Advertisement

تهذيب الأجوبة


الكتاب: تهذيب الأجوبة
المؤلف: أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي الحنبلي (المتوفى: 403 هـ)
المحقق: السيد صبحي السامرائي
الناشر: عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية
الطبعة: الأولى، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء: 1
أعده للشاملة/فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] باب البيان عن حثه على الإتباع في الأجوبة بكل مكان
قال الميموني: قال لي أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم بكلمة واحدة ليس لك فيها إمام.
وقال حرب بن إسماعيل: قلت: الرجل يفسر إعراب القرآن فيقول: (الحمد لله). رفع لأنه ابتداء. وقل: جزم لأنه أمر. {والتين والزيتون}، {والنازعات} قسم، ونحو هذا؟ قال: إذا كان شيئا قد تكلم فيه من قبل، رجوت.
وقال المروذي: قلت: من حلف أن لا يتكلم فقرأ؟ قال: دعها. قيل له إن عبد الوهاب قال: يحنث وقد أجاب؟ فتبسم أبو عبد الله وقال: حاطه عبد الوهاب موضع الفتيا.
قيل له: فما اختلف في يمينه؟ قال: أيش الناس يختلفون في الفقه هو موضع وتطاير هذا يكثر كل بالحث من أبي عبد الله رضي الله عنه على الإتباع وإنه لا يقدم على جواب لم يسبق به، وأن لا يحدث مذهبًا لم يتقدم به.
(1/17)

وليس هذا من إمامنا على أنه أباح التقليد، ولا أنه منع من الاجتهاد عند الحادثة ويصير إلى موجب الدليل.
وقد اختلف أصحابنا في هذا الأصل ونظائره: فرأيت طائفة من أصحابنا يسلكون في كل المسائل في الفروع والأصول الوقف وأنه لا يفتى بشيئ إلا ما سبق به، وإلا وجب السكوت في ذلك. وطائفة ثانية فضلت فقالت: ما كان من الأصول فإنه لا يجيب في شيء إلا ما كان القول من الأئمة فيه سابقا وعلموا على ما نقل أبو طالب عن أبي عبد الله في الأعيان إن من قال: ملوق فهو جهمي. ومن قال أن غير مخلوق ابتدع وإنه يهجر حتى يرجع، وإن ذلك وعيد على مخالفة أمر لا يسع الجواب فيه، وإن كان من الفروع في الفقه فإنه يسع الجواب، وإن كان به منفردا.
قال أبو حامد رحمة الله عليه: والأشبه عندي أن سائر الفقه والأصول سواء، وأن له إيقاع الجواب عند الاضطرار ونزول الحادثة أنه يجتهد فيما يوجبه الدلليل بذلك وإن كان بالقول منفردا، كما أن إمامنا صار في الأصول إلى ظاهر التنزيل وإن خالفه الملأ أجمعون.
وقول إمامنا في كل مسائلة يحث على الإتباع للفضل. وما نقل عنه في الأيمان والألفاظ من قوله ابتدع، إنما ذلك بيان أنه أي الجواب لم يسبق به، وقد بين إمامنا رحمة الله عليه في القرآن أنه لا يشك ولا يوقف فيه، وأن القائلين بالحكاية والمحكى، واللفظ والملفوظ والتلاوة والمتلو زنادقة. فإذا ثبت هذا عنه بأن ذلك إنه إنما نهى عن الإجابة بأنه غير مخلوق إذا لم يسبق به في الجواب فيدخل في جملة المتكلفين، وعلى هذا كل الأصول في المذهب وبالله التوفيق.
(1/18)

باب البيان عن مذهبه في جواباته بالكتاب والسنة أو بقول الواحد من الصحابة
قال الحسن بن حامد: والمذهب أنه إذا سئل عن مسألة فأجاب بتلاوة أنه يقرأها وينسب إليه ذلك مفسرا. صورة ذلك ما قاله صالح وعبدالله قالا: قال أبي: طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في نيف وثلاثين موضعا في كتاب الله تعالى، وقرأ الآيات. ونظائر هذا كل ما أجاب بتلاوة آية كاللعان أيضا بين الزوجين الكتابة والأمة. وكل جواب أبي عبدالله فيه بالآية يقطع على موجبها بما به نص.
قوله الأصل في ذلك أن السؤال لا غنية فيه عن الجواب، فإذا تلى آية كان ذلك مستخفيا به البيان عن موجب القضية، والدليل على ذلك موجب التنزيل وجوابات سيد المرسلين، ألا ترى إلى فصة اللعان حيث جاءه الرامي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: حد في ظهرك. فأنزل الله تعالى آية اللعان، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ادع صاحبك. فدعاه فقرأ عليهما الآية.
(1/19)

ومن ذلك حديث عائشة رضي الله عنها: لقد جاءت المجادلة وأنا أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ادعو لي صاحبك، فدعت ابن عمها فقرأ عليهما النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك قول للأعرابي: توضأ كما أمرك الله. ونظائر ذلك كلما يوقع جوابه بنص آية ليكون ذلك منه بيانا كافيا وحكما ماضيا، فإذاا ثبت هذا شرعا كان جواب إمامنا على ذلك الطريق به وبالله التوفيق.

مسألة: فأما الجواب بالسنة والأثر
صورة ذلك من مذهبه في أجوبته ما رواه صالح قال: سألت أبي عن الإمام إذا اطلع على رجل يفجر أيقيم عليه الحد؟ فحدثني أبي قال ثنا عبد الرحمن قال ثنا حرب بن أسيد عن يحيى بي أبي كثير عن محمد بن عبد الله بن زبيد بن الصلت أنه سمع أبا بكر الصديق يقول: لو أحدث سارقا لأحببت أن يستره الله. فما أجاب بغيره.
وقال الأثرم: قلت له: الرجل انقطع شسع نعله، أيمشي في الأخرى؟
(1/20)

فقال: لا. حديث النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث.
وقال أبو الحارث: قلت لأبي عبد الله: صدقة الخيل والرقيق؟ فقال: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ليس على الرجل في عبده ولا فرسه صدقة.
وقال أبو النصر: قلت لأبي عبد الله: حديث النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن ولم يقل إذا رأيت خيرا منها فاستثنى.
والميموني: قال أبو عبد الله رضي الله عنه: بلغني أن أبا حنيفة كان يقول: لا نؤاخذ بما كان في الجاهلية. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: نؤاخذ. حديث سفيان عن عبد الله.
والميموني: قال: لا يصلى على الغال. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على الغال.
وقال الحسن بن محمد بن الحارث: سئل أحمد عن رجل يؤم قوما،
(1/21)

فخالف أحاديث جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أخبره وعلمه، فإذا أخبرته عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبل فاهجره.
وقال صالح: قال أبي: الذي يذهب إليه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني بالرفع في الصدقة. ونظائر هذا يكثر نقله عنه.
فما سئل عنه فيجيب بالحديث أو يفتي ويستدل فيه بالحديث أو يسأل عنه فيروي فيه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فكل ذلك مذهب له صريح بمثابة ما يفتي به من قبله سواء وأنه يراعى فيه ظاهر الحديث الذي احتج به، فيكون ظاهر موجب الخبر، وهذا مذهب أصحابنا كافة لا أعلم بينهم فيه خلافا. والأصل في ذلك ما قدمنا من الاحتجاج بالآية، وكذلك الاحتاج بالسنة أو الجواب بالسنة كالآية سواء.
ومن أول الأشياء أن الصحابة كذلك أفتت وبالأخبار تعلقت من حيث ثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه القضاء في أهل الردة فقالوا: كيف نقاتل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.
ومن ذلك ما يكثر اختلافهم في الماء من الماء وما جانس ذلك.
(1/22)

فإذا ثبت هذا علمت أن الجواب بالأثر بمثابة نص الفتوى.
وقد ثبت أيضا أن الفقيه إذا سئل عن حكم فأفتى بالخبر، فإنه إيذان ببيان الحكم لا أنه لم يتبين عن الحكم فإذا ثبت هذا علمت بذلك صحة ما ذكرناه، ولا أعلم في هذا أيضا خلافا إلا شيء شذ به بعض المتأخرين فقالوا: إنه لا يحتج بالخبر على إتيانه لمن أفتى به مذهبا إذ الخبر قد يرده، وإذا سئل عنه فسر وبين، فإذا ثب هذا بطل أن ينسب إليه بذلك مذهبا. وهذا قول بعيد عن الإصابة، إذ من شأن الفتوى ثبوت الجواب بما يوصل إلى القضية في الأحكام، فإذا ثبت الاقتصار على الأثر استقر بذلك موجب الجواب بغير تدافع.
(1/23)

فأما الجواب عن الذي قالوه من أنه قد يسأل عن الخبر فيفسره بتفسير يخالف ظاهره، فذلك لا يضر بالأسئلة في جوابه قد يرد مطلقا، فإذا سئل عنه فسره ألا ترى أنه سئل عن الأضاحي؟ فقال: يأكل. فقال له: يأكلها كلها؟ فقال: لا، يأكل ثلثا. وليس تفسيره لجواب قد أطلقه دليل على أن جوابه النطق لاتفاق به، وكذلك في الأخبار إذا احتج بظاهرها وجب إجراء مذهبه بموجب الظاهر إلا أن يقارب ذلك التفسير وبالله التوفيق.

مسألة: فأما الكلام في جوابه فظاهر مقالة الصحابة
صورة ذلك: ما قاله صالح قلت لأبي: صلاة الجماعة؟ قال: أخشى أن تكون فريضة. يروى عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر. وذكر حديث عائشة.
(1/24)

وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عمن حلف بسورة من القرآن؟ فقال: قال ابن مسعود: عليه بكل آية يمين. قلت: ما تقول أنت؟ قال: أسق قولي هذا ابن مسعود يقول هذا.
وقال ابن منصور: قلت ذاك والله لا يؤدي يعني حديث ابن عمر. فقال: إذا قامت البينة.
وقال في الجارية يستثني ما فيه بطنها إذا عتقها؟ قال: قد روي عن ابن عمر أنه بعده. قلت: تذهب إليه؟ قال: نعم، ولا أذهب إليه في البيع.
وقال المروذي: قلت يؤذن وهو قاعد؟ قال: قد روي عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن منصور: قلت: نذر أن يطوف على أربع؟ قال: قال ابن عباس: طوافا لليدين وطوافا للرجلين.
قلت: حديث علي في الزينة؟ قال: ما أعلم شيئا يدفعه.
ونظائر هذا يكثر بكل ما فيه جوابه بالخير، واستند إلى أثر عن الصحابة أو قضاء مأثور عن الصحابة وكل مستحق نسبه المذهب إليه من حيث ظاهر ما رواه واعتمد عليه وارتضاه يشابه ما قدمنا من الحكم في جوابه بالسنة عن النبي
(1/25)

صلى الله عليه وسلم لا غير ذلك والطريق فيه أن الفقيه لا غنية له عن البيان فيما يسأل ولا يسعه أن يوقع جوابا إلا من حيث نصه، ولا يفتي بما لا يصح له، فإذا ثبت هذا بأن بذلك أنه قصد ما رواه هو ما ثبت من ظاهر قصد بقول الصحابة رضي الله عنهم بلقائه جوابه بالسنة وبالله التوفيق.
(1/26)

باب البيان عن مذهبه بالأثر إذا بيّنه والقول من الصحابة إذا دوّنه من غير جواب به ولا توثيب فيه ولا رد له
قال الحسن بن حامد رحمه الله: كل ما بيّنه إمامنا رضي الله عنه من الأثر وصحّ به السند عن الصحابة له نقل من غير رد ولا نكير فذلك بأسره عندي ثابت في مذهبه بمثابة جوابه نطقا.
والأصل الدليل على هذا من مذهبه ما رواه عنه الميموني قال: قال أبو عبد الله: إذا كان الكتاب والسنة فهو الأمر.
وقال المروذي قال أبو عبد الله: نحن نسفك الدماء بهذه الأخبار الصحاح، فإذا ثبت الخبر قلنا به. وفي هذا بيان عن مذهبه أنه إذا كان في القضية خبر كان ذلك مذهبًا له، وأنه قائل به. وهذه طريقة عامة شيوخنا، وأن ما وجد عن أبي عبد الله فيه رواية الأثر من غير رد ولا جواب يضاره جعلوا ذلك له مذهبًا، وهذا مذهب المروذي والأثرم وصالح وعبد الله، وأنهم يعتمدون في مذهبه على ما بينت من أحاديثه.
وأما ارتضاء طريقه فقال المروذي في كتابه أبواب عدة وما ذكر فيها إلا ما رواه فقال في باب القيام عن ركعتين: حدثنا أحمد قال ثنا يزيد بن هارون قال: أنبأ المسعودي عن زياد بن علاقة قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة فلمّا صلى ركعتين قام ولم يجلس، فسبح به من خلفه فأشار إليهم أن قوموا. . الحديث.
(1/27)

ومن ذلك ذكر عنه الجهر والإخفاء فذلك ابن عباس ونظائر ذلك كثير.
وخالف في ذلك طائفة من أصحابنا فقالوا به لا يجوز أن يُنسب إليه بروايته الأخبار مذهبًا له، وتابعهم على هذا جماعة الشافعيين فقالوا: لو جاز هذا جاز أن ينسب أهل الآثار ومن دون الأخبار أنه بالفقه مختص وله قائل. قالوا: من جوّز أن ينسب إلى قائل مذهبًا جاز أن ينسب إلى ساكت مذهبًا.
وأيضًا فإن الفقيه ليس من حيث الخبر إذ قد يكون ما يأتي من الخبر له تأويل عنده إذا سئل عنه أظهره. قالوا: فإذا ثبت لهذا وجب أن لا يجوز أن لا ينسب إليه مذهبًا.
وأيضًا: فإن أبا عبد الله قد أثبت صحة أحاديث لا يقال بها في مذهبه: حديث سهل بن سعد في النكاح على آيات من القرآن.
ومن ذلك ثبت الحديث: يدخل من أمتي سبعون ألفًا الجنة بغير حساب. قيل من هم؟ قال: هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون. ومع هذا لا ينفي ذلك الاسترقاء.
(1/28)

وأيضًا فلو جاز أن يثبت بروايته الخبر مذهبًا، كان إسقاط المذهب بالخبر الثابت إذا رواه جائزًا، فلمّا لم يسقط شيء من جوابه بالخبر، فكذلك لا يُثبت له جواب بالخبر.
وهذا كله فله وجه له، والدليل على صحة ما ذكرناه دلّ الكتاب والسنة ووجوه العبرة.
فمن الكتاب أن الله جل وعز نهى عن قول ما لا علم لقائله، وزجر عن
(1/29)

الكذب فقال تعالى: {ولا تقفُ ما ليس لك به علم} وقال جل وعز: {قُتل الخرّاصون}. يريد الكذابين. وقد ثبت الأمر بما أمر الله به، والنهي عما نهى الله عنه فقال تعالى: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}. وقال جل وعز: {تلك حدود الله} الآية. وما جانس ذلك مستحق به حظ الأمر والنهي من حيث النص ومن حيث العموم، وإن قوله تعالى: {اقتلوا المشركين}. وقوله: {والسارق والسارقة}. وما جانس العموم مستحق به الاستغراق للجنس والطبقة في كل حال، وما يتفرد بدا في الشريعة، فإذا ثبت هذا وكان عن أبي عبد الله جواب في الأحاديث والآثار بيان يطلق أنها له مذهب وجب أن يكون ذلك حيث وجدناه أن يقضى أنه بذلك قائل. وقد بينا عن أبي عبد الله في كتاب أحكام القرآن من كتاب الأصول وما يذهب إليه من الطرق في الأخبار وأقاويل الصحابة ومما قدمناه عنه ثم قد قررنا أن أبا عبد الله بالخبر في الحادثة أنه يُنسب إليه مذهبًا على عموم اللفظ، فإذا ثبت هذا وجب أن يكون من الأخبار إذا رآها وارتضاها بمثابة فتواه ما يوجبه نص قوله فيها.
ومن أدل الأشياء إنا وجدنا الفقيه إذا بيّن عن علته في جواب مسألة أو كان مبنيا على أصل له فإنه ينسب إليه كل ما أوجبه نص إعلاله، فإذا ثبت هذا وجب إن يكون ما بيّنه لنا من أصله في الأخبار أن ينسب إليه كل ما ارتضاه إذا لم يكن منه دفع له ولا إنكار.
(1/30)

فأما الجواب عن الذي قالوه من أنه يلزم أن ينسب إلى الساكت مذهبًا فذلك لا يضرنا، إذا الساكت على ضربين: ساكت في معنى الناطق وهو أن يكون سيأخذ حصره بالدين مختصا فلا ينكره ولا يغيره فذلك ينسب إليه القوله به حتما بما قلناه في الصحابة إذا سكتوا على حادثة قائلة يُنسب إليهم من ذلك جوابا أو مذهبا فإذا أشبه هذا بأن طريقة إمامنا فيما رواه وارتضاه مذهبا ثبتا.
جواب ثان: وهو إنا نقول كل شيء سكت عنه نسبناه إليه لا غير ذلك.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أن الخبر قد يرويه، فإذا سئل عنه يبين فيه عما يوجبه نطقه فذلك باطل، إذ بهذا بعينه ينقلب في احتجاجه بالخبر قدر مما سئل عنه فقال: لا أقول به، ويجيب بجواب مطلق فإذا سئل عنه ترك بعضه وأخذ ببعضه، وكل لا ينفي كون المذهب مهما أقام على إطلاقه فكذلك في الأخبار سيان.
وأما عن حديث سهل بن سعد وغيره لم ينسب إليه مذهبا به فذلك لا يتضرر إذ كل منقول عنه ترك الأخذ بها، وقد بيّن في حديث سهل أنه لم يعمل عليه لأنه قد قابله ما منع من المصير إليه، وكذلك في حديث الرقى بيّن أنه جائز الاسترقاء، وأن الخبر مُتأول، فما كان من الأخبار عنه فيها التنكر رددناها، وما لم ينقل عنه فيها نكير قبلناها، وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أنه لو جاز أن ينسب إليه مذهبا لروايته الأثر لأسقط مذهبه بالأثر، فذلك فاسد إذا ما ثبت عنه فيه الجواب ثبت أنه في بابه أصلا لم يجز لنا إدخال سنة عليه فور أن هذا أن يكون عنه في الحادثة
(1/31)

التي فيها الخبر جوابا كافيا لا يلتفت إلى غير جوابه، فإذا لم يوجد جواب بالنص، فإن الجواب منسوب إليه من حيث الأخبار الذي قد بيّن لنا أنها مذهبه حيث كانت.
جواب ثان: وهو أن الإسقاط غير الإثبات، ألا ترى أن إسقاط واحد من الستة في الرمي غير جائز ولا ينفي ذلك أن يزيد على الستة غيرها من حيث كونها داخلة في مجرى الخبر أو دليله، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
(1/32)

باب البيان عن مذهبه في الخبر إذا حسنه وارتضى سنده
قال الحسن بن ماجد: الأحاديث إذا ذكرها وبيّن ما هو مودع في ضمنها إذا كانت أحاديث يثبت بعضها وأنكر بعضها فإنه ينسب إليه المذهب من حيث ما بينه، وينفى عنه ما أنكره، وضعفه، صورة ذلك:
قال حنبل: قال أحمد: إني أخاف أن يصف حجم عظامها أيضا، هو حجم عظامها، وهذا إنما هو لحديث أسامة بن زيد كساني النبي صلى الله عليه وسلم قبطية، كساه إياها وجُبة فكسوتها نسائي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مُرها تجعل تحتها غلالة لا تصف حجم عظامها.
وقال الميموني وغيره عنه في كتاب العتق: الأخذ بحديث ابن عمر رضي الله عنه في عتق الشركاء وقال: ليس في الاستعساء حديث ثبت عن
(1/33)

النبي صلى الله عليه وسلم.
(1/34)

ومن ذلك في الأضاحي إنكاره الحديث في الأبتر.
قال أبو طالب ثنا أحمد بن حنبل ثنا يحيى بن آدم ثنا شريك عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: لا بأس بالأبتر أن يضحى به قال: لم أسمع رواه غير شريك. قلت: أليس هو منكَر؟ قال: قد أخبرتك. ورواه وكيع عن شريك عن ليث عن مجاهد عن رجل عن ابن عمر. فقال: هذا من شريك وما شأنه هذا يكثر، فكل ما ضعفه وأنكر صحته قطع عليه بأنه لا يتدين به، وما ثبته وارتضى سنده، أو ثبت أحد ألفاظه في متنه كان ذلك له مذهبا. وهذا قريب على الأصل الذي ذكرناه من أنه قائل بالأثر متبع لما أوجبه ظاهر النقل بكل وجه وسبب، فإذا ثبّت خبرًا وبيّن عن الألفاظ في المتن حكمًا كان ذلك له مذهبًا وبالله التوفيق.
(1/35)

باب البيان عن نسبة المذهب إليه من حيث القياس
قال الحسن بن حامد رحمه الله: اختلف أصحابنا في ذلك فقال عامة شيوخنا مثل الخلّال وعبد العزبز وأبي علي وإبراهيم وسائر من شاهدناه أنه لا يجوز نسبته إليه من حيث القياس، وأنكروا على الخرقي ما رسمه في كتابه من حيث أنه قاس على قوله وذهب الأثرم والخرقي وغيرهما إلى الجواز لذلك. وقد نقل هذا عن الأثرم وأخبرناه أبو علي بن الصواف إجازة قال ثنا أبو عبد الرحمن قال: كان أبو بكر الأثرم يحلف إلى أبي عبد الله، ودلف العبادي من ولد عبادة بن الصامت، وكان العبادي يسأل والأثرم
(1/36)

يكتب خلفه فقال أبو عبدالله: هذا كان مع حلف على الإمرة، فقال له قد رجع عن ذلك.
وكان أبو بكر الأعين يسأل الأثرم فأخذ بعض المسائل التي كان يدونها الأثرم عن أبي عبد الله فدفعها إلى صالح فعرضها على أبي عبد الله وكان فيها مسائل في الحيض فقال: أي هذا من كلامي، وهذا ليس من كلامي. فقيل للأثرم؟ فقال: إنما أقيسه على قوله. وكذلك الخرقي على هذا عول عندي والله أعلم.
واختار أن يقيس على قوله. والمأخوذ به أن نفصل فما كان من جواب له في أصل يحتوي مسائل خرج جوابه على بعضنا فإنه جائز أن ينسب إليه بقية مسائل ذلك والأصل من حيث القياس. صورة هذا أن يقول في ماء الباقلاء والورد لا يتوضأ به إذا غير الماء فينسب إليه ما هو في معنى ذلك وإن كثرت أعداد مسائله.
ونظير ذلك جوابه في المسكر إنه حرام. فينسب إليه جميع أنواعه.
(1/37)

نظير ذلك في الأرز والذرة وأعيان المسائل التي فيها كيل ليست إليه من حيث علة جوابه وقياس على أصل مقالته.
ونظير ذلك ما قاله في رواية ابن منصور في المتداعيين إذا كانت اليدان على الشيء تخالفا وكان بينهما نصفين، فأطلق جوابه في الورثة إذا اختلفوا مع المرأة في قماش البيت فقضى ما كان يصلح للرجال فهو للرجال، وسكت عن التخالف فأخذ بما قدمه وأجزل في الورثة عند الاختلاف أيضا الأيمان بمثابة تداعي الأجنبيين.
ومن ذلك ما قاله في التداعي للحائط بين الرجلين نصفين ولا يقضي بمعاقد القسط وسكت عن التخالف ولا غنية عنه. فكل ما كان من هذا النحو يحسن فيه الأخذ بالقياس وجري المسائل في ذلك الأصل.
فأما أن يعتدي بالقياس في المذهب مسائل الأشبه لها في أصوله ولا يوجد عنه منصوص بنى عليه فذلك غير جائز.
ثم بعد هذا فالذين أبوا جواز المذهب من حيث القياس فإنهم استدلوا في ذلك بأدلة فمن ذلك أن قالوا: قد بينا الإطلاق من قوله مانع من نسبة قول إلى قائل إلا من حيث النطق المسموع على الحد المعلوم.
قالوا وأيضًا: فإن القياس ليس بنطق ممن نسب إلى مذهبه شيئا كان كمن نسب إلى الساكت قولا ما قاله.
قالوا وأيضا: فإن مذاهب العلماء عبارة عما يعتقدون ويتدينون به. وبالقياس لا يجوز أن يقطع على أن الأشياء عنه ومتدين بما يوجبه قياسنا عليه، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
وأيضا: فلو جاز أن يُنسب قول بالقياس إلى أحمد جاز أن يُنسب قول
(1/38)

أبي ثور وأبي حنيفة إلى أحمد من حيث القياس، وهذا كله فلا وجه له، والدليل على صحة ما ذكرناه من الجواز ظاهر ونُطق.
فأما الظاهر فكتاب وسنة:
فمن الكتاب ما قررناه من الحد في الأوامر، وأننا نصل إلى ثبوت القضية بالقياس في أوامر الكتاب. وننسبها إلى الله تعالى، ونقول إن ذلك أمر الله تعالى سمنا به ما نسميه في التلاوة نصًا.
ومن السنة ما لا خفاء به، وإننا ندخل تحت المنصوص عليه من حيث معنًا ما يليق به وننسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ألا ترى إلى ما قررناه من نص النبي صلى الله عليه وسلم في الزيادة على سنته نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما زاد عليها وكثر عددها من حيث وجود القياس عليها، فإذا ثبت هذا كان ذلك أصلا في الدين وجب أن يكون ذلك محكوما به في جوابات العلماء في الدين.
ومن ذلك الاشتباه من شهادات الأصول أنا وجدنا العلماء كافة مجمعين في أجوبتها وفتاويها أنها تُبنى على أصل مقالة أمامها وتعتبر مسائله فيلحق بها ما كان نظيرها وإن عدم النص عنه فيها، ولو كنا لا نجيب في حادثة بالقياس على أصل أبي عبد الله رحمه الله لأدى إلى ترك كثير من مسائل الحوادث في الطهارة والصلاة وغيرها. فلما كنا نقدم على الأجوبة وبنية الأحكام كلها على قياس مقالته في أصلها كان ماذكرناه سالما.
ومن أدلته الأشياء إنا وجدنا العلماء قد أودعوا في كتاب الفرائض ينقلون عن الصحابة في الحد والاختلاف في غير مسائل قطعت القضية بينهم فيها ويفرعون على ذلك ما جانسها. وكذلك في ذوي الأرحام ينقلون عن الصحابة الأصل أما التنزيل وإعطاء القربى.، ويفرعون على ذلك مسائل، فترى كل ذلك ينسبونه إلى أهل المقالات في الأصل فإذا ثبت هذا بدءًا وعودًا كان ما ذكرناه سالما.
(1/39)

فأما الجواب عن الاستدلال بقوله تعالى: {ولا تقفُ ما ليس لك به علم}. فذلك لنا، إذ نص الحديث في الأصل يثبت به عندنا العلم فوجب أن تكون الآية لنا بدليل هذه الآية، وقوله تعالى: {إن بعض الظن إثم}.
لا يدخل تحتها نفي قول من حيث القياس، إذ ذلك قطع لا أنه ظن، إذ الظن ما كان من حيث التخمين لا عن حقيقة أصل.
جواب ثانٍ: إنه إن كان من حيث القياس فذلك بمثابة نطق المتكلم في الأصل، ألا ترى أن أبا عبد الله قال في كتاب القياس: إذا كان الشيء يشبه الشيء، وأقبلت به وأدبرت فليس في نفسي منه شيء فقطع على أنه علم يقينا.
جواب ثالث: وهو إنا نقول لو جاء الرد لوجب القياس في الجوابات لأدى إلى إسقاط ذلك في أحكام الواجبات، فلما كانت من أحكام شرعا موجها من حيث القياس حقا كان ذلك في الأجوبة سواء.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أن هذا قول إلى ساكت فذلك لا يؤثر شيئا، إذ السكوت على ضربين:
أحدهما: نفي الأصل.
والثاني: ساكت عن نطق بيّن، والساكت في أصل الأشياء كمن لا جواب له ولا فتوى عنه ولا يُنسب إليه بحال. وساكت عن نطق حاصل فإنه مستحق أن يُنسب إليه كل ما كان في معناه، وليس هذا إلا بمثابة مسكوت القرآن لما ثبت الأمر عن الصحابة إن سكتوا عما سكت عنه القرآن ثم قد ثبت وتفرد أن الكلام بالواجبات في القرآن لا يوجب سكوتا عن جريان الأحكام من حيث القياس ولا يكون ذلك نسبة قول إلى غير قول، وإلى سكوت بل هو قول
(1/40)

مأخوذ من أجزاء الأمر وكان كذلك ما ذكرناه سواء.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أقاويل العلماء كأنه أهل المدينة والعراقيين وأنه يفضي إلى نسبة قولهم إليه مذهبا، فذلك خطأ منعنا من ذلك لأجل أنه قال لنا قولًا فيه صريح بالمخالفة لسائرهم فبطل جواب نسبته إلى بعضهم.
جواب ثان: هو إنا نقول: إذا صح القياس على أصله والأصل الذي نسب القضاء منه إذا كان قد قال به أهل العراق وغيرهم، وصح القياس فيه بما يتابع مقالة أهل العراق فإنا ننسب إليه ذلك مذهبا، وإن كان فيه لأهل العراق أو غيرهم من العلم متابعا كما يقول في جوابه إذا كان فيه لمن يخالفه متابعا.
فأما فقه الأثرم مع أبي بكر الأعين وإن أبا عبد الله قال: ليس هذا كلامي. فإنها من أوثق الأشياء الدلالة على جواز أن ينسب إليه مذهبا من حيث القياس الإنكار من أبي عبد الله فيما يتعلق بالدين والكذب والبهتان ويحرص الذاهب شروع، ورأيناه مع كونه سامعا لما أتى به الأثرم لم يقل أنه أخطأ على مذهبي وأنه نسب إلى ما لا أعتقده ولا أقول به بل سكت عن توثيبه وعن الأغلاط في أفعاله ونقله وما أتى به فكان ذلك قطعا على أن أبا بكر الأثرم ما عدل عن الإصابة في جوابه ولا أنه دل على فتواه على فتاويه قبله. وما قاله أحمد رضي الله عنه فإنه يُقوّا به أثر الأثرم لأنه قال هذا ليس من كلامي بقا كونه كلاما به، وهذا يقوي فتوى الأثرم وأنه كان من فقهه أنه فعل إلى أنه قاس على كلامه وكان ما أوجبه عنه الأثرم الذي حسن لأجلها سكوت أبي عبد الله عن الإنكار عليه وبالله التوفيق.
(1/41)

باب البيان عن نسبة المذهب إليه من حيث يفسر أصحابه وأخبارهم عن رأيه
قال الحسن بن حامد: إعلم وهب الله لنا ولك سلامة الأديان ووفقنا وإياك للسداد إن الناقلين عن أبي عبد الله رحمة الله عليه جواباته ونصل سؤالاته إذا قاربوا ذلك بتفسير جواب، أو نسبوا إليه حدّا في وجه فقالوا: إن ذلك منسوب وبه منوط فإليه يعزى أو يكون حط ما قالوه بمثابة قوله يطعاطون ذلك ما قاله إسحاق وغيره لأنه كان اختيار أبي عبد الله الدخول بعمرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت). وقال أحمد بن القاسم: اختيار أبي عبد الله المتعة لأنها آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك ما قاله الأثرم: قلت لأبي عبد الله: حديث عمر، ترى لمن احتج به حجة؟ فلم ير أبو عبد الله في ذلك حجة في تسري العبد.
(1/42)

