Advertisement

تعظيم الفتيا لابن الجوزي


الكتاب: تعظيم الفتيا
المؤلف: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)
المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان
الناشر: الدار الأثرية
الطبعة: الثانية 1427 هـ - 2006 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أعده للشاملة: يا باغي الخير أقبل تعظيم الفتيا

تأليف
الشيخ الإمام جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن علي
الشهير بابن الجوزي
(510 - 597 هـ)

قرأه وعلق عليه ووثق نصوصه وخرج أحاديثه
أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان

الدار الأثرية

الطبعة الثانية
1427 هـ - 2006 م
(/)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فضلنا على الأمم بغزارة العلوم، ورزقنا ما لم يرزقهم من قوة الفهوم، وصلى الله على نبينا محمدٍ البالغ من الشرف أقصى المبروم، وعلى أصحابه وأتباعه صلاة تدوم، أما بعد:
فان الله عز وجل من علينا بالقرآن وحفظه من تبديل وتحريف، وبالسنة التي أنشأ لها علماء يحرسونها عن تجزيف، وباستخراج الفقه منهما وهو العلم الشريف، غير أنه لا يحصل إلا لمن حفظ القرآن والسنة ورزق الفهم اللطيف، وقد كان علماء السلف لا ينصبون أنفسهم للفتوى إلا بعد استكمال شروطها، فكانوا يحفظون القرآن، ويعرفون ناسخه من منسوخه، ومحكمه من متشابهه، وخاصه من عامه، ويوغلون في علومه ويحفظون اللغة العربية والأحاديث المروية، وينظرون في عدالة نقلتها؛ فيميزون صحيحها من سقيمها، وناسخها من منسوخها، ويوغلون في علومٍ لا تلزم لخوف أن تتعلق بما يلزم.
(1/51)

1- أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق، أنا محمد بن مرزوق الزعفراني، [ص:52] أنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابتٍ الخطيب، أنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي وعلي بن أبي علي البصري قالا: أنا علي بن عبد العزيز البرذعي، نا عبد الرحمن بن أبي حاتمٍ، نا أبي، قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى قال: قال محمد بن إدريس الشافعي (رحمه الله) : ((الأصل: القرآن والسنة، فان لم يكن، فقياسٌ عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصح الإسناد منه: فهو سنة، والإجماع
[ص:60]
أكبر من الخبر المنفرد، [والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني: فما أشبه منها ظاهر الأحاديث أولاها به] ، وإذا تكافأت الأحاديث، فأصحها [ص:61] -إسناداً- أولاها، وليس المنقطع بشيءٍ ما عدا منقطع ابن المسيب.
(1/51)

2- أخبرنا عبد الحق، نا ابن مرزوق، أنا أحمد بن علي، أنا إبراهيم بن عمر البرمكي، (ح) وأنبأنا محمد بن عبد الباقي، عن البرمكي، أنا محمد بن عبد الله بن خلف، نا عمر بن محمد الجوهري، نا أبو بكرٍ [ص:68] الأثرم، قال: رأيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه إذا كان في المسألة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث لم يأخذ فيها بقول أحدٍٍٍ من الصحابة [ولا من بعده خلافه] ، وإذا كان في المسألة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قول مختلف تخير من أقاويلهم ولم يخرج عن أقاويلهم إلى [قول] من بعدهم، وإذا لم يكن [فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه قول] تخير من أقاويل التابعين، وربما كان الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي إسناده شيء فيأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، مثل حديث عمرو بن شعيب و [مثل حديث] إبراهيم الهجري، وربما أخذ بـ[الحديث] المرسل ما لم يجئ خلافه.
(1/67)

3- أخبرنا عبد الحق، أنا ابن مرزوق، نا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب رحمه الله، قال: أصول الأحكام في الشرع أربعة: الأول: العلم بكتاب الله عز وجل وما تضمنه من الأحكام محكماً ومتشابهاً، وعموماً وخصوصاً، ومجملاً ومفسراً، وناسخاً ومنسوخاً.
والثاني: العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة من أقواله وأفعاله، وطرقها في التواتر والآحاد، والصحة والفساد، وما كان منها على سببٍ وإطلاقٍ.
والثالث: العلم بأقاويل السلف فيما أجمعوا عليه واختلفوا فيه، ليتبع الإجماع ويجتهد في الرأي مع الاختلاف.
والرابع: العلم بالقياس الموجب لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها، حتى يجد المفتي طريقاً إلى العلم بأحكام النوازل وتمييز الحق من الباطل، فهذا ما لا مندوحة للمفتي عنه ولا يجوز له الإخلال بشيء منه.
(1/68)

