Advertisement

تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية


الكتاب: تلقيح الأفهام العلية بشرح القواعد الفقهية
المؤلف: وليد بن راشد السعيدان
راجعه وعلق عليه: الشيخ سلمان بن فهد العودة
[الكتاب مرقم آليا] القاعدة الأولى
1 - العبادات الواردة على وجوهٍ متنوعة تفعل على جميع وجوهها في أوقاتٍ مختلفة
اعلم - رحمك الله تعالى - أن العبادات المشروعات نوعان: وذلك التقسيم باعتبار كيفياتها.
الأول: عبادات ليس لها إلا كيفية واحدة لا تتغير ولا تتبدل، فمن أصل شرعيتها شرعت على وجهٍ واحدٍ فقط، كالصلاة المفروضة مثلاً عدد ركعاتها ليس لها إلا وجه وحد، فصلاة الفجر ليس لها إلا كيفية واحدة وكذلك بقية الصلوات المفروضة (1) ، وكذلك صوم رمضان لم يشرع إلا صفة واحدة وهو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
فهذا النوع من العبادات لا يدخل معنا في هذه القاعدة ولا تعلق له بها؛ لأن الواجب فيه هو فعله على هذه الصفة التي شرع عليها فقط.
والنوع الثاني: عبادات شرعت على كيفيات متنوعة، بحيث ثبت الدليل الصحيح بجواز فعلها على هذه الصفة وهذه الصفة، فهذه العبادات هي مناط قاعدتنا التي نحن بصدد شرحها، فكيف نفعل مع هذا النوع من العبادات؟ هل نقول: إن الشريعة متعارضة لأنها فعلت عبادة واحدة على وجوهٍ متنوعة؟ أو نقول: إننا نبحث عن الكيفية المتأخرة حتى تكون ناسخة لما قبلها من الصفات؟ أو نقول: نرجح بين هذه الكيفيات؟ أم نقول: بأننا نختار صفة واحدة منها وندع الباقي؟ هذه أسئلة تتوجه على هذا النوع من العبادات وإليك الإجابة عنها بالتفصيل:
السؤال الأول: هل الشريعة متعارضة بهذا التشريع؟
الجواب: بالطبع لا، فإننا نعتقد اعتقادًا جازمًا لاشك فيه أنه لا تعارض أبدًا بين الأدلة الشرعية الصحيحة؛ لأنها من عند حكيمٍ حميد، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وإثبات التعارض بينها اختلاف وتناقض يجب تنزيه الشريعة عنه فالكل من عند الله، ولو كان من عند غيره لوجدنا فيه اختلافًا وتناقضًا كثيرًا.
__________
(1) يقيد ذلك بما ذكر لأن في صفات الصلاة القوليه والفعليه ما هو مشروع على وجهين أو أكثر.
(1/1)

فهذا السؤال لا يمكن أن يقوله مسلم يعرف كمال الشريعة ويعرف عظمة الله وحكمته البالغة، فهو سؤال باطل ولأننا يمكن أن نجمع بين هذه الوجوه، وإذا أمكن الجمع فلا تعارض.
وأما السؤال الثاني: وهو ادعاء نسخ المتقدم بالمتأخر:
فهو باطل أيضاً؛ لأن النسخ فيه إبطال لأحد الدليلين، ولا يجوز إبطال شيء من الشرع إذا كان العمل به ممكنًا، فلا نقول بالنسخ إلا إذا لم يمكن العمل بكلا الدليلين وهنا يمكن العمل بكلا الدليلين فلا ننتقل إلى النسخ، لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكن، فهذا السؤال باطل أيضًا.
وأما السؤال الثالث: وهو البحث عن الترجيح:
فإن معنى الترجيح هو إبطال الدليل المرجوح إبطالاً تامًا فهو أعظم من النسخ، لأن النسخ إعمال لكلا الدليلين لكن في وقتين مختلفين فالدليل المنسوخ يعمل به قبل النسخ والدليل الناسخ يعمل به بعد النسخ، فالناسخ أبطل الدليل المنسوخ بعد تقرره أعني تقرر الناسخ. وأما الترجيح فهو إبطال للعمل بالدليل المرجوح مطلقًا بحيث أنه يكون دليلاً لم يعمل به قط ولذلك الأصوليون يجعلون الترجيح بين الأدلة متأخرًا في الرتبة عن النسخ إذا جاءوا يجمعون بين الأدلة المتعارضة في الظاهر، فإذا كنا لم نرض بالنسخ فمن باب أولى أننا نبطل سؤال الترجيح.
وأما السؤال الرابع: وهو اختيار أحد هذه الصفات والعمل به وترك الصفات الأخرى:
فهو باطل؛ لأنه ترجيح للصفة المعمول بها ولا مرجح لها؛ ولأن فيه إبطال للصفات الأخرى وهي مشروعة بدليل صحيح وإبطال أو إنكار شيء من الشرع لا يجوز، بل قد يكون كفرًا - والعياذ بالله تعالى -.
فإذا قلت: إذًا كيف العمل في هذا النوع من العبادات؟
(1/2)

أقول: العمل في هذا النوع من العبادات هو ما ورد في هذه القاعدة، وهو أننا نفعل هذه العبادة على جميع كيفياتها وصفاتها الواردة، فلا نترك صفة واحدة، فنفعلها على هذا الوجه تارة، وعلى الآخر تارة أخرى، وهكذا لأن كل صفة منها قد ثبتت بدليل شرعي صحيح وما ثبت بدليل صحيح فإنه يشرع العمل به ولا يجوز إبطاله، وهذا هو الجواب الصحيح الذي لا يجوز غيره ففيه الجمع بين الأدلة الشرعية، وبه تتآلف ولا يكون بينها اختلاف بوجه، إذا علم هذا فاعلم أن هذا التنويع في كيفية بعض العبادات من كمال الشريعة الإسلامية ومصداقاً لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا} ثم اعلم أن هذا القول الراجح أعني فعل العبادة على جميع وجوهها له فوائد كثيرة:
فمن ذلك: حفظ الشريعة وعدم ضياع أو نسيان شيء منها، فإننا إذا فعلنا العبادة على جميع وجوهها نكون بذلك قد حفظنا جميع وجوهها من النسيان وهذا يدخل في إحياء السنن وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من أحيا سنة من سنتي قد أميتت فله أجرها وأجر من عمل بها) .
ومن ذلك: تنويع العبادة على النفس حتى لا تمل فإن النفس غالبًا تحب التجديد وهذه الصفات المتعددة تشبع رغبة النفس في التبديل والتجديد فتكون النفس على نشاطٍ من فعلها دائمًا، فالنفس تحب ما كان متغيرًا متجددًا أكثر من حبها لما هو ثابت على صفة واحدة.
(1/3)

ومن ذلك: دوام استحضار النية عند العمل وعدم أخذه عادة فإن بعض الناس قد اتخذ العبادات ذات الصفة الواحدة عادة لا عبادة؛ لأن جسمه قد تعود على حركاتها فيأتي بها بلا خشوع ولا حضور قلب، كالصلاة مثلاً فبعض الناس قد تعود على حركاتها فتجده يكبر للإحرام ثم يكملها فإذا سلم إذا به لا يعرف ماذا قرأ وهل ركع أو سجد، فلا نية ولا خشوع لكن العبادات التي لها وجوه متنوعة تجعل الإنسان يستحضر صفتها التي سيفعلها عليه قبل الشروع فيها فيأتي بها شيئًا فشيئًا بنية حاضرة وقلبٍ خاشع وهذا مقصد بحد ذاته.
ومن ذلك: نشرها بين الناس حتى لا تنكر فإننا لو داومنا على صفةٍ من صفات هذه العبادة وتركنا ما عداها، بحيث لا يعرف الناس لهذه العبادة إلا هذه الصفة، فإننا لو غيرناها إلى صفةٍ أخرى ثبتت بدليل صحيح فإن الناس سوف ينكرون ذلك فيقعون في المحظور وهو إنكار شيء من الشرع، لكن لو فعلت هذه العبادة على جميع وجوهها وعرفها الناس بجميع صفاتها لما وقعوا فيما قد وقعوا فيه من قبل وهذا واضح محسوس.
ومن ذلك: أننا نعتقد أن الشارع حكيم لا يشرع شيئًا إلا وفيه حكمة بالغة علمها من علمها وجهلها من جهلها، فكل صفة من هذه الصفات لهذه العبادة تتضمن حكمة بالغة فلو اقتصرنا على بعضها دون بعض لفوتنا مصلحة الصفات المتروكة لكن لو فعلنا جميع الصفات فإننا سوف نكون حزنا جميع هذه الحكم والمصالح ولم نفوت شيئاً منها أبدًا وهذا مطمع كل مؤمن عاقل - والله المستعان -.
إذا علمت هذا فاعلم أن هذه العبادات أعني التي وردت على وجوه متنوعة لا تخلو من حالتين: إما أن يسوغ فعل جميع وجوهها في وقت واحد بحيث لا تتنافى مع بعضها لو جمعت كلها في فعلٍ أو وقتٍ واحد.
(1/4)

وإما أن لا يسوغ ذلك، فإن ساغ جمعها في فعلٍ أو وقتٍ واحد فلا بأس أن تفعل جميعًا في وقتٍ واحد كأذكار الركوع والسجود ونحوها (1) ، وإن كان جمعها في فعلٍ أو وقتٍ واحدٍ لا يجوز فإننا نفردها فنفعل هذه العبادة على صفاتها المتنوعة في أفعالٍ أو أوقاتٍ متعددة كالأذان والإقامة على ما سيأتي توضيحه - إن شاء الله تعالى -، إذا علمت هذا فإلى الفروع حتى تتضح القاعدة ويزول الإشكال: فأقول:
منها: الأذان: فهو عبادة وردت بصفتين لا ثالث لها، الصفة الأولى: أذان بلال. والصفة الثانية: أذان أبي محذورة، فأذان بلال هو الوارد في حديث عمر الطويل الذي رواه مسلم، وفي حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي رواه أحمد وأبو داود وغيرهما وهو أذاننا المشهور في بلادنا السعودية – حفظها الله في طاعته – وليس فيه ترجيع، وأما أذان أبي محذورة فقد رواه مسلم وأصحاب السنن إلا أن مسلمًا ذكر التكبير في أوله مرتين ورواه الخمسة فذكروه مربعًا، وهو بترجيع، والترجيع هو قول الشهادتين بصوت منخفض يسمعه القريب ثم إعادتهما بصوتٍ مرتفع يسمعه البعيد، وهو الأذان المشهور في الدولة العثمانية في زمنها، فإذًا السنة هو أن نؤذن بأذان أبي محذورة في وقتٍ أو قطرٍ ونؤذن بأذان بلال في وقتٍ آخر أو قطرٍ آخر ولا يجوز أن يؤذن المؤذن الواحد في الوقت الواحد بأذانين بهذا وبهذا فهذا من البدعة ولكن يُؤَذِّن بهذا تارة وبهذا تارة وهذا واضح.
__________
(1) الإستنتاجات لايشرع جمعها، وألفاظ التشهد وألفاظ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم خلافاً لبعض أهل العلم، كالنووي رحمه الله.
(1/5)

ومنها: الإقامة: فهي عبادة وردت بصفتين، إقامة بلال وهي بالوتر في غير التكبير والإقامة أي في غير قوله (قد قامت الصلاة) وهي الإقامة المشهورة عندنا في هذه البلاد – زادها الله شرفاً ورفعة – وإقامة أبي محذورة وهي كأذان بلال بالضبط، فمن أذن بأذان بلالٍ سن أن يقيم بإقامته، ومن أذن بأذان أبي محذورة سن أن يقيم كإقامته، فنفعل هذه الإقامة تارة وهذه تارة (1) .
ومنها: صفة التورك في التشهد الأخير في الصلاة التي لها تشهدان: فهو عبادة ورد بثلاث صفات: الأولى: نصب اليمنى وإخراج اليسرى مفروشة تحت ساق اليمنى والقعود على المقعدة.
والثانية: فرش اليمنى وإخراج اليسرى بين فخذ اليمنى وساقها.
والثالثة: هي كالصفة الأولى لكن مع فرش اليمنى، وكلها ثبتت بأدلة صحيحة فمن السنة أن نفعل الصفة الأولى في صلاةٍ والثانية في صلاةٍ أخرى والثالثة في صلاة أخرى وهكذا، والله أعلم.
ومنها: صلاة الخوف فقد وردت على وجوهٍ مختلفة ومن السنة فعلها على جميع وجوهها في أوقاتٍ مختلفة وتفصيل صفاتها يطلب من كتب الحديث.
ومنها: مناسك الحج، من إفرادٍ وتمتعٍ وقران، يسن للإنسان أن يفعلها جميعها في سنين مختلفة، وهذا الفرع في النفس منه شيء؛ لأن بعض هذه الأنساك أفضل من بعض بالدليل الشرعي.
ومنها: ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرتين مرتين وثلاثًا ثلاثًا، وبعض الأعضاء ثلاثًا وبعضها مرتين، فيسن أن نفعل هذه الوجوه في أوقاتٍ مختلفة والله أعلم.
ومنها: صفة صلاة الوتر يسن أن تفعل على جميع وجوهها وهي معروفة في كتب الفقهاء.
__________
(1) وفيه صفة ثالثة هي ظاهر حديث أنس في إقامة بلال انظرها في الشرح الممتع.
(1/6)

والفروع كثيرة جدًا، وفيما مضى كفاية - إن شاء الله تعالى -، فمن فهم هذه القاعدة فهمًا جليًا فإنه سوف يحل كثيرًا من الخلافات الفقهية التي يثيرها الفقهاء بسبب تنوع هذه الوجوه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وهو أعلى وأعلم.

القاعدة الثانية
2 - لا يجوز تقديم العبادة على سبب وجوبها ويجوز بعد السبب وقبل شرط الوجوب
وهذه القاعدة أيضًا من القواعد المهمة في الفقه، لكن تنتظر حتى تفهم لمعرفة ما هو سبب العبادة؟ وما هو شرط وجوبها؟ وإليك البيان.
(1/7)

اعلم – رحمك الله تعالى – أن الشروط نوعان: شروط وجوب، وشروط صحة. والمراد هنا هو شروط الوجوب، أي الشيء الذي لا يتم وجوب العبادة إلا به، كالحنث لوجوب الكفارة فالكفارة في اليمين لا تجب إلا بعد الحنث أي مخالفة مقتضى اليمين، وكذلك زهوق النفس لوجوب كفارة القتل فكفارة القتل يشترط لوجوبها زهوق النفس وهكذا، فالشرط الذي تعنيه القاعدة هو ما لا يتم الوجوب إلا به، لا ما لا يتم الواجب إلا به، فإنه قد تقرر في الأصول أن هناك فرق بين الوجوب والواجب، فشرط الوجوب هو الذي يخصنا في هذه القاعدة فإن شرط الواجب هو ما لا يصح الفعل إلا به، كالطهارة للصلاة والإسلام لصحة العبادات، لكن الفعل يجب بدونه فالصلاة تجب ولو لم يتطهر الإنسان، والعبادات تجب على الكافر ولو لم يسلم، لكن لا تصح الصلاة إلا بالطهارة ولا العبادات إلا بالإسلام، وأما شرط الوجوب فهو الذي لا يتم وجوب العبادة أصلاً إلا به، فإذا تخلف فإنه يتخلف وجوبها، وهذا واضح جداً، وأما السبب الذي نعنيه هنا فهو الذي يتوقف عليه جواز الفعل لا وجوبه، أي إذا تحقق فإنه يجوز الفعل لكن لا يجوز قبل تحققه كعقد اليمين فهو سبب انعقاد الكفارة، والجرح الموت هو سبب انعقاد الدية ودخول وقت الأولى من الصلاة المجموعة سبب لانعقاد فعل الثانية منهما، وهكذا، إذا علمت هذا فإن هذه القاعدة لا تدخل إلا في عبادة لها سبب وجوب وشرط وجوب، أما ما ليس له سبب وجوب فلا تدخل معنا كصيام شهر رمضان وصلاة الفريضة التي ليست بمجموعة إلى غيرها.
إذا علمت هذا فاعلم أن العبادة التي لها سبب وجوب وشرط وجوب لها ثلاث حالات:
(1/8)

إما أن تفعل قبل سبب وجوبها، وإما أن تفعل بعد تحقق السبب لكن قبل شرط الوجوب، وإما أن تفعل بعد شرط الوجوب، فإذا فعلت قبل سبب الوجوب فإنها لا تصح؛ لأن وقتها بعد لم يتحقق فكأنه صلى الظهر قبل دخول وقتها، وذلك كمن أخرج الكفارة قبل عقد اليمين فإنها تكون صدقة وليست بكفارة، وأما إذا فعلت بعد سبب الوجوب وقبل شرط الوجوب فإن هذا الفعل جائز، كمن أخرج الكفارة بعد عقد اليمين وقبل الحنث، وأما إذا فعلها بعد شرط الوجوب فإنها تجب حينئذٍ كمن كفر بعد الحنث.
وإذا كانت القاعدة بهذا الشرح لازالت لم تفهم فهاك الفروع حتى تتضح أكثر:
فمن ذلك: كفارة اليمين هي عبادة لها سبب وجوب وشرط وجوب، فلا يجوز إخراج الكفارة قبل عقد اليمين؛ لأنه سبب وجوبها، ويجوز إخراجها بعد عقد اليمين وقبل الحنث لتحقق سبب وجوبها، ويجب إخراجها بعد الحنث؛ لأنه شرط وجوبها. وعلى ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير) فهذا دليل على جواز إخراج الكفارة بعد عقدها وقبل الحنث خلافًا لمن منع ذلك.
ومنها: الصلاة المجموعة كالظهرين والعشائين، يصير وقتهما كالوقت الواحد كما هو معلوم عند الفقهاء، فدخول وقت الأولى منهما أعني الظهر أو المغرب سبب لوجوب فعل الثانية أعني العصر والعشاء، ودخول وقت الثانية شرط لوجوبها، إذًا لا يجوز فعل الصلاة الثانية قبل دخول وقت الأولى، ويجوز فعلها بعد دخول وقت الأولى لتحقق سبب وجوبها لكنها لا تجب، إلا إذا دخل وقتها فتجب حينئذٍ، والله أعلم.
(1/9)

ومنها: كفارة القتل لها سبب وجوب وشرط وجوب، فسبب وجوبها هو الجرح القاتل، وشرط وجوبها هو الزهوق أعني زهوق روح المجروح فعلى هذا، لا تصح الكفارة أعني كفارة القتل قبل الجرح؛ لأنه سبب وجوبها، ولا يصح فعل العبادة قبل سبب وجوبها، ويجوز إخراجها بعد الجرح وقبل الزهوق لتحقق سبب وجوبها، أما إذا زهقت النفس فتجب حينئذٍ (1) ، والله أعلم.
ومنها: الزكاة عبادة لها سبب وجوب وشرط وجوب، فسبب وجوبها هو تمام النصاب، وشرط وجوبها حولان الحول، فعلى هذا، فلا زكاة قبل تمام النصاب لعدم انعقاد سبب وجوبها، وتجوز بعد تمام النصاب وقبل حولان الحول، أما إذا حال الحول فتجب حينئذٍ، وهذه القاعدة تؤيد قول من قال بجواز تقديم الزكاة بعد تمام النصاب لعامٍ أو عامين، والله تعالى أعلى وأعلم.
ومنها: صلاة الجمعة لها سبب وجوب وشرط وجوب، فسبب وجوبها هو يومها وشرط وجوبها هو الزوال فلا يجوز فعلها قبل سبب وجوبها ويجوز بعده وتجب بعد الزوال، وهذا دليل (2) لمن قال بجواز فعلها قبل الزوال كما هو المذهب، ولكن في النفس من هذا الفرع شيء كبير فالله تعالى أعلم.
__________
(1) لا إطعام في كفارة القتل على أرجح قولي العلماء لعدم ذكره في آية النساء وهو الشهور من المذهب فالتفريع على المرجوح، ويمكن إبدال إخراجها بفعلها أي الصيام.
(2) هذا ليس دليلاً لأنه مبني على مذهب الذين يرون جواز إقامة الجمعة قبل الزوال لأدلة من السنة ينازع في مدلولات بعضها ويضعف بعضها، ومن أصح أدلتهم مع قوة سنده فعل ابن الزبير وقول ابن عباس أصاب السنة. حين صلى العيد يوم جمعة ولم يصل حتى العصر ففهم منه أنه قدم الجمعة واكتفى بها عن صلاة العيد. تراجع المسألة في نيل الأوطار.
(1/10)

ومنها: الطهارة عبادة لها سبب وجوب وشرط وجوب، فسبب وجوبها الحدث وشرط وجوبها القيام إلى الصلاة فتجوز الطهارة بعد الحدث وقبل القيام إلى الصلاة وتجب عند إرادة القيام إلى الصلاة؛ لأنه شرط وجوبها، والله أعلم.
وأحسب أنه بهذه الفروع قد فهمت هذه القاعدة فهمًا جليًا وعليها فقس، لكن كما ذكرت سابقًا أن فهمهما متوقف على معرفة سبب الوجوب وشرط الوجوب، والله تعالى أعلى وأعلم.

القاعدة الثالثة
3 - لا ينقض الأمر المتيقن ثبوتًا أو نفيًا بشك عارض
هذه من القواعد الخمس الكبرى، وتدخل في غالب أبواب الفقه وبالتحديد تدخل هذه القاعدة في كل فرعٍ يتجاذبه يقين وشك فتسقط الشك وتحكم باليقين ذلك؛ لأن الشك لا يقوى على رفع اليقين؛ لأنه أضعف منه، والضعيف لا يقوى على رفع القوي ولها أدلة كثيرة من الكتاب والسنة.
فمن ذلك: قوله تعالى: {إنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا} فالحق هو اليقين والظن هو الشك فعاب الله جل وعلا على من اتبع الظنون الكاذبة وترك الحق الثابت بالدليل الواضح.
ومن ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثًا أم أربعًا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن) الحديث، وهو نص في القاعدة فقد أمر بإطراح الشك والبناء على اليقين وهو معنى قولنا: (اليقين لا يزول بالشك) .
ومنه: قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد الله بن زيد عند الشيخين: أنه شكى إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: (لا ينصرف أو لا ينفتل حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) أي فيبقى على يقين الطهارة حتى يتأكد من خروج الريح الناقضة للوضوء وهو نص في هذه القاعدة.
(1/11)

ومن ذلك: حديث أبي هريرة عند مسلم، وعن ابن عباس نحوه عند البزار وكذا للحاكم عن أبي سعيد وغير ذلك كثير، بل والاعتبار الصحيح يقتضي ذلك كما ذكرنا أن الضعيف لا يقوى على رفع القوي؛ لأن ما تيقن ثبوته بدليل أو استصحاب حال، أقوى مما شك فيه أهو ثابت أم لا؟ فإذا سئلت عن سؤال فيه تجاذب بين شيء متيقن وشيء مشكوك فيه، فاعرف أنه داخل تحت هذه القاعدة فأسقط الشك واحكم باليقين، ثم اعلم أن قاعدة الأصول في الأشياء داخلة تحت هذه القاعدة الكبرى، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -.
فإن قلت: إذا كان الشك لا يرفع اليقين فهل يرتفع اليقين بيقين مثله؟
قلت: نعم، إن اليقين لا يزول بالشك لكن يزول بيقين مثله، وغلبة الظن منزلة منزلة اليقين، وعلى ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) أي حتى يأتي يقين آخر أي يقين الحدث ليرفع يقين الطهارة وإلا فهو باقٍ على طهارته ولا مزيد على هذا لكن نضرب بعض الفروع حتى يتضح التطبيق عليها:
فمنها: إذا سئلت عن رجلٍ توضأ للعصر ثم دخل وقت المغرب وأراد أن يصليها فشك هل أحدث أو لا؟ فقل: أنت تيقنت الطهارة الذي هو وضوء العصر، وشككت في الحدث، فأنت على ما تيقنته وهو الطهارة؛ لأن اليقين لا يزول بالشك.
ومنها: شك رجل هل صلى الفجر أو لا؟ فقل: إن اليقين هو أنك لم تصل؛ لأن الأصل عدم الصلاة والشك حصل في وجودها فنبقى على الأصل الذي هو عدم الصلاة واليقين لا يزول بالشك فعليك أن تصلي الآن.
ومنها: رجل أكل شاكًا في طلوع الفجر فإذا هو قد طلع، فقل له: إن اليقين هو بقاء الليل وطلوع الفجر مشكوك فيه واليقين لا يزول بالشك فالأصل بقاء الليل فصيامك صحيح لأنك عملت باليقين (1) .
__________
(1) هذا هو الراجح خلافاً للمشهور من المذهب.
(1/12)

ومنها: رجل تيقن النكاح وشك في الطلاق، فنقول: اليقين هو النكاح والمشكوك فيه هو الطلاق، فأنت على نكاحك؛ لأن اليقين لا يزول بالشك.
ومنها: شك إنسانٌ هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فنقول: اليقين هو أنك صليت ثلاثًا والركعة الرابعة مشكوك فيها والأصل عدمها فعليك أن تجعلها ثلاثًا وتسجد للسهو قبل السلام (1) وعلى ذلك دل حديث أبي سعيد عند مسلم.
ومنها: طاف وشك هل طاف سبعًا أو ستًا فاليقين أنه طاف ستًا والسابع مشكوك فيه فيزيد واحدًا، والقول الجامع في هذا هو أن كل شيء الأصل عدمه وشك في فعله فيحكم بعدم الفعل (2) ، وكل شيء الأصل ثبوته وشك في عدمه فالأصل بقاؤه. وعلى ذلك فقس، والله تعالى أعلى وأعلم.

القاعدة الرابعة
4- لا يعتبر الشك بعد الفعل ومن كثير الشك
هذه القاعدة فرع من القاعدة السابقة وخلاصتها: أن الشك يصدر من أحد رجلين، إما أن يصدر من رجلٍ كثير الشك فهو مريض بالوسواس - والعياذ بالله - من ذلك، وإما أن يصدر الشك من رجل معتدل الشكوك.
فالأول: شكه غير معتبر وليس معمولاً به أبدًا لأن مراعاة شك هذا الرجل وبال عليه وتكليف له بما لا يطاق وتكليف ما لا يطاق منتفٍ شرعًا، بل يعالج هذا الرجل بعدم الالتفات إلى شكه بل يفعل الفعل بجزم وحزم ولا يفكر في أي شك يتطرق إليه، إذًا شك كثير الشكوك ليس بمعتبر أي لا نبني عليه حكماً.
__________
(1) إلا إذا كان عنده غلبة ظن فليتحرى ويعمل بغلبة ظنه كما في حديث ابن مسعود وهو في الصحيح راجع الشرح الممتع وفتاوى شيخ الإسلام وبهذا القول تجتمع الأحاديث.
(2) يقال في الطواف مثل ما قيل في المثال السابق.
(1/13)

وأما: إن صدر الشك من رجلٍ معتدل الشكوك فهذا لا يخلو من حالتين: إما أن يصدر هذا الشك أثناء الفعل أي في حال فعل العبادة، وإما أن يصدر بعد فعلها وانتهائه منها، فإذا صدر الشك بعد العبادة فهو شك ملغىً أي ليس معتبراً؛ لأن الأصل أن الإنسان فعل العبادة تامة وهذا الشك من وسوسة الشيطان وعلاجه عدم الالتفات إليه. وأما إن صدر هذا الشك في أثناء العبادة فهو شك معتبر يعمل به حينئذٍ؛ لأن الشيء الذي شك فيه الإنسان في العبادة الأصل عدمه.
ومن شك في فعلٍ هل فعله أو لم يفعله؟ فالأصل أنه لم يفعله فيأتي بالشيء الذي شك فيه؛ لأن اليقين لا يزول بالشك، إذًا صار الشك عندنا لا يعتبر في حالتين ويعتبر في حالة واحدة، فلا يعتبر الشك من كثير الشكوك مطلقًا سواءً أثناء العبادة أو بعدها ولا يعتبر الشك من معتدل الشكوك بعد الانتهاء من العبادة، ويعتبر الشك من معتدل الشكوك في أثناء العبادة وبهذا تكون القاعدة قد بانت معالمها وفي ذلك قلت:
والشك بعد الفعل ليس يعتبر ... ... ومن كثير الشك أيضًا مغتفر
ونضرب بعض الفروع على كل الحالات الثلاث حتى تتضح القاعدة أكثر فأقول:
منها: رجل كثيرة شكوكه فصلى العصر ثم شك هل جلس للتشهد الأول أو لا؟ فالجواب: هذا الشك لا يعتبر سواءً صدر من كثير الشك أو من معتدل الشك، أما عدم اعتباره من كثير الشك فلما مضى أن كثير الشكوك مريض يعالج بأمره بترك شكه وأما وجه عدم اعتباره من معتدل الشك فلأن هذا الشك لم يقع إلا بعد الفعل أي بعد الانتهاء من صلاة العصر والشك من معتدل الشك بعد انتهاء الفعل لا يؤثر، إذًا نقول: صلاة العصر من هذا الرجل صحيحة على كل اعتبار ولا يلتفت إلى شكه مطلقًا ما لم يحصل عنده يقين أنه ترك ذلك.
(1/14)

ومنها: رجل يطوف وشك وهو أثناء الطواف هل طاف أربعًا أم خمسًا فما الحكم؟ الجواب: أننا نسأل أولاً هل هذا الرجل ذو شكوك كثيرة أو معتدل الشك فإن كان الرجل ذا شكوك كثيرة فنقول لا تلتفت إلى هذا الشك؛ لأنك مريض بكثرة هذه الشكوك واجزم في الفعل ولا تلتفت إلى هذا الشك، وإن كان الشك من معتدل الشكوك فنقول شكك معتبر ولم تطف إلا ثلاثة أشواط لأن الأصل عدم الرابع وقلنا شكه معتبر (1) ، لأنه معتدل الشك ووقع أثناء الفعل.
ومنها: رجل توضأ وانتهى ثم شك هل مسح رأسه أو لا؟ فنقول: إن كان كثير الشك فلا يلتفت إليه مطلقًا وإن كان معتدل الشك أيضًا لا يلتفت إليه؛ لأنه حصل بعد الانتهاء من الفعل والشك بعد الفعل لا يؤثر.
ومنها: رجل في أثناء رمي الجمرات شك هل رمى سبعًا أم ستًا؟ فالجواب: إن كان كثير الشك فلا يلتفت إليه ويرمي ما في يده إن بقى معه شيء وإلا فليمض وإن كان معتدل الشك فشكه معتبر ويزيد سابعة (2) ؛ لأن الأصل عدمها وهكذا.
وبهذا تكون القاعدة قد بانت ولا إشكال فيها - إن شاء الله تعالى -.
وخلاصة الكلام أنه إذا وجه إليك سؤال فيه شك فقبل الجواب تسأل عن سؤالين:
الأول: هل الذي صدر منه الشك كثير الشكوك أو معتدل الشكوك، فإن كان الأول فأبطل شكه، وإن كان الثاني فاسأل هل حدث الشك بعد انتهاء الفعل أو في أثناء الفعل، فإن كان الأول فأبطل شكه، وإن كان الثاني فهو شك معتبر، والله تعالى أعلى وأعلم.

القاعدة الخامسة
5 - إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل
__________
(1) والراجح أنه إن كان عنده غلبة ظن فليبن عليه.
(2) والراجح بناؤه على غلبة ظنه إن وجد.
(1/15)

العبادات عندنا نوعان: عبادة إذا فاتت لا يشرع لها بدل كالوقوف بعرفة إذا فات يومه لا بدل له، وكالصلوات المفروضات إذا فوتها الإنسان ولم يؤدها فإنه لا بدل لها، بل لا كفارة لها إلا فعلها بعينها ونحو ذلك، فهذه العبادات لا تدخل معنا في هذه القاعدة وحكمها أنها تسقط المطالبة بها بالعجز عن أداتها مطلقًا لا إلى بدل.
والنوع الثاني: عبادات إذا فاتت فإنها تفوت إلى بدل يعني لها بدل يقوم مقامها يجزئ عنها وتتحقق منه المصلحة التي تتحقق من المبدل، فهذه العبادات الأصل أن تفعل هي ولا يجوز الانتقال إلى أبدالها إلا عند تعذرها أو العجز عنها، فإذا تعذرت أو عجزنا عنها فإننا ننتقل إلى بدلها، إذًا البدل لا يجزئ ولا يدخل في حيز المطالبة إلا إذا تعذر أصله، فمن انتقل إلى البدل مع القدرة على الأصل، فإن البدل لا يجزئه ويأثم بتفويت الأصل وهو قادر عليه، بل قال بعضهم: إن البدل لا يدخل في حيز العبادات إلا بعد العجز عن أصله، ولهذا القول وجه من النظر، والمراد: أنه لا يجوز الانتقال إلى البدل إلا إذا عدمنا المبدل، ثم اعلم: أن البدل إذا تعذر اصله فإنه يقوم بجميع ما يقوم به أصله وإن اختلف معه في الصورة، وبالفروع يتضح الكلام فأقول:
(1/16)

منها: الطهارة الصغرى عن الحدث الأصغر أو الكبرى عن الحدث الأكبر لها بدل وهو التيمم بالتراب الطاهر، فإذا كان الإنسان يجد الماء ويقدر على استعماله فلا يجوز له حينئذٍ أن ينتقل إلى التيمم، وأما إذا عدم الماء أو وجده ولكن لا يستطيع استعماله لعذرٍ من حرقٍ ونحوه، أو لأن البئر عميقة والماء غائر ولا دلو معه ولا حبل، فيجوز له حينئذٍ أن ينتقل إلى التيمم، وعلى ذلك قال تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} فإذا انعدم ما يطلق عليه ماء فينتقل إلى التيمم، وهذا قول الجمهور، أما الحنفية فإنهم يجيزون الوضوء بالنبيذ إذا لم يشتد لحديث يروونه لكن فاتهم الصواب، وحديثهم ضعيف جدًا، والله تعالى أعلى وأعلم.
ومنها: أن الإنسان إذا عجز عن الركوع والسجود الذي هو الأصل فإنه ينتقل إلى الإيماء بهما ويجعل سجوده أخفض من ركوعه لكن مادام قادرًا على حني ظهره لركوع تام ووضع جبهته على الأرض لسجود تام فيكون هو المتعين عليه، ولا ينتقل عنه، والله تعالى أعلم.
ومنها: الأصل أن من حج متمتعًا أو قارنًا فإنه يجب عليه الهدي وهو أن يذبح من بهيمة الأنعام يوم النحر ما يجزئه، لكن إذا عجز الإنسان عن الهدي فإنه ينتقل إلى البدل وهو الصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله تلك عشرة كاملة كما في سورة البقرة، إذًا لا يجوز العدول عن الأصل مع القدرة عليه.
ومنها: الأصل في كفارة اليمين هو أن يكفر الإنسان بثلاثة أشياء على التخيير وهي: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فالحالف مخير بين هذه الأشياء الثلاثة أي واحد فعله فإنه يجزئ عنه ولو كان قادرًا على غيره، لكن إذا عجز الحالف عن كل هذه الثلاثة فإنه ينتقل إلى البدل عنها وهو أن يصوم ثلاثة أيام، إذًا لا يجوز الانتقال إلى الصوم إلا إذا عدمنا هذه الثلاثة؛ لأنه لا يجوز الانتقال إلى البدل إلا إذا عدم الأصل.
(1/17)

ومنها: الأصل أن كل قادرٍ على الحج بنفسه أنه يجب عليه أن يحج ببدنه لكن إذا عجز عن الحج بنفسه لمرض كالمعضوب ونحوه وقدر بماله فعليه أن يقيم من يحج عنه، وهذا بدل عن الحج بنفسه، ولم يجز ذلك إلا لأن الأصل تعذر وإذا تعذر الأصل صرنا إلى البدل.
ومنها: الأصل أن قراءة الفاتحة ركن في الصلاة على كل قادرٍ على تعلمها، لكن إن عجز الإنسان عن تعلمها أو ضاق وقت الصلاة ولم يتعلمها بعد، فينتقل إلى البدل وهو التسبيح والتهليل والتكبير والحوقلة، ودليلها حديث أبي أوفى (1) ، فلما عجزنا عن الأصل انتقلنا إلى البدل.
ومنها: كفارة الظهار والقتل الخطأ أو شبه العمد هي على الترتيب فلا يجوز الانتقال إلى الثاني إلا إذا عدم الأصل، والله أعلم.
مسألة: إذا عجز الإنسان عن الأصل ثم انتقل إلى البدل ثم قدر على الأصل فهل يلزمه أن ينتقل إلى الأصل لزوال المانع أو يجزئه البدل؟
الجواب: هذا سؤال مهم جدًا، وجوابه أن يقال: إذا قدر الإنسان على الأصل بعد الانتقال إلى البدل فلا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن يقدر على الأصل قبل الشروع في البدل أو فيما يكون البدل شرطًا فيه، فهذا يجب عليه الانتقال إلى الأصل ولا يجزئه البدل، كمن قدر على الماء قبل الشروع في الصلاة فيلزمه إعادة التطهر بالماء وتبطل طهارة التراب، وكمن قدر على الهدي قبل الشروع في الصيام فيلزمه أن يذبح الهدي فلو صام بعد القدرة على الهدي لانقلب صيامه نفلاً ولا يجزئه عن الهدي، وكمن قدر على إحدى خصال الكفارة قبل الشروع في الصوم فيلزمه أن يكفر بالمقدور عليه منها، وذلك لأننا أجزنا له الانتقال إلى البدل لأن الأصل قد تعذر، فشرط الانتقال إلى البدل هو تعذر الأصل فلما قدر عليه مرة أخرى زال الشرط الذي به يباح البدل فالأصل مقدور عليه الآن وإذا قدرنا على الأصل لم يجز الانتقال للبدل.
__________
(1) حبذا لو ذكر.
(1/18)

الحالة الثانية: أن لا يقدر على الأصل إلا بعد الفراغ من فعل البدل أو فعل ما يشترط البدل لصحته فهذا يجزئه فعل البدل وفعل ما يشترط البدل لصحته كمن قدر على الهدي بعد الانتهاء من الصوم فهذا لا يلزمه الهدي لأن المطالبة سقطت بفعل البدل، وكمن قدر على الماء بعد الفراغ من الصلاة فهذا صلاته صحيحة ولا يلزمه إعادتها، بل ليس من السنة إعادتها وعلى ذلك حديث أبي سعيد (1) ، وكمن قدر على الحج بنفسه بعد فراغ وكيله من أعمال الحج فهذا سقط عنه الحج الواجب وإن حج بعد ذلك فنافلة.
الحالة الثالثة: وهي محط قوة الخلاف وإلا فالخلاف في الحالة الثانية قليل، لكن هذه الحالة هي التي كثر خلاف العلماء فيها وهي أن يقدر على الأصل في أثناء فعل البدل أو في أثناء فعل ما يشترط البدل لصحته فهذا كمن قدر على الحج بنفسه بعد شروع وكيله في الحج وقبل الانتهاء من أعمال الحج، وكمن قدر على الهدي بعد الشروع في الصيام وقبل الفراغ منه، وكمن وجد الماء بعد البدء في الصلاة وقبل الفراغ منها، وكمن قدر على التكفير بأحد الخصال الثلاث بعد الشروع في الصوم وقبل الفراغ منه، فهل يكمل فعل البدل حتى مع القدرة على الإتيان بالأصل أو يقطع البدل وينتقل إلى الأصل؟
__________
(1) حبذا لو ذكر حديث أبي سعيد بلفظه.
(1/19)

في المسألة قولان: قيل: بإجزاء البدل، وقيل: بوجوب الانتقال إلى الأصل، وبعضهم فرق بين المسائل المذكورة ففي بعضها أفتى بالإجزاء وفي بعضها أفتى بوجوب الانتقال إلى الأصل [وإني بقيت ردحاً من الزمان أبحث عن ضابط يفرق بين المسائل التي يلزم فيها الإنسان أن ينتقل إلى الأصل حال القدرة عليه والتي لا يلزمه الانتقال إليه ولو مع القدرة، فلم أجد لذلك أثرًا في كتب الفقهاء، إلا ما وجدته في كتاب "القواعد" لابن رجب ولكنه فارق ليس بواضح كثيرًا؛ ولأنه جعل فيه مسائل مترددة بين الأصلين زادت من وهج المشكلة، ثم لما انقطعت الحبال في يدي توجهت إلى الله تعالى بالدعاء أن يفرج كربي وأن ينفس همي وأن يدلني على ضابط هذه المسائل فاستجاب لي ولم يخيب رجائي وإني والله لأحقر من أن يلتفت الله لدعائي لأنه يعلم ما عندي من الذنوب والمعاصي، ولكنه الراحم المتفضل، فهداني إلى ضابط عظيم جدًا قست عليه جميع المسائل فوجدتها مطردة عليه، بل ويوافق تخريجها على هذا الضابط كل الأدلة وما قاله الفقهاء فحمدت الله تعالى وسجدت له شكرًا على هذه النعمة، وإنها والله لأغلى عندي من نعمة الولد والزوجة والمال، بل وأغلى عندي من نعمة الحياة ذاتها فارتاح خاطري وهدأت نفسي، وإليك الآن شرح هذا الضابط لأنه يحتاج إلى شيء من الفهم] .
فأقول: إن الانتقال من الأصل إلى البدل لا يخلو من حالتين:
(1/20)

إما أن يكون انتقال ضرورة، وإما أن يكون انتقال رخصة فإن كان الانتقال انتقال ضرورة فإننا نأمر من قدر على الأصل بعد تعذره أن ينتقل إليه ولو بعد الشروع في البدل لأن الانتقال إلى البدل في هذه الحالة أجازته الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، وقد زالت هذه الضرورة بالقدرة على الأصل، فعاد الحكم كما كان، أما إذا كان الانتقال انتقال رخصة وتوسعة على المكلف فإنه لا يلزم بالانتقال إلى الأصل عند القدرة على الأصل؛ لأن المقصود هو التوسعة على المكلف وإلزامه بالانتقال إلى الأصل بعد الشروع في البدل منافٍ لهذا المقصود فقلنا: يجزئه البدل،والذي يدل على إرادة التوسعة والرخصة هو أن المكلف قادر على أن يأتي بالأصل لكن مع نوع كلفةٍ ومشقة، فنزل المكلف منزلة عدم القادر لوجود هذه الكلفة والمشقة، إذًا الشريعة تريد إزالة هذه الكلفة والمشقة عنه فرخصت له الإتيان بالبدل، إذًا صار الانتقال إلى البدل انتقال رخصة لا ضرورة.
هذا هو الضابط من ناحية التنظير، ويبقى أن نخرج الفروع عليه لنرى هل هي متجهة موافقة للدليل أم لا؟
فأقول: منها: من قدر على الهدي بعد الشروع في الصيام فهل يلزمه الانتقال إلى الهدي أم لا؟ نقول: إن الانتقال من الهدي إلى الصيام انتقال رخصة لا انتقال ضرورة بدليل أن المكلف قد يقدر على الهدي لكن بنوع كلفة كشرائه بدين في ذمته، أو استلاف ثمنه، أو كطلبه من مظانه من المتصدقين والمحسنين لكن هذا لا يلزمه فإذا تيقنا أنه انتقال رخصة فنقول: يستمر في الصوم ولا يلزمه الانتقال إلى الأصل وإن خالف وانتقل إلى الأصل فإنه يجزئه عندنا أي المذهب لأنه قد جاء بالأصل المأمور به وخرج من العهدة بفعله، وليس الصيام عبادة لا يجوز قطعها وهذا واضح والله أعلم.
(1/21)

ومنها: من قدر على الحج بنفسه بعد شروع وكيله في الإحرام فهل يلزمه الانتقال إلى الأصل أم لا؟ نقول: إن الانتقال من الحج بالنفس إلى الحج بالغير انتقال رخصة لا انتقال ضرورة بدليل أن المكلف قد يقدر على الحج بنفسه لكن بنوع كلفة ومشقة كحمله والتوكيل عنه في الرمي ونحوه، أو أن ينتظر لعله يبرأ، لكن كل هذا لا يجب عليه فدل على أن الأمر رخصة وتوسعة، فنقول: يجزئه فعل وكيله ويسقط عنه الحج الواجب وإن أراد أن يحج عن نفسه بعد القدرة فله ذلك وتنقلب حجة وكيله نفلاً عن نفسه، والله أعلم.
ومنها: من قدر على إحدى خصال الكفارة بعد الشروع في الصوم فإنه لا يلزمه الانتقال لها ويجزئه التكفير بالصوم لأن الانتقال هنا انتقال رخصة بدليل أن الحالف قد يقدر على التكفير بإحداها ولكن بنوع كلفة ومشقة، والله أعلم.
وعلى ذلك فقس، فإذا لاح لك أن الانتقال انتقال رخصة فاعلم أن البدل بعد الشروع يجزئ ولو قدر على الأصل كما في الأمثلة الماضية.
وأما إذا لاح لك أن الانتقال انتقال ضرورة فاحكم ببطلان البدل عند القدرة على الأصل وإليك فروع ذلك فأقول:
منها: المرأة الحائض عليها أن تعتد بالحيض لكن إذا ارتفع إن كانت تدري ما رفعه فتعتد سنة كاملة، وإن كانت لا تدري ما رفعه فإنها تعتد عدة الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر، فإذا نزل حيضها بعد الشروع في الأشهر فإنه يلزمها أن تنتقل إلى الأصل الذي هو الاعتداد بالحيض لأن هذا الانتقال من الحيض إلى الأشهر انتقال ضرورة، يعني لم يجيزوا لها الانتقال إلى الأشهر إلا بعد التأكد التام من انعدام الأصل ولذلك قالوا: من ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه تعتد سنة كاملة حتى تتأكد أنها ليست ممن يحيض وليست حاملاً، إذاً لاح لنا أن الانتقال انتقال ضرورة فألزمناها بالانتقال إلى الأصل عند القدرة عليه.
(1/22)

ومنها: وهو أخطرها: من قدر على التطهر بالماء أثناء الصلاة التي دخلها بالتيمم لعدم الماء فهل يقطعها أم لا؟ نقول: إن الانتقال من المطالبة بالطهارة المائية حال عدمها إلى التيمم انتقال ضرورة، لأنه لا يجوز له التيمم إلا بعد التأكد التام من عدم الماء، فإذا قدر على الماء سواءً بشراءٍ ولو في الذمة أو هبة أو بدلالةٍ ونحوه، فإن التيمم لا يجوز لكن إذا لم يجد الماء ولم يقدر عليه بأي وجه فينتقل إلى التيمم، إذًا صار الانتقال إلى التيمم انتقال ضرورة لا رخصة، فإذا وجد الماء وقدر عليه ولو في أثناء الصلاة وجب عليه الانتقال إليه، وعلى ذلك دلت الأدلة فمن ذلك قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} وهذا عام في كل وقت سواءً قبل الشروع في الصلاة أو في أثنائها أو بعدها، وخص الدليل صحة الصلاة بالبدل بعدها وهو حديث أبي سعيد وبقيت الآية عامة في كل وقت، فمن وجد الماء فلا يتيمم، ومن لم يجده فيتيمم بنص الآية، فمن خص من ذلك شيئاً فعليه الدليل ولا دليل له.
(1/23)

ومن ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) هو عام أيضًا في جميع الأوقات وخص منه ما إذا انتهى من الفعل بالدليل فبقي ما قبل الفعل وفي أثناء الفعل داخل في هذا العموم، فنقول لمن وجد الماء في أثناء الصلاة: اتق الله وأمِسَّه بشرتك، ولأننا رجحنا أن التيمم رافع للحدث رفعًا مؤقتًا حتى يوجد الماء فإذا وجد الماء انتهى حكم التيمم وعاد الحدث كما كان، فإن كان حدثًا أصغر وجب الوضوء وإن كان حدثًا أكبر وجب الغسل بدليل حديث عمران: (خذ هذا وأفرغه عليك) بعد أن قال: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) وللحديث السابق: (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) فإذا تيمم لعدم الماء فقد ارتفع حدثه، فإذا دخل في الصلاة فقد دخل بطهارة تامة وعلى وجهٍ مأمورٍ به شرعًا لكن إذا وجد الماء أو قدر على استعماله فإن حكم التيمم يبطل ويعود الحدث كما كان، والصلاة مع الحدث باطلة، فيلزمه قطعها ويكون قطعها على وجهٍ مأمورٍ به شرعًا، ولا يأثم في ذلك ولا يعد مخالفًا لقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أعْمَالَكُمْ} (1) لأن صلاته بطلت بوجود الماء، فيلزمه أن يخرج منها بلا سلام ويتوضأ ويستأنفها، ويقال أيضًا: إننا أجمعنا معكم أنه إذا وجد الماء قبل الدخول في الصلاة أن تيممه يبطل ويلزمه استئناف الطهارة بالماء، فكذلك إذا وجده في أثنائها، فالأصل هو وجود الماء قبل الدخول في الصلاة، والفرع هو وجود الماء بعد الدخول في الصلاة، والعلة هي بطلان التيمم وعود وصف الحدث في كلٍ، والحكم هو أنه كما بطل التيمم قبل الصلاة وعاد وصف الحدث فكذلك يبطل التيمم في أثنائها ويعود وصف الحدث، وهو قياس صحيح، وأما وجه صحة صلاته إذا لم يجد الماء إلا بعد الفراغ من الصلاة فلأمرين: أحدهما: لأن الأدلة دلت على صحة الصلاة
__________
(1) الراجح أن الإبطال في الآية المراد به الردة كما هو واضح من سياق الآيات ومن السنة.
(1/24)

وإن وجد الماء في الوقت كحديث أبي سعيد. والثاني: أنه صلى بالتيمم والتيمم رافع فإذا دخل في الصلاة فقد دخل بطهارة كاملة وعلى وجهٍ مأمورٍ به شرعًا فإذا تمت صلاته فلا وجه لإبطالها فإذا وجد الماء بعد الصلاة فيبطل تيممه لكن قد انتهى من فعل الصلاة وليس من شروط صحة الصلاة بقاء الطهارة بعد الفراغ، وهذا واضح وأحسب أنه الراجح بالدليل الأثري والنظري.
ونكون بهذا قد أتممنا الكلام على هذه القاعدة العظيمة ونستغفر الله تعالى ونتوب إليه وهو أعلى وأعلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

القاعدة السادسة
6 - كل فعل توفر سببه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله فالمشروع تركه
اعلم أن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤخذ منه تشريع إذا كان المراد به التشريع، وكذلك تركه يؤخذ منه تشريع أيضًا. وهذه القاعدة في تركه، وتفيدنا أن الأفعال التي تيسر فعلها للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتركها باختياره أننا نتعبد لله بتركها لأنها لو كانت مشروعة لما تركها، فلما تركها دل على أنها ليست من الشريعة في شيء، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قد بلغ البلاغ المبين، وأتم الله جل وعلا به الدين، فما ترك خيرًا إلا دلنا عليه، ولا شرًا إلا حذرنا منه، فتركه تشريع كما أن فعله تشريع أيضًا، فهو قدوتنا وإمامنا كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أسْوَة حَسَنَةٌ} أي هو قدوتنا في فعله وتركه، فكما أننا نتأسى به في فعله فكذلك علينا أن نتأسى به في تركه، وخاصة الفعل الذي قدر أن يفعله ولم يمنعه من فعله شيء ومع ذلك تركه فيدل ذلك أن المشروع تركه.
وفروع هذه القاعدة كثيرة جدًا لكن نذكر منها ما يدلك على باقيها: فأقول:
(1/25)

منها: الطواف حول القبور: يَدَّعِي الصوفية وعباد القبور أنه عبادة وأن فعله من أعظم القربات، فنقول: إن القبور كانت موجودة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان يزور المقابر ويسلم على أهلها ولكن لم يكن يطوف بها مع أن الطواف بها قد توفر سببه فلما لم يطف بها دل على أن المشروع هو ترك الطواف، إذ لو كان عبادة لفعله فلما لم يفعله دل على أنه ليس بعبادة بل هو داخل تحت قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) متفق عليه، والله أعلم.
ومنها: الذكر الجماعي بعد الصلاة: فعلٌ توفر سببه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد كانت الجماعة للصلاة تقام في عهده وكانوا يذكرون الله بعد الصلاة الذكر المشروع، ولم يثبت عنه أنه أمرهم بالاجتماع في الذكر بألفاظٍ واحدة، فلو كان مشروعًا لفعله، فلما لم يفعله دل على أن المشروع هو تركه إذ لو كان مشروعًا لفعله فلما لم يفعله دل على أنه ليس بعبادة، والله تعالى أعلم.
ومنها: السواك عند دخول المسجد خاصة، فعلٌ توفر سببه على عهده - صلى الله عليه وسلم - فقد كان السواك موجودًا وكان - صلى الله عليه وسلم - يدخل إلى المسجد ومع ذلك لم يثبت أنه استاك عند الدخول إلى المسجد، إذًا المشروع تركه، أو نقول: لا ينبغي للمسلم اعتقاد فضيلة السواك عند الدخول للمسجد خاصة بل السواك في كل وقت سنة، لكن من قال بفضيلته أجبنا عنه بهذه القاعدة إذ لو كان فيه فضيلة لفعله مع توفر سببه، والله أعلم.
(1/26)

ومنها: قول المأموم (استعنا بالله) أو (بالله أستعين) عند قول الإمام في الفاتحة (إياك نعبد وإياك نستعين) : فإن بعض الناس يقول ذلك، فنقول: هذا القول توفر سببه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله ولم يأمر به الصحابة أن يفعلوه مما يدل على أن المشروع تركه إذ لو كان هذا القول سنة لأمر به أو فعله (1) ، فلما لم يأمر به ولم يفعله عرفنا بذلك أن المشروع تركه، والله أعلى وأعلم.
ومنها: صلاة الرغائب: توفر سببها على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعلها فالمشروع عدم فعلها، إذ لو كانت مشروعة لفعلها ولو مرة واحدة، فلما لم يفعلها دل على أنها ليست من الشريعة في شيء، والله أعلم.
ومنها: صيام رجب كله أو بعضه لاعتقاد فضيلته: فعلٌ توفر سببه على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يصمه، فدل على أن المشروع تركه.
ولعل القاعدة بهذه الفروع قد اتضحت، والضابط في هذه القاعدة أن يبحث الفقيه عن هذا القول أو هذا الفعل هل هو مما فعله أو قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لا؟ فإن كان الجواب: نعم، فهذا لا كلام فيه. وإن كان الجواب: لا، فقل: لو كان مشروعًا لفعله لتوفر سببه فهو لم يتركه إلا لأنه ليس بمشروع، والله تعالى أعلى وأعلم.
مسألة: إن قلت: هل تركه - صلى الله عليه وسلم - يدل على كراهة الفعل أو القول المتروك أم يدل على تحريمه؟ قلت: إن تركه للفعل لا يخلو من حالتين: إما أن يكون مجردًا عن نهي قولي، وإما أن يكون مقروناً بنهي قولي، فإن كان مقرونًا بنهيٍ قولي فإنه يدل على تحريم الفعل كتركه للبناء على القبور فعلٌ اقترن بالنهي عن البناء عليها في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته) وغير ذلك، فهذا الترك يدل على تحريم الفعل.
__________
(1) ثم إنه تحصل حاصل لأن المأموم يؤمن على دعاء الإمام وهذا ثناء على الله قبل الدعاء وإقرار بالتوحيد.
(1/27)

وإن كان تركًا مجردًا عن قول فإنه لا يدل إلا على كراهة الفعل إذا اعتقد القربة بهذا الفعل، كالسواك عند دخول المسجد يكره إذا كان يعتقد فضيلة السواك في هذا المكان بالذات، والله تعالى أعلى وأعلم.

القاعدة السابعة
7- الشروط في باب المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان وفي التروك تسقط بهما
اعلم - رحمك الله تعالى - أن الشروط عندنا نوعان: شروط صحة، وشروط وجوب. فشروط الصحة هي التي لا يصح الفعل إلا بها كالطهارة شرط لصحة الصلاة وكذلك استقبال القبلة وستر العورة وإزالة النجاسة.
وشروط الوجوب هي التي لا تعلق لها بالصحة وإنما لها تعلق بالوجوب فلا يجب الفعل إلا بها لكن يصح بدونها كشرط المحرم للمرأة في الحج، لا يجب عليها الحج إلا عند توفر المحرم، لكن لو حجت بلا محرم فحجها صحيح مع الإثم، كاشتراط الإقامة لوجوب الصوم، فلو صام المسافر لصح صيامه لكن لا يجب عليه إلا بالإقامة، وهكذا
إذا علمت هذا فاعلم أن قولنا في القاعدة (الشروط) إنما نعني بها شروط الصحة لا شروط الوجوب فانتبه لهذا حتى لا تشكل عليك بعض الفروع.
ثم اعلم أن شروط الصحة عندنا نوعان: الأول: شروط كانت معدومة فأمر المكلف بإيجادها، فهذه هي المراد بقولي: (في باب المأمورات) يعني أن المكلف أمر بإيجادها، كالطهارة للصلاة كانت معدومة فأمر المكلف بإيجادها عند كل صلاةٍ إذا كان محدثًا، فالطهارة شرط مأمور بإيجاده. الثاني: شروط أمر المكلف بعدم التلبس بها أي باجتنابها والابتعاد عنها، فهذه هي المرادة بقولي: (في باب التروك) يعني أن المكلف أمر بتركها، كإزالة النجاسة هو شرط تركي بمعنى أن المكلف أمر باجتناب النجاسة والابتعاد عنها لا بفعلها، وإن أشكل عليك ذلك فإليك هذين السؤالين اللذين يوضحان الفرق: فأقول: إذا أشكل عليك شرط من شروط الصحة هل هو من شروط الإيجاد أو من شروط الترك؟ فاسأل نفسك سؤالين:
(1/28)

هل الله أمرنا بالإتيان بهذا الشرط أي بإيجاده وقد كان معدومًا؟ أم أن الله أمرنا بتركه واجتنابه والابتعاد عنه؟
إذا كان الجواب بالأول:نعم، أي أن الله أمرنا بإيجاده فاعرف أنه من شروط المأمورات.
وإذا كان الجواب بالثاني:نعم، أي أن الله أمرنا بتركه واجتنابه والابتعاد عنه فاعرف أنه من شروط التروك، كالطهارة لصحة الصلاة، وترك الأكل لصحة الصيام.
فتقول: هل الله أمرني بفعل الطهارة وإيجادها والتلبس بها أو أمرني بترك الطهارة؟ الجواب: نعم أمرك الله بإيجاد الطهارة عند إرادة الصلاة، إذًا الطهارة شرط مأمور بإيجاده فلا يسقط بالجهل والنسيان.
وتقول: هل الله أمرني إذا صمت أن أوجد الأكل والشرب أو أترك الأكل والشرب؟ الجواب: هو أن أترك الأكل والشرب، إذًا الأكل والشرب لصحة الصوم شرط تركي فيسقط بالجهل والنسيان وهذا واضح جدًا.
وقولنا: (لا تسقط بالجهل والنسيان) المراد به هو الجهل الذي لا يعذر فيه صاحبه كالجهل الذي يقدر المكلف أن يرفعه عن نفسه لكنه فرط في ذلك. وأما النسيان فهو عارض طبيعي يغطي على التفكير ويقطع اتصاله، ولا يؤاخذ الإنسان به في حالٍ دون حال، إذا علمت هذا فاعلم أن دليل هذه القاعدة هو الاستقراء التام لأدلة الشريعة كما سنذكره الآن في بعض الفروع، والله أعلم. فمنها: رجل صلى بلا ستر عورة ناسيًا أو جاهلاً فما الحكم؟ نقول: هل ستر العورة مما أمر المكلف بإيجاده والتلبس به أو مما أمر المكلف بتركه واجتنابه؟ لاشك أن الجواب هو الأول إذا هو شرط مأمور بإيجاده، والشروط المأمور بإيجادها لا تسقط بالجهل والنسيان إذاً صلاته باطلة ويلزمه إعادتها، والله أعلم.
(1/29)

ومنها: صلى رجل بلا استقبال للقبلة جاهلاً الحكم جهلاً لا يعذر فيه أو ناسيًا لاستقبالها، فما الحكم؟ الجواب أن نقول: هل استقبال القبلة مما أمر المكلف بإيجاده أو مما أمر المكلف بتركه واجتنابه؟ الجواب هو الأول إذًا استقبال القبلة من شروط الإيجاد فلا يسقط بالجهل والنسيان فصلاته إذًا باطلة، والله أعلم.
ومنها: رجل تكلم في الصلاة جاهلاً أو ناسيًا فما الحكم؟ نقول إن الكلام في الصلاة مما أمر المكلف بتركه واجتنابه لا مما أمر بفعله فإذًا هو من شروط التروك وشروط التروك تسقط بالجهل والنسيان إذًا صلاته صحيحة ولا شيء عليه ويدل على ذلك حديث معاوية بن الحكم في مسلم.
ومنها: أن من أكل أو شرب في الصلاة ناسيًا أو جاهلاً فإن صلاته صحيحة كثيرًا كان الأكل أو قليلاً؛ لأن الأكل والشرب في الصلاة مما أمر المكلف بتركه واجتنابه فهو شرط تركي وشروط التروك تسقط بالجهل والنسيان.
ومنها: أن من صلى بلا نية ناسيًا لها أن صلاته باطلة؛ لأن النية مما أمر المكلف بإيجاده والتلبس به فهي من شروط الإيجاد وشروط الإيجاد لا تسقط بالجهل والنسيان.
ومنها: أن من أكل أو شرب ناسيًا في رمضان لا شيء عليه ويتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه ذلك لأن الأكل والشرب في رمضان مما أمر المكلف بتركه واجتنابه فهو شرط تركي وشروط التروك تسقط بالجهل والنسيان فصومه صحيح وعلى ذلك يدل حديث أبي هريرة: (من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه …) متفق عليه.
ومنها: من جامع في نهار رمضان جاهلاً أو ناسيًا فإنه لا شيء عليه وصومه صحيح؛ لأن الجماع في نهار رمضان مما أمر المكلف بتركه واجتنابه وعدم فعله فهو إذًا شرط تركي وشروط التروك تسقط بالجهل والنسيان وهذا هو الصحيح خلافًا للمذهب.
(1/30)

ومنها: من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام، أيَّا كان ذلك المحظور جاهلاً أو ناسيًا فلا كفارة ولا فدية؛ لأن هذه المحظورات مما أمرنا بتركها واجتنابها حال الإحرام فهي من شروط التروك وشروط التروك تسقط بالجهل والنسيان وهذا هو الصحيح خلافًا لمن فرق بين الصيد وما كان من باب الإيلاف وبين غيره، والله أعلم.
ومنها: من ترك التسمية على الذبيحة جاهلاً أو ناسيًا فذبيحته حرام وميتة؛ لأن التسمية على الذبيحة مما أمر المكلف بإيجاده وفعله فهي من شروط الإيجاد والشروط في باب الإيجاد لا تسقط بالجهل والنسيان، هذا هو الصحيح وعليه قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ، وكذلك من ترك التسمية عند إرسال الجارحة أو آلة الصيد كالبندقية ونحوها لا يحل ما اصطاده لأن التسمية من شروط الإيجاد فلا تسقط بالجهل والنسيان، هذا الصحيح خلافًا لمن قال تسقط التسمية في الكل مع النسيان، وخلافًا لمن فرق بينهما فقال تسقط عند الذبح ولا تسقط على الصيد، فإن التسمية على الذبح كالطهارة مع الصلاة،فمن أحَلَّ الذبيحة التي تركت التسمية عليها فليصحح الصلاة التي لا طهارة قبلها، فإن شروط الإيجاد بابها واحد وحكمها واحد وهي متماثلة في أن كل واحد منها مما أمر المكلف بإيجاده، ولذلك اختار شيخ الإسلام حرمة ما ترك عليه التسمية أيًا كان ذبيحة أو صيدًا والحق معه، والله أعلم.
وفروعها كثيرة لكن فيما مضى كفاية - إن شاء الله تعالى -.
(1/31)

مسألة: اعلم أن المطالبة بفعل المأمور، أعظم من المطالبة بترك المنهي فمخالفة فعل المأمور أشد من ارتكاب المنهي ولذلك قلنا إن ترك المأمورات لا يسقط بالجهل والنسيان وارتكاب المنهي يسقط بالجهل والنسيان، وأضرب مثالاً واحدًا على ذلك فأقول: إن معصية أبينا آدم كانت من قبيل فعل المنهي، ومعصية عدونا إبليس كانت من قبيل ترك المأمور، فقد أمر أبونا آدم بترك الأكل من هذه الشجرة واجتنابها والابتعاد عنها فلما أكل عاتبه الله وعاقبه بالهبوط من الجنة لكنه تاب عليه وعادت حاله بعد التوبة أكمل فتاب الله عليه. أما إبليس فإنه لما قال الله تعالى {اسجدوا لآدم} فإن الملائكة سجدوا جميعًا إلا هو، فخالف الأمر عنادًا وتكبرًا واغترارًا بأصله، فكانت حاله أسوأ حال وحرم من التوبة وطرد ولعن ومسخ على أقبح صورة (1) .
فلذلك قلنا: إن ترك المأمور أشد عند الله من فعل المحظور، والله تعالى أعلم
القاعدة الثامنة
8 - العدل أكبر مقاصد الشريعة في العقيدة والأحكام
__________
(1) في هذه المسألة نظر أعني المثال لأن آدم اعترف بالذنب وابليس أردف امتناعه بالإعتراض على حكمة الله تعالى، ولأصل المسألة أدلة غير ما ذكر راجعها في فتاوى شيخ الإسلام.
(1/32)

فلا إفراط ولا تفريط، وهذه القاعدة من أكبر القواعد الفقهية بل حقها أن تجعل من مقاصد الشريعة؛ لأن مبنى الشريعة عليها في عقائدها وأحكامها، فنحن أمة وسطًا في أصول الدين وفروعه (1) ، كما قال تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} والوسط هم الخيار العدول، فأمة الإسلام وسط بين الأمم، وأهل السنة والجماعة وسط بين فرق الأمة وسطية الأمة بين الأمم، وقد دل على هذه القاعدة الاستقراء التام لأدلة الشريعة أصولاً وفروعًا، وقولنا: (بلا إفراط) أي بلا غلو ومجاوزة للحد، وقولنا: (بلا تفريط) أي التساهل والترك والتضييع، ومن أدلتها الآية السابقة، وهي من أهمها ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو بن العاص وقد قال - رضي الله عنه -: لأقومن الليل ولأصومن النهار ما عشت. فقال له - صلى الله عليه وسلم -: (أنت الذي قلت ذلك) . فقال: نعم بأبي وأمي أنت يا رسول الله. فقال: (إنك لا تستطيع ذلك ولكن قم ونم وصم وافطر وصم من الشهر ثلاثة أيام … إلخ) متفق عليه، فقوله: (قم ونم وصم وافطر) تربية على الوسطية، ومنهج بين الإفراط والتفريط، أي لا تقم الليل كله ولا تنم الليل كله، ولكن قم بعضه ونم بعضه، ولا تصم الدهر كله ولا تفطره كله ولكن صم بعضه وافطر بعضه، فلا رهبانية في الإسلام ولا غلو ولا تقصير، بل عدل ووسط، فهو دين يعطي النفس رغبتها من العبادة ويعطيها ما تقتضيه فطرتها من الراحة. ومن ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب
__________
(1) تقسيم الدين إلى أصول وفروع تقسيم حادث كما قاله شيخ الإسلام فيقال في العلميات والعمليات أو في العقائد والأحكام ولا بأس بالتسمية الأولى أيضاً، وإن المحذر اعطاء كل تسميه أحكاماً ليست للأخرى في باب الإجتهاد.
(1/33)

يستغفر فيسب نفسه) أي ما دام أن الإنسان نشيط على العبادة فليقم الليل لكن إذا فترت قواه وجاءه النوم فلا يجاهده حتى لا يقع في المحظور وهو سب النفس وذهاب الخشوع، فقوله: (ليصل أحدكم نشاطه) هو نفي للتفريط في العبادة بحيث ينام الإنسان إلى الصباح بلا صلاة، وقوله: (فإذا فتر أو عجز فليرقد) هي نفي للإفراط والغلو في العبادة فديننا ليس فيه غلو ولا إفراط، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: (عليكم من الأعمال بما يطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه) رواه البخاري وغيره. وقال - عليه الصلاة والسلام -: (أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل) فكثرة العبادة الحاصلة بإجهاد النفس ليست بمرادة لله تعالى ولكن مقصود الشريعة المداومة على العبادة وإن كانت قليلة، فقولي: (المداومة على العبادة) نفي للتفريط وقولي: (وإن كانت قليلة) نفي للإفراط، ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة مع محبته للعبادة لكن ليربي أمته على منهج الوسطية الذي به تستقيم الأمور، فالوسطية حزام أمان من الغلو والتفريط، فإن من غلا في عبادة أو معتقد أو فرط فيها يوشك أن ينقلب عليه الأمر، ومن الأدلة: قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: (إن لنفسك عليك حقًا ولربك عليك حقًا ولزوجك عليك حقًا فأعط كل ذي حقٍ حقه) .
(1/34)

ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - للشباب الذين سألوا أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عبادته فلما أخبروا بها فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فأقوم ولا أنام. وقال الآخر: وأنا أصوم ولا أفطر. وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء. فصعد النبي - صلى الله عليه وسلم - المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا أما إني لأصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) ، والأدلة على ذلك كثيرة جدًا وفيما مضى كفاية لمن أراد الهدى، وإليك الفروع حتى يتضح تطبيقها:
فمن ذلك: مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات فإن مبناه على العدل والوسطية بين مذهب التعطيل والتمثيل، فمذهبنا إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل فلا إفراط كأهل التمثيل ولا تفريط كأهل التعطيل.
ومن ذلك: مذهبنا في القدر أيضًا مبناه على العدل والوسطية بين فرقة الجبرية وفرقة القدرية كما هو معروف.
ومنها: مذهبنا في آل البيت نحبهم خلافًا للخوارج ولا نفرط في حبهم خلافًا للشيعة.
ومنها: مذهبنا في مرتكب الكبيرة فهو وسط بين الوعيدية والمرجئة فلا نعطيه الإيمان المطلق كالمرجئة، ولا نسلبه مطلق الإيمان كالوعيدية، وكذلك في الآخرة لا نحكم له بالجنة ولا بالنار وإنما هو تحت المشيئة إن شاء غفر له وأدخله الجنة ابتداءً، وإن شاء عذبه بقدر كبيرته وأدخله الجنة انتقالاً، والله أعلم.
هذا من ناحية الأصول أو العقائد، وأما من ناحية الأحكام فإليك بعض الفروع:
فمنها: أن بعض الناس يتعبدون لله بقيام الليل كله وبصيام الدهر كله فنقول: ليس هذا من الشريعة في شيء، بل العدل الذي جاءت به السنة قيام بعض الليل وصيام بعض الدهر ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا صام من صام الدهر) .
(1/35)

ومنها: أن بعض الناس يتعبدون لله بالتبتل الذي هو ترك الزواج للإقبال على العبادة فنقول: ليس هذا من السنة بل العدل الذي جاءت به السنة هو التعبد لله بالزواج وسائر العبادات ولا تعارض بين الزواج وطلب العلم أو بين الزواج وقيام الليل أو بين الزواج والدعوة إلى الله.
ومنها: أن الإنسان الذي يثقل على نفسه بقيام الليل حتى ينام عن صلاة الفجر أنه مخطئ فالعدل هو تقديم المحافظة على الفرائض قبل السنن؛ لأن الفريضة هي الأصل، فمن سهر الليل حتى ضيع صلاة الفجر فهو مخطئ سواءً سهر في عبادةٍ أم غيرها، والله أعلم.
ومنها: أن على الإنسان حقوقًا كثيرة: أولاً: حق الله وهو أداء ما افترضه عليه وهو الحق الواجب ويتبع ذلك السنن. وثانيًا: حق لنفسه من الراحة وإعطائها ما تشتهيه من المطعم والمشرب ونحوه. وثالثًا: حق للناس من نصحهم وإرشادهم وإعانتهم على حوائجهم. ورابعًا: حق للزوجة وهو نصحها وإرشادها والاستمتاع بها وإشباع حاجتها من كسوةٍ ونفقة ومسكن، والعدل هو إعطاء كل ذي حقٍ حقه فلا يفرط في حق على حساب حق، وهذا هو ما نشتكي منه ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولعل هذا كافٍ - إن شاء الله تعالى -، فيجب على الإنسان أن يراعي جانب العدل الذي هو شعرة بين الإفراط والتفريط والله المستعان.

