Advertisement

شرح المعتمد في أصول الفقه


الكتاب: شرح المعتمد في أصول الفقه ((نظمها وشرحها د محمد الحبش))
المؤلف: محمد حبش
مع مقدمة: للدكتور محمد الزحيلي
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] شرح المعتمد في أصول الفقه
نظم وشرح
الدكتور محمد الحبش
(1/2)

مدخل
(1/3)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله بخير ما حمده الحامدون، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان الأزكيان الأعطران على حبيب رب العالمين، محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الأخيار الهداة المهديين.
وبعد..
فقد كتبت هذه المنظومة أيام الدراسة، غرة القرن الهجري الجديد، وكتب الله بها نفعاً لطلبة العلم، فحفظها عدد منهم، وأشار علي أستاذي الدكتور محمد الزحيلي بإعادة طباعتها مشروحة، وقد وافق ذلك رغبة لدي، فاستعنت بالله، وشرعت في المقصود، حتى منَّ الله بإتمامه، وها أنا أدفعه للقارئ الكريم، ألتمس منه دعوة صالحة بظهر الغيب.
وليس في هذا الكتاب إلا حل عبارة النظم، من طريق قريب، وأما بسط مسائل هذا العلم فتجدها في مظانها من الكتب الأصول.
وقد قدمت للكتاب بمقدمة في منهج التعليم بالمنظومات، ومزايا هذه الطريقة وقد سبق أن نشرتها في بعض كتبي السابقة وأعيدها هنا للفائدة كما أثبتُّ آخر الكتاب النظم بتمامه ليهون حفظه على الراغب، وبالله التوفيق.
د. محمد الحبش
(1/4)

مقدمة في منهج التعليم بالمنظومات
(1/5)

التعليم بالمنظومات منهج أصيل لدى العلماء المسلمين، وهو لكثرة انتشاره واشتهاره، لا يحتاج إلى دليل يظهر مدى قناعة المسلمين به، واعتمادهم عليه.
فقد كتبت المنظومات في سائر العلوم الشرعية والكونية منذ قرون طويلة، وقُرِّرت في حلقات التعليم، وتناوب العلماء في خدمتها شرحاً وتدريساً وتحشية وتذييلاً، حتى أصبحت عنواناً على المعرفة، وأصبحت جزءاً رئيساً من ذاكرة طالب العلم، ومدخلاً واضحاً من مداخل المعرفة الأصيلة.
وقل أن تجد عالماً من علماء العربية اليوم لم يحفظ ألفية ابن مالك مثلاً، ويتخرَّج بشروحها وحواشيها، وجهود العلماء عليها.
وكذلك فإن علماء القراءة اليوم لا يزالون يشرطون على طالب هذا الفن أن يستظهر واحداً من النظمين: حرز الأماني مع الدرة أو طيبة النشر، ولا ينال الطريقين إلا باستظهارهما معاً.
والأمر ذاته في تحصيل علوم الفرائض والحديث والأصول وغيرهما من العلوم النظرية.
خصائص التعليم بالمنظومات:
وتكشف طريقة التعليم بالمنظومات عن وعي عميق لدى العلماء المسلمين، ذلك أنهم أدركوا أن طاقة العقل لدى الإنسان تتوزع بين الحفظ والفهم، وأن إطار الحفظ يبدأ كبيراً مع سن الطفولة فيما يكون إطار الفهم والاستيعاب أقل وأضعف، ثم يبدأ إطار الحفظ بالتناقص لحساب الفهم والاستيعاب حتى يتساويا ثم تصبح القدرة على الفهم والاستيعاب أكبر من القدرة على الحفظ والتخزين في الذاكرة.
فلو افترضنا أن طاقة العقل مائة درجة، فإن الإنسان في سن العاشرة، تتوزع قدرته على أساس أن الذاكرة لها تسعون والاستيعاب له عشرة فإذا بلغ سن العشرين تناقصت القدرة على الحفظ إلى خمسين وتعاظمت القدرة على الفهم إلى خمسين، فإذا بلغ الثلاثين أصبحت القدرة على الفهم تسعين والقدرة على الحفظ عشرة.
ولست أزعم أن هذه القاعدة مطلقة بحيث لا تتخلف، بل لها استثناءات كثيرة ترتبط بتركيب الإنسان النفسي كما ترتبط بظروفه الاجتماعية، ولكن الفترة الذهبية للحفظ هي بلا ريب فترة الطفولة، ففي الطفولة يتعلم المرء على ذاكرة بيضاء، فتكون المعلومات أرسخ وأبقى، حتى إذا كثرت المعارف والمشاغل ضاقت ساحة الذاكرة عن استيعاب الجديد، فتزاحمت المعارف، وكثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً.
ومن هنا شاع بين أهل المعرفة: الحفظ في الصغر كالنقش على الحجر، والحفظ في الكبر كالنقش في الكدر.
فبينما يرسخ النقش على الحجر، فإن النقش على الكدر، وهو الطين الجاف لا يلبث أن يتفتت لأول عامل من عوامل الدهر.
وعلى إدراك لذلك كله نهج العلماء المسلمون في التعليم، فقدموا للصغير أصول المعارف على هيئة منظومات ومتون، طلبوا من الفتى حفظها واستظهارها، ولم يشاؤوه على فهم مقاصدها واحتمالاتها، فشغلوه بما هو به جدير، وصرفوه عما هو ليس له بأهل، إذ لن يبلغ فهم هذه المنظومات إلا بتكليف وتعسف، بينما يمكنه حفظها بمتعة ويسر، ويتخذها له نغماً ولحناً.
ولست أعني أنه كان يُكَفّ عن فهم عباراتها، فيحفظها حفظ الأعجم، بل كانت تحل له عقد العبائر، دون الدخول في تفاصيل الدلالات.
وهكذا فإن الفتى يفتح عينيه على العلم في الثامنة عشرة مثلاً وعنده مخزون كبير من المعرفة، مطبوع في الذاكرة، كلما ناداه قال له لبيك، فيشرع بفهم المسائل، وإن أصولها مبسوطة على صفحة ذاكرته، كأنه يراها عياناً ويلمسها بناناً، فيكون ذلك أدعى للفهم وأوقر في العقل.
ثم يتصدر للتعليم والفتيا وعلمه معه حاضر، ولسانه له ذاكر، فيصبح كالغني عن حمل القراطيس، كما قال الإمام الشافعي:
علمي معي أينما يممت يتبعني صدري وعاء له لا بطن صندوقي
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي أو كنت في السوق كان العلم في السوق
وقال آخر:
ما العلم فيما قد حوى القمطر ما لعلم إلا ما حواه الصدر
وقد كانوا يعنون ذلك حينما قالوا: من حفظ المتون حاز الفنون، ومن قرأ الحواشي ما حوى شي.
ولست أدري لماذا تعرض الطريقة الحديثة في التعليم عن مناهج التعليم بالمنظومات، رغم أننا لن نحتاج إلى التدليل على موثوقية علم الأقدمين، وحضوره بين أيديهم في سائر الأحوال.
ولا شك أن الذي ألهم المسلمين هذا المنهج، هو تجربتهم الأصيلة في حفظ القرآن الكريم، فالمسلمون أمة اختصها الله بهذا التنزيل، وجاءت الأحاديث بالتوكيد على حفظه واستظهاره، وبدءاً من عصر السلف الأول فقد اعتبر حفظ القرآن الكريم شرطاً رئيساً لمن يخوض في التأويل أو التفسير، وبالحري إذن فهو شرط أساس لكل عالم يتصدر للتعليم.
وظهر للأقدمين بركة حفظ النصوص من خلال ذلك، فراحوا ينهجون النهج ذاته في العلوم الأخرى، من سبق الحفظ ثم تعقيبه بالفهم والشروح.
وإياك أن يأخذ بك الظن إلى تصور أنهم قصدوا محاكاة النظم القرآني، في أسلوبه المعجز، فهذا لا يدركه أحد، بل لم يزعمه أحد، وإنما أرادوا محاكاة الطريقة التعليمية الناجحة التي ألهمهم إياها أسلوبهم في تلقي العلوم المتصلة بالقرآن الكريم.
(1/6)

تاريخ التعليم بالمنظومات:
(1/7)

وتاريخ التعليم بالمنظومات متقدم، ولا بد من هدم الفكرة القائلة بأن المنظومات نشأت في عصور الانحطاط والركود، وأنها من تراث القرن العاشر الهجري وما بعده، ومع تحفظي على اصطلاح الانحطاط والركود فهذا كله غير واقعي، ولا شك أن المنظومات قد اتخذت منهجاً تعليمياً أصيلاً قبل ذلك بزمن بعيد.
ومع أن أقدم نظم (مطبوع) يعود إلى القرن السادس الهجري إلا أننا نؤكد أن هذا المنهج كان أصيلاً قبل ذلك بزمن، ذلك أن المتأمل في منظومات القرن السادس التي اشتهرت بين الناس يجد أنها لا تشير إفصاحاً ولا إلماحاً إلى أنها لون مبتدع في التعليم، بل يلتمس القارئ أنها صلة لجهود سابقة من الفن نفسه وعلى السبيل ذاته.
ففي منظومة (حرز الأماني ووجه التهاني) التي كتبها الإمام الشاطبي في القرن السادس الهجري، إذ توفي عام 590 هجرية، تجد نفسك أمام علم مكتمل، ونظم مستوفٍ لشرائط المنهج التعليمي المتين، مما يدل على أنها حلقة في سلسلة متقدمة، أضف إلى ذلك أن النظم في القراءات لا يتصور أن يبدأ إلا بعد نظم العلوم الأكثر تداولاً والأسهل منالاً، كالعقائد والاصطلاح والتجويد والفقه.
كذلك فإن الوصول إلى الألفية لا يتم مرة واحدة، بل لا بد أن يكون هذا العطاء قد سبقته منظومات أصغر وأخصر في الفن ذاته، ناهيك عن غيره من الفنون القريبة.
أذكر على سبيل المثال ما أورده حاجي خليفة في كشف الظنون ص 1344، حيث ذكر منظومة في قراءة نافع لأبي الحسن علي بن عبد الغني الفهري القيرواني، المتوفي سنة 488 هـ.
كذلك فقد كتب النسفي عمر بن محمد بن أحمد نظماً طويلاً في فقه الحنفية ومخالفيهم، ذكر أنه استكمله عام 504 هجرية، وقد أورد حاجي خليفة في كشف الظنون تعريفاً جيداً بالكتاب وما قام عليه من شروح وحواشي ومختصرات.
وقد بلغت أبيات هذا النظم 2669 بيتاً، كما أشار الناظم في آخرها:
وجملة الأبيات يا صدر الفئة ألفان والستون والستمائة
وتسعة، والله يجزي ناظمه جنات عدن وقصوراً ناعمة
وهذا كما ترى كثير، وقد صنفه النسفي مطلع القرن السادس، وهو يلتزم بحر الرجز الذي اعتمده الناظمون فيما بعد، والمفترض أن تكون هذه الألفية الكبيرة نتيجة جهود كبيرة سابقة، ولا ريب أن عدداً كبيراً من القصائد التعليمية قد كتب قبل ذلك بزمن.
وتلاحظ في أرجوزة النسفي التزام الشيخ رحمه الله بطريقة النظم السائدة من جعل كل بيت بقافية مستقلة، متطابقة في الصدر والعجز.
وبالرغم مما قام على هذه المنظومة من جهود هامة غير أنها لم تفرد بالطبع مستقلة.
كذلك فأنت تجد أن نظم (بغية الباحث عن جمل الموارث) للشيخ محمد بن علي الرحبي المتوفى عام 577 هجرية، وقد سطر الرحبي هذه المنظومة في وقت مبكر، ولا تزال هي المنهج الرئيس المعتمد في تعليم مادة الفرائض في أكثر المدارس الشرعية، وإنه لا يتصور أن ينشأ هذا النظم البديع من فراغ، ويستمر بعدئذ نحو ثمانية قرون منهجاً أصيلاً من غير أن يكون قبله تجارب سابقة يفيد منها، ويقتفي إثرها، ومن غير أن يشير هو إلى أنه ينهج في تعليم الفرائض نهجاً جديداً لم يكن معروفاً من قبل.
وليس ثمة مبرر من إطالة الكلام في تقدم المنظومات من جهة التاريخ، فقد أورد حاجي خليفة في كشف الظنون عدداً من المنظومات تعود إلى مطلع القرن الرابع، وربما نظمت في القرن الثالث، إذ مات مؤلفوها مطلع الرابع.
فمنها قصيدة في غريب اللغة لنفطويه النحوي المشهور المتوفى 323 هـ، شرحها ابن خالويه المتوفى 370 هـ.
ومنها قصيدة نونية في التجويد لأبي المزاحم موسى بن عبد الله الخاقاني المتوفى سنة 325 هـ. وقد أسماها (عمدة المفيد) (كذلك قال حاجي خليفة في كشف الظنون ص 1348، ولكنه نسب ذلك في ص 1171 إلى علم الدين السخاوي، وأغلب الظن أن هذا الاسم (عمدة المفيد) لكتاب السخاوي في الشرح على النونية المذكورة) ، وشرحها السخاوي المتوفى عام 643 هـ.
ومنها القصيدة الرائية في علم الإنشاء لأبي مزاحم موسى بن عبد الله الخاقاني المتوفى سنة 325 هـ. وذكر في الكشف نحو عشر منظومات تعليمية تعود إلى القرن الرابع والخامس، وسنأتي على إيرادها جميعاً في ثبت المنظومات العام في آخر الموسوعة.
ولكن يجب القول أن أقدم منظومة أثبتناها في الموسوعة هي من أعمال القرن السادس الهجري، على الرغم مما أكدناه لك أن ثمة منظومات أقدم من ذلك بزمن لم نوفق لخدمتها هنا، ولعلنا نوفق لذلك في أعمال قادمة.
(1/8)

عيوب التعليم بالمنظومات:
(1/9)

ولست أقصد فيما قدمت أن المنظومات كانت على مستوى واحد من حاجة الناس إليها، وعكوفهم عليها، فقد أصبحت المنظومات في المراحل المتأخرة ضرباً من المباراة بين المعلمين، وراح بعض المشتغلين بهذا اللون من التعليم ينظمون لغير ما مقصد علمي صحيح، فجاءت منظومات هزيلة، لم تأت بجديد، ولم تشتمل على مفيد، فيها تقليد بلا توفيق، وتلفيق بلا تجديد، فعلم الذين يحققون أن السعي قد أصبح في غير سبيل، وأن الميدان قد اجتازه من ليس من أهله، حتى ظهر في أهل العلم من يعمم هذا الحكم في كل نظم، ويجزم أن هذا الفن تكلف من غير تعرف، وتنطع يشغل عن العلم بالشكل دون المضمون.
ويمكن تلخيص عيوب المنظومات في وجوه:
الأول: كثرة الضرورات والجوازات، وقد نحا بعضهم نحواً لم يسمع في جوازات الشعر العربي، كإسكان المتحرك وتحريك الساكن، وترخيم الكلمات في غير مظان الترخيم، بل لجأ بعض النُّظَام إلى تغيير حركة الأواخر من خفض لرفع أو من رفع لفتح أو غير ذلك، مجاراة لوجه القافية!..
ولعمري فإن هذا تخبيص من غير تنصيص، إذ هو عكس مقاصد مؤسسي هذه المدرسة، فقد جعلت القافية لتذكير المتعلم بفرع المعرفة، من جهة أنها معلومة سلفاً، فإذا ما التوت كانت باباً للإشكال، وصار تحريرها يحتاج إلى اشتغال، والوقت في كلا الحالين هو الضريبة المؤداة في غير مقصد صحيح.
الثاني: التكرار في النظم، فقد كتبت في كل فن منظومته، وعلى من يعيد نظم المعارف أن يحقق جدوى سعيه، فإذا نظم فإن عليه أن يأتي بجديد في المعرفة، أو يرتقي بقديم، ينتخب من سلفه، فيزيده بياناً وإيضاحاً، بحيث يكون نسخة أوضح وأفصح، ولكن الذي حصل كان عكس ذلك، فقد ولع النُظَّام بسبك المنظومات إلى حد أنساهم غاياتها ومقاصدها، فصار النظم يتلو النظم وما فيه من ميزة إلا انحطاط مستواه، وتعثر مبناه ومعناه، والتعبير عن الجيد بالرديء.
وإن من الإنصاف أن نعتبر بما فعل الزمن، فقد حكم جزماً في هذه المنظومات، فألقاها في زوايا الإهمال والنسيان، وكافأها بما تستحق، وصارت لا تقرأ ولا تدرس إلا لتحقيق التاريخ فحسب، بعد أن جعل ناظموها آخر مقاصدهم من نظمها إضاءة المعرفة!..
الثالث: النظم في علوم لا يصلح فيها النظم، فقد اشتغل بعض المتأخرين في نظم علوم غير نظرية، فكان في ذلك تكلف ممل، وتعسف مخل، كالنظم في الاسطرلاب والهيئة والأعداد، فهذه العلوم لا يطلب فيها حشو الذاكرة بالمحفوظ بقد ما يطلب فيها حشو العين بالملحوظ، فأداة المعرفة فيها الرسوم والجداول والأرقام، أضف إلى أنها علوم متحولة متجددة، لا متأصلة مجردة.
فاشتغال بعض النُّظَّام بنظمها تكلف تنقضي فيه الأعمار، ولا يأتي إلا بأبخس الثمار، واشتغال الطلبة بحفظها ضياع للأوقات، ولا يجتنى منه إلا أهزل الثمرات.
الرابع: النظم في الفروع، وقد كثر ذلك لدى المتأخرين، وخيل إليهم أن المطلوب أن نجعل المعرفة كلها نظماً، من غير أن ندرك لها فهماً، وهذا تنطع لا داعي إليه، وتغييب للمقصد الرئيس من نظم هذه المنظومات، فقد بينا أنها تنظم أصلاً للصغير، يستحضرها في خياله يوم ينهض عقله بالتعبير والتفسير، فحيث طلبنا منه أن يحفظ ويحفظ، فقد زاحمنا في ذاكرته حق الفهم في أوانه، فأصبحنا كمن يزرع البذر في غير ميقاته وزمانه.
الخامس: كثرة الحشو والتطويل، هذا تكميل ولع به المتأخرون، ألجأهم إليه قصور العبارة، وركة الإشارة، فراحوا يزحمون البيت بالحشو المستهجن، الغريب عن المعنى والمبنى، من أجل استكمال القافية على القواعد العروضية، من غير أدنى اهتمام بالإيلاف بين العبارة والحشو، أو تكامل المعاني والمباني.
ولعمري إنه لا يسوغ الحشو إلا إذا جاء عفواً صفواً، يعبر عن المقصود، أو يتصل به بسبب معقول.
وبغير ذلك فإننا نكون قد كلفنا طالب العلم بحفظ الحشو، زيادة على حفظ المتن، وهل هذا إلا عبء على عبء، وعناء على عناء، وتكلف لا داعي له، ولا مسوغ له إلا ضعف الناظم ووهى عبارته.
ولا شك أن أفضل المنظومات تلك التي نظمها العلماء الشعراء أصلاً، الذين طاعت لهم العبارة ووافتهم الإشارة، وخدمتهم الكلمات وائتمرت بأمرهم العبارات، فلم يجيئوا إلى فن المنظومات مُتَقَحِّمين، ولم ينظموا متكلفين، وكما جاءت قرائحهم بشعر غني بالمشاعر، وافتهم كذلك بنظم لين سهل طافح بالمعرفة.
ومن هؤلاء أبو محمد القاسم بن فيرَّة الرعيني الشاطبي صاحب حرز الأماني، ومحمد بن علي الرحبي صاحب بغية الباحث عن جمل الموارث، ولا شك أن المتذوق للشعر العربي يطرب أيما طرب حين يطالع في الأعمال المتميزة لهؤلاء الأئمة.
ولست أقصد بأن العلماء الشعراء أفرغوا عواطفهم ومشاعرهم في هذه المنظومات كما يصنعون في الشعر، فهذا لا طائل تحته في هذا الفن، وإنما كان توفيقهم أكبر من حيث طاعت لهم العبارة، وخدمتهم المترادفات، إذ لا يراد بالنظم ما يراد بالشعر، فكل له مقاصده ووسائله، ولكن قوة السبك مطلوبة في كل واحد من الفنَّين، والعلماء الشعراء على ذلك أقدر من العلماء الذين لم يشتغلوا بالشعر.
(1/10)

[مقدمة الدكتور محمد الزحيلي]
(1/11)

تعريف عام بعلم أصول الفقه
بقلم: الأستاذ الدكتور محمد الزحيلي
الحمد لله رب العالمين، حمداً يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على رسول الله، معلم الخير، ومرشد الناس إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة، القائل: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»
ورضي الله عن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعن العلماء العاملين، والدعاة المخلصين، وبعد..
فإن الأمة الإسلامية تميزت عن بقية الأمم بميزات كثيرة في العلوم والثقافة، والحضارة والإبداع، وفي مجالات متنوعة، ومن هذه الميزات التي انفردت بها على بقية الأمم والشعوب في الجانب العلمي والتطبيقي والمنهجي إبداعها لبعض العلوم التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ، ولم يلحقها فيها أحد حتى الآن، ومن ذلك علمان أساسيان، وهما:
-1- علم مصطلح الحديث أو علم أصول الحديث ومصطلحه الذي وضعه العلماء المسلمون، ليكون أدق منهج علمي في النقد والتراجم والرجال ونقل الأخبار والروايات.
-2- علم أصول الفقه في مجال التشريع والأحكام، والأنظمة والشرائع، وفي دائرة الاجتهاد والفتوى والقضاء والإدارة، والمحاماة والبحث، وتفسير النصوص وفهمها.
لذلك يشكل علم أصول الفقه المنارة الوضاءة بين العلوم الشرعية، ويعتبر مفخرة الأمة في حضارتها وعلومها.
وهو علم فريد في تاريخ الأمم والشرائع القديمة والحديثة، وهو مما انفرد به المسلمون بين الأُمَمِ.
قال ابن خلدون: (واعلمْ أن هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملة) وعلم أصول الفقه عبارة عن القواعد والمبادئ التي سار عليها الفقهاء في استنباط الأحكام من المصادر الشرعية، وبيانها للناس، ويتكون من الضوابط التي يلتزم بها الفقيه أو المجتهد، بقصد أن يكون طريقه مستقيماً واضحاً، لا يعتريه وهن أو انحراف، ولا خبط أو اضطراب، ويوصل إلى الهدف المقصود.
وهذا العلم هو المصباح الذي ورثته الأجيال، وحمله العلماء لبيان الأحكام الشرعية لكل جديد في كل عصر، ومعالجة المبادئ والأحداث التي تطرأ، وغير ذلك وفق منهج محدد، يسير عليه العالم في الاستنباط والاجتهاد.
وعلم أصول الفقه من العلوم الأساسية في الدين لضبط الخلاف، وتمييز الغث من الثمين، وكشف مناهج الأئمة والعلماء في الاجتهاد والاستنباط والاستدلال، لذلك بيَّن ابن خلدون أهمية أصول الفقه، فقال: (اعلم أن أصول الفقه من أعظم العلوم الشرعية، وأجلها قدرا، وأكثرها فائدة ... وهو في الأدلة الشرعية من حيث تؤخذ منها الأحكام) (مقدمة ابن خلدون ص 455، وانظر التعريف بعلم أصول الفقه، وبيان أهميته، ونشأته، وتطوره، وأشهر علمائه، وأهم كتبه في كتاب «أصول الفقه الإسلامي» وكتاب «تعريف عام بالعلوم الشرعية» وكتاب «مرجع العلوم الإسلامية» وكلها للدكتور محمد الزحيلي)
وكان الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى أول من دون علم أصول الفقه وكتب فيه رسالته المشهورة (الرسالة) التي تعتبر أصل الأصول، ثم وضعها مقدمة لكتابه الفقهي العظيم (الأم) واتخذها منهاجا للاستنباط والاجتهاد وبيان الأحكام، قال الرازي: (اعلم أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة أرسطو إلى علم المنطق، وكنسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض) وقال ابن خلدون: (وكان أول من كتب فيه الشافعي)
وشمّر العلماء والفقهاء من مختلف المذاهب عن سواعدهم في التأليف والتصنيف في علم أصول الفقه، وتعددت طرق التأليف فيه، وظهرت المؤلفات العظيمة، والكتب القيمة في الأصول، واستمر هذا العمل المبارك طوال العصور الإسلامية، وصار علم أصول الفقه من أوائل العلوم الشرعية التي تدرس في جميع المدارس المعاهد الشرعية، وأصبح مقرراً أساسيا في جميع الجامعات الإسلامية وكليات الشريعة والدعوة، ولمست الجامعات الأخرى أهميته وفائدته وخواصه، فأصبح علم أصول الفقه أحد المقررات في جميع كليات الحقوق في العالم العربي والإسلامي.
وصنفت كتب كثيرة على طريقة المتأخرين، ومنهج التأليف المعاصر، الذي يتناسب مع الدراسة والتدريس في الجامعات الإسلامية، وكليات الشريعة والدعوة، وكليات الحقوق، وهي كتب قيمة ومفيدة.
كما نشرت في ربع القرن الأخير أهم كتب الأصول القديمة، وهي المراجع القيمة لهذا العلم، والمصادر الأصلية له، مما يبشر بخير عميم في دعوة هذه الأمة إلى تراثها، وحضارتها، وشريعتها، وعلومها لتكون بمشيئة الله تعالى خير خلف لخير سلف، وأصبحت مكتبة علم أصول الفقه عامرة والحمد لله، ولكنها تحتاج إلى التطبيق والممارسة للاستفادة الكاملة منها.
وكنت قد صنفت كتاباً في (أصول الفقه الإسلامي) لطلاب السنة الثانية من كلية الشريعة بجامعة دمشق، وطبع عدة مرات، وقام الشاب المؤمن النشيط الأستاذ محمد الحبش بنظمه بطريقة مفيدة، ونافعة، وميسرة، ثم رجع إلى المنظومة فشرحها ملتزماً بذلك خطة الكتاب الأصلي ومنهجه في الترتيب والتبويب والبيان، وها هو يقدمه للناس وطلاب العلم ليستفيدوا منه، وينتفعوا به، فجزاه الله خير الجزاء، ونفع الله به، وزاده علماً وأدباً وخلقاً.
نسأل الله العلي القدير أن يسدد خطانا لما فيه الخير والبركة، وأن يأخذ بيدنا إلى سواء السبيل، وأن يبارك لنا في العلم، وأن يمنحنا الفضل والقدرة على العمل والالتزام، وأن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً، ويلهم المسلمين العمل بكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عيه وسلم على الوجه الذي يرضاه، ويتفق مع التفسير الصحيح لكتاب الله تعالى، والفهم الدقيق للسنة، وأحكام الشرع، ومصادر التشريع.
والله ولي التوفيق، وهو نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله رب العالمين.
الأستاذ الدكتور محمد الزحيلي
وكيل كلية الشريعة للشؤون العلمية بجامعة دمشق
رئيس شعبة الفقه المقارن في قسم الدراسات العليا
بمجمع أبي النور الإسلامي
(1/12)

المقدمة
(1/13)

/متن المنظومة/
-1- بسمِ الإلهِ مبدعِ الأَكْوانِ ... ثم لهُ الحمدُ على الإحسانِ
-2- ثم الصلاةُ والسلامُ السرَّمدَي ... على النَّبيِّ المصُطفْى مُحَمَّدِ
-1- (بسم الإله) بدأ المصنف نظمه بالبسملة، وهي شعار الصالحين، وفي الحديث: «كل عمل لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر» أي مقطوع الخير والبركة.
وتستحب التسمية قبل الشروع في كل مباح مطلقاً، وهي أكثر استحباباً عند الشروع في الطاعات كذكر الله وطلب العلم ودخول المساجد.
(مبدع الأكوان) خالقها من العدم ومنشئها.
(ثم له الحمد على الإحسان) وثنى المصنف بالحمد لله اقتداء بالكتاب العزيز واعترافاً بسابغ نعم الله وعظيم فضله وإحسانه.
وفي الحديث: «أمتي الحمادون لله على كل حال»
-2- وثلَّث بذكر الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -لى الله عليه وسلم تبركاً (ثم الصلاة والسلام السرمدي) أي الدائم الذي لا ينقطع (على النبي المصطفى محمد)
وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«من صلى علي حين يصبح عشراً، وحين يمسي عشراً، أدركته شفاعتي يوم القيامة»
-3- والآلِ والصحبِ الكرامِ البَررَةْ والتابعينَ الطاهرينَ الخيَرةْ
-3- وأتبع المؤلف ذلك بالصلاة على آل النبي - صلى الله عليه وسلم -لى الله عليه وسلم (والآل) وآل النبي - صلى الله عليه وسلم - على المرجح عند الشافعية هم بنو هاشم وبنو المطلب أولاد عبد مناف وهم الذين دخلوا مع رسول الله ص شعب أبي طالب، في فترة حصار قريش للنبي ص، وسائر بني هاشم وبني المطلب دخلوا في الإسلام راغبين، إلا ما كان من أمر أبي لهب وقد انقطع عقبه.
وفي تحديد آل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أقوال مشهورة نذكر منها:
-1- إن آل النبي - صلى الله عليه وسلم - هم علي وفاطمة وحسن وحسين وأولادهم وهم الذين ورد ذكرهم في حديث (العبا) عن أم سلمة وتمامه: قالت نزلت هذه الآية 33 الأحزاب في بيتي فدعا رسول الله ص علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فدخل معهم تحت كساء خيبري وقال: هؤلاء أهل بيتي وقرأ الآية وقال: اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فقالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: أنت على مكانك وأنت على خير. وقال القشيري: أدخلت رأسي في الكساء وقلت أنا منهم يا رسول الله؟ قال: نعم. أخرجه الترمذي وغيره وقال هذا حديث غريب
-2 إن آل النبي - صلى الله عليه وسلم - هم زوجاته الطاهرات، ويدل له ورود آية الصلاة على آل البيت {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} في سورة الأحزاب الآية -33-، حيث وردت الآية في سياق الحديث عن زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -.
-3- إن آل النبي - صلى الله عليه وسلم - هم الأتقياء من أمته ص، وقد أخرج الطيالسي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ص قال: «آل محمد كل تقي» .
-4- إن آل النبي - صلى الله عليه وسلم - هم بنو هاشم وبنو المطلب، وهم الذين دخلوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في شعب أبي طالب وناصروه بأنفسهم وأموالهم، وهذا هو المختار عند الشافعية، وعليه فإن الصدقة لا تحل لبني هاشم ولا لبني المطلب.
وهذا القول من حيث المآل يشتمل على القول الأول والثاني، حيث لا يوجد للنبي ص اليوم نسل إلا من فاطمة عليها السلام.
(1/14)

/متن المنظومة/
-4- وبعدُ فالعلمُ ذخيرةُ الفَتى ... وزادُهُ يومَ المعادِ إذْ أَتى
-5- ولن ينالَ منهُ غيَر بعضهِ ... ولو تقضَّى عمرُهُ بركضهِ
-4- (وبعد) كلمة تقال قبل الشروع في المقصود، وأول من قالها قس بن ساعدة الإيادي، خطيب العرب في الجاهلية (فالعلم ذخيرة الفتى) أي زاد المرء ومعتمده في كل أمر يشرع فيه من أمور الدنيا وهو كذلك (وهو زاده يوم المعاد) يوم القيامة (إذ أتى) أي حين يحضر للحساب.
-5- (ولن ينال) أي طالب العلم (منه) أي من العلم (غير بعضه) أي لا يمكن تحصيل جميع العلوم (ولو تقضى عمره بركضه) أي مهما اجتهد في التحصيل وقد روي عن الإمام الشافعي قوله: كل شيء إذا أعطيته بعضك أعطاك كله إلا العلم فإنك لو أعطيته كلك لم يعطك إلا بعضه.
والعلم في الإسلام أشرف الغايات وأغلاها ترحل في تحصيله الأنبياء كما علمنا الله سبحانه في قصة موسى والخضر، وكما أمر الله سبحانه النبي - صلى الله عليه وسلم -: {وقل ربي زدني علماً}
والعلم في الإسلام غاية لا وسيلة وقد ورد عن الإمام الشافعي قوله: لو بلغني أن أجلي بعد ساعة لاخترت أن أمضيها في طلب العلم.
(1/14)

/متن المنظومة/
-6- لذاكَ فابدأْ منْهُ بالأهَمِّ ... ولا تُبالي بالثَّنَا والذَّمِّ
-7- واعلم بأنَّ العلمَ نورٌ يقذفُ ... لكلِّ قلبٍ ذاكرٍ يُلُقَّفُ
-6- (لذاك) ولما كان العمر قصيراً، والأجل غير معروف، نصح الناظم طالب العلم فقال (فابدأ منه بالأهم) ثم المهم (ولا تبالي بالثنا والذم) من الناس بل اجعل قصدك في تحصيل العلم رضا مولاك.
وقد سُمِعَ الإمام الشافعي يقول: وددنا أن هذا العلم انتفعت به الناس ولم ينسب إلينا منه شيء.
وقرأت على هامش كتاب رشحات عين الحياة، بخط شيخنا الشيخ أحمد كفتارو ما نصه: (أولاً نحسب حساب الله، وما سواه لا نرجوه ولا نخشاه)
-7- (واعلم) أيها السالك (بأن العلم نور يقذف) من الله عز وجل وقد سمى الله سبحانه القرآن الكريم علماً فقال: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم} وسماه نوراً فقال: {ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا} فالعلم والنور صفتان للقرآن الكريم.
(لكل قلب ذاكر يلقف) أي إنما يقذف الله هذا العلم لتلقفه القلوب الذاكرة المشرقة، وبهذا المعنى أثر عن الإمام الشافعي قوله:
(1/14)

/متن المنظومة/
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نُور ... ونور الله لا يهدى لعاصي
والغفلة عن الله حجاب يحول بين طالب العلم وبين تحصيل المعرفة، إذْ كلما كانت النفس أكثر صفاء وطمأنينة كلما تقبلت من العلم أبواباً أكثر.
(1/14)

/متن المنظومة/
-8- والناسُ كالأرضِ إذا أصابَها ... غيثٌ تفتَّحت لهُ أبوابُها
-9- فبعضُها تشربَّتْ قليلاً ... وبعضُها لَمْ تَستفِدْ فَتِيلاً
-10- وبعضُها تفتَّحت سريعاً ... فتلكَ نالت خيَرهُ جمَيعاً
-8- (والناس) في انتفاعهم بالعلم مثلهم كمثل (الأرض إذا أصابها غيث) من السماء (تفتحت له أبوابها) فاستقبلت ماء السماء، فكانت على ثلاثة أصناف:
-9- الصنف الأول من الأراضي يصيبها الماء فتشرب منه قليلاً وتحفظ منه قليلاً فينتفع به الناس (وبعضها لم تستفد فتيلاً) قاحلة جدباء لا يفيدها ماء السماء إلا وحلاً وطيناً.
-10- والصنف الثالث خصبة غزيرة، تفتحت لملاقاة الماء فنفع الله بها الناس فسقوا وزرعوا.
فالماء واحد ينزل طاهراً من السماء وإنما يتنوع حال الناس من الانتفاع به بحسب استعدادهم.
والأبيات الثلاثة إشارة إلى ما أخرجه البخاري من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضاً، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله تعالى به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به»
(1/14)

/متن المنظومة/
-11- والعلمُ في الإسلامِ نورُ اللهِ ... تنالهُ من بابِ حبِّ الله
-12- فالأنبياءُ المخلصِوُن الُكمَّلُ ... من بابِ حبِّ الله قَدْ تكَمَّلوُا
-11- لا ينفعك العلم عن العمل في الإسلام، ولا يقبل علم عامل حتى يعمل بما يعلم، وفي الزُبَدْ:
وعالم بعلمه لم يعملن ... معذَّبٌ من قبل عُبَّادِ الوثن
وكل من بغير علم يعملُ ... أعماله مردودة لا تقبلُ
وكان السلف لا يطلقون اسم (عالم) إلا على من عظمت خشيته، وكثرت طاعاته، واشتهر صلاحه
على قدر علم المرء يعظم خوفه ... فلا عالم إلا من الله خائف
وعلوم الشرع علوم نظيفة طاهرة لا ينالها إلا من طهرت سريرته، وزكت نفسه، وعظمت محبته
ولما حدثك عن سبيل تحصيل العلم الشريف، شرع يضرب لك الأمثال عن سلوك الأنبياء والأولياء في تلقي هذا العلم الشريف من باب الاستقامة والطاعة
-12- والمخلِص (بالكسر) من أخلص قلبه لله، والمخلص (بالفتح) من استخلصه الله سبحانه واصطفاه فهو أرفع منزلة من الأول، غير أن الفريقين اشتركا في إخلاص التوجه إلى الله، وتصحيح المعاملة في ما بينهم وبين مولاهم سبحانه. وإنما تحصل لهم الكمال من باب الاشتغال بالله وحده الانقطاع عما سواه.
(1/14)

