Advertisement

خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار



الكتاب: خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار
المؤلف: أبو الفداء زين الدين قاسم بن قُطْلُوْبَغَا السُّوْدُوْنِي الجمالي الحنفي (المتوفى: 879هـ)
المحقق: حافظ ثناء الله الزاهدي
الناشر: دار ابن حزم
الطبعة: الأولى، 1424 هـ - 2003 م
عدد الأجزاء: 1
أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] خلاصة الأفكار
شرح مختصر المنار

تأليف
زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي
المتوفى عام 879هـ

حققه وعلق حواشيه
حافظ ثناء الله الزاهدي

دار ابن حزم
(1/1)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وبعد:
فإن الفقير إلى رحمة ربه الغني قاسم الحنفي يقول: قد قرأ عليّ الجناب العالي الفخري عثمان بن أغلبك الحلبي الحنفي «مختصر المنار» [في أصول الفقه] للشيخ الإمام طاهر بن الحسن بن عمر بن حبيب الحلبي، فأمليت عليه [أي شرحت «المختصر»] ما يحلّ ألفاظه وهو قوله:

[أصول الشرع]
(أصول الشرع) الأصول: جمع أصل، والأصل ما يبتني عليه
(1/47)

غيره، [والفرع ما يبتنى على غيره].
والمراد هنا الأدلة الشرعية لابتناء الأحكام عليها، والشرع بمعنى المشروع، والمراد به الأحكام المشروعة، والمراد من الحكم المحكوم به، وهو ما يثبت بالخطاب كالوجوب والحرمة وغيرهما.
كأنه قال: أدلة الأحكام المشروعة:
(الكتاب) قدمه؛ لأنه أصل من كل وجه
(والسنة) أخَّرها عن الكتاب؛ لتوقف حجيتها عليه،
(وإجماع الأمة) أخره عنهما لتوقف حجيته عليهما،
(والقياس) أخره؛ لأنه فرعٌ بالنسبة إلى الأدلة المتقدمة؛ لأن حكمَه مستفادٌ منها في كلِّ حادثة، بعدما ثبتَ حجَّيتُه بالكتاب والسنة، بخلاف الإجماع، فإنه لا يتوقَّف في كلِّ حادثة على ما تقدَّمه.
(1/48)

[الكتاب]
أما الكتاب الذي سبق ذكره (فالقرآن) وهو معروف عند كل أحد، فكان تعريفاً؛ لأنه بهذا أشتهر، إلا أنه يقال على الصفة القديمة، وعلى ما بين دفتي المصحف، واستدلال [أهل] الأصولي بالثاني.
فلذلك قال: (المنقول متواتراً)؛ ليخصَّ ما يستدلّ به بعد زمان الرسول صلى الله عليه وسلم
(وهو): أي القرآن (نظم): أي ألفاظ مرتَّبةٌ بعضُها على بعض، (ومعنى) مستفادٌ من ذلك النظم، ذكرَه لرفع وهم مَن توهَّم أنه عندنا اسم للمعنى فقط؛ لقول أبي حنيفة - رحمه الله - بجواز القراءة في الصلاة بالفارسية مع القدرة على العربية وهذا مرجوع عنه وقد علم الوجه في المطولات.
(1/49)

(وأقسامها): أي النظم والمعنى (أربعة)، وهذا باعتبار ما يتعلَّق به الأحكام، وإلا فأقسامهما أكثر من ذلك؛ لأنه بحرٌ عميقٌ فيه علم التوحيد، والقصص، والأمثال، والحكم، وغير ذلك.
واختاروا هذا التقسيم لاستغراقه الاعتبارات من أول وضع الواضع إلى آخر فهم السامع؛ لأن أداء المعنى باللفظ الخارجي على قانون الوضع يستدعي وضع الواضع، ثم دلالته أي كونه بحيث يفهم منه المعنى، ثم استعماله، ثم فهم المعنى.
فللفظ بتلك الاعتبارات الأربع تقسيمات مربعة ـ إلا الثاني فإنه مثمن ـ تسمى أقسامهما:
وجوه النظم صيغة ولغة: أي صورة ومادة.
ووجوه البيان: أي إظهار المراد بحسب الدلالة الواضحة أو الخفية؛ لحكمة الابتلاء بأحد الوجهين.
ووجوه الاستعمال.
ووجوه الوقف: أي اطلاع السامع على مراد المتكلم ومعنى الكلام.
والمرجع في الحصر: الاستقراء.
(1/50)

[أقسام الكلمة باعتبار وضعه للمعنى]
(1) الخاص
الأول: أي القسم الأول من الأقسام الأربعة (في وجوه) أي طرق (النظم) قيل: لا يناسب المقام إذ لا معنى لطريق النظم، ولعل الوجه بمعنى الجهة التي هي بمعنى الاعتبار، فكأنه قال: في اعتبارات النظم.
(وهو): أي القسم الأول: (الخاص) وهو (ما) أي لفظ (وضع لمعنى) أي واحد، احترازاً عن المهمل، فإنه لا معنى له، وعن المشترك، فإنه وضع لأكثر من معنى.
والمَعْني: بالمعنى: المدلول، لا ما يقابل العين؛ ليتناول قسمي الخاص الحقيقي: كزيد، والاعتباري: كإنسان ورجل على ما سيأتي.
(معلوم) خرج به على المجمل؛ لأن معناه غير معلوم للسامع.
(على الانفراد):أي من حيث هو واحد، مع قطع النظر عن أن يكون أفراد أوْ لا.
واحترز به عن العام: كالمسلمين فإنه موضوع لمعنى واحد شامل لأفراد، ولا يخفى أن ترك هذا أولى بالاختصار.
(جنساً) كان الخاص كإنسان فإن معناه واحد معلوم، وهو
(1/51)

الحيوان الناطق.
(أو نوعاً) كرجل فإن معناه واحد معلوم، وهو إنسان ذكر جاوز حد الصغر.
(أو عيناً) كزيد، فإن معناه واحد معلوم، وهو ذات مشخصة.
(وحكمه) أي حكم الخاص وهو الأثر الثابت به (تناول المخصوص)، وهو مدلول الخاص (قطعاً) أي تناولاً قاطعاً إرادة غيره عنه،
(1/52)

وهذا عند مشايخ العراق خلافاً لمشايخ سمرقند، ومذهبهم مردود باتفاق العرف، حيث لا يعتبرون احتمالاً لا عن دليل أصلاً، فلا يفرون من جدار لا شق فيه ويعدون الخائف منه مجنوناً.
(بلا احتمال بيان): أي بيان التفسير، لينفي زعم مَن قال: الخاص يحتمل البيان؛ لأن بيانه إما إثبات الثابت، أو إزالة الزائل، وكلاهما فاسد.
(1/53)

[أقسام الخاص]
الأمر
(ومنه): أي من الخاص (الأمر)، وهو قول القائل لمَن دونه افعل، مراداً به الطلب.
(ويختص): أي مدلول الأمر (بصيغة) فلا يعرف بدونها (لازمة) أي مختصة به، كما هو مختص بها.
(فلا يكون الفعل موجباً)؛ لأن الوجوب بالأمر، والأمر مختص بصيغته.
(1/55)

(وموجبه): أي الذي يوجبه الأمر المطلق هو (الوجوب) أي لزوم الإتيان بالمأمور به؛ لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}، وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
وسواء كان الأمر (بعد الحظر): أي المنع نحو: قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ}.
(أو قبله)؛ لأن المقتضى للوجوب، وهو الصيغة قائم في الحالين، وما جاء للإباحة بعد الحظر فلدليل غير الصيغة.
(1/57)

(ولا يقتضي): أي لا يوجب الأمر المطلق (التكرار): أي تكرار المأمور به، وهو أن يفعله ثم يعود إليه، وهكذا (ولا يحتمله) أي لا يكون التكرار محتملاً من محتملات الأمر، يحمل عليه بالقرينة (سواء تعلق) الأمر (بشرط) نحو قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} (أو اختص بوصف) نحو قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا}؛ لأن مدلول صيغة الأمر طلب حقيقة الفعل، والمرّة والتكرار بالنسبة إلى الحقيقة أمر خارجي، والخروج عن عهدة المأمور به بالمرة بحصول الحقيقة، لا أنها من مدلول الصيغة، وما تكرر من العبادات فبتكرر أسبابها عند الجمهور، وقال بعض بتكرر المأمورات بتكرر الأوامر.
وإذا لم يقتض التكرار ولا يحتمله، (فيقع) أي يقع الأمر فيما للمأمور به أفراد (على أقل جنسه): أي أقل جنس المأمور وهو الفرد الحقيقي
(1/58)

(ويحتمل كله): أي كل الجنس باعتبار معنى الفردية، لا باعتبار معنى العدد، فصار من حيث هو جنساً واحداً، وإن كان له أفراد (على الصحيح) احترازاً من قول زفر: أنه يحتمل العدد.
وتظهر ثمرة الخلاف فيمن قال لزوجته: طلِّقي نفسك، فإن لها أن تطلق نفسها واحدة، وإن نوى الزوج الثلاث، فطلَّقت نفسها ثلاثاً وقعن، وإن نوى الزوج ثنتين، فطلقت نفسها ثنتين، لم يقع شيء عندنا.
وقال زفر: يقع ثنتان.
لنا: إن العدد ليس بموجب ولا محتمل، فلا تصح نيِّته، إلا أن تكون المرأة أمة؛ لأن ذلك جنس طلاقها.
(وحكمه): أي حكم الأمر يعني الثابت به، وهو الإتيان بالمأمور به (نوعان) بالقسمة الأولية.
(أداء: وهو إقامة الواجب): أي إخراجه إلى الوجود على حسبه، واللام للعهد: أي الذي وجب بالأمر ابتداءً.
(وقضاء: وهو تسليم مثله): أي مثل الواجب (به): أي بالأمر إشارة إلى أن المراد منه أفعال الجوارح، لا ما في الذمة وهو نفس الوجوب؛ لأن ذلك بالسبب لا بالأمر.
(1/59)

(ويتبادلان): أي الأداء والقضاء فيقال: هذا مكان هذا (مجازاً) فيحتاج إلى قرينة كما يقال: أدى ما عليه من الدين، فقوله: من الدين؛ قرينة يفهم منها القضاء؛ لأن أداء حقيقة الدين محال، والجامع في ما كل منهما من التسليم.
(ويؤدّيان): أي الأداء والقضاء (بنيَّتهما)، فيؤدي القضاء بنية الأداء وبالعكس، إلا أنه يحتاج إلى القرينة كما يقال: نويت أن أؤدي ظهر الأمس، وأن أقضي ظهر اليوم (في الصحيح) احترازاً عن قول فخر الإسلام أنه يسمِّي الأداء قضاءً من غير قرينة.
(ويجبان): أي الأداء والقضاء (بسبب واحد)، وهو الأمر الذي وجب به الأداء (عند الجمهور).
وقال العراقيون من مشايخنا: يجبُ القضاء بنصّ مقصود غير الأمر الذي وجب به الأداء، ففي الصوم وجب القضاء بقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، وفي الصلاة
وجب بقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن نَسِيَ صلاةً فليصلها إذا ذكرها)) متفق عليه، ولمسلم ((إذا رقد أحدُكم عن الصلاة أو غَفِلَ عنها فليصلها إذا ذكرها)).
(1/60)

وللجمهور: إن المستحقَّ لا يسقط على المستحق عليه إلا بإسقاط مَن له الحقّ، أو بتسليم المستحق، ولم يوجد منهما فبقي مضموناً عليه، وسقط فضل الوقت للعجز، وهذا النصوص لطلب تفريغ الذمّة عمَّا وَجَبَ بالأمر وتعريفِ أن الواجب لم يسقط.
وفي عبارة فخر الإسلام ما يشير إلى أن ثمرة الاختلاف في المنذورات المتعيّنة من الصلاة والصوم والاعتكاف إذا فاتت عن وقتها، لكن قال أبو اليسر: لو نذر صوماً أو صلاة في يوم معيَّن ولم يفِ به يجب القضاء بالإجماع بين الفريقين، سواء كان عدم إيفاؤها بالفوات أو بالتفويت، وعلى هذا فالخلاف في إسناد وجوب القضاء بماذا؟ فالجمهور للسبب الأول في الكلّ، وعند هؤلاء للنصّ في الصوم والصلاة، وللفوات أو التفويت في المنذورات.
(وأنواع الأداء ثلاثة) أداء (كامل: وهو ما يؤدَّى كما شرع): أي مع توفير حقّه من الواجبات والسنن والآداب، كأداء الصلاة في الجماعة من المكتوبات والوتر في رمضان، وإنما ذكر الأداء وفسِّر بالمؤدى؛ لأن الفعل لا وجود له في الوجود.
(وقاصر: وهو الناقص عن صفته) التي قدمناها كصلاة المنفرد.
(1/61)

(وشبيه بالقضاء) كفعل اللاحق، وهو الذي فاته بعض الصلاة بعد إدراك بعضها بعد فراغ الإمام من الصلاة،
ففعلُهُ باعتبار الوقت أداءٌ، وباعتبار أنه يتدارك ما التزم أداؤه مع الإمام قضاءٌ، فهو أداءٌ شبيهٌ بالقضاء.
وفي حقوق العباد: رد عين المغصوبِ على الوجه الذي وقع عليه الغصب أداء كامل.
ورد العبد المغصوب بعد جناية جناها عند الغاصب أداء قاصر.
وتسليم عبدٍ كان تزوجها عليه ولم يكن في ملكه وقت التزوج ثم اشتراه، فتسليمه أداء من حيث أنه المسمّى، شبيه بالقضاء من حيث إنّ تبدَّلَ الملك يوجب تبدَّل العين حكماً.
(وأنواع القضاء ثلاثة) أيضاً كالأداء:
قضاء (بمثل معقول): كالصلاة للصلاة والصوم للصوم.
(وقضاء بمثل غير معقول): أي يقصر العقل عن إدراك المماثلة فيه؛ لأن العقل ينفيه كالفدية للصوم عند العجز المستدام، كما في حق الشيخ الفاني، فإنه لا مماثلة تدرك بين الصوم والفدية، فالصوم وصف، والفدية عين.
(وقضاء بمعنى الأداء) كتكبير مَن أدرك الإمام في العيد راكعاً في الركوع، فمن حيث إنه فات عن موضعه، وهو القيام كان قضاءً، ومن حيث إن الفرق بين القائم والقاعد انتصاب النصف الأسفل كان الركوع شبيه القيام، فالإتيان بالتكبير فيه قضاء بمعنى الأداء،
(1/62)

وهذا على قول أبي حنيفة ومحمد (رحمهما الله) خلافاً لأبي يوسف.
وفي حقوق العباد: ضمان المغصوب المثلي بالمثلي قضاء كامل.
وضمانه بالقيمة عند انقطاع المثل قضاء قاصر، لفوات الصورة.
وضمان النفس والأطراف بالمال في الخطأ، قضاء بمثل غير معقول.
وتسليم قيمة عبد وسط لامرأته التي تزوجها على عبد بغير عينه، قضاء؛ لأنه خلاف المسمّى، بمعنى الأداء من حيث أن المجهولَ الوصف لا يعرف إلا بالقيمة فصارت أصلاً.

