Advertisement

شرح القواعد والأصول الجامعة



عناصر الدرس
* مدخل إلى فن القواعد الفقهية.
* المبادئ العشرة.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
موعدنا كما قد سمعتم ((قواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة)) للشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى.
وهذا الكتاب كما هو معلوم إنما هو في فن القواعد الفقهية، والقواعد الفقهية هي إحدى الطرق التي صنف فيها أهل العلم في فن الفقه، بمعنى أن التصنيف في الفقه يختلف، فمنهم من صنف مصنفات وجرد المسائل خاصة دون ذكر دليلها، وهو المشهور بالمتون الفقهية، كـ ((الزاد))، و ... ((مختصر الخليل))، ونحوها، وهذه هي الطريق المعتمدة عند الفقهاء في التأليف، وكذلك في التحصيل بمعنى أنها هي الطريقة التي يتلقى بها طالب العلم الفقه على أصوله، كما جرى على ذلك أهل العلم.
وهذه المتون تشرح كذلك تنظم، والشروح يعلق عليها، وقد تشرح، والحواشي ونحو ذلك، الاهتمام الأكبر عند الأئمة هو هذا النوع، وهذه الطريقة المعتمدة كما ذكرنا.
وثَمَّ طريقة أخرى تأتي في مرتبة ثانية، وهي التأليف فيما عنون له بـ ((أحاديث الأحكام)) يؤلف في الفقه دون ذكر مسائل تتعلق بالباب أو بالكتاب، وإنما يذكر الدليل ويكون الدليل من السنة فحسب، وهذا كذلك تصنيف في علم الفقه، فلا تخرج هذه الطريقة الثانية عن كونها تأليفًا في هذا الفن، كما أنه صنف في الفقه طريق المسائل المجردة، كذلك صنف فيه طريقة الأحاديث التي تسمى بأحاديث الأحكام، كـ ((عمدة الأحكام)) و، ((البلوغ))، و ((المحرر))، و ((المنتقى)) ونحوها. وهذه الطريقة إنما يُعنى بها لذكر أدلة الفقه، بمعنى أن الأصل هو تقديم المتن الفقهي، وهذه الطريقة هي المعتمدة كما ذكرنا، ثم بعد ذلك يتبعها الطالب بأحاديث الأحكام، ولا يعكس، فإن عكس حينئذٍ تنعكس عنده المسائل، فالنظر يكون في المتن الفقهي أولاً فيضبط له المسائل، ثم يذكر أو ينتقل إلى مرحلة الأدلة، وثَمَّ تصنيف في الفقه يعتمد على ذكر القواعد، وهذه القواعد على نوعين:
إما قواعد أصولية.
وإما قواعد فقهية.
والقواعد الأصولية جرى كذلك بعض الفقهاء على التصنيف فيها كقواعد ابن اللحام وغيره، فيذكر القاعدة الأصولية ثم يذكر بعض الفروع التي انبثقت عن هذه القاعدة. وهذه كذلك طريقة مهمة وهي التي يرتقي بها الطالب عن كونه مقلدًا، وكونه يأخذ المسألة بدليلها، لأن النظر في المسائل يكون بالنظر في المسألة من حيث هي، كذلك في النظر من حيث الدليل الذي تفرع عنه هذا الفرع، ثم وجه الاستدلال، كيف أخذنا هذا الحكم الشرعي من هذا النص القرآني أو النص النبوي؟ لا يظن الظان أنه إذا ذكرت المسألة وقرن معها الدليل أنه قد حصل على فقه المسألة، لا، وإنما لا بد من النظر في كيفية أخذ هذا الحكم الشرعي من الدليل الشرعي، وهذا ما يُعنى به أهل الأصول، يعني: هذه الطريقة إنما يستند إليها من ضبط أصول الفقه.
والطريقة الرابعة وهي بذكر القواعد الفقهية بالنظر في الفروع واستقرائها واستنباط معاني مشتركة بين هذه الفروع، ثم يعنون لذلك بقاعدة تسمى القاعدة الفقهية.
(1/1)

إذًا أربع طرق للتصنيف في الفقه، لا غنى لطالب العلم عنها كلها، بمعنى أنه إن كان الأصل أن ينظر في متون الفقهية، إلا أنه لا بد أن ينظر في الكتب المؤلفة في أصول الفقه من جهة القواعد، ومن جهة ما بني عليها من أحكام، كذلك لا غنى له عن النظر في القواعد الفقهية لأنها تجمع له شتات الفن، وكذلك قد يستوعب ما لم يحفظه من الجزئيات، كما سيأتي في كلام أهل العلم.
فهذه الطرق لا بد أن تكون مجتمعة عند طالب العلم، ينظر أولاً في المتن الفقهي ويضبط متنًا، ثم ينتقل إلى أحاديث الأحكام وهي أدلة الفقه، ثم بعد ذلك ممارسة هذا الفقه من حيث إيصال أو إيجاد ملكة عند الطالب، لأن الفقه قد يكون نظريًّا وهذا حفظ مسائل فقط المجردة مع أدلتها، وقد يكون مقلدًا في النوعين، وقد يكون مقلدًا كذلك في وجه الاستنباط، لكن لا تتكون عنده الملكة الفقهية إلا بممارسة هذا النوع من التصنيف، ثم النظر في القواعد الأصولية وكيف بنيت عليها الفروع والنظر في قواعد الفقهية، وكيف أُخذت منها الفروع، حينئذٍ إذا نظر الطالب في هذه الطرق الأربعة يكون عنده ملكة فقهية، ولا يستعجل لأن هذه لن تأتي ولا تأتي في يوم وليلة، بل ولا في سنين إنما مع العمر.
القواعد الفقهية هذا فن مستقل عند أهل العلم، له حده، وله موضوعه، وله مسائله، وله حكمه الشرعي، وله أهميته، وفوائده المنبنية عليه، ولذلك أحببنا أن نقدم في هذا المجلس ما يتعلق بمقدمة العلم نعرف حقيقة القواعد الفقهية، ثَمَّ مسائل لا بد من التنصيص عليها، وثَمَّ مسائل مشهورة عند من كتب في هذا الفن، لكن الذي أريد من هذه المقدمة أن يكون الطالب على بينة من العلم الذي يقرأ فيه، وهذا من الخلل الذي قد يقع عند بعض الطلاب أنه قد يدرس فنًّا ولا يعرف حده، وموضوعه، وفي أي شيء يبحث. لا بد أن يعرف ما هذا الفن الذي يجلس ويستمع ويقرأ فيه.
فنقول: القواعد الفقهية تعرف باعتبارين هم:
الوصفية، والْعَلَمِيَّة.
يعني: لها تعريفان، تعريف هو باعتبار كونه وصفًا، وتعريف هو باعتبار كونه عَلَمًا، كما مر معنا أن أصول الفقه يُعَرَّفُ من جهتين: من جهة كونه مركبًا تركيبًا إضافيًّا، ومن جهة كونه علمًا ولقبًا على هذا الفن.
أصول الفقه هذا مركب إضافي، ولم يفهم المركب الإضافي إلا بعد فهم مُفْرَدَيْهِ، يعني: المضاف والمضاف إليه، ونعرف معنى أصول لغةً واصطلاحًا، ونعرف كلمة فقه لغةً واصطلاحًا.
القواعد الفقهية هي مركبة، لكنها ليست مركبًا إضافيًّا، وإنما هي مركب توصيفي تقيدي، تُسمى عند أهل اللغة بالمركب التوصيفي أو المركب التقيدي، هما بمعنى واحد، والمراد به الصفة مع موصوفها، فالصفة مع موصوفها تُسمى مركبًا تركيبًا توصيفيًّا، إذا قلت: جَاءَ زَيْدٌ الْعَالِمُ. جَاءَ فعل ماضي، وزَيْدٌ فاعله، والْعَالِمُ هذا نعت صفة، أين المنعوت؟ زيد مع كونه فاعلاً، أين الصفة؟ العالم، إذًا جَاءَ زَيْدٌ الْعَالِمُ هذه جملة فعلية، زَيْدٌ الْعَالِمُ هكذا في الجملة يسمى مركبًا توصيفيًّا، بمعنى أنه موصوف مع صفته، ومنعوت مع نعته.
(1/2)

القواعد الفقهية إذًا قواعد موصوف والفقهية صفته، قواعد منعوت والفقهية نعته، هذا يسمى مركبًا توصيفيًّا، فباعتبار الوصفية هو مركب توصيفي لفظ مؤلف من جزأين أحدهما القواعد، والآخر الفقهية، والمركب التوصيفي كالإضافي لا يفهم معناه إلا بفهم مفرداته، كما أننا لا نفهم أصول الفقه وهو مركب إضافي إلا بفهم مفرديه المضاف والمضاف إليه أصول والفقه، كذلك لن نفهم القواعد الفقهية إلا بفهم المفردين المنعوت والنعت، ولكل واحد من هذين اللفظين معنًى في اللغة ومعنًى في الاصطلاح.
فأولاً: القواعد جمع قاعدة، وهو من جموع الكثرة، لأنه على وزن فَوَاعِل، وفواعل من جموع الكثرة، كصواهل وفواطم ونحوها، وجمع الكثرة يبدأ من الثلاثة على الصحيح إلى ما لا نهاية، عندنا الجمع نوعان:
جمع قلة، وجمع كثرة.
جمع القلة: له أوزان معتبرة عند النحاة.
وجمع الكثرة ما عدا جمع القلة.
يعني: يضبط جمع القلة، ثم يقال: ما عداه هو جمع الكثرة. هذا من حيث الوزن.
أقل الجمع مختلف فيه بين الأصوليين وأهل اللغة كذلك، ما أقل الجمع؟
هل هو اثنان؟
هل هو ثلاثة؟
هل هو أحد عشر؟
نقول: الصحيح اختصارًا، الصحيح أن أقل الجمع سواء كان جمع قلة أو جمع كثرة هو ثلاثة.
وفي أقل الجمع مذهبان ... أقواهما ثلاثة لا اثنان

إذًا منهم من قال بأن أقل الجمع اثنان، وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى عند المتأخرين، وأما النهاية فجمع القلة يبدأ من الثلاثة ويقف عند العشرة، وما بعده لا يكون أصلاً فيه، جمع الكثرة على الصحيح كجمع القلة من حيث المبدأ، يعني: يبدأ بالثلاثة، والنهاية لا نهاية له، إلى ما لا نهاية.
(1/3)

إذًا يتفق جمع القلة مع جمع الكثرة في المبدأ وهو ثلاثة، ويختلفان في المنتهى وهو أن جمع القلة أكثره عشرة، وجمع الكثرة ما لا نهاية. هذا هو الصحيح في المسألة، وإن كان أكثر الأصوليين على التفرقة بأن أقل جمع الكثرة هو أحد عشر، بمعنى أنهما يفترقان مبدءًا وانتهاءً، فعند الأصوليين جمهورهم وكذلك بعض النحاة أن جمع القلة يبدأ من الثلاث أو الاثنين على الخلاف وينتهي إلى العشرة، ثم يبدأ من الحادي عشر جمع الكثرة، والصحيح أنهما يتفقان مبدءًا ويختلفان منتهى، وهذا رجحه الشيخ الأمين رحمه الله تعالى في ((المذكرة)) و ((نثر الورود)). ينبني على هذا مسألة شرعية بل مسائل، لو قال زيد من الناس: " لِعَمْرٍ عَلَيَّ دَرَاهِم ". ثم مات، زيد قال لعمرو من الناس: له عليَّ دراهم. يعني: دين. هذا إقرار فمات مباشرة لم يبين كم هذه الدراهم كم نعطيه؟ لا شك أننا نعطيه اليقين وهو أقل، ثم دراهم هذا جمع كثرة ويأتي الخلاف هنا، إن قلنا: بأن الصحيح أن أقل جمع الكثرة ثلاثة فلزيد أو لعمرو كم؟ ثلاثة، وعلى القول الآخر وعليه الأكثر أن أقل الجمع أحد عشر نعطيه كم؟ أحد عشر، واضح هذا؟ إذًا دراهم هذا جمع كثرة وأقله ثلاثة على الصحيح، حينئذٍ لو قال لزيد أو زيد قال لعمرو علي دراهم ثم مات على الصحيح نعطيه ثلاثة دراهم ولا نعطيه أحد عشر إلا على القول الجمهور، إذًا قاعدة هذا مفرد ويجمع على قواعد، وهو جمع كثرة ويبدأ من الثلاثة إلى ما لا نهاية له على الصحيح، وقاعدة مشتقة من قَعَدَ وتدور معاني قَعَدَ حول معنى الاستقرار والثبات، قَعَدَ قواعد جمع قاعدة، وقاعدة هذا مشتق من قَعَدَ، ينظر أهل اللغة أو أهل الأصول أو أهل الفقه في المعاني اللغوية التي يريدون التوصل بها إلى استنباط معنى اصطلاحي، في جميع الفنون يمر بك الطهارة لغةً الطهارة شرعًا، الصوم لغةً والصوم شرعًا، الحج لغةً كذا .. العام لغةً والعام اصطلاحًا، ما من حقيقة شرعية أو عرفية تُعَرَّف في كتب أهل العلم على جهة العموم إلا ويُقَدّم المعنى اللغوي أولاً ما سرُّ ذلك؟
ليس عبثًا، إنما عندما يقول: الطهارة في اللغة النزاهة عن الأقذار حسية كانت أو معنوية، الصيام لغةً: الإمساك، الحج لغةً: القصد. لِمَ قال هذه العبارات؟ ولِمَ بدؤوا بالمعنى اللغوي؟
إشارة إلى أن المعاني الاصطلاحية أو المعاني الشرعية أو إن شئت قل الحقائق العرفية الاصطلاحية أو الحقائق الشرعية هي منقولة عن المعاني اللغوية، فلا بد أن يكون جنس المعنى اللغوي مأخوذًا في الحد الاصطلاحي أو الشرعي، ولذلك الصلاة الدعاء، الصلاة شرعًا لا بد أن يكون جنس الدعاء مأخوذًا في الحدّ تعبد أو هي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، وهذا دعاء لأن الدعاء قسمان: دعاء مسألة، ودعاء عبادة أو تعبد.
الأول: السؤال باللسان. والثاني: سؤال لكنه بالحال.
(1/4)

إذًا الدعاء مأخوذ بالحد الشرعي، إذًا معنى القاعدة في الاصطلاح سيأتينا قضايا كلية لا بد أن نعرف أولاً معنى قَعَدَ أو القاعدة وما اشْتُقَ منه لفظ القاعدة في اللغة لأجل أن نعرف الارتباط بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، المشقة تجلب التيسير، لماذا سماها الفقهاء قاعدة؟ لماذا أطلق عليها أنها قاعدة؟
لا بد أن ننظر في المعنى اللغوي من أجل أن نعرف المعنى الاصطلاحي، فقَعَدَ تدور على معاني، وهذا المعنى مأخوذ أو القدر المشترك هو الاستقرار والثبات، الذي يَقْعُدُ ويجلس فيه استقرار وثبات أليس كذلك؟
فالأصل أنه في جملة أنه مستقر وثابت، كذلك المعنى اللغوي موجود في قواعد فقهية حينئذٍ تقول القاعدة المشقة تجلب التيسير الأصل أنها مطردة ومستقرة وثابتة وتصدق على جميع جزئياتها ولا يخرج عنه جزئي البتة، إذًا فيها معنى الاستقرار والثبات، وهي كذلك أساس لما يُبنى عليه، كذلك مطلق الأمر للوجوب، قاعدة مطلق النهي للتحريم قاعدة، فيها معنى الاستقرار ومعنى الثبات. إذًا سميت هذه قواعد نظرًا للمعنى اللغوي وهو معنى الثبات والاستقرار.
قال ابن فارس: القاف والعين والدال أصل مطرد منقاس لا يُخلف في الاستقرار والثبات. يعني: حيثما دار هذه الألفاظ الثلاثة القاف والعين والدال قلت: قَعَدَ يَقْعُدُ أُقْعُدُ قَاعِد مَقْعُودٌ. جميع المشتقات بينها قدر مشترك وهو المعنى اللغوي وهو الثبات والاستقرار، ومنه قعيدة الرجل أي: امرأته. تسمى قعيدة لماذا؟ لأن تستقر في بيتها، هذا الأصل حينئذٍ نقول: سميت المرأة قعيدة الرجل لماذا؟ لأنها تَقْعُدُ، والقعود هنا المراد به الثبات والاستقرار، لأنها تلزم بيتها، ومنه قعيدة الرجل أي: امرأته لثبوتها واستقرارها في بيت زوجها. ومنه قوله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا} [النور: 60] إشارة إلى استقرارهن وثبوتهن في بيوت أوليائهن وآبائهن، ومنه ذو الْقَعْدَة سمي بذلك لأن العرب كانت تقعد عن الأسافر يعني: تستقر وتثبت لا تتحرك، تقعد عن الأسفار، ففيه معنى الاستقرار والثبات، هذا معنى من المعاني التي أرشد إليها أئمة اللغة في معنى قَعَدَ، أنها بمعنى الاستقرار والثبات.
(1/5)

وأيضًا القاعدة في اللغة الأساس حِسًّا كان أو معنًى، ومنه قواعد البيت أُسُسُهُ التي يقوم عليها قواعد البيت، إذًا قواعد البيت جمع قاعدة بمعنى ماذا؟ بمعنى الأَسَاس، ومنه قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة: 127]. وإن كان فيها معنى الاستقرار والثبات إلا أن الأساس أظهر، يعني: إذا فسرنا القواعد بمعنى الأساس، قواعد البيت بمعنى أُسُسِهِ كذلك فيها معنى الاستقرار والثبات، لأن القاعدة الذي يبنى عليه البيت هو مستقر وثابت، إذًا ما خرج عن المعنى الأول، إلا أنه يعبر بالمعنى السابق الاستقرار والثبات فيما هو أظهر فيه، وإن كان فيه معنى الأساس، ويُعَبّر عن قواعد البيت بالأساس وإن كان فيه معنى الاستقرار والثبات إلا أن الأساس أظهر من معنى الاستقرار والثبات. إذًا هما بمعنى واحد، إلا أنه متى ما ظهر الأول أطلق اللفظ فيه، ومتى ما ظهر الثاني الذي هو الأساس أطلق فيه. ومنه {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ} [النحل: 26] قال الزجاج: القواعد أساطين البناء التي تعمده. يعني: التي يتكأ عليها ويقوم عليها، ثم استُعمل مجازًا في القاعدة المعنوية، ولذلك قلنا: الأساس حسًا كان أو معنًى، حسًا كقواعد البيت المحسوسة المدركة بالحواس البصر مثلاً، وكذلك معنًى كقواعد الفقه هي أساس الفقه، لكنه ليس مدركًا بالحواس أليس كذلك؟ وإنما هو معنى من المعاني، فقواعد البيت أُسُسُهُ التي يقوم عليها، وقواعد الفقه أُسُسُهُ التي تُبْنَى الأحكام عليها، ترابط واضح، قواعد البيت أُسُسُهُ التي يقوم البيت عليها، وقواعد الفقه أُسُسُهُ التي يبنى عليها أو تُبْنَى عليها الأحكام، لأن الفقه ليس هكذا مجرد حلال حرام، لا، وإنما هو مبني على قواعد، فإذا أخذ الفقه دون قواعده حينئذٍ ضل وزل، وسيأتي كلام القرافي رحمه الله تعالى وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن من لم يكن معه أصل مطرد فلا بد من الكذب والجهل والظلم .. ونحو ذلك. قال هنا الزجاج: ثم استعمل مجازًا في القاعدة المعنوية، هذا هو الأصل فيها، وهذا المعنى الثاني وهو الأساس أقرب هنا في باب القواعد قواعد الفقه من معنى الاستقرار والثبات، يعني نقول: القاعدة هنا بمعنى الأساس، وهو كذلك لا يخلو عن معنى الاستقرار والثبات، لأن القواعد العامة التي يذكرها الفقهاء هي كلية مطردة، بمعنى أنه لا يتخلف عنها جزئي وُجِدَ فيه شرط القاعدة وانتفى منه المانع، فكل جزئي لا بد أن يدخل تحت هذه القاعدة، حينئذٍ نقول: هذه القاعدة ثابتة ومستقرة لاطرادها وهي كذلك أساس لابتناء الأحكام الشرعية عليها.
(1/6)

إذًا نقول: الصحيح يعني من حيث التعبير القاعدة بمعنى الأساس وهي أقرب إلى المعنى الاصطلاحي، فإذا كانت قواعد البيت أُسُسَهُ التي يقوم عليها فقواعد الفقه هي أسسه التي تبنى عليها الأحكام مع ما فيها من معنى الاستقرار والثبات لما فيها من الاطراد والكلية. يذكر هنا الفقهاء ومن يكتب في هذا إذا قيل: قَعَدَ. بمعنى الاستقرار والثبات، في القاموس قال: القعود هو الجلوس، يعني: فسره بالجلوس أو هو من القيام والجلوس من الضجعة، بمعنى فائدة هل قعد بمعنى جلس، وجلس بمعنى قعد أم هما مختلفان؟ قولان: من قال بالترادف لوجوده في اللغة وهو كذلك والصحيح المرجح عند الأصوليين الترادف موجود وفي لسان العرب حينئذٍ نقول: قَعَدَ بمعنى جلس. وعند من منع الترادف وهو قول مرجوح حينئذٍ قال: قَعَدَ من القيام. يعني: الذي قائم تقول له: اقعد. ولا تقل له: اجلس. إذا كان متكئًا تقول له: اجلس. ولا تقل له: اقعد. تفرقةً في استعمال أو ما نُقِلَ عن العرب في الاستعمال، لكن هذا ينتقض لقوله - صلى الله عليه وسلم - هم يقولون: إذا كان قائمًا فلا يقال له: اجلس. وإنما يقال له: اقعد. والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس ... » لو كان كذلك لقال: فلا يقعد. لأنه كان قائمًا حينئذٍ نقول: هذا ليس بسديد، والصواب أن القعود بمعنى الجلوس.
ثانيًا: القواعد في الاصطلاح هي القضايا الكلية، عرفنا معناها في اللغة، الآن معناها في الاصطلاح، القواعد هي القضايا الكلية، والقضايا جمع قضية على وزن فَعِيلَة بمعنى اسم المفعول مَقْضِيٌّ فيها، قَضِِيَّة فَعِيلَة، وفَعِيلَة يأتي في لسان العرب بمعنى اسم المفعول يعني: مَقْضِيٌّ فيها، هذا الأصل فيها، سميت بذلك قَضِيَّة لماذا؟ باعتبار أشرف أجزائها، قضية بمعنى خبر بمعنى الجملة الاسمية والجملة الخبرية، هذا المراد هنا، القضية يعني: جملة فعلية أو جملة اسمية، زَيْدٌ قَائِمٌ هذا قضية قَامَ زَيْدٌ هذا قضية، سميت قضية لماذا؟ نظرًا إلى كلمة القضاء وهو: الحكم. الحكم يسمى قضاءً، والقضاء هو حكم، ولكن هذا تعبير عند المناطقة، زَيْدٌ قَائِمٌ هذا مركب من ثلاثة أجزاء، زيد وهو المحكوم عليه، وقائم وهو المحكوم به، والحكم وهو ثبوت القيام لزيد. إذًا ثلاثة أركان أساسية فسميت هذه الجملة زَيْدٌ قَائِمٌ بأشرف أجزائها، لأن زَيْدٌ قَائِمٌ ما جيء به إلا من أجل ماذا؟ من أجل الوصول إلى الحكم، ليس المراد الإخبار بزيد فقط ولا بقائم فقط، وإنما المراد ثبوت القيام لزيد هذا المراد، فإذا كان كذلك حينئذٍ يكون أشرف الأجزاء هو القضاء والحكم، ولذلك سميت قضية، قَامَ زَيْدٌ زيد هذا محكوم عليه، والمحكوم به قام، والحكم ثبوت القيام لزيد في الزمن الماضي، لماذا قيل: قَامَ زَيْدٌ؟ من أجل إفادة ثبوت القيام لزيد في الزمن الماضي، إذًا الحكم هو أشرف الأجزاء، فلذلك سميت القضية قضية.
والقضية عند المناطقة قول يحتمل الصدق والكذب لذاته، يعني: ما يقابل الإنشاء. الكلام ينقسم إلى قسمين - أنتم تدرسون ((الجوهر المكنون)) ليس بجديد -، الكلام ينقسم إلى قسمين عند قول الجماهير: إما خبر، وإما إنشاء.
(1/7)

الخبر ما حدُّهُ؟ قول أو كلام أو مركب تركيبًا إسناديًا تامًا يحتمل الصدق والكذب لذاته، ما يقابله؟ الإنشاء وهو ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته.
محتمل للصدق والكِذْبِ الخبر ... وغيره الإنشا ولا ثالث قر

يعني: استقر عند البيانيين أن الكلام منقسم إلى هذين النوعين، ما احتمل الصدق والكذب لذاته فهو خبر، وما لا يحتمل فهو إنشاء.
ومن التفرقة بين النوعين من باب الإيضاح أن يقال:
الخبر فيما مضى، والإنشاء فيما يستقبل. الخبر يكون عن شيء مضى ولذلك يقال: صدقت وكذبت. وصدقت وكذبت إنما المراد بالصدق هو مطابقة الواقع، والمراد بالكذب هو عدم مطابقة الواقع، ومطابقة الواقع وعدمها إنما تكون في شيء وقع وحصل.
وأما الإنشاء فيكون في شيء مستقبل. ولذلك لا يصح أن يقال إذا ... قال: هل زيد قائم؟ يقول له: صدقت. أو ليس زيدًا موجود يقول له: كذبت. لماذا؟
لأن هذا شيء لم يقع فكيف حينئذٍ يحكم عليه بأنه لم يطابق الواقع، أو أنه قد طابق الواقع. إذًا نقول: القضية هي بمعنى الخبر، الذي يسميه البيانيون بالخبر هو الذي يسمى قضية عند المناطقة بمعنى واحد، والبحث هنا أكثره مأخوذ من علم المنطق، والقضية قول يحتمل الصدق والكذب لذاته، قول المراد به الجملة الاسمية أو الجملة الفعلية يعني: مركب الإسنادي التام يحتمل الصدق وهو مطابقة الواقع، والكذب وهو عدم مطابقته للواقع لذاته، هذا الاحتراز لأي شيء؟
للإدخال أو للإخراج؟ لذاته، للإدخال أو للإخراج؟
.
فلا يسمى خبرًا؟! لا العكس لذاته للإدخال، لأن الخبر باعتبار الصدق والكذب ثلاثة:
ما لا يحتمل إلا الصدق.
ما لا يحتمل إلا الكذب.
ما يحتمل الصدق والكذب.
وكلها تسمى أخبارًا، اللفظ الكلام من حيث هو باعتبار الصدق والكذب ثلاثة أنواع:
منها: ما لا يحتمل إلا الصدق، وهو كلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ثانيًا: ما لا يحتمل إلا الكذب، دجال كذاب لا يتكلم إلا بكذب، تعرفه لا يحتمل كلامه إلا الكذب.
وثالث: وهو ما يحتمل الصدق والكذب.
فحينئذٍ لما ذكرنا القسم الأول وهو كلام الله تعالى قلنا: لا يحتمل إلا الصدق، لماذا؟ ليس لذات الكلام اللفظ، وإنما باعتبار نسبته إلى قائله، حينئذٍ لما نظرت القائل وهو الله عز وجل قلت: كلامه لا يحتمل إلا الصدق. وهو كذلك.
(1/8)

ولما نظرت في القائل الكذاب قلت: كلامه لا يحتمل إلا الكذب. إذًا النظر فيما لا يحتمل إلا الصدق لا باعتبار ذات الكلام، وإنما بالنظر إلى قائله، وما لا يحتمل إلا الكذب لا لذات الكلام وإنما بالنظر إلى قائله، ونحن نريد الحدّ هنا أن يكون وصفًا للكلام من حيث هو، يعني: بقطع النظر عن قائله، ليس لنا دخل في قائله، وإنما ننظر في الجملة الاسمية والجملة الفعلية دون النظر إلى قائله، هل هذا يحتمل الصدق والكذب أم لا؟ جميع الكلام بما فيه كلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - دون إضافته إلى قائله، انتبه! دون إضافته إلى قائله نقول: هو داخل في الحدّ. ولذلك قال: لذاته. الضمير هنا يعود قول، الخبر ما هو؟ القضية ما هي؟ قول يحتمل الصدق والكذب لذاته يعني: لذات القول بقطع النظر عن قائله، حينئذٍ كلام الله تعالى من حيث هو هي أخبار تحتمل الصدق والكذب، قول يحتمل الصدق والكذب لذاته هذا المراد بالقضايا، والكلية قلنا: قضايا كلية. الكلية المراد بها القضية المحكوم على جميع أفرادها.
وحيثما لكل فرد حكما ... فإنه كلية قد علما

يعني: يكون المحكوم عليه المبتدأ أو الفاعل لفظ مشترك يُسمَّى كُلِّيًّا، وهذا اللفظ الكلي قد نزل الحكم المرتب عليه على جميع أفراده، حينئذٍ تسمى كلية، وحيثما لكل فرد لكل يعني: على.
وحيثما لكل فرد حكما ... فإنه كلية ........

ولذلك عند الأصوليين أن العموم من قبيل الكليات، بمعنى أن أي حكم شرعي رُتِّبَ على لفظٍ عام فإن هذا الحكم يتبع كل فرد من أفراد العام، أليس كذلك؟ {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] هذه قضية كلية أين المحكوم عليه؟ المؤمنون، ما الحكم؟ ثبوت الفلاح، المؤمنون هذا كلي بمعنى أنه صيغة عموم أل وهي صيغ العموم هنا موصولة، ومؤمنون جمع مؤمن وهو وصف، إذًا وصف دخلت عليه أل فهي صلة يعني: اسم موصول. وهي من صيغ العموم، حينئذٍ كل من اتصف بصفة الإيمان ثبت له الفلاح، فإذا قيل: المؤمنون زيد وعمرو وخالد .... إلى آخره حينئذٍ نقول: كل واحد من هؤلاء يثبت له الحكم. هذا يُسمَّى ماذا؟ يُسمَّى كليًّا بمعنى أن الحكم المرتب على اللفظ يتبع أفراده واحدًا وَاحدًا، فالمراد هنا بالكلية القضية المحكوم على جميع أفرادها وليس المراد بها ما كان موضوعها كليًّا، فكما قلنا في المثال السابق {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} وعرفنا المراد، كذلك هنا في باب القواعد [الضرر يزال]. نقول: هنا كلية. الضَّرَرُ ضرر دخلت عليه أل في قوله: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ} [النور: 31] إذًا من صيغ العموم. إذًا الضرر هذا محكوم عليه، يزال هذا حكم، ماذا نفهم من هذه القاعدة؟
الأول: هي قضية قول يحتمل الصدق والكذب لذاته.
(1/9)

ثانيًا: هي كلية، لماذا؟ لأن الحكم وهو وجوب الإزالة يثبت لكل جزئيٍّ من أجزاء أو من جزئيات الضرر، فالضرر هذا اسم من حيث اللفظ عام، فيدخل تحته كل ما يكون ضررًا وتعارف عليه الناس أو حكم به الشرع سواء كان قولاً أو فعلاً أو تركًا فنقول: [الضرر يزال]. إذًا كل فرد من أفراد الضرر يجب أن يلحقه الحكم وهو وجوب الإزالة، وهذا أحسن التعريفات، أن يقال: القواعد هي القضايا الكلية. وقد يزال بعض الألفاظ التي تأتي للإيضاح كقول بعضهم: المنطبقة على جميع الجزئيات. هذا اشتهر عند كثير أن يقال: القواعد هي القضية الكلية المنطبقة على جميع الجزئيات، نقول: المنطبقة على جميع جزئياتها هذا تفسير لمعنى كلية إذًا هذا القيد لو زِيدَ لا بأس به لكن لا يكون الاحتراز، فالاختصار يكون ماذا؟ نقول: القضايا الكلية، وأما المنطبقة على جميع جزئياتها أو التي يتعرف منها أحكام جزئيات موضعها نقول: هذه الزيادة المراد بها ماذا؟ إيضاح وتفسير معنى الكلية. فإذا قيل: القضايا الكلية. قلت: ما هي الكلية؟ تقول: المنطبقة على جميع جزئياتها أو التي يُتَعَرَّفُ منها أحكام جزئيات موضعها. وفي ((المصباح المنير)) للفيومي قال: القاعدة في الاصطلاح بمعنى الضابط. وهما مترادفان عنده، والصحيح أن بينهما فرقًا كما سيأتي، وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته يعني: عرف القاعدة بأنها الأمر صدرنا نحن فيما سبق وقلنا: أحسن التعاريف. نقول: القواعد هي القضايا، والقاعدة هي القضية، حينئذٍ أخذنا القضية أو القضايا جنسًا في الحد، وهذا أسلمها، عَبَّرَ بعضهم كالفيومي قال: هي الأمر. ثم الأمر هذا يصدق على القضية ويصدق على غير القضية وقد يكون كليًّا وقد يكون جزئيًا، فقال: الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته. عبَّر بالأمر ولم يعبر بالقضية، والأمر كلفظه يشمل القضية وغيرها، والأولى أن يعبر بالقضية. الكلي هذا كقولنا الكلية يعني: مفسر بما وضع. وقوله: المنطبق على جميع جزئياته. نقول: هذا تفسير للكل وليس احترازًا عن شيء يراد إخراجه من الحدّ، لأن الأصل في الحدود أن تقام على القواعد المنطقية، بمعنى أنه يذكر الجنس ابتداءً، ثم يؤتى بالفصول والقو .. # 36.56 بمعنى أن كل لفظ يذكر لا بد أن يكون شيء قد أخرج من الحدِّ، فإذا كان كذلك حينئذٍ صار على القواعد، وإذا زيد فيه لفظ ولم يكن للاحتراز عندهم يعتبر هذا حشوًا في الكلام، فإذا كان الحدّ جامعًا مانعًا اكْتُفِيَ به، وإذا كان قضايا كلية هذا حدٌّ جامع، وهو مانع كذلك، حينئذٍ يوقف عنده هذا من باب التقرير على جهة القواعد، وأما إذا توسعنا وقلنا: ليس بشرط أن نسير بالحدود على القواعد المنطقية. فلا بأس أن يزاد لكن لا يحترز به عن شيء البتة. فلو وقف عند قوله: الأمر الكلي. لدل ذلك على أنه منطبق على جميع جزئياته فصار قوله: المنطبق على جميع جزئياته تفسيرًا وإيضاحًا لكون القضية كلية، لأن هذا هو معناها إذًا هذا التعريف الثاني.
(1/10)

قال تاج الدين السبكي في ((الأشباه والنظائر)) وهو ممن كتب في هذا الفن وتعريفه هو الذي يؤتى به كثيرًا في التصنيفات المتأخرة عرفها أو عرف القواعد بقوله: " هي الأمر الكلي الذي ينطبق على جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منها ". وهذا تعريف مشهور عن تاج الدين السبكي في ((الأشباه والنظائر)) صاحب ((جمع الجوامع)) وهو أصولي فقيه، قال: هي الأمر الكلي. إذًا صدَّره بالأمر وهذا أول اعتراض أن يقال الأمر نعم قد يفسر بالقضية إلا أن التعبير بالقضية أولى، لأن المشترك الأصل امتناعه في الحدّ فيؤتى باللفظ الصريح، وأما المشترك المحتمل فهذا الأولى إبعاده عن الحدود. الأمر الكلي الذي ينطبق على جزئيات، إذًا هذا تفسير لمعنى الكلي، وإذا سُنَّ على قواعد المناطقة حينئذٍ صار حوشًا، وإذا توسعنا قلنا: لا بأس به. قال: جزئيات كثيرة - هذا فيه خلل - تُفهم أحكامها منها. يعني: بواسطة هذه القواعد، يُفهم من التعريف أن القاعدة الكلية قد لا تكون كلية بمعنى أنها أغلبية لأنه قال: على جزئيات كثيرة. إذًا ما الذي يقابل كثيرة بعضها هي جزئيات لكنها لا تنطبق عليه القاعدة أليس كذلك؟ الأمر الكلي الذي ينطبق على جزئيات كثيرة، وهذه الجزئيات الكثيرة داخلة تحت الأمر الكلي إذًا ما يقابل كثيرة بعضها الذي هو قليل، ولا ينطبق عليها هذا الأمر الكلي. إذًا النتيجة أن هذه القواعد الفقهية أغلبية وليست كلية وهذا شائع عند كثير من المتأخرين، أن القواعد الفقهية هي أغلبية بمعنى أن بعض الأفراد التي تدخل تحت مفهوم الكلي الذي هو المحكوم عليك الضرر مثلاً بعض الضرر قد لا يجب إزالته، وبعض المشقة قد لا تجلب التيسير، وبعض الأمور قد لا تكون بالمقاصد .. وهلم جرا، يعني: بعض الأفراد لا ينطبق عليها حكم اللفظ العام، ولذلك صارت أغلبية، بل قد نص بعضهم على هذا كما فعل الحموي الحنفي حيث عرف القاعدة فقال: " حكم أكثريٌّ لا كليٌّ ينطبق على أكثر جزئياته لتُعرف أحكامها منه ". ومنشأ الخلاف هنا هل هي قواعد كلية مطردة لا يتخلف عنها جزئي من جزئيات موضعها أم أنها أغلبية؟
(1/11)

هنا النظر أن في من صنَّف في كتب في فن القواعد الفقهية لا بد وأن يذكر القاعدة وبعد شرحها يذكر مستثنيات، يعني: في ظاهرها أنها تدخل تحت القاعدة ولكنها لم تدخل، ولذلك تسمى مستثنيات القاعدة، يعني: من الجزئيات التي ينطبق عليها المفهوم الكلي المحكوم عليه ولكن لم يصدق عليها الحكم، يعني: هي ضرر لكن لم يجب إزالته، هي مشقة لكنها لم تجلب التيسير. من نظر إلى القاعدة من حيث أصلها ولم ينظر إلى المستثنيات قال: هي قاعدة كلية. ومن اعتبر المستثنيات قال: هي قاعدة أغلبية. فمن أراد أن يُعَرِّفَ القاعدة هل نعرف القاعدة من حيث هي أو باعتبار شيء آخر خارج عنها؟ فمن عرف باعتبار القاعدة من حيث هي قال: كلية لا أغلبية. ومن نظر إلى المستثنيات قال: هي قاعدة أغلبية. ولذلك ثَمَّ خلاف في القواعد الفقهية هل هي كلية؟ بمعنى أنه لا يخرج عنها فرد من أفرادها، أو أنها أغلبية بمعنى أنه قد يخرج بعض الأفراد الذي كان ينبغي أن يكون داخلاً تحت القاعدة فيشمله الحكم ولم يدخل هذا محل نزاع بينهم هو سبب الخلاف في التعريف. وسيأتي معنا كلام الشاطبي رحمه الله تعالى القواعد الكلية وخروج بعض الجزئيات بحكم يخالف تلك القاعدة لا يعتبر نقضًا لكلية القاعدة، بمعنى أن القواعد كلية وهي مطردة لا يتخلف عنها جزئي البتة، ووجود بعض المستثنيات أخذت حكمًا يخالف تلك القاعدة لا يعتبر نقضًا لكلية القاعدة، بل هي كلية وهذا الفرد لم يدخل تحت القاعدة، إما لفوات شرط من شروط القاعدة، أو لوجود مانع من موانع القاعدة.
إذ هذه القواعد ليست مطلقة لها شروط لها ضوابط، فمعنى المشقة مشروط ليست كل مشقة، ومعنى الضرر مشروط إذًا لا بد من تحقق شرط وانتفاء مانع في هذا الجزئي الذي يراد إدخاله تحت القاعدة، فإذا خرج من القاعدة في نظر الناظر لأنه جزئي كان ما ينبغي أن يكون داخلاً تحت القاعدة فلم يدخل فينظر لشيء آخر، هل تحقق في هذا الجزئي شرط القاعدة؟
إذا تحقق هل وُجِدَ مانع يمنع من دخول هذا الجزئي تحت القاعدة؟
فإن انتفى ذاك وذاك حينئذٍ يمكن الاعتراض، ولذلك لا يوجد - كما سيأتي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - لا يوجد جزئي انفرد عن القاعدة إلا لانفراده بوصف لا يدخل تحت القاعدة. إذًا كلام الشاطبي يكون في محله وهو أن القواعد كلية مطردة وأن خروج بعض الجزئيات بحكم يخالف القاعدة لا يعتبر نقضًا للكلية. إذًا نعرف القاعدة باعتبارها هي في نفسها ولا ننظر إلى المستثنيات البتة، لأنها خرجت بأوصاف لا يصدق عليها مفهوم القاعدة، لا يُعتبر نقضًا لكلية القاعدة لأن القاعدة هذا شأنها بأنه لا بد من الاستثناء، وهذا الاستثناء لا يصير القاعدة أغلبية بل هي باقية على كليتها، وهذا الفرع الذي خرج من القاعدة لا بد وأنه مندرج تحت قاعدة أخرى، حينئذٍ يكون هذا الجزئي قد تنازعه قاعدتان، هذا إيراد آخر وهو أن هذا المستثنى الذي خرج من هذه القاعدة أين ذهب؟ نحن نقول: الفقه كله مبني على قواعد، لا يمكن أن يوجد مسألة واحدة فقهية إلا وهي لها أصل قاعدة فقهية أصولية، هذا الجزئي الذي خرج عن قاعدة الضرر يزال هل دخل تحت قاعدة ثانية أم لا؟
(1/12)

لا بد أنه قد دخل تحت قاعدة ثانية، إذًا هذا الجزئي مما تنازعه قاعدتان، قاعدة في ظاهره أنه يدخل تحته، ولكن لوجود أمر باطن قد لا يَتَنَبَّهُ له الشخص خرج عن القاعدة هذه، ولكنه في نفس الوقت دخل تحت قاعدة أخرى، إذًا جزئي تنازعه قاعدتان أو أصلان، فهذا الفرع أو الجزء الذي خرج لا بد وأنه مندرج تحت قاعدة أخرى، حينئذٍ يكون هذا الجزئي قد تنازعه قاعدتان بعضهم يرى أنه داخل في هذه القاعدة وخرج منها، وبعضهم يرى أنه قد دخل في قاعدة أخرى، حينئذٍ الخلاف فيه ليس في كونه ليس داخلاً في قاعدة، وإنما الخلاف فيه هل هو داخل تحت هذه القاعدة أم تحت هذه القاعدة، واضح هذا؟ انتبه!
إذًا كل ما يمر بك في المستثنيات حينئذٍ تقول: هذا الذي استثني لم يدخل تحت هذه القاعدة، لكنه دخل تحت قاعدة أخرى، إذًا لا يوجد فرد عندنا إلا وهو داخل تحت قاعدة ما. إذًا ليس ثَمَّ نزاع في الاستثناء على جهة الإطلاق، لا بد من الاستثناء، وإنما هو استثناء جزئي من دخوله تحت قاعدة ليدخل تحت قاعدة أخرى، ثم هذا الاستثناء إما لفوات شرط أو لوجود مانع. إذًا لم تنطبق عليه القاعدة من أصلها، نأخذ من هذا أن القواعد الفقهية كلية، بمعنى أنها مطردة، بمعنى أنها لا يوجد جزئي يصدق عليها مفهوم القاعدة وحكم القاعدة ثم لا يأخذ الحكم، لا وجود له البتة لماذا؟
لأن هذه القاعدة كما سيأتي في استمدادها إما أنها نص من كتاب أو سنة ونتكلم القواعد العامة المطردة متفق عليها، أو الراجح إعمالها، إما أنها نص من كتاب أو سنة حينئذٍ الاحتجاج بها أو احتجاج بأصلها، وإما بالنظر لاستقراء الفروع، والنظر فيها يكون قدر مشترك في المعنى، ثم توضع له هذه القاعدة.
إذًا لا بد وأن هذا الجزئي لم يوجد فيه هذا المعنى من أصله.
ثم قال التاج السبكي: ومنها ما لا يختص بباب كقولنا: " اليقين لا يرفع بالشك ". ومنها ما يختص بباب.
يعني: الأمر الكلي نوعان:
أمر كلي لا يختص بباب بل يشمل الفقه من أوله إلى آخره، العبادات بأنواعها الطهارة الصلاة الزكاة الصوم الحج .. إلى آخره، المعاملات بأنواعها من بيع وشراء وتجارة ونكاح وطلاق وقضاء وإقرار .. إلى آخره فكلها داخلة تحت هذه القاعدة.
ومنها من الأمر الكلي النوع الثاني: ما لا يشمل سائر الأبواب، وإنما يختص بباب واحد، كما نقول: الأصل في الماء الطهارة. نقول: الأصل في الماء هذا كلي فكلما مر بك ماء على وجه الأرض إذًا له أفراد وله جزئيات، فاحكم عليه بأنه طاهر، الأصل في الماء الطهارة، نقول: هذا كلي وله أفراد وينطبق على جزئياته إلا أنه ليس بقاعدة. يعني: لا يسمى قاعدة على الصحيح. وثم لكونه يختص بباب وهو باب المياه حينئذٍ نقول: هذا لا يسمى قاعدة، لأن القاعدة هو الذي لا يختص بباب بل يتعلق بجميع الأبواب. إذًا أمر الكلي على نوعين - على ما قاله السبكي -: منها ما لا يختص بباب كقاعدة [الضرر يزال]، [المشقة تجلب التيسير].
ومنها ما لا يكون عامًا بل يختص بباب من أبواب الفقه، إما الصلاة فقط وإما الصيام فقط، وإما البيع والشراء فقط، وإما النكاح، وإما الفرائض إما الديات .. ونحوها إن اختص بباب ولم يشركه غيره حينئذٍ نقول: هذا ضابط وليس بقاعدة.
(1/13)

قال: ومنها ما لا يختص بباب كقولنا: [اليقين لا يرفع بالشك]. ومنها ما يختص بباب كقولنا: [كل كفارة سببها معصية فهي على الفور]، هذا متعلق بالكفارات ليس مطلقًا. قد يقال بأن ابن السبكي هنا رحمه الله تعالى يرى أنه لا فرق بين القاعدة والضابط، لما عرف قال: أمر كلي الذي ينطبق على جزئيات كثيرة تُفهم أحكامها منها قال: ومنها ما لا يختص بباب. هل قوله: ومنها ما لا يختص بباب. وما بعده داخل في الحدّ أم أنه كلام مستأنف؟ على قولين:
منهم من جعل هذه الجملة من كلام ابن السبكي داخلة في الحدّ التعريف، فحينئذٍ صار الضابط والقاعدة بمعنى واحد عند ابن السبكي.
ومنهم من قال: بأن الكلام قد وقف عند قوله: تُفهم أحكامها منها. ثم استأنف كلامًا جديدًا قال: ومنها ما لا يختص بباب. حينئذٍ لا يُلْزَم ابن السبكي بأن القاعدة والضابطة بمعنى واحد، والثاني هو الصحيح أنه لا يرى الترادف بين القاعدة والضابط، والحدّ عنده انتهى عند قوله: تفهم أحكامها منها. ثم استأنف كلامًا جديدًا فقال: ومنها ما لا يختص .. إلى آخره. قد يُفهم من كلامه كما فسر البعض أنه لا فرق بين القاعدة والضابط، والصواب أن قوله: تفهم أحكامها منها. انتهى الحد هنا، ثم قسم لك هذا الأمر الكلي إلى قسمين:
منه ما لا يختص بباب.
ومنها ما يختص بباب.
والصواب أن الثاني الذي هو الضابط لا يسمى قاعدةً، وإنما يسمى ضابطًا كما سيأتي في الفروق بين القاعدة والضابط.
ومن تعريف ابن السبكي أن الأمر الكليّ لا يكون قاعدةً إلا إذا انطبق على جزئيات كثيرة وهو كذلك، بمعنى أن الأمر الكلي إذا لم ينطبق على شيء لا يسمى قاعدة أليس كذلك؟ إذا كان الأمر الكلي ليس له جزئيات، إذًا لا يسمى قاعدة، هذا يسلم له وهو ظاهر. وقوله: على جزئيات كثيرة. كما ذكرنا فيما سبق أنه يفهم منه أنه يرى أن القواعد أغلبية وليست بكلية، وهذا يُنْتَقَض يعني: يُسْتَدْرَكُ عليه فيما ذكره.
والصواب أن يقال: بأن القاعدة كلية وتنطبق على جميع جزئياتها، وأما على جزئيات كثيرة - كما قال هو فهذا لا يسلم له البتة -. وقيل بتعريفات أخرى والذي ذكرناه هو أولى، والأول هو المقدم بأن القاعدة هي القضايا أو هي القضية الكلية إلى هنا نقول: هذا المعنى الاصطلاحي. قولهم: تنطبق على جزئيات كثيرة. ما المراد بالانطباق هنا؟ نقول: المراد به الاشتمال بمعنى أن القاعدة الكلية تحتها جزئيات، وهذه الجزئيات اشتملت القاعدة عليها بمعنى أنها دخلت تحتها، ولا يخرج عنها جزئي البتة، هذا المراد بالجزئي وهو معنى الكلية كما فسرنا.
وحيثما لكل فرد حكما ... فإنه كلية ........
(1/14)

إذًا نقول: الكلية هو ما صدق على جميع الجزئيات، وتبع الحكم فيها كل جزئي بانفراده عن الجزئيات الأخرى، هذا معنى الانطباق. إذًا أن تكون هذه القاعدة مشتملة على جميع الجزئيات، ثم هذا الاشتمال هل المراد به اشتمال بالفعل أم اشتمال بالقوة؟ بمعنى أن هذه الجزئيات قد تكون ملفوظًا بها، وقد تكون في ضمن القاعدة لم ينص عليها، وهو يعنون له بالدلالة بالقوة يعني: جميع الجزئيات قد دخلت تحت القاعدة [الضرر يزال] أي ضرر؟ لم يُنَصّ عليه، حينئذٍ إذا لم يُنَصّ على ضرر معين قلنا: دخل جميع الجزئيات بالقوة، وإذا نص على ضرر معين حينئذٍ نقول: هذا الجزئي الذي تُلفظ به هذا جزئي بالفعل، فهو داخل في القاعدة، لو قيل: إيقاف السيارة في الطريق ضرر أم لا؟ فيه شكل [ها ها]، إيقاف السيارة في الطريق ضرر هذه مقدمة صغرى، والضرر يزال إذًا يجب منع إيقاف السيارة في الطريق، حينئذٍ نقول: هذا جزئي وهو إيقاف السيارة في الطريق هذا جزئي وهو ضرر، إخراجه من القاعدة بالتنصيص عليه يسمى ماذا؟ اشتمالاً بالفعل، فالضرر يزال لما ذكرناه مقارنةً بهذا الجزئي قلنا: هذا جزئي اشتملت عليه القاعدة بالفعل يعني: نُطِقَ به وما عداه مما لم ينطق به فاشتملت عليه القاعدة بالقوة، فكلّ القواعد على هذا، [الأمور بمقاصدها]، الأمور قد لا تستحضر في نفسك أي أمر ما، تقول: اشتملت جميع الجزئيات لكن بالقوة. الضرر يزال، المشقة تجلب أي مشقة هذه؟ لم يُنَصّ عليها حينئذٍ نقول: شملت جميع الجزئيات لكن بالقوة، لكن يقيد بالقوة يعني: أنه لو نظر فيها لخرج بالنتيجة، يقيد بالقوة القريبة لا البعيدة، لأن ممكن العامي يقال له: الضرر يزال. ولا يدري أنواع الضرر، ثم يتعلم بعد سنتين ثلاثة وأربعة فيخرج بعض الجزئيات، حينئذٍ القوة البعيدة التي لا تكون إلا بعد جهد وتعلم وتعليم هذه ليست مراده هنا، وإنما النظر يكون في الجزئي الذي لا يُنَصّ عليه ثم إذا عرض على العالم استطاع أن يستنبط حكمه من هذه القاعدة، هذا المراد بالانطباق. وفُسِّرَ الانطباق هنا أيضًا كذلك بالحمل يعني: حمل المفهوم الكلي على الأفراد. إذا قلت: زَيْدٌ قَائِمٌ. حكمت على زيد بالقيام، المحكوم عليه معين أو غير معين؟
..
زَيْدٌ قَائِمٌ، حكمت على زيد بالقيام حينئذٍ نقول: زيد هنا معين أم لا؟
معين، طيب إذا قلت: الفاعل مرفوع. حكمت على الفاعل بأنه مرفوع أي فاعل؟
..
غير معين، القضية الأولى زَيْدٌ قَائِمٌ، تُسمَّى جزئية شخصية، القضية الثانية - وهي بحثنا الفاعل مرفوع، المشقة تجلب التيسير، نقول: هنا عندنا مفردان:
المفرد الأول: المحكوم عليه وهو الفاعل، الفاعل لنا فيه نظران:
النظر الأول: من حيث معرفة حقيقته. يعني: تعريفه ما تعريف الفاعل؟ الاسم المرفوع المذكور قبله فعله، فتنظر في الحدّ، فتحكم على أن هذا الشيء فاعل، ثم له نظر آخر وهو الجزئيات، إذًا الفاعل له جهتان أنتم معي؟ الكلام واضح؟ الفاعل له نظران:
(1/15)

النظر الأول: من حيث حقيقته ما هو الفاعل؟ وهذا الذي يميزه هو الحدّ، ولذلك الحدود مفيدة وإن كان فيها شيء من العسر، الحدود مفيدة لأنها هي التي تميز أنت متى تحكم على أن هذا فاعل أو تميز أو حال؟ متى تحكم عليه؟ متى تفك هذه الألفاظ؟ بالحدود تعريف جَاءَ زَيْدٌ ضَاحِكًا، زَيْدٌ ضَاحِكًا هذا زيد من حيث هو يحتمل أنه فاعل ويحتمل أنه مفعول به حال تميز .. إلى آخره، لكن متى تحكم عليه أنه فاعل نقول: هذا اسم مذكور قبله فعله، أو أسند إليه فعل تام .. إلى آخره، ضَاحِكًا هذا يحتمل أنه فاعل يحتمل .. التجويز العقلي يجوز ما لا نهاية له، والذي يميز أن زيد من قولك: جَاءَ زَيْدٌ ضَاحِكًا. فاعل هو الحدّ التعريف، والذي يميز ضاحكًا من قولك: جَاءَ زَيْدٌ ضَاحِكًا. أنه حال هو التعريف. إذًا الحقيقة تميز، ثم مرحلة أخرى ما حكم الفاعل؟ ما حكم التميز؟ ما حكم الحال؟ تقول إيش؟
..
مرفوع أو منصوب، إذًا الفاعل له نظران:
أولاً: من حيث الحقيقة.
الثاني: من حيث الجزئيات والأفراد.
ثانيًا: النظر الآخر للكلمة الثانية المحكوم به، وهو كونه مرفوعًا، لها مفهوم ولها أفراد فهمتهم؟ إذًا الكلمتان لهما مفهوم ولهما أفراد، إذا حكمت بكون الفاعل مرفوعًا هل الحكم يصدق على الحقيقة التعريف أم على الأفراد؟
..
نعم على ما مضى قلنا: الكلية تتبع الجزئيات. فالحكم ينصب على ماذا؟ على الأفراد، فأنت لا تحكم بكون الفاعل الذي هو الحقيقة التعريف هذا في الذهن لا وجود له في الخارج كيف يرفع ما يمكن رفعه، الذي يرفع زيد، ثبت أنه فاعل لماذا؟ لثبوت حقيقة الفاعل، أين حقيقة الفاعل؟ في الرأس ليست في الخارج، إنما الذي يوجد في الخارج هو الجزئيات، والذي يرفع هو الجزئيات، حينئذٍ حكمت بمفهوم المرفوع لا بأفراده على جزئيات الفاعل لا مفهومه، حكمت بماذا؟ بمفهوم المرفوع لا بأفراده على جزئيات الفاعل لا مفهومه، الضرر يزال، نفس الكلام الضرر له مفهوم ما يقابل النفع، والمفهوم هذا يكون في الذهن فقط، له جزئيات يزال - معنى إزالة الترك العدم - وله جزئيات، حينئذٍ حكمت بماذا في هذا التركيب؟ حكمت بمفهوم يزال على جزئيات الضرر.
المشقة تجلب التيسير جَلْبُ التيسير له مفهوم وله أفراد، المشقة لها مفهومٌ ولها أفراد، حكمت بمفهوم تجلب التيسير على جزئيات وأفراد المشقة، واضح هذا؟ ولذلك نقول: هذا المراد بالانطباق والحمل أنه يُخْبَرُ ويُحْكَمُ بمفهوم المحكوم به على أفراد المحكوم عليه، فحينئذٍ يتبعه واحدًا تلو الآخر، فلا ينفك أحدهما عن الآخر كما نقول: {اقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]. يعني كل المشركين، مما وجد فيه شرطه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1]. كلُ مؤمنِ زيدًا كان أو عمرًا أو خالدًا في أي بلدٍ وفي أي زمان ما دام أنه وُجِدَ فيه وصف الإيمان بشرطه فهو مفلحٌ في الدنيا والآخرة لعموم النص. إذًا: فُسِّرَ الانطباق أيضًا بالحمل، أي حمل المفهوم الكلي على الأفراد، والمراد بالجزئيات أفراد ذلك المفهوم الكلي لموضع القاعدة.
(1/16)

مثاله: قاعدة: الضرر يزال. فللضرر مفهومٌ هو أمرٌ كليٌ له أفرادٌ في الخارج كوضع شيءٍ في الطريق. فنقول: هذا ضررٌ، أولاً تثبت أنه ضرر، وبانطباق الأمر الكلي على هذه الأفراد حينئذٍ تعرف أحكامها وهي أنها تزال، فتثبت أولاً أن هذه مشقة ولك وجهٌ فيها ما يذكره الفقهاء في هذه القاعدة، ثم تُنَزّل الحكم الذي رتب على المشقة، فتقول: [المشقة تجلب التيسير] فلك نظران:
أولاً: تثبت أن هذا الفرد الذي عُرِضَ عليك هو الجزئي أنه فيه مشقة بشرطها، ثم تُنَزّل الحكم الشرعي وهو أنها تجلب التيسير، فتُبَيِّنُ أولاً أن هذا ضرر فعلاً أو قولاً أو تركًا ثم تُنَزّل الحكم الشرعي بكون كل جزئيٍ من هذه الجزئيات تجب إزالته حينئذٍ صار موافقًا لما سبق.
إذًا: الحاصل مما ذكرنا في التعريفات السابقة أن القاعدة قضية لا أمرٌ، وعرفها بعضهم بأنها حكمٌ كليٌّ، كذلك لا يقال: بأنها حكمٌ. إذًا: هي قضية وعرفنا معنا القضية، ثانيًا أن هذا التعريف أو التعبير بالقضية هذا أولى من القول بالأمر أو الحكم.
ثانيًا: القاعدة كلية بمعنى: أنها لا أغلبية، كلية لا أغلبية، ومعنى كليةٍ، كليتها أنها مشتملةٌ على جميع جزئياتها لا يخرج عنها فردٌ من أفرادها البتة، وأن الاستثناء من بعض القواعد لا يَنْقُضُ الكلية وهذا هو الحق في هذه المسألة، ويأتي كلام الشاطبي رحمه الله تعالى.
ثالثًا: القاعدة لا بد أنها تنطبق على جزئيات وتعرف أحكام موضوعها منها، وهذا وإن كان داخلاً في كلية القضية إلا أنه زِيدَ في التعريف من باب الإيضاح، فلو قال قائل: القاعدة هي القضية الكلية، لكان الحد جامعًا مانعًا، فإذا زِيدَ المنطبقة أو التي تَعَرّف فحينئذٍ لا بأس به، لكن لا يكون قيدًا للاحتراز وإنما هو قيدٌ للإيضاح، لأن القيود إما للاكتشاف وهذا لا يكون للاحتراز، وإما يكون للاحتراز.
قال الشاطبي رحمه الله تعالى: إن الأمر الكلي إذا ثبت أنه كليٌ، فتَخَلُّف بعض الجزئيات عن مقتضاه - ويعتبر أمر كلي - لا يخرجه عن كونه كليًّا. على ما سبق، وأيضًا فإن الغالب الأكثرية معتبرٌ في الشريعة اعتبار القطع، بمعنى أن الشرعية إذا قيل: بأن هذه القاعدة أغلبية لكون بعض المستثنيات خرجت. قل: لا، إخراج بعض المستثنيات لا ينقض الأصل بأنه كلي، بدليل ماذا؟ أن الشريعة كلية أليس كذلك؟ ومع ذلك أحكامها أكثرية وكون بعض الأفراد خرج عن بعض مقتضى الأحكام الشرعية لا يخرج الشرعية أو الشرع بأنه كلي. من ذلك كمثال نقول: القيام في الصلاة ما حكمه؟ ركنٌ ليس بواجب ركنٌ. إذا كان ركنًا نقول: القيام في الصلاة ركنٌ مطرد أم لا؟ مطرد قطعًا، زيدٌ مريضٌ لا يستطيع القيام فإن لم تستطع قاعدة جاء النص حينئذٍ وجود النص بحكمٍ يخالف كون القيام ركنًا. هل يُعتبر نقضًا أم يعتبر استثناء لوصفٍ يختص به؟
(1/17)

لوصفٍ يختص به، ولذلك نقول: الجزئي الذي يخرج عن القاعدة لا بد وأن ثم وصفًا لا يُدخله تحت القاعدة، وهنا الذي يُصلي جالسًا لا بد من وصفٍ لا يدخله تحت قوله: «صلِّ قائمًا». لماذا؟ لأن صلِّ قائمًا يكون للأصحاء، وهم الكثرة الغالبة، ولذلك جاء النصوص مطلقًا: «وصلِّ قاعدًا». هذا جاء لوصفٍ يختص به وهو المرض. إذًا: هذا جزئيٌ خرج عن الأصل لوصفٍ يختص به ولم ينقض الأصل، كذلك جميع القواعد التي يكون فيها مستثنيات نقول: لأوصافٍ اختصت بها لا تُخرجها يعني: لا تخرج القاعدة عن كونها كليّة.
قال: (وأيضًا فإن الغالب الأكثري معتبرٌ بالشريعة اعتبارٌ القطعي. وهذه المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كليٌ يعارض هذا الكلي الثابت وهذا شأن الكليات الاستقرائية، وإنما يتصور أن يكون تخلف بعض الجزئيات قادحًا في الكليات العقلية، فالكليات الاستقرائية صحيحة وإن تخلف عن مقتضاه بعض الجزئيات. يعني: النقض لا يكون في الكليات الاستقرائية الشرعية، وإنما تخلف بعض الأفراد عن حكم القاعدة يعتبر نقضً في الكليات العقلية، وبحثنا في الشرعيات أم في العقليات؟ في الشرعيات. إذًا: لا نقض، وإنما يكون في العقليات. مراده أن الاستثناء في بعض القواعد لا ينافي الحكم بكونها كلية، فلا ينقض القاعدة الكلية ولا يسلبها وصف الكليةِ البتة، وهذا هو الصحيح حينئذٍ لا نحتاج إلى أن نقول: القاعدة قضيةُ الأغلبية أو أنها أمرٌ أغلبي.
إذًا: مراد الشاطبي رحمه الله تعالى الاستثناء ببعض القواعد لا يجعل القاعدة أغلبية بل هي كلية، والذي خرج من هذا الجزئي لابد أنه دخل تحت قاعدةٍ أخرى، وحينئذٍ يقال: تنازع فيه أصلاً أو قاعدتان.
ثم لو لم يدخل تحت قاعدة أخرى نقول: هذا نادر، والنادر لا حكم له.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في ((الإعلام)): إذ شأن الشرائع الكلية أن تراعى الأمور العامة المنضبطة ولا ينقضها تخلف الحكمة في أفرادٍ أو في بعض الأفراد والصور. هذا يؤكد ما ذهب إليه الشاطبي رحمه الله تعالى.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأنواع بحكمٍ يفارق به نظائره - الجزئيات - لا بد أن يَخْتَصّ ذلك النوع بوصفٍ يوجب اختصاصه بالحكم ويمنع مسَاواتِه لغيره ". إذًا: هذا الجزئي انفرد عن سائر الجزئيات التي في ظاهر الناظر أو الفقيه أنها مستوية مع سائر الجزئيات. نقول: لا، هذا الجزئي ما خرج إلا لوصفٍ علمه من علمه وجهله من جهله، وهذا لا ينقض القاعدة في أصلها.
هذا ما يتعلق بالقواعد.
(1/18)

الفقهية. ثالثًا: هذا قيدٌ ثالث في الاسم التوصيفي والمركب التقييدي، والفقهية نسبةٌ إلى الفقه وهو مصدر اصطناعي مُوَلَّد يعني نسبة ثم التاء للدلالة على الوصفية، والقومية قومٌ قومِي ثم يؤتى بالتاء. قالوا: هذا مصدرٌ صناعي، والفقهية قيدٌ في قواعد، ومعلومٌ أن القيد إما أن يكون للاحتراز يعني للإخراج أو للكشف والإيضاح، وهنا عرفنا أن القضايا الكلية هذه ليست خاصة بالفقه، إذ عرفنا القاعدة بأنها القضايا الكلية في أي فنٍ، النحاة عندهم قضايا عندهم قواعد، والصرفيون عندهم قواعد، والأصوليون عندهم قواعد، وأهل التفسير عندهم قواعد، وأهل المصطلح عندهم .. إذًا: قواعد في سائر الفنون، ونحن نريد ماذا؟ نريد أن نَخُصّ هذه القواعد بالفقهية حينئذٍ صار قولنا: الفقهية قيدًا للاحتراز. إذًا: القواعد الفقهية، لا القواعد الأصولية، لا القواعد النحوية، لا القواعد الصرفية، لا البيانية. إذًا نقول: الفقهية هذا قيدٌ للإخراج، والفقهية [نسبةً إلى الفقه أو] (1) نسبةٌ إلى الفقه، والفقه في اللغة الفهم مطلقًا، يعني: لا يقيد بما دقّ أو خفي، والأمر عام هذا الذي تصحح عند أهل اللغة وكذلك جماهير الأصوليين، واصطلاحًا عند الأصوليين علم بالأحكام الشرعية والعملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، وهذا القيد وهذا الحد شرحه في موضعه، لكن نُنَبّه على أنه قوله: مكتسب. هذا غلط يجب إسقاطه. يعني: العلم بالأحكام الشرعية - العلم مطلق الإدراك الشامل للتصور والتصديق، والأحكام جمع حكم مراد به التصديقات، وهي عامة تشمل العقلية والاصطلاحية والعرفية والشرعية. الشرعية هذا قيدٌ للاحتراز فأخرج غير الشرعية.
المكتسب بالرفع، صفةٌ للعلم لأن العلم قسمان: منه ما هو ضروري، ومنه ما هو مكتسب، فحينئذٍ خصّ جماهير الأصوليين الفقه بالعلم المكتسب، وأما العلم الضروري يعني: المعلوم من الدين بالضرورة هذا لا يسمى فقهًا، وهذا غلط، ولذلك نقول: هذا القيد لا بد من إسقاطه، فنقول: العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وأدلتها أراد الاحتراز به عن المقلد، التفصيلية المراد به الاحتراز عن الأدلة الإجمالية وهو أصول الفقه.
رابعًا: تعريف القواعد الفقهية باعتبارها عَلَمًا ولقبًا للفن. إذًا: عرفنا القواعد الفقهية باعتبارها ماذا؟ مركبًا توصيفيًا، نظرنا معنى القواعد لغةً واصطلاحًا، والفقهية لغةً واصطلاحًا، عرفنا أن الفقهية للاحتراز عن غير الفقهية، أما باعتبارها علمًا ولقبًا للفن المعروف فحينئذٍ نزيد فقط كلمة شرعية عملية أو فقهية، يعني الحد السابق كما هو فنقول: هي قضية شرعيةٌ عمليةٌ كليةٌ. ونقف هنا، ولا بأس أن يزاد يُتَعَرّف منها أحكام جزئياتها.
قضيةٌ شرعية. إذًا لا لغوية، ولا غيرها.
عمليةٌ احترازًا عن القواعد الاعتقادية، التي تكون في باب الأسماء والصفات وباب التوحيد .. إلى آخره تسمى قواعد، والمراد هنا ما كان متعلقًا بعمل، كيفية عمل هو الذي يعبر عنه بالفقه، أو إن شئت قل: قضيةٌ شرعيةٌ فقهيةٌ كليةٌ يُتَعَرّف منها أحكام جزئياتها. وهذا أجود ما يقال في الحدّ والشرح يكون كسابقه.
__________
(1) سبق.
(1/19)

خامسًا: الفرق بين القواعد الفقهية والضوابط الفقهية. قلنا: بعضهم سوَّى بينهما وهذا مرجوحٌ كما نقلنا عن الفيومي في ((المصباح المنير))، وفيما فهمه البعض من تعريف ابن السبكي في ((الأشباه والنظائر))، فحينئذٍ منهم من سوَّى بينهما، ومنهم من فَرَّقَ، والتفريق أصح، ثَمَّ فرقٌ بين القواعد الفقهية والضوابط الفقهية، لأن كلاًّ منهما - سبب الاشتباه - كلاًّ منهما يدخل تحته جزئيات كما قلنا: الأصل في الماء الطهارة، أليس كذلك؟ كلّ ميتة الأصل فيه النجاسة إلا الجراد والسمك، والآدمي على خلافٍ فيه. إذًا نقول: الأصل في الميتة النجاسة، هذا متعلق بالميتات. إذًا: متعلق بباب، دخل تحته جزئيات أم لا؟
نعم، دخل تحته جزئيات، فلما دخل تحت الضابط جزئيات اشتبه بالقاعدة، إذ كلٌ منهما فيه عمومٌ وشمول، حينئذٍ استوى عند بعضهم إطلاق لفظ القاعدة على الضابط.
والضوابط جمع ضابط وهو مأخوذٌ من الضبط قال الليث: الضبط لزوم شيءٍ لا يفارقه في كل شيء، وضبط الشيء حفظه بالحزم، والرجل ضابطٌ أي: حازمٌ، والضبط إحكام الشيء وإتقانه، وضبط الكتاب أصلح خلله. إذًا: تدور حول الإحكام والإتقان، والضابط مأخوذٌ من الضبط، والضبط له معاني أو له ألفاظ مشتقات تدور كلها على معنًى واحد وهو الإحكام والإتقان.
أما في الاصطلاح كما ذكرنا من العلماء من سوَّى بين الضابط ... والقاعدة، حينئذٍ يعرف الضابط بتعريف القاعدة على ما سبق، ومنهم من فَرَّقَ بينهما كتاج الدين السبكي وتبعه بعضهم، وذكرنا أن الصحيح أن حده يقف عند قبل قوله: ومنها. حيث نص على أن الغالب في ما اختص بباب وقُصِدَ به نظم صور متشابهةٍ أن يسمى ضابطًا وهذا هو المشهور، وهو الصواب.
قال السيوطي: إن القاعدة تجمع فروعًا من أبوابٍ شتى. يعني: من أبواب الفقه، والضابطَ يجمع فروعًا من بابٍ واحد. إذًا: ما جمع فروعًا من أبوابٍ شتى هذا يسمى قاعدة، ما جمع فروعًا من بابٍ واحد فهو الضابط، هذا أصح ما قيل، وهذا هو الصواب الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي. فالقاعدة أعم وأوسع والضابط أخصّ وأضيق. %% 1.14.15
وقد تطلق القاعدة على الضابط، هذا من حيث الحقيقة أن ثمَّ فرقًا بينهما، لكن نجد أن من أَلَّفَ في القواعد الفقهية أطلق على كثير من الضوابط أنها قواعد، قال: قاعدة كذا، وأراد به الضابط. وهذا اصطلاح شائع عند كثير ممن صنف في القواعد كابن رجب، ابن رجب في قواعده أكثر ما ذكره ضوابط وليس بقواعد، وهذا شائعٌ عند كثير ممن تبعه كذلك، وسيأتي معنا في الكتاب أن أكثره ضوابط وليست بقواعد، يعني: مختصة ببابٍ واحدٍ، وتوسعوا في الاصطلاح لكونها شاملةً وفيها شيء من العموم وتحتها جزئيات، وأُطلق عليها أنها قاعدة من باب التوسع ن ولذلك ابن رجب قال:
(1/20)

القاعدة الأولى: الماء الجاري هل هو كالراكد أو كل جريتٍ منه لها حكم الماء المنفرد؟ هذه مختص بباب الطهارة، إذًا: سماها قاعدة بمعنى أنها ضابط، وكذلك السبكي في ((الأشباه والنظائر)) قسّم القواعد إلى قواعد عامة وقواعد خاصة، وعنى بالقواعد الخاصة الضوابط، أطلق عليها القواعد الخاصة، ولذلك قال في أمثلة القواعد الخاصة: قاعدة: كل ميتةٍ نجسةٌ إلا السمكة والجراد بالإجماع والآدمي على الأصح، الآدمي على الأصح في المسلم، أما الكافر فلا، ومثله السيوطي في ((الأشباه والنظائر)) وابن القيم في ((إعلام الموقعين)).
استمداد القواعد، وهو السابع، من أين نأخذ هذه القواعد؟ عندنا تدرس كتابًا في قواعد الفقه، من أين نأخذ هذه القواعد؟
أولاً: الكتاب والسنة، وهما من أهم المصادر التي استندت إليها بعض القواعد الفقهية كقاعدة " الأمور من مقاصدها "، قاعدة الأمور من مقاصدها هذه أول قاعدة تذكر عند أرباب التصنيف، ابن السبكي في ... ((الأشباه والنظائر)) قال: هذه القواعد دليلها حديث «إنما الأعمال بالنيات»، وحديث «إنما الأعمال بالنيات» هذا من جوامع كلم النبي - صلى الله عليه وسلم -، و «إنما الأعمال بالنيات» فيها عِلْمٌ مع موافقة اللفظ لكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لا يوجد في لفظ الأمور من مقاصدها، ولذلك قال: الأولى أن نعبر بما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - فنقول: قاعدة «إنما الأعمال بالنيات»، أو «الأعمال بالنيات» وهي رواية أخرى، فحينئذٍ تكون القاعدة هي عين الدليل أليس كذلك؟ الأمور من مقاصدها ما دليلها حديث عمر «إنما الأعمال بالنيات»، لكن قاعدة «إنما الأعمال بالنيات» هي بعينها لفظها لفظ القاعدة وهي بعينها الدليل وهذا أولى، إذًا الكتاب والسنة.
ثانيًا: آثار الصحابة والتابعين كقول عمر: " مقاطع الحقوق عند الشروط ".هذه قاعدة، هذه عوملة معاملة قاعدة.
ثالثًا: أقوال بعض الأئمة المجتهدين الجارية مجرى القاعدة كقول الشافعي مثلاً: " الأمر إذا ضاق اتسع ". أقوال بعض الأئمة.
رابعًا: الفروع الفقيهة سواءٌ كانت منصوصةً أو مستنبطة بالنظر فيها يعني: في فروع بعد استقراءها واستنباط المعاني الجامعة بينها. إذًا رابعًا: يعني: الاستقراء والتتبع، النظر في هذه الفروع واستنباط معاني مشتركة تجمع هذه الفروع حينئذٍ نقول: هذا مأخذ.
خامسًا: اللغة العربية. هذا الشأن فيه كالشأن في أصول الفقه يعني: اللغة العربية هي مستندٌ في الفقه وفي أصوله.
ثامنًا: فائدتها وأهميتها، ما الفائدة من دراسة هذا الفن؟
أولاً: ضبط الأمور والمسائل المنتشرة المتعددة ونظمها في سلكٍ واحد، يعني: الذي يدرس القواعد الفقيهة تنتظم عنده الأمور، يرى المسائل كأنها تجمعها يجمعها خيطٌ واحد كالسُّبْحَة كما أنها تنتظمها سلكٌ واحد كذلك القواعد الفقهية تجمع لك المسائل. قال ابن رجب في ((مقدمة القواعد)): تنظم يعني: هذه القواعد من فوائدها: " تنظم له منثور المسائل في سلكٍ واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد ".
(1/21)

ثانيًا: تسهيل حفظ الفروع، الفروع المسائل الجزئية لا حصر لها، لأنها لا تنتهي، منها المستجدات ما يُسمى بفقه النوازل ما ذكره الفقهاء، لو وجدت ((الزاد))، و ((مختصر خليل)) وهذه ليست هي عين الفقه، بمعنى أن ثَمَّ ما هو ضِعْف هذا الكتاب بل أضعافه لم يُذكر، لماذا؟ لأن بعضها ما يتعلق بجميع المكلفين، وبعضها ما يتعلق ببعض المكلفين، وبعضها يتعلق بالنوادر، وبعضها يتعلق بالنوازل. إذًا: لا يمكن استيعاب جميع الفروع. إذًا: القواعد الفقهية تعين وتسهل حفظ الفروع. قال القرافي: ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها بالكليات.
ثالثًا: فهمها يُطلعه على حقائق الفقه وما آخره. يعني: القواعد الفقهية تُعين على إدراك أسرار الأحكام والتشريع، يعني: تعرف العلة التي من أجلها إذا قلت: [المشقة تجلب التيسير]. حينئذٍ إذا خَفَّفْتَ على هذا الجزئي لكونه مشقةً، إذًا صار علةً، فهمها يطلعه على حقائق الفقه وما آخره، ويمكنه من تخريج الفروع بطريقةٍ سليمةٍ، وخاصةً في المستجدات فقه النوازل. قال السيوطي رحمه الله: إن فن الأشباه والنظائر فنٌ عظيم به يَطَّلِعُ على حقائق الفقه ومداركه ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويتقدر على الإلحاق - يعني القياس -، والتخريج ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمذكورة - ليست بمكتوبة، نوازل - والحوادث والوقائع الذي لا تنقضي على مرّ الزمان.
خامسًا: تساعد على إدراك مقاصد الشرعية.
سادسًا: تجنب الفقيه من التناقض والاضطراب، من لا أصول له ليس له فقهٌ، هكذا قال أهل العلم، قال القرافي رحمه الله تعالى - وهذه أحب أن أطيل فيها: هذه القواعد مهمةٌ في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرُف. كلما تمكن من هذه القواعد تمكن في باب ... الفقه، وكلما أراد أن يشرف تكون له مكانة وشرف في الفقه فليضبط هذه القواعد، ويظهر رونق الفقه ويُعْرَف وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف، فيها تنافس العلماء وتفاضل الفضلاء .. إلى أن قال: ومن جعل يُخَرِّجَ الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع واختلفت ". ولا شك - " تناقضت عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقلقت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مُنَاهَا، ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات اندراجها بالكليات واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب. وهذا ذكره في مقدمة ((الفروق)) الذي يعتبر من الفروق بين جزئيات القواعد.
يقول الزركشي في ((المنثور))، و #1.21.40 ((القواعد)) مقدمته: " إن نظرت الأمور المنتشرة المتعددة في القوانين المتحدة، هو أوعى لحفظها، وأدعى لضبطها، وهي إحدى حِكََم العدد التي وُضِعَ لأجلها، والحكيم إذا أردت التعليم لا بد أن يجمع بين بَيَانِيْ إجمال تتشوق إليه النفس، وتفصيل تسكن إليه ". إذًا: القواعد الفقهية على كلام الزركشي أنه عرضٌ للفقه على جهة الإجمال، يعني: دراسة الفقه لها مرحلتان: دراسة إجمالية، ودراسة تفصيلية.
(1/22)

المتون التي تأخذ كـ ((الزاد)) و ((العمدة)) وغيره هذه تفصيلية، والقواعد هذه دراسة إجمالية. وقال السبكي رحمه الله تعالى: " حقٌ على طالب التحقيق ومن يتشوق إلى المقام الأعلى في التصور والتصديق أن يُحْكِمَ قواعد الأحكام ليرجع إليها عند الغموض، وينهض بعبء الاجتهاد أتم نهوض، ثم يؤكدها بالاستكثار من حفظ الفروع لترسخ في الذهن مثمرةً عليه بفوائد غير مقطوعٍ بفضلها ولا ممنوع. أما استخراج القوى وبذل المجهود بالاقتصار على حفظ الفروع من غير معرفة أصولها ونظم الجزئيات بدون فهم مأخذها، فلا يرضاه لنفسه ذو نفسٍ أبية، ولا حامله من أهل العلم بالكلية ". يعني: لا يُعَدُّ من الفقهاء. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " لا بد أن يكون مع الإنسان أصولٌ كلية يَرُدُّ إليها الجزئيات ليتكلم على علمٍ وعدلٍ ". إذًا: إذا وجدت الأصول والكليات تكلم على علمٍ وعدلٍ، مفهومه أنه إذا لم تكن معه أصول لن يتكلم بعلمٍ وعدلٍ، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت وإلا يعني: إلا يكن معه أصول يعني: نطق بالمفهوم السابق وإلا فيبقى في كذبٍ وجهلٍ في الجزئيات، هو لا يتكلم عن العوام، أليس كذلك؟ هو يتكلم عمن ينتسب إلى العلم، نعم الكلام هنا في من يتكلم في الشرع، وليس معه أصول وإلا فيبقى في كذب وجهلٍ في الجزئيات، وجهلٍ وظلمٍ في الكليات ويتولد فسادٌ عظيم. وهو كذلك. وهذا ذكره في ((منهاج السنة النبوية)) - الجزء الخامس، صفحة ثلاث وثمانين، و ((الفتاوى)) في - الجزء التاسع عشر، صفحة مئتين وثلاثة - إذًا: هذا ما يتعلق بأهمية القواعد.
التاسعة: أن الفرق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية، كيف نفرق بين النوعين؟
أولاً: إن القواعد الأصولية ناشئةٌ على ألفاظ العربية خاصة يعني: ما يذكر في القواعد الأصولية في جملتها - ليست كلها - في جملتها إنما هي مبنيةٌ على دلالة الألفاظ، فإذا قلت: قاعدة مثلاً [مطلق الأمر للوجوب] هذا قاعدة مبناها لغة العرب مع الشرع، [مطلق النهي للتحريم] هذه مبناها لغة العرب مع الشرع .. وهكذا.
القواعد الأصولية ناشئيةٌ عن الألفاظ العربية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح، وكذلك الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، وصيغ العموم و#1.25.09 ... الخصوص، ونحو ذلك. وأما القواعد الفقهية فليست كذلك يعني: ليست معتمدة مباشرةً على لغة العرب.
ثانيًا: إن القواعد الأصولية لا يفهم منها أسرار الشرع ولا حكمته، وإنما قلنا ذلك في ما يستفاد من القواعد الفقهية، يعني: مطلق الأمر للوجوب هذا ليس بحكمة شرعية، وإنما تأخذ ماذا؟ مطلق الأمر للوجوب تقول {أَقِيمُواْ الصَّلاةَ} [الأنعام: 72] أمرٌ، ومطلق الأمر للوجوب، الصلاة واجبة، هل فيها حكمة للصلاة لا ليس فيها شيء من ذلك، لكن هناك في باب القواعد الفقهية الضرر والمشقة والأمور كلها إنما هي بيانٌ للمقاصد التي من أجلها شرع الشرع.
إذًا: القواعد الأصولية لا يُفهم منها أسرار الشرع ولا حكمته، لكن إذا قلت المشقة التي تجلب التيسير تعرف أن من حكمة الشرع أن المشقة إذا وُجدت وُجد معه أو وُجد معها التيسير .. وهكذا.
(1/23)

ثالثًا: القواعد الأصولية يُستخرج منها حكم الجزئيات بالواسطة، لا بد من الواسطة، وهو المقدمة الصغرى {أَقِيمُواْ الصَّلاةَ} هذه مقدمة صغرى، أمرٌ حكمنا عليه ومطلق الأمر للوجوب إذًا: الصلاة واجبة، لكن هل قولهم [مطلق الأمر للوجوب] هذه القاعدة دلت على وجوب الصلاة وحدها، لا، إذًا لا بد من واسطة [مطلق النهي للتحريم] {وَلاَ تُشْرِكُواْ} [النساء: 36] وهذا نهيٌ هل مطلق النهي للتحريم فُهِمَ منه هذه الجملة فقط أن الشرك محرم، أو أن الربا محرم، أو أن الزنا؟ لا إذًا: لا بد من قاعدة أخرى لا بد من واسطة، وهو ما يسمى بالمقدمة الصغرى، وأما القاعدة الفقهية فيُستخرج منها الحكم حكم الجزئيات الفقهية مباشرةً، لا يحتاج إلى دليل يكون واسطةً بين أمرين نقول: كذا أو كما ذكرنا إيقاف السيارة في الطريق ضررٌ [الضرر يزال] لا نحتاج إلى شيءٍ إلى أن نحكم على هذا الجزئي بأنه ضررٌ، ثم نقول: [الضرر يزال]. إذًا: يجب إزالة هذا الشيء الذي يكون ضررًا، فقاعدة [الأمر للوجوب] أصولية تفيد وجوب الصلاة لكن بواسطة الدليل وهو قوله تعالى: {أَقِيمُواْ الصَّلاةَ}. وقاعدة [الأمور من مقاصدها] فقهيةٌ تفيد وجوب النية في الصلاة مباشرةً من دون واسطة.
رابعًا: إن القواعد الأصولية يكون موضوعها الأدلة، أو أنواعها، أو أعراضها، وهذا من أهم الذي يُفَرِّقُ لك بين يلتبس على البعض هل هذه قاعدة أصولية أم قاعدة فقهية؟ نقول: الفقه موضوعه ما هو؟ أفعال المكلَّف. إذُا: إذا كان المحكوم عليه في القاعدة الفقهية هو فعل المكلَّف فاحكم عليها بأنها فقهية. [اليقين لا يزول بالشك] اليقين فعل من؟ فعلك أنت، المشقة مِنْ مَنْ؟ منك أنت، لكن مطلق الأمر هذا وصف للدليل الشرعي، الإجماع حجة، خبر الواحد حجة، الكتاب حجة، فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إذًا هذه كلها تتعلق بالأدلة، إذًا: ما كان موضوعه المحكوم عليه دليلاً شرعيًا أو نوعًا من أنواع الدليل، أو عرضًا من أعراض الدليل فاحكم عليه بأنه قاعدة أصولية، وما كان موضوعه المحكوم عليه فعلاً للمكلَّف فاحكم عليه بأنه قاعدة فقهية.
خامسًا: القواعد الأصولية هي الوسائل التي يتوصل بها المجتهد إلى التعرف على الأحكام الشرعية، يعني: بواسطتها، وأما القواعد الفقهية فهي الضوابط الكلية للفقه الذي توصل إليه المجتهد. يعني: عندنا أولاً قواعد أصولية بواسطتها نستخرج الأحكام الشرعية من الأدلة، ثم ننظر في هذه الفروع فنستنبط معنى نعنون له بالقاعدة الفقهية، إذًا التركيب هكذا قواعد أصولية أولاً، ثم الفروع، ثم القواعد الفقهية، أيهما أسبق في الوجود؟
الأصولية، إذًا القواعد الفقهية سابقة على الفرع أم لاحقةٌ؟
لاحقةٌ. ليست سابقة لأن الترتيب هكذا، أولاً القاعدة الأصولية بها يستنبط الأحكام الشرعية من الأدلة، فيوجد الفرع، ثم تنظر في هذه الفروع في المعاني المشتركة فتقول: هذه قاعدة فقهية.
وأما القواعد الفقهية فهي الضوابط الكلية للفقه الذي توصل إليه المجتهد باستعمال القواعد الأصولية، وعليه فقواعد الفقه هي ضابط للثمرة المتحققة من أصول الفقه، ما هي الثمرة التي تتحقق من أصول الفقه؟
(1/24)

استنباط الأحكام الشرعية، أو إن شئت الأحكام المتعلقة بالجزئيات، هذه القواعد تضبط هذه الثمرة. إذًا: متعاونة ليس عندنا تخصص، أصول فقه تستنبط له الأحكام الشرعية، تأتي الفروع بأدلتها، ثم يأتي قواعد الفقه، مترابطة سلسلة واحدة، وعليه أيضًا قواعد أصول الفقه متقدمة في وجودها الذهني والواقعي عن القواعد الفقهية، يعني: هي أسبق في الوجوب، بل إنها متقدمة على الفروع نفسها التي كانت القواعد الفقهية لضبطها وجمع شتاتها، فأولاً القواعد الأصولية، ثم الفروع، ثم القواعد الفقهية.
عاشرًا: حجية القاعدة. هل يجوز أن تُجعل القاعدة الفقهية دليلاً شرعيًا تُثبت فيه الأحكام الشرعية أم لا؟
هل نقول: هذا الشيء حرام أو أنه يجب إزالته، أو أنه يجوز إسقاطه، لأن القاعدة كذا، أم لا بد من دليل شرعي؟
نحن نقول: الفقه معتمد على أربعة أدلة متفق عليها، وثَمَّ أدلة مختلف فيها، الكتاب والسنة والإجماع والقياس، هل نضيف القاعدة من الأدلة المختلف فيها بمعنى أنه يصح أن تثبت الأحكام الشرعية فنقول: هذا حكم الله لكون القاعدة الشرعية الفقهية دلت عليه؟ أم لا بد من الرجوع إلى نصوص الوحيين ولا بد من إجماع قياس أو نحو ذلك؟ هذا فيه تفصيل. القاعدة الفقهية تعتبر دليلاً يحتج به متى؟ إذا كان لها أصل من الكتاب أو السنة، يعني [الأمور بمقاصدها] حجة تُثْبَتُ بها الأحكام الشرعية لا لذاتها وإنما لكونها معتمدة على دليل، فالاستدلال بالقاعدة [الأمور بمقاصدها] استدلال بالنص السابق، لكن بواسطة هذه القاعدة، حينئذٍ نقول: تعتبر دليلاً يحتج به إذا كان لها أصل من الكتاب أو السنة، والاحتجاج بها ليس لذاتها وإنما باعتبار ما اعتمدت عليه نحو: [الأمور بمقاصدها]. وأما ما عدا ذلك من القواعد التي أسسها الفقهاء بناءً على استقراء المسائل فهذه محل نزاع على قولين.
إذًا القواعد الفقهية على مرتبتين:
قواعد فقهية مبنية على دليل صحيح، حينئذٍ لا إشكال فيها يحتج بها، لكن لا لذاتها وإنما لما اعتمدت عليه.
النوع الثاني: ما كانت القواعد الفقهية مبناها على الاستقراء وهذه فيها نزاع بين أهل العلم هل يحتج بها أم لا؟
جمهور الفقهاء على أنها ليست بحجة، وإنما يستأنث بها فحسب، وإنما يستأنث بها في إثبات الأحكام الشرعية ولا يعتمد عليها في استخراج حكم فقهي، وهذا هو الظاهر. والله أعلم.
(1/25)

الحادي عشر: صياغة القاعدة. تتميز القاعدة من حيث الصياغة بالإيجاز بالتعبير مع شمولية المعنى، ففي الغالب موضوع ومحمول مبتدأ وخبر [الضرر يزال]، [المشقة تجلب التيسير] إذًا [الضمان بالقرض] جملة اسمية مؤلفة من موضوع ومحمول، أو مبتدأ وخبر، وقد تكون القاعدة الفقهية هي نفس النص من نصوص الكتاب أو السنة، نحو قاعدة «إنما الأعمال بالنيات»، «لا ضرر ولا ضرار» حديث حسن، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] هذه قاعدة، وقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]. هذه قاعدة لا شك فيها، {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] ثلاث قواعد {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188] قاعدة لا شك فيها، {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] هذه قاعدة هم الزوجين، و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] هذه قاعدة للتجار، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8] قاعدة ثانية في الخير والشر، وقد تضمن القاعدة بعض التفصيل إذا كانت من قواعد الخلاف، والغالب في القواعد الخلافية أنها تتصدر بالاستفهام، كقواعد ابن رجب والغالب أنها على هذا النحو مثاله ما ذكره ابن رجب بقوله: ... [التناسق في العقود الجائزة متى تضمن ضررًا على أحد المتعاقدين أو غيرهما ممن لهم تعلق بالعقل لم يجز ولم ينفد إلا أن يمكن استدراك الضرر بضمان أو نحوه فيجوز]. طويلة هذه، وإنما صدرها بالاستفهام لأنها محل خلاف، والغالب في مثل هذه القواعد أنها تذكر من باب التقدمة لذكر الخلاف الذي ينبني عليها، وأما حفظها والتطويل الذي ذكره هذا يخالف ما ذكرناه سابقًا أن الأصل في القواعد إنما هو الإيجاز.
فهذه نقول: ضابط وليست بقاعدة، لكن لو جعلناها قاعدة حينئذٍ طالت القاعدة لذكر الخلاف في المذهب، وأما المتفق عليها فالغالب أنها مختصرة، وهذا ما يتعلق بشيء من المقدمات يأتي ما نزيده غدًا بإذن الله تعالى.
لكن المهم انتهينا منه والحمد لله.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
غدًا نبدأ في الكتاب إن شاء الله تعالى فلا تخافوا سننتهي إن شاء الله تعالى.

هذه نظرية حادثة الآن جاءت مجمعات ممن درس القانون الوضعي وأراد أن يقارن وحينئذٍ دخلت عليه، وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد.
(1/26)

عناصر الدرس
* مقدمة المصنف، وأسباب تأليفه الكتاب.
* أقسام القواعد الفقهية، وطريقة ذكرها.
* شرح القاعدة الأولى " الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: قد مر معنا في الدرس السابق ما يتعلق بمسائل مقدمة العلم، من حيث التعريف، واستمداد وما يتعلق بهذه المسائل على جهة الإجمال، بقي معنا مسألة وهي مهمة أنواع القواعد الفقهية.
هي أنواع متعددة أشهرها:
الأول: القواعد الفقهية المشتملة على جميع الأبواب تقريبًا. يعني: لا يُخرج عنها بابٌ من أبواب الفقه البتة، وقيل عنها: إن الفقه مبنيٌ عليها، وتعتبر بمثابة أركان الفقه، وقد خرجوا عليها ما لا ينحصر من الفروع الفقهية وهي الخمس قواعد المشهورة هذه القواعد تنقسم إلى ثلاثة أقسام.
قواعد كلية كبرى.
قواعد كلية.
قواعد مختلفٌ فيها أو جزئية.
حينئذٍ: الكليات الخمس الكبريات قاعدة الأمور بمقاصدها، هذه الأولى.
الثانية: قاعدة اليقين لا يزول بالشك.
ثالثًا: القاعدة المنشقة تجلب التيسير.
الرابعة: قاعدة الضرر يزال.
والخامسة: قاعدة العادة محكمة.
هذه القواعد الخمس عليها مدار الفقه بمعنى أنها تدخل في جميع الأبواب.
ثانيًا: القواعد الفقهية الشاملة لأبوابٍ كثيرة، ولا تختص ببابٍ معين ولكنها أقل شمولاً واتساعًا من القواعد الخمسة الكبرى، وهذه تُسمى القواعد الكلية لا الكبرى.
القواعد الكبرى خمس.
القواعد الكلية هذه مختلفٌ في عدها، عدها السيوطي في ((الأشباه والنظائر)) بعشرين، وأطلق عليها السيوطي رحمه الله تعالى في ((الأشباه والنظائر)) قواعد كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية. كذلك قال ابن نجيم، وذكر ابن نجيم أنها تسعة عشر، وزاد عليها بعضهم إلى عشرين، مثل ابن السبكي في ((الأشباه والنظائر))، وأوصلها السيوطي إلى أربعين في ((الأشباه والنظائر)). ومنها [الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد] قاعدة، قاعدة [إذا اجتمع الحلال والحرام غُلِّبَ الحرام]، قاعدة [التابع تابع]. حينئذٍ نقول: هذه قواعد كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الجزئيات، لكنها دون القواعد الخمس الكبريات، لماذا؟
لأن الكبريات الخمسة تدخل في جميع أبواب الفقه، وأما هذه التي في المرتبة الثانية دونها، يعني: بعض الأبواب لا تشملها مثل [الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد] خاصٌ ببابٍ واحد.
ثالثًا: القواعد المشتملة على مسائل متعلقة بأبوابٍ معينة من أبواب الفقه، وأطلق عليها التاج السبكي اسم: القواعد الخاصة. القواعد الخاصة التي هي الضوابط، وهي بمعنى الضابط كما سبق منها: [كل ميتةٍ نجسةٌ إلا السمك والجراد]. و [الاعتبار في تصرفات الكفار باعتقادنا لا باعتقادهم] القاعدة كذلك، لكنها ضابط [كل ما يثبت في الذمة لا يصح الإقرار به]، وهذا يسمى قاعدة خاصة عند السبكي إلا إنه ضابط.
إذًا: هذا النوع الثالث هي قواعد لكنها في الحقيقة ضوابط، لكنها تذكر في الكتب المؤلفة في القواعد الفقهية لذلك لا يخلو منها كتابٌ.
رابعًا: قواعد مذهبية تتفق مع مذهبٍ دون آخر. القاعدة الخاصة بمذهب أبي حنفية، مالك، الشافعي، أحمد. قاعدة [الرخص لا تناط بالمعاصي] هذه ليست مُسَلَّمَة عند الحنفية، بل مسلمة عند الشافعية والحنابلة.
(2/1)

خامسًا: القواعد والضوابط الْمُخْتَلَفُ فيها بين علماء مذهب معين، الغالب في هذا النوع أن تَرِدَ بصيغة الاستفهام - كما مر معنا في قواعد ابن رجب رحمه الله تعالى -. مثاله: [هل العبرة بصيغ العقود أم بمعانيها]. # 4.29 ... هل العبرة بالصيغ العقود أم بمعانيها؟ [الجمعة ظهرٌ مقصورة أم صلاةٌ على حياد] قولان، فكل ما صُدِّرَ بالاستفهام [في كتب الفقه] (1) في كتب القواعد حينئذٍ يكون في هذا النوع الخامس.
إذًا: هي خمسة أنواع المشهورة، وأهمها النوع الأول والثاني. يعني: أهم ما يُعتنى به هو النوع الأول: الكبريات الخمس، والنوع الثاني: القواعد الكلية. وهذه القواعد الكلية فصَّلها السيوطي كما ذكرنا إلى أربعين قاعدة، قد تزيد نحوًا تصل إلى المائة إلا أنها قد لا تزيد على ذلك. فحينئذٍ: علم القواعد علم ميسر بمعنى أنه قليل ليس بطويل، وإخراجه على هيئة موسوعات هذا يناقض أصله، إخراجه على هيئة موسوعات هذا يخالف ما جُعِلَ العلم من أجله، العلم إنما جعل من أجل تفصيل الفقه على صورةٍ إجمالية، بأن يحصر في مائة قاعدة مثلاً أو مائة وخمسين قل مائتين إن زادت إلا لإنه لا يصل إلى الآلف، وتجمع الضوابط التي يعنون لها بجميع المذاهب الأربعة في كل بابٍ باب، ثم يجعل القاعدة وتكون على هيئة موسوعة، نقول: هذا مخالفٌ لما جُعِلَ الفن لأجله. وهذا التصنيف بهذه الصورة لم يكن موجودًا سابقًا. والسيوطي رحمه الله تعالى ممن يعتني بالجمع والاستقراء والتتبع كما هو مثال في كتبه، ولذلك القواعد الكلية أوصلها إلى أربعين قاعدة، زاد على ما ذكره ابن السبكي في ((الأشباه والنظائر)) زاد قرابة العشرين، قد يزيد مَن بعد السيوطي عشرين إلى أن يصلها إلى المائة لا إشكال فيه، وأما أن تصل إلى الآلاف نقول: هذا مخالفٌ للأصل.
الفرق بين القاعدة والأصل. ابن السعدي هنا سمى كتابه ((القواعد والأصول الجامعة)) القواعد والأصول، والأصل في العقل التغايب إذا ثم فرقٌ بين القاعدة والأصل وهو كذلك، إذ كل قاعدةٍ أصلٌ ولا عكس، يعني: الأصل في اللغة ما يُبْنَى عليه غيره، وفي الاصطلاح له معانٍ يطلق ويراد بها الدليل، الأصل في تحريم الخمر الكتاب والسنة وإجماع، أي: الدليل، كذلك يُطلق الأصل ويراد به الرجحان، أي الراجح عند السامع، كقولهم مثلاً [الأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز]، يعني عند السامع، والراجح عندهم [الأصل براءة الذمة] أي الراجح خلو الذمة من شغلها.
يطلق كذلك على القاعدة المستمرة في قولهم: [الأصل بقاء ما كان على ما كان] هذه قاعدة أي استقرار الحكم السابق، يُطلق على الدليل كما ذكرنا، يُطلق على المقيس عليه في باب القياس، ويطلق ويراد به القاعدة الكلية كقولهم [الأصل في الأشياء الإباحة] هذا أصلٌ من أصول الشريعة، وعليه فالأصل أعمُّ من القاعدة، لأن القاعدة مر معنا أنها قضيةٌ كليةٌ شرعيةٌ فقهيةٌ، أليس كذلك؟ أو قل: عملية. هذه القواعد الفقهية، الأصل أعم من لماذا؟
__________
(1) سبق.
(2/2)

لأن الأصل قد يُطلق يراد به الضابط، حينئذٍ تسمية الضابط أصلاً هذا جاء على الاصطلاح، وأما تسمية الضابط قاعدةً نقول: هذا ليس على الاصطلاح، فحينئذٍ يكون كل ضابطٍ أصلٌ ولا إشكال فيه، فالأصل أعمّ من القاعدة، فكل قاعدةٍ أصلٌ ولا عكس، بينهما عموم وخصوص مطلق، فيجمع الأصل مسائل متفرقةٍ من أبوابٍ مختلفة ويجمعها من بابٍ واحدٍ، بمعنى أن الأصل يوافق القاعدة فتقول: [اليقين لا يزول بالشك] هذه قاعدة وهو أصلٌ، كذلك فتقول: [كل ميتةٍ نجسةٌ إلا الجراد والسمك] هذا ضابطٌ وأصلٌ كذلك، وتسميته قاعدة هذا من باب التوسع، ويجمعها من بابٍ واحدٍ بخلاف القاعدة كما سبق فإنها تجمعها من أبوابٍ مختلفة لا من بابٍ واحد،. المقَّريّ في قواعده لما عرف القاعدة قال: " كل كليٍ هو أخص من الأصول ". هذا يؤكد أن الأصل أعمّ من القاعدة، الأصول عامة لا تختص ببابٍ واحدٍ أو بأبوابٍ متعددة، بل يطلق الأصل يراد به ذا وذاك، لكن القاعدة تختلف عن الأصل. قال رحمه الله تعالى في تعريف القاعدة: " كل كليٍّ هو أخص من الأصول ". إذًا: القاعدة أخص من الأصل، " هو أخص من الأصول وسائر المعاني العقلية العامة وأعم من العقود وجملة الضوابط الفقهية الخاصة، وعليه فالقاعدة أصلٌ والضابطُ أصلٌ ".
الأمثال والأشباه والنظائر مما يُذكر عند أرباب القواعد ما المراد بها؟
الأمثال: قال السيوطي رحمه الله تعالى في ((الحاوي)): معنى الشبيه والنظير في الاصطلاح يعني: معنى الشبيه والنظير في الاصطلاح فذكر: أن المماثلة هي المساواةٌ من كل وجه. إذا قيل: هذه مسألة مماثلةٌ لهذه المسألة يعني: ساوتها من جميع الوجوه، يعني: في حقيقة أصلها وتصورها وهو كذلك في الحكم المبني عليها.
والمشابهة: هي الاشتراك في أكثر الوجوه لا كلها.
والمناظرة: النظائر يكفي فيها الاشتراك في بعض الوجوه ولو كان وجهًا واحدًا.
إذًا: المماثلة إذا قيل: هذه أمثال المماثلة مساواته من كل وجه.
المشابهة: في أكثر الوجوه.
النظائر: في بعض الوجوه ولو في وجهٍ واحدٍ.
فالأشباه ترتكز على عنصر المشابهة في الفروع الفقهية، ولذلك جاء في كتاب عمر رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري: اعرف الأمثال والأشباه، ثم قس الأمور عندك فاعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق في ما تراه، فالأشباه هنا هي الأمور التي يُشبه بعضها بعضًا، أي: الفروع الفقهية التي أشبه بعضها بعضًا في حكمه، وأما النظائر فمن حيث مدلولها اللغوي لا تختلف عن الأشباه كما سبق.
ولكنه في الاصطلاح يفسر بما كان فيه أدنى شبه، فالنظائر هي أشباهٌ أيضًا ولكن قد يكون فيها من الأوصاف ما يمنع من إلحاقها بما يشبهها في الحكم، وهذا يسمى بعلم أو فن الفروق، وهو القسم الثاني من هذا الكتاب.
(2/3)

إذًا القسم الأول متعلقٌ بالقواعد والأصول، والقسم الثاني متعلقٌ بالنظائر يعني علم الأشباه والنظائر، الفروق التي المسائل التي يُشبه بعضها بعضًا في أكثر الوجوه أو في وجهٍ واحد، وهذا يسمى بعلم أو فن الفروق، يذكر فيه الفرق بين النظائر المتحدة تصويرًا ومعنى المختلفة حكمًا وعلةً. إذًا ضابط الفروع في القواعد الفقهية ما اتحد صورةً وحكمًا عندنا فروع الآن تحت القاعدة الفقهية، وعندنا فروعٌ في الفروق علمان متقابلان.
ضابط الفروع في القواعد الفقهية: ما اتحد صورةً وحكمًا.
وضابط الفروع في الفروق: ما اتحد صورةً لا حكمًا.
والسيوطي رحمه الله تعالى في كتابه ((الأشباه والنظائر)) جعل الكتاب الخامس متعلقًا بالفروق وسماه نظائر الأبواب، والكتاب السادس جعله في أبواب متشابهة افترقت فيه، والكتاب السابع جعله نظائر شتى، وإيراد هذه الأبواب في هذه الكتب هو الذي جعلهم يسمونها ((الأشباه والنظائر)) هي كتاب من كتب قواعد يعني: ((الأشباه والنظائر)) لابن نجيم، ... و ((الأشباه والنظائر)) للسيوطي، و ((الأشباه والنظائر)) لابن السبكي هي كتبٌ في القواعد، لماذا لم نقل قواعد كما قال ابن رجب وغيره؟ نظرًا لأنهم أدخلوا هذه الفروق أو الأمثال والأشباه والنظائر في هذا الكتاب، فسُمِّيَ ببعض أبوابه، وإلا علم القواعد أعم وهو أصل، ولكنهم أرادوا أن يتفننوا في التسمية قالوا: ((الأشباه والنظائر)) خروجًا عن النظير لئلا يكون فيه شيءٌ من التكرار، وسماه الأشباه بالنظائر نظرًا لأنهم جعلوا هذه الأبواب داخلةً في هذا الكتاب، وإيراد هذه الأبواب الذي هو علة التسمية في كتبهم الأشباه والنظائر فتشمل المتشابهات التي تجمعها القواعد العامة، والضوابط، والمتشابهة صورةً المختلفة حكمًا التي تدخل في مصطلح النظائر.
وأهم ما أُلِّفَ في هذه المسائل هو ((الأشباه والنظائر)) للسيوطي، وهو المعتمد عند المتأخرين، ونظمه الأهدل في ((الفرائض البهية)) وهو أنفس ما يُعتنى به.
بقي مسألة نختم بها، ثم نشرع في الكتاب، وهو: متى ندرس القواعد الفقهية؟ متى يحتاج الطالب أن يدرس القواعد الفقهية؟
نقول: جواب على هذا لأنه مما يُطرح الآن متى يُدرس الطالب، وقد يعترض بعض الطلاب بعضهم على بعض.
نقول: القواعد يُنظر فيها من جهات:
الأول: من حيث تأسيس واستنباط قواعد فقهية، بمعنى أنه يدرس القواعد، ثم بعد ذلك يستنبط يستقرأ الفروع التي لم يجعل من سبق لها قاعدةً فيجعل لها قاعدة، وهذا متعلقٌ بالمجتهد، وهذا لا وجود له الآن.
الثاني: من حيث تنزيل القواعد على المستجدات. ما يُسمى بفقه النوازل، وهذا يحتاج إلى مجتهد، هذا لا يحتاجها المبتدئ أن يقرأ كتب القواعد من الأول ليستنبط قواعد ولا من أجل أن ينزل القواعد على المستجدات والحوادث.
(2/4)

الثالث: فهم القاعدة ليعرف ما هي هذه القواعد، من حيث مفرداتها، ما معنى الضرر، ما معنى: يزال، ومعناها المقصود في اللغة في الشرع ومضمونها ودليلها وبعض الأمثلة التي تُذْكَرُ بتلك القاعدة، وهذا الثالث هو الذي يُعتنى به ابتداءً، بمعنى أن الفائدة أن يتصور هذه القواعد من حيث مفرداتها، ومن حيث مضمونها، ومن حيث دليلها، ثم يأخذ بعض الأمثلة التي تندرج تحت تلك القاعدة، لأنه ما من كتابٍ فقهي إلا ويستدل بقاعدةٍ ما، من أول أبواب الطهارة إلى آخر كتب الفقه لا بد أنه يعلل لقاعدة ما، ولذلك يمر معنا: وإن شك في نجاسته ماءٍ أو غيره أو طهارته بنى على اليقين. وهذه قاعدة بنى على اليقين أشار إلى لماذا؟ إلى [اليقين لا يزول بالشك] إذًا: هذه قاعدة، فحينئذٍ يدرس الطالب هذه من أجل أن يعرف ويفهم كلام أهل الفقه في أبواب الفقه، لأن القواعد قد يعلل بها كثيرٌ من الأحكام الشرعية والمسائل الشرعية التي يذكرها الفقهاء، حينئذٍ إذا كان الأمر كذلك فينظر في طريقة دراسة الفقه، فمن يدرس الفقه دراسةً مختصرةً والخلاف السائغ هنا، من يدرس لفقه دراسةً مختصرة بحيث لا يُذكر له دليل المسألة ولا تعليل المسألة هذا لا يحتاج إلى قواعد، هذا يدرس الفقه أولاً فإذا انتهى منه بهذه الطريقة حينئذٍ له أن يقرأ القواعد، وما عداه من المكملات لعلم الفقه، وأما إذا كان يدرس الفقه دراسة فقه مقارن، يعني: أو لم يكن مقارن بأنه يأخذ المسألة ويأخذ دليلها وتعليلها وقد يتوسع قليلاً، فيذكر الخلاف المشهور فحينئذٍ يحتاج إلى القواعد، فتكون معه ابتداءً ولا ينتظر إلى أن ينتهي من الفقه، لأن هذه أو هذا الفن كغيره هو دراسة للفقه على صورة الإجمال - كما ذكرنا بالأمس - وهو دليلٌ في بعض القواعد خاصةً الكليات الخمس كلها هي أدلة في نفسها عند بعضهم، أو باعتبار أنها مستندة إلى دليلٍ شرعي فهي ثابتة مجمعٌ عليها، لا خلاف بين أهل العلم في ثبوت هذه القواعد الخمسة الكبريات، وهذه يعلل بها كثيرًا في مسائل الفقه، فحينئذٍ دراستها وفهمها والوقوف معها هذا يحتاجه طالب العلم، حينئذٍ لا نشوش بأن الطالب قد لا يحتاج هذه القواعد ولماذا يدرسها؟ والفائدة منها؟ وهو مبتدئ وحتى يضبط العلم وينتهي من الفقه بعد ذلك يحتاج إلى القاعدة، نقول: هذا إيرادٌ في غير محله، لأن فهم القاعدة يعينه على فهم كلام أهل العلم، بنى على اليقين هناك لا بد أن يفهم ما المراد باليقين، وما دليل هذه القاعدة لأن هذه إشارة فقط حينئذٍ يحتاج إلى التفصيل.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى في أول كتابه:
(بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.) في النسخة التي عندكم هكذا وعندي [وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا). هذه تسمى خطبة الحاجة المشهورة المعلومة والكلام فيها لا يحسن في هذا المقام.
(2/5)