القاعدة التاسعة
9 - النهي إن عاد إلى الذات أو شرط الصحة دل على الفساد وإن عاد إلى أمر خارج فلا
هذه القاعدة تدخل في نصف الدين فإن الدين أعني الأحكام إما أوامر وإما نواهي، فهذه القاعدة تختص بالمناهي، وإليك بيانها:
اعلم - رحمك الله تعالى - أن النهي عن الشيء لا يخلو من ثلاث حالات:
(1/36)

الأولى: إما أن ينهى عنه لذاته أي أن النهي منصب على الذات لا غيرها كالنهي عن الشرك أو شرب الخمر أو الزنا واللواط والسرقة ونحوها، فإن كان النهي يعود إلى ذات المنهي عنه فإنه يدل على الفساد، أي فساد المنهي عنه فمن ذبح لغير الله فذبيحته فاسدة لأن النهي عن الذبح لغير الله نهي عاد إلى ذات الذبح لأنه شرك.
الثانية: أن يكون النهي إلى شرط المنهي عنه ونعني بالشرط هنا شرط الصحة لا شرط الوجوب، فإذا كان النهي يعود إلى شرط الصحة للمنهي عنه فإن المنهي عنه فاسد.
والثالثة: أن يكون النهي عائدًا إلى أمر خارج عن الذات والشرط فإنه لا يدل على فساد المنهي عنه وإنما يدل على نقصان الأجر لكن الفعل صحيح فمن فهم الفرق بين عود النهي على هذه الثلاثة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، وإليك الفروع على هذه القاعدة حتى تتضح أكثر فأقول:
منها: الصلاة بلا ستر عورة منهي عنها، فهل هي فاسدة أم لا؟ الجواب إن اشتراط ستر العورة في الصلاة شرط من شروط الصحة فإذا صلى بلا ستر عورة فصلاته باطلة؛ لأن النهي عن الصلاة بلا ستر عورة نهي عاد إلى شرط الصحة وإذا عاد النهي إلى شرط الفعل الذي لا يصح إلا به فالفعل فاسد وهذا واضح.
ومنها: الصلاة بلا طهارة، صلاة باطلة وفاسدة لأن النهي عنها عاد إلى شرطها الذي لا تصح إلا به فإن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة، فهذه الصلاة منهي عنها لشرطها وما نهي عنه لشرطه فإنه باطل (1) .
ومنها: من صام بلا نيةٍ من الليل فصومه باطل؛ لأن النهي عن الصيام بلا نية نهي عاد إلى شرطه الذي لا يصح إلا به، فلا صيام إلا بنية فالصيام بلا نية صيام باطل؛ لأن النهي إذا عاد إلى الشرط فإنه يدل على بطلان الفعل.
__________
(1) هذه الأمثلة فيها نظر لأن فيها مخالفة أمر لا ارتكاب نهي. والصلاة بلا طهارة الوارد نفي لا نهي.
(1/37)

ومنها: من صلى بلا استقبالٍ للقبلة فصلاته باطلة؛ لأن النهي عن هذه الصلاة عاد إلى شرطها الذي لا تصح إلا به وإذا عاد النهي إلى الشرط دل على بطلان العبادة (1) .
ومنها: من باع ما لا يملك، أو ما لا يقدر على تسليمه فبيعه باطل؛ لأن من شروط صحة البيع أن يكون البائع مالكًا للمبيع وقادرًا على تسليمه، إذًا النهي عن بيع ما لا يملك وبيع ما لا يقدر على تسليمه نهي عاد إلى شرط البيع والنهي إذا عاد إلى شرط المنهي عنه دل على الفساد.
ومنها: من مسح على خفٍ نجس فإن مسحه باطل؛ لأن من شروط صحة المسح على الخفين أن يكون طاهرًا، إذًا النهي عن المسح على الخف النجس نهي عاد إلى شرط المنهي عنه فيدل على الفساد ومثله من مسح على خف مغصوب (2) .
ومنها: من توضأ بماء نجس فوضوءه باطل؛ لأن النهي عاد إلى شرط المنهي عنه فيدل على الفساد (3) .
ومنها: من نكحت بلا ولي فنكاحها باطل؛ لأن من شروط صحة عقد النكاح أن يتولاه ولي المرأة إذًا النهي عن النكاح بلا ولي نهي عاد إلى شرط المنهي عنه فيدل على الفساد. هذا من ناحية عود النهي إلى شرط المنهي عنه، وأما أمثلة عود النهي إلى أمرٍ خارج عن الذات والشرط فإليكها:
منها: من صلى وعليه عمامة حرير فصلاته صحيحة مع الإثم؛ لأن النهي عن الصلاة في هذه الحالة لا تعلق له بذات الصلاة ولا بشرطها الذي لا تصح إلا به فإنه ليس من شروط صحة الصلاة ستر الرأس، إذًا عاد النهي إلى أمر خارج وإذا عاد النهي إلى أمرٍ خارج عن الذات والشرط فيدل على نقصان الأجر فقط لا بطلان الفعل.
__________
(1) الوارد في ذلك أمر لا نهي.
(2) أين النهي الوارد عن المسح على الخف النجس؟
(3) أين النهي الوارد وإن كان اشتراط طهارة الماء للوضوء أمر ثابت.
(1/38)

ومنها: من صلى بجورب الحرير أو خاتم الذهب فكذلك صلاته صحيحة إن لم يكن قد مسح عليه لبطلان المسح عليه كما مضى، أما هنا فالكلام على الصلاة لا على المسح، فصلاته صحيحة لكن مع الإثم.
ومنها: من حجت بلا محرم فحجها صحيح لكن مع الإثم؛ لأنه ليس من شروط صحة الحج وجود المحرم وإنما المحرم للمرأة من شروط الوجوب فقط، فالنهي عن حج المرأة بلا محرم لا تعلق له بذات الحج ولا بشرطه الذي لا يصح إلا به فيكون عن أمر خارج فيدل فقط على الإثم ونقصان الأجر لا على البطلان.
ومنها: النهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني نهي لا تعلق له بذات البيع ولا بشرطه الذي لا يصح إلا به، ولذلك شروط صحة البيع سبعة معروفة ليس منها أن لا يكون بعد نداء الجمعة الثاني، إذًا النهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني نهي عاد إلى أمرٍ خارج عن الذات وشرط الصحة وإذا عاد النهي إلى أمرٍ خارج فلا يدل على الفساد ولكن يدل على الإثم ونقص الأجر فقط (1) .
ومنها: البيع في المسجد محرم لكن لو وقع لصح مع الإثم؛ لأن النهي عنه لا يرجع إلى الذات ولا الشرط وإنما إلى أمرٍ خارج والنهي عن الأمر الخارج لا يدل على البطلان. وعلى ذلك فقس.
مسألة: اعلم – رحمك الله تعالى – أن هناك فرقًا بين تحريم الشيء والحكم عليه بالبطلان، فالبيع بعد النداء الثاني، وفي المسجد وحج المرأة بلا محرم ولبس الحرير والذهب للرجل كل هذا محرم لاشك فيه لكن لا تلازم بين تحريم شيء والحكم عليه بعدم الصحة، فهذه الأفعال صحيحة في ذاتها لكن أصحابها يأثمون لتلبسهم بالمنهي عنه فانتبه لهذا، وخلاصة الكلام أن كل فعل لا يصح فهو محرم وليس كل فعلٍ محرم لا يصح، فقد يكون محرماً مع الصحة.
__________
(1) هذا خلاف المذهب وإلا فالنهي الوارد في الآية عن ذات البيع لقوله تعالى " وذروا البيع".
(1/39)

مسألة: اعلم - رحمك الله تعالى - أن خلاف العلماء في صحة الصلاة في الدار المغصوب داخل تحت هذه القاعدة، فنقول: إن من شروط صحة الصلاة طهارة البقعة وإباحتها، فالأرض المغصوبة طاهرة لكن ليست بمباحة فإذا صلى الإنسان في دارٍ مغصوبة فتكون هذه الصلاة منهي عنها والنهي عنها عاد إلى شرطها الذي لا تصح إلا به وهو حل البقعة وإباحتها وإذا عاد النهي إلى شرط المنهي عنه دل على فساده وبطلانه، وهذا القول هو الصحيح واختاره الشيخ تقي الدين، والله أعلم.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

القاعدة العاشرة
10 - الأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل
وتسمى هذه القاعدة قاعدة الأصول وهي من أنفع القواعد الفقهية لطالب العلم،فإنها تفيد طالب الفقه فوائد جمة من هذه الفوائد: أنه يبقى على هذا الأصل المقرر الذي دلت عليه الأدلة الشرعية أو العقلية ولا يتعداه لقول قائل ولا لفتيا عالم، بل لا يتعداه إلا بدليل ناقل، فإذا جاء الدليل الناقل فينتقل معه وإلا ثبت على الأصل وهذا يحمي طالب العلم من التشويش وكثرة التنقل وهذا مقصد بحد ذاته فهو أصل ثابت يرجع إليه العالم عند عدم الدليل، وقد جربناه وجربه غيرنا فوجدناه من أنفع الأشياء. ومن الفوائد: معرفة من المطالب بالدليل، فإنه إذا أتانا قول ينقلنا عن الأصل الذي تقرر عندنا فإننا نطالبه بالدليل على هذا النقل ولا يحق له مطالبتنا بالدليل المبقي على الأصل، ولذلك تقول القاعدة عندنا: (الأصل أن الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه) ، فلو لم نعرف الأصل لما عرفنا من الذي يطالب بالدليل، فإن جاء الناقل ببينة قبلنا قوله وإلا فقوله مردود عليه وهذه من أعظم الفوائد.
(1/40)

ومن الفوائد أيضًا: أن طالب العلم الفقيه بالأصول لا يمكن أبدًا أن تضطرب فتواه؛ لأنه سيفتي بالبقاء على الأصل في جميع المسائل التي لم يرد فيها ناقل، وأما ما ورد فيه ناقل فإنه يفتي بمقتضى هذا الناقل، فهذه الفوائد وغيرها مما لم يذكر لم تكن لتحصل للعالم ولطالب العلم لولا أنه عرف هذه القاعدة معرفة جلية بأدلتها وفروعها، وأنا أشرحها لك شرحًا ميسرًا مفهومًا - إن شاء الله تعالى - فأقول: قوله (الأصل) أي المتقرر عند العلماء جملة (هو البقاء) أي الثبوت والاحتجاج (على الأصل) أي على الأمر الذي قررته الأدلة النقلية أو العقلية (حتى) هو حرف غاية (يرد) أي بدل الدليل (الناقل) أي الذي تركنا الأصل بسببه، وهو الدليل الشرعي خاصة، ومعناها الإجمالي: أننا إذا تقرر عندنا أصل من الأصول فإن الواجب علينا هو البقاء عليه، حتى يرد لنا دليل آخر مستقل ينقلنا عن حكم هذا الأصل، فإذا ورد هذا الدليل الناقل لنا عن الأصل انتقلنا معه وتركنا حكم الأصل في هذه الجزئية التي دل عليها الدليل فقط لا في غيرها، بل يبقى ما لم يدل على إخراجه دليل على حكم الأصل، ثم اعلم أن الأصول في الفقه كثيرة جداً وعلى طالب العلم أن يحوزها جملة وتفصيلاً فإن حوزها وحفظها وإتقانها أنفع للطالب من حفظ المتون النثرية إن لم يجتمعا وإن اجتمعا فنور على نور يهدي الله لنوره من يشاء.
ثم اعلم أن مظانها كتب قواعد الفقه وهي كل قاعدة تصدر بكلمة (الأصل) فيقال الأصل في كذا وكذا كذا وكذا، وأنا أذكر لك جملة منها بفروعها - إن شاء الله - حتى تغتبط بها، ويغنيك هذا الكتاب عن غيره. والمهم أن تعرف الآن أمرين مهمين: أحدهما: أنه يجب الثبات على الأصل حتى يرد الدليل الناقل. الثاني: أن كل من ادعى خلاف الأصل فعليه الدليل، فالدليل يطلب من الناقل عنه لا من الثابت له.
(1/41)

وإليك بعض يسير من فروع هذه القاعدة لأننا - إن شاء الله تعالى - سنذكر بقية فروعها مع قواعد الأصول الآتية بعد ذلك، والله أعلم.
فمن الفروع: من قال بحرمة الزرافة فعليه الدليل؛ لأن الأصل في الحيوانات الحل والإباحة، أي قد دل الدليل الشرعي على أن كل حيوان فهو مباح وحلال إلا بدليل، فنقول لمن قال بحرمتها أين الدليل؟ ولا دليل على تحريمها إذا نبقى على الأصل الذي هو حلها وإباحتها. فلم نكن لنعرف حكمها لو لم نعرف الأصل في الحيوانات.
ومنها: من ادعى حرمة شيء من النباتات البرية أو البحرية أو الحيوانات البرية أو البحرية فعليه الدليل؛ لأن الأصل في النباتات الحل والإباحة فنبقى عليه حتى يرد الناقل؛ ولأن الأصل في الحيوانات الحل والإباحة حتى يرد الناقل، فحيث لا ناقل عن هذه الأصول فالواجب هو البقاء عليها.
ومنها: من ادعى حرمة شيء من العادات والتقاليد فعليه الدليل؛ لأن الأصل في العادات التي تعارف الناس عليها هو الحل والإباحة إلا بدليل ناقل فنبقى على الأصل حتى يرد الدليل الناقل فحيث لا دليل فالواجب هو البقاء عليه.
ومنها: من ادعى عبادة من العبادات فعليه الدليل؛ لأن الأصل هو عدم العبادة فالواجب هو البقاء على الأصل حتى ورود الدليل الناقل، فالدليل على من أثبت العبادة لا على من نفاها، والله أعلم.
ومنها: من ادعى ناقضًا من نواقض الوضوء فعليه الدليل؛ لأن الأصل أن كل عبادة انعقدت بدليل شرعي لا تنقض إلا بدليل شرعي، فالدليل يطلب من الناقل عن هذا الأصل لا من الثابت عليه.
ومنها: أن من ادعى حقًا من دين أو نحوه على أحدٍ فعليه الدليل؛ لأن الأصل براءة الذمة من كل الحقوق فالدليل على الناقل عن هذا الأصل لا من الثابت عليه، ولذلك صارت البينة على المدعي واليمين على من أنكر لأن الأصل مع المنكِر وأما المدعي فهو مخالف لهذا الأصل.
(1/42)

هذا غيض من فيض مما سيأتي تفصيله - إن شاء الله تعالى -، وخلاصة الكلام أننا ذكرنا في هذه القاعدة عدة قواعد من قواعد الأصول:
الأولى: الأصل في الحيوانات برية أو بحرية الحل والإباحة إلا بدليل.
الثانية: الأصل في النباتات برية أو بحرية الحل والإباحة إلا بدليل.
الثالثة: الأصل في العادات الحل والإباحة إلا بدليل.
الرابعة: الأصل في العبادات المنع إلا بدليل وسيأتي تفصيلها أكثر - إن شاء الله تعالى -.
الخامسة: الأصل أن كل عبادة انعقدت بدليلٍ شرعي لا تنتقض إلا بدليل شرعي.
السادسة: الأصل براءة الذمة وسيأتي تفصيلها إن شاء الله.
إذًا وبعد هذا تبين لك أهمية معرفة هذه القاعدة التي هي قاعدة الأصول في الأشياء فاحرص عليها وشد عليها بيديك، والله تعالى أعلى وأعلم.

القاعدة الحادية عشر
11 - الأصل بقاء ما كان على ما كان
وهذه أيضًا قاعدة من قواعد الأصول وهي مهمة في بابها وبيانها أن يقال: قوله (الأصل) أي الشيء الثابت المتقرر عند الشرع هو (بقاء) أي استمرار واستصحاب، قوله: (ما كان) أي في الزمان الحاضر نفيًا أو ثبوتًا أي سواءً كان الذي استصحبناه نفي شيءٍ أو إثبات شيء، قوله: (على ما كان) أي أن ما ثبت في الماضي أو ما هو منفي في الماضي فحاله الآن هي حاله في الماضي، أي أنها لم تتغير ولم تتبدل فإن كان الحالة في الماضي مثبتة فهي الآن مثبتة وإن كانت منفية فهي الآن منفية ومن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل، وهذه هي قاعدة الاستصحاب أي استصحاب الحال الماضية، وهي فرع من فروع قاعدة اليقين لا يزول بالشك، لأن ما كان في الماضي قد تيقناه فإن كان ثبوتًا فإننا قد تيقنا ثبوته وشككنا في زواله فنبقى على ما تيقناه، وإن كان نفيًا فإننا قد تيقنا نفيه وشككنا في ثبوته فنبقى على ما تيقناه؛ لأن اليقين لا يزول بالشك، وهذا واضح - إن شاء الله تعالى -.
(1/43)

وإليك بعض الفروع حتى تتضح أكثر فأقول:
منها: من أكل شاكًا في طلوع الفجر فصار طالعًا فصومه صحيح؛ لأن الأصل بقاء الليل والفجر مشكوك فيه، والأصل بقاء ما كان على ما كان فالليل ثابت في الماضي فهو ثابت الآن (1) .
ومنها: من أفطر شاكًا في غروب الشمس فصومه باطل؛ لأن الأصل بقاء النهار والغروب مشكوك فيه، والأصل بقاء ما كان على ما كان فالنهار ثابت في الماضي فهو ثابت الآن (2) .
ومنها: من شك في الطلاق فهو باقٍ على نكاحه؛ لأن النكاح قد كان في الحالة الماضية والطلاق مشكوك فيه، والأصل بقاء ما كان على ما كان فالنكاح ثابت في الماضي فهو ثابت الآن.
ومنها: من طلق وشك في الرجعة فهو باقٍ على طلاقه؛ لأن الطلاق قد كان في الحالة الماضية والرجعة مشكوك فيها، والأصل بقاء ما كان على ما كان فالطلاق ثابت في الماضي فهو ثابت الآن.
ومنها: تطهر لصلاة العصر وشك في الحدث عند إرادة صلاة المغرب فهو متطهر الآن؛ لأن الحالة الماضية هي الطهارة فنستصحب الحالة الماضية في الحالة الراهنة؛ لأن الأصل هو بقاء ما كان على ما كان.
ومنها: من أحدث يقينًا وشك في الطهارة والحكم فيها كما مضى فهو الآن محدث استصحابًا للحال السابقة لهذا الأصل الذي قررناه.
ومنها: إذا اتهم رجل بتهمةٍ ما فالأصل أنه بريء منها؛ لأن ذمته كانت بريئة فهي الآن بريئة؛ لأن الأصل بقاء ما ثبت في الزمان الماضي في الزمان الحاضر ومن ادعى خلاف ذلك فهو مطالب بالدليل.
__________
(1) هذا خلاف المذهب وإن كان هو الرجح لحديث عدي بن حاتم.
(2) هذا قول مرجوح مخالف لحديث أسماء في فطر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في يوم غيم.
(1/44)

إذاً: كل شيء تيقنا ثبوته في الماضي فهو ثابت في الحاضر إلا إذا جاء يقين بخلافه، وكل شيء تيقنا زواله في الماضي فهو زائل الآن إلا إذا جاء ما يغير الحال الماضية، ومن ادعى خلاف الحال الماضية فعليه الدليل لأنه ناقل عن الأصل، والدليل يطلب من الناقل عن الأصل فمن قال لما كان منفيًا هو ثابت فعليه الدليل، ومن قال لما كان ثابتاً هو منفي فعليه الدليل، والله تعالى أعلى وأعلم.

القاعدة الثانية عشر
12 - الأصل براءة الذمم إلا بدليل
وهذه أيضًا من قواعد الأصول، وبيانها أن يقال: قوله (الأصل) قد مضى شرحه (براءة الذمم) أي السلامة من المطالبة (والذمم) جمع ذمة.
ومعنى هذه القاعدة أن الله جل وعلا لما خلق الذمم خلقها بريئة من المطالبة بأي حق سواءً من حقه الذي هو العبادة أو من حقوق الآدميين التي تجري بينهم، فذممهم سليمة من كل مطالبة، ثم أعمرها جل وعلا بما أعمرها به من الحقوق الواجبة له علينا، كحق توحيده وإفراده بالعبادة، وحق الصلوات الخمس، وبر الوالدين، والصوم، والزكاة ووجوب الحج وهكذا، فالأصل أننا لا نطالب بأي عبادة، إلا بالعبادات التي دل عليها الدليل الشرعي الصحيح، ويبقى ما لم يدل عليه الدليل على أصل البراءة من المطالبة منه فلا تعمر الذمة بشيءٍ إلا ببينة، وكذلك حقوق الآدميين التي بينهم الأصل أن ذممنا بريئة منها فلا أحد من المخلوقين يطالبها بشيء إلا بما ثبتت به البينة، فالذمة بريئة من كل حقٍ بيقين فلا تعمر بمجرد الدعاوى التي لا مستند لها ولا بالأحاديث الواهية الضعيفة التي لا تقوم حجتها، بل لابد من يقين آخر يزيل يقين براءتها وهو البينة والبرهان؛ لأن اليقين لا يزول إلا باليقين كما مضى.
(1/45)

إذا عرفت ذلك فعليك بأمرين: أحدهما: أن تثبت على هذا الأصل وتجعله قاعدة وأساساً لك ترجع إليه ولا تتعداه إلا بدليل. الثاني: أن كل من أراد نقلك عن هذا الأصل الذي تقرر لك أنه مطالب بالدليل الناقل عن هذا الأصل، وأما أنت فلا يحق للناقل مطالبتك بالدليل لأنك ثابت على الأصل والدليل على الناقل لا على المثبت للأصل.
وإليك الفروع حتى تتضح القاعدة أكثر:
منها: من ادعى أن هذا القول أو هذا الفعل عبادة لازمة أو مستحبة فعليه الدليل وذلك لأمرين: أحدهما: لأنه يدعي العبادة والأصل عدم العبادة فهو مخالف للأصل ومن خالف الأصل فعليه الدليل. الثاني: أنه بهذا الادعاء يعمر الذمة بشيء من العبادات، والأصل براءتها من ما ادعاه فهو مخالف لهذا الأصل أيضًا ومن خالف الأصل فعليه الدليل. إذًا قول وادعاؤه لا يقبل إلا بالبرهان والبينة.
ومنها: من ادعى أن له على فلانٍ دينًا ولا بينة معه تثبت دعواه ففلان بريء من الدين؛ لأن المدعي يريد أن يعمر ذمة غيره والأصل أن ذمة غيره بريئة، فالمدعي مخالف للأصل ومن خالف الأصل فعليه الدليل، والله أعلم.
ومنها: من ادعى على غيره أنه قذفه ولا بينة معه تثبت دعواه فالمدعى عليه بريء من هذا الإدعاء؛ لأنه بادعائه هذا يعمر ذمته بحق إقامة حد القذف والأصل براءة الذمة من هذا الحق فهو مخالف لهذا الأصل ومن خالف الأصل فعليه الدليل.
وعلى ذلك فقس لوضوحها ووضوح فروعها، والله تعالى أعلى وأعلم.
القاعدة الثالثة عشر
13 - الأصل أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر
(1/46)

وهذه من أنفع القواعد على الإطلاق للقضاة وغيرهم فإنها أصل يسير سهل، لكنه يحل مشاكل كثيرة لا حصر لها ولا عد وبيانه أن يقال: قوله (البينة) أي الحجة والبرهان وهي كل شيءٍ يثبت به الحق ويبين صدق الدعوى، أيًا كانت هذه البينة، فالعبرة هي ظهور الحق فبأي شيء ظهر الحق فالذي أظهره هو البينة، إلا أن الفقهاء من الأصحاب خصوها ببعض أفرادها، ثم اعلم أن البينة لها صور كثيرة:
منها: الشهادة سواءً الشهادة على الأموال أو الأنساب أو الحدود ونحوها.
ومنها: اليمين سواءً مفردة أو مع شاهد، هي من البينة.
ومنها: الإقرار كإقرار السارق والزاني ونحوها.
ومنها: وجود المسروق عند السارق.
ومنها: ظهور حبل من رميت بالزنا ولا زوج لها ولم تدع شبهة، وغير ذلك كثير فكل ذلك يقال له بينة لأن الحق يظهر به، والله أعلم.
قوله: (المدعي) هو صاحب الدعوى، وقيل هو من يبدأ أولاً، وقيل هو من إذا ترك سكت وقيل هو من يعمر الذمة بشيء، وكل ذلك صحيح يدل على شيءٍ واحد وإن اختلفت ألفاظها ويجمعها أن يقال: المدعي هو من يحاول إثبات حقً له في ذمة غيره، فكل من حاول أن يعمر ذمة غيره بحق له فهو المدعي.
وقلنا: (إثبات حق له) حتى يخرج الشاهد والمقر على نفسه بشيء، فإن الشاهد يحاول أن يثبت حقًا لغيره على غيره، والمقر يحاول أن يثبت حقًا على نفسه لا لنفسه، قوله: (واليمين) أي الحلف وهي تأكيد أمرٍ بذكر اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته، وستأتي قواعدها – إن شاء الله تعالى -.
(1/47)

قوله: (على من أنكر) أي على المدعي عليه، وهو الذي يحاول أن يدفع صدق الدعوى عن نفسه فهو ينكر هذه الدعوى فلذلك سمي منكرًا إذا علمت هذا فاعلم أن البينة التي هي الحجة والبرهان لا تطلب إلا من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه، فالمدعي يدعي بأن له حقًا على زيدٍ من الناس مثلاً فهو يريد أن يثبت هذا الحق في ذمة زيد، فهو مخالف للأصل فطولب بالبينة التي تثبت صدق دعواه، وأما المنكر فهو يبرئ ذمته من هذا الحق فهو مع الأصل فلا يطالب في هذه الحالة بشيء إلا أنه في مجلس القضاء يحتاج إلى بينة ضعيفة يأتي بها وهو اليمين حتى يتأكد القاضي من براءة ذمته. فإن قلت: لماذا جعلت الشريعة البينة في جانب المدعي، واليمين في جانب المدعى عليه؟ قلنا: إن جانب المدعي ضعيف جدًا؛ لأنه يخالف الأصل الذي هو براءة الذمة، وكل من خالف الأصل فجانبه ضعيف فيحتاج إلى شيء يقويه والبينة المثبتة لحقه هي التي تقوي ضعفه فطلبت منه البينة، وأما جانب المدعى عليه فهو قوي جدًا؛ لأنه يمشي مع الأصل ولم يخالفه وكل من كان الأصل معه فجانبه قوي فطلب منه بينة ضعيفة وهي اليمين؛ لأنه لا حاجة لتقوية جانبه لذلك القاعدة عندنا تقول: (اليمين في جانب أقوى المتداعيين) وأقوى المتداعيين هنا هو المدعى عليه؛ لأن الأصل معه فشرعت اليمين في جانبه (1) ، والله أعلم.
__________
(1) لابن القيم كلام جميل يرى فيه أن اليمين مشروعة في حق أقوى المتداعيين، ولذا حكم الرسول صلى الله عليه وسلم بالشاهد ويمين المدعي لقوة جنابه بالشاهد الواحد، وفي القسامة جعلت الأيمان في جانب المدعين لوجود قرينة اللوث معهم فراجع كلامه رحمه الله.
(1/48)

وجماع فروعها أن كل من ادعى حقًا في ذمة غيره فإنه يطالب بالبينة والمنكر يطالب باليمين، وتفصيل المسائل يطول وفي مضى كفاية - إن شاء الله تعالى -، والله وأعلم. وسيأتي - إن شاء الله تعالى - بقية قواعد الأصول في ثنايا القواعد، والله تعالى وأعلم.

القاعدة الرابعة عشر
14 - لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة
هذه القاعدة من أصول الشريعة، وذلك أن الشريعة الإسلامية جاءت بالحنفية السمحة فلا أغلال فيها ولا آصار ولا تكليف فيها بما فيه حرج ومشقة شديدة لاتحتمل، بل كل تشريعاتها داخلة تحت القدرة والاستطاعة فهي كما قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} ، وقال تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} .
وقال - صلى الله عليه وسلم -: (بعثت بالحنيفية السمحة) هذا هو الأصل في شريعتنا أنها يسيرة في تشريعاتها إذا علمت هذا فاعلم أن الأصل في كل واجب هو وجوب القيام به بنفسه فلا يجوز تركه أبدًا، والأصل في كل محرم وجوب تركه فلا يجوز فعله أبدًا، هذا هو الأصل إلا أن الإنسان قد تعرض له عوارض يعجز عن القيام بالواجب أو يحتاج إلى ارتكاب المحرم فحينئذٍ يجوز له ذلك، فيفوت من الواجب ما يعجز عنه ويرتكب من المحرم ما يضطر إليه؛ لأن أدلة الشريعة دلت على أن الواجبات تسقط بالعجز عنها؛ لأن من شروط التكليف بالفعل أن يكون مقدورًا عليه فإذا عجز الإنسان عن هذا الفعل الواجب فإنه لا يكون واجبًا في حقه، وإن عجز عن بعضه دون بعض فإن ما عجز عنه هو الذي يسقط دون ما قدر عليه، ولأن الأدلة أيضًا دلت على أن المحرم يحرم ارتكابه في حالة عدم الاضطرار إليه، أما إذا اضطر إليه فله ارتكاب ما تندفع به ضرورته فإذا اندفعت الضرورة عاد الحكم كما كان. إذًا هذه القاعدة مكونة من جزئين نذكرهما كل واحد بأدلته وفروعه فأقول:
(1/49)

الأول: (لا واجب مع العجز) قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع في الجملة، فمن الكتاب قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} وما يعجز عنه الإنسان فإنه ليس في وسعه فلا يكلف به وهذا واضح.
ومن الأدلة: قوله تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} والقول بالتكليف مع العجز فيه إثقال وأغلال وآصار وقد أزيلت من الشريعة الإسلامية فمقتضى إزالتها أن لا يكلف العاجز عن الواجب به.
ومنها: قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ} والقول بتكليف العاجز مع عجزه منافٍ لإرادة الله تعالى؛ لأنه من العسر، لكن مقتضى هذه الإرادة أن يسقط التكليف عن العاجز عن الواجب بالإتيان بالواجب، وجماع ذلك كل دليل من القرآن فيه إخبار بيسر الشريعة وإرادة التخفيف وعدم تكليف النفس ما لا تطيق كل ذلك داخل في أدلة هذه القاعدة.
وأما أدلة ذلك من السنة: فحديث عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: (صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب) رواه البخاري.
ومثله حديث جابر عند البيهقي بسند قوي، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم) ، فعلق إتيان الأمر بالاستطاعة فغير المستطيع لا يطالب بما عجز عنه. وأدلتها كثيرة لكن فيما مضى كفاية.
وإلى فروع هذه الجزئية من القاعدة فأقول:
منها: من عجز عن القيام في الفرض سقط عنه ويصلي قاعدًا لحديث عمران بن حصين.
ومنها: من عجز عن الطهارة المائية لعذرٍ ما، سقطت عنه وينتقل إلى الطهارة الترابية ولا يعيد على الصحيح ولو قدر عليها في الوقت.
ومنها: من عجز عن الإتيان لصلاة الجماعة لعذرٍ من الأعذار سقطت عنه ويصلي في بيته.
(1/50)

ومنها: من عجز عن استقبال القبلة لعذرٍ سقط عنه ويصلي على حسب حاله ولا يعيد.
ومنها: من عجز عن الحج بنفسه سقط عنه ووجب بغيره وتقدم.
ومنها: من عجز عن الصوم لكبرٍ أو مرضٍ لا يرجى برؤه سقط عنه ويطعم عن كل يومٍ مسكينًا.
ومنها: من عجز عن إزالة أثر النجاسة سقطت عنه ويصلي ولا يضيره هذا الأثر وعليه حديث أبي هريرة عن خوله عند أبي داود.
ومنها: من عجز عن السجود والركوع أو أحدهما أومأ بهما أو أومأ بما عجز عنه.
وجماع هذه الفروع أن كل واجب عجزت عنه كله سقط كله وإن كان العجز عن بعضه فإنه يسقط ما عجزت عنه، وعلى ذلك تخرج الفروع.
الجزء الثاني: (لا محرم مع الضرورة) أي أنه في حالة الضرورة يجوز المحرم ولا يكون محرمًا، وقد دل على ذلك قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من بهيمة الأنعام: {إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ} (1) يعني أن هذه المحرمات السابق ذكرها تجوز في حالة الضرورة.
ومن الأدلة: جميع الأدلة التي فيها رفع الحرج والآصار والأغلال، وأنه لا تكلف نفس إلا وسعها، وأن الله لا يحمل النفس إلا ما تطيق، كل ذلك يدل على هذه القاعدة؛ لأنه لو لم يجز ارتكاب المحرم مع قيام الضرورة لكان ذلك من الحرج ومن تكليف مالا يطاق، فإن الضرورة حالة لو لم تراعى لأدى ذلك إلى فوات النفس أو الطرف.
__________
(1) هذه في الأنعام لم تسبق بمحرمات والأنسب قوله تعالى في سورة المائدة بعد ذكر المحرمات من بهيمة الأنعام (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم) ثم يقال وقال تعالى (أوقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) .
(1/51)

إذا علمت هذا فإن هذا الجزء من القاعدة ليس بمطلق وإنما هو مقيد بحالة الضرورة فقط أي أنه يجوز تناول الحرام بالقدر الذي تندفع به الضرورة فإذا زالت الضرورة عاد الحكم إلى ما كان عليه ولذلك قال العلماء: (الضرورة تقدر بقدرها) فالحرام جاز لعلة وهي الضرورة والحكم مناط بعلة ينتفي بانتفائها، فإذا زالت العلة التي هي الضرورة زال الجواز وعاد الحكم إلى الحرمة.
ثم اعلم: أن الإنسان إذا اضطر إلى ارتكاب المحرم من أجل الضرورة لإنقاذ نفسه أو طرفٍ من أطرافه ولكنه لم يفعل ومات فإنه يموت عاصيًا آثمًا، لأن حفظ نفسه وأطرافه واجب عليه، ففعل المحرم حال الاضطرار ليس من الرخص المستحبة وإنما هو من الرخص الواجبة فهو عزيمة لا يجوز تركه.
ثم اعلم: أن الإنسان إذا ارتكب المحرم للضرورة ولكنه زاد عن حدها أي فعل ما تندفع به ضرورته وزاد، فهل يأثم على الجميع أو لا يأثم إلا على القدر الزائد فقط؟
فيه خلاف في المذهب، والراجح منه أنه راجع إلى نيته إن كان لا ينوي بارتكاب المحرم إلا دفع الضرورة ثم زاد على ذلك فإنه لا يأثم إلا على الزائد فقط، وإن كان ينوي به التلذذ أو الاستمتاع فإنه يأثم على الجميع، ذلك لأن الله تعالى قال: {فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ} فقوله: {غَيْرَ بَاغٍ} أي غير مريد لارتكاب المحرم وإنما اضطرته ضرورته وإلا فهو لا يبغي ارتكابه، وقوله: {وَلا عَادٍ} أي غير متعدٍ لحد الضرورة، وقوله: {فَلا إثْمَ عَلَيْهِ} أي بهذين الوصفين، والحكم المعلق بوصفٍ يثبت بثبوته وينتفي بزواله، فنقول: من زاد على المحرم إن كان غير باغ له فإنه يأثم على الزيادة فقط لأنه تعدى حد الضرورة، وإن كان باغياً للمحرم ومتعدياً لحد الضرورة فإنه يأثم مرتين على إرادة الحرام تلذذًا، وعلى تعدي حد الضرورة.
(1/52)

ثم اعلم أنه إذا كانت لا تندفع الضرورة إلا باستعمال ملك الغير (1) فإنه يجوز له استعماله إذا لم تتعلق به ضرورة مالكه، ولا يجوز لهذا المالك أن يمنع صاحب الضرورة من القدر الذي تندفع به ضرورته فإن منعه فلصاحب الضرورة قهره عليه واستعماله ولو بغير إذنه لكن يضمن صاحب الضرورة هذا المال إن كان طعامًا ضمن بدله أو ثمنه وهكذا، والقاعدة عند العلماء تقول: (الاضطرار لا يبطل حق الغير) (2) فعلى صاحب الضرورة ضمان ما أتلفه بسبب دفع ضرورته إذا لم يتبرع بها صاحب الملك، والله أعلم.
ثم اعلم أنه يجب أن يفرق الإنسان من حالة الضرورة وبين الحاجة فلا يخلط بينهما (3) فحالة الحاجة لا يؤدي عدم مراعاتها إلى تلف النفس أو الطرف بخلاف حالة الضرورة.
ولكي تتضح هذه القاعدة نذكر بعض فروعها:
فمنها: من بلغ به الجوع حد الهلاك وليس عنده ما يطعمه إلا ميتة فيجوز له أن يأكل منها بقدر ما تندفع به الضرورة وليس له أن يشبع منها، بل يأكل ما يقيم أوده فقط.
ومنها: من غص وليس عنده ما يدفع به غصته إلا خمراً فله أن يشرب منه بالقدر الذي تندفع به الضرورة فقط.
ومنها: من اضطر إلى لبس الحرير لمرضٍ به كحكة أو نحوها فإنه يجوز له ذلك كما في الحديث عن أنس: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص الحرير في سفرٍ من حكةٍ كانت بهما) (4) متفق عليه. وسيأتي زيادة إيضاح لذلك.
__________
(1) لأن أل لا تدخل إلى غير في اللغة وإن استعمل ذلك بعض الفقهاء.
(2) هذه القاعدة فيها خلاف، فمن أهل العلم من يرى أن إطعام الجائع فرض كفايه وهذا مضطر فإن كان فقيراً لا يجد ضمان فتناوله لم يلزمه شيء.
(3) لكن المُحرم لغيره تبيحه الحاجه لا الضرورة كلبس الحرير لمن به حكه كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف بلبس الحرير لحكة بهما كما في الصحيحين من حديث أنس.
(4) هذا تبيحه الحاجه كما أسلفت.
(1/53)

ومنها: من احتاجت أو احتاج لكشف عورته أو عورتها أو كشف وجهها لضرورة العلاج جاز ذلك لكن بالقدر الذي تدعو إليه الضرورة (1) ، والله المستعان من أهل هذا الزمان.
ومنها: أن الضرورة في هذه الأزمنة المتأخرة تدعو إلى إباحة تصوير ما يُعرِّف بالنفس كالبطاقة والشهادة والرخصة ونحوها، فهذه الصور لما دعت إليها الضرورة جازت، لكن بالقدر الذي تندفع به (2) . والله أعلى وأعلم.
وصلى الله على محمد وآله وسلم

القاعدة الخامسة عشر
15 - لا تقبل العبادة إلا بالإخلاص والمتابعة
__________
(1) كشف الوجه مُحرم لغيره لا لذاته تبيحه الحاجه الشديدة لأنه لا ضرورة في العلاج لحديث ابن عباس في السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب.
(2) الآن بدأت دول الغرب بالبصمات ورأت أنها أدق من الصورة وأبعد عن التزوير، وإذا وجد البديل المباح للصور عاد التحريم وزالت الضرورة،
(1/54)

وهذه القاعدة تبين شرطي قبول الأعمال وبيانها أن يقال: إن الأعمال الشرعية لا تقبل أبدًا إلا إذا توفر فيها شرطان: الأول: الإخلاص ومعناه أن يكون الباعث لك على هذا العمل إرادة التقرب لله تعالى وامتثال أمره وطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والقيام بما أوجب الله عليك، ورجاء الجنة بهذا العمل، فهذه هي النية الواجبة في العبادة، وهذا هو الإخلاص الذي أمرنا به الله جل وعلا، قال تعالى: {وَمَا أمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} وقال تعالى: {فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله.. الحديث) ، وقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) فلا نفاق ولا رياء، أما من قصد غير ذلك من المقاصد الدنيوية كرياسة أو منصب أو حب شهرة ومدحٍ وثناءٍ من الناس فإن عمله هذا ليس له حظ من القبول، للإخلال بشرط الإخلاص فلا يقبل العمل إلا بإخلاص.
فالعامل لا تخلو نيته من ثلاث حالات: إما أن لا يقصد بعمله إلا الله جل وعلا، وإما أن لا يقصد إلا الدنيا وزينتها، وإما أن يشرك في القصد بين الله وبين المخلوق، ففيه قصد لله لكن فيه حب المدح والثناء أو يريد المنصب والجاه.
فأما الأول: فهو مقبول لتحقق شرط الإخلاص فيه. وأما الثاني: فهو مردود لتخلف الإخلاص. وأما الثالث: ففيه شائبتان لكنه مردود أيضاً وذلك لأمرين:
(1/55)

أحدهما: أن أبا هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه) رواه مسلم. فقوله: (أشرك معي فيه غيري) يدل على أن النية فيها تشريك أي أنه جعل مع الله شريك في هذا العمل ومن فعل ذلك فجزاؤه أن يتركه الله وشركه، أي أن عمله هذا غير مقبول.
الثاني: أن كلمة الإخلاص في قولنا: (مبنى الأعمال على الإخلاص) تفيد التخلص من غير قصد القربة لله تعالى، فلا يقصد إلا القربة، فنيته خالصة من الشوائب وإذا نوى الإنسان مع الله غيره فإنه نيته لم تخلص وإنما شركت، فتخلف الإخلاص فلا يقبل بدونه العمل، وسيأتي تفصيل ذلك في آخر القاعدة - إن شاء الله تعالى -، والمهم: أن الإخلاص شرط من شروط صحة العمل. ثم اعلم أن النية نيتان: نية إيقاع العمل، ونية القربة لله بهذا العمل، فأما الأولى: فلا يتصور تخلفها عن عاملٍ أبدًا إذ هي من ضروريات العمل فإن كل من أراد عملاً نوى عمله قبل الدخول فيه وهي المرادة بقولنا: (النية تتبع العلم) فمن علم أنه يعمل كذا فقد نواه، وهذه شرط في صحة العمل، حتى قال بعضهم: (لو كلفنا الله أن نعمل عملاً بلا نية لكلفنا بالمحال) . وأما النية الثانية: فهي النية المقصودة بالإخلاص التي مدار قبول الأعمال عليها وهي التي يحصل بها الثواب وهي المرادة بالقول: (نية المرء أبلغ من عمله) وهي التي لا يصح التشريك فيها، فيجب على كل من عمل عملاً أن ينوي به القربة إلى الله تعالى وامتثال أمره، والله تعالى أعلم.
(1/56)

ثم اعلم أن الرياء إذا دخل في العمل فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون من أوله وإما أن يكون طارئاً عليه، فإن كان من أوله فإن العبادة باطلة كلها، وإن كان الرياء طارئاً على العمل فلا يخلو إما أن لا يسترسل معه ويدفعه عن نفسه بما يستطيع وإما أن يسترسل معه ويرضى به ولا يدفعه عن نفسه، فإن كان الأول فلا يضره أبدًا بل يؤجر على هذه المدافعة، وإن كان الثاني فلا يخلو إما أن يكون هذا العمل مما ينبني صحة أوله على صحة آخره كالصلاة، وإما أن لا ينبني ذلك، فإن كان الأول فإن العمل يبطل كله، وإن كان الثاني فإنه لا يبطل إلا العمل الذي خالطه الرياء كالصدقة وقراءة القرآن وأيام الصوم ونحو ذلك، وهذا يدل على خطر الرياء ووجوب الإخلاص، وفروعها كثيرة جداً وفيما مضى كفاية - إن شاء الله تعالى -.
فهذا هو الشرط الأول وهو الإخلاص.
أما الشرط الثاني: فهو المتابعة وهو أن تفعل العبادة ذات الكيفية على الكيفية التي فعلها بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلا زيادة ولا نقصان، فنصلي كما صلى، ونصوم كما صام، ونحج كما حج وهكذا، وقد دل على اشتراط هذا الشرط أدلة كثيرة فكل آية فيها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدوة لنا وأسوة فهي دليل على وجوب متابعته في ذلك، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) والمراد بأمرنا ديننا وشريعتنا، ومعنى (فهو رد) أي مردود على صاحبه بمعنى أنه ليس بصحيح ولا يقبل، وفي رواية مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ) ومن متابعته - صلى الله عليه وسلم - أن يحرص المسلم على أمور وهذا في العبادات قولية كانت أو فعلية:
(1/57)

الأول: الكيفية: وهو أن نوافقه في كيفيتها وكما قال - صلى الله عليه وسلم -: (خذوا عني مناسككم) وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فمن فعل عبادة لها كيفية بكيفية مخالفة لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعبادته باطلة؛ لأنها ليست من أمره - صلى الله عليه وسلم -.
الثاني: المكان: فإذا كانت هذه العبادة قد خصص لأدائها مكانًا معينًا فإنه لا يجوز فعلها في غيره إلا بدليل يصححها فيه، وذلك كالحج والطواف والسعي وذبح الهدي، فالحج له مكان معين وشعائر معروفة في أمكنة معروفة كعرفةٍ ومزدلفة ومنى ورمي الجمار ونحوه فلا يصح الحج إلا في هذه الأمكنة فلابد من موافقة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومتابعته في المكان، والطواف عبادة لا يشرع إلا بمكان واحد وهو في البيت الحرام حول الكعبة فقط فمن طاف بغيره فطوافه باطل للمخالفة في المكان، والهدي لا يذبح إلا بمنى وليس في الأمصار هدي وإنما الأضاحي فقط، والفروع كثيرة.
الثالث: الزمان: فإذا كانت هذه العبادة لها زمان معين لا تصح إلا فيه فلا يجوز فعلها في غيره فيلزم متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في زمانها كالحج له زمان معين وأوقات الصلوات وشهر رمضان كل هذه عبادات لها أزمنة معينة فلا يجوز إيقاعها إلا في أوقاتها ولذلك قعّد العلماء هذه القاعدة (أن العبادة المؤقتة بوقتٍ تفوت بفوات وقتها) ، أما العبادات المطلقة كالتطوع المطلق بالصلاة أو الصوم فهذا يفعل في كل وقت إلا فيما نهي عنه كالأوقات الخمسة بالنسبة للصلاة، وكإفراد يوم الجمعة وكصوم العيدين وأيام التشريق بالنسبة للصوم
(1/58)

الرابع: القدر: فإذا حددت الشريعة لهذه العبادة قدرًا معينًا فإنه لا يجوز لأحد أن يزيد عليه أو ينقص منه ولا تصح بهذه الزيادة أو النقصان إلا بدليل يصححها وإلا فلا، ومن ذلك أعداد ركعات الصلوات ورمي الجمار وعدد الطواف والسعي ومقادير الزكاة والكفارات والحدود ونحوها فهذه قدرت بمقادير فيجب على المسلم متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في قدرها، فإذا كمل المؤمن هذه المراتب فقد كمل مراتب المتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإذا تخلف منها شيء فإن يتخلف من المتابعة بقدرها، ثم يجب علينا أن ننبه لأمر وهو أن العبادة قد تكون مشروعة بأصلها ممنوعة بوصفها، وهذا يقع فيه الناس كثيرًا، وبيان ذلك أن يقال: إن بعض الناس يفعلون عبادات قد حددوها بزمانٍ أو مكانٍ معين يعتقد فيه الفضيلة، فإذا أنكرت عليهم احتجوا عليك بالأدلة التي تدل على شرعية هذه العبادة ولكنهم لا يأتون بدليل يدل على فعلها في هذا الوقت أو المكان بعينه، وهذا لا يكفي إذ أدلة إثبات العبادة شيء وتخصيص فعلها في زمانٍ أو مكانٍ يعتقد أن فعلها فيه أفضل شيء آخر، فلا يخلط بين هذا وهذا، ولذلك فلنعلم أن من اعتقد في عبادةٍ مَّا أن فعلها في وقتٍ أو مكانٍ مَّا أفضل من فعلها في بقية الأزمنة والأمكنة فهو مبتدع وما فعله بدعة لأن مجرد هذا التخصيص الزمني والمكاني يحتاج إلى دليلٍ زائد ولا يكفي فيه مجرد الأدلة التي تدل على مشروعية هذه العبادة مطلقاً، ومثال ذلك الذكر، فإن الأصل أنه جائز في كل زمانٍ ومكان إلا ما ورد الدليل بالمنع منه فيه كالخلاء ونحوه، لكن من خصص الذكر بزمانٍ معين أو مكانٍ معين أو على صفة معينة فإن هذا التخصيص يحتاج إلى دليل زائد على مجرد أدلة مشروعية الذكر، والغريب أننا إذا أنكرنا عليهم هذا التخصيص احتجوا علينا بقوله تعالى: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} ، وقوله: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا
(1/59)

وَالذَّاكِرَاتِ} وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله) ونحو ذلك من النصوص الدالة على مشروعية الذكر فيقال لهم: الذكر لنا فيه نظران: نظر من ناحية أصله ومشروعيته، ونظر من ناحية تخصيصه بزمان أو مكان أو صفة معينة، فأما من ناحية أصله ومشروعيته فلا ننازع فيه ولا ننكره طرفة عين، لكن من ناحية هذا التخصيص هو الذي ننكره وننازع فيه ونعده بدعة إلا بدليل يدل عليه، وذلك كالأذكار الجماعية والأذكار المنتشرة عند الصوفية وقول بعض الناس عند قول الإمام (إياك نعبد وإياك نستعين) يقول: استعنا بالله، أو لا نستعين إلا بالله، كل ذلك مما لا ننازع في أصله وإنما ننازع في وصفه، إذا علم هذا فليعلم أن الأصل هو إطلاق العبادات وأنها لا تخصص بزمان ولا مكانٍ ولا صفة ثم جاءت الأدلة بتخصيص بعضها بزمانٍ ومكانٍ وصفة فما دل الدليل الشرعي الصحيح على تخصيصه بشيء فإننا نقول به، وإن لم يدل دليل على هذا التخصيص فالبقاء على الأصل هو المتعين ومن خصص عبادة بشيءٍ بلا دليل فقد جاء بما لم يأت به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحينئذٍ نقرر له الأدلة أن الرسول لم يأت بذلك فإذا أقر واعترف بذلك وأصر فلا يخلو إصراره من أحد حالين: إما لاعتقاده أنه يفعل ويحرص على الخير أكثر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا ضلال مبين وفتنة عظيمة، وإما لاعتقاده أن هذا من الشرع الذي كتمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبلغه للأمة وهو أخطر من الأول، فالواجب إذا بان للإنسان خطأ في شيء من الأقوال أو الأفعال التي اعتاد عليها، الواجب عليه أن يتركه ويتبع الحق، ولا يوزن الحق بالرجال وإنما يوزن الرجال بالحق، وكل قولٍ فهو تابع لأقوال الشريعة لا يتقدم عليها وإنما هو تبع لها، فما وافقها قبلناه وما خالفها رددناه والمتابع لا يتقدم على متبوعه، ولأهمية الأمر وكثرة اللبس فيه جرى التنبيه،
(1/60)

والله أعلم.
وخلاصة الكلام أن كل عبادة لا تصح إلا بإخلاص ومتابعة، والله تعالى أعلى وأعلم وصلى الله على نبينا محمد.

القاعدة السادسة عشر
16 - لا يؤثر فعل المنهي عنه إلا بذكرٍ وعلمٍ وإرادة (1)
اعلم أن الشريعة عندنا قسمان: إما مأمور به وإما منهي عنه ولا ثالث لها، والمأمور به إما أمر استحباب وإما أمر إيجاب، والمنهي عنه إما نهي كراهة وإما نهي تحريم، وهذه القاعدة خاصة بالمنهيات فيدخل فيها نصف الشريعة إذا علمت هذا فاعلم أن الله جل وعلا إذا حرم علينا فعلاً أو قولاً من الأفعال والأقوال، أنه لا يجوز فعله ولا الإقدام عليه، لكن لو فعله أحد فهل يأثم أو يترتب عليه ما يترتب على فعله؟
الجواب: أن يقال قبل الحكم بالتأثيم وترتيب ما يترتب عليه كالكفارات والحدود ونحوها يجب علينا أن ننظر في ثلاثة أمور راجعة إلى المكلف فإذا تحققت فيه أجرينا عليه آثار فعل المنهي من الإثم والعقوبة، وإن تخلف واحد منها فإن ارتكابه للنهي لا تترتب عليه آثاره، وهذا عام ومطرد في كل الفروع ولا يشذ منه فرع إلا بدليل.
الأول: العلم: أي أن يعلم المكلف أن هذا الفعل أو هذا القول منهي عنه، فإذا قاله أو فعله ولم يعلم حكمه ومثله يجهل كحديث الإسلام أو من نشأ ببادية بعيدة عن العلم والعلماء أو كان فعله وقاله ويغلب على الظن أنه لا يأثم به، فهذا لا يؤاخذ بفعله للمنهي عنه أبداً لأن الشريعة أمرًا ونهيًا لا تثبت في حق المكلف إلا إذا علمها، ودليل اشتراط هذه الشرط أمور:
منها: قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} فالله عز وجل نفى أن يعذب أحدًا إلا بعد بعثة الرسل لتقوم الحجة على الناس، ومن لا يعلم الحكم ومثله يجهل فالحجة الرسالية لم تقم عليه بعد، ومن لم تقم عليه الحجة الرسالية فإن الله لا يعذبه.
__________
(1) لكن لا يمنع نت ترتب الضمان.
(1/61)

ومنها: جميع الآيات التي تبين عدم تكليف النفس ما لا تطيق، فهي تدل على اشتراط العلم لأن التكليف بما لم يعلم تكليف بما لا يطاق، وهو منفي شرعًا.
ومنها: حديث ابن عمر في أهل قباء أنه لما حولت القبلة خرج رجل ممن صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فمر بأهل قباء وهم يصلون الصبح فقال: أشهد بالله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، فاستداروا كما هم إلى الكعبة ولم تبطل صلاتهم مع أنهم افتتحوا الصلاة إلى القبلة المنسوخة، لكن لما لم يأمرهم بالإعادة دل ذلك على أنه لم يؤاخذهم مما يدل على عفوه عنهم لعدم علمهم بذلك ولم يأمرهم بالإعادة مما يدل على اشتراط العلم بالمكلف به حتى يترتب عليه أثره.
ومنها: حديث عدي بن حاتم أنه لما نزلت {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ} قال: عمدت لعقالين فوضعتهما تحت وسادتي فأكلت وشربت حتى طلع الصبح فأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال: (إنك لعريض الوساد، إنما هو ظلمة الليل نور الصبح) أو كما قال - صلى الله عليه وسلم - ولم يأمره بإعادة ذلك اليوم؛ لأنه يجهل الحكم فارتكب الحرام الذي هو الأكل والشرب في نهار رمضان وهو لا يعلم أنه حرام فلم يؤاخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يدل على اشتراط العلم.
(1/62)

ومنها: حديث عمار وفيه أنه خرج هو وعمر - رضي الله عنهما - فأجنبا فتمرغ عمار في الصعيد كما تمرغ الدابة، ولم يتيمم عمر ولم يصل فلما أخبرا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطأهما وبين لهما الصواب (1) . المهم أنه لم يأمرهما بالإعادة مع أن عمار لم يتيمم التيمم الشرعي بالصفة الشرعية وعمر لم يصل، ولو كان أمرهما بالإعادة لنقل، فلم لم يأمرهما بالإعادة دل على أنه لم يؤاخذهما لجهلهما بالحال فدل ذلك على اشتراط العلم والأدلة كثيرة وفيما مضى كفاية.
وأما الثاني: فهو (الذكر) : وضده النسيان، فالناسي لا يؤاخذ بفعل المنهي عنه إنما يؤاخذ بترك المأمور كما مضى، فمن فعل المنهي عنه ناسيًا له فلا يؤثر ذلك كما قال تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أوْ أخْطَأْنَا} قال الله: (قد فعلت) كما في مسلم وغيره، ودلالتها واضحة، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وسنده حسن، ودلالته واضحة أيضًا. وقال - صلى الله عليه وسلم -: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا أصبح أو ذكر لا كفارة لها إلا ذلك) فأسقط إثم من ترك الصلاة ناسياً وذلك دليل على اشتراط الذكر.
ومنها: الأدلة التي تدل على صحة من زاد أو نقص في الصلاة سهوًا ونسيانًا، بخلاف العامد وهي كثيرة كحديث ابن مسعود وابن سيرين عن أبي هريرة وابن بحينة وغيرها كلها تدل على أن الناسي لا يؤاخذ إذا ارتكب المحرم.
__________
(1) يذر الحديث بلفظه لأن الذي سأل عمار فأخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بصفة التيمم وعمر لم ينقل سؤاله وجواب الرسول له، فأين الدليل على أن عمر لم يصل ولم يؤمر بالصلاة التي تركها وهي ترك مأمور.
(1/63)

الثالث: (الإرادة) : أي أن يفعل الإنسان المنهي عنه وهو مريد لفعله مختار له أما إذا فعله مكرهًا عليه أيًا كان هذا الإكراه ملجئاً أو غير ملجئ فإنه لا يترتب عليه أثر فعل المنهي عنه، والذي يدل على ذلك قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلا مَنْ أكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} فأجاز الله جل وعلا النطق أو فعل الكفر حالة الإكراه عليه مع شرط اطمئنان القلب بالإيمان. وقيس على ذلك باقي المنهيات من باب أولى؛ لأن أعظم الذنوب هي الشرك والكفر.
ومن ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق: (وما استكرهوا عليه) وهو عام في أي إكراه، إذًا وبعد هذا عرفنا أن الإنسان إذا فعل المحرم بعلمٍ وذكرٍ وإرادةٍ أنه يأثم ويترتب عليه أثر المنهي عنه. أما إذا اختل شرط منها فإنه لا يأثم، ولا يترتب عليه أثر المنهي عنه.
وبالفروع تتضح القاعدة أكثر فأقول:
منها: محظورات الصوم التي من فعل المكلف من أكل أو شرب وحجامةٍ وقيءٍ يشترط حتى تكون مفسدة للصوم أن يفعلها الإنسان وهو عالم بحكمها وذاكر لها ومريد لفعلها حتى الجماع ولا يشذ عن ذلك شيء، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) أما إذا فعلها وهو جاهل بحكمها أو ناسٍ لها أو مكرهٌ عليها فإنه لا يؤثر ذلك في صحة صومه، والله أعلم.
ومنها: محظورات الصلاة كالكلام والأكل والشرب والنجاسة ونحوها إذا فعلها الإنسان فإنه لا يؤاخذ بها إلا إذا توفرت فيه هذه الشروط الثلاثة. أما إذا اختل شرط منها فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه، والله أعلم.
(1/64)

ومنها: محظورات الحج كالتطيب وعقد النكاح والحلق وتقليم الأظافر والصيد ونحوها كل ذلك لا يؤثر ولا يوجب فدية إلا إذا فعله الإنسان وهو عالم بالحكم وذاكر له ومختار. أما إذا فعلها وهو جاهل بها أو ناسٍ أو مكرهٌ فإنها لا تضره ولا فدية عليه ولا يشذ منها شيء أبدًا لا الصيد ولا الحلق. والله أعلم.
ومنها: من شرب الخمر وهو يجهل كونها خمرًا أو لكونه ناسيًا أنها خمرٌ أو لضرورة ملجئة كدفع غصة أو بإكراه عليها فإنه لا يأثم أبدًا ولا حد عليه.
ومنها: من ترك الصلاة ناسيًا لها أو مكرهًا على تركها فإنه لا يأثم ولكن عليه فعلها إذا ذكرها أو زال الإكراه كما في حديث أنس.
ومنها: من باع بعد نداء الجمعة الثاني ناسيًا أو جاهلاً للحكم فإنه لا يأثم والبيع صحيح أصلاً لأنه تخلف عنه شرط العلم والذكر ولا يؤثر فعل المنهي عنه إلا بهما، وعلى ذلك فقس.
مسألة: اعلم أن هناك فرقًا بين ترتب الإثم وبين الضمان، فقد يفعل الإنسان فعلاً محرمًا لكنه لا يأثم إلا أنه يجب عليه كفارة أو ضمان كالإتلاف وقتل النفس خطأ ذلك؛ لأن الضمان ليس من الأحكام التكليفية وإنما هو من قبيل ربط الأحكام بأسبابها فهو حكم وضعي فلا يشترط فيه العلم والذكر والإرادة.
وبالمثال يتضح الأمر ويزول الإشكال فأقول:
منها: من قتل غيره جهلاً بحرمة القتل أو خطأً فإنه لا يجب عليه القصاص؛ لأنه فعل المنهي عنه جاهلاً ومخطئًا لكنه يضمن النفس بالدية.
ومنها: من أكره على إحراق مال غيره فأحرقه فإنه لا يأثم لكن عليه ضمان المال أو على مكرهه.
ومنها: من أتلف بكارة امرأة يظن أنها زوجته فبانت أنها ليست بزوجته فلا حد عليه ولا إثم لكن عليه ضمان ذلك بالمال.
(1/65)

إذًا هناك فرق بين ترتب الإثم وترتب الضمان، فلا يترتب الإثم إلا بالشروط الثلاثة وأما الضمان فإن سببه الإتلاف بغض النظر عن المتلف، بل الضمان يكون بإتلاف غير المكلف كالمجنون والبهيمة ذلك لأنه من الأحكام الوضعية لا التكليفية، والله تعالى أعلم.

القاعدة السابعة عشر
17 - من أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه ومن أتلفه ليدفع ضرره عنه فلا
اعلم - رحمك الله تعالى - أن الأصل أن كل من أتلف شيئًا فإن عليه ضمانه، وهذا الأصل قد دلت عليه الأدلة الشرعية، لكن هذا الأصل ليس على إطلاقه وإنما يخص منه الجزء الثاني من هذه القاعدة، وذلك أن الإنسان إذا تعمد إتلاف شيء فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون لضرورة وإما لا، فإن كان أتلف مال غيره بلا ضرورة فهو ضامن مطلقًا، وأما إذا أتلفه للضرورة فلا يخلو من حالتين: إما أن يتلفه حتى يدفع الضرورة به، وإما أن يتلفه ليدفع ضرره عنه، والحالتان مختلفتان وبيان اختلافهما هو أن الضرورة إذا قامت بالإنسان كجوعٍ ونحوه ووجد حيواناً لإنسان آخر فذبحه ليأكله فإنه في هذه الحالة أتلف مال غيره ليدفع به الضرورة عن نفسه، وأما الثانية كأن يصول عليه حيوان مفترس لغيره فيدفع ضرره عنه بقتله. ففي الحالة الأولى لم يصدر من المُتْلَفِ أيَّ أذىً وإنما حصل الاعتداء عليه، وفي الحالة الثانية لم يحصل من المُتْلِفِ تعدٍ وإنما الأذى حصل من المُتْلَفِ فدفع المُتْلِفِ أذى المُتْلَفِ عنه، فبان الفرق بينهما.
إذا علمت هذا واتضح الفرق فاعلم أنه إذا تعدى أحد على مال غيره بإتلاف لقصد الانتفاع بمال الغير فإنه متعدٍ وكل متعدٍ فهو ضامن لما أتلفه، ومن دفع عن نفسه أذى غيره فالواجب عليه أن يدفعه بالأسهل فالأسهل فإن أدى دفاعه عن نفسه إلى إتلاف المتعدي فإنه في هذه الحالة لا ضمان عليه لأنه لم يتعد وإنما دفع الأذى عن نفسه وهذا واضح - إن شاء الله - ويتضح أكثر بذكر الفروع على كلا الأمرين:
(1/66)

منها: من صال عليه إنسان يريد عرضه أو نفسه فإنه يجب عليه مدافعته بالأسهل فالأسهل، فإن اندفع بالتخويف لم يجز له ضربه، وإن اندفع بضربه لم يجز جرحه، وإن اندفع بجرحه لم يجز قتله، وإن لم يندفع إلا بقتله فله قتله ولا ضمان عليه ولا دية ولا كفارة؛ لأنه لم يقتله لينتفع به وإنما قتله ليدفع ضرره عنه. هذا بالنسبة للمدافعة عن العرض والنفس، وأما المال فإن المدافعة عنه جائزة لو تركها الإنسان لم يأثم، وكذا المدافعة عن النفس حال الفتنة لا تجب بل تركها أولى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل) وقوله: (فإن خفت أن يبهرك شعاع السيف فألق ثوبك على وجهك) .
ومنها: من أصابته مجاعة فوجد حيوانًا فأتلفه بالذبح ليدفع به ضرورة الجوع فإنه يضمنه لأنه أتلفه لينتفع به وكل من أتلف شيئًا لينتفع به ضمنه (1) .
ومنها: إذا صال على المحرم صيد فله دفعه بالأسهل فالسهل، فإن لم يندفع إلا بقتله فله ذلك، وليس عليه ضمانه لأنه أتلفه ليدفع ضرره عنه لا به.
ومنها: لو خرجت شعره في مكانٍ من جسد المحرم فآذته كما لو نزلت على عينه ونحو ذلك فله قلعها ولا فدية عليه؛ لأنه أتلفها ليدفع ضررها عنه.
ومنها: لو أشرفت سفينة على الغرق فألقى رجل متاع غيره في البحر فإنه يضمن ذلك المتاع؛ لأنه أتلفه لينتفع هو بالبقاء، لكن لو سقط عليه متاع غيره من الأعلى فأبعده عن نفسه فأتلفه فلا ضمان؛ لأنه أتلفه ليدفع ضرر المتاع عنه، ومن أتلف شيئًا ليدفع ضرره عنه فلا ضمان عليه.
ومنها: لو قلع شوك الحرم لأذاه أي لأن الشوك مؤذٍ فلا ضمان على القالع؛ لأنه أتلفه ليدفع ضرره عنه، لكن لو احتاج إلى إيقاد نار فقلع الشوك أو غصن شجرة ضمنه؛ لأنه فعل ذلك لينتفع به. وعلى ذلك فقس.
__________
(1) وفيه قول بعدم الضمان إن كان فقيراً معدماً وصاحب المتلف غني لأن إطعام الجئع فرض كفاية.
(1/67)

مسألة: لو سأل سائل وقال: في حديث أنس في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص لكعب بن عجرة أن يحلق رأسه ويفدي مع أن رأسه كان يتساقط قملاً فهو أتلفه ليدفع ضرره عنه فكيف يضمن الفدية؟
الجواب: هذا سؤال جيد، لكن يتضح الأمر إذا قلنا: هل أتلف كعب بن عجرة شعره؛ لأن الأذى صدر من الشعر ذاته أم أن الأذى صدر من القمل ولكن لا يمكن إتلاف القمل إلا بذلك؟ الجواب هو الثاني فالشعر لا أذى منه وإنما الأذى حصل من القمل فالأذى من غير الشعر فيكون هو أتلف الشعر لينتفع هو بإتلاف القمل فيكون أتلفه لينتفع به، ومن أتلف شيئاً لينتفع به ضمنه، فلا إشكال حينئذٍ، والله تعالى أعلم.

