Advertisement

تقويم الأدلة في أصول الفقه


الكتاب: تقويم الأدلة في أصول الفقه
المؤلف: أبو زيد عبد الله بن عمر بن عيسى الدّبوسيّ الحنفي (المتوفى: 430ه)
المحقق: خليل محيي الدين الميس
الناشر: دار الكتب العلمية
الطبعة: الأولى، 1421ه - 2001م
أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بسم الله الرحمن الرحيم
والله المستعان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على رسول الله محمد وآله أجمعين وبعد:
فإن الأصل عقم عن الإنجاب إلا ما شاء الله تعالى، وحكم النسل بالإعجاب، وحكموا بالظن، وخصموا بالطعن، ولم يبق لمن أصاب بتوفيق ربه شيئًا من الإفاقة عن عجبه متعلق غير الكتاب المتلو بلا شك، والخبر المروي بلا إفك، ولا مقتدى غير السلف الذين أخفاهم التراب، ولا مهتدى غير العقول والألباب، ما له من أقرانه إلا ريبة على التلاق، وعيبة لدى الفراق، وما العبد بموفق لسلوك هذا الصراط إلا بعد علمه بالطبقات، ليقرب من الهادية بقدوةٍ، ويبعد من النابية بنبوة، فلن يصل العبد إلى الهدى سابقًا، وقد عرف نفسه فيه لاحقًا.
فنقول وبالله التوفيق: إن الله تعالى جمع في الإنسان بين روح وعقل، وهوى ونفس، تحقيقًا للبلوى، على ما مر شرحه في كتاب "الأمد الأقصى" فالنفس بهواها تدعوه إلى الحاضرة جهلًا، والروح بعقلها تدعوه إلى العاقبة علمًا، فتفرق الناس عن ذلك طبقات أربعًا:
ضال بالهوى غافل عن نفسه، عامه في طغيانه بجهله.
وضال بنفسه ظان أن الأمر كذلك إلى جنسه.
ومهتد إلى ربه بدلائل عقله متأيد بنصوص شرعه.
ومهتد بالروح القدس في أنوار العقل والشرع.
وهؤلاء الطبقة من بينهم إمامهم. فنور الروح أصلي، ونور العقل فرعي على ما بينا في كتاب "الأمد الأقصى" وكتاب "خزانة الهدى".
ثم تفرق هؤلاء الطبقة أحزابًا أربعةً:
- عارف لربه على جهل بتأويل الكتاب والسنة والفقه والحكمة، وأنه لعلى شفا العبث والبدعة.
- وعارف لربه عالم بتأويل الكتاب والسنة بلا فقه واستمداد من الألباب، وأنه لعلى شفاه الضلال والارتياب، فالحوادث ممدودة والنصوص معدودة، فلا يأمن الابتلاء بما لم ينل فيرتاب أو يضل.
- وعارف لربه متفقه برأي قلبه غائب عن طرق الفقه في نصوص شرعه، وأنه لعلى
(1/9)

شفا الهلاك بهواه وعجبه، فما بالعقل وحده هداية إلى حدود الهدى، وما بعد العقل ولا شرع معه إلا الهوى.
- وعارف لربه عالم بنصوص شرعه تفسيرًا وتأويلًا وطرق الفقه في أصل الشرع تعليلًا، وهذا الرجل من بينهم إمامهم لكنه على شفا الفسق، فالعلم صالح لكسب الدنيا والآخرة وطلب المولى والورى، ما ينجو عن المحظور بالمأمور إلا بالنظر في المستور من أقسام أعماله وأحواله.
وأنها أقسام أربعة:
- قسم لهو عن العمل بالعلم.
- وقسم شغل بالعمل عن العلم.
واللاهي قسمان:
- قسم اتخذ العلم مكسبه للدنيا.
- وقسم اكتفى بالعلم حظًا يبتغي.
وهما على ضلال، فما العلم إلا للعمل به، وما العمل إلا ترك العاجلة بالآخرة على مخالفة الهوى في إشارته إلى كسب الحاضرة.
والعامل قسمان:
- عامل على قرار وعزلة.
- وعامل على قرار ودعوة، وأنه من بينهم إمامهم، وإليه نهاية الطبقات.
فأقصى مراتب العبد في الدعوة إلى الله تعالى فإنها رتبة الأنبياء عليهم السلام، وتركوها ميراثًا للعلماء، ولأن الداعي إلى الحق هو الله تعالى بآياته، والعبد عامل له فيها بأمره.
وأما العبادة فحق الله تعالى على عبده، والعبد مؤدٍ عن نفسه ما عليها، فلن يصير العبد بالعمل عاملًا لله حتى يدعو، قال الله تعالى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا}، وقوله: {ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا}، وقال الله تعالى في شأن الرسول عليه السلام: {إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا}، {وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا}.
فأبان الله تعالى شرف الرسول بالدعوة والهداية دون العزلة والعبادة، وقال الله تعالى في شأن الأمة: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} يعني يثبت لهم ولاية الأرض وأهلها وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومبدأه من الهدى ثم العمل به.
وقال الله تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض}. فالخلافة
(1/10)

بالولاية من أقصى المراتب، وأنها تقوى بالنبوة وتزداد قوة بالرسالة، وتضعف بالاستنباط والدلالة، وتزداد ضعفًا بالقنوع بظواهر المسموع.
واليوم قد انقطعت النبوة فكان ما ذكرنا نهاية في القوة، ولأن نفع العبادة خاص ونفع الدعوة عام.
قال العبد رضي الله عنه: إني لما رأيت كل هذا الشرف للعلم ونوره كامن في قلوب البشر، كمون النار في الشجر، ما يقدحها إلا أيدي الهمم العالية، بفكر في الحجج الهادية، وأكثر الناس قبسوه بحواسهم ففقدوه في اقتباسهم، رأيت اتباع السلف في إثارة هذا النور ببيان الحجج فرضًا، ثم إنارته بوقود المداد في صحائف الكتب حقًا، رجاء أن أكون من الأشباه، واستعنت بالله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله على قصد مني تقويم كتاب "الهداية" الذي ذل خاطري [في بعضه] بحكم البداية، فرارًا عن التمادي في الباطل، وتخريجًا على الأصول الأربعة التي بها يتعلق الابتلاء في الحاصل، وبيانًا للحدود التي بها يمتاز البعض عن البعض على وجه خرس دونه ألسنة الأكثر من أولي هذه الصناعة، والله ولي التوفيق لتتميم هذه البضاعة.
(1/11)

وصف النسخ المخطوطة للكتاب
اعتمدنا في إخراج الكتاب على ثلاثة نسخ مخطوطة للكتاب، اثنتان كاملتان وواحدة فيها نقص، عملنا على مقارنتها ببعضها وإخراج النص الحالي بهذا الشكل. والنسخ هي:
أولًا: مصورة نسخة خطية من المكتبة السليمانية باستنبول، تحت رقم (690)، تم نسخها في الليلة التاسعة من شعبان سنة سبع عشرة وسبعمائة هجرية (717ه).
تقع في 260 لوحة، في الصفحة الواحدة 22 سطرًا.
وقد كتبت بخط النسخ الواضح، وعليها كثير من التعليقات والهوامش والتصحيحات المهمة.
ناسخها: هو ابن العميد قوام الدين أمير كاتب الاتقاني. وجاء عنوان الكتاب في بدايتها: "كتاب التقويم في أصول الفقه".
ثانيًا: مصورة نسخة خطية من الكتبخانة المصرية (دار الكتب المصرية) بالقاهرة تحت رقم (255). وهي موجودة في مكتب الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تحت رقم (1822)، تم نسخها في السابع والعشرين من صفر الخير سنة ألف وثلاثمائة وعشرين هجرية (1320ه).
تقع في 956 لوحة، في الصفحة الواحدة 15 سطرًا.
وقد كتبت بخط واضح مقروء.
ناسخها: اسمه محمد أمين الدنف الأنصاري، وجاء عنوان الكتاب في أولها: "تقويم أصول الفقه وتحديد أدلة الشرع".
ثالثًا: مصورة نسخة موجودة بمكتبة سماحة الشيخ خليل الميس من مجموعة مصورات المخطوطات التي يملكها، فيها بعض النقص والطمس في صفحاتها وأسطرها. تم نسخها سنة أربع وسبعين وتسعمائة (974ه).
تقع في 432 لوحة، في كل صفحة 21 سطرًا. خطها واضح مقروء.
ناسخها: هو سيد محمد بن سيد عبد القادر، وجاء عنوان الكتاب في بدايتها: "تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي في علم أصول الفقه".
وبالجملة فقد حفظ لنا التاريخ هذا الأثر العلمي النفيس كاملًا غير منقوص، وفي حالة جيدة.
(1/12)

القول في أسماء أنواع الحجج
التي بها ابتلينا بعلم ما شرع الله تعالى من أحكامه ولزمنا العمل بها، وبها يمتاز البعض عن البعض بعرف لسان الفقهاء، وهذه الأسماء أربعة: الآية، والدليل، والعلة، والحال.
فأما الحجة: فاسم يعم الكل، وكذلك البينة والبرهان.
وتفسير الحجة: أنها اسم من حج إذا غلب، يقال: لج فحج أي غلب، وحاججته فحججته أي: غلبته ألزمته بالحجة حتى صار مغلوبًا.
فسميت الحجة حجة لأن حق الله تعالى يلزمنا بها، ويجعلنا مغلوبين في المناظرة مع الله تعالى بانقطاع العذر بها.
ويحتمل أن يقال بأن الاسم مأخوذ من معنى وجوب الرجوع إليه عملًا به من قول الشاعر:
يحجون سب الزبرقان المزعفرا
أي يرجعون إليه معظمين إياه، ومنه: "حج البيت".
ألا يرى أن الله تعالى سمى البيت مثابة للناس كما يسمى من الحج محجة، والمثابة المرجع، وسواء أوجبت علم اليقين أو دونه لأن العمل يلزمنا بنوعي العلم على ما يأتيك بيانه من بعد في باب خبر الواحد والقياس.
وكذلك البينة: وهي من البيان قال الله تعالى: {فيه آيات بينات} أي ظاهرات، وهذا لأن الحجة إنما يجب العمل بها إذا ظهر للقلب وجه الإلزام منها، وسواء ظهر ظهورًا أوجب علم اليقين وما دونه لأن العمل يجب بها على ما قلناه.
وكذلك البرهان: اسم للحجة على العموم لغة، وأنواعه أربعة على ما قلنا.
أما الآية: فاسم على الإطلاق لما يوجب علم اليقين، ولذلك سميت معجزات الرسل آيات، قال الله تعالى: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات}، وقال تعالى: {فاذهبا بآياتنا} وهي المعجزات لأن المعجزة توجب علم اليقين بنبوة الرسل. وتفسيرها لغة: العلامة، قال الشاعر:
(1/13)

درست وغيرت أيها العصر
وقال الله تعالى: {فيه آيات بينات مقام إبراهيم} أي: علامات.
فإن قيل: ومن الناس من لم يعلم بالنبوة بعد ظهور الآيات فكيف يكون تفسيرها ما يوجب العلم؟
قلنا: إن هذه الحجج التي نتكلم فيها مما لا توجب العلم جبرًا بل بالتأمل فيها توجب، وإنما جهل من جهل بعد الآيات بالرسل بترك التأمل لكنه لم يعذر لأن العاقل مما يلزمه التأمل فيها فلم يعذر بالترك، ولو كانت الحجج موجبة للعلم جبرًا لما تعلق بها ثواب ولا عقاب.
وأما الدليل: فهو اسم لحجة منطق، لأنه في اللغة؛ فعيل بمعنى فاعل، فكان اسمًا لفاعل الدلالة كالدال. وعنه قيل: يا دليل المتحيرين أي: هاديهم إلى ما يزول به حيرته، وكذلك دليل القافلة، ثم سمي كلامه باسمه دليلًا، ولما كان حجة نطق كان غير الاسم الموضوع لما لا نطق له. فإن قيل: إن الدخان دليل على النار، والبناء دليل على الباني ولا نطق هناك!. قلنا: إنه اسم مجاز لوجود معنى دلالة النطق منهما، كما قال الله تعالى: {جدارًا يريد أن ينقض فأقامه}.
وقال تعالى: {قالتا أتينا طائعين} وكقول الشاعر:
وعظتك أجداث صمت
ثم الدليل مجازًا كان أو حقيقة: اسم لما يبين أمرًا كامن، وسائر الحجج أسماء لما يبين أو يوجب حكمًا مبتدأ فصار الدليل اسمًا خاصًا لما هو مبين.
والشهادة مثل الدليل، لأنها حجة منطق في الأصل كالدلالة، إلا أنه أخص من الدلالة وهما سواء أوجبا علم اليقين أو دونه، فالشهادات في مجلس القضاة تسمى بينات، وهي لا توجب العلم يقينًا.
وأما العلة: فتفسيرها لغة: اسم لحال تغير بحلوله حكم الحال، أو اسم لما أحدث أمرًا بحلوله لا عن اختيار كالمرض يسمى علة لتغير حكم حال الإنسان بحلوله لا عن اختيار للمريض فيه، وكذلك الجرح علة الموت إذا سرى إليه لهذا الحد، ولا يسمى الجارح علة لأنه مختار غير حال بالمجروح، ولهذا لم يجز وصف القديم -عز ذكره- "بالعلة" لأن الله تعالى أنشأ عن اختيار، ولا يوصف بالحلول، فكانت العلة على هذا السبيل نوعًا ثالثًا غير الآية والدليل لأنهما يوجبان الحكم بلا حلول.
والمراد بالعلة بعرف لسان الشرع: المعاني المستنبطة من النصوص التي تعلقت بها الأحكام شرعًا فيها، وتعدت بتعديها إلى الفروع، لأن تلك المعاني بحكم حلولها في
(1/14)

المنصوص عليها غيرت أحكامها لا عن اختيار إلى العموم عن الخصوص.
فإن قوله صلى الله عليه وسلم: "الحنطة بالحنطة مثل بمثل والفضل ربا" غير حال بالحنطة.
ولكن قولنا: إنه مكيل أو مطعوم حال بها.
وهذه العلل تسمى مقاييس لأنها قد تستنبط بالمقايسة فسميت باسم سببها وتسمى نظرًا لهذا المعنى.
وأما حكمها: فالعلم على شبهة متى أريد بها هذه العلل التي هي مقاييس اجتهاد، وقد توجب حكم العلة بلا شبهة إذا أثبتت عللًا بطريق بلا شبهة.
وقد يجوز أن تسمى هذه العلل الشرعية أدلة لأن هذه المعاني دلتنا على حكم الله تعالى في الفروع.
وعلل الشرع أعلام وآيات في الحقيقة على الأحكام والموجب هو الله تعالى.
ولا يجوز أن تسمى الأدلة عللًا لأن في العلة معنى الإيجاب، وما في الدليل ذلك كالدخان نسميه دليلًا على النار ولا نسميه علة.
وكل دليل على شيء علة في حق علمك لأن العلم وجب لك به.
وأما الحال: فعبارة عن الحكم الثابت عن دليل غير متعرض لبقائه ولا لزواله محتمل للزوال بدليله لكنه ملتبس عليك حاله لأن ما ثبت دام حتى يقوم دليل البطلان، على ما نبينه في موضعه.
ثم كل نوع مما ذكرنا من أنواع الحجج ينقسم إلى قسمين: ظاهر وباطن.
فالظاهر: ما عقل بالبديهة.
والباطن: ما لم يعقل إلا بتأمل. فعصا موسى كانت آية ظاهرة، إذ تلقفت عصي آل فرعون فعلمتها السحرة آية ببديهة عقولهم، وكذلك انفلاق البحر وانفجار الصخرة.
والقرآن لمحمد صلى الله عليه وسلم آية باطنة ما يعرف معجزة إلا بعد تأمل ونظر ومعارضة بسائر أنواع كلام البشر، وما للظاهر رجحان بظهوره، ولا للباطن رجحان ببطونه، بل الرجحان موقوف على قدر الأثر في مضمونه.
ألا ترى أن الله تعالى خلق الدنيا ظاهرة والآخرة باطنة، ثم لم يكن الرجحان بظهور ولا بطون بل كانت الراجحة منهما ما كانت باقية.
وكذلك الرأس ظاهر والقلب باطن ولكل واحد منهما ضرب درك، وكان الرجحان للقلب لوقوفه على العاقبة.
(1/15)

والنص حجة ظاهرة من الرسول صلى الله عليه وسلم.
والعلة حجة باطنة لا تنال إلا بتأمل من العقول.
وكذلك الشمس ضياء ظاهر والعقل ضياء باطن.
والأغذية علل ظاهرة لمصالح عاجلة، والأدوية علل باطنة لمصالح في العاقبة.
وكذلك علل الشرع بعضها أظهر من بعض حتى سمى علماؤنا الظاهر منها؛ قياسًا، والباطن استحسانًا، ثم أخذوا بالقياس مرة وبالاستحسان أخرى ليعلم أن الرجحان بقدر قوة المعنى.
وكذلك الدليل قد تكون دلالته ظاهرة كالدخان على النار، وقد تكون دلالته باطنة كالنجم على الطريق، فإنه لا يهتدى به إلا بضرب تأمل فصار حد الآية ما يفيد العلم يقينًا إذا أبصرها القلب على اضطرار كما إذا رأى شخصًا بالعين بلا ستار، والآية آية سواء نظر العبد فيها فأبصر، أو لم ينظر وقصر. وصار حد الحجة ما يغلب الهوى، فإن للقلب نظرًا بموجب الهوى ونظرًا بموجب العقل فإذا قامت الحجة عليه غلبت جهة العقل جهة الهوى، وسواء في ذلك اضطر القلب إلى العلم بارتفاع الشبهة أو لم يضطر، ووقعت الغلبة بالنظر أو تكاسل فلم يبصر.
وصار حد الدليل ما أتى منه فعل الدلالة بحيث لو تأمله ذو البصيرة لاستدلال به واهتدى، وسواء فيه تأمل أو لا، فأوجب العلم قطعًا أو كان دونه حدًا، وصار حد العلة ما تعلق به الإحداث والإيجاد بلا اختيار بقدر الحلول بمحل الحكم ولكن في علل الشرع يراد بها ما تعلق بحلولها وجوب الأحكام في حقنا لا حدوثها في أنفسها بذوات تلك العلل.
فالعلل الشرعية صارت عللًا بجعل الشرع إياها عللًا لا بذواتها، فصارت بذواتها أعلامًا لما لم تكن موجبة.
غير أنا سمينا هذه المعاني المستنبطة من النصوص عللًا مجازًا لتعلق وجوب الأحكام بها في حقنا شرعًا لا في حق الله، وهي حالة بمحل الأحكام لا وجوب في حقنا قبل الشرع، ولا وجود بعد الشرع قبلها فكانت هذه العلل بمنزلة شرط الطلاق في اليمين بالطلاق في حق المرأة.
فالشرط علم على الطلاق في حق الزوج وفي حق الطلاق، فإنه وجب معه بتطليق الزوج، ولكنه علة في حق الوجوب للمرأة حتى إن الطلاق لا يعمل فيها إلا إذا كانت بمحل الإيقاع ابتداءً حال وجود الشرط، ويعمل وإن لم يكن الرجل من أهله حين الشرط.
لأن العلة في حق الطلاق نفسه لفظ الزوج فيعتبر شرط صحته حال تلفظه.
(1/16)

والدليل عليه أن هذه المعاني كانت موجودة قبل الشرع ولم تكن موجبة لهذه الأحكام، ولو كانت موجبة لذواتها لم تنفك عن معلولاتها كشرط الطلاق يوجد من المرأة قبل تعليق الزوج الطلاق به ولا يوجب طلاقًا.
وصار حد الحال ما يوجب البقاء على الثابت من الحكم لجهلك بالدليل المغير لا لعلمك بالدليل المبقي.
(1/17)

القول في أنواع الحجج نفسها
الحجج نوعان: عقلية وشرعية.
وكل نوع قسمان: موجبة للعلم ومجوزة.
فالموجبة: ما أوجبت العلم قطعًا بموجبها ولم تجوز خلافه.
والمجوزة: ما جوزت إطلاق اسم العلم على موجبها وإن جوزت خلافه.
ثم العقلية: ما عرفت حججًا بالاستدلال بمجرد العقول.
والشرعية: ما لم تعرف حججًا إلا بوحي الله تعالى وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه جملة لا نعرف فيها خلافًا فإن من بنى على السماع علمه ما اهتدى إليه حتى يحكم عقله.
فالمسموع في نفسه خبر يحتمل الصدق والكذب، وقائله رجل مثله من الخلق فلا يجوز له اتباع مثله ولا الحكم بقوله حتى تزول عنه جهة كذبه، ولن تزول إلا بمعجزة، ولا معجزة نعرفها إلا بتأمل عن عقله.
ولأنا نرى من لا يعرف الشرع أصلًا يستدل بالبناء على الباني، ويهتدي إلى المصالح الدنيوية ويصل إليها بالدلالات العقلية بنوعي علم: علم بلا شك، وعلم بغالب الرأي مع ضرب ارتياب بحيث جاز أن يتبين له في ضده الصواب.
وكذلك الشرعية فكتاب الله تعالى حجة يوجب العلم قطعًا بلا ريب.
وخبر الواحد يوجب علمًا مع ضرب شك فعلمت أن هذه جملة لا خلاف فيها، وإنما الخلاف في حق أحكام الله تعالى على ما يأتيك شرحها.
(1/18)

القول في أنواع الحجج الشرعية الموجبة للعلم
قال العبد رضي الله عنه: إن الحجج العقلية وإن كانت قبل الشرعية وجودًا في الذوات، فإني قدمت الشرعية فهي أظهر منها بدرجات.
فالشرع على مثال ضوء النهار.
والعقل على مثال نور النار.
والقلب على مثال العين، فكم من عين لم تر في ضوء السراج، رأت إذا بزغ الضياء الوهاج، لا نظره الجلي فيرغب به في الخفي.
فأقول وبالله التوفيق: إن الحجج الشرعية الموجبة للعلم أربع: كتاب الله تعالى، وخبر الرسول المسموع منه، والمروى بالتواتر عنه، والإجماع.
وطريق ذلك كله واحد، وهو خبر الرسول لأنا لم نعرف الكتاب -كتاب الله تعالى- إلا بخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وكذا الإجماع ما ثبت حجة قاطعة إلا بكتاب الله والسنة.
والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتواتر كالمسموع منه على ما يأتيك بيان كل قسم في بابه.
فثبت أن المدار على خبر الرسول، وخبر الرسول صدق وحق لدلالة قامت على أن رسول الله لا يكون رسولًا حتى يكون معصومًا عن الكذب وبالله التوفيق.
(1/19)

القول في بيان حد الكتاب وكونه حجة
كتاب الله تعالى: ما نقل إلينا بين دفتي المصاحف على الأحرف السبعة المشهورة نقلاً متواتراً، لأن ما دون المتواتر من الأخبار لا يبلغ مرتبة العيان على ما يأتيك البيان، فلا يوجب الإيقان، وكتاب الله تعالى ما علم يقيناً، وأوجب علم اليقين إلا لأنه أصل الدين وبه ثبتت الرسالة وقامت الحجة على بطلان الضلالة.
فإن قيل: كون كتاب الله تعالى معجزاً دليل على أنه من الله تعالى من غير نقل متواتر.
قلنا: إن كل آية منه ليست بمعجزة، وهي حجة قطعاً فلا تثبت إلا بعد السماع من الرسول صلى الله عليه وسلم. أو نقل عنه بالتواتر.
على أن كونه معجزاً آية على صدق صاحبه في دعواه، وليست بآية على أنه كلام الله، فإنه كان جائزاً أن يقدر الله تعالى رسوله على كلام يعجز عنه الأنام فيكون آية على صدق رسالته، كما أقدر عيسى عليه السلام على إحياء الموتى، ولهذا قالت الأئمة فيمن قرأ في صلاته بكلمات تفرد بها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن صلاته لا تجوز، كما لو قرأ خبراً من أخبار الرسول.
فإن قيل: فإذا الدليل على القرآن النقل المتواتر لا دفات المصاحف؟
قلنا: إن الصحابة رضي الله عنهم ما أثبتوا القرآن في المصاحف بعد حفظ القلوب إلا ليصونوه بها عن الزيادة والنقصان، حتى كرهوا التعاشير وكتابة رأس السورة وأمروا بالتجريد فأثبتوا فيها ما تواتر إليهم نقله وأطبق عليه أهله وشهدت به نسخة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظمه.
فإن قيل: إن التسمية نقلت إلينا مكتوبة بقلم الوحي بين دفات المصاحف لمبدأ كل سورة ثم لم يعدوها آية منها.
قلنا: إن أصحابنا قالوا في المصلي؛ ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يفتتح القراءة ويخفي بسم الله الرحمن الرحيم. ففصلوها عن الثناء، ووصلوها بقراءة القرآن فدل هذا الإطلاق على أنها من القرآن عندهم، لكنهم قالوا: ويخفي. كما قالوا بإخفاء القراءة في الأخريين ليعلم أنها ليست بآية من الفاتحة وإنما قرئت تبركاً بها لا أداءً لفرض القراءة، فإن الفاتحة عينت لذلك شرعاً.
وقد روي عن محمد بن الحسن أن التسمية آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور
(1/20)

وللبدء تبركاً بها فكتبت بقلم الوحي لأنها آية من الكتاب، وكتبت بخط على حدة غير موصولة بالسورة لأنها ليست من تلك السورة، وكيف تثبت التسمية آية من كل سورة مع اختلاف الناس والأخبار، وأدون أحوال الاختلاف المعتبر إيراد شبهة، والقرآن لا يثبت مع الشبهة.
فإن قيل: إنكم أخذتم بقراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في كفارة اليمين: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات" فشرطتم التتابع لجواز الكفارة.
قلنا: أخذنا بها عملاً بها كما لو روي خبر عن الرسول عليه السلام لأنه ما قرأها إلا نقلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما لم يثبت قرآناً لفوات شرطه بقي خبراً.
فإن قيل: فهلا أخذتم بأخبار التسمية الدالة على أنها من الفاتحة عملاً بها من حيث الجهر بها في الصلاة، وحرمة القراءة على الحائض والجنب التي هي من حكم القرآن.
قلنا: لأنا متى صرفناها إلى أن التسمية في حكم الفاتحة لم تكن حكماً لها بظاهر ما توجبه التسمية لغة بل كان عملاً بمقتضى أنها من القرآن، ولا عموم للمقتضى عندنا، وإنما يوجب العمل به بأدنى ما لا بد منه.
والحرمة على الحائض لا بد منها، ولم يرو عن أصحابنا شيء في إباحة القراءة لها.
فأما الجهر بها في الصلاة فمما لا يجب لا محالة بحكم أنها من الفاتحة على ما بينا أنه لا يجهر بها في الأخريين.
ولأن متى لم تثبت التسمية آية من القرآن على قول بعضهم بقيت خبراً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولو كانت خبراً لم يكن من حكمه الجهر بقراءته ولا حرمته على الجنب لغة.
فإما الكلام في أن القرآن حجة:
فإنه كلام الله تعالى، وقد ثبت ان الله تعالى لا يتكلم بالباطل، وبالله التوفيق.
(1/21)

القول في تحديد المتواتر وكونه حجة موجبة
اختلفت العبارات في حد المتواتر، والمختار عندنا؛ ما تواتر نقله أي: اتصل بك من النبي صلى الله عليه وسلم بتتابع النقل.
يقال: تواترت الكتب أي: اتصل بعضها ببعض بتتابع الورود.
ولا تثبت حقيقة الاتصال إلا بعد ارتفاع شبهة الانفصال ومتى ارتفعت الشبهة ضاهى المتصل منه بك بحاسة سمعك.
فطريق هذا الاتصال أن ينقله إليك قوم لا يتوهم في العادات تواطؤهم على الكذب لكثرتهم، لأن الناس على همم شتى تبعثهم على العمل بموافقتها ما يرجعون عنها إلى سنن واحد، إلا عن أصل آخر جامع مانع وذلك سماع اتبعوه أو اتفاق صنعوه، فمتى بطل وهم الاجتماع تعين لهم السماع.
ألا ترى أنك علمت بكون السماء فوقنا، كذلك قبلنا بالسماع كما علمتها للحال بالرؤية.
وعلمت أباك سماعاً حسب ما علمك أبوك عياناً.
ثم إنه حجة بمنزلة آية من كتاب الله تعالى لأنه قد ثبت بالدلائل أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم عن الكذب والكلام بالباطل، ولأن كتاب الله تعالى ما ثبت إلا بخبره، وعلى هذا أسئلة ذكرناها في باب "مراتب الأخبار" من بعد.
(1/22)

القول في بيان أن الإجماع من هذه الأمة حجة
إجماع هذه الأمة حجة موجبة للعلم شرعاً، كرامة لهذا الدين، لدلالة أن المجوس اجتمعت على أشياء كانت باطلة، وكذلك النصارى واليهود وسائر الكفرة، وهم أكثر منا عدداً.
ولأن الإجماع جائز من الخلق اتباعاً للآباء من غير حجة بطباعهم كما فعلت الكفرة، فلا يصير عينه حجة فثبت أن إجماعنا جعل حجة شرعاً وذلك بقوله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}.
أخبر أنه يخرج المؤمنين من ظلمات الكفر والباطل إلى نور الإيمان والحق، ولو جاز إجماعهم على الباطل لكانوا في ظلمة فكيف يكون خلاف ما أخبر الله تعالى وأنه لا يجوز.
وقال الله تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور}.
وقال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} وكلمة خير بمعنى أفعل فيدل على نهاية الخيرية ونفس الخيرية في كينونة العبد مع الحق، والنهاية في كينونته مع الحق على الحقيقة، فدل صفة الخير وهو بمعنى أفعل على أنهم مصيبون لا محالة الحق الذي هو حق عند الله تعالى إذا أجمعوا على شيء، وإن ذلك الحق لا يعدوهم إذا اختلفوا.
وكذلك قال الله تعالى: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} والمعروف والمنكر على الإطلاق ما كان معروفاً ومنكراً عند الله.
فأما الذي يؤدي إليه رأي المجتهد من غير إصابة ما عند الله تعالى فمعروف ومنكر في حقه ورأيه لا أن يكون معروفاً ومنكراً مطلقاً، فكان هذا بياناً لصدر الآية في أن كانوا خير أمة بهذا السبب وهو إصابة المعروف المطلق.
فإن قيل: معنى قوله "تأمرون" أي: يأمر كل واحد منكم كقولك: لبس القوم ثيابهم، وقول كل واحد ليس بحجة.
قلنا: نعم، فيجب إذا أمر كل واحد منهم بمعروف أن يكون المعروف المطلق في جملة ما أمروا.
وقال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} والوسط في اللغة: من يرتضى قوله.
وقال الله تعالى: {قال أوسطهم ألم أقل لكم} أي أرضاهم قولاً، ومطلق
(1/23)

الارتضاء في إصابة الحق عند الله تعالى لأن الخطأ في الأصل مردود ومنهي عنه، إلا أن المخطئ ربما يعذر بسبب عجزه ويؤجر على قدر طلبه للحق بطريقه لا أن يكون الخطأ بعينه مرضياً عند الله تعالى.
وقال تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} والشاهد: اسم لمن ينطق عن علم ولمن قوله حجة.
فدل النص على أن لهم علماً بما على الناس من الأحكام، وأن أقوالهم حجة على الناس في حق الله تعالى.
والله تعالى عالم بحقائق الأمور فلا تثبت الحجة حجة في حقه على حكمه إلا ما أوجب العلم يقيناً قطعاً.
بخلاف حجج العباد لأنا لا نقف على حقوقنا إلا من طريق الظاهر فكانت حجتنا ثابتة وفاق حقوقنا.
وكذلك خبر الله تعالى عن علمهم لا يقع إلا حقيقة. ألا ترى أن الله تعالى شبه شهادتنا على الناس بشهادة الرسول علينا فقال الله تعالى: {ويكون الرسول عليكم شهيداً} وشهادة الرسول موجبة للعلم قطعاً فكذلك شهادتنا.
ولأن شهادة جماعتنا لو لم تكن موجبة علماً كالوحي لصارت معارضة بشهادة غيرنا بآرائهم فلا تبقى حجة.
فإن قيل إن الآية وردت في أمور الآخرة!.
قلنا: لا تفصيل في الآية، ولأن شهادة أداء في مجلس القضاء بما علمنا في الدنيا.
فلو لم تكن شهادتنا حجة موجبة للعلم قطعاً لما طلب أداؤها في مجلس الحكم للقضاء بها، والقاضي علام الغيوب لا يقضي إلا بالثابت حقاً على الحقيقة.
ومتى احتمل علمنا للحال الخطأ لم تكن شهادتنا موجبة علماً لا يحتمل الخطأ.
ولن الله تعالى حيث نص على الآخرة خص الرسول عليه السلام بالشهادة فقال: {وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا} وقال: {ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم} ولم يقل شهيداً من أمتك فلت هاتان الآيتان على أن المراد بشهادة الأمة الشهادة في الدنيا.
فإن قيل: إن المراد بها في نقل القرآن والأخبار.
قلنا: لا تفصيل في الآية، ولأنه لا ذكر للمشهود به فتعين المشهود به لتعليق الحكم به زيادة على كتاب الله تعالى وذلك يجري مجرى النسخ على ما يأتيك بيانه فلا يكون تأويلاً.
(1/24)

ولأن نقل المتواتر لا يثبت إلا بقوم لا يجوز تواطؤهم على الكذب في العادات لكثرتهم، والإجماع من علماء الأمة حجة وإن كانوا ثلاثة أو خمسة أو عشرة، وجاز تواطؤهم على الكذب عادة.
فإن قيل: إن جعلهم الله تعالى وسطاً ليكونوا حجة لا يدل على امتناع إجماعهم على الضلالة كما قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} أخبر أنه خلقهم ليعبدوه ثم لم يمتنع إجماعهم على ترك العبادة.
قلنا: لأن معنى قوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} بجعل الله تعالى وإكرامه إياهم بأن جعلهم وسطاً، واصطفاهم حتى كانوا وسطاً فصاروا شهداء عن علم بإصابتهم الحق بهذه الصفة، كما خلقهم الله أحراراً ليكونوا من أهل ملك ما سواهم، فكانت اللام لبيان حكم صفة الوساطة التي من الله تعالى بها عليهم فحقيقتها تقتضي ثبوت الحكم إذا ثبتت العلة كما تثبت أهلية الملك إذا ثبتت الحرية، على هذا موجب اللغة.
وكما خلق الله الأنبياء عليهم السلام معصومين عن الكذب والباطل، وكذلك الملائكة حتى كان قولهم موجباً علم اليقين إلا أن الحقيقة تركت في قوله: {ليعبدون} إذ لو عمل بها لاقتضت وقوع العبادة على سبيل الجبر حكاً للتخليق.
والمطلوب منا عبادة يوصف العبد بالاختيار في فعلها فبهذه الدلالة علمنا ان المراد بها: وما خلقت الجن والإنس إلا وعليهم عبادتي، وما منا أحد غلا وعليه أمانة الله تعالى التي حملها الإنسان على ما يأتيك سلاحه على التفصيل.
ونظير قوله: {لتكونوا شهداء على الناس} قوله: {ويكون الرسول عليكم شهيداً} فإن قيل: خبر الواحد حجة في حق الله تعالى وكذا القياس ولا يوجبان العلم قطعاً!.
قلنا: أصل الحجة خبر الرسول، وخبره يوجب العلم قطعاً، والشبهة وقعت في النقل وتحمل ذلك لضرورة.
وأما القياس فليس بحجة لنصب الحكم ولكن لتعديه حكم ثبت بنص أصله موجب للعلم إلى محل لم يتناوله النص.
والكلام في الأصل والإجماع من قبلهم حجة لحكم لا نص فيه كرامة لهم على ما قال: {كنتم خير امة اخرجت للناس}، وقال: {لتكونوا شهداء} أثبت تلك الصفة لهم من قبله لا من قبلهم على ما مر.
على أنا لم نجعلهما حجة في حق العلم بما عند الله تعالى بل في حق العمل الذي يلزمنا بهما.
(1/25)

ويجوز ذلك في حق ما عندنا لأنا لم نؤت في كل شيء علم الحقيقة كما نعمل بالشهادات، وهي لا توجب العلم قطعاً وقال: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى} الآية ولو جاز إجماعهم على الضلالة لما كان مخالفتهم نظيراً لمشاقة الرسول.
فلما جعل مخالفتهم أحد شطري استيجاب النار علم أنها مثل الشطر الآخر.
وقال: {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} والذي ارتضاه الله تعالى لنا هو الذي هو حق عنده دون الخطأ، وإن عذر الله المجتهد على خطئه وأثابه على قدر طلبه فإن الثواب قابل الطلب لكونه مصيباً فيه.
والدين اسم للمطلوب وقد جاء عن الرسول عليه السلام من غير واحد: "إن الله تعالى لا يجمع أمتي على الضلالة" وقد جاء الوعيد بمخالفة الجماعة وهو قوله عليه السلام: "من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" وقد صنف الناس في هذا الباب، وأوردوا من المشاهير ما يوجب العلم وكتابنا هذا كان يضيق عن ذكرها على الاستقصاء فاكتفينا بالكتاب وبالإشارة إلى السنة.
فإن قال قائل: إن الاختلاف وقع من إجماع انعقد عن رأي او خبر واحد وإنهما لا يوجبان العلم فكيف أوجب العلم إجماع تفرع عنهما؟
قلنا: اتصالهما بالإجماع وقد ثبت بالأدلة أن الكل عصموا عن الباطل كان بمنزلة الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم وتقريره على ذلك، او الاتصال بآية من كتاب الله تعالى وغير مستنكر أن لا يصيب الواحد الحق برأيه، ويصيب إذا قوي بآراء مثله، كما يجوز ضعفه عن حمل شيء ثقيل وقدرته عليه مع غيره.
فإن قيل: قال الله تعالى: {يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله} إلى قوله: {وأنتم شهداء}.
قلنا: يحتمل أن يقال؛ أن إجماعهم كان حجة ما داموا متمسكين بالكتاب، وإنما لم نجعل اليوم إجماعهم حجة لأنهم كفروا به وإنما ينسبون إلى الكتاب بدعواهم لأن تأويل الآية: {وأنتم شهداء} بما فيه نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلم لا تشهدون بالحق، ألا ترى أنه قال: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس} يعني الكتاب وهو الذي سبق ذكره، وابتدأ الآية بقوله: {يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجاً وأنتم شهداء} فثبت أنهم شهداء بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبنقل ما في الكتاب لا غير.
(1/26)

وقال: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} إلى قوله: {وكانوا عليه شهداء} وشهادتهم بما أثبت الله تعالى لهم كانت حجة موجبة قطعاً وصاروا كفاراً بمنعها ولم يجز خلوهم عن ذلك العلم.
وقال في شان هذه الأمة: {لتكونوا شهداء على الناس} ولم يقل على الكتاب، فدل على علمهم قطعاً بما على الناس من أحكام الله تعالى وأنهم بالإعراض عن ذلك قصداً يكفرون ولم يجز أن يعدوهم علم الحق.
(1/27)

القول في تحديد الإجماع
حد الإجماع الذي هو حجة؛ إجماع علماء العصر من أهل العدالة والاجتهاد على حكم.
وثبوت الإجماع منهم قد يكون بنصهم عليه، وبنص بعضهم وسكوت الباقين على الرد.
والسكوت الذي هو حجة: السكوت عند عرض الفتوى عليهم أو اشتهار الفتوى في الناس من غير ظهور رد من أحد، وذلك لأنه إذا كان الحكم عنده بخلاف ما سمع لم يسعه السكوت عن ذكره فيدل حاله على سكوت يحل، وذلك إذا كان عنده الحكم كذلك، هذا إذا دام على السكوت إلى مدة تنقضي في مثلها الحاجة غلى النظر لإصابة الحق.
فنفس السكوت قد يكون لطلب الصواب ولا عبرة لقلة العلماء وكثرتهم.
ولا عبرة بالثبات على ذلك حتى يموتوا.
ولا عبرة لمخالفة العامة الذين لا رأي لهم في الباب.
ولا بالمتهمين بالهوى فيما خالفونا فيما نسبوا به إلى الهوى.
فأما خلافهم فيما عدا ذلك فمعتبر ما لم يغلو في هواهم حتى كفروا أو تسفهوا حتى صاروا ماجنين لا تقبل شهادتهم.
أما الإجماع نصاً فما فيه إشكال وأما سكوتاً فلأن السامع ما يحل له السكوت عن بيان الحق إذا كان علمه بخلافه فتدل عدالته على أن سكوته على سبيل يحل له، وهو في كون المسموع حقاً إلا أنا شرطنا مدة التأمل لدرك الحق لأن الحق لا ينال بالاجتهاد إلا بعد نظر في أشباه المحادث، وتمييز الأشبه من بين الجملة ولا بد لهذا من مدة.
ثم المدة لمثله في العادات لا يمتد إلى الموت بل إلى حين يتبين له الوجه فيه إما على الموافقة فلا يلزمه النطق به فسكوته عن الرد دليل عليه، أو على المخالفة فيرده، أو يتعارض عليه الأشباه فيلزمه الفتوى بأي الأشباه كان فيصير سكوته فتوى بما ظهر من فتوى الأول.
فإن قيل: وقد يبدو للمجتهد في عمره ما يرجع به عن الأول، فهلا شرط لصحة الإجماع الثبات على الفتوى منهم ما لم يموتوا؟
قلنا: لما ثبت أن الحق لا يعدو إجماعهم علم يقيناً بعد الإجماع إصابتهم الحق
(1/28)

بعينه، فلا يجوز بعد ذلك من واحد منهم ولا جماعتهم خلافه كما لا يسعهم خلاف كتاب الله تعالى.
فإن قيل: إن السكوت قد يكون مهابة، فقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن حجته على رد العول في الفرائض فذكرها، فقيل له: هلا ذكرتها لعمر رضي الله عنه؟ فقال: مهابة له.
قلنا: ما هذا بصحيح عندنا فعمر رضي الله عنه كان يقدمه على الكثير من الصحابة ويسأله ويمدحه ويستحسن اجتهاده، وقد ظهر رده عليه في مسائل.
ولئن ثبت فتأويله أن مهابته لسبقه عليه في الدين والفقه والرأي، منعته عن المبالغة في المناظرة لا أنه سكت عن نفس الرد فعمر رضي الله عنه كان ألين للحق من غيره.
وكان يقول: لا خير فيكم ما لم تقولوا ولا خير في ما لم أسمع.
وكان يقول: رحم الله امرأً أهدى إلى أخيه عيوبه وكان أكثر الصحابة شورى.
وجائز عندنا ان يكون فقيهان مختلفان في مسألة، واحدهما أسبق وأكثر فقهاً فيسلم الذي هو دونه للذي هو فوقه اتهاماً لرأي نفسه، ولا يرد عليه رد منكر.
فإن قيل: أليس أن عمراً رضي الله عنه شاور الصحابة في مال فضل عنده للمسلمين، فأشاروا عليه بالإمساك إلى وقت الحاجة، وعلي رضي الله عنه كان ساكتاً في القوم فسأله عمر رضي الله عنه فقال: قد تكلم القوم. فقال: لتتكلمن، فأمر بالقسمة. وروى فيها حديثاً عن النبي عليه السلام فقد استجاز علي رضي الله عنه السكوت وعنده الحكم بخلاف ما أفتوا.
قلنا: إن علياً رضي الله عنه استجاز السكوت لأن ما أشار القوم إليه من الإمساك إلى وقت نائبة أخرى كان حسناً جائزاً، ولكن لما استنطق نطق بالقسمة ففيها الاحتياط للخروج عن الأمانة وهو الأحسن والنطق بمثل هذا لا يجب، ولكن يحسن فيجوز السكوت عنه، ويكون دلالة على حسن ما ظهر على أنا لم نجعل نفس السكوت دلالة على التقرير فإنه جائز للتأمل فيما قال القوم، ولتجربة أفهامهم إلى وقت الإمضاء.
ثم لا عبرة لمخالفة العامة لأنه لا بصر لهم في الباب، كما لا عبرة بالمجانين في كل باب.
ولا عبرة بالذين لا تقبل شهادتهم في ابا الدنيا لتهمة الكذب بسبب الفسق لأن أمر الدين فوق أمر الدنيا فكل تهمة أوجبت رد شهادتهم في باب الدنيا أوجبت ردها في باب الدين، إلا أن ما وراء تهمة الفسق من نحو الأبوة [من الإباء] والضغينة لا تتصور تهمة في
(1/29)

باب الدين وإظهار أحكام الله تعالى فلم تعتبر.
وأما صاحب الهوى فلا عبرة بخلافه في نفس ما نسب إلى الهوى لأنه لا ينسب إلى الهوى إلا إذا خالف فيما يجب الفتوى به بدليل يوجب العلم يقيناً، فيصير خلافه ذلك الدليل برأيه ساقطاً كخلافه نصاً يروى له فيصير هوى.
وأما في غير ذلك من الأحكام فإن ظهرت منه مجانة في نحلته بخلاف الحجج تعصباً لمذهبه بلا دليل أو قلة التأمل لا عن تأويل لشبهته لم يعتبر خلافه، كما لم تقبل شهادته.
وكذلك إذا غلا في هواه حتى كفر لأن المعتبر إجماع المسلمين ولهذا لم نبال بخلاف الروافض إيانا في إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وبخلاف الخوارج إيانا في إمام علي رضي الله عنه لفساد تأويلهم وإن لم نكفرهم للشبهة.
وإنما قلنا: إن السكوت الذي هو حجة مرة يثبت بالسكوت بعد عرض الفتوى عليهم، وهو ظاهر ومرة يثبت بعدم الخلاف مع اشتهار الفتوى لأن الفتوى من البعض إذا اشتهر في العامة لم يجز الخفاء على الأقران في العادة فيصير الاشتهار كالعرض عليه.
ثم الرد يجب على السامع إذا كان الحق عنده بخلاف ذلك على سبيل الاشتهار كالأول ليصير معارضاً إياه أينما ثبت الأول، كالآية إذا نسخت لزم الرسول أن يبلغ الناسخ أينما بلغ الأول، وإذا لزمه رد شائع مثل الأول لم يجز ظهور أحدهما دون الآخر، وهذا كما قيل: إن القرآن معجزة لعجز العرب عن المعارضة وهذا العجز لا يمكن إثباته إلا من طريق عدم الظهور فكان حجة، لأنه ممتنع في العادات اندراس أثر مثل القرآن بعد وجوده والمنكرون للقرآن أكثر من المؤمنين به وكانوا محتاجين إلى رده بالمعارض ولا يمكنهم إلا بالرواية كما احتاج المؤمنون إلى رواية القرآن لإثباته.
فإن قيل: إن المزارعة اشتهرت في الناس بعد أبي حنيفة رضي الله عنه من غير ظهور رد ثم لم يصر إجماعاً!.
قلنا: إن الرد شائع من شيعة أبي حنيفة رضي الله عنه فتوى وناظرة إلا أن الناس عملوا بقول غيره.
وعند من لا يجوز المزارعة جائز اتباع الناس في هذا الباب من خالف أبا حنيفة رضي الله عنه لضرب رجحان يبدو لهم، فلا يكون سكوتمه عن تضليلهم عن الرد والتشنيع عليهم، تقريراً إياهم على أنه هو الحق دون ما قاله أبو حنيفة رضي الله عنه.
وهذا كما إذا بلغ المفتي قضاء القاضي بخلاف رأيه فسكت، لم يدل سكوته على الرجوع إلى قول القاضي لأنه مع خلافه رأياً يعتقد نفاذ قضائه بخلاف رأيه، والله أعلم.
(1/30)

القول في أقسام الإجماع
أقسام الإجماع أربعة:
1 - إجماع الصحابة نصاً.
2 - وإجماعهم بنص البعض وسكوت الباقين.
3 - وإجماع أهل كل عصر بعدهم على حكم لم يسبقهم فيه قول.
4 - وإجماعهم على أحد أقوال اختلف فيها السلف.
ومن الناس من قال: إن إجماع أهل كل عصر حجة.
ومنهم من قال: لا إجماع لمن بعد الصحابة.
ومنهم من قال: لا إجماع إلا لأهل المدينة.
ومنهم من قال: لا إجماع إلا لعترة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الإمام منهم والإمام معصوم عن الكذب.
ومنهم من قال: لا إجماع إذا كان في السلف من خالفهم.
والصحيح هو القول الأول، لأن الدلائل التي جعلت الإجماع حجة لم تخص قوماً بنسب ولا مكان ولا قرن، والأقوال الأربعة الأخيرة مهجورة.
وقد حكى مشايخنا عن محمد بن الحسن نصاً: أن إجماع أهل كل عصر حجة إلا أنه على مراتب أربعة.
فالأقوى إجماع الصحابة نصاً لأنه لا خلاف فيه بين الأمة لأن العترة يكونون فيهم، وكذلك أهل المدينة.
ثم الذي ثبت بنص بعضهم وسكوت الباقين، لأن السكوت في الدلالة على التقرير دون النص.
ثم إجماع من بعد الصحابة على حكم لم يظهر فيه قول من سبقهم لأن الصحابة كانوا خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن بعدهم كانوا خلفاء الصحابة فيقع بينهم وبين من خلفهم من التفاوت قريب ما يقع بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الناس رهطي الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب".
(1/31)

فرتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراتب الخيرية.
فكذلك نحن نرتبهم في كونهم حجة أنه نهاية ما ينتهي إلى صفة الخيرية.
ثم إجماعهم على حكم سبق فيه مخالف لأن هذا فصل اختلف فيه العلماء والفقهاء.
فقال بعضهم: هذا لا يكون إجماعاً لأن الدلائل الموجبة عمت جميع الأمة، والأم: اسم يعم الحي والميت، فلا ينعقد الإجماع ما وجد في الأمة مخالف من حي أو ميت.
ولأن ذلك المخالف لو كان حياً للحال لم ينعقد إجماع من سواه إجماعاً فكذلك وإن مات، لأنا لا نعتبر خلافة خلافاً لحياته بل لحجيته وبالموت لا تتبدل الحجة.
ولأنا متى جعلنا إجماع المتأخرين حجة موجبة وجب تضليل المخالف ولا يجوز تضليله.
أيجوز تضليل ابن عباس رضي الله عنهما في مسألة العول؟ ومسألة توريث الأم مع الزوج والأب ثلث المال كاملاً؟ وقد أجمعوا على خلافه.
وقال محمد بن الحسن رحمه الله تعالى فيمن قال لامرأته: أنت خلية، ونوى به ثلاثاً ثم جامعها في العدة وقال: علمت أنها علي حرام: لم يحد، لأن عمر رضي الله عنه كان يراها واحدة رجعية، وقد أجمعنا بخلافه فنية الثلاث صحيحة بلا خلاف بين الأمة اليوم.
ولو سقط قول السابق لانقطعت الشبهة كالآية المنسوخة لا تبقى شبهة في استباحة المنسوخ، ولكن الذي ثبت عندنا أنه إجماع.
وقد روى محمد بن الحسن عنهم جميعاً أن القاضي إذا قضى ببيع أم الولد لم يجز وقد اختلف فيها الصدر الأول لأن الخلف بعدهم أجمعوا على أنه لا يجوز، ولو بقي قول القاضي معتبراً كأنه حي لنفذ قضاء القاضي بما اختلف فيه الفقهاء.
والحجة فيه ان إجماع الصحابة إنما كان حجة لامتناع ان يعدو الحق جماعتهم بالدلائل التي أوجبت الكرامة لهم لكونهم امة محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يجز كذلك: أن يعدو الحق جماعة التابعين أو من بعدهم.
ولأن الله تعالى جعلهم خير امة يأمرون بالمعروف وجعل إجماعهم حجة، وصفة الخيرية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتصور إثباتها إلا مع الحياة فإن الميت لا يتصور منه الأمر بالمعروف فثبت أنه لم يرد بهذه الكلمة جماعة الأمة من حين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، ولكن أمته الأحياء في كل عصر.
(1/32)

وإذا كان كذلك فتبين بإجماع الخلف على قول واحد من الجملة أن ما سواه خطأ يقيناً، كما لو عرض على الرسول صلى الله عليه وسلم فصوب ذلك الواحد ولا يصير من خالفه ضالاً لأنه خالف حين لا إجماع، فكان كخلاف وجد من الصحابة فعرض على الرسول صلى الله عليه وسلم فبين خطا بعضهم فإنه لا يصير ضالاً بما قاله قبل بلوغه نص رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكما كان أهل قباء يصلون إلى بيت المقدس بعد نزول التوجه إلى الكعبة فأتاهم آتٍ وهم في الصلاة فأخبرهم بذلك فاستداروا كهيئتهم إلى الكعبة في صلاتهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليهم.
وهذا لأن الإجماع هو الحجة التي يضل الإنسان بمخالفتها ولم يكن حين ما قاله هذا القائل يخالفه إجماع.
أليس أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يجوز بيع الدرهم بالدرهمين؟ وكان يبيح المتعة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع لما بلغه النص؟ ولسنا نسميه ضالاً فيما كان يقوله أولاً قبل بلوغه النص فهذا مثله.
وإنما أسقط محمد بن الحسن رحمه الله الحد عن الذي جامع امرأته في العدة وقد قال لها: أنت خلية، ونوى بها ثلاث؛ لأن الحد لا يجب مع الشبهة، وقد اختلف الناس في هذا الإجماع أهو حجة أم لا؟ فلا يصير موجباً علماً بلا شبهة ولهذا كان هذا الإجماع حجة على أدنى المراتب.
(1/33)

القول في أنواع التكلم وضعاً وتفسيرها حقاً
انواع التكلم أربعة:
أخبار، واستخبار، وأمر، ونهي.
لأن الكلام إما شرعه القديم عز ذكره، أو وضعه حكيم فلم يجز خلوه عن فائدة حميدة وما هي إلا إفادة العلم لما يحتاج إليه، والفائدة منه تحصل بالتكلم وتنتهي بهذه الأنواع.
الإخبار بما عندك لتفيد غيرك العلم بما كان أو يكون أو بما توجبه إن جعلته إنشاء كقولك: بعت عبدي أو أعتقته ونحوهما.
والاستخبار: لتستفيد من غيرك ذلك العلم بما كان.
والأمر: بفعل لبيان أنه مما ينبغي أن يوجد.
والنهي: لبيان أنه مما ينبغي أن لا يكون وأن يعدم.
ولأن أقسام صرف الفعل تنتهي بأربعة أقسام لأنك تقول: فعل يفعل، وتقول افعل ولا تفعل فإذا دخلها حرف الاستفهام صارا للاستخبار وتقول: افعل ولا تفعل وما لها خامس، ثم كل قسم منها ينقسم إلى أقسام قد ذكرنا منه قدر الحاجة إليه لأحكام الشرع. وأما تفسيرها:
فالإخبار: تكلم بكلام يسمى خبراً.
والخبر: الكلام الدال على أمر كان أو سيكون غير مضاف كينونته إلى الخبر كقولك: "جاء زيد" أو "يجيء عمرو" ونحوه.
والإخبار: تكلمك به.
وأنه ينقسم إلى قسمين في الماضي: صدق، وكذب.
وقسمين في المستقبل: جد، وهزل.
لأن الإخبار نكلم.
والتكلم فعلك باللسان التفعيل منها.
والانفعال في الحروف التي تنتظم حتى يصير مفهوم المعنى والانفعال على هذا متحقق، كذباً كان الإخبار أو صدقاً، جداً أو هزلاً.
نحو "الكتابة" تكون كتابة للكلام كتب باطلاً أم حقاً لأنها فعلك بالقلم.
والانفعال في حرف تنتظم صورة حتى يكون مفهوم المعنى.
(1/34)

قال علماؤنا- فيمن حلف لا يخبر أن فلاناً قدم فأخبر كذباً: حنث ولم يفد علماً.
وكذلك إذا حلف لا يكتب أن فلاناً قدم فكتب باطلاً؛ حنث وإن لم يفد علماً بما قال.
لأن العلم فيه ثمرته المطلوبة منه بحكمة الوضع لا أنه من نفسه وأنه لا يتم بدونه كما في الكتابة.
بخلاف الإعلام فإنه فعل لا ينفعل إلا بوجود العلم.
وبخلاف ما إذا حلف لا يبيع فباع حراً لم يحنث لأن البيع ليس من أقسام التكلم إنما هو اسم لسبب تمليك بالمال، وانه عبارة عن قوله: لا يملك مالاً بمال فلا ينفعل تمليك المال في غير المال، كما لا ينفعل التكلم في غير الحروف التي يدور عليها الكلام غير أن هذا السبب مما ينفعل بالكلام فيكون آلة في نفسه بفوات ثمرته فإنه يحنث بالبيع الخاسر، فكذلك التكلم بالإخبار لا ينعدم بفوات ثمرته من الإعلام.
وأما الأمر: فتكلم بقولك: افعل وانفعاله بحروفه.
وأما بيان أنه مما ينبغي أن يوجد بحكمه الأمر كالصدق من الأخبار الذي فيه وجود المخبر عنه لأن الأمر أحد أقسام تصاريف الفعل على ما ذكرنا فتكون الفائدة منه على مثال سائره.
وقولك "قدم زيد" لفائدة بيان وجود قدومه، ويقدم لبيان أنه سيوجد فكذا أقدم لبيان أنه مما ينبغي أن يوجد منه حتى لا يستقيم في الحكمة أن نقول للعمى: أبصر لأنه لا يتصور وجوده منه.
ولما كان وجود فائدة الحكمة صح وضع الأمر لغة لكل فعل يتصور وجوده منه في نفسه، وإن وجب أن يعدم في الحكمة كالسفه والعبث وإذا كان الأمر لهذا الضرب من البيان كان النهي الذي هو خلاف الأمر لبيان ضده، وهو: بيان أنه مما ينبغي أن لا يكون وأن يعدم إلا أن حقيقة إعدام الفعل لا يتصور لأن الموجود منه عرض انقضى، فلا يتصور إعدامه.
وما لم يوجد كذلك لا يمكن أن يعدم ولكن يعدمه بالامتناع عن إيجاده فصار الامتناع حكمه وكان النهي للمنع عن الفعل لغة فيلزمه بالنهي ما يتعلق بعده انعدام ذلك الفعل منه، كما يلزمه بالأمر ما يوجد منه ذلك الفعل.
وأقسام النهي من التصرف: ما علم زيد، ولا يعلم زيد.
والنهي: لا تعلم، على خلاف؛ علم يعلم واعلم.
(1/35)

القول في حكم الأوامر المطلقة في حق المأمورين شرعاً
اختلف العلماء في حكم الأمر على أربعة أقوال:
فقال بعضهم: حكمه الوقف حتى يأتي البيان.
وقال بعضهم: الإباحة إلا بدليل زائد عليها.
وقال بعضهم: الندب إلا بدليل مغير.
وقال جمهور العلماء: حكمه الوجوب إلا بدليل مسقط.
أما الواقفون: فذهبوا إلى أنا وجدنا موجب الأمر مختلفاً لغة أريد به الإيجاب وأريد به السؤال كقول العبد: اللهم اغفر لي.
وأريد به الإفحام كقول الله تعالى: {فأت بها من المغرب}، وقوله تعالى: {فأتوا بسورة من مثله}.
وأريد به التوبيخ كقول الله تعالى: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك}.
وأريد به الإباحة كقول الله تعالى: {فانتشروا في الأرض}.
وأريد به الندب كقوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} ولهذا كان الأمر موضوعاً لغة لما يجب فعله، ولما يباح، ولما يقبح نحو السفه والعبث، فثبت أن الأمر محتمل وجوهاً شتى والمحتمل لا يكون حجة حتى يتعين أحد وجوهه بدليل.
وأما المبيحون: فذهبوا إلى أن الأمر لطلب وجود المأمور به من المأمور، ولا وجود إلا بالائتمار، فدل ضرورة على انفتاح طريق الائتمار عليه وأدناه الإباحة.
فأما الإفحام والتوبيخ ونحوهما فما فهمت مراده للأوامر إلا بدلالة من النص دلت عليه فكانت مجازاً لما لم تفهم إلا بقرينة أخرى على ما قال الله تعالى: {وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً} فتبين أنه وبخهم بما أمره، فالغرور حرام والله تعالى لا يوجب الحرام.
وأما أمر الإفحام فمذكور في باب المناظرة فدل سياق الخطاب أنه للإفحام لأن الحجة إنما تقوم لعجزهم عن المأمور به.
والحكيم عند المناظرة لا ينطق إلا بما تقوم به حجته وهذا كما أن لفظة "المشيئة" للتخيير عن تمليك والله تعالى قال: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} ثم كان للردع بدلالة السياق: {إنا أعتدنا للظالمين ناراً} النار لا تستقيم جزاء
(1/36)

على اختيار العبد ما خيره الله فيه وملكه.
ولأن الأمر لو وجب به الوقف لوجب بالنهي مثله فحينئذ يصير الأمر والنهي واحداً، وأنه قول محال، وإذا لم يجب الوقف بالنهي ووجبت الحرمة به والأمر ضده وجب أن يثبت به الإباحة.
وأما النادبون: فذهبوا إلى أن الإباحة لا ترجح جهة الفعل على جهة الترك، وفي الأمر طلب الفعل فإن الوجود متعلق بالفعل فلا بد من إثبات ما يترجح به الفعل على الترك وهو في أن يجعل الفعل أحين من الترك وأدنى صفة جهة الحسن في الندب. قالوا: ولا يلزمنا قول الله تعال: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} ولا تنقطع الخيرة إلا بعد الوجوب، لأن الخلاف في مطلق الأمر والله تعالى علق انقطاع الخيرة بأمر مقضي به، وفي القضاء دلالة الإلزام من حيث الحقيقة وإن كان يقام مقام الأمر مجازاً.
ثم دل تعليق الله تعالى انتفاء الخيرة بالقضاء بالأمر، على أن الخيرة غير منتفية ما لم يتصف الأمر بالقضاء.
ولا يلزمنا كفر إبليس- عليه اللعنة- لمخالفته أمر ربه بالسجود لآدم عليه السلام لأنه إنما كفر لاستكباره على ما نص الله تعالى عليه، حتى قال الله تعالى: {فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج} فأخبر أنه أخرجه لتكبره.
ولنه قال: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت} وقوله تعالى: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه} فبين أنه تركه له لرؤيته الفضل لنفسه بغير حق وهو الكبر، وقال الله تعالى: {إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين} أخبر أنه كفر باستكباره، ولأن الأمر بالسجود لآدم عليه السلام نص على أن الفضل لآدم فصار كافراً برده حكم الله تعالى في تفضيل آدم.
وأما الشرائع التي افترض أداؤها بالأوامر فعرفت فرائض الله بقرائن؛ إما إلحاق وعيد، أو إيجاب صريح، أو بأسباب أخر غير الأوامر على ما بينا.
والحجة لعلمائنا- رحمهم الله- ما ذكرنا أن الأمر لبيان أن المأمور به مما ينبغي أن يوجد من قبل المأمور، وهي صفة لازمة بالأمر، كما كانت صفة الوجود لازمة من سائر أقسام التصريف، فإن قولك: "دخل فلان الدار" على ما عليه حق الكلام وهو الصدق يقتضي وجود الدخول لا محالة.
وكذلك يدخل على ما عليه الحد مقتضى وجود الدخول في الثاني، فكذلك أدخل على ما عليه الحد.
وإذا صار صفة الأمر أن يوجد صفة لازمة للفعل المأمور به من قبل المأمور بحكم
(1/37)

اللغة على ما عليه حق الكلام، ولا وجود إلا بفعله صار طلباً للفعل على وجه لا بد من وجوده، وهذا معنى الإيجاب والفرض، ولهذا فرق لغة بين الآمر والمأمور في رتبة الولاية، فكان الآمر والياً والمأمور مولياً عليه حتى يسمى السلطان الذي له ولاية الإلزام أميراً.
ولن موجب الأمر الائتمار لغة. يقال: أمرته فأتمر، ونهيته فانتهى، كما تقول: كسرته فانكسر وهدمته فانهدم، وعلمته فتعلم.
وإذا كان حكماً له لم يتصور إلا واجباً به كأحكام سائر العلل لا يتصور حكم العلة إلا واجباً بالعلة وقد تراخى عناه بمانع أو اتصل بها.
وكان ينبغي أن يحصل الائتمار مقروناً بالأمر حكماً له واجباً به إلا أنه تراخى لأن حصوله من مختار فيتراخى إلى حين اختياره، وانعدم الفعل إلى حين اختياره، وبقي الوجوب حكماً له لأنه مما يثبت بالآمر الذي إليه الولاية حتى لما أنبأنا الله تعالى عما لا اختيار له في الإجابة أنبأ عن الائتمار مقروناً به فقال: {كن فيكون} فلولا أن الأمر لإيجاد المأمور به، لما استقامت الكناية عن الإيجاد بالأمر.
وكذلك قال الله تعالى: {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} فجعل القيامة بحيث لا يجوز غيره موجب الأمر فيما لا اختيار له.
فإن قيل: أليس العبد فيما يتطوع عاملاً لله تعالى بأمره، ولم يدل على الوجوب؟
قلنا: إنه عامل لله تعالى لا بأمره بل بإذنه بأن يجعل لله تعالى ما جعله الله تعالى له من عمل تلك المدة.
والمفترض عامل لله تعالى بالأمر من حيث يوفيه ماله عليه بالأمر، كالأجير يعمل للمستأجر من حيث يوفيه ما له عليه من عمل في تلك المدة.
والمعين يعمل له من حيث يجعل له عمله بلا وجوب له عليه.
والبائع يسلم المبيع موفياً ما عليه.
والواهب يسلم الموهوب جاعلاً للموهوب له ماله لا موفياً ما عليه.
ولهذا سمى الله تعالى نفل الصدقة قرضاً، لأن المقرض لا يسلم ما عليه ولكن يجعل ما له للمستقرض.
ولهذا سمي خلاف الأمر فسقاً قال الله تعالى: {إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه}، وسمي عصياناً قال تعالى: {لا يعصون الله ما أمرهم} قال دريد بن الصمة:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوا .... فلم يتبينوا الرشد إلا ضحى الغد
(1/38)

فلما عصوني كنت منهم وقد .... أرى غوايتهم وأني غير مهتد
وهل أنا إلا من غزية: إن غوت .... غويت، وإن ترشد غزية أرشد.
والفسق في عرف اللسان: اسم لفعل حرام شرعاً، وكذلك المعصية، ولو لم يجب الائتمار لم يكن خلافه حراماً، ولن النهي خلاف الأمر لغة، وبالنهي يجب أن يعدم المنهي عنه فيجب بالأمر أن يوجد المأمور به، وبالله التوفيق.
(1/39)

القول في الأمر بالفعل ماذا حكمه في التكرار؟
قال بعض العلماء: الأمر بالفعل يقتضي التكرار إلا بدليل.
وقال بعضهم: يحتمله ولا يثبت التكرار إلا بدليل.
وقال بعضهم: المطلق لا يقتضي تكراراً، ولكن المعلق بشرط أو وصف يتكرر بتكرره.
والصحيح: أنه لا يقتضي التكرار ولا يحتمله ولكنه يحتمل كل الفعل المأمور به وبعضه، غير ان الكل لا يثبت إلا بدليل وعليه دلت مسائل علمائنا.
فأما الذين قالوا بالتكرار؛ فإنهم احتجوا بما روي أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الحج في كل عام أو مرة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "بل مرة، ولو قلت في كل عام لوجب، ولو وجب ثم تركتموه لضللتم" ولو لم يكن الأمر يحتمل الوجهين لما سأله الأقرع ولما احتملهما.
والتكرار من المرة يجري مجرى العموم من الخصوص فوجب القول بالعموم حتى يقوم دليل الخصوص.
ولأن للفعل بعضاً وكلاً من جنسه كما للمفعول، فمطلقه يتناول كله كما في الاسم.
ثم كل الفعل لا يتأدى إلا بالتكرار فيصير التكرار مقتضاه. ولهذا قالوا- فيمن قال لامرأته: طلقي نفسك! ونوى الثلاث: أن النية تصح لأنه نوى ما يحتمله لفظه من حيث العموم وبالكلية، ولو نوى ثنتين لم يصح عندنا لأنه نوى العدد ولفظه لا يحتمل عدداً، إلا أن تكون المرأة أمة فيصح لأن الثنيتين كل فعل تطليقها.
وكذلك فيمن قال لعبده: تزوج فتزوج امرأتين ونوى المولى ذلك صح. لأن ذلك كل تزوجه.
وكذلك أمر الله تعالى بالصلاة مطلقاً وتكرر به الوجوب علينا، وكذلك سائر العبادات.
فأما الحج فإنما سقط تكراره بدلالة السنة، ولن النهي عن فعل يقتضي النفي عاماً فكذا الأمر بالفعل الذي هو ضد النهي يقتضي الوجود عاماً.
(1/40)

- وأما الذين قالوا: إنه لا يقتضي التكرار إلا بدلالة فذهبوا إلى أن الأمر بالفعل لا يصح إلا بمفعول هو اسم على سبيل النكرة كقولك: صل، لا يستقيم إلا بمفعول هو صلاة، ولكنه ثبت على سبيل التنكير لأنه يثبت مقتضى بالنص لا منصوصاً عليه، والمقتضى لا يثبت إلا ضرورة، والضرورة ترتفع بالنكرة فيصير في التقدير كأنك قلت: صل صلاة، فتكون الصلاة نكرة في الإثبات فتخص كقول الله تعالى: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} إلا ان يزيد القائل زيادة فتثبت لأنه يحتمل ذلك فإن المقتضى يجوز أن تكون صلاة، وكل الصلوات، ألا ترى أنه لو صرح به فقال: صل الصلوات استقام وكان بياناً.
بخلاف النهي فإنه للنفي، فإذا قلت: لا تصل فكأنك قلت: لا تصل صلاة، فتكون نكرة في النفي فيعم كقول الله تعالى: {ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً} فثبت أن التكرار لا يثبت إلا بدلالة أخرى ولهذا قلنا- فيمن قال لآخر: تصدق من مالي بدرهم-: لم يملك إلا مرة واحدة، ولأن الأمر أحد أقسام التصريف.
ومن قال دخل فلان الدار لم يفهم منه التكرار ولكن يحتمل أنه دخل مراراً، وكذلك إذا قيل: يدخل فكذلك إذا قيل له: ادخل.
فأما الذين قالوا بالتكرار في المعلق بالشرط فإنهم تمسكوا بالأوامر الشرعية المتعلقة بأوقات أو أموال في باب الزكاة، والعقوبات المتعلقة بالمعاصي فإنها متكررة بتكرر شروطها.
وأما الدليل لما قلنا، وهو أن الأمر بالفعل لا يقتضي تكراراً ولا يحتمله: فإن التكرار في اللغة: العود مرة بعد أخرى والفعل لا يحتمل العود لأنه حركات تنقضي فيكون الثاني غير الأول لا محالة، وإنما يسمى تكراراً مجازاً لعود مثل الأول، وهو في الحقيقة إعداد يحتمل كما في الأعيان، وليس في النص ما يحتمل العدد لأن قول القائل: ادخل الدار، أمر بحركات معلومة في تمامها دخول، لا عدد دخول ولهذا قلنا- فيمن قال لامرأته؛ طلقي نفسك ونوى به ثنتين-: لم يصح، لأنه نوى زيادة عن عدد التطليق. وما في نصه ما يحتمل التعدد لأن التطليق اسم للقول لا للحساب كما لو قال: اشتر لي عبداً لم يحتمل عبيداً ولا شراء بعد شراء.
وكذلك لو قال: تزوج امرأة ونوى به مرة بعد أخرى لم يصح.
وكذلك لو قال لامرأته: طلقتك، ونوى به ثنتين لم يصح لأنه نوى ما لا يحتمل لفظة.
فأما عبادات الله تعالى فإنما لزمتنا على سبيل التكرار لا بالأوامر، ولكن بتكرر علل الوجوب على ما نذكرها، وهي أسباب أخرى غير الأمر، فالأمر كان طلباً لأداء الواجب
(1/41)

بسببه كقولك لآخر: أد الثمن للشراء والنفقة للنكاح.
فإن قيل: كيف يقال أن الأمر لا يحتمل التكرار، ولو قرن به التكرار تفسيراً له لاستقام كقول القائل لآخر: طلق امرأتي! مرتين أو ثلاث مرات فكانت المرة نصباً على التفسير، ولو لم يحتمله مطلق الأمر كان الذكر تفسيراً له، وكذلك تقول: صم أبداً، أو أياماً كثيرة.
قلنا: هذا القرآن لم يصح لغة على سبيل التفسير لما يحتمله، ولكن على سبيل التغيير إلى معنى آخر ما كان يحتمل مطلقه بل يحتمل التغيير إليه، كما يصح قران الشرط بالطلاق والاستثناء بالجملة على سبيل تغيير موجبه إلى وجه آخر لا على سبيل بيان موجب المطلق منه.
فإن قول القائل: أنت طالق ثلاثاً ما كان يحتمل التأخير ولا ثنتين، ولو قال: إلى شهر إلا واحدة تأخر إلى شهر ولم يقع إلا ثنتان.
وأما النصب فليس على معنى التفسير ولكنه لقيامه مقام المصدر، وقوله: طلق امرأته ثلاث مرات أي؛ تطليقات ثلاثاً على أن النصب وإن جاز على سبيل التفسير فيجوز على بيان تغيير موجبه مطلقاً إلى موجب آخر باقتران زيادة به، ولهذا قالوا: إن من قال لامرأته: أنت طالق وسكت؛ طلقت مع هذه اللفظة، ولو قال: ثلاثاً لم تطلق إلا مع قوله: ثلاثاً، فتأخر الوقوع إلى العدد، ولو كان هذا تفسيراً له لم يتغير به حكمه بل كان يتقرر، وكذلك المرات.
وأما قولنا: إنه يحتمل كل الفعل المأمور به، فلأن قول القائل لآخر: ادخل الدار! أمر بفعل الدخول وإنه يتناول كل ما يتصور منه دخولاً كما يتناول البعض.
والدخول اسم للفعل وللفعل كل وبعض من جنسه كما لغير الفعل من الأعيان وغيرها، فإنه اسم لجنس الفعل فيعتبر بأسماء أجناس الأشياء سوى الأفعال نحو الماء والطعام والناس.
ثم حكم المتعلق باسم الجنس يتعلق بأدنى ما ينطلق عليه الاسم على احتمال العموم على ما نذكر في باب ألفاظ العموم، فكذلك هذا.
ولهذا قلنا فيمن قال لامرأته؛ طلقي نفسك: أنها على واحدة فإن نوى ثلاثاً صح لأنه نهوى الكل وهو يحتمله وإن نوى ثنتين لم يصح لأنه نوى التكرار والعدد لا غير، إلا أن تكون المرأة أمة فيصح لأنهما كل طلاقها عندنا.
ولو قال لعبده: تزوج، لم يملك إلا امرأة ولو نوى ثنتين يصح لأنه نوى الكل لأنهما كل نكاحه، لا لأنه نوى التكرار.
(1/42)

وذكر عيسى بن أبان: أن الأمر بالفعل إذا كان له نهاية معلومة يجوز أن يقال فيه بالعموم حتى يقوم الدليل على الخصوص اعتباراً بالنص العام فيما عدا الفعل، إلا أن الرواية تخالف هذا، فإن الأمر بالطلاق لامرأته أمر بفعل معلوم كله ولم ينصرف إليه إلا بينة، والجواب عن حجته ما ذكرنا أن هذا بمنزلة أسماء الأجناس، والفرق بين اسم الجنس وغيره من العام ما نذكره بعد هذا في موضعه.
وأما إذا كان الأمر بفعل لا نهاية له معلومة، كالأمر بالصلاة والصوم، فإن المأمور به، مما لا يتناهى في نفسه، وإنما نهايته بعجز الفاعل بموته، فهذا من جنس ما لا يمكن القول فيه بعمومه، وكل لأنه ليس في وسع العبد فعل كل الصيام التي هي قربة لله تعالى، ولا فعل كل الصلاة، وإذا لم يكن بوسعه ذلك لم يخاطب بتعمبم هذا الفعل بل يصير مخاطباً بالبعض، فيصير الأمر بهذا الفعل من قبيل ما لا يمكن القول بعمومه من النصوص فيما عدا الأفعال نحو قول الله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} وقوله: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} ولما انصرف إلى البعض لم يلزمنا منه إلا ما يتيقن به إلا بدليل زائد.
وأما حديث الأقرع بن حابس فالجواب عنه: أن الأقرع إنما أشكل عليه أمر تكرره، لاعتباره الحج بالصلاة والصيام، فإنه كان عرف الصلاة متكررة وقتها، وكذلك الصوم ثم وجد الحج متعلقاً بالوقت أيضاً، فأشكل عليه أمر تكرره بتكرر وقته فسأل عنه.
ولو أجيب بنعم لصار الوقت علته وتكرر بتكرره كالصلاة، فلما أجيب بالمرة في العمر تبين له أن الوقت شرط محض لجواز الأداء كالطهارة للصلاة وأن سبب الوجوب مما لا يتكرر وهو البيت على ما نبين في باب أسباب هذه العبادات.
ولأن كينونة البيت بيت الله تعالى يجوز أن يكون علة لوجوب الحج في العمر مرة، ويجوز أن يكون علة لوجوبه كل سنة أو كل شهر ككينونة النصاب في ملك الرجل يكون علة للزكاة كل سنة، فإن البقاء في زمن آخر غير الأول فإذا كان البقاء علة جاز تكرار الوجوب بتكرار البقاء، وجاز ان لا يتكرر ترفيهاً علينا ودفعاً للحرج.
(1/43)

القول في صفة حسن المأمور به
قد ذكرنا أن الأمر لغة لبيان أنه مما ينبغي أن يوجد، ومطلقه على الوجوب، فإذا كان الأمر من الله تعالى صار وجود المأمور به منا واجباً علينا لله تعالى، ولا يجوز في الحكمة أن يجب علينا إيجاده لله تعالى إلا لحسنه عند الله تعالى على الحقيقة، فغن القبيح في الحكمة: اسم لما ينبغي أن يعدم، والله تعالى هو الحكيم الذي لا سفه له فلا يأمرنا به فلا نجد بداً من معرفة صفة الحسن فيما أمرنا به، فنقول:
- إن هذه الأفعال في صفة الحسن على أقسام أربعة:
أ- ما حسن لمعنى في غيره.
ب- وما حسن لمعنى في غيره.
والذي حسن لمعنى في عينه على نوعين:
أ- ما كان المعنى في وضعه.
ب- وما كان اتصل المعنى بوضعه بواسطة حتى التحق بالواسطة القسم الأول، والذي حسن لمعنى في غيره على نوعين:
أ- ما يحصل المعنى بفعل العبادة.
ب- وما يحصل بعده بفعل مقصود له.
فصارت الأقسام أربعة:
- فأما الأول: فنحو الصلاة لأنها تتأدى بأفعال وأقوال وضعت للتعظيم في الشاهد، والتعظيم حسن في نفسه في حق المعظم إلا أن يكون في غير حينه أو حاله فيشوبه القبح لذلك المعارض، ولهذا كانت الصلاة حسنة دائمة، واستقبحت لأوقات مخصوصة وأحوال فنهينا عنها.
- وأما الثاني: فنحو الزكاة والصوم والحج، لأن الزكاة تمليك المال للفقير على سبيل الكفاية بأمر الله تعالى، ولا يتم هذا العمل عملاً لله تعالى إلا بواسطة الفقير المحتاج.
والصوم: كف النفس الشهوانية عن اقتضاء شهوة البطن والفرج بأمر الله تعالى ما يتم عملاً لله تعالى إلا بالنفس الشهوانية.
والحج: زيارة البقعة المعظمة على سبيل التعظيم بأمر الله تعالى، ما يتم عملاً لله تعالى إلا بواسطة البقعة المعظمة، غير أن احتياج الفقير إل الكفاية كان بخلق الله تعالى
(1/44)

إياه على صفة لا يبقى إلا بالكفاية، واشتهاء النفس كذلك بخلق الله تعالى.
وكذلك شرف المكان وفضله كان بخلق الله تعالى.
ولما حسنت هذه الأفعال من حيث أن في الزكاة إغناء عباد الله تعالى المحتاجين.
وفي الصوم قهر النفس التي هي عدو الله تعالى.
وفي الحج تعظيم شعائر الله تعالى وهذه الأفعال بهذه الوسائط حسنة في الشاهد لمن وقعت له، والوسائط تثبت وسائط بخلق الله تعالى فصارت حسنة من العبد للرب عزت قدرته بلا ثالث معنى.
فالوسائط لما ثبتت لله تعالى كانت مضافة إليه، ولم يبق للواسطة عبرة حكماً فصارت كأفعال الصلاة التي حسنت لأنها في نفسها تعظيم للمفعول له.
وأما الوجه الثالث: فنحو قتال الكفرة والصلاة على الميت وإقامة الحدود.
فالقتال فساد وما حسن إلا لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى وكبت أعدائه ودفع قتالهم، فحسن بواسطة العدو وإن كان عدواً بمعصية كانت منه باختياره فصارت الواسطة واسطة بسبب مضاف إلى الكافر فصار حسناً لمعنى في غير العبادة.
فالعبادة تتم بالعبد للرب تعالى فتكون الواسطة المضافة إلى غير الله تعالى غير فعل العبادة صورة ومعنى.
وكذلك إقامة الحدود إضرار وإفساد وإنما حسنت لأنها زاجر عن المعاصي فحسن بواسطة المعاصي، وإنما كان عاصياً لمعنى مضاف إليه.
والصلاة على الميت حسن عبادة شرعية بالميت فأما بدون الميت فعبث وإنما صلح بواسطة الميت لا بموته الثابت بالله تعالى. ولكن بإسلامه المضاف إلى المسلم كالكفر في الفصل الأول.
وأما الوجه الرابع: فنحو الوضوء والسعي إلى الجمعة والغسل تبرد وتطهر عادة، وإنما انقلب عبادة شرعية وعملاً لله من حيث أنه مفتاح الصلاة المشروعة لله تعالى ألا ترى أن الوضوء لا يلزم من لا صلاة عليه، وإن كان محدثاً وكذلك لا يجب قبل مجيء وقت الصلاة.
وكذلك السعي إلى الجمعة حسن لأنه سبب لإمكان إقامة الجمعة، فأما هو في نفسه فعمل مباح.
والجمعة التي هي الحسنة لا تحصل بالسعي ولا بالوضوء بل بعدهما بفعل مقصود لها، وفي الفصل الأول يحسن ما فيه الحسن من قضاء حق الميت وكبت أعداء الله تعالى وزجر العاصي بنفس الفعل.
(1/45)

ثم حكم وجوب القسمين الأولين واحد وهو أن الوجوب متى ثبت لم يسقط إلا بفعل الواجب أو اعتراض ما يسقط لعينه ولا يسقط بغيره، لأنه وجب لعينه لا لغيره فلا يسقط بغيره.
وحكم وجوب القسمين الآخرين واحد أيضاً وهو بقاء الوجوب ببقاء وجوب الغير، والسقوط بسقوط الغير حتى إذا سقطت الجمعة بسبب سقط السعي.
وكذلك الطهارة.
وكذلك حق الميت مت سقط ببغيه أو بكفره سقطت الصلاة.
وكذلك لو سقطت بقضاء الولي حقه بالصلاة عليه سقطت الصلاة عن الباقين، والناس لو أسلموا حتى علت كلمة الله تعالى وذهب القتال سقط الجهاد ما لم يحدث قتال مثله من البغاة.
ومتى لم يقض حق الميت بالصلاة بأن صلى عليه غير وليه كانت الصلاة باقية على الولي.
وكذلك شوكة الكفار متى لم تنكسر بالقتال مرة لم يسقط الفرض ووجب ثانياً لأن المعنى الذي له وجبت العبادة في ذلك الغير بمنزلة السبب الموجب فلا يبقى الحكم بدون السبب.
(1/46)

القول في مطلق الأمر ماذا موجبه في حسن المأمور به من الفعل
قال العبد رحمه الله تعالى: إني لم أقف على أقوال الناس في هذا الفصل كما وقفت على أقوالهم في حكم الأمر، فما أحد استقصى كل هذا، والذي مال إليه رأيي أن ينصرف مطلق الأمر إلى القسم الأول دون الثاني، ويحتمل القسم الثاني لأن الحسن إنما يثبت صفة للفعل المأمور به مقتضى حكمة الأمر لا موجباً للأمر لغة، لما ذكرنا إن اللغة لا تفصل بين الحسن والقبيح من الأفعال بل لكل فعل أمر موضوع منه لغة، ولما كان طريق ثبوته مقتضى الحكمة ثبت أدنى ما يرتفع به الضرورة على ما يأتيك البيان في باب المقتضى. والأدنى يتأدى بحسن في غيره، فلا يثبت الحسن في نفسه إلا بدلالة زائدة.
ولكن القول الأول أصوب لأن الكلام في الأوامر بأفعال هي لله تعالى عبادة، وإذا كان المر استعباداً في نفسه صار صفة العبادة للفعل ثابتة لغة لا اقتضاءً، فقول الله تعالى: {أقيموا الصلاة} واعبدوني بها واحد فهو اسم وضع للعبادة، وكذلك الصوم إلا أنها عرفت لغة باستعارة لسان الشرع، ولسان الشرع لسان العرب، ولما وجب إثبات صفة العبادة للفعل لغة لا اقتضاء وجب إثبات صفة العبادة للفعل نفسه لا لغيره، حتى لا يصير مجازاً، ولما وجب هذا تبع صفة الحسن صفة العبادة، وكذلك شرع الله تعالى بيان للأحسن.
(1/47)

القول في الأمر بفعل واجب، ماذا حكمه في ضده؟
قال بعضهم: الأمر بفعل واجب لا حكم له في ضده.
وقال بعضهم: يقتضي نهياً في ضده، وإليه ذهب أبو بكر الجصاص.
وقال بعضهم: يدل على كراهة ضده.
وقال بعضهم: يقتضي كراهة ضده، وهو المختار عندنا.
فأما الأولون: فذهبوا إلى أن ضده مسكوت عنه فيبقى على ما كان عليه قبل الأمر، كالمعلق بشرط لا يقتضي نفياً عند عدم الشرط لأنه مسكوت عنه فيبقى على ما كان عليه قبل التعليق. قالوا: والعبد يأثم إذا لم يأتمر بترك الواجب لا بارتكاب الضد.
وأما أبو بكر الجصاص فقد ذكر في "أصوله" أن الأمر المطلق على الفور، لأن الأمر اقتضى نهياً عن ضده، والنهي عن مطلق الفعل يوجب موجبه على الفور، فكأنه ذهب إلى أن الفعل إذا وجب الإتيان به حرم تركه ضرورة واقتضاء، والحرمة حكم النهي فيثبت النهي عن ضده اقتضاء.
وأما الثالث فوجهه: أن وجوب الفعل يدل على حرمة الترك ضرورة، كما قاله أبو بكر إلا أن الحرمة التي تثبت ضرورة لا تكون كالتي تثبت بالنص عليها بالتحريم او النهي.
لأن الثابت بالنص يثبت بقدر ما ترتفع به الضرورة.
والثابت بالضرورة يثبت بقدر ما ترتفع به الضرورة.
والضرورة ترتفع بكون ضده مكروهاً لقبح في غيره، وإن كان في نفسه حسناً كالصلاة في أرض مغصوبة، إلا أنا نقول ان الثابت بهذا الطريق يكون بالاقتضاء دون الدلالة.
فإن النص يدل على مثل المنصوص عليه كتحريم التأفيف يدل على تحريم الشتم لوجود ذلك الأذى فيه وزيادة.
فالدلالة أخت الإيجاب، فكما لا يوجب النص ضد الحكم المنصوص عليه لا يدل عليه، ولكن ثبوت الضد يقتضي نفي ضده كالليل مع النهار، وكذلك في الحكام إذا
(1/48)

وجب فعل في وقت لا بد أن يحرم تركه اقتضاءً فيحرم ضده لما فيه من ترك المأمور به الواجب، فكان لمعنى في غيره فلا يوجب الفساد بخلاف النهي.
فأما الجواب عن القول الأول: ما ذكرنا ان الكراهة تثبت بمقتضى النص لا بالنص، والمقتضى أبداً إنما يثبت حيث لا نص ما له حد غير هذا، وليس هذا كالمعلق بالشرط فإن تعليق الحكم بالشرط لإيجاد الحكم ابتداء عند الشرط، ولما كان ابتداء الوجود عنده لم يقتض هذا نفياً قبله لأن النفي لا يتصور ابتداء الوجود عند الشرط أن يكون عدماً قبل الشرط، ولما لم يكن موجوداً من الأصل لا يتعلق عدمه بمعدم فلذلك قلنا غنه يقتضي عدماً من حيث عدم دليل الوجود، لا عدماً بدليل نافٍ.
وأما الإيجاب فيقتضي حرمة ترك الواجب ضرورة، وكان حلالاً قبل الإيجاب فلذلك أضفنا ثبوتها إلى الأمر.
ثم قول أبي بكر أن الأمر المطلق على الفور لأنه نهي عن ضده دعوى، والرواية في الأصول في الأمر المطلق بخلاف ما قاله أبو بكر الجصاص على ما نذكره.
وكذلك النهي فإن النهي إنما يكون على الفور إذا كان مما يستغرق انتهاء العمر، فأما ما لا يستغرق انتهاء العمر فلا، فإنا نهينا عن ترك فرض الصلاة وقت الظهر ويباح الترك لأول الوقت لأن فعل الصلاة مما لا يعم ولا يستغرق الوقت فالانتهاء عن النهي بفعل الصلاة مما لا يستغرق الوقت فلا يجب البدار إلى الانتهاء على الفور، والذي يدل عليه أنا متى جعلناه نهياً عن ضده نصاً أو دلالة فقد جعلنا ضده حراماً لمعنى يرجع إليه كما في مطلق النهي، وإنه ما حرم إلا لمعنى في غيره وهو من حيث المأمور به وبينهما فرق على ما مر، والله أعلم.

القول في النهي ماذا حكمه؟
قال العبد- رحمه الله-: إني لم أقف على الأقوال في حكمه على الاستقصاء من السلف، كما وقفت على حكم الأمر. ولكنه ضد المر لغة فيحتمل أن يكون للناس فيه أقوال أربعة على حسب أقوالهم في الأمر.
فمن وقف في الأمر فليجب مثله في النهي.
ومن قال بالندب في الأمر فكذا يجب في النهي أن يقول بندب على ضده.
ومن قال بالإباحة فيه قال بإباحة الانتهاء هنا.
ومن قال بالوجوب، ثم قال بوجوب الانتهاء هنا وعليه جمهور العلماء.
ويحتمل ان لا يكون على الاختلاف لأن القول به يؤدي إلى أن يصير موجب الأمر
(1/49)

والنهي واحداً وهو الوقف، وهذا لا سبيل إليه لأن الضدين يختلف أثرهما كالإحياء والإماتة والتحريك والتسكين والله أعلم.

فصل: الأقوال في تكرار الانتهاء
وأما الأقوال في تكرار الانتهاء فلا يتصور لأن الانتهاء بالنهي مما يستغرق العمر إن كان مطلقاً لأنه لا انتهاء إلا بانعدام المنهي عنه من قبله، ولا يتم الانعدام من قبله إلا بالموت عليه قبل الفعل، فلا يتصوره تكراره، بخلاف الأمر بالفعل لأن الأمر بالفعل المسمى له حد يعرف وجوده بحده ثم يتصور التكرار بعده، إلا ترى ان من حلف لا يدخل الدار لم يبر إلا بالموت قبل الدخول، ولو حلف ليدخلن الدار فدخل ساعتئذ بر في يمينه وإن ترك بعد ذلك وتصور منه بعده دخول آخر.

فصل في بيان علة وجوب الانتهاء:
اعلم بأن الشرع لا ينهى عن فعل غلا لقبحه كما لا يأمر به حقاً لله تعالى إلا لحسنه، فالقبيح: اسم لما ينبغي أن يعدم في الحكمة بخلاف الحسن، وقد ذكرنا ان النهي لغة لبيان أنه مما ينبغي ان يعدم على خلاف الأمر، فدل النهي على قبح المنهي عنه كما دل الأمر على حسن المأمور به تحقيقاً للمخالفة.
فإن قال قائل: فهلا قيل إن النهي ورد لحسن الانتهاء كما قيل في الأمر أنه ورد لحسن الائتمار؟
قلنا: لأن المطلوب بالأمر فعل، والفعل حادث يكون من العبد، فالصفة التي لأجلها صح الأمر لا بد أن تثبت لذلك الحادث.
فأما المطلوب من النهي أن لا يوجد المنهي عنه من قبل العبد ويبقى عدماً كذلك، والعدم الأصلي لا يكون بعلة ولا مضافاً غلى العبد حقيقة فلا يصح النهي لحسن الانتهاء فإنه ضرب فعل من العبد، وفعل العبد غير مطلوب بالنهي، بل المطلوب أن لا يوجد من قبله ذلك الفعل، وأن لا يوجد المعدوم ولا يتعلق بسبب موجب للعدم بل بانعدام أسباب الوجود فوجب ضرورة أن يقال: إن النهي صح لقبح الفعل المنهي عنه على خلاف الأمر، فإنه لحسن الفعل المأمور به يصير الفعل المسمى بالأمر مما ينبغي أن يوجد، وبالنهي مما ينبغي أن يعدم، ولهذا يصير العبد منتهياً بالنهي أولى إذا لم يوجد منه فعل المنهي عنه، ولو كان الانتهاء مطلوباً به حقاً لله تعالى لما أمرنا بالصوم وتأدية بالترك لم يكن الترك صوماً لله تعالى إلا على وجه يضاف وجوده إلى العبد بحق الأمر من الله تعالى من قصد لما فيه من منع نفسه عن اقتضاء الشهوات، وغنه ضرب فعل لأنه يثبت بالأمر ولا
(1/50)

يتصور إلا بفعل يوجده وهذا كما قالوا- فيمن حلف وقال لامرأته: إن لم أشأ طلاقك فأنت طالق، ثم قال: لا أشأ- لم تطلق حتى يموت لأنه علق بعدم المشيئة لا بفعل سماه والعدم لا يتحقق إلا بالموت.
ولو قال: إن أبيت طلاقك فأنت طالق حنث إذا قال أبيت طلاقك لأن الإباء اسم لضرب فعل كالصوم وله حد يعقل فثبت ان الواجب بالنهي أن لا يوجد الفعل المنهي عنه من قبله، فغن دعته نفسه إلى فعل المنهي عنه فعليه الآن أن يمنع نفسه عن ذلك بالرد عليه وينتهي عنه ولا يطيعه ضرورة أنه إن لم ينته وجد منه ما نهي عنه فصار مرتكباً للنهي فيصير الانتهاء حسناً الآن مقتضى الفرار عن ارتكاب النهي لا لنفسه فيصير من قبيل الأمر الذي حسن لغير المأمور به، فلا يلزمه غلا بقدر ما يتعلق به حصول المقصود وبقدر ما يتعلق به المقصود يلزمه لله تعالى فيكون عبادة فإنها اسم لفعل يأتي به العبد تعظيماً لربه.
(1/51)

القول في صفة قبح المنهي عنه وحكمه
النهي على أربعة أقسام في هذا الباب، كالأمر في حق الحسن.
- منه ما ورد لقبح الفعل المنهي عنه في عينه.
- ومنه ما ورد لقبح في غيره.
- والذي قبح في عينه نوعان:
- ما قبح وضعاً.
- وما التحق به شرعاً.
والذي قبح لغيره نوعان:
- ما صار القبح مهم وصفاً.
- وما جاوره جمعاً.
- أما الأول: فكالسفه والعبث، فواضع اللغة وضع الاسمين لفعلين عرفهما قبيح في ذاتهما عقلاً.
- وأما الثاني: فكالنهي عن بيع الملاقيح والمضامين، والصلاة بغير وضوء، فالبيع في نفسه مما يتعلق به المصالح ولكن الشرع لما قصر محله على مال متقوم حال العقد، والماء قبل أن يخلق منه الحيوان ليس بمال صار بيعه عبثاً لحلوله في غير محله كضرب الميت وقتل الموات وأكل ما لا يتغذى به.
وكذلك الشرع قصر اهلية العبد لأداء الصلاة على حال طهارته عن الحدث فصار فعل صلاته مع الحدث عبثاً لخروجه من غير أهله، نحو كلام المجنون والطائر فالتحقا بالقبيح وضعاً بواسطة عدم الأهلية والمحلية شرعاً.
- وأما الثالث: فنحو البيع بشرط فاسد، وبيع الدرهم بالدرهمين فالنهي ورد بمعنى الشرط والشرط غير البيع، وبيع الربا منهي عنه لعدم شرط المماثلة الذي علق الجواز به فالمماثلة شرط زائد على البيع فتمامه بوجوده من أهله في محله والمحل قائم شرعاً مع المفاضلة فإنهما مالان متقومان.
وأما الرابع: فنحو البيع وقت النداء يوم الجمعة، والصلاة في أرض مغصوبة، والنهي ورد لمعنى الاشتغال بالبيع عن السعي إلى الجمعة، وبين الاشتغال والبيع مجاورة فما هو من البيع في شيء، والنهي عن الصلاة في أرض مغصوبة جاء لمعنى الغصب، وما هو من الصلاة في شيء فغصب الأرض في شغلها بنفسه لا بصلاته.
(1/52)

وحكم القسمين الولين أنهما حرامان غير مشروعين أصلاً لأن القبح صار صفة لعينه، والقبيح لعينه لا يجوز أن يكون مشروعاً، فالشرع ما جاء إلا لشرع ما هو حسن ورفع ما هو قبيح.
وحكم القسمين الآخرين: أنهما دليلان على كون المنهي عنهما مشروعين لأن القبح ثابت في غير المنهي عنه فلم يوجب دفع المنهي عنه بسبب القبح والقبح في غيره.
وهذا مذهب علمائنا رحمهم الله تعالى على ما نبينه في الباب الذي يليه.
قال الشافعي رحمه الله: النهي على أقسام ثلاثة، فالقسم الثالث الذي ذكرناه من جملة ما قبح لمعنى في عينه شرعاً، والله أعلم.
(1/53)

القول في النهي المطلق ماذا حكمه؟ وإلى أي قسم ينصرف؟
قال علماؤنا: مطلق النهي عن الأفعال التي تتحقق حساً ينصرف إلى القسم الأول.
وعن التصرفات والأفعال التي تتحقق شرعاً نحو العقود والعبادات ينصرف القسم الثالث إلا بدليل.
وقال الشافعي رحمه الله: النهي في البابين يدل على قبحه لمعنى في عينه، ويكون نسخاً لما كان مشروعاً إلا بدليل.
ويحتمل أن يقال ينصرف إلى القسم الرابع بلا تفصيل.
ويحتمل الانصراف إلى القسم الأول غير أني لم أقف على هذين القولين الاخرين من السلف.
وإنما قلنا يحتمل لأن النهي للمنع عن الفعل والقبح يثبت ضرورة ومقتضى فيثبت الأدنى وذلك في القسم الرابع كما قلنا مثله في المر في صفة الحسن.
ويحتمل أن يقال: إن النهي عن الفعل تقبيح كالأمر تحسين فيثبت الأكمل كما في الأمر.
والحجة للشافعي أن النهي ضد الأمر فلما كان الأمر شرعاً للمأمور به كان النهي رفعاً للمنهي عنه إلا بدليل.
ولن الأمر شرعاً لتحسين المأمور به في نفسه إلا بدليل فكذلك النهي يكون لتقبيحه في نفسه.
وكذلك التحريم والإحلال متضادان فيرتفع بأحدهما الآخر.
ولأن الشرع ابتلاء من الله إيانا بما أمر ونهى وأحل وحرم بأصل الحكم، ثم الفعل بناء عليه فيتعين بهما أصل الحكم ثم الأداء ألا ترى أن الشرع نهانا عن الصلاة محدثاً، وعن نكاح المعتدة وبغير شهود، فلم يبق المنهي عنه مشروعاً، وغن كان النهي ورد لدخول زيادة أو لفقد شرط زائد على أصل الاسم.
ولأن أدنى درجات المشروع ان يكون مباحاً في نفسه، ثم مندوباً إلى فعله، ثم واجباً، ثم فرضاً.
والربا حرام في نفسه فلم يجز أن يكون مشروعاً لأن الله تعالى كما قال: {وحرم عليكم الربا} قال: {حرمت عليكم أمهاتكم} ثم لم يبق نكاح الأم مشروعاً بتحريم مضاف إلى الأم فلأن لا يبقى الربا مشروعاً والتحريم مضافاً إليه أولى.
(1/54)

ولا يلزمنا قولنا: أن الظهار حرام وأنه سبب مشروع لإيجاب الكفارة، لأن الكفارة تجب جزاء على ارتكاب حرام في الأصل زجراً كالحدود فلا تكون أسبابها مشروعة، ولا حسنة، فأسبابها في الحقيقة المعاصي التي هي غير مشروعة.
ولا يلزمنا قولنا: إن طلاق الحائض مشروع وقد نهينا عنه لأن الطلاق مشروع بسبب ملك النكاح، والحيض صفة المرأة غير موجب خللاً في ملك النكاح، والنهي جاء لأجلها فكان لمعنى في غير المنهي عنه غير متصل به إلا على سبيل الوجود معه فكان من القسم الرابع.
ولا يلزم استيلاد الرجل امة بينه وبين شريكه فإنه سبب مشروع للنسب وتملك نصيب الشريك وأنه حرام، لأن سبب النسب وطؤه ملك نفسه والحرمة لملك الشريك وانه مجاور لملكه لا أن يكون وصفاً له، وإنما تملك نصيب الآخر لصحة النسب ولا حرمة فيه، وإنما الحرمة في وطئه نصيب الشريك.
ولا يلزم الإحرام مجامعاً لأهله فإنه مشروع وفاسد وحرام ومنهي عنه، لأن الفساد او النهي جاء لمعنى الجماع، وأنه غير الإحرام فلا يصير وصفاً له ولا لما لا يتعلق به صحة الإحرام.
والحج من وقت أو مكان أو فعل، وإنما يوجد معه على سبيل المجاورة فلا يرفع أصل صحة الإحرام وكان من القسم الرابع ألا ترى ان القضاء لازم والشروع في الفساد لا يوجب القضاء بحال، وإنما الجماع منه محظور فيه غير مشروع مفسد للحج كالكلام للصلاة والحدث للطهارة، غير أن الحج لا يحتمل النقض بالأسباب الناقضة من الجماع، بخلاف الصلاة والصيام فلا يخرج من الحج لعجزه، وإذا لم يخرج منه وقد تحقق المفسر من قبله لزمه المضي ضرورة ليخرج عنه بالداء لما شرع، ويلزمه القضاء بإفساد الأول وباب الضرورة مستثنى عن أصل القياس ولذلك أبقينا طوافه مشروعاً مع فساده.
وكلامنا أن النهي لرفع المشروع في وضعه لا أنه لا يجوز الامتناع عن عمله بمانع بل جائز ذلك بدليله كما يجوز مثله في العلل كلها.
ولأن الكلام وقع في تحريم الله تعالى ونهيه عما كان شرع، لا في تصرف جاء من العبد ومفسد تحقق من قبله فما إلى العبد تغيير المشروعات في أنفسها، ولكنه إذا لم يؤدها بشرائط صحتها بقي تحت الوجوب، وإذا ارتكب ما يفسدها أفسد بقدر ما تحتمله العبادة شرعاً.
والحج شرعاً يحتمل الفساد من حيث يجب القضاء ولا يحتمل الارتفاع أصلاً فلم يقدر عليه لعجزه، وإذا كان الرافع من الله تعالى عمل لأنه لا يوصف بالحجة عليه.
ولهذا قلنا: الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنها نعمة علقت بسبب مشروع لها وهو
(1/55)

النكاح أو الوطء الحلال فلم يكن الحرام المحض سبباً لها.
وكذلك الملك لا يثبت بالغصب وإن ضمن الغاصب لأن الملك نعمة علقت بأسباب مشروعة فلم يكن الحرام المحض سبباً للملك، والزنا حرام محض، وكذلك الغصب، وكذلك رخص السفر لا تثبت للعبد الآبق لأن الرخصة نعمة علقت بالسير المديد لغرض مباح او مندوب إليه فلا يثبت بالإباق عن المولى فإنه حرام محض.
وكذلك قال: الدهن النجس لا يجوز بيعه لأن النجاسة بعد إخراج الفأرة منه صفة لازمة للدهن فصارت بمنزلة نجاسة ودك الميتة.
واحتج محمد بن الحسن لتصور صوم يوم النحر مشروعاً بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم النحر وقال: "إنها أيام أكل وشرب" ويقال إنما نهانا عن فعل يتكون أو لا يتكون؟.
فغن النهي عما لا يتكون لغو، فإنه لا يقال للأعمى لا تبصر ولا للآدمي لا تطر.
فلما نهى عن الصوم، والمراد به صوم شرعي فنفس الإمساك للحمية او المرض غير حرام علم به أنه متصور منا شرعاً، ولأن الصوم اسم شرعي لعبادة خاصة كالحج فمطلقه ينصرف إلى حقيقته بتسمية الشرع دون اللغة لأن مطلق الاسم لحقيقته المتعارفة إلا بدليل، ولهذا لما قلنا: أن النهي طلب إعدام المنهي عنه من قبل العبد بامتناعه عن فعله، وإنما ينعدم بامتناعه إذا كان بحيث يتصور منه موجوداً بفعله بخلاف النسخ لأنه تبديل لما كان فكان تصرفاً من الله تعالى في المشروع بتبديل، وهذا تصرف في منع العبد عن الأداء، وكذلك الأمر تصرف في إيجاب الفعل فلا يرتفع بالنهي أصل الحكم، ولكن يرتفع ما لزمنا من الأداء بالأمر فيحرم فعله.
وإذا ثبت هذا علم أن المنهي عن فعله من المشروع مما لا ينعدم بالنهي فبقي مشروعاً لكن حرم الفعل الذي هو سبب لوجوده مؤدى.
ولأنا ذكرنا ان الأمر لبيان أن المأمور به مما ينبغي أن يوجد من المأمور، والنهي لبيان أن المنهي عنه مما ينبغي أن يعدم من قبله فيرتفع بالنهي عن المأمور به قدر هذا الوصف، ودل وجوب الانعدام بتركه على بقائه مشروعاً بحيث يوجد لو فعله.
ولما بقي مشروعاً بحيث يوجد بفعله لو فعله فلم يقبح الفعل في نفسه لأنه لم يصر عبثاً لما تصور، ووجب إثبات القبح في غيره ليمكن تحريم الفعل بذلك الغير، لكن نثبته على وجه يكون ألزم فنجعله قبيحاً عند الإطلاق لوصف زائد متصل به ما أمكن كما نثبت الحسن في الأمر صفة للمأمور به على وجه يكون ألزم وهو الإثبات لعينه فإنه يوجب
(1/56)

الأداء لحسنه، وإثباته لعينه يحقق الوجوب عليه والوجوب من قبله.
وفي النهي متى أثبت القبح لعينه انعدم المنهي مشروعاً في نفسه، والنهي للانعدام بانتهاء العبد فلم نثبته لعينه ليبقى مشروعاً، وأثبتناه وصفاً له ما أمكن لتكون حرمة الفعل لازمة أبداً لمعنى راجع إلى المنهي عنه لأن الوصف منه، وإذا كان الفعل مما لا يتصور حساً كشرب الخمر والزنا انصرف إلى قبح غي عينه، لأنه مع قبح عينه مما يتصور وجوده منا فيتعلق العدم بامتناعنا عنه، فلما تصور الانعدام بامتناعنا عنه أثبتنا القبح لعينه كما أثبتنا بالأمر الحسن لعينه لما تصور الوجود بفعلنا معه هذا هو الحقيقة من المر والنهي إلا بدليل.
وكذلك تحريم البيع والأفعال الشرعية دليل على بقائها مشروعة، لأن الحرمة صفة لما سماه الشرع فينبغي أن يكون المسمى متصوراً ليمكن إثبات الوصف له فإنه لا يثبت بدون الموصوف كتحريم العين باسمه دليل على ثبوت المسمى ليثبت الوصف له.
وإذا وجب إثبات المسمى وجب إثباته على حقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه.
غير أن اسم العين لا يبطل بأن يحرم أصل الفعل فيه، ويصير غير مشروع فيه فيثبت ومتى حرمنا أصل الفعل في الشرعيات وجعلناها غير مشروعة بطل حقيقة الاسم للمسمى كتحريم الربى، فالربا: اسم لضرب بيع، وأنه ما لم ينسخ لم يحرم أصل المعاقدة، ولم يخرج من أن يكون مشروعاً ومتى انتسخ بقي الاسم له مجازاً فثبت أن الحقيقة في الجمع بين صفة حرمة وبين المسمى إلا أن لا يمكن.
وفي باب ملك اليمين إثبات صفة الحرمة مع بقاء الملك مشروعاً كالعصير يتخمر فأمكن ذلك فيما شرع سبباً لملك اليمين.
ولأن المشروع ثابت مشروعاً بشرع الله تعالى وتقديره كالمخلوق حادث بخلق الله تعالى وتقديره، فلم يجز أن يوصف بأنه حرام شرعاً أو قبيح شرعاً.
فالقبيح شرعاً ما كانت الحكمة في إعدامه، وهذه مما كانت الحكمة في إيجادها، وإنما أضيفت الحرمة الشرعية إليها على معنى أنها أسباب لحرمة أفعالنا فيها بخروجها من أن تكون محال لها شرعاً بالأسباب التي ذكرت.
والعين باسمه يبقى على الحقيقة مع خروجه عن محلية الفعل المشروع الذي نهينا عنه فجمع بين الأمرين.
وأما المشروع من العقد والعبادة فلا يبقى على الحقيقة متى لم يبق بحيث يوجد بالمباشرة لأنه اسم لما يوجد بالمباشرة لا لموجود للحال، ولا أيضاً يصير سبباً لحرمة الإيجاد متى لم تتعلق الحرمة بوصف قائم به فإنه متى كان لمعنى في غيره مجاور كان السبب ذلك المعنى لا هذا المسمى وحاصل الأمر أن النسخ رفع للمشروع ثم ينعدم أداؤنا
(1/57)

بانعدام المشروع، والنهي تحريم للفعل ثم ينعدم المشروع بامتناعنا عن الأداء فلم يجز أن يجعلا باباً واحداً.
فأما قوله: إن أدنى درجات المشروع أن يكون مباحاً فعله، فكذلك في أصله ولكنه جائز أن يحرم بعارض لا يرفع أصله ولا يفارقه فيحرم بالعارض الذي هو غير مشروع لا بالمشروع، كالطواف مشروع مباح صحيح مندوب إليه، وبعد الجماع يفسد ويبقى مشروعاً فاسداً، فدلنا بقاء الطواف مع صفة الفساد مشروعاً، وهو عبادة بدنية بأي سبب كان الفساد، على أنه ليس بوصف يرتفع به أصل المشروع بمنزلة ملك اليمين حيث لم يرتفع بالحرمة.
ثم أثر الضرورة التي ذكرها الخصم ثابت في حقنا بأن عجزنا عن نقض الحج ولزمنا المضي مع الفساد، وإن كان الفساد سبيله الترك، فأما البقاء مشروعاً مع الفساد فبحكم الله وتقديره، والله تعالى قادر على أن يرفعه به كما رفعه بالإحصار.
والخمر مملوك ملكاً شرعياً وأنه حرام لا يجوز الانتفاع به بوجه.
والصيد المملوك بعد الإحرام ملك، والانتفاع به والتصرف حرام لأن الحرمة تعلقت بوصف زائد عارض وهو الأمر الثابت له بإحرامه أو بالحرم، وأمكن الجمع بينهما لأن ملك التصرف غير ملك الرقبة.
وكذلك الدهن إذا تنجس بمجاورة الفأرة حتى صارت النجاسة صفة لازمة له فبقيت بعد إخراج الفأرة لا يحرم أصل الدهن ولا الانتفاع به إلا ما لا يتأدى مع النجاسة، لأنه لم يغير أصله كالنجاسة بالثوب، بخلاف ودك الميتة لأن النجاسة للعين بالشرع ولا مجاورة بين العين والشرع، والشرع مبدل بأن كان ظاهراً فجعله نجساً بالتحريم، وكذلك النهي عن بيع وشرط، فالنهي جاء لمعنى الشرط وأنه شيء زائد جاوره وصفاً له لازماً لأن الشرط لو كان يصح لصار من حقوقه لازماً إياه قل لزوم أصله فصار حرمتها بسببه مثل حرمة الدهن بسبب النجاسة المجاورة فتغير الوصف إلى حرمة وفساد ولم يتغير الأصل.
وكذلك النهي عن صوم يوم النحر فإنه جاء لوصف زائد في الوقت الذي لا يتأدى إلا فيه وهو اليوم فإنه عين للصوم ضرعاً على مخالفة الليل بأن عين للفطر، ثم عين يوماً للفطر بصفة زائدة وهو العيد فبقي محلاً للصوم بأصل اليوم، ومحلاً للفطر بصفة أنه عيد فبقي الصوم بأصله مشروعاً وبوصفه غير مشروع.
ولا يلزم النكاح بغير شهود فإنه غير موجب للملك لأن الأصل الذي قلنا في النهي عن طلب العقد الذي هو طلب الإعدام من العبد بالانتهاء، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بشهود" إخبار عن عدمه دونهم كقوله: لا زيد في الدار، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا
(1/58)

بوضوء". ولا يلزم نكاح المعتدة عن الغير لأن الحرمة ثابتة بتحريمها لا بتحريم العقد عليها لأن قوله تعالى: {والمحصنات من النساء} عطف على قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} أي وحرمت المنكوحات، وإنما حرمت المنكوحة كالأم على غير الزوج صيانة للأنساب، دلنا ذلك على حرمة المعتدات بلا نكاح قائم لأنها لا تجب إلا لما صار معتبراً شرعاً من وجه.
ولا يلزم قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} فإنه إخبار عن تحريم العقد والوطء جميعاً، ولم يبق مشروعاً لأن معناه: وحرمت الأختان جمعاً بعقد أو وطء لأنهما عطفتا على الأمهات ولا يعطف الفعل على الاسم، والاسم على الفعل، وإنما يعطف الاسم على الاسم والفعل على الفعل فلذلك وجب الحمل على المعنى الذي قلناه ليكون عطف اسم على اسم ولا يلزم {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} لأن الدليل قام على أنا نهينا عنه لحرمة المحل علينا شرعاً كالأم لقيام الصهرية مقام النسب في هذا الباب شرعاً حتى كانت حليلة الولد بمنزلة البنت وذكرت في المحرمات.
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا تنكح الأمة على الحرة" إخبار وليس بنهي ولأن العقد حرم على الأمة لكونها محرمة في هذه الحالة- على ما بينا في النكاح- لأن الحل الذي ثبت به محلية النكاح يتصف بالرق فبقي محللة مع الحرة قبلها لا بعدها لتكون على النصف بقدر ما يمكنه إثبات التصنيف في قبول النكاح مقابلة للحرة، كما لم يحل للعبد إلا امرأتين وحل للحر أربع، ولأن ملك النكاح متى وصف بالحرمة لم يبق كما إذا اعترض رضاع فكذلك سببه إذا وصف بالحرمة لا يبقى لأنه مشروع لملكه، فلما لم يمكن الجمع بينهما تركت الحقيقة.
وأما سفر الآبق فمشروع بسبب رخصة من حيث أنه سير مديد، والمعصية ثابتة صفة للعبد لا للسير بامتناعه على مولاه حتى إذا جاء الإذن ذهبت المعصية، وإن سار وبقيت المعصية مع الامتناع عليه وإن ترك السير.
والغصب سبب ملك من حيث أن المشرع جعله سبب ملك للمغصوب منه بدل ماله كالبيع لا من حيث أنه أخذ بغير حق.
والزنا سبب للمصاهرة من حيث أنه حرث للولد وأنه ثابت بخلق الله تعالى لا بمعصيته.
والظهر يوم الجمعة مشروع لأنه معلق بزوال الشمس من اليوم ونهينا فيه عنه لأن الشرع أمرنا بأداء الجمعة مقامه فصار نهياً لمعنى في غيره كالبيع وقت النداء في هذا اليوم.
(1/59)

وكذلك إذا صلى النفل وقت الطلوع كان نفلاً مشروعاً، وقد نهينا عنه لأن أصل الصلاة مشروع بأصل الوقت والنهي جاء لوصف زائد وهو أنه وقت مقارنة الشمس قرن الشيطان فبقي الأصل مشروعاً ولم ينعدم وإن لزمه الترك بوصفه.
وقلنا إذا أدى في ذلك الوقت فرضاً لزمه بوقت آخر مطلق عن النهي لم يجز لأن الوقت لما لم يبق وقت صلاة بوصفه لم يوجد بالوصف فلا تتأدى بها صلاة مشروعة عليه بأصلها ووصفها كما لا يتأدى بصوم يوم النحر صوم واجب مطلقاً.
وإذا نذر صوم يوم النحر أو صلاة وقت الطلوع لزمه لأنه لما بقي مشروعاً نفلاً صح الإيجاب بالنذر لأن الشرع شرع النذر لإيجاب ما هو نفل من الصيام والصلاة، ولكن لا يؤدي فيهما لأن الأداء فيهما صار حراماً لوصفه فلا يلزمه ما حرم، وانعدم ولزمه ما بقي، وإذا أدى خرج عن النذر لأن الوصف لم يلزمه لما لم يبق الوقت محلاً له فيؤدي كما وجب وإنما لا يلزمه الأداء فيه لأنه معصية فلم يجب بالنذر، لأن الواجب عليه صوم مطلق وقد أضافه إلى محل لم يبق فيه صوم مطلق، وها كما يجوز أداء العصر وقت الغروب لأنه وجب لوقته كما يحتمله الوقت وقد أدى كذلك ولو أدى فيه الظهر لم يجز لأنه وجب مطلقاً، ونظيره أنه لا يتأدى عتق وجب في كفارة يمين بتحرير رقبة مطلقة بالعمياء فإنها مستهلكة من وجه، ولو نذر أن يعتقها صح النذر لبقاء أصل التحرير ويتأدى الواجب بإعتاقها وكذلك أم الولد.
(1/60)

القول في بيان أسباب الشرائع
قال العبد رضي الله عنه: إن أصل الدين وفروعه من العبادات والكفارات والحدود والمعاملات مشروعة بأسباب عرفت أسباباً لها بدليلها سوى الأمر، وإنما الأمر لإلزام أداء ما وجب علينا بسببه، كما يقول البائع للمشتري: اشتريت فأد الثمن كان الأمر طلباً للأداء لا سبباً للوجوب في الذمة.
وقد بينا في آخر الكتاب في فصل أهلية الآدمي لوجوب حقوق الله تعالى عليه أن أداء الواجب في الذمة لا يجب بحق الوجوب بل بالطلب من مستحقه، وذلك بالخطاب، والوجوب بأسباب شرعية غير الخطاب عرفنا شرع الله تعالى على هذا بدليله مع استقامة الإيجاب بمجرد الأمر وذلك لما ذكرنا في ذلك الباب أنا نجد وجوب حقوق الله تعالى على من لا يصح خطابه، نحو النائم والمغمى عليه والمجنون إذا قصر جنونه، وإن استغرق وقت العبادة، وكذلك الصبي على أصل الشافعي يلزمه الزكاة وكفارات الإحرام والقتل وإن كان طفلاً لا يصح خطابه، فعلمنا بذلك أن الوجوب بأسباب غير الخطاب حتى صحت في حقهم كما في حق غيرهم، وإنه كان لزمهم حقوق العباد بمداينة الولي عليهم ويعتق عليه أبوه إذا ورثه لأن السبب هو الملك، وقد صح في حقه.
ألا يرى أن وجوب الأداء لما كان بالخطاب لم يلزم واحداً من هؤلاء أداء حقوق الناس كما لم يجب أداء حقوق الله تعالى والدليل عليه أن الصلاة تجب مكررة، وكذلك سائر الحقوق، إن كان الأمر بالفعل لا يوجب تكراراً بحال أطلق أو علق بوقت.
فإن من قال لآخر: تصدق بدرهم من مالي لم يملك إلا مرة واحدة، وكذلك إذا قال: حين تصبح أو تمسي، أو قال: لمجيء غد كمال قال الله تعالى: {وأقيموا الصلاة} وقال تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} ونحوها، وكما لم يجب التكرار بهذه النصوص علم أن التكرار بسبب موجب يتكرر كل حين الوجوب.
فنقول وبالله التوفيق:
إن سبب وجوب أصل الدين وهو معرفة الله تعالى، كما هو الآيات الدالة في العالم على حدوث العالم، وهي دائمة أبداً لا يحتمل زوالها عنه، فدام وجوب أصل الدين كذلك بحيث لا يحتمل النسخ والزوال والتبدل، وإنما يسقط الأداء في بعض الأحوال للعجز كما يسقط أداء الصلاة عن النائم مع الوجوب عليه لعجزه، وقد شرحناه في باب أهلية الآدمي لوجوب حقوق الله تعالى عليه.
وسبب وجوب الصلاة أوقاتها بدليل تكرار الوجوب بتكرار الأوقات فإنها لو كانت
(1/61)

شروطاً لما تكرر الوجوب بتكررها بدون أسبابها.
ولم يعقل غير الخطاب سبباً آخر للوجوب مع الوقت فلما بطل أن يكون الخطاب موجباً للتكرار فكان سبباً لوجوب أداء ما لزمه في ذمته بسبب آخر بقي الوقت مناسباً بنفسه، وكذلك يضاف إليه فيقال؛ صلاة الظهر والعصر ومطلق إضافة الحادث إلى شيء يدل على حدوثه به كقولك: عبد الله وكفارة القتل، وهذا كسب فلان وتركته وقتله، والوجوب هو الحادث فدل أنه كان بالوقت، وقد يضاف إلى الشروط لكنه مجاز لما أن الحكم وجد عنده فأشبه العلة التي يوجد الحكم عندها بها ولكن الكلام لحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه.
وكذلك الله تعالى قال: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} واللام تذكر للتعليل في مثلها كما تقول تطهر للصلاة وتأهب للشتاء، فثبت أن الوقت هو السبب، وكل جزء من الوقت سبب تام، فإنه لو كانت السببية تتعلق بالجميع لوجبت الصلاة بعد الوقت كالزكاة بعد الحول.
وكذلك تجب على الصبي إذا بلغ لآخر الوقت، ولو كان السبب أول الوقت لما وجب كما لو بلغ بعد الوقت.
وكالصبي المسافر في رمضان إذا بلغ بعد رمضان ثم أقام لا يلزمه شيء، وإن كان البالغ في مثله يلزمه حين الإقامة لأن السبب في حق المسافر البالغ هو رمضان لا حين الإقامة فلا يلزم لحين الإقامة إلا من كان أهلاً للوجوب عليه في الشهر لولا السفر.
وأما الصوم فسببه الشهر لأنه يضاف إليه فيقال: صوم رمضان ويتكرر بتكرره كالصلاة مع الوقت، وقال صلى الله عليه وسلم "صوموا لرؤيته" كما قال الله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} وقال تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} علق إيجاب الأداء بشهادة الشهر فعلم أنها سبب الوجوب حتى استقام طلب الأداء بعده كالرجل يقول: من اشترى شيئاً فليؤد ثمنه، أي الواجب بالشراء إلا أن الدليل قام لنا بإباحة الله تعالى الأكل في ليالي الشهر كلها، وبأن لا يجوز فيها صوم إذ المراد بالشهر أيامه، وكذلك الصبي إذا بلغ لأول الصبح لزمه الصوم وإن لم يشهد الليل.
فإن قيل: انتفاء جواز الأداء ليلاً لم يدل على خروجه عن كونه سبباً للوجوب!
قلنا: إن المطلوب من الإيجاب الأداء، وفي جعل الله تعالى وقتاً سبباً لوجوب عبادة بيان شرف ذلك الوقت لحق العبادة، والعبادة في الأداء دون الإيجاب فإنه صنع الله تعالى
(1/62)

فلم يستقم الوقت المنافي للأداء شرعاً سبباً لوجوبه فعلمنا أن الأيام هي الأسباب، وكل يوم سبب لصومه على حدة، حتى إذا بلغ الصبي في أثناء الشهر لم يلزمه ما مضى، وإنما يلزمه ما بقي ولأن الصيام متفرق في الأيام تفرق الصلوات في اليوم والليلة بل أشد فإن أوقات الصلاة كانت متفرقة بأن لم يجز أداء الظهر في وقت الفجر وفات بمجيء وقت العصر قبل أداء الظهر وهذا المعنى فيما نحن فيه موجود وزيادة وهو أن بين كل يومين ليلاً لا يصلح لأداء الصوم لا أداء لما يجب ولا قضاء لما مضى ولا نفلاً.