ومثل ذلك قال أحمد بن القاسم في الأمة إذا اشتراها فأولدها؟ قال: تعتق في حصة أولادها. قال أحمد بن القاسم: والمسألة على أن أولاده منها قد عتقوا قبل موته.
وقال عبد الله: سألت أبي عن الخطاف كأنه عنده أسهل من الخشاف.
وقال الحسن: من توان عنه في المخابرة كأنه لم ير ما قاله أبو يوسف. ونظائر هذا يكثر كل من نقل عنه في مسألة أو بيان حد في السؤال كان ذلك بمثابة نصه في كل الأحوال. وخالفنا في ذلك طائفة من أصحابنا مثل الخلال في رواية الأثرم عن أبي عبد الله حيث سأله عن طلحة بن مصرف كأنه لا يثبت أنه مات سنة اثنتي عشرة وهم من الإثرم، فلم يجعل ما قاله الإثرم على أبي عبد الله من رأيه. وهذه طريقة عبد العزيز أيضا، وإنه لا يأخذ بقولهم فيما نسبوه إليه في أماكن شتى. وهذا عندي فاسد، إذ ما نقلوه وفسروه أو تأولوه وعزوه إليه لا تجوز مخالفتهم فيه، وهذا هو قياس المذهب، الخرقي وغيره من أصحابنا.
(1/43)

والأصل في ذلك ما قدمناه عنه بدءًا إن من أصلنا أن نجعل ما فسرته الصحابة في نقلها وما تثبته في أخبارها، ونسبته إلى نبينا عليه السلام. فكل ذلك يعزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم نصا ونقطع به حتما، ويكون بمثابة تفسير النبي صلى الله عليه وسلم نصا، فإذا ثبت هذا في أصول الشريعة كان بمثابة المصاحبين للعلماء والمتابعين والناقلين بمثابة ما نقلوه من الصحابة من الأخبار سيان. وقد ثبت أيضا أن الصاحب لا يجوز أن ينسب إلى صاحبه شيئا من حيث المجازفة والتخييل، ولا ينسب إليه إلا ما قبله وعلمه يقينا. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه في جوابات أصحابه كافيا وأنه ينسب إليه من ذلك مذهبا سالما وبالله التوفيق.
(1/44)

باب البيان عن نسبة المذهب إليه من حيث أفعاله في خاصة نفسه
قال الحسن بن حامد: وكل ما نقل عن أبي عبد الله أنه فعله في نفسه وارتضاه لتأدية عنايته، وكل ذلك ينسب إليه بمثابة جوابه وفتواه نظير ذلك:
ما رواه عنه المروذي في طهارته أنه غسل لحيته حتى وصل الماء إلى أصول شعره.
ومن ذلك أنه كان يعنا تحت حنكه.
ومن ذلك: ما نقل أنه صلى في قيام خلف أبي علي حنبل ابن عمه وهو غير بالغ، فلما بلغ قال: ليومنا في الفرائض.
ونظائر هذا مذهب له بمثابة جوابه بذلك. وهذا قول عامة أصحابنا إلا إني رأيت طائفة من أصحابنا يتأنون هذا ويقولو: لا ينسب إليه بأفعاله مذهبا، إذا الفعل محتمل، وعنده أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ليست حتما. وهذا فلا تأثير له إذ قد ثبت وتقرر أن مقامات العلماء بمثابة مقامات
(1/45)

صاحب الشريعة، إذ لا يجوز لعالم أن يأتي في علمه كله شيئا إلا من حيث الدليل شقيق الحق المبين، فإذا ثبت هذا وجب أن يكون ما نقل عن أبي عبد الله رضي الله عنه في عباداته أن ذلك مذهبه باليقين.
ومن أدل الأشياء إنا وجدنا أفعال الصحابة بمثابة فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان مستحق الأحدية والاتباع مع الاختلاف في حتمه أم نقله، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه في المذهب سالما وبالله التوفيق.
فأما الجواب عن الذي قالوه من الأفعال وإنها محتملة فذلك لا يؤثر شيئا إذ مع الاحتمال لا يخرجها أن تكون دينا، ونحن إنما نريد إثبات الجواز للفعل في نسبتنا ذلك إليه، فإذا ثبت ذلك كان ما ذكرناه سالما.
جواب ثان: وهو أن الاحتمال في نفس الفعل لا ينفي استحقاقه في الظاهر في صيغته إلا أن يدل الدليل على تخصيصه فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأنها ليست على الإيجاب فذلك لا يضرنا، إذ لا أعلم بين أصحابنا خلافا أن الاتباع لها مسنون، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه في بابه أصلا وبالله التوفيق.
(1/46)

باب نسبة المذهب إليه من حيث الإستدلال
قال الحسن بن حامد: فأخبرنا عن المروذي أنه سئل عن العراة؟ قال: فيه اختلاف إلا أن إمامهم يقوم وسطهم، وعاب على من قال يقعد الإمام. قال: وكان هذا يدل على أن اختياره أن يصلي العريان قائما حيث قال: يقوم الإمام وسطهم.
قال: قال الأثرم: قلت لإبي عبد الله: السجود؟ قال: السجود لا بد منه. قال: فبيّن أبو عبد الله أنه لا يأخذ بقول من قال: يصلون قعودا.
قال الأثرم: حجة أبي عبد الله في هذا أصل الفرض القيام، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: من استطاع أن يصلي قائما فلا يصلي جالسا.
(1/47)

ونقل عن أبي داود في قطيفة صبي ينام فيها فتقع في بئر؟ قال: تُنزح. يريد إن كان يبول فيها.
وحمله هذا من أصحاب أبي عبد الله اجتراءًا بأنه جائز أن ينسب المذهب من حيث الاستدلال لمعاني كلامه وفائدته وأجوبته، ويكون ذلك بمثابة جوابه نصا. وبالله التوفيق.
(1/48)

باب البيان عن المستدل به من جوابه إنما ذلك نطقا أم استنباطا
قال الحسن بن حامد: الاستدلال من جواباته على ضربين:
فضرب منها داخل في نطق قوله فذلك يسمى نصا.
وصورته ما قاله في مسائل عبد الله في المواقيت عن وقت العصر فأخبرنا عن عبد الله بن أحمد قال: آخر وقت الظهر وأول وقت العصر. وقوله خرج. فأبان عن خروج الوقت ودخول ما بعده، إذ لا يخرج زمن إلا عقبه زمن غيره. فهذا يسمى نطقا وهو الذي قاله الخرقي في المواقيت: آخر وقت الظهر خطئة في كل المسألة.
وطائفة قالت: إنه ليس بنطق مفهوم وسمى نصا، لكنه من حيث الاستنباط فالكلام على الطائفتين سواء.
فأما الذي خطؤه فقولهم فاسدا، إذ لو كان ما أتى به منفردا ما كان فيه متهما لا سيما وأن جوابه ما خلا من مطابقة الرواية عن أبي عبد الله فكأن القائل بتخطئته في الأصل يؤبنا.
وأما ما قالوا إن ذلك الإستنباط فغلط إذ حد الاستنباط ما لا تعلق بنطق، فإنه ينفي عنه وجوه الاستنباط، ألا ترى أن الأمة أجمعت على أن ما كان له
(1/49)

تعلق في نطق عام فإنه يسمى باسم ما له تعلق به فيقال نطق عام، ويقال مأخوذ من العموم ومن الاسم، ولا يقال قياس ولا معنى ولا استنباط، فإذا ثبت هذا وكانت العبارة عن الزيادة على الظن مثله تارة تارة فيقال قد خرج الوقت عن الظل مثله وزيادة. فقال: قد زاد على مثل الظل وكلاهما إذا وجدا كان من خير النطق وجب أن يكون كل ما كان من هذا الحسن يسمى نطقا.
والضرب الثاني ما لا صيغة له في الجواب:
نظير ذلك ما قاله الميموني والأثرم في صلاة العراة فإنهما قسما استنباطا واستدلالا، والفرق بين هذا وهذا وبين الأول أن هذا لا حد له في إثبات صفة الاسم، وما هيته، وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
(1/50)

باب البيان عن مذهبه لما سكت عند المعارضة ولم ينكره عند المباحثة
صورة ذلك من المذهب ما قاله الميموني: قلت: للمدبر بهبة؟ قال: إذا باعه أنفع من العتق.
قال الميموني: إما أن يكون سكت عني أو قال لي: إن تأول متأول فما أصنع به، فالمذهب عندي في هذا الأصل ونظائره أنه ينسب إليه مذهبا، وإنه إذا سكت عند المعارضة في جوابه أو لزوم على أصل استدلاله أنه ينسب إليه من ذلك. وقد يحتمل ها هنا عندي وجها آخر وهو أن يكون سكوته لا عن قطع بالانقياد، بل على حد الارتياء والتأويل لذلك فلا ينسب إليه بذلك قول وهذا قول الأكثر من أصحابنا، ومن ذهب إليه سلك أن السكوت قد يكون لا يتأمل ما عورض به، ويستقر حاله في الأصل فيقضي به مما أوجبه الدليل، وقد يحتمل أيضا أن يكون خوفا أن لا يقضي به إلى مناظرة ومجادلة.
وأيضا فإن نفس السكوت لا يؤثر مذهبا قطعا، ألا ترى أن الفقيه قد يرى فقها يأتي عبادته من صلاته وغيرها مما فيه مخالفة وينكر عليه ولا يرتضيه ومع ذلك فلا يرد عليه ولا يخاصمه. فإذا ثبت هذا كان هذا يجري أمر الساكتين على أنهم غير قائلين فلا ينسب إليهم بغير يقين. وهذا كله فلا وجه له والدليل على ماذكرناه من الجواز لنسبة المذهب بذلك أنا وجدنا الفقيه لا سيما إذا كان إماما في نفسه، علما في مقامه أن يرى منكرا أو يشاهد باطلا، ويسمع قولا فاسدا إلا ويستحق عليه المبادرة إلى النكير على من أتى به، فإذا ثبت هذا
(1/51)

وجب أن يكون إذا لم يكن من العالم يكثر أن ينسب إليه الرضا به، وطريق المخالفة لما وجب عليه، وقد بطل تجويزنا أن يكون بالمحال راضيا علمت أنا ننسب إليه كلما سكت عنه ولم يرده بمثابة قوله سيان ومن أدل الأشياء ما قررنا في أصول الشريعة وأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سكت عن شيء كان ظاهرا جوازه.
ومن ذلك أيضا أمور الصحابة وأنها لا تسكت عند المعارضة إلا إذا عنت بالحجة ألا ترى إلى ما نقل عن الصديق رضي الله عنه في قتال أهل الردة حيث قالت الصحابة له: كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم. فقال الصديق: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فالصلاة حق البدن، والزكاة حق المال والله تعالى جمع بين الصلاة والزكاة. فأسكت الذين ناظروه، ولم يردوا جوابا، فكان ذلك إذعانا منهم بالقتل لما جاءهم به، فأجابوه على يقين من إصابته الدليل لا عن ذلك ألا ترى إلى قصد الصديق رضي الله عنه في الجدة أم الأب حيث جاءته وقد مضى من قضيته بالسدس لأم الأم حولا. فقال: لا أجد لك شيئا في كتاب الله، وإن الذي أعطاها رسول الله السدس. فقام إليه محمد بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري فقال: يا خليفة رسول الله:
(1/52)

أعطيت من لو مات ما ورثها، وتركت من لو ماتت ورثها. يريد بذلك أن أم البنت لا ترثها، وابن ابنها يرثها. فسكت أبو بكر عن الإجابة، ورد الاعتلال وقضى بالمشاركة.
ومن ذلك ما نقل عن الإمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث جمع الصحابة في القضية في ميراث الجد فقال: ما بال ابن ابني يرثني ولا أرثه؟ فقال علي عليه السلام: لا تعجل أرأيت شجرة لها أغصان إلى أين ترجع أغصانها. وقال له زيد: لا تعجل أرأيت سائلا سال فأشبعت منه واديا وجرى منه ماءا إلى أين يرجع الماء يريد أنه إلى أصل الوادي مآله. فضربوا له الأمثال فانقاد عندما أتوه به إلى أن سكت إقرارا بأن القضاء أنه لا يعد أبا.
ومن ذلك قول عائشة رضي الله عنه لزيد بن أرقم إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سكت عن إجابة ما ورد ما قالته فيما بلغها عنه من مسألة العينة أوجب ذلك أن لا يجوز ما عليه أنكرت لأنه ما نقل عنه مدافعة ما عليه من تونية أقدمت.
ونظير ذلك أيضا ما نقل عن ابن عباس مع أبي هريرة رضي الله عنهما في الوضوء مما مست النار إذا رويت عن رسول الله صلى الله عليه
(1/53)

وسلم حديثا فلا تضرب له الأمثال، فإذا ثبت هذا وسكت ابن عباس أبان بذلك عن صحة ما قال.
ومن أدل الأشياء أنه قد ثبت بين العلماء في مناظرتهم أن من سكت عن شيء أنه قد توجه عليه السؤال ألا ترى إلى ما جرى بين أحمد رضي الله عنه والشافعي رحمة الله عليه في الهبة، فقال الشافعي معترضا على قول النبي صلى الله عليه وسلم: الراجع في هبته كالكلب يعود في قيئه. فقال الشافعي: فالكلب غير محرم عليه أن يعود في قيئه. فقال أحمد: ليس لنا مثل السوء. فسكت الشافعي. وكان ذلك إذعانا بالانقطاع وإسقاط السؤال، وإذا ثبتت هذه الأصول إذن ذلك بأنه إذا سكت عن سؤال ولم يرد على سائله ما قاله أنه عنده صواب حق ونظير هذا إذا قال به قائل فما أصنع به أو قال هو موضوع، تأويل كل ذلك أنه قائل به وأنه غير محرم له إذ قد ثبت في صفاته أنه أشد الناس في الله وأسبقهم إلى النكير على المحرم، فإذا ثبت هذا بأن بذلك سلامة ما أصلناه وبالله التوفيق.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أن السكوت محتمل بجهات:
منها أنه يدع ذلك لأن لا يؤدي إلى مخالفة ومجادلة فلا يؤثر شيئا إذ ظاهر السكوت الرضا والمتابعة، وليس تجويزا أن يكون للاحتمال فيه دخل
(1/54)

ينفي توجيبه ألا ترى الأوامر قد يحتمل أن تكون مقصودة للفصل للفرض والنافلة وليس وإن كان هذا الجواز له دخل في الاتساع ما يمنع تقبل الظاهر، وآخر أتيا إياه على ظاهره، وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وأنه يجب الأخذ بموجب ظاهر القصة في السكوت لا غير ذلك.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أن الفقيه قد يسكت وإن كان مخالفا إذا كان ذلك لغيره مذهبا.
فالجواب أن هذا لا يؤثر شيئا إذ الفقيه إذا جرى خلاف بحضرته من عامته أو من أهل خاصته مخالفين أو خاصة هم له على مذهبه متبعون فالعامة للفقيه أن يسكت عنهم إذا أتوا مذهبا من مذاهب أهل الأثر وإن بين لهم كان بالفضل قد أخذ. فأما إذا كانت طائفة تخالف علماء الشافعيين والعراقيين فرآهم على مذاهبهم فإنه يسعه السكوت لما قد ثبت عنده ما هم عليه من التدين عاكفون وأنهم بالنهي لا يرعون ولا يرجعون فلأجل ذلك سقط عنه الكلام ولم يخرج عند السكوت.
والطائفة الثالثة الذين هم على مذهبه قائمة وبه يتدينون فإنه مستحق عليه النكير ولا يجوز له أن يسكت إلا على يقين من جواز ذلك في الدين، فإذا ثبت هذا كان أمر السكوت مع حالة السلامة مستحق به القضاء فإنه له يذهب وبالله التوفيق.
(1/55)

باب البيان عن مذهبه في جوابه باختلاف الصحابة
قال الحسن بن حامد: صورة ذلك من مسائل عدة من ذلك ما قاله صالح قلت لأبي: المرأة إذا ماتت يرى زوجها محاسنها ويدخلها القبر؟ فقال: الناس مختلفون في ذلك، قد روي عن عمر أنه قال لأوليائها أنتم أحق بها. وعن أبي بكرة أنه واثب أخوة امرأته على دفنها.
قلت: الرجل يغسل امرأته فيه اختلاف.
وقال أبو الحارث: قلت الرجل إذا أعتق عبدا وله مال؟ فإن: ابن مسعود وأنس قالا: المال للسيد، وابن عمر لم يعرض له. قيل له: ما يقول
(1/56)

هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونظائر هذا تكثر وهي على ضربين.
منها يجيب في مكان باختلاف الصحابة ولا ينقل عنه في ذلك قولا منكشفا.
ومنها: ما يجيب في مكان بالاختلاف ويقطع بالبيان في مكان سواه بمثابة ماله في الحال، إذا أعتق العبد إنه توقف في مكان، وقطع في مكان بأنه للسيد، فما كان من هذا قطع به في مذهبه ونسب ذلك إليه. وهذا مأخوذ في بيانه في كتاب الأصول وأنه قطع به إذا كان الاختلاف بين الصحابة نظر أي القولين أشبه بالكتاب أو بالسنة يؤخذ به. فإذا وجدت الأجوبة بأن تقول اختلفت الصحابة فإنه ينسب إليه ما كان دليل الكتاب أو السنة عليه، وقد يتخرج في المسألة وجه آخر وهو أنه لا ينسب إليه في ذلك مذهب بحال إلا ما بينه وقواه وأخذ به. ويبعد أن يتخرج أن يكون إذا ذكر الاختلاف أنه يؤذن بالجواز للأخرى، إذ نص جواباته باختلاف إنما هو فيما يحل ويحرم وأن يكون على طائفة إيجاب حتما وإقامة حد أو أصل. قال: وعلى الطائفة الأخرى منع من ذلك بمثابة المرأة إذا ماتت، والعبد إذا أعتقه سيده، وكأم الولد، وإصابة
(1/57)

المكاتبة وما جانس ذلك. ونظائر هذا فليس فيه دخل في أن الاختلاف وإذا أجاب به كان لاختلاف المباح بل ذلك اختلاف لحد العوض لا غير ذلك.
فالذين ذهبوا إلى الوقف في ذلك وأن لا ينسبون إليه مذهبا، فالطريق لهم إنا وجدنا علمه بوجوه الاستدلال سابقا ولا يخفى عليه أي القولين أشبه بالسنة، فإن كان مذهبه عنده بما هو مستودع في الكتاب من يوجب سنة كان إلى ذلك أسبق.
قالوا: وأيضا فإن نسبة المذهب إليه من حيث آخر ما نرويها نحن في تقوية أحد المذهبين فعل لنا، ليس بفعل له، فكيف يجوز أن ينسب إليه المذهب بفعلنا ورأينا.
وأيضا فإن الاجتهاد منا لا يطابق ما عنده ولا يقاربه فبطل أن ينسب إليه شيء بما نقويه نحن برأينا. وهذا كله فلا وجه له. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما قدمنا عنه الرواية في كتاب الأصول وأنه قال: إذا اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر أي القولين أشبه بالكتاب والسنة فأخذ به وترك الآخر. فإذا ثبت هذا الأصل كان فيه بيان عن مذهبه وما يتدين به في كل الأماكن وعلى سائر الجهات، فإذا وجد الاختلاف بين الصحابة. كان جوابه أن يقوي منهما ما أشبه بالكتاب والسنة فاعتبرنا ذلك في جواباته بالاختلاف على ما بينه في أصله.
ومن أدل الأشياء أن أبا عبد الله قد يجيب بجواب في أصل ويكتفي بما يودعه فيه عن الإعادة له في كل فصل، ألا ترى إلى ما قررناه من الإيمان عند اختلاف المتداعين وغير ذلك. وإذا ثبت هذا كان جوابه بالاختلاف خالصا لا يخرجه أن يكون له في ذلك مذهب، فنسبنا إليه منها ما قال لنا أن الحق فيه دون الآخر، وقد ثبت بعد هذا أنه لا يخلو جوابه بالاختلاف من ثلاثة أقسام:
إما أن يكون تذكرة للقولين، أراد بالذكر لهما إعلامنا أنه متوقف عنهما
(1/58)

فيبطل أن يكون كلاهما جائز لاستحالته لا معا إذ لا يكون الشيء في حالة واحدة على شخص واحد حلال حرام. ويبطل أيضا كون القسم الثاني إذ جوابه بأن أحدهما محل والآخر محرم يبطل ثبوت التحريم فيهما ولم يبق إلا قسم الاتفاق عن الجواب، وهذا لا يخلو من حالين: إما أن يسلم فيكون كأنه ممن لا جواب له فيها فيكون كأنه سلم اختلاف الصحابة فيه، ولا جواب له فيه وهو قد بين لنا أنه إذا وجد الاختلاف كان مايذهب إليه ما كان له قوة الشبه في الكتاب والسنة.
والحالة الثانية أنه أراد أحدهما غير أنه اكتفى ببيان مذهبه عن الإعادة بأن يقول: اختلفت الصحابة في مذهبين ما الأقوى من المذهبين بالكتاب والسنة فإذا ثبت هذا كان ماذكرناه سالما.
فإن قيل فإنه لو كان الأمر على ذلك لكان القول بالاستدلال منا فاسدا. فالجواب أن هذا لا وجه له لأن أبا عبد الله إنما يجيب لمن قد ثبت عنده أنهم عارفون بالأصول وعابرون على سواء هذا التنزيل وعارفون بالأثر الثابت عن الرسول والذين سألوه فأجابهم إليه فقها كالأثرم وصالح وابن منصور وأبو داود والميموني وأبي زرعة وأبي حاتم ونظرائهم، فمن ذكرناه كل قد علم أصلنا ووقف على طريقة إمامنا وعلم إمامنا رضي الله عنه ضبط ذلك عنه فاكتفى بالجواب على ما سبق من البيان.
جواب ثان - وهو أنه قد يجوز أن يترك ذلك إثباتا أن لا يفوته شيء مما تعلق عليه في وقته فكان يذكر الاختلاف ممتنعا وعليه معولا إذ لا يخرجه ذلك من أن يكون معينا وبالله التوفيق.
وأما عن الجواب الذي قالوه من أن أبا عبد الله كان على وجوه القرآن والسنة مطلعا، فلو أراد بيان الجواب كان إليه سابقا، فذلك لا يؤثر شيئا إذ كونه بذلك عالما فقد بينه لأصحابه بيانا شافيا وكان تيسير بيانه مقنعا في بابه.
(1/59)

جواب ثان - وهو أنا لو حملنا ذلك كتابه أشبه بأن يقول لو كان يريد أن لا ينسب إليه جواب، كأن يقول: لا أدري ولا شيء عندي فإلا لم يجب بجواب الارتياء علمت أنه أراد بالجواب بيان مذهبه وقد بطل أنهما لا يرادان وكان بذلك أعلم أنه أراد أحدهما.
أما الجواب عن الذي قالوه من أن الاجتهاد نقل لنا فذلك لا يضرنا إذ نفس القياس والاستنباط فعل لنا وكذلك الاستدلال بالأثر لأنه فعلنا.
جواب ثان - وهو أن كل الشريعة على أنا ننسب إلى الله الدين والحلال والحرام من حيث أفعالنا أفيجوز أن يقال أن ذلك ليس بجائز في الدين لأنه فعل الآدميين، ومع ذلك فقد بينا على ما قررناه في المذهب أنه يجوز أن ننسب إليه القول من حيث القياس، ويكون ذلك مذهبا على ما أداه إليه اجتهادنا لأصله مطابق، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرنا سالما.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أمر اجتهاده وأنه قد يخالف ما عنده فذلك لا يضرنا، إذ اجتهادنا وإن خالف اجتهاده فليس يخرجنا ذلك عن متابعته في طريقه إذ الاستدلال بالكتاب والسنة إذا كنا له طالبين كما أمرنا به وأننا قد بصرنا على ما كشفه لنا بمثابة سرنا على ما كشفه الله وليس وإن افترقنا من حيث قوة الإصابة تخرجنا من المتابعة والمساواة، وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
جواب ثان - هو إنا فيما نسلكه نحن في المذهب، إنما هو على قوة ما يصح عندنا من أجوبته فيحمل ذلك على موجبها عندنا من حيث ظاهر أجوبته، وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.

فصل في أصل أجوبته بالاختلاف

إن قال أصحاب الشافعي قد أنكرتم على الشافعي إن أجاب في حادثة فيها قولان، ورضيتم لأبي عبد الله ما هو أبعد من ذلك أنه يجيب بأن يقول
(1/60)

بالاختلاف من الناس؟ قالوا: ومن ذلك كان جوابه بأن يقول: قال عبد الله كذا، وقال عمر كذا، ويكون حاكيا عن غيره ولا اجتهاد له في أصوله ولا في جوابه. قالوا ومن قال قولين فقد ثبت أنه قد ثبت له اجتهاده في الحادثة حتى أوصله ذلك إلى قطعه بالقولين فيها. قالوا: فإذا ثبت لمن قال بالقولين قوة الاجتهاد، وكان في جوابه أسد ممن قال في جوابه قال فيها زيد كذا وعمرو كذا، فقد ضيع ما سئل عنه، إذ ما سئل عن الاختلاف بين الناس، وإنما سئل عن الجواب عنده فلا يجوز له إحالة جوابه ولا ذكر الأقاويل ولا حكاية مذاهب غيره، وهذا كله فلا تأثير له.
والجواب عن الذي قالوه من وجوه عدة:
أحدها أن أبا عبد الله إنما يجيب في وقت بالاختلاف على حسب ما تحتمله مسألة السائل، إذ كل جواباته خارجة على سؤال سائل ولم يكن جوابه بذلك ابتداءا من أجل قصد إلى تصنيف مذهب تهذيب فقال: وإيضاح وجه الإصابة عينا وإنما خرج منه ذلك على حسب ما يوجبه السؤال، وليس كذلك في الشافعي رحمه الله لأنه ابتدأ مصنفا وعلى مخالفته رادا وبالصواب عينا قاطعا ومن كانت هذه حاله كان بجوابه بالقولين مبينا عن الشبهة ما حلا والالتباس عنه ما انحلا.
جواب ثان - وهو أن أبا عبد الله لا يكاد تجد عنه مسألة فيها قولين إلا وتجده حيث يقتضي السؤال جوابا بالبيان عن الإصابة إلا ويقطع ويبين ويحتج ويرجح إذ كل مذهبه في كل مسألة أجاب فيها بالاختلاف لا يتعدى عن الذي ذكرناه، وعلى هذا عامة أصحابنا وأنهم يأبون أن يكون هذا في مذهبه موجودا باقيا فيه الالتباس، وليس كذلك قال الشافعي رحمه الله لأنه بدءا وعودا مع القولين والثلاثة والأربعة معلق حتى إنهم قالوا في المسألة ستة أقاويل وثمانية أقاويل وما يزيد على ذلك، ومن كان هذا وصف مذهبه عند عامة أصحابه بطل أن يشبه من جوابه شيء في تضاعيف جوابه.
(1/61)

جواب ثالث: وهو أن الذي نقل عن أبي عبد الله أنه أجاب فيه باختلاف ولا يتأتى له فيه هو ما ينبغي كون مذهب منه ولا سمى ذلك لنا نقضا، إذ أدى جميع كل ذلك في جوابيه كان سرا بالبيان مقصورا فيجب أن يكون القائل بالقولين على هذا الحد وأنهم لا ينسبون إليه منها قولا إلا ما كان منه بالبيان فيه مقصورا، وهذا إن قالوا به أفضى إلى إسقاط المذهب إذ ليس من مسائلهم مسألة عرية عن قولين، أو اختلاف حالين وتنزيل وجهين ولو عدهم ما يقطعون به في علمهم وشرح كتابهم لما كان ذلك إلا يسيرا، والذي يقطع به الشافعي قولا واحدا لا بد أن يطلبوا له فيها قولا ثانيا، والذي عنه فيه القولين لا يكتمون بذلك دون أن يخرجوا له في ذلك حالين، وتعليق على أحد القولين حتى إنه إذا تأمل أمرهم في المذهب كانوا لأنفسهم وبآرائهم وما يصح له ويتوجه عندهم متفقين، ومذهب الشافعي فيما بينهم كالغريب، وإذا ثبت هذا كان شتان ما بينهما.
جواب رابع: وهو أن أبا عبد الله إنما أجاب بالقولين عن الصحابة اكتفاءا بما ثبت عنه من البيان يوجه الجواب في الحادثة إذا اختلفت فيها الصحابة وقد قررنا أصل مسألة الكتاب على ذلك وكان وإن أجاب بالاختلاف فإنه مستقر في مذهبه القطع بأحد طرفي الجواب وليس ذلك في جواب الشافعي بالقولين لأنه لا بيان له في تمييز مذهبه من القولين.
جواب خامس: وهو أننا وجدنا الجواب بأقاويل الصحابة فائدته لا غنية عنها إذ قول الصحابة دين الله تعالى لا يسع عالم أن يجهل ما عن الصحابة مقولا في الحادثة، وليس كذلك الموات بالقولين لأنه لا يموه في معرفة من لا حجة في قوله.
جواب سادس: وهو إنا وجدنا الصحابة لا تخرج عن جملتها ولا خاله أن أحدهما عين الإصابة فيه حتما، وليس كذلك في القولين إذا كان لمن لا حجة في مقالته إذ ذلك يجوز أن يكونا جميعا فاسدين وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
(1/62)

باب البيان عن جوابه بالقولين
إذا عزا واحدا إلى الصحابة والآخر إلى سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، صورة ذلك: ما رواه ابن منصور قلت لأحمد: أولاد العرب يسترقون؟ فقال: قال رخص وذكر حديث عائشة وقال ابن مشيش قلت: العرب يسترقون؟ قال: فيه اختلاف، ولكن عمر خطب قال: لا يسترقون. وذكر حديث عائشة وذكر مضر من بني المصطلق من خزاعة. ونظائر هذا في المذهب يكثر، وكل ما كان من جوابه بأن يقول اختلف فيها فقال فيها عمر كذا، وقال عثمان كذا، والسنة كذا، أو لأن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بكذا، وكل ذلك مستحق فيه الأخذ بما يستند إلى السنة ويدع الآخر ويقطع على أن ذلك خارج عن مذهبه هذا في كل مكان يكون بينه الجواب بنظير هذا الأصل من غير تفسير ولا بيان.
(1/63)

وخالف في ذلك بعض أصحابنا فيما كان هذا طريقه فقالوا في قصة عمر في أولاد العرب أنه يقدم على حديث عائشة وبنوا ذلك على أنه إذا كان القول عن الصحابي مطلقا والسنة ظاهرها عاما أو مجملا كان القضاء يتقدمه النص عن الصحابة، فإذا اجتمع عنه الجواب بالاختلاف على هذا الحد كان ما عزاه إلى الصحابة أسبق في المذهب إذ من أصل أبي عبد الله أنه أخذ في الجزية بحديث عمر وقصته دون حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الدينار وخالف كل المدنيين مع الشافعي وجعل الجزية أربعة دنانير على طائفة ونصفها على أخرى ودينار على طائفة أخرى وكل ذلك اتباع لعمر وإن ترك فيه السنة فكذلك في باب الجواب إذا كان بالأمرين كان الأخذ بقول الصحابي أولا، وهذا كله فلا وجه له. والدليل على ما ذكرنا بدا ما أنباه عنه في كتاب الأصول وأنه قال: إذا اختلفت كانت السنة. وقال في قول الصحابي مع السنة. إنه يؤخذ بالسنة فأبان عن نص مذهبه في ذلك، وليس نريد مما ذكرناه عنه الكلام في السنة البينة مع قضية الصحابيين إلا أولى ثم بعد هذا
(1/64)

