Advertisement

دراسات في أصول الفقه


الكتاب: دراسات في أصول الفقه
المؤلف: علي أحمد محمد بابكر
الناشر: مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
الطبعة: السنة الثالثة عشرة، العددان 50 - 51 - ربيع الآخر - رمضان 1401هـ/1981م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] مدخل
...
دراسات في أصول الفقه
للدكتور علي أحمد بابكر
المساعد بكلية الشريعة بالجامعة الأستاذ
في الحلقة الأول من هذه الدراسة الأصولية والتي نشرناها في العدد 46 من هذه المجلة والتي دارت حول أهمية علم الأصولي وخصوبته، أشرنا إلى المضمون العام لهذا العلم، ولكن لابد لنا من بيان الحد الاصطلاحي له كما قرره العلماء، ثم مناقشة وتحليل ذلك حتى نخرج بفكرة واضحة لما أراده العلماء من حدهم الذي وضعوه في عبارات مختصرة ثم ننتقل بعد ذلك لعرض ودراسة مباحث علم الأصول الرئيسية، والتي أشرنا فيما مضى إلى أنها تطلب الاتصال بعلوم متعددة.،
(1/163)

حقيقة علم الأصول:
نلاحظ أن العلماء في تحديدهم لعلم الأصول، منذ أن ظهر هذا العلم منظماً ومكتوبًا، قد أوردوا تعريفات متعددة ومتنوعة في صياغتها، ونجد مناقشات تدور حول تلك التعريفات، ولعل هذا التنوع في التعريفات يرجع إلى أسباب نحاول توضيحها فيما يلي:
أولا: يميل بعض العلماء إلى الاختصار الشديد وتقديم أقصر العبارات لإعطاء معنى إجمالي لهذا العلم، بينما يميل البعض الآخر إلى أن تكون الكلمات التي يشتمل عليها التعريف متضمنة بارتياح لذلك المعنى. فيبدو للناظر أن بعض هذه التعريفات غير جامع لمعنى العلم وبعضا آخر غير مانع من دخول علوم أخرى في التعريف.
ومن هنا تتوجه بعض الملاحظات والانتقادات والمآخذ من العلماء على بعضهم.
(1/163)

ثانيا: من الأسباب التي يرجع إليها التنوع في تعريفات هذا العلم أن بعض الكلمات والعبارات التي تستخدم في التعريفات تلقى ظلالا، وتشير إلى معان زائدة والبعض الآخر من العبارات والكلمات لها معان محددة، فاستعمال الكلمات التي لها ظلال قد يؤدي إلى اختلاف في فهمها ومدى أدائها للمعنى المقصود. فيحدث بذلك اختلاف في الاعتداد بالتعريف أو عدم الاعتداد به.
انظر مثلا إلى تعريف الغزالي لهذا العلم حين يقول: "هو عبارة عن أدلة الأحكام، وعن معرفة وجوه دلالاتها على هذه الأحكام "1. فعبارة وجوه دلالاتها ضمّنها الغزالي القياس ووجوه الاجتهاد العقلي الأخرى. وهى عبارة قد تعطى ذلك المعنى الذي أراده الغزالي، وقد يرى غيره أنها لا تتسّع لتشمل كل ما أراده بها، وقد وردت مناقشات حول هذا التعريف، نوردها في مكانها عندما نعرض لهذا التعريف بتحليل أكثر.
ثالثا: من الأسباب التي يرجع إليها تنوع التعريفات للأصول أن بعض العلماء يعتبر أن الأصول هي المصادر التي تستقى منها الأحكام فحسب، والبعض الأخر يرى أن الأصول تشمل المصادر والقواعد الأصولية المختلفة والأبحاث التي إشتمل عليها العلم. ومن هنا يخرج بعضهم ما يدخله الآخرون في مضمون العلم فيحدث الاختلاف.
رابعاً: اختار العلماء ما يناسب عصورهم المختلفة من عبارات وألفاظ بحيث يسهل على أجيالهم فهم مضمون التعريف من غير كبير عناء. وللتحقق من هذا يمكن النظر في تعريفات بعض المعاصرين من الأصوليين ومقارنتها بالتعريفات القديمة؛ فالصياغة والأسلوب، يسببان اختلافا في صورة التعريف، وربما يوحيان باختلاف في المعنى.
هذه بعض الأسباب التي بدت لنا، والتي نظن أنها أدت إلى الاختلاف في تعريف علم الأصول في كتبه المختلفة على مرّ العصور. وربما كانت هنالك أسباب أخرى لم تبد لنا في هذه الساعة التي نكتب فيها هذا البحث.
وينبغي أن لا يفهم من ذكر هذه الأسباب -من إيضاح أن هنالك اختلاف في صورة التعريفات التي وردت في كتب الأصول- أن هذا الاختلاف هو اختلاف مخلّ بالمضمون، يؤدى إلى تعارض في المعنى، ولكن هذا الاختلاف ربما يحدث فرقا في توسيع المعنى أو تضييقه حسب ما سنرى بعد أن نعرض بعض نماذج من هذه التعريفات ونتعرض لتحليلها ومقارنتها.
__________
1المستصفى جـ1 ص4-5.
(1/164)

