له أبو بكر: إنك شاب عاقل، لا نتهمك، وكان زيد من علماء الصحابة الأجلاء، يؤمه الناس في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض.
عن الشعبي قال: ذهب زيد بن ثابت ليركب فأمسك ابن عباس الركاب؛ فقال: تنح يا ابن عم رسول الله، قال: لا، هكذا نفعل بالعلماء والكبراء، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفرضكم زيد"، ومات رضي الله عنه سنة خمس وأربعين على إحدى الروايات، وهو قول الأكثر.
وقال أبو هريرة حين مات: "اليوم مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفا" ولما مات رثاه حسان بقوله:
فمن للقوافي بعد حسان وابنه ... ومن للمعاني بعد زين بن ثابت
(1/251)

عبد الله بن عمر:
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل، القرشي العدوي، ولد سنة ثلاث من البعثة، أو دون ذلك، وأسلم مع أبيه وهاجر، وعرض على النبي صلى الله عليه وسلم ببدر فاستصغره، ثم بأحد فاستصغره كذلك، ثم بالخندق فأجازه، وهو يومئذ ابن خمس عشرة سنة كما ثبت في الصحيح.
(1/251)

وكان ابن عمر يتحفظ ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسأل من حضر إذا غاب عن قوله وفعله، وكان يتبع آثاره في كل مسجد صلى فيه، وكان يعترض براحلته في الطريق الذي رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض ناقته، وكان لا يترك الحج، وإذا وقف بعرفة يقف في الموقف الذي وقف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد المكثرين من الحديث.
وعرف ابن عمر بالزهد والتوى والصلاح والنسك، ولما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل"، كان لا ينام من الليل إلا قليلا.
وعن نافع أن ابن عمر كان يحيى الليل صلاة، ثم يقول: يا نافع، أسحرنا، فيقول: لا، فيعاود، فإذا قال: نعم، قعد يستغفر الله حتى يصبح، وقال ابن مسعود: إن أملك شباب قريش لنفسه في الدنيا عبد الله بن عمر.
ومع ذكاء ابن عمر ودقة فهمه، إلا أنه وجه عنايته لحفظ الآثار والتدقيق في نقلها، وحمله الورع على ألا يكثر من الفتوى.
قال الشعبي فيه: كان جيد الحديث، ولم يكن جيد الفقه.
وقال ابن الأثير: كان ابن عمر شديد الاحتياط والتوقي لدينه في الفتوى، وكل ما تأخذه به نفسه، حتى أنه ترك المنازعة في الخلافة، مع كثرة ميل أهل الشام إليه، ومحبتهم له، ولم يقاتل في شيء من الفتن، ولم يشهد مع على شيئا من حروبه.
وتوفي رضي الله عنه بمكة بعد الحج سنة ثلاث وسبعين عن أربعة وثمانين عاما.
(1/252)

عائشة:
هي عائشة بنت أبي بكر الصديق القرشي التيمي خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدت بعد البعثة بأربع سنين أو خمس، وتزوجها صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بنت ست أو سبع، ودخل بها وهي بنت تسع، في شوال من السنة الأولى للهجرة وفي الصحيح عن عائشة قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بنت ست سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع، وقبض وأنا بنت ثماني عشرة سنة، ولم ينكح رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرا غيرها، وذكرت عائشة من فضائلها ذلك، وقالت: وأنزل الله براءتي من السماء، وكان ينزل على رسول الله الوحي وهو معي، وكنت اغتسل أنا وهو من إناء واحد، وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه، وقبض بين سحري ونحري في بيتي، وكنت أحب نسائه إليه.
وعائشة من أفضل النساء علما ومنزلة.
عن مسروق قال: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكابر يسألونها عن الفرائض، وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة.
وقال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت أحدا أعلم بفقه، ولا بطب، ولا بشعر من عائشة.
وعن أبي موسى قال: ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علما، وعائشة بهذا مثل حي للمرأة المسلمة التي تنشد الفضل والكرامة وعلو المنزلة.
قال الزهري: لو جمع إلى علم جميع أمهات المؤمنين وعلم جميع النساء لكان
(1/253)

علم عائشة أفضل.
وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري مرفوعا: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
وماتت عائشة سنة ثمان وخمسين لسبع عشرة خلت من رمضان ودفنت بالبقيع.
(1/254)

الفصل الثالث: عصر صغار الصحابة وكبار التابعين
الحالة السياسية
...
عصر صغار الصحابة وكبار التابعين:
من ولاية معاوية إلى أوائل القرن الثاني الهجري
الحالة السياسية في هذا العهد:
اجتمعت لمعاوية أقطار البلاد الإسلامية كلها، بعد أن صالحه الحسن بن علي رحمه الله، ولقب بأمير المؤمنين في العام الحادي والأربعين، وسمي هذا العام بـ "عام الجماعة".
ولا يعنى هذا الاجتماع استقرار الأمر وهدوء الحال من كل وجه، فإن المناوأة لمعاوية والحكم الأموي ظلت قائمة، من الخوارج تارة، وهم الذين ينقمون على عثمان وعلى ومعاوية جميعا، وينكرون سياسة الملك الدنيوي، ومن الشيعة أخرى، وهم الذين يرون الخلافة حقا لعلي وأهل بيته خاصة.
فإذا أضفنا إلى هذا أن سياسة حكم بني أمية واجهت في كثير من الفترات سخطا متزايدا، وخروجا على سلطانها في بعض الجهات، أدركنا العقبات التي اعترضت الولاة في هذا العهد.
ولقد كان معاوية صاحب حنكة سياسية خففت من حدة الخصومة بينه وبين أعدائه؛ إلا أن بيعته ليزيد أثارت كثيرا من السخط لدى أهل الورع والتقوى، كما كان لواقعة كربلاء ومقتل الحسين رد فعل كذلك، وزاد الطين بلة استقلال عبد الله بن الزبير، واعتصامه بمكه، مما جعل الأمر أشد تأزما وحرجا.
فلما جاء عبد الملك بن مروان أخذ في كتب هذه النزعات بقوة وحزم، كي يستتب له الأمر واعتمد في جمع كلمة الناس عليه على رجل مستبد، يعشق إذلال النفوس بالقهر والعسف، ذلك هو الحجاج بن يوسف الثقفي الذي أحمد.
(1/257)

كثيرا من الثورات، وحاصر مكة، وانتهك حرمتها وقتل عبد الله بن الزبير سنة ثلاث وسبعين للهجرة.
ولئن كان عهد الوليد بن عبد الملك من أزهى عصور بني أمية؛ حيث ازدهر بالفتوحات الإسلامية شرقا وغربا، فقد جاء بعده أخوه سليمان؛ فأساء للقواد الفاتحين، ثم أعقبه عمر بن عبد العزيز "التقي الزاهد" فحاول رد المظالم وإقامة العدل، واتجه بسياسة الحكم إلى إعادة سيرة الخلفاء الراشدين، ولكن الأمر ساء من بعده في عهد يزيد بن عبد الملك، ثم في عهد أخيه هشام، وبدأ الضعف يدب إلى أوصال الدولة الأموية، وقامت الدعوة السرية لبني العباس.
ومن هذا العرض السريع وتتبع الأحداث التي وراءه أخذ كثير من الباحثين المؤرخين على بني أمية أمورا:
أولا- أن نزعة الحكم في عهد الأمويين بدأت باتجاه عنصري يثير في النفس عوامل العصبية ونظام الملك، فعندما قرأ مروان بن الحكم عامل معاوية على المدينة كتاب معاوية لأخذ البيعة ليزيد في مسجد المدينة هاج القوم وماجوا، وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: "ما الخيار أردتم لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية: كلما مات هرقل قام هرقل" وقام الحسن بن علي فأنكر ذلك، وفعل مثله عبد الله بن الزبير.
ثانيا- أنها جنحت إلى سياسة الملك التي تهتم بتقوية نفوذها، واستقرار الأمر لها دون التزام لسيرة الخلفاء الراشدين اعتصاما بالدين ووقوفا عند حدوده.
ثالثا- أنها عاملت بعض الصحابة وشيوخ التابعين بعنف وشدة كمعاملة الحجاج لسعيد بن جبير، وموقفه من عبد الله بن الزبير، ومعاملة أمير المدينة هشام ابن إسماعيل لسعيد بن المسيب.
رابعا- أن الحكم الأموي استباح أشياء من الأمور المشتبهات في الإسلام وغلب جانب الرأي فيما يجد من مسائل النزاع وأمور المعاملات:
(1/258)

"أ" فاستلحق معاوية زيادا، ورغب به عن أبيه عبيد الرومي، وقبل زياد هذا الاستلحاق والله تعالى يقول: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} 1.
ويقول صلى الله عليه وسلم: "من ادعى لغير أبيه فليتبوأ مقعده من النار". رواه البخاري ومسلم.
وروى عن ابن حرملة قال: ما سمعت سعيد بن المسيب سب أحدا من الأئمة قط، إلا أني سمعته يقول: قاتل الله فلانا، كان أول من غير قضاء رسول الله وقد قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" يعنى بذلك استلحاق معاوية لزياد بن أبيه.
وقد تولى القاضي أبو بكر بن العربي الجواب عن هذه التهمة بما فيه الكفاية في كتابه "العواصم من القواصم" وبين أنه لا يعرف لزياد أب قبل دعوى معاوية على التحقيق، وله نسب بعبيد الثقفي بالحضانة، وقد استعمله عمر على بعض صدقات البصرة، وهو صحابي المولد، وما قيل من أن أبا سفيان اعترف به وأنه أتى أمه سمية في الجاهلية فأتت به ولم تكن سمية لأبي سفيان وإنما كانت للحارث بن كلدة طبيب العرب وهبها إليه كسرى، فهذا الكلام فيه مقال. وأما استلحق معاوية زيادا فلأنه سمع ذلك من أبيه، وقد اختلف العلماء فيما إذا استلحق الأخ أخا يقول: هو ابن أبي، ولم يكن له منازع فقال مالك: يرث ولا يثبت النسب، وقال الشافعي في أحد القولين: يثبت النسب. وقد كان زياد مجهول الأب، ويسمى زياد ابن أبيه، فالمسألة إذن اجتهاد من معاوية.
ب- واستباح بنو أمية التي حرمها الله، والمدينة التي حرمها رسوله، حيث استباح يزيد بن معاوية المدينة وانتهبها ثلاثة، وثنى عبد الملك بن مروان.
__________
1 الأحزاب: 4- 5.
(1/259)

فأذن للحجاج في أن يستبيح مكة واستباحها الحجاج، ففعل فيها الأفاعيل، كل ذلك لتخضع البلاد المقدسة لبني أبي سفيان ولبني مروان من بعدهم.
وشبهة ذلك عنده في استباحة الحرم أن الحرم لا يجير عاصيا كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ج- وغلب جانب الرأي في المعاملات، روى عطاء بن يسار أن معاوية باع مرة سفاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل ذلك" فقال معاوية: ما أرى بهذا بأسا، فقال أبو الدرداء: "من يعذرني من معاوية، أخبره عن رسول الله ويخبرني عن رأيه.. لا أسكنك أرضا". رواه مالك في الموطأ، والنسائي في السنن، وأصله عند مسلم، وأن الذي نهى معاوية عبادة بن الصامت؛ وإنما رأى معاوية ذلك إما لأنه حمل النهي على المسبوك الذي به التعامل وقيم المتلفات، أو كان لا يرى ربا الفضل كابن عباس فيما روى عنه أول الأمر.
وينبغي الإشارة هنا إلى ما رواه أهل السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكون الخلافة ثلاثين سنة، ثم تصير ملكا". وهو الحديث الذي استند إليه العلماء في تقرير خلاة الخلفاء الراشدين الأربعة؛ فقد كانت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وعلى رأس ثلاثين سنة بعد ذلك كان إصلاح الحسن بن على بين فئتين من المؤمنين بنزوله عن الأمر لمعاوية سنة إحدى وأربعين في شهر جمادي الأولى، وسمي "عام الجماعة" لإجماع الناس على معاوية وهو أول الملوك.
وكان هذا الإصلاح مصداقا لما رواه البخاري وغيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للحسن: "إن ابني هذا سيد. وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين".
وفي الحديث الذي رواه مسلم "ستكون خلافة نبوة ورحمة، ثم يكون ملك ورحمة، ثم يكون ملك وجبرية، ثم يكون ملك عضوض". وعهد بني أمية هو الذي يصدق فيه القول بأنه ملك ورحمة، وأولهم معاوية.
(1/260)

ولا شك أن معاوية صحابي له فضل الصحبة التي وردت في الأحاديث الصحيحة، بل كان من كتاب الوحي، فلا يجوز لأحد أن ينال منه، وإن كان الصحابة ليسوا على درجة سواء في الفضل، وقد استعمله عمر رضي الله عنه على الشام بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان قبل أن يستعمله عثمان.
واتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة. فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول المولك، كان ملكه ملكا ورحمة كما جاء في الحديث.
ولكنه سن سنة سيئة في حمل الناس على بيعة يزيد، وجرى على ذلك أمر بني أمية في القهر والغلبة إذا استثنينا عمر بن عبد العزيز.
أما يزيد بن معاوية فقد غلا فيه بعضهم فجعله إماما عادلا هاديا مهديا، وغلا آخرون في ذمه فاتهموه بالكفر والزندقة.
والحق أن يزيد بن معاوية ولد في خلافة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- ولم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كان من الصحابة باتفاق العلماء، ولا كان من المشهورين بالدين والصلاح، ولا كان كذلك كافرا ولا زنديقا؛ وإنما تولى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين ورضا من بعضهم. وجرت في إمارته أمور عظيمة:
أحدها: مقتل الحسين رضي الله عنه، حيث حاربه بجيوشه، وحين طلب الحسين منهم أن يجيء إلى يزيد أبوا إلا أن يقتلوه وأصر عبيد الله بن زياد على قتله؛ فكان قتله، كما كان قتل عثمان رضي الله عنه قبله من أعظم أسباب الفتن في هذه الأمة.
الأمر الثاني: استباحته للمدينة، فإن أهل المدينة نقضوا بيعته، وأخرجوا نوابه فبعث إليهم جيشا، وأمره إذا لم يطيعوه بعد ثلاث أن يدخلها بالسيف ويبيحها ثلاثا، فصار عسكره في المدينة النبوية ثلاثا يقتلون وينهبون، وينتهكون الأعراض، وأوقعوا بأهل المدينة في الحرة، ثم أرسل جيشا إلى مكة المكرمة فحاصروها، وهذا من العدوان والظلم الذي فعل بأمره.
الأمر الثالث: أنه لم يكن محمود السيرة من كل وجه، فقد ذكرت بعض
(1/261)

الروايات عنه أشتهر بالمعازف وشرب الخمر، واتخاذ القيان1 وقال فيه ابن كثير: "وكان فيه أيضا إقبال على الشهوات، وترك بعض الصلوات في بعض الأوقات، وإماتتها في غالب الأوقات".
__________
1 انظر في ذلك: البداية والنهاية لابن كثير، ص 226 وما بعدها ج8، ومجموع فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية، ج3ص 410 وما بعدها.
(1/262)

أثر الخلافات السياسية في الفقه الإسلامي
مدخل
...
أثر الخلافات السياسية في الفقه الإسلامي:
أشرنا من قبل إلى أن المسلمين قد انقسموا إلى أحزاب ثلاثة: الشيعة، والخوارج، والجماعة. وكانت أول مسألة اشتد فيها الخلاف بين المسلمين، وتشعبت فيها آراؤهم، ولم يكن أصل الخلاف عليها وليد فتنة عثمان، ولكنه يمتد إلى بذرته الأولى منذ شعر المسلمون عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرورة التفكير فيمن يخلفه، وأسرع الأنصار قبل دفنه إلى عقد اجتماع في سقيفة بني ساعدة، ليبتوا في الأمر، وأدركهم أبو بكر وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح، وفي هذه السقيفة رأي الأنصار أنهم أولى بالخلافة، ورأى المهاجرون أن تكون الخلافة فيهم. ولم يلبث الأمر حتى تمت البيعة لأبي بكر، ثم تكونت نواة رأي ثالث، وهو أن تكون الخلافة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وفي علي خاصة لقرابته، وسبقه، وجهاده وفضله، وعمله، أما رأي الأنصار فقد خمد بعد اقتناع وتسليم، وسكنت النظرية القائلة بأولوية على في عهد أبي بكر وعمر، لما كان عليه الخليفتان من عدل وإنصاف وبعد عن معاني العصبية؛ فلما كانت خلافة عثمان رضي الله عنه واستعان بالأمويين أثارت عصبيتهم تبرما يجنح إلى على، وبقتل عثمان ومبايعة علي رضي الله عنه تحققت نظرية القائلين بحق علي في الخلافة؛ ولكن النزاع الذي تشب بينه وبين معاوية، وانتهى بقصة التحكيم، ثم سيطرة معاوية أدى إلى الانقسام الثلاثي الذي ذكرناه آنفا.
ولم يكن شر هذا الانقسام إلى: شيعة، وخوارج، وجماعة، قاصرا على الضرر المادي في حياتهم؛ بل نشأ شيء آخر ليس أقل من ذلك خطرا، وهو اختلاف المسلمين في الرأي، وتفرقهم في الدين نفسه فجعل بعضهم يكفر بعضا، ويسيء الظن فيه، وقامت الحياة بينهم على السيف أحيانا في ثورات متلاحقة، قابلها
(1/262)

الأمويون بالعنف والاستبداد حتى أصبح منطق القوة أصلاً من أصول الحكم في بعض الفترات.
وهكذا أصبح لدى كل فريق من الفرق الثلاث فقهه في الأصول والفروع، ويجد بنا الوقوف عند فرقتين، هما: الخوارج، والشيعة لما لهما من آراء أفسدت الحياة العقلية. على المسلمين وأثرت في الفقه الإسلامي أبلغ تأثير.
(1/263)

1- الخوارج:
الخوارج من أشد الفرق الإسلامية دفاعا عن مذهبها وحماسا لآرائها، وغلوا في عبادتها، وتضحية في سبيل عقيدتها، أخلصوا لباطلهم إخلاصًا معدوم النظير، كان أكثرهم من العرب الخلص الذين ألفوا الخشونة وشظف العيش، فتطرفوا في آرائهم المنحرفة، وجادلوا خصومهم بفصاحة بيان، وطلاقة لسان، وأخذوهم بعنف وقسوة.
ويرى الخوارج أن عليا أخطأ في التحكيم؛ لأنه يتضمن شك كل فريق من المحاربين أيهما المحق؟ وليس الأمر كذلك، فإنهم حاربوا وهم مؤمنون أن الحق في جانبهم، وقالوا: "لا حكم إلا الله" فسرت هذه الجملة إلى من يعتنق هذا الرأي، وأصبحت شعارا لهم.
وقد طلبوا من على أن يحكم على نفسه بالخطأ ... بل بالكفر لقبوله التحكيم، ويرجع عما أبرم مع معاوية من شروط، فأبى على ذلك؛ لأنه لم يشرك بالله شيئا منذ آمن، وكيف يرجع عن اتفاق أمضاه، فاستمروا على عنادهم ومضايقتهم له؛ فإذا خطب في المسجد قاطعوه بقولهم: "لا حكم إلا الله" ولما يئسوا من رجوعه إلى رأيهم اجتمعوا في منزل أحدهم وخطب خطيبهم يقول:
أما بعد.... فإنه ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينيبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول الحق، وإن من1 وضر؛ فإنه من يمن ويضر في هذه الدنيا، فإن ثوابه يوم القيام رضوان الله عز وجل والخلود في جناته، فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن منكرين هذه البدع المضلة.
__________
1 من من من الأمر فلانا. أي أضعفه وأعياه.
(1/263)

ثم خرجوا إلى قرية قريبة من الكوفة تسمى "حروراء" وسموا حينئذ "بالحرورية" نسبة إلى هذه القرية، كما سموا "بالمحكمة"؛ لأنهم يقولون: "لا حكم إلا الله". وأمروا عليهم رجلا اسمه عبد الله بن وهب الراسبي.
أما تسميتهم بالخوارج؛ فلأنهم خرجوا على وصحبه، وقد يجعل بعضهم هذا الاشتقاق من الخروج في سبيل الله أخذا من قوله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} 1، وسموا كذلك "الشراة" أي الذين باعوا أنفسهم لله، من قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّه} 2. وقد حاربهم على رضي الله عنه وهزمهم، وقتل منهم كثيرا في وقعة "النهروان" فأمعنوا في عدائه، وكادوا له حتى دبروا مؤامرة قتله، فقتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي.
وظل الخوارج شوكة في جنب الدولة الأموية يهددونها ويحاربونها في جرأة وشجاعة، وكبدوها خسائر فادحة في معارك متواصلة، ويجدر بنا الإشارة إلى أنهم كانوا قسمين:
أحدهما: بالعراق وما حوله، وكان أهم مركز لهم "البطائح" بالقرب من البصرة، وقد استولوا على كرمان وبلاد فارس، وهددوا البصرة، وهؤلاء هم الذين حاربهم المهلب بن أبي صفرة، واشتهر من رجالهم نافع بن الأزرق، وقطرى بن الفجاءة.
ثانيهما: بجزيرة العرب، وقد استولوا على اليمامة، وحضرموت، والطائف، ومن أشهر أمرائهم أبو طالوت، ونجدة بن عامر.
واستمرت حروب الخوارج طوال عهد الدولة الأموية، ثم ضعف شأنهم في عهد الدولة العباسية.
__________
1 النساء: 100.
2 البقرة: 207.
(1/264)

آراؤهم:
ومن أشهر آراء الخوارج ما يأتي:
أ- رأيهم في الخلافة:
أ- يقول الخوارج بصحة خلافة أبي بكر وعمر، لصحة انتخابهما، وبصحة خلافة عثمان في صدرها الأول؛ فلما حاد عن سيرة أبي بكر وعمر وجب عزل عزله، وبصحة خلافة على إلى أن قبل التحكيم.
ب- ويقولون بكفر على لما قبل التحكيم، وبكفر معاوية، وأبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص ويطعنون في أصحاب الجمل: طلحة، والزبير، وعائشة.
جـ- ويرون أن الخلافة يجب أن تكون باختيار حر من المسلمين، ولا يشترط أن يكون الخليفة قرشيا، خلافة لنظرية الشيغة القائلة بانحصار الخلافة في بيت النبي، ولكثير من أهل السنة القائلين بأن الخلافة في قريش، وإذا تم اختيار الخليفة صار رئيسا للمسلمين، ولا يصح أن يتنازل أو يحكم، ويجب أن يخضع خضوعا تاما لأمر الله، وإلا وجب عزله؛ فإن لم يقبل وجب قتله.
ب- رأيهم في الإيمان والعمل:
أ- يرى الخوارج أن العمل بأوامر الدين كلها جزء من الإيمان، كالصلاة، والصوم، والزكاة، والصدق، والعدل، وليس الإيمان الاعتقاد وحده، أو الاعتقاد مع الإقرار باللسان.
ب- وإذا كان العمل بأوامر الدين جزء من الإيمان -وهو كذلك عند أهل السنة والجماعة- فإنهم يرون أن من لم يعمل بأوامر الدين، أو يرتكب الكبائر يكون كافرا.
فقالوا بتكفير أهل الذنوب، ولم يفرقوا بين ذنب وذنب، بل اعتبروا الخطأ في الرأي ذنبا، ولذا كفروا عليا رضي الله عنه بالتحكيم، واستدلوا على ذلك بظواهر.
(1/265)

كثير من النصوص: منها قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين} 1 وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} 2 وقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، وفي الصحيحين كذلك: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"، وغير ذلك من النصوص.
وهذه النصوص عند أهل السنة والجماعة، لا يراد بها الكفر الذي يخرج من الملة، ولا نفي حقيقة الإيمان، إنما يراد بها نفي كماله.
وقد اختلف الخوارج على أنفسهم، وأصبحوا فرقا شتى، لكل فرقة آراؤها، ولكنهم يشتركون إجمالا في النظريتين السابقتين: نظرية الخلافة، ونظرية الإيمان والعمل.
ومنهم من كان يرى أنه لا حاجة بالأمة إلى إمام وعلى الناس أن يعملوا بكتاب الله من أنفسهم، ولهذا روي عن علي رضي الله عنه.. أنه لما سمعهم يقولون: لا حكم إلا لله، قال: "كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون: "لا إمرة إلا لله"، وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمع فيها الكافر، ويبلغ الله منها الأجل، ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوى، حتى يستريح بر ويستراح من فاجر".
وقد قال ابن أبي الحديد: إن الخوارج كانوا في بدء أمرهم يقولون ذلك، ويذهبون إلى أنه لا حاجة إلى الإمام، ثم رجعوا عن ذلك لما أمروا عليهم عبد الله ابن وهب الراسبي.
أشهر فرقهم:
وذكر بعض الباحثين أن فرق الخوارج بلغت نحو العشرين، كل فرقة تخالف الأخرى في بعض تعاليمها، ومن أشهر فرقهم:
__________
1 آل عمران: 97.
2 المائدة: 44.
(1/266)

1- الأزارقة: أتباع نافع بن الأزرق من بني حنيفة، وكان من أكبر فقهائهم، وقد كفر جمع المسلمين من عداهم، واستباح قتل النساء والأطفال وأهل الذمة، وحرم التقية؛ لأن الله يقول: {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} 1 واستحل الغدر بمن خالفه، وأشهر من تولي إمارة الأزارقة بعد نافع، قطري بن الفجاءة المازني التميمي الذي قاتله المهلب بن أبي صفرة قتالا مريرا حتى هزمه بأرض فارس.
2- النجدات: أتباع نجدة بن عامر، من بني حنيفة كذلك، ويرى أن الدين أمران: أحدهما: معرفة الله ومعرفة رسوله وتحريم دماء المسلمين وتحريم غصب أموالهم والإقرار بما جاء من عند الله جملة، فهذا واجب على الجميع، والجهل به لا يعذر فيه.
والثاني: ما سوى ذلك -فالناس معذورون فيه إلى أن تقوم عليهم الحجة في الحلام والحرام.
بايعه خوارج اليمامة سنة 66 هـ وغزا بهم البحرين وعمان واليمن والطائف؛ لكنه لم يبسط نفوذه إلا في البحرين.
خالف النجدات عامة الخوارج، فقالوا بالتقية، أي أن يظهر الخارجي أنه جماعي حقنا لدمه، ولا يستحلون قتل الأطفال، وأهل الذمة.
3- الإباضية: أتباع عبد الله بن إباض التميمي، وكانوا أقل غلوا في الحكم على مخالفيهم، ونزعتهم أميل إلى المسالمة، فهم أبعد الخوارج عن الشطط، يرون أن مخالفيهم كفار نعمة، لا كفار في الاعتقاد، فتجوز شهادتهم، ومناكحتهم، والتوارث معهم، ولذا بقي لهم فقه جيد، ولهم أتباع في ساحل عمان وزنجبار.
4- الصفرية: أتباع زياد بن الأصفر، وهم لا يختلفون كثيرا في تعاليمهم عن الأزارقة وإن كانوا أقل تطرفا منهم، وأشهد من غيرهم، فلا يكفرون بالذنوب كلها، إنما يكفرون بالذنوب التي فيها حد، ولا يحكون بقتل أطفال مخالفيهم، ولا
__________
1 النساء: 77.
(1/267)

يرون كفرهم وتخليدهم في النار خلافا للأزارقة، وقد انتشروا في الموصل وأرض الجزيرة.
وأكثر الذين اعتنقوا مبدأ الخوارج كانوا عربا بدوا، انضم إليهم قليل من الموالي.
ومن أخص صفات الخوارج تشددهم في العبادة وإخلاصهم لعقيدتهم وشجاعتهم النادرة، وعروبتهم الخالصة، وأدبهم الرفيع شعرا ونثرا.
فقه الخوارج:
1- لقد كان من آثار اهتمام الخوارج بالناحية العملية وتشددهم في سلوك المسلم أنهم ترفعوا في مقاييسهم الفقهية بأمور العبادات؛ فاعتبروا المعاني الأخلاقية والروحية بإزاء العمل البدني؛ ففي طهارة البدن للصلاة مثلا، يرون أن الطهارة إنما تكون بطهارة اللسان من الكذب والقول الباطل، الذي يوقع الناس في الأذى، وعلى هذا جعلوا من مبطلات الوضوء: الوشاية، والعدواة، والبغضاء بين الناس، والقول الفاحش، أي أنهم راعوا مع الطهارة البدنية، الطهارة المعنوية.
2- ومن فرق الخوارج من غلا في أخذ الأحكام من مصادر الشريعة، واعتبر القرآن وحده المصدر الحقيقي، ولم يعترف بغيره، وقد نجم عن هذا مخالفتهم لإجماع المسلمين في بعض المسائل، محتجين بأن القرآن يبطلها.
أ- قالوا: رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم، ورجم الأئمة بعده، والله تعالى يقول في الإماء: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} 1، والرجم إتلاف للنفس لا يتبعض؛ فكيف يكون على الإماء نصفه؟ والمحصنات ذوات الأزواج وفي هذا دليل على أن المحصنة حدها الجلد، وهو الذي ورد في القرآن لقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} 2.
ب- وقالوا: رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا وصية لوارث"، والله يقول: "كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن
__________
1 النساء: 25.
2 النور: 2.
(1/268)

ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين1 والولدان وارثان على كل حال لا يحجبهما أحد عن الميراث؛ فهذه الرواية في الوصية خلاف كتاب الله عز وجل.
جـ وقالوا: رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها"، وأنه قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" والله عز وجل يقول: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ} 2 إلى آخر الآية:..... ولم يذكر الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، ولم يحرم من الرضاع إلا الأم المرضعة، والأخت بالرضاع، ثم قال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} 3 فدخلت المرأة على عمتها وخالتها، وكل رضاع سوى الأم والأخت فيما أحله الله تعالى.
د- وقالوا: إنكم ترون أن حد القذف يثبت على على من يقذف المحصنين من الرجال ونحن نقول: إن حد القذف لا يثبت إلا على من يقذف محصنة بالزنا؛ لأن الله تعالى يقول: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} 4 فذكر رمي المحصنات ولم يذكر رمي المحصنين.
وقد ذكر ابن قتيبة هذه المسائل وغيرها نقلا عن الخوارج في كتابه "تأويل مختلف الحديث"5 ورد عليها، ولهذه النزعة أثر عند بعض الناس في عصرنا الحاضر الذين يرون الاكتفاء بالقرآن وحده.
__________
1 البقرة: 180.
2 النساء: 23.
3 النساء: 24.
4 النور: 4.
5 انظر ص 192 ط مكتبة الكليات الأزهرية.
(1/269)

الشيعة
مدخل
...
2- الشيعة:
بدأت نواة التشيع لدى هؤلاء الذين يرون أن الخلافة ميراث أدبي وأولى
الناس بإرث النبي صلى الله عليه وسلم من قرابته، أولاهم بالإرث الأدبي، أي الخلافة، وأولى قرابته العباس عمه وعلى ابن عمه، وعلى أولى، كما ذكرنا من العباس لسبقه وعلمه وجهاده وزواجه من فاطمة، ولم يرد عن طريق صحيح ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عين عليا للخلافة ونص عليه.
ويروي البخاري عن ابن عباس "أن عليا رضي الله عنه خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه؛ فقال الناس: يا أبا الحسن ... كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئا، فأخذ بيده العباس رضي الله عنه وقال: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتوفي من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا نسأله فيمن هذا الأمر، فإن كان فينا علمناه، وإن كان في غيرنا كلمناه، فأوصى بنا، فقال على رضي الله عنه: أما والله لئن سألناه فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها".
ومع أن عليا بايع أبا بكر رضي الله عنه، ثم بايع عمر وعثمان من بعد فإن النظرة إلى على ومكانته كانت تشير إلى أنه جدير بالخلافة وأنه أحق بها. وقد تأخرت بيعته لأبي بكر ستة أشهر إلى أن توفيت زوجه فاطمة التي كانت ترى أن أبا بكر منعها ميراث أبيها، كما تأخر نفر من الصحابة كانوا يرون أحقية على بالخلافة، ذكر منهم: العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان، والمقداد بن الأسود. والزبير، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وأبو ذر؛ ولكنهم جميعا بايعوا بعد ذلك.
هذه هي الفكرة التي تطورت وقيل في أصحابها شيعة علي، وأصبحت ذات نظريات خاصة في الإمامة، ولكن شيئا من هذه النظريات لم يوجد في عهد الخلاة الراشدة؛ وإنما وجد ذلك في دعاوي الشيعة الكثيرة بعد على رضي الله عنه في الإمامة وغيرها، وقال فيها ابن خلدون في مقدمته حكاية عنهم: "إن الإمامة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، ويتعين القائم بتعيينهم بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفاله ولا تفويضه إلى الأمة، بل
(1/270)

يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصوما من الكبائر والصغائر، وإن عليا رضي الله عنه هو الذي عينه صلوات الله عليه، بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم، لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة؛ بل أكثرها موضوع، أو مطعون في طريقه، أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة"1
وقد أدت هذه الفكرة لدى الشيعة إلى أمور:
1- أدت إلى القول بأن عليا أفضل الخلق بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأعلاهم منزلة في الجنة، وأكثرهم خصائص، ومزايا، ومناقب، وأنه معصوم، وكذلك من بعده من الأئمة، وكل من عاداه أو حاربه أو أبغضه فإنه عدو لله، وخالد في النار مع الكفار والمنافقين وليس بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا النبوة.
2- وأدت إلى الغلو في حب على حتى ألهوه، فمنهم من قال كما ذكر الشهرستاني:
"حل في على جزء إلهي، واتحد بجسده فيه، وبه كان يعلم الغيب؛ إذ أخبر عن الملاحم، وصح الخبر، وبه كان يحارب الكفار، وله النصرة، والظفر، وبه قلع باب خيبر، وعن هذا قال: والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية، ولا بحركة غذائية، ولكن قلعته بقوة ملكوتية، قالوا: وربما يظهر على في بعض الأزمان"2.
وقد تضمن هذا النص فكرة الحلول التي وجدت عند النصارى أيضا، وفكرة الرجعة التي تطورت عند الشيعة إلى العقيدة باختفاء الأئمة وأن الإمام المختفي سيعود، ويملأ الأرض عدلا، ومنها نبعت فكرة المهدي المنتظر.
ولعل من أكبر العوامل التي ساعدت على هذه الفكرة، أن أكثر شيعة على
__________
1 انظر المقدمة - الفصل السابع والعشرون، ص 196.
2 انظر ص 78ج 2 "الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم" ومعه "الملل والنحل" للشهرستاني.
(1/271)

كانوا في العراق، من عناصر مختلفة وفي العراق، من قديم مذاهب مختلفة عربية، ومنها ما فيه الزعم بعقيدة الحلول.
أما المسلمون العرب فهم أبعد الناس عن هذا الزعم، وتلك المذاهب، وقد عرفوا عقيدة الفطرة في الإسلام القائمة على وحدانية الله وتنزهه، وقد قال الله في القرآن على لسان رسوله: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} 1، فكيف بغيره من الناس؟
وللشيعة فرق شتى، أهمها: الزيدية، والإمامية:
1- فالزيدية: هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومذهبهم أعدل مذاهب الشيعة وأقربها إلى السنة، فهم لا يرون الإمامة بالنص، ولا يذهبون مذهب الغلاة في الحلول، ويجيزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل، ولذا قالوا بصحة إمامة أبي بكر وعمر، ولا يزال سوادهم الأعظم في اليمن حتى الآن، والإمام زيد إمام فقيه، وله في الفقه كتاب "المجموع".
2- والإمامية: وهم الذين قالوا بأن محمدا صلى الله عليه وسلم نص على خلافة على، وقد اغتصبها أبو بكر وعمر، وجعلوا الاعتراف بالإمام جزءا من الإيمان، ويختلفون اختلافا كثيرا في الأئمة وتسلسلهم لاختلاف فرقهم، ويقولون بعودة إمام منتظر، ومن أشهر فرقهم، الإسماعيلية، والإثنا عشرية، ولكل فرقة مذهبها الذي يختلف عن غيرها، وقد كان للتشيع أثره في الفقه الإسلامي.
فإن الشيعة لا يعتدون في الأخذ إلا من علمائهم، ولا يفسرون النصوص إلا وفق مبادئهم، ولا يأخذون بالإجماع؛ حيث لا اعتبار لأقوال غيرهم، ولا يقولون بالقياس لأنه رأي، والدين لا يؤخذ بالرأين وإنما يؤخذ عن الله ورسوله وأئمتهم المعصومين، وقد نشأ من ثمار ذلك مخالفتهم لأهل السنة والجماعة في كثير من الأصول والفروع.
__________
1 الكهف: 110.
(1/272)

أ- فقد قالوا بإمامة على وخلافته نصًا ووصاية وأنها لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وليست الإمامة قصية مصلحة، تناط باختيار العامة؛ بل هي ركن الدين الذي لا يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم إهماله وإغفاله، وتفويضه إلى العامة، وقالوا بوجوب عصمة الإمام عن المعصية، والظلم، والخطأ، والنسيان.
ويرى الإسماعيلية أن التوحيد نفي الصفات عن الله؛ لأنك إذا أثبت الصفات فلا توحيد، وأن القرآن له ظاهر وباطن، وأن أولياءهم وأوتوا علم الباطن، وأن الشعائر الدينية لا تلزم إلا العامة، أما الخاصة فغير مطالبين بها.
ب- وهو يقولون بجواز نكاح المتعة إلى يوم القيامة، وإنه لم ينسخ، مستدلين بظاهر قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} 1، والجمهور على أن الآية في النكاح الشرعي المعهود، والمراد بالاستمتاع: التمتع الكامل بالدخول بالزوجة من نكاح مشروع، والمراد بالأجور: ما يجب للزوجة من المهر كاملا إذا استمتع بها الزوج، وتسمية المهر أجرا لا تدل على أنه أجر المتعة؛ فقد سمى المهر أجرا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنّ} 2 وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} 3 أي مهورهن. وأما قراءة ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وسعيد بن جبير "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى" فليست بقرآن عند مشترطي التواتر ولا سنة لأجل روايتها قرآنا، فتكون من قبيل التفسير للآية وليس بحجة.
ونكاح المتعة كان جائزا في صدر الإسلام رخصة لحالة الغربة في السفر، ثم نسخ عام الفتح، وأجمع الصحابة على ذلك، وما روى عن
__________
1 النساء: 24.
2 النساء: 25.
3 الأحزاب: 50.
(1/273)

ابن عباس من إباحته؛ فقد روي عنه أنه رجع عنه.
جـ- ولا يجيزون أن يتزوج المسلم بالكتابية الظاهر قوله تعالى: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر} 1 والآية محمولة عند الجمهور على غير الكتابيات لقوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} 2.
د- ويخالفون في مسائل كثيرة بالميراث؛ فلا يورثون النساء إلا من المال المنقول، دون الأرض أو العقار، ويجعلون المال كله للقريب ذي الفرض، ويمنعون العاصب مما زاد عن الفرض؛ ففي بنت وأخ مثلا، يجعلون المال كله للبنت ويحرمون الأخ، ويقدمون ابن العم الشقيق على العم لأب، وهذا مبني على عقيدتهم في الخلافة، وإن عليا وذريته مقدمون على العباس وذريته، فعلى ابن عم شقيق والعباس عم لأب. وفاطمة وأولادها مقدمون على غيرهم من العصبات، ويرون أن الأنبياء يورثون.
هـ- ويقولون إن الطلاق لا يقع إلا أمام شاهدين، لقوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} 3 وقال جمهور الفقهاء: إن الطلاق يقع من غير حاجة إلى إشهاد فحضور الشهود شرط في صحة الزواج، وليس شرطا في إنهائه، ولم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته لاشتراط الشهود لوقوع الطلاق، فتصح الفرقة وإن لم يقع الإشهاد عليها ويشهد بعد ذلك، وإنما أمر الله بالإشهاد على الإمساك أو الفرقة احتياطا من التجاحد وذلك على سبيل الاستحباب. لأن كلا منهما حق للزوج؛ فجاز بغير إشهاد إذ لا يحتاج فيه إلى رضا غيره.
وإذا كان الخوارج قد غلبت عليهم الصراحة لطبيعتهم البدوية، فحاربوا
__________
1 الممتحنة: 10.
1 المائدة:5.
3 الطلاق: 2.
(1/274)

