Advertisement

خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول



الكتاب: خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول
المؤلف: أبو القاسم شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي المعروف بأبي شامة (المتوفى: 665هـ)
قرأه وعلق عليه: جمال عزون
الناشر: أضواء السلف
الطبعة: الأولى، 1424هـ - 2003م
عدد الأجزاء: 1
أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرفنا بكلمة التوحيد وكرمنا بالاعتقاد السديد وأيدنا باتباع كتابه وسنة نبيه أحسن تأييد وسهل انتزاع الأحكام منهما على كل مجتهد مجيد وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا طريقة كل جبار عتيد وشيطان مريد ونوع أصناف خلقه في الدنيا وحصرهم في الآخرة بين شقي وسعيد ووعدهم على طاعته وأوعدهم على معصيته فهم راجون خائفون أبدا بين وعد ووعيد سبحانه هو المبدئ المعيد الوارث الشهيد وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد له الحمد على نعمه التي لا تحصى وقد أمر بالتحدث بنعمته وله الشكر على ما أولى من التفقه في كتابه وسنته وصلواته وسلامه على سيدنا محمد خير بريته صلاة وتسليما باقيين على التأبيد وعلى آله وصحابته وأزواجه وذريته وأشياعه وعترته كما صلى
(1/47)

على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنه حميد مجيد. اللهم وصل على ملائكتك وأنبيائك وسائر رسلك وأوليائك وسلم عليهم أجمعين وبارك وعلى التابعين لهم بإحسان الذين هم صفوة العبيد وألحقنا بهم بلطفك ورحمتك وإن قصرنا في محاولة طاعتك وجنبنا طرق مخالفتك وقرب علينا فيما يرضيك كل بعيد واجعلنا يا ذا المنن والطول إذ لم يكن لنا إلا بك قوة ولا حول من الذين هدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد
/ أما بعد:
فإن العلم قد درست أعلامه وقل في هذه الأزمان إتقانه وإحكامه, وآل به الإهمال إلى أن عدم احترامه, وترك إجلاله وإعظامه, فتدارك بعد المحافظة عليه انصرامه, حتى صعب مرامه, وكاد يجهل حلاله وحرامه, هذا مع حث الشرع عليه, ونظره بعين التبجيل إليه, ووصفه العلماء القائمين به بخشيتهم إياه ورفع درجتهم وضمه لهم مع الملائكة في شهادتهم.
قال الله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}
وقال: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم}
وقال: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}
وقال: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}
(1/48)

وقال: {بل هو آيات بَيِّنات في صدور الذين أوتوا العلم}
وقال: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به}
وقال: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}
إلى غير ذلك من الآيات التي فاز بها العالمون.
وأخبر الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم بفضل العالم وأنه يوم القيامة يشفع، وقال:
((إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع))
أخرج أبو عبد الله بن يزيد بن ماجه القزويني في ((سننه)) وغيره من حديث أبان بن عثمان عن أبيه عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء"
وقال بعض أهل العلم: أعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1/49)

وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم في سننهم بأسانيدهم عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
"من سلك طريقًا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة, وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم, وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب, وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء, وإن العلماء ورثة الأنبياء, إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وأورثوا العلم, فمن أخذه أخذ بحظ وافر)).
فليعلم أن العلم- كما قيل-:
أنفس ما طلبه الطالبون, وأجلُّ شيء رغب فيه الراغبون, وأفضل فضيلة سعى لها الفاضلون, باستثماره سعد الصالحون, وبانتحاء مناره فاز الفائزون, اتفق على شرفه الأمم وتطابقت, وتظاهرت الأدلة على تفضيله وتناصرت, فهو ساعد السعادة, وأس السيادة, والمرقاة إلى النجاة إلى في الدار الآخرة التي هي مطمح أمال الستبصرين, وغاية مضمار الموفقين.
(1/50)

ومن كلام السلف:
لولا العلم لكان الناس كالبهائم.
مثل العالم في البلدة كالعين العذبة نفعها دائم.
قال ابو مسلم الخولاني رحمه الله: مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء
إذا بدت للناس اهتدوا, وإذا خفيت عليهم تحيروا. ومثل الصالحين مثل الأميال في الأرض ينجوا بها السالك من الضلالة.
وقال ميمون بن مهران: بنفسي العلماء, وجدت صلاح قلبي في مجالستهم, هم بغيتي في أرض غربة, وهم ضالتي إذا لم أجدهم.
وقال عمرو بن الحارث المصري: الشرف شرفان: شرف العلم, وشرف السلطان, وشرف العلم أشرفهما.
وقال يحيى بن أكثم: فلان عن فلان قال: قال: لا. قال: لكني أعرفه: رجل في
حلقة يقول: حدثنا فلان بن فلان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا أمير المؤمنين هذا خير منك وأنت ابن عم رسول الله وولي عهد المسلمين؟ قال:
(1/51)

نعم، ويلك هذا خير مني لأن اسمه مقترن باسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يموت أبدًا نحن نموت ونفنى والعلماء باقون / ما بقي الدهر.
وقال ذو النون المصري:
الناس كلهم موتى إلا العلماء, والعلماء كلهم نيام إلا العاملين, والعاملون كلهم مغترون إلا المخلصين, والمخلصون, والمخلصون على خطر عظيم.
[قال الله تعالى: {ليسأل الصادقين عن صدقهم}]
ما أحسن هذا الكلام, وما أوقعه في قلوب الموفقين من سامعيه, نسأل الله تعالى العمل بالعلم والإخلاص فيه.
ويروي للقاضي أبي محمد عبد الوهاب المالكي رحمه الله تعالى:
وا لهف نفسي على شيئين لو جمعا ... عندي لكنت امراءاً من أسعد البشر
كفاف عيش كفاني ذل مسألة ... وخدمة العلم حتى ينقضي عمري
(1/52)

وللعلامة أبي القاسم الزمخشري:
وكل فضيلة فيها سناء ... وجدت العلم من هاتيك أسمى
فلا تعتد غير العلم ذخرا ... فإن العلم كنز ليس يفنى

فصل
وانضم إلى شرف العلم أن طلبه من أحسن العبادات وأفضلها، والتقرب به إلى الله تعالى من القربات وأكملها.
جاء عن إمامنا أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله عليه أنه قال:
ما تقرب إلى الله عز وجل بعد أداء الفريضة بأفضل من طلب العلم.
هذه رواية حرملة بن يحي عنه.
وفي رواية الربيع بن سليمان عنه قال: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة.
وفي رواية أخرى عنه: ليس بعد أداء الفرائض شيء أفضل من طلب العلم
قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله.
(1/53)

وروي معنى ذلك عمن تقدم الشافعي من التابعين وأتباهم رضي الله عنهم.
جا. عن الحسن البصري أنه قال: ما أعلم شيئا أفضل من الجهاد في سبيل الله إلا أن يكون طلب العلم فإنه أفضل من الجهاد في سبيل.
وقال الإمام أبو عبد الله سفيان من سعيد الثوري: لا أعلم شيئا من الاعمال
أفضل من طلب الحديث لمن حسنت نيته فيه.
وروي مثله عن صاحبه عبد الله بن المبارك.
/ وقال الإمام أبو عمرو الاوزاعي: من تعلم بابا من العلم كان أفضل من عبادة
حول يصام نهاره, ويقام ليله.
وقال سليمان التيمي: كنا في مجلس نتذاكر فيه الفقه والسنن ومعنا أبو مجلز,
فقال رجل: لو قرأتم سورة. فقال أبو مجلز: ما نرى أن قراءة سورة أفضل مما نحن فيه.
(1/54)

وقال ابن عبد الحكم: كنت عند مالك أقرأ عليه العلم, فدخل وقت الظهر, فجمعت الكتب لأصلي فقال: يا هذا ما الذي قمت إليه بأفضل مما كنت فيه إذا صحت النية.
يعني قيامه لأحراز فضيلة أول الوقت والله أعلم.
وصح عن الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل أنه قال لابنه عبد الله لما قدم أبو زرعة الرازي من الري إلى بغداد: يا يبني قد اعتضت عن نوافلي بمذاكرة هذا الشيخ.
وكل هؤلاء من أئمة الهدى, الذين بهم يقتدى, وجاء مثل ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم موقوفاً ومرفوعاَ.
قال ابن عباس: مذاكرة العلم ساعة خير من إحياء ليلة.
(1/55)

وقال ابن مسعود: لأن أجلس في مجلس فقه ساعة أحب إلي من صيام يوم وقيام ليلة.
وروي مرفوعاَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ((فضل العلم خير من فضل العبادة, وخير دينكم الورع)).
وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: قال أبو هريرة وأبو ذر: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع, وباب نعلمه عملنا به أو لم نعمل أحب إلينا من مائة ركعة تطوعا. وقالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إلى إذا جاء طالب العلم وهو على هذه الحال مات وهو شهيد.
(1/56)

وعن أبي بكر الهذلي, عن عون بن عبد الله أن رجلا جاء إلى أبي ذر فقال له: يا أبا ذر إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه. قال له: تعلم العلم فإنك إن مت عالما خير لك من أن تموت جاهلا. ثم جاء إلى أبي الدرداء فقال له: يا أبا الدرداء إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه. فقال / له: تعلم العلم فإنك أن توسد العلم خير من أن توسد الجهل. ثم جاء إلى أبي هريرة فقال: [يا أبا هريرة إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه].
فقال له أبو هريرة: تعلم العلم فإنك لن تجد له إضاعة أشد من تركه.
وفي روا ية قال أبو ذر: إنك أن توسد العلم خير من أن توسد الجهل.
وقال أبو الدرداء: إن الناس يبعثون من قبورهم على ما ماتوا عليه, فيبعث العالم عالما والجاهل جاهلا. وقال أبو هريرة ما أنت بواجد شيئا أضيع له من تركه.
(1/57)

وفي رواية قال أبو ذر: إن تفترش العلم خير من أن تفترش الجهل. وقال أبو هريرة: كفى بترك العلم إضاعة. قال الحسن البصري: وكان أبو هريرة من أحسن القوم كلاماً.
صدق وبر فإنا مأمورون بالعلم وبالعمل, فلا ينبغي أن يحملنا تقصيرنا في العمل على أن نقصر في تحصيل العلم, فنكون قد خالفنا الأمر فيهما, مع أنه يرجى من بركة العلم النافع أنه يفضى بصاحبه إلى العمل, فقد جاء عن جماعة من أكابر التابعين وأتباعهم في العلم والدين أنهم قالوا: تعلمنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله.
وقال بعضهم: تعلمنا العلم وما لنا فيه كبير نية ثم رزقنا الله النية بعد.
فهذا تفسير قول من قال: ((تعلمناه لغير الله فأبى أن يكون إلا لله)) أى فحصلت النية.
(1/58)

وذكر الغزالي في ((كتاب الأحياء)) أن بعضهم قال: معناه أن العلم أبى وامتنع علينا فلم تنكشف لنا حقيقته, وإنما حصل لنا حديثه وألفاظه.
والتفسير الأول إذ بعض الروايات فسر بعضا, ووقع هذا القول من جماعة أكابر لا يظن بهم سوى المعنى الأول.
قال سماك بن حرب: طلبنا هذا الأمر ونحن لا نريد الله به, فلما بلغت حاجتي دلني على ما ينفعني, وحجزني عما يضرني.
فهذا معنى ما ذهبوا إليه يرحمهم الله.

/فصل
ثم أفضل العلوم بعد معرفة الله تعالى معرفة أحكامه وتكاليفه التي بعث بها الرسل, وأوضح لها السبل, وهي المعالم الدينية. ثم علم الفقه المستخرج من ذينك الأصلين, الكافل لمن قام به على الوجه المأمور به فضلا بل فضلين, وإلى
(1/59)

ذلك الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: ((العلم ثلاثة وما سوى ذلك فضل: آية محكمة, وسنة قائمة وفريضة عادلة)) أخرجه أبو داود وابن ماجة في سننهما.
وفي الصحيحين من حديث معاوية أبن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)) وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا))
وفي جامع الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت, وفقه في الدين)).
(1/60)

وفي الحديث:
((فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. لكل شيء عماد وعماد الدين الفقه. ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين)).
وعن عمر بن علي بن أبي طالب رفعه: ((نعم الرجل الفقيه إن احتيج إليه انتفع به, وإن استغنى عنه أغنى نفسه)).
وقال علي الأزدي: سألت ابن عباس عن الجهاد؟ فقال: ألا أدلك على ما هو خير لك من الجهاد؟ تبنى مسجدا فتعلم فيه القرآن والفقه في الدين أو قال السنة.
وعن كعب أن الحواريين قالوا لعيسى بن مريم عليهما السلام: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم أمة أحمد, حكماء علماء, أبرار أتقياء, كأنهم
(1/61)

من الفقه أنبياء, يرضون من الله باليسير من الرزق, ويرضى الله منهم باليسير من العمل.
وقال سفيان بن عيينة:/ لم يعط أحد بعد النبوة شيئاً أفضل من العلم والفقه.
والله در القائل:
كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث والفقه في الدين
ولقد أحسن الآخر في قوله:
غاية العلم بعيد غورها ... إنما العلم بحور زاخرة
فعليك الفقه منه تحتوي ... شرف الدنيا والآخرة

فالفقه عميم الفائدة عظيم الجدوى, وإليه المرجع في الأحكام والفتوى,
فليطلب بفضل عناية مصحوبة بالتقوى, فهو ثمرة تلك الأصول المباركة والطريقة
المثلى.
واعلم أن استخراج مسائل الفقه وتحقيقها متوقف على إحكام علم أصول الفقه, وإتقان كل هذه العلوم متوقف على التبحر في معرفة علم اللسان العربي, من وجوهه وطرقه ومجازه ومجازي استعماله؛ ولهذا ضل كثير ممن
(1/62)

جهله فزلوا في علم الأصول والفروع أنواعاً من الزلل, وأخطؤوا فيها ضروباً من الخطأ والخطل. قال أبو عبيد: سمعت الأصمعي يقول: سمعت الخليل بن أحمد يقول سمعت أيوب السختياني يقول: عامة من تزندق بالعراق لجهلهم بالعربية.
وقال الزهري: إنما أخطأ الناس في كثير من تأويل القرآن لجهلهم بلغة العرب.
قلت:
وسبب الخطأ حمل الألفاظ مطلقاً على ظواهرها, وانصراف الأذهان عن مجاري كلام العرب, والغفلة عن كثرة تصرفاته تفننه ومذاهبه التي لا يعقلها إلا العالمون به. وهو لغة صاحب الشريعة المنزل على لغته كلام مرسله, المبلغ ما أنزل إليه من ربه المبين له صلى الله عليه وسلم.
وكل علم من هذه العلوم بحر زاخر, لا يحصل على درره إلا كل سابح ٍ غواصٍ ماهرٍ, ولا سبيل إلى الإحاطة بجميعها لفاضل, فليمتثل ما / أشار إليه القائل:
ما حوى العلم جميعا أحد ... لا ولو مارسه ألف سنه
إنما العلم بعيد غوره ... فخذوا من كل شيء أحسنه
قيل لبعض الحكماء: من يعرف كل العلم؟ فقال: كل الناس.
يعني كل العلم الذي آتاه الله خلقه لا يعرفه إلا جميعهم, ولا يعرف العلم بأسره مطلقاً إلا خالقهم عز وجل.
(1/63)

فصل
والفقه كان شعار أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين صحبوه ولازموه, ورزقوا فهم ما تلقوه عنه وسمعوه, كالخلفاء الأربعة وباقي العشرة وابن مسعود ومعاذ وأبي وزيد بن ثابت وأبي موسى وأبي الدرداء وعائشة وابن عمر وابن عباس وبن عمرو وابن الزبير وأبي سعيد وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وغيرهم.
ونقل الفقه أيضاً عن غيرهم في مواضع قليلة كأبي ذر وعمار وحذيفة وسلمان وعبادة بن الصامت وأبي مسعود وفضالة وواثلة وخالد ومعاوية وعمرو بن العاص وأم سلمة وأسماء بنت أبي بكر الصديق والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين.
والأولون اشتهروا به وكثرت فتاويهم فيه, وأكثرهم في ذلك تسعة: عمر وعلى وابن مسعود وأبي وزيد وأبو موسى وعائشة وابن عمر وابن وعباس رضي الله عنهم.
والذين اشتهروا من هؤلاء بكثرة الأصحاب ثلاثة: عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس.
واعتماد أهل المدينة في الفقه على رأي زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر.
(1/64)

واعتماد أهل مكة على رأي ابن عباس.
واعتماد أهل الكوفة على رأي علي وعبد الله بن مسعود.
واعتماد أهل البصرة على رأي أبي موسى وعمران بن حصين وغيرهما.
وكان بالشام معاذ وأبو الدرداء وغيرهما.
ثم انتقل الفقه إلى التابعين فمن بعدهم:
فكان بالمدينة سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وخارجة بن زيد / وسليمان بن يسار وعبيد الله بن عبد الله وأبو بكر بن عبد الرحمن, وهؤلاء هم فقهاء المدينة السبعة المشهورون بهذه العبارة.
وقد جمعوا في بيت قال ناظمه:
ألا كل من لا يقتدي بأئمة ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجه
فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه
ومن جملة فقهاء المدينة أيضاً من التابعين:
سالم بن عبد الله وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان وقبيصة بن ذؤيب وغيرهم من كبار تابعي المدينة.
ولحقهم من تابعيها أيضاً عمر بن عبد العزيز وعلي بن الحسين ويحي بن سعيد وأبو الزناد والزهري وربيعة وغيرهم.
(1/65)

ثم انتقل إلى أتباع التابعين كابن أبي ذئب والماجشون والإمام مالك بن وأصحابه.
وكان بمكة عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعكرمة وسعيد ابن جبير وابن أبي مليكة وعمرو بن دينار وغيرهم.
ثم انتقل إلى ابن أبي نجيح وابن جريح وسفيان بن عيينة ومسلم بن خالد وسعيد بن سالم وغيرهم.
ثم انتقل إلى الإمام أبي عبد الله الشافعي وأصحابه.
وكان بالكوفة أصحاب ابن مسعود الأكابر: علقمة وعبيدة ومسروق والأسود وعبد الرحمن ابنا يزيد وعمرو بن شرحبيل وشريح القاضي وغيرهم.
وبعدهم عامر الشعبي وإبراهيم النخعي.
وبعدهم الحكم بن عتيبة وحماد بن أبي ليلى والحسن بن صالح وشريك والإمامان أبو حنيفة وسفيان الثوري وأصحابهما.
وكان بالبصرة الحسن وابن سيرين ومطرف بن عبد الله وجابر بن زين وأبو قلابة.
ثم قتادة وأيوب ويونس وسليمان التيمي وأبن عون وعثمان البتي.
ثم الحمادان ابن زيد وابن سلمة ويحي بن سعيد وابن مهدي.
وكان بالشام أبو إدريس الخولاني / وشهور بن حوشب وابن أبي زكريا وبن حيوة وعبادة بن نسي ومكحول وغيرهم.
(1/66)