4- قال: وقد أخبرنا محمد بن عبد الوهاب الكاتب، أنا علي بن عمر بن محمد الحضرمي، نا حاتم بن الحسن الشاشي، نا علي بن خشرمٍ، أنا عيسى بن يونس، عن ابن عونٍ، عن ابن سيرين، قال حذيفة: لا يفتي الناس إلا ثلاثة: رجل قد عرف ناسخ القرآن ومنسوخه، أو أمير لا يجد بدًا، أو أحمق متكلفٌ.
(1/69)

5- قال: وأخبرنا أبو الموفق محمد بن محمد النيسابوري، نا أحمد بن محمد بن الأزهر، أنا أحمد بن مروان المالكي، نا عبد الله بن مسلمة القعنبي، نا سهيل قال: قال الشافعي (رحمه الله) : لا يحل لأحدٍ يفتي في دين الله عز وجل إلا رجلاً عارفاً بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة [بصيراً بالشعر] وما يحتاج إليه [للعلم والقرآن، ويستعمل مع هذه الإنصاف، وقلة الكلام] ويكون بعد هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، ويكون له قريحة بعد هذا وإذا كان [هذا] هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فـ[له أن يتكلم في العلم و] لا يفتي.
(1/70)

6- أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، عن إبراهيم بن عمر البرمكي [ص:71] عن عبد العزيز بن جعفر، حدثنا أبو بكر الخلال، قال: أخبرني محمد بن علي، نا صالح بن أحمد بن حنبل، [عن أبيه أنه] قال: ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالماً بالسنن عالماً بوجوه القرآن عالماً بالأسانيد الصحيحة، وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفته بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنن، وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها.
(1/70)

7- أخبرنا محمد بن ناصر، نا المبارك بن عبد الجبار، نا عبد العزيز بن علي الأزجي، قال: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد المفيد يقول: نا الحسن بن إسماعيل الربعي، قال: قيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله وأنا أسمع: يا أبا عبد الله كم يكفي الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتي؟ يكفيه مئة ألف؟ قال لا. قيل: مئتا ألف؟ قال: لا. قيل: ثلاث مئة ألف؟ قال: لا، قيل: أربع مئة ألف؟ قال: لا. قيل: خمس مئة ألف؟ قال: أرجو.
(1/71)

فصل
وقد كان علماء السلف رضي الله عنهم مع أنهم قد جمعوا العلوم المشروطة في الفتيا، يمتنعون تورعاً.
8- أخبرنا ابن عبد الخالق، أنا ابن مرزوقٍ، أنا أحمد بن علي الخطيب، أنا الحسن بن أبي بكر، أنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، نا عبد الله بن أحمد بن حنبلٍ، نا أبو معمرٍ، نا حكام الرازي، نا جراح الكندي، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لقد رأيت ثلاث مئة من أهل بدرٍ ما منهم من أحدٍ إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتوى.
(1/72)

9- أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، أنا أبو محمد الصريفيني، أنا [ص:73] عمر بن إبراهيم الكتاني، نا البغوي، نا زهير بن حرب، نا جرير، عن عطاء ابن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: أدركت عشرين ومئةً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار، ما منهم رجل يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه.
(1/72)

10- أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق اليوسفي، أنا محمد بن مرزوق، أنا أحمد بن علي بن ثابتٍ، نا ابن الفضل، نا ابن درستويه، نا يعقوب بن سفيان، نا الحميدي، حدثنا سفيان، نا عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: أدركت مئة وعشرين من الأنصار من [ص:74] أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة، فيرد هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول.
(1/73)

11- أخبرنا ابن ناصرٍ، أنا أبو سهل محمد بن إبراهيم، أنا أبو الفضل القرشي، نا أبو بكر بن مردويه، نا محمد بن أحمد بن إسحاق، نا أحمد بن النضر، نا عامر بن سيار، نا أبو الصباح عن عبد العزيز، عن أبيه -وكانت له صحبة- قال: قال لي أبي: يا بني: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه محزونين كأنهم قوم أغمار لا يحسنون شيئاً، فإذا سئلوا عن شيء أحال بعضهم على بعضٍ، فإياك -يا بني- أن تقول بغير علمٍ فتخرج من الدين.
(1/74)