قررنا في كتاب الأصول ما فيه عنه، وإن الثابت من السنة لا يعارضه بقول الواحد من الصحابة وإن السنة حاكمة وهي فريضة قائمة، فإذا ثبت ما ذكرناه هناك أغنى عن الإعادة، ومن أبين الأشياء أن الصحابة كافة أجمعت على ترك آرائها مع وجود السنة ألا ترى أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا عليهم السلام كل ينقل عنه أنه إذا كان على رأي فروي له الأثر اتبعه وترك رأيه واجتهاده، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
فأما الجواب عن الذي قالوه من مذهب إمامنا في الأخذ بقول الصحابي في أمر الجزية وغيرها فذلك لا يؤثر شيئا أفليس على النبي صلى الله عليه وسلم خص ندع بقول واحد من الصحابة، والذي يؤخذ من أقاويل الصحابة مع السنة طريقان:
أحدهما: أن يرد خبر له ظاهر يجمع الصحابة على ترك الأخذ به بمثابة ما نقل في قصة النكاح على القرآن. قال أحمد رضي الله عنه وأبان عن علة الرد له.
(1/65)

والطريق الثاني: أن تكون السنة عامة أو مطلقة محتملة وعن الصحابي تفسير في ذلك، فإنا نقول الصحابي فيما يفسر لنا به السنة أن يوقع بيانا على الجملة نظير ذلك ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليس فيما دون عشرين دينارا صدقة، وهذا يدخل فيه ما نقص غيرها بما قرب وبعد وقل
(1/66)

وكثر، فلنا عن علي عليه السلام أنه قال: النقص لا زاد على ثلث مثقال. فأخذنا
(1/67)

به. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: البيعان بالخيار. قال ابن عمر: فرقة الأبدان , ومن ذلك: النهي عن صيام يوم الشك. قال ابن عمر: يصام احتياطا لرمضان إذا كانت السماء بها غيوم. فإذا ثبت هذا
(1/68)

كان ما عداهما مثل سنة ماضية في القضية ثابتة، فإنه لا يلتفت إلى مقالة واحد من الصحابة، وقضية الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في استرقاق العرب خاص لا شبهة فيه، إذ عائشة كان عليها رقاب واجبة، نذرت عتقين من ولد
(1/69)

إسماعيل، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بشراء ذلك من سبي مضر وما كان من قضية في بني المصطلق أنه أجرى عليهم السبي وملكهم للصحابة، قسمهم بين المسلمين ثم سألهم حيث جاءوا مسلمين، فعلمت بذلك أنه نص، وكان على قول علي بعدها.
وأما قضية الأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الجزية فإنه داخل في ذينك القسمين، وإن الدينار مطلق لا يفصل فيه ولا تمييز بين الطالبين، وقضية عمر فصلت وفسرت، وكان بمثابة إخصاص العام بقول الصحابي، والوجه فيه أن عمر أقر الدينار وما نقص وزاد عليه، والزيادة لا شيء عليها في الرد، فأجرينا ما نقل عن عمر رضي الله عنه في بابه على ما ورد، لأنه لا يرد سنة، بل هو في نفسه سنة، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
جواب ثان: وهو أن عمر بن الخطاب في الجزية ما يقول بذلك دون أن يقارنه إجماع أصحابه الأثر كان الأئمة عثمان وعليا ومن اتبع من بعدهما جرى على سننهما من غير مدافعة ولا ريبة، وكان ذلك مما يجب المصير إليه ويقطع على السنة في الفقراء خاصة وبالله التوفيق.
(1/70)

باب البيان عن جوابه بقول التابعين مع الصحابة
قال الحسن بن حامد: الكلام في جوابه بقول التابعين مع الصحابي مشتمل على أقسام:
الأول من ذلك أن يكون مع الصحابي من الاستدلال أقوى مما هو مع التابعين أو مثله، فلا خلاف عنه أن قول الصحابي متقدم.
صورة جوابه في هذا القسم. قال أبو الحارث: كان عمر وابن عباس لا يريان بوطئ المدبرة بأسا.
قال الميموني: ما أعلم أن أحدا قال لا توطأ المدبرة إلا الزهري،
(1/71)

وابن عمر وابن عباس لا يريان بأسا بوطئها.
ومن ذلك ما قال صالح: قلت لأبي: الرجل يغتسل فيخرج منه المني بعد الغسل، ولما يبل قبل الغسل؟ قال: يروى عن ابن عباس أنه يتوضأ. وقال الحسن: يعيد الغسل. ويروى عن علي عليه السلام أنه لم يكن قال أغتسل.
(1/72)

وقال صالح: قال أبي: النفاس أربعون، والحجة فيه قول عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص، وعائذ بن عمرو، وأنس بن مالك، وفي قول أهل المدينة: ستون.
ومن ذلك قال الأثرم: قلت له: تزوج على مهر إن جئت به إلى كذا وكذا وإلا فلا نكاح بيننا؟ فقال لي: مسألة قد تكلم الناس فيها فذكرت حديث ابن عباس: النكاح جائز، والشرط باطل. فقال: لو كان يرويه عطاء بن أبي رباح، إنما يرويه عطاء الخراساني.
ومن ذلك ما رواه صالح: سألت أبي عن القنفذ؟ فحدثني وحدثني فذكر حديثين: مجاهد بالحل، وأبو هريرة حرام.
(1/73)

ومن ذلك أيضا ما قاله أبو الحارث قلت: بيع المدبرة؟ قال: ما اجترئ عليه لأنه فرج. وقد باعت عائشة.
(1/74)

ونظائر هذا تكثر، والمذاهب فيما ذكرناه، وما كان من نظيره إن الأخذ فيه بقول الصحابي دون قول التابعين، وهذا الأصل أدلته في الشرع مع الصحابة أقوى من حيث الأثر والنظر، ألا ترى أن المدبرة على ملك السيد أمته فدخلت في الآية من قوله {أو ما ملكت أيمانكم} في قول النبي صلى الله عليه وسلم: احفظ عورتك إلا من زوجته أو ما ملكت يمينك. فإذا ثبت هذا كان ما ذهب إليه الزهري فاسدا، لا يوجبه أثر ولا نظر. وكذلك بيع المدبرة ولا وجه لمقالة من أبي أن التدبير لا يزيل ملكا. وقد قررنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه باع مدبرا.
وأما النفاس في الأربعين فإنه نظائر لهذا الإطلاق من الكتاب، ولم يشاهد في الأصول، إذ الكتاب موذن بفرض الصيام، ولا يجوز لأحد أن يسقط شيئا إلا ما أوجبه دليل السمع وشاهد النظر، وأيضا إذ الصلاة والصيام يحتاط فيهما لا يؤديان إلا باليقين.
وأما إحلال القنفذ في معنى الحيات ذوي السم والجوارح لأنه يعقر ويضرب كالسلي أذيته بأمه وكان في معنى المحرمات من الجوارح.
وأما المني، فقول ابن عباس رضي الله عنه أحج من قول علي، وأحج أيضا من مقالة الحسن لأنه شيء من بقية الماء الأول فكان موجبه غسل واحد،
(1/75)

فإذا وجد فيه الاغتسال انتفت الإعادة، وكان لا فرق بين كون بوله قبل غسله أو غيره.
وأما أمر النكاح إذا كان على أجل في إثباته بالمهر فقد يتردد بين قول البياعات ويتردد بين الكناية وعدم المهر في المناكح لا يبطل فلو كان الأثر عن ابن عباس ثابتا كان موجبه الأخذ مستحقا وكل ما كان له شاهد في الشرع إما بأثر أو نظر وكانت الصحابة على حجته أظهر من حجة التابعين، أو حجته مائلة لحجة التابعين فلا خلاف عنه أنه يقدم قول الصحابي ففيما قدمناه عنه في كتاب الأصول أنه قال إذا بان قول تابعي وصحابي كان قول الصحابة أولى، وهو أصل في الجملة وتنزيله على ترتيب جواباته فيما ذكرناه ونذكره من مسائله وبالله التوفيق.
القسم الثاني فيه قسمان: أن يكون دليل قول التابعين أقوى من دليل قول الصحابة بالظاهر من أثر سنة أو ظاهر آية، أو دليل الصحابي أيضا ظاهر آية ومع التابعين زيادة قوة في الظواهر وسر شارة الأصول فقول التابعين أولى.
وصورة ذلك قال الأثرم قلت لأبي عبد الله: العبد ينظر إلى شعر سيدته حديث ابن عباس. قال: أذهب إلى قول سعيد.
(1/76)

وقال أبو الفضل قلت لأبي: نذر نذرا لما يسمه؟ قال: كان ابن عباس يقول: أغلظ الكفارات. وقال غيره: يمين.
وقال عبد الله: سألت أبي المرأة غزلت غزلا فحلف زوجها إن لبسه فهو هدية. قال الحسن: يكفر عن يمينه. وقال أنس: إن لبسه فليهديه فقال أي يكفر مثل قول الحسن جملة.
(1/77)

هذه المسائل قطع بقول التابعين به.
ومن جملة هذه المسائل قوله فيه غير مختلف ينزل قول الصحابي أم الفتوى من ابن عباس: ينظر العبد إلى سيدته، وبقول الحسن في اليمين وأنه عدل عن قول أنس والذي عنه فيه الخلاف أمر اليمين في الحدود ومن زرد ولما يسم قول ابن عباس في مسائله الثلاث، كذلك أيضا يدع مقالة أنس في اليمين بالهدي للموت. والأصل في ذلك أن ابن عباس علته من القرآن ما هو له؛ إذ قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن} الآية. وكان عندها في جملة من لم يضرب الله عليه وفيها، وقد نقل عن عمر أنه بين أن ذلك في الرجال من قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} في الرجال دون النساء.
فأما قوله: {أو ما ملكت أيمانهن} معطوف على من شرطهن.
فأما الوجه ألا ترى آية الحجاب من قوله تعالى: {وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من وراء حجاب}. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يخلون رجل بامرأة. وباعدوا بين أنفاس النساء والرجال. وقوله: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا إلا مع محرم. فإذا ثبت
(1/78)

هذا بان بذلك أن أمره العبيد بمثابة حال الأحرار في الإبعاد، وكان قول سعيد بن المسيب أقوى لأنه قامت بشهادة الأثر ويوجب النظر.
لا أقول فيه شيء أمره عندي ليس فيه أحسن كما احتج به بعض الناس أن السلم غير مرفوع فسقط عنه ما صنع. وقال زيد ثنا عنه أو غيره إذا كان عقله قد زال كيف يقع طلاقه وموضع هذا. قال: هذا قد زال عقله ولا يجوز تبعة ونظير هذا ما نقل عنه في القاذف حد، ثم عاد إلى قذفه له ثانيا فقال حنبل: يحد كلما قذفه. وقال الأثرم: لا يحد، والحد بحديث علي عليه السلام.
وقال عبد بن منصور في قصة علي مع عمر في قصة المغيرة بن شعبة إن جلدته فارحم صاحبك، لا أدري فلم يقطع علي الأمر فيه.
وقال أحمد بن نصر: قال أحمد: لا حد، لأنه قد حد مرة، فأسقط قذفه السنن.
ومن نظير هذا ما قاله في البيوع في السلم إذا لم يوجد كله فأخذ بعض
(1/79)

سلمه وبعض رأس ماله. فقال محمد بن الحكم: أكرهه، ابن عمر كرهه، وابن عباس قال: لا بأس به.
والمذهب في الروايتين إذا جاءنا عنه في حادثة واحدة في مكانين مختلفين وضام كل قول من جهته استدلال وعلة ويقويه فإنه ينظر إلى أغلب الأشياء عنه وأظهر الاستدلال وأشبه بأصوله فينسب إليه فإذا لم يكن من جهة تقويه بذلك على اطراح إحدى الروايتين لم ينسب إليه تركا لما نقل عنه وكان على كل أحد أن يعمل الاجتهاد لنفسه وينظر فما يثبت عنه الحق فيه فيرضاه من مذهبه دون غيره، والذي يظهر عنه في طلاق السكران التقوية لأنه
(1/80)

يقع، وهو أكثر الأقاويل عن الصحابة، وهو الذي قواه وحسنه.
وأما الحد في باب القذف إذا عاد إلى رميه فإنه لا يقويه عنه. وكذلك في باب السلم الرواية متقابلة عنه، وكل رواياته في مذهبه إذا تعادلت الألفاظ ولم يكن عنه صريح في الاستدلال، ولا رد لأحد المذهبين فإنه يقر كلا على ما جاءت، ويصار إلى ما يوجبه الدليل من الكتاب والسنة، ووجوه العبرة على ما رسمناه في مذهبه وبالله التوفيق.
(1/81)

باب البيان عن مذهبه بالاختلاف بين العلماء
قال الحسن بن حامد: الكلام في جوابه بالاختلاف مشتمل على مسائل.
أول ذلك إذا أجاب بالاختلاف فراجعه السائل فبين له ما يرضاه ويراه من الاختلاف.
صورة ذلك ما قاله مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل قال: أول غلام يطلع فهو حر، فاطلع غلامان أو كل عبيده. قال: قد اختلفوا، قلت له: ما تقول أنت؟ قال: يقرع بينهم.
قال مهنا: وسألته قال لأربع نسوة: أول امرأة تطلع منكن طالق. فطلقهن كلهن. قال: قد اختلفوا في هذا أيضا، قلت: أخبرني بشيء فيه؟ فقال: قال بعضهم يقسم بينهن تطليقه. قلت: ما تقول أنت؟ قال: يقرع ..
ونظائر هذا الأصل إذا ورد الجواب بالاختلاف ونازلوه فيما يذهب إليه ويراه فقال: يأخذ مما بان يصار إلى ما قطع به منهما وثبت مذهبه عليه ولا يؤثر الآخر شيئا، ويقطع على أن الآخر ليس يذهب له، والأصل فيه أنه إذا قال هذا اختلف الناس فإنه أثبت بذلك حكاية مذاهب يحتمل أن يكون هو فما حكاه داخلا، ويحتمل أن يكون فيما حكاه خارجا، ومن هذين الاحتمالين
(1/82)

واحد فاسد إذ لا يجوز أن يجيب الفقيه في مسألة بأن يقول اختلف الناس إلا ويذكر ما قد اشتملت عليه الإصابة للجواب في الجملة ولا يجوز أن يكون قد أفتى مما عنده أن الحق فيه مسلوبا فإذا ثبت هذا بطل أن يكون حكاية موصلة إلى إخراجه غما إلى العلماء، عزاه أنه داخل في جملة الاختلاف فإذا قيل له فماذا تقول أنت من هذين فقال بأحدهما علمنا يقينا أن ذلك عين الإجابة عنده فما يدين الله به ويعتقده فقطعنا بأن ذلك مذهبه. وعلى ذلك ترتيب كل ما كان من الأجوبة. وبالله التوفيق.
مسألة ثانية ومن هذا الباب إذا جاب بالاختلاف في وقت وتوقف عن القطع وبين في مكان آخر بالبيان والقطع.
صورة ذلك. مارواه عنه أبو الحارث في كتاب العتق إذا اشترى أخاه، هل يعتق عليه أم لا؟ فقال: دعها قد اختلفوا فيها وابن شقيق. قلت: دبر ثم احتاج إلى بيعه؟ فقال: دع هذه المسألة وأحمد بن هشام.
سئل أحمد عن أم ولد النصراني إذا أسلمت؟ فقال: فيها اختلاف. قال بعضهم: وكره أن يقول فيها شيئا.
(1/83)

ومن ذلك مسألة أبي الحارث إذا أعتق عبده وله مال.
ونظائر هذا ونقل عنه الجواب وكل هذه المسائل قد أثبت جوابه فيها فقطع في رواية ابن منصور إذا عتقه كان ماله لسيده، وإذا اشترى أخاه عتق عليه في رواية الأثرم وغيره. وكذلك في بيع المدبرات.
الجواب فيه فيما رواه عنه صالح وغيره، وقطع في رواية ابن منصور بأنه لا يرى السعي، وأن أم ولد النصراني يوقف على موته ويزال عن يده.
ومن ذلك ما رواه عنه علي بن سعيد في كفارة من أصاب حائضا إن صح الحديث قلت به. وقطع في عدة أماكن بصحة ووجوب الكفارة فيه
(1/84)

بالمذهب في هذا، وما جاء من نحوه أنه يؤخذ بالبين المفسر عنه، ولا يلتفت إلى ما كان من الروايات بالاختلاف والتوقف وهذا هو دأب العلماء أن يتوقفوا عند بداية الحادثة حتى يستجدوا الأدلة ويسبرون طرقها، ويجمعوا بينها وبين ما يضامها ويعارضها، فإذا سلمت الدلالة عرية عن الشبهة والالتباس قطعوا بالنص ظن الجواب.
وقد نقل الميموني عن أبي عبد الله في هذا النحو وأكثر وأنه كان لمسائله فيقول لا تكتب، ويقال حتى يتناظر، وربما وقفت المسألة يوما حتى يناديه أبو عبد الله بالجواب بينا، وللعلماء بالاجتهاد ذو نأي بينهم في الأجوبة والتوقف على القطع حتى يصح لهم نص الأمر يباينون غيرهم ويبلغون بذلك منازل الأئمة ويتبعون منهج الصحابة وما عليه الدليل الواجب اتباعه على الكافة وبالله التوفيق.
مسألة ثالثة: فأما إذا صدر فيه الجواب قطعا وقارن ذلك بدليل حتما وأردف ذلك بحكاية بذهب بحادث ما سبق من جوابه:
صورة ذلك: ما قاله الميموني قلت لابن حنبل قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا}. قال: هو أن يشهد بشهادة فتطلب منه فلا يأبى.
قلت: وقد قال بعضهم تفسير هذه الآية إذا طلبوا يشهدون. قال: قد قال ذلك بعضهم.
ومن ذلك: قال حرب: قلت: حلف كاذبا متعمدا فيه كفارة؟ قال: هذا أعظم من أن يكون فيه كفارة، وقد روى عن بعضهم أنه قال: يكفر. والمروذي عنه في السعاية وقال بعضهم: يسعى.
(1/85)

والرواية عن الأثرم في الأضاحي إذا اشترى أضحية فأصاب معها أخرى فقال مثل قصة عدي بن حاتم ثم أرسل كلبي خالطه غيره. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا يأكل. قال: إذا كانت ذكية ومنية: لا يأكل يذكيا جميعا وهؤلاء يقولون يأكل واحدا ويدع واحدا. ونظائر هذا يكثر والمذهب أنه لا يكون بالذكر لقول غيره بعد جوابه بالثبات مضعفا له. وقد يحتمل فيه وجه آخر وأنه يذكره لقول بعض الناس بعندنا أنه إن ذهب إليه ذاهب فقد أصاب مذهبا مرضيا غير فاسد، ألا ترى إلى ما نقله عنه صالح: قلت لأبي: يكبر في دبر كل صلوة الضحى كما يكبر في الفرض أم لا؟ قال: إن ذهب إليه رجل فقد روى عن بعض الناس والمعروف المكتوبة.
(1/86)

وهذه المسألة تعطي أنه إذا قال: وقد قال بعض الناس إنه يقيد الأخذ به، ومن ذهب إلى هذا الوجه وجعل له بحكاية عن بعض الناس مذهبا، فطريق الاستدلال له في ذلك أن أبا عبد الله لا يحكي بعد جوابه مسألة يقطع فيها بزور وبهتان، وإنما يحكي ما له دخل في الجواز، فإذا حكى شيئا بعد جواب سالف، علمت أنه قارنه بما له دخل في الجواز. وأيضا فإنه إنما يحكي ذلك لفائدة ولا ثمرة لذلك فائدة إلا أن يثبت لنا بذلك زيادة في الإجارة وأيضا فقد ثبت أن أبا عبد الله رضي الله عنه إذا سئل فقد يعتمد في جوابه على الفتوى بقول سابق، ويكون ذلك صريحا في مذهبه، فإذا ثبت هذا كان كذلك إذا قرن جوابه بالحكاية عن مذهب غيره أنه يفيدنا أنه بين عن قول ثاني لا غير ذلك. وهذا كله فلا وجه له، والأشبه ما ذكرناه وأن بالحكاية لا ينسب إليه مذهبا. والدليل على ذلك ظاهر ومعنى. فالظاهر كتاب وسنة، فالكتاب إنا وجدنا ما ورد في الكتاب بلفظ الخبر لا يدخل فيه بعتب ولا بثمر لنا إلا إيقاع العلم بمثابة مأمور آخر بنا ألا ترى إلى الخبر عن أهل الجنة وأهل النار، وما كان من بيان الكفار ومن خلا من القرون وما أخبرنا به عن المعاقبة والرضوان، وكل ذلك بالاتفاق لاحظ فيه الإيقاع العلم لنا بمثابة أمرنا ورأينا ما جاءنا بالحتم من أمر لازم أن حظ إثبات الحكم لنا وعلينا بقوله: {أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}. {ولا تأكلوا الربا}. {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}. ونظائر ذلك يكثر كل حظ في المخاطبة الختم على الأمور فإذا ثبت هذا في التنزيل وجب لك أن يكون حظ الخبر عن الأقاويل يكتسى إلا إثبات العلم بمثابة ورود الخبر.
ومن دليل السنة إنا وجدنا لما نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم من
(1/87)

الأوامر له حد، وما ورد بلفظ الخبر عن العفو حد ألا ترى أن قوله: {أدوا زكاة أموالكم في الرقة ربع العشر} وما جانس ذلك له حظ في ثبوت الأمر، وما ورد بلفظ الأمر ومقارنة الخبر لا يكون الخبر أمرا، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم قال: استنزهوا عن البول. وقال: أما علمتم ما لقي
(1/88)

صاحب بني إسرائيل كان أحدهم إذا أصابه البول قرضه بالمقراض فنهاهم عنه فعذب في قبره فأبان الأمر بالاستنزاه حد الحكم ولم يكن بالخبر مكتئبا إحداث أمر لا دخل له في عبادتنا فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما ثم الدليل من حيث المعنىى، وهو إنا وجدنا الأصول مرتبة، على إنا نقول قد صدق في الخبر، وصدق أنه إذا قال قد قال بعض الناس أنه لا يكون له دخل في ذلك، أو لإخباره عن تفسير حده ولإخباره عن غيره ثبت له إخبار عن غيره كما لا يجوز أن يقال إن ما حكاه عن نفسه أنه حاك له عن غيره.
ومن حيث ثبت أنه لو أجاب وقال: قال بعض الناس: إنا لا نجعل ما حكاه عن نفسه منسوبا إلى مذهب غيره. وكذلك ما حكاه عن غيره لا يكون حاكيا ما لا يحل وما لا يكون وفدا، فذلك لا يضرنا إذ ليس بحكايته ما يحل يكون ذلك له مذهب، وليس كل ما حلت حكايته كان ذلك منسوبا إلى من جوز حكايته.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أنا نفيذ بالحكاية ثمرة جواز ما حكاه
(1/89)

خطاه أن يثمر لنا الصدق في الأخبار أن يخبر كما أخبر ولا يثمر لنا أن نقول إنه أباح بالحكاية أن نقول ما حكى فله مذهب.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أنه إذا حكى عن بعض الناس مذهبا فذلك لا يضرنا، لأنه إذا حكى شيئا عريا عن جواب، كانت حكايته جوابا، وإذا حكاه بعد جواب بطل أن تكون الحكاية جوابا وبالله التوفيق.
(1/90)

باب البيان عن جوابه مذهبه بقول بعض الناس ونسبة الجواب إلى غيره
قال الحسن بن حامد: اعلم وهب الله لنا ولك ما يرضى، وحمانا وإياك عن كل الأهواء أن جوابه إذا ورد بحكاية عن غيره مرويا بأنه يرى ذلك ويرضاه إذا تحرش عن قرينة بالصد مما حكاه:
صورة ذلك: ما رواه الأثرم: قلت لأبي عبد الله: رجل يحل السحر؟ فقال: قد رخص فيه بعض الناس.
(1/91)

ونظائر هذا تكثر، فإذا اقتصر عن جوابه بأن يقول قد رخص فيه بعض الناس، أو قال: احتج بعض الناس أو قال: قال بعض الناس فيها كذا وكذا، وكل ذلك مذهب ينسب إليه.
وخالف في ذلك طائفة من أصحابنا فقالوا: لا يكون ذلك مذهبا، بل ينسب إليه أنه أخبر عن غيره لا غير ذلك من يذهب إلى هذا يحتج بأن أبا عبد الله قد يحكي عن الناس أقاويل لا يذهب إليها، ألا ترى إلى ما نقله عنه أحمد بن هشام في أم ولد النصراني إذا أسلمت؟ فقال: قال أحمد: فيها اختلاف، وقال بعضهم: تستسعى، وكره أن يقول فيها شيئا. وقال: قلت لأحمد: إذا نسي مسح رأسه، أجزأه بلل لحيته. قال: قد قال ذلك قوم وهذا فليس بمذهب له، وكان ما ذكره من حكايات مذاهب الناس لا يعد له
(1/92)

مذهبا. ولا ينسب إليه والاستدلال إن قال بهذا أيضا إن الأصول مرتبة على الإنسان قد يحكي الشيء عن غيره ولا مذهب له فيه، وقد يحكي الاختلاف عن الناس ولا يكون الاختلاف مذهبه ألا ترى أنه قد يسأل مع ذكره الاختلاف فيقال ما تقول أنت فيفرد نفسه بجواب بخلاف ما حكاه من الاختلاف من ذلك:
مسألة العتق والطلاق وما يكفر، فإذا ثبت هذا كان: ما ذكروه على هذا الأصل قريبا وهذا كله فلا وجه له. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه إنا وجدنا السؤال يقتضي من المسؤول الجواب. وقد قررنا أن الجواب قد يرد تارة بأن يقول الفقيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيكون ذلك جوابا.
ومن ذلك أيضا أمر الأجوبة من العلماء، وتارة يجيب الفقيه بجواب لا يثبت غيره، وتارة يكتفر في جوابه بأن يقول قال إبراهيم ويقول قال الحسن فيكون ذلك كافيا في الأجوبة بمثابة بداية جوابه، وقد يفعل هذا في جوابه اكتفاءا بالبيان لقول سالف، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه من جواباته مستحق فيها ما ذكرناه.
ومن أدل الأشياء أنا وجدنا الفقيه إذا سئل عن مسألة تتعلق بها عبادات من حظر أو إباحة، فأجاب بقول فيها فذلك مستحق به أن يكون ما أجاب به كافيا، إذ لا يجوز أن يقع منه جواب إلا فما سئل عنه، وبذلك أيضا على صحة ذلك أنا وجدنا الجواب إذا ثبت منه بالقول عن غيره لا يخلو من ثلاثة أقسام أما أن يكون حكاه وهو على الصحة فما أجاب أو حكاه فاسدا أو حكاه مرتبا لا يعلم أنه سليم أو فاسد فبطل أن يكون أجاب به وعلى أنه فاسد إذ كان طريقة المذهب الفاسد، لا يجوز إيقاع جواب به لا حكاية ولا بداية.
وأيضا فإن الواجب على الحاكي وهو عينه فاسدان لا يسكت إلا ويقارن الحكاية بالبيان إن هذا فاسد، فإذا كان هذا مستحقا وبطل الفساد له، ولم يحل الجواب بالفاسد، كان هذا قسما في بطل، ويبطل أيضا أن يكون حكاه مرتبا
(1/93)

وهو لا يعلم أفاسد هو أم سالم، إذ الجواب لا يحل إلا يقين علم وصحة برهان ولا يجوز أيضا أن يكون شيئا لا علم له به إلا ويوقع البيان فيه، فإن بطل هذا القسم أيضا مع القسم الذي قبله لم يبق إلا القسم الأول، وأنه إنما اقتصر في جوابه عليه لأنه كاف وأن الفاعل له مصيب، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
ومن أدل الأشياء أن أبا عبد الله رضي الله عنه كل جواباته يجب الإعتماد فيها على متابعة من نطق، وحكاية لذلك بثمر لنا أنه جواب كاف هو متوثق، فإذا ثبت كان ما ذكرناه كافيا.
فأما الجواب عن الذي قالوه من الروايات عن أبي عبد الله رضي الله عنه في الطهارة وأمر المسألة في السعاية، فذلك لنا إذ كل مسألة تفاوتها من جهته بيان موجب نقلنا عن جوابه بمقالة غيره ألا ترى إلى ما نقله حنبل وغيره عن أبي عبد الله في الطهارة وأنها مرتبة على مخرج الكتاب وأنه إذا توضأ، ولم يرتب كان وضوءه باطلا. وكذلك نقل عنه في الوضوء بالماء المستعمل أنه لا يباح الوضوء به.
ومن ذلك نقل ابن منصور عنه وغيره في أمر السعاية وأنه غير قائل بها وأن أم ولد النصراني إذا ثبت إسلامها يمنع منها وأخذناه بنفقتها، فإذا مات عتقت، فإنما تثبت عنده هذه الروايات أذنت فإن أمر جواباته بالحكاية عن غيره فما بينه لا يلتفت إليه ونحن لا نأبأ هذا وأن يكون عنه في مكان شيئا ورد عنه في مكان عنده بيان خاف مكتسب ضد ما قاله، فإننا ندع ذلك من حيث وجود نص من جهته، فإذا ثبت كل ما يرد من جوابه في هذا الأصل ما قارنه بيانه ضربا إلى موجبه، وسالم يرد من جهته الييان كان مستحقا به الأخذ وقطع الجواب.
وأما الجواب عن الذي ذكرناه بعد هذا من أن الإنسان قد يحكي ما لا مذهب له فيه فنحن لا نأبأ ذلك إلا إن لم يجز حكايته على هذا الحد له طريق
(1/94)

واضح، إنما سئل عن حكايات المذاهب فنحن نمثل ما حكاه، ونذكر مذاهب الناس على حد زائد عن فاسدها من الصحيح منها فيكون ذلك أيضا حسنا، ولا ينسب إليه بذلك مذهبا.
فأما الحكايات إذا عريب عن هاذين لا يثبتها ويعارفها أنه يحث بها عقبا عن سؤال بذلك لا يكون إلا والقضية متعلقة بأنه أجاب من غير مؤنة ولا نية.
وأما الجواب عن السؤال وإن الإنسان قد يسأل عن شيء فيقول قال فيها فلان، وقال فيها فلان، ثم يطالب بما يراه لنفسه فيجيب بما يرضاه، فذلك أيضا لنا إذ هذا في جواباته يذكر اختلاف الناس، فيقال له ما تقول أنت من الخلاف عنه شبه الحادثة، واحتمالها للأخرى، فإذا كانت الحادثة طريقها عنده ثابت، أجاب بقول واحد، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
(1/95)