بعد هذه الملاحظات التي أبديناها حول اختلاف تعريفات علم الأصول التي وردت في كتبه، نورد بعض هذه التعريفات ولا نستقصيها لتساعد في توضيح النقاط التي أثرناها في الفقرات السابقة، ثم نتوصل إلى تقرير أوضح حد لعلم الأصول. ونرجو أن لا يمل القارئ عرض هذه التعريفات التي سنوردها تباعا من غير تعليق، ثم نعقب عليها بتعليق مجمل يسهّل مقارنتها ويوصل إلى الخلاصة.
أول تعريف نورده هو التعريف الذي أورده أبو الحسين البصري 1 في كتابه المعتمد في الأصول، والذي كان شرحا لكتاب العمد في الأصول للقاضي عبد الجبار بن أحمد 2 بحسبان أن هذا الكتاب هو أقدم الكتب الأصولية بعد رسالة الإمام الشافعي ألف على طريقة الشافعية، وأن الإمام الشافعي في رسالته نثر مفهوم علم الأصول في عبارات مطولة ومشروحة خلال بيان مفهوم هذا العلم؛ فلخص أبو الحسين البصري هذا المفهوم في عبارات محددة، كما لخَّصها من بعده الإمام الغزالي في كتابه المستصغى في تعريف مشابه لتعريف أبي الحسين، كما سنورد ذلك.
يقول أبو الحسين البصري في تعريفه لعلم الأصول: "هو طرق الفقه على طريق الإجمال، وكيفية الاستدلال بها، وما يتبع كيفية الاستدلال بها" 3.
وقد شرح أبو الحسين هذا التعريف الذي أورده بأنه أراد بطرق الفقه على وجه الإجمال: أن هذه الطرق غير معينة؛ مثل أن يتكلم الفقيه عن أن الأمر للوجوب والنهى للتحريم وكذلك إذا تكلم في مطلق الإجماع والقياس. فليس الحديث في هذه الأمور مثل الحديث في أدلة الفقه التفصيلية المعينة؛ مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" فهذا ينتمي إلى الفقه وليس لأصوله.
وشرح كيفية الاستدلال بأنها: الشروط والمقدمات وترتيبها الذي يستدل معه بالطرق على الفقه- أما ما يتبع كيفية الاستدلال فقد بينه بأنه الحديث عن المجتهدين.
وعند مقارنتنا للتعاريف التي سنوردها سندرك وجوه الاتفاق والاختلاف بينها، ووجوه التقارب.
وبما أننا أوردنا تعريفا قديما من تعريفات العلماء الذين كتبوا في الأصول على طريقة الشافعية، فينبغي أن نورد هنا أيضا تعريفاً من التعريفات القديمة التي أوردها العلماء
__________
1 توفي أبو الحسين البصري في ربيع الآخر سنة 436هـ (أنظر وفيات الأعيان)
2 توفي عبد الجبار بن أحمد في عام 415هـ
3 المعتمد، جـ1 ص9. الذين كتبوا في الأصول على طريقة الحنفية 3 وسنورد هنا التعريف الذي أورده البزدوى 3 لأن البزدوى من أهم العلماء الذين كتبوا في الأصول على هذه الطريقة، وقد اعتمد عليه المتأخرون من علماء المدرسة الحنفية في كتابتهم في أصول الفقه. على الرغم من أنه كان مسبوقا بعدد من علماء الأحناف الذين كتبوا في الأصول، وكان أسبقهم أبو الحسن الكرخي 3 الذي ألف رسالة في الأصول ذكر فيها الأصول التي عليها مدار فقه الأحناف. ولكنه لم يضع تعريفا محددا لعلم أصول الفقه كما وضعه البزدوى.
(1/165)