فصل
وسبب وجوب الزكاة: النصاب من المال الذي عرف في الزكاة، بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف النصب في وقت واحد، وبدليل الإضافة إليه فيقال: زكاة مال السائمة، وزكاة مال التجارة وقال صلى الله عليه وسلم: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى"، وقال لمعاذ: "ثم أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" والغنى يكون بالمال.
فإن قيل: إن الزكاة في مال واحد تتكرر بتكرار الحول فعلم أنه سبب؟
قلنا: نعم لأن المال إنما يصير سبباً ونصاباً إذا أعد للنمو بسببه من تجارة أو سائمة، فبهذا الوصف يصير مال الزكاة فيصير السبب هو الوصف في الحقيقة فإنه الجاعل للمال سبباً، والنمو لا يكون إلا بمدة فقدر الشرع بالحول تيسيراً علينا فقام الحول مقام النمو الذي به يصير المال سبباً، ولما قام مقام السبب تكرر بتكرره وفي الحقيقة التكرار بتكرار النمو فإن الذي يوجد في حول يجيء غير الذي مضى في الحول الأول.
وسبب وجوب العشر الأراضي النامية ونموها بما نستنبتها، وكذلك الخراج بدلالة أنه يقال: عشر الأرض وخراج الأرض ولا يجبان إذا اصطلم الزرع آفة قبل حين الوجوب لذهاب النماء، ثم تكرر الوجوب بتكرر الحول في الخراج وفي العشر بتكرر الخارج على مثال تكرر الزكاة بتكرر الحول لا فرق بينهما.
وسبب وجوب الجزية الرؤوس بأوصاف معلومة لأنه يقال: خراج الرأس، ويتضاعف بعدد الرؤوس وتكرارها بالحول على نحو تكرار الزكاة.
وبيانها أن أهل الذمة يصيرون من أهل الإسلام بالذمة كالمسلمين، والله تعالى فرض على المسلمين نصرة الدار بقتال أهل الحرب كما ينصر كل قوم دورهم إذا قصدهم عدو، وأهل الذمة لم يصلحوا لذلك فإن القتال نصرة لدار الإسلام ودين الله تعالى عبادة، وليسوا
(1/63)

هم بأهل لها فضرب الشرع على الرؤوس الصالحين للقتال لو كانوا مسلمين مالاً للمقاتلة من المسلمين ليكون المال عوناً لهم فيحصل بأموالهم بعض النصرة، ثم النصرة بالقتال كان يجب متكرراً غير دائم فكذلك المال الذي هو بدله إلا أن الشرع قدره بالحول تيسيراً للعمل به وتشبيهاً بالمؤن الشرعية.
أما الحج فسبب وجوبه: البيت دون الوقت، بدليل أنه لا يتكرر بتكرر الوقت، وإنما يجب مرة لأن السبب هو البيت وإنه لا يتجدد بتجدد الوقت، وكذلك يضاف إلى البيت فيقال: حج البيت قال الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} إنما الوقت شرط عنده يجب كحين الإقامة في صوم المسافر، وفيه يؤدى كوقت الصلاة واليوم في حق الصوم والأداء.
وأما الاستطاعة فصفة للعبد عندها يحل الوجوب به تيسيراً علينا لما في السفر بلا زاد ولا راحلة من المشقة، كالإقامة في باب الصوم وليس بصفة لما هو سبب من البيت فلا يجعل من السبب كالطهارة تجب للصلاة، ولا تجب إلا على المحدث فلم يكن الحدث سبباً للوجوب ولهذا قيل: إذا عجل العبد الحج قبل الاستطاعة أجزأه، فتفسير الاستطاعة ملك الزاد والراحلة، والأداء قبل ملكهما جائز لأن السبب قد وجد كما يجوز للمسافر أن يصوم قبل الإقامة لأن السبب وهو الشهر قد وجد، ولذلك لا يتجدد الوجوب بتجدد ملك الزاد والراحلة، ولا يضاف إليهما فصار تأويل الآية- والله أعلم-: ولله على الناس المستطيعين حج البيت حقاً للبيت، واجباً بسببه إذا جاء وقت الأداء.
فإن قيل: إن وقت الحج أشهر الحج وهي شوال إلى العاشر من ذي الحجة، والأداء غير جائز لأول شوال فكيف يقال إنه شرط الأداء، وعلم أنه سبب الوجوب؟
قلنا: قد ذكرنا أن امتناع جواز الأداء شرعاً في وقت يدل على أنه ليس بسبب للوجوب، ثم الجواب أن الأداء جائز في الوقت كله فإن من أحرم بالحج في رمضان وطاف بالبيت وسعى فيه ثم طاف طواف الزيارة فعلية أن يعيد السعي لأنه كان قبل الوقت، ولو طاف وسعى في شوال لم يكن عليه الإعادة لأنه كان في وقته إلا أن للحج أركاناً أخر ولكل ركن وقت على حدة، فلم يجز قبل وقته الخاص، كما لا يجوز طواف الزيارة قبل يوم عرفة وهو وقت أداء الركن الأعظم، ولا يجوز رمي اليوم الثاني في اليوم الأول ولا قبل الزوال، والسعي واجب غير مؤقت بوقت خاص فيؤدى في جميع وقت الحج.
وأما سبب وجوب صدقة الفطر على المسلم: فرأس يلزمه مؤنته بولايته عليه، ووقت الفطر شرط عمل السبب في الإيجاب عنده بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف هذه الرؤوس أحراراً كانوا كالأولاد الصغار أو مماليك، وإن كان يوم الفطر واحداً.
وكذلك يجب على من أسلم ليلة الفطر أو بلغ ولم يكن عليه صوم فعلم أن الصوم
(1/64)

ليس بسبب إلا أنها لما ألحقت بمؤنة اليوم كفاية للفقراء تكررت بتكرر اليوم، كما تكررت المؤنة على مثال تكرار الجزية بتكرر الحول لقيامها مقام النصرة وهي متكررة.
فإن قيل: أليس أنه لا يجب على من أسلم بعد الصبح بمضي السبب على المفر؟
قلنا: نعم فإن الرأس ليس بسبب للوجوب في وقت خاص وهو انفجار الصبح يوم الفطر فإذا لم يكن أهلاً للوجوب فيه لم يجب كما لا يجب الحج على المستطيع إذا كان كافراً أو صبياً في أشهر الحج كله لا فرق بينهما إلا أن ذلك وقت ممدود، وهذا وقت مقصور وإنما تضاف الصدقة إلى الفطر مجازاً لأنها تجب فيه لا لأنه سبب فطر بدليل ما ذكرنا، ولأن صدقة الفطر لا تجب بيوم الفطر عن رأس آخر غير رأسه ما لم يكن بالوصف الذي قلناه، وذلك الرأس لو جعل شرطاً والوقت سبباً لكان شرطاً من حيث يجب عليه وكان محل الوجوب، وقد قام لنا الدليل أنه لا يجب عليه فإنه يجب عندنا عن عبده الكافر والكافر لا يجب عليه عبادة، ولا صدقة، وإذا لم يكن الرأس شرطاً كان سبباً لا محالة لصفة غير الكفر، فإن الزكاة تجب عن عبده الكافر إذا كان للتجارة والوقت صالح للشرط كوقت الحج فجعل الوقت شرطاً والرأس سبباً.
فأما الكفارات: فأسبابها ما أضيفت إليه كالقتل خطأ واليمين والظهار والإفطار عن صوم رمضان، وكذلك الحدود كالزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر والسكر.
وسبب وجوب الوضوء الصلاة: يقال إنه طهارة الصلاة ويسقط في نفسه متى سقطت الصلاة، ولكنه لا يجب إلا على المحدث كما لا يجب الحج إلا على المستطيع، والصوم إلا على المقيم، ولأن الوضوء شرط لإقامة الصلاة، والشروط لا تجب إلا لما علق صحته بها كالشهادة في النكاح واستقبال القبلة في الصلاة.
وقد ذكرنا سبب وجوب أصل الدين وسبب العبادات، وسبب العقوبات وهي الحدود وسبب الكفارات المترددة بين العبادة والعقوبة.
فأما سبب المعاملات وهو رابع الأسباب: فتعلق البقاء المقدور بتعاطيها.
وبيانه أن الله تعالى خلق هذا العالم وقدر بقاء جنسه إلى حين القيامة من طريق التناسل، ولا تناسل إلا بإتيان الذكور النساء في موضع الحرث فشرع الله تعالى له طريقاً يتأدى به ما قدر الله تعالى من غير أن يتصل به فساد وضياع، وهو طريق الازدواج بلا شركة في الوطء.
ففي الوطء على التغالب فساد.
وفي الشركة ضياع النسل فإن الأب متى اشتبه عليه الولد بقي على الأم وما بها قوة كسب الكفايات في أصل الجلبة.
(1/65)

وكذلك خلق النفوس وقدر بقاءها إلى آجالها ولا طريق للبقاء غير إصابة المال بعضهم من بعض فقدر المحتاج إليه لكل شخص لن يتهيأ له إلا بأناس آخرين وبما في أيديهم، فشرع الله لذلك أسباباً للإصابة على تراض ليكون طريقاً لبقاء ما قدره الله تعالى من غير فساد ففي الأخذ بالتغالب فساد.
ويدل عليه أن الله تعالى خلق الدنيا دار محنة وابتلاء بخلاف هوى النفس على ما قال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} والعبادة أعمال بخلاف هوى النفوس، وما خلقها دار نعمة واقتضاء شهوة، وإنما هي دار الآخرة للمؤمنين فعلمنا أنه ما شرع لنا طريق الأكل والوطء وما يقضى من الشهوات بالأموال لأنفسها بل لحكم تحتها ابتلانا بإقامته.
وفي الناس مطيع يعمل لله تعالى بلا شهوة له، وعاص لا يعمل فخلق الله الشهوات مقرونة بها ليأتيها المطيع لحق الأمر، والعاص لحق الشهوة فيتأدى بالفريقين جميعاً حكم قدرة الله تعالى فيكونوا جميعاً في ما فعلوا مبتلين بها من الله تعالى بخلاف هوى نفوسهم، فإن الله تعالى قدر أن يكون للنار خلق استوجبوها بما كان منهم، وكذلك قدر أن يكون للجنة خلق استحقوها بما كان منهم جزاء وفاقاً فحفت النار بالشهوات والجنة بالمكاره، فصار مرتكب الشهوة مع الصابر على المكروه مبتلين بإقامة ما حكم الله تعالى على ما قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس} الآية وإنما كانوا لجهنم بما كان منهم من خلاف الأمر على سبيل الاختيار وقال: {فسنيسره لليسرى} {فسنيسره للعسرى} وقال صلى الله عليه وسلم: "كل ميسر لما خلق له" فصار كل منا مبتلى بعمل خلق له في عامة أمره تقديراً أطاع الأمر أو ارتكب النهي اثباتاً لقهر العبودية عليهم، وعظمة الألوهية تبارك الله الواحد القهار.
فالمطيع في طاعة ربه لأول أمره مبتلى بخلاف هوى نفسه.
والكافر مبتلى في طاعة نفسه لإقامة حكم الله في عاقبة أمره، بخلاف هوى نفسه إلا أن ابتلاء المطيع بالأمر وابتلاء الكافر بالقدر والحكم لله الأكبر.
(1/66)

القول في العبادات
العبادات مؤقتة وغير مؤقتة.
فالمؤقتة: ما اختص جوازها بوقت عين، تفوت العبادة بفوته.
وغير المؤقتة: ما لم يذكر لها وقت وكان اعتباره لغواً في حق جواز أدائها.
ثم المؤقتة على ضربين: ما كان الوقت شرطاً لجواز الأداء فيه، دون أن يكون معياراً للفعل المأمور به.
وهو نوعان: وقت عين متوسع.
ووقت عين مشكل توسعه وتضيقه، والضرب الآخر ما يكون معياراً للفعل المأمور به، وهو نوع لا يتصور أن يكون متوسعاً فصارت أقسام المؤقتة ثلاثاً.
- وما ليست بمؤقتة: قسماً رابعاً.
أما الأول فنحو وقت الصلاة كالظهر والعصر ونحوهما.
فالظهر اسم معرفة لسعة من النهار ولا يشاركها سائر الطاعات فيه فكانت معرفة وعيناً لا جهالة فيه بوجه، ولا جواز للأداء إلا فيه، وهو متوسع لأنه يفضل عن أدائها إذا أداها بقدر المفروض وليس بمعيار للفعل المأمور به.
والمعنى بالمعيار الوقت المثبت لقدر الفعل كالكيل في المكيلات، وقدر فعل الصلاة لا يثبت بالوقت بل بأفعال معلومة مما يشاهد من الفاعل من نحو القيام والركوع والسجود فيتم بها قدر ما أمره به من الفعل لا أثر لقدر الوقت في إثبات قدرها بوجه، فإن العبد متى قصر الأفعال تأدت بجزء قليل منه وإذا أطال ركناً منه مضى الوقت قبل أداء ما بقي.

فصل
وأما المشكل فوقت الحج، فالوقت أشهر الحج وهو: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وهذه أسماء معرفة لشهورها تصير بها عيناً كزيد وأحمد، والسبت والأحد للأيام، والظهر والعصر للساعات، وهذا الوقت من سنته تلك لا يفضل عن حجة لأخرى لكن الحج يجب في العمر مرة واحدة، والله تعالى ما عين أول السنة للأداء فيها حتى يكون الوقت متضيقاً لا يفضل عن الأداء، ولا يعلم يقيناً بالعشر سنين حتى يكون متوسعاً يفضل بعض الوقت عن الأداء فسميناه مشكلاً إن مات فهو متضيق وإن عاش فهو متوسع.
فإن قيل: إذا عاش لم يكن الوقت عيناً والوقت أشهر الحج من سنة من جملة سني عمره.
(1/67)

قلنا: إنما سميناه عيناً لأن الاسم في الأصل اسم معرفة على ما قلنا، وإنما تحصل الجهالة بحكم المعارضة كقولنا: زيد اسم معرفة، وإذا اجتمع رجال تسموا بزيد صار المسمى به مجهولاً بحكم المعارضة، لا لأن الاسم في نفسه نكرة فكذلك هذا وليس بمعيار على ما قلناه في الصلاة.
وأما المعيار فوقت الصوم فإن الصوم الشرعي لا يثبت قدره الذي يتم عنده عبادة إلا بوقته وهو اليوم يتم بتمامه، وينتقص بانتقاصه لا بفعل يشاهد من الصائم يعرف قدره بنفسه فإنه ترك ما يتصور تقديره إلا بزمان يذكر.
ونظيره من المعاملات ذكر اليوم في إجارة الرجل نفسه يوماً بعمل ما فإن اليوم معيار، لأن العقد وقع على منافع يومه، والمنافع لا يمكن معرفة قدر لها بالإشارة إليها بل بزمان يذكر وإنما تكون بذكر المدة، ونظير الأول رجل آجر نفسه ليخيط هذا الثوب قميصاً بدرهم اليوم فإن اليوم لا يكون معياراً، لأن العمل الذي يجعل الثوب مخيطاً قميصاً مما يعلم قدره بتغيير صفة الثوب وتمامه بصيرورة الثوب قميصاً، وذلك معلوم من الثوب لا بالوقت فلم يصر الوقت معياراً بل بياناً لطلب الأداء فيه.
ثم العين منه كرمضان فإنه اسم معرفة لذلك الشهر لا يشاركه سائر الشهور من السنة فيه، فيكون عيناً معرفة لا جهالة فيه بوجه والنكرة كقوله تعالى: {فصيام ثلاثة أيام} فالصوم مؤقت باليوم لا يجوز تأديته بالليل، وقولنا يوم لتمييز جنس النهار عن الليالي، وهذا الجنس يشتمل على أعداد كثيرة كل فرد منها يسمى يوماً فكان كقولك: رجل ودرهم وكقوله تعالى: {فتحرير رقبة} وكذلك قوله تعالى: {فصيام شهرين}، ولأن الشهر اسم لزمان أمد من اليوم كاليوم من الساعة ثم هو في نفسه يشتمل على أعداد كثيرة كل فرد يسمى شهراً.

فصل
ثم إن لكل وقت أحكاماً عرفت منه.
أما الوقت المعين المتوسع الذي ليس بمعيار كوقت الصلاة فمن حكمه أن الواجب فيه يجب وجوباً متوسعاً لا يتضيق إلا لآخره، أو دليل آخر كما ذكرنا في باب أهلية الآدمي لوجوب حقوق الله تعالى عليه أن الوجوب في الذمة لا يوجب المبادرة إلى الأداء، لأن الواجب للغير في الذمة لا يكون فوق الواجب له عيناً في بيته أو في يده، ومتى وقع حق الغير في يد إنسان بغير صنعة لم يجب التسليم إلى صاحبه إلا بعد الطلب، وكذلك إذا وجب بصنعه وهو غير متعدي كالمشتري فإنه لا يلزمه أداء الثمن إلا بعد الطلب، ولكن يحرم عليه الإفاتة لأن الحق للغير والإفاتة في خروج الوقت. فمتى توسع الوقت لم يكن في التأخير إفاتة فلا يتضيق عليه الأداء.
(1/68)

ومن الناس من ظن أنه لم يلزمه الأداء لأول الوقت لم يكن الوجوب متعلقاً بأوله، وإنه غلط، لما ذكرنا أن الثبوت في ذمته حقاً للغير غير لزوم الأداء، كما في الدين المؤجل الحق ثابت لصاحبه عليه ولا أداء عليه كذا هذا ثبوت فعل يسمى صلاة في ذمته حق لله تعالى غير الأداء الذي هو تسليم إلى الله تعالى.
وكمن آجر لخياطة هذا الثوب قميصاً في هذا الشهر، صحت الإجارة وصار العمل حقاً عليه لصاحب الثوب والعمل متوسع عليه في الشهر، ولأن الوقت لما توسع وقد شرع للأداء فيه، ولا يقع إلا في بعضه وذلك غير معلوم بالشرع، كان العبد بالخيار في الإيقاع في أي جزء شاء، كما ان الله تعالى لما أمر بتحرير رقبة ولم يعين واحدة يخير العبد في الإيقاع في أي رقبة شاء.
وكمن يقول لعبده: تصدق بدرهم اليوم يخير في ساعات اليوم إلا بدليل آخر يعين عليه البعض دون البعض.
ومن حكمه: أن الخيار لا ينقطع بقول العبد: عينت هذا الجزء، لن الله تعالى لم يفوض إليه ذلك، إنما له الخيار في التعيين بالداء كالمكفر إذا عين رقبة للتكفير لم يتعين ما لم يعين بالإعتاق.
وأما الإفاتة عن الوقت فحرام لأنه بمنزلة الإهلاك لعين مشار إليها، وكان القضاء بعد الوقت غير ما وجب عليه يضمنه من عنده بدل ما أفاته، وهذا حرام في كل حقوق الغير عنده إلا بإذن صاحبه، وهذا التفويت بفوت الوقت حكم كل مؤقت لا حكم الوقت المتوسع.
ومن حكمه: أن الوقت ما بقي بحيث يسع للأداء كان في حكم أول الوقت في حق أن الوجوب على العبد للوقت القائم لا لما مضى، كأن ما مضى لم يكن وقتاً لأن الوجوب لو كان لما مضى، ووقت الوجوب شرط للأداء على ما مر فصارت الصلاة فائتة بمضي وقت الوجوب، فلما لم تصر فائتة علم أنه يؤدي ما لزمه لوقته القائم حتى سقطت الصلاة بكل عذر لو كان قائماً لأول الوقت، أسقطها إذا اعترض بعد التمكن منها من حيض أو سفر او جنون أو موت.
ومن حكمه: أن فرضه لا ينفي صلاة أخرى من نفل او فرض لأن الإيجاب يختص بالذمة حكمة بلا اتصال بشيء آخر سواها وفي الذمة متسع فلم يجز أن ينتفي عن الوقت بسبب الإيجاب عبادة كانت فيها مشروعة قبل الإيجاب، ولا اتصال لحكم الإيجاب به بوجه، ونظيره رجل آجر نفسه من رجل ليخيط له هذا الثوب قميصاً بدرهم اليوم، ثم آجر من غيره، صحا جميعاً لأن العمل استحق عليه في الذمة لا اتصال له بالوقت فلم يضق الوقت عن أخر، وفي الذمة متسع.
(1/69)

فإن قيل: لو كان وقت الصلاة كيوم الإجارة لما فاتت الصلاة بفوت الوقت كما لا تبطل الإجارة بمضي اليوم.
قلنا: إنما فاتت الصلاة لأن الوقت صار شرطًا للأداء كالطهارة عرف ذلك شرعًا، والصلاة عبادة شرعية لا حسية، واليوم لا يكون شرطًا للخياطة فإنها صفة حسية توجد بدون اليوم وليست بشرعية ومن حكمه أن فرضه لم يتأدى بنية مطلق الصلاة لأن الصلوات المشروعة فيه أنواع، فلا يتعين الواحد من الجملة إلا بدليل معين.
ومن حكمه: أن الصبي إذا بلغ لآخر الوقت بحيث لا يمكنه الأداء فيه لزمه الفرض، لما ذكرنا أن السبب جزء من الوقت وقد أدركه، وبضيق الوقت عجز عن الأداء، والقدرة على الأداء ليس بشرط للوجوب لا محالة على ما مر، وهذا كالمغمى عليه تلزمه الصلاة بالوقت وهو عاجز.

فصل
وأما المشكل، وهو وقت الحج: فمن حكمه أنه إذا وجب مضيقًا لا يحل له التأخير عن السنة الأولى عند أبي يوسف، وعند محمد يحل، وعن أبي حنيفة رضي الله عنه فيه روايتان.
لمحمد رحمه الله: أن الحج فرض العمر، والعمر يشتمل على سنين فيها أشهر الحج ما لم يقطع بالموت، والعمر ثابت والموت فيه شك فلا يرتفع الثابت بالشك فيبقى حكمه على الحياة فيصير الوقت متسعًا كوقت الصلاة، وهذا كما قلنا في صيام قضاء رمضان، وصيام الكفارة أن للعبد التأخير لأن قضاء ذلك القدر يجب في العمر كله، والعمر مشتمل على أيام وشهور كثيرة ما لم يقطع بالموت وفيه شك فلم يثبت وبقيت الحياة حكمًا.
ولأبي يوسف رحمه الله: أن الأداء يفوت بفوت وقت الحج لا محالة من تلك السنة، وإنما يرتفع الفوت بإدراكه سنة أخرى، وفي الإدراك شك لأن حال عيشه سنة ليست بالأرجح من موته فيها فلا يثبت الإدراك فيبقى على الفوت حكمًا فيحرم التفويت.
بخلاف ما لا وقت له من العبادات لأن الفوت بموته، ولا فوت للحال لأنه حي، وقد وقع الشك في موته إن أخر لأنه ربما يموت وربما لا يموت فلا يثبت بالشك فيبقى على أن لا فوت.
وبخلاف الصوم لأن الوقت وإن فات بمجيء الليل فلا يعود إلا بالحياة إلى اليوم، وربما يموت فجهة الحياة أرجح لأن الفجاءة نادرة في باب المنايا، وموت الإنسان في قدر ليلة أو يومين أو ثلاثة من الفجاءة ولا يقع إلا نادرًا، ولما ترجح جهة الحياة بقي عليها
(1/70)

كالمفقود بحكم موته إذا انقضت مدة يموت فيها أقرانه لأن الحياة بعدها نادر فيترجح الموت.
فأما الموت على سنة أو شهر فلن يكون نادرًا للحي الصحيح، وإذا لم يكن نادرًا لم تترجح جهة الحياة على جهة الممات، والفوت ثابت للحال فلا يرتفع بالشك على أن الصيام التي تجب مطلقة غير مؤقتة فذكر شهرين أو ثلاثة أيام لتقدير الواجب لا لتوقيته، وإنما لا يجوز الأداء ليلًا لعدم العبد ما يؤدي به، فالصيام لم يشرع ليلًا لعدم وقت أداء الكفارة، ألا ترى أنه لو أدى بالإطعام يجوز وهذا كما يعجز عن الأداء إذا لم يملك الرقبة ووجد ثمنها، وإن كان وقت الأداء قائمًا.
ومن حكمه: أن فرضه لا ينفي حجًا آخر لأنه لا فرق بين الحج والصلاة على ما مر بيانه، إلا أن وقت الحج متضيق على أصل أبي يوسف- رحمه الله- فيعتبر بوقت الصلاة إذا ضاق وإنه لا ينفي صلاة أخرى.
فإن قيل: لو لم ينتف النفل بالفرض لما تأدى الفرض بنية مطلق الحج كالصلاة.
قلنا: إنما لم تتأد الصلاة بمطلق النية لأن فيه صلوات مشروعة ولم يكن بعضها بأولى من بعض شرعًا ولا عرفًا، فالشرع قدم القضاء على الأداء وقدم السنن، وكذلك يفعل العرف.
فأما الفرض في باب الحج فمتعين أداء بالعرف والعادة، لأنا لا نجد في العرف من يتكلف لحج بيت الله تعالى وعليه الفرض إلا للفرض، فلما ترجح الفرض بالعرف انصرف مطلق تسمية الحج إليه كما إذا باع شيئًا بدراهم، انصرف المطلق إلى نقد البلد مع بقاء سائر النقود دراهم حتى إذا سماها ثبتت.
ولأنا لم نجد في العادات السليمة خروج أحد حاجًا وعليه حجة الإسلام إلا لها فتثبت النية متعينة كذلك بالخروج نفسه، وتبقى على ذلك ما لم يوجد منه ما ينافيها، والمطلق لا ينافيها فبقيت الأولى وهي متعينة فصح الأداء بنية التعيين، وهذا كما تقول فيمن أغمي عليه في رمضان ليلًا ولم يفق إلى يومين: أن صوم اليوم الأول تام وإن لم يشعر بحاله، لأنا لا نجد في العادات السليمة من أهل الإسلام إلا وأن يكون على نية الصوم أيام الشهر، كما دخل الشهر، إلا أنها لا تصح قبل الليل فحكمنا بصحة صومه بدخول الليل وإن لم يعلم بنيته لأن النية ثابتة بالعادة، لا لأن الصوم يجوز بغير النية.
ومن حكمه: أنه إذا أحرم بعد سنين كان مؤديًا لا قاضيًا لأن التضييق كان بحكم الإشكال على ما مر، فلما عاش ارتفع الإشكال وصار بمنزلة وقت الصلاة.
فإن قيل: لو كان الوقت على حكم التضييق لما حل له تأخير الإحرام عن أول أشهر الحج، كما لا يحل التأخير عن آخر وقت الصلاة.
(1/71)

قلنا: لا تضيق في حق تلك السنة، فإن الوقت لا يفوته إلا يوم عرفة بمنزلة وقت الصلاة.
ومن حكمه: أنه لا يسقط عن العبد إذا مات بعد التمكن من الأداء بعد الوجوب، لأن الفوت ثابت بمضي الوقت من أول السنة الأولى، وإنما يرتفع بإدراك وقت آخر من سنة أخرى فإذا مات ولم يدركه تحقق الفوت بما أخر عن السنة الأولى، والتفويت موجب ضمان القضاء لا السقوط، كما في الكفارات لا يبرأ عنها بالموت بعد المكنة، لما في الموت من التفويت.
ومن حكمه أيضًا: الإثم إذا مات، أما على قول أبي يوسف فلأن التأخير كان حرامًا.
وعلى قول محمد رحمه الله حل له بشرط ألا يصير مفوتًا وذلك برجاء الحياة وإدراك وقت آخر، وإذا مات صار مفوتًا فذهب شرط الإباحة فبقي حرامًا، والإباحات جائزة بشروط فيها حظر لأن العبد إن شاء لم يستبح بالحظر كما أبيح للرامي رمي الصيد بشرط أن لا يصيب مسلمًا أو مالًا محترمًا، وكان كمن أخر الصلاة بلا عذر على تأويل أن في باقي الوقت سعة حتى ذهب الوقت فإنه يأثم.
وأما حكم الوقت الذي هو معيار، وهو وقت الصوم على ما مر فحكمه أن لا يحل التأخير عن أوله لأنه لا يتأدى إلا في جميعه.
ومن حكمه: أن فرضه ينفي سائر الصيام عنه شرعًا، لأن الشرع إنما يشرع من العبادات ما يتصور منا فعلها، لأنها أسماء لأفعالنا تعظيمًا لله تعالى واليوم الواحد لا يتصور منا فيه إلا فعل صوم يوم واحد لأنه مقدر به ومعيار لوجوده لا يوجد ببعضه ولا في غيره، وإذا صار الذي يتصور شرعه فيه فعل صوم واحد وجعل بالشرع فرضًا لم يبق فيه غيره، وإن كان فعل الأداء في الذمة كأن الله تعالى يقول: جعلت ما يتصور من الصوم غدًا فرضًا لي بحق الوقت عليكم.
وكمن استأجر رجلًا ليخيط له هذا الثوب قميصًا بدرهم فخاطه الرجل يريد الإعانة كانت على الإجارة، وإن كان الإيجاب تناول فعلًا في الذمة لا منفعة وقت الأداء إلا أنه أوجب في ذمته خياطة ذلك الثوب قميصًا، وإنه لا يتصور فيه إلا خياطة واحدة، وإذا صارت واجبة بالإجارة لم يبق غيرها فيه خياطة أخرى منه.
بخلاف وقت الصلاة لأن الوقت ليس بمعيار لفعل الصلاة على ما مر بل هو شرط للأداء أو سبب، والشرط الواحد يصلح لصلوات وكذلك العلة ولهذا يجتمع فيه صلوات يؤديها جملة فانقلاب إحداها فرضًا لم ينف الأخرى كالرجل يؤاجر نفسه للخياطة قميصًا في يوم عيّنه يمكنه أن يخيط لغيره فيه بإجارة، وكذلك له في ثوب آخر لأن الوقت ليس بمعيار لعمله الذي سماه، إنما المعيار لعمله الذي سماه هو الثوب فلا ينفي فيه منه
(1/72)

خياطة أخرى وتبقى في الوقت إذا كان المعيار هو الوقت.
ومن حكمه: التأدي فيه بنية مطلق الصوم، لأن نية صفة الصوم لتعيين الصوم بوصفه الخاص عن سائر العبادات والأعمال، وإذا لم يكن في رمضان غير الفرض أصابه بمطلق الاسم الذي يعينه عن سائر العبادات والأعمال، ولهذا قال زفر رحمه الله: إنه يؤدي بغير نية لأنه متعين إلا أنا شرطنا النية لأن المتعين مشروع لله تعالى من فعل الصوم علينا، لا ما يؤدي العبد الواجب عليه به، فالواجب في الذمة، والعبد يؤديه بفعل مملوك له بجعله عمله لله تعالى، فيتأدى به الواجب كدراهم في الذمة يؤدي من عليه بدراهم له، فيتأدى به الواجب بعمله.
ولما لم يتناول الإيجاب عمله بقي له ولم يصر لله تعالى ما لم يجعله العبد له بخلاف من آجر نفسه لخياطة ثوب قميصًا فخاطه لا ينويها لصاحبه لأنه لما سلم إليه الثوب الذي أمره بتسليم العمل إليه بجعله صفة له، والصفة تابعة للموصوف تعين العمل للأمر بتعيين الموصوف له من غير قصد تعيين كمن آجر داره بدهم ثم قال للمستأجر: رم ما استرمت من الأجر الذي لي عليك، فرمها تعين ما أنفق فيها للآمر، لصيرورة المرمة صفة للدار المتعينة للآمر حسب التعين بالصرف إلى الآمر.
فأما هنا فالوقت معيار لأداء الصوم من غير أن يصير الصوم صفة له، فلا يتعين لله تعالى بتعين الوقت لله تعالى كرجل عليه دراهم فدفع صاحب المال إليه ميزانًا ليزنها فوزن به لم يتعين لصاحب الدين بتعين المعيار له، والوقت معيار يعرف به قدره لا غير، ولكنه إذا فعله لله تعالى كانت عبادة، وذلك بقصده كفعل الصلاة.
ومن حكمه: جواز الأداء بوجود النية في أكثر النهار، لأن الوقت لما صار معيارًا للمشروع وللأداء أيضًا، فلا يتصور إلا بالوقت كله لم يجز الأداء إلا من أول النهار إلى آخره، وأول النهار وقت لا يوقف عليه أصلًا، ولا يوقف عليه إلا بحرج عظيم، والله تعالى ما جعل في الدين من حرج فسقط اعتبار أوله وجعل مطلق الإمساك موقوفًا على أن ينقلب صومًا إذا وجدت النية بعده بحيث لا حرج فيه فمعنى الحرج يزول ببعض اليوم فصار عفوًا، وجوزنا بالنية بعد البعض والباقي بعد البعض الأكثر من النهار، كما قالوا جميعًا في النفل إلا أن الإمساك يقف على الصوم الذي هو أصل في الوقت شرعًا، فلا ينفذ بالنية إلا عليه فإن كان الوقت عينًا لفرض كرمضان ينافيه صوم غير الفرض فكان الوقت عليه. فنفذ عليه.
وإن كان غير رمضان فالأصل فيه النفل فوقف المطلق عليه فلا ينفذ على غيره.
ومن حكمه: أنه إذا نوى صومًا آخر كان عن الفرض لأن كونه صوماً بصفة أخرى غير مشروع فيلغو نية الوصف كما يلغو ليلًا أصل النية، وكما يلغو نية صفة الفرض في غير رمضان ولا فرض عليه فتبقى نية مطلق الصوم لأنه مشروع فيقع عن الفرض كما لو أطلق النية ابتداء.
(1/73)

ومن حكمه: أن الصوم لا يتأدى إلا في الوقت كله لأنه معيار لقدره فلا يتم بدونه، كما لا تتأدى الصلاة ما لم يتم بالأفعال التي نعقلها صلاة.
ومن حكمه: أن كينونة الصائم من أهل الوجوب شرط في جميع اليوم ليجب عليه الصوم لأنه لا يتصور شرعًا إلا في جميع اليوم ككينونة المصلي من أهل الوجوب عليه شرط في جميع أفعال الصلاة لكون صلاته واجبة، إلا أنا نأمره بالصوم لأول الوقت لأنه أهل للحال، وشككنا في تبدله فتبقى العبرة للحال، ولأنا لو انتظرنا آخر أمره لفاته الوقت، ولم يمكن الأداء، والله تعالى أمره بالأداء.
وقد اختلف علماؤنا بالمسافر إذا نوى صومًا غير صوم رمضان؟
قال أبو حنيفة رضي الله عنه: إن نوى صومًا واجبًا بنذر أو كفارة أو قضاء صحت نيته، وإن نوى نفلًا قال في رواية: يصح.
وقال في رواية: لا يصح.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: صومه عن الفرض لأن الله تعالى رخص للمسافر الفطر في رمضان ولم يسقط عنه أصل الوجوب، بدلالة أنه إذا صام جاز ولو سقط الأصل وصار رمضان كشعبان لم يجز، وكذلك لو لم يكن أهلًا للوجوب في رمضان لم يلزمه بالإقامة نحو إن كان صبيًا فيه أو كافرًا ثم أسلم أو بلغ ثم أقام لم يلزمه شيء، فثبت أن رمضان بقي سببًا للوجوب ومحلًا للأداء، ولكن رخص له الفطر فإذا لم يترخص وصام التحق بالمقيم.
ولأبي حنيفة رضي الله عنه: أنه يصوم القضاء ما ترك الترخص بالفطر عن رمضان لأنه صرف الوقت إلى صوم هو ألزم فالقضاء عليه وإن لم يقم وصوم الشهر لا يلزمه ما لم يقم حتى إذا مات قبل إدراك العدة لم يؤاخذ به ويؤاخذ بالآخر، وإذا بقي مترخصًا تأخر الوجوب عن رمضان وبالوجوب انتفى سائره فلم ينتف وصح الأداء.
أو نقول: لما لم يبطل الترخص بقي لأدائه وقتان: رمضان وعدة من أيام أخر، فلا ينفي الفرض في أحدهما صومًا آخر في الآخر، كمن استأجر رجلًا ليخيط له هذا الثوب أو قميصًا بدرهم أمكن للخياط أن يخيط أحدهما تبرعًا والآخر بإجارة لأن المحل قد اتسع.
وأما إذا نوى المسافر النفل؟
فقال أبو حنيفة رحمه الله في رواية: صومه عما نوى لأن المحل متسع على ما قلنا بل الوجوب متأخر إلى حين الإقامة ما لم يجعله بقصد الفرض.
وفي رواية: يكون عن الفرض لأن صوم الشهر أهم من النفل لأنه يلزمه بعد الإقامة
(1/74)

والنفل لا يلزمه بحال، فلما صرف الوقت إلى صوم النفل صار تاركًا لرخصة الفطر عن صوم الشهر من كل وجه فالتحق بالمقيم، وأما التي ليست بمؤقتة فالكفارات وقضاء رمضان والزكاة.
فإن قيل: الصوم لا يتأدى إلا بالوقت فكان مؤقتًا!
قلنا: من حيث إنه صوم ما شرع الوقت إلا في النهار فلم يجز ليلًا لعدمه شرعًا لا لعدم وقت التكفير، كما إذا حرر رقبة عمياء لم يجز لأن عتقه لا يصلح كفارة لا لعدم وقت التكفير.
ومن حكمها: أن الواجب يجب متوسعًا نص عليه محمد- رحمه الله- في غير موضع كما نص على الحقوق التي ليست بمؤقتة، وذلك نحو الزكاة والنذور والكفارات المالية.
وذكر الكرخي رحمه الله: أن هذه المسائل كلها على الخلاف.
فعلى قول أبي يوسف رحمه الله؛ تجب متضيفة لأنه ربما يموت عقيب الإمكان بلا فعل، فيكون هذا آخر الوقت فلا يحل له التأخير إلى وقت تشككه في الخروج عنه، لأن اللزوم ثابت يقينًا، وكان هذا بمنزلة وقت الحج الذي مر ذكره.
والصحيح عندنا ما قاله محمد بن الحسن رحمه الله، لأن الوقت غير مذكور شرطًا فيصير العبد مأمورًا بالأداء في عمره فلا يتعين عليه جزء منه إلا بدلالة.
والجواب عما قاله الكرخي رحمه الله: أن الأيام كثيرة وقد أمر بصوم يوم من الجملة فكان خيار التعيين إلى العبد على ما مر، والوقت مذكور لتقدير الواجب لا لبيان وقت الأداء فيصير على هذا من جملة الواجبات المطلقة عن الوقت، وهو الذي يجوز في كل وقت، فالعبد مأمور بالأداء في عمره فلا يتعين جزء منه إلا بدلالة.
والجواب عما قاله الكرخي رحمه الله: أن الفوت في هذه المسائل بالموت لا غير، والحياة ثابتة للحال وقد وقع الشك في المستقبل من الوقت فلا يزال الثابت بالشك فيبقى على حكم الحياة بلا إشكال على قدر ما يجوز العمل به، ألا ترى أن المفقود في حكم الأحياء فيما كان ثابت له فيعمل بذلك لأنا علمنا بحياته وشككنا بموته فيبقى الحكم على الحياة ما لم يبلغ مدة لا يعيش إليها أقرانه فيترجح بالعادة جهة الممات.
وكذلك الصلاة له أن يؤخرها ما لم يغلب في رأيه أن الوقت يفوت إن أخره فيحرم إذا ترجح جهة الفوات في رأيه، ولا يحرم بالشك ولكن إذا شككت فصل للحال
(1/75)

احتياطًا، وكذلك نقول في مسألتنا هذه، وهذا كما نقول في الصائم إذا شك في الفجر ترك السحور احتياطًا فإن لم يترك فصومه تام ولا يأثم.
فإن قيل: الوقت مذكور في التكفير بصوم شهرين.
قلنا: إنه ذكر لبيان قدر الكفارة كما مر أن الصوم لا يقدر إلا بالأيام، وما ذكر شرطًا للأداء فبقيت مطلقة عن الوقت في حق الأداء.
ومن حكمه: أن الواجب لا يفوت بالتأخير عن أول أحوال الإمكان لأن الحال لم يكن شرطًا لأدائه بل الشرط يوم من العمر، وقد بقي فكان بمنزلة وقت الحج لا يفوت ما لم يمت كما في تحرير رقبة لا يفوت بموت رقبة عينها لأن الرقاب كثيرة، والواجب عليه نكرة من الجملة والواجب في المطلق عمل في عمره وعمره ثابت للحال، وإنما يفوت بالموت وفيه شك فلا يثبت بالشك فتبقى العبرة لبقاء العمر.
وهذا كما قيل: إن المفقود لا يورث لأن ملكه ثابت له فلا ينقطع بالشك ولا يرث لأن ملك غيره لم يكن له فلا يثبت له بالشك.
وكذلك صوم شهرين للكفارة لأن ذكر الشهرين لتقدير العمل على ما مر، لا لبيان الوقت حتى قيل في الماليات نحو الزكاة إذا مات وأوصى وصحت شرعًا لم تصر فائتة لأن الأداء يصح بنائب عنه بأمر صح منه شرعًا فلم يفت بالموت على ما مر.
ومن حكمه: أن الواجب لا يصير فائتًا بالتأخير كالصلاة إذا أخرت عن أول الوقت إلا أنا أبحنا له التأخير بناء على ظاهر الحال، وهو البقاء فإذا مات تبدل ذلك الظاهر فصارت العبرة لما آلى إليه فضمن الفائت والله أعلم.
(1/76)

القول في منازل المشروعات حقًا لله تعالى وبيان أحكامها
المشروعات حقًا لله تعالى في منازل أربعة:
الفريضة، والواجب، والسنة، والنافلة.
أما الفريضة: فعبارة عن المقدّرة، قال الله تعالى: {فنصف ما فرضتم} أي سميتم وقدرتم وأوجبتم، فكانت الفريضة ما أوجبها الله تعالى علينا وقدرها وكتبها علينا في اللوح المحفوظ، ولهذا سميت مكتوبة وإنما جعلها مقدرة لتكون متناهية فلا يصعب علينا الأمر فيدل الاسم على نهاية الوجوب من الأصل فلا يسمى بها إلا ما ثبت وجوبه بطريق لا شبهة فيه، نحو أصل الدين وفروعه من الصلاة والزكاة والصوم والحج فهن المكتوبات المثبتات بالكتاب والسنة المتواترة والإجماع وما سواها اتباع لها أو شروط.
وأما الواجب: فعبارة عن اللازم لغة، ويقال الساقط، من قوله تعالى: {فإذا وجبت جنوبها} أي سقطت، فكأن اللازم سمي به لسقوطه على الإنسان حتى لزمه، والمراد به في باب الشرع ما ثبت لزومه بخبر الواحد الذي يوجب العمل دون العلم فيكون كالمكتوبة في حق لزوم العمل به، والنافلة في حق الاعتقاد، حتى لا يجب تكفير جاحده ولا تضليله، فكأنه سمي به لأنه يسقط على العبد عمله، ولم يثبت كتابة الله تعالى علينا إياه وهو نحو العمرة وصدقة الفطر والأضحية وشبهها.
فأما ما يلتزم بالنذر فهو غير محدود ولا مقدر كالنوافل، ويدل عليه أنه قد ثبت من أصلنا أن الزيادة على النص نسخ والمكتوبات معلومة بكتاب الله تعالى معدودة فالزيادة عليها تكون بمنزلة نسخها فلم يجز إثباتها بخبر الواحد، فلذلك لم نجعل رتبتها في الوجوب رتبة الفريضة حتى لا تصير زيادة عليها.
وقد قال علماؤنا رحمهم الله: إن قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة وليست بفريضة كأصل القراءة، لأن أصل القراءة ثبت بالكتاب والفاتحة بخبر الواحد، وكذلك تعديل أركان الصلاة، وكذلك الوقوف بمزدلفة في الحج، وكذلك الطهارة للطواف.
وأما السنة: فعبارة عن طريقة معتادة، والسنن الطريق البين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" وكلمة "من" تعم الناس فثبت أن السنة من
(1/77)

حيث اللغة لا تخص طرائق الرسول، ولكنها في عرف الشرع يراد بها طرائق الدين إما للرسول صلى الله عليه وسلم بقوله أو فعله، أو للصحابة على ما نبين بعد هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم متبع قولًا وفعلًا، وكذا الصحابة.
وسنة العمرين ظاهر إطلاقها في السلف حتى كانوا يأخذون البيعة من الخلفاء الراشدين على سنة الرسول وسنة العمرين.
فأما بعد الصحابة فما لأحد طريق في الدين يتبع، وإنما يتبع حجته وإذا كان كذلك لم يدل إطلاق السنة على أنها طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أنها واجبة لأن طرائق الدين متنوعة من واجب وغيره، وكذلك قول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا لا يدل على أنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان ظاهرًا بينهم أمر الخلفاء إياهم وانقيادهم لهم على ما قال الله تعالى: {وأولي الأمر منكم} وسيأتيك تمام بيانه في باب أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما النافلة: فعبارة عن الزيادة، والنفل: الغنيمة لأنها زيادة حصلت بلا عوض، وولد الولد نافلة لأنه ربح ولده المكسوب، وزيادة بلا صنع كان له فيه، وسميت زوائد العبادات من جهة العبد النوافل لهذا المعنى، وهي التي يتعبد بها العبد زيادة على الفرائض والسنن المشهورة، والنافلة والتطوع نظيران في متعارف اللسان ويراد بكل واحد منهما عبادة ليست على العبد، وهذا لأن التطوع في اللغة: عبارة عن التبرع بما ليس على الفاعل، فكان بمعنى الزيادة على ما عليه.
وأما أحكامها
فحكم الفريضة: لزومها إيانا في حق القلب اعتقادًا بلا شبهة، حتى كان تركه كفرًا، وفي حق البدن عملًا بها حتى كان تركه عصيانًا، لأن تصديق العبد ربه بما جاء منه بقلبه إيمان فكان الترك كفرًا، وأما العمل بالبدن فطاعة وليس بإيمان لأن الإيمان تصديق بعد المعرفة، ولا معرفة لما سوى القلب بل لها إسلام لما عرفه القلب فكان ضد الطاعة عصيانًا وفسقًا.
والفسق في اللغة: الخروج، يقال فسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، وفسق العبد إذا خرج عن أمر ربه، والكافر على هذا رأس الفساق إلا أنه اختص باسم الكفر الذي هو فوق الفسق فبقي الفسق المطلق في العرف لما دون الكفر في الخروج.
وأما الواجب فحكمه: حكم الفريضة في حق العمل بدنًا، وحكمه حكم السنة في حق القلب علمًا، لما ذكرنا أن سبب وجوبه مما لا يوجب العلم به فلا نكفر المخالف بتكذيبه، ولا نفسقه بتركه عملًا، إلا أن يكون استخفافًا بأخبار الآحاد فنفسقه لوجوب المصير إلى خبر الواحد بالإجماع على ما نذكره، ونؤثمه بترك الواجب لتركه ما عليه.
(1/78)

وأما السنة فحكمها: قبل تبين أمرها أن العبد مطالب بإقامتها معاتب على تركها من غير وجوب ولا افتراض، لأن أدنى منزلتها أنها طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الصحابة، وهذه طريقة أمرنا بإحيائها، ونهينا عن إماتتها، والإحياء في الفعل ما يستحق التارك الملام إلا أن يتركها استخفافًا بها فيكفر أو يفسق لأن ذلك ينصرف إلى واضعها.
وأما النافلة فحكمها: أن يثاب على فعلها، ولا يذم على تركها لأنها جعلت زيادة له لا عليه، بخلاف السنة فإنها طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن حيث سبيلها الإحياء كان حقًا علينا فعوتبنا على تركها، وعن هذا قال أصحابنا رحمهم الله_في صلاة السفر_: أنها ركعتان، لأن العبد لا يلام على ترك الأخريين أصلاً ورأساً، ويثاب على فعلهما في الجملة، وهذا حد النوافل.
وذكر أصحاب الشافعي أن السنة المطلقة عند صاحبنا تنصرف إلى سنة الرسول، وأنه على مذهبه صحيح لأنه لا يرى اتباع الصحابي إلا بحجة كما لا يتبع من بعده إلا بحجة، ويحتمل أنه لم يبلغه استعمال السلف إطلاق السنة على طرائق العمرين والصحابة، لأنه كان بعد أبي حنيفة رضي الله عنه بقرنين أو بقرن واستعمال أهل اللسان سنن المتقدمين مما يختلف ببعد المسافة وطول المدة.
وكذلك لا يفرقون بين الواجب والفريضة، فإنه لما قال بوجوب قراءة الفاتحة أفسد الصلاة بتركها، كما لو ترك أصل القراءة، وكذلك تعديل الأركان، وكذلك لما قال بوجوب الطهارة للطواف، قال بفساده أصلاً إذا تركها، كما قال في باب الصلاة، ونحن شبهناه بالصلاة عملاً فألزمناه القضاء ما دام بمكة ولم نشبهه بها علماً حتى إذا لم يقض لم يحكم ببقاء الطواف عليه، وكذلك إذا طاف منكوساً لأن أصل الطواف ثابت بكتاب الله تعالى والتيامن به بالخبر فلم يبلغه رتبته.
وكذلك إذا لم يطف حول الحطيم لأنه لم يثبت من البيت إلا بخبر الواحد فوجب الطواف به عملاً لا علماً.
وكذلك السعي عندنا واجب وليس بركن في الحج حتى لو تركه جبر بالدم لأنه وجب بخبر الواحد.
وكذلك قال أبو حنيفة ومحمد_رحمهما الله_ في الحج إذا صلى المغرب ليلة الإفاضة من عرفة في الطريق: أنه يعيدها في المزدلفة فإن لم يعدها حتى طلع الفجر سقطت الإعادة، لأن التأخير إلى مزدلفة ثبت بخبر الواحد فظهر في حق العمل دون العلم، والعمل من الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث فعل صلاة المغرب كان ليلة النحر في وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب الوقت لم يكن عملاً بالسنة بل كان قضاء محضاً لوقوع الأول فاسداً ونحن لم نعمل بذلك.
(1/79)

وكذلك قال أبو حنيفة رحمه الله- فيمن ترك الفجر ثم صلى الظهر وهو ذاكر لما عليه-: إن ظهره فاسد وعليه القضاء، فإن لم يقض حتى كثرت الفوائت فلا قضاء عليه لأنا أمرنا بقضاء الظهر بخبر الواحد، لأن الترتيب لم يجب بالكتاب فظهر في حق العمل دون العلم، والعمل بالترتيب بخبر الواحد ثابت عندنا ما دامت الصلوات الفوائت قليلة، وإذا كثرت الفوائت فلا ترتيب فلا يحجب بعد الكثرة عملاً بالخبر وإنما يجب لوقوعها فاسدة كما في مسألة المغرب، ونحن لم نعلم به فما قاله الخصم أظهر، وما قلناه أحق وأدق.
(1/80)

القول في العزيمة والرخصة
العزيمة في اللغة: عبارة عن الإرادة المؤكدة غاية حتى كان العزم يميناً.
وهي في أسماء أحكام الشرع: عبارة عن ما لزمنا من حقوق الله تعالى بأسبابها من العبادات والحل والحرمة أصلاً بحق أنه إلهنا ونحن عبيده فابتلانا بما شاء.
والرخصة في اللغة: عبارة عن معنى الإطلاق والسهولة ونحوها، ومنه رخص السعر إذا تراجع وخف على الناس واتسعت السلع وكثرت وسهل وجودها.
والمراد بها في عرف اللسان: إطلاق بعد حظر لعذر تيسيراً، يقال: رخصت لك كذا: أي أطلقتك تيسيراً عليك لعذر بك، وهو المراد منها في ألفاظ الشرع.
ثم العزيمة في أحكام الشرع لا تختلف أنواعها في اللزوم، لأن السبب واحد وهو النفاذ علينا على ما أمرنا الله تعالى ونهانا بحق أنا عبيده.
وأما الرخصة فتختلف أحكامها في اللزوم لأنها ثبتت بسبب العذر، وأعذارنا مما يختلف.
وهذا الباب لبيان أنواعها وهي أربعة:
نوعان منها حقيقة، وأحدهما أحق.
ونوعان منها مجاز، وأحدهما أتم مجازاً.
فأحق نوعي الحقيقة: ما أبيح للعبد لعذر به مع سبب الحرمة وثبوت الحرمة تيسيراً ودفعاً للحرج فإن الله تعالى ما جعل في الدين من حرج، كإجراء كلمة الكفر على اللسان حال الكره فإنه مباح لدفع الكره مع قيام الحرمة، فإنه من قبيل ما لا يحل بحال حتى لو صبر فقتل أجر عليه، وكان أفضل لطاعته ربه في اتقاء ما حرم عليه.
وكذلك الفطر في رمضان مكرهاً على هذا.
وكذلك ترك الأمر بالمعروف مخافة على نفسه بدليل أنه لو أمر فقتل أو صبر عن الفطر حتى قتل كان مأجوراً لطاعة ربه في اتقاء ما حرم عليه، وكان ضده مباحاً له لإحياء نفسه فلم يكن طاعة بل كان مباحاً له تيسيراً عليه.
وحكمها: أن الأخذ بالعزيمة أولى لما فيه من طاعة الله، والآخر مباح له.
والنوع الثاني: ما أبيح للعبد فعله مع قيام السبب المحرم، ولكن بعد سقوط الحرمة لمانع اتصل بالسبب فمنعه أن يعمل عمله كالأجل يتصل بالثمن فلا تجب المطالبة.
وخيار الشرط يتصل بالبيع فلا يجب الملك فإنه في الشرع كالفطر للمسافر في
(1/81)

رمضان فإنه مباح له مع وجود سبب الوجوب وهو شهود الشهر على ما مر بيانه.
ولكن بعد سقوط حكم السبب بالأجل إلى عدة من أيام أخر حتى إذا مات قبل إدراك العدة لم يكن عليه شيء كما لو مات قبل رمضان، ولو لزمه حكم السبب لما سقط عنه القضاء بالفطر بعذر كما في الفصل الأول، وكالحائض.
وحكها: أن الصوم أفضل لأن السبب قائم وتأخر الحكم بالأجل لا يمنع التعجيل لأنه حقها فيملك التعجيل معه إلا أن تلحقه المشقة فيكون الفطر أفضل لأن الوجوب ساقط عنه شرعًا نفيًا للمشقة عنه فيكون التعجيل مع المشقة ردًا لما أحسن الله تعالى إليه بالإسقاط، فلم يكن حسنًا بخلاف الفصل الأول فإن حكم الله تعالى عليه لازم وعليه القضاء، فلا يكون في الاشتغال في إقامته إيجاب من قبله بل يكون فيه طاعة لله تعالى فما لزمه فكان حسنًا.
وأما المجاز: فأتم نوعيه ما وضع عنا من الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا على ما قال الله تعالى، فتكون فيه عند المقابلة بمن قبلنا توسعة وترفيهًا وإنها معنى الرخصة، ولكن لما لم يكن لعذر فينا بل لعدم الوجوب أصلًا لم يكن رخصة حقيقة لانعدام معنى الموجب للتوسعة الذي يكون به رخصة وكان الاسم مجازًا لوجود صورته.
وأما النوع الآخر: فما ثبت بشريعتنا ثم أسقط أصل الوجوب تيسيرًا علينا بعذر، فمن حيث كان السقوط بعذر للتيسير بعذر كان بمعنى الرخصة.
ومن حيث كان سقوط الحكم لسقوط الوجوب لا رفعًا للحكم بالعذر مع قيام الوجوب لم يكن حقيقة، لأن حقيقته ما كان سقوط حكمه برفع العذر لا لزوال سببه في نفسه.
وهذا مثل السلم فإنه جوز رخصة على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم" فهو رخصة تثبت للمحتاج إلى بيع ما ليس عنده لإعدامه ليدفع به حاجته، فأبيح له وإن لم يكن المبيع عنده بعذر عدمه لكن على طريق سقوط الحرمة عنه، حتى إذا لم يبع سلمًا وتلف جوعًا أثم بربه لأنه لم يكن فيما أتلف نفسه مقيمًا حكمًا من أحكام الله تعالى.
ومن نظيره المسح بالخف بعذر اللبس وزيادة مدة المسح للمسافر بعذر السفر فإن الغسل ساقط لسقوط وجوبه، لأن الخف يمنع سريان الحدث إلى القدمين حكمًا ولا وجوب غسل بلا حدث كما سقطت الأغلال التي كانت على من قبلنا حكمًا بوضع الله تعالى عنا.
ومن هذا القبيل عندنا قصر الصلاة للمسافر، حتى إذا صلى الفجر أربعًا كان كمن يصلي الفجر أربعًا، خلافًا للشافعي فإنه يقول؛ لا قصر إلا أن يختار العبد القصر كما خير
(1/82)

المسافر بين الصوم والفطر، قال: لأن وجوب الأربع متعلق بالوقت إلا أن الشرع رخص لنا في القصر دفعًا لمشقة السفر كما في الصوم.
بخلاف المسح على الخفين فإن الغسل للصلاة مقصور على محل الحدث من العضو والخف منع الحلول.
قال: وغير مستنكر ثبوت الخيار للعبد بين الركعتين والأربع كالذي حلف بصوم سنة فحنث، فإنه مخير بين صوم ثلاثة أيام، وبين صوم سنة إذا كان معسرًا في قول الأكثرين.
وكذا أبو البنتين خير موسى صلى الله عليه وسلم بين الثمانية والعشرة في مدة الإجارة وهذا لما فيه من فائدة التيسير على المخير، إلا أنا نقول: هذه الرخصة من قبيل رخصة زيادة مدة المسح بالسفر، ثم تلك الزيادة ثبتت شاء العبد أو أبى فإنه إن لم يقبل لم ينتقض مسحه بمضي يوم وليلة فكذلك هذا.
وإنما قلنا أن هذه من قبيل تلك، لأن أصل الفرض هنا أربعة، وبهذه الرخصة أسقط عنه ركعتان بلا بدل يلزمه، ولا إثم يلحقه كما أن الفرض في باب المسح حال الإقامة أن ينزع خفيه ويغسل قدميه بمضي يوم وليلة وبالسفر سقط عنه هذا النزع، وهذا الغسل أصلًا بلا إثم يلحقه ولا بدل يلزمه، وتبين أنهما من جملة الإسقاطات المحضة بحكم سقوط الوجوب نحو إسقاط الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا فكانت رخصة مجازًا، وهو إسقاط حقيقة الواجب لما لم يبق له حكم بوجه فلا يبقى الأصل عزيمة بعد سقوط الواجب أصلًا.
ولأن الرخصة للترفيه على ما بينا ومعنى الترفيه فيما نحن فيه متعين في القصر كما تعين معنى الترفيه في زيادة المدة في باب المسح متى قوبل بحال الإقامة.
ولما أثبت الله تعالى هذا الحكم رخصة وقد تعين معناه في الثبوت كما أثبت لم يبق للعبد خيار التعيين بخلاف رخصة الإفطار، لأن الله تعالى أسقط عنه صوم الشهر بعدة من أيام أخر فعلم أنه ليس بإسقاط محض، وأن أصل الواجب لم يسقط ولكن تأخر فبقي العمل بأصل الواجب عزيمة وبالثاني رخصة.
ولأن الرخصة في رمضان لما كان بتأخير العمل لم يتعين معنى الرفاهية في التأخير بل تردد لأن الصوم في الشهر مع الناس أيسر في العادات، ولكن في السفر أشق والتأخير في السفر أوسع ولكن الصوم بعده وحده أشق فثبت أن في الترخيص ضرب رفاهية فخير تحقيقًا لمعنى الرخصة، وفيما نحن فيه ضرب من الرفاهية واحد فتعين ثبوت الرخصة فيما فيه الرفاهية بلا خيار.
فإن قيل: إن الله تعالى رخص في أن تصدق علينا بشرط الصلاة وقد ثبت ما أوجبه الله تعالى بلا تخيير لأحد وإنما الخيار في القبول.
(1/83)

كما تصدق الله تعالى برخصة المسح بشرط اللبس وللعبد خيار في اللبس.
وكما رخص في أيام الرمي في الحج بقوله: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى} فخير العبد بين القليل والكثير.
وكما أن الله تعالى رخص لنا في أحكام علقها بسفر نختاره، كذلك هنا رخص بصدقة علقها بقبولنا فكان الخيار ثابت فيما فوض إلينا مباشرته ولم يلزمناه في ما شرع من تعليق الرخصة بالقبول فإنه ماض ثابت.
قلنا: إن الرخصة في قصر الظهر لا في شيء آخر، وقد ثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" والصدقة بالواجب في الذمة إسقاط كصدقة الدين على الغريم وهبة الدين له فيتم بغير قبول، وكذلك سائر الإسقاطات تتم بغير قبول، إلا أن ما فيه تمليك مال من وجه قبل الارتداد بالرد، وما ليس فيه تمليك مال لم يقبل كإبطال حق الشفعة والطلاق، وفيما نحن فيه ليس بمال، ولأنا لم نجد في أصول الشرع سبب شريعة شرعها الله تعالى وعلق تمام ذلك السبب لما شرع بنا حتى يصير ثبوت الشرع بسبب شرعه الله تعالى ونحن جميعًا فيكون بالشركة فإن ثبوت الشرائع بالله تعالى وبرسوله.
والمشروعات ضربان: علل للأحكام مفوضة مباشرة العلل إلينا، كما شرع الشراء علة للملك ومباشرته إلينا، والسفر سببًا للرخص ومباشرته إلينا فكان المشروع علة وتمت العلة علة بشرع الله تعالى لا بنا، وإنما يكون بنا أداؤها وقد يكون أحكامًا تتم بالشرع وإلينا إقامتها.
والمشروع هنا سبب وهو السفر وإلينا تحصيل السفر، ثم حكمه وهو القصر فعلينا العمل به.
فإما أن يكون لنا شركة في نصب الشرع بمشيئتنا فهذا لا نظير له لأنه يخرج عن حد الابتلاء بالتعليق بمشيئتنا والله تعالى ابتلانا بما شرع من الشرائع على حدودها، والابتلاء فيما يلزمنا بلا مشيئة منا ألا ترى أنا لا نقول: أن الله تعالى ابتلانا بالشراء والهبة لأن لا لزوم، ولكن نقول: ابتلانا بعقد أنه مباح لأنه يلزمنا ذلك، وابتلانا بأحكامها إذا باشرناها لأنها تلزمنا، وابتلانا بأنا لا نملك إلا بسبب لأنه حكم يلزمنا ويصير هذا كقوله: اقصروا الصلاة إذا شئتم، وما ورد به أمر في شيء من الشرائع فكان التعليق بالمشيئة تمليكًا لأن المالك هو الذي يتصرف عن مشيئته، ولم يكن أمرًا واستعبادًا ولا ابتلاء ويكون تفويضًا إلينا نصب الشريعة.
(1/84)

فإن قيل: هذا يعم في الإجابات، أما الإسقاطات فلا ابتلاء فيها فيجوز التعليق.
قلنا: في الإسقاط ابتلاء بالاعتقاد فإنه لا يتصور الفرض أربعًا وإن صلى، والابتلاء قد يكون بالفعل، وقد يكون بالعقد ولا بد من ثبوته مع أوامر الله تعالى.
فإن قيل: هذا من الله إباحة للقصر، وما في الإباحة ابتلاء إلا من حيث اعتقاد أنه غير لازم وهذا الاعتقاد عندنا لازم ما بقيت الإباحة، وقد وقتت بوقت الأداء باختيار العبد القصر مؤديًا الذي هو سبب سقوط الزيادة.
قلنا: اختيار العبد القصر مؤديًا اختيارًا لسقوط الزيادة، فما القصر إلا عبارة عن إسقاط البعض وقد ذكرنا أن الشريعة لم تبن على ثبوت الأحكام المشروعة باختيارنا، ألا ترى أنا لا نجد فرضًا يسقط باستباحة العبد تركه قصدًا، وإنما يستبيح بمباشرة سبب شرع بسبب إسقاط.
وعلى هذا باب الرمي في الحج فإن الله تعالى شرع الإقامة سببًا لوجوب الرمي عليه.
وتعجل النفر سببًا للسقوط فكان لنا الخيار في مباشرة السبب لا في نفس الإسقاط، وليس هذا كالعبد إذا أذن له مولاه في الجمعة إن شاء صلى الجمعة، وإن شاء ترك لأن الجمعة غير الظهر لا يصح أداء إحداهما بنية الأخرى، وتعتبر للجمعة شروطًا لا تعتبر للظهر فجاز أن يشرع له الخيار في تعيين إحداهما فإن الله تعالى نص على مثله في كفارة اليمين.
فأما هنا فالصلاة واحدة، بدليل اتفاق الاسم والشروط إلا أن صلاة الظهر في السفر أقصر وإذا كان واحدًا وقصر في السفر لم يبق له الخيار فإن الخيار لا يتصور إلا بين الشيئين، ولا يشتغل به وإن تصور بين شيئين متماثلين لأنه لا فائدة فيه.
واعتبره بمعاملات الناس، فإن المشتري إذا وجد بالسلعة عيبًا خير بين رده بالثمن وبين إمساكه لأنهما شيئان.
ولو اشترى عيبًا لم يره خير بين رده بالثمن وإمساكه لأنهما شيئان، ولو كان سلمًا وقبض لم يكن له الخيار لعدم الرؤية لأنه لو رده لعاد في مثله لا في رأس المال والعبد إذا جنى خير المولى بين دفعه والفداء بالأرش لأنهما مختلفان، ولو كان مدبرًا لا يحتمل الدفع لزمه الأقل من قيمته ومن الأرش، ولم يخير لأنهما مثلان، وإن كانا غيرين فصار الضمان واحدًا بعضه أقل وبعضه أكثر فلم يستقم إثبات الخيار بين الأقل وبين الأكثر لأنه لا يفيد إذ لا فائدة في نفس اللزوم تحسن في الحكمة، وما في الأكثر إلا زيادة لزوم.
وليس هذا كاليمين بالصوم سنة فإنه يخير بين صوم سنة نذرًا وصوم ثلاثة أيام كفارة يمين فإنهما مختلفان حكمًا ففي الكفارة معنى الزجر والعقوبة، وما في النذر ذلك.
(1/85)

فأما قصة موسى فإنه خير في فعل ما جعل الله إليه إيجابه وإنما أنكرنا نحن فيما هو مشروع الله تعالى ولم يجعل للعبد ولأنه خير في فعل ما ليس عليه من معنى زائد، والعبد أبدًا مخير في فعل ما ليس عليه، وإنما أنكرنا إثبات الخيار بين الأقل والأكثر فيما عليه لسقوط الفائدة.
فإن قيل: في العبادات فائدة لأنه في الأكثر زيادة ثواب، وفي الأقل زيادة سعة ورفاهية بخسران ثواب فيختار إما السعة وإما الثواب.
قلنا: أحكام الدنيا لا تبنى على الثواب فإنها من أحكام الآخرة بل على ما نفعله في الدنيا من لزوم ونراه في الأداء كما في حقوق العباد.
ولأن صلاة السفر في إيجاب ثواب الظهر مثل الأربع لأنه كل فرض الوقت والشأن في أداء الكل لا في زيادة العدد، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الصدقة؟ فقال: "جهد المقل" لأنه أدى كل ماله.
وقد ذكر محمد بن الحسن في كتاب الإكراه: إن من أكره على أكل ميتة فصبر حتى قتل؛ أثم، ولو كان مكرهًا على أكل طعام الغير فصر حتى قتل لم يأثم، لأن رخصة الميتة عند الضرورة رخصة سقوط التحريم لأن الله تعالى استثناها من التحريم فلا يصير مطيعًا ربه على إقامة حكمه بالصبر، ورخصة أكل مال الغير عند الضرورة رخصة ترفيه مع قيام الحظر لحق المالك فيصير بالصبر مقيمًا حكم الله تعالى فلا يأثم. فمحمد- رحمه الله- سمى النوع الثاني رخصة دون الأول على اعتبار الحقيقة.
(1/86)

القول في الأداء والقضاء
إن الأداء: اسم لفعل تسليم ما طلب من العمل بعينه.
والقضاء: بمثل ذلك العمل من عند المطلوب منه.
قال الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} وإنه في تسليم أعيانها إلى أربابها، ويقال للغاصب_ إذا رد المغصوب بعينه_ أدى إلى صاحبه حقه.
وإذا استهلكه وسلم المثل يقال: قضاه حقه.
ويقال: أدى الصلاة لوقتها لأنه أتى بعين الواجب من العمل المطلوب منه، وقضاء الفائتة لأن العين فائتة بفوات الوقت، وإنما جعل العبد صلاة من عنده قائمة مقام ما ضمن بالفوات.
ثم الأداء نوعان:
واجب: كالفرض في وقته.
وغير واجب: كالنفل، والقضاء على ما فسرنا لا يتصور إلا واجباً، لأن النفل لا يضمن بالترك غير أنه نوعان:
أ- مثل مشروع معقول.
ب- ومثل مشروع غير معقول.
فتصير الأنواع أربعة.
وقد يستعار القضاء لأداء الواجب لما فيه من إسقاط الحق كما في القضاء.
ويستعار الأداء للقضاء لما فيه من التسليم، ولهذا اختلف المشايخ المتأخرون في قضاء العبادات؟
فقال بعضهم: لا يجب إلا بالنص لأن الفائتة عبادة فلا تقضى إلا بمثل هو عبادة، ولا يصير المثل عبادة إلا بالنص.
والجواب عنه: أن مثل الواجب لا يصير عبادة إلا بالنص ولا كلام فيه، وإنما الكلام في عبادة شرعت عبادة بوقت علم إنها شرعت عبادة لذلك الوقت أو لسبب آخر وقد وجد السبب: أيجب بتفويت الواجب مثله قياساً من غير نص؟.
فنقول بأنه يجب لأن الله تعالى قد أوجب في باب الصيام والصلاة القضاء بالمثل في الوقت الذي علم سبباً لشرع مطلق الصوم، والصلاة عبادة فيقاس عليهما غيرهما.
(1/87)

وكذلك الله تعالى جعل لمن عليه حق العباد أن يخرج عنه بعين الواجب وبمثله حتى يجب على صاحبه الحق أخذ المثل كما يجب أخذ العين نظراً لمن عليه الحق ليخرج عن عهدة الواجب، فلما كان كذلك في حقوق العباد ففي حقوق الله تعالى أولى لأنه أكرم.
ثم الشرع فرق بين وجوب القضاء والأداء حكماً فجعل من شرط وجوب الأداء مكنة الصبر منه حكمة وعدلاً فقال: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} ولأن المطلوب بالأمر فعل مختار على ما عرف، ولا اختيار بدون القدرة والمكنة، ومكنة المال بملك المال لأنه لا يتأدى ما هو عبادة بمال غيره، وإن أذن صاحبه، وغير العبادة وإن كان يتأدى بمال الغير فلا يقدر عليه من عليه الحق بدون الإذن من صاحبه، ويتأدى بدون قدرة بدنه فإنه يأمر غيره بالأداء من ملكه فيصح، وإن عجز هو في نفسه ومكنه البدني بقدرة بدنه لأنه لا يتأدى ببدن غيره بحال.
ثم المكنة التي هي شرط وجوب الأداء حكمة وعدلاً ما لابد لأداء الواجب منه وهي بوجودها بالعمر بقدر ما يتمكن من الأداء بها لجواز الإيجاب على أن يكون الأداء متأخراً عنه إلى حين، فإن كانت المكنة قائمة عند الوجوب ثم زالت بعد التمكن من الأداء لم يسقط الواجب بزوالها، لأن العجز جاء من قبل العبد بالتأخير مع الإمكان فاعتبر في حق الوقت الذي هو ظرف الفعل قدر الإمكان، كما اعتبر في حق الآلة التي يؤدى بها بقدر الإمكان فإن مات بعد أن تعذر أن يقدر، أثم لما فيه الفوت بتأخيره مختاراً ولم تكن الإباحة عذراً له، لما ذكرنا في تأخير الحج على أصل محمد رحمه الله، ولم يأثم قبله لأنه تأخير وإنه مباح له ما لم يصر تفويتاً على ما مر أن نفس الوجوب لا يوجب البدار إلى الأداء لازماً إلا بطلب صاحبه، وإن لم تكن المكنة قائمة عند الإيجاب ولم يقدر حتى مات لم يؤاخذ به لأنه لم يصيب المكنة وإنها شرط ليجب الأداء، وما لم يجب لم يأثم بتفويته.
ومن الأداء ما لا يجب إلا بقدرة زائدة على المكنة ميسرة للأداء رحمة من الله تعالى وفضلاً على ما قال الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وقال: {ويضع عنهم إصرهم}.
ومن حكم هذه القدرة: أن دوامها شرط لبقاء أداء الواجب كما يشترط للابتداء بخلاف الأولى لأنها شرطت بقدر المكنة، وإنها تحصل بالتمكن من الأداء فلم تشترط أمد منه، وهذه شرطت ميسرة وهي في الزيادة على قدر المكنة فلم يتقدر الوجوب بقدر المكنة من الفعل في حق الوقت الذي هو ظرف كما لم يجب بقدر الممكن من حيث الآلة التي بها يتأدى فبقي متعلقاً بالزيادة عليه، وهي في الدوام، ولأن القدرة الميسرة متي شرطت للوجوب كانت مغيرة لصفة الوجوب بأن تجعله خفيفاً سهلاً بالحال التي تعلق الوجوب بها
(1/88)

التي تثبت له بها زيادة القدرة، وإذا وجب خفيفاً لا يبقى إلا كذلك، كما إذا وجب بقدر ناقص لا يبقى إلا كذلك وبيانه فيما قال علماؤنا: أن العشر يسقط بهلاك الخارج بعد التمكن من الأداء، لأن الوجوب متعلق بسلامة الخارج وبه إثبات تيسير الأداء لا الإمكان فإن الإمكان ثابت بمال آخر ولكنه من الخارج الذي هو نماء أيسر لئلا ينقص أصل ماله به، وكذلك الخارج لا يجب بإمكان الأداء نفسه فإن لا يجب إذا أهلك الخارج أو إذا نزت الأرض، وفسدت قبل وقت الوجوب وإن أمكنه الأداء بمال آخر، وإنما يجب إذا سلم له الخارج حقيقة أو اعتباراً وهو في أن يكون بحيث لو انتفع بها سلم له الخارج، ولكن حرم بسبب أنه لم ينتفع به فاعتبر سالماً حكماً بقيام صلاحها له وفوت السلامة من قبله لا بأنه لم يزرع ولم يأمر، ولما تعلق بسلامة الخارج صار كالعشر.
وكذلك لا يجب الخراج إذا قل الخارج إلا الأقل من الموظف، ومن نصف الخارج ليكون بعض الخارج له على كل حال، ولا ينتقص به أصل ماله إلا بسبب تقصير جاء منه في الانتفاع بالأرض.
وكذلك الزكاة تسقط بهلاك النصاب بعد التمكن من الأداء لأنها لا تجب إذا هلك قبل التمكن، وإن قدر على الأداء بمال آخر فثبت أن الشرط سلامة النصاب لتيسير الأداء عليه بقليل من كثير مال نام ينجبر ما انتقص منه بالأداء بنموه إلى زوائد في سنته في الأغلب فصار كالعشر أيضاً فيشترط دوام القدرة بذلك المال ما لم يفت، ولا فوت بالتأخير لأنه غير مؤقت.
وكذلك دوام القدرة على التفكير بالمال شرط لبقاء وجوبها على العبد لأن الله تعالى لما أسقط المالية إلى الصوم بعدم المال عند الوجوب علم أن الشرط لوجوبه ليس أصل المكنة فأصلها مما يثبت بعده في العمر على ما مر، ولكن الشرط قدرة ميسرة حال الوجوب حتى سقطت بالعدم إلى الصوم ليبرأ عنها بصوم الممكن ولا تبقى تحت عهدة الوجوب إلى أن يقدر في الثاني، ولما صار الشرط قدرة ميسرة اعتبرت دائمة ما بقيت أداء، والكفارة غير مؤقتة فلا تصير فائتة بالتأخير، بخلاف موت صاحب المال فإن الموت مانع من الوجوب، ولا تسقط إذا طرأ لأنا نشترط حياته للوجوب لا للقدرة تحريم الأمر الميسر للأداء، فأداء المالي بماله لا بحياته؛ ألا ترى كيف يجوز الأداء بعد موته إذا أوصى به، ولكن لا وجوب إلا في الذمة، ولا ذمة إلا مع الحياة.
وبخلاف صدقة الفطر فإنها لا تجب بدون مال محرم للصدقة وبدونه يبقى واجباً إذا هلك المال بعد التمكن من الأداء لأنا نشترط قيام الغنى بالمال للوجوب لا للأداء، ولأن الصدقة لا يستقيم إيجابها شرعاً إلا على غنى، كما لا يستقيم إيجابها إلا على مؤمن لأنها ما شرعت إلا لإغناء الفقير وكفاية المحتاج بدليل أنها لا تتأدى إلا بمال يصرف إلى الفقير
(1/89)

المحتاج بالتمليك ليدفع به إذا ملك ما شاء من وجوه حاجته، ولم يتأدى بالغنى الذي لا حاجة به، ولا بغير المال الذي لا يدفع حاجة الفقير.
ولما شرعت للإغناء عن الفقر لم يكن الفقير أهلاً لوجوبها عليه فتصير مشروعة لأحواجه بخلاف الكفارة فإنها شرعت للتكفير عن ارتكاب المحظور بدليل أنها تتأدى بالصوم الصالح للتكفير، وإن لم يصلح للإغناء ولكن الإغناء صالح للتكفير لأنه عبادة أيضاً يصلح للتكفير فيصير الإغناء آلة للتكفير لا أن تكون الكفارة شرعت للإغناء فلذلك لم نشترط الغنى بالمال لوجوب الكفارة، بل جعلها الشرط من يصلح لثواب العبادة، فالتكفير يقع بالثواب.
ولما ثبت بالدليل أن الغنى بالمال شرط للوجوب لم يشترط للأداء بل يشترط للأداء نفس المكنة، والزيادة لا تثبت إلا رحمة بدليل زائد فإذا تمكن من الأداء تقرر الوجوب ولم يشترط دوامها لبقاء الواجب لما ذكرنا.
وكذلك قيام كمال النصاب شرط للوجوب عند الحول ويبقى بعض الواجب بعد هلاك بعض النصاب بعد الحول، لأن الكمال شرط للوجوب لا شرط للأداء لما ذكرنا أن الغنى شرط لوجوب الصدقة فأكد الشرع هذا الشرط في باب الزكاة، ولم يجعل الغنى أهلاً لوجوب الزكاة إلا إذا غني بالمال الذي جعل سببا لوجوب الزكاة، ولا يغنى به الغنى المحرم للصدقة لولا مال آخر إلا إذا كان نصاباً كاملاً.
والدليل عليه: أن أداء الواجب وهو ربع عشر النصاب لا يتيسر بكمال النصاب فإن انتقص أو كمل لم يؤد إلا ربع عشر ما عنده من المال النامي، ونحن شرطنا دوام الشرط الذي يتيسر به الأداء لا ما لا يتيسر به الأداء.
وكذلك الحج لا يجب إلا بشرط الاستطاعة بملك الزاد والرحلة ويبقى بدونها إذا فات بعد التمكن من الأداء لأن الشرط من الاستطاعة بقدر المكنة من السفر المعتاد بزاد وراحلة، لا بما يتيسر زيادة يسر على المعتاد من محمل وخدم ونحوها.
وقدر المكنة معتبر في حق الوقت بقدر التمكن من الأداء فيه على ما مر، ولا يلزم إذا استهلك المال، فإنه لو استهلك النصاب قبل الوجوب لم يجب.
ولو استهلك بعده لم يسقط لأنه إذا استهلك قبل أن يجب لم يضمن شيئاً لأن المال خالص له.
وإذا استهلك بعدما وجب صدق بعضه إلى الفقير ضمن مثل ما صار محلاً لزمه تمليكه وصرفه إلى الفقير، وهذا كعبد جنى جناية ولزم المولى دفعه فأعتقه قبل العلم به ضمن قيمته لأنه صار واجب الصرف إلى الولي، وإن لم يصر ملكاً له فضمن بالاستهلاك مثل الواجب بعينه فيكون قضاء لا أداء.
(1/90)

وكذلك إذا عين شاة ليضحي بها ثم استهلكها ضمن شاة أخرى مثلها، وإن كانت الأولى في ملكه لأنها تعينت لأداء الواجب منها، ولأنه بالاستهلاك يريد إسقاط ما عليه باختياره فيه فيصير متعدياً في حق الواجب فلم يعذر، وجعل كأنه لم يستهلك وإن كان الهلاك مسقطاً، ألا ترى أن الصائم إذا سافر لم يسقط عنه وجوب الصوب ولو مرض سقط، وهما سواء في الإسقاط قبل الشروع لأن السفر باختياره كان، ثم القضاء بالمثل يجب على ما مر، وإنما قصر على المثل لأنه يجب انتصافاً منه على تعديه بالتفويت، معنى الانتصاف يفوت بالزيادة على المعتدي والنقصان لصاحب الحق فوجب المثل ليكون عدلاً فمجازاة العدوان واجبة بالعدل، وإيجاب القضاء مجازة والعفو جائز فضلاً إن شاء صاحبه.
فإذا عرفنا هذا وجب قضاء الصلاة الفائتة بمثلها، لأن مثلها صلاة هي عبادة مشروعة في كل وقت فأمكن العبد قضاءها بالمثل.
وكذلك الصيام في الأيام والصدقة في كل مال.
وكذلك الحج في وقته والأضحية في أيامها فإذا عين واحدة واستهلكها ضمن مثلها.
وكذلك الرمي في أيامه في الحج فإذا لم يضح بها حتى مضت الأيام لزمه التصدق بها ولا يخرج بالتضحية وإن عاد الوقت في السنة القابلة لأن الشاة في الأصل محل التقرب إلى الله تعالى بالصدقة إما واجبة في باب الزكاة، وإما نذراً، وإما تطوعاً وبأيام النحر جعلت محلاً للتقرب بالتضحية قائمة مقام الصدقة مخصوصة بهذه الأيام لأنا أمرنا بها مقدمة على الصدقة، فإذا ذهبت الأيام وجب القضاء بالصدقة.
ألا ترى أنه لو جز صوفها حتى لم يمكن التقرب في حقه بالإراقة وجب التقرب بالصدقة لأن شرع الله تعالى التضحية مكان الصدقة دليل على ضرب مماثلة حتى صلحت للقيام مقام الصدقة.
ولما تعينت الصدقة لم تعد إلى المثل بعود الوقت، كمن استهلك رطباً فذهب أوانه وقضى عليه بالقيمة له لم يعد إلى الرطب بمجيء أوانه.
وكذلك الرمي في الحج إذا فات عن وقته قضى في أيامه لأنه مشروع عبادة في تلك الأيام وإذا ذهبت الأيام وجب الجبر بالشاة عيناً شرعاً فلا يعود الرمي، وإن عاد الوقت.
وأما إذا عجز عن قضاء الصوم بالصوم فالقياس أن لا يقضي بالمال لأنه غيره اسماً ومعنى ولكنا أوجبناه إذا أيس عن الصوم بالشرع بخلاف القياس.
وإذا عجز عن الحج بنفسه كان القياس أن لا يقضي بالإحجاج لأن الذي يؤديه بالإحجاج مال، وإنه غير الحج إلا أنا جوزنا بشرط اليأس عن الحج بالشرع.
(1/91)

وأما الصلاة فلا نص فيها فقلنا تقضى بما يقضى به الصوم لأنها بالصوم أشبه لأنها عبادة بدنية محضة لا تعلق لوجوبها ولا لأدائها بالمال، بخلاف الحج لأنه لا يجب إلا بعد ملك الاستطاعة ولا يتأدى بدون المال للنفقة والراحلة.
فإن قيل: أليس قضاء الصوم بالمال ليس بقياس فكيف قستم عليه الصلاة؟
قلنا: إن الندم على ما فات والتوبة مما يمحو الذنب بينه وبين ربه تعالى إذا لم يقدر على زيادة أمر سوى التوبة إلا أنهم أوجبوا فدية الصوم احتياطاً لقدرته عليها حتى إذا كانت كالصوم عند الله تعالى لم يبق تحت عهدة المال.
وعلى هذا المثال وجب الخروج عن حقوق العباد فإن الغاصب يلزمه الخروج عن ضمانه برد العين، فإن عجز عنه بفواته رد مثله صورة ومعنى، فإن عجز عنه بتفاوت جنس ذلك العين رد قيمته التي هي معنى ذلك العين وبه صار مضموناً بالغصب.
فإن لم يكن أصل الحق مالاً نحو المنكوحة أمة كانت أو حرة أو رجلاً عليه قصاص عبداً كان أو حراً لم يضمن بالغصب لصاحب ملك القصاص، وملك النكاح إلا في حق تسليم العين فإذا هلك العين فلا يضمن شيئاً في الدنيا.
وكذلك إذا شهد شاهدان على ولي القصاص أنه عفا عن القصاص وقضى القاضي به ثم رجعا لم يضمنا شيئاً للولي.
وكذلك إذا شهدا على رجل أنه طلق امرأته ثلاثاً وقضى القاضي به ثم رجعا وكان دخل بها لم يضمنا شيئاً، وإن أتلفا الملك بالشهادة لأن المتلف لم يكن مالاً فلا يكون المال مثلاً له لا صورة ولا معنى فمعنى النكاح إقامة النسل والسكن، ومعنى المال مصالح البدن. لذلك قال علماؤنا رحمهم الله: إن المنافع لا تضمن بالإتلاف بعد قولهم أنها أموال حتى كان عقد الإجارة وارداً عليها، وعقد الإجارة من التجارة والتجارة لا تكون إلا بعقد المال بالمال.
وكذلك قالوا: لا يثبت الحيوان ديناً في الذمة بدلاً عن المنفعة وثبت ديناً بدلاً عما ليس بمال من العتاق وملك النكاح وملك القصاص لأن ضمان الإتلاف مقيد بشرط المماثلة، وما للمنافع مثل إما من جنسها فلا إشكال، وفيه إجماع لأنها تحدث ساعة فساعة من أعيان متفاوتة فكذلك هي تتفاوت بحسب تفاوت الأعيان.
وأما من الدراهم والدنانير فلأنها في الجملة خير من المنافع ذاتاً لأنها من جملة الجواهر، والمنافع أعراض، والجوهر خير من العرض ذاتاً في الجملة لأن الأعراض قيامها بغيرها والجواهر تقوم بنفسها فكانت الأعراض منها كالتبع من المتبوع.
ثم هذا التفاوت وإن كان عفواً في التجارات في حق المالية حتى كانت المنافع في الأسواق في حكم الأعيان في حق المالية يبادل أحدهما بالآخر بلا حرج.
(1/92)

وكذلك الوصي يبادل عن مال اليتيم بالمنفعة فيجوز.
وكذلك في العقود الفاسدة التي توجب ضمان المثل توجب الدراهم عن المنافع فإنه لا يعفى في حق ضمان الإتلاف لأن ضمان التجارة على ما يتراضى عليه الناس في الأصل دون المعادلة والمماثلة، ولكن الشرع ربما حجر على بعض التجار الذين أطلق لهم بشرط النظر إن يأتوا بخسر هو خسر في عرف التجار فما لا يتعارف خسراً في الأسواق لقلة التفاوت وتعذر إقامة السوق مع اعتباره كان عفواً لأن التجارة أمر مشروع لا تقوم بدونها مصالح الناس فلا يبتنى على ما يضيق معه استعماله كالعبادات، ألا ترى أنه في الأسواق لا يظهر التفاوت الذي يكون بين الحجر المبنية للإيجارة على هيئة واحدة بل تؤاجر بغلة واحدة.
وكذلك للوصي أن يؤاجر منها واحداً بواحد على قول من يرى الجواز مع اتفاق جنس المنفعة.
وكذلك المأذون في التجارة يملك من التبرع ما لابد للتجارة منه وإن كان هبة على الحقيقة فكذلك التفاوت الذي لابد منه لأنه دونه.
فأما ضمان الإتلاف فمبني على المثل في الأصل فوجب اعتبار التفاوت وإن قل حتى لا يجب على المعتدي زيادة فيكون جوراً وليس يجب اعتباره تضييق على الناس فإنه يجب بالعدوان وسبيل العدوان أن لا يكون وإن كان، فإن تقرب في الجزاء من باب الإحسان كان أولى من باب الجور.
ألا ترى أنه إذا أتلف منفعة حجرة لا يضمن بإزائها منفعة حجرة أخرى مثلها في الغلة عرفاً وتجارة، وكان التأخير إلى الآخر أهون لأن الزيادة جور وإنه لا يحل بحال والتأخير جائز كما في إتلاف الخمر وإيذاء الحر والشتم ولهذا قلنا: إن القياس أن لا يجب مال بإتلاف الآدمي لأنه لا مماثلة بينهما معنى ولا صورة، وإنما وجب بالنص حال تعذر القصاص بالخطأ كي لا يهدر دم الآدمي بخلاف القياس فلا نقيس عليه حال إمكان القصاص.
(1/93)

القول في أسماء الألفاظ في حق قذر تناولها المسميات، وحكمها فيما تتناوله
هذه الأسماء أربعة:
الخاص، والعام، والمؤول، والمشترك.
أما الخاص: فاسم للفظ لا يتناول إلا الواحد بذاته ومعناه، كقولك: "زيد" إذا أردت بالخصوص خصوص العين من الجملة.
وإن أردت خصوص الجنس قلت: إنسان وجن وملك.
وإذا أردت خصوص النوع قلت: رجل وامرأة. يقال: اختص فلان بملك كذا إذا لم يشركه فيه غيره، ومنه: خاصة الناس وهم أهل العلم، والحكمة لقلتهم.
وأما العام: فما ينتظم جمعاً من الأسماء لفظاً أو معنى، كقولك: الشيء، فإنه اسم لكل موجود ولكل موجود اسم على حدة وإن الإنسان اسم عام في جنسه لأن جنسه يشتمل على أفراد، ولكل فرد اسم على حدة كقولك: مطر عام، إذا عم الأمكنة فيكون عاماً بمعناه وهو الحلول بالأمكنة لا بأسماء يجمعها المطر، وكذلك يقال خصب عام، ومنه عامة الناس وهم أهل الجهل والسفه لكثرتهم.
ومن الناس من زعم أن العام ما ينتظم جمعاً من الأسماء أو المعاني، وليس كذلك لأن المعاني لا يتصور انتظامها تحت لفظ واحد إلا إذا اختلفت في أنفسها وإذا اختلفت تدافعت ولم تنتظم جمعياً تحت اسم واحد بل يصير كل واحد منها يحتمل الاسم فلا يثبت مراداً بالاحتمال، وهذا الاسم يسمى مشتركاً وإنه لا عموم له على ما نذكر وهو بمنزلة المجمل.
وقد ذكر أبو بكر الجصاص: أن العموم ما ينتظم جمعاً من الأسامي أو المعاني.
وكان هذا منه غلطاً في العبارة دون المذهب فإنه ذكر من بعد أن المشترك لا عموم له، وإنما أراد بالمعاني معنى واحداً كقولك: خصب عام، ومطر عام، فإن عموم الأمكنة منهما بمعنى واحد لا بمعان، فالعام خلاف الخاص بمعنى واحد وهو الشمول.
وأما المشترك: فما اشترك فيه جمع من الأسامي أو المعاني من غير انتظام، ولكن على الاختلاف كالعين فإنه يشترك فيه يشترك فيه مقلة الوجه وينبوع الماء والطليعة ونقد المال.
والشيء المتعين في نفسه من غير انتظام فإن الكل لا يدخل تحته ولكن يحتمل هذا وهذا، وهذا على الاختلاف أي إذا ثبت هذا بطل الآخر.
(1/94)

وكالقرء: يشترك فيه الحيض والطهر على اختلاف وتناف.
والبائن: يشترك فيه البينونة والبين والبيان، يقال: بان عني فلان أي هجرني، وبان العضو عن الجسم إذا انفصل عنه، وبان الشيء إذا ظهر، وهذه أسماء مختلفة بخلاف قولنا الشيء، فإنه يشتمل على الموجودات بمعنى واحد وهو صفة الوجود، وفيما ذكرنا من المشترك إنما يدخل كل واحد من الجملة تحته باسم على حدة، أو بمعنى على حدة، وإذا كان كذلك لم يكن للمشترك عموم ولا ظهور مراد لأنا سميناه: "مشتركاً" لاشتراك الأسامي أو المعاني في الدخول تحته والاشتراك يوجب الاستواء وإذا دخلت متساوية ولم يمكن الجمع بينهما ولم يصر بعضها بأولى من بعض صار المراد منه مجهولاً فيصير بمنزلة المجمل.
وأما اختلاف المعاني فإنما يتحقق في المستعار من الكلام وهو المجاز لأن اللفظ إنما يستعار لغير ما وضع له للاتصال بينهما معنى، فيصير المجاز: عبارة عن المعنوي من الكلام.
والحقيقة: ما عبر به عن الشيء باسم علمه عقل معناه أو لم يعقل، فإذا اختلف المعنى الذي يجوز الاستعارة لأجله كان ذلك المجاز مشتركاً.
وقد أجمعت الأمة أن لا عموم لقوله تعالى: {ثلاثة قروء} بل المراد بها إما الحيض وإما الأطهار، وقد قال علماؤنا رحمهم الله– فيمن أوصى لمواليه وله موال أعتقوه وموال أعتقهم-: أن الوصية باطلة لأن معنى الولائين مختلف في حق الوصية فيراد بالوصية للمولى الأعلى الجزاء وللمولى الأسفل زيادة إنعام ترحماً، ولم يدخل النوعان تحت الاسم على العموم فبقي المراد أحدهما فبطلت الوصية للجهالة.
وإذا قال لامرأة: إن نكحتك فأنت طالق، لم ينصرف إلى الوطء والعقد جميعاً، لأنهما مختلفان معنى بل انصرف إلى أحدهما على ما دل عليه الحال.
وأما المؤول: فما يتبين من المشترك أحد وجوهه المحتملة بغالب الرأي والاجتهاد لا بسماع من يجب تصديقه فإنه متى تبين بالسماع كان مفسراً بالتحاق هذا البيان، وهو نص مثل الأول، وإذا كان بالرأي لم يكن تفسيراً لأنه عبارة عن الكشف على ما يأتيك بيانه. والانكشاف على الحقيقة لا يثبت بالرأي ولكن بالرجحان يزول مشاركة سائر الوجوه إياه على السواء فيؤول إليه مراد الكلام من غير انكشاف على الحقيقة فكان تأويلاً.
وكذلك المراد من الكلام متى خفي لدقته فأوضح بالرأي كان مؤولاً فكان المؤول خلاف المشترك والخفي جميعاً.
فالعام في قدر تناوله المسميات أكثر من الخاص.
والخاص في قدر تناوله المسمى أثبت من المؤول أو المشترك، فلا ثبوت للمراد به إلا على سبيل الاحتمال فهذا بيان تفاوتها في قدر التناول في الجملة.
(1/95)