ثم الإمام الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وسليمان بن موسى وغيرهم.
وباليمن طاووس ووهب بن منبه وغيرهما.
وبمصر يزيد بن أبي حبيب وعمرو بن الحارث والليث بن سعد وغيرهم.
ثم أصحاب ماللك والشافعي والشافعي رحمهم الله.
وبخرسان الضحاك بن مزاحم وابراهيم الصائغ وعبد الله بن المبارك واسحاق بن راهوية.
وببغداد أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل, ثم أبو ثور وأبو عبيد القاسم بن سلام, ثم داود ومحمد بن جرير وغيرهم.
فصل:
ثم إن هؤلاء المذكورين من كل طبقة وإن كانوا مشهورين بالفقه والإمامة فبعضهم أشهر من بعض وأغلب في ذلك من بعض.
قال القاسم بن محمد: كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1/67)

وقال مسروق: شاممت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أي قاربتهم فوجدت العلم انتهى إلى ستة. وفي رواية: انتهى علم أصحاب محمد إلى ستة. وفي أخرى: كان أصحاب الفتوى. وفي أخرى: كان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة: عمر وعلي وابن مسعود وأبي مسعود وزيد وأبو موسى.
وقال الزهري: الفقهاء أربعة يعني من التابعين سعيد بن المسيب بالمدينة, والشعبي بالكوفة, والحسن بالبصرة, ومكحول بالشام.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: العلماء عندنا أربعة يعني من تابعي التابعين سفيان الثوري ومالك والأوزاعي وحماد بن زيد.
وقال سفيان بن عيينة: لم يدرك مثل ابن عباس في زمانه, ولا مثل الشعبي في زمانه.
وفي رواية: أئمة الناس ثلاثة بعد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم / يعني أكابر الصحابة فذكرهم: ابن عباس والشعبي والثوري.
(1/68)

يعني أنهم أئمة الناس في هذه الأعصار الثلاثة كل واحد في عصره وهم خير القرون, عصر الصحابة بعد الأكابر منهم وعصر التابعين وأتباعهم.
وقال الزهري: قدمت على عبد الملك بن مروان فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة. قال: فمن خلفت بها يسود أهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: وبم سادهم؟
قلت بالديانة والرواية. قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا. فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس بن كيسان. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: بم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء. قال: إنه لينبغي. فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال فمن يسود أهل الشام؟ قلت مكحول. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي عبد نوبي أعتقته أمرأة من هذيل. قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت ميمون بن مهران. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت: الضحاك بن مزاحم. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي. قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن. قال: فمن العرب أم من الموالي قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي. قال فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من العرب. قال: ويلك يا
(1/69)

زهري فرجت عني, والله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها. قلت: يا أمير المؤمنين إنما هو أمر الله ودينه؛ من حفظه ساد, ومن / ضيعه سقط.
قلت:
فهكذا كان العلماء هم الأعيان يسأل عنهم ويجبلون في كل مكانٍ لجميعهم بين العلم والعمل, وإعراضهم عن المراء والجدل.
ثم إن الله تعالى شهر بالفقه أربعة أئمة اشتهرت مذاهبهم, واقتدى الناس بهم في كل الأمصار في جميع الأعصار وهم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت, وآباء عبد الله مالك بن أنس الأصبحي, ومحمد بن إدريس الشافعي, وأحمد بن محمد الشيباني.
فهم أئمة المسلمين رضي الله عنهم أجمعين, فضائلهم ومناقبهم كثيرة, وفوائدهم وفرائدهم غزيرة, وقد صنف في مناقبهم كتب مجردة, مطولة ومقتصدة.
(1/70)

فصل:
وقد كان من مضى من الأئمة المجتهدين, بجميع علوم الاجتهاد قائمين, وبنشرها في الآفاق معتنين, وهم في ذلك متفاضلون.
فمنهم المحكم لعلم الكتاب, ومنهم القائم بأمر السنة ومنهم المتبحر في العربية, ومنهم المتقن لجودة استنباط الأحكام, وقل من اجتمع فيه القيام بجميع ذلك, فكان من أجمعهم وأقومهم به أمامنا أبو عبد الله القرشي المطلبي الشافعي رضي الله عنه, جمع الله تعالى له النسب الطاهر, والعلم الباهر, وكثرة المآثر, وجل الفاخر؛ فكان فيه من المناقب والفضائل, ما فرقه في كثير من الأئمة الأفاضل وشهد له بذلك من أهل كل فن سادة أماثل.
قال المزني: سمعت الشافعي يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين وحفظت "الموطأ" وأنا ابن عشر سنين. قال يونس بن عبد الأعلى: كان الشافعي إذ أخذ في التفسير كأنه شهد التزيل.
(1/71)

قال أحمد بن محمد بن بنت الشافعي: سمعت ابي وعمي يقولان: كان سفيان بن عيينة / إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا يسأل عنها التفت إلى الشافعي فيقول: سلوا هذا.
وقال له شيخه مسلم بن خالد وهو مفتي مكة: يا أبا عبد الله أفت فقد والله آن لك ان تفتي وابن خمس عشرة سنة. وقيل: ست عشرة. وقيل ثماني عشرة. وفي أخرى: وهو ابن دون عشرين سنة. وقال الربيع: كان الشافعي يفتي وهو ابن خمس عشرة سنة, كان يحي الليل إلى أن مات.
قال أبو نعيم الحافظ: سمعت سليمان بن أحمد يقول: سمعت أحمد بن محمد الشافعي يقول: كانت الحلقة في الفتيا بمكة في المسجد الحرام لابن عباس وبعده لعطاء بن أبي رباح, وبعده ليعبد الملك بن جريح, وبعده لمسلم بن خالد, وبعده لسعيد بن سالم, وبعده لمحمد بن إدريس الشافعي وهو شاب.
قال ابن مهدي: سمعت مالكاً يقول: ما يأتيني قرشي أفهم من هذا الفتى يعني الشافعي.
(1/72)

قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت قط أعقل ولا أروع ولا أفصح من الشافعي.
قال هلال بن العلاء الرقي: أصحاب الحديث عيال على الشافعي, فتح لهم الأقفال.
قال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال: تعال حتى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله, فأراني الشافعي. قال فتناظرنا في الحديث فلم أر أعلم منه ثم تناظرنا في الفقه فلم أر أفقه منه. ثم تناظرنا في القرآن فلم أر أقرأ منه.
ثم تناظرنا في اللغة فوجدته بيت اللغة. وما رأت عيناي مثله قط.
قال: فلما فارقناه أخبرني جماعة من أهل الفهم بالقرآن أنه كان أعلم الناس في زمانه. بمعاني القرآن وأنه قد كان أوتي فهماً في القرآن.
قال أحمد بن حنبل: كان الفقهاء أطباء والمحدثون صيادلة, فجاء الشافعي /طبيباً صيدلانياً, ما مقلت العيون مثله.
(1/73)

وقال إن الله يقيض للناس في رأس كل مائة سنة من يعلمهم السنن, وينفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب, فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز, وفي رأس المائتين الشافعي.
وقال: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خيراً قلت فيها بقول الشافعي؛ لأنه إمام عالم من قريش وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((عالم قريش يملأ الأرض علماً)).
وقال كلام الشافعي في اللغة حجة.
وقال أبو عبيد وابن هشام صاحب "المغازي": الشافعي ممن يؤخذ عنه في اللغة
أو من أهل الفقه.
(1/74)

قال أبو بكر بن الأنباري" حدثني أبي, عن أبي عن عثمان المازني قال: الشافعي عندنا حجة في النحو.
قال أبو العباس المبرد: رحم الله الشافعي كان من أشعر الناس, وآدب الناس, وأعرفهم بالقرآءات.
كذا وقع وأظنه تصحيفاً إنما هو:"وأعرفهم بالقرآن" أي بمعانيه وأحكامه, أي رزق فهماً فائقاً فيه على ما سبق من كلام إسحاق بن راهويه ويونس بن عبد الأعلى وغيرهما.
قال أبو ثور بن خالد: كان الشافعي من معادن الفقه, وجهابذة الألفاظ, ونقاد المعاني.
قال الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقوداً حتى جاء الشافعي فأيقظهم فتيقظوا.
قال الحسين الكرابيسي: ما أقول في رجل ابتدأ في أفواه الناس الكتاب والسنة والاتفاق, ما كنا ندري ما الكتاب والسنة نحن ولا الأولون حتى سمعنا من الشافعي الكتاب والسنة والإجماع.
(1/75)

يعني أنه أول من وضع علم أصول الفقه, وأتى بهذه العبارات الحسنة رحمه الله.
قال أبو زرعة الرازي: ما عند الشافعي حديث غلط فيه.
وقال أبو داود السجستاني: / ما من العلماء أحد إلا وقد أخطأ في حديثه غير ابن علية وبشر بن المفضل, وما أعلم للشافعي حديثاً خطأ.
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: إن كان أحد من العلماء حجة في شيء فالشافعي حجة في كل شيء.
وقال أبو بكر بن دريد من قصيدة له في مدح الشافعي رحمه الله:
وهذب حتى لم تشر بفضيلة. . . إذا التمست إلا إليه الأصابع
فمن يك علم الشافعي أمامه. . . فمرتعه في ساحة العلم واسع
(1/76)

قال سويد بن سعيد: كنا عند سفيان بن عيينة بمكة, فجاء الشافعي فسلم وجلس, فروى ابن عيينة حديثا رقيقاً فغشي على الشافعي. فقيل: يا أبا محمد مات بن إدريس. فقال ابن عيينة: إن كان مات محمد بن إدريس فقد مات أفضل أهل زمانه.
فهذا طرف من ثناء العلماء عليه في فضله وفقهه وعلمه بالكتاب والسنة والعربية واستخراج أصول علم الفقه, وانضم إلى ذلك اجتهاده في طاعة ربه من الورع والعبادة, والنصح والخشية والزهادة.
قال أبو عبيد: ما رأيت قط رجلاً أورع من الشافعي.
قال حرملة بن يحيى: قال الشافعي: ما كذبت قط, وما حلفت قط بالله آثماً.
قال الربيع: كان الشافعي لا يصلي مع الناس في قيام رمضان ويصلي في بيته, ويختم ستين ختمة ليس منها شيء إلا في صلاة, ختمة بالنهار وختمة بالليل.
قال هارون بن سعيد الأيلي: ما رأيت مثل الشافعي, وما رأيت أحسن صلاة منه.
(1/77)

قال الربيع: كان الشافعي قد جزّء الليل إلى ثلاثة أثلاث: الثلث الأول يكتب, والثلث الثاني يصلي, والثلث الثالث ينام.
وقال: سمعت الشافعي يقول: ما شبعت منذ عشرين سنة. وفي رواية: منذ ست عشرة سنة إلا شبعة طرحتها من ساعتي.
وقال ما تركت غسل / الجمعة في شتاء ولا صيف قط.
قال الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي:
((الشافعي رحمة الله عليه ثلاث كلمات ما تكلم بها أحد في الإسلام قبله لا يفوه بها أحد بعده إلا والمأخوذ فيها كان عنه.
إحداها أني سمعت ابن خزيمة يقول: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا صح لكم الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فخذوا به ودعوا قولي.
الثانية: اخبرني محمد بن المنذر بن سعيد, عن الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قال سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحدا قط فأحببت أن يخطيء.
زاد في رواية أخرى إلا صاحب بدعة فأني أحب أن ينكشف أمره للناس.
قال: والثالثة: سمعت موسى بن محمد الديلمي بأنطاكية يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: وددت أن الناس تعلموا هذه الكتب ولم ينسبوها إلي)).
(1/78)

وفي رواية: وددت أن كل علم أعلمه تعلمه الناس أؤجر عليه ولا يحمدوني, وما ناظرت أحدا قط إلا على النصيحة.
قلت:
وقد كان رحمه الله مع ما منحه الله من الطاعة والتبحر في علوم الاجتهاد قد جمع فيه فضائل شتى, كجودة الرمي, والسخاء الذي أربى فيه على نظائره وزاد.
قال عمرو بن سواد: كان الشافعي أسخى الناس على الدينار والدرهم والطعام.
وقال: قال الشافعي: كان نهمتي في شيئين في الرمي وطلب العلم, فنلت من الرمي حتى أصبحت من عشرة عشرة, والعلم فما ترى.
وفي رواية: سكت عن العلم. فقلت له: أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي.
(1/79)

وكان الشافعي رحمه الله شديد الإنصاف للفضلاء, كثير الثناء على العلماء.
فمما روي عنه من ثنائه على الأئمة الثلاثة المشتهرة مذاهبهم مع مذهبه رضي الله عنهم أن قال: من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة, كان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه.
وقال: من أراد الحديث الصحيح فعليه بمالك, ومن أراد الجدل فليه بأبي حنيفة.
وقال: إذا جاء الأثر فمالك النجم, إذا جاءك الحديث عن مالك فشد به يديك, ما على الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك.
وفي رواية: ما أعلم شيئا بعد كتاب الله تعالى أصح من موطأ مالك لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز.
(1/80)

وقال خرجت من بغداد وما خلفت بها أحد أتقى ولا أورع ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل.
فهذا القدر كاف فيما يتعلق بأخباره وآثاره من اضطلاعه بالعلم واطلاعه, فالحمد لله على ما وفق من اتباعه, وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله واتباعه, وأصحابه وأشياعه.
ولد الشافعي رحمه الله سنة خمسين ومائة, ومات بمصر سنة أربع ومائتين, وله أربع وخمسون سنة. وقد جمعت في تاريخنا الشامي ما تفرق من أخباره في كتب المنصفين في ترجمته في حرف الميم.
وولد أبو حنيفة رحمه الله سنة ثمانين, ومات سنة خمسين ومائة ببغداد, وله سبعون سنة.
(1/81)

فانظر كيف اتفق أن مالكا ولد بعد أبي حنيفة بأربع عشرة سنة وزاد عمره على عمره. وولد أحمد بعد الشافعي بأربع عشرة سنة وزاد عمره على عمره. ومالك أطولهم عمرا, والشافعي أقصرهم عمرا, رضي الله عنهم أجمعين.

فصل
ثم انتقل الفقه بعد الشافعي إلى أصحابه, وأجلهم من أهل مكة أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي, ومن أهل بغداد أبو عبد الله أحمد بن حنبل, وأبو ثور إبراهيم بن خالد, وأبو على الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني, والحسين بن علي الكرابيسي, ومن أهل / مصر أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي, وأبو حفص حرملة بن يحيى التجيبي, وأبو موسى يونس بن عبد الأعلى الصدفي, وأبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني, والربيعان ابنا سليمان المرادي, والجيزي, وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم.
وكتب عنه على بن المديني كتاب الرسالة وحملها إلى عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان بالبصرة فأعجبا بها وكانا من كبار أئمة الآثار, فكانا يدعوان الله للشافعي.
(1/82)

وقيل إن الذي حملها إليهما صاحبه الحارث بن سريج النقال.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله:
((وقد عد أبو الحسن الدارقطني منن روى عن الشافعي رحمه الله أحاديثه وأخباره وكلامه زيادة على مائة مع قصور سنه عن سن أمثاله من الأئمة, وإنما تكثر الرواية عن العالم إذا جاوز سنه الستين أو السبعين, والشافعي لم يبلغ في السن أكثر من أربع وخمسين)).
ثم قام بعد هؤلاء بالفقه على مذهب الشافعي جماعة مثل أبي القاسم الأنماطي, وزكريا بن يحيى الساجي, وأبي نعيم الأستراباذي, وإمام الأئمة أبي بكر محمد بن خزيمة, وهم ممن أخذ عن أصحاب الشافعي وكذلك الإمامان محمد بن نصر المروزي, وأبو بكر محمد بن المنذر.
وأخذ عن أبي القاسم الأنماطي أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج, وعنه انتشر فقه الشافعي في أكثر الآفاق, وأخذ عنه فقهاء الإسلام مثل أبي الطيب ابن سلمة, وأبي علي بن خيران, وأبي عبيد بن حربويه, وأبي حفص بن الوكيل, وأبي سعيد الإصطخري, وأبي بكر الصيرفي, وأبي العباس بن القناص,
(1/83)

وأبي بكر محمد بن على القفال الشاشي, وأبي إسحاق المروزي, وأبي علي بن أبي هريرة, وأبي الحسين بن القطان, ومن هذه الطبقة أبو بكر بن زياد, وابن الحداد.
ثم حصل الفقه في طبقة أخرى مثل أبي حامد المروروذي, وأبي زيد المروزي, وأبي علي الطبري, وأبي سهل الصعلوكي, وأبي بكر الإسماعيلي, وأبي الحسن الماسرجسي, وأبي القاسم الداركي, وغيرهم.
/ثم انتقل الفقه إلى طبقة أخرى مثل أبي الحسين بن اللبان الفرضي, وأبي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي, والقاضي أبي الحسن على بن عبد العزيز الجرجاني, وأبي حامد الإسفراييني, وابي بكر البرقاني, والقاضي أبي الطيب الطبري, والقفال المروزي.
ثم بعد هؤلاء أبو الحسن المحاملي, والمارودي, وأبو الفتح سليم بن أيوب الرازي, وأصحاب القفال: أبو علي السنجي, وأبو بكر الصيدلاني, والقاضي حسين , وأبو محمد الجويني ثم بعد هؤلاء أبو إسحاق الشيرازي, والشيخ نصر المقدسي, وإمام الحرمين أبو المعالي, والحسين بن مسعود البغوي, وأبو نصر بن الصباغ, وغيرهم.
ثم بعدهم الإمام أبو حامد الغزالي, وأبو بكر الشاشي, ومن في طبقتهما بالعراق وخراسان. وعندنا بالشام أبو الحسن علي بن المسلم السلمي جمال الإسلام, وأبو الفتح نصر الله بن محمد المصيصي, وبعدهما أبو المعالي مسعود بن محمد النيسابوري, وأبو سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون.
(1/84)

ثم الشيوخ الذين أدركناهم ممن جمع بين العلم والعمل كالقاضي أبي القاسم الأنصاري, وشيخنا أبي منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن, ومن تبعه وجرى على ذلك السنن, أذهب الله عنا وعنهم في الدنيا والآخرة الجزن, وأصلح أعمالنا في السر والعلن, ودفع عنا بفضله المحن, ووفقنا للمداومة على الاشتغال بالعلم ورزقنا العمل به.
قيل لعبد الله بن المبارك: إلى متى تطلب العلم؟ قال: أرجو أن تروني فيه حتى أموت. وقال: لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم أسمعها بعد.
وقال غيره: أليس يقال: يستغفر له - يعني لطالب العلم - كل شيء حتى الحيتان في الماء, أفلهذا مترك؟

فصل في صفة أهل العلم:
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ليس العلم بكثرة الحديث ولكن العلم الخشية.
(1/85)

/ وقال مالك بن أنس رحمه الله: ليس العلم بكثرة الرواية, ولكنه نور يجعله الله في قلب من يشاء من خلقه.
وفي رواية: العلم الحكمة, ونور يهدي به الله من يشاء, وليس بكثرة المسائل.
وقال الأوزاعي رحمه الله: كان هذا العلم كريما يتلاقاه الرجال بينهم, فلما كتب ذهب نوره, وصار إلى غير أهله.
(1/86)

وقال: إذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم الجدل, ومنعهم العمل.
وقال مسلم بن يسار: إياكم والمراء فائنها ساعة جهل العالم, وعندها يبتغي الشيطان زلته.
وقال مالك بن أنس: ليس هذا الجدال من الدين بشيء.
وقال أيضا: المراء في العلم يقسي القلوب, ويورث الضغائن.
وقال وهب بن منبه: دع المراء الجدال, كيف تمارى وتجادل من هو أعلم منك أو من أنت أعلم منه ولا يطيعك! فاطو ذلك عنه.
قالو: وكان أبو سلمة يماري ابن عباس فحرم منه علما كثيرا.
(1/87)