12- أخبرنا عبد الحق، أنا ابن مرزوق، أنا أبو بكرٍ الخطيب، أنا علي بن أحمد المقرئ، نا محمد بن الحسين الآجري، نا أبو العباس أحمد بن سهلٍ الأشناني، نا الحسين بن الأسود العجلي، نا يحيى بن آدم، نا حماد بن شعيب، عن حجاج، عن عمير بن سعد، قال: سألت علقمة عن مسئلة، فقال: ائت [ص:75] عبيدة فسله، فأتيت عبيدة فقال: ائت علقمة، فقلت: علقمة أرسلني إليك. فقال: ائت مسروقاً فسله، فأتيت مسروقاً، فقال: ائت علقمة [فسله] ، فقلت: علقمة أرسلني إلى عبيدة، وعبيدة أرسلني إليك، قال: فأت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فأتيته، فسألته، فكرهه، ثم رجعت إلى علقمة فأخبرته، فقال: كان يقال: أجرأ القوم على الفتوى أدناهم علماً.
(1/74)

13- وقال الآجري: أنا جعفر بن محمد الصندلي، نا محمد بن المثنى، قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: سمعت المعافى بن عمران [ص:76] يذكر عن سفيان، قال: أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا [ولا يفتون] حتى لا يجدوا بدًّا من أن يفتوا، وقال المعافى: قال سفيان: أدركت [الناس ممن أدركت من] العلماء والفقهاء [وهم] يترادون المسائل يكرهون أن يجيبوا فيها، فإذا أعفوا [منها] كان [ذلك] أحب إليهم.
(1/75)

14- أخبرنا عبد الحق، أنا ابن مرزوق، نا أبو بكر الخطيب، أخبرنا [ص:77] البرقاني، قال: قرئ على عبد الله بن محمد بن زيادٍ -وأنا أسمع-: حدثكم محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى، قال: سمعت الشافعي (رحمه الله) يقول: ما رأيت أحداً جمع الله فيه من آلة الفتيا ما جمع في ابن عيينة أسكت عن الفتيا منه.
(1/76)

15- قال الخطيب: وحدثنا أبو نعيم الحافظ، أنا إبراهيم بن محمد بن يحيى، أنا أبو العباس السراج، قال: سمعت أبا عبد الله المروزي، قال: سمعت إسحاق ابن راهويه يقول: قال ابن عيينة: أعلم الناس بالفتوى أسكتهم فيها، وأجهل الناس بالفتوى أنطقهم فيها.
(1/77)

16- أخبرنا عبد الحق، أنا ابن مرزوق، أنا أحمد بن علي بن ثابتٍ، نا ابن الفضل، أنا ابن درستويه، نا يعقوب بن سفيان، نا الحميدي، نا سفيان، عن عطاء بن السائب، قال: أدركت أقواماً إن كان أحدهم ليسأل عن الشيء فيتكلم وإنه ليرعد.
(1/77)

17- قال يعقوب: ونا الفضل بن زياد نا أحمد نا محمد بن عبد الله الأنصاري، نا الأشعث عن محمد أنه كان إذا سئل عن شيء من الفقه الحلال والحرام تغير لونه وتبدل، حتى كأن ليس بالذي كان.
(1/77)

18- أخبرنا ابن عبد الخالق قال: أنا الزعفراني، أنا أبو بكر أحمد بن علي، أنا أبو حازم العبدوي، أنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم نا إبراهيم بن علي الذهلي، نا أبو الصلت، قال: حدثني شيخ -بقرب المدينة- قال: والله إن كان مالك رضي الله عنه إذا سئل عن مسألةٍٍ كأنه واقفٌ بين الجنة والنار.
(1/78)

19- أخبرنا أبو الحسين اليوسفي، أنا أبو الحسن الزعفراني، نا أحمد بن علي، أنا إبراهيم بن عمر البرمكي، (ح) وأنبأنا محمد بن عبد الباقي عن البرمكي، نا محمد بن عبد الله بن خلف، نا عمر بن محمدٍ الجوهري، نا أبو بكر الأثرم، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: من عرض نفسه للفتيا فقد عرضها لأمر عظيم إلا أنه قد تجيء الضرورة، قال الحسن: إن تركناهم وكلناهم إلى عي شديد، فإنما تكلم القوم على هذا [كان قوم يرون أنهم أكثر من غيرهم فتكلموا] قيل لأبي عبد الله: فأيما أفضل، الكلام أو الإمساك؟ قال: الإمساك أحب إلي، لا شك، [الإمساك أسلم] قيل له: فإذا كانت الضرورة؟ فجعل يقول: الضرورة الضرورة.
(1/78)