الذين كتبوا في الأصول على طريقة الحنفية1، وسنورد هنا التعريف الذي أورده البزدوي 2؛ لأن البزدوي من أهم العلماء الذين كتبوا في الأصول على هذه الطريقة، وقد اعتمد عليه المتأخرون من علماء المدرسة الحنفية في كتابتهم في أصول الفقه. على الرغم من أنه كان مسبوقا بعدد من علماء الأحناف الذين كتبوا في الأصول، وكان أسبقهم أبو الحسن الكرخي 3 الذي ألف رسالة في الأصول ذكر فيها الأصول التى عليها مدار فقه الأحناف. ولكنه لم يضع تعريفا محددا لعلم أصول الفقه كما وضعه البزدوي.
يقول البزدوي في تعريف هذا العلم: " اعلم أن أصول الشرع ثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع، والأصل الرابع القياس بالمعنى المستنبطة من هذه الأصول" 4.
أما أبو حامد الغزالي الذي اتبع في تعريفه لشيخه إمام الحرمين 5 فيقول: " افهم أن أصول الفقه عبارة عن أدلة هذه الأحكام، وعن معرفة وجوه دلالاتها على الأحكام من حيث الجملة لا من حيث التفصيل" 6.
وقد أورد ابن قدامة نفس هذا التعريف مع الاختصار قليلا حيث قال: "وأصول الفقه أدلته الدالة عليه من حيث الجملة لا من حيث التفصيل" 7.
ونسبة لأن تعريف ابن الهمام يعطينا نموذجا مستقلا متميزا عما أوردنا من تعريفات فيستحسن أن نورده للاستفادة منه في تحليل هذه التعريفات. يقول ابن الهمام: "أصول الفقه هو القواعد التي يتوصل بمعرفتها إلى استنباط الفقه" 8.
ونختم نماذج تعريفات القدماء بما أورده الإمام الشاطبي 9 في كتابه الموافقات من بيان يريد به توضيح معنى أصول الفقه، وهذا البيان الذي أورده يتناسب مع أسلوبه في
__________
1 كانت الكتابة في الأصول الفقه في القديم على طرقتين، طريقة الشافعية وطريقة الأحناف، ثم اندمجت الطريقتان فيما بعد كما سنوضح ذلك في فصل خاص.
2 توفي سنة 482هـ
3 توفي ببغداد سنة 340هـ.
4 أصول البزدوي جـ1 ص19-20 الخ.
5 توفي سنة 478 هـ
6 االمستصفى جـ1 ص4.
7 روضة الناظر ص4.
8 التحرير وشرحه جـ1 ص24.
9 توفي سنة 790هـ.
(1/166)