بني أمية جهارا، فإن الشيعة قد لجأ أكثرهم إلى العمل سرا، ويعرف هذا بالتقية، أي: المداراة، بأن يتظاهر الشخص بعقيدة أو عمل لا يعتقد بصحته، محافظا على نفسه، أو عرضه، أو ماله؛ بل قال بعضهم: يجب إظهار الكفر لأدني مخافة أو طمع، وإنه لا إيمان لمن لا تقية له.
(1/275)

تفرق العلماء في الأمصار:
بدأت الفتوحات الإسلامية تتسع في عهد عمر بن الخطاب، وظلت موجة المد الإسلامي في المشرق والمغرب، تشق طريقها من بعده وكان لا بد للعرب والمسلمين الفاتحين أن يؤهلوا أنفسهم لحكم البلاد التي فتحوها بالعلم والمعرفة، ولا بد للدين دخلوا في الإسلام من غير العرب أن يتعلموا العربية لدينهم ولدنياهم، فاستتبع الفتح الإسلامي حركة علمية في البلاد المفتوحة، وقد ذكرنا من قبل تفاوت الصحابة في درجاتهم العلمية، وأن عددا منهم ليس بالقليل، كانت له مكانه علمية مرموقة، وقد عدت بضعة من الصحابة هم الطبقة الأولى في العلم، وعد عشرون من الطبقة الثانية، وعد نحو مائة وعشرين من الطبقة الثالثة، وهؤلاء وأولئك تفرقوا في أنحاء الدولة الإسلامية بعد الفتح، ووزعوا على الأمصار أحيانا قصدا إلى تعليمهم؛ فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى اليمن، وإلى البحرين، وكان عمر بن الخطاب يميل إلى استبقاء كبار فقهاء الصحابة بالمدينة، للاستعانة بهم في الفتيا عند عرض المشكلات، والحيلولة بينهم وبين الاشتغال بالحياة الدنيا ومظاهر الحكم، ولكنه مع ذلك أرسل بعض الصحابة معلمين في الأمصار، بعد أن اتسعت الفتوحات.
عن سالم بن عبد الله قال: كنا مع ابن عمر يوم مات زيد بن ثابت؛ فقلت: مات عالم الناس اليوم، فقال ابن عمر: يرحمه الله اليوم؛ فقد كان عالم الناس وحبرهم فرقهم عمر في البلدان.
وعن عمر بن الخطاب أنه قال حين خرج معاذ بن جبل إلى الشام: لقد أخل خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه وما كان يفتيهم به، ولقد كنت كلمت أبا بكر رحمه الله أن يحبسه لحاجة الناس إليه، فأبى على وقال: رجل أراد جهادا.
(1/275)

يريد الشهادة فلا أحبسه، فقلت: والله إن الرجل ليرزق الشهادة وهو على فراشه.
وكتب عمر إلى أهل الكوفة: إني بعثت إليكم بعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا وآثرتكم به على نفسي، فخذوا عنه، فقدم الكوفة ونزلها، وابتنى بها دارا إلى جانب المسجد.
وبعد عهد عمر كثر انتشار الصحابة في البلاد المفتوحة، وقد أنشأ هؤلاء الصحابة العلماء الذين تفرقوا في الأمصار حركة علمية في كل مصر نزلوا فيه، ولدى كل واحد منهم من العلم ما قد لا يكون لدى الآخر، وكونوا مدارس منهجية في تعليمهم، وكان لهم تلاميذ ينقلون عنهم العلم، فتخرج عليهم التابعون، وتأثرت البلاد التي نزلوا فيها بشخصياتهم، ونهجوا في العلم مناهجهم.
ومن الطبيعي أن تزدهر هذه الحركات العلمية في المدن خاصة؛ لأنها أكثر ناسا وأوفر عمرانا.
مكة:
خلف رسول الله صلى الله عليه في مكة بعد فتحها معاذا يفقه أهلها، ويعلمهم الحلال والحرام ويقرئهم القرآن، وهو من أفضل فقهاء الأنصار، علما وخلقا، واعتبر معلم مكة في عهده.
ولما كان الخلاف بين عبد الملك بن مروان، وعبد الله بن الزبير، ذهب ابن عباس إلى مكة وعلم بها؛ فكان يجلس في البيت الحرام، ويعلم التفسير، والحديث، والفقه والأدب، وأشهر من تخرج على يديه من التابعين مجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، وطاووس بن كيسان، وثلاثتهم من الموالي، وقد عد الذهبي وابن سعد طاووسا من علماء اليمن، وعده ابن القيم من فقهاء مكة ومفتيها، لأن هذا كان آخر أمره.
المدينة:
كانت المدينة دار الهجرة ومركز الخلافة، ومقر كبار الصحابة، فكانت أكثر علما وأوفر شهرة.
(1/276)

وأشهر من تفرغ فيها للحياة العلمية، وكثر أصحابه وتلاميذه: زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر بن الخطاب.
وتخرج على يد علماء المدينة من الصحابة كثير من التابعين، وأشهرهم: سعيد ابن المسيب، وعروة بن الزبير بن العوام، ثم كان ابن شهاب الزهري القرشي الذي أخذ عن كبار التابعين فحفظ فقه علماء المدينة وحديثهم.
الكوفة:
نزل الكوفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير، وكان أشهرهم في العلم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، إلا أن تأثير ابن مسعود كان أكثر علميا فيها؛ حيث بعثه عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة يعلمهم، فأخذ عنه كثير من الكوفيين، وتكونت في الكوفة حركة علمية كبيرة، وكان أشهر تلاميذه الذين تلقوا عنه أكثر علمهم: علقمة، والأسود، ومسروق، وشريح، والشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير.
البصرة:
كذلك نزل في البصرة عدد كبير من الصحابة، أشهرهم في العلم: أبو موسى الأشعري وأنس بن مالك.
ومن أشهر من خرجته مدرسة البصرة: أبو الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وكلاهما من أبناء الموالي.
الشام:
روي أن يزيد بن أبي سفيان كتب إلى عمر: قد احتاج أهل الشام إلى من يعلمهم القرآن، فأرسل معاذا، وعبادة، وأبا الدرداء، فقضى معاذ آخر حياته بالشام معلما، وانتهت إقامته إلى فلسطين، وتولى عبادة بن الصامت إمرة حمص، واستقر أبو الدرداء في دمشق، وتخرج على يدهم جميعا كثير من التابعين، كأبي إدريس الخولاني، ثم مكحول الدمشقي، وعمر بن عبد العزيز، ورجاء بن حيوة، ثم كان إمام أهل الشام عبد الرحمن الأوزاعي.
(1/277)

مصر:
يعتبر عبد الله بن عمرو بن العاص أشهر الصحابة الذين نزلوا بمصر، وعلموا بها، وكان من أكثر الناس حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام بحركة علمية في مصر، وأخذ عنه كثير من أهلها، واشتهر من بعده يزيد بن حبيب أستاذ الليث بن سعد.
اليمن:
وعرف من فقهاء اليمن من التابعين: مطرف بن مازن قاضي صنعاء، وعبد الرزاق بن همام، وهشام بن يوسف.
(1/278)

رواية الحديث:
توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم محفوظ في الصدور، ومكتوب في الرقاع والأكتاف، والحجارة وغيرها.
أما السنة فلم يكن شأنها كذلك؛ لأنها لم تدون كما دون القرآن لأسباب أشرنا إلى بعضها من قبل، أهمها: الخوف من اختلاط بعض أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وما ورد من النهي عن كتابة شيء غيره، وهذا لا ينفي أن يكون قد كتب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من السنة. كما ذكرنا من قبل عن الصحف التي كتبها بعض الصحابة.
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى صحابته بتبليغ السنة إلى من وراءهم، مع التثبت فيما يروون.
أخرج أبو داوود والترمذي، من رواية زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نضر الله امرءًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها، ورواها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع".
وقد امتثل الصحابة هذا وبلغوا أمانة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أمته، خصوصا وقد تفرقوا في الأمصار، وأصبحوا فيها معلمين، ونتلمذ عليهم التابعون، ورحل إليهم من رحل على بعد الشقة، وعناء السفر للأخذ عنهم.
(1/278)

بيد أن الصحابة كانوا متفاوتين في التحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلة وكثرة؛ فمن المقلين: الزبير وزيد بن أرقم، وعمران بن حصين، ولعل ذلك كان لحذرهم من الوقوع في الكذب من غير قصد، ولذلك روى أن أنس بن مالك كان يتبع الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أو كما قال".
ومن المكثرين: أبو هريرة، وعائشة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر وأنس بن مالك.
فلأبي هريرة كما يذكر بعض الباحثين "5374" حديثا. ولعائشة "2210". ولعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك ما يقرب من مسند عائشة، ولكل من جابر ابن عبد الله، وعبد الله بن عباس أزيد من "1500" ونرى بعض الصحابة لم يرد عنه إلا القليل النادر، ومما ساعد هؤلاء المكثرين في الحديث طوال حياتهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم وطول صحبتهم وكثرة من أخذ عنهم.
وقد اجتهد صغار الصحابة بجمع الحديث من كبارهم، ورحلوا في طلبه.
أخرج البخاري في الأدب المفرد، وأحمد والطبرانين والبيهقي واللفظ له عن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أسمعه منه، فابتعت بعيرا فشددت عليه رحلي، ثم سرت إليه شهرا حتى قدمت الشام؛ فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري، فأتيته فقلت له: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم لم أسمعه، فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه؛ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يحشر الناس غرلا بهما" قلنا: وما البهم؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم نداء يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة عنده مظلمة حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة. وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى أقصها منه، حتى اللطمة، قلنا: كيف؟ وإنما نأتي الله غرلا بهما؟ قال: "بالحسنات والسيئات".
(1/279)

وبمثل هذا الاهتمام والارتحال لطلب السنةابتدأت رواية الحديث تأخذ في السعة والانتشار، واتجهت الأنظار إلى الصحابة رضي الله عنهم، وحرص التابعون على لقياهم ونقل ما في صدورهم من علم قبل أن ينتقلوا إلى الرفيق الأعلى، ولم يشك أحد في الأخذ عن الصحابة، ولم يكن قد دس على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى وقعت الفتنة وظهرت الطوائف، وبدأ التحول في حياة المسلمين الدينية تبعا للتحول في حياتهم السياسية.
(1/280)

بدء الوضع في الحديث:
أدى انقسام المسلمين إلى طوائف بعد الفتنة إلى أن يؤيد كل فريق موقفه بالقرآن والسنة. فأول بعض هذه الطوائف القرآن على غير حقيقته، وحملوا نصوص السنة ما لا تحتمله، فإذا عز عليهم التأويل نسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله تأييدا لدعواهم، لا سيما في فضل أئمتهم، وقد ذكروا أن أول بادرة في ذلك كانت من الشيعة ولم يقع شيء من ذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يصدر عن أحد من الصحابة، فهم محل الثقة، وما كان بينهم من خلاف كان اجتهادها في الدين، وكل منهم يطلب الحق وينشده، وإنما نشأ الوضع من الخلافات السياسية في عهد التابعين.
وأهم بواعثه ترجع إلى ما يأتي:
1- الخلافات السياسية:
فقد كانت سببا أصيلا في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سئل مائل عن الرافضة، فقال لا تكلمهم، ولا ترو عنهم؛ فإنهم يكذبون.
ويقول شريك بن عبد الله القاضي، وقد كان معروفا بالتشيع مع الاعتدال فيه: أحمل عن كل من لقيت، إلا الرافضة فإنهم يضعون الحديث، ويتخذونه دينا. وبذلك كان الرافضة أكثر الفرق كذبا.
قال حماد بن سلمة: حدثني شيخ لهم - يعني الرافضة - قال: كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئا جعلناه حديثا.
(1/280)

وقد بين ابن تيمية ذلك في منهاج السنة.
ومن أمثلة الوضع لدى الرافضة: "من أراد أن ينظر إلى أدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي".
و"أنا ميزان العلم، وعلى كفتاه، والحسن والحسين خيوطه، وفاطمة علاقته، والأئمة منا عمود توزن فيه أعمال المحبين لنا والمبغضين لنا".
و"حب على حسنة لا يضر معها سيئة، وبغضه سيئة لا ينفع معها حسنة" فهذه الأخبار ونظائرها تفوح منها رائحة الكذب بصورة ظاهرة.
أما المتعصبون من جهلة أهل السنة فقد ندر ما أثر عنهم من الدس في الأخبار مثل: "ما في الجنة شجرة إلا مكتوب على ورقة منها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق، عثمان، ذو النورين"، "الأمناء الثلاثة: أنا وجبريل ومعاوية".
وذكر العلماء أن أقل الفرق الإسلامية كذبا هي فرق الخوارج، لما كانوا عليه من تقوى ولأنهم يكفرون مرتكب الكبيرة، ونسبوا إليهم: "إذا أتاكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله؛ فإن وافق كتاب الله فأنا قلته". ولكن بعض الباحثين ينفي عنهم تهمة الوضع إذ لا دليل يعتمد عليه في ذلك.
قال أبو داوود: ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج.
وقال ابن تيمية: ليس في أهل الأهواء أصدق ولا أعدل من الخوارج.
وقال: ليسوا ممن يتعمدون الكذب، بل هم معروفون بالصدق، حتى يقال إن حديثهم من أصح الحديث.
2- الزندقة:
أظل الإسلام بلواء دعوته ودولته كثيرا من البلاد، ودخلت في حوزته عروش وإمارات وزعامات لها ماض في الحكم وتراث في الفلسفة، وربما عز على بعض
(1/281)

هذه النفوس أن تظل العقيدة الإسلامية صافية المنبع، سائغة الشراب لحقد دفين، أو كراهية للإسلام وأهله، فعمدت إلى الانتقام من هذا الدين ورجاله بالعمل على إفساد عقائده، وتشويه محاسنه، وتفريق صفوف أتباعه وجنوده، فكان الدس في السنة من أوسع ميادين الإفساد لدينهم فصاغوا أحاديث طابعها السخف والسخرية كقولهم: "خلق الله الملائكة من شعر ذراعيه وصدره" وقولهم: "إن الله لما خلق الحروف سجدت الباء ووقفت الألف" ومن أشهر هؤلاء الزنادقة الوضاعين: عبد الكريم بن أبي العوجاء وقد قتله محمد بن سليمان بن على والي البصرة، واعترف عند قتله بأنه وضع مئات الأحاديث، وبيان بن سمعان، قتله خالد بن عبد الله القسري، ومحمد بن سعيد المصلوب، قتله أبو جعفر المنصور.
3- عصبية الجنس أو الإمام أو البلد:
وضع الشعوبيون1 حديث: "إن الله إذا غضب أنزل الوحي بالعربية، وإذا رضي أنزل الوحي بالفارسية" فقابلهم جهلة العرب بالمثل فقالوا: "إن الله إذا غضب أنزل الوحي بالفارسية، وإذا رضي أنزل الوحي بالعربية".
ووضع المتعصبون لأبي حنيفة: "سيكون رجل من أمتي يقال له أبو حنيفة النعمان هو سراج أمتي" والمتحاملون على الشافعي: "سيكون من أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس هو أضر على أمتي من إبليس" وكذلك الشأن فيما وضعوه عن فضائل بعض البلدان والقبائل.
4 التساهل في باب الفضائل والترغيب والترهيب:
سلك بعض من تصدوا للوعظ إلى ابتكار قصص مكذوب للتأثير على عواطف الناس وإحراز إعجابهم، ونسبوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن أمثلة هذا: "من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب، وريشه من مرجان".
وفي كتب الأخلاق والتصوف كثير من هذا الباب.
__________
1 الشعوبيون: هم الذين ينكرون العرب على غيرهم، ويحاولون الحط من قدرهم. الواحد: شعوبي.
(1/282)

وقد ذكر ابن قتيبة عند الكلام على الوجوه التي دخل منها الفساد على الحديث، الوجه الثاني: القصاص، فإنهم يميلون وجه العوام إليهم، ويشيدون ما عندهم بالمناكير والأكاذيب من الأحاديث ومن شأن العوام والقعود عند القاص ما كان حديثه عديبا خارجا عن نظر العقول، أو كان رقيقا يحزن القلب، فإذا ذكر الجنة قال: "فيها الحوراء من مسك أو زعفران وعجيزتها ميل في ميل ويبوئ الله وليه قصرا من لؤلؤة بيضاء فيها سبعون ألف مقصورة في كل مقصورة سبعون ألف قبة، فلا يزال هكذا في السبعين ألفا لا يتحول عنها وللسيوطي كتاب "تحذير الخواص وليس من أكاذيب القصاص" حققه الشيخ محمد الضباغ ونشره المكتب الإسلامي ومن هذا القباني ابن أبي كثير من أحاديث فضائل القرآن سورة سورة، وقد اعترف نوح ابن أبي مريم بوضع مثل هذا، واعتذر لذلك بأنه رأي الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق.
ومن هؤلاء الوضاعين "غلام خليل" الذي كان زاهدا، فزين له الشيطان وضع أحاديث عن فضائل الأذكار والأوراد حتى قيل له هذه الأحاديث التي تحدث بها من الرقائق؟ فقال: وضعناها لنرقق بها قلبه.
(1/283)

جهود العلماء لصيانة السنة ومقاومة حركة الوضع
...
جهود العلماء لصيانة السنة:
بذل العلماء وشعوب العامة. صحيح ومقاومة حركة الوضع:
عصر الصحابة إلى أن تم تدوين السنة كثيرة من الجهود، لتمييز صحيح الأحاديث وسلكوا أقوم الطرق العلمية للنقد والتمحيص، يحق لأمتنا أن تفاخر به الأمم جميعا، ونستطيع أن نلخص أهم خطواتهم لتحقيق ذلك في الأمور الآتية:
1- التحري في إسناد الحديث: فقد أخذ علماء الصحابة والتابعين بعد أن وقعت الفتنة، وظهرت الفرق، يتحرون في نقل الأحاديث، ولا يقبلون منها إلا ما عرفوا طريقها ورواتها واطمأنوا إلى ثقتهم وعدالتهم وقد نقل مسلم في
(1/283)

الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".
ويقول ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. ويقول ابن المبارك كذلك: بيننا وبين القوم: "القوائم" يعني الإسناد.
ولهذا كثرت رحلات التابعين، بل ورحلات صغار الصحابة من مصر إلى مصر ليسمعوا الأحاديث الثابتة من الرواة الثقات.
يقول سعيد بن المسيب: إني كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد.
وحدث الشعبي مرة بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال لمن حدث به: خذها بغير شيء، قد كان الرجل يرحل فيما دونها إلى المدينة.
2- نقد الرواة: فقد تتبع العلماء الرواة ودرسوا حياتهم، وتاريخهم، وسيرتهم، لمعرفة حالهم من صدق أو كذب، ولم تأخذهم في الله لومة لائم، ووضعوا لذلك قواعد ساروا عليها لبيان من يؤخذ منه ومن لا يؤخذ، وعدل هؤلاء النقاد الصحابة ولم ينسبوا لأحد منهم كذبا.
قال الغزالي في المستصفى: والهذي عليه سلف الأمة وجماهير الخلف أن عدالتهم أي الصحابة معلومة بتعديل الله عز وجل إياهم وثنائه عليهم في كتابه، فهو معتقدنا فيهم، فلا حاجة لهم إلى التعديل، ثم ذكر مزاعم آخرين فقال: وقد زعم قوم أن حالهم كحال غيرهم في لزوم البحث وقال قوم: حالهم العدالة في بداية الأمر إلى ظهور الحرب والخصومات، ثم تغيرت الحال وسفكت الدماء، فلا بد من البحث.
ومن أهم من لا يؤخذ حديثهم الذين يعرف عنهم الكذب، ولو في أحاديث السناس وأصحاب البدع والأهواء، إذا كانت بدعهم مكفرة أو استحلوا الكذب، والزنادقة، والفساق.
(1/284)

3- وضع أمارات للدلالة على أن الحديث موضوع، كمخالفته لصريح القرآن، أو فساد معناه، وهذا ما يعرف في مصطلح الحديث بـ "الجرح والتعديل".
(1/285)

الجرح والتعديل:
نشأ من ثمار هذه الجهود المباركة علم "الجرح والتعديل وهو علم يبحث فيه عن أحوال الرواة وأمانتهم وثقتهم وعدالتهم وضبطهم، أو عكس ذلك من كذب أو غفلة أو نسيان، وهو من أجل العلوم الإسلامية التي امتازت بها أمتنا.
وقد ابتدأ الكلام عن الرواة توثيقا وتوهينا منذ عصر صغار الصحابة، كابن عباس، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، ثم من التابعين: سعيد بن المسيب، والشعبي، وابن سيرين، ثم تتابع الأمر بعد ذلك فيمن نظر في الرجال للوقوف على أحوال الرواة، كشعبة، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان. وهكذا من الطبقات التي تلتهم.
والذي يمعن النظر في هذا العلم وما ألف فيه من كتب يقف على الجهد المشكور الذي بذله علماؤنا في نقد الأحاديث لمعرفة الصحيح والحسن والضعيف.
بل إنهم وضعوا كذلك قواعد لمعرفة الموضوع، وعلاماته في السند وفي المتن.
ومن أهم علامات الوضع في السند: أن يكون راويه كذابا معروفا بالكذب، ولا يرويه ثقة غيره، أو أن يعترف واضعه بالوضع، أو يروى الراوي عن شيخ لم يثبت لقياه له، أو ولد بعد وفاته.
ومن أهم علامات الوضع في المتن.
أ- ركاكة اللفظ، وضعف بالأسلوب. قال ابن دقيق العيد: كثيرا ما يحكمون بذلك- أي بالوضع- باعتبار أمور ترجع إلى المروي.
وحاصله أنهم لكثرة ممارستهم لألفاظ الحديث، حصلت لهم هيئة نفسانية، وملكة قوية يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبي وما لا
(1/285)

ب فساد المعنى: بأن يكون الحديث مخالفا لبدهيات المعقول، من غير أن يمكن تأويله، أو مخالفا للقواعد العامة في الأخلاق، أو مشتملا على سخافات يصلت عنها العقلاء، أو مخالفا لصريح القرآن، أو لحقائق التاريخ المعروفة من عصر النبي صلى الله عليه وسلم.
جـ- موافقة الحديث لمذهب الراوي، كرواية الرافضي حديثا في فضل أهل البيت.
د- اشتمال الحديث على إفراط في الثواب العظيم على الفعل الصغير، والمبالغه بالوعيد الشديد على الأمر الحقير.
وقد أشبع الدكتور مصطفى السباعي هذا البحث، فليرجع إليه من شاء في كتابه: "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي".
(1/286)

تدوين الحديث وأثره:
انقضى عهد الصحابة دون أن يدون من الحديث إلا النزر اليسير؛ حيث كان الاعتماد فيه على الرواية، حتى لا يلتبس القرآن الذي كتبوه بالسنة، إلا أن التفكير في كتابة الحديث قد عرض لعمر رضي الله عنه، ولكنه عدل عن ذلك كما تدل بعض الروايات.
فقد أخرج البيهقي عن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له؛ فقال: إني كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني -والله- لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا.
ويتبين من هذه الرواية أن عمر خشى من كتابة الحديث أن ينصرف الناس عن كتاب الله، وهو أساس الدين، كما انصرت الأمم السابقة، أو يلتبس بالقرآن.
فلما كانت الفتنة وانتشر الكذب، وبدأ الوضع في الحديث، نفر العلماء
(1/286)

للذب عن حياض السنة وصيانتها واستلزم هذا التفكير في تدوين الحديث حفظا له من الضياع، وخوفا عليه من الزيادة أو النقص.
وأول من فكر في جمع الحديث وتدوينه كما تذكر الروايات، عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه من التابعين، فإنه كتب إلى عامله وقاضيه على المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء.
ولم يكتف عمر بن عبد العزيز بالكتابة إلى ابن حزم، فقد روى أنه كتب إلى أهل الآفاق: انظروا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه.
ومع هذا فإن الجهد الأكبر في تدوين الحديث يرجع إلى الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، الذي ذكر مسلم أن له تسعين حديثا لا يرويها غيره، وقال فيه كثير من علماء عصره: لولا الزهري لضاع كثير من السنة.
ولم يكن تدوين الحديث في هذ العصر مبوبا على أبواب العلم كما صنع البخاري ومسلم وغيرهما من رجال الحديث؛ ولكنه كان جمعا للأحاديث من غير تبويب، ثم شاع التدوين بعد الزهري على أنماط مختلفة كان أكثرها يجمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلطا بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، إلى أن قام أئمة الحديث بتآليفهم العظيمة على طريقة المسانيد، ثم على طريقة التبويب.
قال ابن حجر: وأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح المتوفى سنة 160هـ. وسعيد ابن أبي عروبة المتوفى "سنة 156هـ" إلى أن انتهى الأمر إلى كبار الطبقة الثالثة، وصنف الإمام مالك الموطأ بالمدينة، وعبد الملك بن جريح بمكة، والأوزاعي بالشام، وسفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بن دينار بالبصرة1. ثم تلاهم كثير من الأئمة في التصنيف، كل على حسب ما سنح له
__________
1انظر مقدمة فتح الباري ص 4 ج1، إدارة الطباعة المنيرية.
(1/287)

وانتهى إلى علمه. ولن نتعرض لوصف هذه التصانيف لأنها ألفت بعد هذا العهد الذي نتحدث عنه.
وكان لتدوين الحديث أكبر الأثر في اتساع دائرة الحركة العلمية للفقه الإسلامي؛ حيث كان سببا في رحلة العلماء للرواية، وطوافهم بالبلدان، يأخذ بعضهم عن بعض فتبادلوا الآراء العلمية، ووقف علماء كل مصر على ما عند الآخرين.
ثم إن السنة جاءت مبينة للقرآن، واشتملت على أحكام لم تأت في كتاب الله عز وجل؛ فكان الاستناد إليها في الأحكام الفقهية أكبر عون للعلماء على استنباط حكم ما يجد من أحداث، وما يعرض للناس من أقضيات؛ ولا سيما أن تدوين الحديث كان أسبق من تدوين الفقه.
وكان لجهود أئمة الحديث وعلمائه في العصور المختلفة أثر كبير في الذب عن السنة والذود عن حياضها وتمييز الصحيح من السقيم فيها. وألف كثير منهم العديد من الكتب في الكشف عن الأحاديث الواهية، أو في تخريج أحاديث بعض الكتب وبيان درجتها أو في الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
ومنهم من أفراد الموضوعات بالتأليف أو عنى بالأمارات الدالة على الوضع، وقد تناولنا المؤلفات في ذلك عند الكلام عن السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي.
وتواجه السنة اليوم هجمات شرسة من ذوي النفوس المريضة الذين يهدفون من وراء ذلك إلى توهين الثقة في الأحكام الشرعية وحجية السنة، ولم تقتصر هذه الهجمات على المستشرقين الذين ينفثون سمومهم بأساليب شتى؛ بل بلغ السيل الزبي في هجمات أدعياء العلم تارة وذوي الرئاسة القسرية في دنيا العرب تارة أخرى من الجهلاء الأغبياء.
وقد ورد الدكتور مصطفى السباعي في كتابه "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" على شبه أولئك جميعا ردا علميا مستفيضا سواء أكان هذا فيما يتصل بما كتبه "أبو رية" في كتابه "أضواء على السنة المحمدية" ومطاعنه في أبي هريرة. أو كان متصلا بشبه المستشرقين ...
(1/288)

ونشر العالم الفضل الشيخ محمد نصيف وجيه "جده" رسالة بعنوان "دفاع عن السنة" تضمنت ثلاث مقالات بأقلام الأساتذة: الشيخ أبو الحسن الندوي - والشيخ يحيى المعلمي والدكتور مصطفى السباعي.
(1/289)

نشأة أهل الرأي وأهل الحديث:
عرفنا من قبل أن تفرق الصحابة في الأمصار أحدث حركة علمية في كل مصر تفاوتت في منهجها بتفاوت هؤلاء الصحابة، وتأثر تلاميذهم بهم، وقد تمايز في هذا التفاوت منهجان:
أحدهما: منهج "أهل الرأي" أو مدرسة الكوفة بالعراق.
والثاني: منهج "أهل الحديث" أو مدرسة المدينة بالحجاز.
(1/289)

مذهب أهل الرأي في العراق:
ربما كان عمر بن الخطاب أكثر الصحابة فقها للنص، واجتهادا في فهمه، وإقداما على إبداء الرأي فيه، والمشكلات التي اعترضت الصحابة واجتهدوا فيها، تعطي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الميزة في أكثر من موضع، وإن كان قد حرص على استشارة الصحابة والتريث في الأمور.
فعن الشعبي قال: كانت القضية ترفع إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فربما تأمل في ذلك شهرا، ويستشير أصحابه، واليوم يفصل في المجلس مائة قضية.
وسار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على طريقة عمر، وتأثر به آرائه، وروى عنه أنه قال: إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم. وجاء في "أعلام الموقعين" أن ابن مسعود كان لا يكاد يخالف عمر في شيء من مذهبه، وأنه قال: "لو أن الناس سلكوا واديا وشعبا، وسلك عمرا واديا وشعبا، لسلكت وادي عمر وشعبه".
وقال الشعبي: كان عبد الله لا يقنت، ولو قنت عمر لقنت عبد الله.
(1/289)

وهذا يدل على أن ابن مسعود نهج منهج عمر في التفكير والاستنباط والرأي، حيث لا نص، وإن خالفه في مسائل كثيرة لم يتابعه فيها، لاجتهاده الخاص بما يرى أنه الحق.
وروي عن إبراهيم النخعي أنه كان لا يعدل بقول عمر وابن مسعود إذا اجتمعا، فإذا ختلفا كان قول عبد الله أعجب، لأنه كان ألطف.
وقد عرفت من قبل أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل عبد الله بن مسعود إلى أهل الكوفة ليعلمهم، وكانت حركته واسعة، ونهج تلاميذه من بعده نهجه، فاعتبرت مدرسة ابن مسعود بالعراق نواة لمدرسة الرأي، حتى نسب إليها بعض التابعين فقيل "ربيعة الرأي".
ويرجع انتشار مدرسة الرأي في العراق إلى الأمور الآتية:
1- تأثرهم بالصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، الذي كان ينحى منحى عمر بن الخطاب، وأستاذ الكوفة -كما عرفنا- واطلاعهم على أقضية علي بن أبي طالب واجتهاداته مدة خلافته بينهم.
2- كان الحديث في العراق قليلا إذا قيس إلى ما لدى أهل الحجاز، موطن الرسول صلى الله عليه وسلم وكبار الصحابة؛ فإن عدد الصحابة الذين وفدوا على العراق كان قليلا بالنسبة إلى الصحابة الذي ظلوا في الحجاز.
3- والعراق متاخم للفرس، واتصل بالحضارة الفارسية اتصالا وثيقا؛ وذلك من شأنه أن يحدث كثيرا من المسائل الجزئية، والمشاكل المتعددة التي تحتاج إلى إعمال الرأي وكثرة القياس، روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: "إني لأسمع الحديث الواحد فأقيس عليه مائة شيء"1.
4- وكان العراق موطن الشيعة والخوارج، وعلى أرضه دارت الفتنة، ثم شاع الوضع في الحديث تأييدا للمذاهب السياسية، وهذا جعل علماءه في مدرسته.
__________
1 جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، ج2 ص 82 ط. دار الفكر.
(1/290)

يقلون من رواية الحديث، ويتحفظون فيها، تحرزا من الوقوع في الأحاديث الموضوعة؛ فكانت الأحاديث التي يعول عليها لديهم قليلة، وهذا يدعوهم عند النظر في المسائل إلى القول بالرأي حيث لا نص.
(1/291)

مميزات مدرسة أهل الرأي:
1- كثرة تفريعهم الفروع لكثرة ما يعرض لهم من الحوادث، نظرًا لتحضرهم وقد ساقهم هذا إلى فرض المسائل قبل أن تقع؛ فأكثروا من" أرأيت لو كان كذا"؟ فيسألون عن المسألة ويبدون فيها حكما، ثم يفرعونها بقولهم: "أرأيت لو كان كذا"؟ ويقلبونها على سائر وجوهها، الممكنة وغير الممكنة أحيانا، حتى سماهم أهل الحديث "الأرأيتيون" وتميز منهجهم بالبقه الافتراضي.
وقال سعيد بن المسيب لربيعة الرأي، وقد اعترض عليه في مسألة: "أعراقي أنت"؟.
وقدم على مالك بن أنس أسد بن الفرات، قال أسد: وكان أصحاب مالك يهابونه في السؤال؛ فكنت أسأله عن المسألة؛ فإذا أجاب يقولون: قل له فإن كان كذا؟ فأقول له؛ فضاق على يوما، فقال: هذه سليسلة بنت سليسلة، إن أردت هذا فعليك بالعراق.
2- قلة روايتهم للحديث، واشتراطهم فيه شروطا لا يسلم معها إلا القليل، وانتهاجهم نهج عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود فيما روي عنهما من التثبت في الرواية وعدم الإكثار في التحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يتهيبون من الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يتهيبون من الرأي.
(1/291)

مذهب أهل الحديث في الحجاز:
كان للمدينة منزلة خاصة باعتبارها دار الهجرة، التي نزل فيها التشريع، وشهدت ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا. وعاش فيها
(1/291)

الخلفاء الراشدون؛ فأصبحت مهد السنة، ومنبع الحديث، وملتقى الصحابة، وهذا يجعل أهلها أثبت الناس بالفقه، وأشدهم تمسكا بالرواية، ووقوفا عند الآثار.
ومدرسة المدينة فوق هذا تستقي منهجها من شيوخها الأوائل الذين في مقدمتهم زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم جميعا، وقد عرف ابن عمر بحرصه الشديد على تتبع آثار الرسول صلى الله عليه وسلم، والاعتزاز به، وتأثر بهذا المنهج تلاميذه الذين حملوا لواء العلم بهذه المدرسة، وفي مقدمتهم: سعيد ابن المسيب الذي أكب على جمع الآثار، وفتاوى الصحابة، وحفظ كثيرا منها، وقيل فيه: إنه أعلم الناس بما تقدمه من الآثار، وأفقههم في رأيه، وعن ميمون ابن مهران قال: أتيت المدينة؛ فسألت عن أفقه أهلها، فدفعت إلى سعيد فسألته.
ومن هذه المدرسة: الشعبي الذي يقول: ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخذوه وما كان من رأيهم فاطرحوه، في الحش1.
ومذهب مدرسة أهل الحديث: أنهم إذا سئلوا عن شيء، فإن عرفوا فيه آية أو حديثا أفتوا، وإلا توقفوا.
روي عن رجل سأل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء فقال: لم أسمع في هذا شيئا؛ فقال له الرجل: فأخبرني أصلحك الله برأيك، قال: لا، ثم أعاد عليه فقال، إني أرضي برأيك؛ فقال سالم: إني لعلي إن أخبرتك برأيي ثم تذهب فأرى بعد ذلك رأيا غيره فلا أجدك.
وترجع أسباب وقوف أهل الحجاز عند النصوص إلى الأمور الآتية:
__________
1 الحش: مكان قضاء الحاجة، وأصله أنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين. والشعبي هو عامر بن شراحيل الشعبي، ولد بالكوفة، ونشأت ومات بها؛ ولكنه أتى المدينة وأقام بها فترة، وروي عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، والنعمان بن بشير، وأبي هريرة، وغيرهم "طبقات ابن سعد ج6 ص 246".
(1/292)

1- تأثر مدرستهم بالمنهج الذي التزمه علماؤهم كما ذكرنا في حرصهم على الأحاديث والآثار، وتجنبهم الأخذ بالرأي، وإعمال القياس، إلا إذا كانت هناك ضرورة ملجئة وربما امتنعوا عن الإفتاء في المسألة التي لا يوجد لها دليل من كتاب أو سنة أو أثر.
2- ما لديهم من ثروة كبيرة لدى الصحابة الذين استوطن أكثرهم الحجاز عامة والمدينة خاصة، من أحاديث وآثار تفي بحاجتهم في الاستدلال، وتغنيهم عن إعمال الرأي.
3- يسر الحياة لدى أهل الحجاز، وقلة مشاكلهم؛ حيث كانوا على الفطرة الأولى بمنأى عما تحدثه المدينة الفارسية أو اليونانية من تفريع للمسائل، وكان الناس يعيشون على الحالة التي كانوا يعيشون عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هناك من الحوادث المستجدة سوى القليل النادر.
4- بعدهم عن مواطن الفتنة، وبواعث النزاع بالنسبة لما كان عليه الأمر في العراق؛ فقد سلموا من بدعة الخوارج والتشيع وأهل الأهواء وظل تراث الحديث والأثر محفوظا لديهم، لا تشوبه ريبة، ولا يتطرق إليه تهمة الوضع. ومن مميزات هذه المدرسة:
1- كراهيتهم لكثرة السؤال. وفرض المسائل، وتشعب القضايا؛ فالحكم ينبني على قضية واقعية، لا على قضية مفترضة، والنص يدل على الحكم، فلا يبحث عن علل الأحكام وربط الحكم بها وجودا وعدما.
2- الاعتداد بالحديث والوقوف عند الآثار؛ فالعلم هو علم الكتاب والسنة والآثر. والعناية بحفظ ذلك عناية بأصل التشريع ومصادر الفقه، والواجب الديني يفرض صيانة هذا التراث.
وكان بين أهل الرأي وأهل الحديث، منافسة شديدة، وعاب كل فريق منهم طريقة الآخر، وإن كان من بين الحجازيين من يميل إلى الرأي، كربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإمام مالك. أخرج مالك في الموطأ عن ربيعة، قال: سألت سعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل، قلت: ففي
(1/293)

إصبعين؟ قال: عشرون، فقلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون، قلت: حين عظم جرحها، واشتدت مصيبتها نقص عقلها؟ فقال له سعيد: أعراقي أنت؟ قال ربيعة: بل عالم مستثبت، أو جاهل متعلم، فقال سعيد: هي السنة، يشير بهذا إلى ما أخرجه النسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن "عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى تبلغ الثلث من ديتها"، ومع ورود النص لا مجال للعقل، ولذلك عاب سعيد على ربيعة، ما يعيبه على العراقيين يومئذ من تحكيم العقل في النصوص.
(1/294)

الفقهاء السبعة:
وقد اشتهر من مدرسة الحجاز الفقهاء السبعة:
قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": وكان بالمدينة من التابعين:
ابن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هاشم، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهؤلاء هم الفقهاء، وقد نظم القائل فقال:
إذا قيل في العلم سبعة أبحر.
روايتهم ليست عن العلم خارجة
فقل هم: عبيد الله، عروة، قاسم
سعيد، أبو بكر، سليمان، خارجة.
وعن هؤلاء السبعة انتشر فقه أهل المدينة، وعلى يدهم تخرج من جاء بعدهم من الفقهاء، وتعتبر مدرسة الفقهاء السبعة المدرسة الفقهية الأولى في هذا العصر، حتى سمي باسمهم، فقيل: "عصر الفقهاء السبعة". وكان علمهم الفقهي أساسا لمنهج الفقه الإسلامي في البحث والنظر.
وقد وقع خلاف في تعيين الفقهاء السبعة، قال السيوطي تعليقا على كتاب تقريب النواوي بعد أن ذكر النووي أن الفقهاء السبعة هم: ابن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة، وخارجة بن زيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، قال: هكذا عدهم أكثر علماء أهل الحجاز.
(1/294)