(أما بعد: فإن معرفة جوامع الأحكام وفوارقها من أهم العلوم وأكثرها فائدة)، (فإن معرفة) أي العلم بـ (جوامع الأحكام وفوارقها) يعني: ما يجمع الأحكام تحت مسألةٍ واحدة ويعني به القواعد العامة ... (وفوارقها) أي: ما تفترق به المسائل بعضها عن بعض، فأشار إلى العلمين على جهة الإجمال بهذه الكلمة، (من أهم العلوم وأكثرها فائدة، وأعظمها نفعًا) ومر معنا كلام القرافي: هذه القواعد مهمةٌ الفقه عظيمة النفع .. إلى ما سبق بيانه، قال: (لهذا) لهذا اللام هنا للتعليل بمعنى لأن معرفة الجوامع والفوارق من أهم ما يُعنى به ويهتم به (جَمَّعت في رسالتي هذه ما تيسّر) يعني: شيءٌ يسير (من جوامع الأحكام، وأصولها، ومما تفترق فيه الأحكام لافتراق حِكَمِهَا وعللها) إذًا: الافتراق يكون بسببٍ ما، يعني: لوصفٍ يختص بهذا الفرع كما مر معنا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
(وقسّمتها قسمين) إذًا جمع هذه الرسالة لثلاثة أسباب.
أولاً: أهمية العلم الْمُؤَلَّف فيه.
ثانيًا: تعليم طالب العلم ضوابط القواعد وما يجتمع به الأشياء وما تتفرق به.
ثالثًا: معرفة القواعد تطلع على العلل، لأنه قال: (لافتراق حكمها وعللها) إذا وقف على هذه المسائل حينئذٍ حصل له هذا العلم، فلهذه الأسباب الثلاثة أَلَّفَ هذه الرسالة وهو متابعٌ لغيره ممن سبقه، ولذلك قيل: أنه أخذها من كلام ابن رجب رحمه الله تعالى. إذًا ليست مطردة كثير من المسائل التي ذكرها هنا رحمه الله تعالى إنما أخذها من القواعد. (وقسّمتها) أي: الرسالة على (قسمين:
القسم الأول: في ذكر ما تجتمع فيه الأحكام من الأصول، والقواعد) هنا فرَّق بين الأصول والقواعد على ما ذكرناه سابقًا، حينئذٍ يكون القواعد عطف على الأصول من عطف الخاص على العام، (وانتقيت القواعد المهمة) يعني: في نظره رحمه الله تعالى فما كان قاعدةً مهمةً ذكره في هذه المقام. إذًا (انتقيت) إذًا لم يستوعب جميع القواعد، لكنه ذكر القواعد الخمسة الكبريات ذكرها وإن كانت متفرقة غير متتالية، (وانتقيت القواعد المهمة) وأطلق المصنف هنا لم يبين كبريات والقواعد الكلية هل هي مذهبية هل هي مختلف فيها، أطلق. إذًا: بعضها ما هو قاعدةٌ كبرى، بل ذكرها كلها كما ذكرناه، بعضها ما هو قاعدةٌ كلية متفقٌ عليها، وبعضها ما هو قاعدةٌ كلية مختلفٌ فيها، وبعضها ما هو ضابط وسماه قاعدةً ولكنه يخدم المذهب الحنبلي، حينئذٍ جمع في هذه الرسالة جميع هذه الأنواع، وبعض القواعد مختلفٌ فيها كما سيأتي، بل أكثر ما ذكره ضوابط وليس بقواعد، ولذلك أطنب في أول الكتاب عشر قواعد إلى خمسةَ عشرة قاعدة أطنب في الشرح والأمثلة ثم اختصر بعد ذلك لأمرين، قد يقال: بأنه أراد أن يبين أن القواعد تسير على هذا النهج. حينئذٍ: إذا فصَّل في البداية فلا يحتاج إلى أن يفصِّل في النهاية.
(2/6)

ثانيًا: قد يقال: بأن هذه القواعد التي فصلها هذه أهم ودخول كثير من الجزئيات تحتها هو الأصل، والتي أوجز فيها حينئذٍ قد شملت بعض الجزئيات ولم تشمل الجميع وهذا حقيقة الضابط كما مر معنا. إذًا (انتقيت القواعد المهمة والأصول الجامعة، وشرحت كل واحدةٍ منها شرحاً يوضح معناها) يعني ما المراد بها، وذكر بعض الأدلة دالة عليها، ويكتفي في الغالب إن كان ثم آيةٌ ذكرها، ويكتفي بها عن ذكر الأحاديث، وإن كان أكثر من كتب في هذا الفن يكتفي بآيةٍ أو بحديثٍ ولا يستوعبون، لأن الأصل في الحكم الشرعي أنه إذا ثبت بدليلٍ واحدٍ اكْتُفِيَ به، لا نحتاج إلى تواطؤ الأدلة، وإن كان كثرة الأدلة تفيد يقينًا مما لم يفده الواحد، ولا شك في هذا، لأن الحكم المأخوذ من عشرة أدلة ليس كالذي دل عليه دليلٌ واحد، أليس كذلك؟ الذي أخذ من عشرة أدلة أو وُجِدَ أو تواطأت عليه النصوص هذا أقوى في اليقين، ولذلك منكره يختلف عن منكر ما ثبت من حديثٍ واحدٍ. (وشرحت كل واحدةٍ منها شرحاً يوضح معناها، ومَثَّلْتُ لها) مثلت يعني: مثال، المثال يُعبر عنه بأنه جزئيٌ يذكر لإيضاح القاعدة. جزئيٌ يعني: مثال مثلاً يذكر لإيضاح القاعدة بخلاف الشاهد، الشاهد عند النحاة جزئيٌ يذكر لإثبات القاعدة (ومثلت لها من الأمثلة التي تتفرع عنها ما تيسر) يعني: بعض ولم يستوعب.
(والقسم الثاني: أتبعت ذلك) القسم الأول (بذكر الفوارق بين المسائل المشتبهة، والأحكام المتقاربات، وذكر التقاسيم المهمة) ثَمَّ فروق بين النسخة التي أقرأ منها والنسخة التي معكم، النسخة التي معكم فيها كأنها محققة، ولكن فيها شيءٌ من الأمور الدخيلة على النسخة التي معي، هذه النسخة قُرِئَتْ على الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى وصوَّب منها ما صوَّب، والنسخة التي بأيدكم هذه دُعي أنها بخط الشيخ رحمه الله تعالى وبحواشيها زيادات، الظاهر أنها تعليقات وليس زيادات على النص، فأدخلت فشوشت في بعض المسائل، وكان الكلام فيه شيءٌ من ... تحتاج إلى إعادة نظر.
(فأقول - يقول رحمه الله تعالى - في القسم الأول مستعيناً بالله راجيًا منه الإعانة والتسهيل) إذًا: المصنف رحمه الله تعالى يقول: شرحت كل واحدةٍ منها شرحًا يوضح معناها ومثلت لها من الأمثلة، ونحن سنسير على هذا خطتنا أننا في القواعد المهمة هذه سنبسط فيها القول، وأما الأمثلة فهذه قد نعلق على بعضها دون بعض لأنها واضح، الرسالة هذه تعتبر تأليفًا على الطريقة الأكاديمية يعني لا تحتاج، ليست متنًا يحتاج إلى وقوف مع كل كلمة ما المراد بها، لا، بل هي واضحة لو قرأها الطالب في بيته يستفيد ويفهم ما أراده المصنف، فحينئذٍ نعلق على ما يحتاج التعليق من المسائل لكن أصل المسألة تُؤَصّل في بابها.
(القسم الأول: القواعد والأصول الجامعة قال رحمه الله تعالى: القاعدة الأولى: الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصةٌ أو راجحةٌ، ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصةٌ أو راجحة).
(2/7)

استفتح رحمه الله تعالى بهذا القاعدة للدلالة على أن كل ما سيأتي من القواعد هو داخلٌ تحت هذه القاعدة كما قاله بعض أهل العلم، فهذه القاعدة أعم القواعد، وهي أم القواعد، ولذلك قال: (الشارع) والمراد بالشارع هنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو الرب جل وعلا، أما إطلاقه على النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا لا إشكال فيه، لأنه يجوز أن يطلق على النبي - صلى الله عليه وسلم - من حيث الإخبار ببعض الصفات التي هي له عليه الصلاة والسلام، وأما إطلاقه على الله عز وجل فهذا محل نظرٍ من حيث إنه من باب الإخبار، وإنه لم يأت لفظ الشارع بأل هكذا الشارع اسم فاعل كمثل الخالق والرازق، وإنما جاء: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ} [الشورى: 13]. {شَرَعَ لَكُم} مع انه الله عز وجل فوصف بكونه شَرَعَ حينئذٍ جاء الفعل، وإذا جاء الفعل هل يجوز استنباط أو استخراج اسم منه يعني: محلاً بأل حينئذٍ هل نقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] نقول المستوي الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا في آخر كل ليل ثلث الليل الآخر هل نقول: النازل. إذا جاوزنا هنا جاوزنا في {شَرَعَ}، وإن مَنَعْنا منعنا، لكن أهل العلم يرون أن هذا من باب الإخبار ليس من باب الأسماء والصفات، لكنه منضبط عندهم ابن القيم رحمه قال في ((بدائع الفوائد)) ضبطه ببعض الضوابط أو القيود التي قد لا توجد أو تتوفر في هذا الوصف.
على كلٍّ أراد بقول الشارع الله عز وجل لأنه يشرع، الشريعة منسوبةٌ إلى من شرعها، وكذلك رسوله - صلى الله عليه وسلم -، هذه القاعدة محل إجماعٍ من أهل العلم قاطبة، بمعنى: أن الشريعة كلها مبنيةٌ على جلب المصالح ودفع المفاسد، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم البتة، بل قال كثيرٌ من أهل العلم: إن الشريعة ترجع إليها. إلى هذه القاعدة. وأن ما سواها من القواعد مأخوذٌ منها ومتفرعٌ عليها، كل القواعد الآتية بل كل القواعد التي ذكرها أهل العلم إنما هي منطويةٌ ومتفرعةٌ على هذه القاعدة، وهذا إن كان المراد به أن هذا المعنى الذي دلت عليه هذه القاعدة موجودٌ في ضمن القواعد فلا إشكال، يعني: [اليقين لا يزول بالشك] هذه القاعدة فيها تيسير، وما أمرك كذلك الله عز وجل ونبيه - صلى الله عليه وسلم - إلا لما فيه من مصالح ودفعٍ للمفاسد، هذا لا إشكال فيه.
إن وجدت الفروع بأدلتها الخاصة قيل: تضمنت جلب المصالح ودفع المفاسد، وهذا لا إشكال فيه، وأما أنه تستخلص القواعد من هذه القاعدة نقول: هذا يحتاج إلى نص، لأن القاعدة التي هي مطردة عند العقلاء أن إثبات الأعم لا يستلزم إثبات الأخص، والعكس صحيح أن إثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم هذا في مقام الإثبات، في مقام النفي نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص.
(2/8)

إذًا: هذه قاعدة عامة، نعم تدخل ضمنًا في جميع القواعد لا إشكال فيه، وأما أنها تدل على خصوص القواعد بأعيانها نقول: هذا لا تدل عليه، لأن قولهم [جلب المصالح ودرء المفاسد] أين هو من قاعدة [اليقين لا يزول بالشك]؟ [الأمور بمقاصدها]؟ [الخراج بالضمان]؟ أين هي؟ ليس فيها ألفاظ. وهذا كما يقال: الإنسان معنًى في الذهن وجوده في ضمن أفراده، هذا كذلك المصالح الشريعة تدل كلها بأوامرها ونواهيها على جلب المصالح ودرء المفاسد، فهو معنًى موجودٌ في جميع منتشر وهو قدر مشترك بين جميع الأوامر لكنه موجودٌ في ضمن المفردات. وقال بعضهم: إن الشريعة ترجع إلى جلب المصالح، جلب المصالح ودرء المفاسد هذا قول العز بن عبد السلام في قواعده، قال: القاعدة المركبة من جزأين [جلب المصالح ودرء المفاسد] ونحن نكتفي بالجزء الأول، ونقول: القاعدة [جلب المصالح] لماذا؟ لأن درء المفاسد ما دُرِأَتْ إلا من جهة جلب المصالح أو إلا لجلب المصالح حينئذٍ رجعت إلى جزء القاعدة، هي قاعدة لكنها مؤلفة من جزأين فأرجع الجزء الثاني إلى الجزء الأول، على كلٍ عبرنا بهذا أو بذاك المعنى واضحٌ.
قال بعضهم وهو العز بن عبد السلام في قواعده:
إن الشريعة ترجع إلى جلب المصالح لأنه لا يمكن أن تجلب المصالح إلا إذا دُرِأَت المفاسد.
هذه هي القاعدة الأولى كما ذكرنا قاعدة مهمة فنبسط فيها القول، هذه القاعدة تشتم على ما ذكره المصنف على أربعةِ أقسام، لأنك إذا قرأت القاعدة (الشارع لا يأمر)، (ولا ينهى) إذًا فيه أمرٌ وفيه نهي،
ثم قال: (لا يأمر إلا) بشيئين (بما مصلحته خالصةٌ) هذا أولاً. الأمر بالمصلحة الخالصة، ولا يأمر إلا بما مصلحته راجحة. إذًا: الأمر بالمصلحة الراجحة هذا القسم الثاني، (ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصةٌ). إذًا: النهي عن المفسدة الخالصة ولا ينهى إلا عما مفسدته (راجحة)، إذًا النهي عن المفسدة الراجحة، هذه أربعة أقسام اشتملت عليه هذا القاعدة.
الأول: الأمر بالمصلحة الخالصة.
الثاني: الأمر بالمصلحة الراجحة.
الثالث: النهي عن المفسدة الخالصة.
الرابع: النهي عن المفسدة الراجحة.
المصلحة الخالصة مقصودةٌ بالذات أصالةً. يعني: هذه المصالح التي أمر الله عز وجل بها إما أن تكون مقصودةً بالذات أو تكون مقصودةً بالتبع أو لا؟ هذا أو ذاك، إما أن تكون هذه المصلحة مقصودة بالذات يعني شرعت لأجلها، وإما أن تكون وسيلةً إلى غيرها.
الأول: المصلحة الخالصة.
والثاني: المصلحة الراجحة.
إذًا: المصلحة الراجحة، المصلحة الخالصة أولاً مقصودةٌ بالذات أصالةً لا تبعًا. المصلحة الراجحة عكسها ليست مقصودةً بالذات أصالةً وإنما المقصود بها ما يترتب عليها، فيأمر الشارع الأمر بالشيء عبادةً كان أو غيره لذات المأمور به، حينئذٍ تكون هذه المصلحة خالصة كالتوحيد والإيمان وقد يأمر بشيءٍ لا لذاته وإنما لما يترتب عليه من الثمار والفوائد.
(2/9)

المفسدة الخالصة ليس فيها أي مصلحةٍ ومنفعة كاسمها خالصة، يعني: خَلُصَتْ من ماذا؟ من أي مصلحةٍ تكون شائبةً مع المفسدة، فهي مفسدةٌ خالصة من جهة الحكم الشرعي، يعني: الحكم هنا بالخلوص والرجحان إنما هو بالنظر للشارع للشرع. يعني: لحكم الله عز وجل، لا إلى عقول الناس، لأن الخمر مثلاً هذه مفسدتها خالصة هذا حكم الشارع لكن الله عز وجل يقول ماذا؟ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219] {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} هذا ليس إقرارًا من الشارع لهم، وإنما المنافع هنا باعتبار الكسب والتجارة فيها فحينئذٍ نقول: هذه الفوائد المحصلة أو المصالح المحصلة على بيع وشراء أو تصنيع الخمور ليس فوائد معتبرة شرعًا وليس مصلحة البتة، لماذا؟ لأنها باعتبارٍ الناس أو الخلق ليست باعتبار ما أمر به الشارع. إذًا: المراد هنا المفسدة الخالصة التي ليس فيها أي مصلحةٍ ومنفعة، فهي مفسدة خالصةٌ من جهة حكم الشرع وإن كان أصحابها من جهة العادة والكسب قد يكون لهم شيءٌ من المنافع لكنها من جهة الشرع فهي مفسدةٌ خالصة، هل هناك مصلحةٌ خالصةٌ ومفسدة خالصة؟ المصنف يقول: هنا (لا يأمر إلا بما مصلحته خالصةٌ)، (ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصةٌ) هل عندنا شيءٌ يسمى مفسدة خالصة أو مصلحةٌ خالصة؟
(2/10)

هذا محل نزاعٍ بين من كتب في هذا الفن. هل في الدنيا، أما في الآخرة المصلحة الخالصة دخول الجنة هذا لا إشكال فيه، وأما المفسدة الخالصة في الآخرة لمن خُلِّدَ في النار فلا إشكال فيه، وإنما البحث في الدنيا، هل هناك عبادة أمر الله عز وجل بها وهي خالصةٌ من كل وجهٍ عن أي شائبةٍ من المفاسد، هذا هل له وجودٌ أم لا؟ ظاهر كلام كثيرٍ من أهل العلم هو وجود هذين النوعين، يعني المصلحة الخالصة والمفسدة الخالصة، كما قلت أن المراد الخلاف هنا في الدنيا، وأما في الآخرة فلا شك أن الجنة هذه مصلحةٌ خالصة لا يشوبها شيءٌ من المفاسد البتة، وكذلك النار لمن خُلِّد فيه مفسدةٌ محضة خالصة لا مصلحة فيها البتة، حينئذٍ الكلام فيما يتعلق في الدنيا، وأكثر أهل العلم على وجود هذين النوعين في الدنيا مما رتبه الله عز وجل علا على كثيرٍ من العبادات، وذهب بعضهم إلى أنه ليس عندنا مصالح خالصة ومفاسدٌ خالصة، إذًا متقابلان، منهم من ينفي، ومنهم من يثبت. توسط آخرون كابن القيم رحمه الله تعالى في ((مفتاح دار السعادة)) وغيره فقال: " إن أريد بالمفسدة المشقة فإنه ليس عندنا مصلحةٌ خالصة ". المفسدة قد يختلف في تفسيرها إن كان المراد عبادة لا مشقة فيه البتة فلا وجود له، إذ ليس عندنا عبادة إلا وتلحقها مشقة، إما سابقة أو معها أو لاحقة، التوحيد تلحقه مشقة لأنه مأمورٌ بالبراءة من أهل الكفر ونحو ذلك والجهاد وكل ما يتعلق على هذه أو يترتب على هذه الكلمة. إذًا فيه شيءٌ من المشقة ولا شك. إذًا: إذا كان المراد بالمفسدة المشقة فلا شك أنه لا وجود للمصلحة الخالصة البتة، لماذا؟ لأنه ما من عبادةٍ شرعها الله عز وجل إلا وتلحقها مشقة إما معها أو لا حقةً بها، إن أريد بالمفسدة المشقة فإنه ليس عندنا مصلحةٌ خالصة، وإن أريد أن في نفس العبادات مفسدةً فليس بصحيح. يعني: العبادة بذاتها هي مفسدةٌ لا، وإنما لشيءٍ يلحقها خارجٌ عنها، إن كان المراد بهذا الخارج الذي عُبِّرَ عنه بالمفسدة أنه المشقة فهذا يُسَلَّم، وأما هذا لم يرد المشقة وإنما فسادٌ في ذات العبادة فليس له وجودٌ البتة، وإن أريد أنه قد يقارنها ويسبقها شيء من المشاق فلا حرج، فإن سميت مفاسد بهذا الاعتبار فلا بأس، فهي مشاقُ وإن سميت مفاسد فلا بأس. يعني: مشقة أو مفسدة، سمِّها هذا أو ذاك، وقالوا: إن المصالح الخالصة لا تكون إلا في دار القرار. نعم المصالح الخالصة لا تكون إلا في دار القرار، لكن الخلاف هنا في الدنيا، فيما أمر الله عز وجل به، كما أن المفاسد الخالصة لا تكون إلا في النار على من وجبت عليه.
إذًا: مصلحةٌ خالصة، مصلحةٌ راجحة، مفسدةٌ خالصة، مفسدة راجحة. هل ثَمَّ وجودٌ للمصلحة الخالصة والمفسدة الخالصة فيه خلافٌ، أما في الآخرة فمحل وفاقٍ وجود النوعين، وأما في الدنيا فعلى خلافٍ في تفسير المفسدة ما المراد بها؟ إن أريد بالمفسدة المشقة فليس عندنا مصلحةٌ خالصة، وإن أريد به الفساد عكس الصلاح فهذا لا، يُنْفَى ولا يقال: بأن العبادات في نفسها مفاسد.
هل يوجد قسمٌ خامس وهو ما تساوت فيه المصلحة؟ قلنا: خالصة وراجحة في النوعين المصلحة أو المفسدة.
هل عندنا قسم خامس تساوت فيه المصلحة والمفسدة؟
(2/11)

ظاهر كلام كثيرٍ من أهل العلم أن القسمة رباعية، وأما تساوي المصالح والمفاسد فلا وجود له، وإن ذكره بعض المتأخرين، وابن القيم رحمه الله تعالى رده في ((مفتاح دار السعادة)) وليس هناك تساوي النوعين وهذا هو الظاهر، والله أعلم.
أولاً: تعريف المصلحة لغةً واصطلاحًا ما المراد بها؟
نقول: المصلحة لغةً تطلق ويراد منها الفعل الذي فيه صلاحٌ ونفعٌ، مأخوذةٌ من الصلاح وهو ضد الفساد. قال ابن فارس: الصاد واللام والحاء أصلٌ واحدٌ يدل على خلاف الفساد، يقال صَلُحَ الشيء يَصْلُحُ صُلُوحًا، ويقال: صَلَحَ بفتح اللام وحكا ابن السكيت: صَلُحَ يَصْلُحُ، ويقال: صَلَحَ صُلَح، صَلَحَ وصَلُحَ يجوز فيه الوجهان يعني: من باب فَعَلَ وفَعُلَ. وقال ابن منظور: والمصلحة الصلاح، والمصلحة واحدة المصالح، والاستصلاح نقيض الاستفساد، وأصلح الشيء بعد فساده أقامه. إذًا: الصلاح يقابل الفساد. من فهم المراد بالفساد فهم المراد بالصلاح لغةً، وأما المصلحة اصطلاحًا فهي عند جمهور الأصوليين: الثمرة المترتبة على الأحكام التي شرعها الله لعباده. قال الغزالي في ((المستصفى)): " أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة ". مصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ثم قال: " لكنَّا نعني بالمصلحة - يعني: في هذا المقام. - المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة ". وهي ما يسمى بالضروريات الخمس، وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم. وهذا ما يسمى بالضروريات الخمس، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، إذًا الشرع كله قائم على هذه الأمور الخمسة، كل ما يكون وسيلة لحفظها ودفع ما ينقضها فهو مصلحة، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول الخمسة فهو مفسدة ودفعها مصلحة. وقال الطوفي: " هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع عبادة أو عادة ". إذًا المصلحة المراد بها المنفعة، والمفسدة المراد بها المضرة، فالشرع قائم على جلب المصالح أي المنافع، ودفع المفاسد أي المضار، مصالح لأي شيء؟ ومفاسد عن أي شيء؟ عن هذه الخمسة التي شُرِعَ أو وُجِدَ الدين لأجلها وهي ما يسمى بالضروريات الخمس، فالمراد بالمصلحة هي المنفعة قال العز بن عبد السلام: أو وسيلتها. هي المنفعة أو وسيلتها التي قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونفسهم وأموالهم، حينئذٍ منفعة ووسيلة إلى المنفعة، تطلق المصلحة إطلاقًا حقيقيًّا على المنفعة، وتطلق المصلحة إطلاقًا مجازيًّا على وسيلة المنفعة، هذا وذلك، فهي تُطْلَق على المنفعة ذاتها، كما تطلق على أسبابها ووسائلها المفضية إليها، يعني: إلى المنفعة.
قال العز بن عبد السلام في ((قواعد الأحكام)): المصالح ضربان أحدهما حقيقي وهو الأفراح واللذات، وهذه منافع.
والثاني: مجازي وهو أسبابها.
إذًا: إطلاق المصلحة على السبب المفضي إلى المنفعة يسمى مصلحةً مجازًا.
(2/12)

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((مفتاح دار السعادة)): المصلحة هي اللذة والنعيم وما يُفضي إليه، والمفسدة هي العذاب والألم وما يُفضي إليه. هذا تعريفٌ لابن القيم الذي جمع بين الأصول وبين ما يتعلق بالسلوك والعبادات. قال: المصلحة هي اللذة والنعيم وما يفضي إليه، اللذة والنعيم هي المنفعة، لكنها منفعةٌ روحية أو روحانية قد تكون المنفعة حسية هي اللذة والنعيم وما يُفضي إليه، والمفسدة هي العذاب والألم والمضرة، والمضرة كما تكون حسًا تكون معنًى، وما يُفضي إليه. إذًا: المراد بالمصلحة والمنفعة، المصلحة هي المنفعة والمفسدة هي المضرة.
أقسام المصلحة.
تنقسم المصلحة بعدة اعتبارات:
الاعتبار الأول: تقسيمها باعتبار قوتها في ذاتها، وهذه تنقسم إلى ثلاثة أقسام.
مصلحةٌ ضرورية، ومصلحةٌ حاجية، ومصلحةٌ تحسينية.
ضرورية، حاجية، تحسينية.
المصلحة الضرورية: هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بمعنى أنه إذا فقدت فقد الدين، أو ضاعت الدنيا، حينئذٍ تكون هذه المصالح مصالح ضرورية، هي التي لا بد منها بقيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامةٍ، بل على فسادٍ وتهارجٍ وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم وحصول الخسران، والضروريات الخمس التي ذكرناها قبل قليل.
مصلحةٌ حاجية: وهي ما يُفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة. إذًا: هي دون تلك، تلك تترتب على فواتها الفوات فوات الدنيا وفوات الآخر، وهنا عدمها لا يترتب عليه الفوات وإنما يترتب عليه المشقة والضيق والحرج، هذه تسمى ماذا؟ مصلحة حاجِّية كرخص السفر والمرض وإباحة الصيد والتمتع بالطيبات مما هو حلالٌ في المأكل والمشرب والملبس والمسكن وكالبيع والقرض ونحوها، وضرب الدية على العاقلة، وتضمين الصناع وغير ذلك هذا كله يسمى ماذا؟ مصالح حاجية.
مصلحةٌ تحسينية: وهي الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب للأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحة، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق كالطهارة وستر العورة، وأخذ الزينة والتقرب بالنوافل والعبادات وكآداب الأكل والشرب واللباس وعدم الإسراف، والت .. #46.00 والمآكل والمشارب والملابس، كمنع قتل النساء والصبيان والرهبان في الجهاد ونحو ذلك. هذه كلها تسمى ماذا؟ تحسينية. هذا التقسيم الأول باعتبار ذاتها، وقوتها في ذاتها، إما ضرورية، وإما حاجية، وأما تحسينية.
وأما من حيث العموم والخصوص فنتقسم إلى ثلاثة أقسام:
مصلحةٌ عامة تتعلق بجميع الخلق.
ثانيًا: مصالح تتعلق بالأغلب جمهور العامة، كتضمين الصناع قالوا: فهي مصلحةٌ لعامة أرباب السلع نوعٌ معين.
ثالثًا: المصالح الخاصة: وهي التي تتعلق بشخصٍ بعينه. إذًا: المصالحة قد تكون عامةً تتعلق بجميع الخلق، وقد تكون أغلبية تتعلق بالأكثر أو بفئةٍ معينة كالتجار ونحوهم، وقد تكون خاصةً شخصية تتعلق بزيدٍ من الناس.
الاعتبار الثالث وهو أهمها: تقسيمها من حيث اعتبار الشارع لها. تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
(2/13)

المصلحة المعتبرة شرعًا. يعني: ما الذي اعتبره الشارع مصلحةً. إذًا قيل: الشارع لا يأمر إلا بما فيه مصلحة، من الذي يحدد المصلحة نحن أم الشارع؟
الشارع، فحينئذٍ: هذه المصالح منها ما دل على الشرع على اعتباره.
ومنها ما دل الشرع على إلغائه.
ومنها ما سكت عنه الشارع.
إذًا القسمة ثلاثية:
إما أن يأتي دليل فيدل على أن هذه المصالح معتبرة فشهد لها الشارع.
وإما أن يأتي الدليل فيدل على أن هذه المصلحة التي هي في ظاهر ظن المكلف أنها مصلحة أنها ملغاة، فحينئذٍ نقول: هذه المصلحة غير معتبرة، وإن ظن الظان أنها مصلحة.
النوع الثالث: ما سكت عنه الشارع لم يشهد له بإثباتٍ ولم يشهد له بإلغاء.
إذًا المصلحة المعتبرةُ شرعًا وهي التي شهد الشرع باعتبارها وقام الدليل على رعايتها من نصٍ أو إجماعٍ، مثالها تحريمُ شرب الخمر لحفظ العقل، هذه مصلحة دل عليها الشارع، تحريم شرب الخمر لحفظ العقل، فحفظ العقل مصلحةٌ ومقصدٌ شرعيٌ معتبر، ومثله وجوب القصاص في القتل العمد العدوان لحفظ النفوس، فحفظ النفس مصلحةٌ ومقصدٌ شرعي. إذًا: ما الذي دل على أن حفظ النفوس من المصالح؟ الشرع ما الذي دل على أن حفظ المال من المصالح؟ الشرع، ما الذي دل على أن حفظ العقل من المصالح؟ الشرع، فلا بد أن يثبت لأن هذه مصلحة. هذا النوع الأول.
الثاني: المصلحة الملغاة. هذا النوع الأول مصلحةٌ باتفاق لا خلاف فيه بين أهل العلم وهو حجةٌ باتفاق، يعني: يعلل به ويصح الإلحاق في باب القياس بهذه العلة لأنه منصوصٌ عليها أو مجمعٌ عليها.
النوع الثاني: المصلحة الملغاة شرعًا. وهي التي شهد الشرع ببطلانها وعدم اعتبارها بنصٍ أو قياسًا، ويسميها بعض الأصوليين المناسب الغريب مر معنا في ((القواعد والأصول))، ومن أمثلة هذا النوع القول بتساوي الأخ والأخت في الميراث للأخوة. فرَّق الشارع بينهما، جاء من حَكَّمَ عقله قال: إذًا كما أن الشرع فرق بين أو الشرع ساوى بين الذكر والأنثى في بعض المسائل كالصلاة والزكاة ونحوها. إذًا: كذلك الأمر في شأن الميراث، فهذا أخٌ والأخوة موجودة إذًا نقول: بالتساوي. نقول: هذا قد يقال بأنه في باب الأمر أنه فيه شيءٌ من المصلحة وخاصةً أن الفقهاء وأصحاب الفرائض يعللون بأن للذكر مثل حظ الأنثيين لأن الذكر يطالب بالمال والنفقة، فإذا وجدت المرأة كذلك تخرج وتكتسب ونحو ذلك فساوت الرجل حينئذٍ تحتاج إلا نفقة تنفق على نفسها وعلى تجارتها، فحينئذٍ قد يقول قائل بأن المساواة هنا بين الذكر والمرأة في والأنثى بين الذكر وأنثى في الميراث أنه مصلحة. نقول: هذه الشرع نص على إلغائها، كيف نص على إلغائها؟ نص على أن للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو شرع في ذاك الزمن وفي هذا الزمن، فحينئذٍ الشارع لم يعلل الحكم أولاً، وثانيًا لم يفرق بين زمن وزمن، وثالثًا لم يذكر علةً ولذلك مثل هذه الأحكام الأولى إلا تعلل وتجعل تعبدية لئلا يدخل فيها من هذه الجهة.
(2/14)

إذًا القول بتساوي الأخ وأخته في الميراث للأخوة التي تجمع بينهما لكن هذا المعنى ملغى بقوله تعالى: {وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء: 176] وقس على ذلك كلّ ما حرمه الشارع وأُريد في زمن ما أن يلغى لاعتبار في تطور الناس أو في اختصار الناس أو نحو ذلك فكله نقول: هذا مصلحة ملغاة.
الثالث: المصلحة المسكت عنها. وهي ما سكتت عنها النصوص الخاصة، فلم تشهد لها باعتبار ولا بإلغاء، وهذه على النوعين، وهذه مسألة مهمة.
النوع الأول: أن يكون هذا المعنى ملائم لتصرفات الشارع. يعني: ادُّعِي بأن هذا المعنى مصلحة ولم يرد نص من كتابٍ أو سنة يشهد لها باعتبارٍ أو عليها بإلغاء، مسكوت عنها، حينئذٍ نقول: هذا المعنى قد يكون ملاحظًا في تصرفات الشارع، يعني: له أصلٌ دلّ عليه أصل اعتبره في موضع كذا أو في باب كذا نقول: هذه تُسمى المصلحة المرسلة، وهي معتبرة عند بعضهم، أن يكون هذا المعنى ملائمًا لتصرفات الشارع، بأن يكون له جنس معتبر في الشرع في الجملة بغير دليل خاص، وهذا هو المصلحة المرسلة، ومن أمثلته جمع الصحابة للمصحف، وهذا الذي ذُكِرَ فيه الخلاف، يعني: مصلحةٌ أو معنى ادَّعَى أنه مصلحة ولم يأت نص من كتاب أو سنة يشهد له باعتبارٍ أو بإلغاء، لكن هذا المعنى له وجود في الشرع بأن اعتبره في مقام كذا: وكذا وحينئذٍ نقول هذه مصلحة مرسلة، وهذه التي وقع فيها النزاع هل تعتبر دليلاً يستدل بها أم لا؟
النوع الثاني: أن يكون هذا المعنى غير ملائم لتصرفات الشارع، يعني مصلحة ادُّعِيَ أن هذا المعنى مصلحة لكن نظرنا الشرع لم يشهد له باعتبار ولا بإلغاء، ثم هل الشارع اعتبر هذا المعنى في موضع ما؟ الجواب: لا. حينئذٍ نقول: هذه ملغاة ولا يجوز أن تعتبر مصلحة تعلل بها الأحكام الشرعية أو تثبت بها الأحكام الشرعية، أن يكون هذا المعنى غير ملائم لتصرفات الشارع، وهذا النوع ليس بحجة باتفاق، كما ذكر الشاطبي في ... ((الاعتصام)) وهو ملحق بالنوع الثاني وهو المصالح الملغاة، لأنه وإن لم يشهد له نص خاص بالإلغاء إلا أن مجموع النصوص تشهد له بذلك لمخالفته لمقصود الشارع من جهة المعنى.
إذًا هذا النوع الثالث ما يُسمى بالمصلحة المرسلة ومر معنى أن فيها خلافًا بين الأصوليين وغيرهم، هل هي دليل شرعي أم لا؟ وهو محل نزاع، لكن محل النزاع يجب أن يُحَرَّر وهو أنهم اتفقوا على أن المصالح المرسلة غير معتبرة في العبادات، لأن العبادات مبناها على الحظر كما سيأتي معنا، إذًا العبادات توقيفية ليس عندنا تشريع في مقام العبادات للمصلحة المرسلة، لماذا؟ لأن إجماع أهل العلم على أن العبادات توقيفية حينئذٍ لا مدخل للمصلحة فيها.
ثانيًا: اتفقوا على عدم جواز العمل بالمصلحة المرسلة في المقدرات كالحدود، الكفارات، ونحوها هذه لم يأت أحد من أهل العلم المعتبر قديمًا وحديثًا وادَّعى أن المصلحة تقتضي غير ذلك في إلغاء حدّ أو نحو ذلك، هذا متفق عليه، أولاً في العبادات، وثانيًا في المقدرات والكفارات ونحوها، ثالثًا في باب المعاملات والعادات، هنا وقع النزاع بين أهل العلم، هل المصلحة معتبرة أم لا؟
فيها قولان مشهوران:
(2/15)

عدم جواز بالأخذ بالمصلحة المرسلة، وهذا رجحه شيخ الإسلام تيمية رحمه الله تعالى، وهو الظاهر أنها ليست بدليل معتبر من حيث الاستقلال، وإن صح أن يجعل معنًى كعلةٍ في باب القياس ليُعلل به من تلك الحيثية، وأما أنه دليل مستقل، فالجواب: لا. ولذلك القول بالمصلحة المرسلة قالوا: قول بالرأي والهوى والتشهي ويلزم منه - وهو كذلك - أن يستغل ذلك أهل الأهواء والأغراض للوصول إلا مأربهم وأغراضهم باسم المصلحة، حتى في زماننا هذا كم من أحكام شرعية يراد هدمها باسم المصلحة، حينئذٍ درءًا وسدًّا لهذا الباب العظيم الذي لو فُتِحَ لَمَا أُغْلِق قلنا: بالمنع بالقول بالمصلحة، كذلك الشريعة جاءت بكل المصالح شريعة كاملة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] إذًا كامل الدين فلا نحتاج إلى التعبير بالمصالح، فما ظُنَّ أنه مصلحة فلا يخلو من حالين:
إما أن الشرع دل عليه لكن لم يتبين ذلك للمجتهد.
أو أنه ليس بمصلحة عند التحقيق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " والقول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحةً قط ". ليس ثم مصلحة يَدَّعِيهَا مُدَّعٍ ولم تأت الشريعة بإما إيجاب أو استحباب، فهذه الدعوى مردودة على صاحبها، لماذا؟ لأن الشريعة كاملة، وجاء النص في ذلك واضحًا بينًا لأن الله عز وجل قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} إذًا الدين الكامل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ما ترك طائر يطير بجناحيه في السماء إلا وبين للصحابة منه ما يتعلق به من أحكام شرعية، إذًا إذا كان الأمر كذلك فحينئذٍ كل من ادَّعَى مصلحة شرعية قد أهملها الشارع بأنه لم يأت ببيان الحكم الشرعي فهو مردود عليه. يقول ابن تيمية: " والقول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النبي - صلى الله عليه وسلم - وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، لكن ما اعتقده العقل مصلحة - قد يدع بعض أهل العلم ومقصده شريف بأن هذه مصلحة ولم يعتبرها الشارع فما اعتقده العقل مصلحة وإن كان الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له:
إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر، وهذا الغالب أن ما ادعي أنه مصلحة إما أنه دُلَّ عليه بمفهوم أو بمنطوق أو نحو ذلك من الأدلة العامة، فهو داخل في عموم النصوص.
أو أنه ليس بمصلحةٍ وإن اعتقده مصلحةً لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة وكثير ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا، ويكون فيه منفعة مرجوحة بالمضرة كما قال تعالى في الخمر والميسر {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة: 219] وهذا القول هو المرجح بأن مصلحة المرسلة غير معتبرة، وإذا كان كذلك فنرجع إلى الأصل وهو تحكيم النصوص والوقوف مع ألفاظها، والله أعلم.
(2/16)

قال هنا رحمه الله تعالى: (الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة)، لا يأمر أمر إيجابٍ أو أمر استحباب بما، أي: بالذي إما أن يكون عبادة أو يكون معاملة مصلحته خالصةٌ أو راجحه، ولا ينهى نهي تحريم أو نهي تنزيه إلا عما عن شيء يعني: قولٍ أو فعلٍ معاملةٍ ونحو ذلك مفسدته أو راجحة. قال رحمه الله تعالى: (هذا الأصل) يعني: القاعدة أطلق عليها أصل لأنه عام (شامل لجميع الشريعة) بمعنى: جميع الشريعة كما قال من الكليات، جميع هذا من ألفاظ العموم وكل الشريعة داخلة تحت هذا الأصل، لأن الله تعالى العبادات التي كلفهم بها إما على جهة الإيجاب أو على جهة الندب، ما من عبادة، أصل العبادة كيف نعرف أنها عبادة؟ إذا أمر الله تعالى بها أمر إيجاب أو أمر استحباب، ولا يأمر إلا بما هو حسن، كذلك إذا نهى عن شيءٍ ما إما أن ينهي عنه على جهة التحريم أو على جهة التنزيه، ولا ينهى إلا عن ما هو قبيح، ولا يَشِذُّ عنه - يَشِذُّ يَشُذُّ يجوز فيه الوجهان -، لا يشذّّ عنه شيء يعني: لا ينفرد انشذ عنه أي: انفرد عن الجمهور، لا يشذ شيء من أحكامها أي الشريعة (لا فرق بين ما تعلق بالأصول أو بالفروع)، وهنا الشيخ رحمه الله تعالى قد يقال بأنه يرى التفريق والتسوية بالأصول والفروع، وهي تسويةٌ لا بأس بها، وما أنكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن المعتزلة هو على ما يُبنى على هذه الأحكام، يعني: تقسيم الدين إلا أصول وفروع من حيث هو لا بأس به، فحينئذٍ يعنى: بالأصول العقائد أو العلميات، وبالفروع المعاملات أو نحو ذلك، هذا لا بأس به، أما أن يبنى عليه التكفير من أنكر الأصول وأصل من الأصول فهو كافر ومن لم ينكر فرعًا من الفروع فليس بكافر هذا ليس بصحيح، بل هذا من ما دخل به المعتزلة على أهل السنة والجماعة.
(2/17)

قال: (لا فرق بين ما تعلق بالأصول أو بالفروع، وما تعلق بحقوق الله، وحقوق عباده) يعني: هذا تفسيرٌ لقوله: (شامل لجميع الشريعة) كيف أو ما وجه الشمولية بأنه لا يخرج عنها حكم من أحكام الشريعة، ثم الشريعة منها أصول ومنها فروع، ما أمر الله به الشارع في الأصول أو الفروع فهو لمصلحة خالصة أو راجحة، ثم الحقوق حقان: حق متعلق بالخالق جل وعلا، وحق متعلق بالعباد. إذًا جميع ما يتعلق بالشريعة فهو داخل في هذه القاعدة. دليلها قال رحمه الله تعالى: (قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]) هذه أجمع آية في كتاب الله كما قال ابن مسعود وغيره رضي تعالى الله عنه. {إِنَّ اللَّهَ} جل وعلا {يَأْمُرُ} هذا يتعلق بجلب المصالح وتحصيلها لأنه قال: {يَأْمُرُ}، {وَيَنْهَى} الشرع قائم على الأوامر والنواهي، فحينئذٍ الأوامر {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ} هذا يتعلق بجلب المصالح وتحصيلها، قال: ... {وَيَنْهَى} هذا يتعلق بدرء المفاسد ودفعها، يأمر بماذا قال: {بِالْعَدْلِ} والعدل كله إحسان كله حق {وَالإِحْسَانِ} أي: إلى الناس {وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى} يعني: حقه، وهذا صلة الرحم {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} والعدل واجب {وَالإِحْسَانِ}، {وَالإِحْسَانِ} نوعان: منه واجب ومنه مستحب {وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى} حقه هذا منه واجب ومنه مستحب، وقد جمع هذه الأمور الثلاثة الواجب الخالص وهو العدل، والواجب المشرك مع المستحق بصيغة واحدة وهي {يَأْمُرُ} فدل على وجود المشترك واستعماله في معنيين، واضح هذا؟ {يَأْمُرُ} هذا أمر يستعمل في الإيجاب والندب حقيقة فيهما، وليس هو حقيقة في الإيجاب مجازًا وفي الندب، بل يستعمل فيهما، وهذا دليل من الأدلة على ذلك {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} أمر إيجابٍ، والإحسان أمر إيجاب وندب، إذًا اسْتُعْمِلَ اللفظ المشترك في معنيين، واستعمال اللفظ المشترك في معنيين غير المتضادين حقيقة على الصحيح. قال: {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء}، {الْفَحْشَاء} ما قبح من القول والفعل {وَالْمُنكَرِ} وهو ما لا يعرف في شريعة ولا سنة {وَالْبَغْيِ} وهو الكبر والظلم والعدوان على الخلق، قال: {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، ... {لَعَلَّكُمْ} هذه للتعليل {تَذَكَّرُونَ} يعني: تتعظون، أي: لأجل أن تتذكروا.
(2/18)

قال الشيخ: (فلم يَبْقَ عدل ولا إحسان ولا صلة إلا أمر به في هذه الآية) لأنه أوردها بصفة العموم قال: {بِالْعَدْلِ}، {يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} أي: بكل عدل من أين أخذناه عدلٌ هذا مفرد ودخلت عليه ال إذًا للعموم، كذلك {وَالإِحْسَانِ} مصدر دخلت عليه أل أفاد العموم، إذًا {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ} بكل عدلٍ، ويأمر بكل إحسان، ويأمر بكل {وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى}، (فلم يَبْقَ عدل ولا إحسان ولا صلة إلا أمر به في هذه الآية) الكريمة، ولا فحشاء ومنكر متعلق بحقوق الله ولا بغي على خلق في دمائهم وأموالهم وأراضهم إلا نهى عنه، لصيغ العموم التي ذكرناها، (ووعظ عباده أن يتذكروا ما في هذه الأوامر وحسنها ونفعها فيمتثلوها، ويتذكروا ما في النواهي من الشر والضرر فيجتنبوها) إذًا ما أمر إلا من أجل الامتثال، ولا نهى إلا من أجل الاجتناب، ما أمر إلا من أجل الامتثال لما في أوامره من المصالح الخالصة أو الراجحة، وما نهى إلا من أجل الاجتناب لما في المنهي عنه من المفاسد الخالصة أو الراجحة. وقال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} [الأعراف: 29] والقسط هو العدل. قال مجاهد: بالعدل {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي: وجهوا وجوهكم حيث ما كنتم للصلاة إلى الكعبة {وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، {وَادْعُوهُ} يعني: اعبدوه، اعبدوا الله تعالى {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} الدين المراد به الطاعة والعبادة {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} يعني: سيعيدكم كما بدأكم ولا تعجزه الإعادة كما له يعجزه الابتداء فقد جمعت هذه الآية أصول المأمورات لأنه قال: {أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ}، ونبهت على حسنها، لأن الله تعالى لا يأمر إلى بما هو حسن، كما جمعت الآية التي بعدها أصول المحرمات ونبهت على قبحها، لأن الله تعالى لا ينهى إلا عمَّا هو قبيح، وهي قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} [الأعراف: 33] هنا الآية نزلت في ستر العورة، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(2/19)

قال رحمه الله تعالى: (كما جمعت الآية التي بعدها أصول المحرمات، ونبهت على قبحها، وهي قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [سورة الأعراف:33]) قلنا: بأن الآية هنا نزلت في إيجاب ستر العورة لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فسر بعضهم الفواحش هنا بالطواف عراةً، و {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} {مَا ظَهَرَ} طواف الرجل بالنهار {وَمَا بَطَنَ} طواف النساء بالليل، هكذا فُسِّر، لكن المراد به على جهة العموم حينئذٍ نقول {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} يعني: ما كان ظاهرًا فحشه وما كان خفيًا، {مَا ظَهَرَ} ما أظهرتموه، {وَمَا بَطَنَ} ما أخفيتموه، {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ} يعني الذنب والمعصية {وَالْبَغْيَ} الظلم والكبر بغير حقٍ، هذا وصفٌ كاشف ليس عندنا كبر بحق وكبر بغير حق، وليس عندنا بغي بغير حق وبغي بحق، إنما هو كله بغير حق حينئذٍ يكون الوصف كاشفًا (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ) أي: حرم عليكم الشرك بالله (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً) وهي حجة أو برهان، وهذا كذلك وصفٌ كاشف ليس عندنا شرك له برهان وشرك ليس به برهان، (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) هذا عام في تحريم القول في الدين من غير يقين.
إذًا هذه الآية دلت على أصول المحرمات لأنه قال: حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ما كان خفيًا وما كان ظاهرًا، وحرم الشرك، وحرم القول على الله تعالى بلا علم.
قال رحمه الله تعالى: (ولما ذكر الله الأمر بالطهارة للصلاة) في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] إلا آخره من الحدث الأكبر والأصغر، وذكر طهارة الماء، ثم طهارة التيمم عند العدم أو الضرر بمرض ونحوه، قال تعالى: بعد ما بين تلك الطهارتين وما ينوب عنهما قال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} يعني: ضيق ومشقة {وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ}، {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} يعني في الأحكام التي مرت وفي غيرها {وَلَكِن يُرِيدُ} بتشريع العبادات {لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فأخبر سبحانه أن أوامره وشرائعه من أكبر نعمه العدل، لقوله: {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ} من أكبر نعمه العاجلة المتصلة بالنعم الآجلة إذًا عندنا نعم عاجلة في الدنيا لأنها سبب للطهرة الحسية والطهرة المعنوية، وللنعم الآجلة وهو الأجر العظيم عند الله تعالى بدخول الجنة.
(2/20)

قال رحمه الله: (ثم تأمل قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [الإسراء: 39]. إلى قوله: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ}) ذكر أوامر ونواهي اشتملت عليه ما بين الآيتين على تلك الأمر والنواهي قال: في ختام الآية ({ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ}) فعُلِمَ أن هذه الأوامر التي أمر لله تعالى بها أمرٌ أمر بها لحكمة وهي التي أشار إليها بهذه القاعدة يعني: لمصلحة ({مِنَ الْحِكْمَةِ}) أي: من المصلحةٍ المترتبة على جلب المصالح ودفع المفاسد (وقوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151 - 153]. إلى قوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]. وما بينهم من الأوامر والنواهي وقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36]. إلى قوله: {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً} [النساء: 38]) مراده أن ثَمَّ أوامر جاءت في الشريعة وثَمَّ نواهي جاءت في الشريعة إنما جاءت لجلب المصالح ودرء المفاسد، (انظر ما في هذه الآيات من الأوامر التي بلغت من حسنها، وعموم خيرها، ومصالحها الظاهرة والباطنة نهايةَ الحسن) وهذا لا شك فيه (وما اشتملت عليه من الخير والعدل والرحمة، والقيام بالحقوق والمستحب) لو كانت حقوق لله وحقوقًا للخلق، (وكذلك ما اشتملت عليه من المنهيات التي ضررها عظيم وشرها جسيم.
(2/21)

جسيم جَسُمَ الشيء أي عَظُمَ فهو جسيم، وهذه الشريعة مأموراتها ومنهياتها من أعظم معجزات القرآن ورسوله - صلى الله عليه وسلم -) من أعظم معجزات القرآن لأنها متفقة بمعنى أنها غير متضارب، لا يأتي بموضع يأمر بما نهى عنه بموضعٍ آخر، وكذلك هي معجزة للقرآن وآية للقرآن لكونها ما من أمرٍ إلا وكان مما يُعلل إلا وللعقل فيه نصيبٌ من استنباط الحكمة وهي المصلحة الراجحة إلى الفعل المكلف والرسول - صلى الله عليه وسلم - وما يتكلم كذلك فيه من الأوامر فهي محكمة في غاية الأحكام، وأنها أي: هذه الآيات تنزيل من حكيم حميد ومثلها ما وصف الله به خواص العباد وفضلائهم بقوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً} إلى قوله {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً} [الفرقان: 63 - 75] الآية وقوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] ثم عدد أوصافهم الجليلة ثم قال: في جزائهم {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 10، 11] وقوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} إلى قوله {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب: 35] فكل ما في هذه الآيات من الأوصاف التي وصف الله بها خيار الخلق، قد عُلِمَ حسنها وكمالها ومنافعها العظيمة بأن الله تعالى أثنى عليهم بها، ومن ضوابط العبادة أن الله تعالى يُثني على الوصف على الفعل، أو يثني على الفاعل أو يرتب الثواب العاجل أو الآجل عليها، فحينئذٍ نقول: هذا من ضوابط العبادة، كيف نعرف أنها عبادة؟ نقول: إذا أثنى الله تعالى على فاعليها {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ} أثنى، بماذا؟ بإسلامهم، فالإسلام عبادة ولا شك في ذلك. إذًا {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] وجميع ما في الشريعة من العبادات والمعاملات والأمر بأداء الحقوق المتنوعة، وتفاصيل وتفاريع لما ذكر الله في هذه الآيات، وجميع ما فصله العلماء من مصالح المأمورات ومنافعها، ومضابط المنهيات ومفاسدها داخل في هذا الأصل، هذه القاعدة، إذًا اشتملت الشريعة كلها، ولهذا يعلل الفقهاء الأحكام المأمورة بها بالمصالح، والمنهي عنها بالمفاسد، مأمور بها يعني: إيجابًا أو استحبابًا، والمنهي عنها بالمفاسد يعني: نهي تحريمٍ أو نهي كراهة، لأن العبادة قائمة على هذين الأمرين، بل الدين كله الأحكام الشرعية كم؟
خمسة أو أربعة، والإباحة من باب التوسع.
إما إيجابٌ وإما ندب، إما تحريم وإما كراهة.
إذًا إما أوامر وإما نواهي، حينئذٍ إذا كانت الأوامر والنواهي هي التي تعلقت بها هذه القاعدة حينئذٍ شملت الدين كله، ولذلك كل أمرٍ في الشرع ذكره أهل العلم بأن الله تعالى أمر به فلا بد وأنه مشتمل على مصلحة خالصة أو راجحة، وكل نهي جاءت فيه الشريعة أو نص عليه العلماء وفصلوا فيه فحينئذٍ نهى عنه الشارع إما لمفسدة خالصة أو مفسدة راجحة، ولهذا يعلل الفقهاء الأحكام المأمور بها بالمصالح، والمنهي عنها بالمفاسد.
(2/22)

ثم قال رحمه الله تعالى: (وأحد الأصول الأربعة) القياس، الأصول الأربعة يعني: الأدلة. الأدلة المراد بها الكتاب والسنة وماذا؟ والإجماع والقياس، هذه أصول أربعة متفق عليه بالإجماع، الكتاب والسنة والإجماع الإجماع المتيقن والقياس الصحيح، وأحد الأصول الأربعة القياس يعني: القياس وهو أي: القياس (الميزان الذي تبنى عليه الأحكام الشرعية) ... [هذه العبارة أولى من التي عندكم] وهو أي القياس الميزان الذي عليه الأحكام الشرعية، الذي قال الله فيه، القياس لا تبنى عليه الأحكام الشرعية، القياس أحد الأدلة التي تثبت بها الأحكام الشرعية، إذ الكتاب قد تثبت به الأحكام الشرعية، والسنة تثبت بها الأحكام الشرعية، وكذلك الإجماع، حينئذٍ القياس أحد الأدلة وليس هو جميع الأدلة، إذًا هو الميزان التي تبنى عليه الأحكام الشرعية الذي قال الله فيه: {اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} [الشورى: 17] قال قتادة ومجاهد ومقاتل: سمي العدل ميزانًا لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية. والميزان (وهو الجمع بين المسائل) يعني: الفروع (المتماثلة في مصالحها، أو في مضارها بحكم واحد) يعني: الشرع كما نص عليه هنا أن الشارع لا يفرق بين متماثلين، كما أنه لا يجمع بين مختلفين، لا يفرق بين متماثلين يعني فرعٌ وفرع استويا صورةً ومعنًى فلا بد أن يتحدا حكمًا، لا بد أن يتحدا، لكن ينبغي أن يُنظر أولاً هل هذا الفرع مساوي لهذا الفرع أم لا؟ لئلا يهم لأن حينئذٍ يلحق به حكمًا ولا يكون الأمر كذلك، فحينئذٍ إذا وجد فرعان كل منها ما مساوٍ للفرع الآخر من كل وجهٍ لزم أن يكون الفرع الثاني حكمه حكم الأول.
قال هنا: (الجمع بين المسائل) أي: الفروع (المتماثلة في مصالحها، أو في مضارها بحكم واحد، والتفريق بين المتباينات المختلفات بأحكام مختلفة مناسبة لكل واحد منها). وهذا هو حقيقة القياس إلحاق فرعٍ بأصلٍ لعلة جامعة للحكم، فإنك لا تُلحق الفرع بالأصل إلا لاجتماع صفات في هذا الفرع تشبه الأصل فحينئذٍ يكون حكمه حكمه، لأن الله عز وجل يُلحق الطيب بالطيب والخبيث بالخبيث .. وهكذا.
(2/23)

قال رحمه الله تعالى: و (مثال: ما مصلحته خالصة من المأمورات ومضرته خالصة من المنهيات: جمهور الأحكام الشرعية) (جمهور) يعني: أكثر (الأحكام الشرعية) فهي خالصة (مصالحه خالصة) والمنهيات مفاسدها خالصة، إذًا على هذا الكلام أن ما أمر به الشارع وكانت المصلحة فيه خالصة على الكلام الشارح هنا أكثر من الأوامر التي فيها المصلحة راجحة، وما كان النهي فيه بمفسدة خالصة أكثر من النهي أو من النواهي التي المفسدة تكون فيها راجحة. (مثال: ما مصلحته خالصة من المأمورات ومضرته خالصة من المنهيات: جمهور الأحكام الشرعية، فالإيمان، والتوحيد، مصالحهما خالصة في القلب، والروح، والبدن والدنيا، والآخرة، والشرك والكفر مضرته ومفسدته خالصةً على القلوب، والأبدان، وفي الدنيا والآخرة، والصدق) أمر الله تعالى به (مصلحته خالصة، والكذب بضده،) مفسدته خالصة (ولهذا إذا ترتب على أنواع الكذب مصلحة كبرى تزيد على مفسدته كالكذب في الحرب، وفي الإصلاح بين الناس فقد رخص فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم لرجحان مصلحته، والعدل مصالحه خالصة، والظلم مفاسده خالصة، والميسر والخمر مفاسدهما ومضارهما أكثر من نفعهما ولذلك حرمهما الله، قال تعالى: {فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219]). {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} ليس من جهة الشرع يعني: الله عز وجل ما أقرهم وإنما بين حال وقعهم بأنهم ينتفعون بها من حيث الكسب والتجارة فحسب، وأما ينتفعون بها في الأبدان ونحو ذلك فالعقول فلا ... {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} وإذا ترت بعض المصالح العظيمة على بعض أنواع الميسر كأخذ العوض في مسابقة الخيل والإبل والسهام جاز لِمَا فيه من الإعانة على الجهاد الذي به قوام الدين. وهذا سيأتي في قاعدة مستقلة وتعلم السحر مضرته خالصة كما قال تعالى: ... {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} [البقرة: 102] من أين أخذنا من الآية مفسدته خالصة ليس فيه منفعة البتة {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} وجه الاستدلال نعم من قوله: {وَلاَ يَنفَعُهُمْ}، ينفع فعل مضارع منسبك من زمنٍ ومصدرٍ، والمصدر نكرة في سياق النفي فيعمّ، هو من صياغ العموم، يعني: هذا التركيب {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} من صيغ العموم وجهه أن لا ينفع فعل مضارع مشتق من المصدر، والمصدر الأصل فيه أنه نكرة إذًا نكرة في سياق النفي فيعم هذا المراد به. (وحرم الله الميتة، والدم، ولحم الخنزير، ونحوها لما فيها من المفاسد والمضار) وهذا واضح، (فإذا قاوم هذه المفاسد مصلحة عظيمة) ودفع مفسدةٍ كبيرة (وهي الضرورة لإحياء النفس حلت) يعني: الأصل في الميتة التحريم، لماذا؟ للمفسدة، هل المفسدة خالصة أم راجحة؟ خالصة، لكن قد يوجد وصفٌ في المكلف يعتبر هذا الحكم في حقه مستثنى، الذي هو التحريم مع المفسدة، وهو الضرورة لأحياء النفس، ولذلك قال: (فإذا قاوم هذه المفاسد مصلحة عظيمة، ودفع مفسدةٍ كبيرة وهي الضرورة لإحياء النفس حلت) يعني الميت (قال تعالى: ... {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ... [المائدة: 3]).
(2/24)

فمن هذه صيغة عموم {فَمَنِ اضْطُرَّ} أي: أجهد ... {فِي مَخْمَصَةٍ} أي: مجاعة، والمخمصة خلو البطن من الغذاء، قالوا: رجلٌ خميص البطن إذا كان طاويًا خاويًا. قال هنا: إذا كان طاويًا خاويًا {فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ} أي: غير مائل إلى إثمٍ. قال: بعض السلف هو أن يأكل فوق الشبع، لأن الضرورة تقدر بقدرها، فإذا جاز لو أن يأكل من الميتة للضرورة ما وهي إحياء النفس فحينئذٍ يجب أن يأكل بما يدفع به هذه الضرورة ولا يزيد على ذلك. وقال بعضهم أن مراد هنا {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ} بأن يصف حاله بأنه في ضرورة وليس الأمر كذلك، واللفظ يحمل على المعنين، بمعنى {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ} بأن لا تكون به ضرورة ويَدَّعي الضرورة، ثم قد تكون به ضرورة ويأكل فوق الشبع والواجب عليه أن مقدار ما يدفع ضرورته، {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يعني: فإن فأكله {فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} المغفرة إنما تكون إذا أكل، وهل هو فعل معصية؟ الجواب: لا، لم يفعل معصية، وهل أكل محرمًا بعد ما أبيح له؟ الجواب: لا. وهل إذا أكل نقول فيه مفسدة خالصة أم مصلحة خالصة أو راجحة؟
الثاني. يعني: انتقل في حقه الحكم من كونه حرامًا إلا إباحةٍ، ثم الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، حرمت للمفسدة، ارتفع التحريم إذًا ارتفعت المفسدة، فهي طيبة خالصة له وفيها مصلحة، وإن كان الأصل فيها أنها مفسدة، الله عز وجل إذا أمر بالشيء {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] يجعل الشيء أولاً مفسدته خالصة وحكمه التحريم، ثم إذا أجازه لشخص ما يجعله طيبًا ويجعل الحكم الإباحة ولا إشكال فيه، وبعضهم يرى أنه مع الحكم بالتحريم له أن يأكل، يعني: وقت أكله للضرورة فعل محرم، الجواب: لا، ليس الأمر كذلك.
(2/25)

قال رحمه الله تعالى: (ويستدل بهذا الأصل العظيم، والقاعدة الشرعية على أن علوم الكون التي تسمى العلوم العصرية وأعمالها، وأنواع المخترعات الحديثة النافعة للناس في أمور دينهم ودنياهم، أنها داخلة فيما أمر الله به ورسوله)، وهذا لا إشكال فيه، كل ما جدّ من المستحدثات والصناعات والمخترعات إن أفاد وترتبت عليه مصلحة شرعية جماعية دولية فردية، فهي مما أمر الله تعالى به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لأنها من الطبيات وما أباحه الله عز وجل الأصل فيه الإباحة، هذا الأصل (أنها داخلة في ما أمر الله به ورسوله ومما يحبه الله ورسوله ومن نعم الله على العباد لما فيها من المنافع الضرورية والكمالية) نعم هي من النِّعم (فالبرقيات بأنواعها) - الشيخ ما أدرك انترنت ولا الجهاز الكمبيوتر وإنما أدرك الرقيات فوجد أنها أكبر من أكبر النعم في ذاك الزمان - (والصناعات كلها) أي المصنعات وأجناس المخترعات الحديثة تنطبق هذه القاعدة عليها أتم انطباق، وبعضها يدخل في الواجبات، وبعضها في المستحبات وشيء منها في المباحات بحسب نفعها وما تثمره فينتج عنها من الأعمال والمصالح. إذًا الأصل فيها الإباحة، ثم قد تكون واجبةً إذا ترتب عليها الواجب، يعني: [الوسائل لها أحكام المقاصد]، وكذلك قد تكون مستحبة إذا ترتب عليها أمرٌ مستحب، وقد تكون مباحة، كما أنها أيضًا تدخل في هذا الأصل الشرعي وهو الأصل الثاني، و [الوسائل لها أحكام المقاصد].
(2/26)

يقول الشيخ بن عثيمين: رحمه الله تعالى. في ختام هذه القاعدة، هذه القاعدة وهي أن الشريعة إنما تأمر بما مصلحته خالصة أو راجحة، وتنهى عما أفسدته خالصة أو راجحة، لا تقف عند هذا الحد. يعني: طالب العلم لا يقف عند أن يعرف هذه القاعدة وما فُرِّعَ عليها، بل يجب أن نؤمن بأن كل ما أمر الله به ورسوله فهو خير ومصلحة، علمنا أم جهلنا، لأنه قد يتأثر ما أمر الشارع إلا بما فيه مصلحة، إذًا أريد أن نقف على هذه المصلحة، نقول: لا، المصلحة قد تكون معلومة إما بنص أو استنباط، وقد تكون مجهولة، لكن ما أمر الله به فيه مصلحة علمتها أم جهلتها. إذًا كل أمرٍ جاء به الشرع فهو لمصلحة، بل يجب أن نؤمن بأن كل ما أمر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو خيرٌ ومصلحة، سواءٌ ظهر لنا ذلك أم لم يظهر، وحينئذٍ نطمئن إلى الأوامر ولا نقول عن الواجب لِمَ وُجِبَ، وأن كل ما نهى الله عنه ورسوله فهو مفسدة إما خالصةٌ أو راجحة، وحينئذٍ نطمئن إلى المنهيات ولا تقول: لماذا حُرِّمَتْ. ودليل هذا الاطمئنان وهذه الثمرة الجليلة على معرفة هذه القاعدة العظيمة قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً} [الأحزاب: 36] نكرة في سياق النفي {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً} هذا في سياق الشرط إذا الشرطية {إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} فقوله: {أَمْراً} نكرة في سياق الشرط فتشمل كل أمرٍ سواء كان أمرًا كونيًا أم شرعيًا، فإذا قضى الله على الناس مثلاً بالجدب والجوع والمرض فإننا نرضى بهذا القضاء ونصبر، لأنه مما أمر الله به، والله تعالى يأمر أمرًا شرعيًا ولا كونيًا إلا لمصلحة، وإذا قضى الله على العباد بوجوب شيء فإننا نرضى به ونسلم ولا نسأل، وقد سألت امرأة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت عائشة: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. ردتها إلى الأمر يعني: أمرنا ولم نأمر، هذه هي المصلحة وهي العلة، فهذه هي الحكمة.
إذًا كل ما يتعلق بهذه المسألة أو القاعدة الأولى مرده إلى ما ذكرناه ابتداءً لأن النظر في المصلحة إما أن يكون من جهة اعتبار الشارع لها، وإما من جهة إلغاء الشارع حينئذٍ لا عبرة بها، والمسكوت عنها غير المصلحة المرسلة هذا فيها خلاف بين أهل العلم.
القاعدة الثانية هذه تأتينا غدًا إن شاء الله تعالى.
والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(2/27)

عناصر الدرس
* شرح القاعدة الثانية " الوسائل لها أحكام المقاصد ".
* شرح القاعدة الثالثة " المشقة تجلب التيسير ".

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(القاعدة الثانية: الوسائل لها أحكام المقاصد، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون، وطرق الحرام، والمكروهات تابعة لها ووسيلة المباحة مباحة ويتفرع عليها: أن توابع العبادات، والأعمال ومكملاتها تابعة لها).
أصل القاعدة قوله: (الوسائل لها أحكام المقاصد). هذه القاعدة الكلية، وهي قاعدة مجمع عليها في الجملة، لأن ثَمَّ خلاف في بعض المسائل المتفرعة عليها (الوسائل) جميع وسيلة، والوسيلة المراد بها هنا كما قال الشارح: الطرق التي يُسلك منها إلى الشيء. لا شك أن الإنسان إذا قصد أمرًا ما فلا بد أن يتخذ وسيلة في الوصول إلى هذا المقصود، فحينئذٍ إما أن يكون قولاً، وإما أن يكون فعلاً، وإما أن يكون تركًا، وإما أن يكون شيئًا محسوسًا، أو شيئًا معنويًا، حينئذٍ كل مقصود لا بد وأن يصل إليه بوسيلة ما، فحينئذٍ هذه القاعدة تُبين حكم هذه الوسائل، فبينت أن المقاصد لا شك أنها من الأمور الشرعية فمنها:
ما هو واجب.
ومنها ما هو مسنون.
ومنها ما هو محرم.
ومنها ما هو مكروه.
ومنها ما هو مباح.
هذا حكم المقصود، فإذا كان كذلك حينئذٍ كل وسيلة تُوصِّل بها أو تُوسِّل بها إلى مقصود أخذ حكمه هذا المراد بهذه القاعدة، وبعضهم يجعل هذه القاعدة متفرعة عن القاعدة الكبرى [الأمور بمقاصدها] وإن شئت قل: قاعدة [إنما الأعمال بالنيات]. إذًا الوسائل أو الوسيلة لها حكم المقصد، الوسيلة حسب المقصد، والوسيلة ما يتقرب به إلى الغير، والجمع والوسيل والوسائل (الوسائل لها أحكام المقاصد) المقاصد جمع مقصد والمراد به العبادة أو المعاملة، فقوله: (لها أحكام). أطلق هنا الأحكام حينئذٍ شمل الأحكام الشرعية كلها [من واجب وأو] (1) من إيجاب وندب وتحريم وكراهة وإباحة، ثم أراد أن يفصل ما قد يدخل تحت هذه القاعدة، ثَمَّ أمور أربعة أو قواعد عامة أربعة تدخل تحت هذه القاعدة (فما لا يتم) فما الفاء هذه للتفريع يعني: تفرع عن هذه القاعدة هذه القواعد الآتية: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) يعني: ما كان وسيلة إلى واجب ولا يمكن إيقاع هذا الواجب إلا بهذه الوسيلة فحكم هذه الوسيلة أنها واجبة، هذا الذي أراد بقوله: (فما). يعني: قول أو فعل أو ترك. ما اسم موصول بمعنى الذي يصدق على قول أو فعل أو ترك، (لا يتم الواجب) الواجب المراد به هنا عين المأمور به، يعني: صلة فعل المكلَّف، لأن ثَمَّ ثلاثة أمور:
الأول: الإيجاب.
والثاني: الوجوب.
والثالث: الواجب.
الإيجاب هو: خطاب الله. وهو الحكم عند الأصوليين، مدلوله الوجوب.
__________
(1) سبق.
(3/1)

الواجب: هذا صفة لفعل المكلف. إذًا الوجوب والإيجاب متعلقان بالخطاب، وأما الواجب والمندوب والمسنون والمحرم والمكروه هذه أوصاف لفعل المكلَّف، فحينئذٍ قوله: (ما لا يتم الواجب). الواجب المراد به عين المأمور به، ويشترط في هذا الواجب الذي جعلت الوسيلة واجبة له أن يكون هذا الواجب مقدورًا عليه، لأنه سيأتي أنه [لا واجب مع العجز] فحينئذٍ يسقط، ووسائله تسقط لأن حكم الوسائل حكم المقاصد، فإذا سقطت أو سقط المقصد سقطت الوسيلة في الجملة، كما سيأتي في بعض الاستثناءات.
إذًا يشترط في هذا الواجب أن يكون مقدورًا عليه، فإن كان معجوزًا عنه حينئذٍ لا يقال بأن الوسيلة إليه واجبة، (ما لا يتم الواجب إلا به فهو) الضمير هنا يعود إلى ما هو، يعني: القول أو الفعل واجب. (وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون) ستأتي الأمثلة في شرح المصنف رحمه الله تعالى هذه كالسابقة بمعنى أنه إذا كان المقصد مسنونًا مندوبًا فحينئذٍ لا بد له من وسائل ولا بد له من متممات ولوازم، حكم هذه الوسائل وحكم هذه اللوازم وهذه المتممات والتوابع حكمها حكم المقصد وهي أنها مسنونة، إذًا يجمع هذين الأمرين (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون) يجمعه أو يجمعهما قاعدة واحدة ما لا يتم المأمور به إلا به فهو مأمور به، أليس كذلك؟ لأن الواجب مأمور به، والمندوب أو المسنون مأمور به، إذًا ما لا يتم المأمور به إلا به فهو مأمور به، وهذه نص عليها الفتوحي في شرح المختصر، (وطرق الحرام تابعة لها) يعني: الوسيلة إلى الحرام محرمة. (والمكروهات) طرق المكروهات كذلك تابعة لها، [إذًا ما كان] (1) إذا كان المقصد محرمًا كل وسيلة تفضي إلى هذا المقصد المحرم فهي محرمة، وكذلك إذا كان المقصد مكروهًا فكل وسيلة يتوصل بها إلى هذا المكروه فهي مكروهة. إذًا ما لا يتم اجتناب المنهي عنه إلا به فهو منهي عنه، حينئذٍ قاعدتان: [ما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به].
[ما لا يتم اجتناب المنهي عنه إلا به فهو منهي عنه].
حينئذٍ يشمل ما كان النهي فيه نهي تحريم وما كان فيه النهي نهي كراهة، (ووسيلة المباحة مباحة) وهذا واضح (ويتفرع عليها) على هذه القاعدة (أن توابع العبادات، والأعمال ومكملاتها تابعة لها) يعني: ما لا يمكن إيقاع العبادة أو العمل إلا به ويقصد به المصنف رحمه الله تعالى الذهاب والرجوع إلى العبادة كما سيأتي تفصيله قال رحمه الله تعالى: (هذا أصل عظيم). يعني: عام في جميع الأعمال أصل عظيم (يتضمن عدة قواعد كما ذكره في الأصل) ما الذي ذكره؟ (كما ذكره في الأصل).
.
__________
(1) سبق.
(3/2)

ابن رجب هو ما قال في المقدمة أنه اختصر (كما ذكره في الأصل) الوقت (كما ذكره) هو المصنف رحمه الله تعالى (في الأصل) أراد أن يبين أنه ألف القواعد فهي مؤلفة، يعني: ألف القواعد ستين قاعدة كأنه اعتبرها مؤلفًا مستقلاً، والشرح تابع لها، حينئذٍ كأنه ألف الكتاب الأول ثم شرحه، ولذلك قال: جمعت قواعد مهمة ستين قاعدة وشرحتها ... إلى آخره، فكأنه قال: (كما ذكره). يعني: المصنف إنما لم يقل كما ذكرته هذا من باب التواضع (كما ذكره) أي: المصنف ابن السعدي رحمه الله تعالى (في الأصل) يعني: الكتاب الذي هو ((جمع القواعد)) قال: (ومعنى الوسائل: الطرق التي يُسلك منها إلى الشيء). (أو الطريق المؤدي إلى تحقيق المقصود والغاية) يعني: إن شئت قل هذا أو ذاك، معنى الوسائل جمع وسيلة وهي الطريق الذي يُسلك منها إلى الشيء أو الطريق المؤدي إلى تحقيق المقصود والغاية، وما يتوصل به إلى تحقيق المقاصد يسمى وسيلة، فبين هنا أن الوسائل هي التي يتوصل بها إلى تحقيق المقاصد، وعندكم (والسبب الذي يوصل إلى الشيء) وهو وسيلة (والأمور التي يتوقف الشيء عليها، واللوازم التي يلزم من وجود الشيء وجودها، والشروط التي تتوقف عليها الأحكام) بمعنى أن المقصد لا بد وأن له أركان وواجبات وشروط ومتممات سابقة أم لاحقة، حينئذٍ دخلت هذه الأمور كلها في هذه القاعدة، الوسائل المراد بها الأمور التي يتوقف الشيء عليها، والشيء إنما يتوقف على ماذا؟ على وجود شروطه وأركانه لأن الركن هو جزء الماهية والشرط كذلك يتوقف عليه وجود الشيء وإن لم يكن داخلاً في الماهية، وأما الواجبات والمسنونات والمكملات سواء كانت سابقة أم لاحقة فهذه مكملة بمعنى أن الشيء قد يوجد دونها لكنها تابعة في الحكم عليها بالوسائل، واللوازم التي يلزم من وجود الشيء وجودها والشروط التي تتوقف عليها الأحكام.
(3/3)

قال: (فإذا أمر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بشيء) نكرة تعم كل عبادة قولية كانت أو عملية، ويعم كل معاملة سواء كانت في البيوع أو كانت في الأنكحة أو الطلاق وغيرها (فإذا أمر الله ورسوله بشيء كان أمرًا به) يعني: بذلك الشيء (وبما لا يتم إلا به) وانتبه هنا إلى مسألة مهمة وهي: أن حكم الوسائل إنما يؤخذ من الدليل الذي دل على حكم المقاصد. يعني: هذه القاعدة هنا لا تثبت الأحكام الشرعية يعني: لا نستفيد من هذه القاعدة أحكامًا شرعية، لماذا؟ لأن الحكم الشرعي منوط بالنص، وحي كتاب أو سنة أو إجماع، حينئذٍ ما الذي نستفيده من هذه القاعدة؟ هذه القاعدة تُبين لنا أن الدليل الذي دل على وجوب المقصد كذلك يتضمن الدلالة على وجود الوسيلة، والدليل الذي دل على استحباب المقصد دل على استحباب الوسيلة، هذا الذي يدل عليه، فقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}. هذا أمر بالصلاة وكذلك من نفس اللفظ {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} أمر بالشروط وأمر بالأركان، وأمر بتعلم الصلاة كيفية إيقاعها، والأمر بالمشي للصلاة والرجوع إلى بيته أو إلى مكانه الذي ذهب منه، كذلك أمر بكل ما يتعلق بالصلاة سابقةً أو لاحقةً أو توقفت عليها الماهية، وهذا نأخذه من نص واحد وهو: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}. هذا الذي يريده المصنف ومن قَعَّدَ هذه القاعدة، ولذلك قال هنا: (فإذا أمر الله ورسوله بشيء كان أمرًا به). يعني: بذلك الشيء كالصلاة والصوم والزكاة والحج (وبما لا يتم إلا به، وكان أمرًا بالإتيان بجميع شروطه الشرعية) كالوضوء مثلاً {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} دل على وجوب الوضوء، من نفس النص وإن كان مجملاً لكنه دل على وجوب الوضوء (بجميع شروطه الشرعية، والعادية) كالمشي إلى الصلاة هذا شرط لكنه عام لا يمكن أن يذهب إلى المسجد على القول بوجوب الجماعة إلا إذا مشى، فإذا لم يمش حينئذٍ لا يتحقق هذا الوجوب، حينئذٍ صار المشي إلى المسجد واجبًا ما دليله؟ {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}. إذًا {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} الصلاة المكتوبة، وإذا كانت في أو وجد شرط الجماعة حينئذٍ وجبت الجماعة، لا بد من المشي إلى المسجد، ما الذي دل عليه؟ قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}. إذًا الأمر بالشيء أمر بما يتوقف عليه ذلك الشيء. (والمعنوية) يعني: كان أمرًا بالإتيان بجميع شروطه، ومن شروطه المعنوية تعلم أحكام الصلاة وهو شرط معنوي، (والحسية) كالقوة والقدرة، (فإن الذي شرع الأحكام عليم حكيم يعلم ما يترتب على ما حكم به على عباده من لوازم) كما ذكرنا تعلم أحكام الصلاة مثلاً (وشروط) كالطهارة (ومتممات) كرجوعك من العبادة مثلاً كالحج ... (فالأمر بالشيء أمر به، وبما لا يتم إلا به، والنهي عن الشيء نهي عنه وعن كل ما يؤدي إليه) واضح هذا؟
(3/4)

ثم قال: (فالذهاب والمشي إلى الصلاة) ما حكمه؟ واجب إذا كانت الصلاة واجبة، فقد يكون مستحبًا كما لو مشى إلى صلاة التراويح مثلاً، وعلى القول بصلاة الكسوف أنها سنة لو مشى إليها يكون الحكم هنا الذهاب حكم مسنون، (فالذهاب والمشي إلى الصلاة، ومجالس الذكر، وصلة الرحم، وعيادة المرضى، وإتباع الجنائز، وغير ذلك من العبادات داخل في العبادة) لماذا؟ لأن الذي أمر بالعبادة يعلم أنه لن تتحقق هذه العبادة إلا بلوازم وشروط سابقة أم لاحقة، حينئذٍ لا يمكن أن يأمر بهذه العبادة مجردة عن لوازمها، لا يمكن أن يقال بأنه أمر بالعبادة ولم يأمر بما تُؤدى به العبادة. (داخل في العبادة، وكذلك الخروج إلى الحج والعمرة، والجهاد في سبيل الله من حين يخرج ويذهب من محله إلى أن يرجع إلى مقره وهو في عبادة) فالذهاب إلى الصلاة منذ أن يخرج من بيته إلى أن يرجع فهو في عبادة بشرط إذا رجع من المسجد مباشرة، كذلك إذا خرج لطلب العلم فهو في عبادة ويبقى ويجلس في مجلس من مجالس الذكر وهو في عبادة، ثم يرجع من ذلك المجلس إلى بيته فالذهاب والرجوع هو في عبادة، (والجهاد في سبيل الله من حين يخرج ويذهب من محله إلى أن يرجع إلى مقره وهو في عبادة؛ لأنها وسائل للعبادة ومتممات لها) هذا شرح لهذه القاعدة. إذًا بين لنا أن القاعدة الكبرى وهي: (الوسائل لها أحكام المقاصد). ثم يتفرع عن هذه القاعدة قاعدتان كليتان:
ما لا يتم المأمور به فهو مأمور به. ودخل تحته فرعان.
وكذلك ما لا يتم اجتناب منهي عنه إلا به فهو منهي عنه. حينئذٍ نقول: هذا دخل تحته كذلك فرعان (ووسيلة المباحة مباحة) على القول بأن الإباحة حكم شرعي صارت هذه قاعدة أو فرعًا خامسًا. ثم يدخل المتممات والتوابع للعبادات فهي داخلة في هاتين القاعدتين السابقتين.
(3/5)

(ثم اعلم أن المقاصد أعلى من الوسائل) إذا قيل: بأن الوسيلة لها حكم المقصد. الذهاب إلى الصلاة واجب والصلاة واجبة، هل الواجب كالواجب؟ هل هما سيان في مرتبة واحدة؟ أم نقول وجوب الوسيلة أدنى من وجوب المقصد؟ لا شك في هذا، لا يستويان، إذًا إذا قيل بأن الوسائل لها أحكام المقاصد لا يلزم منه المساواة من كل وجه، لأن الواجب درجات، أعلى وأدنى وأوسط، والمستحب درجات والمحرم درجات والمكروه درجات حينئذٍ نقول: حكم الوسيلة حكم المقصد، لكنه لا يستوي معه من كل وجه يدل على ذلك أن المقصد مقصود لذاته والوسيلة مقصودة لغيرها، ولا شك أن المقصود لذاته أعظم درجة في الشرع من المقصود لغيره، ودل ذلك على أن المقاصد أعلى من الوسائل من هاتين الجهتين، وأعظم رتبة وأعظم أجرًا، ما يترتب على الواجب الذي هو مقصد أعظم مما يترتب على الواجب الذي هو وسيلة، لأنه إذا سقط المقصود سقطت الوسيلة، أليس كذلك؟ نقول: المشي إلى الصلاة واجب لأن صلاة الجماعة واجبة أو الصلاة واجبة، طيب إذا كان مريضًا سقط عنه حضور الجماعة، والمشي يبقى أم يسقط؟ يكون تابعًا للمقصد فإذا سقط المقصد سقطت الوسيلة هذا في الجملة، وإذا سقط المتبوع سقطت التابع، فالواجب مثلاً مقصود لذاته والوسيلة مقصودة لغيرها، (قال تعالى) أراد أن يبين الأدلة على هذه القاعدة (قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ}) عطش ({وَلاَ نَصَبٌ}) أي: تعب. ({وَلاَ مَخْمَصَةٌ}) أي: مجاعة. ({فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا}) أي: أرضًا. ({يَغِيظُ الْكُفَّارَ}) وطئهم إياهم ({وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا}) يعني: لا ينالون لا يصيبون من عدوهم نيلاً أي: قتلاً أو أسرًا أو غنيمة أو هزيمة ({إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ}) بذلك العمل بسببه الباء سببية ({عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً}) يعني: في سبيل الله ({صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً}) ({صَغِيرَةً}) قيل: ولو علاقة سوط. ({وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا}) أي: لا يجاوزن واديًا في مسيرهم مقبلين أو مدبرين ({إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ}) ({إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ}) يعني: آثارهم وخطاهم ({لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة: 120، 121]) وجه الدلالة من الآية أن الله عز وجل بين وأثبت لهم الأجر لكونهم خرجوا في سبيل الله للقتال ولما يصلوا بعد، فدل ذلك على أن نقل خطاهم والمشي من أجل الوصول إلى محل القتال والمعركة، كل ذلك يعتبر له حكم المقصد. إذًا وجه الدلالة أن الله تعالى ذكر ثواب المجاهدين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أنهم في أثناء الطريق لم يصلوا بعد إلى ميدان القتال فذكر النفقة وقطع الوادي بالمشي والسير ومع هذا أثبت لهم الأجر هذا يدل على أن الإنسان كما يثاب على المقصد يثاب كذلك على الوسيلة، واضح؟
(3/6)

(وفي الحديث الصحيح: «من سلك») قال - صلى الله عليه وسلم -: («من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سلك الله به طريقًا») عندكم [«سلك الله أو سهّل الله له طريقًا إلى الجنة»]. سلك الشيء في الشيء فانسلك أي دخل فيه («سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلى الجنة») الحديث أثبت فضلاً، هل أثبت فضلاً للعلم أو الوسيلة للعلم؟ الوسيلة للعلم، إذا قلنا بأن قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}. دليل على أن الوسائل لها أحكام الصلاة، هنا لا، هنا جاء النص بعينه ولذلك الوسيلة قد يدل عليها دليلان:
دليل خاص، ودليل عام.
الدليل العام الذي معنا (الوسائل لها أحكام المقاصد)، والدليل الخاص نقول: الذي جاء النص به والتنصيص عليه في الكتاب والسنة، ولذلك نقول: المشي والذهاب لطلب العلم له أجر عظيم كأجر العلم ما الدليل؟
أولاً: القاعدة العامة (الوسائل لها أحكام المقاصد)، وإذا كان هذا العلم واجبًا (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) إذًا يجب عليه السير والمشي إلى طلب العلم.
ثانيًا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: («من سلك طريقًا») ... إلى آخر الحديث.
(وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة في ثواب المشي إلى الصلوات، وأن كل خطوة يخطوها تُكتب له حسنة وتمحى عنه سيئة)، وجاء في ذلك نص كذلك. أخرج مسلم في صحيحه من حديث أُبي بن كعب قال: كان رجلٌ بعيدًا من المسجد ولا تخطئه صلاة - يعني: بعيد عن المسجد ولا يتخلف عن صلاة. - فقيل له - اقترح عليه -: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء. - في الظلماء يعني: في الليل. يفيدك، وفي الرمضاء يعني: في حرارة الصحراء - قال: ما أحب أن داري قريبة من المسجد - على عكس ما نحن عليه الآن، كلاًّ يريد أن يكن بجواره مسجده وعمله - إني أحب أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إلى أهلي. أحب أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد الذهاب إلى المسجد، إذًا هو عبادة ورجوعي إلى أهلي هذا دليل خاص في الدلالة على أن العبادة في الذهاب والإياب له أجرها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال ذلك الصحابي: «إن الله قد كتب لك ذلك كله». يعني: الذهاب والعودة أو «جمع لك ذلك كله».
(3/7)

{وفسر قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى}) يعني: عند البعث. ({وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا}) من الأعمال من خير وشر كما قال البغوي ... ({وَآثَارَهُمْ}) أي: ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة، قال الشيخ هنا (أي: نقل خطاهم وأعمالهم للعبادات أو لضدها). ({وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}) فسرها الشيخ هنا بماذا؟ (نقل خطاهم وأعمالهم للعبادات أو لضدها) ما ضد العبادات؟ المعاصي، حينئذٍ كما يكتب للعبد الذهاب والعودة في العبادات، كذلك يُكتب على العبد الذهاب والإياب في المعاصي، فالحكم واحد سيان، وقيل: ({وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}) أي: خطاهم إلى المسجد. يعني فُسِّر بما ذكره الشيخ هنا وهو تنصيص عليه وفسر بغير ذلك. قال ابن كثير: وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول. يعني من قال: ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة. يقول: لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار [فلأن تكتب تلك التي فيه قدوة نعم] (1) فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى، والله أعلم. إذًا القولان لا يتنافيان سواء قلنا بأن المراد: ({وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}) أي: ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة، أو قلنا يكتب لهم ما مشوا به إلى الصلاة، فحينئذٍ لا تنافي بين القولين. قال رحمه الله تعالى: (كما أن نقل الأقدام، للعبادات تابع للها). للنص الذي ذكرناه سابقًا (فنقل الأقدام إلى المعاصي تابع لها، لأن الوسائل إلى المحرم محرمة ومعصية أخرى) حينئذٍ السرقة معصية، والمشي إلى السرقة معصية أخرى، لكن هل يستويان في الحكم؟ نقول: لا. ولذلك إذا سرق بشرطه قطعت يده، لكن لو جاء أراد أن يسرق ومشى وبدل وَبدل وبدل وهو لم يتمكن تقطع يده؟ لا، يأثم فقط لا تقطع يده ولا رجله (فالأمر بالصلاة مثلاً أمر بها، وبما لا تتم الصلاة إلا بها من الطهارة، والسترة، واستقبال القبلة، وبقية شروطها) ولذلك يذكر الفقهاء عند قولهم: ومنها اجتناب النجاسة. يعني: من شروط صحة الصلاة اجتناب النجاسة، يذكرون أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويستدلون بهذه القاعدة على أن اجتناب النجاسة شرط من شروط صحة الصلاة، واستقبال القبلة وبقية شروطها، وكذلك أمر بتعلم أحكامها التي لا تتم إلا به، وهذا في كل أمرٍ أمرَ الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فأمره بالصيام {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] أول ما يدخل الأمر بتعلم أحكام الصيام، وكذلك {وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] أو ما يدخل هو تعلم أحكام الزكاة، {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] أو ما يدخل من الأوامر تعلم أحكام الحج لماذا؟
__________
(1) سبق.
(3/8)

لأنه إذا قال: {أَقِمِ الصَّلَاةَ}، {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. أول سؤال ما هو هذا الصوم الذي أمرنا به؟ حينئذٍ يتعين أن يتعلم أولاً ما هي هذه العبادة، ولذلك أجمع أهل العلم ونقل الإجماع غير واحد من الفقهاء أنه لا يحل لمسلم أن يُقدم على عبادة حتى يتعلمها ويعرف أحكامها المتعلقة عليها، وأما أن يلعب كما يلعب البعض بالحج والعمرة ثم بعد ذلك يسأل فهو آثم، ولا يمكن أن يقال بأنه معذور بالجهل إلا إذا كان في بادية ونحوها. قال هنا: (وكذلك بقية العبادات، فما لا يتم الواجب والمسنون إلا به فهو واجب للواجب ومسنون للمسنون).
(ومن فروع هذا الأصل قول العلماء: إذا دخل الوقت على عادم الماء). يعني: إذا لم يجد الماء ودخل عليه الوقت وبدخول الوقت وجبت الصلاة لأن دخول الوقت سبب للوجوب، وهو من شروط صحة الصلاة، فإذا دخل الوقت وجبت الصلاة، إذا لم يدخل الوقت لم تجب الصلاة، متى يجب عليه أن يتوضأ قبل دخول الوقت أم بعده؟ بعده، لا يقال بأنه يجب عليه أن يتوضأ للعشاء مثلاً الآن، لأنه ما وجبت عليه الصلاة نحن نقول: إذا وجبت الصلاة وجبت الوسائل، فإذا لم تجب الصلاة كما هو الشأن الآن في صلاة العشاء ما وجبت لأن الوقت ما دخل فهي ليست واجبة، الآن نقول: ليست واجبة. حينئذٍ يتعين أن لا يكون الوضوء واجبًا، فإذا دخل وقت الصلاة ثم لم يجد الماء وكان عدمًا (لزمه طلبه في المواضع التي يرجو حصوله فيها) عندكم [أو وجوده] لماذا؟
أولاً: للنص لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً}. {فَلَمْ تَجِدُوا} ونفي الوجود يدل على الطلب لأنه لا يصح أن يقال: لم أجد. إذا لم يبحث هل يصح؟ يجلس في بيته ثم يقول: ما وجدت مشايخ يعلمونني العلم. يصح أو لا يصح؟
لا يصح لماذا؟ لأن نفي الوجود يستلزم البحث والطلب، فإذا لم يطلب ولم يبحث ولم يسع لا يصح له أن ينفي، وقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا ... مَاءً}. دل على الطلب والبحث عنه.
(3/9)

الأمر الثاني: القاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) حينئذٍ نقول: يجب عليه أن يبحث، لماذا؟ لأن الوضوء واجب، واستعمال الماء في الوضوء واجب و (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، فيجب عليه أن يسعى ويبحث عن الماء ثم بعد ذلك إذا لم يجده فحينئذٍ نقول: [لا واجب مع العجز]. فينتقل إلى المرحلة الثانية والبدل وهو: التيمم. (لزمه طلبه) يعني: الماء. يعني: يجب عليه طلب الماء. (في المواضع التي يرجو حصوله فيها) يعني: يظن فإن كان يعلم أن هذه الأرض فلاة وليس فيها ماء لا يلزمه لأنه يكون عبثًا (لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ويلزمه أيضًا شراؤه) يعني: إذا لم يجد الماء إلا بالشراء نقول: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب). فيلزمه الشراء كما يلزم شراء السترة للعورة (وشراء السترة الواجبة بثمن المثل أو زيادة لا تضر) على خلاف بين أهل العلم (بثمن المثل) يعني: لزمه شراء الماء بثمن المثل، يعني: الثمن الذي هو معلوم عرفًا عند الناس، فهذا الماء مثلاً يباع بريال حينئذٍ بثمن المثل بمثله، أو زيد عليه زيادة لا تضر به ريال ونصف أو ريالين، أما إذا كانت الزيادة تضر به حينئذٍ يسقط عنه الشراء ويرجع إلى التيمم. قال رحمه الله تعالى: (ومن فروع هذا الأصل العظيم: وجوب تعلم الصناعات التي يحتاج الناس إليها في أمر دينهم ودنياهم صغيرها وكبيرها). لأنه يترتب عليها منافع، وهذه المنافع منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب، ففي الواجب يجب تعلم هذه الصناعات، وفي المستحب يجب تعلم هذه الصناعات، ولذلك شاع عند أهل العلم أنها من فروض الكفايات يعني: النجارة والحدادة ونحوها، كل ذلك مما يحتاجه الناس، فإذا كان الأمر كذلك حينئذٍ يجب على المسلمين أن يقيموا من يقيم هذه الصناعات، (ومن فروع هذا الأصل: وجوب تعلم العلوم النافعة) سواء كان تعينيًّا أو كفائيًّا (وهي قسمان: علوم تعلمها فرض عين) يعني: الواجب من العلم نوعان: علم هو فرض عين، وعلم هو فرض كفاية. فرض العين قال: (وهي ما يضطر إليه العبد في دينه). عقيدته وتوحيده يجب عليه أن يتعين لأنه لا يسلم بل لا يحقق التوحيد إلا بالعلم، فوجب عليه أن يتعلم التوحيد، والتوحيد لا يمكن أن يصان ويُحمى إلا بمعرفة ضده، وبضدها تتبين الأشياء فوجب عليه وتعين فرض عين أن يتعلم ما هو الشرك لا ليعمل به، ولكن لاجتنابه، وليحذر من الوقوع فيه، لأن الذي لا يعرف الشر قد يقع فيه من حيث لا يشعر. نعم (دينه وعباداته) هذا من عطف الخاص على العام، يعني: الصلاة وما يتبعها. (ومعاملاته) من البيوع والإجارة والأنكحة كل ما يعمله يتعين عليه العلم به، لماذا؟ لأن هذه المعاملات لا بد من إقامتها على الوجه الشرعي الصحيح، يعني: قد تكون صحيحة وقد تكون فاسدة، بمعنى أن الشرع قد قسم هذه المعاملات إلى قسمين: قسم هو صحيح. يعني: موافق للشرع. وقسم هو فاسد.
(3/10)

إذًا لا بد من معرفة الأركان التي يقوم عليها العقل الصحيح، ومعرفة ما يسبب الخلل في العقد فنحكم عليه بأنه فاسد، لأن الصحيح هو الذي يترتب عليه أثره وثمرته، والفاسد هو الذي لا يترتب عليه أثره وثمرته، حينئذٍ لا بد أن نميز بين هذا وذاك، ولذلك كان عمر رضي الله تعالى عنه يقيم من السوق من لا يميز بين الربا وغيره، والذي لا يعرف الربا ولا يعرف أنواعه لا يجوز أن يتعامل حتى الآن في هذا الزمن لا يجوز أن يتعامل فيما يُطرح من البنوك والشركات ونحوها إلا إذا تعلم الربا، ما هو الربا؟ ربا الفضل، ربا النسيئة، ما الذي يمكن أن يدخل على المرء في هذه الأسهم، وفي غيرها، من أجل أن يصون ماله ونفسه عن الوقوع في المحرم. إذًا علوم تعلمها فرض عين وهذه تتعلق بالعبادات وتتعلق بالمعاملات.
قال: (كل أحد بحسب حاله). يعني: قد يفتقر زيد من الناس أو يجب عليه أن يتعلم أحكام الزكاة ولا يجب على عمرو، لماذا؟ لأن زيدًا عنده مال بلغ النصاب وحال عليه الحول، إذًا عنده ما يزكيه، ولكن ذاك فقير وليس عنده شيء هل يجب عليه أن يتعلم أحكام الزكاة؟ الجواب: لا، والثاني فرض كفاية، وهو ما زاد على ذلك بحيث يحتاجه العموم، يعني: عامة الناس. قال في النسخة التي معكم: [فما اضطر إليه الإنسان بنفسه تعين عليه، وما لم يضطر إليه بنفسه لكن الناس محتاجون إليه فرض كفاية]. هذا تفريق بين النوعين (وفرض الكفاية إذا قام به من يكفي سقط عن غيره) هذا ضابطه (إذا قام به من يكفي) حينئذٍ (سقط عن غيره) وإذا احتاجت البلد إلى مفتي واحد حينئذٍ إذا وجد مفتي واحد حينئذٍ نقول: سقط عن الباقين. وإذا احتاجت البلد إلى مفتِيينِ وجب أن يقيموا اثنين، فإن وجد واحد ولم يوجد الثاني أثموا، لماذا؟ لأن فرض الكفاية لم يقم لأن إقامة فرض الكفاية بعدد اثنين، وإذا كانوا مفتقرين ثلاثة، وهكذا يعني: إذا كانت الحاجة لا تقوم بالشخص أو الشخصين حينئذٍ يتعين على الناس إقامة ما تحصل به الكفاية ويسقط عنهم الإثم، ولذلك قال: (وإذا لم يقم به أحد). أو قام به أحد لكن لم تحصل به الكفاية حينئذٍ قال: (أثم كل قادر عليه). و (من فروع هذه القاعدة) أثم كل قادر عليه، لماذا؟ لأن فرض الكفاية على الصحيح أنه خطاب للكل، خطاب للجميع جميع الناس فإذا فعل البعض سقط الإثم عن الباقين، وليس الخطاب موجهًا للبعض وهذا البعض هل هو معلوم أم لا، وإنما الخطاب موجه للجميع فهو كفرض العين إلا أنه إذا حصل بالبعض سقط عن الباقين فلا إثم عليهم.
(من فروع هذه القاعدة: جميع فروض الكفايات من أذان، وإقامة، وإمامة صغرى، وكبرى) إمامة صغرى يعني: صلاة المسلمين، وكبرى الإمام الخليفة. (وولاية قضاء وأمر بالمعروف، ونهي عن منكر، وجهاد لم يتعين) لأنه إذا تعين صار فرض عين وهو يريد أن يمثل لماذا لأي شيء؟ لفروض الكفايات، (وتجهيز الموتى بالتغسيل، والتكفين، والصلاة، والحمل، والدفن، وتوابع ذلك)، وكذلك الزراعة، والحراثة) والنساجة والحدادة والنجارة وغير ذلك مما يكون من فروض الكفايات سواء تعلق بالعبادات أو تعلق مما يحتاجه الناس سواء كان في أمور الدنيا أو الآخرة.
(3/11)

(ومن فروع ذلك: السعي في الكسب الذي يقيم به العبد ما عليه من واجبات النفس) يعني: العبد لا بد أن يعز نفسه بأن يأكل ويشرب من يده من كسبه، فإذا كان الأمر كذلك يتعين عليه أن يسعى بنفسه ولا يتكفف الناس، (السعي في الكسب الذي يقيم به العبد ما عليه من واجبات النفس، والأهل، والأولاد) وهذا الأهل والأولاد يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: وأما الإنفاق على الغير ففيه نظر. يعني: يجب السعي من أجل يُنفق على أهله وأولاده، هذا فيه نظر لأنه لا يجب الإنفاق على الغير إلا إذا كان غنيًّا، بل قال العلماء: ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب. قال: (والمماليك من الآدميين والبهائم، وما يُوَفِّي به ديونه، فإن هذه واجبات ولا تقوم إلا بطلب الرزق والسعي فيه) إذًا إذا تعين عليه إنفاق مال وجب السعي في تحصيله، هذا المراد هنا والأمثلة تختلف والكلام فيها يطول. إذًا إذا تعين عليه مال وجب عليه أن يسعى في تحصيل هذا المال. قال: (ومن فروعها: وجوب تعلم أدلة القبلة) عندكم [أدلة الوقت] هذا خطأ، أدلة القبلة والوقت (والوقت والجهات لمن يحتاج إليها)، أما من لا يحتاج لا يجب عليه، لأن الذي يحتاجه الذي يخرج إلى البراري مثلاً أو يكون بحريًا يذهب في البحر كثيرًا، حينئذٍ هذا الذي يحتاج إلى معرفة أدلة دخول الوقت ومتى يدخل ومتى يخرج لأجل أن يصلي في وقت الصلاة، وأما إذا لم يكن يُحسن ذلك فلا يجوز له، يعني: الذهاب مرة قد يقال بأنه لا يدري لكن من كان مُغرمًا بالذهاب إلى البراري والبحر مثلاً هذا يتعين عليه أن يعرف متى يدخل الوقت ومتى يخرج، فإذا لم يتعلم لا يجوز له الذهاب، لماذا؟ لأن الصلاة واجبة، ومعرفة دخول الوقت واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، حينئذٍ فعله هذا يُعتبر محرمًا لأن ترك الواجب بأي فعل من الأفعال صار حكم هذا الفعل محرمًا.
فما به ترك المحرم يرى ... وجوب ترك جميع من درى

قال هنا: (وجوب تعلم أدلة القبلة والوقت والجهات لمن يحتاج إليها). أما من لا يحتاج كمن يسكن المدن ولا يخرج منها هذا لا يلزمه.
(ومن فروعها: أن العلوم الشرعية قسمان) الشيخ رحمه الله تعالى يكثر من الأمثلة في هذه القواعد وهي مهمة، ولو كان الوقت يسمح لوقفنا مع كل مسألة، (ومن فروعها: أن العلوم الشرعية قسمان أحدهما: مقاصد) والثاني: (ووسائل إليها) وهذا محل إجماع من العلماء المعتبرين أن العلوم الشرعية قسمان: مقاصد، ووسائل إليها. المقاصد ما هي؟ (علم الكتاب والسنّة) التفسير والحديث.
(3/12)

والثاني: (ووسائل إليها). ما يُسمى بعلوم الآلة، التي أنتم الآن في دورتها (ووسائل إليها مثل: علوم العربية بأنواعها، فإن معرفة الكتاب والسنّة وعلومهما تتوقف كلها أو يتوقف أكثرها على معرفة علوم العربية، ولا تتم معرفتهما إلا بها) وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولذلك نص غير واحد من الأصوليين كالطوفي والفتوحي وغيرهما، والرازي من قبلهما، أن علوم الآلة ومنها اللغة العربية دليلها الوحيد الذي دل على وجوبها هو هذا القاعدة، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وفهم الكتاب والسنة واجب أو مستحب؟ واجب قطعًا، وإذا توقف هذا الفهم على شيء خارج عن الكتاب والسنة صار واجبًا، إذًا ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإذا درست النحو تعتقد أنك تدرس علمًا حكمه الوجوب في الشرع وليس نافلة، وليس من باب التطفل على العلم، لا إنما تدرس ما هو واجب من أجل تحصيل فهم الشريعة، فلا يمكن فهم الشريعة إلا بفهم اللغة العربية، ولا يمكن فهم الأصول على وجهه إلا بفهم اللغة العربية، ولا يمكن فهم الفقه ولا التفسير ولا غيرهما من المقاصد وعلوم الآلة إلا بفهم العربية، دل ذلك على أنها أهم علوم الآلة على الإطلاق، فيجعلها أولاً طالب العلم، ثم يثني بالأصول ويتبحر في هذين الفنين ولا يُبالي بمن يُزَهِّدُ فيهما، فإن التزهيد قديم ولذلك ألف الطوفي ((الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية)) فالآفة قديمة قال هنا: (فيكون الاشتغال بعلوم العربية لهذا الغرض). الذي هو فهم الكتاب والسنة (تابعًا للعلوم الشرعية) فما كان واجبًا فهو واجب، وما كان مسنونًا فهو مسنون، لأن فهم الكتاب والسنة منه واجب ومنه مسنون، فحينئذٍ ما توقف الواجب على اللغة العربية صارت اللغة واجبة، وما توقف المسنون على اللغة العربية صارت اللغة العربية مسنونة، ولذلك قال: (بأنواعها). ليشمل الأنواع كلها وأشهر الأنواع النحو، ثم الصرف، ثم البيان.
(3/13)

(ومن فروعها: أن كل مباح تُوصِّلَ به إلى ترك واجب، أو فعل محرم فهو محرم) المباح الشيء في أصله قد يكون مباحًا، ثم إذا توصل به إلى ترك واجب صار هذا المباح محرمًا، استعمال الجوال مباح في أصله، لو توصل به إلى فعل محرم - والأمثلة كثيرة - حينئذٍ صار استعمال الجوال محرمًا، لماذا؟ في الأصل هو مباح، لماذا؟ لأن طرق الحرام حرام، (الوسائل لها أحكام المقاصد) فإذا كان هذا المقصد الذي قد تمثل في فعله بالجوال مثلاً محرمًا صار محرمًا، والعكس بالعكس، لو كان واجبًا كفتوى مثلاً وسؤال أهل العلم صار استعمال الجوال واجبًا، حينئذٍ الأحكام الخمسة كلها تتأتى في الجوال، (ومن فروعها: أن كل مباح تُوصِّل به إلى ترك واجب، أو فعل محرم فهو محرم، ولذلك) عندكم، نسخة [ولذلك يحرم البيع والشراء بعد نداء الجمعة الثاني] يعني: الأصل في البيع الحل {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] إذًا الأصل في البيع الحل، لكن لو كان هذا البيع صار وسيلة لترك واجب أو فعل محرم صار البيع محرمًا، لأن [الوسائل لها أحكام المقاصد]. قال تعالى: ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}) [الجمعة: 9]. يعني: اتركوا البيع. قال: (فيحرم البيع والشراء بعد نداء الجمعة الثاني). نداء الجمعة الثاني سنة ومن قال: إنه بدعة. فهو المبتدع لأنه سنة عثمان رضي الله تعالى عنه، (وكذلك إذا خيف فوت الوقت، أو فوت الجماعة) يعني: الحاضرة. نقول ماذا؟ يحرم البيع، يعني: إذا كان سيشتغل ببيع عقد يحتاج إلى وقت حينئذٍ إذا أقام هذا البيع خرج وقت الصلاة بقي ربع ساعة عن خروج وقت العصر، هل يجوز أن يبيع ويشتري في هذا الوقت؟
الجواب: لا، فإذا فعل قد ارتكب محرمًا، لماذا؟ لأنه صار وسيلة لترك الصلاة، فوات الوقت خرج وقتها صار البيع محرمًا، وكل شيء مباح في أصله إذا ترتب عليه خروج الصلاة عن وقتها حينئذٍ صار محرمًا، (أو فوت الجماعة) مراد بها الجماعة الأولى الحاضرة التي تقام في المساجد، فحينئذٍ كل وسيلة مباحة - ولم يكن له عذر شرعي في ترك الجماعة - على القول بالوجوب، فحينئذٍ نقول: كل وسيلة يتوصل بها إلى ترك الجماعة من غير عذر شرعي فهي محرمة، لماذا؟ لأنه ترك واجبًا، وكل وسيلة يترتب عليها ترك الواجب فهي محرمة. قال: (وكذلك لا يحل بيع الأشياء المباحة لمن يعمل فيها معصية) العنب ما حكم زراعته؟
(3/14)