الكتابة. ومع أنه أطول من التعريفات المعهودة، فسنورده كآخر نموذج من التعريفات القديمة، يقول الإمام الشاطبي:
"الأدلة الشرعية ضربان: أحدها ما يرجع إلى النقل المحض، والثاني ما لا يرجع إلى النقل المحض. وهذه القسمة بالنسبة إلى أصول الأدلة. وإلا فكل واحد من الضربين مفتقر إلى الآخر. لأن الاستدلال بالمنقولات لا بد فيه من النظر. كما أن الرأي لا يعتبر شرعا إلا إذا استند إلى النقل. فأما الضرب الأول فالكتاب والسنة- وأما الثاني فالقياس والاستدلال. ويلحق بكل واحد منهما وجوه إما باتفاق وإما باختلاف. فيلحق بالضرب- الأول الإجماع على أي وجه قيل به، ومذهب الصحابي، وشرع من قبلنا؛ لأن ذلك وما في معناه راجع إلى التعبد بأمر منقول صرف لا نظر فيه لأحد. ويلحق بالضرب الثاني الاستحسان، والمصالح المرسلة إن قلنا إنها راجعة إلى أمر نظري، وقد ترجع إلى الضرب الأول، إن شهدنا أنها راجعة إلى العمومات المعنوية- ثم نقول: إن الأدلة في أصلها محصورة في الضرب الأول. لأنا لم نثبت الضرب الثاني بالعقل وإنما أثبتناه بالأول- وإذا كان كذلك فالأول هو العمدة" 1.
والآن نورد بعض نماذج من تعريفات المعاصرين لعلم أصول الفقه. فقد عرفه الشيخ الخضري بقوله: "أصول الفقه هو القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة".
وعرفه الشيخ عبد الوهاب خلاف بقوله: "هو العلم بالقواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى استفادة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية" 2.
ونختم نماذج التعريفات المعاصرة بالتعريف الذي أورده الشيخ أبو زهرة ونكتفي بذلك لتشابه التعريفات المعاصرة، بل يمكن أن نقول تطابقها حتما في الألفاظ، يقول الشيخ أبو زهرة: " أصول الفقه هو العلم بالقواعد التي ترسم المناهج لاستنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية" 3.
هذه نماذج من التعريفات التي أوردها العلماء على مر العصور لعلم الأصول- وهي تعريفات تمثل آراء العلماء في المدارك الفقهية المختلفة إلى حد، من القرن الثاني الهجري إلى عصرنا هذا.
وبإلقاء نظرة فاحصة على هذه التعريفات ومقارنتها، نخرج بملاحظات عامة، نخلص
__________
1 الموافقات جـ3 ص24-25 الخ.
2أصول الفقه لخلاَّف ص12.
3 أصول الفقه لأبي زهرة ص7.
(1/167)

بعدها إلى نتيجة توضع ما إذا كان هذا الاختلاف فما شكل وصورة التعريفات يشكّل اختلافاً فما المضمون، والملاحظات العامة تتلخص فيما يلي:
الملاحظة الأولى هي: أن جميع هذه التعريفات تدور حوله ثلاثة أمور: فهي إما أن تشير إلى منابع الفقه ومصادره، أو تشير إلى القواعد المستخدمة لاستخراج الأحكام من هذه المنابع، أو تشير إلى الأمرين معاً.
الملاحظة الثانية هي: أننا بتتبع الكتب التي ألفت في الأصول، لم نجد اختلافا في وضع منابع الأصول ومصادرها ودراستها في بداية جميع هذه المؤلفات بلا استثناء- ثم تأتي بعد ذلك الأبحاث التي تتضمن القواعد المختلفة التي يتوصل بها إلى استخراج الأحكام.
الملاحظة الثالثة هي: أن المتأخرين تأثروا بالمتقدمين من حيث المذهبية، فجاءت صياغة التعريفات متماثلةً تقريباً بعين فقهاء المدرسة الواحدة. مثلا فقهاء المدرسة الشافعية ومن تبعهم تشابهت تعريفاتهم، وفقهاء المدرسة الحنفية تشابهت تعريفاتهم.
فالتعريفات التي أوردناها للمؤلفين المعاصرين كلها تأثرت بالتعريف الذي أورده صدر الشريعة الحنفي. وبما أننا لم نورد تعريفه في مضى فإننا نقول إن صدر الشريعة عرّف الأصول بقوله: " وعلم أصول الفقه: العلم بالقواعد التي يتوصل بها إليه 1 على وجه التحقيق" فانظر إلى التشابه بينه وبين التعريفات المعاصرة.
الملاحظة الرابعة هي: أن بعض الأصوليين يبدأ تعريفه بقوله: هو العلم بكذا. وبعضهم يحذف كلمة العلم -هذه- ويبدأ تعريفه بقوله: هو كذا. وطبعا العلم بالشيء ليس هو حقيقة الشيء. وربما تأثر بعض المعاصرين ببعض المتقدمين في ذكر هذه الكلمة في أول التعريف.
هذه بعض الملاحظات التي نلاحظها ونحن نقرأ تعريفات الصيغ المختلفة لتعريفات علم الأصول التي أوردها العلماء على مرّ العصور.
ومن ذلك نستطيع أن نقول: إن الذين أرادوا أن يقصروا التعريف على القواعد المتبعة لاستخراج الأحكام فقط بحيث لا يشمل المصادر نفسها قد حذفوا من التعريف ما لا يمكن إهماله. حتى هم -أنفسهم- لم يستطيعوا الاكتفاء بالقواعد فقط في كتاباتهم، بل بحثوا المصادر نفسها أولا، ثم بحثوا القواعد التي تتبع لاستخراج الأحكام من هذه المصادر. ولأن كلمة أصول نفسها أقرب إلى المصادر منها إلى أي شيء آخر.
__________
1 قوله إليه الضمير راجع إلى الفقه.
(1/168)