وأما الأحكام فإن العلماء اختلفوا في العام ما حكمه؟
فقال بعض الأحداث ممن لا سلف له في القرون الثلاثة: إن حكم العام الوقف فيه حتى يتبين المراد به كالمشترك ..
وقال بعضهم: الثابت به أخص الخصوص حتى تقوم الدلالة على العموم.
وقال الشافعي: إنه على العموم حتى يقوم الدليل على الخصوص، ولكنه غير موجب حكمه لعمومه قطعاً كالخاص لخصوصه، بل على تجوز الخصوص واحتماله كالحكم الثابت بالقياس يكون ثابتاً لا قطعاً، ولكن على تجوز الخطأ واحتماله حتى جوز تخصيص العام بالقياس وجعل الثابت بالقياس أولى من الثابت بالعموم، وإذا عارضه الخاص في بعض محاله جعل الخاص أولى، وجعل قوله هذا قولاً واحداً فيما يمكن القول بعمومه في نفسه أو لا يمكن في نفسه فإنه عممه بقدر الإمكان.
وقال علماؤنا رحمهم الله: العام يوجب الحكم بعمومه قطعاً وإحاطة، بمنزلة الخاص، أمراً كان أو نهياً أو خبراً. إلا عاماً يمتنع القول بعمومه لكون المحل غير قابل له على ما نذكره، فإنه يجب الوقف فيه حتى يتبين بدليل آخر، ولا يعمل به بقدر الإمكان، وقد دل على هذا القول فتاويهم ومحاجتهم.
أما الفتوى: فقد قالوا- في رجل أوصى لرجل بخاتم وأوصى لآخر بفصه-: أن الحلقة لصاحب الخاتم والفص بينهما. لأن الوصيتين اجتمعتا في الفص، لأن إحدى الوصيتين لا تبطل بالأخرى على ما عرف، ثم الفص اسم خاص له، والخاتم يتناوله بعموم اسمه، فجعلوا الاستحقاق بهما سواء ولم يجعلوا الخاص أولى. هكذا ذكر في "الزيادات".
وذكر في الوصايا: وقرن الوصية بالفص بالوصية بالخاتم وذكر أن الفص لصاحب الفص والحلقة للآخر، لأن الخاص لما قرن بالعام صار بياناً، ولما تأخر لم يصر بياناً وكان عارضاً.
وقالوا– في المضارب ورب المال إذا اختلفا في عموم الإذن وخصوصه وأقاما البينة وأرخا-: كانت العبرة للتاريخ وكان الآخر منهما أولى، فرفعوا الخاص بالعام، كما خصوا العام بالخاص فسووا بين التخصيص والرفع أصلاً ولم يرتبوا العام على الخاص، تقدم الخاص أو تأخر، على ما قاله الخصم في ألفاظ الشرع.
وأما الحاجة: فقد قالوا– بجواز الصلاة بدون الفاتحة لعموم قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر منه} ولم يروا ترتيب هذا العام على قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" لأنه خبر الواحد، فجعلوا الآية أولى وإن كانت عامة، والخبر خاصاً، وكان هذا مذهباً ظاهراً لعلمائنا.
أما الواقفون: فإنهم احتجوا بأن العام يذكر ويراد به الخاص، وهذا مشهور بين أهل
(1/96)

اللسان، وقد نطق به الكتاب والسنة والشعر حتى استحسن الكناية عن الواحد بلفظة الجمع، قال الله تعالى: {إنا أنزلناه قرآناً عربياً} وقال: {رب ارجعون} ولما كان كذلك احتمل العام العموم والخصوص وهما مختلفان لا يجتمعان فحل محل الاسم المشترك.
وأما الذين قالوا بأخص الخصوص فنوع من الواقفية، إلا أنهم قالوا: إن أخص الخصوص ثابت يقيناً أريد به الخصوص أم العموم فزال مهنى الاشتراك فيه، فثبت كما في الكل بعد البيان.
وأما الشافعي فقال: إن العموم من العام حقيقة من حيث الوضع لأن الواضع كما احتاج إلى وضع أسماء خاصة لتعريف الأفراد بمقاصد في كل فرد احتاج إلى وضع أسماء عامة لتعريف الجمل لمقاصد فيها كي لا يحتاج إلى ذكر كل فرد باسمه على حدة لتحصيل المقصود الذي لا ينال إلا من الجملة فيتعذر الذكر عليه، إلا أن العرب استعارت الألفاظ العامة للخاصة توسعة، وتحسيناً للعبارة لمعنى التعظيم بالكناية عن الواحد بذكر الجماعة، كما استعارت لسائر ضروب المجاز، وإذا كان كذلك كان الحكم لحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه لأن المجاز معناه لا يشارك معنى الحقيقة فلا يزاحمه بل الحقيقة هي الثانية قبله، واحتجاجه بالاستعمال ضعيف لأن العام قد استعمل بحقيقته كما استعمل بمجازه كقوله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} وقوله: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} ونحوهما مما لا يحتمل الخصوص مع شدة العموم، فصار الاستدلال بالعموم استدلالاً بدليل محتمل فلم يكن حجة فبقي الحكم للوضع وقد ظهر القول بالعموم من السلف ظهوراً لا يمكن إنكاره.
احتج عمر رضي الله عنه للمن بسواد العراق على أهلها على الصحابة رضي الله عنهم منهم الزبير ألزمه بقول الله تعالى: {للفقراء المهاجرين} إلى قوله: {والذين جاءوا من بعدهم} فقال عمر: أما إني لو قسمتها بينكم لم يكن لمن يجيء بعدكم نصيب في الفيء والله تعالى جعل لهم نصيباً فرجعوا إلى قوله، وهذه الآيات غاية في العموم.
وأراد عثمان رضي الله عنه رجم امرأة ولدت لستة أشهر فقال ابن عباس رضي الله عنه: أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله تعالى لخصمتكم إن الله تعالى يقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} وقال: {وفصاله فى عامين} فيبقى للحمل ستة أشهر، وأخذوا بقوله.
واختلف علي وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما في عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً؟
(1/97)

فقال علي رضي الله عنه: عليها أبعد الأجلين لعموم آية عدة الوفاء وعدة الحوامل.
وقال عبد الله: عدتها بوضع ما في بطنها لأن هذه الآية آخرهما نزولاً وهما آيتان عامتان واحتجا بهما.
فإن قيل: إن الصحابة رضي الله عنهم فهموا العموم منها بدلائل وأحوال اقترنت بها دلت على العموم.
قلنا: إن الحكم بالعموم قد ظهر ولم يظهر له سبب آخر إلا عموم النص فلم يجز الحمل على سبب لم يظهر على أن العمل بها لو وجب بدلائل أخر لما قبل منهم الاحتجاج به بدون تلك الدلائل والأحوال، ولأن الشريعة لازمة إلى يوم القيامة، ووجوبها بالكتاب ثم بالسنة ولو لم تكن هذه النصوص حجة في أنفسها بدون تلك الدلائل الموجبة لما حل لهم السكوت عن نقل تلك الدلائل، ولا لزمهم نقلها كما نقلوا النصوص، ولو نقلوها لظهرت ظهور النصوص بأنفسها، وظاهر عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال– لما اختلفت الصحابة في نقل الأخبار-: إنكم إذا اختلفتم في شيء كان من بعدكم أشد اختلافاً، فإذا سألتم عن شيء فلا ترووا ولكن قولوا: معكم كتاب الله فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، ولم ينكر عليه أحد فثبت أن الكتاب بنفسه حجة بدون الأحوال التي توهمتها حجة للصحابة.
فإن قيل: إن الخلاف بيننا وبينكم في موجب العام للحال لا لحال النزول فإنا لم نبتل بالعمل به فيما سلف.
فنقول: موجب العام للحال الوقت فيه حتى يتبين ما حكمه، لأن النصوص العامة صارت متفاوتة في أنفسها اليوم من باق على عمومه، ومن مخصوص، ومن منسوخ، فإذا صار حكمها في البقاء محتملاً لم تكن حجة حتى يزول الاحتمال.
قلنا: يلزمك مثله في الخاص فإنه يحتمل الانتساخ، والمجاز ولم يجب الوقف به، وكذلك الشاهد إذا عاين سبب ملك الإنسان حل له الشهادة بالملك له بعد ذلك، وإن احتمال الفسخ أو البيع من آخر وكان ما عاين حجة له للحال ما ذكرنا أن الشيء إذا ثبت دام على ذلك من غير دليل وأنما زواله افتقر إلى دليل مبتدأ فعند عدم الدليل لا يزول ما كان ثابتاً بالاحتمال لأنه كما احتمل الزوال احتمل البقاء.
وجملة الجواب فيه: أن العامي يلزمه العمل بعمومه كما سمع.
وأما الفقيه فيلزمه أن يحتاط لنفسه فيقف ساعة لاستكشاف هذا الاحتمال بالنظر في الاشتباه مع كونه حجة للعمل إن عمل به، ولكن يقف احتياطاً حتى لا يحتاج إلى بعض ما أمضاه بتبين الخلاف، وهذا كالحاكم إذا قامت لديه الحجة فإن شاء حكم بها، وكان الأحوط الوقف وإمهال الخصم للرفع ثم القضاء عند العجز.
(1/98)

وكذلك إذا قامت البينة أن هذا الرجل وارث فلان جاز له القضاء بالمال والأحوط له أن يقف فيتعرف عن وراث آخر ثم يقضي إذا لم يتبين له بعد التعرف.
والكلام ليس فيما يجب احتياطاً، واحترازاً عن وهم يتحقق، ولكن الكلام في موجب النص بنفسه وأما الاحتياط فضرب معنى يترك له ما عليه الأصل إلا أن الترك به لا يجب حتماً.
فإن قيل: فالذي يقف هكذا يحتج لامتناعه عن العمل به ويقول أنا أقف متروياً.
قلنا: هذا صحيح ولكن لا يثبت الوقف على هذا الحد إلا بعد التزام أصل الحكم واعتقاده أنه ثابت، وأن الوقف بدليل عارض لا من نفس النص، ومتى قال هذا واعتقد ارتفع الخلاف فلا يتحسن مثله في الخاص.
ويقول في الشهادات الخاصة أن الحكم يقف احتياطاً، وكذلك في الخاص إذا احتمل المجاز كان الوقف للتعريف أحوط ما لم يؤد إلى ترك واجب يفوت بالوقت.
قال الشافعي رحمه الله: وسواء فيه ما أمكن القول بعمومه وما لا يمكن لكون المحل غير قابل له كقول الله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} فإن هذا المحل غير قابل عموم نفي المساواة بينهما لتساويهما وجوداً وإنسانية وبشرية وصورة وكثيراً من الأوصاف.
وقال: هذا المانع من القول بعمومه جملة لا يمنع القول بعمومه فيما يمكن منه من الأحكام الشرعية حتى لا تكون دية الذمي مثل دية المسلم ولا يقتل المسلم بالذمي ولا يساوي الذمي المسلم في تملك العبد المسلم لأن العام الذي يثبت خصوصه بدليل شرعي يبقى عاماً في ما بقي بعد الخصوص، والخصوص لا يكون إلا بدليل مقارن للعموم يبين أن المراد به ما بعد الخصوص فأما الرفع بعد الثبوت فيكون نسخاً، ومتى كان الخصوص على هذا الوجه كان ما نحن فيه من الذي امتنع القول بعمومه من حيث الحسن، والذي امتنع من حيث الشرع واحداً.
قال: ولكن الثابت بالعموم لا يكون قطعاً مثل الثابت بالخصوص لأن العام لا يرد قط إلا على احتمال الخصوص في نفسه، وكذلك الحكم بعمومه يثبت على احتمال أنه غير ثابت فلا يثبت قطعاً كالثابت بالقياس إلا عموماً ثبت بالدليل أنه غير محتمل للخصوص كقول الله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} بخلاف الخاص فإن حكمه لا يرتفع إلا بالنسخ وإنه لا يحتمل كونه منسوخاً حال وروده، وإنما النسخ يرد على بقاءه بعد ثبوته والكلام في موجب حكمه حال الورود لا حال بقائه.
ودل على صحته رواية الصحابة والسلف والناس إلى يومنا أخبار الأحاد الخاصة في معارضة عموم الكتاب وتخصيص العموم بها. وكذلك بالقياس.
(1/99)

وأما علماؤنا فإنهم ذهبوا إلى أن الخاص إنما وجب حكمه قطعاً لأن اللفظ وضع له في الأصل فكان ذلك حقيقته فلاحتمال المجاز لم يتغير حكمه في نفسه ما لم تقم الدلالة، والعموم في الأصل ما وضع إلا للتعميم والشمول منه حقيقة على ما بينا فلاحتمال مجازه وهو المخصوص لا يتغير حكمه في نفسه حتى تقوم الدلالة.
فإن قال قائل: فكذا أقول في الخاص إن حقيقته لا تثبت قطعاً ما لم يتبين أنه لم يرد به مجازه كالنصوص في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانت توجب بقاء الحكم قطعاً لاحتمال النسخ وإن لم يثبت النسخ بعد.
قلنا له: إن المجاز لا يثبت من الكلام إلا بإرادة المتكلم النقل إليه عما وضع اللفظ له، والإرادة لا تثبت إلا ببيان من قبله أو دلالة الحال أو العرف ونحوها، فإذا انعدمت دلالات الإرادة لم يثبت الناقل فلم يثبت النقل فبقيت الحقيقة قطعاً بلا احتمال، وهذا كالنص المطلق فإن حكمه يثبت مطلقاً قطعاً، وإن احتمل التغيير بزيادة قيد أو تعليق شرط لأن الثاني إنما يثبت بزيادة بيان ولم يثبت.
وما هذا بنظير بقاء الحكم قطعاً على ما يثبت ابتداء ً لأن النص أوجب حكمه فأما البقاء على ما يثبت فليس بموجب به، ولكن من حيث أن الشيء إذا ثبت دام حتى يقوم دليل الزوال فكان البقاء بحكم استصحاب الحال لعدم الدلالة والعدم في نفسه فيه احتمال ما كان يعلم قطعاً فكذلك موجبه لا يثبت قطعاً حتى لما تيقنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم النسخ ثبت البقاء قطعاً.
فإن قيل: إن عدم إرادة المتكلم الخصوص ما عرفت إلا بعدم الدلالة عليها فلا يثبت قطعاً كعدم النسخ في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بخلاف عدم التعليق والاستثناء فإن طريق ثبوتهما النص عليهما فإذا سكت عنهما ثبت العدم يقيناً.
قلنا: إن الإرادة لما كانت باطنة لا يوقف عليها إلا ببيان لم يكن حجة علينا أصلاً حتى تظهر بطريقها لأن الله تعالى لم يكلفنا ما ليس في وسعنا فلا يجعل الباطن الذي لا نقف عليه حجة حتى يظهر، ويكون ابتداء ثبوته حجة بظهوره فصارت بمنزلة الشرط والاستثناء في الحكم، وهذا كما قيل إن ابتداء الشرائع ما كانت تلزم إلا بعد السماع لأن العبد لا يقف عليه إلا بسماعه فكان لحال سماعه حكم نزول الخطاب ابتداء، وهذا كما قيل فيمن قال لامرأته: إن كنت تحبيني فأنت طالق، فقالت: أحبك، كذباً وهي تبغضه، أو علق الطلاق بمحبتها النار، فقالت: أحب. طلقت، وإن تيقنا بالكذب لأن المحبة لا تعرف إلا بالخبر عنها فقام الخبر مقام المحبة حقيقة ليكون بناء الحكم على ما نطلع عليه، وصار كأنه قال لها: إن أخبرتني أنك تحبيني فأنت طالق، والخبر يشتمل على الكذب والصدق جميعاً فطلقت في الحالتين بوجود الخبر دون المحبة حقيقة، فهذا سر المسألة ومزل القدم.
(1/100)

فالخصم مال إلى أن الإرادة مغيرة حكم الحقيقة لا محالة، واحتمال الإرادة ثابت حال التكلم فثبت احتمال التغيير به إلا أن الله تعالى لما لم يكلفنا ما ليس في وسعنا سقط اعتبار الإرادة في حق العمل فلزمنا العمل بالعموم الظاهرة دون ما لا نصل إليه من الإرادة الباطنة، وبقيت الإرادة معتبرة في حق العلم فلا يعلم قطعاً لأنه ليس في وسعنا ذلك، وإنه كلام حسن.
ويجب على هذا الأصل أن لا تطلق المرأة فيما إذا قال لها زوجها: إن كنت تحبين النار فأنت طالق، فقالت: أحب لأنا علمنا يقيناً ببغضها النار طبعاً، وإنما يقام الخبر مقام المحبة لأن سبب علمنا به فيما يحتمل المحبة والبغض فإذا كان الاحتمال زائلاً بدلالة أخرى وجب الحكم بها ولم يجز الوقوف على بيان يقع بالخبر، كما قال في مسألة العموم إنه إنما يحتمل بيان الخصوص بدليل يرد إذا كان مما يحتمل الخصوص بإرادة المتكلم وامتنع العمل بالإرادة لاحتمالها.
فأما إذا كان لا يحتمل إرادة الخصوص كقول الله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} فلا يجب الوقوف على البيان، وكذلك يجب أن يقول به في حقيقة الخاص مع مجازه.
والجواب عنه لعلمائنا: أن الله تعالى لما لم يكلفنا ما ليس في وسعنا وليس في وسعنا الوقوف على الباطن إلا بدلالة ظاهرة لم يجعل الباطن حجة أصلاً في حقنا فسقط اعتباره في حق العمل والعلم جميعاً، وجعل الحجة ما يظهر به الباطن وإن كان سبباً لثبوت الحجة في الباطن إقامة السبب الظاهر مقام ما هو حجة باطنة في نفسها تيسيراً على عباده بزوال كلفة التأمل في الباطن، لاعتبار الحكم بحسب احتمال ثبوته على ما قاله الخصم.
وهذا كما أن الخطاب متعلق باعتدال العقل وإنه أمر باطن والبلوغ سبب ظاهر له على ما عليه الجبلة بلا آفة فعلق الشرع الخطاب بالبلوغ الذي هو سبب ظاهر، وأقامه مقام اعتدال العقل الذي هو أصل فيه تيسيراً فأسقط حقوقه عن الصبي وإن اعتدل عقله كأنه لم يعتدل، وخاطب البالغ وإن لم يعتدل عقله بلا خلاف كأنه اعتدل.
وكذلك رخص السفر في الأصل متعلقة بالمشقة وهذه صفة باطنة، والسفر سبب ظاهر لها فأقام هذا السبب الظاهر مقام المشقة فأثبت به الرخص وإن لم يلحقه مشقة وأزالها بالإقامة وإن لحقته فيها مشقة السفر إلا أن يضطر فيباح له الترك دفعاً للضرورة لا بحكم سقوط الخطاب حتى إذا صبر فقتل كان مأجوراً، أو بمرض في الإقامة فيثبت الرخص في المرض، وإنه جنس آخر غير جنس المشقة.
(1/101)

وكذلك الاستبراء في الأصل يجب صيانة للمياه عن الاختلاط في الإماء وسبب الاختلاط في الإماء استحداث ملك الوطء بملك اليمين لأن زوال ملك اليمين عن الأول وإن كان بعد الوطء لا يوجب استبراء مانعاً من الحدوث لآخر، فلو أبحنا للآخر بلا استبراء لاختلاط الماءان، والماء أمر باطن والإباحة بسبب ملك اليمين أمر ظاهر فأقيم هذا السبب الظاهر مقام الماء، وجعل علة في نفسه وأدير الحكم معه.
فقيل؛ متى استحدث الرجل ملك الوطء بملك اليمين لم يحل له إلا بالاستبراء، سواء كانت الأمة بكراً أو ثيباً، وطئت عند الأول أو لم توطء ومتى كان الاستحداث بالنكاح لم يجب الاستبراء.
وإن كانت وطئت عند الأول نحو الأمة يطأها مولاها ثم تزوجها فإنه لا استبراء يجب على الزوج، وإن كان يؤدي إلى اختلاط المياه لأن النكاح أصله في الحرائر لأن الرق أمر عارض والحرة لا توطأً إلا بنكاح، وزواله بعد الوطء يوجب عدة مانعة من نكاح آخر والاستبراء يقع بالعدة فلم يصر إباحة الوطء للزوج على ما عليه أصل الوضع بلا استبراء موجباً لاختلاط المياه فلم يصر علة.
وكذلك قال علماؤنا- في رجل قال لامرأته؛ إن كان في علم الله تعالى أن فلاناً يقدم إلى شهر فأنت طالق الساعة، فقدم فلان إلى شهر-: فإن الطلاق يقع بعد القدوم، كما قال لها: أنت طالق الساعة إذا قدم فلان إلى شهر، وإن تبين بالقدوم أنه كان في علم الله ذلك وأنه علق الطلاق بشرط موجود لأنا لا نطلع على علم الله تعالى بقدومه إلا بعد قدومه، فكان القدوم هو الدليل الذي نقف به على العلم فقام مقام العلم فيما علق به من الحكم ولغا اعتبار الباطن في حق تعلق الطلاق به كأنه لم يذكره.
بخلاف ما إذا قال: إن كان زيد في الدار فأنت طالق فعلم به بعد شهر أنه كان في الدار يوم حلف طلقت امرأته من حين تكلم لأن كينونته في الدار مما نقف عليه نحن فلم يلغ اعتباره وتعلق الحكم بحقيقته لا بالدليل الذي يظهرها فثبت أن ما قلناه طريق بين في الشرع تيسيراً ودفعاً للحرج، فكان أولى مما قاله خصمنا فإنه أسقط اعتبار الباطن بقدر ما لا يمكنه لا غير، والله تعالى كما أخبر أنه لم يكلف إلا بقدر الوسع أخبر أنه ما جعل في الدين من حرج، واعتبار الباطن على الوجه الذي قاله في حق العمل يوقعنا في الحرج والتأمل ليمكننا التمييز بالإرادة الباطنة أحرج من التأمل في الصبيان للتمييز بين من اعتدل عقله منهم ومن لم يعتدل، ولهذا أبى علماؤنا تأخير بيان الظاهر بوجه يحتمله من حيث ترك ظاهره على ما يأتيك من بعد.
لأن الظاهر يوجب موجبه قطعاً على حقيقة بلا احتمال فيه فلا يبقى للبيان وجه فإنه لا يتصور إلا بعد احتمال.
(1/102)

ولأن الله تعالى خاطبنا بلسان العرب فيلزمنا فيه ما يتفاهم من خطابنا فيما بيننا وفيما بينا لو قائل: أعط هؤلاء الفقراء مئة درهم وهم مئة فهم منه تفريق المئة عليهم على السواء، كما لو قال: اعط كل واحد منهم درهماً.
ولو قال: لا تعتق عبدي سالماً، ثم قال: اعتق البيض من عبيدي، ومنهم سالماً دخل تحت الأمر العام وارتفع النهي الخاص به فثبت أن العام والخاص، سواء في خطابنا فيما بيننا فكذلك في خطاب الشرع وإن الإرادة التي هي موهمة ليس لها عبرة حتى تنص عليها أو تثبت بدلالة أخرى ظاهرة.
فإن قيل: إن تخصيص العام بالقياس جائز، وكذلك حمل الخاص على مجازه بالقياس جائز، وما يجوز تركه رأساً بالقياس ولو كان العموم ثابتاً قطعاً لما جاز تبديله بالقياس كترك الكل.
قلنا: عندنا لا يجوز تخصيص العام ابتداء بالقياس، ولا الحمل على المجاز، وإنما يجوز بيان العموم بالقياس إذا ثبت خصوصه بدلالة يجوز رفع الكل بها من خبر ثابت تأيد بالإجماع أو بالاستفاضة في السلف أو بالإجماع نفسه ثم وقع الإشكال في حادثة إنها من جنس ما دخل تحت الخصوص، أو من جنس ما بقى تحت العموم فيعرف ذلك بالقياس لأن حكمها في نفسها قبل القياس عن ثابت قطعاً لظهور دليل الخصوص، واحتمال الحادثة في نفسها أن تكون داخلة تحت الخصوص وإنا وإنما ألغينا الباطن واحتماله دون الظاهر واحتماله لعموم النص بعد الخصوص، فيبقى عندنا على حكم عمومه. قيل: الخصوص عند الشافعي على ما بينا في بابه بعد هذا.
فإن قيل: في إثبات المعارضة بين الخاص والعام إذا لم يعلم التاريخ ألغي الحكم الخاص أصلاً ولبعض العام بقدر المعارضة بين العام والخاص، وفي نسخ الخاص بالعام إذا تأخر العام رفع الخاص بأصله وفي ترتيب العام على الخاص عمل بالخاص في الحالين كله حقيقة وبالعام بما بقى مجازاً والأصل في النصوص إنما يعمل بها ما أمكن فكان هذا الوجه أولى.
قلنا: نعم يجب العمل بها ما أمكن ولا إمكان لما ذكرنا أن موجب العام في كل ما دخل تحته بمنزلة موجب الخاص فيما دخل تحته فلا يثبت ترجيح الخاص على العام مع التساوي في قدر ما تعارضا فيه، وإذا لم يثبت الرجحان بطل الترتيب وسقط هذا الإمكان الذي يشير إليه.
أرأيت قائلاً لو قال: إني أعمل بحقيقة العموم وأحمل الخاص بالعموم على ما ضرب من المجاز أكان ذلك مقبولاً منه؟ لا، فكذلك منك إذا قلت: إني أحمل العموم على الخصوص وهو مجازه ليمكنني العمل بحقيقة الخاص وكل واحد من هذين القولين
(1/103)

يكون معارضاً بالآخر، ولأن موجب الحجة ليس العمل بها وحدها بل العمل بها إذا لم يعارضها أخرى والمدافعة إذا عارضتها أخرى مثلها كالشهادات في خصومات العباد، فمن لم يثبت المدافعة بعد التساوي فهو الذي ترك العمل بحقيقة الحجج وحكمها في هذه الحالة.
فالخصم سوى بين محتمل الحال وبين محتمل اللفظ الذي ورد مخصصاً فسلب حكم العموم بالاحتمالين قطعاً.
وفرق أصحابنا بين محتمل اللفظ ومحتمل الحال فألغوا اعتبار محتمل الحال لأنه أمر باطن، واعتبروا محتمل اللفظ لأنه أمر ظاهر على ما بينا، وسواء عندنا الأمر والنهي والخبر لأن صيغة العموم توجد في الكل.
وأما ما امتنع العمل بعمومه لمعنى في المحل قارن الخطاب فلا عموم له فيما بقي بدليل ما ذكرناه في باب: "العام إذا خص منه شيء ما حكمه في البقية؟ ".

حكم المشترك
وأما المشترك: فحكمه التوقف فيه بلا اعتقاد حكم معلوم سوى أن المراد به حق حتى يقوم دليل الترجيح، لما ذكرنا أن المشترك ما يمتنع تعميم معانيه أو أساميه بحكم التعارض والتدافع على السواء فالشركة تنبئ عن المساواة، أما إذا لم يكن السواء فذلك احتمال ولا يصار إليه إلا ببيان زائد.
والأصل في تعارض الأدلة الوقف على اعتقاد أن الثابت منها بحكمه حق.
وأما المؤول: حكمه حكم الظاهر إلا أن الظاهر بنفسه يوجب العلم بحكمه قطعا، وهذا يوجب غالب الرأي كخبر الواحد والله أعلم.
(1/104)

باب

القول في العام إذا خص منه شيء
اختلف القائلون بالعموم فيه على أربعة أقوال:
رأيت عن أبي الحسن الكرخي، وكثير من كبار شيوخنا: أن العام إذا خص منه شيء وجب الوقف فيه حتى يأتي البيان من غير إسناد إلى السلف.
ونص أبو الحسن الكرخي أنه شيء أقوله من عندي، وعلى هذا القول يجب أنه يثبت منه أخص الخصوص إذا كان معلوماً.
وقال بعضهم: إن خص منه شيء مجهول فالجواب على هذا، وإن خص منه شيء معلوم بقي الباقي على عمومه على ما كان قبل التخصيص.
وقال بعضهم: إن خص منه شيء مجهول لم يثبت به الخصوص.
قال القاضي أبو زيد رحمه الله: والذي ثبت عندي من مذهب السلف أنه يبقى على عمومه بعد التخصيص في الفصلين جميعاً، ولكن غير موجب للعلم قطعاً كما قاله الشافعي قبل الخصوص.
أما أبو الحسن الكرخي فإنه احتج بأن العام إذا خص منه شيء زالت حقيقته وصار مجازاً، ومجازه في إرادة المتكلم البعض منه، وذلك البعض مجهول فلم يبق حجة كما في قوله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} فإنه لما امتنع القول بعمومه وجب الوقف فيه على ما يأتيك بيانه.
ولأن التعميم فيما بقي حقيقة والكلام لا يشتمل قط على الحقيقة والمجاز بخلاف الكلام إذا استثني منه شيء معلوم فإن الباقي يبقى على عمومه، لأن المستثنى بالنص غير داخل تحت الجملة نصاً، ويصير كأنه ما تكلم إلا بالباقي بعده، والباقي بعده كله ثابت على حقيقته إلا أن تكون أخص الخصوص معلوماً فيجب القول به لزوال الجهالة.
ولأن دليل الخصوص في حق حكم النص بمنزلة الاستثناء لأنه تبين أن الثابت من حكمه ما بعده، وإن فارق الاستثناء في صيغة اللفظ على ما نبين.
وإذا صار في الحكم كالاستثناء قلنا: إن كان دليل الخصوص مجهولاً لا يوجب جهالة ما بقي حكماً فيصير كاستثناء بعض مجهول، وكذلك إن كان دليل الخصوص معلوماً لأنه يحتمل أن يكون معلولاً بعلة موجبة أكثر مما يوجبه النص فيتضمن جهالة على
(1/105)

الاحتمال والشك فيوجب شكاً فيما بقي من الحكم كاستثناء فيه شك فإنه يوجب شكاً في المستثنى منه كقولك: والله لا أكلم الناس إلا زيداً أو عمرواً، فإنهما لا يدخلان تحت اليمين لدخولهما تحت الاستثناء بالشك.
وأما الذين فرقوا بين تخصيص المجهول والمعلوم فإنهم ذهبوا إلى أن تخصيص العموم بدليل منفصل بمنزلة التخصيص بالاستثناء، إذ الخصوص لا يثبت إلا بدليل يبين لنا أن المراد به ما بعده، وأن قدر المخصوص لم يدخل تحته كالاستثناء.
فأما الطارئ الذي يرفع بعد ثبوته فهو نسخ، وإذا كان كذلك كان بمنزلة الاستثناء.
ثم استثناء المعلوم لا يسقط عموم ما بقي، واستثناء المجهول يسقطه ويوجب الوقف إلى البيان، فكذلك التخصيص.
فعلى قول هذا القائل لا يصح الاحتجاج بعموم آية البيع لأنه خص منه الربا وإنه مجهول، ولا بآيات الحدود لأنه خص منها حالة الشبهة وهي مجهولة.
وأما الذين قالوا؛ إن تخصيص المجهول ساقط حكمه قبل البيان، وأنه يبقى على العموم بعد الخصوص المجهول والمعلوم موجباً للعلم فقد ذهبوا إلى أن التخصيص لا يكون إلا بدليل منفصل عن العام له موجب في بعض ما تناوله العام بخلافه على سبيل ما لو تأخر كان نسخاً، فإذا جاء مقارناً كان بياناً، وإذا كان كذلك لم يتغير بالثاني صيغة الكلام الأول كما في النسخ، وكيف تتغير ولم تتصل بالصيغة بل انفصلت عنه، وكل كلام تام بنفسه وإذا لم تتغير وجب اعتبار كل صيغة في نفسها على حدة.
ثم صيغة العام للتعميم وقد خرج من أهله فصح خروجه وأضيف إلى محل قابل للعموم فانعقد موجباً للعموم إلا أنه امتنع عن العمل في بعض المحال لمانع على سبيل المدافعة وهو النص الذي يخصصه فيتغير حكمه بقدر المانع، لأن صيغته لم تتغير به، وإذا لم تتغير الصيغة وهي للتعميم يقيناً بقي كذلك وراء ما ثبت الخصوص، والخصوص إنما يثبت بقدر ما يتبين بالخاص.
فأما ما لم يتبين منه بأن كان دليل الخصوص مجملاً فلا يمتنع به لأنه لا مساواة بين الظاهر والمجمل، بل المجمل مما لا يجب العمل به حتى يلتحق به البيان فيصير في حق العمل كنص لم ينزل بعد ألا ترى أنه لو طرأ المجمل على ظاهر ناسخاً لم يثبت به النسخ حتى يتبين، بخلاف الاستثناء فإنه يرد على صيغة الكلام فيستخرج منه بعضه فيصير كأنه لم يتكلم بالمستثنى وإنما تكلم بالباقي بعده.
ألا ترى أن الاستثناء لو فصل وهو قوله إلا كذا لم يكن له موجب بنفسه، وإذا اعتبر المستثنى منه مع الاستثناء كلاماً واحداً أوجبت الجهالة بالاستثناء جهالة في المستثنى منه، والشك فيه شكاً في الأصل فيصير الأصل مجهولاً محتملاً فلا يجب العمل به حتى يرد
(1/106)

البيان، وها هنا لما انفصلا في حق الصيغة اقتصرت الجهالة على دليل الخصوص فبقي الآخر على ظاهره معمولاً به.
وهذا بخلاف قول الله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} لأن الكلام إنما يصح في نفسه إذا خرج من أهله وأضيف إلى محل يقبله فإن بيع المجنون ضائع لأن المجنون ليس بأهل له، وبيع العاقل حراً ضائع لأنه ليس بمحل للبيع.
وقوله: {وما يستوي الأعمى والبصير} إنما لم يثبت عمومه لأن المحل غير قابل للعموم، لأن نفي المساواة بينهما مضاف إليهما، وهما غير قابلين لعمومه لتساويهما في الوجود والعقل والإنسانية والحيوانية فضاع هذا الكلام من حيث اقتضاء العموم لعدم المحلية فلم يبق إلا الخاص، وأنه مجهول وكان كالذي استثني منه شيء مجهول لأن المستثنى يصير غير ثابت في نفسه كان المتكلم لم يتكلم إلا بالباقي بعده.
فأما إذا كان المحل قابلاً في نفسه، والكلام صدر من أهله ولم يستثن منه شيء حتى صح مخرجه وقراره فالعمل به لا يمتنع إلا بمانع فيتقدر بقدره، كما في الكلام إذا استثني منه طرف، وكالبيع بشرط الخيار لا يضيع أصلاً لوجوده من أهله في محله، ولكن يمتنع العمل به بقدر المانع، وكما إذا استحق بعض المبيع امتنع عمل البيع فيه بقدره.
وأما القول الرابع الذي عليه جمهور العلماء: وهو أن العام إذا خص منه شيء معلوم، أو مجهول بقي على عمومه ولكن غير موجب للعلم قطعاً، كما قاله الشافعي رحمه الله تعالى قبل التخصيص.
الدليل على أنه مذهب جمهور العلماء أنا توارثنا الاحتجاج بالعام في أحكام الحوادث، وما فيها عموم لم يثبت خصوصه.
والدليل على أنه غير موجب علماً أنا توارثنا أيضاً تخصيصها بالقياس وبخبر الواحد والمعقول يدل عليه، وهو أن دليل الخصوص يشبه دليل النسخ من حيث الصيغة، ويشبه الاستثناء في حق الحكم.
أما في حق الصيغة: فكما ذكره الأول أنه لا اتصال بين النصين وكل واحد منهما كلام تام بنفسه وردا منفصلين حتى لو كانا متراخيين كان الثاني ناسخاً للأول، فمن هذا الوجه يجب بقاء العموم فيما لم يثبت خصوصه قطعاً، كما يجب فيما لم يثبت نسخه قطعاً.
وأما من حيث الحكم: فلأن دليل الخصوص يبين لنا أن قدر المخصوص منه لم يدخل تحت العموم حكماً كالاستثناء بخلاف النسخ فلم يجز الاعتبار بأحدهما بل اعتبر في كل باب بنظيره.
فنقول في حق الصيغة تعتبر بالنسخ كأن الحكم ثابتاً ثم ارتفع إذ صح مخرجه وانعقد في محل قابل للعموم.
(1/107)

ألا ترى أنهم قالوا فيمن اشترى عبدين ونفذ البيع فيهما جميعاً بألف، فإذا أحدهما مدبراً: إن البيع نافذ على الثاني بحصته من الثمن كأنهما كانا عبدين، ونفذ البيع فيهما جميعاً ثم هلك أحدهما قبل التسليم فإن الباقي يبقى بحصته من الثمن، ولم يعتبر بما لو باع عبدين بألف درهم إلا هذا بحصته من الألف لأحدهما بعينه فإن البيع يفسد في الباقي كأنه باعه وحده بحصته من الألف لو قسم عليه وعلى الآخر على قدر القيمة.
وكذلك لو كان أحدهما حراً لأن الاستثناء يبطل الصيغة فيجعله متكلماً ببيع جميع الذي يبقى بعد الاستثناء وحده كأنه ما تكلم بالآخر فيصير بائعاً بثمن المجهول، والجهالة تمنع الصحة.
وكذلك إذا كان أحدهما حراً لبطلان الكلام فيه لعدم المحل، وفي مسألة المدبر لا يكون هكذا لأن البيع عمهما جميعاً وهما حل له لقيام المالية المتقومة التي تقصد بالأشرية وانعقد من الصيغة موجبة عمومها، ولكن النفاذ والعمل امتنع في المدبر لمانع فيه من استحقاق له فاعتبر في حق الانعقاد جملته، وجملة الثمن معلومة وإن كان المدبر في حكم الاستحقاق والعمل به كأنه لم يدخل تحته، وجعل كأنه خرج بعد الدخول في الصيغة فلم يفسد العقد في الآخر لأن طريان الجهالة لا يوجب فساد العقد.
وكذلك إذا باع عبدين له بألف على أنه بالخيار ثلاثة أيام في واحد منهما بعينه فإن ثمنه لا يجب والبيع لا يعمل فيه ويصح في الآخر ويعمل.
وكذلك يبقى على الصحة لو فسخ العقد في الذي فيه الخيار لهذا المعنى، واعتبر بالذي ملك ثم فسخ، وهذه مسألة لا خلاف فيها.
وإذا كان كذلك اقتصرت جهالة دليل الخصوص أو الشك عليه ولم يتعد إلى العام في حق الصيغة فلا يصير العام مجملاً مجهولاً أو مشكوكاً فيه بما وقع في دليل الخصوص كما لو جاء ناسخاً وهو مجمل في نفسه فإن الأول لا يصير منسوخاً به حتى يقترن به البيان ولكن لما كان في حق الحكم بمنزلة الاستثناء على ما بينا أنه يتبين به أنه لم يدخل تحت العموم حكماً، وإن دخل صيغة اعتبر بالاستثناء في حق الحكم فالجهالة في دليل الخصوص توجب جهالة في حكم العموم فلا يبقى يقيناً.
وكذلك إن كان الخاص معلوماً لأن النص معلول عندنا في الأصل ما لم يتبين خلافه، والعلة تكون أعم من النص فيتعدى إلى ما وراءه ولكن لا يجب العمل به ما لم يقم دليل لتركه، على ما يأتيك بيانه، فيصير بمنزلة المجمل الذي هو حجة ولكن لا يجب العمل به إلا ببيان.
فمن حيث قيام دليل موجب حكماً بخلاف العام لم يبق العام موجباً علماً على سبيل القطع من حيث لم يجب العمل بالدليل الذي أوجب التخصيص بقي العام معمولاً به،
(1/108)

والنص المعلوم ورد مخصصاً أو المجهول لما احتمل البيان بتفسيره أو بتعليله كان بمنزلة إرادة المتكلم الذي اعتبرها الشافعي رحمه الله تعالى.
إلا أن النص ظاهر فاعتبر بالإجماع، والإرادة باطنة فلم نعتبرها بخلاف الاستثناء لأنه تكلم بالباقي بعد الاستثناء ويصير قدر المستثنى كأن لم يتكلم به.
وإذا كان هكذا لغة على ما يأتيك بيانه في بابه وجب العمل بالباقي قطعاً لعدم دليل يعارضه بنصه أو بعلته لأن ما صار عدماً حكماً لا يعلل.
وبخلاف الناسخ لأن الأول لما تقرر حكمه لم يجز رفعه في زماننا هذا إلا بدليل مثله، حتى لم يجز رفع الكتاب بالخبر الواحد ولا بالقياس، فإذا جاء الناسخ خاصاً فباحتمال أن يكون معلولاً لا يمكن تغيير حكم العام الذي بقي لامتناع جواز النسخ ما ثبت بالنص بعلة مجتهد فيها فأما إذا كان مخصصاً، وهو بيان أن قدر المخصوص لم يرد بالكلام لم يثبت موجب العام قطعاً، وفي معارضته حال ثبوته دليل يمنع الدخول تحته قطعاً أو احتمالاً، بل إذا ثبتت المعارضة قطعاً لم يدخل تحته قطعاً فإذا كان احتمالاً لم يمنع الدخول بل دخل على احتمال أنه خارج إذا تبين ما احتمل كما في الاستثناء، على ما مر فيمن حلف لا يكلم الناس إلا زيداً وعمرواً أنه لا يحنث إذا كلمهما جميعاً لأن الاستثناء لبيان التكلم بالباقي بعده، فإذا وقع الشك في الاستثناء وقع في الثابت بعده فلم يثبت بالشك، فكذلك ما نحن فيه لما احتمل النص الخاص أن يكون معلولاً بعلة يعمل بها تعدى حكم الاحتمال إلى ما بقي.
وبالاحتمال لا يمتنع العمل الأول ولكن اليقين يزول عنه به.
وبعد التعارض يبقى ما كان ثابتاً على ما كان، لمعنى أنه كان ثابتاً فلا يزول إلا بدليل، وما كان طريق بقائه عدم الدليل لم يكن فيه يقين بوجه لأنه لا يثبت إلا بدليل وكان هذا دون الثابت بخبر الواحد والقياس، ولهذا جوزنا ترك العموم الذي ثبت خصوصه بالقياس ولم نجوز ترك موجب الخبر الواحد بالقياس.
وتبين بما قلنا؛ أن هذا العموم الذي خص منه شيء ليس كقوله: {وما يستوي الأعمى والبصير} لأن الصيغة منه لم تنعقد موجبة للعموم لفقد المحل، فأشبه الذي فسد صيغته باستثناء بعض مجهول حتى صارت العبرة بما بقي من الصيغة.
ألا ترى أنهم قالوا في الرجل إذا اشترى عبدين بألف فإذا أحدهما حر؛ كان البيع فاسداً في الباقي، كما لو كانا عبدين فقال: إلا هذا بحصته من الألف لأن الحر ليس بمحل للبيع فسقطت صيغة النص بقدره، كما لو سقط بالاستثناء، فتكون على هذا آية البيع عامة لأنه ظاهر وقوله: {وحرم الربا} كلام آخر معطوف عليه وليس باستثناء، فإجمال الربا لا يوجب إجمالاً في آية البيع ولكن لا يكون موجباً علماً على سبيل القطع والله أعلم.
(1/109)

باب

القول في بيان ألفاظ العموم
ألفاظ العموم أربعة أنواع:
لفظ الجماعة معنى وصيغة كقولنا: رجال ونساء ومسلمون.
ولفظ الجماعة معنى لا صيغة: كالإنس والجن والشيء. فهما نوعا عموم نصاً.
ونوعان آخران لفظاً عموم إبهاماً نحو: "من"، فإنها عامة فيمن يعقل.
و"ما" عامة فيمن لا يعقل.
ونحو: كلمة"الذي" فإنها عامة كالشيء لكن على سبيل الكناية، و"أين" و"حيث" يعمان الأمكنة إبهاماً.
و"متى" تعم الأزمنة إبهاماً.
و"كل" يعم الفرد النكرة وغيره كقولك: كل رجل، وكل زيد وكل الناس.
و"كلما" تعم الفعل كلما فعلت فعلاً، لأن كلمة كل خلاف البعض لغة فكانت مشتملة على الأبعاض.
فهذه أسماء مبهمة عامة فكانت نوعاً.
والنوع الآخر: الألف واللام إذا دخلتا على اسم غير معهود كانتا لبيان الجنس.
فأما قولنا: رجال، فلأن واضع اللغة لم يضع هذه الصيغة إلا علماً على جمع الآحاد من ذلك الاسم فإنك تقول: رجل واحد، ورجلان اثنان، ورجال ثلاثة، وألف فصاعداً، ولهذا قالوا فيمن قال: لفلان عليً دراهم؛ أنه يلزم ثلاثة إلا أن يبين أكثر من ذلك لأن أقل ما يتحقق فيه صيغة الجمع على ما قلناه ثلاثة، وعلى ما نذكره من بعد، وما وراءها محتملة فلم يثبت بالشك وقبل البيان.
وأما الإنس: فاسم خاص صيغة ماله وحدات، ولكن عام معنى لأنه اسم علم على جنس، والجنس يشتمل على أعداد كثيرة، والعبرة للمعنى لا للصورة، وكان اسماً عاماً.
فإن قيل: أليس لو حلف لا يشرب الماء حنث بأدنى ما ينطلق عليه الاسم إلا أن ينوي الجميع؟
قلنا: إن من صرف إلى الخصوص بدلالة العرف وهو أن الحالف إنما يمنع نفسه
(1/110)

باليمين مما يخاف على نفسه فعله، وذلك في نفس شرب الماء لا جميعه فانصرف إليه بدلالة الحال إلا أن ينوي الجميع فيصدق لأنه حقيقة، ولو كان مجازاً لما صدق في القضاء كما إذا نوى التخصيص فيما هو عام، هذا جواب عامة الشيوخ.
قال القاضي أبو زيد رضي الله عنه: والذي يصح عندي أن اسم الجنس عام ولكنه يتناول بحقيقة أدنى ما ينطلق عليه الاسم كما يتناول الكل بحقيقته، لأن القطرة من الماء صالحة لكونها كلاً فإن المياه لو انعدمت كانت القطرة كلاً وكان الاسم لها حقيقة، وكذلك الإنس يعم جنس بني آدم، وكان الاسم لآدم حين لم يكن إلا هو حقيقة، وكان كل الجنس فثبت أن البعض من الجنس صالح في ذاته لهذا الاسم حقيقة، وإنما صار بعضاً بمزاحمة أمثاله لا بنقصان في نفسه، وإذا كان كذلك ساوى البعض الكل في الدخول تحت الاسم فتأدى به حكم الكل إلا بدليل يرجح حقيقة الكل على الأدنى كقولنا: دراهم اسم للثلاثة حقيقة وللألف.
ولهذا قالوا- فيمن قال لامرأته: أنت طالق الطلاق، أو أنت الطلاق ونوى الوقوع-: أنها تطلق واحدة إلا أن يعني ثلاثا ًلأن الألف واللام لبيان الجنس فقام الأدنى مقام الكل في تأدي حكم الخطاب به إلا أن ينوي الكل، وإن أمكن تعليق الحكم بالكل فإنه معلوم ممكن فثبت أن العذر في الماء ليس ما قالوه ولكن ما قلناه، والله أعلم.
وأما كلمة"من" و"ما": فمن عامة فيمن يعقل لأنك إن قلت: من في الدار؟ استقام الجواب بكل من يعقل، ولا يستقيم الجواب عنه بالشاة والدابة، واستقام الجواب عنها بالواحد والجماعة فكانت بمنزلة اسم الجنس.
وإذا قلت: ما في الدار لم يستقم الجواب عنها بالعاقل ولكن بما لا يعقل ألا ترى أن فرعون لما قال لموسى عليه السلام: {وما رب العالمين} فأجاب موسى {رب السموات والأرض}، قال فرعون: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} لأني سألته عن المائية، وهو يجبني عن المنية فما يتناول ما لا يعقل فيكون سؤالاً عن أصل الشيء أنه جوهر أو عرض، ولكن لما تعالى الله عن المائية أعرض موسى عن سؤاله فإن من شأن الحكيم إذا سمع اللغو أن يعرض عنه، قال الله تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} لأن الكلام كان جواباً، ولكن بيان أنهم أعرضوا عن اللغو وتحقيق الإعراض بذكر كلام مبتدأ مفيد، فكذلك موسى أعرض عن جواب سؤاله لأنه كان لغواً، وحقق الإعراض بذكر كلام مبتدأ مفيد وهو أن الله تعالى لا يصير معلوماً بذكر المائية فقد تعالى الله عنها ما هو بجوهر ولا عرض، ولكن يصير معلوماً بصفاته وأسمائه التي تعالى الله بها عن جنس المدبرين والحكماء ممن لهم عقل وتمييز على أن ما يقام مقام "من" مجازاً، وإنما الحد الذي قلناه للحقيقة.
(1/111)

فإن قيل: قال الله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك} ولم يعم هذا المستمعين أجمع!
قلنا له: لأن الله تعالى أخبر عن معهود استمع إليه وجعل الله تعالى على قلوبهم أكنة و"من" في المعرفة لا تعم بل تخص تلك المعرفة لأنها صالحة للخصوص كاسم الجنس على ما ذكرنا فيصير المراد بها إذا أضيفت إلى معرفة تلك العين لا غير، ألا ترى أنه لو قال: من في الدار من عبيدي الذين صاموا؟ لم يتناول غير الصائمين من عبيده لاستخباره عنهم لا غير.
فأما "من" في الاستخبار المطلق والوعد والمجازاة فلا تخص عيناً فتعم لعدم دليل التعيين.
قال علماؤنا- رحمهم الله تعالى- فيمن قال لآخر: من شاء من عبيدي العتق فأعتقه، فشاؤوا جميعاً: فإنه يعتقهم لعموم كلمة "من" فيمن تناولهم، وهو الذي شاء من العبيد.
فأما إذا قال: من شئت من عبيدي عتقه فأعتقه، كان له أن يعتقهم إلا الواحد بسبب كلمة"من" التي وضعت للتبعيض على ما بينا في موضعه، وقد دخلت على العبيد.
وفي المسألة الأولى دخلت على من شاء العتق فإنه يعم العبيد وغيرهم فميز العبيد من غيرهم وبعضهم، فأما "من" فقد أوجب التعميم حيث لم يقتصر على الواحد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" وكان عاماً، وقوله: "من قتل قتيلاً فله سلبه".
فأما الألف واللام فإنها للتعريف في أصل اللغة، تقول العرب: رأيت رجلاً، ثم كلمت الرجل، أي كلمته بعينه، قال الله تعالى: {كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً، فعصى فرعون الرسول} أي ذلك بعينه، وإذا لم يكن في كلامه نكرة سابقة يمكن تعريفها بالألف واللام اقتضى ضرورة تعريف جنس ما سماه لأنه متعين من بين الأجناس بالاسم إن لم يتعين فرد من أفراد الجنس للتعريف.
قال علماؤنا- فيمن حلف لا يتزوج النساء، فتزوج امرأة- حنث، كما إذا حلف لا يشرب الماء، بخلاف ما إذا حلف: لا يتزوج نساء، فإنه لا يحنث إلا بثلاث منهن فجعلت الصيغة بسبب الألف واللام عبارة عن الجنس، لأنا لو اعتبرنا معنى الجماعة صيغة الذي هو ثابت من قولنا: نساء على التنكير كانت الألف واللام لتعريف تلك النكرة،
(1/112)

وذلك الاسم يتناول بعض الجنس غير معلومات فلا يمكن تعريفهن فلغى معنى الجماعة صيغة، وكانتا لتعريف الجنس لأن الجنس معلوم، وأما النكرة من الاسم كقول الله تعالى وتعالى: {فتحرير رقبة}، وقولنا: اشتر لي عبداً بألف درهم، ولفلان علي درهم فللخصوص في أصل اللغة لأنه اسم وضع لفرد من أفرد الجملة، فتقول: رقبة من الرقاب، وعبد من العبيد. ولا تقول: النساء من النساء، ولا الماء من الماء، قال الله تعالى: {إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً} فالمراد بذلك الواحد، وإذا كان للخصوص لغة قلنا: إذا جاءت في الإثبات خصت صورة ومعنى كقولك: رأيت رجلاً، ولفلان علي درهم، وقد حججت حجة، وكقول الله تعالى: {فتحرير رقبة} فإنها للإيجاب، ولا تجب إلا واحدة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "في خمس من الإبل شاة" ولا يجب إلا واحدة.
فإن قيل: أليس قوله تعالى: {فتحرير رقبة} تناول كل رقبة حتى قيل تخصيص العمياء والمجنونة والمدبرة من الجملة؟
قلنا: إن الآية للإيجاب ولا يجب إلا تحرير رقبة واحدة، فأما المحل الصالح للأداء فعام ما من رقبة إلا وهي صالحة للتحرير، ولكن الصلاح ليس من حكم النص بل كان صالحاً له قبل النص ولكن كان التحرير قبل النص غير واجب وبالنص انقلب واجباً فانقلب خاصاً لا عاماً بحكم النص كمن نذر أن يتصدق بدرهم يلزمه درهم، وكل درهم يصلح لأداء الصدقة وليس ذلك بحكم النذر بل كان صالحاً لها قبل النذر، ولهذا قيل: إن النكرة إذا كرر ذكرها كانت الثانية غير الأولى قال الله تعالى: {فإن مع العسر يسراً * إن مع العسر يسراً} قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لن يغلب عسر واحد يسرين" لأن اليسر كرر بلفظ النكرة، وهذا لأنها تتناول واحداً من الجملة غير عين.
ولو انصرفت الثانية إلى الأولى لتعينت ضرب تعين بأن لا يشاركها غيرها فيه.
ولو كانت عامة لما كانت شيئاً آخر بالتكرار لأن المسمى على العموم واحد في البابين كاسم الجنس.
ولهذا قال أبو حنيفة رضي الله عنه، فيمن قال: لفلان علي ألف درهم وأشهد ثم كررها في مجلس آخر وأشهد: كانا مالين على اعتبار الحقيقة ولهذا لم تعتبر صفة الإيمان بحكم النص وهو قوله تعالى: {فتحرير رقبة} لأن النص سكت عن أوصاف الرقبة فيكون إثبات ما سكت عنه النص زيادة عليه لا تخصيصاً، بخلاف العمياء لأن الرقبة اسم لغير الهالكة لغة، والعمياء هالكة من وجه وإذا كانت النكرة في النفي عمت
(1/113)

اقتضاء كقوله: ما رأيت رجلاً، وكقول الله تعالى: {فلا تدعوا مع الله أحداً} إلا أنا ذكرنا أن الصيغة تناولت واحداً من الجملة غير عين، فإذا كانت في النفي لم تتصور نفي ما أخبر إلا بنفي الكل فإنه إذا قال: ما رأيت أحداً، وكان رأى رجلاً وهو واحد من الجنس كان كاذباً ألا ترى أنه تستقيم العبارة عنه: رأيت رجلاً، وهذا لما ذكرنا أن المنصوص عليه نفي فعل أو إثبات فعل، وما يقع عليه الفعل محل الفعل، والنكرة يتناول أدنى ما ينطلق عليه الاسم من جنسه، فلا يتصور نفي الأدنى إلا بعد نفي الكل فيعم النفي اقتضاء لا نصاً، فأما النص في البابين فما يتناول إلا الأدنى.
أي
وأما كلمة "أي" فبمنزلة النكرة عندنا لأنها تصحب النكرة لفظاً ومعنى لاستحضارها فيقول: أي رجل فعل هذا، وأي دار تريدها، قال الله تعالى: {أيكم يأتيني بعرشها} أي رجل منكم وهي نكرة معنى لأن المراد بها واحد منهم.
وقال علماؤنا رحمهم الله؛ في رجل قال لآخر: أي عبيدي ضربته فهو حر، فضربهم جميعاً: لم يعتق إلا واحد وهو الأول.
فإن قيل: لو قال: أي عبيدي ضربك فهو حر، فضربوه، عتقوا جميعاً، وقال الله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} وقد تناول الكل!
قلنا: لأنه وصف النكرة بالضرب فميز للوصف جنس الضاربين عن غيرهم كما إذا وصف النكرة بصفة عامة كقولنا: لا أكلم الناس إلا رجلاً كوفياً فإنه يخرج عن اليمين جميع رجال الكوفة لعموم الوصف من حيث انصرافه إلى تمييز الجنس كأنه قال: إلا كوفياً.
فأما إذا قال: أي عبيدي ضربته، فالضرب مضاف إلى المخاطب فبقيت العبرة للعبد الداخل تحت كلمة "أي" فكان خاصاً كالنكرة.
فإن قيل: لو قال: أيكم حمل هذه الخشبة فهو حر، فحملوها جميعاً، وهي خفيفة يحملها كل واحد، لم يعتقوا وإن عمهم صفة الحمل.
قلنا: إنه ما ميز العتق بالحمل مطلقاً، ولكن بحمل الخشبة فإذا حملوها جملة فما اتصف واحد منهم بحمل الخشبة، وإنما اتصف بحمل البعض فلم يوجد الوصف الذي تعلق العتق به، فأما الضرب فيتم من الواحد بفعله وإن ضرب معه غيره، وعلى هذا قوله تعالى: {أيكم يأتيني بعرشها} إلا أن تكون الخشبة ثقيلة لا يحملها الواحد فإنهم يعتقون لأن دلالة الحال تدل على أن المراد به الحمل الممكن وهو الحمل على الشركة إذ باليمين لا يمنع نفسه عما ليس يمكن عادة، فينصرف المطلق إلى المعتاد إلا أن لا يحتمل
(1/114)

المعتاد، وكذلك قول الله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} كان على العموم لعموم صفة العمل الحسن وما ذهب علينا ممن لم نذكره فهو قياس ما ذكرنا والله أعلم بالصواب.
(1/115)

باب

القول في الأسماء الظاهرة التي تتفاوت معانيها ظهوراً من الأسماء المستعملة بين الفقهاء
هذه الأسماء أربعة: الظاهر، والنص، والمفسر، والمحكم.
أما الظاهر: فما ظهر للسامعين بنفس السماع، كقوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم}، {وأحل الله البيع}، {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}.
وحكمه: التزام موجبه بنفس السماع يقيناً وقطعاً، عاماً كان أو خاصاً على ما مر.
وأما النص: فهو الزائد عليه بياناً إذا قوبل به بضرب دلالة خاصة بعد دلالة اللفظ بعد ذلك في الظاهر من قولك: نصصت الدابة أظهرت سيرها بسبب منك فوق سيرها المعتاد، وهو اسم لما دون الخبب من الأنواع.
والمنصة: العرش الذي يحمل عليه العروس لأنه سبب زيادة ظهور، ولهذا ظن بعض الناس أن النص اسم للخاص وليس كذلك، بل هو اسم لما ذكرنا من تفسيره، ولكن تلك الزيادة لما كانت لا تحصل إلا بقرينة خاصة ظن بعض الناس أنه يختص به فيكون خاصاً.
وزعم أن الظاهر لا يكون حجة في غير ما سيق له، وإنما السياق دليل النص، وليس كذلك لأن العبرة عندنا لعموم اللفظ لا لخصوص السبب الذي سيق الكلام له على ما سيأتيك بيانه.
ومثاله قول الله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} نص في التفرقة بين البيع والربا في صفة الحل والحرمة، وآية البيع ظاهرة تجيز كل بيع وليست بنص لأن الآية ما سيقت لإحلال البيع ولكن لإثبات التفرقة بينهما دراً على الفكرة.
وكذلك قول الله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} نص على بيان العدد لأنها سيقت لأجله عامة ظاهرة تجيز نكاح ما يطيب لنا من النساء.
وقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} نص على وجوب الطلاق للعدة إذا أراد الطلاق لأنها سيقت لبيان الوقت ظاهرة على وجوب الاقتصار على قوله: طلقت،
(1/116)

ليكون الامتثال بالأمر بقدر ما يوجبه الأمر.
فيكون النص والظاهر مما يجب العمل بظاهرهما وإنما يظهر الفرقان بينهما عند المقابلة فيكون النص أولى من الظاهر.
وأما المفسر: فالمكشوف معناه الذي وضع الكلام له كشفاً لا شك فيه، سواء كان الكشف من حيث النص بأن كان لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، ولكنه كان خفياً بكون العربية غربية.
أو المعنى دقيقاً من الاستعارات فكشف عنه بالدلالة.
أو كان ظاهراً ولكنه يحتمل التأويل بدلالة تقوم فسد باب التأويل بالتفسير حتى لم يبق له محمل فصار فوق النص بانسداد باب التأويل بدليل كقول الله تعالى: {فسجد الملائكة} هذا اسم ظاهر للجماعة ولكنه يحتمل الخصوص فلما فسره بقوله: "كلهم" انسد باب الاحتمال.
وحكمة: اعتقاد ما في النص وزيادة أنه لا يحتمل تأويلاً.
وأما المحكم: فما أحكم المراد منه بحجة لا تحتمل التبدل، من قولك: أحكمت الصنعة إذا أمنت انتقاضها فيصير حكم المحكم بتلك الحجة من قبيل ما لا يحتمل الانتساخ فيصير فوق المفسر لأنه مما يحتمل الانتساخ إن لم يحتمل التأويل، وهذا كقول الله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} وقد ثبت بدليل المعقول أنه وصف دائم أبداً لا يجوز سقوطه، ولهذا سمى الله تعالى المحكمات: أم الكتاب أي الأصل الذي يجب الرجوع إليه كأم الولد لأن مرجع الولد إليها، ومكة أم القرى لأن المرجع إليها في الحج، وفي آخر الأمر.
وحكمه: حكم المفسر وزيادة أنه لا يحتمل الانتساخ.
ولهذا الأسماء أضداد:
الخفي: ضد الظاهر.
والمشكل: ضد النص.
والمجمل: ضد المفسر.
والمتشابه: ضد المحكم.
فالخفي: اسم لما خفي معناه بعارض دليل غير اللفظ في نفسه فبعد عن الوهم بذلك العارض حتى لم يوجد إلا بطلب، من قولنا: اختفى فلان إذا صار بعارض حيلة صنعها بحيث لا يوقف عليه إلا بطلب، وإنها كآية السرقة فإنها ظاهرة في كل سارق لم يعرف باسم آخر خفية في حق الطرار والنباش لأنهما يعرفان باسمين خاصين، فبعدا عن اسم السارق بسبب اسم معرفة عن اسم السرقة على ما تستبق إليه الأوهام حتى اختلف
(1/117)

العلماء في قطع النباش لشدة الخفاء في حقه.
وفوق الخفي المشكل: وهو الذي أشكل على السامع طريق الوصول إلى المعنى الذي وضع له واضع اللغة الاسم أو إرادة المستعير لدقة المعنى في نفسه لا بعارض حيلة.
كما يشكل طريق المنزل إذا دق في نفسه فكان هذا الخفاء فوق الذي كان بعارض حلية حتى كاد المشكل يلتحق بالمجمل، وكثير من العلماء لا يهتدون إلى الفرق بينهما.
وفوق المشكل المجمل: وهو الذي لا يعقل معناه أصلاً لتوحش اللغة وضعاً، أو المعنى استعارة، وهو الذي يسميه أهل اللسان: الغريب، والغريب: اسم لمن فقد في مكان وجوده عادة، وهو الوطن وصار بحيث لا يوفق عليه بعد الغربة إلا عن استفسار، وهو كقول الله تعالى: {وحرم الربا} لأن الربا في اللغة: الفضل، ولكن الله تعالى ما أراده فالربح حلال ولكن أراد به بيوعاً محرمة شرعاً بسبب فضل أو غيره، فصارت غربية بأن نقلت عما وضع له واضع اللغة إلى معنى أراده المتكلم، فصار لا يوقف على المعنى المراد إلا بعد البيان، إلا أن يكثر الاستعمال لمعنى معلوم فيصير المعنى بالاستعمال كالأهلي وكالغريب إذا توطن ببلدة عرف بها فكان المجمل فوق المشكل، فالمشكل ما له طريق إلى مراده ولكن اشتبه لدقته وخفائه، والمجمل ما لا طريق إلى مراده ولكن احتمل بيان الطريق.
وفوق المجمل المتشابه: وهو الذي تشابه معناه على السامع من حيث خالف موجب النص موجب العقل قطعاً ويقيناً التبديل فتشابه المراد بحكم المعارضة بحيث لم يحتمل زوالها بالبيان، لأن موجبات العقول قطعاً لا تحتمل التبديل ولا موجب النص بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى في المتشابه: {وما يعلم تأويله إلا الله} فكان فوق المجمل الذي يحتمل البيان والله أعلم به.
وحكم الخفي: وجوب الطلب على العبد بتأمله في نفسه حتى يظهر.
وحكم المشكل: وجوب الطلب بتأمله في نظيره من كلام العرب مما عقل معناه.
وأما المجمل فحكمه: التوقف فيه، واعتماد أن ما أراد الله تعالى منه حق إلى أن يأتيه البيان من غيره، كالذي ضل الطريق فسبيله التوقف إلى أن يأتيه من يهديه، وكذلك يلزمه الاشتغال بطلب من يهديه إن رجا ذلك، ثم بعد البيان يلزمه ما يلزمه بالمفسر أو الظاهر عل حسب اقتران البيان به.
وأما المتشابه فحكمه: التوقف أبداً على اعتقاد الحقيقة للمراد به فيكون العبد به مبتلى بنفس الاعتقاد لا غير، والله أعلم.
(1/118)

باب

القول في أقسام أنواع استعمال الكلام
أنواع الاستعمال أربعة: حقيقة، ومجاز، وصريح، وكناية.
أما الحقيقة: فتفسيرها ما أريد من التكلم ما وضع واضع اللغة الكلام له، لأنه هو الحق منه على ما عليه الوضع.
وأما المجاز: فتفسيره ما أريد به غير ذلك المعنى، لأنه ليس بحق منه على اعتبار الوضع، ولكن تجوز به على طريق الاستعارة عن المعنى الأصلي لهذا المعنى، وكان هذا المعنى على اعتبار الأصل غير حق من قولك: حبك لي مجازاً، أي: باللسان دون القلب الذي هو معدنه، وهذا الوعد منك مجازاً أي لم ترد التحقيق بل الترويج لأنه باطل على ما عليه أصل العدات في الحكمة، ولهذا سمي المجاز مستعاراً كأن القائل استعاره للمعنى الذي قصده فكساه به، وقد ظهر ظهوراً بيناً من كلام الناس وكتاب الله تعالى، ورسائل الكتبة، وأشعار العرب حتى كاد المجاز يغلب الحقيقة وجوداً أو استحساناً، وبه توسعة اللسان وملحته.
فإذا عرفت حديهما علمت أن الحقيقة لا تنال إلا بالسماع، وطريقها الوضع ولا يوقف عليه إلا بالنقل عن واضع اللغة كالنصوص في باب الشرع فإنها لا تثبت حججاً إلا بعد النقل عمن لا يجوز عليه الكذب.
وأما المجاز فلا حاجة بنا إلى السماع ليثبت لغة يجوز استعمالها بل يثبت من قبل المتكلم، لأن العرب إنما استعارت اللفظ لغير ما وضع له لاتصال بينهما بوجه ما.
إما من حيث معنى اللفظ كالشجاع يسمى: أسداً لوجود المعنى المطلوب من الشجاع في الأسد، وكالبليد يسمى حماراً لهذا المعنى.
وأما من حيث الذات كالمطر يسمى سماء لاتصال بينهما ذاتاً لأنه من السماء ينزل على ما تراه العيون ظاهراً، وقال الله تعالى: {إني أراني أعصر خمراً} أي ماء العنب، وماؤه ليس بخمر حال العصر ولكن قد يتصل هذا العين بذلك الوصف، وقال: {أو لامستم النساء} أي جامعتم لاتصال فعل اللمس بفعل الجماع، وقال صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر"، لاتصال بينهما في معنى المخامرة والإنشاط.
(1/119)

وقال الله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} أي أنكحت بالإجماع فاستعارت المرأة الهبة للنكاح لاتصال بينهما سبباً، فإن الهبة وإن وضعت لتمليك الرقبة فإنه يتصل بتمليك ملك المتعة اقتضاء، فإن من ملك جارية هبة ملكها متعة وحل له وطؤها إلا بمانع كالعقد سبب لتمليك الوطء إلا بمانع.
ولما كان لفظ تمليك الرقبة سبباً لملك المتعة صح استعارة الألفاظ المملكة للأعيان لعقد النكاح الموضوع لملك المتعة، وصحت الاستعارات بهذين المعنيين من كل متكلم لأن سبب صحة الاستعارة هذا الاتصال الذي أشرنا إليه، وهذا مما يقف عليه كل متكلم إذا تأمل لأن هذا السبب الذي به صحت الاستعارة سمعاً مما يوقف عليه بالتأمل.
وكان هذا من حجج الشرع كالمقاييس التي أقيمت مقام النصوص لا يتبع فيها السماع، ويصح من كل قايس لأن المسموع من القياس إنما صح لأن النص كان معلوماً بوصف منه لتبين أثره دون سائله فيه في إيجاب ذلك الحكم، ولما صح من السلف بهذا المعنى صح من كل قائس فإن المؤثر مما يوقف عليه بالتأمل في نظائره، والبحث عن وجوه الطلب والاستعارة أمر شائع من الخطباء والكتبة والشعراء حتى استحق الواحد منهم المدح بإبداع الاستعارات والتعريضات فتبين أن المجاز أحد نوعي الكلام.
والنوع الآخر هو الحقيقة، وأن للمجاز من الأنواع والعموم والأحكام ما للحقيقة لأنه مستعمل بمنزلته إلا أن المطلق من الكلام لحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه، لأن معنى الحقيقة أصل منه، والثاني طارئ عليه فلا يثبت ِإلا بدليله.
ومن المتأخرين من ظن أن المجاز لا عموم له، وأنه غلط لأن الاستعارة إقامة المستعار من اللفظ مقام الحقيقة لذلك المسمى الذي استعير له، لولاه لكان المتكلم به مخلاً بالغرض فكان لا يحسن التكلم به.
فلما كان المستعار أحسن من الحقيقة علم أنه مثله في البيان وأربى عليه بحسن الصيغة.
وتبين أن حد المجاز ما أثبت المراد بالكلام بظاهره كذلك مجازاً إلا بما لم يتكلم به من ضمن أو اقتضاء ونحوه كما يكون بعينه لو تكلم بالحقيقة الصريح.
وتبين بما قلنا أن اللفظ الواحد لا يشتمل على الحقيقة والمجاز لأنهما مختلفان لا يجتمعان كالثوب على البدن لا يجوز أن يكون عارية وملكاً في وقت واحد، وكانا عن الانتظام أبعد من المعاني التي تشترك تحت لفظ واحد؛ وقد مر أن المشترك لا عموم له فهذا أولى.
ولهذا لم يجعل علماؤنا المس حدثاً لأن الجماع مراد بقوله: {أو لامستم النساء} وهو مجاز فبطل أن تكون الحقيقة مرادة وهو المس.
(1/120)

وقال علماؤنا بأن النص الموجب لتحريم الخمر لا يتناول سائر المسكرات، لأن الاسم للنيء من ماء العنب إذا غلا واشتد حقيقة ولغيره مجازاً لاتصال بينهما لمعنى مخامرة العقل فلا يدخلان جميعاً تحته.
وقالوا فيمن حلف لا يأكل من هذه النخلة فأكل من ثمرها، حنث، وهو مجاز لأن النخلة سبب للثمرة، ولو أكل من عينها لم يحنث لأنه حقيقة.
وقالوا: لو حلف لا يأكل من هذه الشاة فأكل من لحمها حنث، وهو حقيقة ولا يحنث بشرب لبنها مجازاً.
فإن قيل: لو حلف لا يضع قدمه في دار فلان فدخل ماشياً حنث، وهو حقيقة ويحنث إذا دخلها راكباً وهو مجاز.
قلنا: وضع القدم بعرف اللسان في مثل هذا صار عبارة عن الدخول لأنه سببه فصار كأنه حلف لا يدخل دار فلان فيحنث دخل راكباً أو ماشياً بمطلق الدخول الذي هو مجازه، لا بمجاز وضع القدم.
وحقيقته ونظيره رجل قال: عبده حر يوم يقدم فلان، فقدم ليلاً أو نهاراً أعتق عبده لأنه صار مجازاً عن الوقت، ثم الوقت يدخل تحته الليل والنهار.
فإن قيل، قد قال أبو يوسف ومحمد– رحمهم الله– في رجل حلف لا يأكل من هذه الحنطة فأكل من عينها: حنث، وهو حقيقة ويحنث إذا أكل من خبزها مجازاً.
وكذلك لو حلف لا يشرب من الفرات فشرب منه كرعاً حنث، وهو حقيقة ويحنث إذا شرب منه اغترافاً مجازاً.
قلنا: إنهما يقولان لا أشرب من الفرات عبارة عن ماء الفرات مجازاً، واسم ماء الفرات لا ينقطع بالاغتراف أو الإحراز في آنية لأنها في الظرفية ليست كالفرات فلا تنقطع النسبة الأولى بها، فحنث في البابين لعموم ماء الفرات الذي هو مجاز حتى إذا أخذ الماء من نهر آخر يأخذ من الفرات لم يحنث لانقطاع الإضافة إلى الفرات بالنهر الآخر.
وكذلك أكل الحنطة بعرف اللسان صار عبارة عما فيه حتى قيل، فلان يأكل الحنطة وإن كان يأكل من خبزها، فصار بمنزلة ما لو حلف لا يأكل ما في الحنطة فحنث أكل عينها أو خبزها لعموم المجاز لأنه أكل ما فيها حال ما أكل عينها. وأبو حنبفة- رضي الله عنه- اعتبر الظاهر فوجد أحدهما حقيقة والآخر مجازاً فلم يجمع بينهما.
وهما اعتبرا الباطن فوجدا مجازه يعم النوعين فجمعا بينهما العموم بعموم المجاز لا أنهما جمعا بين الحقيقة والمجاز، كمن حلف لا يدخل دار فلان فدخل دار فلان بملك أو عارية حنث، فالملك حقيقة والعارية مجاز لأن المراد به عرفاً الإضافة بملك السكنى
(1/121)

مجازاً، إلا أن ملك السكنى ثابت بحق الملك والاستعارة.
وقد قالوا فيمن أوصى لمواليه بثلث ماله وهو حر الأصل: لم يعتق، وله مولى واحد أعتقه وموالي مولى، كان نصف الثلث لمولاه والنصف للورثة دون موالي مولاه لأن الحقيقة وهو المولى دخل تحت الوصية فلا يدخل تحته موالي المولى لأنه مجاز، إذ الأسفل في الحقيقة مضاف إلى الذي أعتقه دون الذي أعتق من أعتقه فما وجد من الأعلى إعتاق إياه حقيقة، إنما وجد منه التسبيب بأن أعتق الأول حتى قدر الأول على إعتاق الثاني فكانت الإضافة إليه بالتسبيب فكان مجازاً، فلم يثبت مع الحقيقة.
كما لو أوصى رجل بثلث ماله لمواليه وله موالي أعتقوه، وموالي أعتقهم لم تصح الوصية لأن الموالي لفظ مشترك يتناول الأعلى والأسفل على السواء بحق الولاء، لكن بمعنيين مختلفين، لأن ولاء الأعلى ولاء منعم وولاء الأسفل ولاء منعم عليه فلما لم يجتمعا ولم يكن أحدهما بأولى من الآخر تدافعا فثبت أنهم أبوا الجمع بين الحقيقة والمجاز، كما أبوا الجمع بين المعاني المختلفة، إلا أن المشترك يصير كالمجمل بحكم المعارضة والمساواة، والذي يحتمل الحقيقة والمجاز تثبت منه حقيقة إلا بدلالة على المجاز لأن الحقيقة أولى على ما مر، وبمثله لو كان للموصي موالي مولى، وما له موالي كان الثلث لموالي المولى دون الورثة قولاً بالمجاز.
وأما الصربح: فهو اسم لكلام مكشوف المعنى كالنص سواء كان حقيقة أو مجازاً، يقال: فلان صرح فلاناً بكذا أي: خاطبه بأبلغ إظهار لما أراده من مكروه أو محبوب، والعرب تقول: صرح الحق عن محضه إذا انكشفت الرغوة عن محض اللبن.
وأما الكناية: فخلاف الصريح حتى أن الكلمة ما لم تتم مفهمة بنفسها لم تكن صريحة، والحرف الواحد يجوز أن يكون كناية مثل هاء المغايبة وكاف المخاطبة حتى جعلت الهاء في الكناية تامة، فقيل هو كذا كقول الله تعالى: {قل هو الله أحد} وهذا لأن الهاء لا تميز بنفسها بين اسم واسم إلا بدلالة أخرى فلم تكن صريحة.
ولما احتملت التمييز بدلالة استقامت كناية عن الصريح فكانت حروف الكناية من الصريح كالاسم المشترك من المفسر.
من حيث أن حرف الكناية مما لا يفهم معناها إلا بدلالة أخرى.
والصريح اسم لما فهم معناه منه بنفسه.
وعن هذا سمي كل كلام يحتمل وجوهاً كناية.
وسمي المجاز قبل أن يصير متعارفاً كناية لاحتماله الحقيقة وغيرها.
(1/122)

ومن معنى الكناية أخذت الكنى فإن الرجل معروف باسم العلم والتصريح عنه يكون بذلك الاسم ثم يكنى عنه بالنسبة إلى ولده، وهي لا تعرفه إلا بدلالة زائدة، وهي معرفة الولد به وتلك الكنية حقيقة وليست بمجاز عن الاسم العلم لأنه لا اتصال بينهما فعلمت أن الكناية قد تكون بالحقيقة وتكون بالمجاز والصريح قد يكون بالمجاز ويكون بالحقيقة.
والفقهاء– رحمهم الله– يقولون: لفظ التحريم من كنايات الطلاق، والتحريم في باب الفرقة عامل بحقيقته حتى كانت موجبة للحرمة بخلاف لفظ الطلاق، ولو كان مجازاً عن الطلاق يعمل عمله، ومع هذا سمي كناية في باب الطلاق لأنه احتمل وجود حرمة سوى حرمة الطلاق فلم يكن صريحاً لما لم يكن مراده بيناً، فلعدم ظهور المراد منه بسبب الاحتمال والاشتراك سمي كناية.
وكذلك الاستعارة الغربية تسمى كناية، وضروب التعريضات تسمى كناية لأنه يراد بها خلاف ظاهرها.
فالعرب تكني عن الحبشي بأبي البيضاء، وعن الضرير بأبي العيناء ولا اتصال بين الاسمين بوجه، بل بينهما تضاد.
فثبت أن الكنايات حدها غير حد المجاز، وأنها من ضروب التعريضات فعرضت العرب لما يذم بما يحمل تفاؤلاً.
وقد يقال ذلك على جهة السخرية، وكما أرادوا من الأمر الزجر بضرب دلالة ويقولون: تربت يداك، على سبيل التعطف فهذه كلها وما أشبهها من ضروب الكنايات دون المجاز الذي حددناه فإن هذه الألفاظ التي ذكرناها ما فيها معاني حقائقها ولا اتصال بينهما ليستحضر معاني الحقائق بها وأنها تجري مجرى أسماء الأعلام لسقوط الاعتبار بالمعنى.
وسميت كناية حيث أراد به القائل الاسم المعنوي وضعاً تفاؤلاً به فكان كناية عنه بخلاف المجاز فإنه اسم أستعير لغيره لاتصال بينهما لا جواز له بدون الاتصال، والاتصال بين اللفظين مقصور على تشاكل المعنى فيكون للاتصال بينهما معنى أو السببية فيكون الاتصال بينهما ذاتاً، وطريق المجاز مقصور عليهما لأن الشيء يكون شيئاً بذاته ومعناه فلا يتصور الاتصال لغيره بدونهما.
قال علماؤنا– فيمن قال لعبده وله نسب معروف: هذا ولدي-: عتق عليه ولا يثبت النسب، كأنه أخبر عن حريته فقال أنه عتق على من حين ملكته لأن ما صرح به على حقيقته لو ثبت كان سبباً للعتق عليه من حين ملكه فإن من اشترى ولده عتق عليه فلما تعذر إثبات حقيقته صار مجازاً عن كلمة لأن المجاز أحد نوعي الكلام استعمالاً على ما مر إلا أن الحقيقة أسبقهما ثبوتاً، فإذا تعذر بدلالة وضرب المجاز متعين غير مجهول ثبت
(1/123)

عينا كضرب الحقيقة إذا كان عيناً، وكذلك قال أبو حنيفة– رضي الله عنه– فيما إذا كان العبد كبيراً، يولد لمثله مثله، لأن العتق ثبت من حيث انقلب النص إخباراً عن عتقه من حيث ملكه مجازاً لا من حيث تثبت حقيقته، وقد يسمى هذا كناية لأن الاستعمال غير ظاهر.
وقالوا: إذا قال لامرأته: هذه ابنتي، ولها نسب معروف لم تحرم لأن حقيقة ما تلفظ به ليست بسبب الفرقة عن النكاح فإنه لو كان ثابتاً ما كان بينهما نكاح، وكان سبباً لانتفاء النكاح بينهما من الأصل فيصير مجازاً عنه إذ لم يمكن إثبات حقيقته كأنه قال: ما تزوجتها.
وكذلك قالوا: إن ألفاظ تمليك العين ينعقد بها النكاح بلا نية ولا قصد لأنها متى تحققت فيمن يصلح لملك المتعة كانت أسباباً لإيجاب ملك المتعة فمتى تعذر إثبات حقائقها بكون المحل غير قابل لها صار مجازاً وكناية عما يوجب ملك المتعة.
فإن قيل: من اشترى حراً لم يصح أصلاً فلم يصح كناية عن الإجارة، وإن كان شراء الأصل سبباً لملك المنفعة وقد تعذر إثبات حقيقته في الحر ولم يصر مجازاً عن الإجارة.
قلنا: إنما يستقيم هذا إذا اتحد محل الحقيقة والمجاز لأن اللفظ المضاف إلى محل لا يعمل في محل آخر، ومحل الحقيقة والمجاز واحد في مسألة العتق والنكاح، لأن المملوك بالشراء والهبة هو العين، وكذلك المملوك بملك بالنكاح في حكم ملك العين على ما بينا في كتاب: "تحديد الأسرار"، والثابت بقوله هذا ولدي على حقيقة النسب وأنه وصف يثبت للعين، وكذلك مجازه وهو الحرية يثبت للعين.
فأما الشراء والإجارة فمحلهما مختلف فالشراء يعمل في العين والإجارة في المنفعة فلذلك لم يصر مجازاً، ألا ترى أنه وإن صار مجازاً في ذلك المحل لم يقدر على العمل.
فإن قيل: لو قال؛ آجرتك عبدي هذا يوماً عمل العقد عمله، وإنما أضاف إلى العين.
قلنا: تفسير قولنا: آجرتك هذا العبد، أني ملكتك منافعه شهراً بكذا فهو لفظ وضع لتمليك المنفعة، وإن كانت مضافة إلى الرقبة صورة.
فأما البيع فمضاف إلى الرقبة صورة ومعنى فمتى صار مجازاً صاراً مجازاً موجباً في ذلك المحل، والإجارة لا تعمل في العين فلم يصح، حتى إذا قال: بعت منافع عبدي شهراً بعشرة دراهم كانت إجارة صحيحة بلفظ البيع، وأهل المدينة يسمون الإجارة بيعاً، ولذلك أول علماؤنا خبر بيع المدبر أنه كان إجارة.
(1/124)

قالوا: وإذا قال لامرأته: أنت حرة ينوي طلاقها طلقت، لأن التحرير سبب لإزالة ملك المتعة فإن من اعتق أمته حرمت عليه فاستقام أن يكون مجازاً عن الطلاق الموضوع لقطع هذا الملك إلا أنه لا يصير كناية عنه إلا بالنية لأن المحل المضاف إليه هذا الوصف كان قابلاً لهذا الوصف على حقيقته فلا يكون مجازاً إلا بدلالة زائدة.
وإذا قال لأمته: أنت طالق ينوي عتاقاً لم يصح، لأن الطلاق لو تحقق لم يكن سبباً للعتاق فلم يكن بينهما اتصال بالسببية، ولا اتصال بينهما من حيث المعنى لأن العتاق عبارة عن قوة لذات الموصوف به، يقال: عتق الطير إذا قوي وطار عن وكره، فكذلك الشخص إذا قوي حكماً حتى لم ينفذ عليه حكم الاستيلاء ولم يتملك بأسباب الملك بقوة دافعة أثبتها الله تعالى له نعمة وكرامة قيل عتق وإذا ضعف فصار عرضة للتمليك بأسباب الملك والاستيلاء ولم يقدر على الدفع قيل: رق، والطلاق لا ينبئ عن هذه القوة بل ينبنئ [ينبئ] عن رفع المانع عن استعمال قوة كانت من قولك: أطلقت فلاناً عن القيد فطلق، وأطلقت الدابة عن الوثاق فإن القيد ما يضعف الدابة ولكن يمنعها عن المشي فكان الطلاق لإزالة المانع عن استعمال قوة كانت فلم يبق بينهما اتصال معنى فما لإزالة المانع معنى العلة.
وإذا كان كذلك لم يثبت أحدهما بالآخر من حيث المعنى، وإنما يثبت بالسببية فيثبت بالعتاق الطلاق لأنه سبب لإزالة ملك المتعة متى ثبت بنفسه في محل المتعة ولا يكون الطلاق قط سبباً لإزالة ملك الرق وإن وجد فيه، وهذا كما تثبت العارية بالهبة إذا أضيفت إلى المنفعة ولا تثبت الهبة بالعارية لأنه لا اتصال بينهما معنى فإن أحديهما تغير صفة الذات فإن الملك ثابت للذات والأخرى صفة المنافع فالملك بالعارية يثبت فيها.
والمنفعة ليست بمعنى العين وما تحقيق المنفعة إلا العمل فلا تستقيم الاستعارة من حيث المعنى، ولكن من حيث السببية فاستقام من جانب ما هو سبب للآخر كالهبة للعارية ولم يستقم من جهة ما ليس بسبب كالعارية للهبة. ألا ترى أن ضد العتق الرق وضد الطلاق والنكاح والرق ما فيه معنى النكاح بوجه فإنه ينبئ عن ضعف حكمي يعجز به عن دفع نفوذ أسباب الملك عليه فيصير كالبهيمة، والنكاح لا ينبئ عن الضعف بل ينبئ عن ملك يثبت كرامة يتوصل به إلى اقتضاء الشهوات واستحداث النسل وإقامة مصالح المعيشة.
فلما لم يكن الرق بمعنى ملك النكاح لم يكن ما وضع لإزالة الرق بمعنى ما وضع لإزالة ملك النكاح ضرورة وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "النكاح رق" محمول على مجاز الرق لضرب ملك يثبت بالنكاح لا حقيقة.
(1/125)

فإن قيل: أليس من قال لآخر أعتق عبدك عني على ألف درهم يصير متملكاً بألف ثم معتقاً فصار مجازاً عن الشراء وليس بينهما اتصال معنى ولا سببية، وكذلك شراء القريب إعتاق وما بينهما اتصال معنى؟
قلنا: إن الشراء بقوله: أعتق عبدك عني ليس يثبت على طريق أن العتاق يصير مجازاً عنه ألا ترى أن العتق يثبت بنفسه، وقد ذكرنا أن اللفظ متى صار مجازاً عن غيره سقطت حقيقته وإنما يثبت الشراء مقتضى هذا العتق فإن العتاق لا يقع إلا أن يكون العين مملوكاً له فاقتضى العتق عنه شرطه، وهو ملك المحل على ما بينا في موضعه، فالمقتضى حده ما يثبت ضرورة ثبوت النص بنفسه على حقيقته لا باللفظ وإنه صار عبارة عنه على ما بينا في حد المقتضى من بعد وأنه ليس من باب المجاز في شيء وأنه من ضروب الكناية.
وكذلك شراء القريب إعتاق لا على سبيل أن الشراء يصير مجازاً عنه ولكن على سبيل أن الشراء ثابت بنفسه موجب للملك على حقيقته ثم العتق موجب الملك على ما بينا في موضعه فصار الشراء بمنزلة العلة في إضافة الحكم الثاني، وهو العتق إليه لأنه علة العلة، ولم يكن علة بنفسه من حيث يصير مجازاً عن العتق، ألا ترى أنه كيف ثبت بنفسه لم يثبت العتق بناء عليه وعلى هذا إذا قال لامرأته: اعتدي، ونوى به طلاقاً طلقت على طريق أنه يقتضيه إذا أراده لأن الطلاق شرط العدة ألا ترى أن حقيقته وهي العدة ثبتت بنفسها، وبالله التوفيق.
(1/126)

باب

القول في أقسام ما يترك به حقيقة اللفظ بلا معارضة
إن حقيقة اللفظ تترك بوجوه أربعة:
أ- دلالة عرف الاستعمال لساناً.
ب- ودلالة اللفظ في نفسه.
ج- ودلالة المتكلم في صفته.
د- ودلالة محل الكلام من حيث صلاحه له.
فهذه وجوه يجب ترك حقيقة اللفظ بها لا على سبيل معارضة لفظ آخر إياه.
فأما عرف اللسان: فلأن الكلام وضع للإفهام وأن المتعارف استعمالاً يستبق الأوهام كالصلاة إذا أطلقت انصرفت إلى هذه العبادة الشرعية، وهي مجاز دون الحقيقة لغة لغلبة الاستعمال، وكذلك الصوم والحج.
وإذا حلف لا يضع قدمه في دار فلان انصرف إلى الدخول مجازاً حتى إذا دخلها راكباً أو ماشياً يحنث.
وإذا قال: يوم يقدم فلان فعبده حر، فقدم فلان ليلاً أو نهاراً عتق عبده وصار بعرف اللسان عبارة عن الوقت بلا إرادة.
وإذا حلف لا يأكل لحماً لم يحنث بأكل السمك بلا نية لأن اللحم بعرف اللسان لا يراد به لحم السمك إلا مقروناً بالسمك لنقصانه في نفسه من حيث معنى اللحم، فيقال: أكلنا لحم السمك فلم ينصرف إليه بدون القرينة.
وكذلك لو حلف لا يأكل بيض العصفور لا يحنث لأنها لا تسمى بيضاً إلا مقرونة بالعصفور لمعنى النقصان.
والدراهم مطلقة تنصرف إلى نقد البلد لأن غيره لا يسمى دراهم إلا مقروناً بالبلد الذي هو نقده لنقصان حال الرواج في بلدهم.
فإن قيل: لو حلف لا يأكل لحماً فأكل لحم آدمي أو خنزير حنث!
قلنا: لأن اللحم إنما سمي لحماً لصورة معنوية بمعنى خاص امتاز به عن غيره، وتلك الصورة بمعناها غير مختلفة فيهما، وإنما قل الاستعمال تسمية لحرمتهما وعدم
(1/127)

الاستعمال أكلاً، فلم يفتقر إلى القرينة للإلحاق بالجنس ولم يمتنعا عن الدخول تحت المطلق، فأما لحم السمك فدون سائر اللحوم في الإغذاء لأن اللحوم تتولد من الدم ولا دم للسمك، وكذلك الجراد فكانت القرينة لإلحاقها بسائرها فلم يلتحق بها بدون القرينة كالصلاة المطلقة لا تدخل فيها صلاة الجنازة لأنها ناقصة، وإنما التحقت بالصلاة بالقرينة، وكذلك البيض من هذا القبيل بدلالة عدم الأكل عرفاً لا لحرمة مانعة بل لقلة رغبة فيها فكانت القرينة في الخنزير لبيان أنه من جنس المحرمات لا لبيان أنه من جنس اللحوم.
وإذا قال: كل مملوك له حر لم يدخل تحته المكاتب لأنه اختص باسم آخر لنقصان حاله في المملوكية، لأنه بين الحر والعبد مالك من وجه، مملوك من وجه، فصار الاسم علماً على خروجه عن مطلق المماليك، وكان هذا أمنع من الدخول تحت المطلق من دون القرينة ولم يمتنع المكاتب من الدخول تحت المطلق، قوله: {فتحرير رقبة} لأن الرقبة اسم لصورة مرقوقة والرق تام على ما بينا في موضعه والصورة التامة.
وكذلك النباش لا يدخل عند أبي حنيفة ومحمد- رضي الله عنهما- تحت مطلق اسم السارق لأنه اختص باسم لنقصان حال السرقة لأنه اسم لأخذ مال محرز بحيلة من صاب محرز، ومعنى الحرز بالقبر ناقص أو فائت لأنه يوضع فيه للبلى، وكذلك الإحراز من صاحبه الميت فائت ولا يحتاج إلى حيلة لأجله.
والطرار داخل تحته وإن اختص باسم الطر. لأنه اختص به لزيادة معنى على السرقة، وهو اللطف في العمل، والحذق في الأخذ لأنه يأخذها مجاهرة على مثال الأخذ من غافل أو نائم بلطف الصنعة كالصرف يدخل تحت مطلق اسم البيع لأنه اختص باسمه لإيجاب زيادة حكم وهو القبض في المجلس للبدلين جميعاً.
وأما دلالة اللفظ: في نفسه كقوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً} دل سياق الآية على أن صدرها للتهديد وهذا نظيره مما قرن باللفظ ما يوجب ترك حقيقته إلى وجه يحتمله.
ومثاله من ألفاظنا قول الرجل: لفلان علي ألف درهم إن شاء الله تعالى، فإنه لا يلزمه شيء لأن العرب تتكلم بالخبر مرسلاً ومعلقاً فكان التعليق بياناً أنه لا إرسال فلا يلزمه حكم الإرسال.
وإذا قال: لفلان علي ألف درهم لسبب، لزمه المال وبطل قوله: لسبب، لأنه لا بيان فيه بوجه بل هو رجوع محض والكلام لا يحتمله.
وأما دلالة المتكلم في صفته: فكقول الله تعالى: {واستفزز من استطعت منهم بصوتك} الآية، فإنها أوامر أريد بها التوبيخ بدلالة أن الله تعالى لا يوصف بجواز الأمر بالكفر عليه، ومن هذا القبيل قولنا: تربت يداك، فإنه محمول على الخير
(1/128)

بدلالة حال الداعي، وكذلك قول العبد: اللهم اغفر لي، يجعل سؤالاً بدلالة حال القائل وهو العبد فإنه لا يليق بحاله طلب النعمة من مولاه إلزاماً، وإنما يليق سؤالاً وقد قال علماؤنا فيمن دعي إلى غداء فقال: والله لا أتغدى: إنه ينصرف إلى ذلك الغذاء في ذلك الفور لأنه أخرج كلامه مخرج الجواب والحال حال الحاجة إلى الجواب فصار جواباً بدلالة الحال فاقتصر حكمه على موجب السؤال وهو أكل ذلك الطعام في الحال.
وأما دلالة المحل: فنحو قول الله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير} فالمحل عام لم يقبل تعميم النفي باستوائهما في صفات كثيرة محسوسة علم أن المراد به نفي المساواة من وجه دون وجه، وإذا حلف الرجل لا يبيع فباع حراً لم يحنث لأن المحل غير قابل فسقطت حقيقته بالمحل.
وأما ترك الكلام بدليل معارض كالنسخ والتخصيص فليس من هذا القبيل، لأن دليلي النسخ والتخصيص كلامان آخران يعارضان معنى النص الأول إلا أن المقارن يوجب التخصيص، والمتأخر يوجب النسخ، وامتناع عمل اللفظ بحكم المعارضة ليس من أبواب بيان موجب اللفظ في نفسه.
وإنما سمي التخصيص بياناً لأنه من حيث المعنى كالمتصل به حتى لم يصح وروده متأخراً عنه فجرى الاستثناء من هذا الوجه فكان بياناً، ولكن لما كان بنص آخر فنفصل عنه صيغة أشبه المعارض والناسخ، فنزل منزلة بين المنزلتين.
(1/129)

القول في أقسام الأحكام الثابتة بالنص الظاهر دون القياس بالرأي
هذه الأقسام أربعة:
أ- الثابت بعين النص.
ب- والثابت بإشارة النص.
ج- والثابت بدلالة النص.
د- والثابت بمقتضى النص.
فأما النوعان الأولان: فالثابت بالنص ما أوجبه نفس الكلام وسياقه.
والثابت بالإشارة ما لا يوجبه سياق الكلام ولا يتناوله، ولكن يوجبه الظاهر نفسه بمعناه من غير زيادة عليه أو نقصان عنه، وبمثله يظهر حد البلاغة ويبلغ حد الإعجاز ويكون على مثال من ينظر فيرى شخصاً بإقباله عليه، وآخرين يمنة ويسرة بغمز عينه.
ويرمي سهماً فيصيب صيدين أحدهما قصداً على ما يوجد في العادة والآخر فضلاً على ما يوجد في العادة بزيادة حذقه في الباب وذلك نحو قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين} الآية، فإنها نص على إيجاب سهم لهم من الغنيمة، فالآية سيقت لبيان قسمة الغنائم وإشارة إلى زوال أملاكهم بمكة بقهر الكفار، فالفقير في الحقيقة عديم الملك لا البعيد عن الملك لأنه ضد الغنى والغني من ملك المال لا من أصابه بيده حتى كان المكاتب فقيراً وإن أصاب كثيراً.
ونحو قول الله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} فهو نص على بيان منة الوالدة على الوالد، فالآية سيقت له وإشارة إلى أن أقل مدة الحمل ستة أشهر فمدة الفصال حولان بنص آخر (وفصاله في عامين) فاختفى هذا الحكم على الصحابة واختص بفهمه عبد الله بن عباس ولما أظهره قبلوه منه.
ومنها قول الله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} فالآية نص على إيجاب رزق الولد على الوالد، وفيه إشارة بالإضافة إلى الوالد بلام التمليك إلى أن الأنساب إلى الآباء، وإلى علة اختصاص الأب بالتزام النفقة فإنها تجب بسبب الإضافة إليه بلام التمليك كما تجب نفقه عبده.
ومنها قول الله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} إلى قوله: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} فالآية
(1/130)

نص على إباحة الأكل والشرب والجماع جميع الليل.
وفيها إشارة إلى صحة الصوم مع الجنابة فإن من ضرورة الجماع إلى النهار أن يصبح جنباً وقد أمر بالصيام بعد ذلك.
وكذلك قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} نص على وجوب الصوم نهاراً وفيه إشارة إلى تأدي الصوم بالكف عن الأكل والشرب والجماع لأن الآية سيقت لبيان قسمة الزمان للفطر والصوم إذ الصوم لا يمكن وصالاً فلا بد من أن يكون الزمان في حقه قسمين.
فقسم الليالي للفطر وجعل العلم عليه علة فعل الجماع والأكل والشرب فكانت القسمة إشارة إلى أن العلم على قسم الصوم ضده وهو الكف عن الأكل والشرب والجماع فيصير بإشارة النص الكف عنها نمطاً وركناً به يتأدى الصوم ضرورة معرفة ضد الشيء بعلم هو ضد علم الآخر.
وقال الله تعالى في كفارة اليمين: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} إلى قوله: {أو كسوتهم} فكانت الآية بكلمة أو نصاً على أن الواجب أحد الفعلين والخيار إلينا.
وبكلمة الكسوة إشارة إلى أن تمليك الكسوة شرط دون تمليك الطعام لأن الواجب علينا فعل التكفير كما في العبادات فحقوق الله تعالى قبلنا أفعال ابتلانا بإقامتها أو الكف عنها، وقد شرع التكفير بالطعام بالفعل وهو الإطعام كما شرع التكفير بالتحرير فصار الواجب الفعل الذي يسمى إطعاماً لغة إلا أن لا يصلح فنزيد ضرورة ما فيه الكفاية.
والإطعام اسم لفعل يتصف به الغير بطاعم فمتى اتصف الغير بطاعم بتسليط من قبل إنسان كان المسلط مطعماً لغة لأنه متعدي من طعم كالإجلاس متعد من جلس وذا القدر يكفي للتكفير لأن ملكه يتلف بالإطعام إذا تم.
والكفارة قد شرعت بإتلاف الملك بالتمليك كالتحرير فلم تجز الزيادة.
وشرع الآخر بلفظ الكسوة، وهو اسم لما يكتسى لا لفعله والتكفير فعله فاضطررنا إلى زيادة فعل منه لتصير الكسوة كفارة لذلك الفعل، وإنما تصير الكسوة كفارة بفعل يخرج الكسوة عن ملكه لأن التكفير يكون بالإخراج عن ملكه إلى ملك غيره.
وقد يكون بالإخراج لا غير وهو الأدنى وبأن يكسو الفقراء عارية لا يخرج عن ملكه فلا يكون فعل تكفير وقد اضطررنا إلى ما يخرج، وما ذلك إلى إخراج بتمليك فتزيد ضرورة وإشارة بلفظة الإطعام والكسوة إلى أن المصروف إليه صار أهلاً لحاجته إلى الطعام والكسوة لأن الله تعالى ما شرع صلة مالية إلا للحاجة إليها.
(1/131)

ولما خص هذه الصلة بالكسوة وهي اسم لثياب تكتسى وبالإطعام علم أن سبب الاستحقاق حاجة خاصة أيضاً، وهي الحاجة إلى الإطعام والإكساء وهذه الحاجة مما يتجدد بالأزمنة لفقير واحد على أصل الخلقة، فصار الواحد على اختلاف الأزمنة المجددة للحاجة قائماً مقام العشرة بإشارة النص إلى هذه العلة، لا بذكر بالنص فصارت الآية نصاً على شرع أنواع ثلاثة، ونصاً على التخيير، وإشارة باختيار اسم الفعل لأحدهما واسم الثوب للآخر على تعليق الحكم بعين المنصوص عليه من الفعل، وبزيادة على المنصوص عليه من اسم الثوب.
وإشارة أيضاً باختيار الاسم المشتق من الأكل والاكتساء اللذين لا يتصوران إلا بحاجة إلى العلة التي بها صار الفقير أهلاً للصرف إليه فجرت الإشارة من النص مجرى التعريض والكناية من الصريح والمحتمل من المحكم أو المشكل من الواضح الذي لا ينال المراد به إلا بضرب تأمل، وتبين ثم قد يوجب العلم بموجبه بعد البيان، وقد لا يوجب وإنه من أبلغ الكلام فقد أصاب عرضين بنص واحد فهذان نوعان ظاهران ثابتان بالظاهر نفسه بلا زيادة ولا نقصان والله أعلم.
وأما الثابت بدلالة النص: فما ثبت بالاسم المنصوص عليه عيناً أو معنى بلا خلل فيه، ولكن في مسمى آخر هو غير منصوص عليه.
فمن حيث كان الموجب ثابتاً بمعنى النص لغة بلا خلل لم يكن الحكم في المحل الذي لا نص فيه ثابتاً قياساً شرعياً، لأن معناه بلا خلل فيه معروف باللغة لا بالشريعة.
ومن حيث ثبت في محل لا نص فيه لم يكن منصوصاً عليه بعينه فسميناه دلالة النص لأن الحكم أبداً يعم بعموم موجبه فالمحل المنصوص عليه وإن كان خاصاً فالموجب عام فدل عمومه على عموم الحكم لما لا نص فيه.
مثال قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما} فالتأفيف حرام نصاً والشتم والقتل دلالة النص حتى فهمه كل من عرف معنى النص لغة كما لو كان النص عاماً، وذلك لأن الحرام بالنص التأفيف وإنه اسم وضع لكلام فيه ضرب إيذاء واستخفاف فصار حراماً بمعناه لا بصورة النظم حتى لا يحرم على قوم لا يعقلون معناه أو كان عندهم هذا اسماً لضرب كرامة فكانت الصورة محلاً للمعنى.
ولما كان سبب الحرمة معناه وهو الإيذاء وإنه بقدره موجود في كلمات أخر وأفعال من الضرب والقتل مع زيادة ثبتت الحرمة عامة، ولم يكن قياساً.
فالقياس منا: استنباط علة من النص بالرأي ظهر أثرها في الحكم بالشرع لا باللغة متعدية إلى محل لا نص فيه كما قلنا في قوله صلى الله عليه وسلم: "الحنطة بالحنطة" إنه معلول
(1/132)

بالكيل والجنس بالرأي لأنه ليس بعين الحنطة ولا عين معناها لغة، ولا ما أوجبه النص.
ومن ذلك قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] فإنه نص على إيجاب القضاء على المسافر إذا أفطر.
ودليل على إيجاب القضاء على من أفطر بغير عذر لأن القضاء بالإجماع لا يجب إلا بعد وجوب الأداء.
فوجوب الأداء في حق المسافر لما أوجب القضاء إذا لم يصم مع العذر المبيح للتأخير فإذا زال العذر والوجوب قائم مع ترك الأداء بلا عذر في حق غيره فكان الحكم ثابتاً من طريق الأولى.
وروي أن ماعزاً زنا وهو محصن فرجم فصار رجمه ثابتاً بالنص، ورجم من سواه إذا زنا وهو محصن ثابت دلالة لأنا عرفنا بالنص وبالإجماع أن السبب الموجب في حق ما عززناه في إحصانه لا كونه ماعزاً، وهذا السبب يعم غيره فكذلك حكمه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين والطوافات عليكم" فثبتت الطهارة للهرة نصاً وللحية بدلالة النص لعموم العلة.
وقال صلى الله عليه وسلم للمستحاضة: "إنه دم عرق توضئي لكل صلاة" فوجب الوضوء عليها بدمها نصاً، وعلى غيرها بسائر الدماء دلالة لعموم العلة فالعلة منصوص عليها في هذين البابين وبمنزلة المنصوص عليه فيما مضى.
لأن معنى النص لغة الذي لأجله صح وضع الاسم دون غيره بمنزلة المنصوص عليه لأن الكلام ما صار مفيداً ولا موجباً إلا بمعناه.
وكذلك الله تعالى أوجب الحد على الزاني ثم أوجب عامة العلماء الحد على اللوطي دلالة فإن الحدود لا تثبت قياساً فقالوا: إن الزنا اسم لفعل حرام لغة وهو اقتضاء شهوة الفرج على قصد اقتضاء الشهوة بسفح الماء لا غير، ولهذا سمي سفاحاً لا لقصد الولد.
واللواطة من حيث اقتضاء الشهوة وسفح الماء على سبيل تضييع النسل مثل الزنا بل أبلغ.
أما الاشتهاء فالمحلان فيه سواء طبعاً.
وأما الحرمة فآكد في حق اللواطة شرعاً وعقلاً لا تزول بحال في هذا المحل.
وأما الضياع فلأن الولد لا يتخلق في هذا المحل أصلاً فتعدى الحكم إليها لعموم
(1/133)

معنى الزنا، إلا أن أبا حنيفة رضي الله عنه يقول فيه معنى زائداً وهو أن الحدود شرعت زواجر، وليست اللواطة كالزنا في الحاجة إلى الزاجر.
لأن الزنا مما يرغب فيه الفاعل والمفعول بها، واللواطة لا يرغب فيها المفعول به طبعاً.
ولأن في الزنا ضياع النسل وفساد فراش الزوج، وليس في اللواطة فساد الفراش فلم تساويه جناية.
ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي أكل وشرب ناسياً: "أتم على صومك فإن الله تعالى أطعمك وسقاك" فسقط حكم الفطر من الأكل بالنص، ومن الجماع بدلالة النص.
لأن المسقط من حيث النص نسيانه للصوم وإنه يتعدى إلى الجماع، والجماع مفطر مثل الأكل سواء.
وكذلك كفارة الإفطار على الأعرابي الذي جامع امرأته في نهار رمضان ثبت بالنص، وعلى غيره بدلالة النص بالإجماع.
وكذلك يجب بالأكل والشرب بدلالة النص لأن الجماع أوجبها بالإجماع لا بمعناه وقوعاً على المرأة، وهو اقتضاء شهوة الفرج فإنه لو كان سبباً لصومه لا يجب ولكن بمعناه وقوعاً على الصوم فإنه مفطر للصوم، والكفارة كفارة فطر، ومعنى الإفطار عام تعلق به وبالأكل والشرب سواء لأن الصوم كان صوماً للكف عن اقتضاء شهوة البطن والفرج، فلما استويا في قيام الصوم بالكف عنهما استويا في انتقاضه بفعلهما ضرورة، وذلك هو الإفطار.
ولما كان الإيجاب في الأكل بالإفطار الذي هو في الجماع لم يكن قياساً بل كان عملاً بمعنى الاسم الثابت نصاً إلا أنه اسم شرعي فالأكل اسم للإفطار شرعاً كالصوم بل كان القياس ما قاله الشافعي رحمه الله تعالى في أن من أكل مكرهاً لم يفسد صومه كالناسي لأن الكره غير النسيان اسماً ومعنى.
فلما لم يكن الحكم مضافاً إلى الموجب الثابت بالنص بل إلى غيره كان قياساً فكان فاسداً لأن النص معدول بحكمه عن القياس على ما بينا في موضعه.
ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا قود إلا بالسيف" فوجب القود بالسيف بالنص، وبالرمح لأنه مثل السيف فالمراد بالسيف هو القتل به لا قبضه، والرمح مثله قتلاً به، وكذلك السهم وما يجرح.
(1/134)