القاعدة الثامنة عشر
18 - إذا اجتمعت عبادتان من جنسٍ واحد ووقتٍ واحد وليست إحداهما مفعوله على وجه القضاء والتبع دخلت إحداهما في الأخرى (1)
وهي من أنفع القواعد الفقهية وبيانها أن يقال: أنه إذا اجتمعت عندنا عبادتان فهل تدخل إحداهما في الأخرى؟
الجواب: نعم تدخل إحداهما في الأخرى إذا توفرت أربعة شروط:
الأول: أن تكون هاتان العبادتان من جنس واحد أي صلاة وصلاة، وطواف وطواف، وصيام وصيام، وغسل وغسل، ووضوء ووضوء، وهكذا وبناءً على اشتراط هذه الشروط فإنه إذا اجتمعت عبادتان مختلفتان في الجنس فلا يدخل إحداهما في الأخرى كصيام وصلاة، وطواف وسعي.
__________
(1) التحقيق في هذه القاعدة أنه إذا اجتمع عبادتان من جنس واحد ووقت واحد وإحداهما ليست مرادة لذاتها دخلت إحداهما في الأخرى، كطواف الوداع مع طواف الإفاضة وتحية المسجد مع سنة الوضوء أو مع الفريضة لأن المراد في المثال الأول أن يكون آخر عهده بالبيت الطواف وقد حصل، والمراد بالمثال الثاني أن لا يجلس المصلي إذا دخل المسجد حتى يصلي.
(1/68)

الشرط الثاني: أن تكونا قد اجتمعتا في وقتٍ واحد كطواف الإفاضة إذا أخِّر إلى وقت الخروج مع طواف الوداع، وكغسل اليدين في أول الوضوء إذا اجتمع مع غسلهما للقيام من نوم الليل، وكصوم الفرض قضاءً إذا وافق اثنين أو خميس وهكذا، وبناءً على اشتراط هذا الشرط فإن العبادتين المفترقتين في الوقت لا تدخل معنا في هذه القاعدة.
الشرط الثالث: أن لا تكون إحداهما مفعوله على وجه القضاء كصلاة الظهر إذا جمعت مع العصر، وكالسنن المقضية مع سنة الفجر مثلاً، فإذا كانت إحداهما مفعوله على وجه القضاء فلا يدخل فيها غيرها.
الشرط الرابع: أن لا تكون إحداهما مفعوله على وجه التبعية بحيث لا يدخل وقت الأخرى إلا إذا انتهت الأولى كالسنة البعدية مع الفريضة، وصيام الست من شوال لرمضان فإن من فاته شيء من رمضان وقضاهن في شوال ونوى القضاء والست لا يحصل له إلا القضاء فقط؛ لأن الست لا تفعل إلا بعد رمضان أداءً وقضاءً، فإذا نواها مع القضاء فيكون قد صامها مع رمضان ولم يتبعها رمضان، والحديث جاء بالإتباع لا بالمقارنة، والله أعلم. هذا بالنسبة للشروط التي ذكرت في القاعدة، وبعضهم يزيد شرطين آخرين:
أحدهما: أن تكون إحداهما أكبر من الأخرى كطواف الإفاضة والوداع، وغسل اليدين لقيام الليل وفي أول الوضوء، وغسل الجنابة والجمعة وهكذا.
الثاني: أن ينويهما أو ينوي كبراهما، أما إذا لم ينو شيئًا أو نوى الصغرى فإنه لا يحصل له إلا ما نواه فقط، وهما شرطان صحيحان لحدٍّ كبير جدًا.
إذا علمت هذا فاعلم أنه إذا اجتمعت هذه الشروط في عبادتين فإنهما يتداخلان بحيث يكفي عنهما فعل واحد فقط، وإن فصلتهما بفعلين فهو لاشك أكمل، ولكن من باب التخفيف والتيسير على المكلفين أجازت الشريعة ذلك، ويحصل له من الأجر كأجر من فعلهما كلتيهما. ولتتضح القاعدة أكثر نضرب فروعًا عليها مع مراعاة الشرطين الأخيرين فأقول:
(1/69)

منها: لو أخر الحاج طواف الإفاضة إلى قبيل خروجه فإنه يجب الآن عليه طوافان طواف الإفاضة وطواف الوداع، فيجزئه حينئذٍ أن يطوف بنيتهما معًا أو بنية طواف الإفاضة ويدخل معه طواف الوداع تبعًا، أما لو طاف بنية الوداع فقط فليس له إلا ما نوى فقط، ويبقى عليه طواف آخر للإفاضة (1) .
ومنها: إذا دخل المسجد ووجدهم يصلون الظهر فإنه قد اجتمع في حقه الآن عبادتان، تحية المسجد وصلاة الفريضة، فإذا دخل معهم في صلاة الظهر دخلت معها تحية المسجد تبعًا، والله أعلم.
ومنها: من قام من نوم ليلٍ ناقضٍ لوضوء وأراد الوضوء فإنه يجب عليه أن يغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثًا، ويسن له أن يغسلهما أيضًا عند كل وضوء، فقد اجتمعت عبادتان فيجزئ عنه أن يغسلهما بنية الواجب ويدخل الغسل المسنون مع نية الواجب تبعاً لأن الصغرى تدخل في الكبرى.
ومنها: إذا توضأ الإنسان ودخل المسجد وصلى التحية دخلت معها سنة الوضوء إذا نواهما أو نوى تحية المسجد.
ومنها: إذا فاتت سنة الفجر وصلاها بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح دخلت معها سنة الضحى إن نواهما أو نوى سنة الفجر؛ لأنها آكد (2) .
ومنها: من قضى رمضان يوم اثنين أو خميس فله أجران، أجر القضاء وأجر السنة؛ لأن من السنة صيام هذين اليومين (3) .
ومنها: من صام الست من شوال في الأيام المستحب صيامها كالبيض مثلاً فله أجر السنتين، سنة الست وسنة الأيام البيض (4) .
ومنها: إذا اجتمع غسل جمعة وجنابة ونواهما أو نوى الجنابة فقط دخل غسل الجمعة تبعاً وله أجر الغسلين جميعًا بغسلٍ واحدٍ فقط. وعلى ذلك فقس، والله تعالى أعلم.
__________
(1) لا يصح طواف للوداع قبل الإفاضة لأنه آخر عهد بالبيت.
(2) في ذلك نظر لأن كلاً منها عبادة معينة مرادة لذاتها.
(3) فيه نظر كبير لأن احدى العبادتين واجبة والأخرى نفل معين.
(4) في ذلك نظر لأن كل عبادة منها مسقلة.
(1/70)

القاعدة التاسعة عشر
19 - كل حكم لم يرد في الشرع ولا اللغة تحديده حُدَّ بالعرف (1)
اعلم - رحمك الله تعالى - أن الأحكام الشرعية إما أن يرد تحديدها من قبل الشرع كنصب الزكوات وركعات الصلوات والحدود والكفارات ونحوها، وإما أن يرد الحكم مطلقاً عن التحديد. فأما الأول فلا يدخل معنا في هذه القاعدة، وأما الثاني وهو ما لم يرد في الشرع تحديده فلنا فيه حالتان: إما أن نجد له تحديدًا في اللغة كزوال الشمس وتحديد حد اللحية - على قول - فهذا نحده باللغة لأن الأحكام نزلت بلغة العرب {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} فوجب حمل ألفاظها على المتقرر في هذا اللسان، لكن إذا لم يرد لهذا الحكم تحديد لا في الشرع ولا في اللغة فإن الصحيح عند المحققين أن يحد بالعرف أي بالعادة المطردة عند الناس أو الأفراد، وهذه القاعدة فرع من فروع القاعدة الكبرى (العادة محكمة) ، ذلك أن ما اعتاده الناس فيما بينهم إذا لم يخالف دليلاً شرعيًا ينزل منزلة المشروع لا تنبغي مخالفته، وتحد به الأحكام الشرعية التي لم يرد لها حد في الشرع ولا اللغة وقد أمرنا الله بذلك في أكثر من آية فمن ذلك قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فرد معاشرة الزوج لزوجه إلى العرف ويدخل تحت ذلك النفقة عليها وكسوتها والإتيان لها بخادم ونحو ذلك، كل ذلك يدخل تحت كلمة (المعروف) .
ومن ذلك قوله تعالى: {وَأمُرْ بِالْعُرْفِ} فسرها بعض العلماء بذلك، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) . إذا عرفت هذا فاعلم أن هذا الحكم المبني على التحديد العرفي يختلف باختلاف الأعراف ولا يعد هذا من تغيير الشريعة أو تحريفها البتة، وهو المراد بقولهم: (تغير الأحكام بتغير الأزمان) .
ولذلك فروع كثيرة:
__________
(1) هذه قاعدة أصولية.
(1/71)

فمنها: الحرز: اشترط العلماء بمقتضى الأدلة الصحيحة للقطع في السرقة أن يكون السارق قد أخذ المسروق من حرز مثله، أي مثل المال المسروق، فإذا أخذ المال من غير حرز فلا يجب عليه القطع، لكن هذا الحرز لم يرد له تحديد في الشرع ولا في اللغة وإنما قال أهل اللغة: إن الحرز هو ما يوضع فيه المال فقط وهذا ليس بتحديد، فإذا لم يرد له تحديد في الشرع ولا في اللغة فإننا نرجع إلى تحديده بالعرف فنقول: كل ما تعارف الناس عليه أنه حرز فإنه معتبر للقطع وما لا فلا.
إذًا هو يختلف باختلاف أعراف الناس وباختلاف السلطان قوة وضعفًا، وباختلاف المال، فحرز الذهب والمال والجواهر هو الصناديق المقفلة في مكان أمين، وحرز السيارة قفلها أو إدخالها للبيت، وهكذا.
فإذا سرق إنسان مالاً فننظر للعرف هل المحل المسروق منه هو حرز هذا المال بعينه، فإذا كان (نعم) وجب القطع وإلا فلا وعلى ذلك فقس، والعبرة في الحرز هو العرف وقت السرقة، والله أعلم.
ومنها: أوجب الله تعالى النفقة على الزوجة، لكن لم يرد لهذه النفقة حد في الشرع ولا في اللغة، فنرجع إلى تحديدها بالعرف، فما عده العرف أنه من النفقة الواجبة للزوجة فهو واجب كالسكن والكسوة والإطعام، وما عده العرف من النفقة المستحبة فهو مستحب كنوع (1) المأكول والمسكون والملبوس وهكذا، ومن هنا نعرف أن العلماء - رحمهم الله تعالى – لما اجتهدوا في تحديد ذلك إنما هو مبني على العرف في زمانهم، وأما في زماننا فالأمر يختلف كثيرًا، والله أعلم.
__________
(1) كامة من أحسن لأن من نوع المأكول ما هو واجب عرفاً كرجل غني في بلدٍ لهم نوع من المأكول والمشروب والملبوس.
(1/72)

ومنها: السفر: قد علق عليه الشرع أحكامًا من قصر الصلاة والمسح ثلاثة أيام بلياليها وجواز الفطر ونحوه، لكن لم يرد تحديد مسافة له في الشرع ولا في اللغة، فنرجع في تحديده إلى العرف على الراجح، فما عده الناس سفرًا فهو السفر الشرعي الذي تتعلق به الأحكام وما لا فلا، فلا يحد بثمانين كيلاً أو بمسافة يومين أو غير ذلك فقد يكون سفرًا اليوم ما ليس بسفرٍ في المستقبل، كما أنه قد كان سفرًا في الماضي ما ليس بسفرٍ اليوم فهو يختلف باختلاف العرف.
ومنها: زينة الصلاة: فقد أمرنا بأخذ الزينة في قوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} وهي نوعان: زينة واجبة وهي ستر العورة وهذا حكم عام لا ينبني على الأعراف؛ لأنه ورد تحديد العورة في الشرع، وزينة مستحبة وهي المرادة هنا فهذه الزينة المستحبة ليس لها حد في الشرع ولا في اللغة، فتحد بالعرف فما عده العرف أنه من الزينة فيسن اتخاذه في الصلاة فالعمامة في العهد الأول من الزينة، والثوب والشماغ في عهدنا من الزينة، لكن ليس من الزينة عند أهل مصر وهكذا، فالزينة المستحبة تختلف باختلاف الأعراف؛ لأن مبناها على العرف.
(1/73)

ومنها: تحديد مدة الحيض لمن أطبق بها الدم ولا عادة لها ولا تمييز فإنها ترجع لعرف نسائها كأمها وأختها فإذا كان عرفهن ستة أيام أو سبعة أيام فتجلس ذلك، لكن هذا الفرع في النفس منه شيء وإنما ذكرته للتنبيه عليه. والصواب في هذه الحالة أنها تجلس غالب الحيض وهو ستة أيام أو سبعة أيام لحديث حمنة بنت جحش رضي الله عنها (1) .
ومنها: القبض: أعني قبض المبيع يختلف باختلاف أعراف الناس بحسب تنوع السلع فقبض العقار عند الناس هو بتخليته وتمكين المستأجر أو المشتري من السكنى فيه، وقبض الذهب والفضة يكون بتناوله باليد، وقبض السيارة بتمكين البائع المشتري أن يتصرف فيها بل وينقلها من مكان الشراء وهكذا، فالقبض معناه واحد لكن اختلف لاختلاف الأعراف ولاختلاف السلع وكل ذلك مبناه على العرف. أما قبض المكيلات والموزونات فإن له تحديد في الشرع وهو الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن فلا نرجع إلى العرف في تحديده.
ومنها: الأصل أن تحديد اليمين بنية صاحبها ما لم يكن ظالمًا، فإن لم تكن نية فنرجع إلى السبب المهيج فإن لم يكن ثمَّ سبب مهيج فنرجع إلى التعيين، فإن لم يكن ثمَّ تعيين نرجع إلى تحديدها بما يتناوله الاسم والأسماء ثلاثة: شرعي ولغوي وعرفي، والفرع عندنا الآن في العرفي، فإذا حلف الإنسان لا يأكل لحمًا فأكل دجاجًا لم يحنث؛ لأن العرف يقضي أن الدجاج ليس لحمًا، ومن حلف لا يقرأ كتاب علمٍ فقرأ كتاب حسابٍ لم يحنث؛ لأن كتب العلم تنصرف إلى كتب الشريعة في عرف الناس فحكمنا العرف في هذه اليمين.
__________
(1) الراجح ردها إلى عرف نسائها فإن شبه المرأة بأمها وأختها ونحوهما أقرب من شبهها بالأجنبيات، وحديث حمنة قد ضعفه أكثر أهل العلم فقد ضعفه أبو حاتم والدارقطني وابن منده والبيهقي والإمام أحمد في رواية عنه وهو مخالف لأحاديث الصحيحين في رد المستحاضة إلى العادة ولم يردها إلى التمييز، أيضاً لعدم انفصاله هل لها تمييز أو لا.
(1/74)

ومنها: المذهب أن خروج الدم اليسير من غير السبيلين لا ينقض الوضوء ويعفى عنه؛ لأنه نجس على المذهب لكن الكثير منه ينقض الوضوء ولا يعفى عنه، لكن حد الكثير والقليل لم يرد في الشرع ولا اللغة فيحد بالعرف، فكل ما عده العرف كثيرًا فهو كثير وما عده قليلاً فهو قليل، قال ابن عباس: الكثير هو ما فحش في نفس كل أحدٍ بحسبه (1) ، والله أعلم.
وعلى هذه الفروع فقس لكن يشترط في ذلك العرف أن لا يكون مخالفًا لدليل شرعي، والله تعالى أعلم.
ومنها: ألفاظ البيوع والهبة والنكاح فإن البيع والهبة والنكاح أحكام شرعية وردت مطلقة في الشريعة ولا حدٍ للفظها في اللغة بحيث لا تصح إلا به فيكون المرجع فيها العرف على الراجح فما عده الناس بيعًا أو نكاحًا أو هبة أو وقفًا فهو بيع ونكاح وهبة ووقف ونحوها.

القاعدة العشرون
20 - إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكن
إذا تعارض دليلان فلنا في إزالة ذلك التعارض ثلاث طرق: الأولى: أن نجمع بينهما بتخصيص العموم أو تقييد المطلق، وهكذا إن أمكن ذلك، فإن لم يمكن ذلك فننتقل إلى الحالة الثانية: وهي النسخ فنبحث عن المتأخر ونجعله ناسخاً للمتقدم، فإن لم يمكن ذلك فنرجح بين الدليلين، وإلا فالتوقف.
__________
(1) هذا يعارض رده للعرف، بل هو قول آخر وهو رده إلى نظر الخارج منه الدم. والعرف أجود.
(1/75)

إذا علمت هذا فنقول: لماذا قدمنا الجمع على النسخ؟ ولماذا قدمنا النسخ على الترجيح؟ الجواب: أننا قدمنا الجمع على النسخ لأن الجمع فيه إعمال لكلا الدليلين في وقتٍ واحد، وإعمال الدليلين في وقتٍ واحد أولى من إعمال أحدهما في وقتٍ دون وقت وقدمنا النسخ على الترجيح لأن النسخ أيضًا إعمال للدليلين كليهما لكن ليس في وقتٍ واحد بل في وقتين مختلفين، فالمنسوخ معمول به قبل النسخ والناسخ معمول به بعد النسخ فالدليل المنسوخ ليس باطلاً مطلقًا، بل هو دليل صحيح معمول به في وقته فقط، أما الترجيح فإن حقيقته إبطال أحد الدليلين بالكلية بحيث لا يعتقد جواز العمل به مطلقًا لا في السابق ولا الآن، فلأن فيه إبطالاً لأحد الدليلين مطلقًا جعلوه متأخرًا عن النسخ، والنسخ فيه إعمال الدليلين في وقتين مختلفين فجعلوه متأخرًا عن الجمع، والجمع فيه إعمال الدليلين كليهما في وقتٍ واحد فقدموه على النسخ؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكن، وذلك لأن الأدلة نزلت ليعمل بها فالتعدي عليها بالإبطال لا يجوز إلا بدليل، فالأصل هو إعمالها، ومن ادعى خلاف ذلك فعليه الدليل.
إذا علمت هذا فاعلم أن علم الجمع بين الأدلة التي توهم التعارض علم عزيز قل سالكوه مع شدة الحاجة إليه فعلى طالب العلم أن يحرص على تحصيله ونيله؛ لأنه من أقوى الأسلحة للذب عن هذه الشريعة الشريفة زادها الله شرفًا ورفعةً، ولنا في ذلك مؤلف أسأل الله إتمامه هو كتابنا (الأجوبة المنيعة في الذب عن أدلة الشريعة) أجمع فيه بين الأدلة التي يتوهم المجتهد تعارضها بمقتضى قواعد الأصول والعربية والفقه والتفسير، بحيث أكسر شوكة الذين يدعون وجود التعارض في شريعتنا – قبحهم الله – وفروع هذه القاعدة مذكورة بتمامها فيه، وإنما أذكر لك بعض الفروع هنا من باب التمثيل فأقول:
(1/76)

منها: اختلف العلماء في نقض الوضوء بمس الذكر على أقوال والراجح منها هو أن مس الذكر ينقض الوضوء بشرطين: أن يكون بشهوة، وبلا حائل، فقولنا: بلا حائل لحديث أبي هريرة: (من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فعليه الوضوء) واشترطنا الشهوة (1) لحديث بسرة: (من مس ذكره فليتوضأ) ولأن مس الذكر بلا شهوة كمس اليد واللسان والأنف لحديث طلق: (إنما هو بضعة منك) ؛ ولأن الصلاة ليست محل شهوة، فهذا القول الراجح أعمل الأدلة كلها ولم يبطل منها شيئًا لا بترجيح ولا بنسخ وهو أولى؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكن، والله أعلم.
ومنها: اختلف العلماء في أيهما أفضل خديجة أم عائشة؟ وقرر شيخ الإسلام أن خديجة في بداية ظهور الإسلام أفضل لما لها من التصديق والتأييد والنصرة، وأن عائشة في آخر الأمر أفضل لما لها من أثر في نشر الدين والأحكام ما ليس لخديجة - رضي الله عنها - وهو الراجح فأدلة تفضيل خديجة محمولة على بداية الإسلام وأدلة فضل عائشة محمولة على آخر الأمر، وبهذا القول أعملت الأدلة كلها وهو أولى للقاعدة.
ومنها: الراجح أن قراءة الكسر في قوله {وَأرْجُلِكُمْ} محمولة على مسح الرجل إن كانت في خفٍ وقراءة الفتح محمولة على غسلها إن لم تكن في خفٍ وهذا أحسن من التأويلات البعيدة والتكلف الزائد وهو اختيار شيخ الإسلام، والله أعلم.
__________
(1) كون مناط الحكم الشهوة فيه نظر لأن الإنسان لو اشتهى بلا لمس لم ينتقض وضوءه بل مباشرة المرأة مع الشهوة ليس بناقض على الصحيح لقيام الدليل على ذلك، ولذا يمكن القول بالإستحباب.
(1/77)

ومنها: الراجح أن نجاسة الكفار اعتقادية جمعًا بين قوله تعالى: {إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (1) وبين حديث: (ليس على الأرض من أنجاس القوم شيء إنما نجاستهم على أنفسهم) وأدلة جواز نكاح الكتابية وغير ذلك، فننزل النجاسة في الآية على الاعتقاد وننزل أدلة الطهارة على الأبدان فتتآلف الأدلة ولا نبطل منها شيئًا وهذا أولى للقاعدة.
ومنها: أن البهيمة إذا أتلفت شيئًا فلا يخلو إما أن يكون بتفريط من صاحبها فيضمن لأحاديث إيجاب الضمان، وإما أن لا يكون بتفريط فلا يضمن لحديث: (العجماء جبار) وعلى ذلك فقس، وفي كتابنا ما تقر به عينك، فإن مخبر الكتاب أعظم من وصفه، والله تعالى أعلى وأعلم.

القاعدة الحادية والعشرون
21 - فعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهم ما أمكن
اعلم - رحمك الله تعالى - أن بعض العلماء يرجح قولاً من أقوال أهل العلم ويحتج على ذلك بأن في هذا القول خروجًا من الخلاف، فهل التعليل بالخروج من الخلاف سائغ مطلقًا؟ أو ممنوع مطلقًا؟ أو يسوغ في حالٍ دون حال؟
الجواب: هو الثالث: أن التعليل بالخروج من الخلاف يسوغ في حال دون حال والضابط في ذلك هو هذه القاعدة المهمة، وهي أن المسائل التي وقع الخلاف فيها بين العلماء لا تخلو من حالتين: إما أن يكون فيها نقطة اتفاق بين العلماء المختلفين، وإما لا فإن كان فيها نقطة اتفاق بينهم فهي التي يسوغ فيها التعليل بالخروج من الخلاف كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -، وإن لم يكن فيها نقطة اتفاق بينهم فحينئذٍ لا يسوغ التعليل بذلك لأنه لا مجال للخروج من الخلاف فيها (2) .
__________
(1) وبين قوله تعالى (وطعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم) وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم الماء من مزادة مشركة كما في الصحيح.
(2) وينبه إلى أنه ليس كل خلاف يعتبر إلا الخلاف القوي، وأيضاً الحكم بالكراهة من أجل الخلاف ضعيف.
(1/78)

إذا علمت هذا فاعلم أن الذي تطمئن إليه النفس وترتاح له هو أن يفعل الإنسان الشيء الذي اتفق عليه كلا الفريقين إذا لا منكر عليه حينئذٍ؛ ولأنه موافق للحق قطعًا إن كان مع هؤلاء فهو موافق لهم، وإن كان مع هؤلاء فهو موافق لهم، فالخروج من الخلاف في مسائل الاجتهاد التي فيها جزئية اتفق عليها كلا الفريقين المختلفين مستحب (1) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) وفعل المتفق عليه بينهم فعل ما لا ريب فيه، وفعل ما انفرد به أحدهما فعل ما فيه ريب (2) ، فيسن تركه لما لا ريب فيه، ولحديث النعمان بن بشير مرفوعًا: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينة وعرضه) ، وفعل ما اتفقوا عليه استبراء للدين؛ لأنه هو الحق حينئذٍ لاتفاقهم عليه؛ ولأن اليقين لا يزول بالشك، واليقين هو فعل ما اتفقوا عليه والشك هو في ما انفرد به أحدهما؛ ولأن الأخذ بالمحكم وترك المتشابه هو الأصل، والمحكم هو ما اتفقوا عليه؛ ولأن العمل بما اتفقوا عليه عمل بالأدلة كلها التي مع هؤلاء والتي مع هؤلاء، والعمل بما انفرد به أحدهما إهمال لأدلة الفريق الآخر وقد تقدم استحباب العمل بالأدلة كلها إن أمكن ذلك.

إذا علمت هذا فإلى الفروع حتى تتضح القاعدة أكثر فأقول:
منها: اختلف العلماء في حكم غسل يوم الجمعة على أقوال: فقيل: بالوجوب مطلقًا، وقيل بالسنة مطلقًا، وقيل بالوجوب إن كان ثمَّ رائحة خبيثة.
__________
(1) لو قيل مما ينبغي لأن الأمثلة المذكورة بعد الإستحباب فيها ثابت بالدليل لكن النزاع في الوجوب، لكن لو اختلف على قولين بالتحريم والإباحة فيستحب التورع بالدليل المذكور لأن الحديث الوارد في المنهيات لقوله " دع " وفي الحديث الآخر " ألا وإن حمى الله محارمه ".
(2) وخصوصاً مع قوة الخلاف وعدم اتضاح وجهة الدليل.
(1/79)

فنقول: لو اغتسل الإنسان فإن الجميع اتفقوا على أنه قد جاء بالمأمور، إما أمر إيجاب أو استحباب، ولو لم يغتسل لأنكر عليه القائلون بالوجوب، فيستحب للإنسان الاغتسال لأنه فعل لما اتفق عليه العلماء، وفعل ما اتفقوا عليه أولى من فعل ما انفرد به أحدهما ما أمكن، فهنا يعلل استحباب الغسل بالخروج من الخلاف لأن في المسألة نقطة اتفاق وهي أن يغتسل.
ومنها: اختلف العلماء في حكم طواف الوداع للمعتمر، فقال بعضهم: واجب. وقال بعضهم: سنة، فنقول: لو طاف الإنسان للوداع في العمرة فإن كلا الفريقين اتفقوا على أنه قام بالمأمور سواءً أمر إيجاب أو استحباب، لكن لو لم يطف لأنكر عليه القائلون بالوجوب، فيستحب له الطواف خروجًا من الخلاف؛ لأن في هذه المسألة جزئية اتفق عليها العلماء، والله أعلم.
ومنها: تحية المسجد فيها خلاف فقيل بالوجوب، وقيل بالندب. فنقول: لو صلاها الإنسان فإن الجميع اتفقوا على أنه قام بالمأمور، لكن لو لم يصلها لأنكر عليه القائلون بالوجوب، فيستحب أن يصليها خروجًا من الخلاف.
ومنها: اختلف العلماء في الوتر، فقيل سنة مؤكدة، وقيل واجب، لكن لو صلاه الإنسان لاتفق الجميع على أنه قام بالمأمور، ولو لم يصله لأنكر عليه القائلون بالوجوب وفعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهما ما أمكن.
ومنها: اتفق الجميع أن عادم الماء إن وجده قبل الصلاة فعليه استعماله، وإن وجده بعد الصلاة صحت في قول الأكثر، لكن ما الحكم لو وجد الماء بعد الشروع وقبل الانتهاء؟ الجواب: فيه خلاف، فقيل ببطلان صلاته لبطلان تيممه، وقيل بصحتها؛ لأنه دخلها بطهارة كاملة وعلى وجهٍ مأمورٍ به شرعًا فلا وجه لبطلانها.
(1/80)

فهنا لا يسوغ التعليل بالخلاف؛ لأنه ليس هناك جزئيةٌ اتفق عليها الفقهاء، فهو إن قطع صلاته ليعيدها بطهارة الماء أنكر عليه القائلون بالصحة، وإن استمر فيها أنكر عليه القائلون ببطلانها، فلا وجه للتعليل بقاعدتنا هنا، وتقدم لك الراجح في هذه المسألة في القاعدة الخامسة فارجع إليه إن شئت.
ومنها: اختلف العلماء هل السنة أن ينزل الإنسان على يديه أم ركبتيه؟
على قولين: فقيل بهذا، وقيل بهذا. فهنا لا يسوغ التعليل بالخروج من الخلاف؛ لأنه ليس ثمة نقطة اتفق عليها العلماء، فإنك إن نزلت على ركبتيك أنكر عليك القائلون بتقديم اليدين، وإن نزلت على يديك أنكر عليك القائلون بالنزول على الركبتين، ولا يتصور النزول على غيرهما. فليس هناك جزئية اتفقوا عليها فلا يسوغ حينئذٍ التعليل بالخروج من الخلاف، والراجح هنا هو تقديم اليدين لحديث أبي هريرة عند الثلاثة، ويؤيده فعل ابن عمر عند البخاري معلقًا موقوفًا، وأما حديث وائل ففيه شريك بن عبد الله النخعي القاضي وهو صدوق يخطئ كثيرًا، ولها بحث آخر، والله أعلم.
ومنها: تحية المسجد أو فعل ما له سبب وقت النهي، فيه قولان: قيل بأن النهي في حديث أبي سعيد وأبي هريرة عام ولا يخص منه شيء، وقيل يخص منه ما كان له سبب، فنحن إن دخلنا المسجد وقت النهي مثلاً إن جلسنا أنكر علينا القائلون بجواز فعلها في هذه الأوقات، وإن صلينا أنكر علينا القائلون بتحريم التطوع وقت النهي، فليس هناك جزئية اتفقوا عليها فلا يسوغ حينئذٍ التعليل بالخروج من الخلاف، والراجح هنا هو أن النهي عام مخصوص بما له سبب كتحية المسجد، وركعتي الطواف، والمعادة، وركعتي الوضوء؛ لأنها تفوت مصلحتها بفواتها وهو اختيار الشيخ تقي الدين ابن تيمية
ودونك بقية الفروع على هذا الضابط السليم الذي لا ينخرم أبدًا فعليه فقس، وأكل لحم الإبل (1) ، والله أعلم.
__________
(1) لم توضح هذه المسألة.
(1/81)

القاعدة الثانية والعشرون
22 - الأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوب
وبالقرينة يفيد ما تفيده القرينة
هذا هو الأصل الذي ينبغي مراعاته وهو قول الجمهور، أن الدليل إذا خرج مخرج الأمر فإنه يحمل على الوجوب إلا إذا اقترنت به قرينة تخرجه عن هذا الأصل إلى غيره فينصرف من الوجوب إلى ما دلت عليه هذه القرينة من إباحة أو ندب. ونعني بالأمر هو طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء، ولا يشترط له الإرادة خلافاً للمعتزلة، ولا يشترط لإفادته الوجوب اقترانه بعقوبة لتاركه، أو اقترانه بثواب لفاعله، بل إنما يدل على الأمر بمجرد صيغته وهي (افعل) وما تصرف منها.
والذي يدل على ذلك أي على أن الأمر المطلق يفيد الوجوب أمور:
منها: قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرْ الَّذِيْنَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ} فتوعد على مخالفة أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالعذاب، والوعيد لا يكون إلا على ترك واجب فدل على أن امتثال أمره واجب وهو المطلوب.
ومنها: قوله تعالى: {وَإذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ} فتوعدهم بالويل بقوله: (ويل يومئذٍ للمكذبين لأنهم خالفوا الأمر ولم يركعوا مما يدل على أن الأمر كان واجبًا.
ومنها: قوله تعالى: {اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ … الآية} فذم إبليس وعاقبه بالعقوبة المعروفة لأنه ترك السجود لآدم تحيةً، وذلك ذم على مخالفة الأمر المجرد فدل على أنه يقتضي الوجوب.
(1/82)

ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وفي حديث آخر: (مع كل وضوء) فدل ذلك دلالة واضحة على أنه لو أمرهم به لأصبح واجبًا ولتحققت به المشقة، لكن لم يأمرهم لوجود المشقة، مما يدل على أن الأمر يفيد الوجوب وهذا من أوضح الأدلة.
ومنها: أن العبد إذا خالف أمر سيده فعاقبه لم يلم على عقابه باتفاق العقلاء، ولولا إفادة الأمر المجرد والوجوب لاتجه لوم السيد في هذه الصورة، لكنه لا يتجه فدل على أن إفادة الأمر المجرد للوجوب وهو المطلوب.
إذا علم هذا فليعلم أن هذه القاعدة مطردة في جميع الفروع، فلا يشذ منها شيء فكل أمرٍ ورد بصيغته المقررة عند الأصوليين سواءً في قرآنٍ أو سنة فالواجب بمقتضى الأدلة هو حمله على الوجوب مباشرة بحيث يثاب فاعله امتثالاً ويستحق العقاب تاركه، إلا إذا اقترنت بهذا الأمر قرينة تصرفه عن بابه إلى شيء آخر سواءً كانت قرينةً متصلة أو منفصلة فإننا نحمل الأمر في هذه الحالة على ما دلت عليه هذه القرينة. وإليك الفروع حتى تتضح القاعدة أكثر: فمنها: الأمر بالصلاة والزكاة والحج والصوم وبر الوالدين كل ذلك واجب بقوله تعالى: {وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} . وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فحجوا) . وقوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} (1) . وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (صوموا لرؤيته) . وقوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} . وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (بروا آباءكم) فكل هذه أوامر محمولة على الوجوب؛ لأنه الأصل فيها ولعدم وجود قرينة صارفة.
__________
(1) هذا ليس بأمر لكن معنى كتب: فرض، وتبدل بقوله تعالى " فمن شهد منكم الشهر فليصمه ".
(1/83)

ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري، فيه أمر وهو قوله: (صلوا) فيحمل ذلك الأمر على الوجوب، فكل فعل فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة فإنه واجب إلا ما دلت القرائن على أنه سنة فيخرج من هذا العموم، ويبقى باقي الأفعال والأقوال على الوجوب لهذا الأمر، وكذلك حديث المسيء صلاته خرج مخرج الأمر فقال - صلى الله عليه وسلم - له: (أسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن … الخ) كل ذلك خرج بصيغة الأمر فيحمل على الوجوب إلا فيما وردت فيه قرينة تصرفه عن بابه إلى الندب فيحمل على الندب، والله أعلم.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (خذوا عني مناسككم) دليل على أن كل شيء فعله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع أنه للوجوب لأمره بأخذه، والأمر للوجوب إلا فيما وردت القرائن بصرفه عن بابه إلى الندب فيحمل عليه (1) ، والله أعلم.
ومنها: قوله تعالى في العبيد: {فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} دليل على وجوب مكاتبة السيد عبده إن علم فيه قدرة على الكسب والعمل حتى يؤدي ما عليه، لكن هذا الأمر أعني قوله تعالى {فَكَاتِبُوهُمْ} ليس على بابه وهو الوجوب؛ لأنه دلت القرينة على أنه للندب، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هذا الأمر لم يكاتب عبيده، ولا كل الصحابة أيضًا كاتبوا عبيدهم، فلو كان الأمر واجبًا لامتثلوه أتم امتثال، لكن عدم امتثالهم صرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، فتكون مكاتبة السيد لعبده بالشرط المذكور في الآية مستحبة لا واجبة.
__________
(1) ليس هذا الفرع واضحاً لأن خذوا " تعلموا " لكن حج الرسول صلى الله عليه وسلم بيان للمجمل في قوله تعالى " ولله على الناس حج البيت ".
(1/84)

ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده) فقوله: (فليغسل) صيغة من صيغ الأمر وهو الفعل المضارع المقرون بلام الأمر، فيدل على أن غسل اليدين بعد الاستيقاظ من نوم الليل خاصة واجب ثلاثًا، لأن الأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوب إلا بقرينة، ولم تأت قرينة تصرف هذا الأمر عن بابه، فقلنا أنه يفيد الوجوب، والله أعلم.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس) وقوله لمن جلس يوم الجمعة: (قم فصل ركعتين) متفق عليهما، فقوله: (فليركع ركعتين) أمر فهو على الوجوب، فتكون تحية المسجد واجبة؛ لأنها خرجت مخرج الأمر، والأمر يقتضي الوجوب وهو قول أهل الظاهر وليس ببعيد، لكن رد الجمهور ذلك بأنه قد ورد لهذا الأمر صارف وذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن تخطى رقاب الناس يوم الجمعة: (اجلس فقد آذيت) فلو كانت واجبة لما أمره بالجلوس حتى يصليها، ولحديث: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد) واقتصاره على هذه الخمس يدل على أن غيرها ليس بواجب، حديث من سأله عن الإسلام فقال: (خمس صلوات في اليوم والليلة) ، وبهذا تكون القاعدة قد اتضحت - إن شاء الله تعالى -، وعلى هذه الفروع قس، والله تعالى أعلى وأعلم.

القاعدة الثالثة والعشرون
23 - من كرر محظورًا من جنسٍ واحد وموجبه واحد أجزأ عن الجميع فعل واحد إن لم يخرج موجب الأول
(1/85)

اعلم أن المحرمات عندنا قسمان: إما محرم شرع فيه كفارة أو حد، وإما محرم لا كفارة فيه ولا حد. والأصل عدم الكفارة إلا بدليل، وهذه القاعدة في المحرمات التي توجب كفارة أو حدًا، وذلك كالجماع في شهر الصيام نهارًا، ومحظورات الإحرام، والسرقة، والزنى، وقطع الطريق، والحنث في اليمين والنذر والظهار، ونحو ذلك من الأفعال المحرمة. فهذه الأشياء يترتب على فعلها حد أو كفارة، فإذا فعلها الإنسان فإنه يجب عليه أثرها من حدٍ أو كفارة. لكن ما الحكم لو كررها مرةً أخرى فهل يلزمه كفارة أخرى أو حد آخر أو لا؟ هذا هو مناط قاعدتنا فأقول:
إذا فعل الإنسان محظورًا مما مضى ثم فعل محظورًا آخر فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون المحظور الثاني من جنس المحظور الأول أي سرقة وسرقة، أو زنى وزنى، أو يمين على شيء معين ثم كرره مرة ثانية، أو قطع الطريق مرارًا. وإما أن يكون المحظور الثاني من غير جنس المحظور الأول، كسرقة وزنى، أو قطع طريق وقتل وهكذا. فإن كان المحظور الثاني من غير جنس المحظور الأول فإن فعل المحظور الثاني يوجب شيئًا جديدًا وهو أثره من حدٍ أو كفارة فيكون عليه حدان أو كفارتان، حد أو كفارة للمحظور الأول، وحد أو كفارة ثانية للمحظور الثاني، فإذا زنى البكر وسرق وجب عليه جلد مائة وتغريب عام وقطع يده اليمنى، وإذا جامع في نهار رمضان وحلق شعره وهو محرم وجب عليه كفارة الجماع، وكفارة المحظور وهكذا.
أما إذا كان المحظور الثاني من جنس المحظور الأول فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون قد أخرج موجب الأول قبل فعل الثاني أو لا، فإن كان قد أخرج موجب الأول قبل فعل المحظور الثاني فإن فعل الآخر يوجب كفارة أو حدًا آخر، فمن سرق ثم قطع ثم سرق مرة أخرى فإنه يجب عليه قطع آخر، ومن زنى ثم أقيم عليه الحد ثم زنى مرة أخرى فإنه يجب عليه الحد مرة أخرى هذا إذا كان بكرًا، أما الثيب فحده الرجم وهكذا.
(1/86)

وأما إذا لم يخرج موجب الأول حتى فعل الثاني فإنه في هذه الحالة يجزئ عن المحظورين الأول والثاني كفارة أو حد واحد فقط، فإذًا لو سألنا سؤالاً وقلنا: متى تتداخل الحدود أو الكفارات؟ الجواب: تتداخل الحدود والكفارات بشرطين: إذا كان المحظور من جنسٍ واحدٍ، وإذا لم يخرج موجب الأول، وهذا هو نص القاعدة.
وزيادة في الإيضاح أضرب فروعًا حتى تتضح:
فمنها: من حلف على يمين معينة ثم كررها وحنث، فهل تلزمه كفارة أو لا؟
الجواب: أنك تنظر في أمرين: أحدهما: هل المحلوف عليه شيء واحد أو متعدد؟
إن كان متعددًا فأوجب على كل يمين كفارة؛ لأن المحلوف عليه ليس من جنسٍ واحد، وإن كان المحلوف عليه واحدًا فانظر: هل كفر عن يمينه الأولى أم لا؟ إن كان كفر عن يمينه الأولى وجبت للأخرى كفارة ثانية، وإن لم يكن قد أخرج كفارة الأولى أجزأ عن الجميع كفارة واحدة، والله أعلم.
ومنها: إذا زنى البكر مرارًا فهل يلزمه لكل زنىً حد؟ أم يسقط الجميع حد واحد؟ الجواب: هو على التفصيل السابق، فيكفي الجميع حد واحد؛ لأنه من جنسٍ واحد ولم يحد للزنى الأول، أما إذا حُدَّ للزنى الأول وجب للثاني حد جديد، والله أعلم.
ومنها: من نذر مرارًا ولم يخرج موجب الأول أجزأ عن الجميع كفارة واحدة.
ومنها: من كرر محظورًا من جنسٍ واحدٍ من محظورات الإحرام كرجلٍ حلق مرارًا أو جامع مرارًا، أو قلم أظافره مرارًا ولم يخرج كفارة الأول أجزأ عن الجميع كفارة واحدة. لكن لو حلق وقلم أظفاره وتطيب فإنه يجب حينئذٍ لكل محظور كفارة لاختلاف الجنس.
ومنها: من سرق مرارًا فإنه يسقط الجميع قطع واحد ما لم يكن قد حُدَّ للأول فيلزمه قطع آخر، والله أعلم.
ومنها: من قطع الطريق مرارًا أسقط الجميع حد واحد إن لم يكن قد حُدَّ في شيء منها، وعلى ذلك فقس، والله تعالى أعلى وأعلم.
(1/87)

ومنها: من شرب الخمر مرارًا فإنه يكفيه عن جميع شربه السابق حد واحد فقط، لكن إن شرب وحُدَّ، ثم شرب فعليه حد آخر؛ لأن الحد الأول ذهب بموجبه وبقي الثاني بلا موجب ففيه حدٌ آخر، والله أعلم.

القاعدة الرابعة والعشرون
24 - كل عبادة انعقدت بدليل شرعي فلا يجوز إبطالها إلا بدليل شرعي آخر
إن العقل لا يستقل بإدراك الشرع فأمور العبادة الأصل فيها هو الحظر والتوقيف على الدليل الشرعي الصحيح. إذا علم هذا فليعلم أن هذه العبادة لا تنعقد إلا بدليل شرعي كالصلاة مثلاً فإنها لا تنعقد إلا بتكبيرة الإحرام، وكذلك الإحرام لا ينعقد إلا بنية الدخول في النسك وهكذا، فإذا انعقدت هذه العبادات بالدليل الشرعي فإنه تثبت أحكامها المترتبة على الدخول فيها، أو على انعقادها وبالتالي فإنه لا يجوز لأحدٍ كائنًا من كان أن يدعي بطلان ما انعقد بالدليل الشرعي إلا بدليل يدل على ذلك الإبطال، وإلا فلا يجوز، بل هو من التحكم في الشريعة بمحض الآراء والتقليد المذموم، فالأصل هو عدم الإبطال فمن ادعاه فعليه الدليل؛ لأنه مخالف للأصل. ولقد قال الله تعالى في ذكر المحرمات: {وَأنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} وقال تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} .
فباب إبطال العبادات باب توقيفي على الدليل، وليس مفتوحًا للشهوات والمذاهب والأقيسة الباطلة، فكل ما أثبته الدليل أنه ناقض لهذه العبادة فهو الناقض وما لا فلا.
إذا علمت هذا فاعلم أن بعض العلماء رضي الله عنهم يجعلون من نواقض بعض العبادات ما ليس منها، وإليك بعض ذلك:
(1/88)

فمنها: الوضوء: عبادة دل الدليل الشرعي على ثبوت حكمها بغسل الأعضاء الأربعة وأعني بحكمها أي رفع الحدث، فلا يجوز لنا أن نبطل هذا الحكم إلا بدليل يدل على بطلانها عند تحققه، وقد دل الدليل الشرعي على بطلانها بالبول والغائط والريح أي بالخارج من السبيلين، وبالنوم المستغرق أي المذهب للشعور، وبما هو أولى منه كالجنون والإغماء، وبالمذي وبما يوجب الغسل إلا الموت، وبمس الذكر بشهوة بلا حائل، وبأكل لحم الإبل خاصة، كل هذه النواقض ثبتت بالدليل الشرعي أنها رافعة لحكم الوضوء المنعقد بدليل شرعي. أما لمس المرأة ولو لشهوةٍ، ومس حلقة الدبر، وحمل الميت أو تغسيله، والقهقهة وغير ذلك مما يدعيه البعض فليس ذلك من النواقض لهذه العبادة وذلك لعدم الدليل، بل هذه الأدلة إما صحيحة غير صريحة، وإما صريحة غير صحيحة، فالواجب عدم الاستدلال بها؛ لأن الوضوء انعقد حكمه بدليل شرعي فلا نبطله إلا بدليل شرعي آخر، والله أعلم.
(1/89)

ومنها: الصلاة: فإنه قد دل الدليل الشرعي على أن الإنسان يدخل فيها بتكبيرة الإحرام، فبناءً عليه فإنه لا يجوز أن نبطل صلاة أحدٍ دخل فيها على هذا الوجه إلا بدليل؛ لأن ما انعقد بالدليل لا يبطل إلا بالدليل فمن هنا تعلم خطأ من قال إنها تبطل بالتنحنح إذا بان حرفان لعدم الدليل وفي حديث علي - رضي الله عنه - قال: (كان لي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مدخلان فكنت إذا أتيته وهو يصلي تنحنح لي) ، وتعلم خطأ من أبطلها بالإشارة المفهومة بل في حديث ابن عمر: (أنه قال لبلال كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرد عليهم حين يسلمون عليه وهو يصلي، قال: يقول هكذا وبسط كفه) فهي إشارة مفهومة، بل الصحابة لما تكلم معاوية بن الحكم في الصلاة رماه القوم بأبصارهم وضربوا أفخاذهم وهي إشارة مفهومة، وعائشة - رضي الله عنها - لما دخلت عليها أسماء يوم كسفت الشمس قالت لها: (ما شأن الناس فأشارت برأسها إلى السماء) . فقالت أسماء: آية؟ (فأشارت برأسها أي نعم) ، وهذه أيضًا إشارة مفهومة، والمهم أن الإشارة باليد أو بالرأس المفهومة لا تبطل الصلاة لعدم الدليل بل الدليل على خلافها. وتعلم أيضًا خطأ من يبطل الصلاة بالكلام أو بالنجاسة ناسيًا أو جاهلاً وحديث معاوية بن الحكم في مسلم (1) وحديث صلاته - صلى الله عليه وسلم - بالنعلين النجسين حجة عليهم، وهكذا، فكل من ادعى أن هذا القول أو هذا الفعل يبطل الصلاة فإنه يطالب بالدليل إذ الأصل عدم الإبطال والدليل يطلب من الناقل عن الأصل. والله أعلم.
__________
(1) لا بد تخريج هذا الحديث.
(1/90)

مسألة: قد يقول قائل: قد حكمت سابقًا على أن من وجد الماء وقد شرع في الصلاة بالتيمم أن يخرج منها ويتوضأ ويستأنفها فقد ادعيت أن وجود الماء مبطل للصلاة فما هو الدليل؟ قلت: قد ذكرنا دليلنا على ذلك وهو قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} وهذا واجد للماء فالشرط لم يتحقق فلا يتحقق المشروط، ولم تفصل الآية بين ما إذا كان خارج الصلاة أو داخلها، وحديث أبي هريرة وأبي ذرٍ أيضًا يدلان أن من وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته بدون تفصيل بين حالٍ وحال وترك الاستفصال في مقام الاحتمال يجري على العموم في المقال، وقد ذكرناها بأوسع من ذلك في قاعدتها فارجع إليها إن شئت، والله أعلم.
ومنها: الصيام ثبت الدليل أنه ينعقد بالنية من طلوع الفجر فإذا انعقد فلا يجوز لأحدٍ أن يدعي بطلانه بقولٍ أو فعلٍ إلا وعليه دليل صحيح صريح وإلا فالأصل عدم المبطل، فمن ذلك تعرف خطأ من يفطر الصائم بالحناء في الرجل أو بقطرة الأذن والعين وبالحقن غير المغذية إذا وجد طعم ذلك في حلقه لعدم الدليل، وتعرف خطأ من يفطره بالغيبة والقبلة والمذي وبالإغماء وبشم الروائح الزكية وبذوق الطعام وبلع النخامة والريق ونحوها، كل ذلك يدعي البعض أنه من المفطرات والصواب أنه ليس منها لعدم الدليل، والله أعلم.

القاعدة الخامسة والعشرون
25 - من قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة،ولغيره يقبل مطلقًا
(1/91)

اعلم – رحمك الله تعالى – أن الإنسان إذا قبض عينًا ما أي عين كسيارة أو نقود أو لقطة أو نحوها فلا يخلو قصده من حالتين: الأولى: أن يكون قصده عند قبضها استعمالها أي الانتفاع بها أي أن ينتفع بها هو ويسمى هذا القبض قبضاً لحظ النفس أي لحظٍ يعود لنفسه. الثانية: أن يكون قصده عند قبضها حفظها لمالكها الأصلي، أي لاحظ للقابض فيها وإنما قبضها لحظ مالكها، ويسمى هذا القبض، قبضاً لحظ الغير (1) ، أي لمصلحةٍ تعود إلى الغير الذي هو المالك أو من يقوم مقامه كوكيله، إذا علم هذا وفرقت بين الأمرين فاعلم: أن الأول: أي الذي قبض العين لحظ نفسه إذا ادعى أنه رد العين المقبوضة إلى مالكها أن دعواه هذه لا تقبل عند إنكار المالك الأصلي إلا إذا جاء ببينة تثبت صحتها ذلك؛ لأن له حظًا في إبقائها عنده؛ لأنه يريد منفعتها فقبضه لها لمنفعةٍ تعود عليه هو شبهة جعلتنا لا نقبل قوله في الرد حتى تثبت البينة صدق دعواه، فإن جاء ببينة من شهادةٍ ونحوها على إثبات الرد قبلناها وإن لم يأت ببينة حكمنا أن العين لا زالت باقية عنده هذا بالنسبة للشطر الأول من القاعدة وهو قولنا: (من قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة) . وأما الثاني: أي من قبضها لحظ غيره فإنه إذا ادعى رد العين وأنكر المالك الأصلي فإن القول قول القابض ولا يطالب ببينةٍ تثبت صحة دعواه؛ لأن الشبهة فيه منتفية فإنه لاحظ له في قبض العين أصلاً وإنما هو محسن بهذا القبض؛ لأنه يحفظها لمالكها وما على المحسنين من سبيل، وهذا هو معنى قولنا: (ولغيره) أي إذا قبضها لحظ غيره (يقبل) قوله في الرد: (مطلقًا) أي وإن لم يأت ببينة، إذا علمت هذا فإليك بعض فروع هذه القاعدة حتى تتضح أكثر:
__________
(1) دخول أل على غير لا يصح في اللغة وإن استعمله بعض الفقهاء.
(1/92)

فمنها: المرتهن هو الذي يقبض الرهن والراهن هو المالك الأصلي والرهن هو توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه منها أو من بعضها أو من ثمنها فالرهن في يد المرتهن أمانة، فنقول: قبض المرتهن للرهن هل هو لحظٍ يعود له هو أو هو لحظ الراهن؟ لاشك أن الجواب هو الأول؛ لأن المرتهن لم يقبض الرهن إلا هو يريد تأمين دينه بحيث لو لم يسدد الراهن ما عليه باعه واستوفى منه قدر الدين، فإذا سدد الراهن الدين واختلف هو والمرتهن فقال المرتهن: رددت الرهن إليك وقال الراهن: لم ترده، فنقول: لا نقبل قول المرتهن في الرد إلا ببينة؛ لأنه قبض الرهن لحظ نفسه ومن قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببرهان.
ومنها: العارية: إذا استعار شخص من شخص شيئًا فإن المستعير يقبض هذه العين لحظ نفسه؛ لأنه يريد أن ينتفع بهذه العارية فإذا اختلف المعير والمستعير في الرد فلا نقبل قول المستعير في دعوى الرد إلا ببينة؛ لأنه قبض العين المعارة لحظ نفسه ومن قبض العين لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة.
ومنها: الوديعة: فإذا أودع شخص شخصًا مالاً فإن المودَع – بفتح الدال – قبض الوديعة من المودِع – بكسر الدال – لحظ المودِع – بكسر الدال – حتى يحفظها له ويصونها عن التلف والضياع فإذا اختلفا في الرد فالقول قول المودَع – بفتح الدال –؛ لأنه قبض العين لحظ غيره ومن قبض العين لحظ غيره فالقول قوله بلا بينة.
ومنها: المضاربة: نوع من أنواع الشركة فيشترك اثنان أحدهما بماله والآخر ببدنه، فالمضارَب – بفتح الراء – يقبض المال من المضارِب – بكسرها – بقصد نفع نفسه لأن له جزءاً من الربح معلومًا مشاعًا، فإذا اختلفا في رد المال فالقول قول المضارِب – بكسرها – لأن المضارَب - بالفتح - قبض المال لحظ نفسه ومن قبض المال لحظ نفسه لم يقبل قوله في الرد إلا ببينة.
(1/93)

ومنها: إذا اقترض رجل من آخر مالاً وادعى المقترض رده وأنكر المقرض فالقول قوله؛ لأن المقترض قبض هذا المال لحظ نفسه فلا يقبل قوله في الرد إلا ببينة.
ومنها: اللقطة: هي المال الذي لا يعرف مالكه فالملتقط الذي أخذ هذه اللقطة أخذها ليحفظها لمالكها الأصلي فإذا اختلف المالك الأصلي والملتقط في الرد فقال الملتقط: رددتها عليك، وقال المالك: لا، فالقول قول اللاقط؛ لأنه قبض العين لحظ غيره ومن قبض العين لحظ غيره فالقول قوله بلا بينة، والله أعلى وأعلم.
(تنبيه) : قولنا: (يقبل قوله بلا بينة) نعني بالبينة الشهادة لا اليمين وإلا فاليمين لاشك أنها تطلب من قابض العين لحظ الغير؛ لأنه في هذه الحالة مدعىً عليه والمدعى عليه عليه اليمين وذلك لقوة جانبه، وأما قابضها لحظ نفسه فإنه مدعي والمدعي عليه البينة لضعف جانبه، والله أعلى وأعلم.

القاعدة السادسة والعشرون
26 - لا يضمن الأمين تلف العين بلا تعدٍ ولا تفريط والظالم يضمن مطلقًا
(1/94)

اعلم – رحمك الله تعالى – أن المراد بالأمين هنا هو من كان المال بيده برضى ربه أو ولايته عليه، فإذا قبض الأمين المال من صاحبه ثم تلف المال فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون سبب التلف هو تعدي الأمين أو تفريطه في حفظ المال وإما أن يكون بسببٍ خارج عن ذلك أي ليس للأمين فيه دخل، فإن كان الأول إي إذا كان سبب التلف هو تعدي الأمين أو تفريطه فإنه يكون ضامنًا لما تلف في يده من مالٍ أو عين؛ لأنه تعدى وفرط فيخرج عن حد الإحسان المنافي للضمان، في قوله تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} وقولنا: (التعدي) هو فعل ما لا يجوز من التصرفات أو الاستعمالات، وقولنا: (التفريط) هو ترك ما يجب من الحفظ، وأما إذا تلفت العين بلا تعدٍ من الأمين ولا تفريط فإنه لا يضمن هذا التلف لأنه محسن ولم يذنب {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} ؛ ولأن هذا هو معنى الائتمان فالتلف في أيديهم كالتلف في يد المالك.
وعلى ذلك فروع كثيرة نذكر بعضها يستدل به على الباقي:
فمنها: إذا تلفت الوديعة في يد المودَع – بفتح الدال – فهل يضمن أم لا؟
نقول: إن المودَع أمين فإن تلفت الوديعة بتعدٍ أو تفريط منه فإنه يضمن، وإن تلفت بلا تعدٍ أو تفريط فلا يضمن.
ومنها: إذا تلفت العين أو المال في يد الوكيل فإن كان بتعدٍ أو تفريط فإنه يضمن وإن كان بدون تعدٍ أو تفريط فإنه لا يضمن.
ومنها: الأجير الخاص هو من منافعه محبوسة لمستأجره فإذا تلفت العين بيده فإنه لا يضمن إلا بتعدٍ أو تفريط.
ومنها: إذا تلف الرهن في يد المرتهن بلا تعدٍ أو تفريط فإنه لا يضمن وإن كان بتعدٍ أو تفريط ضمن.
ومنها: إذا تلف المال في يد الشريك أيًا كان نوع الشركة فإنه لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط؛ لأنه أمين.
ومنها: اللقطة إذا تلفت في يد الملتقط أي الذي أخذها فإنه لا يضمن إلا تعدى أو فرط؛ لأنه أمين.
(1/95)

ومنها: إذا تلف المال في يد المضارَب - بفتح الراء - فإنه لا يضمن إلا عند التعدي أو التفريط؛ لأنه أمين.
ومنها: إذا تلفت العين المعارة في يد المستعير فإنه لا يخلو إن كان بتعدٍ أو تفريط فإنه يضمن وإن كان بدون ذلك فإنه لا يضمن، وهو الراجح وإلا فالمشهور من المذهب أن المستعير ضامن للتلف مطلقًا لكن الراجح هو تخريجه على هذه القاعدة؛ لأنه أمين، واختاره الشيخ ابن سعدي - رحمه الله تعالى - وعلى هذا فقس، والله أعلم.
هذا بالنسبة للأمين أما غير الأمين كالظالم فإنه يضمن تلف العين مطلقًا والظالم هو من كانت العين بيده بلا رضى مالكها وقولنا: (مطلقًا) أي أنه يضمن العين سواءً تلفت بتعدٍ أو تفريط أو بدونهما لأن يد الظالم يد متعدية فيضمن العين ومنافعها فيدخل في هذا الغاصب والخائن في أمانته ومن عنده عين لغيره فطلب منه الرد لمالكها أو لوكيله فامتنع ولا عذر فإنه ضامن مطلقًا وكذلك من عنده لقطة فسكت عليها ولم يعرفها بغير عذر فإنه يضمن إذا تلفت مطلقًا؛ لأنه كالغاصب أو الخائن، ومن حصل في يده مال غيره بغير إذنه ولم يخبر به صاحبه لغير عذر فإنه يضمن مطلقًا إذا تلف المال، فكل هؤلاء وما أشبههم ضمنوا؛ لأن أيديهم ليست أيدياً أمينة وإنما هي أيدٍ ظالمة، واليد المتعدية الظالمة أحد أسباب الضمان الثلاثة، والثاني: مباشرة الإتلاف بغير حق. والثالث: فعل سبب يحصل به التلف، والله تعالى أعلى وأعلم.

القاعدة السابعة والعشرون
27 - العبادات المؤقتة بوقتٍ تفوت بفوات وقتها إلا من عذرٍ
(1/96)

وهذه القاعدة من أهم القواعد والضوابط الفقهية؛ لأنها تبين ما يمكن تداركه عند فواته من العبادات مما لا يمكن تداركه، فأقول: اعلم – رحمك الله تعالى – أن العبادات باعتبار التوقيت وعدمه نوعان: عبادات مطلقة عن الوقت أي ليس لها وقت معلوم وإنما هي جائزة في كل وقتٍ، فيسن فعلها في كل وقتٍ فهذه لا تعلق بها في هذه القاعدة أصلاً لأنه ليس لها وقت يفوت لأن جميع الأوقات بالنسبة لها واحدة، كالصدقة المندوبة، وبر الوالدين والإحسان إليهما، والنوافل المطلقة في غير وقت النهي، وصيام التطوع في غير الأيام الخمسة أعني العيدين وأيام التشريق الثلاثة (1) ، والعمرة في جميع أوقات العام ونحوها، فكلها لا تدخل معنا في هذه القاعدة لما ذكرناه سابقًا.
الثانية: عبادة قد حدت بوقت أي لها وقت معلوم تفعل فيه له بداية ونهاية كشهر رمضان، والصلوات الخمس، والرواتب القبلية والبعدية، وكالوقوف بعرفة، وذبح الأضاحي المعينة، وصدقة الفطر، وكالنذر المؤقت بوقت ونحوها، فهذه العبادات كلها لها وقت معلوم لا تفعل قبله بالاتفاق لكن السؤال الآن: ما الحكم في هذه العبادات إذا فاتت أي تركها المكلف حتى خرج وقتها فهل يسوغ له فعلها ولو بعد وقتها؟ أم أنه لا يسوغ له ذلك؟ هذا هو نص القاعدة.
__________
(1) وما نهى عنه كتخصيص يوم الجمعة وحده بالصيام والتقدم على رمضان بصوم يوم أو يومين.
(1/97)

أقول: من فوت شيئًا من هذه العبادات فإنه لا يخلو من حالتين: إما أن يكون فوتها لعذرٍ شرعي، وإما أن يكون تفويته لها عمدًا بلا عذرٍ شرعي، فإن فوتها بعذرٍ شرعي فإنه يجوز له أن يفعلها ولو خارج وقتها ويعطى أجر من فعلها في وقتها لا ينقص من أجره شيء، فمن ترك الصلاة ناسيًا أو نائمًا حتى خرج وقتها فإنه يفعلها إذا ذكر أو استيقظ لحديث أنس في الصحيحين مرفوعًا: (من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) ، والنسيان والنوم عذر شرعي فلا يأثم الإنسان بهذا التفويت لحديث: (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منهم: (وعن النائم حتى يستيقظ) وقال تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أوْ أخْطَأْنَا} وفي صحيح مسلم: (قال الله: قد فعلت) وكذلك من أفطر يومًا من رمضان وهو مريض مسافر فلا بأس وله أن يقضيه في يوم آخر قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أخَرَ} .
ومن فاته شيء من الرواتب القبلية أو البعدية ناسيًا أو نائمًا أو نحوه فله قضاؤها، واختاره الشيخ تقي الدين، ووقت الراتبة القبلية من دخول الوقت إلى إقامة الصلاة، والبعدية من السلام إلى خروج الوقت.
ومن فاته إخراج زكاة الفطر ناسيًا أو نائمًا ولم يستيقظ إلا بعد الصلاة أعني صلاة العيد أو لم يجد فقيرًا إلا بعد الصلاة فله إخراجها بعد الصلاة ونرجو له الأجر والثواب وتجزئ عنه - إن شاء الله -.
ومن نذر صلاة وقتٍ محدد ثم فوته نسيانًا أو جهلاً أو بنوم أو مرض فله أن يصلي ما نذر بعده إن لم يكن وقت نهي ولا كفارة عليه على الراجح لعموم قوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أوْ أخْطَأْنَا} .
(1/98)

وإذا تصورنا أن إنسانًا فوت ذبح الأضحية المعينة (1) في الوقت المشروع كالمغمى عليه طيلة يوم عيد الأضحى وثلاثة الأيام بعده، ولا وكيل له ولم يستفق إلا بعد غروب شمس اليوم الثالث إن تصورنا ذلك فله ذبحها بنية الأضحية بعده وهكذا، فهؤلاء جوزنا لهم فعل العبادة المؤقتة بعد فوات وقتها؛ لأنهم معذورون في هذا التفويت غير آثمين بسببه، فلا يؤاخذون بحرمانهم من أجر هذه العبادات بمنعهم من قضائها؛ لأنهم ما تجانفوا لإثم، فالعفو عنهم وتجويز فعل هذه العبادات لهم هو روح الشريعة، وهو القول المناسب لها؛ لأن فيه رحمة وتخفيف على هؤلاء فلا يحسن عقابهم بحرمانهم من قضائها؛ لأنهم فعلوا ما يوجب عقوبتهم، وقد دلت الأدلة العامة على عدم مؤاخذة الناسي والمخطئ، والله أعلم.
__________
(1) أما غير المعينة فلا تشرع بعد ذهاب وقت الذبح لكن له الصدقة بها أو بلحمها.
(1/99)

أما من فوت هذه العبادات بلا عذرٍ وإنما بتعمد لذلك التفويت من تكاسلٍ عنها أو قلة حرصٍ أو اشتغال بالدنيا ونحوها فهذا إذا فات وقتها وخرج فإنه لا يسوغ له فعلها أبدًا ولو فعلها في غير وقتها ألف مرة فإنها لا تجزئه أبدًا، لأن التوقيت في العبادة له حكمة عظيمة، فالشريعة لم تخص هذا الوقت بهذه العبادة إلا لأن إيقاعها فيه فيه مصلحة وحكمة بالغة لا تكون في غيره، فإذا فعلت في غير هذا الوقت فإنه لا تتحقق منها المصلحة المرجوة من فعلها في وقتها، وإنما جاز فعلها لمن فوتها لعذرٍ؛ لأن الدليل دل على عدم مؤاخذته، وأما من فوتها متعمدًا بلا عذرٍ فهذا مؤاخذ بهذا التفويت، ومؤاخذته قد تكون في عدم تمكينه من هذه العبادة، بل يحرم أجرها، وليس إسقاطنا عنه قضاء العبادة إسقاط تخفيف، بل هو إسقاط حرمان، وإسقاط الحرمان عقوبة بخلاف إسقاط التخفيف فهو رحمة، فمن فوت الصلاة وأخرجها عن وقتها عامدًا بلا عذرٍ فلا يسوغ له قضاؤها أبدًا ولو فعلها ألف مرة لم تسقط عنه المطالبة بها وهو اختيار الشيخ تقي الدين. وإنما قضاء الصلاة للمعذور فقط أما غير المعذور فلا، وإنما عليه التوبة النصوح المستجمعة لشروطها المعروفة وعليه الإكثار من النوافل لتسد هذا الخلل العظيم.
ومن أفطر يومًا من رمضان عامدًا بلا عذر فإنه لا يسوغ له قضاؤه أبدًا فلو صام الدهر كله لم يسقط عنه المطالبة بهذا اليوم واختاره الشيخ تقي الدين وضعف زيادة (واقض يومًا مكانه) لعدول البخاري ومسلم عنها.
ومن لم يخرج زكاة الفطر في وقتها المشروع حتى فات بلا عذرٍ فإنه لا يجزئه إخراجها بعده، بل هو آثم بهذا التفويت، فلو تصدق بماله كله فإنه لا يسقط عنه المطالبة بها، وإنما عليه التوبة النصوح والإكثار من الصدقة لعل الله أن يغفر له ذلك الإثم.
(1/100)

ومن أخر ذبح أضحيته حتى خرج وقتها بلا عذر فلا تكون أضحية بذبحها بعد غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، بل يأثم على القول بالوجوب وهكذا.
ومأخذ ذلك هو أنه فوت العبادة المؤقتة بوقتٍ محدد بلا عذر ففاتت بذلك؛ لأن العبادة المؤقتة بوقت تفوت بفواتها إلا من عذرٍ، فليحرص المسلم على ذلك وليبادر بإيقاع العبادة في وقتها المحدد لها حتى تبرأ ذمته ويخرج من عهدة التكليف بها، ومن وقع في تفويت شيء بلا عذر فعليه المبادرة بالتوبة والإكثار من فعل جنسها نفلاً ما أمكن ذلك، والله يتجاوز عن الخطأ والزلل وهو أعلى وأعلم.