وكان هارون الرشيد مع محبته للفقه والفقهاء, وميله إلي العلم والعلماء, يكره الجدال في الدين والمراء, ويقول: إنه لخليق أن لا يفتح خيرا.
وفي جامع الترمذي عن أبي يمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل, ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون}. قال هذا حديث حسن صحيح.
جعلنا الله ربنا من القائمين بحقوق العلم العاملين به, المرتفعين في الدنيا والآخرة بسببه, وأوضح لنا به المحجة, ولا جعله علينا حجة, بل كما كان الفقهاء من السلف الصالح أهل نسك وعبادة, وورع وزهادة, أرادو الله بعلمهم, وصانوا العلم / فصانهم, وتدرعوا من الأعمال الصالحة ما زانهم, ولم يشنهم الحرص على الدنيا وخدمة أهلها, بل أقبلوا على طاعة الله تعالى التي خلقوا من أجلها, فاؤلئك الذين عناهم الإمام الشافعي رحمه الله بقوله: ما أحد أورع لخالقه من الفقهاء. وفي رواية: إن لم يكن الفقهاء أولياء الله في الآخرة فما الله ولي.
(1/88)

قال ابن مسعود: لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا أهل زمانهم, ولكنهم وضعوه عند أهل الدنيا لينالوا من دنياهم فهانوا عليهم.
وروي ليث, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: لو أن العلماء أخذوا العلم بحقه لأحبهم الله عز وجل والملائكة والصالحون من عباده, ولهابهم الناس لفضل العلم وشرفه.
وقال وهب بن منبه: إن الفقهاء فيما خلا حملوا العلم فأحسنوا حمله فاحتاجت إليهم الملوك وأهل الدنيا, ورغبوا في عملهن, فلما كان بأخرة فشت علماء فحملوا العلم فلم يحسنوا حمله, فطرحوا عملهم على الملوك وأهل الدنيا فاهتضموهم واحتقروهم.
وقال أيضا: كان العلماء قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم, فكانوا لا يلتفتون إلى دنياهم, وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم في علمهم, فأصبح أهل العلم منا اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في دنياهم, وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم. وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم
(1/89)

اللهم فجنبنا طريقة أقوام لم يقوموا بحق العلم وأرادوا به الدنيا, وأعرضوا عما لهم في الآخرة من الدرجة العليا, فلم يهنؤوا بحلاوته, ولم يمتعوا بنضارته, بل خلقت عندهم ديياجته, ورثت حالته, وعرف مقداره جماعة من السادة فعظموه وبجلوه ووقروه واستغنوا به, ورأوه بعد المعرفة أفضل ما أعطي البشر, واحتقروا في جنبته كل مفتخر, / وتلوا: {فما آتني الله خير مما آتاكم} , وكيف لا يكون الأمر كذلك والعلم حياة والجهل موت, فبينهما كما بين الحياة والموت.
ولقد أحسن القائل:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله. . . فأجسامهم قبل القبور قبور
وإن امرءا لم يحي بالعلم ميت. . . وليس له حتى النشور نشور
وعن إسماعيل بن عبيد الله, عن عبد الله بن عمرو قال: من قرأ القرآن فكأنما استدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه. ومن قرأ القرآن فرأى أن أحدا من الخلق أعطى أفضل مما أعطى فقد حقر ما أعظم الله وعظم ما حقر الله. ليس ينبغي لحامل القرآن أن يجهل فيمن يجهل, ولا يجد فيمن يجد, ولكن يعفو ويصفح لحق القرآن.
(1/90)

وللقاضي أبي سعيد الخليل بن أحمد السجزي الحنفي:
رضيت من الدنيا بقوت يقيمني. . . ولا ابتغي من بعده أبدا فضلا
ولست أروم القوت إلا لأنه. . . يعين على علم أرد به الجهلا
فما هذه الدنيا بطيب نعيمها. . . لأصغر ما في العلم من نكتة عدلا
فهذه رحمة الله عرف مقدار العلم؛ فلا جرم زهد في الدنيا, وقنع منها بالقوت, وحصل على رياض العلم ومتنزهاته, ومحاسن أوجه وطيب أوقاته.
وما أجود أبيات القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني من أصحابنا في صيانة العلم وترك التبذل به, وهي قصيدة نفيسة منها:
ولو أن أهل العلم صانهم. . . ولعظموه في النفوس لعظما
ولكن أذالوه فهان ودنسوا. . . محياه بالأطماع حتى تهجما
ولم أقض حق العلم إن كان كلما. . . بدا طمع صيرته لي سلما
وأقبض خطوي عن فضول كثيرة. . . إذا لم أنلها وافر العرض مكرما
/ يقولون هذا منهل قلت قد أرى. . . ولكن نفس الحر تحتمل الظما
وماذا عسى الدنيا وإن جل خطبها. . . ينال بها من صير الصبر مطعما
(1/91)

وينبغي لمن نظمه الله سبحانه في سلك العلماء أن يعرف قدر نعمته عليه, فقد قربه من درجة النبوة بما أسداه إليه, فلا يحزن لما يفوته من أمر الدنيا, فما آتاه الله خير مما أوتي أهلها, ولا يتبرم بما ينزل به من مصائبها فأن ذلك من علامات قبوله ولحوقه بسلفه, فقد جاء في الحديث: ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم العلماء ثم الصالحون)).
وفي رواية: ((النبيون, ثم الأمثل فالأمثل)).
وقال وهب بن منبه: لا يكون الفقيه فقيها حتى يعد البلاء نعمة, والرخاء مصيبة, وذلك أن صاحب البلاء ينتظر الرخاء, وصاحب الرخاء ينتظر البلاء.
(1/92)

فصل
صح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس, ولكن يقبض العلم, حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤرسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)).
ما أعظم حظ من بذل نفسه وجهدها في تحصيل العلم حفظا على الناس ما بقى بأيديهم منه, فإن هذه الأزمة قد غلب على أهلها الكسل والملل وحب الدنيا, فالمشتغل منهم عليها يحوم, ولها يعقد ويقوم, فإذا حصلت فترت همته واشتغل بها, وطلب الزيادة منها.
ومنهم من تفتر همته لعدم حصولها [له] ولا سيما إذا حصلت لغيره ممن يراه دون درجته, هذا / مع أن اشتغال المشتغل منهم ضعيف, قد قنع الحريص منهم من علوم القرآن بحفظ سواده, ونقل بعض قراءآته, وأغفل علم تفسيره ومعانيه, واستنباط أحكام الشريعة من مبانيه. واقتصر من علم الحديث على سماع بعض الكتب على شيوخ أكثرهم أجهل منه بعلم الرواية, فضلا عن الدراية, وأغفل إتقان معرفة الأسانيد والمتون من التقييد اللفظي, والبحث الصحيح المعنوي.
(1/93)

واجتزأ من علم الفقه بحفظ مختصر, ولولا الجاري عليه بسببه لما صبر.
ومنهم من صعب عليه أيضا حفظ المختصر [ورفع نفسه عنه] , فنظر في بعض نكت الخلافيين المتأخرين, العارية عن مآخذ الأئمة وفقه المتقدمين, وعد نفسه - لغرابة ما أتى به - من رؤوس العلماء, وهو عند الله تعالى وعند علماء الشريعة من أجهل الجهلاء, قد حرم أنفاس أهل الدين والعلم الفاخر, ورضي مما هم عليه بإطلاق اسم المستدل المناظر.
واكتفى من علم العربية بالنظر في مقدمة يزعم أنه يصلح بها لسانه, ويقوى بها عند الجدال جنانه, وصدف عن الكتب النفيسة الكافلة بنفائس هذا الشأن, وعن الاشتغال بعلمي اللغة والبيان, اللذين بهما يفهم الحديث والقرآن.
وأما علم أصول الفقه فقد هجر هجرا, فلا تكاد تسمع له ذكرا, إلا
بأبحاث خارجة عنه, وإن كانت قد سطرت فيه حتى حسبت أنها منه.
فليتدبر ما قلناه طالب العلم, وليتهم نفسه بالتحصيل, فكل علم من هذه العلوم بحر زاخر, ولا يحصل على درره إلا كل سابح غواص ماهر, قد مرت عليه أزمنة في ملازمة الطلب, وطول / النصب والتعب, من التكرار والبحث والشرح والمراجعات , ومذاكرة العلماء وكثرة المطالعات, مع الأهلية التامة من صحة الذهن وحدته, وطول الفكر منه وحسن نيته, فيراجع ما أشكل عليه ويحققه, وإذا عد تنبيه من نبهه على خطئه فائدة منه وشكره عليها فالله يوفقه.
(1/94)

وليعتمد من مذاكرة الشيوخ ومطالعة الكتب كل معتمد عليه, ولا يتجاوز تحقيق ما أشكل لديه, فهذه صفة المشتغل المحقق, وهو الذي ينتفع وينفع الله به كل موفق.
قال مسلم بن الحجاج في " صحيحه ": حدثنا يحيى بن يحيى التميمي, أنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير, قال: سمعت أبي يقول: لا يستطاع العلم براحة الجسم.
قلت:
ومن آدابه: اجتناب المراء والافتراء, واللغط الهراء, وحرصه أبدا على إظهار الحق, وطلبه من حيث كان, كما قال إمامنا الشافعي رحمه الله: ما ناظرت أحدا إلا على النصيحة, وما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ.
وما روينا عنه أيضا أنه قال: من تعلم علما فليدقق فيه لئلا يضيع دقيق العلم.
(1/95)

فصل
والعلم بالأحكام واستنباطها كان أولا حاصلا للصحابة فمن بعدهم من علمهم بالقرآن والسنة, ومعرفتهم بلسان العرب, فكانوا إذا نزلت بهم النازلة بحثوا عن حكم الله تعالى فيها من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, وكانوا يتدافعون الفتوى ويود كل منهم لو كفناه إياها غيره.
وكان جماعة منهم يكرهون الكلام في مسألة لم تقع, ويقولون للسائل /عنها: أكان ذلك؟ فإن قال: لا, قالوا: دعه حتى يقع, ثم نجتهد فيه. كل ذلك يفعلونه خوفا من الهجوم على ما لا علم لهم به, واشتغالا بما هو الأهم من العبادة والجهاد, وإذا وقعت الواقعة لم يكن بد من النظر فيها.
قال الحافظ البيهقي: وقد كره بعض السلف للعوام المسألة عما لم يكن ولم يمض به كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا أثر, ليعملوا عليه إذا وقع, وكرهوا للمسؤول الاجتهاد فيه قبل أن يقع؛ لأن الاجتهاد إنما أبيح للضرورة ولا ضرورة قبل الواقعة, وقد يتغير اجتهاده عند الواقعة فلا يغنيهم ما مضى من الاجتهاد.
واحتج بعضهم في ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم موصولا ومنقطعا: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)).
(1/96)

وعن طاووس قال عمر بن الخطاب وهو على المنبر أحرج بالله على كل امرىء مسلم سأل عن كل شيء لم يكن؛ فإن الله قد بين ما هو كائن.
وفي رواية: لا يحل لكم أن تسألوا عما لم يكن فإنه قد قضى فيما هو كائن.
وعن عبد الرحمن بن شريح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول:
إياكم وهذه العضل فإنها نزلت بعث لها من يقيمها ويفسرها.
وعن الصلت بن راشد قال: سألت طاووسا عن شيء فقال: أكان هذا؟
قلت: نعم. قال: آالله الذي لا إله إلا هو قلت: الله الذي لا إله إلا هو. قال:
(1/97)

إن أصحابنا حدثونا عن معاذ بن جبل أنه قال: أيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله فيذهب بكم هاهنا وهاهنا, وإنكم إن لم تفعلوا - أي لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله - لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدد أو قال: وفق.
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلا قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((لا تستعجلوا بالبلية قبل / نزولها فائنكم إذا فعلتم ذلك لم يزل منكم من يوفق ويسدد, وإنكم إن استعجلتم بها قبل نزولها تفرقت بكم السبل هاهنا وهاهنا وأشار عن يمينه وشماله)).
وقال مسروق: سألت أبي بن كعب عن شيء فقال: أكان بعد؟ قلت: لا. قال: فأجمنا حتى يكون, فإذا كان لك رأينا.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه, ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.
(1/98)

وفي رواية: يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول.
قلت:
ثم كثرت الوقائع والنازل وأفتى فيها مجتهدوا الصحابة والتابعين وأتباعهم, وحفظت فتاويهم وسطرت ودونت, ووصلت إلى من بعدهم من الفقهاء الأئمة ففرعوا عليها وقاسوا واجتهدوا في إلحاق غيرها بها, فتضاعفت مسائل الفقه وكثر الاختلاف. واختلاف الأئمة رحمة إذ نصوص القرآن والسنة تحتمل وجوها من التأويل, وطرق العربية ومجاريها واسعة, فلكل قول منها دليل.
ولم يزل علم الفقه كريما يتوارثه الأئمة معتمدين على الأصلين الكتاب والسنة مستظهرين بأقوال السلف على ما فيهما من غير تقليد.
قد نهى إمامنا الشافعي رحمه الله عن تقليده وتقليد غيره على ما سنذكره في فصل بعد هذا. وكانت تلك الأزمنة مملوءة بالمجتهدين, وكل صنف على ما رأى, وتعقب بعضهم بعضا مستمدين من الأصلين الكتاب والسنة, وترجيح الراجح من أقوال السلف المختلفة. ولم يزل الأمر على ما / وصفت إلى أن استقرت المذاهب المدونة, ثم اشتهرت المذاهب الأربعة وهجر غيرها,
(1/99)

فقصرت همم أتباعهم إلا قليلا منهم, فقلدوا ولم ينظروا فيما نظر فيه المتقدمون من الاستنباط من الأصلين الكتاب والسنة, بل صارت أقوال أئمتهم بمنزلة الأصلين, فأخذوها مسلمة مفروغا منها, ففرعوا عليها, واستنبطوا منها, ولم يبق لهم نظر إلا فيها, وأعرضوا عن علوم الأصلين, فعدم المجتهدون, وغلب المقلدون, حتى صاروا ممن يروم رتبة الاجتهاد يعجبون, وله يزدرون, وكثر التعصب للمذاهب, وقلت النصفة وبانت المثالب, ودبت بينهم العقارب, فجرى من بعضهم في بعض العجائب والغرائب, وآل بهم التعصب إلى أن صار أحدهم إذا أورد عليه شيء من الكتاب والسنة الثابتة على خلاف مذهبه يجتهد في دفعه بكل سبيل من التأويل البعيد نصرة لقوله, وإعراضا عما يجب عليه الأخذ به, ولو كان ذلك وصل إلى إمامه الذي يقلده هذا المتعصب لقابله ذلك الإمام بالتعظيم والتبجيل, ولصار إليه إن لم يعارضه دليل.
ثم تفاقم الأمر حتى صار كثير منهم لا يرون الاشتغال بعلوم القرآن والحديث, ويعيبون من يعتني بهما, ويرون أن ما هم عليه هو الذي ينبغي المواظبة عليه, وتقدمته بين يديه, من الاحتجاج للمذاهب بالآراء, وكثرة الجدال والمراء, فينقضي منهم المجلس بعد المجلس لا يسمع فيه آية تتلى, ولا حديث يروى, وإن اتفق ذكر شيء من ذلك لم يكن في المجلس من يعرف صحيحه من سقيمه, ولا إيراده على وجهه ولا فهم معناه. وغرض كل منهم
(1/100)

قمع خصمهم وإبطال حكمه, وعدم منهم / الإنصاف في مسائل الخلاف, ولا سيما لما وقفت عليهم الأوقاف.
ثم نبغ قوم آخرون صارت عقيدتهم في الاشتغال بمسائل المذهب كعقيدة أولئك في الاشتغال بعلوم الأصلين, يرون أن أولى منه الاقتصار على نكت خلافية وضعوها, وأشكال منطقية ألفوها.
بالمنطق اشتغلوا فقلت لجمعهم. . . إن البلاء موكل بالمنطق
فاعرضوا عن تلك المحاسن, وسموا المشتغلين بعلم المذهب كوادن, وذلك من وساوس الشيطان, وعلامات الخذلان؛ فنعوذ بالله من هذا البلاء, وسوء القضاء, ومن تضييع الزمان في الجدال والمراء, ونسأله الثبات على التمسك بالآثار, والاعتماد على [صحيح] الأخبار, ويلحقنا بالسادة الأخيار, ويباعدنا من هؤلاء الجهال الأغبياء الأشرار.
(1/101)

وقوم آخرون قنعوا بزي المتفقهين, والصياح الجاري بين المتناظرين, وقالو: علام نتعب أنفسنا, وريع المدارس حاصل لنا.
وما أظرف ما قال فيهم بعض الظرفاء, من المتأخرين الفضلاء:
يا طالب العلم من كتاب. . . ومن حديث طلاب مسلم
بدون هذا ترى فقيها. . . فوسع الثوب ثم عمم
والبس من الشرب طيلسانا. . . واعقده في المنكبين واختم
واقعد مع القوم في جدال. . . لا بالبخاري ولا بمسلم
إلا صياحا ونفض كم. . . وقول لا لا وعقد لم لم
فما أرى عندهم علوما. . . أكثر من لم ولا أسلم
وفي "مسند البزاز" وغيره عن جبير بن نفير, عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تفترق أمتي على بضع وسبعين شعبة, فرقة أعظمها فتنة على أمي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال)).
(1/102)

وعن عقبة بن أوس, عن عبد الله بن عمرو قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعا لما / جئتكم به)).
وقال عمر بن الخطاب وسهل بن حنيف رضي الله عنهما: اتهموا الرأي على الدين. وفي رواية: اتقوا الرأي على دينكم. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فيهدم الإسلام.
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: لا يزال الناس على الطريق ما اتبعوا الأثر.
(1/103)

وعن الشعبي من قوله, وقيل: رفعه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن, أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا.
وقال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس, وإياك ورأي الرجال وإن زخرفوه بالقول, فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريق مستقيم.
وقال أيضا: إذا بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث فإياك أن تقول بغيره فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مبلغا عن الله تبارك وتعالى.
وقال أيضا: العلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, وما لم يجيء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فليس بعلم - يعني ما لم يجيء أصله عنهم -.
(1/104)

وقال سفيان الثوري: إنما العلم كله العلم بالآثار.
وقال ابن المبارك: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر, وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث.
وقال أحمد بن حنبل: سألت الشافعي عن القياس فقال عند الضرورات.
وقال: كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله.
قلت:
وما أحسن قول القائل:
تجنب ركوب الرأي فالرأي ريبة. . . عليك بآثار النبي محمد
فمن يركب الآراء يعم عن الهدى. . . ومن يتبع الآثار يهد ويحمد
(1/105)

وقال الآخر:
دين النبي محمد أنوار. . . نعم المطية للفتي أثار
لا ترغبين عن الحديث وأهله. . . فالرأي ليل والحديث نهار
ولبعض فضلاء المغاربة:
أنظر بعين الهدى إن كنت ذا نظر. . . فإنما العلم مبنى على الأثر
لا تر غير رسول الله متبعا. . . ما دمت تقدر في حكم على خبر
/ ومن شعر القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري الشافعي رحمه الله:
أقول بالأثر المروي متبعا. . . وبالقياس إذا لم أعرف الأثرا
وما أبالي إذا ما العلم صاحبني. . . ثم التقى فيه أن لا أصحب البشرا
(1/106)