أمّا الذين قصروا تعريفهم على المصادر فقط، فقد اعتبروا أن حديثهم عن المصدر كالقرآن مثلا يتضمن الحديث عن القواعد المتبعة لاستخراج الأحكام من القرآن، من تفسير مجمل أو تخصيص عام الخ وهذا أقرب فيما يبدو.
ولكن التعريف الأشمل فيما نرى هو الذي يشمل الطرفيين: المصادر والقواعد، ولعل التعريف الذي نقلناه عن الغزالي هو التعريف الشامل للطرفين.
ولعل هذه النتيجة التي توصلنا إليها هي التي توصل إليها التفتازاني1 عندما كان يبحث في حقيقة علم الأصول قال: " ثم نظروا- أي العلماء- في تفاصيل تلك الأدلة- يشير إلى الأدلة الفقهية- فوجدوا أن الأدلة راجعة إلى الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. والأحكام راجعة إلى الوجوب والندب والحرمة والكراهة والإباحة وتأملوا في كيفية الاستدلال بتلك الأدلة على تلك الأحكام إجمالا، وبيان طرقه وشرائطه- أي الاستدلال- ليتوصل بكل من تلك القضايا إلى استنباط كثير من تلك الأحكام الجزئية عن أدلتها التفصيلية. فضبطوها ودونوها وأضافوا إليها من اللواحق والمتممات، وبيان الاختلافات ما يليق بها وسموا العلم بها أصول الفقه".
ولكن التفتازاني بعد وصوله إلى هذه النتيجة يعود فيقول: "فصارت- أي أصول. الفقه- عبارة عن العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى الفقه" 2 ولو قال: فصارت عبارة عن المصادر والقواعد الخ لكان التعريف مطابقا تماما لما سبقه من تفصيل.
لقد أطلنا في تحقيق معنى علم الأصول- ولكنا نظن أن هذا التحقيق ضروري لمعرفة النتيجة التي يسوق إليها اختلاف الصيغ التي وردت في تعريف حقيقة هذا العلم. والآن ننتقل إلى الحديث عن مباحث علم الأصول.
(1/169)

مباحث علم الأصول إجمالا:
من خلال تعريف وتحليل علم الأصول في الفقرات الماضية، نستطيع أن نلمح المباحث والمواضيع التي يتعرض لها ويبحثها العلماء في هذا العلم. ولكن لابد من عرض سريع به بعض التفصيل، يلقى ضوءاً على مباحث هذا العلم، ووجه بحثها فيه، وارتباط هذه المباحث ببعضها. كما يوضح هذا العرض علاقة بعض العلوم الفرعية بعلم الأصول مثل علم الخلاف 3 وقواعد الفقه العامة.
__________
1 توفي سنة 793 هـ
2 التلويح على التوضيح
3 أمر الغزالي، المستصفى جـ 1ص 4- 5.
(1/169)