ومن ذلك الجماع لما أوجب على الرجل الكفارة بعلة الفطرية نصاً دل على الإيجاب على المرأة لأن الجماع يعمهما.
ولما صح صوم عاشوراء بالنية من النهار وهو واجب نصاً بالأمر دل على صحة صوم رمضان وإن لم يتناوله النص لأنه مثله في صفة الوجوب، وهو أنه واجب بسبب ذلك الوقت عينه لا سبب له غيره.
وضرب الدلالة من باب البلاغة معنى.
وضرب الإشارة من باب البلاغة لفظاً فذلك لفظ تضمن معنيين وهذا لفظ في محل خاص تضمن معنى عاماً فكانا من ضروب الفصاحة.
وقد قال الشافعي رحمه الله: إن الكفارة لما وجبت بقتل الخطأ فبقتل العمد أولى لأن الخطأ عذر مسقط لا موجب لحقوق الله تعالى، فلما لم يسقط ضمان الكفارة مع قيام العذر فبدون قيامه أولى كما قلنا نحن في قضاء صوم السفر.
وكذلك الكفارة لما وجبت باليمين المعقودة إذا حنث فيها وصارت كاذبة فالتي هي كاذبة من الأصل أولى بالإيجاب لوجود ذلك الكذب فيه وزيادة إلا أن نقول بالقتل خطأ وجبت الكفارة لا بنفس القتل لأن نفسه فعل محظور إذا كان بغير حق، وإنما يأخذ صفة الإباحة بالخطأ فإن الشرع أباح له الرمي باجتهاده.
ولا بد لسبب الكفارة من صفة الإباحة مع صفة الحظر لأن في الكفارة معنى العبادة، ومعنى العقوبة على ما بينا من بعد.
ووجوب العبادات لا يتعلق بارتكاب المحظورات والمعاصي، بل بأسباب مباحة موجبة كملك النصاب.
ووقت الصلاة، والعقوبات تتعلق بارتكاب الجرائم، فإذا اجتمع لها صفة العبادة والعقوبة لم يجب إلا بسبب مباح محظور فلم يصر الحرام المحض بمعنى ما فيه الإباحة في صلاحه سبباً للكفارة.
وكذلك اليمين الغموس حرام محض ما فيه وجه إباحة شرعاً، والمعقودة مباحة فإن الشرع أمر به في بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم والحلف الحق محظورة من وجه لقوله تعالى: {واحفظوا أيمانكم} أي لا تحلفوا، وقوله: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} الآية فكان الوجوب معلقاً في المعقودة بالوصفين جميعاً فلا يصير الحرام المحض من جنسه بل الحرام المحض من جنس الزنا والردة والسرقة فلا يصلح سبباً للكفارة بل للعقوبة المحضة إما في الدنيا وإما في الآخرة.
وأما النوع الرابع وهو المقتضى فزيادة على النص لم يتحقق معنى النص بدونها
(1/135)

فاقتضاها النص ليتحقق معناه، ولا يلغو فصار حكم المقتضى مضافاً إلى النص لأن النص أوجب المقتضى فصار المقتضى مع حكمه حكمين للنص، كشراء الأب إعتاق حكماً، وإن لم يوجب العتق بنفسه بل بزيادة الملك، ولكن الملك لما ثبت بالشراء كان حكمه، وهو العتق مع الملك حكمين للشراء فكذلك ها هنا، ولما أضيف المقتضى مع حكمه إلى النص صار بمنزلة الحكم الثابت بالنص بعينه بلا مقتضى ولم يكن قياساً وهذا لا خلاف فيه، إنما الخلاف في أن المقتضى هل له عموم النص أم لا؟
قال علماؤنا: لا عموم له.
وقال الشافعي: له عموم لما ذكرنا أن الحكم الثابت به بمنزلة الحكم الثابت بالنص، والحكم الثابت بالنص، والحكم الثابت بالنص له عموم فكذلك هذا إلا أنا نقول أن مقتضى النص ساقط من النص بنفسه في الأصل لا حكم له، وإنما يثبت ضرورة أن يصير الكلام مفيداً فيتقدر بقدر الضرورة.
وإذا ثبت بقدر ما يصير الكلام مفيداً زالت الضرورة المثبتة فسقط ثبوته كالميتة حكمها الحرمة في الأصل، والحل يثبت بالضرورة فيتقدر بقدرها، وهو قدر سد الرمق دون ما سواه من التمول والحمل والشبع، بخلاف الثابت بالنص نفسه لأن ثبوت معناه منه الأصل فلا يسقط إذا كان عاماً إلا بدلالة كحل الذبيحة.
ومثاله: قول الله تعالى: {وسئل القرية} أي أهلها اقتضاء لأن السؤال للتبيين، فاقتضى موجب هذا الكلام أن يكون المسؤول من أهل البيان ليفيد فيثبت الأهل زيادة اقتضاء ليفيد.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وعينها غير مرفوع فيصير كذباً لو أريد بها عينها، وهذا لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم فاقتضى ضرورة زيادة وهو الحكم ليصير مفيداً وصار المرفوع حكمها، وثبت رفع الحكم عاماً عند الشافعي في الآخرة وهو المؤاخذة بالعقاب، وفي الدنيا من حيث الصحة شرعاً.
وقال: طلاق المكره والمخطئ باطل وكذلك كل تصرفاته، والأكل مكرهاً ومخطئاً لا يفسد الصوم لأنه متى فسد لزمه القضاء، وهو من الأحكام المشروعة في الدنيا.
وكذلك صحة أداء الصوم في نفسه حتى يسقط المؤاخذة عنه من أحكام الدنيا والثواب من أحكام الآخرة فتثبت عامة، كما لو ثبت نفي حكم الخطأ نصاً فقال صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي" حكم الفعل ناسياً ومكرهاً وخطئاً.
(1/136)

وقال علماؤنا رحمهم الله تعالى: إنما يرتفع بها حكم الآخرة لا غير، ولا يرتفع عاماً لأن حكم الآخرة وهو المؤاخذة مرفوع بها بالإجماع وبهذا القدر يصير مفيداً فتزول الضرورة فلا يتعدى إلى حكم آخر.
وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" والمراد بها: حكم الأعمال فعينها تثبت بلا نية.
وقال الشافعي: كل حكم يتعلق ثبوته شرعاً بالنية إلا حيث قام الدليل.
وقلنا: لا يتعلق بها إلا حكم الآخرة من الثواب فإنه مراد بالإجماع فالعبادات التي يتعلق بها ثواب لا تصح مؤادة بنفسها إلا بنية، ولما ثبت هذا مراداً وبه يصير الكلام مفيداً لم يتعد إلى ما وراءه، وصار كأنه قال: إنما ثواب الأعمال بالنيات.
وقال علماؤنا فيمن قال لامرأته: أنت طالق، ونوى بها ثلاثاً: لم يصح.
وقال الشافعي: يصح، لأن قوله: طالق يقتضي طلاقاً لا محالة، ولو قال لها: أنت طالق طلاقاً، ونوى به ثلاثاً صح فكذلك ها هنا.
وقلنا: النية لا تصح في قوله: طالق، لأنه نعت لفرد لا يحتمل الثلاث، وإنما يصح في الطلاق لأنه اسم يحتمل العموم والخصوص، والطلاق غير منصوص عليه، ولكنه مقتضى النص، والمقتضى لا عموم لثبوته عندنا بل يثبت بقدر ما ترتفع به ضرورة النص، وضرورته ترتفع بثبوته في حق طالق ليقع لأن النعت لا يثبت بدون المصدر فلم يبق ثابتاً في حق نية الثلاث، لأن النعت صح بدون الثلاث فلم تكن الضرورة المثبتة في حق نية الثلاث ثابتة فلم يثبت في حقها، وكان كالاستحقاق الثابت على المشتري بإقراره يثبت خاصاً في حقه دون البائع، لأن قوله جعل حجة عليه لا على غيره فثبت خاصاً بقدر خصوص الحجة.
وكما قالوا فيمن قال لآخر: اعتق عبدك عني بألف درهم. فقال: أعتقت، ثبت العتق عنه، وثبت الشراء من المأمور مقتضياً بالإجماع، فصار الطلب مقتضياً بيعاً منه ضرورة أن يصح العتق عنه، وثبت البيع خاصاً في حق تصحيح العتق عنه، ولم يثبت حيث لا تصحيح للعتق، حتى لو قال المأمور: بعتك بألف درهم ثم أعتقه لم يصر مجيباً لكلامه بل كان مبتدئاً ووقع العتق عن نفسه.
وكذلك من قال لامرأته: حجب، ونوى الطلاق لم يصح وإن اقتضى الحج ذهاباً لأنه اقتضاء ضرورة أن الحج لا يتصور إلا بذهاب، فثبت ذهاب لتصحيح الحج لا ذهاب
(1/137)

مطلق، وذهاب الحج لا يحتمل معنى الطلاق فلم يصح فيه نية الطلاق، كما لو قال: اذهبي إلى بيت الله، والذي يدل على أن المقتضى من باب الاختصار، والعرب إنما تختصر على وجه يدل الباقي على ما سقط كما في قوله تعال: {وسئل القرية} فالسؤال للتبيين، فدل على أن المختصر هو الأهل الذي هو أهل للبيان.
وكذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ" الخبر وقوله: "إنما الأعمال بالنيات" دليل على أن المرفوع والواجب حكمان من حقوق الله تعالى دون الناس لأن الخطأ والنسيان والكره من صفات القلب، وكذلك النية، والقلب باطن لا يقف على عمله إلا الله تعالى، فحكم عمله لا يثبت إلا في حق الله تعالى، وذلك في معنى العبادة من العمل أو معنى المعصية فأما ما عداها فللعباد.
ولهذا قال علماؤنا أن بيع المكره يجوز، وكذلك كل تصرفاته معتبرة لأنه صفة القلب، ولكن لا يحل ولا يطيب. لأن الحل والطيب والحرمة حق الله تعالى.
وجملة حد المقتضى أن تنظر إلى النص نفسه، وإلى المعنى الذي هو شرط صحة الكلام فتثبته مقتضياً كما في قوله تعالى: {وسئل القرية} فإنه لو تم بنفسه لوجب أن تكون القرية ذات بيان فإذا لم يوجد فيها هذا الشرط أثبتنا من فيه ذلك، وقوله: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" لأن الفعل خطأ لو تم بنفسه لوجب أن يكون المرفوع حقاً لله تعالى لما ذكرنا، فإذا لم يتم وتصور العمل واقعاً معه أثبتنا ما فيه ذلك الوصف، وهو معنى المعصية من العمل ليكون ثبوت المقتضى من حيث يدل عليه اللفظ، فإن الإثبات بلا نص أو دلالته أو إشارته لا يكون إلا بالقياس والقياس حجة في تعدية حكم النص إلى غيره، دون إثبات النصوص وقد نص كتاب الله تعالى على هذا فإن من قتل خطأ لم يأثم ولم يعاقب عليه في الآخرة، ولزمه ضمان الدم والكفارة لأنها ليست بعقوبة محضة.
ومن حنث في يمينه خطأ أو ناسياً ليمينه لزمته الكفارة ولم يأثم.
ومن زنى بامرأة خطأ لزمه العقد ولا يلزمه الحد لأنه عقوبة خالصة لله تعالى، وهذا قريب من الضرب الأول فإنا أوجبنا بالضرب الأول حكما حيث لا نص فيه بدلالة النص، وها هنا أوجبنا زيادة موجب ليس في النص بدلالة النص إلا أن تلك في محل الحكم، وههنا في علة الحكم.
فإن قيل، إذا قال الرجل لولد له أم معروفة: هذا ولدي، حتى يثبت النسب منه، ثم
(1/138)

جاءت أم الغلام بعد موت الأب وصدقته ورثته ودعوة الغلام نصاً إقرار بنكاح الأم اقتضاء، وثبت في حقق تصحيح النسب الذي لا بد له من الوالدة في حق الميراث، كما لو ثبتت أماً بالإقرار.
قلنا: قوله: هذا ولدي، إقرار بأنه ولده منها إشارة لا اقتضاء ولأن الولد اسم مشترك لا يتم إلا بوالد ووالدة كاسم الأخ لا يتم إلا بأخ آخر، فكذلك الولد لا يتم إلا بوالدين، ولو صار تسمية الولد تسمية للوالدين إشارة، صار الثابت بالإشارة كالثابت بالظاهر فثبت عاماً بخلاف المقتضى فهذه حدود متشابهة ما يميز بينها إلا الفهم المنصف وشيء منها لا يحتمل الخصوص.
أما المقتضى فلأنه لا عموم له.
وأما الدلالة فلأنها تعم بحسب عموم العلة، والعلة بعدما ثبتت علة لا تحتمل الخصوص لما ذكرنا أن الخصوص لبيان أن قدر المخصوص لم يدخل تحت النص فأما بعد الدخول فلا يكون تخصيصاً بل يكون تركاً.
وأما الإشارة فلأنها زيادة معنى على معنى النص، وإنما تثبت بإيجاب النص إياه لا محالة فلا يحتمل الخصوص وبيان أنه غير ثابت.
وقد لقب بعض الناس فقال: أن النص يعمل بمنظومه ومفهومه، وإنه لقب حسن غير أنهم لم يفرقوا بين أنواع ما فهم من النص بهذا الاسم مما قد مر، وبين ما لا يفهم منه.
ومنها ما قال بعضهم: أن التنصيص دليل على التخصيص، وعنى به قطع المشاركة بين المنصوص عليه وغيره من جنسه، قال: لأن الشرع لما نص على عين من الجملة دل على تخصيصه إياه بذلك الحكم لولاه لما كان للتخصيص بنصه فائدة.
وهذا تلبيس ظاهر لأنه إن عنى بالتخصيص أن ما لا يدخل تحته لا يشاركه في حكم النص بالنص فما أحد يخالفه، إلا أن نقول إنما لا يشاركه لأن سبب الوجوب لم يتناوله، والحكم إنما يثبت بحسب سببه لا أن الخالص نفاه، وإن قال لا يجوز أن يشاركه ما عداه في حكمه لمانع من حيث النص فغلط ظاهر لأن ما عداه لم يدخل تحته فكيف يتعدى إليه حكمه بنفيه، على أن النص كان لإيجاب حكم فكيف يوجب نفيا؟ وهو ليس بمعناه لغة بل هو ضده فكيف يقال هذا؟
وما من نص إلا ويجوز تعليله عند من يقول بالقياس وإذا علل يتعدى، ولو كان النص مانعا من التعدي لما كان بعرض التعليل ولأن من أبى القياس أباه لأنه رآه محتملا
(1/139)

للكذب والصدق فأبطله لضعف فيه لا لأن النص منع القياس عليه كما لا يكون خبر الفاسق حجة لا لأن النص الذي يرويه الفاسق يمنعه من كونه صحيحا في ذلك بل لضعف في سنده، فيصير هذا القول خارجا عن حدود الإجماع.
ومنها ما قال الشافعي- رحمه الله- فيما يحكي عنه أصحابه: أن تنصيص الشرع على وصف من جملة أوصاف المسمى باسمه يفهمنا نفي ذلك الحكم عند عدم ذلك الوصف ويجري مجرى النص عليه نفياً كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "في خمس من الإبل السائمة شاة" فلا تجب الزكاة إذا لم تكن سائمة، كأنه قال: ولا زكاة إذا لم تكن سائمة، قال ألا ترى أنا خصصنا به عموم قوله: "في خمس من الإبل شاة".
وقال صلى الله عليه وسلم: "أدوا صدقة الفطر عن كل حر وعبد من المسلمين" فأوجب بمفهومه نفي الصدقة عن الكفار فأوجب تخصيص عموم الأمر بالأداء عن كل حر وعبد تقييده بالإسلام.
وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن ربح ما لم يضمن" فدل بمفهومه على طيبة ربح ما قد ضمن، قال: لأن تخصيص صاحب الشرع وصفاً من أوصاف المسمى باسمه يوجب تعلق الحكم بذلك الوصف نصاً بدليل أنه لولا الوصف لثبت الحكم قبله والآن تعلق ثبوته مع وجود الاسم العام الموجب لولا ذكر الوصف بوجود الوصف، وهو كقول الرجل لامرأته: أنت طالق إن دخلت الدار فالدخول شرط لأن الطلاق كان يجب بقوله: أنت طالق لولا الدخول فلما تعلق بالدخول كان شرطاً، وإذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار وأنت راكبة، كان الركوب شرطاً، والطلاق يتعلق بالركوب كما يتعلق بالدخول، ولما جرى مجرى الشرط وجد الحكم عند وجوده بمنظومه وعدم عند فقده بمفهومه، بخلاف اسم العلم فإنه يذكر للتعريف لا لتعليق الحكم به.
فأما الوصف فهو اسم الحال والنعت المعنوي فدل على تعلق الحكم به، ولأن الاسم لابتداء الإيجاب كالعلة والوصف بعده لتعليق حكم الاسم بالوصف حكماً فكان شرطاً والفرق بينهما ما نذكره في فصل الشرط.
وأبى علماؤنا- رحمهم الله- هذا فإن أبلغ ما في الباب أن يصير الوصف المعنوي المؤثر في إيجاب الحكم بمنزلة ذكر العلة.
ولا خلاف بين العلماء أن العلة توجد الحكم عند وجودها ولا يعدم عند عدمها بل الحكم يبقى عند العدم على ما كان قبل معرفة العلة، وإنما يصير الوصف شرطاً إذا عطف على شرط كما في مسألة الطلاق فإن حكم المعطوف حكم المعطوف عليه.
(1/140)

فأما إذا قرن بنص فيصير بمنزلته ثم الاسم كان موجباً للحكم ابتداءً فكذلك الوصف إلا أنه معنوي مؤثر فيصير عليه النص، ولهذا كان السوم بمنزلة العلة في باب الزكاة يضاف إليه الوجوب، والشرط لا يضاف إليه الوجوب، نحو قول الرجل لآخر: أعتق عبدي الصالح، أو طلق امرأتي البدية فيدل الوصف على أنه المشير للحكم فيصير بمنزلة العلة.
على أنا وإن سلمنا أنه يصير شرطاً فالشرط عندنا يوجد الحكم عند وجوده، ولا يقتضي نفياً عند عدمه بل الحكم حال عدم الشرط يبقى موقوفاً على قيام الدلالة، كما قلنا في العلة، ولهذا قلنا: إن صدقة الفطر تجب عن العبد الكافر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أدوا عن كل حر وعبد" من غير تفصيل، وقوله: "من المسلمين" لا يوجب التخصيص لأنه لا حكم له فيمن ليسوا مسلمين، وإنما أوجب تقييد كل عبد ذكر في صدر هذا النص بالإسلام لأنه كلام واحد فلا يحكم بصدره قبل الاختتام عليه وما اختتم إلا بقيد الإسلام فصار المذكور عبداً مسلماً من الأصل فلم يدخل تحته الكافر، لا أن صفة الإسلام رفع الحكم عن الكافر فأما النص المطلق الذي اختتم على إطلاقه فقد دخل تحته الكافر والمسلم فلا يخرج الكافر إلا برافع.
وأما الزكاة فإنما لم تجب في الإبل العوامل لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة في الإبل العوامل" لا بقوله: "في خمس من الإبل السائمة شاة" ألا ترى أن من قال لآخر: اعتق عبدي الأسود، ثم قال: اعتق عبدي الأبيض لم يكن نهياً عن عتق الأسود.
ومنها الحكم المعلق بشرط.
قال الشافعي- رحمه الله-: إنه ينتفي حال عدم الشرط بمفهومه.
وقال علماؤنا- رحمهم الله-: انتفاء المعلق حال عدم الشرط لا يفهم من التعليق بل يبقى على ما كان قبل ورود النص.
واحتج الشافعي بأن تعليق الحكم بشرط ينفيه عما قبله ويعدمه على اعتبار أنه لولاه لكان موجوداً كقول الرجل لعبده: أنت حر، يوجب وجود الحرية صفة للعبد، فإذا قال: إن دخلت الدار، وتعلق به العتق أوجب إعدامه عن محله ونفيه مع وجود قوله: أنت حر فثبت أن التعليق كما يوجب الوجود عند الشرط أوجب النفي عما قبله وكذلك التعليق الحسي فإن تعليق القنديل بالحبل بسماء البيت يوجب وجوده في الهواء ونفيه عن الأرض والمكان الذي كان فيه لولا العلقة.
وليس الشرط كالعلة فإن العلة يتعلق بها ابتداء ثبوت الحكم وعدم الحكم قبل أولية
(1/141)

الوجود لا يكون بعلة ولكن بانعدام علة الوجود أو سببه فلم يكن من حكم العلة إلا وجوب الحكم عندها، فإنه السبب لابتداء الوجوب والتعليق لتغيير حكم الوجوب بعد وجود سبب الوجوب فجرى مجرى الأصل ولهذا لم يجوز الشافعي تعليق الطلاق أو العتاق بالملك، لأن وجوده لا يسبق الملك وملك المحل هو الشرط لابتداء صحة التطليق أو الإعتاق فيه والتعليق لتغيير حكمهما بعد وجودهما، فلا بد أن يكون ملك التعليق مرتباً على شرط صحة العلة.
وقال الشافعي- رحمه الله-: لا يجوز نكاح الأمة حال وجود طول الحرة لأن الله تعالى قال: {ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} فعلق جواز نكاح الأمة بعدم طول الحرة فأوجب الإباحة عند عدم الطول ونفيها عند وجود الطول.
وقال أيضاً: لا يجوز نكاح الأمة الكتابية لأن الله تعالى علق الإباحة في الأمة بصفة الإيمان وقد ذكرنا أنه يجري مجرى الشرط.
وقال: إن تعجيل الكفارة قبل الحنث جائز، وإن علق الوجوب بالحنث كما لو قال: إن دخلت الدار فعلي كفارة لأنه، على أصله بمنزلة التأجيل، كأنه قال: لله علي أن أتصدق بدرهم غداً، والأجل لا يمنع تعجيل العبادة المالية بالإجماع فكذلك الكفارة بالمال وهذا لما ذكرنا أن ابتداء وجوب الحكم يكون مع السبب لا مع الشرط.
وإنما يكون مع الشرط تأدية فإذا وجد السبب لم يمتنع أداؤه قبل الشرط فيما يتصور وجوده ثابتاً قبل فعل الأداء من نحو العبادات المالية لأنها حقوق مالية تجب في الذمة ثم تؤدى بالفعل كديون العباد، فيتصور فيها الفصل بين الواجب بنفسه وبين وجوب الأداء على العبد فعلاً، كما في الديون المؤجلة فإذا تأخر الأداء بسبب جاز التعجيل بعد السبب بناء على ثبوته في نفسه.
فأما البدني فلا يمكن الفصل فيه بين الواجب وبين المؤدى فإنه فعل فيكون ابتداء وجوده حال الأداء فالشرط الذي يؤخر الأداء كينونته في نفسه فيمنع ثبوته قبل الشرط ويستوضح هذا بالعقد الوارد على العين دون الذمة، كمن اشترى عبداً بعينه فلا بدأن يكون التسليم مرتباً على ملك المبيع في نفسه.
وإذا اشترى منفعة عين نحو استئجار الدار لم تسبق المنفعة في الحقيقة التسليم لأنه لا يبقى زمانين، فحال التسليم حال ابتداء دخوله تحت العقد حقيقة، فكذلك ما يلتزم في الذمة إن كان الملتزم مالاً فالأداء يترتب على الواجب، ويمكن الفصل بينهما حقيقة أو اعتباراً، وإن كان الملتزم فعلاً فلا يمكن الفصل بين المؤدى والواجب.
وأما علماؤنا فإنهم ذهبوا إلى أن الأسباب الموجبة للأحكام إذا علقت بالشروط كان
(1/142)

التعليق تصرفاً في العلل بإعدامها لا في أحكامها وعند وجود الشرط يكون ابتداء وجود الأحكام كما عند وجود العلل لا فرق بينهما في حكم الابتداء، وإنما يفترقان في الإضافة فيقال عند الشرط تجب ابتداء، ولكن بالعلة تجب، وإذا كانت بمنزلة العلل في حكم الابتداء كان الانعدام قبلها بحكم أن لا تصور للوجود قبل ابتدائه لا بسبب باق كما قال الخصم في العلة، ولا إشكال فيه، وإنما الإشكال في إثبات هذا الأصل وبيانه فيمن قال لعبده: أنت حر إن دخلت الدار، فالحرية قبل الدخول منعدمة لانعدام العلة لا لأن الشرط نفاه بعد وجود سببه لأن قوله: أنت حر كما لا يعمل حتى يتم الصيغة بقوله أنت مقروناً بقوله حر لا يعمل حتى يحل محلاً صالحاً للتحرير، فإنه لو أضافه إلى بهيمة أو ميتة؛ لغا، كما إذا قال: أنت، وسكت، أو قال: حر، وسكت.
وقوله: إن دخلت الدار، منع وصول هذا الإيجاب إلى العبد لأنه تعلق بالدخول فلا يصل إليه قبل وجوده كالقنديل المعلق بحبل لا يكون واصلاً إلى الأرض ضرورة لاستحالة كينونته كائن في مكانين أو زمانين في حين واحد، وإذا لم يصل إلى محله لم يصر أنت حر علة بل كان يعرض أن يصير علة للوصول إليه عند وجود الشرط كالرمي لا يكون سبباً للقتل قبل وقوع السهم في المرمى ولكنه يعرض أن يكون علة إذا وصل إلى محله.
وكذلك النذر المعلق بالشرط ليس بسبب لأنه لا يصير سبباً ما لم يضف إلى ذمة قابلة للحكم، والشرط يمنع الوصول إلى الذمة فلا يكون سبباً كبعض النذر، ألا ترى أن بعض النصاب لما لم يكن سبباً للزكاة فكذلك النصاب بكماله في ملك كافر ليس بسبب لأنه ليس بأهل العبادة فالتعليق قرن العلة بالشرط فانعدم للحال وانعدم الحكم حكماً لانعدام أصل العلة لا لمنع الشرط الحكم بعد العلة، وعند وجود الشرط توجد العلة ثم الحكم.
فأما قوله: بأن الشرط يمنع الحكم بمنزلة الأجل فلا كذلك بل الشرط يحول بين صورة العلة ومحلها فلا تصير معه علة لأنه دخل على أصل العلة دون الحكم ومتى دخل الشرط على الحكم ما منع السبب أن يكون سبباً كالبيع بشرط الخيار فإن الخيار داخل على الحكم دون البيع فكان البيع بيعاً وأحكامه معدومة حتى يسقط الخيار فيكون حينئذ كالأجل الداخل على حكم السبب دون السبب.
وقيل: إن من حلف لا يبيع فباع بأجل أو بشرط الخيار حنث، ولو حلف لا يطلق فقال لها: أنت طالق إن دخلت الدار لا يحنث لأنه لم يطلقها بعد، وليس هذا بنظير تعليق القنديل بالحبل لأن القنديل موجود بذاته في مكان قبل التعليق، فالتعليق لم يكن لابتداء وجوده بل كان للنقل عن مكان إلى مكان آخر فلذلك أوجب تفريغ مكان وشغل مكان آخر ولهذا جوزنا تعليق الطلاق بالملك لأنه ليس بطلاق ما دام معلقاً بشرط غير واصل إلى
(1/143)

المرأة على ما ذكرنا، ولكنه يمين وإنما يصير طلاقاً عند الشرط فاعتبر ذكر الملك حينئذ لأن ملك المرأة شرط الطلاق لا اليمين بل اليمين تتناول الذمة كاليمين بالله، ولذلك لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، ولا النذر المعلق بشرط قبل الشرط لأن الكفارة علقت بالحنث لأن اليمين عنده تصير علة الكفارة، فاليمين سبب الوجود بشرط الحنث فقبل الحنث لا تكون سبباً ويكون ابتداء وجوب الكفارة حال الحنث فلا يتصور الأداء قبله كما لا يتصور قبل اليمين وكما لا يتصور تعجيل الصوم.
وفرقه الذي ذهب إليه بين المالي والبدني ساقط لما ذكرنا فيما مضى أن العبادة عبارة عن فعل العبد مالياً كان أو بدنياً وإنما يختلف محل الفعل.
فالمالي: ما يكون محل فعل العبد من تمليك أو إعتاق المال.
والبدني: ما يكون محل فعله بدنه.
فأما الواجب: ففعل في الحالين واجب في الذمة بإيجاب الله تعالى.
والأداء: فعل العبد بماله أو بدنه بعد الوجوب، والمسمى من صلاة أو صدقة ما يحصل بفعل العبد لا بالأمر فيكون ابتداء وجوده حال فعله على ما قرره بخلاف ديون العباد التي تجب أعواضاً لأن الواجب هو المال، والتسليم لتعيين الواجب لأن صاحبه ما استحق لنفسه عوضاً إلا مالاً بإزاء حقه وما استحق فعلاً، والله تعالى ما استحق على عباده إلا عبادة وما هي إلا فعل، فأما ذوات الأموال والنفوس فلا تكون عبادة على ما مر بيانه فيما مضى.
وكذلك الله تعالى يقول: {ومن لم يستطع منكم طولاً} أباح نكاح الأمة حال عدم الطول وما حرم حال وجوده بل لم يذكره فاستبيح بسائر الآيات فصار نكاح الأمة حال طول الحرة حلالاً بالآيات المطلقة، وحال عدم طول الحرة حلالاً بتلك الآيات وبهذه، وهذا جائز لأن عقد النكاح بعد معدوم والحل صفة له فصح أن يتعلق ابتداء وجوده حلالاً بوصفين وبعلتين وبعلل كثيرة.
ألا ترى أن الرجل يقول لآخر: اعتق عبدي إن دخل الدار، ثم يقول: اعتق عبدي إن كلم زيداً، ودخل الدار فيصح، ولو دخل الدار فأعتقه كان حلالاً له، ولو كلم زيداً ودخل الدار كان إعتاقه حلالاً له أيضاً بالأمرين جميعاً.
وكذلك لو قال له: اعتق عبدي ثم قال له: اعتقه إن دخل الدار. ملك المرسل والمعلق جميعاً حتى إذا عزله عن أحدهما بقي له الآخر وأحدهما متعلق بذاته والآخر بشرط.
ولو قال لعبده: أنت حر إذا جاء يوم الخميس، ثم قال له: أنت حر إذا جاء يوم الجمعة مع التعليقان، ويوم الخميس يوجد قبل الجمعة ولا يعتبر مانعاً لجواز أن يوجد
(1/144)

العتاق يوم الجمعة في الجملة نحو أن يبيع العبد حتى يمضي يوم الخميس ثم يشتريه وإنما يستنكر بأن يكون الحكم حالاً ومعلقاً في ساعة واحدة، فأما إذا كان الحكم منعدماً فجائز تعلق وجوبه بما شاء الموجب أن يعلقه به، والتعليق بشرط لا يمنع تعليقه بآخر قبله أو بعده.
فإن قيل: كيف يتعلق الحكم بشرطين وبأحدهما فيصير أحدهما كل الشرط وبعضه؟
قلنا: هذا مستنكر بعلقة واحدة فأما إذا ثبتت العلقة بنصين فهما علقتان أحدهما بشرطين، والأخرى بشرط واحد منهما فيكون كلاً في واحد وبعضاً في الآخر كصوم ثلاثة أيام كل في كفارة اليمين بعض في كفارة الكتل.
وكذلك لو قال لعبده: أنت حر إن أكلت، ثم قال: إن أكلت وشربت فأنت حر صح اليمينان جميعاً.
وأما الآجال التي لم تمنع التعجيل فهي آجال دخلت على أحكام العلل وأخرتها إذا كان الحكم مما يقبل التأخير.
فأما العلل فقد بقيت على ما كانت فلذلك لم تمنع التعجيل لأن الأجل متى سقط وجب الحكم بالعلة، وكانت موجودة قبل سقوط الأجل على ما ذكرنا أن الأجل تعرض للحكم لا غير فيستند الوجوب إلى العلة بعد زوال الأجل فيبقى الأداء بعد الوجوب حقيقة فيجوز.
فأما الشروط التي فيها النزاع فقد دخلت على نفس العلل فمنعتها الوصول إلى محالها فلم تصر علة للحال، وإنما تصير علة عنه حين وجود الشرط فلا يسبق الحكم العلة والأداء كان قبل ذلك فلم يجز.
فإن قيل: أليس إن من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً إن دخلت الدار ثم طلقها ثلاثاً بطلت اليمين لوجود الجزاء قبل الشرط، حتى لو تزوجها بعد زوج ودخلت الدار لم تطلق فدلت هذه المسألة أن المعلق بالشرط ينتفي وجوده قبله، وأن الوجود قبله يبطل التعليق به فلا يجوز أن تكون الأمة مباحة النكاح بنفسها وتتعلق الإباحة بعدم الطول؟
قلنا: إن التعليق بالشرط لا ينفي، ولكن يقتضي أن يكون ابتداء الوجود عنده على ما ذكرنا كالعلة سواء، فإذا ثبت الوجود قبله لا بد أن يبقى معه الابتداء إذا كان الحكم واحداً فيبطل التعليق والحكم في مسألة نكاح الأمة جواز النكاح، والجواز صفة النكاح لا صفة المنكوحة، والنكاح قبل أن يقع معدوم للحل فنقول نحن: إن جواز النكاح قبل أن يقع معلق بذاتها وبعدم طول الحرة أيضاً، كما أن حل الوطء معلق بتزوجها وبشرائها وإذا وكل رجل بعتق عبده، ثم وكله بعتقه إن دخل الدار فالوكالة معلقة بذات العبد ودخوله الدار، حتى إذا تزوجها مع الطول وجاز النكاح لم يبق هذا الجائز معلقاً بعدم الطول،
(1/145)

وإنما يبقى معه نكاح آخر لو تصور كالطلاق الثلاث جاز أن يتعلق وجودها بالشرط وبذاتها كما لو أرسل الثلاث للحال فبان.
وإن ملك الإرسال بغير شرط لم يدل على بطلان الوجود بالشرط إذا لم يرسل، ولكن إذا أرسل ووجدت قبل الشرط لم يبق مع الشرط لأن الثلاث كل طلاقها في هذا المحل على ما عرف والكل لا يثنى، فإذا وجد قبل الشرط لم يبق مع الشرط ضرورة لأن الواحد لا يتصور في مكانين.
وأبعد من هذا أن الشافعي فهم من المقيد حمل المطلق عليه، وإن كانا حكمين فقيد كفارة اليمين بالأيمان كما قيده الله تعالى به في كفارة القتل وهما كفارتان مختلفتان.
وفهمنا نحن من النصين أن نعمل بهما على حسب مقتضاهما في اللغة من غير حمل قال: لأن القيد زيادة وصف وإنه بمنزلة التعليق بالشرط على ما مر، والتعليق ينفي الجواز دونه فثبت النفي فيه وفي نظيره من التحرير في أنواع التكفير بخلاف زيادة الصوم في القتل فإنها لم تثبت في اليمين لأنه زيادة قدر باسم العلم، وههنا تخصيص بوصف ومثل هذا يوجب الإثبات والنفي وهذا عندنا أبعد من الأول لأنه في الباب الأول اتحد الحكم وإن اختلفت العلة وههنا اختلف الحكم والعلة، وقد روي عن ابن عباس- رضي الله عنهما-: "أبهموا ما أبهم الله"، وعن عمر- رضي الله عنه-: "أم المرأة مبهمة في كتاب الله تعالى" أي حال تحريمها عن قيد الدخول الثابت في الربيبة وعليه إجماع من بعدهم، لأن النساء في حق الأمهات ذكرن مطلقات، وفي حق الربائب قيدن بالدخول، فلم يحمل المطلق على المقيد.
والدليل على أن الدخول زيادة قيد وليس بشرط أنه دخل على النساء، والنساء معارف بالإضافة إلينا فكان زيادة القيد فيهن زيادة معرفة أيضاً كقولك عبد امرأتي، وعبد امرأتي البيضاء وهذا لما ذكرنا أنه ليس في التعليق نفي لذلك الحكم قبل القيد وإنما لا يجوز في القتل تحرير الكفارة لأنها تشرع كفارة كما لا يجوز تحرير النصف أو ذبح شاة لا لأن القيد نفى جوازه فالكفارة في نفسها وقدرها ليس تعرف إلا شرعاً، فلا يحتاج إلى الشرع لانعدام الكفارة.
ولأنا وإن سلمنا نفي ذلك الحكم بعينه قبل الشرط فلا يثبت في غيره إلا استدلالاً به، وإنما يثبت استدلالاً به إذا كان الثاني مثله سواء، والتحرير في كفارة اليمين يخالف كفارة القتل لأن الأسباب مختلفة فتختلف الأحكام وإن اتفقت اسماً كالملك الثابت بالهبة، غير الثابت صدقة وشراء وإرثاً ألا ترى كيف اختلفت صورة وحكماً فيما عدا الإعتاق من الصيام والإطعام، وكيف ظهر اختلاف في التعيين وعدمه فإن كفارة القتل تتعين وكفارة اليمين أحد الأنواع الثلاثة غير عين.
(1/146)

ولا فرق عندنا بين التخصيص بوصف وبين التخصيص باسم العلم لا لأن اسم العلم إذا لم تعقل علته يصير بمنزلة العلة، والعلة لابتداء الوجوب فلا يكون الانعدام قبل الابتداء بسبب باقي وهذا حكم الشرط والقيد عندنا على ما بينا فصار زيادة القيد، وزيادة عدد أيام الصوم والمساكين بمنزلة واحدة على هذا الوجه فلما لم تثبت زيادة العدد في كفارة اليمين، فكذلك زيادة الوصف وكان يجب على هذا القياس أن تصير أعداد ركعات الصلاة على نمط واحد.
ولما تعلق جواز الجمعة بزيادة صفة الجماعة إن وجب أن تثبت شرطاً في سائر الصلوات فإنها جنس واحد على أن الكفارات أجناس مختلفة حكماً لاختلاف أجناس أسبابها.
وكذلك صفة التتابع زيد في كفارة القتل ولم يزد على صوم كفارة اليمين، وليس في الكفارات ما قيد بصفة التفريق ليمتنع الحكم به بحكم المعارضة.
وكذلك الجواب عندنا في الحكم المطلق أنه على إطلاقه والمقيد على قيده في الحادثة الواحدة بعد أن يكونا حكمين.
قال أبو حنيفة –رضي الله عنه- فيمن كفر عن ظهاره بالصيام وجامع التي ظاهر عنها ليلاً: استقبل الصيام لقول الله تعالى: {من قبل أن يتماسا} وكذلك قال أبو حنيفة –رضي الله عنه-: لو كفر بالعتق فأعتق نصف عبده ثم جامعها ثم أعتق البقية لم يجزه، وعليه الاستقبال لأن الله تعالى قال: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا}، وبمثله لو كفر فأطعم ثلاثين مسكيناً ثم جامعها ثم أطعم ثلاثين مسكيناً أجزأه لأن الله تعالى لم يقل فيه {من قبل أن يتماسا}.
فإن قيل: إنكم زدتم صفة التتابع في كفارة اليمين حملاً على كفارة القتل.
قلنا: لا هكذا، ولكن بقراءة عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه-: {فصيام ثلاثة أيام} متتابعات وقراءته كانت رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت مشهورة في السلف فجوزنا الزيادة على النص بها كما جوزنا النسخ بمثلها من أخبار الآحاد.
فإن قيل: ألا جعلتهما كنصين فعملت بكل واحد منهما فجوزت المتابعة بقراءة عبد الله بن مسعود، والمطلقة بقراءة الجماعة، كما قلت في صدقة الفطر عن العبد الكافر أنه يجب بالنص المطلق باسم العبد، وعن المسلم بالنص المقيد بالإسلام؟
قلنا: لأن القيد هاهنا ورد على الوجوب باليمين، وأنه حكم واحد إذا قيد لم يبق غير مقيد وفي باب صدقة الفطر ورد القيد على سبب الوجوب، ويجوز أن يكون لواجب واحد سببان فأثبتنا المقيد بقيده سبباً والمطلق بإطلاقه سبباً آخر.
فإن قيل: أليست العدالة شرطاً في باب الشهادات أجمع، فالله تعالى قيد بالعدالة بعضها.
(1/147)

قلنا: إنما توقفنا في شهادة الفاسق بقول الله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} لا بقيد العدالة في البعض، وبقوله: {ممن ترضون من الشهداء} والفاسق لا يرتضى بشهادته.
والجملة: أن النفي ليس من جنس الإثبات ليثبت بدليل النص ولا مما دخل تحت النص ليثبت به أو إشارته ولا مما لا يستغنى النص عنه ليثبت مقتضى به، لأن القياس في علتين أو شرطين أو حكمين فتعيين أحدهما لا يوجب تعيين الآخر إذا كانا ينفصلان فكان هذا من جنس الاستدلال بلا دليل والاحتجاج بلا حجة، وإنه كلام متناقض في نفسه، وسيأتيك بيانه على الوجه في أبواب المقاييس في باب مفرد لقولهم لا دليل حجة، وبالله التوفيق.
ثم الخصم ترك أصله في الصوم المطلق حيث لم يشترط التتابع والله تعالى قيد بعض الصيام بالتتابع.
فإن قيل: إن الله تعالى قيد بعض الصيام بالتتابع وبعضها بالتفرق كما في صوم المتعة، وقال: {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} فالعشرة الكاملة صوم المتعة بالنص، ولو صامها متصلة لم يجزه فالمطلق منها بقي على إطلاقه لتعارض وقع بين التفريق والتتابع.
قلنا له: إن صوم السبعة لا يجب إلا بعد الرجوع فلم يصح الأداء قبله، كمن صام رمضان قبل الوقت لا أن يكون الفساد لعدم التفريق حتى لو فرق ولكن صام قبل الرجوع لم يجزه فعلم أن الفساد ليس لعدم التفريق وأنه ليس بشرط للجواز، والتتابع شرط الجواز فلا يبقى للتتابع معارض، ومع ذلك المطلق من الصيام لم يتقيد بالتتابع فبطل هذا الأصل.
فإن قيل: ألستم قلتم في رجل له أمة فولدت ثلاثة أولاد في بطون مختلفة، فقال الأكبر: ابني لم يثبت نسب الأصغرين، وإن كان المذهب عندكم أن ولد أم الولد يحدث ثابت النسب ولا ينتفي إلا بالنفي وقد صارت أم ولد بالولد الأكبر، فعلم أن نسب الأصغرين ما انتفى إلا بنفي وإن تخصيص الأكبر بالإثبات، نفي لنسب الأصغرين.
قلنا: قد ذكرنا أن التخصيص بوصف سكوت عما وراءه غير أن السكوت في موضع الحاجة إلى بيان حجة على أن حكم المسكوت عنه بخلاف المنطوق به لأنه لو لم يكن كذلك لما حل السكوت عن بيانه مع وقوع الحاجة إليه، وفي غير موضع الحاجة إلى
(1/148)

البيان لا يكون حجة وفي مسألة الأولاد سكت المولى عن البيان في وقت الحاجة إليه لأن دعوة الأولاد فريضة عليه متى علم أنهم منه نصاً، لا بناءً على أنهم ولدوا على فراشه لأن في ذلك إثبات النسب على طريق استصحاب الحال.
ألا ترى أنه ينتفي بالنفي والواجب علة إذا علم أنهم منه بيان نصاً حتى يصير بحيث لا يحتمل النفي بعده.
ولأنه حين الدعوة لم يكن لواحد منهم فراش يغنيه عن النص فلما خص الأكبر بالبيان وسكت عن الأصغرين مع الحاجة لو كانوا منه علم أنهم لم يكونوا منه، ولم يحتج إلى بيان النسب في حقهم ليكون حملاً لحاله على ما يحل له، ألا ترى أنه لو قال: هذا ابني، وأشار إلى الأكبر كان الجواب هكذا وما هنا هنا تخصيص بوصف بل بالإشارة وإنها تجري مجرى اسم العلم ولا إشكال أنه لا يتضمن نفياً.
فإن قيل: قد قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في شاهدين شهدا أن هذا الرجل وارث فلان لا نعلم له وارثاً آخر بأرض كذا: إن هذه الشهادة لا تقبل لأن تخصيص بعض الأماكن بالنفي دليل على الإثبات من غيره.
قلنا: إنهما قالا إن الشهادة تتم بقولهما إنه وارث فلما زاد لا نعلم له وارثاً آخر وخصا موضعاً اتهما بعلم الوارث في مكان آخر، والشهادات ترد بالتهم. فأما الأحكام فلا تثبت بالتهم، وأبو حنيفة رضي الله عنه يقول: هذه الشهادة مقبولة لأنهما سكتا عن النفي فيما عدا المخصوص من غير حاجة إلى البيان، لأنهما لو سكتا أصلاً عن النفي كانت الشهادة تامة والسكوت في غير موضع الحاجة أن البيان لا يكون حجة فأما التهمة فليست تثبت بالتخصيص لاحتمال أنهما خصا احترازاً عن الكذب بعلمهما بوارث في مكان آخر ويحتمل أنهما خصا احترازاً عن الخبر بغير دليل كأنهما تفحصا عن الوارث في المكان المذكور فلم يقفا عليه ولم يتفحصا عن الوارث في سائر الأمكنة، والنفي لا يعلم علم مثله إلا بدليل التفحص، فإذا احتمل الأمرين جميعاً لم تثبت التهمة بالاحتمال إلا أنهما احتاطا لأمر الشهادة.

فصل
ومن ذلك الكلام المقرون به الاستثناء، فإن قدر المستثنى من الجملة لا يثبت فيه حكم الجملة بالإجماع، وإنما لا يثبت عندنا لعدم النص الموجب في حقه، والذي يدل عليه مذهب الشافعي- رحمه الله- أنه لا يثبت بمعارضة نص الاستثناء النص المستثنى منه كما قالوا جميعاً في العام إذا خص منه شيء لم يثبت حكم العام في قدر ما تناوله الخاص لا بعدم العام فيه، ولكن بالنص الخاص الذي ورد مبيناً فالاستثناء عنده بمنزلة
(1/149)

التخصيص إلا أن هذا متصل لفظاً، وذاك منفصل لفظاً.
وعندنا لا عمل لنص الاستثناء في الحكم وإنما ينعدم حكم الجملة في قدر المستثنى لتناهي نص الجملة إلى قدر الاستثناء، كالإيجاب إلى غاية ينعدم حكمه إذا انتهى إلى الغاية لا بنص الغاية بل بانعدام الأول إذا جاءت الغاية كالصوم إلى الليل، وإباحة الأكل إلى الفجر ونحوهما.
ولنا ولهم مسائل تدل على صحة المذهبين على ما نذكرها بعد ذكر الحجة.
أما الشافعي فإنه احتج بكلام أهل اللغة أن الاستثناء من النفي إثبات، والاستثناء من الإثبات نفي، فقد أطبقوا على أن لنص الاستثناء حكم بخلاف حكم الجملة المستثنى منها قال الله تعالى: {فشربوا منه إلا قليلاً منهم}: أي إلا قليلاً لم يشربوا، إلا أنه لم يقله اختصاراً لدلالة الصدر عليه بدليل عدم ثبوت الشرب صفة لهم بموجب اللغة.
وكذلك قوله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً} أي خمسين عاماً لم يلبث فيهم.
وكذلك كلمة الشهادة (لا إله إلا الله)، أي إلا الله فإنه الإله لأنها شرعت لنفي الألوهية عما سوى الله تعالى وإثباتها لله تعالى وحده.
وكذلك قول الله تعالى: {لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً* إلا قيلاً سلاماً سلاماً} أي إلا سلاماً، فإنهم يسمعونه وقد نص الله عليه في قوله: {فسجد الملائكة كلهم أجمعين إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين} ثم قال في قول الله تعالى: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من} أن ظاهر الاستثناء نص على أن التائبين ليسوا بفاسقين إلا أنهم لم يدخلوا تحت خطاب التفسيق، فكذا يكون نصاً على قبول شهادة التائبين لأنه بيان ورد على الجملة في حق الزمان فينصرف إلى كل ما يتوقت كأن الله تعالى قال: {إلا الذين تابوا} فإنهم بعد التوبة ليسوا بفاسقين وتقبل شهادتهم.
وقال في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء" أي إلا سواء بسواء فإنه حلال، فيثبت به حكمان: حرمة البيع بالقدر مطلقاً، وحله إذا جاءت المساواة بالمعيار لا اتصال لأحدهما بالآخر.
فقال: إن الحبة بالحبة حرام وإن لم يكن لها حد بالمساواة في حالة بوجه.
وأما الحل فيتناول ما له معيار شرعي قال: ومثاله قول الله تعالى: {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون} أي إلا أن يعفون فيسقط الكل فيثبت به حكم مخالف للأول.
(1/150)

فيكون الأول ثابتاً في حق المجانين والصغائر، وحكم العفو ثابتاً في حق الكبائر العاقلات.
وقال فيمن أقر وقال: لفلان علي ألف درهم إلا ثوباً إن قدر الثوب من الألف: لا يلزمه لأن معناه: إلا ثوباً فإنه ليس علي من الألف لأنه لا يكون بياناً إلا هكذا ثم عين الثوب لا يمكن أن يجعل بياناً من الألف في أنه لم يدخل تحته فانصرف إلى قدر قيمته ليستقيم.
وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف– رضي الله عنهما- فيما إذا قال: لفلان علي ألف درهم إلا كر حنطة: إن قدر قيمة الحنطة يسقط من الألف عنه.
ومتى جعل حكم الجملة ساقطاً عن الاستثناء لعدم النص لم ينتقص من الألف شيء، لأن عدم لزوم الحنطة إياه لمعنى أن الإقرار بالألف لم يتناوله ولا يوجب نقصاناً عن الألف المقر به على ما قاله محمد بن الحسن– رحمه الله-.
فجعل الشافعي الاستثناء تعرضاً لحكم النص المستثنى منه كما جعل الشرط تعرضاً لحكم المرسل والله أعلم.
أما علماؤنا- رحمهم الله- فإنهم قالوا: إن الكلام إذا اتصل به الاستثناء كان تكلماً بالباقي بعد الثنيا، لأن الاستثناء في اللغة استخراج، ولم يستخرج به بعض حكم الجملة، بل استخرج به بعض نص الجملة على سبيل البيان، وإنما يكون بياناً إذا جعل غير ثابت كما في التخصيص للحكم متى كان تخصيصاً، وبياناً لم يكن من الأصل ثابتاً، وعلم أن المراد به بعضه فكذلك إذا جاء الاستثناء وهو بيان علم أن المراد به ما بقي، إلا أن الاستثناء تعرض للنص فتبين أن بعضه غير ثابت، والتخصيص تعرض للحكم بنص آخر بخلافه.
والدليل على أن الاستثناء تعرض للنص قول الله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً} فخمسون تعرض للعدد المثبت للألف لا لحكمه مع بقاء العدد، لأن الألف متى بقيت ألفاً لم تصلح اسماً لما دونها.
وكذلك قول الله تعالى: {فشربوا منه إلا قليلاً منهم} تعرض للشاربين فإن الشاربين هم الثابتين والقليل مستثنى منهم، ولما تعرض للعدد الذي تضمنهم الشاربون فاستخرج عن جملتهم انعدم فيهم حكم النص المتناول للشاربين لانعدام تناول النص إياهم بخروجهم بالاستثناء عن جملتهم.
ولما كان الانعدام فيهم لعدم تناول نص الشرب لم يحتج إلى أن يسقط الشرب عنهم بمعارضة الاستثناء.
وهو كمن قال: لفلان علي ألف درهم إلا مائة لم يلزمه المائة لعدم الإقرار لا لسبب
(1/151)

مسقط وتبين أن الاستثناء يصير بمعنى الحد والغاية للمستثنى منه لانعدامه عنده في نفسه ثم انعدام حكمه لانعدامه.
وهذا على مثال الشرط فإن الإيجاب متى علق به صار متعرضاً لنفس الإيجاب بأن أعدمه عن محله للحال فانعدم الحكم قبل وجوده، لانعدام الموجب لا لنفي الشرط الحكم بعد وجود علته.
فالخصم مال إلى الظاهر في الفصلين فإن الإيجاب لولا الشرط موجب للحال وجاء الانعدام ظاهراً بالشرط فجعله نافياً.
وكذلك النص العام لولا الاستثناء لأوجب عاماً وإنما سقط حكم العموم في البعض بالاستثناء.
إلا أنا قلنا انعدم الحكم بالشرط والاستثناء بواسطة انعدام العلة بهما من الوجه الذي بينا فلا يكون انعدام الحكم بعد عدم العلة بعلة نافية للحكم.
وإذا كان كذلك صار الحكم الثابت بنص قرن به الاستثناء واحداً وهو الثابت بالمستثنى منه.
وما للاستثناء في نفسه حكم غير حكم انعدام بعض ما نطق به.
بخلاف التخصيص لأنه لا يكون تخصيصاً إلا بنص آخر معارض للأول في حكمه مبين أن العام لم يرد به ما يتناوله الخاص من غير تعرض للفظ العام، بل مغير للحكم.
فأما قول أهل اللغة: الاستثناء من النفي إثبات، فإطلاق على ظاهر الحال مجازاً لا حقيقة لأنك إذا قلت: لفلان علي ألف درهم إلا عشرة لم تجب العشرة كما لو نفيتها، ولكن عدم الوجوب على المقر ليس بما ينافي الوجوب عليه بل لعدم دليل الوجوب.
وكما قالوا ذلك فقد قالوا: أنه تكلم بالباقي بعد الثنيا فلا بد من الجمع بينهما فيجعل الأول مجازاً، وهذا حقيقة حتى قالوا بأن الاستثناء ضربان: حقيقة واستثناء مقطوع وهو بمعنى "ولكن"، ثم قالوا: ما يكون من جنس الأول لم يكن استخراجاً لأنه لم يكن داخلاً تحته فكان كلاماً مبتدأ حكمه بخلاف الأول فلا يتغير به أصل الثبوت بالأول، وإنما يتغير بقاؤه.
فإن قيل: إذا قيل: لا عالم إلا زيد، كان نصاً على أن زيداً عالم، وكذلك قول الناس: لا إله إلا الله ولو جعل الاستثناء تكلماً بالباقي بعده لكان زيد مسكوتاً عن صفته.
قلنا: قول القائل: لا عالم لنفي صفة العلم أصلاً، فلما قال: إلا زيداً صار توقيتاً
(1/152)

لنفي الصفة به وقد ذكرنا أن الاستثناء بمعنى الغاية فإنا متى لم نجعل هكذا لم يكن بياناً لتقدير النفي بما قدر وقد قدره لما استخرج بعض ما نفي نصاً، ولما صار توقيتاً دل ضرورة على سقوطه بوقته وإنما يسقط نفي العلم بالعلم ضرورة كالحركة لا تزول إلا بالسكون فيما يقبل الحركة والسكون، والليل لا يزول إلا بالنهار، وكذلك كل ما يوقت ولا انعدام له إلا بضده دل ضرورة أن وقته ضده، وعلى هذا كلمة التوحيد.
ولأن الآدمي لا يخلو إما أن يكون عالماً أو غير عالم ما بينهما ثالث.
فإذا استثنى زيداً عمن ليس بعالم تعين عالماً ضرورة لا بالنص.
وكذلك الموجود اسم لما هو مخلوق أو إله ما هناك ثالث فإذا استثنى الله عما ليس بآله تعين إلهاً بالضرورة، فإذا عرفنا ما هذه الجملة لم يلزم آية القذف لأنا ذكرنا أن حقيقة الاستثناء لبيان أن المستثنى لم يدخل تحت خطاب المستثنى منه إلا أن لا يمكن فيجعل استثناء مقطوعاً.
ولا يمكن حمل الاستثناء على الحقيقة في آية القذف لأن التائبين هم القاذفون فهم الذين كانوا فسقة فجعل استثناء مقطوعاً وصار بمعنى "ولكن إن تابوا فالله يغفر لهم" فلا يتغير من ثبوت حكم الصدر شيء، وإنما يتغير بقاء ما تنفيه التوبة، وهو الفسق لا على سبيل بيان أنه لم يدخل تحت الصدر، وليس تحت التوبة قبول الشهادة لا محالة فالعبد العدل التائب لا شهادة له.
وكذلك آية العفو {إلا أن يعفون} استثناء مقطوع لا يبين أن التصنيف لم يكن إذا جاء العفو فكان مقطوعاً بمعنى ولكن إذا جاء العفو سقط الباقي بتصرف طارئ، والاستثناء المقطوع بمنزلة نص آخر يعمل به بنفسه والأول بنفسه كما قاله الشافعي رحمه الله، وإنما خالفناه في الاستثناء حقيقة كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء" فنقول: إن حكم هذا النص واحد لأن الاستثناء استثناء على الحقيقة حتى يقوم الدليل على مجازه، فيكون بياناً أن بيع الحنطة بالحنطة متساويين لم يدخل تحت النهي لأن النهي لما تناهى إلى الاستثناء ولتناهيه سقط حكمه لا بمعارض مع حال قيامه عاماً فكذا حكمه يثبت متناهياً إلى حين التساوي، لأن الحكم يثبت بقدر سببها، فيثبت به حرمة مؤقتة إلى حين التساوي كيلاً والحكم بهذا الوصف لا يثبت إلا في محل قابل لصفة التساوي وعدمه.
فأما محل لا يقبل صفة التساوي الذي بها وقتت الحرمة فلا يكون محلاً لحرمة مؤقتة بالتساوي كالحبة من الحنطة بالحنطة فإنهما بنفسهما لا يقبلان صفة التساوي التي بها تزول الحرمة، وإنما يقبلان بحبات أخر تنضم إليهما.
(1/153)

وكل ما لا ينهض لإفادة حكم إلا بما يوجد معه لم يسم بنفسه علة ولا محلاً ولا شرطاً.
وكان كقوله: "لا تنكح الثيبة حتى تستأمر" فإنه نص واحد أوجب حرمة إلى غاية، وهي حرمة نكاح امرأة تزول باستئمارها فلا يدخل تحته إلا امرأة صالحة للاستئمار، وأما من لا تصلح إلا بوصف آخر لم يوجد بعد وهو البلوغ أو العقل فلا تكون صالحة قبل ذلك على ما مر فلا يكون محلاً لهذا الحكم المؤقت بالاستئمار، إلا أن يحمل حتى تستأمر على البلوغ فيصير مجازاً.
وكذلك قوله: إلا كيلاً بكيل حتى يصير كيلاً بكيل فيكون مجازاً.
وكذلك إذا قال: لفلان علي ألف درهم، إلا ثوباً. لم يتعرض لما وجب بالجملة لأنه استثناء مقطوع فلا يكون بياناً في حق ما دخل تحت الأول بل يكون معمولاً به بنفسه على حدة، فإن أوجب العمل به معارضة الأول في حكمه تعرض بحكم المعارضة على ما مر وإلا سقط حكم البيان من كل وجه.
وههنا إذا جعل مقطوعاً وجعل كأنه قال: لكن لا ثوب له علي لم يصر متعرضاً نفي الثوب حكم الوجوب الثابت بالإقرار فبقي هذا منفياً بنصه.
والأول ثابتاً بنصه ولو أوجب دفعه لم يقدر لأنه يكون بمنزلة الرجوع بعد الإقرار.
ولهذا قال محمد رحمه الله- في قوله: لفلان علي ألف درهم إلا كر حنطة-: إنه لا ينقص من الألف شيء، إلا أن أبا حنيفة رضي الله عنه يقول: إلا كر حنطة إن لم يكن من جنس الألف تسمية فهو من جنسها في حكم الوجوب في الذمة لأن المكيلات تجب في الذمة مطلقة بكل سبب كالأثمان، والثابت بالإقرار ألف درهم واجب في الذمة فتعرض الاستثناء للوجوب إن لم يتعرض عن الدراهم فصار بياناً إن قدر المستثنى غير واجب من الألف.
فأما الثوب فليس من جنس الدراهم تسمية ولا وجوباً لأن الثوب لا يجب في الذمة مطلقاً بكل سبب لا يثبت إلا سلماً أو ثمناً مؤجلاً، فأما استهلاكاً واستقراضاً وثمناً حالاً فلا.
فإذا لم يكن من جنس الدراهم اسماً ولا حكماً لم يصر بياناً في حق الحكم، ولا الاسم، فبقي كلاماً مبتدأ وأوجب نفياً مبتدأ.
وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة ومحمد فيمن حلف: لا يكلم فلاناً إلا أن يأذن له
(1/154)

فلان، فمات فلان قبل الإذن بطلت اليمين لأن الإذن بمنزلة التوقيت، كأنه قال: حتى يأذن له فلان فيوجب اليمين حظراً مؤقتاً بإذنه فلا يبقى به حظر مطلق، ولو بقي الحظر بعد موته لبقي حظر مطلق.
فإن قيل: لو حلف لا يخرج من الدار إلا بإذني فأذن مرة لم تبطل اليمين، ولو قال: حتى آذن لك بطلت اليمين إذا أذن مرة ففرقوا بين الغاية والاستثناء.
قلنا: لأنهما لم يتناولا محلاً واحداً لأن قوله: "حتى" دخلت على الحظر الثابت باليمين فتوقف الحظر به "وإلا" دخلت على المصدر إي إلا خروجاً بإذنه فالخروج محظور بيمينه مطلقاً، فلما استثنى خروجاً بإذنه بقي ما عداه تحت اليمين، كذلك فصار الاستثناء نهاية للخروج المحظور، وحتى غاية للحظر الثابت باليمين لنفس الفعل لا للاسم والمصدر.
ومن هذا القبيل قول الشافعي إن الأمر بفعل رفع لضده، والنهي عن الفعل رفع للأمر به، وهذا عندنا حكم السكوت على ما مر ذكره في أبواب الأوامر والنواهي.
ومن ذلك قول بعض أهل النظر إن العام يخص بسببه وهذا عمل بالسكوت على الإطلاق، وإنه على أقسام أربعة:
نص نقل معه سببه، كما روي: زنى ماعز فرجم، وسهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد، وكقوله: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه} الآية.
ومنها ما لا ينقل معه سببه وإنه على أوجه ثلاثة:
ما لا يستقل بنفسه حتى يربط بسببه كقوله تعالى: {ألست بربكم قالوا بلى} قوله: بلى لا يستقل بنفسه فلا بد ا، يربط بسببه.
- ومنها ما يستقل وهو على ضربين: ما خرج جواباً للسؤال وكان السؤال سبب خروجه ما فيه زيادة على حرف الجواب فيختص بالسبب كالرجل يقول لآخر: إنك لتغتسل هذه الليلة في هذه الدار عن جنابة، فقال: إن اغتسلت فعبدي حر. فإنه يختص بما تقدم حتى إذا اغتسل لا عن جنابة لم يحنث.
والوجه الآخر ما فيه زيادة يستغني عنها الجواب فلا يقتصر على السبب بل يعم وفيه الخلاف كما لو قيل له: إنك لتغتسل الليلة في هذه الدار عن جنابة فقال: إن اغتسلت الليلة فعبدي حر كان عاماً حتى يحنث عن أي سبب اغتسل.
وأما الأول فلأنه لما نقل معه السبب صار النص حكماً لذلك السبب، وحكم العلة مخصوص بها لا يبقى بدونها مضافاً إليها بحال ولا بد للبقاء دونها من علة أخرى.
(1/155)

وكذلك النوع الثاني لأنه متى لم يستقل بنفسه حتى يربط بما قبله من السبب صار كبعض الكلام من جملة فلا يجوز تفصيله للعمل به.
وأما إذا استقل بنفسه فإن خرج مخرج الجواب وقت الحاجة إليه، وما فيه زيادة على الجواب ابتنى على السؤال لأنه جواب عنه، وصار بمنزلة الحكم للعلة- على ما مر- وبعض الكلام من الجملة فصار مقتضياً حكاية ما في السؤال أي: إن اغتسلت عن ذلك السبب الذي قلته فعبدي حر.
وكمن إذا قيل له: تعال فتغد، فقال: والله لا أتغدى. اختص بذلك الغداء في ذلك الفور.
فأما إذا كان فيه زيادة فتعم لأنا متى جعلناها جواباً لغت الزيادة فجعلناها ابتداء لتصير معمولاً بها وصار إلغاء الحال أولى من إلغاء الكلمة في نفسها، لأن السبب ساكت عن إيجاب القصر عليه، والزيادة ناطقة بالعمل بها بلا تخصيص.
وعلى هذا القول جمهور العلماء نزلت آية الظهار بسبب خولة ولم يقتصر عليها لعمومها في نفسها وخلوها عن دلالة التخصيص.
ونزلت آية حد القذف بسبب عائشة- رضي الله عنها- فكانت عامة.
ونزلت آية اللعان بسبب سعد بن معاذ وكانت عامة.
ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجدهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: "من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" ولم يختص الخطاب بمن يسلف إلى أجل مجهول فيلزمه الخطاب إعلام الأجل دون غيره، وإن كان سبب الخطاب إسلافهم إلى آجال مجهولة لأن النص مستقل بنفسه خال عن قيد الخصوص غير سببه فلم يكن السبب بنفسه مخصصاً.
ومن ذلك قول بعض أهل النظر ممن لا تبع له من نحارير الفقهاء: أن الاتفاق في النظم يدل على الاتفاق في الحكم كقول الله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} هذه كلمات نفي اتفقت نظماً، ومعنى الاتفاق نظماً ان يكون الكلام جملاً تامة لو فصل بعضها عن بعض أفاد كما لو وصل فوصل بينهما تكلماً بواو فهذه تسمى واو نظم فقد حسن بها نظم الكلام، وإن كان جملاً كقولك: جاء زيد، وتكلم عمرو.
فأما واو العطف فما دخلت بين جملتين إحداهما ناقصة فتمت بحكم تلك الواو العاطفة على الولى حتى تصير بحكم الانعطاف مثل الأولى فيما تمت به الأولى كقولك:
(1/156)

جاء زيد وعمرو، فعمرو إنما يتم بخبر زيد، هذا حر وهذا، فهذا يتم بخبر الأول، فهذا تفسير واو العطف.
وأما الذين قالوا؛ هذه الواو تدل على الاتفاق حكماً، فشبهوا هذه الواو بواو العطف، وقالوا: إذا تحقق العطف صار الكل كلاماً واحداً كما لو تكرر الخبر لكل اسم فيصير خبر الأول خبر بعينه للثاني ألا ترى أن خطاب الشرع محمول على المتفاهم من مخاطبة العرب بينهم، والواحد منا إذا قال: عبده حر، وامرأته طالق إن كلمت زيداً تعلق الأمران بالشرط وكل واحد جملة تامة فلو اعتبرا منفصلين لما تعلق الأول بالشرط.
إلا أن نقول هذه الواو ساكتة عن جعل الجمل كلاماً واحداً، وجعل خبر الأولى خبراً للأخرى. لأن الخبر منصوص عليه بالأخرى فاستغنى عن خبر الأولى.
ولأنا متى جعلنا ذلك صار خبر كل جملة خبراً للجميع كما لو لم يوجد إلا خبر واحد فإنه يكون خبر للجملة، وإنه ساقط بإجماع أهل اللسان.
فأما الواو فقد استعملت لا للعطف قال الله تعالى: {لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء} {وريشاً ولباس التقوى} فلباس ابتداء لولا ذلك لما استقام مخالفة المعطوف المعطوف عليه إعراباً، وكانت الواو لتحسين نظم المتكلم لا غير فمن جعل واو النظم لإثبات الشركة بين الجمل فقد أثبت بها بما ليس بموجبها لغة وعمل بما سكتت عنه وغنما يجب ذلك بدلالة أخرى توجب الوصل أو الاشتراك.
ومن ذلك قول الله تعالى في آية القذف: {وأولئك هم الفاسقون} فهذه الواو عندنا واو النظم لا واو العطف فتبقى هذه الجملة مفصولة عن الأولى فلم يلتحق الاستثناء بالأولى.
وعند الشافعي هذه واو العطف وإنما واو النظم ما قبلها: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً} فهذا حكم مفصول عنده عن الجلد موصول بالفسق فانصرف الاستثناء إليه، ولم ينصرف إلى الجلد ثم هذا من الشافعي عمل بالسكوت لأن كل واحدة من الجملتين تامة خبر وجواب متى اعتبر ابتداء وإنما ينتقص إذا اعتبر جزاء عن القذف وقوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة} يصلح جزاء دون الفسق لأن ظاهر الآية شاهد بكون النصين جزاء {فاجلدوهم} {ولا تقبلوا} فإنه خطاب راجع إلى الأئمة معطوفاً على خطاب الجلد والأول جزاء فكان الثاني جزاء لأن النص وإن فهم بنفسه فقد نقل معه سببه، وهو القذف فيجب ربط كل ما يصلح جزاء له به وجرح العدالة يصلح جزاء كالجلد لأنه ضرب عقوبة إذا قوبل بقبول القول منه فبهذه الدلالة جعلنا الواو الأولى للعطف.
فأما الفسق فلا يصلح جزاء فإن الفسق في اللغة الخروج، وفي الشرع الخروج عن
(1/157)

أوامر الله تعالى بمعصية يرتكبها فلا يقع الفرق بين قولنا: فسق، وبين قولنا: عصى فيكون الفسق عصياناً لا بياناً لجزائه.
وكذلك النظم دليل عليه، لأنه لم يخاطب الأئمة، والأئمة هم المخاطبون بإقامة الحدود كما في الزنا والسرقة بل أخبر عن صفة القاذف كما قال: {فأولئك عند الله هم الكاذبون} أي: القذفة وإن كان خبراً يحتمل الحسبة لإقامة الحد والمعصية لقصد هتك الستر فإنه متى عجز عن الشهود حتى حد صار معصية وفسقاً فأخبر الله بذلك لتزول عنها شبهة الاحتمال، وشبهة إيجاب الحد عليه بما فعله محتسب ومتى لم يصر الفسق جزاء وهو كلام تام بنفسه صار ابتداء فالشافعي متى قطع: {ولا تقبلوا} عن قوله: {فاجلدوهم} صار قاطعاً بلا دليل من النص ونحن متى قطعنا الفاسقين عما قبله قطعنا بدليل من النص نفسه فلم يلتحق الاستثناء بما تقدم.
فأما قول الرجل: عبده حر، وامرأته طالق إن كلمت زيداً، فإنما التحق الشرط بهما لأنه بين بأجزاء الكلام أنه حلف ولم يرسل الإيجاب، والحلف غير الإرسال وتمام الحلف بالشرط والجواب فصارت الجملة الأولى ناقصة على اعتبار الحلف لأنه لا شرط لها، فصارت الواو واو العطف كما لو كان إرسالاً فقال: هذه طالق، وهذه فإنهما تطلقان لأن الثانية ناقصة إرسالاً فانعطفت على الأولى وشركتها في خبرها، وصارت جملة واحدة فكذلك هذه اعتبرت يميناً، ونظير ما نحن فيه قوله: لفلان علي ألف درهم ولفلان علي ألف درهم إلا عشرة فإن الاستثناء يقتصر على الثاني.
ومن ذلك الجمع المضاف إلى جماعة كقول الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة}، {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} فمن الناس من قال: حقيقة هذا الجمع تتناول جماعة أموال كل واحد من الجملة لأنها اسم جمع لولا الإضافة، ومع الإضافة يمكننا العمل بحقيقة موجبها مطلقة فلا نخصها بغير دليل، وهذا عند عامة العلماء عمل بلا دليل.
قال علماؤنا فيمن قال لامرأتين له: إن ولدتما ولدين او دخلتما دارين فأنتما طالقان، فولدت كل واحدة ولداً أو دخلت داراً واحدة طلقتا جميعاً.
لأن هذه جماعة مضافة إلى جماعة فيجب تحقيق الجماعة المضافة بسبب الإضافة حتى لا تصير الإضافة لغواً اعتبراها في الجماعة المعرفة بالإضافة، فإن الإلغاء لا يجوز إلا بدليل، واعتمادهم على الجماعة ليس بدليل، لأن الجماعة مقيدة بالإضافة ونحن نحققها كذلك.
فأما المطلقة فمعدومة كالإيجاب المعلق بشرط يكون سكوتاً عما عداه، وعلى هذا تفاهم الناس من خطابهم: لبس القوم ثيابهم ونعالهم وحلقوا رؤوسهم ومشطوا لحاهم، ويقول الشاعر:
(1/158)

وإنا نرى أقدامنا في نعالهم ... وآنفنا بين اللحى والحواجب
ولا يكون لكل واحد إلا أنف، والله تعالى يقول: {فقد صغت قلوبكما} ولن يكون لواحد إلا قلب، وقال: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} الآية، ولم يجب بالسرقة الواحدة من السارق والسارقة إلا قطع يد واحدة من كل واحد منهما.
ولو اوجب هذا الاسم جماعة الأيدي؛ في حق كل واحد منهما لوجب قطع الأيدي جملة منهما بالمرة الواحدة، لأن الله تعالى جعل جزاء سرقة واحدة قطع أيديهما.
فلما لم يجب إلا قطع يد واحدة، علم أن الجمع المضاف إلى جماعة، آحاد في حق الآحاد.
وقال الله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله} والمحظور على كل واحد منهم حلق رأس نفسه بهذا الخطاب حتى لو حلق رأس غيره لم يلزمه الدم المتعلق بحلق رأسه، وقال جل جلاله: {جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم}.
ومن ذلك قول بعضهم: إن العام يخص بغرضه ولا يكون حجة فيما عداه وانه بمنزلة التخصيص بسببه لأن المتكلم إنما يتكلم لغرضه فذلك الغرض سبب خروج الكلام من المتكلم، ومن ذلك قولهم: إن كلام المدح والذم والثناء، والاستثناء لا عموم له. وذلك قول بالتشهي لأن العام حيث قيل بعمومه، فإنما قيل به لأن الوضع للعموم وإنه قائم مع كونه ذماً أو مدحاً أو استثناء، لأن العرب تمدح العام بوصف عام، وقد تذم كذلك وقد تستثني كذلك فلا تدل هذه الصفات على التخصيص وترك الحقيقة.
فهذه جملة ما ذكرنا من فنون الأقوال في هذا الباب فإن شذ عنا شيء فليقس بما ذكرنا، فقد حددنا للعمل باللفظ حداً لا يعدوه، وهو العمل بنصه وإشارته ودلالته ومقتضاه، وحددنا كل قسم بحد يمتاز به عن غيره، ليعلم أن ما لا يدخل تحت الحد أنه عمل لا بالنص فلا يبقى إلا الرأي والقياس، غير أن الحدود التي قلناها متقاربة، يشبه بعضها بعضاً، لا يثبت قدم سالكها على الحد إلا بحد التأمل.
فليشمر المهتدي لما أشرنا إليه أذيال خاطره، ثم ليستعن بالله فلا يضل، فإن التخريج على هذه الحدود ورد كل نوع إلى نظيره أصعب انقياداً للقلب من معرفة الأقسام بحدودها، وما التوفيق إلا بالله تعالى.
(1/159)

باب

القول في إبانة طريق المراد بمطلق الكلام
قد ذكرنا فيما مضى أن الكلام ضربان: حقيقة ومجاز، فإن المجاز لا يصل إليه إلا بدلالة وربما يشكل على السامعين مجاز الكلام من حقيقته، وربما يشكل أيضاً المراد من النوعين ولا يمكن التبين إلا بروية فيقع فيه الاختلاف بين أهل الروية فيحتاج إلى معرفة طريق التبين عند الإشكال ليمكننا الوصول إلى المراد بالكلام.
وطريقته بالنظر في السبب الداعي إلى ذلك الاسم من تعريف الأسماء في باب الوضعيات التي لا معنى لها، أو تعريف المعنى في المعنويات فما كان أكثر إفادة كان أحق بالإرادة.
وظهور ذلك من أحد طريقين:
أ- إما بمحل الكلام.
ب- وإما بنفس الكلام في نوعي الكلام جميعاً: حقيقته ومجازه، فصير أربعاً.
أما من حيث المحل فنحو اللفظ العام فقد اختلف أهل العلم فيه.
فقال بعضهم: مطلقه ينصرف إلى الخصوص.
وقال بعضهم: إلى العموم.
وهذا أحق لأن بعض المحل الذي وضع الاسم علماً عليه يبقى غير مراد به إذا انصرف إلى الخصوص.
ولأنا لو جعلنا المراد به الخصوص، وقد وجدنا لذلك الخاص اسماً خاصاً، لصار لمسمى واحد اسمان لغرض واحد، فيكون تكراراً فتقل فائدة أصل الاسم لأنه لأجل الإعلام وضع.
والإعلام حاصل قبل الاسم المكرر وإنما يحصل بالتكرار التأكد وتوسعة البيان فيكون دون فائدة أصل الوضع فلا يجوز ترك إكمال الفائدة إلى البعض إلا بدلالة، فهما معنيان يدلان على ما قلناه مأخوذان من محل الكلام، وهو ما يدخل تحته مسمى به لا من نفس الكلام، فإنه متى حمل على الخصوص صار تناوله قدر ما تناوله تناولاً بحقيقته كما لو عم.
(1/160)

وأما ما يعرف من نفس الكلام وهو أقوى البابين وأكثر فقهاً فنحو قول الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} فقد اختلف أهل العلم في تفسير معنى اللغو؟
قال علماؤنا- رحمهم الله-: لغو اليمين ما لا يفيد فائدتها المطلوبة منها شرعاً ووضعاً، وهو تحقيق الصدق من الخبر الذي عقد عليه اليمين وإنما تنعدم هذه الفائدة إذا كان الخبر غير محتمل للصدق.
وقال الشافعي: لغو اليمين ما جرى على اللسان من غير قصد.
وإجماع منا على جواز الإطلاق على كل واحد من المنعيين فنقول:
ما ذهبنا إليه أولى لأنا وجدنا للخارج من غير قصد اسماً موضوعاً له.
وهو الخطأ الذي هو ضد العمد.
والسهو الذي هو ضد التحفظ.
فمتى حملنا اللغو عليه كان تكراراً.
فأما الكلام الذي لا يفيد فائدته لانعدام شرط صحته لا لحال المتكلم فما له اسم سوى اللغو قال الله تعالى: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} أي الكلام الفاحش الذي هو خلو عن الفائدة المطلوبة منه في الحكمة، ليس الكلام الخارج من غير قصد فإن ذلك عفو لا عنت فيه وقال الله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} أي عارضوا بالتعنت، وما ليس بصحيح في الحكمة فلعلكم تغلبون بالمغالبة إن لم يكن بالمحاجة الصحيحة ولم يرد به: تكلموا من غير قصد، فإن الأمر به لا يستقيم.
وكذلك الرجل إذا تكلم بالخنا قيل له: ألغيت: {وإذا مروا باللغو مروا كراماً} أي صبروا عن الجواب، دل عليه أنه متى حمل على ما قالوا كان الفساد لمعنى في القلب؛ الذي هو سبب التكلم فيصير لغواً لفساد السبب، وعلى ما نقوله نحن يصير لغواً بنفسه لكونه غير مفيد وضعاً ولا شرعاً.
وكذلك العلماء اختلفوا في العقد؟
فقال بعضهم: هو القصد.
وعندنا: العقد هو ربط اللفظ باللفظ لإيجاب حكم نحو: ربط اليمين بالخبر المضاف إليه لإيجاب الصدق منه وتحقيقه، وربط البيع بالشراء لإيجاب الملك، وهذا أقرب إلى الحقيقة لن العقد حقيقته؛ من حيث عقد الحبل إذا شددت بعضه ببعض لأمر تريده لا يتم إلا به وضده الحل.
(1/161)

تقول العرب: يا عاقد اذكر حلاً.
ثم استعير للألفاظ إذا عقد بعضها ببعض لإيجاب حكم.
ثم استعير للقبل إذا عقد عزمه لأمر ما فصار عقد اللفظ أقرب غلى الحقيقة بدرجة.
ولأنا متى حملنا على عقد اللفظ بالإضافة إلى خبر يحتمل الصدق لينعقد لإيجابه كان الانعقاد صفة لليمين نفسها.
ومتى حمل على القصد لم يصر صفة لليمين نفسها، لأن اليمين لا تكون بالقصد حتى يتكلم بها وإنما القصد سبب خروج الحلف فتصير اليمين معقودة بسببه لا بنفسه، ألا ترى ان ضد العقد الحل، فما ينعدم بالحل يكون عقداً حقيقة.
على ما نفسره نحن ينعدم بالحل فإن اليمين تنحل بالحنث فتنعدم، وضد العقد الذي هو قصد القلب السهو لا الحل فلما لم ينعدم العقد بشرط الحنث الذي هو حل، علم أنه حين وجد لم يكن عقداً حقيقة بل كان مجازاً، وكان غيره حقيقة.
ومن ذلك اختلاف الناس في القرء؟
قال بعضهم: حيض.
وقال بعضهم: إطهار.
فالقول بالحيض أقرب إلى الحقيقة لأن القرء: اسم معنوي للحيض أو الطهر بلا اختلاف فلئن أخذ الاسم لهما من معنى الاجتماع كما في قول الله تعالى: {فإذا قرأناه} أي جمعناه، ويقول الشاعر:
هجان اللون لم تقرأ جنيناً
أي لم تجمع إلى رحمها ولد فالحيض أولى بهذا المعنى من الطهر لأن الحيض: اسم لدم مجتمع في نفسه، فإن نفس الدم لا يكون حيضاً حتى يدوم مدة وإن اختلف الناس في تلك المدة.
وأما الطهر فليس بشيء مجتمع ولكنه حال لاجتماع دم الحيض بأن كان يجتمع وقت الطهر ثم يدر.
ولئن أخذ هذا الاسم من الوقت المعتاد كما يقول الشاعر:
إذا هبت لقارئها الرياح
أي لوقتها المعلوم، ويقول آخر:
يا رب ذي ضغن وضب فارض .... له قروء كقروء الحائض
(1/162)

أي أوقات معلومة، فالحيض أولى بهذا الاسم لأن الوقت المعلوم نصب للحيض لنفس الحيض، ونصب للطهر لا لنفس الطهر، بل للحيض فإن النصب احتيج إليه لإقامة الأحكام، والحكام تتغير بالحيض لا بالطهر.
وكذلك القروء: اسم جمع وأقل الجمع الصحيح ثلاثة كوامل والبعض مجاز على ما نذكره، ولن يكمل الأطهار ثلاثة قروء قط للطلاق المشروع لن الطلاق شرع في الطهر فيكون الجزء الماضي قبل الطلاق والمقارن إياه غير محسوب من العدة.
ومن ذلك اختلاف العلماء في (النكاح المطلق) أنه ينصرف إلى الوطء أو العقد فالقول بالوطء أقرب إلى الحقيقة لأنه اسم معنوي مأخوذ من الظن يقول الشاعر:
أنكحت ضم صفاها خف يعملة ... تغشمرت بي إليك السهل والجبلا
أي: ألزمت وضممت، والضم إنما يتحقق بالجماع. فأما العقد فسبب للضم فكان للوطء حقيقة وللسبب مجازاً.
ومن ذلك اختلاف العلماء في ان أقل الجمع الصحيح للثلاثة أو للاثنين بعد وجود الإطلاق عليهما جميعاً.
والقول بأنه اسم للثلاثة حقيقة وللاثنين مجازاً أولى لأن العرب فصلت بين علامة الاثنين وعددهما، وعلامة الثلاث وعددها، كما فصلت بين الاثنين والواحد فقالت: رجل واحد، ورجلان اثنان، ورجال ثلاثة فما فوقهم.
فعلم أنها على الحقيقة أسماء لمسميات ثلاثة، وفي جعل الجمع اسماً للاثنين إثبات تكرار فيكون رجلان ورجال اسمين للاثنين ثم يجب على قياد هذا أن يكون اسم رجلين اسماً لثلاثة أيضاً لما صارا واحداً.
وقد قال علماؤنا- فيمن حلف لا يكلم رجالاً-: أنه على الثلاثة، وكذلك إذا أقر بدراهم، لزمته ثلاثة، وكذلك الجمعة لا تصح إلا بالجماعة، ثم كان الشرط ثلاثة من الجماعة فعلم انه أقل الجمع.
وقالوا- في سائر الصلوات-: أن الإمام إذا صلى بواحد قام بحذائه لأنهما ليسا بجماعة والاصطفاف بعد الإمام من حكم الجماعة، ولو كان سوى الإمام رجلان قاما خلفه صفاً لأنهما جماعة مع الإمام والإمام منهم في حق الجماعة، لأن صلاة الإمام تصح بلا جماعة، ولكن أمرنا ان تكون الصلاة بجماعة والصلاة حصلت بثلاثة فكانت بجماعة.
فعلى هذا مسائل علمائنا إلا باب الوصايا فإنهم جعلوا الاثنين في حكم الثلاثة في استحقاق الوصية المضافة إلى جماعة لأنها أخت الميراث، وقد قام الدليل في المواريث ان الاثنين في حكم الثلاثة لا من جهة النص، فإن النص قوله: {فإن كن نساء فوق اثنتين
(1/163)

فلهن ثلثا ما ترك} والنساء فوق الثنتين لا يتناولن الثنتين بلا إشكال، ولكن من جهة دليل آخر تبين لنا ان فوق مؤخر والمراد به نساء اثنتين فما فوقهما فلما ثبت ذلك في باب المواريث ثبت في الوصايا استدلالاً بها، ولهذا كان أقل الاسم على ثلاثة أحرف في أصل الوضع، لأن الكلام حروف مجموعة فكان أقلها ثلاثة أحرف.
ومن ذلك موجب الواو فقد قيل: إنها للترتيب والإشراك، والجمع.
والصحيح ان الواو تقتضي مشاركة المعطوف والمعطوف عليه في خبره كأن الخبر كرر في حقه شركة مطلقة من غير وصف المقارنة أو الترتيب أو غيرهما ذلك لأنا وجدنا كلمة "مع" توجب المقارنة.
و"الفاء" توجب الترتيب بلا فصل.
و"ثم" توجب الترتيب بفصل.
فلو حملت الواو على أحد هذه المعاني لصار الاسم لذلك المعنى مكرراً.
ولو حملت على شركة بصفة متعينة محتملة للقرآن والفصل والترتيب صار لها فائدة جديدة، ألا ترى انك إذا قلت: جاء زيد وعمرو وكنت أخبرت عن مجيئهما جميعاً مطلقاً، وكنت صادقاً في الخبر، جاءا معاً أو متفرقين او متعاقبين.
وقد يراد بها معنى بعينه بدلالة توجب زيادة الوصف كالاسم المطلق قد يختص بقيد بدلالة، ولهذا قال علماؤنا: إن الواجب من غسل الوضوء غسل الأعضاء مطلقاً بلا تعيين وصف، من ترتيب أو مقارنة أو تفريق. وإذا قال لعبيده- وهم ثلاثة-: هذا حر أو هذا وهذا عتق الثالث وله الخيار في الأولين.
وقال الفراء: له الخيار بين أن يعتق الأول او الآخرين لأن الواو للجمع فيصير قوله أو هذا وهذا، كقوله: أو هذان كما إذا قال: هذه الألف لفلان وفلان، كان بينهما كما لو قال لهما.
إلا انا نقول: الواو لا توجب صفة الجمع والمقارنة على ما قلنا، فلا يصير الثالث داخلاً تحت العتق مع الثاني بكلمة الواو وقد فرق بينهما لفظاً فبقي داخلاً وحده كما تكلم وبقي الخيار بين الأول والثاني ويصير الثالث معطوفاً على الذي عتق لما بقي وحده إذ لا يصح العطف على الذي لم يعتق لن المراد بالجملة الأولى الذي عتق فإن قوله هذا حر أو هذا كقوله: أحدهما حر، ولو قال: أحدهما حر وهذا، عتق الثالث عيناً لأنه لا جهالة فيه وقد عطف على حر مجهول ألا ترى أن المعطوف يدخل تحت خبر المعطوف عليه كأنه كرر في حقه ومتى جعلا مجموعين لم يستقم فإنه لا يستقيم أن تقول هذا حر وهذان حر بل يجب أن يقال هذان حران.
(1/164)

فثبت أن الصحيح أن يجعل كأنه قال: هذا حر أو هذا حر وهذا حر.
ولا يلزم مسألة الإقرار فإنا حملناه على الشركة على سبيل المقارنة بدلالة، وهو أن أول الكلام موقوف على آخره فيما يخرج بياناً وهو بذكر فلان وفلان يبين من يستحق المال ولا يستقيم البيان على معنى أن يجعل الكل للأول ثم للثاني، وإنما يستقيم على سبيل الشركة على المساواة.
فإن قيل: أليس الرجل إذا قال لامرأته ولم يدخل بها: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق، فدخلت، لم تطلق إلا واحدة عند أبي حنيفة- رضي الله عنه- لأن التطليقات تعلقن مرتبة بحرف الواو، وعندهما: تقع جملة لأن الواو للجمع فكأن قولك: هذا مما يخالف الأصلين؟
قلنا: ما هذا الاختلاف من هذا الجانب بل أبو حنيفة رضي الله عنه يقول: إن الطلاق الأول تعلق بالشرط بلا واسطة، والثاني تعلق به بواسطة بينهما، وهو الطلاق الأول لأن كل واحد منهما تعلق حين ما تكلم به، وقد تكلم بهما في وقتين فبالواو لا يجتمعان لأن الواو لا توجب الجمع وهما يقولان: تفرق أوقات تعلق الطلاق بشرط لا يوجب تفرق الوقوع كما لو تكرر الشرط فلا يتفرق بالواو، لأن الواو لا توجب التفريق.
ومن ذلك كلمة "أو" فقد زعم عامة الناس أنها للتخيير في الإثبات وللنفي في النفي محتجين بقول الله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} وكان للتخيير، وقال: {ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً} أي: ولا كفوراً.
والصحيح عندنا أن كلمة "أو" كلمة تشكيك لأنا متى جعلناها للتخيير مرة وللنفي مرة أخرى كان كلاماً محتملاً.
والأصل أن الاسم له معنى واحد، ويدل عليه أنك إذا قلت: رأيت زيداً أو عمراً أخبرت عن رؤية كل واحد منهما على سبيل الشك، واحتمال أنك لم تره لا يفهم غير ذلك حتى تصير كاذباً إذا رأيت أحدهما بعينه وأنت تعلمه أو رأيتهما جميعاً.
ولأنك إذا قلت: رأيت زيداً وعمراً أوجب الواو رؤيتهما.
وإذا قلت: رأيت زيداً بل عمراً فكان "بل" لإقامة عمرو مقام زيد في الرؤية على سبيل استدراك الغلط به.
وإذا قلت: رأست زيداً أو عمراً أخبرت أنك لم ترهما يقيناً وإنما رأيت أحدهما، ولكنك شككت في معرفة ذلك منهما حتى احتمل كل واحد منهما ان يكون هو المرئي وأن لا يكون، فتكون لهذه الكلمة فائدة على حدة إلا أنها إذا استعملت في الإيجابات والأوامر والنواهي والإنشاءات لم توجب شكاً لأن الشك إنما يتحقق عند التباس العلم
(1/165)

بشيء وذلك إنما يكون في الإخبارات، وأما الإنشاءات من إيجاب وأمر ونهي وتحريم وهي لإيجاب حكم مبتدأ، فلا يتصور فيهما شك ولا التباس وإذا بطل معنى الشك إذا استعملت في غير الخبر.
قلنا: إن دخلت بن أمرين أو إيجابين أوجبت التخيير لما ذكرنا أنها إذا دخلت في الخبر نفت دخول المذكورين جميعاً تحت ما أخبر به وثبت أن المراد به إما هذا وإما هذا لما ذكرنا أن اللفظ يتناول كل واحد منهما على سبيل الشك، وإنهما ليسا بثابتين معاً.
وإذا انتفى معنى الشك في الإيجابين بقي المعنى الآخر وهو أن الثابت إما هذا، وإما هذا فأوجب ضرورة التمكن من أداء الواجب لأن الأداء لا يتصور إلا بمعين.
وإذا دخلت بين إباحتين كقولك: جالس الحسن أو ابن سرين، وكل هذا الطعام أو هذا، صارا جميعاً مباحين لأن معنى الشك باطل لما قلنا في الأمر.
وكذلك معنى الخيار إنما وجب للتمكن من أداء الواجب، على ما ذكرنا ولا وجوب في الإباحة فلم يثبت الخيار.
وإذا دخلت بين نفيين أو تحريمين كقول الله تعالى: {ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً} صارت بمعنى "ولا"، وكذلك إذا حلف فقال: والله لا أكلم فلاناً، أو فلاناً.
لأن معنى الشك ساقط لما ذكرنا في الإيجاب.
ومعنى الخيار ساقط لأنه لا فعل عليه في التحريم والخيار كان لضرورة الإمكان من الفعل فبقي معنى دخول كل واحد منهما على الإنفاد بلا خيار.
وكذلك إذا قال: ما رأيت زيداً أو عمراً، لو انصرف إلى نفي رؤية أحدهما دون الاخر لصار بمعنى قوله: رأيت زيداً أو عمراً فيكون حينئذ النفي والإثبات واحداً، بل لما ثبت بقوله رأيت زيداً أو عمراً رؤية كل واحد منهما على الشك صار ذلك بعينه منفياً بقوله: ما رأيت زيداً أو عمراً، فأوجب دخول كل واحد منهما تحت النفي على الانفراد وصار كقوله: ما رأيت زيداً ولا عمراً، لا كقوله: ما رأيت أحدهما. وإن كانا يتفقان معنى.
وأما إذا دخل بين نفي وإثبات، كقوله: والله لا أدخل هذه الدار أو أدخل هذه الدار الأخرى. كان بمنزلة "حتى" فإن دخل الدار الأولى حنث وإن دخل الدار الأخرى سقطت اليمين إلى بر لأن عمل "أو" في النفي عمل بلا شك، وعمله في الإثبات بأن لا يثبت إلا أحدهما فاعتبر في حق الدار الأولى بنفيين كأنه قال: والله لا أدخل هذه الدار أو هذه الدار، وفي الدار الأخرى بالإثباتين، كأنه قال: والله لأدخلن هذه الدار أو هذه الدار فإذا دخل في أحدهما بر في يمينه وتمت اليمين براً فكذا ههنا إذا دخل الدار الثانية.
(1/166)

ثم البر بهما وما ينتهي إليه بر اليمين معقودة على النفي كان غاية، قالوا: وإذا قال والله لا أكلم الناس غلا فلاناً أو فلاتاً كان له أن يكلمهما جميعاً لأن الاستثناء من الحظر إباحة، وقد ذكرنا أنها في الإباحة توجب إباحة كل واحد مما دخلت عليه، كقولهم: كل هذا أو هذا، والله أعلم بالصواب.
(1/167)

باب

القول في الحجج المجوزة من الشرعيات
وهي التي توجب العمل بها دون العلم.
فلما أوجبت العمل بها كانت حجة.
ولما لم توجب العلم- والعمل بغير علم باطل في الأصل- سميناها مجوزة، حيث جوزت العمل بغالب الرأي في ثبوتها بلا علم حقيقة توسعة علينا.
وهي أربعة انواع:
الآية المؤولة: لكونها مشكلة قبل التأويل، أو مشتركة، أو مجملة.
والعام الذي ثبت خصوصه، على ما مر من الأنواع التي لا توجب العلم قطعاً من كتاب الله تعالى.
وخبر الواحد أو خبر الصحابي.
والقياس، لأنا ما عرفناها حجة إلا بضرب من الرأي.
فالتأويل ما آل إليه أمر النص بالرأي على ما مر.
وكذلك خبر الواحد إنما صار حجة بضرب رأي ذكرناه من بعد فإنه محتمل للكذب، وليس بحجة يقيناً.
وكذلك خبر الصحابي لأنه ممن يجوز عليه الغلط كما يجوز علينا إلا أنا رجحنا رأيهم على رأينا إما بخبر الواحد أو بضرب اجتهاد.
وأما القياس فمحض الرأي.
(1/168)

باب

القول في الآية المؤولة
وقد مر تفسيرها وإنما أعدنا لبيان جواز التأويل بالرأي، وكونها حجة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنا جوزنا التأويل دون التفسير- وقد يبق الفرق بينهما- فالتفسير: بيان لا يبقى فيه شك وشبهة ويضلل مخالفه، ومن ادعى ذلك برأيه وضلل مخالفه فسق كالخوارج والروافض وكان لهم النار.
والثاني: أن هذا الوعيد لمن فسر برأيه، ورأيه على الإطلاق ما استفاد بنفسه دون شرعه، وإنما يستفيد من نفسه رأي الهوى وما فيه مصالح دنياه، وحصول مراده فمن فسر القرآن بهذا الرأي فسق أو كفر كالروافض.
وإنما يجوز له التفسير بالرأي الذي أفادته الشريعة بأن عرف أصول الشرع وإشاراته وما يبتنى عليه أمر دينه فأول المشكل على ذلك، ولفق بين المتناقض منه ظاهراً، فيكون هذا تفسيراً برأي الشرع لأنه ما استفاد هذا الرأي إلا من الشرع وقد اشتغل به الصحابة، والسلف الصالحون إلى يومنا هذا ومتى لم نجوز هذا لم يمكننا الخروج عن طعن الملحدين في القرآن، والله أعلم.
فإن قيل: كيف تكون الآية المؤولة حجة مع احتمال الغلط والله تعالى يقول: {ولا تقف ما ليس لك به علم}؟
قلنا: إن المؤول وإن احتمل الغلط فإنه يجوز العمل به إذا ترجح أحد الوجهين على الآخر، وعند الرجحان يقع بالراجح علم مثله، وهو علم الظاهر دون الإحاطة واليقين لبقاء الوجه الآخر، وعند الرجحان يقع بالراجح علم مثله، وهو علم الظاهر دون الإحاطة واليقين لبقاء الوجه الآخر محتملاً في الجملة توسعة علينا كما جوزوا العمل بالخبر الواحد على ما نذكره، وبالقياس مع احتمال الغلط، وقوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} ورد فيما لا علم له به أصلاً لأنه نكرة في النفي والعلم له مراتب على ما بينا في آخر الكتاب.
وإنما يذم الإنسان إذا قصر في الطلب فاقتصر على أدنى منازل العلم، وقد أمر ببلوغ الأقصى فأما ما دام في الطلب وللعلم درجات فحميد منه سعيه وإن كان قولاً بما لا علم له به يقيناً لأنه لا وسع له إلا ذلك ولا تكليف إلا به، والله أعلم.
(1/169)

باب

القول في الخبر الواحد
اختلف العلماء في الخبر الواحد على أربعة أقوال؟
فقال جمهور العلماء: إنه حجة، وإن لم يكن المخبر معصوماً عن الكذب.
وقال بعضهم: لا يكون حجة حتى يبلغ عدد الشهادة.
وقال بعضهم: لا يكون حجة أقصى عدد الشهادة.
وقال بعضهم- ممن لا يعتبر خلافه خلافاً-: لا يكون خبر الواحد حجة في باب الدين إلا أن يكون معصوماً عن الكذب أو يبلغ حداً ذكرناه في التواتر لقول الله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم}؟ والعلم لا يقع بخبر احتمل الكذب وقال: {ولا تقولوا على الله إلا الحق} وقال:
ولأنا لا نعمل بالنص المحتمل لوجهين، وغن كان كل واحد منهما مما يجوز ان يكون شريعة فلأن لا نعمل بالذي يحتمل الصدق والكذب- والكذب باطل- أولى وأحرى.
قال: ولا يلزمنا العمل بالشهادة لأنا تركنا هذا الأصل بكتاب الله تعالى بخلاف القياس فلا نقيس عليها غيرها. ولأن حقوق العباد ليست كأصل الشريعة فإنها باب يثبت بإيجابهم وتصرفهم وبهم ضرورة إليها، ولا يمكنهم إظهارها بدليل لا يبقى فيها شك وشبهة، وأما الدين فحق الله تعالى، والله تعالى قادر على إظهار حقه بما يوجب العلم فلم يجز إثباته بما دونه كما لا يجوز إثبات أصل الدين من التوحيد والنبوة، وصفات الله تعالى بما فيه شبهة.
واما جمهور العلماء فإنهم احتجوا بقول الله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} وبقوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} الآية، فالله تعالى توعدهم بالكتمان وبترك البيان، وحقيقة هذه الإضافة تتناول كل واحد من آحاد الجمع على ما مر ذكره في الجمع المضاف إلى جماعة.
ولأن أخذ الميثاق علينا من أصل الدين والخطاب بأصل الدين، وإن تناول الجماعة فكل واحد منهم مخاطب به على حدة بالإجماع وبالدلائل التي لا شك فيها ولما افترض
(1/170)

البيان على كل واحد من الجملة دل ضرورة أنه مقبول منه ذلك وواجب قبوله كما كان يجب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك كل مأمور بشيء إذا أتى به كما أمر كان القبول منه حقاً له، وقال الله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} والفرقة اسم لجماعة أقلها ثلاثة، والطائفة منتزعة منهم فيكون بعضهم وبعض الثلاثة واحد او اثنان وقد يسمى الواحد طائفة قال الله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} روي أنهما كانا رجلين، وقد دلت عليه الآية: {فأصلحوا بينهما} إلى قوله: {فأصلحوا بين أخويكم} ولم يقل بين إخوتكم.
وإن جعلنا الطائفة جماعة فهي إلى العشرة وخبرهم يحتمل الكذب. ولن أحداً لم يقل أن الطائفة او الفرقة اسم جماعة بلغوا عدداً نشترطه في التواتر، والله تعالى أمر الطائفة بالتفقه ثم بإنذار قومهم بما تعلموا، ولو لم يكن قولهم حجة لما وقع به إنذار ولا حذر.
فإن قيل: إن الله تعالى أمر به الطوائف أجمع.
قلنا: قد ذكرنا أن الجماعة المضافة إلى جماعة حقيقية آحاد في حق كل مضاف إليه كقولنا: لبس القوم ثيابهم، وركبوا دوابهم، ولأنه قال: {إذا رجعوا إليهم} علق الإنذار بالرجوع، ولا يتصور الرجوع من الطوائف كلها إلى قوم واحد منهم لأنه اسم للعود بعد المسير عنهم وإنما يسمى الآتي ابتداء قادماً.
ولأن الواجب لو كان اجتماع الطوائف والدوران على الناس لكان أمراً مشهوراً لا يخفى ذلك.
ولو كان الحق متعلقاً بذلك لوجب نقل ذلك كما نقلت الطهارة وسائر الفرائض، ولكان لا يندرس أثره فلما لم ينقل علم أنه لم يكن.
ولو وجب ذلك لما تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والإعراض عنه. على أن الحجة قائمة مع الاحتمال لأنهم إذا اجتمعوا وداروا وجب الحذر من قولهم وبيانهم بظاهر الآية، وبعد الاجتماع جائز عليهم الاتفاق على الكذب عادة وإنما يصير الخبر حقاً من الجماعة إذا كانت الجماعة جماعة لا يتوهم عليهم الاتفاق يقيناً على الكذب عادة، والاتفاق على الكذب عادة يتوهم على المجتمعين عادة.
فإن قيل: إنما يلزم الواحد البيان، ولكن لا يلزم السامع القبول حتى يكثروا كالشاهد الواحد يلزمه أداء الشهادة ولكن لا يجب على القاضي العمل حتى يتم العدد.
قلنا: إن الله تعالى ألزم البيان ليحذر الناس ولم يشترط عدداً فمتى لم يلزم العمل
(1/171)

بذلك البيان إلا بعدد لم يقع الحذر إلا بزيادة فيكون نسخاً ولا يكون تأويلاً، ألا ترى ان الله تعالى ما ذكر الشهادة للعمل بها إلا مقرونة بالعدد وما ذكر عدداً في باب الدين، وعلى ان الشاهد إذا علم أنه لا شاهد غيره لا يلزمه الأداء وظاهر الآية يدل على وجوب البيان على الآحاد.
وكذلك قوله تعالى: {كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} وإنه يتناول الآحاد فصار الأمر من كل واحد أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر بنص الكتاب فيجب القبول منه.
ووجه آخر أنا نعلم يقيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يعيش إلا بأكل، وما كان يزرع بنفسه ليعلم طيبة الخارج يقيناً بل كان يأكل مما يهدى إليه أو يشتري أو يدعى إلى طعام على ما يخبره الخبر من غير نزول وحي في كل ذلك حتى أكل الشاة المصلية فلم يسغها فسأل عن شأنها فأخبروه بالقصة فأمر بالتصدق.
ووجه آخر انا نعلم يقيناً أنه كان مبعوثاً إلى الناس كافة، وإنه لم يأت الجميع بنفسه وإنما أرسل إليهم، وكتب وأنه أدى ما حمل من الأمانة فلو لم يكن خبر الواحد حجة أو الكتاب، لما كان ذلك تبليغاً، ولكان تجنب الأمانة وهذا غير جائز.
ووجه آخر أنا نعلم يقيناً أن المخدرات ما كن يحضرنه لتعلم الدين وكن يعلمن من جهة أزواجهن، والقوام عليهن، ولو لم يكن خبرهم حجة للزمهن الخروج إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولو فعلن لاشتهر ذلك كما اشتهر اجتماع الرجال ولم يخف.
ووجه آخر هو أن البلاد النائية افتتحت على عهده مثل بلاد اليمن والبحرين وما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه بل بعث إليهم من علمهم، وهداهم من الخلفاء على مثال سير الملوك في ولايتهم اليوم فلو لم يكن خبر الواحد حجة لما جاز ذلك وللزمهم الخروج بأجمعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو وجد ذلك لكان أمراً مشهوراً ظاهراً لا ينكتم على أحد.
ووجه آخر ان الله تعالى جعل الشهادات حجة موجبة حتى لو امتنع القاضي عن العمل بها فسق وهي لا توجب علم اليقين فدل على أن العمل واجب بالحجة أوجبت علم يقين أو ظاهر يحتمل غيره.
فإن قيل: باب الديانات أعظم من باب معاملات الناس في حقوقهم!
قلنا: لزوم القاضي أن يعمل بالشهادة من الدين ويجب حقاً لله تعالى، وفرضاً من فروضه حتى إذا تركه فسق وأثم [برفضه]، ولو لم ير العمل به حقاً كفر، وحق العبد سبب للوجوب حقاً لله تعالى كما تجب الزكاة حقاً لله تعالى بسبب ماله فما بينهما فرق بل هذا فوق ذلك ثبوتاً على ما نذكر بعد هذا، فإنا نشترط العدد في الشهادات دون الأخبار.
(1/172)

على أن خبر الواحد قد يقع في باب الدين وفي غيره كرجل يقول هذا الماء طاهر أو نجس، وهذه هدية فلان بعثها إليك، وأنا وكيل فلان بالتصرف في ماله، والخلاف ثابت في الكل فإن سلموا هذه الوجوه، ولا بد منها لتقوم به مصالحهم إن حقائق الأملاك لا تعرف بأسباب الملك فلعل الذي باعك غاصب، كان الباقي قياساً عليه.
لأنك متى صدقته، وعملت به اعتقدت الحل.
ومت كذبته اعتقدت الحرمة.
واعتقاد الحل والحرمة دين وليس من حقوق الناس في شيء.
فإن قيل الكلام في الأحكام الشرعية فإنها تثبت إلا من جهة الرسول، ولم يجز نصبها بعده، وكان معصوماً عن الكذب فلم تقع الضرورة إلى معرفتها بما لا يوجب العلم، فأما ما نحن نضطر إليه مما يحدث كل يوم وكل ساعة، ولا يمكننا البناء على اليقين فجائز العمل بما لا يوجب العلم يقيناً دفعاً للضرورة.
قلنا: إن الكلام فيما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحكام، وحدث لنا من العلم بها وذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كحدوث حوائجنا إلى مصالحنا، وطريق اليقين إلى الكل مسدود كما في المعاملات التي تكون منا لأنه لا طريق إليها يقيناً إلا الآيات المحكمة من كتاب الله تعالى وقلما يوجد ذلك، بل أكثرها مؤولة، وعمومات لحقها الخصوص وبقيت غير موجبة يقيناً.
وكيف تكون يقيناً وللناس اختلاف في بعض السراق بعينه أيقطع ام لا؟ وكذلك الزاني، فلا يضلل بعضهم بعضاً، على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالشاهد وباليمين في عصره وكان يقول: "إنما انا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فكأنما أقطع له قطعة من النار" فأخبر أنه يقضي بالظاهر كسائر البشر.
فتبين ان الله تعالى شرع لنا وعلينا العمل بما يوجب علم اليقين، وما لا يوجب اليقين توسعة ونفياً للحرج، وغنما يختص باليقين ما يرجع إلى الاعتقاد بلا عمل يلزمنا من معرفة الله تعالى وصفاته وأحكام الآخرة، ومعرفة النبوة، وما هو من أصل الدين الذي بدونه ينهار ركن منه.
ووجه آخر أن الأخبار المروية في الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحكم بخبر الواحد وكذلك الصحابة، وظاهر مثل الشمس عمل الصحابة بأخبار الآحاد.
وكذلك السلف وقد أوردها محمد بن الحسن.
(1/173)