فصل
لم أزل منذ فتح الله على الاشتغال بعلم الشريعة, وفهم ما ذكرت من الاتفاق والاختلاف ولالات الكتب والسنة, مهتما بجمع كتاب يجمع ذلك أو يقاربه, توفيقا من الله تعالى لمعاود الأمر الأول, وهو ما كان عليه الأئمة المتقدمون من استنباط الأحكام من الأصلين مستظهرين بأقوال السلف فيها طلبا لفهم معانيها, ثم يصار إلى الراجح منها بطريقة وددت لو كان كفاني ذلك غيري ممن هو في زمني, أو وجدت أحدا من أصحابنا فعله قبلي, بل دأب كل مصنف من أصحابنا ومن غيرهم التعصب لمذهبه وترجيح قول إمامه في كل ما أتى به, وكان الواجب على الجميع نظرهم بعين الإنصاف, في كل ما وقع فيه الاختلاف, والصيرورة إلى القول الراجح وهو الأقرب إلى ما دل عليه الأصلان الكتاب والسنة, فيزول الخلاف في كثير من المسائل, ولا يبقى منها إلا القليل على ما ستراه من السبيل إن شاء الله تعالى.
وهذا الكتاب المشار إليه أرجوا أن أكون الممت فيه بامتثال أمر الله عز وجل في قوله سبحانه: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}.
قال الشافعي رحمه الله في كتاب " الرسالة ":
((يعني - والله أعلم - إلى ما قال الله والرسول إن عرفتموه, وإن لم تعرفوه سألتم الرسول عنه. ومن تنازع من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رد الأمر إلى قضاء الله
(1/107)

ثم قضاء رسوله, فإن لم يكن فيما يتنازعون فيه قضاء فيهما ولا في واحد منهما ردوه قياسا على أحدهما))
قلت: ولم يختلف المفسرون فيما وقف عليه من كتبهم في أن معناها إلى كتاب الله وسنة رسوله, وتقدير ذلك: فردوه إلى قول الله تعالى وقول الرسول, فيجب رد جميع / ما اختلف فيه إلى ذلك, فما كان أقرب إليه اعتقد صحته وأخذ به؛ ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((ردوا الجهالات إلى السنة)). وفي رواية: ((يرد الناس من الجهالات إلى السنة)).
وهذه كانت طريقة العلماء الأعلام أئمة الدين كما سبق ذكره, وهي طريقة إمامنا أبي عبد الله الشافعي رحمهم الله, فإنه تعقب على من تقدمه من العلماء بذلك السبب, ولهذا قال فيه أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله: ما من أحد وضع الكتب حتى ظهرت أتبع للسنة من الشافعي.
(1/108)

ثم إن الشافعي رحمه الله احتاط لنفسه وعلم أن البشر لا يخلو من السهو والغفلة وعدم الإحاطة, فصح عنه من غير وجه أنه أمر إذا وجد قوله على مخالفة الحديث الذي يصح الاحتجاج به أن يرد قوله ويؤخذ بالحديث.
أنبأنا القاضي أبو القاسم, عمن أخبره الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسن البيهقي, أنبأنا أبو عبد الله الحافظ, ثنا أبو العباس بن يعقوب, قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول:
إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ودعوا ما قلت.
قال البيهقي: ((وقد يثق - يعني الشافعي - ببعض من هو مختلف في عدالته على ما يؤدي إليه اجتهاده كما يفعله غيره, ثم لم يدع لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة بلغته وثبتت عنده حتى قلدها, وما خفي عليه ثبوته علق به ــــ يعني - على ثبوته, وما عسى لم يبلغه أوصى من بلغه باتباعه وترك خلافه, وذلك بين في كتبه وفيما ذكر من أقاويله.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ, أنبأنا أبو زكريا العنبري, أنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي فيما ذكره من فضائل الشافعي رحمه الله ومناقبه قال:
(1/109)

((ثم بلغ من حرصه - يعني من حرص الشافعي - على إفهام المسترشدين أني سمعت ربيعا يقول: قال الشافعي رحمه الله: " وددت أن الناس نظروا في هذه / الكتب ثم نحلوها غيري "؛ طلبا منه للنصيحة لهم, وأن قصده أنما كان من وضع الكتب وتسييرها في الناس أن يفهموها, ليدلهم البيان فيها على الأرجح من المذاهب التي هي أتبع للكتاب والسنة وما أشبه الكتاب والسنة, تبرأ إلى الله جل ذكره من حوله وقوته, غير ملتمس بها ذكرا ولا في الدنيا شرفا. قال: وهذه صحة النية, ومشكور الطوية, وما يحمد من الصالحين من الضمير والعزيمة)).
قلت:
وعلى هذا المعنى كان وضع الشافعي وغيره من الأئمة الكتب إرشادا للخلق إلى ما ظنه كل واحد منهم صوابا, لا على أنهم أرادوا تقليدهم ونصرة أقوالهم كيفما كانت, فقد صح أن الشافعي رحمه الله نهى عن تقليده وتقليد غيره.
قال صاحبه أبو إبراهيم المزني في أول " مختصره ": ((اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله لأقربه على من أراده مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره؛ لينظر فيه لدينه, ويحتاط لنفسه)).
أي مع إعلامي من أراد علم الشافعي نهي الشافعي عن تقليده وتقليد غيره. هذا أحسن ما أول به هذا الكلام. وانظروا رحمكم الله إلى قوله: ((لينظر فيه لدينه, ويحتاط لنفسه)) أي ليسترشد بذلك إلى الحق.
(1/110)

قال صاحب " الحاوي " وهو القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي: ((وقوله: " ويحتاط لنفسه " أي ليطلب الاحتياط لنفسه بالاجتهاد في المذاهب, وترك التقليد بطلب الدلالة)).
قلت:
فعلى هذا كان السلف الصالح يتبعون الصواب حيث كان, ويجتهدون في طلبه وينهون عن التقليد.
وقال أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاص صاحب أبي العباس بن سريج في أول كتاب " التلخيص " له:
((ذكر المزني في كتابه المترجم بـ:" الجامع الكبير " في المتيمم إذا دخل في الصلاة, ثم رأى الماء أن الشافعي / نهى عن التقليد نصحا منه لكم, فله أجر صوابكم وهو بريء من خطئكم رضي الله عنه وقبل منه نصحكم)).
قال الشيخ أبو علي [السنجي] في كتاب " شرح التلخيص ":
((وإنما ذكر المزني هذا في هذه المسألة لأنها أول مسألة خالف الشافعي فيها في " جامعيه الصغير والكبير " حيث ذهب فيها إلى مذهب أهل الكوفة
(1/111)

أنه يخرج من صلاته ويتوضأ ويستأنف. فبسط العذر لنفسه في مخالفة الشافعي لأنه منعه من تقليده وتقليد غيره.
قلت:
فالمزني رحمه الله امتثل أمر إمامه في النهي عن تقليده, فخالفه في هذه المسألة لما ظهر له من جهة النظر والرأي, فما الظن به لو وجد حديثا مصرحا بخلاف نصه, فهو إن شاء الله حينئذ كان أشد مبادرة إلى مخالفة نص إمامه, وإن كان في الحقيقة موافقا لا مخالفا لأنه قد أمر إذا وجد الحديث على خلاف قوله أن يترك قوله, فهو إنما ترك قوله بقوله فهو موافق ممتثل للأمر.
وقد فعل هذا صاحبه أبو يعقوب البويطي رحمه الله في مسألة التيمم إلى الكوعين فخالفه وصار إليه كما سيأتي.
وإذا كشفت واعتنيت بهذا وكانت لك همة في التنقيب عنه وعناية بظهور الحق, وجدت جماعة من أهل العلم والتحقيق والمصنفين على مذهب الشافعي رحمهم الله قد نصروا مذهبه, وامتثلوا ما أمر به من مخالفة قوله لحديث يصح الاحتجاج به, وهذا مأمور به من جهة الشارع ولو لم يقله الشافعي.
فذكر كل واحد منهم ما أمكنه مما وصل إليه علمه على قلة ذلك وعزته في كتبهم, وإنما يكثر ذلك في كتب المتضلعين من الحديث الباحثين عن فقهه ومعانيه, الذاكرين لأقوال العلماء ومذاهبهم من غير تقيد, كأبي بكر بن المنذر وأبي سليمان الخطابي وأبي بكر البيهقي وأبي عمر بن عبد البر وغيرهم رحمهم الله.
ونبه صاحب "التهذيب" من أصحابنا وهو أبو علي / الحسين بن مسعود البغوي على مواضع حسنة منها:
(1/112)

تصحيحه للقول القديم أن وقت المغرب يمتد إلى وقت مغيب الشفق فقال: وهو الصحيح لحديث بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها في يومين في وقتين.
ووافقه على ذلك إمام الحرمين أبو المعالي ابن الجويني في "مختصره"
الذي اختصر فيه كتاب "النهاية", وإن لم يكن ما نذكره في نفس كتاب "النهاية", فقال في "المختصر": والظاهر عندنا القول الثاني - يعني القديم -, فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب عند اشتباك النجوم
قال: وفي نصرة هذا القول نصوص ولذلك اختاره الإمام أحمد, ولولا صحة الأخبار عنده لما رأى ذلك.
(1/113)

ونقل أيضا إمام الحرمين في باب التعزيز من كتاب "النهاية" عن صاحب "التقريب" كلاما حسنا في هذا المعنى وإن كان فيما استنبطه نظر فقال: ولما ذكر صاحب "التقريب" مقالات الأصحاب في التعزيزات ومبالغها روى عن أبي بردة بن نيار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يجلد فوق العشرة إلا في حد)). قال صاحب "التقريب": هذا خبر صحيح لو بلغ الشافعي لقال به.
وقد صح من أقوال الشافعي رضي الله عنه أن من يبلغه مذهبه عنه ويصح عنده خبر على خلافه فحق عليه أن يتبع الخبر ويعتقد أنه مذهب الشافعي, فإن كل ما أطلقه في المسائل مقيد باستثناء الخبر, وكأنه لا يقول قولا في واقعة إلا وهو مصرح بأن الأمر كذلك إن لم يصح خبر على خلافه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت:
وهذا الحديث متفق عليه في "الصحيحين" ولكن له عندي تأويل وهو أن المراد به ضرب التأديب الصادر من غير الولاة؛ كضرب السيد عبده والزوج امرأته, والأب ولده, والمعلم / والمؤدب من تحت أيديهما من الصبيان المتعلمين.
(1/114)

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إلا في حد)) يعني ما يضربه الولاة على الجرائم فإنها حدود شرعية أي موانع وزواجر. وهي مقسمة إلى حد مقدر كحد الزنا والقذف, وإلى [حد] غير مقدر وهي التعزيزات على الجرائم التي لا مقدر في حدها من جهة الشرع, وإنما هو موكول إلى اجتهاد ولاة الأمر يفعلون من ذلك ما هو الرادع الزاجر لصاحب تلك الجريمة مما هو لائق به, وذلك يختلف باختلاف الجرائم؛ فمنها كبائر كأكل الربا, ومال اليتيم, والغصب, والفرار من الزحف, وعقوق الوالدين, فكيف يسوى بين هذه وبين الصغائر في أن لا يبلغ بالجميع عشرة أسواط؟ فأي انزجار يحصل بذلك؟ لا سيما من الأراذل والسفل, وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((إن الناس قد تتايعوا في شرب الخمر, واستقلوا الحد)) , هذا مع كونه أربعين جلدة لم يبالوا بها وانهمكوا على الشرب الذي هو متلف للأموال, ومذهب للعقول, وحامل على كثرة المعاصي, فكيف بمن تمرد وتمرن على عقوق الوالدين والسحر, وشرهت نفسه في جمع الأموال من الربا والغصب, أيزجر بتسعة أسواط مثلا, هذا مناف لحكمة شرعية الحدود والتعزيزات, فليس لهذا الحديث الصحيح محمل إلا ما ذكرته وهو معنى حسن جيد. والحمد لله على فهمه,
(1/115)

وسيأتي تقرير ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه, وإنما قدمته هنا خوفا من اخترام المنية قبل الوصول إليه لأنه في أواخر الكتاب, واستطرد الكلام بنا إليه فذكرته, ولم يكن الغرض هنا إلا ذكر ما نقله إمام الحرمين عن صاحب "التقريب" في تقرير جواز مخالفة نصوص الشافعي المخالفة لما صح من الحديث وإن لم يكن هذا منها وبالله التوفيق.
فصل:
ثم إن المصنفين من أصحابنا المتصفين بالصفات المتقدمة من الاتكال على نصوص إمامهم, معتمدين عليها اعتماد الأئمة قبلهم على الأصلين الكتاب والسنة, قد وقع في مصنفاتهم خلل كثير من وجهين عظيمين:
الأول أنهم يختلفون كثيرا فيما ينقلون من نصوص الشافعي رحمه الله, وفيما يصححونه منها ويختارونه, وما ينسبونه إلى القديم والجديد ولا سيما المتأخرين منهم, وصارت لهم طرق مختلفة خراسانية وعراقية, فترى هؤلاء ينقلون عن إمامهم خلاف ما ينقله هؤلاء, والمرجع في هذا كله إلى إمام واحد, وكتبه مدونة مروية موجودة, أفلا كانوا يرجعون إليها, وينقون تصانيفهم من كثرة اختلافهم عليها.
وأجود تصانيف أصحابنا من الكتب الكبار فيما يتعلق بصحة نقل نصوص الشافعي رحمه الله هو كتاب "التقريب" , أثنى عليه بذلك أخبر
(1/116)

المتأخرين بنصوص الشافعي وهو الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله, ذكر ذلك في رسالة له كتبها إلى الشيخ أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين ناصحا له فيها, ومنكرا عليه ما وقف عليه من تصنيف له في الفقه شرع فيه وسماه "المحيط" فقال فيها:
((وكنت أنظر في كتب بعض أصحابنا حكايات من حكى منهم عن الشافعي رضي الله عنه نصا, وأبصر اختلافهم فيه بعضها, فيضيق قلبي بالاختلاف, مع كراهية الحكاية من غير ثبت, فحملني ذلك على نقل مبسوط ما اختصره المزني رحمه الله على ترتيب "المختصر". ثم نظرت في كتاب "التقريب", وكتاب "جمع الجواميع", و "عيون المسائل", وغيرها فلم
(1/117)

أر أحدا منهم فيما حكاه أوثق من صاحب "التقريب", رحمنا الله وإياه, وهو في النصف الأول من كتابه أكثر حكاية لألفاظ الشافعي رحمه الله منه في أكثرها وذهاب بعضها في عصرنا - عن حكاية ألفاظ لا بد لنا من معرفتها لئلا نجتريء على تخطئة المزني في بعض ما نخطئه فيه, وهو عندي بريء, ولنتخلص بها عن كثير من تخريجات أصحابنا))
وقال البيهقي في موضع آخر: ((وجدت في بعض ما نقل من كتب الشافعي وحول منها إلى غيره خللا في النقل, وعدولا عن الصحة بالتحويل, فرددت مبسوط كتبه القديمة والجديدة إلى ترتيب "المختصر"؛ ليتبين لمن تفكر في مسائله من أهل الفقه ما وقع فيه من التحريف والتبديل, ويظهر لمن نظر في أخباره من أهل العلم بالحديث ما وقع فيه الخلل بالتقصير في النقل)).
(1/118)

قلت:
فلا بد لنا إن شاء الله من إيضاح الحق فيما اختلفوا فيه إن قدرت على ذلك في هذا الكتاب, وإلا أوردت اختلافهم على وجهه, ونسبت كلا إلى قائله في كتابه.
وإذا كان هذا الخلل قد وقع منهم في نقل نصوص إمامهم فما الظن بما ينقلونه من نصوص باقي المذاهب؟ فترى في كتبهم من ذلك أشياء ينكرها أصحاب تلك المذاهب, وكأن الخلل إنما جاءهم من تقليد بعضهم بعضا فيما ينقله من مذهب غيره أو من نص إمامه, ويكون الأول قد غلظ فيتبعه من بعده, والغلط جائز على كل أحد إلا من عصمه الله تعالى, ولكن لو أن كل من ينقل عن أحد مذهبا أو قولا راجع في ذلك كتابه إن كان له منصف أو كتب أهل مذهبه كما نفعله نحن إن شاء الله في هذا الكتاب, لقل ذلك الخلل, وزال أكثر الوهم وبطل, والله الموفق.
الوجه الثاني: ما فعلونه في الأحاديث النبوية والآثار المروية من كثرة استدلاهم بالأحاديث الضعيفة على ما يذهبون إليه نصرة لقولهم, ومن تغيير لفظ ما صح منها / والزيادة فيه والنقص منه لقلة خبرتهم بذلك وما أكثره في كتب أبي المعالي وصاحبه أبي حامد نحو: ((إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا))
(1/119)

ومن العجيب ما ذكره صاحب "المهذب" في أول باب إزالة النجاسة
قال: ((وأما الغائط فهو نجس لقوله صلى الله عليه وسلم لعمار: "إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمنى والدم والقيء". ثم ذكر بعد ذلك طهارة منى الآدمي ولم يتعرض للجواب عن هذا الحديث الذي هو حجة خصمه, ولم يكن له حاجة إلى ذكره أصلا فإن الغائط لا ضرورة إلى الاستدلال على نجاسته بهذا الحديث الضعيف المنتهض حجة عليه في أمر آخر والله الموفق.
ومن قبيح ما يأتي به بعضهم تضعيفهم لخبر يحتج به بعض مخالفيهم, ثم يحتاجون هم إلى الاحتجاج بذلك الخبر بعينه في مسألة أخرى, فيوردونه معرضين عما كانوا ضعفوه به, ففي كتابي "الحاوي" و "الشامل" وغيرهما من ذلك شيء كثير.
هذا وهم مقلدون لإمامهم الشافعي رحمه الله, فهلا اتبعوا طريقته في ترك الاحتجاج بالضعيف, وتعقبه على من احتج بذلك, وتبيين ضعفه.
(1/120)

ثم إن من مذهبه رحمه الله ترك الاحتجاج بالمراسيل إلا بشروط سنذكرها في مقدمة الأصول إن شاء الله تعالى.
ولو ذكر سند الحديث وعرفت عدالة رجاله إلى التابعي وسقط من السند ذكر الصحابي كان مرسلا, ويورد هؤلاء المصنفون هذه الأحاديث محتجين بها بلا إسناد أصلا, فيقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويظنون أن ذلك حجة, وإمامهم رضي الله عنه يرى أنه لو سقط من السند الصحابي وحده لم يكن حجة, وكذا لو سقط غير الصحابي من السند, فليتهم إذ عجزوا عن أسانيد الحديث ومعرفة رجالها عزوها إلى الكتب التي أخذوها منها, ولتكن من كتب الحديث المعتمد عليها, ولكنهم لم يأخذوا تلك الأحاديث إلا من كتب من سبقهم من مشايخهم ممن هو على مثل حالهم, فبعضهم يأخذها من بعض / فيقع التغيير والزيادة والنقصان فيما صح أصله, ويختلط الصحيح بالسقيم, وهذا كله غير مستقيم, بل الواجب في الستدلال على الأحكام, وبيان الحلال والحرام, أن من يستدل بحديث يذكر سنده ويتكلم عليه بما يجوز الاستدلال به, أو يعزوه إلى كتاب مشهور من كتب أهل الحديث المتعمدة, فيرجع من يطلب صحة ذلك الحديث وسقمه إلى ذلك الكتاب وينظر في سنده, وما قال ذلك المصنف أو غيره فيه. وما أحسن ما قال الحافظ البيهقي للشيخ أبي محمد الجويني في "رسالته" التي كتبها إليه ونصحه فيها قال: ((وكنت أسمع رغبة الشيخ-أدام الله أيامه-في سماع الحديث والنظر في كتب أهله, فأسكن إليه, واشكر الله تعالى عليه, وأقول في نفسي ثم فيما
(1/121)