ولن نتعرض في هذا الفصل للعلوم التي أشرنا إليها من قبل في معرض حديثنا عن خصوبة علم الأصول، لأن تلك علوم مساعدة للتمكن من علم الأصول، وليست من المباحث الأساسية التي درج علماء الأصول على بحثها في كتبهم.
سنحاول ما أمكن إعطاء فكرة عن المباحث تقارب الصورة التي بسطها الأصوليون في تأليفاتهم مع محاولتنا تبويبها على وجه يتمشى مع ترابط وتسلسل تلك المباحث. وسيكون عرضنا لهذه المباحث إجماليا بحيث نذكر رأس المبحث ونعلق عليه تعليقاً خفيفا ونترك تفصيل المبحث إلى مكانه من العلم.
وعليه فربما يبدو عرضنا لمباحث علم الأصول مجملا جدا، وهو المقصود هنا لأن المطلوب هو التعريف الإجمالي بتلك المباحث.
بعض هذه المباحث التي سنتعرض لها هنا ربما تبدو غير مندرجة في مباحث هذا العلم، لأن العلماء ظلوا يبحثونها في كتب أخرى، لكنها- كما نرى- من المباحث التي يجب أن ترتبط بمباحث علم الأصول، مثل مبحث الثبات والمرونة في الشريعة.
ولابد من أن يتصدر المباحث المندرجة في علم مبحث نشأة علم الأصول، وتدرجه والكتابة فيه وأساليبها وأسسها مع أن العلماء بحثوا هذا الأمر ضمن تاريخ التشريع. لكن حين يكون هذا المبحث متصدرا لمباحث علم الأصول فإنه يساعد كثيرا على فهم العلم، وفهم أصول المذاهب المختلفة، وكيف تكونت. وبالطبع فإن مثل هذا المبحث يعده كثيرون مبحثاً تاريخياً ما كان ممكنا أن يتصدر كتب الأقدمين، خاصة الذين وضعوا اللبنات الأولى لهذا العلم مثل الإمام الشافعي؛ لأنهم كانوا يؤسسون علما لم يسبقهم عليه مؤلفون- أما اليوم فهناك رصيد من الماضي يمكن أن يكون تقديما مفيدا لمباحث علم الأصول.
وفيما يلي من الفقرات نعرض لهذه المباحث إجمالا كما أشرنا:
(1) أوّل المباحث التي بحثها الأصوليون في هذا العلم هو مبحث بيان حقيقة هذا العلم وهو المبحث الذي قدمناه على هذه الفقرات المخصصة للمباحث.
(1/170)

(2) الحكم الشرعي:
يقع الحكم الشرعي- بعد بيان حقيقة الأصول- على رأس مباحث علم الأصول.
فجميع علم الأصول ومباحثه هو وسيلة للتوصل لاستخراج الأحكام الشرعية. فالحكم هو محور العلم كله وغايته التي يهدف إليها.
ففي تعريفنا لعلم الأصول قلنا إنه: أدلة الأحكام، ووجوه دلالاتها على الأحكام.
(1/170)

فالغاية من العلم واضحة من هذا التعريف وهى التوصل إلى الحكم الشرعي. ومن هنا كان مبحث الحكم على رأس مباحث الأصول. وهذا المبحث فيه تفصيلات كثيرة مثبته في مكانها من كتب الأصول.
(1/171)

3) الحاكم:
ومبحث الحاكم من المباحث الأصولية التي يوضح فيها من تصدر عنه الأحكام الشرعية، ثم يوضع فيه إجمالا مكان العقل البشرى من التشريع. أما مكان العقل من التشريع تفصيلا فله مباحث أخرى معنونة بعناوين خاصة تأتى في الفقرات التالية. فالحكم الشرعي لابد له من مصدر ينطلق منه ومن هنا جاء مبحث الحاكم تاليا لمبحث الحكم.
(1/171)

4) التكليف والمكلف:
عندما يصدر الحكم من الحاكم فإنه يتطلب من يكلّف به لتطبيقه وتنفيذه. من أجل هذا ارتبط مبحث التكليف وحدوده بمباحث الأصول لأنه متفرع عن الحكم. وكذلك المكلَّف (بفتح اللام) معرفته ترتبط بمبحث الحكم. ومن هنا كانت له أهميته بين مباحث علم الأصول.
(1/171)

هـ) أفعال العباد:
وهى ما يشير إليها الأصوليون بالمحكوم فيه. وهو مرتبط بمبحث التكليف. ويمكن أن يكوّنا معاً مبحثا واحداً، لأن حدود التكليف. والأفعال التي يكلف الله بها عباده أمر يكاد يكون واحداً، ومن نقاط مبحث أفعال العباد صفات الأفعال؛ أي أفعال الناس وحسنها وقبحها العقليين، واتفاق واختلاف تلك الصفات مع أحكام الشريعة، من واجب وحرامٍ الخ ولقد درج بعض الكتاب في أصول الفقه أن يشيروا إلى أن هناك أبحاثاً دخلت ميدان الأصول وهى ليست منه، ويضربون مثلا لذلك بمبحث صفات أفعال العباد من حسن وقبح عقليين وما يتعلق بذلك. ولاشك أن أفعال العباد من الجانب الذي بحثها منه الأصوليون من المباحث الهامة في هذا العلم، ولم يدخله علماؤنا المتقدمون في هذا الميدان إلا بعد إدراكهم لخطورة هذا الموضوع بالنسبة لعلم الأصول. إدراكهم أنه يتعلق تعلقا وثيقاً بعلل الأحكام، ومدى اتفاق الشرع والعقل في علة الحاكم وتأثير ذلك في الحكم، وهل يدرك العقل الحكم بإدراكه لصفات الأفعال من غير معاونة الشرع، وهل يترتب على ذلك شيء في الآخرة، إلى غير ذلك من النقاط الهامة التي لها اتصال مباشر بالحكم الشرعي 1.
__________
1 أنظر الآمدى. الأحكام جـ3 ص 102الخ
(1/171)