/متن المنظومة/
-13- فالطورُ والخليلُ والحجابُ ... والغارُ والمزمورُ والهضَابُ
-14- مسالكُ الخلقِ لبابِ الحقَّ ... بها ينالُ القصدَ أهلُ الصِّدْقِ
-13- لقد كان لكل نبي ولكل ولي معتكف يخلو به مع الله، وينقطع عن الأغيار، ومن استأنس بالله استوحش مما سواه، ففي جبل الطور كان موسى يخلو بربه سبحانه، وهو جبل موحش مقفر في قلب صحراء سيناء، غير أن موسى رآه عامراً بالأنس لما كلمه ربه فيه، وقد بلغ شوق موسى إلى الله عز وجل وتعلقه به حداً جعله ينسى شعب بني إسرائيل ويسرع إلى مناجاة الله في (الطور) حتى ذكره الله عز وجل بقومه {وما أعجلك عن قومك يا موسى} ، ولم يسجل القرآن لموسى من مناجاة الطور إلا سؤالاً واحداً: {ربِّ أرني أنظر إليك} الأعراف 7 وذلك شأن كل مشتاق، وفي الحديث القدسي: «من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين» رواه الترمذي والدارمي.
وأما (الخليل) فهي بلدة كان يعتكف فيها إبراهيم الخليل في فلسطين وقيل موضع في برزة بدمشق، وبها قبر ينسب إليه، وهو يعكس صورة ما بين الخليل وربه من تجليات وإشراق، حتى استحق أن يدعى خليل الله، وكان اشتغاله بالله عز وجل حباً وشوقاً يشغله عن مسألته، وفي الخبر أن إبراهيم عليه السلام لما قدم إلى النار، وكان قومه قد أوقدوا تحتها عشرة أيام، حتى عظم لهيبها، وكان الطير إذا طار فوقها سقط فيها مشوياً من شدة طول ألسنة اللهب فيها، فوضعوه في المنجنيق ودفعوه، فأتاه جبريل وهو في رمية المنجنيق فقال: يا إبراهيم. ألك من حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال: سل ربك؟ قال: علمه بحالي يغني عن سؤالي، {قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} قال: المفسرون لو أن الله قال: يا نار كوني برداً على إبراهيم لمات إبراهيم في جوفها من شدة البرد، ولكن قال: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم.
و (الحجاب) إشارة إلى قوله عز وجل في مريم ابنة عمران {فاتخذت من دونهم حجاباً} والمراد أن مريم عليها السلام احتجبت عن قومها لتفرغ لعبادة الله، حتى طهرت نفسها وتزكت جوارحها، فأكرمها الله عز وجل بعيسى ابن مريم.
و (الغار) إشارة إلى غار حراء، وهو الغار الذي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعبد فيه قبل النبوة، وكانت قد حببت إليه الخلوة، فكان يخرج إلى الغار وهو كهف يتسع لرجل أو رجلين، في أعلى جبل أبي قبيس، يطل على مكة، يبلغه الفتى النشيط في نحو ساعة ونصف، ولا شك أن هذا الغار كان يمثل المدرسة التي تلقى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - معارف النبوة، ونفحات العلم الإلهي.
و (المزمور) إشارة إلى مزامير داود التي كان يتغنى بها في مناجاته لربه، وهي مجموعة من الأدعية والضراعات، كان يتغنى بها في جوف الليل، وهي تكشف لك عند تأملها، عن شفافية ما كان بين داود ومولاه من الشوق والحب.
و (الهضاب) وهي إشارة إلى تلك الخلوات التي كان يلتزمها العابدون في انقطاعهم عن الأغيار.
-14- (مسالك الخلق) أي هذه الخلوات التي كان يدخلها الأنبياء والأولياء، هي الدروب الصحيحة التي كانت تصلهم (لباب الحق) سبحانه وتعالى (بها ينال القصد أهل الصدق) وشعار السالكين: (إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي)
(1/14)

/متن المنظومة/
-15- بها قَضَوا أيّامَهُمْ فُرادى ... فاختصَّهم ربُّ الوَرى آحاداً
-16- علَّمَهم منْ علْمِهِ اللَّدُنِّي ... فأصبحوا أربابَ كُلِّ فَنِّ
-17- فكم عكفتَ في حراءٍ ذاكراً ... وكم خلوتَ بالخليلِ صَابراً
-15- وفي تلك الخلوات كانت تمضي أيامهم بالقنوت والسجود، والعبادة والضراعة، تفيض عيونهم بالدمع شوقاً وحباً، وتأنس أرواحهم بالله زلفاً وقرباً، فاصطفاهم الله سبحانه، وأفاض عليهم أنواره وبره.
-16- والعلم اللدني إشارة إلى قوله سبحانه وتعالى في الخضر {آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً} والعلم اللدني ما يقذفه المولى سبحانه في قلب الذاكر من بركة ونور، يطمئن به قلبه، ويزداد به إيمانه، ويعظم به شوقه.
وفي هذه الخلوات كان اتصال الأرض بالسماء، وكانت الأنبياء تتلقى الوحي في سكينة وجلال، فيعلمهم الله علم الأولين والآخرين.
-17- وهذا التفات إلى طالب العلم ليصحح سلوكه على هدي الأنبياء، فيبدأ بتحصيل العلم من تصحيح المعاملة فيما بينه وبين الله، ويبحث عن (حراء) يغسل فيه قلبه ويزكي فيه نفسه، ويبحث عن (خليل) يطيل فيه استغراقه بالله، صابراً على دوام الطاعة
(1/14)

/متن المنظومة/
-18- وكم عنِ الخلقِ احتجبتَ خالياً ... وكم على الهضابِ سرتَ باكياً
-19- لكلِّ مُوسَى طورُ حبٍّ دائمُ ... وكلُّ عيسى في الحجابِ قائِمُ
-18- وكم خلوت أيها السالك بربك، وكم بكيت بين يديه في الفلوات والقفار، وكم لهجت في ليلك ونهارك بذكره، فإن ذلك هو باب المعرفة
ولله در الشاعر في قوله:
أيها العاشق معنى حسننا ... مهرنا غال لمن يطلبنا
جسد مضنى وروح في العنى ... وجفون لا تذوق الوسنا
وفؤاد ليس فيه غيرنا ... وإذا ما شئت أدِّ الثمنا
فعن الكونين كن منخلعاً ... وأزل ما بيننا مِن بيننا
-19- المراد أن كل من يمشي على هدى موسى كليم الله ومنهجه، فإنه لا بد له من طور كطور موسى يخلو فيه بربه، وينقطع عن الخلق.
وكل من يريد أن يحصل له من الوصال ما حصل لعيسى بن مريم، ولأمه العذراء البتول، فإنه لابد أن يدخل في الحجاب الذي دخلت فيه مريم منقطعة عن الخلق وهذا المنهج هو الذي ارتضاه السادة الصوفية وهم يرسمون للسالكين طريق الوصول إلى الله.
وما أحسن ما قاله بهذا المعنى الشاعر والفيلسوف المسلم محمد إقبال:
عطايانا سحائب مرسلات ... ولكن ما وجدنا السائلينا
تجلي النور فوق الطور باق ... فهل بقي الكليم بطور سينا
إن النبوة قد انقطعت بموت النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا ريب، وهذا من أركان الاعتقاد، لا يزيغ عنه إلا هالك، ولكن ليس انقطاع النبوة والتشريع أذان بأن السماء أغلقت أبوابها في وجوه الأرض، وأن ثمرات العبادة التي يجدها العارفون في قلوبهم إشراقاً ونوراً قد حجبت عن العالمين، إذاً لقد حجَّرنا رحمة الله وفضله، والله أكرم من أن يمن بأنواره وبركاته على ولد يعقوب وأصحاب موسى وحواريي عيسى ثم يحجب هذه الأنوار عن أصحاب محمد وأمة محمد، والله أعدل من يمنح أنواره قوماً ويحجبها عن قوم آخرين، وهو القائل: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} البقرة (186)
(1/14)

/متن المنظومة/
-20- وذاكَ شأنُ طالبِ المعالي ... يواصِلُ النهارَ باللَّيالي
-20- وطالب العلم يسعى في تحصيل المعالي، وهذا لا يناله إلا من صدق في طلبه، وظهرت علامات صدقه على جوارحه {سيماهم في وجوههم من أثر السجود}
وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقي حارثة بن شراحيل فقال: كيف أصبحت يا حارثة قال مؤمناً حقاً يا رسول الله. قال: إن لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال: أصبحت كأني بعرش ربي بارزاً، وكأني بأهل الجنة يتنعمون، وبأهل النار يتعاوون، فأظمأت نهاري، وأسهرت ليلي. قال: عرفت فالزم عبد نور الله قلبه بالإيمان.
بقدر الكد تكتسب المعالي ومن طلب العلا سهر الليالي
ومن طلب العلا من غير كد أضاع العمر في طلب المحال
(1/14)

/متن المنظومة/
-21- فهذِهِ الأصولُ والوقودُ ... وغيرُها القشورُ والقُيودُ
-22- فثمرٌ من غير قشرٍ يُتْلَفُ ... والقشرُ دونَ اللُّبِّ بيتٌ أَجْوَفُ
-23- وقيلَ إنَّ كلَّ مَنْ تَحققا ... مِنْ غيرِ شَرْعٍ إنَّما تَزَنْدَقا
-24- وكلُّ مَنْ بالشَّرعِ قَدْ تعمَّقَا ... بلا تحققٍ فذا تَفَسَّقا
-21- ثم أشار إلى أن هذه الحقائق التي تتم بها تصفية القلب والجوارح، من الذكر والخلوة والمناجاة، إنما هي الأصل الذي يرتكز إليه سلوك طالب العلم، وتبنى عليه معرفته وشخصيته، وهي الوقود الذي يغذيه في العلم والدعوة، وما سوى هذا العلم الرباني السلوكي فهو قشور حافظة وقيود ضابطة.
-22- فالمعرفة بالله هي الثمرة التي يقصد العلم من أجلها، ولذلك درج العلماء على تسمية علم السلوك بـ (الحقيقة) وعلم اللسان بـ (الشريعة) وهذه التسمية متفقة مع منهج القرآن الكريم: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم لعلهم يحذرون} التوبة (9)
فجعل الحذر والخوف من الله ثمرة وغاية للفقه والعلم. وقوله: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} فجعل خشية الله ثمرة رئيسة من ثمرات العلم. غير أن هذه الثمرة لابد لها من قشور حافظة حتى لا يصيبها التلف، كما أن علم اللسان من غير سلوك إنما هو كالبيت الأجوف الخاوي، لا خير فيه ولا نفع منه.
-23، 24- يشير إلى القول المشهور:
(من تشرع ولم يتحقق فقد تفسق، ومن تحقق ولم يتشرع فقد تزندق)
ومعنى ذلك أن من كثر علمه بالشرع ولم يتحقق بالعمل والالتزام بمضمون الشرع في سلوكه فقد فسق إذ لم يعمل بما علم.
ومن اشتغل برعاية باطنه، وعظمت عبادته، وظهرت مكاشفاته، من غير أن يعرف الشرع ويميز ما يحل مما يحرم، فإنه يخشى عليه خطر الانحراف والوقوع في الزندقة.
(1/14)

/متن المنظومة/
والعلم علمانِ.. فعلمُ القلبِ ... حجتُنا يومَ لقاءِ الرَّبِّ
وبعدَهُ علمُ اللِّسانِ فاعلمِ ... وذاكَ حجةٌ على ابنِ آدمِ
-25-26- الأبيات إشارة إلى حديث:
«العلم علمان: علم اللسان وهو حجة الله على ابن آدم، وعلم القلب وذلك العلم النافع» وقد أخرجه أبو نعيم وابن شيبة والحكيم عن أنس والحسن.
والمقصود أن العلم الشرعي مرتبط بالسلوك، وهذا ما يميزه عن سواه من العلوم فقد يكون المرء عالماً بالقانون مثلاً رغم أنه لا يتقيد بأمره ونهيه على أن ذلك لا يغض من قدره كخبير قانوني. غير أن العلوم الشرعية تختلف تماماً في هذا الجانب حيث لا يسمى عالماً في عرف الشرع إلا من استقام على مراد الشرع بحاله وقاله.
فعلم القلب يراد به أن يلاحظ العبد نور الله في قلبه فيشتغل بالذكر والمراقبة حتى يفتح الله عليه من فضله ونوره.
وأما علم اللسان فالمراد به مطالعة النصوص والدراية بها، وملاحظة ما قاله العارفون. وفي هذا المعنى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ازداد علماً ولم يزدد في الدنيا زهداً لم يزدد من الله إلا بعداً» رواه الديلمي في الفردوس عن علي كرَّم الله وجهه.
لو كان بالعلم من دون التقى شرف لكان أشرف خلق الله إبليس
(1/14)

/متن المنظومة/
فحصِّنِ اللبابَ بالقُشُورِ ... وذا كمالُ الطَّالبِ الغَيُورِ
وأجدَرُ العلومِ بالإتْقانِ ... فقهٌ مع الحديثِ والقرآنِ
وهذهِ الثلاثُ ليسَتْ تُفهمُ ... بلا أصولِ الدِّينِ ليسَتْ تَعْلَمُ
فكلُّ مَنْ وعاهُ بالإِتْقَانِ ... صارَ إِماماً طيلةَ الزَّمانِ
وجازَ أنْ يخوضَ في التَفْسيرِ ... والفِقْهِ والحديثِ والتَقْريرِ
-27- وهذا عود على بدء، والمراد أن الكمال لا يحصل إلا بعلم القلب واللسان جميعا، فعلم القلب هو الغذاء والزاد إلى الآخرة، وعلم اللسان كالحارس الناهض بحاجة السيد فكل منهما ضروري للآخر.
-28- ولما كان الزمان يقصر عن تحصيل العلوم جميعها فإن العاقل يختار الأهم فالمهم. وقد أفصح الإمام الشافعي رضي الله عنه عن مراتب العلوم بقوله:
كل العلوم عن القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين
-29- علم أصول الفقه يتناول بشكل رئيس مبحثين اثنين: مصادر الشريعة، وأصول (الاستنباط) ، وبذلك فإنه يكون حاكماً على علم الفقه موجهاً له، مبينا للسبيل التي يجب أن تتخذ في فهم الكتاب والسنة موضحاً سبيل الحق من سبيل الهالكين وبه تعلم أن المعرفة بالعلوم الثلاثة المذكورة: القرآن والسنة والفقه، متوقفة على معرفة علم الأصول كما حددها ورتبها أئمة هذا العلم من خيرة علماء السلف الصالحين.
-3031 فكل من أحاط بعلم أصول الفقه إحاطة تامة بدقائقه وحقائقه صار له الحق أن يدلي بدلوه مع الفقهاء في تقرير الأحكام والاستنباط من الكتاب والسنة. وقد أجمعوا أنه لا بد للمجتهد مطلقاً كان أو مقيداً من معرفة تامة بعلم أصول الفقه.
(1/14)

/متن المنظومة/
وكلُّ مَنْ بلا أصولٍ قاري ... ينالُه الجهلُ بلا قَرارِ
ولو حوى في ذهْنِهِ الأسْفارا ... وجاوَزَ الأمصارَ والأقطارا
فلا يجوزُ مطلقاً أنْ يجتهد ... في الدِّين أو يفتي بغير ما وُجِدْ
مِنْ قولِ شيخٍ ذي اجتهادٍ عارفِ ... وكلُّ ذا مِنْ مِنَنِ اللَّطائفِ
-32-33- ومثل المكثر من الفقه بلا أصول، كمثل الساعي في البرية ليلا بلا نور، وتاريخ العلم مليء بسيرة رجال كثر اطلاعهم على العلوم ولم تكن لهم موازين دقيقة فيما يتعلمون ويعلمون، فسرعان ما اشتطت آراؤهم، وزاغت أفكارهم فضلوا وأضلوا.
وقد جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عمرو بن العاص: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»
-3435- الأبيات في بيان حكم المقلد. فالفتوى التي عليها جمهور الفقهاء أنه لا يحل له الاجتهاد حتى تكتمل عنده شرائطه وهي التي نفصلها في بحث الاجتهاد فيما بعد.
وعليه فإنه يلزم المقلد أن لا يفتي إلاَّ بقول المشايخ المأذون لهم بالاجتهاد المطلق والمقيد كل في بابه، وعليه الرجوع إلى نصوصهم فيما نصوا عليه، والسكوت فيما لم ينصوا عليه.
وهذا من فضل الله عز وجل على هذه الأمة، ولطفه بها.
(1/14)

/متن المنظومة/
إِذْ لو أبيحَ الاجتهادُ للبَشَرْ ... بلا أصولٍ ملأُوا الدُّنيا ضَرَرْ
وعُطِّلَتْ شريعةُ القُرْآنِ ... وحَكَمَتْ شريعةُ الشَّيْطانِ
فَمِنْ عظيمِ فَضْلِهِ عَلَينا ... ومِنْ جليلِ برِّهِ إِلَيْنا
أنْ وضَعُوا قواعدَ الأُصُولِ ... وحدَّدُوا طرائقَ الوصُوُلِ
سَدَّا على منافذِ الشَّيْطانِ ... حتَّى تسودَ شِرْعَةُ الفُرقانِ
وهذهِ منظومةٌ صغيرَةْ ... حوتْ أصولَ فِقْهِنَا الشَّهيرَةْ
-36 فلو أن الاجتهاد كان مباحاً للناس بغير حساب ولا أصول لامتلأت الدنيا بالمفاسد، وصارت الأهواء ديناً يتبع.
-37-38-39-40- لذلك (فمن عظيم فضله) سبحانه وتعالى (علينا) أي على المؤمنين (ومن جليل بره) سبحانه وتعالى (إلينا) أي مما شملنا به من فضله وإحسانه (أن وضعوا) أي وضع العلماء والمجتهدون (قواعد الأصول) وخصوصاً شرائط الاجتهاد (وحددوا طرائق الوصول) إلى رتبة الاجتهاد واستنباط الأحكام (سداً على منافذ الشيطان) وبذلك فقد سدوا الأبواب على كل منفذ من منافذ الشيطان يتخذه للعبث بالشريعة وتعطيل الأحكام، وذلك كله (حتى تسود شرعة الفرقان) والفرقان اسم من أسماء القرآن العظيم.
-41- (وهذه منظومة صغيرة) وهي نظم في نحو ست مائة ونيف وأربعين بيتاً بيت من بحر الرجز (حوت أصول فقهنا الشهيرة) من بحوث المصادر والمقاصد والدلالات وقد أعان الله سبحانه وتعالى فنظمت هذه الأبيات قصدت فيها تبسيط هذا العلم الشريف لطلبة العلم ليكون بين أيديهم كالقواعد الناظمة قريباً من القلوب سهلا على الألسنة
(1/14)

/متن المنظومة/
نَظمتُها بدايَةً لِلْمُجْتَهِدْ ... ورُمْتُها نِهاية للمقْتَصِدْ
سَمَّيتُها منظومةَ المُعْتَمدِ ... على كتابِ شيخِنا مُحَمَّدِ
-42 وهي نافعة إن شاء الله لكل من المجتهد والمقتصد، فالمقتصد في هذا العلم الشريف له فيها كفاية وغناء، وهي تكون بإذن الله مقرراً دراسياً يقرؤه طلبة العلم في المعاهد الشرعية، وكذلك فإنها مرحلة تدريب ضروري للمجتهد في أوله، ترسم طريق الاجتهاد على أصوله الصحيحة. وقد استعار الناظم هذه التسمية من العلامة الفقيه المالكي ابن رشد في كتابه العظيم: (بداية المجتهد ونهاية المقتصد)
-43- وقد سميت المنظومة باسم (المعتمد في أصول الفقه) لأنني جمعت فيها أقوال الأئمة المعتمدين، ولم أتعرض لرأي المخالفين، ولو كان له وجه، وذلك لأن المقصود من المنظومة هذه ترسيخ قدم طالب العلم على سكة هذا العلم الشريف، ثم للجدل بعد ذلك اختصاص وأهل اختصاص.
(على كتاب شيخنا محمد) وقد جريت في نظم قواعد الأصول على الترتيب الذي جرى عليه أستاذنا الدكتور: محمد الزحيلي وهو أستاذ أصول الفقه الإسلامي في كلية الدعوة الإسلامية، وكلية الشريعة بجامعة دمشق، وكتابه المسمى: أصول الفقه الإسلامي مقرر دراسي في كلية الشريعة بجامعة دمشق.
والدكتور محمد الزحيلي من مواليد 1941 م في منطقة دير عطية من أعمال الشام في منتصف الطريق بين دمشق وحمص، سلك على العلامة الكبير الشيخ عبد القادر القصاب مؤسس النهضة العلمية في دير عطية، ثم ارتحل إلى الشام حيث تخرج بكلية الشريعة عام 1971 م والتحق بالأزهر الشريف ونال رتبة الدكتوراه في الفقه الإسلامي المقارن.
(1/14)

/متن المنظومة/
فأسألُ الرحمنَ أنْ يُتمِّما ... ويجعلَ الخيَر بها مُعمَّماً
وينزعُ الرياءَ عَنْ أَعمالِنا ... ويكتبَ الإخلاصَ في أَقْوالِنَا
-44- فأسأل الرحمن سؤال عبد واثق بفضله سبحانه (أن يتمما) أي يتمم فضله فيما ألهمنا إياه من خدمة العلم الشريف وأن (يجعل الخير بها) أي بهذه المنظومة (معمماً) في الناس يقرؤونها وينتفعون بها ويذكرونا بدعوة صالحة.
-45- (وينزع الرياء) عطف على الدعاء السابق أي أسأله أن ينزع الرياء والمفاخرة عن أعمالنا في مجال خدمة العلم الشريف (ويكتب الإخلاص في) أقوالنا ولا نكون من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
والرياء آفة العمل الصالح وقد كان السلف رضوان الله عليهم يحذرون من الرياء أشد من حذرنا من الكفر.
وكان الحسن البصري رضوان الله عليه يقول: إذا استطعت أن تعيش وتموت ولا يعرفك أحد فافعل، وما عليك ألا يعرفوك في الأرض إذا عرفك الله في السماء.
(1/14)

تعريف علم أصول الفقه
(1/15)

/متن المنظومة/
تعريفُه أنْ تعرفَ القَواعِدا ... الشاملاتِ الموصلاتِ القاصِدا
إلى طريقةِ اختيارِ الحكم ... منَ الدَّليلِ مثلما لنَا نُمي
فهكذا جمهورُهم عَرَّفه ... والشافعيُّ قالَ فيهِ: أَنَّه
معرفة الدلائل الفقهية ... وكيف نستفيد منها شيَّا
وحالةُ الذي يريدُ الفائِدَهْ ... ومالَهُ مِنَ الصِّفاتِ عائِدَه
-46-47-48- تعريف علم أصول الفقه: «معرفة القواعد الشاملة التي توصل القاصدين إلى استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية» وهذا التعريف هو ما ذكره الناظم.
والتعريف الشائع أخصر من هذا، وهو: معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام، وهذا هو تعريف الكمال بن الهمام.
وقوله (مثلما لنا نمي) أي كذلك نقله الأئمة، وكذلك وصل إلينا، ثم بين الناظم أن هذا هو تعريف الجمهور بقوله: (فهكذا جمهورهم عرفه)
-49-50- أورد تعريف الإمام الشافعي لعلم أصول الفقه ونصه كما ذكره البيضاوي في منهاج الوصول: معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد.
ونلاحظ أن تعريف الشافعية للأصول يتضمن ثلاثة مباحث:
-1 معرفة دلائل الفقه إجمالا، وهو ما يعني مصادر التشريع
-2 وكيفية الاستفادة منها، وهذا يعني حال هذه المصادر من حيث ثبوتها، وتحقيق المانع والسبب والشرط
-3- وحال المستفيد، هو ما يعني مباحث المجتهد وشروطه وضوابطه
(1/16)

موضوع علم الأصول
(1/17)

ويراد بذلك بيان البحوث التي يتناولها هذا العلم.
(1/18)

/متن المنظومة/
بحوثُه في خمسةٍ محصورَةْ ... مباحثُ الأَدِّلةِ المذكورَةْ
مباحثُ الترجيحِ والتَّعارُضِ ... وبحثُ الاجتهادِ فيه فانهضِ
ثمَّ بحوثُ الحكمِ أي في الشرعِ ... تخييرُه اقتضاؤُه والوضعيْ
والخامسُ اقتباسُ كُلِّ حكمِ ... مِنَ الدليلِ بطريقِ الفهمِ
فيبحثُ الفقيهُ فيما يَثْبتُ ... وعالِمُ الأصولِ فَهُوَ المُثْبَتِ
-51-52-53-54- تنحصر بحوث علم الفقه في خمسة مباحث:
-1- مباحث الأدلة، ويراد بذلك بحوث مصادر التشريع وهي أربعة متفق عليها: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأخرى مختلف فيها نعد منها: الاستصلاح والعرف وسد الذرائع وقول الصحابي وشرع من قبلنا وعمل أهل المدينة والاستصحاب.
-2- مباحث التعارض والترجيح، أي التوفيق بين الأدلة، والتحكيم عليها.
-3 مباحث الاجتهاد وشروط المجتهد وصفاته، وقال الناظم (فيه فانهض) إشارة إلى وجوب الاهتمام بهذا المبحث لما يترتب عليه من محذور ومحظور.
-4 مباحث الحكم الشرعي بأنواعه الثلاثة، وهي الاقتضاء والتخيير والوضع، وهي ما نفصل القول عنها في مواضعها.
-5 كيفية اقتباس الأحكام الشرعية من الدليل، والوسائل المشروعة في فهم النصوص والأدلة، وأصول الاستنباط.
وهكذا فإنك ترى أن عمل الفقيه والأصولي متكاملان، ذلك أن الأصولي هو الذي يقدم الأدلة جاهزة للفقيه، ويقرر ما هو صالح منها للاحتجاج وما هو غير صالح، ومناطَ كلٍّ، أما الفقيه فإنه يأخذ هذه الأدلة جاهزة من صيدلية الأصول ليطبقها على الأحكام فيقرر على أساس ذلك الحرام والحلال والمندوب والمكروه والمباح.
-55 فعالم الأصول يثبت الأدلة، والفقيه يبحث فيما ثبت من الأدلة عند الأصولي، ويقرر بها الأحكام الشرعية. ...
(1/18)

فائدة علم الأصول
(1/19)

/متن المنظومة/
وغايةُ الأصولِ في الوصولِ ... إلى مرادِ اللهِ والرَّسُولِ
وعدَّدوا لَهُ مِنَ الفوائدِ ... ما جلَّ عن حسابِ كلِّ قاصدِ
مِنْها بأنَّهُ الطريقُ الأَقومُ ... للاجتهادِ فهُداه يُلْزَمُ
وأَنَّهُ بانٍ به اِلإسلامُ ... وحُفِظَ القرآنُ والأحكامُ
وأَنَّهُ يُبيْنُ للمتَّبِعِ ... طريقةَ المجتهدِ المتَّبَعِ
-56- شرع الناظم يعدد فوائد علم الأصول، فبدأ بتأكيد الغاية الكبرى من هذا العلم الشريف وهي الوصول إلى رضا الله سبحانه وطاعة رسوله، إذ لا يتوصل إلى ذلك إلا بعد معرفة مراد المولى سبحانه وتعالى من الأوامر والنواهي.
-57- ذكروا له من الفوائدِ ما لا يستطيع أحد إحصاءه.
-58- فهو السبيل القويم للاجتهاد، وذلك أن الاجتهاد في الإسلام محكوم بموازين دقيقة، يجب اتباعها، وإلا كان الاجتهاد بلا ضوابط لوناً من العبث.
-59- ومن فوائده أنه أظهر مزايا التشريع الإسلامي وحيويته ومرونته، وبه حفظ الله القرآن العظيم من العبث والتأول وحفظ الأحكام من الفوضى.
-60- ومن فوائده أنه يظهر مناهج الأئمة في استنباط الأحكام، وبذلك ترتفع الشحناء من النفوس ويعذر المسلم إخوانه من المسلمين فيما اختاروه من مذاهب فقهية.
(1/20)

/متن المنظومة/
وأنَّهُ يمنَحُ للطُلاَّبِ ... ملكَةَ التفكيرِ بالصَّوابِ
وأنَّه المبينُ للأحكامِ ... لكلِّ ما استجدَّ في الأيَّام
وأَنَّهُ الضَّابطُ للفُروعِ ... مع الأصولِ فيصَلُ الجميعِ
وأَنَّهُ لِدَارسِ المَذَاهبِ ... دليلُ كلِّ قاصدٍ وطالبِ
ثامنُها يكشِفُ عنَّا الغُمَّةْ ... نرى فوائدَ اختلافِ الأُمَّةْ
-61- إن القواعد التي أَصَّلها العلماء للاستنباط هي أيضا منهج دقيق للتفكير السليم حيث توضع العبارات في موازين دقيقة تستنبط منها الأحكام الشرعية، وهكذا فإنَّ علم الأصول يكسب الطالب ملكة التفكير الصحيح السليم.
-62- فالقواعدُ الأصولية وحدها، هي الكفيلة باستنباط أحكام شرعية لكل ما يستجد من القضايا خلال تطور الحياة وتنوع العقود والمعاملات والاكتشافات.
-63- إن علم أصول الفقه يضبط الفروع الفقهية ويردها إلى أصولها، ويجمع المبادئ المشتركة، ويبين أسباب التباين بينها، ويظهر مبررات الاختلاف، وهكذا فإنه يكون فيصلاً واضحاً يعتمده الفقيه والمجتهد في تقرير الأحكام.
-64- ومن فوائده أنه يعتبر العماد الرئيس لمن يدرس المذاهب الإسلامية بقصد المقارنة، والإفادة من اجتهاد الجميع.
-65- وثامن هذه الفوائد، هي أن يستبصر طالب العلم في اختلاف الأئمة في الفروع، وما يعود به هذا الاختلاف على الفقه الإسلامي من ثراء ووفرة.
(1/20)

تاريخ أصول الفقه
(1/21)

/متن المنظومة/
مصادرُ التشريعِ في عهدِ الرسولْ ... كتابُ رَبِّي ثُمَّ سنَّةُ الرَّسولْ
وفي زمانِ الصَّحْبِ فالمصادرُ ... أَربعةٌ فيما رَوَوْا وذَاكَرُوا
الذكرُ فالحديثُ فالإجماعُ ... وبعدَهُ القياسُ قَدْ أَذَاعُوا
-66- بدأ الناظم بإيراد نبذةٍ سريعة عن تاريخ علم أصول الفقه، وبيان ما طرأ عليه من متغيرات، فأخبر أن مصادر التشريع في زمن النبي (كانت تقتصر على أمرين اثنين فقط وهما: كتاب الله وسنة النبي (، ولم يكن أي اجتهاد أو استحسان أو إجماع معتبراً حتى يرد إلى الرسول فيقره أو يبطله.
-67-68- وفي عهد الصحابة فإن مصادر التشريع أربعة:
-1- القرآن الكريم، وهو ما عبر عنه الناظم ب (الذكر)
-2- الحديث الشريف، وهو هنا يشتمل على كل ما روى عن النبي (من قول أو فعل أو وصف أو تقرير.
-3- الإجماع: وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد (في عصر من العصور على حكم شرعي.
-4- القياس: وهو إلحاق فرع بأصله لعله جامعة بينهما.
وسيأتي تفصيل ذلك كله في موضعه، ولكن المراد هنا بيان أن الصحب الكرام كانوا يستخدمون هذه الطرائق جميعاً لاستنباط الأحكام الشرعية. ثم راح الناظم يورد الأدلة على ذلك فقال:
(1/22)

/متن المنظومة/
دليلُه قضا معاذِ بنِ جَبَلْ ... ثُمَّ الذَّي للأشعريِّ قَدْ وَصَلْ
مِنْ عمرٍ. والحدُّ عندُ سُكْرِهِ ... وعدَةُ الحامِلِ بعدَ قبرِهِ
وعندما استقرت الفتوحُ ... وكثُرَتْ لديهمُ الطروحُ
وظهرتْ نوازعُ الأهواءِ ... تضافَرتْ بواعثُ الأَحياءِ
-6970- راحَ الناظمُ يوردُ الأدلةَ على أن الصحب الكرام اعتمدوا في تقرير الأحكام على المصادر الأربعة السالفة فقال:
(دليله قضا معاذ بن جبل) وقضاء معاذ بن جبل هو ما أخرجه أبو داوود في سننه قال: أرسل رسول الله (معاذ بن جبل إلى اليمن قاضياً وسأله: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله تعالى،. قال فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله (، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله (ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله (صدره بيده وقال: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله (إلى ما يرضي الله ورسوله.
وكذلك استدلَّ بكتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري لما كان عاملاً له على اليمن ونصه:
«الفهمَ الفهمَ فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، فاعرف الأشياء والأمثال، وقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق»
واستدل كذلك بتداول الصحابة الكرام في مسألة عقوبة الشارب، فقد قضى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه بثمانين جلدة على شارب الخمر قياساً على عقوبة القذف وقال: إن الشارب إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وعقوبة المفتري ثمانون جلدة.
(وعدة الحامل بعد قبره)
واستدل كذلك بتداولهم في أمر عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، فهي بين آيتين اثنتين:
الأولى قوله عز وجل: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} سورة البقرة -234-
والثانية قوله عز وجل: {وأولاتُ الأحمالِ أجلُهن أن يضعن حملهن} سورة الطارق 4
فاختلف الصحابة في ذلك ثم انتهوا إلى قول عبد الله بن مسعود الذي كان يقول من شاء باهلته أن آية النساء الصغرى - سورة الطلاق - نزلت بعد آية النساء الكبرى - سورة البقرة -.
وهكذا فإن الصحب الكرام رضوان الله عليهم اتفقوا على رأي ابن مسعود فكان إجماعاً بأن النصَّ المتأخر ينسخ أو يخصص النص المتقدم.
-7172 أخبر الناظم أن الفقه الإسلامي بعد عصر الصحابة الكرام تعرض لأهواء أصحاب المطامع والمصالح، فظهرت فرقٌ سياسية وباطنية مختلفة، وهكذا فقد تضافرت الأسباب الداعية إلى تحديد مناهج الاستنباط ووسائله سداً لأبواب الهوى والتشهي.
(1/22)

/متن المنظومة/
فالرأيُ في العراقِ صارَ مدرسَةْ ... كذا الحديثُ في الحجازِ مَدْرسَة
-73 وهكذا فقد انقسم الأصوليون والفقهاء إلى مدرستين اثنتين:
الأولى: مدرسة الحديث في الحجاز، وهي تعتمد على الرواية والأثر وتضَيِّق على سبل الاجتهاد ما أمكن.
وعلى رأس هذه المدرسة المحدثون وأشهرهم الإمام مالك بن أنس وسفيان الثوري.
الثانية: مدرسة الرأي في العراق، وهي تعتمد على الكتاب والسنة ولكنها لا تقبل من السنة إلا ما ثبت ثبوتاً قطعياً، والأحكام بعد ذلك مسكوت عنها مأذون فيها بالاجتهاد.
(1/22)

تدوين علم الأصول
(1/23)

/متن المنظومة/
وكلُّهمْ قد كتبَ الفُصُولاَ ... في الفقهِ لم يدوِّنوا الأُصُولا
وكانَ في كُتُبهم مُبَعْثَرا ... لدى مسائلِ الفروعِ انتثرا
يذكرُ كلُّ واحدٍ دليلَهْ ... ومذهبَ استدلالهِ محيلَهْ
على الكتابِ أو على الحديثِ ... أو غيرِهِ بسعيهِ الحثيثِ
فسبَقَ الجميعَ فيهِ الشافعي ... وسِفرُه في البابِ خيرُ نافعِ
-74 و 75- كَتَبَ الأئمة الأحكام الفقهية قبل أن يدونوا مناهجهم في استنباطها، وكان المفترض أن مصادر التشريع الأربعة لا خلاف فيها وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس. فكتبت كتب الأحكام ولم تكتب كتب في أصول الاستنباط من الأحكام، وكانت هذه الأصول موزعة في ثنايا كتب الفروع والأحكام منتثرة فيها.
-76 و 77- فكان كل فقيه يأتي بالحكم والدليل عليه مبيناً طريقته في الاستدلال ووجه الدلالة، ثم يحيل القارئ إلى القرآن الكريم أو السنة أو غيرها من المصادر الأربعة، وعلى طالب العلم أن يسعى حثيثاً ليفهم منهج كل إمام.
-78- وهكذا فقد سبق الإمام الشافعي أقرانه وصار أول من كتب في علم الأصول.
(1/24)