الإباحة، ما حكم بيعه وشرائه؟ الإباحة، لكن لو علمت بأن زيدًا من الناس إنما اشترى أو أراد أن يشتري العنب من أجل أن يصنع به خمرًا، لا يجوز لك أن تبيع له، لماذا؟ لأنك قد علمت بأنه سيتخذ هذا الفعل أو هذا الشراء لأجل أمر محرم، (لا يحل بيع الأشياء المباحة لمن يعمل فيها) يعني: بها (معصية، كبيع العصير على من يتخذه خمرًا، وبيع السلاح في الفتنة) لا يجوز جاء النص فيه، أو لأهل الحرب يعني: الحرب المحرمة، ليس الواجب أو المشروع (أو قطاع الطريق، وبيع البيض ونحوه لمن يقامر عليه) كانوا من قديم يقامرون على البيض، البيض لها طول وعرض، طولها من جهة هل إذا المقامرة كيف تكون؟ تقول له: اكسرها. إذا بالطول يأتي بها بين يديه ضعها بين يديك إن كسرتها فلك كذا وكذا فإن لم يكسرها فلي كذا وكذا، لكن لو جاء بالعرض انكسرت المراد بها بالطول فكانوا يقامرون بالبيض، ليس المراد بيع البيض مطلقًا لا يجوز، لا، لمن علمت أنه يُقامر عليها والناس الآن تفننت ليس عندهم بيض.
(ومن فروعه تحريم الحِيَل في جميع المعاملات التي يتوصل بها إلى فعل محرّم كالحِيَل على قلب الدَّين) قلب الدَّين يعني: إذا حل الدَّين يقول الدائن للمدين: إما أن تقتضي وإما أن تُرْبِي. أي: تزيد. واختلف أهل العلم في تصويره، والمراد هنا التحايل على قلب الدَّين سواء كان بصورة مما ذكره أهل العلم يعني ما ترجح عند الناظر، فحينئذٍ نقول: هذا من الحيل المحرمة لأنه يتوصل به إلى فعل محرم (وكبيع العينة) وهي: أن يبيع عليه شيئًا بمائة إلى سنة مثلاً، ثم يشتريه منه نقدًا بثمانين، حينئذٍ يكون أعطى ثمانين بمائة وفيها خلاف كذلك في تفسيرها ابن عباس قال: دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة، يعني قطعة من الحرير، (والتحيُّل لإسقاط الشفعة بشيء من الحيل). إذًا إسقاط الحقوق بحيلة، نقول: هذه الحيلة محرمة، لماذا؟ لأنها أدت إلى الوقوع في المحرم وهو: عدم إيفاء الحقوق للعباد. وكذلك إذا كان الحق واجبًا وتوسل إليه بوسيلة صارت هذه الوسيلة محرمة. قال: ... (فتحرم هذه الحيل ولا تفيد صاحبها حل المحرم). عندكم طبعًا زيادة ... [والتحيُّل لإسقاط الشفعة بشيء من الحيل بالوقف، أو بإظهار الثواب غير المقصود) يعني: يهبها لغيره، حينئذٍ انتقلت الملكية (أو إظهار زيادة في الثمن لئلا يأخذ الشفيع)
(3/15)

قال: (وتحرم هذه الحيل، ولا تفيد صاحبها إلا المحرم، بل تزيد الحرام إثمًا لأنها اشتملت على مفسدة الحرام وعلى الحيلة والخداع والتحليل في النكاح). وهذا كذلك محرم سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتيس المستعار، كامرأة طلقها زوجها ثلاثًا هذه لا تحل لهذا الزوج إلا بعد نكاح زوجٍ آخر فيتفق الزوج الأول مع الآخر فيقول: تزوجها وأنا أعطيك المهر وجامعها وطلقها لكي تحل له. ولكنها لا تحل له في الواقع، لو فعل هذا لا تحل لأن نكاح التحليل باطل وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ له. ووصف المُحَلِّلَ بأنه التيس المستعار. (ومن فروعها: قتل الموصى له للموصي) الموصي الذي كتب الوصية أوصى لزيد بمال استعجل زيد قال: أريد أن استعجل هذا المال. حينئذٍ قتل الموصي نقول: ليس لك شيء. لو تركه حتى يموت بقدر الله وقضائه لوصله المال، لكن لما استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه كذلك الوسيلة لها أحكام المقاصد (قتل الموصى له للموصي، وقتل الوارث لمورثه) كسابقه (يعاقبان بنقيض قصدهما) فتبطل الوصية في حق القاتل ولا يرث من مورثه شيئًا) الثاني جاء فيه نص.
(3/16)

(ومن فروعها: عضل الزوج لزوجته بغير حق) العضل المراد به الإيذاء حتى تفتدي بنفسها يعني بالمال (عضل الزوج لزوجته) لا يريدها يريد طلاقها، لكن يريد شيء من الصداق أو المهر فيريد أن تطلب هي الطلاق أو أنها تخلعه من أجل أن يرجع إليه شيء من المال أو المهر كله (عضل الزوج لزوجته بغير حق لتعطيه شيئًا من المال ليطلقها كما قال تعالى: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النسا: 19]) قال ابن عباس: هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي وترد إليه ما ساق إليها من المهر فنهى الله تعالى عن ذلك. حينئذٍ لا يحل له الأخذ. ولا فلسًا لماذا؟ لأنه أخذه بطريق محرم لأن الله قال: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ} حينئذٍ صارت هذه الوسيلة محرمة فإذا أخذ مالاً من المرأة بهذه الوسيلة صار المال محرمًا فلا يحل له البتة (فلا يحل الأخذ منها في هذه الحال) ولا تحل له الدراهم. (ومنها) يعني: من المسائل. عندكم [ما قاله الأصحاب أن من أهدى لغيره حياءً منه أو خوفًا منه) وهذه كثير يقع الآن، قد يكون المال له أو الشيء له فيراه غيره من أصحابه فيحرجه بكم أخذت هذا؟ من أين وجدته؟ أعجبني .. إلى آخره في نسخة ثانية، لا، فيقول: خذه. [ها ها] هذه هدية بالعافية، لا يحل له أن يأخذ هذه الهدية البتة، إلا أن يعواضه عليها يعني: يدفع المال. وأما أن يأخذه هكذا لا يجوز (من أهدى لغيره حياءً منه أو خوفًا منه وجب على الْمُهْدَى إليه الرد) ها أولاً، أن يرد لأنه مال أخذه بغير حله لا يجوز، أو يعاوضه عنها سواء عاوضه في مكانه أو بعد ذلك، يعني: ممكن أن يأخذ منه هدية ويرد له هدية أخرى بنفس السعر حينئذٍ صارت المعاوضة، وأما أن يأخذها هكذا مجانًا فلا يحل له البتة. قال رحمه الله تعالى: (وكثير من هذه الفروع أيضًا داخل في أصل اعتبار المقاصد والنيات). كل ما سبق يتناوله أصلان أو أكثر [الوسائل لها أحكام المقاصد] كما ذكرنا بعض أهل العلم يجعلونها فرعًا عن القاعدة الأم [الأمور بمقاصدها] أو إن شئت قل: [إنما الأعمال بالنيات].
(3/17)

يتفرع عنها [الوسائل لها أحكام المقاصد] حينئذٍ رددتها إلى هذا الفرع الذي هو [الوسائل لها أحكام المقاصد] أم لأصلها الذي هو [الأمور بمقاصدها] فالأمر سيان ولذلك قال: (وكثير من هذه الفروع السابقة) وغيره مما لم يذكره الشيخ رحمه الله تعالى (داخل في أصل اعتبار المقاصد والنيات) أي: هذا الباب معتمده ومرتكزه هو النية والمقصِد فما كان مقصِده حسنًا ونيته حسنة فهو الحلال، وما كان مقصده سيئًا قبيحًا فهو الحرام الذي حرمه الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، مع التنبيه أن المقصد الحسن لا يجعل الشيء حلالاً، يعني: قد يفعل المحرم وقصده حسن نقول: لا يكفي، لماذا؟ لأن المقصد لا بد أن يكون حكمها معلومًا من الشرع، ثم الوسيلة تأخذ حكم المقصد، فإذا كان المقصد محرمًا صارت الوسيلة محرمة، نيتي صافية لا ينفع، نعم لماذا؟ لأن العبرة هنا بما حكم عليه الشرع، وعلمنا أن حكم الوسيلة مأخوذ من حكم المقصد فهما سيان، وذلك دليل على قوة الفرع الذي تتناوله عدة أصول (وكما أن الحِيَل التي يُقصد بها التوصل إلى محرم، أو ترك واجب حرام، فالحِيَل التي يتوصل بها إلى ستخراج الحقوق مباحة) العكس بالعكس، كل حيلة يتوصل بها إلى محرم فهي محرمة، وكل حيلة يُتوصل بها إلى أمر مشروع في العلم والدعوة أو إلى استيفاء حقوق المالية وغيرها فهي مباحة (إلى استخراج الحقوق مباحة بل مأمور بها، فالعبد مأمور باستخراج حقه، والحق المتعلق به) نعم (فالعبد مأمور باستخراج حقه، والحق المتعلق به بالطرق الواضحة، والطرق الخفية) والثاني هو الحيل (قال تعالى لما ذكر تحيُّل يوسف - صلى الله عليه وسلم - لبقاء أخيه عنده: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} [يوسف: 76]) هذا إقرار من الله تعالى بل نسب الكيد لنفسه (ومثله: الحِيَل التي تسلم بها النفوس والأموال؛ كما فعل الخضر بخرقه للسفينة لتعيب فتسلم من غصب الملك الظالم، فالحيلة تابعة للمقصود حسنها وقبيحها) يعني: ما كان حسنًا فهو حسن، وما كان قبيحًا فهو قبيح، فالحلية على الحرام حرام، والحيلة للوصول إلى الحلال حلال، لكن بشرط أن يكون لغير حرام إنما عند الله لا يُنال بالحرام.
(3/18)

قال: (ومن فروعها: أن الله تعالى قال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [سورة النساء: 58]) الأمانات جمع محلى بأل فيعم كل أمانة أمر الله عز وجل بأدائها إلى أهلها، قال: (والأمانات: كل مال ائتمن عليه العبد وولي عليه). هذا حقيقة الأمانات (كل مال ائتمن عليه العبد) ليس المال المراد به هنا الأثمان، نقد فقط، لا، وإنما قد يكون في الأعيان يعني: قد يؤتمن على سيارة، وقد يؤتمن على أرض، وقد يؤتمن على مليون، وقد يدخل هذا وذلك، فهو كل ما يكون مالاً (كل مال ائتمن عليه العبد وولي عليه من وديعة وعين مؤجرة ومرهونة، وولاية مال يتيم) يعني يكون وليًّا على مال يتيم (من وديعة) كأن يكون وضع عنده شيء فحينئذٍ أمانة يجب عليه (حفظها في حرز مثلها) لئلا يضيعها، وكذلك (عين مؤجرة) إذا استأجرت سيارة فهي أمانة عندك، كذلك المرهونة في بيع ونحوه (وولاية مال يتيم، ونظارة وقف، ووكيل ووصي ونحوها) هذه كلها من الأمانات، وليست كلها يعني: لم يذكر المصنف كلها لأن الأمانات كل ما ائتمن عليه العبد من مال أو حق أو وصية أو غير ذلك، هكذا التعميم من الشيخ رحمه الله تعالى، كل ما ائتمن عليه العبد من مال أو حق أو وصية أو غير ذلك، أما المال الذي يعتبر قابضه أمينًا فهو كل ما حصل بيد الإنسان بإذن من الشارع أو بإذن من المالك، فالإذن من الشارع كولي اليتيم، والإذن من المالك كالوكيل والوصي والناظم، فالوكيل في الحياة والوصي بعد الموت والناظر على الوقف في الحياة أو بعد الموت. قال هنا: (وكلها) أي: هذه الأمانات (يجب حفظها في حرز مثلها). لماذا؟ لأنه من لوازم الأداء، لأن الله تعالى قال: {يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]. إذًا هذا الأمر أمر بعدم التفريط والتعدِّي عليها لأنه يلزم من أدائها وإرجاعها الحفاظ عليها، وأما التفريط فيها والتعدي عليها هذا يلزم منه ماذا؟ عدم أداء الأمانة، عندكم [من وسائل ردها إلى أهلها حفظها في حرز مثلها] فكلها يجب حفظها في حرز مثلها يعني: ما مثله يحفظ، فالذهب مثلاً يحفظ في مكان يختص به، والسيارة تحفظ في مكان يختص بها، أو الشاة تحفظ في مكان يختص بها .. وهكذا، لأنه أي: حفظها في حرز مثلها من لوازم الأداء (وكذلك الإنفاق عليها) وعندكم [ومن وسائل حفظها: الإنفاق عليها إن كانت ذات روح] يعني: إذا وضع عنده أمانة شاة وذهب شهرًا سافر، هذه الشاة كيف تأكل وتشرب؟ يجب عليه أن يردها حيةً، حينئذٍ إذا بقيت عنده شهرًا لا بد أن تأكل وتشرب فيلزم عليه أن يضع لها الأكل والشرب، تلزمه لماذا؟ لأنه قَبِلَ، وإذا قبل حينئذٍ قبل توابع هذه الأمانة، ولذلك قال هنا: (ومن وسائل حفظها). الذي يترتب عليه وجوب الأداء (الإنفاق عليها إن كانت ذات روح).
(ومن وسائل أدائها: عدم التفريط) يعني: ترك ما يجب. (والتعدي فيها) وهو فعل ما لا يجوز.
(3/19)

(ومن فروع هذا الأصل: أن الله حرم الفواحش) وهذا محل وفاق ... (وحرم قربانها) {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32] كمثال (بكل وسيلة يخشى منها وقوع المحرم كالخلوة بالأجنبية) حرم الزنا فقال: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا}. لم يقل ولا تزنوا هذا أشد وأبلغ لأنه إذا حرم قربان الزنا صار محرمًا، فالزنا من باب أولى وأحرى، إذًا كل وسيلة تؤدي إلى الوقوع في الزنا فهي محرمة، فالخلوة بالأجنبية وسيلة ولا شك وكذلك النظر إلى الأجنبية وسيلة ولا شك إذًا النظر إلى الأجنبية محرم، والخلوة بالأجنبية محرم، ومصافحة الأجنبية محرم .. وهكذا (كالخلوة بالأجنبية، والنظر المحرم، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه») وعندكم [«يرتع فيه] ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه») إذًا كل وسيلة تؤدي إلى الوقوع في المحرم فهي محرمة، وتركها يعتبر واجبًا.
فما به ترك المحرم يرى ... وجوب ترك جميع من درى

محل وفاق، ليس مذهب مالك رحمه الله تعالى فقط.
(3/20)

(ومن فروعها: النهي عن كل ما يُحدث العداوة والبغضاء) العداوة والبغضاء بين الناس محرمة بالإجماع، ومن مقاصد الشريعة الائتلاف بين الناس لكن على السنة على الحق، فكل ما يحدث العداوة والبغضاء بغير حق حينئذٍ العبد مأمور باجتنابه، انتبه، يعني: العداوة والبغضاء قد تكون بين أهل السنة وأهل البدعة، هذه عداوة محمودة وبغضاء محمودة لأنها من الولاء والبراءة، وإنما المراد هنا النهي عن كل ما يحدث العداوة والبغضاء مما تجب موالاته، وهم أهل السنة والجماعة (كالبيع على بيع المسلم) يعني: يشتري ثم يأتي يقول: أعطيك أكثر منه. هذا محرم لأنه يورث الضغينة في النفوس والعداوة والبغضاء، كذلك (والعقد على عقده) هذا عقد معاملات من بيع ونحوه (والخطبة على خطبته وطلب الولاية) عندكم ... [وخطبة الولايات على خطبة أخيه) الولايات هذه حشو (وطلب الولاية والوظيفة إذا كان فيها أهل) هذا يُحدث ماذا؟ يُحدث العداوة والبغضاء، شخص موظف على وظيفته وهو أهل لهذه الوظيفة، فيأتي يمنة ويسرة من أجل أن يزحزحه ويحل مكانه ما حكمه؟ حرام، لماذا؟ لأنه اعتداء {وَلَا تَعْتَدُوا} وهذا اعتداء على أخيه المسلم، كذلك من وجه آخر يُورث البغضاء والعداوة، لكن إذا لم يكن أهلاً هل يجوز؟ نعم يجوز، ولذلك قال هنا: (إذا كان فيها أهل). قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: ... " مفهومه إذا لم يكن أهلاً فلا حرج أن تطلب الوظيفة ". لكن ما المراد بكونه أهلاً؟ ليس المراد به درجات الكمال الكفاءة، لا، هذا يتفاوتون الناس فيه، وإنما المراد أن وجوده تترتب عليه مفسدة تتعلق بعمله، ليس المراد أن هذا الموظف يكون أحسن لو وجد، لا، الكمال هذا لا ينتهي، الناس يتفاوتون فيه، وإنما المراد أنه بوجوده تترتب عليه مفاسد في عمله الذي وُجِدَ من أجله، حينئذٍ إذا كان كذلك يمكن ضبط المسألة، ولا تنتشر حينئذٍ نقول: إذا كان الأمر كذلك بأن تترتب على وجوده مفسدة باعتبار عمله جاز السعي في إزالته والحلول محله. (كما أن من فروعها الحث على كل ما يجلب الصداقة من الأقوال والأفعال بحسب ما يناسب الحال) قال رحمه الله تعالى: (وقد خرج عن هذا الأصل: النَّذْر). يعني: استثني. ... (لحكمة اختص بها) هو الشأن أن يكون تعبدي، الشأن أن يكون هذا تعبدي (فإن عقده مكروه والوفاء به واجب) يعني: نذر الطاعة لا نذر المعصية، الأصل في عقد النذر الكراهة أليس كذلك؟ يستخرج به من البخيل وسيأتي النص: «من نذر أن يطيع الله فليطيعه». قال هنا: ... (الأصل في عقد النذر الكراهة، ومع ذلك وجب الوفاء به إذا انعقد، فأوله مكروه وبعد انعقاده يجب الوفاء به). النذر شيء واحد قال: لله عليَّ إن نجحت كذا وكذا. نقول: هذا الفعل مكروه، وإذا انعقد حينئذٍ نقول: وجب الوفاء به.
(3/21)

إذًا أوله مكروه وبعد انعقاده يجب، (فأوله مكروه لما فيه من المشقة وإلزام النفس بشيء لم يلزمها الله تعالى به والوفاء به واجب لأنه بمعنى اليمين) ولذلك إذا لم يستطع كفر كفارة اليمين على المشهور، وهو كذلك يجري مع هذه القاعدة فلما كان من الإلزام للنفس، إلزام النفس هذا وسيلة إلى المشقة، إذًا قلنا المصنف هنا رحمه الله تعالى قد خرج عن هذا الأصل النذر لحكمه اختص بها فإن العقد مكروه والوفاء به واجب، أوله مكروه وبعد انعقاده يجب، وهو كذلك يجري في المسألتين في الكراهة والإيجاب على هذه القاعدة [الوسائل لها أحكام المقاصد] ووجهه أوله مكروه لما فيه من المشقة وإلزام النفس بما لم يلزمها الله عز وجل به، ولا شك أن الإشقاق على النفس مكروه، حينئذٍ صارت الوسيلة إليه مكروهة. إذًا لما كان النذر وسيلة إلى الإشقاق على النفس صار النذر مكروهًا، وهذا واضح بين، كذلك من حيث الوجوب إذا انعقد نقول: لأنه في معنى اليمين، واليمين يتعلق بعظمة الرب جل وعلا، ولذلك لا يحلف إلا بالله عز وجل، فلما صار كذلك فتعظيم الله تعالى وانتهاك هذا التعظيم محرم، فإذا نذر وجب عليه أن يفي لئلا ينتهك عظمة الرب جل وعلا، ولا يمكن ترك هذا الانتهاك إلا بإيجاب الوفاء بالنذر. إذًا [الوسائل لها أحكام المقاصد]. قال هنا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» فعقده لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل استخراجًا غير محمود على عقده).
قال: (ومن فروع هذا الأصل: فعل كل سبب بغير حق يترتب عليه تلف نفس أو مال). وهذه الجملة ليست عندكم وهذا يعني: يستلزم أن هذا السبب يجب تركه، يعني: الجواب ليس موجودًا. (وكما أن وسائل الأحكام حكمها حُكمها فكذلك توابعها ومتمماتها، فالذهاب إلى العبادة عبادة) الذهاب هذا من التوابع (وكذلك) من المتممات (الرجوع منها إلى الموضع الذي منه ابتدأها عبادة، ولهذا قال بعض الصحابة) كما النسخة التي معكم [رضي الله تعالى عنهم: إني لأحتسب رجوعي إلى بيتي من الصلاة كما أحتسب خروجي منه إليها]. والحديث السابق أولى بذكره لأنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذًا [الوسائل لها أحكام المقاصد].
نزيد بعض الفوائد هنا تتعلق بتميم هذه القاعدة:
أولاً: كل ما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة، واضح؟ نحن نقول: [الوسائل لها أحكام المقاصد]. إذًا إذا سقط اعتبار المقصد الوسيلة فهي تسقط، هذا الأصل فيها، فمن لم يجب عليه الحج ما وجب عليه الحج، نقول: هل يجب الذهاب إلى مكة؟ الجواب: لا، من لم يجب عليه الصوم لا يجب عليه تبيت النية .. وهكذا، لأن المقصود ليس واجبًا حينئذٍ الوسيلة تسقط ولا حكم لها، لكن ذكر بعض الفقهاء أنه قد يقال في مسألة الحج على سبيل الخصوص أنه قد يُقال ببقاء الاستحباب يعني: هي لم تجب لعدم وجوب الحج، لكن الحج إذا لم يجب لا يلزم منه أن لا يكون مشروعًا، بل قد يكون مستحبًا، وإذا كان مستحبًا حينئذٍ صارت الوسيلة مستحبة .. وهكذا.
(3/22)

ثانيًا: قد تعتبر الوسيلة والمقصود معدوم، وهذه مسألة تتعلق بالحدّ أصلع ليس فيه شعر في رأسه إذا جاء يوم العيد ماذا يحلق؟ ليس عنده شيء، إذًا: استعمال الموسى لأجل حلق الشعر، فإذا لم يكن شعر حينئذٍ حُكي الإجماع أنه يجب إمرار الموس على رأسه تحقيقًا لهذه العبادة، هنا سقط المقصود بل عدم والوسيلة بقيت واجبة.
ثالثًا: يثاب أو يعاقب المكلف على الوسيلة والقصد معًا.
رابعًا: لا يقصد العلماء من هذه القاعدة أنك تثبت حكمًا شرعيًا بالقاعدة، ليس هذا المراد، وإنما تبين هذه القاعدة أن هذه الوسيلة دليلها دليل المقصد، كما ذكرناه سابقًا، لكن مع هذا فبعض الوسائل قد يكون فيها دليلٌ خاصٌ بها إضافة إلى دليل القاعدة.
خامسًا: الفعل قد يكون مقصدًا باعتباره وسيلةٍ باعتبارٍ آخر، يعني: الفعل العبادة قد تكون هي مقصد وتكون كذلك وسيلة، وأشهر ما يمثل به الخلاف في الوضوء هل تجب له النية أم لا؟ هو في نفسه هذا محل خلاف، هو في نفسه عبادة مقصود لأن رتب عليه الثواب ورتب عليه تكفير الخطايا ونحو ذلك، هو في نفسه وسيلة إلى الصلاة، حينئذٍ صار مقصودًا لذاته وهو كذلك وسيلة لغيره، حينئذٍ هل تجب فيه النية أم لا؟ من نظر إلى كونه عبادة في نفسه أوجب النية، ومن محضه في الوسائل لم يجب النية، والصحيح أنه عبادةٌ مستقلة ولو كان وسيلةً لغيره، كذلك يقال أن كون الفعل المعين وسيلةً يُعرف بطرقٍ منها النص والعقل والتجربة والعادة، وأما حكم الوسائل فلا يعرف إلا من جهة الشرع، كون هذا الشيء وسيلة إلى المقصود، هذا يختلف، كان للصلاة المشي فقط أو الركوب على الجمل، الآن يأتي مثلاً بسيارته إذًا: هذه وسيلة مستحدثة، هل نقول: الوسائل هنا في مثل هذا توقيفية؟ الجواب: لا. ليس كمسائل الدعوة، مسألةٌ أخرى، إنما الوسائل في مثل هذه المحال نقول: ليست توقيفية وإنما تعرف من جهة العقل ومن جهة التجربة والعادة، وأما حكم الوسائل فهذا لا يعرف إلا من جهة الشرع، لأننا ننقل الحكم المقصد إلى الوسيلة [كذلك يقال نعم] (1) أن الفعل المنهي عنه سدًا للذريعة يباح للحاجة والمصلحة الراجحة، أن الوسيلة المؤدية إلى المقصود المشروع لا بد أن تكون مشروعة، فلا يتوصل بالوسائل المنهي عنها يعني: إذا كان شيء أمر عبادة أو دعوة أو نحو ذلك كل وسيلةٍ توصل إلى هذا المقصود يجب أن تكون مباحةً أو مشروعةً، يعني: ليست محرمةً أو مكروهة، وأما الوسائل أو القول بأن الغاية تبرر الوسيلة فهذه نظريةٌ فاسدة.
قال رحمه الله تعالى: (القاعدة الثالثة: المشقة تجلب التيسير)
__________
(1) سبق.
(3/23)

وهذه قاعدة مجمعٌ عليها، والمشقة بالتحريك وتشديد القاف مصدر شقَّ، والجمع مشاق ومشقات، وهي العسر والعناء خارجين عن حدّ العادة في الاحتمال. ومنه: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ} [النحل: 7] يعني تعب الأنفس فالمشقة هي الحرج في التكليف، و (التيسير) هو السهولة الليونة، وقالوا: يسر الأمر إذا سهل، إذًا: ... (المشقة) هي العناء (تجلب التيسير) الذي هو الليونة واليسر، فالتيسير هو التخفيف والتسهيل فالمعنى اللغوي الإجمالي للقاعدة الصعوبة والعناء تُصبح سببًا للتسهيل، لأنه قال: (تجلب). إذًا: أضاف إلى المشقة أنها جالبةٌ هي سببٌ لماذا؟ للسهولة والتخفيف، والمعنى الشرعي الاصطلاحي لها أن الأحكام التي ينشأ عن تطبيقها حرجٌ على المكلَّف ومشقةٌ في نفسه أو ماله فالشريعة تخففها بما يقع تحت قدرة المكلَّف دون عسرٍ أو إحراجٍ، ويفهم منها أن المشقة التي يجدها المكلَّف في تنفيذ الحكم الشرعي سببٌ شرعي صحيح، أن المشقة التي يجدها المكلف في فعل العبادة سببٌ شرعيٌ للتخفيف منه بوجهٍ ما، لأن في المشقات إحراجًا والحرج مدفوعٌ على المكلف بنصوص الشريعة. قال المصنف رحمه الله تعالى: (هذا أصلٌ عظيم جميع رخص الشريعة وتخفيفاتها متفرعة عنه). (رخص) جمع رخصة وهي في اللغة السهولة واللين واليسر والتوسع، جميع الرخص داخلةٌ في هذا الأصل العظيم، واصطلاحًا أطلق الفقهاء لفظ الرخصة على كل معنًى خاصٍ رُوعِي في تشريعه التخفيف لسببٍ ما، يعني: الأصل الحكم العام يأتي ما يؤدي إلى استثناء عند وجود مشقةٍ، هذ يُسمى ماذا؟ يُسمى ترخيصًا، أطلق الفقهاء لفظ الرخصة على كل معنًى خاصٍ رُوعِي في تشريعه التخفيف لسببٍ ما إذا كان هذا المعنى مستثنى من حكم عام، فيبقى المعنى العام ويستثنى منه شيء خاص لموجب التخفيف، وذلك كإباحة الفطر في السفر وكذلك القصر والجمع في السفر. (قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [سورة البقرة:185]) هذا نصٌ في هذه القاعدة العظيمة لذلك قال السيوطي رحمه الله تعالى: فهذه الآية أصل القاعدة الكبرى التي تقوم عليها تكاليف هذه الشريعة، وهي أصلٌ لقاعدةٍ عظيمة ينبني عليها فروعٌ كثيرة وهي أن [المشقة تجلب التيسير] وهي إحدى القواعد الخمس التي ينبني عليها الفقه وتحتها من القواعد والفروع ما لا يحصى كثرةً والآية أصلٌ في جميع ذلك. (وقال سبحانه: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} ... [سورة البقرة: 286].) ({لاَ يُكَلِّفُ}) يُكلف لها مفهوم أم لا؟ لها مفهوم، فحينئذٍ ما في وسع المكلف مأمورٌ به ومكلفٌ به، لأنه قوله: ({لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}) لها مفهوم، وهو إثبات التكليف فيما استطاعه الإنسان وفيما هو في وسعه، قال ابن تيمية في هذا النص: " تضمن أن جميع ما كلفهم به أمرًا أو نهيًا مطيقون له قادرون عليه ". وهو كذلك لا ({لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}) إذًا: ما كلفهم به من الأوامر والنواهي فهم قادرون عليه مطيقون له، " وأنه لم يكلفهم ما لا يطيقون ..
(3/24)

إلى أن قال: " وتأمل قول الله عز وجل ({إِلاَّ وُسْعَهَا}) كيف تجد تحته أنهم في سعةٍ ومنحةٍ من تكاليفه لا في ضيقٍ وحرجٍ ومشقةٍ، فإن الوسع يقتضي ذلك، فاقتضت الآية أنما كلفهم به مقدورٌ لهم من غير عسرٍ ولا ضيقٍ ولا حرجٍ عليه ". (وقال تعالى: ({لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا} [سورة الطلاق:7]) أعطاها، وقال سبحانه: ({وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [سورة الحج: 78]). فالحرج مدفوع عن هذا الدين، وهذا محل وفاق. قال ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى: أي: ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيءٍ يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجًا ومخرجًا. وقال سبحانه: ({فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [سورة التغابن: 16]. فهذه الآيات وغيرها دليل على هذا الأصل الكبير).
(3/25)

قال الشاطبي رحمه الله تعالى: إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ التواتر. القطع يعني، فهي قطعية، فحينئذٍ أدلة هذه القاعدة قطعية وذلك نقول: هي مجمعٌ عليها. قال هنا: (فأولاً) يعني: قبل الدخول في ما يتعلق بالأمثلة للقاعدة نقدم مقدمة (جميع الشريعة حنيفية سمحة) كما جاء وصف الدين بهذه الصفة والصيغة أنه سئل - صلى الله عليه وسلم - أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: «الحنيفية السمحة». رواه البخاري في صحيحه تعليقًا، وحسنه الحافظ. قال الشاطبي رحمه الله تعالى: وسُمي الدين بالحنيفية لما فيها من التيسير والتسهيل. وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الدين يسرٌ ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبة فسددوا وقاربوا وأبشروا». الحديث، وفيه عن أنسٍ رضي الله عنه ... قال - صلى الله عليه وسلم -: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا». (جميع الشريعة حنيفية سمحة، حنيفية في التوحيد، لأن مبناها على عبادة الله وحده لا شريك له)، (مبناها) يعني: الشريعة، والحنيفية هي الملة المائلة عن الشرك مبنية على الإخلاص لله عز وجل، فالحنيف هو المائل عن الشرك قصدًا إلى التوحيد، (سمحة) يعني: سهلةٌ ميسرة (في الأحكام والأعمال، فالصلوات المفروضات خمس في اليوم والليلة لا تستغرق من وقت العبد إلا جزءاً يسيراً) وهذا يُسرٌ ليس فيه مشقة، فالصلوات الخمس التي هي أعظم ما أمر الله تعالى به بعد التوحيد هي يُسرٌ في ذاتها وفي عددها وفي صفتها .. إلى آخره، (والزكاة) وهي تأتي بعد الصلاة لا تجب إلا في الأموال المتمولة يعني: النامية، يتاجر فيها، إذا بلغت نصابًا وحال عليها الحول وهي (جزء يسير جدًا في العام مرة) إذًا: فيها يسرٌ (وكذلك صيام رمضان شهر واحد من جميع العام، والحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة على المستطيع) ليس على جميع الناس، (وبقية الواجبات عوارض) يعني: كالجهاد وإغاثة الملهوفين ونحو ذلك (بحسب أسبابها، وكلها) أي: كل ما ذكر الأركان الخمسة (في غاية اليسر والسهولة، وقد شرع الله لكثير منها أسباباً تعين عليها). يعين: هي في نفسها ميسرةٌ وسهلة، ثم شرع أسبابًا تزيدها سهولةً وليونةً، (وقد شرع الله لكثير منها أسباباً تعين عليها وتنشط على فعلها، كما شرع الاجتماع في الصلوات الخمس) لا شك أن الجماعة وترائي الناس بعضهم لبعض مما يشجع على إقامة الصلاة (والجمعة، والعيدين)، (كما شرع الاجتماع في الصلوات الخمس، والجمعة، والعيدين) عندكم [الأعياد] هذا غلط، (وكذلك الصيام) لأنه ذكر الجمعة لو لم يذكر الجمعة لقال الأعياد صحيح، لكن لما ذكر الجمعة حينئذٍ تعين والعيدين (وكذلك الصيام يجتمع المؤمنون في شهر واحد لا يتخلف منهم إلا معذور بمرض، أو سفر أو غيرهما.
(3/26)

وكذلك الحج، ولا شك أن الاجتماع يُزيل مشقة العبادات وينشط العاملين، ويوجب التنافس في أفعال الخير، كما جعل الله الثواب العاجل، والثواب الآجل الذي لا يقادر قدره) يعني: لا يُبلغ (أكبر معين على فعل الخيرات) يعني: ما ترتب على العبادات من ثوابٍ عاجل أو آجل يُنشط النفس ويقوي الهمة في التقرب إلى الله عز وجل والمنافسة في ذلك ... (وعلى ترك المنهيات) وكذلك جعل الله الزواجر الدنيوية كالحدود والأخروية كالعذاب في النار ونحوها معينةٌ على التقوى وعلى ترك المحرمات، قال تعالى {ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر: 16] (ثم إنه) يعني: ثانيًا، تلك مقدمة ليبين لك أن هذه القاعدة (المشقة تجلب التيسير) لا تظن أن العبادات مشقة، وأن الأصل في التعبد هو الإشقاق على النفس، لا، بل العبادات كلها والدين والشرعية مبنيةٌ على الحنيفية السمحة. إذًا: المراد بـ (المشقة تجلب التيسير) متعلقةٌ ببعض الأفراد، قد تشق عليه نوعٌ من أنواع العبادة وحينئذٍ جلبت تلك المشقة التيسير (ثم إنه مع هذه السهولة في جميع أحكام الشريعة إذا عرض للعبد بعض الأعذار التي تُعجزه أو تشق عليه مشقة شديدة خُفف عنه تخفيفاً يناسب الحال) إذًا: (المشقة تجلب التيسير) ليس المرد بها أن جميع الشريعة قائمةٌ على المشقة، لا، وإنما الأصل فيها اليسر، والأصل فيها الحنيفية السمحة وإنما قد يعرض لبعض العباد ولذلك كل الأحكام التي ترد إنما هي أوصاف خاصة بالعباد، ثم ضابط المشقة هنا لا بد من تحريره أن نقول: المشاق ضربان:
الأول: مشقةٌ لا تنفك العبادة عنها غالبًا. يعني: ملازمةٌ لها، مشقةٌ لا تنفك العبادة عنها غالبًا فهذه لا يلتفت إليها البتة، وهذا محل وفاق، ولا تُؤثر في إسقاط العبادات على المكلفين، بل العبادة واجبة كما هي، مثال ذلك لو شعر ببردٍ عن الوضوء برد خفيف لا يضره، حينئذٍ نقول: هذا الوضوء واجبٌ، وهذه المشقة محتملة مغتفرة، لا يلتفت إليها ولا توجب العدول عن استعمال الماء الى البدل وهو التيمم، لكن إن ترتب عليه الضرر حينئذٍ دخلت في النوع الثاني، واضح هذا؟
كذلك الصوم، الصوم لا بد فيه من مشقة، يُمسك عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لا بد فيه شيءٌ من المشقة وتعب للنفس لكنها محتملة مغتفرة، هذه المشقة لا نقول توجب إسقاط وجوب الصوم، وإنما الصيام كما هو واجب وهذه المشقة تعتبر معتفرة، إذًا: مشقةٌ لا تنفك عنها العبادة غالبًا، وهذا محل وفاق أنها لا تؤثر في إسقاط العبادات.
النوع الثاني: مشقةٌ تنفك عنها العبادات غالبًا. هنا يأتي في موضع هذه القاعدة بمعنى أن الأصل أن هذه العبادة لا تقترن بها هذه المشقة بعينها بخصوصها، وهذه على ثلاثة أنواع:
(3/27)

النوع الأول: مشقةٌ عظيمةٍ جدًا فادحةٌ كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأعضاء هذه المشقة هي المنتفية بالنصوص والداعية إلى التخفيف والترخيص، فإذا وجدت اعتبرت وسقط الحكم، يعني: إذا كانت هذه المشقة مؤثرةً على نفسه أو ماله أو عرضه، كما لو وجب الحج عليه وكان ثَمَّ قطاع طريقٍ في الطريق فحينئذٍ نقول: هذه مشقة لأنه يخاف على نفسه ويخاف على ماله ويخاف على عرضه وأهله نقول: هذه المشقة توجب التخفيف، وما هو التخفيف؟ إسقاط وجوب الحج عنه بذلك العام، نقول: هذه المشقة تنفك عن العبادة وليست غالبةً في الغالب ثم إذا حصلت هذه المشقة الفادحة أثرت في الحكم وأسقطته.
المرتبة الثانية: مشقةٌ خفيفة كأدنى وجعٍ في أصبع مثلاً أو أدنى صداعٍ في الرأس ونحوه، وهذه لا أثر لها ولا يُلتفت إليها بالإجماع، لأن تحصيل مصالح العبادات أولى من دفع مثل هذه المفسدة التي لا أثر لها، وإنما ذُكر هذا النوع في الصيام فقط محل خلاف بينهم.
وهناك مشقة متوسطة بين النوعين، وهذه محل نظرٍ، فإن غلب على الظن المضرة رُخِّصَ بها وإن لم يغلب على الظن المضرة بها فلا ترخيص بها البتة.
إذًا: المشقة ثلاث مراتب:
مشقةٌ عظيمة، ومشقةٌ خفيفة، ومشقةٌ متوسطة.
العظيمة تؤثر في الحكم وتسقطه، الخفيفة لا أثر لها، المتوسطة باختلاف النظر فيها.
أسباب التخفيف حصرها بعض الفقهاء في سبعة أسبابٍ وهي مجملة:
(3/28)

السفر، والمرض، والإكراه، والنسيان، والجهل، والعسر، وعموم البلوى، والنقص الطبيعي. والمراد به الصبا والجنون، هذه سبعة أسباب. لأن الرخصة من حيث الأسباب توقيفية، من حيث الأسباب التي يترتب عليها الترخيص توقيفية، من حيث الصور هذه تختلف، ولذلك حُصرت الأسباب في هذه السبعة بمعنى أن السفر علق عليه الشرع الترخيص بالفطر وقصر الصلاة الرباعية إلى غير ذلك، وأكل المضطر والمرض والإكراه والنسيان والجهل والعسر وعموم البلوى والنقص الطبيعي، وأنواع التخفيف سبعةٌ أيضًا إسقاط يعني: جاء الشرع بالإسقاط مثاله إسقاط الصلاة عن الحائض، وتنقيص كالقصر في السفر، وإبدال التيمم التراب عن الماء، وتقديم وتأخير كالجمع في السفر، وترخيص كلبس الرجل للحرير للحكة ونحوها، وتغيير كصفة صلاة الخوف، ليس قاعدة (المشقة تجلب التيسير) أمرًا مطردًا لا يتخلف في كل حالات المشقة، بل إن التيسير منوط بنص الشارع فقط، فما نص الشارع على اعتباره سببًا للتخفيف والتيسير عومل به، إذًا (المشقة تجلب التيسير) ما نوع هذه المشقة؟ ما أسبابها؟ لا بد من الرجع في ذلك إلى الشرع، فما نص عليه بأنه سببٌ لدفع المشاق حينئذٍ جعل سببًا، وما لم يكن فلا، ولذلك نقول: هي توقيفيةٌ من حيث هذا المعنى، وما لم يعتبره الشارع سببًا لذلك فلا يصح الترخيص به، وما نص الشرع على اعتباره سببًا مخففًا يُعمل به ولو لم تتحقق المشقة في الواقع، لأننا نقول: إنما خفف عن المسافر للمشقة، وقد يوجد بعض الأسفار لا مشقة فيها، هل يقصر نعم يقصر، مع ماذا؟ مع عدم وجود الحكمة، لماذا؟ لأن السفر صار علةً فأنيط الحكم به، وأما المشقة فهذه تختلف ولذلك لم يجعل علةً للقصر، إذ أن المشقة المستوجبة للتخفيف ليس لها ضابطٌ مخصوص ولا حد محدود يطرد في جميع الناس، ولكنها أمرٌ اعتباري يختلف باختلاف الأشخاص والظروف والأزمان والأماكن، لذا اعتبر الشرع في كثيرٍ من الحالات مجرد تحقيق السبب أو وصفه أساسًا للتخفيف عن الناس بقطع النظر عن وجود حقيقة المشقة. قال رحمه الله تعالى: (ثم إنه مع هذه السهولة في جميع أحكام الشريعة إذا عرض للعبد بعض الأعذار التي تعجزه أو تشق عليه مشقة شديدة خفف عنه تخفيفًا يناسب الحال).
(3/29)

يعني: بحسب المصلحة التي يقتضيها وضع هذا العبد (فيصلي المريض الفريضة قائمًا) هذا الأصل فيه، فإن شق عليه القيام سقط عنه وجوب القيام فصار ماذا؟ صار الواجب في حقه الجلوس (فإن عجز صلى قاعدًا) ويجب عليه أن يصلي قاعدًا ولا يجوز له أن يضجع، فإن عجز عن القعود لجأ إلى الحالة الثالثة ... (فإن عجز فعلى جنبه) لحديث عمران بن حصين (ويومئ بالركوع والسجود) الأصل أن يسجد على حاله، ويركع كذلك، فإذا عجز عن ذلك سقط عنه ولجأ إلى الإيماء (ويصلي بطهارة الماء فإن شق عليه) صلى بالتيمم وكذلك رخص السفر تتفرع عن هذا الأصل لأن المسافر مَظِنَّة المشقة، وليست الرخصة لأجل المشقة بل لأجل مظنة المشقة، يعني: مما يُظن فيه أن تجد فيه المشقة فأبيح له قصر الرباعية إلى ركعتين (والجمع بين الصلاتين) تقديمًا أو تأخيرًا، والفطر في رمضان (والمسح ثلاثة أيام بلياليها على الخفين) لحديث صفوان بن عسال (ومن مرض أو سافر كُتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا) لحديث أبي موسى في الصحيح، وفيه شيء من الانتقال لكن نصوص عامة تدل على ذلك (ويتفرع عن هذا الأصل الأعذار المسقطة لحضور الجمعة والجماعة) الأصل في حضور الجمعة والجماعة الوجوب، فكل سبب ترتب عليه مشقة في الحضور حينئذٍ نقول: حكم الجمعة والجماعة ساقط.
(3/30)

(ومن فروعها: العفو عن الدم اليسير النجس) يعني: من فروع هذه القاعدة أن الناس قد يتلبسون بشيء من الدماء سواء كان من أنفسهم أو من غيرهم، فجاءت الشريعة بدفع أو رفع المشاق، العفو عن الدم اليسير وحكم اليسير أو ضابطه ما كان في عرف الناس العقلاء (النجس) هذا احترازًا عن الطاهر، فإن كان كثيرًا فلا عفو عنه البتة، لكن يقيد هنا ما لم يخرج من السبيلين لأنه لا يعفو عنه يعني: لا يعفو عن اليسير. (والاكتفاء بالاستجمار الشرعي عن الاستنجاء) بالماء هذا يعتبر من دفع المشاق لأن الاستنجاء بالماء في كل مرة قد يشق على الناس، فجاء الشرع بالاستجمار قال: (الشرعي). يعني: ما توفرت فيه شروطه بأن استوفى العدد وما كان يصلح به الاستجمار، (وطهارة أفواه الصبيان) هذا فيه نظر لأن العلة هنا ليست هي المشقة، وإنما العلة أن الآدمي طاهر سواء كان صبيًا أو كبيرًا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن المؤمن لا ينجس». لكن عندكم في النسخة ... [وطهارة أفواه الصبيان ولو أكلوا النجاسة] حينئذٍ إن علمت النجاسة ولا يقال بأنها طاهرة فإن ظُنت أو لم تُعلم فالأصل الطهارة (وكذلك الهر وما دونها في الخلقة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنها ليست بنجس») يعني: الهرة («إنها من الطوافين عليكم والطوافات») وقول المصنف: (وما دونها في الخلقة). هذا التعليل جرى فيه على المذهب والصحيح أن التعليل هنا ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي علة التطواف، فكل ما كان تطواف كثير على الناس حينئذٍ رفع الحكم وهو القول بالنجاسة، (ومن ذلك العفو عن طين الشوارع) لأنه قد يختلط بالنجاسات، (ولو ظنت نجاستها) حينئذٍ الأصل بقاء الطهارة، فإذا ظُنَّ أن هذا الطين قد تلوث بالنجاسة نقول: هذا مشكوك فيه، واليقين لا يزول بالشك (فإن علمت) نجاستها (عُفي عن الشيء اليسير) كالدم اليسير السابق، لأن المشقة تجلب التيسير (ومن ذلك الاكتفاء بنضح بول الغلام) من ذلك أي: مما شق وجاءت الشريعة برفعه الاكتفاء بنضح، النضح هو دون الغسل بمعنى أنه يكفي فيه غمر المحل محل النجاسة بالماء، ولا يشترط فيه الدلك والعصر كما هو الشأن في الغسل، (بنضح بول الغلام دون الجارية الذي لم يأكل الطعام) دون الذي أكل الطعام (لشهوة)، فإن أكل لا لشهوة فالحكم باقٍ، والحديث مشهور قال: (وقيئه). بناءً على أن القيء نجس، فحينئذٍ يعفى عن يسيره أو أنه أراد الاكتفاء بنضحه، لكن الصحيح أن القيء ليس بنجس سواء كان من الكبير أو الصغير لعدم الدليل.
(3/31)

(ومن فروع هذا الأصل العمل بالأصل في طهارة الأشياء وحلها) فهي طهارة وكذلك هي حلال، يعني: ليست بنجسة وليست بمحرمة، {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29] قد امتن علينا بما كان في الأرض ولا يمتن بما هو طاهر وحلال، (فالأصل في المياه الطهارة) دون النجاسة إلا إذا تغيرت بالنجاسة، فنحكم عليه بأنها نجسة، أو كان الماء قليلاً ووقع فيه النجاسة فالعبرة حينئذٍ بالملاقاة، فنحكم عليه بأنه نجس، وأما إذا شك في النجاسة أو لم تعلم حينئذٍ نقول: الأصل في الماء الطهارة، والأراضي والثياب والأواني وغيرها الطهارة الأصل فيها الطهارة (حتى تُعلم نجاستها، والأصل في الأطعمة والأشربة الحل إلا ما نص الشارع على تحريمه).
ويأتي بقية الكلام على الأمثلة. والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
(3/32)

عناصر الدرس
* تابع شرح القاعدة الثالثة.
* شرح القاعدة الرابعة " الوجوب يتعلق بالاستطاعة.
* شرح القاعدة الخامسة " الشريعة مبنية على أصلين.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
أما بعد:
مازال الحديث في القاعدة الثالثة (المشقة تجلب التيسير)، وبين المصنف رحمه الله تعالى أن هذا القاعدة أصلٌ عظيم، وجميع رخص الشريعة وتخريجاتها متفرعةٌ عنه، وذكر الأدلة على ذلك، وقدَّمَ بمقدمة لئلا يفهم أن الأصل في التكليف والأصل في الشريعة هو المشقة فحينئذٍ نحتاج إلى التيسير، وإنما ذكر أن بعض العبيد المكلَّفين قد تصيبه أو ينزل به شيءٍ من المشقة فحينئذٍ تأتي القاعدة أن الأصل فيها والشريعة السمحة الحنفية كما بينه.
قال رحمه الله تعالى:
(ومن فروعها: العفو عن الدم اليسير النجس) أي: من فروع هذه القاعدة (المشقة تجلب التيسير) أن الدم قد يصيب الإنسان ويكثر، وقد يخرج من أنفه، وقد يتلبس بذبحٍ ونحوه، فحينئذٍ فيه شيءٌ من المشقة وهو نجسٌ على ما اختاره المصنف وكثير من أهل العلم، حينئذٍ (المشقة تجلب التيسير) دلت النصوص على أن الكثير لا يعفى عنه، واليسير معفوٌ عنه، بمعنى أنه يُتَجَاوَز عنه، فلو صلَّى وعلى ثوبه دمٌ يسير عالمًا به صحت صلاته، لأن هذا معفوٌ عنه، بخلاف الكثير سواءً كان ناسيًا أو عالمًا أو جاهلاً، حينئذٍ الحكم على مذهب الحنابلة أنه لا تصح صلاتهم، وعلى ما اختاره هنا بأن اليسير وعلى الصحيح أن اليسير العبرة بأوساط الناس يعني: مما هم متوسطون في الحكم على الشيء، ليسوا ممن تشددوا فيقعون في الوسوسة وليس ممن هم يتفلتون في الحكم على الأشياء، والصحيح الذي دلت عليه الأدلة أن الدم ما لم يكن خارجًا من السبيلين أو الدم المسفوح أنه طاهر ليس بنجسٍ، لأن الأصل عدم النجاسة، ويستصحب هذا الأصل حتى يدل دليل النقل على ذلك، ولكن يحتاط في مثل هذه المسائل التي يكون فيها الخلاف مع جماهير أهل العلم، الأربعة المذاهب الأربعة على أنه نجس كالشأن في الخمر، حينئذٍ ينظر في المسألة من جهتين.
أولاً: من جهة العلم والتأصيل العلمي ونسبة الحكم الشرعي إلى الشرع، حينئذٍ: ينظر للدليل ولا يلتفت إلى الجماهير.
الأمر الثاني: يُنظر إلى العمل، والمسلم مطالب منه أنه يتورع، إذا كان كذلك فحينئذٍ يجتنب ما قال أهل العلم: بأنه نجسٌ.
(4/1)

قال: (والاكتفاء بالاستجمار الشرعي عن الاستنجاء) يعني: بالماء، لأن البول والغائط يكثر في الناس، فإذا لزم منه غسل الموضع بالماء شق عليه، وجاءت المشقة هنا وجلبت التيسير، وجاء الشرع بالترخيص، فجوز الاستجمار بالأحجار ونحوها ولكن بشرطه المعروف في موضعه. قال: ... (وطهارة أفواه الصبيان) وخص الصبيان هنا لأن الصبي قد يأكل النجس ولا يدري، ومع ذلك نقول: أفواههم طاهرة، وفي النسخة عندكم (ولو أكلوا النجاسة) لكن إذا كان الأصل في الآدمي الطهارة، حينئذٍ نقول: الأصل يُسْتَصْحَب يعني: إذا قيل: لا يزول بالشك، فإذا شك بأن فم الصبي وغيره أنه تنجس بأكل نجاسةٍ ونحوها كما لو قلنا: بأن الخمرة نجسةٌ فشرب الخمر حينئذٍ فمه نجس ولو كان كبيرًا لماذا؟ لأن الخمر نجس، هذا على قول الجماهير، وكذلك كلامٌ في الخمر الصحيح أنها طاهرةٌ وليست بنجسة، فحينئذٍ نحكم عليه: بأن الأصل هو الطهارة، ولو أكل نجاسةً وَشُكَّ فيها نقول: الأصل حمل الشيء على أصله حتى يدل الدليل على خلافه، والأصل في الآدمي الطهارة على ما اشتهر عند كثير من الفقهاء حيًّا ومَيْتًا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن المؤمن لا يَنْجُس». والصحيح إن المؤمن لا ينجس حيًّا ومَيْتًا لأن الميت ولو كان مؤمنًا فيه خلاف بين الفقهاء، ثَمَّ رواية عند الإمام أحمد إنه نجس لعموم الميتة، فدخل فيها ميتةُ الآدمي، والصحيح أنه طاهر وليس بنجس، وأما الكافر فلمفهوم الحديث: «إن المؤمن لا ينجس». مفهومه إن الكافر ينجس، لأن الحكم إذا علق على مشتقٍ دل على عِلِّيَّة ما منه الاشتقاق، حينئذٍ يدور الحكم مع عِلَّته وجودًا وعدمًا، لماذا لا ينجس؟ لإيمانه، كأنه قال النبي - صلى الله عليه وسلم - إن المؤمن لإيمانه لا ينجس. إذًَا: له مفهوم وهو مفهوم الوصف أو مفهوم المخالفة وهو حجة عند الجماهير، أن الكافر ينجس، إذًا الكافر حيًّا ومَيْتًا نجس بهذا النص، دلت الأدلة على أن الكافر في حالة الحياة كما ربط النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمامة، وكذلك أباح الله عز وجل نكاح الكتابية وغير ذلك من الأدلة الدالة على أن الكافر في حال الحياة طاهر وليس بنجس، ولذلك أباح الأكلة مما طبخوا فيه من أطباق ونحوها فهو طاهرٌ في حال الحياة. إذًا: يُخَصُّ عموم مفهوم قوله: «إن المؤمن لا ينجس». بهذه الأدلة ويبقى الكافر ميتًا على الأصل وهو أنه نجس.
إذًا: الصحيح إن المؤمن في حال الحياة - وأما الحياة فهو بالإجماع - وأما حال الموت فهذا محل خلاف، والصحيح أنه طاهر وليس بنجس، وأما الكافر ففيه تفصيل أنه في حال الحياة يعتبر طاهرٌ لعموم الأدلة المخصصة للمفهوم الذي دل عليه هذا النص، والصحيح عند الأصوليين أن المفهوم له عموم، حينئذٍ نقول: دلت الأدلة على أن الكافر في حال الحياة طاهر. إذًا: إذا مات رجع إلى أصله وهو النجاسة.
(4/2)

قال: (وكذلك الهر) يعني: مثل الحكم بطهارة أفواه الصبيان الحكم بطهارة الهر، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات». هذه العلة تدل على أن كلّ ما كان أو كثر تَطْوَافُه على الناس حينئذٍ نقول: إنه ليست بنجس سواءٌ كان مثل الهرة في الحجم أو دونها أو أكبر، حينئذٍ: الحمار إذا كثر استعماله ولو في بعض البلدان كما هو الشأن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - نقول: الحمار هذا والبغل كذلك ليس بنجس، لماذا؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنها» وإنّ إذا وقعت بعد الحكم [حينئذٍ تدل] (1) بعد النفي والإثبات تدل على التَّحَيّد، فكأنه قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنها ليست بنجس» لماذا؟ قال: لأنها من الطوافين. إذًا الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فكلما وجد التَّطواف حكمنا عليه بكونه ليس بنجسٍ، وتحديد النص هنا بكون الهر وما دونه نظرًا للحجم نقول: هذا خلاف النص، لماذا؟ لأن العلة هنا عامة سواءٌ كان فيما كان في حجم الهر أو دونه أو أكبر، لماذا؟ لأن التّطواف علةٌ عامة ولا تختص بالجسم حيث كان كبيرًا أو صغيرًا، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنها من الطوافين» هذا تعليلٌ للحكم، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
(ومن ذلك) يعني: الحكم بالطهارة: (العفو) يعني: التجاوز (عن طين الشوارع) لأنه قد يختلط بالنجاسات، قد تسير النجاسة في الشارع ثم يأتي الماء فيختلط الطين بالنجاسة لكن نقول: هذا مشكوكٌ فيه. يعني: إذا لم يعلم عين النجاسة لأنها خالطت الطين فالأصل ماذا؟
الطاهرة، فنحكم بالطهارة ولو ظن الظانّ بأن ثَمَّ نجاسة تكون مع الطين، لأن الأصل وهو الطهارة فَيُسْتَصْحَب. (ولو ظنت نجاستها) لأن الحكم بالانتقال من الطهارة إلى النجاسة لا بد من العلم يعني: اليقين الجزم، وأما إذا لم يعلم فالأصل الطهارة، وأما إذا لم يجزم بأن شك ولو كان ظنًا راجحًا فالأصل الطهارة، ولذلك قال: (ولو ظُنَّتْ نجاستها) بمعنى: أنَّنَا نحكم بالطهارة ولو كانت النجاسة مظنونة فضلاً عن أن تكون مشكوكة، (فإن عُلِمَتْ) أي: النجاسة (عفي منها عن الشيء اليسير)، وقوله: (عفي منها عن الشيء اليسير) هذا هل يُعَمّ في جميع النجاسات أما أنه يُخَصُّ ببعض النجاسات؟
__________
(1) سبق.
(4/3)

وهذا محل خلافٍ بين أهل العلم، وأما المذهب عند الحنابلة فإنه يخص بالدم اليسير الخارج من الحيوان الطاهر في حال الحياة ولو لم يكن مأكول اللحم، كالهر مثلاً طاهرٌ في حال الحياة، دمه اليسير معفوٌ عنه، كذلك عن أثر استجمارٍ بمحله. قالوا: هذا معفوٌ عنه. بناءً على أن الاستجمار لا يُطَهِّر، والصحيح أنه مُطَهِّر، وإذا كان كذلك فحينئذٍ: نسقط هذه المسألة من أصلها، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى أن كل يسيرٍ من جميع النجاسات معفوٌ عنه، ولو كان من دم الحيض أو النفاس أو البول أو غيره، وهذا خلاف النصوص، بل الصواب أنه لا يُعفى عنه، لذلك ... النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سُئل عن دم الحيض قال: " تحكه ثم تقرضه بالماء ثم تنضحه ". فلم يخص النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئًا كثيرًا أو قليلاً فعمّ النص، وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: لا يُستثنى من الدم مطلقًا. كذلك البول لا يُستثنى منه القطرة والقطرتان اليسير لا يُستثنى منه، ولذلك جاء أكثر ما يُدخل الناس النار أو العذاب البول، وجاء على صيغة العموم حينئذٍ لا يخص منه شيء البتة.
قال: (ومن ذلك). أي: المشقة التي تجلب التيسير أو الفروع الذي تنبني على هذه القاعدة (الاكتفاء بنضح بول الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة) هذه كلها احترازات، وبحثه يكون في تفاصيل ما يتكلم عليه الفقهاء. (بنضح) يعني: دون الغسل، هنا جاء رفع المشقة، لأنه يكثر حمله على ما ذكره الفقهاء يكثر حمل الذكر دون الأنثى، حينئذٍ لما كثر حمله قد يتبول ويكثر بوله على أبيه أو أمه أو على من يحمله، قالوا: إذًا لو أُمِرَ كل ما بال الغلام لو أمر بغسل الثوب لشقَّ عليه، حينئذٍ المشقة تجلب التيسير فخفف من الغسل إلى النضح، ولا شك أن ثَمَّ فرقًا بين الغسل والنضح، لأن الغسل يشترط فيه الدلك والعصر بالماء، وأما النضح لا وإنما يغمر الثوب بالماء ويكتفي به ولا يشترط عصره، لهذه الشروط الذي ذكرها بول الغلام لا الجارية، الجَارية لا فرق بين الكبيرة والصغيرة، والعلة التّعبد أن الشرع جاء بالتفريق بينهما، ولا نبحث عن حكمة لأن الحكم هنا في مثل هذه المواضع قد يضل الإنسان بسببها، (الذي لم يأكل الطعام لشهوة) فإن أكل الطعام لا لشهوة حينئذٍ الحكم داخلٌ فيما ذكره المصنف، فإن أكل الطعام لشهوة يعني: لرغبة فيه يطلبه. حينئذٍ نقول: خرج عن كونه يُنضح بوله بالماء إلى وجوب غسله.
(4/4)

(وقيئه) هذا قلنا: بناءً على أن القيء نجس من الصغير، والصحيح الذي دلت عليه النصوص وهو استصحاب الأصل، وهو الطهارة، أن القيء سواء كان من الكبير أو من الصغير أنه طاهر وليس بنجس، ليس ثَمَّ .. ، ورد حديث في السنن لكنه حديث ضعيف قال: (ومن فروع هذا الأصل العمل بالأصل في طهارة الأشياء وحلها) في طهارة الأشياء مطلقًا فلا يُنَجَّسُ منها شيء إلا بدليل، يعني: لا نحكم بأن، لذلك الأصل في الأشياء الطهارة، ودل عليه وسيأتي قاعدة خاصة بها {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] إذًا الأصل في كل شيء على الأرض أنه طاهر، فلا يحكم على شيء ما معين خاص بأنه نجس إلا بدليل صحيح ... من كتاب أو سنة، وأما الاجتهاد والعقل فلا مدخل له هنا في مثل هذه الأحكام، لأنه وإن كانت أحكام وضعية لأن الحكم بالنجاسة والصحة حكم وضعي، لأن الحكم التكليفي محصور في خمسة:
الإيجاب، والندب، والكراهة، والتحريم، والإباحة. ما عداها فهو حكم وضعي، فالحكم بكون الشيء نجسًا أو ظاهرًا هذا حكم وضعي، حينئذٍ الحكم الوضعي هو أحد نوعي الحكم الشرعي إذًا مرده إلى الشرع، فلا نحكم بكون الشيء شرطًا لشيء إلا بدليل شرعي من كتاب أو سنة، ولا نحكم على شيء بأنه نجس إلا بدليل من كتاب أو سنة، فإذا كان الأصل في الأشياء الطهارة فحينئذٍ نقول: الأصل حمل الشيء على أصله حتى يدل الدليل على أنه نجس، فإن تردد النظر واختلف العلماء في أمر ما ولم يترجح للناظر حينئذٍ يرجع للأصل ويستصحبه وهو: الحكم على الشيء بأنه طاهر.
قال هنا في طهارة الأشياء: (فلا ينجس منها إلا بدليل، وما كان طاهرًا لا نحكم بنجاسته إلا بعلم وحلها) أي: لا تحريهما.
ثم فرَّع على هذا الأصل، وهذا أصل (فالأصل في المياه الطهارة) فلا نحكم على الماء بأنه نجس إلا بدليل شرعي وقد دلت الأدلة على أن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فتغير بالنجاسة فهو نجس، وهذا محل وفاق، وإذا وقعت النجاسة في ماء فلم يتغير الماء بالنجاسة نظرنا:
فإن كان الماء كثيرًا - يعني: قلتين فأكثر - حكمنا عليه بكونه طاهرًا.
وإذا كان دون القلتين حكمنا عليه بكونه نجسًا ولو لم يتغير على الصحيح من قولي أو أقوال الفقهاء في هذه المسألة لمفهوم حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه وهو حديث ثابت صحيح «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». مفهومه أنه إذا وقعت النجاسة فيما هو دون القلتين فهو حامل للخبث مطلقًا، وهذا المفهوم يُخَصُّ به حديث أبي سعيد «إن الماء طهور لا ينجسه شيء».
إذًا الأصل في المياه الطهارة ولا ينجس شيئًا منها إلا بدليل، وإلا لم يكن دليل حينئذٍ رجعنا إلى الأصل.
(4/5)

فالأصل في المياه والأراضي والثياب والأواني، والثياب والأواني سواء كانت مستعملة بأيدي مسلمين أو مستعملة بأيدي كافرين أهل الكتاب، فالأصل فيها طهارة فضلاً على أن تكون جديدة مصنوعة جديدة هذا لا إشكال فيه محل وفاق، وأما إذا كانت مستعملة بأيدي المسلمين ولو كثر منه استعمال النجاسات فالصحيح أنها طاهرة إلا بقرينة واضحة بَيِّنَة تدل على النجاسة، ولو وليت عوراتهم على الصحيح، قال: (والثياب والأواني وغيرها الطهارة حتى تعلم نجاستها، إذا لم تعلم فالأصل الطهارة)، إذا ظنت نجاستها فالأصل الطهارة.
إذًا عندنا ثلاث صور:
لم تُعْلَمْ نجاستها هذه صورة.
ظُنَّتْ نجاستها هذه صورة ثانية.
ثالثًا: عُلِمَتْ نجاستها.
متى نحكم عليها بأنها انتقلت من الأصل وهو الطهارة إلى النجاسة في الصورة الثالثة فقط، وهي: إذا علمت النجاسة. يعني: تُيُقِّنَتِ النجاسة. وأما إذا ظُنَّتْ أو شُكَّ فيها أو لم يَدْرِ شيء فحينئذٍ نقول: الأصل الطهارة.
قال: (والأصل في الأطعمة والأشربة الحل إلا ما نص الشارع على تحريمه). كالخمر والميسر ونحو ذلك، فحينئذٍ نقول: الأصل الحل يعني: أنها حلال. فالأصل في الأطعمة أنها حلال، والأصل في الأشربة أنها حلال، فلا يحرم منهما إلا ما دليل الدليل من كتاب أو سنة بأنه محرم، كما هو الشأن في الحكم على الأشياء بالنجاسة (إلا ما نص الشارع على تحريمه) حينئذٍ نحكم عليه بأنه حرام، لكن انتبه! إلى أن الأطعمة جاء حلها في الكتاب والسنة بوصفها بأنها من الطيبات {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} يا أيها الرسول {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] إذًا {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] نأخذ من هذا فائدة: وهو أن الأصل في المأكولات يعني: الأطعمة والأشربة المجهولة بأنها لم يعلم أنها طيبة أو خبيثة الأصل فيها التوقف، لماذا؟
(4/6)

لأن الأصل في الأطعمة والأشربة أنها حلال لكنها جاءت مقيدة، وسيأتينا أن النص إذا كان فيه شيء من القيود وجب إِتْبَاعِ الْقَيْدِ لِمَتْبُوعِةِ، فلا يعلق الحكم بالمتبوع دون التابع، حينئذٍ قال: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}. دلّ ذلك على أن الذي أباحه الله عز وجل ما عُلِمَ أنه من الطيبات، وأما إذا علم أنه من الخبائث فلا إشكال فيه، وأما إذا جهل هل هو من الطيبات أو من الخبائث الأصل فيه التوقف، وعليه ينبني مسألة مهمة وهي: أنه إذا كان الإنسان في بلاد المسلمين ولم يكن لأن البعض يرى أنه إذا سئل عن أي ذبحٍ ونحوه في بلاد المسلمين أنه من التنطع، وهذا غلط لماذا؟ لأنه يُفَصَّل فيه فيقال: إن لم يكن المسلمون يأتون ويستوردون لحومًا من خارج حينئذٍ السؤال عما ذبحه المسلمون يعتبر من التنطع والابتداع في الدين، لماذا؟ لأنه بإجماع أهل العلم بأن ما ذبحه المسلم أنه يُؤكل دون سؤال عنه، فإن سأله حينئذٍ هلك المتنطعون فدخل في هذا النص، هذا متى؟ إذا لم يكن المسلمون يبيعون في أسواقهم إلا ما ذبحوه بأنفسهم، وأما إذا كانوا يستوردون من خارج فحينئذٍ يُنْظَر فيه إن كان الأصل عند أولئك الذين اسْتُوْرِدَ منهم هذه المطعومات أنهم يذبحون - وهذا الشائع عندهم - ولا يحاربون الذبح بالسكين ونحوه حينئذٍ نقول: الأصل فيما ذبحه أهل الكتاب ألا يسأل عنه البتة، وحكمه حكم ما ذبحه المسلمون بشرط أن يكون من أهل الكتاب اليهود والنصارى.
الحالة الثالثة: وهي إذا عُلِمَ - لا نقول بقرائن - إذا عُلِمَ من صنيع اليهود والنصارى أنهم يحاربون الذبح فحينئذٍ الحكم يختلف، فيصير الأصل المنع من أكل ما اسْتُوْرِدَ لماذا؟ لأننا علمنا بمنطوقهم هم بأنهم لا يذبحون، ولذلك يرون أنها وحشية، رأوك تذبح دجاجة قالوا أنت [ها ها] يرون أنها وحشية بمعنى أن الذبح مما يحارب، وعندهم حقوق الحيوان لا الإنسان، حينئذٍ نقول في مثل هذه الحالة: المسلم يتورع ويتوقف عن أكل هذه المأكولات إن لم نجزم بأنها من المحرمات، فالأصل فيها السؤال أن يُمَيِّز إذا جاء إلى مطعم ونحوه يسأل هذا اللحم هل هو مستورد أم من الداخل؟ فيسأل وليس هذا السؤال من التنطع أبدًا، لماذا؟ لأننا نعلم علم اليقين لما نسمعه وشاع وتواتر عنهم أنهم لا يذبحون، إنما يرون الصعق ونحوه، حينئذٍ نقول: السؤال في مثل هذه الأحوال يتعين ولو كان للمرء أن يعيش بين أوساط المسلمين.
إذًا الأصل في الأطعمة الطيبة والأشربة الطيبة الحل لا بد من تقيديها، وأما الأطعمة هكذا نطلقها هذا نقول: فيه نظر. لأننا لو نظرنا في عدة آيات في القرآن عندما أمر الله عز وجل بالأكل من الطيبات ولم يأمر بالأكل مطلقًا، وإنما قال: {مِنَ الطَّيِّبَات} [المؤمنون: 51] فدلَّ ذلك على أن لا بد من معرفة هذا المأكول والمشروب هل هو من الطيبات أم لا؟ فإن جُهِلَ فالتوقف.
(4/7)

(ومن فروعه: الرجوع إلى الظن) يعني: الراجح. (إذا تعذر) عندكم (أو تعسر) (اليقين في تطهير الأشياء من الأحداث والأنجاس) يعني: إذا تعذر اليقين الأصل في الأفعال أن تُفْعَلَ على جهة اليقين، هذا الأصل، ولكن اليقين قد يتعذر بمعنى أنه لا يمكن الوقوف عليه، وقد يمكن لكن فيه شيء من العسر، فحينئذٍ [المشقة تجلب التيسير] فجاءت النصوص دالة على أن بعض المسائل يُكْتَفَى بها للظن، فإذا تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن، قال: (فيكفي) الفاء للتفريع، (فيكفي الظن في الإسباغ) يعني: في الوضوء. يكفي الظن في الإسباغ يعني: لو توضأ شخص ما، ثُمَّ بعد ما توضأ شك هل هذا الأصبع غسله أم لا؟
هل الكف وصله الماء أم لا؟
هل تجاوز الماء المرفق أم لا؟
شَكّ حينئذٍ نقول: الشك الطارئ بعد العبادة الأصل لا يلتفت إليه، ثم من وجه آخر نقول: الأصل هنا أنه يُكْتَفَى بالظن والأصل أنك تُسبغ الوضوء فحينئذٍ يُستصحب هذا الأصل (فيكفي الظن في الإسباغ) فالأصل أنه إذا توضأ أنه أصبغ، هذا الأصل، فإذا شك بعده فالأصل أنه أسبغ يعني: وضوءه، وكذلك في دخول الوقت إذا غلب على الظن دخوله بالدلائل الشرعية يعني: العلامات الشرعية التي جعلها الشارع يعني: الله عز وجل علامات على دخول الصلاة، هل يشترط فيها اليقين؟
الجواب: لا، وإنما يُشترط فيها غلبة الظن، واليقين لا شك أنه أحوط، لكن يُجْزِئُ العمل بالحكم بدخول الوقت للصلاة إذا غلب على الظن دخول الوقت، ولذلك لو قلنا بأنه لا بد من العلامة لما صحت صلوات الناس، لأنهم يعتمدون الآن على التقاويم وعلى الساعات، ولا شك أن التقويم ظني وليس بيقيني، اليقين أن يرى بنفسه بعينه غروب الشمس أو طلوع الفجر الثاني أو الزوال أو غيره، يعني: بنفسه يُدرك، حينئذٍ نقول: هنا لا يُشترط. وكذلك في عامة الناس يعني: لو كان المؤذن لا يؤذن إلا بيقين لكن الناس إذا سمعوا أذانه يقطعون أم يظنون؟ يظنون، إذًا العمل بالظن فلا يشترط أن يكون ثَمَّ يقين.
(4/8)

(ومن فروعه: أن المتمتع والقارن قد حصل لكل منهما حج وعمرة تامان في سفر واحد، ولهذا وجب عليهما الهدي) وهو نسك وليس دم جبران (شكرًا لهذه النعمة) وقد تكون الحكمة غير ما ذكر، يعني جاء قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196]. أوجب الله تعالى الهدي على المتمتع، وهو الذي يأتي بعمرة كاملة ثم يتحلل بالطيبات إلى الحج، ثم يحرم بالحج. وأما القارن فهو الذي يجمع بين نسكين في سفر واحد، يعني: لا يأتي بعمرة مستقلة وإنما أعمالها أعمال الْمُفْرِد، قالوا: الأصل في المتمتع أن يأتي بسفر مستقل بعمرة ثم يرجع ويأتي بسفر آخر بحج (جمع بينهما في سفر واحد) حينئذٍ نقول: هذا من ... [المشقة التي تجلب التيسير]، وكذلك المقارن الأصل فيه أن يُفْرِدَ العمرة بسفر والحج بسفر، فجمع بينهما في موضع واحد، والأصل أن نقول: هذا ليس من هذا القبيل، وإنما من باب التَّعَبُّد، ولذلك ذهب ابن حزم رحمه الله تعالى خلافًا للجمهور أن الهدي إنما يجب على المتمتع دون القارن، يجب على المتمتع بالنص {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} لأن الهدي في مقابل التمتع بما أحل الله عز وجل له بمعنى أنه يحرم عليه الاستمتاع ونحوه متى ما أحرم بالعمرة حتى ينتهي، ثم إذا أحل إحرامه من العمرة حلّ له كل شيء إلى أن يحج، هذا يفارق القارن، إذًا هذه أظهر لأن الله عز وجل قال: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ}. دل ذلك على أن التمتع إنما يكون بالطيبات مما حرمه الله عز وجل عليه لأجل ماذا؟ لأجل الإحرام، على كلٍّ هذا ذكره المصنف هنا كفرع وفيه شيء من النظر.
(ويدخل في هذا الأصل إباحة المحرمات للمضطر) وعندكم (كالميتة ونحوها) والقيد أحسن، يدخل في هذا الأصل [المشقة تجلب التيسير] إباحة المحرمات (كالميتة ونحوها للمضطر) ولذلك قَعَّدُوا القاعدة ... [الضرورات تبيح المحظورات]، [الضرورات تبيح المحظورات] وهذه ليست على إطلاقها، وإنما تُقَيَّد بشرط عدم نقصانها، فإذا كان المحظور أعلى من الضرورة فلا يجوز، يعني: الضرورة تقابل بالمحظور، أيهما أعظم مفسدةً حينئذٍ إذا كان المحظور أعلى من الضرورة حينئذٍ لا يجوز الترخص في مثل هذا الموضع، ولذلك لم يأت نص، بل جاء النَّصُّ على أنه لا شفاء فيما حرم الله تعالى. إذًا لا يمكن أن يعالج المرء بدواء محرم لماذا؟
(4/9)

أولاً: لأنه لم يتعين أن هذا الدواء هو الذي يشفي بإذن الله تعالى، ثم لَمَّا احتمل أن غيره يقوم مقامه حينئذٍ لم تكن الضرورة في تعيين هذا الدواء، فحينئذٍ نقول: [الضرورات تبيح المحظورات] لكن بشرط عدم نقصانها، يعني: أن يكون المحظور أعلى من الضرورة حينئذٍ نقول: لا يجوز. ولذلك لا يحل حلُّ السِّحر بالسِّحر، ولا يُدَّعَى أنه من الضرورات، لماذا؟ لأن الضرورة التي هي المرض ونحوها دون الوقوع في الشرك، ولا شك في ذلك، أن السحر كله شرك، حينئذٍ لا يمكن أن يقال بأنه لضرورته يرفع هذه الضرورة بماذا؟ بالوقوع فيما هو أعظم، بل لا بد أن يكون هذا المحظور أقل، هذه الضرورة أقل، ويدخل في هذا الأصل إباحة المحرمات للمضطر قال: (وإباحة ما تدعو الحاجة إليه كالعرايا). يعني: بيع العرايا. وهو: بيع الربط بالتمر على رؤوس النخل، والأصل في التمر أنه لا يباع بالتمر إلا لتعذر التساوي بينهما، وهنا يشترط في بيع العرايا أن يكون الرطب في الشجر يعني: ليس على الأرض، وأن يكون التمر في الأرض، بيع العرايا له شروط خمسة عند أهل العلم، المراد هنا أن الأصل في بيع الرُّطب بالتمر أنه ربا فلا يحل، لكن لمراعاة حاجة بعض الناس وتطلبهم وتطلعهم لهذا الرطب الذي يكون على الأشجار أباحه الشرع لكن بشروطٍ، حينئذٍ [المشقة تجلب التيسير]، (وإباحة أخذ العوض في مسابقة الخيل والإبل والسهام) هذا الأصل فيها أنها من الميسر، بمعنى أن أخذ العوض على مثل هذه الأشياء الأصل فيها أنها للميسر، لكن لما كانت هذه الأمور تعين على الجهاد أبيح من جهة الشارع أخذ العوض عليها، وإلا الأصل عدمه، كيف كانت هذه داخلة تحت [المشقة تجلب التيسير] لأن هذه من الأمور التي تتعلق بولي الأمر، فحينئذٍ لو أراد ولي الأمر الدولة مثلاً أن تتولى إجبار الناس على أن يتعلموا هذه الأمور الثلاثة لكان فيه شيء من المشقة من دفع أموال ونحوها ومطاردة كما هو التجنيد في كثير من المواضع، حينئذٍ يكون فيه شيء من المشقة، لكن لما أباحه الله عز وجل ليتبارى الناس فيما بينهم كأنه مسابقة، وكأن النية قد انفكت عن الجهاد حينئذٍ خَفّ على النفس، ... و [المشقة تجلب التيسير].
(وإباحة تزوج الحر للأَمَة إذا عدم الطول وخاف العنت) الأصل أن الحرّ لا يحل له نكاح الأمة إلا بشرطين دل عليهما النص، وهو: إذا عَدِم الطول. يعني: الفضل والسعة يعني لا يجد مهر الحرة ليس عنده شيء، حينئذٍ يلجأ إلى الأَمَة.
والشرط الثاني: أن يخشى على نفسه العنت. يعني: الوقوع في الزنا.
(ومن فروع هذا الأصل: حمل العاقلة) العاقلة عصبة القاتل (حمل العاقلة الدية عن القاتل خطأ أو شبه عمدٍ حملاً لا يشق عليهم يوزع على جميعهم) يعني: على جميع العاقلة، لأن الأصل فيه أن القاتل هو الذي يتحمل، لكنه أصيب بهذه المصيبة وهو كونه قتل فوقع في فحش كبير ومعصية كبيرة فهي عظيمة على نفسه، فلو حُمِّلَ أيضًا الدية كان الأمر أعظم وأعظم، فخفف عنه رحمةً من الله عز وجل فكان الدية واجبة على العاقلة، يعني: على عصبته دونه وحده قال: (يوزع على جميعهم، ويؤجل عليهم ثلاث سنين) هذا نقل عن عمر وعليّ ولا يعلم لهما مخالف، كأنه إجماع سكوتي عند أهل العلم، كل سنة ثلث الدية.
(4/10)

قال رحمه الله تعالى:
(القاعدة الرابعة: الوجوب يتعلق بالاستطاعة، فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة).
هذه أشبه ما يكون بقاعدة فرعية، لأن الأصل [الضَّرَرُ يزال] حينئذٍ هذه أشبه ما تكون فرعًا عن هذه القاعدة العامة، وهي من القواعد الخمس الكبريات [الضَّرَرُ يزال] فهي فرع عنها. قال: (الوجوب يتعلق بالاستطاعة). مرّ معنا بالأمس أن الوجوب هو مدلول الخطاب، أليس كذلك؟ عندنا (إيجاب، ووجوب، وواجب) كم؟ ثلاثة إيجاب، ووجوب، وواجب.
الإيجاب والوجوب وصفان لخطاب الله، والواجب وصف لفعل المكلَّف، الإيجاب الذي هو الحكم عند الأصوليين، وقد يُعبّر عنه بالوجوب أو بالواجب عند بعضهم في التصانيف من باب التوسع والتساهل، وإلا الأصل هو الإيجاب، فقوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ}. اللفظ نفسه إيجاب، ولذلك يُعَرّف الحكم عند الأصوليين بماذا؟ خطاب الله ثم
كلام ربي إن تعلق بما
كلام الله خطاب الله هو عينه الحكم الإيجاب أو الندب أو التحريم، مدلوله الذي يفهم منه يعني: ما دل عليه الكلام يسمى وجوبًا، حينئذٍ نقول: دل النص {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} وهو الإيجاب دل على وجوب الصلاة، إذًا الإيجاب والوجوب وصفان لكلام الله، أما الصلاة التي هي فعل المكلَّف يقوم ويصلي ويأتي بالشروط والأركان والماهية ونحوه والحقيقة نقول: هذا فعل واجبًا، ونصف فعله بأنه وجوب.
الاستطاعة التي أمر الله تعالى أو قيد الله تعالى التقوى عمومًا والدين والواجبات ونحوها بالاستطاعة هل هي وصف للوجوب والإيجاب أو متعلقة بالواجب؟ يعني: عندما نقول: العبد يستطيع هذا الواجب أو لا يستطيعه. هل الاستطاعة وصف للواجب يعني: متعلقة بالواجب أو متعلقة بالوجوب والإيجاب؟ لا شك أنها متعلقة بالواجب فقوله: (الوجوب يتعلق بالاستطاعة). فيه شيء من التوسع، ويكون حينئذٍ قد أطلق الوجوب وأراد الواجب، لأن فعل الصوم وفعل الصلاة وفعل الحج هو الذي يقال بأنه لا بد أن يكون مستطيعًا له، مستطيع أو لا يستطيع؟
هل تستطيع أن تصلي؟
هل تستطيع أن لا تصلي؟
حينئذٍ نقول: فعل الصلاة هو الذي يوصف بالاستطاعة، وأما الوجوب الذي دل عليه النص فلا يتعلق بالاستطاعة، حينئذٍ يكون المصنف هنا صار على ما صار عليه كثير من المصنفين، يطلقون الوجوب والإيجاب على الإيجاب، وكل منهما يطلق على الآخر، فالوجوب هنا المراد به الواجب، دلّ على ذلك قوله: (فلا واجب مع العجز). لأنه أصَّلَ وفرَّع، ما هي القاعدة هنا؟
(الوجوب يتعلق بالاستطاعة). هذه هي القاعدة، ما الذي يتفرع عليه؟
لا واجب مع العجز.
إذًا الوجوب المراد به الواجب، فهمتم هذا؟ انتبهوا!
(الوجوب يتعلق بالاستطاعة) الاستطاعة هذه على نوعين عند أهل السنة والجماعة:
استطاعة شرعية.
واستطاعة كونية.
وهي التي يبحثون في باب القدر هناك.
الاستطاعة الشرعية: هي مناط الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وعليه يتكلم الفقهاء، وهي الغالبة في عرف الناس. هذه الاستطاعة الشرعية.
(4/11)

الاستطاعة الكونية: هي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل، والكلام في هذه المسألة طويل عريض لا يمكن إيجازه لكن نقول: هنا المراد بالاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي، ومناط الثواب والعقاب، وأما الكلام في الاستطاعة الكونية فهذا بحثه في باب المعتقد، يذكرونه في باب القضاء والقدر.
قال هنا: (فلا واجب مع العجز). لا هذه ما نوعها؟
الفاء هذه ما تسمى؟
التفريع، ولا هذه نافية للجنس، إذًا (فلا واجب) ما الذي نُفِيَ؟
(فلا واجب) هذا نفي لجنس الوجوب المتعلق بفعل المكلَّف مع حال العجز (فلا واجب مع العجز) إذًا نفي لجنس الوجوب المتعلق بفعل المكلَّف، لا بد أن نزيد بفعل المكلَّف مع حال العجز، فلا يوصف في هذه الحال بأنه واجب، بمعنى أنه إذا لم يستطع أن يقوم في الصلاة فجلس ما هو الواجب في حقه؟
الجلوس، القيام باعتباره ليس بواجبًا، ننفي عنه الواجب لا نقول: يجلس وبقي القيام واجبًا. لا، انتقل الحكم صار الانتقال هنا من كون القيام واجبًا إلى كونه ليس مشروعًا في الأصل، فإنما يجب عليه الجلوس، ولذا قال: ... (فلا واجب). يعني: نفي للوجوب من أصله، فلا يوصف الفعل بكونه واجبًا، واضح هذا؟ إذًا (فلا واجب مع العجز) إذ جميع الواجبات الشرعية مقيدة بالقدرة والاستطاعة يعني: الطاقة. وتسقط في حال العجز وعدم القدرة، هل المراد بالاستطاعة هنا عدم القدرة البتة أو أنه قد يستطيع مع المشقة أيهما المراد؟ (فلا واجب مع العجز) ({فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ})؟
.
لا، ... حمل اللفظ على المشترك يعني؟ [ها ها]
نقول: المراد هنا بالاستطاعة أنه يقدر لكن مع المشقة، وأما إذا لم يستطع أصلاً لم يقدر حينئذٍ لا نقول بأنه: لا واجب مع العجز. لأنه لم يتعلق به أصلاً، الخطاب لم يتعلق به أصلاً، حينئذٍ نقول: المراد هنا بالاستطاعة هي القدرة لكن مع المشقة، وليس المراد عدم القدرة البتة من أصلها. إذًا نقول: الواجبات هنا المراد بها أنها تسقط مع العجز، والمراد بعدم الاستطاعة عدم الاستطاعة مع المشقة، يعني: يستطع في الجملة لكن فيه شيء من المشقة، لو قيل له: قم وجاهد واجتهد لاستطاع، لكن نقول: لكونه يشقُّ عليه سقط عليه القيام لقوله تعالى: ({فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}). (فلا واجب مع العجز)، طيب لو عجز عن بعض الواجب (فلا واجب مع العجز) بمعنى أنه لا يجب عليه إذا عجز عنه، العجز قد يكون مع الواجب كله، وقد يكون مع بعضه، يعني: بعض الواجبات تتبعض وتتجزأ، فحينئذٍ لو تبعض الواجب وتجزأ فقدر على بعضه دون بعض، هل يسقط الواجب كله أم نقول يسقط عنه المعجوز عنه والذي قدر عليه تعين عليه؟
الثاني على الصحيح، أنه إذا تبعض الواجب فقدر على بعضه فحينئذٍ نقول: يجب عليه هذا المقدور عليه ويسقط في حقه الباقي. فلا يجب إلا إذا كان مقدورًا للمكلَّف، لكن لو سقط وجوب البعض المعجوز عنه هل يبقى وجوب الباقي المقدور عليه أم لا؟
(4/12)

قال الفتوحي: " قاعدة المذهب تقتضي بقاء الوجوب للحديث " - أي: حديث («إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»)، («فأتوا منه») أي: هذا الأمر. إذًا قد يبتعض الواجب فيأتي بالذي يقدر عليه، وأما الذي لا يقدر هذا يسقط عنه - الموافق لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. قال رحمه الله: " وقد ذكر أصحابنا أن من سقط عنه النطق في الصلاة لعذر لم يلزمه تحريك لسانه ". نحن نقول ماذا؟
الواجب قراءة الفاتحة، فإذا لم يستطع أن يقرأ الفاتحة لخرص ونحوه، هل يحرك لسانه؟ هنا قدر على بعض الواجب وهو تحريك اللسان، لكن نقول: هنا الواجب الذي هو بعض القراءة لا فائدة فيه، يعني: لا يستفيد منه المكلَّف لماذا؟ لأن تحريك اللسان وسيلة للقراءة، والقراءة هي المقصودة، فإذا سقط المقصود الوسيلة صارت تبعًا، فحينئذٍ لا يحرك لسانه، وقيل: يحرك. لكن الصواب أنه لا يحرك لماذا؟ لأنه عبث، ماذا يصنع؟ يعني: يلعب بلسانه من أجل كأنه يقرأ. نقول: لا، الصواب أنه لا يلزمه تحريك لسانه، خلافًا للقاضي من أصحابنا وأكثر الشافعية بوجوبه ضرورةً.
قال: (ويتفرع عن هذا وجوب القيام على من عجز عن الركوع والسجود لعلة في ظهره). وهذا يخطئ به كثير من الشيبان فضلاً عن الشباب، أنه إذا لم يستطع وجوب القيام على من عجز عن الركوع قال: لا يستطيع أن يركع لشيءٍ في ظهره، فحينئذٍ يجلس ابتداءً نقول: لا. لا يجلس ابتداءً، لماذا؟ لأن القيام ركنٌ منفك، منفصل، مستقر، والركوع ركنٌ مستقل، وكلٌ منهما واجبٌ، وكل منهما تعلق به نصٌ منفصلٌ عن النص الآخر، حينئذٍ ما الذي عجز عنه؟ الركوع، إذًا يسقط عنه الركوع ويلزمه القيام، لماذا؟ لأنه مقدورٌ عليه وهو واجبٌ عليه.
قال هنا: (وجوب القيام على من عجز عن الركوع والسجود لعلة في ظهره) وواجب بعض ما يكفيه لطهارته من الماء، دخل وقت الصلاة فوجب عليه الوضوء ليس عنده إلا مثل هذا الماء وهو غني عن شربه لا يحتاج لشربه، حينئذٍ هذا ما لا يكفي عندنا، النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكفيه، لا يكفي أن يتوضأ به، فحينئذٍ قد يتمضمض ويستنشق ويغسل وجه ويده وينتهي الماء، ثم يتيمم، أو أنه يسقط ابتداءً؟
(4/13)

نقول: استعمال الماء في الوضوء واجبٌ، ولم يجد ماءً يستعمله في جميع وضوئه، وإنما وجد بعض إذًا: وجد بعض الواجب، فقدر على استعماله لم تتعلق به حاجةٌ به أو بهيمته أو نحو لذلك، حينئذٍ نقول على الصحيح: يتعين عليه استعمال هذا الماء ثم يتيمم عن الباقي، لماذا؟ لأنه قدر على بعض الواجب وسقط ولم يقدر على الآخر فتعين عليه الإتيان بالبعض المقدور عليه، فالواجب هنا يتبعض، الواجب يتبعض لأنه يستفيد لو تمضمض واستنشق بماء على الأصل استفاد ولو غسل وجهه كذلك، فحينئذٍ نقول: لا نُسقط عنه استعمال الماء ابتداءً، وبعض قائم في الفطرة كذلك (ولا محرم مع الضرورة) لا نافيةٌ للجنس، يعني: نفي جنس التحريم مع الضرورة، فلا يوصف الشيء بكونه محرمًا إذا اضطر إليه، كما قلنا بالأمس: أن الميتة حرامٌ، فإذا اضطر إلى أكلها جاز له الأكل، وهو يأكل ما حكم أكله للميتة؟ حلال، كانت حرامًا فأباحها الله عز وجل، كانت نجسةً قبل أن يأكل منها حينئذٍ صارت طاهرةً، لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، هذا هو الصحيح، وإن ذهب بعضهم إلى أنه محرمٌ عليه وهي نجسةٌ كأن الله تعالى أمره أن يأكل من شيءٍ نجس فهذا بعيد عن أصول الشرع، حينئذٍ نقول: الله عز وجل يفعل ما يشاء، ولا يُسأل عما يفعل، فحكم بكون الميتة نجسة وهي حرام ثم إذا اضطر إليه هذا النوع من بني الإنسان قد خصه الله تعالى بنوعٍ من التطهير للميتة ورفع الحكم المترتب على التنجيس وهو الإباحة، (ولا محرم مع الضرورة) نفيٌ لجنس التحريم مع حال الضرورة، فلا يوصف في هذا الحال بالتحريم كما هو الشأن فيما سبق، و (الضرورة) مأخوذة من الاضطرار، وهو الحاجة الشديدة والمشقة والشدة التي لا مدفع لها، ولها ضوابط لاعتبارها، الضرورة لها ضوابط لاعتبارها.
الأمر الأول في ضوابطها: أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة. يعني: موجودة حالّة، لا يبيح المحرم لضرورة مرتقبة لماذا؟ لأن الضرورة إنما تبيح المحظورات إذا وُجِدَتْ وقامت، وأما المظنون التي ستكون فيما بعد فلا، لا تكون مبيحة للمحرم أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة، أي: يحصل في الواقع خوف الهلاك أو التلف على النفس أو المال، وذلك بغلبة الظن حسب التجارب، أو يتحقق المرء من وجود خطر حقيقي على إحدى الضروريات الخمس، إذًا أن تكون موجودة هذا المراد بها يعني: متحققة.
الثاني: أن لا يكون لدفع الضرر وسيلة أخرى من المباحات إلا المخالفات، يعني: إذا غُصَّ قال أهل العلم: إذا غُصَّ وعنده خمر جاز له أن يدفع الغُصّ بالخمر، لكن بشرط أن لا يوجد ماء، لو وجد ماء ووجد خمر حينئذٍ أخذ الخمر مضطر أم لا؟ نقول: لا، أنت صاحب هوى. لماذا؟ لأنه لا تباح له الضرورة إلا عند عدم الوسيلة المباحة، ولا يلجأ إلى المخالفات إلا عند عدم وجود الوسيلة المباحة، حينئذٍ نقول: هذا يستثنى. أن لا يكون لدفع الضرر وسيلة أخرى من المباحات إلا المخالفات، بأن يوجد في مكان لا يجد فيه إلا ما يحرم تناوله، كالمثال الذي ذكرناه.
ثالثًا: أن تكون الضرورة مُلْجِئَة بحيث يخشى تلف النفس والأعضاء، لم يقول: أضربك بسوطين أو ثلاث. فهذا ليس بضرورة وليس بمكره أصلاً.
(4/14)

رابعًا: ألا يخالف المضطر مبادئ الشريعة الإسلامية من حفظ حقوق الآخرين، وتحقيق العدل، وأداء الأمانات، ودفع الضرر، والحفاظ على أصول المعتقد، وكل ما خالف قواعد الشرع فلا أثر فيه للضرورة، ويدخل تحت هذا حلُّ السحر بالسحر.
خامسًا: أن يقتصر فيما يباح تناوله للضرورة على الحد الأدنى أو القدر اللازم لدفع الضرر. يعني: الضرورة تقدر بقدرها. هذا المراد، ثم ليُعلم أن الاضطرار سبب لإباحة الفعل المحرم هذا واضح، إلا أنه لا يُسقط حقوق الآدميين وإن كان يُسقط حق الله تعالى ويرفع الإثم والمؤاخذة عن المضطر، فإن الضرورة لا تُبطل حقوق الآدمي. يعني: لا محرم مع الضرورة. المحرم هنا المتعلق بحق الله تعالى، أما المحرم المتعلق بحق بني آدم فلا، لأن حق الله تعالى مبناه على المسامحة، حق الله تعالى مبناه على المسامحة، وحق الآدمي مبناه على المشاحة، حينئذٍ لا بد من الاختصاص، فإن الضرورة لا تبطل حقوق الآدميين، ولهذا قيدت قاعدة [الضرورات تبيح المحظورات] بقاعدة أخرى [الاضطرار لا يبطل حق الغير]. ولذلك لو قيل له: سنقتلك وإلا اقتل زيدًا. ضرورة هذه هو مضطر إن لم يَقْتِلْ قُتِل، إذًا ستذهب روحه ونفسه وحفاظه على النفس من أصول الشريعة، كما مر معنا في الضروريات الخمسة، هل يجوز له أن يقول: أنا مضطر. فيقتل زيدًا؟
الجواب: لا، لماذا؟
لأنه هنا قدم شهوته وهواه على غيره إذ هو مثله. قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. {مَا} هذه مصدرية ظرفية، فاتقوا الله مدة استطاعتكم {مَا} مصدرية ظرفية، أي: مدة استطاعتكم، مصدرية ظرفية، مصدرية لأنها تؤول مع ما بعدها بمصدر، وظرفية لأنها تضاف إلى المصدر وهو ثم، {مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31] أي: مدة دوامي حيًّا مثلها، ليعمَّ الأزمان كلها، ويعمَّ الأحوال تبعًا لعموم الأزمان، ويعمّ الاستطاعات فلا يتخلوا عن التقوى في شيء من الأزمان، يعني: هذه الآية فيها عموم {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} مدة استطاعتكم في أي زمن؟ {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} في أي زمن؟
نعم في أي زمن، إذًا عمَّ الأزمان في أنواع الاستطاعات؟ نعم في أنواع الاستطاعات، في أنواع الأشخاص؟ نعم في أنواع الأشخاص. إذًا عمت الشيء الذي يقال بأنه يتعلق به التقوى من كل وجه، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} فأمر بالتقوى بإقبال الاستطاعة وهي الطاقة.
(4/15)

(وثبت في الصحيح) صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: («إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»). هذا واضح بين («إذا أمرتكم بأمر») أمر نكرة في سياق الشرط فيعمّ كل أمر، لكنه أمر ماذا؟ تعلق به أمر، بمعنى أنه مأمور به شرعًا فهو من الواجبات، ... («فأتوا منه») أي: من هذا المأمور. («ما استطعتم») يعني: الذي. ما هنا موصولة («ما استطعتم») يعني: الذي استطعتموه، إذًا يُفهم من النص أنه إذا استطاع الواجب كله تعين عليه، إن استطاع بعضه دون بعض حينئذٍ تعين عليه بعض المقدور عليه دون المعجوز عنه. إذًا هذا النص واضح بين يدل على القاعدة السابقة، وهي أن إذا قَدِرَ على بعض الواجب وتعذر عليه الآخر ما قَدِرَ عليه تعين عليه، لأنه قال: («فأتوا منه») أي: من هذا المأمور به («ما استطعتم»)، إن استطعتم كل الواجب تعين، استطعتم بعضه تعين هذا المقدور عليه، {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] آية واضحة. (وهذه القاعدة تضمنت أصلين) كما ذكره في الأصل، [أنا أقدم وأؤخر، لا، باعتبار النسخ التي معكم] (وهذه القاعدة تضمنت أصلين) كما ذكره في الأصل، يعني: الشيخ رحمه الله تعالى. لم يقل كما ذكرته، هذا من باب التواضع، عندي والذي تطمئن إليه النفس ونحو ذلك من العبارات المغرورين إن كانوا طلابًا، والعلماء الذين بلغوا لا إشكال فيه، أما عندي، والذي يترجح لديّ، هذا الأمر التي تطمئن إليه النفس، كلُّ هذا من الغرور. هنا يقول: كما ذكره هو، عبَّر عن نفسه بالغائب، يعني: الشيء غير الموجود، الله أكبر، في الأصل (أحدهما: سقوط كل واجب مع العجز) قال: (كل واجب) هذا تفسير لأي شيء، هؤلاء علماء، لا واجب، قلنا: لا نافية للجنس، واجب هذا نكرة في سياق النفي فتعمّ، لأن لا النافية للجنس تختص بالنكرة أليس كذلك؟
عمل إن اجعل لـ لا في نكرة
اختص بالنكرة حينئذٍ عمت، قال: في التفسير هنا (سقوط كل واجب)، أتى بكل لماذا، لأن لا واجب أفادت العموم، وكل تقوم مقام لا واجبة. الله أكبر.
(والثاني: إباحة المحظورات عند وقوع الاضطرار إليه، كما قال تعالى أيضاً في الأصل الثاني بعدما حرم الميتة والدم، وما عُطف عليهما: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 3]) وأباح الله الميتة ونحوها للمضطر وقال تعالى: (وقال: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119])، ({إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ})، وقال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173]، {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ} أي: غير طالب له راغب فيه لذاته، لأنه قد يتأول، قال: أباح الله عز وجل الميتة إذًا لو لم يتصف بوصف الضرورة تساهل في الوصف، {وَلاَ عَادٍ} أي متجاوزٍ قدر الضرورة، إذًا ({غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ}) يدخل تحته صورتان:
إما أنه يدع الضرورة ولم تكن به ضرورة، هذا افتراى وتعدِّي.
(4/16)

ثانيًا: قد تكون به ضرورة لكنهم يدفعها بالقليل، وهو توسع في الأكل حتى شبع، نعم يجوز له أن يأخذ معه لكن لا يجوز له أن يأكل حتى الشِّبَع. [قال: والضرورة تقدر نعم] (1) هنا قال: {وَلاَ عَادٍ} أي: متجاوزٍ قدر الضرورة {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} أي يباح له، وعلى هذا فالجائز عند الضرورة مقدار ما يدفع به الضرورة لأن الإباحة ضرورة فتقدر بقدر الضرورة، كما قال المصنف و (الضرورة تقدر بقدرها). يعني أن كلما أبيح للضرورة من فعلٍ أو تركٍ فإنما يباح بالقدر الذي يدفع الضرر والأذى دون ما عدا ذلك، والذي يباح من المحظور مقدار ما يدفع الخطر ولا يجوز الاسترسال البتة، (الضرورة تقدر بقدرها) دل النص السابق عليه (فإذا اندفعت الضرورة وجب الكفُّ) وجب الانكفاف، قال رحمه الله تعالى: (ويدخل في الأصل الأول: كل من عجز عن شيء من شروط الصلاة) وهي من الواجبات أو أركانها وهي من الواجبات، أو (وواجباتها) وهي من الواجبات، لكن سمَّى الفقهاء الأركان وهي واجبات لأنها واجبات وزيادة، لأن أركانها تسقط عمدًا ولا سهوًا، والواجبات تسقط سهوًا لا عمدًا، وهي واجبة في الأصل (فإنها تسقط عنه ويصلي على حسب ما يقدر عليه مما يلزمه فيها) وهذا واضح (والصوم من عجز عنه عجزاً مستمراً كالكبير) الذي لا يطيقه (والمريض الذي لا يرجى برؤه) يعني: شفاؤه، أفطر وكفر عن كل يومٍ إطعام مسكين الصوم واجب وهذا عجز عنه فسقط عنه، لكن إلى بديلٍ، (ومن عجز عنه) عن الصوم (لمرض يرجى زواله أو لسفر أفطر وقضى عدة أيامه) يعني الذي أفطره (إذا زال عذره) واضح هذا (والعاجز عن الحج ببدنه) يعني: لا بماله يقدر بالمال، أما إذا عجز عنه بماله وبدنه سقط عنه، لا يجب عليه الحج، وأما إذا كان قادرًا بالمال دون البدن وهو الذي أراده هنا (إن كان يرجو زواله صبر حتى يزول، وإن كان لا يرجو زواله أقام عنه نائباً يحُجُّ عنه) الكبير يقيم نائبًا عنه، لأن الكبر لا يزول.
ليت الشباب يعود يومًا ... فأخبره بما فعل المشيب
__________
(1) سبق.
(4/17)

لأن الكبر لا يمكن أن يزول، وقد جاء ذلك في حديث المرأة التي قالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله على عباده. في الحج شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم». إذًا حَجّ البدل يجوز. وذهب ابن القيم رحمه الله تعالى في ((تهذيب السنن)) إلى أن الأصل في التكليف ألا يقوم أحد مقام أحد {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} ... [النجم: 39] وهذا استدلال الشافعي وهو صحيح، العبادات لا نيابة فيها البتة، هذا الأصل دلت عليه عدة نصوص، منها الآية المذكورة {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} لا يُكتب له إلا ما سعى، هو في بنفسه بذاته، فليس له وكالة بالصلاة ولا بالصوم ولا بغيره، هذا الأصل، إن دل دليلٌ على اعتبار الشيء ينوب فيه شخص عن شخص اعتبر صار مستثنى ويبقى الأصل على عمومه، النصوص الواردة يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: جميع النصوص التي وردت في النيابة عن الحج كلها فيها تقيدها بالفريضة، وليس فيها أن شيئًا منها حج نفلٌ، فقال رحمه الله تعالى: " إن النيابة إنما تكون في الفرض فقط ". وهذا هو الظاهر، وأما النيابة في النفل فالأصل عدمها، ولا مانع من فرق بين واجب الحج ونفله، لأن الواجب ليس كالنفل لاشك في ذلك، الأول لا تبرأ الذمة إلى بالإتيان فيه، ما دام أن الشرع أجازه للكبير أو الذي لم يستطع الحج، وكان الحج فريضة عليه حينئذٍ لا يُلحق به النفل، لا نقول: هذا حج وهذا حج، ويقاس عليه، إذًا ما دام أنه جاز في الفرض جاز في النفل. نقول: لا، ليس كل ما جاز في الفرض جاز في النفل، وهي قاعدة لا شك فيها ثابتة لكنها ليست على إطلاقها [فحينئذٍ لما كان] (1) لأننا لو قسنا لقلنا: نقيس في ماذا؟ في المجهولات، يعني نقيس فرعًا مجهول الحكم، وهنا الفرع الذي معنا ليس مجهول الحكم، لأنه معلوم من قوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] حينئذٍ يكون هذا اجتهاد في مقابلة النص - هذه فائدة عارضة -.
__________
(1) سبق.
(4/18)

قال هنا: (وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [النور: 61]) قال الحسن: نزلت هذه الآية رخصةً لهؤلاء في التخلف عن الجهاد، أعمى وأعرج ومريض، قال: تَمَّ كلامه عند قوله: ({وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ}) وقوله تعالى: {وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ} كلام منقطع عن ما قبله، قال رحمه الله تعالى: ... (وذلك في كل عبادة توقفت على البصر، أو الصحة) مرض بالنسبة للحج مثلاً (أو سلامة الأعضاء كالجهاد) لا يقال للأعمى الجهاد فرض عين، لا بد أن يكون بصيرًا، وكذلك المريض لا يقال بأن الجهاد فرض عين أو فرض كفاية، بل قد لا تكون صلاة الجماعة واجبة عليه إذا قلنا بالوجوب (أو سلامة الأعضاء) ولهذا الأصل الذي هو الوجوب يتعلق بالاستطاعة اشتُرِطَتْ القدرة في جميع الواجبات (فمن لم يقدر فلا يكلفه الله ما يعجز عنه، ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده») منكر واجب تغيير، هذا الأصل إنكار المنكر واجب قال: («من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع») عجز لا يستطيع باليد («فبلسانه») نزل درجة («فإن لم يستطع») بلسانه خاف أو شيء من ذلك، قال: («فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»).
(4/19)

(وقال في النفقة والكسوة وتوابعها على الأهل) هكذا عندكم أي على الأهل قال تعالى: هذه زيادة من نسختكم ({لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 7]) يعني: على قدر غناه ({وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ}) يعني ضيق عليه ({فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}) يعني من المال ({لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا})، {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا} يعني في النفقة هنا، لأن السياق محكم ({إِلاَّ مَا آتَاهَا}) يعني: أعطاها من المال، ({سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}) بعد ضيقٍ وشدةٍ غنًى وسعة. (وقال - صلى الله عليه وسلم - في الواجبات المالية: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول») رواه بالمعنى رحمه الله تعالى والأصل «وأبدأ بمن تعول»، فالحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه «وأبدأ بمن تعول»، وأخرجه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه وفيه «ابدأ بنفسك وتصدق عليها» أما شيخنا رواه بالمعنى. قال رحمه الله تعالى: ومن هذا الأصل الكفارات المرتبة، الكفارات قد يكون فيها شيء من التخيير، و [قد يكون فيها شيئًا] (1) قد يكون فيها شيءٌ من الترتيب، الكفارات التي فيها التخيير يكون حينئذٍ باعتبار المكلَّف يختار ما شاء يعني على حسب هواه، وذلك قوله تعالى: ... {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89]. أو هنا للتخيير أنت مخير بين هذه الأمور الثلاثة، لكن هي مرتبة باعتبار آخر إن لم تستطع أو تجد هذه الثلاثة قال تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ}. إذًا باعتبار الصيام هي مرتبة، وباعتبار الثلاثة الأمور هي مخيرة بالتخيير، حينئذٍ نقول قوله: الكفارات المرتبة يعني: التي ليست على التخيير وإنما على الترتيب يعني أن يفعل الأول، ثم الثاني عند عدم الأول، ثم الثالث عند عدم الثاني، هذا المراد به إذا عجز عن الأعلى انتقل إلا ما دونه، إذا عجز في كفارة اليمين عن إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، حينئذٍ نقول: عجزت عن الواجب الأول الذي هو واجب مخير انتقلت إلى الثاني، انتقلت إلا ما دونه، (وأعذار الجمعة والجماعة داخلة في هذا الأصل كما دخلت في الذي قبله) يعنى: [المشقة تجلب التيسير] (والضرورات، تبيح للمحرم المحظورات) [وعندكم ركة]. قال: العلماء في محظورات الإحرام: والضرورات تبيح للمحرم المحظورات [فيه ركة]. الضرورات تبيح للمحرم المحظورات ولكنه يكون ثَمَّ بدل يقوم مقامه، ولكنه يفدي عنها جبرًا لما فاته منها، كما دخل في الذي قبله [المشقة تجلب التيسير] ومن ذلك (جواز الانفراد في الصف إذا لم يجد موضعاً في الصف الذي أمامه؛ لأن الواجبات التي هي أعظم من المصافة تسقط مع العجز بالاتفاق، فالمصافة من باب أولى وأحرى) يعني: أنها تسقط مع العجز، هو مأمور بأن لا يصلي خلف الصف: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف». فإذا دخل ولم يجد مكانًا يدخل فيه، ولم يجد من يقوم معه قال: سقط عنه هذا الواجب.
__________
(1) سبق.
(4/20)