وجعل ابن المبارك سالم بن عبد الله بن عمر بدل أبي سلمة، وجعل أبو الزناد بدل سالم وأبي سلمة أبا بكر بن عبد الرحمن.
(1/295)

من مسائل الخلاف في هذا العهد:
وترجع أكثر مسائل الخلاف في هذا العهد إلى الخلاف بين مدرستي "المدينة والكوفة" أو "أهل الحجاز، وأهل الرأي"؛ لاختلاف وجهة نظر كل منهما عن الأخرى في الفقه. ومن ذلك:
1- القراءة خلف الإمام:
فالرأي الغالب لدى مدرسة أهل الحجاز القراءة مع الإمام فيما أسر، وعدم القراءة فيما يجهر فيه.
عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقرأ خلف الإمام فيما لا يجهز فيه الإمام بالقراءة؛ بينما يرى أغلب أهل الرأي عدم القراءة خلف الإمام فيما جهر وفيما أسر على السوء.
وروي عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم وسعيد بن جبير في القراءة خلف الإمام قال: اجتمعا ألا يقرأ خلف الإمام في المغرب والعشاء والفجر، قال إبراهيم: ولا في الظهر والعصر. وأثر عن نفر منهم: ينبغي ألا يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات.
وأهل الحجاز في هذا يقفون عند الأحاديث والآثار التي تدل على قراءة الفاتحة خلف الإمام، كحديث: "لا تفعلوا إلا بأم القرآن" 1 وحديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" متفق عليه.
أما حديث "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" الذي يحتج به الكوفيون؛ فهو حديث ضعيف عند جميع الحفاظ، لا يصلح للاحتجاج به.
__________
1 رواه أبو داود والترمذي.
(1/295)

وأهل الرأي في ذلك على منهجهم أيضا، لأنهم جميعا أهل الحجاز وأهل الرأي لا يختلفون في أن الرجل يأتي الإمام، وهو راكع يكبر معه، ويعتد بتلك الركعة، وإن لم يقرأ فيها شيئا؛ فلما أجزأه ذلك في حال خوفه فوات الركعة احتمل أن يكون أجزأه ذلك لمكان الضرورة، واحتمل أن يكون إنما أجزأه ذلك، لأن القراءة خلف الإمام ليست عليه فرضا.
قال أهل الرأي: فاعتبرنا ذلك.
2- صفة الجلوسس في الصلاة:
فأهل الحجاز في الرأي الغالب يرون الجلوس على الورك اليسرى.
عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس، فنصب رجله اليمنى وجلس على وركه اليسرى، ولم يجلس على قدميه، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك.
أما أهل الكوفة فيرون رأيا آخر، وهو أن يفرش قدمه اليسرى على الأرض ويجلس عليها.
عن المغيرة عن إبراهيم أنه كان يستحب إذا جلس الرجل في الصلاة. أن يفرش قدمه اليسرى على الأرض، ثم يجلس عليها وقد نشأ رأي آخر يوفق بين الرأيين، بأن يكون الجلوس على رأي أهل الكوفة، والثاني على مثل رأي أهل الحجاز.
3- القضاء باليمين مع الشاهد:
فجمهور أهل الحجاز يرون القضاء بالشاهد واليمين في الأموال؛ لأن هذا قد ثبت عندهم في الحديث، لما رواه مالك أنه بلغه أنه أبا سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن ياسر سئلا: هل يقضي باليمين مع الشاهد؟ قالا: نعم، وقال الشافعي: أخبرنا مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد، وذلك خاص بالأموال.
(1/296)

وجمهور أهل الرأي يذهبون إلى أنه لا يقضي إلا برجلين، أو رجل وامرأتين، ولا يقضي بشاهد ويمين في شيء من الأشياء تمسكا بالقرآن في قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} 1.
وهناك مسائل خلافية أخرى بين المدرستين، تدرك في الفقه، مثل استئناف الصلاة، والوضوء من الدم السائل، والمسح على الخفين، والجمع بين الصلاتين للمطر، وأداء الصلاة في أوقات النهي وغير ذلك.
__________
1 البقرة: 282.
(1/297)

الفصل الرابع: مشاهير المفتين في هذا العصر
أشهر المفتين في هذا العصر
عبد الله بن عباس
...
الفصل الرابع: مشاهير المفتين في هذا العصر
مشاهير المفتين في هذا العصر:
أشهر المفتين في هذا العصر:
وقد اشتهر من المفتين في هذا العصر عدد كثير، بكل مدرسة، في كل مصر من الأمصار، نذكر منهم ما يلي:
عبد الله بن عباس:
هو عبد الله بن العباس القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. أمه أم الفضل "لبابة" بنت الحارث الهلالية. ولد وبنو هاشم بالشعب، قبل الهجرة بثلاث، وقيل بخمس، والأول أثبت.
قال الواقدي: لا خلاف عند أئمتنا أنه ولد بالشعب حين حصرت قريش بني هشام وأنه كان له عند موت النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة، وكان أبيض طويلا وسيما جسيما.
روي أن عليا ولاه البصرة. وكان على الميسرة يوم صفين، واستخلف أبا الأسود على الصلاة، وزيادا على الخراج، ولم يزل ابن عباس على البصرة حتى قتل على؛ فاستخلف على البصرة عبد الله بن الحارث، ومضى إلى الحجاز.
ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" فاستجاب الله دعاه.
وروى من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم له: "اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب".
وعكف ابن عباس على العلم: رواية، ودراسة، وتعليما، حتى برز، وأثمر، وتوارثت الأمة علمه الغزير.
(1/301)

روى الدارمي عن ابن عباس، قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصال: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم اليوم كثير، قال واعجبا لك، أترى الناس يفتقرون إليك، قال: فتركت ذلك وأقبلت أسأل؛ فإن كان ليبلغني الحديث عن رجل، فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه يسفي الريح علي من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يابن عم رسول الله ما جاء بك، هلا أرسلت إلي فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث، فعاش الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني فقال: هذا الفتى كان أعقل مني.
وعن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود: أما إن ابن عباس لو أدرك أسنانا ما عاشره منا أحد.
وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس.
ولما مات زيد بن ثابت قال أبو هريرة: مات حبر هذه الأمة، ولعل الله أن يجعل من ابن عباس خلفا.
وسئل ابن عمر عن آية فقال: انطلق إلى ابن عباس فاسأله؛ فإنه أعلم من بقي بما أنزل الله تعالى على محمد [صلى الله عليه وسلم] .
وكان ابن عباس كثير المعارف، يؤمه الناس للتفسير، والحديث، والفقه، والشعر.
عن عطاء قال: ما رأيت قط من مجلس ابن عباس: أكثر فقها، وأعظم خشية، إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، يصدرهم كلهم من واد واسع.
وعن مجاهد قال: كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه.
وعن ميمون بن مهران قال: لو أتيت ابن عباس بصحيفة فيها ستون حديثا.
(1/302)

لرجعت ولم تسأله عنها وسمعتها، يسأله الناس فيكفونك.
ولما مات ابن عباس قال محمد بن الحنفية: "مات رباني هذه الأمة".
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحدا أعلم بالسنة، ولا أجلد رأيا، ولا أثقب نظرا حين ينظر مثل ابن عباس، وإن كان عمر بن الخطاب ليقول له: "قد طرأت علينا عضل أقضية أنت لها ولأمثالها".
وقال ابن عباس: كان عمر بن الخطاب يسألني مع الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال طاووس: أدركت نحوا من خمسين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر ابن عباس شيئا فخالفوه، لم يزل بهم حتى يقررهم، يعني أنه كان واسع الرواية قوي الحجة.
وقال الأعماش: "كان ابن عباس إذا رأيته قلت أجمل الناس؛ فإذا تكلم قلت أفصح الناس، فإذا حدث قلت أعلم الناس".
وتوفي رضي الله عنه سنة ثمان وستين على الصحيح بالطائف.
(1/303)

سعيد بن المسيب:
هو أبو محمد "سعيد بن المسيب" بن حزمة بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المدني، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، والمسيب بفتح الياء المثناة من تحتها مشددة. وروي عنه أنه كان يقول: بكسر الياء، ويقول: سيب الله من سيب أبي.
كان سيد التابعين من الطراز الأول، وجمع بين الحديث، والفقه، والزهد، والعبادة، والورع، لقي جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وسمع منهم، ودخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ عنهن، وأكثر روايته "المسند" عن
(1/303)

أبي هريرة رضي الله عنه، وكان زوج ابنته.
وسئل الزهري ومكحول: من أفقه من أدركتما؟ فقالا: سعيد بن المسيب. وقال عنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: لو رأى هذه رسول الله صلى الله عليه وسلم لسره.
وكان سعيد صاحب نسك وعبادة، حج أربعين حجة، وكان أسبق الناس إلى الصلاة الجماعة في المسجد.
قال عن نفسه: "ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة".
وكان يقول: "ما أعزت العباد نفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت نفسها مثل معصية الله".
وعرف ابن المسيب بعفة النفس، والجرأة في الحق، أراد عبد الملك بن مروان أن يستميله إليه، فما استطاع ودعي إلى نيف وثلاثين ألفا ليأخذها، فقال: "لا حاجة لي فيها ولا في بني مروان حتى ألقى الله، فيحكم بيني وبينهم".
وله موقف من زواج ابنته من أروع المواقف، كتب عنه الرافعي بعنوان "قصة زواج وفلسفة مهر" وخلاصته:
أن عبد الملك بن مروان خطب بنت سعيد لابنه الوليد حين ولاه العهد؛ فأبى سعيد أن يزوجه، فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه في يوم بارد وصب عليه الماء، ومع تأبيه من زواج ابنته لابن أمير المؤمنين وولى عهده، فإنه زوجها لطالب علم فقير ضعيف الحال.
قال أبو وداعة: كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياما، فلما جئته قال: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها، فقال: هلا أخبرتنا فشهدناها، قال: ثم أردت أن أقوم؛ فقال: هلا أحدثت امرأة غيرها؟ فقلت: يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ فقال: إن أنا فعلت
(1/304)

تفعل؟ قلت: نعم، قال: ثم حمد الله، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجني على درهمين، أو قال على ثلاثة، قال: فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح، فعدت إلى منزلي، وجعلت أفكر ممن آخذ وأستدين، وصليت المغرب، وكنت صائما؛ فقدمت عشاي لأفطر، وكان خبزا وزيتا، وإذا بالباب يقرع، فقلت: من هذا؟ قال: سعيد؛ ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب؛ فإنه لم يرمنذ أربعين سنة إلا ما بين بيته والمسجد، فقمت وخرجت وإذا بسعيد بن المسيب، فظننت أنه قد بدا له، فقلت: يا أبا محمد ... هلا أرسلت إلى فأتيتك؟ قال: لا، أنت أحق أن تؤتى، قلت: فما تأمرني؟ قال: رأيتك رجلا عزبا قد تزوجت، فكرهت أن تبيت الله وحدك، وهذه امرأتك؛ فإذا هي قائمة خلفه في طوله، ثم دفعها إلى الباب ورد الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب، ثم صعدت إلى السطح، فناديت الجيران، فجاءوني وقالوا: ما شأنك؟ فقلت: زوجني سعيد بن المسيب اليوم ابنته، وقد جاء بها على غفلة، وها هي في الدار، فنزلوا إليها، وبلغ أمي؛ فجاءت وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها ثلاثة أيام، فأقامات ثلاثا، ثم دخلت بها؛ فإذا هي من أجمل الناس، وأحفظهم لكتاب الله تعالى، وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرفهم بحق الزوج، قال: فمكث شهرا لا يأتيني ولا آتيه، ثم أتيته بعد شهر وهو في حلقته، فسلمت عليه، فرد علي، ولم يكلمني حتى انقضى من في المسجد؛ فلما لم يبق غيري قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت: هو على ما يحب الصديق ويكره العدو، قال: إن رابك شيء فالعصا، فانصرفت إلى منزلي".
وقد أبى سعيد بن المسيب أن يخالف ضميره في أحقية الولاية وأهليتها، وامتنع عن البيعة للوليد وسليمان، وعرض رقبته للسيف دون أن تلين له قناة قال يحيى بن سعيد: كتب هشام بن إسماعيل وإلى المدينة، إلى عبد الله بن مروان، إن أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة للوليد وسليمان، إلا سعيد بن
(1/305)

المسيب؛ فكتب أن اعرضه على السيف، فإن مضى فاجلده خمسين جلدة، وطف به في أسواق المدينة.
فلما قدم الكتاب على الوالي دخل سليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله، على سعيد بن المسيب، وقالوا: جئناك في أمر، قد قدم كتب عبد الملك: إن لم تبايع ضربت عنقك، ونحن نعرض عليك خصالا ثلاثا، فأعطنا إحداهن، فإن الوالي قد قبل منك أن يقرأ عليك الكتاب، فلا تقل: لا، ولا نعم، قال: يقول الناس، بايع سعيد بن المسيب!! ما أنا بفاعل.
وكان إذا قال لا، لم يستطيعوا أن يقولوا نعم.
قالوا: فتجلس في بيتك، ولا تخرج إلى الصلاة أياما؛ فإنه يقبل منك إذا طلبك من مجلسك فلم يجدك، قال: فأنا أسمع الأذان فوق أذني حي على الصلاة، حي على الصلاة!! ما أنا بفاعل. قالوا: فانتقل من مجلسك إلى غيره؛ فإنه يرسل إلى مجلسك، فإن لم يجدك، أمسك عنك، قال: أفرقا1 من مخلوق! ما أنا بمتقدم شبرا ولا متأخر.
فخرجوا، وخرج إلى صلاة الظهر، فجلس في مجلسه الذي كان يجلس فيه؛ فلما صلى الوالي بعث إليه، فأتى به، فقال: إن أمير المؤمنين كتب يأمرنا، إن لم تبايع ضربنا عنقك. قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن بيعتين؛ فلما رآه لم يجب أخرج إلى السدة، فمدت عنقه، وسلت السيوف، فلما رآه قد مضى، أمر به فجرد فإذا عليه تبان2 شعر، فقال: لو علمت أني لا أقتل ما اشتهرت بهذا التبان فضربه خمسين سوطا، ثم طاف به أسواق المدينة؛ فلما ردوه والناس منصرفون من صلاة العصر، قال: إن هذه الوجوه ما نظرت إليها منذ أربعين سنة، ومنعوا الناس أن يجالسوه فكان من ورعه إذا جاء إليه أحد، يقول له: قم من عندي، كراهية أن يضرب بسببه.
__________
1 أفرقا: من فرق يفرق فرقا. إذا جزع واشتد خوفه، وفي التنزيل: "ولكنهم قوم يفرقون" "التوبة: 56".
2 التبان: سراويل قصيرة إلى الركبة أو ما فوقها تستر العورة.
(1/306)

وكان يقول: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة، إلا بإنكار من قلوبكم، لكي لا تحبط أعمالكم.
وكان ولادته لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه، وتوفي سنة ثلاث وتسعين للهجرة على الراجح.
(1/307)

عروة بن الزبير:
هو أبو عبد الله "عروة بن الزبير" بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي.
وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وأبوه الزبير بن العوام أحد الصحابة العشرة المشهود لهم بالجنة.
وهو ابن صفية عمة النبي صلى الله عليه وسلم وأم عروة المذكور "أسماء بنت أبي بكر الصديق" رضي الله عنه.
وهي ذات النطاقين، وإحدى عجائزة الجنة.
وعروة شقيق أخيه عبد الله بن الزبير؛ بخلاف أخيهما مصعب؛ فإنه لم يكن من أمهما، وقد ورث عنه الرواية في حروف القرآن، وسمع خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. روى عنه ابن شهاب الزهري وغيره.
وكان عالما صالحان وأصابته الأكلة في رجله، وهو بالشام عند الوليد بن عبد المطلب قطعت رجله في مجلس الوليد، والوليد مشغول عنه بمن يحدثه؛ فلم يتحرك ولم يشعر الوليد أنها قطعت، حتى كويت فشم رائحة الكي، هكذا قال ابن قتيبة في كتاب "المعارف" ولم يترك ورده هذه الليلة، ويقال إنه مات ولده محمد في تلك السفرة، دخل دار دواب عبد الملك، فضربته دابة، فخر ميتا؛ فلما عاد إلى المدينة قال: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} 1.
__________
1 الكهف: 26.
(1/307)

وعاش بعد قطع رجله ثماني سنين.
وكان أحسن من عزاه إبراهيم بن محمد بن طلحة، فقال له:
"والله ما بك حاجة إلى المشي، ولا أرب في السعين وقد تقدمك عضو من أعضائك وابن من أبنائك إلى الجنة، والكل تبع للبعض إن شاء الله تعالى، وقد أبقى الله لنا منك ما كنا إليه فقراء، وعنه غير أغنياء، من علمك ورأيك، نفعك الله وإيانا به، والله ولي ثوابك، والضمين بحسابك".
وكان يقرأ القرآن كل يوم نظرا في المصحف، ويقول به الليل، ولما دعي الجزار لقطع رجله، قال له: نسقيك الخمر حتى لا تجد لها ألما، فقال: لا أستعين بحرام الله على ما أرجو من عافيته، قالوا: فنسقيك المرقد1، قال: ما أحب أن أسلب عضوا من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك فأحتسبه ودخل عليه قوم أنكرهم، فقال: من هؤلاء؟ قالوا: يمسكونك فإن الألم ربما عزب معه الصبر، قال: أرجو أن أكفيكم ذلك من نفسي. ولما بلغ السكين العظم وضع عليها المنشار فقطعت وهو يهلل ويكبر، وحسمت بالزيت، ثم أخذ ما قطع من رجله في يده وقلبه وقال: "أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت به إلى حرام، أو قال "معصيته".
ولما قدم المدينة قال: "اللهم إنه كان لي أطراف أربعة، فأخذت واحدا وبقيت لي ثلاثة، فلك الحمد، وايم الله لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لطالما عافيت".
ولما قتل أخوه عبد الله، قدم عروة على عبد الملك بن مروان، فقال له يوما: أريد أن تعطيني سيف أخي عبد الله؛ فقال له: هو بين السيوف، ولا أميزه من بينها، فقال عروة: إذا أحضرت السيوف ميزته أنا، فأمر عبد الملك بإحضارها؛ فلما حضرت أخذ منها سيفا مفلل الحد، فقال: هذا سيف أخي، فقال عبد الملك:
__________
1 المرقد: دواء يرقد شاربه.
(1/308)

كنت تعرفه قبل الآن؟ فقال: لا، فقال: كيف عرفته؟ قال: يقول النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهن فلول من قراع الكتائب
وعروة هو الذي احتفر بئر عروة بالمدينة، وهي منسوبة إليه، وليس بالمدينة بئر أعذب من مائها.
ولد سنة 22 اثنين وعشرين، وقيل: ست وعشرين للهجرة، وتوفي في قرية له بقرب المدينة يقال لها "فرع" بضم الفاء وسكون الراء، وهي من ناحية الربذة، بينها وبين المدينة أربع ليال، وهي ذات نخيل ومياه، وذلك سنة ثلاث وتسعين، وقيل أربع وتسعين، ودفن هناك.
وكان عبد الملك يقول: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى عروة بن الزبير.
(1/309)

عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
هو أبو عبد الله وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الفقيه، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، من أعلام التابعين، وهو ولد ابن أخي عبد الله بن مسعود الصحابي رضي الله عنه.
وعبيد الله من أشراف قريش، وقد انتهت الرياسة في الجاهلية إلى أحد أجداده "صبح بن كاهل".
وهذيل قبيلة كبيرة، وأكثر أهل وادي نخلة المجاور لمكة -حرسها الله تعالى- هذليون.
وقد لقي عبيد الله خلقا كثيرا من الصحابة رضوان الله عليهم، وسمع من ابن عباس وأبي هريرة وأم المؤمنين عائشة، وروي عنه أبو الزناد والزهري وغيرهما،
(1/309)

وقال الزهري: أدركت أربعة بحور، فذكر فيهم عبيد الله المذكور.
وقال: سمعت من العلم شيئا كثيرا فظننت أني قد اكتفيت، حتى لقيت عبيد الله؛ فإذا كأني ليس في يدي شيء.
وقال عمر بن عبد العزيز: لأن يكون لي مجلس من عبيد الله أحب إلى من الدنيا وما فيها. وقال: والله إني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بألف دينار من بيت المال، فقالوا يا أمير المؤمنين: تقول هذا مع تحريك وشدة تحفظك؟ فقال: أين يذهب بكم؟ والله إني لأعود برأيه، وبنصيحته، وبهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف، إن في المحادثة تلقيحا للعقل، وترويحا للقلب، وتسريحا للهم، وتنقيحا للأدب.
وكان عالما، ناسكا، أثر عنه قليل من الشعر، وهو القائل من الرجز:
لا بد للمصدور أن ينفثا
وتوفي سنة اثنتين ومائة على الراجح بالمدينة رضي الله عنه.
(1/310)

سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب:
هو أبو عمرو "سالم بن عبد الله" بن عمر بن الخطاب العدوي.
ولما قدم سبي فارس على عمر كان فيه بنات يزدجر فقومن فأخذهن على فأعطى واحدة لابن عمر؛ فولدت له سالما، وأعطى أختها لولده الحسين، فولدت له عليا، وأعطى أختها لمحمد بن أبي بكر، فولدت له القاسم.
وهو أحد فقهاء المدينة، كان من سادات التابعين، وعلمائهم، وثقاتهم.
روى عن أبيه وغيره.
وروى عنه الزهري، ونافع.
وعرف سالم بالزهد والتقشف.
(1/310)

قال سالم: دخلت على الوليد بن عبد الملك فقال: ما أحسن جسمك، فما طعامك؟ قلت: الكعك، والزيت.
قال: وتشتهيه؟ قلت: أدعه حتى أشتهيه، فإذا اشتهيته أكلته.
وكان يقول: إياكم ومداومة اللحم، فإن له ضراوة كضراوة الشراب، وكان يلبس الصوف ويعمل بيديه، ويعالج أعماله ومصالحه بنفسه. ولما دخل سليمان بن عبد الملك الكعبة فرأى سالما قال له: سلني حوائجك.
فقال: والله لا سألت في بيت الله غير الله.
وكان بليغ النصح، كتب إليه عمر بن عبد العزيز: أن اكتب لي بشيء من رسائل عمر بن الخطاب.
وكتب إليه: يا عمر: اذكر الملوك الذين تفقأت أعينهم التي كانت لا تنقضي لذاتهم بها، وتفقأت بطونهم التي كانوا لا يشبعون بها، وصاروا جيفا في الأرض تحت آكامها، لو كانت إلى جنب مساكن لنا لتأذينا بريحهم.
وتوفي في آخر ذي الحجة سنة ست ومائة، حيث حج هشام بن عبد الملك في تلك السنة وقدم المدينة فوافق موت سالم؛ فصلى عليه بالبقيع لكثرة الناس.
(1/311)

سليمان بن يسار:
هو أبو أيوب "سليمان بن يسار" مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكان عالما ثقة، عابدا، ورعا، حجة.
قال الحسن بن محمد: سليمان بن يسار عندنا أفهم من سعيد بن المسيب، ولم يقل أعلم ولا أفقه.
وروي عن ابن عباس وأبي هريرة وأم سلمة رضي الله عنهم.
(1/311)

وروى عنه الزهري وجماعة من الأكابر.
وكان المستفتي إذا أتى سعيد بن المسيب يقول له: اذهب إلى سليمان بن يسار فإنه من بقي اليوم.
وقال قتادة: قدمت المدينة فسألت: من أعلم أهلها بالطلاق؟ فقالوا: سليمان بن يسار.
وتوفي سنة سبع ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة رحمة الله تعالى.
(1/312)

القاسم بن محمد بن أبي بكر:
هو أبو محمد "القاسم بن محمد" بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
كان من سادات التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكان أفضل أهل زمانه.
وروى عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم.
وروى عنه جماعة من كبار التابعين.
قال يحيى بن سعيد: ما أدركنا أحدا نفضله على القاسم بن محمد. وقال مالك: كان القاسم من فقهاء هذه الأمة.
ووالدة القاسم هي بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس، وكان ابن خالة لزين العابدين علي بن الحسين، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
وتوفي سنة إحدى أو اثنتين ومائة بقديد، وهو نزل بين مكة والمدينة، وكان عمره سبعين سنة.
(1/312)

نافع مولى ابن عمر:
هو أبو عبد الله نافع مولى عبد الله بن عمر رضي الله عنهم.
كان ديلميا، وأصابه مولاه عبد الله عن عمر في غزاته، وهو من كبار التابعين، سمع مولاه وأبا سعيد الخدري.
وروى عنه الزهري، وأيوب السخياتي، ومالك بن أنس رضي الله عنهم.
ونافع من الثقات الأفاضل الذين اشتهروا بجميع الحديث والأخذ عنهم، ومعظم أحاديث ابن عمر رواها عنه نافع.
قال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي ألا أسمعه من أحد غيره.
وأهل الحديث يقولون: رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر "سلسلة الذهب"، لجلالة كل واحد من هؤلاء الرواة.
وتوفي نافع سنة سبع عشرة ومائة رضي الله عنه.
(1/313)

ابن شهاب الزهري:
هو أبو بكر "محمد بن عبيد الله" بن عبد الله بن شهاب القرشي الزهري، من بني زهرة نسبة إلى زهرة بن كلاب بن مرة وهي قبيلة كبيرة من قريش، ومنها آمنة أم الرسول صلى الله عليه وسلم.
أحد الفقهاء والمحدثين والأعلام التابعين بالمدينة.
رأي عشرة من الصحابة:
روى عن جماعة من الأئمة، منهم مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري.
(1/313)

تفرغ ابن شهاب للعلم وحرص عليه؛ فكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله، فيشتغل بها عن كل أمر من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوما: والله لهذه الكتب أشد على من ثلاث ضرائر.
وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: عليكم بابن شهاب، فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه.
وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من؟ قال ابن شهاب. قيل له: ثم من؟ قال: ابن شهاب.
وتوفي رحمه الله سنة أربع وعشرين ومائة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
(1/314)

"الباقر" محمد بن علي بن الحسين:
هو أبو جعفر "محمد بن زيد العابدين علي بن الحسين" بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين، الملقب بـ "الباقر".
ولد بالمدينة سنة سبع وخمسين للهجرة، وكان عمره يوم قتل جده الحسين رضي الله عنه ثلاث سنوات.
وهو أحد الأئمة الاثنا عشر من اعتقاد الإمامية، ووالد جعفر الصادق. وكان عالما، سيدا، كبيرا؛ وإنما قيل له الباقر: لأنه تبقر في العلم: أي توسع، والتبقر: التوسع، وفيه يقول الشاعر:
يا باقر العلم لأهل التقى ... وخير من لبى على الأجيل
(1/314)

وتوفي سنة ثلاث عشرة ومائة بـ "الحميمة"، "بلد من أرض السراة في أطراف الشام" ونقل إلى المدينة ودفن بالبقيع.
(1/315)

مجاهد بن جبر:
هو مجاهد بن جبر المكي "أبو الحجاج المخزومي" المقرئ، مولى السائب ابن أبي السائب، وروي عن علي، وسعد بن أبي وقاس، والعبادلة الأربعة، ورافع ابن خديج، وعائشة، وأم سلمة، وأبي هريرة، وسراقة بن مالك، وعبد الله بن السائب المخزومي، وخلق كثير.
وروى عنه عطاء، وعكرمة، وعمرو بن دينار، وقتادة وسليمان الأحول، وسليمان الأعمش، وعبد الله بن كثير القارئ وآخرون.
وكان مولده سنة "21 هجرية" إحدى وعشرين في خلافة عمر.
ومجاهد في رأي المفسرين: من طبقة التابعين، حتى قيل: إنه كان أعلمهم بالتفسير، وقد أخذ تفسيره عن ابن عباس ثلاثين مرة.
وعنه أيضا قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية منه، واسأله عنها، فيم نزلت؟ وكيف كانت؟
وقال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. قال ابن تيمية: ولهذا يعتمد على تفسيره: الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم.
وقال أبو حاتم: مجاهد لم يسمع عن عائشة، حديثه عنها مرسل، وقال: مجاهد عن سعد، ومعاوية، وكعب بن عجرة، مرسل. وقال أبو نعيم: قال يحيى القطان: مرسلات مجاهد أحب إلى من مرسلات عطاء.
وقال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد.
(1/315)

وقال ابن سعد: كان ثقة، فقيها، عالما، كثير الحديث.
وقال ابن حبان: كان فقيها، ورعا عابدا متقنا.
وقال الذهبي في آخر ترجمته: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد، والاحتجاج به. وقال: قرأ عليه ابن عبد الله بن كثير.
ومات سنة اثنتين أو ثلاث ومائة. وقال يحيى القطان. مات سنة "104 هجرية" أربع ومائة.
(1/316)

عكرمة مولى ابن عباس:
هو أبو عبد الله "عكرمة بن عبد الله"، مولى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أصله من البربر من أهل المغرب، كان لحصين بن الخير العنبري؛ فوهبه لابن عباس حين ولى البصرة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. واجتهد ابن عباس في تعليمه القرآن والسنة، وسماه بأسماء العرب.
حدث عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، والحسين بن علي، وعائشة رضي الله عنهم أجمعين.
وروى عنه الزهري، وعمرو بن دينار الشعبي وغيرهم.
ومات مولاه "ابن عباس" وعكرمة على الرق ولم يعتقه؛ فباعه ولده على بن عبد الله بن عباس من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فأتى عكرمة مولاه عليا فقال له: ما خير لك؟ بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار، فاستقاله، فأقاله فأعتقه.
وكان عكرمة كثير الطواف والجولان في البلاد، دخل خراسان وأصفهان ومصر وغيرهما من البلاد وهو أحد فقهاء مكة وتابعيها. وروي أن ابن عباس قال له: انطلق فأفت الناس.
(1/316)

وقيل لسعيد بن جبير: هل تعلم أحدأ أعلم منك؟ قال: عكرمة.
وقد تكلم الناس فيه بأنه كان يرى رأي الخوارج.
توفي سنة سبع ومائة، وعمره ثمانون سنة، وكان موته بالمدينة المنورة على الراجح.
(1/317)

عطاء بن أبي رباح:
هو أبو محمد "عطاء بن أبي رباح" أسلم وقيل سالم بن صفوان - مولى بني فهد المكي، كان من أجلاء الفقهاء وتابعي مكة، وزهادها.
سمع جابر بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وخلقا كثيرا من الصحابة رضوان الله عليهم.
وروي عن عمرو بن دينار والزهري، وقتادة، ومالك بن دينار، والأعمش، والأوزاعي، وخلق كثير رحمهم الله تعالى.
قيل: إنه كان أسود، أعور، أفطس، أشل، أعرج، مفلل الشعر ثم عمي.
قال سليمان بن رفيع: دخلت المسجد الحرام والناس مجتمعون على رجل فاطلعت فإذا عطاء بن أبي رباح جالس كأنه غراب أسود.
وإلى عطاء ومجاهد انتهت فتوى مكة في زمانهما.
قال قتادة: أعلم الناس بالمناسك عطاء.
وقال إبراهيم بن عمر بن كيسان: أذكرهم في زمان بني أمية يأمرون في الحج صائحا يصيح، لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح.
وتوفي سنة خمس عشرة ومائة وعاش مائة سنة.
(1/317)

علقمة بن قيس النخعي:
هو علقمة بن قيس النخعي الفقيه الكبير، عم الأسود بن يزيد، خال إبراهيم النخعي، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ القرآن عرضا عن ابن مسعود وسمع من علم وعمر، وأبي الدرداء وعائشة.
وأخذ عنه إبراهيم بن يزيد النخعي، وأبو إسحاق السبيعي وغيرهما، وكان حسن الصوت بالقرآن.
وروي عنه أنه قال: كنت رجلا قد أعطاني الله حسن صوت القرآن، وكان ابن مسعود يستقرئني ويقول لي: اقرأ فداك أبي وأمي، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن حسن الأصوات يزين القرآن". وكان أشبه الناس هديا، وسمتا، ودلا بابن مسعود.
مات سنة اثنتين وستين ومائة للهجرة.
(1/318)

إبراهيم بن يزيد النخعي:
هو أبو عمران "إبراهيم بن يزيد" بن الأسود بن عمرو بن ربيعة، الفقيه الكوفي النخعي، والنخع قبيلة كبيرة من مذجح باليمن.
وأمه مليكة بنت زيد بن قيس النخعية، أخت الأسود بن يزيد النخعي؛ فهو خاله رضي الله عنه، وإبراهيم تابعي. رأي عائشة رضي الله عنها، ودخل عليها، ولم يثبت له منها سماع. وهو أحد الأئمة المشاهير، وروى عن خاليه الأسود وعبد الرحمن ابني يزيد ومسروق وعلقمة، وشريح وجماعته. وروى عنه الأعمش، ومنصور، وحماد بن سليمان، وغيرهم.
كان رجلا فقيها صالحا، عالما، قليل التكلف، وكان مفتى أهل الكوفة.
مات سنة ست وتسعين، وله تسع وأربعون سنة.
(1/318)

الحسن البصري:
هو أبو سعيد "الحسن بن أبي الحسن" يسار البصري، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة، وكان أبوه مولى لزيد بن ثابت الأنصاري من سبي ميسان وهو صقع بالعراق بالقرب من البصرة، كما كانت أمه مولاه لأم سلمه زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وربما غابت في حاجة فيبكي، فتعطيه أم سلمة رضي الله عنها ثديها تعلله به إلى أن تجيء أمهن ونشأ بوادي القرى، وعاش بالبصرة وسكنها.
وكان الحسن البصري من سادات التابعين وكبرائهم، جمع كل فن، من علم، وزهد، وورع، وعبادة، وأكثر كلامه حكم وبلاغة. قال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح من الحسن البصري.
وقد امتاز الحسن بقوة العارضة، والوقوف عند محارم الله، والجهر بكلمة الحق. ولما ولى عمر بن هبيرة الفزاري بالعراق وأضيفت إليه خراسان؛ وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك - استدعى الحسن البصري، ومحمد بن سيرين والشعبي، وذلك في سنة ثلاث ومائة، فقال لهم:
إن يزيد خليفة الله، استخلفه على عباده، وأخذ عليهم الميثاق بطاعته، وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون، فيكتب إلي بالأمر من أمره، فأقلده ما يقلده من ذلك الأمر، فما ترون؟ فقال ابن سيرين والشعبي قولا فيه تقية؛ فقال ابن هبيرة: ما تقول يا حسن؟ فقال: يا ابن هبيرة، خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، إن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله، وأوشك أن يبعث إليك ملكا فيزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصر إلى ضيق قبر، ثم لا ينجيك إلا عملك.
(1/319)

يا ابن هبيرة، إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرا لدين الله وعباده، فلا تركبن دين الله وعباد الله بسلطان الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فأجازهم ابن هبيرة، وأضعف جائزة الحسن.
توفي الحسن البصري سنة عشر ومائة، وهو إمام زمانه علما وعملا.
(1/320)

محمد بن سيرين:
هو أبو بكر "محمد بن سيرين" كان أبوه عبدا لأنس بن مالك رضي الله عنه، ثم كاتبه علي أربعين ألف درهم، وأدى المكاتبة، وكان من سبي ميسان.
روى محمد عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن حصين، وأنس بن مالك رضي الله عنهم.
وروى عنه قتادة بن دعامة، وخالد الحذاء، وأيوب السختياني وغيرهم من الأئمة.
وابن سيرين أحد فقهاء أهل البصرة كان عالما، ورعا تقيا، صاحب الحسن البصري ثم تهاجرا في آخر الأمر.
وكان الشعبي يقول: عليكم بذلك الرجل الأصم- يعني ابن سيرين؛ لأنه كان في أذنه صمم، وكان له اليد الأولى في تعبير الرؤيا.
وكانت ولادته لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وتوفي سنة عشر ومائة بالبصرة بعد الحسن البصري بمائة يوم، رضي الله عنها.
(1/320)

عمر بن عبد العزيز:
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي "أبو حفص المدني، ثم الدمشقي" أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.
روى عن أنس، والسائب بن يزيد، وعروة بن الزبير، وأبي بكر الحارث بن هشام وغيرهم.
وروى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن وهو من شيوخه وأبناء عبد الله وعبد العزيز، وأبو بكر ابن عمرو بن حزم، والزهري وغيرهم.
ولد سنة ثلاث وستين، وكان ثقة مأمونا، له فقه، وعلم، وورع.
قال أنس: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتي يعني عمر.
وقال محمد بن علي بن الحسين: لكل قوم نجيبة، وإن نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز، وإنه سيبعث يوم القيامة أمة وحده.
وتولى الخلافة فكان إماما، عادلا أعاد إلى الناس سيرة جده عمر بن الخطاب.
قال مالك بن أنس: كان سعيد بن المسيب لا يأتي أحدا من الأمراء غيره.
ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة قام على المنبر فقال: يا أيها الناس ... إن كرهتموني لم أقم عليكم، فقالوا: رضينا. ورد المظالم إلى أهلها، وأغنى الفقراء، حتى قيل لم يكن يوجد المحتاج.
(1/321)

وقال البخاري: قال مالك وابن عيينة: عمر بن عبد العزيز إمام، وهو الذي وضع اللبنة الأولى في تدوين الحديث كما مر، ومناقبه وفضائله كثيرة جدا. وتوفي رضي الله عنه سنة إحدى وقيل اثنتين ومائة.
(1/322)

طاوس بن كيسان:
هو أبو عبد الرحمن "طاوس بن كيسان" الخولاني الهمداني اليماني، من أبناء الفرس، وطاوس أحد الأعلام التابعين، سمع ابن عباس، وأبا هريرة رضي الله عنهما، وروى عنه مجاهد وعمرو بن دينار، وكان فقيها، جليل القدر، نبيه الذكر.
قال أبو عيينة: قلت لعبد الله بن يزيد مع من تدخل على ابن عباس؟ قال: مع عطاء وأصحابه: قلت: وطاوس؟ قال: أي هات، ذلك يدخل مع الخواص، وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا قط مثل طاوس.
ولما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، كتب إليه طاوس: إن أردت أن يكون عملك خيرا كله، فاستعمل أهل الخير، فقال عمر: كفى بها موعظة.
وروي أن أمير المؤمنين "أبا جعفر المنصور" استدعى ابن طاوس المذكور، ومالك بن أنس رضي الله عنهما، فلما دخلا عليه، أطرق ساعة، ثم التفت إلى ابن طاوس، وقال له: حدثني عن أبيك؛ فقال: حدثني أبي: أن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله تعالى في سلطانه، فأدخل عليه الجور في حكمه. فأمسك جعفر ساعة، قال مالك: فضممت ثيابي خوفا أن يصيبني دمه، ثم قال له المنصور: ناولني تلك الدواة -ثلاث مرات- فلم يفعل؛ فقال له: لم لا تناولني؟ فقال: أخاف أن تكتب بها معصية، فأكون قد شاركتك فيها؛ فلما سمع ذلك قال: قوما عني، قال: ذلك ما كنا نبغ، قال مالك: فلا زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم.
وتوفي طاوس حاجا بمكة قبل التروية بيوم، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، وذلك في سنة ست ومائة رضي الله عنه.
(1/322)