بين الناس: قد جاء الله عز وجل بمن يرغب في الحديث ويرغب فيه من بين الفقهاء, ويميز فيما يرويه ويحتج به الصحيح من السقيم من جملة العلماء, وأرجو من الله سبحانه أن يحي به سنة إمامنا المطلبي في قبول الآثار, حيث أماتها أكثر فقهاء الأمصار, بعد من مضى من الأئمة الكبار, الذين جمعوا بين نوعي علم الفقه والأخبار.
ثم لم يرض بعضهم بالجهل به حتى رأيته حمل على العالم به, والوقوع فيه, والإزراء به, والضحك منه, وهو مع هذا يعظم صاحب مذهبه ويجله, ويزعم أنه لا يفارق في منصوصاته قوله, ثم يدعي في كيفية قبول الحديث ورده طريقته, ولا يسلك فيها سيرته, لقلة معرفته بما عرف, هلا نظر في كتبه ثم اعتبر باحتياطه في انتقاده لرواة خبره, واعتماده فيمن اشتبه عليه حاله على رواية غيره, فيرى سلوك مذهبه مع دلالة العقل والسمع واجبا على كل من انتصب للفتيا, فإما أن يجتهد في تعلمه, أو يسكت عن الوقوع فيمن يعلمه. فلا يجتمع / عليه وزران, حيث فاته الأجران, والله المستعان)).
وقال قبل ذلك:
((قد علم الشيخ اشتغالي بالحديث واجتهادي في طلبه, ومعظم مقصودي منه في الابتداء التمييز بين ما يصح الاحتجاج به من الأخبار وبين ما لا يصح,
(1/122)

حين رأيت المحدثين من أصحابنا يرسلونها في المسائل على ما يحضرهم من ألفاظها, من غير تمييز منهم بين صحيحها وسقيمها. ثم إذا احتج عليهم بعض مخالفيهم بحديث يشق عليهم تأويله أخذوا في تعليله بما وجدوه في كتب المتقدمين من أصحابنا تقليدا, ولو عرفوه معرفتهم لميزوا به صحيح ما يوافق أقوالهم من سقيمه, ولأمسكوا عن كثير مما يحتجون به وإن كان يطابق آراءهم, ولاقتدوا في ترك الاحتجاج برواية الضعفاء والمجهولين بإمامهم, وما رد من الأخبار لضعف رواته وانقطاع إسناده كثير))
قلت:
وقد يسر الله تعالى - وله الحمد - الوقوف على ما ثبت من الأحاديث وتجنب ما ضعف منها بما جمعه علماء الحديث في كتبهم من الجوامع والمساند.
فالجوامع: هي المرتبة على الأبواب من الفقه والرقائق والمناقب وغير ذلك؛ فمنها ما اشترط فيه الصحة أي لا يذكر فيه إلا حديث صحيح شرط مصنفه, كـ: "كتابي البخاري ومسلم" وما ألحق بهما واستدرك عليهما, وكـ: "صحيح إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة", و"كتاب أبي عيسى الترمذي", وهو كتاب جليل مبين فيه الحديث الصحيح والحسن
(1/123)

والغريب والضعيف, وفيه عن الأئمة فقه كثير, ثم "سنن" أبي داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم, ممن هو في زمن هؤلاء المذكورين وفي طبقتهم, ففي ذلك العصر أكثر من تدوين كتب الحديث وجمعت ونقحت وميزت. ومن بعدهم "سنن أبي الحسن الداراقطني", و"التقاسيم" لأبي حاتم بن حبان, وغيرهما.
ثم ما / رتبه وجمعه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي في "سننه الكبير", و"الأوسط", و"الصغير" التي أتى بها على ترتيب "مختصر المزني", وقربها إلى الفقهاء بجهده. فلا عذر لهم ولا سيما الشافعية منهم في تجنب الاشتغال بهذه الكتب أو ببعضها. وكثر النظر فيها وسماعها, والبحث عن فقهها ومعانيها, ومطالعة الكتب النفيسة المصنفة في شروحها وغريبها, بل أفنوا زمانهم وعمرهم في النظر في أقوال من سبقهم من متأخري الفقهاء, وتركوا النظر في نصوص نبيهم المعصوم من الخطأ صلى الله عليه وسلم, وآثار الصحابة الذين شهدوا الوحي وعاينوا المصطفى, وفهموا أنفاس الشريعة؛ فلا جرم حرم هؤلاء رتبة الاجتهاد, وبقوا مقلدين على الآباد.
وقد كانت العلماء في الصدر الأول معذورين في ترك ما لم يفقهوا عليه من الحديث؛ لأن الأحاديث لم تكن حينئذ فيما بينهم مدونة, إنما كانت تتلقى من أفواه الرجال وهم متفرقون في البلدان, ولو كان الشافعي رحمه الله وجد في
(1/124)

زمانه كتابا في أحكام السنن أكبر من "الموطأ" لحفظه مضافا إلى ما تلقاه من أفواه مشايخه, فلهذا كان الشافعي بالعراق يقول لأحمد بن حنبل رحمهما الله: أعلموني بالحديث الصحيح أصر إليه.
وفي رواية: إذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا حتى أذهب إليه.
ثم قد زال العذر ولله الحمد بجمع الحفاظ الأحاديث المحتج بها في كتب, نوعوها وقسموها, وسهلوا الطريق إليها فبوبوها وترجموها, وبينوا ضعف كثير منها وصحته, وتكلموا في عدالة الرجال وجرح المجروح منهم, وفي علل الحديث, ولم يدعوا لمشتغل شيئا يتعلل به, وفسر القرآن والحديث, وتكلم على غريبهما وفقههما, وكل ما يتعلق / بهما, في مصنفات عديدة جليلة, فالآلات متهيئة لذي طلب صادق وهمة ذكاء وفطنة.
وأئمة الحديث المعتبرون هم القدوة في فنهم, فوجب الرجوع إليهم في ذلك, وعرض آراء الفقهاء على السنن والآثار الصحيحة, فما ساعده الأثر فهو المعتبر وإلا فلا.
ولا نبطل الخبر بالرأي بل نضعفه إن كان على اختلاف وجوه الضعف من علل الحديث المعروفة عند أهله, أو باجماع الكافة على خلافه, وقد يظهر ضعف الحديث وقد يخفى. وأقرب ما يؤمر به في ذلك أنك متى رأيت حديثا
(1/125)

خارجا عن دواوين الإسلام كـ:"الموطأ" و"مسند أحمد" و"الصحيحين" و"سنن" أبي داود والترمذي والنسائي ونحوها مما تقدم ذكره ومما لم نذكره, فانظر فيه فإن كان له نظير في الصحاح أو الحسان قرب أمره, وإن رأيته يباين الأصول وارتبت به فتأمل رجاله إسناده, واعتبر أحوالهم من الكتب المصنفة في ذلك, وأصعب الأحوال أن يكون رجال الإسناد كلهم ثقات ويكون متن الحديث موضوعا عليهم أو مقلوبا أو قد جرى فيه تدليس, ولا يعرف هذا إلا النقاد من علماء الحديث, فإن كنت من أهله وإلا سل عنه أهله.
قال الأوزاعي: كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم الزائف, فما عرفوا منه أخذنا, وما أنكروا تركنا.
قلت:
وكذلك المسائل الفقهية المبنية على دلالات اللغة ومقتضيات الألفاظ يرجع فيها إلى أقوال أهل اللغة وصناعة العربية, وكل ذلك قد حرره أهله وحققوه. فالتوصل إلى الاجتهاد بعد جمع السنن في الكتب المعتمدة - إذا زرق الانسان الحفظ والفهم ومعرفة اللسان - أسهل منه قبل ذلك [لولا قلة همم
(1/126)

المتأخرين, وبعدهم عن المتبحرين]. ومن أكبر أسبابه / تعصبهم وتقيدهم برفق الوقوف, وجهل أكثر المصدرين منهم على ما هو المعروف, الذي هو منكر مألوف.
فصل:
فإذا ظهر هذا وتقرر تبين أن التعصب لمذهب الإمام المقلد ليس هو باتباع أقواله كلها كيفما كانت, بل بالجمع بينهما وبين ما ثبت من الأخبار والآثار, ويكون الخبر هو المتبع, ويؤول كلام ذلك الإمام تنزيلا له الخبر. والأمر عند المقلدين أو أكثرهم بخلاف هذا إنما هم يؤولون الخبر تنزيلا له على نص إمامهم. ثم الشافعين كانوا أولى بما ذكرناه لنص إمامهم رضي الله عنه على ترك قوله إذا ظفر بحديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلافه, فالتعصب له على الحقيقة إنما هو امتثال أمره في ذلك, وسلوك طريقته في قبول الأخبار, والبحث عنها والتفقه فيها, وقد نقلت - والحمد لله - ما روي عنه من وصيته بذلك في ترجمته في "تاريخ دمشق".
قال الربيع: قال الشافعي: قد أعطيتك جملة تغنيك إن شاء الله: لا تدع لرسول الله صلى الله حديثا أبدا إلا أن يأتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلافه, فتعمل بما قلت لك في الأحاديث إذا اختلفت.
(1/127)

وسيأتي ذلك في مقدمة الأصول إن شاء الله تعالى.
وفي رواية: إذا وجدتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة خلاف قولي فخذوا السنة ودعوا قولي فإني أقول بها.
وفي رواية: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله ودعوا ما ما قلت.
وفي رواية: كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي.
قال: وسمعت الشافعي يقول - وروي حديثا - فقال له رجل: تأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال: متى رويت عن رسول الله صلى الله حديثا صحيحا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذه, وأشار بيده على رؤوسهم.
(1/128)

وقال حرملة: قال الشافعي: كل ما قلت / وكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما يصح فحديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى ولا تقلدوني.
وفي " كتاب ابن أبي حاتم" عن أبي ثور قال: سمعت الشافعي يقول: كل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو قولي وإن لم تسمعوه مني.
وفيه عن الحسين - هو الكرابيسي- قال: قال الشافعي: إن أصبتم الحجة في الطريق مطروحة فاحكوها عني فإني قائل بها.
وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزب عنه, فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو قولي. قال: وجعل يردد هذا الكلام.
(1/129)

قال: وقال الشافعي: من تبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وافقته, ومن غلظ فتركها خالفته, صاحبي اللازم الذي لا أفارقه الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن بعد, والذي أفارق من لم يقل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن قرب.
وقال الزعفراني: كنا ولو قيل لنا: سفيان, عن منصور, عن إبراهيم, عن علقمة, عن عبد الله يعني عن النبي صلى الله عليه وسلم, قلنا: هذا مأخوذ وهذا غير مأخوذ,
حتى قدم علينا الشافعي فقال لنا: ما هذا؟ إذا صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مأخوذ به لا يترك لقول غيره. [قال]: فنبهنا لشيء لم نعرفه - يعني نبهنا على هذا المعنى-.
وقال أبو بكر الأثرم: كنا عند البويطي فذكرت حديث عمار في التميم,
فأخذ السكين وحته من كتابه, وصيره ضربة. وقال: هكذا أوصانا صاحبنا: إذا صح عندكم الخبر فهو قولي أو كما قال هذا معناه.
قلت:
هذا من البويطي فعل حسن موافق للسنة ولما أمر به إمامه رحمه الله,
وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه في باب التيمم إن شاء الله تعالى.
وأما الذين يظهرون التعصب لأقوال الشافعي / كيفما كانت وإن جاءت سنة بخلافها فليسو متعصبين في الحقيقة؛ لأنهم لم يمتثلوا ما أمر به إمامهم, بل دأبهم وديدنهم إذا أورد عليهم حديث صحيح - هو مذهب إمامهم, لو وقف
(1/130)

عليه لقال به - أن يحتالوا في دفعه بما لا ينفعهم, لما نقل عن إمامهم من قول قد أمر بتركه عند وجدان ما يخالفه من السنة, هذا مع كونهم عاصين بذلك لمخالفتهم ظاهر كتاب الله وسنة رسوله على ما سنبنيه إن شاء الله تعالى في فصل كيفية اتباع الكتاب والسنة من كلام الشافعي رحمه الله وغيره في مقدمة الأصول السابق ذكرها.
وروي الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي وغيرهم عن ابن عيينة.
قال الشافعي: أنا سفيان بن عيينة, أبنا سالم أبو النضر, أنه سمع عبيد الله ابن أبي رافع يخبر عن أبيه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه, فيقول: لا أدري, ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)).
قال الحميدي: إذ نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم من ترك ما جاء عنه مما لم يكن في كتاب الله كانت الحجة على من ترك ذلك لرأي نفسه أو كد, وله ألزم, وكان عن طريق الحق أجور.
(1/131)

قلت:
فكيف حال من يترك ذلك لأنه لا يجده في كتب المتأخرين المقلدين, أو يجد فيها خلافه. والعجب أن منهم من يستجيز مخالفة نص الشافعي لنص له آخر في مسألة أخرى بخلافه, عسر عليهم الفرق بينهما فيصنعون فيهما شيئا يسمونه النقل والتخريج, فيخالفون نصه في المسألتين لأنهم ينقلون جوابه من كل مسألة منها إلى الأخرى, ثم لا يرون مخالفة نصه لأجل نص رسول الله صلى الله عليه وسلم, مع أنه قد صح عن الشافعي أنه أذن لهم فيما لعلهم يتركونه من ذلك, / وليسو يقدرون أن يروا عنه أنه أذن لهم فيما فعلوه من النقل والتخريج, ولعله رحمه الله كان عنده بين المسألتين فرق لم يطلعهم [الله] عليه, فمالهم يقولونه في [كل] مسألة منهما قولا لم يقله حتى كثرت الأقوال في المذهب والتخريجات, وكثرت في ذلك المناظرات, ولم يقولوه ما دل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه قال لهم: ((القول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي)) , على ما تقدم نقله عنه رضي الله عنه.
وقد قال البويطي: سمعت الشافعي يقول: لقد ألفت هذه الكتب ولم آل فيها, ولا بد أن يوجد فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول: {ولو كان من عند غير
(1/132)

الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} , فما وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب والسنة فقد رجعت عنه.
وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي: ثنا معن بن عيسى القزاز, قال: سمعت مالكا يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب, فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به, وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.
قلت:
فهذا الإمام مالك بن أنس رحمه الله قد سبق إمامنا الشافعي بهذا الكلام وهو الحق, وذلك الظن بجميع الأئمة وإن لم ينقل عنهم.
وقد نقل عن أبي حنيفة رحمه الله معنى ذلك.
قال نعيم بن حماد: سمعت أبا عصمة يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعينين, وما جاء عن أصحابه اخترنا, وما كان غير ذلك فنحن رجال وهم رجال.
(1/133)

وفي رواية: قال نعيم: سمعت ابن المبارك يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء عن النبي صلى الله فعلى الرأس والعين, وإذا جاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نختار من قولهم, وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم.
وفي رواية أخرى: قال: آخذ بكتاب الله / فإن لم أجد فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله أخذت بقول أصحابه, آخذ بقول من شئت منهم وأدع قول من شئت منهم, ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم, فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم [النخعي] والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب وعدد رجالا من التابعين, فقوم اجتهدوا فاجتهدوا.
قلت: وليس يعني رحمه الله اختيار شهوة بل اختيار نظر واستدلال وقياس واعتبار على ما دل عليه الكتاب والسنة. وفرق بين الصحابة والتابعين
(1/134)

فجوز أن يذهب إلى ما لم ينقل عن واحد منهم في مسألة اختلفوا فيها عن اجتهاد ولا نص فيها, ولم يرد إذا أجمعوا على قول واحد فإن الإجماع حجة في التابعين كما هو في الصحابة على المذهب الصحيح.
وقال سفيان الثوري لما بلغه ذلك عن أبي حنيفة: نتهم رأينا كرأيهم.
وكأنه رحمه الله سوى بين التابعين والصحابة في أنهم إذا أجمعوا في مسألة على قولين مثلا لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث, وجوز أبو حنيفة ذلك, وهي مسألة مختلف فيها بين الأصوليين وفيها تفصيل سنذكره إن شاء الله تعالى, وأما ما أجمع الصحابة عليه فلا كلام في أنه لا تجوز مخالفته.
فقد وضح لك من أقوال الأئمة أنه متى جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث ثابت فواجب المصير إلى ما دل عليه ظاهره, ما لم يعارضه دليل آخر على ما سيأتي تحقيقه, وهذا هو الذي لا يسع أحدا غيره.
قال الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت / ويسلموا تسليما} , فنفي الإيمان عمن لم يحكم رسوله صلى الله عليه وسلم فيما وقع التنازع فيه ولم يسلم لقضائه.
وقال عز وجل: {وإن تطيعوه تهتدوا} فضمن الهِداية في طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يضمنها في طاعة غيره.
(1/135)

وقال: {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}.
وأوعد على مخالفته فقال: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}.
وقال: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا}.
قال يونس بن عبد الأعلى: ثنا سفيان بن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: ليس من أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم.
وروي أيضا عن مجاهد بإسناد آخر, وروي معناه عن الشعبي, وكذلك روى شعبة, عن الحكم بن عتيبة, وروي أيضا عن مالك بن أنس وقال: إلا صاحب هذا القبر, وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
(1/136)

فصل
كان العلماء من قدماء أصحابنا يعتنون بـ: " مختصر المزني " رحمه الله حفظا وشرحا, وبسببه سهل تحصيل مذهب الشافعي رحمه الله على طلابه في ذلك الزمان, وسمعه من المزني خلق عظيم من الغرباء, ورحل إليه بسببه, وامتلأت بنسخه البلدان حتى إنه بلغني أن المرأة كانت إذا جهزت للدخول على زوجها حمل في جهازها مصحف ونسخة من " مختصر المزني ", فاشتهروا اشتهارا عظيما, وانتفع به أئمة أكابر, وتخرج به المشايخ, وتفقه به معظم الأصحاب.
ويروى عن المزني رحمه الله أنه قال: بقيت في تصنيف هذا " المختصر " ست عشرة سنة, وما صليت الله تعالى في طول هذه المدة فريضة ولا نافلة إلا سألت الله عز وجل البركة لمن تعلمه ونظر في وجاء عن أبي العباس بن سريج رحمه الله تعالى أنه كان يقول في " المختصر ":
لصيق فؤادي مذ ثلاثون حجة. . . وصيقل ذهني والمفرج عن همي
عزيز على مثلي إضاعة مثله. . . لما فيه من نسج بديع ومن نظم
جموع لأنواع العلوم بأسرها. . . وآيته أن لا يفارقه كمي
(1/137)