فصل
وكان علماء السلف رضي الله عنهم لشدة ورعهم إذا سئلوا عن الشيء يقولون: أوقع هذا؟ فإن لم يكن وقع، قالوا: دعونا حتى يقع.
20- وأخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ، أخبرنا أبو محمد [ص:80] الصريفيني، أخبرنا عمر بن إبراهيم الكتاني، نا البغوي، نا زهير بن حربٍ، نا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبجر، عن الشعبي، عن مسروقٍ، قال: سألت أبي بن كعبٍ عن شيء، فقال: إن كان بعد؟ قلت: لا، قال: فأجمنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا.
(1/79)

21- أخبرنا أبو الحسين بن عبد الخالق، أنا أبو الحسن الزعفراني، [ص:81] أنا أحمد بن علي الحافظ، أنا أبو عمر بن مهدي، أنا ابن مخلد، نا طاهر بن خالد بن نزارٍ، قال: حدثني أبي: أنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد، قال: كان زيد بن ثابتٍ إذا سئل عن الشيء، يقول: كان هذا؟ فإن قالوا: لا، قال: دعوه حتى يكون.
(1/80)

فصل
وكانوا رضي الله عنهم يكثرون من قول: لا أدري، كيف وقد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
22- أخبرنا أبو الحسين اليوسفي، أنا أبو الحسين الزعفراني، أنا [ص:83] أحمد بن علي بن ثابتٍ، أنا علي بن أحمد بن إبراهيم البصري، نا الحسن بن محمد بن عثمان، ثنا يعقوب بن سفيان، نا موسى بن مسعودٍٍ، حدثنا زهير، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن جبيرٍِ، عن أبيه، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أي البلدان شر؟ قال: لا أدري. فلما أتاه جبريل، قال: أي البلدان شرٌ؟ قال: لا أدري. فانطلق جبريل، ثم جاء فقال: إني سألت ربي -تعالى- فقلت: أي البلدان شر؟ فقال: أسواقها.
(1/82)

23- أخبرنا محمد بن ناصر، أنا أبو سهل محمد بن إبراهيم، أنا [ص:84] أبو الفضل القرشي، أنا أبو بكر بن مردويه، نا محمد بن أحمد بن الحسن، نا بشر بن موسى، نا يحيى بن إسحاق، حدثنا شريك عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري، قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام: وابردها على الكبد! إذا سئل أحدكم عن ما لا يعلم، أن يقول: لا أعلم.
(1/83)

24- قال ابن مردويه: وحدثنا دعلج، نا محمد بن علي بن زيد، أنا [ص:85] أحمد بن شبيبٍ، نا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، عن خالد بن أسلم، قال: خرجنا مع ابن عمر فلحقنا أعرابي فقال: أنت ابن عمر؟ قال: نعم. قال: أترث العمة؟ فقال: لا أدري، اذهب إلى العلماء بالمدينة فسلهم، فلما أدبر قبل ابن عمر يديه ثم قال: نِعم ما قال أبو عبد الرحمن، سئل عما لا يدري فقال: لا أدري.
(1/84)

25- قال ابن مردويه: وحدثنا محمد بن إبراهيم بن محمد، نا أبي، نا [ص:86] أحمد بن سعيدٍ حدثنا ابن وهب، حدثنا حفص بن عمر، عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، قال: صحبت ابن عمر أربعةً وثلاثين شهراً، وكان كثيراً ما يسئل، فيقول: لا أدري، ثم يلتفت إلي فيقول: هل تدري ما يريد هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسراً إلى جهنم.
(1/85)

26- أخبرنا عبد الحق اليوسفي، أنا الزعفراني، أنا أحمد بن علي الحافظ، أنا علي بن الحسين، أخبرنا علي بن الحسن الرازي، أخبرنا أبو علي الكوكبي، حدثنا أحمد بن عبيد، أنا الهيثم بن عدي، عن مجالدٍ، قال: سئل الشعبي عن شيء، فقال: لا أدري، فقيل له: أما أن تستحيي من قولك لا أدري وأنت فقيه أهل العراق؟ قال: لكن الملائكة لم تستحي حين قالت: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا} .
(1/86)

27- قال أحمد بن علي: وأخبرنا محمد بن عبيد الله الحنائي، أنا أبو [ص:87] بكرٍ النجاد، حدثنا أبو يحيى الناقد، نا خالد بن خداش، قال: سمعت مالك بن أنس (رحمه الله) قال: كنا جلوساً عند أيوب فسأله عمر بن نافع عن شيء، فلم يجبه [أيوب] ، فقال له عمر: لا أراك فهمت، قال: بلى، قال: فما لك لا تجبني؟ قال: لا أعلم. قال مالك -ونحن نتكلم-.
(1/86)