لأن الركن الذي هو القيام إذا عجز عنه سقط فجلس، إذا عجز عنه الركوع سقط عنه فجلس، كذلك إذا عجز عن أن يصف معه غيره سقط عنه، وهذا قول لبعض أهل العلم، والمذهب عند الحنابلة أنه لا يصف، يصلي وحده.
القاعدة الخامسة: الشريعة مبنية على أصلين) وهذا من قواعد التشريع، وهي أعم من القواعد الفقهية، (الشريعة) يعني: الدين الإسلامي كله ... (مبنية على أصلين) والبناء بناء الشيء على الشيء بمعنى أنه يزول عند زواله، أليس كذلك؟ لو قيل: مبنية على أصله، «بني الإسلام على خمسٍ». دل على أن الإسلام له أركان حينئذٍ فوات هذه الأركان فوات للإسلام ... (الشريعة مبنية على أصلين) بمعنى: أنها إذا فات هاذان الأصلان هدمتِ الشريعة من أصلها أو فات أحدهما كذلك لم يأت بالشريعة على وجهها، (الإخلاص) لله المراد به الإتباع في الباطن (والمتابعة للرسول - صلى الله عليه وسلم -) وهو الإتباع في الظاهر، قال رحمه الله تعالى: - وهذه واضحة - (هذان الأصلان) محل إجماع عند أهل العلم، لا خلاف بين أهل العلم في وجوب الإخلاص والمتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في صحة العبادة كل عبادة لا تصح إلا بهذين الأصلين فإذا انتفيا فهو مشرك مبتدع، وإذا انتفى الإخلاص دون المتابعة فهم مشرك ويفصل فيه، وإذا انتفى المتابعة دون الإخلاص فهو موحد مبتدع، على هذا التفصيل. قال: (هذان الأصلان شرط لكل عمل ديني ظاهر كأقوال اللسان، وأعمال الجوارح أو باطن). يعني: العبادة، العبادة قد تكون ظاهرةً، وقد تكون باطنةً، قد تكون بالأقوال، وقد تكون بالأعمال، فعموم العبادة يتعلق بها هذان الأصلان، (أو باطن كأعمال القلوب) المحبة والرجاء والخوف، لكن يذكر أهل العلم أن أعمال القلوب التي تتميز بنفسها لا يُشترط فيها الإخلاص، لأنه لا يتصور الإخلاص وعدمه إلا فيما قد يشوبه فساد في النية، يعني كالأفعال كالصلاة مثلاً صلاة محتملة يعني: تقع على وجهين، صلاة مخلصٌ فيها، وصلاةٌ انتفى فيها الإخلاص، أو وجد فيه شيء من الرياء، إذًا هذا يتصور فيه لكن الخوف من الله إذا قام في القلب حينئذٍ لا يتصور فيه أن يكون ثم شريكة بينهما. قال تعالى: (قال الله تعالى: {أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 3]). هذا حصر وقصر ألا الدين الخالص لله، الدين مبتدأ، والخالص صفته، ولله متعلق بمحذوف خبر مقدم. هنا قدَّمَ ما حقه التأخير، وهو نوع من أنواع القصر {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] مثله، أي الدين الخالص لله لا لغيره، قال قتادة: شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: لا يستحق الدين الخالص إلا الله. وقيل: الدين الخالصُ من الشرك هو لله. قاله البغوي وقال سبحانه: ({وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5])، ({وَمَا أُمِرُوا}) يعني: اليهود والنصارى هؤلاء الكفار ({إِلاَّ لِيَعْبُدُوا}) اللام هنا للتعليل، يعني: أن يعبدوا لأجل أن يعبدوا الله ({مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}) قال ابن عباس: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بالإخلاص بالعبادة لله موحدين حنفاء أي مائلين عن الأديان كلها إلى الإسلام.
(4/21)

قال رحمه الله تعالى: بعد قوله تعالى: ({وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}) ما هو هذا الدين؟ قال: والدين الذي أمر بإخلاصه هو الإسلام والإيمان والإحسان، هذه مراتب الدين كما فسره بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث جبريل وغيره المشهور، فسر الدين بأنه على ثلاثة مراتب وكلها عبادات الإسلام والإيمان والإحسان يحتاج إلى إخلاص ومتابعة، فهذه الأمور يعني الأقوال أقوال اللسان وأعمال الجوارح والقلوب لا بد أن تكون خالصة لله، مرادًا بها وجهه ورضوانه وثوابه، وجهه يعني: ذاته جل وعلا يطلق الوجه ويراد به الذات (ورضوانه وثوابه) يعني: ثواب الرب جل وعلا، أو الثواب المترتب على هذه، هل طلب الثواب ينافي الإخلاص؟
الجواب: لا، لماذا؟
(4/22)

لأن الرب جل وعلا أمر بالإخلاص وحث العباد على ملاحظة الثواب ابتغاء مرضات الله، كم من آية جاء فيها هذا القيد، حينئذٍ عبادة الله تعالى لأجل جنته ولأجل الخوف من عذابه وناره نقول: هذا المشروع ولا ينافي الإخلاص، فمن ادَّعَى بأنه ينافي الإخلاص فهو مبتدع لأنه مخالف للكتاب والسنة، ولذلك قال: (مراداً بها وجهه) جل وعلا يعنى: ذاته، ... (ورضوانه) سبحانه هو صفة من صفاته جل وعلا (وثوابه) ومن ثوابه رضوانه ولذلك لا نقول: كل ثواب لله عز وجل يكون مخلوقًا لأن من ثوابه رضوانه، ورضوانه صفة من صفاته فانتبه، (ولا بد أن تكون مأخوذة) يعني: هذه العبادات (من الكتاب والسنّة) لأنها عبادات، ولا يعبد الله إلا بما شرع على ألسنة رسله، (قال تعالى في متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]) الرسول الأل هنا للعهد الذهني يعني محمد - صلى الله عليه وسلم - فما آتاكم الرسول فخذوه، يجب العمل به {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} وكفوا عنه والنص الثاني {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} هذا لطف بما فُهِمَ من الجملة السابقة، لأنه قال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} إذًا {نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (وقال في الجمع بين الأصلين) الإخلاص والمتابعة في آية واحدة {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً} أي: أحكم دينًا {مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله} أي: أخلص عمله لله {وَهُوَ مُحْسِنٌ} قيل موحدٌ. قال رحمه الله تعالى: أي (أخلص أعماله) هنا عند المحشين ما يأتون بأي إذا أراد أن يفسر جملةً جاء بيعني وإذا أراد أن يفسر كلمة، واضح؟ هذا الغالب في استعمال أرباب الشروح (أخلص أعماله الظاهرة والباطنة لله) تعالى وهو في هذا محسن، ووجه الإحسان بأن يكون متبعًا الباء هذه للتصوير، يعني ما هو الإحسان ما صورته قال: في هذا محسن بأن يكون متبعًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (وقال في عدة آيات: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [المائدة: 92].
(4/23)

فالعمل الجامع للوصفين هو المقبول) محصور في هذا، لا قبول لعملٍ إلا ما اشتمل على هذين الأصلين، فإن انتفيا فالعمل باطل ومردود، وإن انتفى أحدهما فالعمل باطل مردود، وإذا فقدهما يعني: الإخلاص والمتابعة ليس مخلصًا في الباطن يعني لم يتبع في الباطن ولم يتبع في الظاهر فهو مشرك مبتدع، مشرك لماذا؟ لأن الإخلاص من أصله يعني عدم وجوده فهم مشرك شركًا أكبر، فإن وقع فيه خلل حينئذٍ يصح أن يقال بأنه لم يتبع، لكن لا يلزم منه أن يكون مشرك شركًا أكبر وإنما يكون مشركًا شركًا أصغر (أو فقد أحدهما) فهو مشرك إذا فقد الإخلاص، أو مبتدع إذا فقد المتابعة، وعلى كل حال (فهو مردود على صاحبه) لأن الأحوال الثلاثة العمل غير مقبول منه (يدخل في قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23]) ({وَقَدِمْنَا}) أي: عمدنا {إِلَى مَا} اسم موصول بمعنى الذي يعني: يعمّ كل عمل {إِلَى مَا} عملوه حذف الضمير ({مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}) أي: باطلاً لا ثواب له، فهم لم يعملوه لله عز وجل، وقال تعالى في نفقات المخلصين، النفقة عبادة، ثم قد تقع بالإخلاص والعمل واحد في ظاهره مستوٍ إلا أن النية هي التي ترفع وتنزل الشخص، قال هنا في نفقات المخلصين: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ} [البقرة: 265] {ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ} هو الشاهد هنا بمعنى: أنهو أوقعوا هذه النفقة مع الإخلاص فاتبعوا في الظاهر وفي الباطن ... {وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وقال في نفقات المرائين: {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ} [النساء: 38] هذا محل الشاهد، قال: في الأول {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ}، وفي الثاني {وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ} إذًا العمل واحد الصورة وواحدة، وإنما النية هي التي جعلت أولئك في الأعالين وهؤلاء في الأسفل {وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً} يعني: صاحب وقرينًا {فَسَاء قِرِيناً} يعني: فبئس الشيطان قرينًا ... (وقال - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة التي هي من أفضل الأعمال) وتفاوتها في تفاوت الإخلاص وعدمه («فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله») يعني: إن كانت النية - الهجرة عمل في الظاهر - وكذلك إن كانت النية لله بأنه لم يهاجر لأجل دنيا فإنما هاجر لله عز وجل فهجرته إلى الله تعالى قصدًا وثوابًا («ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها») من عطف الخاص على العام («فهجرته إلى ما هاجر إليه») لم يعده من باب التحقير له، والحديث متفق عليه.
(4/24)

وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ليُرى مكانه، والقتال لا شك أنه عبادة، بل من أجلّ العبادات (أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا») هذا من أسلوب الحكيم لم يقل - هم سألوا عن ماذا؟ الذي يقاتل حمية وشجاعة ويُرى مكانه، الأسباب التي تؤدي صرف العبادة لا حصر لها، لا حصر لها فلو علَّق النبي - صلى الله عليه وسلم - بواحد من هذه الأسباب أو الثلاثة المذكورة حينئذٍ لا يجوز السؤال عن سبب رابع وخامس، لأن هذه لا تنتهي، الأغراض تتنوع بتنوع الأشخاص والأزمان والأماكن، حينئذٍ بيَّنَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ما هو الذي يكون لله عز، وما عداه مهما تعددت الأغراض وتنوعت فهو باطل مردود على صاحبه. فقال عليه الصلاة والسلام: («من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا») الذي قاتل وجاهد من أجل هذه النية لأن ترفع راية لا إله إلا الله فهو الذي يكون في سبيل الله، وما عداه مما ذكر في السائل وغيره حينئذٍ لا يكون في سبيل الله، فمن كان قصده في جهاده القولي، الجهاد القولي يعني: باللسان، بالدعوة إلا الله عز وجل والعلم والتعليم، وهذا جهاد ولا شك فيه، والفعلي يعني: بالسنان (نصر الحق) يعني: نيته نصر الحق (فهو المخلص)، (ومن كان قصده وغرضه غير ذلك فله ما نوى، وعمله غير مقبول. وقال تعالى في الأعمال الفاقدة للمتابعة: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرَينِ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} ... [الكهف: 103، 104]) أي: عملاً ({هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرَينِ أَعْمَالاً}) يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عملٍ يرجون به فضلاً ونوالاً فنالوا هلاكًا وبوارًا، كمن يشتري سلعةً يرجو عليها ربحًا فخسر وخاب سعيه، سِيَّان معاملة ({الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ}) يعني: بطل عملهم باجتهادهم ... (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ} - يظنون - ({أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) أي عملاً، وقال تعالى: ({فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص: 50]). ({فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا}) يعني: لم يأتوا بما طلبتَ، كلّ من لم يمتثل بالشرع فهو متبع لهواه، لا يحتاج إلى إحسان الظن، لا، هنا لا نقول: احسن الظن لماذا؟.
(4/25)

لأن مقابل من لم يتبع جاء التنصيص عليه، إما متبع للشرع، وإما متبع لهواه، والنص الذي معنا دليل واضح في هذا المسألة، فإنه حصر الناس في حالين ({فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ}) علم اليقين، عبَّرَ بالعلم ({فَاعْلَمْ أَنَّمَا}) هذا تأكيد ({يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ}) فكل من لم يتبع السنة فهو متبع لهواه، {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (فالأعمال الصالحة كلها إذا وقعت من المرائين فهي باطلة بفقدها الإخلاص الذي لا يكون العمل صالحاً إلا به، والأعمال التي يفعلها العبد لله لكنها غير مشروعة فهي باطلة؛ لفقدها المتابعة) وهذا واضح، وإحسان الباطن مع الإساءة في الظاهر غير موجوب للتفضيل، يعنى: هنا يقول الأعمال التي يفعلها العبد لله، يعني: وُجِدَ الإخلاص لكنها في الظاهر غير موافقة للشرع، هنا يوجد كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: تبعه بعض المعاصرين أنه إذا طاف حول القبر - هذه صورة المسألة - هل يؤجر على ما في قلبه أم لا؟
(4/26)

ذهب بعضهم - وكلام شيخ الإسلام يشير إلى ذلك - أنه قد يؤجر، والصحيح أنه لا يؤجر والعمل باطن من أصله، لماذا؟ لأن حسن النية لا يصحح العمل، لماذا؟ لأن شرط القبول مركب من اثنين، وإن ترتب على شرطين شيء ففي الحصول للشرطين، لا بد منهما معًا، فإن وُجِدَ أحدهما دون الآخر لا يصح العمل من أصله، غير مقبول، حينئذٍ لا نقول بأنه إذا تقرب إلا الله عز وجل عند قبرٍ أنه مقبول منه، لا، نقول: هذه باطلة ولو حسن نيته، لأن («إنما الأعمال بالنيات) مقيدٌ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: («من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد») كما نص على ذلك ابن رجب في ... ((شرح الأربعين)) فليرجع إليه. قال هنا: (والأعمال التي يفعلها العبد لله) يعني: خالصة من قلبه لله (لكنها غير مشروعة فهي باطلة؛ لفقدها المتابعة، وكذلك الاعتقادات المخالفة؛ لما في كتاب الله وسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، كاعتقادات أهل البدع المخالفة لما عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كلها مردودة) [عندكم خطأ في النسخ] (كلها مردودة لقوله - صلى الله عليه وسلم -) [عندكم [وكلها تدخل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات»] لا، اعتقادات باطلة كيف تدخل في هذا النص، لا، كلها مردودة، الاعتقادات الباطلة المخالفة لما عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - كلها مردودة لقوله - صلى الله عليه وسلم - («من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»)، («من») شرطية فتفيد العموم سواء كان عالمًا، أم طالب علم، أم جاهلاً، فالحكم عام («من عمل عملاً»)، («عملاً») نكرة في سياق الشرط، سواء كان هذا العمل عبادة أم معاملة، سواء كان عملاً باطلاً أو ظاهرًا فالنص عام («ليس عليه أمرنا».) يعني: ديننا يعني: لم يوافق شرعنا، [والذي يُخْلِصُ بقلبه وتابع بظاهره لا] (1)، الذي أخلص بقلبه ولم يتابع بظاهره حينئذٍ هذا لم يوافق الشرع لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صلى صلاة لا نجزئها هذه الصلاة نقول: لها ظاهرٌ متابعة ولها باطنٌ، فتابع في الباطن دون الظاهر وبالعكس، لا، نقول: العبادة مركبة لا تنفرد أو لا ينفرد الظاهر دون الباطن ولا الباطن دون الظاهر، فالتجزئة هذه عقلية، أما الشرع فلا، فحينئذٍ نقول: كل عبادٍ فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - فينظر إليها من الجهتين الظاهر والباطن، إن وُجِدَا بأن تابع الشرع في الظاهر والباطن فهو هو، وإلا فـ («ليس عليه أمرنا فهو رد») أي مردود عليه، والحديث متفق عليه قال: (متفق عليه) الحديث لفظ مسلم والبخاري إنما أورده معلقًا، وليس متفق عليه، أما المتفق عليه فهو حديث «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». أما («من عمل عملاً») فرواه مسلم، وأما البخاري أورده معلقًا، متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها فهذا ميزان للأعمال الظاهرة («من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد») ميزان للأعمال الظاهرة كما أن حديث عمر رضي الله عنه قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرٍ ما نوى».
__________
(1) سبق.
(4/27)

ميزان للأعمال الباطنة، ثم زد على ذلك أن الثاني قيد للأول مخصص لأن قوله: «إنما الأعمال بالنيات» يعني: صحة العمل بماذا؟ بحسن النية وصلاح النية، فالأعمال هنا مطلق عام، فيشمل المشروع وغير المشروع، نقول: لا، إنما يقيد بالمشروع، إنما الأعمال التي جاء بها الشرع إنما تصلح بالنيات لماذا؟ لأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من عمل عملاً». قيد لهذا، وإلا لو اعتبرنا النص وحده إنما الأعمال جاز أن يحسن الشخص النية، وأما العمل فلا يرجع إلى الشرعي. قال: ... (والإخلاص لله في كل شيء هو الذي وردت فيه نصوص الكتاب والسنّة في الأمر به، وفي فضله وثمراته الجليلة، وفي بطلان كل عمل يفقده)، (وأما نية نفس العمل فهذا وإن كان لا بد منه في كل عمل، لكنه حاصل) تكلم العلماء في العبادات من حيث الني من جهتين:
جهة المعمول له، وهو الإخلاص، معمول له لله عز وجل.
ونية العمل، يعني: قصد الفعل، بمعنى أنك تعلم أنك تريد الوضوء فتذهب وتتوضأ تقوم، لماذا قمت؟ تقول: أصلي. هذه النية موجودة في القلب، إذًا نية العمل هذه لا يحتاج إلا تنصيص وإن كان فيها تفصيل بمعنى أنها شرعت لماذا؟ لتمييز العبادة عن العادة، ثم لتمييز العبادة بعضها عن بعض، لأن العبادة قد تكون في ظاهرها واجبة وقد تكون مستحبة، فالصلاة ركعتان قد تكون واجبة صلاة الفجر وقد تكون مستحبة كراتبة الفجر، ما الذي ميَّز هذا عن ذاك؟ هو النية. الغسل قد يكون شرعًا كغسل الجنابة والحيض ونحو ذلك، وقد يكون تبردًا من باب العادة، ما الذي ميَّز هذا عن ذاك؟ نقول: النية. هنا نية العمل يتكلم عنها الفقهاء، وإنما تذكر من أجل ماذا؟ من أجل تحديد العمل. قال هنا: (وأما نية نفس العمل فهذا وإن كان لا بد منه في كل عمل، لكنه حاصل من كل عامل معه رأيه وقصده [وعقله عندكم]؛ لأنها القصد، وكل عاقل معه عقله يقصد العمل الذي يعمله ويباشره) لا يمكن أن يصلي يكبر ثم يقول: صليت ولا لا، يمكن لا يمكن، لماذا؟ لأنه لا يكون كذلك إلا من سُلِبَ العقل، لأن من عقل علم بما يعلم، ولذلك النية كما يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: النية تتبع العلم. يعني: إذا علمت ماذا تصنع، النية موجودة، إذا لم تدر ماذا تفعل فالنية مفقودة، نعم، قد يفعل شيء ولا يدري كالنائم، النائم قد يقوم من مكانه وقد يذهب إلا أماكن أخرى، قد يأكل ويشرب، قد يجري بعض الاتصالات وهو نائم، قد يخرج من بيته ويمشي وهو نائم.
(4/28)

نقول: هذه الأعمال صادرة بلا نية، لأنها القصد، وكل عامل يقصد العمل الذي يعمله ويباشره لهذا كانت عناية الشارع في الأول الإخلاص وفي تحقيقه وتخليصه من جميع الشوائب، فهو الأهم (وكما أن هذا الأصل) يشمل جميع العبادات (فكذلك المعاملات، فكل معاملة من بيع، أو إجارة، أو شركة، أو غيرها من المعاملات تراضى عليها المتعاملان لكنها ممنوعة شرعًا) يعني: فقد شرط المتابعة، هنا قد لا يقال بأن في هذه الصور يكون ثَمَّ إخلاص لله عز وجل، وإنما المراد به المتابعة، لأن البيع له شروط وأركان، البيع بالشرع يوصف بالصحة ويوصف بالفساد، وكذلك الإجارة وغيرها، فحينئذٍ إذا وصفت بالصحة معناها أنها وُجِدَت فيها الشروط وانتفت الموانع، وكذلك الإجارة وغيرها. قال هنا: (تراضى عليها المتعاملان) يعني: رضا المتعاقِدَيْنِ لا يرفع البطلان عن وصف العقد بالبطلان، لا يرفع وصف العقد بكونه يوصف بالفساد والبطلان، ولو تراضى، لماذا؟ لأن رضا المتعاقِدَيْنِ تابع لرضا الشرع، فما رضيه الشرع أن يكون شرطًا أو ركنًا في العقد وجب أن يكون، ولو تراضى المتعاقدان على عدمه حينئذٍ يكون لا عبرة بهذا الرضا، قال رحمه الله تعالى: (فإنها باطلة محرمة، ولا عبرة بتراضيهما؛ لأن الرضا إنما يشترط بعد رضا الله ورسوله) وهذا الأصل مما جاءت به السنة فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل». وقال - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالاً». قال الشيخ بن عثيمين رحمه الله تعالى: ولم جيء إليه بتمرٍ طيب سأل أكل تمرٍ خيبر هكذا؟. قالوا: لا، لكننا نأخذ الصاع من هذا بصاعين من الرديء، والصاعين بالثلاثة. فقال: «لا تفعلوا». مع كونه بيعًا نهاهم «ولكن مثلاً بمثل أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا». فأمر برد المبيع لأن هذا البيع ليس عليه أمر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - («من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»)، (وكذلك التبرعات) العقود قد تكون معاوضة بيع وشراء ونحوها فيها أثمان، وقد تكون تبرعات كالهدية ونحوها، التي نهى الله ورسوله عنها كتخصيص بعض الأولاد على بعض، أو تفاضله أو تفضيلهم في العطايا، جمع عطية وهي ما يكون في الحياة، والوصايا جمع وصية وهو ما يكون بعد الموت، وتفضيلهم تفضيل بعض الأولاد بعضهم على بعض وتفضيلهم إما مطلقًا أو زيادة على الآخرين وهو حرامٌ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم».
(4/29)

وهذا في العطايا المجردة، أما ما كان من أجل الحاجة والنفقة فالتعديل بينهم أن يعطى كل إنسان ما يحتاج إليه، إذًا فرق بين التبرعات العطايا، وبين النفقة في الأولاد، النفقة تتبع الحاجة هذا يحتاج إلا زواج فيزوجه، ولا يلزم من ذلك أن يعطي الآخرين، وأما أن يتبرع من عنده هكذا حينئذٍ لا بد من المساواة، (وكذلك في المواريث) فلا وصية لوارث، وهذا حديث أبي أمامة عند أبي داود (وكذلك شروط الواقفين لا بد أن تكون موافقة للشرع غير مخالفة له) فحينئذٍ الوقف هذا مما جاءت به الشريعة، وإذا شرط فيه شرط مخالفًا للشرع حينئذٍ نقول: لا عبرة بهذا الشرع، لماذا؟ لاشتراط المتابعة لما أذن به الشارع في مثل هذه العقود، فكل عقدٍ جاءت الشريعة ببيان بعض الأركان والشروط حينئذٍ وجب أن يكون على وفق ما شرع الله تعالى، فإن خالف فهو باطلٌ، (غير مُخَالِفَةٍ له، فإن خالفتهٌ ألغيت، وميزان الشروط مطلقًا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرم حلالاً أو أحل حرامًا») ستأتي قاعدة خاصة بذلك، (وكذلك النكاح شروطه وأركانه) هذه مقيدة بالكتاب والسنة، قد يكون النكاح صحيحًا وقد يكون فاسدًا، كل ما وصف بالوصفين حينئذٍ نقول: إن وافق فهو صحيح، وإن خالف فهو مردود، والذي يحل من النساء والذي لا يحل شرع بَيَّن ومميز، والطلاق له أحكام والرجعة كذلك لها أحكام، وجميع الأحكام المتعلقة به [عندكم خطأ] (وجميع الأحكام المتعلقة به لا بد أن تقع على الوجه المشروع فإن لم تقع، فهي مردودة)، (وكذلك الأيمان والنذور لا يحلف العبد إلا بالله) ولا ينذر إلا لله قال: (لا يحلف العبد إلا بالله) جل وعلا، والله، أو اسمٍ من أسمائه، يعني يُحْلَفُ بأسماء لله تعالى مطلقًا كل اسم ثبت لله جاز الحلف به، (أو صفة من صفاته) ويقيد بأن الصفة المعنوية، وأما الصفة الخبرية المحضة كاليد فلا يجوز، والعين والقدم والرجل، هذه لا يجوز الحلف بها، وأما الصفة المعنوية هذا يجوز، فبعزتك أثبتها إبليس وهو أعلم بربه من الجهم بن صفوان، كما قال .. ، فحينئذٍ فبعزتك قسم بماذا؟ بالعزة، أو بنذر لله فمن نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه، وهذا حديث عائشة (وكذلك الحنث في الأيمان؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -) في متابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - (لقوله - صلى الله عليه وسلم -) في حديث أبي هريرة عن مسلم («من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه») هذا هو الإتباع الحق، وكذلك الفتوى هي متابعة أن لا يُفتي الناس بما يريدون وهذا في الظاهر، وأن لا يُفتي بما يخالف الدليل، وإلا يكون مريدًا لمنصب ونحوه كاسم جاه أو ثناء عند الناس، يعني الفتوة قد يتعلق بها أمرٌ باطن إذا قصد غير الله عز وجل لأنها فتوى إخبار عن حكم الله عز وجل قد يقصد به القربى إلا الله عز وجل لأنه عمل ديني، ومرّ معنا أنه من فروض الكفايات، حينئذٍ قد ينوي بعمله ذلك أو الفتوى قربة من الله، وقد يكون في الظاهر موافقًا وقد لا يكون موافقًا، كذلك القضاء مثله والبينات توابعها جميعها مربوطة بالشرع. إذًا الدين كله مربوط بالشرع سواء كان عبادات أو معاملات.
(4/30)

قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [النساء: 65]. هذا قسم من الله عز وجل بذاته، الْمُقْسِمُ هو الله عز وجل، وأَقْسَمَ بِأَجَلِّ مَقْسُومٍ وهو الرب جل وعلا، {لاَ يُؤْمِنُونَ} نفي للإيمان من أصله، لأن يؤمنون هنا نكرة في سياق النفي، نكرة في سياق النفي نعم {لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ} إلى أن يحكموك، وعدم الإيمان يقابل الكفر، {حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ} هذا الشاهد شرط المتابعة {حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}، {فِيمَا} في الذي، هذا من صيغ العموم، فيعمُّ لو عود أراك اختلف فيه حينئذٍ يكون الرجوع إلى الكتاب والسنة، نعم {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} وقال سبحانه: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} [النساء: 59] {شَيْءٍ} نكرة في سياق الشرط فيعمّ أدنى شيء {فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}. ثم قال رحمه الله تعالى: (بل الفقه من أوله إلى آخره لا يخرج عن هذا الأصل المحيط) وبين بالأمثلة السابقة الكثيرة التي توضح هذه القاعدة بأن الشريعة لا تخرج عن هذا الأصل المحيط، يعني الشامل الأبواب كلها (فإن الأحكام) كلها (مأخوذة من الأصول الأربعة) هما أصلان (الكتاب، والسنّة، وهما الأصل، والإجماع مستند إليهما) يعني الإجماع المتيقن أو إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وهو المنضبط، وما عاداه فلا يمكن ضبطه البتة (والقياس مستنبط منهما) يعني: من الكتاب والسنة. وهذا آخر القاعدة الخامسة.
والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
(4/31)

عناصر الدرس
* شرح القاعدة السادسة " الأصل في العبادات الحظر.
* شرح القاعدة السابعة " التكليف ... شرط لوجوب العبادات.
* شرح القاعدة الثامنة " الأحكام الأصولية والفرعية لاتتم إلا بأمرين:.
* شرح القاعدة التاسعة " العرف والعادة يرجع إليه في كل حكم حكم به الشارع.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(القاعدة السادسة: الأصل في العبادات الحظر، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، والأصل في العادات الإباحة، فلا يَحْرُمُ منها إلا ما حرمه الله ورسوله)
هذان أصلان متفق عليهما تضمنته هذه القاعدة، كما نص على ذلك في الشرع، (الأصل في العبادات الحظر) يعبر عنها أحيانًا يقال: الأصل في العبادات التوقيف، بمعنى أنها موقوفة على السماع (فلا يُشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى ورسوله) - صلى الله عليه وسلم - العبادة محصورة في أمر الإيجاب وأمر الاستحباب، ولا يقال بأن هذا الأمر مستحب أو واجب إلا بدليل شرعي، فإن لم يكن كذلك حينئذٍ صار بدعةً، فيقال: الأصل في العبادات التوقيف. وأحيانًا يقال: الأصل في العبادات البطلان. والْمُؤَدَّى واحد، النتيجة واحدة، سواء عبرنا بالأصل في العبادات الحظر أو العبادات الأصل فيها التوقيف أو البطلان فالحكم والمؤدى واحد. (الأصل في العبادات) الأصل مر معنا أنه يطلق ويراد به القاعدة المستمرة، (في العبادات) سواء كانت العبادات قولية أو فعلية، سواء كانت على جهة الإيجاب أو الاستحباب فيعم العبادات بأنواعها سواء كانت عبادة واجبة أو عبادة مستحبة الأصل فيها المنع، الحظر أي: المنع. ويراد به الحرام يقال: حظرت الشيء إذا حرمته. والحظر هنا منع الشيء منعًا يثاب على تركه ويعاقب على فعله، بمعنى أنه إذا لم يستصحب هذا الأصل بأن جعل عبادة ما دون دليل شرعي حينئذٍ نقول: يعاقب، لماذا يعاقب؟ لأنه شرع من الدين شيئًا لم يأذن به الله تعالى، إذا كان الأمر كذلك حينئذٍ قد وقع في محرم بل من أشد المحرمات، لذلك جعل ابن القيم تبعًا للآية {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} يدخل فيه القول على الله جل وعلا في العبادات والتوحيد والأسماء والصفات هذا أعظم جرمًا وأشد إثمًا من الشرك بالله تعالى. إذًا (الأصل في العبادات الحظر، فلا يشرع منها) من العبادات (إلا ما شرعه الله ورسوله) لأن العبادات إنما يُنظر فيها من جهة أنها مرضية عند الله تعالى، فإذا أحب الله شيئًا حينئذٍ أحب أن يفعله عباده إما على جهة الإيجاب وإما على جهة الاستحباب، فإذا كان الأمر كذلك منوطًا برضا الرب جل وعلا فرضاه سبحانه أمر غيبي، فحينئذٍ لا يُطَّلَعُ عليه إلا من جهة الرسل، ولذلك قال: (فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله).
(5/1)

ثم الأصل الثاني قال: (والأصل في العادات الإباحة). العادات يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: لو قال بدل العادات والأصل في غيرها الإباحة، لأن الأمر ليس مقابلة العبادات والعادات، إنما هي عبادات وغير العبادات، وغير العبادات قد يكون المعاملات قد يكون الأشياء التي أو الأعيان التي ينتفع بها، أو تكون العادات فهو أعمّ، ولذلك قال: لو قال بدل قوله: (والأصل في العادات الإباحة). والأصل في غيرها الإباحة ليكون أعم، فيدخل حينئذٍ فيها العادات ويدخل فيها الأعيان المنتفع بها، مثل الطيور والأشجار والحيوانات وغير ذلك. إذًا يدخل في قوله: ... (العادات). نُعَمِّم اللفظ والأصل في غيرها يعني: غير العبادات الإباحة، فيُعُمّ حينئذٍ العادات وغير العادات، فيشمل البيوع والشروط، وكل عقد بيع شراء أو إجارة أو كذلك الأعيان المنتفع بها، فالأصل فيها الإباحة، والإباحة مصدر أَبَاحَ يُبِيحُ إِبَاحَةً والمراد به هنا رفع الحرج، يعني: لا تفسر الإباحة هنا باستواء الطرفين الذي سواء عمله أم لا، وإنما المراد بها رفع الحرج، حينئذٍ له أن يفعل وله أن يترك (فلا يحرم منها) يعني: من العادات ومثلها المعاملات، كذلك الشروط والعقود في البيع والشراء (فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله) - صلى الله عليه وسلم - فلا يقال بأن هذا حرام إلا إذا دل الدليل على ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع. والأصل في المعاملات الحل والإباحة لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275]. {الْبَيْعَ} أل هنا تفيد العموم، والآية ليست مجملة على الصحيح بل هي عامة، حينئذٍ تعمُّ كل بيع، والبيع لا بد له من شروط، ولا بد له من لوازم، لا بد له ثمرة تترتب عليه، حينئذٍ كل ما يتبع البيع فالأصل فيه الإباحة، لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}. والربا نوع من البيع لأنه محرم لعلته.
(5/2)

قال رحمه الله تعالى: (وهذه القاعدة تضمنت أصلين عظيمين ودل عليهما الكتاب والسنّة في مواضع) بل والإجماع كذلك في مثل العبادات الأصل فيها التوقيف هذه مجمع عليها، والأصل في المعاملة في الجملة الأصل فيها الإباحة كذلك مجمع عليه، إلا أنه قد وقع نزاع في الشروط الأصل فيها المنع أو الإباحة مسألة خلافية والصحيح أنها للإباحة. قال: (مثل قوله تعالى في الأصل الأول). دل عليهما الكتاب والسنة في مواضع كثيرة ... (مثل قوله تعالى في الأصل الأول) وهو أن العبادات للحظر والمنع، قوله تعالى: ({أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} ... [الشورى: 21]). دل النص على أن الدين هو الذي يأذن به الله تعالى، إذًا ما لم يأذن به الله تعالى فلا يكون من الدين البتة، فكل ما كان من الوحي فهو من الدين، وكل ما لم يكن من الوحي فليس من الدين، لماذا؟ لأن العبادات إنما هي محصورة في مصدريها إما كتاب وإما سنة، والإجماع قد يقال بأنه في الجملة تثبت به العبادات ولكن القياس لا يتأتى هنا، القياس إنما يكون في المعاملات، فلا قياس في إثبات عبادة، نعم سَوَّغ بعضهم القياس في أجزاء العبادة، وهذا الأصل فيه المنع أيضًا، لكن نقول: المراد بأن العبادة لا تثبت ابتداءً بالقياس، وهذا محل وفاق، وأما في أجزائها فقد قال بعضهم بتسويغ القياس، إذًا ما كان من الوحي فهو من الدين، والعكس بالعكس، ما لم يكن من الوحي فليس من الدين، (ومثل الأمر بعبادته وحده لا شريك له في مواضع) هذا يدل على ماذا؟ على أن العبادة الأصل فيها الحظر، يعني: كل دليل جاء في القرآن فيه إثبات أن العبادة لله عز وجل {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 3] {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] كل لفظ دلَّ على أن العبادة لله وحده دلَّ على أن التشريع في العبادات إنما هو من جهة الرب جل وعلا، لماذا؟ لأنك إذا وحدته في كونه معبودًا لن تعبده إلا بما رضيه، دل ذلك على أن العبادة إنما تكون على ما بينه الله تعالى على ألسنة رسوله، وللعلة السابقة أن العبادة مرضي عنها محبوبة لله عز وجل، ولا شك أن الرضا رضا الرب جل وعلا غيب، ومحبته للشيء غيب فحينئذٍ لا تكون عبادة إلا إذا كانت مرضيًّا عنها أو محبوبة لله عز وجل. وهذا أمر غيبي فلا يطلع عليه إلا من جهة الرسل، كما نقول: أن الأصل في الأسماء والصفات الغيب، هذا الأصل فيها، وإن كان العقل قد يدل على جملة إلا أن الأصل فيها أنها غيب، فإذا كان كذلك فحينئذٍ لا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - في سنته الصحيحة، بناءً على أن الأصل في الأسماء والصفات أنها غيب، ولن نطلع على هذا الغيب إلا من جهة الوحي، كذلك العبادة مرضية لله عز وجل فلا نطلع إلا من جهة الوحي. (ومثل: الأمر بعبادته وحده لا شريك له جاء في مواضع كثيرة في القرآن فإذا اعتقدت هذا) فهذا يستلزم أن تمتثل ما أمرك به وحده، ولا تُشَرِّع أي أمر كان من عند سواه جل وعلا.
(5/3)

قال رحمه الله - وهذه مؤخرة عندكم -: (والعلماء مجمعون على أن العبادة ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب). العبادة ما أمر الله تعالى بها أو رسوله - صلى الله عليه وسلم - أمر إيجاب، يعني: الواجبات والمستحبات فما لم يكن من الواجبات والمستحبات فليس بعبادة، (وقوله في الأصل الثاني) كذلك يدل على السابق «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». هذا يفهم منه أن العبادة إنما تكون من جهة التوقيف الشرعي «من عمل عملاً ليس عليه أمر فهو رد». إذًا مفهوم المخالفة من عمل عملاً عليه أمرنا فهو مقبول هذا الأصل، فحينئذٍ حصل من جهة المفهوم مفهوم المخالفة بأن العمل الذي يكون من أمر الدين هو المقبول وما عداه الذي يكون من جهة الهوى ومن جهة النفس والعادات والتقاليد نقول: هذه ليست من مصادر للتشريع، فليس العقل مصدرًا من مصادر التشريع، وليس الهوى والنفس والعادات والتقاليد ليست هذه من مصادر التشريع. (وقوله في الأصل الثاني) وهو أن الأصل في العادات الإباحة قوله تعالى: ({هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]). ... ({هُوَ}) أي: الله عز وجل ({الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ}) الكاف للخطاب، خلق ماذا؟ ({مَا}) ما هذه اسم موصول في محل نصب مفعول به لقوله: ({خَلَقَ}). خلق ما أي: الذي ({فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}) هنا امتن الله تعالى على العباد بأنه خلق لهم ما في الأرض يعني: الذي يكون في داخل الأرض ومن باب أولى وأحرى ما على الأرض ({خَلَقَ لَكُمْ}) إذًا دلّ ذلك على أنه جل وعلا قد امتن على عباده بما على الأرض، والله عز وجل لا يمتن إلا بما هو طاهر مباح، فدل هذا النص الذي معنا ومثله ما كان في حكمه دل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، لماذا؟ لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء لكم، لماذا؟ للانتفاع بها، ليس من باب الزينة وليس من باب النظر وعدم الانتفاع بها وتعذيب النفوس، وإنما المراد بها أن ينتفع بها الخلق ولا شك أنه إذا امتن بذلك دل على أنه خلقها لهم طهارة وهي مباحة لهم، فدل هذا الأصل على أصلين يعني: هذا النص دل على أصلين:
أن الأصل في الأشياء الطهارة.
وأن الأصل في الأشياء الإباحة.
(5/4)

قال: (أي تنتفعون بها بجميع أنواع الانتفاعات). (بها) يعني: الذي على الأرض. (إلا ما نُصَّ على المنع منه) يعني (لضرره في الكتاب والسنة)، فيقال: الأصل فيما على الأرض من المأكولات والمشروبات ونحوها وما خرج من الأرض الأصل فيها الإباحة، فإن حرم محرم قلنا: ائت بالدليل، ومن قال بأنه مباح حينئذٍ نقول: لا يطالب بالدليل، وهنا تأتي فائدة معرفة الأصول يعني: إذا عرفت أن هذا الأصل فيه التحريم فالأصل أنك تمنع ولا تُطالب بالدليل، والذي يخالف الأصل هو الذي عليه الدليل، فمن شَرَّع عبادة وأنت منعت مستصحبًا للدليل للأصل فلا يقال لك: ائت بالدليل. وإنما الذي أثبت يقال له: ائت بالدليل. فالحجة على المثبت، كذلك فيما إذا كان الأصل في الأشياء الإباحة فأنت تستصحب الأصل وإذا حرم محرم شيئًا منها حينئذٍ قلتَ: ائت بالدليل. ولا يطالب من استصحب الأصل بالدليل (أي تنتفعون بها بجميع أنواع الانتفاعات إلا ما نُصَّ على المنع منه لضرره) وهذه تكون استثناءات خاصة، فتحريم الخمر مثلاً الأصل مر معنا في المشروبات الطيبات أنها مباحة، والخمر دل الدليل على تحريمها، وكذلك الخنزير والميتة ونحوها مما حُرِّمَ، وهناك استثناءات عامة استثناءات خاصة بالنص على الخمر مثلاً أو استثناءات عامة كقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]. فيه دليل على تحريم غير الطيب من الرزق وهو الخبائث، وجاء نصًا بقوله: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]. ومر معنا أن الذي لا يُعْلَمُ أنه لا طيب ولا خبيث الأصل فيه التوقف. ... (وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32] فأنكر تعالى على من حرم ما خلق الله لعباده من المآكل، والمشارب، والملابس، ونحوها) وعمم الشيخ هنا رحمه الله تعالى بناءً على أن النص عام لأنه قال: ({وَالطَّيِّبَاتِ}). الطيبات جمع طيب، دخلت عليه ال فهو من صيغ العموم كقوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35]. هذه من ألفاظ العموم، قال هنا: ... (ونحوها). يعني: مما هو كائن على الأرض، وروى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يُحَرّمْ على الناس وحُرِّمَ من أجل مسألته». وعند ابن ماجة من حديث سلمان رضي الله تعالى عنه قال - صلى الله عليه وسلم -: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه».
(5/5)

حسنه الألباني رحمه الله تعالى، فكل واجب أوجبه الله ورسوله أو مستحب فهو عبادة، كل واجب فهو عبادة، كل مستحب فهو عبادة، هذا ضابط العبادة - ولا بد وأن نعرف ضوابط العبادة، وهذا أمر مهم لأنه ينبني عليه تحقيق التوحيد، واجتناب الشرك - الله عز وجل أمر بإخلاص العبادة له، وبَيَّن سبحانه في مواضع عديدة من الكتاب وأجمع عليه سلف الأمة أن من صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله تعالى فهو مشرك شركًا أكبر كَثُرَ أم قل، حينئذٍ هذا ينبني عليه أننا نعرف ما هي العبادة من أجل أن نعرف أنه إذا وقع المرء في هذا الشيء وهو: صرف العبادة لغير الله. ولو جزءًا ما ولو قل لأنه قد وقع في الشرك الأكبر، فكل ما أوجبه الله تعالى فهو عبادة، وكل ما استحبه الله تعالى فهو عبادة، فالعبادة محصورة في أمرين - وهذا محل وفاق - وقاله شيخ الإسلام في غير موضع من كتبه أن العبادة ما كانت دائرة بين الأمر أمر إيجاب أو أمر استحباب، (فهو عبادة يعبد الله به وحده) دون ما سواه، فإن عُبِدَ غير الله فهذا شرك أكبر، فإن شَرَّكَ بين الله تعالى وبين غيره في العبادة فهو شرك أكبر، (فمن أوجب أو استحب) شيئًا ولو قل (لم يدل عليه الكتاب والسنّة) بأي أنواع الدلالة، يعني: قد تأتي العبادة مدلولاً عليها بالمنطوق، وقد يأتي أو تأتي الدلالة عليها بالمفهوم، أي نوع تُثْبَتُ به الأحكام الشرعية لم يدل الكتاب والسنة على شيء بأنه محبوب إلى الله تعالى إما إيجابًا أو استحبابًا فهو تشريع، وهذا الأصل فيه المنع (لم يدل عليه الكتاب والسنّة) يعني: لا ينظر في العبادة بأنها لا بد أن تكون منصوص عليها منطوقًا، لا، قد تفهم بالمفاهيم (فقد ابتدع دينًا لم يأذن الله به، وهو مردود على صاحبه كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ». متفق عليه) قلنا في الأمس: أنه رواه مسلم بهذا اللفظ ورواه البخاري معلقًا والذي اتفق عليه الشيخان هو: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ». دل الحديث على العموم من جهتين:
عموم في الأشخاص، وعموم في الفعل.
ما وجه العموم في الأشخاص؟
قوله: «من» لأنها صيغة عموم، إذًا «من» ولو كان عالمًا، «فهو ردٌّ». أي: فهو مردود عليه ولو كان عالمًا، ولو كان إمامًا، ولو كان جاهلاً، كلُّ من عمل عملاً ليس عليه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيطالب بالدليل، فإن أثبته وإلا رُدَّ عليه. إذًا من هذه عموم في الأشخاص.
(5/6)

«عملاً» هذا عموم في الأفعال والأقوال، يعني: في جنس الفعل والقول، حينئذٍ عملاً نكرة في سياق الشرط فيعمُّ أدنى ما يسمى عملاً سواء كان ظاهرًا أو باطنًا، سواء كان بالقلب أو باللسان أو بالأعمال بالجوارح والأركان، «فهو رَدٌّ». أي: مردود عليه. وتقدم أن من شروط كل عبادة الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حينئذٍ إذا شَرَّعَ عبادة من عنده كيف يكون متابعًا للنبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فهو وإن وُجِدَ الشرط الأول وهو: الإخلاص. لكنه تخلف عنه الشرط الثاني، لأنه لا يمكن أن يُتصور بأنه يعبد ربه عبادة لم يفعلها النبي - صلى الله عليه وسلم -، حينئذٍ كيف تتحقق عنده المتابعة، ومرَّ معنا إن فقد الشرطان أو أحدهما فالعمل باطل مردود على صاحبه، (واعلم أن البدع من العبادات على قسمين) يعني: العبادات قد توصف بالبدع على قسمين اثنين: (إما أن يبتدع عبادة لم يشرع الله ورسوله جنسها أصلاً) يعني: ما سماه الشاطبي بـ (البدعة الحقيقية). البدعة نوعان: بدعة حقيقية، وحَدُّهَا ما ذكره الشيخ هنا أن يَبْتَدِعَ المبتدع عبادة، هذه العبادة، العبَادة ليست باعتبار تسميتها عبادة ليس إقرارًا له، وإنما باعتبار ما ظنه هو كيف نخاطبه؟ حينئذٍ نقول: أن يبتدع عبادةً سميناها عبادةً باعتبار ظن العابد نفسه لأنه يعتقد أنها عبادة وإلا نحن نسلم بأنها عبادة (أن يبتدع عبادة لم يشرع الله ورسوله جنسها أصلاً) يعني: عبادة يستقل في وجودها من قبل نفسه، كالمولد النبوي هذا [لا وجود له في عصر] (1) لا وجود له في الكتاب، ولا في السنة، ولا في فعل الصحابة، ويكفي إلى هنا، أننا ننفي أنها عبادة لعدم وجوها في الكتاب، ولعدم وجودها في السنة، ولعدم فعل الصحابة عليها، أجمع الصحابة على ترك هذا العمل فحينئذٍ دل على أنه إذا فُعِلَ بعدهم فهو بدعة وضلالة، حينئذٍ نقول: المولد باعتبار نية فاعله أنه يَتَعَبَّدُ الله تعالى به، فإذا كان كذلك فحينئذٍ نطالب الدليل؛ لأن الأصل في العبادات الحظر والمنع والتوقف، فإن جاء بدليل حينئذٍ قُبِلَ، فإن لم يأت بدليل رُدَّ عليه «من عمل عملاً ليس عليه أمر فهو رَدٌّ». نظرنا في الكتاب فليس فيه شيء، نظرنا في السنة الصحيحة ليس فيها شيء، نظرنا في أفعال الصحابة فليس فيها شيء، حكمنا على هذا العمل بأنه بدعة، هل أصله موجود في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ الجواب: لا، إذًا جنس العمل غير موجود، وهذه تسمى بدعة حقيقية؛ فيحكم على فاعلها بأنه مبتدع، أليس كذلك؟ يحكم على فاعلها بأنه مبتدع؛ ففاعل المولد مبتدع إلا إن وقع شرك أكبر فهو مشرك خرج به عن الملة.
__________
(1) سبق.
(5/7)

وإما أن يَبْتَدعها على وجه يغير به ما شرعها الله ورسوله، هذه البدعة الإضافية بمعنى أن أصل العبادة دلّ عليه الكتاب والسنة موجود إلا أنه زيد عليه إما باعتبار الوصف غَيَّرَ في الأوصاف أو غَيَّرَ في الزمان أو غَيَّرَ في المكان أو في الأذكار أو نحو ذلك نقول: هذه العبادة بدعة. لماذا؟ لأنها لم تُشْرَعْ على هذا الوجه، وإنما شُرِعَتْ خالية من هذه الأوصاف والقيود التي زِيدت عليها، كالذكر الجماعي التسبيح الجماعي سبحان الله ويكبر ويهلل .. إلى آخره نقول: هذه مفردات وهي مشروعة ثابتة جاءت بها السنة، وصح بها الخبر، وهو محل وفاق، لكن هذه الصفة التي زيدت على مجرد اللفظ والنطق نقول: هذه الصفة لم ترد، لم يُنْقَلْ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يجلس مع الصحابة ويقول: سبحوا هللوا مائة مرة فيسبحون، ثم يقول: هللوا ألف مرة، فيهللون، وهكذا نقول: هذا لا وجود له.
إذًا أصل العمل مشروع لكن زِيد عليه قَيْدٌ أو وصف أو تبديل أو تَغْيِير في الزمان والمكان فصار به بدعةً، هذا يسمى ماذا؟ بدعة إضافية، بمعنى أنها ليست حقيقية لأن العمل في جنسه مشروع أصلاً، وإنما زيدت عليها قيود صيرتها بدعة، فحينئذٍ نقول على ما مضى تقريره بالأمس أننا نقول هذا العمل من أصله بدعة فلا يثاب عليه، يعني: لا نُجَزِّأ نقول: قوله سبحان الله هذا ذكر وافق الشرع وكونه وقع في جماعة والجماعة بدعة، إذًا يأثم على الجماعة ويثاب على قوله: سبحان الله، نقول: لا. لماذا؟
لأنه وُصِفَ العمل كله بأنه بدعة، ويدخل في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». لأن العبادة إنما تشرع باعتبار كلها، العبادة تكون مجزأة عند النظر في حكم كل جزئية منها، وأما من حيث القبول والصحة والفساد والرد فلا بد أن يكون النظر إلى جميع العبادة، بمعنى أننا لا نقول: هو في قلبه قد أخلص لله فيثاب، ومن جهة عمله الظاهر أنه خالف الشرع فيأثم، نقول: لا العبادة اسم مسماه الظاهر والباطن معًا، لا بد أن يكون الجزءان الظاهر والباطن متفقين في موافقة الشرع، فإن خالفا الشرع أو خالف أحدهما الشرع فحينئذٍ رد على صاحبه، أقول هذا وأؤكده لماذا؟ لأن من يعبد الله تعالى عند قبر ونحوه لو لم يقع في الشرك فحينئذٍ نقول: هذه العبادة على هذا الوجه ليست مشروعة، ما أذن الله تعالى ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يُذبح له عند قبر، فإن ذبح حينئذٍ لا نقول بأنه قد وقع في الشرك وإنما نقول: قد وقع في بدعة. فالعمل يكون مردودًا من أصله، فلا نقول: يثاب على نيته ويعاقب على فعله.
إذًا البدعة نوعان:
بدعة حقيقية.
وبدعة إضافية.
(5/8)

(وأما العادات) هذا الأصل الثاني (كلها) دون استثناء (كالمآكل، والمشارب، والملابس، والأعمال العادية، والمعاملات، والصنائع فالأصل فيها الإباحة والإطلاق)، (فالأصل فيها الإباحة) يعني: مباحة. والإطلاق يعني: لا تُقَيَّد، بمعنى أننا لا نقول: الأصل في المآكل الطيبة الإباحة فلا نقيدها بشرط أو وصف نزيد عليها، وإنما نطلقها كما أطلقها الله عز وجل بمعنى أن تقييد ما أطلقه الله عز وجل دون دليل هذا يصيره بدعة إضافية، تقييد ما أطلقه الله عز وجل دون دليل من كتاب أو سنة نقول: هذا يصيرها بدعة، لماذا؟ لأنه زاد وصفًا على المشروع فدخل في النوع الثاني. قال: (فالأصل فيها). أي: في العادات. (الإباحة) يعني: الحل. (والإطلاق) يعني: بلا قيد فهي عامة مباحة، (فمن حرم شيئًا منها لم يحرمه الله ولا رسوله، فهو مبتدع). وقد قال على الله تعالى بلا علم فهو مبتدع (كما حرم المشركون بعض الأنعام التي أباحها الله ورسوله، وكمن يريد بجهله أن يحرم بعض أنواع اللباس، أو الصنائع، أو المخترعات الحادثة بغير دليل شرعي يحرمها، والمحرَّم من هذه الأمور الأشياء الخبيثة أو الضارة وقد فُصِّلَتْ) الأشياء الخبيثة، الخبيث قد يكون حسًا وقد يكون معنًى (أو الضارة وقد فُصِّلَتْ) يعني: هذه الخبائث. ... (في الكتاب والسنّة، كما قال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119]) كله مفصل ولذلك المحرمات تُعَدُّ، وما عداها فالأصل فيه الإباحة، المحرمات تعد وما عداها فيقال فيه الأصل الإباحة، والنجاسات تعد النجاسة حكم شرعي فلا يحكم على الشيء بأنه نجس إلا بدليل واضح بَيِّن صريح، بمعنى أننا لا نحكم على الشيء بأنه نجاسة لمجرد العقل والهوى، لأن النجاسة حكم شرعي، والطهارة حكم شرعي لكنهما حكمان وضعيان، والحكم الوضعي حكم شرعي ولا شك، حينئذٍ لا نقول بأن الشيء نجس إلا بدليل، ثم هذه النجاسات كذلك مفصلة في الكتاب والسنة فهي معدودة فتعد وتحصى، وما عداها فيقال فيه بأنه على الأصل وهو الطهارة، (ومن تتبع المحرمات وجدها تشتمل على المفاسد المتنوعة) وعندكم زيادة ... ([تشتمل على الخبث والمضار القلبية، أو البدنية، أو الدنيوية لا تخرج عن ذلك، ولهذا من أكبر نعمة الله علينا تحريمه ومنعه لنا مما يضرنا، كما أن من نِعَمه إباحته لنا ما ينفعنا]) قال رحمه الله تعالى: (وهذان الأصلان نفعهما كبير). نعم (نفعهما كبير) بمعنى أنه يدخل تحتهما ما لا حصر من المسائل، وتَرُدّ بهما ما لا حصر من الافتراءات، لأنه قال بأن هذا عبادة ائت بالدليل الكتاب والسنة، إذا لم يكن عندهما دليل حينئذٍ رُدَّ عليه قوله، فكل البدع تُرَدُّ بهذا الأصل فيقال: الأصل في العبادات التوقيف، وإذا كان كذلك حينئذٍ نقول: لا يُشْرَعُ منها إلا ما شرعه الله تعالى ورسوله. ومن هنا ننبه أن قول الأصوليين: أن المباح قد يَنْقَلِبُ مستحبًا. ليس المراد به بأن النوم يصير عبادةً، وإلا خالفنا هذا الأصل، أليس كذلك؟ عند الأصوليين يقررون مسألة في المباحات، أنه إذا نوى به الطاعة أن يتقوى بالأكل على الطاعة، أن يتقوى بالنوم على الطاعة، أن يتقوى بالنكاح على الطاعة ...
(5/9)

إلى آخره، قالوا: هذه تصير عبادات، ليس المراد أن النوم صار عبادة، فنحتاج إلى دليل إذا قلت بأن النوم عبادة معناه إما واجب أو مستحب فنحتاج إلى دليل، وإذا قلت بأن الأكل عبادة في نفسه حينئذٍ نحتاج إلى دليل لأن الأصل في العبادات التوقيف، وإنما نقول: يثاب على نيته، نية المستحب أو الواجب، أو ما يترتب على المستحب أو الواجب، أما المباح نفسه فلا ينقلب إلى عبادة البتة، وإلا ما الفائدة من هذه القاعدة؟
.
كيف.

أي نعم الثواب ليس من لوازم العبادة قد يثاب على بعض الأشياء التي تتعلق بالمعاملات ولو لم يكن عبادة، وإنما الكلام فيما إذا كان معتقدًا أنه قربى إلى الله تعالى إما على جهة الإيجاب وإما على جهة الاستحباب، وهذان الأصلان نفعهما كبير، وبهما تعرف البدع من العبادات والبدع من العادات، وهذه مسألة التالية هل العادات توصف بكونها بدعًا أو لا؟ مسألة فيها خلاف، والصحيح ما ذكره المصنف هنا رحمه الله تعالى.
(فمن لزمهما فقد استقام على السبيل، ومن ادَّعَى خلاف أصل منهما فعليه الدليل).
رحمه الله تعالى، والبدعة قال ابن رجب رحمه الله تعالى: " المراد بالبدعة ما أُحْدِثَ مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه ". بدعة، ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعةً لغةً. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: " البدعة في الدين هي ما لم يَشْرَعْهُ الله ورسوله ". وأما التعريف المشهور عند الشاطبي رحمه الله تعالى: " طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه ". قال رحمه الله تعالى: إذًا حاصل هذه القاعدة أن نقول: الأصل في العبادات الحظر التحريم والتوقف، والأصل في ما عدا العبادات لتعم المعاملات والعادات الأصل فيها الإباحة، فلا يشرع من جهة التعبد إلا بدليل ولا يُثبت عكس الإباحة إلا بدليل. فالحاصل نقول هنا: الأعمال قسمان: عبادات، ومعاملات.
والعبادات إما أعمال قلبية وأمور اعتقاديه، وإما أعمال جوارح من قول أو فعل، فسواء كانت العبادة ظاهرةً أم باطنةً، فالأصل فيها البطلان أو الحظر حتى يقوم دليل على الأمر.
وأما المعاملات فالأصل فيها الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شَرَعْهُ الله [ورسوله]. هو قال: الله. فقط، لكن كذلك يوصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بكونه مشرعًا، يعني: تابعًا لأمر الله تعالى، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم، والفرق بينهما، لماذا قلنا: الأصل فيه الصحة وهذا بطلان؟
الفرق بينهما أن الله سبحانه لا يُعْبَدُ إلا بما شَرَعْهُ على ألسنة رسله وحملة شرعه. إذًا لا بد من حصر.
(5/10)

وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عَفْوٌ حتى يحرمها، ولهذا نعى الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأمرين وهو تحريم ما لم يحرمه والتقرب إليه لما لم يشرعه، وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوًا لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله، فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه، وما سكت عنه فهو عَفْوٌ.
قال رحمه الله تعالى: (القاعدة السابعة: التكليف وهو البلوغ والعقل، شرط لوجوب العبادات، والتمييز شرط لصحتها إلا الحج والعمرة، ويشترط لصحة التصرف التكليف والرشد، ولصحة التبرع التكليف والرشد والملك)
هذه قاعدة، عَنْوَنَ لها بأنها قاعدة، وهي قاعدة وفيها تقاسيم وفروق، وهي أقرب إلى الضوابط كأنها ثلاث أو أربع قواعد.
(5/11)

التكليف شرط لوجوب العبادات، أراد أن يعرف التكلِيف، التكليف مصدر كَلَّفَ يُكَلِّفُ تَكْلِيفًا، التكليف في اللغة إلزام ما فيه مشقة، أو طلب ما فيه مشقة، أو الأمر بما فيه مشقة. هذا أو ذلك، طلب ما فيه مشقة، أو إلزام ما فيه مشقة، أو الأمر بما يشق. وأما التكليف في الاصطلاح عند الأصوليين فهو إلزام مقتضى خطاب الشرع. عندنا خطاب الشرع وعندنا مقتضاه، إيجاب قلنا: هذا خطاب الشرع، مقتضاه الوجوب، يعني: ما دلّ عليه خطاب الشرع، فعندنا دال وعندنا مدلول، الدال هو الخطاب، والمدلول هو المقتضى، إلزام مقتضى خطاب الشرع، خطاب الشرع إما إيجاب وإما ندب وإما تحريم وإما كراهة وإما إباحة، حينئذٍ دخلت الأحكام الخمسة الشرعية التكليفية داخلة في هذا، فحينئذٍ عمَّ خطاب الشرع دائر بين الأمر والنهي أو التخيير الذي هو الإباحة، فدخلت الأحكام الخمسة. التكليف قال المصنف: (وهو البلوغ والعقل). أراد أن يعرفه، لكن هذا ليس بتعريف يسمى رسمًا عندهم، لأنه ليس بذكر الجنس والحدّ ونحوه، إنما الحدّ السابق هو الحدّ، وهذا يسمى رسمًا، يعني: بذكر علامته أو شرطه أو لازمه، فحينئذٍ يقال: التكليف هو البلوغ والعقل. وهذا تعريف باللازم أو بالرسم ونحوه، البلوغ علامة على العقل ليس مقصودًا لذاته هنا، علامة على العقل، والأصل في شرط المكلف العقل وفهم الخطاب، هذا الأصل العقل وفهم الخطاب، العقل خرج به المجنون، وفهم الخطاب خرج به من لا يفهم، أو إن شئت قل: ما لا يفهم. فيعمّ المجنون ويقصد به في هذا الموضع الصبي الذي لا يميز، أو الصبي مطلقًا سواء كان مُمَيِّزًا أم لا، شرط المكلف العقل وفهم الخطاب، وجعل الشارع البلوغ علامة على ظهور العقل، فلا تكليف على صبي مطلقًا سواء كان الصبي مميزًا أم غير مميز، وكذلك لا تكليف على مجنون لماذا؟ لأن العقل شرط لصحة التكليف، فلما انتفى الشرط انتفى ما رُتِّبَ عليه، وفهم الخطاب شرط للتكليف، فإذا انتفى انْتَفَى ما رُتِّبَ عليه، فالصبي غير مكلف، والعقل يراد به كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى يراد به الغريزة التي يُعْلَمُ بها، ويراد به أنواع من العلم، ويراد به العمل بموجب ذلك العلم، والفهم هو إدراك معنى الكلام، أو العلم بمعاني الكلام، والخطاب معلوم أنه توجيه الكلام للغير للإفهام، فهذان شرطان في المحكوم عليه وهو الآدمي الذي يصح أن يُعَبَّر عنه بأنه مكلَّف، ويشترط فيه العقل وفهم الخطاب، لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له محال، وخطاب من لا يفهم محال، الخطاب يعني: يخاطب الغير يتكلم مع الغير، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [الأحزاب: 70] خطاب لمن؟ لك ولزيد وعمرو .. إلى آخره، هل المجنون يخاطب؟ إذا امتنع في حقك أنت أيها المكلف أو البشر أن تخاطب مجنونًا وقد توصف بالجنون لأنك تخاطب مجنونًا، فالله عز وجل من باب أولى وأحرى. الصبي لا تخاطبه خطابًا على أنه يمتثل ما تذكره له، كذلك الله عز وجل.
إذًا خطاب من لا عقل له محال، وخطاب من لا فهم له محال.
(5/12)

ثم العبادات كلها مبنية على المقاصد، يعني: النية شرط في صحتها، فإذا كان كذلك فالمجنون لا نية له، والصبي كذلك في الجملة لا نية له. حينئذٍ انتفى التعبد منهما، فجعل الشارع البلوغ علامةً لظهور العقل لأنه أمرٌ خفي يعني: لا يدرك بكون الإنسان قد بلغ العقل الذي يصح التكليف به، فحينئذٍ جعل الشارع البلوغ وجعل له علامةً أو علامات ظاهرة يتبين بها كونه بالغًا أو لا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يكبر». وفي روايةٍ «حتى يحتلم»، وفي رواية «حتى يبلغ»، «وعن المجنون حتى يعقل» فدل هذا النص على أن المجنون غير مكلَّف، ودل هذا النص على أن الصبي دون الاحتلام غير مكلَّف، لأنه قال: «حتى يكبر». وهذه فيها إبهام، لكن في الرواية الأخرى قال: «حتى يحتلم». فدل على أن ما بعد حتى هو غايةً لما قبلها، فحينئذٍ لا يوصف بكونه مكلفًا قبل الاحتلام فيرتفع عنه بل لا يوصف أنه مكلَّف، وأما الصبي الْمُمَيِّز فالجمهور على أنه ليس بمكلَّف، لأن الصبي نوعان:
صبيٌ مميز، وصبيٌ غير مميز.
الصبي الْمُمَيِّز عند الجمهور غير مكلَّف.
الصبي غير الْمُمَيِّز بالإجماع، معي أو لا؟ الصبي غير الْمُمَيِّز وهو من دون السبع هذا بالإجماع غير مكلَّف، ولا تصح منه العبادات فهو الذي عناه هو التمييز شرطٌ لصحته هذه المقدمة ما خرجنا، (والتمييز شرط لصحتها) التمييز الذي جعل فاصلاً بين نوعي الصبيان، صبيٌ مميز، وصبي غير مميز، واختلفوا في تحديد النوعين متى نقول: هذا مميز وهذا غير مميز؟ قيل: بالسن، وقيل: بالوصف. بالسن قيل: على المشهور سبعٌ، يعني: تمام السبع، فإذا تَمَّ عنده تمام السبع بأن انتهى منها فدخل في الثامنة فهو مميِّز، فإن صلى صحت صلاته، وإن صام صح صومه، وإن حج أو اعتمر هذا لا فرق بين المميز وغيره فهو صحيحٌ منهما، فحينئذٍ إذا تمت عندهم السابعة قيل: بأنه مميز، وهذا القول أقرب إلى السنة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل هذا السن فارقًا بين الأمر بالصلاة وغيرها فقال: «مروا أولادكم بالصلاة لسبعٍ» يعني تمام سبعٍ، فدل ذلك على أن من كان دون السبع لا يؤمر بالصلاة، ولا تصح منه الصلاة.
إذًا: الصحيح أنه يميز بين المميز وغيره، ويفرق بينهما بالسن، فمن كان دون سبعٍ - وهذا صبي غير مميز - لا يصح منه أي أنواع العبادات لو عملها إلا الحج والعمرة على ما استثناه المصنف، وأما المميز فهو الذي تصح منه العبادات لكنها لا تجب، بالإجماع غير المميز غير مكلف، المميز فيه خلاف، ثَمَّ رواية عن الإمام أحمد وغيره أنه مكلَّف قيل مطلقًا وقيل بالصلاة فقط، على كلٍّ فيه خلاف، لكن النص الذي ذكرناه سابقًا «عن الصبي حتى يحتلم» دلّ على أنه غير مكلف، «يرفع القلم عن ثلاث» يعني: قلم التكليف بمعنى أنه غير مكلَّف، فقال: «عن الصبي حتى يحتلم». إذًا: دون الاحتلام القلم مرفوعٌ عنه، وهذا نصٌ واضح يدل على أن الصبي مطلقًا غير مكلف، وأما من قال بأن يُمَيَّز أو يُفَرَّق بين المميز وغيره بكونه يفهم الخطاب ويَرُدُّ الجواب، وأنه لا ينضبط بالسِّنّ هذا كذلك القول لا ينضبط القول هذا لا ينضبط.
(5/13)

والبلوغ والعقل شرطان للتكليف بالواجب كما قال المؤلف هنا: ... (التكليف شرط لوجوب العبادات كلها) ما من عبادةٍ واجبةٍ إلا والبلوغ والعقل شرطان في صحة توجه الخطاب إليه، فلا يقال بأنه وجبت عليه الصلاة إلا البالغ العاقل، ولا يقال بأنها وجبت عليه الزكاة إلا البالغ العاقل، صحيح؟ .. [ها .. معي]

الزكاة مستثناةٌ هذه، الصلاة، والصوم فهذه العبادات من الأركان الخمس وغيرها ما عدا الأموال أو الزكاة ونحوها، فهذه لا بد فيها من شرط التحقق وشرط الوجوب أو البلوغ والعقل، وأما ما استثناه المصنف من ما سيأتي الحج والعمرة، وكذلك الكفارات والزكوات الأشياء المالية، فهذه ليس لها دخلٌ بالبلوغ وعدمه، بل تجب مطلقًا لأن الزكاة حكم الوضع باعتبار ترتب الحكم على السبب، فمتى وُجِدَ السبب وهو المال مع شرطه فحينئذٍ نقول: وجبت الزكاة، سواء كان مجنونًا أو كان صبيًا عاقلاً مكلَّفًا أو غير مكلَّف مطلقًا، الحكم عام (التكليف وهو البلوغ والعقل، شرط لوجوب العبادات) وعلامة البلوغ واضحة معلومة: الاحتلام أو استكمال خمسة عشر سنة، وكذلك إذا نبت الشعر الخشن حول القبل وهذه مشتركة، والرابع: الحيض في حق الأنثى، قال: (والتمييز). عرفنا التمييز (شرط لصحتها) يعني: العبادات (إلا الحج والعمرة فينصحان من غير المميز) يعني: ولو كان رضيعًا فلو نُوِيَ عنه الحج وحج ففعله صحيح، ويوصف بكونه عبادة لماذا؟ لأن الصحة هنا منتفية، لماذا؟ لوجود النص، جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن امرأةً رفعت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صبيًا فقالت: ألهذا حَجٌّ؟ والعمرة كالحج، قال: «نعم، ولك أجرٌ». إذًا لها أجرٌ والثواب في أصله إنما يكون للحاج نفسه والمعتمر، ولكن هذا ثواب للدلالة على الخير، إذًا التمييز شرطٌ لصحتها، فما كان دون التمييز لا تصح منه العبادة مطلقًا، يعني: لو قام يصلي من كان دون التمييز صلاته، لا، لا تنعقد أصلاً، فلا يقال بأنه يصلي، ولذلك لا يوقف في الصف لأنه يكون قاطعًا للصف، ولو ركع وسجد لماذا؟ لأنها ليست صحيحة، وهذا حكمٌ عام (والتمييز شرط لصحتها إلا الحج والعمرة) ثم قال: (ويشترط لصحة التصرف التكليف والرشد) يُشترط لصحة التصرف، المراد بالتصرف هنا البيع والشراء والأحوال، سواء كانت عقود معاوضة أو عقود، قلنا: العقود نوعان: عقود معاوضة

تبرعات، معاوضة بيع وشراء فيه ثمن، يسلم، والتبرعات لا، كالهدية والصدقة والوقف ونحوها.
(5/14)

يشترط في صحتها التكليف، ومرَّ أنه البلوغ والعقل (والرشد) ومراده بالرشد هنا سنٌّ وخبرةٌ معًا، لا بد من أمرين، حينئذٍ يُنْظَرُ فيه ما المراد بالرشد؟ المراد به كما قال المصنف: (حسن التصرف في المال) بأن يحسن كيف يتعامل مع المال، فإذا باع واشترى لا يُخْدَع ولا يُدَلَّس عليه، ولا يُغْبَن، حينئذٍ نقول: هذا لا يتأتى من الصبي وإنما يتأتى من شخصٍ بالغٍ يفهم كيف يتعامل مع الناس، ثم البالغ قد لا يكون رشيدًا قد يكون سفيهًا لا يحسن التصرف، فلذلك اشْتُرِطَ في صحة التصرفات أن يكون على علمٍ بكيفية تصرف المال، ويكون عنده خبرةٌ بالمواضع التي يُجْعَلُ فيها المال من غيرها، لئلا يُغْبَن، (ولصحة التبرع التكليف والرشد والملك). صحة التبرع المراد به العقود التي لا معاوضة فيها كالهدية والوقف والصدقة ونحوها، يُشْتَرط لها ثلاثة شروط: التكليف، والرشد - والتكليف، والرشد مرَّا - والملك أن يكون مالكًا للتبرع، بمعنى أنه مأذونٌ له في التصرف، ليس مراد الملك أن يكون مالكًا نعم وهذا شرطٌ في الكل في الجميع، وإنما المراد به أن يكون له إذنٌ في التبرع، فولي اليتيم ليس له أن يتبرع، لماذا؟ لأنه ليس مأذونًا له لكن البالغ العاقل الرشيد والمال في يده فله أن يتبرع، يملك أمر نفسه وأما ولي اليتيم هذا ليس له أن يتبرع.
قال رحمه الله تعالى: (هذه القاعدة تشتمل على هذه الضوابط التي تنبني عليها العبادات وجوبًا وصحةً، وصحة التصرفات والتبرعات) تنبني عليها العبادات وجوبًا. يعني متى تجب العبادة؟ (وصحةً) متى تصح؟ فمتى تجب، أسائلكم متى تجب؟ متى تجب العبادة؟
تجب العبادة إذا تحقق شرط الوجوب وهو التكليف.
متى يكون مكلَّفًا؟ إذا كان بالغًا عاقلاً.
قال: (وصحةً) متى تصح العبادة؟
تصح العبادة إذا تحقق شرط الصحة وهو أن يكون مميزًا، الحج والعمرة هل يشترط لهما التمييز؟
الجواب لا، لا يُشترط لهما التمييز، لماذا؟
للنص، لوجود النص، وإلا الأصل عدمه.
طيب ما الذي يشترط لصحة التصرف؟
التكليف والرشد، لا بد أن يكون بالغًا عاقلاً رشيدًا. مفهوم كلامه أنه إذا كان صبيًا لا ينقض تصرفه، وهذا محل نظرٍ في مسألةٍ واحدة وهو في التبرعات، يعني: إذا أُهْدِيَ للصبي فالتصرفات هنا عامة تصرف. يعني: سواءٌ باع واشترى وهذا واضحٌ بين، إن كان في الأشياء الخسيسة فيها خلاف بين أهل العلم، لا بد بإذن من وليه، لكن في القبول هل له أن يقبل هدية؟ هل له أن يقبل وصيةً؟ هل له أن يوقف عليه شيء فيقبل؟ على هذا الكلام لا، لماذا؟
لأن شرط صحة التصرف التكليف، فالصبي لو أُهْدِيَ إليه وقَبِل لا يصح قبوله، هذا ينبني عليه، وهذا محل نظرٍ لأن هذا نفعٌ محض يتحقق للصبي فيستثنى، أو تستثنى هذه المسألة، فما كان نفعه محضًا فحينئذٍ نقول: يستثنى من هذا الأصل، وأما ما كان ضرره محضًا أو كان مترددًا بين النفع والضُّرّ فهذا كذلك، لا بد من أن يتحقق هذا الشرط وهو التكليف والرشد، المتردد بين النوعين بين الضرر المحض والنفع المحض البيع والشراء، فلا يبيع ولا يشتري إلا المكلَّف، إلا بإذن وليه أو بدون إذنٍ في الأشياء الخسيسة، يعني: التي لا يُلتفت إليها، وهذا محل التفصيل فيه الفقه.
(5/15)

صحة التبرع يُشترط له ثلاثة شروط:
التكليف، والرشد، والملك.
هنا قال: (الضوابط التي تنبني عليها العبادات وجوبًا) متى تجب؟ (وصحةً) متى نحكم بصحتها؟ (وصحة التصرفات والتبرعات، فالمكلَّف هو البالغ العاقل وهو الذي تجب عليه جميع العبادات) المكلف هو البالغ العاقل وهو الذي تجب عليه جميع العبادات والتكاليف الشرعية؛ لأن الله رؤوف رحيم بعباده) فإذا بلغ العاقل فقد بلغ إلى السن الذي يقوى به على القيام بالواجبات، رحمة من الله عز وجل، ومعه العقل الذي يميز به ما ينفعه وما يضره، العقل إنما سمي العقل عقلاً لأنه يمنع صاحبه عن الضّرّ، من العقل، ولذلك سمي العقل العقال هذا، لأنه يمنع من طيران الشلان ونحوه [ها ها]، (فإذا بلغ العاقل فقد بلغ إلى السن الذي يقوى به على القيام بالواجبات، ومعه العقل الذي يميز به ما ينفعه وما يضره، وقبل البلوغ إذا ميز الأشياء صحت منه العبادات من غير إيجابٍ عليه)، وهنا سألنا الشيخ يميل إلى أن التمييز إنما يكون بالوصف، يعني: إذا فهم الكلام الخطاب ورد الجواب، حينئذٍ يكون مُمَيِّزًا، لكن ظاهر السنة هو ما ذكرناه، وأكثر أهل العلم على هذا، أنه يحدُّ بالسنّ، نعم الغالب يكون بالسنّ، وقد يوجد من يميز دون سبع سنين كخمسٍ ونحوها هذا حكمه مستثنى نادر، والنادر لا حكم له، فحينئذٍ يحكم بكونه مميزًا ولا يكون خارجًا عن الأصل.
(5/16)

قال: (فقبل بلوغ) إذا ميز الأشياء صحة منه العبادات من غير إيجابٍ عليه، ولكن يؤمر بها على وجه التمرين، الذي جاء به النص هو الصلاة فحسب، وجاء من فعل الصحابة الصيام كذلك، هذا الأصل فيها، يؤمر بها أمر استحباب ولكنه يجب على وليه أن يأمره لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «مروا أولادكم بالصلاة لسبعٍ واضربوهم عليها لعشر». دلّ هذا النص على أنه يجب على ولي الصبي أن يأمره بالصلاة، وجاء النص بالصلاة فلا يقاس عليه غيره، هذا هو الظاهر، حينئذٍ يكون الأمر موجهًا إلا ولي الصبي أمر إيجاب، ومن ولي الصبي إلا الصبي أمر استحبابٍ، فمن كان دون التميز لم تصح عبادته لعدم وجود شرطها، لم تصح العبادات إذا كان دون التميز الذي هو العقل الذي يقصد به الأشياء (سوى الحج والعمرة، فإن امرأةً رفعت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صبيًا في المهد، فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر» متفق عليه) هذا اللفظ لمسلم، (فينوي عنه وليه الإحرام، ويجنبه ما يتجنبه المحرم) يعني: قوله: (فينوي عنه وليه الإحرام) هذا مطلقًا أو أنه إذا لم يستطع النية بنفسه؟ الثاني، بمعنى أن الصبي إما أن يقوى على النية أن ينوي بنفسه بأن يُعَلَّم، أو لا يستطيع، إن لم يستطع حينئذٍ ينوي عنه وليه، وأما إذ استطاع فينوي بنفسه (ويجنبه ما يتجنبه المحرم) وهذا قول الجمهور أبو حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه إلى أن الصبي إذا أحرم لا يلزمه مقتضى هذا الإحرام. قال: (ويحضره المناسك كلها، ويطوف به ويسعى به، ويرمي عنه الجمار لعجزه عنها) هذا استطراد من المصنف رحمه الله تعالى، وإلا الأصل هذه إنما تفصل في كتب الفقه، يعني كيفية الإحرام إنما تُؤخذ من كتب الفقه. قال: (ويستثنى من هذه) يعني هذه المسائل (العبادات المالية كالزكوات والكفارات والنفقات) يعني: (الواجبة، فإنها تجب على الصغير) مطلقًا مميزًا أو لا، ولو رضيعًا (تجب على الصغير والكبير والعاقل، وغير العاقل) يعني: على المكلَّف وغير المكلَّف، تجب على المكلف وغير المكلف، لماذا؟ لأنها من قبيل الأحكام الوضعية، يعني من قبيل ربط الأحكام بأسبابها، فمتى ما وُجِدَ السبب حينئذٍ وُجِدَ الْمُسَبَّب وهو الحكم، مبناها على ربط الأحكام بأسبابها فهي من الخطاب الوضعي، ولا يشترط فيه التكليف ولا التميز لعموم النصوص من الكتاب والسنة، ولأن معتمدها المال. لو قال خطاب وضعي لكان أولى. ولأن معتمدها المال وهو من الخطاب الوضعي.
(5/17)

(وأما التصرفات المالية فلم تصح من غير البالغ الرَّشيد وهو إحسان وحفظ المال وصيانته ومعرفة التصرف) [هكذا عندكم] (لأن الغرض (منها حفظ المال، وحسن التصرف فيه) قال تعالى: {حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] {حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} يعني: سن النكاح يعني احتلموا {فَإِنْ آنَسْتُم} أبصرتم {مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} فشرط الله شرطين لدفع أموالهم إليهم البلوغ والرشد، أي قال البلوغ {حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ} بلغوا، والرشد {آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً} حينئذٍ قال: {فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} متى تدفع إليهم أموالهم؟ إذا بلغوا وكانوا راشدين، إذًا رتب الحكم الشرعي على الشرطين، لا بد من استيفاء وجود الشرطين، إن فقدا فلا يدفع إليهم المال، إن فقد أحدهما كذلك لا يدفع إليهم المال، فشرط الله شرطين لدفع أموالهم إليهم البلوغ والرشد، وأمر باختبارهم {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى} يعني: اختبروهم. قال: (وأمر باختبارهم قبل ذلك هل يحسنون الحفظ والتصرف فيدفع إليهم مالهم بعد البلوغ ... أم لا يحسنون فلا يدفع إليهم لئلا يضيعونها) {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ} [النساء: 5] يعني: الجهال الذين لا يُحسنون وضع المال في موضعه. قال: فعُلِمَ أن البلوغ والعقل والرشد شرط لصحة جميع المعاملات، فمن فقد واحد منها لم تصح معاملته ولم تنفد تصرفاتُه، وتَعَيَّنَ الحجر عليه). قال: (وأما التبرعات فهي بذل الأموال بغير عوض من هبةٍ، أو صدقة) الصدقة ما أريد بها الآخرة يعني الأجر والثواب، والهدية ما أريد بها المودة والمحبة، والهبة ما أريد بها نفع المعطى بقطع النظر عن الثواب أو المودة) كلها تبرعات، يعني: من جهة المتبرع فحسب، ليس ثم مالٌ يتقاضاها على فعله. (أو وقف، أو عتق أو نحوها، فلا بد مع - يعني - البلوغ، والعقل، والرشد: أن يكون المتبرع مالكًا للمال؛ ليصح تبرعه) لأن غير المالك يعني: للتبرع بالمال التبرع بالمال لا يصح تبرعه من مال غيره (الوكيل، والوصي، والناظر للأوقاف، والولي على الصبيان والمجانين لا يصح تبرعه)، لا يصح أن يتبرع، يعني لا يعطي الهدايا ولا يتصدق لأن المال ليس ماله، المال ليس مال له، لقوله تعالى: (لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ} [الأنعام: 152]. أي أحسن لأموالهم وأصون لها وأنفع لها) إذًا هذه القاعدة تضمنت عدة قواعد، وهي:
أن التكليف شرط لوجوب العبادات فلا تجب العبادة على غير المكلَّف.
والتميز شرط لصحتها، فلا تصح العبادة إلا من مميز، بمعنى أنه إذا بلغ التميز فصلى صحت صلاته، وإذا لم يبلغ فحينئذٍ لو صلى لم تصح صلاته، لماذا؟ لانتفاء شرط التميز، واستثنى الحج والعمرة.
وكذلك صحة التصرف البيع والشراء ونحوها يشترط له التكليف والرشد، ولصحة التبرع التكليف والرشد والملك.
(5/18)

ثم قال رحمه الله تعالى: (القاعدة الثامنة: الأحكام الأصولية والفروعية لا تتم إلا بأمرين، وجود الشروط وانتفاء الموانع) الأحكام جميع الأحكام الشرعية الأصولية والفروعية يعني ما كان متعلقًا بباب المعتقدات أو بباب العبادات، فحينئذٍ ما كان أصلاً أو ما كان فرعًا بناءً على هذا التقسيم أن أصول الشريعة أو الشريعة تنقسم إلا قسمين:
أصول وفروع
حينئذٍ ما من أصلٍ أو فرعٍ إلا وشرط الله عز وجل له شرطًا أو بين أنه لا بد من انتفاء مانع، لا بد من وجود أركانها وواجباتها وشرائطها وانتفاء موانعها، كل عبادة فهي محاطة بهذه الأنواع، حينئذٍ متى تصح؟ عند وجود الشرائط وانتفاء الموانع، هذا الذي أراده بهذا الظابط، الأحكام الأصولية والفروعية لا تتم إلا بأمرين: وجود الشروط، وانتفاء الموانع.
قال: (وجود اللوازم فيدخل فيها الأركان والواجبات والشرائع، وانتفاء الموانع). قال رحمه الله تعالى: (وهذا أصل كبير مطرد الأحكام يرجع إليه في الأصول والفروع، فمن فوائده أن كثيرًا من نصوص الوعد بالجنة، أو تحريم النار) أو نحو ذلك قد ورد في بعض النصوص ترتيبها على أعمال لا تكفي وحدها. من قال كذا فله كذا أو دخل الجنة، فقط أم لا بد من أشياء أخرى؟ لا بد من أشياء أخرى، يعني لا يكتفى بظاهر النص بأن من قال كذا دخل الجنة فحينئذٍ نقول لا بد من أمورٍ أخرى، لا بد من الإيمان، ولا بد مما يكون ركنًا في الإيمان، ولا بد من انتفاء موانع الإيمان، ولا بد من الصلاة، ولا بد من مجانبة المحرمات .. وغير ذلك، فحينئذٍ نقول: القول هذا بذاته لا يستلزم دخول الجنة دون نظر إلى سائر الشروط وانتفاء الموانع. قال: (ترتيبها على أعمال لا تكفي وحدها) بل لا بد من انضمام الإيمان وأعمال أخر لها، وكذلك في نصوص كثيرة ترتيب (دخول النار) أو الخلود فيها على أعمالٍ لا تستقل بهذا الحكم، بل لا بد فيها من وجود شروطها، وانتفاء موانعها. وبهذا الأصل يندفع إيرادات تورد على أمثال هذه النصوص، ومن أشدها «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة» أشد ما يَرِدُ عليها، هل من قال: لا إله إلا الله بلفظه بلسانه فثبت له الإسلام ودخل الجنة، ظاهر اللفظ لو وقفنا معه قلنا: نعم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة». «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله». لكن نقول: هذه لا إله إلا الله لها معنى، ليست لفظًا فحسب لا بد من الزيادة ولها شروط: العلم والصدق والإخلاص واليقين، لها أركان، فلا بد أن تتحقق، ولها موانع التي هي نواقض الإسلام ولا بد من انتفائها. إذًا نقول: هذا اللفظ لا يمكن أن يترتب عليه دخول الجنة إلا بوجود لفظه مع معناه، مع شرائطه، وانتفاء موانعه. من أين أخذنا هذه الشرائط والموانع؟
(5/19)

من نصوصٍ أخرى، فلا نقف مع اللفظ، ولذلك القاعدة هنا في مقام العبادات ومقام المعتقد أن ينظر في النصوص كلها، من أراد أن يبحث مسألةً فلا يقف مع نص، إذا وقف مع نص وترك سائر النصوص وقع في الخلل، وإنما ينظر في النص وما كان مثله. قال هنا رحمه الله تعالى: (والجواب الصحيح فيها أن يقال ما ذكر في النصوص الصحيحة من الوعد والوعيد فهو حقٌ «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة». فهو حقٌ لا نرده، وذلك العمل موجب له، يعني من موجبات دخول الجنة قول لا إله إلا الله، ولكن لا بد من وجود الشروط كلها وانتفاء الموانع). كما ذكرناه في المثال السابق (فإن الكتاب والسنة قد دلاَّ دلالة قاطعةً على أن من معه إيمان صحيح لا يخلد في النار) إيمان صحيح يعني إيمان شرعي، مؤلف من أركانه الثلاثة: اعتقاد، وقولٌ، وعمل. هذا الذي يعبر عنه بأنه إيمان صحيح، يعني: إيمان شرعي قد وافق ما جاء في الكتاب والسنة، لأن الإيمان حقيقة شرعية، له حقيقة شرعية ومردها إلا الكتاب، كما أن التوحيد له حقيقة شرعية فمردها إلى الكتاب والسنة، وليس هو من قبيل الاصطلاحات التي يصطلح عليها العلماء، أن من معه إيمان صحيح لو قال: شرعي. لكان أولى (لا يخلد في النار) بل قد لا يدخل النار أصلاً، من معه إيمان شرعيٌ ومات على ذنبٍ ولم يتب منه حينئذٍ نقول لا يخلد في النار بل قد لا يدخل النار أصلاً لأنه تحت المشيئة ما دام أنه وجد الإيمان حينئذٍ دخول النار إن كان معه ذنب لم يتب منه فهو تحت المشيئة أما الخلود فهذا محل إجماع لا يخلد، كما دل الكتاب والسنة أن المشرك محرم عليه دخول الجنة أليس كذلك؟ محل وفاق هذا، وأجمع على ذلك السلف والأئمة وأنه قد يجتمع وأنه يعني: دل الكتاب والسنة على أنه قد يجتمع في الشخص الواحد إيمان وكفرٌ، يجتمعان أو لا يجتمعان لكن الكفر المراد به الكفر الأصغر، وأما الأكبر فلا يجتمعان لأنهما نقيضان، فما يفسر به الإيمان يفسر به الكفر، فنقول: الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح والأركان، ثلاثة أركان كل منها ركن مستقل، فالاعتقاد ركنٌ، والقول ركنٌ، والعمل ركنٌ.
(5/20)

فحينئذٍ إذا انتفى واحد منها انتفى الإيمان، فلا ينفع الاعتقاد دون القول أليس كذلك؟ لو اعتقد ولم يقل لم يكن مؤمنًا موحدًا، ولا ينفع الاعتقاد والقول دون العمل بالجوارح، فإن اعتقد وقال بلسانه: لا إله إلا الله، ولم يعمل لم ينفعه ذلك، لا يكون موحدًا، نقيضه الكفر حينئذٍ الكفر كما أن الإيمان يكون بالاعتقاد يكون الكفر بالاعتقاد، وكما أن الإيمان ركنه الأقوال كذلك الكفر يكون بالقول، وكما أن الإيمان يدخل في مسماها أعمال الجوارح وأركان كذلك الكفر يكون بالجوارح والأركان، إذا الكفر نقيض الإيمان، فيفسر بنقيضه، فكما أن الإيمان مركب من ثلاثة أركان كذلك الكفر ثلاثة أنواع: كفرٌ يكون بالقلب بالاعتقاد - وهو تكذيبه -، وكفرٌ يكون باللسان ولو لم يعتقد ما قاله بلسانه فهو كافر فمن سب الله تعالى ولو لم يعتقد فهو مرتد، كذلك الكفر يكون عمليًا ولو لم يقل أو يعتقد، فمن سجد للصنم فهو كافر، ولو اعتقد أنه لا يجوز السجود للصنم، لماذا؟ لأن السجود هذا من عمل الجوارح وفعله إنما يكون لله عز وجل وهو عبادة محضة، وإنما كان تحية في شريعة من قبلنا، ثم نسخ ذلك في شريعتنا، فحينئذٍ لو سجد لصنم نقول: هذا يعتبر مرتدًا. ولو لم يعتقد لا يشترط فيه الاعتقاد. إذًا يجتمع فيه إيمان وكفرٌ يعني: خصال الإيمان وخصال الكفر، والمراد بخصال الكفر الكفر الأصغر، وخيرٌ وشر وموجبات التواب وموجبات العقاب، وذلك مقتضى النصوص، ومقتضى حكمة الله ورحمته وعدله. ... (ومن فروع هذا الأصل: الصلاة لا تصح حتى توجد) شروطها وأركانها وواجباتها (وتنتفي) موانعها وهي (مبطلاتها) كالكلام ونحوه التي ترجع إلى الإخلال بشيء مما يلزم فيها أو فعل منهي عنه فيها بخصوصها، يعني: لا يكون أمرًا عامًا، وهذا فيه تفصيل يأتي في مسألة النهي، يقتضي فساد المنهي عنه، المراد هنا أن الصلاة مركبة لا بد من واجبات وأركان وشرائع، ولا بد من انتفاء موانعه، حينئذٍ لا تتحقق الصلاة ولا توجد إلا بوجود شرائطها وأركان واجباتها وانتفاء موانعها، وكذلك الصيام لا بد من صحته، أو في صحته من وجود كل ما يلزم فيه، يعني: أنه يمسك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلا غروب الشمس، ومن انتفاء المفطرات وكذلك الحج والعمرة، يعني هذه عبادات مركبة، ومن ذلك المعاملات كالبيع والشراء والإجارة وجميع المعاوضات والتبرعات لا تصح وتنفذ إلا باجتماع شروطها وانتفاء موانعها وهي مفسداتها، وكذلك المواريث والنكاح وغيرها، وشروط هذه الأشياء ومفسداتها مفصلٌ في كتب الفقه، يعني لا تذكر هنا، ولهذا إذا فسدت العبادة أو المعاملة أو غيرها من العقود والفسوخ فلا بد من أحد أمرين:
إما لفقد لازم من لوازمها.
أو لوجود مانع.
إما لفقد شرطٍ أو لوجود مانع، متى ما حكم على عبادة بأنها فاسدة ليست صحيحة فلا بد من فقد شرطٍ أو تمت لكن وجد مانع، وكذلك المعاملات والأنكحة لا يقال فيها بأنها فسدت أو بطلت إلا لانتفاء شرط أو وجود مانعٍ، إما إخلال للشيء من دعائمها وشروطها، وإما بوجود مانعٍ ينافيها ويفسدها، ومن تتبع ذلك وجده مطردًا غير منتقض.
(5/21)

إذًا الحاصل أن ما كان محرمًا تحريمًا وعلى ما ذكره المصنف هنا خاصًا في عبادة أو معاملة فإنه يبطلها، وما كان عامًا فإنه لا يبطلها، على تفصيل فيه يأتي في موضعه.
إذًا أحكام الأصولية والفروعية لا تتم إلا بهذين الأمرين.
ثم قال رحمه الله تعالى: (القاعدة التاسعة: العرف والعادة يُرجع إليه في كل حكم، حكم الشارع به، ولم يحدّه)
هذا شرح للقاعدة المشهورة [العادة محكمة] كلمتان مبتدأ وخبر، وأراد المصنف هنا أن يأتي بتفصيل للإيضاح فقط (العرف والعادة يُرجع إليه) يعني: للعرف (في كل حكم) هذا تعميم (حكم الشارع به) ولكن (ولم يحده)، فما حكم الشارع به إما أن يفسره أو لا، يعني: أمر بصلاة، فالصلاة واجبة، هل فسر لنا الصلاة أم لا؟ فسر لنا الصلاة، إذًا حكم وفسر، كذلك الصيام حكم وفسر، وقد يحكم في بعض الأشياء ولا يفسر، فحينئذٍ نقول الحكم يأخذ من الشرع والتفسير يأخذ من العرف. قال المصنف هنا: (العرف والعادة) جمع بينهما المصنف هنا رحمه الله تعالى: وهو من عطف العام على الخاص، هذا الصحيح عطف العام على الخاص.
العرف لغة: قال ابن فارس: العين والراء والفاء أصلان صحيحان يدل أحدهما على السكون والطمأنينة، فيقال: جاء القطا عرفًا عرفًا. أي بعضهما خلف بعض، وتقول عرف فلان فلانًا عِرْفَانًا ومعرفة وهذا أمر معروف، وهذا يدل على سكونه إليه، لأن من أنكر شيئًا توحش منه ونبا عنه، والعرف سُمِّيَ بذلك لأن النفوس تسكن إليه. إذًا دخل الأمر هنا في ماذا؟ في سائر الاشتقاقات، والسكون والطمأنينة إلا الشيء، والأمر كذلك فما تعارف عليه الناس يطمأنون إليه، وإذا حصل النزاع يرضون بحل النزاع بحمل الأحكام على أعرافهم وعاداتهم، فحينئذٍ العرف ما أطمأنت إليه النفس وسكنت إليه النفس. وقال أبو السعود في قوله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199]. أي: بالجميل المستحسن من الأفعال، فإنها قريبة من قبول الناس من غير نكير. وقال الجصاص: والمعروف ما حسن في العقل فعله ولم يكن منكرًا عند ذوي العقول الصحيحة. هذا العرف.
(5/22)

والعادة لغة: قال في لسان العرب: الديدن ديدنه كذا يعني: شيءٌ يستمر عليه هذه المراد بالعادة الديدن، والديدن الدأب والاستمرار على الشيء، سُمِّيَتْ بذلك لأن صاحبها يعاودها، أي يرجع إليها مرةً بعد أخرى، وجمعها عاداتٌ وعوائد، وفي المفردات: العود الرجوع إلا الشيء بعد الانصراف عنه إما انصرافًا بالذات أو بالقول والعزيمة، يعني: من انصرافًا بالذات فهو الحسي، أو العزيمة فهو معنوي، فمعاني العادة قريبة من معنى العرف، فهما إن لم يكونا مترادفين إلا أنهما وإن اتفقا مصدقًا شيء من المعني يختلف الآخر عن صاحبه، فيُشترط في العادة أنها تكون مرةً بعد أخرى ولو مرة واحدة، يعني: إذا فعل الشيء مرة ثم رجع إليه سمي عادةً، لكن لا يسمى عرفًا لماذا؟ لأن العرف ما سكنت النفس إليه، ولا شك أن النفس لا تسكن إلى الشيء إذا فعل مرة واحدة أو مرتين، إذًا إذا عاوده مرة بعد مرة حصل السكون والطمأنينة فصار عرفًا وصار عادة، وأما العادة فتصدق على النوعين ولذلك قلنا: من عطف العام على الخاص، فالعادة إنما تحصل بشيءٍ واحدٍ فتسمى عادة وهي فعل الشيء مرة بعد أخرى، حينئذٍ نقول: عاوده ورجع إليه فصار عادةً له، وأما العرف فلا بد أن يكثر من العود، فمعاني العادة قريبة من معنى العرف، فقد اشترطوا فيها لتكون عادة تكرارها مرة بعد أخرى، واشترط في العرف تتابعه واستمراره أي: أن العادة يمكن أن تكون عرفًا إذا استمرت بعد تكررها، إذًا كل عرفٍ عادة ولا عكس، والعادة اصطلاحًا عرفها القرافي بأنها: " غلبة معنًى من المعاني على جميع البلاد أو بعضها ". وقال الحموي الحنفي: " إن مادة العادة تقتضي تكرار الشيء وعوده تكرارًا كثيرًا يُخرج أو يَخرج عن كونه واقعًا بطريق الاتفاق، والعرف اصطلاحًا ما استقر في النفوس واستحسنته العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول، واستمر الناس عليه مما لا ترده الشريعة، وأقرتهم عليه ".
إذًا فرق بينهما من جهة الاستمرار فحسب، وإلا كل منهما يؤخذ في الاعتبار.
(5/23)

الفرق بين العرف والعادة هما بمعنى واحد من حيث المصدق، أي: من حيث ما يدل عليه لفظهما ويصدقان عليه، وهو العادة المعروفة، وإن اختلفا من حيث المفهوم، وعند الفقهاء العرف والعادة بمعنى واحد، لأن العادة تنشأ بتكررها مرة بعد أخرى واستمرارها يجعلها تستقر في النفوس فتسمى عرفًا، إذا تلقته الطباع السليمة بالقبول واستحسنته العقول وجرى عمل الناس به وهذا هو العرف المعتبر أو العادة المعتبرة. إذًا يتكرر الشيء فيكون عادة فتسكن إليه النفوس وتطمأن وتقبله العقول ولا ترده ولا يخالف الشرع فيصير عرفًا، واضح هذا؟ هنا قال: النسبة بين العرف والعادة العموم والخصوص المطلق، لأن العادة أعم مطلقًا والعرف أخص، إذ هو عادةٌ مقيدة فكل عرفٍ هو عادة من غير عكس، يعني: ليس كل عادة عرفًا لماذا؟ لأن العادة قد تكون فردية أو مشتركة، فردية يعني: مرةٌ واحدة عاد الأمر مرة واحدة يسمى عادة ولا يسمي عرفًا، إذًا العادة قد تكون فردية وقد تكون مشتركة، والعرف هو عادة الجمهور فهو عادة مشتركة، قوله هنا: (يرجع إليه في كل حكم) هذا تفسير لقولهم: العادة محكمة. ما المراد بالمحكمة؟ يرجع إليها في كل حكمٍ، هذا المراد بها، اسم مفعول حُكِّمَ، ومعنى التحكيم القضاء والفصل بين الناس، أي: أن العادة هي المرجع للفصل عند النزاع، يرجع إليه متى؟ عند النزاع (في كل حكم) قد تنازع فيه المتنازعان ولم يَحُدَّ الشارع هذا الشيء. قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19] المعاشرة ما جاء تفسيرها في الكتاب والسنة فكيف نفسرها؟ {عَاشِرُوهُنَّ} دل اللفظ على الأمر بها فهي واجبة، لكن هل فسرها الشارع؟ الجواب: لا، إنما ردهم إلا ما تعارفوه، فحينئذٍ ينظر في ما استقر عليه عمل الناس فيفسر به المعاشرة، وهكذا قوله عز وجل: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [الإسراء: 23]. {إِحْسَاناً} ما جاء مفسر بالكتاب والسنة، فحينئذٍ كيف نفسره نقول: هو واجب من جهة الكتاب والسنة، لكن ما تفسيره؟ نقول: يُرجع فيه إلى العادة والعرف. هذا المراد بقوله: (يُرجع إليه) يعني: للعرف والعادة في كل حكمٍ حكم الشارع به ولم يحده.
دليل القاعدة قوله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199] أي: ما يعرفه الناس ويعتادونه، قال السيوطي رحمه الله تعالى: قال ابن الفرس: معناه أقض بكل ما عرفته النفوس ولا يرده الشرع، وهذا أصل القاعدة الشرعية في اعتبار العرف وتحتها مسائل كثيرة لا تُحصى، وقد ذكر أهل التصنيف في القواعد: أن أصل القاعدة هو حديث: " ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح ". هذا لا يصح ولا أصل له، وإنما هو من قول ابن مسعور رضي الله عنه موقوفًا عليه. وحديث كذلك: "" خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف "". ردها إلى العرف. قال النووي في شرح مسلم: " في هذا الحديث فوائد ". وذكر منها: اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديدٌ شرعي. إذًا العرف هو العادة يُرجع إليه في كل حُكْمٍ حَكَمَ الشارع به ولم يَحُدّه.
ثَمَّ شروط لإعتبار العرف ليس كل عرف لا بد من ضبطه.
شروط اعتبار العرف والعادة:
(5/24)

الأول: أن تكون العادة أو العرف مطردة أو غالبةً. قال السيوطي: " إنما تعتبر العادة إذا اطردت، فإذا اضطربت فلا ". يعني: إذا كان عند بعض الناس دون بعضهم هذه مضطربة حينئذٍ لا تحكم، لا تحكم، ومعنى الاطراد أن يكون عملهم به مستمرًا في جميع الحوادث لا يتخلى، هذا الأول، ويعبر عن الاطراد بالعموم عرفٌ عام يقال، لأن يكون شائعًا مستفيضًا بين أهله بحيث يعرفه جميعه في البلاد كلها أو في أقليم خاص، والمراد من غلبة العرف أن يكون جريان أهله عليه حاصلاً في أكثر الحوادث.
الشرط الثاني: أن يكون العرف الذي يحمل عليه التصرف موجود وقت إنشائه، بأن يكون العرف سابقًا على وقت التصرف ثم يستمر إلى زمانه فيقارنه سواء أكان تصرفًا قولاً أو فعلاً، يعني: أن لا يكون عرفًا طارئًا، وهذا إنما يكون في المعاملات، كالقبض وغيره، فالعرف الطارئ على التصرف بأن يكون حادثًا بعده أو قارن العمل بمقتضاه هذا لا عبرة به، فالعرف الحادث لا عبرة به، أو الذي نشأ وقت اقتران العقد مثلاً لا عبرة به كذلك، وإنما يشترط في العرف أن يكون سابقًا على المعاملة ونحوها.
الشرط الثالث: ألا يكون العرف مخالفًا لنص شرعي.
الشرط الرابع: ألا يعارض العرف تصريحٌ لخلافه. يعني: إذا تعارف عن شيءٍ ما ووقع العقد ونص على أمرٍ يخالف العرف حينئذٍ صار العرف غير محكم.
العرف ينقسم باعتبار مضمونه أو مضمون متعلقه إلى نوعين:
عرف لفظي. وعرفٌ عملي.
وينقسم باعتبار شيوعه واختصاصه إلى:
عرف عام، وعرفٍ خاص.
عرف عام يعني: عند أهل البلد كلهم. وخاص يعني: في مدينةٍ. فالعام هو ما يشترك فيه غالب الناس في جميع البلاد وهو محل اتفاق في العمل به، والخاص هو الذي يختص ببلدٍ أو فئة من الناس دون أخرى، وفيه خلاف، ويعمل به على الصحيح.
وينقسم باعتبار صحته وفساده إلا نوعين:
عرفٌ صحيح، وعرفٌ فاسد.
والصحيح: هو ما تعارفه الناس وليست فيه مخالفة للشرع.
والفاسد: هو المخالف للنصوص الشرعية.
إذًا [العادة محكمة]. قال رحمه الله تعالى: (وهذا أصل واسع موجود في المعاملات، والحقوق، وغيرها، وبيان ذلك: أن جميع الأحكام يحتاج كل واحد منها إلى أمرين)، (جميع الأحكام) عبادات ومعاملات (يحتاج كل واحد منها إلى أمرين) أحدهما (معرفة حدها وتفسيرها) الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره وإذا أمر بشيء لا بد أن يبين به هذا المأمور.
(5/25)

الثاني: بعد هذا بعد معرفة الحدّ والتفسير يُحكم عليها بأحد الإحكام الخمسة، فإذا وجدنا الشارع قد حكم عليها بإيجابٍ أو استحباب أو منعٍ أو إباحة، فإن كان قد حدها وفسرها كالصلاة والزكاة والصيام والحج ونحوها رجعنا إلى ما حده الشارح كما رجعنا إلى ما حكم به، فلا فرق بينهما، فقد أمر بالصلاة وبين الصلاة وشرحها، أمر بالصيام وبين الصيام وشرحه، فكما أخذنا الحكم وهو الوجوب وجوب الصيام، كذلك نأخذ التفسير وهذا شرعٌ وهذا شرعٌ. إذًا قد يحكم الشارع على شيءٍ فيفسره فيجب علينا نحن المكلفون أو المكلفين أننا نعتبر الحكم ونعتبر كذلك التفسير. قال هنا: (وأمّا إذا حكم عليها الشارع، ولم يحدها) يعني لم يفسرها: (فإنه حكم على العباد بما يعرفونه، ويعتادونه) وحينئذٍ تكون العادة محكمة. ... (وقد يصرح لهم بالرجوع) إذًا منه ما حدّه لهم. الثاني: ما لم يحده لهم، ثم هذا على نوعين منهم أو منها ما يصرح لهم بالرجوع إلى العرف ... ({وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]) صرح بماذا؟ بأنهم يرجعون إلى العرف، وبعضها لا، أمرهم ولم يصرح لهم بالرجوع إلى العرف فهو داخل تحت القاعدة، فإنه حكم على العباد بما يعرفونه ويعتادونه (وقد يصرح لهم بالرجوع إلى ذلك كما في قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]. وقد يدخل في ذلك المعروف شرعًا، والمعروف عقلاً، مثل قوله: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199]) الشرعي والعقلي (ويدخل في هذا الأصل مسائل كثيرة جدًا منها: أن الله أمر بالإحسان إلى الوالدين)، {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [الإسراء: 23] واجب أو لا؟ واجب، هل فسر الإحسان؟ الجواب: لا. ما معنى عدم تفسيره للإحسان؟ نقول: هذا فيه ردٌّ إلى ما تعارفه الناس في الإحسان للوالدين، وهذا يختلف، يختلف باختلاف الأزمان واختلاف الأماكن، وقد يكون عند هؤلاء ما هو عقوق ويكون عند الآخرين ما هو إحسان، فحينئذٍ نقول: مرده إلى العرف، والعرف يختلف من بلد إلا بلد، ومن زمنٍ إلى زمن. (والأقارب) كذلك أمر بالإحسان إليهم، وبالصلة صلة الرحم لكنه لم يبينها، فهي واجبة في الجملة أو مستحبة وحينئذٍ يكون العرف هو المحكم في تحديدها، (والجيران واليتامى، والمساكين،) (وكذلك أمر بالإحسان إلى جميع الخلق) {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} [البقرة: 83] (فكل ما شمله الإحسان مما يتعارف الناس) أنه إحسان (فهو داخل في هذه الأوامر الشرعية؛ لأن الله أطلق ذلك، والإحسان ضد الإساءة) يعني: أمر يدرك من جهة اللغة وأمرٌ يدرك من جهة العقل وأمر يدرك من جهة العادة والعرف (والإحسان ضد الإساءة) وضد أيضًا لعدم الإحسان ولو لم يكن إساءة.
إذًا ما يقابل الإحسان شيئان:
الشيء الأول: عدم الإحسان، هذا يسمى ماذا؟ يقابل الإحسان، كذلك الإساءة تقابل الإحسان. إذًا بالفعل أو بعدمه، فكلاهما يُسَمَّى عدم إحسان. و (في الحديث الصحيح: «كل معروف صدقة») كل هذا عام، معروف الصدقة، المعروف الشرعي والمعروف العرفي، (ومن ذلك أن الشارع اشترط الرضا في جميع عقود المعاوضات) وهذا يأتينا إن شاء الله تعالى غدًا.
والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أسئلة:
(5/26)

س: هذا يقول هنا: هل يمكن حمل قول الأصوليين بأن النوم قد يكون عبادة على قاعدة الوسائل لها حكم المقاصد؟
ج: قلنا: الوسائل هذه ليس المراد بها التشريع، وسيلة لا بد أن تكون مأذونًا بها شرعًا أو مباحةً، فينظر فيها أما مقام العبادات فشيء آخر، فلا بد من نظرٍ خاص في كل دليل خاص. والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(5/27)

عناصر الدرس
* تابع شرح القاعدة التاسعة.
* شرح القاعدة العاشرة " البينة على المدعي، واليمين على من أنكر.
* شرح القاعدة الحادية عشر " الأصل بقاء ما كان على ما كان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
سبق معنا عدة قواعد في الدرس الماضي كان من ضمنها القاعدة السابعة وهي: التكليف. (والتكليف والبلوغ والعقل، شرط لوجوب العبادات، والتمييز شرط لصحتها إلا الحج والعمرة، ويشترط لصحة التصرف التكليف والرشد ولصحة التبرع التكليف والرشد والملك) هذه القاعدة تضمنت ثلاثة ضوابط على جهة الأصالة، وتضمنت ضابط على جهة التَّبع، أما ما كان من ضابط على جهة التَّبع هو قوله: (التكليف وهو البلوغ والعقل). فبين لنا الضابط في المكلَّّّّف من هو؟ قال: البالغ العاقل. التكليف شرط لوجوب العبادات، فلا تجب العبادة على غير عاقل وبالغ إلا عبادة واحدة وهي: الزكاة. فإن الزكاة ركن من أركان الإسلام وتجب على المكلف وغير المكلف، يعني: المجنون تجب الزكاة عليه في ماله إذا كان عنده مال وبلغ النصاب وحال عليه الحول، كذلك الصغير لأنها حق مالي فمتى ما وجد السبب ترتب عليه المسبب، حينئذٍ يقال فيه: إنه من الحكم الوضعي، يعني: ربط الأحكام بأسبابها، فمتى ما وجد المال بقطع النظر عن مالكه بشرطه حينئذٍ نقول: وجبت الزكاة. هذا ما يتعلق بالتكليف شرط لوجوب العبادات، حينئذٍ لا يقال بأن ثَمَّ عبادة واجبة على غير بالغ عقل.
الضابط الثاني أشار إليه بقوله: (والتمييز شرط لصحتها). يعني: شرط لصحة العبادة إلا ما استثني وهو الحج والعمرة، فلو قام طفل دون التمييز يصلي ويفعل القيام وكبر وقرأ وركع وسجد وسلم لا يوصف هذا الفعل بكونه صلاةً لماذا؟ لأن الصلاة عبادة ولها شرط صحة، كالضوء حينئذٍ إذا صلى غير المميز كمن صلى بغير طهارة، فكما أننا نصف من صلى بغير طهارة بأن صلاته لا تنعقد من أصلها كذلك غير المميز إذا صلى فصلاته لا تنعقد هذا واضح، وينبني على ذلك مسألة مهمة وهي: هل يصف مع المسلمين في المساجد؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأنه يعتبر قاطعًا للصف، حينئذٍ من كان دون التمييز لا يجوز لوليه أن يمكنه من الصف في صفوف المسلمين، ويجب على الإمام أنه إذا رأى وتأكد أنه غير مميز أنه يجنبه من المصافاة، واستثني الحج والعمرة لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن امرأة رفعت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صبيًّا فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر». هذا الأمر الثاني.
(6/1)