وعلى ترتيبه وضعت الكتب المطولة في مذهب الشافعي ومعظم المختصرة. ثم صنف أبو العباس بن القاص مختصره المسمى ب:"التلخيص", فاعتنى به أيضا حفظا وشرحا. وطالت كتب أصحابنا الكبار الشارحة ل: "مختصر المزني" يجمعهم مسائل المذهب المنتشرة إلى ترتيبه, وكذلك يذكرون مذاهب العلماء والكلام عليها بالبحث والتقرير, ويستدلون للجميع بالآيات والأخبار والمعاني, ويلتزمون في كل مسألة منها تقرير مذهبهم, إلا مواضع قليلة نادرة ربما يتوقف فيها بعضهم أو ينبه عليها, وسينقل ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى.
ولا شك أن النظر في بعض المسائل يؤدي إلى تصحيح مذهب بعض الأئمة أو إلى ترجيحه, فمن الإنصاف الاعتراف بل هو الواجب نصحا لدين الله وللناس فإن الدين النصيحة.
واعلم أنه لا يفقه كل الفقه من لا يعرف اختلاف الناس ومذاهبهم, ويقف على أدلتهم وما تمسكوا به.
قال أبو قدامة: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: لا يجوز أن يكون / الرجل إماما حتى يعلم ما يصح مما لا يصح, وحتى لا يحتج بكل شيء, وحتى يعلم مخارج العلم.
وقال قتادة: من لم يعرف الاختلاف لم يشم الفقه بأنفه.
(1/138)

وقال عطاء الخراساني: لا ينبغي لأحد أن يفتي أحدا من الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس, فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه.
وسئل مالك بن أنس: لمن تجوز الفتيا؟ فقال: لمن علم ما اختلف الناس فيه.
وقال سعيد بن أبي عروبة: من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالما.
وقال يحيى بن سلام: ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول: هذا أحب إلى.
وقال الحافظ البيهقي:
((وقد قابلت بتوفيق الله تعالى أقوال كل واحد من الأئمة بملغ علمي من كتاب الله عز وجل, ثم ما جمعت من السنن والآثار في الفرائض والنوافل والحلال والحرام والحدود والأحكام, فوجدت الشافعي رحمه الله وذلك فيما صنف من الكتب القديمة والجديدة في الأصول والفروع, بأبين بيان, وأفصح لسان)).
(1/139)

قلت:
ثم اشتهر في آخر الزمان على مذهب الشافعي تصانيف الشيخين أبي إسحاق الشيرازي - وهو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزاباذي - وأبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي رحمهما الله, فأكب الناس على الاشتغال بكتبهما, وكثرت النسخ بها, واشتهرت اشتهارا عظيما, وانتفع بها نفعا كثيرا, وكثر المتعصبون لهما حتى صار المتبحر المرتفع عند نفسه يرى أن نصوصهما كنصوص الكتاب والسنة لا يرى الخروج عنها, وإن أخبر بنصوص غيرهما / من أئمة مذهبه [الواردة] بخلاف ذلك لم يلتفت إليها التفاته إلى نصوصهما؛ تعصبا وحمية وقلة خبرة بالمصنفات ومصنفيها, وإنما هم على قدر مبلغهم من العلم. وقد يقع في بعض مصنفاتهما أو مصنفات أحدهما شيء قد خالف [المصنف] فيه صريح حديث صحيح, أو ساق حديثا على خلاف لفظه, أو نقل إجماعا أو حكما عن مذهب بعض الأئمة وليس كذلك, فإذا ذكر لذلك المتعصب الصواب في مثل ذلك تأذى وتنمر, وصاح وزمجر, وأخفى العداوة وأظهر, وكان سبيله أن يفرح بوصوله إلى علم ما لم يكن يعرفه, ولكن عمى التقليد أصمه عن سماع العلم المفيد. ويقول المتحذلق منهم المتصدر في منصب لا يستحقه: أما كان هؤلاء الأئمة يعرفون هذا الحديث الصحيح الوارد على خلاف نصهم, فيرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصه الدال
(1/140)

على خلاف ما هو عليه بمثل هذا الهذيان الذي لو فكر فيه أسكته عنه؛ لأن خصمه في مثل هذا هو الله ورسوله؛ لأنه سبحانه افترض علينا طاعة رسوله, وقد وصلنا حديثه دالا على أمر فلا نرده بقول أحد إلا بحجة شرعية.
ثم إن في ذلك إبطالا لمذهبه وهدما لأصله الذي مهده إمامه وأسسه وبنى عليه, وذلك أن الشافعي رحمه الله إنما تعقب على من كان قبله من الأئمة بمثل ذلك من دلالات الكتاب والسنة مما ظنه خفي على من سبقه, وكان من الممكن أن يقال له: أما كان أولئك يعرفون هذا, وأولئك المتقدمون أولى بذلك من هؤلاء المتأخرين, فلو سمع مثل هذا الهذيان لبطلت المذاهب.
فهذه طريقة من لا يعد من العلماء, بل ينبغي لكل من يطلب العلم أن يكون أبدا في طلب ازدياد علم ما / لم يعلم من أي شخص كان, فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها. وعليه بالإنصاف وترك التقليد واتباع الدليل, فكل أحد يخطئ ويصيب إلا من شهدت له الشريعة بالعصمة وهو النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة.
قال الشافعي رحمه الله في كتاب " اختلاف الحديث": أخبرنا سفيان, عن عمرو بن دينار, عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب نهى عن الطيب قبل زيارة البيت وبعد الجمرة. قال سالم: فقالت عائشة:
(1/141)

طيبت رسول الله بيدي هاتين لإحرامه قبل أن يحرم, ولحله قبل أن يطوف بالبيت, وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق.
قال الشافعي: ((فترك سالم قول جده عمر في إمامته وقبل خبر عائشة وحدها, وأعلم من حدثه أن خبرها وحدها سنة وأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق, وذلك الذي يجب عليه, ومنع ذلك الذين بعد التابعين)).
قلت:
وما زال أكابر الصحابة من [عهد الصديق] أبي بكر فمن بعده رضي الله عنهم يخفى عنهم شيء من السنة كميراث الجدة, وتوريث المرأة من دية زوجها, ووضع اليدين على الركبتين في الصلاة, خفي الأول على أبي بكر, والثاني على عمر, والثالث على ابن مسعود, حتى نبههم على ذلك غيرهم, ولذلك أمثلة كثيرة تأتي في مواضعها عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين. ويستسهل ذلك من يسمعه من هؤلاء المتفقهة ولا ينكره قلبه. ,وإذا نسب إلى بعض المتأخرين أنه خفي عليه شيء من السنة أنف ذلك المقلد المتعصب المتصعب من هذا وأنكر, وخوف وحذر, وهو غارق في غيه المنكر, لو سمع وأبصر.
(1/142)

ومن العجب أن كثيرا منهم إذا أورد على مذهبهم أثر عن بعض أكابر الصحابة يقول مبادرا بلا حياء ولا حشمة: "مذهب الشافعي الجديد أن قول الصحابي ليس بحجة", وإنما طريقه في هذا / تأويله وتخريجه والاعتذار عنه بدون هذه العبارة الردية التي يروم أن يرد بها قول مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لتصحيح مذهبه, والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا)) , واقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)) , وسيأتي الكلام في تحقيق هذه المسألة, ونقل مذهب الشافعي وغيره فيها, وبيان أن الأمر ليس على ما فهموه, أو ظنوه وتوهموه.
وإذا أورد لهذا المعجب بمذهبه, القليل الحياء في عبارته, حديث صحيح على خلاف ما سطره له الشيخان أبو إسحاق والغزالي أو أحدهما لا يرى الانقياد له, ومذهب الشافعي رحمه الله اتباع الحديث وترك قوله المخالف له كما سبق.
فيرى رد قول الصحابي بقول إمامه كما زعم, ولا يرى رد قول من صنف على مذهبه من المتأخرين بقول النبي صلى الله عليه وسلم. مع أن الشافعي رضي الله عنه أذن في هذا وأمر بأن يترك نصه هو في نفسه, فما الظن بنص بعض متأخري مقلديه.
(1/143)

ومما يتعجب منه أيضا من هؤلاء أنهم يرون مصنفات الشيخ أبي إسحاق وغيره مشحونة بتخطئة المزني وغيره من الأكابر فيما خالفوا فيه مذهبهم, فلا تراهم ينكرون شيئا من هذا, فإن اتفق أنهم يسمعون أحدا يقول: "أخطأ الشيخ أبو إسحاق في كذا بدليل كذا وكذا" انزعجوا وغضبوا وأنكروا ورأوا أنه قد ارتكب كبيرا من الإثم, فإن كان الأمر كما ذكروا فالذي ارتكبه أبو إسحاق أعظم, فما لهم لا ينكرون ذلك ولا يغضبون منه, لولا قلة معرفتهم وكثرة جهلهم بمراتب السلف رضي الله عنهم.
وما أحسن أبيات منذر بن سعيد البلوطي أحد شيوخ المغرب في العلم والدين قال رحمه الله تعالى:
/ عذيري من قوم يقولون كلما. . . طلبت دليلا هكذا قال مالك
وقد قاله ابن القاسم الثقة الذي. . . على قصد منهاج القضاء هو سالك
فإن عدت قالوا هكذا قال أشهب. . . وقد كان لا تخفى عليه المسالك
فإن زدت قالوا قال سحنون مثله. . . ومن لم يقل ما قاله فهو آفك
فإن قلت قال الله ضجوا وأكثروا. . . وقالوا جميعا أنت قرن مماحك
وإن قلت قد قال الرسول فقولهم. . . أتت مالكا في ترك ذاك المآلك
(1/144)

وقال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله:
يا سائلي عن موضع التقليد خذ. . . عني الجواب بفهم لب حاضر
وأصخ إلى قولي ودن بنصيحتي. . . واحفظ على بوادري ونوادر
لا فرق بين مقلد وبهيمة. . . تنقاد بين جنادل ودعاثر
تبا لقاض أو لمفت لا يرى. . . عللا ومعنى للمقال السائر
فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة الـ. . . ـمبعوث بالدين الحنيف الطاهر
ثم الصحابة عند عدمك سنة. . . فأولاء أهل نهي وأهل بصائر
وكذلك إجماع الذين يلونهم. . . من تابعيهم كابرا عن كابر
إجماع أمتنا وقول نبينا. . . مثل النصوص لدى الكتاب الزاهر
وكذا المدينة حجة إن أجمعوا. . . متتابعين أوائلا بأواخر
وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد. . . ومع الدليل فمل بفهم وافر
وعلى الأصول فقس فروعك لا تقس. . . فرعا بفرع كالجهول الحائر
والشر ما فيه فديتك أسوة. . . فانظر ولا تحفل بزلة ماهر
(1/145)

/ ومما لا يعجبني من تصرفات كثير من المصنفين أنهم يذكرون مذهبهم في مسألة ثم يقولون: "وقال فلان كذا" أي بخلاف ذلك, ويذكرون واحدا من أكابر الصحابة كما في "الوسيط" من ذكر عمر رضي الله عنه في مسألة نقض القضاء في امرأة المفقود, ومن ذكر علي رضي الله عنه في منع قتل الذكر بالأنثى, وفي فصل ما يحصل به العتق في باب الكتابة, ومن ذكر ابن مسعود رضي الله عنه في باب القدوة في صلاة الجماعة, وإنما الواجب أن تقابل المذاهب بعضها ببعض وأقوال الصحابة بعضها ببعض, من غير إزراء بشيء منها, ويرجح الراجح منها بطريقة فيقال: مذهب أبي بكر كذا ومذهب ابن مسعود كذا, أو يقال: مذهب الشافعي كذا وهو قول زيد بن ثابت, وقال ابن مسعود كذا, فمثل تلك العبارات وما شاكلها نرجو من الله أن نتجنبها في هذا الكتاب, ونسأله سبحانه أن يوفقنا للصواب.
فصل:
قد تقدم أن الشافعي رحمه الله بني مذهبه بناء محكما وذلك أنه كان اعتماده على كتاب الله, وسنة رسول الله, والنظر الصحيح من الاجتهاد الراجح إلى الكتاب والسنة, وترجيح أشبه المذاهب بالكتاب والسنة, وهذا هو
(1/146)

الأس الصحيح القوي الذي يتم البناء عليه, إلا أنه رحمه الله قد يعرض له ما يعرض لغيره من البشر ممن ليس بمعصوم من الغفلة والنسيان, فأحالنا بصريح قوله على أن ما صح من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم فهو مذهبه, فلم يترك رحمه الله لعائب عيبا, ولا لمنتقد من حساده انتقادا, وإنما بقي نظر المقتدين به السالكين مسلكه المتمسكين بمذهبه في البحث في السنن والآثار التي جمعها الأئمة الكبار وتيسرت, فينظر فيما كان فيها مخالفا لما نص عليه فيفعل فيه ما أمر به. وقد بحثت - والحمد لله - عن معرفة أحكام الله تعالى / وما خاطبنا به في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم, واستخرجت ذلك من معادنه وهي كتب الحديث المعتمد عليها عند أربابها, ورددت ما اختلفت فيه العلماء إلى ذلك بمبلغ جهدي وطاقتي عملا بقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} , فظهر لي ما ستراه في هذا الكتاب مختارا, وجميع ذلك إن شاء الله هو مذهب الشافعي.
من ذلك:
- ما هو منصوص له وقد صحح الأصحاب خلافه لأجل نص له آخر كصوم الولي عن الميت.
- أو يكون النص لا خلاف عنه لكنه على مخالفة حديث ثابت كاختياره قول المأموم: "سمع الله لمن حمده" في الرفع من الركوع كالإمام.
(1/147)

- أو يكون قد علق قوله على ثبوت حديث فوجد ثابتا كإخراج الأقط في زكاة الفطر.
- أو دل عليه حديث آخر ثابت.
- أو يكون الشافعي قد تمسك بحديث وفي الباب حديث أثبت منه قد دل على خلاف ذلك, كحديث عمار في التيمم ضربة واحدة مسح بها وجهه وكفيه.
- أو يكون الحديث قد دل على حكم في مسألة لم يعلم فيها نص للشافعي بنفي ولا إثبات, كرفع اليدين عند القيام من التشهد الأول.
-أو يكون الشافعي قد تمسك بظاهر آية أو حديث وقد دل الدليل على أن ذلك ليس على ظاهره, كإلزام كل من يخرج زكاة ماله بنفسه أن يصرفها إلى الأصناف الثمانية أو من قدر عليه منهم حتى في زكاة الفطر.
وكنقص الطهارة بمس الفرج وإن كان الاحتياط فعل ما قاله الشافعي رحمه الله في هذا, لكن هذا الاحتياط يكون مندوبا لا واجبا.
فمذهب الشافعي في هذا كله أو أكثره الرجوع إلى ما ثبت في السنة.
فأما ما طريقة البحث والنظر فللاجتهاد فيه مجال فقد يظهر له ما لم يظهر لغيره, فلا نقوله ما لم يقل كما في مسألة الأصناف ومس الفرج, لكن ننبه على الدليل المقتضي خلاف ذلك ويرجح به مذهب غيره إن لم يمكن إدراج ذلك فيما أمر به من مخالفة قوله لدلالة السنة / الصحيحة لأن هذا في معناه والله أعلم.
(1/148)

فنقول: ما صح من حديثه صلى الله عليه وسلم ودل على حكم لا للشافعي على خلافه فهو مذهبه لا شك فيه؛ أخذا من قوله ومما أمر به, وأما ما له نص على خلافه فهو على قسمين:
أحدهما: أن يكون الحديث لم يبلغه فهذا كالقسم الأول يترك نصه ويصار إلى الحديث وهو مذهبه كما أمر, وذلك إذا وضحت دلالة الحديث على ذلك الحكم, أما إذا خفيت وأمكن الجميع بين الحديث والنص وأمكن تنزيل الحديث عليه فلا.
القسم الثاني: أن يكون الحديث قد بلغ الشافعي ووقف عليه وعرف ثبوته وأوله وتكلم عليه, فينظر في كلامه فإن كان ظاهرا متوجها لا دفع له لم يخالف, وحمل الحديث على ما حمله هو عليه, وذلك كاختيار الجهر بعض الروايات على نفي الجهر بما ذكرناه في كتاب مفرد لذلك.
ومن ذلك أيضا إفطار الصائم بالحجامة فإنة رحمه الله لم ير ذلك وتكلم على حديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) بأنه منسوخ فيما سيأتي في موضعه.
(1/149)

وإن كان لكلامه مدفع صير إلى الحديث لأن ذلك يتناوله قوله: ((ودعوا ما قلت)) , وذلك كما سنذكره في التيمم إلى المرفقين ونحوه. فإذا وضحت الحجة, لم يبق إلا سلوك تلك المحجة.
ولا ينبغي أن يفعل هذا إلا في حديث لم يعلم أن الشافعي تكلم عليه بكلام شاف بعد البحث التام عن ذلك, ثم ليبحث عن ذلك الحديث هل له معارض أو ناسخ أو مانع من العمل به, ولا يتأتى ذلك إلا من عالم بعلوم الاجتهاد فذلك هو الذي خاطبه الشافعي رحمه الله بقوله: ((إذا وجدتم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلاف قولي فخذوا به ودعوا ما قلت)) وليس هذا لكل أحد فكم في السنة من أحاديث كثيرة صحيحة والعمل / والفتوى على خلاف ظاهرها إما إجماعا وإما اختيارا لمانع منع من ذلك مما ذكرناه من المعارض والناسخ أو غير ذلك, نحو: ((كان الثلاث واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر)) , ((صليت مع رسول الله بالمدينة سبعا جمعيا وثمانيا جمعيا في غير خوف ولا مطر)) , ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم)) , وسيأتي الكلام على كل ذلك إن شاء الله في مواضعه.
(1/150)

فالأمر في ذلك ليس بالسهل ولهذا قال سفيان بن عيينة رحمه الله: ((الحديث مضلة إلا للفقهاء)) , ويروي: ((إلا للعلماء)) , يريد من قذف الله تعالى في قلبه نور العلم؛ فقه في دينه, وعرف مخارج الأحاديث, وليس العلم بكثرة الرواية كما قال مالك بن أنس رحمه الله وقد تقدم والله أعلم.
فصل:
هذه الفصول التي ذكرناها فصول حسنة كثيرة الفوائد, مجموعة من عدة مصنفات, ينبغي لكل من يعتني بالعلم النظر فيها والاطلاع عليها, وقد رأيت أن أختمها بفصل هو أهمها وأجلها وأعمها نفعا وأولاها ذكرا, وهو ما اعتنى ببيانه الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في أول كتاب "الأحياء" من نصح أهل العلم وبيان العلوم النافعة والتحذير من العلوم الضارة حيث قال:
((أدلة الطريق هم العلماء, الذين هم ورثة الأنبياء, وقد شغر عنهم الزمان, ولم يبق إلا المترسمون وقد استحوذ على أكثرهم الشطان, واستغواهم الطغيان, وأصبح كل واحد بعاجل حظه مشغوفا, فصار يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا, حتى ظل علم الدين مندرسا, ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمسا, ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة يستعين بها القضاة على فصل الخصام عند تهاويش الطغام, أو جدل يتذرع به
(1/151)