28- أنبأنا محمد بن عبد الباقي، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر البرمكي، نا محمد بن عبد الله بن نجيبٍ، حدثنا عمر بن محمد الجوهري، نا أبو بكرٍ الأثرم، أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: كان أبي يستفتى، فيكثر أن يقول: لا أدري.
(1/87)

29- أخبرنا ابن ناصر، حدثنا أبو سهلٍ، أنا أبو الفضل القرشي، [ص:88] حدثنا ابن مردويه، قال: حدثني عبد الله بن محمدٍ: حدثنا محمد بن أحمد بن عمرو: حدثنا عبد الله بن أحمد بن كليب: حدثنا عبد الرحمن بن مهديٍ، قال: سأل رجلٌ مالك بن أنس (رضي الله عنه) عن مسألة، فقال: إني لا أحسنها. فقال الرجل: إني ضربت إليك من كذا وكذا لأسألك عنها، فقال له مالك: فإذا رجعت إلى موضعك فأخبرهم أني قلت لك: إني لا أحسنها.
(1/87)

30- قال ابن مردويه: وحدثنا عبد الله بن محمد بن أحمد بن معدان: [ص:89] حدثنا محمد بن مسلم بن وارة، قال: سمعت أبا نعيم يقول: ما رأيت عالما ًقط أكثر قولاً لا أدري من مالك بن أنسٍ (رضي الله عنه) .
(1/88)

31- قال ابن مردويه: وحدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن مهديٍ، حدثنا يحيى بن أكثم، نا عبد الله بن صالحٍ عن الليث، عن محمد بن عجلان، قال: لا أدري جُنة العالم، فإذا أغفلها أوشك أن تصاب مقاتله.
(1/89)

32- قال ابن مردويه: وحدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أحمد بن عمر، وحدثنا الحوطي، حدثنا سعيد بن كثير، قال: سمعت أبا الذيال يقول، تعلم لا أدري، فإنك إن قلت لا أدري علموك حتى تدري، وإن قلت: أدري، سألوك حتى لا تدري.
(1/89)

33- أنبأنا محمد بن عبد الباقي، عن إبراهيم بن عمر البرمكي، حدثنا [ص:90] ابن بطة، حدثنا محمد بن أيوب، قال: قال: إبراهيم الحربي: سمعت رجلاً يسأل أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن يمين، فقال له: كيف حلفت؟ قال الرجل: لست أدري كيف حلفت، فقال أحمد: نا يحيى بن آدم قال: قال رجل لشريك: حلفت ولست أدري كيف حلفت، فقال له شريك: ليت إذا دريت أنت كيف حلفت دريت أنا كيف أفتيك.
(1/89)

فصل
وقد كان في السلف (قدس الله أرواحهم) من إذا عرف أنه قد أخطأ لم يستقر حتى يظهر خطأه ويعلم من أفتاه بذلك.
34- أخبرنا ابن عبد الخالق اليوسفي، نا أبو الحسن الزعفراني، نا أحمد بن علي بن ثابتٍ الخطيب، نا القاضي أبو عبد الله الصيمري، نا العباس بن أحمد الهاشمي، نا أحمد بن محمد المسكي، نا علي بن محمد النخعي، قال: حدثني محمد بن أحمد بن الحسن بن زياد، عن أبيه، أن الحسن بن زيادٍ اللؤلؤي أستفتي في مسألة فأخطأ، فلم يعرف الذي أفتاه، [ص:92] فاكترى منادياً فنادى: أن الحسن بن زياد أستفتي يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ، فمن كان أفتاه بشيء فليرجع إليه، فمكث أياماً لا يفتي حتى وجد صاحب الفتوى، فأعلمه أنه قد أخطأ، وأن الصواب كذا [وكذا] .
قال الشيخ أبو الفرج: وبلغني نحو هذا عن بعض مشايخنا أنه أفتى رجلاً من قريةٍ بينه وبينها أربعة فراسخ، فلما ذهب الرجل، تفكر، فعلم أنه أخطأ، فمشى إليه فأعلمه أنه أخطأ، فكان بعد ذلك إذا سئل عن مسألة توقف، وقال: ما في قوة أمشي أربعة فراسخ؟!
(1/91)