باب البيان عن مذهبه إذا صدر منه الجواب بالاختلاف عريا عن التفصيل والتمييز
قال الحسن بن حامد: صورة ذلك: ما رواه صالح قلت: الرجل يغسل امرأته قال فيه خلاف.
وقال النسائي: قلت العتق قبل الملك. قال: لا أقول فيها شيئا قد اختلفوا فيه.
وقال صالح: قلت: كتبنا بمعلم قال فيه اختلاف من الناس من يسهل فيه، ومنهم من لا يسهل.
وقال المروذي عنه في الإكراه بالتوعد بغير ضرب؟ قال: لا فيها شيئا قد اختلف الناس فيها.
ومن هذا النحو إذا أجاب بالقولين:
صورة ذلك ما قاله أب والحارث قلت: الرجل يطأ مكاتبته؟ فقال قال الحسن: إذا وطئها فعليه مهر مثلها. وروي عن الزهري يحلف وإن جاءت بولد فهي من أمهات الأولاد.
ونظائر هذا تكثر، والمذهب عندي فيما كان هذا طريقه ولم يقارن ذلك في مكان من مذهبه تفسير منه يكسبا التقف ولا ينسب إليه ما حكاه عن المختلفين قول حتم، ولا تفرد بواحد منها قطعا، وكذلك لا ينسب إليه أيضا أنه بالقولين متدين، ولا أنه يذكر القولين والاختلاف عزى إذ ما تعلق بما
(1/96)

ذكرناه لا يكسب اختلاف العلماء فيه إلا ما يحل ويحرم ويجب ويبطل لا غير ذلك.
والطريق الذي سلكه إمامنا في جوابه بالاختلاف لا يكسب بعضها عن معرف الطريق الذي يوصله إلى إيقاع القطع والبيان يؤخذ الإصابة منها ولا أنه كان في ذلك مرتبا بيد أنه ألفى التخفيف عن نفسه وإسقاطا وضعفا عن مقام السؤال في إثبات القطع بنوع على الانفراد، ولأجل ذلك كانت الصحابة تتوقف وترد الأجوبة عرية عن الإجابة، ألا ترى إلى ما نقل عن عبد الله بن عمر حيث سئل فلم يجب ورد مسائله صفرا، فلما رأى ما استعظمه السائل من رده صفرا.
قال عبد الله بن عمر: أترى هؤلاء يعلمون أنا مسؤولون عما يقول حوارينا الصحابة وهي الآية بين الاجتهاد وإثبات الجواب وبين الموقف بين يدي الله: والسؤال عن مقالتهم في الاجتهاد في الإجابة لا عن عجز منهم بمعرفة الطريق ولا أنهم على ريب من أوجه الدليل، فإذا ثبت هذا كان على وجه الإجابة بالاختلاف عريا عن الاجتهاد للإثبات على أحدهما بمثابة ما وجب للحق أنه باب الفتوى والاجتهاد أيكون ردا للمسألة وإن لا يجب أفضل أم الاجتهاد فقال: لا أعدل بالسلامة شيئا وبين ما عليه العمل وأنه إذا كان يرى من نفسه قوة وأنه أولى بالجواب من غيره، وأنه إذا ترك كان فيه إضاعة وأنه أولى من غيره أنه تقدم على الإجابة ويكون أولى من الرد فطريق جوابه بالاختلاف مرتب على ما بيناه عنه طلب السلامة وحذرا من عظيم المقام في يوم السؤال، ألا ترى إلى مقالة الصديق كتب أي شجرة تعضد أو كبش لا على ونحوني وأكلوني، ولم أوقف ليوم الحساب، ومن راعى هذا الطريق أكسبه الخرس والكف عن كل الأشياء بكل وجه وسبب، ثم بعد هذا فليس مرادنا بالكلام في هذا الأصل أن مذهبه فيما ذكرناه وغيره لا يثار عنه، فما أجاب فيه بالاختلاف إذ لا تجد عنه جوابا بالاختلاف في مكان ولا يفصل إلا وجد عنه
(1/97)

في غيره بيانا منكشفا وكل مسألة ذكرناها بينة في مكانها بما عن أبي عبد الله في الأقاويل وإنما يكلمنا على موجب هذا الظاهر، وأنه عسى أن تكون مسألة شاذة إن بعد علينا استيفاء رواياته فيها فإننا نتكلم على ما ثبت في أيدينا أو نقول فيها بما ذكرناه لا غير ذلك، ومع هذا فقد أنبأ عنه في كتاب الأصول الطريق الذي حث عليه وارتضاه من نفسه للتقليد وإنه لا يتابع قليل في قيله إلا أن يكون دليل الله عز وجل قائم في قيله وفيما قدمناه عنه عينه وبالله التوفيق.
مسألة: فأما الجواب إذا كان في حادثة تتعلق بالقرب فإن جوابه يؤذن بالتخيير.
صورة ذلك: قال أبو بكر المروذي: قلت لأبي عبد الله: أيما أحب إليك يوم العيد: ثياب رثة أو جياد؟ قال: أما طاوس فكان يأمر بالرثة. وأما عطاء فقال: هو يوم تخشع. قلت لأبي عبد الله: إلى ما تذهب أنت؟ قال: ذا وذا، وأستحسنهما جميعا.
ومن نظير هذه المسألة ما قاله في المستحاضة الأمر بالغسل كل يوم هو أشد ما قيل، وإن توضأت أو جمعت بين الصلاتين بغسل، وإن توضأت لكل صلاة، كل هذه الأشياء اختلاف مباح أي شيء أتي به من الأمور كان حسنا، وكان ما جرى هذا المجرى فإنه الاختيار مؤذن يجزي الأمرين وبالله التوفيق.
فأما جوابه في الوتر فقال، أو الحارث قلت: من نسي الوتر حتى طلعت الشمس؟ فقال: فيها اختلاف، فأبان في إمرته بقضاء الوتر، فقال بل عموما ما كنت صانعا بالوتر. وجوابه في الوتر عندي يحتمل وجهين: أن يكون
(1/98)

الاختلاف المأثور منه في جوابه وبيان مذهبه بما أثرت به إن ذلك علم للتخيير أنه إن شاء فعل ذلك، وإن شاء لم يفعله وهذا ظاهر فتراه عندي للاختلاف فيما يتعلق بالتحليل والتحريم، وما هذا ببعيد إذ الوتر يؤكد أمره، ولا يوسعه في تركه، فكان الاختلاف فيه على التضييق، والأول أشبه، ومسائل الوتر تأتي في بابها في بيان عن الأصل وما يتعلق به وبالله التوفيق.
(1/99)

باب البيان عن مذهبه إذا كان في الحادثة روايتان في مكانين مختلفين وروايتين متفرقتين
قال الحسن بن حامد: صورة ذلك ما نقل عنه في مس الذكر أنه ينقض الوضوء، وينقل عنه أنه لا يجب في ذلك الوضوء. ومن ذلك في مسح
(1/100)

الرأس، قال في مكان لا يجزيه مسح بعضه. وقال في مكان آخر: يجزيه مسح بعضه. ومن ذلك يقول في المسح من الحدث، ويقول من المسح إلى المسح. ونظائر هذا. فالمذهب فيه أنا ننسب إليه من ذلك نص ما نقل عنه في الموضعين، ولا نسقط من الروايات شيئا قلت أم كثرت، وتكون كل رواية كأنها على جهتها عرية عن غيرها وردت. والأصل في ذلك أنا وجدنا الروايتين في زمانين موقعهما غير فاسد، ولا فيه تقصير ولا شبهة ولا
(1/101)

تأنيب، إذ كل جواب قد أثبت القضاء فيه وأخبر عن الحكم به، فإذا ثبت هذا كان الواجب علينا أن ننسب إليه كل ما نقل عنه حتما. فإن قيل: فإيش الفرق بين هذا وبين أن ننقل عنه إن قال فيهما قولين؟
فالجواب أن هذا فاسد، وذلك أن يوافي بقولين متضادين في حالة واحدة استحلال أن يكون منه إصابة فيه أذكره من الاختلاف إذ الشيء لا يكون في حالة واحدة حلالا حراما، فإذا كان القولان معا لا يثبتان الحكم ولا يؤديان نقص الحق بعد الأخذ بطل أن ينسب إليه منها قولا حتما وليس كذلك إذا كانت الفتوى في زمانين متفرقين، إذ كل جواب في نفس الإجابة حق وحتم، لا ارتياب فيه، وقد قررنا أن الفتوى إنما تكون من حيث الذي قد ثبت وقد يكون عنده في بدايته جواب دليل يقضي به لا يصيب غيره، فإذا كان في وقت ثان وصل إليه دليل غير الأول وجب بذلك الانتقال وليس هذا إلا بمثابة شاهد للأصول قد يفتي الفقيه في حادثة بدليل في الحال ويظهر له بعد ذلك دليل ثان غير حقيقة الأمر فيجب عليه الانتقال، وليس هذا موجودا في جوابه بالقولين معا لأنه غير قاطع بشيء حتما لا في عاجل أمره ولا عند مآله، فإذا ثبت هذا بان الفرق وبالله التوفيق.
فصل: سؤال مع أصحاب الشافعي وغيرهم إن قالوا: خبرونا عن مذهبه أحمد إذا كانت الأجوبة والروايتين والثلاثة وكل رواية لصاحبها معارضة هذه محلة والأخرى حاظرة بما عليه تقطعون وإليه فيهما تنسبون وأنتم على ذلك غير عابرين ولا إليه واصلون ولا عندكم عنه نص تأزرون في ردكم واحدا، ونسبتكم إليه واحدا. قالوا: وقد ثبت أيضا أنه إذا قال في وقت قولا وقال في وقت آخر ضدا به إنا على يقين من الخطأ في أحد جوابيه فإذا ثبت اليقين في أحد جوابيه اعتمد عليه وترك ما أفتى. وحمله هذا فلا وجه له والدليل على صحة أصل الروايتين ظاهر ومغني: فالظاهر كتاب وسنة، فالكتاب قوله: {وإن أحكم بينهم بما أنزل الله}.ثم بين له أن يتبع القرآن
(1/102)

بقوله: {فإذا قرأناه فاتبع قرءانه}. وقد ثبت أن الله جل وعز أبان له أنه ينسخ ما يشاء، ويثبت ما يشاء، ويأمر بما يشاء، ويسقط في أوامره ما يشاء. فإذا استقرت القصة في أصل الشريعة بنص الكتاب أنه قد علم صلى الله عليه وسلم في وقت بآية، ثم يأتي وقت آخر ينزل عليه آية أخرى فيحكم بضد ما مضى وذلك في الطرفين جميعا هدى وشفاء للناس وجب أن تكون الأصول في جوابات العلماء على ذلك، فإن من علم دليله في وقت فتواه بأصل من الشريعة لا شيء يعارضه إن قضيته ثانية في الحال، فإذا كان في وقت ثان إنكشفت له دلالة ثانية غير تلك الدلالة للأدلة كان عليه المبادرة إليها بمثابة ما ذكرنا في قصة صاحب الشريعة بما يأتيه من الوحي من التنزيل. ومن السنة أيضا أنه صلى الله عليه وسلم يوقع قضاء في وقت على حد بدليل قد أمر به، ثم يأتي عنه القضاء فيها في وقت ثان بضد ما سبق من القضاء بد، إذ يكون القضاء في الوقتين صدقا وحقا، فإذا ثبت هذا كان ذلك بمثابة جوابات الفقهاء سواء، ثم الذي يدل على صحة ذلك أن القضايا عن الصحابة هكذا وردت بالاختلاف في الأزمنة وقعت ألا ترى إلى قصة الأنصار حكما ومذهبا: الماء من الماء. وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، ورفاعة بن رافع ونظراؤهم.
(1/103)

وكذلك نقل عن الإمام عثمان، وكانت الأنصار تفتي به في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أن الإمام عثمان جمع الناس، فانتشر يجمع الناس الانتقال عما كان من الفتوى وعدلت الأنصار عن النظر الأول أي ما
(1/104)

انتشر في الاختلاف بنظر الإمام عمر، فكان السبق منهم بالفتوى في الأول لا يؤثر نقضا ولا يوجب تزيينا.
ومن ذلك حديث ابن عمر: كنا نخابر أربعين سنة ولا نرى بذلك بأسا، حتى تعارنا رافع عن أمر كان لنا نافع وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة فتركناها. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما، ويقوي هذا بيان النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله عشرة أجور، وإن أخطأ فله أجر. فإذا ثبت ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أذن ذلك بأن العلماء والحكام قد يثابون في جوابهم من جميع اجتهادهم وإن كانوا على غير الإصابة حقيقة موجباتهم وهذا فلا ينقص أحدا ولا يوهنه، وإنه تارة يكون على دليل يرى في باب آخر ما هو أقوى منه فيدع الأول ويقضي بما هو في ثاني، فإذا ثبت هذا كان أصل الروايتين قريبا على هذا الخبر المطابق للأصول الموجبات مع الكتاب والسنة ووجوه العبرة. ومن أدل الأشياء أن الصحابة تكون من الصديق على مقال يخالفه من بعده، ألا ترى إلى مجامعتهم إياه أن الجد أب وأن الخمرة حدها لا يحصى عدا بل يكون يسيرا.
ثم إنهم من بعده خالفوه في الحد وصاروا إلى دليل الحال عند النازلة وكذلك في باب ... وجب عندهم بعد أبي بكر من الدليل ما استحث العصبة عليهم بالتحديد. ومن ذلك متابعتهم إياه على التسوية في التفرقة وإعطاء العبيد كالأحرار وترك تدوين الديوان ثم أوجبت الدلالة من بعد الصديق التفضيل، وتدوين الديوان وإخراج العبيد عن العطاء فإذا ثبت هذا من الأئمة بدا علمت بذلك أن الاختلاف في الروايات عن العلماء مرتبة على ما هو في الشرع أصل، وقد نقل عن الإمام عمر رحمة الله عليه أنه قضى في الحد فقال
(1/105)

بثمانين ضربة، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
فأما الجواب عن الذي قالوه من الاعتراض الأول فذلك فاسد الروايتين إذ أحطنا عنه بطريق علمنا بالمذهب بذا هو ثبوت النقل بهما، فنقول إنهما جميعا منقولان عنه ونقول إن الحق من الروايتين عنه هي واحده لا من حيث بعد ثم الأخرى لكن واحدة في الجملة، ونقول إن الحق التابع لمذهبه أن يتأمل ما رسمه من وجود أدلة السمع وما أوضحه من الاحتجاج من الأصل فإذا أداه إلى رواية ففاضحة الأخرى عنده، لا أنه ينفيها عنده وعند غيره وعند أبي عبد الله رحمه الله، وليس هذا إلا بمثابة الآيات، وما عن النبي صلى الله عليه وسلم يرد في الحادثة خبران متضادان محلل ومحرم، فنحن نعلم بفتواهما ثابتان في الراوية عن النبي صلى الله عليه وسلم ونعلم يقينا أن الحق في واحد عينا، فإذا أدى بالاجتهاد الحديثين واحد كان ذلك من حيث نفسيه عندنا لا لنا ننفيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا ولا أن يكون عنده القضاء به فاسدا، فإذا ثبت هذا كان كذلك كان كباب في باب المذهب عن أبي عبد الله في روايته سواء.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أنكم لا تصلون إلى ما تقطعون به من نص مقالته ولا تعلمون ذلك من مقالة تقول فاسدا إذ ما ينسب إليه شيء ما من قبله ولا يقطع عليه بشيء إلا من حيث بيانه، فإذا ثبت عنده الروايتين كان بالنقل يشبه القول حق، ومن حيث الاستدلال عندنا رجحنا من الأقاويل واحدا لا يبقي ذلك أن يكون غيرنا في المذهب أيضا بأحد بما نفيناه نحن إذا كان عنده أن ذلك الحق إليه أسبق، ولا يخرجنا نحن ما جوزنا لغيرنا من الأخذ أن يرد عليه من حيث الانكشاف، وكل على أصل ما منا يكلف الاجتهاد وينتفي عنه التقليد.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أنكم إذا أجزتم عليه الخطأ في قوله بدا فكذلك يجوز عليه فيما بعده فهذا الفن من الخطأ لا يؤثر شيئا إذ قد قررنا أن
(1/106)

جوابه بدايته ونهايته إنما هو على أصل دليل لا أنه على التخيير فالدليل لا حد له في الإجتهاد إما إصابة وإما إبطال لا غير. فإذا ثبت عنه القولان في وقتين قطعا بينا أن الحق لا يخرج عن هاذين القولين ولزمنا البحث بعد ثبوت اليقين أن عين الإصابة في أحدهما إن بطلت ما قررنا إليه الدليل فيقطع به عندنا دون الآخر.
جواب ثان- وإن هذا السؤال يؤول منه إبطال أصول الشرع إذ قد يمكن الصحابة حيث قضوا في الماء من الماء، إن ما طرأ من دليل الغسل لا يؤخذ به لأنه لما كان الأول قد أذنو بتركه إلا أن يكون الثاني بمثابته، ولما كان هذا لا يقوله أحد بطل ما قالوه.
جواب ثالث- هو أن الخطأ من حيث قضية الاجتهاد لا تخالف واجبا، إذ الاجتهاد وبذل ما في الطاقة هو الفرض بإطلاق الخطأ على ما طريقة قضية الحكم في الشرع لا يؤذن بتضييع فرض، فإذا ثبت هذا كان ما نقل عنه من الروايتين ينتفي عنهما كل شبهة وريب أنهما وقفا على السلامة فلربما فيها يدين به منهما الاجتهاد وبالله التوفيق.
وقد يظن أصحاب الشافعي أن الروايتين تقارب جواب الشافعي بالقولين وشتان بينهما أولا يجوز في الشريعة إثبات أمر بشيء وضده، وكذلك لا يجوز في الشريعة جواب في وقتين يترادان ويتضادان، فكذلك في الجواب أن يرد في وقتين مختلفين جوابين مختلفين على ما أوجبه الاستدلال وبالله التوفيق.
(1/107)

باب البيان عن مذهبه إذا صدر منه الجواب بأن يدع عنه السؤال
قال الحسن بن حامد: صورة ذلك: ما رواه عنه ابن منصور قال: قلت قال سفيان: لا تكون المحاربة بالكوفة حتى تكون خارجا منها. قال أحمد: دعه.
قلت: ما شأنك سألتك عنه غير مرة؟ قال: إذا لم يصح لي فيه كيف أقول.
قال ابن منصور أيضا: قيل إنه سئل سفيان عن الصبي إذا أم قبل أن يحتلم قال أحب؟ قال: دع هذه المسألة. قلت: مالك أجازه؟ قال: دعها.
ونظائر ذلك يكثر، وظاهر جوابه بهذا يؤخذ بأنه يتوقف عن القطع في الحال. وغالب ماعنه بهذا قد يكون في مكان ويثبته في مكان ثان إذ كل ما ذكرناه عنه من إمامة الصبي والمحاربين أيكونون في الصحاري أم بين الحوانيت والدكاكين، فكل عنه في البيان وكذلك إذا ملك أخاه وغير ذلك وإنما هذا الأصل على أن تؤخذ مسألة لا يكون فيها إلا هذا القدر من الجواب فإنه لا يقطع عليه بشيء فيه لأنه غير قاطع ولا يأت بأمر بين، فإذا لم يكن فيه جواب حتم كان جوابه بنظير هذا يوقفنا عن نسبة شيء في ذلك إليه. وعلى من أراد الجواب اتباع الاجتهاد لنفسه والاعتبار بما يوجبه دليل الحادثة على أصله، وقد قررنا في مسألة الجواب بالإختلاف وموقفه عند الاجتهاد والإعمال لنفسه في ذلك طلبا لسده منه لا عن تقصير بعلم الطريق الموصل إلى نفس الفتوى،
(1/108)

وكذلك ها هنا قوله دع ذلك لا عن تقصير بعلم الطريق لكن الإيثار التخفيف وقد يفعل ذلك إمامنا أيضا يريد به الإرتياء.
والثاني في الحال حتى أنه يسير الحادثة وأدلتها وما يحتوي عليه وجوه أدلتها وهذا في حال النازلة لا يمكن لأنه لا يحتاج إلى ناقل وتفقد وذلك لا يكون إلا بإمعان النظر والثاني وإن طال به الزمن. وقد نقل عنه الميموني نظير هذا في كتاب الصلاة والبيوع أنه كان يسأله فيقول: لا تكتب، تعال حتى تناظر، وربما نقل عنه أنه قال له أنت طوع هذا بالجواب بعد زمان وتطاول على أمد السؤال، كل ذلك حتى يكون الجواب على إمعان النظر ويوازنه ما يتعلق بالحادثة في كل وجه وسبب فإذا سلمت الدلالة في كل جهاته حينئذ أظهر له من الجواب ما فيه بيان وبرهان، وعلى هذا ترتيب مذهبه في أجوبته بالله التوفيق.
(1/109)

باب البيان عن جوابه بلا ينبغي أو بقول ينبغي
قال الحسن بن حامد: وكل ما يرد عن أبي عبد الله رضي الله عنه في الأجوبة إذا سئل عن إباحة شيء فقال: لا ينبغي هذا، أو أجاب فقال: ينبغي هذا إن أكدهما حق بمثابة جوابه لا يفعل هذا، ويفعل هذا.
الصورة من مسائله:
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: إبراهيم بن أبي عبد الله؟ قال: كتبت عنه الكثير، وهو ممن لا ينبغي أن يروى عنه ولا يكتب حديثه.
وقال حنبل: قال عمي: ينبغي للرجل أن يسأل عن شهوده كل قليل، لأن الرجل قد يتغير من حال إلى حال.
وقال الأثرم: قلت له: الزهري سمع من أبان بن عثمان؟ فقال: ما أدري إلا أنه بينه وبين عبد الله بن أبي بكر، وقال الليث بن سعد: قال الزهري: بلغني عن أبان بن عثمان رحمه الله، وقال: نهى، قال أحمد: لا ينبغي أن يكون الزهري سمع من أبان. وقال علي بن سعيد قال أحمد: لم يسمع الزهري من أبان بن عثمان شيئا. ونظائر هذا يكثر فكلما جاء عن بهذا الجواب، فإنه يقتضي الأخذ به بمثابة الأمر به
(1/110)

والقطع شيئان، وأن لا يجيء عنه في المذهب غير ذلك، فإن تأول متأول من أصحابه أن هذا الجواب عنه يكسب التوقف والاحتياط لا غير ذلك إذ صفة اللفظ لا تؤذن بالقطع فالجواب أن هذا بعيد من الصواب إذ الأجوبة بالأمر لها حد في اللسان متقاربة سمعا واستعمالا، فأهل اللسان بذا لا يقولون إلا لما أمروا بع ينبغي لك أن تفعله ويقولون لما ينهون عنه ينبغي لك أن لا تفعله وهذا مترادف في مخاطبة العرب في الأوامر والنواهي وهو خطاب السادات للعبيد، فإذا ثبت هذا في اللسان آذن ذلك بأنه إذا أجاب بقوله ينبغي أو قال لا ينبغي أنه علم للأمر ومؤذن بالنهي ثم أدل الأشياء إنا وجدنا الشرع بذلك قد ورد ألا ترى إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه أهدي إليه فروج حرير فلبسه ثم نزعه نزعا عنيفا شديدا كالكاره له، وقال: لا ينبغي هذا للمتيقن. ومن ذلك ما روي عن زيد بن ثابت أخبرنا عن الأثرم قال ثنا محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع قال ثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد عن سليمان بن كيسان أن خالد بن عقبة كان تحته أربع نسوة، فطلق إحداهن ثم تزوج خامسة فبلغ ذلك مروان فأرسل إلى زيد بن ثابت فسأله فقال: لا ينبغي له ذلك إن مات واعتد منه خمسة، فإذا ثبت في اللسان والسمع نطقا بينا وبان بأنه جواب كاف وجب أن يكون العلماء، وإذا أجابوا بذلك أن يكون جوابا كافيا وبالله التوفيق.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أن اللفظة محتملة فلا تأثير لذلك إذ اللفظة صعبها في القطع والبتات أحلى من كل الأجوبة.
جواب ثان- وهو أن الجواب من العالم إذا قال: ينبغي لك أن تفعل وتأكيد الأمر، وإذا قال لا ينبغي لك تأكيد النهي، فإذا ثبت هذا كان ما قالوه من احتمال الصيغة فاسدا، وقد قدمنا من البيان ما فيه غنية وبالله التوفيق.
(1/111)

باب البيان عن جوابه بلا يصلح
قال الحسن بن حامد: وكل سؤال كان في مقابلته منه الجواب بلا يصلح فإنه آذن بالنهي والتحريم فإن أجاب بأنه يصلح كانت للإباحة والتحليل فقال مهنا: قلت لأحمد: أسلم في ثوب فعجز فقال: خذ مني بدراهمك غزلا فقال: لا يصلح إلا أن يأخذ سلمه أو دراهمه. وقال مهنا: قلت: إن شرط أن يأخذ منه سلمه ببغداد؟ قال: لا يصلح هذا الشرط إنما هو مثل الصوف. ونظائر هذا يكثر كلما رويته فإنه جواب كاف علم للخطر والإباحة قوله إفعل ولا تفعل.
والطريق في هذا الباب كالطريق في جوابه ينبغي سواء وإنه مستحق بذلك ما يستحق بالأمر والنهي لا غير ذلك. والدليل على هذا إنا وجدنا جوابا في اللسان كافيا إذا أرادوا الزجر عن شيء قالوا: هذا لا يصلح، وإذا أرادوا إباحته قالوا: يصلح أن تفعله، فإذا ثبت هذا في اللسان مستفادا وجب أن يكون الجواب به حقا قطعا. ثم الذي يدلك على صحة هذا أن السمع قد ورد في العبادات والإخبارات بذلك ألا ترى إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: مثل أصحابي مثل الملح، لا يصلح الطعام إلا بالملح. وفي
(1/112)

حديث معاوية بن الحكم في الصلاة حيث دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. فإذا تقررت هذه الأصول في الشريعة ظاهر الكتاب والسنة إذن بأنه إذا أجاب بأنه لا يصلح هذا كأنه قال هذا حرام، وإذا قال: يصلح هذا، كأنه قال هذا لكم حلال وبالله التوفيق.
(1/113)

باب البيان عن جوابه بأخشى أنه
قال الحسن بن حامد: إذا صدر الجواب من إمامنا في مسألة بأن يقول: لا تجزئ، أو طلاق يقول: أخشى أن يقع، أو ما شابه ذلك، فكله علم للتحريم كأنه قال قد وقع الطلاق ونفذ العتاق.
وصورة ذلك في مذهبه من جوابه في عدة مواضع:
قال صالح: قلت لأبي: صلاة الجماعة؟ قال: أخشى أن تكون فريضة، ولو ذهب الناس يجلسون عنها لتعطلت المساجد، يروى عن علي عليه السلام وابن مسعود فذكر الحديث.
(1/114)

وقال مهنا: قلت لأبي عبد الله حلف أن لا يلبس من غزلها، فلبس ثوبا فيه الثلث من غزلها؟ قال: أخشى أن يكون قد حنث.
وقال الأثرم: قلت: أعطيت لكل مسكين؟ قال: نحن لا نرى القيمة. قلت: ما ترى؟ قال: لا أشير عليك ونحن نخشى أن القيمة لا تجزئ.
(1/115)

وقال ابن إبراهيم عنه: قلت: إذا قال: حلفت، ولم يكن حلف؟ قال: أخشى أن يكون قد حنث.
وقال ابن منصور: أخشى أن يكون قد وجب عليه الطلاق.
ونظائر هذا يكثر فكل ما نقل عنه جواب بهذا اللفظ فإنه في التحريم أصل سواء كان مع جوابه استدلال أو كان منه الجواب على الإطلاق. وقد رأيت بعض أصحابنا يقف عن القطع بهذا ويقول لا يجب أن يقطع عليه بإثبات القول ألا ترى أن أبا عبد الله يقول في كتاب الطلاق: إذا قال الحل عليه حرام يعني به الطلاق أنه قال: أخشى أن يكون ثلاثا ولا أفتي به. قالوا: فإذا ثبت هذا كان لفظه الذي ثبت به الأحكام هو ما ثبت فيه الجواب، وإذا قال أخشى فإنه تعليق منه على غير إثبات فيجب أن لا ينسب إليه القطع به. وهذا فلا وجه لقائله.
والدليل على صحة قولنا إنا وجدنا ألفاظ الزجر والنهي والأمر والفعل لها اتساع في اللسان كل موجبه واحد فقال إفعل كذا وينبغي لك أن تفعل كذا، ويقال يخشى عليك من كذا وأخشى من كذا، وكل ذلك أذن به بالامتناع عن الشيء والزجر عنه. وقد ورد الكتاب والسنة بصريح هذا، ألا ترى إلى قوله عز وجل: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه}. الآية فقطع
(1/116)

بالتسمية في الخشية على عين الصدق في الطاعة. ومن ذلك قوله تعالى: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله}. وذلك أيضا اسم لمن تحقق بالقول في الإيمان والطاعة والإحسان والأصول فذلك كله وإن ما عبر عنه بالاسم في الخشية فإنه بمثابة الاسم بالإحسان والطاعة سواء.
وقد ثبت أيضا في السنة نظير هذه التسمية، ألا ترى إلى حديث ابن زيد قال: كساني النبي صلى الله عليه وسلم قبطية كان أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مرها فلتجعل تحت غلاله فإني أخشى أن يصف حجم عظامها. وقد روى دحية الكلبي قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بقباطي فأعطاني منها قبطية، قال: اصدعها صدعين، فاقطع أحدهما قميصا، واعط الآخر امرأتك تختمر بها فلما أدبر قال: وأمر امرأتك أن تجعل تحته ثوبا لا يصفها. فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم بقوله أخشى أمرا حتما بمثابة جوابه بالبتات لفظ الأمر فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
ومن أدل الأشياء إنا وجدنا عرف الناس وعادتهم قد جرى أنهم لا يطلقون اسم الخشية إلا عند وجود الآخر الذي الفرض دونه بزيادة على غيرها من أجله وقعوا تسميته بالخشية، ألا ترى أنهم لا يقولون نخشى على الرجل في هذا الطريق فإنه لا يكون إلا وتم عادات المفازة والملكة باليقين. ومن ذلك أيضا لا يقال لمريض نخشى عليه إلا وغالب عادة نظائره الهلكة، فإذا
(1/117)

ثبت هذا في كل الأصول علمت أن جوابه في طلاق كان أو غيره بأخشى أنه ثبات للأحكام لا غير ذلك.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أن الطلاق الجواب بأخشى لا تكسب بتاتا وهو في هيئته ضعيف، فذلك لا يؤثر شيئا ادخل المحرمات وارد من جهات يستوي حالها في الإيجاب، وإن تباينت في الألفاظ، ألا ترى إنا نقرر الجواب بأحدهما كما نقرره بأدونها، فإذا قال: إفعل ولا تفعل. فذلك أحد ألفاظ الأمر والنهي، وإذا قال: لا ينبغي لك، فإنه أدون من اللفظ الأول ومع ذلك فقد يتساويان في الموجب، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما، وإن لفظ الجواب بأخشى وإن كان أدون فإن موجبه بمثابة غيره سواء.
وأما الجواب عن الذي قالوه أن لفظه أخشى في اللسان من التوقف والإرتياء فذلك لا طريق إليه إذ هي في الأصول على ضد ذلك، وإنما تدخل في الأصول تحذيرا وإنذارا بمثابة الإنذار بما يقطع ألا ترى أنهم لا يقولون نخشى عليه من الأمير إلا ويوجب ذلك إنذار يعلم به التخيير كما يقولون به لا نقربه إنذارا، وكذلك عادات الناس في الأصول، فإذا ثبت هذا وكانت هذه الصيغة للإنذار كان ما ذكرناه في بابه كافيا.
وأما الجواب عن الذي قالوه عن أبي عبد الله في الحالف بالطلاق في أيمان البيعة إذا قال أعني به الطلاق، فذلك لنا فإنه لما قال: أخشى أن يكون ثلاثا، فإنه بمثابة قوله إنه ثلاث، ألا ترى إلى قوله ولا أفتي به، فعلمت أنه مستخف باللفظ البتات والقطع على يقين الثلاث.
جواب ثان- وهو أن أبا عبد الله وإن قال لا أفتي به، فنحن لا نأبى أنه لا يفتي بهما عنده لأحوال تغير من أماكن وذلك لأنه يجب التوقف عنه لأجل أنه شديد على الناس وفيه مكان تأويل وتحذير لأمر آخر فيقول لا أفتي به حتى يتأنى في ذلك وتستقر مقالات الأدلة فيه، كما نقول في هذه المسألة وما جاء في ذلك.
(1/118)