دراسة موجزة للأئمة الأربعة وأصول مذاهبهم:
أبو حنيفة:
التعريف بعصره:
يجدر بنا قبل أن نترجم لأبي حنيفة ونذكر أصول مذهبه، أن نتعرف على عصره والعوامل التي أحاطت به، وكان لها أثرها في حياته.
ولقد كانت ولادة أبي حنيفة في زهرة شباب دولة بني أمية، في عهد عبد الملك بن مروان، وأدرك في بداية حياته ولاية الحجاج الثقفي على العراق، وشاهد ما كان عليه من قسوة وما اختاره لنفسه في معاملة خصوم الأمويين السياسيين من عنف وشدة، كما أدرك في شبابه خلافة الإمام العادل عمر بن عبد العزيز، وعاصر ضعف الدولة الأموية، وشهد مصرعها، وامتد به الأجل إلى أن نجحت الدعوة لبني العباس، ولم تدركه الوفاة إلا في أيام المنصور عام 150 هجرية.
وقد بلغت الدولة الإسلامية في عصر أبي حنيفة أوج عظمتها، وامتد سلطانها من المحيط الأطلسي غربا إلى الصين شرفا، واستولت على جزء غير قليل من أوروبا بفتح الأندلس، وهي تضم تحت لوائها شتاتا من الأجناس المختلفة التي دخلت في الإسلام بعد فتح بلادها، فكان منهم: الفارسي، والروي، والتركي، والهندي، والمصري.
وباتساع رقعة الدولة، وتباعد أقاليمها، واختلاف أجناس أبنائها، وتعدد ثقافتهم، تزداد مطالبها، وتحتاج إلى أسس وطيدة شاملة تبنى عليها قواعد السلطة، وتقيم دعئم الحكم وتحدد علاقتها في السلم والحرب. وهذا كله يحتاج إلى جهد علمي من الفقهاء لاستنباط الأحكام، وسد حاجات البلاد في الفتيا والقضاء.
(1/325)

وقد كان للفرق الدينية نشاطها في عصر أبي حنيفة، وكثر حولها الجدل، وبدأ تدوين العلم، وظهرت حركة الترجمة، فسوى التفكير اليوناني مع مزيج من التفكير الفارسي إلى البلاد الإسلامية، وتفاعل هذا التفكير بمنهجه العقلي مع المنهج النقلي لدى المسلمين، فأثر هذا في التفكير الإسلامي، وأخذ البحث الفقهي يتجه نحو الكشف عن العلل في الأحكام الشرعية، ويفرض المسائل، ويستعمل القياس؛ حيث لا يجد نصا في كتاب أو سنة.
وإذا عرفنا أن العراق كانت أهم مركز للنشاط العلمي، ورث الحضارات القديمة، وانسابت إليه فلسفتها وعلومها، واتخذه العباسيون عاصمة لهم، فازدهرت فيه الحركة العلمية، وعرفنا إزاء هذا أن العراق كان مهد مدرسة أهل الرأي، وكبار شيوخها، أمثالك علقمة بن قيس النخعي، وإبراهيم بن يزيد النخعي، وحماد ابن أبي سليمان الأشعري.
إذا عرفنا هذا كله، وأن حياة أبي حنيفة كانت في العراق؛ فإننا ندرك أنه استمد من من هذه العوامل كلها منهج تفكيره.
(1/326)

مكانة الفقهاء:
ولا يفوتنا أن نشير إلى مكانة العلماء، ومنزلة الفقهاء، في عصر أبي حنيفة؛ فقد كانت الدولة آنذاك إسلامية، تقوم على دين الله، وترسى دعائم حكمها على شريعته، ولا تكتسب الدولة هذه الصفة إلا باحترام علمائها، ولذا احتفظ الفقهاء بشخصياتهم، وكانت لهم من الولادة مواقف تشهد بشجاعتهم في الحق، وقوة شكيمتهم في إنكار المنكر.
فقد أبي سعيد بن المسيب أن يبايع الوليد وسليمان ابنا عبد الملك بن مروان بولاية العهد، حتى أمر الخليفة بعرضه على السيف، وجلده خمسين جلدة، والتشهير به في أسواق المدينة، ومنع الناس من مجالسته، ولما طلب الخليفة وده بأن يزوج.
(1/326)

ابنته لولى عهده ابن رفض ذلك وآثر عليه أبا وداعة أحد مريديه الفقراء.
وهذا سعيد بن جبير يرى أن عبد الرحمن بن محمد الأشعث على حق في خروجه على عبد الملك بن مروان فيعينه، مما حملة الحجاج عامل عبد الملك على قتله.
ونال أبا حنيفة من الأذى ما ناله كذلك، واتهم لدى العباسيين بميله إلى أحد العلويين الخارجين عليهم وهو إبراهيم بن عبد الله.
(1/327)

غلبة الموالي على الفقه والعلم:
ومن مظاهر عصر أبي حنيفة غلبة الموالي على العلم عامة، والفقه خاصة، فإن إدراك العلم صناعة وفن، والموالي أقرب إلى إدراك هذا بحكم بيئتهم؛ بينما العرب على فطرتهم وربما كانت مسارعة الموالي إلى ذلك تطلعا منهم إلى إحراز فضيلة العلم، حتى ينالوا بهذا شرفا يرفع مكانتهم، ورغبة في أن يسهموا بنصيب وافر في حضارة الإسلام.
جاء في العقد الفريد: أن ابن أبي ليلى قال: قال عيسى بن موسى، وكان ديانا شديد العصبية "من الأمراء العباسيين" من كان فقيه البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: ثم من؟ قلت محمد بن سيرين. قال: فما هما؟ قلت: موليان. قلت: فمن كان فقيه مكة؟ قلت: عطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وسليمان بن يسار، قال: فما هؤلاء؟ قلت: موال. قال: فمن فقهاء المدينة؟ قلت: زيد بن أسلم ومحمد بن المنكدر، ونابع بن أبي نجيح، قال: فمن هؤلاء؟ قلت: موال، فتغير لونه، ثم قال: فمن أفقه أهل قباء؟ قلت: ربيعة الرأي، وابن أبي الزناد. قال: فما كانا؟ قلت: من الموالي، فأريد وجهه، ثم قال: فمن فقيه اليمن؟ قلت: طاوس، وابنه وابن منبه. قال: فمن هؤلاء؟ قلت من الموالي، فانتفخت أوداجه، وانتصب قاعدا، وقال: فمن كان فقيه
(1/327)

خراسان؟ قلت: عطاء بن عبد الله الخراساني. قال: فمن كان عطاء هذا؟ قلت: مولى، فازداد تربدا، واسود اسودادا، حتى خفته، ثم قال: فمن كان فقيه الشام؟ قلت: مكحول. قال: فمن كان مكحول هذا؟ قلت: مولى فتنفس الصعداء، ثم قال: فمن كان فقيه الكوفة؟ فوالله لولا خوفي لقلت: الحكم بن عتبة، وحماد بن أبي سليمان، ولكني رأيت فيه الشر، فقلت: إبراهيم النخعي، والشعبي، قال: فما كانا؟ قلت: عربيان. فقال: الله أكبر، وسكن جأشه.
هذا وقد نما الفقه في عصر أبي حنيفة وازدهر، لا سيما عندما اتخذ العباسيون بغداد مقرا لملكهم، وتركزت فيها الحضارة الإسلامية، ونشطت الحركة العلمية، وامتزج أخلاط من أمم مختلفة كالفرس والروم، وقرب الخلفاء العباسيون إليهم الفقهاء، ليقوم حكمهم على أسس من الدين وشريعته.
(1/328)

مولد أبي حنيفة ونشأته "80-150هـ"
...
مولى أبي حنيفة ونشأته "80- 150هـ":
ولد أبو حنيفة عام 80هـ على الأصح، وتوفي عام 150هـ "واسمه النعمان بن ثابت بن زوطي"1 من أصل فارسي كوفي. وولد ثابت على الإسلام، وأدرك على بن أبي طالب وهو صغير. أما أبو حنيفة فمن أتباع التابعين وأدرك زمن أربعة من الصحابة وهم: أنس بالبصرة، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي في المدينة، وأبو الطفيل عامر بن وائلة بمكة.
واختلفوا ألقى واحدا منهم أم لا؟ فذكر الذهبي نقلا عن الخطيب في تاريخ بغداد أنه لقي أنس بن مالك، وادعى بعض أصحاب أبي حنيفة أنه لقي عددا من الصحابة فيكون تابعيا. ولكن هذا لم يتحقق ثبوته. والراجح أنه لم يلق أحدا من الصحابة.
ونشأ تاجرا يتجر في الخز بالكوفة، وهي آنذاك زاخرة بالعلماء والفقهاء، فما
__________
1 زوطي: بضم الزاي وفتح الطاء المهملة مقصورا كما في ابن خلكان.
(1/328)

لبث أبو حنيفة حتى مال إلى مجالسهم والأخذ عنهم، وأقبل على الفقه بعد أن ألم بطرف من العلوم الإسلامية، وما زال ينهل من معينه حتى صار إمام أهل الرأي.
وعرف أبو حنيفة بكثرة اجتهاده وأخذه بالقياس، متأثرا في ذلك بشيوخه الذين أخذ عنهم؛ فقد كان شيخه حماد بن أبي سليمان، الذي انتهت إليه في عصره رياسة الفقه في العراق، فتتلمذ على إبراهيم النخعي أحد شيوخ مدرسة الرأي.
ولا يعني هذا أن أبا حنيفة لم يأخذ العلم عن أحد آخر سوى حماد؛ فقد أخذ عن عطاء ابن أبي رباح، وعكرمة مولى عبد الله بن عباس، ونافع مولى ابن عمر، وأخذ عن المبرزين في الفقه من أئمة الشيعة، كالإمام زيد بن علي، والإمام جعفر الصادق.
روى أن أبا حنيفة دخل يوما على المنصور وعنده عيسى بن موسى فقال للمنصور: هذا عالم الدنيا اليوم، فقال له: يا نعمان.. عمن أخذت العلم؟ قال: عن أصحاب عمر عن عمر، وعن أصحاب علي عن علي، وعن أصحاب عبد الله بن عباس، فقال له الخليفة: استوثقت لنفسك.
وتطلع أبو حنيفة في حياة شيخه حماد أن يجلس محدثا في المسجد مجلس الرياسة، وواتته الفرصة لتخلفه فترة من الزمن، فجلس- كما روى عن نفسه- مجلس شيخه وعرضت عليه مسائل قرابة ستين، وأجاب عنها، وكتب أجوبتها، فلما عاد حماد عرض إجابتها عليه، قال: فوافقني في أربعين، وخالفني في عشرين، فآليت على نفسي ألا أفارقه حتى يموت؛ فلم أفارقه حتى مات.
وما كاد شيخه حماد يموت سنة 119هـ حتى رأي تلاميذه من أصحاب أبي حنيفة أنه وحده هو الذي يستحق أن يجلس مكان شيخه.
(1/329)

محنته وأخلاقه:
وكان أبو حنيفة جريئا في الحق، شأن علماء عصره، فأصابه من جراء ذلك البلاء.
أراد منه عامل مروان على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة، أن يلي له قضاء الكوفة؛ فأبى فضربه مائة وعشرة أسواط في كل يوم عشرة، وهو على الامتناع؛ فلما رأى تصميمه على الرفض خلى سبيله.
وأشخص الخليفة أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد، وأراده على أن يلي القضاء، فأبى، فحلف عليه ليفعلن، فحلف أبو حنيفة ألا يفعل؛ فقال له حاجب الخليفة، ألا ترى أمير المؤمنين يحلف؟ فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني، وأبي أن يلي، فأمر به إلى الحبس. هكذا كان بلاؤه في دولة العباسيين كبلائه في دولة الأمويين.
وقد ذكرت كتب المناقب كثيرا من أخلاق أبي حنيفة الحميدة، وما كان عليه من ورع، وفطنة وذكاء، ومواساة لإخوانه، وصلابته في الحق.
بلغ من خوفه الله تعالى، أنه قام ليلة بهذه الآية: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ،} 1 يرددها ويبكي ويتضرع.
ودخل الخوارج يوما مسجد الكوفة، وأبو حنيفة وأصحابه جلوس، فقال أبو حنيفة لأصحابه: لا تبرحوا فجاءوا حتى وقفوا عليهم، فقالوا لهم: ما أنتم؟ فقال أبو حنيفة: نحن مستجيرون، فقال أمير الخوارج: دعوهم وأبلغوهم مأمنهم.
__________
1 القمر: 46.
(1/330)

أصول مذهبه:
1- القرآن الكريم:
جاء في تاريخ بغداد ما روي عن أبي حنيفة أن قال: آخذ بكتاب الله فإن لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن لم أجد في كتاب الله تعالى ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول أصحابه.. آخذ بقول من شئت منهم، وأدع من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، وهذا الكلام يدل على أنه يأخذ بالكتاب ثم بالسنة. وأبو حنيفة يجعل قراءة الآحاد إذا كانت مشهورة حجة، فاشترط التتابع في الصوم بكفارة اليمين لقراءة ابن مسعود؛ "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات" لأنها خبر مشهور، والزيادة عنده تثبت بالخبر المشهور. ولئن كان المروي عنده أن القرآن هو النظم والمعنى على الصحيح؛ فإنه لم يجعل النظم ركنا لازما في الصلاة، فمن أصل أبي حنيفة: أن القراءة بالفارسية كالقراءة بالعربية يتأدى بها فرض القراءة في الصلاة، وجمهور العلماء يرفض ذلك لقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} 1.
2- التشدد في قبول الحديث:
كان أبو حنيفة يتحرى عن رجال الحديث، ويتثبت من صحة روايتهم؛ فقد لا يقبل الخبر عن رسول الله صلى الله وسلم إلا إذا رواه جماعة عن جماعة، أو اتفق فقهاء الأمصار على العمل به؛ فأصبح مشهورا، وبهذا تضيق دائرة العمل بالحديث.
وقد نقل الشافعي في "الأم" عن أبي يوسف ما يوضح خطته وخطة أبي حنيفه شيخه في ذلك.
قال أبو يوسف: فعليك من الحديث مما تعرفه العامة، وإياك والشاذ منه، فإنه
__________
1 الزخرف: 3.
(1/331)

حدثنا ابن أبي كريمة عن أبي جعفر أن رسول الله دعا اليهود فحدثوه؛ حتى كذبوا على عيسى، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر، فخطب الناس فقال: "إن الحديث سيفشوا على، فما أتاكم عني يوافق القرآن فهو مني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس مني".
3- التوسع في القياس:
وحيث ضاقت دائرة الأخذ بالحديث كان التوسع في الأخذ بالقياس، وهكذا كان أبو حنيفة يعمل رأيه في المسألة، ويجتهد في استنباط حكمها دون أن يتقيد بقول سابق للصحابة أو التابعين، ما لم يتبين له صحة نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى عنه أنه قال في النص الآنف الذكر: "إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات؛ فإذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله أخذت بقول من شئت من أصحابه وأدع قول من شئت، ثم لا أخرج من قولهم إلى غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، فلي أن اجتهد كما اجتهدوا".
4- الاستحسان:
يعتبر الاستحسان من أصول الأدلة في مذهب أبي حنيفة، وإن بالغ في الأخذ به بعض العلماء الأحناف، فقالوا: إن المجتهد له أن يستحسن بعقله، إلا أن المتأخرين منهم على أن الاستحسان عبارة عن دليل يقابل القياس الجلي الذي تسبق إليه الأفهام، ومن أمثلة ذلك:
نص فقهاء الحنفية على أن الواقف إذا وقف أرضا زراعية يدخل حق المسيل وحق الشرب وحق المرور في الوقف تبعا بدون ذكرها استحسانا.
والقياس أنها لا تدخل إلا بالنص عليها كالبيع، ووجه الاستحسان: أن المقصود من الوقف انتفاع الموقوف عليهم ولا يكون الانتفاع بالأرض الزراعية إلا
(1/332)

بالشرب والمسيل والطريق؛ فتدخل في الوقف بدون ذكرها لأن المقصود لا يتحقق إلا بها كالإجارة.
فالقياس الظاهر إلحاق الوقف في هذا البيع، لأن كلا منها إخراج ملك من مالكه، والقياس الخفي إلحاق الوقف في هذا بالإجارة؛ لأن كلا منهما مقصود به الانتفاع، فكما يدخل المسيل والشرب والطريق في إجارة الأطيان بدون ذكرها، تدخل في وقف الأطيان بدون ذكرها1.
5- الحيل الشرعية:
ينسب كثير من الباحثين إلى فقه أبي حنيفة الحيل الشرعية، وأنها كانت بابا وساعا من أبواب الفقه في مذهبه، وقد تكلم ابن القيم عن الحيل في كتابه "أعلام الموقعين" وشنع على من توسع فيها، وقال: "إن المتأخرين أحدثوا حيلا لم يصح القول بها عن أحد من الأئمة، ونسبوها إلى الأئمة، وهم مخطئون في نسبتها إليهم.
واعتبر هؤلاء الباحثون من أصول أبي حنيفة باب الحيل، ويسمونه "المخارج من المضايق" وفي القاموس وشرحه، الاحتيال والتحول، والتحيل، الحذق وجودة النظر والقدرة على دقة التصرف. وقال صاحب المصباح: الحيلة: الحذق في تدبير الأمور، وهو تقليب الفكر حتى يهتدي إلى المقصود، وأصلها الواو؛ وإنما قلبت واوها ياء لانكسار ما قبلها. وقال ابن القيم في "أعلام الموقعين": إن مباشرة الأسباب حيلة على حصول مسبباتها، فالأكل والشرب واللبس والسفر حيلة على المقصود منه، والعقود الشرعية واجبها ومستحبها ومباحها كلها حيل على حصول المعقود عليه، والأسباب المحرمة كلها حيل على حصول مقاصدها منها.
وقد غلب إطلاق الحيلة على ما يكون من الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى
__________
1 انظر: علم أصول الفقه - عبد الوهاب خلاف - طبعة دار القلم- الكويت، ص 80.
(1/333)

حصول العرض بحيث لا يتفطن لها إلا بنوع من الذكاء وبعد النظر، والحيلة بهذا المعنى لا تحمد على الإطلاق، ولا تذم على الإطلاق، بل تتبع في ذلك الطرق المسلوكة إليها، والمقاصد التي تراد بها.
فالطرق والوسائل الخفية التي تستحل بها المحارم، وتسقط بها الواجبات ظاهرا. وكل حيلة تتضمن إسقاط حق الله تعالى أو لآدمي فهي من الحيل المذمومة شرعا، وهذا هو الذي عناه جمهور الفقهاء والمحدثين بالذم.
والحيل عند فقهاء الحنفية تطلق على المخارج من المضايق بوجه شرعي، جاء في شرح الأشباه والنظائر للحموي: الحيل: جمع حيلة، وهي وجودة النظر، والمراد بها هنا ما يكون مخلصا شرعيا لمن ابتلي بحادثة دينية، ولكون المخلص من ذلك لا يدرك إلا بالحذق وجودة النظر أطلق عليه لفظ الحيلة.
وما دامت الوسائل مشروعة، وتؤدي إلى مقاصد مشروعة، فإن ذلك يكون جائزا.
وجمهور الفقهاء ولا سيما المالكية والحنابلة لا يسوعون الحيل بأي صورة من الصور لأنهم يقولون بسد الذرائع، وهو أصل مناقض للحيل تمام المناقضة.
وقد أورد القائلون بجواز الحيل شبها ردها المخالفون لهم القائلون بتحريمها ومن هذه الشبه:
1- أن نبي الله أيوب عليه السلام حلف ليضربن امرأته مائة ضربة لسبب من الأسباب استدعى ذلك، ثم أذن الله تعالى أن يتحلل من يمينه بحيلة، وهي أن يأخذ ضغثا فيه مائة عود يضربها به ضربة واحدة، كما قال تعالى لأيوب: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} 1؛ فهذه حيلة يقاس عليها غيرها.
وقد أجيب عن هذا: بأن موجب هذا اليمن لغة الضرب مجموعا أو مفرقا، فعلى هذا تكون هذه الفتيا موجب هذا اللفظ عند الإطلاق ولا يكون حيلة، إنما الحيلة
__________
1 سورة ص: 44.
(1/334)

أن يصرف اللفظ عن موجبه على الإطلاق، ومن ناحية أخرى فلعل امرأة أيوب كانت معذورة فيما أخطأت فيه حين حلف أيوب هذه اليمين. وقد ثبت أن المحدود إذا كان معذورا خفف عنه، بأن يجمع له مائة شمراخ فيضرب بها ضربة واحدة،؛ فقد روى أحمد وغيره هذا عن أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد بن عبادة فيما حكاه عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إن هذا شرع من قبلنا فلا يكون حجة علينا إذا خالف شرعنا.
2- ومن هذه الشبه ما أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خبر فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكل تمر خيبر هكذا"؟ ، فقال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا". والجمع: نوع من تمر خيبر رديء، والجنيب، نوع جيد.
فقالوا: إنه يستدل بالحديث على جواز بيع العينة وعلى سائر العقود التي ظاهرها البيع، وباطنها الربا.
وأحيب عن هذا: بأن التحيل على استباحة الربا لو كان مشروعا لم يكن في تحريم الربا حكمة إلا تضييع الزمان بلا فائدة؛ فإن كل إنسان يستطيع بهذا أن يستحل ما حرم الله من أنواع الربا بأدنى الحيل وأقربها، ففي ربا الفضل يمكنه في كل مال ربوي أن يقول: بعتك هذا المال بكذا، ويسمى ما شاء من الثمن، ثم يقول: اشتريت منك هذا "للذي هو من جنسه" بذلك الثمن الذي سماه، وفي ربا النسيئة يمكنه أن يقول: بعتك هذه السلعة بألف إلى سنة مثلا، ثم يقول: ابتعتها منك بخمسمائة حالة، وهكذا ينقض المحتال من أيسر الطرق ما أحكم الله عز وجل في كتابه وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينسب ذلك كله إلى شريعة الله {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيم} 1.
__________
1 النور 16.
(1/335)

والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر الرجل في الحديث ببيع مطلق وشراء مطلق؛ فقال: "بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا" والمطلق في لسان الشارع إنما يصدق على الصور التي أحلها لا على الصور التي حرمها. وبيع العينة ومنا في معناه قد حرمه الشارع؛ فلا يمكن أن يصدق على البيوع المحرمة، ما يجيء على لسان الشارع من بيع مطلق أو شراء مطلق.
وكتاب الحيل الذي وردت فيه الحيل غير المشروعة التي يتوصل بها إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال نسبه الخطيب البغدادي في الجزء الثالث عشر من تاريخ بغداد" لأبي حنيفة عندما ترجم له. ولكن المحققين من العلماء يبرئون أبا حنيفة من الكتاب ومما ورد فيه، كما نسب القول بالحيل إلى أبي يوسف وإلى محمد بن الحسن.
وأكثر ما ينسب إلى أبي حنيفة من ذلك ما أفتى به في مسائل تتعلق بالأيمان عامة، وبالطلاق خاصة، ليس فيها تحايل على إبطال الحق؛ ولكنها استنباط فقهي للخروج من مأزق، كأن يحلف الرجل ليقربن امرأته نهارا في رمضان، فيفتيه أبو حنيفة أن يسافر بها نهارا في رمضان، ويحلف آخر وقد رأى امرأته على السلم فيقول: أنت طالق ثلاثا إن صعدت، وطالق ثلاثا إن نزلت، فيفتيه أبو حنيفة أن تقف المرأة على السلم ولا تصعد ولا تنزل ويحتال جماعة يحملون السلم بالمرأة فيضعونه على الأرض ... وهكذا.
ومنه ما يكون من باب التسبب، أي أن يحدث المكلف سببا يؤدي إلى تغيير الحكم، كما لو دخل رمضان فأنشأ السفر ليأكل، أو كان له مال فوهبه قبل الحول تخلصا من الزكاة.
ولا شك أن أي حيلة تؤدي إلى استحلال الحرام، أو تحريم الحلال فهي خداع وباطل. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها، أي أذابوها- فباعوها- وأكلوا ثمنها". متفق عليه.
(1/336)

أما ما يقصد به أخذ حق أو دفع باطل بطريق محرم، أو مباح تفضي إليه بخفاء فهذا لا بأس به، وقد ذكر ابن القيم في "إعلام الموقعين"، أمثلة لذلك، مثل: أن يكون له على رجل حق فيجحده، ولا بينة له، ويقيم صاحبه شاهدي زور يشهدان به ولا يعلمان ثبوت ذلك الحق، ومثل أن يكون له على رجل دين وله عنده وديعة، فيجحد الوديعة فيجحد هو الدين، أو بالعكس، ويحلف ما له عندي حق، أو ما أودعني شيئا. ومثل أن تستأجر منه أرضا أو بستانا أو دارا سنين، ثم لا يأمن إذا صلحت الأرض أو البستان أو الدار أن يفسخ المؤجر العقد بنوع من أنواع المكر والغدر، فالحيلة في أمنه من ذلك أن يسمى لكل سنة أجرا معلوما، ويجعل أجرة السنين المتأخرة معظم الأجرة وأقلها للسنين الأولى، فلا يسهل عليه المكر بعد ذلك، وإذا خاف الرجل لضيق الوقت أن يحرم بالحج فيفوته فيلزمه القضاء دون الفوات، فالحيلة أن يحرم إحراما مطلقا ولا يعينه فإن اتسع له الوقت جعله حجا، وإن ضاق عليه الوقت جعله عمرة ولا يلزمه غيرها، وهكذا.
(1/337)

أبوحنيفة ورفض السنة:
أشرنا من قبل في منهج أبي حنيفة إلى أنه كان يتشدد في الحديث فيقبل المتواتر والمشهور ولكنه يتوقف في خبر الآحاد، إذا لم يكن مشهورا، ويشترط فيه شروطا مما أدى إلى اتهامه بقلة بضاعته في السنة، ورده لكثير من أخبار الآحاد الصحيحة إذا خالف مضمونها أصلا من الأصول.
قال عياض في أبي حنيفة: هو ممن سلم لهم حسن الاعتبار، وتدقيق النظر والقياس، وجودة الفقه والإمامة فيه، لكن ليس له إمامة في الحديث، ولا استقلال بعلمه، ولا يدعيه ولا يدعى له، ولذلك لا يوجدي له في أكثر المصنفات الحديثية ذكر، ولا أخرج له أهل الصحيحين منه ولو حرفا....
وقد ناقش بعض الباحثين هذه الدعوى، وأثبت أن النسائي أخرج له في السنن، وأن الترمذي أخرج له في الشمائل، وقال ابن خلدون في المقدمة: وحاشاه أن يكون جاهلا بالسنة، وكيف يتصور جهله بها مع إمامته المسلمة في
(1/337)

الفقه؟ وكيف يأخذه عنه جمهور من الأمة؟ وإنما الذي نفاه عياض: الإمامة والتبرز فيه حتى يكون مثل مالك وابن حنبل مثلا.
وقد حمل بعض الباحثين على أبي حنيفة لهذا المنهج، ونسبوا إليه أنه كان يرد الأحاديث الصحيحة، وأورد الخطيب البغدادي ذلك.
يروي أبو إسحاق الفزاري أنه كان يأتي أبا حنيفة فيسأله عن الفيء من الغزو فسأله عن مسألة فأجاب فيها، فقال له: إنه يروي فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فقال: دعنا من هذا.
ويذكر أبو صالح الفراء أنه سمع يوسف بن أسباط يقول: رد أبو حنيفة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة حديث أو أكثر؛ فقلت له: يا أبا محمد ... تعرفها؟ قال: نعم، قلت: أخبرني بشيء منها. فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للفرس سهمان وللرجل سهم" قال أبو حنيفة: أنا لا أجعل سهم بهيمة أكثر من سهم المؤمن، وكان النبي يقرع بين نسائه إذا أراد أن يخرج في سفر. وقال أبو حنيفة: القرعة حرام.
ورد أبو حنيفة حديث المصراة المتفق عليها "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر" وفي رواية: "وصاعا من طعام". ولمسلم "فهو بالخيار ثلاثة أيام" واستدل الحنفية في رده بأعذار، قالوا: إن مضمونه مخالف لما هو أقوى منه في قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِه} 1 فإنه يحتم الضمان بالمثل، وقوله صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضمان"، فلا يكون اللبن مضمونا حيث كانت المصراة تحت ضمان المشتري، وقالوا: إن الحديث خالف قياس الأصول؛ فأوجب الرد من غير عيب ولا شرط، وقدر الخيار بثلاثة أيام؛ وإنما يتقيد بالثلاثة خيار الشرط، وأوجب البدل مع قيام المبدل، وقدر بالتمر والطعام والمتلفات إنما تضمن بالمثل أو القيمة واللبن مثلي، وجعل الضمان بالقيمة، ويؤدي إلى الربا إذا كان ثمن المصراة بالتمر حيث يزيد صاعا منه.
__________
1 النحل: 126.
(1/338)

ودافع عن أبي حنيفة كثير من العلماء واستدلوا بقوله عن نفسه: إذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لم نحل عنه إلى غيره، وأخذنا به، وإذا جاء عن الصحابة تخيرنا، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم.
ويقول زفر تلميذ أبي حنيفة في هذا: "لا تلتفتوا إلى كلام المخالفين؛ فإن أبا حنيفة وأصحابنا لم يقولوا في مسألة إلا من الكتاب والسنة والأقاويل الصحيحة، ثم قاسوا بعد عليها"، ويقول أبو يوسف أكبر أصحابه: "ما رأيت أحدا أعلم بتفسير الحديث ومواضع النكت التي فيه من الفقه من أبي حنيفة، وكان أبصر بالحديث الصحيح مني".
ويقول ابن خلدون عنه:
"والإمام أبو حنيفة إنما قلت روايته لما شدد في شروط الرواية والتحمل، وضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي، وقلت من أجلها روايته؛ فقل حديثه، لا أنه ترك رواية الحديث، فحاشاه من ذلك.
ويدل على أنه كان من كبار المجتهدين في علم الحديث اعتماد مذهبه بينهم، والتعويل عليه، واعتماده ردا وقبولا، فلا تأخذك ريبة في ذلك، فالقوم أحق الناس بالظن الجميل بهم، والتماس المخارج الصحيحة لهم، والله سبحانه وتعالى أعلم بما في حقائق الأمور".
ويذكر ابن عبد البر أنه قيل لأبي حنيفة: "المحرم لا يجد الإزار، يلبس السراويل؟ قال: لا، ولكن يلبس الإزار! قيل له: ليس له إزار! قال: يبيع السراويل، ويشتري بها إزارا، قيل له: فإن النبي صلى الله عليه وسلم خطب وقال: المحرم يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار، فقال أبو حنيفة: لم يصح في هذا عندي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء فأفتى به، وينتهي كل امرئ إلى ما سمع، وقد صح عندنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يلبس السراويل، فننتهي إلى ما سمعناه"، قيل له: أتخالف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لعن الله من يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم، به أكرمنا وبه استنقذنا".
(1/339)

والذي يراه المحققون وذكره محمد يوسف موسى: أنه ليس لباحث منصف أن يرمي أبا حنيفة بأنه كان يترك عامدا بعض ما صح عنده من الحديث والآثار، ليأخذ بالرأي والقياس، حاشاه أن يكون فعل شيئا من ذلك، وإلا لما كان مؤمنا حقا برسول الله، وما جاء عنه؛ بله أن يكون إماما من أئمة الشريعة الإسلامية الخالدين.
(1/340)

أثره الفقهي وانتشار مذهبه:
ينسب إلى أبي حنيفة الفقه الأكبر، وأنه حوى ستين ألف مسألة أو أكثر، ولم تصح هذه النسبة؛ وإنما قيل: إنه من تأليف أصحابه، وقد نسب إليه في العقيدة كذلك: الفقه الأكبر، وطبع في حيدرآباد الدكن بالهند سنة 1321هـ، وهو عقيدة سلفية لا تتجاوز عدة صفحات ولم تصح نسبته إليه.
وينسب إلى أبي حنيفة مسند في الحديث، قال ابن حجر العسقلاني في كتاب "تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة": أما مسند أبي حنيفة فليس من جمعه. والموجود من حديث أبي حنيفة إنما هو كتاب الآثار التي رواها محمد بن الحسن عنه ويوجد في تصانيف محمد بن الحسن وأبي يوسف قبله من حديث أبي حنيفة أشياء أخرى، وذكر صاحب كشف الظنون مسند الإمام الأعظم وذكر رواته، وأن الذي اعتنى بجمع مسانيده هو أبو المؤيد محمد بن محمود الخوارزمي المتوفي سنة 165هـ، وقد طبع هذا المسند في مصر سنة 1326هـ بما ينفي الدعوى القائلة: إن أبا حنيفة لم يصح عنده أو لم يبن مذهبه إلا على سبعة عشر حديثا.
ومما لا شك فيه أن أبا حنيفة ترك من بعده أثراها كبيرا، حتى قال الشافعي: إن الناس كلهم عيال عليه في في الفقه، وقد اشتهر من حملة فقهه، رجلان، أبو يوسف قاضي القضاة، ومحمد بن الحسن الشيباني، ولهذين الصاحبين فضل كبير على مذهبه في العمل على نشره وإذاعته؛ فكتب أبي يوسف هي التي حفظت أقوال أبي حنيفة التي نقلها عنه، ومن ذلك:
(1/340)

1- الآثار: الذي هو مسند الإمام، مع إضافة أبي يوسف من مروياته في بعض المواضع.
2 الخراج.
3 اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى.
يقول الخطيب البغدادي في أبي يوسف: هو صاحب أبي حنيفة، وأفقه أهل عصره، وأول من وضع الكتب في أصول. الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل ونشرها، وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض.
وتعتبر مؤلفات محمد بن الحسن المراجع الأصلية لمذهب أبي حنيفة، وقد اهتم بها الفقهاء فيما بعد شرحا وتعليقا، ومن أهمها:
1- الجامع الكبير.
2 والجامع الصغير.
3 السير الكبير.
4 السير الصغير.
5 الزيادات.
ومن أشهر تلاميذ أبي حنيفة كذلك: زفر بن الهذيل، الذي كان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي ومهر في القياس.
وذكر ابن خلدون مجال انتشار مذهب أبي حنيفة فقال:
وأما أبو حنيفة فقلده اليوم أهل العراق، ومسلمة الهند والصين، وما وراء النهر، وبلاد العجم كلها، لما ان مذهبه أحفى بالعراق ودار السلام أي بغداد وكان تلاميذه صحابة الخلفاء من بني العباس؛ فكثرت تآليفهم ومناظراتهم مع الشافعية، وحسنت مباحثهم في الخلافيات، وجاءوا منها بعلم مستطرف، وأنظار غريبة.
(1/341)

ولما حكم العثمانيون حصروا القضاء في المذهب الحنفي، لأنه مذهبهم، فساعد هذا على انتشار المذهب وتعلمه في عامة الأقطار الإسلامية.
ولم يزل الأمر كذلك إلى اليوم في كثير من البلاد، بيد أنه قد أخذ الاقتباس من المذاهب الأخرى في الأحوال الشخصية، والوقف، والمواريث، والوصايا، وهي المسائل التي بقي القضاء فيها على مقتضى أحكام الشريعة الإسلامية دون سواها في تلك البلاد.
(1/342)

الإمام مالك:
عصره:
يشبه عصر مالك عهد أبي حنيفة، إلا أنه أدرك من الدولة العباسية حظا أوفر؛ فقد كانت ولادته في عهد الوليد بن عبد الملك الأموي، وكانت وفاته في عهد الرشيد العباسي؛ فعاصر دولة بني مروان في عنفوان شبابها، وشاهد تداعي الدولة الأموية، وقيام دولة بني العباس على أنقاضها، ورأى موقف المهدي من الزنادقة في العراق، واستنصاره بالعلماء للقضاء على عقيدتهم، وأدرك الحضارة العباسية في أوج عظمتها. وقد امتزجت في مبادئها الإسلامية الحضارات الفارسية، والهندية، والرومانية.
وتمثل حياته في العهد الأموي فترة تكوين عقله وتفكيره وآرائه خلال أربعين سنة، وتمثل حياته بعد أن بلغ أشده في العهد العباسي فترة إنتاجه، والاستفادة من علمه، وتبادل ثمرات الفكرات مع الصحاب وتكوين التلاميذ.
ومع أن الإمام مالكا أدرك الدولة الأموية في عهد استقرارها بعد أن خمدت جذوة الفتن، إلا أن أنباء هذه الفتن قد تناقلت إليه، ورأي أثر الخوارج السيء في تسورهم المدينة وإزعاجهم أمن الناس، وإراقتهم للدماء بقيادة أبي حمزة فزاده ذلك نفورا منهم، وبغض إلى نفسه كل خروج على الحكام؛ ولذا كان يرى إصلاح الرعية أصلا لإصلاح الحكام. ونزع بطبيعته الهادئة إلى حياة الاستقرار، ولم يقف من بني أمية موقف بعض العلماء الآخرين الذين أنكروا عليهم جانبا من أعمالهم.
وربما سخط مالك في بداية الحكم العباسي الوقائع الدامية، ثم عاد إليه هدوءه بعد استقرار الأمور، ولكنه وجد في بني العباس الذين حرصوا على الاتصال بالعلماء رغبة في الاتصال به والاستماع لنصحه.
(1/343)

ولا يفوتنا التنويه باتساع رقعة الدولة الإسلامية في هذا العصر من الأندلس غربا إلى السند شرقا بمدنها العامرة الزاخرة بالحركة العلمية والنشاط التجاري والنهضة الزراعية والصناعية، ولهذا أثره الكبير في حيوية الفقه وازدهاره، لتفاعل الحضارات المختلفة من أجناس متباينة الأرمة صهرها الإسلام في بوتقته؛ فكثرت الأحداث، وتفرعت المسائل، واستنبط العلماء لكل مسألة حكما.
والمدينة، وهي دار الهجرة التي أقام بها مالك كانت تستقبل العديد من وفود المسلمين الذين يقدمون لزيارة مسجدها من حين لآخر.
واتسم عصر مالك كذلك بالحركة الفكرية التي نجمت من اتصال الفكر الإسلامي بالفلسفة اليونانية والفارسية والهندية إثر حركة الترجمة على النحو الذي بسطناه في الحديث عن عصر أبي حنيفة؛ مما أدى إلى منازعات فكرية حول عقائد متباينة، وآراء متناحرة؛ إلا أن أبا حنيفة كان بالعراق موطن هذا التناحر، فتأثر بها تأثيرا مباشرًا؛ بينما كان مالك بالمدينة التي عاشت بمنأى عن هذه المنازعات الفكرية، ولم يرج في سوقها مذاهبها، بل راج فيها علم الكتاب والسنة؛ فكان تأثيرها على مالك سلبيا.
وفي المدينة كانت المدرسة الفقهية الأولى المعروفة بمدرسة الفقهاء السبعة، وعلى يد تلاميذ هذه المدرسة تلقى مالك العلم، وهم يؤثرون الرواية ويرون فيها عصمة من الفتن، ولا يأخذون بالرأي إلا اضطرارا، وعلى النقيض من هذا، كان أساتذة أبي حنيفة من شيوخ مدرسة أهل الرأي في العراق الذين يفرضون مسائل غير واقعية ويضعون لها أحكاما بآرائهم.
ومع هذا كان للرأي في فقه مالك حظ لتبادل المعارف في عصره.
ومحمد الصاحب الثاني لأبي حنية أخذ الحديث عن الثوري، ولازمه مالك ثلاث سنوات وأخذ عنه، وكان مالك معنيا بمعرفة آراء أبي حنيفة في المسائل المختلفة.
(1/344)

وقد استطاع مالك في جو المدينة الهادئ أن يصون نفسه عن موجة أهل الأهواء العارمة التي كادت تشغل أذهان المسلمين عن حقيقة الدين، كالشيعة والخوارج والقدرية، والجهمية، والمرجئة.
(1/345)