6) تعليل الأحكام:
هذا من المباحث الأصولية التي لها أهمية قصوى. وقد درج العلماء على مناقشة هذا الموضوع وعرضه أثناء عرضهم لباب القياس على أساس أن هذا الموضع هو ركن من أركان القياس. ولا شك أنه ركن من أركان القياس ولكن لو نظرنا إلى تعليل الأحكام لوجدناه يرتبط بالمصالح عموماً. كما أن الأحكام المنصوص عليها في الكتاب والسنة منها ما له علله ومقاصده التي ينبغي أن تعرف حتى إذا لم نكن محتاجين لاستخدام القياس في موضوعها. ويرتبط موضوع التعليل أيضا بموضوع تحديد أهداف الشريعة العامة. وسنفرد للأهداف بندا خاصا من بين بنود هذه المباحث. ويرتبط مبحث تعليل الأحكام بمباحث الأسباب والشروط والموانع الخ 1.
وبحث موضوع التعليل في باب مستقل لا يعنى أن نمنع عرضه كركن من أركان القياس. بل يعرض هناك بوصفه ركناً من الأركان، أما عرض التعليل مفصلا من حيث حقيقته في الشريعة فينبغي أن يعقد له فصل مستقل لأهميته بالنسبة للتشريع.
(1/172)

7) الكتاب:
مبحث القرآن الكريم -كمصدر رئيسي للتشريع- هو المبحث الرئيسي في علم الأصول وقد رأينا أن يتأخر في ترتيب بحثه- كما درج علماء الأصول- ليتمكن الدارس من إدراك الحكم وما يتعلق به من أبحاث. لأن الحكم هو المقصد الذي نزل القرآن الكريم لبيانه. ومن هنا كان تقديم مبحث الحكم على مبحث الكتاب؛ ليدخل الدارس على الكتاب ولديه تصور لما يهدف الكتاب الكريم لبيانه.
وفي مبحث الكتاب تقدم الدراسات التي يحتاج إليها في تصور القرآن الكريم عموماً لا تفصيلاً، ويحتاج إليها في بيان أن القرآن الكريم هو المصدر الأول الذي ترجع إليه كل الأصول.
(1/172)

8) السنّة النبوية:
يأتي مبحث السنة النبوية عقب مبحث القرآن الكريم فهي الأصل الثاني والمكمل للأصل الأول. وما قلناه في تأخير مبحث القرآن عن مبحث الحكم الشرعي وما يتعلق به نقوله أيضاً هنا في تأخير مبحث السنة عن الحكم الشرعي. وتبحث السنة في علم الأصول من حيثيات مختلفة. من حيث مكانتها في التشريع وكيفية أخذ الأحكام منها ومقارنتها مع
__________
1 أنظر الغزالي المستصفى جـ1 ص8
(1/172)

الأصول الأخرى إلى غير ذلك من المباحث المستفيضة والتي يطلبها الدارس في مكانها من علم الأصول.
(1/173)

9) الإجماع:
مبحث الإجماع هو المبحث الثالث الذي يلي مبحث السنة وهو المصدر الثالث من مصادر الأحكام. وفي حقيقته ومستنده ومراتبه والأخذ به تفصيلات مبسوطة في مكانها.
(1/173)