(والحسنُ لازمٌ للمأمور به)؛ لأن الآمر حكيم، فلا يأمر بشيء إلا لحسنه، والعقل آلة تدرك بها حسن بعض الأشياء وقبحها.
فحسن المأمور به (إما لمعنى) حاصل (في عينه، وهو) بالنظر إلى حكمه (نوعان:
أحدهما) حسن (لمعنى في وصفه) كالإيمان بمعنى التصديق، حسن فمعنى في وصفه، وهو شكر المنعم، وهذا حاصل في ذات التصديق، وهذا النوع لا يقبل السقوط أصلاً، لا بعذر الإكراه ولا بغيره، والصلاة حسنت للتعظيم، والتعظيم حاصل في ذاتها، إلا أنها تقبل السقوط في بعض الأحوال.
(والآخر): أي النوع الآخر (ملحق بهذا القسم) الذي حسن لمعنى في عينه (مشابه للحسن لمعنى في غيره): كالزكاة فإنها تنقيص المال، حسنت لدفع حاجة الفقير، فبهذا صارت مشابهة للذي حسن لمعنى في غيره، إلا أن حاجة الفقير لما كانت بخلق الله تعالى لا صنع للعبد فيها، صارت كلا واسطة، فألحقت بهذا القسم.
(1/63)

(وحكم النوعين واحد) وهو أن لا يسقط إلا بالأداء أو باعتراض ما يسقطه.
(وإما) أن يكون الحسن (لمعنى في غيره): أي في غير المأمور به، وهذا عطف على قوله: إما لمعنى في عينه.
(وهو) أي ذلك الغير الذي حسن المأمور به لأجله (نوعان أيضاً:
أحدهما: ما لا يؤدَّى ذلك الغير بالمأمور به.
كالوضوء، فإنه حسن للتمكن من الصلاة به، والصلاة لا تتأدّى به، وإنما تتأدّى بأركانها المعلومة.
(و) النوع (الآخر ما يؤدى) الغير الذي حسن المأمور به لأجله (به) كالجهاد حسن لإعلاء كلمة الله تعالى، وذلك يتأدَّى به.
(وحكمهما واحد أيضاً) وهو بقاء الوجوب ببقاء الغير، وسقوطه بسقوطه.
وترك المصنف النوع الجامع، وهو ما حَسُنَ لِحُسْن في شرطه وهو القدرة، وإنما سمي جامعاً لمعنى في عينه أو في غيره بأنواعهما يصير كلٌ حسناً لمعنى في شرطه وهو القدرة، فالإيمان حسن لمعنى في عينه ولشرطه وهو كونه مقدوراً، والوضوء حسن لمعنى في غيره، وحسن لشرطه وهو كونه مقدوراً أيضاً.
والقدرة نوعان: ما يتمكّن به العبد من أداء ما لزمه، والشرط توهمها، وهذه العبادات البدنية، أو ما يتسر به الأداء، والشرط تحققها حتى كانت صفة، وهذه للمالية إلا صدقة الفطر.
(1/64)

(ثم الأمر نوعان): نوع (مطلق عن الوقت) بأن لا يذكر له وقت محدود على وجه يفوت الأداء بفواته، كالأمر بالزكاة، وصدقة الفطر، (فلا يوجب الأداء على الفور)، وهو الإتيان بالمأمور به عَقِيب ورود الأمر (في الصحيح) خلافاً للكرخي (، فإن المطلق عنده على الفور.
لنا: إن الأمر لطلب الفعل فقط، والأزمنة في صلاحية حصول الفعل فيه على حد سواء.
(و) نوع (مقيّد به) أي بالوقت بحيث يفوت الأداء بفواته (وهو) أي المقيد بالوقت (أنواع) أربعة:
الأول: أن يكون الوقت ظرفاً للمؤدى، وشرطاً للأداء، وسبباً للوجوب، وهو وقت الصلاة.
ومن حكمه اشتراط نية التعيين، فلا يسقط بضيق الوقت، ولا يتعين إلا بالأداء، كالحانث.
والثاني: أن يكون الوقت معياراً له، وسبباً لوجوبه، كشهر رمضان.
(الأول) منها: (أن يكون الوقت ظرفاً للمؤدى) وهو الواجب (وشرطاً للأداء) وهو إخراج الواجب إلى الوجود، (وسبباً للوجوب) أي يثبت به، (وهو) أي الذي يكون ظرفاً وشرطاً وسبباً (وقت الصلاة).
أما إنه ظرف: فلأنه يفضل عن الأداء، وكل ما يفضل من الأوقات عن الأداء فهو ظرف، أما الأولى فلأنه إذا صلَّى فاكتفى بمقدار الفرض انقضى المؤدى قبل فراغ الوقت، وأما الثانية فلأن المراد بالظرف أن لا يكون الفعل مقدراً به.
وأما أنه شرط: فلأن الأداء يفوت بفوته، وكل ما يفوت الأداء بفوته شرط، فهذا الوقت شرط
(1/65)

أما الأولى فلأن الوقت إذا خرج كان الإتيان بها قضاء، وأما الثانية فبالقياس على سائر شروط الصلاة: كالطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، والنية.
وأما إنه سبب فلأن الأداء يختلف باختلاف صفته، وكلّ ما يتغيّر الواجب بتغيره فهو سبب؛ لأن المسبب يثبت على وفق سببه.
(ومن حكمه): أي من حكم هذا النوع الذي جعل الوقت ظرفاً له وشرطاً وسبباً (اشتراط نيّة التعيين) يعني تعيين فرض الوقت؛ لأن الوقت لَمّا كان ظرفاً كان المشروع فيه متعدداً، فيشترط تمييز بعض الأفراد عن بعض، وذا بالنيّة، حيث لزم التعيين، (فلا يسقط بضيق الوقت): أي بأن ضاق الوقت بحيث لا يسع غير الواجب، (ولا يتعين) بعض أجزاء الوقت للسببية بشيء من القصد ولا من القول، كأن ينوي أن هذا الجزء هو السبب، أو يقول: عيّنْتُ هذا الجزء للسبب (إلا بالأداء) فيه، فإنه يتعيَّن حينئذٍ (كالحانث): أي كما أن الحانثَ في اليمين له أن يختار في الكفارة أحد الأمور: الإعتاق أو الكسوة أو الإطعام، ولو عيّن أحدَها لا يتعيّن، وله أن يفعل غيره ما لم يُكفِّر به، فإن كَفَّرَ به تعيَّن.
(و) النوع (الثاني: أن يكون الوقت معياراً): أي مقداراً (له): أي للمؤدَّى (وسبباً لوجوبه): أي يثبت الوجوب به، (كشهر رمضان).
أما إنه معيار؛ فلأن الصوم قدر بأيامه، حتى ازداد بزيادتها وانتقص بنقصانها.
(1/66)

وأما إنه سبب لوجوبه: فلأنه يضاف إليه، والإضافة تدلّ على الاختصاص، وأقوى وجوهه السببية وسيأتي.
(ومن حكمه): أي من حكم هذا النوع الذي جعل الوقت معياراً له وسبباً (نفي غيره): أي غير المؤدى (فيه): أي في الوقت ضرورة كونه معياراً، وإذا انتفى غيره، (فيصاب): أي يتأدى (بمطلق الاسم)، وهو الصوم بأن يقول: نويتُ أن أصوم، (و) يتأدّى (مع الخطأ في الوصف): أي في وصف الصوم، بأن ينوي صوم القضاء، أو النذر، أو النفل؛ لأن الوقت لا يقبل الوصف، فلغت نيّته وبقيت نية أصل الصوم، وبها يتأدّى.
(إلا في المسافر ينوي واجباً آخر) المستثنى منه محذوف، يعني يصاب فرض الوقت مع الخطأ في الوصف في حق كل أحد إلا في حق المسافر، فإن الصوم لا يصاب في حقّه مع الخطأ في وصفه، بل يقع عمَّا نوى (عند أبي حنيفة (رحمه الله).
وقال أبو يوسف ومحمد: المسافر والمقيم سواء في هذا؛ لأن السبب وهو شهود الشهر تحقَّق في حقِّهما، إلا أن الشرع أثبت له الترخص، فإذا ترك الترخص كان المسافر والمقيم سواء، فيقع عن الفرض.
ولأبي حنيفة [رضي الله عنه]: إن وجوب الأداء لَمَّا سقط عنه صار رمضان في حقِّ أدائه كشعبان، فيقع عمَّا نوى.
(وفي النفل عنه): أي عن أبي حنيفة ((روايتان):
في رواية: إذا نوى النفل يكون صائماً عن الفرض، وهذا هو الأصح.
(1/67)

وفي رواية: يكون صائماً عن النفل، وجه هذه ما تقدم.
ووجه الأولى: إن الترخص شرع نظراً له، ولا نظر له في النفل.
(ويقع صوم المريض) إذا نوى واجباً آخر أو نفلاً (عن الفرض في الصحيح)
، وهو مختار فخر الإسلام وشمس الأئمة؛ لأن رخصتَه متعلّقة بحقيقة العجز، فإذا صام فات سبب الرخصة في حقّه، فالتحق بالصحيح، بخلاف المسافر، فإن رخصتَه متعلِّقة بعجزِ مقدَّر باعتبار سبب ظاهر قائم مقام العجز، وهو السفر، فلا يظهر بفعل الصوم فوات سبب الرخصة، ومق .. الصحيح ما عليه أكثر مشايخ بخارى أن المريض كالمسافر؛ لأن رخصتَه متعلّقة بخوف زيادة المرض وصحح هذا في ((المفيد والمزيد)).
(و) النوع (الثالث: أن يكون) الوقت (معياراً) له (لا سبباً) لوجوبه (كقضاء رمضان).
أما إنه معيار فظاهر، وأما إنه ليس بسبب؛ فلأن سبب القضاء هو سبب الأداء، وهو شهود الشهر على ما علم، فلم يكن زمن القضاء سبباً.
(ويشترط فيه): أي في هذا النوع الذي يكون الوقت فيه معياراً لا سبباً فيه (التعيين)؛ لأن هذا الصوم ليس بوظيفة الوقت، ولا هو متعيّن فيه، فيصير له مزاحماً، وإذا ازدحمت العبادات في وقت واحد فلا بُدَّ لذلك من التعيين،
(1/68)

والتعيين إنما يحصل بنيّة، ويشترط أن يكون من الليل لينعقد الإمساك من أول النهار لمحتمل الوقت وهو القضاء، (ولا يحتمل) هذا النوع (الفوات)؛ لأن وقته العمر، بخلاف النوعين الأولين؛ لأن وقتهما محدود بحد يفوت الأداء بفوته.
(و) النوع (الرابع: أن يكون) الوقت (مشكلاً) يشبه المعيار ويشبه الظرف (كالحج) يشبه وقته المعيار من جهة أنه لا يصح منه في عام واحد إلا حجّة واحدة، فكان كالنهار في الصوم، ويشبه الظرف من حيث أن أركانَه لا تستغرق جميع الوقت، فكان كوقت الصلاة.
(ومن حكمه: تعيّن): أي لزوم (أدائه): أي الحج (في أشهره) من أول سني الإمكان، فإذا فعل ارتفع الإثم، وعند محمد لا يأثم إلا إذا لم يؤده مدة عمره.
ويتأدّى الحجُ بمطلق النيّة بأن يقول: اللهم إنّي أريد الحجّ، وإن كان الوقت قابلاً للنفل، لدلالة الحال، وهي أن الظاهرَ من حال المسلم أن لا يتحمّل المشاق للنفل، والفرضُ باقٍ عليه، ولو نوى النفل يقع عنه؛ لأن الصريح مقدّم على دلالة الحال.
(1/69)

فصل
والكفار مخاطبون بالإيمان): أي يتناولهم الأمر بالإيمان.
قال الله سبحانه وتعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعا} إلى قوله: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} (بناء على العهد الماضي بإجماع الفقهاء) كذا قال، وليس مراد علمائنا رحمهم الله تعالى، وإنما مرادهم ما ذكرت.
و (لا) يخاطبون (بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات) كالصلاة والصوم والحج؛ لأن الكفار ليسوا بأهل لأداء العبادات؛ لأن أداءَها سبب لاستحقاق الثواب، وهو ليس
بأهل للثواب؛ لأن ثوابه الجنة، وإذا لم يكن أهلاً للأداء لا يخاطب بالأداء؛ لأن الخطاب بالعمل للعمل.
فأما ما لا يحتمل السقوط كالإيمان، فإنهم مخاطبون به على ما تقدم.
(1/70)

وهذا (في الصحيح) وهو قول مشايخ ما وراء النهر.
وعند العراقيين: يخاطبون بجميع أوامر الله تعالى ونواهيه من حيث الاعتقاد والأداء في حقّ المؤاخذة في الآخرة، فيعاقبون على ترك ذلك لقوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ}. فأخبروا أنهم استحقوا ذلك بترك الصلاة، ولم يُرَدَّ عليهم.
وأجيب: بأن الصلاة تذكر ويراد اعتقاد حقيتها لا فعلها، قال تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}، حيث يخلي سبيله إذا آمن قبل فعل الصلاة، وإذا كان محتملاً لا يحتج به في موضع القطع.
(1/71)

النهي
(ومنه) أي من الخاص (النهي) وهو قول القائد لغيره: لا تفعل، وإنما كان من الخاص لما تقدَّم في الأمر.
(وينقسم) النهي (في) اقتضائه (صفة القبح كالأمر): أي كانقسام الأمر (في اقتضائه) لصفة (الحُسُن) للمأمور به.
فالقسم (الأول) من المنهي عنه (ما قبح لمعنى في عينه وضعاً) كالكفر وضع لمعنى قبيح في ذاته وهو كفران النعم، (أو شرعاً) كبيع الحرّ عُلِمَ من الشرع قبحه لا من العقل، ونصب وضعاً وشرعاً على التمييز؛ لأن قبح الشيء يكون باعتبار أمور.
وحكم هذا النوع أن المنهيَ عنه غير مشروع أصلاً.
(و) القسم (الثاني: ما قبح لمعنى في غيره) أي في غير المنهي عنه (وصفاً) قائماً بالمنهي عنه لا يقبل الانفكاك، كصوم يوم النحر، فإنه إمساك لله تعالى، فلم يقبح باعتبارها، بل باعتبار وصفه وهو الإعراض عن ضيافة الرب في هذا اليوم.
وحكمه: أن المنهي عنه بعد النهي مشروع بأصله غير مشروع بوصفه، فيصح النذر به، وإذا فعله يخرج عن العهدة.
(1/72)

(ومجاوراً) أي مصاحباً ومقارناً في الجملة: كالبيع وقت النداء، قبحه للاشتغال بالبيع عن السعي، وهو مجاور للبيع قابل للانفكاك عنه، كما إذا باع في حالة السعي في الطريق فلا يكره.
(والنهي عن الأفعال الحسية) وهي التي تعرف بالحس ولا يتوقّف وجودها على الشرع، كالقتل والزنا وشرب الخمر (من) القسم (الأول) وهو القبيح لعينه وضعاً.
(و) النهي (عن) الأمور (الشرعية)، وهي التي يتوقف تحقيقها على الشرع، كالصلاة والصوم والبيع والإجارة (من) القسم (الثاني) وهو القبيح لغيره وصفاً؛ لأن النهي تصرف في المخاطب بالمنع عن الفعل، فلا بدّ أن يكون الفعل متصوّراً للمخاطب، وتصوره هذا موقوف على الشرع، فيكون مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه، ففي العبادات يصح التزامها، وفي المعاملات تفيد الملك عند اتصال القبض.
(وقد اختلف العلماء) [رضي الله عنهم] في الأمر والنهي في حقّ الضدّ، (فقال بعضهم: الأمر بالشيء نهي عن ضده) من جهة اللفظ، فيكون لفظ الأمر موجباً للنهي عن ضده.
(1/73)

وقال بعضهم: من جهة الدلالة على أنه لا يجوز له فعل المنافي له في وقت وجوبه.
(وبالعكس): أي وقالوا: النهي عن شيء يكون أمراً بضده، وهذا إذا كان له ضد واحد عند قوم، ومطلقاً عند آخرين.
(والمختار: أنه) أي الأمر بالشيء (يقتضي) أي يثبت ضرورة (كراهة ضده) أي ضد المأمور به،
والمراد الضدّ الذي يفوت المأمور به بالاشتغال به؛ لأن هذا النهي لَمَّا لم يكن بالنصّ، وإنما هو بالضرورة فيثبت بقدر ما تندفع [به الضرورة، والضرورة تندفع] بالأدنى، وهو جعل الضدّ مكروهاً.
(1/74)

[فالمأمور بالقيام في الصلاة إذا قعد ثم قام، لا تبطل لكنه يكره.
(و) يقتضي أن يكون (ضد النهي) أي ضد المنهي عنه] (كسنة واجبة) أي مؤكدة قريبة من الواجب، لما قلنا في الأمر؛ [ولهذا قلنا: إن المُحْرِم لَمَّا نُهِيَ عن لُبْس المخيط كان من السنة لبس الإزار والرداء].
وهنا انتهى القسم الأول من القسم الأول ثم عطف عليه بقوله:
(1/75)

(2) العام
(والعام): أي والقسم الثاني: العام: (وهو ما): أي لفظ (تناول أفراداً) فخرج الخاص.
(متفقة الحدود) احترازاً عن المشترك، فإنه يتناول أفراداً ولكنها مختلفة الحدود.
وقوله: (على سبيل الشمول): أي لا على سبيل البدل، واحترز به عن اسم الجنس نحو رجل، فإنه يتناول أفراداً متفقة الحدود لكن على سبيل البدل.
(وحكمه): أي الأثر الثابت به (إيجاب الحكم): أي إثبات الحكم المستفاد ممَّا ذكر معه بمتعلقه (فيما يتناوله): أي في مدلوله (قطعاً) ـ تمييزٌ أو صفة مصدر محذوف ـ أي تناولاً قاطعاً إرادة البعض،
وهذا مذهب أكثر الأصحاب (كقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا
(1/76)