حياة مالك "93- 179هـ":
إختلف العلماء في السنة التي ولد فيها مالك، وأشهر هذه الآراء أنه ولد في سنة 93هـ "ثلاث وتسعين". وكانت ولادته بالمدينة، وهي مهد العلم الزاخر بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة والتابعين، ولها مكانتها في نفوس المسلمين؛ فحفظ مالك لها هذه المكانة في نفسه، وأثر هذا في فقهه، فاعتبر عمل أهلها أصلا من أصول استنباطه.
وهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي من قبيلة ذي أصبح اليمنية؛ فهو عرف الأصل، وادعى محمد بن إسحاق صاحب السيرة أنه كان من موالي بني تميم، وليس الأمر كذلك؛ وإنما كان بين جد مالك، وبين عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الله بن تميم حلف، لا ولاء، والحلف قد يكون بين العرب الأحرار، والولاء لا يكون إلا بين عربي ومولى؛ فقد قدم جده الأعلى أبو عامر إلى المدينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر، وسكنها، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد المغازي كلها خلا بدرا، وارتبط ببني تميم بالمصاهرة، ثم ارتبط بهم بعد ذلك برابطة الحلف والتناصر، وابنه مالك كنيته "أبو أنس"من كبار التابعين، وهذه أصح الروايات في نسبه.
نشأ مالك في بيت علم، بمدينة علم، بدار الهجرة، موئل السنة ومرجع العلماء، وموطن الفتاوي المأثورة؛ فحفظ القرآن الكريم في صدر حياته، ثم اتجه إلى حفظ الحديث، وجالس العلماء ناشئا صغيرا، ولازم أحد هؤلاء العلماء في عصره، وهو "عبد الرحمن بن هرمز".
يروي عنه أنه قال: كان لي أخ في سن ابن شهاب؛ فألقى أبي يوما علينا مسألة، فأصاب أخى وأخطأت؛ فقال لي أبي: ألهتك الحمام عن طلب العلم،
(1/345)

فغضبت وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين، لم أخلطه بغيره، وكنت أجعل في كمي تمرا، وأناوله صبيانه، وأقول لهم: إن سألكم أحد عن الشيخ؛ فقولوا مشغول، وقال ابن هرمز يوما لجاريته: من بالباب؟ فلم تر إلا مالكا، فرجعت فقالت: ما ثم إلا ذاك الأشقر؛ فقال: ادعيه فذلك عالم الناس.
وبهذا يتبين أن ابن هرمز أثر في مالك تأثيرا بليغا في هذه الفترة التي لم يخلطه بغيره، ثم وجد في نافع مولى ابن عمر بغيته؛ فجالسه وأخذ عنه علما كثيرا.
وأخذ مالك عن ابن شهاب الزهري، بعد أن نال قسطا كبيرا من العلم، وصار ضابطا، حافظا أخذ منه الحديث كما أخذ الفقه عن ربيعة بن عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي، الذي كان يعترف لمالك بالفضل ويجلس معه في التلقي.
وروي عن مالك أنه قال: قدم علينا الزهري فأيتناه ومعنا ربيعة؛ فحدثنا نيفا وأربعين حديثا، ثم أتيناه في الغد؛ فقال: انظروا كتابا حتى أحدثكم، أرأيتم ما حدثتكم به أمس؟ قال له ربيعة: ههنا من يرد عليك ما حدثت به أمس. قال: ومن هو؟ قال: ابن أبي عامر. قال: هات؛ فحدثته بأربعين حديثا. منها فقال الزهري: ما كنت أرى أنه بقي أحد يحفظ هذا غيري.
كما أخذ عن يحيى بن سعيد الأنصاري من بني النجار، قاضي المدينة الذي أخذ عن الفقهاء السبعة وكان حجة في الفقه.
وحين اكتملت لمالك دراسة الحديث والأثر والفقه اتخذ له مجلسا في المسجد النبوي للدرس والإفتاء فقصد طلاب الفقه والفتوى، وكان موضع ثقتهم، وبالغ أصحاب المناقب؛ فذكروا أن مالكا كان آنذاك في سن السابعة عشرة، مع أن الروايات تدل على أنه لم يجلس للفتيا إلا بعد أن استشار عددا كبيرا من شيوخه، وقد سبق أن عرفنا أنه لازم ابن هرمز سبع سنين؛ مما يدل على أن جلوسه للإفتاء كان في سن النضج لا في سن السابعة عشرة، وإن كنا لا ندري في أي سن على وجه التحديد.
(1/346)

وكانت معيشته معيشة زهد وكفاف؛ فإن أخاه النضر، كان يتجر في البز، ولعله كان يشاركه في تجارته. وهكذا تكون حياة المنقطعين للعلم.
وعرف مالك في درسه بالوقار والسكينة، والابتعاد عن لغو الكلام.
وكان يقول: حق على من طلب العلم أن يكون فيه وقار وسكينة وخشية.
ويقول: من آداب العالم إلا يضحك إلا تبسما.
ولذا قال الواقدي في مجلس درسه: كان مجلسه مجلس وقار وعلم، وكان رجلا مهيبا نبيلا، ليس في مجله شيء من المراء واللغط، ولا رفع الصوت، وإذا سئل عن شيء فأجاب سائله لم يقل له: من أين هذا؟ وكانت الوفود التي تفد إلى المدينة لزيارة المسجد تتزاحم عند بابه لتستفتيه؛ فكان يأذن لكل جماعة بعدجماعة لكثرتهم.
واتفق العلماء على أن مالكا كان إماما في الحديث وأن روايته موثوق بها. وقال بعضهم: أصبح الأسانيد: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، ثم مالك، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، ثم مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
(1/347)

محنته:
يذكر المؤرخون أن مالكا نزلت به محنة ضرب فيها بالسياط، ومدى يده حتى انخلعت كتفاه سنة 146هـ وإن اختلفوا في سببها.
وأرجح ما قيل في ذلك أنه كان يحدث بحديث "ليس على مستنكره طلاق"؛ وذلك في وقت خروج محمد بن عبد الله بن الحسن "النفس الزكية" بالمدينة1 وأن المنصور نهاه عن أن يحدث بهذا الحديث فأبى، واستغل الخارجون ذلك
__________
1 هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب بايعه نفر من بني هاشم في المدينة بعهد أبي جعفر المنصور.
(1/347)

الحديث، وكاد من كاد لمالك حتى ضربه جعفر بن سليمان والي المدينة، فسخط أهل المدينة على بني العباس وولاتهم، فطلبه أبو جعفر المنصور، واعتذر إليه بأنه لا علم له بذلك، وأكرم وفادته.
وفضل مالك في العلم لا ينكر، قال عبد الرحمن بن مهدي: أئمة الحديث الذين يقتدي بهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة.
ووازن بين الثوري والأوزاعي ومالك فقال: الثوري إمام في الحديث، وليس بإمام في السنة، والأوزاعي إمام في السنة، وليس بإمام في الحديث، ومالك إمام فيهما. وله مساجلات مع العلماء أشهرها ما كان بينه وبين الليث بن سعد.
وذكر بعض العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر به؛ وذلك في حديث الترمذي: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة". رواه الترمذي في العلم، وقال: حديث حسن. قال عبد الرزاق: كما رواه الترمذي: إنه مالك بن أنس، وقال ابن جريج كذلك: إنه مالك بن أنس، والحديث يشمل بعمومه مالك بن أنس وغيره ولم يؤثر عن مالك أنه رحل إلى طلب العلم كما كان يصنع العلماء، ولعل ذلك يرجع إلى أنه كان يعتقد كما أعتقد غيره من العلماء أن العلم علم أهل المدينة.
(1/348)

رسالة مالك إلى الليث بن سعد:
"من مالك بن أنس إلى الليث بن سعد، سلام الله عليكم؛ فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد عصمنا الله وإياك بطاعته في السر والعلانية، وعافنا وإياكم من كل مكروه".
واعلم رحمك الله أنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مختلفة، مخالفة لما عليه الناس عندنا! وببلدانا الذي نحن فيه، وأنت في أمانتك وفضلك، ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاء منك حقيق بأن تخاف على نفسك، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه:
(1/348)

{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} 1. وقال تعالى: {فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه} 2 فإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها تنزل القرآن، وأحل الحلال وحرم الحرام؛ إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، يأمرهم فيطيعونه، ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله، واختار له ما عنده، صلوات الله وسلامه عليه ورحمته وبركاته.
ثم قام من بعده أتبع الناس له من أمته ممن ولي الأمر من بعده بما نزل إليهم، فما علموا أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم، وحداثة، وحداثة عهدهم وإن خالفهم مخالف، أو قال امرؤ: غيره أقوى منه وأولى، ترك قوله وعمل بغيره.
ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبل، ويتبعون تلك السنة؛ فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرا معمولا به، لم أر لأحد خلافه، للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز انتحالها ولا ادعاؤها، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل ببلدنا، وهذا الذي مضي عليه من مضى منا لم يكونوا فيه من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من يجيزه لهم.
فانظر رحمك الله فيما كتبت إليك لنفسك، واعلم أني أرجو ألا يكون قد دعاني إلى ما كتبت به إليك إلا النصيحة لله وحده، والنظر لك والضن بك فأنزل كتابي منزلته؛ فإنك إن تعلمت تعلم أني لم آلك نصحا، وفقنا الله لطاعته وطاعة رسوله في كل أمر، وعلى كل حال، والسلام عليك ورحمة الله".
وقد ورد عليه الليث بن سعد في رسالة طويلة، أثنى عليه فيها، ثم بين له تفرق السحابة في الأمصار، وأنهم اختلفوا في الفتيا، كما اختلف التابعون ومن بعدهم، وذكر له كثيرا من الأمثلة الدالة على ذلك مما فيه مخالفة لأهل المدينة.
__________
1 التوبة: 100.
2 الزمر: 17، 18.
(1/349)

الموطأ:
كان مالك أول من عرف بالتدوين والتأليف في الإسلام، لأن كتابه "الموطأ" أقدم مؤلف معروف وإن كان ينسب إليه غيره. قال القاضي عياض: وله تأليف غير الموطأ مروية عنه أكثرها بأسانيد صحيحة في غير فن من العلم؛ لكن لم يشتهر عنه غير الموطأ، وسائر تأليفه إنما رواها عنه من كتب بها إليه أو آحاد من أصحابه، ولم يروها الكافة، وأشهرها رسالته إلى ابن وهب في القدر والرد على القدرية، ثم ذكر منها ما نسب إليه في حساب النجوم، وما نسب إليه في تفسير غريب القرآن، ورسالته إلى هارون الرشيد في الآداب والمواعظ. والذي صحت نسبته لدى العلماء من غير تلك، هو "الموطأ" الذي ذاع وانتشر، وتناقلته الأجيال، وهو أول تدوين مأثور في الحديث والفقه، وإن كانت فكرة التدوين قد وجدت من قبل.
قال مالك في الموطأ رواية محمد بن الحسن: "أخبرنا يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزك: أن انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سنة أو حديث أو نحو هذا فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء".
ولكن أول تأليف جامع حفظته الأجيال هو الموطأ.
ويذكر أهل السير أن جمع مالك للموطأ كان بناء على طلب أبي جعفر المنصور إذ قال له: اجعل العلم يا أبا عبد الله علما واحدا؛ فقال له مالك: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في البلاد فأفتى كل في عصره بما رأى، وإن لأهل هذا البلد -أي مكة- قولا، ولأهل المدينة قولا، ولأهل العراق قولا، قد تعدوا فيه طورهم، فقال: أما أهل العراق فلست أقبل منهم صرفا ولا عدلا1؛ وإنما العلم أهل المدينة، فضع للناس العلم، فقال له مالك: إن
__________
1 الصرف: التوبة، والعدل: الفدية.
(1/350)

أهل العراق لا يرضون علمنا؛ فقال له أبو جعفر: يضرب عليه عامتهم بالسيف، ويقطع عليه ظهورهم بالسياط.
ولعل أبا جعفر رغب في توحيد الأقضية بكل الأمصار، فطلب من مالك ذلك، في الوقت الذي توافرت فيه الدواعي عند مالك نفسه لتدوين العلم تحقيقا لقصد طلابه في جمع علم المدينة بصورة أكمل، فجاء طلب الخليفة متفقا مع تلك الدواعي.
أخذ مالك وقتا طويلا في تدوين الموطأ، ولم يتم التدوين في الرواية المشهورة إلا في سنة 159هـ بعد أن توفي المنصور، وكان رأي المهدي كرأي أبيه، ثم كان رأي الرشيد كذلك، أن تنشر نسخ الموطأ في جميع الأمصار ليسير القضاء عليه في الأحكام. ولكن مالكا كان يمانع في ذلك لتفرق العلماء في الأمصار، ولدى كل واحد علم كما ذكرنا.
والموطأ كتاب حديث وسنة وفقه، ومنهج مالك في تدوينه أن يذكر الأحاديث في الموضوع الفقهي الذي اجتهد فيه، ثم يذكر عمل أهل المدينة المجمع عليه، ثم يذكر رأي من التقى بهم من التابعين وأهل الفقه، ثم يذكر الرأي المشهور بالمدينة، فإن لم يكن شيء من ذلك بين يديه في المسألة، اجتهد رأيه على ضوء ما يعلم من الأحاديث والفتاوى والأقضية. والذي يتصفح الموطأ يجد هذا النهج واضحا فيه.
وقد روى الموطأ عدد كبير، والمتداول الآن روايتان، إحداهما رواية محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، والثانية رواية يحيى بن يحيى الليثي البربري الأندلسي المتوفى سنة 234هـ وهو من تلاميذ مالك، رحل إليه من الأندلس، ثم عاد إليها ونشر مذهب مالك هناك.
ورواية محمد بن الحسن طبعت في الهند، وهي أقل في أبوابها وأحاديثها من رواية يحيى. ورواية يحيى أكثر تداولا في مصر وبلاد المغرب.
(1/351)

المدونة:
سئل مالك عن مسائل كثيرة فأجاب عنها ودونها تلاميذه، وهذا ما يعرف بالمدونة، وأول من كتب ذلك أسد بن الفرات، قاضي القيروان وفاتح صقلية المتوفى سنة 213هـ. سمع الموطأ على مالك، ولما أثكر عليه السؤال أوصاه بالرحيل إلى العراق؛ فارتحل إليها، ودون أسئلة أخذها عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وفقيه العراق، ثم سأل عنها عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك عند عودته في مروره بمصر فأجابه على رأي مالك، فكتب ذلك، وجاء بما كتب إلي القيروان؛ فكتبها عنه سحنون، وكانت تسمى "الأسدية" ثم جاء بها سحنون إلى ابن القاسم سنة 188هـ فعرضها عليه، وأصلح فيها مسائل، ورجع بها إلى القيروان، وقد رتب سحنون أكثر مسائل المدونة، واحتج في بعض المواضع بالآثار من روايته من موطأ ابن وهب وغيره، وبقيت منها بقية لم يتم فيها سحنون هذا العمل، وتعتبر المدونة أساس الفقه عند أتباع مالك وتبلغ مسائلها ستا وثلاثين ألف مسألة، وقد طبعت في مصر سنة 1323هـ بمطبعة السعادة في ستة عشر جزءا في ثماني مجلدات، وذلك تحت اسم "المدونة الكبرى" رواية سحنون، وهو: أبو سعيد عبد السلام بن سعيد التنوخي الملقب بسحنون، ولي قضاء القيروان، وانتهت إليه رئاسة العلم بالمغرب، وصنف كتاب "المدونة" ولد سنة 160هـ، وتوفي سنة 240هـ.
(1/352)

أصول مذهبه:
عمد تلاميذ مالك إلى كتابة "الموطأ" واستخرجوا منه ما يصح أن يكون أصولا لاستنباطك الفروع ويمكن إيجازها فيما يأتي:
1- القرآن الكريم:
كان مالك يرى أن القرآن قد اشتمل على كليات الشريعة، وأنه عمدة الدين، وآية الرسالة، ولم تكن نظرته إليه كنظرة الجدليين؛ فلم يخض فيما خاض فيه المتكلمون من أنه لفظ ومعنى، أو معنى فقط، وهو عنده اللفظ والمعنى، كما
(1/352)

هو إجماع من يعتد بهم من المسلمين، وروي أنه كان يقول: إن من يقول بأن القرآن مخلوق فهو زنديق يجب قتله، ولذا لم يعتبر الترجمة قرآنا يتلي تجوز به الصلاة؛ بل هي تفسير أو وجه من وجوه المعنى المعقول، وهو يأخذ بنص القرآن، وظاهره ومفهومه، ويعتبر العلة التي يأتي التنبيه عليها.
2- السنة:
ومالك من أئمة الحديث، كما أنه إمام في الفقه، ورجال الحديث يشهدون له بذلك، وهو يعتبرون سنده في بعض أحاديثه أصح الأسانيد، ويسميها المحدثون بالسلسلة الذهبية.
ومع أن مالكا يشدد في قبول الرواية؛ إلا أنه كان يقبل المرسل من الأحاديث، ما دام رجاله ثقات، وفي موطئه كثير من المرسلات، ومن منقطع الإسناد ومن البلاغات التي يقول فيها مالك: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا، وهذا يدل على أنه لم يلتزم الإسناد المتصل في أحاديثه كلها، وكان يكفيه أن يطمئن إلى صحة الحديث.
وقد اختلفوا في تقديم القياس على خبر الواحد، والمشهور في ذلك أنه كان يقدم خبر الواحد على القياس.
3- عمل أهل المدينة:
ذهب مالك إلى أن المدينة هي دار الهجرة، وبها تنزل القرآن، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقام صحابته، وأهل المدينة أعرف الناس بالتنزيل، وبما كان من بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم للوحين وهذه ميزات ليست لغيرهم، وعلى هذا فالحق لا يخرج عما يذهبون إليه؛ فيكون عملهم حجة، يقدم على القياس، وعلى خبر الواحد، وفي كتاب الإمام مالك إلى الليث بن سعد: "إن الناس تبع لأهل المدينة، التي إليها كانت الهجرة، وبها تنزل القرآن".
4- قول الصحابي:
ويرى مالك في مذهبه أنه إذا لم يرد حديث صحيح في المسألة عن النبي
(1/353)

صلى الله عليه وسلم، فإن قول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف، يكون حجة، وقد ضمن الموطأ العديد من أقوال الصحابة والتابعين، فالصحابة أعلم بالتأويل، وأعرف بالمقاصد، لأنهم حضروا التنزيل، وسمعوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقولهم أولى بالآخذ يخص به العام ويترك لأجله القياس.
ولكن مالكًا يقدم عمل أهل المدينة على قول الصحابي؛ فقد روى في الموطأن أن عمر بن الخطاب "قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل وسجد فسجد الناس معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود، فقال: على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء؛ فلم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا".
فعمر يجيز للإمام إذا شاء أن ينزل من على المنبر إذا قرأ السجدة ليسجد، ويعلق مالك عليه بقوله: "ليس العمل على أن ينزل الإمام إذا قرأ السجدة على المنبر فيسجد"، وحين تتعدد أقوال الصحابة في المسألة الواحدة فإن مالكا يختار منها ما يتفق مع عمل أهل المدينة يروى أن زيد بن ثابت قال: "الصلاة الوسطى صلاة الظهر" وإن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس كانا يقولان: الصلاة الوسطى: صلاة الصبح: ثم يقول مالك: "وقول علي وابن عباس أحب ما سمعت إلى في ذلك" ... كما رى عن عدد من الصحابة أن الصلاة الوسطى صلاة العصر.
5- المصالح المرسلة:
والعمل بالمصالح المرسلة أساس من الأسس التي اعتمد عليها مالك في مذهبه، وهي: جلب منفعة، أو دفع مضرة لم يشهد لها الشرع بإبطال ولا باعتبار معين؛ لأن تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، ضرورية كانت أم خارجية، أم تحسينية، والضرورية، هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا في الضروريات الخمس الثابتة في الملل جميعا وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل.
والحاجية: هي التي تؤدي إلى رفع الضيق، والحرج، والمشقة، والتحسينية هي المتعلقة بمكارم الأخلاق، وكون هذه المعاني مقصودة عرف بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة، مما يدل على مقاصد الشرع؛ ولذا ذهب مالك إلى أن هذه المصلحة تكون حجة.
(1/354)

واعتبر بعض الباحثين القول بالمصلحة من خصوصيات مذهب مالك، وذكر الشاطبي في الاعتصام" أن مالكا يذهب إلى اعتبارها ويكثر من بناء الأحكام عليها. ومن أمثلة عمل مالك بالمصالح المرسلة، ما قاله في الزعفران المغشوش إذا وجد بيد الذي غشه، حيث قال: إنه يتصدق به على المساكين قل أو كثرة، ويقول الشاطبي، إنه يماثل إراقة عمر للبن المغشوش بالماء، ووجه ذلك التأديب للغاش، وهذا التأديب لا نص يشهد له؛ لكن من باب الحكم على الخاصة لأجل العامة.
ومن ذلك إجازة بيعة المفضول مع وجود الأفضل إذا خيف اضطراب أمور الناس، وعدم إقامة مصالحهم إذا لم يبايعس المفضول عندئذ.
6- القياس:
حيث لا يوجد نص من كتاب أو سنة، أو قول صحابي، أو إجماع من أهل المدينة؛ فإن مالكا كان يجتهد، ويستعمل القياس في اجتهاده، فقد جاء في "الموطأ": سئل مالك عن الحائض تطهر فلا تجد ماء هل تتيمم؟ قال: نعم، لتتيمم، فإن مثلها مثل الجنب إذا لم يجد ماء تيمم". فمالك هنا يقيس الحائض حين تطهر على الجنب في التيمم عند فقد الماء الذي ثبت بالنص القرآني في قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} 1، ولهذه المسألة نظائر في القياس عند مالك.
7- سد الذرائع:
الذرائع، جمع ذريعة وعرفها القرافي في "الفروق" بأنها: هي الوسيلة إلى الشيء، وعرفها الشاطبي في "الموافقات" بأنها: التذرع بفعل جائز إلى عمل غير جائز، وعامة ما ورد في معناها يؤول إلى: ما كان ظاهره الإباحة، ويتوصل به إلى فعل محظور، والمراد بسد الذريعة، الحيلولة دونها، والمنع فيها، لأن ما يؤدي إلى المفسدة -وإن كان مباحا- يكون مفسدة، فيجب الامتناع عنه، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
__________
1 النساء: 43، والمائدة: 6.
(1/355)


وقد أكثر مالك إكثارا شديدا من العمل بسد الذرائع حتى اعتبر بعض العلماء العمل بها من خصوصيات مذهبه، يقول الشاطبي في "الاعتصام": وكان مالك رحمه الله شديد المبالغة في سد الذرائع.
ومن أمثلة عمل مالك بسد الذرائع أنه أفتى لمن رأى هلال شوال وحده ألا يفطر لئلا يكون ذريعة إلى إفطار الفساق محتجين بما احتج به.
ولما هم أبو جعفر المنصور بأن يبني البيت وفق ما رواه ابن الزبير على قواعد إبراهيم شاور مالكا في ذلك، فقال له مالك: أنشدك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك بعدك، لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره؛ فتذهب هيبته من قلوب الناس فصرفه عن رأيه لما ذكر من أنها تصير سنة متبعة.
وثبت فيما رواه مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر" ولكن الإمام مالكا كره صيامها متصلة برمضان متوالية مخافة اعتقاد وجوبها، فليحق الناس برمضان ما ليس من رمضان.
وهناك مسائل كثيرة في تطبيقات مالك وأصحابه لسد الذرائع، يدركها من يتصفح الموطأ والمدونة الكبرى.
(1/356)

نمو مذهب مالك وانتشاره:
كان تلاميذ مالك من الكثرة بمكان؛ حيث كانت المدينة مقصدا للزائرين، يلتقي فيها طلاب العلم من كافة الأقطار الإسلامية، وقد ذكر ابن عبد البر عددا من تلاميذه، منهم:
عبد الله بن وهب، الذي لازم مالكا عشرين سنة، ونشر فقهه في مصر.
عبد الرحمن بن القاسم، وهو من أصحاب مالك الذين كان لهم أثر بالغ في تدوين مذهبه.
(1/356)

أشهب بن عبد العزيز، القيسي العامري، الذي صحب مالكا وتفقه عليه، وكان نظيرا لابن القاسم، وله مدونة روى فيها فقه مالك، تسمى "مدونة أشهب" وهي غير مدونة سحنون.
أسد بن الفرات بن سنان، الذي نشأ بتونس، ثم وصل إلى المشرق، فسمع من مالك موطأه وغيره.
عبد الملك بن الماجشون، قربه مالك، وقيل: إنه كتب موطأ قبل مالك.
(1/357)

وممن نشر المذهب عن هؤلاء:
سحنون الذي راسل مالكا، وسمع من ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وابن الماجشون، تزود من العلم بمصر، ثم عاد إلى المغرب، وصنف المدونة المشهورة في فقه مالك، وتلى الموطأ في كتب المذهب المعتمدة، وهي عند أهل الفقه ككتاب سيبويه عند أهل النحاة، كما يقول فيها ابن رشد.
وعبد الملك بن حبيب وهو من الأندلس، تعلم بها، ثم رحل في طلب العلم، وأخذ عن كثير من أصحاب مالك، وعاد بعد ذلك إلى الأندلس فقيها محدثا.
وعبد الله بن عبد الحكم، ولد بمصر، وسمع من مالك الموطأ، وروي عن أكثر تلاميذه، ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب.
وذكر القاضي عياض في كتاب "المدارك": البلاد التي انتشر فيها المذهب المالكي فقال: "غلب مذهب مالك على: الحجاز، والبصرة، ومصر، وما والاها من بلاد إفريقية، والأندلس، وصقلية، والمغرب الأقصى، إلى بلاد من أسلم من السودان إلى وقتنا هذا، وظهر ببغداد ظهورا كثيرا، وضعف بها بعد أربعمائة سنة، وظهر بنيسابور، وكان بها وبغيرها أئمة ومدرسون".
(1/357)

الإمام الشافعي
حياته
...
الإمام الشافعي:
يمثل فقه الشافعي نمو الفقه الإسلامي، الذي يجمع بين فقه أهل الرأي وفقه أهل الحديث؛ فإليه يرجع الفضل في وضع موازين القياس، وإليه يرجع الفصل في محاولة ضبط طرق فهم الكتاب والسنة بما وضعه من مباديء الاستنباط بأصول الفقه، وقواعد التخريج.
ذلك أن الإمام الشافعي تخرج على مالك إمام دار الهجرة، وشيخ مدرسة أهل الحجاز في عصره، واتصل كذلك بمحمد بن الحسن، ودرس فقه أهل العراق؛ فجمع بهذا بين المنهجين الواضحين في الفقه الإسلامي.
حياته "150- 204هـ":
يرى أكثر الرواة أن الشافعي ولد بغزة سنة 150هـ، أي في السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة، من أب قرشي مطلبي؛ فهو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان، بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف، فهو يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف.
والمطلب الذي ينتهي إليه الشافعي هو أحد أولاد عبد مناف الأربعة، المطلب، وهاشم، وعبد شمس، ونوفل، ولم يفارق بنو المطلب بني هاشم في الجاهلية ولا في الإسلام.
ولقد نشأ الشافعي يتيما، فقيرا، فظهرت ألمعيته في وقت مبكر، وحفظ القرآن الكريم، واتجه إلى استحفاظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستماع، والكتابة، والتدوين، والحفظ منذ نعومة أظافره.
وحرص على فصاحته في العربية، فأقام بالبادية، ولازم هذيلا.
(1/358)

ونقل الفخر الرازي وغيره في مناقب الشافعي قول: "إنني خرجت من مكة فلازمت هذيلا بالبادية، أتعلم كلامها، وآخذ طبيعتها، وكانت أفصح العرب، أرحل برحيلهم، وأنزل بنزولهم، فلما رجعت إلى مكة، جعلت أنشد الأشعار، وأذكر الآداب والأخبار" حتى قال الأصمعي فيه:
"صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس".
وتعلم أثناء إقامته في البادية الرماية، وأثر عنه أنه كان يجيدها، وبهذا يكون قد استكمل تربيته، في الذين، واللغة، وأعمال الفروسية.
(1/359)

طلبه العلم وولايته:
وبدأ يطلب العلم على الفقهاء والمحدثين في مكة، ثم تطلعت نفسه إلى الإمام مالك الذي بلغ شأوا بعيدا في الفقه والحديث، بعد أن قرأ له الموطأ، وتفقه عليه، ولازمه إلى أن مات سنة 179هـ، ولم تمنعه ملازمته لمالك من السفر والقيام برحلات علمية في البلاد الإسلامية وزيارته لأمه بمكة.
وصادف حين مات مالك رضي الله عنه أن قدم إلى الحجاز والي اليمن، وأشار عليه بعض القرشيين أن يصحبه الشافعي، فأخذه معه؛ فعمل له بنجران، وفي هذا العمل ظهرت مواهب الشافعي، واتضح ذكاؤه، فأقام العدل ونشر لواءه، ولم يجد أهل نجران إلى نفسه سبيلا إلى المصانعة، والتملق.
ولما اشتد بأس الشافعي في ولايته بنجران، كاد له والي اليمن، واتهم الشافعي لدى الرشيد العباسي بأنه مع العلوية، في بضعة نفر، أحضرهم الرشيد، ومعهم الشافعي.
ويذكر الرواة أن الرشيد قتلهم ولم ينج منهم سواه لقوة حجته، ودفاع محمد بن الحسن عنه. وكانت هذه المحنة سنة 184هـ والشافعي آنذاك في الرابعة والثلاثين من عمره وحولته من الولاية إلى دراسة العلم وخدمته.
(1/359)

نزل الإمام الشافعي بغداد عند محمد بن الحسن، فأخذ فقه العراقيين عنه، وقرأ كتبه فاجتمع له بذلك فقه الحجاز وفقه العراق، أي الفقه الذي يغلب عليه النقل، والفقه الذي يغلب عليه العقل. وقد قال ابن حجر في ذلك "انتهت رياسة النقل والفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس، فرحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رياسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن".
ليس فيه شيء إلا وقد سمعه عليه؛ فاجتمع علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك حتى أصل الأصول، وقعد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره، حتى صار منه ما صار.
ومع أن الشافعي أقام في بغداد ولازمه محمد بن الحسن، ونقل عنه حتى قال: "حملت عن محمد بن الحسن وقر بعير ليس عليه إلا سماعي منه" إلا أنه كان يعتبر نفسه من صحابة مالك، ومن فقهاء مذهبه، وحملة موطئه، يدافع عن فقه الحجازتين وطريقتهم، ويناظر أصحاب ابن الحسن في ذلك؛ بل إنه ناظر محمدا نفسه في مسألة الشاهد واليمين.
عاد الشافعي من العراق إلى مكة فأخذ يلقي دروسه في الحرم المكي، ويلتقي بكبار العلماء في موسم الحج، كما التقي به أحمد بن حنبل، وظل في إلقاء دروسه بمكة مدة طويلة، ذكر الرواة أنها بلغت تسع سنين، ظهرت فيها شخصيته في نضجه الفكري، ومنهجه العلمي، ومذهبه الفقهي، ورأى من خلال تشعب الآراء واختلاف الأفكار ضرورة وضع مقاييس ثابتة، ومعايير صحيحة، يعرف بها الحق من الباطل؛ فأكب على الكتاب الكريم، يدرسه ويتعرف على دلالته وأحكامه، وعلى السنة النبوية يعرف صحيحها من سقيمها، وطرق الاستدلال بها، ومقامها من القرآن، وكيف تكون ضوابط الاجتهاد لاستخراج الأحكام إذا لم يكن كتاب ولا سنة.
وعندما انتهى إلى وضع أصول للاستنباط ينبغي أن يعرفها الفقهاء. سافر إلى بغداد للمرة الثانية سنة 195هـ يحمل إليها قواعده وأصوله وضوابطه، فانهال عليه
(1/360)

العلماء، والمتفقهون، وأهل الرأي جميعا، وذكروا أنه في هذه المقدمة ألف كتاب "الرسالة" الذي وضع به أساس علم الفقه.
قال الرازي: "واعلم أن الشافعي رضي الله عنه قد صنف كتاب الرسالة وهو ببغداد، ولما رجع إلى مصر أعاد تصنيف كتاب الرسالة، وفي كل واحد منهما علم كثير".
وتذكر بعض الروايات أن عبد الرحمن بن مهدي التمس أن يضع له كتابا يذكر فيه شرائط الاستدلال بالقرآن والسنة والإجماع والقياس؛ فوضع الشافعي كتاب "الرسالة"، وعلى هذا فإنه يحتمل أن يكون ألفها وهو بمكة وأرسلها إلى ابن مهدي في العراق.
ولم يطب المقام للشافعي ببغداد -لغلبة العنصر الفارسي- في عهد المأمون، وما كان من تقريبه المعتزلة، وميله إلى مناهج بحثهم. ودعاه آنذاك إلى مصر القرشي الهاشمي "العباس بن عبد الله" ابن العباس بن موسى بن عبد الله بن عباس، فاستجاب لدعوته ورحل إلى مصر، فنشر بها علمه وآراءه وفقهه حتى مات في آخر رجب سنة 204هـ وقد بلغ من العمر أربعة وخمسين عاما.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الشافعي كان يجل مالكا، وما كان يعبر عنه إلا بالأستاذ، ولكنه حين رأي غلو أصحابه فيه، وتعصبهم لبعض آرائه، ألف كتبا سماه "خلف مالك" تردد في إعلانه وفاء لأستاذه، ثم استخار الله فنشره إحقاقا للحق.
(1/361)

"علم الشافعي ومصادره":
تؤكد الروايات التي رويت عن شيوخ الشافعي وقرنائه وتلاميذه أنه كان علما بين العماء لا يجاري في علمه.
يقول فيه أحمد بن حنبل: "يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلا يقيم لها أمر دينها فكان عمر
(1/361)

ابن عبد العزيز على رأس المائة، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى".
ويقول داود بن على الظاهري: "للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره من شرف تسبه، وصحة دينه ومعتقده، وسخاوة نفسه، ومعرفته بصحة الحديث وسقيمه، وناسخه ومنسوخه، وحفظ الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء وحسن التصنيف".
ويقول محمد بن عبد الحكم أحد تلاميذه بمصر: "لولا الشافعي ما عرفت كيف أرد على أحد، وبه عرفت ما عرفت، وهو الذي علمني القياس رحمه الله؛ فكان صاحب سنة وأثر وفضل وخير، مع لسان فصيح بليغ، وعقل صحيح رصين".
ونتاج الشافعي، وما تركه من آثار يشهد له بذلك؛ فقد أوتى علم العربية، وعلم الكتاب، وفقه الحديث، وضبط قواعد السنة. وبرز في فقه الرأي والقياس، وكان يقول: من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في الفقه نبل قدره، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه.
قال الربيع بن سليمان: "وكان الشافعي رحمه الله، يجلس في حلقته إذا صلى الصبح فيجيئه أهل القرآن فإذا طلعت الشمس قاموا، وجاء أهل الحديث فيسألونه تفسيره ومعانيه، فإذا ارتفعت الشمس قاموا فاستوت الحلقة للمذاكرة والنظر، فإذا ارتفع الضحى تفرقوا، وجاء أهل العربية والعروض والنحو والشعر، فلا يزالون إلى قرب انتصاف النهار".
وقد أرجع الشيخ أبو زهرة هذا النبوغ إلى عناصر:
أولها - مواهبه:
آتى الله الشافعي حظا من المواهب يجعله في الذروة الأولى من قادة الفكر، وزعماء الآراء، كان قوي المدارك، حاضر البديهة، عميق الفكر، بعيد الفهم، يعتمد على الضوابط العامة، والقواعد الكلية في معرفة الجزئيات والفروع، وكان
(1/362)

قوي البيان، واضح التعبير، نافذ البصيرة قوى الفراسة، صافي النفس، طاهر القلب، مخلصا في الله.
ثانيها- شيوخه:
أخذ الشافعي الفقه والحديث عن شيوخ عصره على اختلاف مناهجهم، من شيوخ مكة والمدينة واليمن والعراق، فتلقى فقه مالك عليه، وتلقى فقه الأوزاعي عن صاحبه عمر بن أبي سلمة، وتلقى فقه الليث بن سعد فقه مصر عن صاحبه يحيى بن حسان، ثم تلقى فقه أبي حنيفة وأصحابه على محمد بن الحسن، فاجتمع الكلية التي قدمها للناس في بيان رائع وقول محكم.
ثالثها- دراساته الخاصة وتجاربه:
فقد رحل الشافعي في طلب الحديث والفقه، رحل إلى مالك ولازمه، ثم رحل إلى اليمن عاملا في بعض أعمال ولايتها "نجران" ثم رحل إلى العراق ومصر، ومن شأن هذه الرحلات أن تكسبه خبرات في إدراك معاملات الناس وعاداتهم وأعرافهم، وأن تفتق ذهنه وتنمي مداركه وأن تقف به على المناهج الفقهية المختلفة ليدرسها دراسة الناقد الفاحص، دون أن يتقيد بمذهب أو نحلة أو طائفة، وهكذا كان الشافعي.
رابعها- عصر الشافعي:
ولد الشافعي وعاش في عصر استقرار الدولة العباسية، وتمكين سلطانها، وازدهار الحياة الإسلامية فيها، حيث كانت المدن الإسلامية تموج بنشاط العلماء، واقتباسهم من الفلسفة اليونانية، وآداب الفرس، وعلم الهند، في حركة الترجمة التي تولاها الخلفاء العباسيون بالتنمية والتشجيع، وكان لها أثرها في الفكر الإسلامي.
ونشأ في غضون ذلك الزنادقة الذين كادوا للإسلام، ودبروا الأمر لإفساد الجماعة الإسلامية، مما حمل فريقا من العلماء على رد أباطيلهم والذود عن حمى
(1/363)

الإسلام. عن طريق ما اقتبسوه من الفلسفة مما لم يكن مألوفا في الاستدلال عند السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وهؤلاء هم المعتزلة الذين تورطوا بعد ذلك في إثارة مسائل فلسفية، خالفوا فيها طريقة السلف الصالح في الاستدلال للعقائد، وطريقة المحدثين والفقهاء، الذين يأخذون العقيدة من الكتاب والسنة، ولا يستعملون فيها الأقسية العقلية.
وكره الشافعي تعاليم المعتزلة وأساليهم، واستنكر الاشتغال بطريقتهم، ولكنه استفاد قوة في طرائق الجدل الفقهي لإثبات الحجة، وإلزام الخصم.
وقد دون جانب كبير من الفقه في عصر الشافعي، وكثرت المناظرات الفقهية بين العلماء في مسائل الخلاف، فأثر هذا عليه، وانتفع به في وضع أصول الفقه، وخرج من ذلك بالمبادئ الأصولية التي توارثتها الأجيال من بعده، كما خرج بالثروة العلمية العظيمة التي قدمها للناس في فقهه.
(1/364)

آراؤه وفقهه:
تعرض الشيخ أبو زهرة إلى بيان آراء الشافعي في الفقه وأصوله، وما يتصل بذلك من العلوم الآخرى.
(1/364)

رأيه في علمي الكلام والإمامة
...
رأيه في علمي الكلام والإمام:
كان من الطبيعي أن يكره الشافعي الفقيه المحدث طريقة علم الكلام، الذي أقام دعائمه المعتزلة على طريقة تخالف طريقة السلف الصالح في فهم العقائد من الدين الكريم، وهو الذي يؤثر الاتباع على الابتداع؛ لا سيما وأن المعتزلة أثاروا مسائل فلسفية شائكة.
لذا أثر عن الشافعي النهي عن الاشتغال بعلم الكلام؛ فقد كان يقول: "حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل منكسين، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام".
(1/364)