طالب المباهاة إلى والإفحام / أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام, إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام, وشبكة للحطام. فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه فقها وحكمة وعلما وضياء ونورا وهداية ورشدا فقد أصبح بين الخلق مطويا, وصار نسيا منسيا)).
ثم أتى على علم المعاملة وقال:
((هو علم أحوال القلب؛ ما يحمد منها كالصبر والشكر والخوف والرجاء والرضا والزهد والتقوى والقناعة والسخاء وحسن الخلق والصدق والإخلاص, والرضا والزهد والتقوى والقناعة والسخاء وحسن الخلق والصدق والإخلاص, وما يذم كالغل والحقد والحسد والغش والكبر والرياء والبخل والتزين للخلق والمداهنة والخيانة وطول الأمل والقسوة وقلة الحياء وقلة الرحمة, فهذه وأمثالها من صفات القلب مغارس الفواحش, والأخلاق المحمودة منبع الطاعات, والعلم بحدود هذه الأمور وحقائقها وأسبابها وثمرتها وعلاجها هو علم الآخرة, وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة, المعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة, كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا. فنظر الفقهاء في فروض العين بالإضافة إلى صلاح الدنيا, وهذه بالإضافة إلى صلاح الآخرة. ولو سئل فقيه عن معنى من هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلا أو عن التوكل أو
(1/152)

عن وجه الاحتراز عن الربا لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة. ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمي لسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها, وإن احتيج لم يخل البلد عمن يقوم بها ويكفيه مؤنة التعب فيها)).
ثم ساق / الكلام إلى أن قال:
((فلا تغفل عن الصحابة وعلو منصبهم, وأنه لم يكن تقدمهم إلا بعلم الآخرة وسلوك طريقها, وما فضل أبو بكر رضي الله عنه الناس إلا بشيء وقر في صدره كما شهد له سيد البشر.
فليكن حرصك في طلب ذلك الشيء فهو الجوهر النفيس والدر المكنون, فلقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آلاف من الصحابة كلهم علماء بالله عز وجل, ولم يكن فيهم أحد يحسن صنعة الكلام, ولم ينصب نفسه للفتوى منهم إلا القليل, وكان ابن عمر منهم وكان إذا سئل عن الفتوى يقول: ((اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمور الناس وضعها في عنقه)) , إشارة إلى أن الفتوى في
(1/153)

القضايا والأحكام من توابع الولاية والسلطنة. ولما مات عمر رضي الله عنه قال ابن مسعود: مات تسعة أعشار العلم. فقيل له: أتقول ذلك وفينا جلة الصحابة؟ فقال: لست أريد علم الفتوى والأحكام إنما أريد العلم بالله سبحانه.
أفترى أنه أراد صنعة الكلام والجدل, فمالك لا تحرص على معرفة ذلك العلم الذي مات بموت عمر رضي الله عنه)).
ثم قال:
((وقد كان كل واحد من الفقهاء - الذين هم قادة الخلق وكثرت أتباعهم - عابدا زاهدا عالما بعلوم الآخرة, فقيها في مصالح الخلق في الدنيا, مريدا بفقهه وجه الله تعالى.
فهذه خمس خصال اتبعهم فقهاء الفرق من جملتها على خصلة واحدة وهي التشمير والمبالغة في تفاريع الفقه؛ لأن الخصال الأربع لا تصلح إلا للآخرة, وهذه الخصلة الواحدة تصلح للدنيا والآخرة إن أريد بها الآخرة,
فلصلاحها للدنيا تشمروا لها وادعوا بها مشابهة أولئك الأئمة, وهيهات فلا تقاس الملائكة بالحدادين)).
(1/154)

ثم قال:
((وتصرفوا في لفظ الفقه فخصصوه بمعرفة الفروع الغربية في الفتاوى, والوقوف على دقائق عللها / واستكثار الكلام فيها, وحفظ المقالات المتعلقة بها, فمن كان أشد تعمقا فيها وأكثر اشتغالا بها يقال هو الأفقه. ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على علم طريق الآخرة, ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال, وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا, وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة, واستيلاء الخوف على القلب. ويدلك عليه قوله تعالى: {ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} , وما به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق واللعان والسلم والإجارة, فذلك لا يحصل به إنذار وتخويف, بل التجرد له على الدوام يقسي القلب وينزع الخشية منه كما يشاهد من المتجردين له.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم للذين وفدوا عليه: ((علماء حكماء فقهاء)).
(1/155)

وسئل سعد بن إبراهيم: أي أهل المدينة أفقه؟ فقال: أتقاهم.
فكأنه أشار إلى ثمرة الفقه, والتقوى ثمرة العلم الباطن دون الفتاوى والأقضية.
وروي موقوفا ومرفوعا: ((لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله, ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشد مقتا, وحتى يرى للقرآن وجوها)).
وسأل فرقد السبخي الحسن عن شيء فأجابه فقال: إن الفقهاء يخالفونك. فقال الحسن: ثكلتك أمك فريقد, وهل رأيت فقيها بعينك, إنما الفقيه الزاهد في الدنيا, الراغب في الآخرة, البصير بدينه, المداوم على عبادة ربه, الورع الكاف نفسه عن أعراض المسلمين, العفيف عن أموالهم, الناصح لجماعتهم.
قال: ((ولفظ العلم كان يطلق على العلم بالله وبآياته, وأفعاله في عباده وبأحكامه وصفاته, وصار الآن مطلقا على من لا يحيط من علوم الشرع
(1/156)

بشيء سوى رسوم جدلية, في مسائل خلافية, فيعد به من فحول العلماء مع جهله بالتفسير والأخبار وعلم المذهب / وغيره, وصار ذلك سببا مهلكا لخلق كثير من الطلبة)).
قال: ((واسم الحكيم صار يطلق على الطبيب والمنجم حتى على الذي يدحرج القرعة على أكف السوادية في شوارع الطرق. والحكمة هي التي أثنى الله عز وجل عليها فقال: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا}.
وقال صلى الله عليه وسلم: ((كلمة من الحكمة يتعلمها الرجل خير له من الدنيا)).
قال: ((فانظر ما الذي كانت الحكمة عبارة عنه وإلى ماذا نقل, وقس به بقية الألفاظ)).
ثم قال - مرشدا إلى ماذا ينبغي أن يشتغل به من العلوم فقال-:
((ابتدىء بكتاب الله ثم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم بعلم التفسير وسائر علوم القرآن, وكذا في السنة, ثم اشتغل بالفروع وهو علم المذهب من علم الفقه دون الخلاف, ثم بأصول الفقه, وهكذا إلى بقية العلوم على ما يتسع له العمر, واقتصر من النحو على ما يتعلق بالكتاب والسنة)).
(1/157)

ثم قال: ((وأما الخلافيات التي أحدثت في هذه الأعصار المتأخرة وأبدع فيها من التحريرات والتصنيفات والمجادلات ما لم يعهد مثلها في السلف, فإياك وأن تحوم حولها, واجتناب السم القاتل فإنه الداء العضال, وهو الذي رد الفقهاء كلهم إلى طلب المنافسة والمباهاة على ما سيأتيك تفضيل غوائلها وآفاتها)).
قال: ((وهذا الكلام ربما يسمع من قائله فيقال: الناس أعداء ما جهلوا, فلا تظن ذلك, فعلى الخبير سقطت فيه, واقبل هذه النصيحة ممن ضيع العمر فيه زمانا, وزاد فيه على الأولين تصنيفا وتحقيقا وجدلا وبيانا, ثم ألهمه الله سبحانه رشده / وأطلعه على غيه, فهجره واشتغل بنفسه, ولا يغرنك قول من يقول: الفتوى عماد الشرع, ولا تعرف علله إلا بعلم الخلاف فإن علل المذهب مذكورة في المذهب, والزيادة عليها مجادلات لم يعرفها الأولون ولا الصحابة, وكانوا أعلم بعلل الفتاوى من غيرهم, بل هي - مع أنها غير مفيدة في علم المذهب فهي - ضارة مفسدة لذوق الفقه. وقد رئي بعض العلماء في المنام فقيل له: ما خبر تلك العلوم التي كنت تجادل فيها وتناظر عليها؟ فبسط يده ونفخ فيها وقال: طاحت كلها هباء منثورا, ما انتفعت إلا بركعتين خلصتا لي في جوف الليل)).
وقد سبق في بعض الفصول المتقدمة أخبار وآثار في ذم الجدل.
ثم قال الغزالي رحمه الله:
((اعلم أن الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تولاها الخلفاء الراشدون وكانوا أئمة وعلماء بالله تعالى وفقهاء في أحكامه, ومستقلين بالفتاوى في الأقضية,
(1/158)

فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا نادرا في وقائع لا يستغني فيها عن المشاورة, فتفرغ العلماء لعلم الآخرة وتجردوا لها, وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا, وأقبلوا على الله عز وجل بكنه اجتهادهم, كما نقل من سيرهم.
فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولوا بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام, واضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في مجاري أحكامهم, وكان قد بقى من علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول وملازم صفوا الدين, ومواظب على سمت علماء السلف, فكانوا إذا / طلبوا هربوا وأعرضوا, واضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات, فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء وإقبال الأئمة والولاة عليهم مع إعراضهم عنهم, فاشرأبوا لطلب العلم توصلا إلى نيل الغرور ودرك الجاه من قبل الولاة, فأكبوا على علم الفتاوى وعرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم, وطلبوا الولايات والصلات منهم, فمنهم من حرم, ومنهم من أنجح, والمنجح لم يخل من ذل الطلب ومهانة الابتذال, فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين, وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال عليهم, إلا من وفقه الله عز وجل في كل عصر من علماء دينه.
وقد كان أكثر الإقبال في تلك الإعصار على علم الفتاوى والأقضية لشدة الحاجة إليها في الولايات والحكومات, ثم ظهر بعدهم من الصدور والأمراء من سمع كلام الناس في الناس في قواعد العقائد, ومالت نفسه سماع الحجج
(1/159)

فيها, فعلم رغبته في المناظرة والمجادلة في الكلام, فأكب الناس على علم الكلام وأكثروا فيه التصانيف, ورتبوا فيه طرق المجادلات, واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات, وزعموا أن غرضنا الذب عن دين الله عز وجل, والنضال عن السنة وقمع المبتدعة, كما زعم من قبلهم أن غرضهم الاستقلال بفتاوى الدين, وتقلد أحكام المسلمين إشفاقا على خلق الله ونصيحة لهم, ثم ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب الخوض في الكلام وفتح باب المناظرة فيه لما كان قد تولد في فتح بابه من التعصبات الفاحشة, والخصومات الناشئة المفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد, ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهبي الشافعي وأبي حنيفة, فترك الناس الكلام في فنون العلم وانثالوا على المسائل الخلافية, وأكثروا فيها التصاريف والاستنباطات, ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات, وهم مستمرون عليه إلى الآن, وليس ندري ما الذي قدر الله سبحانه فيها بعدنا من الأعصار)).
قلت:
ما ازدادوا في ذلك إلا ضلالا, ما زال أهل [فن] الخلاف ينسلون من فقه المذهب انسلالا, حتى أورثهم العميدي بطريقته وبالا, وعلمهم محالا, لو
(1/160)

خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا, ولكن الله تعالى تدارك أمرهم, وأطفأ جمرهم, وأذهب شرهم, فأهلكهم وبددهم, وأفناهم وشردهم, ونرجو من الله تعالى أن يعيد عباده إلى خير ما عودهم.
ثم قال الغزالي رحمه الله:
((أما الخلاف المحض ومجادلة الكلام ومعرفة التفريعات الغريبة فلا يزيد التجرد لها مع الإعراض عن غيرها إلا قسوة في القلب, وغفلة عن الله سبحانه, وتماديا في الضلال وطلب الجاه, إلا من تداركه الله برحمته, أو مزج به غيره من العلوم الدينية, ولا برهان على هذا كالتجربة والمشاهدة, فانظر واعتبر واستبصر تشاهد تحقيق ذلك في العباد والبلاد.
رئي سفيان الثوري رحمه الله حزينا, فقيل له: مالك؟ فقال: صرنا متجرا لأبناء الدنيا, يلزمنا أحدهم حتى إذا تعلم جعل عاملا أو قاضيا أو قهرمانا)).
ثم قال الغزالي:
((أما علماء الدنيا فائنهم يتبعون غرائب التفريغ في الحكومات والأقضية, ويتبعون في وضع صور تنقضي الدهور ولا تقع, وإن وقعت / فإنما تقع لغيرهم لا لهم, وإذا وقعت كان في القائمين بها كثرة, ويتركون ما يلازمهم ويتكرر عليهم آناء الليل والنهار في خواطرهم ووساوسهم وأعمالهم, وما أبعد من السعادة من باع مهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر, إيثار للقبول والتقرب من الخلق على التقرب من الله عز وجل, وشرها في أن يسميه البطالون من أبناء الدنيا فاضلا محققا عالما بالدقائق, وجزاؤه من لا
(1/161)

ينتفع في الدنيا بقبول الخلق, بل يتكدر عليه صدره بنوائب الزمان, ثم يرد القيامة مفلسا متحسرا على ما يشاهده من ربح العاملين, وفوز المقربين, وذلك هو الخسران المبين.
ولقد كان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء, وأقربهم هديا من الصحابة, اتفقت الكلمات في حقه على ذلك, وكان أكثر كلامه في خواطر القلوب, وفساد الأعمال, ووساوس النفوس, والصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس. وقيل له يا أبا سعيد إنك تتكلم بكلام ليس يسمع من غيرك فمن أين أخذته؟ فقال من حذيفة بن اليمان)).
قلت:
كذا هو في كتاب " الإحياء ", والحسن يصغر عن لقاء حذيفة رضي الله عنهما, ولعله أراد: أخذته من كلامه ومن طريقته, أي سلكت مسلكه الذي روي لنا عنه والله أعلم.
وقال حذيفة: ((معروفكم اليوم منكر زمان قد مضى, وإن منكركم معروف زمان قد أتى, وإنكم لا تزالون بخير ما عرفتم الحق, وكان القائم فيكم غير مستخف به)).
قال أبو حامد: ((ولقد صدق فأكثر معروفات هذه الأعصار منكرات في عصر الصحابة, إذ من غرر المعروفات في زماننا تزيين المساجد وتجنيدها, وإنفاق الأموال العظيمة في دقائق عماراتها, وفرش البسط الرفيعة فيها, وقد
(1/162)

/ كان يعد فرش البواري في المسجد بدعة, وقيل: إنه من محدثات الحجاج؛ فقد كان الأولون قلما يجعلون بينهم وبين التراب حاجزا. وكذلك الإشتغال بدقائق الجدل والمناظرة من أجل علوم الزمان, ويزعمون أنه أعظم القربات, وقد كان ذلك من المنكرات. ومن ذلك التلحين في الأذان والقرآن, والتعسف في النظافة, والوسوسة في الطهارة, وتقدير الأسباب البعيدة في نجاسة الثياب, مع التساهل في حل الأطعمة وتحريمها, إلى نظائر ذلك.
ولقد صدق ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال: ((انتم اليوم في زمان الهوى فيه تابع للعلم, وسيأتي عليكم زمان يكون العلم فيه تابعا للهوى)).
وكان أحمد يقول: تركوا العلم وأقبلوا على الغرائب, ما أقل الفقه فيهم والله المستعان.
وقال مالك بن أنس: لم يكن الناس فيما مضى يسألون عن هذه الأمور كما يسأل الناس اليوم, ولم يكن العلماء يقولون: حرام ولا حلال, أدركتهم يقولون: مكروه ومستحب.
ومعناه أنهم كانوا ينظرون في دقائق الكراهية والاستحباب, فأما الحرام فكان تجنبه ظاهرا.
وكان هشام بن عروة يقول: لا تسألوهم اليوم عما أحدثوا فإنهم قد أعدوا له جوابا, ولكن سلوهم عن السنة فإنهم لا يعرفونها.
(1/163)

وقال بعض العارفين: إنما انقطع الأبدال في أطراف الأرض واستتروا عن أعين الجمهور لأنهم لا يطيقون النظر إلى علماء الوقت؛ لأنهم عندهم جهال بالله تعالى, وهم عند أنفسهم وعند الجاهلين علماء.
وقال سهل التستري: كل عالم خاض في الدنيا فلا ينبغي أن يصغي إلى قوله؛ لأن كل إنسان يخوض فيما أحب ويدفع ما لا يوافق محبوبه, ولذلك قال تعالى: {ولا تطع من / أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا}.
وكتب يوسف بن أسباط إلى حذيفة المرعشي رحمهما الله: ما ظنك بمن بقي لا يجد أحدا يذكر الله تعالى معه إلا كان آثما, وكانت مذاكرته معصية, وذلك أنه لا يجد أهله.
قال أبو حامد: ((ولقد صدق فإن مخالطة الناس لا تنفك من غيبة أو سكوت على منكر, وأحسن أحواله أن يفيد علما, ولو تأمل لعلم أن المستفيد إنما يريد أن يجعل ذلك آلة إلى طلب الدنيا, ووسيلة إلى الشر, فيكون هو معينا له وردءاً وظهيرا ومهيئا لأسبابه, كالذي يبيع السيف من قطاع الطريق فالعلم كالسيف وصلاحه للخير كصلاح السيف للغزو)).
(1/164)

ثم قال: ((فكن أحد رجلين؛ إما متصفا بهذه الصفات - يعني صفات علماء الآخرة - أو معترفا بالتقصير مع الإقرار به, بالتقصير مع الإقرار به, وإياك أن تكون الثالث فتلبس على نفسك بأن تلقب آلة الدنيا بالدين, وسيرة البطالين بسيرة العلماء الراشدين الراسخين, فتلتحق - بجهلك وإنكارك - بزمرة الهالكين الآيسين, نعوذ بالله من خدع الشيطان فبها هلك الجمهور, ونسأل الله أن يجعلنا ممن لا تغره الحياة الدنيا ولا يغره بالله الغرور)).
قلت:
ونحن من المقرين بالتقصير المعترفين به, ونسأل الله حسن النية فيما قصدناه, وحسن العاقبة فيما تعبنا فيه ونويناه, وأن يوقفنا لتحصيل العلم النافع ونشره, ويجعلنا دعاة إلى سبيله وأمره, فمتى / حصل حسن النية أمنا كل هذه الآفات, فإن الأعمال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم بالنيات.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت محمد بن أحمد الفراء يقول: قيل لحمدون القصار: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا؟ قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام, ونجاة النفوس, ورضا الرحمن, ونحن نتكلم لعز النفس, وطلب الدنيا, وقبول الخلق.
ومما غلب على المتفقهة المراء والجدال ومناقشة الناس في الكلام وذلك مذموم منهي عنه, وقد بسط أبو حامد الغزالي رحمه الله الكلام فيه كتاب
(1/165)