الْمُشْرِكِينَ}، {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ}.
فالحكم هو الوجوب المستفاد من {فَاقْتُلُوا} يثبت في مدلول العام، وهو المشركون حكماً له.
والحقُّ أنّ حكمَه يتناول مدلوله قطعاً كالخاص، وأن المثبت للحكم الشرعي في هذا جملة الكلام، إلا أن للعام دخلاً فيه.
ثم أشار إلى بعض ثمرات هذا القول بقوله: (حتى جاز نسخ الخاصّ به): أي بالعام، ومثَّل لهذا بما في ((الصحيحين)) من حديث أنس رضي الله عنه: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر العرنيين بشرب أبوال الإبل) وهذا خاص، وبما في ((مستدرك الحاكم)) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: استنزهوا من البول)، وهذا عامٌّ
(1/77)

فلمَّا شارك الخاص في حكمه في تناول المدلول، وكان هذا محرِّماً يقتضي التقدم على الخاص المبيح، جعل ناسخاً.
وهذا حكم العام قبل التخصيص، فأما بعده فيكون ظنيّاً في الصحيح.
(ويكون) العام عاماً (بالصيغة والمعنى) كرجال، فإنه وضع للجميع وهو يتناول أفراداً متفقة الحدود.
(وبالمعنى وحده) كقوم ورهط، فإنه يتناول أفراداً بمعناه دون صيغته.
وحصرت ألفاظ العموم في الجموع صيغة أو معنى مطلقاً، والمفرد معرفاً باللام أو الإضافة، وأسماء الشرط والاستفهام، والموصول، والنكرة في سياق النفي، وما يشبهه كالشرط والاستفهام والنهي، اسماً كانت أو فعلاً، والاسم المفرد المعرف بلام الاستغراق، والمصدر المضاف، والألفاظ المؤكدة نحو كل وأجمع وغيرهما، والنكرة الموصوفة في الإثبات، وهذه أقسام اللغوي.
وأما العرفي: فكعموم تحريم الأمهات لوجوه الاستمتاع.
وأما العقلي: فكعموم الحكم مذكوراً بعد سؤال عام، أو مقروناً به عليه، وكدليل الخطاب عند من يقول بعمومه.
(1/78)

(3) المشترك
(والمشترك) وهو القسم الثالث (وهو ما): أي لفظ (تناول أفراداً مختلفة الحدود) كالقرء، فإنه يتناول الحيض والطهر (بالبدل).
فقوله: (مختلفة الحدود) احترازاً عن العام.
وقوله: (بالبدل) تفسير للتناول عند البعض، وعند البعض احترازاً عن (الشيء)، فإنه يتناول أفراداً مختلفة الحقيقة على سبيل الشمول، من حيث إنها مشتركة في معنى الشيئية، وهو الثبوت في الخارج.
(وحكمه): أي حكم المشترك (التأمل فيه): أي في صيغته وسياقه (ليترجح بعض وجوهه): أي طرق معناه (للعمل به): أي لأجل العمل بالمشترك.
كما تؤمل لفظ القرء، فوجد أصل التركيب دالاً على الجمع، يقال:
قرأت الشيء: أي جمعته، وعلى الانتقال يقال: قرأ النجم إذا انتقل، والاجتماع للدم، والانتقال للحيض، فترجح هو
(1/80)

(ولا عموم له): أي للمشترك عندنا، فلا يستعمل في أكثر من معنى واحد، وفاقاً لما صحَّحه الرافعي (عن الإمام الشافعي، حيث قال في باب العتق: الصحيح أن الشافعي لم يحمل المشترك على جميع معانيه. انتهى
(1/81)

لأن المتبادر إلى الفهم إرادة أحدهما حتى تبادر طلب المعين، وهو يوجب العلم بأن شرط استعماله لغة كونه في أحدهما.
وقيل: يعمّ احتياطاً للعلم بفعل المراد.
قلنا: لا يتوصل إليه إلا بشرع ما علم أنه لم يشرع وهو حرام، والتوقف إلى ظهور المراد الإجمالي واجب.
(1/82)

(4) المؤول
(والمؤول: وهو ما ترجح من المشترك بعض وجوهه بغالب الرأي).
والأصلح أنه كلَّ لفظ ترجّح بعض محتملاته بدليل فيه شبهة؛ لأنك إذا تأملت ما وضع اللف له، وصرفته إلى وجهه معين فقد أولته إليه (أي) رجعته.
قيل: يجوز أن يكون المؤول من المجمل والمشكل، فلا يتعيّن أن يكون من المشترك.
ويجوز أن يكون الترجح بخبر الواحد، فلا يلزم أن يكون بغالب الرأي.
والجواب: أن المؤول المصطلح عليه عند صاحب أصل الأصل ليس إلا هذا، واصطلاح غيره لا يرد عليه، والمراد بغالب الرأي الظنّي.
(وحكمه: العمل به): أي وجوب العمل به؛ لأنه دليل ظنّي (على احتمال الغلط)؛ لأن تعيينه بدليل ظنّي.
(1/83)

[أقسام الكلام من حيث ظهور المعنى]
(الثاني) أي القسم الثاني من الأقسام الأربعة في (وجوه البيان): أي ظهور الدلالة (بذلك النظم) الذي تقدم تقسيمه.
(وهو): أي القسم الثاني (أربعة) أي أربعة أقسام هي:

1 - الظاهر
1 - (الظاهر: وهو ما): أي كلام (ظهر): أي وضح (المراد): أي المعنى الوضعي (منه بصيغته): أي بنفس صيغته من غير نظر إلى أمر آخر.
نحو قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا}، فإن المعنى الوضعي وهو الإحلال والتحريم ظاهر منه للعالم باللسان.
(وحكمه: وجوب العمل بما ظهر منه)، واختلف فيه، هل هو على سبيل الظنّ أو القطع؟
فقال أبو منصور وعامتهم: بالأول؛ لاحتمال المجاز.
(1/84)

وقال أبو زيد والعراقيون: بالثاني؛ لعدم اعتبار احتمال لا ينشأ عن دليل، حتى صح إثبات الحدود والكفارات بالظواهر.
(1/85)

2 - النص
(والنص: وهو ما زاد) المراد به (وضوحاً على الظاهر بمعنى من المتكلم) وهو سوق الكلام له، فإن المسوق له أجلى من غيره.
كقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا}، فإنه ظاهر في التحليل والتحريم، نصّ في الفصل بين البيع والربا؛ لأنه سيق الكلام لأجل الفصل، فإنهم ادعوا التسوية بينهما بقولهم: إنما البيع مثل الربا على طريق المبايعة بجعل الربا شبيهاً به في الحلّ، فرد الله تعالى تسويتهم بقوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا}، فازداد وضوحاً بمعنى من المتكلّم لا في نفس الصيغة.
(وحكمه: وجوب العمل بما اتضح على احتمال تأويل)، وهو حمل الكلام على خلاف ظاهره (مجازي): أي من قبيل المجاز، ولا ينحصر فيه بل يكون احتمال مجازٍ، أو تخصيص، أو غير ذلك،
(1/86)

وفيه إشارة إلى أن هذا الاحتمال لا يخرج النص عن كونه قطعيّاً، كما أن احتمالَ الحقيقة المجاز لا يخرجها عن كونها قطعية، فتبيَّن أنه ماشٍ على قول أبي زيد ومن تابعه في الظاهر.
(1/87)

3 - المفسر
(والمفسر: وهو ما ازداد وضوحاً على النص من غير) احتمال (تأويل).
ويحصل الازدياد ببيان التفسير بقطعي لا شبهة فيه في المجمل، وببيان التقرير في العام: كقوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}، فإنه نصّ لسوق الكلام لبيان سجود الملائكة، ولكنه يحتمل التخصيص بإرادة البعض، فانقطع ذلك بقوله: {كُلُّهُمْ}، وبقي احتمال التأويل، وهو الحمل على التفريق، فانقطع بقوله {أَجْمَعُون}.
(وحكمه: وجوب العمل به على احتمال النسخ) في نفسه، وإن كان قد انسد بابه بوفاة صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام.
(1/88)

4 - المحكم
(والمحكم: وهو ما أحكم المراد به عن احتمال النسخ والتبديل) من قولهم بناء محكم: أي مأمون الانتقاض، وضمَّن أحكم معنى امتنع فعداه بعن.
وانقطاع احتمال النسخ قد يكون لمعنى في ذاته: كالآيات الدالّة على وجود الصانع وصفاته، فإنها لا تحتمل النسخ عقلاً، ويسمّى هذا ((محكماً لعينه)).
وقد يكون لانقطاع الوحي بوفاة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ويسمى ((محكماً لغيره)).
(وحكمه: الوجوب): أي وجوب العمل، فاللام بدل المضاف إليه (من غير احتمال) للتأويل، ولا للنسخ، ولا للتبديل.
ويظهر التفاوت بين هذه الأربعة عند التعارض؛ لأنه لا تفاوت بينها في إيجاب الحكم قطعاً، فيصير الظاهر متروكاً عند معارضة النص، والظاهر والنص عند معارضة المفسر، والمفسر عند معارضة المحكم.
وقد مثل لذلك في الشروح بقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ
(1/89)

ذَلِكُمْ}، فإنه ظاهر في الإطلاق مع قوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ}، فإنه نصّ في بيان العدد.
وبقوله [تعالى]: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْن} نصّ في بيان المدّة مع قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً}، فإنه ظاهر فيها.
وبقوله عليه الصلاة والسلام: ((المستحاضة تتوضأ لكل صلاة)) فإنه نصّ، مع قوله عليه السلام: ((المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة)) فإنه مفسّر.
(1/90)

وبقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاة} فإنه مفسّر مع قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً}، فإنه محكمٌ في التكرار.
(1/91)

[أقسام الكلام باعتبار خفاء معناه]
(ولهذه) الأقسام الأربعة (أربعة تقابلها) المقابلة جعل الشيء بإزاء الشيء.

1 - الخفي
(خفي) يقابل الظاهر، وعرّفه بقوله: (وهو): أي الخفي (ما): أي الكلام (خفي المراد به بعارض): أي بسببٍ عارضٍ، يعني أن صيغة الكلام ظاهرة بالنظر إلى موضوعها اللغوي، لكن خفي بالنسبة إلى المحل بسببٍ عارضٍ في ذلك المحل، وعلامة كونه خفياً أنه (يحتاج إلى الطلب): أي قليل تأمل.
(وحكمه): أي حكم الخفي (النظر): أي الفكر (فيه لإظهار خفاء زيادته ونقصانه).
يعني تفكر في الخفاء ليظهر سبب خفائه، هل هو خفاء لأجل
(1/92)

زيادة المعنى فيه [أو لأجل نقصان المعنى فيه؟] كآية السرقة، فإنها ظاهرةٌ في إيجاب قطع كلّ سارق لم يعرف باسم آخر.
خفيةٌ في حقّ الطرّار: وهو الذي يطرّ الهمايين: أي يشقّها ويقطعها ويأخذ ما فيها سرقة، وفي حق النبّاش: وهو الذي ينبش القبور ويسلب الموتى أكفانهم، بعارضٍ في غير صيغة الآية، وهو اختصاصهما باسم آخر يعرفان به، وتغاير الأسماء يدلّ على تغاير المسميات، فتؤمل في هذا الاختصاص مع أصل السرقة، وهو أنه يسارق عين اليقظان فعدي الحدّ إليه، وفي النباش لقصور المعنى، لأنه إنما يسارق مَن عساه يهجم عليه القبر، فلم يعد الحد إليه.
(1/93)

2 - المشكل
(ومشكل) يقابل النصّ من أَشْكل إذا دخل في أشكاله، (وهو فوق الخفي) في خفاء المراد، وإنما كان كذلك (لاحتياج الطلب): أي لاحتياج المشكل إلى الطلب، وهو تحصيل المعنى (والتأمل)، وهو التكلّف والاجتهاد في الفكر بعد ذلك ليتميز المراد.
(وحكمه): أي حكم المشكل (اعتقاد حقيّة المراد): أي المراد منه (إلى أن يتبين بالطلب والتأمّل) كقوله تعالى: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} طلبت معاني: {أَنَّى} فضبطت بأنها تستعمل بمعنى: ((أين)): كقوله تعالى: {أَنَّى لَكِ هَذَا}: أي من أين لك هذا؟ وبمعنى ((كيف)) نحو: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ}، ثم نظر هل هو يوجب الإطلاق في جميع المواضع نظراً إلى
(1/94)

الأولى أو لا، بل الإطلاق للأوصاف لا في المواضع: أي
كيف شئتم سواء كانت قاعدة أو مضطجعة أو على جهة بعد أن يكون المأتي واحداً، فإذا سياق الآية سمّاهن حرثاً: أي مواضع حرثكم، لما يلقى في أرحامهنّ من النطف التي هي بمنزلة البذر للنسل، فيكون الإتيان في الموضع الذي يتعلق به هذا الغرض، وهو القبل.
(1/95)

3 - المجمل
(ومجمل) يقابل المفسر، من أجملت الحساب إذا ضممت بعضه إلى بعض (وهو ما): أي كلام (اشتبه مراده): أي المراد منه لتزاحم المعاني فيه من غير رجحان لأحدها (فاحتاج إلى الاستفسار) من المُجْمِل حيث لم يدرك من نفس العبارة، ثم إنه قد يحتاج بعد ذلك إلى الطلب والتأمل.
(وحكمه: التوقف فيه إلى أن يتبيّن مراده): أي المراد منه (من المُجْمِل): أي من بيان المجمل.
كالصلاة فإنها في اللغة الدعاء وذلك غير مراد، وقد بينها النبي صلى الله عليه وسلم.
(1/96)

4 - المتشابه
(ومتشابه) يقابل المحكم (وهو ما) أي كلام (لم يُرْجَ) في الدنيا (بيان مراده) أي المراد منه (لشدة خفائه): كآيات الصفات مثل قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}.
(وحكمه: التوقّف فيه أبداً مع اعتقاد حقيّة المراد به): أي اعتقاد أن مراد الله تعالى لذلك حقّ، وما يعلم تأويله إلا الله.
(1/97)

[أقسام الكلام باعتبار استعماله للمعنى]
والقسم (الثالث) من أصل الأقسام (في وجوه): أي طريق (استعمال ذلك النظم) في بيان الحكم بالنظم، (وهو) أي الثالث (أربعة) أي أربعة أقسام.