/متن المنظومة/
فأَوَّلُ المدوَّنِ الرِّسالَةْ ... كذا جماعُ العلمِ فيما قالَهْ
وبعدَهُ إبطالُ الاستحسَانِ ... ومُشكلُ الحديثِ في الميزانِ
وهذهِ الأَربَعُ مِنْ تأليفِه ... أَوَّلُ ما دوِّن في تصنيفِهِ
وسبَقَ الفقهُ الأُصُولَ في الزَّمَنْ ... فالفقهُ وزنٌ والأصولُ قد وَزَنْ
-79- وأول كتاب كتبه الشافعي في الأصول هو «كتاب الرسالة» ، وهو عبارة عن محاولة أولى لتحديد طرق الاستنباط ومصادر التشريع، وقد كتبه الإمام الشافعي أساساً رداً على جماعة منكري السنة الذين ظهروا في عصره، فأثبت فيه حجية السنة، ثم توسع فبين مصادر التشريع تفصيلاً ومناهج الاستدلال بها.
وكذلك صنف الشافعي كتباً أخرى في الأصول منها: جماع العلم، وهو كتاب قصد منه إثبات وجوب اتباع خبر الآحاد الصحيح، وأقام الأدلة على ذلك.
-80 ثم كتب الإمام الشافعيُّ كتابين آخرين وهما: إبطال الاستحسان وكتاب اختلاف الحديث، وكلاهما من الكتب المبكرة في علم أصول الفقه.
-81 82 وشبه الناظم الفقه وأصوله بالمتاع والميزان، فالأصول هو الميزان الذي يوزن به المتاع، والفقه هو المتاع الذي يراد وزنه، ولا شك أن الفقه كان أسبق من الأصول من حيث بدء الكتابة فيه.
(1/24)

طرق التأليف في الأصول
(1/25)

/متن المنظومة/
طريقةُ الكلامِ أَن تُقررا ... مسائلاً مُدللاً مُحرراً
وبعدَها طريقةُ الفقيهِ ... سبكُ الأُصُولِ تبعاً تحكيهِ
وخُصَّتِ الأُولى بفكرِ الشَّافعي ... وخُصَّتِ الأحنافُ بالتَتَابُعِ
والآخرونَ لَهُمُ طريقَة ... تَجْمَعُ منهما على الحقيقة
-83- للعلماء طرق متعددة في التدوين في أصول الفقه.
وذكر الناظم أولاً طريقة المتكلمين (علماء الكلام) وطريقتهم تجريد الأحكام من الجانب التطبيقي ومناقشتها بمعزل عن الفروع التي تبنى عليها، وهكذا تقرر أصول القواعد أولاً، ثم تستنبط الأحكام على هديها.
-84 ذكر الناظم ثانياً طريقة الفقهاء، وهي استنباط القواعد من الفروع الفقهية، فيرجع الفقيه إلى ما هو مقرر في مذهبه من أحكام، فيبحث عن الطريقة الجامعة في تقريرها، وهكذا يستنبط الأصول من الفروع.
-85- والشافعي أشهر من صنف على طريقة المتكلمين، أي قرر الأصول أولاً ثم استنبط الفروع، والأحناف تبنوا طريقة استنباطِ الأصولِ من الفروع، وهي طريقة الفقهاء، وسبب ذلك أن الأحناف لم يعثروا على كتب في الأصول من وضع أئمتهم كما هو الحال عند الشافعية، فراحوا إلى ما دونه أئمتهم من الفقه فاستنبطوا منها منهجاً أصولياً متكاملاً.
-86- أما طريقة المتأخرين فقد أفادت من كلا الطريقتين، فهي تذكر القواعد أولاً ثم تستنبط منها الفروع، ثم تبين ما خرجَ عن الأصل من هذه الفروع. وقد انتهى الأمر لدى أغلب الفقهاء لاعتماد هذه الطريقة.
(1/26)

/متن المنظومة/
أهمُّ ما قَدْ صَنَّفوا في الأُولى ... رسالةً، معتمداً، محصُولا
برهانُ، مستَصْفَى، كَذا الإحكامُ ... وبعدَهُ التقريبُ والإِلهامُ
وصنَّفوا على اصطلاحِ الفُقَها ... مِنْها أصولَ البزَدْويِّ والمُنتَهى
إليهِ.. مثلُ الكرخيِّ السَّرخَسيْ ... كَذلك الجَصَّاصُ نفسُ الملبسِ
-87- أهم ما صُنفَ على طريقةِ المتكلمين كتاب الإمام الشافعي الرسالة، كذلك كتاب المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري المعتزلي ت 463 هـ، وكذلك كتاب المحصول للإمام فخر الدين الرازي ت 606 هـ
-88- كذلك مما صنف على طريقة المتكلمين كتاب: البرهان لإمام الحرمين عبد الملك الجويني الشافعي ت 487 هـ.
وكتاب المستصفى في أصول الفقه لأبي حامد الغزالي ت 505 هـ.
وكتاب الإحكام في أصول الأحكام للآمدي الشافعي ت 631 هـ.
وكتاب التقريب والإرشاد في طرق الاجتهاد للقاضي الباقلاني ت 403 هـ.
-89-90- وعلى طريقة الفقهاء فإن أشهر ما صنف:
كتاب الأصول، لفخر الإسلام البزدوي ت 482 هـ، وهو من أهم كتب الأصول، وتنتهي إليه اجتهادات العلماء.
كتاب الأصول، للإمام الكرخي عبد الله بن الحسين، ت 340 هـ
كتاب الأصول، لشمس الأئمة السرخسي صاحب المبسوط ت 490 هـ
كتاب الأصول أيضا، للرازي الجصاص، صاحب التفسير 370 هـ.
وعبر الناظم بقوله (نفس الملبس) عن أن سائر الكتب السالفة لها نفس الاسم.
(1/26)

/متن المنظومة/
كذلك التأسيسُ والمنارُ ... تنقيحُ، تمهيدُ، هم الأبرارُ
والآخرونَ صنَّفُوا كثيراً ... بديعَ، تنقيحاً، كذا التحريرا
جمعَ الجوامعِ.. مُسَلَّمَ الثُبُوتْ ... وشرحَه فواتحٌ للرَّحمُوتْ
-91- ومنها أيضا كتاب تأسيس النظر وتقويم الأدلة، لأبي زيد الدبوسي ت 430 هـ.
ومنها كتاب المنار للنسفي عبد الله بن أحمد ت 790 هـ.
ومنها كتاب تنقيح الفصول في علم الأصول للقرافي شهاب الدين أحمد بن إدريس ت 684 هـ.
ومنها كتاب التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، للإمام الأسنوي الشافعي ت 772 هـ.
ثم أخبر الناظم بأن هؤلاء الأئمة كلهم أجلاء أبرار يستحقون كل خير وثناء.
-92 و 93- وعلى طريقة المتأخرين صُنفت كتبٌ كثيرة منها:
-1- بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي والإحكام للساعاتي الحنفي ت 694 هـ
-2- تنقيح الأصول، لصدر الشريعة البخاري، ت 747 هـ.
-3- التحرير، لكمال الدين ابن الهمام الحنفي، ت 861 هـ.
-4- جمع الجوامع، للتاج السبكي عبد الوهاب بن علي الشافعي، ت 771 هـ
-5- مسلَّم الثبوت للعلامة محب الدين بن عبد الشكور الحنفي ت 1119 هـ
-6- فواتح الرحموت في شرح مسلَّم الثبوت للعلامة عبد العلي الأنصاري. ت 1225 هـ
(1/26)

/متن المنظومة/
وخالفَ الجميعَ فيهِ الشَّاطبيْ ... لهُ الموافقاتُ ذو المطالبِ
وظهرتْ طريقةُ المناهجِ ... ترتيبُها يمتازُ بالمبَاهِجِ
-94- وفي القرن الثامن، ظهر الإمام الشاطبي، الذي أفاد من كل من سبقوه، وصنف كتابه الجليل، الموافقات، في أربعة مجلدات، جمع فيها مبادئ الأصول وأسرار الشريعة وحكم التشريع ت 790 هـ.
-95- أشار الناظم إلى المؤلفات الحديثة في علم أصول الفقه، وبين أنها كتب نفيسة نافعة، وقد عد منها أستاذنا الدكتور الزحيلي:
-1- إرشاد الفحول للشوكاني ت 1255 هـ.
-2- تسهيل الوصول إلى علم الأصول للمحلاوي الحنفي ت 1920 هـ.
-3- كتاب أصول الفقه للشيخ عبد الوهاب خلاف ت 1955 هـ.
-4- كتاب أصول الفقه للشيخ محمد الخضري ت 1927 هـ.
-5- كتاب أصول الفقه للشيخ محمد أبو زهرة ت 1974 هـ.
ولا شك أن هذه الكتب الحديثة تشتمل على فوائد جليلة وأسلوب بديع، بلغة عصرية واضحة. ...
(1/26)

حكمة اختلاف الفقهاء
(1/27)

/متن المنظومة/
حِدْ عنْ كلامِ حاقدٍ مغرورِ ... وافهَمْ من اختلافِهِمْ تحريري
فالخلفُ في التَّشريعِ أَمْرٌ عادي ... كالنقدِ والقانونِ والأعدادِ
والخلفُ بينَهم على الفروعِ ... معَ الوفاقِ في سِوى الفُروعِ
وإِنْ جرَى الخلافُ في المَصَادِرِ ... فغالباً باللَّفْظِ والنَّوَادِر
-96- بين الناظم أن اختلاف الفقهاء ليس ظاهرة سلبية في تاريخ الفقه الإسلامي بل هي ظاهرة عافية، ودليل ثراء في هذا الفقه، فأمر الناظم بترك كلام الحاقدين، الذين يفترون بغير دليل، ثم شرع يحرر الفوائد التي أثمرها اختلاف الفقهاء. ولكنه قبل ذلك نبه إلى أمرين اثنين، الأول:
-97- وذلك أن سائر العلماء في مختلف الفنون، تصدر عنهم آراء متعددة في المسألة الواحدة، وهذا أمر عادي بين العلماء في مختلف فروع المعرفة، وذكر من ذلك علماء النقد وعلماء القانون، وعلماء الرياضيات.
-98- وهذا هو الأمر الثاني الذي أراد التنبيه إليه، وهو أن الخلاف وإن وقع فإنه غالباً ما يكون في الفروع مع اتفاقهم في الأصول، فهم لا يختلفون في حجية الكتاب والسنة، ولكنهم يختلفون في بعض دلالاتها.
-99- ثم بين أن هذا الخلاف يأتي أحيانا في المصادر، ولكنه عند التحقيق خلاف لفظي، أو خلاف نادر سرعان ما يزيله العلماء، وهذا ما سنقف على أمثلة كثيرة له فيما يأتي.
(1/28)

/متن المنظومة/
وَخلفُهم مَنَحنا المرونَة ... ومدَّنا بثروةٍ ثمينة
وخلفُهم على الفروعِ توسِعَةْ ... لَوْ أَنَّهم ما اختلفوا لامتنعا
ولم يكن خلافُهم تَعصُّباً ... أو للهَوى أو يشتهونَ الرُّتَبَا
وانحصر الخلاف في المظنونِ ... كخبرِ الآحاد لا اليقيني
-100- ومن فوائد اختلافهم ظهور المرونة في التشريع. كان عمر بن عبد العزيز يقول: ما أحب أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -لم يختلفوا، لو لم يختلفوا لم تكن رخصة.
وكذلك فإن هذا الاختلاف نتج عنه ثراء حقيقي في الفقه الإسلامي، إذ كان كل فقيه يدلل لرأيه بأدلة كثيرة من العقل والنقل، وافتراض الوقائع بالأرأيتية (أرأيت إن) والفنقلة (فإن قلت) وقد كان لذلك أثر حقيقي في إثراء الفقه الإسلامي الذي نفخر به اليوم.
-101- يشير إلى كلمة الخليفة الراشدي عمر بن عبد العزيز السالفة، وهو توكيد على حقيقة اليسر في الشريعة الإسلامية السمحة. {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}
-102 إن اختلاف الفقهاء له أسباب موضوعية دقيقة، نُفصِّلها في الفصل التالي، وسترى أنهم ما كانوا يختلفون تعصباً أو ابتغاءً لرتبة أو منصب، وبذلك يطمئن قلبك في اتِّبَاعهم.
-103- والخلافُ منحصر في المسائل الظنية دون القطعية، فالكتاب كلُّه قطعيُّ الثبوت، وكذلك السنة المتواترة، فلم ينقل فيها أي اختلاف ولكن وقع الخلاف في سنة الآحاد، وفي الدلالات الظنية للنصوص إذا ما استوفت دلالاتها القطعية.
(1/28)

/متن المنظومة/
ومطلقاً لم يجرِ عهدَ المصطفى ... فالوحيُ والحديثُ فيهمُ قَدْ كفى
ورُبَّما حكمَ في رأيَيْنِ ... مختلفينِ ... جوَّزَ الوَجْهينِ
-104- بَيَّن أن الخلافَ لم يسجَّل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم -كان مرجعهم فيما يختلفون فيه، فلا خلاف بعد مشاورته - صلى الله عليه وسلم -.
-105 أما ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من سننٍ شريفة فيها رأيان اثنان، فإنما صدر ذلك عنه لبيان جواز الوجهين في المسألة.
ومثال ذلك ما رواه عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرَتِ الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمَّما صعيداً طيباً فصلَّيا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعدِ الآخر، ثم أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعده: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين.
(1/28)

أسباب اختلاف الفقهاء
(1/29)

/متن المنظومة/
وبعدَما أدركتَ حكمةَ الخِلافْ ... خذْ واضحاً أسبابَ ذاكَ الاختلافْ
فاختلفوا في واقعِ الجِبِّلَةْ ... إذ لم تقيدِ العقولَ الملّةْ
واختلفُوا في لغةِ القرآنِ ... كالقرءِ والنَّكاحِ في البَيَانِ
واختلفُوا في عَصْرِهم ومِصْرهم ... وحالِهم وبالِهم وعُرْفهِم
-106 و 107- شرع الناظم يعدد أسباب الاختلاف بين الفقهاء فذكر منها:
أولاً: الاختلاف في أصل الجبلة، وذلك أن الناس - والعلماء منهم - لم يخلقوا على طبيعة واحدة، فتجد فيهم الحازم واللين، والشديد والهين وهذا تفاوت قضى به أمر الله ولا مبدل لكلمات الله.
ولم تأت الملّة السمحاء بقيد على العقول، بل كان كلٌّ يختار ما يناسب فطرته مما أذن به الله سبحانه.
-108- ثانياً: اختلفوا في المعنى اللغويِّ للكلمة، فربَّ كلمة في العربية تردُ على أكثر من معنى فكان كلُّ فقيه يختار واحداً من هذه الوجوه، ودلَّلَ الناظم على ذلك بمثالين: القرء فهو يستعمل في العربية بمعنى الطهر بين الحيضتين - وهو اختيار الشافعية، ويستعمل أيضاً بمعنى الحيض - وهو اختيار الحنفية -، وكذلك لفظ النكاح فإنه يأتي بمعنى العقد، ويأتي بمعنى الدخول الحقيقي.
-109- وذكر من أسباب الاختلاف، اختلاف الزمان والمكان والبيئات والأعراف، فلكلِ زمانٍ أحكامه وظروفه، والشريعة السمحاء فيها سعة وتنوع يسع كل عصر ومكان وبيئةٍ وعرف، ولكن الخطأ إمضاء حكم ما مخصوص على سائر الأعصر.
(1/30)

/متن المنظومة/
واختلفوا في الفَهمِ للمرادِ ... بالنَصِّ في سبيلِ الاجتهادِ
فهذهِ الأسبابُ لن تباشرَهْ ... وهاكُمُ أسبابَهُ المباشِرَةْ
أَوَّلُّها الخلافُ في المصَادِرِ ... مِنْ كلِّ ما أتى بلا تواتُرِ
-110- ومن أسباب اختلافهم تفاوت فهمهم للنصوص ودلالتها، وذلك أن النصوص الشرعية لها دلالات قطعية ودلالات ظنية، وهم لا يختلفون في قطعي الدلالة ولكنهم يختلفون في ظني الدلالة.
مثال ذلك: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} . المائدة -38 فدلالة الآية قطعية لا شك فيها، ولكن دلالتها على النباش والمختلس والطَّرار والمغلّ دلالة ظنية محتملة.
-111 و 112- ذكر الناظم أن الأسباب السالفة أسباب غير مباشرة، أي مصدرها خارج عن الفقه الإسلامي، ثم شرع يعدد الأسباب المباشرة فقال:
أولاً: الخلاف في المصادر غير المتواترة، وذلك أن العلماء لا يختلفون في شيء تواتر إسناده إلى المعصوم (، والتواتر هو أن يروي النص جمع عن جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.
ولكن وقع الخلاف في بعض روايات الآحاد، وهذا أمر طبيعي إذ يجوز عقلاً الاختلاف في توثيق فلان أو تجريحه، وهو لا ينقض من أصول الشريعة ولا من فروعها شيئاً.
واعلم أن القرآن كله متواتر من شك في شيء منه كفر، والسنة العملية المشتملة على أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج والعقائد كلها متواترة، وثمة قريب من مائتي حديث لفظي بلغ رتبة التواتر، وقد فصل الإمام السيوطي ذلك في كتابه اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة. وفيه تساهل بَيِّن.
(1/30)

/متن المنظومة/
وبعدَهُ الخلافُ في الحديثِ ... مصطلحاً كالجهلِ بالحديثِ
وعدم الثبوتِ عند واحدِ ... كذاكَ في شروطِ نقلِ الواحدِ
أو علمُهُ بواحدٍ منَ السَّنَدْ ... بضعفِه كذاكَ نسيانُ السَّنَدْ
ثَالثُها الخلافُ في القواعدِ ... كضابطِ الإيجابِ والتباعُدِ
والخلفُ في دلالةِ الألفاظ ... والعامِ والخاصِ مِنْ الأَلفاظِ
-113 و 114 و 115- ثاني تلك الأسباب: الاختلاف في مصطلح الحديث، إذ أن مصطلح الحديث علم محدث، تفاوتت في تقريره، قرائح الأئمة، وذكر الناظم من ذلك ثلاثة أمثلة:
الأول: الجهل بالحديث، فقد يبلغ الحديث بعض الرواة، ولا يبلغ البعض الآخر فينشأ من ذلك اختلاف في نتيجة الاستدلال.
الثاني: عدم الثبوت عند أحد الأئمة، وهنا يبلغه الحديث، ولكنه لا يتحقق من ثبوته لانقطاع في الإسناد، أو علة في الرواية.
الثالث: شروط نقل الآحاد، فقد كان للأئمة مناهج مختلفة في إثبات الاتصال والمعاصرة واللقيا، وقد ترتب على ذلك أيضا تفاوت في نتيجة الاستدلال.
الرابع: علمه بعلة في الإسناد: فقد يثبت له الاتصال والمعاصرة، ولكنه يعلم جرحاً في أحد الرواة لم يطلع عليه غيره، والمرء مأمور بأن يلتزم ما أدى إليه عيانه في الرجال ولو خالفه اجتماع الثقات.
-116 و 117- ثالث تلك الأسباب هو الاختلاف في القواعد الأصولية، كاختلافهم في دلالة الألفاظ على الأحكام، واختلافهم في شمول الألفاظ وعدمه واختلافهم في دلالة العام على كافة أفراده، وسيأتي تفصيل هذه المسائل في مواضعها.
(1/30)

/متن المنظومة/
والخلفُ في قواعدِ التَّرْجيحِ ... والنسخِ والتخصيصِ والتَّصريحِ
كذاكَ ما شذَّ مِنَ الرِّوايَةْ ... ومرسلُ الحديثِ في الدِّرايَةْ
-118- وكذلك اختلافهم في قواعد التعارض والترجيح، فقد يتوهم المرء وجود تعارض بين بعض النصوص، وقد تتعارض النصوص الظنية فعلاً، فلا بد هنا من الترجيح، والترجيح هنا يكون بإعمال أحد النصين، كما يكون بإعمالهما معاً كل في مناطه، وهذه المسائل لا تتفق عليها مناهج العلماء، ويؤدي ذلك إلى اختلاف الاجتهاد. وكذلك اختلافهم في قواعد النسخ، وإعمال المنسوخ، وتخصيص العام وتقييد المطلق.
-119- ومن أسباب اختلاف الفقهاء، اختلافهم في الاحتجاج بالرواية الشاذة من القرآن الكريم، فقد كان بعض الصحابة يكتب في مصحفه كلمات على سبيل التفسير والبيان، فرواها الناس عنه على أنها قراءة، مثال ذلك زيادة ابن مسعود كلمة متتابعات، عقب قوله تعالى: فصيام ثلاثة أيام في سورة المائدة. ومع اتفاقهم على أن القراءة الشاذة ليست قرآناً غير أنهم اختلفوا في الاحتجاج بها. فاختيار أبي حنيفة وأحمد وجوب العمل بها واختيار الجمهور أنها من باب قول الصحابي يستأنس به ولا يجب العمل به.
وأما الحديث المرسل فهو ما رفعه التابعي مباشرة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهو على قاعدة الرواية حديث منقطع، ولكن لما كان الساقط من الرواية هو الصحابي والصحابة كلهم عدول، كان ذلك الساقط ثقة لا يضر الجهل باسمه، ولكن ذلك اختيار الحنفية والمالكية وبعض الشافعية، فيما يرى الإمام الشافعي أن المرسل ليس بحجة وهو في عداد الحديث الضعيف.
(1/30)

/متن المنظومة/
فخلفُهم لعللٍ وَجيهَةْ ... بَيَّنتُها فكُنْ بِهَا نَبيها
-120- وأجمل القول فأشار أن الخلاف كان له أسبابه الموضوعية المقنعة، وعلى طالب العلم أن يتنبه إليها ليرفع غاشية سوء الظن عن السلف الصالح.
(1/30)

مقاصد الشريعة
(1/31)

/متن المنظومة/
مقاصِدُ الشَّرْعِ هيَ النتائِجُ ... كذلكَ الغاياتُ والمباهِجُ
أَتَتْ بها الشريعةُ المطَهَّرَةْ ... وأَثبتَتْها في الفروعِ الظَّاهِرَةْ
وهِيَ التَّي سَعَتْ إلى تحقيقِها ... دوماً بكلِّ أمرِها ونهيها
فحققتْ مصالحَ العبادِ ... دُنيا وأخرى بهدىِ الرَّشاد
أَلا ترى إلى النُّصوصِ الوَاضِحَةْ ... كم عَلَّلَتْ وبَيَّنَتْ موضِّحَةْ
وظاهرٌ لعاقلٍ لبيبِ ... في الخلقِ والتشريعِ والتهذيبِ
لم يخلقِ الرحمنُ شيئاً باطلاً ... وجاء جُلُّ شرعِنا معلَّلا
-121 و 122 و 123- مقاصد الشريعة في اصطلاح العلماء هي الغايات والأهداف والنتائج والمعاني التي أتت بها الشريعة وأثبتتها في الأحكام وسعت إلى تحقيقها وإيجادها والوصول إليها في كل زمان ومكان.
-124- جاء الدين لخدمة الإنسان وسعادته والله غني عن العالمين، وفي الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني» رواه مسلم عن أبي ذر، وفي التنزيل العزيز: {من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد} فصلت -46-
-125 و 126 و 127- أراد الناظم التوكيد على تنزيه المولى سبحانه وتعالى عن العبث في التشريع، فما من حكم إلا وله حكمة، علم ذلك من علم وجهل ذلك من جهل، ولذلك كانت أكثر الأحكام تأتي معللة مبيَّنة في الكتاب والسنة.
(1/32)

/متن المنظومة/
ومَنْ وعى مقاصِدَ الشريعة ... فعلُمهُ كقلعةٍ منيعَة
فيدرِكُ الطَّالبُ سِرَّ الشَرْعِ ... كذا إطارَ حكمِهِ والفَرْعِ
وهو في الدِراسةِ المقارِنَة ... دليلُهُ المفيدُ في الموازَنة
وهدفُ الدَّعوةِ فِيها يَنْجلِي ... وذاكَ شأنُ المصلحيَن الكُمَّلِ
ويستنيرُ العُلما بها على ... معرفةِ الأحكامِ مِما أُجْملا
ويستعينونَ بها في الفَهْمِ ... لغامضِ النُّصوصِ قبلَ الحُكَمْ
-128 و 129- شرع الناظم يذكر الفائدة من معرفة مقاصد الشريعة فعدَّد منها:
أولاً: إدراك حكمة الشريعة فيما جاءت به من أحكام، وذلك يلقي اليقين في نفس طالب العلم ويزيده ارتباطاً بالشريعة ودعوة إليها، وفهماً عنها وحرصاً عليها، ويكسبه تصوراً شاملاً لغاياتِ الشريعة المطهرة أصولاً وفروعاً وإطاراً ومناطاً.
-130 و 131- ثانياً: وبناء على معرفة مقاصد الشريعة يمكن الترجيح والمقارنة بين الاجتهادات المختلفة للفقهاء، فما كان منها أكثر تحقيقاً لمصالح الناس ومنافعهم كان أقرب إلى القبول، وأدنى إلى الحق.
ثالثاً: وتبين المقاصد أيضا أهداف الشريعة السامية في سائر الأحكام، وهذا منهج المصلحين الكاملين في دعوتهم وإرشادهم.
-132 و 133 رابعاً: إن معرفةَ مقاصد الشريعة دليلٌ قويٌّ في تفسير الأدلة وتحديد معاني المجمل منها.
خامساً: كذلك فإنها تعين الأصوليَّ في بيان تفصيل غامض النص قبل استنباط الحكم منه.
(1/32)

/متن المنظومة/
وأَنَّهُمْ بها يُحدِّدُونَا ... مدلولَها في اللَّفْظ والمَضْمُونَا
وحينَما تفتَقَدُ النُصُوصُ ... بهديها تَستَنْبَط الفُصُوصُ
وحينَما نحتاجُ للترجيحِ ... بها يرجحونَ في الصَّحيحِ
تقسيمُها بحسبِ المَصَالحِ ... ثلاثةٌ على المقالِ الواضِحِ
أَوَلُها ما سمِّيَ الضَروري ... ونُوِّعَتْ لخمسةٍ أمورِ
فحفظُهُ لدينهِم ونفسهِمْ ... وعَقْلِهِم وعرضهِم ومالِهِمْ
-134 سادساً: ومن خلال المقاصد يمكن تحديد مدلول النصوص الشرعية لفظاً ومضموناً.
-135 سابعاً: وكذلك يمكن تشريع الأحكام التي سكت عن بيانها الشارع الحكيم، على هدي المقاصد العامة، والفصوص: حقائق الأشياء، والمراد هنا حقيقة الأحكام.
-136 ثامناً: وكذلك فإن مقاصد الشريعة مرجح قوي لدى التنازع في حكم من أحكام الشريعة.
-137138139 شرع يذكر تقسيم المصالح الشرعية، فأشار إلى أنها تنقسم ثلاثة أقسام:
أولاً: المصالح الضرورية: وهي التي تقوم عليها حياة الناس الدينية والدنيوية، ولا يمكن أن تستقر الحياة بفقد واحد منها، وهي تنحصر في حفظ خمسة أشياء: الدين والنفس، والعقل، والعرض، والمال.
قال الإمام الغزالي: فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة.
(1/32)

/متن المنظومة/
وبعدَهُ المصالحُ الحاجِيَّةْ ... بدفْعِ كُلِّ شقَّةٍ حَرِيَّة
ثالثُها ما سمِّيَ التحسِيني ... وهيَ الكمالُ لأُولي التبيينِ
ومنهجُ التَّشْريعِ في الرِّعايَة ... إِيجادُها والحفظُ والوِقايَةْ
فحَفِظَ الثلاثَة الأَقْسَامْا ... وزادَ فيها رابعاً تماماً
أتى بهِ مكَّملا محتاطاً ... كي لا يكونَ حفظُه اعتباطاً
-140 ثانياً: المصالح الحاجيَّةَ: وهي التي يحتاجها الناس لتأمين معاشهم بيسر وسهولة، وحيث لم تتحقق واحدة منها أصاب الناس مشقة وعسر وهو ما عبر عنه الناظم بقوله: (حرية بدفع كل مشقة) أي لازمة لدفع المشاق.
-141- ثالثاً: المصالح التحسينية، وهي الأمور التي يقتضيها الأدب والمروءة، ولا يصيب الناس بفقدها حرج ولا مشقة، ولكن الكمال والفطرة يجدان فقدها.
-142- وهكذا فإن منهج الشريعة السمحة لرعاية هذه المصالح يتلخص في خطوتين اثنتين:
أولاً: إيجاد هذه المصالح عن طريق النصوص التي أمرت بها.
ثانياً: حفظها عن طريق تشريع موجبات التزام الناس بها، وعدم الإساءة إليها.
-143 و 144- وهكذا فقد حفظ أقسام المصالح الثلاثة، وزاد المصالح التكميلية وهي التي يتم بها تحقيق المصالح الثلاثة على أحسن وجه، كالأذان للصلاة بقصد حفظ الدين، والقصاص بقصد حفظ الأنفس، ومنع النظر بقصد حفظ الأعراض وتحريم الخمر بقصد حفظ العقل، والحجر على السفيه بقصد حفظ المال.
(1/32)

/متن المنظومة/
ثُمَّ الضَّرُوريُّ مقَّدمٌ على ... سِواهُ كالحاجيِّ والذي تَلا
وقَدَّمُوا ما عمَّ في الأَحكامِ ... على الذي خصَّ مِنَ الأَنامِ
ورتَّبُوا أيضاً ذوَيْ الضرورة ... من حاجةٍ عُظمى ومِن خطيرة
فَقُدِّمَ الدينُ على الأَموالِ ... وهكذا النَفْسُ على التَوالي
-145- يجب تقديم المصالح الضرورية على الحاجية عند التعارض وكذلك الحاجية على التحسينية.
فستر العورة واجب ولكن أبيح كشفها للطبيب حفظاً للنفس، لأن حفظ النفس من المصالح الضرورية، وستر العورة من المصالح التحسينية.
-146- أيضاً تُقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، فالقصاص قتل للنفس ولكن فيه حفظ لأنفس الناس، إذ أن ترك القاتل بلا عقاب فيه ترويع للأبرياء وهو مظنة قتل أبرياء آخرين.
-147 و 148- أفاد الناظم بأن المصالح مرتبة أيضاً داخل التقسيم الواحد، فحفظ الدين مقدم على حفظ النفس، وحفظ النفس مقدَّم على حفظ المال وهكذا وفق ترتيب الأبيات السابقة. فشرع الجهاد بالنفس للحفاظ على الدين، وشرع بذل المال للتداوي حفاظاً على النفس، وهكذا دواليك. ...
(1/32)

الباب الأول: مصادر التشريع الإسلامي
(1/33)

الفصل الأول: المصادر المتفق عليها
(1/34)

المبحث الأول: الكتاب الكريم
(1/35)

/متن المنظومة/
وأوَّلُ المصادرِ القُرآنُ ... كتابُ ربِّي المعجِزُ البيانُ
منزلاً على النَّبيِّ العرَبي ... ولفظَهُ وخطُّهُ بالعَربي
تواتراً.. كتبَ بالمصاحفِ ... وما سِواهُ في الصَّلاةِ مُنْتَفي
ولا تجوزُ في الأَصَحِ التَرْجَمَة ... والخلفُ قامَ في ثبوتِ البَسْمَلَة
-149 و 150 و 151- أورد الناظم تعريف الجمهور للكتاب العزيز القرآن الكريم، وهو أول مصادر التشريع، لا يجهله أحد، ولا يختلف عليه أحد، ولكنه أورده على اصطلاح الأصوليين، وهاكه كما أورده الغزالي في المستصفى، القرآن الكريم: هو كلام الله المعجز، المنزل على سيدنا محمد (، باللفظ العربي، المنقول إلينا بالتواتر، المكتوب بالمصاحف، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس.
وقول الناظم: (البيان) زيادة إيضاح في التعريف وهو اسم من أسماء القرآن الكريم، قال الله عز وجل: {هذا بيان للناس وهدى ورحمة وموعظة للمتقين} ، وقوله (وما سواه في الصلاة منتفي) إشارة إلى قولهم: المتعبد بتلاوته.
-152- ولا تصحُّ ترجمة ألفاظ القرآن الكريم، وقد أذن الفقهاء بترجمة معاني القرآن، وعلى كل حال فلا يسمى النص المترجم قرآناً بحال، لقوله تعالى: {بلسان عربي مبين} ، ولا يصح أن تستنبط منه الأحكام وأشار الناظم إلى الخلاف في البسملة، وهل هي آية من القرآن الكريم، ولا خلاف أن البسملة بعض آية من القرآن الكريم، وردت في سورة النمل في قوله سبحانه وتعالى: {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم}
والمسألة على ثلاثة أقوال:
الأول: البسملة آية في كل سورة إلا سورة براءة، وهو قول الشافعي أي هي (113) آية، تضاف إليها آية النمل.
الثاني: البسملة ليست بآية في أوائل السور مطلقاً وهو قول المالكية.
الثالث: البسملة آية واحدة ثم وضعت في أوائل السور جميعاً تبركاً.
(1/36)

/متن المنظومة/
وكلُّ مَا لم يتواتَر في السَّنَدْ ... آحادُهُ مشهورَهُ فلا تُعَدْ
والشرطُ في الإعجازِ ما سأبدي ... أولُّها أنْ يوجَدَ التَحدِّي
والثانِ أنْ تُهَيأ الدوافِعُ ... ثالثُها أنْ تنتفي الموانِعُ
-153- أشار الناظم بذلك إلى أن القراءات التي لم تنقل بالتواتر لا تسمى قرآناً، وبذلك تخرج القراءات الشاذة والآحادية والمشهورة. فليست قرآناً ولا يتعبد بها، ولا تصح بها الصلاة.
-154 و 155- ذكر الناظم شروط الإعجاز وهي ثلاثة:
الأول: وجود التحدي، أي بأن يدعى المعارضون إلى الإتيان بمثله.
الثاني: أن تهيأ الدوافع لدى المعارضين لقبول المنازلة.
الثالث: أن تنتقي الموانع التي تحول دون قيامهم بالتحدي.
وهذه الشرائط الثلاثة توفرت في الإعجاز القرآني، فقد تحداهم أن يأتوا بمثله، فلا مسوغ لقولهم لو شئنا لقلنا مثل هذا، ووجد الدافع لدى الخصوم للمعارضة لأنهم كانوا حريصين على تكذيبه، وانتقى المانع عنهم لأنه تحداهم بلغتهم وكلامهم.
(1/36)

/متن المنظومة/
وهذهِ بعضُ الوجوهِ فيهِ ... نظامُ لفظٍ ومعانٍ فيهِ
ثُمَّ انطباقُهُ على العِلْمِ الصحيحْ ... وأثرُ اللَّفْظِ البليغِ والفصيحْ
كذلكَ الإِخبارُ بالمستقبلِ ... وكلُّ ذاكَ واضحٌ ومُنْجَلي
أحكامُه ثلاثَةٌ لِمَنْ أَرادْ ... عمليةٌ خلقيةٌ ثُمَّ اعتقادْ
فَمِنْهُ ما أبانَهُ مفصلاً ... ومنهُ ما أبانَ مِنْهُ مجملاً
-156-157-158- شرع يعدد بعض وجوه الإعجاز القرآني فذكر منها:
-1- اتساق ألفاظه وعباراته ومعانيه وأحكامه ونظرياته.
-2- انطباق آيات القرآن الكريم على ما يكشفه العلم الصحيح.
-3- فصاحة ألفاظه وبلاغة عباراته وقوة تأثيره.
-4- إخباره بوقائع لا يعلمها إلا علام الغيوب.
وقد أفاض أستاذنا الزحيلي في إيراد الأمثلة على تحقق هذه الوجه، فلا داعي لتفصيل القول فيها.
-159- يمكن تصنيف الأحكام التي تضمنها القرآن الكريم إلى ثلاثة أقسام:
أحكام اعتقادية، وأحكام أخلاقية، وأحكام عملية شرعية، وهي تشتمل على العبادات والمعاملات والأنكحة والحدود والجهاد.
-160- وقد جاءت الأحكام في القرآن الكريم مفصلة في مواضع ومجملة في مواضع.
(1/36)