جواب ثالث- وهو أن أبا عبد الله قد نقلت عنه في هذه المسألة أجوبة قد ذكرناها في نص المسألة في كتاب الطلاق فتارة قال قد أدخل فيها الألف ولام علة لاتباع الثلاث لأنه بلفظ الجمع، وتارة قال في دخول الألف: والله إنه ما يراه في جوابه إذ قال أنت الطلاق. وهذه مسألة تأتي في مكانها بما فيه غنية، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
(1/119)

باب البيان عن الجواب بأخاف
قال الحسن بن حامد: وكل ما ينقل عن أبي عبد الله من الأجوبة بأخاف أن يكون قد لزمه إذا خاف أن يكون قد أفسد صلاته أو حنث فذلك بأمره مستحق به أعلام الأحكام وبيان المراد.
صورة ذلك: ما قال أبو الحارث سألت أحمد عن رجل حلف أن لا يدخل الدار فحمل فأدخل الدار وهو غافل لا يريد الدخول قال: أخاف أن لا تجزئ. قيل له في صدقة الفطر قال أخاف أيضا أن لا تجزئ.
وقال مهنا قلت: قال لعبده: لا ملك لي عليك. قال: أخاف أن يكون عتق.
ونظائر هذا يكثر كل إذ أورد منه الجواب بهذه الصيغة، فإن ذلك علم لإيجاب الحكم ولإثباته، وهذا مذهب شيوخنا، قطع عبد العزيز وغيره به.
وقد يجيء على قول بعض أصحابنا إن ذلك لا يكون حتما، وإنما يكون على التوقي عن الفعل، وأنه يتنزه عنه، فأما أن يكون مفروضا فلا.
ومن يذهب إلى هذا فيستدل بما رواه مهنا قال: قلت لأبي عبد الله: حديث عبد الله بن وهب قال ثنا عمرو بن الحارث أن أيوب بن موسى حدثه أن يزيد بن عبد حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يعق عن الغلام ولا
(1/120)

يمس رأسه. وقال في الإبل فرع وفرع. قال أحمد: ما أطرف هذا الحديث ولا أعرف هذا. قلت له: تنكره؟ قال: لا. فيقولون إنه لما كان قد قال لا أعرفه. وقال: ولا أنكره علمت أنه إذا قال أخاف فإنه لا عن قطع بذلك بل هو علم للتوقف والاحتمال للشيء لا غير ذلك. وهذا كله فلا تأثير له. والدليل على صحة قولنا إنا وجدنا الأمر في حل اللسان وذلك أنهم قد يركبون الزجر والنهي بالمخافة فيقولون لا تفعل لنا نخاف عليك، وهذا يخاف عليك منه، وقد ورد القرآن بذلك ألا ترى إلى قوله تعالى: {فمن خاف من موص جنفا}. الىية فأثبت الاسم في قوله خاف علما ليقين الخوف في الوصية كأنه قال فإذا ثبت أنه قد يخيفهم في وصية فلا إثم على الوصي في تغير وصيته والإصلاح فيما بينم، وإن خالفه فيما بناه في وصيته. ومن ذلك قوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها}. وليس التسمية في قوله إن خفتم من حيث التظن والتشكيك، بل ذلك ليتبين الشقاق كأن قال فإذا تيقن الشقاق بينهما بعث الإمام عن كل واحد حكما. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم}. الآية. قولوه: {وخافوني إن كنتم مؤمنين}. وقوله عز وجل: {لا تخاف دركا ولا
(1/121)

تخشى}. ونظائر ذلك كل فيه تقرير الزجر والردع والثبات عن عين الشيء وحقيقته، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
ثم الذي يدلك على ذلك أيضا من السنة ما قدمنا من حديث عطية السعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تكون من المتقين حتى تدع ما لا بأس به خوفا مما فيه البأس. فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم في الزجر عن أعيان الحرام خوفا، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه في الكتاب والسنة لما ذكرنا أصلا. ثم إنا وجدنا العادات في عرف الناس أنهم يوقعون الزجر عن الشيء فالتحذير منه بتسمية الخوف، ألا ترى أنهم يقولون نخاف من هلكة ما به تحذيرا، ويقال خاف على ولده تحذيرا بمثابة الزجر عن الشيء نصا، فإذا ثبت هذا في الأصول كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أن صيغة اللفظ لا تعطي الحتم فذلك فاسد إذ قد بينا إن صيغتهما تعطي الحتم، فعلى هذا يسقط السؤال ولو جاز أن يقال أن هذا لا يعطي حتما في الجواب جاز أن يقال إنه إذا قال: لا يعجبني هذا، إنه ليس بنهي عنه، فلما كانت هذه الألفاظ كلها علما للزجر والنهي ثبت بذلك سلامة ما ذكرناه.
وأما الجواب عن الذي قالوه من رده أنه نهى حيث قال: لا أعرف، هذا جوابه بالقطع على أنه يخاف القضية إلى ظاهرها حتم، وظاهر قوله لا أعرفه توقفا، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
(1/122)

باب البيان عن جوابه بأحب إلي
قال الحسن بن حامد رحمه الله: إعلم وفقنا الله وإياك للصواب إن أجوبته إذا وردت وسؤالات عن الواجب بالحدود والفروض وكانت واردة بلفظ الأحب إلي. فذلك علم للإيجاب وبيان اختياره في الحادثة من الأقاويل وقد نقل عنه ذلك في تضاعيف كتبه والأقاويل.
صورة ذلك ما رواه أبو طالب في كتاب السلم قال: قلت له: إلى أجل معلوم أحب إليك؟ قال: أذهب إلى أنه أجل معلوم. وأهل المدينة لا تحتاج إلى أجل، والأجل أحب إلي، لقول النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال حنبل في الإيمان: إذا قال أكفر بالله؟ فقال أحمد: أحب إلي أن يكفر، ويستغفر الله ولا يعود.
وقال الحسن بن محمد بن الحارث سئل أبو عبد الله فيمن له مئة وعليه مئة يكفر؟ قال: أحب أن يكفر.
(1/123)

وقال علي بن سعيد فيمن جعل على نفسه صيام سنة؟ قال أحمد: أحب إلي في الفطر والأضحى أن يكفر ثم يقضي.
وقال حرب بن إسماعيل: قلت لأحمد: حديث عائشة كرهت أن تلبس الميت. وقال عمر كتب إليهم أن لا يلبسوا إلا ذكيا؟ فقال: نعم أحب إلي أن لا يلبسوا إلا ذكيا لحديث ابن عكيم.
وقال صالح عنه في الولاية من مات في السفر أنه يتولى رجل بيع متاعه، فأما الجواري فأحب إلي أن يبيعهن الحاكم.
وقال ابن مشيش: قلت رجلين قطعا يد رجل؟ قال: أما أنا أحب إلي أن يقطعا جميعا.
وقال ابن مشيش: قلت يروى عن علي يده ورجله، وأهل المدينة يديه ورجليه، وقول علي أحب إلي.
(1/124)

ونظائر هذا يكثر كل ما ورده عن مثله فإنه مستحق به أعلام الإيجاب والفرائض لا غير ذلك. وهذا قول عامة أصحابنا لا أعلم بينهم خلافا أن ما ورد عنه في هذه المسائل وإن كان بلفظ المحبة إن ذلك مثابة النص فيه حتما.
وقد ذكر أبو عبد الله مواضع التثبت من بعض أصحابنا شبهة حتى يجعلون كل جواباته بالأحب مفصلا واستحبابا فمن ذلك الذي نقله عنه إسحاق بن إبراهيم إذا أحدث في الطواف، قال ينصرف ويتوضأ ويبني وإن إستأنف كان أحب إلي. ومن ذلك أيضا ما رواه اسحاق بن إبراهيم قال: قلت النزول: أحب إليك بطرسوس أم بمكة؟ قال: بطرسوس أحب إلي.
قال أبو طالب: قلت: يذبح لغير القبلة؟ قال: لا. قلت: إلى القبلة أحب إليك؟ قال: نعم.
(1/125)

وقال صالح: قال أبي: يستحب أن يذهب إلى الجمعة راجلا. ومن ذلك ما قاله في النكاح أحب أن يعرف ويضرب عليه بالدف. وإن كان هذا استحبابا، فكان كل جوابه كذلك.
ومن السنة أن يقول هذا أن يسميه الاستحباب في الكتاب التفضيل ألا ترى إلى قوله تعالى: {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} وهذا علم للاستحباب لا غير ذلك. وبنوا ذلك أيضا على أن الأمر كالألفاظ إذا حد في اللسان ألا ترى أنه يفرق بين أمر ما كان من الواجبات، وما كان من النوافل بلفظ الاستحباب. وإذا ثبت هذا كان جواب أبي عبد الله رضي الله عنه في قوله أحب إلي أنه الفصل لا غير ذلك، وهذا كله فلا وجه. والدليل على صحة قولنا إنا وجدنا الواجبات لا يضر التعبير عنها بالمحبة أنا وقد ورد السمع بذلك ألا ترى إلى قوله تعالى: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله. إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}. وهذا الاسم لما قد ثبت أنه في أصله حتم. ومن ذلك قوله تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه .. الآية}. وذلك أنهم يحبون فرائضه في موجبات وفائها، وقد ثبت أيضا من الأسماء بما شابه الاستحباب لفظ الإيجاب ألا ترى إلى قوله جل وعز {حقا على المحسنين}. و {حقا على المتقين}. وكل ذلك اسم للواجبات، وقد جاءت السنة بنظير ذلك، وهذا الحديث في قصة أسامة.
أخبرنا أبو زيد قال ثنا محمد قال ثنا محمد بن إسماعيل قال ثنا قتيبة بن
(1/126)

سعيد، عن إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمارته، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تطعنون في إمارته فقد طعنتم في إمرة أبيه من قبله، وأيم الله إن كان لخليق الإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده. وقد ثبت أن هذه تسمية مختصة بما يتعلق بشأن الإمارة، ولا يجوز أن ينطق أنه كان أحب إليه من الصديق ولا الفاروق ولا ذي النورين ولا زوج البتول. فإذا ثبت هذا علمت أنه قصد بذلك إلى قصد البيان عن الإمارة فكأنه كـ أحب الناس إليه فيما ولاه إياه من هذا البعث الذي طعنتم في ولايته فيه وهذا عبارة عن الإيجاب لا غير ذلك. ومن أدل الأشياء فتواه والذي تعلق بالحدود لا يجوز أن يدخله تخيير واستحباب إذ للقصاص لا يقال في أخذ اليدين أحب اليدان من اليد الواحدة إذا نيل من جناية لا يبعد، وإنما يدخل الاستحباب عبارة عن الإيجاب كأنه قال: هذا أحب لو أحسن إلي لا غير ذلك. وكذلك في كل مسائله في الكفارات وقيم الصدقات وأدى قيمة الإطعام في كل الكفارات، كل لا يدخله تخيير، وإنما يفصل بين الواجبين، وإن كان بلفظ التفضيل والاستحباب.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أصل المذهب فالروايات عن أبي عبد الله فذلك لا يضر ما إذ ليس بمجرد قوله أحب إلي في العيدين علم نفي الفرض، وكذلك في باب النزول بطرسوس وما قاله في الذبح إلى القبلة أنه أحب إليه كان ذلك ليس من ظاهر الجواب علم، وإنما علمنا ذلك من بيانه، فالمذهب باق بحاله فيما لم يقارن دليل إسقاطه.
(1/127)

جواب ثان - وهو أنا وجدنا هذه الأشياء أصلها غير حتم فكان جوابه بالأحب إذن في أولى الاستحبابين فيجب أن يكون إذا صدر جوابه عن الواجبات أن يكون بيانا لأحد الواجبين واطراحا للآخر، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
(1/128)

باب البيان عن جوابه برده إلى مشيئة سائله
قال الحسن بن حامد رحمه الله: وذلك عندي توسعة على السائل وترك الضيق عليه، فإن فعله أو تركه لم يكن حرجا وهو الأشبه عندي بظاهر المذهب.
صورة ذلك ما قاله صالح قلت لأبي يقول بين السجدتين: رب اغفر لي؟ قال: إن شاء. قلت: تقول أنت؟ قال: نعم. قلت لأبي: هل يرش على القبر الماء؟ قال: إن شاء وفعلوه. ومثله في المستحاضة إن شاءت
(1/129)

توضأت لكل صلاة، وإن شاءت اغتسلت، وإن شاءت جمعت بين الصلاتين. ونظائر هذا كلها ورد بلفظ الرد على مشيئته فذلك إذن بالمسامحة والتوسعة وإن ترك ذلك أصلا فلا شيء عليه.
وقال الحربي في كتابه إن ذلك واجب في مسألة الذكر بين السجدتين.
والقائل بهذا يجد الجواب من أبي عبد الله برد المشيئة إليه أنه اسم للإيجاب، وأصلهم في ذلك أنه بمثابة جوابه أحب إلي. وقد يستدل في هذا بأن لفظ المشيئة لا يؤذن بالتخيير. ألا ترى إلى قوله تعالى: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر}. قالوا: وهذا ليس بعلم للتخيير بل ذلك حتم وقطع للفرض، وهذا فلا وجه له. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ظاهر ونظر. فالظاهر الأمر من موجبات الأسماء في التنزيل ألا
(1/130)

ترى إلى قوله تعالى: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها}. وقوله تعالى: {ولو شاء ربك ما فعلوه}. ونظائر ذلك تكثر كل مستقر فيه موجبات التخيير، لا أنه قطع على الحتم والتغليط.
ومن السنة ما رواه ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من حلف فقال إن شاء الله، إن شاء مضى وإن شاء رجع ولم يحنث، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
ومن أدل الأشياء ما قد ثبت أن لفظ المشيئة حدها في الكلام المضاد في لغة العرب التخيير ألا ترى أنه قال إن شئت فادخل الدار، وإن شئت، فكل ذلك توسعة في الأمر. ومن ذلك أيضا لو قال أنت طالق إن شئت، لكان هذا توسعة برد المشيئة إليها. ومن ذلك إذا قال لعبد أنت حر إذا شئت، كل ذلك توسعة في الأحكام. فإذا ثبت هذا علمت أن ما ذكرناه فيما ينقل عنه بلفظ المشيئة أنه للتوسعة لا غير ذلك.
(1/131)

وأما الجواب عن الذي قالوه من أن لفظ المشيئة كالاستحباب فذلك لا تأثير له، إذ لفظ المشيئة لا يثبت الأمر، ولفظ المحبة يثبت الأمر.
جواب ثان - هو أن لفظ المشيئة رد الفعل إلى السائل، وليس كذلك الجواب بالأخف لأنه إذن بالفعل من حيث الأمر.
وأما الجواب عن الذي قالوه من الله الآية من قوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} فذلك لنا إذ ظاهر هذه الآية أوجبت الزجر والردع والتفريع لأنها واردة إذنا بالفعل ألا ترى إلى ما هو منوط من قوله عز وجل: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها}. وهو إفزاع وإرهاب وارتداه عن الكفر.
جواب ثالث - وهو إنا نقول ليس وإن كان في الآية ذكر مشيئة مما يوجب إذنا بالإباحة، إذ لا وجه لجواز ما علق بمشيئته، والخطاب إذا ورد فإنه محمول على ما قصد به، ألا ترى إلى قوله تعالى: {اعملوا ما شئتم}. ظاهره التخيير المقصود بذلك الزجر والتفريع فإحدى الموجب عنا على مقصودها، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
(1/132)

باب البيان عن جوابه بلا بأس أو قال أرجو أن لا يكون به بأس
قال الحسن بن حامد: فكل ما روي عنه جواب عن الأمر له بنفي البأس حتما أو رجاء فذلك توسعة وإذن.
صورة ذلك: قال الأثرم: قيل لأحمد فشعر الميتةة ينتفع به؟ قال: نعم. قلت: ريش الميتة؟ قال: هو أغلظ، وأرجو أن لا يكون به بأس.
وقال الأثرم: قلت: رأت الطهر قبل الفجر، توانت في الغسل تعتد بصوم يومها؟ قال: أرجو أن يجزيها.
وقال أبو الصقر بن يزداد: قلت (سمكة كذا في الأصل مبيض أن لا يكون) به بأس.
ابن منصور: من ملك ذا رحم محرم؟ قال: أرجو أن يكون حرا.
(1/133)

أبو داود: جلود الثعالب؟ قالوا: أرجو أن لا يكون به بأس. فإذا قال: أرجو أن يجزي أو قال: أرجو أن يجزيها. فكل ذلك سوي وهو إذن بالإباحة، كأنه قال لا شيء عليه في ذلك، وهذا فلا أعلم فيه خلاف بين أصحابنا. وهذا الجواب من إمامنا متابع فيه أنحى أجوبة العرب، ألا ترى أنهم يقولون هذا غلام يرجى، فهذا من جواب إمامنا مطابق لإصابة السنة حتما.
ومن ذلك أيضا فقد ثبت وتقرر البيان في التنزيل ألا ترى إلى قوله تعالى: {قد كنت فينا مرجوا}. قبل هذه الآية. من ذلك قوله {فمن كان يرجو لقاء ربه}. وقوله: {وترجون رحمته}. كل ذلك علم بها بالجواب من الإصابة. ومن ذلك قوله: {وترجون من الله ما لا يرجون}.
كل ذلك علم الإصابة، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
ثم بعد هذا فإن الفقيه إذا سئل عن شيء فقال: لا بأس، أو قال: أرجو أن لا يكون به بأس، فإنه مقيد بذلك إما حظرا وإما إباحة، فإن كان السؤال عن الفعل آذن ذلك بالإباحة، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
(1/134)

مسألة إذا أجاب بلا بأس عربا عن الرجاء
صورة ذلك: قال ابن منصور: قلت: السلم على أن يوفيه بمكان كذا وكذا؟ قال: لا بأس.
عبد الله بن أحمد عن أبيه: عتق الصبي؟ قال: لا بأس.
مهنا قال: سألت أبا عبد الله عن سعيد بن زياد الشيباني؟ قال: لا بأس. عبد الله سألته عن عثمان البتي؟ قال: لا بأس. قلت: سالم الخياط؟ قال: ثقة ليس به بأس.
وكل ما ورد من هذا فإنه إذن للإباحة وهذا فلا أعلم فيه خلافا وهو ظاهر اللسان، ألا ترى إلى ما ثبت من مخاطبات أهل اللسان يقولون: هذا طريق لا بأس به، وهذا غلام لا بأس به، وكل ذلك إذن بالرضى. وقد جاءت الشريعة
(1/135)

بذلك ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ما أكل لحمه فلا بأس ببوله.
ومن ذلك ما أخبرناه أيضا قال ثنا الأزرق قال ثنا أبو عقيل الثقفي ثنا عبد الله بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد بن جبير، عن عطية السعدي وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يكون العبد من المتقين حتى يدع ما لا بأس به، خوفا مما به بأس. فإذا ثبت هذا علمت بذلك أن السنة تنفي البأس مؤذنة بالإباحات وأنه بمثابة الإجازة وبالله التوفيق.
(1/136)

باب البيان عن جوابه بالاحتياط
صورة ذلك ما قاله الأثرم عنه قلت: النفساء رأت عشرين يوما دما. وعشرين يوما طهرا، ثم عاودها الدم؟ قال: تعود فتقضي الأيام التي صامتها وهي ترى الدم تحتاط.
ونظائر هذا كله عندي على أصل واحد.
وقال صالح عن أبيه المبتدئة بها الدم تحتاط لها فتجلس يوما وليلة.
وقال في النكاح في مسائل ابن منصور في الطلاق في النكاح بغير ولي إذا طلق ثلاثا يقع الطلاق احتياطا.
ونظائر هذا كله عندي على أصل واحد وإن جوابه إذا وجد بهذا القول، فإنه علم للإيجاب حتم وهذا غالب مذهب أصحابنا إلا أن بعض أصحابنا فرق في جملة هذه المسائل فقالوا في باب النكاح إن واجب، وفي باب المبتدئة بالدم كذلك.
(1/137)

وأما أمر النفساء فقالوا: ليس ذلك بواجب، وإنما هو على حد الاختيار لا غير ذلك، ومن ذهب إلى هذا احتج بإن لفظ الإيجاب لا يكون بأن يقول احتياطا، وإنما تدخلت هذه اللفظة على حد التوقي لا غير ذلك. وهذا كله فلا وجه له.
والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أن اللفظ الذي يتحتم به الفعل له دخل في الإتساع فقد نفع به الأمر، ولعل موجبه بالاحتياط ويعلل بما يدخل من السكون والمعوزات والمجوزات ويعتبر ذلك من اللفظ الداخل على حد التفرقة والسبق، ألا ترى إلى قوله تعالى {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها}. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: {ذلك أدنى أن لا تعولوا}. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: {وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله}. ونظائر ذلك وإن كان بلفظ التقريب والتسيف في التقدمة فإنه مستحق به الحتم والإيجاب. ومن السنة أيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في غشل اليدين ثلاثا لا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده. فإذا تبثث هذه الأصول فإن ما ذكرناه من الجواب مقرونا بالاحتياط إنه على الحتم والإيجاب وبالله التوفيق.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أن لفظ الإيجاب الحتم والاحتياط علما للاستحباب، فذلك لا يؤثر شيئا إذ لا ينكر أن تكون علة الإيجاب الاحتياط
(1/138)

كما قلناه في غسل اليدين عند قيامه من نوم الليل، وأنكرنا على أبي حنفية وغيره حيث أبوا ذلك. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
جواب ثان - وهو أنه قد ثبت وتقرر أن أمر نفيه للإيجاب لإعادة ما دخله الشك للاحتياط ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم فإن كانت شفعا كانت ترغيما للشيطان. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
(1/139)

باب البيان عن جوابه بالأشد والأهون
قال الحسن بن حامد: فالأهون والأشد يحتمل وجهين.
صورة ذلك ما قاله مهنا عنه في كتاب العتق إذا قال: لا ملك لي عليك قال: إذا أخاف أن يكون قد عتق. قلت فإذا قال: لا سبيل لي عليك؟ قال: هو أهون. قال: غلام الخلال: كل يعتق به.
وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله: إذا طاف طواف الواجب على غير وضوء؟ قال: شديد يعيد ثم قال: أستحب له أن لا يشهد المناسك إلا على وضوء، الطواف أشد.
(1/140)

ونظائر هذا الأصل اختلف فيه أصحابنا فذهبت جماعة من أصحابنا إلى أنه إذا قال أهون إنه لا يعيد تفرقة في الحكم فهو سوى هذا. قال عبد العزيز في العتق وغالب ما عنه في الأشد في الطواف إن ذلك مؤذن بالتشديد، وإنه بخلاف النافلة في الفعل فتجب الإعادة في الطواف الواجب. وقالت طائفة من أصحابنا في قوله أشد في الطواف بغير وضوء إنه لا يكسب إعادة، وإنما التشديد من التأكيد للفعل لا غير ذلك.
وجملة المذهب عندي أنه إذا قال هو أهون وأيسر وأدون بكل ذلك يقتضي أنه في الأفعال مختلف وأنه لا يجب ما قاله أنه أهون من غيره بما يجب.
فالجواب الأول لا في العتق ولا غيره. وكذلك ما قاله إنه أشد فإنه مستحق ما لا يستحق أهون، وإنما يجعل كل جواب على ثمرة وفائدة في التفرقة لاختلاف الأحكام لا غير ذلك. والأصل في ذلك دليل الأثر والنظر. فمن الأثر ما نقل في حديث اللعان أن النبي صلى الله عليه وسلم وقفهما بعد أربع وحذرهما، ويقال المتلاعنين يوقفان، ويقال لهما عذاب الآخرة، أشد ألا ترى إلى قوله تعالى: {ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق}. كل ذلك مستحق به الافتراق بين الموجبين والآثرين وتغاير
(1/141)

القصتين. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما. ثم الأصول كلها على على هذا إنك تقول هذا أشد من هذا لأجل موجبات التنفيل وعظم طلبات فيه، ويقول هذا أهون لإسقاط التنفيل فيه، وكذلك هذا أخف لما قد نقصت مطالبتنا وخفت موجباته. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
(1/142)

باب البيان عن جوابه بلا أعرف وما سمعت
قال الحسن بن حامد: إذا صدر الجواب من أبي عبد الله بما سمعت ولا أعرف فذلك لا يكسب قطعا بتحريم ولا تحليل ولا إبطال بل مقتضى ذلك الوقف لا غير.
صورة ذلك ما رواه ابن منصور: قلت الرجل يحلف من بينته؟ قال: لا أعرفه.
وقال منها: سألت أحمد عن صالح بن يحيى بن المقدام؟ قال: لا أعرفه.
قال مهنا: قلت حديث عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث أن أيوب ابن موسى حدثه أن يزيد بن عبد الله المزني حدثه عن أبيه أن النبي صلى الله
(1/143)

عليه وسلم قال: يعق. قال: لا أعرف يزيد بن عبد الله المزني. فقلت له: تنكره؟ قال: لا.
قال صالح: قلت: التفت في صلاته؟ قال: قد أساء. قلت: يعيد؟ قال: ما أعلم أني سمعت أنه يعيد.
المروذي قلت إمرأة حلفت: محوت المصحف إن أكلت من أختها شيئا؟ قال: ما سمعت في هذا شيء. قلت: تذهب إن فيه كفارة؟ قال: لم أسمع في هذا بشيء، قل لها: لا تحنث.
ومثله: قلت يكتب القرآن في شيء ثم يغسل فيغسل به؟ قال: ما سمعت فيه بشيء.
(1/144)

ونظائر هذا كثير، فكل ما يرد من هذا الباب فإنه مرتب على ما أصلناه. وليس وليس غرضنا في هذه المسائل ذكر ما يأتي عنه من هذا الباب وما عنه فيه التفسير والتبيين في تضاعيف في جواباته إذ كل ما ذكرناه عنه في هذه المسائل فالبيان عنه فيه منكشف، وإنما كلامنا على ماتوجيه هذا الجواب إذا خلى عن الدليل لا غير. والدليل على أن ما جاء بهذا الوجه كان ظاهرا في التوقف إنه وجدنا جوابا لا يدخل له في إباحة ولا حظر، وقد بين في جوابه أنه لا يقطع في ذلك بالرد، وإنما هو توقف، وهذا قريب على ما ذكرناه من جواباته بالاختلاف كل يوقفنا على الاحتياط في الأجوبة وبالله التوفيق.
(1/145)

باب البيان عن جوابه بأجبن عنه
صورة ذلك في أماكن:
من ذلك ما رواه ابن منصور قلت: إذا قال إن اشتريته فهو حر؟ قال: إن أجبن عنه بعض الجبن.
وقال أبو داود: قلت: عبد دفع إلى حر مالا فقال اشترني من سيدي؟ قال: إذا قال اشترني بهذه الألف أجبن عنه.
أبو طالب: قلت: من يسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أجبن عنه لكن أضربه نكالا.
(1/146)

وجملة المذهب أنه إذا قال: أجبن عنه فإنه إذن بأنه مذهب وأنه ضعيف لا يقوي القوة التي يقطع بها ولا يضعف الضعف الذي يوجب الرد، ومع ذلك فكل ما أجاب به ها هنا وغيره بمثل ما ذكرناه عنه فإنك تجد البيان عنه فيه كافيا، وفي العتق وشراء الحر للعبد بمال العبد وغير ذلك، فكل عنه فيه البيان، وقد ذكرناه في تضاعيف الكتاب فإن وجدت ولا جواب البيان فإن مؤذن بالتوقف عن غير قطع فإننا نجري الجواب إنه يؤذن بترك القطع لا غير ذلك وبالله التوفيق.
(1/147)

باب البيان عن جوابه بقوله لا أقنع بهذا
قال الحسن بن حامد رحمه الله: صورة ذلك ما رواه عنه إسماعيل بن سعيد قلت: حديث دهثم بن قران في (معاقد القمط) فلم يعتقد ذلك، فالمذهب في هذا النحو وما جانسه إذا رد عليه سؤال أو كان في جوابه من أحد أصحابه معارضة بسؤال فقال: لا أقنع بهذا فكل ذلك رد لما قد عورض وبيان أنه لا يعتمد على ما أخبر أنه أنه غير قانع به. والأصل في ذلك أن الأجوبة في حد اللسان، وقد يقع الجواب برد الشيء بآخر الكلام وتارة ألطفة، فإن قال: لا يجوز هذا، أو هذا فاسد كان ذلك ردا أو كان جوابه بألطف من ذلك أن يقول لا يقنع، وهذا لا يكتفى به كان ذلك جوابا بالرد ألا ترى أن الحكام قد يأبون قبول من ثبت عندهم جرحه تارة يقولون: لا نقبله ولا نجيز شهادته، وتارة يقولون: لا نقنع بهذا زدنا في الشهود وهذا أمر بين العلماء أنه منتشر، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
(1/148)

باب البيان عن جوابه بأن هذا يشنع عند الناس
قال الحسن بن حامد: صورة ذلك: ما رواه الميموني: قلت: شهادة العبد في الحدود؟ قال: لا، تجوز شهادته في الحقوق شاهد واليمين، والحدود ليس كذلك. قلت: لم تستوحش من هذا إذا كان علما يتبع؟ قال: في الحدود، كأنه يشنع، وإنما ذاك لهيب الناس فردها.
قال عبد العزيز: لا يختلف القول فيه بالمذهب عندي في هذا الأصل وماورد فيه من نظائره يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون رده لعله ما ذكره من شناعته عند الناس توقيا ولو فعل ذلك كان صوابا، إذ ليس ما يثبت من شناعة الناس في تفسير دليل، وهذا ظاهر مذهب الميموني، ويعضد هذا من الأصول صلاة النافلة بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب. قال أبو عبد
(1/149)

الله: عملته مرة بالكوفة فصارت شناعة، يريد بذلك أنه من حيث فعل ما لا يتعارفونه لا أنه حرام، بل هو مستحق ودليل بين.
الوجه الثاني: إنه إذا قال شناعة، فإنه إذن برد الفعل. هذا مذهب عبد العزيز، وقطع بأنه لا خلاف عنه إن شهادة العبد في الحدود لا جائز أن تفعل إذ ذاك شناعة من حيث مساعد الدليل والأشبه عندي أن جوابه بالشناعة لا يوجب أو أنه نص إلى ما يوقعه البيان، إذ لا يخلو مذهبه في تصانيفه من الكشف إذ قد بين في الصلاة وإن قال بساعة إنها جائزة، وقل بين في شهادة العبد قطعا أنها جائزة إلا في الحدود في مسائل الميموني له إذا كان علما بشع بيان أن فيه علم بأن نقبل شهادة العبيد إلا في الحدود فيخبر أن جوابه البشاعة لا يؤثر شيئا، وأنه مستحق الأخذ بذلك إن أوجبه دليل الأثر والنظر ولا تكون شناعة الناس، لذلك تخشى من الإجابة ألا ترى إلى ما نقل عن أبي عبد الله في رواية إبراهيم الحربي وغيره، حيث قيل كل شيء منك حسن إلا أنك تقول يفسخ الحج أبشع مسائل المناسك مما فيها الخلاف إذ الكل على ضدها لكن الصواب فيها، وإن قل من أخذ بها إذ ما وبقية الدلالة لم يؤنسنا متابعنا ولم يوحشنا شناعة مخالفنا وبالله التوفيق.
(1/150)