القاعدة الثامنة والعشرون
28 - لا تكليف إلا بعقل وفهم خطاب واختيار
هذه القاعدة من قواعد الأصول وعليها مدار التشريع، وبيان ذلك أن يقال:
اعلم أن معنى التكليف هو إلزام ما فيه كلفة أي مشقة.
واصطلاحًا: عرفه الطوفي بأنه: (إلزام مقتضى خطاب الشارع) .
إذا علمت هذا فاعلم أن التكليف له شروط ترجع إلى الفعل المكلف به، وشروط ترجع إلى الشخص المكلف. فأما الشروط التي ترجع إلى الفعل المكلف فستأتي - إن شاء الله تعالى - في قاعدة مستقلة، وأما الشروط التي ترجع إلى المكلف فهي نص قاعدتنا التي نحن بصدد شرحها فأقول:
اعلم أنه يشترط في الشخص ليكون داخلاً في جملة المكلفين شروط إذا توفرت جميعها فهو مكلف، وإذا اختل أحدها فإنه يسقط عنه التكليف وهي كما يلي:
(1/101)

الأول: العقل: وضده الجنون، فيشترط في المكلف أن يكون عاقلاً وذلك للدليل الأثري والنظري. فأما الأثري فقوله - صلى الله عليه وسلم -: (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منهم: (وعن المجنون حتى يفيق) فقلم التكليف مرفوع عن المجنون لانعدام شرط التكليف الذي هو العقل. وأما النظري فلأن الشريعة إنما جاءت بامتثال المأمور وترك المحظور، والامتثال هو قصد الطاعة بذلك تحقيقًا لامتحان المكلف كما قال سبحانه: {لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلا} وشرط كون الامتثال طاعة قصدها لله تعالى رغبة ورهبة فيما عنده من الوعد والوعيد فهذا القصد هو المصحح لكون الامتثال طاعة وهو مفقود في المجنون؛ لأنه لا يتصور منه ذلك الامتثال الذي هو قصد الطاعة، فانتفت فيه حكمة التشريع فلم يعد إيجابه عليه مناسبًا لانعدام الحكمة منه وهذا واضح.
الشرط الثاني: فهم الخطاب: ويعني أن يفهم المكلف خطاب التكليف بأمرٍ أو نهي فالذي لا يفهم الخطاب لا تكليف عليه، ولا يلزم من كونه لا يفهم الخطاب أن يكون لا عقل له، بل فهم الخطاب مرتبة زائدة على مجرد العقل، لكن لا يلزم من وجود العقل فهم الخطاب كما سيأتي في الفروع - إن شاء الله تعالى -، والدليل على هذا الشرط أثري ونظري، فأما الأثري فلحديث: (رفع القلم عن ثلاثة عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ …) فالقلم مرفوع عن هؤلاء ليس لأنهم مجانين لا عقول لهم أصلاً، بل لهم عقول لكنهم في حالة لا يفهمون معها الخطاب، فالنائم لا يفهم قوله تعالى: {وَأقِيمُوا الصَّلاةَ} ونحوه وكذلك الصغير لا يفهم ذلك، فسقط عنهم التكليف؛ لأنهم لا يفهمون الخطاب.
(1/102)

وأما النظري فلأن تكليف من لا يفهم الخطاب تكليف بما لا يطاق وهو منتفٍ شرعًا ولعدم وجود قصد الامتثال منهما فاجتمع هؤلاء في أنهم لا يفهمون الخطاب لكن عدم الفهم في هؤلاء مختلف فالصبي والمجنون لا يدركان معنى كلام الشرع، أما الصبي فبالأصالة؛ لأن عقله الذي يفهم به الخطاب لم يكمل بحيث يقوى على الإدراك، وأما المجنون فبعارضٍ قوي قهري وهو الجنون، وأما النائم فلعارض طبيعي وهو النوم، قاله الطوفي في شرح مختصر الروضة.
الشرط الثالث: الاختيار: وهو أن يفعل المأمور ويترك المنهي اختيارًا منه، فإذا ترك المأمور وفعل المنهي عنه بإكراه فإنه لا يأثم لأنه غير مكلف، والدليل على ذلك أثري ونظري، فأما الأثري فقوله تعالى {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلا مَنْ أكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} فرخص الله جل وعلا قول كلمة الكفر وفعله مع اطمئنان القلب بسبب الإكراه، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (عُفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ،
وأما النظري فلأن المكرَه – بفتح الراء – صار كالآلة في يد المكرِه – بكسر الراء – فلا ينسب إليه فعل، وشرط العقوبة أن يقدم الإنسان على المعصية وهو مختار لها؛ لأنه حينئذ يستحق العقاب، لكن إذا صار كالآلة في يد غيره فلا يستحق حينئذٍ العقاب،؛ ولأنه يقدم على الفعل وهو لا يريده ولم يقصده، وإنما فعل بدافع الإكراه فقط.
واعلم أن الإكراه نوعان: إكراه ملجئ وهو الذي لا يبقي للإنسان قدره ولا اختيار فهذا مسقط للتكليف في قول عامة أهل العلم.
وإكراه غير ملجئ وهو الذي يبقى للإنسان نوع نظر واختيار، وعموم الأدلة يدل على أنه داخل في إسقاط التكليف فإن الأدلة لم تفرق بين إكراه وإكراه وترك الاستفصال في مقام الاحتمال يجرى مجرى العموم في المقال.
(1/103)

إذا علمت هذا فاعلم أنه لا يثبت التكليف إلا إذا توفرت هذه الشروط جميعها فإذا اختل شرط منها فلا تكليف، لكن يلزمنا أن نفرق بين أمرين متشابهين:
الأول: الحكم التكليفي. الثاني: الحكم الوضعي، فهذه القاعدة إنما تسقط الأول ولا تعلق لها بالثاني. فالأحكام الوضعية ثابتة ولو على غير المكلف كالمجنون والصغير والبهيمة ونحوها؛ لأنها من باب ربط الأشياء بأسبابها. إذا علمت هذا فدونك هذه المسائل المهمة في هذا الباب لتعرف أحكامها وتفاصيلها فأقول:
المسألة الأولى: هل الغضبان مكلف أم لا؟
الجواب: فيه خلاف عريض، والذي يتوافق مع الأدلة هو أن يقال: إن الغضب أقسام ثلاثة: الأول: غضب لا يغلق على الإنسان عقله واستقامة تفكيره، ويدري ما يقول فهذا طلاقه وعتاقه وجميع تصرفاته معتبرة بالإجماع؛ لأنه داخل في التكليف لعقله وفهمه للخطاب. الثاني: غضب يغلق على الإنسان عقله الكامل لكنه يدري ما يقول ويفعل فهذا أيضًا طلاقه وعتاقه وتصرفاته معتبرة على الصحيح؛ لأن عقله باقٍ وليس فيه إلا مطلق الإغلاق فقط. الثالث: غضب يغلق على الإنسان عقله الغلق المطلق بحيث لا يدري ما يقول ولا ما يفعل، بل بعضهم يصيبه الإغماء وبعضهم تنتفخ أوداجه انتفاخًا واضحًا فيكون كالوحش الكاسر، فهذا لاشك أنه لا يقع طلاقه وعتاقه وتصرفاته لا تعتبر؛ لأنه فاقد لمناط التكليف الذي هو العقل، فهو وإن كان موجودًا لكنه مغلق أي أن هذا الغضب أغلق على عقله الذي هو مناط التكليف فصار وجوده كعدمه.
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) واختار هذا القول الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم وهو المفتى به عندنا في بلادنا.
المسألة الثانية: السكران هل هو مكلف أم لا؟
(1/104)

فيه خلاف والصواب التفصيل في السؤال عن مدى تغطية السكر للعقل، فإن كان السكر لم يغط العقل تغطية كاملة بحيث يدري ما يقول ويعرف معنى الطلاق والعتاق ونحوه فهذا لاشك أنه مكلف وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحدٍ من أهل العلم.
وإن كان السكر قد غطى على عقله التغطية المطلقة بحيث أغلق عليه فلا يدري ما يقول ولا ما يفعل، فإنه ينزل منزلة من زال عقله، ومن زال عقله فلا تكليف عليه، أي لا نوقع طلاقه ولا عتاقه ولا بيعه ونحوها واختار هذا القول الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم.
المسألة الثالثة: المكره على الكفر هل يجوز له الكفر أو لا؟ وهل الأفضل له الصبر ولو مع إيقاع الألم به أو الأفضل الاستجابة لمن أكرهه؟
(1/105)

أقول: هذا السؤال مكون من شقين: فأما الأول: فاعلم أن من أكره على الكفر فإنه يباح له الكفر الظاهر لا الباطن، أي يجوز له موافقة المكرِه بقول الكفر أو فعله ظاهرًا لكن لا يجوز له ذلك في الباطن؛ لأنه لا استيلاء للمكرِه على الباطن ولا علم له به. ودليل ذلك الآية السابقة: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلا مَنْ أكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، وللحديث السابق ذكره: (عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) لكنه لو كفر في الباطن لخرج عن الإسلام؛ لأنه فعل ذلك باختياره؛ لأنهم لم يكرهوه على الكفر القلبي، وإنما أكرهوه على الكفر في الظاهر فقط، ولذلك قال الله تعالى: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} لكن عندنا حديث مشكل وهو حديث طارق بن شهاب - رضي الله عنه - في: أن رجلاً دخل الجنة في ذباب ورجل دخل النار في ذباب، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: (مر رجلان على قومٍ لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قرب، فقال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا: قرب ولو ذبابًا فقرب ذباباً فخلوا سبيله فدخل النار … الحديث) (1) فهذا الرجل في ظاهر الحديث أنه لم يقرب ذبابًا إلا أنه يريد التخلص من القتل إذا لم يقرب، فهو إذًا مكره ومع ذلك عوقب على ذلك الفعل ودخل النار بسببه مع أنه كفر في الظاهر ولا ندري عن الباطن، وليس في الحديث ما يشير إلى أنه وافقهم في
__________
(1) الحديث لايصح مرفوعاً بل هو موقوف على سلمان ومن أخرجه كالإمام أحمد في الزهد وأبي نعيم في الحلية أخرجاه عن طارق بن شهاب عن سلمان من قوله رضي الله عنه فهو موقوف، والأقرب أنه مأخوذ عن بني اسرائيل. ويكون إن صح من شرع من قبلنا وورد شرعنا بخلافه كما رجحته جزاك الله خيراً.
(1/106)

الباطن. فكيف نقول: أن من أكره على الكفر يجوز له الكفر في الظاهر فقط وهذا الحديث يثبت عقوبة من كفر ظاهرًا وهو مكره؟
أقول: هذا سؤال وجيه جدًا، وقد حاول العلماء الإجابة عنه فذكروا أجوبة عديدة فقال بعضهم: إن الرجل الذي قرب ذبابًا وافقهم في الظاهر والباطن فاستحق دخول النار؛ لأنه وافقهم في الباطن. ويجاب عنه: بأن هذه دعوى وكل دعوى لا تقبل إلا بالدليل، فأين الدليل الدال على موافقته لهم في الباطن؟ بل ظاهر الأمر أنه لم يفعل ذلك إلا لخوفه أن يقتلوه فهو في الحقيقة مكره.
وقال بعضهم: إنه استحق دخول النار؛ لأنه كان كافرًا بالأصل، فليس سببه التقريب لغير الله. ويجاب عنه: بأن الحديث سيق لبيان خطر الذبح لغير الله، ولو كان كافرًا لدخل النار بمجرد كفره، فلما قال: (فقرب ذبابًا فخلو سبيله فدخل النار) دل ذلك على أن سبب دخوله للنار هو هذا التقريب؛ ولأن قوله: (فدخل النار) حكم مقرون بالفاء بعد قوله: (فقرب ذبابًا) وهو وصف وعلة الحكم المقرون بالفاء بعد وصف هو عين ذلك الوصف.
وقال بعضهم: بل دخل النار؛ لأنه لم يصل إلى حد الإكراه الملجئ الرافع للتكليف. ويجاب عنه: بأن هؤلاء القوم قد هددوهما بالقتل إن لم يقربا، بل إنهم قتلوا الآخر وهذا هو عين الإكراه الملجئ.
وقد يقال: إن التكليف يزول بمسمى الإكراه ولا ينظر هل هو ملجئ أو غير ملجئ لعموم الأدلة، وتقدم ذلك.
وقال بعضهم: إن الرخصة إنما هي في الكفر القولي أي باللسان فقط، أما الكفر العملي فإنه يقع حكمه على صاحبه وإن كان مكرهًا، وهذا الرجل كفر كفرًا عمليًا وهو الذبح لغير الله، ولا رخصة في ذلك. ويجاب: أن عموم الآية والحديث يدل على دخول الكفر العملي، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وذكروا غير ذلك.
فإن قلت فما الجواب الصحيح؟
(1/107)

أقول: الجواب الصحيح هو أن هذه القصة كانت فيمن كان قبلنا، وهذا هو ظاهر الحديث، فهي من شرع من قبلنا، وشرع ما قبلنا شرع لنا ما لم يرد نسخه في شرعنا، وكان من شرعهم عدم جواز النطق بكلمة الكفر أو فعله ولو مع الإكراه ونسخ ذلك في شريعتنا رحمة من الله تعالى وتيسيراً علينا. فإن قيل: ما دليلك على أنها كانت فيمن كان قبلنا؟ فأقول: هذا هو ظاهر الحديث، وإذا لم يظهر ذلك فنقول: حتى ولو كانت في هذه الأمة فهي أيضًا مما نسخ بالآيات والأحاديث التي تعفو عن فعل الكفر أو قوله بالإكراه والنسخ في شريعتنا جائز وواقع، هذا هو جواب الشق الأول.
(1/108)

أما جواب الشق الثاني: وهو هل الأفضل فعل الكفر المكره عليه أم الأفضل الصبر وإن أدى إلى القتل؟ أقول: هذا فيه خلاف طويل بين العلماء – رحمهم الله تعالى – وفصل القول فيه أنه تابع للمصلحة، فإن الشريعة لا تأمر إلا بما فيه مصلحة غالبة أو خالصة، ولا تنهى إلا عن ما فيه مفسدة خالصة أو غالبة، وليس في الشريعة ما تستوي فيه المصالح والمفاسد وإنما يفرض من باب التقسيم فقط وإلا فلا حقيقة له، فإذا أكره الإنسان على الكفر أو القتل فلينظر بعين الشرع، فإن كانت إجابته للمكره فيما أراد فيها مفسدة خالصة أو غالبة فنقول: عليه أن يصبر، وإن مات فهو شهيد، ومن ذلك صبر من صبر من الصحابة – رضوان الله عليهم – في أول الإسلام، وعليه قوله - صلى الله عليه وسلم - لما قال له خباب بن الأرت: ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا؟ فقال: (إنه كان من كان قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض فيوضع المنشار على رأسه فيشق نصفين لا يرده ذلك عن دينه) . ومنه صبر الراهب وجليس الملك في حديث غلام الأخدود وهو عند مسلم من حديث صهيب بن سنان الرومي (1) . ومنه صبر الإمام أحمد على الفتنة وعذابها فإنه قد افتتن كثير من علماء عصره إلا هو – رضي الله عنه وأرضاه – ومن شاء الله تعالى، فثبت على البلاء ووقف في وجه المأمون والمعتصم والواثق وقوف الرجال وكان يقال له: إن لك في ذلك فسحة من الله فإنك مكره، وكان يجيبهم بأن كلامه مسموع فلو قال ما أرادوه من القول بخلق القرآن لنقلها الناس عن إمام أهل السنة وافتتن بها خلق كثير، فلما غلبت المفسدة على المصلحة صبر وثبت وأصر على الحق ولم يجبهم إلى ما أرادوه (2) ، والأمثلة كثيرة.
__________
(1) لا بد تخريج هذا الحديث.
(2) الصبر إذا كان في الإجابة ضرر على الدين والأمة لا على الشخص نفسه فواجب لأنه من باب الجهاد المتعين كصبر الإمام أحمد، وانظر فتاوى شيخ الإسلام.
(1/109)

وأما إن كان في الإجابة مصلحة خالصة أو راجحة فالقول حينئذٍ أن الإجابة هي المشروعة كإجابة عمار - رضي الله عنه - لكفار قريش في سب النبي - صلى الله عليه وسلم -. وعلى العموم فإن إعطاء قانون مستقيم في الإجابة من عدمها ليس صحيحًا؛ لأن الأدلة وردت بهذا وبهذا ولكن القول بتنوع الأحوال هو الصحيح وهذا التنوع ليس تابعًا للخوف أو الهوى وإنما هو تابع للمصلحة فأي الطرفين اقترنت به المصلحة فهو الراجح فإن اقترنت بالإجابة فهي الراجحة وإن اقترنت بتركها فهي الراجحة وتنزل أدلة الطرفين على وجود المصلحة، وبهذا القول تتآلف الأدلة وتتفق، والله أعلم.
المسألة الرابعة: الصبي المميز هل هو مكلف أو لا؟
(1/110)

فيه خلاف، فقيل بتكليفه وهو رواية عن أحمد – رحمه الله تعالى – ليست هي المشهورة واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (مروا أولادكم بالصلاة لسبعٍ واضربوهم عليها لعشر) والأمر للوجوب والعقاب لا يكون إلا على ترك واجب، فلو لم تكن واجبة لما استحقوا على تركها العقاب، واستدلوا أيضًا بوجوب الزكاة عليهما، والزكاة حكم تكليفي، وبأنهما لو أتلفا شيئًا وجب عليهما ضمانه، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - للحسن أو للحسين لما أراد أن يأخذ تمرة ساقطة: كخٍ كخٍ إني أخشى أن تكون من الصدقة، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - للذي طاشت يده في الطعام وهو صغير لم يحتلم لكنه مميز وهو عمر بن أبي سلمة قال له: (يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) متفق عليه، والتسمية على الطعام واجبة، والأكل باليمين كذلك وهما حكمان تكليفيان فدل ذلك على أن المميز مكلف. وقال جماهير العلماء بعدم تكليفه وهي رواية عن أحمد أيضًا ورجحها كثير من أصحابه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (رفع القلم عن ثلاثة، عن الصغير حتى يحتلم) وهو نص في المسألة؛ ولأن تعليق التكليف بأول جزءٍ من أجزاء التمييز تعليق لما لا دليل عليه (1) ، فإن التمييز كضوء النهار يبدأ أولاً لا يكاد يرى ثم ينتشر شيئًا فشيئًا، فعلامة ابتداء التمييز غير معلومة لنا؛ ولأنها متفاوتة أشد تفاوت بين جيل وآخر.
وأما وجوب الضمان لما أتلفوه ووجوب الزكاة فليس هو من باب التكليف، وإنما هو من باب ربط الأحكام بأسبابها. فالضمان من الأحكام الوضعية لا التكليفية، وقلنا سابقًا أن الأحكام الوضعية لا يشترط فيها شروط التكليف.
__________
(1) من حدد بالسبع يجعل السن وهو بلوغ السابعة هو الدليل الفيصل بين المميز وغيره.
(1/111)

وأما الزكاة ففيها تعلق بالذمة وبالمال لكن تعلقها بالمال أقوى ففي كل مال زكوي بلغ نصابًا الزكاة بغض النظر عن مالكه أعني إن كان له مالك معين حتى لا تجب الزكاة في الأموال العامة التي يشترك المسلمون في ملكيتها، والله أعلم.
وأما حديث: (مروهم) فليس هو أمر للصغار، وإنما هو أمر للأولياء والأمر بالأمر ليس أمرًا به على الراجح من قول الأصوليين، وإنما هو أمر للأولياء لأمر صبيانهم بالصلاة ليعتادوها لا لأنها واجبة. وأما حديث الحسن فهو من الخصوصيات بآل هاشم؛ لأنه لا تحل لهم الصدقة فلا يستدل به على ما نحن بصدده (1) .
وأما حديث عمر بن سلمة فلاشك أنه للوجوب العام على الصغير والكبير والذكر والأنثى؛ لأن القاعدة الأصولية: (أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لواحدٍ من الأمة أمر للأمة ما لم يدل دليل على التخصيص بالمأمور) لكن خرج من هذا الوجوب الصغير (2) الذي لم يحتلم فليس فيه الأمر للوجوب وذلك لحديث: (رفع القلم عن ثلاثة عن الصغير حتى يحتلم …) فالأول عام والثاني خاص والخاص يقضي على ما يقابله من العام، والجمع بين الأدلة واجب فيكون الأمر للإرشاد والتأديب لمن لم يبلغ وللوجوب لمن كلف.
وأما ضربهم على ترك الصلاة إذا بلغوا عشر سنين فهو من باب التعزير لا الحد، والتعزير ليس من شروطه التكليف وإنما التكليف من شروط إقامة الحدود فقط، وبهذا يتبين أن القول الصحيح - إن شاء الله تعالى - هو القول بأن الصبي المميز ليس بمكلف وذلك لعدم بلوغه، والله أعلم.
ولا نريد الإطالة فيكفي ما ذكرناه دليلاً على غيره، والله وأعلم.

القاعدة التاسعة والعشرون
29 - كل حكم في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسر
__________
(1) خصوصيات بأنهم لا يأكلون الصدقة ولو كانوا صغاراً لم يبلغوا.
(2) هذا من باب التربية على الآداب الإسلامية ليعتادها ومثله ضربه للصلاة إذا بلغ العاشرة.
(1/112)

اعلم - أرشدك الله لطاعته - أن الأصل هو أن الشريعة الإسلامية يسيرة سهلة، فهي أخف الشرائع السماوية على الإطلاق، وهي الحنيفية السمحة.
قال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ} وليس في الشريعة حكم يخرج عن حدود الطاقة البشرية، قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} .
وأجمع العلماء أن الله تعالى لم يكلفنا بما لا نطيق، وهذا من فضله ورحمته جل وعلا فهذا هو الأصل العام في جميع الأحكام أصولاً وفروعًا، لكن قد يعرض أحيانًا للمكلف ما يكون تطبيق الحكم معه فيه حرج ومشقة، فإذا كان ذلك كذلك فإن الشريعة تخفف هذا الحكم إما بإسقاطه كله، أو بإسقاط بعضه، أو بالتخيير بين فعله وتركه، أو بإبداله بشيء أخف منه ونحو ذلك من أنواع التخفيف وذلك حتى تنتفي هذه المشقة ويرتفع ذلك الحرج. وهذه القاعدة هي ما يعبر عنها بعض الفقهاء بـ (المشقة تجلب التيسير) وقد دلت عليها أدلة كثيرة عامة وخاصة. فأما العامة فهي كل دليل من القرآن أو السنة فيه نفي الحرج ورفعه وأن الله لا يكلفنا ما لا نطيق، ولا يحملنا ما لا طاقة لنا به، وأنه يريد اليسر لا العسر، وأنه وضع عنا الآصار والأغلال، وأنه خفف عنا ما كان على من قبلنا فكل ذلك دليل على هذه القاعدة.
وأما الأدلة الخاصة فسنذكر طرفًا منها في الفروع -إن شاء الله تعالى-.
وهذه القاعدة من أعظم ميزات هذه الشريعة السمحة عن سائر الشرائع، فالحمد لله تعالى أن جعلنا من أهلها، وممن يدين بها فإنه من فضل الله ورحمته التي أمرنا أن نفرح بها قال تعالى {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} .
وحتى تتضح معالم هذه القاعدة اذكر لك طرفًا من فروعها فأقول:
(1/113)

منها: قصر الصلاة في السفر فإن الأدلة دلت على تأكيد سنية قصر الصلاة في السفر حتى قيل بوجوبه وتحريم الإتمام، وهو رواية عن الإمام أحمد، وذلك لأن حالة السفر حالة تخالف حالة الإقامة، فالمسافر يجد من الحرج والمشقة في تطبيق بعض الأحكام ما لا يجده المقيم فروعيت حالة السفر وشرع فيه من التخفيف والتيسير ما لم يشرع للمقيم. من ذلك قصر الرباعية، وجواز الجمع، وجواز المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها، وإسقاط الجمعة عنه، وجواز الفطر في رمضان، بل استحبابه على قولٍ في المذهب كل ذلك مراعاة لحالة المسافر حتى لا يكون عليه حرج ولا عسر ولا مشقة.
وهذه الأحكام السابقة متعلقة بما يسمى سفرًا عرفًا وإن لم يكن مصحوبًا بالمشقة في آحاده، أي بالنسبة لبعض الناس، فالعبرة بالغالب الشائع لا القليل النادر، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (السفر قطعة من العذاب) ، والله أعلم.
ومنها: جواز الانتقال من الطهارة المائية إلى الترابية إذا كان في استعمال الأولى حرج ومشقة كخوف من زيادة مرض، أو تأخر برء، أو شدة بردٍ، أو وجد الماء يباع بثمن زائد على ثمن المثل كثيرًا ونحوه، فإنه يجوز له حينئذٍ الانتقال وذلك مراعاة لحاله ورفعاً للحرج والعسر عنه بهذا التيسير، وعليه حديث عمرو بن العاص لما صلى بأصحابه وقد أجنب ثم تيمم خوفًا من الهلاك؛ لأنه كان في ليلة باردة (1) .
ومنها: جواز الفطر في رمضان لمريضٍ يلحقه بترك الفطر مشقة من زيادة مرضٍ أو تأخر برء ونحوه، فلما حصل العسر حل اليسر.
ومنها: جواز الصلاة قاعدًا في فرض للمريض إذا كان القيام يزيد في مرضه، أو لمداواةٍ لقول طبيب مسلم.
ومنها: جواز صلاة القصاب في ثيابه وربما أصابها شيء من الدم لوجود العسر عليه بكثرة إبدالها فارتفع العسر وحل اليسر إذا لم يتيقن نجاستها.
__________
(1) يخرج هذا الحديث.
(1/114)

ومنها: جواز صلاة المرضع في ثيابها مع عدم خلوها غالبًا من نجاسة من بولٍ أو غائط بسبب كثرة حمل الطفل وإرضاعه، فترتفع حكم هذه النجاسة لوجود العسر عليها بكثرة إبدالها، والله أعلم.
ومنها: أنه يجوز للضعفة من الناس الدفع من مزدلفة إلى منى لرمي جمرة العقبة بعد غياب القمر تخفيفًا عليهم، وذلك لأنه يعسر عليهم الدفع مع الناس لوجود الزحام الشديد، فلما تحقق العسر عليهم بدفعهم مع الناس حل اليسر لهم بجواز الدفع في الليل.
ومنها: جواز المسح على الخفين، بل سنيته إن كانت الرجل في الخف، فلما كان خلع الخف دائمًا عند كل وضوءٍ فيه مشقة وحرج خففت الشريعة هذا وأجازت المسح على الخفين رفعًا للمشقة والحرج وإحلالاً لليسر مكان العسر.
ومنها: قول الأصحاب في باب المياه: إنه إذا تغير الماء بطاهر مما يشق صون الماء عنه من نابتٍ فيه، وورق شجر فإنه لا يؤثر في الماء أبدًا وعللوا ذلك بعسر التحرز منه إذ لا يمكن حماية الماء منه غالبًا فراعوا ذلك فلم يجعلوه مؤثرًا في الماء بخلاف ما لا يشق صون الماء عنه فإنه يؤثر في الماء، هذا على المذهب وليس على الراجح، وإنما المقصود مجرد التفريع فقط، والله أعلم.
ومنها: أن العلماء – رحمهم الله تعالى – أجازوا الجمع للمريض الذي يلحقه بترك الجمع مشقة كالمستحاضة لحديث حمنة بنت جحش، وذلك لأن ترك الجمع في هذه الحالة فيه عسر فارتفع العسر بجواز الجمع؛ لأن مع العسر يسرًا، والله أعلم.
ومنها: الأعذار التي يجوز معها ترك الجمعة والجماعة، كالمريض، والخائف بشرطهما المذكور في كتب الفقه فإن مطالبتهم بالحضور للجمعة والجماعة في هذه الحالة فيه عسر ومشقة وحرج فخفف الحكم في حقهم وارتفعت المشقة وزال الحرج بإسقاط الجمعة والجماعة عنهم فتحقق لهم اليسر بفضل الله ورحمته.
(1/115)

ومنها: جواز المسح على العمامة والجبيرة، فقد دلت الأدلة على جواز المسح عليهما، ولا يكلف لابسهما بخلعهما والإتيان بالفرض، بل اجتزأت الشريعة بالمسح عليهما وذلك لما في خلعهما من العسر والحرج.
ومنها: جواز جمع الاثنين والثلاثة من الأموات في قبرٍ واحدٍ للضرورة، وذلك لكثرة الموتى وقلة من يدفن وخيف الفساد عليهم، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بشهداء أحد فقد كان يدفن الاثنين والثلاثة في القبر الواحد ويقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن فيقدمه في اللحد، فلما وجد العسر في تخصيص كل واحد منهم بقبر ارتفع باليسر وهو جواز الجمع بينهم في القبر الواحد.
ومنها: إسقاط المؤاخذة عن من فعل محظورًا من المحظورات، كمحظورات الإحرام والمفطرات للصائم إذا كان ناسيًا أو جاهلاً أو مكرهًا وذلك؛ لأن الامتثال في هذه الأحوال فيه عسر ومشقة فزال العسر وارتفعت المشقة بإسقاط الإثم والمؤاخذة وهذا هو الراجح الموافق للأدلة الشرعية.
وتقدم طرف منه في القاعدة السادسة عشرة، والله أعلم.
وتتبع هذا الباب يطول فعلى المفتي أن يجعل ذلك الأصل بين عينيه عند الإفتاء فيما يتعلق به، فلا يغلظ على الناس فيما لم يرد فيه دليل صريح، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لم يخير بن أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، والله أعلم.
(1/116)

القاعدة الثلاثون
30 - الأصل في شروط العبادات المنع والحظر إلا بدليل، والأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة إلا بدليل
قد تقدم لنا أن الأصل في العبادات الحظر والمنع، وهذا عام في أصل العبادة وشرطها وصفتها، فلا يجوز اختراع عبادةٍ لا أصل لها، ولا اختراع صفةٍ لها، ولا اشتراط شرط فيها إلا بدليل صحيح صريح.
وتقدم أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة، وهذا عام في أصلها أو صفتها أو الشروط فيها، وهذا القاعدة التي نحن بصدد شرحها فرع من هاتين القاعدتين.
وبيانها أن يقال: إن الله تعالى قد تعبدنا بالفرائض والواجبات والسنن وأرسل لنا الرسل وأنزل لنا الكتب لتدلنا على هذه العبادات ولم يترك الله تعالى لعقولنا مدخلاً في باب العبادات؛ لأن العقل لا يستقل بإدراك ما يجوز التعبد به مما لا يجوز، فإذا علم هذا فاعلم أن الذي فرض علينا الفرائض والواجبات وسن السنن جعل لها شروطًا لا تصح إلا بها؛ لأنه يعلم أنها لا تكون عبادة إلا بهذه الشروط، فمن هذه الشروط قائم على اشتراطه هو جل وعلا في القرآن أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فلابد من الجمع بين العبادة وشروطها التي دلت عليها الأدلة الصحيحة كالصلاة وشروطها والزكاة وشروطها والحج وشروطه والصوم وشروطه وهكذا، فلا يجوز لأحدٍ من الناس أن يربط صحة هذه العبادة بشرطٍ ما إلا إذا دل الدليل على اشتراطه؛ لأن الشرط في العبادات لا يكون إلا من الشارع فقط؛ لأن مبناه على الغيب والتوقيف، فمن فتح لعقله باب الاشتراط في العبادة فقد جعل نفسه مشرعًا مع الله تعالى، وكذلك لا يجوز ربط العبادة بشرط لم يدل عليه إلا دليل ضعيف فالأدلة الضعيفة لا يحتج بها في باب الأحكام، فمن عرف ذلك انكشف له زيف كثير من الشروط التي يمليها الفقهاء في بعض العبادات مما لا دليل عليه أصلاً أو عليه دليل ضعيف.
ولوضوح ذلك أضرب بعض الأمثلة على هذا الشطر من القاعدة فأقول:
(2/1)

منها: اشتراط الأربعين لصحة الجمعة، فإن المشهور من مذهب الأصحاب اشتراط ذلك، ولكن إذا نظرنا إلى هذا الشرط وجدناه لا دليل عليه إلا دليلاً ضعيفًا وهو قول جابر: (مضت السنة أن في كل أربعين فصاعدًا جمعة) ولكن هذا الحديث ضعيف جدًا، وكذلك من اشترط دون ذلك كاشتراط اثني عشر رجلاً كمذهب مالك فإنه وإن كان دليله صحيحًا لكن ليس بصريح في المراد، ولذلك أي لعدم الدليل على العدد لصحة الجمعة اختار جمع من العلماء صحة الجمعة باثنين؛ لأنهما جماعة، وبعضهم اختار صحتها بثلاثة اثنان يستمعان وواحد يخطب وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح؛ لأن أقل الجمع ثلاثة على القول الصحيح عند الأصوليين، والله أعلم.
ومنها: اشتراط سبع غسلات في غسل النجاسة وهو رواية عن أحمد فقد اشترط الأصحاب لتطهير النجاسات سبع غسلات ويستدلون بحديث ابن عمر: (اغسلوا الأنجاس سبعًا) ولكن هذا الكلام ليس له سند يصح وإنما هو مذكور في كتب الفقهاء بلا إسناد، بل ليس في حد إزالة النجاسة شيء يصح إلا في نجاسة الكلب فسبع إحداها بتراب، وفي الاستجمار من الخارج من السبيلين ثلاث مسحات، أما ما عداهما فلا يصح فيه شيء البتة والأصل في الشروط الشرعية التوقيف على الدليل وإذا لم يثبت بذلك دليل فالأصل أن النجاسة تكاثر بالماء حتى تزول عينها، فاشتراط الأصحاب سبع غسلات أو ثلاث غسلات اشتراط في عبادةٍ لا دليل عليه، والله أعلم.
ومنها: اشتراط الأصحاب وغيرهم لصحة خطبة الجمعة الحمد والوصية بتقوى الله تعالى والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقراءة آية، وهذا اشتراط في عبادة والأصل فيه التوقيف فرجعنا إلى أدلة اشتراط ذلك فوجدناها لا تصلح إلا للاستحباب فقط أما أن تصل إلى أن تكون شروط صحة فلا.
(2/2)

ومنها: اشتراط بعض الفقهاء الماء لإزالة النجاسة فقالوا: ولا تزال النجاسة بغير الماء وهذا اشتراط في عبادة والأصل فيه التوقيف فرجعنا إلى دليل هذا الشرط فوجدناه لا يصلح لذلك وذلك لأن الشارع أمر بإزالة بعض النجاسات بغير الماء، بل بالحجر كما في الاستجمار، وبمرور الشيء المتنجس على شيء طاهر كما في ذيل المرأة، وبالشمس كما في حديث مرور الكلاب وبولها في المسجد وبالاستحالة، فعرفنا بذلك أن مقصود الشارع من الأمر بالماء في بعض الأحاديث إنما هو لأنه أفضل ما تزال به العين النجسة لا لأنه شرط، ونحن نقول بذلك، وذلك لأن الماء فيه خاصية لإزالة عين النجاسة أفضل من غيره من المزيلات، وإلا فالمقصود هو إزالة العين النجسة فبأي مزيل طاهر زالت عاد حكم المحل كما كان، بل ونصوا على أن النجاسة لو زالت بنفسها زال حكمها فتبين بذلك أن هذا الشرط لا دليل عليه فالأصل عدمه، والله أعلم.
ومنها: اشتراط الأصحاب وبعض الفقهاء لسجود التلاوة والشكر ما يشترط للصلاة؛ لأنها صلاة عندهم، وهذا اشتراط في عبادة والأصل فيها التوقيف فرجعنا للأدلة فوجدناها لا تدل على ذلك وذلك لحديث ابن عمر قال: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ علينا القرآن فإذا مَرَّ بالسجدة كبر وسجد وسجدنا خلفه حتى لا يجد أحدنا موضعًا) ولم يكن يأمرهم بالوضوء له وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وكذلك سجود الشكر فليس في دليلٍ واحدٍ من أدلة مشروعيتهما ما يوجب الوضوء لها أو ستر العورة أو استقبال القبلة فاشتراط ذلك اشتراط لا دليل عليه والأصل عدمه، ولذلك اختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يشترط لصحتهما ما يشترط للصلاة؛ لأنهما ليسا بصلاة ولكن لاشك أن الساجد لهما بشروط الصلاة أكمل وأفضل لأمرين: للخروج من خلاف العلماء؛ ولأنه أكمل في التعبد، والله أعلم.
(2/3)

ومنها: اشتراط الطهارة للطواف وفيها خلاف فقيل يجب وهو المعتمد في المذهب لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) متفق عليه، وعنها: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثم طاف) .
وفي حديث ابن عباس مرفوعًا: (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح الكلام فيه) .
وقيل: لا يجب لعدم الدليل الصريح على ذلك.
فأما حديث عائشة الأول: فإنما منعها من الطواف؛ لأنه يلزم منه دخول المسجد، والحائض لا يجوز لها دخول المسجد وهذا احتمال مقبول والدليل إذا تطرق له الاحتمال سقط به الاستدلال.
وأما حديثها الثاني: فهو حكاية فعل فلا ترتقي إلى الوجوب.
(2/4)

وأما الثالث: فلا يصح مرفوعًا؛ لأنه متناقض وذلك لأنه حكم على الطواف أن له حكم الصلاة واستثنى من ذلك شيئًا واحدًا وهو الكلام فيفهم منه أن الأحكام الباقية ثابتة للطواف وهذا لم يقل به أحد، فالضحك يجوز في الطواف ولا يجوز في الصلاة، والأكل والشرب والالتفات يجوز في الطواف ولا يجوز في الصلاة، وكلام المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لا يمكن أن يتناقض أبدًا،وزيادةً على ذلك فهذا الحديث في سنده مقال عريض، ويقال في حديث: (أحابستنا هي) ما قيل في حديث عائشة: (افعلي ما يفعل الحاج) ؛ ولأن الشروط في العبادة مبناها على التوقف إلا بدليل، والطهارة للطواف إنما دل الدليل على استحبابها دون اشتراطها فالأصل عدم الاشتراط واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول قوي لاسيما وأنه قد اعتمر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وحج معه جم غفير وجمع كبير طافوا معه وسعوا وأخذوا عنه مناسكهم ولم ينقل لنا أحد منهم أنه أمر بالوضوء للطواف فلو كان ذلك شرطاً لأمر به، ولو أمر به لتوفرت الهمم على نقله كما نقل غيره، لكن لما لم يثبت شيء من ذلك دل على أن الطهارة لا تشترط وإنما هي من باب الاستحباب، والله أعلم.
وخلاصة الكلام أن يقال: إن الأصل في العبادة هو الإطلاق عن جميع الشروط إلا بدليل فمن ربط صحة عبادة – أي عبادة - بشرطٍ – أي شرط – فقد خالف الأصل فيطالب بالدليل المصحح لذلك فإن جاء به فعلى العين والرأس، وإن لم يكن ثمة دليل فلا ولا كرامة فهذا هو الكلام عن الشق الأول من القاعدة.
(2/5)

وأما الشق الثاني: فهو في المعاملات وهي عكس العبادة، وذلك لأن شرط كل شيء تابع لأصله، فما كان الأصل فيه المنع فالأصل في شرطه المنع، وما كان الأصل فيه الحل فالأصل في شرطه الحل، والفقهاء قرروا – رحمهم الله تعالى – قرروا أن الأصل في المعاملات بيوعًا أو غيرها الحل والإباحة إلا بدليل، فإذا علم أصلها علم حكم شروطها، فالأصل أيضًا في الشروط في المعاملات الحل والإباحة. وقبل التفصيل في ذكر الأدلة على ذلك أنبهك على أمرٍ مهم وهو الفرق بين شروط صحة البيع والشروط في البيع فإذا قال الفقهاء شروط صحة البيع فيعنون بها الشروط السبعة المعروفة وهي الرضا وأن يكون العاقد جائز التصرف … إلخ.
وأما الشروط في البيع فهي التي ينص على اشتراطها أحد المتعاقدين أو كلاهما ولا تعلق لها بصحة البيع، كاشتراط حمل الحطب أو تكسيره أو خياطة الثوب ونحوه وبالجملة.

فالفرق بينهما من وجوه:
الأول: أن شروط صحة البيع تشترط في كل بيع على أي صفةٍ كان وأما الشروط في البيع فلا لأنها تكون في بيعٍ دون بيع.
الثاني: أن شروط صحة البيع لا يصح البيع إلا بها، وأما الشروط في البيع فيصح بدونها.
ثالثًا: أن شروط صحة البيع محصورة لا تتغير ولا تتبدل بين بيعٍ وبيع، بل هي واحدة في كل البيوع، وأما الشروط في البيع فليست بمحصورة ولا ثابتة، بل تتغير من بيعٍ إلى بيع.
رابعًا: أن شروط صحة البيع يلزم توفرها ولو لم ينص عليها العاقدان وأما الشروط في البيع فلا تثبت إلا إذا تكلم بها من يريدها وقبلها الآخر.
خامسًا: أن الأصل في شروط صحة البيع التوقيف بحيث أنه لا يجوز للإنسان أن يربط صحة البيع بشرط إلا وعليه دليل صحيح، وما لا دليل عليه فلا عبرة به.
(2/6)

وأما الشروط في البيع فالأصل فيها الحل والإباحة بحيث أنه لا يجوز أن يمنع الإنسان شرطاً إلا بدليل يدل على المنع منه. فإذا علمت هذا فاعلم أننا نريد بقولنا: (الأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة) أننا نريد الشروط في المعاملة لا شرط صحة المعاملة فتنبه لهذا فإذا تقرر لك هذا فقد دل على هذا الأصل عدة أدلة:
منها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (المؤمنون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالاً أو أحل حرامًا) وهذا نص في المسألة.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج) وهذا نص أيضًا.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث بريرة: (ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) متفق عليه، فهو لم ينكر عليهم اشتراطهم، وإنما أنكر عليهم مخالفة الشرط لكتاب الله، مما يدل على أن الأصل جواز الاشتراط إلا إذا خالف الشرط كتاب الله، والمراد بكتاب الله أي حكم الله، ذلك لأن شرع الله الذي حكم به هو أن الولاء لمن أعتق، فاشتراط مواليها أن الولاء لهم مخالف لحكم الله تعالى، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر عليهم مخالفتهم لكتاب الله لا أنه أنكر الاشتراط مطلقًا.
ومنها: أن جابرًا اشترط على النبي - صلى الله عليه وسلم - لما باعه الجمل، اشترط حملانه إلى أهله فأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر عليه ذلك.
ومنها: أنه لا يزال المسلمون يتبايعون ويشترطون بلا نكير فهو كالإجماع منهم على أن الأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة.
ثم اعلم أن مذهب الأصحاب في هذه الشروط أنهم يقسمونها إلى قسمين: شروط صحيحة، وشروط فاسدة.
(2/7)

والشروط الصحيحة عندنا ثلاثة أنواع: شرط من مقتضى العقد أي يلزم بمجرد العقد كاشتراط تسليم السلعة أو دفع الثمن، فهذا غالب الأصحاب لا يذكره لوضوحه، ولأنه يثبت ولو لم ينص عليه فيكون اشتراطه من باب التأكيد فقط.
والنوع الثاني: شرط من مصلحة العقد كاشتراط الرهن أو الضامن أو تأجيل الثمن أو اشتراط كون العبد كاتبًا أو خصيًا أو مسلمًا، أو الأمة بكرًا ونحوه فكل هذه الشروط شروط صحيحة لازمة لمن اشترطها، فإن وفَّى المشروط عليه بالشروط وإلا فلصاحبه الفسخ أو أرش فقد الصفة المشروطة.
(2/8)

والثالث: شرط العاقد نفعًا مباحًا معلومًا في المبيع كاشتراط البائع سكنى الدار مدة معلومة، وكاشتراط المشتري على البائع حمل الحطب إلى موضعٍ معين أو تكسيره أو خياطة الثوب ونحو ذلك. وعندنا في المذهب أنه لا يجوز للعاقد أن يشترط أكثر من شرط واحد من النوع الثالث فقط دون الأول والثاني، ويستدلون على ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا بيع ما ليس عندك) رواه الترمذي وقال حسن صحيح فقد نهى عن الجمع بين شرطين في البيع، لكن الصواب هو الجواز فيجوز للعاقد أن يشترط في العقد ما شاء من أي أنواع الشروط المتقدمة بشرط أن لا يخالف الشريعة؛ لأن الأصل في الشروط في المعاملات الحل والإباحة إلا بدليل، واختار هذا القول شيخ الإسلام تقي الدين وتلميذه ابن القيم. وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث: (ولا شرطان في بيع) فقد بينه المحققون من العلماء بأنه كل شرطين أدى اجتماعهما إلى مفسدة، ذلك لأن الشريعة لا تنهى إلا عن الشيء الذي فيه مفسدة، رباً كان أو غرراً أو ظلماً، وهذه الشروط أعني النوع الثالث من أنواع الشروط الصحيحة ليس فيها محذور بوجهٍ من الوجوه، فكيف نهى عنها الشارع وهي لا مفسدة فيها بنفسها، ولا يتذرع بها إلى مفسدة، فإذا قال المشتري للبائع مثلاً: اشتريت منك هذا الحطب بشرط حمله وتكسيره، فهذان شرطان في البيع فما وجه المفسدة في الجمع بينهما؟! ليس هناك أي مفسدة، فدل ذلك أن الشرطين المنهي عنهما إنما هما الشرطان اللذان يؤدي اجتماعهما إلى مفسدة شرعية وذلك كمسألة العينة كأن يبيعه سلعة بمائة مؤجلة ثم يشتريها في الحال بثمانين حالة، وهذا من أعظم الذرائع إلى الربا، واختار هذا القول ابن القيم والشيخ ابن سعدي.
(2/9)

فالقول الصحيح الموافق للأدلة هو القول بصحة الشروط التي لم تخالف الشرع في جميع العقود، وسواءٌ اشترط على البائع فعلاً أم تركًا، ومن حرم شيئًا من هذه الشروط فعليه الدليل؛ لأنه ناقل عن الأصل. وأصول الإمام أحمد وأكثر نصوصه إنما تدل لهذا القول والإمام مالك قريب منه، لكن الإمام أحمد أكثر تصحيحًا للشروط، فإنه ليس في الأئمة الأربعة أكثر تصحيحًا للشروط منه.
وأما الشروط الفاسدة فهي كل شرط خالف مقصود الشارع كما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى -، وهذا المعنى هو الذي يشهد له الكتاب والسنة، فإن المشترط ليس له أن يبيح ما حرمه الله، ولا يحرم ما أحل الله، فإن شرطه حينئذٍ يكون مبطلاً لحكم الله، وإنما المشترط له أن يوجب بالشرط ما ليس واجبًا بأصل الشرع، ذلك لأن مقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجبًا، والتزام ما لم يكن لازمًا، فأما ما كان واجبًا بأصل الشرع فلا داعي لاشتراطه وما كان حرامًا فإنه لا يكون حلالاً بمجرد الاشتراط، فإذا فهمت هذا الأصل فإنه سوف يتبين لك إخلال كثير من الفقهاء به، وأن بعضهم يحرم من الشروط ما لا دليل له على تحريمه.
ونضرب بعض الفروع لهذا الأصل حتى يتضح:
منها: قال الأصحاب: ولا يصح كل بيع علق على شرط مستقبل غير قوله - إن شاء الله -، أو بيع العربون، أما غيرهما فلا يصح ولذلك اشترطوا لصحة البيع أن يقع منجزًا لا معلقًا. ولا دليل لهم على هذا، بل ليس في الأدلة الشرعية ولا القواعد الفقهية ما يمنع تعليق البيع بالشرط، والحق جوازه، لأن الأصل في هذه الشروط هو الحل والإباحة إلا بدليل، فأين الدليل الذي يمنع من تعليق صحة البيع على شرطٍ مستقبل؟! فإذا لم يكن ثمة دليل يمنع فالقول بجوازه هو المتعين؛ لأنه مما أحل الله تعالى ولا يجوز تحريم ما أحل الله، واختار هذا القول شيخ الإسلام تقي الدين وابن القيم.
(2/10)

ومنها: لو قال البائع: بعتك إن جئتني بكذا أو إن رضي زيد، فهذا عند الأصحاب لا يصح لعدم نقل الملك؛ ولأنه عقد غير مجزوم به بل معلق على شرط؛ ولأنه قد يجيء أو لا يجيء، وقد يرضى أو لا يرضى، والأصل في البيع هو انتقال السلعة إلى المشتري والمال إلى البائع بعد العقد، فهذا الشرط لا ينعقد معه البيع.
قلت: بل هو صحيح لا غبار عليه، فالعقد والشرط كلاهما صحيح؛ لأن الأصل في الشروط في البيع الحل والإباحة إلا بدليل، ولا دليل يدل على تحريم هذا الشرط، فإن رضي به المشتري لزمه وإلا فلا يلزمه الدخول فيه وقبوله أصلاً؛ ولأن المسلمين على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالاً، وهذا الشرط ليس فيه ما يحل الحرام أو يحرم الحلال.
وأما قولهم: أنه يبقى العقد معلقًا والملك لم ينتقل، قلنا: نعم وهذا هو مقصود هذا الشرط، فالبائع لا يريد انتقال المبيع إلا إذا جاء زيد أو رضي بهذا البيع، واختار هذا القول شيخ الإسلام تقي الدين وتلميذه ابن القيم، والله أعلم.
ومنها: باعه جارية واشترط عليه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، فاختار بعض العلماء بطلان الشرط لانتقال الملك من يده؛ ولأن صاحب السلعة لا يجبر أن يبيعها لواحدٍ بعينه. لكن الراجح هو صحة هذا البيع وهذا الشرط؛ لأن الأصل صحة هذه الشروط إلا بدليل يبطلها، ولا دليل على إبطال هذا الشرط، فإن رضي به المشتري وإلا فلا يلزمه الدخول في العقد، ولعموم حديث: (المسلمون على شروطهم) فإذا جاء المشتري يبيع هذه الجارية أو هذه الدار ونحوها فإن بائعها الأول أحق بها بالثمن، وإن أبى المشتري أن يبيعها عليه أجبره الحاكم؛ لأنه التزم ذلك الشرط، واختاره شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله.
ومنها: اشترى منه حطبًا واشترط عليه حمله وتكسيره ورصه في مكان معين صح البيع والشرط؛ لأن الأصل فيها الحل والإباحة.
(2/11)

ومنها: باعه عبدًا واشترط عليه العتق صح البيع ولزم الشرط وهو المشهور من المذهب؛ لأن الأصل فيها الحل والإباحة، ويجبر المشتري على العتق إن أباه، ويكون الولاء للمشتري لا البائع الأول؛ لأن الولاء لمن أعتق.
ومنها: باعه دارًا واشترط سكناها مدة معلومة، أو دابة واشترط نفعها مدة معلومة صح البيع والشرط لحديث جابر عند الشيخين وتقدم.
ومنها: ما يسمى بالشرط الجزائي، وهو من مصلحة العقد، فبعض العلماء حرمه لكن الراجح جوازه لعموم الأدلة الماضية؛ ولأنه حافز لإكمال العقد في وقته المحدد له، ويدل عليه بالخصوص ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن سيرين أن رجلاً قال لمكريه أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه (1) ، والله أعلم.
هذه بعض الأمثلة التي تدلك على ما وراءها من أن كل شرط يشترطه العاقدان فالأصل فيه الحل والإباحة إلا الشرط الذي يخالف دليلاً صحيحًا فهو حينئذٍ باطل. ومن ذلك – أي من الشروط الفاسدة – اشتراط الولاء كأن يبيعه عبدًا أو جارية ويشترط أن الولاء له فهذا الشرط باطل لكن البيع صحيح؛ لأن اشتراط الولاء مخالف للشريعة لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث بريرة: (وإنما الولاء لمن أعتق) وقال فيه: (ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط) .
__________
(1) قول التابعي ليس بحجة، لكن يقال: يستأنس على جوازه بما رواه البخاري … إلخ. وينبغي اشتراط عدم مخالفته دليلاً شرعياً، كما لو باعه ديناً واشترط الزيادة إذا لم يسدد أو كان الشرط ملزماً بالملتزم بإتمام العمل.
(2/12)

ومنها: اشتراط البراءة من كل عيب كأن يقول: بعتك هذه السلعة بشرط أني بريء من كل عيب فيها، فهذا شرط باطل؛ لأنه غرر وغش إن كان يعلمه، وللمشتري الرد بالعيب أو أرشه إن وجده، وعلله بعض الأصحاب بأن خيار العيب لا يثبت إلا بعد البيع فلا يسقط بإسقاطه قبله، وليس هذا بسليم؛ لأن مقتضاه صحة البراءة من العيوب بعد العقد ولا يقولون هم بذلك، فالتعليل الصحيح لبطلان هذا الشرط هو أن فيه غرراً وغشاً وتعمية وتدليساً. أما إذا سمى البائع العيب ووضع يده عليه وبينه بيانًا واضحًا حتى عرفه المشتري بعينه وقال: بعتك بالبراءة من هذا العيب، فإنه يبرأ حينئذٍ لدخول المشتري في العقد على بصيرة تامة بهذا العيب ولا رد له لرضاه به، لكن الصحيح عند شيخ الإسلام الذي دل عليه قضاء الصحابة هو أن البائع إذا لم يكن علم بذلك العيب فلا رد للمشتري، لكن إذا ادعى أن البائع علم بذلك فأنكر البائع حلف أنه لم يعلمه فإن نكل قضي عليه، لقصة عبد الله بن عمر في عبدٍ باعه على زيد بشرط البراءة، فقال عثمان لابن عمر: تحلف أنك لم تعلم هذا العيب. قال: لا، فرده عليه، والله أعلم.
ومنها: اشتراط عقدٍ في عقد كاشتراط سلفٍ في بيع كأن يقول: بعتك هذه السلعة بشرط أن تقرضني قرضًا فهذا لا يجوز لقوله: (لا يحل سلف وبيع) وقال الوزير: اتفقوا على أنه لا يجوز بيع وسلف، وهو أن يبيع الرجل السلعة على أن يسلفه سلفًا أو يقرضه قرضًا. ا. هـ
ومنها: اشتراط اشتراء السلعة المباعة بأجل بثمن حالٍ أقل وهو مسألة العينة، فإذا قال لك: بعتك هذه السلعة بألف مؤجلة بشرط أن اشتريها منك بثمانمائة حالة فهذا الشرط لا يجوز؛ لأنه بيع العينة وقد دل الدليل على تحريمها
فهذا بعض الكلام على هذه القاعدة العظيمة، ولكثرة المخالفين فيها أطلت الكلام في توضيحها، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.

القاعدة الحادية والثلاثون
(2/13)

31 - لا تكليف إلا بعلم ولا عقاب إلا بعد إنذار
وهذه القاعدة تمثل أصلاً كليًا عند شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمة الله عليه -، بل هي من أكبر القواعد الكلية عنده، لتعلقها بالتكليف، ومعناها أن الله تعالى أرسل رسله وأنزل كتبه ليدل الناس عليه ويعرفهم به، وليبين لهم ما يجوز التعبد به له مما لا يجوز وذلك لا يمكن أبدًا على وجه التفصيل إلا بمعرفة ما جاءت به الرسل، وإلا فالإنسان بلا رسالة في ضلال مبين وفي ظلمة حالكة لا يبصر فيها طريقه، لكن من رحمة الله تعالى بنا أن أبان لنا الحجة وأوضح لنا المحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ومن رحمته أيضًا ومن مقتضى عدله أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد أن تقوم عليه الحجة الرسالية ببلوغها إليه وفهمه لها، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} وقال تعالى: {وَأوحِيَ إلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} أي وأنذر من بلغه وأما من لم يبلغه هذا القرآن فإن النذارة لم تقم عليه، ولذلك اشترط الأصوليون العلم بالمكلف به لقيام التكليف على الشخص، فمن لم يعلم ما كلف به فهو غير مكلف به، إن كان جهله به من الجهل الذي يعذر به صاحبه، وبالتالي فلا يعاقب على تركه إن كان مأمورًا بفعله ولا بفعله إن كان مأمورًا بتركه، ذلك أن العقوبة لا تكون إلا بعد قيام الحجة بالإنذار فالتكليف مشروط بالقدرة على العلم والعقوبة مشروطة بقيام الحجة وقد دل على هذه القاعدة أدلة كثيرة جدًا قد ذكرنا طرفًا منها في كتابنا (المباحث الجلية في رد المسائل الخلافية إلى الكتاب والسنة) ونذكر هنا طرفًا منها: فمن ذلك: الآيتان السابقتان.
(2/14)

ومنها: كل آية تدل على أن الشريعة لا تكلف نفسًا إلا وسعها ولا تحمل أحدًا ما لا طاقة له به، وأنها تريد اليسر لا العسر وأن الله قد وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا، كل ذلك يدل على هذه القاعدة إجمالاً.
ومنها: حديث عدي بن حاتم لما أكل في رمضان وقد طلعت الصبح متأولاً قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ} فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال: (إن وسادك لعريض إنما هو نور الفجر وظلمة الليل) ولم يأمره بقضاء لأنه لم تقم عليه الحجة الرسالية لعدم فهمه للآية وعدم الفهم الصحيح لمراد المتكلم نوع من أنواع الجهل كما قرر ذلك أهل اللغة فعذر؛ لأنه لم يعلم المراد ولم يعاقب؛ لأنه لم تقم عليه الحجة، ولم يؤمر بالقضاء؛ لأنه لم يكلف بما في الآية لعدم فهمه لها، فصدق قولنا أنه لا تكليف إلا بعلم ولا عقوبة إلا بإنذار.
ومنها: الرجل الذي جاء براوية خمرٍ للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن حرمت فأهداها له فقال: (ما هذا ألم تعلم أنها حرمت) ففتح الأعرابي الزق فأراقه بين يديه والحديث عند مسلم، فهذا الأعرابي لم يكلف بامتثال ما جاء في تحريم الخمر؛ لأنه لا يعلم بها، فلا تكليف إلا بعلم، وبالتالي لم يعاقب على عمله ذلك؛ لأنه لم ينذر، ولا عقوبة إلا بعد إنذار.
ومنها: (جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك … إلخ) الحديث، وهو من حديث أنس في الصحيحين، وهو مشهور ووجه الاستشهاد منه أن هذا الأعرابي لم يكلف بالأدلة الدالة على تحريم ذلك الفعل؛ لأنه لا يعلمها، ولا تكليف إلا بعلم ولم يعاقب على فعله ذلك لأنه لا عقوبة إلا بإنذار وهو لم تقم عليه الحجة.
(2/15)

ومنها: حديث الذي قال لأبنائه: إن مت فأحرقوني وهو معروف، وحديث المستحاضة، وحديث عمار في تيممه، وحديث أهل قباء في استدارتهم إلى القبلة، وحديث أصحاب الفترة وسيأتي - إن شاء الله تعالى -، كلها دليل على ذلك الأصل العظيم، فالإنسان لا يكلف إلا بالشيء الذي قامت عليه فيه الحجة فقط، أما ما لم تقم عليه الحجة فيه فلا تكليف عليه فيه، وغير المكلف لا يعاقب على ما لم يكلف به فإن العقوبة مرتبطة بالتكليف والتكليف لا يكون إلا بعلم، فمن لا يعلم بالشيء فإنه لا يعاقب عليه إن فعله وحقه الترك، أو تركه وحقه الفعل، وهذا من سعة رحمة الله تعالى وكمال فضله وعدله، وقولنا: (لا تكليف إلا بعلم) المراد بالعلم هنا هو ما تقوم به الحجة، والحجة لا تقوم إلا بالبلوغ والفهم أما الأول فبالإتفاق، وأما الثاني ففيه خلاف ويظهر أنه لفظي؛ لأن الجميع يشترط مطلق الفهم ولا يشترط الفهم المطلق كما هو محقق في كتابنا (المباحث الجلية) في المسألة الأولى وأيضًا قولنا: (ولا عقوبة إلا بعد إنذار) نريد بها ما يفيده قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا} وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} وقوله تعالى: {وَأنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ} فهذا البيان هو ما نعنيه بالإنذار.
(2/16)

ويدخل تحت هذه القاعدة قاعدة مهمة وهي قولهم: (لا تكليف بالخطاب الناسخ إلا بعد العلم به) أي إذا شرع الله شيئًا ثم نسخه بشيء فإن هذا الخطاب الآخر لا يطالب بامتثاله إلا من بلغه، وهذا هو القول الصحيح، وعلى ذلك حديث ابن عمر في نسخ القبلة وأن أهل قباء صلوا العصر إلى القبلة المنسوخة بعد نزول الناسخ وهو الأمر بالتوجه إلى الكعبة فجاءهم رجل فقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل الليلة عليه قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، فاستداروا نحوها وبنوا على صلاتهم، ولم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمرهم بإعادة هذه الصلاة التي افتتحوها إلى القبلة المنسوخة، مما يدل على أنهم إنما طولبوا بامتثال الدليل الناسخ عند بلوغه إليهم، وهذا في أهل قباء مع قربها من المدينة، فكيف بالمسلمين الأعراب ومن هاجر إلى الحبشة واليمن، ومن في أقطار الأرض من المسلمين، فبالتأكيد أن الخطاب الناسخ لم يبلغهم إلا بعد مدة، ولم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أحدًا بالإعادة، فلا تكليف إلا بعلم مطلقًا سواءً بالتشريع ابتداءً أو بالتشريع الناسخ، وهذا هو اختيار أبي العباس شيخ الإسلام ابن تيمية، وبه تعلم أن الجهل عذر من الأعذار التي يعذر بها المكلف في ترك المأمور أو فعل المحظور جهلاً. وإنما الخلاف في نوع الجهل الذي يعذر به المكلف، والأقرب عندي هو أن الجهل عذر إذا لم يقدر المكلف على دفعه وكان مما يشق التحرز منه، وقد حققنا المسألة في كتابنا المذكور بأوسع من ذلك وذكرنا فيه من الفروع ما يشفي ويكفي، فليراجعه من شاء وإنما المقصود هنا هو الإشارة إلى أهمية هذه القاعدة، والله تعالى أعلى وأعلم.
(2/17)

القاعدة الثانية والثلاثون
32 - التابع في الوجود تابع في الحكم إلا بدليل
أي لا يفرد بحكم عن متبوعه، بل حكمه هو حكم متبوعه إلا بدليل، فالأشياء التي استقرت العادة العرفية المطردة أنها تكون تابعة لأشياء فإنها تدخل معها في بيعها وشرائها ولا تفرد عنها بحكم، بل لا ينظر إلى التابع بعين الإنفراد أبدًا، وإنما ينظر إليه تبعًا لمتبوعه، فالذي يتبع غيره في وجوده فإنه يتبعه في حكمه، سواءً كانت هذه المتابعة بأصل الخلقة أو بالاستقرار العرفي، ويعبر عنها بعض الفقهاء بقوله: التابع تابع، والمذكور في الأعلى إنما هو شرح لها وتوضيح لمعناها.
وقولنا: (التابع في الوجود) هذه المتابعة نوعان: إما بأصل الخلقة أي أن الله تعالى خلق هذا الشيء تابعًا لهذا الشيء، فلا يوجد إلا بوجوده، وإما أن تكون عرفية عرفًا مطردًا أي أن العرف يقرر متابعة هذا الشيء لهذا الشيء، وفي كلتا الحالتين يكون التابع في الوجود تابعًا في الحكم إلا أن يدل الدليل الشرعي أو العرفي بفصل بعضها عن بعض، ولكي تتضح هذه القاعدة أضرب بعض الفروع عليها، وإن رأيت في بعضها نقاشًا فإنما المقصود مطلق التفريع ليتدرب الطالب على تخريج الفروع على الأصول:
فأقول: منها: أطفال المؤمنين، أجمع العلماء إلا من شذ أنهم مع آبائهم في الجنة لقوله - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عنهم قال: (في الجنة مع آبائهم) ، ذلك لأنهم تبع لآبائهم في الوجود فيتبعونهم في الحكم لأن التابع في الوجود تابع في الحكم، ولعل قائل أن يقول: ذلك يقتضي أن أطفال المشركين مع آبائهم في النار؟ قلنا: نعم، قاعدتنا تقتضي ذلك، وقال به بعض أهل العلم، لكن هذا لا يلزمنا؛ لأننا قلنا في نص القاعدة (إلا بدليل) فإذا وجد عندنا دليل يفك هذا التلازم فإننا نعمل به، وقد وجد عندنا دليل يفك هذا التلازم، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عنهم: (الله أعلم بما كانوا عاملين) وفي الحديث الآخر الصحيح (1)
__________
(1) لعله الحسن لغيره.
(2/18)

أثبت أنهم: (يمتحنون في عرصات يوم القيامة) ، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنهم يمتحنون في الآخرة والله أعلم بما كانوا عاملين، وهو القول الذي توجهه الأدلة وتدل عليه وبالتالي فلا تجري عليه قاعدتنا لوجود الدليل الذي يفصل بين أولاد المشركين وآبائهم أي قد وجد الدليل الفاصل بين التابع ومتبوعه.
ومنها: أن الولد ذكرًا كان أو أنثى يتبع في الرق والحرية والإسلام والكفر والنسب أبويه، فيتبع في الرق أمه، ويتبع في النسب أباه، ويتبع في الإسلام من أسلم من أبويه؛ لأنه تابع لهما، والتابع في الوجود تابع في الحكم.
ومنها: اللقيط: إذا وجد في بلادٍ إسلامية، أو يغلب فيها المسلمون فإنه يحكم بإسلامه؛ لأنه تابع لأهلها في الوجود إذ هو موجود بينهم فيكون تابعًا لهم في الحكم وهو الإسلام، وكذلك إذا وجد في ديار كفارٍ ليس فيها مسلم فإنه يحكم بكفره؛ لأنه تابع لهم في الوجود، والتابع في الوجود تابع في الحكم.
ومنها: الحمل في البطن: إن بيعت أمه دخل معها في البيع تبعًا مع وجود الجهالة لكنه لا يفرد بثمن خاص، ذلك لأنه مجهول والمجهول لا يصح بيعه؛ لأنه من الغرر وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر، لكن لما بيعت أمه فإنه يدخل معها تبعًا مع أنه لو أفرد بالبيع لم يصح لأنه تابع لها في الوجود فيكون تابعًا لها في الحكم.
ومنها: إذا بيع القفل فإنه يدخل معه مفتاحه في البيع تبعًا له؛ لأن المفتاح تابع للقفل في الوجود، والتابع في الوجود تابع في الحكم.
ومنها: إذا بيعت الدار فإنه يدخل في بيعها ما كان من ضروراتها كالجدران والسقف والأرض وما كان متصلاً بها لمصلحتها كالأبواب والنوافذ والسلم والخابية المدفونة؛ لأن هذه الأشياء تتبع الدار في الوجود، والتابع في الوجود تابع في الحكم، وتغتفر الجهالة في أساساتها وحيطانها؛ لأنها تابعة للدار في الوجود فتتبعها في الحكم.
(2/19)

ومنها: جلد الحيوان يتبع حكم الحيوان نفسه، فإن كان الحيوان طاهرًا فإن الجلد طاهر، وإن كان نجسًا فهو نجس؛ لأنه تابع، بل هو تابع للحيوان في الحكم حيًا أو ميتًا، فبهيمة الأنعام طاهرة في الحياة ويحلها الذكاة فجلدها طاهر، والحمار الأهلي نجس فكذلك جلده نجس وإذا ماتت بهيمة الأنعام حتف أنفها أي بلا ذكاة شرعية فإنها تكون نجسة وجلدها كذلك ينجس تبعًا لها، ذلك لأن الجلد تابع للحيوان في الوجود فيكون تابعًا له في الحكم، ولا يشكل على ذلك طهارة الجلد بالدبغ من الحيوان الطاهر في الحياة (1) ؛ لأن طهارته دل عليها الدليل، وكذلك الآدمي طاهر في الحياة فجلده كذلك طاهر، وطاهر بعد الموت على القول الصحيح، فكذلك جلده طاهر تبعًا له، لأن التابع في الوجود تابع في الحكم.
ومنها: إذا ضحى الإنسان عنه وعن أهل بيته أجزأ عن الجميع على القول الصحيح، أما هو فلأنه الأصل، وأما هم فلأنهم تبع له في الوجود فيتبعونه في الإجزاء (2) .
ومنها: قال الفقهاء: (إذا برئ الأصيل برئ الضامن) والمراد بالأصيل صاحب الدين، والضامن من ضمن الدين الذي في ذمته، فإذا سدد الأصيل وبرئت ذمته فإنه تبعًا تبرأ ذمة الضامن؛ لأن الضامن تابع للأصيل في التحمل، فإذا برئت ذمة الأصل برئت ذمة الفرع، ويدخل هذا الفرع تحت قاعدة أخرى وهي قولهم: (إذا سقط الأصل سقط الفرع إلا بدليل) .
__________
(1) بل من الحيوان الذي تحله الذكاة حتى تخرج الهرة ونحوها.