/متن المنظومة/
واستوعَبَتْ آياتُهُ العقائِدا ... والمجملاتِ وأَحالَتْ ماعدا
وبعضُهُ دلالَةٌ قَطْعِيَّةْ ... وبعضُهُ دلالةٌ ظَنِّيَة
واختلفَ الأسلوبُ في الإِلزامِ ... والندبِ والحلالِ والحرامِ
-161- بين الناظم أن القرآن الكريم يشتمل على جميع العقائد، ويشتمل على جميع الأحكام على سبيل الإجمال فيما ترك تفصيل الأحكام المجملة لتقوم السنة المشرفة ببيانه.
-162 و 163- القرآن الكريم كله قطعيُّ الثبوت، أي لا شك في نسبته إلى الله عز وجل ولكنه ليس قطعي الدلالة على سائر الأحكام، فمنه قطعي الدلالة ومنه ظني الدلالة، مثال ذلك قوله عز وجل {أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا} النساء -43-، فالآية تدل على أن ملامسة المرأة تنقض الوضوء، ولكن ما هي الملامسة المقصودة؟ هل هي محض اللمس؟، أم هي الجماع؟، أم هي الملامسة بشهوة؟ ثلاثة أقوال، لكل منها قرائن يستدل بها القائلون بذلك، والآية ظنية الدلالة على كل قول. وللقرآن الكريم: أساليب مختلفة في الأمر والنهي والندب والكراهة والإباحة نبينها فيما بعد إن شاء الله.
(1/36)

المبحث الثاني: السنة
(1/37)

/متن المنظومة/
والسُنَةُ الطريقَةُ المعتادَةْ ... قَدْ حدَّها قومٌ كرامٌ سادَة
وهِيَ اصطلاحاً ما أضيفَ للنَّبيْ ... قولاً وفعلاً.. ثم تقريرُ النَّبيْ
فالقولُ ما جاءَ مِنَ الكلامِ ... والفعلُ ما رأَوهُ كالسلامِ
وبعدَهُ التَّقريرُ وهو ما رَأَى ... مِنْ فعلِهم فما أَبَى ولا نَأى
واختلفَتْ في السنَّةِ الأقوالُ ... لِمَا مَضَى أهلُ الحديثِ مَالوا
وللأصوليينَ ما يثابُ ... بها.. وما لتاركٍ عِقَابُ
-164- السنة لغة: الطريقة والعادة، وهكذا عرفها النحاة.
-165- والسنة في اصطلاح المحدّثين: هي ما أضيف للنبي (من قول أو فعل أو وصف أو تقرير.
-166- ويراد بالقول: كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - المرفوع إليه بإسناد، ويراد بالفعل ما أخبر به الصحابة الكرام أو التابعون من أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومثل الناظم بالسلام ليعبر عن السنة الفعلية.
-167- أما التقرير: فهو ما رآه - صلى الله عليه وسلم -من أحوال الصحابة فلم ينكره ولم يأمر به.
-168- وتعددت مناهج العلماء في تعريف السنّة، والتعريفُ السابق هو تعريف المحدثين.
-169- أما تعريف الأصوليين فهو: السُّنة: ما يثابُ فاعله ولا يعاقب تاركه.
(1/38)

/متن المنظومة/
وأربَعٌ لم تُعتَبرْ في السُّنَّةْ ... ما كانَ قبلَ بعثةٍ ومِنَّة
والثانِ ما أتى على الجِبِلَّة ... وما استَقى.. كطِبِّه في العِلَّة
رابعُها ما خصَّهُ بالذَّاتِ ... من حالِهِ كعدِدِ الزَّوْجاتِ
-170 و 171 و 172- ذكر الناظم أربعةَ مسائل لا يعدُّها الأصوليون من السنة:
الأولى: ما كان قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه لا تشريع فيه.
الثانية: أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - الجبلية التي لم يقم دليل على اعتبار مشروعيتها، لكن قالوا: نعم يثاب من قلده - صلى الله عليه وسلم -في ذلك لحبه وإخلاصه.
الثالثة: ما صدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -بمقتضى ما حصله من الخبرة البشرية في حياته الخاصة.
الرابعة: مسائل مخصوصة به - صلى الله عليه وسلم -، قام الدليل على أنه لا يجوز التأسِّي بها كالزواج بأكثر من أربع، والوصال في الصيام.
(1/38)

حجية السنة من القرآن
(1/39)

/متن المنظومة/
وثَبَتَتْ حجيةُ السنَّةِ في ... ألفِ دليلٍ ودليلٍ فاعرفِ
أَوَّلُها إشارةُ القرآنِ ... في النَّحْل للنَّبِيِّ بالبَيَانِ
وبعدَها الأمرُ بطاعةِ الرَّسُولْ ... وإن تحبَّ الله فاتبعِ الرَّسُولْ
-173- يراد بحجية السنة وجوبُ الرجوع إليها في تقرير الأحكام، وقد دأب بعض الناس على التشكيك بها، والتقليل من شأنها فراح الناظم يرد عليهم فأورد الأدلة أولاً من القرآن الكريم فقال:
-174- يريد قوله تعالى في سورة النحل آية -64-:
{وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}
-175- أراد بالشطر الأول قول الله عز وجل في النساء -59-
{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا} .
وأراد بالشطر الثاني قوله عز وجل في سورة آل عمران -31- {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم}
(1/40)

/متن المنظومة/
وردُّهم إليهِ في التنازُعِ ... وحذِّر المِنكِرَ بالرَّوادِعِ
وأَنَّهُ أوتي حكمةَ الهُدى ... محلِّلٌ محرِّمٌ.. لا عَنْ هَوَى
-176- أشار في الشطر الأول إلى قوله سبحانه وتعالى في سورة النساء -59- {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} .
وأشار في الشطر الثاني إلى قوله سبحانه في سورة النور -63-:
{فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}
-177- إشارة إلى قوله سبحانه وتعالى في وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - في سورة الأعراف 156: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم}
وأشار بالحكمة إلى قوله سبحانه في سورة الجمعة -2-:
{هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}
وأشار بقوله: لاعن هوى إلى قوله سبحانه وتعالى في سورة النجم -4- {وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى}
(1/40)

/متن المنظومة/
وقُرِنَتْ باللهِ فعلاً طاعَتُه ... وأَنَّه لذي اليقينِ أُسْوتُه
وليسَ مُؤْمِناً مِنْ لَمْ يحكِّمَهْ ... وما حباكَ خُذْ وما نهاكَ مَهْ
وَأُرْسِلُ الرَّسُولُ كَيْ يُطاعا ... لا خيرةً لمسلمٍ أطاعَا
-178- أشار بذلك إلى قوله تعالى في سورة النساء -80-: {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً}
وأشار بالشطر الثاني إلى قوله سبحانه في سورة الأحزاب 21:
{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً}
-179- أشار إلى قوله سبحانه وتعالى في سورة النساء 65-: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً}
وأشار بالشطر الثاني إلى قوله سبحانه في سورة الحشر 7-: {وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله إن الله شديد العقاب}
و (مه) اسم فعل، معناه: اكفف، أي انته.
-180- أشار في الأول إلى قوله تعالى في سورة النساء -64-: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله، ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً}
وأشار في الثانية إلى أنه لا خيرة لمسلم أطاع الله ورسوله في الاتباع وعدمه، بل يلزمه اتباع الرسول (في كل شيء بمجرد دخوله في الإيمان وهو مقتضى الطاعة، وذلك هو مضمون قول الله عز وجل في سورة الأحزاب-36-: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً بعيداً}
(1/40)

/متن المنظومة/
وكلُّها في واضحِ القرآنِ ... مسطورةٌ تقصدُ للبيانِ
-181- وعقب بأن هذه النصوص وغيرها مسطورة في صريح القرآن الكريم، وهي بمجملها قطعية الدلالة على وجوب اتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(1/40)

حجية السنة من غير القرآن
(1/41)

/متن المنظومة/
وهكذا قد أجمعَ الصحابةْ ... والتَزموا سؤالاً أو إِجابَةْ
ثُمَّ دليلهَا مِنَ المعقولِ ... ضرورةُ التبيينِ والتفصيلِ
وفعلُه كانَ البيانَ العَمَلِيْ ... لِكُلِّ ما في الذِّكْرِ مِنْ شَرعِ العلي
-182- راح الناظم يحتج لثبوت السنة من الأدلة الأخرى بعد القرآن الكريم، فأكد إجماع الصحابة الكرام على الأخذ بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - والاحتكام إليها في مسائل الخلاف، ولا شك أن استقراء عمل الصحابة يدل على إجماعهم أن السنة حجة كاملة، ومصدر تشريعي واجب الاتباع، متى صحت سنداً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
-183- واستدل لها من المعقول بأن كثيراً من أحكام القرآن الكريم نزلت مجملة غير مفصلة، والأمر بالمجمل من غير تفصيل أمر بما لا يفهم، والأمر بما لا يفهم عبث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ومثال ذلك أوامره سبحانه وتعالى أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وكتب عليهم الصيام. فلولا السنة لبقيت هذه المجملات بغير تفصيل وهو عبث لا يليق بكمال المولى سبحانه. فكانت هذه النصوص وغيرها مجملة فصلتها سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفق ما أمر به الله سبحانه وتعالى بقوله: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم من ربهم}
-184- واستدل الناظم أيضا بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ كان يفسر ويبين ما ورد في القرآن مجملا، وهذا أمر تظاهرت على إثباته روايات متواترة متضافرة لا يسع عاقلاً إنكارها.
(1/42)

/متن المنظومة/
وعُصِمَتْ كعصمةِ القُرآنِ ... فعصمةُ المبينِ كالمُبَانِ
ودَلَّتِ الآثارُ بالوُجُوبِ ... وحَذَّرِ المُنْكِرَ باللَّهيبِ
-185- ولا خلافَ أن السنَّة إذا صحَّت نسبتها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي معصومة، لا يتطرق إليها الزلل، وذلك لأن القرآن معصوم، وقد سميت السنة بياناً للقرآن، والحكيم لا يَكِلُ بيان المعصوم إلى غير المعصوم.
-186- وقد جاءت أحاديث كثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تأمر باتباع السنة وتحذر من مخالفتها، وتعد المنكرين بلهيب النار، وإنما أعرض الناظم عن إيرادها لأن الشيء لا يكون حجة لنفسه، فالخصوم يجادلون في حجية السنة والاحتجاج بها هنا مصادرة على المطلوب.
ونورد هنا استئناساً حديث المقداد بن معد يكرب فيما يرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يوشك أن يقعد الرجل متكئاً يحدَّثُ بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله مثل ما حرم الله» أخرجه أبو داوود والترمذي وأحمد.
(1/42)

تقسيم السنة من حيث السند
(1/43)

/متن المنظومة/
وما أتى تواتراً في الواقعِ ... يفيدُ في العلمِ اليقيني القاطعِ
وأنَّهُ كالذِّكرِ في ثبوتهِ ... وكفَّروا الجاحدَ في ثُبُوتِهِ
والخبرَ المشهورَ زادَ الحنفي ... وفَسَّقوا جاحدَهُ إنْ لَمْ يَفِيْ
-187 و 188- أخبر أن السنة تقسم من حيث عدد الرواة إلى أنواع فذكر منها: المتواتر، وهو ما رواه جمع عن جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب وحيث تحققت شروط التواتر فإن ذلك يلزم العلم اليقيني القاطع، ويجب العلم به وتحرم مخالفته، وثبوته كثبوت القرآن، لأن القرآن إنما نقل أيضا بطريق التواتر، ومنكر المتواتر بلا بينةٍ كافر.
-189- الجمهور يقسمون الحديث إلى آحاد ومتواتر، فالمتواتر ما بيناه، والآحادي ما في إحدى حلقات إسناده راوٍ واحد، ولكن الحنفية أضافوا صنفاً ثالثاً وهو المشهور، وهو ما كان متواترا إلى الصحابي ثم لم يروه عن رسول الله إلا صحابي واحد، بجامع أن الصحابة كلهم عدول. ومنكر الخبر المشهور فاسق عند الحنفية إن لم يقم بينة على إنكاره، وهو ما عبر عنه بقوله: إن لم يفي، أي لم يوافِ بالبينة.
لكن المتأخرين من علماءِ الاصطلاح يصنفون السنة على الاعتبار الآتي:
المتواتر: ما رواه عشرة فما فوق.
المشهور: ما رواه أربعة إلى تسعة من الرواة.
العزيز: ما رواه اثنان أو ثلاثة.
الآحاد: ما رواه واحد.
ولا يخفى أن المراد بالأعداد المذكورة هو أضعف حلقة في سلسلة الإسناد.
(1/44)

/متن المنظومة/
واتَّفَقوا بأنَّها تستلزِمُ ... عَمَلنا والاحتجاجُ ملزِم
وخبر الآحادِ خُذْ دليلا ... أَنْ تنذِرَ الطائفةُ القَبيلا
وربَّ حاملٍ إلى فقيهِ ... وبلِّغوا عنِّي كما نَرْويهِ
-190- ولا خلاف بأن العمل بالمتواتر من الحديث لازم، والحجة به قائمة ملزمة، مع الإشارة إلى ما سبق من رأي الحنفية.
-191- ذكر الناظم نوعاً ثالثاً هو حديث الآحاد، وقد سبق تعريفه، وأورد على وجوب الاحتجاج به من الأدلة: قوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} التوبة -122-
فالفرقة ثلاثة، والطائفة واحد أو اثنان، وقد أخبر سبحانه بأن الطائفة مأمورة بإنذار الفرقة.
-192- واستدلَّ كذلك بالحديث الذي يبلغ رتبة التواتر المعنوي، وهو ما أخرجه الأئمة عن جبير بن مطعم وعبد الله بن مسعود قال رسول الله ص: «نَضَّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حاملِ فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»
وقوله: (بلغوا عني) إشارة إلى ما نرويه من حديث الإمام البخاري عن ابن عمر في قوله ص: «بلغوا عني ولو آية» . ...
(1/44)

/متن المنظومة/
وانعقدَ الإجماعُ.. أَيْ لم ينكرِ ... فجزيةُ المجوسِ فعلُ عمرِ
كذلِكَ استدلَّ بالقياسِ ... في الحكمِ يكفي واحدٌ في النَّاسِ
والجرحُ والتعديلُ في التصويبِ ... رجِّحْ بِهَا الصِّدقَ على التكذيب
ونقلوا عن الخليفتينِ ... مع خبرِ الواحد شاهدينِ
وربما حلَّفَهُ لم تَطَّرِدْ ... عنهم طريقة لأخذٍ أو لِرَدّْ
-193- واستدلَّ أيضاً بانعقاد الإجماع على وجوبِ الأخذ بخبر الآحاد، والإجماع المقصود هنا هو الإجماع السكوتي، ومعناه أن الصحابة أخذوا بحديث الآحاد ولم ينكر عليه أحد منهم فكان إجماعاً.
فقد عمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحديث عبد الرحمن بن عوف، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المجوس: (سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب) فأخذ منهم الجزية وهو حديث آحاد، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.
-194- ويستدلُّ أيضاً بالقياس على وجوب الأخذ بخبر الواحد، وذلك أن القاضي يقضي بشهادةِ الرجلين كما في نص القرآن الكريم.
-195- واستدلَّ عقلا بأن علم الجرح والتعديل تكفل ببيان أحوال الرجال، فصار الصدق أدنى من الكذب، وصارت الرواية تفيد الظن القوي.
-196- شرع في بيان شروط الأخذ بخبر الواحد، فنقل أولاً شروط الصحابة الكرام، فقد كان الخليفتان الراشديان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يشترطان شاهدين مع الحديث حتى يحكما به.
-197- وأحيانا كان عمر رضي الله عنه يستحلف الراوي فيما يروي، ثم أشار الناظم إلى أن ذلك لم يكن منهجاً مطرداً، بل كان ذلك عائداً لمدى قناعة الخليفة رضي الله عنه بموثوقية المحدث.
(1/44)

/متن المنظومة/
وهذِهِ شَرَّطَها الأَحنَافُ ... أَنْ لا يُرى في فعلِهِ خلافُ
أو ليسَ مما حثتِ الدَّواعي ... أولم يُوافِقْ عملَ الأَتْبَاع
في الفقه والراوي بلا فقهٍ كما ... في خَبَرِ المصراةِ قد تَذمَّما
واشتَرطوا لمالكٍ بأَنَّ مَا ... خالفَ فعلَ يثربٍ لم يَسْلَما
-198 و 199 و 200- واشترط الأحناف شروطاً ثلاثة:
- أن لا يعمل الراوي بخلاف ما يرويه
- أن لا يكون مما توافرت الدواعي على نقله، فالحديث الذي تتوافر الدواعي على نقله يجب أن يكون من رواية أكثر من واحد، وإن عدم وجود أحد يرويه مظنة ريبة.
- أن لا يكون مخالفاً للقياس والأصول الشرعية وعمل الأمة إن كان الراوي غير فقيه.
-200- تقدير الكلام أن الراوي بلا فقه مذموم، وأورد الناظم مثالاً عليه في حديث الشاة المصراة، وهو ما أخرجه الإمام البخاري في كتاب البيوع باب 64، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ص: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر»
-201 واشترط الإمام مالك شرطاً آخر، وهو وجوب موافقة الحديث لعمل أهل المدينة، لأنه يرى أن عمل أهل المدينة وهم أبناء الصحابة الخلص، إنما هو نوع من التواتر المعنوي فلا يدفع بحديث الآحاد.
(1/44)

/متن المنظومة/
والشافعيُّ أربعٌ شُروطُهُ ... في كلِّ راوٍ عقلهُ وضَبْطُهُ
وأَنْ يكونَ ثقة في دينهِ ... ولم يخالِفْ متنُهم لِمَتْنِهِ
وأحمدٌ شروطُه كالشَّافِعِيْ ... فصَّلْتُها على المقالِ الرائِعِ
-202 و 203- واشترط الشافعي أربعة شروط وهي العقل، والضبط، والاستقامة في الدين في كل راو من الرواة، وأن لا يكون متن رواية مخالفاً لما هو رواية الجماعة.
-204- ومذهب الإمام أحمد في الرواية كمذهب الشافعي، غير أنه يرى أن الحديث الضعيف خير من قول الرجال، وكذلك يحتج بالحديث المرسل.
(1/44)

مكانة السنة
(1/45)

/متن المنظومة/
وعملُ السُّنَّةِ في الكِتَابِ ... ثلاثَةٌ في الحقِّ والصَّوابِ
أَولُها التأكيدُ للقُرآنِ ... كالبرِّ والجهادِ والإِحسَانِ
والثانِ تبيينُ الذي قَدْ نُصَّا ... قيدَه فَسَّرهُ أَوْ خَصَّا
ثالثُها زيادَةٌ علَيْهِ ... كرجمِ محصنٍ وما إِليهِ
واختلفوا في نَسْخِها القُرآنا ... فالشَّافِعيُّ قالَ لا وبَانا
-205- أشار الناظم إلى أن موقع السنة من القرآن واحد من ثلاثة: التوكيد والبيان والزيادة.
-206- فتكون أولاً مؤكدة لما أمر به القرآن الكريم من الفضائل والأحكام وما نهى عنه من الرذائل والأفعال.
-207- وتكون ثانياً مبينة للقرآن الكريم، فتقيد المطلقَ، وتخصص العام، وتفسر المبهم وتفصل المجمل.
-208- وقد تأتي السنة بحكم جديد لم ينص عليه القرآن أصلاً، وأورد من الأمثلة عليه: رجم المحصن
-209- أخبرَ بأن الإمامَ الشافعيَّ قال بعدمِ جوازِ نسخ القرآن بالسنة، لأن الله عز وجل قال: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} ولا شك أن السنة ليست مثل القرآن ولا خيراً منه.
وقوله (بانا) إشارة إلى أن الشافعي باينَ برأيه هذا مذهب الجمهور.
(1/46)

/متن المنظومة/
ونَسْخُها على مقالِ الجُلِّ ... دليلُهم وقوعُهُ بالفِعْلِ
-210 اختار الجمهور بأن السنة تنسخ القرآن الكريم، ودليلهم على ذلك الوقوع الفعلي، فقد نسخت آية الوصية في البقرة -180-:
{كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين}
فقد قالوا إنها نسخت بقوله لا وصية لوارث.
ودفع الشافعي ذلك بقوله بل نسخت بآية المواريث في سورة النساء 11:
{يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ... } الآية
(1/46)

المبحث الثالث: الإجماع
(1/47)

/متن المنظومة/
هو اتفاقُ أهلِ الاجتهادِ ... من أمةِ النَّبي الإمامِ الهادي
في أَحدِ العصورِ والأزمانِ ... في حكمِ أمرٍ مّا.. بلا تَوانِيْ
دليلُهُ مِنَ الكتابِ نَهْيُهُ ... عنِ الشِّقاقِ، ثُمَّ فيهِ وَعْدُهُ
كذاكَ وصفُها بأنَّها الوَسَطْ ... وخيرُ أمةٍ فإنَّها فَقَطْ
-211 و 212- الإجماع مصدر من المصادر المتفق عليها للتشريع الإسلامي، وأورد الناظم تعريف الكمال بن الهمام الحنفي، ونصه: الإجماع: اتفاق مجتهدي عصر من أمة محمد (على أمر شرعي، والأمر الشرعي هو الأمر الذي لا يدرك لولا خطاب الشارع.
وقول الناظم: بلا تواني، أي بلا إبطاء، فلو اتفق بعض الفقهاء وأبطأ آخرون فليس إجماعاً معتبراً.
-213 و 214- شرع الناظم يورد الأدلة على ثبوت حجية الإجماع فبدأ أولاً بالأدلة من القرآن الكريم، فذكر أولاً آية سورة النساء رقم-115-: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبعْ غير سبيل المؤمنين نولِّهِ ما تولَّى ونصلهِ جهنم وساءت مصيراً}
وقد تضمنت الآية النهي عن مشاققة المؤمنين، وتضمنت الوعيد على من يسلك سبيل شقاق المؤمنين ثم استدل بقول الله عز وجل في سورة البقرة 143: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}
وكذلك قوله عز وجل في سورة آل عمران -110-: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}
(1/48)

/متن المنظومة/
وصَحَّ في الحديثِ حيثُ قالا ... ليسَ اجتماعُ أُمَّتي ضَلالاً
والزَمْ سوادَ المسلمينَ الأَعظما ... وحَسنٌ عندَ الإلهِ كُلُّ مَا
رآهُ جمعُ المسلمينَ حسَنَا ... نقلَها أصحابُ علمِ أُمَنَا
واحكُمْ بهِ عقلاً فجَمْعُهم إذا ... توافَقَتْ آراؤُهم فالحقُّ ذا
-215 و 216 و 217- شرع الناظم يورد الأدلة على حجية الإجماع من السنة المشرفة: فأشار إلى الحديث المشهور: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) وهو حديث صحيح أخرجه أحمد وغيره وقد روي من طرق كثيرة تبلغ بمجموعها رتبة التواتر المعنوي.
- وأشار كذلك إلى حديث: «عليكم بالسواد الأعظم» (24) .
وحديث: «ألا من سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد»
ثم أشار إلى حديث: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» وهو حديث موقوف على ابن مسعود، أخرجه أحمد في كتاب السنة
-218- واستدل كذلك بالمعقول وهو أن فقهاء الأمة إذا اتفقوا على الحكم في قضية ما، وجزموا بها، فالعادة تحيل أن يكون هذا الاتفاق غير مستند إلى أصل شرعي، وإلا فإنه لا بد أن يعارض أحدهم
(1/48)

/متن المنظومة/
وركنُهُ اتفاقُهم جميعُهم ... بقولهِمْ وفاقاً أَوْ سُكوتِهم
ورَدَّ هذا الشَّافِعِيْ والظَّاهِرِيْ ... وكَمْ حكاهُ مِنْ إمامٍ ماهرِ
-219- بَيَّن أنَّ ركن الإجماع هو اتفاق سائر المجتهدين، ولا عبرة بخلاف أهل الأهواء، وعامة القراء الذين لا يعتبرون من المجتهدين.
ثم بين أن الإجماع نوعان: إجماع صريح وإجماع سكوتي، فالإجماع الصريح هو ما قررناه، وأما الإجماع السكوتي فهو أن يتكلم مجتهد في مسألة، فتشيع بين الناس ولا ينكرها من معاصريه أحد.
-220- لم يقبل الشافعية والظاهرية الاحتجاج بالإجماع السكوتي، لكن الحنفية وأحمد يرونه مصدراً مستقلاً من مصادر التشريع.
(1/48)

شروط الإجماع
(1/49)

/متن المنظومة/
وعَدَّدوا شروطَهُ وبَعْضُها ... مُختَلَفُ فيهِ وهاكَ عَدُّها
أَوَّلُّها أَنْ ينتفي التَعارُضُ ... مع الكتابِ أو حديثٍ قد رَضُوا
والثانِ أَنْ يستندَ الإِجْماعُ ... إلى دليلِ واضحٍ أذَاعوا
وأَنْ ترى المجتهدينَ عَددا ... واتَّفَقوا جميعهُم لا ماعَدا
وأَنْ يكونَ مِنْ أمورِ الشَّارِعِ ... وقيلَ لا بَلْ كُلُّ أمرٍ نافعِ
وأَنْ يَمُرَّ عصرهُمْ جَميعاً ... فلا يعودَ واحدٌ رُجُوعاً
وبعضهُم نَفَوا.. وزادَ الحَنَفِيْ ... أَنَّ الخلافَ قبله قَدْ انتُفي
-221 و 222- أول شروط الإجماع أن لا يعارضه نص من القرآن أو السنة أو إجماع سابق، وعبر الناظم عن الحديث الصحيح بقوله: (حديث قد رضوا) أي رضيه علماء السنن.
-223- ومن شروط الإجماع أن يستند إلى دليل شرعي، وإن لم يصلنا الدليل وقوله: (أذاعوا) أي شاع هذا الشرط بين الأصوليين.
-224- يريد أنه لا بد من وجود عدد من المجتهدين، ولا بد من اتفاقهم في المسألة، فإذا خالف البعض لم يكن إجماعا، إذا كان هذا المخالف ممن تحققت فيه شروط الاجتهاد.
-225- ولا يكونُ الإجماعُ في رأي الأكثرين إلا في المسائل الشرعية، لكن خالف بعض الفقهاء فقالوا: إن الإجماع حجة شرعية في أي أمر.
-226227 واشترطوا أن ينقرض العصر، ويموت المجتهدون الذين نقل إجماعهم، من غير أن يرجع منهم أحد. وكذلك اشترط أبو حنيفة أن لا يكون في المسألة خلاف سابق
(1/50)

/متن المنظومة/
وحُكْمُهُ في الشَّرعِ حكمٌ قاطِعُ ... وحكمُهُ في الأَمرِ لا يُنَازَعُ
واختلَفُوا في حُجَّةِ السكوتيِ ... فالكَرْخِي والآمدِي لم يُثْبِتِ
ومالكٌ يحتج بالإجماعِ ... من أهلِ يثربٍ بلا نزاعِ
وقصرَ الإجماعَ أهلُ الظاهرِ ... على الصحابِ في مقالٍ جائرِ
واعتَبروا للعترة الإِجماعا ... والراشدينُ بَلْ لشيخينِ مَعَا
-228- واتفق أهل السنة والجماعة أن الإجماع حجة قطعية لدى توافر شروطه، ولم ينازع في ذلك أحد يعتد برأيه.
-229- عاد الناظم يشير إلى ما سبق من بيان اختلافهم في قبول الإجماع السكوتي، فأشار إلى أن الكرخي من الحنفية، والآمدي من الشافعية يعتبرانه حجة ظنية، فيما يراه أكثر الحنفية والحنابلة حجة قطعية.
-230- ويحتج الإمام مالك بإجماع أهل المدينة، ويعده حجة قطعية في الأحكام، وليس هذا الإجماع حجة مستقلة إلا عند مالك.
-231- أما الظاهرية فإنهم يرون أن الإجماع مقتصر على الصحابة، ولا إجماع بعدهم، وهذا قول لم يذهب إليه غيرهم من الفقهاء.
-232- ويعتبر الشيعة أن الإجماع هو إجماع أهل البيت وحدهم. كذلك فإن بعض العلماء يحتجون بإجماع الخلفاء الراشدين، بل يحتج البعض بإجماع الشيخين أبي بكر وعمر فيجعلون ذلك حجة قطعية.
(1/50)

المبحث الرابع: القياس
(1/51)

/متن المنظومة/
وعرَّفوا القياسَ اصْطلاحاً ... فاحفظْهُ عني تبلغِ النَّجَاحَاْ
فرعٌ يساوِي أصلَهُ في العِلَّة ... أي حكمهِ، فالحكمُ فيهِ مِثْلَهْ
أركانُهُ أربعَةُ في العَقْلِ ... أصلٌ وفرعٌ ثم حكمُ الأصلِ
رابعُها العِلَّةُ في الإطارِ ... مثالُهُ النَبيذُ في الإسكارِ
-233 و 234- أشار الناظم إلى تعريف القياس لدى ابن الحاجب في مختصره ونصه: (مساواة فرع لأصل في علة حكمه) . وهو في تعريف آخر (إلحاق فرع بأصله في الحكم لجامع العلة بينهما)
فالشارع الكريم بين عدداً من الأحكام بالنص صراحة، ولكن النصوص متناهية، والحوادث غير متناهية، وما يتناهى لا يضبط ما لا يتناهى، فلا بد من الاجتهاد، والقياس أظهر أبواب الاجتهاد، فيبحث الفقيه عن العلة التي حرم من أجلها الشارع الحرام، ويقيس الأمور عليها.
مثال ذلك: نص الشارع صراحة على تحريم الخمر، وعلة التحريم بلا ريب الإسكار، فكل ما تحقق فيه الإسكار كان حراماً.
-235 و 236- شرع الناظم يعدد أركان القياس فقال: هي أربعة: الأصلُ الذي نقيس عليه، والفرعُ الذي نقيسُ لأجله، وحكم الأصل: إذ لا بد أن يكون الأصل الذي نقيس عليه قد بين الشارع حكمه صراحة، والرابع هو وجود علة مشتركة بين الأصل والفرع ليكون حكم المسألتين واحداً في الإطار ذاته. ثم أورد الناظم مثالا لذلك: النبيذ، فرع عن الخمر بعلة الإسكار فيهما، فحكمهما واحد، وقد سبق بيانه.
(1/52)

/متن المنظومة/
دليلُه من الكتاب قولُهُ ... فاعتبروا.. عن شافعيٍ نقلُهُ
وخُذْ مِنَ السُّنَّةِ قولَ ابنِ جَبَلْ ... كذا النبيُّ حيَن قاسَ في القُبَلْ
-237- أخبر بأن الإمام الشافعي استدل على القياس بقول الله عز وجل: فاعتبروا يا أولي الأبصار. فقال: الاعتبار قياس الشيء بالشيء لجامع العلة بينهما.
-238- واستدل من السنة بحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، لما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، (فقال له: كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو) . وفي رواية قال: (أقيس الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملت به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أصبت) - أخرجه أحمد وأبو داوود والترمذي.
وكذلك استدل الناظم بخبر عمر رضي الله عنه كما رواه أبو داوود، وهو أن عمر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القبلة هل تفطر الصائم؟ قال أرأيت إن تمضمضت، أكنت تفطر؟ قال: لا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فمه؟) يريد ما الفارق؟..
واستدل كذلك بتداول الصحابة الكرام في مسألة عقوبة الشارب، فقد قضى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بثمانين جلده على شارب الخمر، قياساً على عقوبة القذف، وقال: إن شارب الخمر إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعقوبة المفتري ثمانون جلدة
(1/52)

/متن المنظومة/
وغيرها عَنْ مائَةٍ تَزيدُ ... مثالُ ذاكَ الأسودُ الوَليدُ
وثبتَ القِياسُ بالإجماعِ ... فعَلَهُ الصِّديقُ للأتباعِ
وحكمه يفيد ظنَّ الحكْمِ ... فاحكُمْ بِهِ ولا تَخُضْ بالوهمِ
-239- وهناك أخبار كثيرة تزيد عن مائة يمكن أن تجد فيها تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة من بعده، على أساس القياس.
وأورد من الأمثلة على ذلك حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، ونصه: أن رجلا من فزارة أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل لك من إبل؟ قال نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال فهل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقاً، قال: فأنَّى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق.
-240- ولا خلاف أن الصحب الكرام أخذوا بالقياس في المسائل ولم ينكر بعضهم على بعض ذلك، حتى قال ابن عقيل الحنبلي: (وقد نقل التواتر المعنوي عن الصحابة في استعمال القياس)
وأورد حديث الصديق رضي الله عنه حين أفتى في الكلالة وقال: أقول فيه برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة ما عدا الوالد والولد.
-241 أشار إلى أن القياس دليل ظني، وقال: إن الظن حجة يعمل بها طالما لم يتوفر اليقين
(1/52)

الفصل الثاني: المصادر المختلف فيها
(1/53)

الاستحسان
(1/54)

/متن المنظومة/
وحدُّه أن يعدلَ المجتهدُ ... عن مقتضى قياسِ أمر يردُ
مِنْ واضحٍ إلى قياسٍ مختفي ... أو حكمِ كليٍ لمستثنى خفي
وذاكَ من أجل دليلٍ يقدحُ ... في عقلِه عدولَه يرجِّحُ
وظاهر بأنَّه نوعانِ ... ترجيحٌ استثناءُ للبيانِ
فالأوَّلُ الترجيحُ كالحَلْفانِ ... والثان الاستثناءُ كالضمانِ
-242 و 243 و 244 الاستحسان مصدر من مصادر التشريع قالت به الحنفية وبعض الحنابلة، وتعريفه عندهم هو: عدول المجتهد عن مقتضى قياس جلي إلى مقتضى قياس خفي، أو عن حكم كلي إلى حكم استثنائي، لدليل انقدح في عقله رجح هذا العدول.
-245 وبه يظهر لك أن الاستحسان عندهم نوعان:
-1- ترجيح قياس خفي على قياس جلي.
-2- الحكم باستثناء جزء من أفراد الحكم من الحكم العام وذلك لحكمة يراها المجتهد.
-246 أورد لكل نوع مثالا فمثال الأول: التحالف، وذلك أن الحكم في الأصل أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، ولكن قد يطرأ في المسألة ما يجعل كلاً من الطرفين مدعياً ومدعى عليه، كما لو اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن قبل القبض، فيتحالفان.
ومثال الثاني: ضمان الأجير المشترك، وهو الحرفي الذي يتولى إصلاح حوائج الناس، فالأصل أنه لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، ولكن لما تساهل الصناع في حوائج الناس، استحسن الفقهاء أن يضمنوهم، وهو كما ترى استثناء حكيم من القاعدة الكلية: أن الأمين لا يضمن إلا بالتفريط.
(1/55)

/متن المنظومة/
وذهبَ الأحنافُ والحنابلةْ ... إلى اعتباره دليلاً قابلَهْ
مِنَ الكتابِ: يتبعونَ الأَحْسَنا ... وما رآهُ المسلمونَ حَسَنا
وأكَّدوا تفضيلَ الاستحسانِ ... على القياسِ أي قياسِ الثاني
ومالكٌ والشافعيُّ قالا ... بنفيهِ وصَحَّحُا الإِبْطالا
-247 و 248 أخبر الناظم بأن الأحناف والحنابلة اعتبروا الاستحسان دليلاً شرعياً، وذلك بما قابله من دليل الكتاب العزيز في قوله سبحانه وتعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} سورة الزمر -18-
وكذلك قوله عز وجل: {اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} سورة الزمر 55
ومن السنة ما روى موقوفاً على عبد الله بن مسعود: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) .
-249 ويعتبر الحنفية الاستحسان مصدراً رئيساً من مصادر التشريع، ويقدمونه على القياس، لأنه عندهم قياس في الحقيقة، تقَّوى بمرجح، كان أولى من القياس الآخر الذي لم يتأيد بمرجح.
-250 وأنكر الإمام مالك حجية الاستحسان، وكذلك فقد تشدد الشافعي في إنكار المسألة، وقال من استحسن فقد شرع، وصنف كتابا خاصا أسماه: إبطال الاستحسان. ...
(1/55)

المصالح المرسلة
(1/56)