باب البيان عن جوابه بلا أدري
قال الحسن بن حامد: أول ما نبدأ به هو البيان عن التحديد لذلك بين العلماء وأن يقولوا في حادثة نظر ألا يدري، ويردون السؤال ثم البيان عن جوابه به، وبما ينسب إليه فيه.
فأما الأول فإن طائفة جهالا شذب فزعمت أن لا ينساع أن يقول العالم لا أدري، ومن قال هذا آذن ذلك بنقصه وتقصيره، وأنه تارك لما عليه من الإستعلام، ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ألا سألوا إذا لم يعلموا. قالوا: فإذا ثبت هذا كان من لا علم عنده عليه أن يطلب ويتعلم حتى يقول لا أعلم. قالوا: وأيضا فإن الذي يحسب بهذا إذا كان عالما فإنه مقصرا إذا أدله الحق نبرة، وحجة الله ظاهرة فعليه إن كان من أهل العلم بها اتباع التأمل فيحسن الإجابة، وإن كان غير عالم بحجة الله فإنه في حيز من لا ثقة له. قالوا: وعلى هذه الطرق كلها نفس الجواب بلا أدري تقصير فيه ونقصان. وهذا فلا يؤثر شيئا فيه، والذي يذيب المسألة فيه جبنات أحدهن إننا
(1/151)

نقول أخبرونا هل هاهنا مسائل أدلتها خفية لا يصل العالم إليها إلا بالتأمل أم لا فلا أعلم أحدا يأبى هذا، بل الكل على تجويز حوادث نظر ألا يعرض عليها، وإن الإدراك لها لا يكون إلا بالتأمل.
وقد استقر أيضا بالسمع من قول النبي صلى الله عليه وسلم: الحلال بين، والحرام بين، وأمور بين ذلك متشابهات لا يعلمها كثير من الناس. وهذا ليس بإخصاص ذلك في عامة الناس بل هو في خاصة الناس والعلماء فهم أوحد العالم ما تصابوا عليه للإجابة بوجود غيره رجل من العلماء امتحنتم عليه فر من الجواب أم لا، وهذا أيضا فلا أعلم فيه خلافا أنه إذا لم يتعين عليه الجواب أنه يرد الجواب، وإن قال لا أختار الجواب حسن من العالم أن يقول لمن سأله عن جواب حادثة يحتاج إلى بحث ونظر وتأمل لا أدري، ولا أختار الجواب فيها ولا أختار الاجتهاد فيما قد للأسانيد في أداتها، وإذا كان هذا كله متسعا على ما أصلناه لم يؤت من أداه، وكان الاجتهاد وجه من القضاء وما كان من مسائل الاجتهاد، وإذا عرى النص، فإذا تقرر أن الاجتهاد عند عدم النصوص كان طريق الاجتهاد لا يوصل إليه تأول ريب الأصحاب، بل كل يحتاج إلى سنن وجمع شواهد وبيان الأصول فيها، وهذا كله شيء يفعل المجيب الذي لا خلاف أنه يجوز عليه فيه الخطأ والإصابة إذا تقابل في بعد المجتهد الطرفان قويت شبهة العالم في قوله لا أدري.
ومن أول الأشياء أن العالم ينساع له عند جهة ما يدخله في الاجتهاد في الزلل وما له في الإجابة من الثواب كان الخائف عليه من مطالبات الخطأ أن ندع لها من الإجابة من حيث الاجتهاد لغالب ماله فيما أقدم عليه من جوابه، وما عليهم من التبعات في الأجوبة بالإحالة على غيره من القتوى مباعدتهم ألا
(1/152)

ترى إلى ما روي عن ابن عمر أنه رد سائله، فلما رأى عبد الله بن عمر ما قد دخل عليه من استعظام الرد له وأنه قد نقصه بذلك. قال ابن عمر: أصحابي هؤلاء في رده الجواب وتركه بيان السؤال ولا حرج عليه في الرد، أترى يعلمون أنه سئل عما يقول. ومن ذلك ما نقل عن الشعبي أنه قال: بهذا المسجد عشرون ومئة من أبناء المهاجرين والأنصار ممن قد صوب، أو قد صوب إذا جاءت المسألة ود أن صاحبه كفاه، وهؤلاء الأئمة يقولون لا ندري من ذلك الصديق في الجدة حيث قال: لا أجد لك شيئا في كتاب الله. وأنهم يقولون: إذا أخطأ العالم لا أدري أصبت مقابله وما ذكر عن بعد وقرب ابن سيرين ونظراءه من التابعين، ويحيى بن سعيد ونظراءه من المختصين بالأثر وعلمه أنهم في أجوبتهم عما هو من صناعتهم كل أجاب عنه
(1/153)

الارتيابان يقول: لا أدري. وهذا مالك بن أنس أيضا في علمه أهل المدينة وأنه عند الالتباس. يجيب بأن يقول لا أدري فإذا كان رأسا كان ما ذكرناه في الدلالة أصلا.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أن هذا من المجيب نقص وتقصير، فلا تأثير له بل ذلك رفعة وتفضيل إذا دل الأشياء على منازل العلماء أن لا يقطعون إلا على ما انتفت شبهته، وأن ما جاءك في الصدر منه شيء يقوى عن أنفسهم العلم بعين الإصابة، وتوقفوا عن الإجابة، وهذا حقيقة لسان العلم ولأجل ذلك صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم في أجوبته فقد لا يجتهد ولا يجيب إلا بما ينزل عليه من الأمر نطقا، وقد ذكرنا عن الأئمة ما فيه غنية وبالله التوفيق.
وأما الجواب عن الذي قالوه من السؤال الثاني بقول النبي صلى الله عليه وسلم ألا سألوا إذا لم يعلموا. فذلك لنا إذ ليس في توقفهم معنى من حيث إنما ثبت من العلم أوجبت الارتياب أن الشافعي يقول في الحادثة قولين لا عن جهالة بطريق الأدلة التو توصل إلى إثبات الجواب لكن من حيث الاشتباه والتعارض في باب الأدلة. ومن ذلك مالك وغيره يقولون: لا ندري من حيث الجهل، لكن من حيث التوقف لأجل ما قد اعترض الأصل من المشبهات، فإذا كان هذا في أجوبة العلماء، لا يكسب نقصا كان ما ذكروه السؤال ساقطا.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أمر الأدلة والعلامات في الأحكام وأنها واضحة يصل إليها المتأمل لها فذلك لنا، إذ لا خلاف بين العلماء أن الأدلة وإن كانت قائمة فمنها ما يقرأ حتى أنه يكون ظاهرا بينا فيهو الذي لا يكسب ارتياب.
والثاني من الأدلة ما لا يصل إليه إلا من كان له قوة تأمل فهاذين يبادر العلماء بالجواب من حيث كون الاستدلال بها واضحا.
(1/154)

والثالث هو أن يتردد من الحادثة بين الأصول فكل أصل يأخذ منها شبها ولا سمع هناك فهذا الذي في بدايته إذا ورد السؤال عنه أوجب ذلك على أهل العلم أن يردوا على أنفسهم ويكتموا ألسنتهم عن المبادرة حتى يتأملوا ذلك تأملا بينا ويكشفوا عن ذلك كشفا واضحا، ومع ذلك فربما لم يترجح عند المجيب ما يظهر به تقدمة أحد القولين فيراه مستحق عليه التوقف أبدا حتى أنه تارة يعبر بالجواب عن ذكر ما فيه من الأقاويل، وتارة يقول لا أدري، وتارة يقول: دعها الساعة، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وإلا سوله هدرا وبالله التوفيق.
فصل: فأما صورة المسائل التي جرت أجوبتها فيها فهي بينة وهي في أماكن عدة فمن ذلك ما قاله عنه الميموني قال: قلت له بعد خروجه من الحبس: حديث ابن عباس في الطلاق (في العبدين إذا عتقا) فقال: لا
(1/155)

أدري بما أخبرك، أما من يحتج بقول الحسن يملك ثلاثا بقيت له واحدة، ومن احتج عليه بقول طلق وهو عبد فليس إلا اثنتان وإنما مالك نفسه بعد الطلاق. وقال عبد الله: قال أبي: كل شيء اشتبه فدعه.
وقال في كتاب البيوع من مسائل صالح في السلم في الرمان والبيض؟ قال: ما أدري.
وقال مهنا: سئل عن السلحفاة؟ فقال: لا أدري.
وقال عبد الله: قلت لأبي: الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم على كل أهل بيت عتيرة، منسوخ؟ قال: لا أدري. قيل له إن يزيد بن
(1/156)

هارون قال: منسوخ؟ قال: هو أعلم، من يجترئ على أن يقول منسوخ.
وقال ابن منصور: قلت: قول أبي هريرة: لا أرى لصاحب الخمر شهادة؟ قال: لا أدري.
أبو طالب. . . قال: لا أدري إنما يأكل قوته.
وقال ابن منصور: قلت الإزار أسفل السرة؟ ناديته فقال: لا أدري. قلت: صلاة التسبيح ما ثبت فيها يعني الحديث؟ قال: لا أدري.
(1/157)

قال الميموني: قلت النخلة كم يكون حرمها؟ قال: لا أدري ما سمعت فيها شيء وأي حرم لها.
وقال مهنا: قلت له إبراهيم بن عطية؟ فقال: قد رأيته وكتبت عنه، قلت: ما شأنه؟ قال: لا أدري، وكرهه وقال: قد كتبنا عنه، ونهى أن يكتب شيء من حديثه.
الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يأتي رجل يزعم أنه يحل السحر ثوبا؟
(1/158)

فقال: قد رخص فيه بعض الناس. قيل له جعل في طنجير ثم يغيب فيه ويعمل كذا وكذا؟ فنفض يده كالمنكر وقال: ما أدري ما هذا. قيل له ثوبا مثل هذا؟ قال: ما أدري وقال أحمد بن هشام: قلت الأم تشهد للابن؟ قال: لا أدري. قلت: الأخرس كيف شهادته؟ قال: لا أدري قال: وسألته عن أبي الحجاج الأزدي؟ قال: لا أدري.
وقال أبو إبراهيم الزهري سألت أبا عبد الله عن ولد أبي موسى واسم أبي بكر وأبي برزة؟ فلم يكن عنده علم ما هو اسمه.
ونظائر هذا تكثر، وقد اختلفت الأماكن فيما ذكرناه ونذكره في شرح ما رسمناه بيان عن كل مكان من هذا الجنس.
وقد اختلف أصحابنا في ذلك: فذهبت طائفة إلى أن ذلك ارتياء وتوقف وأنه إذا أجاب بذلك فلا يقتضي حظرا ولا إباحة. وقال عبد العزيز رحمه الله: إن قوله: لا أدري في السلحفاة أي أن ليس فيها يرى أن أكلها محرما، فموجب هذا الإنكار أنه أثبت الحكم وأنكر ذلك على مخالفيه.
والمذهب في جوابه (بلا أدري) تأمل المتأمل مذهبه وبحث عن سطوره وصل إلى ما قاله في ذلك وما ذكره من البيان فيها إذ كل مسألة عنه بما ذكرناه أو غيره حدها في غير هذه الروايات بينة، أولها مسألة طلاق العبدين إذا عتقا
(1/159)

في مسائل أبي داود وغيره فيها. ومن ذلك قوله على أهل كل بيت عتيرة وأنه لا يجب، ومن ذلك في الأطعمة السلحفاة وذكر ما نقل عن عطاء. ومن ذلك بيانه في العورة وأنه قطع بما دون السرة، وتارة نص على ما اختص بالفرج. ومن ذلك أيضا صلاة التسبيح قطع بأن الحديث لا يصح ومن ذلك السلم في الرمان والبيض، وقطع بأنه لا صح إلا فيما كيل أو وزن. وتارة أجاز ذلك فيما بعد ويذرع إذا ضبط بالصفات. ونظائر جواباته إذا تأمل المريد لذلك وجده واقعا على أتم بيان وأوضح برهان. وإنما ذكرنا هنا الباب عسى أن توجد مسألة للإتيان عنه فيها ومع ذلك فكشفنا عن موجب ظاهر جوابه بهذا إذا عرى عن قرينة وبيان والمأخوذ به ما ذكرناه من أنه يوقف في حاله لا غير ذلك.
فأما الذين قالوا إن ذلك إنكار فإنهم يذهبون في ذلك إلى أن لفظ التكبير بصيغة الأمر شرعا من حيث قوله صلى الله عليه وسلم: من شرب الخمر. وحديث عائشة في الولاء. وحديث عبادة في القراءة خلفه. وإلا ترى أن أبا عبد الله قال في رواية الأثرم في الذي يحل السحر، نفض يده وقال: لا أدري منكرا.
ومن ذلك مهنا: وإبراهيم بن عطية: يقول: لا أدري ويقطع على كراهيته ولا يكتب من حديثه شيئا. وجملة هذا فلا وجه له، والدليل على صحته أن جوابه بذلك يكسب التوقف ما نقل عنه من البيان في ذلك ألا ترى أن أبا عبد الله احتج بكذا فإن عنه الأشياء التي من أجلها كان منه الجواب.
وقال عبد الله: قال أبي: ما اشتبه عليك فدعه. وكذلك قال عنه الأثرم، وإنما يقول ذلك توقفا عن إثباته لأجل ما فيها من الاختلاف والشبهة. ثم بعد
(1/160)

هذا فالدليل على ما ذكرناه للأثر والنظر فمن الأثر ما ورد من البيان في قوله صلى الله عليه وسلم: من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار. فإذا ثبت هذا وصدر الجواب من إمامنا بأن يقول لا أدري إذنا أن يكون في ذلك قطع بجواب.
ومن أدل الأشياء أنا وجدنا لإثبات العلم وإثبات القضاء حدا أو لزنا حد، أو علامة البيان حد في اللسان أما بأن هذا الحد وهذا فاسد وكذلك إذا قال لا يحل هذا كان عالما للتحريم وعلامة الرد الإباحة واقع بطرق أما بإن يقول لا أدري أو أن يقول لا أعلم وما جرى في هذا المجرى بطل أن ينسب إلى مجيئه بلا أدري مذهب. ومن أدل الأشياء أنه لو جاز أن ينسب إليه فذلك مذهب جاز أن ينسب إليه بقوله ما أجيب مذهب فمن حيث كان إذا قال: لا أجيب لا يجوز أن ينسب إليه بذلك مذهب، فكذلك إذا قال لا أدري سواء.
فأما الجواب عن الذي قالوه بذا عن أبي عبد الله: وإبراهيم بن عطية، فذلك لا يؤثر شيئا، إذ إبراهيم بن عطية لم يحصل عن أبي عبد الله فيه جوابا واحدا بل أبان عنه بأجوبة تارة نص عن التكبير وقطع برد إجابته ومنع الاكتتاب عنه، وبانت أقاويل إمامنا فيه لما تكررت أذنت بالمراد ونحن لا نأبى هذا أن يكون عنه جواب مفسر فنصير إليه وإنما نتكلم على ما لم يضافه من جهة البيان.
فأما الجواب عن الذي قد يقع بقوله لا أدري لا يجوز أن يقع إذ من سئل عن مسألة فعليه إظهار العلم الذي عنده فيها فإن أجاب بالجواب كان
(1/161)

طبقا للسؤال وهذا ينفي أن يكون يقول: لا أدري، نصا في إثبات أو نصا في نفي.
جواب ثان - وهو أن الجواب إذا وقع بلا أدري فإنه بقي علم مقطوع به، ومن أثبت إنكاره أثبت علما قطعا وهذا من الحجة عري.
جواب ثالث - وهو أن الكلام إنما هو في إطلاق جوابه، وإطلاق الجواب له حد، وما وصل إلى تنزيله وتنصيله بطل أن يكون هو الظاهر فيما يعطي ثم التأول ونص مقاله في لا أدري ينفي العلم الشرعي لا ينكر ولا يتبع.
فأما الجواب عن الذي قالوه من حديث عائشة والصلاة والخمر فذلك لنا إذ ليس ظاهر ما أوجب النكير، وإنما ذلك ينفوا ما نهانا عنه، فلما خالفوه قال اشترطي، وأبان أنه إن كان في العقد شرط فإنه فاسد، وكذلك في القران معرفة ذلك وإنه بدأ بهذا بقرينة بداية قوة وإن الإمام إذا كان الاستماع مرثيا فأبانت الأدلة في أصول الصلاة فكان الدليل إلى هذه الموجبات لا من حيث الظاهر غير ذلك، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
- فصل رابع الحد الذي من أجله أجاب بلا أدري ما هو - فهو عندي على ما رواه عبد الله والأثرم فقال الأثرم: قول أبي عبد الله لا أدري يريد: لا أدري القولين أقدم وأرجح، وأنه ليجيب في المسألة ويذكر فيها أنواعا عن مقالات الصحابة ووجها من الكلام ويقول لا أدري فأثبت أنه علم ثم الذي هو معلوم فيها غير أنه توقف عن التغلب والقطع. ومثله قول عبد الله عن ما اشتبه عليك فدعه وأبان أنه بالشبهة مستحق الترك والأصداء وعن التنصل والقطع وهذا قول عامة أصحابنا وهو المعمول عليه وأنه لا يكون جوابه عن جهل بما فيها ولا عن تقصير بعلم الطريق لديها وإنما تترادف في المسألة الأدلة، وتترادف في مقابلتها نظائر أبان فا. . . إذا الخبرين أقوى القياسين
(1/162)

فيكون كل أصل يخير ذلك إليه أو بمثابة مسألة اختلفت أقاويل الصحابة فيها كل ذلك حد جوابه بلا أدري من أجله وجب، ولأجل ذلك قال في لا أدري لأنه قد نقل عنه العذر ونقل عن غيره، وإذا اختلفت الروايات أذن ذلك بالتوقف وترك القطع، وكل مذهبه على هذا وقد شذت طائفة فقالوا إن جوابه بذلك ينفي ثبوت علم أصلا ولا يوجب علما قالوا وقد بين أحمد رحمة الله عليه هذا فقال في رواية الزهري لم يكن عند أبي عبد الله علم.
وقال الأثرم حيث سأله عن سالم أبي ليلى الكندي وعن الحجاج الأزدي فقال: لا أدري، ثم قال من يعرف أسماء هؤلاء، روى عن الواقدي والله أعلم. الحديث فقالوا: قد أبام أن يكون به عارفا. وقالوا أيضا: إذا قال لا أدري انتفى عنه العلم بكل حال. هذا فلا وجه، والذي قررناه على أصلنا فيه غنية ما ذكرناه من الأصول ففيها كفاية ثم بعد هذا لا يجوز أن يظن بأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، ولا بأبي عبد الله الشافعي أنهم إذا قالوا لا ندري، أو قال الشافعي قولين إذ ذلك ثمرة للجهل وأنهم لا يعلمون ما قاله السلف فيها وما تحتويه الأقاويل فيها وما قالته الصحابة الأخيار عليها، فعلمت بذلك أنه لا جائز أن يظن بأبي عبد الله ولا بغيره من الأئمة تقصير عن معرفة ما فيها وإنما الذي أوجب ما قالوه اتساعهم في العلم حتى أنهم وصلوا منه إلى معرفة الأشياء على عادة ما، حتى أنهم إلى السنن واختلافها وأقاويل الصحابة واختلافها وأوجه القياسات ومقابلاتها فأوجب ما إليه الضيق عن المسارعة إلى الأجوبة، وعلى هذا طريقة من اتسع فهمه أن يكثر تعبه ونصبه، ولذلك يوجب في كثير من الأشياء توقفه، فطوبى لمن وفقه الله تعالى في ذلك المقام وحرسه لا يزال على الصراط قدمه وترك بشهواته ما عنده أن السمع قد طاير من أسد الطريق عن الالتباس للأخذ بالاحتياط في علمه لنفسه والتوقف على إيجابه
(1/163)

على غيره، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
فأما الجواب عن الذي قالوه من رواية الزهري عن أبي عبد الله وأنه قال لم يكن عنده علم فذلك لا يؤثر شيئا من أوجه: أحدها أن ذلك ظن منه.
وما رواه الأثرم وغيره أوثق بالصواب أشبه.
جواب ثان - وهو أن الميموني قد بين عن أبي عبد الله ما سأل عنه الزهري وقال اسم أبي بردة.
جواب ثالث -! وهو أن مقالته تتأول على أنه أراد ما كان عنده علم يقطع به على شيء بعينه وهذا لا ينفي بأن يكون عالما باختلاف الناس وما قالوه وما يتوجه غير أنه تحرج فقال: الزهري عن أبي عبد الله ما. . . هذه منه وهو نفي القطع ولا نأبى نحن هذا إذ هو مطابق لما جاءت به الروايات عنه.
وأما الجواب عن الأثرم فيما نقله عن أبي عبد الله في اسم أبي الحجاج الأزدي وابن أبي ليلى الكندي فذلك أيضا لا ينافي في أن يكون نفي ما يقطع به إذ قد اختلفت في الاسمين. والوجه فيهما يحتمل فلا يمنع أن يقول إنه أراد بذلك أنه لا يقطع والطريق في قول من يعرف أسماء هؤلاء استاق وأنه بين عن ضعفه في نفسه. ولا ينفي ذلك كون الاطلاع منه على مقالات الناس واختلافهم.
جواب ثان - وهو أنا لا نأبى أن تكون حادثة في الحال دليلها غائب عن الفقيه ثم بعثر عليه في ثاني الحال فلا ينكر ما قاله الأثرم في هذه القضية، فأما غيرها في الأحكام فلا، والفرق بين الأسماء والأحكام واضح، وذلك أن التقصير يسايرها لا يوجب نقصا إذ طريقه طريق الفعل والرواية. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
(1/164)

باب الجواب البيان عن جوابه بما أراه وأعادة جوابه إلى ما سبق من المسلمين
قال الحسن بن حامد رحمه الله: صورة ذلك: قال أبو طالب: قلت: عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود سمع من أبيه شيئا؟ قال: ليس إلا في حديث الضب، وليس يقول سعيد وسفيان سمعت وما أراه سمع وقال: لم يسمع.
وقال المروذي: قلت له فقال: روى إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن؟ سمعت أبي خطأ، ليس يقول سفيان ولا غيره. ونظائر ذلك يكثر، والمذهب عندي أن كل ما ورد عنه جواب بغير سؤال الرجال أو سؤال في الأحكام يقال له: أحلال أم حرام؟ فيقول ما أراه أو يقول ما هو عندنا كذا أو يقول لا نرى ذلك، فكل ذلك بمثابة جوابه نصا أن ذلك لا يجوز بمثابة ما يقطع به إذ ذاك ما هو جائز، والأصل في ذلك أن هذا هو الحد للعرف إنما يغير عن النهي وينفي جوازه بأن يقول ما هذا صحيحا ولا جائزا. ومن ذلك أيضا أنهم يقولون نحن نرى ذلك، أو يقولون لا نرى ذلك، فكل علم للحظر وإذن بالإباحة، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما. وقد ثبت في أسماء
(1/165)

الأحكام مثل ذلك ألا ترى إلى قوله تعالى: {وعصيتم الرسول من بعد ما أراكم ما تحبون} يريد بذلك من بعد الذي أراكم ما تحبون وما هاهنا صلة فالله عن الذي، فإذا ثبت هذا كان الجواب من إمامنا إذا قال: ما أرى. فإن ما صلة وتارة. . . فإذا دخلت في النفي كأنه قال ليس أرى هذا وإذا دخلت في الإثبات كأنه قال الذي أرى هذا. ونظير هذا أيضا ما نقل في الأخبار ألا ترى إلى قصة عثمان بن عفان حيث قال لما عمدت زنيت؟ قالت: نعم قال: لمن؟ قال: لمعرس أعطاني درهمين، فقال عثمان: أراه سهل إنه كأنها لا تعلم وإنما الحد على ما علم، فإذا ثبت هذا في كلام العرب، وذلك من مخاطباتهم إذن ذلك بإنه إذا صدر عنه بالحد الذي ذكرناه أن يكون ذلك جوابا كافيا وبالله التوفيق.

مسألة: فأما الجواب بعوده إلى أحد المسألتين

فقال أبو طالب: قلت: شهادة الوالد لولده والابن لأبيه، ولا بالجد لأنه بمنزلة الأب. فالجواب من أبي عبد الله بدءا في نفي شهادة الأب لابنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنت ومالك لأبيك. مؤذن بنفي الشهادة للخبر، وعقب ذلك بقوله (ولا الجد) لأنه بمنزلة الأب يعود إلى الشهادات لا إلى قولي النبي صلى الله عليه وسلم (أنت ومالك لأبيك) إذ الجد لا دخل له في أخذ مال ابنه ولا له أن يخيره على تبرع مال أن ابنه خير. وهذا من أبي
(1/166)

عبد الله طريق سالم، وقد يرد في الشرع فعل هذا، وإن يكن بمثابة أشياء يعطف عليها بما يعود إلى بعضها وما يسبق في بدايتها، ألا ترى إلى قوله تعالى: {لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه}. وعقب ذلك بقوله: {وتسبحوه بكرة وأصيلا}. إلى بداية قوله: {لتؤمنوا بالله ورسوله}. عائدا. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه من هذه الأصول في الأجوبة سالما وبالله التوفيق.
(1/167)

باب البيان عن مذهبه في جوابه بالكراهية
قال الحسن بن حامد: أول ما نبدأ به هو البيان عن الجواب لإيقاع الجواب بالكراهية، ثم بعد هذا بيان ما تقتضيه فتواه بذلك.
فأما الأصل في جواز الأجوبة فذلك دليل الظاهر والنظر، فمن دليل الظاهر أنا وجدنا أجوبة العلماء مرتبة على ما قد اتسع كلام العرب به وبما جاءهم الكتاب والأخبار فالثابت في الكتاب قوله تعالى: {ولكن كره الله انبعاثهم} الآية: فإذا ثبت الاسم في كراهية الحق أن يكونوا خارجين بعد. . . من الأخبار ما لا خفائه ألا ترى إلى ما أخبرناه ابن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيد الله بن سفيان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله عز وجل ينهاكم عن كل ذي ناب من السباع. فأبان عن التحريم بلفظ الكراهية.
ابن النصري أبو الفتح قال ثنا محمد بن داود قال ثنا أحمد بن سلام قال
(1/168)

ثنا عبد الرحمن قال ثنا يزيد قال ثنا إسرائيل قال ثنا أبو إسحاق عن الحارث عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي لا تقرأ إذا أنت ركعت ولا أنت ساجد ولا تصل وأنت عاقص شعرك، فإنه كفل الشيطان.
وأنبأنا ابن مقسم قال ثنا إبراهيم قال ثنا ابن مسلمة قال ثنا عبد الله يعني ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن القزع للصبيان فكرهه.
ومن حديث مالك بن أنس عن سهيل عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال.
(1/169)

وأخبرناه أبو بكر ابن إبراهيم بن عبد الله الشافعي قال ثنا محمد بن الحسن بن الفرج الهمداني قال ثنا مسعدة قال ثنا شبل بن عباد المكي عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أهدي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قباء ديباج فلبسه، ثم أوشك أن نزعه فبعث به إلى عمر بن الخطاب فأتاه عمر فقال يا رسول الله كرهته أن تلبسه وأعطيتنيه فقال إني لم أعطكه لتلبسه وإنما أعطيتكه لتبيعه فباعه بألفين.
ومن ذلك أيضا ما أخبرناه الشافعي قراءة عليه قال ثنا محمد بن غالب ابن حرب قال ثنا الحميدي قال ثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن وهب بن منبه عن أبيه عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تلحفوا في المسألة فإنه لا يسألني أحد منكم فأعطيه وأنا كاره فيبارك له فيه.
ومن ذلك الحديث كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يأتي الرجل أهله طروقا ونظائر هذه الآثار تكثر كل مؤذن بأنه شيع في الأوامر والنواهي إن تبع بلفظ الكراهية ويكون ذلك بمثابة الأجوبة بالتحريم، وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه عن إمامنا من الأجوبة بالكراهية سائغا إذ ذاك يطابق لحد ما ثبت في
(1/170)

الأمر ويطابق موجبه لغة العرب، وكل العلماء لا يتناكرون الأجوبة بذلك من المدنيين والعراقيين وبالله التوفيق.
فصل فأما الكلام في موجب جوابه بالكراهية أيوجب التحريم أم الاستحباب فالمذهب فيه عندي أن ذلك يقتضي الإيجاب إلا أن يقاربه بيان يكشف به عن المراد وما ورد مطلقا، لا بيان فيه فإنه يقتضي التحريم لا غير ذلك. وقد نقل عن أبي عبد الله في ذلك أجوبة عدة في أماكن شتى فقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول: يكره جلود الثعالب وقال عنه حنبل: أكره لبس الملحم. قلت: حلف لا يمس من غزلها يعطي أجرة القصار والخياط؟ قال: أكرهه.
ابن منصور قلت: كره سفيان قيم الغنم ثم البقر اثنين واحد؟ قال: نعم.
وقال أيضا: قلت له كسب الحجام؟ قال: كره النبي صلى الله عليه وسلم كسب الحجام.
(1/171)

وعبد الله عن أبيه: أكره أكل الحية والعقرب وذلك أن العقرب لها حمة، والحية لها ناب.
المروذي: كره أن يصلي في القبور. قال: ما يكره من الساعات يصلى فيها؟ قال: ثلاث ساعات. قلت: النفخ في الصلاة؟ قال: يروى
(1/172)

عن ابن عباس من نفخ فقد تكلم، وأكره النفخ في الصلاة شديدا ولا أقول يقطع الصلاة.
الميموني قال أحمد: ما أعلم أحدا كره وطئ المدبرة، إلا إسحاق بن إبراهيم, قلت: ترى الدم في القدور من اللحم؟ قال: إنما يكره الدم العبيط.
الميموني: قلت له رد اليمين؟ قال: أكرهه؛ هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم. ونظائر هذا يكثر، كل ذلك عندي مؤذن بالتحريم إلى مكان
(1/173)

وجد منه الجواب بذلك. وقال بما ذكرناه من تضامن شيوخنا الخلال وعبد العزيز وغيرهما.
وخالفت طائفة من أصحابنا فقالت حيث كان جوابه بالكراهية كان ذلك توقيفا إلا ماكان عنه بيان بالإيجاب، وما لم يكن عنده تفسير، فإنه للتكثر فيه لا غير ذلك.
ومن قال نبدأ استدل بأصول من أجوبة أبي عبد الله من ذلك أنه قال في رواية ابن منصور أكره أن يصلى في ثياب أهل المدينة.
ومن ذلك المروذي: أكره قراءة حمزة.
وابن منصور: أكره القراءة بالألحان.
والمروذي عن أبي عبد الله: أكره الخبز الكبار. فأقول وكل هذ عند علمائنا للاستحباب لا غير ذلك.
واستدلوا بعد ذلك أن أبا عبد الله قطع أن الكراهية لا توجب التحريم فقال في رواية مهنا في كتاب الذبائح أن يذبحها حتى تزهق، فقلت: يقطع
(1/174)