(2) والمراد أنهم يشتركون في الثواب لا أنهم يلزمهم ما يلزم المضحي على الصحيح.
(2/20)

ومنها: إن حق النفقة الزوجية والسكنى والمعاشرة الحسنة وحق المبيت والطاعة، كل هذه تتبع عقد الزواج في الوجود، فإذا وجد وجدت، ولا يحتاج إلى النص عليها إلا إذا كان في شيءٍ زائدٍ على العرف فلا يلزم المرأة أن تشترط النفقة ولا السكنى ولا المعاشرة الحسنة، ولا يلزم الزوج أن يطأها ولا أن تطيعه إلا فيما كان عرفا (1) ؛ لأن ذلك كله يثبت بمجرد العقد، ويحدده العرف فإذا وجد العقد وجدت هذه الأشياء، وإذا انفسخ بخلعٍ أو طلاق سقطت هذه الأشياء فلا يحتاج إلى التنصيص عليها في العقد، والله أعلم
ومنها: من اشترى أرضًا دخل في الشراء غراسها وبناؤها وحشيشها وما فيها من الآبار؛ لأنها تابعة للأرض في الوجود، والتابع في الوجود تابع في الحكم إلا بدليل.
ومنها: الحائض والنفساء لا تصلي بالدليل الصحيح والإجماع، فالصلاة المفروضة قد سقطت عن الحائض والنفساء، فتسقط نوافلها تبعًا لسقوطها؛ لأن النافلة شرعت لإتمام نقص الفرائض، فإذا سقطت الفرائض أصلاً فتسقط النوافل تبعًا؛ لأن النافلة تتبع الفريضة في الوجود فتتبعها في الحكم، وقد حكمنا على الفرائض بالسقوط فكذلك نعدي الحكم على نوافلها وهذا واضح جلي.
ومنها: إذا توضأ الإنسان عن حدثٍ أصغر فإنه يرتفع الحدث عن هذه الأعضاء الأربعة؛ لأنها مغسولة، ويرتفع الحدث عن بقية البدن تبعًا لارتفاع الحدث عن هذه الأعضاء الأربعة، وهذا من باب التفريع فقط، وإلا ففيه نقاش عريض.
__________
(1) بقدره وبسعته وبطاقته.
(2/21)

ومنها: المأموم تابع لإمامه في الصلاة فإذا سها الإمام فعليه وعلى من خلفه لكن لو سها المأموم فإنه لا يفرد بحكم بل يتحمله الإمام، وكذلك لا يجوز للمأموم أن يسابق الإمام أو يوافقه في أفعال الصلاة وإنما الواجب المتابعة؛ لأنه تابع له، ولو مَرَّت امرأة أو كلب أسود أو حمار بين يدي الإمام بطلت صلاته وصلاة من خلفه وإن مرت بين يدي المأمومين لم تبطل صلاتهم؛ لأنهم تبع للإمام، ولذلك قضت السنة أن سترة الإمام سترة لمن خلفه وأن الإمام جُنَّة للمأمومين وكل ذلك مفرع على قاعدة التابع في الوجود تابع في الحكم فإن قلت: فما الحكم لو صلى الإمام محدثًا ولا يعلم به المأموم فهل تبطل صلاتهم أعني صلاة المأمومين؛ لأنهم تبع له أم لا؟ وإذا كان الجواب لا؟ فما الذي فصل التابع عن متبوعه في هذه الحالة؟
فالجواب: فيه خلاف بين العلماء، والمذهب أن من صلى محدثًا فإن صلاته تبطل وكذلك صلاة من خلفه تبطل؛ لأنهم تبع له ولأن كل من لم تصح صلاته في نفسه لم تصح بغيره، والمحدث لا تصح صلاته لنفسه فلم تصح بغيره، وهذه هي الرواية المشهورة.
والرواية الثانية: أن صلاة المأموم تصح إن لم يعلم بحدث إمامه وهي اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن الله تعالى لم يكلف المأموم أن يتأكد من طهارة إمامه؛ ولأن عمر - رضي الله عنه - صلى بأصحابه الفجر ثم رأى أثر جنابة فأعاد هو ولم يأمر أحدًا بالإعادة، وكذلك يروى هذا عن عليٍ - رضي الله عنه -؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الأئمة: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم) وهذا القول هو الذي لا يسع الناس العمل بغيره، وأما وجه الفصل بين التابع ومتبوعه على هذا القول فهو ما مرَّ من الأدلة، والله أعلم.
(2/22)

ومنها: البيعة لولي الأمر تتم بأمور كثيرة، منها أن يبايعه الناس ويكفي مبايعة أهل الحل والعقد له، ذلك لأن هؤلاء هم الأصل والبقية تبع لهم، ولا يلزم كل واحدٍ منا مبايعة ولي الأمر حتى تكون في عنقه بيعه، بل البيعة تثبت في عنق كل واحدٍ من الناس بمجرد مبايعة أهل الحل والعقد، فالناس تبع لأهل الحل والعقد في الدرجة فيكونون تابعين لهم في الحكم، فمن بايعه أهل الحل والعقد فكأننا بايعناه نحن، ومن فسخوا بيعته فقد فسخناها نحن، فإن بعض الجهال قد يقول: إنه ليس لولي الأمر في عنقي بيعة فإني لم أضع يدي في يده وأبايعه.
فنقول: لا بل في عنقك بيعة؛ لأن أهل الحل والعقد في بلادك بايعوه وأنت تبع لهم في الدرجة فتتبعهم في الحكم، والله أعلم.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) وهو عند الترمذي والدارقطني وابن حبان فإذا ذكيت أمه ذكاة شرعية وخرج ميتًا فهو حلال؛ لأن ذكاتها قامت مقام ذكاته؛ لأنه يتبعها في الوجود فيكون تابعًا لها في الحكم، والله أعلم.
ومنها: نماء العين المرهونة، فإنه يكون رهنًا تبعًا للعين؛ لأنه تابع لها في الوجود فيتبعها في الحكم.
ومنها: السجود على الأعضاء السبعة إنما هو تبع للسجود على الوجه، فالوجه هو أس الأعضاء ورأسها فإذا لم يستطع الإنسان السجود عليه لعذرٍ ما سقطت المطالبة بالسجود على بقية الأعضاء؛ لأنها تتبعه في السجود فتتبعه في الحكم (1) ، والله أعلم.
ولعل هذه الفروع فيها كفاية وغنية عن ذكر باقيها، وأحسب أن القاعدة بذلك قد اتضحت وضوحًا لا التباس فيه، وعلى ذلك فقس.
__________
(1) لعل الأرجح السجود على بقية الأعضاء، ولقوله تعالى " فاتقوا الله ما استطعتم " ونحوه من الأدلة.
(2/23)

القاعدة الثالثة والثلاثون
33 - الحكم الحادث يضاف إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنون
وقولنا: (الحادث) أي الواقع حديثًا، وقولنا: (يضاف) أي يلحق وينسب (إلى السبب المعلوم) أي المتيقن أو الظاهر، وقولنا: (المقدر المظنون) أي الأمر المشكوك في سببيته.
ومعناها: أنه إذا وقع تنازع في سبب حكم ما من الأحكام أيًّا كان وأمكن إضافته إلى سببين أحدهما: معلوم ظاهر، والآخر مظنون مقدر أي مفترض ومحتمل، فإننا نضيف هذا الحكم إلى السبب الذي تيقنا وعلمنا سببيته، لا إلى ما لم نتيقن ثبوته وسببيته، ذلك لأن هذا السبب المعلوم متيقن الثبوت، والسبب المقدر المظنون مشكوك في ثبوته، واليقين لا يزول بالشك كما تقدم، والأدلة على هذه القاعدة المهمة هي جميع الأدلة الدالة على أن اليقين لا يزول بالشك، ومما يستدل به عليها نصًا هو حديث عدي بن حاتم في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت فأمسك وقتل فكل، وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك لنفسه، وإن رميت الصيد فوجدته بعد يومٍ أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل) والحديث مختصر، ووجه الاستشهاد منه هو أن الصيد الذي رماه بسهمٍ فذهب ثم وجده ميتًا وليس به إلا أثر سهمه فإن موته يحتمل أمرين: إما أن يكون بسبب رمية السهم وهي السبب المبيح، وإما أن يكون بسقوطه مثلاً أو بظمئه أو جوعه وهو السبب المحرم، فهنا سببان سبب معلوم ظاهر لنا وهو رمية السهم، وسبب مقدر مظنون وهو أن يكون مات بجوعٍ أو عطش وقد أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل مثل هذا الصيد، مما يدل على أنه أضاف موته للسبب المعلوم المتيقن ثبوته، وأبطل جميع الأسباب المحتملة.
(2/24)

وكذلك الصيد الذي وقع في الماء بعد صيده فإنه يحتمل أمرين، إما أن يكون مات بسبب رمية السهم، أو يكون مات بسبب سقوطه في الماء وهو سبب يقتل غالبًا أعني الغرق بالماء، فهنا سببان وكلاهما معلوم ظاهر، لكن كونه مات بسبب ارتطامه بالماء وغرقه فيه أظهر وأثبت؛ لأنه لم يجرحه السهم جرحًا موحياً: أي قاتلاً، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فلا تأكل) تغليبًا للسبب المحرم؛ لأنه أثبت، وقد يكون هذا الفرع يدخل تحت قاعدة اجتماع السبب المبيح والحاظر، فيغلب جانب الحاظر.
إذا عرفت هذا فإليك الفروع وهي كثيرة جدًا لكن نقتصر على بعضها طلبًا للاختصار:
فمنها: إذا وقعت في الماء نجاسة فتغيرت أحد أوصافه ثم غبنا عنه غيبة يزول فيها وصف النجاسة غالبًا ثم وجدناه بعدها لا يزال متغيرًا وتغيره هذا يحتمل أنه من النجاسة التي علمنا وقوعها فيه أولاً، ويحتمل أنه من سببٍ آخر، فعندنا إذًا سببان: أحدهما: معلوم متيقن وهو أن يكون تغيره بوقوع النجاسة فيه. والثاني: مقدر مظنون وهي احتمالية سبب آخر، وعلى القاعدة نضيف هذا التغير إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنون، فنقول: إن هذا الماء نجس بسبب تغيره بالنجاسة التي وقعت فيه، وقد أجمع العلماء أن الماء سواءً كان كثيرًا أو قليلاً إذا وقعت فيه نجاسة وتغيرت أحد أوصافه إما لونه أو طعمه أو ريحه أنه نجس، والله أعلم.
(2/25)

ومنها: إذا وجد الإنسان في ثوبه بللاً بعد نومةٍ، ولم يتحققه منيًا، وقد تقدم نومه مداعبة من قبلةٍ وضمٍ ونحوه، فإن هذه أسباب للمذي، فهذه البلة عندنا لها سببان: إما أن تضاف إلى هذه الأسباب المعلومة، وإما أن تضاف إلى أسباب أخرى مظنونة، وعلى نص القاعدة فإنها تضاف إلى السبب المعلوم، فنقول: إن هذه البلة مذي تأخذ حكمه من وجوب غسل جميع الذكر مع الأنثيين وغسل ما أصابه من الثوب والبدن إضافة لهذه البلة للسبب المعلوم التي هي أسباب للمذي (1) ، والله أعلم.
ومنها: من جرح الصيد جرحًا غير قاتل ثم وجده ميتًا وليس به إلا أثر سهمه فيحل الصيد إحالة للموت على السبب المعلوم، وهو هذا الجرح، وتقدمت قبل قليل.
ومنها: من جرح غيره جرحًا غير قاتل ولم يمت به، ثم مات بعد فترة فلموته سببان إما أن يكون بسبب سراية الجرح المعلوم وإما أن يكون بسببٍ محتملٍ مقدرٍ غيره، وعلى مقتضى هذه القاعدة يحال موته على السبب المعلوم وهو هذا الجرح فيوجب القصاص إن كان عمدًا عدوانًا أو الدية إن كان خطأً، أو شبه عمد، لكن ينبغي أن يقرر ذلك طبيب عالم مسلم أن الموت حصل بسبب سراية الجرح، والله أعلم.
ومنها: لو جرح المحرم الصيد جرحًا غير قاتل ثم بعد مدةٍ وجد الصيد ميتًا وليس به أثر جرحٍ آخر، فعندنا لموته سببان: أحدهما: معلوم وهو الجرح الأول. والآخر: مظنون مقدر وهو أن يكون مات بسببٍ آخر، والقاعدة تقضي إضافة الحكم إلى سببه المعلوم، فنقول: إن الظاهر أن الصيد لم يمت إلا بسبب جرح المحرم له فعلى المحرم جزاؤه وهو المثل وهذا هو الصحيح من المذهب.
__________
(1) أو نضح ما أصابه من الثوب على الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام.
(2/26)

ومنها: قاعدة: من وجب عليه حق لغيره وامتنع من أدائه جاز لصاحب الحق الأخذ منه إن كان سبب الحق ظاهرًا، كالضيف إذا امتنع أهل البلد من ضيافته فإنه يجوز له الأخذ منهم بقدر ضيافته يومًا وليلة ولو بلا إذنهم ويحال هذا الأخذ إلى السبب الظاهر وهو الضيافة فإنه في أخذه لا ينسب إلى خيانة، وكذلك المرأة يجوز لها أن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها وولدها بالمعروف إذا امتنع من نفقتها أو لم يعطها ما يكفيها ويحال هذا الأخذ إلى الزوجية بينهما وهو سبب ظاهر يعرفه الناس ففي هاتين الصورتين حصل فيه أخذ الحق من صاحبه وهذا الأخذ له سببان: أحدهما: معلوم ظاهر وهو الضيافة في الأولى والزوجية في الصورة الثانية. والثاني: أسباب أخرى كالسرقة والخيانة ونحوها وهي أسباب مظنونة، والقاعدة تقضي إحالة الحكم إلى سببه المعلوم، فنقول: إن الأخذ في الأولى سببه الضيافة والثانية الزوجية وعلى هذا فقس.
(2/27)

ومنها: مسائل القسامة: وهي أيمان مغلظة في دعوى قتل معصوم ودليلها قصة عبد الله بن سهل أنه خرج وهو وعبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة إلى خيبر فوجد عبد الله بن سهل مقتولاً بين النخيل فاتُهمَ اليهود بقتله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لأولياء المقتول تحلفوا خمسين يمينًا وتستحقون دم صاحبكم) . قالوا: كيف نحلف ونحن لم نر ولم نسمع. قال: (تبرئكم يهود بخمسين يمينًا) . قالوا: وكيف نقبل أيمان قومٍ كفار، فوداه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا وجد قتيل بين قومٍ ومنهم من هو عدوًّ له وهذه العداوة ظاهرة معلومة فإننا نحيل هذا القتل إلى هذا السبب والقرينة القوية، بتأييد خمسين يمينًا من أولياء المقتول وهي موافقة لأصول الشريعة كما ذكره ابن القيم في الإعلام. هذا وقد يكون هذا المقتول قد مات بسببٍ آخر لكنها أسباب مظنونة مقدرة والسبب القوي هو هذه العداوة بينه وبين أفراد هذه القبيلة التي وجد مقتولاً بينهم فأحيل الحكم عليه
ومنها: إذا قال السيد إن مت في مرضي هذا فسالم حر وإن لم أمت فيه فغانم حر ثم مات السيد ولا نعلم هل مات بسبب هذا المرض أو بسببٍ آخر، فالقاعدة تقضي أن يحال هذا الموت على السبب المعلوم وهو المرض مع أنه يحتمل أنه مات بغيره لكنها احتمالات مظنونة مقدرة فلا نشتغل بها، بل نقول: إن سالمًا حر إحالة للموت على سببه المعلوم وهو المرض.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فإن الزوجية سبب معلوم ظاهر بين الزوجين، فالأولاد بين الزوجين ينسبون للزوج إحالة لهم على السبب المعلوم الظاهر.
(2/28)

ومنها: إذا ادعت المرأة أن زوجها لا ينفق عليها وقد مكثت عنده عدة سنوات، فإنه من الأكيد أنها في هذه الفترة لابد أن تأكل وتشرب وتكتسي فلا يخلو هذا إما أن يكون من الزوج وإما من غيره لكن السبب المعلوم عندنا هو أن يكون طعامها وشرابها وكسوتها في هذه الفترة من زوجها؛ ولأن الأصل عدم نفقة غيره عليها فأحلنا هذا لحكم لسببه الظاهر وأسقطنا دعواها (1) ؛ لأن القاعدة تقضي بإحالة الحكم على سببه الظاهر.
ومنها: لو أصدق رجل امرأة تعليم سورة البقرة ثم ادعت عليه أنه لم يقم بذلك ووجدناها بعد الدعوى تحفظها، فإن هذا الحفظ يحتمل أن يكون من سببين إما أن يكون بتعليمه وتحفيظه لها سورة البقرة وهذا هو السبب المعلوم، وإما أن يكون هي حفظتها من نفسها أو بسببٍ آخر، والقاعدة تقضي أن يكون هو الذي علمها وأن دعواها ساقطة وأن ذمته بريئة وذلك إحالة للحكم على السبب المعلوم (2) ، والله أعلم.
ومنها: لو تزوج الإنسان بكرًا ثم بعد مدةٍ ادعت أنه عنين وكذبها في دعواها، وكشفت القابلة عليها فوجدتها ثيبًا وادعت أن ثيوبتها من سببٍ آخر كسقوطٍ أو إدخال إصبع ونحوه فإن عندنا لثبوتها سببين: أحدهما معلوم وهو أن يكون زوجها هو الذي فضها ويحتمل أن تكون بسببٍ آخر، لكن القاعدة تقضي إحالة هذه الثيوبة إلى الزوج؛ لأنه السبب المعلوم، وما سواه من الأسباب فمقدر مظنون فلا عبرة به، وبالتالي فدعواها باطلة لوجود ما يناقضها.
وبهذا ينتهي الكلام على هذه القاعدة المفيدة جدًا لطالب العلم، ولعل فيما ذكر من الفروع والتخريج كفاية - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلى وأعلم.
__________
(1) لعله الأوجه وجعلنا القول قول الزوج.
(2) وأن القول قول الزوج.
(2/29)

القاعدة الرابعة والثلاثون
34 - العبادات تتفاضل باعتبار ما يقترن بها من المصالح
وهذا هو الحق، وفهم هذه القاعدة يعطي طالب العلم ملكةً في التفضيل بين العبادات، فالعبادات الفاضلة قد تكون أحيانًا وفي بعض الظروف مفضولة، والمفضولة تتحول إلى فاضلة، وكل ذلك باقتران المصلحة من عدمها، فالذي ينبغي لطالب العلم الاهتمام به هو النظر في المصلحة، فكل عملٍ اقترنت به المصلحة فهو الفاضل وما ضده فمفضول، فالنظر في المصالح والمفاسد هو لب الشريعة، بل إن الشريعة ما جاءت إلا بتقرير المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فلا ينبغي إهمال النظر في المصالح.
وهذه القاعدة لها أدلة كثيرة جدًا نذكر طرفًا منها:
فمن ذلك: قوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} فلاشك أن سب آلهة المشركين المجرد عمل فاضل وترك سبها عمل مفضول لكن لما اقترنت بالسب مفسدة أعظم وهي سبهم - أعني المشركين - لله تعالى، وسكوتنا عن سب آلهتهم فيه سكوتهم عن سب ربنا جل وعلا، انقلبت المسألة فصار الفاضل مفضولاً، والمفضول فاضلاً أي أن السب تحول من كونه فاضلاً إلى كونه مفضولاً لوجود المفسدة، وترك سب آلهتهم تحول من كونه مفضولاً إلى كونه فاضلاً لوجود المصلحة وهي سكوتهم عن سب ربنا جل وعلا. فالفاضل لما اقترنت به مفسدة صار مفضولاً، والمفضول لما اقترنت به المصلحة صار فاضلاً.
(2/30)

ومن الأدلة على هذا الأصل من السنة: حديث أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - قال قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلمًا ولا يَؤمَّنَّ الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الأفضل فالأفضل في الإمامة، ثم بين أن صاحب المرتبة ذا السلطان كالإمام الأعظم وأمير الحرب وأئمة المساجد ونحوهم مقدمون على غيرهم، وإن كان غيرهم أفضل منهم، فالمفضول في الإمامة إن كان هو صاحب السلطة أو صاحب الدار أو أمير الحرب أو إمام المسجد الراتب فيكون في هذه الحالة فاضلاً، والمصلحة التي جعلت المفضول يكون فاضلاً هنا هي جمع الكلمة على السلطان وعدم الافتئات عليه والتقدم بين يديه إلا بإذنه، فاقتران هذه المصلحة بالمفضول في الإمامة جعله فاضلاً، وتخلفها عن الفاضل جعله مفضولاً.
ومن الأدلة: حديث عروة بن الزبير عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: (يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابين، بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا فبلغت به أساس إبراهيم) متفق عليه، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث نبه على الأمر الفاضل وهو بناء البيت على هذه الصفة المذكورة والأمر المفضول هو بقاؤه على هذه الصفة لكن هذا الأمر المفضول صار فاضلاً لاقتران المصلحة الشرعية به وهي ألاَّ يفتتن من هو حديث عهدٍ بجاهلية فاقتران هذه المصلحة رفع المفضول وجعله فاضلاً وأنزل الفاضل وجعله مفضولاً، ولذلك أبقاه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما هو عليه عملاً بالأمر الفاضل الذي كان مفضولاً لولا اقتران هذه المصلحة به.
(2/31)

ومن الأدلة: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُم الْمَيْتَةُ … إلى قوله: فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فالأكل من الميتة أمر محرم مفضول وتركها أمرٌ واجب فاضل ولاشك في ذلك، لكن إذا اضطر الإنسان إلى أكلها لعدم وجود غيرها وخاف الهلاك على نفسه فإن الأمر المفضول سابقًا قبل الضرورة يتحول إلى أمرٍ فاضل لاقتران المصلحة الشرعية به وهي حفظ النفس، بل أوجب جمع من العلماء الأكل منها في هذه الحالة وهو الصحيح بلا ريب، بل نحن نجد في شريعتنا - ولله الحمد والمنة - أن بعض المحرمات تحل للضرورة كشرب الخمر لدفع غصةٍ ونحوه وذلك مراعاة للمصلحة الشرعية المترتبة على إباحة الحرام، وقد تقدم لنا قاعدة: (لا واجب مع العجز ولا محرم مع الضرورة) وهي قاعدة منبثقة من مراعاة المصالح والمفاسد.
ومن الأدلة أيضًا على هذا الأصل العظيم: ما رواه أصحاب السنن أن رجلاً سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبول فلم يرد عليه السلام حتى فرغ ثم تيمم ثم رد عليه السلام، ومن المعلوم أن رد السلام أمر فاضل وتركه مفضول، لكن هذا المفضول في هذه الحالة أعني في حالة قضاء الحاجة تحول إلى فاضل لاقتران المصلحة به وهي تنزيه ذكر الله تعالى أن يقال في الخلاء والرد تحول من الفاضل إلى المفضول بسبب تخلف المصلحة ووجود المفسدة، ولذلك لم يرد النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه السلام إلا بعد أن فرغ وتيمم وقال: (إني كرهت أن أذكر الله إلا وأنا على طهارة) وفي آخر قال: (فإذا رأيتني على هذه الحالة فلا تسلم علي فإنك إن سلمت علي لن أرد عليك) (1) .
__________
(1) لكن التعليل في الحديث في لفظه الأول الصحيح: هو كراهته ذكر الله إلا على طهارة لا كونه في الخلاء.
(2/32)

ومن الأدلة أيضًا: النهي عن الصلاة في أوقات النهي أعني التطوع الذي لا سبب له، فإن الصلاة أعني التطوع فيها أجر عظيم وثواب جزيل قد أثبتته الأدلة فهي من الأمور الفاضلة لكن نهى عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - في أوقات النهي سدًا لذريعة مشابهة المشركين في سجودهم للشمس عند طلوعها وغروبها، فهذه المصلحة وهي عدم مشابهة المشركين جعلت الأمر الفاضل الذي هو التطوع بالصلاة أمرًا مفضولاً وترك التطوع الذي هو المفضول جعلته أمرًا فاضلاً، فانظر كيف أدَّى اقتران المصلحة الشرعية إلى جعل المفضول فاضلاً والفاضل مفضولاً، فإن قلت: فلماذا تجوزون إيقاع الصلاة إذا كان لها سبب في وقت النهي مع فوات المصلحة ووجود المفسدة؟ قلنا: لنا جوابان: الأول: أن الأدلة دلت على جواز إيقاع ذوات الأسباب في أوقات النهي كصلاة الطواف لحديث جبير بن مطعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا من طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليلٍ أو نهار) رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان وظاهره العموم وكذلك الوضوء لحديث بلال: (ما توضأت أية ساعة من ليلٍ أو نهار إلا صليت بعده ركعتين) وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، وكتحية المسجد لحديث أبي قتادة مرفوعًا: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) ، وفي رواية: (فليركع ركعتين قبل أن يجلس) وظاهره العموم في أي وقتٍ، وكالصلاة المعادة لحديث يزيد بن الأسود الصحيح مرفوعًا: (إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الإمام ولم يصل فصليا معه فإنها لكما نافلة) وقد قال ذلك لما رأى رجلين قد تخلفا عن صلاة الفجر مع الناس؛ لأنهما قد صليا في رحالهما فقاله مع دخول وقت النهي في حقهما، وأما سجود التلاوة والشكر فلا تعلق لهما بما نحن فيه؛ لأن القول الراجح أنهما ليسا بصلاة كما هو اختيار الشيخ تقي الدين - رحمه الله -، والمقصود أن ذوات الأسباب
(2/33)

مخصوصة من عموم النهي لأمرين: أحدهما: أن الأدلة أجازت ذلك وندبت إليه في ذوات الأسباب خاصة. والثاني: أن هذه الصلوات المذكورة أعني ذوات الأسباب مرتبطة بسببها وهي تفوت بفواته فإذا فات سببها فاتت وإذا فاتت فقد فاتت مصلحتها فعندنا الآن مصلحة فعلها لئلا تفوت بفوات سببها ومصلحة مخالفة المشركين، والأدلة رجحت فعلها وإدراك مصلحتها ولم تنظر إلى المفسدة المقابلة، ذلك لأن مصلحة تحصيل هذه الصلوات أكبر من مراعاة مصلحة مخالفة المشركين وإذا تعارضت مصلحتان فإننا نفوت أدناهما بتحصيل كبراهما، كما أنه إذا تعارضت مفسدتان روعي اجتناب أشدهما بارتكاب أخفهما، فإذًا نقول: المصلحة في فعل ذوات الأسباب موجودة متحققة وإن فعلت في أوقات النهي فهي الفاضلة أبدًا، أما بقية التطوعات التي لا سبب لها فإنها لا تفوت مصلحتها بالمنع من فعلها في أوقات النهي، إذ أنها لا تفوت فيمكن التطوع في غير هذه الأوقات وبهذا يتحرر الجواب ولله الحمد والمنة.
ومن الأدلة على ذلك أيضًا: المعقول وهو أن الشيء إذا كان أفضل على تقدير لم يلزم أن يكون هو الأفضل دائمًا وأبدًا، فالذهب مثلاً أفضل من الحديد والنحاس وغيرهما من المعادن،لكن قد تكون هذه المعادن مقدمة على الذهب عند الحاجة إليها دونه وهنا يرتقي المفضول حتى يصير فاضلاً، ولولا خوف الإطالة لسردت جميع الأدلة الدالة على هذا الأصل الكبير لكن لعل ما مضى فيه كفاية - إن شاء الله تعالى -.
وإليك بعض الفروع على ذلك الأصل المهم حتى ترى كيف تأثير المصلحة في تفاضل العبادات فأقول:
منها: جميع ما مضى في الأدلة هي أدلة وفروع لهذه القاعدة الكلية.
(2/34)

ومنها: أن الذكر والدعاء في الأمكنة التي نهي عن الصلاة فيها كمعاطن الإبل والمقبرة وغيرها أفضل من الصلاة بل لاتصح، وكذلك الذكر حال السجود والركوع أفضل من القراءة بل هي ممنوعة شرعاً، لحديث ابن عباس في البخاري مرفوعًا: (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) .
ومنها: أن الذكر للجنب أفضل في حقه من سائر العبادات، وإن كانت تلك أفضل إذا زال وصف الجنابة، وكذلك المحدث حدثًا أصغر القراءة بلا مس والذكر في حقه أفضل من غيرهما (1) .
ومنها: أن الاشتغال بالطواف للآفافي أفضل من الصلاة النافلة لأن الطواف فيه مصلحة عظيمة للآفافي وهي تفوت وأما الصلاة فإنها لا تفوت.
ومنها: أن الإنسان إذا صلى بقوم يرون استحباب القنوت في الفجر وسيحدث فتنة لو لم يقنت بهم فالأفضل في حقه وحقهم أن يقنت بهم، لاقتران مصلحة التأليف، وإذا صلى بقوم يرون الجهر بالبسملة مطلوب إما وجوبًا وإما استحبابًا فالأفضل في حقه أن يجهر بها أحيانًا لمصلحة التأليف مع أن ترك القنوت في الفجر أولى وكذلك الجهر بالبسملة والإخفات بها هو السنة لكن ترك هذه المستحبات أفضل في هذه الحالة مع أن القنوت في الفجر (2) والجهر بالبسملة أفعال مفضولة لكن لما اقترن بها مصلحة التأليف وإبعاد الشحناء والشجار ارتفع إلى مرتبة الفاضل (3)
__________
(1) بل لا يمس القرآن إلا وهو طاهر على الراجح من قولي العلماء.
(2) لكن لو كان فيه من يصلح للإمامة ممن يرى القنوت في الصحيح فكان من لا يرى القنوت مأموماً كان أحسن لأن القنوت في صلاة الصبح بدعة على الصحيح.
(3) لكن الجهر بالبسملة سنة أحياناً قليلة على الراجح.
(2/35)

، ولقد رأيت وسمعت عن بعض الأئمة الحنابلة ذهبوا إلى بلادٍ يعتقد أهلها سنة القنوت في الفجر، ووجوب الجهر بالبسملة فلما لم يفعلوا ذلك حصل نزاع في المسجد كبير جدًا كاد يؤدي إلى الضرب بالأيدي لولا تدخل بعض الأجهزة الأمنية، فالفقه مطلوب وترك الفاضل وفعل المفضول لتعلق المصلحة به هو عين الحكمة فنسأل الله أن يلهمنا رشدنا.
ومنها: ترك السلام على أهل البدع المجاهرين بها بعد النصيحة الواجبة وعدم إجابة دعوتهم إن كان فيه زجر لهم عن بدعتهم فإنه يكون فاضلاً وذلك لتعلق المصلحة الشرعية به.
ومنها: أن الأفضل إيقاع الصلاة في أول الوقت وتأخيرها إلى آخر وقتها مفضول لكن إذا اقترن به مصلحة راجحة صار فاضلاً كأن يؤخرها لأنه سيصليها بالماء أو بساتر للعورة أو لشدة حر في الظهر أو أن يتعلم الفاتحة والتشهد في آخر الوقت وهكذا فيكون الفعل المفضول فاضلاً بسبب اقتران المصلحة.
ومنها: التعزير بالضرب أو الحبس أو مصادرة المال الأصل أن هذه الأفعال لا تجوز لكن لما اقترن بها إظهار الحق وقمع المجرمين وردعهم عن إجرامهم وباطلهم وكف شرهم وعدوانهم صارت فاضلة وجاء بها الشرع وذلك لتعلق المصلحة الشرعية بها، وكل فعلٍ تعلقت به المصلحة الشرعية فهو الفاضل.
ومنها: الحدود من قطع يد السارق ورجم الزاني المحصن وجلد غير المحصن والقصاص في النفس والأطراف الأصل أنها لا تجوز، لكن لما اقترن به إقامة العدل وقطع دابر الشر والفساد والعدوان وحفظ النسل وغيرها من المصالح صارت فاضلة بشروطها وجاء بها الشرع، مع أنها هي في حد ذاتها مفسدة لكن لما يترتب عليها من المصالح في الدنيا والآخرة صار عين المصلحة هو إقامتها، وقال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .وفي الحديث: (لحد يعمل به في الأرض خير من أن يمطروا أربعين صباحاً) .
(2/36)

ومنها: تغميض العينين في الصلاة منهي عنه، فالسنة أن ينظر الإنسان موضع سجوده، فالأفضل إذًا فتح العينين في الصلاة، وأقل أحوال التغميض أنه مكروه، لكن إذا كان في جدار القبلة ما يلهي المصلي من صورةٍ أو كتابةٍ أو زخرفة أو أن قلبه لا يجتمع إلا بالتغميض (1) فيكون في هذه الحالة فاضلاً لما اقترن به من المصلحة الشرعية وهي مراعاة الخشوع، فما كان أخشع لقلبه فهو أفضل، ولا تنظر لقول بعضهم: (إن هذا الخشوع خشوع شيطاني) فهو كلام لا أصل له، فإن الشيطان لا يعين على الخشوع في الصلاة بل هو من أول الحريصين على ذهاب الخشوع، والله أعلم.
ومنها: السنة هي صلاة التطوعات القبلية والبعدية في البيت وذلك لحديث عمر في الصحيحين، وحديث زيد بن ثابت وفيه: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) ففعلها في البيت أمر فاضل، وفعلها في المسجد أمر مفضول، لكن إن كان فعلها في المسجد فيه تعليم للناس بأعدادها وصفاتها وشرعيتها فيكون فعلها أحياناً فيه أفضل وذلك لاقتران المصلحة الشرعية بها.
__________
(1) في ذلك نظر لأنه لو كان مصلحة في اجتماع القلب لجاء به الشرع، ولفعله الرسول عندما وجد السبب من ستر عائشة وقميص أبي جهم لكن لو لم يستطع في إزالة المشغل فأغمض عينيه فلا بأس، والمسألة محتملة.
(2/37)

ومنها: الجهر فيما السنة فيه عدمه، كدعاء الاستفتاح والفاتحة في السرية أو في الجنازة ونحو ذلك، الأصل أنه مفضول لكن إن اقترنت به مصلحة تعليم الناس بالسنة فإنه يكون فاضلاً، ولذلك ثبت عن عمر أنه جهر بدعاء الاستفتاح، وجهر ابن عباس بالفاتحة في صلاة الجنازة وقال: لتعلموا أنها السنة، وصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر وسجد في أصل المنبر ليتعلم الناس صلاته، مع أنه فيه حركة ليست من جنس الصلاة من تقدم وتأخر، لكن لما اقترنت مصلحة تعليم الناس الأمر المشروع صار المفضول فاضلاً (1) .
ومنها: أن الأفضل هو إخفاء الصدقة كما قال تعالى: {وَإنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} وفي الحديث: (صدقة السر تطفئ غضب الرب) والمفضول هو إخراجها أمام الناس، لكن إن اقترنت بهذا المفضول مصلحة شرعية فإنه يكون فاضلاً كحث الناس على الصدقة وترغيبهم فيها ونحوه، وعلى هذا يخرج حديث صدقة أبي بكرٍ بماله كله، وعمر بنصف ماله، ولما أمر بالصدقة على بعض الوفود وجاء رجل بذهيبة تكاد يده تعجز عن حملها ووضعها بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فتتابع الناس في الصدقة فقال: (من سن سنة حسنة) … الحديث. وهو معروف، فإخفاء الصدقة أفضل إن لم يكن هناك مصلحة شرعية، وإبداؤها أفضل إن كان هناك مصلحة شرعية، والله أعلم.
__________
(1) لكن لو جهر ببعض ذلك كفى حتى لا يعارض حديث " كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القراءة أو قال في القرآن " ويكون التعليم الحرفي في غير الصلاة.
(2/38)

ومنها: تفاضل العبادات بحسب الأشخاص، فمن الناس من يكون الجهاد أفضل في حقه، ومنهم من يكون طلب العلم أفضل في حقه،ومنهم من يكون الاشتغال بالذكر أفضل في حقه، فإياك أن تفتي الناس بتفاضل العبادة بذاتها، وإنما بما هو أصلح لكل أحد بحسبه وعلى ذلك يحمل اختلاف الأحاديث في الذين يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (أي العمل أفضل) .
ومنها: من المعلوم أن صلاة الجنازة لها أجرها العظيم وثوابها الجزيل وهو قيراط مثل جبل أحد كما في الحديث، وترك الصلاة عليها أمر مفضول وتضييع لهذا القيراط، لكن إن اقترنت بالترك مصلحة شرعية فإنه يكون فاضلاً وذلك ككون الميت مدينًا أو غالاً أو مبتدعًا أو مصرًا على كبيرةٍ من الذنوب فإن امتناع الأمراء والوجهاء وأهل الدين والصلاح من العلماء والعباد وغيرهم، امتناعهم من الصلاة عليه زجرًا للناس عن فعله، وردعًا لهم عن مواقعة جرمه أمر فيه غاية المصلحة، فيكون فاضلاً لاقتران هذه المصلحة، وعلى ذلك يخرج امتناعه - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة على الغال وعلى قاتل نفسه وعلى من عليه دين وذلك كله مراعاة للمصلحة. وعلى هذه الفروع قس.
وخلاصة الكلام هو أن العبادات تتفاضل باعتبارين، باعتبار ذاتها، وباعتبار المصلحة المتعلقة بها، والذي ينبغي للطالب هو مراقبة هذه المصلحة والحكم بالفضيلة باعتبارها كما مرَّ في هذه الفروع، والله وأعلم.

القاعدة الخامسة والثلاثون
35 - يجوز التطوع بجنس الفرض الفائت قبل أدائه إن أمكن فعله في وقته
أقول: اعلم - رحمك الله تعالى - أن الواجب باعتبار وقته نوعان:
واجب موسع، وواجب مضيق: والواجب الموسع هو ما يتسع لفعله ولفعل غيره من جنسه كوقت الصلاة فإنه طويل يسع الصلاة نفسها ويسع صلوات غيرها إما نوافل وإما فرائض فائته، فكل وقتٍ يتسع لأداء ما وجب فيه ويتسع لفعل غيره من جنسه فهو الوقت الموسع.
(2/39)

وأما المضيق فهو الذي لا يتسع لغيره من جنسه كشهر رمضان فإنه لا يتسع إلا لفعله فقط فلا يتسع للتطوع بالصيام أو قضاء رمضان آخر أو فعل صيام منذور مثلاً، بل لا يتسع إلا لصيامه فقط وهذا هو القول الصحيح خلافًا للحنفية الذين يقولون: من جاز له الفطر فيجوز له صيام غير رمضان في يوم الجواز،فهذا قول كأنه مجانب للأدلة – رحم الله من قاله وغفر له – والمقصود: أن تعرف الفرق بين الواجب الموسع والواجب المضيق إذا علم هذا فليعلم أن من وجب عليه شيء من العبادات أو الحقوق المالية فهل يجوز له أن يتطوع بجنس هذه العبادة أو جنس ذلك الحق قبل أداء الفريضة أو لا يجوز؟
هذا هو ما تفيده القاعدة التي نحن بصدد شرحها، وبعبارة أدق نقول: إذا دخل وقت الصلاة مثلاً فإنها تجب بدخول وقتها، فهل يجوز للإنسان أن يتنفل في هذا الوقت قبل أداء الواجب عليه أم لا؟ كذلك إذا وجبت عليه الزكاة، فهل يجوز له أن يتصدق قبل أداء الزكاة أم لا؟ هذا
هو نص القاعدة.
والجواب أن يقال: إن الحقوق والفروض نوعان: حقوق لله تعالى، وحقوق للآدميين، فأما الأول: فإنه إذا وجب عليك فرض فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون وقته موسعًا وإما مضيقًا، فإن كان وقته موسعًا فإنه يجوز لك التطوع بجنسه قبل أدائه على القول الصحيح، وأما إن كان مضيقًا فلا يجوز لك ذلك، بل الواجب عليك أن تؤدي الفرض أولاً ثم إن شئت التطوع بجنسه فلك ذلك، وعلى ذلك فروع:
منها: يجوز للإنسان أن يتطوع بالصلاة بعد دخول وقت الفرض بما شاء من التطوعات؛ لأن وقت الفرض وقت موسع، لكن إذا تضايق الوقت بحيث لم يعد يتسع إلا لإيقاع الصلاة المفروضة فقط فإنه لا يجوز حينئذٍ التطوع بالصلاة، بل يجب أداء الفرض؛ لأن الوقت أصبح مضيقًا.
(2/40)

ومنها: من فاتته أيام من رمضان وجب عليه قضاؤها، ووقت القضاء وقت موسع يبدأ من انتهاء رمضان إلى رمضان الآخر، فيجوز حينئذٍ أن يتطوع الإنسان بالصوم قبل قضاء هذه الأيام، فله أن يصوم الاثنين والخميس والأيام البيض ويوم عرفة وعاشوراء ونحوه مما يستحب صيامه، ذلك لأن وقت القضاء وقت موسع، لكن إذا لم يبق على رمضان الآخر إلا بقدر الأيام الفائتة فإنه حينئذٍ لا يجوز له التطوع بالصوم أبدًا، بل الواجب أداء الواجب عليه ذلك؛ لأن الوقت صار وقتًا مضيقًا (1) .
ومنها: من حج تطوعًا أو عن نذرٍ أو عن غيره قبل حجة الإسلام فإنه ينقلب ما نواه إلى نية حجة الإسلام، وذلك لأن وقت الحج وقت مضيق، وقد دل الدليل على وجوب البدء بالحج عن النفس أي حجة الإسلام كما في حديث ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة. قال: (ومن شبرمة) ؟ قال: أخ لي أو قريب لي. قال: (أحججت عن نفسك) ؟ قال: لا. قال: (حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) ؛ ولأنه لا يتكرر في العام إلا مرة فوجب تقديم حجة الإسلام؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له وهذا هو جادة المذهب.
ومنها: من وجبت الزكاة في ماله، فهل له أن يتصدق قبل إخراجها؟
الجواب: فيه خلاف بين العلماء والراجح والله أعلم جواز ذلك، وقد نص عليه الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – ولكن إذا كان في ماله سعة، أما إذا لم يكن عنده إلا هذا النصاب الزكوي فقط فإن الصدقة منه لا تجوز بما ينقصه لتعلق حق الفقراء به.
__________
(1) لماذا لم تشر إلى القول الآخر في المسألة لكثرة من قال به من أهل العلم ثم ترجح ما تراه كما فعلت في الزكاة.
(2/41)

فهذا بالنسبة للعبادات، وأما بالنسبة للتصرفات المالية وهي الحقوق التي بين العباد فإن مبناها على المشاحة لا المسامحة، فمن وجب في ماله حق لغيره وطالب به هذا الغير فهل يجوز له أن يتصرف في ماله قبل أداء هذا الحق؟ الجواب: فيه خلاف بين العلماء، ومذهب الأصحاب الجواز إذا لم يكن حجر عليه، وإن استغرق ماله كله، ولكن اختار الشيخ تقي الدين أنه لا ينفد شيء من ذلك مع مطالبة الغرماء بحقوقهم، وحكاه قولاً في المذهب وهو الراجح - إن شاء الله تعالى -، ذلك لأن الغرماء لما طالبوه تعلق حقهم بماله، وفي حديث جابر قال: أعتق رجل منا عبدًا له عن دبر ليس له مال غيره فدعا به النبي - صلى الله عليه وسلم - (فباعه) متفق عليه، وهذا القول هو الموافق للعدل، فإنه لو جاز تصرفه في ماله مع المطالبة لأدى ذلك إلى تفويت حق الغرماء وإلى خداعهم في إخراج ماله لمن اتفق معه على أنه صدقة، أو وقف ونحوه فإذا هدأت المطالبة رده عليه، فالقول الراجح هو أن من تعلق بماله حق لغيره فإنه لا يجوز له أن يتصرف في ماله بقدر هذا الحق، وأما ما زاد على قدر الحق فله التصرف فيه؛ لأنه لم تتعلق به حقوق للغير، وبناءً على هذا القول فإنه لا يصح وقف ما تعلق به حق للغير ولا بيعه ولا هبته ولا الصدقة به، وهذا مع مطالبة الغير بذلك وهذا القول هو الذي لا يسع الناس غيره خصوصًا في هذا الزمن الذي كثرت فيه المماطلات والكذب - والعياذ بالله تعالى -، والله تعالى أعلم.
(2/42)

مسألة: بحث العلماء في حكم تصدق الرجل بماله كله هل يجوز
أم لا؟ واختلفوا في ذلك والراجح التفصيل في ذلك، فإن كان هذا المال قد تعلق به حق للغير فإن التصدق به كله أو بما تعلق به الحق أي بقدر الحق لا يجوز أن يتصدق به، وإن لم يكن قد تعلق بماله أي نوع من أنواع الحقوق فلا يخلو إما أن يغلب على ظنه قوة نفسه ألا يسأل الناس ويتكففهم ثقة بما عند الله تعالى من الفضل فإنه يجوز له التصدق به، وعلى ذلك يحمل حديث تصدق أبي بكرٍ بماله، وأما إن كان يغلب على ظنه أنه إن تصدق بماله كله أنه سيسأل الناس أموالهم وأن نفسه ضعيفة عن الثقة بكمال فضل الله عليه فهذا لا ينبغي أن يعرض نفسه لهذه المذلات بل يمسك عليه بعض ماله ليحفظ وجهه عن الناس ومع ذلك فنقول: خير الهدي هدي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وهو أكمل الهدي على الإطلاق وهو في هذه المسألة ألا يزيد الإنسان على الثلث ما أمكن، أو على الأقل يمسك بعض ماله بلا تقدير بالثلث وعليه حديث سعد بن أبي وقاص وحديث أبي لبابة وحديث كعب بن مالك، والله تعالى أعلى وأعلم.
(2/43)

القاعدة السادسة والثلاثون
36 - الاستثناء في المعاوضات لا تغتفر فيه الجهالة وفي التبرعات تغتفر
اعلم - أرشدك الله لطاعته - أن العقود إما أن تكون عقود معاوضات وإما عقود تبرعات وعقود المعاوضات هي التي يكون العوض فيها من الطرفين أعني من المتعاقدين، كالبيع والإجارة والسلم ونحوه، وأما عقود التبرعات فهي التي يكون البذل فيها من أحدهما دون الآخر كالوقف والوصية والهبة، إذا علمت هذا فاعلم أن الإنسان يجوز له إذا باع عينًا أو منفعة أن يستثني منفعتها، لكن هذه الثنيا لابد أن تكون معلومة إذا كان العقد عقد معاوضة وتغتفر الجهالة فيها إذا كان العقد عقد تبرع على الراجح، والدليل على جواز الاستثناء أصلاً حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين أنه كان يسير على جملٍ له أعيا فقال فأردت أن أسيبه فلحقني النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعا لي وضربه فسار سيرًا لم يسر مثله قط، فقال: (بعنيه بوقية) . فقلت: لا. ثم قال: (بعنيه) ، فبعته بوقية واشترطت حملانه إلى أهلي فلما بلغت أتيته بالجمل فنقدني ثمنه، فرجعت ثم أرسل في أثري فقال: (أتراني ماكستك لآخذ جملك خذ جملك ودراهمك فهو لك) وهذا لفظ مسلم فجابر - رضي الله عنه - لما باع الجمل للنبي - صلى الله عليه وسلم - استثنى منفعة ركوبه إلى أهله، وهذا هو الاستثناء والعقد هنا عقد معاوضة؛ لأن العوض من الطرفين فجابر يسلم الجمل والنبي - صلى الله عليه وسلم - يدفع الثمن، وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذا الاستثناء مما يدل على جوازه، إذ لو كان الاستثناء في المبيع ممنوعًا لأنكره فلما لم ينكره دَلَّ على جوازه، وأما اشتراط العلم بالمدة المستثناه فيدل عليه هذا الحديث: (فإن جابر قال: واشترطت حملانه إلى أهلي) أي هذه المسافة المعلومة فقط، ويدل عليه أيضًا حديث جابر عند مسلم وغيره قال: (نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الثنيا إلا أن تعلم) فهذه دليل النقل.
(2/44)

وأما العقل فلأن عقود المعاوضات مبناها على المبادلة، حتى ينتفع كل واحدٍ منهما بما صار إليه فالبائع ينتفع بالثمن والمشتري ينتفع بالسلعة وهذا هو مقصود عقد المعاوضة، فإذا جاز الاستثناء فيها بلا اشتراط علمها فإن العقد حينئذٍ لا تترتب عليه المصلحة المطلوبة ويكون من نوع الغرر والجهالة وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغرر في البيع.
وأما دليل جواز جهالتها في عقود التبرعات فلحديث سفينة عند أبي داود وغيره بسندٍ صحيح قال: (كنت مملوكًا لأم سلمة) . فقالت: أعتقتك وأشترط عليك أن تخدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما عشت. قلت: (لو لم تشترطي علي ما فارقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعتقتني واشترطت علي) وقسنا عليه باقي عقود التبرعات؛ ولأن عقود التبرعات مبناها على الإحسان ولا خسارة فيها على الطرف الآخر أبدًا فهي إن حصلت فمكسب، وإن لم تحصل فلا خسارة، فالجهالة في استثنائها لا مفسدة فيه؛ ولأن من بذلها محسن، وقد قال تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} هذا بالنسبة للتدليل.
وأما بالنسبة للتفريع فالفروع كثيرة لكن نذكر منها بعضها توضيحًا لا استقصاءً فأقول: منها: باعه داره واستثنى سكناها مدة حياته فإن هذه الثنيا لا تصح؛ لأنها مجهولة والعقد عقد معاوضة، فمن شروط صحتها أن تكون معلومة، لكن لو قال: واستثنيت سكناها شهرًا أو يومًا أو سنةً ونحوها من الآجال المعلومة فهذه الثنيا صحيحة للعلم بها وانتفاء الجهالة عنها.
ومنها: باعه دابته واستثنى حملانها إلى بلاده فهذه الثنيا صحيحة إذا كانت المسافة معروفة عند المشتري وذلك للعلم بها، لكن لو قال: واستثني حملانها إلى موضع ما، فهذه الثنيا لا تصح؛ لأنها مجهولة والعقد عقد معاوضة.
(2/45)

ومنها: أوقف داره واستثنى سكناها مدة حياته وحياة ولده من صلبه، صح الوقف والاستثناء مع الجهالة؛ لأن العقد من عقود التبرعات، وعقود التبرعات تغتفر الجهالة في استثناء منفعتها.
ومنها: وهب رجل لآخر سلعة ما واستثنى الانتفاع بها إلى أن يموت أو حتى يَملَّ منها، صحت الهبة والاستثناء مع الجهالة، ذلك لأن العقد من عقود التبرعات.
ومنها: العتق فيصح أن يعتق عبده ويستثني منافعه مدة حياته، فهذه الثنيا وإن كانت مجهولة؛ لأننا لا نعلم كم سيعيش السيد؟ لكن العقد عقد تبرع وإحسان فالجهالة في ثنياه مغتفرة، ويدل لذلك حديث سفينة عند أبي داود بسندٍ صحيح.
ومنها: إذا أعتقها وجعل عتقها صداقها، فإنه يصح على القول
الراجح، ويدل عليه حديث صفية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعتقها وجعل عتقها صداقها، فصارت كالمستثنى منفعتها.
ومنها: الوصية، فيصح أن يوصي برقبة عين كدار ونحوها لشخص ويستثني منفعتها لشخصٍ آخر سواءً مدةً معلومة أو مجهولة، ذلك لأن الوصية من عقود التبرعات وعلى ذلك فقس.
والمهم: أن تفرق بين عقد المعاوضة وعقد التبرع والاستثناء، في كلا العقدين جائز لكن يشترط أن يكون معلومًا في عقد المعاوضة، ولا يشترط العلم به في عقد التبرع، والله أعلم.
(2/46)

القاعدة السابعة والثلاثون
37 - كل ما جاز شرعًا ارتفع ضرره قدرًا
اعلم أن هذه الشريعة لا تأمر إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة، ولا تنهى عن شيء إلا وفيه مفسدة خالصة أو راجحة، فهي إذا حرمت قولاً أو فعلاً أو عينًا من الأعيان فإنها لم تحرمه إلا وفيه مفسدة، وإذا أباحت شيئًا فإنها لم تبحه إلا لخلوه من هذه المفسدة. فأبدًا لا يجتمع حل شيء ووصفه بالمفسدة، وهذه القاعدة تقرر أن كل ما دل الدليل الشرعي على جوازه قولاً أو فعلاً فإنه جل وعلا يرفع ضرره قدرًا - أي كونًا - فلا يكون فيه ضرر أبدًا حتى وإن كان سبق له تحريم فإنه في حالة تحريمه يوصف بالضرر فإذا نسخ التحريم وثبت الجواز فإن هذا الضرر يرتفع عن هذا الفعل - بإذن الله تعالى -، فالخلق خلقه والأمر أمره (فتبارك الله رب العالمين) فلا يمكن أن يجتمع الجواز الشرعي والضرر الكوني، بل نحن نعرف أن بجواز الشيء انتفاء ضرره، وبثبوت ضرره انتفاء جوازه، فهما ضدان لا يجتمعان أبدًا في فعل من الأفعال، فيجب على المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا لا ريب فيه ويؤمن إيمانًا تامًا لا ريب معه أنه لا يمكن أن تأمر أو تبيح الشريعة ما فيه مفسدة خالصة أو راجحة، كما أنها لا يمكن أن تحرم ما فيه مصلحة خالصة أو راجحة. فكل ما كان حرامًا ثم أحل فلزوال المفسدة منه، وكل ما كان حلالاً ثم حرم فلوصف الخبث فيه بعد تحريمه.

وإليك بعض الفروع على هذه القاعدة حتى تتضح أكثر فأقول:
(2/47)

منها: اختلف العلماء فيما صاده الكلب بفمه، هل يجب غسله أو لا؟ على أقوال والراجح عدم الوجوب، وذلك لأن الله تعالى قال: {مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} فأجاز لنا أن نأكل من صيد الكلب بشرطين: أن يكون معلمًا، وأن نذكر اسم الله عليه، ولم يأمر بغسل الصيد فلو كان واجبًا لأمر به؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث عدي بن حاتم: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل) الحديث. ولم يأمر بغسل الصيد؛ ولأن صيد الكلب المعلم يجوز أكله بهذه الأدلة، فإذا ثبت جواز صيده شرعًا فإن ضرره يرتفع قدرًا، فالضرر الذي من أجله أمرنا أن نغسل منه الإناء سبعًا إحداها بتراب قد ارتفع هنا وذلك لجواز أكل ما صاده، وما جاز شرعًا ارتفع ضرره قدرًا، فالله جل وعلا لم يأمر بغسل ما صاده لعلمه جل وعلا انتفاء الضرر من لعابه، والله أعلم.
ومنها: الأصل تحريم الأكل من الميتة لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ} ، لكن إذا اضطر الإنسان لها وأشرف على الهلاك ولا شيء عنده يستغني به عنها فإن الشريعة حينئذٍ تجيز له الأكل من هذه الميتة بقدر الضرورة، فإذا ثبت جواز الأكل منها شرعًا فإن ضرر الميتة يرتفع قدرًا فلذلك يأكل منها المضطر والدود يتهاوى منها ورائحتها منتنة ومع ذلك لا يتأثر - بإذن الله تعالى؛ لأنه أكلها في حالٍ يجوز له الأكل منها والجواز الشرعي رافع للضر القدري (1) .
__________
(1) اج هذا الأمر إلى دليل فقد يقول قائل: إن ما فيها من المضرة منغمرة في جانب مصلحة حفظ النفس فهلاك النفس أعظم من ضررها لو كان محققاً فكيف وهو محتمل خاضع لمشيئة الله وقدره.
(2/48)

ومنها: الأصل تحريم النظر إلى النساء الأجنبيات، قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبْصَارِهِمْ} وإنه ما حصل بلاء وفاحشة إلا وكان النظر أول بداياته، ولذلك سدت الشريعة باب الزنا بسد باب النظر إلى النساء، لكن أجازت للخاطب العازم الذي ظهرت منه بوادر الصدق قبل العقد أن ينظر إلى مخطوبته بعلمها أو بدون علمها؛ لأنه أحرى أن يؤدم بينهما، فهذه النظرة الشرعية لما ثبت جوازها فإننا نعرف أنه لا ضرر فيها، فهذه النظرة لا تثير من الشهوة ما يثيره النظر المحرم ولا يحصل منها المفاسد والطوام التي تحصل من النظر المحرم، ذلك لأنها جازت شرعًا وكل ما جاز شرعًا فإنه يرتفع ضرره قدرًا مع أن كليهما نظر لكن اقترنت المفاسد والبلايا بالأول لحرمته وارتفعت عن الثاني لشرعيته، وإن أردت مصداق كلامي فانظر ما يثيره النظر إلى الزوجة وما يثيره النظر إلى غيرها، فإننا لم نسمع أحدًا عاقلاً يقول نظرت إلى زوجتي فاشتهت نفسي الزنا أبدًا فإن ما يحدثه النظر إلى الزوجة في النفس لا يكون فيه أي مفسدة، بل هو قاتل للمفسدة، أما النظر إلى الأجنبية فإنه يثير شهوة الزنا والفجور والخلوة المحرمة ولذلك جعل النظر إلى الزوجة قاتل لما في النفس من شهوة النظر الحرام كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فإذا رأى أحدكم من امرأة ما يعجبه فليأت أهله فإن ذلك يذهب عنه) فسبحان من وسعت حكمته كل شيء وهو العزيز الحكيم.
ومنها: أن الأصل تحريم الربا وهو أبواب كثيرة منها:
(2/49)

بيع الرطب على رؤوس النخل بتمرٍ كيلاً، وهو ما يسميه العلماء بالمزابنة فهو بيع تمر بتمرٍ مع جهل مقدار أحدهما فإن الرطب على رؤوس النخل لا يعلم مقداره يقينًا حتى وإن خرصناه خرصًا فإنما هو من باب التقريب والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاصل ولاشك أن مفاسد الربا ومضاره الدينية والدنيوية على الأفراد والمجتمعات من انهدام اقتصادها، ومحاربة لله ورسوله، ومحق بركة الأموال أمر معروف لدى الجميع، والمزابنة ثبت النهي عنها كما في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً وإن كان كرمًا بزبيبٍ كيلاً وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام نهى عن ذلك كله) متفق عليه، وعن سعد ابن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن اشتراء الرطب بالتمر فقال: (أينقص الرطب إذا يبس) . قالوا: نعم. فنهى عن ذلك) رواه الخمسة بسند صحيح، فالمزابنة نوع من أنواع الربا يثبت فيها من المفاسد والمضار الدينية والدنيوية ما يثبت فيه؛ لأنها نوع منه، لكن ثبتت الرخصة الشرعية بجواز العرايا كما في حديث زيد بن ثابت: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلاً) متفق عليه، ولمسلم: (رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا يأكلونها رطبًا) ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسقٍ أو في خمسة أوسق) متفق عليه، فهذه العرايا هي نوع من المزابنة؛ لأن المزابنة بيع التمر على رؤوس النخيل بتمرٍ آخر، والعرايا بيع الرطب على رؤوس النخل بتمرٍ آخر، والمزانبة ربًا؛ لأننا لا نعلم مقدار التمر على رأس هذه النخلة، والعرايا كذلك، لكن ثبت الدليل بجواز العرايا لكن بشرطين: الأول: أن يحتاج أصحابها إلى
(2/50)

الرطب ليترفهوا به ولا يقدرون على شرائه، أما مع عدم الحاجة فلا تجوز. الثاني: أن تكون في خمسة أوسق فما دون لا فيما زاد على ذلك، فإذا توفر هذان الشرطان فإن العرايا حينئذٍ جائزة شرعًا، فإذا ثبت جوازها الشرعي فاعلم أن جميع مضار الربا الدينية والدنيوية عنها منتفية، فليست سببًا لانهدام الاقتصاد ولا لمحاربة الله ورسوله ولا للعن فاعلها ولا غير ذلك، فإن هذه المضار جميعها قد ارتفعت عن العرايا وذلك لثبوت جوازها شرعًا وما جاز شرعًا ارتفع ضرره قدرًا.
ومنها: لاشك أن قتل النفس المؤمنة من أعظم الذنوب بعد الشرك كما في آية الفرقان وحديث ابن مسعود: (أي الذنب أعظم …) الحديث. وأن في قتلها من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله، لكن لما جاز قتلها في القصاص وبعض الحدود فإن هذا الجواز يرفع هذا الضرر؛ لأن الجواز الشرعي ينافي الضرر القدري.
(2/51)

ومنها: أكل لحم البقر حلال بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ويكفيك قوله تعالى: {وَأحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ إلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} ، وقال تعالى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} ، وقال تعالى: {وَمِنْ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ أالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمْ الأُنثَيَيْنِ} قاله في معرض الإنكار على من يحرم شيئًا بلا دليل وينسب ذلك لله تعالى كذبًا وزورًا، والأضحية والهدي يجوزان من بهيمة الأنعام وهي الإبل والغنم والبقر والأصل في الحيوانات الحل والإباحة إلا بدليل، فإذا ثبت جواز أكل لحم البقر شرعًا فاعلم أنه لا ضرر فيها قدرًا، إذ لا يمكن أن يبيح الله تعالى لنا ما فيه ضرر علينا، ومن هنا تعلم ضعف ما يروى عنه - صلى الله عليه وسلم - في قولهم عنه: (البقر لحمها داء ولبنها دواء) فإنه ضعيف جدًا، بل ما أقربه أن يكون موضوعًا وذلك لمصادمته لهذه النصوص ولأصول الشريعة، فإنه لو كان لحمها داء أي مرضاً فوالله الذي لا إله إلا هو لما كان يبيحه الله تعالى لنا، فكيف يقول جابر: (نحرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة) وهو في مسلم، وهي داء ويسكت عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل الذي نقوله ونعتقده أن لحم البقر حلال طيب وأن هذا الحديث حديث فيه رائحة الوضع تشم من ثناياه.
(2/52)

ومنها: قد دلت الأدلة على تحريم وطء الحائض وأنه أذىً، ففي وطئها مفاسد كثيرة ودم الحيض من أخبث الدماء نجاسة وأنتنها ريحًا، لكن أجاز الفقهاء وطأها لمن به شبق بشرطه وهو ألا يكون له زوجة أخرى ولا أمة وليس عنده ما يتزوج به ولا ما يشتري به أمة ولا تندفع شهوته إلا بالوطء في الفرج فإذا توفرت هذه الشروط فإنه يجوز له حينئذٍ وطؤها في فرجها، فلما ثبت جواز ذلك شرعًا فإنه يرتفع الأذى والضرر قدرًا إذ لا جواز مع الضرر، والله أعلم، وعلى ذلك فقس.
فإن قلت: كيف تقول لا جواز مع الضرر وقد كانت الخمرة حلالاً ثم حرمت لخبثها ولما فيها من الضرر، وكانت الحمر الأهلية حلالاً ثم حرمت لخبثها ونجاستها ولما فيها من الضرر فكيف تكون حلالاً مع ما فيها من الضرر والخبث الذي اقتضى تحريمها بعد؟
أقول: هذا سؤال جيد، وهو وارد علينا لو لم يكن له جواب لكن له جواب ولله الحمد والمنة وهو: أننا نعتقد اعتقادًا جازمًا أن الخمر والحمار الأهلي وغيرها لما كانت حلالاً لم يكن فيها أي مفسدة أو ضرر وإنما هذه المفسدة وهذا الضرر خلق فيها لما حرمت، فلما حرمت اتصفت بذلك والله جل وعلا هو خالق هذه الأشياء بذواتها وصفاتها وأحكامها، فلا يبعد ذلك عنه جل وعلا، فعلى هذا تكون القاعدة سالمة من هذا الاعتراض (1) ، والله أعلم.