فصل
فلما انقضى ذلك الشرب، وذهب الذين كانوا كاملين في العلوم، قد حصلوا شروط الاجتهاد، جاء بعدهم قوم من الفقهاء، فقلدوا القدماء في تصحيح حديث يحتجون به، وعولوا على الكتب التي وضعها أولئك: كـ ((المسانيد)) و ((السنن)) ، إن كان في تلك الكتب ما لا يجوز تقليده، ثم جاء بعدهم أقوام قصرت هممهم عن مطالعة الكتب التي جمعها أولئك، فصاروا يقلدون التعاليق في باب الأحاديث، وذلك لا يكفي، فرب حديثٍ في التعاليق لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بل رب حديثٍ منقول في ((السنن)) بإسنادٍ لا يجوز التعويل عليه، مثل:
35- ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة -وقد أسخنت ماءً في الشمس- ((لا تفعلي، وأنه يورث البرص)) .
(1/93)

وهذا يرويه وهب القاص وخالد بن إسماعيل، وكانا كذابين.
قال أبو جعفر العقيلي الحافظ: لا يصح في الماء المشمس مسندٌ.
36- ومثل ما روي: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل المضمضة والاستنشاق
(1/96)

للجنب ثلاثاً فريضة)) ، يرويه: بركة بن محمد، وكان كذاباً، وما يقول به أحد من الفقهاء.
37- ومثل: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم)) . وهذا قد رواه نوح بن أبي مريم.
(1/97)

قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال الدارقطني: متروك. وقد رواه روح بن غطيفٍ وليس بثقة، قال البخاري: هذا الحديث باطل. وقال أبو حاتم بن حبان: هذا حديث موضوع لا شك فيه، ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
38- ومثل: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا مهر دون عشرة دراهم)) . يرويه مبشر بن عبيدٍ وكان كذاباً.
39- قال أحمد بن حنبل: لقن غياث بن إبراهيم داود الأودي، عن
(1/98)

الشعبي، عن علي: لا يكون مهر أقل من عشرة دراهم. فصار حديثاً.
40- ومثل ما روى الدارقطني في ((السنن)) من حديث ابن عباس: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فرض صدقة الفطر على كل صغير وكبير، يهودي أو نصراني. وهذا تفرد به سلام الطويل، قال يحيى بن معينٍ: لا يكتب حديثه. وقال النسائي: متروك.
41- ومثل ما روى يحيى بن عنبسة عن أبي حنيفة عن حمادٍ عن
(1/99)

إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يجتمع على مؤمنٍ خراجٌ وعشر)) . وهذا مما وضعه يحيى، لا يرويه غيره.
قال أبو حاتم بن حبان الحافظ: ليس هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحيى بن عنبسة دجال بضع الحديث، لا تحل الرواية عنه.
وكذلك قال الدارقطني: هو دجالٌ يضع الحديث، قال: وهو كذب على أبي حنيفة ومن بعده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا يطول.
وقد ذكروا كثيرا منه في التعاليق، وقد ذكرت أحاديث التعاليق ذكر
(1/100)

منصفٍ، وبينت صحيحها من سقيهما.
(1/101)

فصل
وما زالت الهمم تتقاصر، وآل الأمر إلى خلفٍ هم بئس الخلف، فمات العلم.
(1/107)

42- أخبرنا ابن الحصين، أنا ابن المذهب، نا أحمد بن جعفر، نا [ص:110] عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، نا وكيع، نا هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن عمروٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)) . أخرجه البخاري ومسلم في ((الصحيحين)) .
(1/108)

43- أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، حدثنا أبو محمد الصريفيني، أنا [ص:111] عمر بن إبراهيم الكتاني، نا البغوي، نا زهير بن حربٍ، نا جرير، عن قابوس، عن أبيه، قال: قال ابن عباس: أتدرون ما ذهاب العلم من الأرض؟ قلنا: لا. قال أن يذهب العلماء.
(1/110)

44- أخبرنا عبد الحق، أنا الزعفراني، أخبرنا أحمد بن علي [ص:112] الخطيب، نا أبو عبد الله بن برهان، نا أبو جعفر محمد بن عمرو بن البختري، نا العباس الدوري، نا يعلى بن عبيدٍ، نا يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يخرج في آخر الزمان قومٌ جهالٌ يفتون الناس فيضلون ويضلون)) .
(1/111)

45- قال الخطيب: وأخبرنا علي بن أحمد الرزاز، نا عثمان بن [ص:113] أحمد الدقاق، حدثنا الحسن بن علي القطان، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، حدثنا محمد بن حمير عن إسماعيل -يعني: ابن عياش- قال: حدثني طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: {نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} قال: ذهاب فقهائها، وخيار أهلها.
(1/112)