فيها قبل أن تبرد؟ قال: مكروه، قلت: حرام؟ قال: لا، إنما قلت مكروه.
عصروا ذلك بالاستدلال وشهادة الأثر والنظر. فالأثر أن النبي صلى الله عليه وسلم كره أن يأتي الرجل أهله طروقا. وذلك مستحب. ومن ذلك حديث علي: أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، ولا تقرأ وأنت راكع أو ساجد، ولا تصل عاقصا. والفعل لا يؤثر فسادا، فكانت الكراهية استحبابا.
قالوا وأيضا: فقد ثبت وتقرر أن لفظة يكره حث على التوقي لا غير ذلك. ألا ترى أنهم يقولون نكره هذا يريدون التوقي لذلك.
ومن ذلك قال: فرض وحتم إذا تركه ويقولون مكروه ومستحب أن لا يفعل فأقر وكل هذا استحباب، فإذا ثبت هذا الإطلاق في الجواب بأمر الكراهية استحبابا. وهذا كله فلا وجه له فالدليل على صحته ما ذكرناه ظاهر ونظر، فالظاهر كتاب وسنة: فمن الكتاب قوله تعالى: {ولكن كره الله انبعاثهم} الآية. وإطلاق الكراهية يؤذن بإيقاع الفرض والحتم. ومن السنة ما ذكرناه من الأخبار حديث علي وجابر. ومن ذلك حديث مالك بن أنس عن سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال. وحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن القزع للصبيان فكرهه.
وأنبأنا أبو زيد قال ثنا ابن محمد قال محمد بن إسماعيل البخاري قال: ثنا قتيبة بن سعيد قال ثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن الحسين عن
(1/175)

عقبة بن عامر أنه قال: أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فروج حرير فلبسه ثم صلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا كالكاره له ثم قال لا ينبغي هذا المتقين.
فإنه قيل فقد عارض هذه الأحاديث والأخبار ما أخبرناه ابن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال ثنا عفنان ثنا شعبة قال أخبرني سليمان بن عبد الرحمن قال سمعت عبيد بن حمدون مولى بني هاشم أنه قال سألت البراء بن عازب عن الأضاحي وما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وما كره فقال: أربعا لا تجزئ قلت يار رسول الله فإني أكره أن يكون في القرن نقص أو في إذن فقال: ما كرهت فدعه ولا تحرمه على أحد. وهذا مؤذن بأن الكراهية لا توجب التحريم.
فالجواب أن هذا لا وجه إذ ليس في نص قول النبي صلى الله عليه وسلم ما يقتضي أن الكراهية ليست للتحريم، وبالنص بدايته وحال نهايته استحق به أن الكراهية علم للتحريم، وبالنص بدايته وحال نهايته استحق به أن الكراهية علم للتحريم، إذ قوله ما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نهى فنقل أنه قال: أربع لا تجزئ. فأبان أن المكروه هو الذي لا يجزئ فكان ذلك نصا في بابه.
وأما قول البراء يا رسول الله إني أخاف أن يكون في الإذن والقرن نقص فقال ما كرهته فلا تحرمه، مؤذن بأن ما حرمت أنت على نفسك ومنعت نفسك عنه فلا تمنع الناس منه، وهذا أيضا يطابق أن التسمية في الكراهية على المنع فكان الخبر لنا.
جواب ثان - وهو أن البراء إنما أسقط أن يكون كلامه مؤثرا لأنه شيء من رأيه، وما كان من رأيه كان الاعتبار به فاسدا.
(1/176)

جواب ثالث - وهو أن الإذن والقرن قد يثبت البيان فيها من صاحب الشريعة يأتي لا كراهية فيها، فكان ذلك هو الأصل فكان من كرهه لا تؤثر كراهيته شيئا إلا في تسمية ولا غيرها، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
ومن أدل الأشياء ما أخبرناه أيضا ابن الصواف في الإجازة قال ثنا هارون قال ثنا محمد قال ثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن خراش أن رجلا من اليهود لقي حذيفة بن اليمان فقال: نعم القوم أنتم إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشاء محمد. قال: فذكر حذيفة للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت لأكرهها ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد. وهذا منه صلى عليه وسلم نص في أن الكراهية اسم للتحريم والزجر والنهي، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما، وأن هذا جرى في الشريعة لاستحقاق التحريم لا غير ذلك، ثم الذي يدل على صحة ذلك أن هذه تسمية من الصحابة جارية للمحدثات لا غيرها ألا ترى إلى ما رواه ابن سيرين كان ممن يكره الصلاة فيما لم ير عمر وابن عمر وعمران بن حصين وعائشة وجابر، وهذا لا محالة اسم للتحريم والردع لا غير ذلك. وكذلك أيضا قوله هذا حرام لا تفعل هذا ويكره هذا، كل ذلك علم للامتناع والردع. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
فأما الجواب عن الذي قالوه بذا من الروايات على أبي عبد الله في الخبر وفي باب أن يكره أن يصلي وفي قبلته شيء فذلك لا يؤثر شيئا أو كل شيء فيها صدر عنه فيه البيان أنه مستحب وما نقل عنه، وثبت البيان والتفسير كان متعلقا لما نقل عنه فيه ولا تفسير فإنه يقر على ظاهره مستحق به الكراهية لا غير ذلك.
(1/177)

ومن أدل الأشياء أنه قد أثبت في جلود الأنمار قال أكرهه افترى يقال لا تكتب ذلك تحريما.
ومن ذلك ما نقل عنه أنه قال: أكره الصلاة في القبور، وأكره أكل الحية والعقرب، وأكره النفخ في صلاته، والقراءة بألحان، كل يقول أكرهه لا خلاف عنده أن ذلك النهي، فإذا ثبت في هذه الأصول كلها علمت بذلك أن إطلاقات الأجوبة بالكراهية كالجوابات بالتحريم سواء.
فأما الذي اعتمدوا عليه من حديث الاستدلال فالأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلّي أكره لك ما أكره لنفسي، فذلك لنا، أو ظاهر ذلك مؤذن بالزجر والردع وأنه لا يقرأ في ركوعه ولا ساجد ولا بشعره عاقصا، فإذا ثبت أنه يوجب ذلك بطل الاستدلال.
جواب ثان - وهو إنا وإن قلنا إنه بالعقص للشعر لا يبطل صلاته فلسنا نخرج ذلك من أنا ننسبه إلى أنه قد تركعليه وهو إنا بالدليل علمنا صحة صلاته من فسادها.
وأما نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي أهله طروقا وأنه كره ذلك فلذلك أيضا لا يضرنا إذ ظاهر ذلك مستحق به الزجر عن الفعل وهو إنا بالدليل علمنا أن الأمر ندب، وهذا بأسره لا يضرنا إذ الظاهر إدخال الدليل عليه في نقله عن ظاهره ولا يكسب إسقاط يوجب القضاء بأصله.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أن اللفظ الذي يستحق به التحريم كان بلفظ البتات، وأن الكراهية لا تعطي حظرا بذلك لا ينبغي له إذ ليس، وإن قلنا إن لفظ البتات، يقع التحريم مما يمنع أن يكون أيضا يقع بلفظ فيه تضعيف ألا ترى أنه إذا قال ينبغي أن تفعل كذا وكذا فذلك إذن بالأمر، وإن كان أدون في موقعه من لفظ البتات، فإذا ثبت هذا لم ينكر أن يكون لفظ الكراهية وإن كان أدون من غيره أن يقع البتات في الحكم به.
جواب ثان- وهو إنا قد قدمنا أن لفظ الكراهية هو من أحد أنحاء ما ثبت به الأحكام وقد بينا من حيث الأثر والنظر ما فيه غنية وبالله التوفيق.
(1/178)

باب البيان عن جوابه بالاستحسان للفعل
قال الحسن بن حامد رحمه الله: صورة ذلك من مذهبه:
ما رواه الأثرم قلت لأبي عبد الله المكاتب يسأل فيفضل منه فضله فذكر حديث أبي موسى قلت كأنك تستحسن حديث أبي موسى إي لعمري وإنه حسن.
وقال عبد الله: انتخبت على أبي أحاديث وحديث سهيل فاستحسنه وحديث سهيل هذا هو حديث داود عن أبي الزناد عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان له شعر فليكرمه. هذا ونظائره إذا ثبت عنه الجواب ففيه وجهات أحدهما: أن ذلك لا يثبت إيجابا بل هو إباحة للفعل لا غير ذلك.
الوجه الثاني - إن ذلك إذن بالبيان عن الحكم في الشيء إيجابا وأمرا.
وهذا هو الأشبه عندي بالمذهب فمن ذهب من أصحابنا إلى نفي الإيجاب، والدليل أن ذلك نفس جوابه بأن هذا حسن ليس فيه أكثر من استحسان الشيء، وقد يحسن ما هو غير لازم فبطل أن ينسب إليه ذلك استحقاق جواب.
وأيضا فإن الأصول على ضد الإيجاب بلفظ الإحسان ألا ترى أنه يقال
(1/179)

فلان محسن إلى زيد وحسن ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: وخالقوا الناس بخلق حسن. وهذا كله علم الاستحباب لا يستحق به أمر تحريم ولا تذنيب. وهذا فلا وجه له. والدليل على صحة ما ذكرناه أنا وجدناه إذا سئل فأجاب فالجواب من جهته يوقع على حد الإلزام إذ ظاهر ما سئل عنه العلماء مؤذن بالبيان عن الواجب فإذا قال وقد يسأل عن مال يوجد، أو عن حديث في أموال وردت، واستحسن هذا الحديث في هذه المسألة كان ذلك بيانا كافيا أنه بالواجبات علم لا غير ذلك، ألا ترى إلى حديث أبي موسى في العبد إذا سأل الناس وفصل فقال نجعله في الرقاب منعا عن إعطائه العبد، وهذا لا يكون للاستحباب بأن يستحب الإنسان أن يأخذ مال زيد فيعطيه عمروا فيثبت بذلك الحد في استحسان ما هذا واجب لا غيره، وكذلك في حديث سهيل فليكرمه قطعا. ثم بعد هذا فالدليل على أن هذا اللفظ من الاستحسان له دخل في الإيجاب إنا وجدنا أهل اللسان لا يأبون ذلك ألا ترى أنه يقال إذا كان الفعل واجبا هذا حسن، وقال مرضي ونعم ما أتى وحسن ما أتاه كل ذلك في الواجبات.
ومن أدل الأشياء إنا وجدناه داخلا في الكتاب في المستحقات ألا ترى إلى قوله تعالى: {حقا على المحسنين} والذي علق به الأمر وإن كان بلفظ الاستحسان حتما. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}. ومن ذلك قوله تعالى {إن أحسنتم}. وكل ذلك حد الفعل للواجبات فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
(1/180)

فأما الجواب عن الذي ذكرناه قالوه من أن الاستحسان ليس فيه أكثر من إيقاع الفعل فذلك يوجب عن واجب ظاهره الإيجاب إذ لا يقول يفعل أو لا يقول حسن أن يفعل ذلك إلا أنها غير واجب الفعل وتحسينه بحديث أبي موسى ليس يجوز أن يكون له دخل في غير الواجبات، فإذا ثبت هذا كان كذلك جوابه في كل النازلات.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أن الأصول لا يثبت منها بلفظ الاستحسان واجبا فذلك فاسد إذ الأصول على ضد هذا وأنها تثبت الاسم في الأخبار عن الواجبات.
وأما حديث النبي صلى الله عليه وسلم: وخالق الناس بخلق حسن. فذلك لا تأثير إذ ليس ينافي حصول ظاهر ذلك منه أمر.
جواب ثان - وهو أنا بالدليل علمنا أن من الأخلاق الحسنةة ما يكون فضلا لا فرضا، فأما إطلاق الخبر فذلك مستحق به الإيجاب للمعاشرة الحسنةـ، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما وبالله التوفيق.
(1/181)

باب البيان عن جوابه بأعجب إلي وإنكاره بالتعجب
قال الحسن بن حامد رحمه: صورة ذلك.
ما رواه أبو داود فيمن ترك التسمية متعمدا فقال أخشى أن يعجبني أن يعيد.
وقال عنه إسحاق بن إبراهيم: إن إسحاق يقول في بنت وأخت وعم، للبنت النصف وما بقي للأخت والعم نصفي؟ قال: لا يعجبني. قيل له: فإن إسحاق يقول في قول عبد الله ما بقي للأخت، وفي قول ابن عباس للعم
(1/182)

فأحرى أن يكون بينهما نصفين على الصلح. قال أبو عبد الله: لا يعجبني ذلك. وقال إسحاق في وصيته للصبي ابن اثني عشر جائز. وقال في الأسير: إذا وضعت رجله في القيود؟ فلم يعجبه أن يوصى بما أوصاه.
وقال عنه إسحاق في أحد البنين إذا سأل أباه شيئا من ماله؟ فقال: لا يعجبني أن يفضله عليهم. ونظائر ذلك يكثر فكل ما ورد من هذا النحو فكله عندي مستحق به الواجب وعلم للتحريم كأنه قال لا يفعل، أو قال يفعل كذا. وطائفة من أصحابنا يخالفون في ذلك ويجعلون ذلك علما للاستحباب لا غير ذلك لأن أبا عبد الله رضي الله عنه قال في الوضوء: يسمي أعجب إلي وإن لم يسم أجزأه. وقال صالح عنه في العيدين إذا فاتته يصلي ركعتين، وأربعا إن صلى كان أعجب إلي. ومن ذلك المروذي: قراءة العامة أعجب إلي، وإن قرأ بقراءة ابن مسعود لا أقول يعيد. وابن ابراهيم عنه: إذا أوصىى أن يدفن في داره؟ قال: يدفن في مقابر المسلمين مع المسلمين أعجب إلي. قالوا: فكل ذلك مستحب.
ومن ذلك أيضا أن قوله أعجب إلي ليس فيه غير أنه يعجبه الفعل أو لا بعجبه الفعل قبل ذلك وأحب أو غيره، ليس له حظ في جوابه.
ومن ذلك أيضا أن كل لفظ له حد في اللغة على صفة فإنه لا يبعد أنه عن ما هو مستقر في الشريعة وفي الشريعة أنه إذا قال يعجبني أن ذلك علم الاستحباب لا غيره. وهذا كله فلا تأثير له.
(1/183)

والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أنا وجدنا جواب العلماء إذا نسبت بأن يقولون إذنا بالأمر بالشيء، أو لا طريق إلى إيقاع الجواب إلا على الحد الذي يقتضيه السؤال، فإذا ثبت هذا كان سائر ما يصدر عن إمامنا من الأجوبة بهذا علما للحتم والفرض، ولا أعلم خلافا بين أصحابنا أنه إذا قال هذا لا يعجبني أن ذلك مستحق به النهي عن الشيء، ذلك أمر الوصية وقسمة الفرائض وما جانبها، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه في بابه أصلا. ثم بعد هذا فالذي يدلك على صحة ما ذكرناه إنا وجدنا هذا اللفظ دخل في الشريعة علما بعين الشيء بمثابة تسمية بيان الأسماء فيه. ألا ترى إلى قوله تعالى في قصة إبراهيم في البشرى {أتعجبين من أمر الله} حيث قالت أألد؟ فكان الاسم في أتعجبين علما بمثابة الصريح.
ومن ذلك أيضا قوله تعالى {إن هذا لشيء عجاب} بمثابة الصريح كأنهم قالوا: إن هذا لشيء منكر، فعبر عنه بالتعجب.
ومن ذلك أيضا قوله تعالى: {بل عجبت ويسخرون} يريدون بذلك إذنا لما في ذلك من الإمكان، فإذا ثبت هذا علمت أن هذا اللفظ شرعا جائز إيقاع الجواب به، وفيه علما للحكم لا غير ذلك.
ومن أدل الأشياء أنا وجدنا الأصول بذلك واردة أنهم يقولون أتيت عجبا إذا أتى منكرا، أو يقولون: لا يعجبنا هذا. كما يقولون: لا نرضى لك ولا يصلح لك. ويقولون ما أعجب ما رأيناه منك. كل ذلك بمثابة النكير بلفظ الصريح، وقد يقبلون إلى موجب المدح بأن يقولون أما زيد ما يعجبنا، فإذا ثبت هذا الحد علمت إذا قال لا يعجبني أنه علم الرد، وإذا قال: يعجبنا أن يفعل كأنه أثره بالفعل، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
(1/184)

فأما الجواب عن الذي قالوه بدأ من الروايات عن أبي عبد الله فيما نقلوه من التسمية وصلاة العيد عن الفوات فكل واحدة من تلك المسائل فسرها بأن ذكر أمرين وقال: أعجب إلي هذا بعد أن يبين عن الآخر إذ نحن لا نأبى ذلك سواء كان البيان مقرونا مع الجواب أو بمكان آخر، فإنه سواء يقضى بمفسر جوابه على ما نقل عنه مطلقا. وما لم يكن عنه فيه البيان كان ظاهر ذلك الحتم والإيجاب بمثابة ما ذكرناه في جوابه بكل مكان.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أن هذا حدة في اللسان لا يؤثر شيئا، إذ الأمر بخلاف ذلك، وأن الحد في اللسان الزجر والإعلام.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أنه يقال إنه ما يعجبنا إذا أتى فعلا فذلك لا يضرنا، إذ قد يقال ذلك لإصابة فرض وحتم، ألا ترى أنه يقال قد أتى حسنا وإن كان ما أتى حتما، ويقال أتى ما يعجبنا إذا كان ما أتاه حتما.
جواب ثان - وهو إننا قد قررنا أن القصد بالجواب ثبوت الأمر والبيان عن الحتم لا غير ذلك، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
فأما إذا كان في جوابه ذكر مذهبين فقال لأحدهما أنه يعجبني فإنه يقطع على ترك الآخر، وإن ما قاله من المذهبين الحق فيه دون الآخر لا يكون له دخل في التجويز صورة ذلك:
قال حنبل عنه: قال ابن عباس في الفائدة يزكيه لوقته. وقال عنه بكر بن محمد بن محمد عن أبيه قال: إذا أخذ من طريق المسلمين شيئا لا تجوز شهادته، ووارثه من بعده أهون وأعجب إلى أن يرد.
وقال ابن منصور عنه: أم ولد قتلت سيدها؟ قال فيه قولان: أحدهما تصير حرة لأنها إذا حفت جنايتها، ومنهم من يقول عليها قيمتها، فإن لم يكن كان دينا عليها وهذا أعجب إلي. قلت: مدبر قتل سيده؟ قال: تزول عنه الوصية ويصير عبدا.
(1/185)

ونظائر هذا يكثر كل ما ورد عنه منه ما يقتضي استقرار واحد وفساد الآخر وبيان أنه ما يقول به. وهذا قول عامة أصحابنا وبه قال الخرقي وغيره، وقد تجيء على قولهم الأول أن يكون إذا قال لأحد المذهبين أنه أعجب إلي أن ذلك تقدمة للأولى لا تقدمة للأصح على الفاسد، وهذا بعيد من الإصابة، والدليل على صحة ما ذكرناه أنا وجدنا جوابه يذكر مذهبين فقال لأحدهما إنه أعجب إلي بأنه قطع على الصحة فيما ذهب إليه وإخراج الآخر من الإجازة، وهذا الحد هو أصل ثبته من كلام العرب، وإنهم يقولون هذا أعجب إلينا، ويقولون هذا أحرى. وهذا أولى يتقون ولاية غيره، وأخرى يتقون تقدمة غيره، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه يثبت من جواب إمامنا بأعجب، إنما هو لتمييز أحد الجائزين وقطع على أحد الواجبين لا غير ذلك، وقد قدنا من ذلك ما فيه غنية وبالله التوفيق.

مسألة إذا قال: لا يعجبني وقد رد ذلك بأن يقول وقد قال بعض الناس

صورة ذلك: ما رواه الفضل بن زياد قال سمعت أبا عبد الله وقد سئل عن القرآن يتمثل له الرجل بالشعر؟ قال: لا يعجبني هذا أن يتأول الشعر على كتاب الله، وقد روي عن ابن عباس يعني الرخصة في ذلك. ونظائر هذا يكثر والمذهب فيه عندي مبني على ما ذكرناه في جوابه الاختلاف فها هنا إذا قال يعجبني وقد قال بعض الناس: لا يكسب نقصا ولا يؤثينا في جوابه ولا جواب غيره، وقد يجيء على ما ذكرناه بذا أن يكون هذا منه ميلا إلى الترخيص، وقد أخذ به طائفة من أصحابنا حتى أنهم قالوا يجيء المجاز في القرآن وقد أنبأ فيما سبق من كتابنا تعبيرا وكتاب الأصول ما فيه غنية وبالتوفيق.
(1/186)

فصل ذكر مسائل أجاب إمامنا فيها بهذا الجواب واتفق أصحابنا انتحالها فمن ذلك:
ما رواه الأثرم: قلت: أمرت رجلا زوجها فدخل بها؟ قال: يعجبني أن يستأنف النكاح, قلت: تزوجها على أن يحج بها؟ قال: النكاح على ما نكح الناس ولا يعجبني ردها إليه حتى تستبرأ ولا ينبغي ذلك. وقال: لا يعجبني أن ينكح الولي الغريبة.
وقال اسحاق بن إبراهيم: قلت: حلف أن لا يشتري شيئا من الشاة.
قلت: طاف بين الصفا والمروة قبل البيت؟ قال: لا يعجبني حتى يطوف بالبيت ثم بالصفا والمروة.
وقال صالح: قلت: بنى مسجدا في طريق المسلمين؟ قال: لا يعجبني أن يصلى فيه.
أبو طالب عنه قال: يعجبني في الكفارة أن تكون منه.
ابن منصور عنه: لا تعجبني شهادة الرافضة والجهمية والقدرية.
(1/187)

إسحاق بن إبراهيم: لا يعجبني أن تخرج إلا مع محرم.
ابن منصور: إذا كان أكثر ماله الحرام فلا يعجبني أن يأكل منه إذا دعاه.
المروذي عنه في الجنب لا يعجبني أن يؤذن ولا يقرأ حرفا.
ومن هذه المسائل ما يكثر كل الاختلاف بين أصحابنا فيها أن مقتضاها الإيجاب وإعلام ما أعجبه بأنه مباح لمن أراده، وأن ما قاله بأنه لا يعجبني أنه لا يجعل فعله، وإنه بذلك مؤذن بتحريمه. وفي خلال كتابنا يأتي بيان ما نقل عنه وبيان ما العمل عليه وبالله التوفيق.

فصل بيان الإنكار بالتعجب

قال الفضل بن زياد: قلت لأبي عبد الله: رجل عليه صيام الظهار دخل عليه فطرا أو ضحى؟ قال: يبني بعد أيام التشريق.
وقال الحسن يقول: إذا كان عليه سنة فأفطر التي نهى عن صيامه فليست عليه شيء ولا قضاء عليه، فقلت له: سبحان الله. فقال: رحم الله أبا سعيد، وجعل يعجب ويضحك.
ونظائر هذا يكثر في جواباته وما يحكيه عن أبي حنيفة وغيره وأنه تارة يقول سبحان الله، وتارة ينقل أنه حكى ما يعجب منه، فإذا ثبت هذا عنه أو شيء من إيجابه، فإنه بذلك مقطوع على نكيره وإنه غير قائل به، وهذا يتردد عن وأنه ينكر بما يتعجب من الأشياء وقد تقدم في الأصل ما يغني عن التردد وبالله التوفيق.
(1/188)

باب البيان عن مذهبه أشرع من حيث دليل الخطاب أم لا
قال الحسن بن حامد رحمه الله: والمذهب أنه إذا سئل عن مسألة ذي وصفين فأجاب جوابا علقه على أحد الوصفين فإنه بدليل من جوابه في الوصف الآخر بخلافه في منصوصه. صورة ذلك من مذهبه:
ما قاله أبو طالب: قلت لأحمد إنما قال نعم الأدم الخل، ولم يقل الأدم الخل لا ينفي أدام كغيرها أفضى بها فاعلم إمامنا بجوابه منكرا على أبي حنيفة أن قوله نعم الأدم الخل وأنه لو كان بدل ذلك أن يقول الأدم الخل لا ينفي كون أدم غيره. وهذا من حيث دليل الخطاب لا من حيث نص النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك مذهبا سالما.
ومن ذلك أيضا قال طاهر بن الحسن التميمي: سألت أبا عبد الله عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: لا يجزي ولد والده إلا أن يجده رقيقا فيشتريه فيعتقه.
(1/189)

وحديث سمرة فقال: لا أصل له. وإذا ملك أباه عتق عليه.
قال أبو الحارث: قلت: ملك أخاه؟ قال: دعها، ولكن إذا ملك أباه عتق فكان دليل الخطاب تعليقه بالعتق، تعليقه بالعتق بالأب نفي الجواز يعتق الأخ بالملك.
ومن ذلك أيضا إسحاق بن إبراهيم في رجل له على رجل اتبعه يقدمه إلى الحاكم؟ قال: إن علم أن عنده فإما يؤدي فأرجو أن لا يأثم فبين أن لا يأثم عند المقدور والوفاء وبين من حيث الدليل عنه إذا كان معسرا أنه يأثم، وإن لم يقل ذلك نطقا.
ومن ذلك ما قاله في رواية اسحاق: قلت: رجل أسلم على يدي رجل أله الولاء؟ فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: الولاء لمن أعتق. بين أنه لا، ولا لمن أسلم على يديه، وإن كان ذلك عريا عن جوابه نطقا، وإنما هذا من هذا من الدليل مفهوم.
ومن ذلك في رواية حنبل إذا قال من جاءني منكما بخبر كذا وكذا فهو حر فجاء بالخبر واحد أنه يعتق عليه من جاءه بالخبر دون الآخر، وجعل ذاك من حيث الشرط إن ثبت له مجيء الخبر، ونفى عن الآخر من حيث الدليل، وأنكر مقالة من قال عتقا جميعا ويسعيان في قيمة واحد منهما.
ومن ذلك ما قاله ابن منصور في أدب القاضي: قلت الورثة يحلفون على العلم. وكل هذه الأجوبة تثبت بالنص فيها ما أوجبه نطقها بصفتها، وثبت منها أيضا جواب على ضد الفقهاء في ضد الصفة المذكورة في فتواها وينسب ذلك إليه من حيث الدليل بمثابة ما نسبنا إليه موجب القضية من حيث
(1/190)

المنصوص اليقين. وهذا هو مذهب عامة أصحابنا، أبو بكر الأثرم على ما أصلناه عنه إن كان ينسب إليه المذهب من حيث موجبه عنده قياسا والمدلول أقوى، وهو أيضا مذهب أبي القاسم عمر بن الحسين الخرقي، وبه قال من شاهدناه من أكابر شيوخنا. وأما عبد العزيز شيخنا رحمه الله فإنه ما اعتمد على فتوى من حيث دليلك الخطاب وما رأيته إليه قائلا.
وقال في كتاب أدب القاضي: الأيمان كلها على علم الحالف يقع ولم يفرق بين الورثة ومن سواهن من الدعاء عليهم وخالف في علمه الجمهور من أصحابنا. والمأخوذ به ما ذكرناه لا غير ذلك.
وقد اختلف أصحابنا أيضا في أصل القول بدليل الخطاب، فذهبت طائفة إلى منع ذلك وأنه لا يحتج بمثابة قول أبي حنيفة، وقد أثبت في كتاب الأصول بعون الله ما فيه غنية وإيضاح لما قاله المخالفون مما عن الترداد.
فأما الكلام هاهنا في أعيان المسائل فمن أبى ورده استدل في ذلك أن ما عداها بمثابتها ألا ترى أنه قال فيه إذا ملك أباه عتق، ولا ينفي ذلك العتق إذا ملك أخاه.
ومن ذلك أيضا فيما نقله أبو داود قال: قلت: إذا طلق المريض ومات عنها وهي في العدة أترثه؟ فقال: إذا طلق في المرض ورثته. جوابه أنه لو كان مقيدا بالعدة شرط، وإن كان جوابه عليها واقعا. وكذلك في باب جوابه أن لو كان مقيدا ما بعده، وما نفى الإرث في غير العدة وقال: وقد ثبت أنه لا يجوز أن ينسب إلى أحد جوابا إلا من نطقه، واستماع ما أفتى به، ولا ينسب إليه شيء من حيث دليل الخطاب. قال: والفقيه قد يشترط في أن الإبطال تأكيد لإثابة المراد بل هو زيادة في الصفات إذ ليس لإبطال في عقدهما إلا بإن
(1/191)

يوجد المراد. قال: وكل ذلك في مقالات الناس من بيع وغيره، ولا يلتفتون إلى دليل الخطاب، ثم يقضون بما ثبت بينهم وهذا كله فلا وجه.
والدليل على صحة قولنا ظاهر ومعنى.
فالظاهر كتاب وسنة. فأما الكتاب فذلك بين في قوله تعالى: {ولتعرفنهم في لحن القول}. ولحن القول: هو إيقاع معنى مستودع في نفس القول خارج عن التسمية، إنه قول.
ومن ذلك أيضا ما قد ثبت وتقرر في قوله تعالى: {هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم}. فمنع تعالى من المساواة، وجعل الإمثال في نفي الإملاك تصرفه ذلك في العبيد إذن ذلك بأنه لا يوجد في غيرهم حقيقة المثل ولا نفي الإملاك.
ومن السنة: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أوتيت جوامع الكلم. وقد ثبت عنه أنه أبان بقوله الولاء لمن أعتق دل على أن من عداهم لا يكون له الولاء.
وهذه المسألة أدلتها من الكتاب والسنة أكثر من الإحصاء، وليس غرضنا الكلام في أن دليل الخطاب حجة أم لا، وإنما ذكرنا هذا القدر بيانا عن الأصل في ذلك، ومع هذا فقد ثبت وتقرر أن إمامنا وغيره من العلماء لا يأتون لكلمة من حيث الشرط إلا ولذلك فائدة، فلو كانت القضية بالشرط وعدم الشرط سواء كان ما جاء به الفقيه من الشرط أيضا لغو، وهذا بعيد أن ينسب إلى أحد من العلماء، وليس هذه الشرائط إلا بمثابة شرط النبي صلى الله عليه وسلم
(1/192)

في قوله لعدي: إذا أرسلت كلبك فذكرت اسم الله فكل. شرط علق الإباحة عليه.
ومن ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقه.
ومن ذلك أيضا ما قد ثبت في إخصاصه الولاء بالعتق. وما جاء من ذلك. فإذا ثبت هذا عنه شرطا آذن أن كلا له من الفائدة ما لا يخفى وأنه يؤذن بأن ما عدا للوصف القضاء فيه بخلافه، وهذا في كتاب الأصول في مكانه لا ها هنا.
فأما الجواب عن الذي قالوه من المنقول عن أبي عبد الله في العتق وأمر الإرث في المطلق إذا مات عنها في العدة فذلك لا يؤثر شيئا، إذ الأجوبة عن أبي عبد الله رحمة الله عليه على ثلاث مراتب:
أحدها: أن يأتي بدليل خطاب مقرونا بتفصيل وبيان، فإنه لا يقتصر على دليل جوابه لأنه مقرون بتفصيل في مراده.
والثاني: أن يأتي بالنص معلقا بإحدى صفات السؤال ويأتي بالجواب في ذلك بما يغني عن دليل الخطاب بزيادة فهو تفصيل بمثابة جوابه في المالك لأخيه ولابن أخيه فإنه يقضى به على موجب دليل خطابه في أماكن أجوبته.
(1/193)