ولا يعني هذا أن الشافعي لم يطرق أبواب علم الكلام؛ فإنه تكلم في التوحيد على مذهب السلف، فكان يقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} 1.
وكان يعتقد رؤية الله يوم القيامة، ويستدل عليها من القرآن بقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} 2، ويقول: لما حجب عن الكفار في السخط دل على أنه لا يحجب عن الأولياء في الرضا، وكان يقول: "الإيمان تصديق وعمل، فهو يزيد وينقص بزيادة العمل ونقصه".
ويعتقد الشافعي أن الإمامة لا بد منها، ويعمل تحت ظلها المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويقاتل بها العدو، وتؤمن بها السبل، ويؤخذ بها للضعيف من القوى، حتى يستريح بر، ويسرتاح من فاجر". كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ويرى أن الإمامة في قريش، وأن مدارها على اجتماع الناس على الإمام؛ سواء أكان الاجتماع سابقا على إقامتة خليفة، كما في حال الانتخاب والبيعة، أم لاحقا لتصيبه خليفة كحال المتغلب.
وكان يرتب الراشدين من السابقين على أزمانهم فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.
ومع هذا كان يحب آل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يبالي أن يرمي بأنه رافضي إذا اتهم بانضمامه للعلويين الذين خرجوا على أمر الرشيد.
__________
1 النساء: 164.
2 المطففين: 15.
(1/365)

فقه الشافعي:
كان الشافعي يعد من أصحاب مالك، يدافع عن آرائه، ويناهض أهل الرأي
دفاعا عن فقه أهل المدينة، إلى أن أقام ببغداد في رحلته الأولى إليها سنة 184هـ بعد وفاة أبي يوسف بسنتين، ودرس على محمد بن الحسن كتبه، وجادل أهل الرأي وناظرهم، فخرج من ذلك بمزيج من فقه أهل العراق وأهل المدينة، واتجه اتجاها فقهيا جديدا متميزا، في ثلاثة أدوار من حياته:
1- أقام بمكة بعد مغادرته بغداد في رحلته الأولى إليها، وهي أخصب مدة في حياته العلمية، واتخذ له حلقة في المسجد الحرام، واتجه تفكيره إلى البحث في الكليات، يدارس تلاميذه طرائق الاستنباط ووسائله، ويوازن بين المصادر الفقهية ويتعرض للفروع بمقدار ما يوضح نظرياته.
ومن الراجح أن الرسالة التي كتبها إلى عبد الرحمن بن مهدي كانت ثمرة هذا الدور؛ حيث كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن، ويجمع فيه فنون الأخبار، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة.
2- وقدم الشافعي بغداد سنة 195هـ ونشر أصوله في حلقات درسه. وتذكر بعض الروايات أنه قدم بغداد مرة ثالثة سنة 198هـ.
قال أبو ثور: لما قدم علينا الشافعي، دخلنا عليه، فكان يقول: إن الله تعالى قد يذكر العام ويريد به الخاص، ويذكر الخاص ويريد به العام، وكنا لا نعرف هذه الأشياء؛ فسألنا عنها فقال: إن الله تعالى يقول: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُم} 1 والمراد أبو سفيان، وقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} 2 فهذا خاص، والمراد عام، وهذا كلام في الأصول ما كانوا يعلمون به قبل الشافعي.
وأخذ الشافعي في هذه المرحلة يستعرض آراء الفقهاء، ويرجح على مقتضى هذه الأصول، ويختار من بينها ما هو أقرب لها، ويخرج عنها جميعا برأي جديد إن لم يجد واحدا منها ينطبق على أصوله.
__________
1 آل عمران: 173.
2 الطلاق: 1
(1/366)

3- وانتقل الشافعي إلى مصر سنة 199هـ. وقد تكامل نموه، ونضجت آراؤه، ورأي في مصر ما لم يكن قد رآه من قبل؛ فأخذ يدرس آراءه السابقة على ضوء تجاربه اللاحقة في البلد الذي نزل فيه، فأعاد كتابة رسالته في الأصول، وعدل فيها، كما عدل في آرائه في الفروع، وكان له بذلك: قديم قد رجع عنه، وجديد قد اهتدى إليه.
وفي كل دور من هذه الأدوار الثلاثة التي بيناها كان للشافعي تلاميذ تلقوا عنه ونقلوا فقهه؛ فمن أصحابه بمكة أبو بكر الحميدي، وأبو بكر محمد بن إدريس، وأبو الوليد موسى بن أبي الجارود، ومن أصحابه ببغداد أبو علي الحسن الصباح الزعفراني، وأبو علي الحسين بن علي الكرابيسي، وأبو ثور الكلبي، كما أخذ عنه الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، وإن لم يعرفا بالتبعية له في مذهبه.
ومن أصحابه بمصر: حرملة بن يحيى بن حرملة، وأبو يعقوب بن يحيى البويطي، وأبو إبراهيم اسماعيل بن يحيى المزني، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، والربيع بن سليمان بن داوود الجيزي "أبو محمد".
وعلى يد هؤلاء رويت كتب الشافعي.
(1/367)

"كتاب "الأم":
ومن أهم الكتب التي كتبها الشافعي أو أملاها كتاب "الأم" قال فيه الشيخ أبو زهرة: وقد أجمع العلماء على صدق ما جاء في "الأم" من آراء منسوبة للشافعي؛ فهذه الحجة الأولى في مذهبه. والنقل الأول الصحيح لآرائه في الجديد.
وكتاب "الأم" يقع في ثمانية أجزاء، وقد نشرته مكتبة الكليات الأزهرية في أربع مجلدات، وأشرف على طبعه محمد زهري النجار من علماء الأزهر.
(1/367)

ألف الشافعي كتاب "الأم" بعد أن استقر به المقام في مصر بالقاهرة، وهو مرتب حسب أبواب الفقه؛ فقد بدأ بعد البسملة بعنوان "الطهارة" وجاء في مطلعه "أخبرنا الربيع بن سليمان قال: أخبرنا الشافعي -رحمه الله- قال: قال الله عز وجل: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} 1 الآية، قال الشافعي: فكان بينا عند من خوطب بالآية أن غسلهم إنما كان بالماء، ثم أبان في هذه الآية أن الغسل بالماء2. وكان معقولا عند من خوطب بالآية أن الماء ما خلق الله تبارك وتعالى مما لا صنعة فيه للآدميين.
وذكر الماء عاما؛ فكان ماء السماء، وماء الأنهار، والآبار، والقلات3، والبحار، العذب من جميعه والأجاج سواء من أنه يطهر من توضأ، واغتسل منه، وظاهر القرآن يدل على أن كل ما طاهر، ماء بحر وغيره، وقد روى فيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث يوافق ظاهر القرآن في إسناده من لا أعرفه4. قال الشافعي: أخبرنا مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة -رجل من آل ابن الأزرق- أن المغيرة بن أبي بردة، وهو من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: "سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء؛ فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته".
ويتضح من هذا النص أن الشافعي يورد كلامه مستندا إلى الدليل من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم مع بيان فقهه في الدليل، وبيان درجة الحديث؛ فهو فقيه أصولي محدث.
__________
1 المائدة: 6.
2 إشارة إلى قوله تعالى بعد في الآية "فلم تجدوا ماء" "المائدة: 6".
3 جمع قلت، كسهم وسهام، وهو النقرة من الجبل تمسك بالماء.
4 يقصد الحديث الذي رواه بعد، ويحتمل أن يراد بمن لا يعرفه في إسناده: سعيد بن سلمة أو المغيرة أو كليهما.
(1/368)

على هذا النمط كان تأليف كتاب "الأم" ومطلع هذا النص يدل على أن الربيع بن سليمان هو الذي روى الأم" عن الشافعي.
ويتكرر مثل هذا في عامة النصوص المروية؛ حيث جمع الربيع بعض كتب الشافعي، وسماه بهذا الاسم، بعد أن سمع منه هذه الكنية، وما فاته سماعه نبيه، وما وجده بخط الشافعي ولم يسمعه بينه أيضا، وقد اختصر كتاب "الأم" إسماعيل بن يحيى المزني وطبع المختصر ملحقا بكتاب "الأم" في الطبعة الأنفة الذكر.
(1/369)

كتاب "الرسالة":
وكتاب "الرسالة" الذي أحرز فيه الشافعي قصب السبق في وضع علم أصول الفقه هو الكتاب الثاني للشافعي الذي يتضمن قواعد مذهبه؛ حتى قال فخر الدين الرازي فيه: "اعلم أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة أرسطو إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض".
وقال صاحب كشف الظنون، وأول من صنف فيه - أي في علم أصول الفقه الإمام الشافعي، ذكره الإسنوي في التمهيد، وحكى الإجماع فيه.
وقال فيها عبد الرحمن بن مهدي: "لما نظرت الرسالة للشافعي أذهلتني، لأنني رأيت كلام رجل عاقل، فصيح ناصح، فإني لأكثر الدعاء له".
وقد حقق "الرسالة" أحمد محمد شاكر عن أصل بخط الربيع بن سليمان كتبه في حياة الشافعي، ولم يدخله في كتاب "الأم".
ويروى الشيخ أحمد شاكر أن: كتاب "الرسالة" ألفه الشافعي مرتين، ولذلك يعده العلماء في فهرسه مؤلفاته كتابين: الرسالة القديمة، والرسالة الجديدة.
أما الرسالة القديمة فالراجح عند الشيخ شاكر أنه ألفها في مكة، إذا كتب إليه عبد الرحمن بن مهدي وهو شاب أن يضع له كتابا فيه معاني القرآن ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة،
(1/369)

فوضع له كتاب "الرسالة"، كما روى ذلك الخطيب بإسناده في تاريخ بغداد، وكان عبد الرحمن بن مهدي إذا ذاك في بغداد.
ولكن الفخر الرازي يقول في كتاب "مناقب الشافعي": "اعلم أن الشافعي رضي الله عنه، صنف كتاب الرسالة ببغداد، ولما رجع إلى مصر أعاد تصنبف كتاب الرسالة، وفي كل واحد منهما علم كثير".
قال الشيخ أحمد شاكر: أياما كان فقد ذهبت الرسالة القديمة، وليس في أيدي الناس الآن إلا الرسالة الجديدة، وهي هذا الكتاب.... والظاهر عندي أنه أعاد تأليف كتاب "الرسالة" بعد تأليفه أكثر كتبه التي في "الأم" لأنه يشير كثيرا في الرسالة إلى مواضع مما كتب هناك. والراجع أنه أملي كتاب "الرسالة على الربيع إملاء".
والشافعي لم يسم "الرسالة" بهذا الاسم؛ إنما يسميها "الكتاب"، أو يقول: "كتابي" أو "كتابنا".... ويظهر أنه سميت "الرسالة" في عصره بسبب إرساله إياها لعبد الرحمن بن مهدي. وقد غلبت عليها هذه التسمية. وكتاب "الرسالة" أول كتاب ألف في "أصول الفقه" بل هو أول كتاب ألف في "أصول الحديث".... وقال بدر الدين الزركشي في كتابه "البحر المحيط" في الأصول -وهو لا يزال مخطوطا حتى الآن: "الشافعي أول من صنف في أصول الفقه، صنف فيه كتاب الرسالة، وكتاب أحكام القرآن، واختلاف الحديث، وإبطال الاستحسان، وكتاب جماع العلم وكتاب القياس".
وقد عني أئمة العلماء السابقين بشرح هذا الكتاب كما ظهر لنا من تراجم بعضهم، ومن كتاب "كشف الظنون".
1- أبو بكر الصيرفي محمد بن عبد الله، كان يقال: إنه أعلم خلق الله بالأصول بعد الشافعي، مات سنة 330هـ، ذكر شرحه في كشف الظنون، وطبقات الشافعية، والزركشي في خطبة البحر.
(1/370)

2- أبو الوليد النيسابوري الإمام الكبير حسان بن محمد أحمد بن هارون القرشي الأموي شيخ الحاكم، مات سنة 349هـ وذكره الزركشي وكشف الظنون.
3- القفال الكبير الشاشي محمد بن علي بن إسماعيل، مات سنة 365هـ، ذكره الزركشي، وكشف الظنون، والطبقات.
4- أبو بكر الجوزقي النيسابوري، الإمام الحافظ محمد بن عبد الله الشيباني مات سنة 388هـ، ذكره كشف الظنون.
5- أبو محمد الجويني الإمام عبد الله بن يوسف والد إمام الحرمين، مات سنة 438هـ، ذكره الزركشي، وكشف الظنون.
(1/371)

أصول مذهبه:
أوجز الشافعي أدلة الأحكام لديه في كتاب "الأم" فقال: "العلم طبقات شتى، الأولى، الكتاب، والسنة - إذا ثبتت، ثم الثانية: الإجماع فيها ليس فيه كتاب ولا سنة والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قولا، ولا نعلم له مخالفا منهم، والرابعة: اختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، والخامسة: القياس على بعض الطبقات.
ولا يصار إلى شيء غير الكتاب والسنة، وهما موجودان؛ وإنما يؤخذ العلم من أعلى".
1- الكتاب والسنة:
فالشافعي يعتبر الكتاب والسنة المصدر الوحيد لهذه الشريعة، ويقرن السنة بالكتاب، كأنهما في مرتبة واحدة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، أي إن الكتاب والسنة كلاهما عن الله، وإن
(1/371)

تفرقت طرقهما وأسبابهما، ولأن السنة علم الأخذ بها من كتاب الله؛ فهي به ملحقة، حيث فرض الله طاعة رسوله على خلقه، وأن ينتهوا إلى حكمه، فمن قبل عن رسول الله فعن الله قبل لما افترض الله من طاعته. كما أن السنة تعاون الكتاب في تبيين ما اشتمل عليه من أحكام.
والقرآن الكريم- كما أوضح الشافعي في الرسالة هو المصدر العام لهذا الدين. و"ليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها".
وألفاظ العموم في القرآن تنقسم عنده إلى أقسام ثلاثة:
أ- ما هو عام يراد به العموم الذي لا خصوص فيه مثل قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} 1.
ب- ما هو عام ظاهر يراد به العام، ويدخله الخصوص، مثل قوله تعالى: {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} 2؛ ففي القرية الظالم أهلها خصوص، لأن كل أهل القرية لم يكن ظالما، قد كان فيهم المسلم، ولكنهم كانوا فيها مكثورين، وكانوا فيها أقل.
جـ- ما هو عام الظاهر إلا أنه يراد به كله الخصوص مثل قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} 3، فإذا كان من مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا غير من جمع لهم من الناس، وكان المخبرون لهم ناسا غير من جمع
__________
1 هود:6.
2 النساء: 75.
3 آل عمران: 173.
(1/372)

لهم وغير من معه ممن جمع عليه، وكان الجامعون لهم ناسا فالدلالة بينة مما وصفت من أنهم إنما جمع لهم بعض الناس دون بعض، والعلم يحيط أنه لم يجمع لهم الناس كلهم، ولم يخبرهم ولم يكونوا هم الناس كلهم. ولكنه لما كان اسم "الناس" يقع على ثلاثة نفر، وعلى جميع الناس، وعلى من بين جميعهم وثلاثة منهم، كان صحيحا في لسان العرب أن يقال: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاس} وإنما الذين قالوا لهم ذلك أربعة نفر {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُم} يعنون المنصرفين عن أحد؛ وإنما هم جماعة غير كثير من الناس، الجامعون منهم غير المجموع لهم، والمخبرون للمجموع لهم غير الطائفتين، والأكثر من الناس في بلدانهم غير الجامعين ولا المجموع لهم ولا المخبرين"1.
ويخصص القرآن بالقرآن، ويخصص بالسنة، لأن الله أوجب اتباع نبيه وطاعته في كتابه؛ فكل اتباع للنبي صلى الله عليه وسلم والانتهاء إلى حكمه. "فمن قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبفرض الله قبل".
وتصدى الشافعي للرد على طوائف ثلاث أنكرت حجية السنة، الطائفة الأولى: التي أنكرت حجية السنة كلها، والطائفة الثانية: التي أنكرت حجية ما زاد على القرآن منها، والطائفة الثالثة: التي أنكرت حجية أخبار الآحاد. ويستشهد على ذلك كله بالأدلة الصحيحة، في منطق مقنع، واضح، ومناظرة جدلية تتسم بالأصالة، وقوة البرهان، ونصاعة البيان.
__________
1 احتفظنا بنص الشافعي. وهو يعني بأن لفظ الناس في اللغة يطلق على ثلاثة -وهو أقل الجمع- فأكثر، وعلى عموم الناس جميعا. ولكن استعمل في الآية التي استشهد بها تارة لأربعة، وتارة لأكثر من ذلك، مع أنه في عمومه يطلق على المخاطبين وغير المخاطبين، ويمكن الرجوع في هذا إلى كتابنا "مباحث في علوم القرآن" مبحث: "العام والخاص" لمن أراد المزيد.
(1/373)

2- الإجماع:
ويجعل الشافعي حجية الإجماع بعد الكتاب والسنة، وقبل القياس. والإجماع عنده أن يجتمع علماء العصر على أمر فيكون إجماعهم حجة، ويعتبر إجماع الصحابة من الدرجة الأولى لأنه يكون دليلا على أنهم سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اجتمعوا عليه، وإن كان ذلك عن اجتهاد منهم. ولا يكون الإجماع في نظر الشافعي إلا من علماء المسلمين في كل الأمصار، ولذا رد قول شيخه مالك في اعتباره إجماع أهل المدينة.
يقول الشافعي في الرسالة: "لست أقول -ولا أحد من أهل العلم- هذا مجتمع عليه إلا لما لا تلقي عالما أبدا إلا قاله لك وحكاه عمن قبله، كالظهر أربع، وكتحريم الخمر، وما أشبه ذلك".
ويستدل على حجية الإجماع بقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} 1 وبما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره بلزوم الجماعة يقول: "إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة ليس له إلا معنى واحدا، لأنه إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان؛ فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدا من قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى لأنه لا يمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئا، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى، إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما، ومن قال بما تقول به جماعة فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة فلا يكون فيها غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس إن شاء الله".
__________
1 النساء: 115.
(1/374)

ومع إحلال الشافعي لشيخه الإمام مالك؛ فإنه رد عليه في إجماع أهل المدينة، وأنكر أن يكون ما قاله فيه مالك اجتمع عليه أهل المدينة مصدرا تشريعيا ملزما واجب الاتباع. بل ينكر أن يكون ما قال فيه مالك ذلك قد حدث فيه اتفاق من أهل المدينة كلهم عليه" وأجد من المدينة من أهل العلم كثيرا يقولون بخلافه، وأجد عامة أهل البلدان على خلاف ما يقول "المجتمع عليه" ويقول: إنه لا ينبغي أن تقولوا: اجتمع الناس إلا لما حدث فيه اتفاق بين العلماء جميعا، أو لم يعرف فيه خلاف على الأقل ... لا تدعوا الإجماع أبدا إلا فيما لا يوجد بالمدينة فيه اختلاف، وهو لا يوجد بالمدينة إلا وجد بجميع البلدان عند أهل العلم متفقين فيه، لم يخالف أهل البلدان أهل المدينة إلا ما اختلف فيه أهل المدينة بينهم".
3- قول الصحابي:
ويرى الشافعي أن قول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف يكون خيرا لنا من رأينا لأنفسنا وإذا اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة فإنه يأخذ من قول بعضهم ما يراه أقرب إلى الكتاب والسنة، ولا يتجاوز أقوالهم إلى غيرها.
والشافعي يرى أن الصحابة لا يجمعون كلهم إلا على ما هو قطعي الدلالة مما علموه كلهم من الدين بالضرورة، ومما لا يسع مسلما أن يخالفه.
ويقول عند اختلاف أقوال الصحابة: "نصير منها إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع أو كان أصح من القياس".
4- القياس:
وتأتي مرتبة القياس بعد ذلك عند الشافعي على خلاف ما ذهب إليه.
(1/375)

أبو حنيفة من تقديم القياس، حتى على خبر الآحاد، ويمنع الاجتهاد بالرأي إذا لم يكن نص من كتاب أو سنة يقيس عليه؛ فالقول بغير خبر ولا قياس على الخبر غير معتبر، وهذا معنى قوله: "إذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد لا يكون إلا على طلب شيء، وطلب الشيء لا يكون إلا بدلائل والدلائل، هي: القياس".
وانتقد الشافعي القول بالاستحسان الذي يراه الأحناف وأبطله، ويقول في كتاب "إبطال الاستحسان" ما نصه: "كل ما وضعت مع أنا ذاكر من حكم الله ثم حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حكم جماعة المسلمين دليل على أنه لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكما أو مفتيا أن يحكم، ولا أن يفتي إلا من جهة خير لازم وذلك: الكتاب ثم السنة، أو ما قاله أهل العلم لا يختلفون فيه، أو قياس على بعض هذا، ولا يفتي بالاستحسان إذا لم يكن الاستحسان واجبا، ولا في واحدة من هذه المعاني".
وبين أن الاستحسان لا ضباط له، ولا مقاييس يقاس بها الحق من الباطل؛ فلو جاز لكل مفت أو حاكم أو مجتهد أن يستحسن فيما لا نص فيه، لكان الأمر فرطا، ولاختلفت الأحكام في النازلة الواحدة على حسب استحسان كل مفت.
(1/376)

انتشار مذهبه:
ذكر ابن خلدون في المقدمة ابتداء مذهب الشافعي وانتشاره فقال:
"أما الشافعي فمقلدوه بمصر أكثر من سواها، وقد انتشر مذهبه بالعراق، وخراسان، وما وراء النهر، وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الأمصار، وعظمت مجالس المناظرات بينهم، وشحنت كتب الخلافيات بأنواع استدلالاتهم، ثم درس كله بدروس المشرق وأقطاره، وكان الإمام محمد بن إدريس الشافعي لما نزل على ابن عبد الحكم بمصر، أخذ عنه جماعة من بني
(1/376)

عبد الحكم، وأشهب، وابن القاسم، وأبو المواز، وغيرهم، ثم الحارث بن مسكين وبنوه، ثم انقرض فقه أهل السنة من مصر بظهور دولة الرافضة، وتداول فيها فقه أهل البيت وتلاشى من سواهم إلى أن ذهبت دولة العبيديين من الرافضة على يدي صلاح الدين يوسف بن أيوب، ورجع إليهم فقه الشافعي وأصحابه من أهل العراق والشام، فعاد إلى أحسن ما كان ونفق سوقه، واشتهر منهم محيي الدين النووي من الحلبة التي ربيت في ظل الدولة الأيوبية بالشام، وعز الدين بن عبد السلام أيضا، ثم ابن الرفعة بمصر، وتقي الدين بن دقيق العيد، ثم تقي الدين السبكي بعدهما، إلى أن انتهى ذلك إلى شيخ الإسلام بمصر لهذا العهد، وهو سراج الدين البلقيني؛ فهو اليوم أكبر الشافعية بمصر، وكبير العلماء بها، بل أكبر العلماء من أهل العصر".
ومن هذا النص يتضح أن مذهب الشافعي انتشر في العراق، وبلاد فارس، وما وراء النهر، وانتشر في الشام، ولكن انتشاره كان أقوى في مصر.
ولم يكن لمذهب الشافعي حظ في بلاد المغرب والأندلس، حيث كانت الغلبة هناك للمذهب المالكي.
(1/377)

الإمام أحمد:
عصره:
كانت حياة أحمد في عصر استقرت فيه الأمور للدولة العباسية، بعد أن قلمت أظافر خصومها من:الخوارج، والعلويين على السواء. إلا أن بوادر التنافس بين العباسيين أنفسهم، قد بدأت تطل في فتنة الأمين والمأمون، التي انتهت بغلبة المأمون معتمدا على جيش فارس، ومنذ ذلك الحين أخذ الضعف يتسرب إلى الدولة باعتماد الخلفاء في سلطانهم على الأعاجم، فإذا كان المأمون قد اعتمد على الفرس، قد اعتمد المعتصم على الترك من بعده، الذين أخذ نفوذهم يقوي حتى استبدوا بالأمر، واعتدوا على الخلفاء، وهتكوا حماهم، ثم انقسمت الدولة بعد ذلك انقساما شديدا.
وقد أدرك أحمد جانبا من هذا كله، فلم يحرض على فتنة، ولم ينتقد خليفة، وانصرف إلى حياته العلمية، ولكن حكم المأمون قد قارنه نفوذ علمي للمعتزلة؛ فلم يلتزم أحمد الصمت أمام بدعهم، وهو يرى انحرافهم في العقائد عن منهج السلف الصالح، بل حذر منهم، ونهى الناس عن مجالستهم.
وفي الوقت الذي ظهر يه الزنادقة الذين يريدون نقض الحكم الإسلامين وإحياء الحكم الفارسي، وكان المعتزلة في مقدمة من تصدي لهم، وسلكوا في جدالهم مسلك الفلاسفة في تفكيرهم، في هذا الوقت كان المحدثون والفقهاء يحتذون حذو الصحابة والتابعين في الاستدلال على العقائد، والوقوف عند فهم نصوص الكتاب والسنة، ولكن المأمون ومن وليه من الحكام أرادوا حمل العلماء على بعض آراء المعتزلة، مما أدى إلى وقوعهم في خصومة مع الفقهاء المحدثين.
وقد نضج الفقه في عصر أحمد، واستقامت طرائقه، والتقت فيه ثمرات جهود فقهاء الأمصار جميعا من: عراقيين، وشاميين، وحجازين، ووجد أحمد ثروة فقهية
(1/378)

عظيمة خلفها السابقون من المجتهدين، فيما دون من كتب في مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، واتصل بنفسه بالشافعي، فاستثمر هذا الفقه فيما لديه من علوم السنة، وتميز بمنهجه الفقهي الذي يغلب عليه طابع السنة فإن دراسة السنة في عهده قد نضجت كذلك، وعنى العلماء بها دراية ورواية، واهتم أحمد بتحصيلها، وأكب على دراستها؛ فكان إماما في الحديث والفقه، وفي مسنده خير شاهد على إمامته في الحديث.
وفي عصر أحمد اشتد الاحتكاك الفكري وكثر الجدل بين الفقهاء من جانب، وبينهم وبين علماء الكلام من المعتزلة والجهمية والمرجئة من جانب آخر، وكذلك بين قول أهل الكلام أنفسهم ولم يكن أحمد بعيدا عن هذا، فاتجه إلى تحصيل السنة، والتعرف على فتاوى الصحابة، وكبار التابعين، ونفر من الجدل والمجادلين، وإن كان موقفه من القول بخلق القرآن يشهد بعظم فضله.
(1/379)

حياة أحمد "164- 241هـ":
ولد أحمد رضي الله عنه في شهر ربيع الأول سنة 164هـ، وكانت وفاته في نفس الشهر سنة 241 إحدى وأربعين ومائتين، وهو عربي الأصل، شيباني في نسبه لأبيه وأمه، وشيبان قبيلة من ربيعة، عدنانية، اشتهرت بالإباء، والهمة، والصبر كانت منازلها بالبصرة وباديتها.
وأبوه محمد بن حنبل، وجده حنبل بن هلال، وقد نشأت أسرته بالبصرة إلا أن جده قد انتقل إلى خراسان، وكان واليا على "سرخس" في العهد الأموي، ثم انضم إلى صفوف الدعوة العباسية، وأوذي في ذلك، وانتقلت الأسرة بعد هذا إلى بغداد حيث كانت ولادة أحمد.
مات أبوه على الأرجح وهو طفل، فقامت أمه على تربيته مستعينة في نفقتها بما تركه أبوه من عقار ببغداد، فساعد ذلك النسب الرفيع وهذا اليتم في نشأته.
(1/379)

على سمو نفسه، وذكائه، وعلو همته، ونمو مواهبه، وتعرفه على أحوال مجتمعه.
وكانت بغداد التي نشأ فيها أحمد حاضرة العالم الإسلامي، ومهدا للعلوم المختلفة الشرعية، واللغوية، والعقلية، تموج بأنواع المعارف والفنون، وتزخر بالمشارب المختلفة، والأفكار المتباينة، وقد اختارت أسرة أحمد له منذ صباه، أن يتجه لخدمة الدين، فحفظ القرآن وتزود من علوم العربية، وظهرت ألمعيته وعرف بين أقرانه ورفاقه بالتقوى والاستقامة، وحسن الخلق، ولما شب عن الطوق وجد أمامه في بغداد منهجين لطلب الشريعة، أحدهما: منهج الفقه، والآخر: منهج الحديث، فراد طريق الفقهاء باديء ذي بدء على مذهب أهل الرأي، وأخذ عن القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ثم مال من بعد إلى طريق المحدثين، وانصرف إلى الحديث، وإن لم ينقطع انقطاعا كاملا عن الفقه.
قال الخلال في تاريخ الحافظ الذهبي: كان أحمد قد كتب كتب الرأي وحفظها، ثم لم يلتفت إليها.
وقد أخذ الحديث عن علماء في الأمصار كلها في العراق، والشام، والحجاز، ومسنده على أنه جمع الحديث جمعا متناسبا من هذه الأمصار، وبدأ من ذلك بالأخذ عن شيوخ الحديث في بغداد، ثم رحل إلى البصرة، والكوفة، والحجاز، واليمن، منذ سنة 186هـ وهكذا يبدأ الناشئ علمه بالتلقي عن أهل بلده، فلازم في بغداد إماما من أئمة الحديث، هو: هشيم بن بشير "أبي حازم الواسطي" المتوفى سنة 183هـ، روى عنه ابنه صالح، كما في "المناقب" لابن الجوزي فقال: كتبت عن هشيم سنة تسع وسبعين، ولزمناه إلى سنة ثمانين، وإحدى وثمانين، واثنتين وثمانين، ومات في سنة ثلاث وثمانين، كتبنا عنه كتاب الحج: نحوا من ألف حديث، وبعض التفسير، وكتاب القضاء وكتبا صغارا، وسأله ابنه صالح بعد ذلك القول: يكون ثلاثة آلاف؟ قال: أكثر.
وبعد موت هشيم، تلقى أحمد الحديث من سائر شيوخ بغداد، حتى بلغ العشرين عاما، ثم بدأ في رحلاته المتوالية لتلقي الحديث من رجاله شفاها، فرحل
(1/380)

إلى البصرة خمس مرات، وإلى الحجاز مثلها، إلتقى مثلها، التقى في الأولى منها بالشافعي وأخذ عنه سنة 187هـ، ثم التقى به بعد ذلك في بغداد حين نضج ووعى فقهه وأصوله.
ورغب مع صاحبه يحيى بن معين في الحج سنة 198هـ، والذهاب إلى عبد الرزاق بن همام بصنعاء في اليمن، فوجداه في مكة، ولكن أحمد لم يكتف بهذا اللقاء وسافر إلى صنعاء مع بعد الشقة وانقطاع النفقة، وأخذ عن عبد الرزاق هناك.
وعني أحمد بتدوين ما يسمع من أحاديث وآثار، ولم يكتف بالحفظ، وكان يحمل في رحلاته حقائب كتبه على ظهره، وإلا يحدث إلا من كتاب خشية أن ينسى، تورعا منه وتقوى، مع أنه كان جيد الحفظ قوى الذاكرة.
وقد ذكر الحافظ الذهبي من شيوخه سوى من ذكرنا: سفيان بن عيينة، ويحيى القطان، والوليد بن مسلم، والقاضي أبا يوسف، وعبد الرحمن بن مهدي.
(1/381)

جلوسه للتحديث والفتوى:
ولما اكتمل نضج أحمد، واستوثق من علمه بعد رحلاته العلمية الطوال الشاقة جلس للتحديث والفتيا.
وقد قال ابن الجوزي: إن أحمد لم ينصب نفسه للحديث والفتوى إلا بعد أن بلغ الأربعين، ويحكى في ذلك أن بعض معاصريه جاء يطلب إليه الحديث سنة 203هـ "ثلاث ومائتين" فأبى أن يحدثه، فذهب إلى عبد الرزاق بن همام باليمن، ثم عاد إلى بغداد سنة 204هـ "أربع ومائتين" فرأي أحمد قد حدث واستوى الناس عليه، ولعله راعى في ذلك أن هذه السن هي سن النضج والبلاغ، وقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم في الأربعين، ثم قام بتبليغ الرسالة، وربما كان هذا هو وقت جلوسه للدرس والإفتاء بعد أن اجتمع الناس
(1/381)

عليه، وكان من قبل يفتي للضرورة دون أن يتخذ لنفسه مجلسا يقصده طلاب العلم للأخذ عنه، فلما ذاع ذكره في الآفاق الإسلامية، وقصده الناس للسؤال عن الحديث والفقه، جلس للدرس والإفتاء في المسجد الجامع ببغداد، وكثر الازدحام عليه حتى ذكر بعض الرواة أن عدة من كانوا يستمعون إلى درسه نحو خمسة آلاف مما يدل على مدى ما وصلت إليه مكانته.
والذي جاء في "تاريخ الذهبي" و"المناقب" لابن الجوزي، يدل على أن مجلسه تميز بالوقار والسكينة، وأنه كان يسأل عن الأحاديث المروية في الموضوع، فيتحرى النقل من كتبه غالبا دون أن يعتمد على الحفظ وحده، وأنه كان يرى أن علم الدين هو علم الكتاب والسنة، فلا يسمح بتدوين فتاواه الفقهية، ويعتبر تدوين آراء الناس في الدين من البدع.
(1/382)

محنته:
دعا المأمون الفقهاء والمحدثين إلى القول بخلق القرآن كما يقول أصحابه من المعتزلة، وأراد أن يحمل أحمد على أن يقول مقالته في خلق القرآن، فأبي أن يواقه، وكان ذلك سببا في إيذائه في عصر المأمون، وتوالى هذا الإيذاء بوصية منه في عصر المعتصم والواثق.
والذي يروى أن أول من قال إن القرآن مخلوق هو "الجعد بن درهم" في العصر الأموي، فقتله "خالد بن عبد الله القسري" يوم الأضحى بالكوفة،، وقد أتى به مشدودا في الوثائق عند صلاة العيد، فصلى خالد وخطب، ثم قال في آخر خطبته: "اذهبوا وضحوا بضحاياكم تقبل، فإني أريد أن أضحى بالجعد بن درهم، فإنه يقول: ما كلم الله موسى تكليما، ولا اتخذ الله إبراهيم خليلا، تعالى الله عما يقول علوا كبيرا"، ثم نزل وقتله.
وقال مثل ذلك القول: "الجهم بن صفوان" ولما جاء المعتزلة ونفوا صفات
(1/382)

المعاني، أنكروا أن يكون الله سبحانه وتعالى متكلما، وقالوا: إن الله يخلق الكلام كما يخلق كل شيء، فكانت دعواهم أن القرآن مخلوق لله، واشتد خوض المعتزلة في ذلك، حتى جاء المأمون واتخذ حاشية منهم، وقربهم حيث كان تلميذا لأبي الهذيل من رؤوس المعتزلة.
وقد طلب المأمون من نائبه في بغداد "إسحاق بن إبراهيم" استدعاء الفقهاء والمحدثين ليحملهم على أن يقولوا إن القرآن مخلوق، فأحضرهم ومنهم أحمد بن حنبل، وأنذرهم بالعقوبة الشديدة ولكن الله ربط على قلوب قلة منهم، آثروا الباقية على الفانية، فأصروا على موقفهم وإبائهم، وفي مقدمتهم أحمد بن حنبل، الذي ظل صابرا حتى النهاية، يكبل بالحديد ويحبس ويؤذى حتى مات المأمون ولكن موته لم ينه المحنة بل ابتدأت في دور أقسى وأشد لأنه أوصى أخاه المعتصم بهذه المقالة من بعده، فسيق أحمد مصفدا إليه، بعد أن ولى الخلافة، وضرب بالسياط المرة بعد المرة، إلى أن يغمى عليه، واستمر حبسه نحوا من ثمانية وعشرين شهرا، ثم أطلق سراحه، وعاد إلى بيته وقد أثخنته الجراح، ولما استجم مما ألم به واصل درسه بالمسجد حتى مات المعتصم، وجاء الواثق، فأشار عليه "أحمد ابن أبي دؤاد" زعيم القول بخلق القرآن حينئذ الذي كان يسمى أمثال أحمد حشو الأمة، بألا يضرب أحمد كما فعل المعتصم، لأن هذا زاده منزلة عند الناس، وأن يكتفي بمنعه من الاجتماع والخروج للدرس، فانقطع أحمد عند الدراسة مدة تزيد عن خمس سنوات إلى أن مات الواثق سنة 232هـ "اثنتين وثلاثين ومائتين"، ثم عاد إلى الدرس مكرما عزيزا.
وكان أحمد يرفض عطاء الخلفاء، عرض عليه المتوكل مالا كثيرا بعد انتهاء محنته، وألح في العرض فأصر أحمد على الامتناع، وأن أكره على أخذ شيء فإنه كان يوزعه على الفقراء والمحتاجين، ورضي أحمد طوال حياته بعيشة الكفاف زاهدا تقيا.
(1/383)

المسند:
خلف أحمد وراءه للأمة الإسلامية كتابه "المسند" الذي جمع فيه ما رواه من أحاديث دونها بأسانيدها، وبدأ في تلقيها وهو في السادسة عشرة من عمره، سنة 180هـ؛ غير أنه كان يكره كتابة غير السنة.
روي أن عبد الله قال: قلت لأبي: لم كرهت وضع الكتب؟ وقد عملت المسند؟ فقال له: عملت هذا الكتاب إماما إذا اختلف الناس في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا إليه.
وقد استمر أحمد في جمع مسنده هذا عن الثقات الذين رحل إليهم مدى حياته، وكان في أوراق متفرقة، فلما أحس بدنو الأجل جمع بنيه وخاصته وأملى عليهم ما كتب مجموعا وإن لم يكن مرتبا.
والمسند المتداول اليوم هو رواية عبد الله بن أحمد، الذي ورث عن والده حب الحديث، وحسن العناية به، وقرر العلماء أنه كان أروى الناس عن أبيه.
وروى عنه مسند أبيه الثقات الأثبات من بعده حتى حفظته الأجيال.
وعبد الله هو الذي رتب المسند بالوضع الذي نراه الآن، فروى مسند كل صحابي على حده.
ولا شك أن أحمد كان يتحرى الأخذ عن الثقات، ولكن العلماء اختلفوا في مدى قوة أحاديث المسند، وإن اتفقوا على أن فيه: الصحيح، والحسن، والغريب.
وقد قال ابن تيمية: ليس كل ما رواه أحمد في المسند وغيره، يكون حجة عنده؛ بل يروي ما رواه أهل العلم، وشرطه في المسند ألا يروي عن المعروف بالكذب عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف، ثم بين أن الضعيف أو الموضوع، إنما هو من زيادات ابنه عبد الله.
(1/384)

وخالف العراقي ابن تيمية، وذهب إلى أن في المسند أحاديث ضعيفة كثيرة، وأحاديث موضوعة قليلة.
وقد رد ابن حجر على شيخه في كتابه "القول المسدد في الذب عن مسند أحمد".
والذي عليه المحققون من العلماء: أن مسند أحمد ليس فيه الموضوع، وإن كان فيه الضعيف، وفرق بين الضعيف والموضوع، فالضعيف لم تتوفر فيه شروط الرواية الصحيحة، أما الموضوع فهو الذي قام الدليل على الكذب فيه.
وقد قام الشيخ أحمد شاكر بتخريج أحاديث المسند، وضبط فهارسه، فجعل فيه فهارس للأعلام، وفهارس للصحابة مرتبة على حروف المعجم.
وقال الشيخ أحمد البنا والد الداعية الشهيد حسن البنا بترتيب المسند وفق الأبواب الفقهية، فيسر مهمة البحث فيه، والتوصل إلى المطلوب منه، ونشره بعنوان: "الفتح الرباني على مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني" مع شرح مختصر.
(1/385)