46- قال: وأخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثني محمد بن أبي زكير، حدثنا ابن وهب، قال: حدثني مالك، قال: أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة [وهو يبكي] ، فقال: ما يبكيك؟ وارتاع لبكائه، وقال له: أدخلت عليك مصيبةٌ، فقال: لا، ولكن أُستفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمرٌ عظيم.
قلت: هذا قول ربيعة والتابعون متوافرون، فكيف لو عاين زماننا هذا؟ وإنما يتجرأ على الفتوى من ليس بعالمٍ لقلة دينه.
(1/113)

وينبغي للمستفتي أن يتحرى بفتواه أهل الدين.
47- أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، أنا ابن مسعدة، أنا حمزة [ص:117] السهمي، نا أبو أحمد بن عدي، حدثنا محمد بن أحمد البلدي، حدثنا إبراهيم بن الهيثم، نا عبد الوارث الخرساني، عن خليد بن دعلج، عن قتادة عن أنسٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن هذا العلم دين، فلينظر أحدكم ممن يأخذ دينه)) . هكذا رواه مرفوعاً، والصواب أنه من قول التابعين، فقد رويناه عن ابن [ص:121] سيرين وابن عونٍ.
(1/116)

48- أخبرنا ابن ناصر، أنا نصر بن أحمد بن [ص:122] البطر، نا ابن رزقويه، أنا أحمد بن كاملٍ، حدثنا محمد بن يونس، حدثنا الضحاك بن مخلد، عن ابن عون، قال: سأل الحسن عن رجل، فقال رجل: يا أبا سعيد الرجل الفقيه، فقال: وهل رأيت بعينيك فقيهاً قط؟ إنما الفقيه الذي يخشى الله عز وجل.
(1/121)

49- أخبرنا ابن عبد الخالق، أنا ابن مرزوقٍ، أنا أبو بكر الخطيب، [ص:123] أنا علي بن محمد بن عبد الصمد، أنا محمد بن إبراهيم بن علي، نا مفضل بن محمد الجندي، قال: سمعت أبا مصعب أحمد بن أبي بكرٍ يقول: سمعت مالك بن أنس (رحمه الله) يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهلٌ لذلك.
(1/122)

50- قال الخطيب: وأخبرنا أبو حازم العبدوي، أنا الحسين بن علي التميمي، قال: سمعت محمد بن إسحاق الثقفي يقول: سمعت الحسن بن عبد العزيز الجروي يقول: حدثنا عبد الله يوسف التنيسي، عن خلف بن عمر -صديق كان لمالكٍ- قال: سمعت مالك بن أنس (رضي الله عنه) يقول: ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل يراني موضعاً لذلك؟ سألت ربيعة، وسألت يحيى بن سعيد فأمراني بذلك، فقلت له: يا أبا عبد الله! [ص:124] لو نهوك؟ قال: كنت أنتهي، لا ينبغي لرجلٍ أن يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من أهو أعلم منه.
(1/123)

51- قال الخطيب (رحمه الله) : ويحقق للمفتي أن يكون كذلك، لأن السائل جعله الحجة له عند الله وقلده فيما قال [وصار إلى فتواه] من غير مطالبة ببرهانٍ [فهو مقام خطر] .
52- قال: وقد أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، نا أبو العباس الأصم، نا عبد الله بن هلالٍ، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، نا إسماعيل بن عبد الله، نا سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر قال: إن العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل [عليهم] .
(1/124)

53- قال: وأخبرنا الجوهري، نا محمد بن العباس، نا يحيى بن صاعدٍ، نا الحسين بن الحسن المروزي، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا المعتمر بن سليمان، عن أبي مخزوم ٍالنهشلي، عن سيار أبي الحكم قال: قال ابن عمر رضي الله عنهما: إنكم تستفتوننا استفتاء قومٍ كأنا لا نسأل عما نفتيكم به.
(1/125)

54- أخبرنا أبو الحسين اليوسفي، أنا أبو الحسن الزعفراني، أنا أحمد بن علي الحافظ، أخبرنا الصيمري، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمدٍ الشاهد، حدثنا مكرم بن أحمد نا أحمد عطية، حدثنا محمد بن سماعة، قال سمعت أبا يوسف يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: من تكلم في شيء من العلم وتقلده، وهو يظن أن الله عز وجل لا يسأله عنه: كيف أفتيت في دين الله؟! فقد سهلت عليه نفسه ودينه.
[قال: وقال ابن عطية: نا ابن سماعة عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة يقول:] ولولا الفرق من الله أن يضيع العلم ما أفتيت أحداً، يكون لهم المهنأ، ولهم الوزر!!
(1/125)