والقسم الثالث: أن يرد الجواب مطلقا لا يفارقه ما يفسره ولا يوجد عنه في مكان من أجوبته تفصيل ولا بيان فإنها هي المسألة التي يجب فيها الأخذ بدليل الخطيب ويجعل له مذهبا من فحوى خطابه، فإذا ثبت هذا سقطت عنه عهدة ما قاله من أمر العتق بملك الأخ وغيره لما جاءت به الرواية عنه فيما ذكره عنه الأكابر من أصحابه كالأثرم وأبي داود وابن منصور ومن يكثر عددهم في جواباته فيما نقلوا. وكذلك الجواب عن المريض وأن العدة لا تجب بشرط لأنه قد بين فيما نقله عنه ابن منصور والأثرم وغيرهما وأن ميراثها وإن قضت عدتها ما حبست عن الأزواج نفسها، فإذا شغلت نفسها بطل إرثها، وذكرنا عنه في ذلك ما فيه غنية.
جواب ثان - وهو أن العدة ليست شرطا في جواب أبي عبد الله رضي الله عنه وإنما ذلك شرط في السؤال، والسؤال لا اعتبار به، وإنما الاعتبار فيما قصدناه من الجواب، فإذا ثبت هذا كان ما أتوا به غيرنا عن الصواب، وقد قدمنا في ذلك ما فيه غنية وبالله التوفيق.
(1/194)

مسألة دليل الخطاب أيسقط بقرينة البيان أم لا
صورة ذلك الذي نقلناه عنه وقد سئل عن الرجل إذا ملك أخاه فقال: إذا ملك أباه عتق، وبين في موضع آخر مكان غيره أنه إذا ملك أخاه يعتق أيسقط دليل الخطاب أم لا، فأصل هذه المسألة ونظائرها متعلق بتبينه كلام إمامنا بعضه على بعض، وقد يحتمل ها هنا وجهين:
أحدهما: أن نقر كل رواية على موجبها وينظر أشبه الروايتين بالاحتجاج على موجب الأدلة في مذهبه فيجيء من هذا أنا نقول ملك الأخ روايتان: إحداهما لا يعتق، والأخرى يعتق. وكذلك في كل المسائل.
والوجه الآخر: نفي ثبوت موجب دليل الخطاب والقضاء عنه بما فيه التفصيل - والوجهان يحتملان إلا ومع الاحتمال فقد أوضحناه في كتاب العتق. والمأخوذ هو يتقيد العتق بملك الأخوة وذوي الأرحام. وقد بينا في كتابنا في جواباته على ما رتبناه وأنبأنا عن نص ما أخبرناه بما يتأمل في مكانه وبالله التوفيق.
- باب البيان عن مذهبه في الروايتين إذا كانتا في مكانين: مطلقا ومقيدا أيبنى مطلقها على مقيدها أم لا.
قال الحسن بن حامد رحمه الله: قد يشتمل الكلام في ثنية جواباته بعضها على بعض على مسائل: أول ذلك أن يرد الجواب مجملا لا تفصيل
(1/195)

فيه يحتمل جهات يجهل حالها وترد عنه في مكان آخر ببيان وتفصيل مبينا.
صورة ذلك ما قاله ابن منصور عنه: قلت: شهادة الأعمى؟ قال: كل شيء يضبطه ويعرفه معرفة لا تخفى عليه.
وقال مهنا عنه: قلت له: شهادة الأعمى؟ قال: لا تجوز في بعض دون بعض. قلت ماذا؟ قال: يكون يعين نسب الرجل ويعرف الرجل أنه ابن فلان، وفي مثل هذا ونحوه.
ومن ذلك أيضا قال مهنا: إذا قال إذا حضت فأنت طالق؟ قال: ينظر إليها النساء. قلت: كيف؟ قال: تعطى قطنة يخرج الدم عليها.
ومثل ذلك ما قاله في رواية يعقوب: إذا أراد أن يفتح بابا في زقاق؟ قال: نهم، وليس له أن يستطرقه إلا برضاهم، ولا يتطرف ما زاد على مكانه إلا برضاهم.
فهذا وما كان من جنسه يأتي جوابا مجملا ويأتي عنه مفسرا بينا إما مع الجواب مقرونا، أو في مكان آخر مشروحا. فالأشبه عندي أنه يقضى بالبيان والتفسير، فلا يثبت الإجمال والاحتمال مذهبا ويكون المذهب هو المفصل لا غيره. والأصل في ذلك أن كل كلمة أجهلت فالاحتمال يدخلها، وقد ثبت في أصول الشريعة أن ما ورد عن الله عز وجل ورسوله مجملة فإنه لا يثمر شيئا، ويقضى عليه بالبيان المفسر لا غيره. فإذا أثبت هذا كان ما ذكرناه عن في الأجوبة على أصل السمع منزولا وبالله التوفيق.
مسألة ثانية - فأما الكلام في الرواية إذا كانت عامة اللفظ في مكان وجاء عنه فيها الجواب في مكان آخر بالتفصيل والبيان:
(1/196)

صورة ذلك ما رواه عنه صالح قال أبي: يقطع في كل شيء قيمته ثلاثة دراهم.
وقال في رواية حنبل: لا يقطع الرجل إذا سرق من امرأته، فإذا بان كل واحد عن صاحبه قطع.
وقال في رواية صالح: إذا كانا جميعا، هذا جائز لا يقطع.
وروى عنه رواية أخرى مطلقا فقال: قلت: الرجل يسرق من امرأته، والمرأة من زوجها؟ قال: ليس عليهما قطع.
وقال في رواية أبي طالب والمروذي في الرجل إذا باع نفسه، أو الأمة تضرب، ولم يقل يحد.

وقال أبو يوسف: لا يجاوز عشرا.
من ذلك أيضا ما قاله في الشهادات في رواية الفضل بن زياد عنه إن كان عدلا يحسن الأدب، يعلم ما يأتي وما يذر قبلت شهادته.
وقال في مكان آخر: إذا كان عالما عدلا وربما زاهدا فقرنها بشرائط سبع.
ومن ذلك أيضا إطلاقه في شهادات أهل الذمة في السفر، قال في مكان: إذا كان على مثل ما فعله أبو موسى حلفت وقبلت عند الضرورة.
(1/197)

وقال في مكان آخر: لا تقبل إلا عند الضرورة إذا لم يكن هناك علم ولم يغادر ذلك بيمين ولا غيره.
ومن ذلك الجواب في المتداعيين قال في موضع يتحالفان ويكون ذلك بينهما نصفين إذا كانت الداران متساويان، وموضع سكت عن ذكر الأيمان.
ونظائر هذا يكثر فقد يحتمل في مذهبه عندي وجهين:
أحدهما: أن يقضي بالمفسر ويسقط ما كان من جوابه مطلقا، ويكون ذلك بمثابة الجواب إذا كان بغير مقارنة سواء إذ المذهب كله في حال واحد مجمع، وهذا عندي هو المذهب الذي يعمل عليه، وبه قال الخرقي. وقد بينه في كتابه في أدب القاضي في يمين الوراثة على العلم في العتق إن فضل باليمين بالعتق، وبينه بغير العتق وغير ذلك.
فأما عبد العزيز فالأغلب فيما نقله في كتابه عن أبي عبد الله أنه يأخذ بإطلاق نص جوابه ولا يجعل للشرائط دليل الخطاب ولا غيره تأثيرا.
وأما بنية الأعم على الأخص فإنه في أكثر أحواله الإطلاق من غير تفصيل، وإنه ينقل ما رواه الجماعة من اللفظ الخاص والعام ولم يبن بعض ذلك على بعض بل يأتي ما يختاره هو من الروايات، وعلى هذا عامة أصحابنا أيضا، وأنه يؤدي ما أطلقه وما فسره ويجعل في ذلك روايتين وينظر ما أوجبه من الروايات يصير إليه، ومن ذهب إلى هذا بنى الأمر فيه على أنه قد تقرر أن الرواة إنما ينقلون إلينا ما ثبت عنه من الأجوبة، فإذا ثبت هذا وكان عنه الجواب مطلقا وجب أن يكون ذلك إليه منسوبا. قالوا: وأيضا فإنه لا ينكر أن تكون الدلالة قائمة على الرواية المطلقة العامة في نفي القطع عن الزوجين وإيجاب القطع في كل شيء مما بلغ قيمة النصاب. قالوا: وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المذهب في العام والخاص سواء قالوا. وأيضا فلما كان في
(1/198)

الروايتين إذا كانتا متكافئتين إنهما جميعا يقران ثم ينظر إلى ما أوجبه الدليل منهما، فإذا ثبت هذا كان كذلك في الروايتين إذا أثبتنا أن نقر كل واحدة على موجبها، ولا يثبتا بعضها على بعض ولا يسقط لأحمد رضي الله عنه قول.
وهذا كله فلا وجه له، والدليل على أنه يبنى الأعم على الأخص هو أنا وجدنا الأصول التي قدمناها عن أبي عبد الله رحمة الله عليه في جوابه وفتواه كل مرتب على أصول الشريعة في الأوامر، وما كان له دخل في الشريعة، فإذا ثبت هذا وكان في الشريعة وسها مستقرة على بينة الأعم على الأخص، وما أطلق على ما قيد وجبب أن يكون في جوابات إمامنا أن يبنى ما أطلق منها على ما ثبت من التقييد.
ومن أدل الأشياء أنا وجدنا كلام الفقهاء إلى كلام صاحب الشريعة مردود أن يبنى الأعم على الأخص، فكان كذلك في جوابات العلماء.
وأيضا فإن الفقيه قد يطلق جوابه في مكان اكتفاءا بما ثبت من جواباته بالتقييد والتفسير، وإذا كان هذا تفعله العلماء اكتفاءا ما ذكرناه سالما.
ومن أدل الأشياء ما قد ثبت وتقرر أن الروايات إذا كانت في مسألة واحدة، فكذلك بمثابة الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في القضاء الواحد ومن حيث ثبت في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم أنها إذا اجتمعت رتب خاصها على عامها واحد بالمفسرات فيها وجب أن يكون ما ذكرناه في جوابات إمامنا، وإن كان في مواضع بمثابة كلامع معا في حاو واحد فيما قدمنا في كتاب الأصول غنية وبالله التوفيق.
فأما الجواب عن الذي قالوه من الروايات وإنا نقر كل رواية على ما وردت فنحن لا نأبى ذلك ولا نقول إن ما روي لا يروى بل قلنا إن أمر الروايات يقر كما ترتبت، والأولى يبنى الأعم على الأخص، وليس هذا إلا بمثابة جوابنا في الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنا نقر كل خبر على ما ورد ونجمع بين الأخبار في الاستعمال فنعلق الحكم بالأخص دون الأعم
(1/199)

وينفي عن العموم موجب الأخذ ولا ينفي موجب الرواية فإذا ثبت هذا كان كذلك في باب الروايتين، وإن روينا فيجب أم يقع العمل بالأخص منها والمفسر دون الأعم والمطلق.
وأما الجواب عن الذي قالوه من الروايتين إذا كانتا متكافئتين فذلك لا يلزمنا إذ كونهما متكافئتين لا يكسبا قوة في أحدهما فلأجل هذا لم يكن أحدهما مقدما واعتبرنا ما وثقته الدلالة لا غيرها وليس كذلك فيهما إذا كان في أحدهما زيادة قوة من حيث التفسير، وإذا ثبت هذا كان السؤال ساقطا وبالله التوفيق.
فصل ومن هذا النوع اختلف أصحابنا في الروايتين إذا تكافأتا من وجه واحد، واختلفتا من وجه آخر يقدم ما ورد بزيادة شرط أم لا:
صورة ذلك ما قاله أبو طالب في نصراني قال لعبده أنت حر إذا خدمت بالبيعة سنة فمات الولي قبل السنة؟ قال: يعتق ولا خدمة عليه.
وقال عبد الله: إذا قال: إذا خدمتها خمس سنين فخدم سنة ثم مات مولاه؟ قال: هو حر وعليه أجرة أربع سنين.
فذهب الخلال إلى أن أخذ بما رواه أبو طالب. وقال عبد العزيز بما رواه عبد الله بن أحمد وأخذ كل رواية على ما وردت لا عن نقل رواية إلى رواية. وهذه مسألة قد أثبتها في كتاب العتق، وليس قصدنا بينا الإبانة عن الثابت من الروايتين إذ فيما قدمنا غنية، وإنما كان القصد بذكره ذلك بيانا عن ترتيب الروايات عنه ففيما قدمنا غنية وبالله التوفيق.
مسألة - ومن هذا الجنس أيضا ما قاله الميموني في كتاب السرقة: إذا سرق من الورق دراهم بقيمة ربع دينار وقال: إذا كانت ثلاثة قيمتها ربع دينار قطع.
وقال الأثرم وغيره من الورق إنه يرد إلى قيمته حلاف أن الورق في
(1/200)

القطع أصل لا يرد إلى قيمة الذهب. وكل أصحابنا قدموا ما رواه الأثرم وغيره على ما رواه الميموني، وهذا ليس من حيث إسقاط رواية الميموني بل من حيث أدلتها غير مستقيمة وبالله التوفيق.
فصل - فأما الكلام في الروايتين إذا تقابلتا متكافئتين فقد مضى بيان ذلك وأنه لا يسقط من ذلك إلا ما وجب إسقاطه الدليل، وقد ذكرنا صدرا من بيان ما فيه من الروايات متكافئة بالوضوء من مس الذكر ولحوم الإبل، ومن ذلك جوابه في التعريض أنه قاله في رواية ابن منصور فأبان الحد في التعريض وأخذ بقول عمر. وقال في رواية حنبل ولا حد للأعلى الصريح، وما جانس هذا فهو الذي يقر على ما نقل، ويؤخذ بما أوجبه الدليل على ما فصلناه وبالله التوفيق.
(1/201)

باب البيان عن مذهبه إذا أجاب بجوابين مختلفين في مسألتين جنسهما واحد بنقل ما في إحدى المسألتين من الجواب إلى الأخرى أم لا
قال الحسن بن حامد: صورة ذلك:
ما رواه النسائي عن أبي عبد الله: إذا قال لغلامه أنت حر إن دخلت الدار، فباعه ثم اشتراه قبل دخول الدار فإنه لا يحنث إذا دخلها في الشهر الثاني.
وقال في مسائل ابن منصور وعلي بن سعيد وغيرهما: إنه إذا طلق باليمين لا يسقط، وكذلك إذا خالع باليمين لا يسقط.
ومن ذلك ما قاله ابن منصور عنه في حديث علي وقصة أبي بكرة إن جلدته فارجم صاحبك.
وقال في رواية صالح كلما قذفه حد له.
وقال أحمد بن نصر: إذا قذفه فحد ناوله من لا يعادله الحد من أخرى لأنه قد حد له مرة.
(1/202)

ومن ذلك ما رواه ابن منصور إذا ادعى العبد العتق فأنكر السيد العتق القول قول السيد.
وقال في رواية مهنا: إذا قال العبد: بعني نفسي، وقال السيد: بألفين، وأقام كل واحد أن القول قول يخالف.
ومن ذلك أيضا ما نقل عن إمامة أهل التأويل فقال: يصلى خلف من تأول مس الذكر وأن لا وضوء من الدم. ومن قال: الماء من الماء، لا يصلى خلفه إذا كان يفعل ذلك ولا يغتسل.
وقال في باب الشراب: إذا كان من أهل التأويل ممن يراه كالماء.
ونظائر ذلك، فاختلف أصحابنا في ذلك فرأيت بعض أصحابنا ينقل ما في غسل الجسد من أن الماء من الماء إلى المتأولين في ترك الوضوء من مس الذكر وجعل في المسألتين روايتين، ورأيت بعض أصحابنا يأبى ذلك، فأما العتق والحكم والطلاق فإنني لا أعلم بين أصحابنا خلافا أنه يقر ما نقل في العتق على حاله لا غيره، والذي يحصل في الماء من الماء وأتوا عندي ما ذكرته في كتاب الإمامة من التفصيل لا ينقل جواب مسألة إلى أخرى إذ المتأولون على ضربين:
ضرب سند شبهتهم في التأويل لعقده وما يقدمون عليه في الاستدلال فاسد بمثابة متأولي إحلال الشراب المسكر. وبمثابة من قال: إن لا غسل في التقاء الختانين، فذلك قول يبعد إذ كل ما نقل في الشراب من الإباحات فمحمول على ما كان قبل التحريم في الوقت التي كانت حلالا.
ومن ذلك أيضا أمر الماء من الماء كان قديما وثبت النسخ بعده فأسقطه فلم يك في هذه التأويلات قوة شبهة فلم ينساع فيها التأويل.
وأما شبهة مس الذكر وأن لا وضوء من الدم فذلك قول يكثر من يذهب إليه من العلماء.
(1/203)

وأما العتق والطلاق فقد يحتمل عندي وجهين: أحدهما ينقل ما في العتق إلى الطلاق فيكون ذلك سقط الإيمان فيها بمثابة قول الشافعي رضي الله عنه سواء، وإلى ذلك ذهب عامة أصحابنا وبنوا ذلك غلى أن الطلاق حل للعقد كما أن العتق حل للملك عن العبد، فكان جميعا سواء. والأشبه أن يكون أمر كل مسألة على ما نقلت، فيكون من زال ملكه عن العبد وفعل الشيء وقد أخرجه عن ملكه يسقط لحنثه فإذا عاد إليه لم يلزمه إعتاق عبد لتجديد ملكه، وليس كذلك في الطلاق لأنه في الأصول أقوى ألا ترى أنه قد يحتاط فيه لأنه في الأصول أغلظ وبالله التوفيق.
ثم بعد هذا فمن مذهب أصحابنا في كل هذه المسائل وغيرها أنه ينقل من أحديهما الجواب إلى الأخرى فإنه يستدل بأن الظاهرات كلها جنس واحد لا فرق بين الجواب فيهما أو في أحدهما. هذا فلا وجه له، والدليل أنا نقر كل مسألة على ما قد وردت ما قد ثبت أن نقل الجواب عن مكانه بمثابة إحداث جواب مبتدأ لا نص له فيه ولا دخل له في كلامه، ولما كان هذا لا يجوز فلذلك أيضا نقل الجواب من مكانه لا يجوز. ومن أدل الأشياء أنا وجدنا ناقل جواب من مسألة إلى غيرها ينسب جوابا لأمر كلام أبي عبد الله ينسبه إليه ولا يوجد منه جواب، وقد تقرر أنه لا طريق إلى إثبات نسبة جواب إليه لا من حيث النطق ولا يكون شيئا من غير بيان ولا جواب وإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
فأما الجواب عن الذي قالوه من أن المسائل إذا كانت في الطهارات وكل جنسها واحد، فذلك لا يؤثر شيئا، إذ ليس من حيث أن الجنس واحد يجب أن يكون كل ما ثبت من جواب في مسألة من الصلوت ينقله إلى مسائل الصلاة حتى أنه يجيء من هذا أن ينقل ما قاله فيمن صلى خلف الصف وحده إلى نافلة فيمن أدرك الإمام راكعا فركع دون الصف ودخل في الصف، أو ينقل مسألة من صلى قاعدا مريضا إلى من صلى قاعدا قادرا صحيحا. ونظائر ذلك وفي الاتفاق أن هذا لا طريق إليه فأوضح ما ذكرناه وبالله التوفيق.
(1/204)

باب البيان عن المسائل وغيرها التي ثبت عنه القسم فيها
قال الحسن بن حامد رحمه الله: إعلم تولى الله عصمتك وإيانا: إن أبا عبد الله رضي الله عنه كان قليل الألية محتفظا من الكلام فضلا عن إيقاع الأيمان، بيد أنه قد نقل عنه أماكن ثبت عنه القسم بالله عز وجل فيها:
فمن ذلك أنه قال في رواية ابن منصور في الوضوء يزيد على ثلاث؟ قال: لا والله إلا رجل يسلي. قلت: خلل لحيته؟ قال: إي والله. قلت: سار بغير إذن الإمام؟ قال: لا والله. قلت: تكره الصلاة في المقصورة؟ قال: إي والله. قلت: يوصي الرجل على بعض أصحاب أبي حنيفة؟ قال: إي والله.
قال: وسمعت عبد العزيز الزجاج قال ثنا الهمداني قال ثنا المروذي قال قلت لأبي عبد الله: من قال القرآن مخلوق كافر؟ قال: إي والله. قلت: يؤجر الرجل على بعض أصحاب أبي حنيفة؟ قال: إي والله قلت: يا أبا عبد الله: قد خرج الناس في التأويل على مذهب أبي حنيفة فما لك لم تخرج؟ قال: والله ما صح عندي حديث إلا على التحريم.
وأنبأ ابن منصور قلت: يؤم الرجل أباه؟ قال: إي والله. وقال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله. قلت: فيكره النفخ في الصلاة؟ قال: إي والله أكرهه.
وأنبأ ابن منصور قلت: يكره الصلاة في المقصورة؟ قال: إي والله.
(1/205)

وليس غرضنا بما ذكرناه استيفاء ما نقل عنه في هذا الباب من المسائل، وإنما الغرض إيقاع إلا بأنه هذا منه زيادة في فرعه ودينه، وبيان عن اعتقاده فيما أقسم عليه، ألا ترى أن الأئمة قد أقسمت فمن ذلك المأثور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كرم الله وجهه أنه قال لمن جاءه طالبا لاستقامة خبرا بينهما أنا ذاكر سألنا فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورث. فقال: والساعة لصادقا.
وأيضا فعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه: هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا دون الناس؟ فقال في بعض مقالاته: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة.
وهذا أبو هريرة: والله لأرمين بها بين أكتافكم.
ومن نحو حديث علي كرم الله وجهه: كان إذا حدثني أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا استحلفته. وفي حديثه إذن بالأيمان زيادة في بقية الأئمة إنها رقبة مؤمنة وبالله التوفيق.
(1/206)

باب البيان عن مسائله التي ثبت عنه الرجوع فيها
قال الحسن بن حامد رحمه الله: إعلم يسرنا الله وإياك باليسرى وخار لنا ولك في الآخرة والأولى أن أبا عبد الله رحمة الله عليه كان متحفظا فيما أجاب فيه، ومن شدة تحفظه أنه أجاب في مسائل بأجوبة على ما كان من شاهد حالها عنده، فلما بان له الدليل بخلاف ما كان عنه تركه وتبين أن راجع وهي مسائل عدة.
فمن ذلك ما رواه أبو الفضل صالح قال: قلت لأبي بلغني أنك تقول الماء من الماء. فقال: من كذب علي في ذلك أكثر. وقال صالح بن أبي صالح: بلغني عن أحمد أخبار فأتيته فاستأذنت فلما دخلت عليه قال لي: ما جاء بك؟ قلت: أخبار بلغني عنك أحببت علمها بلغني أنك تتوضأ مما غيرت النار؟ فقال: قد كنا على ذلك فتركناه. قلت: بلغني أنك على حديث ابن عمر قال: كنا فأخذنا بحديث سفينة.
وقال الميموني في العبد إذا طلق ثنتين وعتق؟ قال أحمد: لا أدري. قلت: أليس كنت تقول به؟ قال: صدقت.
وقال أبو زرعة: قال أحمد: إذا نسي أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم إن أعاد فليس في نفسي منه شيء. قلت: بلغني عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أنه قال: من لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم
(1/207)

فصلاته؟ فقال: قد كنت أنهيت عن ذلك ثم تثبت فإذا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أمر، فمن تركها في الصلاة أعاد الصلاة.
ومن ذلك في المتيمم إذا رأى الماء في صلاته ثم تثبت فإذا الأخبار، فإذا رأى الماء خرج من صلاته وتطهر وأعاد.
ومن ذلك ماء الباقلاء. قال الخلال: قد رجع عنها ولا يوجد ذلك، إذ ليس عنه نص به.
ومن ذلك مسألة الأثرم في التقاء الختانين ولا يصح ذلك فقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله الماء من الماء إذا جاوز الختان وجب الغسل، قيل له كنت تقول غير هذا؟ فقال: ما أعلمني قلت غير هذا. قلت: قد بلغنا أنك تقوله؟ قال: الله المستعان.
ومن ذلك ما أخبرنا عن المروذي، قلت له: يصلي بقوم الفرض، ثم يأتي بآخرين يصلي بهم على حديث معاذ. قال: قد كنت أذهب إليه فقد ضعف عند يحيى.
وأخبرناأيضا عن أحمد بن هشام قال: وسئل هن ديث أبي الدرداء أنه صلى عشاء الآخرة وهو يرى أنه المغرب، كأنه ذهب إليه، وكان يهابه.
وليس غرضنا بما ذكرنا في هذا الباب بيان عن أصول كل المسائل وأعيانها، ولا ما اختلف أصحابنا فيه، وإنما الغرض إيقاع البيان عن الأصل المحكوم به في مذهبه، وأنه رجوع، وأنه مهما كان على الصفة المقيدة بما ذكرناه ما نقل عنه من تقييد منصوص الرجوع نطقا لا غير ذلك بأن يقول كنت أقول وقد هيت، أو كنت أقول وقد تراجعت وما وراء ذلك فلا ينسب إليه رجوعا عن أحد القولين ولا إخراجه عن إجازة نسبة الروايتين إليه.
وقد اختلف أصحابنا في أماكن هي خارجة عن هذا الحد فمن ذلك
(1/208)

جوابه في أحكام المياه المضافة مثل ماء الباقلاء والحمص وغير ذلك مما قدمنا ذكره في تضاعيف الأبواب، والذي عليه العمل ما ذكرنا إذ لا طريق إلى إسقاط إحدى الروايتين عنه إلا من حيث صريح القول بالترك لها، ولا يجوز أن يضاف إلى قائل قولا إلا من حيث النطق وبالله التوفيق.
(1/209)

باب البيان عن المسائل التي يذكر أن الخرقي رحمه الله أخطأ فيها
قال الحسن بن حامد رحمه الله: اختلف أصحابنا في كتاب الخرقي وتأليفه لذلك مسألتين أحدهما هل ذلك نقل على معاني كلامه ومفهوم جوابه وقياس منصوصه لا أن يساير ما نقله مأثور نقلا. فقالت طائفة من أصحابنا إنه بناه على المعاني والأقيسة وعلى قود مقالة هذه الطائفة بخطوة في كثير من المسائل مما لا توجد منصوصة عن أبي عبد الله في كتب أصحابه المشهورين بالنقل عنه.
وقالت طائفة أخرى من أصحابنا إنه أخطأ في مسائل وحصروا عددها بأنها سبع عشرة مسألة، وهذا منسوب إلى شيخنا عبد العزيز غلام الخلال.
والذي يوجد به عندي أن يحمل كتاب الخرقي على إثباته مأثورا نقلا عن أبي عبد الله رحمة الله عليه باختصار الألفاظ وتقريب الأبواب وأن ما وجد في كتابه يضاف إلى مذهب أبي عبد الله بمثابة الإضافة فيما نقله الراوون عنه نطقا لا غير ذلك، ولا فرق بين أن يوجد ما ذكر برواية مسندة إليه أو لا يوجد ذلك إلا في كتاب مفرد وبالله التوفيق.
فأما أعيان المسائل فأول ذلك مسألة الإناءين بين قوله إراقتهما وتيمم.
(1/210)

قال صالح: قال أبي: يمسك عنهما ويتيمم. وأبي داود وإسحاق بن إبراهيم وجعفر كل عنه سواء بغير شرط إراقه.
وهذا غلط من قائله إذ أبو طالب نقل عنه أنه يريقهما ويتيمم.
والثانية قوله في سنة الوضوء إذا قام من نوم الليل أن يغسل يديه.
جعلها سنة من جنس السنن التي لا شيء على تاركها مع قطع أبي عبد الله على أنه لا يتوضأ بالماء ويجب غسل اليدين عليه.
الثالثة - مسألة أخطئ على الخرقي في نقلها عنه إذا دخل ماء الرجل فرج المرأة من إصابته إياها دون الفرج أن عليها في ذلك الغسل مستحقا. وهذا خطأ من ناقلها على الخرقي، إذ كل الروايات عنه بخلاف ذلك.
ومن كتاب الصلاة في الأوقات قوله في العصر: فإذا صار الظل مثله وزيادة دخل وقت العصر فطائفة خطأته وقالوا: هذا مذهب الشافعي رحمه الله. فأما أحمد فإن كل رواياته بخلاف ذلك.
وطائفة أخرى قالوا: أخذه قياسا.
خامسة - في الإمامة قوله: وإن أم أمي أميا وقارئا أعاد القارئ وحده. قالوا: هذا بعيد أن القارئ لا صلاة، والأمي يكون قد أخلف الصف وحده فلا يصح لأحدهما صلاة، فأوجبنا الإعادة عليهما.
سادسة - من ذلك إذا ترك (ربي أغفر لي) بين السجدتين عمدا. حسبت قال: صلاته باطلة.
(1/211)

سابعة - في تارك السجود للسهو مستحقا. ومن الزكاة إذا كان عليه دين بقيمة ما فيه يديه أيجب عليه فيه زكاة الفطر أم لا.
ومن الحج قوله: وإن كان متمتعا فيطوف بالبيت سبعا، وبالصفا والمروة سبعا، وبالصفا والمروة سبعا كما فعل للعمرة ثم يعود فيطوف بالبيت طوافا ينوي به الزيارة. فقالوا: الطواف الثاني غير واجب عليه، فالأول هو طواف الزيارة.
ومن كتاب الصلح إذا تداعيا حائطا معقودا ببناء أحدهما كان له مع يمينه.
ومن الوكالة قوله إذا أمر وكيله أن يدفع إلى رجل مالا فادعى دفعه إليه لم يقبل قوله على الآمر إلا ببينة.
ومن كتاب الوقف إذا حصل في يدي الفقراء خمسة أوسق فلا زكاة عليهم.
ومن الوقف: إذا أوقف على أولاده وأولاد أولاده، كان لأولاده ولأولاد أولاده الذكور والإناث.
ومن كتاب الوصايا قال: إذا أوصى بعبد لا يملك غيره وقيمته مائة درهم، ولآخر بثلث ماله وملكه غير العبد مائتا درهم، فإن أجاز الورثة كان لمن وصى
(1/212)

له بالثلث ثلث المئتين، وربع العبد ولمن وصى له بالعبد ثلاثة أرباعه، وإن لم يجز الورثة كان لمن وصى له بالثلث سدس المئتين، وسدس العبد ولمن وصى له العبد نصفه لأن وصيته في الجميع.
ومن كتاب المرتد قوله: ومن أسلم من الأبوين كان أولاده الأصار تبعا له، وكذلك من مات من الأبوين على كفره قسم له الميراث وكان مسلما بموت من مات منهما.
ومن كتاب العتق إذا مات عن عبدين لا يملك غيرهما وقيمتهما سواء وله من الورثة ابنان فقال أحدهما: إني أعتق هذا، وقال الآخر إني أعتق أحدهما لا أعرفه عينا، أقرع بينهما فإن وقعت القرعة على الذي أقر به عتق ثلثاه، وإن لم يجز للابنان عتقه كاملا، والآخر عبدا، أو إن وقعت القرعة على الآخر عتق ثلثه، وكان لمن أقرعا له سدسه ونصف العبد الآخر، ولأخير نصفه وسدس الذي اعترف أن أباه أعتقه فصار ثلث كل واحد من العبدين حرا.
قال ابن حامد رحمة الله عليه: وهذه المسائل عندي سالمة على المذهب مستقيمة منها ما هو بين في نص جوابه، ومنها ما هو يخرج على أصله، وكل مسألة فيها بينة من مكانها إذا تأملها المنعم للنظر علم صحتها وقوام طريقها، وإنما عاب ذلك على طائفة بعد تأملها لدقة أماكنها وخفي مطلبها، وكل مسألة منها بمن الله وعونه قد أوضحناها إيضاحا بينا ينفي بذلك كل شبهة وباله التوفيق.

تم كتاب تهذيب الأجوبة بحمد الله منه
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
والحمد لله رب العالمين
(1/213)