أصول مذهبه:
أخص ما تميز به مذهب أحمد أنه يقوم على فقه السنة، ولذا فإنه يعد من كبار المحدثين، وفقد ذكر ابن القيم في "إعلام الموقعين" أن فتاوى أحمد بن حنبل مبنية على خمس أصول، نتناولها فيما يلي:
1- النصوص:
كان أحمد إذا وجد النص أفتى بموجبه، ولا يلتفت إلى ما خالفه كائنا من كان، ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا.
وهذا يفسر لنا عنايته بجمع النصوص حتى اجتمع له منها ما لم يجتمع لغيره.
وتدل مناظرته في مسألة القول بخلق القرآن، وفي الرد على الزنادقة، والجهمية دلالة واضحة على ذلك، فقد كان يطالبهم بالنصوص، ويقول ائتوني
(1/385)

بكتبا أو سنة حتى نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة.
والنصوص عند أحمد وافية بأكثر أحكام أفعال العباد، يستوي في ذلك نصوص القرآن ونصوص السنة، فقدجاءت نصوص القرآن بالقواعد العامة التي تتناول كثيرا من الفروع والمسائل، وأوتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، فكان يتكلم بالكلمة الجامعة التي تتضمن المعاني الكثيرة وتشمل ما يحصى من المسائل، فإذا فهمت معاني النصوص في الكتاب والسنة، تبين أنها شاملة لعامة أفعال العباد.
ونصوص الكتاب والسنة في مرتبة واحدة عند أحمد، فإن حجية السنة ثابتة بالكتاب كما أن السنة بيان للكتاب، وهذا وذاك يجعل نصوص السنة الصحيحه، بمنزلة نصوص القرآن في الاستدلال.
وحيث وجد النص عند أحمد فإنه لا يلتفت لمن خالفه، ولو كانت المخالفة من بعض الصحابة، ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في "المبتوتة" لحديث فاطمة بنت قيس التي طلقها زوجها البتة، فقد أفتى عمر بأن المبتوتة لها النفقة ولها السكنى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة: "ليس لك عليه نفقة ولا سكنى" ولم يلتفت إلى قول عمر في منع المفرد والقارن من الفسخ إلى التمتع لصحة أحاديث الفسخ. حيث ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر من لم يسق الهدى بعد الطواف والسعي أن يتحلل وأن يجعلها عمرة. ولم يلتفت إلى قول ابن عباس، وإحدى الروايتين عن على: أن عدة المتوفي عنها الحامل أقصى الأجلين. لصحة حديث سبيعة الأسلمية التي وضعت حملها بعد وفاة زوجها بأيام فأفتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها قد حلت حين وضعت حملها. ولم يلتفت إلى قول معاذ ومعاوية في توريث المسلم من الكافر لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم".
ففضل الصحابة والتابعين عند أحمد لا يسوغ تقديم آرائهم على نصوص
(1/386)

رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو المعصوم، وكل يؤخذ من قوله ويرد، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عمل ليس عليه أمرنا فهو رد" 1، فكان الأخذ بالنص، وإهدار ما خالفه من أوضح قواعد الإمام أحمد وأصول مذهبه في فتاواه.
2- فتاوي الصحابة:
جعل ابن القيم الأصل الثاني من أصول الإمام أحمد ما أفتى به الصحابة. فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدها إلى غيرها.
والمعروف أن فتوى الصحابي من الأدلة المختلفة فيها عند الأصوليين والإمام أحمد يرى أن ما أفتى به الصحابي إذا لم يعلم له مخالف يكون حجة؛ ذلك لأنه يعتبر من باب الإجماع السكوتي، ولكن أحمد يتورع عن أن يسمى هذا إجماع، فيقول: لا أعلم شيئا يدفعه، أو يقول: لا أعلم فيه اختلافا أو نحو ذلك.
وقول الصحابي فيما لا مجال للاجتهاد فيه يكون بمنزلة الحديث المرفوع، أما إذا كان للرأي فيه مجال فلا يخلو من أمرين:
أ- أن يشيع وينتشر بين الصحابة ولا يظهر خلافه. فظاهر كلام أحمد أنه دليل مقطوع به، يجب اتباعه، وتحرم مخالفته، ولم يسمه إجماعا، بل أثر عنه قوله: "من أدعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس قد اختلفوا". ولذا نسبوا إليه إنكار الإجماع، وحمل هذا الإنكار على أنه إنكار للإجماع العام النطقي، لا الإجماع السكوتي. أو إجماع ما بعد الصحابة، أو بعدهم. وبعد التابعين أو بعد القرون الثلاثة المشهود لها بالخير.
ب- أن لا يشيع ولا ينتشر بين سائر الصحابة، ولا يعرف له مخالف؛ فإن دل
__________
1 رواه أحمد ومسلم.
(1/387)

عليه بالقياس وجب العمل به، قال أبو البركات في "المسودة"1: إذا قال الصحابي قولا ولم ينقل عن صحابي خلافه، وهو ما يجري بمثله القياس والاجتهاد فهو حجة. نص عليه أحمد في مواضع وقدمه على القياس".
وهذا هو الذي أثر عن أحمد في كلامه، يقول: "ما أجبت في مسألة إلا بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا وجدت في ذلك السبيل إليه، أو عن الصحابة، أو عن التابعين، فإذا وجدت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم أعدل إلى غيره، فإذا لم أجد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين؛ فإذا لم أجد عن الخلفاء، فعن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكابر بالأكابر، فإذا لم أجد فعن التابعين، وعن تابعي التابعين، وما بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث بعمل له ثواب إلا عملت به، رجاء ذلك الثواب ولو مرة واحدة". ويقول: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم، وترك البدع".
وقال الشيخ أبو زهرة: "ولذلك كانت أقوال الصحابة وفتاواهم حجة عنده أي عند أحمد - تلى حجة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيحة، وتتقدم على المرسل من الأحاديث، والضعيف من الأخبار، وقد اتفق العلماء الذين نقلوا فقهه على ذلك، ولم يختلفوا فيه، فكلهم مجمع على أنه كان يأخذ بفتوى الصحابة، ولا يجتهد برأيه ما وجد في موضع الفتوى أثرا منقولا عن صحابي.
3 الاختيار من فتاوى الصحابة إذا اختلفوا:
قال ابن القيم: الأصل الثالث من أصول أي أصول أحمد -إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم؛ فإن لم يتبين له مواقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول.
__________
1 هو مجد الدين أبو البركات، عبد السلام بن عبد الله بن الخضر الحنبلي من آل تيمية، أحد الثلاثة الذين صنفوا المسودة في أصول الفقه، انظر "المسودة" بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني بالقاهرة، ص 336.
(1/388)

ويتضح من هذا أن المراد بالاختيار من أقوال الصحابة، أن يختار أقرب هذه الأقوال إلى الكتاب والسنة، وهذا يقتضي النظر فيها، والرجوع إلى النصوص حتى يختار أقربها إلى دلالة النص. قال أبو يعلى: إذا اختلف الصحابة في المسألة على قولين ولم ينكر بعضهم على بعض لم يجز لمنهو من أهل الاجتهاد أن يأخذ بقول بعضهم من غير دلالة على صحة قول الصحابي.
وفي أصول مذهب الإمام للدكتور عبد الله التركي رواية أخرى بهذا المعنى: "إذا اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز للرجل أن يأخذ بقول بعضهم على غير اختيار، ينظر أقرب القول إلى الكتاب والسنة"1.
ويدل كلام ابن القيم في موضع آخر على أن التراجع في الاختيار من أقوال الصحابة لا يقف عند أقربها من الكتاب والسنة؛ بل قد يكون الترجيح يكون صاحب القول المختار أعلم من غيره كما إذا كان من الخلفاء الراشدين أو من المشهورين بالفتيا، كابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس.
فإذا لم يجد الإمام ما يرجح اختيار أحد أقوال الصحابة، حكى الأقوال المنقولة عنهم، ولم يقطع بقول منها:
4- الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف:
الأصل الرابع من أصول الإمام أحمد هو الأخذ بالحديث المرسل، والأخذ بالحديث الضعيف.
وإذا كان الحديث المرسل في اصطلاح المحدثين هو: ما سقط منه الصحابي، كان يقول التابعي: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... " بخلاف المنقطع والمعضل؛ فإن المرسل في اصطلاح الأصوليين هو: قول العدل الثقة: "قال
__________
1 ص 406 - ط جامعة عين شمس.
(1/389)

رسول الله صلى الله عليه وسلم ... " صحابيا كان أو غيره فيشمل المنقطع والمعضل.
ومراسيل الصحابة مقبولة عند جمهور العلماء أما مرسل غير الصحابي فقد اختلف العلماء في قبوله والاحتجاج به على أقوال: هل يقبل مطلقا؟ أو لا يقبل مطلقا؟ أو يقبل من أئمة النقل؟ أو يقبل من العصور الثلاثة دون غيرهم؟
ويرى أحمد قبول المراسيل مطلقا، يستوي في هذا مرسل الصحابي، ومرسل غير الصحابي، وهذه هي الرواية الراجحة عنه، ويقدم الحديث المرسل على القياس؛ ولكنه يقدم عليه قول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف.
يقول أبو زهرة وهو يعرض رأي أحمد في المرسل: "ولكننا ونحن نقرر هذا نجد من الحق أن نقول: إن أحمد رضي الله عنه اعتبر المرسل من قبيل الأخبار الضعيفة التي يكون الأصل ردها وعدم قبولها، ولذلك قدم عليه فتوى الصحابة. وهو لا يقدم هذه الفتوى على حديث صحيح فقط. فتقديمها عليه دليل على أنه يعتبره ضعيفا لا صحيحا، وهو بذلك ينحو نحو المحدثين الذين يقررون أن الحديث المرسل من قبيل الحديث الضعيف، لا من قبيل الحديث الصحيح؛ وإنما أفتى به في حالة الضرورة لأنه لا يريد أن يفتي في الدين بشيء من عنده وعنده أثر يستأنس به؛ فهو يأخذ به ما دام ليس له إمام من الصحابة يفتي بفتواه".
ويرى الإمام أحمد في المشهور عنه أنه يعمل بالحديث الضعيف فإنه يقبله ويقدمه على القياس ولكنه لا يجعله في مرتبة الصحيح، بل يشترط أن لا يوجد في الباب غيره، وتكون مرتبته عنده بعد فتوى الصحابي. ومما أثر عنه في ذلك قوله: "الحديث الضعيف أحب إلى من الرأي" وذكر ابن الجوزي أن أحمد كان يقدم الحديث الضعيف على القياس، وعن عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه، وأصحاب رأي، فتنزل به النازلة؟ فقال أبي: يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي.
(1/390)

ويشترط في الحديث الضعيف عند أحمد حتى يقبل ويعمل به أن لا يكون باطلا ولا منكرا ولا في سنده متهم، فيكون قريبا من الحسن. قال ابن القيم: وليس المراد بالضعيف عنده الباطل، ولا المنكر، ولا ما في روايته متهم؛ بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى: صحيح، وحسن، وضعيف، بل إلى صحيح، وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه، ولا قول صاحب، ولا إجماعا على خلافة، كان العمل به عنده أولى من القياس.
5- القياس:
إذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص ولا قول الصحابة، أو قول واحد فيهم ولا أثر مرسل أو ضعيف، عدل إلى الأصل الخامس وهو القياس، فاستعمله للضرورة، وقد قال في كتاب الخلال: سألت الشافعي عن القياس فقال: إنما يصار إليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه.
وذكر القاضي أبو يعلى: أن القياس العقلي يجب القول به، والعمل عليه، وأن الإمام أحمد احتج بدلائل العقول في مواضع، وقال في مسألة القياس الشرعي يجوز التعبد به وإثبات الأحكام الشرعية من جهة العقل والشرع، وقال: لا يستغنى أحد عن القياس، وعلى الحاكم والإمام يرد عليه الأمر أن يجمع له الناس، ويقيس ويشبه كما كتب عمر إلى شريح: أن قس الأمور.
ومن استعمالات الإمام أحمد للقياس أنه صح تحريم ربا الفضل فيما روى عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد؛ فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد". "رواه أحمد ومسلم، وفي الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد رضي الله عنه بنحوه".
(1/391)

وأجمع العلماء على جريان الربا في الأعيان الستة، ثم اختلفوا هل هو لمعنى فيها أو لأعيانها؟ وهل عرف ذلك المعنى أو لا؟
فذهب الجمهور إلى معرفة ذلك وتعديها إلى غير الستة، ثم اختلفوا في علة الربا: والمشهور عند الإمام أحمد -وهو المختار عند عامة أصحابه- أن علة الربا في النقدين كونه موزون جنس، وفي الأعيان الباقية كونه مكيل جنس.
وعلى هذا يجري الربا في كل مكيل أو موزون بجنسه مطعوما كان أوغيره، كالحبوب والأشنان والقطن والكتان والحديث والنحاس، ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالمعدودات، ويقول الإمام أحمد: "لا يجوز الحديد والرصاص متفاضلا قياسا على الذهب والفضة".
وقال الشيخ أبو زهرة: "والحنالة جميعا يقررون أن أحمد بن حنبل كان يأخذ بالقياس ويؤيدون كلامهم بعبارة وردت عنه وبالفروع المأثورة عنه فإنها توميء بطريقة استنباطها، إلى أنه لم يكن من نفاة القياس، بل من مثبتيه.
(1/392)

نقل علمه وانتشار مذهبه:
نشر علم أحمد عدد كثير، منهم:
1- أكبر أولاده "صالح" الذي تلقى عن أبيه وعن غيره من معاصريه، وقال فيه أبو بكر الخلال: إنه راوي الفقه الحنبلي.
2- وعبد الله بن أحمد بن حنبل الذي ذكرنا عنه آنفا عنايته برواية الحديث عامة، ومسند أبيه خاصة.
3- وأحمد بن محمد بن هاني أبو بكر الأثرم من أصحاب أحمد، روى عنه مسائل في الفقه وأحاديث كثيرة.
4- وعبد الملك بن عبد الحميد بن مهران الميموني، وقد صحب أحمد فترة طويلة، ونقل عنه.
(1/392)

5- وأحمد بن محمد بن الحجاج "أبو بكر المروذي" أخص أصحاب أحمد، وهو الذي روى كتاب "الورع" عنه، وكان أحمد يثق في عقله وورعه.
ثم جاء أحمد بن محمد بن هارون "أبو بكر الخلال" الذي صحب أبا بكر المروذي إلى أن مات، وجمع فقه أحمد في الجامع الكبير.
قال ابن القيم في "إعلام الموقعين": وكان أحمد رضي الله عنه شديد الكراهة لتصنيف الكتب وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يكتب كلامه، ويشتد عليه، جدا؛ فعلم الله حسن نيته وقصده فكتب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفرا، ومن الله سبحانه وتعالى علينا بأكثرها لم يفتنا منها إلا القليل، وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير، فبلغ نحو عشرين سفرا أو أكثر، ورويت فتاواه ومسائله، وحدث بها قرنا بعد قرن، فصارت إماما وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى أن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد، والمقلدين لغيره يعظمون نصوصه وفتاواه، ويعرفون لها حقها من النصوص وفتاوي الصحابة.
(1/393)

تعدد الروايات في مذهب أحمد:
تكثر الروايات عن أحمد في المسألة الواحدة بنسبة تفوق سائر الأئمة، وإذا كان مجال الاجتهاد يؤدي إلى هذا، لأن المجتهد قد يعدل عن رأيه، فيأتي من ينقل عنه ويروي القولين في الموضوع الواحد.
فقد أشار ابن القيم إلى سبب آخر يرجع إلى منهج أحمد نفسه؛ فإنه كان يروى أقوال الصحابة أحيانا. وقد يختار منها، وربما جاء الذين أخذوا عنه واستنبطوا من موقفه قولا آخر، وذكروا الأقوال جميعا، وبهذا تختلف الأقوال المنسوبة إلى أحمد. قال ابن القيم في "إعلام الموقعين". إذا اختلفت الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتابة والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم؛ فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول.
وقد بذل رجال من شيوخ المذهب بعد ذلك جهدا مشكورا في تصحيح الروايات أو ترجيحها على غيرها، أو التوفيق بينها ما كان التوفيق ممكنا.
(1/393)

ويرى الباحثون أن مذهب أحمد لم ينتشر في البلاد الإسلامية انتشار غيره مع كثرة علمائه، وعلل ابن خلدون ذلك بقوله: "وأما أحمد بن حنبل فقلده قليل لبعد مذهبه عن الاجتهاد، وأصالته في معاضدته الرواية، وللأخبار بعضها ببعض، وأكثرهم بالشام والعراق من بغداد ونواحيها، وهم أكثر الناس حفظا للسنة ورواية الحديث".
ولم يسلم الشيخ أبو زهرة بهذا التعليل الذي ذكره ابن خلدون، لما ثبت في المذهب من فتح باب الاجتهاد، وإن أرجع هذا إلى عوامل أخرى منها: أنه كان آخر المذاهب الأربعة وجودا، وأن أتباعه لا يحبون الولاية والقضاء.
والمعروف أن مذهب أحمد اليوم هو المذهب السائد في "نجد" خاصة، وفي المملكة العربية السعودية عامة، وهي الدولة التي تطبق الشريعة الإسلامية في شئون الحياة كلها؛ سواء في ذلك الأحوال الشخصية، والمعاملات المالية، والقصاص والحدود وقد أكسب هذا مذهب أحمد انتشارا وقوة.
(1/394)

الفصل الخامس: الفقه الإسلامي بين واقعه المعاصر ومحاولات التجديد فيه
الواقع التأليفي
...
الفقه الإسلامي: بين واقعه المعاصر ومحاولات التجديد فيه
الواقع التأليفي:
شهد الفقه الإسلامي عصر ازدهار وتقدم في حياة أئمته الذين قامت مدراسهم في أمصار الأمة الإسلامية بالقرنين الثاني والثالث، الذين اشتهر منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم، ثم تلاميذهم من بعدهم. وكان التأليف في هذه الفترة استنباطا للحكم من أدلته المستمدة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وسائر الأدلة التبعية المختلف فيها، وكان أسلوب الكتابة سهلا ميسرا لا تعقيد فيه، فالعبارة واضحة، والحكم صريح، وأبواب الاجتهاد مفتوحة في الاجتهاد المطلق، ثم في الاجتهاد المذهبي، وطرائق الاستدلال بينة، وقلما توجد التفريعات الفرضية البعيدة الاحتمال، ثم خلف ذلك الرعيل تلاميذ آخرون قصر جهدهم عن الإنتاج المبتكر فسلكوا في التأليف طرقا ملتوية شاقة، بعدت عن الطريقة السهلة التي عرف بها المتقدمون، فاستهواهم الولع بالإيجاز تارة والتطويل أخرى، ثم الإغراق في الإيجاز مرة ثانية، مع ما في ذلك من تكلف وتعقيد، يجعل القارئ يسير في مسالك متعرجة، ومنعطفات شائكة، ومتاهات غامضة.
يبتديء المؤلف بوضع كتاب موجز، يدعى "متنا" ثم يشرحه تلميذه من بعده، وقد يشرح الشرح السابق، ثم تكون الحواشي والتقريرات والهوامش ويكون بعد هذا اختصار الشروح الكبيرة إلى متوسطة وصغيرة، واختصار المتون كذلك في عبارة مكثفة، أو نظمها شعرا يجمع إلى الركة الإيجاز المخل، ثم يشرح هذا النظم ويخشى ويختصر....
(1/397)

وورث العصر الحاضر هذه المؤلفات بما احتوته من علم زاخر، وكنوز فقهية ثمينة لا يصبر على دراستها والرجوع إليها إلا الجهابذة المتفرغون المتخصصون.
وليس الأمر قاصرا على وعورة مسلك هذه الكتب؛ وإنما جاوزه إلى التعصب المذهبي، والوقوف عند رأي المذهب بإغلاق باب الاجتهاد والغلو في شروط المجتهد.
ولم ينج من هذه الظاهرة سوى القلة النادرة من المصلحين المجددين، الذين عولوا على مقاصد الشريعة، وقواعدها العامة، وأدلتها الكلية، ونهجوا خطة المتقدمين في التأليف، وفي مقدمة هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه يعتبر نقطة تحول كبيرة في تاريخ الفقه الإسلامي؛ حيث اعتمد في اختياراته الفقهيه على النظر في الأدلة، والأخذ بالأقوى من آراء الفقهاء السابقين، واستخرج أحكاما للقضايا الجديدة في عصره.
ورث العصر الحاضر ذلك التراث الفقهي القديم بما له وما عليه، في الوقت الذي تطورت فيه أساليب التأليف، وشملت التجديد في كل مادة من المواد، وأحس الناس بالحاجة إلى التجديد في أنماط التأليف الفقهي، فلجئوا تارة إلى الإخراج والتحقيق، وأخرى إلى البحث الموضوعي المقارن مع المذاهب، أو مع المذاهب والقوانين الوصعية، وكان للرسائل الجامعية في الماجستير والدكتوراه" أثرها الطيب في ذلك، وإن كان أثرا محدودا.
(1/398)

الواقع الدراسي:
كانت الدراسات الإسلامية في العصور الأولى أساسا للتعليم، فهي المحور الذي تدور عليه العلوم كلها، وأول ما يتلقى الدارس إنما يتلقى هذه الدراسات في القرآن الكريم، والحديث الشريف، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، والفقه، وأصوله، مع ما يستوجبه ذلك من دراسة اللغة العربية بعلومها، ثم تكون دراسة العلوم الأخرى المعاصرة.
(1/398)

وكانت الغاية من الدراسات الإسلامية هي استنباط الأحكام الفرعية من أدلتها التفصيلية فيما يجد للناس من حوادث، وما يعرض لهم من مشكلات، والفقه الإسلامي بمصادره هو الأصل الذي يحكم سلوك الأفراد وتصرفاتهم، وحياة الجماعة، ونظام الحكم، وشئون الاقتصاد، والسياسة.
ولكن الضعف السياسي الذي لحق الأمة الإسلامية في عصورها الأخيرة بعد نجاح آمر أعدائها عليها، وتمزيق شمله، وما تبع ذلك من تخلف فكري وغزو ثقافي ...
لكن هذا وذاك أتاح الفرصة لأعداء الإسلام في إشاعة اتهامه بالقصور، وعجزه عن تلبية حاجات العصر، ولا سيما أن الدراسات الفقهية ظلت جامدة متخلفة، فنشأ جيل من أبناء الأمة أرضع لبان الفكر الغربي، واستهواه الاستغراب في ديار الإسلام؛ فأراد استبدال دراسةالحقوق القانونية الغربية بدراسة الفقه الإسلامي، وكان له ما أراد وساعد على ذلك غياب الإسلام عن مجال الحكم كما سيأتي في الفقرة التالية.
لقد تسرب هذا الدخيل في بلادنا عن طريق الدراسة بما يسمى: "بكليات الحقوق" أو "معاهد الحقوق". والدراسة في هذه الكليات: لحمتها وسداها: الحقوق الغربية، وما يتفرع عنها من قوانين وضعية؛ حيث لا يدرس الفقه الإسلامي إلا في مادة واحدة تتعلق بأحكام الأسرة، تعرف "بالأحوال الشخصية".
وهكذا وقع الازدواج في الدراسات الفقهية؛ حيث توجد "كليات الشريعة" في معظم البلاد الإسلامية لدراسة الفقه الإسلامي ومصادره في جميع مجالات الحياة، وتوجد كذلك "كليات الحقوق" لدراسة الحقوق الغربية وقوانينها الوضعية، وزاحمت هذه تلك، وتوشك أن تضيق عليها الخناق، لتطمس معالم الدراسات الفقهية، كما هو معهود لدينا في بعض البلاد.
(1/399)

الواقع التطبيقي:
الإسلام هو شريعة الله الخالدة، وقد تناولت الشريعة الإسلامية شئون الحياة كلها، عقيدة وعبادة، واجتماعا واقتصادا، وسياسة، وحكما، وحددت النصوص الشرعية أصول الأحكام في الأحوال الشخصية، والمعاملات، والعقوبات، واستمد فقهاء الإسلام من هذه الأصول من الكتاب والسنة -الأحكام الجزئية التي تتجدد بتجدد الأحداث في كل عصر، وظلت أحكام هذه الشريعة الغراء تبسط نفوذها على أمة الإسلام في عصور التاريخ المختلفة. وإن ذكرت بعض المصادر توقف العمل بالأحكام الشرعية عندما دخل هولاكو بغداد ولم يقبل أحد من حكام المسلمين التهاون في حكم من الأحكام لأن تحكيم الشريعة الإسلامية من أصول الإيمان بهذا الدين {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا،} 1. {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} و {الظَّالِمُونَ} و {الفَاسِقُونَ} 2 ... في آيات متتاليات.
فلما كثر احتكاك المسلمين بالغرب، وتأثر بعض المسلمين بالثقافة الغربية، وضعفت الدولة العثمانية، تسرب الفكر الغربي إلى ديار الإسلام، وبدأ التهاون في التزام أحكام الشريعة، ثم كان استبدال القوانين الوضعين بها مرحلة مرحلة.
وأول عدوان على أحكام هذه الشريعة كان عدوانا على أحكام الجنايات والحدود -أي ما يسمى بالعقوبات- وذلك يشمل: القصاص في النفس وما دونها، وحدود الزنا، والقذف، والسرقة، والشرب، والردة والبغي، والحرابة؛ وذلك حين أحدثت الخلافة العثمانية قانون الجزاء العثماني، سنة 1840م وهو ترجمة لقانون الجزاء الفرنسي، مع شيء من التعديل، فسرى هذا القانون على عامة البلاد الإسلامية، وبذلك تعطل جانب من جوانب الفقه الإسلامي في مجال التطبيق.
__________
1 النساء: 65.
2 المائدة: 44، 45، 47.
(1/400)

وانحسر عن أنحاء العالم الإسلامي لولا ما خص الله به الجزيرة العربية من الاستمساك بالشريعة الإسلامية.
أما أحكام العلاقات المدنية: كالبيوع والإجارة، والضمان، والكفالة، والخوالة، والرهن، والأمانات، والودائع، والهبة، والغصب، والإتلاف، والحجر، والشفعة، والشركات، وما يتبع ذلك؛ فقد ظلت الدولة العثمانية تطبق فيه الفقه الإسلامي على المذهب الحنفي وإن كانت قد نظمت ذلك فيما يسمى "مجلة الأحكام الشرعية" وأخذت البلاد التابعة للدولة العثمانية بأحكام المجلة.
أما مصر التي كانت قد انفصلت عن الخلافة العثمانية؛ فقد استنكف حاكمها الخديوي إسماعيل باشا عن تطبيق المجلة الشرعية، وترجم القانون المدني الفرنسي الأول "قانون نابليون" وطبقة في بلاده، وكان هذا بداية التقنين الوضعي في أحكام المعاملات، وما كان الشعب المصري المسلم ليقبل هذا بسهولة، لولا أن الخديوي استخدم بعض العلماء1 في الكتابة عن ذلك، لبيان أن هذا القانون مستمد من مذهب الإمام مالك.
والحق أن هذه تكأة باطلة، يحاول أصحابها أن يعطوا القانون الوضعي صفة شرعية؛ فإن الحضارة الغربية- وإن كانت قد تأثرت بالحضارة الإسلامية إلا أنها كيفتها بما يتفق مع فلسفتها عن الحياة ومفاهيمها العامة، التي تختلف عن فلسفة الإسلام ومفاهيمه؛ فلا يقال: إن القانون الوضعي مستمد من الفقه الإسلامي، فهو غربي الفكرة والروح، والفقه الإسلامي في أصالته غني عن أن تنسب إليه هذا اللقيط، والتوافق في بعض الأحكام لا يعنى أن هذا هو فقه الإسلام.
وحين زحف الاستعمار الغربي على العالم الإسلامي بعد أن مزق باقي أوصالهن زحفت معه القوانين الوضعية، وسادت أحكام القانون المدني الغربي، حتى في تركيا التي انسلخ قادتها من حضارة الإسلام، وتقمصوا الحضارة الغربية.
__________
1 هو الشيخ مخلوف المنياوي.
(1/401)

واستمر العمل بأحكام الفقه الإسلامي في المعاملات بالجزيرة العربية والأفغان.
فحسب، إلى وقتنا الحاضر لولا ما أصاب أفغانستان من غزو شيوعي، يوشك أن يدحره الجهاد الإسلامي ويرده على أعقابه خاسرا.
أما أحكام نظام الأسرة التي تسمى: "الأحوال الشخصية" فقد ظلت ولا تزال -في أنحاء العالم الإسلامي مأخوذة من الفقه الإسلامي، وظلت لها محاكمها الشرعية الخاصة حتى في البلاد التي سادت فيها القوانين الوضعية، ولم يحدث مساس بها، سوى ما كان من إدماجها مع المحاكم العادية في مصر، وإن بقيت لها دوائرها الخاصة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه البقية البقية الباقية من جانب الفقه الإسلامي التطبيقي، يحاول بعض الناس العدوان عليها، فيما يتعلق بتعدد الزوجات، وأحكام الطلاق، والتفاوت بين الذكر والأنثى في الميراث. وأحرزت هذه المحاولات العدوانية شيئا من النجاح في بعض البلاد.
(1/402)

يقظة الشعور الإسلامي، ومحاولات التجديد في الفقه:
كان تطبيق القوانين الوضعية في البلاد الإسلامية، بلاء مستطيرا، لم تقابله الشعوب المسلمة بالانقياد، بل قبلته كرها، وهي تشعر بأن هذا انحراف عن دين الله، وخروج عن شريعته، وما فتئت تعبر عن سخطها لهذا الوضع ورغبتها الأكيدة في تحكيم الشريعة الإسلامية من وقت لآخر، وقد ظهر هذا في صور مختلفة كالحركات الإصلاحية، والجهود الجماعية والفردية لتنظيم الفقه والدعوة إلى مجتمع فقهي وإلى موسوعة فقه إسلامية.
(1/402)

الحركات الإصلاحية
...
الحركة الإصلاحية:
قامت حركات إسلامية عديدة في البلاد الإسلامية، قام بها رجال مصلحون، وتركزت الدعوة فيها على المطالبة بالعودة إلى الإسلام في عقيدته الصافية، وشريعته السمحة، واستنفار الهمة لإعادة مجد الإسلام من جديد، ونبذ مظاهر الشرك والعبودية، ولو كان هذا في شرك الأحياء وعبوديتهم.
وقد اختلفت هذه الحركات في طابعها العام، إلا أن روحها كانت تنبثق من ذلك الشعور الآنف الذكر. مع تركيز كل واحدة منها على ناحية خاصة، كالعقيدة أو السلوك أو الحرية السياسية، أو تحكيم الإسلام في شئون الحياة كلها، وفي طليعة هذه الحركات: حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحركات جمال الدين الأفغاني، وحركة الشهيد حسن البنا أي: "الإخوان المسلمين".
وقد اهتمت حركة الإخوان المسلمين ولا تزال بالدعوة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية اهتماما بالغا، وجددت المفاهيم الإسلامية الصحيحة لهذا الدين وشموله لشعب الحياة كلها: عقيدة، وعبادة، وخلقا، وقضاء، وكان صمودها أمام تيار التغريب والحكم بغير ما أنزل الله، مصدر محن لها حتى الآن، وعلى نمط هذه الحركات، قامت حركة الجماعة الإسلامية في الهند وباكستان بقيادة أمير الجماعة أبو الأعلى المودودي رحمه الله.
(1/403)

الجهود العامة والجهود الفردية في صياغة الفقه:
وعندما تسرب القانون الوضعي إلى العالم الإسلامي، أحس المخلصون في ديار الإسلام بالحاجة إلى تنظيم الفقه والتجديد في صياغته؛ فإن الترتيب الفني في القانون الوضعي يجعل العثور على الحكم سهلا ميسورا، في فقرات موجزة، وترقيم مرتب، وفهرس مفصل، فلماذا لا ينظم الفقه الإسلامي كذلك؟ وبدأت محاولات هذا التنظيم لصياغة الفقه منذ فترة طويلة.
(1/403)

"مجلة "الأحكام العدلية":
أحسست الدولة العثمانية بخطر القوانين الوضعية الذي يهددهم في عرضه.
الجذاب، وتنسيقه المحكم، فشكلت لجنة من فقهائها البارزين، وعهدت إليهم بتنظيم أحكام العلاقات المدنية في الفقه الإسلامي، على المذهب الحنفي، واستمر عمل هذه اللجنة سبع سنوات؛ حيث صدر هذا التنظيم باسم "المجلة" سنة 1293هـ وسميت بذلك: لأنها كانت تصدر أبوابا متتابعة، فأشبهت في صدورها المجلات، وأهم ما تناولته المجلة:
1- مقدمة في تعريف علم الفقه وتقسيمه وفي بيان القواعد الفقهية.
2- أبواب المعاملات المختلفة لكل منها كتاب، وفي مقدمة كل باب منها تكون الاصطلاحات الفقهية المتعلقة به.
3 اشتملت على ستة عشر كتابا.
4- رتيت أحكامها في صورة مواد مختصرة، يقتصر الحكم فيها على رأي واحد.
5- بلغ مجموع موادها "1851 مادة".
6- صدرت الإرادة السنية بتطبيقها من 26 شعبان سنة 1293هـ.
7- العلماء الذين اشتركوا في صياغتها ثمانية.
وتعتبر "المجلة" أول تنظيم تشريعي كان استمداده من الفقه الإسلامي خالصا.
- مرشد الحيران لمعرفة أحوال الإنسان:
وقام الفقيه "محمد قدري باشا" بصياغة ثلاثة كتب على المذهب الحنفي كذلك؛ إحداها في الأحوال الشخصية وثانيها: في الوقف، وثالثها: في أحكام المعاملات، وسمى هذا "مرشد الحيران لمعرفة أحوال الإنسان" جعله على أحكام عامة، وأخرى خاصة، وعرضه في مواد بلغت "1045 مادة".
(1/404)

مرشد الحيران لمعرفة أحوال الإنسان
...
الجذاب، وتنسيقه المحكم، فشكلت لجنة من فقهائها البارزين، وعهدت إليهم بتنظيم أحكام العلاقات المدنية في الفقه الإسلامي، على المذهب الحنفي، واستمر عمل هذه اللجنة سبع سنوات؛ حيث صدر هذا التنظيم باسم "المجلة" سنة 1293هـ وسميت بذلك: لأنها كانت تصدر أبوابا متتابعة، فأشبهت في صدورها المجلات، وأهم ما تناولته المجلة:
1- مقدمة في تعريف علم الفقه وتقسيمه وفي بيان القواعد الفقهية.
2- أبواب المعاملات المختلفة لكل منها كتاب، وفي مقدمة كل باب منها تكون الاصطلاحات الفقهية المتعلقة به.
3 اشتملت على ستة عشر كتابا.
4- رتيت أحكامها في صورة مواد مختصرة، يقتصر الحكم فيها على رأي واحد.
5- بلغ مجموع موادها "1851 مادة".
6- صدرت الإرادة السنية بتطبيقها من 26 شعبان سنة 1293هـ.
7- العلماء الذين اشتركوا في صياغتها ثمانية.
وتعتبر "المجلة" أول تنظيم تشريعي كان استمداده من الفقه الإسلامي خالصا.
(1/404)

التشريع الجنائي في الإسلام:
وقام الأستاد "عبد القادر عودة" أحد رجالات الإخوان المسلمين الذين استشهدوا وكان يشتغل بالقضاء، قام بإخراج كتاب: التشريع الجنائي الإسلامي وهو كتاب في جزئين الأول: في القسم العام: والآخر: في القسم الخاص، وصاغه في مواد كذلك، اشتملت على أحكام: الجنايات والحدود والتعزيرات، وقد قارن فيها بين المذاهب الفقهية الإسلامية، والقوانين الوضعية، وبلغت مواده "689 مادة".
وهناك جهود فردية أخرى.
(1/405)

إنشاء مجمع فقهي:
ودعا كثير من العلماء إلى إنشاء مجمع فقهي على نسق المجامع العلمية الأخرى، تحقيقا للهدف العام الذي يشعر المسلمون بالحاجة إليه في تجديد الفقه الإسلامي وتطوره، وحتى يكون هذا المجمع وسيلة للاستنارة برأي الجماعة في الاستنباط يغني عن الاجتهاد الفردي، وفي مؤتمر رابطة العالم الإسلامي الذي عقد في مكة المكرمة سنة 1384هـ قدم الشيخ "مصطفى الزرقا" اقتراحا بذلك جاء فيه:
"إذا أريد إعادة الحيوية لفقه الشريعة بالاجتهاد الواجب استمراره شرعا والذي هو السبيل الوحيد لمواجهة المشكلات الزمنية الكثيرة، بحلول شرعية حكيمة عميقة البحث متينة الدليل بعيدة عن الشبهات والريب والمطاعن، وتهزم آراء العقول الجامدة والجاحدة على السواء؛ فالوسيلة الوحيدة هي: اللجوء لاجتهاد الجماعة، بديلا عن الاجتهاد الفردي، وطريقة ذلك تأسيس مجمع للفقه يضم أشهر فقهاء العالم الإسلامي، ممن جمعوا بين العلم الشرعي والاستنارة الزمنية، وصلاح السيرة والتقوى ويضم إلى هؤلاء علماء موثوق بهم في دينهم من مختلف الاختصاصات الزمنية اللازمة في شئون الاقتصاد: والاجتماع: والقانون: والطب: ونحو ذلك، ليكونوا بمثابة خبراء يعتمد الفقهاء رأيهم في الاختصاصات الفنية".
(1/405)

ويتضح من هذه العبارة أن مهام هذا المجمع المقترح ستتناول النظر في المسائل الجديدة التي حدثت في هذا العصر، ولم يكن لها نظر سابق، كالتعامل المصرفي بأنواعه، وأوراق اليانصيب، وأنظمة الشركات الحديثة والتأمين بأقسامه.
وقد أخذت رابطة العالم الإسلامي في مكة أخيرا بهذا الاقتراح، وأنشأت مجمع الفقه الإسلامي، وله اجتماعات دورية يتناول فيها بحث بعض الموضوعات ذات الأهمية في حياة الناس اليوم؛ ولكنه لا يتسم بالضوابط التي تضمنها الاقتراح.
ونرجو أن يرتفع إلى مستوى ما يواجهه العالم الإسلامي اليوم من مستجدات.
(1/406)

مجمع البحوث الإسلامية:
وفي الأزهر أنشئ مجمع البحوث الإسلامية بمقتضى القانون 103 لسنة 1961 ميلادية الخاص بتطوير الأزهر برئاسة شيخ الأزهر ومسئولية أمين عام ويضم عدة لجان: لجنة القرآن والسنة، لجنة البحوث الفقهية، لجنة إحياء التراث الإسلامي لجن الدراسات الاجتماعية.
وتقوم لجنة البحوث الفقهية بتقنين الشريعة الإسلامية على المذاهب المختلفة. كما يقوم المجمع ببحث القضايا التي تهم العالم الإسلامي وإصدار البحوث التي نتضمن رأي الإسلام في هذه القضايا، ويعقد مؤتمرا عاما يدعى إليه علماء العالم الإسلامي كل عام لمناقشة هذه البحوث، وقد انعقد أول مؤتمر سنة 1964م.
(1/406)

موسوعة الفقه الإسلامي:
وأما هذا الرصيد الضخم من الفقه الإسلامي في المذاهب الإسلامية المتناثرة في الكتب القديمة، وإزاء التحديات المختلفة للإسلام وشريعته، تجدد الشعور بالحاجة إلى موسوعة للفقه الإسلامي للاعتبارات الآتية:
(1/406)