(1 - 2) الحقيقة والمجاز
(الحقيقة) ومعناه الثابت من حقّ الشيء إذا ثبت، أو المثبتة من حققت الشيء إذا أثبته.
(وهي) في الاصطلاح (اسم لما) أي للفظ (أريد به ما) أي معنى (وضع له) ذلك اللفظ.
(والمجاز) مفعل من الجواز.
(وهو) في الاصطلاح (اسم لما): أي للفظ (أريد به غير ما وضع له) لعلاقة بينهما، كتسمية الشجاع أسداً.
(ومن حكمهما): أي الحقيقة والمجاز (استحالة اجتماعهما مرادين بلفظ واحد) في وقت واحد بأن يكون كل منهما متعلق الحكم، نحو ((لا تقتل الأسد)) وتريد الحيوان المفترس والرجل الشجاع.
(1/99)

لأن إرادة الحقيقة إن لم تنافها إرادة المجاز لم يتحقق الصرف وهو شرط، وإن نافتها امتنع اجتماعهما.
فإذا أوصى لمواليه لا يتناول مولى الموالي، وإذا كان له معتَق واحد يستحق النصف، ويكون النصف الثاني للورثة لا لموالي الموالي.
(ومتى أمكن العمل بالحقيقة سقط المجاز)؛ لأن المستعار خلف، فلا يزاحم الأصل كما قلنا في الموالي.
فإن كانت الحقيقة متعذرة - وهي ما لا يصاب به إلا بمشقة - تحول القول إلى المجاز، كما إذا حلف لا يأكل من هذه النخلة ولا نية له، تحولت اليمين إلى ما يخرج منها بلا صنعة كالجمار والطلع والرامخ والبسر والرطب وصفره والتمر والنبيذ والخل المتخذ منه.
وكذا إذا كانت مهجورة - وهي ما يمكن الوصول إليها إلا أن الناس هجورها أي تركوها ـ كما إذا حلف لا يضع قدمه في دار فلان؛ لأن حقيقة وضع قدمه حافياً وإن لم يدخل، وهذا مهجور عرفاً، والمهجور عرفاً كالمتعذر، فانصر اليمين إلى الدخول وهو المجاز المتعارف، فيحنث إن دخلها حافياً أو منتعلاً، راكباً أو ماشياً.
والمهجور شرعاً كالمهجور عادة، كالخصومة مهجورة شرعاً لقوله تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا}، فإذا وكّله بها انصرف التوكيل بها إلى الجواب بنعم أو بلا.
(1/100)

ولو كان للفظ حقيقة مستعملة، ومجاز متعارف، فالعمل بالحقيقة عنده وبالمجاز عندهما، كما إذا حلف لا يأكل حنطة، فاليمين عنده على عينها، وعندهما على ما يتخذ منها.
(وتترك الحقيقة بدلالة العادة) كما إذا حلف لا يأكل رأساً الحقيقة ما يسمى رأساً، وهو متروك عادة، يقع يمينه على ما يكبس في التنانير ويسلق بدلالة العادة.
(و) تترك أيضاً (بدلالة في محل الكلام) أي يدلّ محلّ الكلام على أن الحقيقة تركت فلم تكن مرادة، كـ ((إنما الأعمال بالنيات)) دلّ وجود الأعمال بغير نيّة على أنه صرف عن وجودها إلى حكمها.
(ومعنى): أي وتترك الحقيقة بسبب دلالة معنى أي حال (يرجع إلى المتكلم) كما في اليمين الفور، وهي كمن أرادت امرأته أن تخرج في الغضب ونحوه فقال: والله ما تخرجين أو إن خرجتِ فأنتِ طالق، فمكثت ساعة ثم خرجت لم يحنث، فالحقيقة عدم الخروج أبداً ترك هذا وحمل على الخروج المعيّن، وهو ما منعها منه بدلالة حال المتكلم، وهو إرادة المنع الخاص لا أبداً.
(و) تترك بدلالة (سياق نظم) وهو قرينة لفظية التحقت بالكلام مثل قوله: طلِّق امرأتي إن كنت رجلاً، أخرج هذا الكلام عن التوكيل إلى التوبيخ.
(1/101)

(و) تترك بدلالة (اللفظ في نفسه) من اشتقاق أو إطلاق، كمن حلف لا يأكل لحماً، لا يقع على لحم السمك؛ لأن اللحم ينبي عن الشدّة بدلالة التحام الحرب والجرح والملحمة وهي بالدم، ولا دم في السمك ولذا يعيش في الماء ويحلّ بلا ذكاة، والمطلق ينصرف إلى الكامل في الحقيقة فدلالة الاشتقاق والإطلاق صرفت اليمين عن السمك.
(1/102)

3 - الصريح
(والصريح) لغة: الظاهر والخالص.
(وهو) اصطلاحاً (ما) أي لفظ (ظهر مراده): أي المراد منه ظهوراً (بيِّناً) أي تاماً، احترز به عن الظاهر، فإن الظهور فيه ليس بتام لبقاء الاحتمال.
وبكثرة الاستعمال يخرج النصّ والمفسّر؛ لأن ظهورَهما بالبيان والقرائن لا بكثرة الاستعمال: كقوله: أنت حرٌّ وأنت طالق.
(وحكمه): أي حكم الصريح (ثبوت موجبه): أي ما يوجبه اللفظ الصريح من الحرية في المثال الأول، والطلاق في الثاني حال كونه (مستغنياً عن العزيمة): أي النية، فيقع العتق والطلاق المتقدمان نوى أو لم ينو.
(1/103)

4 - الكناية
(والكناية: وهي ما): أي لفظ (لم يظهر المراد به إلا بقرينة) كهو يفعل، فإن هذه الهاء لا يميز زيداً عن عمرو إلا بقرينة تنضمّ إلى ذلك كسبقه في الذِّكر.
(وحكمها): أي حكم الكناية (عدم العمل بها بدون نية)؛ لأنه لا يثبت الحكم الشرعي بها إلا بنية المتكلم، كما في كنايات الطلاق حال الرضى (أو ما يقوم مقامها): أي مقام النية، مثل مذاكرة الطلاق فيما يصلح جواباً أو رداً، نحو: خليّة.
(والأصل في الكلام هو الصريح)؛ لأن الكلام للإفهام والإفادة، والصريح هو التام في هذا المعنى
(وفي الكناية قصور) عن البيان (لاشتباه المراد) فيتوقف في إفادة المقصود على قرينة.
ويظهر هذا التفاوت الحاصل بين الصريح والكناية فيما يدرأ بالشبهات حيث جاز إثباتها بالصريح دون الكناية، حتى عن مَن قال لآخر: جامعتَ فلانة، لا يجب عليه حد القذف؛ لأنه لم يُصَرِّح بالزنا، ويجب إذا قال: زنيت بها.
(1/104)

[أقسام الكلام باعتبار الوقوف على المعنى المراد]
(الرابع): أي القسم الرابع من أصل الأقسام (في معرفة): أي إدراك (وجوه): أي طرق (الوقوف): أي الاطلاع (على أحكام النظم): أي المراد منه،
فحاصله معرفة طرق وقوف السامع على مراد المتكلّم في الأحكام الثابتة بنظم الكلام ومعناه.
قيل: المعرفة صفة العارف، والتقسيم للكتاب، وتقسيم الكتاب باعتبار صفة في غيره لا يستقيم.
أجيب بجعلها مصدراً بمعنى المفعول.
قلت: يعكر عليه قوله الاستدلال، فإنه صفة للمستدل، لا لما يعرف من الأقسام مع نبوه في الكلام، فكان الأولى ترك هذه العبارة والتعبير بما يستدل بعبارته إلى آخره.
(وهو): أي القسم الرابع (أربعة) أي أربعة أقسام باستقرائهم:

(1) عبارة النص
الأول: (الاستدلال بعبارة النص) الاستدلال: انتقال الذهن من المؤثر إلى الأثر، كانتقال الذهن من إدراك النار إلى الدخان.
(1/105)

وأورد أيضاً: أن الاستدلال صفة المستدل والتقسيم للكتاب.
وأجيب: بأنها لما لم تفد بدونه عدَّ منها، ولا يخفى ما فيه، فالأولى تركه، كيف ولم يستمروا عليه، كما ستقف عليه في الثالث من هذه الأربعة.
(وهو) أي الاستدلال بعبارة النص (العمل): أي إثبات الحكم؛ لأن المراد عمل المجتهد؛ لأنه هو المستدلّ هذا هو المراد، وظاهر التركيب يعطي أن المراد عمل الجوارح؛ لأن ما سيق الكلام له هو الثابت بالعبارة (بظاهر ما): أي شيء (سيق الكلام له): أي لذلك الشيء فالضمير لما.
فعلى الأول: هو إثبات الحكم بشيء ظاهر لا يحتاج إلى مزيد تأمل، مثل الحكم بإيجاب سهم من الغنيمة للفقراء في قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ ..} الآية.
وعلى الثاني: العمل بظاهر حكمه: أي بحكم ظاهر سيق الكلام لأجله.
وعلى ما هو الأولى: النظم الدال على تمام الموضوع له أو جزئه أو لازمه المقصود بالجملة.
(1/106)

(2) إشارة النص
(وبإشارته): أي الاستدلال بإشارة النص، (وهو العمل بما): أي بحكم (ثبت بنظمه): أي بتركيبه من غير زيادة ولا نقصان، وبه يخرج دلالة النص لأنه ثابت بمعنى في النظم (لغة): أي غير مسوق له، وكان حقّ المصنف أن يذكره، وهذا ظاهر في إرادة عمل الجوارح، فإن حمل العمل على إثبات الحكم يصير تقديره: إثبات الحكم بمعنى ثبت بالنظم لغة، وفيه تكلف لا يخفى.
مثاله قوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُن} سيق الكلام لإثبات النفقة والكسوة على الأب؛ لأنه المولود له، فهذا عبارة النص.
وفيه إشارة إلى أن النسبَ إلى الآباء؛ لأن اللام للاختصاص، ولم يختصّ به الأب من حيث الملك فاختصّ بالنسب، وهو غير مسوق له.
وعلى ما هو الأولى: فهو النظم الدالّ على اللازم الذاتي الذي لم يسق له أصلاً، ولم يحتج إليه لصحة الحكم.
(1/107)

(وهما): أي العبارة والإشارة (سواء في إيجاب الحكم): أي في إثباته؛ لأن كلاً منهما يفيد الحكم بظاهره
(والأول) وهو العبارة (أحق عند التعارض) من الثاني، وهو الإشارة؛ لأن الأول منظوم مسوق له، والثاني غير مسوق.
مثال التعارض ما أورده السادة الفقهاء الشافعية في كتبهم من حديث ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين. قيل: ما نقصان دينهن؟ قال: تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي))
(1/108)

سيق الكلام لبيان نقصان دينهن، وفيه إشارة إلى أن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، مع قوله عليه الصلاة والسلام: ((أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام))، وهذا عبارة فيكون أحق.
(وللإشارة عموم كالعبارة)؛ لأن كلاً نظم، والعموم باعتبار الصيغة.
(1/109)

(3) دلالة النص
(والثابت بدلالته): أي بدلالة النصّ (هو ما) أي حكم (ثبت) أي استفيد (بمعناه): أي بسبب معنى النص (لغة) لا بعين النص، ولغةً. نصب على التمييز من قوله: بمعناه.
والمراد المعنى الذي يعرفه كل سامع يعرف اللغة من غير استنباط.
وخرج بمعناه العبارة والإشارة لأنهما بنفس النظم، وبقوله: «لغة» المقتضى والمحذوف لأن المقتضى ثابت شرعا والمحذوف عقلا واغة.
مثاله قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}، فالنهي عن التأفيف يعلم به حرمة الضرب من غير اجتهاد، فحرمة الضرب حكم استفيد من معنى التأفيف، الذي هو الأذى بكلمة التضجر.
ويقال على هذا: الأقسام للكتاب لا للحكم.
فالأولى: أنه النظم الدال على اللازم بواسطة مناط حكمه المفهوم لغةً.

(والثابت بدلالته): أي بدلالة النصّ، (كالثابت بعبارته وإشارته) من حيث إن كلاً منهما يوجب الحكم
(1/110)

(إلا عند التعارض)، فإن الإشارة تقدم على الدلالة، وإذا قُدِّمت الإشارة، فالعبارة أولى؛ لأن فيها وجد النظم والمعنى اللغوي، وفي الدلالة لم يوجد إلا المعنى اللغوي، فترجَّحت الإشارة.
قالوا: مثال تعارضهما ما قاله الإمام الشافعي [رضي الله عنه]: تجب الكفارة في القتل العمد؛ لأنها لَمَّا وجبت في القتل الخطأ مع قيام العذر فلأن تجب في العمد أولى، ولكن هذه الدلالة عارضها إشارة قوله [تعالى]: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ}، فإنه يشير إلى عدم وجوب الكفارة في العمد؛ لأن الجزاء اسم للكامل التام، فلو وجبت الكفارة لكان جهنم بعض الجزاء لا كله، فرجحت الإشارة.
قلت: فيه نظر لا يخفى.
(والثابت به) بدلالة النص (لا يحتمل التخصيص إذ لا عموم له)؛ لأن العموم من أوصاف اللفظ، ولا لفظ في الدلالة.
(1/111)

(4) اقتضاء النص
4 - (والثابت باقتضائه): أي باقتضاء النصّ يعني بمقتضاه، والاقتضاء الطلب (وهو ما): أي حكم (لم يعمل النص إلا بشرط تقدمه): أي تقدم ذلك الحكم (عليه): أي على النصّ.
قالوا مثاله: أعتق عبدك عني بألف، فلا يصح إلا بالبيع، فالبيع مقتضى، وما ثبت به وهو الملك حكم المقتضي، فيثبت البيع مقدماً على الإعتاق؛ لأنه بمنزلة الشرط لصحته.
قلت: إلا أن هذا ليس من النصوص، والكلام في اقتضاء النص، فهو من الكتاب [قوله تعالى]: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَة}، ومن السنة حديث ((رفع عن أمتي الخطأ)) قلت: لفظه: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))
رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال:
(1/112)

صحيح على شرطهما، فيقدر في الأول ((مملوكة))، وفي الثاني ((إثم)).
ولا عموم للثابت بالاقتضاء لعدم اللفظ.
قال شيخنا: ليس هذا بشيء؛ لأن المقدر كالملفوظ.
(1/113)

قلت: هذا في المحذوف لا في المقتضى، ولهذا كان التحقيق الفرق بين المقتضى والمحذوف.
ولو قدر تعارض الثابت بالدلالة والثابت بالاقتضاء، قدم الثابت بالدلالة؛ لأنه ثابت بالمعنى اللغوي بلا ضرورة، والمقتضى بالثابت ضرورة.
(1/114)

[الأدلة الفاسدة]
(والتنصيص) على الشيء باسم يدل على الذات دون الصفة، سواء كان علماً أو اسم جنس (لا يدل على التخصيص): أي تخصيص الحكم بذلك الشيء.
وقال بعض العلماء (من الأشاعرة والحنابلة وأبو بكر الدقاق: يدل على التخصيص بذلك الشيء ونفي الحكم عمّا عداه.
(1/115)

لنا: إنه يلزم الكفر بقوله محمد رسول الله على قولهم؛ لاقتضائه نفي رسالة سائر الرسل.
قالوا: لولا التخصيص لم يفد التنصيص.
وأجيب: بأن فائدته إفهام مقصود الكلام.
(والمطلق): وهو ما دل على بعض أفراد شائع لا قيد معه نحو: رقبة، (لا يحمل على المقيد): وهو الدالّ على مدلول المطلق بصفة زائدة: أي: لا يقيد بقيده عندنا، وإن كانا في حادثة واحدة، إذا كان الإطلاق والتقييد في سبب الحكم كقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((أدّوا صاعاً من قمح بين اثنين أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، عن كلّ حرٍّ وعبدٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ)) رواه عبد الرزاق وأبو داود من حديث عبد الله بن ثعلبة، وقول عبد الله بن عمر: (فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر من رمضان، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على العبد والحرِّ، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين) متفق عليه، إذ سبب الفطرة رأس يمونه ويلي عليه،
(1/116)

وإن كان الإطلاق والتقييد في المحكوم به في حادثتين نحو قوله تعالى في كفارة الظهار: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}، وفي كفارة القتل: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}، فلا يحمل.
وإن كان في حادثة واحدة يحمل ضرورة، نحو صوم كفارة اليمين، أطلق في القراءة المتواترة، وقيّد بالتتابع في القراءة المشهورة، وهي قراءة عبد الله بن مسعود كما رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق من طرق.
وإنما لا يحمل المطلق على المقيد في غير الصورة التي ذكرنا؛ لإمكان العمل بهما، وكل ما أمكن إعمال الدليلين وجب.
(والقِران في النظم): أي الجمع بين كلامين بحرف العطف، نحو قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (لا يوجب القِران في الحكم) عندنا.
وقال بعضهم: يوجب ذلك، فلا تجب الزكاة على من لا تجب عليه الصلاة بسبب ذلك؛ لأن العطف موجب الاشتراك.
(1/117)

ولنا: إن الشركة للافتقار لا للعطف بدليل قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِين مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} الآية.
(1/118)

[فصل: في العزيمة والرخصة]
(المشروعات): وهي ما جعله الله تعالى شريعة لعباده: أي طريقة يسلكونها في الدين (نوعان:
أحدهما: عزيمة) من العزم، وهو القصد المؤكد، وعرف بأنه: ما ثبت ابتداء بإثبات الشارع حقاً له.
(وهي): أي ما يسمّى عزيمة (أربعة أنواع هي أصول الشرع): أي المشروع (الشريف):

(1) الفرض
(فرض وهو: ما) أي شيء مشروع (ثبت بدليل قطعي) أي مقطوع به، فخرج خبر الواحد
(1/119)

(لا شبهة فيه) أي في دلالته، فتخرج الآية المؤولة والعام المخصوص.
قيل: هذا التعريف ليس بمانع لشموله بعض المباحات والنوافل الثابتين بدليل قطعي لا شبهة فيه، نحو قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ}، فالصواب: أنه ما قطع بلزومه.
قلت: إذا أريد بالثبوت اللزوم فلا إيراد كالأركان الخمسة التي بني الإسلام عليها.
(وحكمه): أي حكم الفرض (اللزوم تصديقاً): أي إذعاناً (بالقلب، فيُكْفر) بسكون الكاف: أي فينسب إلى الكفر (جاحده): أي منكر لزومه (وعملاً بالبدن) عطف على تصديقاً أي: وحكمه لزوم عمل المفروض بالبدن (فيفسق): أي ينسب إلى الفسق، وهو هنا الخروج عن طاعة الله ((تاركه بغير عذر) من إكراه أو مرض ونحوهما.
(2) الواجب
(وواجب) من وجب بمعنى سقط لسقوط لزومه على المكلف (وهو ما ثبت بدليل) ظنّي (فيه شبهة) كصدقة الفطر والأضحية ثبتا بخبر الواحد وهو دليل فيه شبهة،
(1/120)