/متن المنظومة/
وعرَّفوا المصالِحَ اصْطِلاحا ... ما لم يَرِدْ في حكمِها صُراحَاً
دليلُ شرعٍ في اعتبارِ حُكْمِها ... ولا على إلغائِها أَوْردِّها
كالجُندِ والديوانِ والسُّجُونِ ... والخُلْفُ في استقلالِها في الدَّينِ
فذهبَ الأحنافُ ثم الشافِعِيْ ... لنَبْذِها على مَقالٍ بارعِ
-251 و 252- المصالح المرسلة: هي المصلحة التي لم ينص الشارع على حكم لتحقيقها، ولم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها.
وهكذا فإن المصالح ثلاثة أنواع:
-1- مصالح معتبرة، نص عليها الشارع وأمر بها ودعا إليها: كالزواج والسفر والصيد..
-2- مصالح ملغاة، حرمها الشارع ونهى عنها: كالربا والقمار وغيرها ...
-3- مصالح مرسلة، سكت عنها الشارع، وهي المراد بالاستصلاح.
-253- وأورد من الأمثلة على المصالح المرسلة أنظمة الجند، وتدوين الدواوين، وإحداث السجون لردع المجرمين، فكل هذه المصالح قررها الأصحاب مما سكت عنه الشارع العظيم.
ثم أخبر أن الأصوليين مختلفون في اعتبار المصلحة المرسلة دليلاً مستقلاً في الدين. فمنهم من يعدها دليلاً مستقلاً، ومنهم من يعتبرها دليل استئناس يعضد به الدليل الأصل.
-254- أخبر أن الحنفية والشافعية لم يعتبروا المصالح دليلاً شرعياً، ولهم في ذلك كلام أوضحه البيت التالي:
(1/57)

/متن المنظومة/
فالشَّرْعُ كلَّ أمرِنا قد راعى ... كتاباً أو حديثاً أو إجماعاً
والآخرانِ جَعَلاهُ أصْلاً ... يُبْنى عليهِ الحكمُ مُستَقِلاً
واشتَرطوا ثلاثةً شروطاً ... بغالبِ الأَنام أَنْ تُحيطَا
كذاكَ أنْ تكونَ واقعَّيةْ ... ولم تعارَضْ حجةً شَرْعِيَّةْ
ثَمَّ لهَا أَربعةٌ دَواعِيْ ... درءُ الأَذَى والسدُّ للذَرائعِ
جلبُ مصالحٍ، تغُّيرُ الزَّمَنْ ... فافْهَمْ فأنْتَ في البلاغِ مُؤْتَمَنْ
-255- احتج الأحناف والشافعية بأن الشرع جاء كاملا فيه تبيان كل شيء، عن طريق سبله الثلاثة الكتاب والحديث والإجماع، وقرروا أن سائر مصالح المسلمين موجودة في هذه المصادر الثلاثة.
-256- أخبر أن مالكاً وأحمد جعلا المصلحة المرسلة أصلاً تبنى عليه الأحكام الشرعية باستقلال، إذ الزمان يتغير وتبدو في كل عصر مصالح جديدة، لم يكن يراها الأولون، فلو لم يشرع الاستصلاح لتعطلت مصالح كثيرة للعباد، وإن القول بتحريم المصلحة ليس أهون من القول بإباحتها، فكلاهما نوع من الرأي فيما لا نص فيه.
-257 و 258- واشترط القائلون بحجية المصالح المرسلة ثلاثة شروط:
الأول: أن تكون مصلحة عامة لا خاصة.
الثاني: أن تكون مصلحة حقيقية لا وهمية.
الثالث: أن لا تعارض أصلاً شرعياً معتبراً.
-259 و 260- ولهذه المصالح عند القائلين بها أربعة دواعٍ تلجئ إليها وهي: درء الأذى عن الناس، وسد الذرائع التي توصل إلى الأذى والإثم، وجلب المصالح للأمة، وتغير الزمن الذي يستلزم طروء مصالح جديدة للناس.
وقوله: (فافهم فأنت في البلاغ مؤتمن) توجيه لطالب العلم ليفهم ضوابط المصلحة في الشرع، فلا يقفز فوق النصوص بحجة المصلحة، ولا يتساهل في تحقيق شروطها السالفة.
(1/57)

الاستصحاب
(1/58)

/متن المنظومة/
هو اصطحابُ حكمِ أَمرٍ ماضِي ... لحاضِرٍ لم يقضِ فيهِ قاضِ
فيستمرُّ الحكم فيه قائماً ... إلى ثبوتِ غيرِه ملائماً
واعتَبَروه حُجَّةً إذا انفَرَدْ ... نَفْياً وإِثْباتاً بِلا أَخْذٍ وَرَدْ
مثالُهُ الحياةُ للمَفْقودِ ... وردَّه الأحنافُ بالقيودِ
-261 و 262- الاستصحاب في تعريف الشوكاني: ما ثبت في الزمن الماضي، فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل. ومثاله: الحكم بصحة الوضوء عند الشك استصحابا للأصل حتى يثبت ما يبطله. وكذلك الحكم بالحياة للمفقود ولو انقطعت أخباره، فتثبت له حقوقه من المواريث والوصايا، ويحرم توزيع ماله، وتبقى زوجته على عصمته..
-263 و 264- أورد الناظم المثال الذي قررناه، ثم بين أن الحنفية لا يرون الاستصحاب حجة شرعية، ولكن المحققين من الحنفية يعتبرونه حجة في الدفع دون الإثبات، أي في إبقاء ما كان على ما كان، فالمفقود مثلا يحرم توزيع ميراثه استصحابا على الأصل، ولكن لا يثبت له ميراث جديد من قريب له يتوفى. وأخبر في البيت الذي قبله أن الباقين من الفقهاء اعتبروا الاستصحاب حجة شرعية في النفي والإثبات جميعاً.
(1/59)

/متن المنظومة/
أنواعه ثلاثةٌ في الأصلِ ... أولها اصطحابُ حكمِ الأصلِ
وبعدَه ما أصلُه البراءَةْ ... كالحكمِ للحقوقِ بالبراءَةْ
ثالثُها اصطحابُ حكمِ حالِهِ ... على ثبوتِهِ إلى زوالِهِ
واعتَبروا دَليلَه ظَنِّيَّا ... وآخِرَ الأَدِلَّةِ المحكيَّة
-265 و 266 و 267- بين الناظم أن الاستصحاب على ثلاثة أنواع:
الأول: استصحاب الحكم الأصلي للأشياء، وهو الإباحة، إذ الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بالبيان.
وهكذا فإن الله عز وجل قال: وقد فصل لكم ما حرم عليكم، فكل ما يفصله الله عز وجل في الحرام فهو على الإباحة الأصلية.
الثاني: استصحاب العدم الأصلي أو البراءة الأصلية، كالحكم ببراءة الذمة للناس حتى يقوم دليل النفي.
الثالث: استصحاب ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه، حتى يقوم الدليل على زواله، فهي مسألة حكم الشارع فيها بحكمه في ظرف ما، ثم طرأت أوضاع تغيرت فيها الظروف، ولكن الحكم في المسألة على حاله الأول حتى يقوم دليل واضح على تغير الحكم.
وهذا النوع هو الذي اختلف فيه الفقهاء، أما النوعان الأولان فهما محل اتفاق، وإن كان الفقهاء لا يسمونهما استصحاباً.
ومن الاستصحاب استنبط الفقهاء عدة قواعد كلية، منها: اليقين لا يزول بالشك، الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيره.
-268- ويعتبر الاستصحاب دليلاً ظنياً في إثبات الأحكام، وذلك عند فقد الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهو آخر مدار الفتوى.
(1/59)

العرف
(1/60)

/متن المنظومة/
والعرفُ ما استقرَّ في النُّفُوسِ ... من جهةِ العقولِ لا الطُروسِ
ثُمَّ ارْتضَاه النَّاسُ بالقَبُولِ.. ... أنواعُه أربعةٌ..فالقولي
تعارفَ الناسُ على إطلاقِهِ ... كاللحمِ والشرابِ في إطلاقِهِ
والعَمَلي تَعارَفوا إِتْيَانَهْ ... كالأَكلِ أو كالمَهْرِ في أَوانِهْ
-269 و 270- العرف عند الحنفية: ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول.
وقول الناظم (كالطروس) أفاد بأن المقصود بالعرف ما تعارفه الناس بغير قانون مكتوب في الطروس أي الصفحات، إذ كل قانون وضعي يحكم به زمنا يصبح عرفاً، فمراد الناظم نفي ذلك وتحديد العرف بأنه ما دفعت إليه الطباع السليمة بغير مؤثر خارجي.
-270 و 271- أخبر بأن العرف أربعة أنواع:
أولاً: عرف قولي: إذا تعارف الناس على إطلاق لفظ ما للدلالة على معنى معين كما لو تعارفوا على إطلاق اللحم على الحيوان وعدم إطلاقه على السمك والطير.
-272 - ثانياً: عرفٌ عملي: كما لو تعارف الناس على تقسيم المهر إلى معجل ومؤجل.
(1/61)

/متن المنظومة/
والعامُ ما يَعمُّ في البلادِ ... والخاص عرفُ ثلةٍ أفرادِ
واتَّفَقُوا في كونِه دليلاً ... واختلفوا هَلْ يَسْتَقِلُّ؟ ... قيلا
للمَالكِي والحَنَفِي والحَنبَلي ... خذهُ دليلاً كامِلاً.. وَدَلِّلِ
مِنَ الكتابِ أَمْرُهُ بالعُرْفِ ... وما رأَوْهُ حَسَناً فلتَعرِفِ
كذاكَ مالهُ مِنَ السُّلْطانِ ... في العقلِ عندَ معشَر الإِنْسَانِ
والشافعيْ مالَ إلى إنكارِهِ ... إلا إذا أرشدَ لاعتبارِهِ
-273 - ثالثاً: عرف عام: هو ما كان متفقاً على التعامل فيه في سائر البلاد.
رابعاً: عرف خاص: هو عرف جماعة بعينهم، كعرف التجار، وعرف الحاكَةِ، وعرف الحرفيين.
-274-275- واتفق الفقهاءُ على أن العرفَ حجةٌ شرعية إذا احتفَّ بغيره من الأدلة، ولكن اختلفوا هل يكون وحده دليلا شرعياً إذا لم يوجد سواه، فقال المالكية والحنفية والحنابلة: يحتج بالعرف وحده في الأحكام، واستدلوا لذلك بما يلي:
-276- أي استدلوا من القرآن الكريم بقوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} سورة الأعراف آية -200-
ومن السنة ما رواه ابن مسعود موقوفاً: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) .
-277- واستدلُّوا بالمعقول، وهو ما تلاحظه من سلطان العرف في نفوس الناس، واحتكامهم إليه بالفطرة والبداهة.
-278- وعبارة الشافعية: إن العرف ليس حجة ولا دليلاً شرعياً إلا إذا أرشد الشارع إلى اعتباره.
(1/61)

/متن المنظومة/
واشترطوا عمومَهُ في الناسِ ... ولم يخالفُ ثابتاً للناسِ
-279- واشترط الجمهور لدى احتجاجهم بالعرف شرطين اثنين: أن يكون عاماً في الناس، أو عاماً في مناطه كما قدمنا، فعرف التجار حجة على التجار دون الصناع، وعرف الحاكة حجة على الحاكة دون البنائين، والثاني أن لا يخالف دليلاً شرعياً ثابتاً.
(1/61)

قول الصحابي
(1/62)

/متن المنظومة/
واتَفَقوا في أنَّهُ دليلُ ... في كل ما ليسَ لَهُ سَبيْلُ
كذاك إن أقَّرهُ الباقونا ... يكون حجةً كما روينا
واختلَفُوا لدى اختلافِ رأيهِمْ ... فقيلَ يَنبغي التزامُنا بِهِمْ
بواحدٍ لمالكٍ والحَنَفِي ... لخبرِ النُّجومِ فِيهِمْ فاقتفي
وأحمدٌ والشَّافِعِيُّ خالَفَهْ ... عَنْ تابعينَ نَقَلُوا المُخالَفَة
-280- اتفق الفقهاء على أن قولَ الصحابي حجةٌ إذا تكلم في أمورٍ لا سبيل إلى معرفتها في الاجتهاد، كأمور القيامة والعقائد والعبادات، وإن كلامهم في هذه المسائل ينزل منزلة الحديث المرفوع.
-281- واتفقوا كذلك أن قول الصحابي إذا لم يوجد له مخالف من الصحابة، يكون بمنزلة الإجماع السكوتي، حجة لازمة على المسلمين.
-282 و 283- واختلف الأصوليون لدى اختلاف أقوال الصحابة، على قولين:
الأول: وهو قول أبي حنيفة يجب التزام قول واحد منهم بلا تعيين، لأن اختلافهم على قولين إجماع بأنه لا ثالث في المسألة وهذا ملزم باجتناب ما أجمعوا على نفيه.
-284- الثاني: قول أحمد والشافعي، وهو أن قول الصحابي ليس حجة في شيء، وقد اختلف الأصحاب فيما بينهم، وترك التابعون أقوال الصحابة، إذ العبرة بالأدلة التي نقلها الصحابة لا بالآراء التي رآها الصحابة.
(1/63)

شرع من قبلنا
(1/64)

/متن المنظومة/
واختلَفُوا في شرعةِ الذينا ... مِنْ قبلِنا ملغيةٌ أَمْ دينَا
فاتفقوا في الأخذِ بالأحكامِ ... مما أقرَّ الدينُ كالصِّيامِ
واتفقوا في نسخِ ما قد نُسِخا ... في شَرْعِنا. كالقطعِ مما اتَّسَخا
واختلَفُوا في حكمِ ما قَدْ وَردا ... ولم يُنْسَخْ ثُمَّ لَمْ يُؤيَّدا
كالنفس بالنفسِ وشُرْبِ محتضَرْ ... ...
-285- يراد من شرع من قبلنا مجموعة الأحكام والأوامر الإلهية التي أنزلها الله عز وجل على الأنبياء الكرام قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
-1 - ما أقره شرعنا وأمر به 2 - ما نهى عنه 3 - ما سكت عنه.
-286- فاتفقوا أن الأحكام التي أقرها شرعنا وأمر بها أحكام معتبرة، كما في الصيام، حيث قال الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} سورة البقرة، آية -186-
-287- واتفقوا كذلك أن الأحكام التي نسخها شرعنا وألغاها، أحكام ملغية لا يصح الاحتجاج بها، ولا القياس عليها، وذلك كقتل النفس لدى التوبة، وقطع الثوب لدى طروء نجس عليه، وكلاهما أحكام مقررة عند بني إسرائيل.
-288 و 289- واختلفوا في الأحكام التي وردت في الكتاب والسنة إخباراً عن الأمم الأولى، ثم لم يأت في شرعنا ما يؤيدها ولا ما يبطلها، مثل قوله تعالى: {وكتبنا. عليهم أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والجروح قصاص} سورة المائدة -45-، ومثله قوله تعالى {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر} سورة القمر -28- فاختلفوا في مثل هذه الحالة على قولين:
(1/65)

/متن المنظومة/
........ ... فالحنفيْ والحنبليْ والبعضُ قَرّ
ودلَّلوا بوحدةِ الشرائعِ ... والرجمِ واقتدهْ لكلِّ سامعِ
والشافعيُّ أنكرَ استِدلالَهُمْ ... بأَن لِكُلِّ أمةٍ مِنْهاجُهُمْ
-289290 فذهبَ الحنفيةُ والحنابلة وبعض الشافعية والمالكية إلى إقرار الاحتجاج بشرع من قبلنا، واستدلوا لذلك بأن الشرائع في الأصل واحدة، وأن عقيدتنا تأمرنا باتباع الرسل السابقين والاهتداء بهم، وقد قال الله عز وجل: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} سورة الأنعام -90-
-291- والقول الثاني هو قول الإمام الشافعي، إذ لم يعتبر شرع من قبلنا حجة في شرعنا، واستدل لذلك بقول الله عز وجل: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً} سورة المائدة، آية - 48 -.
(1/65)

سد الذرائع
(1/66)

/متن المنظومة/
وكلَّ ما ظاهِرُه مُباحُ ... وموصِلٌ لما بهِ جُنَاحُ
أباه سداً منْهُ لِلذَّرائِعِ ... مالكُ وابنُ حنبلٍ لا الشَّافِعِيْ
وأكَّدَا ذاكَ بمنعِ الشتمِ ... لِكُلِّ مَنْ يَعْدُو بغيرِ عِلمِ
-292- الذريعة لغة: الوسيلة، وهي في تعريف الأصوليين: ما ظاهره مباح، ويتوصل به إلى محرم. فالنهي عن هذا المباح خوفاً من أثره، وهو ما يسمى: (سد الذرائع) مثاله: النهي عن سب المشركين في قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} ، فسبُّ المشركين وأوثانهم مباح في الأصل، ولكن نهى الله عنه لئلا يكون ذريعة لسب الله.
-293- أخبر بأن المالكية والحنابلة قالوا بأن سدَّ الذرائعِ حجةٌ تتقرر لأجلها الأحكام، وعبر الناظم بقوله (أباه) عن منعهم للذريعة وإبائهم لها لما فيها من مدخل للمفاسد، أما الشافعي رضي الله عنه فقد اتفق مع الجمهور في المآل، ولكنه لا يرى ذات السبيل، بل يقول: إنما تحرم الذريعة ذاتها بالأدلة المعتبرة، ولا داعي لتحريمها بالتبع.
-294 وأكدا أي أحمد ومالك، أكدا هذه القاعدة بالمثال السابق الذي أشرنا إليه، حول منع شتم المشركين.
(1/67)

/متن المنظومة/
والشافعيُّ حرمَ الذريعة ... لذاتها أي حرَّمَ الوقيعة
-295 ورأى الشافعي أن منع شتم المشركين تقرر بالآية وليس بالاجتهاد، فلو لم تنص عليه الآية لم يكن لأحد أن يقوم بتحريمه بحجة سد الذرائع. وهو ما أراده الناظم بقوله: أي حرم الوقيعة.
(1/67)

الباب الثاني: مباحث الحكم
(1/68)

الفصل الأول: الحكم
(1/69)

/متن المنظومة/
وحدُّهُ في اللغة القضاءُ ... وأطلقوه فاروِ ما تشاءُ
إثباتُ أمرٍ ما لأمرٍ واحدُ ... ثم الذي عند القضاة واردُ
تعريفُهُ عنَد الأصوليينَا ... خطابُ رَبنا لنا مُبيْنَا
والفقهاءُ اعتبرُوه الأَثَرا ... عَنِ الخطابِ قَدْ جَلا وانْتَشَرَا
وقسَّمُوهُ مَصْدراً قسْمَينِ ... فالأوَّلُ الشَّرعِيُّ.. دونَ مَيْنِ
وذاكَ ما مِنَ الإلهِ أُخِذَاْ ... وعملاً أَو اِعتقاداً فهو ذا
-296- الحكم لغة: القضاء، ثم له عند إطلاقه أربعة معان وهي:
-297- المعنى الأول: إثباتُ شيء لشيء، وهو تعريف المناطقة، كما لو قلت: زيدٌ عالم، فأنت تريد أن تثبت العلم لزيد.
المعنى الثاني: ما صدر عن القضاة من الأحكام، وهو تعريف الحقوقيين.
-298- المعنى الثالث: الحكم هو خطاب الله تعالى وهو النص الصادر عن الشارع، وهو تعريف الأصوليين.
-299- المعنى الرابع: الحكم هو أثر خطاب الله تعالى، وهو تعريف الفقهاء، فبينما يرى الأصوليون أن الآية هي الحكم الشرعي، يرى الفقهاء أن أثرها أي الوجوب أو الحرمة أو غيرها حيث دلت عليه هو الحكم الشرعي.
-300 و 301- يقسم الحكم عند الأصوليين إلى قسمين اثنين:
الأول: الحكم الشرعي الذي دل الدليل الشرعي عليه، فهو إذن لا يتوقف على حجج عقلية، بل يجب التزامه حال ثبوته، وهو يشمل أحكاماً عملية وأحكاماً اعتقادية. وقول الناظم (دون مين) أراد به دون شك.
(1/70)

/متن المنظومة/
وبعدَهُ كُلُّ الَّذي لَمْ يُؤْخَذِ ... من شارعِ الأَحكامِ كالحكم الذي
أُخذَ من عقلِ ومن حسّنٍ ومِنْ ... عرفٍ فذاك دون شرع قد زُكِنْ
والحكم حدُّهُ لدى الجمهورِ ... هو خطابُ ربنا الغفورِ
ومتعلقٌ بفعلنا اقتضَا ... تخييراً أو وَضْعاً وهَذا المُرْتَضَى
-302 و 303- الثاني: الحكم الذي لم يدلَّ له دليلٌ شرعي، بل عرف بمحض العقل أو الحسِّ أو العرف، كما لو قلت: الكل أكبر من الجزء، أو التواتر يفيد اليقين، أو البحر هائج. فهذه كلها أحكام يلزم المصير إليها، ولو لم ينص عليها الشارع، لأن الشارع توجه إلى العقلاء، وهذه بديهيات يقررها العقل. وقول الناظم (فذاك دون شرع قد زكن) أي قد علم.
-304 و 305- ذكر الناظم تعريف الحكم عند الجمهور كما أورده الآمديُّ في الأحكام: الحكم هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييراً أو وضعاً.
والمراد بالاقتضاء: الخطاب الذي يتضمن الطلب، وهو يشتمل على ما ثمرته الإيجاب أو التحريم أو الندب أو الكراهة.
والمراد بالتخيير: الخطاب الذي يتضمن تخيير المكلف بين الفعل والترك، أي الإباحة. والمراد بالوضع: الخطاب الذي يتضمن (وضعَ شيء) أي جعل شيء ما سبباً أو مانعاً أو شرطاً أو صحيحاً أو فاسداً أو رخصةً أو عزيمة.
وظهر أن الأحكام الشرعية نوعان: أحكام تكليفية وأحكام وضعية. فثمرة الأحكام التكليفية: معرفة الواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح.
وثمرة الأحكام الوضعية: معرفة السبب والشرط والمانع والصحة والفساد الرخصة والعزيمة.
(1/70)

/متن المنظومة/
وقسَّموا الشرعيَّ من حكمٍ إلى ... قسمين فالتكليفي ما أدَّى إلى
حكمٍ من الخمسةِ في اقتضاءِ ... كذاك في التخييرِ كالنداءِ
وبعدَه الوضعيُّ وهو ما اقتضى ... أن يجعلَ الأمرَ لحكمٍ قد مضى
علامةً تجعلُه له سببْ ... أو مانعاً أو رخصةً أو يُجتنَبْ
لكونِهِ فاسداً او عزيمَةْ ... أو رخصةً أحكامها سليَمةْ
وزاد فيها الآمديُّ واحداً ... حكم المباح قال تخييراً بدا
من 306 إلى 310- سبق بيان ذلك كله، وهو أن الأحكام الشرعية تنقسم قسمين:
تكليفي ووضعي وقول الناظم (رخصة أحكامها سليمة) قيدٌ أرادَ به الاحتراز من اختراع الرخص التي لم يأذن بها الله.
-311- أخبر الناظم أن الآمدي وهو من الأئمة الأصوليين المحققين، قسم الحكم الشرعي إلىثلاثة أقسام: الأول: الحكم الاقتضائي: وهو يشمل الواجب والحرام والمندوب والمكروه، والثاني: الحكم التخييري: وهو يشمل المباح، والثالث: الحكم الوضعي وتعريفه عنده مطابق لما قرره الجمهور.
(1/70)

الحكم التكليفي
(1/71)

/متن المنظومة/
وقد مضى تعريفُه وأنَّهُ ... أدَّى إلى التحريمِ أو ما يكرَهُ
والندبِ والإيجابِ والإباحَهْ ... والحنفيُّ قَسَّمَ الكراهَهْ
قسمين تنزيهاً وتحريماً رضي ... وزادَ حكماً سابعاً بالفرضِ
-312 و 313- أخبر الناظم أن تعريف الحكم التكليفي مرَّ آنفا وخلاصته: أن الحكم التكليفي هو الذي يترتب عليه التحريم أو الكراهة أو الندب أو الإيجاب أو الإباحة.
-314- أخبر الناظم أن الحنفية جعلوا أقسام الحكم التكليفي سبعة: فزادوا فيها سادساً حين جعلوا الكراهة قسمين: تنزيهية وتحريمية، وزادوا فيها سابعاً حين أضافوا الفرض، وميزوا بينه وبين الواجب.
وسيأتي تفصيل قولهم في الكراهة في باب المكروه.
أما قولهم في تسمية (الفرض) فوق الواجب فقد ميزوا بينه وبين الواجب من وجوه:
-1- الفرض: ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً بدليل قطعي الثبوت والدلالة، كالصلاة والزكاة، وفعله واجب، ومنكره كافر، وتاركه بدون عذر فاسق.
-2- الواجب: ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً بدليل ظني الثبوت أو ظني الدلالة كصلاة الوتر وصدقة الفطر، وفعله واجب، لكن منكره لا يكفر، وتاركه لا يسمى فاسقاً إلا إن تركه استخفافاً. ...
(1/72)

الواجب
(1/73)

/متن المنظومة/
ما طلبَ الشارِعُ فيهِ الفِعلَ مِن ... مُكلَّفٍ حتماً كصومٍ في زَمَنْ
أمَّا مِنَ الثَّوابِ والعقابِ ... فاعِلُهُ استَحَقَّ للثَّوابِ
ويَسْتَحِقُّ التَّاركُ العِقابا ... فافهَمْهُ كَيْ تُنَافِسَ الطُلاَّبَا
ويثبتُ الواجبُ بالخِطابِ ... ثمانِ أوْجُهٍ على أبْوَابِ
الأَمْرُ نحوَ الأَمْرِ بالصَّلاةِ ... إِقامَةً والأمْرُ بالزَّكاةِ
والمصدَّرُ النائِبُ عَنْ فعلٍ كما ... ضربَ الرِّقابِ إِنْ لقيتُمْ ظالِم
-315 و 316 و 317- الواجب هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلباً حتما، ويثاب فاعله ويعاقب تاركه.
فالتعريف كما ترى اشتمل على عنصرين: الأول: من حيث صيغة الطلب، والثاني: من جهة الثواب والعقاب.
-318 أشار إلى أن الأساليب التي يتقرر بها الوجوب ثمانية:
-319- الإسلوب الأول: الأمر بفعلِ الأمر كقوله سبحانه: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}
-320- الأسلوب الثاني: صيغة المصدر النائب عن الفعل كقوله سبحانه {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} محمد-4- أي فيجب عليكم ضرب الرقاب.
(1/74)

/متن المنظومة/
مضارع بلامِ أمرٍ يَقْتَرنْ ... مثالُه إنفاقُ ذي الوسعة مِنْ
سَعَتِهِ. كذاك باسم الفعل مَهْ ... كذا عليكُمْ وذا في الأمر لَهْ
خامِسُها التَّصريحُ بالأَمْرِ كما ... يأمركُمْ بأنْ تؤدُّوا الذِّممَاَ
وغيرُ ذاكَ مِنْ أساليبِ اللُّغَة ... كَ (كُتِب الصيامُ) ثُمَّ (الحَجُّ لَهْ)
-321 و 322- الأسلوب الثالث: الفعل المضارع المقترن بلام الأمر، مثاله قوله عزوجل {لينفق ذو سعة من سعته} الطلاق -7- فالمعنى: يجب على كل ذي سعة أن ينفق من سعته.
الأسلوب الرابع: اسم الفعل، مثل: مه، وعليكم، مثاله قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} . المائدة -105-
وقول الناظم (وذا في الأمر له) قيد احترازي، إذ قد تأتي (عليكم) لمحض الجر، فأراد الناظم بيان أن (عليكم) أسلوب من أساليب الأمر بشرط أن تأتي في معرض الأمر.
-323- الأسلوب الخامس: التصريح بلفظ الأمر. مثاله قوله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} . النساء -58-
-324- الأسلوب السادس: أساليب اللغة العربية الأخرى التي تستخدم للأمر الجازم مجازاً، كقوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} البقرة -183- وقوله: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} آل عمران -97- وغير ذلك.
(1/74)

/متن المنظومة/
وبعدَهُ التَّرتيبُ للعُقوبَةِ ... لتارِكِ الفعلِ كما الأُضْحيةِ
والثامِنُ التَّصرِيحُ بالإِيجابِ ... والفرضِ كالصِّيامِ في الصَّوابِ
وقسِّمَ الواجِبُ قسمينِ هُمَا ... مُؤَقَّتٌ ومُطْلَقٌ.. فَكُلُّ مَا
طلَبهُ محتماً معيناً ... لوقتِهِ مُؤَقَتٌ.. مثلُ مِنَى
-325- الأسلوب السابع: ترتيب العقوبة من الشارع على تارك الفعل، سواء كانت عقوبة دنيوية أو أخروية. مثاله قول النبي - صلى الله عليه وسلم -في الأضحية: «من وجد سعة لأن يضحي فلم يضح، فلا يحضر مصلانا» . رواه أحمد بن حنبل عن أبي هريرة.
-326- الأسلوب الثامن: التصريح بلفظ وجب ويجب وفرض، كقوله ص: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان وسننت لكم قيامه»
-327 و 328- ينقسم الواحب باعتبارات كثيرة أورد منها الناظم أربعة تقسيمات:
التقسيم الأول: بحسب وقت أدائه فهو: مؤقت ومطلق
التقسيم الثاني: بحسب التقدير وعدمه فهو: محدد وغير محدد
التقسيم الثالث: بحسب المكلف به وهو: عيني وكفائي
التقسيم الرابع: بحسب الفعل المأمور به وهو: معيَّن ومخيَّر.
وشرع يتكلم عن الواجب بحسب وقت أدائه فأشار إلى أنه مؤقت ومطلق، فالمؤقت ما طلبه الشارع طلباً حتماً في وقت معين، وأورد الناظم مثالاً على ذلك (مِنَى) إذ أمر الشارع برمي جمرة منى في وقت معين فلا تصح في غيره. ومثل ذلك الصلاة في مواقيتها، والصيام في رمضان، والحج في ميقاته.
(1/74)

/متن المنظومة/
وكلُّ ما طلَبَهُ وأَطْلَقَهْ ... فمطلَقٌ مثلُ النُّذُورِ المُطْلَقَةْ
فَحيثُما أدَّاهُ مطْلَقاً ولَوْ ... في غيرِ وقتِهِ قبولَهُ رَأَوْا
وجَعَلُوا المُؤَقَّتُ الذّي مَضَى ... ستَّةَ أنواعٍ لمن قد ارتضى
فأولٌ مؤقتٌ مضيَّقُ ... كَرَمَضَانَ كله مستغرَقُ
وبعدَهُ مُؤَقَّتٌ مُوَسَّعُ ... كالصلواتِ الخَمْسِ فهي تَسَعُ
والثالثُ المُؤَقَّتُ المشتبهُ ... لم يَتَّسِعْ فرضاً سِواهُ معهُ
والوقتُ ما استغرقَهُ جميعَهُ ... كالحجِ.. فانظُرْ ضيقَه ووسعَهُ
-329 و 330- والواجب المطلق هو ما أمر به الشارع ولم يؤقت له وقتاً معيناً، ومثاله: النذر، فالوفاء بالنذر واجب، ولكن الله لم يكلفنا وقتاً بعينه للوفاء بالنذر، فلو أداه في أي وقت صح منه، وقول الناظم (قبوله رأوا) أي رأى العلماء قبوله.
-331- عاد يفصل القول في الواجب المؤقت فأخبر أنه يكون على ستة أحوال:
-332- الواجب المؤقت على ستة أحوال:
فمن حيث التوقيت: مضيق وموسع وذو شبهين، ومن حيث التنفيذ: أداء وإعادة وقضاء. فالمؤقت المضيق: هو الواجب المؤقت الذي يستغرق جميع الوقت المحدد، ولا يسع غيره معه، كالصيام في شهر رمضان، إذ لا يمكن خلال شهر رمضان صوم شيء غير الفريضة.
-333- والمؤقت الموسع: هو الواجب المؤقت الذي لا يستغرق جميع الوقت المحدد له، ويسع معه غيره، كالصلوات الخمس، إذ يمكن صلاة نوافل كثيرة، وقضاء واجبات فائتة في ذات الوقت.
-334 و 335- والثالث هو المؤقت ذو الشبهين، وهو يتسع فرضا آخر معه ولكنه لا يصح إلا واجبٌ واحد فيه، كالحج، فأعمال الحج لا تستغرق كل الوقت، ويمكن عقلا أن يأتي المرء بعدة حجج في موسم واحد، ولكن لا يصح منه إلا حج واحد. و (ما) في قول الناظم (ما استغرقه) نافية، لا موصولة فتأمل.
(1/74)

/متن المنظومة/
فهذه الثَّلاثُ في توقيتِهِ ... وخذ ثلاثاً من لدن تنفيذِهِ
فَفِعلُهُ في وقتِهِ المُقَدَّرِ ... شَرعاً له فهو الأداءُ..فاحْذَرِ
وشرطُه بأَنْ يكونَ أوَّلا ... والثان أن يعيدَه مستكملا
لنَقصِهِ في وقته، واسمُهُ ... إعادَةٌ.. فاذكرُهْ يَسْهُلْ فهمُهْ
والثالثُ القضاءُ وهو فعلُهُ ... مستدرَكاً وقد تمضَّى ظلُّهُ
-336- أخبر بأن أنواع الواجب المؤقت من حيث التوقيت ثلاثة وقد مرت، ومن حيث تنفيذ الواجب فهو أيضاً أنواع ثلاثة الأداء والإعادة والقضاء، وشرع يعدها فقال:
-337 و 338- الأداء هو فعل الواجب في وقته المقدرله شرعاً أولا، والقيد بكلمة: (أولا) يراد به التفريق بين الأداء والإعادة.
-339- الإعادة: هي فعل الواجب في وقته المقدر له شرعاً ثانياً بعد سبق الأداء، وقد تكون الإعادة لنقص أو خلل أو لاحتياط محض.
-340- القضاء: هو فعلُ الواجب المؤقت بعد وقت الأداء استدراكاً لما سبق له وجوب مطلقاً. وعبر الناظم بقوله (وقد تمضَّى ظلُّه) إلى انقضاء وقته المقرر شرعاً.
(1/74)

/متن المنظومة/
وقُسِّمَ الواجِبُ في المِقْدارِ ... قسمانِ: محدودٌ كما الظِّهارُ
والثانِ لم يحدَّدِ البَشيرُ ... حداً لَهُ مثالُه التَّعْزيرُ
وقسَّمُوهُ باعتبارِ الفاعِلِ ... فالأَوَّلُ: العَيْنِيُّ.. لم يُساهِلِ
في فعلِهِ مِنْ خلقِهِ مُكلَّفَاً ... مثلُ الصِّيامِ والزَّكاةِ والوفَا
وواجِبُ الكفايَةِ الذِّي إذَا ... أتاهُ بعضُهم كفاهُمْ مِنْهُ ذَا
مثالُهُ رَدُّ السَّلامِ والجهادْ ... ........
-341 و 342- التقسيم الثاني للواجب بحسب تحديده وعدمه فهو قسمان:
الأول: الواجب الذي حدد له الشارع مقداراً معيناً، ومثاله: كفارة الظهار، فهي محددة لا يصح تغييرها. ومثل ركعات الصلاة وأنصبة الزكاة.
الثاني: الواجب غير المحدد، فالأمر فيه متروك لمن توجه الأمر إليه، ومثاله: التعزيز فهو عقوبة غير محددة، ترك الشارع أمر تقديره لولي الأمر.
-343 و 344- والتقسيم الثالث للواجب بحسب المكلف بفعل المأمور، وهو قسمان: واجب عيني، وواجب كفائي.
فالواجب العيني ما طلب الشارع فعله من كل فرد من أفراد المكلفين، وهو ما عبر عنه الناظم بقوله (لم يساهل) ، أي لم يتساهل في عقوبة من تركه من المكلفين، ومثال ذلك فرض الصيام والزكاة والوفاء بالوعود، فكلها فرائض عينية.
-345 و 346- والواجب الكفائي هو الذي طلبه الشارع من مجموع المكلفين، فإن قام به البعض سقط عن الباقين، وأورد من الأمثلة على ذلك رد السلام والجهاد
(1/74)

/متن المنظومة/
....... ... لكنَّه عينٌ إذا تُغَزَّى البلاَدُ
كَذَا إِذَا لم يُستَنَبْ سِوَاهُ ... عينٌ عليهِ ثابِتٌ أدَاهُ
وقسَّموهُ باعتبارِ ذَاتِهِ ... معيناً مخيراً في ذاتِهِ
فكلُّ ما طلبُهُ وعينَهْ ... معينٌ كردِّ غصبٍ كان لَهْ
ومنْهُ ما طلَبهُ وخَيرَّا ... فلَمْ يُعَيِّن عَينَهُ ويَسَّرا
كالحكمِ في كفارَةِ اليَمينِ ... كذاكَ في إطلاقِ أَسْرى الدينِ
-346 و 347- يبن الناظم أن فرض الكفاية يصبح فرض عين على كل قادر إن لم يوجد من يقوم به، فالجهاد يصبح فرض عين إذا تعرضت البلاد لغزو، وكذلك إذا أسند الإمام إلى مكلف ما فرض كفاية صار متعيناً عليه، وتحول إلى فرض عين ثابت عليه. وقوله أداه، أي أداءه وهو مقصور.
-348- والتقسيم الرابع للواجب بحسب نوع الفعل المطلوب، وهو نوعان: واجب معين وواجب مخير.
-349- فالواجب المعين: حدده الشارع بذاته ولم يأذن باستبداله بشيء آخر، كالصلاة والصيام فلا يجوز استبدال ذلك بقربة أخرى، ومثال ذلك أيضاً رد المغصوب، فالمطلوب رده بعينه دون قيمته.
-350 و 351- والواجبُ المخيَّرُ: ما طلب الشارع فعله من أمورٍ متعددة، وترك للمكلف الاختيار، فحيث أدى منها واحداً كفاه وأجزأه.
ومثال ذلك حكم كفارة اليمين، فالحانث مخير بين ثلاثة أشياء، قال تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة} سورة البقرة- 225 - ومثال آخر في تخيير الإمام لاتخاذ ما يراه بصدد أسرى المعركة بين المن وبين الفداء، قال تعالى: {فشدوا الوثاق فإمَّا منَّاً بعدُ وإما فداءً} سورة محمد، الآية 4
(1/74)