القاعدة الثامنة والثلاثون
38 - سَدُّ الذرائع
وهذه من أكبر القواعد الفقهية في الشريعة، وهي من أهم المهمات لطالب العلم، وأنا أذكر لك فيها طرفًا صالحًا يغنيك عن غيره - إن شاء الله تعالى - فأقول:
__________
(1) في هذا الجواب نظر وربما يقال: إن المفسدة التي فيها في وقت قد تكون المصلحة في عدم تحريمها في ذلك الوقت راجحة على تحريمها ولذلك لم تحرم مراعاة لهذه المصلحة فتكون المفسدة منغمرة في جانب هذه المصلحة والله تعالى أعلم.
(2/53)

إن هذه الشريعة العظيمة إذا أمرت بشيءٍ فإنها تأمر بجميع ما يتوقف حصول هذا الشيء عليه، وإذا نهت عن شيء فإنها تنهى عن جميع الأشياء التي يتوقف حصول هذا المنهي عليها وهذا من باب الكمال، فإن الشريعة إذا سدت بابًا فإنها تسد معه جميع الأبواب المفضية إليه، وهذا هو عين الحكمة وذلك ليكون سياجًا مانعًا من الوقوع في المحرم قصدًا، فإنه لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت هذه الطرق وهذه الأسباب تابعة لها في الحكم، فكل وسائل الحرام حرام، وكل وسائل الطاعات طاعات فوسائل الواجب واجبة، ووسائل المندوب مندوبة، ووسائل المكروه مكروهة، ووسائل الحرام حرام، وهذه سياسة حكيمة حتى في ملوك الدنيا فإنهم إذا منعوا شيئًا منعوا جميع أسبابه وسدوا جميع طرقه، وإذا أمروا بشيء فإنهم يسهلون جميع أسبابه ويفتحون كل طرقه، وهذا من الكمال في المخلوق الذي لا نقص فيه، فالله أولى به فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، فكان من عين الحكمة سد جميع الأبواب المفضية إليه.
وقد دل على هذه القاعدة أدلة كثيرة نذكر بعضها وهي كالفروع لهذه القاعدة:
فمنها: قوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} فحرم الله تعالى سب آلهة المشركين المجرد مع كون السب لها غيظًا وحمية لله تعالى وإهانة لآلهتهم فيه مصلحة (1) ، لكن سد هذا الباب؛ إذا كان يفضي إلى مفسدة أعظم وهي سب الله تعالى فسد جل وعلا هذا الباب درءاً لمفسدةٍ أعظم من المصلحة المترتبة على فتحه، وهذا الفرع يدخل تحت قاعدة: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) .
__________
(1) لأن الشرع جاء بتهديمها. لكن السب المجرد إذا أفضى في حالة ما إلى سب الله تعالى حرم.
(2/54)

ومنها: قوله تعالى: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا} فقد نهاهم جل وعلا عن قول: (راعنا) مع أنهم لا يقصدون بها إلا الخير وهي من المراعاة وذلك سدًا لذريعة مشابهة اليهود في قولهم: (راعنا) من الرعونة ولئلا يفتح بابًا لليهود كي ينالوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الكلمة فيقولونها له يعنون بها سبه متشبهين بالمسلمين في قولها له يريدون بها الخير، فسدت هذه الأبواب كلها بمنع قول هذه الكلمة، واستبدالها بخير منها لا لبس فيها وهي قولهم: (انظرنا) .
ومنها: قوله تعالى في حق النساء: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} فحرم عليهن إبداء الزينة للرجال الأجانب، وسد جميع الأبواب المفضية له ومنها أن تضرب برجلها ليسمع الرجال صوت خلخالها لئلا يفضي إلى إثارة الشهوات منهم إليهن، مع أن ضرب المرأة برجلها في الأصل شيء جائز لكن لما كان يفضي إلى أمرٍ محرم سُدَّ بالنهي عنه.
ومنها: قوله تعالى: {إذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} فنهاهم عن البيع بعد نداء الجمعة الذي تعقبه الخطبة لئلا يفضي البيع في هذا الوقت لتضييع الصلاة مع أن الأصل في البيع الجواز، لكن لما كان وسيلة للتشاغل عن حضور الجمعة سُدَّ هذا الباب بالنهي عنه.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر في الصحيحين: (إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه) . قيل: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: (يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه) فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - سب الرجل لوالدي الرجل سبًا لوالديه مع أنه لم يباشر سب والديه بنفسه وإنما تسبب في سبهم وإن لم يقصد ذلك.
(2/55)

ومنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكف عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة لئلا يكون ذريعة لتنفير الناس عنه ولئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ومن لم يدخل فيه، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل.
ومنها: قوله تعالى عن الخمر: {فاجتنبوه} فتحريم الخمر بالإجماع وذلك لما يفضي إليه من سكر العقل وتغطيته والذي يترتب عليه مفاسد عظيمة، ومع ذلك فقد سد الله جل وعلا جميع الأبواب الموصلة لسكر العقل، فقد حرم القطرة من الخمر لئلا تتخذ القطرة ذريعة إلى الحسوة وحرم إمساكها للتخليل لئلا يتخذ ذريعة لإمساكها للشرب ثم بالغ في النهي حتى نهى عن شرب الخليطين، وعن شرب العصير بعد ثلاث، وعن الانتباذ في الأوعية التي يتخمر فيها أذن في ذلك أعني الإنتباذ في جميع الأوعية وذلك حسمًا لمادة قربان السكر فتبارك الله العلي الحكيم.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) وقال - عليه الصلاة والسلام -: (لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ونهى عن بناء المساجد على القبور ولعن فاعله، ونهى عن تجصيص القبر والكتابة عليه، وعن إيقاد المصابيح عليها وأمر بتسويتها، ونهى عن اتخاذها عيدًا، وعن شد الرحال إليها،كل ذلك لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانًا تعبد من دون الله تعالى فكل ذلك حرام من باب سد الذرائع المفضية للشرك.
(2/56)

ومنها: حديث أبي سعيد الخدري وابن عباس في الصحيحين: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب) وكان من حكمة ذلك أن هذه الأوقات يسجد فيها المشركون للشمس فنهى عن الصلاة في ذلك الوقت سدًا لذريعة المشابهة الظاهرة التي هي ذريعة للمشابهة في القصد مع بُعْدِ هذه الذريعة فكيف بالذرائع القريبة.
ومنها: تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية والخلوة بها ومصافحتها وتحريم سفر المرأة بلا محرم كل ذلك ثبت بالأدلة الصحيحة وذلك سدًا لذريعة الفجور والفاحشة.
ومنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يسافر بالقرآن لأرض العدو مخافة أن يقع في أيديهم فيهينوه، فسد ذريعة إهانة القرآن بتحريم السفر به لأرض العدو.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (خالفوا اليهود) ، وقوله: (إن اليهود لا يصبغون فخالفوهم) وقوله: (إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم) ، وقوله: (خالفوا اليهود صوموا يومًا قبله ويومًا بعده) ، وخالفهم في سدل الرأس بالفرق، وقال: (من تشبه بقومٍ فهو منهم) كل ذلك لأن المشابهة في الهدي الظاهر ذريعة للمشابهة في القصد والعمل، فمن اتفقت ظواهرهم فإنه غالبًا ما تتفق بواطنهم، والله أعلم.
ومنها: أن الشريعة حرمت على المرأة الخروج وهي متطيبة سدًا لذريعة ميل الرجال لها المؤدي لما هو معروف.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تقدموا رمضان بصوم يومٍ أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صومًا فليصمه) ونهى عن صوم يوم الشك لئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه.
(2/57)

ومنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تختصوا ليلة الجمعة بقيامٍ من بين سائر الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين سائر الأيام إلا إذا وافق صوم يومٍ يصومه أحدكم فليصمه) فنهى عن صيامه منفردًا وعن قيام ليلته من بين سائر الليالي سدًا لذريعة تعظيمه تعظيمًا خارجًا عن الحد المشروع (1) .
ومنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر عائشة - رضي الله عنها - أنه يفضل هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم وأن يجعل لها بابين بابًا يدخل الناس منه وباب يخرجون منه، لكن في هذا الفعل مفسدة وهو خوفه - صلى الله عليه وسلم - من افتتان من هو حديث عهدٍ بجاهلية، فترك هذا الفعل سدًا لذريعة وقوعهم فيما هو أشد مفسدة من مراعاة المصلحة المترتبة عليه.
ومنها: أن الصحابة وعامة الفقهاء اتفقوا على قتل الجميع بالواحد لئلا يكون عدم القصاص ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء.
ومنها: أنه حرم الغيبة والنميمة؛ لأنها ذريعة لاختلاف القلوب وفسادها وحرم الهجران في أمور الدنيا فوق ثلاث ليال؛ لأنه ذريعة إلى التفكك والانهزام والتنازع، فكل سبب يفسد ذات البين بين المسلمين فهو حرام، والله أعلم.
ومنها: أن الشريعة منعت من قبول شهادة العدو على عدوه لئلا يكون ذريعة لنيل غرضه وشفاء غيظه بالشهادة الكاذبة، وكذلك منعت من قبول شهادة القريب لقريبه لئلا يكون ذريعة لمحاباته بها وهي كاذبة (2) .
ومنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المصلي إذا نعس وهو يصلي أن يرقد حتى يذهب عنه النوم سدًا لذريعة اختلاط الأمر عليه، فيذهب يريد أن يستغفر فيسب نفسه وهو لا يشعر لغلبة النوم.
__________
(1) ولئلا يرهق نفسه بالقيام فتفوته الجمعة، أما الصيام فلما ذكر ولئلا يكسل عن الطاعات منه بسبب صيامه. والله أعلم.

(2) في هذا الفرع خلاف انظر اختيار شيخ الإسلام والشيخ ابن عثيمين.
(2/58)

ومنها: أنه نهى عن البراز في قارعة الطريق والظل لئلا يستجلب لنفسه لعنة الناس كما في الحديث.
والفروع كثيرة لا تكاد تحصى كثرة، وقد استفاض فيها الإمام العلامة ابن القيم في كتابه: (إعلام الموقعين عن رب العالمين) ، فإنه قد ذكر تسعة وتسعين وجهًا على ذلك ثم قال بعدها: (وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف فإنه أمر ونهي والأمر نوعان أحدهما: مقصود لنفسه. والثاني: وسيلة إلى المقصود والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه. والثاني: ما يكون وسيلة للمفسدة فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين) ا. هـ كلامه وما ذكرته من الفروع إنما هو منه - فرحمه الله رحمة واسعة -، والله أعلم.

القاعدة التاسعة والثلاثون
39 - كل حيلة يتوصل بها إلى إحقاق باطل أو إبطال حق فهي حرام
اعلم أن قاعدة تحريم الحيل وسد أبوابها إنما هي متفرعة من قاعدة سد الذرائع، وهي من كمال الشريعة الإسلامية؛ لأنه كما ذكرنا أن الشريعة إذا سدت بابًا من أبواب المحرمات فإنها تسد جميع الطرق المفضية إليه، لكن علم الله جل وعلا في علمه الأزلي أن بعض الناس لا يسلك الطرق الواضحة للوصول إلى الحرام، وإنما يسلك طرقًا تكون في ظاهرها لا بأس بها لكن هو يقصد بها التوصل إلى الحرام، إما إلى إحقاق باطلٍ أو إبطال حقٍ، فهذا هو الحيلة، وهي في الشريعة حرام بل أشد تحريمًا من سلوك الطرق الواضحة؛ لأن المحتال يخيل لنفسه أن أحدًا لم يعلم بقصده وحيلته، ولا يعلم هذا المسكين أن الله تعالى يعلم السر وأخفى، فهو مخادع لنفسه ومخادع للمؤمنين ومخادع لله تعالى، فهي ظلمات بعضها فوق بعض - والعياذ بالله تعالى -، والأدلة على تحريم الحيل كثيرة جدًا نذكر طرفاً منها على هيئه فروع، فأقول وبالله التوفيق:
(2/59)

منها: قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} والحيلة نوع من أنواع المخادعة، وكل آية فيها ذم المخادعة والمكر فهو دليل على تحريم الحيل.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل) وهو نص صريح صحيح في تحريم الحيل والإخبار أنها من طباع اليهود.
ومنها: حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام) . فقيل: (يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس) . فقال: (لا هو حرام) ، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك: (قاتل الله اليهود إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومها - أي الميتة - جملوه فباعوه فأكلوا ثمنه) .
فانظر كيف احتال اليهود على ربهم جل وعلا فإنهم في الظاهر لم يبيعوا الشحم الذي حرم عليهم، وإنما باعوه دهنًا أي بعد إذابته فلعنوا بارتكابهم ما نهوا عنه؛ لأنهم احتالوا فلم تنفعهم حيلتهم شيئًا، فالحرام هو الحرام والحيلة باطلة.
(2/60)

ومنها: قوله تعالى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ... } الآيتين بعدها. قال المفسرون: أن هؤلاء طائفة من بني إسرائيل حرم الله عليهم صيد الحيتان يوم السبت، فامتثلوا في أول الأمر، فكان من فتنة الله لهم أن الحيتان لا تظهر وتقترب من شواطئهم إلا يوم السبت وتختفي في غيره فتحايلوا على ذلك فقالوا: نضع شباكنا يوم الجمعة ونأخذها يوم الأحد فلا نكون قد باشرنا الصيد يوم السبت وإنما الحيتان هي التي وقعت في الشباك بنفسها، فلما فعلوا ذلك جاءهم الناصحون والمنكرون فأبوا فنزل العذاب بهم، ومن المعلوم أن العذاب لم ينزل إلا لارتكابهم ما نهوا عنه، وهم في الظاهر لم يباشروا الصيد بأيديهم يوم السبت لكن لما نزل العذاب بهم علمنا أنهم ارتكبوا عين ما نهوا عنه وأن حيلتهم لم تنفعهم شيئًا، فهذا من أقوى الأدلة على تحريم الحيل.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لعن الله المحلل والمحلل له) والمراد بالمحلل - بالكسر - هو من يتزوج المرأة المطلقة ثلاثًا بقصد تحليلها لزوجها لا نكاح رغبة، وهو التيس المستعار والمحلل له - بالفتح - هو زوج المرأة الأول الذي بَتَّ طلاقها، وكلاهما ملعونان بنص الحديث؛ لأنهما احتالا على الشريعة لإحلال المرأة المطلقة لزجها الأول، وهي حيلة لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالاً، فإن المرأة التي نكحت نكاح تحليل لا تحل لزوجها الأول بهذا النكاح وهو اختيار شيخ الإسلام أبي العباس بن تيمية، وابن القيم وغيرهما، مما يدل على أن الحيل باطلة وأن صاحبها قريب من لعنة الله - والعياذ بالله تعالى -.
(2/61)

ومنها: إجماع الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - على تحريم الحيل وإبطالها وإجماعهم حجة قاطعة، بل هي من أقوى الحجج وآكدها، فقد ثبت عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا أوتى بمحللٍ ولا محللٍ له إلا رجمتهما) ولم ينكر عليه أحد وأفتى عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر أن المرأة لا تحل بنكاح تحليل ظن وغيرهم في صور كثيرة ينهى فيها الصحابة على سلوك الحيل ويشددون فيها تشديدًا بالغًا مما يدل على اتفاقهم على ذلك.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أنسٍ الطويل في مقادير الزكاة: (ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) وهذا نص في تحريم الحيلة المفضية إلى إسقاط الزكاة أو إنقاصها، فمثال الأولى: أن يكون ثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاةً متفرقة فيجمعوها لتكون مائة وعشرين فلا يخرجون منها إلا شاةً واحدة فقط، فرارًا منهم من إخراج ثلاث شياة؛ لأن في كل أربعين شاةً شاةٌ، ومثال الثانية: أن يشترك اثنان في أربعين شاة لكل واحد منهما عشرون، فيفرقون مالهم حتى لا يجب عليهم شيء فرارًا من وجوب الواحدة، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك سدًا لباب الحيل المحرمة.
(2/62)

ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم) فحرم علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما صدناه وتمم ذلك بسد باب الحيلة بتحريم ما صيد لأجلنا، حتى لا يتحايل بعض الناس على ذلك بأمر الحلال أن يصيد له، فانظر كيف حرم الشيء ومن ثَمَّ سد جميع أبوابه ولذلك لما أهدى الصعب بن جثامة للنبي - صلى الله عليه وسلم - حمارًا وحشيًا رده وقال له: (إنا لم نرده عليك إلا أنا قوم حرم) متفق عليه، وفي حديث أبي قتادة في صيده الحمار الوحشي: (هل أحد منكم أمره أو أعانه أو أشار له بشيء) . فقالوا: لا. فقال: (كلوا ما بقي) وهو متفق عليه أيضًا، والله أعلم.
(2/63)

ومنها: تحريم الهدايا للعمال، كالحكام أو القضاة وكذلك أصحاب الديون، فهو لا يجوز لهم قبول الهدية؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، فقد تؤدي إلى عدم الحكم بالحق وإلى المماطلة في سداد الدين، فهي تؤدي إلى إبطال الحق، فهي بهذا الاعتبار حيلة محرمة وفي الحديث: (هدايا العمال غلول) ، وروى ابن ماجة في سننه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك) وفي صحيح البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى قال: (قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي: إنك بأرضٍ الربا فيها فاشٍ فإذا كان لك على رجلٍ حق فأهدى إليك حمل تبنٍ أو حمل شعير أو جمل قَتٍّ فلا تأخذه فإنه ربًا) ، وفي سنن سعيد هذا المعنى عن أبي بن كعبٍ، وجاء عن ابن مسعود أيضًا نحو هذا المعنى، وأتى رجل عبد الله بن عمر فقال: (إني أقرضت رجلاً بغير معرفة فأهدى إليَّ هدية جزلة) . فقال: (رُدَّ عليه هديته) فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن قبول هدية المقترض قبل الوفاء لما في ذلك من إبطال الحق، ولا يعرف ذلك حقًا إلا من كان صاحب ولاية ثم أهدي إليه فجاء صاحب الهدية بما يوجب عقابه فإن صاحب الولاية قد مُلِكَ قلبه بهذه الهدية بحيث لا يصدق في حكمه عليه أو يحاول البحث عن الأعذار له بأي طريق، فسدت الشريعة هذا الباب سدًا منيعًا بتحريم الإهداء لأصحاب الولايات وأصحاب الديون قبل وفائها، والله أعلم.
ومنها: حديث ابن عمر - رضي الله عنه - في تحريم بيع العينة، فإن العينة مبادلة مالٍ بمالٍ بينهما سلعة، فالسلعة إنما جعلت بين المالين الربويين من باب الحيلة فقط، فلم تنفع صاحبها في إحلال الحرام، فهي ربًا وإن وقعت على أي صورة، وهو قول أكثر العلماء واختيار الشيخ تقي الدين ابن تيمية.
(2/64)

ومنها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله) رواه الخمسة إلا ابن ماجه، فإن تعمد أحدهما لمفارقة صاحبه تقطع على الآخر حقه في خيار المجلس وتوجب البيع ففيها ضرر، فهي حيلة لإسقاط خيار المجلس الذي هو حق لهما فلا تجوز، وأما فعل ابن عمر فيجاب عنه بأنه لا حجة لفعل أحدٍ ولا لقوله مع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو لأن ابن عمر لم يبلغه النهي وهذا هو الظن في هذا الصحابي الذي هو من أحرص الصحابة اتباعاً للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فلو أن النهي عن المفارقة بلغه لامتثل، والله أعلم.
فهذه بعض الأدلة على تحريم الحيل، وبها يتبين للمنصف أن تحريم الحيل أصل من أصول الشريعة، وأن القول بجوازها ظلم لا تأتي الشريعة به أبدًا، بل إن القول بجوازها فيه انتهاك لحجاب المحرمات وخوضٍ في حماها، ولذلك قال الناظم:
ولا تجوز الحيلة المحرمة ... ومن يقل تجوز قل ما أظلمه
ويشير الناظم في البيت إلى قول من قال بجوازها واستدل بأدلة من الكتاب والسنة، وكل أدلتهم لا تصلح دليلاً لما أرادوه، وقد تولى الإمام ابن القيم الرد على استدلالهم بها ردًا محكمًا بديعًا لم يسبق إليه، فارجع إليه إن شئت فإن ما كتبته في هذه القاعدة إنما هو نصف نقطةٍ في بحر ما كتبه - رحمه الله رحمة واسعة -.
وهنا مسألة مهمة جدًا قد يظن البعض أنها من الحيلة المحرمة وليست كذلك وهي مسألة التورق، وهي أن يشتري الإنسان سلعة بأجل بقصد بيعها والانتفاع بثمنها.
(2/65)

فهل يجوز أو لا؟ فيه خلاف بين العلماء فقد كرهها عمر بن عبد العزيز وقال: هو أخية الربا، وهي رواية عن أحمد واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية فقد ثبت أنه كان يمنع منها، وقال ابن القيم عنه إنه روجع فيها مرارًا وأنا حاضر فلم يرخص فيها، واستدلوا على تحريمها بأنها من باب بيع المضطر وقد نهي عنه كما رواه الإمام أحمد في المسند بسندٍ فيه ضعف؛ ولأن المعنى الذي من أجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها والخسارة فيها، فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه.
وذهب كثير من العلماء إلى جوازها وهي رواية عن الإمام أحمد، وهو الذي عليه الفتوى في البلاد السعودية - حفظها الله تعالى - وهو الراجح - إن شاء الله تعالى - (1) ، وذلك لأن الأصل في البيوع الحل والإباحة إلا بدليل، ولا دليل يمنع منها، وأما حديث النهي عن بيع المضطر فهو حديث ضعيف هو وشاهده من حديث حذيفة كلاهما ضعيف؛ ولأن فيه من التوسعة على الناس ما لا يعرفه إلا من احتاج ولم يجد من يعطيه بلا زيادة، وأما الزيادة في السلعة فهي من أجل الأجل لا لأنه مضطر فيستفيد البائع بالزيادة، ويستفيد المشتري بالتأجيل، وهذا البيع هو المعروف عندنا ببيع التقسيط، ففيه زيادة من أجل التأخير، وقد أفتى العلماء بجوازه، لكن بعضهم شدد فيما إذا حصل اتفاق بينهما قبل شراء السلعة فحرمه حينئذٍ بعضهم (2)
__________
(1) من أجازها من أهل العلم عندنا اشترطوا لجوازها شروطاً. انظر الشرح الممتع للشيخ العثيمين. (ص 231) .
(2) انظر الشرح الممتع للشيخ العثيمين فقد قال بتحريم ذلك وشدد فيه. (ص 366) ، والذي يظهر الجواز لدليل: مع الجمع بالدراهم وللحاجة وللآية " إلى أجل مسمى ".
(2/66)

؛ لأن المقصود هو الزيادة والسلعة جعلت بينهما من باب الحيلة، وبعضهم أجازها وإن حصل اتفاق بينهما ولكن بلا إلزام في إمضاء البيع، وعلى كل حالٍ فمسألة التورق الجائزة فيها توسعة على الناس لكن ينبغي أن تكون الزيادة مناسبة للأجل طولاً وقصرًا حتى لا يتضرر أحدهما. أما من شبهها بالعينة فقد أخطأ؛ لأن البائع الأول في العينة هو المشتري بأقل، وأما في مسألة التورق فالبائع الأول انتهت علاقته بالمشتري بعد نقل السلعة إلى حيازته بما هو متعارف عليه بين التجار ثم يتصرف المشتري فيها بما شاء، فإن شاء إمساكها فله ذلك، وإن شاء بيعها فله ذلك، وبيعها والانتفاع بثمنها هو مسألة التورق، والمضطر للبيع والشراء إذا لم يجد أحدًا يشتري منه أو يبيعه لاضطراره لازداد اضطراره، والمقصود أن مسألة التورق ليست من الحيل المحرمة، بل هي الطريق السليم لمن احتاج إلى المال ولم يجد من يقرضه قرضًا حسنًا، والله تعالى أعلم.

القاعدة الأربعون
40 - إدراك العبادات التي تفوت بغير بدل أولى من إدراك ما يفوت إلى بدل
وهي من قواعد أبي العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - وهي تنفع طالب الفقه جدًا في حال تعارض العبادات.
فأقول: اعلم - رحمك الله تعالى - إن العبادات إذا فاتت لا تخلو من حالتين:
(2/67)

إما أن تفوت إلى بدلٍ، وإما أن تفوت إلى غير بدل، والأصل عدم البدل إلا بدليل صحيح، فإذا تعارضت عبادتان لا يمكن الجمع بينهما بل يلزم من فعل إحداهما تفويت الأخرى، فننظر أوجه التفاضل بينهما، ومن ذلك عظم المصلحة وقلتها، فإذا كان مصلحة إحدى العبادتين أكبر من الأخرى فنقدم الأولى، ومن ذلك ما يكون له بدل مما لا بدل له فنقدم العبادة التي لا بدل لها على التي لها بدل، وهذا هو نص القاعدة، وهو مقتضى الفقه، ويدل على ذلك أن ما يفوت إلى بدل لا تفوت مصلحته، أعني إن فاتت مصلحة أصله فإنه يحل محلها مصلحة بدله، فهو متردد بين المصلحتين إن فاتت إحداهما حلت الأخرى محلها، وأما ما يفوت إلى غير بدل فإن مصلحته تفوت بفواته وليس لها بدل يقوم مقامها، فالقول بتقديمها فيه جمع بين المصلحتين بين مصلحة العبادة التي تفوت إلى غير بدل وبين مصلحة العبادة التي تفوت إلى بدل، إما أن يدركها هي بعينها أو يدرك بدلها، فلاشك أن إدراك ما يفوت أصلاً بلا عوض عنه أولى من الحرص على ما يفوت إلى بدل، هذا من ناحية التنظير والتدليل، أما من ناحية التفريع فهي كثيرة ومن ذلك إذا تعارضت قراءة القرآن مع إجابة المؤذن إذا أذن المؤذن وهو يقرأ القرآن فهل يستمر في القراءة أم يقطعها ويردد وراء الآذان؟
الجواب: أن قراءة القرآن إن فاتت فإنها تفوت إلى بدل وهو أن يقرأ بعد الأذان فهي لا تفوت، وأما إجابة المؤذن فإنه إن فات فإنه يفوت إلى غير بدل فحينئذٍ فتقديم عبادة الترديد وراء المؤذن أولى من قراءة القرآن؛ لأن العبادة التي تفوت إلى غير بدل أولى بالتقديم.
ومنها: صلاة المتطهر بالماء إذا عدمه وكان حاقنًا هل تقدم على عبادة الخشوع وحضور القلب؟ أم يذهب الإنسان ويحدث ويتيمم ويصلي بالتيمم؟
(2/68)

الجواب: أن الطهارة المائية إذا فاتت فإنها تفوت إلى بدل وهو الطهارة الترابية، أما الصلاة حاقنًا فإنها مَذْهَبةٌ للخشوع وحضور القلب، وعبادة الخشوع وحضور القلب لا بدل لها، إذ لا بدل يقوم مقام الخشوع، فعلى هذا فنقول: يحدث ويتيمم ويصلي؛ لأن إدراك الخشوع الذي لا بدل له أولى من إدراك الطهارة المائية التي لها بدل.
ومنها: من المعلوم أن السنة صلاة النافلة في البيت لحديث زيد بن ثابت مرفوعًا: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) وحديث ابن عمر في الصحيحين قال: (حفظت من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر ركعات، ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل صلاة الصبح) وفي رواية: (ركعتين بعد الجمعة في بيته) فالقاعدة المتقررة أن صلاة النافلة في البيت أفضل، لكن إذا كان في صلاتها في البيت تفويت للصف الأول فحينئذٍ ننظر، فإن صلاة النافلة إذا فاتت في البيت فإنها تدرك في المسجد فهي تفوت إلى بدل وأما الصف الأول فإنه إذا فات لا يدرك أي إلى لا بدل له فعلى هذا فيصلي من خشي فوات الصف الأول في المسجد تفاديًا من فوات ما لا بدل له.
ومنها: الآفاقي الذي قدم مكة هل الأفضل له كثرة الصلاة أو
الطواف؟
الجواب: إن الصلاة إذا فاتت فإنها تفوت إلى بدل لتمكنه من الصلاة في بلاده بعد رجوعه ولا يشترط لصحتها أن تكون في المسجد الحرام فهي تفوت إلى بدل وأما الطواف بالبيت فإنه لا يمكنه ذلك إلا في البيت الحرام فقط فلا طواف إلا بالبيت فإذا فوت الطواف فإنه لا يعوض ببدلٍ عنه وعلى هذا الاستكثار من الطواف بالبيت للآفاقي أفضل من الاستكثار من الصلاة نفلاً؛ لأن الصلاة تفوت إلى بدل والطواف يفوت إلى غير بدل.
ومنها: لو تعارض الطواف وصلاة التراويح للمقيم بمكة إما لأهلها أو لمن نوى الإقامة المطلقة عندهم، فهل الأفضل صلاة التراويح أو الطواف؟
(2/69)

الجواب: صلاة التراويح أفضل؛ لأنها إن فاتت في رمضان فإنه لا يدركها في غيره وأما الطواف فإنه إذا فات فإنه يفوت إلى بدل وهو إمكانية الطواف في وقتٍ آخر؛ لأنه مقيم بمكة، وهذا الفرع عكس الفرع الذي قبله.
ومنها: الصائم إذا لم يتقو على إنقاذ المعصوم من الهلكة إلا بإفساد الصوم فهل الأفضل إتمامه أم إنقاذ المعصوم؟
الجواب: إن الصوم إذا أفسده فإنه له بدل وهو القضاء فيقضي عدةً من أيامٍ أخر وأما النفس المعصومة إذا فاتت فإنها تفوت إلى غير بدل، فتقديم مصلحة حفظ النفس ومراعاتها أولى من مراعاة حرمة الصوم لأن الأولى لا بدل لها والأخرى لها بدل.
ومنها: جواز الانتقال إلى التيمم في شدة البرد الذي يخاف منه على النفس أو الطرف، ذلك لأن النفس أو الطرف لا بدل له، وأما الطهارة بالماء فلها بدل وهو التيمم بل هذا الفرع عام فالإنسان يجوز له الانتقال إلى التيمم عند عدم الماء حقيقة أو حكمًا، أما عدمه حقيقة فبأن لا يجده أصلاً، وأما عدمه حكمًا فكالمريض الذي يزيده استعمال الماء في مرضه أو يؤخر برؤه، وكالمرأة التي لا تجد طريقًا إلى الماء إلا بالمرور على فساقٍ تخاف منهم على عرضها فإن العرض إذا انتهك فلا بدل له.
وعلى ذلك فقس، والله أعلى وأعلم.
(2/70)

القاعدة الحادية والأربعون
41 - تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز
وهي قاعدة أصولية، لكنها من أهم القواعد التي ينبغي عدم إهمالها، ويقبح بطالب العلم جهلها لكثرة الفروع المخرجة عليها. وهي قاعدة تشتمل على بحثين:
الأول: تأخير البيان عن وقت الحاجة. والثاني: تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. فأما الأولى: فاعلم أنه لا يجوز تأخر البيان عن وقت الحاجة باتفاق العلماء إلا على قول من قال بجواز التكليف بالمحال، لكن اتفقوا جميعًا على أنه غير واقع شرعًا وذلك لقوله تعالى: {ثمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ، ولقوله تعالى: {وَأنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ، ولأن الإتيان بالشيء مع عدم العلم به محال، إذ من شروط التكليف العلم بالمكلف به، والتكليف بما لا يُعلم تكليف بما لا يطاق، وقد قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها} وهذا ليس من وسعها، وقد نقل القاضي في مختصر التقريب إجماع أرباب الشرائع على ذلك، وبما أنها مسألة متفق عليها بين العلماء فلا داعي للإطالة فيها. وأما البحث الثاني: فهو في حكم التأخير عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فهذا فيه خلاف طويل بين الأصوليين، والقول الراجح طلبًا للاختصار هو القول بجواز ذلك، وهي الرواية المشهورة في المذهب سواءً كان اللفظ المبيَّن عامًا أو مجملاً أو مطلقًا فيجوز تأخير تخصيصه أو توضيح المراد منه أو تقييده عن وقت الخطاب به إلى وقت الحاجة وهو قول بعض الشافعية والمالكية وبعضهم منع ذلك، لكن الصواب ما رجحناه وذلك للدليل الأثري والنظري، فأما الأثري فقوله تعالى: {كِتَابٌ أحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} وقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} فرتب
(3/1)

تفصيل الآيات على أحكامها وبيان القرآن على القراءة بحرف (ثم) وهي تفيد التعقيب مع التراخي وذلك يقتضي جواز تأخير البيان، وقد أجمعنا على عدم جوازه عن وقت الحاجة، فلم يبق إلا جوازه إليها وهو المطلوب.
ومن الأدلة أيضًا: قصة بني إسرائيل لما أمرهم الله تعالى بذبح البقرة فإنه أخر بيانها أعني بيان صفتها حتى راجعوه فيها مرارًا وذلك في قوله تعالى: {وَإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} إلى قوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} وذلك يدل على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة (1) .
ومن الأدلة أيضًا: أن الله تعالى أخر بيان أن ابن نوحٍ ليس من أهله إلى وقت الحاجة وذلك أنه سبحانه قال لنوح - عليه السلام -: {اصْنَعْ الْفُلْكَ} وأمره أن يحمل فيها من كلٍ زوجين اثنين وأهله، وهو عام في ابنه وغيره فلما أدرك ابن نوحٍ الغرق خاطب نوح ربه عز وجل فيه بقوله: {إنَّ ابْنِي مِنْ أهْلِي وَإنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} أي وعدتني أن تنجيني وأهلي وأنت أهلكته فأنجه، فقال سبحانه: {إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ} فسكت نوح بعد أن سمع ما سمع خائفًا مستغفرًا، فهذا من تأخير البيان إلى وقت الحاجة.
__________
(1) في هذا الإستدلال نظر لأن الأصل الأمر ببقرة مطلقه فلما شددوا شدد الله عليهم.
(3/2)

ومن الأدلة أيضًا على ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر بيان كثير من الأحكام إلى وقت الحاجة، فمن ذلك: أنه أخر بيان قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ... } فاقتضت الآية أن جميع الغنيمة لهذه الأصناف، ثم بين بعد ذلك أن السلب للقاتل، وأن المراد بذي القربى بنو هاشم، وبنو المطلب بن عبد مناف وإخوته هاشم ونوفل وعبد شمس، وذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام) .
ومنها: قوله تعالى: {وَآتَوْا الزَّكَاةَ} فقد بينه - صلى الله عليه وسلم - مؤخرًا بقوله: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًا العشر، وفيما سقي بالسواني نصف العشر) وقال: (في كل أربعين شاة شاة) وبين نصاب الإبل والبقر والذهب والفضة وعروض التجارة والركاز وغيره من الأموال الزكوية، فكل ذلك يُعَدُّ بيانًا لقوله تعالى: {وَآتَوْا الزَّكَاةَ} .
ومنها: قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} فإنه - صلى الله عليه وسلم - أخر بيانه بفعله إلى أن حج حجة الوداع فكان كلما انتهى في حجته من نسك قال: (خذوا عني مناسككم) .
ومنها: قوله تعالى: {وَأقِيمُوا الصَّلاةَ} فإنه قد بينه جبريل - عليه الصلاة والسلام - بفعله في اليومين، وكل ذلك كان متأخرًا عن وقت الخطاب، كما في حديث نافع بن جبير بن مطعم قال أخبرني ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أمني جبريل …) الحديث الطويل، وفي آخره أنه قال له: (يا محمد الوقت بين هذين) وهذا كله حصل متأخرًا.
(3/3)

وأما النظر فلأن الحاجة للبيان لا تكون إلا عند الحاجة للعمل، فعندها حينئذٍ يحتاج المكلف إلى البيان، أما قبله فإنه لا يحتاجه إلا للعلم والمعرفة فقط، فلا يستحيل عقلاً أن يتأخر البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة لعدم الحاجة، وهذا من اتفاق العقل والنقل، وعلى هذا نقول باختصار: إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بالاتفاق، وأما تأخير البيان إلى وقت الحاجة فجائز على الصحيح.
وفي ذلك قال الناظم في المنظومة السنية:
ويحرم التأخير في البيان عن ... توقيته ليس إليه فافهمن
وإتماماً للفائدة نذكر بعض الفروع على هذه القاعدة حتى تتضح أكثر فأقول:
منها: أنه يستدل على طهارة ما صاده الكلب وأنه لا يجب غسله أعني غسل ما صاده سبعًا إحداها بتراب، يستدل على ذلك بقوله تعالى: {مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} فأمر بالأكل مما صاده الكلب وأمر بذكر اسم الله عليه، ولم يأمر بغسل الصيد مما يدل على عدم وجوبه إذ لو كان واجبًا لذكره لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وكذلك في حديث عدي ابن حاتم أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صيد الكلب فقال: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل) فرتب الأكل على أمرين على قصد الإرسال مع ذكر اسم الله عليه، ولم يذكر اشتراط غسل ما صاده مما يدل على عدم وجوبه إذ لو كان واجبًا لذكره؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ ولأن هذا حكم تعم به البلوى أعني الصيد بالكلاب ويحتاج إلى بيان فلما لم يبين ذلك دل على عدم وجوبه إذ لا يمكن إهماله مع شدة الحاجة إليه وهذا هو الراجح؛ ولأنه فعل يتكرر فيشق فأوجب التخفيف؛ لأن المشقة تجلب التيسير.
(3/4)

ومنها: استدل بعض العلماء على وجوب الزكاة في الحلي المستعمل بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في قصة المرأة التي أتت بابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب فقال: (أتؤدين زكاة هذا) ؟ قالت: لا. قال: (أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار) فأخذتهما فألقتهما، فقالت: هما لله ورسوله.
وأجاب المانعون عن الاستدلال بذلك بأن الزكاة المدنية شرعت ذات أنصبة محددة لا يجب على المرء ما زاد عنها، ونصاب الذهب والفضة ربع العشر، فلو كان المراد بقوله: (أتؤدين زكاة هذا) الزكاة المدنية لنبه هذه المرأة على أن الواجب فيها إنما هو ربع العشر وليس كلها؛ لأنها تجهل الحكم أصلاً وتحتاج إلى بيان (1) ، فلما لم يبين ذلك دل على أن المراد هو الزكاة0 المكية التي تجب في القليل والكثير حتى في الماعون، ذلك لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فإن قيل: هي تصدقت به كله فأدت الواجب وزيادة.
فنقول: حتى وإن سلمنا هذا فإن المأخذ هو أنها تجهل وجوب الزكاة في الحلي ولا تعرف أنصبائها من باب أولى، فتحتاج إلى بيان، فلما لم يكن ذلك دل على أن الزكاة المرادة هي الزكاة المكية وهي كمرحلة أولى للزكاة المدنية، فإن الزكاة المكية شرعت بلا أنصباء بخلاف الزكاة المدنية، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
__________
(1) ينازع في ذلك فقد يقال إنها تجهل حكم زكاة الحلي لأنه ملبوس. ولكن الأحاديث لا تخلو من مقال.
(3/5)

ومنها: ذهب بعض أهل العلم إلى أن مس المرأة ناقض للوضوء مستدلين بقوله تعالى: {أو لمستم النساء} وهي قراءة سبعية، وذهب البعض إلى أن مس المرأة لا ينقض الوضوء لحديث عائشة: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ) رواه أحمد وضعفه البخاري وغيره من الأحاديث، ولأن مس الرجل لزوجته ومسها له أمر مشهور تعم به البلوى، فلو كان ناقضًا للوضوء لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وأما الآية فالمراد باللمس الجماع للقراءة الأخرى: {أو لامستم النساء} والملامسة هي الجماع، وهذا هو الراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء إلا إذا خرج منه مذي أو مني، فلما حلَّ وقت الحاجة ولم يبين ذلك الحكم دل على عدم اعتباره ناقضًا للوضوء، والله أعلم.
ومنها: ذهب بعض العلماء أن أهل مكة يجمعون ويقصرون مع إمام الحج في المشاعر فيصلون الظهر والعصر جمعًا وقصرًا في عرفة، والمغرب والعشاء جمعًا وقصرًا في مزدلفة، ويصلون أيام منى قصرًا فقط،وهو اختيار أبي العباس – رحمه الله تعالى –، وذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - لما حج حجة الوداع حج معه أهل مكة، وكانوا يصلون وراءه، ولم يكن - عليه الصلاة والسلام - يأمرهم بالإتمام ولم يبين لهم وجوبه عليهم مما يدل على جوازه لأهل مكة في هذه الأماكن في أيام الحج، إذ لو كان القصر لا يجوز لهم لبين ذلك؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
(3/6)

وأما في غزوة الفتح فإنه كان يصلي بأهل مكة في مكة ويقول: (يا أهل مكة أتموا فإنا قوم سفر) فلما كان القصر لا يجوز لهم بين ذلك، ولما كان جائزًا ترك البيان، فترك الأمر بالإتمام في الحج دليل على جواز القصر في الحج لأهل مكة، والله أعلم. ومنها: أن بعض أهل العلم حرم أكل الضب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأكله، وهذا ليس بصحيح، بل الصواب جوازه؛ لأنه أكل على مائدته - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر، بل ثبت عنه أنه قال: (إني لا آكله ولا أحرمه) وإنما تركه النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا يؤكل بأرض قومه كما هو مصرح به في بعض الروايات، فلما أكل على مائدته وهو ينظر ولم ينكر دل ذلك على جوازه إذ لو كان حرامًا لبين ذلك؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
ومنها: ادعى بعض أهل العلم - رحمهم الله تعالى - وجوب الزكاة في الخضراوات لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة فيما خرج من الأرض، وقال بعض أهل العلم: ليس في الخضراوات زكاة ويروون في ذلك حديثًا فيه مقال عريض، وقالوا لو كانت الزكاة في الخضراوات واجبة لبين ذلك بيانًا شافيًا كافيًا، فلما لم يبين دل ذلك على عدم وجوبها فيها؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهو الراجح أن الخضراوات ليس فيها زكاة.
وجماع ذلك أن كل من ادعى وجوب شيءٍ أو اشترط شيء أو تحريم شيء وليس عليه دليل فإنه يقال له: هذا لم يبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يجب أو فلا يشترط أو فلا يحرم إذ لو كان ذلك كذلك لبينه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وعلى هذه الفروع فقس.

القاعدة الثانية والأربعون
42 - مباشرة الحرام للتخلص منه جائزة
اعلم أن القاعدة المتقررة عند العلماء أن الحرام لا تجوز مباشرته، أيًّا كان مأكولاً أو مشروبًا أو ملبوسًا أو مركوبًا أو مالاً أو نجاسةً ونحوها كل ذلك لا يجوز مباشرته.
(3/7)

ثم اعلم أن الحرام نوعان: إما محرم لحق الله تعالى، وإما محرم لحق المخلوقين، وكلاهما لا تجوز مباشرتهما بأي أنواع المباشرة، لكن استثنى العلماء من ذلك مباشرة واحدةً فقط، وهي المباشرة من أجل التخلص من الحرام توبةً لله تعالى، فيجوز للإنسان أن يباشر الحرام بهذه النية فقط دون غيرها، وقلنا: (توبةً لله تعالى) حتى يخرج من باشره بقصد التخلص منه حتى لا يكشف أو ليخفي معالمه، فهذا لا يجوز، لكن إذا باشره ليتخلص منه لأنه تاب منه أو لإزالته عنه فهذا جائز، وعلى ذلك الفروع الآتية:
فمنها: أن من اغتصب دارًا فإنه لا يجوز له المكث فيها لا ببقاءٍ ولا بتنقلٍ فيها لكن إذا تاب من غصبه ومشى للخروج منها فمشيه هذا مباشرة للحرام لكن هذه المباشرة ليتخلص منه فهي جائزة.
ومنها: من طلع عليه الفجر في رمضان وهو يجامع زوجته، فنزعه فهل تجب عليه الكفارة أم لا؟ فيه خلاف فالمشهور من المذهب أن النزع جماع، أي يأخذ حكم الجماع؛ لأنه يحصل منه من اللذة والحرارة ما يحصل في الإيلاج، فإذا كان مثله في اللذة فليكن مثله في الحكم، وقال بعضهم: إن النزع ليس بجماع؛ لأنه لما نزع ذكره من فرجها إنما نزعه ليتخلص من الحرام؛ لأن الجماع في نهار رمضان محرم، ولا طريق له للتخلص منه إلا بالنزع فأجزنا له مباشرة الحرام بهذه النية؛ لأن مباشرة الحرام للتخلص منه جائز.
ومنها: أن مباشرة النجاسة محرمة، لكن يجوز الاستنجاء بالماء أو الحجر أي إزالة الخارج بأحدهما ولا يكون ذلك حرامًا؛ لأنه من باب التخلص منها، إذ لا طريق للتخلص من النجاسة الخارجة من أحد السبيلين إلا بمباشرتها بالإزالة.
(3/8)

ومنها: لا يجوز للإنسان مباشرة الأموال التي اكتسبها من الربا، فلا يجوز له مباشرتها بالنفقة على نفسه ولا على ولده أو خادمه ولا يتصدق بها، ذلك لأنها أموال خبيثة لكن إذا تاب من الربا وأراد التخلص من هذا المال فله أن ينفقه في المرافق العامة كبناء المدارس وإصلاح الطرق ونحوه ولا يكون إنفاقه في هذه الحالة حرامًا؛ لأنه أنفقه للتخلص منه ومباشرة الحرام للتخلص منه جائزة.
ومنها: مباشرة المال المسروق بقصد التخلص منه برده إلى صاحبه جائزة؛ لأنها من هذا الباب، والله أعلم.

القاعدة الثالثة والأربعون، والرابعة والأربعون
43، 44 - يدفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما ويحصل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما
وهما قاعدتان من أعظم القواعد وأهمها وليس تأخيري لها مقصودًا، بل لأنني لا أراعي الترتيب بين القواعد وإنما أكتب ما يسنح بالبال منها على غايةٍ من الإعجال في وقتٍ قلَّ فيه المعين - فالله المستعان -، والمراد أن هاتين القاعدتين من أهم القواعد الأصولية الفقهية وعلينا أن نطنب في شرحها والتدليل لها مع التفريع.
(3/9)

فأقول: إن هذه الشريعة خير كلها ومصالح كلها وعدل كلها، فلم تدع خيرًا إلا دلت عليه ولا شرًا إلا حذرت منه وقد جاءت بأصلين عظيمين هما: تقرير المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - خيرًا إلا دلنا عليه ولا شرًا إلا حذرنا منه، فلا تجد فعلاً أو قولاً فيه مصلحة إلا والشريعة قد أمرت به أمر إيجاب أو استحباب، ولا فعلاً أو قولاً فيه مفسدة إلا والشريعة قد نهت عنه إما نهي تحريم أو كراهة فالواجب إذًا هو فعل المصالح كلها، واجتناب المفاسد كلها، بحيث لا يقر الإنسان على ترك مصلحة ولا فعل مفسدة، لكن هذا عند عدم تعارض المصالح والمفاسد، لكن لو قدرنا تعارض مصلحتين بحيث يؤدي فعلنا لأحدهما تفويت الأخرى، أو تعارض مفسدتين بحيث يؤدي ترك أحدهما إلى فعل الأخرى، ففي هذه الحالة تكون ملزمين بترك إحدى المصلحتين وبالوقوع في إحدى المفسدتين، فأي المصالح يقدم وأي المفاسد يجتنب هذا هو ما تجيب عليه هاتان القاعدتان، فالأولى: في تعارض المفاسد. والثانية: في تعارض المصالح.
فأما الأولى: فتقضي قضاءً جازمًا بأنه عند تعارض المفاسد فإنه ينظر فيهما هل هما متساويتان في المفسدة؟ أو أن إحداهما أشد مفسدة من الأخرى؟ فإن كانت هذه المفاسد متساوية فإن الإنسان يخير بترك أحدهما، إذ لا مرجح لإحداهما على الأخرى، أما إذا كانت إحداهما أشد مفسدة من الأخرى فإن الواجب هو اجتناب المفسدة الأشد بارتكاب المفسدة الأخف، وكذلك إذا تعارضت مصلحتان فإن الواجب حينئذٍ هو النظر بينهما هل هما متساويتان في المصلحة أو أن إحداهما أعظم مصلحة من الأخرى، فإن كانتا متساويتين في المصلحة فإن الإنسان يخير بفعل إحداهما إذ لا مرجح لإحداهما على الأخرى، هذا على تقدير استواء المصالح والمفاسد وإلا فالمراد إنما هو التقسيم وحصر الأصناف فقط.
(3/10)

أما إذا كانت إحداهما أعظم مصلحة من الأخرى فإن المشروع حينئذٍ هو فعل ما كانت مصلحته أكبر بتفويت ما كانت مصلحته أقل.
وقد دل على هاتين القاعدتين أدلة كثيرة من النقل والعقل، فأما من النقل:
فمنها: قوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} فهنا عندنا مفسدتان ومصلحتان، فالمفسدة الأولى: هي ترك سب آلهة المشركين المجرد. والثانية: سب الله تعالى. والمصلحة الأولى: هي سب آلهة المشركين المجرد. والثانية: تركهم سب الله تعالى، والمفاسد والمصالح هنا متعارضة، فغلب الله تعالى ترك أعلى المفسدتين الذي هو سب الله تعالى بفعل الصغرى وهو ترك سب آلهة المشركين، ذلك لأن ترك سب آلهتهم وإن كان فيه مفسدة لكن أقدمنا عليه؛ لأن في فعله اقتحام مفسدة أكبر وهو سب الله تعالى، فتعارضت المفسدتان فراعينا الكبرى بفعل الصغرى؛ لأن الشريعة جاءت بتقليل المفاسد وغلب الشارع كذلك فعل أكبر المصلحتين على فعل أدناهما فقال: إن سبكم لآلهتهم مصلحة، وتركهم لسب إلهكم أيضًا مصلحة، ولكن المصلحة الثانية أعظم بكثير من المصلحة الأولى، فاتركوا المصلحة الصغرى التي هي سبكم لآلهتهم ليتحقق لكم المصلحة الكبرى وهو تركهم لسب إلهكم؛ لأنه إذا تعارضت مصلحتان روعي أكبرهما بتفويت أدناهما، وهذا من أقوى الأدلة على هذا الأصل.
(3/11)

ومن الأدلة أيضًا: قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ} فهنا عندنا مفسدتان ومصلحتان تعارضتا: فالمفسدة الأولى: هي نكاح الأمة، ووجه المفسدة فيها هو رق الولد واشتغالها بخدمة سيدها، فلا يحصل لزوجها من السكن إليها والإيواء ودوام المعاشرة ما تَقَرُّ به عينه، وتسكن به نفسه. والثانية: هي أنه لو لم ينكحها لخيف عليه من الوقوع في المحظور وهو الزنا أو اللواط أو نكاح اليد، فهنا مفسدتان تعارضتا فقدمت الشريعة اجتناب أشدهما بفعل أخفهما فأباحت نكاح الأمة بشرطه المعروف مع أنه مفسدة دفعًا للمفسدة الكبرى وهو الوقوع في الحرام. وأما المصلحتان المتعارضتان: فالأولى: حفظ النفس من الوقوع فيما حرم الله من الزنا ونحوه. والثانية: ترك نكاح الأمة، والأولى أكبر مصلحة فنظرت إليها الشريعة وغضت الطرف عن الأخرى فأجازت نكاح الأمة مراعاةً للمصلحة الكبرى وهو حفظ النفس من الوقوع في المحظور.
فهذه الآية وهذا الحكم من العلي الحكيم مبني على دفع أعظم المفسدتين بفعل أدناهما وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما.
(3/12)

ومنها: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ} إلى قوله تعالى: {فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فهنا فيه مفسدتان ومصلحتان تعارضتا: فالمفسدة الأولى: هي الأكل من الميتة. والثانية: مفسدة هلاك النفس وتلفها وقد تعارضتا هنا، فإن المضطر إذا لم يأكل من الميتة سيموت، ولاشك أن مفسدة تلف النفس أشد من مفسدة الأكل من الميتة فجوزت الشريعة ارتكاب أدنى المفسدتين الذي هو الأكل من الميتة دفعًا للمفسدة الكبرى الذي هو هلاك النفس. وأما المصلحتان المتعارضتان: فالأولى: مصلحة إحياء النفس وحمايتها من الهلاك. والثانية: مصلحة ترك الأكل من الميتة، ولاشك أن مصلحة إحياء النفس والمحافظة عليها من الهلاك أكبر من مصلحة ترك الأكل، فجوزت الشريعة ترك المصلحة الصغرى لتتحقق المصلحة الكبرى، والله أعلم.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها -: (لولا أن قومك حديثو عهد بكفرٍ لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم وجعلت لها بابين باب يدخل الناس منه وباب يخرجون منه) ففي هذا الحديث مفسدتان ومصلحتان متعارضتان: فالمفسدة الأولى: ترك البيت على وضعه الراهن. والثانية: افتتان الناس بهدم البيت،فارتكبت أدناهما وهي تركه على وضعه الراهن. وأما المصلحتان: فالأولى: بناء البيت على قواعد إبراهيم. والثانية: مصلحة عدم افتتان الناس عن الإسلام وتأليفهم عليه إلى أن يقر الإيمان في قلوبهم، ولاشك أن المصلحة الثانية هي الكبرى، فلما تعارضتا روعي أكبرهما بتفويت أدناهما، فترك البيت كما هو مراعاةً لمصلحة تأليف الناس على الإسلام، والله أعلم.
(3/13)

ومن الأدلة أيضًا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم المنافقين بأعيانهم وأخبر بهم حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - ومع ذلك لم يتعرض لهم بقتل، وذلك كله خشية أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه فيكون هذا الكلام منفرًا للناس عن الدين، فهنا مفسدتان ومصلحتان: فالمفسدة الأولى: افتتان الناس عن الإسلام ونفورهم منه. والثانية: الإبقاء على المنافقين وترك قتلهم مع أنهم يستحقون القتل لكفرهم في الباطن، لكن المفسدة الأولى أشد وقعًا فروعيت بارتكاب المفسدة الصغرى، دفعًا لكبرى المفسدتين بارتكاب أدناهما. وأما المصلحتان: فالأولى: تأليف الناس على الإسلام وهي المصلحة الكبرى. والثانية: إراحة الإسلام والمسلمين من المنافقين ودفع شرهم وأذاهم بقتلهم وهي الصغرى فروعيت المصلحة الكبرى بتفويت المصلحة الصغرى، والله أعلم.
(3/14)

ومنها: في الصحيحين من حديث أنس في قصة الأعرابي الذي دخل المسجد وبال فيه، فقام الصحابة ليضربوه فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وتركه يكمل بوله، ففي الحديث مفسدتان ومصلحتان: فالمفسدة الأولى: مفسدة تلويث المسجد بهذا الأذى والقذر. والثانية: مفسدة تنفيره عن الإسلام وإيغار صدره على من اعتدى عليه وتلويث مواضع من المسجد، ولاشك أن المفسدة الثانية أشد من المفسدة الأولى فروعيت المفسدة الكبرى بارتكاب الصغرى، فقال: (دعوه) أي لا بأس أن يرتكب هذه المفسدة، ولا تضربوه حتى لا يقع في المفسدة الكبرى. وأما المصلحتان: فالأولى: مصلحة صيانة المساجد من البول والأذى، وهي الصغرى، ومصلحة تأليفه على الإسلام، بل ومصلحة المحافظة على نفسه من تأذيه باحتباس البول، بل ومصلحة عدم انتشار البول في أكثر من بقعة في المسجد بسبب هروبه منهم، فهذه المصالح روعيت جميعها بتفويت المصلحة الصغرى التي هي صيانة المسجد من الأذى والقذر في هذه البقعة فقط؛ لأنه إذا تعارضت مصلحتان روعي أكبرهما بتفويت أصغرهما. والله أعلم.
ومنها: أن الأصل في الغيبة هي التحريم ولاشك، والأدلة على تحريمها من الكتاب والسنة معروفة مشهورة، لكن دل الدليل على جواز ذكرك أخاك بما يكره في أمور ستة معروفة.
ومنها: أنه إن سألك أحد عن شخص ليعرف حاله لتزويجه فإنه يجب عليك أن تبين له جميع ما تعرف عنه من أمور الشر (1) استدلالاً بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه) وهذا من باب الغيبة لانطباق تعريف الغيبة عليها، لكن جاز ذلك مع أن فيه مفسدة درءاً للمفسدة الأشد وهي تورط الناس بمن لا يصلح لهم خلقًا ودينًا، فروعيت هذه المفسدة بارتكاب أدنى المفسدتين.
__________
(1) بل تبين ما يكفي إبعادهم وتحذيرهم منه وأما الباقي فلا حاجة إلى ذكره.
(3/15)

وعلى ذلك قس بقية ما قال فيه العلماء إنه من الغيبة الجائزة، والله أعلم.
ومنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أصحابه عن كثرة سؤاله وكان يقول: (ذروني ما تركتكم) مع أن سؤاله عن بعض الأشياء فيه مصلحة لهم، لكن أيضًا مصلحة إبقاء الذمة بريئة من التكاليف أكبر، ذلك لأنهم لو أكثروا السؤال لشدد الله عليهم بكثرة التكاليف، فقال لهم: (ذروني ما تركتكم) ففوت المصلحة الصغرى التي هي زيادة علمهم لتتحقق المصلحة الكبرى وهي بقاء ذمتهم بريئة من التكاليف؛ لأنه إذا تعارض مصلحتان روعي أكبرهما بتفويت أصغرهما، والله أعلم.
ومنها: النهي عن الصلاة بعد العصر والفجر فيه مفسدتان ومصلحتان، فالمفسدتان هما: الأولى: ترك الصلاة النافلة بلا سبب. والثانية: التشبه بالمشركين في سجودهم للشمس في هذه الأوقات فروعيت هذه المفسدة الكبرى أعني مفسدة التشبه بالمشركين بارتكاب المفسدة الصغرى التي هي ترك الصلاة. وأما المصلحتان: فالأولى: فعل الصلاة النافلة في هذه الأوقات. والثانية: مصلحة عدم التشبه بالمشركين، ولاشك أن المصلحة الثانية أكبر فروعيت بتفويت المصلحة الصغرى تحقيقًا لهذا الأصل العظيم.
ومنها: النهي عن الصلاة حال حضور طعام تشتهيه أو وهو يدافع الأخبثين كما في حديث عائشة المشهور عند مسلم، فإن فيه مفسدتان: الأولى: مفسدة ذهاب الخشوع بسبب التفكير في الطعام ومدافعة الأخبثين. والثانية: مفسدة تأخير الصلاة عن أول الوقت أو تفويت الجماعة، لكن لاشك أن مفسدة ذهاب الخشوع الذي هو لب الصلاة وروحها أشد وأكبر من مفسدة فوات الجماعة فروعيت المفسدة الكبرى بارتكاب أدناهما وكذلك فيه مصلحتان: الأولى: الصلاة بخشوع القلب بسبب عدم الشواغل. والثانية: الصلاة في أول الوقت أو مع الجماعة، ولكن روعيت المصلحة الأولى بتفويت المصلحة الثانية؛ لأن الأولى أكبر من الثانية، والله أعلم.
(3/16)

ومنها: أنه يجوز لمن خاف تلف نفسه أو تلف عضوٍ من أعضائه باستعمال الماء لبردٍ ونحوه، أن ينتقل من الماء إلى التيمم كما في حديث عمرو ابن العاص الصحيح وإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - له على ذلك، فهنا فيه مصلحتان ومفسدتان، فالمصلحتان هما: الأولى: حفظ النفس. والثانية: الصلاة بالطهارة المائية، لكنهما متعارضتان فقدمت الشريعة مصلحة حفظ النفس والطرف على مصلحة الصلاة بالطهارة المائية؛ لأن حفظ النفس أهم وأكبر من مراعاة الصلاة بالوضوء؛ ولأن الماء له بدل وهو التراب لكن النفس لا بدل لها، فالمحافظة عليها أهم من المحافظة على الصلاة بالوضوء، وأما المفسدتان فهما: الأولى: تلف النفس أو الطرف. والثانية: الصلاة بالتيمم مع وجود الماء لكن الأولى أشد فروعيت بارتكاب الصغرى، هذا إذا سلمنا أن في الصلاة بالتيمم في هذه الحالة مفسدة، لكن المقصود مجرد التفريع، والله أعلم.
ومنها: أن من طلع عليه الفجر في رمضان وهو يجامع أهله فإنه يجب عليه النزع، ذلك لأن إبقاء الذكر في الفرج بعد طلوع الفجر مفسدة عظيمة وعاقبة وخيمة، ومفسدة نزعه صغيرة ولا حرج عليه فيها؛ لأنه يريد بها التخلص، فتعارضت مفسدة الإبقاء ومفسدة النزع فروعيت مفسدة الإبقاء؛ لأنها الأشد بارتكاب مفسدة النزع؛ لأنها الصغرى.
والأدلة الشرعية كثيرة جدًا، ونكتفي بهذا القدر.
وأما الدليل النظري فلأننا قررنا سابقًا أن الشريعة جاءت بتقرير المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارض مفسدتان إحداهما أكبر من الأخرى فلنا معها حالتان: الأولى: أن نحاول القضاء عليهما جميعًا وهذا هو الواجب عند القدرة عليه؛ لأنه تعطيل للمفاسد، وإذا لم نستطع تعطيلها بالكلية فإننا نحاول تقليلها ولا يكون ذلك إلا بارتكاب المفسدة الصغرى، واجتناب المفسدة الكبرى، وهذا من تقليل المفاسد.
(3/17)

وأما المصالح المتعارضة فالمشروع أيضًا فعلها كلها عند الإمكان، وإذا لم نستطع الجمع بينها فالذي ينبغي هو فعل ما كانت مصلحته أكمل؛ لأن ذلك من باب تكميل المصالح. فدار الأمر في هذين الأصلين بين شيئين: الأول: تقليل المفاسد، والثاني: تكميل المصالح، والله أعلم.
مسألة: ويدخل تحت هذه الأصول قواعد كثيرة:
منها: الضرر الأشد يدفع بالضرر الأخف.
ومنها: الضرر يدفع بقدر الإمكان.
ومنها: الضرر العام يدفع بالضرر الخاص.
ومنها: الضرر لا يزال بالضرر، وغيرها. ويبحثها العلماء تحت القاعدة الكبرى: (الضرر يزال) .
مسألة: جواز رمي الكفار الذين تترسوا بأسرى مسلمين هو من هذا الباب، فإن فيه مفسدتان ومصلحتان. فالمفسدة الأولى: مفسدة القضاء على المسلمين واستباحة ديارهم وأموالهم ونسائهم. والثانية: مفسدة قتل المتترس بهم، ولاشك أن المفسدتين متعارضتان، فإننا إذا راعينا عدم قتل الأسرى المسلمين فإن الكفار سيصلون إلينا ويفعلون بنا الأفاعيل، وإذا رميناهم ودافعنا عن أنفسنا فسنقتل إخواننا المساكين، فهما مفسدتان لابد من إحداهما، لكن مفسدة وصول الكفار إلينا والاستيلاء علينا أشد من مفسدة قتل الأسرى المتترس بهم؛ لأن الأولى ضررها عام، والثانية ضررها خاص، والضرر العام يدفع بالضرر الخاص، فجاز رمي الكفار الذين تترسوا بالمسلمين مع أن فيه مفسدة دفعًا للمفسدة العامة التي هي قتل المسلمين والاستيلاء عليهم.
وأما المصلحتان: فالأولى: مصلحة عدم قتل هؤلاء الأسرى المتترس بهم. والثانية: مصلحة أمن المسلمين والإبقاء عليهم في ديارهم، ولابد لفعل إحداهما من تفويت الأخرى فراعت الشريعة مصلحة حياة الأمة على مصلحة حياة البعض؛ لأنه إذا تعارضت مفسدتان روعي أعلاهما بتفويت أدناهما، والله أعلم.
(3/18)

وأحسب - إن شاء الله تعالى - أن هذين الأصلين قد اتضحا كل الوضوح - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلى وأعلم.

القاعدة الخامسة والأربعون
45 - كل وسيلة فإن حكمها حكم مقصدها
اعلم - رحمك الله تعالى - أن هذه الشريعة كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، ولا يخرج عنها شيء من الأشياء يحتاجه الناس في عباداتهم أو معاملاتهم إلا وله فيها حكم شرعي، ويفرق بين كونه وسيلةً أو مقصدًا،فإن كان مقصدًا من المقاصد فحكمه واضح؛ لأن الشريعة حرصت على تبيين أحكام المقاصد، وإن كان وسيلة فإنه يكون تابعًا لحكم قصده، فإن كان يقصد به حرامًا فهو حرام، وإن كان يقصد به واجبًا لا يتم إلا به فهو واجب، وإن كان يقصد به سنة فهو سنة، أو مكروهًا فهو مكروه أو مباحًا فهو مباح، ولا يخرج شيء عن هذه الأحكام الخمسة، وهذا من كمال الشريعة، فإنها إذا حرمت شيئًا حرمت جميع الوسائل المفضية إليه وإذا أوجبت شيئًا أوجبت جميع الوسائل التي لا يتم إلا بها وهكذا، ذلك لأن من تمام تحريم الشيء تحريم وسائله وسد جميع ذرائعه، ومن تمام إيجاب الشيء إيجاب جميع الأشياء التي يتوقف حصوله عليها، فيدخل تحت هذا الأصل الكبير قواعد كثيرة نأتي عليها قاعدة قاعدة بفروعها - إن شاء الله تعالى - فأقول:
القاعدة الأولى: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) : أي أن جميع الأشياء التي يتوقف عليه تحقق الواجب وصحته فهي واجبة إن كانت داخلة قدرة الإنسان وكان مأمورًا بتحصيلها، وأزيد الأمر وضوحًا فأقول: إن ما لا يتم الواجب إلا به قسمان:
الأول: أن لا يكون داخلاً تحت قدرة المكلف أصلاً كزوال الشمس لوجوب الظهر، وغروبها لوجوب المغرب، وحلول شهر رمضان لوجوب الصوم وهكذا فهذا لا يدخل تحت قاعدتنا.
(3/19)

الثاني: أن يكون داخلاً تحت قدرة المكلف واستطاعته فهذا لا يخلو إما أن لا يكون مطالبًا بتحصيله أو يكون مطالبًا بذلك، فإن لم يكن مطالبًا بتحصيله فهذا لا يدخل تحت قاعدتنا (1) وذلك كتحصيل النصاب لوجوب الزكاة، والإقامة لوجوب الصوم ونحو ذلك، وإن كان داخلاً تحت قدرة المكلف ومأمورًا بتحصيله فهذا هو المراد بهذه القاعدة، وخلاصة الكلام أن يقال: يشترط لتحقق هذه القاعدة شرطان: أن يكون الفعل داخلاً تحت قدرة المكلف، وأن يكون المكلف قد أمر بتحصيله، أي أن الفعل الذي لا يتم الواجب إلا به لا تعلق له بالوجوب أصلاً، بل له تعلق بالصحة مثلاً أو بإقامته ونحو ذلك وبالمثال يتضح المقال: فمن الأمثلة: الطهارة للصلاة، فإنه لا تتم الصلاة إلا بالطهارة الكاملة فتكون الطهارة مأمورًا بها لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لكن لو لم يتطهر العبد فإن عدم تطهره لا يؤثر في إسقاط الصلاة، فالصلاة واجبة سواءً تطهر أم لم يتطهر لكن لا تصح الصلاة إلا بالطهارة الكاملة.
ومنها: المشي لصلاة الجماعة، فإن الصلاة مع الجماعة واجبة، للأدلة من الكتاب والسنة وهو القول الراجح، لكن لا تتم الصلاة الجماعة إلا بالمشي إلى المساجد لتقام الجماعة فيها فصلاة الجماعة واجب يتوقف حصوله على المشي لها فصار المشي واجبًا؛ لأنه لا يقوم هذا الواجب إلا به، والمشي للصلاة وسيلة لإقامة الجماعة فكان واجبًا؛ لأنه يقصد به تحقيق الواجب فالوسائل لها أحكام المقاصد.
ومنها: الأكل من الميتة للمضطر لإحياء نفسه واجب يأثم بتركه، مع أن الأكل في أصله مباح لكنه لما كان في هذه الحالة وسيلة لواجب الذي هو إحياء النفس صار واجبًا؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
__________
(1) بل هو داخل في قاعدة: ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب.
(3/20)

ومنها: طلب الماء قبل التيمم فإن الفقهاء – رحمهم الله تعالى – نصوا على وجوب الطلب فقالوا: (من دخل عليه وقت الصلاة وهو عادم للماء فعليه أن يتحراه في مضانه فيفتش عنه في رحله ويستبرئ الأمكنة القريبة المجاورة له وإن وجده يباع بثمن مثله أو بزيادة يسيرة عن ثمن المثل بماله وجب عليه شراؤه ذلك لأن هذا البحث والطلب يتحقق به إقامة الواجب الذي هو الطهارة للصلاة بالماء، فصار هذا الطلب واجبًا؛ لأنه وسيلة إلى واجب) .
ومنها: إقامة الحدود بأنواعها فإنها وسيلة لحفظ الضرورات الخمس فلا يتحقق حفظ النفس إلا بالقصاص فصار واجبًا لأنه وسيلة لواجب، ولا يتحقق حفظ الأعراض إلا بإقامة حد القذف وحد الزنا فصار واجبًا؛ لأنه وسيلة إلى واجب، ولا يتحقق حفظ الأمن واستقرار الناس إلا بإقامة حد قطاع الطريق والبغاة، ولا يتحقق حفظ العقول إلا بإقامة حد الخمر، ولا حفظ الأموال إلا بإقامة حد السرقة وهكذا فصارت إقامة هذه الحدود من باب الواجبات؛ لأنها وسائل إلى الواجب والوسائل لها أحكام المقاصد.
ومنها: النكاح يكون واجبًا إذا قدر الإنسان عليه ماليًا وخاف على نفسه العنت كما قاله الفقهاء، ذلك لأن المحافظة على النفس من الوقوع في المحظور واجب ولا يتحقق هذا الواجب إلا بالزواج فكان واجبًا لأنه وسيلة إلى واجب. والفروع كثيرة ويكفي اللبيب الإشارة، والله أعلم.
القاعدة الثانية: (ما لا يتم الحرام إلا به فهو حرام وتركه واجب) : ومعناها: أن جميع الوسائل المفضية إلى الحرام حرام لأن بها يتحقق الحرام ولا يمكن أبدًا أن تحرم الشريعة شيئًا وتفتح الأبواب التي تفضي إليه؛ لأن هذا ينافي الحكمة، والشارع حكيم عليم، فكان من مقتضى الحكمة أنه إذا حرم شيئًا حماه بسياجٍ منيع وذلك بسد جميع الأبواب المفضية إليه، فوسائل الحرام حرام وإذا كانت حرامًا فتركها حينئذٍ واجب.
وإليك بعض الفروع لتتضح أكثر:
(3/21)

فمنها: شراء السلاح الأصل فيه الحل والإباحة لكن يحرم بيعه في الفتنة؛ لأنه حينئذٍ سيكون ذريعة لقتل المسلمين بعضهم بعضًا، فلما كان بيع السلاح في هذه الحالة مفضيًا إلى حرام وهو إزهاق النفس بغير حق، صار بيعه حرامًا؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وقس على ذلك جميع المباحات إذا جعلت وسائل يتوصل بها إلى الحرام، فإنها تكون حرامًا كشراء السكين لقتل مسلم، وشراء الكوب ليشرب فيه خمرًا، والسفر لبلد لمواقعة الفواحش، والمشي إلى مواضع المنكرات وغيرها، كل ذلك يكون حرامًا؛ لأنه صار وسيلة للحرام.
ومنها: تحريم البيع بعد نداء الجمعة الثاني كما في الآية فإنه حرام تحريم وسائل لا تحريم مقاصد، ذلك لأنه ذريعة إلى التشاغل عن حضور الذكر من الخطبة والصلاة وهذا حرام لا يجوز فكل شيءٍ يشغل عن استماع الذكر وعن الصلاة فإنه يكون حرامًا، ومن ذلك البيع بعد نداء الجمعة الثاني،ويدخل في ذلك السهر إن كان سببًا لتضييع صلاة الفجر فهو حرام؛ لأنه وسيلة إلى حرام حتى ولو كان السهر في طاعة.
ومنها: النظر إلى النساء حرام بالدليل الصحيح؛ لأنه مفضٍ إلى الحرام وهو الافتتان بالنساء ومن ثَمَّ الوقوع في المحظور، فصار حرامًا؛ لأنه وسيلة للحرام ووسائل الحرام حرام، وكذلك الخلوة بالأجنبية وسفر المرأة بلا محرم واختلاط الرجال بالنساء هو من هذا الباب، وجماع ذلك أن كل وسيلة تفضي إلى الزنا والافتتان بالنساء فهي حرام، وما أكثر الوسائل المفضية إلى ذلك في زماننا هذا - والله المستعان -.
وخلاصة الأمر أن محرمات الشريعة قسمان: منها ما حرم تحريم وسائل ومنها ما حرم تحريم مقاصد، والله أعلم.
القاعدة الثالثة: (ما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب) .
القاعدة الرابعة: (ما لا يتم المكروه إلا به فهو مكروه) : والكلام عليهما يطول فتطلب الفروع من كتب الفقه طلبًا للاختصار.
(3/22)

القاعدة الخامسة: (الغاية لا تبرر الوسيلة إلا بدليل) : أي أن سلامة المقصد لا يعطي الوسيلة المحرمة شرعية وجوازًا، إلا إذا دل الدليل على ذلك، فلا يجوز للإنسان أن يحتج بشرعية الوسيلة المحرمة بمجرد سلامة مقصدها، وذلك كرجل ينظر للنساء الأجانب ويقول: أنا أنظر لهن حتى أتفكر في خلق الله كما أمرني ربي بذلك، فنقول: نعم غايتك سليمة فإن التفكر في مخلوقات الله لتدلك على الله تعالى من المقاصد السليمة المشروعة لكن أنت اتخذت لذلك وسيلة محرمة، ومجرد سلامة مقصدك لا يعطي هذه الوسيلة حكمًا جديدًا بإباحتها؛ لأن الغاية لا تبرر الوسيلة، فإذًا لابد من النظر حينئذٍ في سلامة المقاصد وشرعية الوسائل، لكن إذا دل الدليل الشرعي الصحيح على إباحة الحرام من أجل سلامة الغاية فهذا يكون مخصوصًا لوحده فقط من حكم هذه القاعدة كالكذب لإصلاح ذات البين والكذب لإنقاذ النفس المعصومة من الهلكة، وكذب الرجل على أهله والكذب في الحرب، كما في الأدلة فهنا جاز الكذب مع أنه حرام لتحقيق هذه المقاصد، فالمقاصد هنا بررت الوسائل وهذا على خلاف الأصل، ولكن بعض أهل العلم حمل لفظ الكذب هنا على التعريض لا حقيقة الكذب، والتعريض يجوز مع الحاجة إليه، فعلى هذا فهذه الفروع لا إشكال فيها، والمقصود أن هذه القواعد تدخل تحت قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد، والله تعالى أعلم.