الحاجة إلى الموسوعة الفقهية على الصعيد الإسلامي:
تيسير معرفة الأحكام الفقهية التي في بطون أمهات الكتب القديمة:
لست من هؤلاء الذين ينظرون إلى كل قديم بمنظار قاتم، ويرون في كتب الفقه القديم طلاسم يصعب حلها، ويعتبرون أي تجديد تقدما ونصرا فإن أصحاب أمهات كتب الفقه الأصيلة قد أفنوا أعمارهم فيها قربة إلى الله تعالى، وبذل كل واحد فيما ألفه من جهد ما يعجز عن القيام به في الوقت الحاضر المجامع والمؤتمرات، ولا تزال الأبحاث الجديدة مع ما فيها من تجديد لا تجد لها معينا تستقي منه سوى تلك المصادر الأولى، التي يجب إجلال أصحابها، والاعتراف بفضلهم، والدعاء لهم جزاء ما قدموا للإسلام من ذخيرة فقهية عظيمة؛ ولكنني أرى أن الممارسين لهذه الكتب، والذين تمرسوا بها، هم الذين يفهمون أسلوبها ويدركون الأحكام في مظانها -وهم قلة نادرة- ويظل أكثر الناس -حتى من المشتغلين بالفقه الإسلامي- يعانون كثيرا من الصعوبات في الاستفادة من تلك الكتب، في معالجة قضايا الفقه الإسلامي.
ونستطيع أن نجمل ما يجده الباحث في أمهات كتب الفقه من صعوبات في الأمور الآتية:
أ- يجد صعوبة في البحث عن الحكم الجزئي؛ حيث إن فهارس تلك الكتب فهارس مجملة تكتفي بذكر الأبواب، ورؤوس الموضوعات، والموضوع واحد قد يشتمل على مئات الأحكام الجزئية التي لا يرد لها ذكر في الفهرس.
ولم يكن السابقون يعرفون طريقة الفهارس التحليلية التي تعين القارئ على سرعة الوصول إلى ما يبتغيه في لحظات قليلة، ولم تخدم هذه الكتب في العصر الحاضر بفهرستها إلا النزر اليسير، بصورة لا تفي بالغرض المقصود؛ بل إن عمل الفهارس وحده قد صار مرحلة أولى تتبعها مرحلة ثانية، هي: بيان موجز الحكم وهو ما يمكن أن يسمى بـ "معجم الكتاب".
فالفهرسة ضرورية لكتب الفقه الكبيرة، التي تبلغ عدة مجلدات، ويقع بعض أبحاثها في مظانه التي تحظر على بال الباحث؛ وذلك ببيان موضع الحكم المبحوث عنه في الكتاب الأصلي، فإذا أضيف إليها بيان موجز
(1/407)

الحكم، ساعد ذلك من يريد الاكتفاء بالمعجم عن الرجوع إلى الكتاب الأصلي.
ب- ويجد الباحث في كتب الفقه الكبيرة صعوبة في الفهم؛ فإن أكثرها شروح وحواشي على متون ومختصرات.
وكان أصحاب الحواشي يكتفون ببيان أول الجملة التي يريدون الكلام عنها من الشرح، ثم ينصرفون إلى شرحه أو التعليق عليه، دون ربط متصل بالمتن، مع التركيز الشديد في الأسلوب؛ فإذا قرأ الباحث وجد نفسه من ناحية أمام نصوص متفرقة لا يجمعها سياق واحد.
ومن ناحية ثانية، أمام أسلوب مركز لا يفهمه إلا من اعتاد قراءة هذه الكتب، وهذا يجعل عثوره على الحكم الذي يبحث عنه صعبا في كثير من الأحيان.
جـ- ويجد الباحث كذلك صعوبة في الفهم الرموز والمصطلحات؛ فإنها تشير إلى كلمات مختزلة لأسماء المراجع أو المؤلفين؛ فمن أمثلة هذه الرموز مثلا في كتب الفقه الحنفي: "ط، س، ز، ح" والمراد بتلك الحروف على التوالي "الطحاوي، أبو يوسف ومحمد، زفر، الحلى المداري" ولا بد من الرجوع إلى الجزء الأول لمعرفة مدلول كل رمز منها.
ومن أمثلة هذه المصطلحات "الإمامان" وهما "أبو حنيفة وأبو يوسف" والصاحبان وهما "أبو يوسف ومحمد"، والأئمة الثلاثة: "أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد" وهكذا.
د- وقد تكون صعوبة إدراك المراد بالمصطلحات ناشئة من اختلاف مدلولها عند المذاهب؛ فإذا لم يكن القارئ على إلمام بها أخطاء في فهم الحكم نفسه. ومثال ذلك: اصطلاح الفساد والبطلان عند الحنفية؛ فالفساد عندهم يقابله الصحة، والبطلان يقابله عدم الانعقاد، وغير الحنفية يجعل الفاسد
(1/408)

كالباطل، وكالوجوب عند الحنفية؛ فهو بين الفرض والسنة. أما غيرهم فالوجوب والفرض بمعنى واحد.
هـ- ومعظم الناشرين لهذه الكتب القديمة يجمعون عدة كتب في كتاب واحد، يوضع واحد منها أو أكثر داخل الإطار، وتوضع الكتب الأخرى في الحواشي خارج الإطار، ويفصل بينها خط، وهذا يجعل الباحث في حيرة أمام ثلاثة كتب أو أربعة في صفحة واحدة.
و ويجد الباحث في بعض هذه الكتب الآراء الفقهية الكثيرة التي نقلها المؤلف دون أن يعزو رأيا إلى صاحبه ومصدره، حتى يتيح للقاريء استئناف النظر فيها من خلال مراجعها الأصلية.
هذا بالإضافة إلى أن كثيرا من المؤلفين في الفقه من أصحاب المذاهب، لا يعتنون بذكر الأدلة، من الكتاب والسنة، وإن ذكروا شيئا من الاستدلال بالسنة، وأوردوه دون تمحيص تعرف منه درجته، أيجمع شروط الصحة أم لا؟ بل إن بعضهم يورد الأخبار الموضوعة التي لا أصل لها.
ومنهج البحث اليوم يعتمد اعتمادا كبيرا على أصالة مصادره وقوة أدلته هذه هي أهم الصعوبات التي يواجهها الباحث في كتب الفقه القديمة، ما لم يكن ممارسا لها متخصصا فيها.
(1/409)

الحاجة إلى الموسوعة على الصعيد العالمي:
1- اتسعت العلوم اتساعا كبيرا، وتشعبت فيها الآراء والاتجاهات، ولم يعد كافيا في أي فرع من فروع هذه العلوم أن تقرأ فيها كتابا واحدا حتى تلم بأطرافه إلماما موضوعيا يشفي غلة الباحث، ويطفئ ظمأه. وليس من السهل أن يحصل الباحث على كل ما كتب في موضوع ما؛ فإن علاج الموضوعات العلمية أصبحت مجالاته متعددة، في: الرسالة، والمحلية، والصحيفة، والكتاب، والوثيقة، فإذا وقع الباحث على بعضها فسيظل بعضها بعيدا عنه، وليس من السهل عليه كذلك إذا
(1/409)

تيسر له جميع ما كتب في الموضوع أن يقرأ كل ما كتب. ولا سيما إذا كان يريد معرفة جزء منه. والكتب المؤلفة، منها ما هو في موضوعات متعددة، وإن كان في علم واحد، ومنها ما هو في موضوع بعينه، والموضوع له عناصره، وليس هناك سوى الفهرسة الإجمالية التي تشير إلى الباب أو الفصل، أو المسألة؛ فمتى يحصل الباحث على العنصر الذي يريد في كافة المصادر التي تناولته؟ إن هذا أمر عسير للغاية. وقد خطا التأليف في العصر الحديث خطوة في هذا السبيل تيسر البحث، تلك الخطوة هي ما يعرف بالفهرسة بأنواعها، وأساليبها المختلفة، التي يمكن معرفة تفاصيلها من الكتب المتخصصة في هذا الميدان: فهرس رجال السند، فهرس الأعلام، فهرس أسماء الأماكن، فهرس أسماء الكتب، فهرس الآيات القرآنية، فهرس الأحاديث النبوية، فهرس الأبواب، فهرس الفصول، فهرس الموضوعات، فهرس المصادر ... إلى غير ذلك من الفهارس التي تختلف باختلاف الكتب، ويكون بعضها حسب ترتيب موضوعات الكتب كفهرس الموضوعات، وبعضها حسب أبجدية الحروف مع غض النظر عن الترتيب في الكتب، وهكذا دواليك.
ثم تقدمت الوسائل الفنية في هذا الميدان بعد أن كثرت الكتب والمجلات والوثائق التي ينبغي للباحث الرجوع إليها، وأصبحت الوسائل التقليدية لا تفي بالغرض ولا تسعف للباحث الرجوع إليها، وأصبحت الوسائل التقليدية لا تفي بالغرض ولا تسعف الباحث؛ فاستخدم العلم الآلة في خدمة الإنسان، فوفر له الجهد الكبير والوقت الطويل، فاستخدم العلم الآلة في خدمة الإنسان، فوفر له الجهد الكبير والوقت الطويل، بإنجاز العمل في سرعة مدهشة، وشمل استخدام الآلة جمع المعلومات بما يعرف "بالأدمغة الإلكترونية"1 واستخدمت هذه "الأدمغة الإلكترونية" في مشروع مركز الإعلام الحقوقية، والقانونية، التي تتسع لتخزين كافة التشريعات والأحكام والنظم القانونية من كافة بلدان العالم، لتكون في خدمة رجل القانون.
ولا ينبغي بحال من الأحوال أن تكون الشريعة الإسلامي بمنأى عن الاستفادة.
__________
1 أوصى مركز السلام العالمي بإنشاء مركز دولي للإعلام القانوني في جنيف لهذا الغرض مجلة الوعي الإسلامي عدد 67 رجب 1393هـ، ركن الموسوعة.
(1/410)

منها في هذه المراكز. وإذا ظلت أحكام الفقه الإسلامي في بطون الكتب القديمة دون ترتيب موضوعي، وفهرسة جزئية تفصيلية، وجمع لما تناثر منها في غير مكانه؛ فإن القائمين على مشروع مراكز الإعلام القانوني يجدون العذر كل العذر في إغفال الاستفادة من الفقه الإسلامي ضمن برامج هذا المشروع. لذا كانت الحاجة ماسة إلى موسوعة فقهية تستخرج الأحكام من بطون أمهات مراجع الفقه الإسلامي في المذاهب المختلفة، وتعرضها بأسلوب موطأ الأكناف، ميسر الفهم، مرتب الموضوعات، مقسم الفقرات، حتى يسهل الإحالة إليها، وهذا من مستلزمات "الأدمغة الإلكترونية" تمهيدا لتلبية طلبات الراغبين في معرفة أحكام الفقه الإسلامي في مشارقة الأرض ومغاربها، بعد صياغتها بالعربية، ثم ترجمتها إلى اللغات الأجنبية، وبعض الأجهزة الإلكترونية اليوم يستخدم الحروف العربية.
2- وقد كثر الاهتمام بالدراسات القانونية المقارنة، تمهيدا لاختيار الأصلح منها، وسعيا وراء توحيدها بين دول العالم كله أو جله؛ ففي ظل هيئة الأمم المتحدة تأسست سنة 1949م تحت إشراف اليونسكو "اللجنة الدولية للقانون المقارن" وهي تتابع نشر دراسة القوانين الأجنبية في العالم، وتقوم منذ عام 1964م بإعداد موسوعة دولية للقانون المقارن، وهناك مجامع دولية للقانون في كثير من البلاد الأوروبية تسعى لتحقيق هذا الغرض نفسه، وتصدر العديد من الدراسات القانونية المقارنة.
هذه اللجان والمجامع تعترف بأهمية أحكام الفقه الإسلامي، وتتعلل بعجزها عن الاستفادة منها لصعوبة أسلوبها، وتناثر أحكامها، فإذا تحقق مشروع موسوعة الفقه الإسلامي، وترجم إلى اللغات الأجنبية الحية، زالت هذه العلة.
هذا.... وإن تلك المراكز والمجامع القانونية الدولية تعقد من حيث لآخر مؤتمرات عامة، تدعى إليها الدول الإسلامية لدراسة بعض المشاكل القانونية.
وارتفاع صوت الشريعة الإسلامية في هذه المؤتمرات يتيح الفرصة في الأوساط القانونية الدولية للتعريف بمزايا الشريعة، ودفع الشبهات عنها، وقدرة فقهها الغزير
(1/411)

على إمداد هذه المؤتمرات بالمفيد القيم من البحوث والنظريات، وموسوعة الفقه الإسلامي، تيسر معرفة الأحكام الفقهية، وتيسر عرضها في هذه المجالات.
(1/412)

مشاريع موسوعة الفقه الإسلامي
مشروع كلية الشريعة بجامعة دمشق
...
مشاريع موسوعة الفقه الإسلامي 1:
لقد نجم عن الشعور بالحاجة إلى موسوعات فقهية تيسر سبيل البحث الفقهي أن قامت عدة مشاريع نذكر منها ما يلي:
1- مشروع كلية الشريعة بجامعة دمشق:
حين أنشئت "كلية الشريعة" في دمشق، وتولى عمادتها الداعية الإسلامي الدكتور "مصطفى السباعي" رحمه الله قام بأوجه نشاط عدة، مستعينا برجال مختارين من الهيئة العامة في جامعة دمشق ومن خارجها.
وكان من ثمار ذلك مشروع موسوعة الفقه الإسلامي الذي تبنته الكلية وصدر به مرسوم جمهوري رقم 1711 بتاريخ 3/ 5 / 1956م.
وقد تضمنت مواد هذا المرسوم الخطوط العامة للمشروع:
المادة الأولى: تصدر كلية الشريعة في الجامعة السورية موسوعة "دائرة معارف" للفقه الإسلامي، غايتها صياغة مباحث الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه، وإفراغها في مصنف جامع مرتب، على غرار الموسوعات القانونية الحديثة بحث:
أ- يعرض مواد الفقه الإسلامي عرضا علميا حديثا.
ب- ويسهل الرجوع إلى نصوصه في كل موضوع، للاستفادة منها إلى أبعد حد.
جـ- ويرشد الباحثين إلى مصادر هذا الفقه، ومواطن كل بحث فيه.
المادية الثانية: توضع موسوعة الفقة الإسلامي هذه باللغة العربية، ولمجلس
__________
1 انظر "تراث الفقه الإسلامي" للدكتور جمال الدين عطية.
(1/412)

الجامعة السورية، بناء على اقتراح كلية الشريعة، أن يترجمها إلى اللغات الأخرى، أو يسمح بترجمتها إليها بشروط يحددها.
المادية الثالثة: يشرف على إصدار هذه الموسوعة وما يتصل بها "لجنة موسوعة الفقه الإسلامي" يؤلفها مجلس الجامعة، بناء على اقتراح "مجلس كلية الشريعة" على ألا يتجاوز عددها سبعة أشخاص.
هذا وقد تألفت "لجنة موسوعة الفقه الإسلامي" من: الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله- والدكتور أحمد السمان -رحمه الله- والأستاذ مصطفى الزرقا، والدكتور معروف الدواليبي، والدكتور يوسف العش.
ورأت هذه اللجنة بعد البحث والدراسة أن المرحلة الأولى للعمل تقتضي تحقيق أمرين:
أ- تحديد الموضوعات الفقهية التي تبحث في الموسوعة تحت عنوان مفرد -أي كلمة مفردة- دون مراعاة لترتيب أبواب الفقه المعروفة.
ب- فهرسة ما أمكن من أمهات كتب الفقه المعتمدة، وترتيب تلك الفهارس على الحروف الأبجدية، ليسهل على من يشارك في تحرير الموسوعة الرجوع إلى ما يريد دون مشقة1، وكان معجم "المحلى" لابن حزم الظاهري أول عمل لخدمة المشروع، وهو يورد الكلمة بصيغتها الاصطلاحية بما فيها من حروف أصول وزوائد، ويحيل إلى أماكنها ويذكر خلاصة الحكم الفقهي الذي استقر عليه ابن حزم؛ ففي حرف الألف مثلا يوجد الكلمات: آل البيت، آنية، آب، إباحة، إبراء، أبكم، إبليس، أبو بكر، إجارة، اجتهاد، أجرة، إجماع، إجهاض، أحباس، احتكار، إحداد، إحرام، إحصار، وهكذا ...
__________
1 قام الأستاذ محمد المنتصر الكتاني بفهرسة كتاب "المحلى" لابن حزم، والأستاذ أحمد مهدي الحضر بفهرسة كتاب "حاشية ابن عابدين" والأستاذ محمد الأشقر أخيرا بفهرسة المغني" لابن قدامة.
(1/413)

منهج الموسوعة:
ويتلخص منهج الموسوعة في الأمور الآتية:
1- غاية الموسوعة: الغاية من الموسوعة هي جمع التراث الفقهي المبعثر في كتب الفقه الإسلامي على اختلاف مذاهبها، جمعا مرتبا ميسرا توجيهيا؛ بحيث يكون مادة قريبة التناول للباحث، وهاديا لمن يريد التوسع إلى المصادر نفسها.
2- المذاهب: يترتب على هذه الغاية من الموسوعة أن تكون الموسوعة حاوية لكل المذاهب والآراء في الفقه الإسلامي بقدر الإمكان؛ فيجب أن تتضمن المذهب الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، كما يجب أن تتضمن أيضا مذاهب أخرى كالظاهري، والزيدي، والإمامي، والإباضي.
وخوفا من التكرار رأت لجنة الموسوعة اتخاذ المذهب الحنفي- باعتباره المذهب السائد في البلاد- أساسا لعرض الموضوع ثم تذكر وجوه الخلاف بين هذه المذهب والمذاهب الأخرى؛ إلا إذا اقتضى البحث في موضوع من الموضوعات اختيار مذهب أساسي آخر أوسع من المذهب الحنفي، كما في مسألة الشروط في العقود؛ فإن دائرة الشروط الصحيحة في المذاهب الحنفي أضيق منها في مذاهب أخرى، كالمذهب الحنبلي، فيحسن عرض الموضوع على أساس الاجتهاد الحنبلي.
3- طريقة الموسوعة وترتيبها:
أ- فضلت اللجنة ترتيب الموسوعة حسب الحروف الهجائية "أ- ب - ت- ث - ج" إلخ ...
ب- ترد كل مادة تحت الحرف الأول لها؛ فكلمة: "إجارة" ترد تحت حرف الألف، وكلمة "بيع" تحت حرف الباء، وكلمة "صلاة" تحت حرف الصاد..... وهكذا....
جـ- والعبرة من تحديد الحرف الأول من الكلمة، بالكلمة الفقهية نفسها لا بأصولها.
(1/414)

المجردة، ولا بالمصدر، باعتبار الموسوعة سجلا فقهيا، وليس قاموسا لغويا؛ فالكلمة الفقهية أقرب إلى ذهن الباحث من الأصل المجرد أو مصدرها، فكلمة "مزارعة" مثلا تأتي تحت حرف الميم، ولا تحت حرف الزاي.
د- ويحال عقب البحث إلى المواد المتشابهة، أو المشتركة، أو المتصلة؛ ففي البيع مثلا، يوجه نظر القارئ للرجوع إلى "مقايضة" وإلى "سلم" وإلى "صرف".
4- تقسيم الموضوعات: تقسم الموضوعات إلى ثلاثة أقسام
أ- موضوعات شاملة: كالبيع.
ب- موضوعات مستقلة: كالخيار؛ فهو داخل في موضوعات شاملة كالبيع، ولكنه يكون موضوعات مستقلة.
جـ- مواد إحالة: وهي التي تدخل في الموضوعات الشاملة أو المستقلة؛ ولكن يجب إيرادها تحت حرفها، ثم الإحالة إلى مواضعها تسهيلا على الباحث.
مثال "مثمن": ترد في حرف الميم، ولكن يحال الباحث إلى مادة "مبيع" وهكذا ... وعلى الكاتب في كل حال أن يذكر المراجع بطبعاتها.
5- أسلوب الكتابة: يجب على الكاتب أن يعرض الموضوع بأسلوب خال من التعقيد اللفظي، ويحسن أن أمكن أن يستعمل الكاتب عبارة الكتب الفقهية نفسها، إذا وجد عبارة من كتاب فقهي تؤدي إلى المعنى بوضوح وبساطة؛ فينقلها بذاتها بين قوسين، محيلا إلى المرجع الذي نقلت عنه.
6- مراحل العمل: ويجتاز هذا العمل الضخم مراحل:
أ- المرحلة الأولى: وهي مرحلة جمع ألفاظ الفقه الإسلامي من كتب المذاهب الأربعة المعروفة، ومذهب أهل الظاهر.
ب- المرحلة الثانية: هي مرحلة وضع المخططات للبحوث على ضوء الألفاظ المستخرجة في المرحلة الأولى.
(1/415)

ج- المرحلة الثالثة: هي استكتاب العلماء، وفقا للمخططات الموضوعة.
د- المرحلة الرابعة: هي مراجعة البحوث المكتوبة التي ترد إلى اللجنة، والتنسيق بينها وتهيئتها للطبع.
وقد قام الدكتور محمد زكي عبد البر بعمله في المرحلة الأولى، ولم ينجزها إنجازا كاملا.
(1/416)

2- مشروع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة:
أدت الوحدة بين مصر وسوريا سنة 1958م إلى اتصال العلماء في البلدين، واقتضى ذلك التعاون في مشروع الموسوعة الفقهية التي بدأت بها كلية الشريعة في جامعة دمشق، فجددت الجمهورية العربية المتحدة مرسوم إنشاء الموسوعة بالقرار الجمهوري رقم 1536 لسنة 1959م، وأضيفت بهذا المرسوم أسماء أخر، وخلال سنة 1960م كانت اتصالات عديدة بين رجال الموسوعة بدمشق ووزير الأوقاف بمصر، أنشأ على أثرها وزير الأوقاف المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وكان من بين لجان هذا المجلس لجنة لموسوعة الفقه الإسلامي، ثم صدر قرار وزاري في يناير سنة 1961م بتشكيل هذه اللجنة من السوريين والمضربين.
وفي موجة تقديس الزعامات، ونسبة الشيء إلى غير أهله، صدر القرار الوزاري كذلك بتسمية الموسوعة التي تقوم اللجنة بوضعها "موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي" وكان من حظه اللجنة في هذا العمل1:
أ- أن تكون الموسوعة مدونة ترتب موادها ترتيب حروف المعجم -مراعي في ذلك أول الكلمة والحروف التالية لها- كما ينطق بها من غير نظر إلى أصلها.
__________
1 انظر الجزء الأول من الموسوعة، ص 59.
(1/416)

ب- أن تكون أسماء أبواب الفقه مواد مستقلة "مصطلحات" توضع في ترتيبها الهجائي، أما ما عدا ذلك فيتبع بشأنه ما تقرره لجنة المراجعة، ثم اللجنة العامة.
جـ- أن تكون الموسوعة جامعة لأحكام المذاهب الفقهية الثمانية: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة والظاهرية والشيعة الإماميةن والزيدية1، والإباضية، وجمع ما في كل منها من الأقوال، إلا الأقوال الشاذة "ساقطة الفكرة".
د- أن يكون إيراد أدلة الأحكام في اعتدال، وبمقدار ما تستبين به وجهة النظر.
هـ- أن تتناول الموسوعة مسائل أصوات الفقه، والقواعد الفقهية، لارتباطها الوثيق بالأحكام الفقهية.
و أن وظيفة الموسوعة ليست الموازنة بين الشرائع، ولا بين المذاهب الفقهية، ولا ترجيح بعض الأقوال على بعض، ولا نشر البحوث والآراء؛ وإنما وظيفتها جمع الأحكام الفقهية، وترتيبها، ونقلها في دقة وأمانة، بعبارات سهلة، تساير أحوالنا من المراجع الفقهية التي تلقاها الناس بالقبول حتى نهاية القرن الثالث عشر الهجري؛ وذلك دون تفرقة بين المعمول به وغير المعمول به الآن. أما ما عدا ذلك مما ليس من وظيفتها الأصلية فيكون له ملحق خاص.
ثم انفصلت سوريا عنصر سنة 1961م وأثر ذلك على لجنة الموسوعة، فإن أعضاءها السوريين تعذر اجتماعهم، ولذلك ألفت اللجنة تأليفا جديدا سنة 1962م وأعيد التشكيل مرة أخرى في آخر سنة 1964م.
وقد صدر من الموسوعة حتى الآن2. أربعة عشر جزءا، وآخر الجزء الرابع عشر هو الكلام عن:أطعمه.
__________
1 الزيدية من الشيعة المعتدلين، وهم أقرب إلى أهل السنة ولذلك أفردوا بالذكر.
2 عام 400 هـ، 1980م.
(1/417)

3- مشروع "جمعية الدراسات الإسلامية" بالقاهرة:
فكرت جمعية "الدراسات الإسلامية بالقاهرة في أن تقوم بعمل مدونة للفقه الإسلامي، لا يراعى في تدوينها ما يراعى في كتابة دائرة المعارفة من استخلاص الاصطلاحات الفقهية وترتيبها؛ بل تجمع أحكام المذاهب الثمانية، مذاهب السنة الأربعة، ومذاهب الزيدية، والجعفرية، والإباضية، والظاهرية، في كل باب فقهي.
وتكونت لجنة لهذة المدونة من القضاة والأساتذة الجامعيين، وأخذوا يجمعون النصوص من الكتب الفقهية الأصلية، ويضعونها مواضعها، وبدأوا بكتاب النكاح، فجمعوا نحو 1500 صفحة، ولم يتجاوزا أركان النكاح وشروطه.
ثم رأى مجلس إدارة جماعة الدراسات الإسلامية أن النفقات أكثر من الإنتاج، وقرر أن يستبدل بالمدونة إنشاء موسوعة فقهية على حسب الحروف الهجائية فيتبع في ترتيب المصطلحات الفقهية ترتيب الحروف، فحرف الهمزة، ثم حرف الباء، ثم التاء، إلى آخر حروف الهجاء، باعتبار لفظ المصطلح، مع غض النظر عن حروفه الأصلية والمزيدة.
ويراعى في الموسوعة أن تكون جامعة للتراث الإسلامي في الفقه، وفق ما في المذاهب الفقهية الثمانية، وقد تذكر آراء بعض الصحابة والتابعين التي وردت في الكتب المعتبرة، مع العناية بذكر المصادر عقب كل بحث، أو في الهامش.
كما يراعى أن يذكر في دراسة المذاهب الثمانية ما هو متفق عليه أولا، ولا حاجة إلى تكرار عبارات الكتب، وما يكون موضع خلاف يذكر المذهب الذي يكون عليه الأكثر، ثم تذكر من بعد ذلك الآراء التي تخالفه ومنشأ الخلاف.
واعتبرت اللجنة أصول الفقه جزءا من الثروة الفقهية، فجعلته ضمن الموسوعة، يذكر كل موضوع منه تحت مصطلحه.
(1/418)

تواصلت اللجنة- برئاسة الشيخ "محمد أبو زهرة" رحمه الله بأن تكون الموسوعة: سهلة، نيرة ضاحية؛ بحيث لا تعلو إلى إدراك المثقفين ولا تنبو عنها أذواق المتخصصين، بل يجد كل منهما ما ينقع غلته، ويشبع حاجته، من غير أن تلتوي عليه الطرق.
ومع نهاية عام 1965م كان الجزء الأول من الموسوعة قد تمت كتابته شاملا الموضوعات الآتية:
1- المقدمة.
2- آل.
3 آب.
4 إباحة.
5- إباق.
6- أبد.
7- إبل.
8 - إبن
9- إتلاف.
وذلك في 544 صفحة
(1/419)

4- مشروع وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت:
نشطت وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت في إحياء التراث الإسلامي.
وفي مقدمة ما قامت به من مشاريعي "مشروع موسوعة الفقه الإسلامي" وقد رصدت في ميزانية 1966- 1967م. مبلغ "20.000" عشرين ألف دينار كويتي.
للمرحلة الأولى للمشروع، واستدعت خبيرا لهذه الموسوعة من مؤسسي فكرة "مشروع موسوعة كلية الشريعة" بجامعة دمشق هو الأستاذ "مصطفى الزرقا".
(1/419)

وقد استكبت خبير الموسوعة عددا من رجالات القه الإسلامي في بعض الموضوعات الفقهية على أن يكون البحث متناولا لثمانية مذاهب: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، والظاهري، والزيدي، والشيعي الإمامي، والإباضي.
وواصل رجال الموسوعة عملهم، ونشرت طبعة تمهيدية لثلاثة نماذج من موضوعات الموسوعة.
1- الأشربة.
2- والأطعمة.
3 والحوالة.
وقد كتب على غلاف كل منها: "ينشر بهذه الطبعة التمهيدية نماذج من الموضوعات الفقهية المكتوبة للموسوعة، كل نموذج على حدة بصورة متفرقة، وبرق متسلسل، دون مراعاة للترتيب "الألفبائي" بين عناوين هذه الموضوعات، الغرض من هذا النشر التمهيدي لهذه النماذج، تلقي ملاحظات الأساتذة ذوي الاختصاص، للاستشارة بها في الطبعة النهائية للموسوعة بكاملها وترتيبها "الألفبائي" في صورتها الأخيرة بعد تمام تحريرها.
وقد استبشر الناس كثيرا بتبني حكومة الكويت لفكرة "موسوعة الفقه الإسلامي" لإمكانياتها المالية، واعتبروا هذه البادرة من الكويت إيذانا بانتقال المشروع من دنيا الآمال إلى دنيا الواقع، ولكل المشروع بعد أن نشر نماذج للموضوعات الثلاثة الآنفة الذكر، توقف سنة 1972م.
ثم نشرت نماذج لموضوعات أخرى في النسب، والإرث، والقصاص، والتعزير.
ومنذ فترة استأنفت وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت نشاطها في
(1/420)

الموسوعة، وأخذت في ترتيب الموضوعات حسب الحروف الأبجدية، وأصدرت الجزء الأول في طبعته الأولى 1400هـ- 1980م أئمة إجزاء. وذكرت في مقدمة هذا الجزء عن موضوع الموسوعة، أنها تشتمل على صياغة عصرية لتراث الفقه الإسلامي، لغاية القرن الثالث عشر الهجري. وتتابعت الأجزاء بعد ذلك ووصلت إلى الجزء السابع "إنشاء - ايم" ونسأل الله التوفيق والنجاح.
هذا وقد قدم الدكتور جمال الدين عطية مقترحات لمشروع الموسوعة1 ضمنها إنشاء معهد بحوث للشريعة الإسلامية يضم: مكتبة مخطوطات ويضم معاجم لأمهات مراجع الفقه، وموسوعة لآيات الأحكام، وموسوعة لأحاديث الأحكام، وموسوعة للتشريعات الإسلامية، وموسوعة أحكام القضاء الإسلامي، وموسوعة الفقه الإسلامي، ومدونة الفقه الإسلامي.
واعتبر الدكتور جمال الدين عطية القيام بهذه المقترحات أمرا ضروريا لا بد من قبل الخوض في موضوع الاجتهاد؛ لأنها أدواته ومقدماته.
فإذا تم تنفيذها أمكن تكوين مجمع للفقه الإسلامي، يضم المتخصصين في كافة بلاد الإسلام لإبداء رأيهم على غرار المجامع العملية الحديثة.
__________
1 انظر تراث الفقه الإسلامي، ص 81، وما بعدها.
(1/421)

مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد بن حنبل الشيباني:
تميز المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود ببصيرة نيرة؛ فقد كان يتطلع إلى تأليف مجلة للأحكام الشرعية على غرار مجلة الأحكام العثمانية بصورة أفضل. ونشرت جريدة أم القرى في العدد ذي الرقم "141" من المجلد الثاني في الثامن والعشرين من شهر صفر عام 1346هـ "الموافق 26 أغسطس عام 1927م" خبرا خلاصته ما يأتي:
إن جلالة الملك- حفظه الله- يفكر في وضع مجلة للأحكام الشرعية يعهد إلى لجنة من خيار علماء المسلمين استنباطها من كتب المذاهب الأربعة المعتبرة.
(1/421)

مشابهة لمجلة الأحكام التي كانت الحكومة العثمانية وضعتها عام 1293هـ ولكنها لا تتقيد بمذهب دون آخر. بل تعتمد الأقوى حجة ودليلا من الكتاب والسنة.
وتوطئة لذلك وجه الملك عبد العزيز قضاة المحاكم الشرعية إلى اعتماد المصادر الفقهية الأمهات.
ووجدت هذه الدعوة تجاوبا من الشيخ أحمد بن عبد الله القاري "1309- 1359هـ" أحد القضاة بمكة المكرمة فألف مجلة للأحكام على مذهب الإمام أحمد، استخلصها من الكتب المعتمدة في المذهب وفق مباحث المعاملات. كما استخلص مجموعة القواعد الفقهية من كتاب القواعد لابن رجب. وترك ذلك مخطوطا.
وقد قيض الله لهذه المخطوطة الأستاذين: الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان، والدكتور محمد إبراهيم أحمد على فقاما بتحقيقها وترتيبها وتنسيقها، وطبعت الطبعة الأولى عام 1401هـ "1981م" مطبوعات تهامة، بعنوان: كتاب مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد بن حنبل الشيباني.
وقد حذا القاضي أحمد القاري في مجلته حذو مجلة الأحكام العدلية العثمانية مراعيا ترتيب الموضوعات وفق ترتيب الحنابلة، مضيفا إليها كتاب الوقف، واشتملت على ألفين وثلاثمائة واثنين وثمانية مادة في مقدمة وواحد وعشرين كتابا.
(1/422)

فتح أبواب الاجتهاد الجماعي:
وينبغي أن نعلم أن هذه الجهود التي تبذل في موسوعات الفقه الإسلامي، ويسير بعضها حينا، ويتعثر أحيانا، قد تكون أدلة معينة لأمر أهم وأخطر؛ ذلك هو أمر الاجتهاد.
لقد تميزت الشريعة الإسلامية بأنها شريعة نامية حية بأصولها وقواعدها، وقد
(1/422)

أثبت أسلافنا الأوائل خصوبة هذه الشريعة بالاستجابة لمتطلبات العصر بما فيه حفاظ على الدين وعون على النهوض بالأمة.
وإذا كانت الحياة متطورة تتعدد قضاياها من عصر لعصر فلا بد لرجالات الفقه الإسلامي من متابعة استنباط أحكام ما يجد من أحداث حتى لا ينحرف الناس عن الدين.
والأديان لا تعيش، ولا تزدهر، ولا تعود إلى نشاطها وشبابها إلا عن طريق الرجال النوابغ الذين يظهرون فيها حينا بعد حين.
وقد تفتح العالم الإسلامي اليوم على مشكلات جديدة لم يكن كلها أو جلها معروفا في العصور السابقة، وهي في حاجة إلى أن يواجهها علماء الإسلام بالبحث والاجتهاد والتجديد.
ولا يتأتى هذا بالأبحاث الفجة التي يقدمها بعض الناس من حين لآخر، تحمل طابع التجديد، ولا يرى القارئ فيها سوى النظرة السطحية في الكتابة أو الاستسلام أمام هذه القضايا بتطويع الإسلام لها وتحميل نصوصه وقواعده ما لا يحتمل منها، حتى يساير الإسلام أوضاع المدينة الحديثة بخيرها وشرها "عجرها وبجرها". لا يتأتى بمثل هذه الأبحاث، إنا يتأتى بالأبحاث العميقة التي تسبر غور القضايا، وترد فروعها إلى أصولها لتزنها بميزان الفقه الإسلامي، وتبتكر لها الأسلوب الجديد الذي ينمو بنمو الفقه والحياة معا.
وإذا تعذر الاجتهاد المطلق، أو اجتهاد المذهب؛ فإن الاجتهاد الجماعي أمر ممكن.
وهنا تأتي فكرة مجمع الفقه الإسلامي الذي يضم أشهر فقهاء العالم الإسلامي المستنيرين، ويضم الخبراء المختصين في شئون الاقتصاد، والاجتماع، والقانون، والطب، ونحو ذلك حتى يكون البحث الفقهي معتمدا على خبرة فنية ... والله الموفق.
مناع خليل القطان
(1/423)

محتويات الكتاب:
مقدمة الطبعة الرابعة 3
مقدمة الطبعة الأولى 5
تمهيد 7
أهمية دراسة تاريخ التشريع والفقه الإسلامي 9
حاجة الجماعة إلى نظام يحكم سلوكها 11
معنى القانون 12
معنى الشريعة والتشريع 13
مكان الشريعة الإسلامية بين الشرائع السماوية الأخرى 14
الفرق بين التشريع السماوي والتقنين الوضعي 19
أدوار التشريع ومراحله في تاريخ الفكر الإسلامي 23
الفصل الأول: عصر التشريع
من البعثة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم "سنة 11هـ"
"25- 180".
حالة العربة والعالم عند البعثة، وبيان المهمة التي جاء بها الإسلام 27
التشريع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم 32
مصادر التشريع في هذا العصر 39
أولا: القرآن الكريم 39
التشريع في مكة 45
التشريع في المدينة 49
ارتباط التشريع المدني بالتشريع المكي 52
مميزات الملكي والمدني 53
(1/425)

المكي والمدني 55
مميزات المكي 56
مميزات المدني 58
أسلوب القرآن في الطلب والتخيير ومنهجه في بيان الأحكام 60
أولا: أساليب القرآن في طلب الفعل 61
ثانيا: أساليب القرآن في طلب الكف عن الفعل 63
ثالثا: أساليب القرآن في التخيير والإباحة 67
رابعا: منهج القرآن في بيان الأحكام 68
ثانيا: السنة ومكانتها في التشريع 71
السنة لغة 71
حجية السنة 73
نسبة السنة إلى القرآن من حيث ما ورد فيها من الأحكام 76
المتواتر والآحاد 78
القطعي والظني من السنة 81
مقارنة 81
حجية السنة الصحيحة سواء أكانت متواترة أم آحادا 81
شبه المخالفين في حجية السنة 82
جمع الحديث وتدوينه 88
مناهج تدوين الحديث وأشهر المصنفات في ذلك 89
1- طريقة المسانيد 89
2- طريقة الموضوعات والأبواب 90
3- طريقة المعاجم 91
4- التأليف الموضوعي 91
5- كتب الأحكام 92
أهم الكتب الحديثية وشروحها 92
1- الموطأ 92
(1/426)

2- مسند الإمام أحمد بن حنبل.... 93
3- الجامع الصحيح للبخاري 94
4- صحيح مسلم 94
5- سنن أبي داود السجستاني 94
6- جامع الترمذي 95
7- سنن النسائي 95
8- سنن ابن ماجة 95
شروح لكتب أخرى في الأحكام والمواعظ والآداب والأذكار 96
وجوه أخرى للعناية بالحديث 97
1- المستدركات 97
2- المجاميع 98
المعجم المفهرس للألفاظ أو الموضوعات والمعاني 100
الأحاديث المشتهرة على الألسنة أو الموضوعة 101
بدء كتابة السنة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم 105
اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم 110
تلقي الصحابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم 119
حفظ القرآن في الصحف والصدور 120
إجتهاد الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم 124
خصائص التشريع في القرآن والسنة 132
1- المعروف والمنكر 132
2- شمول الشريعة 133
3 الشريعة كل لا يقبل التجزئة 134
4- نصوص الشريعة الإسلامية وكفايتها بحاجة البشر 134
جملة الأحكام التي جاء بها القرآن والسنة 135
أهم ما أبطله القرآن والسنة من أحكام الجاهلية 136
(1/427)

تاريخ تشريع بعض الأحكام ... 139
أولا - في العبادات 139
ثانيا- في المعاملات 153
ثالثا - في شئون الأسرة "الأحوال الشخصية" 157
رابعا - في الجنايات 166
خامسا - في الجهاد والسير "العلاقات الدولية" 173
الفصل الثاني: الفقه في عصر الخلفاء الراشدين
من سنة 11- 40 هجرية
"181- 254".
الفقه 183
الحالة السياسية 185
مصادر الفقه في هذا العصر 189
جمع القرآن 191
أولا: جمعه في عهد أبي بكر 191
ثانيا: جمع ثمان القرآن، وكتابة المصاحف، وإرساله