55- أخبرنا ابن عبد الخالق، أنا أبو الحسن الزعفراني، أخبرنا أحمد بن علي، أنا أبو نعيم، أنا أبو بكر محمد بن إبراهيم المقرئ، نا أحمد بن محمد بن سعدان، نا عمار بن خالد، حدثنا عبد الحكيم بن منصور، عن حماد الأبح، عن محمد بن واسعٍ، قال: أول من يدعى إلى الحساب يوم القيامة: الفقهاء.
(1/126)

56- أخبرنا ابن عبد الخالق، أنا الزعفراني، أنا أحمد بن علي، أنا أبن الفضل، أخبرنا ابن درستويه، نا يعقوب بن سفيان، حدثنا هشام بن خالد، نا أبو مسهرٍ، حدثنا مالك بن أنس، قال: حدثني ربيعة، قال: قال لي ابن خلدة -وكان نعم القاضي-: يا ربيعة! أراك تفتي الناس، فإذا [ص:127] جاءك رجل يسألك فلا يكن همك أن تخرجه مما وقع فيه، وليكن همك أن تتخلص مما سألك عنه.
(1/126)

57- أخبرنا ابن عبد الخالق، أخبرنا الزعفراني، أنا أحمد بن علي، أنا ابن مرزوق، أنا عثمان بن أحمد الدقاق، حدثنا حنبل بن إسحاق، نا أبو نعيم، نا سفيان عن يحيى بن سعيد عن القاسم قال: لأن يعيش الرجل جاهلاً خيرٌ له من أن يفتي بما لا يعلم.
(1/127)

فصل
وقد جاء الوعيد الشديد لمن يفتي وليس من أهل الفتوى.
58- أخبرتا محمد بن ناصر، أنا أبو سهل محمد بن إبراهيم، أخبرنا أبو الفضل القرشي، أنا أبو بكر مردويه، حدثا علي بن الحسين [ص:129][الكاتب قال: أنا جعفر بن محمد بن مروان قال: أنا أحمد بن عيسى العلوي قال: أنا محمد بن جعفر بن محمد قال: حدثني أبي عن آبائه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء، وملائكة الأرض)) ] .
(1/128)

فصل
فليسمع هذه النصيحة من يخاف على دينه، ويعرض على طلب الرئاسة في غير وقتها، فقد قال الحكماء: من تصدر وهو صغير فاته علم كثير.
(1/130)

59- وأخبرنا يحيى بن علي، أنا أبو بكر الحافظ، حدثنا الحسن بن الحسين بن حمكان، حدثنا أبو العباس الكندي، حدثنا إبراهيم بن عرفة، حدثنا محمد بن الربيع، قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: من طلب الرئاسة في غير أوانها حرمه الله إياها في أوانها.
وليعلم المؤمن أن الرئاسة على الحقيقة هي تقوى الله عز وجل. وقد قيل للإمام أحمد رحمه الله: إن معروفا الكرخي قليل العلم، فقال: ((وهل يراد العلم إلا لما وصل إليه معروفٌ؟)) .
نسأل الله عز وجل إيمانا صادقاً يقبل بقلوبنا إلى طلب الآخرة ويعرض بها عن زخارف الدنيا الفانية، وأن يجعل اعتمادنا على العمل بمقتضى العلم، وينجينا من الرياء, فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه لم يرح رائحة الجنة)) .
(1/132)

60- وقد أخبرنا أبو عبد الرحمن المرذوي، أنا محمد بن الفضل الصاعدي، [ص:134] أنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، [ص:135] أنا إبراهيم بن محمد، حدثنا مسلم الحجاج، حدثنا علي بن [ص:136] خشرم، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: حدثني يونس بن يوسف عن سليمانٍ بن يسارٍ، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يقول] : ((إن أول الناس يقضى فيه يوم القيامة، ثلاثة: رجل استشهد، فأتي [به] فعرفه نعمه، فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ فقال: قاتلت فيك حتى قتلت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال هو جرئٌ، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت القرآن. فقال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال هو عالم، فقد قيل، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى [ص:137] ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه، فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ فقال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا نفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار؟ أخرجه مسلم في ((الصحيح)) .
آخر الكتاب والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وكان الفراغ منه يوم الأربعاء التاسع من شهر ربيع الأول سنة خمس وستين وست مئة على يد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن علي بن يحيى بن محمدٍ الشهرزوري غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين آمين يا رب العالمين
وذلك بمحروسة بالقاهرة المعزية بدرب شمس الدولة بالمسجد المعروف بالفقراء الحلبيين أعاد الله من بركاتهم علينا وعلى كافة المسلمين آمين رب العالمين
(1/133)