القاعدة السادسة والأربعون، والسابعة والأربعون
46، 47 - الأصل في العبادات الحظر والتوقيف والأصل في العادات الحل والإباحة (1)
وهذان أصلان عظيمان كل العظمة، مهمان كل الأهمية.
__________
(1) هذه القاعده تدخل في القاعدة الخامسة عشر السابقة، وفي القاعدة الثلاثون السابقة، فلو جمعت الثلاث في قاعدة واحده.
(3/23)

فأما الأصل الأول: فهو خاص بباب العبادات، وذلك لأنه من المتقرر عند أهل السنة والجماعة أن العقول لا تستقل بإدراك المشروع على وجه التفصيل ولذلك احتاجت البشرية إلى إرسال الرسل وإنزال الكتب، حتى يعرفوا الناس بشرائعهم العقدية والعملية على وجه التفصيل فبعث الله الرسل وأنزل الكتب، فأولهم نوح – عليه الصلاة والسلام – وآخرهم محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي ختم الله به الرسالة وأكمل به النعمة وأبان به المحجة الواضحة، ولولا الله ثم الرسل لما عرفت البشرية ما يجوز التعبد به لله وما لا يجوز على التفصيل أبدًا، ولتخبطت في ظلمات الجهل والضلالة ولذلك امتن الله على البشرية بأنه بعث فيهم رسولاً من أنفسهم، إذا علم هذا فليعلم أن الشريعة لا تتلقى إلا من قبل هذا الرسول، فلا يجوز التعبد لله إلا بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلا يجوز لأحدٍ أن يخترع من عند نفسه قولاً أو فعلاً ويقول هذا عبادة، فالعبادة معناها على الدليل الشرعي ولا تدخل للعقل في تأسيسها أبدًا فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، فمن ادعى أن في فعل أو قولٍ أنه عبادة طالبناه بالدليل المثبت لها، فلا تتلقى العبادات إلا من قبل الشارع فقط، وبذلك تعلم حقيقة العبادة وحقيقة البدعة، فالبدعة هي اختراع شيء يعتقد أنه يقرب إلى الله تعالى ولا دليل عليه (1) ، وبه تعلم أن باب العبادات باب ضيق موقوف على ثبوت الدليل فقط لا على الأهواء والعقول، ولا على الأذواق ولا على التقليد المقيت، أو الاستحسان القبيح، ولا على التحسين والتقبيح وإنما مبناها على الدليل الشرعي الصحيح، وأهل السنة بتقرير ذلك فإنهم يقفلون باب البدعة ويسدونه سدًا محكماً، فما ظهرت البدع إلا بالغفلة عن هذا الأصل العظيم، ولابد أن
__________
(1) لو قيل " التعبد لله بما لم يشرعه " ليشمل اختراع العبادة من أساسها وتغير صفتها.
(3/24)

أنبه على أمرٍ مهم جدًا وهو أن بعض البدع التي يفعلها المبتدعة قد تكون أصولها ثابتة بالكتاب والسنة ولكن اخترع المبتدعة فيها قيدًا أو شرطًا أو صفة جديدة لم يدل عليها الدليل فإذا أنكرت عليهم ذلك احتجوا عليك بالأدلة التي تثبت أصل العبادة كالأذكار الجماعية مثلاً فإنك إذا قلت لهم: هذه بدعة. قالوا لك: أو لا تقرأ قول الله: {والذاكرين الله كثيراً والذاكرات} وقوله: {اذكروا الله ذكرًا كثيرًا} ونحوها من الآيات الدالة على شرعية أصل الذكر، فإذا قالوا لك ذلك فقل لهم: إن العبادة قد تكون مشروعة بأصلها ممنوعة بوصفها، أي إن هذا الوصف الجديد يحتاج إلى دليل جديد ولا يكتفى فيه بمجرد الأدلة المثبتة لأصله، فالأدلة التي تثبت أصل العبادة شيء، وفعلها على وصفٍ معين شيء آخر، فلابد من دليل زائد يثبت هذا الوصف بعينه؛ لأن أصل العبادة توقيفي وكذلك كيفيتها وشروطها توقيفية كما تقدم لنا في بعض القواعد وذلك مثل قولنا إن دليل التحريم لا يستفاد منه النجاسة؛ لأن التحريم شيء والنجاسة شيء آخر، بل لابد من دليل آخر يدل على النجاسة ولا يكتفى بمجرد دليل التحريم فكذلك هنا فقولنا: الذكر الجماعي بدعة لا نعني به من حيث كونه ذكرًا إذا كانت ألفاظه لا محذور فيها وإنما نعني أن فعله بهذه الصفة هو البدعة وقس على ذلك، فعليك التفريق بين أدلة مشروعية الشيء وأدلة إيقاعها على صفةٍ معينة، فهذا من ناحية الأصل الأول.
(3/25)

وأما الأصل الثاني: فهو في العادات فالباب فيها مفتوح - ولله الحمد - وهو خاضع لأعراف الناس، فكل عادة انتشرت بين الناس وتعارفوا عليها من فعلٍ أو قولٍ أو أكل أو شرب أو غيرها من الملبوسات والمفروشات ونحوها، فالأصل فيها الحل والإباحة لكن هذه الإباحة مقيدة بما إذا لم تخالف هذه العادة دليلاً شرعيًا فإن خالفت الدليل فهي عادة محرمة يجب إنكارها، أما إذا لم تخالف دليلاً فالأصل التوسعة على الناس، فلا يجوز لأحدٍ كائنٍ من كان أن يضيق على الناس فيما اعتادوه وتعارفوا عليه إلا بدليل، وأنت ترى اختلاف الناس من قطرٍ إلى قطرٍ، بل إن من قواعد الشريعة أن العادة محكمة، أي تؤخذ الأحكام الشرعية بناءً على العادات المتقررة عندهم، كما مضى في بعض القواعد طرف من ذلك فلا يجوز لأحدٍ أن ينكر على أحدٍ ما اعتاده إلا إذا خالف الدليل الشرعي، فهذان الأصلان العظيمان يدخلان في جميع جوانب حياة الإنسان؛ لأنه متقلب في عادة أو في عبادة، فالعبادات بابها توقيفي إلا بدليل والعادات بابها مفتوح إلا بدليل ولله الحمد والمنة، وإليك بعض الفروع على هذين الأصلين ليتضح لك مدى تأثيرهما في المسائل الفقهية:
فمنها: الأذكار الجماعية بمختلف أنواعها كلها من البدع باعتبار صفاتها، بل وأحيانًا باعتبار ألفاظها أيضًا؛ لأنهم يعتقدون أنها عبادة لكن ليس عليها دليل، والأصل في العبادات التوقيف إلا بدليل.
ومنها: الطواف حول القبور، بل وجميع ما يفعله عباد القبور عندها من إسراجها، والبناء عليها، والنذر لها، والسجود عليها، والأخذ من ترابها والتبرك بها، والذبح عندها وغير ذلك، كل ذلك من البدع المفضية إلى تعظيمها ثم إلى اتخاذها أوثانًا تعبد من دون الله، وفاعلوها يعتقدون أنها عبادات ولم يأتوا عليها بدليل شرعي، فهي إذًا بدع وبعضها شرك أكبر؛ لأن العبادات توقيفية على الدليل الصحيح.
(3/26)

ومنها: أن بعض الناس إذا فرغ من الصلاة المكتوبة، فإنه يسجد سجدة واحدة ثم يرفع رأسه، وهذه السجدة بدعة؛ لأنه يعتقد أنها عبادة، والعبادات توقيفية على الدليل، ولم يأت الدليل الصحيح بشرعية هذه السجدة. وبعضهم يقول عند قول الإمام: (إياك نعبد وإياك نستعين) استعنا بالله، وهذا القول قول لا غبار عليه من ناحية لفظه، فإن المسلم مأمور بالاستعانة بالله وحده، لكن تخصيص قوله في هذا الوقت خاصة هو البدعة لعدم الدليل، وهذا من جملة العبادات المشروعة بأصلها الممنوعة بوصفها.
ومنها: التعبد لله بالتسبيح بالسبحة، لا دليل عليه فهو من جملة البدع؛ ولأن في التسبيح بها مشابهة للمبتدعة من الصوفية وغيرهم.
ومنها: جملة الصلوات المخترعة، كالألفية، والرغائب، وصلاة التسابيح، وغيرها كثيرة جدًا كلها من جملة البدع لعدم ثبوت الدليل الشرعي الصحيح بمشروعيتها، والعبادات مبناها على التوقيف.
والجامع في ذلك أن تخصيص زمانٍ من الأزمنة، أو مكان من الأمكنة بفعلٍ أو قولٍ يفعل فيه دون غيره فإنه يحتاج إلى دليل شرعي صحيح، وإلا فهو بدعة؛ لأن الأصل في العبادة الحظر والتوقيف.
ومنها: إن من العادات عندنا أن لبس الغترة والثوب من التجمل والتزين، وكشف الرأس عند غيرنا من التجمل أيضًا، وكل ذلك سائغ لا ينكر؛ لأنه من باب العادات ولم تخالف دليلاً شرعيًا.
ومنها: أن من العادة عندنا في ليلة الزواج أو قبله إنارة البيت بالمصابيح الكثيرة إعلانًا وإظهارًا للفرح والسرور، وهذا لا بأس به بل هو من إعلان النكاح المأمور به شرعاً إذا لم يكن فيه إسراف ولا يطلب الدليل على جوازه؛ لأنه من جملة العادات (1) .
ومنها: لبس العقال عندنا من جملة العادات التي لم تخالف الدليل الشرعي، فالأصل فيه الحل والإباحة، والتضييق على الناس في مثل هذا مجانب للصواب.
__________
(1) بل هو من إعلان النكاح المأمور به شرعاً إذا لم يكن فيه إسراف.
(3/27)

والفروع كثيرة جدًا، وإنما الواجب عليك أن تفرق بين باب العبادات وبين باب العادات، فتمنع كل ما لم يأت الدليل بجواز التعبد به، وتبيح كل عادةٍ لم تخالف دليلاً صحيحًا. فإن قلت: وهل تعرف عادةً عندنا تخالف الدليل حتى نحذر منها؟
فالجواب: نعرف الكثير من ذلك، ولو ذهبنا نعددها لطال بنا المقام، لكن لا بأس بذكر بعضها من باب الإشارة:
فمما انتشر عندنا عادة الاجتماع في العزاء في بيت الميت أو أحد أقاربه، وتخصيص وقت للعزاء، وصنع أهل الميت الطعام للضيوف، وعادة التحاكم إلى السلوم والأعراف القبلية والترافع إلى ما يسمون بالعارفين ويتركون المحاكم الشرعية، وعادة مصافحة الأقارب لقريباتهم من النساء كابنة العم وابنة الخال، أو زوجة الأخ والخلوة بها، وعادة الحجر على القريبة ومنعها من الزواج إلا به، ولو خالفت أو خالف وليها وزوجها بغيره حصلت الكوارث وسفك الدماء، وعادة لبس البراقع التي يحصل بها من الفتنة أعظم من كشف الوجه وغيرها كثير جدًا، وبفهمك لهذين الأصلين فإنه يسهل عليك التمييز بين العبادة والبدعة، وبين العادة الجائزة والعادة الممنوعة. والله الموفق والهادي.
(3/28)

القاعدة الثامنة والأربعون
48 - القصود في العقود معتبرة
وتسمى قاعدة العقود، ومعناها: أنه إذا أبرم شخصان عقدًا فإنه لا ينظر إلى الألفاظ التي يستعملها المتعاقدان، وإنما ينظر إلى مقاصدهم الحقيقية من الكلام التي يلفظ به حين العقد؛ لأن المقصود بالعقود هو معناها، وليس اللفظ ولا الصيغة المستعملة، فالألفاظ إذا كانت تنص على شيء والمقاصد والبواعث والنيات والحقائق على شيء آخر فنطرح اللفظ ونعمل بالمقصد، ومن تدبر مصادر الشريعة ومواردها تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم معانيها، بل جرت على غير قصدٍ منه كالنائم والناسي والسكران والجاهل والمكره والمخطئ من شدة الفرح أو الغضب أو المرض ونحوهم. ولم يكفر من قال من شدة فرحه براحلته بعد إياسه منها: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) فكيف يعتبر الألفاظ التي يقطع بأن مراد قائلها خلافها، ولهذا رد شهادة المنافقين ووصفهم بالخداع والكذب والاستهزاء وذمهم على أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وأن بواطنهم تخالف ظواهرهم، وذم تعالى من يقول ما لا يفعل، وأخبر أن ذلك عنده من أكبر المقت، ولعن اليهود إذ توسلوا بصورة عقد البيع على ما حرمه عليهم إلى أكل ثمنه، وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخمر عاصرها ومعتصرها، ومن المعلوم أن العاصر إنما عصر عنبًا، ولكن لما كانت نيته إنما هي تحصيل الخمر لم ينفعه ظاهر عصره، وعومل بنيته الفاسدة، فمن تدبر ذلك علم علمًا يقينيًا أن الشريعة ما أهملت النظر في مقاصد الأقوال والأفعال،وأن من اقتصر على النظر إلى ظواهر الألفاظ فقط فإنه قد يحلل الحرام ويحرم الحلال وينصر الظالم ويعينه على ظلمه، ويصحح الفاسد إذًا فالمقاصد لها شأن كبير في الشريعة، وهي الأصل وإنما جعل اللفظ معبرًا عنها، فإذا اختلف معها قدمناها عليه.
وأدلة هذه القاعدة لا حصر لها من الكتاب والسنة:
(3/29)

فمن ذلك: قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} أي في زمن العدة {إنْ أرَادُوا إصْلاحًا} وهذا عقد الرجعة وهو خاضع لرضى الزوج، لكن الله تعالى شرط ذلك بإرادة الإصلاح دون قصد الإضرار، فعلق أحقية الزوج برجعة زوجته بإرادة الإصلاح، ويفهم منه أن الزوج إذا ظهرت منه قرائن تدل على إرادته بالرجعة مجرد الإضرار بزوجته أنه يمنع من ذلك ولا يمكن منه، وهذا نص صريح في اعتبار المقاصد.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لعن الله المحلل والمحلل له) مع أن المتعاقدين لا يذكران في ألفاظهما التحليل، وإنما يذكران ألفاظ النكاح المعروفة، لكن لما كان المقصود من هذا العقد مجرد تحليل المطلقة البائن بالثلاث لزوجها عوملا بمقاصدهما. فهو في الظاهر عقد نكاح لكن في الباطن والمقاصد عقد تحليل فحكم عليهما باللعنة للنظر إلى مقاصدهما، مما يدل على أن الاعتبار في العقود إنما هو المقاصد.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة: (من تزوج امرأة بصداق ينوي أن لا يؤديه إليها فهو زانٍ، ومن أدان دينًا ينوي أن لا يقضيه فهو سارق) وروى البخاري من حديث أبي هريرة أيضًا: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) فأنزل الناكح الذي ينوي أن لا يؤدي الصداق لمنكوحته أنزله منزلة الزاني؛ لأن الزاني يستحل الفرج بلا عوض مع أن صورة العقد صحيحة في الظاهر، لكن بالنظر إلى نيته وقصده حكم عليه بذلك، والذي يأخذ أموال الناس بعقد مقارضة أو غيره ويريد أن لا يؤديها إليهم فإنه بهذه النية سارق؛ لأن السارق هو الذي يستحل أموال الناس بلا عوض ولا رضىً مع أن صورة العقد في الظاهر أنها عقد دين أو مقارضة لكن لم ينظر إلى مجرد اللفظ والمبنى، وإنما نظر إلى المقصد والمعنى والباعث.
(3/30)

ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) فبين في الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بالنية ولهذا لا يكون عمل إلا بنية، ثم بين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه، وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال، فمن نوى بعمله شيئاً فإنه إنما يحصل له ما نواه ويحكم عليه بمقتضاه.
فإذا علم هذا فقد يثور في بعض الأذهان إشكال على هذه القاعدة وهو قولهم: أنتم قررتم أن المقاصد لها تأثيرها في صحة العقود والأقوال والأفعال وبطلانها وتحليلها وتحريمها وحكمتم على الناس باعتبار نياتهم ومقاصدهم ونحن باستقراء الأدلة الشرعية نجد المنع التام من الحكم على الناس بالنظر إلى سرائرهم؛ لأنها من جملة الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى ومن أصول أهل السنة والجماعة أننا نحكم على الظواهر ونذر السرائر إلى الله تعالى، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم) وعتب على أسامة بن زيد لما قتل الذي قال: لا إله إلا الله مع أن ظاهره يدل على أنه إنما قالها خوفًا من السلاح لكن هذا الأمر أمر باطني وكان مأمورًا أن يحكم عليه بما ظهر منه ويكف عنه، وقال – عليه الصلاة والسلام -: (إنما أقضي بنحو ما أسمع) وكان يحكم على المنافقين بما يظهر منهم ولا يتعرض لما يبطنونه من الكفر وسيئ القصد، فالمقاصد أمرها إلى الله تعالى ونحن مأمورون أن نحكم على الناس بما يظهر منهم، فكيف تقولون إن القصود في العقود معتبرة؟ أقول: هذا سؤال مهم جيد، والجواب عليه أن يقال: نعم إن الأدلة التي ذكرتموها لا غبار عليها صحة ولا استدلالاً فإنها تفيد أن المقاصد والنيات إنما يعلمها الله وحده لا شريك له وأنه لا يعلمها إلا هو جل وعلا لكن عليكم أن تنظروا إلى أدلتنا فإن فيها أكبر دلالة على اعتبار المقاصد في
(3/31)

الحكم على أصحابها، فحينئذٍ لابد من الجمع بين هذه الأدلة، أعني بين الأدلة التي تجعل للمقاصد أعظم الأثر في حل الشيء وحرمته وصحته وفساده وبين الأدلة التي تدل على أن النظر في المقاصد والنيات إنما هو لله وحده، وقد أجاب عنها ابن القيم أجمل جواب وأنا أنقل لك ملخصه، فأقول: الألفاظ إنما وضعت للدلالة على ما في النفوس، فإذا أراد أحد منا شيئًا من أخيه عرفه بمراده وما في نفسه بلفظه ورتب على تلك الإرادات والمقاصد أحكامها بواسطة الألفاظ، والشارع الحكيم لم يرتب الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة قولٍ أو فعلٍ لما في الصحيح من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (إن الله تبارك وتعالى تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم) وكذا لم ترتب الأحكام على مجرد ألفاظ مع العلم بأن المتكلم بها لم يرد معانيها ولم يحط بها علمًا، بدليل أنه لم يرتب حكمًا على كلام النائم والناسي والمخطئ والمكره والسكران والغضبان، وأدلة ذلك مشهورة معروفة.
إذا علمت ذلك فاعلم أن الألفاظ ثلاثة:
الأول: أن تظهر مطابقة القصد للفظ وللظهور مراتب تنتهي إلى مرتبة اليقين ككلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعقلاء الخلق فإنه حينئذٍ يجب حمل كلامه على ظاهره، أعني إذا قصد المتكلم لمعنى الكلام فإنه يجب حمله على ظاهره ولا يجوز إهمال ألفاظه، بل تحمل على معانيها وحقائقها اللغوية وهذا حق لا ينازع فيه عالم.
(3/32)

الثاني: ألفاظ نعلم نحن علم اليقين أحيانًا أو بغلبة الظن أن المتلفظ بها لا يريد معناها وحقيقتها، وهو نوعان: إما أن نعلم أنه ليس مريدًا لمقتضاها ولا لغيره، وإما أن نعلم أنه ليس مريدًا لمقتضاها ولكنه يريد غيره، فالأول ككلام النائم والمخطئ والناسي والمجنون ومن اشتد عليه الغضب والسكر والمكره، والثاني: كالمعرض والمورِّي والملغز والمتأول. فهؤلاء لاشك لا عبرة بألفاظهم؛ لأننا نعلم أو يغلب على ظننا أنهم لم يريدوا حقائقها ومعانيها، وفي ذلك نزاع عند البعض لكن هذا هو الراجح.
الثالث: ألفاظ تقتضي أحكامًا لكن ظهر من المتلفظ بها إرادة غير حقيقتها، أعني أن شواهد الحال وقرائن الواقعة توصلنا إلى اليقين أحيانًا أو غلبة الظن أحيانًا إلى أن المتلفظ بها ما أراد حقيقتها ولا معناها وإنما أراد شيئًا آخر، فهل حينئذٍ العبرة بظواهر الألفاظ وإن ظهرت المقاصد والنيات بخلافها؟ أم للمقصود والنيات تأثير يوجب الالتفات إليها ومراعاة جانبها؟ هذا هو محط رحالنا في هذه القاعدة، فنحن إنما نعمل الألفاظ على ظاهرها إذا لم تظهر النيات بخلافها أما إذا ظهرت بخلافها فلا، وهذا هو وجه الجمع بين الأدلة المتقدمة وهو جمع حسن جدًا، والله أعلم.

وإليك الآن بعض الفروع التي تبين أن القصود في العقود معتبرة فأقول:
منها: من اشترى سلاحًا في فتنة، فإن كان يقصد به إعانة ولي الأمر على إطفائها والقتال معه فهذا مأجور على هذه النية، وإن كان يقصد بشرائه قتل المسلمين به ظلمًا وعدوانًا فهو مأزور مع أن صورة البيع واحدة لكن اختلف باختلاف المقاصد.
ومنها: من اشترى جارية ينوي أن تكون لموكله فإنها تحرم على المشتري، وإن نوى أنها له فإنها تحل له، مع أن صورة البيع واحدة لكن اختلفت حلاً وحرمة باختلاف المقاصد والبواعث.
(3/33)

ومنها: إذا باعه شيئًا واشترط المشتري أن له الخيار مدة سنة فإن جاء البائع بالثمن في هذه المدة انفسخ البيع بيننا، فهذا صورته بيع وخيار شرط لكنه حرام؛ لأن حقيقته أنه قرض جر نفعًا؛ لأنه أعطاه ثمن الدار على أنه قرض وسكن داره هذه المدة وهو لا يقصد حقيقة البيع فهو قرض جر نفعًا وكل قرضٍ جر نفعًا فهو ربا.
ومنها: نكاح التحليل وتقدم تفريعه في الأدلة.
ومنها: بيع العينة فإن ظاهره أنه بيع بألفاظ البيع وشروطه المعتبرة لكنه حرام نظرًا إلى مقاصد المتعاقدين، فالبائع يريد التوصل إلى الزيادة الربوية بهذا العقد فحرم من أجل هذا القصد الفاسد، فحقيقتها أنها دراهم بدراهم بينهما سلعة.
ومنها: الشريك إذا أهدى شقصه لغير شريكه ويقصد بذلك إبطال حق الشفعة فإنه لا يسقط ولشريكه الشفعة فيه مع أن الظاهر أن هذا عقد هبة لكن لما ظهر من نيته وقصده إرادة المضارة عاملناه بنقيض قصده، وعلى ذلك فقس.
ومنها: اشتراط الثواب في الهبة - أي دفع العوض - فإن الصورة والألفاظ تقضي أنها هبة لكنها في حقيقتها أنها بيع فتأخذ أحكام البيع وعلى ذلك فقس، والله أعلم.

القاعدة التاسعة والأربعون
49 - من لا يعتبر رضاه لفسخ عقدٍ أوحَلهِ لا يعتبر علمه به
إن العقود من حيث لزومها وعدمه تنقسم إلى ثلاثة أقسام وذلك بالاستقراء:
الأول: عقود لازمة من كلا الطرفين بحيث لا يستطيع أحدهما فسخها إلا برضا الآخر كعقد البيع بعد لزومه والإجارة والسلم ونحوها، فهذه عقود إذا لزمت فإنه لا يتمكن أحد الطرفين من فسخها إلا إذا رضي الطرف الآخر، فهذه العقود لا تدخل معنا في هذه القاعدة، وحكمها اللزوم من الجانبين ولا تفسخ إلا برضاهما.
(3/34)

الثاني: عقود جائزة من قبل الطرفين كليهما، بحيث يجوز لكل واحدٍ منهما فسخها متى شاء ولا يشترط لفسخها رضا الطرف الآخر كالوكالة والجعالة والوديعة والعارية فيجوز لكل واحدٍ من الطرفين فسخ هذا العقد متى أحب ولو لم يرض صاحبه.
الثالث: عقود لازمة في حق أحدهما جائزة في حق الآخر،كالرهن فهو لازم في حق الراهن جائز في حق المرتهن، وكذلك النكاح فهو لازم من جهة الزوجة جائز من جهة الزوج، وكذلك الضمان والكفالة فهي لازمة في حق الكفيل والضامن جائزة من جهة صاحب الحق، وكذلك البيع في حق من له خيار الشرط فإنه جائز في حقه لازم في حق الآخر، وأيضًا الشفعة لازمة في حق الشريك البائع لشقصه وجائزة في حق شريكه الآخر وهكذا، وحكم هذا النوع من العقود أنه يسوغ لمن هو جائز في حقه فسخه أو حَلُّه متى شاء ولو لم يرض الآخر وأما الطرف الآخر فلا يجوز له فسخه أو حله إلا برضا صاحبه.
إذا علمت هذا فاعلم أن هذه القاعدة يدخل تحتها النوع الثاني والثالث فقط لا النوع الأول، وحينئذٍ فمعناها: أن العقود الجائزة من الطرفين أو من أحدهما يجوز لمن له حق الفسخ أن يفسخها ولو لم يرض الآخر، فرضاه ليس بشرط في صحة فسخها أو حلها، فإذا كان رضاه لا يعتبر ولا يؤثر، فكذلك إذًا علمه أيضًا لا يشترط ولا يؤثر في صحة فسخها، ذلك لأن الفسخ صحيح وإن لم يرض، أي سواءٌ رضي أم لم يرض فلا أثر لذلك، فإذا كان لا أثر لرضاه أصلاً فلماذا يتوقف فسخها على علمه، فإنه إذا سقط اشتراط الرضا فمن باب أولى لا يشترط العلم لأنه سواءً علم بالفسخ أم لم يعلم لا يؤثر ذلك شيئًا لا في الفسخ ولا في الحِلَّ، فكل من لا يعتبر رضاه فإنه حينئذٍ لا يعتبر علمه، هذا هو شرح هذه القاعدة، وإليك بعض فروعها حتى تتضح أكثر فأقول:
(3/35)

منها: الطلاق فإن الزوج إذا طلق زوجته فإنه بمجرد تلفظه بطلاقها يقع مباشرة سواءً رضيت أو لم ترضى، فالله جل وعلا لم يجعل صحة وقوع الطلاق مربوطًا برضا المرأة وإنما هو حق للزوج فسواءٌ رضيت أم لم ترض فالطلاق واقع واقع، فإذا كان رضاها لا تأثير له في صحة فسخ عقد النكاح فإنه حينئذٍ لا يشترط علمها أي لا يلزم أن تعلم بأنه طلقها حتى يصح طلاقها وهذا هو المشهور من المذهب؛ لأنها لا يعتبر رضاها في وقوعه فكذلك لا يُعتبر علمها به وبناءً على ذلك فإنه لا يُشترط أيضًا لصحة عدتها أن تعلم أنها في عدة، فلو طلقها ولم تعلم إلا بعد ثلاث حيضات فإنما تكون قد اعتدت من طلاقه على القول الصحيح.
ومنها: العتق فإن السيد إذا أعتق عبده فإنه يعتق بمجرد تلفظه بألفاظ العتق، ولا يشترط لصحة العتق أن يرضى العبد بالعتق، فالعتق صحيح سواءٌ رضي أم لم يرض، فرضاه من عدمه لا يؤثر في صحة العتق شيئًا، فإذا كان رضاه غير معتبر فعلمه حينئذٍ أيضًا لا يعتبر، أي أن العتق وقع عليه سواءٌ علم أم لم يعلم، والله أعلم
(3/36)

ومنها: الوكالة عقد جائز من الطرفين، يجوز لكل واحدٍ منهما فسخه ولو بلا رضا الآخر، فإذا فسخ الوكيل أو الموكل الوكالة، فإنها تنفسخ ولو لم يرض الطرف الآخر، فإذا كان لا يشترط لصحة الفسخ رضاهما فإنه حينئذٍ لا يشترط لصحته علم الطرف الآخر به وهذا هو المشهور من المذهب، واختار الشيخ تقي الدين أن الموكل إذا عزل الوكيل فإنه لا ينعزل إلا بعد العلم بالعزل ذلك لأن الوكيل قد يعقد عقدًا بحكم الوكالة بعد عزله وقبل العلم فيكون عقدًا باطلاً وقد يحصل فيه قبض للمال أو تسليم للسلعة وخاصة إذا كان العقد وقع على شراء أو بيع جارية ووقع بعد الوطء قبل العلم بالعزل، فدرءاً لذلك كله قلنا لا ينعزل الوكيل إلا بعد علمه بالعزل، وعلى اختيار الشيخ تقي الدين تكون القاعدة غير مطردة، ذلك لأن الوكيل ينعزل بالعزل وإن لم يرض فرضاه لا يشترط لصحة عزله لكن لا يقع العزل عليه إلا بعلمه فاشترط العلم دون الرضا وهو خلاف نص القاعدة، ولكن البقاء على القاعدة أرجح والله أعلم.
ومنها: الخلع فإذا اتفق الزوج مع أجنبي على أن يدفع له مبلغًا من المال ويخلع زوجته وقبل، وتم الخلع انخلعت الزوجة سواءً علمت بذلك أم لم تعلم؛ لأنه لا يشترط رضاها، فحينئذٍ لا يشترط علمها، وأعني بهذا الفرع إن كانت الحال بينهما غير مستقيمة وأما مع استقامة الحال فلا يجوز لأحدٍ أن يفسد على الزوجين حياتهما، والله أعلم.
ومنها: فسخ البيع في حق من له خيار الشرط يجوز في أي وقتٍ شاء ما دام الخيار باقيًا؛ لأن البيع لم يلزم في حقه وإذا فسخ البيع صح الفسخ وإن لم يعلم الطرف الآخر، ذلك لأن رضاه أصلاً بهذا الفسخ لا يعتبر ومن لا يعتبر رضاه فإنه لا يُعتبر علمه.
(3/37)

ومنها: فسخ العارية، إذا أعرتك شيئًا ثم أردت فسخ العقد واسترجاع العين يجوز ذلك سواءٌ علمت أم لم تعلم، وكذلك الكلام في حق المستعير إذا أراد فسخ العقد ورد العين إلى مالكها صح الفسخ سواءٌ علم المعير بذلك أم لم يعلم لأنه لا يشترط رضاهما بالفسخ ومن لا يشترط رضاه لا يشترط علمه.
ومنها: عقد الرهن، يجوز للمرتهن فسخه متى شاء بأن يرد العين المرهونة للراهن ويصح ذلك ويكون فسخًا لعقد الرهن، سواءٌ علم الراهن أم لم يعلم؛ لأنه لا يشترط رضاه بالفسخ ومن لا يعتبر رضاه فإنه لا يعتبر علمه.
ومنها: صاحب الحق إذا أبرأ الكفيل والضامن برئت ذمتهما.
(3/38)

القاعدة الخمسون
50 - كل من سبق إلى مباحٍ فهو أحق به
والمراد بالمباح ما لا يدخل تحت ملك المعصوم، من الأراضي والبقاع وما يخرج من الأرض من الكلأ والمرعى ونحوها كل ذلك من المباحات التي لا يتعلق بها ملك معصوم أي لا أحد يملكها ملكًا خاصًا، بل هي عامة لكل أحد أي أن نفعها لا يختص بأحد دون أحد، بل هو حق للجميع، فهذا هو ما نعنيه بالمباح، فهذا المباح يكون حقًا لمن سبق إليه قبل غيره، بمعنى أنه يدخل تحت ملكه ويكون حقًا له إذا سبق إليه قبل غيره، وقولنا: (فهو أحق به) أي أن الذي سبق إليه قبل غيره يكون أحق بالانتفاع بهذا المباح ما دامت يده عليه سواءً المشاهدة أو الحكمية، فإذا زالت فإنه يعود إلى حالته الأولى، والدليل على هذه القاعدة ما رواه البخاري في صحيحه من حديث عروة بن الزبير عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من عمر أرضًا ليست لأحدٍ فهو أحق بها) ، قال عروة: (وقضى به عمر في خلافته) ، وعن سعيد ابن زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من أحيا أرضًا ميتةً فهي له) رواه الثلاثة وحسنه الترمذي. وهذا النص وإن كان في الأرض الميتة، لكن يقاس عليه سائر المباحات بجامع الإباحة في كلٍ والمراد بالأرض الميتة أي المنفكة عن الاختصاصات وعن ملك المعصوم، فأثبت الحديث أن من سبق إلى هذه الأرض الميتة فأحياها بما يحصل به الإحياء أنها له، ويقاس على ذلك سائر المباحات التي لا تدخل تحت ملك المعصوم.
ومن الأدلة: أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يقيم الرجل غيره من مجلسه فيجلس مكانه، ذلك لأنه سبق إلى هذا الموضع فيكون أحق به من غيره، فلا يجوز الاعتداء عليه واستلابه منه، والمسجد حق عام للمسلمين جميعهم لكن إذا سبق أحد إلى موضع منه فيكون هو أحق به ما دامت يده المشاهدة عليه، وإن قام منه فإن عاد إليه قريبًا فهو أحق به وإن طال الفصل سقط حقه فيه.
(3/39)

ومن الأدلة: ما رواه ابن ماجه بسندٍ فيه ضعف عن عبد الله بن مغفل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من حفر بئرًا فله أربعون ذراعًا عطنًا لماشيته) فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن هذا الرجل بحفره لهذه البئر قد تملك أربعين ذراعًا مما حول البئر تكون عطنًا لدوابه، فيكون تملكها؛ لأنه سبق إلى إحيائها بهذا البئر فهو أحق بها وقسنا على ذلك سائر المباحات.
ومن الأدلة أيضًا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه) والسلب بفتحتين ما مع المقتول من سلاحٍ ومالٍ وثيابٍ ونحوه، فالذي يسبق إلى الحربي فيقتله - أعني في المعركة - فإنه أحق بسلبه؛ لأن دم الحربي وماله مباحان، فمن سبق إلى هذا المباح فهو أحق به، فقسنا عليه سائر المباحات.
ومن الأدلة أيضًا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ولا يخطب المسلم على خطبة أخيه) وهو في الصحيح ووجه الشاهد منه أن المرأة التي لا زوج لها مباحة للخطاب، فمن سبق إلى هذا المباح وهو خطبتها فيكون هو أحق بها، ولا يجوز لأحدٍ أن ينازعه فيه مادام عازمًا على الاستمرار في ذلك وقد رضوا به وقبلوه، فإن تعدى أحد على حقه وتجرأ على اقتحام نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يبوء بالإثم ولاشك، لكن ذهب الجمهور إلى صحة العقد الثاني مع الإثم، وأما الشيخ تقي الدين فإنه اختار أن العقد الثاني فاسد، وأنها تنزع منه وترد للأول والمهم أن تعلم أن الخاطب الأول لما كان أسبق من الثاني بتحصيل هذا المباح الذي هو خطبة هذه المرأة كان أحق بها، مما يدل على أن من سبق إلى مباح فهو أحق به.
(3/40)

ومن الأدلة أيضًا: أن السنة الفعلية المطردة التي دلت عليها الأدلة الشرعية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يدفن في القبر أكثر من واحد إلا لعذر ككثرة الموتى وقلة من يدفنهم، وأما مع عدم العذر فلم يزد على واحدٍ في كل قبرٍ، وحرمت الشريعة القعود على القبر والوطء عليه ونبشه وإخراج الميت منه، كل ذلك لأن هذه البقعة من الأرض التي هي القبر صارت حقًا لهذا الميت؛ لأنه سبق إليها ومن سبق إلى مباحٍ فهو أحق به.
ومن الأدلة على ذلك: أن الأدلة دلت على أن البيعة العظمى لا تصلح إلا لواحدٍ فإمام المسلمين لا يكون إلا واحدًا وطرق الوصول إليها ثلاثة: إما بالاستخلاف كما استخلف أبو بكرٍ عمر رضي الله عنهما، وإما بالاختيار كما حصل في أهل الشورى الستة واختيارهم عثمان - رضي الله عنهم -، وكما اختار المسلمون أبا بكرٍ الصديق - رضي الله عنه - استنادًا على نصوص مسلمة ومشيرة إلى خلافته، وإما أن يظهر على المسلمين بسيفه وعتاده ويتغلب عليهم ويقهرهم بسلاحه ويستتب الأمر له فإذا تمت البيعة لواحدٍ ثم نازعه فيها غيره فإن الواجب هو قتل هذا الآخر إن لم يندفع إلا بالقتل لما ورد في الحديث: (فاقتلوا الآخر منهما) وقال - صلى الله عليه وسلم -: (من خرج عليكم وأمركم جميعًا على رجلٍ واحدٍ يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاقتلوه) ، ووجه الشاهد من ذلك أن الخليفة الأول لما استقر له أمر البيعة لسبقه إليها بأحد الطرق الثلاث السابقة فإنه يكون أحق بها من غيره؛ لأن من سبق إلى مباحٍ فهو أحق به، فلا تجوز منازعته في حقه هذا مادامت البيعة له.
(3/41)

ومن ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة عند مسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) فدل ذلك على أن من سبق منهم إليه فهو أحق به، وإذا تنازعوا واشتجروا لمجيئهم في وقت واحد وكلهم يريد النداء أو الصف الأول فإنهم يستهمون عليهما فمن سبق إليهما بالاستهام فهو أحق بهما من غيره.
فهذه الأدلة تدل دلالة واضحة على أن المباحات تملك بالسبق لها وبحيازتها أو الجلوس فيها أو إحيائها قبل غيره.
ولعل ما مضى من الفروع مع تقييد الأدلة فيه كفاية - إن شاء الله تعالى -، والله أعلم.

القاعدة الحادية والخمسون
51 - اليمين في جانب أقوى المتداعيين (1)
وقد تكلمنا عنها في قاعدة البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وأفردتها بالذكر لأهميتها؛ ولأنه قد يفهم البعض أن اليمين دائمًا تكون في جانب المدعى عليه، وهذا ليس على إطلاقه، فتأتي هذه لتبين أن اليمين إنما جعلت في جانب المدعى عليه؛ لأنه أقوى المتداعيين، أي أن المدعي إذا لم يأت بالبينة التي تثبت دعواه فإنه يطلب من المدعى عليه أن يحلف، ذلك لأن جانبه قوي. وقوة الجانب نستفيدها من أمور:
منها: البقاء على الأصل فإن الأصل براءة الذمة من الحقوق فالمدعي يدعي خلاف الأصل فجانبه ضعيف لمخالفته للأصل، والمدعى عليه جار على الأصل فجانبه قوي لموافقته للأصل.
ومنها: نكول المدعى عليه عن اليمين بمعنى أن المدعى عليه إذا طلب منه أن يحلف ثم رفض وقال لا أحلف، فإنه على القول الصحيح تتوجه اليمين للمدعي، ذلك لأن رفض المدعى عليه لليمين قرينة قوية لصدق دعوى المدعي، فهذا النكول جعل جانب المدعى قويًا فلما قوي جانبه طلب منه اليمين؛ لأن اليمين في جانب أقوى المتداعيين.
__________
(1) تجعل هذه القاعدة تابعه لقاعدة اليمين على المدعي السابقة.
(3/42)

ومنها: وجود قرينة ترجح جانب أحدهما كمسألة القسامة فإن الأيمان في جانب المدعين أولاً وذلك لقوة جانبهم، والذي جعل جانبهم قويًا أمران: الأول: وجود المقتول بين أظهر المدعى عليهم وهذه قرينة ترجح صدق دعواهم. الثاني: وجود العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليهم، فهاتان القرينتان جعلت جانب المدعين أقوى فلما كان جانبهم أقوى صارت اليمين في جانبهم؛ لأن اليمين تشرع في جانب أقوى المتداعيين ولذلك إذا نكل المدعون ولم يحلفوا فإن نكولهم هذا أضعف جانبهم وقوى جانب المدعى عليهم فلما قوي جانب المدعى عليهم انتقلت اليمين لجانبهم، مما يدل على أن اليمين ليست في جانب المدعى عليه مطلقًا وإنما هي في جانب أقوى المتداعيين، وهكذا فمسألة القسامة ليست على خلاف الأصول، بل هي متفقة معها كل الاتفاق وإنما الذين قالوا إنها على خلاف الأصل ظنوا أن اليمين دائمًا تكون في جانب المدعى عليه وهذا ليس بصحيح لكن على هذه القاعدة المفيدة يزول الإشكال ولله الحمد والمنة.
(3/43)

القاعدة الثانية والخمسون
52 - الأمر بعد الحظر يفيد ما أفاده قبل الحظر
وهذا رواية عن الإمام أحمد وهي الموافقة للأدلة من الكتاب والسنة وهي أرجح من قول بعضهم: (الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة) فإنه يشكل عليه كثير من الأدلة ورد فيها الأمر بعد الحظر ولا يفيد الإباحة ونعني: (بالأمر بعد الحظر) أنه إذا حظر الشارع قولاً أو فعلاً ثم عاد فأمر به، فهذا أمر بعد حظر كأن يقول مثلاً: (لا تزوروا القبور) ، ثم يقول: (زوروها) ونحو ذلك، فهذا الأمر الذي أعقب الحظر ماذا يفيد؟ هل يفيد الوجوب كما كان يفيده لو لم يرد بعد حظر؟ أم أنه يفيد الندب أم يفيد الإباحة؟ أم يفيد حكمه قبل الحظر؟ في هذه المسألة خلاف بين الأصوليين والصواب هو مقتضى هذه القاعدة وهو أن الشارع إذا حرم شيئاً من الأقوال ثم أمر به فإنه يرجع بعد فك الحظر عنه إلى حكمه الأول، فإن كان قبل الحظر واجباً فهو بعد الحظر واجب وإن كان سنة فهو سنة وإن كان قبل الحظر مباحاً فهو بعد الحظر مباحًا.
وهذا هو الموافق للأدلة، وهي كثيرة:
فمن ذلك: قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} فقتال المشركين كان واجبًا قبل الأشهر الحرم ثم حرمه الله في الأشهر ثم أمر به مرةً ثانية بعد انسلاخ الأشهر الحرم فقوله: {فاقتلوا} يفيد الوجوب؛ لأنه كان واجبًا قبل الحظر، ولا يمكن أن يقال هنا إنه مباح على قول من قال إنه يفيد الإباحة، فإن قتال الكفار يعلم من الدين بالضرورة أنه واجب، فلما فُكَّ الحظر عاد الحكم إلى ما كان يفيده قبل الحظر.
(3/44)

ومن ذلك: قوله تعالى: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأنْتُمْ حُرُمٌ} فحرم الله تعالى الصيد البري حال الإحرام ثم قال: {وَإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} فأمر به بعد الإحلال، فالأمر بالصيد بعد الإحلال أمر بعد حظر، فنقول يرجع إلى ما كان يفيده قبل الحظر، فنظرنا فوجدنا أن الصيد مباح قبل الحظر فقلنا إن الأمر بالصيد إذًا بعد تحريمه يفيد الإباحة لأنه كان مباحًا قبل تحريمه.
ومن ذلك: قوله تعالى: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} فالأصل أن البيع جائز ثم حرمه الله تعالى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة أي النداء الثاني الذي يعقبه الخطبة ثم أمر به في قوله: {فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} وهذا الأمر بالانتشار والابتغاء من فضل الله يفيد الجواز؛ لأنه كان يفيده قبل تحريمه، والأمر إذا ورد بعد حظر أفاد ما كان يفيده قبل الحظر.
ومن ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) فالأصل أن زيارة القبور كانت جائزة أو مستحبة ثم نهى عنها ثم أمر بها في قوله: (فزوروها) فهذا الأمر يفيد الإباحة أو الاستحباب؛ لأنه كان يفيد ذلك قبل الحظر.
ومن ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروا ... ) الحديث. فالأصل أن ادخار شيءٍ من لحم الأضحية جائز ثم نهي عنه من أجل الداقة أي الفقراء الذين نزلوا المدينة، ثم أمر به في قوله: (فادخروا) فهذا الأمر يفيد الإباحة لأنه كان مباحًا قبل الحظر.
(3/45)

ومن ذلك: قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} فنهى عن جماع المرأة الحائض ثم قال: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} فأمر بإتيانها، وهذا الأمر يفيد الإباحة؛ لأن الإتيان قبل الحيض مباح، وبهذا يتبين لك جليًا أن الأمر بعد الحظر يرجع إلى حكمه السابق قبل الحظر إلا أنك تلاحظ أن غالب ما ورد في الشريعة من الأمر بعد الحظر إنما يفيد الإباحة ولذلك قال من قال إنه للإباحة، لكن الأجود هو القول بمقتضى هذه القاعدة، والله تعالى أعلى وأعلم.

القاعدة الثالثة والخمسون
53 - يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء (1)
وقد يقال: (البقاء أسهل من الابتداء) وكلها بمعنىً واحد، وقولنا: (يغتفر) أي يتسامح ويتساهل، وقولنا: (في البقاء) أي في أثناء الفعل وخلال الأمر وقولنا: (ما لا يغتفر في الابتداء) أي في إنشاء الفعل مرة أخرى من جديد، ومعناها: أن الشيء أحيانًا لا يجوز ابتداؤه لكن يجوز استمراره، فاستمراره لا يعطى حكمًا؛ لأنه مغفور، لكن لو ابتدأه مرةً أخرى فإنه يعطى حينئذٍ حكمًا، فبقاؤه لا حكم له، وابتداؤه له حكم.
وعلى ذلك فروع كثيرة جدًا هي كالأدلة لها:
منها: الطيب للمحرم، فإن السنة دلت على استحباب الطيب قبل الإحرام لحديث عائشة في المتفق عليه: (كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت) فيستحب للمحرم أن يتطيب في بدنه فقط قبل عقد نية الإحرام وإذا أحرم بعد ذلك فإنه لاشك سيكون أثر الطيب باقٍ عليه فهذا الأثر لا بأس به؛ لأنه مغتفر لكن لو ابتدأ الطيب مرةً أخرى بعد عقد الإحرام فعليه حينئذٍ فدية؛ لأن ابتداء الطيب حال الإحرام لا يغتفر، فاغتفر بقاؤه ولم يغتفر ابتداؤه؛ لأنه يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.
__________
(1) والتعبير عنها بـ" الرفع أقوى من الابتداء " أجود.
(3/46)

ومنها: من محظورات الإحرام عقد النكاح، فلا يجوز للمحرم أن يَنْكِحُ ولا يُنْكَحُ لحديث عثمان - رضي الله عنه - عند مسلم مرفوعاً: (لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ ولا يُنْكَحُ ولا يَخْطُبُ) فلو أن المحرم ابتدأ عقد نكاحٍ بعد إحرامه فقد باء بالإثم ولا شك، لكن لو طلق الشخص زوجته ثم أحرم فبدا له أن يراجعها حال إحرامه فهل يجوز له أن يراجعها أم لا؟
نقول: نعم يجوز له ذلك لأن الرجعة ليست ابتداء عقد جديد ولكن هي استمرار لعقد النكاح الأول، فهي من باب البقاء لا من باب الابتداء، فيجوز للمحرم مراجعة زوجته؛ لأن الرجعة من باب البقاء ولا يجوز له أن ينشئ عقد نكاح جديد؛ لأنه من باب الابتداء، ويغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.
ومنها: من محظورات الإحرام قتل الصيد البري المتوحش طبعًا لقوله تعالى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} لكن لو قتل شخص صيدًا وليس بمحرم ولا في الحرم، ثم عقد نية الإحرام، فهل يلزمه تخليته أم لا؟ الجواب: لا يلزمه تخليته؛ لأن وجود الصيد معه إنما هو من باب البقاء، لكن لو أنه بعد الإحرام قتل الصيد فإنه يأثم وعليه مثله من النعم لأن قتله حينئذٍ من باب الابتداء، والبقاء أسهل من الابتداء.
ومنها: الأموال المحرمة التي اكتسبها أصحابها وهم لا يعلمون بالتحريم كالأموال الربوية ونحوها، فإذا جهلوا جهة تحريمها ثم علموه فهل يلزمهم أن يتخلصوا من هذه الأموال أم لا؟ الجواب: لا يلزمهم ذلك لأنهم معذورون بجهلهم لتحريمها فيغتفر لهم إبقاؤها لكن لا يجوز لهم بعد العلم بالتحريم تحصيل شيء جديد من هذه الجهة المحرمة فلو فعلوا وجب عليهم التخلص منه؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء.
(3/47)

ومنها: صلاة التطوع المطلق أعني الذي لا سبب له، لو ابتدأه الإنسان في غير وقت النهي ثم أطاله حتى دخل عليه وقت النهي فإنه لا بأس به؛ لأنه من باب البقاء، لكن لو دخل عليه وقت النهي ثم ابتدأ فيه نافلة مطلقة فإنه حينئذٍ لا تصح؛ لأنه من باب الابتداء فاغتفر البقاء ولم يغتفر الابتداء؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء (1) .
ومنها: أن المرأة لا يجوز لها إسقاط المهر عن الزوج عند العقد، بل هو لا يسقط بالإسقاط (2) ؛ لأن من شروط صحة العقد أن يكون على مهرٍ وتسميته في العقد سنة وإن لم يسم فلها مهر مثلها لا وكس ولا شطط، لكن لو تم العقد بالمهر ثم بعد مدة أسقطته المرأة وعفت عنه، فهذا جائز لتمام العقد حينئذٍ فابتداء إسقاط المهر مع العقد لا يجوز وإسقاطه بعد تمام العقد يجوز؛ لأنه يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء.
ومنها: بيع العبد الآبق فإن ابتداء بيعه وهو آبق لا يجوز؛ لأن من شروط صحة البيع القدرة على التسليم لكن لو باع الإنسان عبدًا ثم أبق فإباقه هذا بعد تمام عقد البيع لا يؤثر في صحة البيع فلم يجز ابتداء بيعه ولم يُفسدِ البيعَ إباقُه بعده؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء.
__________
(1) يحرر هذا الفرع لأن من أهل العلم من قال: لا يجوز الإبتداء ولا البقاء لعموم الأدلة.
(2) هذا على اختيار شيخ الإسلام، لأن المذهب إن شرط عدم مهر لها فسد الشرط وصح النكاح.
(3/48)

ومنها: الأرض التي وقع بها الطاعون، فإن من كان فيها لا يخرج منها هربًا منه فقعوده فيها مع ظنه الهلاك لا يؤثر؛ لأنه من باب البقاء، ولا يُعَدُّ بفعله ذلك قاتلاً لنفسه ولا أنه يلقي بنفسه للتهلكة، وأما من كان خارجًا عنها فإنه لا يجوز له ابتداء دخولها؛ لأن الإنسان يحرم عليه أن يلقي بنفسه في التهلكة، وهو مأمور بالمحافظة على نفسه، فالبقاء فيها مغتفر وابتداء دخولها محرم؛ لأنه يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء، وفي الصحيح من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا: (إذا وقع عليكم وأنتم بأرضٍ فلا تخرجوا منها فرارًا منه وإذا سمعتم به في بلدٍ فلا تقدموا عليه) ، والله أعلم.
ومنها: نكاح الأمة فإنه يجوز بشرطين: أن لا يستطيع مهر حرة، وأن يخاف على نفسه العنت لقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ... } إلى قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} أي الوقوع في الفاحشة، فإذا توفر هذان الشرطان فيجوز له نكاحها، فإذا أيسر أو ذهب خوف الوقوع في العنت فإنه حينئذٍ لا يصح له ابتداء نكاح أمةٍ أخرى لكن لا ينفسخ عقد الأمة التي عنده؛ لأن المحرم هو ابتداء العقد لا استمراره، ذلك لأن البقاء أسهل من الابتداء، ولو تتبعنا الفروع لأطلنا والمقصود الاختصار ما أمكن والإشارة تغني عن التطويل فعلى هذه الفروع قس، والله أعلم.

القاعدة الرابعة والخمسون
54 - تستعمل القرعة في تمييز المستحِقِّ
إن هذه الشريعة شريعة كاملة،لم تدع شيئًا مشتبهًا يؤدي اشتباهه إلى التنازع إلا وجعلت في تمييزه طرقًا كثيرة، ومن هذه الطرق القرعة، والقرعة هي السهمة، والمقارعة المساهمة، والأصل فيها الكتاب والسنة.
(3/49)

فأما الكتاب: فقوله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ} أي نبيه وعبده يونس عليه السلام لما ركب السفينة مغاضبًا هاجت الأمواج وتلاطمت وأشرفت السفينة على الغرق لثقل حملها، فقالوا لابد أن يضحي أحدنا من أجل نجاتنا فاقترعوا فخرجت القرعة على نبي الله يونس، ثم استعظموا الأمر فاقترعوا ثانية وثالثة كلها تخرج عليه فألقى نفسه في اليم فإذا الحوت قد فَغَرَ فاه مستقبلاً له فالتقمه، ولم ينكر الله جل وعلا هذا الاقتراع ولو كان منكرًا لما أقره، وكذلك قوله تعالى عن اختصام ملأ بني إسرائيل من يكفل مريم، فاتفقوا على أن يأتوا إلى البحر ويلقون أقلامهم فأيهم خرج قلمه فهو يكفلها، فخرج قلم زكريا فكفلها، فقال تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ أيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ} وهاتان الآيتان وإن كانتا في شرع من قبلنا لكن ورد شرعنا بتقريرها وجوازها، واتفق العلماء أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد شرعنا بالأمر به، وإن لم يرد بجوازه فهل هو شرع لنا أو لا؟
(3/50)

فيه خلاف، والصواب: نعم، إن لم يرد في شرعنا ما ينسخه والقرعة قد ورد في شرعنا ما يجيزها ومن ذلك فعله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان لا يخرج في سفرٍ غزوةٍ أو غيرها إلا أقرع بين نسائه فأيتهن أصابتها القرعة خرج بها، وعن عمران بن الحصين - رضي الله عنهما - أن رجلاً من الأنصار أعتق ستة مملوكين في مرضه لا مال له غيرهم فجزأهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة) رواه مسلم، وفي الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قومٍ استهموا على سفينة ... ) الحديث، وأخرج أحمد في المسند عن ابن الزبير: (أن صفية جاءت بثوبين ليكفن فيهما حمزة - رضي الله عنه - فوجدنا إلى جنبه قتيلاً فقلنا لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب، فوجدنا أحد الثوبين أوسع من الآخر فأقرعنا عليهما ثم كفنا كل واحدٍ في الثوب الذي صار إليه) ، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم مرفوعًا: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) ، وأخرج أبو داود وأحمد في المسند من حديث أم سلمة - رضي الله عنها - أن رجلين اختصما في مواريث دَرَسَتْ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (استهما وتوخيا وليحلل كل واحدٍ منكما صاحبه) وأصله في الصحيحين: (وتشاح الناس يوم القادسية على الأذان فأقرع بينهم سعد) قال ابن قدامة: (وقد أجمع العلماء على استعمالها في القسمة) ا. هـ.
(3/51)

ومن هذه الأدلة: تعلم أن القرعة أصل من الأصول في استخراج المستحق وتمييزه عن غيره، وروى أبو داود من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: (أن رجلين تداعيا عينًا لم يكن لواحدٍ منهما بينة فأمرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستهما على اليمين أحبا أم كرها) ، وروى البخاري من حديث أبي هريرة أيضًا: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرض على قومٍ اليمين فسارعوا إليه فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف) ، وفي سنن أبي داود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا أكره اثنان على اليمين أو استحباها فليستهما عليها) ، وقد صنف الإمام أبو بكر الخلال مصنفًا في القرعة وهو في جامعه، ومن النظر أيضًا أن الحقوق إذا تساوت فلا من مرجح بينهما وهذا المرجح هو القرعة، وإذا أردت أن تعرف أهمية الحكم بالقرعة فانظر إلى تأثيرها فيما أذكره من الفروع - إن شاء الله تعالى - فترى الحكم يثبت لأحد الاثنين بمجرد القرعة، فإليك بعض الفروع:
فمنها: إذا تشاحوا في الأذان مع تساويهم في الصفات المعتبرة شرعًا فإنه يقرع بينهم نص عليه الإمام أحمد في رواية أبي داود وأبي طالب ومحمد ابن موسى واحتج بأن سعدًا أقرع في الأذان يوم القادسية.
ومنها: إذا استوى اثنان في الصفات المرجح بها في الإمامة أقرع بينهم فمن خرجت له القرعة فهو أحق به، كما في الأذان.
ومنها: إذا استوى جماعة في صفات الإمام الأعظم فإنه يقرع بينهم قياسًا على الأذان.
ومنها: إذا اجتمع ميتان فبذل لهما كفنان وكان أحد الكفنين أجود من الآخر ولم يعين الباذل ما لكل واحدٍ منهما فإنه يقرع بينهما كما وردت السنة بذلك كما في حديث الزبير عن صفية وتقدم.
(3/52)

ومنها: تملك المباحات إذا استبق اثنان إلى مباحٍ كالجلوس في الأماكن المباحة كالطرق الواسعة ورحاب المساجد أو استبقا إلى إحياء الموات، فالمذهب أنه يقدم أحدهما بالقرعة وفيه وجه أن السلطان يقدم من رأى المصلحة في تقديمه.
ومنها: إذا التقط اثنان طفلاً واستويا في الصفات المعتبرة فإنه يقرع بينهما فمن خرجت عليه القرعة فهو الأحق بكفالته.
ومنها: إذا أعتق عبدًا من عبيده ثم أنسيه أو قال لهم أحدكم حر فحينئذٍ تستعمل القرعة لإخراج من وقع عليه العتق.
ومنها: إذا طلق امرأة من نسائه فأنسيها أو قال إحداكن طالق، ولا قرينة تصرفه لأحدهن، ميزت المطلقة بالقرعة.
ومنها: إذا دعاه اثنان إلى وليمة واستويا في الصفات المرجحة من تقديم الأسبق أو الأقرب رحمًا أو الأقرب دارًا كل ذلك قد استويا فيه فإنه يقرع بينهما فمن خرجت عليه القرعة أجابه.
ومنها: إذا أراد السفر وأراد اصطحاب إحدى زوجاته ولا يعرف من هي فإنها تخرج بالقرعة وهذا هو السنة كما تقدم حديثها.
ومنها: الأولياء المستوون في النكاح إذا تشاحوا أقرع بينهم ومن خرجت عليه القرعة تولى عقد النكاح، وعلى ذلك فقس.
ولكن ينبغي التنبيه على أنه لا مدخل للقرعة في العبادات المحضة كالصلاة كمن ترك صلاة لكن لا يدري أهي الظهر أم العصر، فإنه لا يقرع بينهما لأن الصلاة من العبادات المحضة وإنما الواجب أن يجتهد في ذلك فإن غلب على ظنه شيء عمل به، وإلا فلا يخرج من العهدة إلا بأداء صلاتين صلاة الظهر وصلاة العصر فإنه بذلك يكون قد قضى الفائتة، والثانية نافلة وكذلك الحال في الجمرات مثلاً إذا شك هل رمى ستًا أو سبعًا، وكذلك إذا شك في عدد الطواف والسعي فإنه لا يقرع في ذلك وإنما عليه أن يجتهد فإن غلب على ظنه شيء عمل به على الراجح وإن لم يغلب على ظنه شيء فإنه يبني على اليقين وهو الأقل دائمًا، والله تعالى أعلى وأعلم.
(3/53)

القاعدة الخامسة والخمسون
55 - إذا اجتمع مبيح وحاظر غُلِّبَ جانب الحاظر
وهذا من باب الاحتياط وبراءة الذمة؛ ولأن في تغليب جانب الحرمة درء مفسدة، وفي تأخير المبيح تعطيل مصلحة ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهي فرع من قاعدة: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) فإذا تحقق في عين من الأعيان سببان، أما أحدهما فإنه يدل على إباحتها وجواز الانتفاع بها والآخر يمنع منها، فإننا نتوقف حينئذٍ عنها حتى يزول هذا الاشتباه، ولا ينبغي لنا الإقدامُ عليها ما دامت كذلك تغليبًا لجانب الحظر، وقد دل على هذه القاعدة أدلة من القرآن والسنة.
فأما القرآن: فقوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} فآلهة المشركين تجاذبها سببان: أما أحدهما فيبيح سبها وهي لأنها اتخذت آلهة مع الله وفي سبها إغاظة للمشركين وإهانة لهم وتحقيرٌ لها ولعابديها، فهذا سبب يبيح سبها لكن هناك سبب يمنع من سبها وهو أن سبها يؤدي إلى أن يسب أصحابها ربنا جل وعلا وحينئذٍ فسب الآلهة فيه سبب يبيحه وسبب يحرمه فغلب جانب التحريم إذا علمنا أن سبها عند قوم يقودهم إلى سب الله؛ ولأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة؛ ولأن هذا من باب سد الذرائع المفضية إلى ما هو أشد منها مفسدة.
(3/54)

ومن الأدلة: حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) متفق عليه، فهذه الأعيان التي توارد عليها سبب يبيحها وسبب يحرمها هي من الشبهات التي لا يتضح حلها ولا تتضح حرمتها، بل فيها مادتان فهي إذًا من جملة الشبهات، وقد ندبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اتقائها أي اجتنابها والتباعد عنها؛ لأن هذا أسلم للمرء في دينه وعرضه، ولا يمكن اتقاؤها إلا إذا غلبنا السبب المانع منها أو المحرم لها.
ومن ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) والريب هنا بمعنى الشك والتردد، وهذا الحديث أصل في الورع، ومعناه: اترك ما فيه شك من الأفعال إلى ما لاشك فيه منها، والأشياء التي فيها محلل ومحرم هي من الأشياء التي تتردد النفس في فعلها من عدمه ويبقى الإنسان شاكًا في حلها وحرمتها، فحينئذٍ تكون من الأشياء المريبة فإذا تحقق ذلك فيها فقد أمرنا أن ندعها إلى ما لا ريب فيه ولا تردد، ولا يكون ذلك إلا إذا غلبنا جانبها المحرم لها، فنتركها تورعًا وتنزهًا وهذا كما ذكرت أصل في الورع، ويروى عن زيد بن ثابت أنه قال: (ما شيء أسهل من الورع إذا رابك شيء فدعه) .
(3/55)

ومن ذلك أيضًا: حديث عدي بن حاتم - رضي الله عنه - وأنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صيد الكلب فقال له - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل منه فلا تأكل فإنما صاد لنفسه وإن وجدت معه كلبًا آخر فلا تأكل فإنما سميت على كلبك) ووجه الاستشهاد منه أن صيد الكلب المعلم حلال إلا في حالتين: الأولى: إن أكل منه فالصيد الذي صاده الكلب فأكل منه قد اجتمع فيه سببان محلل ومحرم فأما المحلل فهو صيد كلبٍ معلمٍ أرسله صاحبه وسمى عليه عند الإرسال، فهذا التعليل يفيد أن ما صاده حلال، وأما المحرم فلأنه أكل منه؛ لأن أكله حينئذٍ قرينة قوية أنه إنما اصطاد لنفسه لا لصاحبه، وهذا التعليل يفيد المنع منه، فهذا الصيد تجاذبه السببان المحرم والمبيح، فغلب النبي - صلى الله عليه وسلم - السبب المحرم؛ لأنه إذا اجتمع الحلال والحرام غلبنا جانب الحرام؛ ولأنه أبرأ للذمة.
الثانية: صيد الكلب إذا وجد معه كلب آخر فإنه قد اجتمع فيه سببان محلل ومحرم فأما السبب المحلل فهو عين السبب السابق في الحالة الأولى، وأما المحرم فلأنه وجد معه كلب آخر وأنت إنما سميت على كلبك ولم تُسَمِّ على الآخر، ولا ندري لعله شاركه في الصيد، وصيد أحدهما حلال لكمال الشروط وصيد الآخر حرام لعدم توفر التسمية، فلما اجتمع المحلل والمحرم غلب النبي - صلى الله عليه وسلم - جانب السبب المحرم فقال: (فلا تأكل) وهذا أصل في هذه القاعدة.
(3/56)