/متن المنظومة/
وكُلُّ ما لَيْسَ يَتِمُّ الواجِبُ ... إِلاَّ بهِ فإنُّهُ لواجِبُ
-352- وختم فصل الواجب بتقرير قاعدة أصولية هامة، تسمى قاعدة مقدمة الواجب، وهي: (كل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)
(1/74)

المندوب
(1/75)

/متن المنظومة/
ما طلبَ الشارعُ فعلَه بلا ... جزمِ فمندوباً تراه جُعلا
وقيلُ ما يحمَدُ فاعلٌ لَهُ ... ولا يُذَمُّ تارِكٌ أهمَلَهُ
ويستحقُّ الفاعِلُ الثَّوابَا ... وليسَ يلقَى التَّارِكُ العِقَابَا
ويَظْهَرْ المَنْدوبُ بالصَّريحِ ... كقولِهِ سَنَنْتُ في التَّرويحِ
كذاكَ في الطَّلَبِ غَيْر الجازم ... كآية الديون للتراحم
-353- تعريف المندوب: ما طلبَ الشارعُ فعله طلباً غيَر جازم، وهذا هو تعريف المصباح المنير، وعرَّفه البيضاوي بقوله:
-354 و 355- ونص تعريف البيضاوي: (هوما يحمد فاعله ولايذم تاركه)
-356- بدأ الناظم يعدد الأساليب التي تفيد الحكم بالندب، فذكر منها أربعة أساليب: الأسلوب الأول: التعبير الصريح بلفظ يندب أو يسن، كقوله - صلى الله عليه وسلم -في صوم رمضان (وسننت لكم قيامه)
-357- الأسلوب الثاني: الطلب غير الجازم، وذلك حين تقترن بأحد أساليب الأمر السابقة قرينة لفظية تصرفه عن الوجوب، كقوله تعالى بعد الأمر بكتابة الدين {فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي أوتمن أمانته} البقرة-283- وقوله بعد الأمر {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً} النور -33-
وأراد الناظم بقوله (للتراحم) التنبيه على رحمة الله عز وجل إذ لم يجعل الأمر بالكتابة أمراً لازماً.
(1/76)

/متن المنظومة/
وحيثُ لا ترتيبَ للعِقَابِ ... في الحكمِ كالرُّخْصَةِ في الصَّوابِ
وكل ما طلبَهُ تحبيباً ... مبيِّنا لفَضْلِهِ تَرغيباً
واعتبِرَ المنْدوبُ مأموراً بِهِ ... لِلشَّافِعي وأحمدٍ وصَحْبِهِ
وذاكَ حيثُ طاعةً يَدعُونَهْ ... وأَنَّهُ في الدِّين يِطْلُبونَهْ
ودلَّلُوا بقسمةِ الأمرِ إلى ... نَدْبٍ وإيجابٍ بذا الأَمْرُ جَلا
-358 الأسلوب الثالث: عدم ترتيب العقوبة على الفعل مع طلبه من الشارع.
ويظهر ذلك بالاستقراء. وقول الناظم: (كالرخصة) ، إشارة إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» رواه أحمد بن حنبل عن ابن عمر.
-359- الأسلوب الرابع: الأساليب العربية الأخرى التي تدل على التحبيب والترغيب بدون إلزام، كقوله - صلى الله عليه وسلم - (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) رواه الترمذي عن ابن عمرو.
-360- أشار الناظم إلى مسألة خلافية بين الجمهور والحنفية، وهي: هل المندوب مأمور به أم لا؟ ومع أن المسألة ليس إلا خلافاً لفظياً ولكن نورد هنا الحجج لكل من الطرفين. فقال الشافعي وأحمد إنه مأمور به واستدلوا لذلك بما يلي:
-361-362 استدل الشافعي وأحمد بما يلي:
-1- إن فعل المندوب يسمى طاعة، والطاعة لا تكون إلا بامتثال أمر.
-2- إن المندوب مطلوب ولكن لا يذم تاركه، أما الأمر فمطلوب أيضا ولكن لا يذم تاركه.
-3- إن الأمر ينقسم لغة إلى قسمين أمر إيجاب وأمر ندب.
وقوله (بذا الأمر جلا) إشارة إلى وضوح حجة الجمهور.
(1/76)

/متن المنظومة/
واختلف الأحناف في ذي المسئلة ... وجعلوا الأمر مجازاً فادعُ له
لوكان مأمورا به لكانا ... تاركه معاقباً مهاناً
وعللوا بسنة السواك ... وكونه في (افعل) حقيق زاكي
والندب أنواع ثلاث توجدُ ... مؤكد.. وغيره.. وزائدُ
أولها فاعله يثابُ ... ولا ينال التاركَ العقابُ
لكنه معاتبٌ ملومُ ... كسنة الفجر.. وذا مفهومُ
-363 و 364 و 365- أما الحنفية فقد اختاروا أن المندوب مأمور به على سبيل المجاز دون الحقيقة وقول الناظم (فادع له) إشارة إلى ما اختاروه من الأدلة ودعوا إليه وهي:
-1- إن تارك الأمر عاص باتفاق، وتارك المندوب لا يقال له عاصياً.
-2- استدلوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال «لولا أن أشفق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» فلو أمرهم لكان واجباً، وإنما تحفظ من الأمر خشية الوجوب. (رواه أحمد بن حنبل عن أبي هريرة) .
-3- الأمر حقيقة في لفظ (افعل) ويراد به الإيجاب، وما سوى ذلك تأويل، والتأويل بلا سبب لامسوغ له.
وعبر بقوله (حقيق زاكي) أن الوجوب في قولك افعل متحقق وزيادة.
ولاشك أن هذه المسألة لا تعدو كونها خلافاً لفظياً لا طائل تحته.
-366- بين أن المندوب على ثلاثة أصناف: مؤكد وغير مؤكد وزائد.
-367-368- فالمندوب المؤكد، أو السنة المؤكدة كما يشتهر لدى الأصوليين هي ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها ولكنه يعاتب ويلام، وهي السنن التي واظب النبي - صلى الله عليه وسلم -على فعلها ولم يتركها إلا نادراً، ومثال ذلك ركعتي الفجر قبل الفريضة.
(1/76)

/متن المنظومة/
والثانِ في إتيانه ثوابُ ... وليس في هجرانه عتابُ
وكلُّ ما قد كان فعل المصطفى ... ولم يشرَّعْ فهو برٌّ ووفا
يثابُ إن نوى به المتابعة ... كالنوم والمشي على المسارعة
ولم يكُ المندوبُ تكليفاً وما ... حكاه الاسفراني ليس ملزما
واختلفوا هَلْ يَلْزم الإتمامُ ... بعدَ الشُّروعِ فيه.. فالإِمامُ
الشَّافعيُّ قالَ لا ولا قَضَا ... لا إثْمَ في تركِ الذي نَدْباً مَضَى
وقالَ إنَّهُ أداءُ نافِلَهْ ... وليسَ إسقاطاً لواجبٍ فَمَهْ
-369- والصنف الثاني هو السنة غير المؤكدة، فاعلها يثاب وتاركها لا يعاقب ولا يلام، وهي السنن التي فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم -أحيانا ولم يواظب عليها.
-370-371- أخبر بأن ثمة أفعالاً للنبي صلى الله عليه وسلم لا تدخل في إطار التشريع، وهي صفاته الجبلّيّة كأكله ونومه ومشيه - صلى الله عليه وسلم -، فهذه تسمى (السنة الزائدة) وفاعلها يثاب إن قصد بذلك رضا الله عز وجل ومحبة النبي - صلى الله عليه وسلم -ومتابعته. وقول الناظم (والمشي على المسارعة) إشارة لحديث أنه - صلى الله عليه وسلم -إذا مشى كأنما ينحط من صبب.
-372- أشار الناظم إلى خلاف الأصوليين في مسألة فرعية وهي: هل الندب حكم تكليفي أم لا؟ فالجمهور على أنه ليس حكماً تكليفياً لأن المكلف يستطيع تركه بلا عقاب، ولكن نقل عن طائفة من العلماء على رأسهم أبو إسحق الاسفراييني أن المندوب حكم تكليفي.
-373374375 أشار إلى اختلافهم في مسألة إتمام المندوب بعد الشروع فيه على قولين:
الأول: قول الإمام الشافعي قال: لا يجب إتمامه، ولا قضاء على من تركه ولو بعد الشروع فيه، ولا إثم في ذلك، ويبقى الندب على حاله الذي مضى فيه.
وقال بأنه ليس إسقاطاً لواجب في الذمة بل نافلة وتطوع، وما على المحسنين من سبيل. وقوله (فمه) أي اكفف عن القول بذلك.
(1/76)

/متن المنظومة/
وقالَ إنَّ الصَّوْمَ كالإِنفاقِ ... أَعِدْ إذا شَرَعْتَ بالإنفاقِ
كذاكَ نصُّهم أميرُ نفسِهِ ... إنْ شاءَ صامَ أو يَشَأْ فلينتَهِ
وحُجَّةُ الأحنافِ قولُ ربِّنا ... لا تبطِلُوا أعمالَكُمْ في شَرْعِنا
وإنَّما المندوبُ حَقُّ ربِّنا ... فلنلتَزِمْ قضاءَهُ إنْ فاتَنا
واَنَّهمْ قاسُوهُ بالمَنْدُورِ ... وذاكَ وهْنٌ واضِحُ الظُّهورِ
-376-377 واستدل أيضاً بأن المرء إذا أخرج عشر دراهم فتصدق بواحد وردَّ تسعة لم يكن عليه حرج، فكذلك لو شرع في نافلة، فالصوم كالإنفاق.
واستدل أيضاً بحديث أم هانئ عن النبي - صلى الله عليه وسلم -أنه قال: «الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام، وإن شاء أفطر) أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد.
-378-379-380 القول الثاني في مسألة إتمام المندوب بعد الشروع فيه هو قول الحنفية ودليلهم:
-1 قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} سورة محمد 33
-2 المندوب بعد الشروع فيه حق الله عز وجل، وحق الله يجب الحفاظ عليه ولا يحل إهماله.
-3 النذر يجب إتمامه مع أنه قد يكون في الأصل مندوباً أو مباحاً، والنذر التزام قولي، فالشروع في المندوب التزام عملي فيجب إتمامه.
ثم أعرض الناظم عن هذا الرأي وقال هو قياس واهن لعدم استيفاء شروط القياس المعتبرة.
(1/76)

/متن المنظومة/
وظاهرٌ للأولينَ الغَلَبَةْ ... ونَصُّهم في البابِ أقْوى مَغْلَبَةْ
والنَّدبُ خادمٌ لما قَدْ وَجَبَا ... والندبُ بالكُلِّ وُجوباً صَحِبَا
-381 قرر الناظم أن الأولين دليلهم أقوى، لأن الحديث لديهم صحيح وهو نص في الباب، (الصائم أمير نفسه) .
-382 أشار إلى قاعدتين أصَّلهما الإمام الشاطبي:
الأولى: إن المندوب في جملته خادم للواجب يجيء تكميلاً له أو تذكيراً به.
الثانية: إن المندوب ولو كان مستحباً فقط من الأفراد، لكنه من الجماعة مطلوب وجوباً، فالأذان مع أنه نافلة، إذا تركه الناس كلهم أثموا. ...
(1/76)

الحرام
(1/77)

/متن المنظومة/
ما طلبَ الشَّارعُ تركَهُ على ... وجهٍ مِنَ الإلزامِ حِرمةً جَلا
وقيلَ ما يُذَمُّ شرعاً فاعِلُهْ ... وزيَد فيهِ ما يثابُ تارِكُهْ
ويثبتُ التحريمُ بالصريحِ ... كحرمةِ المَيْتِ عَدا المذْبُوحِ
وصيغَةُ النَّهْي (ولا تَجَسَّسُوا) ... وطلبُ اجتنابِه ك (اجتنِبُوا)
كذاكَ لفظُ لا يحلُّ فاعلمِ ... ك (لا يَحِلْ مالُ مرءٍ مُسلمِ)
كذاكَ ما ترتبَ العقابُ ... عليه، أي سيغضبُ الوهابُ
كغضبِ اللهِ ومقتِ اللهِ ... كذاكَ حربُ اللهِ لعنُ اللهِ
-383 و 384- الحرام: ما طلب الشارع تركه على وجه الحتم والإلزام، وفاعله يستحق العقاب. وزاد الشوكاني: ويمدح تاركه. فالتعريف كما ترى يشمل على طبيعته ومآله.
من 385 حتى 389 أشار إلى أن الأساليب التي يثبت بها التحريم ستة:
-1- أن يرد الخطاب صريحاً بلفظ التحريم، كقوله سبحانه {حرمت عليكم الميتة} سورة المائدة - 3 - وقوله (عدا المذبوح) إشارة إلى قول الله عز وجل في نفس الآية {إلا ما ذكيتم} أي إلا ما ذبحتم
-2- صيغة النهي إما بتصريح بلفظ نهى، كقوله تعالى: {وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} سورة النحل -90- وإما باستخدام (لا) الناهية كقوله سبحانه: {ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً} سورة الحجرات 12
-3- الأمر بالاجتناب والترك، كقوله تعالى في الخمر: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} سورة المائدة - 90 -
-4- صيغة لفظ (لا يحل) كقوله تعالى في المطلقة ثلاثاً {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} سورة البقرة-230-، ومثله قوله ص: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه»
-5- ترتيب العقوبة على الفعل، سواء دنيوية أو أخروية، كقوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها} سورة النساء 93
والألفاظ التي تشير إلى غضب الله كثيرة عد منها الناظم أربعاً: غضب الله، ومقت الله، وحرب الله، ولعنة الله.
(1/78)

/متن المنظومة/
وحكمُه وجوبُ تركِهِ على ... مكلفٍ، فإنْ أتاهُ خُذِلا
-390- أفاد أن المكلف مأمور بوجوب ترك الحرام لدى ثبوته، وأن من يأتي الحرام مخذول عند الله.
(1/78)

/متن المنظومة/
وجعَلُوا ما حُرِّمَ ابتداءً ... محرماً لذاتِهِ سَواءً
مَعْ نفسِهِ أو غيِرِه محرَّماً ... كالخمرِ والميسرِ أو شَربِ الدِّمَا
وكل ما شُرِعَ ثمَ حرِما ... فاحكُمْ بهِ لغيرهِ مُحَرَّمَا
كالصَّوم يومَ العيدِ والصَّلاة ... بِكُلِّ مَغْصُوبٍ كذَا الزَّكاة
واختلفوا في حُكْمِ عَقْدِهم على ... محرَّمٍ لغيرِه، فقيلَ: لا
فرقَ، ففاسِدٌ وباطلٌ وذَا ... للشَّافِعي بهِ الجميعُ أَخَذَا
وفَصَّلَ الأحْنافُ هذي المسألَةْ ... فجُعِلَتْ فاسدةً لا باطِلَة
-391 و 392- أخبر أن الأصوليين جعلوا الحرام نوعين:
الأول: محرم لذاته، وهو ما حرمه الشارع ابتداءً وأصالةً، كالخمر والزنا والميسر وشرب الدم.
-393- الثاني: محرم لغيره، وهو ما كان مشروعاً في أصله، ولكن اقترن به أمر آخر، تسبب في مفسدة وأذى، فصار حراماً.
-394- أورد الناظم أمثلة على المحرم لغيره، فالصوم مشروع في الأصل ولكنه محرم يوم العيد، والصلاة بالثوب المغصوب، والزكاة من المال المغصوب، كلها مشروعات في الأصل طرأ عليها ما يجعلها حراماً.
-395 و 396 و 397- أورد الناظم مذاهبهم في مسألة العقد على المحرم لغيره، وبالجملة فالعلماء على قولين:
الأول: العقد على محرم لغيره باطل لا يترتب عليه أي أثر، وهو كأن لم يكن، وهو مذهب الشافعية وعليه جمهور الأئمة.
الثاني: العقد على محرم لغيرِهِ فاسد لا باطل، يجب فسخه، ولكن إذا نفذ ترتبت آثاره عليه، مع ثبوتِ الإثم وهو قول الحنفية.
(1/78)

/متن المنظومة/
وغالبُ الحرامِ ما قد عُيِّنا ... كالخمرِ والقتلِ الحرامِ والزنا
وربما خُيِّر في تحريِمِهِ ... مثل طلاقِ البعضِ من حريمِهِ
كذاكَ في زواجِ الاختين معاً ... كذاك أمَّاً وابنةً أن يجمَعَا
وفي الوجوبِ يحرمُ النقيضُ ... وفي الحرامِ الواجبُ النقيضُ
-398- بين أن الحرامَ على نوعين: مُعَينٌ ومخيَّر.
فالمحرَّمُ المعين: نصَّ عليه الشارع بذاته كالخمر وقتل النفس والزنا.
-399- والمحرم المخير: أن يحرم الشارع أمراً من عدةِ أمور، فيؤمر المكلف بأن يترك بعضها، وأوضح الأمثلة على ذلك نكاح أكثر من أربع نسوة، فحينئذ يصبح الكلُّ حراماً حتى يجتنب منهن ما سوى المأذون به شرعاً وهو أربعة فقط.
-400- ومن الأمثلة على المحرَّمِ المخيَّرِ تحريم نكاح الأختين، فلا بد حينئذ من تطليق واحدة بلا تعيين وإلا صار الكلُّ حراماً، وكذلك نكاح الأم وابنتها.
-401- وحيث تعين وجوب الأمر صار نقيضُه حراماً، وحيثُ تعيَّن تحريمُ الشيء صار نقيضُه واجباً.
(1/78)

المكروه
(1/79)

/متن المنظومة/
ما طلبَ الشارعُ تركَهُ بلا ... جزم فذا المكروهُ شرعاً جُعِلا
وقيلَ ما يمدحُ تاركٌ لَهُ ... ولا يُذَمُّ فاعلٌ يفعلُه
ويثبتُ المكروهُ بالتَّصريحِ ... كأبغضِ الحلالِ في التسريحِ
وكلُّ ما طُلِبَ مِنْكَ تركُهُ ... ودلَّ أنَّما المرادُ كُرْهُه
-402 و 403- هناك تعريفان للمكروه:
الأول: هو ما طلب الشارع تركه طلباً غير جازم وهو تعريف المصباح المنير.
الثاني: هو ما يُمدح تاركه، ولا يذمُّ فاعله وهو تعريف الشوكاني
-404- أشار إلى أن الأساليب التي يثبت بها حكم الكراهة اثنين:
الإسلوب الأول: التصريح بلفظ الكراهة، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» رواه البخاري
وكذلك قوله ص: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» أخرجه أبو داوود. وقول الناظم (في التسريح) أراد به في الطلاق، أي الحديث الآنف الذكر.
-405- الأسلوب الثاني: أن ينهى الشارع عنه بواحدٍ من أساليب النهي المعتبرة، ثم تأتي قرينة تدل أن المراد الكراهة دون التحريم.
كقوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تسؤكم} سورة المائدة -101-، فقد جاء بعدها قول الله عز وجل:
{عفا الله عنها} ففهمنا أنه ليس المراد التحريم بل الكراهة.
(1/80)

/متن المنظومة/
كالبيعٍ عند ساعة الصلاةٍ ... وكالسؤالٍ عن أمورٍ تأتي
ويستحقُّ التاركُ الثَّوابا ... وليسَ يلقى الفاعلُ العَذابَا
والحقُّ في المكروهِ أنَّهُ نُهي ... عن فعلِهِ فالتركُ مأمورٌ به
والحقُّ أن ليسَ بهِ تكليفُ ... والاسفراني قالَ: بلْ تَكليفُ
وفرَّقَ الأحنافُ في المكروه: ... ذي حرمةٍ منه وذي تنزيه
ما طلبَ الشارعُ جازماً لَهُ ... تركاً. وذا بالظنِّ.. تحريما فَهُو
مثاله لبسُ الحريرِ والذهب ... فذلك المكروهُ تحريما وجَبْ
وكل ما طلبَ تركَه بلا ... جزمٍ.. فذا المكروهُ تنزيهاً جَلا
-406- أورد مثالين اثنين: الأول: قوله عز وجل في سورة الجمعة-9- {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} والثاني هو آية المائدة - 101 - وهي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}
-407- وتارك المكروه مثاب، وفاعله ليس عليه عقاب ولكنه ملوم ومعاتب، لأنه فارق سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي الحديث: «من رغب عن سنتي فليس مني» رواه ابن عساكر عن أبي أيوب.
-408- الجمهور على أن المكروه منهي عنه، وترك المكروه مأمور به، وفي المسألة خلاف فصلناه في باب المندوب بأدلة كل فريق.
-409- والجمهور على أن المكروه لا يعد حكماً تكليفياً، وخالف في ذلك الاسفراييني أبو اسحاق، فعده حكماً تكليفياً.
من 410 حتى 413- أشار إلى أن الحنفية جعلوا المكروه قسمين: المكروه تحريمياً، والمكروه تنزيهاً. فكل ما طلب الشارع تركه طلبا جازما بدليل ظني، فهو المكروه تحريماً، وأورد لذلك مثالا: النهي عن لبس الحرير والذهب للرجال، فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم -عنه، ففي حديث أبي داوود والنسائي عن علي بن أبي طالب أن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال: (إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم) ، فقد ثبت التحريم بدليل ظني، ومثله في ذلك تحريم بيع المسلم على المسلم، وخطبة الرجل على خطبة غيره.
وأما ما طلب تركه طلباً غير جازم، فهو المكروه تنزيهاً، وحكمه كحكم المكروه عن الجمهور كما أسلفنا.
(1/80)

/متن المنظومة/
والشافعية لهم تقسيمُ ... فحيث قد خصَّص ذا مفهومُ
وإن يكُ النهيُ بلا تخصيصِ ... خلاف أولى اجعلْه في التخصيص
-414-415 جعل بعض الشافعية المكروه على رتبتين:
الأولى: ما جاء دليل النهي فيه مخصوصا بوقت أو مكان معين، فهو مكروه كالنهي عن الصلاة في أعطان الإبل.
الثانية: ما جاء دليل النهي فيه غير مخصوص بوقت أو مكان معين، فهو: (خلاف الأولى) ، كإفطار المسافر في رمضان.
(1/80)

المباح
(1/81)

/متن المنظومة/
وكل ما قد خُيِّرَ المكلفُ ... في الفعلِ والتركِ مباحاً يعرفُ
وقيلَ ما لا يمدحُ المفارقُ ... له، ولا يذمُّ من يجانفُ
وحيث ما نصَّ به صريحاً ... كافعل إذا شئت فقد أُبيحا
كذاك حيث قال لا جناحا ... ونحوه (لا إثم) قد أباحا
والأمر إن ترد به قرينَةْ ... تبيحه كالأكل أو كالزينَةْ
-417 و 418- المباح هو ما خير المكلف بين فعله وتركه، وهو ما لا يمدح على فعله ولا على تركه.
وقوله: ولا يمدح المقارف، أي لا يمدح من يقترفه ويفعله.
وقوله: ولا يذم من يجانف، أراد به: لا يذم من يتركه ويبتعد عنه.
-418- وبعد أن أورد تعريف المباح، شرع يعدد الأساليب التي تفيد الإباحة:
الأسلوب الأول: النص الصريح على الإباحة والتخيير كقوله: افعلوا إن شئتم.
-419- الأسلوب الثاني: النص على عدم الإثم، كقوله: لا جناح عليكم، أولا إثم عليكم، كقوله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} سورة البقرة -229-
-420- الأسلوب الثالث: الأمر بالفعل مع القرينة الدالة على أن الأمر للإباحة، كقوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} في سورة الأعراف -31-
(1/82)

/متن المنظومة/
والأمر بعد حظرِهِ إن وَرَدا ... كالصيدِ بعد الحلِّ حيث قصدا
والنصُّ بالحلِّ صُراحاً مثلَما ... طعامُهم حلُّ لكم كذا الإِمَا
والأصل في الأشياء أن تباحا ... ما لم يرد نصٌّ بها صراحاً
-421- الأسلوب الرابع: الأمر بالفعل بعد حظر سابق، كما في أمره بالصيد في سورة المائدة -2- {وإذا حللتم فاصطادوا} فإنه أمر بالصيد، ولكن الأمر للإباحة وليس للوجوب، بدليل الحظر السابق في قوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} سورة المائدة -98- فأفادت الآيتان تحريم الصيد على المحرم، وإباحته لمن تحلل من إحرامه.
-422- الأسلوب الخامس: أن ينص صراحة على الإباحة، كقوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} سورة المائدة -4- وكذلك قوله في ذات الآية: {والمحصنات من الذي أوتوا الكتاب من قبلكم} معطوفا على قوله: أحل لكم الطيبات.
-423- الإسلوب السادس: الإباحة الأصلية للفعل، وهو في القضايا التي سكت الشارع العظيم عن بيان الحكم فيها، ولم يمكن معرفة مراده في بالكتاب أو السنة أو الاجماع أو القياس الجلي، فتكون المسألة مسكوتاً عنها، وقد فصل الله الحرام كله فقال: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم} سورة الأنعام، فبقي ما لم يفصله في المحرمات داخلاً في حكم المباح، واستناداً على ذلك قرر الأصوليون قاعدة كلية في الشريعة وهي: (الأصل في الأشياء الإباحة) .
(1/82)

/متن المنظومة/
وحكُمه لم يُطلبْ اجتنابُهْ ... منَّا ولم يَرِدْ كَذَا اقترابُهْ
وكلُّ ما قصدْتَهُ للهِ ... مِنَ المباحِ طاعةٌ للهِ
ولَمْ يكُنْ في الحقِّ مأموراً بهِ ... وخالف الكَعْبيُّ في ترتيبِهِ
أقسامه ثلاثة أولها ... لا ضر في إتيانها وتركها
كالأكلِ واللباسِ والثيابِ ... والصيدِ والصباغِ والشرابِ
والثانِ ما في أصله محرمُ ... وضرُّه محققٌ محتَّمُ
لكنه أُبيحَ للضرورَةْ ... وذاك في الأمثلةِ المشهورَةْ
والثالثُ المعفوُّ عنه دينا ... ما كان عند الجاهليِّ دينا
وربما تجتمعُ الأحكامُ ... في واحدٍ مثالُهُ الطعامُ
-424- والأصوليون متفقون على أن المباح لم يطلب فعله ولم يطلب تركه.
-425- أراد بأن المباح إن نوى به المرء مرضاة الله، أو التقوي على طاعته، صار ذلك طاعة يثاب عليها، وفي الحديث: «نية المؤمن خير من عمله» .
-426- والأصوليون متفقون تقريباً على أن المباح غير مأمور به، ولكن خالف في ذلك بعض المعتزلة، ومنهم الكعبي، فقال: بل هو مأمور به.
من 427 إلى 432- يقسم المباح إلى ثلاثة أقسام:
الأول: لا ضرر في فعلِهِ ولا في تركِه، كالأكل واللباس والشراب والصيد والصباغ وغيره من المباحات.
الثاني: ما كان في أصله حراماً محققَ الضرر، ولكن أباحه الله للضرورة، كأكل لحم الميتة والدم للمضطر.
الثالث: ما جاء الشرع بتحريمه وقد كان قبل الاسلام مما اعتاده الجاهليون، فهو عندئذ حرام أصلا، ولكن عفا عنه الشارع فأدرج في المباح تبعاً لا أصالة، لأن الاسلام يجبُّ ما قبله.
ثم أشار في البيت الأخير إلى أن الأحكام التكليفية الخمسة قد تتناوب في مسألة واحدة كالطعام فإنه يكون مباحاً في الأحوال العادية ولكنه يصير فرضاً إذا كان تركه يفضي إلى موت محقق، ويصير مكروهاً إن كان يفضي إلى مرض مظنون، ويكون مستحباً إن كان تركه يؤدي إلى إنهاك وإرهاق، ويصير حراماً إن كان يتسبب يقيناً في آفة أو مرض.
والأمر نفسه في الزواج والقتال وغيره من الأحكام.
(1/82)

الحكم الوضعي
(1/83)

/متن المنظومة/
تعريفه في اللغة الإيلادُ ... والتركُ والإسقاطُ إذ يرادُ
وهو اصطلاحا كلمات ربنا ... تعلقت بجعل شيء ما هنا
شرطاً لفعلٍ أوصحيحاً أو سببْ ... أو مانعاً أو فاسداً فليجتنِبْ
أو رخصةً في الشيء أو عزيمَةْ ... فسر على طريقتي القويمَةْ
-433- الوضع في اللغة يطلق على معان منها: الولادة والترك، والإسقاط، وذلك بحسب مراد المتكلم في مورد السياق.
-434 و 435 و 436- والحكم الوضعي في الاصطلاح: هو خطاب الله تعالى، المتعلق بجعل الشيء سبباً لفعل المكلف، أو شرطاً له، أو مانعاً، أو صحيحاً، أو فاسداً، أو رخصة، أو عزيمة.
فهو خطاب لا يتضمن توجيهاً مباشرا للمكلَّفين، بل هو توضيح لحكم تكليفي سابق، من جهة بيانِ سببه أو موانعه أو شروطه، أو بيان صحته أو فساده، وتحديد موقعه: رخصة أو عزيمة.
وقول الناظم: (كلمات ربنا) يراد بها خطاب الشارع: كتابا أو سنة.
وقوله: (فسر على طريقتي القويمة) توجيه لرجحان ما اختاره في تعريف الحكم الوضعي.
(1/84)

/متن المنظومة/
ويقسم الوضعيُّ في ارتباطِهِ ... بحكمِ تكليفٍ لخمسة به
الشرطُ والسببُ والعزيمة ... أو رخصةٌ سميحة كريمة
والرابعُ المانعُ والصحيحُ ... أو فاسدٌ أو باطلٌ صريحُ
-437 و 438 و 439- ويقسم الحكم الوضعي إلى خمسة أقسام وذلك بحسب الحكم التكليفي الذي يرتبط به: وهي الأول السبب، والثاني الشرط، والثالث المانع، والرابع كونه رخصة أو عزيمة، والخامس كونه صحيحا أو غير صحيح.
(1/84)

السبب
(1/85)

/متن المنظومة/
والسَّبَبُ الوصفُ الجليُّ المنضبطْ ... دلَّ لَهُ دليلُ سمعِ واشتُرِطْ
لَدى الدليلِ كونُه معرِّفاً ... للحكمِ وهو حكمُ شرعيٍّ كَفَى
وحينَما يوجَدُ فالمسبَّبُ ... لا بُدَّ موجود كما قد هذبوا
وحيثما يُعدَمُ فالمسبَّبُ ... لا بُدَّ مَعْدومٌ كما قَدْ كَتَبُوا
مثالُه أَنَّ الزِّنَا تَسَبَّبا ... في الحدِّ فالحدُّ به وجَبَا
أقسامُهُ من جهة الموضوعِ ... قسمانِ: فالوقتيُّ للجميعِ
مثالُهُ الظهرُ لدى الزوالِ ... ولصيام الشهرِ بالهلالِ
والمعنويْ مثالُهُ الإسكارُ ... سبَّبَ تحريماً كذا القمارُ
-440 و 441- تعريف السبب: هو الوصف الظاهر المنضبط الذي دل الدليل السمعي على كونه معرفا لحكم شرعي.
وهكذا فإن السبب حدث جعله الشارع علامة أكيدة على وجود الحكم، وقول الناظم (وكفى) إشارة إلى أن التعريف بألفاظه السالفة كاف محكم.
-442-443 أفاد بأن وجود السبب يستلزم حتما وجود المسبب، وانعدام السبب يستلزم حتماً انعدام المسبَّب. فيلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم.
-444 مثال ذلك أن حد الرجم متوقف على ثبوت الزنا فحيث ثبت الزنا وجب الحد وحيث انتفى الزنا انتفى الحد.
-445 و 446 و 447- ينقسمُ السببُ من حيث موضوعه إلى قسمين: وقتي ومعنوي.
فالوقتي: ما لا تبدو فيه حكمة باعثة ظاهرة، بل هو محض توقيت، كالزوال سببٌ في وجوب الظهر، والهلال سبب في وجوب الصيام.
والمعنوي: ما يستلزم حكمة باعثة في تعريفه للحكم الشرعي، ومثاله: الإسكار سبب في تحريم الخمر، والعقد على مجهول سبب في تحريم القمار.
وعليه فإنه يجوز القياس على المعنوي ولا يجوز القياس على الوقتي.
(1/86)

/متن المنظومة/
أقسامه من جهة المكلف ... قسمان فافهمها لدي تكتفي
أولها ملكْتَ فيه المقدرَةْ ... كالبيعِ والقتلِ فخُذْ للآخرَةْ
وربما يكون مأموراً بِهِ ... مثاله النكاحُ مأمورٌ بِهِ
وربما نهاكَ عنه الشارعُ ... كالسرقاتِ وكذاك القاطعُ
وربما يباحُ كالذبيحِ ... يحلُّ أكلُهُ على الصحيحِ
-448 و 449- ينقسم السبب من حيث قدرة المكلف على القيام به وعدمها إلى قسمين:
الأول: ما هو من فعل المكلف وهو مقدور له، كالبيع سبب لانتقال ملكية المبيع، وثبوت الثمن، والقتل العمد سبب لثبوت القصاص.
وقول الناظم (فخذ للآخرة) أراد به أن المرء مأمور أن يستعد للآخرة باجتنابه ما حرم الله، حيث التكاليف كلها مقدور عليها من قبل العباد.
-450 و 451 و 452- أراد أن السبب الذي يملك فيه المكلف المقدرة يكون على ثلاثة أحوال:
الأول: سببٌ مأمورٌ به شرعاً، كالنكاح يكون سببا في ثبوت الولد والتوارث. الثاني: سبب نهى عنه الشارع، كالسرقة سبب في وجوب الحد، وكذلك قطع الطريق سبب في ثبوت حد الحرابة، مع أن كلاً منها منهيٌّ عنه شرعاً.
الثالث: سبب أذن به الشارع إذن إباحة، كذبح الحيوان سبب في صحة أكله.
-453
(1/86)

/متن المنظومة/
والثان ليس في يديك المقدرةْ ... مثل الزوال في الصلاة الحاضرةْ
وإنما الأسبابُ مقصوداتُ ... لغيرها.. أي المسبَّبَاتُ
والسببُ المشروعُ ما أدى إلى ... مصلحةٍ وإن يكن فيه بلا
مثاله الجهادُ في الفيافي ... فربَّما أدى إلى إتلافِ
وغير مشروع كما أدى إلى ... مفسدةٍ مثل تبنِّي من خلا
- القسم الثاني: قسم ليس من فعل المكلفين، بل هو محض وضع إلهي، كالموت سبب لنقل الملكية، والزوال سبب لوجوب الظهر، والحيض سبب لإسقاط الصلاة والصوم.
-454- أشار إلى أن الأسباب ليست مقصودة لذاتها، بل يراد منها إيضاح أحكام المسببات.
-455 و 456 و 457- التقسيم الثالث للسبب، بحسب المشروعية وعدمها، وهو قسمان:
-1- سبب مشروع: وهوما أدى إلى مصلحة في نظر الشارع، وإن اقترنت به بعض المفاسد فهي عارضة، كالجهاد سبب لنشر الدعوة وهي مصلحة حقيقية للناس ولو أن البعض يراها سبباً تزهق به الأنفس. وقوله: (فيه بلا) أي بلاء.
-2- سبب غير مشروع: وهو ما أدى إلى مفسدة في نظر الشارع، وإن اقترنت به بعض المنافع العاجلة، كالتبني فإنه سبب غير مشروع لا تترتب آثاره عليه شرعاً، وهو وإن بدا مفيداً لبعض اليتامى، ولكنه مؤذ للمجتمع لما ينشأ عنه من ضياع الأنساب وتفرق العوائل.
وقوله (تبنّي من خلا) أشار إلى عادة الأمم الخالية في إقرار التبني.
(1/86)