10) الألفاظ وتفسيرها:
هذا مبحث واسع من مباحث الأصول ويشتمل على فصول عديدة وهو من أهم مباحث هذا العلم. ففي هذا المبحث تدرس كيفية فهم وتفسير ألفاظ القرآن والسنة ببيان معاني ألفاظ هذين المصدرين الرئيسيين، ودلالاتها وإشاراتها، وأمرها ونهيها، وعمومها وخصوصها، وإطلاقها وتقييدها، وناسخها ومنسوخها، ووضوحها وعدم وضوحها ومنطوقها ومفهومها.
(1/173)

11) القياس والمصادر العقليه الملحقة به:
ومبحث القياس والمصادر العقلية الأخرى -كالمصالح المرسلة والاستحسان والعرف والذرائع والمخارج، هذا المبحث من المباحث المهمة في ميدان الأصول- وقد حدث عليها اختلاف كبير مما جعل تفصيلاتها ومناظراتها ومناقشاتها مستفيضة في كتب الأصول، لأن جميع هذه المباحث تقوم على العلة المعقولة؛ لتبنى عليها الأحكام من خلال هذه الأبواب ولقد عد بعض علماء الأصول القياس وبقية الأصول العقليه من وجوه دلالات نصوص القرآن والسنة ولم يجعلوها أصولاً قائمة بذاتها 1 وجعلها بعضهم أصولا قائمة بذاتها ولكنها مرتبطة بالنصوص وبأهداف الشريعة التي حددتها النصوص. وليس هنالك فرق بين المذهبين في الحقيقة.
(1/173)

12) الاجتهاد:
هذا المبحث حقيقته جمع وتلخيص وترتيب للمباحث السابقه خاصة مباحث الألفاظ والمصادر العقليه. حيث أن تلك الأبحاث تحدد كيف تستخرج الأحكام من النصوص ومن معقول النصوص -والاجتهاد في النهاية لا يعني أكثر من هذا المضمون- وفى هذا المقام تدرس نقاط عديدة من بينها: المجتهد وأحواله ويلحق بذلك الإفتاء.
__________
1 أنظر الغزالي جـ1 ص9
(1/173)

12) التقليد:
التقليد من مباحث علم الأصول وإن لم تناقشه بعض كتب الأصول فبدراسته يتبين الحد الفاصل بين الاجتهاد والتقليد. فالتقليد هو ضد الاجتهاد كما أن المقلد هو في مقابلة المجتهد.
(1/174)

14) مباحث متفرقة:
هنالك مباحث أخرى متفرقة تدرس في علم الأصول لمعرفة ما إذا كانت مضامينها أصولا تستقى منها الأحكام أم لا، نذكرها جملة هنا. تلك المباحث هي: الشرائع السماوية السابقة للإسلام، قول الصحابي، الاستصحاب.
(1/174)

15) أهداف الشريعة العامة ومبادئها:
على الرغم من أن هذا المبحث مرتبط بتعليل الأحكام لكن رأينا تخصيصه بمبحث خاص. فربما يفهم من مبحث تعليل الأحكام أن المقصود من ذلك بحث علل الأحكام الفردية. لذا رأينا أن ندقق على أهمية دراسة مقاصد الشريعة العامة من حفظ دين ونفس وعقل ومال ونسل ومن تيسير ورفع حرج ... الخ.
(1/174)

16) الثبات والمرونة في شريعة الإسلام:
هذا المبحث ينبغي أن يدرج ضمن علم أصول الفقه مع أنه بحث في كتب مستقلة ولكني أرى أنه من صميم علم الأصول. فتحديد الأصول والمبادئ التي تقوم عليها مرونة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان من قياس ومصالح والأصول التي يقوم عليها ثبات بعض الأحكام من خصوص وتقييد وتفسير، كل ذلك لا يأتي إلا من خلال علم الأصول. فهو الميزان الذي نزن به تلك الأسس التي تقوم عليها مرونة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان وهو المقياس الذي نميز به الأحكام التعبدية من الأحكام المدركة عقلا والأحكام الخاصة والمقيدة وغيرها مما لا يدخله تغيير أبدأ والأحكام الاجتهادية غير المجمع عليها مما يمكن أن يخضع لاجتهادات جديدة.
ففي نظرنا أن هذا الموضوع ينبغي أن يلحق بمباحث الأصول. هذا مجمل ما أردنا أن نقوله هنا حول بيان حقيقة علم الأصول ومباحثه.
(1/174)