آفات اللسان وهو الرابع من ربع المهلكات من كتاب "إحياء علوم الدين" وذكره أيضا في كتاب "بداية الهداية" ثم قال:
((ومن خالط متفقهة العصر غلب على طبعه المراء وعسر عليه الصمت, إذ ألقى إليهم علماء السوء أن ذلك هو الفضل, وأن القدرة على المجاحدة والمناقشة هو الذي يتمدح به, ففر منهم فرارك من الأسد, واعلم أن المراء سبب المقت عند الله وعند الخلق)).
وذكر في كتاب ذم الغرور آخر ربع المهلكات من كتاب "الإحياء" بيان أصناف المغرورين فقال:
((منهم فرقة أحكمت العلوم الشرعية والعقلية وتعمقوا فيها, وأهملوا تفقه الجوارح وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات, واغتروا بعلمهم فظنوا أنهم عند الله بمكان, وأنهم قد بلغوا من العلم مبلغا لا يعذب الله مثلهم, بل يقبل في الخلق شفاعتهم, وأنه لا يطالبهم بذنوبهم وخطاياهم لكرامتهم على الله, وهم مغرورون / فإن العلم لا يراد إلا للعمل, فالمريض إذا عرف الدواء ولم يستعمله لم تنفعه معرفته للدواء شيئا - يعني فيما يرجع إلى شفاه مرضه - قال الله تعالى: {قد أفلح من زكاها} ولم يقل: أفلح من تعلم كيفية تزكيتها وكتب علمها وعلمها الناس)).
(1/166)

قال: ((فإن أذكره الشيطان ما جاء في فضائل العلم وغره بذلك فليذكر ما ورد في ذم العالم الفاجر.
وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله علما, وكفى بالاغترار بالله جهلا.
واستفتى الحسن عن مسألة فأجاب فقيل: إن فقهاءنا لا يقولون ذلك. فقال: وهل رأيتم فقيها قط, الفقيه القائم ليله, الصائم نهاره, الزاهد في الدنيا)).
وقد تقدم هذا الأثر بعبارة أخرى.
ثم ذكر أبو حامد رحمه الله ما يفعلونه في ملابسهم ومجالسهم ومراكبهم من التكبر, وإذا عوتبوا في ذلك قالوا: ما هذا كبر إنما هو عز للدين وإظهار لشرف العلم؛ فإنا لو لبسنا الدون من الثياب وجلسنا في الدون من المجالس شمت بنا أعداء الدين, وكان في ذلك ذل على المسلمين. ونسي المغرور ما كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة عليه من التواضع والتبذل والقناعة بالفقر والمسكنة, حتى عوتب عمر رضي الله عنه في بذاذة زيه عند قدومه الشام, فقال: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلا نطلب العز في غيره)).
(1/167)

قال: ((ويدخل أحدهم إلى السلطان, ويتودد إليه, ويثني عليه, ويتواضع له, وإذا خطر له أن التواضع للسلاطين الظلمة حرام قال له الشيطان: أنت غرضك أن تشفع للمسلمين, وتزيل الضرر عنهم, وتدفع شر أعدائك عن نفسك, والله يعلم من باطنه أنه لو / ظهر لبعض أقرانه قبول عند ذلك السلطان حتى رفع الضرر عن جميع المسلمين ثقل ذلك عليه, ولو قدر على أن يقبح حاله عند السلطان بالطعن فيه والكذب عليه لفعل)).
قال: ((وقد ينتهي غرور بعضهم إلى أن يأخذ أموالهم, وإذا خطر له أنه حرام قال له الشيطان: هذا مال لا مالك له وهو لمصالح المسلمين, وأنت إمام المسلمين عالمهم وبك قوام دين الله, أفلا يحل لك أن تأخذ قدر حاجتك!)).
قال: ((والذين أخذ منهم ذلك المال أو أولادهم وورثتهم أحياء, ولعل الذين فسد دينهم بهذا هذا العالم فرغبوا في الدنيا وأعرضوا عن الآخرة, أكثر من الذين زهدوا في الدنيا وأقبلوا على الله بسببه, فهو دجال ويعتقد أن به قوام الدين) (
(1/168)

قال: ((وأصناف غرور أهل العلم في هذه الأعصار المتأخرة خارج عن الحصر, وإذا أراد الله خيرا بصره بعيوب نفسه, ومن سرته حسناته وساءته سيئاته فهو مرجو الحال, وأمره أقرب من المغرور المزكي لنفسه الممتن على الله بعلمه وعمله, الظان أنه من خير خلقه. وهذا غرور الذين حصلوا العلوم المهمة لكن قصروا في العمل بالعلم.
فأما غرور الذين قنعوا من العلوم بما لا يهمهم, فمنهم فرقة اقتصروا على
علم الفتاوى والحكومات والخصومات وتفاصيل المعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح المعايش, وخصصوا اسم الفقه بها وسموها الفقه وعلم المذهب, وربما ضيعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة, فلم يتفقدوا الجوارح, ولم يحرسوا اللسان عن / الغيبة, والبطن عن الحرام, والرجل عن المشي إلى السلاطين, وكذا سائر الجوارح, ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر والرياء والحسد وسائر المهلكات؛ فهؤلاء مغرورون من حيث العمل والعلم.
أما العمل فقد ذكرنا أن مثالهم مثال المريض إذا تعلم نسخة الدواء واشتغل بتكراره وتعليمه. لا بل مثالهم من به علة البواسير والبرسام وهو مشرف على الهلاك ويحتاج إلى تعلم الدواء واستعماله, فاشتغل بتعلم دواء الاستحاضة, وبتكرار ذلك ليلا ونهارا مع علمه بأنه رجل لا يحيض ولا يستحاض, ولكن يقول: ربما وقع علة الاستحاضة لامرأة وتسألني عنها,
(1/169)

وذلك غاية الغرور, فكذلك المتفقه المسكين قد سلط عليه حب الدنيا واتباع الشهوات والحسد والكبر والرياء, فيلقي الله وهو عليه غضبان. فترك ذلك كله واشتغل بعلم السلم والإجارة والظهارة واللعان والجراحات والديات والدعاوي والبينات وبكتاب الحيض, ولا يحتاج إلى شيء من ذلك قط في عمره لنفسه, وإذا احتاج غيره كان في المفتين كثرة, فيشتغل بذلك ويحرص عليه لما فيه من الجاه والمال والرياسة.
وأما من حيث العلم فحيث اقتصر على علم الفتاوى وظن أنه علم الدين, وترك علم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, وترك علم تهذيب الأخلاق, وترك الفقه عن الله بإدراك جلالته وعظمته, وهو العلم الذي يورث الخوف والهيبة والخشوع ويحمل على التقوى, فقد ترك العلوم التي هي / أهم وهو غافل مغرور, وسبب غروره ما سمع في الشرع من تعظيم الفقه, ولم يدر أن ذلك الفقه هو الفقه عن الله ومعرفة صفاته المخوفة والمرجوة التي بها يستشعر القلب الخوف ويلازم التقوى)).
وقال في كتاب العزلة وهو السادس من ربع العادات من "كتاب الإحياء":
((أما التعليم ففيه ثواب عظيم مهما صحت نية المتعلم والمعلم, ومهما كان القصد إقامة الجاه والاستكثار بالأصحال والإتباع فهو هلاك الدين.
وحكم العالم في هذا الزمان أن يعتزل إن أراد سلامة دينه فإنه لا يرى
(1/170)

مستفيدا يطلب فائدة لدينه, بل لا طالب إلا لكلام مزخرف يستمال به العوام في معرض الوعظ, أو لجدال معقد يتوصل به إلى إفحام الأقران, ويتقرب به إلى السلطان, ويستعمل في معرض المنافسة والمباهاة.
وأقرب علم مرغوب فيه المذهب ولا يطلب غالبا إلا للتوصل إلى التقدم على الأمثال, وتولى الولايات واجتلاب الأموال, وهؤلاء كلهم يقتضي الدين والحزم الاعتزال عنهم, فإن صدوف طالب الله ومتقرب بالعلم إلى الله فأكبر الكبائر الاعتزال عنه, وكتمان العلم منه, وهذا لا يصادف في بلد كبير أكثر من واحد أو اثنين إن صودف.
ولا ينبغي أن يغتر الانسان بقول سفيان: ((تعلمنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا الله)) , وأن الفقهاء يتعلمون لغير الله ثم يرجعون إلى الله. وانظر إلى أواخر أعمار الأكثرين منهم, واعتبرهم أنهم ماتوا وهم هلكى على طلب الدنيا ومتكالبين عليها, أو راغبين عنها / وزاهدين فيها, وليس الخبر كالمعاينة.
واعلم أن العلم الذي أشار إليه سفيان هو علم الحديث وتفسير القرآن ومعرفة سير الأنبياء والصحابة فإن فيها التخويف والتحذير, وهي سبب لإثارة الخوف من الله تعالى, فإن لم يؤثر في الحال أثر في المآل. فأما الكلام والفقه المجرد الذي يتعلق بفتاوى المعاملات وفصل الخصومات, المذهب منه والخلاف, فلا يرد الراغب فيه للدنيا إلى الله بل لا يزال متماديا في حرصه إلى آخر عمره, فلا ينبغي أن يخادع الإنسان نفسه, فإن المقصر العالم بتقصيره أسعد حالا من الجاهل المغرور أو المتجاهل المغبون. وكل عالم اشتد حرصه على التعليم يوشك أن يكون غرضه القبول والجاه, وحظه
(1/171)

تلذذ النفس في الحال باستشعار الإدلال على الجهال والتكبر عليهم, فآفة العلم الخيلاء كما قاله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك حكى عن بشر أنه دفن عشرة قماطر من كتب الأحاديث التي سمعها, وكان لا يحدث ويقول: إني أشتهي أن أحدث فلذلك لا أحدث, ولو اشتهيت أن لا أحدث لحدثت, ولذلك قال: "ثنا" باب من الدنيا, وإذا قال الرجل: "ثنا" فإنما يقول: أوسعو لي.
وقالت رابعة العدوية لسفيان الثوري: نعم الرجل أنت لولا رغبتك في الدنيا. قال: وفي ماذا رغبت؟ قالت: في الحديث.
ولذلك قال أبو سليمان الداراني: من تزوج أو كتب الحديث أو اشتغل بالسفر فقد ركن إلى الدنيا.
والحزم الاحتراز بالعزلة وترك الاستكثار من الأصحاب ما أمكن, بل الذي يطلب الدنيا بتدريسه وتعليمه / فالصواب له إن كان عاقلا في هذا الزمان أن يترك ذلك, فلقد صدق أبو سليمان الخطابي حيث قال:
دع الراغبين في صحبتك والتعلم منك فليس لك منهم مال ولا جمال, إخوان العلانية أعداء السر, إذا لقوك تملقوك, وإذا غبت عنهم سبعوك, من أتاك منهم كان عليك رقيبا, وإذا خرج كان عليك خطيبا, أهل نفاق ونميمة, وغل وخديعة, فلا تغتر باجتماعهم عليك فما غرضهم العلم بل الجاه والمال, وأن يتخذوك سلما إلى أوطارهم, وحمارا في حاجاتهم, إن قصرت في غرض
(1/172)

من أغراضهم كانوا أشد أعدائك, ثم يعدون ترددهم إليك دالة عليك, ويرونه حقا واجبا لديك, ويعرضون عليك أن تبذل عرضك وجاهك ودينك لهم, فتعادي عدوهم, وتنصر قريبهم وخادمهم ووليهم, وتنتهض لهم سفيها, وقد كنت فقيها, وتكون لهم تابعا خسيسا, بعد أن كنت متبوعا رئيسا, ولذلك قيل: اعتزال العامة, مروءة تامة.
قال: فهذا معنى كلامه وإن خالف بعض ألفاظه, وهو حق وصدق فإنك ترى المدرسين في رق دائم, وتحت حق لازم, ومنة ثقيلة ممن يتردد إليهم, فكأنه يهدي تحفه إليهم, فيرى حقه واجبا عليهم, وربما لا يختلف إليه ما لم يتكفل برزق له على الإدرار.
ثم إن المدرس المسكين قد يعجز عن القيام بذلك من ماله, فلا يزال يتردد إلى أبواب السلاطين يقاسي الذل والشدائد مقاساة الذليل المهين, حتى يكتب له على بعض وجوه السحت مال حرام, ثم لا يزال العامل يسترقه ويستخدمه ويمتهنه ويستذله إلى أن يسلم إليه ما يقدره نعمة مستأنفة من عنده عليه, ثم يبقى في مقاساة / القسمة على أصحابه, إن سوى بينهم مقته المبرزون, ونسبوه إلى الحمق, وقلة التمييز, والقصور عن درك مصادفات الفضل, والقيام في مقادير الحقوق بالعدل, وإن فاوت بينهم سلقه السفاء بألسنة حداد, وثاروا عليه ثوران الأسود والآساد, فلا يزال في مقاساتهم في الدنيا, وفي مظالم ما يأخذه ويفرقه في العقبى. والعجب أنه مع هذا البلاء كله تمنيه نفسه بالأباطيل, وتدليه بحبل الغرور, وتقول له: لا تفتر عن صنيعك فإنما أنت بما تفعله مريد وجه الله, ومذيع شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم, وناشر علم دين الله, وقائم بكفاية طلاب العلم من عباد الله, وأموال السلاطين لا مالك
(1/173)

لها وهي مرصدة للمصالح, وأي مصلحة أكبر من تكثير أهل العلم, فبهم يظهر الدين ويتقوى أهله.
قال: ولو لم يكن ضحكة للشيطان لعلم بأدنى تأمل أن فساد الزمان لا سبب له إلا كثرة أمثال أولئك الفقهاء الذين يأكلون ما يجدون, ولا يميزون بين الحلال والحرام, تلحظهم أعين الجهال فيستجرؤون على المعاصي باستجرائهم, اقتداء بهم واقتفاء لآثارهم, ولذلك قيل: ما فسدت الرعية إلا بفساد الملوك, وما فسد الملوك إلا بفساد العلماء. فنعوذ بالله من الغرور والعمى فإنه الداء الذي ليس له دواء)).
وقال في كتاب ذم الغرور أيضا: ((فالعلم المهم هو معرفة سلوك الطريق, وقطع عقبات القلب التي هي الصفات المذمومة, فهي الحجاب بين العبد وبين الله, وإذا مات ملوثا بتلك الصفات كان محجوبا عن الله.
ومثال المقتصر على علم الفقه مثال من اقتصر من سلوك طريق الحج على علم خرز الرواية والخف, ولا شك في أنه لو لم يكن لتعطل الحج, ولكن المقتصر عليه / ليس من الحاج في شيء)).
قال: ومن هؤلاء من اقتصر من علم الفقه على الخلافيات, ولم يهمه إلا تعلم طرق المجادلة والإلزام, وإفحام الخصوم, ودفع الحق؛ لأجل الغلبة
(1/174)

والمباهاة, فهو طول الليل والنهار في التفتيش عن مناقضات أرباب المذاهب, والتفقد لعيوب الأقران, والتلقف لأنواع الأسباب المؤذية.
وهؤلا هم سباع الإنس, طبعهم الإيذاء, وهمهم السفه. فنعوذ بالله من الغفلة والاغترار, ونسأله سلوك طريق الأبرار, ومجانبة الأشرار الفجار)).
قلت:
فلينتبه المشتغل بالعلم, وليتدبر ما ذكر في هذا الفصل من الفضل, والله يوفقنا وإياه ويرضاه.
وقد رايت أن أختمه بشيء من عبارات أهل المعرفة والتقوى, العاملين بالعلم الذي يورث الخوف والهيبة والخشوع والزهد في الدنيا.
روينا عن عبد الله بن خبيق الأنطاكي - وهو أحد السادة العباد - قال: سألت يوسف بن أسباط: هل مع حذيفة المرعشي علم؟ فقال: معه العلم الأكبر خوف الله عز وجل.
(1/175)

ذكر في مجلس أحمد بن حنبل معروف الكرخي رحمه الله عليهما فقال بعض من حضر: هو قليل العلم. فقال أحمد: أمسك - عافاك الله - وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: ذهب أبي ويحيى بن معين إلى معروف, فقال يحيى بن معين: أيش المعنى في سجدتي السهو ولم جعلتا في الصلاة؟ فقال معروف مسرعا: عقوبة للقلب - عافاك الله - إذ سها, ولم سها عن الله عز وجل وهو بين يدي الله عز وجل؟ قال: فقال له أبي: يا أبا زكريا, هذا من علمك, هذا من كتبك أو من كتب أصحابك.
/ وعن جعفر بن محمد الخواص قال: سئل جنيد بن محمد عن فرض الصلاة, فدل السائل إلى مجالس الفقهاء فلما مضى الرجل قال لأصحابه: تدرون ما فرض الصلاة؟ قطع العلائق, وجمع الهم, والحضور بين يدي الله عز وجل. قيل له: كيف تدخل في الصلاة؟ قال: بإلقاء سمع, وشهود قلب, وحضور عقل, وجمع هم, وصحة تيقظ, وحسن إقال, وتدبر في ترتيل.
وعن زيد بن يحيى الذارع قال: كنا عند مالك بن دينار فمر به خليفة البحراني, فسلم على مالك. فقال له عظنا يا أبا عبد الله. قال: بم أعظم يا أبا يحيى؟ إنك - والله - إن عرفت الله حق معرفته أغناك ذلك عن كل كلام وموعظة. يا أبا يحيى إن المؤمنين لم يعبدوا إلههم عن رؤية وإنما عبدوه عن دلالة. إنهم - والله - لما نظروا إلى اختلاف الليل والنهار, ودوران هذا الفلك,
(1/176)

وارتفاع هذا السقف المرفوع بغير عمد, ومجاري هذه الأنهار والبحار, علموا - والله - أن لذلك صانعا مدبرا, لا يعزب عنه مثقال ذرة من خلقه في السماوات ولا في الأرض, فعبدوه - والله - بدلالته على نفسه عبادة أنضت الأبدان, وأحالت الألوان, حتى كأنما عبدوه عن رؤية, فهم في الدنيا حية قلوبهم, ميتة جوارحهم, إلا عند الذكر والمناجاة والنهوض إلى طاعة الله.
قال: فبكى مالك يومئذ بكاء شديدا, ثم قام عشية إذ ولم يتكلم.
قال أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي الحافظ:
دخلت دمشق على كتبة الحديث, فمررت بحلقة قاسم الجوعي, فرأيت نفرا جلوسا حوله وهو يتكلم عليهم / فهالني منظرهم, فتقدمت إليهم فسمعته يقول:
اغتنموا من أهل زمانكم خمسا: إن حضرتم لم تعرفوا, وإن غبتم لم تفقدوا, وإن شهدتم لم تشاوروا, وإن قلتم شيئا لم يقبل قولكم, وإن عملتم شيئا لم تعطوا به. وأوصيكم بخمس أيضا: إن ظلمتم لم تظلموا, وأن مدحتم لم تفرحوا, وإن ذممتم لم تجزعرا, وإن كذبتم فلا تغضبوا, وإن خانوكم فلا تخونوا. قال: فجعلت هذا فأئدتي من دمشق.
قلت: فهذا وأمثاله هو ثمرة علم العلماء الذين يريدون الله بطلب العلم النافع, جعلنا الله منهم بفضله, ووفقنا لأن نكون من أهله.
(1/177)

آخر الخطبة الكبرى المقدمة بين يدي كتاب: "العلم الجامع بين الفقه والأثر", [و] الحمد لله رب العالمين, وصلواته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه خير البشر.
فرغه كاتبه لنفسه على بن أيوب بن منصور المقدسي عفا الله عنه, في أواخر ذي القعدة سنة ثمان وسبعمائة, بالمدرسة الباذرائية من دمشق صانها الله وأهلها وسائر بلاد المسلمين.
وقابلها وعارضها بالأصل المنقول منه المعارض بأصل المصنف المسموع عليه وعليه رحمه الله, فصح حسب الطاقة, نفعنا الله به والمسلمين.
(1/178)