/متن المنظومة/
ويقسم السببُ في تأثيرِهِ ... في الحكمِ قسمين على تحريرِهِ
مؤثّرٌ وذاك يدعى العلَّةْ ... كالسكرِ في التحريمِ فهو العلَّةْ
وغير ما أثَّر وهو الذي ... كالوقتِ ليس علةً لحكمِ ذي
وباعتبار نوعِ ما تسبَّبا ... فإنه قسمان فامْح الريبا
أولها لحكم تكليف ظهَرْ ... مثاله الصوم إذا هلَّ القمَرْ
والثانِ للحلِّ أو الملكيّة ... كالعتقِ والبيعِ كذا الزوجيَّة
-458 و 489 و 460- التقسيم الرابع للسب اعتبار تأثيره في الحكم وعدمه، وهو نوعان:
-1- السبب المؤثر في الحكم، وهو ما يسميه الأصوليون: العلة، وهو ما يكون بينه وبين الحكم مناسبة يدركها العقل، ويمكن القياس عليها، كالسُّكْر سبب تحريم الخمرة- أي علته-.
-2- السبب غير المؤثر في الحكم، وهو الذي لا يكون بينه وبين الحكم مناسبة يدركها العقل، ولا يصلح القياس عليه.
-461 و 462 و 463- التقسيم الخامس للسبب اعتبار نوع المسبَّب، وهو نوعان:
-1- سبب لحكم تكليفي: كالوقت للصلاة والهلال للصيام.
-2- سبب إثبات أو إلغاء ملك أو حل: كالعتق سبب لإزالة الملكية، والزواج سبب ينتج عنه تحليل المعاشرة، والبيع سبب لإثبات ملك أو إلغائه.
(1/86)

/متن المنظومة/
وباعتبار مصدر العلاقَةْ ... بينهما أقسامُهُ ثلاثَةْ
أولها الشرعي وهو ما زكى ... من حكم شرعٍ كالصلاة والزكَا
وبعدها العقليُّ وهو ما نَتَجْ ... عن حكمِ عقلٍ كالنقيضِ في المحَجْ
والثالث العادي وهو ما جرى ... عرفٌ به أو عادةٌ بلا مرا
ولازم عند وجود السببِ ... حتماً له الوجود للمسبَّبِ
ولازمٌ عند انعدام السببِ ... حتماً له الزوال للمسبَّبِ
من 464 حتى 467- التقسيم السادس للسبب وهو تقسيم فلسفي محض، وهو بحسب مصدر الرابطة والعلاقة بينه وبين المسبَّب، وهو ثلاثة أقسام:
-1- سبب شرعي: وهو ما تقرر بناء على حكم شرعي، كالنصاب سبب لوجوب الزكاة، والوقت سبب لوجوب الصلاة.
-2- سبب عقلي: وهو ما تقرر بناء على حكم عقلي، كالقول بأن الليل سبب في انعدام النهار، وأن النقيض سبب في بطلان نقيضه، وأراد بقوله (في المحج) أي في المحاججة والمناظرة.
-3- سبب عادي: وهو ما تقرر بناء على عرف وعادة، كما لو قيل: الذبح سبب في الموت.
وأشار بقوله: (بلا مرا) إلى أن العادة يجب أن تكون غالبة بلا امتراء أو قيود.
-468 و 469- المعنى أنه يلزم من وجود السبب وجود المسبَّب، ومن عدمه عدمه، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في البيتين: 442-443 فلينظر. ...
(1/86)

الشرط
(1/87)

/متن المنظومة/
والشرط ما الوقوف بالوجودِ ... للحكم شرعاً منه للوجودِ
وكان عنه خارجاً ويلزمُ ... من عدمِ الشرط لحكمٍ عدمُ
وإنه كالركن إلا أنهُ ... مختلفُ فافهمه وافهم فَنَّهُ
فالشرطُ جاءَ خارجَ الماهيَّةْ ... والركنُ جاءَ داخلَ الماهيَّةْ
ويلزمُ العدمُ من عدمِهِ ... كذلك السببُ في عدمِهِ
-470 و 471- الشرط في الاصطلاح: هو ما يتوقف وجود الحكم وجوداً شرعياً على وجوده، ويكون خارجاً عن حقيقته، ويلزم من عدمه عدم الحكم.
وأراد بقوله (وجوداً شرعياً) أن الحكم الشرعي لا ينعقد شرعاً إلا باستيفاء شرائطه، فالزواج يتم بغير شاهدين، ولكنه لا ينعقد شرعا بغير شاهدين.
-472 و 473- الركن والشرط حكمهما واحد من حيث أن الحكم لا يصح إلا بهما، ويتوقف وجوده الشرعي على وجودهما.
ولكن يختلفان في أن الشرط يكون خارج الماهية، فيما يكون الركن داخلها ومثال الشرط الوضوء للصلاة، ومثال الركن: الركوع في الصلاة.
-474- والشرط كالسبب في حال العدم، فيلزم من عدمه انعدام الحكم.
(1/88)

/متن المنظومة/
أما إذا وجدَ شرط لم يَجِبْ ... وجودُ حكم. فتعلَّمْ واستطِبْ
ويقسَمُ الشرطُ لدى ارتباطِهِ ... بسببٍ نوعين في احتياطِهِ
فحيث جاءَ مكملاً للسببِ ... فالحولُ مكملُ النصابِ فانجبِ
وقد يجيءُ مكملُ المسببِ ... كالستر مكملاً بلوغاً للصبي
وباعتبار جهة اشتراطِهِ ... نوعان. فالشرعي لارتباطِهِ
بالشارعِ العليِ كالأحكامِ ... وسائر الحدود والصيامِ
-475- ولكن في حال وجوده فإنه يختلف عن السبب، فبينما يجب وجود المسبب عند وجود السبب، فإنه لا يجب وجود الحكم عند وجود الشرط.
وقوله (فتعلَّمْ واستطِب) أراد به توجيه طالب العلم إلى الفارق الدقيق بين الشرط والسبب فيجب تعلمه لتطيب بذلك نفسه.
-476 و 477 و 478- التقسيم الأول للشرط باعتبار ارتباطه بالسبب والمسبب:
-1- الشرط المكمل للسبب: كالحول شرط لا بد منه ليكمل السبب وهو النصاب إذ لا يثبت وجوب الزكاة إلا بالنصاب ولا يثبت النصاب إلا بحولان الحول.
والحق أن السبب ينطبق تماماً على (مجموعة الشروط الصحيحة) . وقوله: (فانجب) توجيه لطالب العلم لبلوغ النجابة في تحصيل العلم.
-2- الشرط المكمل للمسبَّب: كالطهارة وستر العورة مكملان للصلاة التي وجبت بسبب بلوغ الصبي، فهي تجب عليه، سَتَرَ العورة أو لم يستر، ولكن لا تكمل صلاته إلا بستر العورة.
-479 و 480- التقسيم الثاني للشرط من حيث جهة اشتراطه وهو على نوعين: الشرط الشرعي: وهوما اشترطه الشارع الحكيم كاشتراط القصد لثبوت القصاص، واشتراط الولي لصحة النكاح، واشتراط القدرة لوجوب الصيام.
(1/88)

/متن المنظومة/
وبعده الجَعْليّ وهو ما اشتُرِطْ ... من المكلف الذي له اشتُرِطْ
كالمهرِ في تقديمِهِ في فعلِهِ ... والبيع في استلامه ونقلِهِ
وشرطه إن جاء أن يوافقا ... للشرعِ مثلَ البيع حيث أطلقا
وباعتبار نوع ما يربطه ... بكل مشروط ثلاث عَدُّه
أولها الشرعيُّ كالوضوءِ ... شرط الصلاة بعد ما طروءِ
وبعده العقليُّ من عقولنا ... نتاجُهُ كالفهمِ في تكليفنا
ثالثها العاديُّ وهو ما نَتَجْ ... عن عادة كالنارِ تكوي من وَلَجْ
-481 و 482 و 483- الشرط الجعلي: وهو ما اشترطه المكلف، كما لو اشترطت المرأة تقديم المهر كله، أو لو اشترط البائع تسليم المبلغ في مكان ما، وتكاليف نقله على المشتري وأمثال ذلك.
ويشترط في الشرط الجعلي أن لا يكون منافياً لما قرره الشارع، كما لو باعه شيئا وشرط عليه قيداً في إطلاق ملكيته عليه.
من 484 حتى 487- التقسيم الثالث للشرط بحسب إدراك الرابطة بينه وبين المشروط إلى ثلاثة أنواع:
-1- الشرط الشرعي: وهوما نتج عن حكم الشرع كالوضوء للصلاة، وقوله: (بعدما طروء) إشارة إلى طروء الحدث الناقض للوضوء.
-2- الشرط العقلي: وهوما نتج عن حكم العقل، كاشتراط الفهم لثبوت التكليف، فهولم يدل عليه دليل شرعي ولكنه واضح بحكم العقل.
-3- الشرط العادي: وهو ما نتج عن العادة والعرف، كقولك: دخول النار شرط في الإحراق، وأضاف بعضهم نوعاً رابعاً، وهو الشرط اللغوي، وهو ما نتج عن دلالة اللغة.
(1/88)

/متن المنظومة/
فهل يُرى تكليفُهُ بالحكمِ ... مع فقده لشرطِهِ؟ خلفٌ نُمِيْ
مثاله هل خوطبَ الكفارُ ... بالفرعِ من تشريعِنا.. فاحتاروا
فقيل بالصحة للتكليفِ ... والشرط لم يحصل بلا تخفيفِ
قاسوه بالجنبِ في تكليفِهِ ... بكل فرضٍ.. ثم في تعنيفِهِ
في الذكر للكفار عند تركهم ... أمْرَ الصلاةِ رغم حالِ كفرهِمِ
-488 و 489- أورد الناظم مسألة أصولية فرعية اشتهرت بين الأصوليين وهي: هل يصح التكليف مع فقدان شرطه؟ وشرطه هو الإيمان، وعبارتهم في ذلك: هل الكافر مخاطب بفروع الشريعة.
فأشار بأن الخلف في هذه المسألة نُمي، أي شاع واشتهر، وأشار بأن الأصوليين احتاروا في ذلك، وانقسمت آراؤهم في المسألة إلى مذهبين.
-490 و 491 و 492- القول الأول: ذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية إلى أن الكفار مخاطبون بالتكليف ولو لم يحصل شرط الإيمان، فلا يخفف عنهم التكليف بفروع الشريعة بحجة عدم إيمانهم، واستدلوا لذلك بالقياس على الجنب فهو مطالب بالفرائض، رغم أنه فاقد لشرط الطهارة الذي لا تصح الصلاة إلا به، واستدلوا كذلك بأن الله عنَّفَ الكفار في الذكر - أي في القرآن الكريم- لتركهم الصلاة رغم كفرهم، وذلك في قوله: {ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين} المدثر-42- والآيات في ذلك كثيرة ظاهرة.
(1/88)

/متن المنظومة/
وخالف الأحناف في اشتراطهم ... لسائر الكفار إيماناً لهم
وما رآه الأولون أرجحُ ... دليلهم منمّقٌ موضَّحُ
-493- والقول الثاني في المسألة هو مذهب الحنفية إذ قالوا إن الإيمان شرط في سائر التكاليف، ودليلهم في ذلك أن الكافر إذا أسلم لا يطالب بقضاء الصلاة لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وذلك دليل على أنه لم يكن مكلفاً بها.
-494- ورجح الناظم رأي الأولين، ووصف دليلهم بأنه منمق - أي ظاهر الجمال- موضح، ودفع استدلالهم بذات الحديث، فقوله ص: «الإسلام يجب ما كان قبله» رواه ابن سعد عن الزبير، يدل على أنهم كانوا مطالبين بالتكاليف أصلا ثم خفف ذلك عنهم بدخولهم في الإسلام.
والمسألة كما ترى محض خلاف لفظي لا طائل تحته.
(1/88)

المانع
(1/89)

/متن المنظومة/
والمانعُ الوصفُ الجليُّ المنضبِطْ ... كالقتلِ في الميراثِ حيثُ يختلِطْ
ويلزمُ العدمُ من وجودِهِ ... أفتِ به لكلِّ مستفيدِهِ
ولم يجبْ من عدمٍ له عَدَمْ ... ولا وجودٌ.. فتعلم لا تُنَمْ
ويقسم المانع في تأثيرِهِ ... عليهما قسمين في تحريرِهِ
أولها لحكمة النقيضِ ... كالترك للصلاة في المحيضِ
-495 و 496 و 497- المانع في الاصطلاح هو الوصف الظاهر المنضبط، الذي يستلزم وجوده عدم الحكم أو عدم السبب، فيلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم.
وقول الناظم (كالقتل في الميراث حيث يختلط) أرادأن الوارث يستحق الإرث ولكن إن تورط في قتل مورثه، فإنه يمنع من ميراثه، إذ اختلط المانع بالحكم فحال دونه.
وقوله (أفتِ به لكل مستفيده) إشارة إلى إجماعهم على تعريف المانع بما سلف، وعليه الفتوى.
-498- وينقسم المانع من جهة تأثيره على الحكم والسبب إلى نوعين كما حرره العلماء.
-499- القسم الأول: مانعٌ للحكم لكونه مناقضاً له.
القسم الثاني: مانعٌ للحكم لكونه مخلاً به.
فالأول على ثلاثة أنواع:
(1/90)

/متن المنظومة/
فربما اجتمع بالتكليفِ ... مثل المثال السابق الظريفِ
وربما لم يجتمع به كما ... في النوم والجنون.. فابقَ مسلما
وربما ينقلبُ اللزومُ ... مخيَّراً.. مثالُهُ السقيمُ
والثان ما أخل حكمةَ السببْ ... فالدينُ في الزكاةِ أبطلَ السببْ
والحنفيُّ قسَّمَ الموانعا ... لخمسةٍ فكن لديَّ سامعا
-500 _ الأول: المانع الذي يجتمع مع أهلية التكليف، كالحيض يطرأ على المكلفةِ شرعاً فيرفع عنها التكليف الموجه إليها في الصلاة والصوم خصوصا. مع بقاء التكليف عليها في سوى ذلك.
-501 _ الثاني: المانع الذي لا يجتمع مع الحكم التكليفي، بل يرفع التكليف كله حين يطرأ، كالنوم والجنون والإغماء.
وأراد بقوله (فابقَ مسلما) أن يستديم المؤمن في تمسكه بالإسلام حتى يلقى الله على التوحيد.
-502- الثالث: المانع الذي يطرأ فلا يرفع التكليف، بل يرفع اللزوم عنه إلى تخيير، كالمرض فإنه يرفع وجوب صلاة الجمعة، فيكون أداؤها حينئذ على سبيل التخيير بينها وبين فرض الظهر.
-503- القسم الثاني من أقسام المانع من حيث تأثيره على السبب والشرط هو: المانع الذي يمنع الحكمَ لحكمةٍ تخلُّ بحكمةِ السبب. مثاله الدَّين على مالك النصاب، فهو بملكه للنصاب أحرزَ السبب الموجز للزكاة، ولكن بوجود الدَّين عليه وُجِدَ المانع الذي يحول دون ثبوتِ وجوبِ أداء الزكاة عليه.
-504- أخبر أن الحنفيةَ لهم تقسيمُ خاص للموانع فيجعلونها خمسة أقسام:
(1/90)

/متن المنظومة/
ما يمنع انعقادَ أيِّ سببِ ... كبيعِ حرٍّ أو كإفتاءِ الصبي
والثانِ ما يمنعُ من تمامِهِ ... كبيعِ ذي الفضولِ غيرَ مالِهِ
ثالثها يمنعُ بدءَ الحكمِ ... مثلَ خيارِ الشرطِ للمسلَّمِ
رابعُها يمنعُ من تمامِهِ ... مثلَ خيارِ العينِ في إلمامِهِ
والخامسُ المانع من لزومِهِ ... مثل خيارِ العيبِ في لزومِهِ
-505- الأول: يمنع انعقاد السبب أصلا، كبيع الحر، فالحرية مانع من انتقال التملك عن طريق البيع، إذ هي مانعة للبيع أصلاً.
-506- الثاني: يمنع تمام السبب في حق غير العاقد، كبيع الفضولي، فالمالك هنا مخير بين إتمام العقد أو إبطاله مع أن العقد قد تم في حق العاقد.
-507- الثالث: ما يمنعُ ابتداءَ الحكمِ، كخيارِ الشرط للبائع، فالعقد منعقد في حقِّهما، ولكن انتقال الملكية ممنوع بسبب الخيارِ المشترط.
-508- الرابع: يمنع تمام الحكم، كخيار الرؤية، فالعقد منعقد في حقهما، وانتقال الملكية صار معتبراً لكنه غير تام، ويحق لصاحب الخيار أن يفسخ العقد بإرادته، لدى إلمامه: أي لدى اطلاعه على خفايا وصف المنيع.
-509- الخامس: يمنعُ من لزومِ الحكم، كخيارِ العيب، فالعقد منعقدٌ في حقِّهما، وقد انعقد تاماً، لكنه غير نافذ، إذ يحقُّ للمشتري فسخُ العقد بعد تمامه بخيار العيب.
(1/90)

الصحيح وغير الصحيح
(1/91)

/متن المنظومة/
وعرفوا الصحيحَ دونَ ريبَةْ ... ترتُّبُ الثمرةِ المطلوبَةْ
شرعاً عليهِ منه أي ترتبتْ ... آثارُهُ كامِلَةً وأوجبتْ
وغيره ما لم ترتَّبْ بعدَهُ ... آثارُهُ فافهمْ لهذا عنَدهُ
فما مضى يقال عنه الباطل ... لكلِّهم.. والحنفي قائل
يغايرُ الفسادُ بطلاناً، ولم ... يميزِ الجمهورُ في تعريفِهِمْ
-510 و 511- النوع الرابع من أنواع الحكم الوضعي هو الصحيح وغير الصحيح.
فالحكم الصحيح هو: حكم ترتبت ثمرته المطلوبة منه شرعا عليه، فإذا حصل السبب، وتوفرت الشروط، وانتقى المانع ترتبت الآثار الشرعية على الفعل.
-512- وأما غير الصحيح فهو الذي لا تترتب عليه آثاره الشرعية، ويكون غير صحيح إذا انتقى سبب أو شرط، أو وجد مانع.
-513-514- الجمهور على أن غير الصحيح نوع واحد، فلا فرق عندهم بين الباطل والفاسد، ولكن الحنفية جعلوا الفاسد غير الباطل، فقالوا: الباطل هو الذي لم يشرع بأصله ولا بوصفه، وأما الفاسد فهو الذي شرع بأصله لا بوصفه، ومثال الباطل بيع المجنون، ومثال الفاسد بيع الربا. ...
(1/92)

العزيمة والرخصة
(1/93)

/متن المنظومة/
في الأصلِ ما شرعَ للأنامِ ... جميعِهم بدءاً من الأحكامِ
فإنه عزيمةٌ مبيَّنَةْ ... وما سواه رخصَةٌ معيَّنَةْ
وطالما لم يطرأِ الترخيصُ ... عليه فهو الأصلُ والتنصيصُ
وفي العزيمة من الأنواعِ ... أربعةٌ تظهر باطِّلاعِ
فالأول الغالب وهو ما شُرِعْ ... من أول الأمر لكل متَّبِعْ
والثان ما شرع للطَّوارئِ ... كالنهيِ عن سبِّ أولي التناوءِ
-515 و 516 و 517- العزيمة والرخصة من أقسام الحكم الوضعي، وعلى هذا الرأي كبار الأصوليين كالغزاليِّ والآمديِّ والشاطبي.
وتعريف العزيمة: ما شرعه الله عز وجل ابتداء لعامة عباده من الأحكام.
وعرفها البعض: الحكم الثابت الذي خولف لعذر.
وعليه فإن الأصل في الأحكام العزائم، ثم قد يطرأ عليها ما يجعلها رخصة لعذر ما.
-518- ويدخل في العزيمة أربعة أنواع:
-519- الأول: ما شرع ابتداءً لصالح المكلفين عامة، وهو يشمل غالب الأحكام الشرعية
-520- الثاني: ما شرعَ لطارئٍ ما، خلافاً للأصل، كالنهي عن سب الأوثان والمشركين في قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم} سورة الأنعام-108-، وعبر الناظم عنهم بقوله: (أولي التناوء) أي العداوة. فها هنا حكم لم يشرع ابتداء، وإنما شرع لسبب طارئ، ولكنه لا يخرج عن كونه عزيمة.
(1/94)

/متن المنظومة/
والثالثُ النَّاسخُ للَّذي سَبَقْ ... فالنَّاسِخُ العزمُ..على هذا اتَفَق
رابِعُها استثني مِمَّا قَدْ حُكِمْ ... كقولِهِ لدى الزَّواجِ ما عُلِمْ
(والمحصناتُ مِنَ نِساءٍ إلاَّ ... ما ملكَتْ أيمانُكم) أَحَلاَّ
والرُّخْصةُ الحكْمُ الذي أثبتَّهُ ... خلاف أصلٍ لدليلٍ سُقْتَهُ
سبَّبَهُ عذرٌ مبيحٌ كالَّذي ... أتاهُ عمَّارُ بنُ ياسِرَ فذِيْ
وتشَملُ الأحكامَ كُلَّها سِوَىْ ... حكمَ المحرَّماتِ فاترُكِ الهَوَىْ
-521 الثالث: الحكم الناسخ لحكم سابق، فهو لم ينزل ابتداء، ومع ذلك فهو عزيمة.
-522-523- الرابع: الاستثناء الوارد في حكم سابق، كما في قوله سبحانه: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ... والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} النساء 23 فإباحة التزوج بما ملكت أيمانكم عزيمة، وإن تكن لم تنزل ابتداء.
-524-525- تعريف الرخصة: (الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر) .
وأورد الناظم مثالاً لذلك حديث عمار بن ياسر، حيث عذبه المشركون، فلم يكفوا عنه حتى نال من النبي - صلى الله عليه وسلم -وذكر آلهتهم بخير، فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -مذعوراً فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مالك؟» قال: هلكت يا رسول الله، ما تركني المشركون حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كيف تجد قلبك؟» قال: أجده مطمئناً يا رسول الله. قال: «فإن عادوا فعد..»
-526- وتدخل الرخصة في سائر الأحكام التكليفية سوى الحرام، فتدخل في الواجب والمندوب والمباح والمكروه.
(1/94)

/متن المنظومة/
فالواجبُ الأكلُ لِمَنْ يُضْطَرُّ ... لميتةٍ بذاكَ قَد أقَرُّوا
والنَّدبُ كالقصرِ لمن يُسافِرُ ... ثمَّ المُباحُ والطبيبُ ناظِرُ
والرابعُ المكروهُ كالنُّطْقِ بِما ... يكْفُر فيهِ ظاهِراً إنْ أُرْغِما
وتُجْعَلُ الرُّخصةُ أنواعاً على ... أَرْبعةٍ فافهَمْ لما قد أُجْمِلا
أوَّلُها ما أسْقَطَ التكليفا ... عن العِبادِ ثُمَّ لَمْ يَحيفا
عنْ كونِه في أصلهِ محرَّما ... كالأكْلِ للميتَةِ إن تحتَّما
ورجَّحوا الأّخْذَ بها إلاَّ إذا ... أُرغِمَ أنْ يكفُرَ فليقْتَل إِذاً
-527- مثال الواجب في الرخصة الأكل من الميتة لمن يضطر، فهو واجب عليه، ولو أن جائعاً في برية لم يكن حوله إلا لحم ميتة فتركه حتى هلك، مات آثماً، لتركه الرخصة الواجبة.
-528- مثال المندوب في الرخصة قصر الصلاة للمسافر، وهو مذهب الشافعية، واختار الحنفية الوجوب في رخصة القصر.
مثال المباح في الرخصة نظر الطبيب إلى العورة فهي مأذون بها شرعاً ولكن على سبيل الإباحة لا الندب ولا الإيجاب.
-529- مثال المكروه في الرخصة النطق بكلمة الكفر حال الإكراه، فهي رخصة مأذون بها شرعاً، ولكن الأحب إلى الله الصبر على الإكراه، وعدم النطق بكلمة الكفر.
-530- والرخصة على أربعة أنواع
-531-532-533- الأول من أنواع الرخصة: ما سقطت فيها المؤاخذة عن العباد لأعذارهم مع بقائها حراماً في الأصل، كالأكل الميتة للمضطر، والنطق بكلمة الكفر للمكره.
وهذا النوع من الرخص يستحب الأخذ فيه واستثنوا منه حالة واحدة وهي حالة الإكراه على الكفر فقد تقرر أن الصبر أفضل.
(1/94)

/متن المنظومة/
والثانِ ما جَعَلَهُ مُباحاً ... مع قيامِ سَبَبٍ صُراحاً
معَ التَّراخي موجبٌ لحكمِهِ ... كالفِطْر في سفرِهِ في يومِهِ
فها هُنا العزيمةُ المُفَضَّلَهْ ... إلاَّ إذا عمَّا يُهِمُّ أشْغَلَهْ
والثالثُ المَنْسُوخُ مِنْ شرعِ الألى ... فهو مجازاً رخصةٌ قَدْ جُعِلا
ولا يجوزُ فِعْلُها تشْرِيعَاً ... فكُنْ لما أذكُرهُ سَمِيْعَاً
واعتبَرَ الأحنافُ حكْمَ القَصْرِ ... مجازَ رخصةٍ فذاكَ فانْظُرِ
ولا يجوزُ عندَهُمْ أَنْ تُكْمِلا ... فالرُّخْصَةُ التي بها تَنَزَّلا
-534-535-536- الثاني من أنواع الرخصة هو الرخصة التي تجعل الفعل في حكم المباح خلال فترة العذر الطارئ، ولكن الحكم باقٍ متراخٍ لحين زوال العذر، كالإفطار في السفر، فقد شرع الإفطار للعذر مع بقاء الحكم وهو الصيام مؤجلاً لحين زوال العذر، وفي هذه الحالة فالعزيمة أفضل إلا إن كان ينال المكلف بها حرج أو ضيق.
-537-538- النوع الثالث من أنواع الرخصة: ما جاء رافعاً لمشقة كانت حكماً مقرراً في شريعة سابقة، كنسخ قص موضع النجاسة كما كان مشروعاً لدى بني إسرائيل، وهذه تسمى رخصة مجازاً، ولا يجوز الأخذ بالأصل المنسوخ لأنه ليس من شريعتنا.
-539-540- أضاف الحنفية نوعاً رابعاً للرخصة وهو: ما سقط عن العباد بإخراج سببه، ومثَّلوا لذلك بقصر الصلاة للمسافر، فالعزيمة عندهم هنا لا يجوز فعلها وهي إتمام الصلاة في السفر، لأن الرخصة هنا حكم مبتدئ ثبت بالنص بعد زوال السبب الموجب للإتمام وهو الإقامة.
ويطلق الحنفية عليها تخلصاً: رخصة إسقاط.
(1/94)

/متن المنظومة/
واختلَفوا أَيُّهما يُفَضَّلُ ... والشَّاطبِي لَخَّصَ ما تَوَصَّلُوا
فقالَ فِيمَنْ رجَّحُوا العَزيمَةْ ... دليلُهُمْ حقاً عظيمُ القيمَةْ
فأَوَّلاً ثبوتُها بالقَطْعِ ... وتثبتُ الرخصةُ فيها فاسمَعِ
وثانياً عمومُها إِطلاقاً ... والرخصُ عارِضٌ بها اتِّفاقَاً
وأمرُهُ بالصَّبْرِ مثلُ أمرِهِ ... بِها كما النَّبِيُّ عندَ صَبْرِهِ
وأخذُها يَقضي على الذَّرَائِعِ ... وتَرْكُها يُفْضِي إلى التَّمَايُعِ
والأَصْلُ في الشَّرائِعِ التكليفُ ... لا الهونُ والإِسفافُ والتَّخْفيفُ
-541- اختلف الأصوليون في تفضيل الرخصة والعزيمة، وقد أجمل الشاطبي كلاً من المذهبين وأورد الأدلة عليه.
-542-543- أورد الشاطبي أولاً أدلة ترجيح العزيمة فقال:
-1 العزيمة ثابتة قطعاً وبسبب قطعي، أما الرخصة فإنها وإن ثبتت بدليل قطعي ولكن سببها مظنون غير منضبط وهو المشقة.
-544- 2 العزيمة حكم عام في الناس، والرخصة جواز طارئ، ولا شك أن الدخول في ما عليه الأمة خير من الانفراد بالأعذار.
-545- 3 إن الله عز وجل أمر بالصبر في تحمل التكاليف (فاصبر لحكم ربك) وأمره بالصبر على التكاليف بمثابة أمره بالعزائم دون الرخص.
-546- 4 إن الأخذ بالعزائم ضمانة حقيقية لسد الذرائع، بينما يؤدي تتبع الرخص إلى التهاون أحياناً في بعض شرائع الدين.
-547- 5 إن الأصل في الشريعة هو التكليف، وهو خلاف ما يهواه الإنسان غالباً من التهوين والتخفيف، والتكليف أقرب إلى العزيمة من الرخصة.
(1/94)

/متن المنظومة/
أمَّا الذينَ أخَذُوا بِالرُّخْصَةِ ... فَذَلَّلُوا مثلَهُمُ بخمْسَةِ
فالظَنُّ كالقَطْعِ لدى الأَحكامِ ... في شرعةِ القرآنِ والإِسْلامِ
وإنَّما يُقَدَّمُ المُخَصَّصُ ... على العمومِ هكذا قد نصَّصُوا
وأَنَّ هذا الدِّينَ يُسْرٌ فيهِ نَصْ ... وربُّنا يُحِبُّ أَنْ تُؤتَى الرُّخَصْ
وأنَّ قصدَهُ بِها التخفيفُ ... فاعمَلْ لما يقصدُهُ اللَّطيف
-548-549- واستدل الذين فضلوا الرخص بخمسة أمور:
-1 إن الرخصة ثابتة بالشرع أيضاً كالعزيمة، وبدليل قطعي أيضاً، ولكن الدليل القطعي رتب سبب الرخصة على أمر مظنون، فلا معنى إذن للقول بأن العزيمة قطعية والرخصة ظنية.
-550- 2 إن المقرر لدى علماء الأصول أن الخاص مقدم على العام، والمقيد مقدم على المطلق، فالعزيمة مبنية على العموم، والرخصة مبنية على الخصوص.
-551- 3 إن الأدلة الشرعية التي جاءت في الكتاب والسنة في إقرار حكمة اليسر في الدين كثيرة، ومنها قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} البقرة 188، وكذلك قوله عز وجل: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} الحج، وكذلك قوله ص: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه»
-552- 4 إن من مقاصد الشارع الحكيم التخفيف عن العباد، قال تعالى: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} الأعراف (157) ومن أجل ذلك نهى الإسلام عن التبتل.
(1/94)

/متن المنظومة/
وتركُها يُودِي إلى السآمَةِ ... وفِعلُها الكفيلُ بالسَّلامةِ
وإِنَّما التَّرجيحُ مِثْلَمَا تَرَى ... فَقَدِّرِ الشِّقَةَ وارفَعِ المِرَاْ
-553- 5 إن المجاهدة المستمرة للنفس بقصد المداومة على العزائم تودي بالإنسان إلى الملل والسآمة، ولكن ترويض النفس على العزائم مع الأخذ بالرخص في المشقات هو الكفيل بالسلامة.
-554- والحق أن الأدلة متكافئة، وعلى المرء أن يكون فقيه نفسه، فالرخصة والعزيمة متناوبتان، وليس فيها حكم واحد، بل تقدر كل منهما بحسب ظروف المكلف واستعداده.
(1/94)

الفصل الثاني: الحاكم
(1/95)

/متن المنظومة/
والحاكِمُ الحقُّ هُوَ الإِلَهُ ... فاحكُمْ بِهِمْ كما أرادَ اللهُ
وربَّما يَظْهَرُ في القرآنِ ... أو في كلامِ السَّيِّدِ العَدْنَانِ
أو في اجتهادِ العُلماء بَعْدَهُ ... فكلُّهم يبيِّنونَ قَصْدَهُ
وجاءَ في قُرآنِنَا مُفصَّلاً ... أجْمَلَهُ الرَّحمنُ ثُمَّ فَصَّلاْ
وجائِزُ إطلاقُهُ أيضاً على ... مَنْ أظهرَ الأَحكامَ أو مَنْ فَصَّلاْ
-555- الحاكم بمعنى واضع الأحكام ومنشئها وهو الله عز وجل، لا يخالف أحد من أهل الملة في ذلك، وقد أُمر النبي (صراحاً بذلك في قول الله عز وجل: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم} المائدة (49)
-556- وإن مظهر إرادة الحاكم سبحانه وتعالى يُعرف في صريح القرآن الكريم الذي هو كلام الله عز وجل، ويعرف كذلك من خلال سنَّة النبي (التي هي بيان لوحي إلهي غير متلو أنزله الله عز وجل على قلب نبيه (.
-557- كذلك فإن اجتهاد العلماء سواء كان إجماعاً أم قياساً ما هو إلا جهد يبذلونه في سبيل الكشف والبيان عن إرادة الله سبحانه وتعالى الذي هو في النهاية الحاكم الحقيقي في الإسلام.
-558- أراد أن البيان الإلهي للأحكام جاء مفصلاً في القرآن الكريم، أو مجملاً في القرآن مفصلاً في السنَّة.
-559- ويطلق الحاكم ويراد به أيضاً من أدرك الأحكام وفصلها وكشف عنها.
(1/96)

/متن المنظومة/
فالحاكِمُ الفَصْلُ هُوَ التَّشْرِيْعُ ... وذاكَ بعدَ أَنْ أتَى الشَّفيعُ
واختَلفوا قبلَ مجيءِ المُصطَفى ... فقيلَ لا حاكِمَ مُطلقاً وَفَىْ
أمَّا الذينَ اعتَزَلوا فأكَّدُوا ... بأنَّهُ العقلُ كما قَدْ فندُوا
وسَبَبُ الخلافِ أمرُ الحُسْنِ ... والقبحِ في العقلِ فَدعْكَ مِنِّيْ
-560- ولا خلاف بين الأصوليين فيما قدمناه، من أن الحاكم الحق هو الشارع العظيم سبحانه وتعالى، فيجب على العباد اتباع أمره وإرادته كما بينها المصطفى (بعد بعثته.
-561-562- وقع الخلاف بين الأصوليين في معرفة الحاكم الذي يلزم اتباعه شرعاً قبل بعثة النبي (على قولين:
الأول: إنه لا يوجد تكليف بدون مجيء الأنبياء، لتعذر معرفة حكم الله سبحانه بدون هدى من الأنبياء، وقوله: (لا حاكم مطلقاً وفى) أي وافى بمعنى جاء. وهذا هو قول أهل السنة والجماعة.
الثاني: الحاكم الحق هو الله عز وجل، وإرادته إما أن يبديها الكتاب بعد النبوة، أو العقل قبل مجيء الأنبياء. إذ العقل أهل لفهم مراد الله وأمره. وهذا هو قول المعتزلة.
وقوله: (كما قد فندوا) إشارة إلى أن دعوى المعتزلة هنا تفنيد وادعاء لا دليل عليها.
-563- أشار إلى أن الخلاف المتقدم سببه اختلافهم في مسألة: هل الحسن والقبح أمر عقلي أم شرعي
وقوله: (فدعك مني) أشار إلى أن هذه المنظومة في أصول الفقه ليست محلاً للاختلاف في هذه المسألة، بل يجب إحالتها إلى كتب العقائد.
(1/96)

/متن المنظومة/
وهَل يحاسبُ أهالي الفَتْرةِ ... فيهِ خلافٌ هائِلٌ فأثْبِتِ
فالأشعريونَ نفوا تكليْفَهُمْ ... فَهُمْ سواءٌ محسنٌ مسيئُهُمْ
والحُسْنُ والقبحُ مِنَ الشَّرْع عُرِفْ ... وليس بالعقلِ كما بِذَا وُصِفْ
وخالَفَ الجماعة المُعتزلَةْ ... ونُقِلَتْ مِنْهُمْ إِلينا المَسْأَلَةْ
فأوجَبوا تكليفَ كُلِّ عاقِلِ ... حتماً ولَوْ لَمْ يأتهِمْ مِنْ مُرْسَلِ
والحُسن والقبحُ مِنَ العَقْلِ عُرِفْ ... فالشَّرعُ تابعٌ لَهُ ومكتَشِفْ
-564-565-566- وقع الخلاف بين المسلمين في حكم أهل الفترة، هل يحاسبون أم لا، وهم الذين لم يرسل إليهم نبي يبين لهم مراد الله، وأجمل الناظم الخلاف على ثلاثة أقوال:
الأول: قول الأشعريين نسبة إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، وهو الذي بَيَّن عقائد أهل السنة والجماعة، وميزها من عقائد المخالفين.
واختار الأشعريون (الذين هم أكثر أهل السنة والجماعة) أن أهل الفترة غير محاسبين ولا مكلفين، ويستوي في ذلك محسنهم ومسيئهم، إذ لا سبيل للعقل إلى معرفة الحسن والقبح، إذ إن معرفة ذلك لا تتم إلا عن طريق الشرع وحده دون سواه.
-567-568-569- القول الثاني: هو قول المعتزلة حيث نقل عنهم أن الناس مكلفين بالعقل وحده، ولو لم يأتهم رسول، إذ العقل وحده قادر على اكتشاف إرادة الحاكم سبحانه وتعالى وتمييز الحسن من القبيح. وتأولوا قول الله عز وجل: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} الإسراء (15) بأن الرسول هنا هو العقل.
(1/96)