الثالث قال: (ويشترط لصحة التصرف التكليف والرشد). التصرف المراد به البيع والشراء ونحوه، بمعنى أنه هل يصح للصبي أن يتصرف؟ الجواب: لا، لماذا؟ فلا يبيع ولا يشتري ولا يقبل هدية ولا يُهدي، ولا يقبل صدقةً ولا يتصدق، ولا يقف ولا يُوقف عليه، جميع أنواع التصرفات اشترط لها المصنف هنا التكليف، فمن كان دون التكليف لا يصح منه أي تصرف كان، ففيه عموم إذًا يشترط لصحة التصرف التكليف والرشد، يعني: في البيع والشراء والإجارة والرهن والارتهان وغيرها، فلا يصح أن يبيع الإنسان شيئًا من ماله وهو صغير يعني: دون البلوغ، أو مجنون، أو سفيه لا يحسن التصرف لأن الله تعالى قال: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5]. {السُّفَهَاءَ} أي: الجهال بمواضع الحق وقال تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} ... [النساء: 6]. ابتلوا أي اختبروا {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} يعني: مبلغ الرجال والنساء. {فَإِنْ آَنَسْتُمْ} أي: أبصرتم. {مِنْهُمْ رُشْدًا} شرط هنا أمرين لصحة دفع المال إليهم.
الأول: بلغوا النكاح. إذًا التكليف.
الثاني: {آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} أي: عقلاً وحفظًا للمال وعلمًا بما يُصلحه. والمراد بالرشد حُسن الإصلاح، يعني: حسن التصرف في المال لئلا يغبن وبأن لا، يُلعب عليه، حينئذٍ نقول: هذا يعتبر رشيدًا، والصلاح في المال أن لا يكون مُبَذَّرًا، والتبذير هو أن ينفق ماله فيما لا يكون فيه محمدة دنيوية، ولا مثوبة أخروية، أو لا يحسن التصرف فيها فيغبن في البيوع ونحوها، حينئذٍ [نقول: هذا غير .. ] نقول بأنه غير صالح للتصرف، لماذا؟ لانتفاء الشرط وهو التكليف والرشد، فظاهر عبارة المصنف هنا ... (ويشترط لصحة التصرف التكليف والرشد) أن جميع أنواع التصرفات لا بد فيها من التكليف، كما ذكرنا لو أُهْدِي لصبي من غير إذن وليه أو أُوْصِيَ له أو أُوقف عليه فهذا تصرف لأنه أخذ وعطاء، وظاهر عبارة المصنف أنه لا يصح، والأظهر أن التصرف فيما إذا كان النفع محضًا للصبي أنه يصح، لأن التصرفات على ثلاثة أنواع:
الأول: تصرف هو نفع محض نحو الصبي، يعني: من حق الصبي.
ثانيًا: تصرف هو ضرر محض نحو الصبي، أو في حق الصبي.
ثالثًًا: تصرف هو متردد بينهما، يعني: بين النفع المحض والضرر المحض، وهذا محل خلاف والمراد به البيع والشراء.
التصرف الذي هو ضرر محض والذي هو متردد بينهما داخل في قول المصنف: ولا إشكال. بمعنى أنه لا بد من التكليف، فلا يصح من الصبي ويتناوله كلام المصنف رحمه الله تعالى، وأما المتردد بينهما وهو البيع والشراء هذا فيه ثلاثة أقوال:
قيل: لا يصح مطلقًا.
وقيل: يصح مطلقًا.
وقيل: يصح بإذن الولي.
وقيل: يصح بإذن الولي. عند من قال بالثالث في الأشياء المحقرة، الأشياء التي لا يلتفت إليها، إذًا قوله: (ويشترط لصحة التصرف التكليف والرشد). ينبغي تقييده بما ذكرنا.
(6/2)

الفائدة الرابعة أو الضابطة الرابعة قال: (ولصحة التبرع التكليف والرشد والملك). ذكر ثلاثة أشياء، التكليف والرشد والملك، شرط لصحة التبرع، وإن كان الملك شرط للكل للجميع، لأنه لا يصح أن يتصرف شخص ما ببيع أو شراء أو هِبة أو هدية إلا فيما يملك، وإنما المراد هنا الملك ملك التبرع بمعنى أنه يصح له أن يتبرع، هذا الذي أُريد، أي: ملك التبرع. يعني: يشترط أن يكون مما يملك التبرع، احترازًا ممن يصح تصرفه في مال غيره دون تبرعه، ولي اليتيم يصح أن يتصرف في مال اليتيم بالبيع والشراء لمصلحة اليتيم، لكن هل يحق له أن يتبرع؟ الجواب: لا، إذًا لا يملك التبرع، مع كونه يملك التصرف، إذًا ليس كل من ملك التصرف ملك التبرع، هذا المراد بشرط المصنف هنا، كولي اليتيم فإن تصرفه في مال اليتيم صحيح أما تبرعه فلا، لأنه لا يملك التبرع، وكذلك على القول الراجح المحجور عليه لفلس فإنه لا يملك التبرع، وكذلك المدين الذي له غرماء وعنده مال حينئذٍ لا يصح له أن يتبرع.
إذًا هذه أربع قواعد أو ضوابط مهمة. قوله في الأمثلة: (ويستثنى من هذه العبادات المالية كالزكوات، والكفارات والنفقات) أما الزكوات فهذا كما ذكرنا أنها تجب في مال الصبي والمجنون، بمعنى أنها من خطاب الوضع، وخطاب الوضع لا يشترط فيه التكليف، وأما الكفارات فهنا سوى المصنف بين المكلَّف وغير المكلَّف، وهذا هو الصحيح، انتقد بعضهم بأن الكفارات إنما تكون على من يأثم، وإما أن يفعل أن يترك واجبًا أو يفعل محرمًا، إذا كان الأمر كذلك حينئذٍ الصبي غير مكلف، وإذا كان الصبي غير مكلف حينئذٍ إذا فعل محرمًا ترتب عليه كفارة فلا كفارة، قد قال به بعض أهل العلم، والصواب أن الكفارات كالزكوات من ربط الأحكام بأسبابها، وأما الإثم وعدمه فهذا نعم، لا إثم على الصبي إذا فعل محظورًا أو ترك واجبًا، لكن لا يلزم من رفع الإثم رفع الكفارة، ولا يلزم من إثبات الكفارة إثبات الإثم، بمعنى أن الجهة منفكة قد تلزمه الكفارة كما لو قتل صبي قتلاً خطئًا والصبي عمده كخطئه، حينئذٍ لو قتل هل تلزم الدية؟ الجواب: نعم، لماذا؟ هل يأثم أولاً؟ نقول: لا يأثم، لو قتل لا يأثم، لماذا؟ لأن القتل محرم وهذا غير مكلف، إذًا غير مخاطب بالنهي. ثانيًا هل تلزمه الكفارة؟
الجواب: نعم، ولا تعارض، كيف يقال بأنه لا يأثم ونلزمه بالكفارة؟ نقول: لا يأثم لأن الخطاب خطاب تكليفي، والصبي مرفوع عنه القلم، وتلزمه الكفارة لأن الخطاب خطاب وضع ولا يشترط فيه التكليف.
(6/3)

إذًا كل صبي فعل فعلاً وترتب على هذا الفعل كفارة فحينئذٍ تلزمه الكفارة، وكذلك النفقات لو ورث صبي مالاً وكان ثَمَّ من تجب عليه النفقة من الصبي وجب في مال الصبي أن ينفق على قريبه، فحينئذٍ نقول: هذا من خطاب الوضع وليس من خطاب التكليف. فحينئذٍ الصبي قد يجب عليه أو تجب عليه النفقة على من يجب عليه نفقته، وذلك لأنه متعلق بالمال والشيء المتعلق بالمال لا بذات الشخص حينئذٍ نقول: هذا من ربط الأحكام بأسبابها. والتبرعات هذا واضح بَيِّن، ثم ذكرنا القاعدة التاسعة وهي [العادة محكمة] وإن عبر عنها المصنف بتعبير آخر شارحًا بها شارحًا بكلامه القاعدة، فقال رحمه الله تعالى: (العرف والعادة يرجع إليه في كل حُكْمٍ حَكَمَ الشارع به، ولم يحده). عرفنا أن العرف والعادة أن بنيهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا، فكل عرف عادة ولا عكس، والعرف في الاصطلاح ما استقر في النفوس واستحسنته العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول واستمر الناس عليه مما لا ترده الشريعة وأقرتهم عليه، ولذلك قلنا: مأخوذ من ماذا؟ من الشيء الذي تسكن إليه النفس، لا يكون العرف عرفًا إلا إذا اطمأنت النفوس إلى هذا الأمر، وكذلك إذا قبلته العقول فلم ترده ولم يخالف شرعًا، والعادة غلبة معنى من المعاني على جميع البلاد أو بعضها، كما قال القرافي وغيره، حينئذٍ نقول: بين العرف والعادة عموم وخصوص مطلقًا، فالعادة أعم مطلقًا من العرف، والعرف أخص مطلقًا إذ هو عادة مقيدة، لأن العادة قد تكون فردية، يعني: خاصة بشخص بأن يفعل الشيء مرة ثم يكرره مرةً ثانية، فثبتت العادة في حقه لكن لا يكون عرفًا، إذًا متعلق العادة الأفراد حينئذٍ تكون عادة فردية، وكذلك متعلق العادة الجميع أو الغلبة الكثرة حينئذٍ نقول: هذه عادة مشتركة، وأما العرف فهو عادة الجمهور، حينئذٍ يكون عادة مشتركة، إذا عرفنا هذا النوع بأن العادة يدخل تحتها أمران أو فردان، فردية ومشتركة، والعرف خاص بالمشتركة، حينئذٍ صارت العادة أعم من العرف، وما اشتهر عند الفقهاء بأن العادة محكمة هو الذي عناه المصنف بقوله: (يرجع إليه). يعني: العادة أو العرف. وذكر أفرد الضمير مع كونه قال: (العرف والعادة). باعتبار المذكور (يرجع إليه في كل حُكْمٍ حَكَمَ الشارع به) والحكم والتحكيم هو القضاء والفصل بين الناس عند النزاع، فحينئذٍ تُثْبَتُ الأحكام على وفق ما تقتضي به العادة والعرف، وهذا كما ذكر المصنف أن الله تعالى إذا حكم بشيء على شيء إما أن يكون المحكوم به مُفَسَّرًا في الكتاب والسنة حينئذٍ صارت له حقيقة شرعية، وإذا كان كذلك حينئذٍ لا يجوز العدول بذلك اللفظ عن معناه الذي وضع له في الشرع كالصلاة والزكاة والصيام والحج ونحوها، هذا مما حكم به الشارع وفسره يعني: بينه، بين الكيفية، والنوع الثاني: أن يحكم الشارع بحكم من الأحكام الخمسة ولكن لا يبين شأن المحكوم عليه، فحينئذٍ نقول: هذا مرده إلى العرف، ثم قد يصرح به الرب جل وعلا فيأمر بالرجوع إلى العرف كما قال تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199]. وقال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].
(6/4)

نقول: هذا قد نص الرب جل وعلا على الرجوع إلى العرف لأنه أمر بالعِشْرة ولم يفسرها، أمر بالعِشْرة فالعِشْرة واجبة مأمور بها لكن هل فسرها في الكتاب والسنة؟ الجواب: لا، إذًا ردنا الرب جل وعلا إلى تفسير معنى هذه العِشْرة ومعرفة ضوابطها ومعناها إلى العرف، قال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}. وكذلك قوله: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}. فحينئذٍ أمرنا بماذا؟ بالرجوع إلى العرف، وثَمَّ أحكام أمر بها الرب جل وعلا ولم يبينها ولم يصرح فيها بالرجوع إلى العرف، حينئذٍ تكون هذه محمولة على تكون محمولة على النوع الأول، بمعنى أنه يستوي عندنا الأمر الذي لم يُشرح ويبين في الكتاب والسنة بما صرح فيه الرب بالرجوع إلى العرف وما لم يصرح، أليس كذلك؟ إذًا الأحكام التي يُرجع فيها إلى العرف على مرتبتين:
إما أن يصرح الشارع بالرجوع فيها إلى العرف كالعِشْرة، وإما أن يسكت، وإذا سكت حينئذٍ حملنا هذا النوع على سابقه، وهذا الذي عناه المصنف بقوله: (ويدخل في هذا الأصل مسائل كثيرة جدًا منها: أن الله أمر بالإحسان إلى الوالدين). هنا أمر بالإحسان {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} أي: احسنوا بالوالدين إحسانًا، إذًا أمر بالإحسان، هل فسر معنى الإحسان؟
الجواب: لا، هل أمرنا بالرجوع إلى العرف في معرفة الإحسان؟
(6/5)

الجواب: لا، ماذا نصنع؟ نرجع إلى العرف، حينئذٍ كونه لم يفسر لا يمنع من الرجوع إلى العرف، هذه واحدة، كونه لم يأمرنا بالرجوع إلى العرف لا يمنع الرجوع إلى العرف. إذًا (أن الله أمر بالإحسان إلى الوالدين، والأقارب، والجيران، واليتامى، والمساكين، وكذلك بالإحسان إلى جميع الخلق، فكل ما شمله الإحسان قولاً أو فعلاً أو تركًا مما يتعارف الناس أنه إحسان فهو داخل في هذه الأوامر الشرعية) فما من أمر يمر بك في الكتاب أو السنة بالإحسان إلا وهو مردود إلى العرف، ولا شك أن العرف يختلف، فقد يختلف الشيء فيه الناس باعتبار الأزمان أو يتحد الزمان وإنما يختلفون باعتبار الأماكن، (لأن الله أطلق ذلك، والإحسان ضد للإساءة، وضد أيضًا لعدم الإحسان ولو لم تكن إساءة) وكذلك صلة الأرحام أمر الشارع بها ولم يبين الله تعالى كيفيتها، حينئذٍ يرجع في ذلك إلى العرف والعادة، حينئذٍ بعض الأرحام قد يحتاج إلى زيارة كل يوم في بلد ما، ونفس هذه العلاقة في بلد ما قد لا يحتاج إلى زيارة كل يوم، فالذي يكون بجواره والداه ليس كالذي يكون والداه بعيدين عنه، أليس كذلك؟ فالعرف يختلف، كذلك القريب جدًا كالعم والخال ونحوهما ليس كالذي يكون بعيدًا كابن ابن العم أو ابن ابْن الخال ونحو ذلك، فحينئذٍ هذه تختلف باختلاف الأشخاص وباختلاف الأزمان وباختلاف الأماكن، فليس كل ما عد صلة رحم في بلد ما لزم أن يكون في بلد آخر مثله، وإنما يُنظر في ما تعارف عليه الناس، ولذلك يقول ابن عثيمين هنا رحمه الله تعالى: فلا يلزم أن يصل رحمه كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر، بل ما جرى العرف بأنه صلة فهو صلة، وما جرى العرف بأنه ليس بصلة فليس بصلة، فإذا اكتفى الناس بالسؤال بالاتصال مثلاً بالجوال قد شاع بين الناس هذا، واكتفوا به في المعايدات وفي المناسبات وفي الأفراح وفي الأحزان، لو شاع وانتشر لصار هذا يعتبر من الصلة والقربى مع الناس، كذلك الإحسان يختلف ربما تتصدق على فقير الكلام للشيخ رحمه الله تعالى، ربما تتصدق على فقير بدرهم ويعتبر هذا إحسانًا وتهب شخصًا غنيًّا كبيرًا ذا جاه درهمًا فيعتبر هذا إساءةً، هذا الفعل واحد ويعتبر إحسانًا من وجه وإساءةً من وجه آخر. قال رحمه الله تعالى: (وفي الحديث الصحيح: «كل معروف صدقة»). كل هذا لفظ عام، ومعروف مضاف إليه، كل مضاف ومعروف مضاف إليه، إذًا جميع أفراد ما يصدُق عليه أنه معروف فهو صدقة، والمعروف المراد به هنا المعروف الشرعي والمعروف العرفي فيشمل النوعين. قال رحمه الله تعالى: (ومن ذلك). يعني: ومما يرجع فيه إلى العرف وأمر به الشارع ولم يفسره (أن الشارع اشترط الرضا في جميع عقود المعاوضات والتبرعات بين الطرفين) لا يصح عقد من العقود كما سينص على ذلك في قاعدة مستقلة لا يصح أي عقد كان إلا برضا من الطرفين فلا بيع ولا شراء إلا بالرضا من الطرفين، ولا يصح النكاح إلا بالرضا من الطرفين، ولا يصح طلاق إلا بالرضا من الزوج بأن يطلق، وكل عقد سواء كان في المعاوضات أو التبرعات فلا يصح الرضا إلا من الطرفين في المعاوضات ومن الطرف المعطي في التبرعات، لكن اشترط الرضا لكن هل حده بينه؟
(6/6)

الجواب: لا، {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما البيع عن تراضٍ». حينئذٍ هل فَسَّرَ كيف يحصل هذا الرضا أو كيف نحكم على المتعاقدين بأن كلاً منهما قد رضي؟ لم يبينه، حينئذٍ يكون المرجع في ذلك إلى العرف، فما تعارف عليه الناس أنه رضا سواء كان بالقول أو بالفعل أو بالكتابة أو بالإشارة واشتهر وعُرِفَ ذلك صار دالاً على الرضا، (ولم يشترط للرضا لفظًا معينًا). قال رحمه الله تعالى: (فأي لفظ وأي فعل دل على العقد والتراضي حصل به المقصود، فالعقود كلها تنعقد بما دلّ عليها من قول، أو فعل) من قول، المراد بالقول الإيجاب والقبول، بِعْتُكَ هَذِهِ الأَرْضُ قَبِلْتُ، بعتُ واشتريت، حينئذٍ الإيجاب والقبول يكون باللفظ، وهذا واضح بين، وبالفعل كما لو عرف أو كما يقول الفقهاء في السلعة المسعرة، الثمن إذا كان مسعرًا يعني: تجد السلعة وعليها سعرها، فتنظر فيه فتعلمه وتخرج المال وتضعه وتمشي أو تدفعه للبائع، هنا لم يحصل إيجاب ولا قبول وهذا ما يسمى ببيع المعاطاة، هل يصح أو لا يصح؟ فيه خلاف، والصحيح أنه يصح بناءً على هذه القاعدة، لأنه دل على الرضا ما جعل التسعيرة على السلعة إلا من أجل ماذا؟ أن يبيع بهذا السعر، أليس كذلك؟ إلا إذا حصل تبديل، وأما إذا كانت السلعة كما هي موضوع السعر كما هو على السلعة فالأصل فيه أنه كأنه قال لك: أبيعكُ هذه السلعة بثمن كذا. فإذا رأيته وقد رضيت ووضعت الثمن سلمت الثمن حينئذٍ نقول: الرضا موجود. لكن هل دل عليه قول؟ الجواب: لا، وإنما دل عليه الفعل. إذًا المعاطاة أن يبذل الثمن ويأخذ المثمن، والصحيح أنه صحيح ثابت، لأن الفعل دل على الرضا وإذا وجد الرضا بأي شيء حصل المقصود، فكل العقود من تبرعات ومعاوضات وتوثيقات وأمانات كلها تنعقد بما دل عليها من قول أو لفظ، فلا يشترط فيها القول وليس بشرط فيها الإيجاب والقبول، هذا هو الأصل المطرد.
(6/7)

يقول المصنف رحمه الله تعالى: (ولكن أهل العلم استثنوا منها) من هذه العقود التي قلنا بأن الأصل فيها التراضي وأنه لا يشترط فيها اللفظ بل الفعل يدل على الرضا، (استثنوا منها بعض مسائل اشترطوا) اللفظ لدليل خاص بها، اشترطوا اللفظ لعقدها أو لحلها، لعقدها كالنكاح، أو لحلها كالطلاق، لأن الطلاق ما هو؟ حل عقد النكاح، اشترطوا فيها اللفظ لماذا؟ (لخطرها). قالوا: هذه لا بد فيها من لفظ ولا يجزئ فيها الفعل. قال: (مثل النكاح قالوا: لا بد فيه من الإيجاب والقبول اللفظي). هنا المصنف لم يشترط لفظًا معينًا - كما هو المذهب - زوجني زوجتك، أنكحني أنكحتُك، هذا الذي في المذهب، لكن المصنف هنا أطلق قال: ... (لا بد فيه من الإيجاب والقبول اللفظي). يعني: سواء كان بلفظ النكاح والزواج أو لا، مما عده أهل العرف تعبيرًا عن النكاح، ما عدا لفظ الهبة، الهِبة لا يدخل، يقول: وهبتك ابنتي. يقول: قبلت. هذا لا يصح، لماذا؟ لأن الهبة خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما لو تعارف الناس أن يقول: أهديتك ابنتي. حينئذٍ يقول: هذا لا بأس به. لكن لا بد من وجوب النية المقارنة للوزن، حينئذٍ لا يشترط في عقد النكاح أي لفظ، وإنما المراد به لا بد من اللفظ، لا بد من التلفظ وهبتك زوجتك، ولو قال للعامي: زوجتك. المذهب لا يصح، عندنا المذهب لا يصح عند الحنابلة لا يصح، زوجتك هذا لا يصح، لماذا؟ لأنه لم يأت بالإيجاب والقبول، لكن الصواب أن اللفظ هنا شرط ولا يشترط تعين اللفظ، بل أي لفظ تعارف عليه الناس في عقد النكاح حصل به. إذًا ما عدا لفظ الهبة فلا يصح النكاح به لأن الهبة خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ... (وكذلك الطلاق) وهو حل عقد النكاح (لا يقع إلا بلفظ أو كناية) واللفظ قد يكون صريحًا، وقد يكون كناية، طلاق قد يكون بلفظ صريح زوجتي طالق أنت طالق، وقد يكون بلفظ ليس صريحًا ولكنه يكون كناية اذهبي إلى بيت أهلك، لا يُشترط في الأول النية، وإنما متى ما وقع اللفظ حصل الطلاق، وأما الثاني الذي هو الكنايات فلا بد فيها من النية، اذهبي إلى بيت أهلك إذًا نوى الطلاق وحل العقد حينئذٍ وقع الطلاق، لماذا؟ لأنه حصل بلفظ، وهذا اللفظ كناية وقد وجدت النية، لكن لو ذكر اللفظ ولم ينو قطع النكاح فحينئذٍ لا يقع الطلاق (أو كتابة) أن يكتب بخط يديه، أو يكتب رسالة ولو بالجوال نقول: يقع الطلاق. لماذا؟ لأنه كتابة، فإذا حصلت الكتابة حصل المقصود المترتب على الكتابة، وهو: حل العقد.
(6/8)

قال رحمه الله تعالى: (ومن الفروع المترتبة على هذا الأصل) وهو أن [العادة محكمة] (أن كل عقد اشتُرط له القبض) يعني: استلام المال أو بالثمن أن القبض راجع إلى العرف، إذا باع واشترى لا بد أن يستلم البائع الثمن من المشتري، ولا بد أن يستلم المشتري السلعة من البائع، حينئذٍ لا بد من القبض، كيف يتم القبض؟ حينئذٍ يختلف باختلاف المبيعات والسلع، وقد يختلف باختلاف الأزمان والبلدان، فالأرض مثلاً تقبض بالعرف والعادة اشترى أرضًا كيف يقبضها يسحبها إلى بيته هذا متعذر وإنما يخلى بينه وبينها، يعني: إذا كانت محاطة بجدران ونحوها يخلى بين المشتري وبين هذه الأرض فيفعل فيها ما يشاء، كذلك السيارة مثلاً إذا اشترى كيف يقبضها؟ باستلام المفاتيح وإخراجها من المعرض، وأما الأوراق هذه ليست داخلة في مسمى القبض لأنها متممات، وإنما البيع حصل بالقبول والإيجاب ودفع الثمن واستلام السيارة، وأما المكملات هذه فليست داخلة في مسمى البيع، وإنما هذه من أجل الإجراءات المترتبة عليها، وكذلك البيت يتم استلامه بإفراغه والتخلية بينه وبين المشتري. إذًا يُرجع فيه إلى العرف، ولم يبين الشارع كيف يتم استلام وقبض السلع ولا استلام وقبض الثمن، وإنما يختلف باختلاف الأعراف، وكذلك الحرز يُرجع فيه إلى العرف ويختلف باختلاف الأموال، الحرز يعني: الشيء الذي تحفظه فيه الأمانات مثلاً، كالودائع وغيرها. قال الشيخ هنا رحمه الله تعالى: (فحرز البطيخ ونحوه بأن يجعله في حظيرة، أو أن يجعل ثوبًا، وحفظ النقود من الذهب والفضة وغيرها بالصناديق وراء إغلاق الوثيقة). يعني: إذا أعطاك شخص ما أمانة ذهب وفضة حينئذٍ أنت أمين كيف تحفظها؟ يجب عليك أن تحفظها فيما يُحفظ فيه الذهب والفضة، هل تضعها عند الباب؟ الجواب: لا، هل تضعها في ما بين السور والبيت؟
(6/9)

الجواب: لا، هل تضعها في درج السيارة؟ الجواب: لا، إن فعلت شيئًا من ذلك فضاعت وفُقدت حينئذٍ وجب عليك الضمان، لماذا؟ لأن الذهب والفضة في عرف الناس لا تحفظ في مثل هذه الأشياء وإنما تحفظ في محافظ خاصة بها، حينئذٍ إذا حصل الحفظ لها في حرزها فإن فقدت أو تلفت فحينئذٍ لا يطالب الأمين بالضمان (ومن ذلك أن الأمين لا يضمن ما تلف عنده إلا بتعدٍّ أو تفريط) من هو الأمين؟ الأمين كل من حصل المال بيده بإذن من الشرع كولي اليتيم، أو بإذن من المالك، هذا هو الأمين، الأَمِين الذي يُؤتمن على المال، كل من اؤتمن على مال فهو أمين، وحصل المال بيده إما بإذن من الشارع كولي اليتيم، أو بإذن من المالك كالوكيل، كل أمين لا يضمن ما تلف عنده إلا إذا تعدَّى أو فرط. قال هنا: (الأمين لا يضمن ما تلف عنده إلا بتعدٍّ). وهو فعل ما لا يجوز. يعني: أعطاه أمانة سيارة وأوقفها عند بيته قال: هذه أمانة عندك فلا تحركها. وحركها حينئذٍ إذا أصابها سوء يجب عليه الضمان، لأنه فعل ما لا يجوز تعدَّى عليها، لكن لو جاء التلف وهي باقية في محلها، حينئذٍ لا يضمن، لماذا ضمن في المسألة الأولى؟ لأنه يعتبر متعدِّيًا لأنه فعل فيها ما لا يجوز، لأنه اؤتمن على هذه السيارة ولم يُؤذن له في التصرف فإذا تصرف فيها حينئذٍ يضمن، وأما إذا أوقفها في مكانها ولم يتصرف فيها وتلفت أو حصل لها مكروه لا يضمن، (أو تفريط) وهو ترك ما يجب، فمن أعطي أمانة للحفظ فاحتاج إليها وتصرف فيها فهو متعدٍّ، ومن أعطي أمانة ووضعها في فناء البيت وهي من الذهب أو الفضة فهو مفرط، لأنه ترك ما يجب. إذًا متى يضمن الأمين؟ إذا فرَّط أو تعدَّى، ما معنى التفريط؟ أنه ترك ما يجب، يعني: من حرزها. وأما التعدِّي فهو فعل ما لا يجوز، بل ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لو أُذِنَ في تصرف معين فتوسع في التصرف فحصل شيء من التلف ضمن، يعني: لو أخذت سيارة زيد من الناس قلت له: أريد أن أذهب إلى مسجد كذا. أنت مأذون لك في التصرف في شيء معين، لو غيرت الاتجاه فذهبت بها إلى محل لم يؤذن لك، حينئذٍ يترتب على هذا أمر وهو: أنه إذا حصل مكروه دون تعدي منك في الأول بأن استُعملت السيارة فيما أُذن لك فيه فلا ضمان، وأما إذا تصرفت فيما لم يؤذن لك به وحصل مكروه فحينئذٍ لزمك الضمان (أن الأمين لا يضمن ما تلف عنده إلا بتعدٍّ أو تفريط والتعدي والتفريط مرجعه إلى العرف، إذ لم يرد في الشرع تفسير له فما عده الناس تعدِّيًا أو تفريطًا علق به الحكم. ومن ذلك) يعني: الأحكام التي يُرجع فيها إلى العرف (أن من وجد لقطة) وهذه سيأتي لها بحث في القاعدة العشرين (أن من وجد لقطة لزمه أن يعرّفها حولاً كاملاً) لقطة هنا أطلق المصنف، وإنما يجب تقييدها مما يجب تعريفها، ليس كل لقطة يجب تعريفها، احترازًا من اللقطة التي لا يجب تعريفها لعدم اهتمام الناس بها، ولهذا لما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - تمرة في السوق قال: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها». وهي لقطة (لزمه أن يعرفها) كيف يعرفها؟ المرجع إلى العرف (لزمه أن يعرّفها حولاً كاملاً بحسب العرف) كما نص عليه هنا رحمه الله تعالى.
(6/10)

قال الشيخ هنا: (فلا يقال عرفها كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر، بل يرجع في ذلك إلى العرف، إلا أنه لا بد من تتابع التعريف بها أول ما يجدها، أما إذا طالت المدة كما إذا انتصفت السنة فيكفي أن تعرفها في الشهر مرة). إذًا مرده إلى العرف إلا أنه في أول زمن اللقطة حينئذٍ يكثر من التعريف، (فإن لم يجد صاحبها) بعد تعريفها (ملكها) على تفصيل يأتي في القاعدة العشرين إن شاء الله تعالى.
(ومن فروعها) أي: هذه القاعدة [العادة محكمة] (أن الأوقاف يُرجع في مصارفها إلى شروط الواقفين) كل من أوقف وقفًا حينئذٍ إن شَرَطَ فيه شرط يعني قال: هذا الوقف إنما ينزل فيه المساكين الفقراء. إذًا الأغنياء لا يحل لهم أن ينزلوا في هذا الوقف، أو قال: هذا الوقف لطلاب العلم. وأطلق حينئذٍ يشمل الغني والفقير، من عدا طالب العلم لا يجوز النزول فيه، لماذا؟ لأن هذا وقف مشروط، فيجب الوفاء بشروط الواقفين، أن الأوقاف يُرجع في مصارفها إلى شروط الواقفين. قال: (التي لا تخالف الشرع). إذًا شروط الواقفين قسمان:
شروط تخالف الشرع.
والثاني: شروط لا تخالف الشرع.
ما يخالف الشرع هذا موجود، قد يوقف وقفًا على قبر فلان مزار حينئذٍ نقول: هذا شرط لاغٍ لأنه مخالف للشرع، كذلك لو أوقف وقفًا على بدعة كمولد نقول: هذا الشرط لاغٍ لا عبرة به لأنه مخالف للشرع، وإنما يشرط شيئًا لا يخالف الشرع بمعنى أن الشرع لا يمنع منه. قال: (يُرجع في مصارفها إلى شروط الواقفين التي لا تخالف الشرع). هذا واضح ولا مدخل له معنى هنا، وإنما هذه توطئة طيب (فإن جُهل شرط الموقف رجع في ذلك إلى العادة والعرف الخاص) هذا المثال الثاني هو الذي يدخل معنا في القاعدة، وأما اعتبار شروط الواقفين هذا ليس داخلاً تحت القاعدة، وإنما إذا جُهل هذا وقف أوقفه ومات، وما ندري ما شرطه فيه نصرفه في أي شيء حينئذٍ نرجع إلى العرف، أي عرف؟ هنا عرفان:
عرف خاص بالواقفين، ما أكثر ما يوقفه الواقفون في هذا البلد إن كان على الفقراء حينئذٍ نقول: هذا عرف خاص في شأن أهل الوقف فيحمل عليه.
(6/11)

ثانيًا: إن لم يكن عرف خاص رجعنا إلى العرف العام، وهو أكثر ما يكون من شأن أهل البلد فينظر فيه. قال هنا: (فإن جهل شرط الموقف رُجع في ذلك إلى العادة والعرف الخاص). يعني: عند أصحاب الأوقاف، إذ قد يختلف العرف العام والعرف الخاص، وحينئذٍ يقدم الخاص لأنه أقرب من نية الواقف، ثم إلى العرف العام في صرفها في مصارفها. (ومن ذلك الحكم باليد والمجاراة لمن كان بيده عين يتصرف فيها مدة طويلة تصرف الملاك بأنها له عملاً بالعرف) عرف الناس أن من كانت في يديه عين بيت أو أرض أو سيارة يتصرف فيها تصرف الملاك، يذهب ويأتي ويركب السيارة ويوقفها في محلها، وبيته يستقبل ويبيع ويشتري .. إلى آخره، نقول: هذه العين التي بيديه تصرف فيها تصرف الملاك، هل عندنا ثبت بأنها ملك له؟ الجواب: لا، ما ندري أنت معك سيارة الآن ما أدراني أنها ملك لك لكن في عرف الناس أن من تصرف هذا النوع من التصرف إنما يتصرف في شيء يملكه هذا هو الأصل فيه، حينئذٍ إذا ادعى مدعي بأن هذه اليد بأن هذه العين له، قلنا: لا، العرف أن من تصرف في سيارته أو أرضه تصرف الملاك فهي له إما أن تأتي ببينة تُثبت بأن ما تحت يد زيد بأنه ملك لك فحينئذٍ يُنظر في البينة تقبل أو لا، وإن لم يأت فلا، عملاً بالعرف. قال هنا: (ومن ذلك الحكم باليد). يعني: باليد الملك. (والمجاراة لمن كان بيده عين) أرض أو سيارة أو بيت قل ما شئت (يتصرف فيها) في هذه العين (مدة طويلة تصرف الملاك) يعني: ظاهره أنه يملكها (بأنها له) نحكم له بأنها له (عملاً بالعرف إلا ببينة تشهد بخلاف ذلك فيعمل بها). وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لا يرى أنه ينظر في أي بينة في مثل هذه الحال لأنه يفتح الباب، قال: بل لو جاء بوثيقة تدل على أن هذا البيت لجده كما قال الشيخ هنا رحمه الله تعالى فلا يقبل، لماذا؟ لأنه يحتمل أن هذه الوثيقة متأخرة أو أنها منسية، ولو فتح الباب أن كل شخص يُدَّعَى عليه فيما تحت يده بأن عنده بينة ويحتمل أنها له حينئذٍ فتح باب كبير، فعلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لا تقبل البينة مهما كان في هذا المقام عملاً بالعرف بأن كل من تصرف في عين تصرف الملاك فهي له، وقبول البينات في مثل هذه هذا يفتح بابًا عظيمًا من الشر والفساد.
(6/12)

(ومن فروعها: الرجوع إلى المعروف في نفقة الزوجات، والأقارب، والمماليك، والأجراء، ونحوهم) الرجوع إلى المعروف يعني: إلى ما تعارف عليه الناس في ذلك البلد من نحو النفقة على الزوجة، والعبرة هنا بالزوج العبرة بالزوج، يعني: المعتبر حال الزوج، فإن كان الزوج غنيًا فحينئذٍ عليه نفقة غني، وهذا لا إشكال فيه، وإن كان فقيرًا لم يلزمه إلا نفقة فقير ولو كانت الزوجة غنية، واضح؟ إذًا النظر هنا في من؟ في الزوج، أما الزوجة كانت غنية كبيرة صغيرة أميرة حقيرة أيًّا كانت فالنظر يكون في الزوج، فلو كان فقيرًا وزوجته غنية حينئذٍ ماذا يلزمه؟ يلزمه نفقة فقير، يعني: ما يناسب حاله، ولا يلزمه أن يُعطي الزوجة ما يناسب حالها، وهذا القول هو الصحيح وهو ما دل عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا} [الطلاق: 7]. القرآن دل على ماذا؟ على أن الواجب على الزوج أن يُنفق بحسب حاله، فإن كان معسرًا وهي غنية فليس لها الحق أن تطالبه بنفقة غني، لماذا؟ لأنه لا يستطيع والله عز وجل يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا}. فالنظر يكون في حال الزوج، وقد قيل: ينظر في حال الزوجة وليس بصحيح. (والأقارب) وهنا يختلفون في قربهم وبعدهم، كذلك في وجوب النفقة وعدمها (والمماليك) العبد أو الأمة الذي يكون تحت سيده، (والأجراء) أجرة العامل (ونحوهم بل صرح الله في حق الزوجات بالرجوع إلى العرف بما هو أعم من النفقة وهو المعاشرة) المعاشرة أعم من النفقة لأن المراد بها المعاملة من كلام ونحوه وتدخل النفقة تحتها، فحينئذٍ أعم فقال سبحانه {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]. (فشمل جميع ما يكون بين الزوجين من المعاشرة القولية) كالكلام الحسن ونحوه، (والفعلية) كعدم الاعتداء بالضرب ونحوه وأن على كل منهما الرجوع فيها أي: المعاشرة إلى المعروف. إذًا هذه المسألة مبناها على العرف، والرجوع إلى العرف إنما يمنع في مثل هذه المواضع يمنع الفساد والشر، لأن العرف قلنا: ما تواطأت عليه النفس وسكنت إليه واطمأنت به. إذًا إذا حصل نزاع في النفقة بين الزوج وزوجته كل منهما يعرف العرف، هذا الأصل فيه حينئذٍ يحل النزاع بالرجوع إلى العرف عند الخصومة.
(6/13)

(ومن فروعها: رجوع المستحاضة إلى عادتها) عندكم [التي لا تمييز لها] ثم إلى العادة الغالبة ستة أيام أو سبعة يعني: العرف له مدخل في باب الحيض، ولذلك يقال: أقل الحيض كذا. يوم وليلة، وقيل كم؟ عشرة. وقيل: ثلاثة. وقيل وقِيل بناءً على أن كل ناظر من الفقهاء نظر فيمن حوله، فقال: أقل الحيض كذا، وأكثر الحيض كذا، وأقل الطهر كذا وأكثر الطهر كذا، وهذا كل مبناه على العرف، فحينئذٍ نقول: الحيض من أصله مبني على قاعدة [العادة محكمة]. هنا (رجوع المستحاضة التي لا تمييز لها) يعني: لا تميز جرى معها الدم ولا تدري هل هو حيض أم استحاضة، فالأصل أنها ترجع إلى عادتها، هذا إن كان لها تمييز فترجع إلى عادتها، فحينئذٍ إذا نسيتها عادتها الخاصة ستة أيام أو سبعة أو عشرة أو نحوها، ثم تمييز إن كان لها تمييز فإن لم يكن حينئذٍ إلى العادة الغالبة ستة أيام أو سبعة، إذًا المستحاضة ترجع إلى عادتها إن كان لها عادة، ثم إلى التمييز إن لم يكن لها عادة بأن أصابتها الاستحاضة من أول ما بدء بها الحيض فإن لم يكن لها عادة ولا تمييز رجعت إلى غالب عادة النساء ستة أيام أو سبعة، وتفصيله في موضعه المراد هنا أن باب الحيض والاستحاضة له علاقة بالعرف والعادة.
(ومن ذلك) أي: فروع هذه القاعدة. (العيوب، والغبن، والتدليس يُرجع في ذلك إلى المعروف بين الناس) يعني: قد يختلف المتبايعان. اشترى سيارة ثم ذهب فنظر فيها فوجد ما قد اعتقد أنه عيب، فحينئذٍ اختلفا ردها إلى البائع، هذا عيب، لا، ليس بعيب، أين الْحَكَم؟ المشتري يقول: هذا عيب رُدّ السيارة هات المال. والبائع يقول: لا، ليس بعيب. اختصما حينئذٍ نرجع إلى العرف، فما عُدَّ في عرف الناس بأنه عيب كان عيبًا وإلا فلا، يعني: ليس كل خدش في السيارة يكون عيب لا، وإنما ما عده الناس عيب بمعنى أنه يترتب عليه رد المبيع ونحو ذلك حينئذٍ سمي عيبًا، بناءً على العرف. إذًا الحكم في العيب والغبن غبن أو لا يعني: زيد عليه في السعر والتدليس وهو: إخفاء وصف من الأوصاف. وكذلك الغش يُرجع في ذلك إلى المعروف بين الناس (مما عده الناس عيبًا أو غبنًا أو تدليسًا أو غشًا علق به الحكم) والمراد هنا أن يسأل أهل الخبرة يعني: يُنظر عند من له خبرة بالسيارة، هل هذا عيب أم لا؟ يُسأل كل شخص لا، المراد في مثل هذه الأعراف يُرجع إلى أهل الخبرة، وأما سؤال أي شخص مما لا يعلم شيئًا من هذه الأمور فلا، لا يعتبر عرفًا عنده، وإنما له عرف خاص عند أرباب السيارات فيسأل في هذا النوع.
(6/14)

(ومن ذلك الرجوع إلى قيمة المثل في المتقومات والمتلفات والضمانات، وغيرها) كالرهن وهذه لها قاعدة مستقلة، يأتي إن شاء الله تعالى (الرجوع إلى قيمة المثل) مراده إلى قيمة مثل الشيء الذي تلف، وأما إذا كان الْمُتْلَفُ مثليًّا فيرجع فيه إلى مثله لا إلى قيمته، قال هنا: (والرجوع إلى مهور المثل لمن وجب لها مهر ولم يسم). عقد عقدٌ النكاح بشروطه وأركانه لكنه لم يُسَمَّ المهر، كيف نسمي؟ نرجع إلى العرف، وكل بلد يتعارفون على مهر لأوساط أناس، فحينئذٍ إذا لم يسمّ في عقد النكاح المهر رجعنا إلى مهر المثل، يعني: هي نفسها زوجة من الناس عُقد عليها فلم يسم لها مهر مثلها أختها مثلاً، حينئذٍ ينظر في أختها في عمتها في خالتها كم سمي لها من المهر فيكون لها مهر المثل مثلها، أو سمي تسميةً فاسدة يعني: سمي مهرٌ لكن أراد أن يضع مهرًا وهو محرم كالخمر مثلاً أو خنزير قالوا: هذه تسمية. سمى المهر لكنه لا يصح شرعًا، فحينئذٍ هذه تسمية فاسدة فيبطل هذا المهر المسمى ويجب مهر المثل، وكذلك الرجوع إلى أجرة المثل في الإيجارات التي لم تسم فيها الأجرة، عقد عقدٌ على غرفةٍ أو سيارةٍ أو نحوها ولم يسمّ مقدار الأجرة حينئذٍ إذا اختلفا نرجع إلى العرف، أو سميت الأجرة تسميةً غير صحيحة، فإذًا هذه المسائل كلها يرجع فيها إلى العرف، ولهذا قال المصنف: (وفروع هذا الأصل لا تحصى).
(6/15)

(القاعدة العاشرة: البينة على المدعي، واليمين على من أنكر في جميع الدعاوى - دعاوي يجوز الوجهان - والحقوق وغيرها)، أصل هذه القاعدة جزءٌ من حديث رواه الإمام مسلم بلفظ «لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعَى ناس دماء رجالٍ وأموالهم، ولكن اليمن على الْمُدَّعَى عليه»، واللفظ الذي ذكره المصنف جاء كاملاً في رواية البيهقي كما ذكره رحمه الله تعالى بإسنادٍ حسن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعَى قومٌ دماء قومٍ وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر». يقول النووي رحمه الله تعالى: وهذا الحديث قاعدةٌ كبيرة من قواعد أحكام الشرع ". قاعدة هي علمٌ الحديث. قال رحمه الله تعالى: هذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد أحكام الشرع، ففيه أنه لا يُقبل قول إنسانٍ فيما يدعيه بمجرد دعواه. كالمسألة السابقة، عين في يد زيد يتصرف فيها تصرف الملاك، فجاء عمرٌو قال: هذه لي. حينئذٍ نقول: البينة على الْمُدَّعِي، واليمين على من أنكر. ففيه أنه لا يقبل قول إنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه بل يحتاج إلى بينةٍ أو تصديق المدعى عليه. يقول: نعم هذه لك ولكنه أخذها واستعملها، فحينئذٍ إذا اعترف وأقر صار حجةً عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك وقد بين - صلى الله عليه وسلم - الحكمة في كونه لا يُعطى بمجرد دعواه، لأنه لو كان أعطي بمجردها لأدَّعَى قومٌ دماء قومٍ وأموالهم، واستبيح كذلك، ولا يمكن الْمُدَّعَى عليه أن يصون ماله ودمه، وأما الْمُدَّعِي فيمكن صيانتهما بالبينة. إذًا: حاصل هذا الكلام أن هذه قاعدة عظيمة تُصان بها الدماء والأموال، (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر في جميع الدعاوى) الدعاوى جمع دعوى، وهي طلب استحقاق شيءٍ في يد غيرٍ أو ذمته، طلب استحقاق شيءٍ في يد غيرٍ يعني: تحت يد زيد مثلاً، أو في ذمته قال: لي عليك دينٌ في الذمة، إذًا قد يُطلب الشيء ويكون عينًا، وقد يطلب الشيء ويكون معنًى يكون متعلقه الذمة، إذًا طلب استحقاق شيءٍ في يد غيرٍ أو في ذمته. قال المصنف رحمه الله تعالى: (في جميع الدعاوى). هذا فيما إذا ادَّعَى عينًا أو دينًا، (والحقوق) كالنفقة والمبيت وغيرها، وقد أجمع أهل العلم على هذا الأصل العظيم في الجملة، ما معنى في الجملة؟ في العموم، ما معنى في العموم؟ يعني: في أكثر الصور، عندهم تعبيران: بالجملة، وفي الجملة. بالجملة يعني: في جميع الصور. في الجملة يعني: في أكثر الصور، واضح هذا؟ ولذلك قال: أجمع أهل العلم على هذا الأصل العظيم في الجملة. لأن ثم نزاعًا في القاعدة في أصلها (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) بعضهم خَطَّأَ هذه القاعدة، سيأتي قال - صلى الله عليه وسلم -: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». الحديث. قال المصنف: (رواه البيهقي) أخرجه البيهقي وحسنه النووي في الأربعين النووية، وصحح إسناده ابن حجر رحمه الله تعالى في البلوغ، وفي الصحيحين قوله: «اليمين على الْمُدَّعَى عليه». ولذلك قال: (وأصله في الصحيحين) ليس أصله بمعنى أن الجملتين في الصحيحين، وإنما جزءٌ من الجملة، ولذلك قال: «اليمين على الْمُدَّعَى عليه».
(6/16)

البينة على الْمُدَّعِي لم ترد في الصحيحين، وإنما الجملة الثانية هي التي وردت في الصحيحين. (رواه البيهقي، وأصله في الصحيحين) بالمثال السابق الذي ذكرناه «لو يُعطى الناس» أو «أناسٌ بدعواهم لأدعى قومٌ دماء أناسٍ وأموالهم، ولكن اليمين على الْمُدَّعَى عليه». قال الشيخ رحمه الله تعالى: (وهذا الأصل يحتاجه القاضي والمفتي وكل أحد، لشدة الحاجة إليه). ... (وقد قيل) هذا تضعيفٌ من المصنف لهذا القول (قيل) هذا تضعيف، ... (وقد قيل في قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [سورة ص: 20]، قيل: (إن فصل الخطاب هو أن البينة على الْمُدَّعِي والْيَمِينَ على من أنكر). يعني: فُسِّرَ هذا الفصل فصل الخطاب بالحديث (البينة على الْمُدَّعِي والْيَمِينَ على من أنكر). قال البغوي في تفسيره: قال علي بن أبي طالبٍ: " فصل الخطاب هو أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر ". إذًا: هذا القول الذي ضعفه المصنف هو قول علي رضي الله تعالى عنه. قال على بن أبي طالب: هو أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر. لأن كلام الخصوم ينقطع وينفصل به يعني: لماذا سمي فصل الخطاب، يعني: ينفصل وتنقطع الخصوم بين المتخاصمين بالبينة واليمين. ويُروى ذلك عن أبي بن كعبٍ قال: فصل الخطاب الأيمان والشهود. وهو قول مجاهدٍ وعطاء. إذًا: قولٌ معتبر أو لا؟ قولٌ معتبر، فحينئذٍ يدخل اللفظ في القرآن وكذلك السنة إذا وردت أقوالٌ مختلفة عن السلف الصحابة وكبار التابعين أو التابعين، وكان اللفظ محتملاً لهذا المعنى فحينئذٍ جميع المعاني الواردة المنقولة عن الصحابة داخلةٌ تحت هذا اللفظ، لأنه يكون من قبيل المشترك، هذا الأصل في القرآن، أنه تشريعٌ عام فإذا كان كذلك فكل لفظٍ يحتمل المعاني كلها سواءٌ كانت اللغوية أو المنقولة عن الصحابة فحينئذٍ نقول: يشمل كل المعاني. (إن فصل الخطاب هو البينة على المدعي واليمين على من أنكر، لأن به تنفصل المشتبهات وتنحل الخصومات) هو فصل الخطاب أعم من ذلك، كل ما يكون به الصواب بالحكم، هذا هو فصل الخطاب، كل ما يكون به الصواب في الحكم من استماع للمتخاصمين أو النظر في البينة أو أن لا يقضي وهو غضبان، أو نحو ذلك نقول كله داخلٌ في فصل الخطاب. ... (لأن به تنفصل المشتبهات وتنحل الخصومات). قال الشيخ رحمه الله تعالى: (ولا شك أن ذلك داخل في فصل الخطاب).
(6/17)

بناءً على القاعدة المشهورة وهي التي قعدها الشيخ كذلك في ((القواعد الحسان في تفسير القرآن)) أن اللفظ إذا كان مشتملاً لعدة معانٍ حينئذٍ يحمل اللفظ على جميع المعاني بشرط أن لا تكون هذه المعاني متضادة، لأن حمل المشترك على المعنيين أو معانيه هو الصحيح عند الأصوليين وعند أهل اللغة كذلك، وهو القاعدة المطرة في ((تفسير القرآن)) ينبني عليها أنه لو عُلِّقَ حكمٌ شرعي على لفظٍ مشترك وكانت معانيه متعددة غير متباينة حينئذٍ يُحمل الحكم على جميع المعاني، ومن ذلك المسجد الحرام يُطلق ويراد به مسجد البناء مسجد الكعبة، ويُطلق ويراد به الحرم كله، وجاءت النصوص دالة على أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة هل نخصه بالمسجد الكعبة، يعني: البناء أو نعمم؟ نقول: يُطلق على هذا وذاك استعمال الشرع وإذا كان كذلك وليس ثم قرينة تدل على التخصيص نحمله على المعنيين، ونقول: هنا الصلاة في الحرم كله ولا تختص بالمسجد الحرام الذي هو البناء، فنعمم الحكم بناء على أن مسمي المسجد الحرام هو الحرم كله، فكل مسجد داخل الحدود تكون الصلاة فيه بمائة ألف صلاة. قال: (ولا شك أن ذلك داخل في فصل الخطاب) فهو شامل له ولغيره (لأن الفصل بين الحق والباطل في الديانات والأموال والحقوق) فهو الصواب في الحكم مطلقًا. قال رحمه الله تعالى: (فكل من ادَّعَى عينًا) جاء التفريع قرر لنا القاعدة وبين دليلها ثم قال: (فكل) الفاء هذه تفريع، ما معنى التفريع؟ يعني: يتفرع عن ذلك الأصل مسائل وهي الجزئيات، قاعدة عامة كلية ولها جزئيات، الآن شرع في بيان بعض الجزئيات (فكل من ادَّعى عينًا عند غيره) كسياراتٍ أو أرضٍ أو بيت ونحوه (أو ديناً على غيره) عينًا، قلنا: ما هي الدعوى؟ طلب استحقاق شيءٍ في يد غيرٍ عينًا (أو ديناً على غيره) أو في ذمته، لأن الدين يكون متعلق بالذمة (أو حقاً من الحقوق على غيره) كالنفقة الزوجة مثلاً ادَّعت على الزوج أو المبيت ونحو ذلك (فعليه البينة) على من؟ على الْمُدَّعي، كل من ادَّعَى على غيره عينًا أو دينًا أو حقًّا (فعليه) يعني: يجب عليه (البينة، وهي) نريد أن نعرف ما هي البينة التي ينبني عليها الحكم الشرعي لأننا سنثبت بهذه البينة أن الحق له، إذًا لا بد أن ننظر في حقيقة هذه البينة. قال: (وهي) أي: البينة وفيها خلاف بين أهل العلم، والصحيح ما ذكره المصنف هنا رحمه الله تعالى (وهي كل ما أبان الحق)، (كل ما)، (ما) اسم موصول بمعنى الذي، فيصدق على الشهود وغير الشهود، فلا تختص البينة بالشهود، وإنما تعم كالقرائن التي تكون مصاحبة للحال نفسها، أو للمُدَّعِي أو للمُدَّعَى عليه، فالقرائن حينئذٍ تكون معتبرة وليست بشهود، إذًا (كل ما أبان الحق) فليست محصورةً في الشهود فقط، بل (كل ما أبان الحق فهو بينةٌ) قال: (ويختلف نصابها وحالها باختلاف المشهود عليه)، (كل ما أبان الحق) هذا قولٌ، وأكثر أهل العلم على أن البينة محصورة في أشياء، وهي البينة رجلان، أو رجل وامرأتان، أو شاهدٌ مع يمين صاحب الحق، هذه ثلاثة أشياء:
رجلان، بينة ما هي؟
إما أن يأتي بشهادة رجلان
أو رجل وامرأتان
أو شاهدٌ مع يمين صاحب الحق.
(6/18)

الرجلان والرجل والمرأة والمرأتان هذا محل وفاق، وأما الشاهد مع يمين صاحب الحق هذا حل نزاعٍ بينهم حتى من أثبت هذه البينة، وهذا عند الجمهور، وهو الصحيح يعني: من البينة ما ذُكر هذه الأمور الثلاثة، ونزيد عليه أن القرائن قد تكون بينةً كذلك، يعني: هذا القول حصر البينة في الشهود فقط، ثم تنازعوا في كيفية الشهود، عددهم ونحوهم، وأما الصحيح نقول: نعم الشهود من البينة، وليس كل البينة، نزيد على الشهود القرائن المعتبرة بحال القصة ونحوها.
(6/19)

إذًا الشاهد مع اليمين هذا عند الجمهور لحديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين والشاهد، أي: باليمين لطالب الحق مع شاهده، فهنا أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - الحق بالشاهد مع يمين صاحب الحق. الزيادة التي أقر بها الجمهور وجاء بها حديث ابن عباس نفاها بعضهم بناء على أنها معارضةٌ لقوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282] قلنا: هذه النوعان من البينة محل وفاق، الرجلان يعني: شاهدان هذا محل وفاق وهو بينة، (أو رجل وامرأتان) وليس فيه الشاهد مع اليمين ليس فيه كذلك، أجاب الجمهور بأن هذه الآية في إثبات الحقوق ليست في الفصل بالقضاء بين الناس، وفرق بين أمرين أن تثبت حقًا لك يعني: بعت بيعًا أو استدان منك زيدٌ فحينئذٍ هذا يسمى إثبات حقٍ تأتي برجلين أو تأتي برجل وامرأتين، وأما في الفصل في القضاء بين الخصمات حينئذٍ رجلان، رجل وامرأتان، وزاد النبي - صلى الله عليه وسلم - على النص القرآني وهو الشاهد مع اليمين من صاحب الحق، إذًا قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} ورد في إثبات الحقوق لأصحابها لا في القضاء والفصل بين الخصومات؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الشاهد مع اليمين. يعني: يمين صاحب الحق. قال هنا: (وهي كل ما أبان الحق) وهذا هو الصحيح ليست مقصورة ومحصورة في الشهود، بل هي الشهود والزيادة، والمراد بالزيادة القرائن التي تحتف بالدعوى. قال: ... (ويختلف نصابها) أي مقدارها وحالها أي: صفتها (باختلاف المشهود عليه) فمن البينات ما نصابها أربعة، أربعة رجال كالزنا، ومنها ما بينته رجلان كالسرقة، ومنه ما بينته رجل وامرأتان كالأموال وما يلحق بهها، ومنها ما بينته رجلٌ ويمين الْمُدَّعِي. إذًا تختلف باختلاف الأحوال. قال رحمه الله تعالى: (فإن لم يأت ببينة تشهد بصحة دعواه) حينئذٍ جاء الجزء الثاني (البينة على الْمُدَّعِي) وعرفنا معنى البينة (كل ما أبان الحق) فإن جاء بالبينة فعلى العين والرأس، وإن لم يأت ببينة تشهد لصحة دعواه فعلى الآخر من؟ الْمُدَّعَى عليه اليمين التي تنفي ما ادَّعاه الْمُدَّعِي. قال رحمه الله تعالى: (وكذلك إذا ثبت الحق في ذمة الإنسان) كالدين ونحوه (ثم ادَّعَى) إذًا مُدَّعِي (أنه خرج منه بقضاء، أو إبراء أو غيره) ثبت لزيد عند عمرو دينُ، لك عندي دين ثبت مقر بذلك، ثم ادعيتُ بأنني رددته أو أنه أبرأني، حينئذٍ لا بد من البينة.
(6/20)

قال: (إذا ثبت الحق في ذمة الإنسان) كالدين ونحوه (ثم ادَّعَى) يعني: فهو مُدَّعِي (أنه خرج منه بقضاء، أو إبراء أو غيرهما، فالأصل بقاؤه، فإن جاء ببينة تشهد بدعواه وإلا حلف صاحب الحق أن حقه باقٍ ولم يستوفه، وحكم له به) حينئذٍ يلزم من أراد أن يوثق حقه إذا ردَّ الدين أن يشهد لأنها إذا لم يشهد وادَّعَى صاحب الدين بأنه لم يستوفِ حينئذٍ يُقبل قوله، متى إذا لم تأت ببينة، وكذلك من ادَّعَى ... (استحقاقًا في وقف أو ميراث) يعني: في حقٍّ، ومثل بالوقف للحق العام (أو ميراث) حق خاص يعني: لي نصيب في هذا الوقف، حينئذٍ نقول: لا بد من البينة لأنك أهلٌ ممن يدخل تحت شرط الواقف، أو ادَّعَى بأن له ميراثًا فحينئذٍ لا بد من البينة لوجود أو إثبات سبب الميراث، ليس كل من ادَّعَى الميراث كان لك، فعليه إقامة البينة التي تثبت السبب الذي يستحق به ذلك، إما الوقف وإما الميراث، (وإلا) يعني: وإن لا يأتي بما يثبت ذلك (لم يثبت له شيء)، فإن كان المال بيد من لا يدعيه لنفسه كاللقطة والأموال التي يجهل أربابها فثم بينة أخرى، إن كان المال بيد من لا يدَّعِيه لنفسه كاللقطة إذا أخذ لقطة يقول: هذا المال ليس لي. إذًا لم يدَّعِه لنفسه، حينئذٍ إذا جاء صاحب المال ما هي البينة؟ وصف ذلك الْمُلْتَقَط، وصف ذلك، إذًا البينة تختلف، ولذلك نقول: (كل ما أبان الحق) إذا وجدتُ شيئًا لقطة وأخذته حينئذٍ عرفت وصفه، إذا جاء صاحب الحق نقول: ائت بالبينة، ما هي البينة؟ أن يصف هذا الملتقط. (فإن كان المال بيد من لا يدعيه لنفسه) كاللقطة والأموال التي يُجهل أربابها فبينة الْمُدَّعِي أن يصفه بصفاته المعتبرة فإن وصفه بما يطابق الموصوف فهي له، وإلا فلا، (وجميع الدعاوي مضطرة إلى هذا الأصل) والله أعلم.
إذًا هذه القاعدة العاشرة، قاعدة فرعية وليست بقاعدة كلية، لأنه خاصةً بالدعاوى، قلنا: ما اختص ببابٍ هذا يسمى ضابطًا ولا يسمى قاعدةً، وإن كان سماها المصنف هنا من باب التوسع كما ذكرناه سابقًا، وتدخل كذلك في ضمن قاعدة [اليقين لا يزول بالشك]، ولذلك قال في آخر الباب: ويقارب هذا الأصل الذي بعده. هذا الأصل الذي هو البينة على الْمُدَّعِي الذي بعده وهو قاعدة الحادية عشرة [اليقين لا يزول بالشك].
بقي تنبيه وهو أن هذه القاعدة وأصلها يعني: الدليل محمولةٌ على الدعاوى المجردة التي ليس فيها قرائن. يعني: إذا لم يكن قرينة مع الدعوى، حينئذٍ: البينة على المدعي واليمين على من أنكر. في بعض الأحوال قد يكون اليمين في جانب الْمُدَّعِي متى؟ إذا قَوِي طرفه وجانبه بإثبات القرائن، فهذه القاعدة محمولةٌ على الدعوى المجردة التي ليس فيها قرائن، وقد دلت الأدلة على أن اليمين قد تكون في جانب الْمُدَّعِي أحيانًا، فإذا كان مع الدعوى قرينةٌ في جانب الْمُدَّعِي فإنه يحلف حينئذٍ تعضد دعواه بيمينه ويستحق ما ادَّعَاه، فإذا كان جانب الْمُدَّعِي قويًا كانت اليمين بجانبه.
(6/21)

المسألة الثانية: إذا نَكَلَ الْمُدَّعَى عليه. يعني: جاء بالبينية وقيل للمدعي عليه اليمين قال: لا، لا أحلف، ما الحكم؟ لا شك أنه إذا نكل يعني: امتنع عن اليمين قوي جانب الْمُدَّعِي صارت قرينة، وأما حاله هو الْمُدَّعَى عليه ففيه ثلاثة أقوال عند أهل العلم:
الأول: إجبار المدعى عليه على اليمين ولو بحبسه حتى يحلف. وقال به كثيرٌ من أهل العلم أنه يجبر للنص.
ثانيًا القول الثاني: القضاء بالنكول بمجرد الامتناع، فتكون بينة في حق الْمُدَّعِي فيُقْضَى له، بمعنى أنه إذا نكل وامتنع عن اليمين مباشرةً. نقول: نكوله هذا قرينة مع البينة قَوِيَ جانب الْمُدَّعِي فحينئذٍ نثبت له الحكم.
ثالثًا: القضاء بالنكول مع رد اليمين إلى الْمُدَّعِي. يعني: نحكم بالنكول بأنه امتنع وهي قرينة في جانب الْمُدَّعِي تقوي جانبه لكن ننقل اليمين من الْمُدَّعَى عليه إلى الْمُدَّعِي. وهذا قول أكثر أهل العلم، فمن كان جانبه أقوى حينئذٍ يحلف سواء كان في جانب الْمُدَّعِي أو الْمُدَّعَى عليه، ولذلك قلنا: هذه المسألة إنما تكون في الدعوى المجردة.
(القاعدة الحادية عشرة: الأصل بقاء ما كان على ما كان)، ... (واليقين لا يزول بالشك) ذكر القاعدتين. قاعدة فرعية وقدمها وهي: (الأصل بقاء ما كان على ما كان)، وقاعدة كلية وهي: (واليقين لا يزول بالشك) وأيهما أصلٌ للآخر؟
القاعدة الكلية أصلٌ للفرع، فلو عكس وقدم (اليقين لا يزول بالشك) ثم قال: (الأصل بقاء ما كان على ما كان) لكان أولى يعني: تقديم الأصل على الفرع.
قال السيوطي رحمه الله تعالى: " هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه والمسائل المخرجة عليها، تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر ".
وقال النووي رحمه الله تعالى: " هذه قاعدة مطردة لا يخرج عنها إلا مسائل ". اليقين لغةً واصطلاحًا، اليقين في اللغة قال في اللسان: اليقين هو العلم وإزاحة الشك. يعني: الشيء الجزم، وتحقيق الأمر، واليقين ضد الشك والشك نقيض اليقين.
(6/22)

قال الجرجاني: اليقين في أصل اللغة بمعنى الاستقرار. يقال: يقن الماء في الحوض إذا استقر. وقيل: هو عبارة عن العلم المستقر في القلب لثبوته من سبب متيقن له بحيث لا يقبل الانهدام، والظن الغالب يقوم مقام اليقين عند الفقهاء. إذًا: اليقين هو العلم، وغلبة الظن تقوم مقام اليقين عند الفقهاء عند عدم وجود اليقين، ولذلك مرّ معنا وسيأتي أنه إذا تعزر اليقين أو تعسر حينئذٍ نرجع إلى غلبة الظن، في أي قاعدة هذه مرت؟ [المشقة تجلب التيسير] قلنا: المشقة تجلب التيسير فيكفي الإسباغ ونحوه. والشك لغة مطلق التردد. قال الرازي: التردد بين الطرفين أن كان على السوية فهو على الشك، وإلا فالراجح ظنٌ والمرجوح وهمٌ، والشك في اليقين من قبل المكلَّف. قلنا: [اليقين لا يزول بالشك] إذًا يقينٌ طرء عليه شك أليس كذلك؟ يقينٌ طرأ عليه شك فلا عبرة بالشك، هذا معنى القاعدة، الشك ممن؟ نحن ننزل هذه القاعدة على أحكام شرعية الأصل الطهارة يقين لا يزول بالشك في كونه تنجس أو لا، حينئذٍ نقول أحكام شرعية هل الشك في الحكم الشرعي؟. الجواب: لا. وإنما في ظن المكلَّف، فاليقين والشك إنما مورده ظن المكلَّف. قال هنا: (والشك في اليقين من قبل المكلف لا من قبل الشرع، فليس في الشريعة شيء مشكوك فيه البتة) ليس عندنا حكم مشكوك فيه، واليقين في الشرع حصول الجزم أو الظن الغالب بوقوع الشيء وعدم وقوعه، هذا اليقين في الشرع، حصول الجزم اليقين أو الظن الغالب بوقوع الشيء أو عدم وقوعه، (والشك تردد الفعل بين الوقوع وعدمه) وقع أم لا؟ طلق أم لا؟ أي: لا يوجد مرجح لأحد الأمرين الطرفين على الآخر، ولا يمكن ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر، معنى القاعدة أن الأمر المتيقن ثبوته لا يرتفع إلا بدليلٍ قاطع، إذا استقر العلم بالشيء صار مستقرًا، وحينئذٍ لا يرتفع إلا بيقين، اليقين لا يزول إلا بيقين، ولا يزول بشكٍ طارئٍ البتة إلا بدليل قاطع ولا يحكم بزواله لمجرد الشك، (والأمر المتيقن عدم ثبوته لا يحكم بثبوته بمجرد الشك) لأن الشك أضعف من اليقين فلا يعارضه ثبوتًا وعدمًا، والمراد بالشك في قولهم: [اليقين لا يزول بالشك]. الشك الطارئ بعد حصول اليقين في الأمر فلا اعتراض بأنهما نقيضان فلا يجتمعا، إذا قلنا: اليقين جزمٌ، علم، حينئذٍ كيف يكون علمًا وقد طرأ عليه الشك؟
الشك واليقين لا يجتمعان، حينئذٍ نجيب عن هذا بأن الشك طارئ بعد اليقين، شك طارئ ليس في أصل اليقين، وإنما هو طارئ على اليقين. قال القرافي: " هذه القاعدة مجمع عليها وهي أن كل مشكوك فيه يجعل كالمعدوم الذي يجزم بعدمه ". كل مشكوك فيه يجعل كالمعدوم. وقول المصنف: (والأصل بقاء ما كان على ما كان) هذا فرعٌ عن القاعدة الكبرى [اليقين لا يزول بالشك] ومعناها أن ما ثبت على حالٍ في الزمان الماضي ثبوتًا أو نفيًا يبقى على حاله ولا يتغير، ما ثبت ما كان بقاء ما كان، كان متيقنًا الطهارة ثم شك هل انتقضت أم لا؟ حينئذٍ عندنا حال مستمر وعندنا حال طارئ، ما هو الحال المستمر؟
الطهارة.
والحال الطارئ؟
(6/23)

الحدث، حينئذٍ نقول: الأصل بقاء ما كان - الذي هو الطهارة - على ما كان - على طهارته - ولا نحكم بضد الطهارة وهو الحدث أو النجاسة، أن ما ثبت على حاله في الزمان في الماضي ثبوتًا أو نفيًا يبقى على حاله ولا يتغير ما لم يوجد دليلٌ يغيره، إذًا الأصل بقاء ما كان على ما كان واليقين لا يزول بالشك. قال: (هذا أصل كبير يدل عليه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث) حديث عبد الله بن زيد (الصحيح) رواه البخاري ومعناه عند مسلمٍ (حين شُكِيَ إليه الرجل يجد الشيء، وهو في الصلاة قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحًا») رده إلا اليقين، قال: شكي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - (الرجل يجد الشيء، وهو في الصلاة) هل خرج منه شيء أم لا؟ وجاء في روايةٍ بهذا اللفظ هل خرج منه شيء أم لا؟ (قال: «لا ينصرف») لأن الأصل الطهارة («حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحًا») يعني: رده إلا اليقين، فاليقين لا يرفع بيقين. قال: (أي: حتى يتيقن أنه أحدث) هذا الحديث هو أصل القاعدة.
(6/24)

قال النووي رحمه الله تعالى: هذا الحديث أصلٌ من أصول الإسلام، وقاعدةٌ عظيم من قواعد الفقه وهي أن الأشياء يُحكم ببقائها على أصولها حتى يُتَيَقَّنَ خلاف ذلك ولا يضر الشك الطارئ عليها ". قال هنا: (فمتى) جاء التفريع (فمتى تيقن أمرًا من الأمور أو استصحب أصلاً من الأصول) انظر نظر إلى قاعدتين: استصحب أصلاً من الأصول. يعني: اعتبار الحالة الثابتة في وقتٍ ما مستمرةً في سائر الأوقات حتى يثبت انقطاعها أو تبديلها، فالأصل بقاء ذلك الأمر المتيقن، فلا ينتقل عن ذلك بمجرد الشك حتى يتيقن زواله، فيدخل في هذا بعض مسائل الأصل الذي قبله، (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) لأنه إذا كانت العين في يده يتصرف فيها تصرف الملاك حينئذٍ صار مالكًا له، فالأصل بقاء يده على العين حتى يثبت اليقين بأنها ليست له. إذًا: الباب السابق والقاعدة السابقة مندرجة تحت هذا الأصل، ويدخل فيه أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث هل حصل له موجبٌ من موجبات الطهارة وناقضٌ من نواقضها، فالأصل بقاء طهارته، والطهارة أصل كل شيء تيقن الطهارة وشك في الحدث يعني تطهر وهو على يقين، ثم شك هل خرج منه شيءٌ أم لا؟ جاء النص وكذلك القاعدة أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، حينئذٍ الطهارة تكون مستصحبة وهذا الشك مطرح فلا يلتفت إليه البتة، فالأصل بقاء طهارته، والطهارة أصل كل شيء، فمتى شك الشاك في طهارة ماءٍ أو بقعةٍ أو ثوبٍ أو إناءٍ أو غيرها بنى على الأصل وهو الطهارة، واضح؟ ومن ذلك لو أصابه ماءٌ من ميزابٍ، وهذا قد يستفيد منه أهل الوسوسة كالسابقة بمعنى أنه إذا كان يمشي في شارعٍ ما ثَمَّ طينٌ ثَمَّ ماء نازل فأصابه حينئذٍ يقع في نفسه هل هذا الماء طاهر أم لا؟ فالأصل أنه طاهر، والأصل أنه لا يسأل عنه كذلك، كما جاء في أثر عمر رضي الله تعالى عنه، لو أصابه ماءٌ من ميزابٍ أو غيره أو وَطِأَ رطوبةٍ لا يدري عنها ما هي؟ حينئذٍ نقول: الأصل الطهارة، فالأصل الطهارة ومن تيقن أنه محدثٌ وشك هل تطهر أم لا؟ فهو على حدثٍ العكس، يعني على يقين أنه قد بال ثم شك هل بعد بوله توضأ أم لا؟ حينئذٍ ما هو اليقين؟ الحدث، وما هو الشك الطارئ الطهارة، فحينئذٍ نقول: اليقين الذي هو الحدث لا يزول إلا بيقينٍ مثله، حينئذٍ لا بد من الطهارة، فهو على حدثه، ومن شك هل صلى ركعتين أو ثلاثة فجعلها كم؟ ركعتين جعلها ركعتين وسجد للسهو لحديث أبي سعيد في صحيح مسلم: «إذا صلى الرجل ولم يدر أصلى ثلاثةً أو أربعًا». قال - صلى الله عليه وسلم -: «فليجعلها ثلاثًا». أي: يبني على الأقل وهذا عند عدم القرينة. يعني: إذا شك في أي عددٍ حينئذٍ له حالان:
(6/25)

إما أن تكون عنده قرينة ترجح الأعلى فيعتبره، يعني: شك في الصلاة هل صلى ثلاثًا أم أربعًا، وهو في التشهد الأخير حينئذٍ نقول: أنت في التشهد الأخير هذه قرينة تدل على أنك في الركعة الرابعة، حينئذٍ تجعلها رابعةً لوجود القرينة. إذًا: قال هنا: (اجعلها ركعتين وسجد للسهو، وكذا لو شك في عدد الطواف) هل هذا السادس أم السابع أو السعي أو عدد الغسلات في الوضوء مثلاً المعتبرة بنى على الأقل، لماذا؟ لأنه اليقين، وهذا إذا لم يغلب على ظنه أحد الطرفين، فإن غلب على ظنه فإنه يبني عليه، وسبق معنا أن العبادات يكتفي فيها في الغلبة الظن، وجاءت السنة بهذا في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه». فليتحر الصواب. إذًا: يبحث عن قرينة إن وجدت قرينة ترجح اعتبرها ولو كان الأعلى، وإن لم توجد قرينة حينئذٍ بنى على الأقل.
إذًا: الشك في العدد ليس مطلقًا أنه يرجح الأقل، وإنما يرجح الأقل عند عدم القرينة لحديث ابن مسعود الذي معنا.
قال رحمه الله تعالى: (ومن عليه صلواتٌ متعددة أو صيامٌ أبرأ ذمته مما عليه وجوبًا) يعني: شك هل عليه خمسة أيام أو ستة، امرأةٌ أفطرت من رمضان وجلست إلى رجب ونسيت كم حاضت في رمضان ستة أو سبعة؟ نطبق القاعدة إذا كان عندها قرينة ترجح أنها سبعة فهي سبعة، وإن لم توجد قرينة فاليقين الأقل وهو خمسة مثلاً، ومن شك كذلك لو شك في ترك صلاةٍ من يومٍ يوم السبت ترك فرضًا لم يصله ما يدري هل هو فجرٌ، أم ظهرٌ، أم عصرٌ، أم مغرب، أم عشاء. إن ترجح عنده أحد الفروض تعين عليه، إن لم يترجح صلى خمسًا، يعني صلى الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، لماذا؟ لأن الذمة لا تبرأ إلا بذلك، ومن شك في أصل الطلاق أو في عدده بنى على الأصل وهو العصمة، كيف شك في أصل الطلاق طلق أم لا؟ بنى على الأصل وهو العصمة. إذًا: الطلاق مطروح فحينئذٍ ينظر إلى العصمة، من شك في أصل الطلاق. يعني: هل طلق أم لا؟ فالأصل عدم الطلاق الأصل العدم، أو في عدده يعلم أنه طلق لكن لا يدري كم؟
(6/26)

واحدة أم ثنتين؟ قلنا: العدد مطلقًا الشك في العدد، إن شك في الوجود فالأصل العدم طلق أم لا؟ باع واشترى أم لا؟ فالأصل العدم عدم البيع وعدم الطلاق وعدم الرضاعة و .. إلى آخره وعدم النكاح، فإن شك في العدد يُنظر فيه هل عنده قرينة أم لا؟ إن وجدت قرينة حينئذٍ رجحت، الأقل أو الأكثر، إن لم توجد قرينة اعتبر الأقل، هنا شك في العدد هل طلق واحدة أو اثنتين أو طلق اثنتين أو ثلاثةً، إن كان عنده قرينة عمل بها سواءٌ كان رجح ثنتين على الواحدة أو الثلاثة على الاثنين، إن لم يكن حينئذٍ جعلها واحدةً، فيما إذا شك واحدة أو اثنتين، وجعلها اثنتين فيما إذا شك هل هي اثنتان أم ثلاثة، بنى على الأصل وهو العصمة، ولشك هل خرجت المرأة من العدة يعني بعد ثبوت العدة عدة الطلاق أو وفاة فالأصل أنها في العدة، وإذا شك في أصل الرضاعة أو في عدده أصل الرضاعة أرضعت أم لا؟ فالأصل عدم الرضاعة، أو في عدده هل بلغت الخمس أو لا؟ دون الخمس حينئذٍ الأصل اليقين إن لم يكن قرينة، وإن كانت قرينة حينئذٍ ينظر فيها، فكذلك يبني على اليقين فلا يثبت الرضاعة، وكذلك في عدده، ومر ما صيدًا مسميًا ثم مسميًا يعني ذكر اسم الله عليه ثم وجده قد مات ولم يجد فيه إلا أثر سهمه بنى على الأصل وهو أنه مات بسهمه فهو حلال. يعني هذا الصيد حلال، لم يجد إلا سهمه وقد سمى عليه حينئذٍ نقول: هذا لك مع احتمال ماذا؟ أن يكون لغيره، بنى على الأصل وأنه مات بسهمه فهو حلالٌ، فكل شيءٍ شككنا في وجوده هذه قاعدة هنا فكل شيءٍ شككنا في وجوده فالأصل عدمه، وكل شيءٍ شككنا في عدده فالأصل البناء على الأقل ما لم يغلب على الظن شيء. قال: وأمثلتها كثيرةٌ جدًا.
قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: مسألة هنا الشك لا يعتبر في أمورٍ ثلاثة. - مسألة مهمة -.
الأول: إذا كان مجرد وهمٍ. الشك لا يعتبر في أمورٍ ثلاثة.
الأول: إذا كان مجرد وهمٍ. بأن ينقدح في ذهنه أنه أخطأ فهذا لا يلتفت إليه لأنه وسواس.
الثاني: إذا كثرت الشكوك معه فصار كل ما فعل عبادةً من طهارةٍ أو صلاةٍ شك فيها. موسوس إذا كثرت حينئذٍ [المشقة تجلب التيسير] فلا يتلفت إليه البتة.
الثالث: إذا فرغ من العبادة حينئذٍ لا يلتفت إلى الشك.
فكل شكٍ بعد الفراغ من العبادة لا يرجع إلا إذا حصل يقين. يعني: انتهى من الطواف، الكلام السابق فيما إذا شك إذا كان في أثناء الطواف، هل هذا الطواف الشوط السادس أو السابع، حينئذٍ يأتي التفصيل السابق، لكن لو انتهى وصلى ركعتين ثم وقع في نفسه هل طاف ستًا أم سبعًا إن لم تكن عنده قرينة تقرب من اليقين حينئذٍ لا يلتفت إليه، لماذا؟ لكون الشك بعد العبادة لا يُلتفت إليه هذه قاعدة عامة.
قال الشيخ هنا: إلا إذا تيقن بعد فراغه من العبادة أنه أخطأ فيجب أن يصحح الخطأ، فلو سلم الإنسان من صلاته وشك هل صلى ثلاثةً أو أربعًا، فلا يلتفت لهذا لأن الصلاة انتهت وبرأت ذمته، وكذلك لو انتهى من طوافه وشك هل طاف سبعًا أو ستًا فلا يلتفت لهذا الشك لكن لو تبين أنه لم يطف إلا ستًا وجب عليه أن يكمل أو يعني: يستأنف حسب الخلاف بين العلماء في حكم الموالاة في الطواف.
والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(6/27)

عناصر الدرس
* شرح القاعدة الثانية عشر " لابد من التراضي في عقود المعاوضات ... ".
* شرح القاعدة الثالثة عشر " الإتلاف يستوي فيه المتعمد والجاهل .... ".
* شرح القاعدة الرابعة عشر: " التلف في يد الأمين غير مضمون ... ".
* شرح القاعدة الخامسة عشر " لاضرر ولاضرار.

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(القاعدة الثانية عشر) أخذنا الحادية عشر: (لا بد من التراضي في عقود المعاوضات والتبرعات والفسوخ الاختيارية).
وهذه ما دام أنه تراضي متعلق بالعقود حينئذٍ صار ضابطًا، لأن القاعدة هو ما كان فيها عموم يشمل جميع الأبواب أبواب الفقه، وأما إذا تعلق بالعقود فقط وهنا تعلق بالتراضي على جهة الخصوص فحينئذٍ نقول: هذه قاعدة صغرى جزئية لا كلية، وإنما هي ضابط.
العقود كما مر معنا قسمان: عقود معاوضة، وهي أخذ وعطاء. كـ: البيع، والإجارة، وهذه يجب أن تحرر وأن تكون معلومة واضحة بينة، ولذلك لا يقبل فيها الجهالة، فلا بد من العلم بالمبيع والعلم بالثمن، وأن تتم فيها الشروط المعروفة لكل باب من البيوع والإجارة ونحوها، لأن كل واحد من المتعاوضين يريد أن يكون حقه معلومًا قائمًا، والجهالة سبب للنزاع، فحينئذٍ هذه العقود عقود المعاوضة لا بد فيها من استفاء الشروط وانتفاء الموانع، فلا بد أن تحرر دفعًا للنزاع وهذا أمر واجب.
النوع الثاني: قسم أو ما يسمى بالتبرعات كـ: الهبات، والصدقات. هذه أمرها أخف ولذلك الجهالة لا بأس بها، من تصدق أو وهب أو أوقف نقول: هذا تبرع من جهة أو من طرف واحد حينئذٍ المقابل الآخر هذا لا يشترط فيه أن يكون راضيًا، وإنما الرضا يكون من جهة الْمُعْطِي.
(7/1)

هذه العقود بنوعيها (لا بد من التراضي في عقود المعاوضات) يعني: جميع العقود (والتبرعات والفسوخ) الذي هو الحل والرفع كـ الإقالة في البيع، والإجارة ونحوها، وكالطلاق، والخلع. هذه كلها فسوخ لعقود، حينئذٍ يشترط فيها كذلك التراضي، وقوله: (الاختيارية). احترازًا عن الاضطرارية، العقود التي يكون فيها إكراه بحق هذا سيأتي أنه لا بد من أو لا يشترط فيه التراضي، (الفسوخ الاختيارية) احترازًا عن الإجبارية والاضطرارية فهذه لا يشترط فيها التراضي كما سيأتي، احترازًا عن الفسوخ الإجبارية وهذه لا يشترط فيها التراضي كما سيأتي. قال رحمه الله تعالى: ... (وقد دل على ذلك). يعني: اشتراط التراضي بين الطرفين في عقود المعاوضات ومن المعطي في التبرعات (الكتاب والسنّة والإجماع)، ولذلك هذه أو هذا الضابط في الجملة مجمع عليه عند أهل العلم، (كما قال تعالى في عقود المعاوضات: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]) وهذا يدل على ... ماذا؟ على أنه يحرم التعامل بالمحرمات، وأنه يجب أن تكون العقود قائمة على الرضا بين الطرفين بين المتعاقدين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29]. يعني: بالحرام. يعني: بالربا والقمار والغصب والسرقة والخيانة ونحوها، وقيل: هو العقود الفاسدة. هكذا قال البغوي في تفسيره: وهو العقود الفاسدة. {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً} (تجارةٌ) قراءتان {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً} يعني: إلا أن تكون الأموال تجارةً. إلا (تجارةٌ) (إلا أن تكون تجارةٌ) إلا أن تقع تجارة، حينئذٍ تجارةٌ تكون فاعل لتكون وإذا كان بالنصب حينئذٍ صار تجارةً هذا خبرًا لتكون، يجوز فيه الوجهان، {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} أي: بطيبة نفس أو نفس كل واحد منكم. هذا شرط بينته هذه الآية. قال الشيخ هنا رحمه الله تعالى: (لأن التجارة اسم جامع لكل ما يُقصد به الربح، والكسب). إذًا التجارة كالعبادة كما أن العبادة لها أفراد من واجبات ومستحبات ولا تنحصر دلالتها بالكتاب والسنة كذلك التجارة اسم جامع يعم كل عقد معاوضة بين طرفين، حينئذٍ جاء النص ببيان أنه لا بد من التراضي {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}، (لأن التجارة اسم جامع لكل ما يقصد به الربح، والكسب) وهذا هو الشأن في عقود المعاوضة، إنما تكون المعاوضة من أجل الكسب والربح (فلا بد فيها من التراضي بين الطرفين) وهذا شأنه واضح لا بد من التراضي بين الطرفين. (وقال تعالى في عقود التبرعات) وجاء كذلك في النص «إنما البيع عن تراضٍ». هكذا جاء حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذًا آية وسنة، (وقال تعالى في عقود التبرعات: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4]) يعني: فإن طابت نفوسهن بشيء من ذلك الذي هو المهر فوهبنا منكم. ({فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا}) أي: سائغًا طيبًا.
(7/2)

إذًا التبرع من الزوجة بشيء من الصداق سواء على زوجها أو على ولي أمرها بطيبة نفس منها جائز ولا بأس به، وأما إن لم يكن بطيبة نفس فهو حرام ومن أكل أموال الناس بالباطل، ولذلك قال: ({فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ}). مفهوم المخالفة فإن لم يطبن لكم حينئذٍ لا يجوز أخذه ولو كان لأبيها على الصحيح. قال هنا: (فهذا التبرع من الزوجة الرشيدة). زوجة يعني: مكلَّفة. لأنه مر معنا أنه يشترط لصحة التبرع التكليف. التَّكليف، والرشد، والملك. مر معنا أنه يُشترط لصحة التبرع ثلاثة شروط:
الأول: التكليف.
ثانيًا: الرشد. وهو: حسن التصرف في المال.
ثالثًا: الملك.
(7/3)

هنا التبرع من الزوجة غالبًا أنها مكلّفة، وقد لا تكون مكلفة والغالب أنها مكلفة (الرشيدة لزوجها بالمهر أو ببعضه)، (بالمهر) يعني: كله. إذا تبرعت به حينئذٍ له أن يأخذ هنيئًا مريئًا (أو ببعضه) يعني: ببعض المهر. يعني: يكون المهر مقسم مقدم ومؤخر. يجوز هذا، فحينئذٍ إذا قدم شيئًا من المهر فأخذته ثم تنازلت عن طيب نفس عن المؤخر لزوجها نقول: هذا جائز ولا بأس به بشرط التراضي. قال هنا: (بالمهر أو ببعضه). كما لو كان مؤخرًا (شرط الله فيه طيب نفسها وهذا هو الرضى). ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه». وهذه قاعدة عامة مطلقًا «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه». فجميع التبرعات نظير الصداق مثلها، يعني: الصدقة، والهبة، والعطية. كلها تبرعات هذه ليست عقود معاوضات فهي: نظير الصداق. وكما أن الله تعالى شرط في الصداق طيبة النفس حينئذٍ كذلك فيما قيس عليه، (فالبيع بأنواعه والوثائق) يعني: الوثائق من العقود وهي ثلاثة. يعني: ما يُوثق به الحق، بماذا توثق الحق؟ إما بالرهن، وإما بالضمان، وإما بالكفالة. محصورة في ثلاثة: إما رهن، وإما ضمان، وإما كفالة. هذه تسمى ماذا؟ تسمى عقود توثيق، بمعنى أنها توثق الحق (والإجارات، والمشاركات) يعني: أنواع الشركات. مضاربة ونحوها (والوقف) أي: رضا الموقف. (والوصايا، والهبة لا بد فيها من رضا المتعاقدين). هذا من باب التعميم وإلا عقود التبرع يكون من جهة واحدة، يعني الْمُعْطِي المتصدق هو الذي يرضى، أما الآخر لا يشترط رضاه، وكذلك الموقف الرضا يكون من جهته، والموصي كذلك، والمعطي كذلك، إذًا عقود التبرع إنما يكون الرضا من جهة الْمُعطي، وأما الآخر أو من أوقف عليه أو من أوصي له هذا لا يُشترط رضاه، وإنما الشأن في عقود المعاوضات لا بد من الطرفين بائع ومشتري، مؤجر ومستأجر لا بد من رضا الطرفين، كذلك في النكاح، وأما التبرع فإنما يكون من جهة واحدة وهي من الطرف الذي أَعْطَى. (وكذلك النكاح) لا بد فيه من الرضا، وهذا واضح بين (وغيره من جميع العقود). قال: (والفسوخ كالطلاق والخلع لا تتم إلا برضى المتصرف فيها). المتصرف فيها ليعم لأنه إن كان زوجًا حينئذٍ الطلاق لا يكون إلا من جهته ولا بد أن يكون راضيًا، ولا يُشترط رضا الزوجة هنا عندنا عقد نكاح طلق الزوج عقد أو فسخ فَسخ نكاح، إذًا حل عقد النكاح هذا إنما يكون من جهة الزوج، حينئذٍ لا بد أن يكون راضيًا فلو كان مكرهًا فلا، ولا يطلق غير الزوج إلا بإذن كـ: وكالة ونحوها، كذلك الخلع وهذا يكون من جهة الزوجة يُشترط فيه رضاها فلو أُكرهت عليه حينئذٍ لا ينعقد لا يصح الفسخ لماذا؟ لأن الفسوخ الاختيارية يُشترط فيها الرضا، بخلاف الفسوخ الإجبارية القهرية فلا يشترط فيها الرضا، إذًا قال: (وكذلك النكاح وغيره من جميع العقود والفسوخ كالطلاق والخلع). الطلاق من جهة الزوج والخلع من جهة الزوجة (لا تتم إلا برضى المتصرف فيها) فإن كان من الزوج فلا بد من رضا الزوج كـ: الطلاق. وإن كان من الزوجة فلا بد من رضا الزوجة كـ: الخلع. لماذا يشترط الرضا؟
(7/4)

أولاً: النص {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}، «إنما البيع عن تراضٍ». ونكتفي بهذا، لكن يعلل ببيان الحكمة كما قال هنا رحمه الله تعالى: (لأنها تنقل الأملاك من شخص إلى آخر). (لأنها) أي: هذه العقود في البيوع ونحوها. (تنقل الأملاك من شخص إلى آخر) ولا ينتقل الملك إلا برضًا من المالك إلى من انْتُقِلَ أو انْتَقَلَ الملك إليه، فإذا باع أرضًا فحينئذٍ البائع لا بد أن يكون راضيًا والمشتري لا بد أن يكون راضيًا، لماذا؟ لأنه سينبني ويتفرع على ثمرة هذا العقد انتقال ملكية الأرض من البائع إلى المشتري، ما الذي ترتب على صحة البيع؟ نقل الملكية، إذًا نقل الملكية أمر مهم أم لا؟ لا شك في ذلك، ولذلك اشترط الشارع أنه لا بد من الرضا (لأنها) أي: هذه العقود كـ: البيوع. ونحوها (تنقل الأملاك من شخص إلى آخر) من البائع إلى المشتري (أو تنقل الحقوق) كـ: الهبة، والوقف، والوصية، والوكالة. هذا نقل حقوق (أو تغير الحال السابقة) نحو ماذا؟ الطلاق والخلع يُغير الحالة السابقة كانت زوجة وصفها زوجة ثم بعد ذلك بعد إيقاع الطلاق تغير الحال السابقة أي ليست بزوجة، كذلك الخلع كانت زوجة وتغير الحال السابق، إذًا (لأنها تنقل الأملاك) هذا في البيوع ونحوها (أو تنقل الحقوق) هذا في التبرعات، وقد يدخل شيء من التبرعات في نقل الأملاك هناك، (أو تغير الحال السابقة) مثل الطلاق والخلع وما كان بمعناه (وذلك يقتضي الرضى، فمن أُكْرِهَ على عقد، أو على فسخ بغير حق، فعقده وفسخه لاغٍ) فمن باع واشترى بدون رضا فلا يصح العقد ولا ينفذ، من طلق فسخ عقد عَقد نكاح من طلق دون رضًا حينئذٍ لا يصح طلاقه، ولذلك قال هنا: (فمن أُكْرِهَ على عقد). أيًّا كان هذا العقد من التبرعات أو المعاوضة (أو على فسخ بغير حق) هذا احترازًا من الإكراه بحق وسيأتي (فعقده وفسخه لاغٍ، وجوده مثل عدمه).
ثم قال: (ويُستثنى من هذا الأصل العام من أكره على عقد، أو فسخ بحق). إذًا الإكراه نوعان: إكراه بغير حق، وإكراه بحق.
إكراه بغير حق هذا لا يترتب عليه النفوذ في التصرف، بمعنى أن العقد لا يصح ونفوذه لاغٍ.
وأما من أكره على عقد بحقٍ فحينئذٍ كمن باع برضا، بمعنى أن العقد يتم وكذلك ينفذ.
(7/5)

ضابط ذلك المستثنى المكره بحق إذا امتنع الإنسان مما وجب عليه أُلزم به وكان إكراهه بحق، (فإذا أكره على بيع ماله لوفاء دينه) أكرهه من؟ القاضي ليس آحاد لناس وإنما أكرهه القاضي أو ولي الأمر أن يبيع أرضًا لسداد دينه، فحينئذٍ نقول: هذا عقد لم يتوفر فيه الشرط وهو: الرضا. لكنه عقد صحيح، لماذا؟ لأن انتفاء الرضا هنا انتفاء بحق وهو: سداد الغرماء. حينئذٍ لكون هذا العقد إنما وقع من أجل سداد الدين الذي عليه وألزم به من جهة القاضي فحينئذٍ نقول: هذا العقد نافذ يعني: صحيح. أين الرضا المشترط؟ نقول: لا يشترط في مثل هذه الأحوال. إذا امتنع الإنسان مما وجب عليه أُلزم به وكان إكراهه بحق، فقضاء الدين واجب، وأداء الكفارات واجب. قال: ما عندي. لكن عنده أرض حينئذٍ يلزمه أن يبيع هذه الأرض (فإذا أكره على بيع ماله لوفاء دينه، أو لشراء ما يجب عليه من نفقة) على زوجة مثلاً (أو كسوة أو نحوها فهو إكراه بحق) وهذا النص أو هذه الجملة التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى يدل عليها الأحاديث الواردة في المفلس، جاءت كثيرة ثبت في البخاري وغيره أن رجلاً أفلس فأعتق عبدًا أراد أن يتصرف، كيف أنت مفلس وتُعتق عبدًا؟ الأصل أنه يبيعه من أجل سداد ديونه هذا الأصل فيه، فحينئذٍ لو تصدق لا يصح عقده، المفلس المدين الذي يطالب بالدين لا يجوز له أن يتصدق ولا أن يتبرع ولا غير ذلك، فإذا فعل حينئذٍ لا ينفذ ولا يصح، ولذلك هنا أن رجلاً أفلس فأعتق عبدًا له عن دبر فلما بلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا بالعبد وقال: «من يشتري هذا». باعه دون إذن صاحبه وهذا إكراه أم لا؟ إكراه، لماذا؟ لأنه لم ينظر في رضا المفلس صاحب المال، وعرضه للبيع لأجل أن يرد لأصحاب الدين ديونهم، (وكذلك المشترك الذي لا ينقسم، إلا بضرر إذا امتنع أحد الشريكين من بيعه أُجبر عليه بحق)، (المشترك) يعني: الشيء الذي يكون شراكة بين اثنين بين شخصين حينئذٍ قد ينقسم وقد لا ينقسم، الذي يكون بين اثنين قد ينقسم، أرض كبيرة جدًا لو قسَّماها حينئذٍ صح ولا إشكال، هذا ينفرد بأرض وهذا ينفرد بأرض، لكن بعضها قد لا ينقسم لو اشتركا في عبد وباع أحدهما حينئذٍ كيف نصنع؟ فهنا المشترك الذي لا ينقسم إلا بضرر إذا امتنع أحد الشريكين من بيعه أُجبر على بيعه بحق وكان إكراهًا بالحق، كرجلين اشتركا في ملك بعير وهذا لا يمكن أن ينقسم إلا بضرر، فإذا طلب أحدهما حقه من هذا البعير فحينئذٍ ماذا نصنع؟ لا بد من بيعه، سواء رضي الثاني أم لا، إذا طلب أحد الشريكين حقه من هذا البعير حينئذٍ وجب بيعه سواء رضي الشريك الثاني أم لا، لماذا؟ لأنه لا يمكن وفاء حق المطالب الشريك إلا ببيعه فيتعين بيعه ولا يُنظر في رضا الشريك الآخر، فإذا طلب أحدهما حقه من هذا البعير فلا طريق لنا إلى ذلك إلا ببيعه، وبيعه حينئذٍ يكون واجبًا، وهذا ما يسمى قسمة إجبار عقار مشترك بين اثنين وهي التي لا رد فيها ولا تعديل، فيُقْسَمُ البيت بدون ضرر على أحدهما، وأما إذا كان هناك ضرر فهي قسمة تراضٍ ولا يُجْبَر على القسمة بل لا بد من رضاهما.
(7/6)

ثم قال: (وكذلك من وجب عليه طلاق زوجته لسبب من الأسباب الموجبة، فامتنع). يعني: كنقص في دينه، حينئذٍ يجب عليه أن يطلق زوجته إذا طالبت بذلك (فامتنع) فحينئذٍ (أجبر عليه بحق) بمعنى أنه يجبر على الطلاق قال: (وكذلك من وجب عليه طلاق زوجته لسبب). أيًّا كان من الأسباب سواء كانت أمور دنيوية أو نقصًا في الدين، نقصًا في الدنيا كأن يترتب عليه إضرار بالنفقة فلها المطالبة بالطلاق إذا كان يقصر في النفقة، وكذلك في الدين بأن يكون مثلاً سِكِّيرًا حينئذٍ نقول: لا بأس، بل قد يجب على المرأة أن تطالب بالطلاق فيُجبر الزوج على الطلاق (فامتنع، أُجبر عليه بحق) قال: (وكذلك لو وجب عليه إعتاق رقيق عن كفارته أو نذره فامتنع أُجبر على ذلك). وأمثال ذلك كثيرة، إذًا كل ما ترتب عليه واجب في الشرع سواء تعلق بحقوق الآدميين أو بحقوق الله عز وجل حينئذٍ وجب إنفاذه، ولا يُنظر إلى رضاه، حقوق الآدميين كبيع شيء له من أجل سداد دينه حينئذٍ لا يُلتفت إليه، ولا يُشترط رضاه، بل يبيعه القاضي، كذلك ما كان متعلقًا بحق الله تعالى كـ كفارة ونحوها وحينئذٍ لا يلتفت إليه، إذًا التراضي بين المتعاقدين في عقود المعاوضة لا بد منه إلا في البيع والشراء إذا كان إكراهًا بحق، كذلك في التبرعات نقول: يُشترط فيه التراضي. كذلك في الفسوخ الاختيارية يُشترط فيه التراضي ما الذي يدل على التراضي؟ التراضي أمر قلبي حينئذٍ كيف نعرف أن هذا راضي؟ نقول: التراضي أو الرضا يعرف بأشياء.
أولاً: اللفظ رضيت أو الإيجاب والقبول نقول: هذا دال على الرضا. اللفظ.
الثاني: الفعل والرضا شرط في البيع صحة البيع، وإذا دل الفعل على الرضا فحينئذٍ صح بيع الْمُعَاطَاة وهو الصحيح.
ثالثًا: الكتابة لو كتب بأنه باع واشترى أو رضي به فحينئذٍ نقول: هذه مجزئة.
رابعًا: الإشارة. وهي مختلف فيها لكن يبقى النظر في حق الأخرص، هل تعتبر دليلاً على الرضا أم لا؟ الصحيح نعم تعتبر دليلاً على الرضا، وغير الأخرص هذا فيه كلام طويل، لكن في مسألة النكاح قيل: لا يكتفى بالإشارة. النكاح شأن خطير كما مر معنا لأن الإشارة ليست من الدلالات على الرضا في الأصل، لكن لما كان الأخرص لا يمكن أن يعبر إذا سمع ما يتعلق بالبيع والشراء إلا بالإشارة فحينئذٍ نقول: هذه الإشارة تقوم مقام اللفظ حينئذٍ يكون راضيًا، أما غير الأخرص فمحل نظر، أما في النكاح فلا، في النكاح لا تعتبر الإشارة.
خامسًا: السكوت في بعض المواضع أين هذا؟ لا يُنسب لساكت قول، هذا المشهور، لكن في بعض المواضع.
.
أي «إذنها سكوتها». «صماتها». إذًا السكوت في بعض المواضع ليس مطلقًا لأنه قد يسكت ولا يكون راضيًا. إذًا هذا محصل ما يحصل به الرضا والله أعلم.
(7/7)

(القاعدة الثالثة عشر: الإتلاف يستوي فيه المتعمد والجاهل والناسي، وهذا شامل لإتلاف النفوس المحترمة، والأموال، والحقوق). وهذا كذلك ضابط، أكثر ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى هنا ضوابط لأنه يتعلق بباب الضمان في الجملة، والجملة يتعلق بباب الضمان وما تعلق ببابٍ حينئذٍ يكون من الضوابط، هذه القاعدة أشبه بالضابط وهي في باب الضمان، ويمكن أن يدخل فيها بعض مسائل من أبواب أخرى، ففيها عموم من جهة وخصوص أغلبي من جهة أخرى، إذ أكثر أحكامها متعلق بباب الضمان.
الإتلاف هذا مصدر أَتْلَفَ يُتْلِفُ إِتْلافًا، والإتلاف هو التعدي على مال الغير بمباشرة أو تسبب، الإتلاف غير التلف، التلف سيأتي القاعدة الآتية، الإتلاف هو: التعدي على مال الغير بمباشرة كإحراق المال، يحرق المال هذا بمباشرة، أو يقتل نفسًا هذا مباشرة أو تسبب كمن يحفر بئرًا ويتسبب في موت من يسقط فيه، حينئذٍ نقول: لم يباشر القتل وإنما تسبب في القتل. إذًا التعدي على مال الغير بمباشرة أو تسبب، مباشرة كقتل أو إحراق مال، أو تسبب كحفر بئر يسقط فيه شخص من المسلمين فيموت، وقد يكون الإتلاف خطأً وقد يكون عمدًا، وهذا الذي أورد المصنف هنا القاعدة لأجله وهو يكون بفعل الإنسان، الإتلاف خاص بفعل الإنسان بخلاف التلف، التلف أعم، التلف قد يكون بفعل الإنسان وقد يكون بآفة سماوية، أيهما أعم؟ التلف. إذًا كل إتلاف تلف ولا عكس، فالإتلاف خاص بفعل الإنسان، وأما التلف فيعم فعل الإنسان ويزيد عليه بأنه ما قد يكون حاصلاً بفعل الرب جل وعلا كآفة سماوية، كالأمطار والأعاصير والرياح ونحوها، والأصل في الإتلاف التحريم، التعدي على أموال الناس الأصل فيه التحريم إلا ما أذن فيه الشرع، وقد يكون واجبًا كإتلاف الخنزير والخمر ونحوها، هذا إتلاف، والعقوبة المالية كذلك إتلاف لكنه مستحب وهي ليست واجبة وإنما على حسب المصلحة، وعبر بعضهم عن هذه القاعدة (من أتلف مال الغير بلا إذن منه فهو ضامن) والمقصود أن من أتلف عين مال الغير أو المنفعة المترتبة عليه سواء كان جاهلاً أو عالمًا فهو له ضامن، [أي نعم فهو له ضامن] (1) أي: أنه مكلف برد مثله إن وجد المثل، أو برد القيمة، فكل من أتلف مالاً لغيره بلا إذن حينئذٍ يلزمه المثل الضمان يعني: رد المثل أو القيمة إن لم يتمكن المثل.
__________
(1) سبق.
(7/8)

إذًا مكلف برد مثله أو قيمته إليه إذا تم الإتلاف من دون إذنه، ودليل القاعدة قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] نص واضح بين وسيأتي في كلام المصنف كذلك في قتل الخطأ {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} سماه اعتداءً من باب المشاكلة وإلا هو ليس باعتداء، {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} والاعتداء في الآية شامل للنفوس والأموال، والمقصود بالاعتداء بالمثل هو الأخذ بالمثل أو بالقيمة. إذًا سُمِّيَ اعتداءً من باب المشاكلة، وإلا ليس باعتداء، وإنما هو أخذ لحقه {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} فحينئذٍ يضمن، وهذا يشمل الإتلاف الذي يكون في النفوس أو للأموال، ومن السنة حديثه - صلى الله عليه وسلم - حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه». سوَّى بين المال والدم، كما أن الدم لا يقع هدرًا كذلك المال لا يقع هدرًا، كما أن الدم يضمن كذلك المال يضمن، هذا وجه الاستدلال، فإتلاف مال المسلم لا يذهب هدرًا كما أن دمه لا يظهر هدرًا فلا بد من ضمانه له. قال رحمه الله تعالى: (الإتلاف). إذًا عرفنا الإتلاف أنه من فعل الإنسان (يستوي فيه المتعمد، والجاهل، والناسي) فكل من أتلف مال غيره حينئذٍ نقول: هذا ضامن سواء كان متعمدًا قاصدًا أو لم يكن متعمدًا لم يكن قاصدًا بل مخطئًا، أو لم يكن معه عقله كالناسي حينئذٍ يستوي الضمان لا فرق بينهما، (وهذا شامل لإتلاف النفوس المحترمة، والأموال، والحقوق) لعموم الآية السابقة، فكل من أتلف شيئًا لمسلم ضمنه، هذا الأصل بغير إذنه. قال هنا: (فمن أتلف شيئًا من ذلك). يعني: من النفوس والأموال والحقوق. (بغير حق) هذا قيد لأنه قد يتلفه بحق (فهو مضمون) وهذا الضمان من حكم الوضع يعني: ليس من خطاب التكليف، ومر معنا أن خطاب الوضع لا يُشترط فيه أن يكون المخاطب مكلفًا، بل يتعلق بالمكلف وغير المكلف، إذا فهمت هذه تعرف لماذا سوِّيَ بين الناسي والمتعمد والمخطئ لأن الضمان من قبيل خطاب الوضع، وخطاب الوضع لا يختص بالمكلف كما هو الشأن في خطاب التكليف، لا بد أن يكون بالغًا عاقلاً غير مكره غير ملجئ غير غافل من مراعاة أحواله، وأما خطاب الوضع فلا، فكل من وجد السبب في حقه ترتب عليه المسبب، فهو ربط الأحكام بأسبابها بقطع النظر عن الفاعل سواء كان الفاعل مكلَّفًا أم لا، هذا وجهه، إذًا فهو مضمون من حكم الوضع ترتب فيه الحكم على السبب، لأن الحكم الوضعي هذا شأنه ترتب فيه الأحكام على أسبابها وشروطها وأوصافها، فالضمان من خطاب الوضع إذا وُجِدَ السبب وجد الحكم بقطع النظر عن هذا المتلف للشيء الذي ترتب عليه الضمان، عاقلاً أو مجنونًا، ذاكرًا أو ناسيًا، عامدًا أو مكرهًا، لأنه حكم يتعلق بسببه، للخطاب الوضع يتعلق بالمكلف وغيره، والضمان شيء والإثم شيء آخر، لأن البعض قد يستدل بكون الصبي لا يأثم أنه لا يضمن، أليس كذلك؟ إذا أتلف صبي مال أحد من المسلمين بل حتى غير المسلمين لو أتلف مالاً لإنسان حينئذٍ نقول: يأثم الصبي؟ لا يأثم، لماذا؟
..
(7/9)

لأنه غير مكلف، عدم الإثم هل يستلزم عدم الضمان؟ الجواب: لا، فلا يُعترض بهذا، لا علاقة بين الإثم والضمان، لا علاقة بين الإثم والدية، نقول: الصبي الذي قتل لزمته الدية، لا نقول هو غير مكلف ولم يجب عليه وهذا محرم .. إلى آخره نقول: لا، الدية حكم الوضع لأنه مرتب على سبب، متى ما وجد هذا السبب ترتب عليه الحكم الشرعي، وأما أن نستدل بعدم الإثم على رفع الضمان هذا غلط ليس بصحيح، فالضمان شيء والإثم شيء آخر، فليس كل ما سقط الإثم سقط الضمان، هذه قاعدة ضابطة ليس كل ما سقط الإثم سقط الضمان. قال هنا: (فمن أتلف شيئًا من ذلك بغير حق، فهو مضمون سواء كان متعمدًا أو جاهلاً أو ناسيًا، ولهذا) الحكم السابق (أوجب الله الدية في القتل خطأ) هذا مثال وهو دليل في نفسه على القاعدة (في القتل خطأ) فقد قتل ولم يُرد القتل إذًا لم يقصد القتل حينئذٍ هل يأثم؟
..
لا يأثم، مرفوع عنه مخطئ، أليس كذلك؟
{وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] وهذا لم يتعمد إذًا لا يأثم، لكن هل يلزمه من عدم إثمه أن لا تجب عليه الكفارة؟ الجواب: لا، إذًا فقد قتل ولم يرد القتل ومع ذلك وجبت الدية عليه، وإنما سقط عنه الإثم دون الضمان وهو الدية لأن الإثم متعلق بحكم التكليف، وأما الضمان فهو متعلق بخطاب الوضع لأن الإثم متعلق بخطاب التكليف وهو الحكم التكليفي، والضمان متعلق بالخطاب الوضع وهو الحكم الوضعي. (وإنما الفرق بين المتعمد وغيره من جهة الإثم، وعقوبة الدنيا والآخرة بحقه) يعني: حق المتعمد. (وعدمه في حق المعذور بخطأ أو نسيان) يعني: يريد أن يفرق فيمن قتل عمدًا أو قتل خطأً ما الفرق بينهما؟ استويا اتحدا واختلفا، اتحدا في الكفارة جنس الكفارة، واختلفا من جهة الإثم وما يترتب عليه في الدنيا. قال: (وإنما الفرق بين المتعمد). يعني: للقتل. (وغيره) وهو الناسي والمخطئ (من جهة الإثم) فالمتعمد يأثم، وغير المتعمد لا يأثم (وعقوبة الدنيا والآخرة بحقه) أي: المتعمد. إذا تعمد القتل القصاص أما المخطئ فلا (وعدمه) هذا المقابلة في الفرق (وعدمه) أي: عدم الإثم في حق المعذور بخطأ أو نسيان، وأما الكفارة فهي ثابتة. قال رحمه الله تعالى: (فمن أتلف مال غيره) كالغنم ونحوها (أو حقًا من حقوقه) كالشفعة سعى في إبطالها ونحوها (بمباشرة أو سبب فهو ضامن) أعاد ما سبق، (فمن) هذا عام (أتلف مال غيره) كالغنم والزرع ونحوه أو حقًا من حقوقه (بمباشرة أو سبب فهو ضامن) لما سبق ذكره.
قال رحمه الله تعالى: (ومن الأسباب المتعلق بها الضمان). إذًا الإتلاف قد يكون بالمباشرة كالإحراق للمال وقد يكون بالتسبب كأن يسلط سَبُعًا مثلاً على بهيمته أو يحفر بئرًا أو حفرةً فيسقط فيها بعض الناس، فحينئذٍ نقول: هذا ضامن؛ لأنه تسبب يعني: فعل السبب، لكن إذا اجتمع المباشرة والسبب حينئذٍ يقدم المباشر على المتسبب، يعني: لو حفر حفرة وتركها ثم جاء من يمشي فسقط فمات يضمن؟ نعم، يضمن. حفر حفرةً فجاء شخص فمر بالحفرة فدفعه شخص، عندنا أمران: متسبب، ومباشر. هنا الضمان على من؟
..
(7/10)