والأخصر: ما ظن لزومه.
(وحكمه: اللزوم عملاً بمنزلة الفرض): أي تجب إقامته بالبدن كإقامة الفرض للدلائل الدالة على وجوب اتباع الظن.
(1/121)

(3) السنة
(وسنة: وهي الطريقة المسلوكة في الدين) التي يطالب المكلف بإقامتها من غير افتراض ولا وجوب، فخرج النفل؛ لأنه لا يطالب بإقامته، وخرج الواجب والفرض.
وأهمل المصنف هذه القيود اعتمادا على ما ذكر في حكمها وهو قوله
وحكمها: المطالبة بإقامتها من غير افتراض ولا وجوب.
(1/122)

(4) ... النقل
(ونفل: وهو ما زاد على العبادات): أي الفرائض والسنن المشهورة.
(وحكمه: إثابة فاعله ولا معاقبة على تاركه)، وتدخل السنة في هذا، فالأولى أنه ما يثاب على فعله فقط.
(ويلزم) النفل (بالشروع) فيه حتى يجب المضي فيه، ويعاقب على تركه لقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}، فإذا وجب الإتمام لزم القضاء بالإفساد (والتطوع مثله): أي مثل النفل.
قال شيخنا: ولا يظهر لي أنه غيره.
(ومباح: وهو ما ليس لفعله ثواب، ولا لتركه عقاب).
[الرخصة]
(ورخصة): أي والثاني أو والآخر رخصة، وكان الأولى التصريح، بهذا قال شيخنا (وهي) أي الرخصة (ما) أي مشروع (تغير من عسر ليسر بعذر).
قالوا: وهي أربعة أنواع: نوعان من الحقيقة، ونوعان من المجاز:
(1/123)

1 - ما يستباح أي يعامل معاملة المباح مع قيام سبب الحرمة وحكمها، كالمكره على الفطر في رمضان، يرخص له في الإفطار مع قيام دليل الحكم وهو شهود الشهر وقيام حرمة الفطر.
2 - وما يستباح مع قيام السبب الموجب وتراخي الحكم: كفطر المسافر والمريض في رمضان، الأخذ بالعزيمة في هذين أولى.
3 - وما وضع عنا من الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا.
4 - وما سقط عن العباد مع كونه مشروعاً في الجملة، كقصر الصلاة في السفر.
فتبيّن أن التعريف غير جامع.
(1/124)

[فصل في أسباب الأحكام]
(والأحكام المشروعة بالأمر)، بقوله: (والنهي): أي المنهي عنها: أي لوجوبها الخبري؛ لأنه هو الذي له السبب، المراد بالأحكام المحكوم بها من العبادات (بأقسامها) من الأمر المؤقت والمطلق ونحوهما، والنهي عن الأمور الشرعية والحسية ونحوهما (أسباب)، وهي هنا بمعنى العلل، جعلها الشرع مناطاً للأحكام تيسيراً لإدراك الحكم الغائب عن العباد.
(فسبب وجوب الإيمان): أي سبب وجوب الجبري التصديق والإقرار (حدوث العالم الذي هو) أي العالم (علم على وجود الصانع؛ لأن الحدوث يقتضي مُحْدِثاً، ولا بدّ أن يكون موجباً لذاته كما عرف في موضعه.
(وسبب الصلاة): أي وجوبها (الوقت) بإضافتها إليه، والإضافة تقتضي الاختصاص، وأقوى وجوهه بالسببية.
(والزكاة): أي وسبب وجوب الزكاة (ملك المال)، وهو النصاب
(1/125)

المغني النامي الفاضل عن الحاجة الأصلية؛ لإضافاتها إليه في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فأدّوا زكاة أموالكم)) رواه أبو داود، ومن حديث [ابن عمر - رضي الله عنهما -] ومن حديث علي - رضي الله عنه - ونحوه.
(والصوم) أي وسبب وجوب الصوم (أيام رمضان) للإضافة.
(وزكاة الفطر):أي وسبب وجوب زكاة الفطر (رأس يمونه): أي يقوم بكفايته (ويلي عليه)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في صدقة الفطر: ((عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون))، رواه الدارقطنيّ من حديث ابن عمر - رضي الله عنه -، ومن حديث علي - رضي الله عنه -.
(والحج): أي وسبب وجوب الحج (بيت الله تعالى) لإضافته إليه في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}.
(والعشر): أي وسبب وجوب العشر (الخراج الأرض النامية تحقيقاً أو تقديراً): أي تحقيقاً في العشر بحقيقة الخارج، وتقديراً في الخراج بالتمكن من الزراعة، بدلالة الإضافة فيقال: عشّر الأرض وخراج الأرض
(1/126)

والعشر مؤنة فيها معنى العبادة؛ لأنه يصرف إلى الفقراء ولم يجز التعجيل قبل الخارج لعدم تمام السبب، والخراج عقوبة فيها معنى المؤنة؛ ولهذا ابتدأ بالكافر.
(والطهارة): أي وسبب وجوب الطهارة (الصلاة) يقال: طهارة الصلاة.
(و) سبب مشروعية (المعاملات) توقف بقاء (العالم) إلى يوم القيامة على مباشرتها.
(و) أسباب (العقوبات ما نسبت إليه) من قتل وزنا وسرقة.
(و) سبب (الكفارات أمرٌ دائرٌ بين الحظر والإباحة) بأن يكون مباحاً من وجه ومحظوراً من وجه: كالقتل الخطأ، فإنه من حيث الصورة رمي إلى الصيد، وهو مباح، وباعتبار ترك التثبت حتى أصاب آدمياً، هو محظور. والله أعلم.
(1/127)

(باب بيان أقسام السنة)
(السُّنة: هي المروية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولاً وفعلاً).
وهذا غير جامع لخروج التقرير، وغير مانع لشمول القرآن.
وإصلاحه: بأنها المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولاً أو فعلاً أو تقريراً.
وهي تشترك مع الكتاب في الأقسام المتقدمة، ويختصّ هذا الباب بكيفية اتصالها بنا، وحال نقلها إلينا، ومتعلقات ذلك، فلذلك قال:
(وبيان وجوه) أي طرق (اتصالها بنا أقسام) أربعة بالاستقراء:
(منها المتواتر) وهو لغة المتتابع (وهو الكامل) لعدم الشبهة، وفي العرف: هو (الذي رواه قوم لا يحصى عددهم ولا يتوهم) عادة (تواطؤهم): أي توافقهم (على الكذب).
وفيه خلل لفوته ذكر دوام هذا في الطرفين والوسط، ولأنَّ عدم الإحصاء ليس بشرط بل الكثرة.
(1/128)

فالأولى: أنه خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه.
وموجبه: علم اليقين.
2 - (والمشهور هو الذي في اتصاله) بنا (شبهة) صورة،
(1/129)

وهذا غير محتاج إليه في التعريف، ويكفي فيه قوله وهو الذي (انتشر من الآحاد) في القرن الثاني والثالث (حتى صار كالمتواتر).
وحكمه: أنه يوجب علم الطمأنينة، وهو دون اليقين وفوق أصل الظن.
3 - وخبر الواحد وهو الذي في اتصاله بنا شبهة صورة ومعنى، وعرف بما لم يبلغ حد الشهرة.
وحكمه: أنه يوجب العمل، ولا يوجب العلم.
وتركه المصنف سهواً لأنه معظم السنة، وعليه مدار معظم الأحكام.
(والمنقطع) وهو القسم الثاني من الأقسام الأربعة (وهو نوعان: ظاهر وباطن): أي ظاهر انقطاعه بمعنى أنه منقطع في الصورة
(1/130)

الظاهرة، وباطن: أي انقطاعه، بمعنى أن نسبته على القائل منقطعة في باطن الأمر، وإن اتصلت في الظاهر.
(فالظاهر) انقطاعه (هو المرسل وهو المنقطع الإسناد) وهو طريق المتن، بأن سقطت الواسطة بين الراوي وبين النبي صلى الله عليه وسلم كأن يقول لما لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو لما لم يره فعله: فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو فُعل بين يديه كذا، ونحوه.
(وهو) أي المرسل على (أربعة أوجه:
أحدها: ما أرسله الصحابي، وهو مقبول بالإجماع) للإجماع على عدالتهم، فلم يضر الجهل بالساقط من الإسناد.
(والثاني: ما أرسله أهل القرن الثاني) وهم التابعون، (وهو حجة عند الحنفية)، وجميع أهل عصرهم إلى ما بعد المئتين، كما قاله أبو داود في رسالته إلى أهل مكة
(1/131)

وابن جرير الطبري.
(1/132)

وذلك لثبوت عدالة الساقط بالحديث الذي استدلّ به لقبول مرسل الصحابي، وهو حديث ((خير القرون)) كما استدلّ به الخطيب في ((الكفاية)) وغيره من أئمة الحديث، وكذا المرسل لأنه يستحيل أن يشهد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء إلا بعد ثبوته عنده، ولا ثبوت إلا بعد عدالة الراوي.
(1/133)

(والثالث: ما أرسله العدل في كل عصر) بعد القرن الثاني والثالث (وهو حجّة عند الكرخي)؛ لأن علّة القبول في القرون الثلاثة العدالة والضبط، فمهما وجدا وجب القبول.
وقال عيسى بن أبان: لا يقبل؛ لأن الزمان زمان الفسق وفشو الكذب، فلا بُدَّ من البيان.
وقد يقال: إن كان العدل عالماً بأحوال الرواة فالقول ما قاله الكرخي لاتفاق أئمة الحديث بعد البخاري على قبول معلقاته المجزومة.
(1/134)

(والرابع ما أرسل من وجه وأسند من وجه)، مثل حديث ((لا نكاح إلا بولي)) ورواه شعبة وسفيان مرسلاً عن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه إسرائيل بن يونس مسنداً عن أبي بردة، عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم (فلا شبهة في قَبوله عند مَن يقبل المرسل)، وعند المحققين من غيرهم أيضاً.
(والباطن) انقطاعه (على وجهين):
(أحدهما: المنقطع لنقص الناقل) بفوت شرط من شروط الرواية، وهي: عقل البالغ، وإسلامه، وعدالته - وهي رجحان جهة الدين والعقل على طريق الهوى والشهوة بعدم اقتراف الكبائر والإصرار على الصغائر - وضبطه بسماع الكلام كما يحقّ سماعه، ثم فهم معناه، ثم الثبات عليه إلى حين أدائه.
فلا يقبل خبر مَن فَقَدَ شيئاً من هذه الشروط.
(1/135)

وللجرح والتعديل عند أئمة الحديث مراتب، ولهم كلمات تستعمل في أهل تلك المراتب، والتي تستعمل في الجرح منها ما يرجع إلى العدالة، ومنها ما يرجع إلى الضبط.
وأنا أذكرها لك على سبيل التدلي:
فأعلى التعديل: أوثق الناس، وأثبت الناس، وإليه المنتهى في التثبت.
ثم ثقة ثقة، أو ثقة ثبت، أو ثبت ثبت، أو ثقة حافظ، أو عدل حافظ.
ثم ثقة، أو متقن، أو ثبت، أو حجة.
ثم صدوق، أو محلة الصدق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس.
ثم شيخ، ثم صالح، وقيل: صالح، ثم شيخ.
وأعلى الجرح: أكذب الناس، وإليه المنتهى في الكذب أو في الوضع، أو ركن الكذب، ونحو ذلك.
ثم دجال، أو وضاع، أو كذاب.
ثم متروك، أو ساقط، أو فاحش الغلط، أو منكر الحديث.
ثم ضعيف، أو ليس بالقوي، أو فيه مقال.
ثم لين، أو سيء الحفظ، أو فيه أدنى مقال.
(والثاني المنقطع) باطناً (بدليل معارض) يقدم عليه.
ومثَّل لذلك بحديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: لم يجعل لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفقة ولا سكنى.
(1/136)

عارضه قوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ}، وقراءة ابن مسعود ((وأنفقوا عليهنّ من وجدكم)).
وحديث القضاء بشاهد ويمين عارض قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا
(1/137)

شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم}، وعند عدم الرجلين أوجب رجلاً وامرأتين، وحيث نقل إلى ما ليس بمعهود في مجالس الحكام دلّ على عدم قبول الشاهد الواحد مع اليمين، وعارض السنة المشهورة وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)).
وحديث المصرّاة عارض قوله تعالى:
(1/138)

{فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم}.
(والثالث) من الأقسام الأربعة (ما جعل الخبر فيه حجة) وهي حقوق الله تعالى، وهي العبادات والعقوبات عند أبي يوسف (رحمه الله) وحقوق العباد.
(والرابع) من الأقسام الأربعة المختصة بالسنة (في بيان نفس الخبر وهو أربعة أقسام):
(متحتم الصدق) لإحاطة العلم بذلك، كخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمن يسمعه منه؛ لأنه ثبت بالدليل القاطع عصمته.
(وحكمه: اعتقادُه): أي وجوب اعتقاده (والائتمارُ به) لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}.
(وقسم متحتم الكذب) قالوا: كدعوى فرعون الربوبية.
قلت: ليس هذا مما نحن فيه، والله أعلم.
(وحكمه: اعتقاد بطلانه).
(وقسم يحتملهما): أي الصدق والكذب، كخبر الفاسق يحتمل الصدق باعتبار دينه، ويحتمل الكذب باعتبار فسقه.
(وحكمه: التوقف فيه)؛ لاستواء الجانبين، وقد قال تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}.
(وقسم ترجح أحد احتماليه)، وهو جانب صدقه لتمثيلهم له بخبر العدل المستجمع لشرائط الرواية.
(1/139)

(وحكمه: العمل به) للدلائل الدالة على ذلك كما تقدم (دون اعتقاد حقيته).
ولهذا النوع أطراف ثلاثة:
طرف السماع: وهو أن تقرأ على المحدث، أو يقرأ المحدث عليك، أو يقرأ بحضرته وأنت تسمع، وهذا عزيمة، والرخصة: الإجازة.
وطرف الحفظ: والعزيمة فيه: حفظ المروي من وقت السماع إلى وقت الأداء، الرخصة: الاعتماد على الكتاب المسموع.
وطرف الأداء: والعزيمة فيه: أن يؤدى بلفظه كما سمع، والرخصة: أن ينقله بمعناه، وقد منعه بعضهم.
والصحيح عندنا تفصيل: إن كان مُحكَماً يجوز للعالم باللغة.
وإن كان ظاهراً يحتمل الغير: كعام يحتمل الخصوص، وحقيقة تحتمل المجاز، يجوز للمجتهد فقط.
وما كان مشتركاً أو مجملاً أو متشابهاً أو من جوامع الكلم، فلا يجوز أصلاً.
وقد يلحق الحديثَ الطعنُ:
أما من الراوي بأن أنكر الرواية عنه إنكارَ جاحد، بأن قال: كذبتَ عليَّ أو ما رويتُ لك، وفي هذا الوجه يسقط العمل بالحديث.
(1/140)

وإن أنكر إنكاراً موقوفاً، بأن قال: لا أذكر أني رويت لك هذا ولا أعرفه، ففيه خلاف.
أو عمل بخلافه بعد الرواية مما هو خلاف بيقين، فيسقط العمل به أيضاً.
كما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)) ثم إن عائشة رضي الله عنها زوجت بنت أخيها بلا إذن وليها.
وكما روى أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً)) كما في ((الصحيحين)).
(1/141)

وعمل بالثلاث كما رواه الطحاوي وغيره عنه.
ويشكل عليه أن ابن عمر روى قصّة حِبان بن مُنْقِذ في الخيار ثلاثة أيام، وقال في ((الهداية)) عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه أجاز الخيار شهرين.
(1/142)

وكذا ترك الراوي العمل بالحديث، كما روى ابن عمر: ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس منه)) كما في الصحيحين، وترك ذلك، كما روى محمد في ((موطئه)) وغيره عن عبد العزيز بن حكيم قال: ((رأيت ابن عمر يرفع يديه بحذاء أذنيه في أول تكبيرة افتتاح الصلاة، ولم يرفعهما فيما سوى ذلك))، وعن مجاهد قال: ((صليت خلف ابن عمر فلم يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة)).
(1/143)