وكذلك أصحاب التصانيف ما يضيق كتابنا عن ذكرها ونحن سكتنا عنها اختصاراً واكتفاء بما فعل الناس وتقرر في قلوبهم، ولعلمنا ان خصومنا متعنتون، وانهم منكرون كل ذلك فاشتغلنا بما لا يمكنهم الإنكار من الأمور التي هي على مثال المحسوسات دل عليه ما بينا بإجماع الصحابة، وبنص الكتاب أن القياس حجة وأنه دون خبر الواحد.
فإن قيل: قال محمد بن الحسن رحمه الله في كتاب "الاستحسان": إذا تزوج الرجل امرأة فأخبرته امرأة عدل أنها أرضعتهما لم تحرم عليه.
قلنا: لأن هذه الحرمة لا تثبت إلا بزوال ملك الزوج، وخبر الواحد ليس بحجة في حقوق الناس، إزالة وإثباتاً، ولهذا لم تفصل المنازعات الجارية بين العباد في حقوقهم بالإخبار.
لأن أصل المنازعة لا يثبت فيما بينهما لهما إلا بحقهما حتى يكون شهادة أو يميناً، ففي اليمين زيادة صدق للخبر لا توجبه عدالة المخبر.
وكذلك في لفظ الشهادة ثم قصر العدد على أربع وشاهدين، وواحدة في باب النساء أمر عرف شرعاً لا لعلة معقولة، إذ لو كانت معقولة لما اختلف العدد، ولما اختلفت، وقبلت شهادة القابلة وحدها وكانت حجة، وقبلت شهادة خزيمة وحدها، علم ان زيادة العدد ليست لإفادة أصل العلم بل لحكمة اختص الله تعالى بعلمها فلم نقس عليها سائر الأخبار التي ليست من قبيل تلك المنازعة.
ويحتمل أن يقال: إن المنازعات في حقوق الناس تجري بينهم لهواء أنفسهم فتكون أشد من باب الديانات فغلظ بتخصيص اللفظ الدال على الوكادة من الحلف والشهادة، وكذلك زيادة العدد، والله أعلم.
(1/174)

باب

القول في أقسام المخبرين
أقسامهم أربعة:
أ- الصبي العاقل والمعتوه بعد البلوغ، ومن بمنزلتهما ممن به نقصان عقل ومعرفة بعد وجود أصل العقل والمعرفة.
ب- والعاقل التام العقل الفاسق، ومن بمنزلته ممن انعقد له سبب تهمة الكذب في خبره.
ج- والعدل الضابط الذي لا تهمة له سوى أنه غير معصوم عن الكذب.
د- ورسل الله وأنبياؤه- عليهم السلام- المعصومون عن الكذب.
فأما المجنون ومن بمنزلته كالنائم والمغمى عليه: فلا عبرة بهم لأنه لا معرفة لهم ولا تمييز.
والخبر إنما يقبل لما فيه من الإعلام، وكذلك أصل الكلام إنما يصح ممن له معرفة إخباراً كان أو إنشاء لأنه اسم لصوت مفهم وحروف منظمة أعلاماً على أعيان وأفعال.
هذا حد الكلام في الشاهد فلا يصير صاحب الصوت من أهله إلا بعد المعرفة والتمييز بين الاسم والاسم لينطق به على وجهه فيصير الكلام قبل المعرفة وسائر الألحان من ألحان الطيور بمنزلة كلام السكران.
فإنه إذا أنشأ شيئاً يلزمه واعتبر صحيحاً منه عقوبة له بأن بقي مخاطباً غير معذور بالتباس عقله لسكره لأنه كان منه بفعل هو معصية.
فأما إذا أخبر فلا يقبل منه ولا يعمل به لأن حكمه في صدقه لا عينه فالعين وإن صح لقيام الخطاب لم يثبت معنى الصدق، لأنه أمر لا يبنى على الخطاب بل على ما يزيل جهة الكذب، ولم توجد هذه الشريطة فأشبه إقرار المكره.
فأما الصبي العاقل ومن بمنزلته فخبره مقبول في البعض دون البعض على ما نبينه في البا الذي يلي هذا الباب لبيان أقسام المخبر عنه لأنه ينطق عن معرفة، وهذا حد صحة الكلام.
إلا أنه لا ضابط له لنقصان عقله وغلبة هواه، والخبر صحته من حيث يعمل به في صدقه وتمام ذلك في ضبطه بعد المعرفة فقبل خبره في البعض دون البعض على ما نبين
(1/175)

الحد بينهما، والمعتوه بمنزلته لأنه هو الذي اختلط عقله ولم يزل، وكذلك المغفل هو الذي به غلبة النسيان فلا يبقى له ضبط لما يسمع فيلتحق بغلبة النسيان بالذي انتقص عقله أو به غفلة عن التأمل والتحفظ فليلتحق بالعاجز عن الحفظ بترك استعمال الآلة.
وأما العاقل البالغ الفاسق: فقد أخبر عن عقل تام وضبط إلا أنه متهم بالكذب لفسقه، فإن الفسق في ارتكاب الإنسان ما اعتقده حراماً في دينه فأما إذا ظهر منه ذلك وفيه مكابرة لدينه وعقله، فإن عقله يلزمه إقامة دينه اتهم أيضاً بالكذب مكابراً لعقله ودينه.
والكافر العدل في تعاطيه بمنزلته فيما يخبر من أمور الدين لظهور العداوة فيه بيننا وبينهم، والعداوة سبب تحمل المرء على مكابرة عقله فيما يضر بعدوه.
وكذلك كل من أخبر على عدوه أو أخبر لمن اتهم به كالأب لولده ونحوهم فهؤلاء كلهم متهمون بالكذب بأسباب باعثة على الكذب لا بقلة الضبط وخبرهم مما يجب التثبت فيه، لقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبينوا} الآية، إلا في بعض الأحوال على ما يأتيك بيانه في الباب الذي يليه.
ولهذا المعنى يجب التثبت في القسم الأول إلا فيما استثنى بدليله لأن التهمة بسبب الغفلة ونقصان العقل تقرب من تهمة قصد الكذب بأسباب باعثة عليه مع كمال العقل.
وأما العدل: فخبره حجة لترجح جهة صدقه على جهة كذبه، على ما مر في الباب الأول، ولا يبطل إلا بمعارضة.
وأما خبر الرسل: فحجة موجبة علماً يقيناً لقيام الدلالة على عصمتهم عن الكذب كرامة من الله تعالى حتى صلحوا لنقل رسالته، وخبرهم من قبيل ما مضى من الحجج الموجبة.
(1/176)

باب

القول في بيان أقسام ما كان خبر الواحد فيها حجة
هذه الأقسام أربعة:
منها الأحكام الشرعية كلها التي تحتمل النسخ والتبديل، وهي من فروع الدين لأن الأحكام على ما شرعت حق الله تعالى علينا يلزمنا أن ندين الله بها.
ومنها حقوق العباد مما يجب لهم وعليهم مما يقوم به مصالحهم العاجلة التي اشترك فيها أهل الملل كلهم.
والثالث: المعاملات التي أبيحت لنا وكنا مختارين في إنشائها مما يتعلق بها اكتساب تلك الحقوق.
والرابع: حجر يلحقنا لحق الغير فيلزمنا الكف عن ضروب أفعال صيانة للحد الذي بين ما للمرء ولغيره مما ظهر ذلك من الناس أجمع في أملاكهم وولاياتهم وأفعالهم.
فأما ما لله تعالى فخبر الواحد فيها حجة ويجب العمل به بلا شرط عدد معلوم ولا لفظ معين بل بشروط تراعي المخبر على ما يأتيك بيانه في بابه.
فأما حقوق العباد فلا يكون الخبر حجة لهم ولا عليهم عند المنازعة إلا بعدد معلوم، ولفظ معلوم وشرائط معدودة في المخبر زائدة على شرائط المخبر عن حقوق الله تعالى، وموضع معرفتها كتاب تقسيم فروع الفقه.
وأما المعاملات فخبر كل مخبر صحيح العبارة فيها حجة يجوز العمل بها.
وأما الحجر فقد شرط أبو حنيفة رضي الله عنه لصيرورة الخبر حجة أحد شرطي الشهادة إما العدد وغما العدالة، وخالفه أبو يوسف ومحمد رحمهما الله وذلك في الوكيل يبلغه خبر العزل، أو العبد المأذون يبلغه خبر الحجر، أو المولى يبلغه أن عبدك قد جنى فإنه يلحقه الحجر عن التصرف فيه إلا باختيار الأرش.
أما الفصل الأول: فإنما لم نشترط زيادة عدد ولا تعيين لفظ لأن احتمال الكذب لا يرتفع بنفس زيادة العدد ولا تعيين لفظ فلم نشتغل به ولأن نقل الأخبار كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف ولم يبلغنا شرط زيادة عدد ولا تعيين لفظ إلا احتياطاً، فقد روي أن علياً رضي الله عنه كان يحلف الراوي فروى له أبو بكر الصديق فصدقه ولم يحلفه، ألا ترى اللفظ والعدد لما كان شرطاً في باب حقوق العباد كيف ظهر ذلك ولم يختلف باختلاف الشاهدين في العدالة.
(1/177)

وأما القسم الثاني: فإنما شرطنا العدد واللفظ بنص الكتاب لأنها شرعت حجة لفصل منازعة ثابتة بين اثنين بخبرين صحيحين متعارضين من الدعوى والإنكار، فلم يقع الفصل بجنسه خبراً بل بنوع خبر ظهرت مزيته في التأكيد على غيره من يمين أو شهادة ثم ضرب احتياط بزيادة العدد وهذا المعنى معدوم في حق أحكام الله تعالى، فإن الذي لم يبلغه الخبر لم يكن يعمل به لعدم الدلالة لا لدليل موجب عملاً بما كان عليه فكانت الحالة أخف من حال قيام المنازعة بدليلين صحيحين شرعاً، أعني خبر المنكر والمدعي لأن الشرع جعل خبر كل ذي عقل في الأصل حجة وإنما الرد بعوارض.
وأما المعاملات: فإنه قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعى إلى الطعام وكان يجيب البر التقي وغيره وكان يشتري من الكافر وكان يصدقه.
وكذلك الأسواق القائمة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا قائمة بعدول وفساق، والشراء مباح من الكل إلا أن يقع في القلوب تهمة الكذب بأمارات غير فسقهم بزناهم وشرب الخمر وما لا يتصل بالأموال، وقد نص عليها محمد بن الحسن في كتاب "الاستحسان".
ولأن هذا إخبار عن أمر من امور الدين لأن الحل والحرمة دين ولا دليل مع السامع ينازعه به كالرواية عن النبي صلى الله عليه وسلمبل السامع متمسك بأصل كان لعدم الدليل على زواله فلم يشترط لفظاً عيناً ولا عدداً كما في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه أخف من ذلك.
وذلك لأن للناس ضرورة في التصرف مع الناس لإقامة مصالحهم، ومع وكلاء الملاك وأكثر الناس أبداً فسقة فلو لم يجز التصرف إلا مع العدول لانسد باب التجارات وضاق الأمر على الناس والله تعالى ما جعل في الدين من حرج فلم نشترط العدالة لذلك.
بخلاف الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا ضرورة بنا إلى تصديق الفاسق بعد قيام المعارضة بين صدقه وكذبه، وإن بعدنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن حكم الله تعالى في تلك الحادثة ممكن إقامته بالقياس الصحيح الذي شرع حجة بلا معارضة حتى إذا تعارض القياسان حل له العمل بما يقع في قلبه أنه الحق، ولهذا قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في القسم الرابع: ان خبر الفاسق حجة وإن كان واحداً.
واما الحجة لأبي حنيفة رضي الله عنه في القسم الرابع: أن المخبر عنه من جنس الأول لأنه خبر عن تصرف المالك بحكم ملكه فإن له الإطلاق والحجر، إلا أن في هذا إلزاماً عدم في الإطلاق ذلك، فأشبه من هذا الوجه القسم الثاني من حقوق الناس التي تجب لهم وعليهم فصار بينهما، فشرط لصحته أحد شرطي الشهادة من عدد أو عدالة بخلاف الرسول فإن قوله وحده حجة في هذا الباب وإن كان فاسقاً، لأن الموكل قد يبدو له في العزل للوكيل، فلا يجد عدلاً ولا اثنين فلو لم تقبل رسالة الفاسق لضاق الأمر على
(1/178)

الناس ولما أمكن ذا الحق تدارك حقه وهذا المعنى معدوم في حق المخبر لأنه يخبر من عند نفسه وماله حق يفوته إذا كذب، ولو أراد ذو الحق تدارك حقه لأرسله فلما لم يرسله؛ والعزل غير صحيح على غيب، علم أنه ما قصد التدارك.
فإن قيل: فما الفائدة في زيادة العدد مع قيام الفسق؟
قلنا: كما قلنا في الشهادة مع قيام العدالة في الواحد والاثنين، وقد نص محمد بن الحسن في كتاب "الاستحسان" في ماء أخبره رجل بنجاسته والآخر بطهارته، وأحدهما فاسق والآخر عدل: أن خبر العدل أولى، وإن كانا فاسقين: توقف، وغن كان أحد الفريقين رجلين: فخبرهما أولى فرجح بالزيادة كما رجح بالعدالة، وكذلك إذا اختلف المزكون في جرح الشاهد وتعديله، ومن جانب رجلان، ومن جانب رجل فقول الرجلين أولى، والله أعلم.
(1/179)

باب

القول في أقسام الرواة الذين تقبل روايتهم
الراوي إما أن يكون معروفاً بعلمه ونسبه، أو مجهولاً ما عرف إلا بحديث رواه أو بحديثين.
ثم كل واحد منهما إما أن يكون ظهر من الصحابة أو السلف رضي الله عنهم.
رد عليه أو قبول منه. فيصيرون أقساماً أربعة.
أما المشهورون: فنحو الخلفاء الراشدين، والعبادلة الثلاثة رضي الله عنهم.
وأما المجهولون: فنحو معقل بن يسار، وسلمة بن المحق، ووابصة بن معبد، وسائر الأعراب الذين ما عرفوا إلا بما رووا.
ثم خبر المشهور حجة ما لم يخالف القياس الصحيح.
فإذا خالف نظر: فإن كان الراوي من أهل الفقه والرأي والاجتهاد رد القياس بخبره.
وإن لم يكن من أهل الفقه والرأي رد خبره بالقياس.
أما الأول فلأن الخبر أولى في الجملة من القياس، لأن الخبر في الأصل حجة يقيناً، وإنما وقع الإشكال في نقل الناقل والرأي في أصله إشكال في حق الإصابة، ولأن شبهة الرأي من حيث أنه لعله لم يبلغ حيث كان الحق، وشبهة الرواية من حيث قصد الكذب أو اعتراض نسيان، فيكون لا محالة بعارض فكان دون الذي يتوهم من قبل عدم علة الإصابة.
ولأن القائس استشهد بوصف هو ساكت عن إيجاب ما ادعى، وإنما جعله شاهداً بضرب إشارة من الشرع والراوي استشهد بكلام مبين.
فالرأي للقياس مقام السماع للخبر، وبينهما تفاوت في الإصابة.
والوصف الذي به جمع القائس بين الأصل والفرع مقام النص المنقول وبينهما تفاوت في الإبانة وقد اشتهر من الصحابة والسلف ترك الرأي بالخبر الواحد، وإثبات الحكم بخلاف القياس فسموه معدولاً به عن القياس وأبوا القياس عليه.
وأما الذي ليس من أهل الفقه، فلأنه قد ثبت ثبوتاً ظاهراً الرد على أبي هريرة بالقياس، وكان رضي الله عنه من المشهورين المعدلين روى أبو هريرة رضي الله عنه: "الوضوء مما مسته النار"، فقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أنتوضأ من الماء
(1/180)

السخن أو نتوضأ من دهن ندهن به؟ فرده بالقياس، ولم يشتغل بالسنة ولو كان لا يجوز الرد بالقياس لما احتج به أو كانت عنده سنة لما سكت عن أقوى الدليلين أو لكان يتفحص عن التاريخ ليعمل بالآخر منهما، ولأن السنة المروية بخلاف هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بكتف مؤربة فأكلها وصلى، ولم يتوضأ وأنه يوجب تخصيصه في حق اللحم لا رده.
فإن قيل: وقد قال له أبو هريرة: إذا رويت لك الحديث فلا تضرب له الأمثال!
قلنا: نعم، ولكن أبو هريرة رضي الله عنه وإن جل قدره فلا يعارض مع ابن عباس في الفقه والعلم، فقد ظهر آثار ابن عباس ظهوراً ما يخفى على أحد وما لأبي هريرة إلا الرواية، وكان عمر يستشيره في أكثر الحوادث وكان يقدمه على كبار من الصحابة رضي الله عنهم، وكان يقول: غص يا غواص، ويقول: شنشنة أعرفها من أخزم، وهو مثل تمثلت به العرب لتشبيه الولد بوالده، وكان يريد به مدحه على رأيه.
فقد قيل: لم يكن لقريش رأي مثل رأي ابن العباس رضي الله عنه ألا ترى أن السلف الصالحين عملوا برد ابن عباس دون رواية أبي هريرة فصار إجماعاً.
وكذلك روى أبو هريرة أن ولد الزنا شر الثلاثة، فردت عائشة رضي الله عنها بقول الله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} وإنها عامة تقبل التخصيص. وقال عامر الشعبي: لو كان شر الثلاثة لما انتظرنا بالحامل عن زنا إلى أن تلد، فرده بالقياس.
وقال إبراهيم النخعي: كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت، وأشارت إلى أبي هريرة: ألا تعجب من هذا وكثرت حديثه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثاً لو عده عاد لأحصاه.
فثبت أن العدل ممن ترد روايته بالقياس إذا لم يكن ذا فقه، فإن أبا هريرة ما كان يشكل على أحد عدالته وكثرة صحبته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "زر غباً تزدد حباً" وكذلك حفظه فإنه روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعا له بالحفظ" ومع ذلك رد حديثه بالقياس، لأنه لم يكن من أهل الاجتهاد، ووجه ذلك أنهم كانوا يستجيزون نقل الخبر بالمعنى على ما نذكر.
ولما ظهر ذلك منهم احتمل كل حديث أن يكون نصه لفظ الراوي نقلاً لما فقه من المعنى.
فإذا لم يكن فقيهاً صار متهماً بالغلط لما خالف معنى لفظه القياس الصحيح فالتحق برواية الصبي والمغفل فرد.
(1/181)

وإذا كان الراوي فقيهاً لم يتهم، وعلم أنه ما نقل بخلاف القياس بالاجتهاد فإنه عليم بطريقه وعامل به، فلا يظن به تركه برأيه بل بمحكم نص ما احتمل الموافقة، ولهذا رد علماؤنا حديث المصراة، وبيع العرية بالقياس فإنهما لم ينقلا عن فقيه.
ولما ثبت ما قلنا في رواية أبي هريرة فمن لم يبلغه في المنزلة شهرة وصحبة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو مثله في باب الرأي والفقه أولى به إلا أن يكون حديثاً نقل السلف عنهم وعملوا به، لأنهم كانوا أهل فقه وضبط وتقوى وكان ظهر منهم رد ما خالف القياس من روايتهم، فيدل قبولهم الواحد من بين الجملة على عملهم بصحته من طريق آخر.
وأما المجهول فخبره حجة إن نقل عنه السلف، وعملوا به لما ذكرنا في الباب الأول.
وكذلك إن سكتوا عن الرد وإن لم يظهر العمل به لأن النقل للعمل به في الأصل، ولو كان مما لا يجوز العمل به في الأصل لما كان يحل لهم السكوت عن بيانه والوقت وقت الحاجة إليه.
فأما قبل الظهور فيعمل به إن وافق القياس ولا يعمل به إن خالف لأنه في الرتبة دون أبي هريرة بكثير، بدليل ما روي أن معقل بن يسار روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق الأشجعية بمثل قضاء عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بمهر المثل لامرأة كان مات عنها زوجها قبل الدخول بها ولم يكن سمى لها مهراً، فسر عبد الله بذلك وقبله لما وافق رأيه، ورده علي رضي الله عنه لما خالف رأيه.
فإن قيل: كيف تقبل روايته وهو مجهول لم تظهر عدالته ولا ضبطه؟
قلنا: رواية المشهور بالعدالة عنه من غير رد عليه تعديل إياه، ولأن الأصل في العقلاء العدالة والضبط حتى يثبت غيره من واحد على الخصوص أو الجنس على العموم فيصير كل واحد منهم متهماً به وهذا المجهول ما عرف بذلك على الخصوص، وكان من قرن كان الغالب عليهم العدالة والضبط، وهو قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى هذا أمر التابعين والصالحين على ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خير الناس رهطي الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب" فأما اليوم فرواية المجهول لا تقبل حتى تظهر عدالته لغلبة الفسق.
وعلى هذا تأويل قول أبي حنيفة رضي الله عنه في الشاهد أنه يقضى به قبل التعديل، لأنه كان في القرن الثالث.
(1/182)

على أن الخبر المحتمل للكذب والصدق لا يكون باطلاً بل يجب التثبت فيه ليتبين، فإذا وافق القياس ترجحت جهة صدقه فيكون حجة من الكل.
ويحتمل أن يقال: أن خبر المشهور حجة ما لم يخالف القياس، وخبر المجهول مردود ما لم يؤيد بالقياس ليقع الفرق بين الذي ظهرت عدالته والذي لم تظهر ليكون رد العدل لعارض تهمة وقبول غير العدل بعارض دليل.
قال عيسى بن أبان في حديث عمر رضي الله عنه حين روت فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقض لها بنفقة ولا سكنى- وكانت طلبت النفقة في العدة عن طلاق بائن- قال عمر رضي الله عنه: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة، لا ندري أصدقت أم كذبت، أحفظت أم نسيت؟ أنه أراد بالكتاب والسنة القول بالقياس فإنه ثابت بالكتاب والسنة على ما نذكر، إذ لو كان عنده خبر يخالفه لروي، ولكان أيضاً يشتغل بالتاريخ ليعمل بآخرهما، وقد قبل هذا الحديث من وافق قياسه هذا الخبر.
فإن قيل: عمر رضي الله عنه إنما رد حديثها بتهمة الكذب والنسيان وبهما يرد كل خبر وإن وافق القياس!
قلنا: لو أراد به ذلك لقال: لا نقبل، ولما قال: لا ندع كتاب ربنا، فلما ذكر الكتاب- والمراد به القياس- علم أنه رد بسبب مخالفة القياس.
ولأنه قال: لا ندري هذا من هذا، وهذا حكم الجهالة بحالها لا حكم العمل بالكذب، والله أعلم.
(1/183)

باب

القول في شرائط الراوي
الشرائط أربعة: العقل، والضبط، والعدالة، والإسلام.
أما العقل: فلأن الكلام اسم في الشاهد لحروف مجموعة وضعت أعلاماً على المسميات، فما لم يعقل، ولم يميز الاسم عن الاسم لم يوجد منه إلا الصورة بلا معنى، فلا يكون كلاماً، كالآدمي لما كان اسماً لصورة لها معنى لم تكن الصورة من خشب آدمياً، فالعقل والمعرفة أصل لصحة الكلام من المتكلم ولهذا لا يعد صياح الطيور كلاماً، وإن انتظم له حروف وسمي ألحاناً، وكذلك الإنسان إذا نظم حروفاً فصاح بها بما ليست بلغة لم يسم متكلماً.
وأما الضبط: فلأن الباب لبيان قسم ما هو خبر والصحيح من الخبر الذي يتعلق به موجبه صدقه لا كذبه، والصدق لا يتصور إلا بعد ضبط لما سمع إلى أن نقل، فكان معنى الصدق للخبر ليثبت به موجبه لمعنى المعرفة لأصل الكلام.
وأما العدالة: فلأن السامع بعد المعرفة والضبط قد يصدق وقد يكذب، وهذا الباب لبيان خبر من هو غير معصوم عن الكذب فلا يصير خبره حجة على احتمال الكذب والصدق حتى يترجح جهة صدقه على كذبه وذلك بالعدالة، فإن تفسير العدل: من اتقى محظور اعتقاده، والكذب محظور عقده عقلاً وشرعاً، فيكون منفياً عنه بظاهر عدالته فتصير جهة الصدق راجحة، فيجب العمل بها.
وأما الإسلام: فلأن الباب لبيان رواية أحكام الشرع، ومن خالفنا ديناً يعادينا على شريعتنا بغير حق، عداوة لا تكون بعدها نهاية، والعداوة بغير حق تبعت العدو على السعي لرده ما أمكن فيصير متهماً بالكذب على شريعتنا ليهدمها بما ليس بشرع.
فهذه تهمة كذب لا بنقصان حال ولكن بزيادة حال، وهو العداوة حتى لم تقبل شهادتهم بحق على المسلمين، ولهذا لا تقبل شهادة ذي ضغن بغير حق على أخيه، ولا شهادة الأب لولده لأن شفقة الوالد تبعثه على الكذب لولده كما لا تقبل إذا شهد لنفسه، والله أعلم.
(1/184)

باب

القول في حدود هذه الشروط
أما العقل: فأصله في نفسه إنما يعرف باختبار الإنسان فيما يأتيه ويذره الخبر الذي لا ينال بالحواس فإن الفعل أو الترك قد يكون بحكمة وعاقبة حميدة، وبغير حكمة كما يكون من البهائم وبالعقل ما يوقف على العواقب الحميدة، والحكم الباطنة التي لا تنال بالحواس فيظهر عقله بوقوع فعله على سنن أفعال العقلاء.
إلا أنه في أصله معدوم فينا جبلة ثم يحدث شيئاً فشيئاً، وكان يتعذر علينا ضبطه من كل صبي.
فحد الشرع لاعتداله حداً بالبلوغ تيسيراً علينا ونظراً للصبي حتى لا يبقى في عهدة الخطاب لعلم الله تعالى باعتدال العقول بالبلوغ في أغلب العادات، فإنه العلام بما وضع فينا وخلقنا عليه فصار الصبي شرعاً دليلاً.
على أنه في حكم من لا عقل له فيما يخاف لحوق عهدة به دون ما لا يخاف، لأن الله تعالى حكم به نظراً له لا عقوبة.
لأن الصبا سبب المرحمة دون العقوبة فلم يقبل خبره في نقل الشريعة وفيه أعظم عهدة.
ولأن الشرع لما لم يوله أموره في ماله لنقصان عقله فلأن لا يوليه أمر شرعه أولى فصار العاقل المطلق أعنى به حقيقة وشرعاً العاقل البالغ.
فأما المجنون بعد البلوغ فضد العاقل حقيقة، والمعتوه بمنزلة الصبي، لأن نقصان العقل بالعته فوق نقصان العقل بالصبا فلا يدخلان تحت اسم العاقل مطلقاً.
فصار العاقل نوعين: من عد في العقلاء بظاهر تمييزه كالصبي والمعتوه.
ومن عد عاقلاً باعتدال حاله وذلك بزوال سبب النقصان وهو الصبا وانعدام آفة العته، فهذا هو العاقل المطلق.
فأما الأول فعاقل من وجه دون وجه لمصاحبته ما ينافيه، والشرط هو العقل المطلق الثابت حقيقة وشرعاً والعقل كالشهاب لبصر القلب، فيرى القلب مع نور العقل ما غاب عن الحواس أي يعلم إذا نظر وذلك بتفكيره وتمييزه.
وأما العدالة: فتفسيرها: الاستقامة، يقال: طريق عادل لطريق الجادة، ومنه عدل
(1/185)

العاملين، إذا أتوا بالسيرة على الاستقامة غير ممالة عن سنن الإنصاف والحق.
وضد العدل: الجور، وهو الميل، ويقال: طريق جائر إذا كان من البنيات.
وضد العدالة الفسق، وهو: الخروج عن الحد الذي جعل له.
والعدالة أيضاً قسمان:
أ- عدالة ظاهرة يحكم بها للمرء بعقله ودينه فإنهما حجتا الله تعالى عليه فإذا وجدهما المرء دل ظاهر حاله على العمل بهما جميعاً فكان عدلاً ظاهراً.
ب- وعدالة باطنة يوقف عليها بالنظر في باطن معاملاته، فإذا وجدناه لا يرتكب ما اعتقده حراماً بدينه وعقله كان عدلاً، لاستقامته على سواء الحجة، وترجح جهة صدقه من خبره لأن الكذب محظور دينه وعقله وقد ظهر منه الانزجار عن المحظور.
وبهذه العدالة يصير الخبر حجة لأن الظاهر الأول يعارضه مثله، وهو هوى النفس فإنه الأصل قبل العقل، وحين رزق العقل والنهى ما زايله الهوى، فيصير الرجل عدلاً من وجه دون وجه كالصبي والمعتوه من باب العقلاء فلا يدخل تحت الاسم المطلق حتى يظهر بالتجربة رجحان دليل العقل على الهوى، وذلك بالتأمل في باطن أمره.
ثم محمد بن الحسن- رحمه الله- ذكر في باب الشهادات: أن الرجل إذا ارتكب فاحشة كبيرة ذهبت عدالته بنفس الارتكاب، وإذا لم يكن أمراً فاحشاً لم تذهب عدالته إلا بالإدمان عليه.
وهذا لأن الأصل أن الارتكاب قل أم فحش مما يزيل العدالة لأنه خروج عن حده وميل إلى ما ليس له إلا أنه يتعذر عليه الانزجار عن الصغائر أجمع، فلو شرط الانزجار عن الصغائر مطلقاً لإثبات العدالة ما أمكن إثباتها إلا نادراً لأن لله تعالى في كل لحظة أمراً ونهياً فلم يشترط تيسيراً، إلا أن يدوم لأن الرجوع غير متعذر، والدوام لا يقع إلا عن قصد لا عذر فيه فيصير في حكم الفاحش الذي هو في نفسه لا يكثر وقوعه ولا يتعذر الانزجار عنه.
ولهذا لا يسلب اسم العدالة من صاحب الهوى في الدين وإن كان ضالاً عندنا، وفسق اعتقاداً لأنه صار إليه لغلوه في طلب الحق وشدة عمله بالحجة، إلا أنه التبس عليه فغلط لا أنه خالف عقيدته، والغلو في الدين يدل على شدة اتباع الحجة، فيدل على تأكد جهة الصدق الذي قامت عليه حجته.
وكذلك يجعل الكافر عدلاً لأنه ما خالف عقيدته ولكن لا تقبل على المسلم خبره
(1/186)

لعداوته معنا بغير حق أو لانقطاع ولايته لا لزوال عدالته فيما يظهر من أقواله وأفعاله، ففسق الاعتقاد تديناً لا يدل على فسق لا تدين به بحال.
وكذلك لا تسلب العدالة بالرق، ولا بالأنوثة، ولا بالعمى لأن هذه الأوصاف لا تدل على ترك التقوى، والعمل بالهوى بخلاف الهدى، وإنما تدل على الكذب الذي هو خلاف عقده تعاطيه بخلاف ما اعتقده حراماً بدينه وعقله لا غير.
وأما الضبط: فعبارة عن حزم في باب العلم، وله طرفان:
أ- طرف وقوع العلم له حين السماع.
ب- وطرف الحفظ بعد العلم حين التكلم.
حتى إذا سمع المرء ولم يعلم لم يكن شيئاً معتبراً كما لو سمع صياحاً لا معنى له فإذا لم يفهم اللفظ بمعناه على الحقيقة كان بين الصحة والفساد ولم يكن ضبطاً وإذا شك في حفظه بعد العلم والسماع لم يكن ضبطاً.
ثم الضبط نوعان: ظاهر وباطن.
فأما الظاهر: فضبط المتن بمعناه، من حيث اللغة.
وأما الباطن: فضبط الشيء بمعناه من حيث نطق به الحكم الشرعي، وهو الفقه، وهذا مما لا يوقف عليه إلا بعد التجربة في مسائل الفقه، ومعاني لسان العرب.
ومطلق الضبط الذي هو شرط الراوي هو الضبط ظاهراً وباطناً كالعدالة والعقل وهذا لأنه جائز نقل الخبر بالمعنى على ما يأتيك بيانه فيلحقه تهمة تبديل المتن بلفظه قل فقه المعنى لغة وضبطه فلا تقبل، كما لو لحقه تخمة تبديل المتن بروايته قبل الحفظ أو قبل العلم حين سمع، وأما من حيث فقه الشرع فيوجب ضرب وهن يجب اعتباره إذا خالفه الفقه وهو القياس على ما مر.
فإن قيل: أليس القرآن يصح نقله ممن لا يفهم معناه؟
قلنا: لأن القرآن معجزة، وإعجازه في نظمه كذلك فلم يجز نقله بالمعنى، فلم يشترط لصحة نقله علم معناه، وكذلك القرآن له حرمة متعلقة بعين النظم حتى حرمت قراءته كذلك على الحائض والجنب ولم يحرم نقل معناه عليهما، كذلك جواز الصلاة في قول الأكثرين متعلق بالعين دون المعنى، وأما خبر الرسول فحجة بمعناه وجائز نقل الخبر بمعناه فيشترط لصحة نقله ضبط المعنى.
وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: إن الشهادة لا تصح بالإشهاد حتى يعلم الشاهد ما في الكتاب. ويدل عليه أن من لا يفقه لغة العرب قلما نقل المسموع منها على وجهه فيصير متهماً بالتبديل، ولم يبلغنا أن القرآن أثبت ابتداءً بنقل من لا يحسن لغة العرب.
(1/187)

ولأنه لا يثبت إلا بنقل متواتر يرفع شبهة التبديل بتهمة الجهل بالمعنى.
ولأن ناقل القرآن عن جهل لا يقدر عليه إلا بعد الجهد لحفظه سنين كثيرة، ولو ظهر مثله في الحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل.
ولهذا قلت الرواية من كبار الصحابة وكانوا يمتنعون عن كثرة الرواية.
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "إذا سئلتم عن شيء فلا ترووا، ردوا الناس إلى كتاب الله تعالى".
وعن عمر رضي الله عنه: "لو حدثتم فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم".
وكان زيد بن أرقم إذا سئل عن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم امتنع وقال: "كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد".
وعن عمرو بن ميمون: جالست عبد الله بن مسعود سنة فما سمعته يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذه البهر والعرق- ثم قال: هذا أو نحوه أو قريباً منه أو كما قال.
وكان أبو هريرة رضي الله عنه يكثر الرواية وكان يرد عليه به، قالت عائشة رضي الله عنها وأشارت إلى أبي هريرة رضي الله عنه: أما تعجب من هذا وكثرة روايته ما تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بكلمات لو عدها عاد لأحصاها. أو نحواً من ذلك. وكانوا يستدلون بكثرة الرواية على قلة المبالاة بموضع التوقف للحزم.
وهذا باب معتبر حتى قيل- فيمن يعتاد فعل مباحات بحرم المروءة وآداب النفس نحو الأكل في الأسواق وقضاء حاجته بينهم-: أنه لا تقبل شهادته لقلة مبالاته.
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "كنا نروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ركب الناس الصعب والذلول فتركنا الرواية". اللفظ كما هو، وقد تكلم أهل الأخبار في هذا الباب فأطالوا واقتصرنا نحن على الإشارة إلى ما فيه الضبط والدين والورع.
وأما الإسلام: فاسم لهذه الشريعة وإنه نوعان:
أ- ظاهر وهو بالميلاد في المسلمين والنشوء بينهم على طريقهم شهادة عبادة.
ب- وباطن لا يوقف عليه إلا باستيصاف الصانع عز ذكره، فإذا وصفه بجميع أسمائه وصفاته التي لا بد من وجودها للألوهية عن علم لا تلقن، كان مسلماً على الحقيقة، وإذا لم يعلم شيئاً منها كان كافراً.
قال محمد بن الحسن- رحمه الله- في المرأة إذا بلغت فاستوصفت فلم تصف أنها تبين من زوجها، وإن كنا حكمنا بصحة النكاح بناء على ظاهر الإسلام، وهذا لأن الشرط
(1/188)

أن تعلم الله تعالى بأسمائه وصفاته، وحفظ اللغة غير العلم بالمعنى.
وكذلك من آمن برسالة محمد ثم لم يعرفه ولم يدر أي محمد هو فإنه لا يكون مؤمناً به ولا من أمته، وكالنصارى آمنوا بعيسى وهو ولد الله تعالى عندهم فلم يكن إيماناً بعيسى هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبده، وهذا من أهم العلوم فقد استخف الناس به ولا ينبغي ذلك.
فإن كان الرجل ممن له معرفة بالوصف لكنه عاجز عن العبارة عنه إذا سئل كان مسلماً حقيقة فيما بينه وبين ربه، إلا أنا لا نعرف باطنه فنحكم بكفره إذا عجز واستحساناً أن نستوصفه على سبيل التلقين، فنقول له: أليس الله بقادر وعالم أيضاً، وأيضاً حتى يسهل عليه الجواب به إذا وافق استفهامي ما قلبه وعلمه.
فإذا تمت هذه الشروط كان مقبول الرواية وإن كان عبداً، لأن الرق لا يؤثر في شيء من هذه الأوصاف وإنما لم تقبل شهادته لأنها مبنية على الولاية على غيره، والرق يسلب الولاية على الغير وإنما بنيت الولاية على غيره لأن فيها تنفيذ حكم قوله عليه، كما ينفذ بيع ماله وإجارته نفسه.
وأما أخبار الدين فإنها تلزم السامع باعتقاده أن الله تعالى إله تجب طاعته ومحمد رسول الله تجب طاعته وتصديقه وهذا كما يلزم القاضي الاستماع إلى خبر المدعي الكافر إذا ادعى وإلى إنكاره وإلى شهادته على الكافر ويلزمه القضاء به لأنه لا يلزمه بشهادة الشاهد فإن في لفظه إلزام المشهود عليه دون القاضي، وإنما يلزمه بقبول أمانة القضاء من الله تعالى بالشروع فيه.
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بقراءة" ما فيه إلزام السامع شيئاً لغة بل فيه إخبار عن صفة تقوم بها الصلاة كما تقول: لا خياطة إلا بإبرة، لم يكن هذا خطاباً يلزم السامع شيئا وإنما يلزمه ما يلزمه لاستعماله الخياطة باختياره فكذا السامع خبر الرسول صلى الله عليه وسلم يلزمه بعقد أن ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حق يدان الله به.
ولما لم يكن فيه إلزام من الراوي لم يشترط قيام ولايته على السامع، ألا ترى أنا نسمع أخبار الحدود من النساء وما لهن من ولاية إقامة الحدود ولا شهادتها، ألا ترى أن كثيراً من الصحابة الذين هم موالي نقلوا أخباراً وتلقتها الأمة بقبولها ولم يتفحصوا عن التاريخ والنقل أنه كان قبل العتق أو بعده.
ولو كانت الحرية شرطاً لما كانت حجة حتى يعلم أن النقل كان بعد العتق.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد المملوك، وما كان يجيب إلا بخبره أن
(1/189)

المولى أذن له به ولم يظهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخبر المولى به ولو كان شرطا لنقل في الحديث ولم يجز الإعراض عنه.
وكذلك بريرة: كان يتصدق عليها وهي تهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقبل ويصدقها على ذلك.
وثبت أن رواية الأعمى مقبولة لأن العمى لا يوجب خللاً في العلم ولا في العبارة، بخلاف الشهادة لأنه يحتاج إلى تمييز المشهود له من المشهود عليه عند الأداء، والعمى يوجب خللاً فيه لأنه حال البصر يميز بالعيان والآن بالاستدلال، والراوي لا يحتاج إلى هذا التمييز.
ولأن باب الشهادة أضيق على ما مر في بيان شرط العدد ولفظ بعينه ليصير حجة، وهذا لأن الشاهد يلزم غيره ولا يلزم نفسه وراوي الخبر يلتزم كما يلزم غيره فجرى التزامه مجرى شاهد آخر معه.
ولأن كثيراً من الصحابة كف بصرهم وقبلت روايتهم بلا فحص عن التاريخ، منهم: عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع- رضي الله عنهم-.
وكذلك رواية النساء مقبولة لأنهن في الشهادات فوق العميان ثم قبلت رواية العميان فالنسوان أولى، ولأن النقصان قيهن في باب الشهادات بشرط زيادة العدد، وزيادة العدد لها عبرة في باب الشهادات، ولا عبرة لها في باب الروايات لأخبار الشرع، ألا ترى أن زيادة العدد شرط في شهادة الرجال وليس بشرط في روايتهم الأخبار.
ولأن شهادة القابلة حجة بانفرادها لضرب عذر، فباب الخبر أولى لأنه أوسع من كل شهادة.
ولأن الصحابة كانوا يسألون نساء النبي- صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن- فيما يختص بهن وكانوا يعملون بروايتهن وعائشة رضي الله عنها كانت من علماء الصحابة رأياً ورواية، والله أعلم.
(1/190)

باب

القول في الرواية عن الخط وما فيه من بيان الضبط
قال القاضي: إما أن يكون الكتاب تذكرة، والرواية عن علمه بعد ما تذكر بالنظر فيه. أو يكون الكتاب إماماً لا يتذكر ما فيه.
وإذا كان تذكرة لم يخل عن تذكرة سماع أو كتاب إليه من الراوي بالحديث عنه أو رسالة أو إجازة.
فالسماع والإجازة ضرب والكتاب إليه والرسالة ضرب لا سماع فيهما حقيقة.
وإذا كان الكتاب إماماً فهو ضربان أيضاً:
إما أن يكون كتابه بسماعه وخطه أو سماعه بخط غيره والخط معروف، والكاتب ثقة أو سماع أبيه بخط أبيه أو راوي معروف بالرواية معروف الخط، فسماعه نوع وسماع غيره نوع.
أما إذا كان الكتاب للتذكرة قبلت الرواية لأنه لا فرق بين التذكر بالتفكر وبين التذكر بمذكر إذ في الحالين جميعاً روى عن ذكر ولا يمكن اشتراط أن لا ينسى لأن الإنسان لا يمكنه الاحتراز عنه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوصاً به على ما قال الله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} وعلى أنه قد استثنى {إلا ما شاء الله}، وروي أنه كان يقرأ في الصلاة فتردد في آية.
وهذا إذا كان صحيحاً علمه ابتداء بأن كان سماعاً فعلى الحد الذي مر من قبل.
وأما إذا كان علمه بالكتاب إليه.
فإن كان كتاباً على وجهه على رسم الكتب وثبت الكتاب بحجة يثبت بمثله الكتاب وفيه: إذا جاءك كتابي هذا فحدث عني هذا الحديث بهذا الإسناد، حل له الرواية وقبلت منه روايته، وإن علمنا به، لأن الكتاب من الغائب بمنزلة الخطاب من الحاضر، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بتبليغ الرسالة إلى الناس كافة، وبلغه مرة بالخطاب، ومرة بالكتاب ومرة بالرسالة، وكذلك اليوم يثبت بالكتاب من السلاطين إلى الرعية ولاية السلطنة والقضاء ويثبت به الوكالات، ويقع به الطلاق، والرسالة بمنزلة الكتاب بل أولى لأن الرسول يضبط كالكتاب ثم ينطق والكتاب لا ينطق.
وأما الإجازة فالرواية بها لا تحل حتى يعلم المجاز له ما في الكتاب ثم يقول الروي: أتعلم ما فيه؟ فيقول: نعم، ثم يجيز له الرواية عنه به.
(1/191)

فأما إذا قال له الراوي: أجزت لك الحديث عني بما فيه، والسامع غير عالم به فلا يحل له، فإنا قد ذكرنا أنه لو سمع، ولم يعلم لم يحل فكيف الإجازة.
وهذا كما قالوا في القاضي يشهد الشاهد على كتابه أو المقر على صك عليه، والشاهد لا علم له بما فيه أن شهادته باطلة.
وهذا مذهب أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف: جائز ذلك إذا كان الكتاب معلوماً بنفسه وصورته بحيث يعلم ما يزاد فيه أو ينقص منه، فأما ما كان على غير ذلك ينبغي أن لا يحل بحال لأنه لا يدري عند الشهادة أنه ذلك إلا أن يشهد على كتاب ويسلمه إلى الشاهد فيصير كالمختوم.
والاحتياط فيما قاله أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله، لأنه إذا لم يعلم بما فيه كان الضبط بالخط والختم وكل ذلك يحتمل التغيير فإن الخط يشبه الخط والكتاب يشبه الكتاب وكذلك الختم.
ثم الإجازة إذا صحت كانت كالسماع وحلت الرواية بحدثنا، أو خبرنا جميعاً لأنهما خطاب.
فأما الكتاب والرسالة فإنما نقول: أخبرنا بكذا، ولا نقول: حدثنا، كما نقول: أخبرنا الله بما أنزله من كتاب ورسول، ولا نقول حدث ولا كلم، وكان موسى عليه السلام مخصوصاً بالتكليم.
فأما إذا كان الكتاب إماماً فمن أهل الحديث من جعل الكتاب كالسماع، وقال: إذا وقع في علم الراوي أنه كتابه بسماعه وخطه ووثق به أو كتاب أبيه بخطه وله ثقة بعلمه بخط أبيه حلت له الرواية كما لو سمعه، وتذكر سماعه ما فيه، وعلى هذا يجب أن يحل له إذا علم أنه خط راو معروف فلا فرق بين خط أبيه وخط غيره.
وقال أبو يوسف في باب القضاء: إن القاضي إذا رأى خطه بقضاء فلم يتذكر حل له العمل بذلك إذا كان قمطره بخاتمه.
وقال أيضاً- في الشاهد- أنه يحل له أن يشهد بخطه وإن لم يتذكر. فعلى هذا تحل له الرواية بالخط وإن لم يتذكره.
وعلى قياس قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ أنه لا يحل له إلا بعد التذكر ولا تقبل روايته عن الخط بنفسه.
وهذا هو الصحيح لأن الخط في الأصل لم يوضع إلا للتذكرة فما في عينه إعلام وإنما الكتاب للقلب بمنزلة المرآة للعين، وإنه لا عبرة بالمرآة إذا لم تر بها العين وجهه فكذا الكتاب إذا لم يتذكر القلب به علماً.
(1/192)

وعن إبراهيم النخعي: أنهم كانوا يكرهون الكتابة ثم أباحوا بعد ذلك لكسل حدث بالناس، وكذلك القرآن كان محفوظاً بالقلوب ابتداء ثم كتب مخافة النسيان.
فإن قيل: أليس كتب ليحفظ به، فلو لم يكن عينه حجة على القارئ لما كان حافظاً؟
قلنا: التحفظ به على سبيل أنه مذكر كالمرآة على ما قلنا لا أنه حجة بنفسه فإن الخط غير ناطق بنفسه، ولكن مذكر بصورته وقد يشبه الخط الخط شبهاً لا يمكن التمييز بينهما فيقع بالبناء عليه ضرب شبهة يمكن الاحتراز عنه بالجد في الحفظ فلا يلغو اعتبار تلك الشبهة بنسيان يكون بالتقصير في الحفظ وما فسد دين الأديان إلا بالبناء على الصور دون المعاني.
ألا ترى أنا لا نقبل رواية الأخرس وإن كانت له إشارة معلومة معقولة لضرب شبهة فيها يقع الاحتراز عنها بغيره فاعتبرناها، ولم نعتبر فيما يتصرف لنفسه وعليه فيثبت بها النكاح والطلاق والعتاق لأنه لم يمكن الاحتراز عنها في حقه.
ألا ترى أنه لا فرق بين علمه بخطه وخط غيره ثم خط غيره لم يكن حجة فكذا خطه، فعلمنا أن الرواية عن كتاب لا تحل إلا عن ذكر سماع أو ما يقوم مقامه من كتاب إليه أو برسالة أو بالسماع بإجازة صحيحة على الوجه الذي فسرناها أو برواية المحدث له بلسانه أو القراءة عليه وتصديقه القارئ، وروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه: إن قراءتك على الراوي أضبط من قراءة الراوي عليك فلعله يغفل فيقرأ خطأ وأنت لا تشعر لتداركه وتشعر بخطائك وتداركه بالإعادة.
فإن قيل: إذا قرأت على الراوي لم تأمن غفلة الراوي عن سماعك!
قلنا: الغفلة عن السماع أهون من الخطأ في القراءة فلما يمكن الاحتراز عنهما سقط اعتبار ما لم يمكن ووجب الاحتراز عن الأهم منهما، والله أعلم.
(1/193)

باب

القول في ضبط المتن ونقل الخبر بالمعنى
قال بعض أهل الحديث: ضبط المتن في مراعاة اللفظ ويحل له نقله بالمعنى عنده.
قال القاضي رحمه الله: وقد رأيت عن بعض أهل النظر أنهم قالوا: لفظ الراوي لا يكون حجة بل يطلب في تلك الحادثة لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحمل عليه لفظ الراوي. وهذا قول مهجور.
وقال جمهور العلماء: يجوز نقل الخبر بالمعنى في الجملة لكنه على أقسام أربعة تفصيلاً فتقول:
إن كان الخبر محكماً فإنه يجوز نقله بالمعنى لكل من سمعه من أهل اللسان.
وإن كان ظاهراً يحتمل غيرها ما ظهر لم يحل له النقل بالمعنى إلا للفقيه بعلم الشريعة وطرق الاجتهاد.
وإن كان مشكلاً أو مشتركاً لم يحل لأحد النقل بتأويله.
وإن كان مجملاً فلا يتصور نقله بالمعنى.
أما الأولون فإنهم احتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نضر الله وجه امرء سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" فالنبي صلى الله عليه وسلم رغب في مراعاة الحفظ ونبه على المعنى وهو اختلاف الناس في معرفة معاني الألفاظ، والفقه الذي يدور عليه أمر الشرع، فإذا صار الأصل هذا ثبت الحجر عاماً، وإن كان من الألفاظ ما لا يتفاوت الناس في معرفة معناه.
وأما عامة العلماء فإنه يحتج لهم بما ظهر من الصحابة رضي الله عنهم: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا، وأمر بكذا، ورخص في كذا". ظهوراً لا يرده إلا متعنت ولو لم يكن حجة لما نقلوا للعمل به ولا للإلزام هكذا، وعن عامر الشعبي وإبراهيم النخعي أنهما كانا ينقلان بالمعنى.
وروينا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يروي ويقول: هذا أو نحوه. والفقهاء
(1/194)

كلهم في تصانيفهم احتجتوا [احتجوا] بقولهم: وبلغنا نحو من ذلك: ومثل ذلك، وكثيراً ما أورده محمد بن الحسن رحمه الله.
ولأن اللفظ إنما يجب مراعاته لعينه إذا كان معجزاً أو آية لزوال الإعجاز فإنه يزول الإعجاز بالتبديل أو تعلق بعينه حكم يزول بغيره.
فأما إذا كان اللفظ مما يجب نقله للعمل بمعناه فوقف على معناه حقيقة ثم أداه بلفظ آخر بلا خلل فيه سقط اعتبار اللفظ، ونحن أنما نجوز ترك اللفظ بهذا الشرط.
وأما الجواب عن احتجاجهم بالحديث فإن أكثر ما فيه أن حفظ اللفظ مرغوب فيه في الجملة ونحن هكذا نقول فالنقل باللفظ عزيمة عندنا وبالمعنى رخصة في بعض الأخبار على ما فصلناه.
أما المحكم من الألفاظ فلأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً دائماً على ما مر تفسيره ولما تعين المعنى فيه ولم يقع وهم الخلل في الوقوف عليه ممن عرف اللسان رخص لهم ذلك لحصول الغرض منه بأجمعه بلفظ آخر.
وأما الظاهر فلأن المعنى وإن ظهر منه بظاهره فقد احتمل مجازه، والخصوص من عمومه بدليل موجب فلا يرخص في نقله بالمعنى إلا للعالم بطريق الدين والفقه حتى يؤمن بعلمه عن الخلل بمعناه إذا كساه بلفظ آخر فلعل الجاهل بالفقه يكسوه بلفظ لا يحتمل ضرب مجازه ولا ضرب خصوصه، ويكون المراد باللفظ المسموع مجازه أو خصوصه فتفوت تلك الفائدة، أو ينقله بلفظ أعم من اللفظ الأول لجهله بالفرق بين الخاص والعام فيوجب ما لا يوجبه الأول فيلزمه المحافظة على اللفظ فأما العالم بطريق الدين فخال عن هذه التهمة فأبيح له.
وأما المشكل أو المشترك من الألفاظ فلا يوقف على معناه، والمراد منه إلا بضرب تأويل وتأويل الراوي لا يكون حجة على غيره لأنه يصدر عن رأيه في أصول الشرع فجرى إظهار المعنى بالتأويل مجرى القياس فلا يحل نقله إلا بلفظ مسموع، ولا يظن بالعدل إذا نقل بلفظه إلا أحد الضربين الأولين اللذين يحلان له.
وأما المجمل مما لا يوقف على معناه فلا يتصور نقله بمعناه فيكون الامتناع بذاته لا بدليل يحجر الناقل عنه فيكون ضرباً آخر من الحجر غير الضرب الأول، والله أعلم.
(1/195)

باب

القول في انتقاد خبر الواحد بعد ثبوته عن الرسول عليه السلام مسنداً أو مرسلاً
خبر الواحد ينتقد من وجوه أربعة:
العرض على كتاب الله تعالى، ورواجه بموافقته، وزيافته بمخالفته.
ثم على السنه الثانية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تواتراً أو استفاضة أو إجماعاً.
ثم العرض على الحادثة فإن كانت مشهورة لعموم البلوى بها والخبر شاذ كان ذلك زيافة فيه.
وكذلك إن كان حكم الحادثة مما اختلف فيه السلف اختلافاً ظاهراً ولم ينقل عنهم المحاجة بالحديث كان عدم ظهور الحجاج به زيافة فيه.
أما الأول: فلما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وإن كان مئة شرط" أي كان حكمه بخلاف ما في كتاب الله تعالى، فإن نفس هذا الحديث ليس في كتاب الله تعالى فيبطل لو أريد به ظاهره.
وكذلك كثير من الأحكام مما يثبت بخبر الواحد والقياس بعد كتاب الله تعالى. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا روي لكم مني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فما وافق فاقبلوه وما خالف فردوه" ولأن كتاب الله تعالى ثابت يقيناً وخبر الواحد ثابت ثبوتاً فيه شبهة فكان رد ما فيه شبهة باليقين أولى من رد اليقين به.
وسواء عندنا خالف الخبر من الكتاب أصله أو عمومه أو ظاهره بأن حمله على مجازه.
وعند الشافعي جائز تخصيص العموم به.
وكذلك الحمل على المجاز على ما مر أنه جوز مثله بالقياس وبخبر الواحد، إلا أنا لم نجوز لما مر من قبل: أن العام عندنا يوجب العلم بالعموم يقيناً كالخاص.
(1/196)

ولأن متن العام من كتاب الله تعالى ثابت يقيناً ومتن خبر الواحد فيه شبهة وإن كان معنى المتن لا شبهة فيه وفي معنى متن الكتاب ضرب شبهة احتمال الخصوص فكان ترجيح متن الكتاب لقوة ثبوته أولى من ترجيح معنى خبر الواحد لقوة ثبوته، لأن المتن قالب المعنى وقوامه فيجب طلب الترجيح من قبله أولاً إذا استويا فمن جهة المعنى، والله أعلم.
وكذلك السنة الثابتة بالتواتر أو الاستفاضة أو الإجماع لأنها بمنزلة الكتاب في إفادة العلم على ما مر.
والمشهور فوق خبر الواحد وإن كان في ثبوته أدنى شبهة، وفي هذا الانتقاد علم كثير وصيانة للدين بليغة.
فأكثر الأهواء والبدع كانت من قبل العمل بخبر الواحد اعتقاداً أو عملاً بلا عرض على الكتاب أو السنة الثابتة، ثم تأويل الكتاب بموافقة خبر الواحد وجعل المتبوع تبعاً، وبناء الدين على ما لا يوجب العلم يقيناً، فيصير الأساس علماً بشبهة فلا يزداد به إلا بدعة.
وكان هذا الضرر بالدين أعظم من ضرر من لم يقبل خبر الواحد فاضطر إلى القول بالقياس، أو استصحاب الحال، إذا لم يجد الحكم الواقع فى كتاب الله تعالى، لأن هذا الرجل ما أخذ بحكم الكتاب، وجعل أساس دينه ما فيه اليقين إلا أنه رد خبر الواحد لتهمة الكذب وشبهته ثم وقع فيما هو أبلغ منه تهمة من رأيه أو التمسك بأي أصل كان.
والأول جعل خبر الواحد أصلاً فعرض كتاب الله عليه وبنى دينه على ما لا علم له به يقيناً، فكان القول العدل الوسط أن يجعل كتاب الله تعالى أصلاً، وهو الثابت يقيناً، وخبر الواحد مرتباً عليه يعمل به على موافقته أو إذا لم يوجد في الكتاب ما فيه خبر الواحد، ويرد إذا خالف بحكمه حكم كتاب الله تعالى.
ثم القياس بعده مرتباً عليه يعمل به على موافقته أو إذا لم يوجد في الكتاب والسنة ذلك الحكم الثابت بالقياس ويرد إذا خالف الخبر الصحيح بشروطه.
ونظير ذلك عمل مخالفنا بخبر مس الذكر وأنه مخالف لكتاب الله تعالى والسنة الثابتة والإجماع.
فإن الاستنجاء بالماء مشروع بالكتاب في أهل قباء وبالسنة والإجماع.
ولا بد من مس الذكر حال الغسل بالماء على الوجه الذي جعله الخصم حدثاً والاستنجاء طهارة، والطهارة لا تحصل بما هو حدث يضاده.
ومن ذلك خبر القضاء بالشاهد واليمين، فإنه ورد مخالفاً لكتاب الله تعالى والسنة الثابتة.
(1/197)

أما الكتاب فلأن الله تعالى قال: {واستشهدوا شهيدين} الآية أمر بالاستشهاد لإحياء الحق فكان الأمر مجملاً في حق ما هو شهادة كقول القائل: كل مجمل في حق بيان المأكول، فلما قال، {شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} كان بياناً لجميع ما دخل تحت الأمر كقول القائل: كل هذا الطعام أو هذا، وجالس فلاناً، وكقولك للآخر: استشهد زيداً أو بكراً على صفقتك، لم يكن استشهاد غيرهما من المأمور استشهاداً غيرهما من المأمور استشهاداً بحكم الأمر لا محالة، بل يكون زيادة عليه، وكذلك ههنا يكون الشاهد واليمين زيادة، والزيادة على النص في حكم النسخ عندي على ما نذكر فيكون خلافاً على أصلي.
ولأنه قال: {وأدنى ألا ترتابوا} فجعل المذكور أدنى ما تقطع به الريبة من الشهادات فمن جعل الشاهد، واليمين حجة كانت أدنى من المنصوص عليه في الشهادة فيكون خلافاً للنص بعينه.
ولأن الله تعالى بين ما هو المعتاد بين الناس في الشهادة من شهادة الرجال وما لا يوجد عادة من شهادة النساء، فإن النساء لا يحضون مجالس الحكام للشهادات عادة ولو كانت اليمين مع شاهد حجة وهي شهادة تستوفي من الخصم الذي يحضر عادة لم يصلح النقل إلى بيان ما ليس بمعتاد مع ترك ما هو المعتاد ولا كان لائقاً بالحكمة، ولأن النقل إلى غير المعتاد دليل الاستقصاء وحقيقة الاستقصاء في الإتيان على الكل.
وكذلك في آية الوصية أمر بشاهدين منا أو من أهل الذمة وذلك اليوم ليس بحجة فعلم أنه لم يكن بعد الشاهدين منا حجة أولى من شهادة الذميين ولأنه أمر الشاهدين بالقسم لإثبات الحجة وهو اليوم ليس بحجة فلو كان يمين المدعي حجة ثابتة لما عدل عنه إلى يمين الشاهد التي هي أبعد عن الحجة من يمين الخصم.
وأما السنة الثابتة فقوله صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" فهذه السنة نصت على أن اليمين غير البينة لأنها عطفت اليمين على البينة ونصت على أن اليمين على غير من عليه البينة، وخبر الشاهد واليمين يرده من طريقين: فقد جعل اليمين من البينة وعلى من عليه البينة.
ومن ذلك خبر تحريم الرطب بالتمر بعلة أنه ينقص إذا جف لأنه ورد مخالفاً للسنة الثابتة "التمر بالتمر مثلاً بمثل يداً بيد والفضل ربا " لأن الحديث قصر الربا على فضل يضاد المماثلة المبيحة لأن قوله: "مثلاً بمثل " للإجابة وقوله: "والفضل ربا " إشارة إلى
(1/198)

فضل يضادها لا محالة وعليه الإجماع.
وخبر الرطب بالتمر جعل الربا فضلاً يتوهم حدوثه لمعنى طارئ وهو الجفاف، وفضلاً لا يضاد المماثلة المبيحة في الأصل وحرم البيع مع قيام المماثلة كيلاً فالتحريم مع المماثلة خلاف للأول بالرد والوجهان الآخران خلاف بالزيادة بجعل فضل آخر سوى المنصوص عليه فيه ربا.
إلا أن أبا يوسف ومحمداً رحمهما الله قبلا هذا الحديث ميلاً إلى أن الرطب بالتمر لم يدخل تحت قوله: "التمر بالتمر" لأن الرطب لا يسمى تمراً عرفاً حتى إذا حلف لا يأكل تمراً فأكل رطباً لم يحنث، فبقي حكم الرطب بالتمر مأخوذاً من الحديث الغريب.
وأما الوجه الثاني فلأن البلوى بالحادثة متى كانت عامة فلا بد من معرفة حكمها من الحجة، وما كان الراوي يعلم به إلا بعد النص، كان النص يشتهر لديهم لو كان ثابتاً اشتهار حكم الحادثة، لأخذهم الحكم عن النص، ألا ترى أن النص كيف اشتهر اليوم لدينا لما كان ظاهراً في الخلف فصار الخلفاء لديهم وعنايتهم بالحجج أشد من عنايتنا زيافة في ثبوته.
وقال علماؤنا- رحمهم الله- في الشهادة بهلال رمضان: قول الواحد مقبول إذا كان بالسماء علة أو جاء من موضع آخر، وإذا لم يكن بالسماء علة لم يقبل قول الواحد من أهل المصر بالهلال، لأن الناس لما شاركوه في النظر والمنظر والأعين، كان اختصاص الواحد بالرؤية خارجاً عن العادة فأوجب تهمة في خبره.
وكذلك الوصي إذا أخبر بنفقة على اليتيم كثيرة خارجة عن المعتاد لم يصدق، وإن احتمل الصديق للتهمة بتكذيب العادة.
فكذلك خبر الواحد مما سبيله الاشتهار لعموم البلوى مكذب في العادة فيرد بالتهمة.
ومن ذلك خبر مس الذكر، وخبر الوضوء مما مسته النار، وخبر التوضئ عن حمل الجنازة.
وكذلك الحادثة التي ظهر الخلاف فيها من السلف ولم تجز المحاجة بالخبر، لأنه لو كان ثابتاً لما حل لهم الإعراض عن المحاجة به، ولو وقعت المحاجة به لظهر ظهور الفتوى ولوجب الرجوع عن الاختلاف على ما عليه عاده المتدينين، فإذا لم يظهر كذب بخلاف العادة، منها: اختلاف الصحابة في زكاة مال الصبي ورواية عمرو بن شعيب: "ابتغوا في أموال اليتامى خيراً كي لا تأكله الصدقة" فأنهم لم يرد عنهم المحاجة به.
واختلاف الصحابة في عدد الطلاق أنه بالرجال أو النساء والخبر المروي: "الطلاق بالرجال" فإن المحاجة لم تجز به، فثبت أنه مخترع أو تأويله المباشر بالرجال.
(1/199)

فثبت أن الخبر: يصير مزيفاً بالوجهين الأولين بمقابلة ما هو فوقه كنقد بلد رائج يصير زيفاً في مقابلة نقد فوقه ببلد آخر، ويصير مزيفاً بالوجهين الآخرين لتهمة الكذب إما قصداً أو غفلة كالزيف من نقد بلده لزيادة غش وقع فيه، والله أعلم.
(1/200)

باب

القول فيما يلحق الخبر بتكذيب من جهة الراوي نفسه
التكذيب من جهة الراوي يلحق الخبر من جهات أربع:
إنكاره الرواية نصًا وعملًا بخلاف الخبر قبل الرواية أو بعدها, وامتناعه عن العمل به.
فأما الإنكار نصًا: فما اختلف فيه أهل الحديث:
فمنهم من زيف الحديث به ورده.
ومنهم من قبله.
وروى ربيعه عن سهيل عن أبى صالح عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين, فسأل سهيل فلم يذكره, فقيل له: إن ربيعة يرويه عنك, فكان يقول بعد ذلك: حدثني ربيعة عني. وعن أبي يوسف ومحمد- رحمهما الله- في قاض ادعى رجل عليه قضاه بحق له على رجل فلم يذكره, فأقام عليه البينة بذلك- قال أبو يوسف: لا يسمع البينة, وقال محمد: يقبلها وهذه شهادة عليه وهو منكر, فتدل هذه المسألة على اختلافهما على ذلك في مسألة الرواية, لأن نفس الرواية في باب الدين كالشهادة في حقوق الناس إلزامًا, ولا يجوز أخذ هذا من الشهادة على الشهادة, فإنها تبطل بإنكار الأصل لأن شاهد الفرع لا يشهد عن علم بل عن تحمل على ما عرف.
ألا ترى أنه لا بحل له أن يشهد بأصل الحق ولا تقبل شهادته حتى يقول, وأمرني أن أشهد على شهادته أو: أشهدني.
فأما الذين قالوا بالقبول فاحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "صلى إحدى صلاتي العشاء فسلم على رأس ركعتين فقال ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيتها؟ " فقال: "كل ذلك لم يكن". فقال: "وبعض ذلك قد كان, فأقبل على القوم وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقال: أحق ما يقوله ذو اليدين؟ فقالا: نعم, فقام وصلى ركعتين" فقبل روايتهما وهو منكر وهذا ظاهر فيما يتعاطى الإنسان من أمور دينه فقد ينسى عمله ويعمل بخبر غيره.
(1/201)

وأما الذين قالوا بالرد, فاحتجوا بأن خبر الواحد يرد بتكذيب العادة على ما مر في الباب الأول فلأن يرد بتكذيب الراوي نفسه أولى، لأن إنكاره حجة في حق نفسه فسقط روايته: إما بالحجة, وإما بالتناقض فيصير الحديث منقطعًا.
وعن عمر رضي الله عنه أنه كان لا يرى للجنب التيمم, فروى له عمار فقال له: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذا كنا الإبل فأجنبت فتمعكت في التراب ثم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض فتمسح بهما وجهك وذراعيك" فلم يذكره عمر ولم يعمل به, وعمار كان عدلاً ثقة.
وكذلك لم يعمل أبو حنيفة وأبو يوسف بحديث سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" لأن ابن جريج سأل الزهري عن هذا الحديث فلم يعرفه.
ولأن خبر الفرع في إثبات الراوية ليس بأولى من خبر الأصل في إنكاره إن لم يترجح الإنكار على الدعوى لأن كل واحد منهما عدل, وكما يحتمل حال المنكر النسيان بعد المعرفة احتمل حال المدعي الاشتباه والغفلة, وأنه قد سمع الحديث غيره فنسي فظن أنه سمع هذا.
وإذا كان كذلك تثبت المعارضة فلم يثبت أحدهما, يدل عليه أن الإنسان كما يعلم بسماعه عن أمر يقين فكذلك يعلم بتركه الرواية عن سبب يقين فلا فرق بينهما بوجه.
وحديث ذو اليدين محمول على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكر أنه ترك الشفع من الصلاة, أو تذكر غفلته عن حاله يشغل قلب اعتراض له.
وعلى هذا عادات الناس أنهم إذا عملوا من أحوالهم في الغفلة تعرفوا من غيرهم.
وعلى هذا يجوز أن يقال في الخبر أن الراوي الأصلي ينظر في نفسه فإن كان رأيه يميل إلى غلبة نسيان إذا كانت عادته ذلك في محفوظاته قبل رواية غيره عنه, وإن كان رأيه يميل إلى جهله أصلاً بذلك الخبر رده وقلما ينسى الإنسان شيئًا ضبطه نسيانًا لا يتذكر بالتذكير, والأمر يبتنى على الظواهر لا على النوادر.
وأما عمل الراوي بخلاف الخبر:
فإن كان قبل الرواية فلا يكون تكذيبًا بوجه لأن الظاهر أنه تركه لما بلغه الخبر وكذلك إذا لم يعلم التاريخ حمل عليه تحريًا لموافقة السنة.
وأما إذا كان بعد الرواية نظر فيه: فإن كان الخبر يحتمل ما عمل به الراوي بضرب
(1/202)

تأويل لم يكن تكذيبًا لأن باب التأويل في الإخبار غير مسدود, ولكن الخبر لا يترك على ذلك, لأن الحجة هو الخبر لا تأويله لأن تأويله كان برأيه ورأيه ورأي غيره بمنزلة, وظاهر النص فوق رأيه بلا شك.
وأما إذا كان الخبر لا يحتمل ما عمل به فالخبر مردود لأن عمله بخلافه لا يخلو: إما أن يكون عن غفلة أو إنكار أو نسيان, أو علم بانتساخ الخبر أو تقول الراوي عنه كذبًا عليه, ولم يكن عنده ذلك الحديث فلا شك بأنه مردود.
وكذلك إذا ثبت انتساخه فهو مردود في حق العمل به وإن ارتكب خلافه فسق, ورواية الفاسق لا تقبل.
وكذلك إن غفل أو نسي فرواية المغفل أو الناسي ساقطة دل عليه ما ذكرنا في القسم الأول من بطلان الرواية بإنكار الأصل والعمل بخلافه إنكارًا ظاهرًا فيصير الخبر به مردودًا ظاهرًا ما لم يثبت رجوعه إلى تصديق الراوي عنه, والعمل به على قول من يجوز مثله وإن لم يتذكر الحديث.
والوجه في مثل هذا الخبر أن يحمل على الانتساخ فرارًا عن تكذيب الراوي ليكون الإسناد ثابتًا والعمل به ساقطًا على ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج. فدل العمل بخلاف ما روى أنه علم بانتساخه.
وروت عائشة- رضي الله عنها وعن أبيها-: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" ثم زوجت بنت أخيها عبد الرحمن بغير إذنه فدل على أنها عرفت بطلاته.
وروى ابن عمر رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم - رفع يديه في الصلاة عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع, ثم روي عن مجاهد أنه صحب ابن عمر سنين فلم يره يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة فدل أنه علم بانتساخه.
وعن عيسى بن أبان أن غير الراوي أذا عمل بخلافه من أئمة الدين والحديث ظاهر كان دليلًا على انتساخ الحديث وبطلانه, لأنه يجوز إساءة الظن كان مقتدى به في دين الله وإمامًا يشار إليه بالأصابع.
وهذا كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائه ورجم بالحجارة" فدل عمل الأئمة بخلاف ذلك في الثيب بالثيب, على أنه منسوخ.
(1/203)

وكذلك عمر رضي الله عنه نفى رحلًا فلحق بالروم فحلف أن لا ينفي أحدًا بعده.
وقال علي رضي الله عنه: "كفى بالنفي فتنة" فدلت فتواهم بخلاف الخبر في النفي على أن خبر النفي غير ثابت على ظاهره.
وعن ابن سيرين في متعة النساء أنه قال: "هم شهدوها وهم نهوا عنها، فما في رأيهم ما يرغب عنه، ولا في نصيحتهم ما يتهم".
وكذلك عمر رضي الله عنه لما فتح سواد العراق وامتنع عن القسمة علم أن القسمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن حتمًا.
فإن قيل: عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- كان يرى التطبيق في الركوع سنة، وخبر الأخذ بالركب مشهور، ولم يدل على ضعفه.
قلنا: لأنه كان يحمل الأخذ بالركب على الرخصة لما فيه من الترفيه. وقد ذكرنا أن تأويل الراوي لا يكون حجة، فكذا تأويل السامع. وأما إذا لم يكن الخبر مشهورًا، فخلاف غير الراوي لا يضعفه لاحتمال أنه خالفه، لأنه لم يبلغه، وكذلك إذا امتنع عن العمل به، لأنه حرام مثل العمل بخلافه. والله أعلم.
(1/204)

باب

القول في أقسام جملة الأخبار في حق العمل بها
هي أربعة أقسام:
أ. قسم يحيط العلم بصدقه.
ب. وقسم يحيط العلم بكذبه.
ج. وقسم يحتملهما على السواء لا يترجح أحد احتماليه على الآخر.
د. وقسم يترجح أحد احتماليه على الآخر.
فأما الأول: فأخبار الرسل، لأنه ثبت بالدليل أنهم كانوا معصومين عن الكذب. وحكمها افتراض الاعتماد بصدقها والعمل بها بقدرها.
وأما القسم الثاني: كدعوى فرعون الألوهية مع عياننا آيات الحدث فيه، وخبر الكفار أن الأصنام لآلهة مع عياننا أنها جماد لا قدرة لها بوجه بعد قيام آيات الحدث فيها، وكأخبار مسيلمة، وزرادشت، وماني من المتنبئين كذبًا لظهور آيات الكذب من معاملاتهم الخارجة على سبيل السفه، ولعدم آيات التصديق من المعجزات، فإن النبوة لا تثبي إلا بمعجزة ليمتاز بها الصادق من الكاذب.
وحكمها، وجوب اعتقاد الكذب فيها وردها باللسان، أو بما فوقه بحسب قيام الأمر.
وأما القسم الثالث: فنحو خبر الفاسق، لأن الخبر في أصله يحتمل الكذب والصدق، إلا أنا نرجح من العدل صدقه، لأنه عاقل متدين، وهما يمنعانه الكذب، ولم يظهر منه لما ثبتت عدالته مخالفة المانع، فصار الحكم للجري على موافقة العقل والدين الذي اعتمده، فإذا فسق ظهر منه مكابرة المانع ومخالفته فيما ارتكب من المحظور حتى فسق به، وذلك إنما يكون بغلبة الهوى، ولابد من وقوع ضروب فعل على موافقة العقل من كل عاقل، وإن كان فاسقًا، وذلك يدل على غلبة العقل، فيصير الخبر مشكلًا بينهما في خروجه على حكم غلبة عقلة فيكون صدقًا، أو هواه فيكون كذبًا.
(1/205)

وحكمه التوقف فيه على ما قال الله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} وعلى ما هو الحكم في النص الذي هو محتمل وجوهًا على السواء، وفي الحجج المتعارضة.
وأما القسم الرابع: فنحو خبر العدل، فإن جانب صدقه أرجح لظهور غلبة عقله على هواه، حتى امتنع عما يوجب الفسق من دواعي نفسه، لكنه غير يقين لاحتمال حاله مساعدة هواه.
وحكمه العمل به لا عن اعتقاد بحقيقة ذلك، وكذلك الفاسق، إذا شهد فردت شهادته صار جانب الكذب برد القاضي أرجح، والله أعلم بالصواب.
(1/206)

باب

القول في أقسام الصحيح من الأخبار
الأخبار التي يعمل بها ضربان: مشهور، وغريب.
فالمشهور: ضربان، ما بلغ حد التواتر، وما اشتهر ولم يبلغ حد التواتر.
والغريب: نوعان، ما لم يشتهر، ولكنه لم يدخل في حد الاستنكار، وما دخل في حد الاستنكار.
وأما المتواتر: فحده ما مر في أول الكتاب، وهو أن يتصل بك عن المخبر اتصالًا لا يبقى لك شبهة فيه، كما يتصل بقلبك من طريق السماع من المخبر نفسه، وذلك بأن ينقل إليك قوم لا يتوهم في العادات تواطؤهم على الكذب لكثرتهم، وبعد أماكنهم عن قوم مثلهم، حتى يكون آخر طرفيه كأوله، وأوسطه كطرفيه.
وحكمه: أنه يوجب العلم يقينًا كما يكون بالسماع.
وقال بعض الناس: إن المتواتر من الأخبار لا يوجب علم اليقين، وإنما يوجب علم طمأنينة، وذلك لأن اليهود والنصارى نقلوا قتل عيسى نقلًا متواترًا وإن كان كذبًا، وهم أكثر منا عددًا.
والمجوس نقلوا معجزات زرادشت نقلًا متواترًا وكان كذبًا.
وإذا رجعت إليهم كانوا على طمأنينة القلب بصدق ما عندهم من الخبر كما نحن بما لدينا من الأخبار المتواترة من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وآياته ثم إنهم لم يكونوا على يقين. فلم وجب لنا اليقين بمثله.
وكذلك الرجل يعلم بحياة الرجل يقينًا، ثم يمر بداره فيسمع النياح ويرى أعلام الموت، ويرى المأتم، فيقولون: إنه قد مات، فيعزيهم ويعزونه، ويطمئن قلبه إلى العلم الحادث، ويزول الأول على احتمال أنه حيلة وليس بحقيقة.
قال العبد رضي الله عنه: وهذا مع الحجة قول رذل. لأنه زعم أنه لم يعرف رسولًا من الرسل، ولا كتاب الله، ولا أباه، ولا أمه، لأنه ما توصل إلى علمهم إلا بالخبر، ولم يعرف أنه مولود، وكان قبله بشر من جنسه. ومن قال: إني لا أعرف ذلك فقد أبطل دينه قبل كل شيء، ثم عقله، لأنا إذا رجعنا إلى قلوبنا التي هي معدن المعرفة، وجدناها عارفة بالآباء والأمهات عن خبر متواتر مثل معرفتنا بالبنين والبنات عن عيان، ووجدناها تعرف
(1/207)

أنهم مولودون عن أصول، كما تعرف أنهم يلدون فروعًا، ويعرف كل مسلم نحو مكة بالخبر المتواتر كما يعرف نحو بيته بالعيان.
وهذا كما عرفنا الله تعالى محدثًا بالاستدلال، كما نعرف أولادنا حادثة بالعيان فيصير إنكاره بعد ثبوت حد المعرفة على الحقيقة كمن أنكر العيان، وشبهه بما يرى النائم في نومه.
وأما قوله: بأن حد المعرفة على الحقيقة لم يثبت بعد، ولكن وقعت الطمأنينة بغلبة دلائل الصدق كما ذكر في المثل، فليس بقوي، لأن الطمأنينة في الأصل دليل على المعرفة حقيقة، وإنما يحمل على الغلبة بلا حقيقة. بدليل تبين الغفلة من القلب عن النظر في باطن الدليل، وإنما يعرف ذلك بإبانة حد آخر وراء ما تراءى له، كما قيل في رؤيا النائم أنها ليست بحقيقة، وإن كان لا يقف على بطلانها حال ما يرى، لأنا وجدنا لرؤيتها حالة في حياته، وتمييزه فوق هذه الحالة وهي حال اليقظة، وكان ما أرى حالة النوم لضرب غفلة، وأبطلنا تلك الحالة وجعلنا الرؤية يقظانًا حقيقية، لأنه لا حالة له فوق هذا للدرك.
فكذلك ما يطمئن القلب إلى علم بالسماع، فإن اطمأن وبحاله ضرب غفلة، كالداخل على المأتم، لأنه لو تأمل حق التأمل لأصاب جهة الكذب، لجواز تواطئهم على ذلك لأمر أرادوه، ما كان يحصل إلا بما تواضعوا عليه لم يكن موجبًا يقينًا.
فأما إذا سمع أقوامًا مختلفين لا يتواطأ أمثالهم على الكذب عادة لكثرتهم واختلاف أمكنتهم، فلم تكن الطمأنينة بحكم الغفلة عن الكذب، بل بقيام الذليل الموجب للصدق الذي باطنه لو تأمله أكد ظاهره.
وذلك لأن الله تعالى خلق الخلق أطوارًا على همم شتى ما يصدر عنهم فعل أو قول بحكم الجبلة على سنن واحد، بل يكون الحدوث على اختلاف بحسب هممهم وهوى نفوسهم، لأن الحوادث عن علل مختلفة لابد أن تكون مختلفة، فلما أخبروا خبرًا واحدًا، علم أن الإخبار لم يكن من قبل اختراعهم، بل عن أصل جمعهم على ذلك، وذلك سماع اتبعوه، أو اتفاق صنعوه، فإذا انقطع وهم الاتفاق، بقي السماع.
فإن قيل: الناس وإن كثروا لم ينقطع وهم الاتفاق على الكذب، لأن شرط التواتر ليس اجتماع أهل الدنيا، بل أهل بلدة أو عامتهم، وما نقل الرسالة عن الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أصحابه، وكان عسكره وإن كثروا كان يجوز اتفاقهم على ذلك.
قلنا: إن توهم هذا الاتفاق نادر فيما يتوهم كتمان الاتفاق بعد مرور الزمان من جمع عظيم، عشرة آلاف أو عشرين ألفًا فإن الإنسان في نفسه يتعذر عليه كتمان سره حتى يفشيه إلى صديق له ويستكتمه ثم يضيق عنه صدر صديقه فيفشيه إلى ثالث فيصير السر فاشيًا
(1/208)

عن قريب, فلا يتوهم كتمان المواضعة من الجمع على امتداد المدة, وفي الجمع المؤمنون والمنافقون والجواسيس لأهل الكفر هذا مما ترده العقول, ولا تجد لقبوله مساغًا فيها.
فكان الوقوف على بطلان هذا القول أسهل من الوقوف على معرفة الصانع عز ذكره بآيات الحدث في المحسوسات, فإنا نجد الناس مختلفين في معرفة الصانع ولا نجد أحدًا ينكره ميلاده, وكون السماء قبله قرارًا, وكون آدم أبا البشر, وهل عرفت المعجزات آيات يقينًا على الرسالة إلا بخروجها عن حد معتاد البشر, فكذلك مثل هذا الاكتتام خارج عن معاد البشر, فيقطع القول بعدمها منهم, وكما نكذب اليوم رجلًا يخبر عن عروجه إلى السماء, ومسه, وكلامه الملائكة متى شاء قطعًا, وإن جاز مثله في فدرة الله تعالى, لأنه خارج عن معتاد البشر حتى رددنا شهادة شاهدين على رجل بطلاق امرأته بمكة يوم النحر مع الشهادة أخرى بعتاق عبده ذلك اليوم بالكوفة.
وكيف يتوهم إنكتام هذه المواضعة وكانوا يلقون إلى الكفار بالمودة ويفشون أسرار النبي صلى الله عليه وسلم في باب الحرب, وكان الكفار يتقولون عليه ما لم يكن منه إطفاء لنوره, وهذا على مثال من زعم أن القرآن ليس بمعجز إلا أن العرب لو تشتغل بمعارضته أو جاؤوا بمثله, ولكن المسلمين أخفوه, فكان هذا قولًا مردودًا, لأن العرب لو قدرت عليه لعارضت ولما صبرت عن فعلها, وفيه ذهاب دينهم ومالهم ونفوسهم وحزمهم, لأنه غير متصور مثل هذا الصبر في العادات إلا عن عجز, ولو عارضت لما صبرت عن الإظهار, فإن الحجة كانت تسقط بالإظهار على سبيل المعارضة ما كان يتصور الاختفاء عادة.
وكيف يتصور وغير المسلمين كانوا أكثر من المسلمين وكانوا ينقلون ذلك مثل نقل المسلمين كلام رب العزة, وكيف يتوهم ذلك, ولم تختفِ كلمات مسيلمة, ومخاريف المتنبئين, وهذا القائل قد قال: بأن القرآن بمعجز, وأن السؤال باطل من هذا الطريق, فيبطل بهذا الطريق أيضًا سؤال من ينكر العلم اليقين بالتواتر بدعوى احتمال أو شبهة تردها عادات النفوس.
وأما الجواب عن تواتر الخبر بين اليهود بقتل عيسى عليه السلام فمن وجهين:
أحدهما: أن التواتر غير ثابت, لأن حده أن يساوي الطرف الأول الآخر ولم يوجد, لأن القتل نقل عن الذين دخلوا عليه في بيت للقتل, وقوم يرتدون أن يقتلوا رجلًا في بيت لا بد أن يكونوا بحيث يجتمعون في العادات على الكذب لأنه أيسر من الاجتماع على قتله, وقد روي أنهم كانوا تسعة نفر.
فإن قيل: تواتر الخبر بينهم بالصلب, والصلب مما يعانيه أطوار الناس الذين لا يتواطئون على الكذب عادة.
(1/209)

قلنا: إنهم نقلوا الصلب بعد القتل, والمصلوب بعد القتل لا يتأمل فيه كل التأمل على ما جرت به العادات, بل يكتفي فيه العلم بالأعلام الظاهرة, والتسامع أنه فلان, وهذا معلوم بين الناس بمن يصلب في أزمنتهم, فإن الذين يباشرونه قوم معدودون, ثم ينقل عنهم ويقع العلم للناس بالتسامع أو النظر إليه من غير تأمل, فإن الطباع تنفر عن التأمل والخلق يتغير بالصلب ويشتبه أيضًا ببعد مسافة النظر, وإذا كان كذلك كان العلم به علم طمأنينة لا علم يقين, وروي أن اليهود كانوا لا يعرفونه, وإنما دلهم عليه رجل يقال له يهوذا وبقول الواحد لا يقع العلم.
والثاني: أن تواترهم أوجب العلم بقتل من علموه عيسى ولم يكن وكان شبيهه على ما قال الله تعالى: {ولكن شبه لهم} , وروي أيضًا: أن اليهود لما دخلوا عليه فال عيسى لأصحابه: من يريد أن يلقي الله عليه شبهي فيقتل وله الجنة, فرضي به واحدًا منهم, فقتل ورفع عيسى من بينهم فلم ير.
فإن قيل: هذا أنكر من الأول, فإنه باب يبطل المعارف أصلًا, ويكذب العيان, ويبطل أخباركم المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم لجواز أن يكون قد شبه لهم, ويبطل الإيمان بالرسل لجواز أن غيرهم تشبهوا بهم, وكيف يجوز ذلك والإيمان بعيسى كان واجبًا, وما كانوا يعرفونه إلا بالعيان, فكان يجب بعد التشبيه, الإيمان بالشبه, وأنه كفر, وما جائز من الله سبحانه وتعالى إلزام الكفر بالحجة.
قلنا: أما التشبيه من الله تعالى غير منكر قدرة, ولا ينكر أيضًا حكمة إذا ألقى شبهه على غير حال دفع القتل عنه, ففي الدفع حكمة عظيمة, والتشبيه دفع لطيف, ولله تعالى لطائف في الدفاع عن الرسل عليهم السلام وعنا. وإنما يستنكر هذا حال الإيمان به فيؤدي التشبيه إلى التلبيس, والله تعالى كان علم منهم أنهم لا يؤمنون به, فشبه لهم وزادهم مرضًا وطغيانًا, ودفع عن عيسى عليه السلام.
وهذا كما تحول إبليس في صور شيخ من نجد مرة, ومرة في صورة سراقة بن جعثم وكلم الناس إغواء للكفرة فلم ينكر, فكذلك تحول عيسى بأقدار الله تعالى عليه.
وكذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما رأى جبريل صلوات الله عليه في صورة دحية الكلبي واعتقده ولم يكن كذلك, وعذر لأنه عمل بما في وسعه ولم يكن كلف غير ما علم حينئذ.
وكذلك الله تعالى قلل المؤمنين في أعين الكفار, وقللهم في أعينهم وصح ذلك للتحريض على القتال, ليقتل المسلمون الكفرة ويشفوا صدورهم منهم فلو كثر المسلمون في أعينهم لرجعوا ما قتلوا, فلما أثبت الله تعالى تقليل المسلمين في أعين الكفار تحريضًا على القتال ليقتلوا, جاز تشبيه غير عيسى به ليصان.

ثم هذا الاحتمال لا يبطل المعارف لأنه يكون معجزة, ونحن خوطبنا بالعمل على ما يكون في العادات الجارية دون البناء على ما يجوز في قدرة الله تعالى وهذا التشبيه كان من قدرة الله تعالى لا من قدرتنا فلا يبتنى عليها الأحكام.
ولأنا لا نجوز هذا الحال الإيمان بالرسول أو النقل عنه فيصير إضلالًا بالحجة, والله تعالى غني عنه.
ولأن الجواب عنه يلزم الجميع فقد سلم لنا مثله فيما نقلنا.
وأما خبر زرادشت فتلك مخاريق أظهرها بحيل على سبيل عرفها المتأملون من ذوي البصائر وقدروا على مثلها إلا ما يحكى أنه أدخل قوائم فرس الملك في البطن ثم أخرج.
(1/210)

وهذا يحكى انه فعله بين يدي الملك في خاصته والنقل عن مثلهم لا يكون حجة متواترًا, فقد روي أن الملك لما رأى شهامته بايعه على أن يظهر الإيمان به فيكون زرادشت اللعين معه برأيه وهو وراءه بسيفه فيملكوا وجه الأرض, فظهر عقيب ذلك مخاريق حكوها عن فعله في مجلس الملك أو كان عن تواطىء منهم على ما حكينا.
فإن قيل: كيف أنكرتم ذلك؟
قلنا: نحن أنكرنا الكتمان من قوم يتعذر تواطؤهم على الكذب والاتفاق عليه عادة لا على ملك بخاصته فإنهم رصد لحفظ الأسرار, وعليه بناء أمر الملك ومن حكمة خلق الله تعالى الخلق أطوارًا على همم شتى, وهي سبب الاختلاف أن يعلم باتفاقهم على نقل الشرائع تواترًا أنها ثابتة كما يكون بالعيان حتى لا تبطل الشريعة بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل تبقى بعده على وجهها إذا صار المتواتر كالمسموع من النبي صلى الله عليه وسلم فلا يبقى الناس وعقولهم سدى عن عون الشرع فما بالعقل كفاية لتمام الهداية.
فإن قيل: أرأيت القاضي لو بلغه خبر بالتواتر أو شهادة فساق كثيرين بملك في يد رجل أنه لغيره أيقضي به كما لو عاين أم لا؟
قلنا: يجوز أن يقضي به ويحتمله, ويجوز أن لا يقضي, كما لا يقضي بعلم ثبت له عيانًا قبل القضاء فمن شرطّ علمًا بالحادثة بعد القضاء جاز أن يشترط العلم بلفظة: أشهد, دون الخبر, وجاز أن يشترط العلم بخير عدول دون فساق واحتياطًا لأمر القضاء.
وأما المشهور: فحده ما كان وسطه وآخره على حد المتواتر وأوله على حد خبر الواحد.
وقد اختلف العلماء في حكمه؟
قال أبو بكر الرازي: هو أحد قسمي المتواتر, لأنا نجد في أنفسنا العلم بكل واحد منهما بلا اضطرار, إلا أن العلم بالأول يقع عن اضطرار لا مرد له في النفوس, وبالثاني
(1/211)

يقع عن استدلالٍ كما يكون مثله عن العقليات الموجبة للعلم يقينًا فإن العلم بحدوث المحسوسات يقع عن اضطرار يعرفه كل إنسان ذي بال والعلم بالصانع يقع عن استدلال.
قال عيسى بن أبان: الأخبار ثلاثة أقسام:
أقسم يضلل جاحده، كخبر الرجم.
ب وقسم يخشى المأثم على جاحده، ولا نضلله كخبر المسح بالخف.
ج- وقسم لا يخشى المأثم على جاحده كالأخبار التي اختلف العلماء فيها في مسائل خلافهم.

فلم يكفر عيسى من جحد المشتهر.
ثم جعل المشتهر بعضه فوق بعض في الرتبة وهو الصحيح عندنا.
ويسمى العلم عن الخبر المتواتر علم يقين وعن الخبر المشتهر علم طمأنينة، وعن الخبر الغريب علم غالب الرأي، وعن الغريب المستنكر علم ظن.
فهذه المراتب أربعة للعلوم ثبتت بمراتب الأخبار، والدليل على ذلك: أن المشتهر لما لم يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم بالتواتر، ولكن بالآحاد تمكنت الشبهة في الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم على نحو ما ذكرنا في أخبار اليهود والنصارى والمجوس إلا أنها لما اشتهرت في السلف وتواترت ولم يظهر منهم رد اطمأنت النفوس إلى قبولها والعمل بها، لأنها شاهدت قرنهم لا من قبلهم فاطمأنت النفوس إلى ما شاهدت، والعادات تثبت بالحواس لا بالاستدلال، ولهذا تتبدل الشرائع بالبدع إذا اشتهرت في الناس لأن الحواس تشاهدها، ولا يمكن ردها إلا بالاستدلال، ألا أنا جعلنا المشتهر حجة شرعية يجوز بمثلها الزيادة على كتاب الله تعالى، ونسخ الآيات أيضًا لأن السلف كانوا أئمة الدين وكان إجماعهم حجة، وما كان فيهم تهمة فلما تواتر النقل فيهم ولم يظهر رد منهم صار حجة من حجج الله تعالى حتى زدنا على كتاب الله تعالى الرجم.
وزدنا تحريم عمة المرأة على الكتاب.
وزدنا على أعضاء الوضوء الخف بالسنة.
والتتابع على صوم كفارة اليمين.
والزيادة عندنا تجري مجرى النسخ إلا أنا أبقينا مع هذا شبهة الآحاد الثابتة في الطرف الأول فلم نكفر جاحده، وحططنا رتبته عنه رتبة المتواتر، وهذا لأن الله تعالى كما لا يكلفنا ما ليس في الوسع وما جعل في الدين من حرج بنص الكتاب وكما لا نجد في الوسع، رد العلم بالمتواتر يخرج برد المشتهر فإنا لا يمكننا الفرق بينهما على ما عليه الجبلة إلا بحد استدلال.
(1/212)

ثم الاستدلال فيما نحن فيه يوجب القبول فلزم القول به شرعًا ما لزم طبعًا لكن على ضرب شبهة بيناها، وظهرت الشبهة في حق التكفير دون العمل فصار المتواتر موجبًا علمًا يزداد يقينه بالتأمل في سببه الداعي إليه من طريق الضرورة على ما عليه جبلة النفوس، وإنما الشك يعتري القلب بضرب وسواس كما يعتري بعض الناس فيما يدرك بالحواس، وصار المشتهر موجبًا علمًا بمنزلة المتواتر بقلة التأمل، ومتى تأمل السامع حق تأمل، وجد في أوله ما يوجب ضرب شبهة في آخره فيكون العلم به لسكون النفس إلى ما ظهر له به، فلذلك سميناه علم طمأنينة.
فإن قيل: فكيف لم يجب العلم بخبر اليهود، وقد اشتهر؟
قلنا: بمعارضة ما هو فوقه سقط اعتباره، وكذلك سبيل كل حجة.
وأما الغريب المقبول: فما اختلف العلماء خلفًا وسلفًا من أحكام الحوادث على ورود أخبار فيها متعارضة قبلها بعضهم وردها بعضهم بلا إنكار ولا تضليل حسب اختلافهم في مثلها بالمقاييس المتعارضة، فيكون العلم به علم غالب الرأي على نحو ما يقع بالمقاييس المتعارضة.
وأما الغريب المستنكر: فنحو ما ذكرنا من الوجوه التي رد السلف بها الأخبار، وربما نخشى الإثم على العامل كما خشينا الإثم على تارك المشتهر لأنه قرب من اليقين، وهذا قرب من الكذب فيكون العلم به علم ظن على تحري الحق كالذي تشتبه عليه القبلة فيتوجه إلى جهة بتحري قلبه بلا دليل.
(1/213)

باب

القول في بيان المعارضة من تفسيرها وركنها وشرطها وحكمها
أما المعارضة فتفسيرها: الممانعة على سبيل المقابلة، يقال: عرض لي أمر أي استقبلني فمنعني، والعوارض في اللغة الموانع.
وسميت المعارضة بين الحجج معارضة لأنها تقوم متقابلة متمانعة لا يمكن الجمع بينهما.
أما شرط المعارضة: فاجتماع الحجتين المتدافعتين بإيجاب كل واحدة منهما ضد الأخرى في محل واحد ووقت واحد كالتحليل والتحريم والإثبات والنفي، وهما متساويتان في القوة لأن الضعيف لا يقابل القوي.
وإنما قلنا في وقت واحد ومحل واحد لأن الضدين إنما يستحيل ثبوتهما لمحل واحد لتنافيهما بذواتهما.
فأما في محلين فجائز لارتفاع التنافي كالليل جائز في بعض ساعات الزمان والنهار في بعضها.
وكذلك سواد العين وبياضها اجتمعا في العين في مكانين منهما، فاتحاد المحل شرط قيام المعارضة لأنها لا تعمل عملها إلا عند اتحاد المحل، ولا تعمل بالمحل وهذا آية الشرط على ما يأتيك بيانه.
وكذلك اتحاد الوقت شرط لجواز اجتماع الضدين في محل واحد في وقتين على التعاقب كالحياة والممات في شخص واحد في وقتين.
وأما الركن: فالحجتان فيهما تقوم المعارضة وركن كل شيء ما يقوم به الشيء.
فإن قيل: لما كانت المعارضة لا تثبت إلا بالتراد، كيف استقامت في حجج الله تعالى الثابتة يقينًا.
قلنا: لا تثبت بين الحجج الثابتة يقينًا لأن التعارض بين آيتين أو سنتين لا يثبت إلا بحيث لو علم تاريخهما لكان الآخر ناسخًا للأول، والأول منسوخًا به فتكون الثابتة أحديهما إلا أنا جهلنا الآخرة فيثبت التعارض.
وأما القياسان إذا تعارضا فالذي معه الحق عند الله، وحجته على الحق الذي عنده
(1/214)

واحد منهما إلا أنه جوز لنا العمل بما نصيب به الحق عند الله وبما لا نصيب بحكم العجز على ما بينا في باب الاجتهاد فصار أحد القياسين حجة يقينًا، والآخر حجة ظاهرًا في حق جواز العمل به تيسيرًا علينا لا فيما عند الله تعالى فيصير الأول أولى ومتى لم نعلم جاءت المعارضة.
فأما الحكم: فإن كان التعارض بين الآيتين فالميل إلى السنة وإن كان بين السنتين فالميل إلى أقوال الصحابة ثم إلى الرأي لأن التعارض بين الحجتين متى ثبت تساقطا لاندفاع كل واحدة بالأخرى وامتنع العمل بهما، وبأحديهما عينًا لأنها ليست بأولى من الأخرى، فإذا تساقطتا وجب المصير إلى ما بعدهما من الحجة والحجج شرعت على هذا الترتيب.
وأما التعارض: إذا ثبت بين القياسين، فكذا كان يجب أن يتساقطا ويتوقف عن العمل إلا أنه قيل: يعمل المجتهد بأيهما شاء ثم لا يكون له العمل بالآخر إلا بفساد يظهر في الذي عمل به بضرب دليل لأنه اضطر إلى العمل بحكم الحادثة الواقعة، ولا يمكنه إلا بدليل، ولم يشرع الله لنا دليلًا بعد القياس إلا الحال، وأحد القياسين معه الحق عند الله تعالى لا محالة، وحجة يقينًا فكان العمل بأحدهما على احتمال أنه الحجة حقيقة أولى من العمل بالحال، فإنه عمل بلا دليل فجاز له العمل بالمحتمل لهذه الضرورة ولما اندفعت الضرورة به وجعل عمله بما عين صوابًا لم يجز العمل بالآخر إلا بدليل غير محتمل.
ومثاله ما قال علماؤنا رحمهم الله: في إنائين ماء أحديهما نجس، والآخر طاهر فأشكل الأمر علينا فإنه لا يجوز استعمال ماء أحديهما بالتحري لطهارة الصلاة، ويجوز للشرب لأن التراب طهور بيقين خلفًا عن الماء في حق الصلاة فوجب الميل إليه عند التعارض بين الماءين، ولا خلف للماء في حق الشرب فجاز تعيين أحديهما للشرب مع الاحتمال.
وقال علماؤنا في سؤر الحمار: أنه مشكل لتعارض الأدلة، فقالوا: لا ينجس العضو الطاهر باستعماله، ولا يرتفع به الحدث للصلاة لأنه مشكل في نفسه فلا يزول به ما كان ثابتًا قبله من نجاسة أو طهارة، ولم يجوز تعيين أحد الحكمين بلا دليل ولا ضرورة فإنها ارتفعت بهذا التقسيم.
وكذلك قالوا في الخنثى: أنه مشكل أمرها ما لم تترجح إحدى حالتيها بدليل، ومتى لم يتبين لم تترجح بلا دليل بل رد إلى الرجل من بعض الأحكام وإلى المرأة في البعض على حسب الثبوت يقينًا.
ووجه آخر أن النصين لا يتعارضان إلا والأول منهما منسوخ إلا أنا جهلناه، والجهل لا يطلق عملًا شرعيًا والاختيار عمل شرعي.
(1/215)

وأما القياسان فيتعارضان على طريق أن كل واحد منهما صحيح العمل به لأنه جعل حجة يعمل به أصاب المجتهد به الحق عند الله تعالى أو أخطأه، ولما كان كل واحد منهما حجة لم يسقط وجوب العمل، ولكن الحكم عند الله واحد فثبت له تحري الذي الحق عند الله معه لأنه أولى من الآخر لا محالة فإذا تحرى وعمل به، وجعل التحري حجة له ضرورة صار الذي عمل به هو الحق عند الله تعالى بدليل التحري والآخر خطأ فلا يجوز نقضه إلا بدليل فوق التحري.
ومثاله في مسائل الفقه: رجل طلق إحدى امرأتيه فإن له خيار التعيين لأن التطليق كان حقه، وكذلك تعيين المطلقة فإذا لم يعين بقي التعيين ملكًا له فإذا عين لم يبق له الرجوع.
ولو طلق إحديهما بعينها ثم نسيها لم يكن له خيار بالجهل لأن ما كان له خرج من ملكه إلا أنه جهل المحرمة فلم يثبت له خيار شرعي بالجهل.
فإن قيل: لما كان كل واحد من القياسين حجة يجوز العمل به وجب أن يثبت خيار التعيين مطلقًا، لا لضرورة الجهالة فإنه لا جهالة لما صار كل واحد منهما حجة، ألا ترى أن الخيار لما ثبت في تعيين كفارة اليمين لثبوت كل نوع مشروعًا كفارة ثبت مطلقًا ولم يرتفع بتعيين العبد نوعًا مرة.
قلنا: إن القياسين ليسا بحجة في حق ما عند الله تعالى فإن الحق عند الله واحد على ما نذكر، ولكن جعلا حجة في حق جواز العمل لنا بالقياس أخطأنا أو أصبنا لفقد الدليل الذي هو فوقه، والذي هو حق عند الله فوق الذي ليس بحق ولا دليل معه للتمييز إلا التحري بقلبه فأمر بتعيينه بدليل التحري وللقلب فراسة، ونظر بنور الله تعالى على ما جاءت به الأخبار فإذا عين تعين وبقي الآخر خطأ ما لم يتبين خطاؤه بدليل آخر فوق التحري.
قال علماؤنا فيمن أدرك الظهر ومعه ثوبان أحدهما نجس ولا يدريه: أنه يتحرى ويصلي في أحدهما الظهر فيجوز فإن صلى العصر في الآخر لا يجوز حملًا على أنه نجس لأن كل ثوب منهما حال وجوب الظهر مما تجوز الصلاة فيه لوجوب الصلاة وما عنده ثوب طاهر يقينًا وحكم النجاسة سقط بالعجز، والذي هو طاهر منهما هو الحق في الأصل ولا دليل معه عليه غير التحري بقلبه فأمر به فإذا تحراه جعل طاهرًا بدليله فبقي الآخر نجسًا، ولم يتبدل إلا بدليل آخر فوق التحري.
وقولا الصحابة مثل القياسين لأنهما يقولان عن الرأي، ولا يجوز العدول بالرأي عن قولهما جميعًا- على ما نذكر- فحلا محل القياسين اللذين لا حجة بعدهما، والله أعلم.
(1/216)

باب

القول في بيان المخلص من المعارضات بين النصوص
المعارضة إنما تكون بين آيتين، أو آية قرأت بقراءتين، أو آية وسنة ثابتة، أو خبرين رويا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن راويين، أو راوٍ واحد.
لما ذكرنا أن المعارضة بين النصوص إنما تثبت إذا كانا بحيث لو علم المتأخر منهما كان ناسخًا للأول، والنسخ يثبت بهذه الطرق على ما نذكر.
فأما المخلص منها فأول ما يطلب من جهة الحكم لأن التعارض إنما يكون بتدافع الحكمين فلا بد أن يكون المدفوع بالآخر ما كان ثابتًا بالأول لتتصور المعارضة، فإذا أمكنك بيان أن الذي تصور مدفوعًا ظاهرًا غير ثابت بالنص بل هو غيره بطلت المعارضة كما في قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن} فإنه عندنا عبارة عن عقد اللسان دون القلب وقوله: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} لا يدفع هذا وإن نص على القلب لأن حكم العقد مؤاخذة معجلة في الدنيا، وحكم كسب القلب مطلق المؤاخذة والمطلق ما يكون في الآخرة لأنها خلقت للجزاء الوفاق فأما الدنيا فقد يؤاخذ فيها وقد لا، لأنها خلقت للابتلاء لا للجزاء فيكون الكسب بالقلب علة لحكم لم يتعرض له عقد اللسان فلا يجوز حمل أحدهما على الآخر لما بطل التدافع.
فإن لم يوجد ذلك يتخلص بالحال نحو قوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} بالتخفيف ويطهرن بالتشديد والأطهار: الاغتسال، والطهر انقطاع دم الحيض في اللغة، والتحديد بكل واحد غير ممكن فيتخلص عنه بالحال فتحمل الآية المخففة على أكثر أيام الحيض، والمشددة على ما دون أيامها فيبطل التعارض باختلاف الحالين، وصيرورة هذا في حالة غير الأولى فإن لم يوجد ذلك وجب التخلص بالتاريخ إن عرف فيجعل آخرهما أولى لما ذكرنا أن المعارضة إنما تثبت إذا كان الآخر مما ينسخ الأول فإذا عرف الناسخ بطلت المعارضة.
فإن لم يوجد ذلك وجب التخلص بتعيين الناسخ منهما بظاهره نحو أن تثبت إحدى الحجتين حكمًا، كان عرف ثبوته والأخرى رفعًا لذلك الحكم فالرافع يكون أولى ويجعل الذي يبقى ما كان إذا جهل التاريخ متقدمًا والآخر متأخرًا.
(1/217)

لأنا لو لم نجعل هكذا نسخنا الأصل، ثم نسخنا الرافع بما أعاد حكم الأصل ولا يصار إلى النسخ ما أمكن نحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أباح الضب، وروي أنه كرهه وروي أنه أباح الضبع وروي أنه نهى عنه، فكان التحريم أولى.
ولأن المحرم بالإجماع ناسخ والآخر احتمل أن يكون ناسخًا لو تأخر وأن لا يكون لو تقدم فلم يقابل المحتمل المحكم فإن لم يكن قامت المعارضة وإن كانت إحدى الحجتين نافية والأخرى مثبتة، ويحكى هذا القول عن عيسى بن أبان، وعن أبي الحسن الكرخي أن المثبت أولى.
وقد ذكر محمد بن الحسن رحمه الله في كتاب "الاستحسان" في ماءٍ أخبره مخبره بنجاسته والآخر بطهارته، ولم يترجح قول أحدهما على الآخر في رأي السامع. فقال: إنهما يتساقطان، ويبقى الماء على ما كان قبل الخبرين والنجاسة إثبات حكم جديد.
وعن ابن عمر وابن عباس أنهما سألا عن الفجر فاختلف رجلان فقال أحدهما: طلع، وقال الآخر: لم يطلع فشرب الماء.
وفرع محمد بن الحسن في كتاب "الاستحسان" إذا كان المخبر بأحد الخبرين اثنين عدلين، ومن الجانب الآخر واحد، قال: خبر الاثنين أولى وإن كان من جانب عبدين، ومن جانب حرين فالحران أولى فرجح بمعاني في الحجة لا بالحكم، وهذا لأن الخبر حجة في النفي كما في الإثبات بخلاف الشهادات.
فإن قيل: خبر المثبت أصدق!
قلنا: لا كذلك فإن طهارة الماء تعرف يقينًا كنجاسته باغتراف الماء من وادٍ جارٍ في آنية طاهرة وحفظها كذلك عن النجاسات.
ومثال ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حرام، وروي أنه تزوجها وهو حلال، ولا يرجح الحلال بكونه طارئًا فإنهم أجمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما تزوجها قبل الإحرام وإنما تزوجها بعد الإحرام.
واختلفوا في أنه تزوجها قبل أن يحل أو بعدما حل.
والذي يروي الحل روى أمرًا طارئًا ولم نره ترجيحًا وقد اجتمعا في حادثة واحدة، بل رجحنا الحرام لأن رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو أثبت من يزيد بن الأصم راوي الحلال.
وروي أن بريرة أعتقت وزوجها عبد، وروي: وزوجها حر، وزوج بريرة كان عبدًا ثم أعتق فكانت الحرية طارئة وأخذ بها علماؤنا رحمهم الله فثبت أنهم طلبوا الترجيح من وجوه أخر لا بالطريان واستصحاب الحال.
(1/218)

وكذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رد زينب على أبي العاص بالنكاح الأول وروي بنكاح جديد ورجحوا هذا الخبر فلما اختلف عمل علمائنا في هذا الباب علم أنهم رجحوا بوجه آخر غير الإثبات.
والوجه الصحيح في ذلك أنا نستفسر النافي للحادث فإن أخبر عن سبب علمه بالنفي على وجهه صار هو والمثبت سواء.
وإن قال: لم أعلم بما يزيله كان المثبت أولى، لأنه إذا أخبر عن دليل النفي ساوى المثبت في العلم بما أخبر على ما بيناه في مسألة طهارة الماء ونجاسته فإذا لم يخبر عن دليله، ولكن قال لم أعلم بما يزيله فقد أخبر أنه بقي على ما كان يجهله عما يزيله لا بعمله حجة تنفي الثبوت للحال، فلم يصر خبره عن جهل حجة في مقابلة الخبر عن علم، وإنما لا يكون هذا حجة بعذره في التمسك بما كان علم على ما نشرحه في باب استصحاب الحال، ولأن السامع يساويه في ضرب هذا العلم لأن علم بثبوت الأول ولم يعلم بزواله مثل الذي أخبره به.
فلو كان هذا الخبر حجة دافعة لخبر المثبت لصار علمه بنفسه دافعًا، وكانت الأخبار أكثرها تبطل بهذا الطريق لأن أكثر الشرائع مما تبدلت، والتي كانت ثبتت يقينًا قبل التبدل فكان ثبوتها من قبل يعارض ما يرفعها فلا يثبت الرفع، وإلى هذا التفسير أشار محمد بن الحسن رحمه الله.
وعلى هذا رجح علماؤنا خبر حرية زوج بريرة ونكاح جديد لزينب لأن الذي نفى الحالة الأولى لم يبلغنا منه ما نعلم به سبب شهادته بالحالة الأولى، فقبل التفسير الشهادة بالحادث أولى وبلغهم في خبر نكاح ميمونة بسبب شهادة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فإنه نقل القصة على وجهها فتساويا في حق المشهود به، ثم ترجح عبد الله لإتقانه.
ومن أهل النظر من تخلص عن المعارضة بزيادة عدد الراوي وقال: إن خبر الاثنين أولى من خبر الواحد كما قاله محمد بن الحسن رحمه الله في باب طهارة الماء ونجاسته لأن في الصحابة من لم يقبل خبر الواحد حتى شهد معه آخر، ولأن القلب أميل إلى خبر الاثنين.
وتخلص أيضًا بحرية الراوي لأن الحرية تجعل خبره حجة في باب الشهادات فيوجب ترجيحًا كزيادة العدد وكما رجح محمد بن الحسن في باب خبر نجاسة الماء وطهارته.
قال القاضي رضي الله عنه: والذي ثبت عندي من مذاهب علمائنا أنه لا مخلص بهذا لأن خبر الواحد لما ثبت حجة لم يترجح بزيادة العدد من جنسه كما لا تترجح الشهادة بزيادة الشهود، وإن كان القلب إلى شهادة العشرة أميل وكما لا يترجح بالأربعة،
(1/219)

وهي حجة في باب الزنا دون الاثنين فعلم أن الرجحان لا يطلب لباب بباب آخر، ولا بميل القلب، بل بمعاني في الحجة ألا ترى أن خبر المرأة والرجل سواء، والقلب إلى شهادة الرجل أميل.
وشهادة النساء ليس بحجة في بعض الأبواب بخلاف المشهور لأنا لم نرجح بزيادة العدد بل بدخول الخبر في حد العيان، وصيرورته بابًا آخر حكمًا على ما مر، ولأن المناظرات من لدن الصحابة إلى يومنا هذا جرت بأخبار الآحاد ولم يرو في شيء منها اشتغالهم بالترجيح بزيادة عدد، ولو كان صحيحًا لقالوا، ولو قالوا لنقل كما نقل في ابتداء قبول أخبار الآحاد، والله أعلم.
(1/220)

باب

القول في البيان
البيان في اللغة: عبارة عن الظهور, يقال: بان لي معنى هذا الكلام أي: ظهر بيانًا, وبانت المرأة عن زوجها بينونة أي: حرمت, وبان الحبيب بينًا أي: بعد وكلها ترجع إلى معنى واحد وهو: الامتياز, ولكن على أنحاء مختلفة ففرق بين أنواعها بالمصادر.
وأكثر ما يستعمل البيان في باب اللسان, وأنه على أربعة أوجه:
بيان تقرير, وبيان تفسير, وبيان تغيير, وبيان تبديل.
فأما بيان التقرير: فنحو قول الله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} فقوله تعالى كلهم قرر معنى العموم من الملائكة حتى صار لا يحتمل الخصوص.
وأما بيان التفسير: فنحو بيان المجمل والمشترك والمشكل وما لا يمكن العمل به إلا بدليل, فذلك الدليل بيان تفسير فإنه عبارة عن الكشف, وبه انكشف المعنى لأنه كان معقولاً فتقرر به.
وأما بيان التغيير: فنحو الاستثناء {فلبث فيهم ألف سنه إلا خمسين عاما} لأن قوله إلا خمسين ليس بتفسير للألف بل رد لبعضه فمن حيث قرر البقية كان بيانًا ومن حيث رفع بعضه كان تغييرًا.
وأما بيان التدليل: فكالتعليق بشرط نحو قوله الله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} لأن لا جناح لإزالة الحرج للحال, ولما علق بشرط, تبدل أصله فلم يوجب إزالة حتى يوجد شرطه.
فبيان التقرير والتفسير: بيان محض ما فيه تغيير, ولا تبديل بوجه فيصبح مقارنًا وطارئًا.
فإن قيل: كيف صح تأخير بيان المجمل, ولا يمكن العمل به قبل البيان فيكون تكليف ما ليس في الوسع؟
قلنا: قبل البيان لا يلزمنا العمل بل يلزمنا أن نعتقد أن الله تعالى أراد به حقًا فيكون ابتلاء بمجرد الاعتقاد, وأنه صحيح فإنه أعظم من الابتلاء بالفعل ألا ترى أن من النصوص ما هو متشابه أيسنا عن بيانه, وقد صح وروده لإيجاب اعتقاد الحقيقة في الجملة, قال علماؤنا فيمن اقر أن لفلان عليه شيئًا: إن البيان متصلًا منفصلًا لأنه تكلم بكلام مجمل.
(1/221)

وإذا قال: لفلان علي ألف درهم، وفي البلد نقدي مختلف كان البيان إليه متصلًا ومنفصلًا لأن الاسم يحتمل ضروب دراهم.
وإذا قال لامرأته: أنت بائن فالبيان إليه متصلًا ومنفصلًا لأنه يحتمل ضروب بينونات.
وإذا قال: أنت طالق، وقال: عنيت الطلاق للنكاح كان صحيحًا لأنه تقرير فعلمت أن هذين النوعين يصحان بوصل وفصل.
وأما بيان التغيير والتبديل: فيصح موصولًا، ولا يصح مفصولًا لأنه يتمحض نسخًا للكل أو للبعض مفصولًا والنسخ رفع وليس ببيان على ما نذكر، ولأن حكم الكتاب كان ثابت قبل النسخ فلو كان بيانًا لتأكد ثبوته وما انقطع، وإنما قلنا: أنه يتمحض نسخًا مع الفصل لأن الألف اسم علم لعدد معلومات على سبيل القطع لا احتمال فيه لما دونه، فلا يصير تسعمائة إلا برفع مثة منها وكان نسخًا لبعضها فكان تغييرًا، وإذا قلت: أنه حر، كان إعتاقًا لا يحتمل غيره بوجه، فيكون تعليقه بشرط رفعًا بعد ثبوته لا محالة كالقنديل يوضع ثم يعلق، وكإرسال التوكيل للحال ثم العزل إلى ما بعد شهر فيكون التعليق تبديلًا من الأصل.
ولا يكون بيانًا بوجه إلا أن يكون موصولًا بالكلام الأول لأن الكلام كما لا يتم مفهمًا للغرض منه إلا بنظم الحروف وتأليفه فكذلك الكلمة بنفسها لا تفهم المراد إلا بنظم كلمات أخر إليها، وإذا كان كذلك لم يجز الحكم بأول الكلمة حتى ينقطع النظم بالسكوت أو الانتقال إلى ضرب آخر من الكلام والاستثناء ليس بانتقال، لأنه دون المستثنى منه لا يكون كلامًا مفهمًا، وإذا لم يكن انتقالًا اعتبر جملة واحدة، وإذا اعتبر جملة والاستثناء لو طرأ كان رفعًا للبعض فإذا قارن منع الثبوت بقدره، وكان تكلمًا بما بقي بعده على ما قررنا في مسائل الاستثناء.
وكذلك التعليق بالشرط لو طرأ بعد الثبوت وصح اقتضى انعدام ذلك المرسل قبل الشرط لأن الشيء الواحد لا يوجد ابتداؤه في زمانين، وكما في المحسوس إذا أرسل القنديل استقر بالأرض، وإذا علق انعدم في مقره وإذا قارن التعليق الإرسال منع الوجود بالمقر أيضًا فكانا متصلين بيانًا يمنع اللفظ أن يعمل عمله على حسابه لولا المانع.
فمن حيث ما فيه من المنع لم يكن بيانًا.
ومن حيث لا رفع بعد الثبوت لم يكن نسخًا.
ومن حيث غير الكلام من جهة إلى جهة أخرى بالنظم كان بيانًا لما صار إليه فسميناه بيان تغيير وتبديل لاجتماع المعنيين فيه، وهذا مما لا خلاف فيه.
فإن من قال: لفلان علي ألف درهم إلا مئة، كان بيانًا ولا يلزمه المئة.
(1/222)

ولو سكت ثم قال: إلا مئة كان رجوعًا ويلزمه الألف كلها.
وكذلك إذا قال: لفلان علي ألف درهم وديعة صدق فيما بين إذا وصل، ولا يصدق إذا فصل لأنه بيان تغيير، فإنه غير حكم الالتزام عن الدراهم إلى الحفظ ألا ترى لو سكت على ألف درهم كان المضمون عين الألف لا الحفظ فالصرف إلى الحفظ تغيير، ولكن فيه معنى البيان على معنى التغيير كأنه يقول: لفلان علي ألف درهم، فكان بيانًا من حيث النقل إلى مجازه، وإذا قال: لفلان علي ألف درهم من ثمن جارية باعنيها إلا أني لم أقبضها.
قال أبو يوسف ومحمد: إن صدقه المقر له في الجهة صدق المقر، وصل أم فصل لأن السبب لما ثبت بالتصادق صار القبض محتملًا لا موجب للإقرار فيه فيكون قوله قبضتها أو لم أقبضها بيانًا محضًا.
وإذا كذبه المقر له في الجهة صدق إذا وصل ولا يصدق إذا فصل لأن قوله: لفلان علي ألف درهم إقرار بمال صحيح لو سكت عليه من ثمن جارية باعنيها إلا أني لم أقبضها بيانًا فيه معني الإبطال، لأنه متى ثبت هذا لم يبق للمقر له قبله مطالبة إلا بتسليم الجارية، ولا جارية هناك، ولكن في الجملة يجوز أن يكون الوجوب بهذا السبب فكان بيانًا فيه معنى الإبطال فأشبه الاستثناء.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يصح إن وصل لأنه رجوع عن القبض بعد الإقرار به، وما فيه معنى البيان من وجه لأن البيع يوجب مطالبة المشتري بالثمن حالًا قبل تسليم الجارية لا براءة له عنها إلا بعارض فلا يكون دعوى العارض بيانًا بل البيان بما يكون مقارنًا للعلة على سبيل المنع.
فأما إذا لم يصدق في دعوى العارض المسقط للمطالبة، ولا مطالبة والجارية غائبة إلا بعد القبض صار إقرارًا بالقبض ثم رجوعًا.
وإنما الاختلاف بيننا وبين الشافعي في بيان الخصوص.
قال علماؤنا رحمهم الله: هو من قبيل بيان المحتمل فيصح مقارن وطارئًا.
قال أصحابنا فيمن قال: أوصيت لفلان بهذا الخاتم، ولآخر بفصه بكلام متصل: أن الفص كله لصاحب الفص والتخصيص يصير بيانًا كالاستثناء.
ولو فصل فقال: أوصيت لآخر بفصه، كان الفص بين الأول والثاني ولا يصير بيانًا مع الفصل كالاستثناء.
وإن كان خاصًا فعلم أنهم لم يروا التخصيص بيانًا إلا مقارنًا ولا كلام في المسألة
(1/223)

من حيث المعنى ابتداء بل يبتنى على ما مضى من حكم العموم، فإن حكمه عندنا عموم على سبيل القطع بلا احتمال خصوص كالألف اسم لكل ذلك العدد على سبيل القطع بلا احتمال خصوص لغيره فيكون التخصيص رفعًا للحكم عن بعضه بعد ثبوته كما في الألف مع الاستثناء فيكون بيان تغير.
والمذهب عنده أن العام ظاهره التعميم مع احتمال الخصوص.
وإذا كان ثبوته على هذا الاحتمال كان التخصيص بيانًا لما كان يحتمله ولم يكن رفعًا، وكان من قبيل بيان المحتمل وقبيل العام الذي ثبت خصوصه.
فإن القول بعمومه واجب بعد الخصوص على اعتقاد احتمال الخصوص وجواز الخطأ فيما قال به من العموم، وكآية إحلال البيع فإنها عامة يقال بعمومها وأبواب الربا بيان أنها لم تدخل تحته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين الأبواب واحداً بعد واحد.
وكما يجب العمل بالقياس على احتمال أنه خطأ وأنه يجوز أن يتبين بالخبر فساد قوله، فثبت أن البيان مما يجوز وروده مقارنًا ومتراخيًا بلا خلاف.
وإنما الاختلاف فيما ليس ببيان محض إذا كان مقارنًا، ولكنه تبديل فيكون الاختلاف بعد هذا في تمييز البيان عن التبديل لا في جواز تأخير البيان.
واحتج الخصم بنصوص منها قوله تعالى: {فإذا قرأنه فاتبع قرءانه* ثم إن علينا بيانه} ضمن البيان بعد إلزام اتباع الظاهر لأن كلمة ثم للتراخي.
وقال: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} وكان المراد بها الأصنام دون عيسى والملائكة عليهم الصلاة والسلام، وإنما يتبين ذلك ببيان متراخ بقوله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} فإنها نزلت بعدما عارض الكفرة منهم ابن الزبعرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيسى والملائكة صلوات الله عليهم.
وقال الله تعالي: {إنا مهلكوا أهل هذه القرية} والمراد بها غير لوط وأهله. وتأخير البيان إلى أن سأل إبراهيم عليهم السلام أن فيها لوطًا {قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله}.
وكذلك قال الله تعالى لنوح: {قلنا أحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك} والمراد غير ابنه، وتأخر البيان إلى أن سأل نوح {إن أبنى من أهلى} فقال الله تعالى: {إنه ليس من أهلك}.
وقال في خمس الغنائم: {ولذى القربي} والمراد بالقربى بنو هاشم وبنو المطلب دون غيرهم وتأخر البيان إلى أن سال عثمان وجبير بن مطعم، وأمر الله
(1/224)

تعالى بني إسرائيل بذبح بقرة وتأخير بيان أوصافها إلى إن سألوا ولأن البيان مرة يكون بالقول ومرة يكون بالفعل كما قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) والبيان بالفعل لا يكون إلا متراخيًا.
وقال الشافعي: الله تعالى أثبت المواريث بين الناس ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم يبن أن لا ميراث بين أهل الكفر والإسلام، وأثبت الميراث بعد الوصية مطلقًا، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد به وصية من الثلث فما دونه.
فأما الجواب عن الأول: فإنا نجوز البيان متراخيًا كما قال الله تعالى، ولكن نقول: ما فيه رفع أو تغيير لا يكون بيانًا إلا متصلًا وإذا جاء متراخيًا كان نسخًا، والنسخ لا يكون بيانًا ألا ترى أن من الآيات ما هي محكمات كآيات صفات الله تعالى لا تقبل النسخ، وهي قابلة للبيان والتقرير فثبت أنهما مختلفان وعلى ما نبينه بعد هذا في باب النسخ.
وعن الثاني: أن عيسى والملائكة عليهم السلام لو يكونوا دخلوا تحت قوله: {وما يعبدون} بطريقين:
أحدهما: أن الله تعالى خاطب قريشًا بذلك وهم كانوا عبدة أوثان.
والثاني: أن كلمة ما عام فيما لا يعقل ولا يدخل تحتها من يعقل إلا على سبيل المجاز، وكان الكفر متعينين بمعارضتهم متكلمين بلبس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت عن جوابهم إعراضًا عن اللغو كما قال الله تعالى: {وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه}، {وإذا مروا باللغو مروا كرامًا} ثم إن الله تعالى تولى الجواب ببيان شاف يرد لبسهم فقال: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} فكان بيانًا زائدًا لا واجبًا كما قال الله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون* إلا إبليس} وهو لم يكن منهم فكان الاستثناء بيانًا صورة، وهو استثناء مقطوع عن الأول معنى.
وكذلك قوله: {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما* إلا قيلا سلاما سلاما} فهذا بيان ما فيه تغيير للأول ولا تقرير بل زيادة حكم على سبيل الابتداء غير متصل بالأول حقيقة وإنما يتصل به صورة فكذا فيما نحن فيه.
ونظير ذلك محاجة إبراهيم نمرود اللعين حيث قال: {ربي الذي يحي ويميت} وكان
يحاجه بإحياء حقيقي فقال اللعين: {أنا أحى وأميت} وإنما أراد إحياء مجازا بدفع سبب الهلاك عن حي فأعرض إبراهيم عن جوابه وجاء بما يزيل اللبس عن العامة فقال: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتب ها من المغرب}
(1/225)

ولم يكن هذا بيان الأول بوجه بل كان كلامًا مبتدأ جاء به لإزالة اللبس وأعرض عن الأول من غير إفحام.
وأما قصة لوط: فكان البيان فيها مقرونًا بالنص: فإن الرسل عليهم السلام قالوا: {إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين} فأخبروا بالهلاك بسبب الظلم فكان لوط عليه السلام وأهله لا يدخلون تحت هذا النص، إلا أن إبراهيم عليه السلام اغتم للوط عليه السلام وإن لم يدخل تحت النص فإن العذاب قد ينزل خاصًا بالظالمين، كما كان بأصحاب السبت.
وقد ينزل عامًا كما قال تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} ولما كان السؤال لإشكال ثبت له باحتمال الحال دون النص صح ورود البيان متراخيًا للحال دون النص، ويحتمل أنه سأل عن حال لوطًا عليه السلام وإن علم بنص الملائكة على سبب الهلاك؛ أن لوطًا عليه السلام غير داخل تحتهم ليزداد علمًا بنص خاص في لوط ليزداد به طمأنينة القلب كما سأل ريه فقال: {رب أرنى كيف تحى الموتى}، وإن كان علم تلك القدرة، ولكن قال ليطمئن قلبه بزيادة البصيرة بالمعاينة على أن الملائكة كانوا نصوا على استثناء لوط إنا لمنجوهم أجمعين* إلا امرأته} إلا أن الله تعالى لم يحك الاستثناء في بعض القصص اختصارًا أو اكتفاء بما دل عليه اللفظ.
وأما قصة نوح فكان بيان الابن مقرونًا بالنص فإنه قال: {وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم} فكان استثنى من أهله من سبق عليه القول غير أن نوحًا عليه السلام لم يتيقن بالاستثناء بلا نص على ابنه أنه ابنه وظن- والله اعلم- أنه استثنى من سبق عليه القول من الكفرة، فإن الاستثناء يحتمل ما ذهب إليه نوح بين الله تعالى لنوح فقال: {إنه ليس من أهلك} بل هو ممن سبق عليه القول فكان تقريرًا لظاهر الاستثناء وصح متراخيًا.
ويحتمل أن نوحًا عليه السلام لما دعاه بعدما نزل العذاب وقال له: ولا تكن مع الكفرين} ظن إجابته بعدما غاب عنه بسبب تلك الأهوال فسأل ربه بناء على ظنه فقال الله تعالى: {إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم} وإنه لم يؤمن وإنه ليس من أهلك معنى، وكان اعتقاد نوح إنه من أهله على ظنه الإجابة لا عن نص الله تعالى على أهله، فإن الله تعالى كان استثنى من النص من سبق عليه القول وكان الجواب من الله تعالى بيانًا لما تخيل لديه لا للنص.
(1/226)

وهذا كما استغفر إبراهيم لأبيه عن موعدة وعدها إياه حتى بين الله تعالى له أنه لم يؤمن فتبرأ منه.
وأما قصة بقرة بني إسرائيل فذلك الوصف عندنا زيادة على الإطلاق ولم يكن له حكم النسخ على ما مر بيانه، والنسخ لا يكون إلا طارئًا.
وهكذا روي عن ابن عباس: أنهم لو عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لكفاهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. اللفظ كما هو.
وأما آية (ذوي القربى) فلا عموم لها، لأن القربى تحتمل ضروب قرب، وضروب قرابات بنفسه وبأبيه وجده وجد جده إلى آدم عليه السلام فلا يمكن تعميمها، وكل لفظ لا يمكن إثبات عمومه يجب التوقف فيه كقول الله تعالى: {وما يستوى الأعمى والبصير} فصح البيان متراخيًا فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال لهم أن المراد بها القربى بنصرتي لا بنفس النسب، أو المراد بها قربى عمومتي من بني هاشم دون غيرهم إلا أن بني المطلب التحقوا بهم بسبب النصرة.
وأما البيان بالفعل متراخيًا فلا يصح بخلاف عموم وجب القول بظاهره، وإنما يجوز على الوجه الذي يجوز بالقول، وإنما لا ننكر تأخير البيان قولًا، وفعلًا على ما بينا وإنما ننكر أن يكون التخصيص الطارئ بيانًا للعموم بل نقول إنه بمنزلة النسخ إلا عمومًا ثبت خصوصه بدليل مقارن، فتكون زيادة التخصيص بعد ذلك بيانًا لما ثبت من التخصيص بالدليل المقارن من حيث إنه يجعله من قبيله، لا أن يكون بيانًا للعموم بحال فإن البيان حده ما ذكرنا من تفسير الكلام على محتمله وضعًا أو معنى أو تقريرًا لما ثبت منه بزيادة بيان فأما معنى لا يثبت منه إلا بدليل يصده عن وجهه إلى غيره، فلا يكون بيانًا إلا على سبيل المقارنة لأن الصاد متى اقترن به منع عمل مطلقه فأما إذا لم يقترن به عمل اللفظ عمله عند عدم المانع فيصير المانع بعده رافعًا لا محالة فلا يكون بيانًا، والله أعلم.
وأما الجواب عن فصل الميراث والوصية: أن شرط الإسلام في باب الميراث من باب الزيادة على المطلق، وذلك من النسخ عندنا دون التخصيص، وقد ثبت بخبر اقترن به الإجماع أو بآية قطع الولاية بيننا وبينهم وقد احتمل أن آية قطع الولاية كانت قبل آية المواريث، وأما الوصية فتحتمل أن السنة في الثلث كانت قبل الآية فكان البيان مقارنًا، والله أعلم.
(1/227)

باب

القول في النسخ تفسيرًا وجوازًا
أما التفسير: فالنسخ هو التبديل والإبطال ونحو ذلك، تقول العرب: نسخت الشمس الظل؛ إذا أبطلته، ونسخت الرياح الديار، إذا أبطلت أعلامها، ونسخت الرسوم؛ إذا بدلت.
ومنه مذهب التناسخ وهو: تبديل جسم بجسم آخر بالروح الأول.
ومنه انتساخ الكتاب وهو: نقله إلى كتاب آخر نقل مثله، وهو نقل مثل المكتوب الأول لا نقل الأول بعينه إلى الثاني لأنه لا يتصور فسمي النقل بحسب الإمكان انتساخًا مجازًا.
ومنه نسخ الشرائع بتبديلها بشريعة أخرى، وقد نطق القرآن بالنسخ {ما ننسخ من اية أو ننسيها}، ونطق بالتبديل {وإذا بدلنا أية مكان أية}.
وأما الجواز: فقد قال به أهل الإسلام إلا قليلًا لا يعتد بهم قالوا: إنه لا يجوز.
وقالت اليهود: النسخ باطل إلا أن منهم من أبى جوازه عقلًا، ومنهم من جوزه عقلًا وأبى شرعًا فصاروا فريقين، وكذلك المسلمون فريقان إلا أن من أنكر جوازه قوم لا يعتد.
فأما الذين أبوه شرعًا سمعًا فقد احتجوا بأنهم وجدوا في التوراة (تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرضون) فثبت أنه دائم بالنص إلى يوم القيامة، وفي تجويز النسخ ارتفاعه فيكون بخلاف ما نص عليه وفيه تناقض، ولأنه لا خلاف أن وقت الثبوت متى نص عليه لم يجز النسخ فيه قالوا: ولأنه بلغنا بالتواتر عن موسى عليه السلام أنه لا نسخ لشريعته كما تدعون أنتم ذلك في شريعتكم وتحتجون له بالتواتر.
وأما الذين قالوا: لا يجوز عقلًا، فقالوا: إن الله لا يشرع شريعة إلا لحسنها ولا ينهى عن فعل إلا لقبحه، فلما دل الشرع على الحسن لم يجز النسخ والرفع إلا للقبح، ولا يتصور القبح إلا بتبين الغلط، ولا يجوز ذلك على الله تعالى، ولأن الأوامر المطلقة ثابتة أبدًا ألا ترى أنها تبقى ما لم يظهر نسخها موجبة كذلك كما كانت موجبة ابتداء فصارت بمنزلة ما لو نص على الأبد ولو نص على الأبد فقال: افعلوا كذا أبدًا، لم يجز نسخه فكذلك هذا.
وأما الفريق من المسلمين فقوم لا يمكنهم الخروج عما ثبت في القرآن من النسخ
(1/228)

نحو قوله: {ما ننسخ من أية} الآية وقوله: {وإذا بدلنا أية مكان أية} ونسخ بيت المقدس بالكعبة في باب القبلة, ونسخ حد الزنا من الإيذاء والحبس بالجلد, ولا وجه لقولهم مع الإقرار بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وانتساخ سائر الشرائع بشريعته.
وأما الحجة للمسلمين: فهو أن النسخ عندنا إنما يجوز لأحكام تحتمل أن لا تكون مشروعة ثابتة لولا الشرع, ويرد النسخ علي البقاء ثابتًا فيما يحتمل أن تثبت مؤقتة بالنص وسكت النص عن ذكر المدة على ما بيننا بعد هذا, لأن المدة لما لم تذكر واحتملت البيان.
ولما كان بيانًا لما غاب عنها من قدر المدة وهي معلومة عند الله تعالى من الابتداء لم يكن رجوعًا, ولا رفعًا لثابت تبين الغلط فيه, وكان إحياء الله تعالى شريعته بأمره يحتمل التوقت كإحياء الله تعالى إنسانًا أو تكوين العالم ثم كانت الإماتة والإفناء في الحق الله تعالى بيانًا لمدة البقاء ولم يكن فيه بد وغلط فيما أبرم وحكم فكذلك هذا لأن الله تعالى كما لا يأمر إلا لحكمة حسنة فكذلك لا يخلق إلا لحكمة حسنة.
فإن قيل: لما لم يوجب شرع الأحكام بقاؤها كيف بقيت اليوم؟
قلنا: إن البقاء بدليل آخر كما في كل العالم, وكما قيل في إحياء الشخص أنه لا يوجب البقاء بل هو بدليل آخر أو بعدم ما يعدمه, وأنه في الجملة في زمان الوحي بمنزلة حي يغيب ولا يدري حاله فإنه في نفسه على الحياة حتى يقوم دليل الممات لأنه في نفسه يحتمل البقاء والموت, والأصل هو الحياة فاستصحبنا تلك الحالة ولم نبدلها بالاحتمال فكذلك ما حسن من الأحكام بالنص احتملت البقاء كذلك حسنة، واحتملت التبدل والزوال, ولا تبدلها بالاحتمال.
فإن قيل: فعلي هذا لا يكون نسخًا للأمر.
قلنا: نعم ولا يجوز النسخ لأصله لأنه لا يجوز إلا بعد تبيين الغلط فيه, ولكنه نسخ للبقاء في حقنا ظاهرًا لأنه ما ارتفع في حقنا إلا بالناسخ فأما في حق الله تعالى فانتهاء كالقتل يجعل قطعًا للحياة في حق العباد وهو نهاية في علم الله تعالى، وموته بأجله المكتوب له فكان النسخ على الحقيقة بيانًا لمدة البقاء كالموت للحي غير أن قدر المدة لما غاب عنا.
ولولا الناسخ لزمنا الحكم بالأول أبدًا, وبالناسخ رفع الحكم فسمي نسخًا, ولا إشكال أن الأخت كانت حلًالا للأخ في شريعة آدم عليه السلام, وبذلك تناسلوا, وأنه حرام في شريعة موسي عليه السلام.
(1/229)

وأما الجواب عن السمع فإنه ثبت عندنا بكتاب الله تعالى أنهم حرفوا ما في التوراة فلم يبق نقلهم اليوم حجة دل عليه أن حواء خلقت من آدم وحلت له, واليوم حرام على الأب ما خلق من الإناث, والله أعلم.
(1/230)

باب

القول في أقسام النسخ في نفسه
أقسام النسخ نفسه في أربعة:
نسخ الحكم مع تلاوة نظمه.
ونسخ الحكم كله أو بعضه دون تلاوة النص برسمه.
ونسخ تلاوة النص دون حكمه.
ونسخ بزيادة على النص برسمه.
وهذا مذهبنا إذا كان الثابت بالنص سببًا للحكم أو حكمًا.
وقال الشافعي: الزيادة على النص بيان, وليس بنسخ.
وقال يعضهم: لا يكون النسخ للتلاوة دون الحكم, ولا للحكم بدون التلاوة, لأن النص متلو هو الموجب للحكم, فلا يجوز أن يبقى السبب الموجب بلا وجوب أصلًا لأن الأسباب لا تبقى بدون أحكامها مقصودة, وكذلك الحكم لا يبقى بنفسه بلا سببه.
وأما نسخ التلاوة مع الحكم فنحو صحف إبراهيم التي أخبر بها الله تعالى, وما بقي منها أثر, وذلك بأحد طريقين إما بصرف الله تعالى القلوب عن حفظها ورفع ذكرها عن القلوب أو بموت العلماء بلا خلف, وهذا الضرب كان جائزًا على القرآن ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيًا فأما بعد وفاته فممتنع لأنه لو جاز ذلك في البعض لجاز في الكل والله تعالى يقول: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ولم يرد الله حفظه لديه فإنه مما لا يجوز أن يتصف الله بنسيان أو غفلة.
فثبت أنه أراد حفظه لدينا فإنه مما يحتمل ضياعه بتبديل منا قصدًا كما فعل أهل الكتاب أو بنسيان.
ولأن الله تعالى ما أخلى عباده فيما ابتلاهم به من أداء أماناته عن الوحي, وما تركهم ومجرد العقول.
ولو احتمل ذهاب القرآن ولا وحي يتجدد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لخلو عن الوحي في مدة الابتلاء, ولم يوجد ذلك من الله تعالى فيما مضى قبلنا, وغير جائز ذلك مع قيام الابتلاء بهذه الحدود من العبادات, لأنا لاننالها بمجرد العقول, ولا انتساخ لهذه الشريعة فعلم ضرورة بقاء الوحي كما أنزل معنا إلى وقت ارتفاع الخطاب بالابتلاء بآيات القيامة
(1/231)

التي {لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرًا}.
والدليل على الجواز نسخ التلاوة دون الحكم, أو الحكم دون التلاوة أن حد الزنا كان هو الحبس والإيذاء باللسان بنص الكتاب ثم نسخا بالجلد والرجم, والتلاوة باقية غير منسوخة, وهذا لأن للتلاوة أحكامًا أخر غير ما يثبت به من حكم عرف لغة نحو تعلق جواز الصلاة بها وثبوت الإعجاز على أن بقاء الحكم لو لم ينسخ ما كان يضاف إلى النص فإن الأمر بفعل مطلق لا يوجب إلا ثبوت ذلك الفعل المأمور به.
وأما بقاؤه كذلك ثابتًا فلا يضاف إليه على ما بينا في الباب الأول, بل ما ثبت يبقى كذلك بلا دليل حتى يقوم دليل الزوال.
وإذا لم يضف إليه لم يتبدل حكم النص في نفسه بانتساخ الحكم كالبيع يوجب الملك لا دوامه فإن فسخ المشتري ملكه ببيع أو إعتاق لم يتدل به حكم البيع الأول فيما أوجب له من الملك, وإنما يتبدل ما لم يجب به, وإنما يحتج بالآيات للأحكام لبيان ثبوتها بها ابتداء لا لبقائها فينا اليوم.
وأما نسخ التلاوة دون الحكم فجائز لما ذكرنا أن التلاوة حكم زائد غير العمل بموجب النص, وذلك لن الأحكام مرة تثبت بوحي متلو كالقرآن, ومرة بوحي غير متلو مما أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا قرآنًا, فكان وجوب التلاوة للقرآن حكمًا زائدًا مخصوصًا به للتشريف والإظهار من حيث أنه معجز تم البقاء كما ثبت بحكم لا دليل على زواله, فإذا قامت الدلالة زالت وتبين بها مدة البقاء محتملة للثبوت, ولضده. وكذلك التلاوة كانت سببًا لجواز الصلاة فيبقى كذلك سببًا حتى يقوم دليل الزوال.
قال علماؤنا: إن صيام كفارة اليمين متتابعة لأن في قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه {فصيام ثلاثة أيام متتابعين} فمتتابعات نسخت تلاوتها وبقي حكمها وهذا صحيح. لأن التلاوة متى نسخت بقيت وحيًا غير متلو. فالحكم مما يجب به وقد مر أن نفس التلاوة حكم مقصود, يجوز ثبوتها بنفسها, وانتساخها كذلك.
فإن قيل: وبم يعرف الانتساخ للتلاوة فيما ذكرت؟
قلنا: لأن عبد الله كان يرويها وهو عدل, فلا يبقى لتصديقه وجه سوى أنها كانت ثابتة, غير أن الله تعالى لما نسخها دون حكمها, رفع ذكرها عن القلوب إلا عن قلب عبد الله, ليبقى الحكم بقراءته. ولا تثبت التلاوة بروايته.
وأما الزيادة على النص فقال الخصم: إنها بيان لآن النسخ تبديل على ما مر, وفي الزيادة تقرير لما كان ثابتًا , وضم آخر إليه. نحو آية الزنا أثبتت الجلد مئة والسنة أثبتت النفي معه حدًا, وآية كفارة اليمين رقبة مطلقًا, والآية المقيدة أثبتت زيادة الإيمان عليه.
(1/232)

ولأن بني إسرائيل أمروا بذبح بقرة فاستوصفوا فوصفت لهم بما لم تكن ثابتة بمطلق البقرة وكان بيانًا.
ولأن زيادة القيد على المطلق تجري مجرى التخصيص من العموم لأن الرقبة متى قيدت بالإيمان صارت الكافرة مخصوصة من بين الجملة.
ولعلمائنا رحمهم الله أن الذي ذكرتم صورة, وأن الزيادة نسخ معنى لأن الآية جعلت الجلد مئة حد الزنا, ومتى كان الجلد حدًا مع النفي لم يكن المذكور في الكتاب حدًا بنفسه لأن حقوق الله تعالى من عبادة أو عقوبة أو كفارة لا يتجزأ ثبوتها ولا أداؤها, ومتى عدم شيء منها لم يكن للباقي حكم الجواز بحال, كالركعة من الفجر, والركعتين من الظهر, إذا فصلت عما بقيت لم يكن ظهرًا ولا بعضها. وكذلك صوم نصف يوم, وكذلك من صيام شهرًا عن كفارة القتل ثم مرض, فأراد أن يتمه بالإطعام لم يجز, لأن المشروع كفارة صوم شهرين, فلا يكون لأحد الشهرين قبل الإتمام بما بقي حكم الأداء.
وكذلك قال علماؤنا: إن الشهادة في حد القذف تبطل بناء على إقامة الجلد, ولو جلد إلا سوطًا لم تبطل الشهادة, وكانت في أنها لا تتجزأ ثبوتًا بمنزلة العلل.
والعلة متى عدم بعض منها لم يكن للموجود منها حكم الوجود بحال. وإذا لم يكن الباقي دون الزيادة حدًا كان نسخًا.
وكذلك كفارة اليمين متى جعلت رقبة مؤمنة, لم تبق المطلقة عن هذا الوصف كفارة بوجه.
وكذلك ركن القراءة في الصلاة, متى كانت فاتحة الكتاب لم تبق قراءة القرآن مطلقًا على ما قال الله تعالى ركنًا.
وكذلك حكم كل علة لا يتجزأ ثبوته فثبوت بعضه دون بعضه لا يكون, إلا بعلة أخرى وإن كان حكمها بعض حكم تلك العلة.
وكذلك بقرة بني إسرائيل فقد ذكرنا فيما مضى أن الوصف لم يكن بيانًا بل كان نسخًا بزيادة.
وأما التخصيص عندنا فيكون بيانًا إذا جاء مقرونًا بالنص, وأما طارئًا فلا يكون بيانًا ولا تخصيصًا, على أن الزيادة ليست بتخصيص.
فإن حكم العموم إذا خص منه بقى الحكم فيما لا يخص بالنص العام بعينه لا بشيء آخر فلم يكن نسخًا, لما بقي من الحكم بقدر ما بقى على ما كان. ومتى زيدت لم يبق للنص الأول حكم.
فإن نص الزنا جعل الجلد حدًا ولا يبقى حدًا بنفسه بعد ثبوت النفي حدًا معه.
وآية الكفارة جعلت الرقبة بدون صفة الإيمان كفارة, ولا تبقى بعد قيد الإيمان
(1/233)

كفارة, لأن الكافرة تخرج من الجملة والمؤمنة تجوز, لا لأنها رقبة على ما قال الله تعالى, بل للوصف الزائد الذي ليس في الكتاب, وبدونه لا يكون ما يبقى كفارة ولا بعضها, فالزيادة نسخ معنى, وبيان الصورة. ولأن البيان اسم لما يحتمله اللفظ, ولما ينتظم عليه الاسم والرقبة لا تنتظم على الأوصاف.
والجلد مئة لا يحتمل النفي فلا يكون إثبات هذه الزيادة بيانًا بل رفعًا لذلك, الحكم عن القدر المذكور, وتعليقًا بالزائد كالتحرير المرسل إذا علق بالشرط تبدل الإرسال ويصير شيئًا آخر معنى, بل يسقط حكم العلة أصلًا إلى أن يوجد الوصف الآخر, فيصير جملته علة فكأن الخصم اعتبره بحقوق العباد, فإن الزيادة من جنسها لا توجب تغيير ما كان, لأنها تتجرأ ثبوتًا وأداء, فيصير بين الزيادة والأصل مجاورة, وبالجوار لا يصير الجار شيئًا آخر.
وأما في أحكام الشرع وأسبابها فيصير ما كان مع الزيادة شيئًا واحدًا, إما علة واحدة أو حكمًا واحدًا, وإذا كان يصير شيئًا واحدًا والاسم تعلق بما زيد ذهب ما دونها, ولهذا قال أبو حنيفة, وأبو يوسف: إن الطلاء إذا اشتد لم يحرق قليله, وإن حرم كثيره بصفة الإسكار, لأن القليل غير مسكر وماله حكم السكر بوجه, لأن السكر حكم والشراب بقدر معلوم علته, فلا يكون لبعضه حكم العلة.
قال علماؤنا: فيمن وجد ماء لا يكفيه لوضوئه لم يلزمه استعماله ويباح له التيمم, لأن الماء لما لم يجب استعمال لنفسه بل لحكم وهو إباحة الصلاة, والإباحة حكم علق بماء يكفي الأعضاء كلها, فلا يكون لبعضه حكم ذلك القدر بحال, وكان كالنجاسة إذا كثرت منعت الصلاة, فلا يكون لما دون المقدار حكم تلك النجاسة بوجه.
والأربع من النساء علة لتحريم النكاح عليهن, ولا يكون للواحدة من الأربع حظ في التحريم, وشطر البيع علة لإيجاب الملك, فلا يكون لأحد شطريه أثر في الإيجاب.
ولهذا أبى علماؤنا رحمهم الله تعالى إثبات الفاتحة ركنًا في الصلاة بخبر الواحد لأنه نسخ.
وزيادة النفي حدًا في الزنا بخبر الواحد.
وزيادة الطهارة شرطًا أصليًا في الطواف يخبر الواحد.
وزيادة صفة الإيمان على الرقبة للكفارة بخبر الواحد, أو القياس.
وقد قالوا: أن شاهدين لو شهد أحدهما لرجل ببيع عبد له بألف, والآخر بألف وخمسمائة بطلت الشهادة. وكانا غيرين, لأن الشراء جعل سببًا للوجوب بالثمن والمثمن فكان شرطين لصيرورته بيعًا, فيكون زيادة القدر في الثمن بمنزلة زيادة شرط والمعلق بشرطين غير المعلق بشرط والله أعلم.
(1/234)

باب

القول في البيان ما يحتمل النسخ من الأحكام وما لا يحتمل
وقد ذكرنا أن النسخ بيان لمدة بقاء المشروع مشروعًا, فلا بد أن يكون المشروع مما يحتمل الثبوت مؤقتا بالنص حتى يقبل النسخ.
فإما ما لا يحتمل التوقيت بالنص فلا يقبل النسخ. كوجوب الإيمان بالله تعالى, وبصفاته, وبكتبه وبرسله, لأن الله تعالى بصفاته كان لم يزل ويكون لا يزال ومن صفاته أنه مطاع, وأنه صادق.
وإنما يجوز فيما لو قال الله شرعت هذا إلى وقت كذا لصح ولم يبق بعده, وهو شرع الفروع التي لم تكن, ثم شرعت وما كانت تكون ثابتة لولا الشرع, لأنها لم احتملت أن لم تكن حقًا لله تعالى احتملت أن لا تبقى ثم هذه الأحكام في ثبوتها في حق الوقت أقسام أربعة:
1 - إما أن تكون ثابتة أبدًا بدلالة موجبة اقترنت به, كشريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعده ثابتة أبدًا لأنه لا نسخ إلا بخبر عن الله تعالى. وثبت بالنص أنه خاتم الأنبياء فعرف دوامه بدلالة أن لا نبي بعده, وكانت كالمخلوق الذي نص على بقائه أبدًا كالدار الآخرة وقد شرع الله تعالى علينا أن نعتقده كذلك.
2 - وإما أن تكون ثابتة أبدًا بالنص كقوله تعالى: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}.
3 - أو تكون ثابتة إلى وقت معلوم بالنص كقول القائل: حرمت كذا سنة, أو أحللت سنة, أو جعلت لك كذا أو كذا عملًا تعمله عشر سنين, ومالها مثال من المنصوصات شرعًا.
4 - أو كان مطلقًا عن ذكر الوقت من حكم وسبب لحكم كالوقت لوجوب الصلاة والصيام, والزنا لوجوب الحد, واليمين لوجوب الكفارة.
والنسخ لا يرد إلا على القسم الرابع:
أما الذي نص الله عليه وقته أبدًا, أو شهرًا, أو يومًا, فلأن الله تعالى أخبر أنه مشروع في ذلك الوقت كله فلا يجوز أن يصير غير مشروع إلا بغلط, فيما أخبر أو فيما قدر حتى رجع عنه وكلاهما لا يجوز على الله تعالى.
(1/235)

وأما المطلق عن الوقت فلأن المشروع بالشرع هي الأسباب. والأحكام وجبت بناء عليها لما ذكرنا في أول الكتاب في باب بيان أسباب الشرائع, فكان حكم الجعل الذي هو شرع أن تصير تلك الأسباب أسبابًا موجبة.
ولا يجوز أن يرد النسخ على أنها لم تكن أسبابًا, وإنما يرد على البقاء سببًا. لأن البقاء كذلك سببًا لم يثبت بنص على البقاء والنص الجاعل سببًا لا يوجب البقاء كالأمر الذي أوجب كون العالم ما أوجب البقاء.
وكالإحياء الذي أوجب حياة الأرض بالنبات, وحياتنا بالقدرة على الأفعال الاختيارية لم يوجب البقاء.
وكالبيع الذي يوجب الملك لا يوجب البقاء.
ولما لم يجب البقاء بما شرعها أسبابًا لم يكن رفع البقاء تعرضًا لما وجب بالأول بل كان بياتًا لمدة البقاء التي كانت محتملة للتوقت والتأبد كإماتة الأحياء.
وإفناء العالم يوم القيامة يكون بيانًا لمدة البقاء الثابتة بحكم الله تعالى لما خلقها لعباده, فثبت أن النسخ بيان لمدة البقاء التي كانت مجهولة في حقنا ولم تكن ثابتة بالنص.
ثم الحكم بعده يرتفع لزوال سببه كما لا يبقى صوم بمجيء الليل لانتهاء الصوم بالليل.
وكذلك جعل الموت سببًا لحرمة ما يؤكل ثم حرمت الميتة بوجود سببه ثم بقاء الموت سببًا لذلك ليس بالنص بل لعدم ما يزيله كبقاء الملك في المبيع بعد الشراء.
وكبقاء الدين واجبًا على العبد بعد سبب الإيجاب عليه.
وهذا لأن الله تعالى ابتلانا بما شرع لصلاح لنا فيه إما عاجلًا وإما آجلًا, أو لحكمة علم الله تعالى فيها.
ثم تلك الحكمة والصلاح مما يختلف باختلاف الأزمنة والقرون فحسن التبديل فيما احتمل التبدل والتوقت بتبدل الحال كالطبيب يأمر المريض بغذاء أو دواء ثم يأمره بغيره بعد حين إذا تبدل حاله بلا غلط ولا مناقضة.
وعلى هذا يجب أن يقال: أن الله تعالى إذا أمر بأمر وجعل المأمور به حسنًا منا فعله غير معلق بشرط أن لا يرد عليه نسخ بعينه بحال, لأنه بعينه متى صار حسنًا بالنص لم يجز أن يكون قبيحًا, وهو شيء واحد إلا بغلط من المخبر, وفي النسخ إثبات قبح.
فإن قيل: إن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده ثم نسخه, وكان ذبحًا واحدًا ما كان يبقى بعد الامتثال به فثبت أن النسخ فيه جائز والدليل على أنه نسخ أن الذبح بعد الفداء حرم في الولد.
(1/236)

قلنا: الذبيح جعل محلًا للذبح لحكمة أن يصير الذبح قربانًا لله تعالى, والأب متقربًا به بذبحه فصار كذلك ثم حسن ذبحه بأن صار محلًا كما يحسن التضحية بالشاة اليوم, ثم النسخ ورد على بقائه محلًا على صيرورته محلًا فكان من قبيل ما ذكرنا, ولما انتسخ المحل لم يبق الذبح حسنًا في غير محله لأنه لم يحسن ابتداء إلا بمحله فلا يبقى إلا معه.
فإن قيل: فما الحكمة في جعله محلًا للذبح سوى إقامة القربة بالذبح فيصير النسخ قبل الإقامة عبثًا بالخلو عن الفائدة.
قلنا: إنه لا يجوز النسخ عندنا إلا بعد التمكن من الفعل فإن اشتعل العبد بالإقامة, وعجز لمانع حتى نسخ أثبت على جهاده وإسلامه للطاعة بقدر الوسع وإن أعرض مع التمكن حتى ذهبت مدة بقائه صار آثمًا, وصار بعد النسخ وبعدما ثبت مدة بقائه كما لو وقت الله تعالى في النص.
وقال: أوجبت هذا الفعل عليك, وجعلته حسنًا يومًا ثم إنه قبح بعده, ولم يفعل العبد إما معذورًا أو غير معذور لم يكن الشرع عبثًا فحكمة الشرع تنتهي إلى وجوب الجزاء, إما بالجنة أو بالنار أو بالعفو والجزاء وجب, قصر أو لم يقصر.
وإن لم يفعل ما أمر. على أن الله تعالى في ذبح الولد ما في نسخ الذبح بل نقله إلى الشاة, وجعله قائمًا مقام الولد فداء عنه محلًا لإقامة ما وجب بإيجاب الذبح المضاف إلى الولد حتى سلم الولد, وصار قربانًا لله تعالى بالشاة والأب متقربًا بذبحها.
وهذا كما جعل الأضحية محلًا لإقامة القربة بالذبح أيام النحر ثم تبطل بمضيها, ولا تتأدى القربة إلا بالصدقة بعدها ولا يصير الجعل عبثًا.
فكذلك الرمي في الحج لا يقضي بعد أيامها ولم يصر عبثًا.
وكذلك إقامة الجلد على الزاني فرض حسن, وإذا مرض مرضًا شديدًا يخاف عليه التلف إن ضرب فيه قبح لتغير صفة المحل لأنه حسن ابتداء لأنه يحتمله فإنه حد زاجر لا متلف, فإذا صار بحيث لا يحتمله قبح.
فإن قيل: كيف يستقيم تصوير هذا في وقت الصوم فإنه متى جعلنا السبب رمضان بعينه لم يتصور وجوده بعد مضيه, وإن جعلنا السبب كل شهر هو رمضان كان الكل سببًا بالنص؟
قلنا: أن الله تعالى لم يذكر كل رمضان, فإنه لم يقل: كلما شهدتم رمضان فصوموه, بل قال: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} وهذا لا يتناول إلا واحدًا من سنته, كمن شهد منكم رجبًا فليتصدق يدرهم من ماله, لم يملك إلا مرة واحدة برجب تلك السنة.
(1/237)

فلما تكرر وجوب صوم رمضان علم أنه تكرر لأن الوقت المسمى برمضان جعل سببًا للوجوب باسمه.
كما جعل الفعل المسمى بأنه الزنا سببًا للحد ثم بقي كذلك, ولما بقي الاسم سببًا عمل متى وجد, إلى أن تنتهي مدة بقائه بالنسخ, ويصير بعد التبين بالنسخ, كأنه قال حين شرع: أنه سبب إلى وقت كذا.
فإن قيل: لو كان البقاء مشروعًا بعدم دليل الزوال لما بقيت الشرائع قطعًا كحياة المفقود.
قلنا: بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب الحكم بالبقاء قطعًا, لتيقننا بأن لا نسخ بعد انقطاع الوحي, فأما زمان الوحي فالبقاء غير يقين حتى كان تركه جائزًا بخبر الواحد, الذي لا يقين فيه كأهل قباء تركوا قبلة بيت المقدس بخبر الواحد وصوبهم الرسول صلى الله عليه وسلم, فصار على هذا سقوط الحكم بالنسخ سقوطًا بانتهاء مدة الوجوب في الباطن وبالرفع في الظاهر, والله أعلم.
(1/238)

باب

القول فيما يجوز النسخ به
قال علماؤنا: يجوز نسخ الكتاب بالكتاب, ونسخ السنة بالسنة, ويجوز نسخ الكتاب بسنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم, ونسخ السنة بالكتاب.
وقال الشافعي: القسمان الأخيران لا يجوز.
قال الشافعي في كتاب (الرسالة): وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسخها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلو أحدث الله لنبيه في أمر سن فيه غير ما سن رسول الله لبين فيما أحدث الله تعالى إليه, حتى يبين للناس أن له سنة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها.
وبالإجماع لا نسخ بالرأي لما ذكرنا أن النسخ لا يجوز إلا على طريق بيان مدة بقاء الأول حسنًا عند الله تعالى, وهو غيب عنا كمدة حياة الحي.
احتج الشافعي لقوله: الكتاب لا ينسخ إلا بالكتاب في كتاب (الرسالة) بقوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا اثبت بقران غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} والنسخ بالسنة تبديل من تلقاء نفسه.
وقد يحتج له بقوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} فأخبر الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم مبين لما نزل إليهم, والنسخ تبديل.
ولأنه قال: {ٍولعلهم يتفكرون} أي فيما تبين لهم, والتفكر إنما يقع في معنى ما بين لهم, ولا يقع في مدة الأول بالنسخ لأنه تاريخ, والتواريخ تحفظ لا أن يتأمل تفسيرها.
ولأن مدة البقاء لم تنزل إليهم لما ذكرنا أن الثبوت كما بالنص, والتنزيل.
فأما البقاء فثابت بلا دليل ويحتج له أيضًا بقوله تعالى: {ما ننسخ من أية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} والسنة لا تكون مثلًا للآية وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق فاقبلوه وما خالف فردوه) , والناسخ مخالف لما في الكتاب فيجب رده بهذا الحديث.
فتبين بهذه الأدلة أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ينطق من قبله بمخالفة الكتاب, وكان من
(1/239)

شريعته أن الله لا ينسخ الكتاب بلسانه كي لا يظهر عليه ما يؤدي إلى مخالفة الكتاب سدًا لباب الطعن عليه.
وأما النسخ السنة بالكتاب: فيحتج له بقوله تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] وإذا صار القرآن تبيانًا لكل شيء, والسنة شيء فيكون الناسخ بيانًا لحكم تلك السنة أنه كان غلطًا, كما لو نزل مقارنًا, وما يجوز ذلك إلا حين الوقوع لأن تصديقنا إياه كان يفترض علينا من جهة الله تعالى بعد التمكن فيصير أمره بعد القرار كأمر الله تعالى فلا يجوز الغلط بعد القرار.
وما كان جائزًا أن يقر رسول الله صلى الله عليه وسلم على خطأ, ولأن الله تعالى أمرنا في غير موضع من كتابه باتباع الرسول.
وفي نزول الكتاب بخلاف السنة أمر بمخالفته إما حقيقة وإما ظاهرًا, فيكون فتحًا لباب الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسد الله تعالى هذا الباب إكرامًا لرسوله وصيانة لشريعته فلم ينزل كتابًا إلا مصدقًا لما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولم ينطق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا متبعًا لما في الكتاب مبينًا له أو زائدًا ما ليس فيه ليزداد علم ما في الكتاب برسول الله صلى الله عليه وسلم وبيانه ويزداد ثبوت صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالته بتصديق الكتاب إياه.
فتكون السنة مع الكتاب مما يتأيد كل واحد منهما بالآخر إذ كل واحد منهما حجة من حجج الله تعالى, وحجج الله تعالى لا تتناقض ولا تتراد بل تتأيد.
وهذا كما قيل: أن الشرع حجة والعقل حجة من حجج الله تعالى, وإنهما لا يستدل بهما إلا على سبيل التعاون والتأييد على ما بيناه في آخر الكتاب.
وأما علماؤنا رحمهم الله فمن مشايخنا من احتج عليهم بآية الوصية "للوالدين والأقربين" حيث نسخت بقوله النبي صلى الله عليه وسلم "لا وصية لوارث".
فإن قيل: إنما نسختها آية المواريث.
قلنا: آية المواريث أوجبت لهم مالًا بسبب آخر, والإيجاب بسبب لا يرفع إيجابًا كان بسبب آخر قبله, ولأن آية المواريث توجب إرثًا بعد وصية أو دين فيوجب تقريرها ولا يوجب رفعها.
فإن قيل: يحتمل أن الله تعالى أنزل آية أخرى ناسخه إلا أنها لم تبلغنا لأنها نسخت تلاوتها وبقى حكمها؟
قلنا: لا يجوز الإحالة إلى دلائل محتملة الثبوت لم تظهر, لأنه لو صح هذا الباب
(1/240)

لتطرق به الوقف عن العمل بالكتاب كله لاحتمال كل نص أن يكون منسوخًا بآية أخرى لم تبلغنا أو محمولًا على وجه آخر لم نعقله وعقله رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان خفي.
وذكر أبو بكر الجصاص: أن استدلالنا بهذه الآية لا يستقيم لأن الله تعالى قال: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} رتب الإرث على وصية نكرة فكانت غير الوصية المعهودة الواجبة للوالدين والأقربين بهذه الوصية فتكون هذه النكرة هذه الوصايا المشروعة اليوم، لا تلك الوصية الواجبة، ولو بقيت الوصية الواجبة لكان الإرث مرتبًا على تلك الوصية أولًا ثم الوصية النافلة.
فلما رتب هذه على النافلة كان الترتيب بيانًا على أنه لا يزاد عليه ترتيب آخر أولى منه لأن الزيادة كالنسخ على أصلنا، ودل الإطلاق عن الترتيب على الوصية الواجبة؛ على نسخ القيد كما يدل القيد على نسخ الإطلاق على أصولنا.
قال القاضي رضي الله عنه: وإني أقول أن الاستدلال بهذه الآية لا يستقيم من وجه آخر، لأن الله تعالى بين أحكامًا ابتداء للشرع، وقد بين أحكامًا على سبيل الإقامة مقام أحكام كانت فتحولت إلى الثانية لقيامها مقامها، وانتسخت الأولى بها على سبيل الإحالة كما شرع الكعبة قبلة فانتسخ بيت المقدس به على جواز أن يكون للصلاة قبلتان، لأن الله تعالى شرع الكعبة قبلة على سبيل حوالة القبلة عن ذلك البيت إلى هذا البيت.
وإنه في المعاملات كحوالة الدين توجب براءة الأصيل لأن الذمة الثانية اشتغلت به على سبيل الحوالة إليه.
والحوالة توجب البراءة كالعين تحول من مكان إلى مكان فانتسخ الشغل في حق الذمة الأولى مع إمكان الجمع بينهما كما في الكفالة.
وكما لو أدان المحتال عليه دينًا مبتدًأ فكان إيجاب الإرث للأقارب والوالدين محتملًا ابتداء حتى أوجب لهم، ومحتملًا نقل ما جعل لهم بالوصية إلى الإرث، ولما احتمل هذا كان قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" بيانًا أن هذا الإعطاء على سبيل التحويل دون الابتداء.
ولأن الله تعالى كان فوض ابتداء الإيجاب إلى العباد ثم تولى بيانه بنفسه فبطل ما فوض إليهم فجرت آية الإرث على هذا مجرى تفسير ما أثبت لهم من الحق بالوصية كالرجل يأمر رجلًا بإعتاق عبد له بعينه ثم يعتقه بنفسه فإنه تضمن بطلان تلك الوكالة لحصول ما أمر بتحصيله بتوليه، وإليه وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أعطى كل ذي حق حقه" أي الحق الثابت بالوصية لهم صار معطى بالإرث.
(1/241)

ومنهم من احتج أن الله تعالى شرع حد الزنا الإمساك بالبيوت، ونسخته سنه الرجم إلا أنه غير صحيح لأن عمر رضي الله عنه أخبر أن آية الرجم كان مما يتلا في القرآن، ولأن الله تعالى شرع الإمساك حدًا إلى غاية وهو أن يجعل الله لهن سبيلًا، وهذه الغاية مجملة لأن السبيل غير معلوم معناه فبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنته فقال: "خذوا عني خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام والثيب بالثيب رجم مئة ورجم بالحجارة".
ومنهم من احتج بقوله تعالى: {وإن فاتكم شيء من أزوجكم إلى الكفار} الآية وهذا الحكم منسوخ اليوم ولم يظهر نسخه بالكتاب. إلا أنه يقال ولم يظهر لها سنة ناسخة أيضًا، فإن جاز لكم الحمل على سنة لم تظهر جاز لنا الحمل على كتاب لم يظهر وإن لم يجز الحمل على دليل لم يظهر حمل على استقرار حكم الاستغنام، فإنه في الابتداء لم يكن على ما عليه اليوم وكان لأموال الكفرة ضرب حرمة ابتداء، ولدمائهم، ورد النفقة عليهم احترامًا لما لهم، ثم استبيحت دمائهم وأموالهم من بعد فانتسخ ذلك فثبت أنه لا يوجد في كتاب الله تعالى ما نسخ بالسنة، ولا في السنة ما نسخ بالكتاب إلا من طريق الزيادة على النص بالسنة، أو السنة بالكتاب كما زاد الشافعي على آية الجلد النفي بالسنة.
وزاد تعيين الفاتحة في باب الصلاة على مطلق القراءة التي نص عليها كتاب الله تعالى.
وقد ثبت عندنا أن الزيادة في حكم النسخ.
وعنده الزيادة في حكم البيان.
فاضطررنا بهذا السبب إلى القول بجواز ذلك فتوى فقد صارت المسألة واقعة.
ثم الدليل على الجواز ابتداء قول الله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} فإذا أنزل الله تعالى نسخ ما في القرآن بحكم آخر بوحي غير متلو في القرآن صار الحكم الثاني مما نزل إلى الناس، ويلزم النبي صلى الله عليه وسلم بيانه للناس بحكم هذه الآية فإنه ألزمه بيان ما نزل إلى الناس من الأحكام وصار قوله: {وأنزلنا إليك الذكر} في معنى إنا أرسلنا إلى الناس، وجعلناك رسولًا بما أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم من الأحكام، ولو كان المراد ما قاله الخصم لكان من حق الكلام لتبين للناس ما أنزل إليك.
وقوله: {ولعلهم يتفكرون} يعني: يتفكرون فيما تبين لهم من الحكم الثاني فيعرفون الحكمة في التبديل فإنا لا نبدل في الأكثر إلا بخير.
(1/242)

ولأن من تفكر في أحكام الشرع ناسخها ومنسوخها علم يقينًا أن شارعها علام الغيوب لأنه يجدها جامعة لمصالح الدين والدنيا لا يصل إليها العباد باجتهادهم بحال.
وقد دلت عليه هذه الآية التي تلاها الشافعي رحمه الله فإنه قال في آخرها {إن أتبع إلا يوحى إلى} فإذا أوحى الله تعالى إليه نسخ آية لزمه اتباعه عملًا به وإن لم ينزل قرآنًا وإنما حرم عليه التبديل من تلقائه.
وعندنا النسخ ممتنع بسنة من تلقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بل بما أوحي إليه مما ليس بكتاب حتى كان اللفظ لرسوله الله صلى الله عليه وسلم, والحكم مضاف إلى الله تعالى لا إلى ما أنزل إليه فإنه باطن وإنا لا نضيف إلى ما هو باطن, ولذلك نسميه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أن تكون السنة كلها اسمًا لما كان برأيه.
ولأن كتاب الله تعالى مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانا حجتين فكذلك آيات الكتاب كلها حجج الله تعالى ثم جاز التناسخ بها, وكان بيانًا لمدة البقاء لا تناقضًا واختلافًا.
فكذلك بين الكتاب والسنة.
وجائز أن يتولى النبي صلى الله عليه وسلم بيان مدة بقاء ما ثبت بالكتاب بلفظه كما جاز أن يبين مدة حي حيي بإحياء الله تعالى, ويتولى الله بيان مدة بقاء ما سنه بلسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه.
وقولهم بأن هذا يوهم الاختلاف فغلط فإنه غير جائز ذلك على كتاب الله تعالى بعضه بعضًا بل يوجب قرب المنزلة حيث جوز له نسخ ما ثبت بالكتاب بلسانه من غير إضافة إلى الله تعالى.
والذي يوضحه أنه جائز نسخ التلاوة دون الحكم بغير كتاب الله تعالى فإنا قد ذكرنا أن التلاوة لا تنسخ إلا بمحو الحفظ عن القلوب إما رفعًا, وإما بانقراض القوم عن غير خلف علمًا, كما انتسخت تلاوة صحف إبراهيم.
وما معنا دليل سوى أنها اندرست ولم يبق آثارها فلما جاز من هذا الطريق جاز بلسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحي الله إليه فإنهما سواء في أن النسخ كان بغير كتاب.
وكذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي فنسي آية فلما فزع قال: (ألم يكن فيكم أبي)؟ فقال أبي: نعم, ولكن ظننت أنها نسخت, ولم ينكره عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإنما ظن نسخها من غير كتاب سمع بترك النبي صلى الله عليه وسلم القراءة.
ولما جاز ذلك في التلاوة فكذلك في الحكم لأن التلاوة وجوبها حكم مخصوص بالكتاب كسائر الأحكام.
فإن قيل: أخبر الله تعالى أن رسوله مبين, ولو جاز النسخ على لسانه لكان مبينًا للحكم الأخير رافعًا للحكم الأول.
(1/243)

قلنا: إنه بين الأول بتأويله وتبليغه.
وبين الثاني بتبليغه وتأويله.
وإنما رفع بقاء الأول ظاهرًا، وإنه بيان أيضًا لمدة البقاء حقيقة على ما مر وهذا الذي يتصور رفعًا ليس برفع لما ثبت بالنص على ما مر أن البقاء حكم ثبت بلا دليل، فثبت أنه مبين محض لما نزل إلينا.
وإنما رفع ظاهرًا ما لم يثبت بالتنزيل.
والذي يوضحه أنا وإن سلمنا أن البقاء من حكم الكتاب فالبقاء يكون أبدًا، ويكون مؤقتًا، فيكون بيان الوقت بيانًا لأحد وصفيه، فأما قوله: {ما ننسخ من أيه أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106] فليس فيه أن الله تعالى يأتي بخير، أو بالمثل بوحي متلو أو غير متلو.
وعندنا لا يجوز إلا بوحي على ما مر.
وقد يكون ما يبينه بوحي غير متلو خيرًا من الأول وأجمع لمصالح الناس، أو أيسر عليهم فعلًا وأكثر أجرًا، وإن لم يكن خيرًا من حيث التلاوة والإعجاز، على أن الخلاف ثابت في نسخ الحكم مع بقاء التلاوة غير منسوخة فيكون ما ثبت بالنسنة مثل الأول أو خيرًا إذ من حيث الحكم لا يفترق المتلو وغير المتلو.
فإن قيل: غير المتلو يضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلنا: يضاف إلى رسول الله ظاهرًا وإلى الله حقيقة، كما قال الله تعالى: {أفرءيتم ما تمنون * ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون}.
وأما حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله" فحكم أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم عند التعارض والتباس التاريخ والأولى في مثل ذلك ترتيب الخبر على الكتاب، وتقديم الكتاب.
فأما إذا ظهر تأخر الحديث فلا كذلك على أن هذا الحديث في خبر الواحد وظاهر النص يدل عليه لأنه قال: "إذا روي لكم عني حديث"، وبنفس الرواية لا يقبل الخبر بخلاف الكتاب بل يرد به ما لم يثبت تواتره ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتموني، ليكون بيانًا أنه محجور عن مثله ويدل عليه أن الله تعالى أمرنا بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أمر ونهى، من غير قيد العرض على كتاب الله تعالى.
فثبت أن العرض فيما يروى عنه من طريق الآحاد بعد موته.
وقد روى ابن عمر عن عائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أباح الله تعالى له من النساء ما يشاء فيكون نسخًا لما في الكتاب، والناسخ ليس فيه.
(1/244)

وأما قوله: {ونزلنا عليك الكتب تبينا لكل شيء} فحجة لنا على جواز نسخ السنة بالكتاب لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سن سنة ولم ترد عليه كان تقريرًا من الله تعالى عليه كما لو ثبت بالكتاب، فجاز ظهور بيان مدة البقاء بالكتاب لأن بقاءه من جملة الأشياء، ولم يكن بيانًا لغلط رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حق الكتاب بالكتاب.
ولأن نسخ السنة بالسنة جائز ولا يجوز إلا بوحي غير متلو لما ذكرنا أن انتهاء مدة الحسن عند الله لا يعرفه إلا الله لأن انتهاءها بأن تصير حكمة الشرع في غيرها، وتلك الحكمة مما نقف عليها، ولا نقف، ومما يتعجل، ومما يكون في الآخرة.
ولما جاز بوحي غير متلو فالمتلو أولى ولأن الصلاة إلى بيت المقدس ما كان بالكتاب وإنما كان بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ثم نسخ بالكتاب.
ولا يقال إنه كان شريعة من قبلنا لأنه لم يتبين أنه كان شرعًا بكتاب.
ولأن المذهب عنده أن شريعة من قبلنا لا تلزمنا إلا بتقرير في شرعنا فيصير ابتداء لا بقاء للأول، وما ثبت التقرير في شريعتنا إلا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ولئن كانت القبلة الأولى ثابتة بالكتاب فأهل قباء تركوها بخبر المخبر أنها حولت إلى الكعبة من غير سماع كتاب الله ولم ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا على أن يرد عليهم من جاءه من نسائهم ونسخها قوله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار}.
فإن قيل: يحتمل أن تكون لهذه السنن دلائل من الكتاب لكنا لا نقف عليها.
قلنا: قد ذكرنا أنه لا يجوز التأويل بما يجوز مما لا نقف عليه لأنه يؤدي إلى تعطيل الشرائع، وهل يجوز أن يقال أن لكل ملة ودين باطل حجة لكنا لا نقف عليها ومعجزة لكنها باطنة.
وأما نسخ الكتاب بالكتاب: فكقول الله تعالى: {فأذوهما} في باب الزنا، ثم قال: {فأمسكوهن في البيوت}، ثم قال: {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة}، وقال: {وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا}، ثم قال: {الئن خفف الله عنكم} إلى قوله: {وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله}.
وأما نسخ السنة بالسنة: فنحو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرًا، وكنت نهيتكم عن الشرب في الدباء والنقير والحنتم والمزفت فاشربوا ولا تسكروا، وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تدخروها فوق ثلاث فكلوا وادخروا ما بدا لكم". فثبت أن نسخ الكتاب بالكتاب جائز وكذلك بالسنة، وكذلك
(1/245)

نسخ السنة بالسنة وبالكتاب، وإنما يجوز نسخ الكتاب بالسنة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم سواء كانت مسموعة أو مروية من طريق التواتر والآحاد لأن بقاء الثابت في زمنه كان على احتمال الزوال كل ساعة، لأنه زمان نسخ فلما احتمل الثابت البقاء والزوال صلح العمل بخبر الواحد كما في موت المفقود.
فأما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز إلا بسنة متواترة أو مشهورة بمنزلتها لأنه لا نسخ على سبيل الابتداء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرائعه بعده باقية أبدًا بالنص والإجماع، وإنما يزول هذا اليقين بثبوت ناسخ بزمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت إلا بالإسناد إلى زمن الوحي كما لم يثبت الأول إلا به، ولما لم يثبت ناسخًا إلا بالإسناد لم يثبت إلا بالإسناد مثل الأول فإنه لا معارضة إلا بعد المساواة ولا نسخ إلا بما لو جهل التاريخ كان معارضًا ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كما يلزمه تبليغ الناسخ يلزمه تبليغ مثل الأول في الظهور لأن لا يبقى أحد على المنسوخ فيدل خفاء الناسخ على بطلانه، والله أعلم.
(1/246)

باب

القول في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم
أفعال النبي صلى الله عليه وسلم عن قصد على أقسام أربعة: واجبة، ومستحبة، ومباح، وزلة.
فأما ما كان يقع من الأفعال من غير قصد كما يكون من النائم والمخطئ ونحوهما فلا عبرة بها، لأنها غير داخلة تحت الخطاب على ما نذكر.
ثم الزلة لا تخلو عن القران ببيان أنها زلة إما من الفاعل نفسه كقول موسى عليه السلام حين قتل القبطي بوكزته {هذا من عمل الشيطان}، أو من الله تعالى كما قال في آدم عليه السلام {وعصى أدم ربه فغوى}، وحتى بين الله تعالى ما لولا عصمته لزلوا كما قال: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا} ونعني بالقصد في الزلة قصد الفعل لا قصد العصيان، وإذا لم تخل الزلة عن البيان لم يشكل على أحد أنه مما لا يتبع النبي صلى الله عليه وسلم فيها فتبقى العبرة للأنواع الثلاثة.
وقد اختلف أهل العلم فيما يلزمنا منها؟
فقال بعضهم: يلزمنا اتباعه فيها ما لم يقم دليل المنع.
وقال بعضهم: نقف فيها حتى يقوم الدليل.
وقال أبو الحسن الكرخي: نعتقد الإباحة حتى يقوم دليل بيان سائر الأوصاف. وإذا قام الدليل على وصف زائد كان النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصًا به حتى يقوم دليل المشاركة.
وقال أبو بكر الرازي: نعتقد الإباحة ما لم يقم دليل البيان على صفة فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يلزمنا على ذلك الوصف حتى يقوم دليل اختصاصه به، وهو الصحيح عندنا.
فأما الأولون فإنهم احتجوا بالآيات الموجبة اتباع الرسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته والاقتداء به، وبقوله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} فالمراد به السمت كما قال الله تعالى: {وما أمر فرعون برشيد}.
وأما الفريق الثاني فإنه زعم أن الاقتداء والاتباع والموافقة لا تحصل بنفس الفعل، ألا ترى أنك إذا حصلت مثله على سبيل المعارضة كنت منازعًا كسحرة فرعون مع موسى عليه السلام وإذا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم نفلًا. وفعلته أنت فرضًا كنت مخالفًا، وإنما الاقتداء في فعلك مثل فعله على صفته طاعة له، والصفة للفعل كانت محتملة فإنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل
(1/247)

المباح والمستحب والواجب فيجب الوقف فيه حتى يتبين.
وأما أبو الحسن فإنه يقول: الإباحة لا بد منها في الأنواع كلها، وأما الزيادة فموقوفة على البيان، وبعد البيان لا يلزمنا إلا بدليل لأنه قد تبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصيته في الأحكام، فهذا المطلق من فعله احتمل أن يكون من ضرب الخصوص واحتمل غيره فلا يعمل به إلا بدليل.
وأما أبو بكر فإنه يقول: إن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أصل لقوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}، ولقوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}، وبقوله: {فاتبعوا} ولقوله: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} ولأن تمام الشرف في هذا، والخصوص كان بدليل عارض لمفارقة حال بيننا وبينه صار الصلاح لنا في المفارقة لمفارقة الحال، إلا أنا كنا لا نقف قبل البيان إلا في الإباحة لأن الإباحة ثابتة مع الأوصاف كلها أيها ثبت في وصف بعينه زائد عليها إشكال ولا موافقة إلا بعد الإيقاع بذلك الوصف الذي أوقعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أزال الإشكال المانع لزمنا الاتباع.
وهذا كما قال علماؤنا رحمهم الله فيمن وكل آخر في أموال أنه يصير وكيلًا بالحفظ لأنه احتمل أنواع تصرف فلا يثبت شيء بالاحتمال، لكن الحفظ ثابت مع كل تصرف فثبت قدر ما لا شك فيه، فكذلك أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس بزلة لا بد أن تكون مباحة.
وأما فوق الإباحة ففيه احتمال فنعتقد الإباحة لا مقصورة عليها قطعًا، ولكن على احتمال غيرها معنى ما يأتيك البيان، والله أعلم.
(1/248)

باب

القول في شرع الرسول صلى الله عليه وسلم من تلقائه بالرأي
قال بعض العلماء: لم يكن له إلا بالوحي.
وقال بعضهم: لم يكن له ذلك إلا بالوحي والإلهام.
وقال بعضهم: كان له ذلك بالوحي والرأي جميعًا.
والقصد عندنا أن نقول: لم يكن له الشرع بالرأي ابتداء حتى ينقطع طمعه عن الوحي فيما ابتلي به، ثم كان له العمل برأيه بعد ذلك.
فأما الأول فاحتج بقوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى} وبقوله: {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} ولأنه لا يجوز أن يخالف فيما يشرع من الأحكام، ولو كان يشرع برأيه لكان لا يؤمن من الغلط عليه فكان يجوز خلافه، كما كان يجوز ذلك في رأي الحروب والمعاملات فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد النزول دون الماء يوم بدر فقال له الحباب بن المنذر: أرأي رأيته أم وحي؟ فقال: "بل رأي" فقال: إني أرى أن تنزل على الماء، ففعل.
وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب أن يعطي الكفار شطر ثمار المدينة فقالت الأنصار: أرأي رأيته أم وحي؟ فقال: "بل رأي" فقالت: لا نعطيهم إلا السيف ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك.
ولما دخل المدينة نهاهم عن تأبير النخل ففسدت فأمرهم بالتأبير فقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم، وأنا أعلم بأمور دينكم"
فثبت أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن معصومًا عن الغلط برأيه.
والدين في الأصل لله تعالى فما يجوز شرعه برأي لا يؤمننا عن الغلط إلا عن ضرورة، ولا ضرورة لصاحب الوحي وكان هذا كتحري القبلة بالرأي فإنه جائز لمن نأى عن الكعبة للضرورة، ولا يجوز لمن قرب لقدرته على العيان الذي لا شك فيه، ولأنا نحن اليوم لا ننصب شرعًا مبتدأ بالرأي وما يجوز لنا ذلك وإنما نعدي شرعًا ثابتًا في محل إلى محل آخر.
(1/249)

والخلاف في نصب ابتداء الحكم الشرعي بخلاف أمور الدنيا من الحروب والمعاملات والزراعات فإنها لنا، إما دفعًا عنا كالحروب، وإما طلبًا لما فيه بقاؤنا كاكتساب الأموال.
ولما كانت لنا كانت مفوضة إلى آرائنا إلا بما رأى الشرع الحجر ببيان شافٍ تتميمًا لصلاحنا، وأما الأحكام فلله تعالى فلم يكن لنا إثباتها ونفيها.
وأما الفريق الثاني فقرب من الفريق الأول لأن الإلهام وحي خفي، ومن له الوحي الجلي يكون له الوحي الخفي.
وحد الإلهام أن يؤخذ على قلبه حتى لا يرى إلا شيئًا واحدًا فيعرف صاحبه بقرار القلب عليه أنه من الله تعالى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" وقال الله تعالى في قصة داود وسليمان: {إذ يحكمان في الحرث} إلى قوله: {ففهمناها سليمان وكلًا أتينا حكمًا وعلمًا} غير أن الإلهام أمر خفي ما يبنى الأمر عليه، فإنا كلفنا البناء على الظاهر الذي نقف عليه وسيأتيك بيان الإلهام بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وأما القول الثالث: فالحجة له قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولى الأبصار} من غير تفصيل بين الأمة والنبي صلى الله عليه وسلم.
وقال تعالى لرسوله: {وشاورهم في الأمر} ولو لم يكن له فصل الأمر بالرأي لما أمره بالمشورة ولا ينال بها إلا بالرأي، وظاهر هذا الأمر لا يخص بابًا.
فإن قيل: يحتمل أنه أمر به تطييبًا لنفوسهم.
قلنا: ظاهر الأمر بخلافه، والصحابة ما كانوا يعلمون إلا الظاهر وكانوا يعتقدون ذلك فكان لا يحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم عليه ولو بين لهم أنهم يشاورون، ولا يحل العمل برأيهم ما طابت به نفوسهم بل خبثت فإنه من باب الاستهزاء.
وقد شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر أبا بكر وعمر وعمل بقول أبي بكر ثم نزل العتاب.
وروي أن خولة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ظهار زوجها منها؟ فقال: ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت: أشتكي إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى آية الظهار.
وسأله عمر عن القبلة للصائم؟ فقال: أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان
(1/250)

يضرك؟ فقال عمر: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ففيم إذًا".
وقال للخثعمية وقد سألته عن الحج عن أبيها؟ "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يجزيك؟ فقالت: بلى. قال: فدين الله أحق" فهذا فتوى بمحض القياس، فلا يجوز أن يحمل على نص لم يظهر لما مر أنه لو جاز ذلك لتعطلت الحجج، ولن نكلف إلى بالأخذ بما ظهر وما ظهر لنا من السبب إلا القياس الذي ذكره.
وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور الصحابة في أمر جماعة الصلاة فلم يتفقوا على شيء حتى رأى عبد الله بن زيد الرؤيا وقصها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه وأمر بذلك فصارت شريعة. ولا يجوز أن يحمل على وحي لأنه لم يظهر ذلك.
ولأن عمر رضي الله عنه جاء وأخبر أنه رأى مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم "الله أكبر" وذلك أثبت فاستدل برؤيا عمر على الثبوت فلا يتوهم أن يكون عنده نص فيكتمه.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان منهيًا عن كتمان الوحي وأمر بأن يبين للناس ما نزل إليهم.
وكذلك سليمان أفتى في غنم القوم بالرأي وداود معه وأصاب سليمان، وقوله: {ففهمناها سليمان} دليل مؤكد على أنه عمل بالرأي.
ولكن الصواب كله مضاف إلى الله تعالى وكذلك أفتى داود عليه السلام عن سؤال الخصمين في باب النعاج بالرأي فإنه أجاب كما سئل ولم ينتظر وحيًا.
وقال الله تعالى لرسوله: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} فتبين أنه كان أذن بالرأي.
وكذلك الإجماع قد انعقد على عمله بالرأي في باب الحروب.
وكذلك سائر الأبواب لأنه كان يوحى إليه في الأبواب كلها فعلم أن الوحي لا يسد باب الرأي بل يقويه.
وباب الحرب أصل الدين لأنا لم نؤمر به إلا لإعلاء كلمة الله تعالى.
ولأن كون الرأي حجة لنا في باب الدين والأحكام من أشرف المراتب إذ باب الوحي متناهي وباب الرأي غير متناهي.
وفي قصر الأمر على الوحي ضرب حجر، وفي العمل بالرأي ضرب إطلاق فلا يجوز أن يحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم شرف الإطلاق وعموم الحجة، لكن فيه ضرب نقصان من حيث خوف الخطأ فكان الرسول صلى الله عليه وسلم مصونًا عنه فكان لا يقع رأيه الذي يقر عليه خطأ، لأن المشاهدة تحققت له حكمًا بالوحي، وكان هو من الله تعالى مثل صحابي يتكلم
(1/251)

بحضرته فلا يرد عليه فيكون تقريرًا على أنه صواب.
وأما قوله: {وما ينطق عن الهوى} فنزل في شأن القرآن، ولأن الهوى عبارة عن هوى النفس الباطل لا عن الرأي الصواب عن عقل، ونظر في أصل الشرع.
وأما قوله: الأحكام لله تعالى، فكذلك، ولا يحل لأحد وضعها اختراعًا ومشيئة، وإنما ذلك إلى الله تعالى يحكم ما يريد، وإنما يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم لعلمه أنه لا يقر على الخطأ فيصير التقرير بمنزلة الوحي.
وأما القول الأخير الذي هو الصواب فبناء على أن الرأي كان حجة له، ولكن على الترتيب كما في حقنا نحن يلزمنا أن ننظر في كتاب الله ثم بسنة الرسول ثم بالرأي، إلا أنا إذا علمنا أن الحادثة غير منصوص عليها اشتغلنا بالرأي ولم نقف ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف متربصًا للوحي لأنه صاحبه، وكان تربصه للنزول بمنزلة تربصنا للتأمل في المنزل.
وأما قوله: بأنه كان صاحب الوحي، فلا يحل له العمل بالرأي الذي لا يوجب العلم. فالجواب: أنا لا نبيح ذلك إلا إذا عدم الوحي، ووجب العمل، ولأنه كان يعلم أن رأيه الذي يقر عليه يوجب العلم يقينًا كالوحي بخلاف غيره، والله أعلم.
(1/252)

باب

القول في شريعة من قبلنا
اختلف أهل العلم في شريعة من قبلنا؟
فقال قائلون: الشريعة إذا ثبتت لنبي عليه السلام بقيت له كذلك ما لم تنسخ.
وقال بعضهم: تنتهي شريعته إذ بعث نبي آخر إلا فيما لا يقبل النسخ والتوقيت.
وقال بعضهم: لا تنتهي وتبقى حقًا، ولكن شريعة للنبي الذي بعث بعده.
والقول القصد أن ما حكى الله من شرائع سائر الأنبياء لنبينا ولم يعقب بنسخ بقيت حقًا شريعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون ما لم يحكها، وقد احتج محمد بن الحسن رحمه الله بقسمة الشرب بقوله تعالى: {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر}، وبقوله: {لها شرب ولكم شرب يوم معلوم}.
فأما الأولون فقد ذهبوا إلى أن التوقيت لا يثبت إلا بالنص.
وأما الحجة للقول الثاني فإن الله تعالى كان يبعث الرسول إلى قوم دون قوم في زمنه وكانت الرسالة وشريعته تختص بالمكان فجاز مثله في الزمان، فلا تعم شريعته الأزمنة إلا بزيادة دلالة كما لا تعم الأمكنة إلا بزيادة دلالة، ولأنه قد كان في زمان واحد نبيان في مكانين ولم يكن يلزم شريعة كل واحد منهما صاحبه فكذلك في الزمانين قال الله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا}، وقال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به} فجعلهم بعد مبعث نبي آخر بمنزلة أمته فثبت أن شريعتهم انتهت به.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صحيفة في يد عمر فقال له: "ما هذه الصحيفة؟ " فقال: التوراة فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "لو كان موسى حيًا لما وسعه إلى اتباعي" فبين أنه كان يصير بمنزلة واحد من أمته وأن شريعته قد انتهت به.
ولأن النبي الثاني يدعو الناس إلى شريعته لا محالة فلم يجز أن تبقى الشريعة الأولى معه، وهو كان يدعوهم إلى نفسه لأنه لا يجوز أن يدعى واحد إلى نبيين مختلفين كل واحد منهم يدعي الاختصاص بالاتباع إياه لما فيه من التعارض ألا ترى أنه لما تصور
(1/253)

نبيان في زمان واحد في مكانين كانت شريعة كل واحد منهما متناهية بمكانه أو كان يكون أحدهما تبعًا للآخر كلوط تبع إبراهيم عليهما السلام على ما قال الله تعالى: {فآمن له لوط} وكموسى وهارون صلوات الله عليهما فكذلك يجب أن يكون في زمانين.
أما القول الثالث: فالحجة له قوله تعالى: {قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفًا} فثبت بالنص أن هذه الشريعة ملة إبراهيم، وقد امتنع بثبوتها ملة له للحال لما ذكرنا في القول الثاني، فثبت أنها ملته على معنى أنها كانت له فبقيت حقًا كذلك، وصارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كالمال الموروث مضاف إلى الوارث للحال، وهو عين ما كان للميت لا ملك آخر لكن الإضافة إلى المالك تنتهي بالموت إلى من خلفه فكذلك الشريعة في حق الأنبياء ودل عليه قوله: {ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به} فقوله مصدق دليل على بقاء تلك الشريعة حقًا وقوله: {لتؤمنن به} دليل على صيرورة الشريعة بالآخر منهم.
وقال الله تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} والهدى اسم للإيمان والشرائع جميعًا لأن الاهتداء إنما يقع بها كلها.
وقال الله تعالى: {الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب} والاتقاء المطلق بالشرائع ما يكون مع الإيمان.
ولأنه سمى الكتاب هدى وفيه الإيمان والشرائع وقال: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون} والحكم بالشرائع ما يكون وسأل عبد الله بن عباس عن سجدة "ص" فقال: سجدها داود، وهو ممن أمر نبيكم بأن يقتدي به صلوات الله عليه وقال: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا} والدين اسم لما يدان الله تعالى به من الإيمان والشرائع، وأول ما رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم بالتوراة.
فإن قيل: كيف يستقيم وفيها ناسخ ومنسوخ؟
قلنا: كما استقام في شريعتنا القول ببقائها بعد النبي صلى الله عليه وسلم وفيها ناسخ ومنسوخ.
فإن قيل: قد قال الله تعالى: {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم} وفيهم من لم يكن نبيًا ولا شريعة له ثم أمرنا بالاقتداء بهداهم، فعلم أن المراد به الإيمان الذي لا يختلف حكمه.
قلنا: وليس في الآية أنهم لم يكونوا أنبياء، وقد احتمل ذلك فلم يترك عموم الهدى بكلام محتمل على أنه لم يدخل تحت الآية إلا نبي أو ولي والوالي لا يكون وليًا إلا باتباع شريعة نبي فيجب الاقتداء بهداه، وشريعته التي ثبتت بها ولايته قال الله تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي} وقال: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى} وقال {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة
(1/254)

فيها حكم الله} ولو انتهت بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن للحال فيها حكم الله، ولما صاروا كافرين بالتولي عنه إلا أنا نقول أن الصحيح منها هذا القول إلا أن البقاء لا يثبت بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بحكايته أنها ثابتة لأحد طرق:
أما لأن الله تعالى أنبأنا أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه وخانوا في النقل فصاروا مردودي الشهادة.
أو لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يحكى لنا منزه عن تهمة الكذب من كل وجه، ولا يخلو نقلهم، وإن كان عن تواتر للحال عن ضرب شبهة حتى يصير متواترًا على حده من الأصل فيجب ترك ما فيه شبهة بما لا شبهة فيه.
أو لأن عداوة الدين كانت ظاهرة فاتهموا بالحيل واللبس في إظهار شرائعهم فلم يصر كلامهم حجة علينا إلا ما نقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرنا أنها ثابتة بوحي متلو أو غير متلو فثبت أن الشرائع تبقى حقًا في أنفسها لعدم التوقيت من الله تعالى بمبعث نبي آخر.
ولكن يجعل للثاني من حيث الإضافة ولا يثبت إلا بنقل الثاني.
وفيه كمال شرف محمد عليه السلام حيث لم يصدق غيره عليه ولزم الماضين من الرسل اتباعه لو كانوا أحياء، كما قال لعمر، بأن صارت الشرائع كلها له، ثم ختمت عليه حتى لزم الباقين إلى يوم القيامة اتباعه فصار كالقلب يطيعه الرأس وتتبعه الرجل.
وأما قوله: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} ففيه دليل على جواز النسخ في الجملة ولا دليل فيه على انتساخ الكل فإن تبدل الطريقة يثبت بتغيير بعض الأحكام ألا ترى أنهم أجمعوا كلهم على طريقة واحدة في الإيمان بالله تعالى والطاعة إياه على أوامره، والله أعلم.
(1/255)

باب

القول في تقليد الصحابي والتابعي
قال أبو سعيد البردعي: تقليد الصحابي واجب يترك بقوله القياس، وعليه أدركنا مشايخنا.
وقال أبو الحسن الكرخي: لا يجوز تقليده إلا فيما لا يدرك بالقياس.
وذكر محمد بن الحسن: أن شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن لا يجوز، واحتج بأثر عائشة والقياس يجوزه.
وقال بعضهم: لا يقلد الصحابي، وهو قول الشافعي.
وقال بعض مشايخنا: يقلد التابعي الذي انتصب مفتيًا في زمن الصحابة.
وليس عن أصحابنا المتقدمين مذهب ثابت، والمروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه: "إذا اجتمعت الصحابة سلمنا لهم، وإذا جاء التابعون زاحمناهم". لأنه كان منهم فلا يثبت لهم بدونه إجماع.
وقد ذكر محمد بن الحسن: أن الحامل لا تطلق ثلاثًا للسنة، وروي ذلك عن جابر وابن مسعود، وخالفه أبو حنيفة وأبو يوسف وما لقولهما قول في الصحابة.
وقال أبو حنيفة: إعلام قدر رأس المال شرط لجواز السلم، ورواه عن ابن عمر في الأصل. وخالفه أبو يوسف ومحمد بالرأي.
وقال أبو يوسف ومحمد: الأجير المشترك ضامن لما ضاع عنده، ورويا ذلك عن علي وخالفهما أبو حنيفة بالرأي.
وأما أبو سعيد: فإنه يحتج له بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اقتدوا باللذين من بعدي" وقوله عليه السلام: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فقد صار قول الصحابي حجة كرامة له لصحبته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن احتمل الغلط كما صار إجماع هذه الأمة حجة كرامة لهم بالنص وإن احتمل الغلط على ما مر لولا النص والكرامة.
وأما الذين جعلوا قول التابعي حجة فذهبوا إلى أنهم لما قرروه على الفتوى بينهم
(1/256)

صار كواحد منهم بتقريرهم.
وأما أبو الحسن فإنه يقول: قول الصحابي ليس بحجة إذ لو كان قوله حجة لدعى الناس إلى قوله كالنبي صلى الله عليه وسلم، وكالأمة لما كان إجماعهم حجة دعوا سائر الأمم إلى ما أجمعوا عليه.
وروي عن عمر أنه كتب إلى شريح: "أن اقض بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم برأيك". ولم يقل بقولي.
ولا معنى لقولهم: إن معناه برأيك في أقوالنا، لأنه حمل على زيادة قيد لم يذكر وهذا عندنا نسخ وليس بتأويل. ولأن الرأي واحب استعماله في آيات الكتاب، وأخبار الرسول عليه السلام وقد تقدم ذكرهما فصار كأنه قال: برأيك فيهما.
ولأنه ظهر من شريح الحكم بخلاف رأي علي رضي الله عنه بين يديه.
وعن مسروق أنه أفتى فيمن نذر أن يذبح ولده بذبح شاة، وخالف فيه ابن عباس، ورجع ابن عباس رضي الله عنه إلى قوله.
ولأن رأي الصحابة كان حجة بالنظر في أصول الشرع الثابتة بالنص لا بالوحي وكان يحتمل الغلط، ولهذا كان يخالف بعضهم بعضًا ويرجع الواحد منهم عن فتواه إلى فتوى غيره وكان يقول المجتهد منهم: إن أخطأت فمن الشيطان، ولما احتمل الخطأ لم يصر حجة يجب تقليدها لا محالة.
ولما ساغ لهم ذلك بالنظر في النصوص وهم وغيرهم إذ بلغهم النصوص وعقلوا معانيها سواء إذا استوت آراؤهم.
ألا ترى أنهم إذا اختلفوا في تأويل النص ساوى تأويل غير الصحابي الصحابي لأنه يصار إليه بالوقوف على معنى اللغة وهم وغيرهم فيه سواء.
فكذلك إذا اختلفوا في التعليل وذلك يعرف بالوقوف على المعاني التي عرفت بالشرع أعلامًا على الأحكام، ولا معنى لترجيحهم على غيرهم لسبقهم في الفتوى واختصاصهم بزيادة توفيق من الله تعالى لأن مثله ثابت بين التابعي ومن بعده، وللصالحين من بعدهم، وهذا لأنه أمر باطن ولم نتعبد بالبناء على البواطن وإنما تعبدنا بما نقف عليه مما يظهر لنا من علم الرجل بأصول الشرع وحسن قياسه على النظائر بعبارة لسانه، عما أحاط علمه به.
ولا يجوز أن يقال إنه كرامة تثبت نصًا على ما رووا لأن النص عم الصحابة، وفيهم من لا يجوز تقليدهم بالإجماع كالأعراب فثبت أنه أراد به أهل البصر منهم، وأهل البصر عملوا بالرأي بعد الكتاب والسنة فيجب الاقتداء بهم في ذلك.
(1/257)

وكذلك قوله: "اقتدوا باللذين من بعدي" أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في أنهما عملا بالرأي بعد الكتاب والسنة فثبت أن معنى الاقتداء الاهتداء بهم، والاهتداء يكون على معنى طلب الصواب بالرأي من أقوالهم دون التقليد، ألا ترى أنه شبههم بالنجوم وإنما يهتدى بالنجم بعد الاستدلال بالرأي بناء عليه، فكذلك الاهتداء بهم إنما يكون بالرأي بناء على أقوالهم لا بنفس القول.
وعن أصحاب عبد الله بن مسعود أن ابن عباس كان يدعونا إلى الطعام وكان يجري المسائل وربما كان يخطئ وما كان يمنعنا من الرد عليه إلا أنا كنا على طعامه ولو وجب تقليده لما كان المانع طعامه إلا ما لا يعرف بالقياس، لأنه لا يظن بهم القول جزافًا، فإذا بطل الرأي لم يبق إلا السماع إلا أنه يشكل عليه قول التابعي بخلاف القياس.
وكذلك قول من بعده إذا كان فقيهًا عدلًا وليس هذا كالراوي إذا عمل بخلاف ما روى فإنه يحمل على أنه علم بانتساخ ما روى، وإن لم يرو حملًا لأمره على الصلاح لأنه لو لم يحمل عليه لكنا فسقناه وأبطلنا روايته كما أبطلنا بالوجه الأول فلم نصر إلى التفسيق بلا فائدة.
فأما ههنا فنحتاج إلى رد القياس متى حمل قوله عن سماع فلم يجز رد الدليل بموهوم حال.
ويمكن أن يقال: قد ثبت بالنص أنهم كالنجوم يهتدى بهم فثبت في الجملة أن قول من هو من أهل الاجتهاد منهم لا يخرج عن الصواب بل يكون بحيث يهتدى به وذلك بقياس أو نص.
فإذا بطل أحدهما تعين الآخر بخلاف من بعده لأن الصحابي أصل علمه من صاحب الوحي فلا تجعل فتواه منقطعًا عن السماع إلا إذا ظهر دليل غيره، وهو الرأي ولا يحكم بالانقطاع بالاحتمال فأما غير الصحابي فعلمه منقطع عن السماع إلا بواسطة فلا يحكم بالاتصال مع عدم الواسطة بالاحتمال، أو نقول: معناه أن الصحابة إذا اختلفوا لم يجب الوقوف بحكم التعارض كما في أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وآيات الكتاب، بل بأي قول عمل به وقع الاهتداء.