لا، على المباشر، إذا اجتمع المباشر والمتسبب حينئذٍ عُلِّقَ الضمان بالمباشر، عرفتم الصورتين؟ بمعنى أنه لو حفر حفرةً فجاء من يمشي فسقط فمات فالضمان على من حفر لأنه متسبب ولم يوجد مباشر، هو المتسبب، لو حفر حفرة نفس الصورة ومر شخص فدفعه شخص آخر ثالث فعندنا متسبب وعندنا الشخص الذي مشى فسقط وعندنا المباشر من الذي يضمن؟ المباشر، لكن إذا اجتمع المباشرة والسبب فقدم المباشر، إنسان حفر بئرًا ومر إنسان فدفعه آخر فيها حينئذٍ يقدم المباشر على المتسبب وعليه قاعدة ... [المباشر ضامن وإن لم يتعمد].
قال رحمه الله تعالى: (ومن الأسباب المتعلق بها الضمان). يعني: الضمان رُتِّبَ على ماذا؟ [ذكر مثالاً على الخطأ القتل] (1)، ذكر مثالاً سابقًا على القتل ومن الأسباب التي علق عليها الشارع الضمان (إتلاف بهيمته التي هو متصرف فيها) ليس هو إنما البهيمة، (إتلاف بهيمته) إتلاف هذا مصدر، أَتْلَفَ يُتْلِفُ إِتْلافًا، أضافه إلى البهيمة، إذًا من إضافة المصدر إلى فاعله، (إتلاف بهيمته) يعني: ما أتلفته بهيمته، قال: (التي هو متصرف فيها). يعني: يقودها أو يسوقها. حينئذٍ نقول: هو متصرف فيها هذه صورة، يعني: راكب للإبل مثلاً أو راكب للبقر وأتلفت زرع غيره وهو يسير، حينئذٍ نقول: يضمن. لماذا؟ لأنه كان متصرفًا في البهيمة وقد أتلف، والبهيمة له فحينئذٍ هو كالمتسبب.
الصورة الثانية: (والتي يخرجها ليلاً أو نهارًا بقرب ما تتلفه) هذه صورة ثانية من إتلاف البهائم.
الصورة الأولى: أن يكون سائقًا لها قائدًا راكبًا لها فأتلفت ضمن.
__________
(1) سبق.
(7/11)

الصورة الثانية: لم يركبها وإنما أطلقها (والتي يخرجها ليلاً) حينئذٍ إذا أتلفت ضمن، طبعًا البهيمة لا تضمن وإنما يضمن صاحبها وهذا المراد، ... (والتي يخرجها ليلاً أو نهارًا) لكن بقيد (بقرب ما تتلفه) هذا القيد ليس لليل وإنما للنهار، أما الليل فأطلق المصنف وأما النهار فقيده بأنها يتركها بقرب مزرعة مثلاً، الأصل أنه يتركها ترعى بعيدًا عن مواضع الناس فتركها ترعى عند مزرعة فأتلفت المزرعة، حينئذٍ نقول: تركها نهارًا بقرب ما تتلفه فحينئذٍ لزمه الضمان، مفهومه أنه لو تركها نهارًا لا بقرب ما أتلفته فأتلفت فلا ضمان صحيح؟ نعم على كلامه الآن قيود (أو نهارًا بقرب ما تتلفه) إذًا نهارًا لا بقرب ما تتلفه حينئذٍ نقول: لا ضمان. هذا الذي ذهب إليه المصنف، وعليه نقول: ما أتلفت البهائم ليلاً فعلى صاحب البهيمة الضمان، إذا أتلفت ليلاً، وما أتلفت نهارًا فليس عليه شيء. سيأتي قيده لأن الغالب أن البهيمة إذا خرجت نهارًا تسرح بعيدًا خصوصًا الإبل بخلاف الغنم، ولذلك جاء في الحديث واستدل به الشيخ هنا رحمه الله تعالى («كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه») حول الحمى يعني: قريبًا منه. إذًا: الأصل فيه أنه يرعى بعيدًا هذا الأصل فيه، هل هذا الحديث يدل على رعي الليل أو النهار؟ الظاهر النهار فهو رعي النهار ومع ذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: ... («يوشك أن يرتع فيه») فيضمن في هذه الحالة. يعني: الأصل فيما أتلفته البهيمة في النهار لا ضمان على صاحب البهيمة، هذا هو الأصل إلا في حالة واحدة دل عليه هذا الحديث وهو أنه إذا تركها ترعى بجوار الحمى بجوار الزرعة مثلاً بقرب ما تتلفه حينئذٍ نقول: لهذا الحديث قيد الشيخ هنا نهارًا بكونها إذا كانت قريبةً من المزرعة مثلاً فأتلفتها حينئذٍ: وجب الضمان على صاحب البهيمة، وأما إذا لم يكن بقرب المزرعة مثلاً حينئذٍ: نرجع إلى الأصل، وهو أن البهيمة إذا أتلفت نهارًا فلا ضمان، هذا الأصل فيه، والإبل في الغالب لا ترعى مع صاحبها هذا الأصل، الغنم يخشى عليها من الذئب، وأما الإبل فهي قوية لا يُخْشَى عليها فلا يرعى معها صاحبها، لأنها تترك وتذهب إلى أماكن بعيدة فمثل الإبل لا يعتبر صاحبها مفرطًا إذا أتلفت نهارًا. إذا أتلفت نهارًا ليس على صاحب الإبل ضمانٌ لأنها لا ترعى إلا في الأماكن البعيدة بمعنى أنها لا تكون قريبةً من البلد ونحوها، بخلاف الغنم فإنها في الغالب لا تترك وحدها لأنها يخاف عليها ولهذا صاحبها يرعها في الغالب، فإذا كان هذا هو الغالب فتفريطه بعلمه أن ترعى بجانب أرض فلانٍ ولم يحفظها هذا يوجب عليه الضمان. إذًا كلام المؤلف ليس في كل بهيمةٍ، هذا أولاً، ليس في كل بهيمةٍ، إنما هي في الغنم وما كان بمعناها مما يحتاج إلى رعايةٍ وحفظٍ، وأما الإبل وما كان في معناها كالبقر لا يحتاج إلى رعاية مما يرعى بنفسه فقد فرقت السنة الصحيحة بين رعي الليل وبين رعي النهار، فيضمن ليلاً لا نهارًا، فرعي الليل يضمن صاحب البهيمة إذا أتلفت، ورعي النهار ليست على صاحب البهيمة ضمان لأنه هو المفرط صاحب المزرعة. إذًا قوله: (إتلاف بهيمته التي هو متصرف فيها) هذه صورة أولى.
(7/12)

يعني: يركبها فأتلفت حينئذٍ: هذا واضح بين هو وبهيمته حاضران في الموقع، والتي يخرجها ليلاً أو نهارًا بقرب ما تتلفه على التفصيل الذي ذكرناه، أو الصورة الثالثة (يطلق حيوانه المعروف بالأذية على الناس في أسواقهم وطرقهم، فإنه متعمد) في الصور الثلاث (عليه الضمان). يعني عنده كلب عقور لو جاز له أن يستعمله لا يجوز له أن يطلقه ويؤذي المسلمين. فإن أطلقه بين الناس فأفسد حينئذٍ وأتلف حينئذٍ يضمن صاحب الكلب ما أتلفه. إذًا: (أو يُطلق حيوانه المعروف بالأذية على الناس في أسواقهم وطرقهم، فإنه متعمد عليه الضمان).
قال: (ومما يدخل فيه هذا قتل الصيد للمحرم عمداً أو خطأ). هذا هو الشاهد للقاعدة (عمداً أو خطأ) يعني: بناءً على قولٍ لا يراه المصنف وإنما أراد المثال، وهذا الشأن في كثير من المسائل التي تُذكر.
والشأن لا يعترض المثال ... إذ قد كفى الفرض والاحتمال

يعني: المثال إذا ذكر لقاعدة لا نأتي نحصص فيه. بمعنى أننا قد نأتي بالمثال لأجل أدنى مناسبةٍ بيه وبين القاعدة، وقد يكون فيه شيءٌ من الإشكالات التي تدرجه تحت قاعدةٍ أخرى، فحينئذٍ نقول: لا يحصص فيه (ومما يدخل فيه هذا قتل الصيد للمحرم عمداً أو خطأ ففيه الجزاء عند جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة) القول إذا فيه الأئمة الأربعة الأصل أنه قولٌ كبير ويحترم، وحينئذٍ: على قول الأئمة الأربعة لقوله (واختار بعض أصحابهم أن الضمان خاص بقتله عمدًا، كما قال تعالى في الآية: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا}) قالوا: الحكم يستوي في المتعمد والخطأ. طيب: لِمَ نص الله عز وجل على المتعمد؟ قالوا: لا مفهوم له. وما أسرع هذا الجواب، لا مفهوم له. ليس له مفهوم، كيف لا مفهوم له ونحن نقرر أن الحال قيدٌ لعاملها ووصف لصاحبها، فهي من الأوصاف، والأوصاف تعتبر من المفاهيم؟ إذًا له مفهوم مخالفة. قالوا: لا مفهوم له، واختار بعض أصحابهم أن الجزاء. أي: الضمان مختصٌ بمن قتله عمدًا. وهذا هو الصحيح للنص، وأما الخطأ فلا ضمان، الخطأ هنا فلا ضمان، مختصٌ بمن قتله متعمدًا كما قال تعالى: ({وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا})، ({مُتَعَمِّدًا}) هذا حال من فاعل قَتَلَ، وفاعل قتل ضمير مستتر يعود على من ({مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا})؟ ومن اسم شرط كذلك، مَنْ اسم موصول أم اسم شرط؟ شرط أي ({فَجَزَاءٌ})، لما قال: ({فَجَزَاءٌ}) علمنا أن هذه من في اسم شرط وهي مبنيةٌ على السكون في محل رفع مبتدأ هنا، لأنه قتله فعل شرط واستوفى مفعوله، وإذا استوفى المفعول ما بعد من حينئذٍ: أعربت مبتدأ، وأما إذا لم يستوف المفعول حينئذٍ: تعرب مفعول به، ({وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا}) هذا حالٌ من فاعل قتل. إذًا مفهومه من قتله منكم مخطئًا فليس عليه شيء.
(7/13)

قال: (وهو صريح الآية الكريمة، والفرق بينه وبين أموال الآدميين) نحن قررنا قاعدة أن الإتلاف يستوي فيه العامد والمخطئ، متعمد والخطأ، والآن نقول: هذا قتل صيدًا في الحرم مخطئًا أو خطأ ولا ضمان. كيف نقرر قاعدة ثم ننقضها؟ نقول: القاعدة بهذا الدليل إنما هي في حقوق الآدميين لا في حقوق الله عز وجل. يعني: الإتلاف في حقوق الآدميين يستوي فيه المتعمد والمخطئ، وأما في حقوق الله عز وجل فلا، ثَمَّ فرقٌ، والفرق هنا أن حقوق الآدميين مبنيةٌ على المشاحة المخاصمة المنازعة كلاًّ يريد حقه، وأما حق الله عز وجل فهو مبنيٌ على المسامحة، (والفرق بينه وبين أموال الآدميين: أن الحق فيه لله، والإثم مترتب على القصد، فكذلك الجزاء، وهذا القول أصح). (وهذا القول أصح) يعني: أن الكفارة في قتل الصيد إنما تجب على المتعمد، وأما المخطئ فهذا لا تجب عليه للنص الوارد، وعليه نقول القاعدة: الإتلاف يستوي فيه المتعمد والجاهل والناسي هذه في حقوق العبادِ. يعني: فيما يتعلق في حق العباد، وما كان حقًّا لله ليس فيه ضمانٌ لأنه مبنيٌّ على المسامحة، هذا في الجملة مبنيٌّ على المسامحة، فالجاهل والناسي في حق العباد كالعامد والذاكر لكنه لا إثم عليه.
قال ابن عثيمين هنا: وهذه قاعدة في غير حق الله عز وجل، أما في حق الله عز وجل فإنه لا ضمان على الجاهل والناسي والمكره حتى في أعظم الأشياء ضمانًا وهو صيد الحرم لقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]. فقال الله تعالى: «قد فعلت». وهذه الآية قد يستدل بها البعض على إسقاط الإعادة مثلاً في العبادات بناءً على هذه النص، لكن هذا النص ينبغي فهمه على وجهه، لأن الذي قال فيه الله عز وجل: «قد فعلت». هو جوابًا للدعاء، ولو نظرت في الدعاء {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. إن نسي أو أخطأ فأوقع العبادة على غير وجهها حينئذٍ ثمَّ أمران:
الأول: أنه لم يأت بالعبادة فيبقى مطالبًا بالعبادة.
(7/14)

الثاني: الإثم لأنه قد يكون مفرطًا ولو كان نسيانًا، إذا أخذ في أسباب النسيان قد يكون عنده نوع تفريط، حينئذٍ لا يترتب عليه الإثم {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا} الدعاء هنا بنفي المؤاخذة عدم المؤاخذة. يعني: لا تؤثمنا لئلا نقع في حرجٍ وأثمٍ، وأما العبادة فهي على أصلها فلا نأخذ هذه الآية استدلالاً على أنه العبادات إنما تسقط لأن الله تعالى قال: «قد فعلت». فهمتم هذا؟ يعني: إذا قال إنسان نسيت أخطأت أفطرت في نهار رمضان ظننت أن المغرب قد أذن فتبين لي أنه لم يؤذن حينئذٍ نقول: لا إثم عليه، لماذا؟ أنت الآن متعمد أفطرت في نهار رمضان قبل غروب الشمس حينئذٍ نقول: لا إثم عليه، لأن الله تعالى قال: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. إذًا رُفِعَ الإثم بهذه الآية، وأما الصيام بقاؤه هذا بالأدلة الأخرى نرجع إلى الأصل أنك مطالب بصيامٍ من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس وأنت قد أفسدت الصوم، الأصل فيك أنك آثم لكن ارتفع الإثم بمثل هذه النصوص ويبقى النص الأصلي الذي طالب بالصيام باقٍ على أصله، فالعبادة إعادتها واجبةٌ وهذا النص لا يسقطها، بعضهم يقول: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. وأنت أخطأت. إذًا الصوم صحيح. لأن الله تعالى قال: «قد فعلت». هذا خطأ في الاستدلال ليس بصحيح. إذًا فقال الله تعالى: «قد فعلت». فإذا كان جاهلاً أو ناسيًا أو مكرهًا فلا إثم عليه ولا ضمان.
بقي هنا أن نقول الضمان في باب الإتلاف له شروط:
الأول: أن يكون المتلف مالاً. مال يعني: له قيمة في الشرع، فلو أتلف خمرًا يضمن؟ لا يضمن، لو أتلف خنزيرًا يضمن؟ لا يضمن. إذًا فلا يُضمن غير المال، أو أتلف ميتة مثلاً فيه تفصيل هذا يأتينا إن شاء الله تعالى.
الثاني: أن يكون متقومًا. يعني: له قيمة.
الأول: أن يكون المتلف مالاً.
الثاني: أن يكون متقومًا. وهو في معنى الأول، لو قيل أن يكون مالاً متقومًا جمع بينهما لكان أولى، لأن النظر هنا في القيمة إنما هو في النظر الشرعي. الخمرة لها قيمة عند أصحابها، الخنازير تباع وتشترى، فحينئذٍ يكون لها قيمة عند أصحابها لكن باعتبار الشرع لا قيمة لها.
ثالثًا: أن يكون المتلف من أهل الوجوب، فلا ضمان - ليس من أهل الوجوب بمعنى أنه يعني: مكلف - فلا ضمان على بهيمةٍ ولا على صاحبها إلا أن يكون مفرطًا، أو يكون معها على التفصيل الذي ذكرناه.
الرابع: أن يكون في الضمان فائدةٌ. وهو أن يكون المتلف تحت ولاية المسلمين فلا ضمان على الحربي ولا على الباغي إذا أتلف. يعني: كافر في معركةٍ قتل مسلمين ثم أسلم. ها نطالبه بالضمان؟ الجواب: لا. هل نطالبه وهو حربيٌّ؟ الجواب لا. كذلك البغاة، ولذلك ما وقع بين الصحابة مع الخوارج ونحوهم فما قتلوا ما طالبوا منهم الضمان الديات، وإنما بقوا على أصلها.
(7/15)

(القاعدة الرابعة عشرة: التلف في يد الأمين غير مضمون إذا لم يتعدّ أو يفرط، وفي يد الظالم مضمون مطلقًا، أو يقال في صيغةٍ أخرى للقاعدة: ما ترتب على المأذون فيه فهو غير مضمون، والعكس بالعكس). أي: ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون، هذه لها علاقةٌ بما سبق، وقلنا: الإتلاف بفعل الإنسان، والتلف أعم يشمل ما أتلفه الإنسان وما كان بآفةٍ سماوية يعني بفعل الله عز وجل.
قال هنا: (الأمين: من كان المال بيده برضى ربه أو ولايته عليه). أمين، مرّ معنا أن كل من حصل المال بيده بإذنٍ من الشارع أو بإذنٍ من المالك هذا هو الأمين، بإذن من الشارع كولي اليتيم هو الذي أعطاه حقيقة التصرف أو بإذنٍ من المالك كالوكيل هو الذي أذن له في التصرف، ... (الأمين: من كان المال بيده برضى ربه أو ولايته عليه)، (برضى ربه) يعني: مالكه (أو ولايته عليه) كاليتيم، (فيدخل فيه) في الأمين يعني ... (الوديع، والوكيل، والأجير، والمرتهن، والشريك، والمضارب، والوصي والولي، وناظر الوقف) ونحوهم ذكر لك المشهور عند الفقهاء.
(7/16)

الأول: (الوديع) وهو الذي جُعل المال عنده وديعة، تُسمى أمانة عند الناس، جعلتُ مال عندك أمانة، هذا يسمى ماذا؟ يسمى وديعًا وهو أمين؟ أمين نعم، كل وديعٍ أمين ولا عكس، صحيح معي كل وديعٍ أمين ولا عكس، (والوكيل) هو الذي أمر بالتصرف في المال حال الحياة هذا الوكيل، أمر بالتصرف في المال حال الحياة، (الأجير) هو الذي استلم العين المؤجرة هذا نسميه المستأجر، الذي استلم العين المؤجرة المستأجر أجير، (المرتهن) هو الذي بيده الرهن، (المضارب) هو الذي أخذ المال من صاحبه يتجر به، المضارب وله جزءٌ مشاعٌ من ربحه، المال من عندي والعمل عليك ولك عشر في المائة، هذا يسمى ماذا؟ مضاربة، (الوصي) هو المأمور بالتصرف بعد الموت هذا الوصي، (والولي) هو الذي نصبه الشارع وليًا على مال اليتيم، (وناظر الوقف) هو الوكيل على الوقف. قال: (فكل هؤلاء إذا تلف المال بأيديهم بغير تفريطٍ ولا تعدٍّ لا يضمنون) فالوديع إذا تلف المال بيده حينئذٍ لا ضمان إذا لم يتعدَّ أو يفرط، وكذلك الوكيل والأجير إذا استأجر عينًا أخذ سيارة فتلفت في يده بدون تعدٍّ أو تفريط لا يضمن، لا يجوز تضمينه هذا، كذلك (المرتهن، والشريك، والمضارب) والوصي والولي وناظر وكل هؤلاء إذا تلف ما بأيديهم من مالٍ وعيال حينئذٍ: إذا لم يتعدوا أو يفرطوا حينئذٍ لا ضمان عليهم لأن هذا هو معنى الإتمان، فالتلف في أيديهم كالتلف في يد المالك، وما الفائدة أن نجعلهم أمناء ولم نجعل لهم ما يترتب على التلف ما يترتب على التلف في يد المالك، إلا فرق بينهما هذا يتصرف كما يتصرف المالك في ماله (فإن تعدوا، أو فرطوا، ضمنوا) فالتفريط كما مر معنا (ترك ما يجب من الحفظ، والتعدي: فعل ما لا يجوز من التصرفات، أو الاستعمالات؛ وهذا التعدي والتفريط لأنهم في هذه الحال يشبهون الغاصب) كل من تصرف في ما جُعل أمانةً عنده على الأوجه المذكورة دون رجوعٍ إلى ما جُعل ذلك المال أمانةً في يده إلى صاحب الحق فحينئذٍ يده يد غاصبٍ، لو قال: أعطني هذه كما ذكرنا المثال السابق، أعطني السيارة لمكانٍ كذا فاستعملها في غير ما أخذها من أجلها، حينئذٍ نقول: هذا يده يد غاصب فيأثم، يجب عليه أن يجدد العقد. بمعنى: أنه يرجع إلى صاحب السيارة فيقول: أريد سيارة لمعنى كذا وكذا، وأما إذا تصرف فيها في غير ما أخذها له حينئذٍ يعتبر خائنًا، وإذا اعتُبر خائنًا فحينئذٍ: انتقض العقد السابق وهو الوديعة، فحينئذٍ: لا بد من تجديده ويعتبر يده يد غاصبٍ، حينئذٍ: لو تلفت في يده وجب عليه الضمان، ولذلك قال هنا: (لأنهم في هذه الحال يشبهون الغاصب) والغاصب يجب عليه الضمان. قال: (ويستثنى من الأمناء المستعير، فإنه ضامن في قول كثير من أهل العلم إذا تلفت العين المستعارة بيده في غير ما استعيرت له، ولو لم يفرط أو يتعدَّ، كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد) إذا (ولو لم يفرط أو يتعدَّ كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، والقول الثاني أصح وهو أن العارية تجري مجرى بقية الأمانات).
(7/17)

يعني: لا فرق بين العارية وبين غيرها، العارية أن تُعطي شيئًا لشخصٍ ينتفع به ويرده، فإذا تلف هذا الشيء فالمشهور من المذهب أن المستعير ضامنٌ سواءٌ تلف بتعدٍّ أو تفريط أو بغير تعدٍّ ولا تفريط، والقاعدة عامة هنا تشمل المستعير وغير المستعير، يعني: المذهب عند الحنابلة أن القاعدة كما هي إلا في المستعير فيضمن مطلقًا سواء تعدَّى أو لا سواء فرط أم لا، والصحيح أنه لا بد من القيد، والصحيح الذي اختاره الشيخ هنا وغيره أنه لا ضمان على المستعير إلا إذا تعدَّى أو فرط. قال هنا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: مسألة ما الحكم فيما لو استعار سيارةً ليذهب بها إلى بلدٍ ثم ذهب بها إلى بلد آخر؟ الجواب: عليه الضمان. هذه ننص عليها لأنها مشهورة، حتى أنتم طلاب العلم قد يستعير الشيء ولا يتق الله عز وجل، يعني: يستعمل هذا الشيء في غير ما استعاره له هذا خطأ، لأنه يعتبر خائنًا يعتبر آثمًا، قال: عليه الضمان وكذا لو قال له صاحبه: لا تمشي إلا في الطرق المعبدة. فمشى في طرق غير معبدة فهو ضامن، ومثله لو استعار منشارًا ليقطع به خشبًا فقطع به حديدًا فانكسر لا شك أن عليه الضمان، لأنه متعدٍّ حيث تلف في غير ما استعير له، وأما إذا تلف فيما استعير له فلا ضمان. قال هنا: (وأما من بيده المال بغير حق فإنه ضامن لما في يده) من بيده المال بغير حقه فهو ظالم كالغاصب (فإنه ضامن لما في يده سواء تلف بتعدٍّ، أو تفريط أو لا) إذًا التفريق بين الأمين وبين الظالم، الأمين لا يضمن إذا لم يتعدَّ أو يفرط، وإذا تعدى أو فرط حينئذٍ ضمن، الظالم وهو من أخذ المال غَصْبًا أو تصرف فيما سبق من الأموال بغير إذن صاحبها فحينئذٍ يكون غاصبًا يكون ظالمًا يكون خائنًا، حينئذٍ يضمن مطلقًا سواء تعدَّى أو لم يتعدَّ، متى ما حصل التلف حينئذٍ ضمن. قال هنا: (وأما من بيده المال بغير حق فإنه ضامن لما في يده سواء تلف بتعدٍّ، أو تفريط أو لا) لماذا؟ (لأن يد الظالم يد متعدية) مغتصب (يضمن العين ومنافعها، فيدخل في هذا الغاصب، والخائن في أمانته، ومن عنده عين لغيره فطُلب منه الرد لمالكها، أو لوكيله فامتنع لغير عذر فتلفت عنده) حينئذٍ تعدى أو لا يضمن مطلقًا. قال زيد لعمرو: أعطني مالي. قال: لا ما أعطيك. ولم يرض أن يعطيه هو بنفسه ولا لوكيله فأخذه عنده أبقاه عنده بدون سبب فتلف المال، يضمن؟ نعم يضمن، مطلقًا تعدَّى أو لا؟ نعم، لماذا؟ لأن يده يد متعدٍّ فهو ظالم، ويد الظالم إذا حصل التلف ضمن مطلقًا سواء كان بتعدٍّ أو لا. قال هنا: (ومن عنده عين لغيره فطُلب منه الرد لمالكها، أو لوكيله فامتنع لغير عذر؛ فإنه ضامن مطلقًا). يعني تلفت بسبب يعني: بتعدٍّ أو لا، أو بتفريط أو لا، (وكذلك ومن عنده لقطة فسكت عليها ولم يعرفها بغير عذر، ومن حصل في داره)، (وكذلك ومن عنده لقطة فسكت عليها ولم يعرفها بغير عذر) فإذا تلفت عنده ضمن مطلقًا لأنه يده يد ظالم، لأن الأصل أنه لا يجوز أن يلتقط هذه اللقطة إلا إذا أراد تعريفها، حينئذٍ إن أَخَّرَ التعريف لعذر ما لمرض ونحوه لا بأس، وأما إذا أَخَّرَ التعريف لغير عذر حينئذٍ إذا تلفت في يده مطلقًا بتعدٍّ أو غيره ضمن لأنه يديه يد متعدٍّ ظالم.
(7/18)

قال: (ومن حصل في داره، أو يده مال غيره بغير إذنه فلم يرده ولم يخبر به صاحبه لغير عذر فتلفت عنده ضمن). وقع من بيت جارك على بيتك أمر ما أي شيء ولو ثوب، فحينئذٍ سكت ما رده ولم يخبر به صاحبه سكت عنه، فإذا تلف الثوب يجب عليه الضمان، كل مال وقع في دارك من دار جارك أو جاء به الولد مثلاً فوضعه ورأيته وعرفت أنه لجارك فسكت عنه حينئذٍ إذا تلف تضمن مطلقًا سواء كان بتعدٍّ أو لا، مثله، (ومن حصل في داره بيته، أو يده مال غيره بغير إذنه فلم يرده ولم يخبر به صاحبه لغير عذر، وما أشبه هؤلاء فكلهم ضامنون) إذًا يد الظالم متعدية فيلزمه الضمان مطلقًا دون تفصيل، وأما الأمين هو الذي نفصل فيه هل تعدَّى أم لا؟ هل فرَّط أم لا، إن لم يتعدَّ ولم يفرط حينئذٍ لا ضمان، وإن تعدى أو فرط حينئذٍ لزمه الضمان، والمستعير قلنا داخل في هذه الأحكام، وأما الظالم فهذا لا تفصيل فيه البتة، ولهذا كان أسباب الضمان ثلاثة، أسباب الضمان ثلاثة - هذه ضوابط مهمة - (ولهذا كان أسباب الضمان ثلاثة: اليد) المتعدية (كهذه اليد،) الظالم (ومباشرة الإتلاف بغير حق) كمن أحرق المال بنفسه (أو فعل سبب يحصل به التلف) كمن حفر بئرًا، إذًا اليد المتعدية كالأمثلة السابقة (ومباشرة الإتلاف بغير حق) كان يباشر القتل يقتل بنفسه أو أنه يحرق المال بنفسه (أو فعل سبب يحصل به التلف) كمن حفر بئرًا ونحو ذلك (كما تقدم في الأصل السابق) إذًا خلاصة هذه القاعدة أن التلف في يد الأمين غير مضمون لقيد إذا لم يتعدَّ أو يفرط، مفهومه أنه إذا تعدَّى أو فرط فهو ضامن، وقوله: الأمين أطلقه المصنف وأدخل فيه المستعير على الصحيح عنده رحمه الله تعالى.
(وفي يد الظالم مضمون مطلقًا) يعني: دون تفصيل (مطلقًا) يعني: لا يقيد بكونه لم يتعدَّ أو يفرط، تعدى أو فرط أو لا فهو ضامن مطلقًا، (أو يقال: ما ترتب على المأذون فيه فهو غير مضمون)، (ما ترتب على المأذون) يعني: ما أُذن لك في استعماله وترتب عليه سلف فهو غير مضمون، (والعكس بالعكس) يعني: ما ترتب على غير المأذون من السلف فهو مضمون، وهذه الثانية أعم من الأولى.
(القاعدة الخامسة عشر): وهي (لا ضرر ولا ضرار). هذه القاعدة يعنون لها [الضرر يزال] أما (لا ضرر ولا ضرار) فهذه موافقة للحديث، وهذا أولى أنه إذا كانت القاعدة هي عين الحديث أن يعنون للقاعدة بالحديث، كما قلنا فيما سبق [الأمور بمقاصدها] دليلها «إنما الأعمال بالنيات»، إذًا نقول قاعدة «إنما الأعمال بالنيات»، [الضرر يزال] دليلها حديث («لا ضرر ولا ضرار»)، وهو حديث حسن وثابت فحينئذٍ نقول إذًا نقول قاعدة: (لا ضرر ولا ضرار) أولى كما قال المصنف هنا رحمه الله تعالى. هذا القاعدة معنون لها في كتب كثير ممن ألف في القواعد بـ[الضرر يزال] والأولى أن يجعل الدليل عليها قاعدةً، وهذه القاعدة نص حديث نبوي نقله جماهير أهل العلم واحتجوا به، رواه الحاكم وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ... «لا ضرر ولا ضرار». الحديث. قال العلائي: للحديث شواهد ينتهي بمجموعها إلى درجة الصحة أو الحسن المحتج به.
(7/19)

مفردات القاعدة الضرر بالفتح والضم، ضُرّ ضَرَرَ، يجوز فيه الوجهان، وهو ما يؤلم الظاهرة من الجسم وما يتصل بمحسوسه في مقابلة الأذى، وهو آلام النفس وما يتصل بها، ضرر إلام النفس وما يتصل بها، قد يكون حسيًّا وقد يكون معنويًّا، أليس كذلك؟ الضرر قد يكون حسيًّا وقد يكون معنويًّا، الضرب هذا باليد هذا حسيّ، الكلمة قد تؤذي شخص فيتضرر بها.
جراحات السنان لها التئام ... ولا يلتئم ما جرح اللسان

انتبهوا يا إخوان هذا خطأ، كيف ولا يلتئم ما جرح اللسان، قل: لا، {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134] أليس كذلك؟ هذا يذكره النحاة في تسمية الكلام
جراحات السنان لها التئام ... ولا يلتئم ما جرح اللسان

قيل سمي الكلام كلامًا لأنه يجرح المخاطب، لكن هذا أرادوا به شيء آخر {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً} [النساء: 164] جَرَّحَه؟ حملوه على هذا المعنى صحيح، لهم مغزى {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً} جرحه لماذا؟ لأن الكلام يُستعمل في هذا المعنى، هذا خطأ قد لا يستعمل الكلام في هذا المعنى، وإنما هو القول وما كان مكتفيًا بنفسه، بل بعضهم يرى أن قوله: وما كان مكتفيًا بنفسه أنه لا يسمى كلامًا في لسان العرب، لا يسمى كلامًا في لسان العرب هذا اشتهر وذكر هذا التعريف صاحب القاموس في القاموس: الكلام لغة القول وما كان مكتفيًا بنفسه. إذًَا يصح إطلاق لفظ الكلام على ما ليس بقولٍ، وهذا المشهور عند النحاة ودائمًا يذكره في تعريف هذا الموضع، وبعضهم ينفي يقول: لا أبدًا، لا يكون الكلام مسمى إلا اللفظ القول، وأما هذه فهي دخيلة أشعرية، والله أعلم.
إذًا الضرر بالفتح والضم إلام النفس وما يتصل بها. قالوا: وتشعر الضمة في الضُّرِّ بأنه عن قهرٍ وعلو، ضُرّ كأنه فوقه هذا أولاً، والفتحة تشعر بأنهما يكون من مماثل أو نحوه، ضَرّ ضَرر هذا من المساوي، وأما الضُّرّ هذا من فوق [ها ها]، هكذا قيل، والله أعلم.
(7/20)

والضِّرار فعال من ضارّ ومضارّة، وضِرار بمعنى ضره واضطره إلى كذا بمعنى ألجئه إليه، وليس له من بدٌ، الضَّرر إلحاق مفسدة بالغير مطلقًا، والضرار مقابلة الضرر بالضرر، اختلفوا في تفسير (لا ضرر ولا ضرار) من الأقوال: قيل الضرر إلحاق مفسدة بالغير مطلقًا، يعني: سواء كانت هذه المفسدة في مقابلة الضرٍ أو لا، رجلٌ مسالمٍ لك فضره هذا يُسمى ضرر، رجل ضرَّك فضررته، هذا يحمل على هذا المعنى، إذًا الضرر إلحاق مفسدة بالغير مطلقًا، والضرار، لا، أخص لأن فيه مفاعلة يعني: لا يحصل إلحاق المفسدة إلا إذا حصل منه الضرر ابتداءً فهو الذي ابتدأ، والبادي أظلم كما يقال. إذًا الضِّرار مقابلة الضَّرَرِ بالضَّرَرِ، وفسره بعضهم بأنه لا يضُرُّ الرجل أخاه ابتداءً ولا جزاءً، يعني: بالمقابلة، وقيل هما لفظان بمعنى واحد، تكلم بهما يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم - جميعًا على وجه التأكيد، وقيل الضَّرَرُ أن تضرَّ من لا يضُرُّك، والضِّرَار أن تضر من أضر بك من غير جهة الاعتداء بالمثل والانتصار بالحق، هذا قول، وذهب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في التعليق يقول الفرق بينهما: أن قوله: (لا ضرر) يعني: أنه تجب إزالة الضرر سواء كان عن قصدٍ أو عن غير قصد، يعني: رده إلى القصد، (ولا ضرار) هو الضرر عن قصدٍ، (لا ضرر ولا ضرار) لا تضُرّ لا عن قصدٍ ولا دون قصد، (ولا ضرار) هذا مقيد بالقصد، إذًا أيهما أعم الأول أم الثاني؟. الأول (لا ضرر) هذا يشمل ما كان عن قصدٍ أو عن غير قصد، (ولا ضرار) هو الضرر عن قصدٍ.
الضَّرَرُ يرجع إلى أحد أمرين:
إما تفويت مصلحة، أو حصول مضرةٍ بوجهٍ من الوجوه.
يعني: إذا حصل إلحاق مفسدة بالناس أو بالمسلم ما وجه المفسدة، إما تفويت مصلحة، وإما حصول مضرة، يعني: جلب مفسدة، إما تفويت مصلحة وإما جلب مفسدة بوجه ما، إذًا دلت هذه القاعدة على تحريم سائر أنواع الضرر إلا بدليل، يعني: قالوا: (لا ضرر ولا ضرار) قلنا هو عينه الدليل، (لا ضرر) هذا نكرة في سياق النفي فتعم، ولذلك قال: تحريم سائر أنواع الضرر إلا بدليل، لأن النكر في سياق النفي تعم فلا لحوق ولا إلحاق ضررٍ أو ضرارٍ بأحد في ديننا، أي: لا يجوز شرعًا إلا لموجبٍ خاص، فالضرر منفي مطلقًا حينئذٍ يجب منعه سواء كان عامًا أو خاصًا، سواء كان واقعًا فيجب رفعه أو منتظرًا فيجب دفعه، يعني: الضرر قد يكون عامًا على جميع المسلمين، أو يكون خاصًا بعض الأفراد، ثم الضرر قد يكون واقعًا بالفعل حينئذٍ يجب رفعه، [الضرر يزال]، وقد يتوقع حصوله حينئذٍ لا بد من دفعه فيعم النوعين.
طيب بقي مسألة وهي العقوبات الشرعية هذه هل هي ضرر أم لا؟
(7/21)

الحدود جلد رجم الزاني ضرر أم لا؟ نعم هي ضررٌ قطعًا إلحاق مفسدة إزهاق روح، لكنها المقصود هل هي داخلة تحت القاعدة أم لا. ليست داخلة تحت القاعدة، لماذا؟ لأنها من المستثنيات بمعنى أن النصوص قد دلت أن هذا النوع من الضرر مما جاءت الشريعة به، وأما الضرر المنفي فهو ما يكون بين الخلق بعضهم لبعض، وأما ما جاءت به الشريعة فهذا لا يعترض عليه، لا يقال وحشية، ولا يقال بأن هذا فيه إفساد، وبأنه يترتب عليه ما يترتب بين الناس، وأنه ينفي الحضارة وينفي .. إلى آخره. نقول: هذا كله غير وارد، لماذا؟ لأنه مصادم للشريعة الإسلامية، وإذا كان كذلك حينئذٍ يكون مردود على صاحبه. إذًا إنزال العقوبات المشروعة بالمجرمين لا ينافي هذه القاعدة لما ذكرناه سابقًا.
(7/22)

قال رحمه الله تعالى: (لا ضرر ولا ضرار) وهذا الأصل لفظ الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث ابن عباسٍ، أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة من حديث ابن عباس، وأخرجه أحمد وابن ماجة كذلك من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، وذكر ابن رجب في جامع العلوم والحكم عن النووي أن طرقه تقوي بعضها بعضًا وأيده ابن رجب، وذكرنا أن العلائي قال: إما صحيح أو حسن. فالضرر منفيٌ شرعًا، فلا يحل لمسلمٍ أن يضر أخاه المسلم بقولٍ أو فعلٍ أو سببٍ، بقولٍ كسبِّه مثلاً، أو فعلٍ كضربه، أو سببٍ كإيقاع أشياء أو إلقاء أشياء في الطرقات ونحوها، كحبل البئر الذي ذكرناه بغير حقٍ مفهومه إن كان بحقٍ حينئذٍ لا بأس به لا يكون منهيًا عنه، وسيأتي (وسواء كان له في ذلك نوع منفعة أو لا؟) [لو قال: أم لا. كان أحسن] (وسواء كان له في ذلك نوع منفعة أو لا؟) لأن بعضهم فرق بين الضرر والضرار فقال: ما كان له فيه منفعة فهو الضَّرر فهو الضرر، وضِرار ما ليس له فيه منفعة، السرقة مثلاً هذه ضرر، فيه منفعة أو لا؟. السارق نعم السارق إذا سرق ينتفع بالمال أو لا؟ فيه منفعة هو ما سرق إلا لأجل المنفعة، إحراق المال هذا ضرر ولا منفعة فيه، قيل: الأول يسمى ضرر إذا كان فيه منفعة، والثاني إذا لم يكن فيه منفعة فهو ضرارٌ. قال: (وهذا عام في كل حال على كل أحد)، (لا ضرر ولا ضرار) عامٌ (في كل حال) يعني: كل وصف لأنواع الضرر، (على كل أحد) مطلقًا يعني لا يختص به زيدٌ الغني دون الفقير ولا غيره، ما دام أنه مسلمٌ حينئذٍ ينتفي عنه الضرر مطلقًا. قال: وخصوصًا من له حق متأكد كالقريب والجار والصاحب ونحوها، كلما قرب المضار إلى الضار حينئذٍ الإثم أعظم، (لا ضرر ولا ضرار) هل الذي يضر والديه كالذي يضر ذاك الأجنبي البعيد؟ الجواب: لا. حينئذٍ لو ضر والديه، أو أحد والديه يكون أعظم إثمًا، إذًا الضرر له مراتب ودرجات، له مراتب، باختلاف هذه المراتب والدرجات يختلف الإثم وما يترتب عليه، ولذلك قال: وخصوصًا يعني: يكون الضرر محذورًا شرعيًا من له حق متأكد جاء النص بالشرع بالتأكيد عليه كالقريب، وأعظم القرباء الوالدان، (والجار، والصاحب، ونحوهم) فيحرم على الجار أن يضر بجاره ولو أن يحدث بملكه ما يضره، يعني: في ملكه هو في بيته قد يفعل أشياء من وضعه أو نفسه أشياء تضر جاره نقول: يحرم أو لا؟ نعم يحرم. مع كونه قد فعل في ملكه هو لا في ملك جاره، نقول: نعم يحرم. ما دام أن الجار يتضرر فحينئذٍ يحرم ولو كان في ملكه. للقاعدة التي معنا، ولو أن يحدث بملكه ما يضرهم، وكذلك لا يحل أن يجعل في طرق المسلمين وأسواقهم ما يضر بهم من أخشابٍ أو أحجارٍ أو حُفَرٍ أو نحو ذلك، ولا يجوز له كذلك أن يمكن أولاده أن يفعل مثل هذه الأشياء لماذا؟ لأن هذا ترتب عليه ضرر فيحرم عليه بذاته مباشرة هذا الفعل، ويحرم عليه أن يمكن من تحت يده من فعل هذا الفعل، فالحكم واحد، إلا ما كان فيه نفع ومصلحة له، وهذا واضح بين. وفي الحديث الصحيح: «من ضار مسلمًا ضاره الله».
(7/23)

هذا رواه بالمعنى حديث أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة بلفظ «من ضار ضَار الله به»، ومعنى ضار الله به أي: ألحق به الضرر، فالمفاعلة هنا بين الخالق والمخلوق يقصد بها الثمرة، يعني: ليس تأويلاً، {قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] قاتل، قاتل هذه صيغة تقتضي ماذا؟ مقابلة كل منهما بالمقاتلة {قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} هل فيه مقاتلة من الطرفين؟ الجواب: لا، إذًا فاعل قد يراد به وقوع الثمرة من أحد الطرفين {قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} أهلكهم أفسدهم .. إلى آخره، يعني: يكون الفعل من جهة الرب جل وعلا، وأما من جهتهم فلا، لأن فاعل قد تخرج عن بابه، وليس سافر زيدٌ، سافر زيدٌ هل هو مثل ضارب زيدٌ؟ لا. إذًا ضارب يقتضي المفاعلة من شخصين، يعني: إيقاع الضرب من شخصين ضارب زيدٌ، وأما سافر وليس عندنا مفاعلة بين شخصين، وإنما هو حدث واقع من شخص واحد، فالمراد هنا أن ضاره الله المراد به أن فاعل هنا ليست على بابها، ضاره الله ليس من باب المقابلة أي: أن الإنسان يكون ندًّا لله عز وجل بل المراد ثمرته، أي: أضله الله مثل ... {قَاتَلَهُمُ اللهُ} فليس المعنى أن الله تعالى ند لهم يقاتلهم ويقاتلونه، بل المعنى قتلهم أهلكهم، إذًا الفعل من جهة واحدة. قال هنا: (ومن أشد أنواع الضرر: مضارة الزوجة، والتضييق عليها لتفتدي منه بغير حق). يعني تطلب منه الطلاق لا يريدها ويريد أن يستفيد من ورائها، لا يريدها ويرغب طلاقها لكن يريد أن يطلقها وأن يستفيد، بمعنى أنها تخلع نفسها منه، فحينئذٍ تدفع له المهر أو جزء منه والسبب في ذلك المضارة، نقول: هذا من أعظم أنواع المضارة التي ترتب عليها الإثم العظيم (والتضييق عليها لتفتدي) يعني: لتطلب الطلاق والخروج من هذا النكاح (لتفتدي منه بغير حق كما قال تعالى: {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6] {وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ}) يعني: لتؤذونهن بأي أنواع من أنواع المضرة، ففيه عموم لأنه نهي فعل مضارع في سياق النهي وهو نكرة، إذًا أدنى أنواع المضارة محرمة، قال: ({لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ}) يعنى: مساكنهن ليخرجن، قال تعالى: ({وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة: 231]) يعني: لا تقصدوا بالرجعة المضارة بتطويل الحبس، وكذلك (ومضارة أحد الوالدين للآخر من جهة الولد) يعني: (من جهة الولد) يعني: يضر أحد الوالدين الآخر، إما الأم تضر الأب من جهة الولد يعني: بسبب تعلقه بالولد أو بالعكس، (كما قال تعالى: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [البقرة: 233]) ({لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}) فينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه لأن فيه مضرة بالأم، يعني: رضيت بإرضاعه ثم نزع منها فيه مضرة أو لا؟ فيه مضرة، من جهة الولد نعم من جهة الولد، (وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ})، (مَوْلُودٌ لَهُ) يعني: الأب ... ({بِوَلَدِهِ}) أي: لا تلقيه المرأة إلى أبيه بعد ما أَلِفَهَا تضاره بذلك، وقيل غير ذلك، [يحتمل أن الفعل مبني للفاعل، لا هذه في التي بعدها].
(7/24)

(وقال تعالى: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} [البقرة: 282])، ({وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}) يحتمل أن الفعل مبني للفاعل ({يُضَآرَّ}) يحتمل أمرين قبل الإدغام، الراء حرفان الأول الحرف الأول يحتمل أنه مكسور يضارر فصار اسم الفاعل يعني: مسند إلى الفاعل، لا يضارَر حينئذٍ صار ماذا؟ اسم مفعول هذا يختلف، يعني ما بعده ليس هو هو فعل، يحتمل أن الفعل مبني للفاعل فحينئذٍ يضارَّ أصل يضارِر إذا الراء مكسورة الأولى فاعل، (فيكون الكاتب والشهيد منهيين عن مضارتهما لصاحب الحق بأي ضرر يكون) حينئذٍ نهى إيقاع الضرر من الكاتب والشهيد، إذا قيل يضارر من هو فاعل المضرة هنا الكاتب والشهيد، حينئذٍ كاتبٌ هذا فاعلٌ، ولا شهيدٌ لا هذه ناهية زائدةٌ، شهيد معطوف على كاتب، أين الفاعل، الفاعل المضار؟ الكاتب والشهيد، (ويحتمل أن يكون مبنيًا للمجهول، فيكون) حينئذٍ يضارَر (فيكون صاحب الحق منهيًا عن مضارته لأحدهما) يعني: لا يقع الضرر على الكاتب والشهيد، على المعنى انظر النحو الصرف هذا، هذا صرف قاعدة صرفية، إدغام تقرأه ولا تحدث نفسك بأن الراء الأولى مكسورة أو مفتوحة، حينئذٍ إذا كانت بالكسر وهذا محتمل ولذلك يحمل على المعنيين القاعدة العامة أنه إذا احتمل معنيين حينئذٍ جوز الوجهان، فيضارِر أسند الفعل إلى الكاتب، فالكاتب لا يضر غيره صاحب الحق، لا يضارَر الكاتب لا يُلحق من صاحب الحق ضرر بالكاتب، (ويحتمل أن يكون مبنيًا للمجهول، فيكون صاحب الحق منهيًا عن مضارته لأحدهما، وكل ذلك صحيح) يعني: ثابت، لماذا؟ لأنه احتمل معنيين.
(7/25)

قوله تعالى: ({وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}). قال البغوي: هذا نهي للغائب وأصله يضارِر، يعني: فاعل، واختلفوا فيه فمنهم من قال: أصله يضارِر بكسر الراء الأولى وجعل الفعل للكاتب والشهيد، معناه لا يضار الكاتب فيأبى أن يكتب ولا الشهيد فيأبى أن يشهد، لأن مضرة الكاتب أنه إذا دُعِي للكتابة قال: لا. والشهيد إذا دُعي للشهادة قال: لا. إذًا سبب ضرر أم لا؟ لا شك أنه أضر بغيره. (ولا يضار كاتب فيزيد أو ينقص أو يحرف ما أُمْلِيَ عليه، ولا الشهيد فيشهد بما لا يستشهد عليه) وهذا قول طاوس والحسن وقتادة أنه يضارِر. وقال قومٌ: أصله يضارَرُ بالفتح فتح الراء الأولى على الفعل المجهول، وجعلوا الكاتب والشهيد مفعولين يعني: في المعنى أنه أصله مفعول به ثم أقيم مقام الفاعل، كذلك كاتب والأصل كاتبًا، ومعناه أن يدعو الرجل الكاتبً أو الشاهد وهم على شغلٍ مهمٍ فيقولان: نحن على شغلٍ مهمٍ فاطلب غيرنا، فيقول الداعي: إن الله أمركما أن تجيبا ويلح عليهما فيشغلهما عن حاجتهما، فنُهِيَ عن ذلك وأمر بطلب غيرهم. هذا قول. (ومن ذلك إضرار المورث) كما لو طلق زوجته ليحرمها من الإرث، (والموصى له قال تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ} [النساء: 12]) أي: غير مُدخل الضرر على الورثة بمجاوزته الثلث بالوصية، ومن ذلك إضرار المورث والموصِي، المورث والموصي ليس الموصَى، الموصِي نعم، لأن الوصي هو الذي يتجاوز ويضرُّ، إذا أوصى لوارثٍ بما ليس بشروع أوقع الضَّرر، (قال تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ}) أي: غير مدخل الضرر على الورثة بمجاوزته الثلث في الوصية. قال الحسن: هو أن يُوصي بدينٍ ليس عليه. هذه من صور تختلف أن يوصِي بدين ليس عليه من أجل أن يضر الورثة، بعض أنواع الأموال يكون عندهم نوع حقدٍ على الورثة فيريد أن يوزع المال قبل أن يمشي، وحينئذٍ -[ها ها] صحيح هذا موجود وقفت على شيء من ذلك - أنه في نفسه شيء على أولاده أو إذا لم يكن أحد من أولاده إنما من أقاربه. قال هنا: (فكل ضرر أوصله إلى مسلم بغير حق فهو محرم داخل في هذا الأصل. وكما أن العبد منهي عن الضرر والإضرار) والعكس (فإنه مأمور بالإحسان لكل إنسان، بل لكل ذي روحٍ بأي أحسان يكون، ودرجات الإحسان متفاوتة كدرجات الإساءة، قال تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]) أي: أحسنوا أعمالكم وأخلاقكم وتفضل على الفقراء، وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: («إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة»). هذا من محاسن الإسلام التي يجهلها كثير من أبناء الإسلام والأسف الشديد، («فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» والحديث رواه مسلم من حديث شداد بن أوس، فأمر - صلى الله عليه وسلم - بالإحسان حتى في إزهاق النفوس).
(7/26)

قال هنا: وهذا الحديث عام، الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: وهذا الحديث عام إلا أنه يُستثني منه ما جاء في الشريعة من كون القاتل يقُتل بمثل ما قُتل به، لأنه من العدل، ولهذا رضَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رأس اليهودي بين حجرين لأنه رضَّ رأس الجارية الأنصارية، فإذا قتل القاتل بالخنق حينئذٍ نقتله بالخنق، وإن قتله بالصعق فتقتله بالصعق. هذا كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى؛ لأن هذا هو العدل. قد قال الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] وأما قول من قال من العلماء: إنه يقتص من القاتل بالسيف مطلقًا ولو قتل بغيره فإنه قولٌ ضعيف. كذلك يُستثنى من ذلك ما جاء به الشرع كرجم الزاني بالحجارة حتى يموت ومعلوم أن قتله بالسيف أهون عليه، لا شك، لكن قتله بالرجم هو العدل لأنه كما تلذذ جسمه كله باللذة المحرمة كان من الحكمة أن ينال جميع جسمه الأذى، وقد يقال إن المراد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - («إذا قتلتم فأحسنوا القتلة»)، ... (فأحسنوا القتلة) إن قيل بأن المراد به الحسن الذي يُدرك بالعقل والعرف، حينئذٍ نقول: نستثني ما سبق. وقد نفسر («أحسنوا القتلة») بأن نقتل كما جاءت به الشريعة فلا استثناء عندنا، هذا مراد الشيخ رحمه الله تعالى. فقد يقال إن المراد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: («فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة») أي: أتوا بها على الوجه المشروع، وإذا قلنا بهذا المعنى لم نحتج إلى استثناء، ... («إذا قتلتم فأحسنوا القتلة») كيف هذا نرجمه بالحجارة حتى يموت؟ في الظاهر أنه ليس بإحسان في القتلة، حينئذٍ نقول: لا. المراد بقوله: ... («أحسنوا القتلة») على وفق الشرع، والشرع جاء برجم الزاني، أي: ائتوا بها على الوجه المشروع وإذا قلنا بهذا المعنى لم نحتج إلى استثناء لأن رجم الزاني قتلة حسنة لموافقتها الشرع، ولأن قتل الجاني بما قتل به قتلة حسنة لموافقتها للعدل بل هذا المعنى أولى، لأنه معنًى صحيح يحتمله اللفظ ولا يحتاج إلى استثناء وجواب.
إذًا قوله: («أحسنوا القتلة») أي ائتوا بها على الوجه الشرعي، وكذلك يقال في قوله: - صلى الله عليه وسلم - («إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة») إلا أن ظاهر اللفظ يدل على أنك تذبحها بآلة حادة وتجهز عليها بسرعةٍ. والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(7/27)

عناصر الدرس
يبدأ من:

* شرح القاعدة السادسة عشر " العدل واجب في كل شيء .... ".

وينتهي إلى:

* شرح القاعدة الحادية والعشرون " الغرر والميسر محرم في المعاوضات والمغالبات ".

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(القاعدة السادسة عشر: العدل واجب في كل شيء، والفضل مسنون).
العدل واجب والفضل مسنون، هذه القاعدة أشبه ما يكون تنبيه على القاعدة السابقة: (لا ضرر ولا ضرار) كأنه يقول: يُستثنى منه مسألتان: أنه يجوز الضرر بمن أضر بك إذا وقع على وجه العدل.
ثانيًا: أن العفو أفضل.
يعني: نبه بهذه القاعدة على مسألتين تتعلق بـ تتمة للقاعدة السابقة.
الأول أو المسألة الأولى: أنه يجوز الضرر بمن أضر بك.
ثانيًا: أن العفو أفضل.
فهي كالتتمة للقاعدة التي قبلها. (العدل واجب) قال في مفردات: العدل هو التقسيط على سواء. والعدل ضربان: مطلقٌ يقتضي العقل حسنه ولا يكون في شيء من الأزمنة مسبوقًا، يعني: دلّ العقل على أنه حسنٌ مطلقًا، ولا يمكن أن يرتفع هذا الشيء في زمن من الأزمان، ولا يوصف بالاعتداء بوجه ما، نحو: الإحسان إلى من أحسن إليك هذا عدل مطلقًا، وكف الأذية عمن كف أذاه عنك هذا عدل مطلق، وعدلٌ نوع آخر يُعرف بكونه عدلاً بالشرع لا من جهة العقل، وإنما من جهة الشرع، ويمكن أن يكون: منسوخًا في بعض الأزمنة، يعني: العقل يجوز نسخه. ولا يلزم من ذلك أن يكون منسوخًا، إنما النظر عقلاً كـ: القصاص، وأُروش الجنايات، وأصل مال المرتد. ولذلك قال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194]. وقال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} ... [الشورى: 40]. فسُمِّيَ اعتداءً وسيئةً مع كونه قصاصًا، مع كونه عدلاً، لأنه وقع في مقابلة من أوقع الضرر بك، {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا} فقابلوا اعتداءهم بما يستحقون ومع ذلك سماه اعتداءً. وقال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ}، السيئة الثانية مباحة، وقد تكون مشروعةً، ومع ذلك سماها سيئةً، وهذا النحو هو المعني بقوله - الكلام لصاحب المفردات - وهذا النحو هو المعني بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل: 90]. فإن العدل هو: المساواة في المكافئة إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ. والإحسان أن يقابل الخير بأكثر منه، والشر بأقل منه. الإحسان أن يقابل الخير ليس بمثله بل بأكثر منه، والشر يقابل بماذا؟ بأقل منه. وقال أيضًا الفضل: الزيادة عن الاقتصاد، عرَّفنا العدل وعرَّفنا الفضل، وأردنا الفضل، الفضل: الزيادة عن الاقتصاد، وذلك: ضربان. الفضل ضربان:
محمود كفضل العلم والحلم.
(8/1)

ومذموم كفضل الغضب على ما يجب أن يكون عليه. يعني: الزيادة على الغضب، الغَضب في أصله قد يكون محمودًا، إنكار المنكر في الأصل أنه يغضب لكن لا بد من ضبطه، هل هو محمودٌ أو مذموم؟ لا شك أنه: محمود، كفضل الغضب على ما يجب أن يكون، لكن إن زاد عن حده فحينئذٍ يكون: مذمومًا، الفضل في المحمود أكثر استعمالاً والفضول في المذموم، يعني: كلمة الفضل أكثر استعمالاً في المحمود، وأمَّا إذا أريد غير المحمود فيعبر بالفضول. قال هنا: (العدل واجب في كل شيء، والفضل مسنون). مسنون، يعني: مندوب إليه، قال: (العدل هو أن تعطيَ ما عليك كما تطلب ما لك). يعني: إعطاء كل ذي حق حقه، أن تُعْطِيَ ما عليك كما تطلب ما لك، (والفضل هو الإحسان الأصلي) الإحسان الأصلي، يعني: الذي يكون ابتداءً، يعني: الإحسان قد يكون في مقابلة من أحسن إليك، هذا وإن كان إحسانًا إلا إنه ليس كالإحسان الذي يكون ابتداءً، يعني: في غير مقابل ولذلك قال: (هو الإحسان الأصلي). يعني: ابتداءً كما لو تبرعت بمالٍ دون أن يكون في مقابلة شيء ما فهو لغير سبب، (أو الزيادة على الواجب)، ومن هنا قسَّم الفقهاء الوضوء إلى: مجزئ، وكامل. والغسل إلى: مجزئ، وكامل. والحج إلى: مجزئ، وكامل. فكل ذلك في العبادات عُنْوِنَ له بأنه مجزئ فهو: العدل، وما كان من المستحبات وعُبِّرَ عنه بالكامل فحينئذٍ هو: الفضل.
إذًا الوضوء مجزئ بأن يأتي بالأركان مرة مَرة، فإن زاد وجاء بالسنن حينئذٍ يكون كاملاً، الكامل هو الفضل. والإجزاء هو العدل. إذًا (أو الزيادة على الواجب) ومثله في المعاملات لو استدان مالاً ثم رده وزيادة دون شرط جائز أم لا؟
.
أعطني الراجح.
..
الجواز، لماذا؟ لكونه من قبيل الإحسان متى يكون ربا؟ إذا اشترط في العقد، قال له: أعطيك مائة ألف تردها مائة وعشرين، ترد أو لا؟ قال: نعم أرد مائة وعشرين. هذا عقد، حينئذٍ صارت الزيادة شرطًا في العقد. هذا: ربا محرم، لكن أعطاه مائة ألف ثم لَمَّا أراد السداد رأى له فضلاً عليه وفك له أزمة فزاده عشرين من عنده حينئذٍ يجوز أو لا؟ من باب الإحسان هذا: جائز، (أو الزيادة على الواجب قال الله تعالى: {وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9]) أقسطوا، يعني: اعدلوا. أمر بالعدل، وهو: واجب، لأنه جاء بصيغة افعل، وأطلق فيعم، أمر وأطلق، كيف أمر؟ جاء به على صيغة افعل وهذا من صيغ الوجوب. إذًا هو واجب. اقسطوا: اعدلوا هو واجب، وأطلق اعدلوا في ماذا؟
(8/2)

حذف [المتعلَّق أو] (1) المتعلِّق، وحذف المتعلِّق من صيغ العموم ما قال اعدلوا بين الزوجين اعدلوا بين أولادكم اعدلوا في الحياة اعدلوا مع أصحاب الوظائف، أطلقه حينئذٍ يعم كل ما يمكن أن يوصف بكونه من القسط والعدل، (وقال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126])، ({وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ}) بمثلِ انتبه، ({بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}) هذا هو العدل، ({وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ}) هذا هو الفضل. إذًا دلت هذه الآية على العدل، والفضل. مقابلة الإساءة بالإساءة عدل. ولكن العفو هذا يعتبر من الفضل، هذه سورة النحل. (وقال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى 40]) ({وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}) سُمِّيّ الجزاءُ سيئةً وإن لم تكن سيئةً لتشابههما في الصورة، تشابه في الصورة إذًا الاسم هنا باعتبار الصورة، لأنه لما أوقع الضرر به سبه يجوز له أن يقول له: أنت كذا. قال له: يا كذا. قال: أنت كذا. يجوز أو لا يجوز؟
نقول: نعم، لأنه من باب العدل، اعتدى عليك فاعتدي عليه بمثل ما اعتدى عليك، حينئذٍ نقول: هذا [عدل] لكن في صورته لو انفصل عن كونه جوابًا هو في نفسه كأنه سيئة، فلما شابه السيئة حينئذٍ سُمِّيَ سيئةً.
قال مقاتل: يعني: القصاص في الجراحات والدماء، ({وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}) القصاص في الجراحات والدماء.
وقال مجاهد: هو جواب القبيح إذا قال: أخزاك الله. تقول: أخزاك الله.
__________
(1) سبق.
(8/3)

هذا يجوز لكن: ({فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ})، وإذا شتمك فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي، ثم ذكر العفوَ فقال: ({فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ}). عفا عمن؟ عمن ظلمه، ({فَمَنْ عَفَا}) أي: عمن ظلمه، ({وَأَصْلَحَ}) بالعفو بينه وبين ظالمه، ({فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}) يعني: عظيم. يعني: كما جاء في شأن الصبر: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] كذلك ({فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}) لكن هذا قيد، قوله تعالى في سورة آل عمران: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134]. أطلق، وهنا قال: ({فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ}). هناك أطلق فيشمل: الإصلاح وغيره: وهنا: قيد، ويجب تقييد المطلق في آل عمران بهذه التي في الشورى، إذًا {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} إن كان العفو فيه إصلاح، مفهوم المخالفة أن العفو إذا لم يكن فيه إصلاح فليس بمشروع، وليس بفضل، لماذا؟ لأن العفو إنما يراد به لإصلاح المعفو عنه، وأما إذا كان يزيده إجرامًا وظلمًا وتعديًا على الناس هذا ليس بعفو، هذا يعتبر من الفساد في الأرض، ولذلك يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: قوله: {وَأَصْلَحَ}، أي: إن كان عفوه إصلاحًا، وهذا القيد معتبر في جميع النصوص الدالة على فضيلة العفو، يعني: ما يأتي نص في القرآن فيه فضل العفو دون قيدٍ فَقَيِّدْهُ بهذا القيدِ، يعني: عفا وأصلح، قال: وهذا القيد معتبر في جميع النصوص الدالة على فضيلة العفو، وأنه لا بد أن يكون العفو مشتملاً على الإصلاح، وأما العفو بلا إصلاح فإنه عجز وليس بمحمودٍ، بل قد يكون من الفساد في الأرض، ولهذا يقول: لو أن جانيًا جنا على شخص وهو ممن عُِرفَ بالشرِّ والعدوان فليس من الأصلح العفو عن القاتل، لا يبالي بأحد، يقتل هذا، ويبطش بهذا، ويعتدي على هذا، سفيه هذا إذا فعل مثل هذه الأشياء مما يترتب عليها الكفارات والقصاص أو نحو ذلك فحينئذٍ: العفو هنا غير محمود، لأنك لو عفوت عنه لازداد في جرمه وفحشه وشره، ولكن هذه الزواجر التي شرعها الله عز وجل من سابع سماء تأديبًا لمثل هذه الأصناف، حينئذٍ: إذا عُفي عنه نقول: ليس هناك فائدة، وليس هذا العفو بإصلاح، وإنما يكون إفسادًا، لأنه يزيده على غيه وظلمه، وأما إذا كان الذي جنى يُعتبر هذا الفعل في شأنه زَلةً وخطئًا، ولم يكن مقصودًا، ولم يكن من ديدنه ذلك، حينئذٍ يأتي العفو، يقولون: لو أنَّ جانيًا جنا على شخص وهو ممن عرف بالشرِّ والعدوان فليس من الأصلح العفو عنه، لأنه بالعفو عنه يتمادى في شره، أمَّا لو حصل العدوان من شخصٍ معروف بالاستقامة، وعدم العدوان على الغير، لكنها زلة وقعت منه فالعفو هنا إصلاح، ومن ذلك حوادث السيارات.
(8/4)

صبيٌّ يأخذ السيارة فيقود ويلعب هنا وهنا وتفحيط وإلى آخره وأذية للمسلمين، ثم يقع ما يقع حينئذٍ يأتي العفو هنا غير محمود، بل قد يأثم العافي إذا علم بأن هذا الشيء قد يزيد في طغيانه ولم يؤدبه، حينئذٍ يكون هذا من الفساد في الأرض، {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64] حينئذٍ: يكون إعانة على الإثم، ولا يجوز العفو في مثل هذه المواضع، وأمَّا إذا كان الصبي ونحوه من المؤدبين، ولا يتصرف بالسيارات ونحوها فيما يضر المسلمين، ووقع منه خطأ حينئذٍ يأتي العفو، ولذلك يقول هنا: (ومن ذلك ما يحصل من حوادث السيارات بسبب شخص معروف بالتهور وعدم المبالاة بالأنظمة وبالناس فيرق له أصحاب الحق ويعفون عنه فالعفو هنا: ليس من الخير، بل الخير أن يؤاخذ بالدية ويعاقب بعقوبة حق العام) هذا هو الأصل، بل قد يأثم من يعفو لأنه قد يترتب عليه فساد، {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}، {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205] قد يترتب عليه شرٌّ عظيم، وحينئذٍ يكون من التعاون على الفساد والشرِّ والإثمِ. قال: ({وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى 40]، فأباح الله تعالى مقابلة الجاني بمثل جنايته، وهو العدل، ثم ندب إلى العفو وهو الفضل.
(8/5)

وكذلك جميع المعاملات العدل فيها واجب، وهو أن تعطي ما عليك وتأخذ ما لك، والفضل فيها مندوب إليه. قال تعالى: {وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237]) آية في سياق ما بين الزوجين، ({وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ})، أي: أفضال بعضكم على بعض بإعطاء الرجل تمام الصداق، أو ترك المرأة نصيبها. حثهما جميعًا على الإحسان، هذا المراد: ({وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}) يعني: أفضال بعضكم على بعض، (وهو العفو عن بعض الحق والمحاباة في المعاملة، وأباح تعالى أخذ الحق من الواجد في الحال، وأمر بإنظار المعسر)، (أخذ الحق من الواجد في الحال)، يعني: إذا كان لك دين وغير مؤجل، والمدين عنده مال يدفع له فتأخذه هذا عدل، أخذت حقك، وأمَّا إن كان فقيرًا معسرًا حينئذٍ جاء الفضل، وهو الإنظار. أخذ الحق من الواجد، يعني: الذي عنده مال في الحال، يعني: غير مؤجل. (وأمر بإنظار المعسر)، (وهذا هو العدل، ثم ندب إلى الفضل فقال: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:280])، يعني: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا}، أي: تتركوا رؤوس أموالكم إلى المعسر، {خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. ... (وأباح مخالطة اليتيم في الطعام والشراب وتوابعهما على وجه العدل، وندب إلى الفضل والاحتياط. فقال: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة: 220]) ({وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ})، هذه إباحة المخالطة، أي: وإن تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم في نفقاتكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم فتصيب من أموالهم عِوضًا من قيامكم بأمورهم وتكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم، ({فَإِخْوَانُكُمْ})، أي: فهم إخوانكم. يعني: إذا خلط مال اليتيم بماله من أجل تحقيق المصلحة التابعة لليتيم وله هو دون فساد وقصد بأكل مال اليتيم حينئذٍ قال: ({فَإِخْوَانُكُمْ}). إخوانكم خبر لمبتدأ المحذوف، أي: فهم إخوانكم. والإخوان يُعين بعضهم بعضًا، ويصيب بعضهم من أموال بعض على وجه الإصلاح والرضا، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} المفسد لأموالهم من المصلح لها، يعني: الذي يقصد بالمخالطة الخيانة، وإفساد أموال اليتيم وأكله بغير حق، من الذي يقصد الإصلاح، يعني: مدار الأمر هنا على النية، (وقال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} ... [المائدة: 45])، هذا عدل أليس كذلك؟ نفس بنفس، مهما عظمت أطلق هنا، ({وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}).
(8/6)

(فهذا هو العدل، ثم قال: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45])، فهذا الفضل - الشيخ له فقه عجيب رحمه الله تعالى - (وقال تعالى: {لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148] {لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ})، الجهر هنا: الشكوى، وذكر مظلمته من القول {إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ}، يعني: لا يحب الله الجهر بالقبح من القول إلا من ظُلِمَ، فيجوز للمظلوم أن يُخْبِر عن ظلم الظالم، وأن يدعو عليه يجوز أن يدعو عليه، قال الله تعالى: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} ... [الشورى: 41]. قال الحسن: دعاؤه عليه أن يقول: اللهم أعني عليه، واللهم استخرج حقي منه. انظر عدل هذا، ما قال: اللهم زلزل الأرض من تحته، اللهم نشف الدماء في عروقه. نعم هذا فيه تعدِّي، وإنما يقول: اللهم أعني عليه. أو حسبي الله ونعم الوكيل، كافيني الله عز وجل فيهم.
قال الحسن: دعاؤه عليه أن يقول: اللهم أعني عليه اللهم استخرج حقي منه. وقيل: إن شَتِمَ جاز أن يشتم بمثله ولا يزيد عليه البتة. قال: (أي: فهو مباح له على وجه القصاص والعدل).
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: فمن سبَّك فلك أن تسبه، ومن اغتابك فلك أن تغتابه ما لم يكن تهمة أو افتراءً. يعني: ما لم يظن فيك الناس السوء، لو سمعوك تتكلم فيه ولا يدرون قد لا يدري أنك إنما تقتص لحقك بغيبته، فحينئذٍ هذا يكون محلاً للتهمة، يعني: تتهم. اتق الله لا تغتب الرجل إلى آخره هذا صار تهمة، فإذا كان تهمة حينئذٍ يُترك، وأما عند من علم بأنك تختص منه حينئذٍ على كلام الشيخ هنا رحمه الله تعالى لا بأس به، فمن سبَّك فلك أن تسبه، ومن اغتابك فلك أن تغتابه لكن بالمثل وبدون زيادة. كما ذكرناه نعم، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتدي المظلوم». قال رحمه الله تعالى: (ومع هذا فقد حث على الفضل في قوله تعالى: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ} ... [فصلت: 34]). {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148] يعني: اجهر لكن مع ذلك حتى على الفضل في قوله تعالى: ({وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ}).
قال البغوي: يعني: الصبر والغضب لا يستويان، لو صبرت فهو أحسن من الغضب والحلم والجهل كذلك لا يستويان والعفو الإساءة.
({ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) يعني: أمر بالصبر عند الغضب، وبالحلم عند الجهل، وبالعفو عند الإساءة، لكن العفو بقيد الإصلاح ({فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ}) فإذا هذه فجائية يعني: فإذا فعلت ذلك خضع لك عدوك ({فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}) يعني: كالصديق والقريب.
(فالعدل والفضل مقامان للمنصفين والسابقين فمن قصر دونهما فهو من الظالمين).
(8/7)

(ومن فروع هذا الأصل العبادات) يعني: العدل والفضل كذلك يشمل جميع أنواع العبادات، فكل عبادة لها أركان وواجبات وشروط ولها سنن قولية أو فعلية، فالإتيان بالواجبات يعني: أقل ما يجزئ فهو العدل، والإتيان بالمستحبات على وجه الكمال أو ما يقتدر عليه الإنسان فهو الفضل، وهذه فائدة نفسية. (كالطهارة، والصلاة، والصوم، والحج، وغيرها. منها مجزئ وهو الذي يختصر فيه على ما يجب في العبادة ويلزم وهو العدل، ومنها كامل وهو الإتيان بمستحبات العبادة بعد تكميل الواجبات وهو الفضل وكل ما أشبه هذه المسائل يجري هذا المجرى).
(القاعدة السابعة عشر: من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه).
هذه قاعدة فيها نزاع، هي قاعدة صغرى يعني: ليست من القواعد الكلية الكبرى وإنما أشبه بالضابط، (من تعجل شيئًا قبل أوانه) أَوان بفتح الهمزة وقد تكسر بمعنى الحين، (تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب) هذا المتعجل ... (بحرمانه) يعني: من الشيء الذي تعجل إليه مع الإثم، من تعجل شيئًا يجب تقييده بأن يكون بطريق محرم، وأما لو تعجل شيئًا بطريق مباح، وهذا ليس داخلاً في القاعدة ولا يعاقب بحرمانه، وإنما المراد هنا إذا منع الشارع أمرًا ثم رتب حكمًا شرعيًا فالوصول إلى الحكم الشرعي مع تجاوز هذه الأسباب الشرعية التي وضعها الشارع حينئذٍ نقول: هذا من التعدي والظلم وقد توصل إليه بطريقة محرمة حينئذٍ جاءت النتيجة عوقب بحرمانه، (من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه) معنى القاعدة إجمالاً أن من تعجل الأمور التي يترتب عليها حكم شرعي قبل وجود أسبابها الصحيحة لم يفده ذلك شيئًا وعوقب بنقيض قصده، مثال من أجل أن يفهم هذا الكلام القاتل، القاتل يرث أو لا يرث؟
.
(8/8)

لا يرث؛ لأنه من أسباب منع الإرث، أبوه عنده مال أو قريبه عنده مال ليس له إلا هذا الوارث لو صبر وانتظر قد يأتي الأجل إلى المورث فينال المال لكنه ما استطاع أن يصبر فقتله من أجل ماذا؟ من أجل أن يُحَصِّل المال فحينئذٍ نقول: هذا تعجل شيئًا قبل وقته، لأن الله عز وجل رتب ملكية المال ونقله من الْمُوَرِّثِ إلى الوارث بموت الْمُوَرِّثِ، فلا بد من موت الْمُوَرِّثِ لكن ليس المراد أنك تقتله وإنما يموت بقدر الله عز وجل، وبما شاء الله تعالى، [ها ها] الله المستعان. إذًا إذا قتله نقول: تعجل شيئًا قبل وقته فلو صبر لكان له ما ظفر، أن من تعجل الأمور التي يترتب عليها حكم شرعي قبل وجود أسبابها الصحيحة لم يفده ذلك شيئًا، وعوقب بنقيض قصده، موت المورِّث سبب لنقل لإرث منه إلى الوارث هذا أصل، لكن لما استعجل ونوى هذه النية حينئذٍ نعاقب بنقيض قصده فنقول: لا يصل إليك مال المورث فلا ترثه، فيمنع، هو ما قتله إلا من أجل أن يرث فحينئذٍ عوقب بحرمانه أي: بحرمان هذا الإرث فلا يرث هذا المراد هنا. إذًا من تعجل الأمور التي يترتب عليها حكم شرعي هنا انتقال الإرث حكم شرعي ترتب على موت المورث لكن بقضاء الله وقدره، فإن استعجل وارتكب محرمًا فقتل حينئذٍ نقول: قد فعل طريقًا محرمًا للوصل إلى ما رتبه الله عز وجل على موت المورث قبل وجود أسبابها الصحيحة لم يفد ذلك شيء وعوقب بنقيض قصده. قال ابن رجب: من تعجل حقه وما أبيح له قبل وقته على وجهٍ محرم. انتبه على وجهٍ محرم. ولذلك القاعدة فيها شيء من الإطلاق على وجهٍ محرم عوقب بحرمانه، ولذلك قيل: من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه. من استعجل شيئًا الذي وضع له سببٌ عام وطلب الحصول عليه، قبل أوانه أي قبل وقت حلول سببه العام، ولم يستسلم إلى ذلك السبب الموضوع بل عدل عنه، وقصد تحصيل ذلك الشيء بغير ذلك السبب قبل ذلك الأوان عوقب بحرمانه، على الكلام السابق الذي تقرر في بيان القاعدة إجمالاً.
دليل القاعدة: الأصل في هذه القاعدة قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يرث القاتل ... شيئًا». أو: «ليس للقاتل من الميراث شيء». هذا رواه أبو داود وهو حديثٌ حسن، قاس الفقهاء جميع الأحكام الشرعية المترتبة على أسباب أن توصل إلى هذه الأسباب بطريقٍ محرم على هذا النص، حينئذٍ: أصل القاعدة هو هذا النص.
قال رحمه الله تعالى: (من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه). وتسمى المعاملة بنقيض القصد، وهذا مشهورٌ وهذا عامٌ في أحكام الدنيا والآخرة كما سيأتي.
(8/9)

قال رحمه الله تعالى: (وذلك أن العبد مملوك تحت أحكام ربه ليس له من الأمر شيء). (العبد عبد مملوك تحت أحكام ربه فليس له من الأمر شيء). قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا} [الأحزاب: 36]) مر معنا القضاء هنا شرعي وكوني. ({أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]) فلا اعتراض لا على حكم الله تعالى وقضائه الشرعي إذا أوجب أو حرم، ولا اعتراض على ما قضاه تعالى حكمًا كونيًا، (فإذا تعجل الأمور التي يترتب عليها حكم شرعي قبل وجود أسبابها الصحيحة، لم يفده شيئًا، وعوقب بنقيض قصده، ويندرج تحت هذا الأصل صور عديدة:
منها: حرمان القاتل الميراث) للقاعدة وللنص، حينئذٍ نقول: الدلالة هنا من جهتين دلالة خاصة للنص الخاص، ودلالة عامة للقاعدة العامة، والقاعدة عامة (من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه) لم يتعرض في القاعدة للقتل حينئذٍ نقول: الدليل عام فيستدل بها على إثبات الحكم الشرعي، ومع وجود النص الخاص فيستدل بالدليلين دليلٍ عام ودليلٍ خاص. (حرمان القاتل الميراث سواء كان القتل عمدًا، أو خطأ إذا كان بغير حق) أما إذا كان بحق حينئذٍ لا بأس به، [لو قتل القاتل] لو قتل زيدٌ من الناس شخصًا ما فرتب عليه الحكم وهو القصاص، حينئذٍ هذا المقتول الذي حُكم عليه بالقصاص قد يكون عنده مال وولده هو القصاص، ماذا يصنع؟ هل يمنعه أم لا؟ لا يمنعه يقتله ويرثه، لماذا؟ لأن القتل هنا بحقٍٍ.
قال: (حرمان القاتل الميراث سواء كان القتل عمدًا، أو خطأ إذا كان بغير حقٍ؛ لأنه تعجل الميراث على وجه محرم فحُرم الميراث) وصح بذلك الحديث: «ليس للقاتل من الميراث شيء».
القتل ثلاثة أنواع يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:
الأول: قتلٌ بحقٍ فلا يمنع الإرث بالاتفاق.
والثاني: قتل العمد يمنع الإرث بالاتفاق.
الثالث: قتل الخطأ، وفيه الخلاف بين أهل العلم. قال: والصواب أنه لا يمنع من الميراث وهو مذهب مالكٍ رحمه الله تعالى.
قال: (وكذلك إذا قتل الْمُوصَى له الْمُوصِي بطلت الوصية) من هو الْمُوصَى؟ الذي أُوصَي له بأن يُعطى شيئًا، فلو قال الْمُوصِي: إذا مِتُّ فأعطوا فلانًا مائة ألف. فتعجل الْمُوصَى له كصاحبنا صاحب الميراث حينئذٍ تعجل ما لو صبر لناله، فحينئذٍ إذا قتله يكون أراد أن يتوصل إلى هذه المائة بطريقٍ محرم، عوقب بحرمانه فلا مائة ولا ما دون.
(8/10)

قال رحمه الله تعالى: (وكذلك إذا قتل الْمُوصَى له الْمُوصِي بطلت الوصية، والْمُدَبَّر) من هو المدبر؟ العبد الذي يقول له سيده: إذا مِتُّ فأنت حرٌّ، لأنه يموت عن دبرٍ (والمدبر كذلك إذا قتل سيده بطل التدبير). سمي مُدَبَّرًا لأن يعتق دبر حياة سيده (ومثل ذلك: من طلق زوجته في مرض موته المخوف ترث منه). مرضه المخوف منه يعني: الذي يظن أنه محلٌ للموت وسيلة الموت، حينئذٍ لو طلق زوجته في هذا المرض هناك تهمة أنه ما طلقها إلا من أجل أن لا ترث فحينئذٍ ترث. (من طلق زوجته في مرض موته المخوف ترث منه، ولو خرجت من العدة ما لم تتزوج أو ترتد على مذهب أحمد) رحمه الله تعالى. قال هنا: (المراد بذلك من طلق زوجته طلاقًا بائنًا بخلاف الرجعيّ، فإذا مات بمرضه المخوف فإنه ترث منه، ولو قدر أنه عوفي منه فإنه لا ترث) رجعي إذا طلق طلاقًا رجعيًا فمات ترث، وأمَّا إذا بقي شفي وعوفي حينئذٍ لا ترث إذا بانت منه، قال رحمه الله تعالى: (ومما يدخل في هذا) الأصل (أن من تعجل شهواته المحرمة في الدنيا عوقب بحرمانها في الآخرة إن لم يتب منها. قال تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [سورة الأحقاف: 20]). إذًا استعجلتم هذه الطيبات فعوقبتم بحرمانها في الآخرة فهي عامة في أحكام الدنيا وفي أحكام الآخرة، وهناك دليلٌ أخص وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة». وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة». إذًا من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه. (يقابل هذا الأصل أصل آخر، أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، ولم يجد فقده). وهذا الأصل الصحيح يدل عليه قول الله تبارك وتعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} [الطلاق: 4]. فمن ترك شيئًا لله عوضه الله تعالى خيرًا منه. وقال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، ولذلك جاء أن الفقراء أول من يدخل الجنة هم الفقراء قبل الأغنياء.
قال رحمه الله تعالى: (القاعدة الثامنة عشر: تضمن المثليات بمثلها، والمتقومات بقيمتها).
هذه تتعلق بالضمان، ولذلك هي ضابط وليست بقاعدة، وإن كان سميت قاعدة جزئية قاعدة صغرى لا بأس، لكن هي ضابط، لأنه مر معنا أن الأمين قد يضمن، وأن الظالم يضمن، حينئذٍ كيفية الضمان أراد أن يبين لنا بهذه القاعدة كيفية الضمان، فحينئذٍ ما يُضمن إما أن يكون مثليًّا أو لا يكون مثليًّا، فالمثل بالمثل وما عداه بقيمته هذا الذي أراده. (تضمن المثليات بمثلها، والمتقومات بقيمتها) يعني: إذا أتلف الإنسان شيئًا وجب عليه ضمانه لما سبق من القاعدة السابقة، فالمثل حينئذٍ يضمن بالمثله والمتقوم بقيمته، هذا القاعدة قيل: بأنه مجمعٌ عليها، لكنهم اختلفوا في معنى المثل والمتقوم.
(8/11)

ما معنى المثل؟ وإذا عُرِّف المثل حينئذٍ عرف ما عداه وهو المتقوم. ... (اختلف العلماء ما هي المثليات؟ فقيل: إنها المكيلات والموزونات فقط) هذا مذهبنا الحنابلة. كلّ مكيلٍ وموزونٍ لا صناعة فيه مباحة يصح السلم فيه، وله احترازات وهو قولٌ مرجوح، حينئذٍ: ينظر في مظانه. قال: (فقيل: إنها المكيلات والموزونات فقط، والمتقومات ما عداها. وقيل: إن المثليات ما كان له مثلٌ أو مشابه، أو مقاربٌ، وهذا هو الصحيح) أن المثل في الشرع ما كان له مثلٌ يعني عين، ريال بريال عين بعين، أو لا يكون له مثل بعينه لكن فيه بينهما شبه، مشابهٌ له، أو لم يكن بينهما شبهٌ ولكن مقارب يقربه، حينئذٍ نقول: المثل يشمل هذه الأنواع الثلاثة، ما كان له مثل يعني موازٍ له في كل شيء الشبه متفق مثله من كل وجهٍ ليس بينهما خلافٌ البتة، والمشابه يكون بينهما تشابه في أكثر الوجوه، والمقارب في بعض الوجوه. هذا المثل ما عداه فهو المتقوم، حينئذٍ المتقوم ما ليس له مثلٌ ولا مشابهٌ ولا مقاربٌ، هذا هو المتقوم. قال هنا: (إن المثليات ما كان له مثلٌ). يعني: عينه (أو مشابه إن أمكن، أو إن لم يمكن المشابه فهو المقارب) هذه كناقة بناقة هذه مقاربة لا يمكن أن تأتي ناقة موازية لناقةٍ أخرى من كل وجه، سيارة بسيارة يمكن، يمكن؟ يمكن من كل وجهٍ، لكن ناقة بناقة لا يمكن هذا، صحيح؟ نعم ما يمكن ناقة بناقة، حينئذٍ لا يمكن أن تكون مماثلة من كلا وجهٍ وإنما مشابهة إما في الحجم وبعض الأوصاف أو مقاربة. قال: (وهو الصحيح). يعني: هذا المثل بهذا التعريف هو الصحيح وما عداه فهو المتقوم، واختاره ابن تيمية وابن القيم رحمها الله تعالى، الدليل على هذا أن هذا هو الصحيح لأنه - صلى الله عليه وسلم - استقرض بعيرًا وقضى خيرًا منه، وهذا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند مسلمٍ، والدلالة فيه واضحة النبي - صلى الله عليه وسلم - استقرض بعيرًا ورده ماذا مثليًّا مثله أو بالقيمة؟ إذا استقرض بعيرًا، إذا قلنا: البعير ليس له مثل هو كذلك يعني: عين موازي من كل وجه لا ليس له، والجمهور على أنه ليس له مثيل، عندهم أنه يرد القيمة ولا يرد بعيرًا، وإنما يرد القيمة، لماذا؟ لأنه تعذر رد المثل فوجب العدول إلى القيمة، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ماذا صنع؟ رد القيمة؟ لا، وإنما قضى خيرًا منه.
(8/12)

يعني: بعير أكبر من السابق وفي أوصافه ما لم تكن في السابق، فدل على أن البعير بالبعير مثلي، فحينئذٍ انتقض ما عند الجمهور، لأن الجمهور البعير بالبعير ليس مثليًّا وإنما هو من قبيل المتقوم، وأما المكيلات الموزونات، الشعير بالشعير والرز بالرز هذه في الغالب أنها مثلية ولا إشكال فيها، (لأنه - صلى الله عليه وسلم - استقرض بعيرًا وقضى خيرًا منه) ولم يرد القيمة هذا وجه الشاهد هنا، إذ البعير عند الجمهور والمذهب هنا عند القائلين بأن المثل هو المكيل والموزون عندهم البعير من المتقوم فيجب أن يرد قيمته، فلو أخذت استقراضًا من شخصٍ شاة مثلاً ما تردها شاة ولو كان بأحسن منها أكبر منهما، وإنما يجب عليك رد القيمة إلا إذا حصل تراضي وهذا لا إشكال فيه، (ولأنه - صلى الله عليه وسلم - ضمن أم المؤمنين) قيل عائشة هذا حديث أنس أصله صحيح البخاري، ضمن النبي - صلى الله عليه وسلم - أم المؤمنين قيل: عائشة، حين كسرت صحفة أم المؤمنين الأخرى قيل زينب بنت جحش فأعطاها صحفتها الصحيحة، يعني: صحفة بصحفة، يعني: «إناء بإناء»، والإناء ليس من الموزون ولا المكيل، إذًا ليس من المثيل، ومع ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرد القيمة، وإنما رد المثل، فدل على أن المثل حصره في المكيلات والموزونات ليس وفاقًا للسنة، لأن البعير متقوم عند الجمهور ورد النبي - صلى الله عليه وسلم - بعيرًا ولم يرد القيمة، والصحفة بالصحفة يعني: الإناء بالإناء إذا كُسر إناء أتلف إناء عند الجمهور يرده بالقيمة وليس له مثل، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - رده إناء، ولذلك قال: «إناء بإناء» قاعدة، ... «وطعامٌ بطعامٍ». دل ذلك على أن قول الجمهور بأن المثل هو المكيل والموزون ليس بصحيح. قال هنا: (إذا المثل في الشرع لا ينحصر في المثل فقط، بل ويشمل المشابهة والمقارب، وكذلك لا ينحصر في المكيلات والموزونات بل في كل شيءٍ يحصل فيه معنى المثل والشبيه والمقارب، فالمثل وصفٌ يشمل أشياء كثيرة، والمتقوم ما ليس له مثلٌ ولا مشابهٌ ولا مقارب)، والصحفة عند الجمهور هذه ليست من المثليات، والنبي - صلى الله عليه وسلم - رد الصحفة بصحفةٍ، بطل ما عندهم. قال رحمه الله تعالى: (ولأن الضمان بالشبيه والمقارب يجمع الأمرين). يعني: نصحح هذا القول للسنة ويكفي، لكن عندنا تعليل آخر وهو أن الضمان بالشبيه والمقارب يجمع الأمرين:
أولاً: القيمة. أي: أن ماله لم يذهب هدرًا.
(8/13)

ثانيًا: حصول مقصودِ صاحبه، وهو رجوع مثل الشيء الذي كان معه. كُسِرَ صحني أنا أريد مثله لا أريد المال أريد الصحن مثل هذا الصحن، حصل المقصود أو لا؟ حصل المقصود، في ضمن هذا المقصود القيمة، يعني ما خرج عنه، إذا كان هذا الصحن يقدر بعشرين ريال مثلاً حصل كذلك في رد الإناء بالإناء. (ولأن الضمان بالشبيه والمقارب يجمع الأمرين القيمة) فلم تذهب هدرًا (وحُصول مقصود صاحبه) وهو رجوع مثل الشيء الذي كان معه ولا يلزم في هذا المثل أن يكون عين المأخوذ، بل مقاربٌ وإن كان أوفى فهو أحسن. يعني: أحسن وأكمل لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن خياركم أحسنكم قضاء». - صلى الله عليه وسلم - (وعلى القولين) يعني في معنى المثل (وعلى قولين فمن أتلف مالاً لغيره فإن كان مثليًّا ضمنه بمثله، وإن كان متقومًا ضمنه بقيمته يوم تلفه، وهذه قاعدة مطردة)، لكن هذا إنما يكون عند النزاع يعني: لو تراضوا أن يرد المثل بقيمة، كسر الصحن قال: أنا ما أريد صحن أعطني مالاً أعطني قيمته، يجوز؟ نعم يجوز، هذه القاعدة عند النزاع، وأما إذا تراضيا فله أن يرد المثل بالمتقوم والعكس بالعكس، إذا تراضوا على شيء فلا إشكال فيه فبينهما، وأما إذا حصل النزاع فحينئذٍ نقول: لا المثل يرد بالمثل، والمتقوم بقيمته (فمن أتلف مالاً لغيره فإن كان مثليًّا ضمنه بمثله، وإن كان متقومًا ضمنه بقيمته يوم تلفه.
وكذلك من استقرض مثليًّا رد بدله، وإن كان متقومًا رد قيمته، ومثل ذلك من أوجبنا عليه الضمان لكونه فرط في أمانته أو تعدى فيها). كل من وجب عليه الضمان لا يخرج عن هذه القاعدة، ولذلك قلنا: هذه القاعدة شارحة للقاعدة تلك. بمعنى: أننا إذا قلنا وجب عليه الضمان كيف يقضي؟ نقول: المثل بالمثل والمتقوم بالمتقوم، نعم. (ومثل ذلك من أوجبنا عليه الضمان لكونه فَرَّط في أمانته أو تعدَّى فيها، أو كانت يده متعدِّية) يد ظالمٍ (فكل هؤلاء يضمّنون) لا فرق في هؤلاء ومن قبلهم (يضمنون المثل بمثله، والمتقوم بقيمته وأشباه ذلك). بمعنى: أننا ننظر في ما أتلفه من مالٍ فإن كان له عينٌ أو شبيهٌ أو مقاربٌ حكمنا به، فإن لم يكن حينئذٍ: رجعنا إلى القيمة.
قال هنا الشيخ رحمه الله تعالى: (فإذا لم يوجد المثل فبالقيمة). يعني: إذا عدم مثل (فبالقيمة، وكذلك لو زاد المثل زيادةً فاحشةً فإنه يضمن بالقيمة). يعني: لو اعتدى على شيءٍ مما يتعلق بسيارته وقلنا: هذه تلفت حينئذٍ يأتي بمثلها، لكن ذهب إلى السوق فوجد أن السعر قد فاق ما كانت عليه زيادة فاحشة حينئذٍ: يرجع إلى القيمة لأنه يكون متضرِّرًا، الأواني مثلية أو لا؟ مثلية نعم خاصةً في هذا العصر، إذا كانت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - «إناء بإناء» مثلي فالآن من باب أولى وأحرى، الثياب، السيارات، الساعات، كل هذه مثليات، الشيء الذي لا يكون له نظير ولا مقارب فحينئذٍ يرجع إلى القيمة.
قال رحمه الله تعالى: (القاعدة التاسعة عشر: إذا تعذر المسمى رجع إلى القيمة).
وهذا كذلك ضابط، إذا تعذر مسمى في البيوع وعقود المعاوضة حينئذٍ ما سمي وهو الثمن حينئذٍ نرجع إلى القيمة. قال: (إذا تعذر المسمى) تعذر عليه الأمر يعني تعثر، والمسمى هو الثمن، عندنا قيمة وعندنا ثمن.
(8/14)

الثمن: هو ما يكون سعرًا في السوق، إذا أردت سيارة تذهب يقول لك: هذه بثمانين. هذا ثمنها، لكن الذي تستحقه أصالةً هو خمسين، فهو يأخذها من الموزع بخمسين ويبيعها عليك بثمانين قيمتها خمسون وثمنها ثمانون، حينئذٍ الذي يذكر في العقد بيعًا وشراءً هو الذي يكون المسمى، وأما القيمة فهي ما تستحقه لا في سعر السوق.
فالمسمى: هو الثمن الذي اتفق عليه المتعاقدان سواءٌ كان قيمةً للشيء أو أقل أو أكثر، يعني: قد يبيع البائع الشيء بقيمته، هذا ممكن أو بأقل أو بأكثر، أليس كذلك؟ هذا محتمل، يحتمل أنه يبيع الشيء بقيمته يأخذه من الموزع بخمسين فيبيعه بخمسين ولا يكسب شيئًا، أو يأخذه بخمسين فيبيعه بأربعين أقل، والأربعون حينئذٍ تكون هي المسمى هي الثمن، وأما الخسمون فهي القيمة يختلف الحكم هنا عند النزاع أو باعه بأكثر، والقيمة هي سعر السوق، يعني سعر العادة يسمى قيمةً، فحينئذٍ ما يسمى في العقد هو الثمن. إذا تعذر العلم بالمسمى كيف يتصور هذا. بعت واشتريت عقارًا أرضًا واتفقنا على ثمن ثم تعذر المسمى. نقول: نعم يمكن أن يتعذر، أن يكون البيع قديمًا وينُسى الثمن المسمى في العقد، أما إذا لم يعلمه كلٌ منهما فالعقد لا يصح، لأن من شرط صحة البيع العلم بالثمن، فلا يصح أن يكون ثمَّ بيعٌ إلا إذا كان الثمن مسمًى، حينئذٍ لا يتصور هذا المثال إلا إذا فيما اتفقا على ثمنٍ ثم نسياه أو نسيه أحدهم وكتم الآخر، حينئذٍ نقول: تعذر الرجوع إلى المسمى. اشترى الأرض وذكر ثمنًا فنسياه فاختلفا، حينئذٍ ماذا نصنع؟ نقول: نرجع إلى قيمة هذه الأرض كم تكون؟ قيمتها كذا، حينئذٍ القيمة قد تكون أقل من الثمن أو أكثر أو مساويةً، (إذا تعذر المسمى رُجِعَ) أي رُدَّ (إلى القيمة).
قال رحمه الله تعالى: (وهذه القاعدة غير التي قبلها) ما هي التي قبلها؟ الضمان في المثل بالمثل، والمتقوم بالمتقوم. وهنا قال: (هذه القاعدة غير التي قبلها) وإن كانت كالتتمة لها، فالتي قبلها بيان ضمان المثليات بمثلها، وبيان ضمان المتقومات بأقيامها، وهذه القاعدة في المعوضات التي يُسمى لها ثمنًا، بمعنى أنه هنا يكون الضمان لأي شيء، يُرجع للقيمة هذا نوع ضمان، يكون في ماذا؟ في شيءٍ سُمِّيَ في عقد معاوضة، نرجع إلى القيمة وأما في المتلفات فهذه أملاك لم يحصل عقدٌ عليها. إذًا في القاعدة السابقة الضمان لشيءٍ لم يُملك، وهنا إنما يكون الرجوع إلى القيمة وهو تفسير لنوعٍ من أنواع الضمان يكون الرجوع إلى القيمة في شيءٍ وقع عليه عقدٌ.
إذًا نفرز القاعدتين فنقول: هذه القاعدة تكون في المعاوضات، وأما القاعدة السابقة فهي إنما هي عامةٌ لا في المعاوضات.
(8/15)

قال هنا: (لأن هذه في المعاوضات التي يُسَمَّى لها ثمن) ولذلك قال هنا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: يظهر الفرق بالمثال. رجلٌ اشترى صاع برٍ من شخصٍ ثم أنفقه وتعذر معرفة الثمن، والثمن معلومٌ من قبل لأنه لو كان مجهولاً من أول الأمر فالبيع غير صحيح، إنما نَسِيَ الثمن كلاهما البائع والمشتري فكلٌ منهما يقول: لا أدري. فهنا نرجع إلى القيمة قيمة الصاع، ولا نقول للمشتري رد عليه صاعًا. إنما نرجع إلى القيمة لماذا؟ لأن هذا الصاع قد وقع عليه عقدٌ، بيعٌ وشراء عقد معاوضة، وذلك لأن الطرفين اتفقا على انتقال ملك هذا الصاع بالمعاوضة، ما كانت المعاوضة إلا من أجل إيصال الصاع للمشتري وإيصال الثمن للبائع، وأن الذي ثبت في ذمة المشتري قيمته لكن تعذر معرفة القيمة، فيرجع إلى قيمة المثل وقت العقد، لكن لو أنه أخذ الصاع وأنفقه على أهله. فهنا نقول: يضمنه بصاعٍ مثله. يعني: لو أخذ الصاع من المحل دون أن يوقع عليه عقد فأنفقه تصرف فيه أتلفه ولو كان بأكلٍ هذا يسمى إتلافًا، حينئذٍ نقول: يرد الصاع بالصاع. يرد الصاع بالصاع، لماذا؟ لا نرجع إلى القيمة لأنهم لم يحصل عقدٌ ونقل الملكية من البائع إلى المشتري، وأما إذا حصل عقدٌ حينئذٍ: انتقلت الملكية صار ملكًا له.
قال هنا: (لأن هذه في المعاوضات التي يُسَمَّى لها ثمن اتفق عليه المتعاوضان فحيث تعذر معرفة المسمى لنسيانه، أو تعذر تسليمه لكون التسمية غير صحيحةٍ لغرر أو تحريمٍ آخر) تسمية غير صحيحةٍ لغرر وستأتي القاعدة خاصة بالغرر والميسر، أو تحريمٍ آخر كما لو جعل الخمر ثمنًا، لو قال بعت واشتريت على أن تكون هذه الكأس خمر هي الثمن. نقول: انعقد البيع والثمن فاسد، حينئذٍ نرجع إلى ماذا؟ كيف نقدر الثمن؟ نرجع إلى قيمة المثل، إلى ماذا؟ نرجع إلى القيمة، فنقول: الذي جُعل الثمن فيه خمرٌ أو خنزيرٌ أو دمٌ أو ميتة. نقول: العقد لم يبطل ولكن الثمن بطل، فحينئذٍ كيف نقدر هذه السلعة التي وقع عليها العقد نرجع إلى القيمة.
(8/16)

قال هنا: (فإنه يرجع إلى قيمة ذلك الذي سُمي له ذلك الثمن الذي تعذر تسليمه، فيدخل في هذا البيع، والإجارة بأنواعهما. فإذا باع شيئاً بثمن وتعذر معرفة الثمن الذي سمياه في العقد رُجِعَ إلى قيمة المبيع) الذي وقع عليه العقد (لأن الغالب أن السلع تباع بأقيامها، وكذلك إذا تعذر معرفة الأجرة رجعنا إلى أجرة المثل) ركب ما أجرة سيارة ولم يتفق معه على ثمنٍ أجرة، حينئذٍ بعد الانتهاء اختلفوا ماذا نصنع؟ نرجع إلى أجرة المثل، و [العادة محكمة] فحينئذٍ ننظر في هذا السائق كم تأخذ في ما إذا أوصلت من هذا المكان إلى هذا المكان، حينئذٍ ما يسمى هو الذي يكون أجرةٌ له. (وكذلك لو كان الثمن) يعني في البيع (أو الأجرة) يعني: في الإيجارة (محرمين أو فيهما جهالةٌ) لعل الشيخ يرى صحة العقد فيما إذا كان الثمن محرمًا (أو فيهما جهالةٌ) إن كان مجهولاً من أصله، فهذا الأصل إنه لا يصح، الأصل المثال هذا فيه نظر، (ومثل ذلك المسمى في مهور النساء إذا تعذر معرفته، أو تسليمه) كعبدٍ آبق أو ناقةٍ شاردة حينئذٍ نرجع إلى (مهر المثل)، انظر هنا الأمثلة هذه متشابهة مع مسألة العرف [العادة محكمة]. (فإنه يجب مهر المثل) إذًا القاعدة العامة إذا تعذر المسمى. يعني: ما سمي في العقود مطلقًا إجارةً أو بيوعًا بأنواعها أو إجارةً بأنواعها ونُسِيَ وتعذر معرفة هذا المسمى أو تعذر تسلميه حينئذٍ نرجع إلى القيمة.
قال رحمه الله تعالى: (القاعدة العشرون: إذا تعذر معرفة من له الحق جُعِل كالمعدوم).
هذا يُعَنْوِنُ له البعض المجهول كالمعدوم. (إذا تعذر) يعني: تعسر ... (معرفة من له الحق جُعِل) يعني: صاحب الحق (كالمعدوم) وجوده وعدمه سواء، جُعل وجوده وعدمه سواء حينئذٍ ليس له مالك، فيُجعل المجهول كالمعدوم، وهذه قاعدة فرعية صورة ودليلها، أصل القاعدة حديث اللقطة: روى مسلم عن زيد بن خالد الجهني أن رجلاً سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اللقطة فقال: «عرفها سنة، ثم اعرف وكاها وعفاصها، ثم استنفق بها فإن جاء ربها فأدها إليه». وفي روايةٍ زاد بعد قوله: «ثم عرفها سنة، فإن لم يجد صاحبها كانت وديعةً عندك». هذا هو الأصل في هذه القاعدة.
(8/17)

قال: (يعني إذا علمنا أن المال ملك للغير) هذه مقدمة لا بد منها المال ليس لك المال الذي في يدك ليس لك وإنما هو ملكٌ للغير (ولكن ذلك الغير تعذرت علينا معرفته) وهذا قد يكون لشخصٍ ما عنده دينٌ لزيدٍ، ثم بحث عنه ما وجده، وكم من شخصٍ يشتري من أناس يبيعون عند المساجد ثم يرجع يريد أن يعطيه المال فلا يجده، حينئذٍ المال ملكٌ لغيرك، ثم أردت أن تصل بهذا المال إلى صاحبه فتعذر عليك فماذا تصنع؟ قال: (ولكن ذلك الغير تعذرت علينا معرفته، وأيسنا منه جعلناه كالمعدوم) كأنه غير موجود (ووجب صرف هذا المال بأنفع الأمور لصاحبه) كالصدقة مثلاً أو الوقف أو نحوها (أو إلى أحق الناس بصرفها إليه) يعني: أولى الناس، أولى الناس هنا يأتي كاللقطة مثلاً هو أولى الناس بها، وكذلك الإحياء إحياء الموات أولى الناس به (ويترتب على هذا اللقطة إذا تعذر معرفة صاحبها بعد التعريف المعتبر شرعًا فهي لواجدها) أولى الناس هذا مثال لقوله: (إلى أحق الناس بصرفها إليه) اللقطة قال: (إذا تعذر معرفة صاحبها بعد التعريف) عرفها فإن لم يعرفها لغير عذرٍ قلنا هو ظالم. قال رحمه الله تعالى: (ويترتب على هذا اللقطة إذا تعذر معرفة صاحبها بعد التعريف المعتبر شرعًا فهي لواجدها).
اللقطة قسمان:
لقطة الحرم ومثلها لقطة الحاج في حكمها هذه لا تلتقط إلا لمعرف، فلا يجوز لأحدٍ أن يمتلكها أبدًا. إذًا هذا مستثنى من كلام المصنف، فهذه لا يحل لأحدٍ أن يمتلكها أبدًا، فإذا التقطها يُعرفها ولا يمتلكها، هذا النوع الأول وهي لقطة الحرم.
ثانيًا: غير لقطة الحرم فهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما ليس له قيمةٌ عرفًا، ولا تتشوف النفس للبحث عنه، لا قيمة له، وجد منديل في الشارع، وجد قلمًا، نصف ريال وجده، من هذه الأشياء هذه لا قيمة لها ولا تتشوف النفس للبحث عنها، يعني: لو سقط قلم كان بريال ما يبحث يرجع إلى مكانه ويبحث عنه. قال: (فهذا يجوز أخذه وامتلاكه من حيث التقاطه، إلا إذا وُجد صاحبه وطالب به) كالتمرة ونحوها لحديث أنس في صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد تمرةً فقال: «لولا أني أخشى أنها من الصدقة لأكلتها». فالمانع هو خشية أن تكون من الصدقة، وأما كون اللقطة فليس بمانع هذا النوع الأول.
ثانيًا: لقطة المال التي تتشوف النفس للبحث عنه. فيُعَرَّفُ سنةً، لحديث زيد بن خالد الجهني السابق في الصحيحين: «اعرف وكاءها وعفاصها»، «اعرف عفاصها ووكاءها» يُعَرِّفُها سنة.
ثالثًا: لقطة البهائم. شاه ضائعة، إبل ضائع .. إلى آخره. وهي قسمان:
النوع الأول: بهائم لا تمتنع من كبار السباع غالبًا. يعني ضعيفة لو رآها سبع لأكلها، بهائم لا تمتنع من كبار السباع غالبًا. يعني: ضعيفة كالشاة والجمل الضعيف وصغار الإبل وما كان بمعناها فهذا يؤخذ، النبي - صلى الله عليه وسلم - لم سئل عن الشاة قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب». يعني: إذا ما أخذتها أخذها غيرك، وإذا لم يكن ثَمَّ لا أنت ولا غيرك حينئذٍ الذئب يفرح بها، وحينئذٍ نقول: إما لك أو لأخيك أو للذئب، فينتفع بها وإذا جاء مالكها عَوَّضَهُ، إما مثل بمثل فحينئذٍ نقول: هذا مشابهٌ لها أو مقاربٌ وعلى الجمهور القيمة تلزمه القيمة يعني: كم سعرها.
(8/18)