وكذا عمل الصحابة (رضي الله عنهم) بخلافه إذا كان ظاهراً لا يحتمل الخفاء عليهم، كحديث حذيفة ((البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام)) وما روي ((أن عمر - رضي الله عنه - نفى رجلاً
فلحق بالروم مرتداً، فحلف أن لا ينفي أحداً أبداً))، فلما ترك النفي والحديث لا يخفى عليهم؛ لأن إقامة الحد مفوض إلى الإمام، ومبنيٌّ على الشهرة، علم أنه ليس من تمام الحدّ.
قالوا: وإن كان من جنس ما يحتمل الخفاء، كحديث القهقهة في الصلاة رواه زيد بن خالد الجهني وروي عن أبي موسى الأشعري
(1/144)

أنه لم يعمل به، فلا يوجب جرحاً؛ لأنه من الحوادث الشاذة فاحتمل الخفاء على أبي موسى.
قلت: لم يخف على أبي موسى لأنه رواه كما أخرجه عنه الطبراني، بالأسانيد الصحيحة، فيكون مما رواه وعمل بخلافه. على هذا [لكن روى الطحاوي عن أبي موسى أن مذهبه إيجاب الوضوء من القهقهة والله أعلم] وأما قولهم: إن زيد بن خالد رواه، فمما لم يوجد في ((مسنده)) في شيء من الكتب التي بأيدي أهل العلم الآن، وقد رواه الأئمة عن أبي حنيفة [رضي الله عنه] من غير طريق زيد؛ فرواه محمد من مرسل الحسن، ورواه غيره من طريق معبد، والله أعلم.
وتعيين الراوي بعض محتملات لفظ الحديث لا يمنع العمل بظاهر الحديث، كتعيين ابن عمر - رضي الله عنه - أن التفرق بالأبدان في الحديث المتفق عليه ((البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا)) لم يمنع من حمل التفرق على الأقوال.
(1/145)

ولا يسمع الجرح في الراوي إلا مفسراً بما هو قادح متفق عليه.
ولا يجرح بالتدليس، قالوا: وهو كتمان انقطاع في الحديث، مثل أن يقول: حدثني فلان عن فلان، ولا يقول: قال حدثني فلان، أو قال: أخبرني فلان، والصحيح أن هذا ليس بجرح؛ لأنه يوهم شبهة الإرسال، وحقيقة الإرسال ليس بجرح فشبهته أولى.
قلت: التدليس عندهم إحداث الانقطاع لا كتمانه؛ لأنه إسقاط راوٍ من السند أو أكثر، ولا يختص بهذه الصورة، بل يكون بإسقاط شيخه الذي سمع منه،
(1/146)

وهذه الصورة التي ذكروها تسمى عندهم تدليس التسوية: وهي شرّ أنواع التدليس، وحينئذٍ فهو تحقق الإرسال لا أنه يوهم.
ثم إن المدلسين عندهم ما عدا سفيان بن عيينة إنما يسقطون الضعيف، فلا يصحّ أن يقال عليهم ما ذكر، من أن حقيقة الإرسال ليس بجرح؛ لأن المرسل عندنا إنما أرسل عن ثقة عنده.
ولا يجرح بالتلبيس: وهو أن يذكر الشيخ بما لا يشتهر به، ويسمّى هذا عند المحدثين تدليس الشيوخ، ومضرّته في المتقدمين نوعين طريق معرفة المحدث.
(1/147)

[فصل في التعارض]
(إذا وقع التعارض) وهو تقابل المتساويين قوة حقيقة، مع اتحاد النسبة (بين الحجج) في نظر المجتهد.
(فحكمه): أي حكم وقوع التعارض (بين الآيتين المصيرُ إلى السنة): كقوله تعالى: {فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} يوجب القرآن بعمومه القراءة على المقتدي، وقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} ينفي وجوبها؛ إذ كلاهما ورد في الصلاة كما بيَّنه الطحاوي في ((الأحكام))، فصير إلى الحديث وهو ما رواه ابن منيع بسند
(1/148)

((الصحيحين)) عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة))،
ولا يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))؛لأنه محتمل لإرادة نفي الفضيلة.
(وبين السنتين المصير إلى أقوال [علماء] الصحابة) أي قُدِّم على القياس مطلقاً، كما قال فخر الإسلام، وفيما لم يدرك بالقياس كما قال الكرخي، ومنه إلى القياس وإن لم يقدم كما ذكره الكرخي، فهو في رتبة
(1/149)

القياس، وهو ظاهر قوله: (أو القياس) فيتحرَّى فيهما، ومَثَّلَ لهذا بما روى النعمان بن بشير (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف كما تصلون بركعة وسجدتين) مع ما روت عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها ركعتين بأربع ركوعات وأربع سجدات) فصير إلى القياس، وهو اعتبار صلاة الكسوف بسائر الصلوات.
(وبين القياسين): أي وحكم التعارض إذا وقع بين قياسين أنه (إن أمكن ترجيح أحدهما) عمل به، (وإلا): أي وإن لم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر (فيعمل المجتهد بأيهما شاء بشهادة قلبه.
المجتهد بأيهما شاء بشهادة قلبه)؛ لأن أحد القياسين حقّ، ولا يتساقطان لأنه لم يبق بعدهما دليل يصار إليه.
وعند العجز عن المصير إلى دليل يجب تقرير الأصول، وهو إبقاء ما كان على ما كان.
(وإذا كان في أحد الخبرين زيادة) لم تكن في الآخر (والراوي واحد، يؤخذ بالمثبت للزيادة) مثل ما روى ابن مسعود: ((إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا وترادّا))
(1/150)

وفي رواية لم يذكر ((والسلعة قائمة)) فأخذ بالمثبت للزيادة فلا يجري التحالف إلا عند قيام السلعة.
(وإذا اختلف الراوي جعل) الخبر (كالخبرين وعمل بهما)؛ لأن الظاهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله في وقتين، فيجب العمل بهما بحسب الإمكان (عملاً بأن المطلق لا يحمل على المقيد في حكمين).
ومثل له بما روي ((أنه عليه [الصلاة] والسلام نهى عن بيع الطعام قبل قبضه)) رواه ابن عباس، وروي ((أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع ما لم يقبض)). فقلنا: لا يجوز بيع الطعام قبل القبض، ولا بيع سائر العروض قبل القبض.
(1/151)

[فصل في البيان].
(وهذه الحجج): أي التي مر ذكرها من الكتاب والسنة بأقسامهما (تحتمل البيان): أي إظهار المراد.
(ويكون) البيان (التقرير: وهو تأكيد الكلام بما يقطع احتمال المجاز) كقوله تعالى: {وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ}، فبجناحيه قطع الاحتمال أن يراد المسرع ونحوه،
ومثله قوله: لها: أنت طالق، وقال: عنيت المعنى الشرعي (والخصوص) كقوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} فـ {كُلُّهُم} قطع احتمال البعض.
(ويصحّ موصولاً ومفصولاً).
(وللتفسير): أي بيان ما فيه خفاء.
(وهو بيان المجمل) كقوله تعالى: {أَقَيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}، فالصلاة والزكاة مجمل لحقه البيان بالسنة.
(1/152)

(والمشترك) نحو قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}، فالقرء مشتركٌ بين الطهر والحيض، لحقه البيان بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((طلاق الأمة ثنتان وعدّتها حيضتان)).
وهذا القسم يصحّ موصولاً ومفصولاً.
(وللتغيير: وهو التعليق بالشرط) كأنتِ طالق إنْ دخلتِ الدار، (والاستثناء) كـ: له عليّ ألفٌ إلا مئةً.
أما إنه للتغيير؛ فلأنه أبطل الإيقاع وَصَيَّره يميناً في الشرط، وأبطل الكلام في حق المئة في الاستثناء.
ولكنه بيان مجازاً، من حيث إنه بيَّن أنه حلف لا تطليق، وأنه عليه تسع مئة لا ألف.
(ويصح موصولاً فقط) بالإجماع، إلا ما يروى عن ابن عباس
وهو أنه تكلَّم بالباقي بعد المستثنى
وإذا تعقب جملاً متعاطفة صرف إلى الأخيرة لظهور ذلك، وتأييده في قوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ} الآية
(1/153)

فإن الأخيرة اسمية لا تعلّق لها بالحكام ولا بالحد، وما قبلها فعلية إنشائية خوطب بها الحكام للحد، إلى غير ذلك ممّا ذكر في المطولات.
وتخصيص العام ابتداء مثل هذا النوع، يصحّ موصولاً فقط، حتى عرف بأنه: قصر العام على بعض أفراده بالمستقل المتصل حقيقة، أو حكماً للجهل بالتاريخ.
(وللضرورة): أي بيان حاصل لأجل الضرورة (وهو نوع بيان يقع بما لم يوضع له): أي للبيان بالنطق وهذا بالسكوت.
وهو أقسام:
قسم يكون في حكم المنطوق: كقوله تعالى: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} صدر الكلام أوجب الشركة المطلقة، من جهة أن الميراثَ أضيف إليهما من غير بيان نصيب كلٍ منهما، ثم تخصيص الأم بالثلث صار بياناً لكون الأب يستحقّ الباقي ضرورة.
وقسم يثبت ضرورة دفع الغرور عن الناس: كسكوت المولى حين رأى عبده يبيع ويشتري، فيجعل إذناً في التجارة دفعاً للغرور عمن يعامل العبد.
(1/154)

وقسم يثبت ضرورة دفع طول الكلام فيما يكثر استعماله كـ: له علي مئة ودرهم، جعل العطف بيان أن المئة من جنس المعطوف.
(وللتبديل وهو النسخ) قال الله تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ}.
قالوا: التبديل النسخ.
وهو اصطلاحاً: أن يدل على خلاف حكم شرعي دليلٌ شرعيٌ متراخٍ، وهذا في حق البشر (ويجعل في حق الشارع بياناً لمدة الحكم): أي بياناً لانتهاء مدة الحكم (المطلق) عن تأبيد أو تأقيت (المعلوم عند الله تعالى) أنه ينتهي في وقت كذا.
وشرط جواز النسخ: التمكن من عقد القلب عندنا.
ومحله: حكم يحتمل الوجود والعدم في نفسه.
(والقياس لا يصلح ناسخاً) للكتاب والسنة؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعوا على ترك الرأي بالكتاب والسنة؛ ولأن الرأي لا مجال له في معرة انتهاء وقت الحكم، (وكذا الإجماع) لا يصلح ناسخاً (عند الجمهور) خلافاً لبعض المشايخ؛ لأن الإجماع بعد عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ لا إجماع دون رأيه وهو منفرد، ولا نسخ بعده.
(1/155)

(ويجوز نسخُ كل من الكتاب والسنة بالآخر) نصَّ عليه؛ لأنه موضع الخلاف.
فنسخ السنة بالكتاب: التوجه إلى بيت المقدس فعَلَه - صلى الله عليه وسلم - سبعة عشر شهراً بالمدينة، ثم نسخ بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}.
ونسخ الكتاب بالسنة: ما روت عائشة رضي الله عنها إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرها بأن الله تعالى أباح له من النساء ما يشاء، نسخ قوله تعالى: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ}.
(ونسخُ الحكم والتلاوة جميعاً) كـ ((عشر رضعات يُحَرِّمنْ)).
ونسخ أحدهما:
أما التلاوة مع بقاء الحكم فكـ ((الشيخ والشيخة إذا زنيا)).
وأما الحكم مع بقاء التلاوة فكآيات المسالمة.
(ونسخ وصف الحكم) مع بقاء أصله (كالزيادة) على النص؛ لأن الزيادة تدفع إجزاء الأصل.
(1/156)

[فصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم]
ومما يتصل بالسنن أفعالُ النبي صلى الله عليه وسلم الاختيارية الصالحة للاقتداء (وهي أربعة) عند فخر الإسلام (مباح، ومستحب، وواجب، وفرض) وعند غيره ثلاثة؛ لأن الواجب الاصطلاحي لا يتصور في حقّه صلى الله عليه وسلم.
ويمكن أن يقال: المراد تقسيم أفعاله بالنسبة إلينا، وقد ثبت بعضها بالظنّ فيتحقق الواجب بالنسبة إلينا.
(وقد اختلف العلماء فيها، والصحيح) عندنا (أن كل ما عُلم وقوعه منها) أي من الأفعال (على وجهٍ) أي صفة (يُقْتدى به كما وقع): أي يقتدى به في إيقاعه على تلك الصفة، حتى يقوم به دليل الخصوص (وما لا يعلم) على أي صفة فعله.
(فمباح): أي يعتقد فيه الإباحة لتيقنها، فيكون لنا اتباعه إلى أن يقوم دليل المنع.
(1/157)

[شرائع من قبلنا]
(والصحيح) عندنا خلافاً للبعض (أن شرائع من قبلنا تلزمنا) لقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ...} الآية، والإرث يصير ملكاً للوارث مخصوصاً به، لكن لَمَّا لم يبق الاعتماد على كتبهم للتحريف قلنا: إنما تلزم (إذا قصَّ الله ورسوله من غير إنكار) فيعمل به على (أنه شريعة لرسولنا) صلى الله عليه وسلم.
(1/158)

[تقليد الصحابي]
(وتقليد الصحابي) وهو اتباعه في قوله وفعله معتقداً للحقيقة من غير تأمل في الدليل (واجب يترك به القياس) في غير ما ثبت الخلاف فيه بينهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((مثل أصحابي في أمتي مثل النجوم، فبأيهم اقتديتم اهتديتم)) رواه الدارقطني وابن عبد البر من حديث ابن عمر، وقد رُوي معناه من حديث عمر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث أنس، وفي أسانيدهما مقال، لكن يشدّ بعضها بعضاً.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح من حديث حذيفة. وصححه ابن حبان، وللترمذي مثله من حديث ابن مسعود.
ولأن أكثر أقوالهم مسموعة من حضرة الرسالة، وإن اجتهدوا فرأيهم اصوب؛ لأنهم شاهدوا موارد النصوص.
(1/159)

وعند الكرخي يجب فيما لا يدرك بالقياس.
(ويجوز تقليد التابعي الذي ظهرت فتواه زمن الصحابة) للعلم بأن رأيه في القوة كرأيهم، وهذا رواية ((النوادر)) (على الأصح)، وهو اختيار فخر الإسلام خلافاً لشمس الأئمة رحمه الله.
(1/160)

باب الإجماع
(قال جمهور العلماء - رضي الله عنهم - إجماع هذه الأمة): وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم [في عصر] على حكم شرعي (حجة موجبة للعمل).
هذا خلاف ما في مصنف الشيخ أبي البركات الذي انتقى منه لأنه قال: ((وحكمه في الأصل: أن يثبت المراد به شرعاً على سبيل اليقين)).
وقوله: ((في الأصل)) احترازاً عما بالعوارض، وسيأتي في مراتبه.
وقال بعض المعتزلة: لا يكون حجة.
وهو عزيمة ورخصة:
فالعزيمة: التكلم أو العمل من الكل.
والرخصة: تكلم البعض أو عمله وسكوت الباقي بعد بلوغه ومضي مدة التأمل.
(1/161)

(وأعلى مراتبه): باعتبار المجمعين (إجماع الصحابة رضي الله عنهم) تصريحاً من الكلّ،
وهذا إذا انقرض عليه عصرهم، وانتقل إلينا متواتراً، كالآية والخبر المتواتر القطعي الدلالة، يكفر جاحد حكمه، وإن نقل آحاداً كان كخبر الواحد.
ثم الإجماع الذي ثبت بنص البعض منهم وسكوت الباقين، وهذا لا يكفر جاحد حكمه، وإن كان من الأدلة القطعية؛ لأنه بمنزلة العام من النصوص.
(ثم) إجماع (مَنْ بعدهم) من أهل كل عصر (على حكم لم يظهر فيه خلاف من سبقهم)، وهذا كالخبر المشهور يضلل جاحد حكمه، ولا يُكْفر بمنزلة الإجماع السكوتي من الصحابة.
(1/162)

(ثم إجماعهم): أي الذين بعد الصحابة - رضي الله عنهم - (على قول سبقهم فيه مخالف)، وأنه يوجب العمل بمنزلة الآحاد من الأخبار، ويكون مقدماً على القياس.
(واختلاف الأمة على أقوال إجماعٌ على أن ما عداها): أي تباعد عنها (باطل) فلا يجوز لمَن بعدهم إحداث قول آخر، (وقيل: هذا): أي الاختلاف على أقوالٍ إجماعٌ على بطلان ما عداها (في الصحابة - رضي الله عنهم - خاصة) والصحيح عدم الاختصاص.
(1/163)