[فصل]
ولهذا لم تحمل أقوال الصحابة إذا اختلفت بعضها على بعض بخلاف آيات الكتاب لأن الصحابي كان يفتي عن الرأي، وكان يجوز للآخر خلافه برأيه مع علمه بالأول، وكان قول كل واحد منهما حجة يعمل بها فلم يطلب جهة التوفيق بينهما لثبوتهما كالمقاييس اليوم إذا تعارضت عمل بواحد منها ولم يجب الوقف.
(1/258)

فأما الآيتان فلا تردان إلا والحجة أحدهما وهي الأخيرة فإذا لم يعرف التاريخ وجب حمل إحديهما على الأخرى ليمكن العمل بإحديهما إذا لو لم يحمل لتعارضتا وتساقطتا، ولكن يجب في أقاويل الصحابة ترجيح واحد منهما بالرأي إن أمكنه ثم العمل به ولا يجوز العدل بالرأي إلى قول ليس في أقوالهم لأن اختلافهم فيها إجماع على بطلان ما عداها لأن الحق ما كان يعدو إجماعهم، والله أعلم.
(1/259)

باب

القول في القياس
قال جمهور العلماء وجميع الصحابة: إن القياس بالرأي على الأصول التي ثبتت أحكامها بالنصوص لتعدية أحكامها إلى الفروع حجة يدان الله تعالى بها، وهي من حجج الشرع لا لنصب الحكم ابتداء.
وقال داود ومن تابعه من أصحاب الظواهر: إن هذا القياس ليس بحجة لهذا الحكم.
وسلم إبراهيم النظام أنه خلاف إجماع السلف وطعن، وروى بعضهم المذهب عن قتادة وابن سيرين ومسروق واحتجوا بكتاب الله تعالى: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم} فأخبر الله تعالى أن الكتاب كاف فمن لم يكتف به إلا بالقياس فقد خالف.
وقال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} والقياس الذي نستنبطه من آرائنا ليس مما أنزل الله تعالى بل ذلك مما ولده رأينا إنما المنزل كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم، فإنه ما كان ينطق عن الهوى وما كان إلا عن وحي.
وقال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: {لتبين للناس ما نزل إليهم} أي من الوحي ولم يقل لتبين للناس ما يقع في رأيك.
وقال {ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين}.
وقال: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} فأخبر أن الكل بيانه في كتاب الله تعالى إما في نصه أو إشارته أو اقتضائه أو دلالته فإن لم يوجد ذلك فالإبقاء على الأصل الثابت من وجود أو عدم فإن ذلك في كتاب الله تعالى.
قال الله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم} الآية، فالله تعالى أمره بالاحتجاج بعدم نزول التحريم في كتاب الله لبقاء الإباحة لأنها أصل لنا
(1/260)

بقول الله تعالى: {هو الذي خلف لكم ما في الأرض جميعًا} والإضافة بلام التمليك أبلغ جهتي الإباحة، فتصير على هذا كل الأحكام من رطب ويابس ثابتة بما في الكتاب فيبقى الرأي مستعملًا لتعرف الحكمة التي فيها علم المصلحة عاقبة.
وهي مما لا يوقف عليها بالرأي بالإجماع لأن المصلحة في أداء ما شرع الله تعالى من الأحكام النجاة في الآخرة لا الفوز في الدنيا، وبالآراء لا تدرك مصالح الآخرة وإنما تدرك مصالح العاجلة التي وقف عليها بالحواس والتجارب فتعرف نظائرها بالقياس.
وهذا كما قلتم إن تعليل النص بعلة لا تتعدى باطل لأنه لا يفيد إلا ما أفاده النص من الحكم فتبقى الفائدة في بيان حكم المصلحة فلم يثبت بالرأي.
وقال الله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} {ولا تقولوا على الله إلا الحق} والقياس لا يوجب العلم.
وأما خبر الواحد فأصله كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يوجب العلم يقينًا، ويكون حجة وإنما دخل الشك والاحتمال في الانتقال إلينا فلا يبطل بالاحتمال، وكان بمنزلة النص المؤول بالرأي من كتاب الله تعالى على بعض ما يقتضيه لسان العرب، وأنه حجة ولا يوجب العلم لأنه في أصله موجب.
والقياس في نفسه محتمل فلا يصير حجة مع الاحتمال، ولا يشكل علينا تعرف جهة الكعبة وبيان قدر مهر المثل وقيمة المستهلك بالرأي لأن معرفة جهات البلدان من مصالح الدنيا، ومما يوقف عليها بالحواس، وكذلك قيمة الشيء تعرف بمعرفة النظائر، وطريق العلم بها حس البصر، وهذا كما أن الله تعالى أخبرنا بإهلاك من مضى بكفرهم وأمرنا بالاعتبار بهم، وذلك يكون بالرأي لأنه قد عرف هلاك مثله بمثل ذنبه بحس العين أو السماع، فكان الاحتراز عن مثل سببه من مصالح الدنيا وحل محل الاحتراز عن تناول ما يتلفه مما وقف على ما تلف مثله بتناوله، ومحل الاحتراز عن سيف يقع عليه لعلمه بقطعه بتجربة وعلمه أن القطع سبب تلفه فلم تكن معرفة الجهة من أحكام الشرع إنما الحكم وجوب التوجه إلى الكعبة بعد تبين الجهة.
فالله تعالى أكرم الآدمي بالرأي المميز ليستدرك به مصالحه العاجلة ليبقى إلى حينه بتدبيره وجعل طريق الاستدراك به الوقوف على نظير ما علمه سببًا لخير أو شر بحواسه، فكان الرأي حجة له في مثلها.
فأما الشريعة فما شرعت إلا لأمور الآخرة، وإن تلك المصالح بنيت على خلاف مصالح العاجلة وكل الدين مبني على خلاف العادة الثابتة لتحري مصلحة عاجلة، فلم يكن الرأي فيها حجة.
ولأنا متى لم نصل إلى تلك المصالح بحواسنا، وهي طريق العلم لنا في الأصل لم
(1/261)

نقف على النظائر بالرأي ولا يلزمنا وجوب التأمل بالرأي في معاني النصوص لأن معانيها لغة من أمور الدنيا، ومما يوقف عليها بحاسة السماع من أهلها ولم تكن من الشريعة في شيء، فإنها كانت قبل الشرع وباقية في الكفار بعد الشرع وإنما أنكرنا استنباط المعنى الذي تعلق به حكم الشرع فإنه من أمور الآخرة فثبوت الحكم على ما يثبت من حظر أو إباحة حق الله تعالى.
وما هو من معاني اللسان في شيء فنحمل الآيات الموجبة للتفكير والاعتبار على هذا القبيل.
والنصوص التي نهت عن العمل بالرأي وألزمت اتباع الوحي على أحكام الشرع.
وعلى هذا تحمل مشورة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فإن الله تعالى أمره بها في تدبير الحرب وشاورهم فيها والوقوف على جهة الغلبة من مصالح الدنيا ما هو بحكم شرعي، وإنما حكم الشرع في كونهم محقين.
وما شاورهم النبي صلى الله عليه وسلم عليه في تعرف كونهم محقين بل الوحي إنما خص باب الحرب بالمشورة دون أحكام الشرع، وكذلك الخصوص ظهر من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه روى الشورى في باب الحرب ولم يرو في شيء من الأحكام، علم بانسداد باب الشورى في معرفة الأحكام.
واحتجوا أيضًا بالأخبار منها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لم يزل أمر بني إسرائيل مستقيمًا حتى كثر فيهم أولاد السبايا، فقاسوا ما لم يكن بما قد كان فضلوا".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تعمل هذه الأمة برهة من الدهر بكتاب الله تعالى، وبرهة بالسنة، وبرهة بالرأي فإذا فعلوا ذلك فضلوا وأضلوا".
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: "إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا".
وعن ابن مسعود: "إياكم وأرأيت وأرأيت، فإنما هلك من كان قبلكم في أرأيت وأرأيت، ولا تقيسوا شيئًا بشيء فتزلوا قدم بعد ثبوتها".
وقال عليه السلام: "من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" والمقايسة تفسير
(1/262)

بالرأي لأنه استنباط معنى لا يدل عليه اللسان فيعلق به حكم الله تعالى.
فأما من الوجه الذي يدل عليه اللسان فحسن نحو اختلاف عبد الله بن عباس وزيد رضي الله عنهما في زوج وأبوين؟ فقال عبد الله: للأم ثلث المال كاملًا، لأن الله تعالى لم يقل: ثلث ما بقي.
وقال زيد: لها ثلث ما بقي لأن الله جعل للأم ثلث ما يرث الأبوان، وإرث الأبوين في هذه المسألة بعد الزوج.
ووجه آخر أن الله تعالى جعل أحكام الشرع متباينة كمقادير العبادات والعقوبات والكفارات ولم يشرعها نظائر ليبين لنا أن الشرع باب لا مدخل للرأي فيه.
ووجه آخر أن أصل الشرع على ما هو من أحكام الله تعالى في الإيجاب والإسقاط والإحلال والتحريم خالص حق الله وحق الله ما ينبغي إلا بحجة فاصلة موجبة للعلم قطعًا لأن الله تعالى لا يشتبه عليه حق والرأي لا يوصلنا إليه.
ولأن أكثر النصوص التي عللت بعلل مختلفة وحجج الله تعالى لا تثبت مختلفة فإنها نتيجة الاشتباه، والله تعالى علي غني عن ذلك ولا يلزم أخبار الرسول فإنها في الأصل غير مختلفة، وإنما اختلفت الرواية، والحجة هو الخبر لا الرواية.
وهذا كما يشتبه علينا من كتاب الله تعالى ناسخه من منسوخه، وقد يتعرف بالرأي ويعمل به ولا يكون قياسًا.
قالوا: وكان في حجرنا عن القياس أمران بهمل قوام الدين ونجاة المؤمنين، فإنا متى حجرنا عن القياس لزمنا المحافظة على النصوص والتبحر في معاني اللسان.
وفي محافظة النصوص إظهار قالب الشريعة كما شرعت.
وفي التبحر في معاني اللسان إثبات حياة القالب فتموت البدع بظهور القالب.
فعند ظهورها يتبين عنه الذي هو بدعة وفي حياة قالبه سقوط الهوى لأن القالب لا يحيى إلا باستعمال الرأي في معاني النصوص ومعانيها غائرة جمة لم تنزف بالرأي.
وإن فنيت العمار فيها فلا نفضل الرأي للهوى فيتم أمر الدين بموت البدع ويستقيم العمل بسقوط الهوى وفيها الفوز والنجاة للناس، فهذا أعدل طريق لنفاة القياس وسنذكر أقسامهم من بعد إن شاء الله تعالى.
وأما عامة العلماء فإنهم احتجوا بقول الله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} أمر بالاعتبار، وأنه عبارة عن رد الشيء إلى نظيره.
والعبرة أصل يرد إليه النظائر والقياس مثله، فإنه حذو الشيء بنظيره، يقال: قس النعل بالنعل أي أحذه به.
(1/263)

وقال الله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} وبصر القلب برأيه، والعرب تقول وكانت على الجاهلية: السعيد من وعظ بغيره، ولا إمكان إلا بعد استعمال الرأي والاعتبار بما كان، والانزجار عن مثل سبب من هلك قبله به.
والله تعالى يقول: {ولكم في القصاص حياة} وفيه هلاك حسًا، وإنما الحياة في الاعتبار له بمن قتل، فقتل لينزجر عن القتل ابتداء فلا يقتل جزاء، وهذا ضرب من الرأي واستعمال الرأي لا بد من القول به.
وكل إنسان إذا تأمل في حاله لم يجد لنفسه قوامًا إلا بهذا الضرب من الاعتبار فما سخر الآدمي غيره مما في الأرض إلا بالرأي.
وما تفاوتوا في درجاتهم العاجلة إلا بتفاوتهم في الآراء ومتى ثبت هذا ثبت مثله فيما يختلف فيه فإن الله تعالى كما بين إهلاك قوم بكفرهم وأمر الباقين بالاعتبار بهم لينزجروا عن الكفر فلا يهلكوا فكان اعتبارًا واجب العمل به.
فكذلك إذا بين اسمًا أو صفة فعلق به حكمًا من أحكامه وجب الاعتبار به في أصل آخر ووجب إثبات الحكم فيه متى وجد الوصف فيه، فإنه لا فرق بين حكم هو تحليل أو تحريم تعلق بوصف هو كيل وبين حكم هلاك تعلق بوصف هو كفر.
فإن قيل: نحن نستجيز ذلك إذا ثبت التعلق بالنص كما ثبت تعلق الهلاك بالكفر نصًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين والطوافات عليكم" ثم الحكم يثبت في الفأرة اعتبارًا بالهرة.
وكذلك روى أن ماعزًا زنا وهو محصن فرجم، ثبت بالزنا في حال الإحصان في غير ذلك الحكم لأنا عرفنا العلة سماعًا وإنما أنكرنا إثبات العلة بالرأي نحو قولكم: إنما صار الفضل من الحنطة بالحنطة ربا لعلة الكيل، والجنس على الخصوص من بين سائر الأوصاف التي يشتمل عليها اسم الحنطة بالحنطة بالنص فإنكم ما أثبتم الوصفين على الخصوص علة إلا بالرأي.
قلنا: إنا ما خصصنا إلا من الطريق الذي وجب تخصيص الزنا لإيجاب الرجم من ماعز وإحصانه، فماعز كان موجودًا قبل الزنا وكذلك إحصانه، ولا رجم فلما زنا ورجم عقيبه، والزنا معصية، والحد عقوبة وقد ظهر أثر المعاصي في إيجاب العقوبات شرعًا وجب الإحالة إليه وجعل قيام الإحصان شرطًا لأنه عبارة عن نعم حميدة من الله تعالى على عبده، ولا أثر لنعم الله تعالى في إيجاب العقوبة فلم تجعل علة بل أثرها في تغليظ
(1/264)

حكم المعصية، فكانت علة لغلظ حكم الزنا معه فصار موجبًا رجمًا بعدما كان موجبًا جلدًا دونه.
وقد عرف هذا الأثر في التغليظ بالنص بأن توعد الله تعالى نساء رسول الله -صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن- بالعذاب ضعفين بنعمة القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فكذا نحن خصصنا الكيل والجنس من بين سائر الأوصاف بإحالة الحرمة إليهما من هذا الطريق.
وبيان ذلك: أن قوله: "الحنطة بالحنطة" عبارة عن بيعها بجنسها وقوله: "مثلًا بمثل"، تفسير وبيان للشرط الذي يجوز معه، "والفضل ربا" أي حرام، والفضل: مال مستحق بالبيع كسائر الأموال فيلزمنا أن نعرف حرمته من الوجه الذي يحرم أصل المال بسبب البيع لأن كل واحد مال مكتسب بالبيع، وإنما ظهر تحريم بيع المال المكسوب به إذا ملكه بغير مال، كشراء مال بغير عوض أو بعوض ليس بمال كالشراء بالحر فالحرمة للخلو عن المال بسبب أن التملك كان بلفظ البيع فإنه لو ملك بلفظ الهبة يحل نحو أن يقول ملكتك هذا العبد هبة بلا مال.
وكذلك الفضل في غير هذا البيع حلال كشراء عبد بعبدين وثوب بثوبين ولؤلؤة بلؤلؤتين وقفيز بقفيزين حال اختلاف الجنس.
وكيف لا يحل والربح إنما يتحقق بالفضل والبيع، وهو تجارة وهو سبب الاسترباح ولهذا الغرض فتحت الأسواق فوجب إثبات هذه الحرمة بالبيع من الوجه الذي ظهر أثر البيع فيه بالنص والإجماع، وذلك في إثبات حرمة الفضل للخلو عن العوض كما أحيل الحد في قصة ماعز إلى الزنا.
وأيضًا لئلا يكون هذا الحكم مناقضًا لحكم فضول سائر البيوع فإنها تحرم في البيوع كلها إذا أخذت بغير عوض، لأن السبب واحد وهو البيع، والمال واحد وهو فضل ذات لأحدهما على الآخر وإنما اختلف اسم المال ولم نر لاختلاف اسم المال وحده في سائر الأموال أثرًا في تغيير الحكم، ولما وجب إثبات الحرمة بهذا الوصف ولم يثبت الخلو عن العوض مع وجود المقابلة مالًا بمال في أصل البيع إلا بتقييد بشرط المماثلة نحو أن يقول: بعتك هذا المكيال من الحنطة بمثله على أن تسلم إلي مكيالين.
فإنه متى قال هذا صار الزائد على المكيال بلا عوض.
أو يقول: بعتك هذا العبد بهذا العبد على أن تسلم إلي العبد مع عبد آخر أو ثوب فإنه يصير ربا لأنه لم يبق للزائد عوض لما قصر المقابلة بالنص على العبد بالعبد، وشرط المماثلة لم يوجب من المتعاقدين لتجب القسمة كذلك فيخلو الفضل عن العوض فعلم أنه موجود من الشرع كما قال: "الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل" أي: حلًا له مقصور على شرط
(1/265)

المماثلة، وأنه واجب شرعًا للحل والواجب شرعًا فوق الواجب شرطًا منا.
وهذا كما يرد المبيع بالعيب لأن الشرع أوجب له بشرط السلامة عن العيوب لئلا يغبن فوجب كذلك كما لو شرط بنفسه فاشترى عبدًا على أنه كاتب أو تركي فإذا هو ليس كذلك.
وهذه معان وأحكام أثبتناها بتعرف معاني اللغة فقول الرجل: بعتك هذا بهذين إثبات المقابلة بين الجميع لغة.
وإذا قال هذا بمثله على أن تسلم زيادة قصر للمقابلة على البعض دون البعض وإن حرم بغير مقابلة عرف بالنص والإجماع لا بالرأي وإن المماثلة مشروطة للجواز ثابتة نصًا لا بالرأي، فبقي بعد هذا أن شرط المماثلة لأي علة وجبت للجواز في الحنطة بالحنطة فقلنا: وجبت لأن الحنطة بالحنطة مثلان متساويان في المالية قطعًا ويقينًا بذاتيهما لأنهما متى تساويا مالية قطعًا ويقينًا بالذاتين لم تثبت المقابلة بينهما مالًا إلا بثبوت المقابلة ذاتًا لأن المالية معه وقيام المقابلة بين الذاتين يعرف عيانًا لا بالرأي، وهو أن يكون كل واحد بقدر الآخر كالمقابلة بين الحنطتين، وكل شيء له طول وعرض فمتى لم تثبت المقابلة في قدر الذات يثبت الزائد بلا مقابلة ذاتًا فيبقى بلا مقابلة مالًا لما كانت ماليته مع ذاته، فثبت أن الفضل بلا عوض يعرف عيانًا لا بالرأي بعد ثبوت المماثلة بين الذاتين في المالية قطعًا فنحتاج الآن إلى معرفة ثبوت المماثلة بين الحنطتين في المالية قطعًا.
فنقول: أما أصل المماثلة بين الحنطتين بصفة الكيل والجنس بالإجماع، والنص، واستعمال التجار، وذلك لأن التجار لا يعدونها أمثالًا بحباتها ولا حفناتها بل بمكاييلها، وكذلك الشرع فإنه علق الجواز بالمماثلة ولا يجوز بالمماثلة حبة بحبة، ولا حفنة بحفنة بل يجب كيلًا بكيل وكذلك في ضمان الإتلاف لا يجب حفنة بحفنة ويجب كيلًا بكيل، وعليه نص النبي صلى الله عليه وسلم: فقال: "الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل كيل بكيل" فصار الكيل والجنس علة المماثلة بالنص ووضع التجار والشرع.
وكذالك بالمعقول من معنى اللغة لأن المماثلة لغة: عبارة عن المساواة، ومثل الشيء: نظيره مساويًا له، والمالية تكون بالعين ومعناه.
والمعاني تختلف بالأجناس فباتفاق الجنس تساوى معنى المالية وبالكيل تساوى قدر الذات فإنه ما وضع عرفًا ولا شرعًا إلا لتعريف قدر الحنطة فثبت أنا لم نجعل الكيل والجنس علة لحكمها وهو تماثل الحنطة بالرأي ثم جعلنا ثبوت المماثلة علة لوجوب شرط أن يقابله مثله شرعًا كما لو شرطا شرطًا في حال سقوط عبرة مالية الصفة بأن لا تبقى لها قيمة لأنه ما دام يبقى للوصف قيمة.
(1/266)

ولا بد من أدنى تفاوت وصف بين الحنطتين لم يجب معرفة مماثلة المال بالمال بين العوضين بمقابلة الذات بالذات لأن قدر المالية ليس معه ليعرف به.
وإنما يصير قدر المالية مع قدر الذات إذا لم يبق للوصف بانفراده قيمة لأنه لا يتوهم بعد اتفاق الجنس تفاوت قدر المالية بغير قدر الذات إلا بتفاوت الوصف.
وإنما أثبتنا هذا الشرط وهو سقوط قيمة مالية الوصف بانفراده في مسألتنا بالنص، وتعرف حكم النص لا بالرأي.
أما النص فقوله صلى الله عليه وسلم: "جيدها ورديئها سواء" ولا يتساويان حتى يصير قيام الجودة عدمًا حكمًا.
وأما حكم النص فلأن الشرع حرم الاعتياض في بيع القفيز الجيد بالرديء على الجودة فإنه لو شرط زيادة بإزاء جودة حنطته لم يحل، وفضل وصف المال بأن يحل الاعتياض عليه مع الأصل كأصل المال ألا ترى أنه كيف يحل إذا اختلف الجنس وفي غير مال الربا ثم أصل المال من حيث أنه مال لا أثر له في تحريم الاعتياض ما دام متقومًا، وإنما يؤثر فيه إذا سقطت قيمته، إما شرعًا كالخمر وإما عرفًا كحبة حنطة أو قطرة ماء ونحوهما مما لا يتحول ويهان عادة.
فكذلك الوصف مع الأصل لا يحرم الاعتياض عليه إلا إذا لم يبق له قيمة فلما حرم الاعتياض حال المقابلة بجنسه.
وانفراد الوصف فصلًا في أحدهما علم أنه حرم لأن الشرع أسقط قيمته في هذه الحالة فيكون معلومًا هذا بتعرف أثر علمنا للمال في تحريم الاعتياض عليه بالنص والإجماع لا بالرأي.
ولا يلزم بيع المحرم صيدًا في يده فإنه لا يحل وهو مقتول لأنه حرم بحق أمن ثبت للصيد عن استيلاء الناس بطريق لم يكن ثابتًا حال كونه صيدًا غير محرز لما يحرم بيع الرهن بحق ثابت للمرتهن، وبيع المدبر بحق عتق ثابت للمدبر عندنا وما لفضل الوصف حق أمن عن الاستحقاق بيعًا أو الإتلاف تناولًا.
فثبت أن الحرمة محالة إلى سقوط القيمة في هذه الحالة شرعًا كالخمر وكما سقطت قيمة الجودة من الفلوس الرائجة باصطلاح الناس على تقدير ماليتها بأعيانها ما دامت رائجة.
فثبت أنا لا نخص وصفًا من بين الجملة بكونه علة إلا بأن عرف أثره في ذلك الحكم بعينه أو مثله ولا يعرف الأثر إلا بالنظر فيما سمعنا من النصوص أو عاينا من الأوضاع.
(1/267)

وكان النظر بالرأي لنعرف الحكم بحده من الحجج الشرعية، بمنزلة النظر في الأسامي اللغوية لنعرف المسمى بوصفه، ما بينهما فرق إلا من حيث أن الأسماء مما تعرف مسمياتها من جهة واضعيها.
والحجج مما تعرف أحكامها من جهة شارعيها.
فالحجج نصوص عربية.
والأحكام كذلك لها أسماء عربية.
وكان النظر لتعرف الوصف المؤثر في الحكم من النص ليمكن استعماله في غير المنصوص عليه بمنزلة تعرف جهة استعارة الأسماء لغير ما وضعه واضع اللغة ليمكننا الاستعمال في غير ذلك، لأنا لا نعرف المؤثر إلا بالعيان أو السماع من صاحب الشريعة على ما مر، كما لا نعرف طريق الاستعارة إلا من العرب فكان البابان واحدًا إلا أن المصير في أحد البابين إلى سماع العرب وفي الآخر إلى سماع صاحب الشريعة فيما نعرفه سماعًا.
وفيما نعرفه عيانًا فهو كاستعمال الرأي في قدر قيم المتلفات بنظائرها التي عرفت نظائر بالعيان وجهة الكعبة التي عرفت أعلامها بالعيان.
وتبين أن قولنا: إن الكيل والجنس علة لصيرورة الحنطة أمثالًا متساوية إثبات بوصفين ظهر أثرهما في المساواة والتماثل شرعًا وحسًا، فوق أثر الزنا في إيجاب الرجم.
وإن قولنا: إن سقوط قيمة مالية وصف الحنطة بانفراده شرط ليبقى قدر المالية في الحنطة مع قدر ذاتها معنى معقول حسًا لأنه ما بقي متقومًا ازداد الجيد الأقل في قدر الذات على الأزيد بذاته بزيادة الجودة، كقولنا: إن الإحصان سبب لتغليظ حكم المعصية، قول عرف ذلك شرعًا بل فوقه لأن المعقول عيانًا وحسًا فوق المعقول سماعًا.
وإنما اشتبه على مخالفينا لقلة تأملهم في الأحكام ليعرفوها بأوصافها وترتيبها بعضها على إثر بعض بعلل مترتبة، حتى وقع عندهم أن الذي ثبت بناء على غيره، ثابت بالعلة التي ثبت الأول فلم يجدوه مؤثرًا بالشرع فيه فأنكروا، وظنوا أنا جعلناه حجة باقتراح الرأي الذي جاء الشرع بذمه وجعله مدرج الضلال. ثم نسبنا بأن فهم أنا ننصب عللًا وحججًا باقتراح الرأي إلى الغفلة عن النصوص لاستغنائنا بالرأي عنها.
ولم يعلم أنا لم نجعل الرأي حجة إلا عند عدم النص والعدم لا يثبت من حيث يصير العبد معذورًا إلا بعد الجد في الطلب من أهلها والمحافظة عليها بعد الطلب.
ثم لم نطلق له القياس إلا بأوصاف مؤثرة ثبت تأثيرها شرعًا، ولم يعرف ذلك إلا بتتبع معاني النصوص، وطرق تعليلات صاحب الشرع بعد المحافظة على النصوص إلا أنا
(1/268)

بالقياس أحيينا الحجج حتى عمت بالتعليل فأمكن العمل بها في غير ما تناوله النص لغة كما أحيا هو.
ونحن معه حقائق النصوص بالوقوف على طريق المجاز والاستعارات فأمكننا العمل بها في غير ما وضعها واضع اللغة في الأصل ولم يكن ذلك اقتراحًا على اللسان ولا وضعًا من عند نفسه وكذلك هذا.
بل نفاة القياس لما حجروا عنه ألزموا العمل بلا دليل فيما عدا النصوص ولا دليل حكمه الجهل.
والعمل بالجهل هو طريق البدعة وعمل بالهوى على ما نذكره في بابه وأنه حرام في أصله إلا عند الضرورة كالميتة حرام إلا عند الضرورة، والضرورات لا تقع على ما بنى الله الأمر عليه إلا نادرًا.
وأكثر المسائل الشرعية مما صنفها الناس مما لا نص فيها.
ولا يجعل مما يعمل فيها بالضرورة بل دلت على غير حال الضرورة وأن العمل حرام بأحكامها إلا بحجة شرعية وما هو إلا بالقياس الذي قلناه، إلا أنه غير موجب للعلم كخبر الواحد والآية المؤولة لأنا عرفنا حد صحته بغالب الرأي، وإن كان أصله سماعًا فكذا هذا وأنه مما أنزله الله تعالى في كتابه ودخل تحت قوله: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} لا أنه حجة صير إليه لضرورة عدم الأدلة وهذا ليكون العمل بالدليل والعلم أبدًا إلا في أحوال نادرة فيكون من جملة ما يباح بالضرورة.
وثبت أن القرآن تبيان لكل شيء وكاف بنصه، ودليل نصه ومقتضاه وإشارته والاعتبار به قياسًا ثم باستصحاب الحال حال عدم الأدلة كلها وهي: حال ضرورة وجوب العمل مع عدم الأدلة.
وثبت أن الذم عن الرأي راجع إلى نصب العلة باقتراح الرأي أو العمل به في المنصوصات بخلاف النص.
وهذا كما ذم من فسر القرآن برأيه، ويجوز تفسيره بالرأي تخريجًا على أصول اللغة والشرع، وإنما يحرم على سبيل الاقتراح من عند نفسه ثم سقوطه بخبر الواحد لا يدل على أنه ليس بحجة كالآية المؤولة تسقط بالمحكم والخبر يسقط بالآية.
ووجه آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كما علمنا الأحكام علمنا القياس فقال لعمر وقد سأله عمر عن القبلة وهو صائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك؟ " فقال: لا، قال: "ففيما إذً" أي أن القبلة مبدأ الجماع كالمضمضة مبدأ الشرب ثم الفطر لم يتعلق
(1/269)

بمبدأ الشرب حتى يقضي به شهوة البطن، فكذلك هذا لا يضر ما لم يقض به شهوة الفرج.
وقال للمرأة التي سألته عن الحج عن أبيها: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يجزيك؟ " فقالت: بلي، قال: "فدين الله أحق" يعني لما سقط دين العبد الذي يحتمل النيابة في القضاء بأمر من عليه، فكذلك بغير أمره احتمل فدين الله أولى بأن يجوز بغير أمر من عليه، كما يجوز بأمره لأن الواجبين قد استويا من حيث احتمال النيابة مع الأمر.
وإنما اختلف المستحق والقبول من غير من عليه ضرب من المساهلة والله تعالى أولى بالمساهلة.
وعلل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، فقال للمستحاضة: "إنه دم عرق انفجر توضئي لكل صلاة"، فعلل لإيجاب الوضوء بسيلان دم العرق لأنه متى سال أوجب حكمه من النجاسة حتى يجب غسله عن محله فاستقام إحالة وجوب الطهارة إلى ما ظهر أثره في التنجيس.
وقال: "الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين والطوافات عليكم" فأسقط نجاستها بصفة مؤثرة في السقوط وهو ضرورة الطواف علينا وتعذر الاحتراز عنها فللضرورات تأثير في الإباحات.
ووجه آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كما بين لنا الأحكام المشروعة، بين لنا أن العمل بالرأي مشروع كما هو بالنص فإنه قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "بما تقضي؟ " قال: بكتاب الله تعالى، فقال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد فيه رأي، فقال صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله".
ووجه آخر أن الصحابة أجمعوا على صحة القياس، وإجماعهم حجة كآية من كتاب الله تعالى على ما مر والدليل على ذلك أنهم اختلفوا في مسألة الجد اختلافًا ظاهرًا، ولم يحتج أحد بالنص وإنما مثلوا أمثلة بالرأي بالوادي يتشعب منه أنهار والشجر يتفرع منها فروع، واختلفوا في مسألة العول بالرأي؟
وكان عمر رضي الله عنه يكتب إلى العمال: عليكم بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بالأمثال والأشباه. وقال لشريح: اقض بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم برأيك.
وسئل ابن مسعود رضي الله عنه عمن تزوج امرأة ولم يسم لها مهرًا ثم مات عنها
(1/270)

قبل الدخول بها؟ فلم يجب شهرًا، ثم قال: أجتهد فيها رأيي فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن ابن أم عبد، أرى لها مهرًا مثل نسائها، لا وكس، ولا شطط. وخالفه علي بالرأي، ولو كان عنده خبر لرد عليه.
وقال عبد الله بن مسعود في دم بين اثنين عفا أحدهما: أرى هذا إحياء بعض النفس، وقال عمر رضي الله عنه: وأنا أرى ذلك.
وأجمع عمر وعلي رضي الله عنهما على فساد بيه أمهات الأولاد بالرأي ثم رجع علي وأفتى بالجواز، وعقد مجالس الشورى مشهور من عمر ليعرف أحكام الحوادث، وكذلك من غيره، ولم يرو عن أحد خلاف ذلك.
والنهي عنه محمول على ما حملنا عليه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن "أرأيت" على سبيل التعنت، أو ترك الاكتفاء بالمشروع مع الغنية عن الزيادة كما قال الله تعالى: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتركوني على ما تركتكم عليه فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم" أو المراد به النهي عن المقايسة بالصور دون الاستدلال بالمعاني كما ظهر اليوم من أصحاب الطرد ألا ترى أن النهي يروى عن عمر وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما والقول بالرأي منهما أظهر من الشمس.
ووجه آخر: أن الله تعالى سمى هذا الدين نورًا، وشرحًا للصدور فقال: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} وفي إلزام العمل بالنص على حجر عن التأمل في العلل المعقولة بالرأي ضرب حرج، وهذا مما يعرفه كل عاقل من نفسه إذا تأمل في حاله.
ولأن القلب يبصر بالغائب كالغيب بالحاضر، ومعقول القلب بالرأي كمرئي العين بالبصر، وإنا نرى ضال الطريق حرجًا صدره وينشرح بعض الانشراح بقول الهادي إذا عرفه صادقًا، ويتم الانشراح ببصره بعينه الطريق العادل وإعلامه، فكذلك القلب إذا عقل الحكم برأيه انشرح الصدر به غاية، وإذا قلد الحاكي بقي معه بعض الحرج وإن اعتقد صدقه ولا اختلاف أن الدين يشرح الصدور بأتم ما يكون من النور.
فإن قيل: كيف يستقيم هذا والشرع ما جاء إلا بخلاف معتاد الصدور مما عقلته من الأمور؟.
قلنا: نعم جاء هذا بخلاف معتاد المعقول بهوى النفس وإشارته لكن بمعقول خير منه ما كان القلب يعقله بدون الشرع وعباراته، فكان خلاف المعتاد قبل البيان ووفاقًا بعد
(1/271)

البرهان ليصير الشرعي بعد التأمل طبيعيًا فيعتقده العبد على طمأنينة قلب، وانشراح صدر فكان في وجوب الإسلام لقالب الشريعة حسن الطاعة والانقياد لله تعالى وفي المصير إلى القياس والمعاني المعقولة طمأنينة القلوب بالوقوف على الحجج من الطريق الذي هو معتادها في مصالح الدنيا، والإسلام لله تعالى حق، وطلب ما تطمئن إليه القلوب حسن، قال إبراهيم صلوات الله عليه: {بلى ولكن ليطمئن قلبي}.
فأما الجواب عن الأول فإن الكتاب كاف وهذا القياس منزل في كتاب الله تعالى دلالة، وإن لم يكن نصًا على ما بينا أنه نظير الاعتبار الذي ثبت نصًا بكتاب الله تعالى، وكان الحكم به حكمًا بما أنزل الله تعالى فإن الله تعالى أمرنا به، ولأنا نعرف بالرأي ما أثر في الحكم شرعًا لا أن نجعله مؤثرًا بالرأي.
وأما قوله: {لتبين للناس ما نزل إليهم} فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم المقايسة فعلم أنها مما أنزلت إلى الناس.
وأما قوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم} فحجة لنا لأنه نهي عن قفو ما ليس لك به علم، وأنه يقتضي كل علم لأنه نكرة في النفي، والقياس يوجب ضرب علم من الطريق الذي يوجبه خبر الواحد وإنما لا يوجب العلم من كل وجه، وهذا كما لا يقبل العاقل على ما أمر بقصده من مصالحه بغير علم ويقبل عليه بغالب رأيه وإن لم يعلم يقينًا ويعد ذلك إقبالًا بعلم.
فثبت أن العلم ضربان: علم يقين، وعلم غالب الرأي.
والعمل بكل واحد منهما جائز للدين والدنيا ألا ترى أنهم جوزوا العمل باستصحاب الحال وأنه دون القياس.
وأما قوله: {ولا تقولوا على الله إلا الحق} فكذا نقول والقول بالقياس حق من الوجه الذي قلناه، ولأن الحق نوعان كالعلم:
أحق ما هو حق من كل وجه ظاهرًا أو باطنًا.
ب وحق عند العبد وليس بحق عند الله تعالى. والمراد به ما عند الله تعالى فيما يرجع إلى الله وصفاته، فأما فيما تعبدنا من أحكامه التي يجوز القياس بها فالمراد به الحق عندنا على ما يأتيك شرحه في باب الاجتهاد، ألا يرى أنه يعمل بخبر الواحد واستصحاب الحال.
وأما الجواب عن استدلالهم بالأخبار فما ذكرنا أن النهي منصرف إلى العمل برأي الهوى عن أن النبي صلى الله عليه وسلم مدح العالمين بكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقياس من كتاب الله وسنة رسوله فإنه قاس وأمر به وعلمه، وأما الجواب عن استدلالهم باختلاف الأحكام: فإن منها ما لا يعقل، ومنها ما يعقل، ونحن لا نستجيز القياس إلا لما يعقل،
(1/272)

وهذا ليتحقق الإسلام لأمر الله تعالى بما لا يعقل، ويتم شرح الصدور بتعليل ما يعقل.
وأما قولهم إن حجج الله موجبة قطعًا؟ فكذلك في إظهار الحق عند الله تعالى فأما حق يلزمنا العمل به فلا كذلك على ما مر، ألا يرى أنا نجعل خبر الواحد حجة ولم يظهر الحق يقينًا إلا على الوجه الذي بلغنا عنه فإنه صار حجة علينا برواية الراوي، وأنها لا توجب إلا غالب الرأي ولا فرق بين الخبر والعلة فإن الخبر أصله حق موجب للعلم بلا تعارض وبلغتنا الأخبار بالرواية متعارضة غير موجبة للعلم قطعًا.
وكذلك الوصف الذي هو علة هو واحد عند الله تعالى موجب للعلم قطعًا، ويبلغنا بآرائنا متعارضة.
فالتعليل منا كالرواية.
والوصف كالخبر.
وكما احتملت الرواية الغلط ولم يجب العمل بها قطعًا احتمل تعليل المعلل الغلط فلا فرق بين الأمرين.
وإنما جعلنا ما ليس بيقين حجة في حقنا كما جعل في مصالح الدنيا ليكون التكليف بقدر الوسع أو بما لا يخرج فيه من لزومنا إصابة ما عند الله في كل الأمور أليس قد جوز التمسك بالأصل الثابت حال عدم الأدلة عندنا، وإن احتمل قيام الليل على زواله إلا أنه لم يبلغنا بعد فثبت أن ترك القول بالقياس خروج على العقل والشرع وعلى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
ثم من نفاة القياس من طعن على الصحابة، وأنه منكر من القول وزور، فغن الله تعالى أثنى عليهم، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "خير الناس رهطي الذين أنا فيهم" والآيات كثيرة في إبانة فضل الصحابة وسبقهم بحيث لا خفاء لها، ولأنا متى اتهمناهم لن تثبت شريعة لأنها لم تبلغنا إلا من قبلهم.
ومنهم من أول فزعم أنهم كانوا مخصوصين بأن جعلت آراؤهم حجة، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخصوصًا بكرامة أن جعل قوله حجة؟.
قالوا: والدليل عليه أنا لا نجيز من أحد بعدهم استعمال الرأي بخلاف النص وهم كانوا يستعملونه وكانت آراؤهم حجة بخلاف النص كرامة لهم على الخصوص فإن السنة كانت للمسبوق بشيء من صلاته أن يصلي ما فاته ثم يتابع الإمام فيما بقي حتى دخل معاذ المسجد وقد سبق بشيء من الصلاة فتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام إلى القضاء فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: يا رسول الله كرهت أن أصادفك على شيء فأخالفك فيه،
(1/273)

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سن لكم معاذ سنة حسنة فاستنوا بها" فهذا معاذ ترك السنة برأي نفسه وحمد عليه.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان خرج لصلح بين الأنصار، فصلى أبو بكر بالناس فقدم رسول الله، وأبو بكر في الصلاة فصفق الناس وأبو بكر لا يلتفت فلما أكثروا التفت فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امكث مكانك فرفع أبو بكر يده وحمد الله ثم استأخر فكان التأخر بالرأي على خلاف الأمر والرفع والحمد بالرأي بخلاف النهي.
وكذلك الإمامة كانت بالرأي وكانت السنة في الإمامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليًا رضي الله عنه بكتاب الصلح عام الحديبية فكتب: هذا ما عهد رسول الله وسهيل بن عمر، فقال سهيل: لو علمنا انك رسول الله ما كذبناك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: امح رسول الله، فقال علي: ما أنا بماح. فمحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فخالف علي رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه، ولم يكن خطأ.
وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة على المنافق فجر عمر رضي الله عنه رداء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمنعه من الصلاة، وإنما فعل برأيه بخلاف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية على موافقة رأيه.
وكذلك حد شرب الخمر ثبت باجتهادهم وإنه باب لا يعرف بالاجتهاد، وهذا القول قريب من الأول لأن شرف الأمة بقدر طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلزمنا بقولنا: إنهم خير القرون، أنهم كانوا أطوع لرسول الله صلى الله عليه وسلم منا.
ومن قال غير هذا كان منكرًا من القول وزورًا، ولم يكن إثبات كرامة لهم، بل كان طعنًا فيهم أشد طعن بلا شك.
فكيف يقال غير هذا وهم كانوا قدوة الأمة بالكتاب والسنة المشهورة فلو جاز لهم الخلاف بالرأي لجاز لنا، بل كان الواجب إذا أجمعنا أنهم خير الأمة أنهم كانوا أشد طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم منا، ولزمنا طلب تأويلات ما تصور خلافًا ظاهرًا حتى يصير طاعة وتعظيمًا باطنًا.
ووجه ذلك من طريق الفقه أن يكون الأمر محتملًا جهة الرخصة أو الإكرام على وجه يجوز ولا يجب، ومحتملًا جهة العزيمة فكان الترك من الصحابي على تأويل جائز الترك به كان تبين له ذلك الوجه بدلالة حال أو بغيرها من الدلالات، نحو صنيع معاذ في متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم مسبوقًا في صلاته لأن النصوص باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم كانت نازلة قطعًا فحمل معاذ ما أمر به من فعل ما سبق به أولًا على الرخصة فإنها أيسر والاتباع عزيمة فكانت سنة حسنة.
(1/274)

وكذلك أبو بكر صلى بالناس ولم يكن نهي عنها لأنه رأى تقديم حق الله تعالى في إقامة الصلاة لوقتها أولى من الانتظار لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تأخر وقد أمر بالتقدم لأن الحالة دلته على أنه أمر توقير وإكرام لا أمر إلزام فرأى توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب فتأخر.
وكذلك علي أمر بمحو اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن علم أنه لم يؤمر به لغلطه فيما كتب بل تيسيرًا لأمر الصلح فرأى الكف وإظهار الصلابة للكفار عزيمة، وما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم رخصة.
ولأن الصلح لا يجوز مع الكفرة إلا لنفع عائد إلى الإسلام والأعود أن يكون صاحب الأمر على سبيل الإحسان إليهم والفضل عن شدة في قومه لا عن ضعف في قومه، وذلك المعنى فيما أبداه علي رضي الله عنه وفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك عمر رضي الله عنه رأى ترك الصلاة على المنافق وإظهار العداوة هزيمة والصلاة وإظهار حسن المعاشرة على قصد تأليف القلب رخصة.
وأما حد السكر فإنما أجمعوا عليه استدلالًا بحد القذف، فإن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: يا أمير المؤمنين إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وإذا افترى لزمه حد الفرية، وحد الفرية ثمانون. فأخذوا بقوله، على أن الإجماع ليس من قبيل القول بالاجتهاد بل يحل الرأي محل النص إذا تأيد بالإجماع، والله أعلم.
وجواب آخر عن كل ما يتصور خلافًا للأمر من حيث أنه لا يوجد له تأويل نحو صنيع موسى صلوات الله عليه حين أخذ بلحية أخيه ورأسه يجره إليه على ما قال الله تعالى: {وأخذ برأس أخيه يجره إليه} وهذا استخفاف ظاهر، وإنه حرام بالمؤمن لا ريب وبالنبي كفر أن موسى أخذ منه نفسه بفرط الحمية لدين الله تعالى، وشدة الغضب في الله تعالى فسقط عنه خطاب الكف عما لا يحل كما سقط بالنوم والإغماء فوقع الفعل هدرًا والحمية محمودة.
وهذا كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخذ منه نفسه حال ما يوحى إليه حتى كان لا يدرك شيئًا إلا الوحي وكان يتراءى للناظر إليه مغشيًا عليه، وكان لا يسرى عنه إلا بعد إبلاغ الوحي إليه فكان يسقط الخطاب عنه وراء حفظ الوحي في تلك الساعة.
وعلى هذا يجوز تأويل صنيع عمر رضي الله عنه في جر رداء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعله في سكر حمية الدين.
وكذلك علي رضي الله عنه.
وكذلك أبو بكر رضي الله عنه كأنه سكر في تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه فغفل عن حد الائتمار فكان معذورًا، وكذلك معاذ أخذته شدة حالة في تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم في اتباعه فغفل عن الأمر الأول كما يغفل الإنسان بالنوم والنسيان فيكون معذورًا ثم نزل
(1/275)

الوحي على موافقة صنيعه لما كان سببه أمرًا محمودًا شرعًا، كما نزل الوحي على موافقة صنيع عمر: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا} ولو تصور لأحد بعدهم مثل هذه الحالة فخالف الأمر فيه عذر، والله أعلم.
(1/276)

باب

القول في أقسام نفاة القياس
نفاة القياس أربعة أقسام:
أ- قسم منهم لا يرى دليل العقل حجة والقياس منه.
ب- وقسم لا يراه حجة إلا في موجبات العقول والقياس ليس من تلك الجملة.
ج- وقسم لا يراه حجة لأحكام الشرع.
د- وقسم لا يراه حجة في الأحكام إلا عند الضرورة، ولا ضرورة لأنا نحكم فيما نص فيه باستصحاب الحالة الأصلية، فيقدم القول باستصحاب الحال على القياس.
وإنه أقرب الأقوال إلى القصد.
فأما القسمان الأولان: فسنذكر وجوه ذلك في أبواب العقليات آخر الكتاب إن شاء الله.
وأما القسم الثالث: فقد أبطلناه في باب إثبات القياس.
وكذلك الرابع لأنا قد بينا رجحان القياس على استصحاب الحال، وبينا أنه حجة أصلية لا حجة ضرورية، والله أعلم.
(1/277)

باب

القول في بيان ما لا بد للقياس من معرفته
للقياس معنى لغة، وركن يقوم به، وشرط لا يعمل به إلا عنده، وحكم يثبت به وهو أثر علمه، ولا بد من معرفتها، لأن الاسم بلا معنى فاسد من الدعوى فلا بد فيه من معرفة المعنى، ولا قوام لشيء إلا بركنه، ولا عمل إلا عند شرطه، ولا يخرج من الفعل عن حد السفه والعبث إلا بفائدته، وذلك حكمه الثابت به.
فأما القياس لغة: فإنه اسم من قاس يقيس، وتفسير قاس الشيء بالشيء، جعله نظيرًا له، يقال: قس النعل بالنعل أي احذه به واجعله نظيرًا للآخر.
وقد يكون القياس مصدر قايس يقايس مقايسة وقياسًا.
ونظير القياس العبرة وهي الأصل الذي يقاس به غيره.
وسمي القياس الشرعي نظرًا لأنه بنظر القلب يصاب.
ويسمى اجتهادًا لأنه باجتهاد القلب أي ببذله مجهوده في معرفة النظير يصير قياسًا.
فأما الركن: فالذي يصير به الفرع نظيرًا للأصل بما تعلق به حكم الأصل لأن القياس والمحاذاة به تقوم.
وركن الشيء ما يقوم به الشيء كأركان البيت اسم لما يقوم به البيت من البناء.
وأما الشرط فما لا يعمل الركن عمله إلا معه لأن الشرط علامة في الأصل على ما يأتيك تفسيره وحده، فتكون العلامة على الشيء ما يظهر عندها لا أن يوجد بها كالشهود في النكاح لا يثبت النكاح موجودًا بهم بل بالإيجاب، والقبول لكن لا يوجد على ما شرع النكاح له إلا معهم.
وكشرط الطلاق علم على وجوده فأما الوجود فمضاف إلى تطليق الزوج، والله أعلم.
(1/278)

باب

القول في بيان الشروط
قال القاضي رحمه الله: نبدأ بالشروط لأن الركن لا يعمل إلا معها وهذا كالرجل يريد النكاح فسبيله أن يبدأ بإحضار الشهود، وكذلك من يريد الصلاة فسبيله أن يقدم الوضوء ويستر العورة.
وجملة شروط القياس الصحيح أربعة.
أن يكون الأصل غير مخصوص بحكمة بنص آخر.
وأن لا يكون الحكم معدولًا به عن القياس.
وأن يتعدى الحكم الشرعي بنص بعينه إلى فرع هو نظيره ولا نص فيه.
وأن يبقى حكم الأصل المعلول بعد التعليل على ما كان قبل التعليل.
أما الأول: فلأنه متى ثبت اختصاص الحكم بنص آخر لم يجز إبطال الخصوصية الثابتة بالنص الآخر بالقياس لأن القياس ليس بحجة في معارضة النص على ما مر.
وأما الثاني: فلأن حكم النص متى ثبت على وجه يرده القياس الشرعي لكنه ترك بمعارضة النص إياه ومجيئه بخلافه لم يجز إثباته في الفرع بالقياس كالنص إذا جاء نافيًا لحكم لم يجز إثباته به، وكذلك لا يجوز إثبات التحريم في عين بنص جاء محللًا إياه.
وأما الثالث: فلأن المقايسة هي المحاذاة بين الشيئين فلا يتصور ثبوتها في شيء واحد ولا إذا لم يكن نظيرًا، ومتى لم يتعد الحكم إلى فرع بقي الأصل وحده، ولا يكون النظر لإثبات الحكم فيه مقايسة فعلمت أن محل المقايسة حادثتان ليسوى بينهما بالمقايسة، ومحل ما ينفعل فيه الأقوال والأفعال شرط لصحتها في كل باب كالحي شرط ليكون صدمته ضربًا، وقطعه قتلًا.
فأما كون الحكم شرعيًا فلأن الكلام مفروض في القياس على أصول ثابتة شرعًا، ولا يعرف بالتأمل فيها ما كانت ثابتة لا شرعًا كما لا يعرف بالتأمل في أصول الشرع أحكام الطب واللغة.
وأما الرابع: فلأن النص فوق القياس فلم يجز استعمال القياس لتغيير حكمه بوجه، ولأن الرأي مشروع حجة بعد النص فلم يبق حجة حيث ثبت فيه النص على سبيل المعارضة بحال ما.
(1/279)

وقال الشافعي: يجوز أن يكون الفرع حادثة فيها نص فيزداد بالقياس بيان ما كان النص ساكتًا عنه، ولا يجوز إذا كان مخالفًا للنص لأن الكلام وإن ظهر معناه يحتمل البيان الزائد ولا يحتمل الخلاف فيبطل القياس إذا جاء مخالفًا.
وقال أيضًا: يجوز تعليل النص بالرأي بما لا يتعدى حكمها إلى فرع ومثل هذا التعليل لا يكون مقايسة.
وعندنا لا يجوز متى لم يكن مقايسة ولم يتعد فإذا صار من شرط صحته تعليل النص أن يتعدى حكمه إلى فرع لا نص فيه عندنا.
وعنده لم يكن شرطًا وتبين بهذا الحد أن حكم العلة عندنا تعدي حكم النص إلى الفرع.
وعنده تعلق الحكم في النص المعلول بتلك العلة لا التعدي واحتج بأن العلة المستنبطة بالرأي نوع حجة من حجج الله تعالى لوجوب العمل بها على ما مر.
والحجج الشرعية اسمًا لما تعلق وجوب الأحكام التي ابتلينا بإقامتها بها فكذا العلة يجب أن تكون اسمًا لما تعلق وجوب الحكم بها إلا أنا كنا لا نقف عليها بالنص ووقفنا عليها بالرأي.
وإذا وقفنا وجب تعليق الحكم بها ولزمنا أن نعرفها علة بهذا الحكم لا بالتعدي.
ولأن الوصف من بين الجملة إنما يصير علة للنص إذا تعدى بدليل أوجب التمييز بينه وبين سائره لا بالتعدي.
ومتى قام ذلك الدليل بعينه ثبت الوصف علة فإن تعدى كان عامًا وإن لم يتعد كان خاصًا فإن لم يقو بأن كان خاصًا لم يبطل كالنص قد يكون خاصًا وقد يكون عامًا ولا يضعف بكونه خاصًا.
والجواب عنه وهو الحجة لنا: أن التعليل إنما يصار إليه ليكون حجة زائدة بعد النص، وحجج الله تعالى إما أن تكون حججًا لإيجاب العلم أو لإيجاب العمل والتعليل بالرأي لا يكون حجة موجبة علمًا.
وإنما يصير إليه لفائدة العمل فإذا لم يتعد لم يفد عملًا فيما لم يتناوله بالنص، ولا فيما تناوله النص لأن النص فوق العلة.
ولأنه بالإجماع لا يجوز تغيير حكم النص المعلول بعلته فإذا لم يتغير وبقي الأول بعينه والنص فوقه في الإيجاب وجب إضافة الحكم فيما تناوله النص إليه دون العلة، وإذا لم يبق لها حكم لغت.
فإن قيل: يثبت بها اختصاص الحكم بالنص فالنصوص ضربان: ما يقاس عليه غيره، وما يختص الحكم به.
(1/280)

قلنا: هذه الفائدة حاصلة متى لم يعلل النص وعلق الحكم بعين النص، ولأن تعليل النص بعلة خاصة لا يمنع التعليل بعلة أخرى عامة كما يجوز التعليل بعلتين متعديتين أحدهما أكثر تعديًا من الأخرى دل عليه أن عدم العلة لا يوجب عدم حكمها على ما تأتيك المسألة، وإذا لم يوجب العدم لم يوجب قصر الحكم بوجودهما فلا يثبت ما ادعيت.
فإن قيل: تبقى العلة لإفادة معرفة الحكمة من المشروع.
قلنا: الحكمة مقصورة فيما ابتلينا بها من الأحكام على العاقبة التي بها تثبت حكمة التخليق والاستعباد، وهي من باب العلم والاعتقاد لا من باب العمل، والرأي لا يوجب العلم وإنما يصح القياس لبيان حكمة يتعلق بها العمل فيلغو، إلا على سبيل أن يقال يحتمل أن يكون لحكمة كذا.
ويحتمل كذا فيخرج عن حد الحجة وبهذا الحد يفرغ المرء عن التكليف بمعرفة كثير من الأدلة المنقولة من أخبار الآحاد والنظر بأغلب الرأي فإنهما ليسا بحجة في إفادة العلم.
فمتى لم ترد موجبة عملًا وجب الإعراض عنها بالنظر فيما كلفنا العمل به أو فيما يفيد العلم.
ومثال ما لا يتعدى من العلة تعليلهم الذهب بالذهب مثلًا بمثل بالثمنية، فإنها لا تعدو الذهب والفضة والشرع نص عليها.
وأما الفصل الثاني وهو التعدي إلى حادثة منصوص عليها فلأنا إن عدينا إليها حكم ذلك النص بعينه فما أفاد التعليل شيئًا فأشبه الذي لا يتعدى.
وإن عدينا حكمًا يخالفه بأصله لم يجز بالإجماع لأنه رفع لحكم النص بالقياس.
وإن عدينا حكمًا بوصف زائد فهو أيضًا تعرض لحكم ذلك النص بالرأي.
وكما لم يجز أن يتعرض لحكم النص المعلول بالرأي بتغيير وصف أو زيادة وصف أو تخصيص لم يجز التعرض لحكم النص الآخر بمثله لأنهما مثلان ولأن النص أولى بالعمل به من القياس.
ولأنا متى زدنا على حكم النص زيادة لم يتناولها النص كان بمنزلة النسخ والرفع على ما مضى وأنه في الحقيقة يبتنى على تلك المسألة فالزيادة عنده بيان، وعندنا نسخ وهو من جملة ما جوز تخصيص العام بالقياس والمسألة قد مرت.
وأما التخريج على الشروط المتفق عليها بأن نقول: أما فصل الحكم المخصوص بالنص فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بشهادة خزيمة وحده، وكان مخصوصًا به وقد اشتهر بين الصحابة بهذه الفضيلة وبدليل أن كتاب الله تعالى قصر تفسير الاستشهاد الذي شرعه حجة على الشاهدين، وفسر أنهما رجلان أو رجل وامرأتان فيصير قبول شهادة خزيمة، وحده مخصوصًا لأن النص يرده في غيره.
(1/281)

وكذلك حل تسع نسوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى قصر الأمر في الأمة على الرباع.
وكذلك حل البضع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغير مهر بقوله: {خالصة لك من دون المؤمنين} هذه متفق عليها، وجواز النكاح بلفظ الهبة ثابت عندنا استدلالًا بنكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعند الشافعي لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصًا به بقوله: "خالصة لك من دون المؤمنين".
وتفسيرها عندنا: هبة خالصة لك بلا عوض، أو نفسها خالصة لك لا تحل لغيرك بعدك، لأن الخصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما تصح شرعًا بما فيه ضرب كرامة ولا كرامة في الاختصاص بالتكلم بلفظ دون لفظ، وإنما الكرامة في أن لا يجب المهر ولا تحل هي لغيره.
وكذلك كل حكم جاز رخصة لعذر يختص به ولم يجز تعديه بالرأي كحل الميتة عند الضرورة.
وجواز السلم بأجل فإنه لا يجوز تعليله لأنه بيع سلم فيجوز حالًا كبيع العين بدراهم لأن الأصل الثابت شرعًا حرمة بيع الشيء ما لم يكن عينًا مملوكًا مقدورًا على تسليمه كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان".
وكذلك بالإجماع من باع شيئًا ثم اشتراه وسلم لم يجز وإنما جاز السلم وهو بيع ما ليس في ملكه ولا في يده، ولا عين رخصة لعذر العدم على ما روي ورخص في السلم وذلك لأن المعدم يحتاج إلى النفقة ولا يجد عينًا حاضرًا، وربما يكون بحيث يأتيه البيع في الثاني على ما عليه عادات الناس فلو لم يجز له بيع ما يأتيه لحرج وبقي في عذاب العدم فرخص الشرع له البيع سلمًا لعذر العدم.
ورخص بأجل لأن المعدم لا يقدر على التسليم إلا باستحداث سبب الملك فيما باع، وبسبب عجزه في الحال جوز البيع سلمًا فأبيح بأجل ليتمكن من ملك ما باع فيه على ما عليه تبدل الأحوال في الوجود باختلاف المدد فاختص الجواز بالأجل الذي هو الممكن إياه من التسليم حين وجوب التسليم بالعقد ومانع للعقد من إيجاب التسليم حال العدم فالعجز عن التسليم حال الوجوب بالبيع مفسد للبيع.
وكذلك المنافع جعلت أموالًا كالعيان في التجارات، ولم تجعل عندنا كذلك في الإتلاف والغصب وكانت ماليتها معادلة لمالية الأعيان مخصوصة بالتجارات عندنا لأن
(1/282)

الأصل فيها أن ماليتها دون مالية الأعيان بدرجات لأن المنافع أعراض لا تبقى زمانين والأعيان جواهر تبقى أزمنة، وتفاوت ما بين الجوهر والعرض بحيث لا يخفى.
وكذلك ما يبقى وما لا يبقى إلا أن الشرع سوى بينهما في التجارات لحاجة الناس إلى المنافع حسب حاجتهم إلى الأعيان لإقامة المصالح وتعذر وصول المحتاج إلى المنفعة إلا بمال هو عين وهذه الضرورة غير ثابتة في الإتلافات لأنه منهي عنها، والسبيل أن لا توجد فلم تلتحق في حق الإتلاف بالعين وكذلك جواز بيع المنفعة قبل الوجود، والملك ثابت لضرورة أنها لا تبقى موجودة فلا يمكن بناء البيع على الوجود وهذه الضرورة معدومة في الأعيان، فصار حكمها مخصوصًا بموضع الضرورة.
وأما فصل الحكم المعدول به عن القياس فنحو بقاء الصوم مع الأكل ناسيًا للصوم لأن الصوم عبارة عن الكف عن الأكل والشرب والجماع، فإذا جاء الأجل ذهب الكف عنه فينعدم الأداء والعبادة قط لا تتأدى بلا أداء عقلًا ولا شرعًا كتارك الصلاة والحج والزكاة بعذر أو بغير عذر فصار الحكم أنه مؤدي صومه مع عدم الأداء حكمًا معدولًا به عن القياس.
فلم يجز قياس المكره، والمخطئ عليه وهم أغيار.
ولا قياس الصلاة والحج على الصوم وهن أغيار.
وجوزنا إبقاء الصوم مع الجماع ناسيًا والنص لم يرد فيه لأنه من جنس الأكل من حيث إذهاب الأداء فالصوم تأدية بالكف عن اقتضاء شهوتي بطنه وفرجه في الحقيقة وذهاب الصوم باقتضائهما بطريق فوت الأداء الذي هو ركن العبادة فكانا جنسًا واحدًا.
وإن اختلف الاسمان كالأكل والشرب جنس واحد في حق الإفطار، وإن اختلف الاسمان وحز الرقبة وشق البطن باب واحد في أنهما قتل وإن اختلف الاسمان.
وكذلك خروج دم الاستحاضة لا يكون حدثًا في الوقت لضرورة الدوام وثبت في حق سلس البول لأنه من حيث أنه حدث باب واحد.
فإن قيل: وكذلك الأكل والشرب خطأ وناسيًا جنس واحد في أن الآكل ما قصد الفطر بأكله.
قلنا: ويجب أن يثبت أولًا أن حكم الفطر يسقط من الناسي لأنه لم يقصد الفطر وليس كذلك فالذي أغمي عليه ولم ينو الصوم لا يكون صائمًا، وما قصد ترك الصوم ولما ذكرنا أن إثبات الأداء بلا أداء خلاف الرأي فلا يثبت إلا بالنص والثابت بالنص ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن الله أطعمك وسقاك" أي هو الذي ألقى النسيان عليك حتى أكلت
(1/283)

بذلك السبب، ولم نجد في المخطئ لأن الخطأ جاء من قبل الصائم بأن قصد المضمضة فسبق الماء حلقه أو من جهة المكره وما يكون مسقطًا من قبل صاحب الحق لا يدل على أنه يكون مسقطًا من قبل غيره.
ألا ترى أنه يسقط أصلًا بالمرض ولا يسقط أصلًا بمنع المكره عن أصل الصوم أو أصل الصلاة فصار حد ما لا يعقل سببه بالقياس أن يثبت شرعًا بخلاف ما يوجبه العقل في نفسه، والقياس على سائر أصول الشرع فإنه متى ثبت على قياس ما ثبت شرعًا صار معقولًا بالرأي الذي أوجبه الشرع.
والقياس الشرعي بمثله يكون ومن هذا القبيل قياس من ذبح وترك التسمية عمدًا على من ترك التسمية ناسيًا لأن التسمية شرط الحل.
وإنما أحللنا ذبيح من ترك ناسيًا بالحديث على أنا جعلناه مسميًا حكمًا بخلاف القياس كمسألة الكل في الصوم ناسيًا سواء.
ومن الناس من ظن أن المستحسنات من هذا السبيل، وليس كذلك فمن المستحسنات ما هو قياس محض لكنه خفي على ما بيناه في آخر الكتاب.
ومن الناس من ظن أن الأصل الواحد إذا عارضه أصول بخلافه كان الواحد بحكمه معدولًا به عن القياس، وليس كذلك، لما ذكرنا أن حد المعدول عن القياس أن يجيء بخلاف ما يوجبه العقل والقياس الشرعي والعقل لا يوجب أن يكون للفرع أصول حتى يعلل بعد ذلك، ولا القياس الشرعي يوجب ذلك.
وهذا لأن الأصل بمنزلة راوي الحديث على ما يأتيه بيانه، والوصف الذي يجعله علة بمنزلة الحديث ورواية الحديث تصح من راوٍ واحد إلا أن الأصول إذا كثرت ربما أوجبت ترجيحًا عند المقابلة كالخبر يكثر رواته في مقابلة حديث يشد روايته فثبت أن المعدول به عن القياس إنما يعرف بالحد الذي بيناه.
ومن جملة ذلك حديث الأعرابي الذي واقع امرأته في نهار رمضان فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يكفر به فذكر حاجته إليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كله وأطعمه عيالك" لأن التكفير إنما يكون بما يقع عليه من بدني أو مالي لا بما يقع له والله أعلم.
وأما فصل تعدي الحكم، ففصل عظيم الفقه، عزيز الوجود ومثاله فيما قال الشافعي: إن كفارة اليمين تجب بالغموس قياسًا على المعقودة لأنها يمين بالله تعالى مقصودة لأن التعليل لم يقع لتعديه حكم المعقودة إليها، وهو الكفارة المشروعة بل لتعدية اسم اليمين الثابت لغة.
(1/284)

وبيان ذلك أنا أجمعنا أن كفارة اليمين لا تجب بغير اليمين، واختلفنا في الغموس أيمين حقيقة أو يمين تسمية مجازًا كبيع الحر وطلاق الأجنبية فقلنا نحن أنها ليست بيمين حقيقة بل هي يمين تسمية مجازًا فكانت غير اليمين حقيقة كبيع الحر وطلاق الأجنبية، فلا تجب كفارة اليمين بما ليس بيمين، ولم يجز إثبات اسم اليمين وهو اسم لغوي بالقياس الشرعي بل يجب تعرفه من طريق لسان العرب، فيقال أن اليمين عقد على الخبر لتحقيق الصدق منه وضعًا وشرعًا، فلا يكون محله إلا الخبر المحتمل للصدق ليستحضر باليمين صدقه.
فأما الكذب الذي لا يحتمله فلا يكون محلًا كالبيع لما شرع لتمليك المال لم يكن الحر محلًا.
وكالطلاق لما كان قطع ملك النكاح إما عاجلًا وإما آجلًا لم تكن المرأة التي لا نكاح لها ولا عدة نكاح محلًا.
وكذلك أبو حنيفة رضي الله عنه أبطل قياس اللواطة على الزنا في إيجاب الحد لأن حد الزنا لا يجب إلا بالزنا فالتعليل يقع لإثبات الاسم، وأنه اسم لغوي وكذلك لا يجوز تحريم المثل الشديد بالقياس على الخمر من طريق إثبات اسم الخمر له بالقياس بعلة أنه مسكر لأن اسم الخمر اسم لغوي.
فإن قال قائل: أنا نثبت الاسم بمعناه لغة لا شريعة، فالزنا اسم لجماع يقصد به سفح الماء دون الولد، وقد وجد في اللواطة، والخمر اسم لما يخامر العقل.
قلنا: إن الأسامي في الأصل إعلام على المسميات سواء كانت اسمًا للأعيان، أو للأفعال فلم يجز إثباتها بمعناها القائم في المسميات، وقد وضع الاسم لتعريف المسمى بعينه لا بمعناه كاسم الجبل والعظم والخنفسات، وما لا يعقل لها معنى وليس إيجابنا كفارة الفطر بالجماع على الأكل إيجابًا بالقياس لأن تلك الكفارة ليست بكفارة جماع بل هي كفارة إفطار الأكل والشرب والجماع من حيث إيجاب الفطر باب واحد لما ذكرنا أن الصوم إنما يتأدى بالكف عن اقتضاء الشهوتين.
والفطر بالاقتضاء يقع من حيث إعدام الكف، فكان الباب واحدًا من حيث الآلات.
وإنما تختلف أسماء ما يقع به الفطر كالقتل باب واحد بأي آلة قتل المقتول إذا استوت الآلات في إيجاب ما يكون قتلًا.
وقلنا: إن إيجاب الكفارة بجماع الميتة والبهيمة إيجاب بالقياس لأنه من حيث اقتضاء الشهوة باب واحد لن المحل غير مشتهى طبعًا، وكان بمنزلة الاستمناء بالكف أو في شقاق الفخذ.
وإنما يسمى جماعًا مجازًا بالصورة كيمين الغموس فيكون الإيجاب به من غير إثبات الاسم ساقطًا.
(1/285)

ويكون التعليل والقياس الشرعي لإثبات الاسم ساقطًا بل يجب معرفته بمعنى اللغة في أن اقتضاء الشهوة لا يتصور إلا بمحل مشتهى لذلك الباب، وكذلك لم يوجب القطع على النباش لأنه حد والنص ورد باسم السرقة وعدم الاسم فيه بمعناه لأن السرقة اسم للأخذ مسارقًا عين صاحبه، وإنه لا يتصور في الكفن لأن صاحبه الميت.
وسقط القياس الشرعي لإثبات الاسم ولا قطع بالإجماع بدون اسم السرقة، وهذا لأن الأسماء ضربان: حقيقة ومجاز.
وسبب الحقيقة وضع الواضع وإنه لا يعرف إلا بالسماع.
وسبب المجاز استعارة العرب الاسم لاسم بطريق ثبت لسانًا لهم فلا يعرف طريق استعمالهم اللغة بالشريعة والنظر في أصولها بل يعرف بالنظر في كلام العرب واستعمالهم.
ومن هذه الجملة الكلام في أن ألفاظ الطلاق هل تصلح كناية عن العتاق أم لا ولفظ التمليك هل يصلح كناية عن النكاح أم لا، وإذا قال أنت طالق ونوى ثلاثًا يصح أم لا؟ وإذا اختلف الشاهدان بالمال بالمائة والمائتين أتقبل على المائة أم لا؟
لم يجز إثبات شيء منها بالقياس الشرعي لأن احتمال طالق الثلاث وعدم احتماله، وصلاح اللفظ كناية عن آخر ليس بحكم شرعي بل هو لغة، فلا تعرف معاني اللغة إلا بالنظر فيها دون القياس الشرعي، فهذا كله من جنس ما لا يعقل بالقياس الشرعي وقد تكلموا في هذه المسائل بأقيسة شرعية وما تكلموا إلا لقلة النظر فيما هم فيه.
فإن قيل: والفقهاء قد تكلموا في باب الحدود والإيمان بالقياس!
قلنا: ما تكلموا بالقياس لإيجاب حد به ولا لإثبات اسم، وإنما تكلموا لبيان الشبه المسقط للحد مع تحقق أسبابها فإنها مما يسقط بالشبهات وسقوط الحد ليس بحد فصحت المقايسة لتعدية السقوط من محل إلى محل آخر لاجتماعهما في الشبهة.
ومن هذه الجملة تعليلهم الرقبة الواجبة في القتل إنها تحرير في تكفير فكان الإيمان شرطًا فيها ثم التعدية إلى كفارة اليمين والظهار.
لأنهم بهذا التعليل يتعرضون للكفارة الواجبة باليمين والظهار نصًا في أنه تحرير رقبة مطلقة، أو موصوفة بالإيمان، وزيادة الوصف بمنزلة زيادة القدر ولما كان تعرضًا للحكم الثابت نصًا امتنع.
ألا ترى أنه لم يجز لجعل الإطعام إطعام ستين مسكينًا، ولا الصوم ستين يومًا.
ولما ذكرنا أن من شرط صحته أن نعدي حكم النص من غير تعرض للحكم الثابت نصًا بوجه.
وكذلك قولهم حد الزنا لا يوجب رد الشهادة بعد التوبة لأنه حد في كبيرة وأثبتوا
(1/286)

هذا الحكم في حد القذف هذا تعرض لحكم حادثة القذف الثابت نصًا فإنا نقول: حده الجلد وتحريم قبول الشهادة وعندكم حد الجلد لا غير، والشهادة لا تقبل لفسقه كفاسق لم يقذف، وأنت بهذا التعليل تريد أن تنقص حد القذف عما أوجبه النص فلم يجز إثباته بالقياس بل سبيلك إن أنكرت أن تتأمل في نص هذه الحادثة دون القياس.
وكذلك قولهم: كفارة الإطعام لا تصح إلا بالتمليك قياسًا على الكسوة لأنه ضرب تكفير يقبل التمليك لأن الاختلاف وقع في قدر الواجب بنص التكفير.
فقلنا نحن: إنه هو الإطعام بلا قيد التمليك.
وأنت تقول إنه واجب بهذا القيد فكان كاختلافنا في التحرير أنه تحرير رقبة مطلقة أم مقيدة بالإيمان، وهذا كما لم يجز إثبات مقادير أعداد الركعات بقياس بعضها على بعض.
وكذلك قولهم: إن الحرمة بين المتلاعنين تجب بلعنات الزوج من هذا القبيل لأن اللعان واجب بالرمي بنصه كحد القذف، وإنها شهادات مؤكدة بالأيمان مزكاة باللعنة محرمة للاجتماع بعد التلاعن منهما بالسنة "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا" فكان إيجاب الحرمة بلعنات الزوج زيادة في الحكم وكذلك زوال الملك بعد التلاعن لا يجب إلا بالقضاء لأن الثابت بالنص: "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا" وحرمة الاجتماع مما تثبت مع قيام الملك.
كما إذا أسلم أحد الزوجين فلا نزيد زوال الملك بالقياس فيكون تعرضًا لحكم النص بالزيادة، بل نوجبها بعد الحرمة لفوات الإمساك بالمعروف بحرمة الاجتماع أبدًا إذا أصرا على هذه الحالة كما أوجبناها في إسلام أحد الزوجين، وإباء الآخر فلا يكون حينئذ من الحد الواجب باللعان.
وكذلك الملاعن إذا أكذب نفسه بعد التفريق حلت المرأة له، لأن الشرع أثبت حرمة الاجتماع أبدًا على المتلاعنين وهو بالإكذاب نفسه خرج عن التلاعن ألا ترى أنه يقام عليه الحد الأصلي، وهو حد القذف وإنه لا يجب مع اللعان.
وألا ترى أن حرمة الاجتماع أبدًا ثابت باللعان قبل قضاء القاضي، ولو أكذب نفسه قبل القضاء حلت له بسقوط اللعان حكمًا في حق الزوج وعود الأمر إلى حال لعان أحدهما دون الآخر فمن أوجب بالقضاء حرمة مؤبدة مضافة إلى اللعان صار متصرفًا في حكم اللعان فلا يجوز بالقياس.
وظن مخالفونا أنا تعرضنا لحكم النص بقولنا إن حقوق الله تعالى المالية تتأدى بالقيم، قالوا: لأن النص عين مالًا باسمه وأنت بالتعليل تبطل التعيين.
(1/287)

وكذلك جعل الأصناف السبعة مستحقين للصدقات وأنت بالتعليل أبطلت الاستحقاق.
وكذلك النص عين التكبير للتحريم بالصلاة وأنت بالتعليل تبطل التعيين وعين الماء لإزالة النجاسة وأنت بالتعليل تبطل التعيين لأن الاختلاف بيننا وبينه وقع في معرفة حكم النص.
فقلنا نحن بالنصوص التي أوجبت الحقوق المالية لله تعالى وجبت لله تعالى بأسمائها الثابتة بالنص.
ونحن بالتعليل لم نغير الواجب لله تعالى فالواجب لله تعالى شاة من النصاب قبل التعليل وبعده غير أنا قلنا: ما يجب لله تعالى يجب الإخراج إليه كالصلاة وحقوق سائر المستحقين ولا يجب الإخراج إلى غير المستحق إلا بسبب آخر فعلمنا أن الصرف إلى الفقير وجب بأمر صاحب الحق وهو الله تعالى، فأمرنا الله تعالى بالصرف إليهم بأرزاقهم التي استحقوها من عطاء الله تعالى وفضله فصاروا مصارف لما وجب الله تعالى يتأدى بالصرف إليهم لا مستحقين وهم مصارف بأجمعهم قبل التعليل وبعده.
وإنما حقهم في أرزاقهم بجنس المال، وتصير لهم الزكاة إذا قبضوها بحقهم.
وإذا كان كذلك صارت هذه الأموال الواجبة بأسمائها صالحة لقضاء حق الفقير في رزقه بها لا أنها صارت واجبة لهم قبل الأخذ، وهي بعد التعليل صالحة كما قبل ذلك فما تعرضنا بالتعليل للحكم بالتغيير بل عديناه إلى غير المنصوص عليه.
وكذلك أركان الصلاة أفعال أعضاء البدن ومن جملة الأعضاء اللسان فكان الركن فعلًا منه سمي ذكرًا وثناء.
والتكبير كلمة صالحة لأداء هذا الحكم به وبعد التعليل بقي صالحًا عينًا كذلك.
وكذلك الواجب في الغسل تطهير الثوب بإزالة النجاسة عنه لا استعمال الماء والماء آلة صالحة للإزالة، وبعد التعليل بقي صالحًا كذلك عينًا وهذا كما أمرنا الشرع بالاستنجاء بثلاثة أحجار وحجر واحد له ثلاثة أحرف يقوم مقامها لأن الواجب إزالة النجاسة عن الموضع لا استعمال الحجر لنفسه فلم تصر الحجارة مستحقة الاستعمال بل صارت آلة بالنص وبعد التعليل بقيت آلة.
ومن هذا القبيل أنا متى اختلفنا من صوم يوم النحر أهو صوم أم لا، أو في صلاة الظهر يوم الجمعة قبل الجمعة مع وجوب الجمعة وبيع الربا أهو مشروع أم لا؟ لم يجز التكلم فيها بالقياس الشرعي لأن الخلاف ثابت في معرفة حكم النهي أنه بأي قدر يعمل.
والنهي لغة كالأمر فلا يعرف حكمه بالقياس الشرعي.
(1/288)

وكذلك إذا اختلفنا في حكم النكاح المملوك للرجل على المرأة أنه في حكم ملك العين أو المنفعة لم يجز إثباته بالقياس لأنه ملك عرف ثبوته شرعًا بخلاف القياس لأن المرأة بعينها وأجزائها، ومنافعها لها بعد العقد كما كانت قبله فكان إثبات الملك عليها من غير إمكان الإشارة إلى شيء منها شرعًا حكم معدول به عن القياس فلا يعرف بالقياس على ملك ثابت بالقياس لأنهما غيران، وكان بمنزلة إباحة الميتة عند الضرورة من إباحة الذكية ولكن يجب التأمل في الدليل الذي أوجبه.
ولأن من شرطه أن يكون الفرع نظيرًا للأصل في الحكم الذي وقع التعليل له.
والنكاح عقد تمليك لا نظير له من سائر التمليكات لأن سائره ما شرعت إلا في الأموال التي خلقت محلًا لملك الآدمي، وهذه شرعت في الحرة التي خلقت مالكة لا محلًا للملك ولا تباين في حكم الملك أكثر من أن يكون أحدهما محلًا للملك والآخر لا.
وكذلك إذا اختلفنا في حكم الرهن أنه يد تثبت للمرتهن في حكم يد الاستيفاء الحقيقي أو حق بيع بالدين.
واليد شرط لتتميم السبب عاملًا، كاليد في الهبة بها يتم.
وحكمها إيجاب الملك للموهوب له صلة لم يجز إثباته بالقياس لأن العقود ليست بنظائر.
وكل عقد شرع أو وضع لمقصود على حدة شرعًا ولغة فلا يعرف حكمه بالقياس على غيره بل بالتأمل فيه كما لا تعرف معاني اللغة بالقياس الشرعي والتأمل يوجب ما قلناه.
لأنه شرع وثيقة لما لصاحب الدين من حق الاستيفاء دون تأكيد الوجوب لأن الوجوب يختص بالذمم.
والاستيفاء بالمال وهو مشروع في المال الصالح للاستيفاء من ماليته ومعناه فعلم أنه مشروع وثيقة لجانب الاستيفاء.
والاستيفاء مخصوص ثبوته باليد فيزداد بالوثيقة اليد التي تثبت بها الحقيقة لتصير الحقيقة موثقة بما ازداد كالكفالة لما كانت وثيقة لجانب الوجوب ازداد بها شغل ذمة هو في حكم الذمة الأصلية بالمطالبة التي يتوصل بها إلى الواجب في الذمة الأصلية من غير تغير وقع في الأصل فكذلك هذا.
ومنها قولهم: المعتدة عن طلاق بائن لا يلحقها الطلاق لأنها بائنة فأشبهت المنقضية عدتها لأن الخلاف بيننا وبينهم في أنها هل تبقى محلًا للطلاق بالعدة عن النكاح أم لا وقد
(1/289)

عدمت العلة في الأصل المعلل.
وكذلك قولهم: إن إسلام المروي في المروي جائز لأنهما ثوبان فصار كالمروي في الهروي.
لأن الخلاف بيننا وبينهم في أن الجنس علة لتحريم النساء أم لا وقد عدم في الأصل المعلول وكان التعليل لغير ما وقع فيه الخلاف ولأن النافي منكر أن يكون ما ادعاه المدعي مشروعًا وما لم يشرع لا يكون حكمًا شرعيًا ليمكن إثباته بالقياس.
وكذلك قولهم: الطلاق البائن لا يقطع الرجعة قياسًا على الطلاق المطلق لأنه طلاق بلا عوض لأن الخلاف بيننا وبينهم أن صفة الإبانة مملوكة للرجل بالنكاح أم لا؟
عندنا: مملوكة صفة للطلاق.
وعندهم: لا، وهذا الحكم وهو أنه غير مملوك له غير ثابت في الأصل ليصح التعليل لتعديته إلى الفرع بل إنما لم تنقطع الرجعة في الأصل لأنه سكت عن الإبانة القاطعة لا لأنه لم يملكها.
وكذلك الإجارة لا يجوز قياسها على البيع في إيجاب ملك المنفعة للحال لأن محل الملك قائم في البيع قابل للملك فلم يتأخر عنه، والمحل في باب الإجارة معدوم غير متصور ملكه قبل وجوده.
ومنها ما ذكرنا أن المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض فمتى وجدت في الفرع نصًا يمكنك العمل به من غير أن تقيسه على أصل آخر كان القياس فاسدًا لعدم شرطه على ما مر، وقد مرت لها أمثلة ونزيدها ههنا إيضاحًا.
فنقول: لا يجوز قياس القتل عمدًا على القتل خطأ في إيجاب الكفارة لأن كل حادثة منصوص عليها.
ولا قتل المسلم في دار الحرب قبل الهجرة إلينا على المسلم في دارنا في إيجاب ضمان الدية لأن كل حادثة منصوص عليها.
ولم نستجز قياس المحصر على المتمتع في إيجاب الصوم بدلًا عن الهدي عند العدم، لأن كل حادثة منصوص عليها ولم نستجز قياس المطلقة التي لها مهر مسمى على التي طلقت قبل الدخول بلا فرض مهر في إيجاب المتعة لأن كل حادثة منصوص عليها، إلى أمثلة كثيرة لئلا يلتبس الطريق على المتأمل.
وأما الفصل الرابع: فمثاله، ما قلنا إن الماء إنما طهر الثوب النجس لأنه مزيل لما هو نجاسة جاورت الثوب.
والخل بمنزلته فتعدى الحكم إليه وهو إيجاب الطهارة.
(1/290)

ثم قلنا إن الماء طهور لأعضاء المحدث في حق الصلاة دون الخل، لأن هذه الطهارة لم تجب بإزالة النجاسة بل وجب باسم الماء عرف طهورًا في حقها بالنص فلم تتعد إلى الخل.
وتعليلنا بالإزالة لم يوجب قصر الحكم على العلة في النص بل وجب الحكم بالطهارة باستعمال الماء بالماء المنصوص عليه كما قبل التعليل، ووجب في الفرع بالعلة ليعلم أن التعليل ليس إلا لتعدية الحكم إلى ما لا نص فيه، وإنه لغو اعتباره مع النص سواء كان النص في الفرع أو الأصل المعلول.
فإن قيل: أليس عللتم خبر الربا بالكيل وخصصتم به القليل، والنص جاء باسم الحنطة بالحنطة من غير تخصيص.
قلنا: إن النص جاء بالحنطة هي مثل بمثل كيل بكيل لا بحنطة مطلقة لأن قوله: "كيل بكيل" تفسير لما ذكرنا من الحنطة بالحنطة، ولا يتصف بالكيل القليل، وكثير من الإشكالات تزول بمحافظة ما قلنا: إن النص وإن علل بعلة صحيحة فالحكم في الأصل المعلول لا يجب بالعلة بل بالنص كما قبل العلة فيثبت مع انعدامها باسم النص على ما بينا فلا يكون ذلك قدحًا في العلة لجواز بقاء حكم العلة مع انعدامها بعلة أخرى، فكذلك جاز بقيام النص.
بل الممتنع الفاسد ما قاله الشافعي أن خبر الربا معلول بالطعم، والربا في النص ففضل ذات بقدر الكيل لأنه قال صلى الله عليه وسلم: "الحنطة بالحنطة مثل بمثل كيل بكيل والفضل ربا" والفضل بعد المساواة كيلًا بكيل لا يكون إلا بفضل أحدهما على الآخر بكيله أو نقصانه عنه وبعلة الطعم يحرم فضل من حيث أجزاء الذات والصورة لأنه يتعدى إلى ما لا يكال فلا يتصور فيه فضل ذات بقدر الكيل.
وما روي أنه نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا سواء بسواء تحريم يسقط بالتسوية بينهما والتسوية بين الشيئين إنما يكون بالتصرف في أحدهما لأن المفاضلة بين الشيئين في قدر الكثرة لا تكون إلا بزيادة أحدهما على الآخر.
فالتسوية لا تقع إلا برفع تلك المفاضلة، وذلك بنقص الزائد أو زيادة الناقص فصار الحكم وهو الحرمة حرمة تزول بالتصرف في أحد العوضين بنقصان أو زيادة، وهو بالتعليل بالطعم يعدي حرمة إلى فروع لا تزول بالتصرف في أحدهما فلم يعد حكم النص بعينه بل غير وصفه وأنه فاسد بلا خلاف فثبت أن النظر في شروطه صحة التعليل وخاصة في الحكم باب عزيز الوجود كثير الفقه وإن من وفق للنظر في هذه الشروط وسبر العلل بها وجد أكثر علل الأحداث هباء، والله أعلم.
(1/291)

باب

القول في ركن العلة
ركن العلة: ما جعل علمًا على حكم النص من جملة ما اشتمل عليه اسم النص، وجعل الفرع نظيرًا له في حكمه بوجوده فيه كما وجد في الأصل.
لأن العلة به تقوم فكان ركنًا.
وإنه يجوز أن يكون وصفًا لازمًا أو عارضًا أو اسمًا أو حكمًا.
ويجوز أن يكون عددًا واحدًا أو عددين وأعدادًا لا تعمل حتى ينضم البعض إلى البعض.
ويجوز أن تكون العلة في النص وفي غيره، وذلك لأن العلة إنما تصير علة بدلالة أثرها في الحكم على ما نبين، والتأثير متى ثبت لضرب من هذه الضروب كان علة ويجب العمل بها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة: "إنه دم عرق انفجر، توضئي لكل صلاة" فقوله إنه دم عرق انفجر تعليل، والدم اسم علم وانفجر صفة عارضة، وقال للتي سألته عن الحج عن أبيها: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يجزيك؟ فقالت: نعم. فقال: فدين الله أحق" علل بحكم آخر لحكم سئل عنه لأن قولنا دين عبارة عن ثابت في الذمة وذلك بالوجوب وإنه حكم.
وقال علماؤنا: بيع المدبر باطل، لأن عتقه تعلق بمطلق موت المولى فأشبه أم الولد والتعلق حكم.
وقالوا: الزكاة تجب في الحلي لأن الذهب والفضة أثمان وله وصف لازم لا عارض لأنهما لم يخلقا إلا أثمانًا. وأما قولنا بجواز أن يكون في النص فظاهر لأن النص هو المعلول.
وأما قولنا: يجوز أن يكون في غيره فنحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم" فالرخصة معلولة بإعدام العاقد وإنه غير مذكور في الرخصة، ونهى عن بيع الغرر لعجز البائع عن تسليمه أو جهالة المبيع ولا ذكر لهما، وقال: "لا تنكح الأمة على الحرة".
(1/292)

وعلل الشافعي لتحريم نكاح الأمة على الحرة بتعريض الحر جزءًا منه للرق على غنية، ولا ذكر للزوج وهذا لأنه لا بد للنكاح من الزوج وللبيع من البائع والمبيع، فصار ما لا بد منه كالمذكور فيه فصح التعليل بمعنى فيما ثبت مقتضى به كما صح بمعنى في النص وكذلك النهي عن صوم يوم النحر معلول بدعوة الله العباد إلى الفطر بقرابينه، وكذلك كل أمر أو نهي جاء لمعنى في غيره كان معلولًا بمعنى في الغير لا في المذكور نفسه، والله أعلم.
(1/293)

باب

القول في حكم العلة
قال القاضي رضي الله عنه: هذا باب سهل على القلوب علمه، صعب استعماله لشدة ما ثبت من عادات المناظرين بخلافه، ليروض مريده قلبه بالصرف عن العادة إلى الحجة ثم يستعمله، وما التوفيق إلا بالله.
اختلف العلماء في العبارة عن حكم العلة التي نسميها قياسًا، أو نسميها معلومة بالنظر والرأي؟
وقال علماؤنا: حكم هذه العلة تعدية حكم النص المعلل إلى فرع، ولا نص فيه، ولا إجماع، ولا دليل فوق الرأي.
وقال قائلون: حكم العلة؛ تعلق حكم النص بالوصف الذي تبين علة.
وإنما يتبين هذا الجواب بقول علمائنا: إن العلة متى لم تكن متعدية كانت فاسدة، ومتى تعدت إلى فرع منصوص عليه كانت باطلة أيضًا، وقد مر فصل الفرع المنصوص عليه، وإنما هذا الباب لبيان نفس حكم العلة الصحيحة.
فأما الذين قالوا: إن حكم العلة هو تعلق الحكم بها، فقد شبهوا هذه العلة بالعلل العقلية، فإنها لا تعرف عللًا إلا بتعلق وجود أحكامها بها.
وكذلك العلل الشرعية إذا كانت منقولة عن صاحب الشريعة فالأحكام تصير متعلقة بها.
وكذلك أسباب وجود العبادات والكفارات والعقوبات ونحوها علل شرعية للوجوب وقد تعلقت بها.
والجواب عنه وهو الطريق في الباب: ما ذكرنا أن هذه العلة التي نحن فيها صحتها منوطة بشرط أن تكون بعد النص على ما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فإن لم تجد في سنة رسول الله فبالرأي على ما مر في باب إثبات القياس، وبالإجماع يجب عليه طلب الحكم بكتاب الله تعالى ثم بالخبر ثم بالرأي، وكذلك ثبت بالإجماع على ما مر في الباب الأول أن النص لا يجوز تعليله بعلة تغيير حكم النص في نفسه.
وإذا كان كذلك وجب أن يبقى الحكم بعد التعليل على ما كان مضافًا وجوبه إلى النص دون العلة، فإنك متى قصرت الإضافة إلى العلة كنت غيرت حكم النص عما كان
(1/294)

قبل التعليل، وأخرجت سائر أوصافه عن تعلق الحكم بها، وكما لم يجز أن يخرج بالتعليل بعض المحال التي تناولها النص عن حكم الجملة لم يجز كذلك في حق الأوصاف.
ولأن هذه العلة لما لم تشرع علة إلا بعد النص صار لغوًا مع النص، وإذا صار لغوًا لم يجز التعليق بها كما إذا عارضها نص آخر مخالف لم يجز اعتبارها حجة معارضة بل سقطت، وتبين لنا أنها ليست بحجة وإنما تظهر حجة في الفرع، ولن يوجد فيه حكم الأصل إلا بالتعدية إليه فصار حكم العلة التعدية لا غير، ونظيره من العقود الحوالة ما لها حكم تعلق وجوب الدين بها بل التحويل عن ذمة إلى ذمة لأنها لا توجب أصل الدين بل تنقل من ذمة إلى ذمة، ولأنا ذكرنا أن العلة اسم لما يتغير به حكم الحال، والذي يتغير من حكم النص بالتعليل بأن كان الحكم مقصورًا عليه فتعدى بالتعليل.
وإذا ثبت هذا علمت بفساد ثلاثة أرباع المقاييس جملة بل حجة لكل فرع على حدة، ولا لكل قياس، وسقط عنك أعباء حفظها وفهمها والعمل بها.
وبيان ذلك أن جملة أقسام ما يختلف فيها الفقهاء ويتناظرون فيها من الشرعيات أربعة أنواع:
الاختلاف في الموجب للحكم أو صفته أهو مشروع أم لا؟
أو في شرط العلة أو صفته؟
أو في حكم من الأحكام أو صفته؟
أو في حكم مشروع معلوم بوصفه بلا منازعة في محل هل هو مقصود عليه أو هو متعدي عنه إلى غيره؟
والقياس لم يشرع حجة إلا لهذا النوع لما ذكرنا أنه لا حكم له غير التعدية، والتعدية لا تتصور إلا في هذا القسم الرابع ففسد فيما عدا هذا القسم لانعدام حكمه، ولأنه لم يصادف محله فمحله أصل فيه حكم مشروع ليمكن التعدية فيما ليس بموجود لا يمكن تعديته كالحوالة حيث لا دين يلغو.
ولأن الاختلاف متى حصل في الموجب للحكم أو شرطه، أو نفس الحكم فقد وقع الاختلاف في أصل الشرع أكان أم لم يكن؟ لأنا أجمعنا أنه ليس إلينا نصب الأحكام الشرعية ولا رفعها بالرأي، ولا نصب أسبابها وفي نصب الأسباب نصب للأحكام، ولا شروطها، ففي نصب الشروط المانعة رفع للأحكام، وإذا لم يكن إلينا ذلك بالرأي بطل تعليل مدعيها لأنه يعلل للنصب، لأن الآخر منكر أن تكون هي مشروعة، وبطل تعليل منكريها لأنهم يقولون هي لم تشرع أصلًا إذا أنكروا الثبوت.
(1/295)

وما لم يشرع لا يكون حكمًا شرعيًا ليمكن إثباتها بالقياس.
وإذا ادعى الارتفاع بعد الثبوت فكذلك لأن النسخ لا يثبت بالقياس، فإذا عرفت هذه الجملة عقدًا خرجت على كل قسم ما يخرج عليه مما غلط غير المتأملين فيه.
أما القسم الموجب: فنحو اختلافنا في الجنس بانفراده أهو علة محرمة للبيع نسيئة أو لا؟ وهذا مما لا يجوز فيه التكلم بالقياس، بل يجب على مدعيها إقامة الدلالة على صحة ما ادعاه من نص أو دلالة نص أو إشارته أو اقتضائه، على ما مر أن الثابت بها ثابت بالنص لا بالقياس، وعلى المنكر الامتناع عنه لعدم دليل الصحة.
كما نقول فيمن ادعى أن الوتر فرض عملًا زائدًا على الخمس، وأنكره آخر لم يكن على المنكر إلا التمسك بعدم قيام الدليل، ولزم المدعي إقامة الدليل سوى القياس وكان بمنزلة من يدعي أن فرض الفجر أربع ركعات وأنكر الآخر.
وكذلك إذا اختلفنا أن السفر أهو سبب مسقط لشطر الصلاة بنفسه أو لا؟ لم يستقم التكلم فيها بالقياس بل الذي يدعيه مسقطًا لزمه إثباته وإنما يظهر الفقه في مثل هذه المسائل بإفساد أدلة الخصم، لأنه لا يمكنه إفسادها إلا بفقه طرق الأدلة حتى علم بها أن هذه الأدلة جائزة وليست بعادلة، وكذلك إذا اختلفت في الخف هل هو سبب مانع من سريان الحدث إلى القدم؟ لم يصح الكلام فيه بالمقايسة نفيًا ولا إثباتًا.
وكذلك إذا اختلف في الحربي يسلم، أهو سبب موجب لجعل نفسه وماله مضمونين قبل الإحراز بالدار أم لا؟ لم يعرف بالقياس.
وكذلك إذا اختلفنا في أن العقل قبل الشرع أهو حجة قاطعة لعذر الكفار أم لا؟. وخبر الواحد أهو حجة يجب العمل به أم لا؟
والقياس أهو حجة يجب العمل به في الأحكام الشرعية أم لا؟
وأما صفته فنحو اختلافنا في المال الذي هو سبب الزكاة، أهو سبب بصفة النماء أم دونها؟
واليمين بالله سبب للكفارة بصفة أنها مقصودة أم معقودة؟
وقتل النفس بغير حق سبب للكفارة بصفة الحرمة وحدها أم بصفة الإباحة مع الحرمة؟
والإفطار سبب لكفارة باسم الجماع، أم باسم اقتضاء إحدى الشهوتين؟
وهذا لأن وصف الشيء منه، فما لم يكن أصله مما يثبت بالقياس لم يكن وصفه كذلك من قبيل ما يثبت به.
وأما أصل الشرط فنحو الاختلاف في شهود النكاح لا يثبت بالقياس أنهم شرط أم لا؟ وكذلك الولي.
(1/296)

فأما ثبوت الولاية للمرأة على نفسها فمما يعرف قياسًا، لأنا وجدنا الثبوت حكمًا ثابتًا مع البلوغ والحرية في أصل مجمع عليه فيصح القياس لتعديته إلى المرأة.
وكذلك إذا اختلفنا في الزكاة أن التسمية شرط أم لا؟ لم يجز التكلم فيه بالقياس، وكذلك إذا قلنا شرط نفوذ الطلاق على المرأة من جانبها النكاح أو العدة عنه.
وقال خصمنا: العدة ليست بشرط النفوذ وبها وحدها لا تصير محلًا، وكذلك إذا اختلفنا في البلوغ عن عقل أهو شرط لوجوب حقوق الله تعالى التي تحتمل النسخ والتبديل كالزكاة والصلاة والكفارات ولزوم الإحرام، وكذلك وجوب العقوبات كحرمان الإرث بالقتل والحدود؟ لم يكن للقياس فيه مدخلًا، وكذلك إذا اختلفنا في البلوغ بعد العقل أهو شرط لصحة أداء ما لا يحتمل النسخ من أصل الدين أم لا؟
فإن قيل: أليس اختلفنا في بيع الطعام بالطعام إن القبض في المجلس شرط أم لا، وتكلمتم فيها بالقياس؟
قلنا: البقاء على الصحة بلا شرط قبض حكم ثبت في أصل منصوص عليه من البيوع، وهو بيع العبد بدراهم وكل ما عدا الطعام بالطعام من السلع، فيصح التعدية بالتعليل إلى الفرع المختلف فيه ما لم يمنعنا عنه نص بخلافه، فيجب على مدعي الفساد بمعارضة النص إقامته.
ومتى أمكن المعلل في ما مضى من الأمثلة أن يبين لقياسه مثل هذا المحل صح، فإنا ما أنكرنا الصحة إلا لتعليله لنفي ما لم يشرع أو إثباته.
ومن أنكر شرط الشهود في النكاح لا يجد جوازه بدونه إلا في نكاح أهل الذمة.
لأن أحكام شرعنا لا تلزمهم إلا ما يدينون بها أو استثني عليهم، فلم يستقم القياس عليهم، والمسلمون يلزمهم أحكام الشرع.
وكذلك من أنكر التسمية في الزكاة لم يجد حل الزكاة بدونها إلا إذا تركه ناسيًا.
على هذا الأصل القياس صحيح بصورته لكنا لم نقبل، لأنا أحللنا زكاة التارك ناسيًا بناء على أنه في حكم المسمى بدلالة النص، كما نجوز صوم الآكل ناسيًا، بناء على أنه في حكم من لم يأكل، بخلاف القياس بدلالة النص.
ثم لا يجوز القياس عليه إذا ترك عمدًا، لأنه معدول به عن القياس، وبمثل هذا يظهر الفقه في بيان طرق القياس.
وأما صفة الشرط: فكشهود النكاح أنهم رجال، أو نساء ورجال، وصفة الطهارة للصلاة أمرتبة أم غير مرتبة؟ ما يصح إثباتها من الشروط. أو نفيها بالقياس، وإنما يصح تعريفها بالنظر في النصوص الموجبة للشرط، وإلى ما خص منها بزيادة وتكون المقايسة
(1/297)

بعد ذلك لمعرفة حادثة اختلف فيها أنها في العموم أو الخصوص.
وأما الحكم: فنحو اختلافنا في الركعة الواحدة أمشروعة صلاة أم لا؟.
والأربع مشروعة على المسافر أم لا؟ والسمح بالخف مشروع أم لا؟.
وكذلك بالعمامة؟ وصوم بعض اليوم مشروع أم لا؟.
والقراء تسقط بالاقتداء أم لا؟.
والصوم يسقط بالجنون أم لا؟.
وإنما يتكلم في مثل هذه المسائل بالنص وبدليله على ما ذكرنا.
فإن قيل: اختلافنا في صوم يوم النحر أمشروع أم لا؟ وتكلمتم فيه بالقياس!
قلنا: لا كذلك، فإن كون اليوم سببًا لصيرورة الصوم مشروعًا ثابت أصلًا، ووقع الاختلاف في انتساخه بصفة أنه يوم عيد فأنكرناه، لا أنا أثبتنا كون اليوم سببًا بالقياس.
وأما وصف الحكم: فنحو اتفاقنا على أن القراءة مشروعة في الشفع الثاني واختلفنا أنها فرض أم لا؟ وأنها فرض في الأول واختلفنا أنها فاتحة أم لا؟ واتفقنا أن من حكم النكاح أن يملك الرجل طلاق امرأته واختلفنا في وصفه أنه يملكه مباحًا، والكراهة بعارض أو يملكه مكروهًا، والإباحة بعارض وهو مذهبنا على ما بيناه في موضعه.
وكذلك يملك الطلاق مبينًا قصدًا إليه عندنا، وعنده لا يملك، لا يعرف بالقياس فإنا لا نجده بعينه أصلًا آخر لنعديه إلى الفرع.
وكذلك إذا اختلفنا في ملك النكاح في حق المتعة أهو خاص للرجل على المرأة أو مشترك بين الزوجين؟ لا يعرف بالقياس لأنه غير موجود في أصل آخر لنعديه إليه بل يعرف بالاستدلال بما ثبت بالنصوص.
وكذلك إذا اختلفنا في حكم خبر الربا وهو قوله: "والفضل ربا" إنه فضل ذات الحنطة أو فضل كيل؟ لم يجز إثباته بالعلة لما قلنا، ولا جاز الاشتغال بعلة الحكم قبل إثبات الحكم على الخصم إذا أنكره.
وكذلك إذا اختلفنا في حكم الرهن الثابت للمرتهن إذا تم العقد بالتسليم إليه أنه في حكم يد الاستيفاء الذي يتم بالتسليم إليه، أم هو حق بيع بالدين إذا تم العقد باليد كما يتم عقد الهبة باليد.
وحكمه وقوع الملك للموهوب له لم يجز إثباته بالقياس لأنا لا نجد حكم الرهن في عقد آخر لتعديه إليه بالقياس.
وكذلك النفي لأن الانتفاء من حيث لم يكن لا يكن حكمًا شرعيًا يمكن تعديته إلى غيره بالقياس على ما ذكرنا.
(1/298)

وكذلك إذا اختلفنا في وجوب المهر بالنكاح بلا تسمية؟ لم يكن للقياس فيه مدخل لأنا لا نجده في غيره لنعديه إليه.
وكذلك إذا اختلفنا في وجوب المتعة بعد الطلاق بعد الدخول؟ لأنا اختلفنا فيه لاختلافنا في المتعة بأصله على وحشة الفراق، أم عوض عن ملك النكاح؟ واجب بالعقد مقام المهر الساقط بالطلاق، لا يمكن إثباته بالقياس.
وهذا لأن أحكام الشرع بصفاتها لا تثبت ابتداء إلا بالشرع فلا يمكن معرفتها مشروعة بصفاتها إلا بالنظر في المنصوص، حسب المعاني التي تثبت بالأسامي الغريبة لا يمكن معرفتها إلا بالنظر في كلام العرب والتعرف من قبلهم.
وأما القسم الرابع: فنحو قولنا: إن المسح في الوضوء لا يسن تثليثه لأنه مسح قياسًا على مسح الخف لأنل وجدنا مسحًا في الوضوء، وله فرض وسنة ووجدنا حكم إقامة سنته بإفراده لا بتثليثه فعديناه إلى الفرع.
وكذلك قولهم: الرأس عضو من أعضاء الوضوء فيسن تثليث وظيفته قياسًا على الوجه، فكان في محليهما فيجب طلب الفساد بطريق آخر.
وكذلك قولنا: صوم رمضان صوم عين، فيتأدى بنية مطلق الصوم كالنفل في غير رمضان، وقولهم: إنه صوم فرض فيشترط عليه نية الفرض قياسًا على القضاء.
وكذلك قولنا: المديون لا زكاة عليه لأن الصدقة تحل له فلا تجب عليه الزكاة كالمكاتب، والذي له دار يسكنها تساوي كثيرًا، وقوله: إن ملكه كامل فيلزمه الزكاة كغير المديون.
فإن قيل: إنا نقول في النكاح أنه عقد معاملة فيصح بلا شهود كالبيع، كان هذا فاسدًا بطريق آخر لأنا نقول: من حيث أنه عقد معاملة لا يفسد عندنا بعدم الشهود، وإنما فسد من حيث أنه عقد لم يشرع إلا للتناسل فخص بالشهود.
فالشهود ثبت عندنا شرعًا لهذا الوصف الخاص إظهارًا لكرامة بني آدم، ولا نجد جوازًا مع هذا الوصف بدون الشهود لتعدي ذلك الجواز إلى ما ها هنا بالمعلل في أمثالها.
أما أن ينقطع بوضعه العلة في غير محلها أو يميل إلى محلها بأن وجده فتقوم المناظرة ببيان الصحة والفساد بطريق آخر، والله أعلم.
(1/299)

باب

القول في أسماء لا بد للقائس منها نحو أسماء الأدوات
لكل صناعة وأسماء السنجات والميزان للوزن
قال القاضي رضي الله عنه: لا بد للقياس من أصول تعلل، وهي شهود الله تعالى على أحكامه فيما لا نص فيها.
ولا بد من معنى جامع بين الأصل والفرع وهو الشهادة.
ولا بد من قائس، وهو طالب معرفة الحكم المحتاج إليه بشهادة، وهو المعنى الجامع بين الأصل والفرع.
ولا بد من حكم يثبت لديه فيحكم به وهو القلب.
ولا بد من مشهود به وهو الحكم المطلوب.
ولا بد من صلاح الشاهد للشهادة كما في شهود المعاملات من حرية وعقل وبلوغ، فكذلك الأصل يجب أن يكون صالحًا للتعليل.
ولا بد من اعتبار الوصف صالحًا كما يعتبر لفظ الشاهد.
ولا بد من اعتبار العدالة كما في الشاهد فلا بد من مشهود عليه وهو البدن، فاللسان يلزمه الإقرار بحكم تلك الشهادة والبدن يلزمه العمل به، هذا إذا حاج نفسه، فأما إذا حاج غيره فمثال المتناظرين مثال المتخاصمين في حقوق الناس، والمجيب بمنزلة المدعي، والسائل بمنزلة المنكر.
والقياس شهادة، والأصل شاهد والمجيب مستشهد، والحكم مشهود به، والسائل بلسانه وبدنه مشهود عليه، والقلب منه حاكم عليه، وتأثير الوصف عدالة ظاهرة فهذه جملة لا بد للقياس منها.
وقد خالفنا الشافعي في بعضها على ما نذكر في تفاصيل هذه الجملة إن شاء الله عز وجل.
(1/300)

باب

القول في الأصول في أنها معلولة أم غير معلولة
قال بعض مثبتي القياس: الأصول ليست بمعلولة في الأصل إلا بدليل.
وقال بعضهم: هي معلولة بكل وصف منها واجب العمل به إلا بدليل.
وقال الشافعي: على ما دلت عليه مسائله، ولست أحققه مذهبًا له: إن الأصول معلولة، ولكن لا يجب العمل بما جعل علة إلا بدليل يميز بينها وبين غيرها.
وقال علماؤنا كذلك وزادوا فقالوا: لا يجب العمل بها إلا بدليل يدل على كون الأصل شاهدًا للحال.
فأما الأولون فاحتجوا بأن الأصول هي النصوص، والنص حجة يجب العمل بها على موجب اللغة في الأصل، فلا يجب العدول عنه إلى العلل الشرعية التي لا تنبئ عنها اللغة إلا بدليل.
وكان ذلك بمنزلة ترك الحقيقة إلى مجازه بل أبعد، لأن المجاز أحد أنواع اللسان وهذا لا يعرف لسانًا بحال.
ولأن التعليل ببعض الأوصاف بعد ظهور الحكم عقيب الكل تخصيص فلا يثبت إلا بدليل.
ولئن سلمنا أن كل وصف يجوز علة فلا يثبت الترجيح للبعض على البعض إلا بدليل إذ كل وصف، وإن صلح علة احتمل أن لا يكون علة فلا يصير علة مع الاحتمال.
وأما الفريق الثاني فقالوا: إن الدلائل التي جعلت القياس على النص حجة جعلت النص معلولًا في أصله لأنه لا قياس إلا بعلة، وجعلت كل وصف علة لأن القياس لا يتصور بكل الأوصاف، فصار كل وصف علة إلا بمانع، وهذا كما أن دلائل الشرع جعلت الأخبار حجة، وإنما تثبت بالرواة ولا يمكن شرط الكل لأنه يتعذر، فصار كل واحد بروايته حجة إلا بمانع.
فأما الجواب عن قولهم أن في التعليل تركًا لحقيقة النص، فلا كذلك لما مر أن من شرط صحة التعليل بالرأي أن يبقى حكم الأصل فيه، كما كان قبل التعليل معمولًا به في النص بنصه لا بالعلة، ولما صار كل وصف علة بانفراده لم يترجح واحد إلا بدليل، وإنما لم نجعل كل الأوصاف علة لأنها لا تتعدى حينئذ فلا يمكن المقايسة لها.
(1/301)

وأما الاحتمال فنعم ثابت، ولكن لما ثبت الوصف علة بدلائل صحة القياس لم يبطل بالاحتمال كما لا يثبت ابتداء بالاحتمال.
وأما الفريق الثالث: فيقول إن الدلائل الموجبة للقياس على النص جعلت النص معلولًا ليمكن القياس، ولا قياس إلا بتعليل، والإمكان يثبت بوصف من الجملة فلا يجب بتلك الدلائل أن يجعل كل وصف علة بل صار البعض من الجملة علة.
واحتمل الزيادة على الواحد، فلا تثبت الزيادة على الواحد إلا بدليل.
وهذا الواحد مجهول من بين الجملة فلا يمكن العمل به حتى يمتاز عن الكل، ولا يثبت الامتياز إلا بدليل.
وأما علماؤنا فإنهم ذهبوا إلى أنه لا بد من دليل يميز الوصف الذي هو علة عن غيره كما قال الشافعي رحمه الله.
وسنذكر شرح ذلك في باب: صيرورة الوصف علة يجب العمل بها بعد هذا الباب.
وقبل هذا الدليل نحتاج إلى دليل يدل على كون الأصل شاهدًا يعمل بشهادته، لأن الأصول وإن كانت معلولة في الأصل بالدلائل الموجبة للقياس فقد احتمل واحد بعينه من الجملة أن لا يكون معلولًا فبالإجماع نصوص من بين النصوص غير معلولة، فلم يخرج في نفسه من أن يكون شاهدًا بالاحتمال بعدما صار الأصل للشهادة.
ولكن لا يبقى حجة على غيره، وهو الفرع مع قيام الاحتمال حتى يقوم دليل يدل على كونه شاهدًا للحال كالرجل المجهول الحال إذا شهد قبلت شهادته.
وإذا طعن الخصم في حريته لم يصر حجة عليه بكونه حرًا في الأصل، إلا بدليل يوجب حريته للحال في حقه لأنه احتمل التغيير بعارض، فلم تبطل حريته في نفسه بالاحتمال، ولم يبق حجة على غيره مع الاحتمال على ما بينا في باب استصحاب الحال؛ أن الاستشهاد بأصل ثابت احتمل التغير لا يكون حجة ملزمة، وإنما يكون حجة دافعة.
فإن قيل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قدوة أمته فيما كان له وعليه، وقد احتمل أن يكون مخصوصًا كما ظهر في أحكام، ومع ذلك كان حجة على غيره؟
قلنا: إن الحجة لوجوب الاقتداء به كونه نبيًا، وما اختلف الحال في كونه مقتدى به، والخصوص من ثبت بدليله في بعض أفعاله وأحكامه فيبقى في الباقي على عمومه كالنص العام إذا خص منه شيء ولم ينسخ ولا احتمله، فإن الباقي يبقى على عمومه فأما فيما نحن فيه فالنص المعلول هو الشاهد بعلته فاحتمل في نفسه أن لا يكون معلولًا بعارض كالشاهد هو الحجة بشهادته، فاحتمل أن لا يكون حجة بعارض رق فيصير احتمالًا في نفس ما هو حجة، وفي الفصل الأول كان الاحتمال في العمل بما ثبت حجة.
(1/302)

ومثال ذلك: أنا متى عللنا حرمة الفضل من الذهب بالذهب بكونه موزونًا.
وقيل لنا: أنه مخصوص بعلة الثمنية، ومعدو لبه عن سنن قياس غيره عليه احتجنا نحن إلى بيان أنه معلول بهذا الوصف بدليل موجب له غير الدلائل المصححة للقياس.
فنقول: إن كون الذهب ثمنًا ليس بمسقط صفة أنه معلول بعلة يتعدى حكمه إلى غيره، ولا بموجب له صفة الخصوص بحكمه، ألا ترى أن من حكمه وجوب القبض في المجلس، وقد تعدى هذا الحكم إلى عقد السلم.
وكل عقد بيع كان دينًا بدين بعلة الدينية فكذا لا تصير الثمنية مانعة مما نحن فيه، وصحت التعدي بعلة الوزنية، وهذا كالشاهد يطعن فيه بجهل فلا يكون طعنًا لأن الجهل لا يسقط ولايته، والشهادة من جملة الولاية، وإنما يكون طعنًا ذكر الشاهد بوصف مسقط للولاية كالصبا والرق والكفر في حق المسلم ونحوها، فكذلك ههنا.
إنما يكون طعنًا إذا أشير إلى وصف مانع من ولاية الشهادة بحكم الفرع جملة.
فأما إذا وجدناه مع الوصف الذي طعن به شاهدًا في موضع فيعلم أن ذلك الوصف ليس بطعن، ولا هو بمبطل عليه صفة الشهادة فمرة ثبتت صفة الشهادة للشاهد بسبب ثبوت الولاية من الأسباب الموجبة للحرية، ومرة بحكم شهادته فإذا وجدناها مقبولة في حادثة على وجه الصحة صارت حجة.
فكذلك الأصل إنما يصير من جملة ما يعمل بعلته إذا وجدناه عمل به في حادثة، أو وجدناه من النبي صلى الله عليه وسلم نصًا على كونه معلولًا بعينه، أو دليلًا من النص مما يثبت به الأحكام من استدلال ونحوه، والله أعلم.
(1/303)

باب

القول في الوصف وثبوته علة يجب العمل بها
قالت الحشوية من جملة هذا القياس: كل وصف وجد الحكم معه حجة يجب العمل به إلا بمانع.
وقال بعضهم: لا يجب العمل به، ولا يصير حجة إلا بدوران الحكم معه وجودًا وعدمًا، والنص قائم في الحالين ولا حكم له.
وقال بعضهم: بدوران الحكم معه وجودًا وعدمًا لا غير وشرط قيام النص، ولا حكم له شرط مفسد للقياس.
وقال جمهور العلماء: عدم الحكم عند عدم العلة لا يدل على الصحة، والوجود عند العدم لا يدل على الفساد ولا يجب العمل بهذا الدليل، ولكن بدليل يدل على صلاحه علة ثم عدالته، وعدم ما يرفعه.
ثم اختلفوا في تفسير الصلاح؟
قال بعض مشايخ الشافعي رحمه الله: تفسير الصلاح أن يكون مخيلًا.
وقال بعضهم: أن يكون ملائمًا غير ناب، وتفسير الملائمة: أن يكون على موافقة ما جاء به الشرع من المقاييس المنقولة عن السلف وعن الرسول صلى الله عليه وسلم.
ثم العدالة بالعرض على الأصول، فإن لم يرده أصل ناقض صار معدلًا ثم يوقف عن العمل به احتياطًا، ويعرض على الأصول فإن لم يرده أصل معارضًا عمل به حينئذ.
وقال بعضهم: العرض على الأصول احتياط، والعمل به صحيح قبل العرض، والنقض جرح والمعارضة دفع.
وقال علماؤنا: ما لم يقم الدليل على أن الوصف الملائم لا يقبل التعليل به، ولا يلتفت إليه، وإذا صار ملائمًا بدليل لم يعمل به إلا العدالة، وذلك بكونه مؤثرًا في ذلك الحكم هذا هو الواجب، وإن عمل به قبل التأثير صح.
وأما قبل الملائمة فلا يصح العمل به كالشاهد إذا شهد لم تقبل حتى يأتي بلفظة أشهد أو بما يماثله بلغة أخرى، ولا يصح العمل به قبل ذلك وإن عمل به قاض، وإذا جاء بلفظة أشهد لم يجب العمل به حتى يعدل، وإن عمل به صح ونفذ إذا كان مستورًا بلا خلاف، والاطراد بوجود الحكم معه أينما وجد لا يكون دليل الصحة عندنا، ولا وجود
(1/304)

الوصف ولا حكم معه دليل الفساد بنفسه.
فأما الأولون: فهم القائلون بقياس الشبه بلا معنى، وأنهم حشوية غير معدودين في الفقهاء، فقد أقروا بما قاسوا بالصورة بلا معنى أنهم لم يفقهوا المعنى.
واحتجوا لذلك بالظواهر التي جعلت القياس حجة.
وقالوا أنها لم تخص وصفًا دون وصف.
وقالوا في علل الشرع إمارات على الأحكام، وليست من قبيل العلل العقلية فصح التعليق بالصور، كما صح الحكم بنصوص لم يعقل لها معنى، إلا أن تلك النصوص لم يعقل فقهها تعلق بها أحكام، وهذه نصوص لم يعقل فقهها تعلق بها كينونة كل وصف علة، وأنه ضرب حكم أيضًا.
وأما الفريق الثاني: فزعموا أن حد العلة ما يتغير به حكم الحال على ما مر في صدر الكتاب، وذلك المغير الذي هو علة قط لا يخلو عن موجودات جمة معه اتفاقًا لا علة، فلا تمتاز العلة عن الاتفاقية إلا بأن يعدم التغير عن عدمه دون سائر الموجودات الاتفاقية، ولأن الوجود لما كان بالعلة لم يجز البقاء بعد ارتفاعها ألا ترى أن الملك الواقع ببيع لا يبقى مع فسخه، وكذلك كل حادث تعلق بقاؤه بسبب لا يبقى بدونه هذا لا شك فيه، قال: واشترطت قيام النص في الحالين، ولا حكم له ليتبين بذلك أن الحكم متعلق بالعلة لا بالنص، كما إذا صار النص مجازًا بدليل كانت علامة أن لا يبقى للحقيقة حكم بوجه.
ألا ترى أن آية الوضوء لما عللت بالحدث دار وجوب الطهارة معه لا مع القيام إلى الصلاة.
وكما علل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقض القاضي حين يقضي وهو غضبان" لشغل القلب دار المنع معه لا مع الغضب، حتى إذا كان به وجع شاغل للقلب، أو خوف حرم القضاء عليه، وإذا كان به أدنى غضب لا يشغل قلبه حل له القضاء.
ولما علل خبر الربا بالكيل دار الحكم معه حلًا مع التساوي كيلًا دون سائر الوجوه، والحرمة مع التفاضل كيلًا دون سائر الوجوه والنص "مثلًا بمثل والفضل ربا" قائم ولا حكم له.
فأما الجواب عن قول الحشوية: فإن النصوص الموجبة للقياس على الأصول دلت على أنها معلومة يقاس عليها، وذلك يتأدى ببعض الأوصاف فلا يصير الكل علة إلا بدلالة أخرى، ثم البعض عن البعض لا يمتاز إلا بدلالة، ألا ترى أن النصوص قد جعلت الأمة شهداء فدلت على أنهم شهود في الأصل، ولم تدل على أن كل لفظ منهم شهادة بل دلت
(1/305)

على أنه يتأدى منهم الشهادة، وذلك يحصل ببعض الألفاظ، ولم يميز ذلك عن غيره إلا بدليل، ولما ذكرنا في الباب الأول أن هذه النصوص جعلت القياس حجة أصلية فجعلت الشهادة للأصول أصلًا، ولكن ما أثبت لكل أصل بانفراده.
واحتملت التغير بالعوارض فكذلك الأوصاف فلا تصير حجة على الغير مع الاحتمال، ولأن كل وصف لو صلح علة، والأوصاف محسوسة مسموعة لشرك السامعون وأهل اللغة كلهم الفقهاء في المقايسات، ولما اختص بها الفقهاء علم أن المقايسة مبنية على معاني تفقه لا أوصاف تسمع.
وأما الجواب عن قولهم: إن علل الشرع إمارات، فليست كذلك على التمحض على ما مر في أول الكتاب.
وسنذكر بعد هذا أن علل الشرع إمارات على معنى أنها لم توجب بذواتها بل بجعل الشرع إياها موجبة.
وقد مر أن حكم القياس تعدية حكم النص إلى الفرع وهذا الحكم مما لا يحس، ولكنه يعقل كقولنا: رجل عالم لا يعرف له هذا الوصف بكونه رجلًا وبأن نحسه، بل بمعنى عقلي يستدل عليه به، وليس ثبوت العلل بأعيانها بالنصوص كثبوت الأحكام بالنصوص، لأن النص عين الحكم وهو موجب بنفسه لغة.
والنص ما عين الوصف من الجملة علة ليجب القول به بل صير الأصل معلولًا، فهذا الواحد الذي لم يتعين بالنص لا يتعين إلا بالرأي، فما لم يعقل معناه بالرأي لا يصير الرأي عليه حجة فالدرك بالرأي من طريق العقل وبظاهر البدن من طريق الحس، ولن عين اللفظ لا يكون حجة إلا من صاحب الشرع، والحجة من غيره استنباط معنى النص بالرأي لا تخصيص بعضه.
وأما الفريق الثالث: فقد زعم أن قيام النص ولا حكم له آية الفساد لا آية الصحة، ولما ذكرنا في باب شروط القياس أن من شرط صحة تعليل النص بالرأي أن يبقى حكم النص على ما كان قبل التعليل.
وأما آية الوضوء فغير معلومة بالحدث عندنا، والوضوء إنما يجب للصلاة على ما بينا في أول الكتاب، ولكن لا يجب إلا على محدث، والحدث شرط زيد في الآية لا بالرأي، ولكن بدلالة النص فإنه تعالى قال: {ولكن يريد ليطهركم} وقال في الاغتسال: {وإن كنتم جنبًا فاطهروا} وقال في بدل الوضوء: {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا} وإنما تعلق وجوب التيمم الذي هو بدل بما يجب به الأصل فتبين أن المراد بصدر الآية: إذا قمتم
(1/306)