ثالثًا: ما كان من الدواب التي تحتمي من السباع، كالناقة الصحيحة ونحوها فهذه لا تؤخذ قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما لك ولها معها سقاؤها» .. إلى آخر الحديث. قوله: اللقطة (إذا تعذر معرفة صاحبها بعد التعريف) يعني: فيما يجب فيه التعريف (المعتبر شرعًا) الموافق للعرف الذي ذكرناه في القاعدة السابقة (فهي لواجدها) فهو يملكها، وهذا في اللقطة حكمٌ خاص، وأما إذا لم يُعَرِّفَها فحينئذٍ: فهو مفرط ويده يد ظالمٍ، (لأنه أحق الناس بها). قال: (والمفقود) هذا مثال آخر يعني: صاحب المال المراد بالمفقود هنا صاحب المال. إذا انْتُظِرَ المدة المقدرة له، إما باجتهاد الحاكم إذا كانت حالته تحتاج إلى اجتهاد الحاكم، أو المدة التي يقدرها الفقهاء وهي أكثر ما قيل سبعون سنة، حينئذٍ المفقود إذا فقد وذهب سبعين سنة منذ ولادته طبعًا حينئذٍ ينظر فيه إن لم يرجع بعد هذه المدة حينئذٍ قُسِمَ ماله وفُسِخَ نكاح زوجته ويترتب عليه ما يترتب على الميت. إذًا يعامل معاملة الميت، أو المدة التي يقدرها الفقهاء ومضت ولم يوقف له على خبرٍ قُسِمَ ماله على ورثته الموجودين وقت الحكم بموته، واضح هذا؟ المفقود إذا انتظر المدة المقدرة له إما باجتهاد الحاكم، يعني: نظر الحاكم فإذا به أن حاله ذهب إلا مفازة ولا يمكن أن يبقى أربع سنين فحكم الحاكم بأنه مفقود، يعني: عامله معاملة الميت، فحينئذٍ يفسخ النكاح ويوزع ماله بين الورثة، أو يجلس وينتظر المدة التي ذكرها الفقهاء إن لم يحتج إلى حكم حاكمٍ، وهذه المدة تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، ومن كان بيده ودائع أو رهون أو غُصوب أو أمانة جهل ربها، كل من بيده مالٌ جهل ربها يعني: أما أن يكون غافلاً مثلاً ثم تاب، أخذ مالاً سرقة، أو أخذ أرضًا غصبًا ثم بحث وتاب، وأراد أن يرد هذه الأموال إلا أصحابها فلم يجد، وهذا يسأل عنه كثير من الناس عنده مال لشخصٍ أراد أن يُبَرِّأَ ذمته ماذا يصنع؟ قال هنا: (جهل رَبَّهَا وأيس من معرفته) حينئذٍ ثم أمران:
الأول: (فإن شاء دفعها لولي بيت المال ليصرفها في المصالح النافعة) إن كان تم بيت مال، يعني: يردها إلى ولي الأمر، نقول له: هذا بيت مال المسلمين ضع فيه هذا المال سيصرفها على مصالح المسلمين، لكن كما قلنا: هذا إن وجد بيت المال.
الثاني: - وهو أولى - (وإن شاء تصدق بها عن صاحبها ينوي أنه إذا جاء) (خيّره بين أن يجيز تصرفه، ويكون لصاحبها الثواب كما نواه المتصدق، أو يضمنها إياه، ويعود أجر الثواب لمن باشر الصدقة ونحو ذلك). إذًا إذا جهل رب المال حينئذٍ يتصدق به على نية صاحبه، ويَنْوِي أنه إذا رجع فحينئذٍ يخير، إمّا أن يُمْضِي التصرف فيكون تصرف فضوليًا حينئذٍ يكون الثواب لصاحب المال، وإما أن يضمن، يقول: لا، أنا لا أجيز هذه الصدقة ولا أجيز هذا التصرف وأعطني المال، فيرد إليه المال، والثواب حينئذٍ يكون لمن؟
للمتصدق لنفسه، و (من مات وليس له وارث) من أصحاب الفروض أو العصبات أو من ذوي الأرحام، (ليس له وارث معلوم فميراثه لبيت المال) إن كان ثم بيت مال يصرف في المصالح النافعة، هذا إن لم يكن ثم من ذوي الأرحام، صحيح توريث ذوي الأرحام؟ هو المعتبر وهو مذهب الحنابلة ومقرر في المذهب.
(8/19)

إذًا القاعدة العامة هنا إذا تعذر معرفة من له الحق جُعل صاحب الحق كالمعدوم.
قال رحمه الله تعالى: (القاعدة الحادية والعشرون، الغرر والميسر محرم في المعاوضات والمغالبات).
وهذه تدخل في القاعدة [الضرر يزال] لأن (الغرر) ضرر يجب إزالته (والميسر) ضرر يجب (الغرر والميسر) (الغرر والميسر محرم في المعاوضات والمغالبات) هذه القاعدة أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في القواعد النورانية الفقهية، لكن زاد فيها الظلم، وقال: إن تحريم المعاملات الدائرة بين الناس يعود إلى أمور ثلاثة:
الظلم، والغرر، والميسر.
يعني: كل عقد محرم بين الناس - هذه من الضوابط التي تفيد طالب العلم - كل عقد محرم بين الناس فهو لواحد من هذه الأمور الثلاثة، إما الظلم، وإما الغرر، وإما الميسر. والربا من الظلم لقوله تعالى {فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279] الغرر والميسر، الغرر لغة اسم من التغرير وهو الخطر والْخُدعة وتعريض المرء نفسه أو ماله للهلاك. والغرر اصطلاحًا عرفه القرافي بأنه الذي لا يدرى هل يحصل أم لا. يعني: يتم عقد على شيء ولا تدري هل تحوزه أم لا، هذا غرر. وعرفه السبكي بأنه ما نطوى عليه أمره وخفي عليه عاقبته. وعرفه ابن تيمية بأنه المجهول العاقبة. المجهول العاقبة هو الغرر، والذي لا يدرى هل يحصل أو لا هو الغرر، وما كانت عاقبته خفية ليست ظاهرة فهو غرر. فالتعاريف كلها صحيحة، وهذه التعاريف متقاربة في الغرر أن يدخل المرء في معاملةٍ يجهل عاقبتها، ويكون العقد حينئذٍ دائرًا بين الغُنْم أو الْغُرْم، بمعنى أنه يوجد طرفان إذا غَنِمَ أحدهما غَرِمَ الآخر، يعني: يكون العقد دائرًا بين أن يغنم يستفيد ويكسب أحدهما والآخر لا، أو بالعكس، حينئذٍ إما أن يغنم فيستفيد وإما أن يكون خاسرًا، إما رابحًا وإما خاسرًا، ثم تكون هذه المعاوضات مبنيةً على شيء لا يدرى ما عاقبته، فكل عقد دائر بين هذين الأمرين فهو ميسر. والغرر والميسر متشابهان في النتيجة ومن القواعد الفقهية أنه إذا دار الأمر بين غُنْمٍ وغُرْمٍ فهو ميسر، والفرق بينهما أن الميسر يكون في اللعب والمغالبات، هذا كثير النرد والشطرنج وغيرها، أن الميسر يحون في اللعب والمغالبات، وأما الغرر فيكون في المبايعات. والغرر نوعان:
الأول: غرر مؤثر.
والثاني: غرر غير مؤثر.
يعني: قد يكون في بعض العقود نوع غرر والعقد صحيح فينظر في هذا الغرر هل هو كثير أم أنه معفو عنه، إن كان معفو عنه حينئذٍ لا يمنع صحة العقد وإلا فمنع. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: والغرر إذا كان يسيرًا أو لا يمكن الاحتراز منه لم يكن مانعًا من صحة العقد بخلاف الكثير الذي لا يمكن الاحتراز منه. قال البادي: الغرر الكثير هو ما غلب على العقد حتى أصبح العقد يوصف به. وهذا هو الشرط الأول في الغرر المؤثر. يعني: ألا يكون يسيرًا. والغرر مراد به الجهال كما عرفنا.
(8/20)

والشرط الثاني: أن يكون الغرر في المعقود عليه أصالةً. يعني: السلعة المبيعة مجهولةٌ، وأما إذا كان الغرر تبعًا لهذه السلعة المعلومة حينئذٍ هذا معفوٌ عنه، فبيع الحمل ما حكمه؟ غرر حرام لا يجوز، غرر يعني مجهول، هل يخرج حيًا أو لا .. إلى آخره. إذًا وقع العقد على الحمل، لكن الشاة الحامل يجوز. طيب والحمل هذا يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلال لأنه وإن كان غررًا إلا أنه ليس أصالة، والكلام الذي يعتبر فيه الغرر مفسدًا للعقد إذا كان محل العقد سلعة غير معلوم أصالة. إذًا الشرط الثاني أن يكون الغرر في المعقود عليه أصالة، أما إذا كان الغرر تابعًا للمعقود عليه فإنه لا يؤثر في العقد، ومن القواعد المشهورة يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها، بل لا يكون شيء يُشترى ويباع إلا فيه شيء من الغرر من الجهالة، تشتري بيتًا ولم تر الأساس، هذا مجهول أم لا؟ يعتبر من لمجهولات.
الشرط الثالث: ألا تدعو للعقد حاجة. قال النووي: مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده أنه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، أو كان الغرر حقيرًا جاز البيع وإلا فلا، يعني: إذا كان اضطرارٌ إلا الغرر لا يعتبر مانعًا من صحة العقد.
(8/21)

الشرط الرابع: أن يكون الغرر في عقدٍ من عقود المعاوضات المالية. أما عقود التبرعات والاشتراكات فلا يؤثر فيها الغرر. يعني: قلت لصاحبك خذ هذا الحمل أن ولد هدية لك. يجوز أو لا؟ يحوز، لأنه ليس معاوضة، هدية، إن خرج حيًّا فيها ونعمة خرج ميتًا لا إشكال، لم يغنم ولم يغرم إذا خرج ميتًا، حينئذٍ في [المعاوضات لا بأس به] (1) في التبرعات أما المعاوضات فلا. إذًا أن يكون الغرر في عقد من عقود المعاوضات المالية، أما عقود التبرعات والاشتراكات فلا يؤثر فيها الغرر، دل على ذلك أن النهي جاء في الحديث بصيغة بيع الغرر (نهى عن بيع الغرر) فدل على أن العقود المرادة هي عقود المعاوضات، فيختص بالمبايعات وما عداها على الأصل وهو الْحِلّ. الحاصل أن الغرر كل شيء يكون فيه جهالة ويكون في البيع وفي غيره، والميسر كل شيء فيه قمار كالنرد والشطرنج وماذا؟ والمعاوضات. نعم سيأتي هذا بحثه معروف أن ما يحرم بالإجماع وهو أنواع إلى آخره. قال هنا رحمه الله تعالى: (الغرر) يعني الجهالة (والميسر) وهو ما دار بين الغنم والغرم (محرم في المعاوضات والمغالبات وقد قرن الله الميسر للخمر) أي: سورة المائدة أين الآية {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90] حينئذٍ قرن الله الميسر بالخمر، بل بأشد من الخمر وهو الأنصاب عبادة الأصنام يعني: وهذا أشد من الخمر، (للمفاسد التي يشترك فيها الخمر والميسر لأنه يوقع العداوة والبغضاء ولأنه أخذ لحقٍ بغير حق، ويصد عن ذكر اللهِ وعن الصلاة) ذكر الله طاعة الله ومنها الصلاة، وعن الصلاة من عطف الخاص على العام (ويوقع العبد في المكاسب الدنيئة) السافلة، فالسارق عمله دنيء، كذلك الذي يأكل أموال الناس بالميسر عمله دنيء. ثم قال رحمه الله تعالى: (وقد نهى صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الغرر) حديث أبي هريرة عند مسلم، وبيع الغرر الذي لا تعلم عاقبته كما مر (فيدخل فيه بيع الآبق) يعني: العبد ... (والشارد، والحمل في البطن) يعني: بيع العبد قال: أبيعك هذا العبد أين هو فر من يومين، كيف يشتري هذا؟ أين محل العقد؟ هذا لا يصح بيعه لأنه قد يبيع وينتهي ويسلم الثمن ولا يجد العبد، (والشارد) يعني: الإبل الشارد الذي لا يكون في حوزته، أو الطير الذي يطير قد بعتك هذا الطير أين هو؟ طائر (والحمل في البطن) هذا واضح (والمجهولات التي يجهل) هل تحصل أم لا؟ هل توجد أم لا؟ كالحمل في البطن (أو يجهل مقدارها) كبيع ثمر الشجر قبل وجوده، وهذا لا يجوز أو صفاتها ... (وكلها داخلة في الميسر) ووجه دخولها أن المتعاملين بين غانمٍ وغارمٍ، لأنه من المعلوم أن الحمل في البطن لو بيع فقد يكون ذكرًا وقد يكون أنثى، وقد يكون واحدًا وقد يكون متعدِّدًا، وقد يخرج حيًا وقد يخرج ميتًا، ومثل هذا لا يباع بثمن، لأنه قد يخرج اثنين باعه بعشرة يظن أنه قد لا يخرج حيًا فظاهر اثنين وثلاثة، خسر أو لا؟ خَسِر قطعًا، أو باعه بعشرة فخرج ميتًا؟ خسر المشتري.
__________
(1) سبق مستدرك وتصويبه في التبرعات لا بأس به.
(8/22)

إذًا جهالته واضحة بينة (ومن هذا الغرر في المشاركات والمساقاة والمزارعة بأن يقول أحدهما للآخر: لك ربح أحد السفرتين) وهذا لا يجوز يعني: لك ربح السفرة الأولى ولي ربح الثانية هذا حرام، لأنه قد يربح في الأولى ولا يربح في الثانية، حينئذٍ هو غانم لا خاسر (أو أحد السلعتين) يقول لك زرع الشعير ولي البر هذا محرم، لأنه قد ينبت هذا ولا يكون كذلك (أو أحد الوقتين) فيقول له مثلاً: لك ربح شهرٍ محرم ولي ربح شهر صفر، هذا لا يجوز، كل من الميسر، (أو أحد الوقتين ولي الآخر، أو يقول لك: هذا الجانب من الشجر أو الزرع ولي الجانب الآخر. فكل هذا داخل في الغرر والميسر)، لأنه جهالة، ولا تُدرى عاقبته، وهل يحصل أو لا؟ وهل يولد أو لا؟ وهل يسلم أم لا؟ كلها أسئلة لا جواب عنها فيحرم البيع من أصله. (ومن ذلك تأجيل الديون إلى آجال مجهولة) يعني من الميسر (تأجيل الديون إلى آجال مجهولة) ليس المراد عدم ذكر الأجل، لأن عدم ذكر الأجل جائز، أعطني مالاً دينًا إلا أن يُوَسِّعَ الله، جائز أم لا؟ جائز. هنا لم يذكر أجل إذا قال: أعطني مالاً إلى سنة أو إلى شهر رمضان القادم حينئذٍ نقول: هذا جائز لا بأس به، لأنه لأجل معلوم. لو قال: أعطني مالاً وحدد أجلا لكنه مجهولاً. أعطني مالاً متى؟ أرده إذا قدم زيد من سفره ولا يدي متى يأتي زيد. أو قال: إذا كسفت الشمس ولا يدري متى تكسف الشمس، حينئذٍ نقول: علقه بأجل نعم لكنه مجهول، وهذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه من الميسر، ومن هذا (تأجيل الديون إلى آجال مجهولة) ليس المراد عدم ذكر الأجل لأن عدم ذكر الأجل في الدين جائز، الديون على نوعين:
دين بأجل.
(8/23)

دين بغير أجل إلى سعة. والأجل وقت معلوم قد لا يكون معلومًا، ولذلك قال تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] نعم. قال هنا: (وأما الميسر في المغالبات: فكل مغالبة فيها عوض من الطرفين فهي من الميسر كالنرد) نوع من اللعب (والشطرنج) وهو محرمٌ مطلقًا (والمغالبات القولية والفعلية). القولية كالشعر مثلاً، المثل المغالبة بين اثنين، حينئذٍ يكون من الميسر إذا كان بينهما مال، والفعلية كالجري على الأقدام هذا من المغالبة لكنه في تفصيل كما سيأتي. إذًا الميسر في المغالبات فكل مغالبة فيها عوض من الطرفين ولو مما أذن فيه الشارع، كما سيأتي استثناؤه المسابقة على الخيل والإبل والسهام، هذه تجوز، لكن بشرط ألا يكون العوض من الطرفين، فإن كان من الطرفين حينئذٍ دخل في الميسر. فقوله: (كل مغالبة فيها عوض من الطرفين) حتى ولو كانت من المعاوضات الجائزة لأن الغرض صار طلب المال، والأصل أن يكون طلب الدين، كالنرد والشطرنج والمغالبات القولية والفعلية (ويستثنى من هذا: المسابقة على الخيل أو الإبل أو السهام، فإنها مستحبة لما فيها من الإعانة على الجهاد في سبيل الله) ومر معنا في القاعدة الأولى، أول القواعد استثناء هذا النوع، ولا يشترط لها محلل على القول الصحيح، المحلل يعني دخول طرفٍ ثالث هو الذي يكون بيده المال أو الذي يدفع المال، هذا لا يشترط على الصحيح، لأن بعض العلماء قالوا: إذا تسابق اثنان على فرسين مثلاً فلا بد أن يكون هناك محللٌ وهو ثالث يساوي فرسه فرسيهما، وهذا المحلل إن سبق أخذ العوضين من هذا ومن هذا، وإن سُبِقَ فليس عليه شيء، وقالوا: إن هذا المحلل من أجل أن تخرج هذه المسابقة عن شبهة القمار. لكن ليس عليه دليل، الصواب أنه لا يُشترط في المحلل (والمغالبات ثلاثة أقسام:
الأول: مغالباتٌ تجوز بعوض وبغير عوض. تعرفون العوض؟ مغلباتٌ تجوز بعوض وبغير عوض، وهذه محصورة في الشرع في ثلاثة أشياء، كما جاء في الحديث: «لا سبق إلا في خفٍ أو حافرٍ أو نصلٍ». خف الإبل، حافر الخيل، والنصل السلاح كالسهام وغيرها، ويدخل فيها ما كان صناعاته حديثة كالمسابقة بالطائرات ونحو ذلك كله جائز، السفن الحربية وغيرها كل ذلك جائز، لأنه يقوم مقام ما ذُكِر، يعني المراد ما يكون وسيلةً في الجهاد، سواء كان وسيلة قديمة كالإبل ونحوها، أو كان وسيلة حديثة، فالمسابقة بعوض وبغير عوض على هذه المذكورات لا بأس بها. إذًا مغالبات تجوز بعوض وبغير عوض، وهذه محصورة في الشرع فيما ذُكِر «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل». أي: لا يكون مغالبة بمال إلا في هذه الثلاثة أشياء، ولهذا النوع شروط:
(8/24)

الأول: أن يكون في هذه الأشياء الثلاثة فقط وما عداها فلا، لكن بعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وابن القيم وعليه فتوى عند أهل العلم الآن أنه يجوز المسابقة في الأمور العلمية، لأنها من نوع الجهاد، كأن يقال من حفظ المتن كذا فله كذا، أو سؤال يُسأل في شرعيات فيجاب فله كذا. نقول: هذا عوض ولو كان عود أراك هذا يعتبر عوضًا لا بد من دليل على جوازه، حينئذٍ لما كان العلم نوعًا من نوعي الجهاد هو لا شك أنه جهاد باللسان وهذا يُقَوِّمُه كما أن الشأن في المسابقة الخيل تقوم الجهاد قالوا: هذا جائز مثله. إذًا يلحق بالسبق بالخف والحافر والنصل ما كان من المسائل العلمية.
الثاني: أن يكون في ما ليس فيه ضرر.
ثالثًا: ليس فيه معنى الميسر، بأن يكون دفع المال إما من الحاكم، وإما من الرجل المغلوب فلا يكون من المتسابقين وإلا كان من الميسر، ولا يكون من أحد المتسابقين لأنه نوع من الميسر. إذًا لا يدفع واحد من المتسابقين على الخيل أو الإبل أو الأسلحة ونحوها لا يدفع واحد منهما إلا إذا جعل على المغلوب، وأما عليهما ابتداءً فلا، أو يكون من خارج كالحاكم ونحوه، هذا النوع الأول، مغالبات تجوز بعوض وبغير عوض.
الثاني: مغالبات تجوز بغير عوضٍ فقط وأما بعوض فلا. وهو ما كان في نفع في دنيا وقد يكون فيه نفع في الدين لكنه تبع لا استقلالاً كالمصارعة. المصارعة التي هي مصارعة ليست عهد الذهن هذا غير مراد، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صارع ركانة يعني: يغلبه تماسكان من يسقط الثاني من يطرح هذا المراد، ليس الموجود الآن، وبالأقدام وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصحابة كذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - سابق عائشة رضي الله تعالى عنها لكن بدون عوض، فهذه تجوز لكن بغير عوض، فلو جعل عوضٌ على مسابقة الأقدام فلا يجوز، ولو جعل عوض على مسابقة المصارعات فلا يجوز.
الثالث: مغالبات لا تجوز مطلقًا لا بعوض ولا بغير عوض مثل الشطرنج والنرد وما كان بمعناه أوراق الآن تسمى الأونو، على كلٍّ هذه لا تجوز لا بعوض ولا بغير عوض، فكل مُلْهٍ حينئذٍ يكون ماذا؟ يكون محرمًا مطلقًا سواء بعوض ولا غير عوض، وهذا ما يكون في ما لا نفع فيه في الدين ولا في الدنيا. هنا يقول الشيخ رحمه الله تعالى: في المسابقات .. من ذكرها قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ما الضابط في المسابقات الجائزة قال: بأنها ما لا يكون فيها لهوٌ. هي هنا مسألة. قال الشيخ رحمه الله تعالى: هل هناك ضابط للألعاب الجائزة من المحرمة؟
الجواب: ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ضابطًا للألعاب الجائزة من المحرمة فقال: كل ما ألهى كثيرًا وأشغل الإنسان عن مهماته فهو حرام. أنت ما خلقت إلا من أجل تحقيق العبادة، هذا الأصل في الإنسان، ما خلق للعب، ما خلق للهو، ما خلق لأن يعمر أوقاته بما لا يقربه إلى الله تعالى، حينئذٍ كل ما ألهاه وصرفه عن مهمته الأصلية وهي تحقيق العبادة فهو محرمٌ، وأما العوض أو لا فهذا على ما سبق ذكره. والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(8/25)

عناصر الدرس
* شرح القاعدة الثانية والثالثة والعشرون " الصلح جائز بين المسلمين ... ".
* شرح القاعدة الرابعة والعشرون " من سبق إلى المباحات فهو أحق بها من غيره ".

أسئلة:
هذا يقول: إذا قتل رجلاً كان قد أوصى له بلا علم منه يعني: قتل شخصًا ثم تبين أنه قد أوصى له تبطل الوصية أم لا؟
نعم العبرة بما في نفس الأمر، يعني: هذا كما لو تصرف المتصرف في مال باع مال أبيه بناءً على أنه ماذا؟ على أنه لا يملكه وليس له وكالة، ثم تبين أنه ورثه صح البيع، لو كان وكيلاً تصرف باع واشترى ثم تبين أنه في حال عقده قد نقض الوكالة لم يصح البيع، إذًا العبرة بالشيء بما في نفسه الأمر، وسيأتي القاعدة عندنا القاعدة في هذه المسألة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(القاعدة الثانية والثالثة والعشرون - جمع بين القاعدتين لأنهما حديث واحد -: الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرم حلالاً)، هذه القاعدة الثانية.
والثالثة والعشرون (المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا، أو حرم حلالاً) إذًا الصلح جائز ما لم يكن مخالفًا للشرع، والاشتراط بين المسلمين من عقود وغيرها جائز ما لم يخالف الشرع.
إذًا الأصل في الشروع الحل إلا إذا خالفت الشرع.
قال النووي رحمه الله تعالى: الصلح والإصلاح والمصالحة قطع المنازعة. قال: (الصلح جائز). ما المراد بالصلح؟ قطع المنازعة، وهو خلاف الفساد حينئذٍ الصلح قطع النزاع، وهو عقد يحصل به قطع النزاع بين المتخاصمين. إذًا هو نوع من أنواع العقود، عقد يحصل به قطع النزاع بين المتخاصمين وله أنواع كثيرة، ويتعلق بجميع الحقوق المالية وغيرها، يتعلق الصلح بجميع الحقوق المالية وغيرها. قال تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} ... [النساء: 128]. هذا أصل عام دال على هذه القاعدة {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} قال ابن عطية في تفسيره: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} لفظ مطلق سيأتينا قاعدة مهمة جدًا وهي: أن اللفظ المطلق في الكتاب والسنة يجب أن يبقى على إطلاقه فلا يقيد، لأن التقييد يعتبر من قبيل التحكم، التّحكم في مورد الشرعي. قال: لفظ مطلق يقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويدور به الخلاف خير على الإطلاق ويندرج تحتها هذا العموم أن صلح الزوجين على ما ذكرنا خير من الفرقة، لأن الآية جاءت في سياق ماذا؟ الصلح بين الزوجين لكن هل المراد هنا {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} يعني: بين الزوجين فقط أم أنه أعم؟ نقول: المراد به العموم.
(9/1)

قال رحمه الله تعالى: (هذان الأصلان هما لفظ الحديث الذي صححه غير واحد من الأئمة). ولفظه: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالاً أو أحل حرامًا، والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالاً أو أحل حرامًا». رواه أهل السنن إلا النسائي، وأخرجه الترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه أبو داود من حديث أبو هريرة رضي الله تعالى عنه بجملته الأولى الصلح فقط، وقد علقه البخاري في صحيحه مجزومًا به في كتاب الإجارة، وصححه كذلك البيهقي بشواهده، وحسنه الألباني في الإرواء. إذًا حديث ثابت حديث الذي هو أصل هذه القاعدة ثابت (هما لفظ الحديث الذي صححه غير واحد من الأئمة وما أعظم نفعهما، وأكثر فوائدهما) هذان الأصلان ما أعظم نفعهما هذا يتعجب، ما تعجبية هنا (وما أعظم نفعهما، وأكثر فوائدهما، فهذا الأصل يدل على أن جميع أنواع الصلح الجارية بين الناس جائزة) الأصل، هذا هو الأصل، جائزة يعني: نافذة. الصلح جائز بين المسلمين يعني: نافذ، وإذا كان نافذًا معناه أنه جائز من قبيل الجواز الذي هو مرادف للمباح، الجائز والمباح مترادفان بمعنى واحد، يعني: ما استوى فعله وتركه، المباح ما استوى فيه فعله وتركه، والجائز ما استوى فيه الفعل والترك، إن كان الجائز قد يحمل على العموم. إذًا الصلح جائز بين الناس مطلقًا بمعنى أنه نافذ وليس المراد به أنه مباح فحسب لأنه قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبًا وقد يكون ماذا؟ مباحًا بمعنى الإباحة، فحينئذٍ يندرج تحت مطلق الأمر الشامل الواجب والمستحب.
إذًا الصلح جائز بمعنى نافذ قد يكون واجبًا قال: (فهذا الأصل يدل على أن جميع أنواع الصلح الجارية بين الناس جائزة، ما لم تدخلهم في حرام أو تخرجهم من واجب) يعني: ما لم يقع فيها مخالفة للشرعية. ما لم تخالف الشرع فكل صلح جائز إلا صلحًا خالف الشرع، ومخالفة الشرع إما في ارتكاب محرم أو في ترك واجب، هنا تحصل المخالفة، أما في مخالفة المستحب هذا أمره هين فقد يكون الصلح مقدمًا أو في وقوع في مكروه حينئذٍ الأمر هين، وإنما المراد هنا أن يوقع في ترك واجب أو فعل محرم، يعني: لو كان الصلح لا يتم بين اثنين إلا بتسليم رشوة مثلاً اصطلحا وقال: نعم على أن تدفع. ثم نظرنا فإذا به هذا المال إنما هو رشوة يجوز أو لا يجوز الصلح؟ لا يجوز، لماذا؟ لأنه خالف الشرع وإذا وجد فيه ما لم يخالف الشرع حينئذٍ لا يصح الصلح. إذًا (ما لم تدخلهم في حرام) أي: نوع من أنواع الحرام، كدفع رشوة أو هدايا العمال أو نحو ذلك، (أو تخرجهم من واجب) كما لو اختلف شخصان عامل عند من يعمل عنده لخروجه للمسجد أو للصلاة كل صلاة في وقتها فحينئذٍ دخل مصلح فأصلح بينهما على أن يجمع بين الصلاتين قدم العصر مع الظهر ولا أدري هل الظهر أيضًا مع الفجر أو لا!
حينئذٍ نقول: هذا صلح باطل لأنه ترتب عليه ترك واجب، وهو فعل الصلاة في وقتها. قال رحمه الله تعالى: (فيصح الصلح مع الإقرار بالحق ومع إنكاره بجنس المدعى به أو بغير جنسه حاضرًا أو مؤجلاً). الصلح نوعان:
صلح مع الإقرار.
الثاني: الصلح مع الإنكار.
(9/2)

صلح مع الإقرار يدَّعي بأن هذه السلعة التي في يدك ملك لي، وهذا الكتاب لي. تقول: نعم لك. تقر لكن أصالحك أنا أعطيك عشرة ريال. نقول: هذا صلح مع إقرار. نقول: هذا الكتاب الذي في يدك لي. تقول: لا. أنكرت. تعالى نصطلح أعطيك عشر ريال تسكت، فحينئذٍ نقول: هذا صلح مع إنكار. إذًا حصل الفرق، يدَّعي مدعي بأن هذه اليد التي بأن هذه السلعة التي في يدك هي لي، ثم أنت الذي السلعة في يدك إما أن تقر وإما أن تنكر، إن أقررت فاصطلحنا فهو صلح إقرار، وإن أنكرت واصطلحنا فهو صلح إنكار، واضح هذا؟
إذًا الصلح النوعان: صلح مع الإقرار، وصلح مع الإنكار.
قال: (الصلح مع الإقرار بالحق ومع إنكاره جائز). جائز، الصلح مع الإقرار جائز عند الجميع لأن من ادَّعى عليه أو ادُّعي عليه مقر بذلك، قلت لك: الكتاب هذا لي. أنت أقررت قلت: نعم. أنت مدَّعَى عليك بأن الكتاب هذا ليس لك تقول: نعم، تعترف، وهو جائز سواء جرى بلفظ الصلح أو بغيره على الصحيح.
والنوع الثاني الذي هو صلح مع الإنكار بأن ينكر أن يقول الشخص الذي بيده مثلاً كتاب: هذه لي. يقول: ليست لك. وتعالى نصطلح فيصطلحون على مال حينئذٍ نقول: هذا صلح مع إنكار وهو جائز على الصحيح، فيه خلاف، لكن الصحيح أنه جائز. قال: (بجنس الْمُدَّعَى به أو بغير جنسه). يعني: قد يصطلحان بجنس ما ادُّعِي أنه له، قلت لك: هذا الكتاب لي. فصالحتني على مالٍ هذا المال من غير جنس الكتاب أو تصطلح معي على كتاب آخر بجنسه أو بغير جنسه كما لو لم تدفع كتابًا، واضح، حينئذٍ إذا أردنا الصلح فأقر لا بد أن يدفع من ادُّعِيَ عليه شيئًا على المدعي أو شيئًا للمدعي من أجل أن يصطلح معه، يقول له: هذه الأرض التي بيدك هي لي. فيقول: نعم هي لك لكن أريد أن أصالحك. كيف نصطلح؟ اتفقا على أن يعطيه أرضًا أخرى، إذًا اصطلحا على شيء من جنس المدَّعَى عليه أو لا؟ من جنسه لأنه ادَّعَى أرضًا فأعطاه أرضًا أخرى قال له: نعم هذه الأرض لك لكن أعطيك هذا العقار البيت. اصطلح معه على شيء من غير جنس المدعى عليه حاضرًا كان أو مؤجلاً، خذ الآن أو بعد سنة، كان المتفق عليه الذي أجري في عقد الصلح قد يكون حاضرًا الآن استلم، أو يكون مؤجلاً بعد شهر بعد شهرين سواء كان مالاً أو كتابًا أو أرضًا، إذًا بجنس المدعى به بأن صالحه على أرض أخرى مثل التي بيده، أو بغير جنسه كذهب أو عقار آخر غير الأرض، حاضرًا يعني: كان المصطلح عليه متفق عليه أو مؤجلاً بعد شهر أو شهرين، واضح هذه الجملة. إذًا يصح الصلح مع الإقرار بالحق ومع إنكاره، يصح بجنس المدعى هذا بجنس متعلق بقوله جار ومجرور كيف نفهما هذه الجملة تحتاج، كيف نركبها؟

ما هي عندكم. طيب معذورون، فيصح الصلح مع الإقرار بالحق ومع إنكاره بجنس، يصح بجنس المدعى به أو بغير جنسه حاضرًا أو مؤجلاً.
(9/3)

ثم قال رحمه الله تعالى: (وكذلك الصلح عن الحقوق الثابتة ليسقطها من هي له) يعني: الصلح قد يكون عن أعيان كما سبق فيما مضى، وكذلك عن الحقوق الثابتة كخيار البيع أو الغبن أو التدليس أو حق الشفعة أو خيار الشرط هذه حقوق ليست بأشياء عينية، وإنما حقوق تثبت في الذمة يصح المصالحة عليها فيسقطها، قال: (وكذلك الصلح عن الحقوق الثابتة ليسقطها من هي له)، مثل ماذا؟ كخيار عيب، مثاله: إنسان اشترى سلعة ووجد بها عيبًا فذهب إلى صاحبها وقال: إني وجدت فيها عيبًا. قال البائع: نتصالح أعطيك مال في مقابل هذا العيب ولا ترد السلعة. حينئذٍ أسقط ماذا؟ أسقط حق الخيار، الأصل للمشتري أن يرد السلعة، قال: لا، لا ترد، خلِّي السلعة عندك وأنا أزيدك شيء من المال فحينئذٍ أُسقط خيار العيب واضح هذا؟ (أو غبن، أو تدليس أو غيرها إذا اكتشف غبنًا في المال أو تدليسًا في السلعة ونحوها) كالسابق، (وكذلك على الصحيح حق الشفعة)، حق الشفعة قد يتصالحا على إسقاطه مثلاً قال هنا الشيخ: (إذا وجبت الشفعة لشخص فصالحه المشتري على إسقاطها بعوض فلا بأس) تشترك في أرض باع زيد لعمرو حينئذٍ أنا جار له في الأرض لي حق الشفعة، يأتي عمرو إلي من أجل أن أسقط حقي في المطالبة بالجزء الذي باعه ليكون ملكًا لي فيعطيني مالاً نتصالح عليه، هذا نقول: جائز لا بأس به. ... (وخيار الشرط كذلك) اشترى بيتًا بعشرة آلاف على أن لي الخيار ثلاثة أيام وهذا لا شك أنه يهدد البائع، إذا قال: اشتري هذا البيت بعشرة آلاف ولي ثلاثة أيام أفكر. حينئذٍ يحتمل أنه يأتي اليوم الثاني يقول: خذ بيتك وهات مالي. هذا خطر يأتي البائع بحذاقته يقول: أسقط حق الخيار أعطك المال. يعني: إذا كان الثمن عشرة آلاف أزيدك ألفين وأنت تسقط هذا الحق سواء فوافق ورضي. حينئذٍ نقول: الصلح جائز وخيار الشرط لعموم هذا الحديث.
(9/4)

إذًا الحقوق الثابتة مطلقًا تجوز المصالحة عليها بعوض ولا إشكال فيه، والدليل على ذلك لعموم هذا الحديث «الصلح جائز». الصلح أل هنا تفيد العموم، فكل نوع من أنواع الصلح بين الناس فيما تعارفوا عليه فهو جائز نافذ، أيضًا ولعدم المحظور الشرعي إذا تراضيا ولم يكن ثَمَّ ميسر ولم يكن ثَمَّ قمار ولم يكن ثَمَّ غشش ونحو ذلك حينئذٍ نقول: (ولعدم المحذور الشرعي) فالأصل المعاملات الحل والإباحة وهذه معاملة لأنه انتقل من عقد إلى عقد، انتبه، يعني: عندما يتصالح معه هو ينشأ عقدًا ثانيًا غير العقد السابق، والأصل في العقود الإباحة والحل، ولذلك قال: (ولعدم المحذور الشرعي) لحصول الإسقاط برضا الطرفين. قال: (وكذا لو صالحه عن دم العمد في النفس) الأصل أن القاتل عمدًا يُقتل قصاصًا لكن جاء وصالح أهل الأولياء أو أولياء المقتول حينئذٍ لم يعفوا وأرادوا المطالبة بالدية أضعاف مضاعفة مرتين أو ثلاثة أو سبعة من أجل ماذا؟ أن يرفعوا عنه حكم القصاص، إما أن تدفع الدية مضاعفةً، أصل الدية مائة إبل، مائة من الإبل هذا الأصل، فحينئذٍ يعدلون عن القصاص إلى المصالحة على مضاعفة الدية، أما الدية فهي حكم شرعي جاء بها لكن هنا الكلام في ماذا؟ أنهم يعفون من أجل مضاعفة الدية مرة أو مرتين أو ثلاثًا، نقول: هذه مصالحة جائزة ولا بأس بها، ولو سبع أضعاف الدية لا بأس بها لعموم النصوص، (لو صالحه عن دم العمد في النفس) نقول: الأصل أن القاتل عمدًا يقتل إلا أن يعفوا أولياء المقتول فإن لم يعفوا أولياء المقتول واصطلحوا على أن يدفعوا الدية مرتين أو أكثر جاز. قال: (في النفس). هذا واضح (وما دونها) أي: من الأعضاء. كما لو اعتدى على عين زيد، والعين بالعين قالوا: نصطلح معك على مال كذا. نقول: لا بأس به. (وما دونها) يعني: وما دون النفس من الأعضاء كقطع يده ونحوها (فهو جائز) قال: (وكذلك لو صالحه عن المجهول من الديون والحقوق بشيء معلوم جاز). شريكان بينهما ديون متداخلة لا يدري أحدهما كم للآخر، فإبراءً للذمة قال: تعالى نصطلح أعطيك كذا وتعطيني كذا جاز أم لا؟ جاز، والديون مجهولة بمعنى أنها متداخلة لا يدري كم له وكم عليه، وحينئذٍ نقول: المصالحة هنا بإعطائه أو إسقاط شيء من الدين جائزةً، ولذلك قال: (وكذلك لو صالحه عن المجهول من الديون). انتبه (والحقوق بشيء معلوم جاز). قال الشيخ هنا: (تكون بين اثنين معاملة طويلة فيها ديون مجهولة متداخلة فيجلسان ويتفقان على شيء معلوم يبرئ أحدهما الآخر فهذا جائز). قال رحمه الله تعالى: (ومن هذا مصالحة أحد الزوجين الآخر عن بعض الحقوق الزوجية). الزوجية منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، فللزوج على زوجته حقوق وللزوج [نعم] فللزوج على زوجته حقوق وللزوجة على زوجها حقوق، قد يحصل تقصير لكن يصطلحا حينئذٍ نقول: الصلح جائز. بل الآية جاءت في سياق ({وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}) فيما يكون بين الزوجين لكن هنا قال: (ومن هذا مصالحة أحد الزوجين الآخر عن بعض الحقوق الزوجية).
(9/5)

الماضية كالمهر مثلاً، أو المستقبلة كالعشرة والمبيت هذه مستقبلة، ومثل ذلك يعني: وهذا من المستقبل أراد أن يمثل أن ترى الزوجة عدم رغبته فيها فتسقط عنه بعض حقوقها ليُمسكها، قد يكون متعدد وعنده ثانية، وشعرت المرأة أنه يريد أن يفرط فيها يسرحها فأرادت أن تبقى فتنازلت عن بعض حقوقها من النفقة أو من المبيت أو نحو ذلك جاز أم لا؟ جاز، بل جاء النص في ذلك، ومن ذلك قصة سودة بنت زمعة رضي الله عنها فإنها وهبت يومها لعائشة رضي الله تعالى عنها من أجل أن تبقى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان يُقْسِمُ لعائشة يَقْسِمُ لعائشة يومها ويوم سودة، ولا يقسم لسودة رضي الله عنها شيء لأنها تنازلت أسقطت حقها. إذًا: ومثل ذلك: (أن ترى عدم رغبته فيها فتسقط عنه بعض حقوقها ليمسكها كما قال تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [سورة النساء: 128]) ... {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا} يعني: علمت {مِن بَعْلِهَا} يعني: زوجها {نُشُوزاً} أي: بغضًا {أَوْ إِعْرَاضاً} قال البغوي بوجهه عنها وقلت مجالستها {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا} على الزوج والمرأة {أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً} يعني: في القسمة والنفقة {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} والعبرة لعموم اللفظ.
(9/6)

قال رحمه الله تعالى: (وكذلك الصلح عند جميع المنازعات والمشاجرات بين الناس والتجاحد للحقوق فهو خيرٌ ومصلحته عظيمة) وكذلك على الصحيح فيه خلاف (عن الدين المؤجل ببعضه حالاً)، أخذت منك ألفًا فقال: أعطني ثماني مائة وأسقط المائتين الآن، أعطني النصف وأسقط عنك الباقي. يجوز أم لا؟ نقول: يجوز هذا جائز على الصحيح وليس بربا، (عن الدين المؤجل ببعضه حالاً) اصطلحا عن الدين يعني: ينقص منه بأن يدفع حالاًّ يعني: ادفع لي وأنقص لك منه قدر كذا. نقول: هذا جائزٌ، وليس هذا من الربا، وقد صح في هذا الحديث وقد بوب البخاري: باب الصلح بالدين والعين. إشارة منه إلى أن الصلح بالدين ليس فيه معنى الربا، وجاء في ذلك حديث كعب بن مالك لما اختصم مع الرجل اليدن اختصما في الدين في المسجد عند حجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فسمعهما النبي عليه الصلاة والسلام يختصمان فكشف الستار فأشار إلى كعب بن مالك أن ضع الشطر، النصف يعني هكذا أشار له هكذا، ضع الشطر. إذًا: هو صاحب دين وأمره بأن يضع الشطر وأن يسدد ذلك حالاً. إذًا: جاءت السنة بذلك وليس من الربا قال: فعلت يا رسول الله. فقال للرجل: «اقضه». يعني: حالاً الآن يعني: اقض مع الإسقاط على أن تسدد الآن وهذا صلحٌ شاهدٌ للمسألة، وأما القول بأنه لا يجوز بأنه ربا هذا ليس بصحيح، لماذا؟ لأن كلاً من الطالب والمطلوب قد انتفعا بخلاف الربا، الربَا ظلم، إنما هو من جهةٍ واحدة أصلاً لا نحتاج إلى هذا التعليل وإنما نقول: ما دام أن الحديث صح وثبت ودلالته واضحة فنكتفي به، لكن مع ذلك نقول: الربا ظلمٌ وهنا ليس فيه ظلم. هذا أخذ ثمان مائة ثلاثة أرباع المال وأسقط عن المعسر، حينئذٍ نقول: هذا من الصلح الذي جاءت به أو جاء به الكتاب، (وهذه وأشباهها من الصلح الجائز) وإذا تم الصلح وانعقد فليس لأحدهما أن يرجع عنه، لأنه لو رجع لم يكن للصلح الفائدة، ولذلك قلنا: انتبه هو عقدٌ جديد عندما يصطلح، ويصلح معك على كذا حينئذٍ أنشأ عقدًا جديدًا فإذا تمَّ بالقبول حينئذٍ تم العقد ونفذ وليس له الرجوع.
(9/7)

قال رحمه الله تعالى: (ومثال الصلح الذي لا يجوز) الصلح جائز ما لم يحل الحرام ويحرم الحلال قال مثل ماذا؟ (كأن يصالح من يقر له أنه عبده، أو أنها زوجته وهو كاذب) كيف هذا يصالح من، عبدًا يدعي أنه عبدٌ له وهو لمالكٍ آخر لكنه يكذب يقول له: أنت عبدي. يقول: نعم أنا عبدك. إذًا: نتفق على ماذا؟ نتفق على كلام ما، هذا صلحٌ باطل لا يصح، لماذا؟ لأنه فيه إذهاب وإسقاط حقوق الآخرين، لأن هذا عبدٌ ملكٌ للآخر لسيده حينئذٍ: كونه يدَّعِي أنه عبدٌ لك نقول: هذا كذب، وإذا كان كذلك فحينئذٍ ما بُني على الكذب لا ينبغي أن يُعول عليه. أو أنها زوجته، وهي ليست زوجته إما أنها غير مزوجة أو إنه زوجٌ لآخر (وهو كاذب، فهو تواطؤ على حرام ففيه إضاعة الحقوق، وهي من تحريم الحلال وتحليل الحرام). إذًا: إذا صالح من يقر له أنه كذا وهو كاذبٌ لا يصح لأنه كذبٌ (أو يصالح صاحب الحق الذي يجهل مقداره، والمدين الآخذ) يعني: المدعى (عالم به فيصالحه على ما يجحف بصاحب الحق) يعني: يقول له: لنا دينٌ. متفقان، المدين والمستدين أن هذا زيد أخذ من عمرٍو دينًا، وكلٌ منهما يدعي أنه نسي، صاحب الدين بالفعل يكون نسي كما قال هنا: (أو يصالح صاحب الحق الذي يجهل مقداره) استدان منه ثم نسي كم أعطاه، فيأتي هذا المدين يقول: أنا نسيت فيكذب أنا نسيت أظنك أعطيتني عشرة فنصطلح على ألفين أو ثلاثة، هو بالفعل ما أعطاه عشرة أعطاه مائة، حينئذٍ كونه يصالحه على جزءٍ باعتبار العشرة نقول: هذا فيه إجحافٌ بحق صاحب الحق فلا يجوز، فالصلح حينئذٍ يكون باطلاً، ويكون لو في الظاهر أجرينا الصلح على أنه كذلك يكون ذلك آثمًا لأنه أكل أموال غيره بالباطل، (أو يصالح صاحب الحق الذي يجهل مقداره والمدين الآخذ المدعي عليه عالم به فيصالحه على ما يجحف بصاحب الحق) قال: (وكل صلحٍ أدخل في محرمٍ فحكمه كذلك). إذًا: ينظر في الصلح هل اشتمل على أمرٍ محرمٍ أو لا؟ إن بُني على حرامٍ فهو حرام.
قال: (والأصل الآخر) يعني: القاعدة الثالثة والعشرون (الشروط التي يشترطها المتعاقدان، أو أحدهما على الآخر فهي جائزة لما فيها من مصلحة المشترط، وخلوها من المحذور الشرعي) إذًا: الأصل في الشروط الإباحة، والنص "" والمسلمون على شروطهم إلا شرطًا ". نقول هذا يدل على أن الأصل في الشروط الإباحة (الشروط التي يشترطها المتعاقدان) شروط المتعاقدين نوعان:
شروطٌ صحيحة: وهي التي لا تخالف الشرع.
وشروطٌ فاسدة: وهي التي تخالف الشرع.
إذًا: ما اشترطه المتعاقدان - تأتي الأمثلة - ما اشترطه المتعاقدان في البيع أو في الإجارة ونحوها، إما أن يكون مخالفًا للشرع فحينئذٍ نقول: الشرط فاسد فلا يعتبر.
الثاني: أن يكون غير مخالف للشرع، ولا نقول موافق للشرع إنما نقول غير مخالف للشرع حينئذٍ نقول: هذا الشرط صحيحٌ.
(9/8)

الشروط التي يشترطها المتعاقدان خرجت الشروط الشرعية التي تشترط في العقد كالرضا والعلم بالمبيع وبالثمن ونحوها، هذه شروط في البيع لابد منها وليست هي المرادة، كذلك الشروط العرفية الشرط العرفي كالشرط اللفظي، فلو لم ينطقا بشرطٍ وكان العرف قد اعتبر شيئًا ما فليس داخل في الكلام، المراد هنا ما نص عليه المتعاقدان مما لم يخالف الشرع، وأما الشروط العرفية فهي معتبرة إلا إذا نصَّا أو نص أحدهما على تصريحٍ يخالف العرف فقلنا: العرف ليس بحجة حينئذٍ، وأما الشروط الشرعية كالعلم بالمبيع وهذه لا بد منها (أو أحدهما على الآخر فكلها جائزة لما فيها من مصلحة المشترط، وخلوها من المحذور الشرعي) ولو قيل: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين وقَعَّد لنا قاعدة في النص السابق: «أن المسلمون على شروطهم». على الحكاية «أن المسلمون على شروطهم». قلنا: هذا أولى من التعريف، وخلوها من ... (المحذور الشرعي) إذًا: الأصل في الشروط الصحة. جاء في الحديث الصلح في القاعدة كذلك: «الصلح جائزٌ بين المسلمين، ... والمسلمون على شروطهم». هل الحكم هنا خاص بالمسلمين بعضهم مع بعض أم أنه يشمل كذلك ما يتعامل في المسلمون مع الكفار؟ الحكم عام، وإنما نص النبي - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين بناءً على الأغلب استعماله تعامل المسلم يكون مع المسلم، فحينئذٍ: ما يقال في معاملة المسلم للمسلم من تحقيق الشروط والصلح كذلك يقال: في ما يعتبر مع الكافر هذا هو الأصل لأن الأصل في التعامل مع الكافر الإباحة في البيع وغيره.
قال هنا: وجاء في قصة بريرة «كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرطٍ». يعني: ليس في كتاب الله ليس المراد أنه منصوصًا عليه، وإنما لم يأذن به الله. بمعنى: أنه مخالفٌ لكتاب الله هذا المراد، وإلا لو كان كلُ شرطٍ في كتاب الله معناه أن الناس لا يشترطون إلا ما جاء في الكتاب والسنة وليس الأمر كذلك، فحينئذٍ نقول: المراد ليس في كتاب الله. يعني: لم يأذن به الله، لم يخالف ما أراده الله عز وجل.
(9/9)

قال هنا: (كأن يبيع شيئًا ويشترط الانتفاع به مدةً معلومة) الأصل في البيع أنك إذا بعت أن المشتري يستلم السلعة عينًا ونفعًا. هذا الأصل. إذا اشتريت منك سيارة فالأصل أني أمتلك السيارة ومنفعتها، لكن يجوز لك أن تشترط في العقد منفعةً معلومة. فتقول: أبيعك السيارة على أن تبقى معي شهرًا أنتفع بها يجوز أو لا يجوز؟ نقول: يجوز، لماذا؟ لأنه شرطٌ بين المتعاقدين أو شرطه أحد المتعاقدين ولا يخالف مقتضى العقد، والأصل في الشروط الإباحة، بل جاء في حديث جابر ما يدل على ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث باع جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمله واشترط أن يحمله إلى المدينة فأجابه ... النبي - صلى الله عليه وسلم - على هذا الشرط. إذًا: جاء نصٌ في ذلك كأن يبيع شيئًا ويشترط الانتفاع به مدةً معلومة فهو جائز (أو يشترط تأجيل الثمن) جائز أم لا؟ نعم يبيع ويشتري ويتم العقد على أن أدفع لك بعد شهرٍ. نقول: جائز، أو تأجيل بعض الثمن كأن يدفع بعضًا الآن والبعض الآخر في وقتٍ آخر (أو صفة مقصودة في المبيع) يعني: كما لو اشترط ناقةً حلوبًا، فحينئذٍ اشترط صفة في المبيع، وهذا جائزٌ ولا بأس به لأنه مبنى البيع على ذلك (أو صفة مقصودة في المبيع) كما لو اشترط ناقةً، نعم! من نوقك بشرط أن تكون حلوبًا، وهذا شرطٌ صحيح (أو وثيقة) يعني يريد (رهنًا أو ضمانًا أو كفيلاً) نقول: هذا جائزٌ كرهنٍ وضمان ونحو ذلك من الشروط التي لا محذور فيها، فإن كان فيها محذور فحينئذٍ: لا. قال: (وفيها مصلحةٌ للمشترط). إذًا كل شرطٍ بين المتعاقدين شرطه المتعاقدان أو أحدهما على الآخر ولم يكن فيه تحليل حرامٍ أو تحريمِ حلال فهو جائزٌ، سواء كان التعامل بين المسلمين بعضهم ببعض أو بين المسلمين والكافرين.
(9/10)

قال رحمه الله تعالى: (ومثال الشروط التي لا تصح كأن يبيع العبد ويشترط أن الولاء للبائع) كما جاء في قصة بريرة، الأصل في الولاء ... لمن؟ الولاء إنما يكون للمشتري لا للبائع، فلو اشترط أن يكون للبائع يكون باطل هذا لأنه مخالفٌ للشرع، «إنما الولاء لمن أعتق»، أو يشترط ألا يتصرف فيه مما يخالف مقصود العقل. أبيعك هذه السيارة على ألا تبيعها. تقول: لا، ليس إليك. لماذا؟ لأن البيع ينبني عليه نقل الملكية كلاًّ وجزءًا، وكذلك العين ومنفعة العين، وكذلك التصرف في العين، فإذا حجَّرت عليه بأن لا يبيع حينئذٍ نقول: هذا مخالفٌ لمقتضى العقل فلا يجوز، لا يجوز أن يشترط عليه أن لا يبيع وأن لا يتصرف، وأن لا يهب، وأن لا يتصدق بها .. إلى غير ذلك. وهذا كله لا يجوز لأن الأصل في البيع إنما وجد من أجل نقل الملكية السلعة من زيدٍ إلى عبيد. (ومن الشروط الجائزة: شروط الواقفين في أوقافهم إذا لم تخالف الشرع) - ومر معنا - (ويجب العمل بها فإن خالفت الشرع) بأن أوقف على أحد أبنائه دون الآخرين فإنه باطل، وكذلك إذا شرط وقف هذا الشيء على كنيسةٍ من الكنائس أو قبرٍ من القبور أو بدعةٍ من البدع فهو باطل، هل يبطل الوقف من أصله أو الشرط؟ قيل وقيل، والظاهر من أجل إن كان الْمُوقف ممن ينتسب للإسلام الظاهر أنه يبطل الشرط ويحول الوقف يعني: إحسانًا له. لأنه أوقفه هو لا يريده استغنى عنه حينئذٍ من باب الإحسان أنه يبقى الوقف، لكنه يصرف في مصارف شرعية. (وكذلك الشروط بين الزوجين كأن تشترط المرأة على الزوج أن لا يخرجها من دارها) تبقى عند أبيها إن وافق لزمه (أو بلدها، أو أن لا يتزوج عليها) كل ذلك هذه شروط جائزة (ولا يتسرى) ملك يمين لا يجوز. يعني: إذا وافق على الشرط (أو زيادة مهرٍ على المعروف) يعني: العرف هي لها كذا فحينئذٍ إذا اشترطت في العقد زيادة المال وجب لأنه تنصيص على مخالفة العرف، وقلنا: العرف لا يؤخذ به إذا جاء نص صريح يخالفه. (أو نفقة) يعني زيادة نفقة فيجب الوفاء بها، كل شرطٍ بين الزوجين والغالب أن المرأة هي التي تشترط كل شرط بين الزوجين فحينئذٍ نقول إذا لم يخالف شرعًا فالأصل فيه وجوب الوفاء، إذا خالف شرعًا مثل ماذا؟ لو كانت ثانية قالت: أشترط تطليق الأولى لا يجوز لأنه اعتداء، (فيجب الوفاء بها) - لا سؤال في الدرس - (فيجب الوفاء بها فإن لم يف بها فلها) أي للمرأة (فسخ النكاح ولا يلزمها الخلع) حينئذٍ إذا لم يف يعني تزوجها على اشتراط أن تبقى في بلدها ثم بعد ذلك أراد أن يُخرجها حينئذٍ هي مخيرة إما، يعني: هي مخيرة إما أن ترضى بإسقاط الشرط وإما أن تفسخ، إما أن ترضى بإسقاط الشرط تذهب معه هذا أولى لها، وإما أنها تفسخ لكن لا يلزمها الخلع.
(9/11)

قال: (ومن الشروط الفاسدة نكاح المتعة) النكاح المؤجل بأن يقول زوجتك بنتي لمدة أسبوع أو شهرٍ أو سنة - الحمد لله ليس عندنا هذا - وهو حرامٌ ولا تحل به الزوجة، هذا باطل من أصله هذا نكاح متعةٍ لأنه شرطٌ ينافي الشرع، قد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المتعة، ولا يعرف عند المسلمين، ونكاح التحليل كذلك امرأة طلقها زوجها ثلاثًا حينئذٍ لا تحل له حتى تنكح يعني: بينونة كبرى ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وجاء متبرع فتزوجها بنية التحليل نقول: هذا لا يجوز. ولذلك قال: (ولا يُفيد الحلَّ لمطلقها الأول ثلاثًا).
الشروط على ثلاثة أنواع - جملة ما مضى -:
شروط موافقة للشرع وهذه باتفاق أنها تجوز ويجب الالتزام بها.
ثانيًا: شروط سكت عنها الشرع. وهذه التي نبحث فيها الآن سكت عنها الشرع بشرط إلا تخالفه حينئذٍ الشرط صحيح ويجب الوفاء به.
ثالثًا: شروط مخالفة للشرع فهي باطلة. وهذا كما ذكرنا شروط التي تكون لا من مقتضى العقل أما من كان مقتضي العقل لا بد منه، تسليم الثمن استلام الثمن، تسليم السلعة هذا لا بد منه ليس داخل في ما نتحدث فيه.
(9/12)

قال رحمه الله تعالى: (القاعدة الرابعة والعشرون: من سبق إلا المباحات فهو أحق بها من غيره) المراد بالمباحات هنا - قصيرة هذه - المراد بالمباحات هنا ما ليس له مالك ولا هو من الاختصاصات، (من) هذه صيغة عمومٍ (سبق إلى المباحات) المراد بالمباحات هنا ما ليس له مالك، كل ما ليس له مالك فهو مباح مع القيد الآخر، ولا هو من الاختصاصات يعني: مما يكون مشاعًا بين الناس قالوا: كمجاري السيول، هذا لا يمكن أن يضع عليه لأنها عامة ليست خاصة، كذلك مواضع الحطب عامة وليست خاصة، ومواضع المراعي، والمصالح العامة، فهذه غير مملوكة لكنها مختصة بمصالح البلد عمومًا، وهذه لا يمكن أن يكون من سبق إليها يمتلكها وهذه ليست المرادة، ما ليس له مالك ولا هو من الاختصاصات لقوله: - صلى الله عليه وسلم - «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلمٌ فهو أحق به». والحديث هذا ضعيف جاء عن أسمر بن مضرس رواه أبو داود، وإسناده مجاهيل ويغني عنه ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما «الناس شركاء في ثلاثة: في الكلأ والماء والنار». قال رحمه الله تعالى: (فيدخل في هذا السبق إلى إحياء الأرض الموات) حينئذٍ شيء مباح مشاع بين الناس هذا اختصاصات، أو ما ليس له مالك قال: (فيدخل في هذا السبق إلى إحياء الأرض الموات)، (الأرض الموات) المراد بها الأرض المنفكة عن اختصاصات وملك المعصوم، يعني: ليست من موارد الاختصاص وليست داخلةً تحت ملك معصوم، فحينئذٍ نقول: هذه موات. والمنفكة يعني الخالية، إحياء الموات إحياء هذا مصدر أحيا أي جعل الحياة في شيءٍ ميت والموات مشتق من الموت، وإنما عبر بالموات دون الميتة لأن الأرض الميتة قد يُراد بها ما لا نبات، فيها حينئذٍ أرادوا أن يميزوا بين هذا وذاك للفرق بين النوعين، أرض ميتة يعني: لا نبات فيها، قد تكون مملوكة لزيد أرض موات، تفهم مباشرة أنها ليست لمالك وليست من اختصاصات. قال: (فيدخل في هذا السبق إلى إحياء الأرض الموات) لأن من سبق إلى المباح فهو أحق به من غيره، فإذا أحياها يعني: أحيا الأرض الموات (بحفر بئراً وصل إلى مائها) يعني سبق باستخراج ماء ملكها، إذا حفر في أرضٍ لا مالك لها ولا باختصاصات حفر بئرًا فوصل إلى الماء حينئذٍ ملكها (أو إجراء ماء إليها) بإجراء الماء، إذًا إما باستخراج الماء منها أو بإجراء الماء عليها، حينئذٍ حصل الملك، أو منع ما لا تزرع الأرض مع وجوده كمناقع الماء، يعني: أرضٌ الماء فيها كثير فيمنع الماء، قال: (أو منع ما لا تزرع الأرض مع وجوده) الماء إذا كان كثيرًا يجري على أرض ما تزرع الأرض، حينئذٍ مراده أن إحياء الموات يحصل بإجراء الماء أو بكفه، يعني كما أن الإحياء يحصل بحفر بئرٍ لاستخراج الماء أو بإجراء الماء على الأرض كذلك يحصل بماذا؟ بكف الماء، حبس الماء، من أجل ماذا؟ من أجل أن تصلح الأرض للزراعة، حينئذٍ نقول: هذا حصل به إحياء. (أو منع ما لا تزرع الأرض مع وجوده كمناقع الماء وككثرة الأحجار إذا نقاها منها) أرضٌ فيها أحجار جبال فكسرها وأخذ الحجار ونقى الأرض حينئذٍ نقول: ملكها.
(9/13)

إذا نقاها منها حتى صارت أرضًا صالحة للزراعة (أو يبني عليها بنيانًا) يبني بيتًا فبذلك يملكها يعني: بكل ما ذكر من السابق وغيره فيما هو في معناه حينئذٍ يملكها، أما إذا لم يفعل شيء وإنما لمجرد الرؤية والبصر هذا لا يملكها، لا بد من فعل شيءٍ يدل على أنه أراد استخدام هذه الأرض إما ببناء عليها صالح للسكنة أو بإجراء ماء أو بحبس ماء أو نحو ذلك مما يدل على أنه أراد الانتفاع منها، فإذا لم يفعل شيء من ذلك فلا يملكها، فلو سبق شخصٌ فأحياها فهو أولى بها. قال هنا: (فبذلك يملكها) فتدخل في ملكه قهرًا كالميراث، يعني بمجرد إجراء الماء أو حفر بئر حينئذٍ ملكها، دخلت في ملكه كما أنه بمجرد موت مورثه دخل المال في ملكه، فالملك هنا قهري يعني: إجباري ليس باختياري، فإذا بنى أو جعل شيئًا في إحياء الموات لا يخير، هل تريد ملكها أم لا، إنما نقول: وجب أو دخلت في ملكك قهرًا، بشرط ألا تكون مملوكةً لأحد ولا يملكها بدون إحياء. قال رحمه الله تعالى: (ولو كان النهر المباح أو الوادي يسقي حروثًا يمر عليها قدم الأعلى فالأعلى لأنه أسبق)، (ولو كان النهر المباح) يعني ليس ملكًا لأحد، النهر قد يكون ملكًا لشخص وقد لا يكون، هنا الكلام في النهر المباح المشاع بين الناس (أو الوادي) يعني: الذي يأتي من السيل (يسقي حروثًا) يعني: يمر على مزارع، يمر عليها إذا تنازعوا قُدِّم الأعلى فالأعلى، يعني الأقرب إلى الماء يأتي السيل هكذا وهنا أرضٌ ثم أرضٌ ثم أرض، لا بد من إجراء مجرى يمشي على الأرض، قد يحبس الماء عن غيره حينئذٍ حصل تنازع نقول: الأقرب إلى الماء أولى، ولذلك قال: قُدِّم عند التنازع الأعلى الذي هو أقرب إلى الماء فالأعلى لأنه أسبق، وجاء في ذلك حديث الزبير عندما اختلف مع الرجل فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسقي الزبير أولاً ثم بعد ذلك صاحبه، (وأما المياه المملوكة) فإنها على حسب الأملاك، المياه المملوكة كبئر مملوك هذا على حسب الأملاك، اشترك اثنان في إخراج ماءٍ من بئرٍ أحدهما بثلثين والآخر بثلث، كيف نسقي؟ على قدر الثلثين، فإذا كان الثلث يكفيه ساعة حينئذٍ الثلثان [أربع ساعات] (1) وهكذا .. وعلى قدر الأملاك.
__________
(1) سبق.
(9/14)

(ومن فروع هذا الأصل: السبق إلى صيد البر أو البحر، أو إلى حطب أو وحشيش أو نحوها من المباحات، فمن سبق إلى شيء منها فهو أحق به، ولا يملكه إلا بحيازته)، حيازة كل شيء بحسب يعني جمعه لا بمجرد رؤيته، يعني إذا رأى حشيشًا أراد أن يَحُشَّهُ فرآه. قال: هذا أريده. وليس ملكًا لأحد، بمجرد الرؤية نقول: لا يملكه. لو جاء زيد من الناس وحشه أمامه حينئذٍ نقول: ملكه. لماذا؟ لأن من وضع يده وشرع في العمل حينئذٍ يكون امتلكه، وأما بمجرد الرؤية نقول: لا، لا يكفي. (والملك فيها مقصور على القدر المأخوذ) ويدخل فيه السبق إلا المساجد أو الجلوس في الأسواق أو البيوت المسبلة يعني الموقوفة إذا لم تتوقف على ناظرٍ يُقرر فيها، يعني بأن جعل له الترتيب والتعيين، فكل من سبق إلا مباحٍ ليس هو ملك لأحد وليس هو مختصًا بزيدٍ أو بعموم الناس حينئذٍ هو أحق به، فبمجرد ما يفعل فيه شيئًا مما يظهر أنه امتلكه حينئذٍ نقول: هذا - هذا في إحياء الموات - وما عداه فبمجرد حصول اليد عليه حينئذٍ كان أسبق إليه فهو أحق به.
نقف على هذا، والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

المشقة تجلب التيسير لكن في العلم لا يدخل تحت القاعدة، نعم صحيح نصوا على هذا لأن المشقة تجلب التيسير، أئمتنا كانوا يمشون بالأقدام على الأقدام من العراق إلى اليمن من أجل سماع حديث أو حديثين، من أجل أن يلتقي بأهل العلم فقط هذه مشقة أو لا؟ مشقة، والآن نقول: الدورة ما بها؟ قالوا: بعيدة، المسجد بعيد عن الطلاب، كيف المسجد بعيد يا إخوان، في أي ولو أمش بدري أتحرك بالأقدام هذا الأصل بعيد، هذه ما هي حجة، لو كان من مدينة إلى مدينة إذا لم يكن الإنسان مشغول بعمل أو وظيفة أو وقوف على والديه إذا لم يكن عنده من هذه الأمور التي تكون من الصوارف العوائق حينئذٍ ما ينبغي الإنسان أن يقول: مشقة، مشقة. الأصل في العلم البذل، ولذلك هو أحد نوعي الجهاد، كيف يكون جهاد بدون مشقة؟ كانت العلوم أولاً تأخذ بالمجالسات، بالتسع ساعات والعشر ساعات، كان الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى بعد الفجر وبعد الظهر وبعد العصر وبعد المغرب وبعد العشاء كل هذه أوقات الطلاب هم الطلاب، والآن درس في اليوم، و [المشقة تجلب التيسير]، هذا خلل ليس بصحيح [ها ها]، جزاكم الله خيرًا.
(9/15)

عناصر الدرس
يبدأ من:
* القاعدة الخامسة والعشرون: تستعمل القرعة عند التزاحم ... .
وينتهي إلى:
* القاعدة الثلاثون: الشركاء في الأملاك يشتركون في زيادتها ونقصانها ... .

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الشيخ المصنف عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:
(القاعدة الخامسة والعشرون: تستعمل القرعة عند التزاحم ولا مميز لأحدهما، أو إذا علمنا أن شيئًا لأحدهما وجهلناه) هذه قاعدة صغرى جزئية وهي: أشبه بالضابط فيما يستعمل فيه القرعة. وذكرنا أن الشيخ رحمه الله تعالى أكثر ما اشتمل عليه هذا الكتاب هو الضوابط، لأنه اعتمد كتاب ابن رجب رحمه الله تعالى فأكثر القواعد هنا مأخوذة من قواعد ابن رجب، وأكثر قواعد ابن رجب ضوابط وليست بقواعد كلية عامة. قال: (تستعمل القرعة). حينئذٍ هذه القاعدة الخمسة والعشرون في الحقوق المتساوية أو التي جُهِلَ أصحابها. قال: (تستعمل القرعة). القرعة معلومة في شيئين:
الأول: (عند التزاحم). يعني: في الحقوق المتساوية، (ولا مميز لأحدهما عن الآخر) فحينئذٍ يميز بماذا؟ بواسطة القرعة، وستأتي الأمثلة، إذًا عند التزاحم، ولا مميز لأحدهما، حينئذٍ يميز بماذا؟ بالقرعة. (أو عند الإبهام) وهذا فيما إذا تعلق به حقوق العباد، وأما حقوق الرب جل وعلا فلا قرعة فيها البتة، فلو نسي صلاةً من يوم لا يقال بأنه يقرع وينظر فيما خرجت عليه الصلاة فيصلي، وإنما هذا الشأن في حقوق العباد. إذًا (أو عند الإبهام). إذا علمنا أن الشيء لأحدهما وجهلناها، إذًا في تعيين المستحق للملك، هذا الملك لواحد من الشخصين إما زيد أو عمرو فحينئذٍ تستعمل القرعة. (وجهلناه) أي: الشيء الذي اتصف بالعلم في تعيين المستحق للملك وبيان المالك إذا أنبهم عليه، كما ذكرنا هذا في الإبهام في حقوق العباد، وأما الإبهام في حقوق الله تعالى فلا يُشرع استعمال القرعة كمن نسي صلاةً في صلاة يوم فيجب عليه الخمس ولا قرعة.
(10/1)

قال رحمه الله تعالى: (وقد ثبتت القرعة عند الاشتباه في الكتاب والسنة). ثبتت القرعة عند الاشتباه وجاء ذلك في الكتاب والسنة هذا المراد، بمعنى أن القرعة طريق شرعي لإثبات الحقوق أو لتميز الحقوق متساوية، إما في هذا وإما في ذلك، والقرعة معلومة وعلى أي صفة كانت حينئذٍ مرده إلى العرف، القرعة من حيث هي مشروعة لكن تفسيرها بماذا تكون؟ هل هو بضرب السهام؟ هل يكون بالخاتم؟ هل يكون ببعض الأصابع ونحوها، تختلف من زمان لزمان لكن القرعة معلومة. قال: (وقد ثبتت القرعة عند الاشتباه) يعني: وردت في الكتاب والسنة قال تعالى في الكتاب: ({فَسَاهَمَ}) يعني: يونس عليه السلام. ({فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ}) أي: المقروعين. ({فَسَاهَمَ}) أي: فقارع، والمساهمة إلقاء السهام على جهة القرعة، والذي خرج عليه يكون هو الذي يسقط في البحر. إذًا ({فَسَاهَمَ}) أي: فقارع. والمساهمة هي: إلقاء السهام على جهة القرعة. ({فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ}) يعني: خرجت عليه القرعة ويونس عليه السلام، فإن قيل هذا في شأن يونس ونحن في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - نقول: هذا أثنى الرب جل وعلا على هذه الصفة، يعني: أورد قوله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات: 141]. في سياق الثناء على يونس فدل على أنها مشروعة عندهم هذا أولاً.
ثانيًا: على الصحيح أن شرع من قبلنا شرع لنا إلا إذا خولف في شرعنا، وهنا لم يرد مخالفة بل جاءت النصوص من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله دالة على أن القرعة مشروعة، إذًا ({فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ}) شرع من قبلنا شرع لنا وخاصة إذا أيده شرعنا.
قال: (وقال تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ}) أي عندهم ({إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ}) يعني سهامهم في سهام الاقتراع في شأن مريم ({أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}) حينئذٍ جاءت القرعة، وكذلك القول هنا كالقول في الآية السابقة، هذا شرع من قبلنا وشرع من قبلنا شرع لنا على الصحيح، فكل ما حكاه الرب جل وعلا عن الأمم السابقة ولم ينكره ولم يرد نص نبوي في مخالفته حينئذٍ يعتبر شرعًا لنا، لأن الله تعالى ما ذكر هذا الشيء إلا من أجل أن نتبعه، وقد أقرع النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله وفعله عدة مرات، فإنه إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه - صلى الله عليه وسلم - فأيتهن خرج سهمها خرج بها، ومنها من قوله - هذا من فعله عليه الصلاة والسلام - ومن قوله عليه الصلاة والسلام أنه قال كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا». والله المستعان «لو يعلم الناس ما في النداء» يعني: الأذان إجابته. «والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا» يعني: يقترعوا «عليه لاستهموا». يعني: يختلفون يمتلئون ولا يجد له مكان في الصف الأول إلا أن يقترع، يعني: يتقدم شخصان ويستويان في وضع الأقدام حينئذٍ القرعة بينهما يميز بينهما بالقرعة، هذا لا وجود له لكن حثت السنة على ذلك، إذًا ثبت من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أقرع وثبت من قوله - صلى الله عليه وسلم - الثناء على أو إجازة القرعة.
(10/2)

فإذا جهل المستحق أو تزاحم عدد على من يُقَدَّم ولا يمكن اجتماعهم فيه ولا مميز لأحدهم أقرع بينهما، فإذا جهل المستحق، المستَحق لأي شيء؟ للحق أو للمال أو تزاحم عدد على من يقدم ولا يمكن اجتماعهم فيه ولا مميز لأحدهم، كما إذا تقدم اثنان فأكثر للإمامة وكان كلهم قراء وكلهم مستوون في جميع الصفات المعتبرة عند الفقهاء حينئذٍ لا يميز المستحق من غيره إلا بالقرعة، لذلك نقرع بينهما، وكذلك إذا تشاحا اثنان فأكثر في الأذان حينئذٍ نقول واستووا في الصفات المعتبرة في المؤذنين حينئذٍ ليس عندنا إلا القرعة فنقرع بينهم، هذا المراد هنا، ولا يمكن اجتماعهم فيه لا يمكن أن يجتمعا يعني: يصلي الاثنين إمام بالمسلمين هذا لا يتأتى يعني بفرد واحد، وكذلك الأذان لا يؤذن اثنان إنما يؤذن واحد يعني: في وقت واحد، ولا مميز لأحدهما يعني: لا توجد قرينة تدل على أن أحدهما أولى بهذا الحق من غيره، أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة استحق هذا الحق فمتى تشاحا اثنان في إمامة أو أذان أو سبقا إلى مباح كلاهما قد سبقا إلى الصف الأول كما ذكرنا في المثال السابق، أو إلى جلوس في مسجد مطلق الصف الأول أو غيره أو سوق أو رباط أو نحوها ولم يكن لأحدهما مرجح، يعني: ليس ثَمَّ قرينة حالية أو مقالية أو عُرفية تقدم أحد الشخصين على الآخر، ليس عندنا مرجح، وليس عندنا قرينة، إذًا استوى من كل وجه، حينئذٍ قال: (أقرع، فمن خرجت له القرعة قدم، وكذلك لو بدل لأولاهم به ثوب أو ماء أو غيره ولم يتميز الأولى رجحت القرعة). مثاله إذا قال: هذا الماء لأولى الناس به عطشًا أو هذا الثوب لأولى الناس به حاجةً، أو غيره كالمال أو البيت أو الوقف أولى الناس به، حينئذٍ تقدم عدد ولا مميز ومرجح لأحدهما عن الآخر، حينئذٍ كيف نصل إلى الأولى، نأتي بالقرعة (ولم يتميز الأولى رجحت القرعة). (ومنها) أي: من هذه المسائل المتفرعة من هذه القاعدة (إذا تداعيا عينًا ليست بيد أحدهما) أما لو كانت بيد أحدهما فهي له، إذا كانت بيده عين ثم ادَّعَى آخر بأنها له حينئذٍ نقول: البينة على الْمُدَّعِي واليمين على من أنكر، لماذا؟ لأن الأصل في العين التي تكون تحت يد يتصرف فيها تصرف الملاك أنها له عرفًا، فحينئذٍ إذا ادَّعَى شخص من الناس بأنها له حينئذٍ نقول: ائت بالبينة وإلا فلا. هنا تداعيا كل منهما، زيد يقول: هذه العين لي. وعمرو يقول: هذه لي. وليست بيد أحدهما ولا بيد من يدَّعِيها لنفسه أُقْرِعَ بينهما، لماذا؟ لأنه لم يتميز لا ببينة ولا حجة، حينئذٍ يقرع إذا لم نعرف المستحق ولذلك قال فيما سبق (فإذا جهل المستحق) يعني: للعين (وكل منهما يدعي أنها له بشرط أنها ليست تحت يد واحد منهما) حينئذٍ نقرع بينهما ولا مرجح ولا قرينة قال هنا: (إذا تداعيا عينًا ليست بيد أحدهما). قلنا: أما لو كانت بيد أحدهما فهي له إلا ببينة تشهد بخلافه، ولا بيد من يدعيها لنفسه إذ لو كانت كذلك حينئذٍ الآخر عليه البينة، أقرع ولم يتميز لا ببينة ولا حجة فيُقْرَعُ بينهما، إذا لم يمكن الإصلاح أما إذا تراضيا على شيء ما اختلفا كل منهما ادَّعَى أن هذه العين له وليست تحت يد واحد منهما، لكن اصطلحا على أن يتناصفا صح أم لا؟
(10/3)

صح، حينئذٍ يكون صلحًا مع الإقرار، كأن تراضيا على التنصيف بينهما مثلاً (ومنها: إذا طلق إحدى زوجاته ونسي) عنده أربع وطلق واحدة ونسي من هي حينئذٍ يُقْرِعُ بينهما على خلاف المراد هنا ذكر المثال، والمسألة وبحثها في محله (إذا طلق إحدى زوجاته ونسي أو جَهِلَ) هل يتصور أنه يجهل؟ نعم يمكن، أن يرى زوجة يقول: لا أحد يخرج من الأربعة ويرى واحدة متسترة وخرجت قال: أنت طالق. طلقها ولا يدري من هي، الأولى [أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة $ هل أم] حينئذٍ نقول: جهل، أما لو عَيَّنَ إحدى النساء الأربع ثم طلقها يعني: ثم نسي بعد وقت كأن يكون سافر سنة أو سنتين ثم عاد وقيل له: من طلقت؟ قال: نسيت حينئذٍ يُقْرِعُ بينهم. هذا على قول، (إذا طلق إحدى زوجاته، أو أعتق أحد عبيده) عنده عبيد كُثُر فأعتق واحدًا منهم، إما أنه نسي من هو هذا الْمُعْتَق أو جهل من الْمُعْتَق، حينئذٍ يقرع بين عبيده وجهل من وقع عليها الطلاق أو العتق أقرع، وهذه المسألة خلافية بين أهل العلم.
(ومنها: الأولياء المستحقون للولاية) يعني: كالنكاح أو الولاية على اليتيم، وَلِيّ يكون وليًّا (إذا تساووا) يعني: في الصفات تساووا في الصفات، لأن ولي اليتيم يشترط أن يكون عدلاً يكون رشيدًا، كذلك الولي على الوقف ونحوها (وتشاحوا) ولا مرجح بينهم كالدين أو اختيار المرأة يعني: الولي في النكاح اختارته المرأة حينئذٍ نقول: هذا مرجح، وأما إذا استووا أيهم يقدم؟ أقرع بينهم قال: (وأما إذا علم اشتراكهم في الأعيان). في المسألة السابقة إذا تداعيا عينًا ولم يشتركا في العين، هنا إذا علم اشتراكهم في الأعيان قد اشتركا زيد وعمرو (أو الديون وأرادوا القرعة لمن يكون له شيء، فإن هذا من الميسر ولو تراضيا) زيد وعمرو اشتركا في سيارة أجرة يعمل عليها شخص ثالث، حينئذٍ اجتمع زيد وعمرو قال: نُقْرِعُ بيننا من تخرج عليه القرعة يمتلك السيارة. حينئذٍ نقول: هذه السيارة هي شراكة بين اثنين كل واحد منهما له ملك، إما بالنصف أو الثلث أو الثلثين المهم أنه له شيء من ملكية السيارة، إذًا كل منهما مالك فاقترعا على أن يكون هذه العين لواحد منهما دون الآخر. نقول: هذا من الميسر ولا يجوز؛ لأنه من أكل أموال الناس بالباطل. وأما (وأما إذا عُلِمَ اشتراكهم في الأعيان، أو الديون وأرادوا القرعة لمن يكون له شيء فإن هذا من الميسر) فدل هذا على أن القرعة نوعان:
قرعة جائز، وهي: التي لا تخالف الشرع.
وقرعة غير جائزة، وهي: ما خالفت الشرع.
إذًا ليس كل قرعة تكون جائزة، بل قد تكون محرمة كما لو أدت إلى ميسرٍ ونحوه.
إذًا القاعدة الخامسة والعشرون تُستعمل القرعة في شيئين اثنين:
الأول: عند التزاحم في الحقوق المتساوية ولا مميز لأحدهما على الآخر، حينئذٍ نقرع بينهما فنرجح، نُمَيِّز ونُبَيِّنُ من الذي استحق كما لو تشاحا اثنان في الأذان واستويا في الصفات فنقرع بنيهما وحينئذٍ نرجع واحد منهما.
أو عند الإبهام إذا علمنا أن الشيء لأحدهما وجهلناه كما لو طلق واحدة من زوجاته وجهل حينئذٍ نقرع لنخرج التي خرج عليها الطلاق. وهذه القاعدة كما ذكرنا مقيدة بأنها بين العباد، وأما حقوق الرب جل وعلا فلا.
(10/4)

(القاعدة السادسة والعشرون: يقبل قول الأمناء في التصرفات، أو التلف ما لم يخالف والعادة).
(يقبل قول الأمناء) جمع أمين، وهو: الذي حَصَلَت العين بيده بإذن من الشارع كوَلِيِّ اليتيم، أو من المالك كالوكيل والوصيِّ والناظر، ومر معنا تعدادهم، إذًا هذا هو الأمين، وقعت العين بيده صار يتصرف فيها لكن بإذن، وهذا الإذن إما أن يكون من الشارع كولي اليتيم، وإما أن يكون من المالك هو الذي وكله، قال له: زيد أُوَكِّلُكَ ببيع سيارة. فذهب حينئذٍ نقول: هذا الوكيل، تصرف في العين لكن بإذن المالك، ومثله الوصيِّ، ومثله الناظر يُقبل قول الأمناء في التصرفات المراد بها البيع والشراء وفسخ النكاح أو النكاح وغير ذلك مما يصح تصرفه إن إُذِنَ له مطلقًا أو مقيدًا، لأن الوكالة مثلاً قد تكون وكالة مطلقة بِعْ واشترِ في كل أملاكي، وقد تكون وكالة مقيدة له أن يشتري وليس له أن يبيع، حينئذٍ لو اشترى صح ولو باع لا يصح، لأن الوكالة مقيدة بالإذن (أو التلف) يعني: يقبل قول الأمناء في التصرفات، ويقبل قول الأمناء في التلف، بأن هذه العين التي بأيديهم بإذن من الشارع أو من المالك قد حصل لها تلف، وسيأتي التفصيل، وعرفنا أن التلف أعم من الإتلاف، لأن الإتلاف خاص بفعل الآدمي، وأما التلف فيعم فعل الآدمي وفعل الرب جل وعلا كالآفة السماوية. قال: (ما لم يخالف والعادة). هذا قيد لأي شيء؟ قيد للتلف، لأن التلف إذا ادَّعَاه إما أن يدَّعِي شيئًا مقبول، وإما أن يدعي شيئًا لا يقبل، فإن ادَّعَى ما لا يُصَدُّقُهُ الحس ولم تعتبره العادة حينئذٍ لا يقبل منه، كما سيأتي مثال المصنف، وأما إذا ادَّعَى التلف وكان شيئًا مقبولاً حينئذٍ نقول: لا بأس به. كما لو ادَّعَى إحراق أو حرق المال، قال: المال احترق. فإذا به مالي مع ماله، المال الذي هو أمانة قد احترق وماله كما هو، نقول: هذا فيه نظر فيه إشكال، وأما إذا ادَّعَى أن المال قد احترق وكان ماله كذلك حينئذٍ لا إشكال في قبول الدعوى. قال: (ما لم يخالف والعادة). كذلك يُقيد ولم يكن فيه تَعَدٍّ ولا تفريط على ما سبق بيانه في القواعد الماضية.
إذًا هذه القاعدة وإن كانت قاعدة جزئية داخلة في القاعدة السابقة الرابعة عشر التلف في يد الأمين غير مضمون إذا لم يتعدَّ أو يُفَرِّط، وفي يد الظالم مضمون، لكن هنا بيان قبول قوله أو لا، يعني: فيما سبق بين أن المال مضمون إذا فَرَّطَ أو تعدَّى، وأنه غير مضمون إذا لم يفرط ولم يتعدَّ، هنا بين أن قوله مقبول في التصرفات والتلف، بمعنى أنه إذا ادَّعَى ذلك قبل منه، وكل من ادُّعِيَ أن قوله: مقبول يعني: مع يمينه، هذا المعتبر عند الفقهاء، فقوله هنا: (يقبل قول الأمناء). يعني: مع الحلف مع اليمين، ولكن اصطلحوا بينهم أنه يطلق القبول ويكون في ضمنه الدلالة على الحلف، فليس المراد أنه يدَّعِي أن المال قد فسد ولا يحلف، لا، المراد أنه يدعمه ويقويه باليمين.
(10/5)

قال رحمه الله تعالى: (هذه قاعدة نافعة تحل الاختلافات الواقعة بين الأمناء والملاك). لأنهم يختلفون، الْمُوَكّل الوكيل مع مُوَكِّلِهِ، قد يقع بينهما نزاع بعت واشتريت، لا .. إلى آخره، كيف نصدق كيف نحل النزاع بينهما؟ حينئذٍ لا بد من قاعدة دلَّ عليها الشرع، وكذلك قد يقع بين الْمُوقِفُ وبين الناظر نزاع وبين الْمُودِع والْمُودَع عنده نزاع، كيف نحل النزاع؟ نحله بهذه القاعدة، وهو أن كل أمين لم يتعدَّ ولم يفرط ادَّعَى التلف أو التصرف ولم يخالف العادة أو الحس فقوله مقبول مقدم على [البائع #20.32$ سبق] على صاحب الملك أو الْمُوقِف أو الْمُوصِي أو غير ذلك. (هذه قاعدة نافعة تحل الاختلافات الواقعة بين الأمناء والملاك في متعلقات الأمانات) يعني: ما يتعلق بالمال الذي هو الأوصاف، البيع والشراء صفة للمال، وكذلك التلف ونحوه نقول: هذا صفة للمال التي تحت أيديهم وتصرفهم، (فإذا اختلفوا) يعني: المالك والأمين في تصرف أو صفة ذلك التصرف، في تصرف يعني: ادَّعَى أنه باع قال له: لا ما بعت. حينئذٍ نقبل قول من؟ قول الأمين، إذا ادَّعَى بأنه باع قُبِلَ قوله، أو ادَّعَى أنه اشترى قُبِلَ قوله، أو ادَّعَى أنه سَلَّمَ المال قُبِلَ قوله مطلقًا إلا إذا فَرَّطَ أو تَعَدَّى فسيأتي. (فإذا اختلفوا في تصرف أو صفة ذلك التصرف) يعني: لا في أصل التصرف، فالأول في الأصل البيع والشراء مثلاً، والثاني ليس في أصل التصرف وإنما في صفته كالإذن في الصدقة مثلاً، حينئذٍ أعطاه مالاً وقد لا يأذن له بالصدقة، والصدقة قد تكون من مال قليل تعارف الناس عليه، حينئذٍ إذا تصدق الأمين دون رجوع إلى المالك هل يصح أم لا؟ نقول: وإن كان يسيرًا صح، ونقول لصاحب المال: لو كنت تمنع ما يُخَالِفُ العرف وجب عليك أن تَنُصّ، وأما إذا لم تنص على خلاف العرف حينئذٍ عاملناك بالأعراف، والعرف في مثل هذا يعتبر ماذا؟
يعتبر سائغًا، بأن يتصدق بالمال القليل ولو لم يرجع إلى صاحبه. إذًا ... (كالإذن بالصدقة مثلاً) ولو لم يأذن في الصدقة أصلها أو في أهل الصدقة في نوعها، قال له: تصدق مثلاً هذا من التبرعات تصدق بهذا المال وسكت عن أهل الصدقة يعطيها لمن، حينئذٍ إذا اختلفا قال له: لا أنا لم أرد هذا النوع. قال له: لو كنت تريد غير هذا النوع لنصصت عليه. فلما قال له: تصدق. وأطلق ولم يعين له أهل الصدقة حينئذٍ عَمَّ، وإذا كان كذلك حينئذٍ تصرف الأمين في محله، وإذا اعترض عليه صاحب المال الذي أعطاه حينئذٍ لا عبرة باعتراضه، (أو التلف فالقول قول الأمناء) عرفنا التلف فيما سبق لكن بلا تعدٍّ ولا تفريط لأن تصرف الأمين قسمان:
الأول: تصرف ليس فيه تعدِّي ولا تفريط لا شرعًا ولا عادةً، فهذا النوع القول قولهم ولا شك لهذا القاعدة.
الثاني: تصرفات فيها معنى التعدي والتفريط شرعًا وعادةً عرفًا، فهذا النوع يلزمهم الضمان. كما مر معنا القاعدة السابقة.
(10/6)

إذًا إذا اختلفوا في تصرف أو صفة أو صفة ذلك التصرف أو التلف فالقول قول الأمناء. القول هنا قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: فيقبل قول الأمين في التصرف فلو وَكَّلَ شخصًا أن يبيع له ثوبًا فباعه فقال له الْمُوَكِّل: إنك لم تبعه. فقال الوكيل: قد بعته. فالقول قول الوكيل لأنه أمين. في التصرف يعني في البيع والشراء قال له: بع الثوب أو بع الأرض أو بع السيارة. حينئذٍ قال: بعت. قال: لا ما بعت. أحدهما يثبت والثاني ينفي، حينئذٍ نثبت قول من؟ الأمين.
(10/7)

كذلك يقبل قوله في التلف، فلو تَلِفَ الذي بيد الوكيل وقال الموكل: أنت مفرط فعليك الضمان. فقال الوكيل: لم أفرط. فلا ضمان عليه. فالقول قول الأمين الوكيل، فالقول قول الوكيل لأنه أمين إلا إذا خالف العادة، فإن خالف العادة فإنه لا يُقْبَلُ قوله ويرجع في ذلك إلى أهل الخبرة، أما في الرّدِّ ففيه تفصيل، بمعنى أنه رد عليه المال أو لا، هل يُقْبَلُ قول الأمين مطلقًا. المصنف قال: (في التصرفات أو التلف). ولم يذكر الرد، لأنه أراد قاعدة مطلقة لا تقيد، وأما الرد ففيه تفصيل، فإن كان الأمين له حظ ومصلحة بما في يده مما ائتمن عليه لم يقبل قوله في الرّدِّ، لأن الأمين باعتبار المصلحة في المال إما أن تكون باعتبار النوعين معًا أو باعتبار المالك فقط، أو باعتبار الأمين فقط، المستعير مثلاً الذي استعار كتابًا أو سيارة، المعير هل له فائدة في ذلك غير الأجر من الله عز وجل هل له فائدة؟ الجواب: لا، إنما المستعير محض الفائدة له هو الذي يستفيد من الكتاب فيقرأ أو السيارة فيركب أو نحو ذلك، حينئذٍ فالإعارة الفائدة فيها والمصلحة والنفع إنما هو للمستعير فقط دون المالك، والمالك ليس له حظ في الدنيا إلا الأجر الذي ترتب عليه في الآخرة أو قد يترتب عليه شيء في الدنيا. قال: فإن كان الأمين له حظ ومصلحة بما في يده مما اؤتمن عليه لم يُقْبَلْ قوله في الرَّدِّ. مثاله إذا ادَّعَى المستعير رد العارية إلى الْمُعِير فإنه لا يقبل قوله. يعني: أخذت من عندي كتاب، يا زيد أين الكتاب؟ قال: رددته لك. قال: أنا لا أذكر. يُقْبَل قول من؟ لا يُقْبَلُ قول الأمين هنا وإنما يقبل قول الْمُعِير. مثاله إذا ادَّعَى المستعير رد العارية الْمُعِير فإنه لا يقبل قوله لأن الحظ للمستعير والمعير ليس له إلا حظ في الآخرة وهو الأجر، وإذا ادَّعَى المستأجر رد العين إلى الْمُؤَجِّر، المستأجر والمؤجر النفع والمصلحة لمن هنا؟ لهما معًا، سيأخذ مالاً سيؤجر الشقة مثلاً أو يؤجر السيارة سيأخذ مالاً، وكذلك الآخر الأمين سيستفيد إذًا كل منهما له مصلحة ومنفعة، هذا فرق بينه وبين الحال السابقة، وإذا ادَّعَى المستأجر رد العين إلى المؤجر فإنه لا يقبل لأن الحظ للمستأجر، إذا ادعى المستأجر رد العين إلى المؤجر فإنه لا يقبل، يعني: لا يقبل قول الأمين، المستأجر الذي بيده العين المؤجرة هو أمين عليها حينئذٍ هل يقبل قوله في الرد أم لا؟ الجواب: لا، فإذا استأجر سيارة قال: رددتها. قال صاحبها: لا. نقبل قول صاحب السيارة، وإن كان الحظ لغيره وهو المالك فقط قُبِلَ قوله في الرد. مثاله إذا ادَّعَى الْمُودَع رَدّ الوديعة إلى مالكها، عكس المستعير، المستعير الحظ فقط للأمين المستعير، وأما المالك ليس له حق، الوديعة الأمانة خذ هذا أمانة عندك، هل لك أنت فائدة؟ ليس لك فائدة إلا الأجر وإنما الحظ هنا لمن؟ للمُودِع. المودع الذي وضع الأمانة المال له يخاف عليه ويخشى عليه وأما الذي في يده المال أمانة ووديعة هذا ليس له حظ إلا الأجر فقط يعني: كالمعير شأنه شأن المعير، فهي عكس المسألة السابقة وإن كان الحظ لغيره وهو المالك قبل قوله في الرد يعني: قول من؟ قول الأمين.
(10/8)

مثاله إذا ادَّعَى الْمُودَع رد الوديعة إلى مالكها فإنه يُقْبَل قوله لأنه لا حظ له فيها بل الحظ لمالكها، هذا هو الضابط الذي ذكره الفقهاء في هذه المسألة، فقالوا: أنواع الأمانات المقبوضة ثلاثة - نعيد ما ذكرناه - أنواع الأمانات المقبوضة ثلاثة:
الأول: ما قبضه لمصلحة نفسه. هذا كالعارية المصلحة هنا للمستعير، أما المعير فهو محسن {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91].
الثاني: ما قَبَضَهُ لمصلحة مالِكِهِ كالوديعة، المصلحة هنا لمن؟ للمودِع، أما المودَع فهو محسن.
الثالث: ما قبضه لمصلحة الطرفين معًا، كالأجرة أو المستأجر، كذلك الرهن والوكيل بأجرة، وعقود الشركات، والمضاربات، كلها تابعة لها.
أما الأول فهو المستعير فمر معنا أن المذهب فيما سبق أنه ضامن مطلقًا، ولا يُقْبَلُ قوله في الرد والتلف، والصحيح أنه لا يضمن، إنما هو كغيره، بمعنى أنه إن فَرَّطَ أو تعدَّى ضَمِنَ وإلا فلا، هذا الصحيح، وأما تضمنه مطلقًا وهو المذهب سواءً فّرَّطَ أم لا؟ نقول: هذا فيه ضعفٌ.
وأما الثاني وهو الْمُودَع فقوله مقبولٌ في الرد والتلف.
وأما الثالث: الذي هو من؟ ما قَبْضُهُ لمصلحة الطرفين معًا، وهذا قولٌ مقبولٌ في الرد والتلف وهو المذهب عندنا.
إذًا: هذه القاعدة: يقبل قول الأمناء في التصرفات كالبيع والشراء أو التلف ما لم يخالف العادة ولم يكن فيه تعدٍّ ولا تفريط.
قال هنا: (فالقول قول الأمناء لأن أرباب الأموال ائتمنوهم ونزّلوهم مُنَزَّلة أنفسهم) - مَنْزِلَة منَزّلة يجوز الوجهان، هذا مما ينكر عليّ لكن يجوز الوجهان – (ونزّلوهم منَزّلة أنفسهم ومقتضى هذا الائتمان قبول قولهم) ما الفائدة؟ أنت إنما اخترته أمينًا لأجل ماذا؟ لأجل أنه محسنٌ، ولأجل أنه محلٌ للأمانة وأهل للأمانة، فكيف لا يُقْبَل قوله؟ حينئذٍ لا، فسدت الأمور بين الناس لأن أرباب الأموال ائتمنوهم ونزّلوهم منَزّلة أنفسهم ومقتضى هذا الائتمان قبول قولهم، وإلا ليس هناك معنى للأمانة إلا هذا، إلا إذا ادَّعَى الأمين دعوى غير مقبولة تخالف الحس والعادة فيُرَدُّ قوله، يعني: ادَّعَى التلف ونجد أن القرائن تشهد بأن هذا مخالفٌ للحس أو مخالفٌ للعادة، فلو أن الأمين ادَّعَى أن العين تلفت باحتراقٍ ونحن نشاهد أن البلد لم يكن فيه حريق، فحينئذٍ نقول: هذا القول لا يُقبل لأنه يخالف العادة، لكن لوثبت الحريق في البلد ثم قال: الأمين الأمانة تلفت في الحريق وقال صاحبه: إنها لم تتلف به. فالقول قول الأمين. إذًا: إذا دلت القرائن أن دعوى التلف مخالفة للحس والعادة وثَمَّ قرائن تدل على أنه غير صادق فحينئذٍ لا يقبل قوله، وإلا فقوله مقبول.
(القاعدة السابعة والعشرون: من ترك المأمور لم يبرأ إلا بفعله، ومن فعل المحظور، وهو معذور بجهل أو نسيان فهو معذورٌ لا يلزمه شيء).
(10/9)

وهذه قاعدةٌ صغرى أو جزئية وإن شئت قل: ضابط، هذا هو الظاهر (من) اسم موصول، أو اسم شرط يحتمل هذا أو ذاك، إذا لم توجد الفاء في الجواب فيحتمل. يعني: (من ترك المأمور) من يحتمل أنها اسم موصول الذي ترك المأمور (لم يبرأ إلا بفعله) خبر، لو قال: فلم يبرأ. حينئذٍ نقول: شرطية. مع أنه يجوز إدخال الفاء في خبر المبتدأ إذا كان المبتدأ فيه معنى العموم، إذا كان لفظًا من ألفاظ العموم كـ كلّ ونحوها أو فيه معنى العموم جاز إدخال الفاء في الخبر عند جماهير النحاة، لكن لا يجب، وإنما يجوز، على كلٍّ السياق السباق هو الذي يكون محكمًا. (من ترك المأمور)، (المأمور) هذا اسم مفعول أُمِرَ به فهو مأمورٌ به (لم يبرأ) يعني: لم تبرأ الذمة (إلا بفعله)، هذا يدل على أن المأمور المراد به هنا الواجب، لأن أَمَرَ يُسْتَعْمَل حقيقةً في الإيجاب وفي الندب على الصحيح. أَمَرَ يُستعمل في الإيجاب والندب حقيقةً على الصحيح. وقيل: أَمَرَ يُستعمل حقيقةً في الإيجاب مجازٌ في الندب وليس بصحيح. ومن هنا نقول: إذا جاء أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا حينئذٍ لابد من قرينة تُعَيِّن وإلا حملناه على الندب صحيح أو لا؟
(10/10)

لأنه لفظ مشترك إذا قيل: أَمَرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا، حينئذٍ نقول: أمر ليست حقيقةً في الإيجاب فحسب وإنما هو لفظٌ مشترك، وإذا كان كذلك فحينئذٍ إذا جاءت هذه الصيغة أَمَرَ. فلابد من قرينة تُبَيِّن، فإن لم توجد قرينة حملناه على الأقل وهو الندب. فنقول: أَمَرَ يَدُلُّ على الندب إلا إذا دلت قرينة، هذا الذي يَنْبَنِي على هذا الخلاف، ومن قال بأنه مجازٌ في الندب حينئذٍ جاء أمر يحمله على الإيجاب ولا يحتاج إلى قرينة، وينبني عليه أحكام كثيرة هذه، والصحيح ما ذكرناه، ولذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} [النحل: 90] {يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} استُعمل في معنييه. قلنا: هذا لفظٌ مشترك استُعمل في معنييه لأنه علق به العدل وكله واجب، وعلق به الإحسان وبعضه واجبٌ وبعضه مستحب، وعَلَّقَ به {إِيتَاء ذِي الْقُرْبَى} وبعضه واجبٌ وبعضه مستحب. إذًا: يأمر بالعدل كله وبالإحسان كله ومنه واجبٌ ومستحب، وإيتاء ذي القربى كله ومنه واجبٌ ومستحب. صار اللفظ مستعمل في معنييه. إذًا: من ترك المأمور المراد به هنا المأمور الواجب لأنه عَبَّرَ .. ما القرينة هنا؟ لا بد من قرينة؟ القرينة هنا لم يبرأ إلا بفعله، وما هو المأمور الذي لا تبرأ الذمة إلا بفعله؟ هو الواجب، من ترك المأمور لم يبرأ إلا بفعله. يعني: لا بد من أن يأتي به لأن المأمور افعل ونحوه تقتضي إيجاد الفعل، وصلِّ مدلول صَلِّ إيجاد حقيقة الصلاة. إذًا: مقتضى صيغة افعل إيجاد مدلوله وهو الصلاة. إذًا: صار إيجاد الفعل مقصودًا، حينئذٍ إذا أُمِرَ بفعلٍ فلم يفعله لم تبرأ ذمته إلا بفعله، إذا أمر بفعلٍ واجبٍ ولم يفعله حينئذٍ نقول: لم تبرأ ذمته إلا بفعله، فالذمة مشغولةٌ بهذا الواجب حتى يفعله، يقيّد لا بد من قيد، وهو ما لم يكن الواجب مؤقتًا. كيف مؤقت؟ يعني له ابتداء وله انتهاء، فإن كان الواجب مؤقتًا له ابتداءٌ وانتهاء فأخرجه عن وقته المحدد له شرعًا حينئذٍ: لا يُطالب بإيجاده، وإنما يأثم فحسب، لأنه إذا لم يكن، وعليه نقول الواجب نوعان:
واجبٌ مؤقت.
وواجبٌ غير مؤقت.
إذا ترك الواجب المؤقت حتى خرج وقته حينئذٍ يترتب عليه أمران:
الأول: الإثم.
والثاني: عدم الإتيان به وهذا عقوبةٌ له.
أما الواجب غير المؤقت حينئذٍ نقول: إذا أَخَّرَهُ عن وقته بمعنى أن الأصل في افعل أنه للفور، هذا الأصل فيه، فإن أَخَّرَهُ أَثِم، ثُمَّ لا بد من الإتيان بالفعل، يسمى قضاءً أو غيره، وأما المأمور المؤقت هذا لا يحل أن يأتي به بعد خروج وقته كالصلاةِ إذا خرج وقتها ولم يصلِّ لغير عذرٍ حينئذٍ لا يصلي، إذا خرج الوقت ولم يصلِّ فلا يصلي إلا اللهم إذا كان ثمَّ عذرٌ شرعي حينئذٍ: لا تبرأ الذمة إلا بفعله، ويمكن أن يجعل هذا داخلاً في من كان معذورًا.
قال رحمه الله تعالى: (من ترك المأمور لم يبرأ إلا بفعله) لأن المأمور لا تحصل الفائدة إلا بوجوده ولا تبرأ الذمة إلا بذلك، فإذا لم يوجد لم تبرأ الذمة.
(10/11)


قال رحمه الله تعالى: (ومن فعل المحظور) المنهي عنه يعني: محرم، فإما أن يكون متعمدًا وإما أن يكون معذورًا. إن كان متعمدًا حينئذٍ يأثم، لا بد من الإثم، وإن كان معذورًا بجهلٍ أو نسيان لا إثم، يَسقط عنه الإثم، وكذلك المأمور به إذا تركه لعذرٍ حينئذٍ: لا يَأْثَم، وإنما يأتي به إذا لم يكن، إنما يأتي به مطلقًا سواءٌ كان مؤقتًا أو لا، هذا إذا كان معذورًا، واضح هذا؟
قال رحمه الله تعالى: (ومن فعل المحظور، وهو معذور بجهل، أو نسيان فهو معذور لا يلزمه شيء) وهذا يُقَيَّد معذور عند من؟ في حقوق من؟ في حقوق الله عز وجل، وأما في حقوق الآدميين فلا بد منه، فلو اعتدى وقتل حينئذٍ لا بد من الضمان، فلو اعتدى وأحرق مالاً لا بد من الضمان.
قال هنا: (فهو معذور لا يلزمه شيء) يريد أن يبين بهذه القاعدة أن هناك فرقًا أو فرقٌ بين ترك المأمور وفعل المحظور، فرق بين من ترك المأمور وفعل المحظور بينهما فرقٌ، فترك المأمور لمن تركه بعذرٍ لا يَأْثَم، إذا تركه بعذرٍ لا يأثم، كمن نام عن صلاةٍ حتى خرج وقتها. حينئذٍ نقول: لا يأثم لكنه لا يبرأ حتى يأتي بالمأمور «من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها». جاء أمرٌ جديد، ولذلك نقول: إذا ترك المأمور المؤقت حتى خرج وقته فحينئذٍ: لا يشرع له القضاء؛ لأن الصحيح عند الأصوليين أن القضاء لا يُشرع إلا بأمرٍِ جديد، وأما الأمر السابق فلا يدل إلا على الأداء فحسب، لأن القضاء حكمٌ آخر، حكمٌ شرعيٌ آخر، والأداء حكمٌ شرعيٌ أَوَّلِي حينئذٍ: إذا جاء الأمر ولم يأت دليل يدل على جواز إخراجه عن وقته أو قضائه بعد خروج وقته حينئذٍ نقول: الأصل عدم المشروعية، فلو صلَّى بعد خروج الوقت وقد تركها عامدًا متعمدًا لا لعذرٍ شرعي صلاته باطلة لا تصح لا تنعقد أصلاً، وكذلك لو أَفْطَرَ يومًا من رمضان أو أكثر ولم يكن ثَمَّ عذرٌ شرعيٌ حينئذٍ: لو صام ألف يومٍِ لا يقضي ذلك اليوم، بل ولا ينعقد. إذًا يُريد أن يفرق يبين بهذه القاعدة أن هناك فرقٌ بين ترك المأمور وفعل المحذور، فترك المأمور لمن تركه بعذرٍ لا يأثم لكنه لا يبرأ حتى يأتي بالمأمور، وأما فعل المحظور فإن فعله وهو معذورٌ لا يلزم به شيءٌ لا إِثْمٌ ولا غيره عند بعضهم، لكن إذا كان ثَمَّ شيءٌ يتعلق بالكفارة كالحج مثلاً فحينئذٍ: لا بد من الكفارة.
قال رحمه الله تعالى: (وهذا الفرق ثابتٌ بالسنة الصحيحة في صورٍ عديدة، والصحيح: طرده في جميع صورهم إلا ما يتعلق بضمان المتلفات فإنه من خطاب الوضع). يعني: هذه المسألة لا تُعارض الضمان، هذه القاعدة لا تعارض الضمان، إذا قيل: لا يأثم لا يلزم منه ألا يجب الضمان، أليس كذلك؟ لأن رفع الإثم هذا متعلقٌ بخطاب التكليف، والضمان إيجابٌ متعلق بخطاب الوضع. إذًا: لا يلزم من عدم الإثم عدم الضمان (كما اختار ذلك شيخ الإسلام) رحمه الله تعالى (وغيره).
(10/12)

(فمن ذلك) الأمثلة (من صلى وهو محدث، أو تارك لركن، أو شرطٍ من شروط الصلاة لغير عذرٍ فعليه الإعادة) هذا إن كان في الوقت مع الإثم إن تعمد وإلا فلا، عليه الإعادة من (صلى وهو محدث) إن كان يعلم لم تنعقد صلاته. أليس كذلك؟ وهل يكفر أم لا يكفر؟ خلافٌ والجمهور على عدم كفره، لأنه عُدَّ عند بعض أهل الأعلم كالأحناف أنه مستهزئ والمستهزئ بالصلاة بشرعٍ كوجوب الصلوات ونحوها يعتبر استهزاءًا بالدين، والاستهزاء بالدين يعتبر من المكفرات من نواقض الإسلام، والجمهور على أنه لا يكفر. الشاهد: أنه لو صلى وهو محدثٌ إن كان عالِمًا فالإثم وقيل بكفره، وإن كان جاهلاً أو ناسيًا حينئذٍ لا إثم لكن إن تذكر أو عُلِّمَ حينئذٍ يجب عليه الإعادة، أو صلى تاركٌ لركنٍ إن كان عمدًا فهو كترك الصلاة، إن كان جاهلاً أو ناسيًا فعليه الإعادة. هل يأثم؟ لا. أو شرطٍ من شروط الصلاة كالقبلة مثلاً أو ستر العورة بجهلٍ أو نسيان فحينئذٍ نقول: عليه الإعادة (فعليه الإعادة) - لا أحد يسأل في وقت الدرس يا إخوان -، ولو أنه جاهلٌ أو ناسي، فحينئذٍ عليه الإعادة مطلقًا، وأما الإثم فهو الذي يترتب على العمد وغيره، لأنه إما أن يكون عامدًا أو لا، إن تعمد جاء الإثم، وإلا فلا، وأما الإعادة فهي لازمةٌ (ومن نسى النجاسة) هذا فعل ماذا؟ مثالٌ لفعلٍ محظور، لأن اجتناب النجاسة واجب، والتلبس بالنجاسة حرامٌ. إذًا فعل محظورًا، (ومن نسي النجاسة في بدنه أو ثوبه أو جهلها فلا إعادة عليه) لا يأثم ولا يعيد، لماذا؟ لماذا فرقنا؟ لأن الأول الذي هو الحدث لأنه تاركٌ للطهارة، الطهارة إيجاد فعلٌ لا بد من إيجاد حقيقته، والركن والشرط لا بد من إيجاد حقيقته فهو من قبيل فعل المأمورات، فحينئذٍ لا بد عليه من الإعادة، وأما اجتناب النجاسة فهو ترك النجاسة لأن الشارع إنما أراد الكفّ، فإذا نَسِي حينئذٍ يُعْفَى عنه، وهل يطالب بالإعادة أو لا؟ الجواب: لا، على خلافٍ في هذه المسألة، لكن الصحيح أنه لا يطالب بالإعادة. قال: (لأن الأول من ترك المأمور، والثاني من فعل المحظور، وفي النوعين يستويان في عدم الإثم إن لم يكن متعمدًا) وجاء دليلٌ خاصٌ في ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كان يصلي ذات يومٍ وعليه نعلاه فخلع نعليه فخلع الصحابة نعالهم فلما سلم سألهم «لماذا»؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا. حديث أبي سعيد عند أبي داود وغيره فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن جبريل آتاني فأخبرني أن فيهما ما قذر». هل استأنف الصلاة؟ الجواب: لا، لم يُعد الصلاة، وكذلك خلعهما وأزال النجاسة مباشرةً، واستمر في صلاته فدَلَّ على أن اجتناب النجاسة إذا لم يمتثل نسيانًا أو جهلاً فحينئذٍ لا ينقض الصلاة من أصلها.
(10/13)