ومن ذلك: أن أسامة بن زيد قتل رجلاً من المشركين بعد أن قال: لا إله إلا الله، مع أن هذا الرجل كان شديد البأس على المسلمين فكان لا يدع شاذة ولا فاذة إلا اتبعها بسيفه يضربها، وأن أسامة حمل عليه بالسيف فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله، فقتله فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أخبر الخبر فقال: (أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله) . فقال أسامة: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح ... فقال له: (كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة) والحديث متفق عليه. فالرجل الذي قتله أسامة - رضي الله عنه - قد اجتمع فيه سببان مبيح لقتله ومحرم لقتله فأما المبيح فلأنه من المشركين وحربي وقد فعل في المسلمين الأفاعيل العظيمة، فكل ذلك يفيد إباحة قتله، وأما المحرم فلأنه قال: لا إله إلا الله، فإن من قالها وجب الكف عن دمه وماله؛ لأنها تعصم الدم والمال كما في الأحاديث الصحيحة، فلما اجتمع في هذا الرجل سبب مبيح لقتله وسبب مانع منه غلب النبي - صلى الله عليه وسلم - السبب المحرم لدمه وأنكر على حبه وابن حبه أسامة - رضي الله عنه -، وأخبره أنه كان الواجب عليه أن يكف عنه ويدعه وذلك تغليبًا للسبب المحرم لدمه وماله وأن يكل سريرته إلى الله تعالى.
(3/57)

ومن ذلك: حديث عائشة في المتفق عليه، قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال سعد: يا رسول الله إن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إليَّ أنه ابنه انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي ولد على فراش أبي، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شبهه فرأى شبهًا بينًا بعتبة فقال: (هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة) ، قال: فلم ير سودة قط. فانظر إلى هذا الحديث العظيم فإنه مقرر لهذه القاعدة أيَّما تقرير، فإن هذا الولد بالنسبة لسودة - رضي الله عنها - تنازعه مبيح ومحرم، فالمبيح أنه ابن لأبيها أي أنه أخوها؛ لأنه ولد على فراش أبيها، فهذا سبب يبيح لسودة أن تكشف له وأن تراه ويراها ويخلو بها؛ لأنه حينئذٍ محرم لها، لكن وجد سبب آخر وهو وجود الشبه القوي بعتبة بن أبي وقاص مما يدل على أنه ابنه فالشبه لا يخطئ غالبًا وهو أمارة قوية في لحوق النسب فلو كان ابنًا لعتبة فإنه حينئذٍ يكون أجنبيًا عن سودة فتحتجب عنه، فاجتمع فيه أعني في هذا الولد بالنسبة لسودة - رضي الله عنها - مبيح وحاظر، فغلب النبي - صلى الله عليه وسلم - جانب السبب المحرم وأمر سودة أن تحتجب عنه تغليبًا لشبهة وجود الشبة الواضح بعتبة، فاجتمع مبيح ومحرم فغلب جانب المحرم؛ لأنه أحوط لكنه أخوها في جميع الأحكام في الإرث والصلة ونحوها إلا في النظر وهذا دليل صريح في هذه القاعدة، ووالله لو ذهبنا نذكر أدلتها لأطلنا، ولعل فيما مضى كفاية - إن شاء الله تعالى -، وأما فروعها فتعلم من أدلتها ونزيدها بأن نقول:
(3/58)

إذا اشتبهت أخته بأجنبيات أو اشتبهت ميتة بمذكاة وجب الكف عن الجميع حتى يزول الاشتباه تغليبًا لجانب الحظر، والحيوان المتولد بين المأكول وبين غيره كالبغل ونحوه لا يحل أكله لاجتماع المبيح والحاظر فيه فيغلب جانب الحاظر ولو اشترك في الذبح من تحل ذبيحته ومن لا تحل بأن قطع هذا الحلقوم وأحد الودجين (1) ، وهذا قطع المريء والودج الآخر فإن الذبيحة حرام تغليبًا لجانب الحظر.
ولو اشتبه ماء طهور بنجس تركهما وتيمم تغليبًا لجانب الحظر، ولأن الطهارة المائية لها بدل وهو التيمم بخلاف ما لو اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة فإنه يجتهد ويصلي فيما أداه إليه اجتهاده على الراجح؛ لأن ستر العورة لا بدل له.
__________
(1) عند من يرى اشتراط قطع الودجين جميعاً أو يرى قطع الودحين والحلقوم والمريء.
(3/59)

ولو اشترك في صيد الحيوان البري المتوحش طبعًا محرم وحَلاَلٌ، فإنه يحرم على المحرم تغليبًا لجانب الحظر، وعلى ذلك فقس، فإن قلت أو لم تذكر سابقًا في قاعدة: (إضافة الحكم إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنون) فروعًا كثيرة فيها مبيح وحاظر وغلبت في بعضها جانب المبيح فكيف نجمع بينها وبين هذه القاعدة؟ فأقول: هذا سؤال جيد وبسط الجواب عنه أن يقال: أن قاعدة إضافة الحكم إلى السبب المعلوم لا إلى المقدر المظنون لم يستوفيها الاحتمال فالسببان ليسا على درجة واحدة في القوة، بل السبب المعلوم المتيقن ثبوته أقوى من السبب المظنون، ولذلك لم يقو على معارضته، فأسقطناه؛ لأن القوي يسقط الضعيف ولا عكس، أما في هذه القاعدة فإن السببين في القوة بمنزلة واحدة فاحتمال رجحان السبب المبيح هو بعينه احتمال رجحان السبب المحرم ولا مرجح عندنا لأحد الأمرين فقلنا حينئذٍ يغلب جانب الحرام وذلك لاستوائهما في القوة، ويقال أيضًا إن هذه القاعدة التي معنا ليست على إطلاقها، بل لابد أن يقيد ذلك بما إذا كان السبب المحرم مساويًا أو أشد قوة من السبب المبيح أما إذا كان السبب المبيح هو الأقوى وأن السبب المحرم إنما هو شيء يسير فإنه حينئذٍ لا يلتفت إليه (1) ، ولو سبرت فروع القاعدتين لم تجدها تخرج عن هذين الجوابين، والله تعالى أعلى وأعلم.
__________
(1) الجواب الثاني هو الجواب الأول فلا داعي له فيما أرى.
(3/60)

القاعدة السادسة والخمسون
56 - إذا تعذر معرفة صاحب الحق نزل منزلة المعدوم
اعلم - رحمك الله تعالى - أن الواجب هو أداء الحقوق إلى أصحابها إذا عرفوا ولا يجوز منع أصحابها منها بغصبٍ أو مماطلةٍ ونحو ذلك، بل إذا عرف صاحب الحق فهو أحق به من غيره، سواءً كان صاحب الحق فردًا أو جهة معينة؛ لأن هذا من أداء الأمانات وقد قال الله تعالى: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أهْلِهَا} وهو نص عام في جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله عز وجل على عباده من الصلاة والزكاة والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، وكذلك حقوق العباد بعضهم على بعضٍ كالودائع وغيرها، وعن سمرة بن جندبٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه أحمد والأربعة وصححه الحاكم، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) رواه أبو داود والترمذي وحسنه وصححه الحاكم، وعنه - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) رواه البخاري، وقال الله تعالى: {فَإِنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} فالقاعدة العامة في الشريعة هو أن الإنسان يجب عليه أداء الحقوق إلى أصحابها، لكن هذا إذا كان أصحابها معروفين، أما إذا كانوا لا يعرفون وليس إلى معرفتهم سبيل أو علمناهم ولكن جهلناهم، فما العمل حينئذٍ في هذا الحق؟ هذا هو ما تقرره هذه القاعدة وهو أن صاحب الحق إذا جهل فإنه ينزل منزلة المعدوم أي كأنه لم يوجد، والمعدوم هو الذي ليس في حيز الوجود، فكل ما ليس في حيز الوجود فهو معدوم، فننزل صاحب هذا الحق منزلة المعدوم أي نخرجه عن حيز الوجود،
(3/61)

ونتصرف في حقه على ما تقتضيه المصلحة، هذا هو القول الراجح، ويدل عليه عدة أدلة:
منها: قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث زيد بن خالد الجهني - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن اللقطة، فقال: (اعرف عفاصها ووكائها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها) متفق عليه، فأنزل صاحبها بعد تعريف اللقطة سنة منزلة المعدوم وأجاز لواجدها التصرف فيها، لكن إن تصرف فيها لنفسه فإنها تكون بمنزلة الدين في ذمته متى ما جاء ربها فإنه يؤديها إليه وفي بعض روايات الحديث الصحيحة: (فإن جاء ربها فأدها إليه) ، وعن جابر قال: (رخص لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به) رواه أحمد وأبو داود، أي لا يلزم تعريفه؛ لأنه لا تتبعه همة أواسط الناس لكننا نعلم أن له مالكًا لكننا لا نعرفه ولم نؤمر بالتعرف عليه في هذه الأمور البسيطة فنزل منزلة المعدوم فيأخذها الإنسان وينتفع بها.
ومن ذلك: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (وفي الركاز الخمس) ويوضح ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً وجد مالاً في قرية فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن وجدته في قريةٍ مسكونةٍ فعرفه وإن وجدته في قريةٍ غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس) ، ونحن نعلم يقينًا أن هذا المال المدفون له أصحاب سواء كانوا موجودين أو معدومين أو قد يكون لهم ورثة، لكن لما كان من دفن الجاهلية لم توجب الشريعة تعريفه، بل يملكه من أخذه بمجرد أخذه، وفيه الخمس، ذلك لأن أصحابه مجهولون فأنزلناهم منزلة المعدومين؛ لأنه يتعذر علينا البحث عنهم لتقادم عهد الجاهلية.
(3/62)

ومن ذلك: ما قضى به عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في امرأة المفقود، قال عبيد بن عمير: فقد رجل في عهد عمر فجاءت امرأته إلى عمر فذكرت ذلك له. فقال: (انطلقي فتربصي أربع سنين، فتربصت ثم أتته) ، فقال: (انطلقي فاعتدي أربعة أشهر وعشرًا) ، ففعلت ثم أتته. فقال: (أين ولي هذا الرجل فجاء وليه فقال: طلقها ففعل) فقال عمر: (انطلقي فتزوجي من شئت) وهو أثر صحيح.
قال أحمد: ما في نفسي شيء منه خمسة من الصحابة أمروها أن تتربص. ا. هـ
وهذا القول هو الذي حكم به الخلفاء من بعد عمر - رضي الله عنه -، وهو أصح الأقوال وأحراها بالقياس، واختاره الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم وابن عبدوس وصوبه في الإنصاف، فلما فقد الرجل ولم يعرف له حسٌّ ولا خبر جعله عمر كالمعدوم، وقد اتفق الصحابة على ذلك فهذه الأدلة تدل دلالة صريحة على أن صاحب الحق إذا تعذرت معرفته فإنه يجعل في حكم المعدوم ويتصرف في حقه بما هو الأصلح له أو بما هو الأصلح لواجده هذا من ناحية الشرح والتدليل.
وأما من ناحية التفريع فهي كثيرة أذكر أهمها فأقول:
(3/63)

منها: اللقطة: وقد قسمها العلماء إلى أقسام ثلاثة وتفصيلها يطول والمقصود أن هذه اللقطة سواءً وجب تعريفها أم لم يجب فإننا إن علمنا صاحبها وجب ردها إليه لحديث عياض بن حمار مرفوعًا: (فإن جاء ربها فهو أحق بها) وإن تعذرت معرفته فإنه ينزل منزلة المعدوم ويتصرف في اللقطة بما هو الأصلح، فإن كانت مالاً فله حفظه لصاحبه وله استنفاقه ويكون دينًا في ذمته، وله التصدق به على نية صاحبه، وإن كانت من بهيمة الأنعام التي لا تمتنع من صغار السباع كالغنم والدجاج والأرانب ونحوها فله أكلها، وله بيعها واستنفاق نفقتها أو حفظها لصاحبها، وله إمساكها والإنفاق عليها حتى يجد ربها، لحديث زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: (هي [أي ضالة الغنم] لك أو لأخيك أو للذئب) (1) .
ومنها: المفقود إذا ضرب الحاكم له مدةً معلومةً إما باجتهاده أو المدة التي قضى بها عمر فانقضت المدةُ ولم يعرف له خبر ولا أثر فإنه ينزل منزلة المعدوم فيقسم ماله وتعتد زوجته.
ومنها: إذا سرق الإنسان مالاً أو غصبه وتاب رده إلى أهله وإن لم يجدهم لطول العهد واجتهد في البحث عنهم بدون جدوى، فإنه حينئذٍ يتصرف في هذا المال بما يعود نفعه عليهم من صدقةٍ ونحوها؛ لأن صاحب الحق إذا تعذر وجوده نزل منزلة المعدوم.
ومنها: من قبض وديعة من أحدٍ فغاب المالك غيبةً طويلة وسأل عنه المودَع حتى أيس من وجوده، فله حينئذٍ أن يتصرف في الوديعة بما هو الأصلح من بيع وتصدق بثمنها أو يدفعها إلى بيت المال أو يتصدق بعينها على الفقراء والمساكين بنية عن أصحابها.
ومنها: من مات وليس له وارث معلوم فإن ماله يكون لبيت مال المسلمين فيصرف في المصالح العامة؛ لأن صاحب الحق إذا تعذرت معرفته جعل كالمعدوم.
__________
(1) يحرر هذا فهناك فرق مابين فعله قبل تمام حول التعريف وبين مايفعله بها بعد الحول. والكلام فيه تداخل.
(3/64)

ومنها: الرهون التي لا يعرف أهلها، فقد نص الإمام أحمد على جواز الصدقة بها في رواية أبي طالب، أو تسلم للحاكم على ما هو الأصلح من هذا أو هذا، لكن إن قلنا: يتصدق بها فإن الصدقة تكون بنية عن أصحابها وموقوفة على إجازتهم فلو عرفوا في يوم من الأيام وقبلوا فأجرها لهم، وإلا ضمنها المتصدق بمثلها أو قيمتها ويكون أجر صدقته له، وعلى ذلك فقس، والله أعلم.

القاعدة السابعة والخمسون
57 - من تعجل حقه أو ما أبيح له قبل وقته على وجه محرم عوقب بحرمانه
ومعناها: أن من أجازت له الشريعة شيئًا في وقتٍ معين ثم تباطأ هذا الوقت وطال عليه الأمد، وحاول استعجاله بطرقٍ ملتوية محرمة، فإنه حينئذٍ يعاقب بحرمانه من ما هو مباحٍ له ويحال بينه وبين حقه، معاملةً له بنقيض قصده جزاءً وفاقًا، فكما أنه توسل للمشروع بوسائل محرمة تعجلاً منه للحصول على مقصوده المستحق له فإنه يعاقب بالحرمان منه، وهذا هو العدل، فإن هذا الحق الذي جعل صاحبه يقع في الحرام من أجل استعجاله لا خير فيه، وحقه أن يمنع منه، وهذه القاعدة العظيمة تمثل جانبًا من جوانب السياسة الشرعية في القمع وسد الذرائع؛ ولأن فعل ذلك الشخص الذي أراد الوصول إلى حقه بطرقٍ محرمه يُعَدُّ تحايلاً على الشرع من جانبٍ آخر، فعنده بليتان:
أحدهما: أنه وقع في المحرم استعجالاً لحقه. الثانية: أنه تحايل على الشرع بسلوك هذه الطرق للتوصل إلى حقه، فعوقب بحرمانه من هذا الحق أصلاً.
وأدلة هذه القاعدة كثيرة شهيرة نسوق بعضها فنقول:
(3/65)

من الأدلة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يرث القاتل شيئًا) رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (ليس لقاتلٍ ميراث) رواه مالك وأحمد وابن ماجه، فهذا القاتل كان من جملة الورثة أي ممن يستحقون إرث مورثهم إذا مات لكنه استعجل الإرث منه واستطال حياته فقتله استعجالاً للإرث فعاملته الشريعة بنقيض قصده وحرمته من الميراث جزاءً وفاقًا، وما أعدله وأقواه وأسدَّه لأبواب الشر والفساد، وإلا لو كان القاتل يرث من مال المقتول لانتشر الفساد بين ضعفة الإيمان وأهل الدنيا، لكن لما علم القاتل أنه إن قتل مورثه فإنه يحرم من الميراث فإنه حينئذٍ ينزجر عن فعله ذلك، وهذا من باب سد الذرائع.
(3/66)

ومن الأدلة: حديث أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر ففتح الله عز وجل علينا ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد له وهبه له رجل من جذام يسمى رفاعة بن يزيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي قام العبد يحل رحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرمي بسهم فكان فيه حتفه، فقلنا: هنيئًا له الشهادة يا رسول الله فقال: (كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة التي غلها من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا) ، قال: فجاء رجل بشراك أو شراكين، فقال: (هذا شيء كنت أصبته) . فقال - عليه الصلاة والسلام -: (شراك أو شراكان من نار) رواه البخاري. وعن عبد الله بن عمرو قال: كان على ثقل النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل يقال له كركرة فمات، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (هو في النار) فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءةً قد غلها. رواه البخاري، وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا وجدتم الرجل قد غَلَّ فأحرقوا متاعه واضربوه) رواه أحمد وأبو داود. وعن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكرٍ وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه) رواه أبو داود، وزاد: (ومنعوه سهمه) فالمجاهد في صفوف المسلمين له ما لهم من الغنم فيما يغنمونه، لكن لا تملك الغنيمة ملكًا خاصًا إلا بالقسمة، فالغال من الغنيمة استعجل نصيبه بالأخذ منها قبل القسمة فعوقب بانتزاعها منه وبتحريق رحله وبمنعه من سهمه عند البعض؛ لأن من استعجل حقه قبل أوانه عوقب بحرمانه.
(3/67)

ومن ذلك أيضًا: عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها) رواه الخمسة إلا النسائي وحسنه الترمذي. فالمرأة لها أن تتزوج لكن يشترط أن يتولى عقدها وليها؛ لأنه أعلم بمصلحتها، فإذا استعجلت المرأة زواجها فتولت هي عقده بدون الرجوع إلى وليها أو السلطان إن لم يكن لها ولي إذا فعلت المرأة ذلك فتكون قد استعجلت ما هو حلال لها بطريق محرم فتعاقب بالحرمان منه، فيفرق بينهما؛ لأن نكاحها حينئذٍ باطل ولها المهر إن كان الرجل قد استحل فرجها فلما استعجلت شيئًا قبل وقته عوقبت بالحرمان منه.
ومن ذلك: حديث أبي هريرة في الصحيحين قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعًا من تمر) متفق عليه، ولمسلم: (فله الخيار ثلاثة أيامٍ) والتصرية حبس اللبن في الضرع ليوهم المشتري أنها ذات لبن، وهذا من التدليس وهو إظهار المبيع في صورة غير صورته بقصد التغرير بالمشتري لزيادة الثمن فحصل على هذه الزيادة بطريق غير مشروع استعجالاً لها فعوقب بثبوت الخيار للمشتري بين الإمساك أو الرد بعد حلبها مع صاع من تمر معاملة له بنقيض قصده.
ومن ذلك: حديث ابن عباس في الصحيحين مرفوعًا: (لا تلقوا الركبان) ولمسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: (لا تلقوا الجلب من تلقي فاشتري منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار) فهذا الذي تلقى الجلب قد استعجل الشراء برخص قبل وصول الجلب إلى السوق لعدم علمهم بالثمن، فيكون قد استعجل الشيء قبل أوانه على وجهٍ محرم فعوقب بثبوت الخيار لأصحاب الجلب بين الرد وبين دفع الثمن المتبقي معاملة له بنقيض قصده.
(3/68)

ومن الأدلة أيضاً: قوله تعالى لأهل الربا: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} وقال: {وَإنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} فأهل الربا استعجلوا زيادة أموالهم - أي هم يريدون زيادتها - وهذا أمر مشروع لكنهم سلكوا لزيادتها طريقًا محرمًا وهو الربا فاستعجلوا ما هو مشروع لهم بتحصيله بطريق محرم فعاقبهم الله تعالى بمحق هذه الزيادة معاقبة لهم بنقيض قصدهم، وقال تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ} فأموال أهل الربا أموال ممحوقة البركة حسًا ومعنىً، وعلى هذا يقاس جميع المكاسب المحرمة.
ومن الأدلة أيضًا: حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون من أعطاها مؤتجرًا بها فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منها شيء) رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم، فعلى القول بثبوته فإن هذا الرجل الذي منع زكاة ماله هو يريد نماءه بذلك وظن أن الزكاة تنقصه فمنعها، فعوقب بنقيض قصده وهو أنه أخذت منه قهرًا وأخذ منه معها شطر ماله تعزيرًا؛ لأن من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه فحرم من زكاة ماله وحرم من شطره أيضًا، والله أعلم.
ومن ذلك: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن الراشي والمرتشي) رواه أحمد وأبو داود وصححه الترمذي.
والمرتشي أخذ المال من غير حله استعجالاً لنماء ماله فعوقب باللعنة وبتعزيره بأخذها منه، فهذه الأدلة وغيرها تفيدك دلالة قاطعة على أن الإنسان إذا استعجل حقه أو ماله بالطريق المحرم شرعًا أنه يعاقب بنقيض قصده وهو حرمانه من ذلك الذي صار سببًا لوقوعه في المحرم.
(3/69)

وأما الفروع فتعرف بما مضى من الأدلة ونزيدها فنقول:
من استعجل فنكح امرأة في عدتها فرق بينهما فرقة أبدية على قول بعض أهل العم معاملة بنقيض قصده، ومن استعجل فقتل من أوصى له بشيء فإنه يحرم من ذلك الشيء كالوارث إذا قتل مورثه، ومن طلق زوجته في مرض الموت المخوف لم ينفذ طلاقه؛ لأنه متهم بحرمانها من الميراث فعومل بنقيض قصده.
وتخليل الخمر - أعني القصد إلى تخليله - لا يفيد في جواز الانتفاع به ولا طهارته أيضًا عند من يقول بأنه نجس، لكن لو تخللت بنفسها بلا فعل آدمي حلت وطهرت، وكذلك من باع النصاب الزكوي فرارًا من الزكاة لا يُعَدُّ ذلك مسقطًا للزكاة عنه معاملة له بنقيض قصده، كذلك لو استعجل المحرم بقتل الصيد حال إحرامه فإنه يحرم عليه أكله معاملة له بنقيض قصده، ولو أفطر الإنسان في نهار رمضان عمدًا فإنه يأثم ويلزمه القضاء عند جمهور العلماء ويمسك بقية ذلك اليوم لبقاء الحرمة في حقه.
ولعل هذا كافٍ في فهم القاعدة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلى وأعلم.
(3/70)

القاعدة الثامنة والخمسون
58 - تقدم اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزين، واليسرى فيما عداه
وهي قاعدة مفيدة للطالب وعليها أدلة كثيرة، وبيانها أن يقال:
إن الله تعالى لما خلق الخلق اصطفى منه واختار ما شاء، وكان من جملة ما اصطفاه واختاره تفضيل التيامن على التياسر، وبسبرنا للأدلة وجدنا أن الشيء إذا كان من باب التكريم والتجمل والعبادة فإن البداءة فيه تكون باليمين تبركًا بها؛ ولأن المقامَ مقامُ تشريف، واليمين أشرف من الشمال وأكمل وأشد قوةً وإذا كان الفعل المراد ليس من هذه الأبواب وإنما من باب إزالة النجاسة وغسلها وأخذ الأشياء المستقذرة وإزالتها فإن البداءة تكون بالشمال فهي خلقت لذلك (1) .
وإليك سبر الأدلة على هذه القاعدة:
فمنها: حديث عائشة في الصحيحين قالت: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) فقولها: (تنعله) أي لبس النعال ولبسها مكرمة للإنسان وفيه تجمل وتزين فالسنة فيها البداءة باليمين، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى وإذا خلع فليبدأ باليسرى) ولما كان في خلعهما ترك لهذا التزين سُنَّ فيه البداءة باليسار.
ومن الأدلة أيضًا: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم) رواه الأربعة بإسناد صحيح، ومن المعلوم أن الطهارة فيها من التكريم والتجمل، بل والتعبد لله ما هو معلوم، فالسنة البداءة بالميامن قبل المياسر، فيغسل يده اليمنى قبل اليسرى وهكذا في الرجلين.
__________
(1) بل فيه حديث صريح صحيح في هذا وهو حديث عائشة عند أبي داود والبغوي في شرح السنة ولفظه " عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل يده اليمنى لطهورة وطعامه وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى ".
(3/71)

ومن ذلك: الترجل - وهو تسريح الشعر - فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبدأ بجانب شقه الأيمن، وذلك لأن الإنسان يتزين بالترجل، فلما كان من باب التزين سُنَّ فيه البداءة باليمين ودليلها ما سبق في الحديث: (وترجله) .
ومن ذلك: الأكل والشرب، فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بها فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها) قال: وكان نافع يزيد فيها (ولا يأخذ بها ولا يعطي بها) أي بشماله رواه مسلم والترمذي بدون الزيادة، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ليأكل أحدكم بيمينه وليشرب بيمينه وليأخذ بيمينه وليعط بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويعطي بشماله ويأخذ بشماله) رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، والأكل والشرب والأخذ والإعطاء هي من باب الكمال فسن فيها البداءة باليمين مخالفة للشيطان وتنزهًا عن الأكل والشرب والأخذ والإعطاء باليد التي تباشر النجاسات.
ومن ذلك: إجماع العلماء على استحباب البداءة في دخول المسجد باليمين والخروج باليسار لحديث أنس قال: (من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى) صححه الحاكم وغيره، فدل ذلك على أن الانتقال من المكان المفضول إلى الفاضل تبدأ باليمين والعكس بالعكس.
ومن ذلك: الإجماع أيضًا على أفضلية تقديم الرجل اليسرى عند الدخول للخلاء والبداءة باليمنى عند الخروج منه.
ومن ذلك: حديث عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه ولا يتنفس في الإناء) فصينت اليمين عن ملامسة الأذى؛ لأن هذا من عمل اليد اليسرى.
(3/72)

ومن ذلك: إكرام الضيوف لحديث أنس في الصحيحين وغيرهما: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بلبن قد شيب بماءٍ وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكرٍ فشرب ثم أعطى الأعرابي، وقال: (الأيمن فالأيمن) ، وفيهما من حديث سهل بن سعد: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بشرابٍ فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: (أتأذن أن أعطي هؤلاء) . فقال الغلام: والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، فتله في يده) . أي وضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا دليل على كرامة جهة اليمين أيضًا، والأدلة كثيرة ولعل ما مضى فيه كفاية - إن شاء الله تعالى -.
وخلاصة الكلام هو أن تعلم أن الأفعال نوعان:
أحدهما: فعل مشترك بين العضوين. والثاني: مختص بأحدهما، وقد استقرت قواعد الشريعة على أن الأفعال التي تشترك فيها اليمنى واليسرى أنها تقدم فيها اليمنى إذا كانت من باب الكرامة، كالوضوء والغسل ونحوها كما سيأتي، وتقدم اليسرى ضد ذلك، وأما الفعل الذي يختص بأحدهما فأيضًا إن كان من باب الكرامة قدمت فيه اليمنى كالأكل والشرب والمصافحة ومناولة الكتب وتناولها ونحو ذلك، وإن كان ضد ذلك كان باليسرى كالاستجمار ومس الذكر والاستنثار والامتخاط ونحو ذلك.

وإتمامًا للفائدة نذكر بعض الفروع الفقهية غير ما سبق مع الأدلة فأقول:
منها: السواك، هل الأفضل أن يستاك الإنسان باليد اليسرى أم اليمنى؟
(3/73)

فأقول: لا أعلم في السنة دليلاً صريحًا في ترجيح أحد المذهبين إلا أنه ورد في حديث عائشة - رضي الله عنها - في بعض رواياته: (وسواكه) وهي عند أبي داود من زيادات شيخه مسلم بن إبراهيم وهو ثقة مأمون، لكن المراد بها البداءة في السواك بجانب الفم الأيمن ولذلك اختلف العلماء في ذلك إلى ثلاثة أقوال: فقيل: هو باليمين مطلقًا، وقيل: باليسار وهو المشهور في المذهب وهو اختيار الشيخ تقي الدين - رحمه الله تعالى - وقال: ما علمنا أحدًا من الأئمة خالف في ذلك. ا. هـ، وذلك لأن الاستياك من باب إماطة الأذى وأصل شرعيته أنه مطهرة للفهم، ووسيلة التطهير هي اليسار وليست اليمين فهو كالاستنثار والامتخاط ونحو ذلك مما فيه إزالة أذى، فالجميع يعرف أنه مشروع لإزالة ما في داخل الفم وهذه العلة متفق عليها بين العلماء، قاله الشيخ تقي الدين ولهذا شرع عند الأسباب المغيرة لرائحة الفم كالنوم والإغماء وعند العبادة التي يشرع لها تطهير كالصلاة والقراءة، وقال بعض العلماء إن قصد بالاستياك إزالة ما في الفم من الأذى فباليسرى، وإن كان لمجرد اتباع السنة فباليمنى، وهذا فيه مع ضعفه ففيه عسر في تطبيقه، ذلك لأن العبرة هي العلة الشرعية في تشريعه أصلاً فالسواك معقول المعنى باتفاق العلماء وهي أنه وسيلة من وسائل تطهير الفم، وحتى لو استعمله الإنسان قبل الصلاة مثلاً وكانت أسنانه لا تحتاج إليه فإنه من باب زيادة التنظيف والتطهر ولا يخلو الفم غالبًا من تغير ريحٍ أو بقايا طعامٍ أو قلحٍ على الأسنان ونحوه فالعبرة بالكثير الغالب لا القليل النادر فالراجح - إن شاء الله تعالى - أنه باليسرى مبتدءاً بجانب فمه الأيمن، وذلك لأن السواك فيه إزالة أذىً وهي وصيفة اليسار.
ومنها: الدخول للمنزل، هل الأفضل أن يبدأ فيه باليسار أو باليمين؟
(3/74)

أقول: لا أعلم في ذلك سنة تصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن المذهب عندنا أنه يبدأه باليمين ويخرج باليسار، وذلك لأنه مكان فاضل والطرقات أمكنة مفضولة فإذا انتقل منها إلى بيته فإنه يبدأها باليمين؛ ولأن الله تعالى قد امتن علينا بهذه البيوت فهي من باب الكرامة لنا كما قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا ... } الآيتان. فإذا تقرر أنها من باب الكرامة فالسنة فيها حينئذٍ البداءة باليمين (1) ، والله أعلم.
ومنها: لبس الساعة والخاتم هل الأفضل في اليمين أم الشمال؟
أقول: الأمر في ذلك واسع، فأما الخاتم فقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبسه في اليمين تارة وفي شماله تارة، فيجوز هذا وهذا، وأما الساعة فلا نص فيها؛ لأنها واقعة جديدة ولنا فيها تخريجان: الأول: أن تقاس على الخاتم فيجوز لبسها في اليمين أو في الشمال فالأمر واحد. والثاني: أن تلبس في اليمين، وذلك لثلاثة أمور: أحدها: أنها من باب الكرامة والتجمل والتزين، ذلك لأن الإنسان لا يقصد بشرائها مجرد مراعاة الوقف فقط، بل يقصد منها أيضًا النواحي الجمالية، وقد تقرر أن ما كان من باب التكريم والتزيين فتقدم فيه اليمين.
__________
(1) هذا وجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينقل عنه تقصد البداءة باليمنى فكيف يقال بالسنية.
(3/75)

الثاني: أن لبسها في اليسار هي العادة السائدة عند الكفار على مختلف طوائفهم ومن المعلوم أن المسلمين أخذوا هذه العادة منهم تقليدًا لهم في ذلك (1) ، ومخالفة الكفار فيما هو من عاداتهم وعبادتهم مقصد من مقاصد الشريعة حتى وإن كان في الأشياء اليسيرة كفرق الشعر؛ لأنهم يسدلون، وحف الشارب؛ لأنهم لا يحفون، والصلاة في النعل؛ لأنهم لا يصلون فيها، وكراهة اشتمال الصماء فقيل إنها لبسة اليهود، وتحريم شد الزنار، وغيرها كثيرة فمخالفة الكفار عمومًا واليهود والنصارى خصوصًا مقصد من مقاصد الشريعة فإذا كان من عادتهم لبس الساعة في اليسار فنحن نخالفهم ونلبسها في اليمين وينوي الإنسان بذلك مخالفتهم فيثاب عليه.
الثالث: أن اليد اليسار هي آلة إزالة النجاسات والأشياء المستقذرة فيخشى عند لبسها في اليسار أن يتسرب لها شيء من النجاسات وخصوصًا إذا كانت واسعة وهذا مما يغلب على الظن وغلبة الظن منزلة منزلة اليقين فدرءاً لذلك تلبس في اليمين التي لا تعلق لها بإزالة شيء من ذلك، والنفس تطمئن للتخريج الثاني لكن الأمر واسع ولا أظن العاقل ينكر على من لبسها في هذه أو لبسها في هذه؛ لأن مسائل الاجتهاد لا إنكار فيها وهذه منها.
ومنها: الكتابة بالقلم هل الأفضل فيها استعمال اليمين أو الشمال؟
__________
(1) ملاحظة: تلبس باليسار عند الناس لأن لبس الساعة باليمين التي يحركها الإنسان عند العمل عرضة لكسر زجاجها لا لمقصد خاص.
(3/76)

أقول: لاشك أن الكتابة بالقلم من باب الكرامات التي امتن الله بها علينا فقال تعالى عن نبيه عيسى - عليه السلام -: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاة وَالإنجِيلَ} وقال تعالى: {ن * وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} وغيرها فإذا تقرر أنها من باب الكرامات والفضائل فلاشك أن الأفضل فيها تقديم اليمين ولعل هذا يستفاد بدلالة الإشارة من قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} ، والله أعلم.
ومنها: حلق الشعر في الحج أو العمرة يسن للإنسان أن يبدأ فيه بجانبه الأيمن ثم الأيسر؛ لأنه من باب العبادات، وقد فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - فعن أنس - رضي الله عنه -: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى منى فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق: (خذ) وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس) رواه مسلم، ويقاس عليه أخذ شعر الإبطين وحف الشارب وأخذ شعر العانة فيبدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر.
ومنها: صفوف الصلاة هل الأفضل فيها التيامن أو التياسر؟
الجواب: لاشك أن الأفضل أن يقف الإنسان عن يمين الإمام وذلك لما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) (1) ؛ ولأن العلماء أجمعوا فيما أعلم على أفضلية ميامن الصفوف، وهذا الفضل فيما إذا لم يلزم منه البعد عن الإمام مع الدنو له عند التياسر، بمعنى إذا تعارض التيامن مع البعد، والتياسر مع القرب، فلاشك أن الثاني هو الأفضل لثبوت الأدلة الصحيحة الدالة على فضل الدنو من الإمام؛ والله أعلم، وعلى ذلك فقس.
__________
(1) هذا الحديث ضعيف ويغني عنه حديث البراء " كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم أحبنا أن نكون عن يمينه حتى يقبل علينا بوجهه " رواه مسلم وأبو داود.
(3/77)

القاعدة التاسعة والخمسون
59 - يثبت تبعًا وضمنًا ما لا يثبت استقلالاً وقصدًا (1)
وقد يعبر عنها بعباراتٍ أخرى كقولهم: يغتفر في الشيء ضمنًا ما لا يغتفر فيه قصدًا وكقولهم: يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في الأوائل وكلها بمعنىً واحدٍ، ومعناها: أن الشرائط الشرعية المطلوبة يلزم توافرها جميعًا في المحل الأصلي المقصود، ولكن التوابع له التي ليست مقصودة بعينها فإنه يغتفر فيها، ولو قصد هذا التابع لإبطالها فيغتفرفي التوابع الجهالة والغرر وعدم الرؤية والوصف ونحوها، كل ذلك مغتفر فيها؛ لأنها تابعة لغيرها والتابع تابع، ويدل لهذه القاعدة جميع الأدلة التي دلت على القاعدة: (التابع في الوجود تابع في الحكم) ؛ لأنها فرع عنها وبما أننا ذكرنا أدلتها هناك فيكتفى عن أعادتها هنا، بل وحتى فروع القاعدة الماضية هي بعينها فروع هذه القاعدة.
ونزيد بعض الفروع من باب التوضيح فأقول:
منها: الأصل أن قصد قتل المسلم لا يجوز للأدلة القاضية بذلك لكن لو تترس كفار بمسلمين وخفنا من عدم رميهم هجومهم واستحلال ديار الإسلام فحينئذٍ يجب الدفع ورميهم بقصد قتل الجنود الكافرة، فإذا أدى ذلك إلى قتل من تترسوا به من المسلمين فلا بأس ولا ضمان؛ لأن قتلهم حينئذٍ لم يكن مقصودًا وإنما دخل ضمنًا لقتل الكفار، فقتلهم ضمنًا لا بأس به وأما القصد لقتلهم فلا يجوز فثبت ضمنًا ما لم يثبت قصدًا.
ومنها: من حلف لا يشتري صوفًا فاشترى شاة ذات صوف لم يحنث؛ لأن الصوف حينئذٍ تابع للشاة ودخل معها في البيع ضمنًا ولم يقصد في البيع أصلاً، لكن لو قصد شراء الصوف لحنث.
__________
(1) هذه تابعة للقاعدة " الثانية والثلاثون " فلو ذُكرت فرعاً لها أو على الأقل بعدها.
(3/78)

ومنها: من المعلوم في الشريعة أن النساء لا مدخل لهن في إثبات النسب استقلالاً لكن لو شهد النساء بالولادة فإن شهادتهن بإثباتها صحيحة، وإذا ثبتت الولادة ثبت النسب تبعًا، فثبت النسب بشهادتهن تبعًا ولم تثبت بشهادتهن به استقلالاً.
ومنها: أن شهادة النساء لا يثبت بها انفساخ عقد الزوجية لكن لو شهدت امرأة مأمونة بأنها قد أرضعت فلانًا وفلانة وقد تزوجها فإنه يثبت أنه أخوها من الرضاع، ومن ثَمَّ ينفسخ عقد الزوجية، لكن انفساخه هنا تبعًا لثبوت المحرمية بالرضاع.
ومنها: أنه يشترط لصحة الوقف أن يكون ثابتًا كالعقار ونحوه وأما المنقول فإنه لا يصح وقفه وهذا في رواية في المذهب فابتداء وقف المنقول لا يصح، لكن لو أوقف قرية كاملة بما فيها، وكان فيها بعض المنقولات فإنها تدخل في الوقف تبعًا، فثبت تبعًا وضمنًا ما لم يثبت استقلالاً وقصدًا.
ومنها: الحمل في البطن لا يجوز إفراده بالبيع ابتداء أي لا يصح أن يقصد وحده بالبيع، لكن لو بيعت أمه فإنه يدخل معها في البيع تبعًا وضمنًا، فبيعه ابتداء لا يجوز ودخوله مع بيع أمه ضمنًا جائز فثبت ضمنًا ما لم يثبت استقلالاً، وكذلك ذكاته فإنه لو نزل حيًا للزم لحله ذكاة خاصة، لكن لو ذكيت أمه ونزل ميتًا فإنه حلال؛ لأن ذكاته ذكاة أمه وفي ذلك حديث، وقد ذكرت هذين الفرعين في قاعدة التابع تابع.
ومنها: أنه تغتفر الجهالة في الأشياء التي لم تقصد في البيع وإنما تدخل تبعًا لغيرها كأساسات الدار ود اخل الجدر ونحوها، فهي وإن كانت مجهولة إلا أن الجهالة مغتفرة؛ لأنها دخلت في البيع ضمنًا لبيع الدار، وعلى ذلك فقس.
(3/79)

القاعدة الستون
60 - من سقطت عنه العقوبة لفوات شرط أو لوجود مانعٍ ضوعف عليه الغرم
اعلم - رحمك الله تعالى - أن المحرمات في الشريعة قسمان: قسم ثبت تحريمه وليس فيه عقوبة دنيوية قد نص عليها أي لا حَدَّ فيه ولا قصاص ولا ضمان ولا كفارة، وأعني بقولي: (ليس فيها عقوبة) أي عقوبة مقدرة من قبل الشارع الحكيم، فهذا النوع من المحرمات لا يدخل معنا في هذه القاعدة، بل تكون عقوبته أخروية أو تعزيرية في الدنيا لكن لا تعلق له بهذه القاعدة.
والقسم الثاني: محرمات ثبت تحريمها ورتبت الشريعة عليها عقوبات فمن ارتكبها فعليه هذه العقوبة المقدرة شرعًا وهذا القسم هو الذي يدخل معنا في هذه القاعدة، والحكم الشرعي في هذا القسم أن من ارتكب هذا المحرم أن عليه عقوبته إذا توفرت شروط إقامتها وانتفت موانعه، لكن إذا ارتكبها الإنسان وتخلف فيه شرط من الشروط أو وجد فيه مانع حال دون إقامتها فإنها تسقط عنه العقوبة لكن يعاقب بعقوبة أخرى وهي مضاعفة الغرم أي أنه يضمن الشيء الذي انتهكه مرتين عقوبة له على فعله للمحرم، وكأن هذه العقوبة قد نزلت منزلة البدل للأصل، ذلك لأن الأصل أن تقام عليه العقوبة المقدرة شرعًا، لكن تعذر إقامتها لفوات شرطٍ أو وجود مانعٍ فسقطت لذلك، أي سقط الأصل فقام البدل مقامه وهو مضاعفة الغرم عليه أي إذا كان ارتكاب هذا المحرم يوجب غرمًا فإنه يضاعف عليه مرتين، ويتم فهم هذه القاعدة بفهمك لشروط إقامة العقوبات الشرعية وموانع إقامتها حتى تعرف هل توفرت الشروط وانتفت الموانع فتقام العقوبة الأصلية؟ أو تخلف شيء من ذلك فتقام العقوبة البدلية؟ فعليك أن تحفظ الشروط والموانع لتؤتي هذه القاعدة ثمارها.
فإن قلت: فهل دل على مضاعفة الغرم دليل؟ فأقول: نعم بل أدلة كثيرة:
(3/80)

فمن ذلك: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: (من أصاب بفيه من ذي حاجةٍ غير متخذٍ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ... ) الحديث.
فالثمر المعلق إذا أخذ الإنسان منه شيئًا وخرج به فإنه في منزلة السارق والسرقة عقوبتها قطع اليد، لكن هذا سقط عنه القطع؛ لأنه لم يأخذ المال من حرزه، والثمر مادام على رؤوس الشجر فليس في حرز، فلما سقطت عنه العقوبة ضوعف عليه الغرم في قوله: (فعليه غرامة مثليه) أي عليه ثمن ما أخذه ومثله معه، وهذا الحديث رواه النسائي والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن وفي بعض النسخ: حسن صحيح، والمراد أنه لما سقطت عنه العقوبة لعدم الأخذ من الحرز ضوعف عليه الغرم مرتين.
ومن الأدلة عليها: ما قضى به عمر - رضي الله عنه - وعثمان وعلي وابن عمر - رضي الله عنهم - من أنه إذا قلع الأعور عين الصحيح أنه لا يقتص منه؛ لأنه لو شرع القصاص في عينه العوراء لأدى ذلك إلى ذهاب بصره بالكلية وهذا حيف، ومن شرط إقامة القصاص الأمن من الحيف، وهنا فيه حيف، ذلك لأن الصحيح بقيت له عين ينظر بها، وأما الأعور فإنه ليس له إلا عين واحدة ينظر بها والأخرى ممسوحة فلو قلعناها قصاصًا لذهب بصره بالكلية، فسقطت عنه عقوبة القصاص، فلما سقطت عنه ضوعف عليه الغرم فقضى عليه الصحابة بأن على الأعور الدية كاملة مع أن العين الواحدة فيها نصف الدية، لكن ضوعف عليه الغرم لسقوط العقوبة عنه ولا يعرف لهؤلاء الصحابة مخالف فكان إجماعًا مع أن منهم عمر وعلياً وعثمان هم من الخلفاء الذين قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) وهذا هو المشهور من مذهبنا وفاقًا لمالك.
(3/81)

ومن الأدلة أيضًا: ما رواه الإمام البيهقي في سننه بسنده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معها) قال أبو بكر في التنبيه: وهذا حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يرد، وقد نص عليه الإمام أحمد. ا. هـ
والشاهد أن من كتم الضالة فإنه كالسارق لها وعقوبته القطع لكن تخلفت عنه العقوبة - التي هي القطع - لفوات شرطٍ من شروطها وهي الأخذ من الحرز. فهو أخذ الضالة من غير حرزها ولذلك سقط عنه القطع فلما سقط عنه القطع ضوعف عليه الغرم في قوله: (غرامتها ومثلها معها) أي أنه يضمن قيمتها مرتين عقوبة له، فدل ذلك على أن من سقطت عنه العقوبة لموجبٍ تضاعف عليه الغرم.
ومن الأدلة أيضًا: حديث غلمان حاطب، وذلك أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه - سرقوا ناقة لرجلٍ من مزينة فأتى بهم عمر فأقروا فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء فقال له: (إن غلمان حاطبٍ سرقوا ناقة رجلٍ من مزينة وأقروا على أنفسهم) . فقال عمر: (يا كثير بن الصلت اذهب فاقطع أيديهم) ، فلما ولى بهم ردهم عمر ثم قال: (أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له لقطعت أيديهم وأيم الله إذ لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك) ، ثم قال: (يا مزني بكم أريدت منك ناقتك) ؟ قال: بأربع مائة. قال عمر: (اذهب فأعطه ثماني مائة) وهذا الأثر رجاله ثقات غير عارم فإنه قد اختلط لكن قال الدارقطني: ما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر وهو ثقة. ا. هـ فالأثر صحيح، ووجه الدلالة منه واضحة وهي أن أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - أسقط عنهم القطع لحاجتهم إلى الطعام الذي سرقوه ولا قطع في مجاعة فلما أسقط عنهم القطع ضاعف عليهم الغرم، فالناقة ثمنها أربع مائة فغرمهم ضعفها مما يدل على أن من سقطت عنه العقوبة لموجبٍ ضوعف عليه الغرم.
(3/82)

ومن الأدلة أيضًا: حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا وجدتم الرجل قد غَلَّ فأحرقوا متاعه واضربوه) رواه أبو داود والترمذي وفي رواية: (وامنعوه سهمه) فهذا الغال من الغنيمة هو كالسارق لكن لا قطع عليه؛ لأنه لم يأخذ المال من حرزه، فعقوبة القطع ساقطة عنه لموجبٍ أسقطها فلما سقطت عوقب بأمرين:
الأول: تحريق متاعه. الثاني: حرمانه من سهمه، فلما سقطت عنه العقوبة ضوعف عليه الغرم؛ لأن سهمه قد يكون أكثر بكثير مما سرق ومع ذلك حرق متاعه، وقد يكون فيه ما هو أغلى مما سرق، فلما سقط عنه القطع ضوعف عليه الغرم.
فهذه الأدلة تدل دلالة صريحة على أن من سقطت عنه العقوبة المقدرة شرعًا إما لفوات شرطٍ أو لوجود مانع فإنه يتضاعف عليه الغرم مرتين.
وما مضى من الأدلة هو أدلة وفروع ونزيدها فروعًا فنقول:
منها: من قتل ذميًا عمدًا عدوانًا فإنه لا يقتل به؛ لأن من شروط استيفاء القصاص المكافأة في الدين، وعليه أن يضمنه بدية مسلم، ومن المعلوم أنه لو كان خطأ لما ضمنه إلا بنصف دية المسلم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (عقل الكافر نصف عقل المسلم) أي ديته نصف دية المسلم، لكن لما قتله عمدًا عدوانًا وسقط عنه القصاص لفوات شرط المكافأة ضوعفت عليه الدية مرتين فقلنا: يضمنه بدية المسلم.
ومنها: من سرق أقل من ربع دينار فإنه لا قطع عليه؛ لأنه لا قطع إلا في ربع دينارٍ فصاعدًا، لكن عليه ضمان المسروق ومثله معه، فلما سقطت عنه العقوبة تضاعف عليه الغرم.
ومنها: السرقة في عام المجاعة أفتى الصحابة بأنه لا قطع فيها ونص عليه الإمام أحمد لكن عليه غرم ما سرقه مرتين؛ لأن من سقطت عنه العقوبة ضوعف عليه الغرم.
(3/83)

ومنها: لو قتل الصغير الذي لم يبلغ معصومة الدم عمدًا وقلنا إن عمده صحيح فإنه لا قصاص عليه؛ لأن من شروط استيفاء القصاص البلوغ، لكن عليه ضمان المقتول مرتين أي بديتين؛ لأن من سقطت عنه العقوبة ضوعف عليه الغرم، والله أعلى وأعلم.

القاعدة الحادية والستون
61 - من اجتهد وبذل ما في وسعه فلا ضمان عليه وكتب له تمام سعيه (1) (2)
__________
(1) حبذا لو جعلت هذه القاعدة فرعاً للقاعدة " التاسعة والعشرون ".
(2) يستدل على شق القاعدة الثاني أيضاً بحديثين مشهورين في الصحيح " إن خلفنا لرجالاً بالمدينة ما سرنا مسيراً ... " الحديث، وحديث " إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيماً صحيحاً ".
(3/84)

اعلم - أرشدنا الله وإياك لطاعته - أن هذه الشريعة شريعة سمحة يسيرة، فلا أغلال فيها ولا آصار، فجميع ما أمرنا الله تعالى به هو داخل تحت قدرتنا ووسعنا ليس شيء من ذلك خارجًا عنها، قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا} وقال {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ} وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} وقال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا} وقال: {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} الآية. وقد قال الله: (قد فعلت) رواه مسلم، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) متفق عليه، وقال - عليه الصلاة والسلام - لعمران بن حصين: (صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب) رواه البخاري، وعن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمريضٍ وصلى على وسادةٍ فرمى بها، وقال: (صل على الأرض إن استطعت وإلا فأومئ إيماءً واجعل سجودك أخفض من ركوعك) رواه البيهقي وسنده صحيح. ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر زحامًا ورجلاً قد ظلل عليه، فقال: (ما هذا) ؟ قالوا: صائم. فقال: (ليس من البر الصوم في السفر) . وقوله - عليه الصلاة والسلام -: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) رواه أحمد من حديث ابن عمر، وشرع في السفر قصر الرباعية ركعتين والمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها وغير ذلك من الأدلة والبراهين الساطعة الدالة على أن هذه الشريعة جاءت بالتيسير والتخفيف على الناس. وقد وصف الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {وَيَضَعُ
(3/85)

عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} وهذا أصل من أصول الشريعة وقد تقدم طرف من ذلك في قاعدة: (كل فعل فيه عسر فإنه يصحب باليسر) . إذا علم هذا الأصل العظيم فليعلم أن المكلف قد تحصل له حالة لا يستطيع معها القيام بما أمره الله تعالى إما أصلاً وإما على وجه الكمال، إما لمرضٍ أو خوف أو اشتباه حالٍ أو ضرورةٍ أو لغيرها من الأعذار، فإذا لم يستطع المكلف الإتيان بالمأمور على الوجه المطلوب فإن عليه أن يجتهد للوصول إليه ويبذل ما في وسعه ثم يفعل المأمور على حسب طاقته ووسعه واجتهاده، ويكون هذا الفعل حسب الطاقة والوسع فعل صحيح مجزئ ولا يأثم المكلف بترك ما لم يستطعه من المأمور؛ لأنه عاجز عنه، والواجبات تسقط بالعجز عنها، بل عليه الاجتهاد وبذل الوسع وفعل ما كان داخلاً في طاقته، والإتيان بما استطاعه منه، ويكون بهذا - أي بفعل ما في وسعه وطاقته - يكون بهذا قد خرج من عهدة المطالبة فلا إثم عليه ولا إعادة عند القدرة على فعل المأمور على وجه الكمال؛ لأنه قد فعل ما أمر به شرعًا، بل ومن تمام فضل الله علينا أن المكلف إذا فعل المأمور حسب طاقته ووسعه ونقص منه شيء فإنه لا ينظر إلى هذا النقص، بل يكتب له مثل أجر من عمل المأمور على وجه الكمال.
(3/86)

إذًا من فعل ما في وسعه وطاقته فإنه يخرج من عهدة المطالبة، فلا ضمان عليه ولا إثم وينزل منزلة من فعل المأمور على وجه الكمال، وهذه القاعدة أصل من أصول الشريعة وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله صحيحًا مقيمًا) ، وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} فكل من اتقى ما استطاع فلا ضمان عليه ولا يطالب بالإعادة، وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فأتوا منه ما استطعتم) دليل على وجوب بذل الجهد؛ لأنه ببذله يعمل القدر المستطاع فيكون مأمورًا به وما عداه فلا يطالب به لمفهوم المخالفة، فعلق وجوب فعل المأمور أو بعضه بالاستطاعة وهذا من فضل الله علينا وتيسيره على عباده، فالحمد لله أولاً وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.
وإليك بعض فروع هذه القاعدة فأقول: منها: من اشتبهت عليه القبلة في السفر - ومن المعلوم أن استقبالها واجب - فماذا يفعل؟ نقول: يجب عليه بذل الجهد والوسع في كشف جهة القبلة بالدلالة أو النظر في العلامات ونحوها، فإذا اجتهد وبذل وسعه وطاقته في التعرف على جهة القبلة فصلى ثم تبين له بأخرة أن القبلة ليست هي جهة اجتهاده فإنه لا ضمان عليه أي لا إعادة عليه؛ لأنه بذل ما في وسعه، ومن بذل ما في وسعه فلا ضمان عليه؛ ولأنه فعل ما أمر به شرعًا وهو البحث والاجتهاد وإفراغ الوسع والطاقة، فلا يحمل غير ذلك، بل ومن تمام فضل الله على هذا الرجل أن يكتب له كأجر صلاة من صلى إلى الجهة الصحيحة، وبهذا تعرف خطأ من ذهب من العلماء بوجوب الإعادة إن كان في الوقت، وهو قول مجانب للصحة، بل الصواب أن صلاته الأولى مجزئة ومسقطة للمطالبة ولا ضمان عليه.
(3/87)

ومنها: صلاة عادم الطهورين - الماء والتراب - كمن حبس في مكانٍ ولا ماء عنده ولا تراب، وحضرت الصلاة فإنه يجتهد في طلب الماء أو التراب فإن لم يجبه أحد لذلك، ولا طريق له في الحصول على أحدها فإنه يصلي في الوقت وصلاته صحيحة ولا إعادة عليه إذا وجد أحدهما ولو في الوقت؛ لأنه بذل وسعه في تحصيل أحدهما ولم يستطع فلا يكلف إلا ما في وسعه، والذي في وسعه في هذه الحالة هو أن يصلي بلا طهارة، فصلى بدونها للعجز عنها فلا ضمان عليه، بل ومن فضل الله عليه أن يكتب له أجر من صلى بالطهارة، وهذا خلاف من قال تجب عليه الإعادة إذا وجد أحدهما في الوقت، وهذا تكليف آخر بلا دليل، فإن الصحابة الذين ذهبوا يبحثون عن عقد عائشة لما حضرت الصلاة صلوا بلا وضوء ولا تيمم؛ لأنه كان قبل شرعية التيمم، ولم يأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة، بل إن عمارًا - رضي الله عنه - لما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - في حاجةٍ فأجنب فلم يجد الماء فتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة وصلى، وهذا التيمم ليس هو التيمم الشرعي فكأنه صلى بلا غسل ولا تيمم ومع ذلك لم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة؛ لأنه بذل ما في وسعه وطاقته في ذلك، وكل من بذل ما في وسعه فإنه لا ضمان عليه.
(3/88)

ومنها: من اجتهد في مسألة من مسائل العلم، وبذل وسعه في الوصول إلى الحق وعمل به، فإنه مأجور مشكور، فإن أصاب الحق فله أجران أجر على اجتهاده، وأجر لإصابته الحق، وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد ولا ضمان عليه في خطئه، بل إن ما فعله مما أداه إليه اجتهاده لا ينقض إن كان عقدًا، ولا يبطل إن كان عبادة، فالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد. ولذلك قال العلماء: (كل مجتهد مصيب) ، وهذا الكلام صواب باعتبار أن كل من اجتهد وبذل وسعه فقد فعل ما هو الواجب عليه، فهو مصيب من هذا الجانب، أما أنه مصيب باعتبار الحق عند الله تعالى فهذا مجانب للصواب، وإن قال به بعض الكبار؛ لأن الحق واحد لا يتعدد.
ومنها: قاعدة عدم تضمين الأمناء كالمودع والملتقط والوكيل والمستعير ونحوهم ممن تدخل تحت يده أملاك الغير فإنه إذا تلفت عنده فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون قد بذل وسعه وجهده في حفظها لصاحبها ولكن الله قدر عليها التلف لا بتفريط منه ففي هذه الحالة لا ضمان عليه؛ لأن كل من بذل ما في وسعه فلا ضمان عليه.
وإما أن يكون قد فرط فيما يجب عليه من الحفظ ولم يبذل جهده في ذلك فإنه يضمن حينئذٍ بتفريطه فيما هو واجب عليه.
ومنها: إذا اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة ولم تتميز ولا بدل لها، فإن الواجب عليه هو الاجتهاد وبذل الوسع في التعرف على الطاهر منها، فإذا أداه اجتهاده وبذل وسعه إلى أن الطاهر هو هذا الثوب فإنه يصلي فيه ولا بأس، فإن تبين بأخرةٍ أنه صلى في الثوب النجس فلا إعادة عليه؛ لأنه فعل ما في وسعه واتقى الله ما استطاع، وكل من فعل ما في وسعه فلا ضمان عليه، بل ومن فضل الله عليه أنه يكتب له صلاة من صلى في ثوبٍ طاهرٍ أي أن صلاته لا تكون ناقصة في أجرها عن صلاة من صلى في ثوبٍ طاهرٍ.
(3/89)

ومنها: صلاة العاجز عن بعض الركوع أو السجود، فإن عليه أن يتقي الله ما استطاع فيأتي بما يقدر عليه منهما، فيحني ظهره بركوع قائمًا وبسجودٍ قاعدًا ما أمكنه الحني ولا يكلف أكثر من ذلك ولا ضمان عليه ولا ينقص من عمله شيء، بل له تمام سعيه.

القاعدة الثانية والستون
62 - الأصل أن نفي الشيء يحمل على نفي الوجود إن أمكن، وإلا فنفي الصحة وإلا فنفي الكمال
وهذه قاعدة مفيدة جدًا، فإن بها يعرف الطالب ما يكون النهي فيه متوجهًا إلى وجوده حقيقة، أو إلى صحته، أو إلى كماله.
(3/90)

وبيان ذلك أن نقول: إنه إذا ورد في الأدلة شيء تقدمته (لا) النافية، فإن عندنا في حكم هذا النفي ثلاث مراتب على الترتيب بحيث لا نتنقل إلى الأخرى إلا إذا لم يمكن حمل النفي على الأولى، أما إذا كان حمله على الأولى لا يلزم منه مانع فإنه يجب حمله عليها ولا يعدل عنه لغيره، فأول هذه المراتب: أننا نحمل النفي على نفي الحقيقة - أي نفي وجوده إذا أمكن - أي نقول: إن هذا الشيء المنفي ليس بموجودٍ أصلاً؛ لأن هذا هو حقيقة النفي، والأصل حمل الكلام على الحقيقة المتبادرة للذهن، فإن كان حمله على الوجود ممكنًا فالقول به المتعين، وذلك كقولنا: (لا خالق إلا الله) فالمنفي (بلا) النافية هو كلمة (خالق) والأصل أننا نحمله على نفي الوجود، فنقول: إن المنفي هنا هو وجود خالق غير الله أي لا يوجد في الكون العلوي والسفلي أحد يخلق شيئًا إلا الله تعالى فهو الخالق لكل شيء، هذا هو الذي ندين الله عز وجل به، خلافًا للقدرية الذين يقولون إن العبد يخلق فعله - وإنهم ليقولون منكرًا من القول وزورًا -، بل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار، والمراد أنه إن أمكن حمل النفي على نفي الوجود أصلاً قلنا به ولا نتعداه إلى غيره، لكن إذا لم يمكن حمله على نفي الوجود فإننا حينئذٍ ننتقل إلى المرتبة الثانية وهو: نفي الصحة، أي أن الفعل المنفي قد يتحقق وجوده لكن تتخلف صحته، ذلك لأن الشيء إذا أمكن وجوده فإنه لا يمكن حمل النفي على نفي وجوده فننتقل إلى المرتبة التي تليها وهي نفي الصحة فنقول: هذا النفي يعود إلى نفي الصحة أي إذا فعل الشيء المنفي فإنه يقع باطلاً لا تبرأ به الذمة إذا كان عبادة، ولا يترتب عليه أثره إن كان معاملة، ولا يجوز لنا أن نقول بالمرتبة الثالثة مع إمكاننا حمل النفي على المرتبة الثانية.
وعلى ذلك فروع كثيرة:
(3/91)

منها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا صلاة إلا بطهور) فقوله: (لا) حرف نفي، وقوله: (صلاة) عبادة منفية (بلا) فنجري عليه المرتبة الأولى وهي نفي الوجود فنظرنا فوجدنا أن الصلاة بلا طهور قد توجد، فقد يصلي الإنسان بلا طهارة، فإذًا حمله على نفي الوجود لا يمكن فننتقل للمرتبة الثانية وهي نفي الصحة والحمل عليها لا مانع منه فقلنا به، فكأنه قال: لا تصح الصلاة بلا طهور، ويؤيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) متفق عليه.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا نكاح إلا بولي) من حديث أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه فقوله: (لا) نافية للجنس، وقوله: (نكاح) المراد به إبرام عقد الزوجية، وهو منفي بـ (لا) فالأصل أنه ينفي حقيقة وجوده، لكن هذا غير مراد لعدم إمكان الحمل عليه؛ لأن المرأة قد تنكح نفسها بغير إذن وليها، فالنكاح بلا ولي قد يوجد، إذًا لا يمكن حمل النفي على نفي الوجود، فننتقل إلى المرتبة الثانية وهي نفي الصحة أي لا نكاح يقع صحيحًا إلا بولي فالولي شرط من شروط صحة النكاح، ولا نتعدى هذه المرتبة إلى التي بعدها وهي نفي الكمال؛ لأن الأصل موجود فلا ننتقل إلى بدله، فالمنفي هنا هو الصحة، وبه تعرف خطأ الحنفية الذين يجيزون للمرأة الحرة أن تنكح نفسها وهو خطأ مخالف للدليل.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها) رواه ابن ماجه والدارقطني ورجاله ثقات وعلى كل حالٍ فمذهب جمهور أهل العلم هو أن المنفي هو الصحة.
(3/92)

ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا صيام لمن لم يفرضه من الليل) وفي رواية: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له) فالصيام هنا فعل منفي بـ (لا) النافية فتجري عليه المراتب الثلاث فنبدأ بالمرتبة الأولى وهي مرتبة نفي الوجود فنظرنا فإذا الحمل عليها متعذر؛ لأنه قد يقع في الوجود صيام بلا نية من الليل، فلما تعذرت انتقلنا إلى الصحة فإذا الحمل عليها لا يلزم منه مانع فحملناه عليها، فنقول: المنفي هنا هو صحة الصيام، فالذي لا يبيت النية من الليل فلا صيام له، وهذا في الفرض، وأما النفل فقد دل الدليل على جواز إنشاء نيته من النهار كما في حديث عائشة عند الإمام مسلم.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان) رواه مسلم من حديث عائشة، فهنا قال: (لا صلاة) فالصلاة هنا فعل منفي والأصل أن يحمل النفي على الوجود، ولكن حمله عليه هنا متعذر؛ لأنه قد يصلي الإنسان بحضرة الطعام، فننتقل إلى المرتبة الثانية وهي نفي الصحة، فنظرنا إذا الأمر لا يمكن لأنه قد أجمع العلماء إلا من شذ أن الصلاة بحضرة الطعام صحيحة، وكذلك مع مدافعة الأخبثين، فالحمل على عدم الصحة أيضًا متعذر، فننتقل إلى المرتبة الثالثة وهي نفي الكمال.
فنقول: أي لا صلاة كاملة.
(3/93)

ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) وهو حديث حسن بمجموع طرقه، فالوضوء فعل منفي فنحمل النفي على الوجود، لكن هذا الحمل متعذر؛ لأنه قد يوجد الوضوء بلا تسمية، فإذا تعذر ذلك فنحمله على نفي الصحة، وهنا اختلفت كلمة العلماء اختلافًا قويًا، وقد ذكرنا خلافهم في غير هذا الموضع، والصحيح أن نفي الصحة أيضًا متعذر؛ لأنه مصروف عن حقيقته إلى الندب؛ لأن كل من وصفوا وضوءه - صلى الله عليه وسلم - ونقلوه إلى الأمة ليعلموهم لم يذكروا أنه كان يبدأ بالبسملة كأبي هريرة وعثمان وعلي وعبد الله بن زيد والربيع بنت معوذ وغيرهم لم يثبت عن أحدٍ منهم أنه قال ذلك مع أنهم في مقام التعليم، فدل ذلك على أنهم لم يحفظوها من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويؤيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى) أي في آية المائدة، وليس فيها ذكر البسملة لا تصريحًا ولا تضمنًا وغير ذلك من الأدلة فالجمع بينها وبين حديث أبي هريرة - إذا قلنا إنه حسن - هو أن نقول إن البسملة على الوضوء سنة فإذا ثبت أنها سنة فلا يكون النفي في قوله: (لا وضوء) منصبًا على نفي الصحة، وإنما يكون لنفي الكمال أي لا وضوء كاملاً، والله أعلم.
ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا صلاة لمن لا يقيم صلبه من الركوع والسجود) فهنا الصلاة منفية بـ (لا) النافية إذا لم يقم المصلي صلبه من الركوع والسجود فينصب النفي على نفي الوجود، لكن هذا لا يمكن؛ لأنه قد يصلي الإنسان ولا يقيم صلبه من الركوع والسجود، فإذا تعذر ذلك فنحمل النفي على نفي الصحة وهو الصحيح فنقول: أي لا صلاة صحيحة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، ويدل على ذلك حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته؛ ولأن الطمأنينة ركن في الصلاة، فالمنفي هنا هو الصحة لا الكمال، والله أعلم.
(3/94)

ومنها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا دين لمن لا أمانة له) الحديث، فهنا نفى النبي - صلى الله عليه وسلم - الدين بـ (لا) النافية فيحمل على نفي الوجود وهو متعذر؛ لأنه موجود، فلما تعذر ذلك حملناه على الصحة أي أنه دينه ليس بصحيح، لكن هذا متعذر أيضًا لإجماع من أهل السنة على أن الخائن الذي ليس عنده أمانة أنه من أهل الدين ولا يخرج عن مسمى الدين بمجرد ذلك فإذا تعذر حمله على نفي الصحة فنحمله إذًا على نفي الكمال فنقول: لا دين كاملاً إلا بأمانة، أما الذي ليس عنده أمانة فإن دينه ناقص، وفي بعض الروايات: (لا إيمان) ويقال فيها ما قيل في قوله: (لا دين) ، والله أعلم.
ومنها: قوله: (لا عمل إلا بنية) والمنفي هو الصحة أي لا عمل يقع صحيحًا إلا بالنية، والفروع كثيرة لكن المقصود الإشارة، والله تعالى أعلى وأعلم.
وبهذه القاعدة ينتهي ما أردت إثباته من جملة هذه القواعد المفيدة العظيمة، والله أسأل أن ينفع به مؤلفه وقارئه ومدرسه وسامعه، والوصية لمن انتفع بشيء منه إن كان قد وجد ما ينفعه فيه، أن يدعو لمؤلفه فإنه من أفقر عباد الله إلى الله، ومن أحوجهم لرحمة الله لما يعلمه من نفسه من الوقوع في الزلل والخطأ. وإن وجدت عيبًا فبادر بإصلاحه وبتوجيهي فإن الإنسان قوي بإخوانه ضعيف بنفسه والعذر ثم العذر مما تراه عينك من مجانبة الصواب ومخالفة الدليل، فإن هذا جهد مقصر هو فيه عالة على غيره.
وإني حرصت كل الحرص على إيصال ما عندي إليك بما يَسَّرَهُ الله تعالى لي من التوضيح والتسهيل، وأستغفر الله وأتوب إليه من الزلل، وأبرأ من الحول والقوة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والله أعلى وأعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وقد فرغت منه عام عشرين وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى
على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والله يتولانا وإخواننا ويوفقنا لما فيه الخير
(3/95)

وصلاح الدين والدنيا إنه ولي ذلك والقادر عليه.
(3/96)