وأنتم محدثون، ولكن سقط ذكر الحدث اختصارًا لما في الآية ما يدل عليه على ما عليه لسان العرب، ونحن لم ننكر الاختصار والوقوف عليه، والزيادة بدلالة النص وإنما أنكرنا الزيادة بالرأي فإنها تجري مجرى النسخ لا مجرى التخصيص، على أن التخصيص عندنا لا يجوز ابتداء الرأي.
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقض القاضي حين يقضي وهو غضبان". كناية عن القضاء وهو مشغول القلب عرف ذلك بدلالة الإجماع كما صار قوله: "فلا تقل لهما أف" كناية عن الإيذاء حتى صار الشتم بمنزلته، عقل ذلك بدلالة محل الخطاب ما هو من التعليل بالرأي للقياس في شيء.
وكذلك خبر الرسول صلى الله عليه وسلم إنما جعلنا قوله "مثلًا بمثل" عبارة عن قوله: "كيلًا بكيل" بنص آخر فقال: "كيلًا بكيل"، وبالإجماع لا بالرأي، وإذا صار هذا كيلًا بكيل صار قوله صلى الله عليه وسلم: "والفضل ربا" فضل من حيث الكيل الذي كان المساواة به ضرورة ما عقل شيء من ذلك بالرأي، والتعليل، وإنما التعليل بالكيل لبيان علة الحكم، وهو أن المماثلة كيلًا بأي علة وجبت شرطًا لجواز قفيز حنطة بحنطة والفضل بأي سبب حرم، وهذا التعليل ليس يغير حكم النص على ما نبين في موضعه.
وأما قول عامة العلماء فلأن دوران الحكم معه وجودًا وعدمًا لا يدل على الصحة، لأن الحكم كما يدور وجوده مع العلة فيدور مع الشرط، ألا ترى أن من قال لعبده: أنت حر إن كلمت زيدًا، دار وجود العتق مع الكلام، وهو شرط كما دار مع قوله أنت حر، وهو علة فلا بد من شيء زائد يميز بين العلة والشرط.
فإن قيل: إن أصل الدوران مع العلة دون الشرط فالشرط لا يصير شرطًا إلا بتعليق به.
قلنا: إن العلل الشرعية ما صارت عللًا إلا بتعليق الشرع الوجوب بها، فكانت كالشروط في هذا المعنى.
ولأنا وإن سلمنا هذا لكم فقد احتمل الدوران أن يكون مع الشرط دون العلة، ولما احتمل لم يصر حجة موجبة مع الاحتمال على ما مر في أصل الباب، وكذلك وجود الحكم مع انعدام الوصف لا يدل على الفساد لجواز أن يكون بقي لعلة أخرى فجائز بالإجماع وجود الحكم بعلل كثيرة، ولا ينعدم إلا بزوالها كلها، وما بقيت واحدة بقي الحكم حسب البقاء بالكل، ويدل عليه أن حد العلة ما يتغير به حكم الحال فيكون التغير موجب تلك العلة وأثرها فيستدل بذلك الأثر على كون الحال علة، لأن كل وصف لا يحس لا يستدل عليه إلا بأثره.
(1/307)

وكذلك كل فاعل لا يحس لا يعرف إلا بآثار محسوسة تدل عليه، وهذا كصفة العلم لكل شخص لا يوقف عليها إلا بآثار فعله.
ولهذا كان طريق معرفة الله تعالى من الوجه الذي كلفنا، ولزمنا بالحجة الاستدلال بالعالم الكائن بخلقه، وعدم الحكم عند عدم العلة في الحسيات والعقليات والشرعيات جميعًا ليس بأثر العلة بل كان هذا قبل العلة، وإذا عدمت العلة عاد الأمر إلى ما كان من قبل العلة، وإذا لم يكن أثر العلة لم يصح الاستدلال به على كونه علة.
قال القاضي رحمه الله: وبلغني عن الرجل الذي شرط لصحة القياس دوران الحكم معه، والنص قائم في الحالين ولا حكم له أنه قال: إن العموم لا يكون حجة يعمل بها إلا بدليل آخر، وكذلك الأمر والنهي فلم يبق لنفسه حجة من السمعيات، ثم شرط للقياس شرطًا لا يكاد يجده بالرأي وحده بل يأبى الرأي صحته، فبقي بلا دليل فاحتج الأحكام المسائل بلا دليل على ما بيناه في باب لا دليل، فوجدته رجلًا قد غلب عليه السوداء بطول الفكرة حتى توقف عن العمل بالأدلة من النصوص والقياس لا بشروط احتياطًا ثم عمل بلا دليل، وما موجب لا دليل إلا الجهل.
فأما العلم فلا يثبت إلا عن دليل فجهل مع الأدلة، وعلم عند عدمها، ومع فحش هذا المقال لم يعرف أنه ناقض به ما قال فقد جعل حد صحة الاعتلال، دوران الحكم معه على كل حال، والعلم حكم حجته ثم أثبته بلا حجة.
وهكذا تبين عوار من زاغ عن طريق الله تعالى، قال الله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} ولما ثبت أن الدورات لا يدل على الصحة، ولا عدمه يدل على الفساد سقط اعتبار هذا الدليل أصلًا، وقد بينا أنه لا بد من دليل يميز بين العلة وبين ما ليس بعلة فوجب المصير إليه، وبيننا وبين الشافعي خلاف في تحديده على ما بينا من الرواية.
وأما الذين قالوا: إن الوصف إنما يصير علة بكونه مخيلًا أي موقعًا في القلب خيال القبول وأثر الصحة فاحتجوا في ذلك بأن الأثر معنى من الوصف لا يحس على ما مر ذكره، ولكنه مما يعقل فيجب الرجوع إلى القلب، وتحكيمه عليه كما قيل في أمر القبلة إذا اشتبه ولم يبق عليها دليل محسوس: وجب الرجوع إلى القلب وشهادته والعمل به، فإذا أشهد القلب بصحته قبلت، وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوابصة: "الإثم ما حاك في قلبك، وإن أفتاك الناس".
وقال بعضهم: لا يشترط هذا فإنه أمر باطن لا يمكن إثباته على الخصم، ولكنه
(1/308)

يعرض على العلل المنقولة فإن كانت مجانسة لها كانت ملائمة، وقبلت، وإن كانت بخلافها، وكانت ثابتة لذلك الحكم عند المقابلة بالأصول ردت، وإذا قبلت بالملائمة أو بالإخالة لم يجب العمل بها بصفة العدالة واليأس من الرفع، وذلك في الاطراد من غير أن يرده أصل ناقصًا ولا معارضًا لأن الوصف مع الملائمة احتمل أن لا يكون علة، لأن الملائمة لا تجعلها علة ولا تنفي عنها احتمال ما يجرحها ويبطل شهادتها فيجب عرضها على المزكين، أو بعضهم تيسيرًا، وهي سائر الأصول فإنها شهود الله تعالى خلقًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
فإذا عرضت على البعض فلم ترد بنقض ولا معارضة ثبتت العدالة بدليلها، وصارت بمنزلة ما لو عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم فسكت عن الرد فكان السكوت عن الرد بمنزلة التقرير والشهادة بالصحة.
ومثال ذلك ما قيل في الشاهد، لا تقبل شهادته حتى يأتي بلفظ ملائم لفظة أشهد، وإن كان بلغة أخرى ثم لا يعمل بها حتى تثبت العدالة وذلك بالعرض على بعض المزكين الذين لهم علم بباطن أحواله وصاروا حجة في الباب، وتثبت هذه الحجة بالبعض دون الكل فإذا أثنوا عليه وصار عدلًا صار حجة، وإن توهم رد من جرح يأتي من معدلين سواهم أو معارضة وكان الوقف للدفع بعده حسنًا.
فإذا لم يظهر الدفع عمل بها، وإن لم ينقطع الوهم قالوا: وكما استجزتم ثبوت العدالة للشهود بقول بعض المزكين، وعدم الوقوف على الأفعال الجارحة من غيره فاستجيزوا ثبوت العدالة للوصف بتعديل بعض الأصول وعدم الوقوف على ناقص آخر أو معارض فليس بين الأمرين فرق.
وأما الذين قالوا: إن الوصف يصير حجة يعمل بها بالملائمة ثم العرض يصار إليه ليعرف ما يجرح أو يدفع، فذهبوا إلى أن عدالة الوصف في صلاحه لا غير.
فأما الشاهد فعدالته في طاعة ربه أمرًا ونهيًا لأن العبد مؤتمن عدالته في أداء الأمانة، وهو ممن يؤدي الأمانة ولا يؤدي فكانت الحال محتملة فلم يزل الاحتمال إلا بدليل.
فأما الوصف فما عنده أمانة ولا يوصف بخيانة تثبت عدالته بالتعرف للرد، ولكن الرد موهوم من سائر الأصول كشاهد عدل بمعدلين لا يؤمن من رد يرد عليه من معدلين آخرين، أو من شهود بالمعارضة فلا يتسارع إلى القضاء احتياطًا فعلى هذا لا يصير الإطراد دليل صيرورته حجة، بل الانتقاض يصير جرحًا بعد الصحة كتوهم الرد في الفصل الأول بعدما أطرد في بعض الأصول.
وتبين على اختلاف الأقوال أن الشافعي ما دل على صحة العلة بالإطراد في كل الأصول كما ذهب إليه كثير من شيوخنا، وشيوخه، فإنه متى دل عليه به لم يمكنه إثبات
(1/309)

الاطراد في الكل إلا بقوله لا دليل على نقضه أو معارضته.
وإنما قلنا: لا يمكنه إثبات الإطراد في الكل لأنه وإن اجتهد كان للسائل أن يقول: ولم قلت أنه ليس وراء ما قلته أصل آخر يرده بنقض أو معارضة فيضطر إلى أن يقول: لم يثبت عندي أصل ناقضًا ولا معارضًا.
فإن قالوا: إن المعجزة إنما صارت آية لعدم ما يعارضها!
قلنا: لا كذلك بل لوقوعها على حد فوق معتاد البشر، إما محسوسًا وإما معقولًا، وبذلك الأثر ثبتت آية، إلا أن الكفار تعنتوا وقالوا أنه في مقدور البشر عادة، فقيل لهم: ائتوا بمثلها لينقطع تعنتهم فإنهم لو قدروا لما أمكنهم الصبر عن فعله، وفي الترك ذهاب دينهم ونفوسهم وحرمهم وأموالهم.
وأما علماؤنا رحمهم الله فإنهم قالوا: إن الإطراد ليس بتعديل ولا عدم الحكم مع وجود الوصف جرح.
أما الاطراد فلأنه إنما ثبت بكون الوصف شاهدًا أينما وجد في كل أصل على العموم فلا يكون عموم شهادته دليلًا على عدالته بمنزلة شاهد كرر شهادته في كل مجلس قضاء فلا يصير التكرار منه والثبات على الأداء تعديلًا.
أو نقول: كل أصل شاهد بنفسه بذلك الوصف فيه فيكون بمنزلة شهود أو رواة يكثرون فلا تصير الكثرة تعديلًا لمن لم يكن عدلًا قبل الكثرة.
وأما قولنا: عدم الحكم مع وجود الوصف لا يدل على الفساد.
فلأن العلة قد توجد صحيحة دون الحكم لمانع أو نقصان شيء ليس في ركن العلة نحو البيع بشرط الخيار للبائع موجود علة ولا حكم للمانع.
والطلاق بعد الدخول موجود ولا حكم في الإبانة إلا بعد العدة، كخيار الرجعة.
والنصاب موجود ولا حكم قبل الحول، والحول ليس بركن العلة ولا مانع، ولكن النصاب بصفة البقاء حولًا صار علة تامة عاملة فبدون صفة البقاء لا يعمل مع وجود ما هو ركن العلة تامًا حتى صح تعجيل الأداء قبل الحول، وأنه لا يجوز قبل تمام الركن كما لو عجل قبل النصاب، وهذا أيضًا كالشاهد إذا شهد مرة ثم استشهد فامتنع، أو الراوي روى ثم امتنع لم يكن ذلك جرحًا بنفسه حتى ينظر إنه لأي معنى امتنع، فإن كان لمعنى خاف على نفسه، أو لم يكن مجلس قضاء، أو ما أشبهه لم يكن جرحًا، وإنما يدل على عدم الحكم مع وجوده على الفساد إذا وجدت العلة بالمعنى الذي هو معه فيصير عاملًا بلا مانع من العمل، وذلك لا يعرف إلا بالرواية في الحدود والشروط، ولما سقط اعتبار هذا المعنى دليلًا على الفساد أو الصحة كما سقط اعتبار الدوران اضطررنا إلى دليل آخر.
(1/310)

أما الدليل على الملائمة فالحد فيه ما قال الشافعي رحمه الله وسنأتي بأمثلة ذلك من علل الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف رحمهم الله ليتضح لك الطريق في هذا إن شاء الله تعالى.
وأما الإخالة فشرط فاسد في المناظرة لأنه إشارة إلى ما يقع في القلب، وما لا يطلع عليه فلا يصير على غيره كما قيل في باب القبلة إذا اختلفت به الجهات لم يصر قول بعضهم على البعض حجة.
ولأن كل معلل يمكنه أن يقول: قد وقع في قلبي خيال صحته فيصير معارضًا إياك، وإنه من باب الإلهام وقد بينا في موضعه بطلان ذكره على سبيل الاحتجاج به، فثبت أن الصحيح أن تصفه بصفة الملائمة للقبول ليكون من باب ما يمكن إثباته على الخصم بدليل يمكن الوقوف عليه والوصول إليه بالتمسك بالعلل المنقولة، ولا يجوز العمل به قبل الملائمة لأنه أمر شرعي لا عقلي فما لم يكن من قبيل ما جاء به الشرع لم يصر حجة كالشهادة لا تصير حجة إذا قال: أخبر أو أعلم ولم يجز العمل به.
وإذا ثبتت الملائمة لم يجب العمل به قبل العدالة كما قاله الشافعي رحمه الله فيما مضى.
وكما لا نعمل بشهادة الشاهد إلا بالعدالة والفرق الذي ذكره بعض أصاب الشافعي بين الشاهد والوصف ليس بشيء لأن حال الشاهد إن احتلمت خيانة فيما ائتمن على ما قال، فصار الكذب محتملًا خبره فلم يصر حجة إلا بدليل يقطع الاحتمال ظاهرًا بقدر الإمكان، فكذلك حال الوصف في نفسه مع صلاحه احتمل أن لا يكون علة لأن العلة في كونها موجبة، وما لنا عليه دليل الموجب سوى الاستشهاد بأصل ثابت احتمل وجود الحكم فيه مع هذا الوصف اتفاقًا لا علة.
ألا ترى أنه لا يكون علة إذا قام دليل الرد كاحتمال الشهادة الكذب ما بينهما فرق إلا من حيث أن احتمال الكذب من الشاهد في أداء الشهادة، وههنا من المعلل في تعيينه ذلك وصفًا احتمل أن لا يكون واجب العمل به فثبت أنه لا بد من دليل يرجح احتمال الصواب على الغلط، وذلك في بيان التأثير لما ذكرنا أن ما لا يوقف عليه من طريق الحسن وجب الاستدلال عليه بأثره، وكذلك العلل الحسية إنما عرفت بآثارها.
ألا ترى أن الحد فيه ما يتغير به حكم الحال، والتغير أثر العلة لا محالة.
ألا ترى أن عدالة الشاهد إنما تثبت بأثر دينه في منعه عن ارتكاب ما اعتقده حرامًا بدينه، فاستدل به على منعه عن الكذب الذي هو حرام في دينه فتعرفنا العدالة بأثر ظهر من دينه فيما وقفنا عليه من أفعاله لا بعدم، فكذلك عدالة الوصف إنما تثبت بأثره في إيجاد مثل هذا الحكم في موضع آخر بالإجماع ليصير الأثر الموجود دليلًا على نظيره، ويكون استدلالًا بوجود معلوم لا بعدم ولا بشيء لا يطلع عليه ولا تجوز المحاجة به.
(1/311)

ولأنا ذكرنا أن الحكم يوجد مع العلة ويطرد معها.
وكذلك يطرد مع الشرط ويوجد معه فلا بد من دليل آخر غير الوجود يميز بين الشرط والعلة، وذلك في الأثر فإنه لا أثر للشرط في إيجاب الحكم وللعلة أثر، قالوا: ولأن رأس الحجج معجزات الأنبياء ولم تعلم إلا بآثارها في الوقوع فوق معتاد البشر فتبين بتلك الزيادة أنها من الله تعالى ومضافة إليه لا إلى العبد.
وأما الجواب عن قوله: إن الأصول مزكون كالرسول صلى الله عليه وسلم، فلا كذلك بل هم شهود مثل الأصل المعلل أو كالرواة للخبر، وصحة الوصف كصحة متن الخبر وصحة المتن لا تثبت بكثرة الرواة فكذلك صحة الوصف لا تثبت بكثرة الأصول والشاهد لا يكون معدلًا لشاهد وكيف يعدل الأصل الأصل، وما له علم بأثر الوصف في نظير ذلك الحكم، وليس للمعدل في باب الشهود أن يعدلهم إلا بعد الوقوف على أثر دينهم في منعهم عن الحرام مثل حرمة الكذب، ولهذا جوزنا الخصوص على العلل بأن توجد، ولا حكم لأنا لم نجعل دليل صحتها اطرادها لتفسد بزوال الإطراد بل جعلنا دليل الصحة معنى هو مؤثر في الحكم صار وصفًا لما هو ركن العلة فيجوز وجود الركن بدون ذلك المعنى.
ولا حكم له معه كما جاز وجود النصاب قبل الحول.
ولا وجوب معه فتبين بانعدام الحكم عند انعدام المعنى المؤثر، إن هذه الحالة لم تدخل تحت التعليل، بل دخل تحته ما تناوله المعنى المؤثر له كما تناوله الوصف الظاهر ولهذا أسميناه خصوصًا.
فالخصوص بيان أن المخصوص لم يدخل تحت جملة العموم ابتداء بدليل مقارن بخلاف النقض فلا نقض إلا بعد الثبوت.
ألا ترى أنه يمكنه أن يقول: ما ادعيت سوى أن قلت أن هذا الوصف علة وأنه فيما ذكرت علة أيضًا لكن لم يعمل المانع وهو كذا، وقد عدم المانع فيما نحن فيه أو لم يعمل لعدم المؤثر وهو كذا وقد وجد في مسألتنا هذه وأنا لم أدع العمل به إلا مع المؤثر حال عدم المانع.
وزعمت الطردية أن العلل القياسية لا تقبل الخصوص، وسموا الخصوص نقضًا لزعمهم أن الحكم متعلق بعين الوصف فلم يجز وجوده بلا مانع ولا حكم معه وهذا غلط منهم لغة، وشريعة، وإجماعًا، وفقهًا.
أما اللغة: فلأن النقض: اسم لفعل يرد فعلًا سبق على سبيل المضادة كنقض البنيان، ونقض كل مؤلف، ونقض العقد، ونقض كل قول بخلافه والخصوص بيان أنه لم يكن في العموم ألا ترى أن نقيض الخصوص العموم، ونقيض النقض البناء والتأليف.
وأما الشريعة: فلأن التناقض غير جائز على الكتاب والحجج كلها، والخصوص
(1/312)

جائز على عموم النص فتبين به أنه لم يكن داخلًا تحت الجملة، ولم يرد به من الابتداء إلا ما بقي بعد الخصوص لا أن نقض بعد الثبوت.
وأما الإجماع: فإن القائسين أجمعوا أن من الأحكام ما ثبت بالنص بخلاف القياس، فخصت بالنص عن موجب القياس لولا النص لكان الحكم بالقياس بخلاف ذلك، والشافعي يسميها مخصوصة عن القياس ونحن نسميها معدولًا بها عن القياس.
وأما الفقه: فلما ذكرنا أن المعلل ما ذكر شيئًا غير أنه سماه علة، ويمكنه الثبات عليه من غير رجوع مع انعدام الحكم بأن نضيف العدم إلى مانع على ما ذكرنا دون فساد اللغة.
فإن قيل: لو جاز تخصيص العلل لما اشتغل أهل النظر بالجواب كما في العمومات، ولا اكتفي منهم بقولهم: كانت علتي توجب ذلك إلا أني خصصته بدليل ولا يكتفى به بالإجماع.
قلنا: إنما لم يكتف منهم بهذا القدر لأن دعواهم أن هذا الوصف علة قول بالرأي، ويحتمل الغلط فإذا وجدنا الوصف ولا حكم معه واحتمل العدم لفساد العلة، واحتمل لمانع من الصحة لم تثبت جهة الانعدام بمانع بنفس الدعوى حتى يقيم الدلالة عليه بإزاء المانع في تلك الحادثة دون هذه، وكذلك إن أحال على عدم المؤثر.
فأما النص: فلا يحتمل الغلط فلا يبقى لانعدام الحكم مع وجوده النص إلا الخصوص الذي يليق بكلام الشرع فلم يحتج إلى إثبات هذا الوجه بدليل ما فرق بيننا وبينه في الخروج عن المناقضة، إلا أنا خرجنا لمعنى فقهي وهم خرجوا عنه بلفظ سمعي، إلا أن الدفع باللفظ أيسر فإنه محسوس وبالمعنى عسير لأنه باطن معقول فمالت النفوس بهواها إلى الظاهر اليسير فغلبت.
ولعمري لو أنصفوا وعذروا أنفسهم على ترك المعنى الفقهي بسبب الحرج الذي يلحقهم لشكروا من تحقق المشقة، وجاهد هواه حتى وصل إليه ولما صار الظاهر فقهًا، والصورة معقولة بل لأقروا بالخطأ على أنفسهم.
لأن عين الكلمة إنما تكون حجة من صاحب الشرع فأما من غيره فلا، وإنما إلينا استخراج الفقه من كلمات الشرع، وذلك معنى يعقل بلا كلام يسمع إلا أنا لا يمكننا تحقيق المعنى عند السامع إلا بكلام فاضطررنا إليه فصح منا ما يشير إلى معنى ما يعقل دون غيره.
فإن قيل: إن الإحالة إلى المؤثر إحالة إلى ما لا يعقل حده فلم يصح الاحتجاج به، كما قلتم أنتم في الإحالة التي شرطنا نحن.
قلنا: لا كذلك بل الأثر من حيث اللغة محسوس كآثار المشي على الأرض، وأثر الجرح بالأعضاء، وأثر الدواء المسهل من الإسهال ومن حيث الشرع معقول أيضًا على ما
(1/313)

بينا في عدالة الشاهد أنها تعرف بأثر دينه في منعه عن تعاطي ما اعتقده حرامًا في دينه كحرمة الكذب فالأثر وهو الامتناع معقول، وقد دلت عليه العلل المنقولة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين والطوافات عليكم" علل لسقوط النجاسة بضرورة الطواف علينا، فللضرورات أثر في إسقاط حكم الخطاب.
وقال للمستحاضة: "إنه دم عرق انفجر، توضئي لكل صلاة"، علل للوضوء انفجار الدم لأن انفجاره مؤثر في إثبات حكم النجاسة وإيجاب حكم الطهارة.
وقال لعمر وقد سأله عن القبلة وهو صائم: "أرأيت لو تمضمضت بماء مثل مججته أكان يضرك؟ فقال: لا، قال: ففيم إذًا" علل لعدم الفطر بوصف مؤثر وهو المضمضة بالماء من غير ابتلاع لأن الفطر نقيض الصوم، والصوم بالكف عن اقتضاء شهوة البطن والفرج، والمضمضة خالية عن الاقتضاء صورة ومعنى، وكذلك القبلة.
والصحابة اختلفوا في ميراث الجد مع الإخوة وشبهوهم بفروع الشجرة وشعوب الوادي، وتلك معاني محسوسة مؤثرة في معنى القرب فعللوا بمؤثرات وبأوصاف غير مردودة إلى أصل، والوصف بنفسه لا يكون حجة إلا بأن يشهد له الأصول أو واحدًا، ويكون مؤثرًا فلما لم يشتغلوا باستشهاد أصل علم أنهم اعتمدوا التأثير.
وعلى هذا النمط عللنا في الفروع، فقلنا: لا يثلث مسح الرأس لأنه مسح فأشبه مسح الخف. وقال الشافعي: إنه ركن في الوضوء فأشبه الغسل، فكان الصحيح ما قلناه لأن المسح في ذاته أخف من الغسل ويلحق الناس في الغسل من المشقة ما لا يلحقهم في المسح، ولأن صفة المسح قد أثرت في إيجاب تخفيف هذا الركن متى قوبل بالغسل في حق استعمال محله، لأن الغسل لا يتأدى إلا باستعمال كل المحل، والمسح يتأدى بالبعض وكونه ركنًا لم يؤثر في التسوية ذاتًا وقدرًا.
ولأن السنة التي نختلف فيها شرعت مكملة لهذا الركن صفة له كتطويل القراءة في الصلاة والقيام، ولهذا شرعت في موضع الفرض بحيث يتأدى بها الفرض لو ابتدئ بها فيجب أن يؤثر صفة المسح في تخفيف إكماله في حق استعمال محله فيكمل باستعمال المحل مرة واحدة كما أثر في حق الفرض، ولا يكمل الغسل إلا بالاستعمال ثلاثًا وصفة الركنية ما أثرت في التسوية بينه وبين الغسل في حق أصل الفرض فكذلك في حق الإكمال.
وكذلك إذا اختلفنا في صوم رمضان إن نية الفرض شرط أم لا؟
فقلنا: الشرط نية الصوم.
(1/314)

وقالوا: الشرط نية صوم الشهر.
فعللنا نحن: بأنه صوم عين فأشبه النفل، وعللوا بأنه صوم فرض فأشبه القضاء والكفارة فكان المؤثر ما قلناه لأن أصل النية ما شرعت إلا لنفس العمل المأمور به، والمأمور به صوم فرض وليس في رمضان صوم غير فرض فكان عينًا فيه لاسم الصوم فأصابه بعينه بمطلق الاسم واستغنى عن الوصف الذي هو للتمييز بين أنواعه، وأما كونه فرضًا فلا أثر له في شرط نية فوق إصابة المأمور به.
وكذلك متى قلنا: إن الصرورة إذا حج نفلًا كان عما نوى، لأن عمل الحج معلوم باسمه لا بوقته فأشبه الصلاة فكان تعليلًا بوصف مؤثر لأن الوقت محل لأداء الواجب فمتى علم الفرض مسمى باسمه لا بوقته بقي الوقت خلوًا عن تسمية الفرض عند الإيجاب فبقي على ما كان قبل الإيجاب على ما مر في باب الأوقات، وقبل الفرض كان النفل مشروعًا كما في حق الصبي والعبد.
ومتى عللنا خبر تحريم ربا الفضل بالكيل والجنس كان تعليلًا بوصف مؤثر لأن الفضل لا يصير ربًا إلا في مالين صارت المساواة بينهما شطرًا للجواز، والمساواة قدرًا لا تصير شرطًا للجواز في الأموال المتفاوتة خلقة كالثياب والعبيد، فثبت ضرورة شرطها في المتساوية من الأموال كالفلوس الرائجة لا يجوز بيه واحد باثنين، ويجوز بيع واحد بواحد لتساويهما في الرواج، ولما وجب إحالة وجوب المماثلة إلى التماثل وجب التعليل بالوصف المؤثر في التماثل، وهو الجنس ليرتفع به تفاوت المعاني دون الطعم الذي لا أثر له في جعل المطعوم أمثالًا، وإلى الكيل ليرتفع به تفاوت القدر إذا استويا مكيالًا، ويدل عليه أن شرط التماثل فيما لا يقبله محال، ولا يصير المال قابلًا للتماثل حتى يكون في إعداده أمثالًا متساوية.
وكذلك متى قلنا: إن الثيب الصغيرة تزوج كرهًا لأنها صغيرة فأشبهت الذكر والبكر، والبكر البالغة لا تزوج كرهًا لأنها بالغة فأشبهت الذكر والثيب كان تعليلًا بوصف مؤثر لأن الصغر له أثر في إثبات الولاية مالًا، وهذه الولاية من جنسها لأنها من المصالح التي تعلق القوام بها على ما بينا في النكاح، وكذلك قد أثر في حق البكر والذكر.
وكذلك البلوغ له أثر في قطع ولاية الغير في حق المال، وفي حق الذكر والثيب فكذلك في حق النكاح لأن الجنس واحد.
وكذلك متى قلنا: إن نكاح الحر الأمة مع طول الحرة يجوز لأنه معنى يجوز معه هذا النكاح للعبد فيجوز للحر.
قياسًا على جميع ما لا يمنع العبد عن نكاح الأمة من جب وعنة.
وقياسًا على القدرة على الحرة بلا مهر بأن رضيت بغير مهر فإنه لا يمنع نكاح
(1/315)

الأمة، وإن قدر على الحرة لأن الشرع بنى جواز النكاح على الحل ونصف حكمه بالرق حتى جاز للحر أربع نساء ولم يجز للعبد إلا امرأتان فبقي العبد على ما كان في الحرية في حق النصف الباقي لنكاحه، فلا يفارق العبد الحر فيما بقي بل يستويان فيه، وتعليلنا هذا يوجب المساواة.
وكذلك متى قلنا: نكاح الحر المسلم الأمة الكتابية جائز قياسًا على نكاح الحرة الكتابية كان مؤثرًا.
لأنا قد بينا أن الرق لا يفرق بين الحر والرقيق في أصل النكاح كما في جانب الرجال، فإنما يفرق في تنصيف القدر فإن الحر يتزوج أربعًا والعبد ثنتين، فكذلك في جانب النساء يفترقان في تنصيف القدر، ولا عدد لنكاح المرأة لأنها لا تتزوج برجلين فلا يمكن تنصيف القدر من هذا الوجه فأظهر من وجه آخر يشبهه.
فقيل: الحرة تنكح قبل الأمة وبعدها، والأمة تنكح قبل الحرة لا بعدها فأما أن يحرم أصل نكاح الأمة إلا بشرط زائد لا يشترط للحرة فلا وجه لها لأنها في النصف الباقي وهو حال عدم الحرة باقية على ما كانت.
وقد وجدنا ما علل الأئمة من السلف رحمهم الله على هذا النحو فهذا محمد بن الحسن رحمه الله ما علل "لمسائله" إلا بوصف ذكره من غير رد إلى أصل.
والوصف إذا لم يرد إلى أصل لا بد من كونه مؤثرًا حتى يصير حجة.
فقال: إذا قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثًا، ثم طلقها ثلاثًا، ثم عادت إليه بعد زوج، ثم دخلت الدار: لم تطلق لأنه حين طلقها ثلاثًا فقد ذهبت طلاق ذلك الملك كله، وتأثيره أن اليمين بالطلاق إذا لم يضف إلى حدوث الملك لم ينعقد إلا على الطلاق المملوك للحال.
والطلاق الثلاث كل الطلاق المملوك بالملك القائم فلا ينعقد اليمين إلا عليها فإذا أرسلها، فقد فات كل ما انعقد عليه فلا يبقى لأن اليمين لا تبقى صحيحة إلا بتعلق الجزاء بالشرط، فإذا فات الجزاء ولم يبق متعلقًا بطلت اليمين.
وقال في غير موضع: العبد المحجور إذا استودع فاستهلك الوديعة لا يضمن إلا بعد العتاق، لأنه لما أودعه فقد سلطه عليه والتسليط مؤثر في إسقاط ضمان الإتلاف لا محالة متى ثبت فنحتاج إلى الدلالة لإثباته.
وقال أبو حنيفة رحمه الله فيمن اشترى نصف ابنه: يعتق عليه، ولا يضمن للبائع شيئًا لأنه أعتقه برضاه، والرضا مؤثر في إسقاط الضمان وإنما يحتاج إلى إثباته بدليله.
وقال: المديون لا يلزمه الزكاة لأنا لو أوجبنا الزكاة على المديون لزكي مال واحد
(1/316)

مرارًا في سنة واحدة، وللسنة تأثير في نفي الثناء عن مال واحد بالإجماع، وإنما يحتاج إلى بيان أن القول بإيجاب الزكاة على المديون قول بالثناء.
وهكذا علل الشافعي فقال: لا تقبل شهادة النساء مع الرجال في النكاح ولا في الطلاق لأنه ليس بمال ولم يرده إلى أصل بل أشار إلى وصف مؤثر، وهو أن المال خلق بذله وتكثر المعاملة من الناس في بابه فلو لم تقبل شهادة النساء لأدى إلى الحرج، وقد عدم هذا المعنى فيما ليس بمال.
وقال: الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنه فعل رجمت عليه، والنكاح فعل حمدت عليه، ففرق بينهما بوصفين مؤثرين في الفرق بينهما.
ولم يرده إلى أصل وفي هذه العلل دليل على أنهم رأوا خصوص العلة.
فإن قول الشافعي ليس بمال ينتقض بالولادة والبكارة فإنهما يثبتان بشهادة النساء، وليسا بمال، ولكن بدلالة التأثير تبين أن فصل البكارة لم يدخل لأنه قال: إنما قبلت شهادة النساء في الأموال لضرب ضرورة وبكثرة المعاملات فيه، وقد اشتدت الضرورة في باب الولادة، وإن كانت لا تكثر لأن الرجال لا يحضرونها.
وكذلك الوطء الذي رجم عليه والذي حمد عليه يستويان في إيجاب المهر والغسل على أصله، وقد علل بهما للتفرقة، ولكن بدلالة التأثير تبين أن هذا الحكم لم يدخل تحته لأنه يقول.
أن حرمة الصهرية نعمة علقت بنكاح حمدنا عليه، فلم يجز إثبات هذه النعمة بزنا رجم الإنسان عليه، والرجم دليل على أن سببه عدوان محض لأن الحد يسقط بالشبهات فلا يدخل تحته إلا حكم ليس بنعمة بل محنة من غسل ومهر.
وكذلك تعليل محمد بن الحسن رحمه الله للعبد المحجور إذا استهلك الوديعة فإنه سلطه يبطل بالمأذون، فإن الإيداع لو كان تسليطًا لأسقط الضمان أينما وجد لكن تبين بدلالة التأثير على أن المأذون مخصوص منه، وذلك لأن التسليط غير ثابت نصًا بلا دلالة، وذلك لأن الإيداع إثبات يده للمودع ويد المالك مسلطة على الاستهلاك إلا أنه بشرط الحفظ يحجره عن سائر أحكام اليد، وشرط الحفظ باطل على الصبي أصلًا وعلى العبد ما لم يعتق فبقيت العبرة ليد الملك بلا شرط فلا يدخل المأذون عليه، لأن شرط الحفظ عليه صحيح.
وكذلك التعليل بذهاب كل الطلاق يبطل ظاهره بمن استولد أمته فأعتقها فارتدت –والعياذ بالله- ولحقت بدار الحرب ثم سبيت فملكها الأول عتقت بموته وبالإعتاق ذهب عتاق ذلك الملك كله، والتعليق بالموت قد بقي، ولكن بدلالة التأثير يتبين أنه لم يدخل تحته لأنا أبطلنا بإرسالك الكل التعليق لأنه لا يصح إلا فيما ملك إذا لم يكن مضافًا إلى ملك.
(1/317)

والاستيلاد في غير ملك يوجب العتق إذا مات، وهي في ملكه نحو أن يستولد أمة بنكاح ثم اشتراها ففوت العتق المملوك لا يوجب فوات المعلق بالموت، لأن العتاق المعلق بالموت عتاق عن رق قائم عند الموت وهي في ملكه لا العتاق المملوك قبل ذلك على أن الاستحقاق الأول قد بطل وتجدد لها حق ببقاء النسب حين ما اشتراها ثانيًا، لأن بقاء النسب بنفسه علة عتق من غير اعتبار الاستيلاء السابق، والبقاء شيء يتجدد كل ساعة فيعتبر بيمين تتجدد بعد الملك فيوجب عتاقًا آخر أيضًا.
وبعض مسائل الشافعي على ما نذكر في باب، لا دليل يدل على أنه لا يشترط التأثير.
وقال محمد بن الحسن رحمه الله: الوصي إذا أذن لليتيم في التجارة ثم اشترى منه شيئًا لم يصح لأنه هو الذي أذن له.
وهذا يبطل بالأب فإنه يأذن لابنه ثم يشتري منه فيصح وهو الذي أذن له ولكن بدلالة التأثير يتبين أن فصل الأب لم يدخل تحته، وهو أن الصبي إنما ينفك الحجر عنه بالإذن، والإذن إنما يصح بقدر ماله من الولاية، وما للوصي ولاية شراء مال اليتيم لنفسه فلا يثبت الفكاك عنه بإذنه وللأب هذه الولاية فيثبت الفكاك عنه بإذنه.
فإن قيل: قد ذكرت أن من شرط صحة القياس وجود أصل وفرع، ثم صححته بلا أصل!
قلت: إن أمكنني التصحيح بلا أصل لم أسمه قياسًا وسميته علة ثابتة بالرأي كالقياس، كما قلته أنت في تعليل الأصل بما لا يتعدى، على أن التأثير إشارة إلى الأصل لأني إذا قلت: الصبي المودع لا يضمن إذا استهلك لأنه سلط عليه فمتى أنكر الخصم أن يكون التسليط علة رددته إلى المأذون بالاستهلاك نصًا، وإنما لم نذكره للاستغناء عنه فثبت أن الصحيح هو القول بالمؤثر، وأن العلل بظاهر أوصافها تقبل الخصوص بدلائلها المؤثرة باتفاق من السلف والخلف جميعًا، وأن الاستدلال بصلاح الوصف أو بالعدم استدلالًا بلا دليل، والله أعلم.
(1/318)

باب

القول في الاحتجاج بلا دليل
قال بعض الفقهاء: لا دليل حجة للنافي على خصمه ولا يكون حجة للمثبت، وكان أبي رحمه الله على هذا يحكيه عن مشايخ العراق.
وقال بعضهم: لا دليل، حجة دافعة لا موجبة.
وقال بعضهم: لا دليل، حجة على الخصم لإبقاء ما ثبت بدليل، لا لما لم يصح ثبوته بدليل، وقد دلت عليه بعض مسائل الشافعي.
وقال بعضهم: هذا الذي قاله الشافعي يكون حجة له في حق الله تعالى، ولا يكون حجة على خصمه بوجه وقد دلت عليه مسائل علماؤنا على ما نذكر.
فأما الأول فاحتج بأن أقول الخصومات الخصومة في النبوة والنبي صلى الله عليه وسلم كان مثبتًا، والقوم نفاة وكانوا لا يطالبون بحجة سوى أن لا دليل على النبوة.
ولأن معنى قولنا: لا دليل على النافي لا دليل على المتمسك بالعدم لأن العدم ليس بشيء والدليل يحتاج إليه لشيء هو مدلول عليه، والتمسك به واجب ما لم يقم عليه دليل الوجود، ولهذا كان القول قول المنكر في الشرع.
وأما الآخرون فيقولون: أن عدم الدليل لا يوجب عدمًا، ولا أثر له في العدم على ما مر في باب الوصف الذي هو علة، ولكن يكن دلالة عليه لتعلق الحدث بمحدث ضرورة، فيدل عدم المحدث أصلًا على انعدام الحدث، وعدم الدليل ثابت في حق هذا القائل دون خصمه.
فإن خصمه يدعي قيام الدليل عنده، وقول المنكر ليس بحجة عليه فجائز العلم بالدليل لبعض دون البعض، وجائز الغلط على الذي يدعي قيام الدليل عنده، فلا يثبت الدليل بقوله على النافي ولا يثبت العدم على المدعي بإنكار النافي، فكما جاز الغلط أو الكذب على المدعي جاز الكذب أو الجهل على المنكر فصح إنكاره الدليل للدفع عن نفسه حتى لا يلزمه كلام خصمه، ولم يصلح للإلزام والإيجاب.
وأما الفريق الثالث فيقول: لا دليل لا يكون دليلًا بنفسه، كما أن لا حجة لا تكون حجة بل تكون نفيًا له، ولا زيد لا يكون زيدًا هذا مما لا شك فيه، فلا يمكن أن يدعي أنه حجة أو دليل على شيء ففيه تناقض بين، لكن إذا استند إلى دليل صار ذلك الدليل
(1/319)

دليلًا في الباب للبقاء لأن الثابت بدليله مستغنٍ عن الدليل للبقاء إذا كان في نفسه مما يبقى كالأحكام والجواهر والعلل كالعدم قبل الوجود كان بقاؤه مستغنيًا عن الدليل، وإنما الأعراض هي التي لا تبقى زمانين، وإنما تبقى بالترادف والتوالي فيكون كل جزء منه حادثًا ابتداء فيحتاج إلى علة حسب حاجة الأول إليه في عموم الأزمنة.
وهذا كالنكاح إذا صح، وأوجب الملك بقي بلا دليل، وإذا طلقها فبانت منه بقيت الحرمة بلا دليل، وإذا كان كذلك صار الدليل الموجب للعدم أو للوجود دليلًا على البقاء في عموم الأزمنة محتملًا لخصوص بعض الأزمنة بدليل يغيره كالنص العام دليل على العموم محتمل للخصوص بدليل يخصه، فيكون دليلًا على العموم حال عدم دليل الخصوص.
فكذلك ما نحن فيه يكون الدليل المثبت دليلًا على الثبات في عموم الأزمنة حال، لا دليل على ما ينفيه بعد الوجود أو يوجده بعد العدم قال الله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا} الآية علمنا الله تعالى الاحتجاج بلا دليل لأن الحل يثبت بدليله في الجملة.
وقال الشافعي: الصلح على الإنكار فاسد لأن المنكر متمسك بأصل ثابت بدليله، وهو براءة ذمته في أصل الخلقة عن الديون، فكان إنكاره دليل الوجوب عليه حجة له على خصمه في إبقاء تلك البراءة، فلما ثبتت البراءة على الخصم لم يصح الصلح كما بعد الحلف، وبمثله لو شهد رجل على رجل بأنه أعتق عبده، وأنكر الآخر ثم باعه من الشاهد صح البيع لأنه متمسك بأصل ثابت له بدليله، وهو الملك فصار لا دليل على الزوال حجة له على خصمه فصح البيع منه لزوال سبب الفساد من الجانبين جميعًا بدليل الصحة، كما أفسد في الفصل الأول لقيام دليل.
ثم هذه المسألة تدل على أن الشافعي لم يشترط لصحة العلة التأثير، فقد ألزم الخصم حكم الفساد أو الجواز بقوله: لا دليل عندي على زوال ذلك الأصل، ولا أثر لعدم الدليل عنده على العدم عند خصمه بوجه، بل الانعدام في حق كل إنسان يكون من قبل جهله بالأدلة، وتركه طلبها من طرقها.
وأما الرابع: فمذهبنا، فإنا جوزنا الصلح على الإنكار، لأن قول المنكر ليس بحجة على المدعي، كقول المدعي على المنكر، ولا دليل على شغل الذمة لا يكون حجة للمنكر على المدعي كقول المدعي: المال ثابت بدليله، لم يكن حجة على المنكر فبقي المال ثابتًا في حق المدعي في ذمة المنكر أو يده.
والبراءة ثابتة في حق المنكر على حسب قيام الدلالة عندنا، وهو خبر كل واحد منهما فإنه حجة في حق نفسه دون خصمه، ولما كان المال في حقه ثابتًا يكون خبرة حجة في حقه شرعًا صح اعتياضه وإن عارضه خبر المنكر، لأن ذلك المعارض ليس بحجة في
(1/320)

حق المدعي فبقي الأمر على ما كان قبل المعارضة، كما صح شراء من شهد بالعتق، ثم اشترى وإن كان العتق ثابتًا في حقه، ولهذا يؤاخذ به بعد الملك لأنه غير ثابت في حق البائع فصح بيه البائع، واعتياضه من عبد هو عبد له بخبر هو حجة في حقه لا غير، وإن عارضه خبر المشتري لأنه ليس بحجة عليه.
وهذا لأن لا دليل وإن استند إلى أصل ثابت بدليل، فذلك الدليل الذي أوجب ثبوته لا يوجب بقاءه، بل البقاء لاستغنائه عن الدليل على ما مر في باب النسخ، لكونه مما يبقى أزمنة غير أنه لما لم يكن واجب البقاء.
وكان مما يجوز زواله بما ينفيه احتمل كل ساعة تأتي طريان ما يزيله فيصير قول القائل: قد طرى ما يزيله محتملًا للصدق، كقوله: لم يقم الدليل، فلا يصير حجة على واحد منهما، ولأن الذي اعتمد عدم الدليل لبقائها ثبت بدليله، اعتمد معنى لا يمكنه الإثبات على خصمه فلا يصير حجة عليه.
وإنما قلنا: لا يمكنه لأنه جائز بالاتفاق تفاوت الناس في العلم بالأدلة، وإن يعلم خصمه دليلًا لم يبلغه، ومن ادعى أنه قد علم كل شيء لم يناظر وكان متعنتًا، ولأن دعواه العدم لا يكون حجة على خصمه، كما أن دعواه الدليل لم يصر حجة على هذا نحو ما ذكرنا في الدعوى والإنكار، وهذا كما كان يجوز في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يثبت حكم بدليله ثم ينسخ بدليل آخر فيبلغ الناسخ أقوامًا دون أقوام، فيكون من لم يبلغه الناسخ معذورًا في العلم بالمنسوخ، ولا يكون جهله بالناسخ حجة على الذي بلغه الناسخ، فكذلك الحجج اليوم.
فإن قيل: يكون حجة له في أن لا يلزمه ما يدعيه الآخر ما لم يبرزه.
قلنا: نعم حجة له لا على خصمه، ولهذا صح من الله تعالى الاحتجاج بعدم التحريم على إبقاء الحل لأن الله تعالى هو المحرم، ولا يخفى عليه العدم كما لا يخفى عليه الوجود، فيثبت العدم على السامعين أجمع بقوله تعالى فيلزمهم البقاء على الحكم الأول الثابت بدليله عند ثبوت العدم عليهم بدليله.
وليس هذا من قبيل الاحتجاج بالعموم لأن العمل بعمومه واجب بحقيقة النص، وحقيقته لا تحتمل الخصوص بل توجب العموم على احتمال جواز تركها بدلالة تحمله على المجاز والخصوص فلا يترك حكم الدليل إلا بدليل.
وأما الموجب لثبوت الحكم من نفي أو إثبات لا يوجب بقاءه لأن الإيجاب لم يتناول الأزمة، بل يتناول ما وضع الاسم له، وإنما يبقى لاستغنائه في البقاء عن دليل على ما بينا في باب النسخ، وإذا لم يكن معه دليل على البقاء لم يمكنه إلزامه خصمه بلا دليل إذا ادعى خصمه أمرًا محتملًا، وهو الزوال بدليله دل عليه أن دخول الأعيان تحت النص العام بحكم
(1/321)

النص فلا يخرج إلا بنص، والأزمنة تدخل تحت النص بحكم لا دليل على الانتساخ، لأنه إذا ثبت دام لا بالنص ولكن لعدم ما يزيله إلا بثبوت العدم.
فإن قيل: قال محمد بن الحسن رحمه الله تعالى في كتاب الزكاة حاكيًا عن أبي حنيفة رضي الله عنه: لا خمس في العنبر لأن الأثر لم يرد به.
قلنا: وليس فيه أنه احتج به على من يدعي دليلًا، بل قاله لإبلاء عذره من الكف عن إيجاب الخمس، على أن أبا حنيفة رضي الله عنه قال: لا خمس في العنبر لأنه بمنزلة السمك.
قال محمد: فقلت ما بال السمك لا يجب فيه الخمس؟ فقال: لأنه بمنزلة الماء، وهذا قياس مؤثر لأنا أخذنا خمس المعادن من خمس الغنائم، ولا نخمس الماء في الغنائم فذكر أن القياس لا يوجب الخمس، ولم يرو أثر بخلاف القياس ليعمل به ويترك القياس.
قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: مجهول النسب حر في حق نفسه فإذا ادعى عليه الرق كان القول قوله، وإذا جني عليه لم يجب على الجاني أرش الحر إلا ببينة تقوم على الحرية، لأن الحرية أصل ثابت بدليلها لبني آدم عليه السلام، ولكنها لا توجب البقاء، وإنما تبقى بعدم ما يزيلها من أسباب الرق، والعدم في نفسه محتمل للحال فلم تسقط الحرية في حقه بالاحتمال، ولم يصر حجة على غيره مع الاحتمال.
وقالوا: المفقود لا يرث ولا يورث لأن الحياة أصل، واحتمل الزوال بالموت فلم يسقط حكم الحياة في حقه بالاحتمال فلم يورث، ولا يثبت على غيره مع الاحتمال فلا يرث.
وإذا ادعى الرجل شفعة في دار اشتريت بدار هي في يده، وأنكر المشتري أن تكون الدار له، وادعاها لنفسه لم يثبت للمشتري ما في يد المنكر، ولا تثبت الشفعة للمنكر، لأن المالكية أصل لما استولت اليد عليه وتحتمل الزوال بدليله، فلم تزل المالكية عنه بالاحتمال ولا صار حجة على غيره مع الاحتمال.
وإذا قال لعبده: إن لم تدخل الدار اليوم فأنت حر فمضى اليوم وقال لم أدخل الدار لم يعتق، وإن كان العدم أصلًا لأنه احتمل التغير بالدخول فلم يصر العدم حجة على المولى مع احتمال الزوال بالدخول وهذا لا خلاف فيه.
فإن قيل: إن عدم الدخول غير مقصود حقًا للعبد حتى يقال أنه ثابت بدليله فيصير حجة على غيره، بل المقصود هو العتق، وإنه غير ثابت والملك للمفقود غير ثابت في مال الأب أصلًا لنبقيه بعدم الدليل والمقصود هو الإرث.
وكذلك اليد أصلها يكون بملك، وبغير ملك فلم تصر حجة على الشفيع.
(1/322)

فأما براءة الذمة للمنكر فهو الحق المقصود للمنكر، وقد ثبت بدليله فاستقام إبقاؤها بلا دليل، وهذا كما إذا ثبت الدار ملكًا لإنسان بشراء أقر به المشتري للشفيع ثم أنكر البقاء للحال، وامتنع عن التسليم بالشفعة لم يلتفت إليه لأن الملك ثبت بدليله فبقي حجة للشفيع على المشتري عند عدم يزيله.
والجواب عنه: أن المقصود من الإنكار إذا جاء الصلح عن الدين فساد الصلح وإنه غير ثابت بدليله.
فأما الشفعة فلا تلزم لأن الشفعة من حقوق الملك كالثمرة من حقوق ملك الشجرة، وعند الاحتمال تبقى صفة الملك كما كان في حقه، فكذلك في حقوقه لأنها تبعة.
والذي دل على صحة ما قلنا: أن المدعي بالدعوى يستحق حضور الخصم للجواب ولا يبطل هذا الحق بالإنكار، فإنه لو أنكر مرة ثم غاب، فادعى ثانيًا استحضر ثانيًا فثبت أن الإنكار لا يكون حجة على الخصم حتى يقرنه بدليله، وهو اليمين كالدعوى.
ويدل عليه قوله تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى} إلى قوله: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} فطولبوا بالدليل على نفي الدخول ولم يكتف منهم بعدم الدليل على الاستحقاق، فعلم أن لا دليل ليست بحجة على النفي.
فإن قيل: الأصل في الناس استحقاق الجنة وكان الحرمان حادثًا!
قلنا: لا كذلك فالجنة خلقت جزاء العمل، ولا تكون حقًا ابتداء كالدنيا، ثم لم يكن لا دليل حجة على عدم الاستحقاق، وأما الجواب عن إنكار النبوة، فإن ذلك الإنكار ما كان يصير حجة على الأنبياء صلوات الله عليهم بل كان عذرًا لجهلهم بالنبوة قبل الدليل عليها، والله أعلم.
(1/323)

باب

القول في جملة القائلين بلا دليل مع اعتقادهم بطلان الاحتجاج به
هؤلاء الرهط أربعة أقسام:
أ- المحتجون باستصحاب الحال.
ب- المحتجون بتعارض الأشباه.
ج- المستدلون باطراد الوصف بلا مناقضة على صحة العلة.
د- والمستدلون بعدم الحكم عند عدم العلة على صحة العلة.
أما استصحاب الحال: فنحو قول جماعة؛ لا زكاة في مال الصبي لأن الأصل هو العدم فنستصحبه إلا بدليل، والحقتان قد وجبتا في مائة وعشرين فنستصحب هذا الوجوب بعد الواحدة إلا بدليل.
ونحو قول الشافعي رحمه الله، فيمن اشترى أخاه: أنه لا يعتق عليه لأن الشراء أوجب الملك له فيه فنستصحبه إلا بدليل.
وهذا لأن ثبوت العدم لا يوجب بقاءه ولا ينفي حدوث علة موحدة ولا ثبوت الوجود بعلة توجب بقاءه ولا ينفي قيام ما يعدمه، ألا ترى أن عدم الشراء منك لا يمنعك عن الشراء، ولا يوجب أيضًا دوام العدم بل يدوم لعدم الشراء منك للحال لا بحكم العدم فيما مضى، وإذا اشتريت فهذا الشراء أوجب الملك فلا يوجب بقاءه، وإنما يبقى بعدم ما يزيله، ولا يمنع حدوث ما يزيله.
وحياة الإنسان بعلتها لا توجب البقاء، ولا يمنع طريان الموت ما في هذه الجملة إشكالًا فإذا أراد إثبات دوام الحالة الثابتة في المستقبل بكونه ثابتًا، وهو ما يوجبه بل يبقى لاستغنائه عن الدليل في بقائه كان محتجًا بلا دليل.
ولأن الإجماع ثابت. إن الثابت لا يزول إلا بدليل فكان الاختلاف في الزوال اختلافًا في دليله، فالذي يدعي الزوال يدعي دليلًا والآخر ينكره فلا يكون إنكاره حجة على غيره كدعوى غيره عليه، وهذا كالبعير الزائد على المائة والعشرين.
قال خصمنا: إنه نصاب آخر على عفو الحقتين فيتغير الواجب به.
وعندنا: هو عفو مبتدأ فلا يتغير به الواجب، فلا يكون كينونة المائة والعشرين عفوًا
(1/324)

دليلًا على إبطال الواحدة أن تكون نصابًا، فثبت أن مستصحب الحال متشبث بإنكاره لا بدليل، وإنه من الباب الأول.
وكذلك المحتج بتعارض الأشباه نحو قول زفر: إن المرافق لا تغسل في باب الوضوء لأنه غاية، والغايات قد تدخل وقد لا تدخل فلا يجب الغسل بالشك الثابت بتعارض الأشباه، لأن الشك أمر حادث بين العلم والجهل فلا يثبت إلا بدليل.
وقوله: إن الدليل يعارض الأشباه والأدلة فهذا أيضًا أمر حادث فلا يثبت إلا بدليل.
وقوله: إن الدليل عليه أن الغاية قد تدخل وقد لا تدخل فغير مسلم له فإن جعل بعد الغايات ووجد منها ما يدخل ومنها ما لا يدخل قيل له: أفتعلم أن هذه من أي الجملتين؟
فإن قال: نعم، فقيل له: فلا تشك فيها ولكن ألحقها بنظائرها.
وإن قال: لا أعلم، فقد أقر بالجهل وأنه لا دليل معه فيقال له: فلا تجعل جهلك حجة على غيرك وإن كان ذلك عذرًا لك إلى ربك، وحجة للتمسك بما كنت عليه كما قلنا في لا دليل.
وأما المحتج بالطرد من غير شرط ملائمة الوصف ولا تأثيره فكذلك، لأنه جعل صحة وصفة وجود الحكم معه على الإطلاق في كل أصل لأنه لا يرى الخصوص فالوجود فيما علل لا يكون دليلًا على غيره فإن اجتهد وعد الأصول كان لخصمه أن يقول: عندي أصل آخر يعارضه أو يناقضه.
كما يقول لمستصحب الحال: عندي دليل إزالة وبالاجتهاد قط لا يبلغ منزلة لا تحتمل حقًا ما ينقضه أو يعارضعلته.
وكذلك المحتج لصحة الوصف بالعدم لما ذكرنا في بابه أن العدم لا يوجب أمرًا، وأعدنا القول ثانيًا في هذا الباب وفي الوقوف على هذه الجملة أمر عظيم لا بد للفقه منه، فإن جهل الإنسان بجهله أذم من جهله، فالجاهل متعلم أو معرض، والآخر محاج أو معلم.
فإن قيل: إن الاحتجاج بالأخبار والنصوص صحيح، وثبوت النص حجة لا يوجب البقاء ولا يمنع الانتساخ بنص آخر.
قلنا: أما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحتمل الانتساخ، وعدم ما يوجب نسخًا مبتدأ متحقق فيستقيم دليلًا على بقاء ما كان ثابتًا.
وأما في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فحكم بقائه ثابتًا، على نحو بقاء حكم أصل ثبت اليوم بدلالة استصحاب الحال على ما مر بيانه في باب النسخ فلا جرم لا يكون حجة على من أنكر بقاءه بناسخ.
(1/325)

وكلامنا فيه فمستصحب الحال متمسك بما كان لعدم الدليل على زواله لا لدليل أوجب بقاءه.
والواقف بتعارض الأشباه واقف لعدم الدليل المبين أن الحادثة التي فيها نزاع فرع لما ذكر لا لقيام الدلالة على أنه محتمل في نفسه.
وكذلك المستدل بالوجود على صحة العلة لأنه شرط له وجودًا مطلقًا في كل حادثة، والوجود في الأصل المعلل ليس بسبب للوجود في غيره كوجود الحكم في وقت لا يكون موجبًا للبقاء، وكذلك المستدل بالعدم لما ذكرنا أن العلة إذا عدمت عاد الأمر إلى ما قبلها، وذلك الحكم قبل العلة كان بلا دليل وموجب يتصل بهذه العلة، والله أعلم.
(1/326)

باب

القول في بيان الاعتراضات الصحيحة على العلل المؤثرة من الفاسدة
الاعتراضات الصحيحة أربعة أوجه من الممانعة، ثم أربعة أوجه من المعارضة.
وأما الفاسدة فالمفارقة بين الأصل والفرع بعلة أخرى تذكر في الأصل لا توجد في الفرع.
ووجود الحكم في حادثة عدمت العلة فيها.
ووجود العلة ولا حكم، وكذلك الاعتراض ببيان فساد الوضع فاسد على العلل المؤثرة.
أما الممانعة فصحيحة لأن المجيب إذا ادعى الحكم فلم يسلم له فافتقر إلى دليله فادعى أن الوصف الذي ذكره هو العلة في ذلك فلا بد من إثباته بدليل، وسنذكر وجوهها في باب على حدة.
فإذا ذهبت الممانعة وصحت العلة مؤثرة ثبتت حجة بدليلها المجمع عليه فلا يبقى بعد ذلك إلا الاعتراض بقلب مبطل أو عكس كاسر أو معنى مانع من العمل أو معارضة بقياس آخر على ما نذكرها من بعد.
فأما الترجيح بعد المعارضة من السائل فلإلزام الخصم حجته لا لدفعه عن نفسه ويأتيك لبيان وجوه الدفع فإنها تنتهي بالمعارضة فلا يبقى بعد المعارضة للمجيب على السائل إلزام.
وإنما قلنا: إن المفارقة اعتراض فاسد وقد سماها أهل الطرد "مفاقهة"، وكل المفاقهة في الممانعة حتى يبين المعلل تأثير الوصف فكل الفقه فيه.
فالفقه حكمة باطنة والوصف ظاهر، والأثر باطن فإنه حكم شرعي ثابت به.
فالمفارقة ليست بفقه بل هو جدال ومراء، وذلك لأن ذكر السائل علة أخرى تعدم في الفرع لا تدفع علة المجيب في الأصل لجواز أن يكون الأصل معلولًا بعلتين فإذا لم يدفع لم يقع بذكرها ممانعة.
ولم يقع الاختلاف في حكم علة ذكرها السائل ليسمع منه لإلزام حكمها فيصير ذكرها لغوًا لا فقهًا.
(1/327)

ولأنه لم يصنع شيئًا بما ذكر في الفرع المختلف فيه إلا إن أرانا عدم علة ذكرها في الفرع.
والعدم لا يوجب عدم الحكم على ما مر ولا يكون حجة موجبة وإنما يكون دليلًا على عدم حكمها حال عدم سائر الحجج.
فأما حال قيام حجة أخرى فلا وقد ذكر العدم ههنا حال قيام حجة أخرى فهذا الرجل بهذه المفارقة أراد دفع الحجة بعدم الحجة وإنه غاية في الجهل، وسلم ابتداء أن ما احتمل لا يكون حجة بالدعوى وإنه غاية في الغباوة.
وكذلك بيان فساد الوضع اعتراض فاسد على العلل المؤثرة.
لأن التأثير لا يثبت إلا بدليل مجمع عليه ودعوى فساد الوضع دعوى أن الوصف نابي عن هذا الحكم ودعوى النبوة بعد ثبوته مؤثرًا لا يتصور.
وكذلك دعوى المناقضة لأن المناقضة حدها أن توجد العلة على الوجه الذي جعلت علة بلا مانع ولا حكم معها فيكون بمنزلة إنكار الشاهد شهادته، وهذا لا يتصور بعد ثبوت التأثير بدليل مجمع عليه لأن الإجماع أو النص لا يرد عليه نقض، ولكن قد يمتنع عن العمل به لمانع، وكذلك الاعتراض بوجود الحكم ولا علة لما مر أنه جائز ذلك بعلة أخرى، وأن عدم العلة قط لا يوجب عدمًا، والله أعلم.
(1/328)

باب

القول في بيان صحيح الممانعة من فاسدها
قال القاضي رضي الله عنه: الممانعة أساس المناظرة من جانب السائل وبها يتبين الحوار والمجيب من السائل والملزم من الدافع.
وإن السائل ما دام في حد السؤال فلا تستقيم المحاجة منه إلا بما يدفع المجيب عن نفسه، ويمتنع به عن الإلزام لأن السائل هو الجاهل في الأصل مسترشد بدليل يلزمه.
وعلى هذا يتبين المحاجة بين المدعي والمنكر في حقوق الناس، المنكر دافع ولا يقبل منه إلا ما يدفع المدعي عن نفسه حتى قالوا جميعًا: إن بينة المنكر لا تقبل على إنكاره وإنما تقبل حيث تقبل إذا جعل نفسه مدعيًا ملزمًا، فكذلك السائل متى ادعى الحكم، وسمع منه سمعت حجته المثبتة كما يسمع من المجيب.
فنحتاج إلى بيان أقسام الممانعات الصحيحة وهي أربعة:
الممانعة في نفس الحجة التي يذكرها المجيب أهو حجة أم عدم حجة في نفس الوصف الذي يدعيه المجيب حجة أموجود هو أم لا؟
ثم في شروطه.
ثم في كينونته واجب العمل به.
ثم بعد ذلك يحتاج إلى مدافعة الحجة لا الممانعة.
أما الممانعة في نفس الحجة فلما مر من قبل أن كثيرًا من وجوه حجج الناس ترجع إلى لا دليل فإذا ثبت أنه من جملة ما هو صالح دليلًا فلا بد من إثبات الوصف في الأصل والفرع جميعًا لأنه ركنه.
ثم شروط الصحة لما مر أنها سابقة على دليل وجوب العمل به، ثم دليل التأثير الذي يجب العمل به فتتم العلة عاملة عندها، وكل هذه الممانعات تتم بالإنكار ومطالبة الدليل.
فأما إذا اختلطت بدعوى أمر خرجت عن حد الممانعة إلى حد المعارضة، ولن يكون ذلك إلا بعد ترك الإنكار إلى الدعوى، وتسليم حجة الخصم فيكون ذكره فاسدًا في جملة الممانعات، ومثال ذلك أن السائل متى قال للمجيب بعد التعليل: إن الذي ذكرته ليس بعلة كانت ممانعة.
(1/329)

وإذا قال: إن العلة في الأصل غير الذي ذكرتها كانت دعوى، وكانت فاسدة لأنه لا معارضة فيها ولا مدافعة على ما مر.
وكذلك إذا قال: إن العلة ما ذكرته ولكن بزيادة وصف لأنه لما زعم أنها ذات وصفين فقد أنكر أن يكون الوصف الواحد علة، وإنه يستغني عن ذكر وصف آخر لتصحيح إنكاره، ثم العبرة في هذا الباب للدعوى، والإنكار حكمًا لا لفظًا لأن الألفاظ قوالب، وإنما اعتبرت شرعًا وعقلًا لما فيها من أحكامها ومثال ذلك: البكر إذا تزوجت، ثم اختلفوا؟ فقالت البكر: بلغني الخبر فرددت، وقال الزوج: سكتت، فالقول قول المرأة عندنا.
وقال زفر: القول قول الزوج لأنه ينكر الرد والمرأة تدعي الرد، إلا أنا نقول هذا صورة فأما من حيث الحكم فالملك يثبت عليها بسكوتها ويمتنع الثبوت بردها، فهي تنكر الملك عليها بدعوى الرد فكانت منكرة حكمًا، والله أعلم.
(1/330)

باب

القول في القلب والعكس
القلب عند أهل النظر على وجهين، وكذلك العكس فيكون وجوهًا أربعة:
أما القلب فتفسيره لغة: جعل الأعلى أسفل أو البطن ظهرًا، يقال: قلبت الإناء؛ إذا نكسته، وقلبت الجراب: إذا جعلت باطنه ظاهره.
والعرب تقول: قلبت الأمر ظهرًا لبطن، وقلب العلة مأخوذ من هذين المعنيين، وهو نوعان:
أحدهما: جعل المعلول علة من قلب الإناء، وهذا مبطل للتعليل لأن العلة موجبة، والمعلول هو حكمة الواجب به كالفرع من الأصل لم يجز أن تكون العلة حكمًا، والحكم علة فلما احتمل الانقلاب دل على بطلان التعليل.
ومثاله: تعليل مخالفنا لإيجاب الرجم على الكفار بأنهم جنس يجلد بكرهم مئة فيرجم ثيبهم قياسًا على الأحرار من المسلمين، وعكسهم العبيد لما لم يرجم ثيبهم لم يجلد بكرهم مئة، فيقال لهم: إن المعنى في الأصل أنهم جنس رجم ثيبهم فجلد بكرهم مئة.
ولذلك قالوا: إن القراءة لما تكررن فرضًا في الأولين تكررن في الآخرين كالركوع.
فيقال لهم: لا بل لما تكرر الركوع فرضًا في الآخرين تكرر في الأولين، وهذا القلب إنما يتحقق فيما إذا جعل الحكم علة لحكم أن كل واحد منهما كما استقام علة، استقام حكمًا.
فأما إذا جعل الوصف علة، فلا يحتمل القلب لأن الوصف لا يصلح أن يكون حكمًا بوجه.
ثم المخلص عن هذا القلب بأن يجعل أحد الحكمين دليلًا على الآخر لا علة له، وهذا إنما يستقيم إذا ثبت أنهما نظيران شرعًا فيدل ثبوت أيهما كان على الآخر، كتوأمين عتاق أيهما كان من الأصل يدل على عتاق الآخر، ورق أيهما كان من الأصل يدل على رق الآخر.
كقولنا: كل عبادة تلتزم بالنذر التزمت بالشروع لأنهما سببا تحصيل قرب زوائد شرعًا سواء.
(1/331)

والقربة لله تعالى لا تحصل إلا واجب الإمضاء قربة، ولذلك لا يحل الرجوع فيها بعد الأداء.
وكذلك من ولي عليه في ماله ولي عليه في نفسه، ومن يول عليه في ماله لم يول عليه في نفسه لن كل واحد من الولايتين نظير الأخرى ثبوتًا على ما بينا في كتاب النكاح.
ولا كذلك جلد البكر مئة فإنه ليس بنظير للرجم لتعلق الرجم بشروط لا يتعلق بها الجلد فلم يكونا نظيرين وكيف؟ وهما لا يجبان إلا في حالين متضادين.
وكذلك القراءة ليست بنظير الركوع في الأصل المعلل لأن الركوع ركن أصلي والقراءة ركن زائد، ولم تكن ثابتة أصلية، وبعد الزيادة لم تشرع كالركوع فإنها تسقط بالاقتداء وبخوف فوت الركعة وسقط شطرها، وهو السورة في الأخرين، وكذلك الركعتان ليستا مثل الأولين في حق القراءة بالإجماع.
وأما القلب الآخر: بأن تقلب الشهادة على خصمك لك من قلب الجراب، فإنها كانت لخصمك عليك ظاهرًا فانقلبت وصارت لك على خصمك، وكان ظهرها إليك فصار الآن وجهها إليك، وأنه يبطل بحكم معارضة فيها مناقضة لأنه لما شهد لك وعليك بحكم واحد فقد عارض بهذا ذاك، بل نقض كل واحد منهما صاحبه فبطلا أصلًا بخلاف المعارضة بقياس آخر، فإنها تخلو عن المناقضة فلا يبطلان ولكن يمنع الحكم بها للاشتباه.
ومثال ذلك قولهم: إن صوم رمضان فرض فيشترط لصحته نية التعيين قياسًا على صوم القضاء.
فنقول: لما كان صوم فرض لم يشترط له نية التعيين بعد التعين إلا أنه إنما يتعين بعد الشروع، وهذا متعين قبل الشروع.
وقالوا أيضًا: إن مسح الرأس ركن في الوضوء فيسن تثليثه قياسًا على الغسل فنقول: لما كان ركنًا في الوضوء لم يسن تثليثه بعد إكمال الفرض بزيادة يجوز بدونها في محل الفرض قياسًا على الغسل، فإنه متى أكمل فرضه بما ليس بفرض في محل الفرض لم يثلث فإن أكمل الغسل بمحل الفرض بالتثليث وبعده لا تثليث، والمسح قد أكمل بالسنة في محل الفرض بالاستيعاب مرة، وأنت تثلثه بعد ذلك.
فإن قيل: إنكم زدتم على وصف الحكم فلم تستقم المعارضة.
قلنا: إنا بالزيادة فسرنا الحكم الذي فيه النزاع، فإن النزاع في التثليث بعد الاستيعاب دون تثليث قدر المفروض من المسح، وفي رمضان كان الخلاف في فرض عين شرعًا ما معه في وقته غيره لا فرض مطلقًا، وإذا كانت تفسيرًا لم يوجب تغييرًا بل أوجب تقريرًا.
(1/332)

وأما العكس لغة فتفسيره: رد حكم الشيء عن سننه، من عكس المرأة إذا نظرت إليها، فإنها ترد حكم نظرك عن سنن مقابلتك إليك حتى ترى بارتداد رؤية عينيك عليك وجهك، كان لك عينًا في المرآة.
وعكس الماء نور الشمس حتى يظهر شعاعه لو كان مقابلة الماء جدار كان في الماء شمسًا.
وهو على وجهين في النظر عكس حكم العلة بقلبها، وهو ضد الطرد نحو قولنا: الصوم عبادة تلتزم بالنذر فتلتزم بالشروع طرده الحج.
وعكسه الوضوء لما لم يلتزم بالشروع لم يلتزم بالنذر، فعكست الحكم بقلب الوصف.
وهذا مما يقوي حكم الاستدلال بالحكم لحكم هو نظيره حيث استويا ثبوتًا طردًا وسقوطًا عكسًا.
وأما الآخر فرد الحكم إلى خلافه لا على سننه بل بسنن غير سننه كقولهم: الصوم نفل قربة فلا يمضي في فاسدها فلا يلتزم بالشروع كالوضوء، وعكسه الحج فيعكس فيقال: لما كان بهذا الوصف وجب أن يستوي عمل النذر والشروع فيه قياسًا على الوضوء، فإن الشروع فيه لا يلزم لما لم يلزم نذره وههنا يلزمه النذر، فكذلك الشروع وهذا عكس ضعيف في الاعتراض لأنه قلب في الحقيقة بحكم آخر نصًا.
والقلب بحكم آخر باطل نظرًا لأنه لا مناقضة إذا اختلفا، ولأنه جاء بحكم مجمل لا يتصل بالمسألة إلا بعد البيان وليس ذلك للسائل، ولأن الحكم المفسر أولى من المجمل ولأن الاستواء بين الحكمين في الأصل من حيث سقوطهما، وفي الفرع من حيث ثبوتها، والحكم هو المقصود من إثبات الاستواء المجمل لا عين الاستواء، ومتى فسر الحكم كان على التضاد، والله أعلم.
(1/333)

باب

القول في الموانع
الموانع أربعة:
أ- مانع يمنع انعقاد العلة.
ب- ومانع يمنع تمامها.
ج- ومانع يمنع أصل الحكم.
د- ومانع يمنع تمام الحكم.
والوجوه كلها تتبين حسًا في الرمي فإنه قتل إذا أصاب، والرامي يلزمه أحكام القتل، والرمي عبارة عن فعل الرامي، وله حد معلوم وهو إغراق القوس بسهمه وإرساله.
ثم انقطاع الوتر أو انكسار القوس مانع يمنع انعقاد العلة حتى إن شيئًا من حكم الرمي لا يظهر مع هذا المانع من مضي السهم، أو إصابته شيئًا بقوته، وجدار في مسافة مرور السهم يعارض السهم فيمنعه من المرور.
ومانع يمنع تمام العلة لأن الفعل انعقد رميًا لكن الرمي إنما يكون قتلًا إذا أصاب المرمى بامتداد السهم إلى المرمى بقوته.
وهذا المانع منع تمام الامتداد إليه فيمنع تمام العلة والدرع.
والترس على المرمي مانع أصل حكم العلة لأن السهم لما امتد إليه فقد تمت العلة، وكان من حكمه الجرح الذي هو قتل وهذا المانع منع أصل الحكم.
والمداوات بعد الجرح حتى التئام الجرح مانع يمنع تمام حكم العلة فالجرح إنما يتم قتلًا إذا سرى ألمه إلى الموت فما يقطع السراية يكون مانع تمام حكم العلة.
ومثاله من العلل الشرعية الإبل السائمة جعلت علة لوجوب الزكاة والصرف عن جهة الأسامة إلى وجه آخر عند التملك يمنع انعقاد العلة وهلاك السائمة في أثناء الحول يمنع تمام العلة.
وكذلك زوال صفة السوم في أثناء الحول والدين يمنع أصل حكم العلة، وغيبة المالك عن ماله تمنع تمام حكم العلة فإن الزكاة لا تجب ولا يطالب بالأداء حتى يصل إلى ماله.
(1/334)

وكذلك البيع علة لإيجاب الثمن والمثمن.
والإضافة إلى الحر يمنع أصل الانعقاد عليه والإضافة إلى مال الغير تمنع التمام فإنه في حق المالك كأنه لم ينعقد لعدم ولاية العاقد عليه.
وشرط الخيار يمنع أصل الحكم فالبيع قد انعقد في حقهما على التمام، وإنما امتنع الحكم بالخيار لتعلق الثبوت بسقوطه وخيار الرؤية والعيب يمنع تمام الحكم فإن الحكم وهو الملك يجب غير لازم.
وكذلك الأجل فإن الثمن يملك مع الأجل، ولكن لا يجب المطالبة به.
فهذا باب لا بد للفقيه منه فإن الحكم ينعدم بهذه الوجوه المختلفة والعدم لعدم العلة أو لنقصانها غير العدم لمانع، فلا يمكن رد الفروع إلى نظائرها إلا بعد معرفة حد العلة شرعًا ثم الموانع الطارئة عليه.
ألا ترى أنهم قالوا أن ابن السبيل إذا عجل الزكاة قبل أن يصل إلى وطنه صح لأنه لا مانع عن أصل الحكم، وهو الوجوب فصار أداء بعد الوجوب فصح.
ولو عجل وعليه دين لم يكن زكاة بل كان نفلًا لأنه منع أصل الوجوب فلا يصح الأداء قبل الوجوب.
وكذلك لو عجل الزكاة قبل حولان الحول وهلك المال قبل المضي، لم يكن زكاة لأن الحول منع أصل الوجوب، ولو عجل العبد الصلاة لأول الوقت وحده، ولم ينتظر الجماعة كما أمر بالتأخير إليها صح لأن الوجوب قد حصل، وإنما أمر بالتأخير إلى جهة هي أفضل، والله أعلم.
(1/335)

باب

القول في أقسام المعارضات الصحيحة والفاسدة
قد مر تفسير المعارضة فيما مضى وحدها، وهذا الباب لبيان أقسامها في باب المقاييس وتمييز الصحيح من الفاسد منها.
المعارضة نوعان: نوع في علة الأصل، والثاني في حكم الفرع.
فأما الذي في حكم الفرع: فأنواع خمسة:
معارضة بضد ذلك الحكم نصًا في ذلك المحل.
أو بضرب تغيير تفسير للحكم المختلف فيه وتقريره إياه.
أو بضرب تغيير فيه إخلال بالحكم المختلف فيه.
أو نفي لما لم يثبته الأول.
أو إثبات لما لم ينفه الأول.
ولكن تحته معارضة للأول.
أو إثبات للحكم الأول في غير محل الأول.
والمعارضة في علة الأصل أنواع ثلاثة:
معارض بعلة أخرى غير متعدية.
أو متعدية إلى فروع اختلف في الحكم بها.
أو متعدية إلى فروع اتفق على حكمها، فتصير الجملة ثمانية أنواع، خمس منها صحيحة أو فيها معنى الصحة، وهي التي تكون في حكم الفروع، وثلاث منها فاسدة أصلًا، وهي التي تكون في علة الأصل.
فأما الصحيح بأصلها فالنوعان الأول نحو قولهم: المسح ركن من الوضوء فيسن تثليث وظيفته كالغسل.
وقولنا: أنه مسح فلا يسن تثليثه كالمسح على الخف فيكون نفيًا لما أثبته الأول بعينه في محله.
وقولنا: إنه ركن من الوضوء فلا يسن تثليثه بعد إكمال الفرض في محله قياسًا على الغسل معارضة بزيادة هي تفسير للحكم المتنازع فيه فيكون صحيحًا.
(1/336)

وأما النوعان اللذان بعدهما: فالتي فيها منافاة لما أثبته المجيب بضرب تغيير فصحيحة من وجه نحو قولنا: اليتيمة تزوج لأنها صغيرة فيولى عليها نكاحًا قياسًا على التي لها أب.
فيقولون هي يتيمة فلا يولى عليها بقرابة الأخوة قياسًا على ولاية المال، فزاد زيادة فيها إخلال بالمتنازع فيه.
لأن النزاع بيننا وبينه في إثبات أصل الولاية على اليتيمة لا في تعيين مستحق الولاية فنحن أثبتنا أصل الولاية، وانه نفى أصل الولاية بسبب خاص فلم يعارض تلك الجملة.
ولكن قد عارض البعض فإن الخلاف ثابت في ولاية الأخ وغيره.
ولأنه يقول تحت ثبوت هذا نفي لما تقولونه لأنا بهذا نفينا ولاية الأخ، وولاية من وراءه منفية بالإجماع بالأخ.
وأما النوع الرابع فالعكس الذي ذكرناه نحن قولنا: أن الكافر يملك بيع العبد المسلم فيملك شراءه قياسًا على المسلم.
وقولهم لما ملك بيعه وجب أن يستوي حكم الشراء والتقرير عليه كالمسلم ثم هذا لا يقر على الملك بل يرد عليه.
فكذلك يرد شراؤه وهذه فاسدة لأنا لم نعلل للتفرق بينهما لتكون التسوية معارضة بل حكم علتنا جواز الشراء.
والتسوية بين الشراء والإدامة حكم آخر لم نتعرض له، غير أنه تجنب هذه التسوية دفعًا للحكم الأول من وجه على سبيل البناء [وليس للسائل البناء]، فتصلح مثل هذه المعارضة لترجيح العلة التي لا تنعكس على التي انعكست هكذا. وأما المعارضة ابتداء فلا على ما مر في باب العكس.
وأما النوع الخامس فنحو قولهم، في امرأة لها زوج غائب فنعي إليها فتزوجت، وولدت من الثاني، فحضر الأول، فإن أبا حنيفة يقول: الولد للأول لأن فراشه صحيح، وقد ولدت على فراشه فيقول الخصم للحاضر فراش بالنكاح الفاسد وقد ولدت على فراشه لأن المحل.
وإن اختلف فيجب إثبات النسب في محل آخر، وهو نسب واحد نفي للأول لأن الشيء الواحد لا يكون في محلين وهذا كالخارج وذي اليد يقيم كل واحد منهما بينة أن هذا الشيء نتج في ملكي يثبت بينهما معارضة وترجحت بينة ذي اليد.
ولو قال الخارج: هو عبدي ولد في ملكي ودبرته أو أعتقته صار أولى من ذي اليد. .
(1/337)

وأما المعارضات في علة الأصل بعلة أخرى فلغو من الكلام: لأنه جائز اجتماعهما جميعًا علتين في الأصل.
وإذا جاز الاجتماع بلا تدافع لم تقع بينهما معارضة.
ولأن ما لا تتعدى من العلة فباطلة بنفسها عندنا على ما مر وما يتعدى فعدمها لا يوجب عدم الحكم ليثبت بالعدم معارضة في حكم الفرع.
والتعليل كان لإثبات حكم الفرع فالمعارضة إنما تصح بما ينفيه الكلام فيما مضى في باب أن العدم شرط لصحة العلة أم لا وفي غيره، وكذا ما يتعدى إلى فرع مختلف في حكمه نحو قولنا فيمن باع قفيز جص بقفيز جص: أنه ربا لأنه باع مكيلًا بجنسه متفاضلًا فلا يجوز قياسًا على الحنطة.
فيقولون: المعنى في الأصل أنه باع مطعومًا بجنسه، قالوا: وتتعدى علتنا إلى فروع لا يقولون بها كالتفاحة والحبة فمن الناس من زعم أنه ممانعة حسنة لأن المسلمين أجمعوا على ترك القول بهما فصارتا متدافعتين إجماعًا.
والجواب: أنا جمعنا على جواز الجمع بينهما من حيث ذاتيهما فيكون الكيل علة والطعم علة، وغنما نفى كل واحد منهما علة خصمه بدليل قام على فسادها لا بصحة علتها فتكون ممانعة بصحة علته فاسدة بالإجماع، والله أعلم.
(1/338)

القول في بيان الترجيح
أما تفسير الترجيح لغة فإظهار الزيادة لأحد الممثلين على الآخر وصفًا لا أصلًا من قولك: أرجحت الوزن إذا زدت جانب الموزن حتى مالت كفته، وطفت كفة السنجات ميلًا لا يبطل قيام كفتي الوزن، فيكون الوزن باقيًا. ولكن وزن راجح أي مائل بزيادة لو أفردت الزيادة عن الأصل لم يقم بها الوزن في مقابلة الكفة الأخرى، فكان الرجحان عبارة عما يغير صفة الوزن لا عما يقوم به الوزن على سبيل المقابلة.
وضد أرجحت: طففت، فكذلك رجحان العلة على علة يكون من هذا الطريق بما يغير صفة القياس إلى قوة لو انفردت عن العلة لم تكن حجة [مقابلة بما تكون حجة] بنفسها مقابلة للأولى لو انفردت عن أصل علتها. وهذا كالشهادتين إذا تعارضتا وإحداهما مستورة والأخرى عادلة، ترجحت العادلة لأنها صفة الشهادة.
ولا تترجح بزيادة عدد الشهود ولأنها ليست بصفة لما هو حجة من الشهادة بل مثلها، وشهادة كل عدد ركن مثل شهادة الأخرى لا يكون بعضها صفة للبعض.
وكذلك الخبر لا يترجح بخبر آخر يروى، ولا الآية بآية أخرى ويترجح الخبر بكثرة الرواة لأن الحجة هو الخبر المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم، والاشتهار في النقل [وجب قوة ثبوت في النقل الذي به يثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ويصير حجة ويصير] وصفًا للرواية، لأنا نقول رواية مشهورة ومتواترة وشاذة بخلاف الشهادة لأن الحجة قول الشاهد: أشهد، وكلام كل واحد ركن مثل الآخر لا أن يكون وصفًا له، وإنما يترجح بمعنى يرجع إلى الشاهد فيقوى الصدق من قوله: أشهد، فلا جرم أنه يختلف بها أمر الشهادة نحو شهادة الفاسق، والمستور والعدل.
ولهذا لا يترجح القياس بالنص لأن النص متى شهد بصحة القياس صارت العبرة للنص.
وسقط القياس في أن يضاف الحكم إليه في المنصوص نفسه على ما مر أن تعليل النص بعلة لا تتعدى ساقط.
وكذلك لا يترجح الخبر بالكتاب، ولن النص فوق قياس آخر.
وقد مر أن القياس لا يترجح بآخر لأنه لا يصير تبعًا له فبالنص أولى.
ولهذا قالوا: لو أن رجلًا جرح رجلًا جرحًا وآخر جراحات فمات من ذلك، استويا في تحمل ضمان النفس لأن كل جرح علة كاملة لإضافة الموت إليه فلا يكون لزيادة العدد عبرة.
(1/339)

وقد قال علماؤنا رحمهم الله في شقص دار بيع وله شفعاء بأنصباء متفاوتة: كان الشقص المبيع بينهم على عدد رؤوسهم، لأن النصيب وإن قل علة لاستحقاق كل المبيع، فتضاعف ذلك النصيب لا يوجب زيادة إضافة إليه كتضاعف عدد الجرح.
وكذلك قال الشافعي: أن صاحب النصيب الكثير لا يكون أولى فلا تترجح شركته على شركة الآخر إذ لو ترجح لصار الكل له، ولكن قال: يزداد له الاستحقاق كرجلين اشتريا عبدًا بثلاثة آلاف درهم على أن على أحدهما ألفًا وعلى الآخر ألفين كان العبد بينهما أثلاثًا أيضًا كالثمن.
فهذا ليس من باب الترجيح ولكن من باب من يستحق شيئًا بطريقة، والآخر بطريقتين.
وكامرأة ماتت وتركت ابني عم أحدهما زوج فإن الزوج يرث النصف بالزوجية والربع بالعصوبة.
ولا تترجح عصوبته على الآخر بالزوجية لأنها ليست بصفة للعصوبة بل هي علة أخرى فعلمت أن الاتفاق جاري على أن الترجيح لا يقع بمثل العلة الأولى، ولا بما فوقها بل بما يكون وصفًا لها وتبعًا.
والاختلاف في مسألة الشفعة في أن زيادة النصيب هل يعتبر علة أخرى للاستحقاق أم لا؟ فثبت أن حد الترجيح ما يزيد قوة لما جعل حجة ويصير وصفًا له.
وجملة أقسامه في المقاييس تنتهي إلى أربعة:
أ- قوة تأثير الوصف.
ب- وقوة ثباته على الحكم المشهود به.
ج- وكثرة أصوله.
د- وانعدام الحكم لعدمه.
أما قوة التأثير: فإنه صار حجة يعمل بها بتأثيره، فيترجح معنى الحجة برجحان هذا الوصف كالخبر لما صار حجة بالثبوت عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك باتصال الرواية عنه إليه، وهذا الاتصال يزداد قوة بحال الراوي في صلاحه وضبطه، وباتصال الإسناد وانقطاعه وجب الرجحان بما قوى به الاتصال بالنبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: أليست الشهادة جعلت حجة بسبب العدالة ثم لا تترجح بقوة العدالة، فإن بعض الشهود يكون أعدل من بعض؟
قلنا: إن العدالة بالتقوى، والتقوى ليست بأنواع بعضها فوق بعض ليمكن التمييز بينها بأنواعها كأحوال الرواية فإنها متصلة ومنقطعة.
(1/340)

وكذلك أحوال الرواة في الضبط وغيره، والرواية في تواترها وشذوذها طرق شتى ليست من جنس واحد على ما بينا في أبوابها.
وكذلك تأثير العلة إنما يكون بأدلة معلومة متفاوتة الأثر بعضها فوق بعض ممكن العمل بها، ومثال ذلك اختلاف العلماء في طول الحرة هل يمنع الحر نكاح الأمة؟
قال الشافعي: يمنع لأنه استغنى به عن تعريض جزء منه للرق فلم يحل نكاح الأمة لما فيه من إرقاق ولده وهو جزء منه، والإرقاق كالهلاك حكمًا حتى يخير الإمام في الكافر المغنوم بين القتل والإرقاق، فكان حرامًا إلا لضرورة ما، وهو أن لا يجد طول الحرة ويخاف الزنا أو فساد أمر المعيشة، ويقيس بهذا المعنى على من تحته حرة.
ونحن نقول: الطول لا يمنع لأنه يجوز معه نكاح العبد بالإجماع. فإن المولى إذا دفع إليه مالًا يجد به الحرة فتزوج به الأمة يجوز بالإجماع.
ولما جاز معه نكاح العبد الأمة جاز نكاح الحر كذلك قياسًا على وجود الحرة في دار الدنيا، وهذا لأن العبد ما فارق الحر إلا بتصنيف حاله في المعنى القابل لعدد الأنكحة، حتى حل للحر أربع نسوة حرائر ولم يحل للعبد إلا نصفها فأما سائر شروط النكاح من المهر والولي والخلو عن العدة فقائمة، والنصوص لا توجب التفرقة بينهما.
وإذا بقي العبد فيما بقي من النكاح الحلال على ما كان بحكم تنصف السبب لم يجب التفريق بينه وبين الحر في ما بقي من الشروط المانعة المبيحة، وكان هذا الأثر أقوى من أثرهم لأنه أشار إلى إرقاق مائه، وفيه هلاك حكمًا.
والحر له أن يعزل مختارًا بلا ضرورة وفيه تضييع مائه وهلاك حقيقة، فلما لم يحرم السعي إلى الهلاك الحقيقي بلا ضرورة فلأن لا يحرم السعي إلى الهلاك الحكمي بلا ضرورة أولى، فضعف أثر وصفهم بنظيره من الهلاك الحسي الحقيقي فقد شهد عليهم.
وكذلك نكح الأمة الكتابية عندنا حلال للمسلم، وعنده حرام لأنها أمة كافرة فأشبهت المجوسية.
قال: لأن للرق أثرًا في التحريم وكذلك الكفر فإذا اجتمعا التحقا بالكفر الغليظ، أو لأن طول الأمة [من أهل الكتاب والإسلام سواء، ونكاح الأمة] جائز لدفع ضرورة الزنا فإذا وقعت الغنية بالمسلمة لم تحل الكافرة، ولهذا قال: لا يجوز أن تنكح الأمة على الأمة لأن الضرورة اندفعت بالواحدة.
إلا أنا نقول: نكاح الحرة يجوز له مع هذا الدين فكذلك نكاح الأمة قياسًا على دين الإسلام، وهذا لما ذكرنا أن الرق لا يحرم أصل النكاح بل ينصف بقدر الإمكان فلا يتغير حكم أصل النكاح لما بقي النصف على ما كان، وإنما يظهر أثره في القدر ولا قدر لنكاحها من حيث التزوج برجال، كما يتزوج الرجال بنساء ليظهر حكم التصنيف في ذلك
(1/341)

القدر فظهر الأثر فيما يتعدد ويتقدر من حال وقوع نكاحها فإن الوقوع قد يكون ابتداء وقد يكون على حرة.
ولا يلزم نكاح الأمة على الحرة فإن نكاح الحرة لا يمنع نكاح الحرة.
ويمنع نكاح الأمة لأن الامتناع بحكم فوات نصف الحل كما في جانب العبد.
وبيانه: أن التصنيف يثبت في جمع يقبل التجزيء، ولا جمع لنكاح المرأة من حيث الرجال فإنها لا تتزوج برجال، وإنما الجمع من حيث الاجتماع مع الضرة فينصف بالرق فجاز للحرة في الأحوال كلها مع الأمة قبلها أو بعدها، ولم يجز للأمة إلا النصف وهو أن يكون قبل الحرة.
وأما إذا جمع بينهما معًا، وكان عددًا وسطًا فكان يجب أم يتنصف الجواز لو قدرنا، إلا أنه يشيع لأن النكاح لا يتجزأ صحته فشاع كمان طلق امرأته تطليقة ونصفًا يقع اثنتان والأمة تعتد بنصف ما تعتد به الحرة.
وإذا كانت بالقرء اعتدت الأمة بقرءين والحرة بثلاثة لأن القرء لا يتجزأ في تعلق العدة به.
والحر عندنا ينكح الأمة على الأمة لأن العبد يحل له ذلك.
فكذلك الحر فالأثر الذي اعتمدناه في تنصيف ما يبتنى عليه جواز النكاح بالرق من حيث يمكن أثر قوي لم يحتمل بوجه فإن كل شيء يقبل التنصيف بقي النصف منه على ما كان عليه حكم الكل.
وكذلك قولنا: إن الرق سبب منصف للحل مؤثر، فالحرية لها شرف في مقابلة الرق وقد وجدنا لشرف النبوة أثرًا في زيادة إطلاق لعدد النكاح فصح إضافة زيادة الإطلاق، فيما نحن فيه إلى الحرية إظهارًا لشرفها في مقابلة الرق، وقد بينا ضعف أثر في اعتبار الضرورة.
وكذلك بيان الأثر لضم الرق إلى الكفر ضعيف لأنا لا نسلم أن للرق أثرًا فى تغيير شرط الجواز.
وأصل النكاح إنما أثره في قدر ملك النكاح من الوجه الذي يتعدد، ولا عدد إلا في النساء يجتمعن عند رجل فلا يظهر أثر الرق إلا في حال اجتماعهن من الجانبين جميعًا على وجه يظهر به شرف الحرية في زيادة إطلاق.
ولأن منع الكفر النكاح بطريقة غير طريقة منع الرق والعلتان لحكمين مختلفين تمامًا إذا اجتمعتا لم تقو إحداهما بالأخرى.
وكذلك اختلفنا فى إسلام أحد الزوجين وردة أحدهما؟
(1/342)

قال علماؤنا رحمهم الله: إن الفرقة بالردة تقع بنفسها، وفى الإسلام لا تقع إلا بالقضاء إذا أبى الآخر والإسلام لا عبرة للدخول بها.
وقال الشافعي: إن للمرأة تبين بنفس الاختلاف إذا كان قبل الدخول، وتبين بالعدة بعد الدخول لأن الطارئ وهو اختلاف الدينين سبب تعلق به الفرقة بالإجماع، لا على سبيل منافاة أصل الملك حكمًا، فإذا أجمعنا على أنهما إذا ارتدا بقيا على النكاح وردة أحدهما موجودة ويعد الإسلام بعد الدخول الملك قائم لو أسلم الباقي منهما بقيا على النكاح، وما ينافي في أصل الملك حكمًا لا يتصور مع بقاء الملك كالمحرمية وملك اليمين، فصار من هذا الوجه نظير الطلاق فإنه غير مناف لأصل الملك حكمًا، فإنه يراجعها ويبقى الملك مع الطلاق وتتعلق به الفرق فتعلق بالخلو عن العدة.
وقلنا نحن فى إسلام أحدهما: أن الطارئ من السبب وهو الإسلام لا يُضاف إليه الفرق لأنه سبب لعصمة الأملاك دون إزالتها.
ولأن القرار يتوقف على إسلام الآخر لا زوال هذا الإسلام.
وقرار العقد لا يتوقف على قرار ما يوجب قطعه وهذا أثر قوي معقول.
ولا يجوز أن يضاف إلى كفر الباقي لأنه غير حادث، ولكنه دوام لما كان ودوام ما لم يكن قاطعًا لا يوجب قطعًا ضرورة.
فإن قيل: إنما لم يكن كفر هذا قاطعًا مع كفر الآخر دون إسلامه، ألا ترى أنه لم يكن مانعًا لابتداء العقد مع كفر الآخر والآن هو مانع.
قلنا: نعم [يمنع ولا يقطع والنزاع وقع في القطع كأن الحالة لم تتبدل] بأن صار مانعًا يتبدل الحال لا يدل على أنه يصير قاطعًا فإن كثيرًا من الأشياء يمنع ولا يقطع، والنزاع وقع في القطع فصار في حق القطع كأن الحالة لم تتبدل.
فالشافعي أضاف فرقة وجبت عقيب الاختلاف إلى الاختلاف وبين أثره بمنع ابتداء العقد وحرمة الوطء، وإنه ضعيف لأن العدة تمنع الابتداء وتحرم الوطء ولا توجب الفرق.
ونحن قلنا: إن الاختلاف ليس بسبب يوجب الفرقة لما ذكرنا من الدليل، وإنه قوي الأثر مجمع عليه على ما مرَّ، ولما لم يكن الحادث سببًا وجب عليه طلب سبب آخر تحته له أثر في إيجاب الفرق، وما ذلك إلا فوت غرض النكاح فإن هذا الاختلاف يحرم الوطء ويجعلها معلقة، والله تعالى حرم التعليق وجعله ظلمًا يقع على النكاح بانعدام الغرض الذي شرع النكاح له، وأمر بالإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان.
وهذا كما قال الشافعي في الإيلاء بعد المدة: إن الزوج يصير ظالمًا ظلم التعليق
(1/343)

فيوجب التفريق إذا أصر على الظلم، فكذلك ههنا وإذا كان كذلك صار مفوضًا إلى القاضي لأنه فرقة لإزالة الظلم والقاضي ولي لإزالة الظلم عن الناس.
فأما ردة أحدهما فسبب مناف للملك حكمًا فيتعجل الفرقة كملك أحد الزوجين صاحبه أو المحرمية.
وإنما قلنا: إنه مناف حكمًا لأن الردة ليست لقطع ملك النكاح، ولا تملك بملك النكاح وتصح قبل الملك بل لتبديل الدين فإذا وجبت الفرق عقيبها ولها أثر فى إزالة العصمة أضيفت إليها، ولما أضيفت إليها ولم تكن الردة موضوعة لها علمنا أنها وجبت حكمًا أي الشرع حكم بالمنافاة بينهما كملك اليمين مع ملك النكاح، والمتنافيان حكمًا لا يتغير حكم المنافاة بها بالدخول وعدم الدخول.
وقول الشافعي: إنها ليست بمنافية حكمًا لأنهما إذا ارتدا معًا بقي النكاح غير قوي أثره، لأن الردة إن لم تناف حال اتفاقهما في الكفر لم تدل على عدم المنافاة حال الاختلاف ألا ترى أن اتفاقهما في الكفر الأصلي لا يمنع ابتداء العقد، ولا يقطع وحال الاختلاف يمنع بلا خلاف ويقطع عنده فلم تكن إبانة التأثير دليلًا على إفساد ما قلنا بحال الاتفاق قويًا، لما بينا أن لحال الاختلاف أثرًا في إعمال العلل المحرمة حكمًا.
وكذلك إذا قلنا إن عدد الطلاق بالنساء وقالوا: إن العدد بالرجال، لأن الملك لهم فيعتبر بحالهم كابتداء الملك عدد المنكوحات اعتبر بحال الرجل دون المرأة لأن الملك صفة المالك فيعتبر بحاله.
وكملك اليمين يعتبر بحال المالك فيملك إذا كان حرًا ولا يملك إذا كان عبدًا.
وقلنا نحن: الطلاق لقطع الملك الثابت على المرأة فيعتبر عدد القاطع بمحل الملك قياسًا على عدد العتاق يعتبر بعدد ملك اليمين في المماليك لا بالمالك، وهذا أولى لأن الملك يزداد بزيادة المحل المملوك بالمالك والقطع بناء على الملك فإنما يزداد بما يزداد به الملك.
فإن قيل: هذا فيما يتصور الازدياد بالمحل وذلك بزيادة عدد النساء لا بالحرية والرق فملك الرجل في الحرة والأمة واحد.
قلنا: لا كذلك بل ملكه في الحرة ضعف ملكه في الأمة من حيث الحكم، ألا ترى أن القسمة إذا وجبت بين الحرة والأمة بحكم هذ الملك كان للأمة ليلة وللحرة ليلتان فنزلت الحرة منزلة أمتين.
وكذلك العدة التي تجب قضاء لحق هذا الملك على ما بينا في موضعه: يجب على الحرة ضعف ما يجب على الأمة إلا أن التضعيف لا يتبين في أصل الاستحلال لأنه مما لا يتجزأ، ولكن يظهر فيما يتجزأ من الأحكام التي تتفرع من هذا الملك من العدة، والقسم،
(1/344)

فكان الأثر الذي صرنا إليه أقوى من أثره بالملك بل أثر الملك في إطلاق التصرف والحجر لا في قدر عدد المملوك من التصرف المزيل للملك، وإنما الأثر للمحل على ما بينا.
وكذلك مسح الرأس لا يثلث استدلالًا بمسح الخف لأن هذا الوصف يفرق بين جنس الغسل، والمسح في حكم التخفيف فإن المسح أخف منه في نفسه، وكذلك في حكمه حتى تأدى الفرض منه ببعض محله فصار وصف المسح مؤثرًا وضعًا وشرعًا في الفرق بينه وبين الغسل.
وقولهم: إنه ركن فصار نظير الغسل لا أثر له في جعل الركن بابًا واحدًا فيما هو تغليظ لا من حيث نفسه ولا من حكمه.
وكذلك صوم رمضان عندنا يتأدى بمطلق نية الصوم لأنه صوم عين أي ليس معه غيره في وقته فأشبه صوم النفل في سائر الأيام فإنه لم يشرع معه غيره في أصل الشريعة، وإنما يثبت بعوارض وتأثيره أن النية ما شرعت أصلًا إلا لتعيين العبادة عن العادة فلا يشرع زيادة الوصف عليه إلا لتعيين عبادة عن عبادة أيضًا، فإذا لم تشرع العبادة وكانت الواحدة عينًا لم يفتقر إلى التعيين.
وقال الشافعي رحمه الله: إنه صوم فرض فيكون تعيين نية الفرض شرطًا قياسًا على القضاء، لأن للفرضية أثرًا في تغليظ حكمها متى قوبل بالنفل، وإنه ضعيف لأنه أشار إلى أثر مجمل مع اتفاقنا على المساواة بينهما في كثير من الأحكام، واختلافنا في شيء بعينه وهو النية، ونحن بيّنا الأثر في نفس النية فهذا أقوى وجه يجب اعتباره.
وأما الوجه الثاني: وهو قوة ثباته على الحكم المشهود به فلأنه جعل علة لإيجابه فيكون زيادة وجوب الحكم بها رجحانًا من حيث الوصف، مثال ذلك أنا قلنا: إن المنافع لا تضمن بالإتلاف لأن ضمان مثل، والمثل بنبئ عن المساواة إما مطلقة صورة ومعنى أو معنى بالإجماع، والمنافع لا مثل لها فلم يجب ضمان المثل للعجز عن الوصول إليه، كما لا يجب ضمان المثل صورة فيما لا مثل له من صورة، وكذلك المنافع لا تضمن بمنافع مثلها لعدم المماثلة، فكذلك لا يجب من حيث القيمة لأنه لا مماثلة بينهما أيضًا، فإسقاطنا ضمان المثل للعجز عن المثل إسقاط بمعنى مؤثر لأن التكليف مبني على الطاقة في جميع أنواع التكليف.
فحكم هذه العلة يتبعها في جميع أنواع التكليف، ودلالة أنه لا مثل لها أن القيمة دراهم أو دنانير، وهما جواهر والمنافع أعراض.
والجوهر في ذاته خير من العرض لأنه يقوم بنفسه والعرض يقوم بغيره فكان كالتبع له بل وصفًا للجوهر، لأن الجوهر مما يبقى زمانين والعرض مما لا يبقى صفة ذات،
(1/345)

والاتصاف بالبقاء معنى منبئ عن الجودة بل تفاوت ما بين التبع والمتبوع أكثر مما يكون بين الجيد والرديء.
وقال الشافعي: تضمن بالإتلاف لأن المنافع مما تقوم بالعقد، فكذلك بالإتلاف قياسًا على عين المال وأوجب المماثلة بقدر الإمكان.
فإذا لم يمكن إلا بأدنى تفاوت تحمل كما تجب القيمة عن الأعيان وإنما يستدرك بالظن.
والحرز لما لم يمكن إيجاب المثل صورة، وكان هذا التفاوت أولى بالتحمل من إسقاط حق المتلف عليه أصلًا ورأسًا، وهذا حكم لازم فإنا أمرنا بدفع الضرر ما أمكن.
فإذا دار الأمر بين أن يسقط الضمان فرارًا عن إيجاب زيادة متيقن فيها على المتعدي على أضرار بالمتعدي عليه بإبطال أصل حقه، وبين أن يتحمل الزيادة لحق المتلف عليه بعذر العجز كان الأولى ما صرت إليه فالمظلوم أولى بالنصرة ودفع الضرر عنه، وأكثر الضررين أولى بالدفع عند المقابلة.
وقلنا نحن: حكم علتنا من حيث نفي الزيادة عن المتعدي أثبت لأنا وجدنا في أصول الشرع إتلاف مال متقوم لا يوجب ضمانًا كإتلاف الباغي أموالنا ونفوسنا في حال المتعة، وإتلاف الكفار كذلك، ولم نجد تعديًا أوجب الزيادة على المثل بعذر من الأعذار في الدنيا لا في الآخرة بل الزيادة جور لا وجه إليه بحال فكان حكم علتنا ألزم من حكم علتهم.
وهذا لأن في الزيادة جورًا وفي الإسقاط تأخير الانتصاف إلى الآخرة فكان التأخير أهون من إبطال حق المتعدي في الزيادة.
ولأن الزيادة راجعة إلى ما يتبين من حكم الله تعالى، وحكم الله تعالى مصون عن الجور، وأما الضرر فيبقى غير مجبور للمظلوم لعجزنا عن الخبر والعجز عذر لنا.
ثم الظالم مساو للمظلوم في احترام حقوقه إلا من حيث الانتصاف منه له بالمثل والكلام في الزيادة فسقط أثر التعدي فيها، وليس هذا كضمان القيمة عن العين لأنا لا نوجب زيادة بالفتوى بحال، بل نوجب قيمة عدل على الحقيقة فلكل عين متقوم قيمته مثل على الحقيقة عند الله تعالى وإنما يقع التفاوت بقدر ما يقع في استيقاء الواجب لأنه لا يقع مثلًا على الحقيقة، وذلك عمل بما وجب والعمل يلزمنا بقدر الوسع فسقط اعتبار ما ليس في وسعنا دفعه فثبت أنا ما أوجبنا بالشرع زيادة على المثل في موضع.
وكذلك قلنا: ملك النكاح لا يضمن بالإتلاف، وكذلك ملك القصاص، حتى لو شهد شاهدان بالطلاق بعد الدخول أو العفو عن القصاص، وقضى القاضي ثم رجعا لم يضمنا لأن المال ليس بمثل لهذين الملكين لا صورة ولا معنى لأن معنى المال غير معنى ملك النكاح، وملك الحياة.
(1/346)

وكان القياس أن لا تجب الدية مثلًا عن الآدمي بالقتل خطأ إلا أنا أوجبناها بالنص معدولًا به عن القياس فلا يقاس عليه غيره.
وكذلك إذا غصب ساحة فبنى عليها لا ينقض عليه لأن في النقص إبطال ملك قائم بعينه للغاصب بلا عوض وفي الإبقاء إتلاف ملك المغصوب منه بعوض، وهو مالك من وجه على ما بينا في موضعه فكان هذا أهون، ويكون الغاصب متعديًا لا يستوجب زيادة غرْم على مثل ما تعدى، ولا تبطل حرمة ماله بوجه وراء الانتصاف منه.
وكذلك إن صوم رمضان صوم عين من بين سائر الصيام فلا يشترط تعيينه عن سائر أنواعه قياسًا على النقل في غير رمضان.
وقولهم: أنه صوم فرض فأشبه القضاء لأن سقوط التعيين فيما هو عين حكم لازم موجود في المعاملات وسائر الفرائض من الزكوات، وكل عين يتصف بالتعيين وحكم علتهم يختص بصوم فرض لا يدور مع كل فرض على ما بينا أن فرض الزكاة يتأدى بلا تعيين نية الزكاة.
وكذلك فرض الإيمان والشهادة باللسان.
وكذلك فرض الحج على أصله يتأدى بلا نية التعيين فهو قريب من الباب الأول.
ومنه قولنا: إن ربا الفضل حرام للكيل والجنس فيحرم بهما فضل القدر كيلًا، وقولهم حرام للطعم، والحرام فضل القدر ذاتًا في الحبة بالحبة، فإن أجزاء الخلقة على التفاوت كانت علتنا أولى لأن حكمها، وهو حرمة فضل القدر كيلًا لازم معها أبدًا، وحكم علتهم يزول إذا جاءت المساواة كيلًا فإنه حلال مع تيقننا بتفاوت الأجزاء بينهما ذاتًا، والله أعلم.
وأما النوع الثالث: فبكثرة الأصول لما مرَّ أن الوصف هو الحجة بأثره في الحكم لا الأصل فيكون في كثرة الأصول زيادة لزوم الحكم معه من وجه آخر غير ما مرّ، كزيادة صحة الخبر بزيادة الرواة حتى يصير مشتهرًا ومتواترًا، وقلما يوجد نوع ترجيح من هذه الأنواع إلا ويتبعه الآخران.
وأما الرابع: فأخف الوجوه ترجيحًا، وهو العدم لما مرّ أن العدم ل