قال رحمه الله تعالى: (ومن ترك نية الصيام لم يصح صومه) لأنه ترك واجبًا مأمورًا به ولا بد أن ينوي فإذا «إنما الأعمال بالنيات»، «لا صيام لمن لم يبيت النية». وحينئذٍ: إذا لم يبيت النية في الصيام الواجب نقول: هذا لا يصح صومه لأنه ترك ركنًا من أركان صحة الصوم، (إذ الأعمال كلها موقوفةٌ صحةً وبطلانًا على النية الأعمال التي تشترط فيها النية لم يصح صومه ومن فعل مفطرًا أكل ناسيًا أو شرب ناسيًا، أو جامع ناسيًا على الصحيح أو جاهلاً) لا يدري أن هذا الجماع مثلاً مفطر أو استمنى ولا يدري أنه مُفَطّر حينئذٍ نقول: صح صومه، لماذا؟
أولاً للنص جاء حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيح: «أن من نسي فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاها». إذًا جاء النص، كذلك القاعدة أنه من قبيل فعل المنهيات، لأنه منهيٌ عن الأكل وقت صومه، ومنهي عن الشرب وقت صومه، ومنهيٌ عن الشهوة وقت صومه، حينئذٍ إذا ارتكب شيئًا من المنهيات فحينئذٍ نقول: إن كان جهلاً أو نسيانًا فلا أثر له بصومه، وأما إن تعمد فقد أفطر.
(ومن ترك شيئًا من واجبات الحج جهلاً أو نسيانًا فلا يأثم) لكن قال: (فعليه دَمٌ) لزوم الدم فيه خلافٌ بين أهل العلم، لكن هنا نقول: من نسي أو جهل شيئًا من واجبات الحج وحينئذٍ يأثم؟ لا يأثم، ترك واجبًا ولكن له جبرٌ وهو الدم على خلافٍ فيه، (ومن غطى رأسه وهو رجل محرم) احترازًا عن المرأة (أو لبس المخيط، أو تطيب المحرم، أو قلم أظفاره أو حلق شعره وهو جاهلٌ أو ناسٍ فلا شيء عليه) وفي بعض هذا خلافٌ ضعيف.
القاعدة أن من ترك فعل المأمور - ونقيد هذا المأمور بأنه غير مؤقت - فإن تركه عمدًا في المأمور المؤقت لا يفعله ولا نقول: بأن الذمة لم تبرأ إلا بفعله.
والأمر لا يستلزم القضاء ... بل هو بالأمر الجديد جاء
(10/14)

حينئذٍ لا بد من أمرٍ جديد يدل على إيقاع العبادة مرةً أخرى، لأن الله تعالى إنما حدد الوقت للصلاة أو غيرها لحكمةٍ يعلمها هو جل وعلا، وليس عندنا هذه العلة لأنه يكون من باب القياس، إذا حدد الله عز وجل الساعة الثانية عشرة مثلاً إلى الساعة الثالثة وقت الظهر حينئذٍ إيقاع الصلاة بعد الساعة الثالثة كإيقاعها قبل الثانية عشر لا فرق بينهما، وإنما جاء النص فيمن أوقع الصلاة خارج وقتها وكان ثَمَّ عذرٌ فقط «من نام أو نسي». وأما الدلالة بأن هذا النص يدل على أن المتعمد من بابٍ أولى فهذا غلط وليس بصحيح، هذا كما يقوله ابن حزم: من أفسد أنواع القياس، إذ قيس فيه معذورٌ شرعًا وهو النائم والناسي على الفاسق، أو قيس العكس قيس الفاسق على الناسي الذي هو معذور، لأنه ماذا فعل قاس المتعمد هذا ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها ما حكمه في الشرع؟ قطعًا أنه فاعل كبيرة وأنه فاسق والصحيح أنه يكفر، لكن على هذا القول بأنه فاسق حينئذٍ: قيس هذا النوع على من نسي أو نام، كيف هذا؟ لا يصح القياس هذا، هذا قياسٌ فاسدٌ. إذًا نقول: إخراج الصلاة عن وقتها عمدًا كفعل الصلاة قبل وقتها، ومن صام بعد رمضان عمدًا دون عذر شرعي كمن صام في شعبان، شعبان الذي قبل رمضان حينئذٍ نقول: هذا يدل على أن الشرع إنما قيد هذه المأمورات بهذا الوقت ابتداءً وانتهاءً لحكمة يعلمها هو، فإذا جوزنا إيقاع الصلاة بعد خروج وقتها فقد قسنا الزمن الذي بعد خروج الوقت على الزمن الذي عَيَّنَه الشارع وهذا مما لا يجوز فيه القياس لأن العلة غير معلومة، وهذا مقامه التعبد، كمن يقيس غير عرفة على عرفة يصح أو لا يصح؟ لا يصح، مثله من يقيس غير منى على منى، أو لا؟ الحكم واحد؛ لأن العلة غير مدركة، العلة هنا غير معقولة، أمر تعبدي حينئذٍ نقول: لا يصح أن يقال: بأن من فعل الصلاة بعد وقتها صلاته صحيحة، إلا إذا كان معذورًا، ولذلك عائشة رضي الله تعالى عنها لما سُئِلَتْ: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كنا نُؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. هذا دليل القاعدة، وهو استدلالٌ واضح بين لا يُنكره إلا مكابر أو مجتهد فلا نتعدَّى، كنا نؤمر بقضاء الصوم مع وجود قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]، مع قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ} [البقرة: 185] إذًا: الأدلة هذه تدل على الأداء ولا تدل على القضاء، فلما أفطرت لعذرٍ في رمضان احتاجت إلى دليلٍ آخر فقالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم. ولم تنظر إلى الأدلة السابقة بأنها دلت على الأداء والقضاء معًا. ولا نُؤمر بقضاء الصلاة. مع وجود الأدلة الدالة على الأمر بالصلاة. إذًا: الأدلة الدالة على الأداة لا تدل على القضاء، وإنما نحتاج إلى دليلٍ آخر. فقوله: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} [البقرة: 43] يدل على إيقاع الصلاة في أوقاتها المحددة شرعًا لها، وإيقاع الصلاة بعد خروج وقتها هذا قضاء يحتاج إلى دليلٍ آخر، والأدلة السابقة لا تدل، ولذلك قالت: ولم نؤمر بقضاء الصلاة.
(10/15)

مع وجود قوله: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ}، {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} إلى آخره إذًا: (من ترك المأمور ولم يبرئ إلا بفعله ومن فعل المحظور وهو معذورٍ بجهلٍ أو نسيان فهو معذور لا يلزمه شيء).
(القاعدة الثامنة والعشرون: يقوم البدل مقام المبدل) يعني: منه، ... (إذا تعذر المبدل منه). هذه شبه ما يكون بضابط ويدخل تحته قليل من الصور والمسائل، فهي قاعدة صغرى وضابط (يقوم البدل مقام الْمُبْدَل) يعني: منه، إذا تعذر المبدل منه يستفاد منه أنه لا يُجمع بين البدل والمبدل منه، وهذه القاعدة أصلها التيمم مع الطهارة المائية ولذلك أورد عليها الدليل فقال: (قال الله تعالى بعدما أوجب الطهارة بالماء: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}) ثم بَيَّنَ صفة التيمم فأقام التيمم عند تعذر طهارة الماء مقام طهارة الماء أو لا؟ لأنه قال ماذا؟ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] {فاغْسِلُواْ} الْغَسْل في الشرع يُطلق دون قيدٍ، بمعنى أنه قد يقال: غَسَلَ {فاغْسِلُواْ} ولا يُذْكَرُ الماء فحينئذٍ نقول: لم يُذْكَر الماء لأن الْغَسْل داخلٌ في مفهومه الماء، وخاصةً إذا قامت القرينة على ذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} ما قال بالماء. لماذا ما قال بالماء؟ لأنه معلومٌ أن الغسل لا يكون إلا بالماء وهذا في الشرع، إلا إذا دلت قرينة تدل على أن الغسل قد لا يكونُ بالماء، لأن الغسل لا بد من الجريان جريان الماء، أو الدلك والعصر ونحو ذلك إذا كان في الثياب، وأما المسح فهل يسمى غسلاً أم لا؟ قد يسمى في لسان العرب غسلاً أليس كذلك؟ يسمى غسلاً، ولذلك يقال: تمسحت للصلاة. أي توضأت هكذا جاء في لسان العرب: تمسحت للصلاة. أي: توضأت. وهذا يفيدنا أن قوله تعالى في نص الآية: (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) [المائدة: 6] قراءة الخفض أنه ليس من قبيل الجر بالمجاورة، لأن المجاورة هذا ضعيف لا يُعول عليه، وإن ذهب إليه بعض كبار أهل العلم لكنه ضعيف، وإنما الجار إنما يكون بالمضاف أو بحرف الجر فقط، وأما ما عداه فالتوهم والمجاورة هذه كلها ضعيفة أو الإضافة فهي ضعيفة لا يعول عليها. حينئذٍ: (وَأَرْجُلِكُمْ) نقول: هذا ما العامل فيه؟ العامل فيه هو العامل في رؤوسكم. قال: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} واضح إعرابه، الباء حرف جر رؤوسكم مجرور بالباء، (وَأَرْجُلِكُمْ) الواو حرف عطف أرجلِ هذا بالخفض معطوف على {رُؤُوسِكُمْ} والمعطوف على المجرور مجرور لا إشكال فيه والعامل هو الباء حرف الجر، كيف نفسر الآية؟ نقول: {وَامْسَحُواْ} حينئذٍ: نحمله على المعنيين لأنه لفظٌ مشترك يطلق ويراد يطلق المسح ويراد به الغسل، ويطلق المسح ويراد به المسح الذي يكون إصابة الماء فقط دون جريان الماء، حينئذٍ: {وَامْسَحُواْ} بنوعيه {بِرُؤُوسِكُمْ} على المعنى المسح الذي ليس بغسل (وَأَرْجُلِكُمْ) على معنى الغسل الذي ليس بمسح، وهذا لا إشكال فيه في لسان العرب.
(10/16)

قال هنا: ({فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}) فأقام التيمم. يعني الرب جل وعلا عند تعذر طهارة الماء فلا يجتمعا ({فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً}) يعني: عدم الماء حقيقةً وحكمًا ({فَتَيَمَّمُوا}) أمرهم بالتيمم عند عدم وجود الماء حقيقةً وحكمًا، [فتقوم طهارة فتقوم مقام فتقوم ما هو؟ ولا يقوم؟] (فتقوم مقام طهارة الماء في كل شيء فأقام التيمم عند تعذر طهارة الماء مقام طهارة الماء فيقوم مقام طهارة الماء في كل شيء)، يعني: كل ما رتب على الوضوء من أحكامٍ رتب على التيمم ولا خلاف بينهما إلا في حالٍ واحدة وهي أنه إذا وجد الماء وجب أن يمسه بشرته فقط، أن يمسه بشرته وما عداه فحينئذٍ نقول: كما أنه يجوز أن يتوضأ قبل دخول الوقت جاز أن يتيمم قبل دخول الوقت، كما أنه يصلي بالوضوء فرضين وخمسًا وعشرًا دون ناقضٍ، كذلك إذا تيمم جاز أن .. إلى آخره، كل ما ثبت أنه مبطلٌ للوضوء فهو مبطلٌ للتيمم، لأن الله عز وجل جعله بدلاً له من كل وجهٍ، وعليه ينبني مسألة خلافيةٌ كبرى هل التيمم رافعٌ للحدث أم لا؟ قالوا: ما دام أن الرب جل وعلا جعله مقام الماء من كلِ وجهٍ وأطلق فكما أن الوضوء يرفع الحدث، وكذلك الغسل حينئذٍ ما قام مقامه يرفع الحدث الأصغر والأكبر، وهذا الذي ذهب إليه بعض أهل العلم، والصحيح أنه لا يرفع الحدث، وهنا القاعدة مقيدة ليست مطلقة (يقوم البدل مقام المبدل منه) فيما جاء الشرع بأنه مسكوتٌ عنه حينئذٍ يُلحق به، أو نص الشارع على أنه يقوم مقامه، وأما إذا ورد الشرع بالتنصيص حينئذٍ نقول: لا يقوم مقامه، ودلت النصوص على أن التيمم لا يرفع الحدث. ولذلك جاء في قصة [عبد الله بن عمرو بن العاص أو] (1) عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل لما صلى بأصحابه وهو جنبٌ متيمم لما شكوا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أصليت بأصحابك وأنت جنبٌ». فسماه جنبًا مع كونه متيمًا، وحينئذٍ: يكون هذا النص دالاً على ماذا؟ على أن التيمم لا يرفع الحدث. يدل على ذلك ما جاء في أحاديث: «الصعيد الطيب وضوء المسلم». أو «وضوء المسلم»، أو قال: «طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليتق الله، وليمسه بشرته». إذًا: الصحيح المسألة طويلة الصحيح أنه لا يرفع الحدث. (ومنها) أي: من هذه المسائل التي (يقوم البدل مقام المبدل منه) (إذا أبدلت الأضحية، أو الهدي أو الوقف بغيره قام هذا مقام الأصل) هذا واضحٌ بين لا يحناج هذا مَرَدَّه إلى العرف أصلاً، إذا اشترى أضحيةً ثم أكلها مثلاً فقلنا: بأنه يجوز بأن يأكلها أو مرضت فأخذ واحدةٌ أُخرى حينئذٍ: قامت الثانية مقام الأولى لأنه أعرض عن الأولى وجعل النية صارفةً إلى الثانية، كذلك الهدي، ولو ساقه معه فمرض حينئذٍ أخذ بدله عرفًا أن الثاني يقوم مقامه ولا يحتاج إلى نص، أو الوقف بغيره كأن يكون أوقف شيئًا على شيء ثم تلف أو أنه زال الْمُوقف عليه حينئذٍ يصرف إلى غيره، كما لو قيل: هذا الوقف المال يَدُرًّ على هذا المسجد حينئذٍ المسجد هدم يصرف هذا الوقف لمسجدٍ آخر، هذا لا يحتاج إلى نصوص، قام هذا أي البدل مقام الأصل.
__________
(1) سبق.
(10/17)

إذًا: يقوم البدل مقام المبدل منه كالوضوء والغسل إذا تعذر المبدل منه فهما سواء إلا إذا دل النص على التفرقة بينهما.
قال رحمه الله تعالى: (القاعدة التاسعة والعشرون: يجب تقييد اللفظ بملحقاته من وصف، أو شرط، أو استثناء، أو غيرها من العقود).
وهذا (يجب) هل الوجوب شرعي هنا؟ نقول: نعم الوجوب شرعيٌ ولغويٌ وعرفيٌ، الوجوب هنا شرعيٌ ولغويٌ وعرفيٌ. بمعنى: أن الكلام لا يؤخذ بعضه ويترك الآخر، ها، لا يؤخذ بعضه ويترك الآخر وإنما إذا كان ثَمَّ كلامٌ مرتبطٌ بعضه ببعض فلا بد أن يؤخذ جملةً، هذا المراد، وهذا معلوم من لسان العرب وكذلك الشرع وكذلك العرف، أنه لا يأخذ كلمة ويترك الآخر، أَعْطِي هذا المال طلاب العلم إلا زيدًا، قال: أعطي طلاب العلم وسكت عن إلا زيدًا، ها، لا يصح هذا. هذا لا يصح.
قال رحمه الله تعالى: (يجب) إذًا شرعًا ولغةً وعرفًا، والدليل الشرعي هنا كيف نوجبه بقاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب) لأن فهم الكتاب والسنة واجب، ولا يمكن فهمه إلا بلغة العرب وتَعَيَّنَ أن لغة العرب لا يؤخذ الكلام بعضه ويترك الآخر، بل الكلام متصلٌ بعضه ببعض، فحينئذٍ: يجب أن تؤخذ الصفة مع موصوفها، والمستثنى مع المستثنى منه، وكذلك البدل مع المبدل منه، والمؤكد مع توكيده .. وهكذا لا بد أن يؤخذ مرةً واحدة، وأما تفصيله فأخذ ما يروق ودفع ما لا يروق هذا من فعل أهل الزيغ. (أو شرط) قال: (من وصف) سواءً تقدم أو تأخر (أو شرط) سواءً تقدم أو تأخر فلا يضر (أو استثناء، أو غيرها) يعني: غير هذه القيود اللفظية أو المعنوية من بدلٍ أو توكيدٍ أو قرينةٍ أو سياق أو كلامٌ سابق ولاحق ونحو ذلك.
قال رحمه الله تعالى: (وهذا الأصل واضح معلوم من لغة العرب) يعني: أن اللفظ يُفهم بما معه من سياقٍ وسباق، فاللفظ العام الموصوف يُقَيَّدُ بهذا الوصف وهذا من مباحث المطلق عند الأصولية. قال: (معلوم من لغة العرب، وغيرها ومن العرف الجاري بين الناس) لاشك في هذا، أن العرف عند الناس إذا أطلق مطلقًا أخذ بإطلاقه، وإذا قَيَّدَهُ حينئذٍ لا بد من أخذه بقيده، أعطي الرجال الفقراء أعطي رجال ومشى. نقول: لا لا بد من أخذ كلمة الفقراء، إذ لا يُفهم الموصوف إلا مع صفته، ما دام أنه وصف في كلامه فلا بد من اعتباره (ومن العرف الجاري بين الناس) لأنه تعليل لو لم يعتبر ما قُيِّد به الكلام لفسدت المخاطبات وتغيرت الأحكام، إذ لو قال له: اشتر لي شاةً حلوبًا. فذهب فاشترى شاة صار نزاع، صار بينهما نزاع، قال له: اشتر لي شاةً حلوبًا. فاشترى شاة ولم تكن حلوبًا. لماذا؟ أخذ الموصوف دون صفته، فقد أخطأ في الحكم، أو قال له: أريد زوجةً دينةً، فأخذ زوجة وترك الوصف، هذه مصيبة حينئذٍ، حينئذٍ نقول: هذا أخذ الموصوف دون صفته.
(10/18)

قال رحمه الله تعالى: (وهذا مطرد) يعني: هذه التقييدات لها اعتبارٌ ولها معنى، وهو (مطرد لا يتخلف في كلام الله وكلام رسوله وكلام جميع الناطقين) لأن كلام الله تعالى محمولٌ على كلام أهل اللغة، إذ هو هو، يعني: من حيث المدلول، فما كان سائغًا في لغة العرب فهو سائغٌ في كلام الله إلا إذا كان نادرًا أو وحشيًا من الألفاظ أو نحو ذلك مما نص عليه النحاة أو الصرفيون أو البيانيين فحينئذٍ يجتنب، وأما ما شاع في لسان العرب فحينئذٍ نقول: شائعٌ في القرآن، فكما أننا نعتبر هذه القيود في الكتاب والسنة (فكذلك نعتبره في كلام الناس ونحكم عليهم بما نطقوا به من إطلاق أو تقييد) فالمطلق يبقى على إطلاقه، والمقيد كذلك يُعمل بالقيد ما لم يخالف الشرع، كما لو أوصى لوارثٍ، لوارثٍ نقول: هذا متعلق بقوله: أوصى، حينئذٍ: لا يعتبر هذا القيد (ويدخل في هذا الأصل من الأحكام ما لا يُعدُّ ولا يحصى من ألفاظ المتعاقدِين). قال رحمه الله تعالى: ... (ويدخل في هذا الأصل من الأحكام ما لا يعد ولا يحصى من ألفاظ المتعاقدين) يعني: كما أنه يتعامل مع كلام الله عز وجل وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - باعتبار كلام أوله وآخره، والموصوف مع صفته، والمستثنى مع المستثنى منه .. إلى آخره، كذلك ما يتعلق بالحكم على أحوال الناس فكل كلامٍ يتكلم به الناس فيما بينهم من العقود والطلاق والنكاح حينئذٍ لا بد أن تكون الشروط معتبرة، إذ لو عوينت هذه الأوصاف وهذه الاستثناءات لوقع فسادٌ عريض. قال: (من ألفاظ المتعاقدين فنكاحٌ دون شرط أو قيد) وهذا نكاحٌ مطلق (ونكاحٌ فيه شرط وقيد هذا نكاحٌ مقيد) فرقٌ بينهما (وصفة العقود) بعض العقود مطلقة وبعضها مقيد بشروط، ومن شروط الْمُوقِفِين والْمُوصِين ومن القيود والاستثناءات في كلام المطلقين قال: أنت طالق إن دخلت بيت فلان إذًا: أنتي طالق إن. لا بد من اعتبار الشرط، فلو ألغي الشرط لوقع فساد، أنت طالق، طُلِّقَتْ زوجته، والْمُعْتِقِين كذلك، تعتق إذا حصلت كذا، ومن القيود في كلام الحالفين والمعترفين بحقٍ من الحقوق على الصفة التي أقروا بها، كما لو أعترف بدينٍ مؤجل إلى سنة وصاحبه طالبه قبل السنة، حينئذٍ نقول: هذا مقيد ولا يكون إلا في وقته، وكما أننا نعتبر القيود اللفظية كما مرَّ فكذلك تعتبر القرائن، يعني: السياق والسباق قرينة سواءً كانت حالية. يعني: الأسباب المهيجة للقول أو غير ذلك، فالقرائن تُطلق المقيد وتقيد المطلق.
(10/19)

مثاله: رجل حلف أن لا تدخل زوجته بيت فلان، في ظاهر اللفظ أنه أطلق لكن بحاله والسبب الذي هيجه في هذا الكلام قد يكون مُقيدًا فحينئذٍ قد يكون حصل منكرٌ ما فوالله ما تدخلي بيت زيدٍ، حينئذٍ يكون المنع هنا من جهة ماذا؟ من جهة وجود المنكر، فأما إذا لم يوجد حينئذٍ يبقى الأصل على إطلاقه، حينئذٍ يقيد هذا اللفظ أو هذا التعبير أنت طالق إن دخلت بيت زيد أو والله لا تدخليني بيت زيدٍ يقيد بماذا؟ بما إذ كان ثَمَّ منكر وما عداه فحينئذٍ يبقى على إطلاقه، والذي قيد هنا قرينته وهي خارجةٌ عن اللفظ، وهو السبب المهيج له، ومقتضى الأحوال أي: العادات ونحوها كما لو قال: اشتري شاةً وذهب وجاء بشاةٍ هذيلة لا لحم فيها عرجاء ونحو ذلك وهذا لا يصدق عليها في العرف أنها شاةٌ، فحينئذٍ يكون فيه خلل، وما يحتك بالكلام من الأسباب المهيجة كالطلاق مثلاً تهديدًا والغايات المقصودة حينئذٍ ننظر إلى المعنى، فكما يكون القيد لفظيًا كذلك يكون القيد معنويًا، وهو النظر في العادة يعني: في العرف فيقيد به اللفظ، أو النظر في السبب المهيج للمتكلم، كمن طلق زوجته تهديدًا لم يرد الطلاق حينئذٍ لا يقع الطلاق ويعتبر يمينًا ويكفر كفارة يمين. نقول: السبب الذي حملنا هذا اللفظ على قيده هو الذي هيجه ونظر فيه. والأمثلة كثيرة وإنما تذكر في باب المطلق والمقيد عند الأصوليين.
(القاعدة الثلاثون: الشركاء في الأملاك يشتركون في زيادتها ونقصانها ويشتركون في التعمير اللازم وتقسط عليهم المصاريف بحسب ملكهم، ومع الجهل بمقدار ما لكل منهم يتساوون)
وهذه قاعدةٌ صغرى وهي ضابط، يعني: ضابط من ضوابط الشركات. (الشركاء في الأملاك) من مسائل النزاع التي تقع بين الشركاء الزيادة والنقصان في الشركة. يعني: أرباح، الزيادة المراد بها الأرباح كيف تقسم؟ كذلك النقصان الخلل كيف يكون الضمان على الجميع؟ حينئذٍ: يحصل نزاع بينهم في الزيادة والنقصان. كيف تقسم هذه الزيادة إذا ظهرت؟ وكيف كذلك يكون إذا حصل نقصٌ؟ فبين المصنف بهذه القاعدة أنهم يشتركون في الزيادة ويشتركون في النقص، يعني لا يشتركون في الأرباح فحسب ويتحمل الضمان في النقص واحدٌ منهم؟ لا، كما أن الشركة تكون في الأرباح كذلك تكون في الخسائر، لكن كيف توزع الأرباح وكيف توزع الخسائر؟ وأن هذا الاشتراك على نوعين. فبين المصنف بهذه القاعدة أنهم يشتركون في الزيادة ويشتركون في النقص وأن هذا الاشتراك على نوعين:
الأول: إما أن يكون لكل واحدٍ منهم مقدارٌ معلوم. يعني: في الشركة، زيد وعمرو شركاء أحدهما بالنصف والآخر بالنصف، أحدهما بالثلثين والآخر بالثلث، أو ثلاثة أشخاص كل واحدٍ منهم بالثلث، حينئذٍ نقول: هؤلاء الشركاء وأقساطهم معلومة حينئذٍ توزع الأرباح على قدر شركتهم ويتحملون من الخسارة بقدر شركتهم.
(10/20)

الأول: إما أن يكون لك واحدٍ منهما مقدارٌ معلوم فيكون أمر الشركاة بحسب هذا المقدار في الزيادة والنقص، مثاله في شركة الأبدان إذا اشتركوا كل يعمل ببدنه، وكل واحدٍ بحسب عمله، فمن عمل أكثر فله نصيبٌ أكثر، ومن عمل أقل فله نصيبٌ أقل، أو كانت شركة مضاربة فعلى حسب ما اتفقا عليه كالنصف أو الثلث فلكل واحدٍ النصف في الزيادة الربح، وعلى كل واحدٍ النصف في النقص الخسارة، هذا إذا عُلِمَ أمر الشراكة بينهما، وأما مع الجهل فحينئذٍ (يَتَسَاوَوْن) في الأرباح وفي الخسارة، الأرباح كم؟ مائة ألف هما شخصان إذًا بالنصف يتساوون، النقص كم؟ مائة ألف إذًا: يتساوون، لماذا؟ لأنه ليس لكل واحدٍ مقدارٌ معلومٌ في الشركة. إذًا الشركة على نوعين:
إما أن تكون ماذا؟ لكل واحدٍ منهم مقدارٌ معلوم في الشركة وحينئذٍ لا إشكال فيه الأمر واضح، فبحسب المقدار يكون نصيبه زيادةً ونقصًا، وأما إذا لم يكن المقدار معلومًا بل مجهولاً حينئذٍ نقول: بالتساوي. الشركاء في الأملاك. الأملاك يشمل الأملاك الحرة وكذلك الأوقاف (يشتركون في زيادتها ونقصانها) فإذا حصل زيادةٌ في هذا البستان فلأحدهم الثلث والآخر الثلين مثلاً، فلكل واحدٍ الزيادة بحسب ملكه. قال: (ويشتركون في التعمير اللازم) التعمير اللازم يقصد به التعمير الذي يكون عدم تعميره سببًا للدمار يعني: إذا كان عندهم بيت يؤجر ولكل واحدٍ منهم مقدار معلوم، هذا له النصف وهذا الثلث وهذا له .. إلى آخره، حينئذٍ نقول: التعمير اللازم أنه لو لم يعمر البيت بأن ينظر في جذوره لهدم، فحينئذٍ نقول: يجب على الجميع تعميره كلٌ بحسب مقداره، فمن كان له الثلث حينئذٍ: يدفع الثلث من أجل تعميره لئلا ينهدم، ومن كان له النصف حينئذٍ يدفع النصف، وهكذا. إن كان مجهولاً حينئذٍ يتساوون، كم يعمر؟ قال: بخمسين ألف. إذًا: كل واحدٍ عليه خمسةٌ وعشرون ألفًا، هذا متى؟ في التعمير اللازم ... (ويشتركون في التعمير اللازم) يعني: لا بالتعمير الكامل، أما التحسينات فلا، والتعمير اللازم هو الذي يكون سببه ضمار المشترك، وأما إدخال التحسينات عليه فإنهم لا يشتركون إلا إذا رضوا جميعًا، ويشتركون في التعمير اللازم وتقسط عليهم المصاريف بحسب ملكهم، فمن له الثلثان فسيدفع الثلثين وهكذا، بحسب ملكهم وهذا هو العدل ومن امتنع حينئذٍ يجبر إذا امتنع أحدهم يجبر. يعني: إذا لم يصلح هذا البيت أو هذه المزرعة لانهدمت حينئذٍ وتبرع واحدٌ منهم حينئذٍ يُلْزَمُ الثاني ويجبر بدفع ما يكون مقدارًا لمقداره.
قال: (ومع الجهل بمقدار ما لكل منهم يَتَسَاوَوْنَ) يعني: في الزيادة والنقصان.
(10/21)

قال رحمه الله تعالى: (ويدخل في هذا شيء كثير، فإذا احتاجت الدار، أو البستان المشتركة بين اثنين فأكثر إلى تعمير وخشي من سقوط جدره مثلاً، وامتنع أحد الشركاء ألزم بذلك) هذا تحل النزاع أو لا؟ تحل النزاع بين الشركاء ألزم بذلك. إن كان له مقدارٌ معلوم ألزم بحسب نصيبه وإلا فالمساواة، مع أنه لو كان وحده لم يجبر، لو كان بيته سينهدم وهو ملكه وحده أنهدم أو لم ينهدم، لا يعنينا لماذا؟ لأنه ليس عندنا نزاع، المراد هنا وضع قاعدة لحل النزاع بين المتخاصمَيْنِ، وأما هو فلا يلزمه شيء، لو تركه حينئذٍ لا إشكال فيه، لو كان وحده لم يجبر (لأن الشيء إذا تعلق به حق الغير وجب فيه ما لا يجب في الشيء الذي ليس لأحدٍ فيه شيء). يعني: الشيء المنفرد لا يتعلق به حق الغير حينئذٍ: لا تتعلق به الأحكام كما لو تعلقت به أحكام الغير. يعني: الشراكة بين الناس لها وضعٌ في الإسلام، لأنه أصله الاتفاق: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] ووحدتهم هذا الأصل فيه، فكل شيءٍ يسبب النزاع فلا بد من حلٍ له في الشريعة، وأما وحده هذا وشأنه.
(10/22)

قال رحمه الله تعالى: (وكذلك عليهم أن يقوموا بمؤنة المماليك من البهائم والآدميين ونفقاتهم على قدر الأملاكهم) بمؤنة. يعني: بقيمة ونحو ذلك (بمؤنة المماليك) هذا إذا كانوا شركاء في بهائم، اشتركوا في بهائم أو اشتركوا في عبيد ونحو ذلك، حينئذٍ لا بد من نفقة كيف تعيش البهائم؟ لا بد من أكلٍ وشربٍ حينئذٍ النفقة التي تُدفع للبهائم أو للمماليك إن كانوا بمقادير معلومة فلك واحدٍ نصيبه فالذي له نصيب الثلث حينئذٍ يدفع من هذه النفقة الثلث، والذي له نصيب الثلثين يدفع الثلثين وهكذا، وإن لم يكن لهم مقدار معلوم حينئذٍ: يتساووا في المؤنة. قال: (من البهائم والآدميين كالعبيد والإماء ونفقاتهم على قدر أملاكهم) فصاحب الثلثين عليه من النفقة الثلثان وصاحب الربع، الربع وهلم جرا (وكذلك لو احتاج النهر أو البئر أو الأرض إلى تعمير عمَروها) أو عمَّرُوها (جميعاً على قدر أملاكهم، ولا فرق بين الأملاك) كالأمثلة السابقة الأملاك (الحرة والأوقاف) لأن الوقف إذا أُوقِفَ على أُناسٍ مثلاً وكلهم سكنوا الوقف حينئذٍ نقول: يجب عليهم تعمير الوقف إذا كان عدم تعميره سيؤدي إلى سقوطه، فحينئذٍ هذا الحق ليس حق شراكةٍ، وإنما هو حقٌ ملكٍ يتعلق بالوقف، ولذلك عَمَّمَ المصنف ورأى أن الشراكة هنا في نوعين، لا فرق بين الأملاك الحرة الخاصة بالناس والأوقاف على أناسٍ مُعَيَّنِين فيلزم الموقوف عليهم أن يقوم بإصلاحه لأنه وقفٌ عليهم ولا يشاركهم أحدٌ فيه. (وكذلك يلزم الجار مباناة جاره إذا اشتركا في الحاجة) جارٌ وبجاره جار، كلٌ منهما متجاوران فحينئذٍ: إذا دعت الحاجة إلى بناء جدارٍ مثلاً ليسد من يتطلع عليهم من جارٍ ثالثٍ حينئذٍ: إذا بنى أحدهم فيلزم الثاني أن يشارك في أجرة هذا الجدار، ولذلك قال: (وكذلك يلزم الجار مباناة جاره) مباناة الجار هنا المراد بها قيمة الجدار مثلاً، أن يتحملا نفقة بناء الجدار كما يتحمله الآخر، فإذا كان بينهما جدار فالواجب أن يُبنى الجدار على نفقتهما جميعًا لأن هذا مشترك. ولذلك قيده إذا اشتركا في الحاجة. يعني: لهما حاجةٌ واحدة. ثم قال رحمه الله تعالى: (ويلزم الأعلى منهم سترةٌ تمنعه من مشارفة جاره الأسفل). يعني: من كان قد بنى بيتًا عشرة أدوار ويطلع على من أسفله على دورين يلزم الأعلى أن يبني سترةً تمنعه من النظر إلى من دونه، لأن هذا حقٌ له، وهذا ضررٌ يجب إزالته ولا يتحقق ذلك إلا ببناء سترةٍ فتجب على هذا الشخص (ويلزم الأعلى منهم). يعني: من الجيران (سترةً). يعني: جدارًا (تمنعه) تمنع هذا الأعلى من مشارفة جاره الأسفل لئلا يطلع على عوراته، لأن الضرر مدفوعٌ شرعًا فيجب دفعه ببناء هذه السترة.
(10/23)

قال رحمه الله تعالى: (وكذلك إذا زادت الأملاك المشتركة بذاتها أو أوصافها، أو نمائها المتصل أو المنفصل، أو مكاسبها أو نقصت فالشركاء مشتركون في الزيادة والنقص)، (إذا زادت الأملاك المشتركة بذاتها) يعني: بينهم شراكة في بهائم مثلاً، فالزيادة إما أن تكون بالذات أو تكون في نوع آخر من صفات، أو في نوع ثالث يكون النماء متصل أو منفصل، أو بنوعٍ آخر يكون في المكسب، والأمثلة آتية، (إذا زادت الأملاك المشتركة بذاتها) يعني: لو كان بينهما شاة مشتركة فولدت، أو كان بينهم نخلٌ فأخرجت فسَائِل لمن؟ الشركاء مشتركون، إذا بينهما شاة مشتركة حينئذٍ نقول ولدت، الولد هذا لمن لأي الشريكين؟ نقول: الشراكة في الولد كالشراكة في أصله الذي هو الشاة، كم له؟ هذا له الثلث وهذا له الثلثان، في الولد إن لم يكن لهم مقدار معلوم فالنصف والنصف تساو في النصف هذا في الزيادة بذاتها (أو أوصافها) بأن كان بينهما عبد أمي فتعلم الكتابة والقراءة هذا كمن هو أكثر العبد الأمي قد يسوى مئة ريال، والعبد الذي يكتب ويقرأ هذا أغلى قد يساوي مائتي إذًا فيه زيادة أو لا؟ فيه زيادة، حينئذٍ تكون على حسب أملاكهم إن كان نصيبًا معلومًا كالثلث ونحوه أو بالتساوي (أو أوصافها، أو نمائها المتصل) كالسمن مثلاً شاة سمنت عنده حينئذٍ هذه يختلف سعرها، (أو المنفصل) كالولد واللبن، (أو مكاسبها) أي المكسب كعبدٍ بينهم يكتسب إما بعمله أو تجارته، يعني: عندهم عبد مشترك، فإذا عَمِلَ العبد فاكتسب لمن؟ للشريكين على قدر ما عندهم من أسهم معلومة الثلث والثلثين أو بالتساوي فالزيادة بينهم مشتركة كما أن النقص عليهم جميعًا. قال: (فالشركاء مشتركون في الزيادة والنقص بالنسبة إن علمت وإلا فالتساوي).
(10/24)

ثم قال رحمه الله تعالى: (ومن ذلك المحجور عليه لحق الغرماء إذا لم تفِ موجوداته بحقوقهم وزعت عليهم على قدر ديونهم) وهذا إذا لم يوجد المال بعينه محجور عليه لفلسٍ، أناس يطالبونه بديونهم وليس عنده شيء، أو عنده مال لا يكفي، هذا يريد عشرة، وهذا يريد ثلاثين، وهذا يريد خمسين وليس عنده إلا عشرة، يعطي من ويترك من؟ فحينئذٍ قال: (إذا لم تفِ موجوداته بحقوقهم وزعت عليهم على قدر ديونهم) وكيفية توزيع الموجود على قدر الديون أن تنسب الموجود أو ينسب الموجود إلى الديون ويُعْطَى كل واحد من دينه بمثل تلك النسبة، فإذا قدرنا أن على شخصٍ عشرة ألاف ريال مثلاً للأول منها خمسة آلاف وللثاني ثلاثة وللثالث منها ألفا ريال، ولم نجد عنده إلى خمسة آلاف، فإننا ننسب الخمسة إلى العشرة كم؟ النصف، ونعطي كل واحد النصف، يعني ننظر في أعلى مقدار فننسبه إلا ما عند هذا المحجور عليه فإن كان النصف فنعطي كل واحد نصف ماله، هذا له ألفان نعطيه ألف، وهذا له ثلاثة نعطيه ألفًا ونصف، وهذا له عشرة نعطيه خمسة، وإن كانت النسبة الثلث فنعطي كل واحد الثلث من هذا المال، هذا متى؟ إذا لم تكن العين موجودة، أما إذا كانت موجودة فهو أحق بها، يعني: أخذ مني قماشًا من أخل أن يفصله هو تاجر فجئت بعدما حُجِرَ عليه وجدت الثياب عنده قماش كما هو لم يُصْنَع، حينئذٍ أنا أحق به، والباقون ليس لهم شيء، هذا متى إذا وجدت العين بذاتها لم يتصرف فيها، أما إذا قطعها وفصل ثيابًا لخرجت فحينئذٍ تقدر، وهذا إذا لم يوجد المال بعينه، وإلا فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال - صلى الله عليه وسلم - «من أدرك ماله عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره». والحديث في الصحيحين. «من أدرك ماله عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره وإن لم يجده بعينه فهو أسوة الغرماء». بعينه ولو كان موجودًا بذاته بأصله لكنه تصرف فيه لما جاء عند مالك وأحمد في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه «من وجد ماله بعينه فهو أحق به فإن لم يجده فهو أسوة الغرماء». يعني: هو واحد منهم. إذًا (ومن ذلك المحجور عليه إلحاق الغرماء إذا لم تف موجوداته بحقوقهم نُزِّعَتْ عليهم على قدر ديونهم، وكذلك العول في الفرائض) العول هذا ماذا؟. مبحث من مباحث الفرائض وهو كثرة أصحاب الفروض ونقص المال، فيدخل النقص على الجميع (تنقص به الفروض كلها كل بحسبه وتفصيله في موضعه (والرد) كذلك مالٌ زائد بعد القسمة على الورثة (تزيد به الفروض كلها، وإذا علم مقدار ما لكلٍ من المشتركين فذاك. إذًا هذه أمثلة.
(10/25)

ثم قال رحمه الله تعالى: (وإذا عُلِمَ مقدار ما لكلٍ من المشتركين فذلك) يعني: كم له نصيب من الشراكة؟ نصف حينئذٍ لا إشكال فيه، (فالزيادة والنقص ترجع إليه بالنصف، فإن كان ثلث أو ثلثين الزيادة والنقص ترجع إليه بالثلث والثلثين لا إشكال فيه، وكذلك في التعمير، وكذلك في النفقة على الهائم والمماليك ونحوها ترجع عليه الزيادة والنقصان والنفقة بحسب مقدار ما ساهم به، وإلا) يعني: (وإلا يكون له معلومٌ مقدر فإنه يحكم بينهم بالتساوي) يعني: بالنصف، إن كانوا اثنين حينئذٍ كل واحد منهم يتحمل النصف، إن كانوا ثلاثة حينئذٍ توزع عليهم أثلاث.
إذًا هذه القاعدة مفيدة، شركاء في الأملاك يشتركون في زيادتها ونقصانها، ويشتركون كذلك في التعمير اللازم الذي لا بد منه وإلا لفات ما اشتركوا فيه، وأما التعمير الذي يكون من باب الكماليات فلا، إلا إذا تراضوا وتخصص عليهم المصاريف بحسب ملكهم ومع الجهل بمقدار ما لك منهم يتساوون.
والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(10/26)

عناصر الدرس
يبدأ من:
* القاعدة الحادية والثلاثون: قد تتبعض الأحكام بسبب تفاوت أسبابها.
وينتهي إلى:
* القاعدة السابعة والثلاثون: إذا اختلف المتعاملان في شيء من متعلقات المعاملة ... .

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال المصنف رحمه الله تعالى: (القاعدة الحادية والثلاثون: قد تتبعض الأحكام بحسب تفاوت أسبابها).
وهذه قاعدة فرعية وهي ضابط لأن الأحكام قد يوجد السبب لكن تتبعض، تتبَعض بمعنى أنه لا يقال بكامل الحكم كما سيأتي في الأمثلة. قال: (وهذه قاعدة لطيفة تستدعي معرفة مآخذ المسائل ومعرفة عللها وأحكامها، وتترتب آثارها عليها بحسب ذلك ولهذا عدة أمثلة. منها: في الشهادات). يعني: هذه تكون في الشهادات. الشَّهادات أنواع تتبعض أحكامها بتفاوت أسبابها، قال رحمه الله تعالى: (إذا شهد رجل وامرأتان، أو رجل عدل وحلف معه صاحب الحق). هذا نوعان من أنواع البينة ... (ثبت المال لتمام نصابه دون القطع في السرقة) يعني: شهد به رجل أو شهد رجل وامرأتان أو شهد رجل عدل وحلف معه صاحب الحق على أن زيدًا سرق المال كذا، حينئذٍ يثبت المال، لماذا؟ لأن هذه البينة تثبت بها الأموال كما جاء في القرآن، وأما القطع فلا يُثبت، لماذا؟ لأن شرط القطع أن يشهد رجلان وهنا لم يشهد رجلان، وإنما شهد رجل وامرأتان، أو شهد رجل عدل مع اليمين مع يمين صاحب الحق، حينئذٍ نقول: هذا ليس نصاب القطع، وإنما تثبت به الأحكام من حيث ثبوت المال، حينئذٍ تبعض الحكم أو لا؟ نقول: تبعض الحكم لأنه شهدوا عليه أنه سَرَق فإذا سرق حينئذٍ يترتب عليه حكمان:
الأول: ضمان المال.
والثاني: قطع اليد.
بهذه البينة ثبت بها أحد الحكمين وهو: ثبوت المال. ولم يثُبت القطع لأن القطع لا يكون إلا بشهادة رجلين، قال: (إذا شهد رجل وامرأتان، أو شهد رجل عدل وحلف معه صاحب الحق) يعني: على رجل بأنه سرق. حينئذٍ السرقة تثبت (ثبت المال لتمام نصابه) اليمين والشاهد أو رجل وامرأتان (دون القطع في السرقة لأنه لا يثبت إلا برجلين)، إذًا السرقة ثابتة بالبينة وَيُغَرَّم المال لصاحبه لكن لا يُقطع بالسرقة، فهنا ثبت المال دون القطع فتبعض الحكم هذا المراد بالقاعدة، مع أن مُوجِب السرقة الضمان والقطع لكن الضمان وجد شرطه أما القطع فلم يوجد شرطه لأنه لا يثبت إلا بشهادة رجلين.
قال رحمه الله تعالى: (وكذلك إذا أقر بالسرقة مرة واحدة ثبت المال دون القطع) لأن القطع لا يثبت إلا باعترافه مرتين، وأما المال فمرة واحدة، فحينئذٍ إذا أَقَرَّ بأنه سرق حينئذٍ ثبت المال لاعترافه، وأما القطع فلا يثبت. إذًا تبعض الحكم أو لا؟ تبعض الحكم. (وكذلك إذا أقر بالسرقة مرة واحدة ثبت المال دون القطع) لعدم البينة، البينة وجدت لإثبات المال، وأما البينة التي تكون للقطع فهي منفية لم توجد، حينئذٍ يتبعض الحكم كما هو الشأن في المسألة السابقة. قال: (لأنه لا بد من الإقرار مرتين) على المشهور عند الحنابلة ولا دليل عليه، لكن بناءً على هذا القول بأنه يثبت المال دون القطع لعدم وجود البينة على القطع مع وجود البينة على المال.
(ومن ذلك دعوى الخلع)، (من ذلك) يعني: مما تتبعض فيه الأحكام بحسب تفاوت أسبابها (دعوى الخلع) إما أن يدَّعيه الزوج وإما أن تدَّعيه المرأة ويختلف الحكم.
(11/1)

معلوم الخلع فراق الزوجة بعوض، يعني: يكون من قبل الزوجة لا من قبل الزوج، وإنما يكون طلاقًا من قبل الزوج قال: (دعوى الخلع إن ادعاه الزوج وأتى بشاهد وحلف معه، أو رجل) يعني: أتى برجل. (وامرأتين ثبت) ما هو الذي ثبت؟ المال وليس الخلع، المال ثبت المال، لماذا؟ لأنه يدَّعِي العوض، وتَبِين زوجته منه، بماذا؟ بالبينة أو باعترافه؟ نقول: باعترافه لا بالبينة، وإنما البينة هنا أثبتت المال فقط، وأما بَيْنُونَة الزوجة وأن الخلع ثابت فلا إنما يكون باعترافه هو، إذًا صارت الجهة منفكة. قال هنا: (ومن ذلك دعوى الخلع إن ادعاه الزوج وأتى بشاهد وحلف معه أو جاء برجل وامرأتين ثبت) المال (لأنه يدعي العوض وتبين منه باعترافه) يعني تفارقه باعترافه هو بوقوع الخلع لأن عقدة النكاح بيد الرجل، فإذا أقر بأن المرأة قد خالعته حينئذٍ يكفي هذا اعترافه يكفي، والشاهد مع اليمين أو الرجل مع المرأتين هذا زيادة تأكيد وإلا اعترافه يكفي، إذًا إذا ادَّعَى الزوج الخلع على الزوجة وأتى ببينة التي هي الشاهد واليمين أو الرجل وامرأتين ثبت المال فقط، بهذه البينة لا يثبت إلا المال، وأما الخلع فلا يثبت لأنه لا بد من رجلين عدلين، فثبت المال دون الخلع، لكن يثبت الخلع بطريق آخر وهو: إقراره. لأن الإقرار حجة كما سيأتي في قاعدة مستقلة، (وإن ادَّعته المرأة) يعني: ادَّعت الخلع. يختلف الحكم (وإن ادَّعته المرأة) يعني: ادَّعت الخلع. (بذلك) يعني: بشاهد مع اليمين أو برجل وامرأتين. يعني: دون الرجلين. (لم يثبت الخلع، لأن الخلع نصابه رجالان عدلان)، إن ادعته المرأة ولم تأت بالبينة التي هي بخصوص الرجلين العدلين فلا يثبت الخلع، وهل يثبت عليها المال؟ لأنها قالت خالعته والخلع لا يكون إلا بعوض هل يثبت عليها المال أو لا؟
قولان: والظاهر أنه لا يثبت، لماذا؟ لأنها إنما ادَّعت الخلع هنا بناءً على ترتب المقصود من الخلع وهو: المفارقة. وقد قيل بأنها يلزمها العوض لكن الظاهر أنها لا يلزمها على كلٍّ الخلع لا يثبت إلا برجلين سواء ادعاه الرجل أو المرأة، لكن من جهة الرجل يثبت المال مع البينونة، ومن جهة المرأة لا يثبت شيء لا الخلع ولا المال على الصحيح، إذًا قد تتبعض الأحكام بحسب تفاوت أسبابها قال هنا: (هذه قاعدة لطيفة تستدعي معرفة مآخذ المسائل ومعرفة عللها وأحكامها) بمعنى أنه لا يمكن الحكم بعد هذه الأمثلة تعرف الكلام السابق لا يمكن معرفة الحكم إلا بمعرفة علل المسائل وما الذي يترتب عليها؟ وهذه المسائل تُبنى على ماذا؟ حينئذٍ إتقان أصول المسائل هو الذي يستعين به الناظر في هذه القاعدة بأن الحكم قد تبعض أو لا، لأن معرفة أن هذا الحكم مرتب على هذا السبب هذا علم، ومعرفة الحكم أنه قابل لأن يتبعض أو لا؟ هذا حكم آخر، ثم هل يتبعض هذه المسألة أم لا؟ ثم إذا ادُّعِيَ أنه تبعض أو لا يقبل أو لا؟ هذا لا يمكن إلا بفهم المسائل بمعنى الغوص في معانيها.
(11/2)

قال رحمه الله تعالى: (ومنها: قال العلماء) يعني في تبعض الأحكام. (الولد يتبع أباه في النسب، ويتبع أمه في الحرية أو الرق، ويتبع في الدين خير الأبوين) تبعض يعني: باعتبار النسب يتبع أباه، وباعتبار الحرية أو الرق يتبع أمه، وباعتبار الدين يتبع خير الأبوين، يعني: المسلم منهما. إن كان الأب تبعه إن كان الأم تبعها تبعض أو لا؟ تبعض باختلاف الأسباب، إذ النسب سبب، والحرية والرق سبب، والدين سبب، إذًا اختلفت الأسباب وتفاوتت ومع ذلك تبعضت الأحكام والولد واحد، الولد يتبع أباه في النسب ولا يتبع أمه يقال: فلان بن فلان. ولا يقال: بنت فلان. وهذا المراد بالنكاح الشرعي، أما غير الشرعي فـ «الولد للفراش وللعاهر الحجر». (ويتبع) كذلك الولد (أمه في الحرية أو الرق) وهذا جاء عن عمر وغيره يعني فيه فتاوى بعض الصحابة أنه يتبع أمه في الحرية أو الرق، يعني: لو تزوج الرقيق حرة. رقيق زوج وحرة زوجة، حينئذٍ الأولاد يتبعون من؟ الزوجة يتبعون الزوجة، حينئذٍ يكون ماذا؟ أحرارًا، لو كان العكس حر تزوج أمة حينئذٍ أولاده أرقاء هذا المراد هنا (ويتبع أمه في الحرية أو الرق) لو تزوج الرقيق حرةً صار أولاده أحرارًا، ولو تزوج الحر رقيقةً صار أولاده أرقاء، ولذلك الأصل في نكاح الحر للرقيقة الأمة التحريم إلا بالشرطين السابقين: الطَّوْل، وخوف العنت. حينئذٍ يجوز، ولذلك قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إذا تزوج الحر رقيقةً رق نصفه لأن أولاده بضعة منه، هو قد يكون حرًا بل هو حرّ وأولاده يكونون أرقاء إذًا رق نصفه ... (ويتبع في الدين خير الأبوين) إذا تزوج مسلم نصرانية كتابية بشرطه وولد بينهما ولد يتبع من؟ خير الأبوين دينًا، إذًا يتبع أباه في الإسلام فالولد يتبع أباه فيحكم بأنه مسلم فإذا مات هذا الطفل حينئذٍ هذا الذي ينبني عليه، إذا مات حينئذٍ يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، لماذا؟ لأنه في الحكم يتبع أباه يعني: منذ أن خرج مات حينئذٍ يُصلى عليه أو لا؟ نقول: نعم يصلى عليه. لماذا؟ لأنه مسلم، كيف هو مسلم وأمه نصرانية؟ نقول: أبوه مسلم. إذًا يتبع خير الأبوين (ويتبع في الدين خير الأبوين) لعمومات وردت في السنة وآثار وردت عن الصحابة كذلك في هذه المسألة، ويتبع الولد انتهينا منه الولد من بني آدم رجعنا إلى الولد من غيره (ويتبع) أي: الولد (في النجاسة وتحريم الأكل أخبثهما) يعني: المولد بين حيوانين: أحدهما نجس، والآخر طاهر. فالولد نجس فلا يؤكل لحمه لأن النجس حرام ولا يؤكل لحمه، لو مولود ولد بين بهمتين: إحداهما مأكولة اللحم، والأخرى لا يؤكل لحمها. الولد لا يؤكل لحمه تغليبًا لجانب الحذر، ولذلك قال: (ويتبع في النجاسة أخبثهما).
(11/3)

يعني: إذا كان كل منهما نجسين فلا إشكال واضح، أما إذا كان أحدهما طاهرًا والثاني الآخر الذي نزى عليه المسألة نقول: إذا كان الأول نجس والثاني طاهر حينئذٍ يتبع أخبثهما والحكم بالنجاسة، وكذلك في تحريم الأكل إذا كان أحدهما حلالاً والآخر محرمًا حينئذٍ تبعه في التحريم، (ويتبع في النجاسة وتحريم الأكل أخبثهما) مولود بين حيوانين أحدهما نجس والآخر طاهر نحكم بنجاسته أو أحدهما محرم الأكل والآخر حلال نحكم بتحريم الأكل للقاعدة المشهورة تغليبًا لجانب الحذر، ... (فالبغل) هذا مثال (فالبغل يتبع الحمار في النجاسة) على القول بأن الحمار نجس، يتبع الحمار في النجاسة والصحيح أنه ليس بنجس (يتبع الحمار في النجاسة وتحريم الأكل ولا يتبع الفرس) لأن البغل هذا نزى حمار على فرس، الحمار نجس والفرس طاهر، الحمار لا يؤكل لحمه والفرس يؤكل لحمه قيل: محل إجماع. حينئذٍ يتبعه يتبع الحمار في ماذا؟ في النجاسة وتحريم الأكل، إذًا ما حكم البغل؟ نقول: نجس. ما حكم البغل من حيث الأكل من حيث جواز أكله أو لا؟ نقول: لا يؤكل لحمه، لماذا؟ لكونه مولدًا بين طاهر ونجس حينئذٍ نحكم بنجاسته، قال: (والسمع والعسبار). نوعان من البهائم (يتوالدان من بين الذئب والضباع) [14.43] الضباع هذا من الصيد، إذًا مباح (يتبع الذئب في النجاسة وتحريم الأكل) كالسابق، إذًا من حيث الحكم بالنجاسة وحل الأكل في البهائم يتبع الأخبث الدليل تغليبًا لجانب الحذر.
(ومنها: مسائل تفريق الصفقة في البيوع والإجارات والشركات والتبرعات، وغيرها إذا جمع العقد بين مباح ومحرّم)، (تفريق الصفقة)، (الصفقة) يعني: البيعة التي تمت يعقد على شيء قد يكون متعددًا، ثم هذا المتعدد بعضه مباح وبعضه محرم، عقد عَقد واحد على جرتين: إحداهما عصير والأخرى خمر. ماذا نصنع؟ هل نقول بأن البيع باطل؟ أو نصحح البيع مطلقًا؟ أو نفصل؟ الثالث نأتي بالتفصيل، لماذا؟ لأن بعض ما عقد عليه البيع يجوز بيعه وهو: العصير. حينئذٍ نفرق الصفقة بمعنى أننا ننسب هذا الخمر كأنه عصير يعني: لا يُقَوَّم الخمر، لا قيمة له في الشرع، كأنه عصير كم يَسْوَى لو كان عصيرًا؟ كم يقدر؟ كذا، فحينئذٍ نأخذ هذا الثمن من الصفقة فنفرقها، فنصحح البيع في العصير ونبطل البيع في الخمر، لماذا؟ لأن عقد البيع على الخمر لا يصح، فلما كان جزءًا من الثمن فحينئذٍ جاء تفريق الصفقة، لكن لو كان العقد محله الخمر فحسب فالعقد باطل، العقد لا يصح، لماذا؟ لأن ما كان عليه العقد لا يحل (مسائل تفريق الصفقة) إذًا (في البيوع والإجارات والشركات والتبرعات، وغيرها) قال: (إذا جمع العقد بين مباح ومحرّم). لو باع عليه جرتين: جرة عصير، وجرة خمر. صفقة واحدة وبثمن واحد نقول: يصح العقد لكن بتفريق الصفقة، بأن نصحح العقد في العصير ونمنعه ونبطله في الخمر، لكن نأتي به على جهة النسبة.
(11/4)

قال رحمه الله تعالى: (أو بين ما يملك العقد عليه وما لا يملك). يعني: جمع في عقد واحد بين ما يملك العقد عليه وما لا يملك، باع سيارته وسيارة جاره في عقد واحد، العقد صحيح أم لا؟ نقول: نعم صحيح، لكنه يصح في سيارته هو، وأما سيارة جاره فلا يصح، لكن الثمن واحد كيف نصنع؟ ننظر لأن الثمن قد يختلف سيارته قد تكون أكثر ثمنًا من سيارة جاره حينئذٍ ننظر سيارة جاره كم تسوى كم قيمتها فنأخذها من الثمن فنفرق الصفقة عليه. (أو بين ما يملك العقد عليه وما لا يملك صح في المباح) الذي هو العصير (وما يملك العقد عليه لملك أو ولاية وبطل ولَغَى في الآخر) يعني: الخمر وما لا يملك هذا ما يسمى بتفريق الصفقة.
(ومنها) أي: من المسائل التي تتبعض فيها الأحكام. (شهادة الفروع والأصول بعضهم لبعض لا تقبل)، (شهادة الفروع) الفرع من تفرع منك، والأصل من تفرعت منه أو عنه، إذا شهد الفرع والأصل بعضهم لبعض لا تُقبل، (ولو كانوا في صفة العدالة)، لماذا؟ (لمكان التهمة)، فحينئذٍ نقول: لأنه متهم. فإذا كانت التهمة موجودة حينئذٍ نقول: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. حينئذٍ لا تقبل شهادة بعضهم لبعض (وإن شَهِدُوا عليهم قُبِلَتْ)، نعم لو شَهِدَ له الأخ لأخيه لا يُقبل، لو شهد عليه قُبِلَ، ولذلك قال الله تعالى في الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135] هذا في الشهادة عليهم، لماذا؟ لانتفاء التهمة، لأنه لو شهد له لكانت التهمة وهي: المحاباة. يحتمل أنه شهد زورًا من أجل أبيه وأخيه لكن لو شهد عليه حينئذٍ التهمة هذه غير موجودة، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، إذًا شهادة الفروع والأصول بعضهم لبعض لا تُقبل ولو كانوا في صفة العدالة لمكان التهمة فيتواطئ بعضهم مع بعض بسبب القرابة، وجاء حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيما رواه أبو داود وابن ماجة وحسنه الألباني في صحيح الجامع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تجوز شهادة خائن ولا ذي غِمْرٍ على أخيه في الإسلام». ومعناه أن الشهادة لا تجوز من أهل التُّهَمِ بل دل على هذا المعنى القرآن كاشتراط الرب جل وعلا العدالة في مسألة الشهادة، وجاءت أحاديث يشهد بعضها لبعض تدل على هذا الأصل، و «ذي غمر». يعني: صاحب عداوة. (وعكس ذلك شهادة العدو على عدوه لا تُقبل وله تقبل) لانتفاء ماذا؟ التهمة، لأن المدار هنا على التهمة، متى ما وُجِدَت التهمة حينئذٍ منعنا الشهادة له، وإن انتفت حينئذٍ جاز (شهادة العدو على عدوه لا تُقبل) للتهمة لأنه قد يريد أن ينتقم منه فيشهد عليه زورًا، وأما له حينئذٍ نقول: تقبل. إذًا هذه القاعدة تفيد أن الأحكام المترتبة على أسباب قد تتبعض هذه الأحكام بتفاوت الأسباب، وهي قاعدة لطيفة كما قال رحمه الله تعالى.
(القاعدة الثانية والثلاثون: من أدّى عن غيره واجبًا بنية الرجوع عليه رجع، وإلا فلا).
(11/5)

(من أدّى عن غيره واجبًا) من الواجبات، إذًا لا مستحبًا، إنما هو من الواجبات، لكن يقيد هذا الواجب بأنه لا يشترط فيه النية، لا يحتاج إلى نية، لأن المقام مقام عمل عن عمل لا مقام عبادة عن عبادة، يعني: لا ينوي زيد عن عمرو وإنما قد يعمل زيد عن عمرو عملاً ظاهرًا أما الباطن فلا، ولذلك نقيد هذا الواجب بأنه لا يحتاج إلى نية، وأما إذا احتاج إلى نية كالزكاة لا بد من نية المزكي فلا يجزئ على الصحيح مطلقًا أن يؤدي زيد عن عمرو الزكاة دون وكالة أو إذن منه، وأما إذا أداها هكذا من عند نفسه فحينئذٍ نقول: هذا لا يصح. إذًا (من أدّى عن غيره واجبًا) يشترط في هذا الواجب أن لا يحتاج إلى نية فإن احتاج إليها كالزكاة مثلاً فلا يصح الأداء ولا يجزئ، لأن دين الله تعالى يحتاج إلى نية، أما دين الآدمي فلا يحتاج إلى نية فيصح منه، لو أدَّى زيد عن عمرو دينًا يعلم أن له دينًا عند خالد فأداه عنه دون علمه صح أم لا؟ صح أجزأ، لكن تبقى مسألة هل له أن يرجع إلى صاحب الدين الذي عليه الدين فيأخذ ما دفعه أم لا؟ هذه القاعدة لهذا العمل. قال: (من أدّى عن غيره واجبًا بنية الرجوع عليه رجع). إذًا إذا أدَّى زيد عن عمرو دينًا ونوى في حال السداد أنه يرجع إليه يعني: يذهب إليه ويطالبه بالمال. رجع جاز له أن يطالب (وإلا فلا) يعني: وإلا ينوي الرجوع فلا يرجع. فليس له حق، كذلك وإلا ينوي شيئًا عندنا أمران متقابلان:
(بنية الرجوع عليه رجع).
وإلا) يعني: وإلا ينوي الرجوع. هذه تصدق بحالين:
إما أن ينوي التبرع هذا السداد.
وإما أن لا يستحضر شيئًا في قلبه.
إذًا تحته صورتان في هاتين الصورتين قال: (فلا). يعني: فلا يرجع. فلا يستحق لو طالب لا يلزمه إعطاؤه. (من أدّى عن غيره واجبًا بنية الرجوع عليه رجع، وإلا فلا) يعني: من أداه بغير نية الرجوع لم يرجع فهو يدخل في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه». لأنه نوى به التبرع أو لم ينو شيئًا، حينئذٍ له حكم الهبة فإذا كان كذلك فليس له أن يرجع البتة (قال الله تعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6]) وجه الاستدلال أن الإرضاع وقع ولم تذكر فيه مشارطة بين الأم والأب يعني: ({فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ}) أيها الآباء ({فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}) ولم يذكر مشارطة هنا، حينئذٍ فإن نوت الأم أنها إنما كانت ترضع ولد زوجها وإن كان ولدها أنها ترجع إليه فتأخذ الأجرة صح لها الرجوع وإلا فلا، يعني: حتى للرضاعة. حتى في الرضاعة إذا طلق زوج زوجته وعنده رضيع حينئذٍ الرضاعة على من؟ النفقة على الزوج، حينئذٍ إما أن يأذن لأمه أن ترضعه وإما أن يوجد مرضعة، وقد تأخذه أمه بأجرة وعلى الأب الأجرة، فحينئذٍ إن وقعت مشارطة بينهما لا أرضع ولدك إلا بـ - وهو ولدها قد تصل النفوس إلى هذا - لا أرضع لك ابنك إلا بأجرة، فحينئذٍ لزمه أو لا؟ يلزمه، هنا قال: ({فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}). فالإرضاع وقع ولم تذكر فيه مشارطة، فإن نوت الأم بهذا الإرضاع الهبة وعدم المطالبة بالأجرة كان ذلك، وإن نوت عند الرضاعة أن تطالب بأجرتها فلها الحق.
(11/6)

قال رحمه الله تعالى: (لأن أجرة الرضاع على الأب، فإذا أرضعت الأم الطفل له). يعني: للأب. قامت عنه عن الأب بواجب لأنه يجب على من؟ على الأب، يجب ما؟ ما هو الواجب أن يرضعه هو؟ واجب أن يُوجد من تُرضعه، سواء كانت الأم بأجرة أو غيرها، فترجع بالأجرة على الأب متى؟ إن نوت، وأما إذا لم تنو فليس لها المطالبة، ولو طالبت لا يعطيها شيء، (ومثل ذلك) من المسائل (من أنفق على زوجة غيره أو أولاده) أولاد غيره (النفقة الواجبة)، زيد من الناس سافر فتأخر فجاء جاره من باب الجيرة فأنفق على زوجة جاره وعلى أولاده النفقة الواجبة يعني: لا المستحبة. لأن المستحبة يحتمل أنها من الصدقة، وأما الواجبة فلا (أو على من تجب عليه) على الغير (نفقته من المماليك أو البهائم) يعني: زيد من الناس كما ذكرنا سافر وترك زوجة وأولادًا ومماليك وبهائم، فجاء جاره وأنفق على هؤلاء، فحينئذٍ إن نوى الرجوع رجع فطالب بالنفقة التي على الزوجة وعلى الأولاد وعلى المماليك وعلى البهائم، لماذا؟ لأنه أدَّى واجبًا عن غيره بنية الرجوع فله أن يرجع، وأما إذا لم ينو شيئًا أو لم ينو أو نوى التبرع حينئذٍ ليس له الرجوع، واضح؟ (من أنفق على زوجة غيره أو أولاده) يعني: أولاد غيره. النفقة الواجبة وهي التي تدفع الضرر، النفقة الواجبة، نص عليها لأنها مما يقع بها ضرر، فدفع الضرر عنه إحسان يكون معه مظنة أن لا يريد الصدقة، وأما المستحبة فهي محتملة، يحتمل أنها هبة، أو أنفق على من تجب عليه على الغير يعني نفقتهم (من المماليك والبهائم ونوى الرجوع رجع) مفهومه إن لم ينو الرجوع فلا يرجع، إن نوى الهبة والتبرع فلا يرجع، فالأحوال ثلاثة، (وخصوصًا إذا كانت العين بيده كالمرتهن، والأجير ونحوهم) فإنه يلزم أن يعطيه حقه فإذا أنفق على رهن أو أنفق على أجير فله الحق لأن العبرة هنا بالنية «إنما الأعمال بالنيات». يعني: أخذ رهن من عنده على بيع والرهن هذا يختلف، قد يكون عقارًا قد يكون بهيمة قد يكون عبدًا، إذا أخذه رهنًا حينئذٍ سينفق عليه هو رهن عندي من أجل توثيق الحق، فسأنفق عليه سواء كان بهيمة أو عبدًا، حينئذٍ إذا نويت الرجوع فلي أن أرجع على التفصيل الذي ذكرناه، (وكذلك من أدى عن غيره دينًا ثابتًا عليه لغريمه فله الرجوع إذا نوى الرجوع، فإن نوى في هذه المسائل التبرع أو لم ينوِ الرجوع لم يرجع) كم صورة؟ ثلاثة: أن يؤدي الواجب عن غيره ثم ثلاثة أحوال:
إما أن ينوي الرجوع فله أن يرجع، له أن يتنازل وله أن يطالب،
أن ينوي التبرع فليس له الرجوع.
(11/7)

أن لا ينوي شيئًا. لم يستحضر في قلبه شيئًا لا الرجوع ولا عدم الرجوع ليس له أن يرجعَ، فإن نوى في هذه المسائل التبرع أو لم ينوِ الرجوع لم يرجعْ، لماذا؟ (لأنه لم يوكله ولم يأذنْ له) يعني: تصرف فضولي من عند نفسه، (لم يوكله) فليس وكيلاً، (ولم يأذنْ له) على جهة العموم، وهذا هو محل الخلاف في أصل الصورة الأولى لأن الصورة الأولى إذا نوى الرجوع قالوا: رجع، هذه محل خلاف الصحيح أنه له أن يرجع وسبب الخلاف أنه تصرف فضولي، وإذا كان كذلك فلا بد من إذن صاحب الشأن، فلما لم يأذن له حينئذٍ صار مخيرًا إما أن يرجع أو لا، لكن الصحيح أن له الرجوع، فيتبين أن من ادَّعى عن غيره واجبًا فله ثلاثة حالات:
الأولى: أن ينوي الرجوع.
الثانية: أن ينوي التبرع فإنه لا يرجع، لأنه أشبه بصدقة التطوع فلا يجوز الرجوع فيها البتة.
الثالثة: أن لا ينوي شيئًا بأن يؤدي الواجب عن غيره بقطع النظر عن كونه يريد الرجوع أو لا يريد فلا يرجع.
وفي هاتين المسألتين الأخيرتين الدليل فيهما حديث الصحيحين «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه».
قال رحمه الله تعالى: (وهذه المسائل في هذه الديون التي لا تحتاج إلى نية). ولذلك قيدنا قوله: (واجبًا). بأن لا يحتاج إلى نية (فأما ما يحتاج إلى نية كالزكاة والكفارة والنذر وغيرها فمن أداها عن غيره لم يرجع) أما الزكاة فلا تجزئ أصلاً وإنما يعتبر صدقة من عنده (لأن الأداء لا يفيد) الأداء هذا لا ينفع لا يفيد ولا يجزئ (لأن الذي عليه الزكاة ونحوها لم يوكل الدافع) فحينئذٍ التصرف فضولي ولا يعتبر، إنما يعتبر التصرف الفضولي في ماذا؟
في المعاملات بين الناس، وأما أن يتبرع فيذهب ويعطي الزكاة أو يعطي الكفارة أو يقدم نذرًا أو نحو ذلك دون وكالة نقول: هذا لا يجزئ، ولو رجع إليه فأجازه كذلك لا يجزئ، لأنها عبادة لا بد أن تقع من فاعلها ثم النية بعد العمل نقول: هذا لا يجزئ، لا بد أن يكون الإذن مقارنًا للفعل فإن كان متأخرًا حينئذٍ لا يجزئ، وجرى الخلاف كذلك في الحج إذا حج من عند نفسه ثم أذن له يجزئ أو لا يجزئ على ما ذكرناه في هذه المسألة. إذًا من أدَّى واجبًا عن غيره بنية الرجوع رجع وإلا فلا.
(القاعدة الثالثة والثلاثون)
(11/8)

وهذه داخلة في القاعدة الأولى المصالح الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة ولا ينهى إلا عن ما مفسدته خالصة أو راجحة (إذا تزاحمت المصالح قُدِّمَ الأعلى منها، فيقدم الواجب على المستحب، والراجح من الأمرين على المرجوح، وإذا تزاحمت المفاسد، واضطر إلى واحد منها قُدِّمَ الأخف منها)، (إذا تزاحمت المصالح) مفهومه إذا لم تتزاحم يأتي بها كلها، أليس كذلك؟ إذا لم يكن تعارض بين الواجب والمستحب حينئذٍ يأتي بالمستحب على وجهه وبالواجب على وجهه، إذًا لا يأتي لهذه القاعدة إلا عند التعارض، تعارض ماذا؟ المصالح بعضها مع بعض، وتعارض المفاسد بعضها مع بعض، (إذا تزاحمت) إذًا مفهومه إذا لم تتزاحم فيجمع بين المصالح وهذا هو الأصل فيه، (إذا تزاحمت المصالح) قال: (قُدِّمَ الأعلى منها). أيضًا إذا تزاحمت المصالح قد يمكنه الجمع بينها إذًا إذا لم تتزاحم المصالح فالأصل الإتيان بها كلها، إذا تزاحمت المصالح ويمكن الجمع بينهما أو بينها حينئذٍ لا يدخل معنا في القاعدة، متى تأتي هذه القاعدة؟ إذا تزاحمت المصالح يعني: تعارضت ولا يمكن الجمع بينها، فلا بد من تقديم وتأخير ماذا تصنع؟ قال: (قدم الأعلى منها فيقدم). الفاء [للتفريع أو للتفصيل] (1) للتفصِيل (فيقدم الواجب على المستحب) إذا حصل تعارض بين الواجب والمستحب ولم يمكن الجمع لا إشكال أن الواجب مقدم على المستحب، (والراجح) ولذلك جاء قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». يعني: لئلا يعارض بين النفل والواجب، فإذا قال: أريد أن أصلي. وأقيمت الصلاة نقول: لا تصح صلاتك. ولو كبر لا تنعقد فهي باطلة، لماذا؟ لأنها عارضت واجب لا يمكن تأخيره في هذه الساعة، (والراجح من الأمرين على المرجوح) يعني: ثَمَّ أمران ينبني عليهما مصالح كما كان من شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هدم الكعبة، ترك هدم الكعبة لأمر وإن كان الأرجح عنده ماذا؟ الهدم، ترك الهدم خشية أن يقال ماذا؟ «لولا أن قومك حديثو عهد بإسلام لنقضت الكعبة». وقال: «لهدمت الكعبة وأعدت بناها على قواعد إبراهيم». عليه السلام (وإذا تزاحمت المفاسد) أيضًا ولم يمكن الجمع بين دفع الاثنتين ليس الجمع بينهما في العمل لا، ولم يمكن الجمع بين دفع المفسدتين معًا (وإذا تزاحمت المفاسد واضطر إلى واحد منها قدم الأخف منها).
وارتكب الأخف من ضُرَّيْنِ ... وخيِّرَنْ لدى استوى هذين
__________
(1) سبق.
(11/9)

إذًا إذا تزاحمت المفاسد فحينئذٍ نقول: يقدم الأخف منها، يعني: يدفع الكبرى بالصغرى. قال رحمه الله تعالى: (وهذان أصلان عظيمان قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]). أي: إلى الطريقة التي هي أصوب. وقيل: إلى الكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا الله، والشاهد في قوله: ({أَقْوَمُ}). لأنه صيغة تفضيل، وصيغة التفضيل تدل على أن ثَمَّ مفاضلة بين الشيئين، حينئذٍ القرآن فيه فاضل وفيه مفضول، ولكن القرآن من حيث الأصل يهدي للتي هي أقوم وأكمل وأحسن، (وقال تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الزمر: 55]) ({أَحْسَنَ}) أيضًا صيغة تفضيل تدل على أن أمرين اشتركا في الحسن إلا أن أحدهما أكثر حسنًا من الآخر، اتبع ماذا؟ الثاني الذي هو أكثر حسنًا من الآخر ({وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}) قال الحسن في تفسير الآية: التزموا طاعته واجتنبوا معصيته فإن القرآن ذكر القبيح لتجتنبه وذكر الأدون لئلا ترغب فيه وذكر الأحسن لتؤثره. كلام جميل وقال تعالى: ({الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 1]). أيضًا الشاهد فيه قوله: ({أَحْسَنَهُ}). قال السدي: أحسن ما يؤمرون فيعملون به. وقيل: هو أن الله تعالى ذكر في القرآن الانتصار من الظالم وذكر العفو، والعفو أحسن من الانتصار، أحسن الأمرين، وقيل: ذكر العزائم والرخص فيتبعون الأحسن وهو العزائم. قال رحمه الله تعالى: (فالواجب أحسن من المستحب) وهو أحب إلى الله تعالى كما جاء في الحديث الصحيح القدسي «ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ مما افترضته عليه». وهذا واضح بين (وأحد الواجبين أو المستحبين أرجح مما دونه أحسن) إذا قلنا: الواجب مقدم على المستحب، الواجب مراتب والمستحب مراتب، يعني: الواجب مراتب يعني: أعلى وأدنى، لا شك أن الواجب المتفق عليه أعلى من الواجب المختلف فيه، أليس كذلك؟ الواجب المتعدّي نفعه أعلى درجة من الواجب القاصر نفعه، وكذلك المستحب منه ما هو سنة راتبة مؤكدة ومنه ما هو دون ذلك، حينئذٍ إذا تعارض الواجب المتفق عليه مع المختلف فيه ولم يمكن الجمع قُدِّمَ المتفق عليه، لو اختلف الواجب المتعدي مع الواجب القاصر حينئذٍ قُدِّمَ الأول على الثاني، لو تعارضت السنة الراتبة مع سنة مطلقة نفل مطلق قدم السنة الراتبة أليس كذلك؟ هذا عند التعارض وعدم إمكان الجمع بينها، ... [نعم] (وأحد الواجبين أو المستحبين أرجح مما دونه وأحسن، وقصة الخضر في خرقه للسفينة) أراد الأصل الثاني يستدل للأصل الثاني وهو إذا تزاحمت المفاسد (وقصة الخضر في خرقه للسفينة وقتله الغلام تدل على الأصل الآخر) يعني: ارتكاب أخف المفسدتين.
(11/10)

(وذلك) يعني: تفسير ما فعله أو قصة الخضر ذلك (إن الحال دائرة بين قتل) - هذا أفصح الشيخ هنا جرى على الحالة دائرة الحال في اللفظ مذكر ووصفه بدائرةٌ يصح أن يقال حالة دائرة لكنه خلاف الفصيح، إلحاق التاء بالحال جائزٌ في لسان العرب إلا أنه فصيح، والحال بدون تاء أفصح، ثم إذا وصف فأنت بالخيار إما أن تذكر باعتبار اللفظ وإما أن تؤنث باعتبار المعنى فقال: (الحال دائرة بين قتله الغلام) والقتل مفسدة أو لا؟ مفسدة (بين قتله الغلام وهو مفسدة وبين إرهاقه) يعني: الغلام (لأبويه الكفر وإفساده لدينهما) وأيهما أعظم؟ لا شك أن إرهاق الوالدين لإيقاعهما بالكفر أعظم من مفسدة قتل الغلام، ماذا صنع؟ دفع الكبرى بالصغرى فقتل الغلام، ويجوز لأنه نبي على الصحيح، فحينئذٍ قتل الغلام دفعًا للكبرى بالصغرى وهي مفسدة أعظم، فارتكب الأخف وهو قتله على أن لا يرهق أبويه في الكفر، وهذا لأن الخضر نبي على الصحيح، (وكذلك خرقه السفينة مفسدة وذهاب السفينة كلها غصبًا من الملك الذي أمامهم مفسدةٌ أكبر) يعني: تبقى معك السفينة وفيها عيبٌ خيرٌ من أن تذهب السفينة كلها أو لا؟ فدفع ماذا؟ دفع الكبرى وهو ذهاب السفينة كلها بالصغرى وهو عيب السفينة، هذا فقه (فارتكب الأخف منهما) ويدل عليه الحديث السابق الذي ذكرناه في ترجيح أحد الأمرين على الآخر «لو أن قومك حديث عهدٍ بجاهليةٍ لأعدت البيت على أساس قواعد إبراهيم» الحديث. قال المصنف: ... (فيدخل في هذين الأصلين من مسائل الأحكام ما لا يُحَدّ) يعني: مسائل كثيرة (فإذا دار الأمر) يعني: تعارض (بين فعل الواجب أو المسنون، وجب تقديم الواجب في الصلاة) يعني: الصلاة الواجبة على المستحبة ... (والصدقة) يعني: الصدقة الواجبة عن المستحبة (والصيام) يعني: الصيام الواجب على المستحب (والحج) يعني الواجب عن المستحب هل يتصور؟ نحن الآن نقول تعارض أمامه واجبان أو واجبٌ ومستحب، هل يتصور أن يتعارض حج الفرد مع حج النافلة بحق الشخص في نفس الوقت؟
أقول: هنا إذا تعارض الواجب مع المستحب قدم الواجب، في الصلاة واضح، أقيمت الصلاة لا تصل تحية المسجد، الشخص واحد والفعل أمامه واحد، والصيام كذلك والصدقة، لكن الحج؟
(11/11)

أحسنت يعني: وجب عليه الحج فلا يقدم الحج عن غيره، لأن الحج عن غيره ليس بواجب بل هو مستحب، واضح، طيب (والحج والعمرة وغيرها)، (والعمرة) على القول بأنها واجبة، الصحيح أنها سنة ... (وكذلك يجب تقديم من تجب نفقته على من تستحب) [نعم] (من تجب نفقته) من زوجةٍ أو والدين (على من تستحب) وإن كان أجنبيًا، وتقديمه (وعلى الصدقة المستحبة) لا شك أن الصدقة الواجبة مقدمة على الصدقة المستحبة، (ويجب تقديم) طاعة (من تجب طاعته على من تستحب)، (من تجب طاعته) كالأب مثلاً (على من تستحب) كالعم الكبير ونحوه (وأمثلة تقديم الواجب على المستحب كثيرة جدًا، ومن أمثلة) هذه تحتاج إلى فقه يعني: تأمل ونظر، ولذلك العبادات قد تتعارض ولا بد أن تتعارض عند الشخص، لكن الفقه فقه النفس هنا وفقه الشرع أن ينظر في ما هو أصلح له، قال: (ومن أمثلة تقديم أعلى الواجبين). انظر أعلى الواجب كل منهما واجب (طاعة المرأة لزوجها مقدمة على طاعة الأبوين) طاعة الأبوين واجبة وطاعة الزوج واجبة لكن إذا تعارضا الزوج مقدم على طاعة الأبوين، إذا لم يكن فيه ضررٌ على الأبوين (ويقدم العبد طاعة الله على طاعة كل أحد) هذا واضح، (ولهذا لا يطيع والديه في منعهما له من الحج الواجب) طاعة الوالدين واجبة والحج الواجب إذا تعين ومنعه والداه فحينئذٍ لا طاعة لهما إلا إذا كان ثم ضررٌ على الوالدين أو أحدهما ولم يمكن دفعه إلا ببقاء هذا الابن دون غيره فحينئذٍ نقول تعارضت مصلحة ومفسدة، كما مر معنا أنه لو وجب عليه الحج وكان ثم قطاع طريق فيحفظ نفسه بماذا؟ بسقوط الحج، [الضرر يزال] هنا كذلك، فحينئذٍ لا يجب عليه، بل يقدم طاعة والدية على الحج (والعمرة والواجبة) على القول بالوجوب (والجهاد المتعين ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وهذا نص حديث.
قال رحمه الله تعالى: (ويقدم السنن الرواتب على السنن المطلقة) الراتبة اثني عشر وهي اثنا عشر ركعة حينئذٍ نقول: هذه مقدمةٌ على السنن المطلقة يعني: غير المقيدة، غير مقيدة لا بالفجر ولا بالظهر ولا بالمغرب ولا بالعشاء، وبعضهم يرى أن هذا في غير ماذا؟ في غير صلاة الفجر يعني: إذا دخل المسجد وقد أذن لصلاة الظهر عنده وقتٌ فسيح له أن يجمع بين الراتبة وبين غيرها أو لا؟ لكن إذا لم يكن ثم وقتٌ إلا لأن يؤدي أربع ركعات تعارضا أو لا؟
(11/12)

إذا كانت الصلاة ستقام ولم يبق إلا وقت يسير يكفي أربع ركعات حينئذٍ نقول: تعارض عنده النفل المطلق والراتبة، في هذه الصورة ماذا يقدم؟ الراتبة، لكن دخل وبقي خمسة وعشرين دقيقة له أن ينتفل الراتبة وأن يزيد على ذلك إلا ركعتا الفجر فليس له أن ينتفل بناءً على متى يبدأ وقت النهي «لا صلاة بعد الفجر» يعني: بعد طلوع الصبح «إلا ركعتي الفجر» هذا الحديث مختلفٌ فيه هل المراد بعد الفجر المراد به طلوع الصبح حينئذٍ يبدأ من الأذان أو بعد الصلاة، الأحوط والله أعلم أن يجعل من طلوع الفجر حينئذٍ لا يصلي إلا ركعتي الفجر فحسب وما عداه فلا. قال رحمه الله تعالى: (والعبادات المتعدية). يعني: يقدم العبد العبادات المتعدية (على العبادات القاصرة) يعني: ما تعلق بالْخَلق من الواجبات مقدمٌ على ما تعلق بالشخص هذا متى؟ إذا تعارضا في العبادات على جهة العموم، قال رحمه الله: (ويقدم نفل العلم الشرعي على نفل الصلاة والصيام). هذا مثال للمتعدية، لو قيل ما المراد بالمتعدي؟ قلنا العلم نفعه متعدي يعني: ينفع غيره من الناس يتعلم فينفع نفسه، وهذا لا شك يرفع الجهل عن نفسه ويرفع الجهل عن أمة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك ينوي هذه النيات المتعددة بأن ينفع نفسه بأن ينصر الله عزَّ به الأمة بأن يُعَلِّمَ الخلق بأن ينشر الإسلام .. إلى آخره نوايا، «إنما الأعمال بالنيات» (ويقدم نفل العلم) أما الواجب هذا لا بد منه فلا يتعارض مع نفل غيره، الواجب الذي هو فرض عين لا يتعارض مع غيره (ويقدم نفل العلم) الشرعي (على نفل الصلاة والصيام) بمعنى أنه إذا تعارض عنده العلم مع نفل الصلاة كقيام الليل، والصيام كصيام النهار النفل فحينئذٍ يقدم العلم، لكن انتبه هذا ليس على إطلاقه مطلقًا بمعنى أنه يكون من ديدن طالب العلم أنه يعارض بين الأمرين، لا، هذا إن كان ثم مسألة تُبحث انشغل بمسألةٍ يبحثها من بعد العشاء إلى طلوع الفجر ولم يتمكن من صلاة ركعةٍ للوتر، فحينئذٍ نقول: نفل العلم مقدم لكن لا يكون ديدنه هذا، هذا مخالفٌ لما هو شرعٌ، ثم مخالفٌ لما سنه أهل العلم فيجمع بين الأمرين ويكون له حظٌ ووردٌ من الليل، ومن قراءة القرآن والصيام ونحو ذلك، ويكون العلم في أكثر وقته. (والصدقة على القريب صدقة وصلة) حينئذٍ لك الأجر مرتان قال تعالى: (والأقربون أولى بالمعروف) # 49.18. (ومن أمثلة الأصل الثاني) إذا ازدحمت المفسدتان دفعت الكبرى بالصغرى، (من اضطر إلى أكل محرم، ووجد شاة ميتة وصيدًا) حيًّا (وهو محرم قدم الصيد على الصحيح) فيه خلاف، قيل: يقدم الميتة. وقيل يقدم الصيد. هنا الشيخ رحمه الله تعالى جنح إلى هذا القول، قال: (ووجد شاة ميتة) ووجد (صيدًا) حيًا (وهو محرم قدم الصيد على الصحيح).
[ ...
ما أسمعك

هذه بعدها التي تليها، أدري أدري]
(قدم الصيد على الصحيح) يعني: لا يأكل الميتة، وإنما يقتل الصيد ويأكله. لأنه مضطرٌ. قال: (ويقدم الشاة الميتة على الكلب).
الأول: تعارض عنده أمران. ميتة وهي نجسةٌ خبيثة وصيدٌ وهو في الأصل مباح الأكل.
(11/13)

والمسألة الثانية: ميتة مع كلبٍ حيًّا أو ميتًا، إن كان ميتًا ميتًا مع ميتة لا إشكال، لكن لو كان مع كلبٍ حي هل يقتله ويأكل، حينئذٍ يقدم الميتة على الكلب هذا المراد بهذه المسألة، لأن ميتة الشاة أخف ضررًا من ميتة الكلب فميتة الكلب تجمع على الميتة زيادة ضررٍ من جهة خبثها ونجاستها، على كلٍ المراد هنا التمثيل بدفع الكبرى بالصغرى (ومن اضطر إلى وطئ إحدى زوجتيه الصائمة والحائض وطئ الصائمة) هذا نادر لكن إن حصل عنده زوجتان وبه شبقٌ وأراد واحدةً منهما فحينئذٍ الحائض حائض لا يجوز أن يأتيها والصائمة ليست بحائض قطعًا لأنها صائمة ولو، إذا كان نفلاً لا إشكال فيه الكلام فيما إذا كان واجبًا. قال: (ومن اضطر إلى وطئ إحدى زوجتيه الصائمة والحائض وطئ الصائمة لأنها أخف) لأن معاشرة الحائض فيه ضررٌ عليه وعليها بخلاف الصائمة، ففيه ضررٌ على العبادة لا على المرأة هذا أولا لأنها أخف.
ثانيًا: (ولأن الفطر يجوز بضرورة الغير) يجوز للمرأة الحامل والمرضع أن تفطر لا لأجل نفسها، وإنما لضرورة غيرها وهو الحمل والرضيع، فذلك هنا أفطرت من أجل زوجها هذا قياس في محله، قال: ولأن [يا أخوننا لا أحدٌ يتكلم في أثناء الدرس] (ولأن الفطر يجوز لضرورة الغير، كفطر الحامل والمرضع إذا خافتا على الولد). إذًا: قاس الفقهاء هذه الصورة بين شبق الرجل وإحدى زوجتيه على مسألة الحامل والمرضع إذا أفطرتا، (كفطر الحامل والمرضع إذا خافتا) إذًا لدفع الضرر لأن الخوف إنما يكون لدفع الضرر (على الولد) فقاس عليه العلماء كل ضررٍ كان بمعناه ومنه هذه المسألة.
قال رحمه الله تعالى: (ويقدم ما فيه شبهة على الحرام الخالص) يعني: عنده لحمان دجاجتان، إحدى الدجاجتين من ذبح يهودي أو نصرانيٍ كتابيٍ مشكوكٌ فيه كيف ذبحهم، ودجاجةٌ أخرى من ذبح مجوسي. تعارض عنده أمران الآن ما ذبحه غير الكتابي قطعًا أنه محرم، وما ذبحه الكتابي الأصل فيه الحل والإباحة لكن فيه الشبهة، حينئذٍ إذا اضطر إلى أكل إحدى الدجاجتين قدم ما فيه شبهةٌ على الحرام الخالص هذا المراد.
قال رحمه الله تعالى: (هذا كله إذا ابتُلي العبد بذلك) ويصبر إن أمكنه الصبر حينئذٍ صار نجاةً له (والمعافى من عافاه الله).
(11/14)

(ومن أمثلة القسم الأول) تزاحم المصالح (إذا ضاق الوقت للصلاة أو أقيمت تعينت المكتوبة). يعني: ضاق الوقت بالصلاة قام قبيل طلوع الشمس ولم يكن ثمّ وقتٌ إلا مقدار وضوءٍ وصلاة الفرض ركعتين، حينئذٍ لا يجوز له أن يصلي راتبة الفجر، وإنما يصلي الفرض ثم بعد ذلك يؤخر الراتبة، وكذلك لو أقيمت الصلاة. يعني أقام المقيم للصلاة تعينت المكتوبة للحديث السابق: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». (ومن عليه قضاء رمضان لم يكن له أن يصوم نفلاً)، أطلقه المصنف هذا هو المذهب عند الحنابلة، من عليه قضاء من رمضان إلى رمضان القادم لا يجوز له أن يتنفل أبدًا حتى يقضي ما عليه من صيام، والصحيح أنه لا يجوز إذا ضاق عليه الوقت بمعنى أنه لم يبقَ من شعبان القادم إلا مقدار ما عليه من الصوم، يعني: منذ أن أفطر في رمضان بعد رمضان له أن يصوم ما شاء إلى أن يبقى من شعبان القادم مقدار ما عليه من صوم، واضح هذا؟ وعلى الصحيح له أن يصوم كذلك الستة من شوال، له أن يصوم الستة من شوال ولو كان عليه قضاء لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] فأطلق الله عز وجل ويبقى المطلق على إطلاقه، وأما: «من صام رمضان». وعليه «من صام رمضان». قالوا: هنا المراد به: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال». يعني: ما أوجبه الله عليه، صوم رمضان على مرتبتين.
المرتبة الأولى: أداءً.
والمرتبة الثانية: قضاءً.
وحينئذٍ الحديث المراد به هنا الأداء: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال». يعني: ما كتبه الله له من الأداء، وأما النوع الثاني فأطلقه الله عز وجل فكيف نقيده، مع فهم عائشة وإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لها، حينئذٍ نقول: الصحيح أن له أن يصوم الست ولو لم يقضِ. إذًا قوله هنا: (ومن عليه قضاء رمضان لم يكن له أن يصوم نفلاً). نقول: نعم إذا ضاق الوقت، وأما إذا كان الوقت فيه سعة حينئذٍ له أن يصوم ما شاء. واضح هذا القاعدة؟
(إذا تزاحمت المصالح قدم الأعلى منها) إذا لم يمكن الجمع بين المصلحتين (فيقدم الواجب على المستحب، والراجح من الأمرين) يعني: أعلى الواجبين والمستحبين (على المرجوح، وإذا تزاحمت المفاسد واضطر إلى واحدٍ منها قُدِّم الأخف منها). وهي مسألة كبيرة عظيمة. يعني: النظر في المصالح والقول بالتعارض أو النظر في المفاسد والقول بالتعارض هذه تحتاج إلى فقيهٍ، يعني: ليس كل شخصٍ يدَّعِي أن ثَمَّ مصلحتين، انتبه! تحتاج إلى مجتهد أن هذه مصلحةٌ عارضتها مفسدة حينئذٍ أيهما الذي يقدم على الأخرى، يعني: لا بد من الرجوع إلى أهل العلم هذا المراد، فليس طالب العلم في مثل هذه المسائل يستقل بنفسه، إنما لا بد من الرجوع إلى أهل العلم، ولذلك ما جاء في الفتن الآن إلا من أجل هذه المفسدة، مسألة المصالح والمفاسد كلاًّ يرى مصلحةً على ما يمليه هواه، أو يرى أن هذه مفسدة على حسب ما يمليه هواه ثم جاءت الفتاوى.
(11/15)

(القاعدة الرابعة والثلاثون: إذا خُيِّر العبد بين شيئين فأكثر فإن كان التخيير لمصلحته فهو تخيير يرجع إلى شهوته واختياره، وإن كان لمصلحة الغير)، - (الغير) الأصل في عدم دخول أل على الغير هذا المشهور لكن توسعوا فيه كما قالوا في قل وبعض، الأصل أنها لا تدخل عليها أل لكنه استعمالاً يسعملونه يدخلون أل على بعض وكل هذا مثلها - (وإن كان لمصلحة الغير فهو تخيير يلزمه فيه الاجتهاد في الأصلح) إذا خير العبد يعني: من جهة الشرع، الْمُخَيِّر هو الشارع (إذا خُيِّر العبد بين شيئين فأكثر) حينئذٍ التخيير إما أن يكون لمصلحة الْمُخَيَّر أو لغيره، إن كان لمصلحة الْمُخَيَّر لك أنت بنفسك اختر ما شئت. سواءً اخترت الأنفع أو الأصلح لك أو دون ذلك، سواء حكمت هواك وشهوتك الأمر إليك ما دام أن التخيير لا يخرج عن مراد الشارع، وإما إذا كان لمصلحة الآخرين حينئذٍ تعلقت به حقوق فلا بد أن يتخير ويختار ماذا؟ الأصلح والأنفع والأحسن، واضح؟ هذا المراد بالقاعدة (إذا خُيِّر العبد بين شيئين فأكثر فإن كان التخيير لمصلحته) فالأولى اختيار الأفضل هذا الأصل لكن لا يلزمه ذلك، فإذا اختار لشهوته فلا بأس (وإن كان لمصلحة الغير) فيجب عليه أن يختار الأصلح.
(مثال الأول). قال الشارح: (مثال الأول) يعني: ما كان لمصلحته هو (التخيير في كفارة اليمين) قال: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] اختر ما شئت، قَدِّم الأول قَدِّم الأخير توسط افعل ما شئت لكن ثمّ، هذا تخيير في ماذا؟ في المرحلة الأولى إن لم يوجد فمن لم يستطع {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة: 89] فلا يمكن أن يكون الثاني إلا بعد فقد جميع الأول والمراد هنا الأول، التخيير في كفارة اليمين فخير الله العبد دون أن يلزمه بشيءٍ من هذه المخيرات، فهو ينظر إلى ما هو أصلح له إن أراد الصلاح، وإن لم يرد فحينئذٍ له أن يختار لشهوته. يعني: ما يوافق هواه أو الأيسر.
قال رحمه الله تعالى: (التخيير في كفارة اليمين بين العتق، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم) قد بدأ الله بالإطعام لأنه أسهل، ثم الكسوة، ثم العتق، وهذا يرجع إلى اختيار الإنسان. قال: (وفي فدية الأذى بين الذبح أو إطعام ستةِ مساكين أو صيام ثلاثة أيام): {فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] حينئذٍ الاختيار هنا يكون ماذا؟ لشهوته، إن أراد أن يختار ما هو أنفع له حينئذٍ قدم الفدية لأنها أعظم نسك ذبح وهو أعظم من الصيام ومن الصدقة، لكن لو أراد أن يتبع الأخف عليه يتبع شهوته حينئذٍ قدم ما هو أيسر عليه، وفدية الأداء هي فدية حلق المحرم رأسه من أجل الأذى فيخير فيه بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة. هنا بدأ الله عز وجل كذلك بالصيام ثم الصدقة ثم النسك، وإن جاء في حديث كعب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالنسك، ولذلك أن بعضهم يرى ... [أن الترتيب هنا مستحب] (1)، أن تقديم النسك هو مستحب لكنه ليس بلازمٍ.
__________
(1) سبق.
(11/16)

قال رحمه الله تعالى: (وفي جزاء الصيد بين ذبح المثل من النعم، أو تقويمه) يعني: تقويم المثل (بطعام يطعمه للمساكين، أو يصوم عن كل مدٍ من ذلك المقوم يوماً) يعني: خيره الله عز وجل بين ذبح المثل من النعم، والمثل في النعامة مثلاً بدنة، أو يُقَدِّر هذه البدنة كم قيمتها؟ ثم مثلاً جاءت بألف، ثم هذه الألف كم تكفي من المساكين عشرين، حينئذٍ يخرج أو يطعم عن كل واحدٍ مدًّا أو يصوم عن كل مدٍّ يومًا.
قال رحمه الله تعالى: (أو تقويمه) أي: تقويم المثل (بطعامٍ يُطعمه للمساكين)
قال رحمه الله تعالى: (بين ذبح المثل من النّعم، أو تقويمه بطعامٍ يطعمه للمساكين) يعني: قيمة هذا المثل كم يأتي الطعام مثلاً، ويطعم بها المساكين وإذا كان الأمر كذلك (أو يصوم عن كل مدٍّ من ذلك المقوم يومًا). إذًا المراد هنا التخيير فيختار ما شاء.
قال رحمه الله تعالى: (فهو في هذه المسائل التخيير راجعٌ لإرادته) التخيير الذي جاء في كتاب الله تعالى راجعٌ لإرادته فما شاء فعل، انظر التخيير بين شيءٍ جاء به الشرع [وليس فيه زيادةٌ بين ما جاء به الشرع ... من .. ] (1) ليس فيه زيادةٌ على ما جاء به الشرع أو نقصان لما جاء به الشرع، فحينئذٍ الذي خير هو الشارع والمخيَّرات ذكرها الشارع وإنما ليس لك إلا أن تختار منها، راجعٌ لإرادته فما شاء فعل، (ومثله الدية يخيّر المخرج بين مائة من الإبل، أو مائتين من البقر، أو ألفي شاة، أو ألف دينار ذهب، أو اثني عشر ألف درهم، فالمخير هو الدافع) وهذا قولٌ مرجوح، بل الصواب أن الأصل هو الإبل، (وعلى القول بأن الإبل هي الأصل) حينئذٍ (تخرج عن هذا الأصل)، يعني: ليست داخلة. هل الديةُ من باب التخيير أم أنها شيءٌ واحد وله فروع، هذه المسألة التي عناها المصنف، على القول الذي ذكره ابتداءً أن الدية من باب الأشياء المخيرة، والمخيرات هي المذكورات هذه، والصحيح أنها الإبل محصورة في الإبل فهي أصلٌ وما عداه فهي فرعٌ. وعلى القول بأن الإبل هي الأصل تخرج عن هذا الأصل، وهذا هو القول الراجح، فحينئذٍ الأصل في الدية الإبل وبقية الأصناف الأربعة فرعٌ، يعني: أبدالٌ وقيمٌ لها، وهذا هو الصحيح إخراج المائة من الإبل كما جاء في حديث عمرو بن حزم، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص وهي أحاديث صحيحة بمجموع طرقها، وأما ما ورد بالتخيير فإنه ورد مرفوعًا لكنه ضعيف ولا يثبت، فإنه ضعيف ولا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد جاء من حديث عطاء عن جابر ذكر الإبل والبقر والشاة والحلل رواه أبو داود مسندًا ومرسلاً وفيه محمد بن إسحاق وقد عنعن، وهو معلّ ولا يصح. والصحيح الوارد في هذا الباب وهو موقوفٌ على عمر رضي الله تعالى عنه. يعني: موقوف، حسنه الألباني في الإرواء.
قال: (ومثال الثاني) يعني: ما مصلحته لغيره كان فيه التخيير وكان المصلحة للآخرين ليست له، (تخيير الملتقط للحيوان) إذًا: من وجد لقطة من الحيوان خاصةً (تخيير الملتقط للحيوان في حول التعريف) يعني: في ثمن التعريف، خيَّره بين ماذا؟ (بين حفظه والإنفاق عليه) على الحيوان ... (ليرجع على صاحبه إذا وجده).
__________
(1) سبق.
(11/17)

قال رحمه الله تعالى: (ومثال الثاني) يعني: ما كان مصلحة غيره (تخيير الملتقط للحيوان) على جهة الخصوص من وجد لقطة من الحيوان خاصةً ... (في حول التعريف) هذا مراده في الزمن التعريف خيره بين ماذا؟ (بين حفظه). يعني: حفظ هذا الحيوان (والإنفاق عليه ليرجع على صاحبه إذا وجده). لأن النفقة واجبة حينئذٍ نوى الرجوع فله يرجع. هذه الأول، (وبين بيعه وحفظ ثمنه، وبين أكله بعد أن يُقَوِّمَهُ على نفسه). إذًا: ثلاثة أشياء.
بين حفظه والإنفاق عليه.
وبين بيعه وحفظ ثمنه.
وبين أكله بعد أن يقومه على نفسه.
(ويلزمه فعل الأصلح) ولا يتخير بحسب رغبته وشهوته، وإنما ينظر أي هذه الأشياء الثلاثة أصلح وأنفع بالنسبة للحيوان أو بالنسبة للناس في زمن ما، حينئذٍ يجتهد وينظر فيما تعارف عليه الناس أي هذه الأنواع الثلاثة أفضل حينئذٍ يختاره ويلزمه فعل الأصلح. (وكذلك يخير الإمام في الأسير الحربي بين) [أربعة] (1) أمور: (بين قتله، ورقه وأخذ فدائه، والمنة عليه). ثلاثة أشياء (ويلزمه الأصلح).
(بين قتله) هذا واضح، (ورقه). يعني: يجعله رقيقًا كالشأن في النساء والذرية، (وأخذ فدائه). يعني: مال أو ناس من المسلمين إما بما أن يقول: الأسير أطلقوني وأنا أعطيكم كذا مثلاً، أو بعملٍ كما جرى في أسرى بدر أنهم فدوا أنفسهم بعملٍ للصحابة، وإما بـ (المنة عليه). يعني: يطلقه مجانًا كما صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطلقاء، ويلزمه الإمام في الأصلح يعني: للمسلمين ولهذا الأسير. كيف للمسلمين واضح، وأما لهذا الأسير إذا رجا إسلامه فحينئذٍ قد يحسن إليه، ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - أطلق ثمامة وكان مشركًا، فدلَّ ذلك على أنه قد يفعل هذا، وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - صورًا كثيرةً من ذلك، ومنه ما وقع بغزوة بدرٍ وما بعدها فقد فدا عددًا من الصحابة ببعض الأسرى من المشركين، بل ربما أطلق بعضهم ومَنَّ عليهم من دون قتالٍ كما فعل مع ثمامة، وربما فعل بما فيه فداءٌ معنوي كما فعل مع زوجة ابنته ... زينب، فإنه اشترط عليه أن يرد إليه ابنته فوفَّى للنبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك.
__________
(1) سبق وعدها الشيخ ثلاثة.
(11/18)

قال رحمه الله تعالى: (ومن ذلك تصرفات ولي اليتيم) يعني: في مال اليتيم مبناه على الأصلح، أنت أمينٌ على مال اليتيم إذًا تنفقه عليه في ما هو فيه نفعٌ له، وتتاجر به فيما هو أصلح له، (وناظر الوقف) يعني: في الوقف حينئذٍ ينظر في الأصلح في الذي يستفيد من هذا الوقف ونحو ذلك ... (والوصِي في مال الموصَى) قال: هذا المال للدعوة إلى الله عز وجل حينئذٍ يجب عليه أن يفعل فيه الأصلح. (ونحوهم إذا تعارضت التصرفات لزمه أحسنُ ما يراه) بحسب الأصلح لليتيم وللوقف وللموصى عليه. (قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ} [الأنعام: 152]) الأصل المنع ({لاَ تَقْرَبُوا}) نهي، والنهي للتحريم جاء الاستثناء ({إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ}) ما فيه صلاحه وتثميره، قال مجاهد: هو التجارة فيه. إذًا: إذا خُيِّر العبد بين شيئين فأكثر حينئذٍ النظر يكون فيما يرجع إليه أو لغيره، فإن رجع المصلحة إليه حينئذٍ هو في الخيار، وأما إن كانت لغيره فحينئذٍ لا بد من فعل الأصلح.
(القاعدة الخامسة والثلاثون: من سقطت عنه العقوبة لموجب ضوعف عليه بالضمان).
(11/19)

(من سقطت عنه العقوبة) كل هذه ضوابط ليس بقواعد (من سقطت عنه العقوبة لموجب) يعني: لسببٍ ما، كما مر معنا في إثبات المال لمن سرق وشهد عليه رجلٌ وامرأتان، أو يمين بشاهدٍ ويمين صاحب الحق، هنا ثبت المال دون القطع تباعض، هنا كذلك قد لا يترتب على السبب العقوبة، تسقط العقوبة لعدم الموجب لكن جاء النص بتضعيف الضمان، تضعيف الضمان لكن هذا موقوف على النص، يعنى ما جاء النص بتضعيفه عُمِلَ به، وما لا فلا، لماذا؟. لأن الأصل في أموال الناس المسلمين الأصل في أموال المسلمين التحريم، فلا يحل لأحدٍ أن يتصرف أو يحكم بمالٍ لأحد عند أحد إلا بموجب شرعي، فلا تؤخذ أموال الناس إلا بموجب شرعي وما عداه فيبقى الأصل على المنع، [ولذلك القاعدة لـ] (من سقط عنه العقوبة لموجب ضوعف عليه الضمان) والمعنى أن سقوط العقوبة مع وقوع الاعتداء فإنه لا يعني أنه لا يجب عليه حكمٌ بل يجب عليه. قوله: (ضوعف) هل هذه المضاعفة معتمدة على دليل أو لا؟ قلنا: أنه الصحيح لا بد من دليل. قال رحمه الله تعالى: (وذلك إذا كان فعله سبباً ناهضاً لوجوب العقوبة عليه) كمن سرق لا من حرزٍ إذا كان فعله سببًا ناهضًا يعني يقوم لوجوب العقوبة عليه (ولكن سقطت عنه لسبب من الأسباب) يعني: سرق نصابًا لكن لا من حرزه، قام قائم يمنع من إقامة الحد عليه، وهو كونه ليس من حرزه (لسبب من الأسباب) يعني: لمانعٍ من الموانع، (فإنه يضاعف عليه ضمان الشيء، فمن ذلك من سرق تمرًا أو ماشيةً من غير حرزٍ)، وتمرًا من غير حرزٍ كما لو كان على رؤوس النخل ليس بحرزه هذا، أو تركه هكذا دون حفظه في مكانه أو ماشيةً من غير حرزٍ بأن لم يكن في بيتٍ حينئذٍ فإن كان في حرزٍ قطعت يده. قال هنا: (من غير حرز، سقط عنه القطع) لماذا؟ لأنه ليس في حرزه وإن بلغ نصابًا، (ولكنه يضمن المسروق بقيمته مرتين) والعقوبة، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده جاء نص في ما يتعلق بالتبن والماشية، أما ما عداهما فلا بد من نص، فإن لم يكن فالأصل عدم التضعيف ونسقط العقوبة والحد لعدم السبب الموجب للعقوبة، أو لقيام المانع من تنفيذ هذه العقوبة. (ومن ذلك: إذا قتل المسلم الذميَّ عمداً لم يقتص منه لعدم المكافأة في الإسلام) لا يقتل المسلم بكافر جاء النص «لا يقتل المسلم بكافر». فإذا قتل المسلم الذمي عمدًا لا خطأ لم يقتص منه، واضحة يعني لا يقتل لعدم المكافئة في الإسلام، حديث «لا يقتل مسلم بكافر» (ولكن تضاعف عليه الدية) فعليه ديتان، وهما مئة من الإبل لأن ديته الكاملة نصف دية المسلم فتضاعف عليه فحينئذٍ تكون بقدر دية مسلم واحد، وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وعلى قول الجماهير لا تضعيف، يبقى على الأصل، والتضعيف جاء به فتوى عن بعض من الصحابة، إذًا من اعتمد ما جاء عن الصحابة في فتاويهم وجعله يعني: دليلاً شرعيًّا أعتمد هذا القول، ومن قال بأن الأصل في قول الصحابة أنه ليس بحجة إلا إذا إجماع سكوتيًا فحينئذٍ نقول: الأصل حرمة أموال المسلمين فلا يتعدى عليه إلا بنص واضح بَيّن، إذًا لا يُقتل ويبقى على ديته هذا المشهور عند أهل العلم.
(11/20)

(ومنها: إذا قلع الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه) يعني: اليمنى اليمنى هو أعور ففقع عين الصحيح المقابل لعينه الصحيحة حينئذٍ ماذا يصنع؟ إن فقعنا عينه صار أعمى حينئذٍ جاءت فتاوى لبعض الصحابة - ليس بدليل شرعي - لكن جاءت فتاوى لبعض الصحابة يقول هنا إذا قلع الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة، يعني: عينه اليمنى عوراء واليسرى صحيحة فقع ماذا؟ اليسرى من الرجل المقابل (عمدًا لم يقتص من الأعور)، لو قلنا: العين بالعين صار أعمى لأنه يذهب بصره كله، قالوا: هذا ليس من العدل (لأنه يذهب بصره كله) من أجل أنه يفقع عين شخص وتبقى له عين ثم نقتص منه فيصير أعمى، قالوا: هذا ليس من العدل (ولكن تضاعف عليه دية العين فيلزمه دية نفسٍ كاملة) دية العين المراد هنا دية نفسٍ كاملة يعني: دية عينين، ودية العينين دية النفس، جاء في ذلك فتاوى لبعض الصحابة عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر، أورده ابن أبي شيبة في المصنف يرجع إليها، إن ثبتت فحينئذٍ يكون الإجماع إذا لم يسم خلاف وإلا نرجع إلى