باب القياس
هو لغة: التقدير.
واصطلاحاً: إبانة مثل حكم أحد المعلومين بمثل علته في الآخر؛ لأن القياس مظهر ومثبت ظاهراً دليل الأصل، وحقيقةً ((هو الله تعالى))، والمثل لئلا يلزم القول بانتقال الأوصاف، ولأن المعنى الشخصي لا يقوم بمحلين، وحكم المعلومين يشمل الموجود والمعدوم.
(وشرطه): أي شرط القياس:
(أن لا يكون المقيس عليه مخصوصاً): أي منفرداً (بحكمه): أي مع حكمه (بنص): أي بسبب نص (آخر)
(1/164)

كقبول شهادة خزيمة وحده، فإنه حكم انفردت شهادته به من بين سائر الشهادات المشروطة بالعدد، فلا يقاس عليه غيره؛ لأن القياس حينئذٍ يبطل هذا الاختصاص.
(وأن لا يكون الأصل): أي المقيس عليه (معدولاً به عن القياس) كبقاء الصوم مع الأكل والشرب ناسياً، فلا يقاس عليه غيره لتعذره حينئذٍ.
(وأن يتعدى الحكم الشرعي) لا الاسم اللغوي (الثابت) لا المنسوخ (بالنص) لا بالقياس (بعينه) من غير تغيير؛
إذ لو وقع في ذلك الحكم تغيير في الفرع لا يكون الثابت في الفرع مثل الثابت في الأصل، فلا يصح القياس
(إلى فرع هو نظيره): أي نظير الأصل في العلة والحكم، إذ لو لم يكن كذلك لكان الحكم في الفرع بالرأي من غير إلحاق بالأصل وهو باطل.
(ولا نص فيه): أي في الفرع؛ لأنه إن كان فيه نص، فإن وافقه القياس فلا فائدة، وإن خالفه كان باطلاً.
(1/165)

(وأن يبقى حكم النص) في الأصل (بعد التعليل على ما كان) قبله؛ لأن القياس للتعميم لا للإبطال.
فلا يصحّ تعليل الإطعام بالتمليك كالكسوة؛ لأن حكم الأصل قبل التعليل كان يحصل بالإباحة، فيتغير بعد هذا التعليل، بحيث لا يخرج المكفِّر عن عهدة الكفارة بالإباحة.
(وركنه): أي ركن القياس، وأركان الشيء أجزاؤه الداخلية في حقيقته المحققة لهويته، والمشهور أنها للقياس أربعة: الأصل، والفرع، وحكم الأصل والجامع.
وقال فخر الإسلام، وتبعه من أخذ منه المصنف: ركنه (ما): أي وصف (جعل علماً): أي علامة (على حكم النص مما): أي من الأوصاف التي (اشتمل عليه النص) بعبارته كالكيل والجنس، والوز والجنس في نص الأشياء الستة، أو بغيرها كالعجز عن التسليم في نص النهي عن بيع الآبق
(1/166)

(وجعل الفرع نظيراً له): أي للنص (في حكمه): أي حكم النص (بوجوده): أي بسبب وجود ذلك الوصف (فيه): أي في الفرع.
ودلالة كون الوصف علةً صلاحُهُ، أي ملاءمته للعلل المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف.
وعدالته: بظهور تأثير ذلك الوصف في غير ذلك الحكم، أو في جنسه، أو تأثير جنس الوصف في ين الحكم أو في جنسه.
كتعليلنا ولاية نكاح الصغائر بالصغر، فإنه ملائم لتعليله - عليه الصلاة والسلام - لسقوط نجاسة الهرة بالطواف، فإنه منشأة للضرورة، وهو تعذر صون الأواني، والصغر منشأ للعجز عن القيام بالمصالح، وفي ذلك ضرورة وقد ظهر أثر الصغر في إثبات الولاية في المال.

وجوه الترجيح
وقد يتصور معارضة الحجج التي ذكرناها فيتخلص عنها ببيان عدم وجود ركن المعارضة أو شرطها لعدم معادلة المعارض كما في الظاهر والنص على ما تقدم.
كما لو عارض حديث "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" بحديث "القضاء بشاهد ويمين".
فنقول: هذا حديث صحيح مشهور فلا يعادله هذا، لأنه خبر واحد، أو لم يستكمل لشروط الصحة.
أو اختلاف الحكم بأن يكون أحدهما حم الدنيا، والآخر حكم
(1/167)

الآخرة كآيتي اليمين فالتي في (سورة البقرة) على حكم الآخرة، والتي في (المائدة) على حكم الدنيا، فلا كفارة في الغموس؛ لأنها غير منعقدة.
أو اختلاف الحال بحمل أحدهما على حال، والآخر على أخرى كقراءة التخفيف والتشديد في قوله تعالى: {حتى يطهرن} بحمل التخفيف على الانقطاع لأكثر الحيض، والتشديد على ما دون ذلك.
أو اختلاف الزمان صريحا كآيتي العدة: قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} نزلت بعد قوله: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا}.
قال ابن مسعود: من شاء لاعنته أنزلت سورة النساء القصرى بعد (أربعة أشهر وعشرا).
رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ورواه البخاري بدون (لاعنته).
أو دلالة كما في تعارض الحاظر والمبيح، نحو ما روي: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الضب، وروي أنه أقر على أكله؛ فنجعل الحاظر متأخرى تعليلا لتغيير الأمر الأصلي.
(1/168)

ولا ترجيح بكثرة الرواة ولا بالذكورة، ولا بالحرية.
واختلف في تعارض المثبت والنافي فعند الكرخي يقدم المثبت، وعند عيسى بن أبان يتعارضان إن كان النافي اعتمد دليلا، وإن كان بني على الظاهر فالمثبت مقدم.
وإن وقع التعارض بين قياسين فالترجيح بقوة أثر الوصف كالاستحسان في معارضة القياسين.
وقوة ثبات الوصف على الحكم الذي شهد الوصف بثبوته كقولنا في صوم رمضان: (إنه متعين فلا يجب تعيينه) أولى من قول غيرنا: (إنه صوم فرض فيجب تعيينه).
فوصف الفرضية قاصر على الصوم، ووصف التعيين مؤثر في عدم وجوب التعيين على الإطلاق؛ فيكون أثبت.
وبكثرة أصول الوصف كقولنا في مسح الرأس: [أنه مسح] فلا يسن
(1/169)

تكراره كمسح الخف والتيمم ومسح الجبيرة. وهذا أولى من قولهم إنه ركن فيسن تكراره كالغسل.
وبعدم الحكم عند عدم الوصف، ووجوده عند وجوده كما قلنا في المثال السابق.
وإذا تعارض ضربا ترجيح فالرجحان بما هو في الذات أولى بالاعتبار من الرجحان بما هو في الحال.
كابن ابن ابن أخ، وبنت بنت بنت أخ، الأول راجح بالذات وهو الذكورة من الآخر بالحال وهو القرب من الميت.
(1/170)

[فصل في الاجتهاد]
لما فرغ من القياس شرع في القائس وهو المجتهد، ولم يعرّف الاجتهاد: وهو بذل المجهود في استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها.
وذكر شرطه فقال: (وشرط الاجتهاد: أن يحوي المجتهد علَم الكتاب): أي ما يتعلق بالأحكام منه، وذلك مقدار خمس مائة آية (بمعانيه): أي مع معانيه لغة وشرعاً (ووجوهه)، مثل: الخاص، والعام، وسائر الأقسام.
ولا يشترط حفظها، بل يكفي أن يكون عالماً بمواقعها ويرجع إليها وقت الحاجة.
(وعلم السنة): أي ويحوي علم السنة كذلك، فيما يتعلق به الأحكام منها (بطرقها): أي مع طرقها لابتنائها عليها.
(ووجوهَ القياس): أي وأن يعرف طرائق القياس (مع شرائطه) المتقدمة.
(1/171)

(وحكمه): أي حكم الاجتهاد (الإصابة بغالب الرأي) لا القطع بها، حتى قلنا: المجتهد يخطئ ويصيب.
والحق في موضع الخلاف واحد؛ لما في السنة من قوله - صلى الله عليه وسلم - لعقبة بن عامر الجهني: ((إن اجتهدتَ فأصبتَ فلك عشرة أجور، وإن اجتهدتَ فأخطأتَ فلك أجر واحد))، رواه أحمد برجال الصحيح، قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حكم الحاكم ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد)) متفق عليه من حديث عمرو بن العاص، وساقه الطبراني وأحمد بلفظ حديث عقبة.
(1/172)

فصل
[اقسام الأحكام المشروعة]
(والأحكام): أي المحكوم بها (المشروعة) في الدين بمتعلقاتها (التي ثبتت بها الحجج) التي سبق ذكرها (أربعة أقسام وهي:
حقوق الله خالصة) وأنواعها ثمانية: الإيمان وبقية الفرائض، والعقوبات المختصة كحد الزنا والشرب، والعقوبات القاصرة كحرمان الميراث بالقتل قصر؛ لأنه مالي، وهو قاصر بالنسبة إلى البدنية،
والحقوق الدائرة بين العبادة والعقوبات كالكفارات تتأدّى بالصوم ووجبت جزاء على فعل محظور، وعبادة فيها معنى المؤنة كصدقة الفطر تجب على الإنسان بسبب رأس غيره، ومؤنة فيها معنى العبادة كالعشر، يصرف لحفظه الأرض ولمصارف الزكاة، ومؤنة فيها معنى العقوبة كالخراج يتعلق بالأرض ويصرف لحفظها وسبب الزراعة يستغل عن الجهاد، وحقّ قائم بنفسه: أي ثابت بذاته من غير أن يتعلّق به بذمة العبد ومن غير أن يكون له سبب مقصود يجب على العبد أداؤه كخمس الغنائم.
(وحقوق العباد خالصة) كملك المبيع والثمن، وملك النكاح
(1/173)

والدية، وبدل المتلفات والمغصوبات، ونحو ذلك.
(وما اجتمعا فيه): أي اجتمع فيه حق الله وحق العبد (وحقُّ الله غالبٌ) كحد القذف فيه حقُّ الله؛ لأنه شُرِعَ زاجراً، وحقُّ العبد لدفع العار، ولغلة حق الله تعالى لا يجري فيه إرث ولا إسقاط ولا اعتياض.
(وما اجتمعا فيه وحقُّ العبدِ غالبُ) كالقصاص فيه حق الله تعالى وهو إخلاء العالم عن الفساد، وحق العبد لوقوع الجناية على نفسه وهو غالب، فيجري فيه الإرث والاعتياض بالمال وصحة العفو.
(وهذه الحقوق): أي حقوق الله تعالى الخالصة وحقوق العباد الخالصة وكان حقه أن يذكر هذا قبل قوله: وما اجتمعا إلى آخره، إلا أنه لعدم درايته بأصولنا أخّره (تنقسم إلى اصل وخلف):
(فالقسم الأول) الذي هو أصل (كالإيمان أصله التصديق) وهو إذعان القلب بحقيقة جميع ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - عن الله تعالى، (والإقرار) كما هو مذهب الفقهاء (ثم صار الإقرار أصلاً) مبتداً (خلفاً عن التصديق): أي عن الإيمان الذي هو التصديق والإقرار (في أحكام الدنيا) بأن يقوم مقامه ويترتب عليه أحكامه، والطهارة بالماء أصل، والتيمم خلف عنه (والقسم الثاني) مما يثبت بالحجج وهذا يوهم أنه قسم خلفي، فكان
ما يتعلق به الأحكام المشروعة وهو أربعة:
1. سبب، وهو أقسام:
منها سبب حقيقي: وهو ما يكون طريقاً إلى الحكم من غير أن يضاف إليه وجوبٌ لا وجود، ولا يعقل فيه معاني العلل.
وسبب مجازي: كاليمين بالله تعالى ونحوها وهو من العلل.
2. والعلة: وهي عبارة عما يضاف إليه وجوب الحكم.
حقّه أن يتبع ما انتقى من كتابه فيقول كما قال: جملة ما يثبت بالحجج الأحكام وما يتعلق بالأحكام، أما الأحكام فكذا ...
(1/174)

والقسم الثاني: (ما يتعلق به الأحكام المشروعة وهي): أي ما يتعلق به الأحكام (أربعة):
(سبب: وهو) لغة ما يتوصل به إلى المقصود.
وفي الشريعة (أقسام منها:
سبب حقيقي: وهو ما يكون طريقاً إلى الحكم) وهذا غير مانع، فقد يراد أدنى الأصل (من غير أن يضاف إليه وجوب ولا وجود ولا يعقل فيه معاني العلل) ليخرج بالأول: العلة، وبالثاني: الشرط، وبالثالث: السبب الذي يشبه العلّة والسبب الذي فيه معنى العلة.
وهذا كدلالة السارق على مال إنسان، فإذا لم يضمن الدال؛ لأن الدلالة سبب محض تخلل بينه وبين المقصود ما هو علة غير مضافة إلى السبب، وهو الفعل الذي باشره المدلول باختياره.
(وسبب مجازي) باعتبار ما يؤل (كاليمين بالله تعالى) سميت سبباً للكفارة مجازاً؛ لأن اليمين إنما عقدت للبرّ، لكنها تفضي إلى الحكم عند زوال المانع، فكانت سبباً باعتبار ما يؤل، (ونحوها): أي نحو اليمين: كالطلاق المعلق بشرط.
(وهو) أي السبب المجازي (من العلل)؛ لأنه علّة العلة، إلا أن الحكم يضاف إلى العلة، فلو أضيف إلى السبب كان سبباً في معنى العلة: كسوق الدابة وقودها كل واحد منهما سبب لتلف ما يتلف بوطئها حالة السوق والقود، وقد تخلل بينه وبين التلف ما هو علّة، وهو فعل الدابة، لكن هذه العلّة مضافة إلى السوق والقود؛ لعدم صلاحية إضافة الحكم إلى العلّة.
والعلة: (وهي عبارة عما يضاف إليه وجوب الحكم) ابتداءً.
فخرج بالأول: الشرط، وبالثاني: السبب والعالمة وعلة العلة والتعليقات.
(1/175)

وتتم العلة الشرعية الحقيقية مثلا بثلاثة أشياء: الاسم والمعنى والحكم.
فالأول: أن تكون في الشرع موضوعة لموجبها.
والثاني: أن يضاف ذلك الحكم إليها بلا واسطة.
والثالث: أن يثبت الحكم عند وجودها بلا تراخ.
وهو أقسام سبعة:
الأول: علّة اسماً وحكماً ومعنى، كالبيع المطلق فإنه موضوع للملك، والملك يضاف إليه بلا واسطة، وهو مؤثر في الملك عند وجوده ويسقط به الحكم.
والثاني: علّة اسماً لا حكماً ولا معنىً، كالطلاق المعلق بالشروط؛ لأنه موضوع في الشرع لحكمه ويضاف الحكم إليه عند وجود الشرط، وليس علة حكماً؛ لأنه يتأخر عنه إلى وجود الشرط، ولا معنى؛ لأنه لا تأثير له فيه قبل وجود الشرط.
والثالث: علّة اسماً ومعنى لا حكماً، كالبيع بشرط الخيار، فإن البيع علة للملك اسماً؛ لأنه موضوع له، ومعنى، لأنه هو المؤثر في ثبوت الملك، لا حكماً وهو ثبوت الملك متراخٍ.
والرابع: علّة لها شبه بالسبب: كشراء القريب، فإنه علّة للملك، والملك في القريب علّة للعتق، فيكون العتق مضافاً إلى الشراء بواسطة، فمن حيث إنه لم يوجد إلا بواسطة العلّة كان سبباً، ومن حيث إن العلّة من أحكامه كان علّة يشبه السبب.
والخامس: وصف له شبهة العلل، كأحد وصفي علّة ذات وصفين كالجنس أو القدر لحرمة النسيئة.
(1/176)

والسادس: علّة معنى وحكماً لا اسماً، كأحد وصفي العلة، وهو علة معنى، لأنه مؤثر في الحكم، وحكماً؛ لأن الحكم يوجد عنده، لا اسماً؛ لأنه وحده ليس بموضوع للحكم.
والسابع: علّة اسماً وحكماً لا معنى: كالسفر، فإنه علّة للترخص اسماً؛ لأنها تضاف إليه، وحكماً؛ لأنها تثبت بنفس السفر متصلّة به، لا معنى؛ لأن المؤثر في ثبوتها المشقة لا نفس السفر.
(والشرط: وهو) لغة: العلامة.
وشرعاً (ما يتعلق به الوجود دون الوجوب): أي دون أن يكون مؤثراً في وجوده.
واحترز به عن العلة، قيل: ولا بُدّ أن يزيد قيداً آخر، وهو: أن يكون خارجاً عن ماهية ذلك الشيء؛ ليخرج به جزؤه، فإنه أيضاً ممّا يتوقّف عليه وجود الشيء، وليس بمؤثر فيه.
وأقسامه خمسة:
الأول: شرط محض، وهو الذي يتوقّف انعقاد العلة على وجوده، مثل دخول الدار بالنسبة إلى وقوع الطلاق المعلق به في قوله: إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق، فإن انعقاد قوله: أنتِ طالق علّة لوقوع الطلاق، موقوف على وجوده وليس له تأثير فيه.
الثاني: شرط هو في حكم العلة: كحفر البئر في الطريق، فإنه شرط لتلف ما تلف بالسقوط، والعلّة ثقل الساقط، والمشي سبب، لكن العلة ليست صالحة لإضافة الحكم إليها، فأضيف إلى الشرط، وكذا شق الزق الذي فيه مائع، فإنه شرط، والعلة مَيَعَانه، وهي علة غير صالحة لإضافة الحكم إليها، فأضيف إلى الشرط.
والثالث: شرط له حكم السبب، وهو الشرط الذي تخلل بينه وبين
(1/177)

مشروطه فعل فاعل مختار غير منسوب لذلك الشرط، كما إذا حل قيد عبد فأبق، فالحلّ شرط التلف، وهو متقدم صورة ومعنى، فأشبه السبب، والإباق علة، وهو غير حادث بالحلّ وانقطع عن الشرط، وكان التلف مضافاً للعلّة فلا يضمن الحالّ، ومثله مَن فتح باب قفص فطارَ الطيرَ عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وألحق محمد فعل الطير بسيلان ما في الزق.
والرابع: شرط اسماً لا حكماً، وهو ما يفتقر الحكم إلى وجوده ولا يوجد عنده، كأول الشرطين في حكم يتعلق بهما، كقوله لامرأته: إن دخلت هذه الدار وهذه الدار فأنتِ طالق، فمَن حيث إنه يتوقف الحكم عليه سمي شرطاً، ومن حيث إنه لا يوجد عنده لا يكون شرطاً حكماً.
والخامس: شرط هو كالعلامة: كالإحصان في الزنا.
ويعرف الشرط بصيغته كإن دخلت الدار، ودلالته كقوله: المرأة التي أتزوج طالق.
(والعلامة: وهي ما يعرف الوجود): أي وجود الحكم (من غير تعلق وجود ولا وجوب) كالإحصان فلا يضمن شهوده إذا رجعوا، واختار بعض أن الإحصان شرط.
(1/178)

فصل في الأهلية
وهي تثبت في الجملة بالولادة، فإذا ولد الآدمي كانت له ذمة صالحة للوجوب له وعليه في بعض الحقوق،
وتمام الأهلية الذي جعل [منه] مناط التكليف (المعتبر فيها العقل)، ولما كان هذا الفصل لبيان أحوال المكلف، ذكر فيه ما يختلف به الأحوال فقال:
(ومعترضاتها) أي العوارض على الأهلية (نوعان):
(سماوي): أي يكون (من قبل الله - عز وجل -) لا اختيار للعبد فيه فينسب إلى السماء بهذا الاعتبار.
(كالصغر)، وحكمه: أنه يسقط ما يحتمل السقوط عن البالغ بالعذر كالصلاة والصوم ويصح منه، وله ما لا عهدة فيه.
(والجنون)، وحكمه: أن يسقط به كل العبادات، إلا أنه إذا لم يمتد يلحق بالنوم ويجعل كأن لم يكن.
(1/179)

وامتداده في الصلوات بأن يزيد على يوم وليلة، وفي الصوم باستغراق الشهر، وفي الزكاة بالحول، وأبو يوسف أقام أكثر الحول مقام كله.
(والنسيان): وهو ما لا ينافي الوجوب في حق الله تعالى؛ لأنه لا يعدم العقل والذمة، لكنه إذا كان غالباً كما في الصوم والتسمية في الذبيحة وسلام الناسي في الصلاة يكون عفواً، ولا يجعل عذراً في حقوق العباد.
(والنوم): وهو يوجب تأخير الخطاب للأداء؛ لأنه لَمَّا لم يمتدّ لم يكن في وجوب القضاء عليه حرج، وينافي الاختيار، حتى بطلت عباراته في الطلاق والعتاق والإسلام والردة، ولم يتعلق بقراءته وكلامه وقهقهته في الصلاة حكم.
وبقي من العوارض السماوية التي لم يذكرها المصنف:
(والإغماء): وهو كالنوم في منافاة الاختيار، وهو حدث بكل حال، وإذا امتد يسقط به الأداء والقضاء في الصلوات لا النوم، وفي الصوم لا؛ لأن امتداده نادر فلا يعتبر.
(والرق): وهو ينافي أهلية الكرامة من الشهادة القضاء والولاية ومالكية المال، ولا ينافي مالكية غير المال كالنكاح والدم.
(والعته) بعد البلوغ وهو اختلاط الكلام، فالمعتوه: من اختلط كلامه وكان بعضه ككلام العقلاء وبعضه ككلام المجانين، وهو كالصبي مع العقل، حتى لا يمنع صحة القول والفعل، فإذا أسلم يصح إسلامه، ولو أتلف مال الغير يضمن، ولو توكل عن إنسان صحّ، ويتوقف بيعه وشراؤه على إجازة الولي.
(والحيض النفاس)، وهما لا يعدمان الأهلية بوجه، لكن الطهارة في
(1/180)

الصلاة شرط، وفي فوت الشرط قوت الأداء، والصلاة شرعت بصفة اليسر، ولهذا يسقط القيام إذا كان فيه حرج وكذا القعود، فلا يجب عليه القضاء، وجعلت الطهارة عنهما شرطاً لصحة الصوم بنصّ على خلاف القياس، وهو حديث عائشة رضي الله عنها: (كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنؤمر بقضاء الصلاة)، متفق عليه.
فلا يتعدى إلى القضاء.
(والمرض) وإنه لا ينافي أهلية الحكم والعبادة، ولكنه من أسباب العجز، فشرعت العبادة عليه بقدر المكنة، ومن أسباب تعلق حق الوارث والغريم بماله، ففي حق الوارث بالثلثين وفي حقّ الغريم بالكل.
(والموت) وإنه ينافي أحكام الدنيا مما فيه تكليف، لعدم القدرة والاختيار.
ما شرع عليه لحاجة غيره، فإن كان حقاً متعلقاً بالعين يبقى ببقائها كالأمانات، وإن كان ديناً لم يبق بمجرد الذمّة حتى ينضم إليه مال أو ذمة كفيل، وإن كان شرع عليه بطريق الصلة كنفقة المحارم بطل إلا أن يوصي به فيصحّ من الثلث، وإن كان حقاً له يبقى له ما تنقضي به الحاجة.
(ومكتسب) عطف على سماوي وهو النوع الثاني:
(وهو من جهة العبد كالجهل): وهو معنى يضاد العلم، وهو أنواع:
(1/181)

جهل الكافر بالله تعالى، وجهل صاحب الهوى بصفات الله تعالى، وجهل الباغي: وهو من خرج عن طاعة الإمام، وجهل مَن خالف في اجتهاده الكتاب والسنة المشهورة، فهذا لا يصلح عذراً لوضوح دليل ما جهل.
والجهل في موضع الاجتهاد الصحيح، كمن فاته العصر فصلى المغرب قبل قضائها ظاناً جوازها.
وجهل الشفيع ببيع دار بجنب جاره.
وجهل الأمة المنكوحة إذا أعتقت بالإعتاق أو بالخيار، وجهل البكر البالغة بإنكاح الولي، وجهل الوكيل بالوكالة أو بالعزل، وجهل المأذون بالإذن أو بالحجر يجعل عذراً.
(والسفه): وهو خفةٌ تعتري الإنسان فتبعثه على السرف والتبذير، وإنه لا يوجب خللاً في الأهلية، ولا يمنع شيئاً من أحكام الشرع، ويمنع ماله عنه في أول ما يبلغ إلى خمس وعشرين سنة عند الإمام، أو إلى أن يؤنس فيما لا يبطله الهزل كالنكاح والطلاق والعتاق، ويوجب في غير ذلك.
ثم عندهما هذا الحجر أنواع:
قد يكون بسبب السفه مطلقاً، وذلك يثبت عند محمد بنفس السفه إذا حدث بعد البلوغ أو بلغ كذلك؛ لأنه سبب
(1/182)

الحجر فلا يفتقر إلى القضاء كالجنون والصبا، وعند أبي يوسف لا بد من حكم القاضي؛ لأن حجره للنظر وباب النظر للقاضي، حتى لو باع قبل حجر القاضي جاز عند أبي يوسف، وعند محمد لا يجوز.
وقد يكون [بمنع القاضي] بأن يمتنعَ المديون عن بيع ماله لقضاء الدين، فإن القاضي يبيع عليه أمواله العروض والعقار، وذلك نوع حجر لنفاذ تصرف الغير عليه.
وقد يكون للخوف على المديون بأن يخلي أمواله ببيع الشيء بأقل من ثمن المثل أو بإقرار، فيحجر عليه إذ لا يصح تصرفه إلا مع هؤلاء الغرماء، والرجل غير سفيه.
(والسكر): وهو وإن كان مباحاً من مباح: كشرب الدواء، وشرب المكره والمضطر، وشرب ما يتخذ من الحنطة أو الشعير أو الذرة أو العسل عند أبي حنيفة رضي الله عنه، فهو كالإغماء فيمنع صحّة الطلاق والعتاق وسائر التصرفات، وإن كان من محظور وهو السكر من كل شراب محرم فلا ينافي الخطاب وتلزمه أحكام الشرع، وتصح عباراته بالطلاق والعتاق والبيع والشراء والأقارير، إلا الإقرار بالحدود الخالصة والردة.
وبقي من العوارض المكتسبة أيضاً: (الهزل) وهو أن يراد بالشيء ما لم يوضع له ولا ما صلح له اللفظ استعارة، وهذا معنى قول أبي منصور: الهزل ما لا يراد به معنى، وإنه ينافي اختيار الحكم والرضا به، ولا ينافي الرضا بالمباشرة
(1/183)

واختيارها، ولا ينافي الأهلية ووجوب الأحكام ولا يكون عذراً في موضع الخطاب بحال، ولكنه لما كان أثره في إعدام الرضا بالحكم لا في إعدام الرضا بالمباشرة وجب النظر في الأحكام، فكل حكم يتعلق بالعبارة دون الرضا بحكمها يثبت، وكل حكم يتعلق بالرضا لا يثبت.
(والسفر): وهو الخروج المديد، وأدناه ثلاثة أيام ولياليها، وتثبت أحكامه بنفس الخروج بالنية، وإن لم يقم السفر علّة بعدُ تحقيقاً للرخصة، فيؤثر في قصر ذوات الأربع وفي تأخير الصوم.
(والخطأ): وهو عذر صالح لسقوط حق الله تعالى إذا حصل عن اجتهاد.
(والإكراه) ويتحقق بغلبة ظن وقوع ما هدد به إن خالف، وهو ملجئ: يعدم الرضا ويفسد الاختيار كالإكراه بالقتل، وغير ملجئ: وهو يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار كالإكراه بالحبس، أو لا يعدم الرضا: وهو أن يتهم بحبس أبيه أو ابنه وما يجري مجرى ذلك.
والإكراه بجملته لا ينافي الخطاب والأهلية، وما صلح أن يكون المكره فيه آلة لغيره كإتلاف النفس والمال فالضمان على المكرِه، ومالا كالأكل والوطء فيقتصر الفعل على المكرَه.
(1/184)

[فصل في أنواع المحرمات]
(والحرمات أنواع) هذا بيان أثر الإكراه في الحرمات بالإسقاط وعدمه، ولقلة دراية المصنف بأصولنا حذف الإكراه، وذكر هذا ظناً منه أنه منقطع عما قبله.
(منها): أي من الحرمات (ما لا رخصة فيه): أي لا ترخص فيه لعذر الإكراه كالزنا وقتل المسلم؛ لأن دليل الرخصة خوف التلف، والمكره عليه في ذلك سواء، فإذا قتله فكأنه قتله بلا إكراه فيحرم.
(ومنها): أي ومن الحرمات (ما) أي حرمة (يحتمل السقوط) كحرمة الخمر والميتة فتباح بالإكراه الملجئ حتى لو امتنع المكرَه كان آثماً مضيعاً لدمه، فلو كان الإكراه غير ملجئ لا يحل له التناول لعدم الضرورة، إلا أنه إذا شرب لم يحد؛ لأن الإكراه شبهة.
(وما) أي حرمة (لا يحتمله): أي لا يحتمل السقوط بأصله كإجراء كلمة الكفر على لسان المكرَه، فإنه حرام يرخص فيه، حتى لو صبر كان مأجوراً.
(1/185)

(وما): أي حرمة (يحتمله) أي تحتمل السقوط بأصله كتناول مال الغير، فإنه حرام يحتمل السقوط بالإباحة، و (لا تسقط) الحرمة في هذين (بعذر): أي بعلة الإكراه (وتحتمل الرخصة): أي يرخص فيها مع قيام الحرمة، حتى لو صبر كان مأجوراً لأخذه بالعزيمة، وهي إعزاز الدين في الأول، والكف عن مال المسلم في الثاني.
(1/186)

فصل في المتفرقات
(الإلهام): وهو الإيقاع في الرُّوع من علم يدعوا إلى العمل به من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة (ليس بحجة)، ولا يجوز العمل به عند الجمهور، (وقال بعض الصوفية: إنه في حق الأحكام حجة) يجوز العمل به.
وردّ عليهم بأن يقال: ألهمت بأن القول بالإلهام باطل، فإلهامي حجة أم لا؟ فإن قال: حجة، بطل قوله، وإن قال: لا، فقد قال ببطلان الإلهام في الجملة، وإذا كان الإلهام بعضه صحيحاً وبعضه باطلاً، لم يكن الحكم بصحة كل الإلهام على الإطلاق ما لم يقم دليل على صحته، فحينئذٍ يكون المرجع إلى الدليل دون الإلهام.
(والفراسة): وهي ما يقع في القلب بغير نظر في حجة)، هذا وقع دليل من قال: الإلهام حجة، لا أنه من المتفرقات، فظنّه هذا المصنف منها،
(1/187)

وقد أجيب عنه: بأنا لا ننكر كرامة الفِراسة، ولكنا لا نجعل ذلك حجّة لجهلنا أنه من الله تعالى أم من الشيطان أم من النفس.
(والحكم: ما ثبت به جبراً) هذا كلام وقع في أثناء بيان الحكم؛ لأنه المقصود فافهم.
قالوا عندنا: حكم الله صفة أزلية لله تعالى، وكون الفعل واجباً وفرضاً وسنة ونفلاً وحسناً وحلالاً وحراماً، محكوماً لله تعالى ثبت بحكمه وهو إيجاد الفعل على هذا الوصف، وإنما سمي حكم الله تعالى في عرف الفقهاء والمتكلمين بطريق المجاز، إطلاقاً لاسم الفعل على المفعول، ثم المحكوم الذي يسمّى حكماً مجازاً وهو الوجوب وكذا صفات الأفعال لا نفس الفعل؛ لأن نفس الفعل يحصل باختيار العبد وكسبه، وإن كان خالقه هو الله تعالى. والحكم ما ثبت جبراً شاء العبد أو أبى. انتهى.
(والدليل: وهو ما يتوصّل بصحّة النظر فيه إلى العلم)، هذا تصرف في عبارة المشايخ بما أفسدها؛ إذ لفظهم: هو ما يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم، والنظر عبارة عن ترتيب تصديقات علمية أو ظنية ليتوصل بها إلى تصديقات أخر، فترك قيد الإمكان وجعل التوصل بالصحة وهي صفة النظر لا هو، والتوصل عندهم بنفس النظر الموصوف بالصحة، وأين هذا من ذاك؟
(1/188)

(والحجة: وهي) مأخوذة (من حج إذا غلب) سمِّيت بذلك؛ لأنها تغلب من قامت عليه وألزمته حقاً، وهي مستعملة فيما كان قطعياً أو غير قطعي.
(والبرهان نظيرها): أي نظير الحجة، لكنه يستعمل في القطعي عند قوم (وكذا البينة).
(والعرف: ما اشتهر بشهادة العقول ويتلقى طبعاً بالقبول)، هذا من تصرف هذا المصنف، وعبارة الأصل: ما استقرّ في النفوس من جهة شهادات العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول.
(والعادة: ما استمر الناس عليه وعاودوه مرة بعد أخرى)
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والحمد لله العزيز الوهاب، وصلى الله على سيدنا محمد سيد أولى الألباب، صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم المآب آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم آمين.
(1/189)