/متن المنظومة/
والماتريديونَ جَاؤوا في الوَسَطْ ... فأوجَبُوا معرفَةَ اللهِ فَقَطْ
وما سوى ذاكَ مِنَ التكليفِ ... نَفَوْهُ عَنْهُمْ.. رحمةَ اللَّطيفِ
وليسَ حُسْنُ الفِعْلِ مارآهُ ... عَقْلٌ.. ولَكِنْ ما أرادَ اللهُ
وهكذَا فكُلُّهمْ قَدْ أَجْمَعُوا ... تكليفَ مَنْ تبلُغُهُ ويَسْمَعُ
واختلفوا في كُلِّ مَنْ لم تَتَّصِلْ ... بهم، نجاةً أَوْ هلاكاً مُتَّصِلْ
-570-571-572- القول الثالث: وهو قول الماتريدي، وهم بعض الحنفية والحنابلة من أهل السنة والجماعة خالفوا الأشاعرة في مسائل طفيفة كانت هذه واحدة منها.
فقال الماتريديون: إن الإنسان مكلف بالإيمان بالله، فإن كفر أو أشرك فإنه محاسب مسؤول، سواء جاءه نذير أو لم يأته نذير، إذ الإيمان لا يختلف في حسنه عقل ولا شرع.
أما ما سوى ذلك من التكاليف الشرعية فقد وافقوا الأشاعرة في أن العباد غير مكلفين بها إلا عن طريق الأنبياء، وبذلك فإنهم يوافقون الأشاعرة في أن الحسن والقبح شرعيان لا عقليان ويستثنون مسألة الإيمان فقط من هذه القاعدة.
-573-574- وهكذا فإنهم أجمعوا على أن من بلغتهم الدعوة مكلفون بها محاسبون عليها، واختلفوا في من لم تصلهم هل يحكم بهم للنجاة أم للهلاك على التفصيل الذي قدمناه.
(1/96)

/متن المنظومة/
كذاكَ إِنَّ العقلَ هَلْ يعتَبَرُ ... مِنْ أُسُسِ التَّشْريعِ أَصْلاً؟.. نظروا
جعلَهُ كذلِكَ المُعْتَزِلَةْ ... رَفضَهُ أهلُ النُّهى والمَسْأَلَةْ
-575-576- ووقع الخلاف كذلك في مسألة اعتبار العقل وحده مصدراً من مصادر الشريعة؟
قال المعتزلة وعليه الشيعة أيضاً: بأن العقل يعتبر مصدراً من مصادر التشريع.
بينما اختار أهل السنة والجماعة أن العقل لا ينهض مستقلاً كمصدر من مصادر التشريع.
ونشير هنا إلى أن هذه المباحث جاءت مختصرة في النظم لكونها من مباحث العقيدة أصلاً لا من مباحث علم الأصول.
(1/96)

الفصل الثالث: المحكوم فيه
(1/97)

/متن المنظومة/
تعريفُهُ فعلُ المُكَلَّفِ الذي ... تعلَّقَ الخِطابُ فيهِ فاحتَذِيْ
فرُبَّما يجيءُ تكْلِيفيَّاً ... وتارةً تجدُهُ وَضْعِيَّاً
واشتَرطوا عِلْمَ المكلفينَ بِهْ ... مفصَّلاً فاعرفْهُ حقاً وانتَبِهْ
واشتَرَطُوا معرفَةً بِالمَصْدَرِ ... وما رَضوْا جهلاً بذاكَ فاحذَرِ
واشترطُوا اختيارَهُ في فِعْلِهِ ... وتركِهِ.. لا مُلزماً بفعلهِ
-577- المحكوم فيه هو فعل المكلف الذي تعلق به خطاب الشارع
-578- قد يكون الفعل المحكوم فيه تكليفياً وذلك إذا سماه الشارع واجباً أو مندوباً أو حراماً أو مكروهاً أو مباحاً، وقد يكون وضعياً وذلك إذا سماه الشارع سبباً أو مانعاً أو شرطاً.
-579- اشترط الأصوليون في ثبوت الوصف الشرعي على الحكم وترتب أثره عليه أن يعلم به المكلف تفصيلاً.
-580- واشترطوا كذلك أن يكون المكلف عارفاً بأن التكليف صادر عن الله عز وجل، فلا يكفي أن يعلم أن الزنا ممنوع ليصير محاسباً عليه بل لا بد من أن يعلم أن ذلك هو حكم الله وإرادته.
-581- واشترطوا أيضاً أن يكون المكلف قادراً على فعله وعلى تركه بإرادته دون إلجاء أو اضطرار.
(1/98)

/متن المنظومة/
فلا يُكَلَّفُونَ مُستحيلاً ... لِفِعْلِهِ لَمْ يَجِدوا سَبيلاً
ولاَ يكلفُونَ فعلَ غيرِهِمْ ... وتَرْكِهِمْ فأمرُهُمْ لِرَبِّهِمْ
ولا يُكَلَّفُونَ ما قَدْ فُطِرُوا ... دفعاً وجَلْباً.. إذْ هُمُ لَنْ يقدِروا
وأوِّلِ الظاهِر حيثُ وَرَدَاْ ... لمختَفٍ لهُ الإلهُ قَصَدَاْ
-582-583-584- أشار إلى أن الشروط السالفة في المحكوم فيه تتفرع عنها ثلاثة أمور:
الأول: لا يصح شرعاً التكليف بالمستحيل الذي لا يجد المكلف سبيلاً ممكناً لفعله.
الثاني لا يكلف المرء بفعل غيره أو بتركه، فالمرء لا يسأل إلا عن نفسه.
وجماع هذه الأمرين في قوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} سورة البقرة (286)
الثالث: لا يكلف المرء شرعاً بفعل أو ترك ما هو مفطور عليه كحمرة الوجه عند الغضب، والحزن عند المصيبة، والطول والقصر والبياض والسمرة إلى غير ذلك..
-585- أشار إلى وجوب تأويل كثير من النصوص عن ظاهرها إذا أوهمت نفي ما بيناه، فمثلاً قوله تعالى: {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} آل عمران (102) ، ظاهره تكليف بتحصيل حكم حال الموت، مع أن ساعة الأجل لا يعلمها المكلف وهذا تكليف بالمستحيل. ولكن مراد الله سبحانه أن يستديم المرء على الاستقامة حتى تلزمه حال الموت.
وقوله سبحانه: {لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم} الحديد (23) ظاهره النهي عن الفرح عند النعمة، وهو أمر فطري لا يملك المرء أن يتحكم فيه، ولكن المراد من النهي هنا هو النهي عن تبعات الحزن من اللطم والنواح، وتبعات الفرح من الأشر والبطر، وذلك مقدور للإنسان.
وقوله سبحانه: {قوا أنفسكم وأهليكم ناراً} المراد الأمر بنصح الأبناء والأهل وتوجيههم وليس المراد أن الرجل مسؤول عن صلاح أهله وفسادهم، بل مسؤول عن نصحهم وإرشادهم.
(1/98)

/متن المنظومة/
وأكثرُ الأحنافِ يشرطونا ... حصولَ شرطِ الشرع موقنينا
فهل جرى التكليفُ للكفارِ ... بالفرعِ في الدين؟.. خلافٌ جارٍ
-586-587- واشترط أكثر الحنفية شرطاً رابعاً وهو أن المحكوم فيه لا ينعقد حكمه شرعاً حتى يتحقق الشرط الشرعي لقيامه، وهذا خلاف رأي الجمهور، وثمرة الخلاف تظهر في مسألة تكليف الكفار بفروع الشريعة من قبل حصول الشرط الشرعي وهو هنا: الإيمان.
وقد سبق بيان الخلاف في المسألة في بحث الشرط.
(1/98)

/متن المنظومة/
وكُلِّفوا مشقةً معتادَةْ ... يفعلُها جميعهم بالعادَةْ
ورخِّصَتْ شديدةُ المشقَّةْ ... فضلَ الإله عند بعد الشُّقَّةْ
وقسِّمَ المحكومُ فيه حيثما ... نظرْتَ ما هِيَّتَهُ فمنه ما
رأيته وُجِدَ حسّاً وانتفى ... شرعاً كأكلٍ أو كشربٍ أو شِفا
وربما سُبِّبَ حكمٌ شرعي ... منه كما الزنا بأي وضعِ
وربما بالحسِّ والشرعِ وُجِدْ ... مثالُهُ الحجُّ إذا ما قد قُصِدْ
وربما بالحسِّ والشرعِ وجِدْ ... ورتبت عليه أحكامٌ تَرِدْ
مثالُهُ النكاحُ والإقالَةْ ... والبيعُ والتمليكُ والحوالَةْ
-588-589- أشار إلى أن المشقة نوعان: مشقةٌ معتادة ومشقة غير معتادة، فالمشقة المعتادة ما يقدر عليه مع شيء من التكلف، فالمحكوم فيه يجوز أن تصاحبه المشقة المعتادة، كالمشقة في الصوم والحج، أما المشقة الشديدة غير المعتادة فقد تفضل المولى سبحانه وتعالى برفعها عن العباد، وشرع في مقابلها الرُّخص المأذون بها شرعاً، كأكل الميتة للمضطر، والإفطار في السفر.
من 590 حتى 595- يقسم المحكوم فيه باعتبار ماهيته أربعة أقسام:
الأول: ما وجد حسا وانتفى شرعا، وليس سبباً لحكم شرعي. كالأكل والشرب والدواء.
الثاني: ما وجد حساً وانتفى شرعاً، ولكنه صار سبباً لحكم شرعي آخر. كالزنا والقتل.
الثالث: ما وجد حساً وشرعاً، ولا يترتب عليه حكم شرعي آخر. كالحج والزكاة.
الرابع: ما وجد حساً وشرعاً، وترتب عليه حكم شرعي آخر. كالنكاح والبيع والتمليك والإقالة والحوالة، فكل واحد منها له وجود شرعي إذا تحقق بشروطه وأسبابه ترتب عليه حكم آخر.
(1/98)

/متن المنظومة/
وجملةُ الأحنافِ قسَّموهُ ... حَسَبَ ما يضافُ رتَّبوهُ
أربعة أولُها للهِ ... مخلَّص ومالَه تناهي
عبادةٌ ليسَ بها مؤونَةْ ... وبعدها التي بها مؤونَةْ
ثالثها مؤونَةٌ وفيها ... معنى عبادةٍ تحلُّ فيها
رابعُها مؤونةٌ وفيها ... معنى عقوبةٍ تحلُّ فيها
خامسُها عقوبةٌ محققَةْ ... سادسُها قاصرةٌ منمقَةْ
سابعُها تدورُ معنى فيها ... عبادةٌ عقوبةٌ تحويها
ثامنُها حقٌّ تمامٌ قائمُ ... بنفسِهِ مثالُهُ الغنائمُ
أولُها الصلاةُ في الإسلامِ ... وبعدها الفطرةُ في الصيامِ
والثالثُ العشرِ ونصفُ العشرِ ... والرابعُ الخراجُ.. فافهم فكري
-596-597- والحنفية يقسمون المحكوم فيه باعتبارِ ما يضاف إليه إلى أربعة أقسام:
الأول: حقٌّ خالصٌ لله كالصلاة والصيام، وحدُّ شرب الخمر والزنا، فيجب على الحاكم شرعاً إنفاذُه، ولا يحقُّ لأحدٍ إسقاطُه، ولكن يجب درؤه بالشبهات.
وقوله (وماله تناهي) أراد به أنه ليس للإنسان أن يتنازل عنه لأن الحق فيه لله عز وجل لا يتناهى إلى غيره.
من 598 إلى 607- ثم هذا القسم ثمانية أنواع عددها الناظم ثم أورد عليها الأمثلة في أبيات مستقلة:
-1- عبادات خالصة لله، ما فيها معنى المؤونة ولا العقوبة. كالصلاة والصيام.
-2- عبادات فيها معنى المؤونة، والمؤونة: الكلفة. كصدقة الفطر
-3- مؤونة فيها معنى العبادة، كدفع العُشْر في الأرض الزراعية.
-4- مؤونة فيها معنى العقوبة كالخراج.
-5- عقوبة كاملة، كحد الزنا والسرقة وقطع يد الصائل إذا سرق.
-6- عقوبة قاصرة، كحرمان القاتل من الميراث، فهي عقوبة قاصرة على المال دون البدن.
-7- حقوق دائرة بين الأمرين، كالكفارات فيها معنى العقوبة ومعنى العبادة.
-8- حق قائم بنفسه، كدفع الخمس من المغنم.
(1/98)

/متن المنظومة/
والخامسُ الزنا وقطعُ الصائلِ ... سادسُها حرمانُ كلِّ قاتلِ
سابعُها الكفارةُ المفروضَةْ ... ثامنها الغنائمُ المقبوضَةْ
وقِسْمُها الثاني لعبدِ الله ... فأمرُه لَهُ بلا نواهي
يسقطُهُ إن شاءَ أو يأباهُ ... وإن يشأْ يتركُهُ فذا هو
-608-609- القسم الثاني من أقسام المحكوم فيه عند الحنفية هو: حق خالص للعبد يملك رفع الدعوى له، ويملك إسقاطه والعفو فيه، وهو الحقوق التي تتعلق بها مصلحة المكلف الدنيوية، كحرمة ماله.
(1/98)

/متن المنظومة/
والثالث اجتماعها وإنَّما ... يغلبُ حقُّ ربنا فليعلما
والرابع اجتماعُها وإنما ... يغلب حقُّهم بها فليعلما
فالثالثُ القذفُ وذاكَ يعلَمُ ... والرابعُ القصاصُ وهو يفهَمُ
-610-611-612- القسم الثالث: هو ما كان حقاً لله وللعبد ولكن حق الله فيه أغلب، كالقذف فهو حق للعبد من حيث مساسه بكرامته، وحق لله عز وجل من حيث درء الفساد في المجتمع، وحق الله فيه أغلب، ولكن يرى الشافعية والحنابلة أن حد القذف حق خالص للآدمي المقذوف.
القسم الرابع: هو ماكان حقا لله وللعبد، ولكن حق العبد فيه أغلب، كالقصاص والديات، فهو حق للعبد من حيث تحقيقه مصلحة أولياء القتيل، وحق لله عز وجل من حيث درء الفساد في المجتمع ولأن الشارع يتشوفُ إلى حقن الدماء، فإنه فوض أمر العفو إلى العبد، فصار حقه فيه أغلب.
(1/98)

الفصل الرابع: المحكوم عليه
(1/99)

/متن المنظومة/
تعريفه الشخصُ الذي تعلَّقَا ... خطابُ ربِّنا به محقَّقَا
واشترطوا في صحةِ التكليفِ ... شرطين فافهمْهُ ودَعْ تعنيفي
فالشرط أن يكون قادراً على ... فهم الدليل واضحاً أو مجملا
وأن يكون عاقلاً وفاهماً ... أي بالغاً أو خمسَ عشرٍ تمما
وزاد في السنِّ أبو حنيفَةْ ... ثلاثةً من بعدها تخفيفَا
-613- المحكوم عليه: هو الشخصُ الذي تعلَّقَ خطابُ الله تعالى بفعله.
-614- أخبر أن شروط المحكوم عليه التي لا يثبت تكليفه بها شرعاً إلاَّ بوجودها شرطان:
-615- الشرط الأول: أن يكون قادراً على فهم دليل التكليف، سواء كان قادراً على فهمه من النص مباشرة، أو من خلال السؤال والتعلم.
-616- ولا يكمل الشرط الأول إلا إذا كان المكلف عاقلا فاهماً للخطاب، ولا يسمى المرء عاقلاً إلا إذا بلغ سن البلوغ، والبلوغ عند الجمهور يعرف بالاحتلام من الرجل والحيض من المرأة، أو ببلوغه خمس عشرة سنة قمرية.
-617- أخبر أن سن البلوغ عند أبي حنيفة هو ثمان عشرة سنة للرجل بزيادة ثلاثة، وذلك تخفيف من المولى سبحانه وتعالى ورحمة. وسبعة عشرة سنة للمرأة.
(1/100)

/متن المنظومة/
ولا تكلِّفْ من به جنونُ ... وخُذْ فروعاً بعد ذا تكونُ
فكل من تصوَّرَ الخطابا ... لو كافراً مكلفٌ صوابا
وحيثما توجه الخطابُ ... إلى الصبيْ فالأصلُ والصوابُ
بأنه من الوليِّ يطلَبُ ... ومثلُهُ المجنونُ وهو المذهبُ
ولا يكلف الأعجام قبل أنْ ... يترجموه أو تصلهم المننْ
وشرطُهُ الثاني بأنْ يكُونَا ... أهلاً لما كلَّفَهُ يَقينَا
والأهلُ منْ يصلُحُ للإلزَامِ ... وصالحٌ أيضاً لِلالْتزامِ
-618- أخبر أن تكليف المجنون محال ولو كان بالغاً.
ثم قال إن هناك فروعا ثلاثة تتفرع عن هذا الشرط:
-619- إن المطلوب من فهم دليل التكليف هو إدراكه وتصوره، أما الإيمان به فليس شرطاً بل هو مكلف به بمجرد فهمه له آمن أو لم يؤمن. وهو مذهب الجمهور، وقد سبق بيان ذلك في مبحث الحاكم.
-620-621- أخبر أن الأوامر الإلهية التي توجهت إلى الأطفال والمجانين فإنما المرادأن ذلك مطلوب من الولي، كأمر الفتاة بستر عورتها، والأمر بإخراج الزكاة بأمر مالك النصاب ولو طفلا، إنما يراد ذلك من الولي.
-622- نزل القرآن بالعربية، وكذلك الأدلة الشرعية، ولا يمكن للأعجمي أن يفهم القرآن الكريم والأدلة الشرعية التكليفية حتى تترجم إلى لغته، أو يصلهم في بلادهم الدعاة إلى الله عز وجل لإيصال منَّة الله سبحانه وتعالى عليهم.
-623-624- الشرط الثاني في المحكوم فيه: أن يكون أهلاً لما كلف به، والأهلية هي صلاحية الشخص للإلزام والالتزام، بحيث يصلح أن تثبت له حقوق على غيره، وتثبت لغيره حقوق عليه.
(1/100)

/متن المنظومة/
وتقسم الأهليةُ اثنتانِ ... وجوبٌ أو أداءُ في البيانِ
وربما تكونُ في الوجوبِ ... ناقصةً كالطفلِ في النحيبِ
فتثبتُ الحقوقُ لَهْ ولا يَجِبْ ... عليه واجبٌ وأمرٌ مُطَّلِبْ
وتكمل الأهلية النقيصَةْ ... إذا أتى طفلا بلا نقيصَةْ
وتقسمُ الأداءُ أقساماً إلى ... ثلاثةٍ فخُذْ بياناً مجملا
-625- وتقسمُ الأهليةُ إلى قسمين: أهلية وجوب وأهلية أداء.
فأهليةُ الوجوبِ هي صلاحيةُ الإنسان أن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات، أما أهلية الأداء فهي ترادف: المسؤولية، وهي صلاحية الإنسان لأن تعتبر أقواله وأفعاله شرعاً.
-626-627- وتقسم أهلية الوجوب إلى نوعين:
أهلية الوجوب الناقصة: وهي صلاحية الإنسان لأن تثبت له حقوق دون أن تجب عليه واجبات، وهي خاصة بالجنين حتى الولادة فتثبت له المواريث والوصايا والنسب والوقف، ولا يجب عليه أي واجب.
-628- النوع الثاني: أهلية الوجوب الكاملة، وهي صلاحية الإنسان لأن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات، وهي موجودة في كل إنسان من ولادته حياً (بلا نقيصة) إلى وفاته.
والمراد أن أهلية الوجوب الناقصة للجنين تصبح أهلية وجوب كاملة إذا تمت ولادته حياً.
-629- أخبر أن أهليةَ الأداء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
(1/100)

/متن المنظومة/
عديمةٍ في الطفلِ حتى ميَّزا ... ومثلُهُ المجنونُ دوماً أُحرِزا
وناقصٌ في كلِّ معتوهٍ وفي ... كلِّ مميِّزٍ إلى أن يكتفي
وكامل الأهلية الذي بَلَغْ ... وكان عاقلاً فإنه بَزَغْ
وربما يعرِضُ للأهليَّةْ ... أمر يزيلها بلا بقيَّةْ
كالنومِ والجنونِ والإغماءِ ... كذلك الإكراهُ في البلاءِ
-630- القسم الأول: تكون الأهلية عديمة بالكلية من حيث الأداء، فلا يثبت بكلام الإنسان وتصرفاته شيء، وهي خاصة بالطفل قبل التمييز، والمجنون، فسائر العقود والتصرفات منها باطلة لانعدام أهلية الأداء أصلاً.
-631- القسم الثاني: أهلية الأداء الناقصة، وتكون كذلك في المعتوه، وفي الطفل المميز إلى بلوغه، وفيها تصح منه التصرفات النافعة له نفعاً محضاً، كقبول الهدية والوصايا والمواريث، وتقع باطلة كل التصرفات الضارة به ضرراً محضاً كالتبرع منه وإسقاط حقوقه، وينعقد موقوفا كل تصرف منه يكون دائراً بين النفع والضرر إلى حين بلوغه أو إجازة وليه فيما يحق له أن يجيز.
-632- القسم الثالث: أهلية الأداء الكاملة، وهي تثبت لكل بالغ عاقل، وفيها تثبت كل تصرفاته ويكون مسؤلا عنها قضاء وديانة.
وقوله: (فإنه بزغ) إشارة إلى أنه بلغ مبلغ الرجال ببزوغ الشعر في مواضع ظهوره من الرجال.
-633-634- وبعد أن تثبت الأهلية كاملة للإنسان فإن ثمة عوارض قد تزيلها أو تنقص منها، وهي على ثلاثة أنواع:
أولاً- عوارض تزيل أهلية الأداء بالكامل كالنوم والجنون والإغماء والإكراه، وفي هذه الحالة فإن كل تصرفاته تقع باطلة لا أثر لها.
(1/100)

/متن المنظومة/
وربما أنقصَها مثلُ العَتَهْ ... فاقبلْه إن نفَعَهُ وزادَ لَهْ
وربما غيرَ بعضَ الحكمِ ... كَسَفَهٍ وغفلَةٍ ومَغرَمِ
-635- ثانياً- عوارضٌ تنقصُ أهلية الأداء، كالعته، وهنا يكون المكلف كالمميز قبل البلوغ، يصح من تصرفاته ما ينفعه نفعاً محضاً، ويبطِلُ ما يضرُّه ضرراً محضاً، وينعقد موقوفاً ما كان دائراً بين الحالين.
-636- ثالثاً- عوارض لا تزيل الأهلية ولا تنقصها، ولكن تغير بعض الأحكام المترتبة عليها كالسفه والغفلة والوقوع في المغارم، فللقاضي أن يحجر على السفيه، وتتحول ذمم الغارمين إلى غيرهم بالتبرع وأشباه هذه المسائل.
(1/100)

خاتمة:
(1/101)

/متن المنظومة/
وهكذا قد تمتِ المنظومَةْ ... نظمتُها واضحةً مفهومَةْ
أرجو بها الثوابَ والغفرانَا ... والعفوَ والإكرامَ والإحسانَا
وأرفع الشكرَ الجميلَ والثنا ... لكل من أنارَ دربَنا لنا
أولهم أستاذي المربي ... أنار لي دربي وأحيا قلبي
إمامُنا وشيخُنا كفتارو ... وصحبهُ الأفاضلُ الأبرارُ
-637 إلى 639- تمت بحمد الله منظومة المعتمد في أصول الفقه وعدة أبياتها أربعة وأربعين وستمائة بيت وقد تم نظمها بحمد الله عام 1983 في جامع الزهراء بمزة دمشق.
-640-641- خص بالشكر هنا سماحة الشيخ كفتارو وإخوانه وصحبة الأبرار، والشيخ أحمد كفتارو هو شيخ المسلمين في الديار الشامية ولد عام 1912 لأبوين فاضلين، كان أبوه الشيخ أمين كفتارو علماً من أعلام الهدى والعلم في بلاد الشام، وقد أسندت إليه مشيخة الطريقة النقشبندية بعدوفاة شيخه العارف بالله الشيخ عيسى النقشبندي، فأدبه بآداب الطريقة والحقيقة، وعلمه علوم الشريعة، وعني به عناية فائقة، فنبغ منذ صغره في سائر العلوم الشرعية، حيث حفظ القرآن الكريم على يد مقرئ الشام الكبير الشيخ محمد سليم الحلواني ثم لزم كبار علماء الشام فحصل منهم العلم الغزير، وبدأ بتأسيس حركة نهضة اسلامية قوية فأسس عام 1959 جمعية الأنصار الخيرية التي لا زالت تعتبر رائدة المؤسسات العلمية والتربوية في الشام، ثم انتخبه علماء سوريا مفتياً عاماً لسوريا عام 1964 كما تم انتخابه رئيساً لمجلس الإفتاء الأعلى، وقام بتأسيس عدد من المعاهد الشرعية ومدارس القرآن الكريم وفي عام 1975 قام بافتتاح مجمع أبي النور الإسلامي في دمشق، وفيه أول جامعة في سوريا متخصصة بالدعوة الإسلامية وقد تعاظم تأثير هذه الجامعة وأثرها وأصبحت تمنح درجة الدكتوراة في الشريعة الإسلامية وتخرج بها نخبة من خيار الدعاة إلى الله عز وجل في سوريا، كما أحدث معاهد متخصصة للدعاة الإسلامين القادمين من بلدان إسلامية خصوصاً من جمهوريات الإتحاد السوفياتي المستقلة، وقد شرع بدءاً من عام 1991 في إحداث معاهد شرعية في تلك البلاد فأسس أكثر من خمسة عشر معهداً خارجياً في مختلف بلدان العالم، كما شارك في نشاط واسع على المستوى العالمي، ووجه مساعيه نحو تحقيق الوحدة الإسلامية ثم الانطلاق إلى الأخوة الإنسانية وتفاهم أبناء الديانات ونجح في هذا المسعى نجاحاً عظيماً، وتم انتخابه رئيساً لمجلس الديانات العالمي الذي نادت إليه الأمم المتحدة، وانعقد في البرازيل ضمن نشاط قمة الأرض التاريخية في عام 1991 م.
وقد أسس منهجه على أساس العلم والسلوك، فحافظ على طريقة الأقدمين في الاهتمام بعلوم السلف وأمر بالعودة إلى مصنفاتهم في ذلك، وأمر بالعناية بالجانب الروحي في إعداد طالب العلم وتربيته وتزكيته.
ومن نشاطه العلمي تفسير القرآن الكريم فقد قام بتفسير القرآن الكريم في محاضرات كبيرة في أكبر مساجد دمشق كالأموي ويلبغا وتنكز وأبو النور، واستوفى تفسيره أربع مرات، وقام تلامذته بجمع هذه الدروس النافعة وهي تصدر قريباً مطبوعة بعون الله.
كما قام برواية سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتحليلها تحليلاً دقيقاً بارعاً خلال ست سنوات وقام إخوانه بجمعها وتهذيبها في كتاب مختصر وهو مطبوع ومتداول ينتفع به الناس اليوم بعنوان سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
انظر كتابي كفتارو رسالة التجديد.
(1/102)

/متن المنظومة/
كذاك للمؤصِّلِ الأصيلِ ... أستاذِنا محمد الزحيلي
جزاهم الرحمن خير ما جزى ... شيخاً به اقتدى المريد واحتذى
والحمد لله على التمامِ ... في البدء والموضوع والختامِ
-642 وخص بالشكر أيضاً العالم المتبحِّر الشيخ الدكتور محمد الزحيلي الأستاذ في كلية الشريعة وفي المجمع الإسلامي في جامع أبي النور بدمشق، والشيخ محمد الزحيلي من مواليد مدينة دير عطية 1941 وتقع على بعد 90 كم شمال دمشق، وينتسب إليها جماعة من أهل العلم والفضل، على رأسهم الشيخ عبد القادر القصاب، وقد حصل الدكتور الزحيلي على درجة الدكتوراة في الفقه الإسلامي المقارن من كلية الشريعة بالأزهر عام 1971، ثم عين أستاذاً في جامعة دمشق وفي المجمع الإسلامي في جامع أبي النور، وصدرت له عدة أعمال علمية نعد منها: مرجع العلوم الإسلامية، وتعريف عام بالعلوم الشرعية، وعلم أصول الفقه الذي قامت المنظومة أصلاً عليه.
والدكتور الزحيلي نموذج يقتدى به في السلوك والتواضع والخلق الكريم أطال الله في عمره ونفع به المسلمين كما نفعنا به آمين.
-643-644 ختم الناظم منظومته بالدعاء لأشياخه وأساتذته كما يقتضيه الوفاء والاعتراف بالجميل.
واختتم بالحمد لله على تمام المنظومة، التزاماً بهدي القرآن الكريم.
{وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}
(1/102)

مسرد المنظومة
(1/103)

مقدمة
بسمِ الإلهِ مبدعِ الأَكْوانِ ... ثم لهُ الحمدُ على الإحسانِ
ثم الصلاةُ والسلامُ السرَّمدَي ... على النَّبيِّ المصُطفْى مُحَمَّدِ
والآلِ والصحبِ الكرامِ البَررَةْ ... والتابعينَ الطاهرينَ الخيَرةْ
وبعدُ فالعلمُ ذخيرةُ الفَتى ... وزادُهُ يومَ المعادِ
إذْ أَتىولن ينالَ منهُ غيَر بعضهِ ... ولو تقضَّى عمرُهُ بركضهِ
لذاكَ فابدأْ منْهُ بالأهَمِّ ... ولا تُبالي بالثَّنَا والذَّمِّ
واعلم بأنَّ العلمَ نورٌ يقذفُ ... لكلِّ قلبٍ ذاكرٍ يُلُقَّفُ
والناسُ كالأرضِ إذا أصابَها ... غيثٌ تفتَّحت لهُ أبوابُها
فبعضُها تشربَّتْ قليلاً ... وبعضُها لَمْ تَستفِدْ فَتِيلاً
وبعضُها تفتَّحت سريعاً ... فتلكَ نالت خيَرهُ جمَيعاً
والعلمُ في الإسلامِ نورُ اللهِ ... تنالهُ من بابِ حبِّ الله
فالأنبياءُ المخلصِوُن الُكمَّلُ ... من بابِ حبِّ الله قَدْ تكَمَّلوُا
فالطورُ والخليلُ والحجابُ ... والغارُ والمزمورُ والهضَابُ
مسالكُ الخلقِ لبابِ الحقَّ ... بها ينالُ القصدَ أهلُ الصِّدْقِ
بها قَضَوا أيّامَهُمْ فُرادى ... فاختصَّهم ربُّ الوَرى آحاداً
علَّمَهم منْ علْمِهِ اللَّدُنِّي ... فأصبحوا أربابَ كُلِّ فَنِّ
فكم عكفتَ في حراءٍ ذاكراً وكم خلوتَ بالخليلِ صَابراً
وكم عنِ الخلقِ احتجبتَ خالياً ... وكم على الهضابِ سرتَ باكياً
لكلِّ مُوسَى طورُ حبٍّ دائمُ ... وكلُّ عيسى في الحجابِ قائِمُ
وذاكَ شأنُ طالبِ المعالي ... يواصِلُ النهارَ باللَّيالي
فهذِهِ الأصولُ والوقودُ ... وغيرُها القشورُ والقُيودُ
فثمرٌ من غير قشرٍ يُتْلَفُ ... والقشرُ دونَ اللُّبِّ بيتٌ أَجْوَفُ
وقيلَ إنَّ كلَّ مَنْ تَحققا ... مِنْ غيرِ شَرْعٍ إنَّما تَزَنْدَقا
وكلُّ مَنْ بالشَّرعِ قَدْ تعمَّقَا ... بلا تحققٍ فذا تَفَسَّقا
والعلم علمانِ.. فعلمُ القلبِ ... حجتُنا يومَ لقاءِ الرَّبِّ
وبعدَهُ علمُ اللِّسانِ فا علمِ ... وذاكَ حجةٌ على ابنِ آدمِ
فحصِّنِ اللبابَ بالقُشُورِ ... وذا كمالُ الطَّالبِ الغَيُورِ
وأجدَرُ العلومِ بالإتْقانِ ... فقهٌ مع الحديثِ والقرآنِ
وهذهِ الثلاثُ ليسَتْ تُفهمُ ... بلا أصولِ الدِّينِ ليسَتْ تَعْلَمُ
فكلُّ مَنْ وعاهُ بالإِتْقَانِ ... صارَ إِماماً طيلةَ الزَّمانِ
وجازَ أنْ يخوضَ في التَفْسيرِ ... والفِقْهِ والحديثِ والتَقْريرِ
وكلُّ مَنْ بلا أصولٍ قاري ... ينالُه الجهلُ بلا قَرارِ
ولو حوى في ذهْنِهِ الأسْفارا ... وجاوَزَ الأمصارَ والأقطارا
فلا يجوزُ مطلقاً أنْ يجتهد ... في الدِّين أو يفتي بغير ما وُجِدْ
مِنْ قولِ شيخٍ ذي اجتهادٍ عارفِ ... وكلُّ ذا مِنْ مِنَنِ اللَّطائفِ
إِذْ لو أبيحَ الاجتهادُ للبَشَرْ ... بلا أصولٍ ملأُوا الدُّنيا ضَرَرْ
وعُطِّلَتْ شريعةُ القُرْآنِ ... وحَكَمَتْ شريعةُ الشَّيْطانِ
فَمِنْ عظيمِ فَضْلِهِ عَلَينا ... ومِنْ جليلِ برِّهِ إِلَيْنا
أنْ وضَعُوا قواعدَ الأُصُولِ ... وحدَّدُوا طرائقَ الوصُوُلِ
سَدَّا على منافذِ الشَّيْطانِ ... حتَّى تسودَ شِرْعَةُ الفُرقانِ
وهذهِ منظومةٌ صغيرَةْ ... حوتْ أصولَ فِقْهِنَا الشَّهيرَةْ
نَظمتُها بدايَةً لِلْمُجْتَهِدْ ... ورُمْتُها نِهاية للمقْتَصِدْ
سَمَّيتُها منظومةَ المُعْتَمدِ ... على كتابِ شيخِنا مُحَمَّدِ
فأسألُ الرحمنَ أنْ يُتمِّما ... ويجعلَ الخيَر بها مُعمَّماً
وينزعُ الرياءَ عَنْ أَعمالِنا ... ويكتبَ الإخلاصَ في أَقْوالِنَا
(1/104)

تعريف علم أصول الفقه
تعريفُه أنْ تعرفَ القَواعِدا ... الشاملاتِ الموصلاتِ القاصِدا
إلى طريقةِ اختيارِ الحكم ... منَ الدَّليلِ مثلما لنَا نُمي
فهكذا جمهورُهم عَرَّفه ... والشافعيُّ قالَ فيهِ: أَنَّه
معرفة الدلائل الفقهية ... وكيف نستفيد منها شيَّا
وحالةُ الذي يريدُ الفائِدَهْ ... ومالَهُ مِنَ الصِّفاتِ عائِدَه
(1/105)

موضوع علم أصول الفقه
بحوثُه في خمسةٍ محصورَةْ ... مباحثُ الأَدِّلةِ المذكورَةْ
مباحثُ الترجيحِ والتَّعارُضِ ... وبحثُ الإجتهادِ فيه فانهضِ
ثمَّ بحوثُ الحكمِ أي في الشرعِ ... تخييرُه اقتضاؤُه والوضعيْ
والخامسُ اقتباسُ كُلِّ حكمِ ... مِنَ الدليلِ بطريقِ الفهمِ
فيبحثُ الفقيهُ فيما يَثْبتُ ... وعالِمُ الأصولِ فَهُوَ المُثْبَتِ
(1/106)

فائدة علم أصول الفقه
وغايةُ الأصولِ في الوصولِ ... إلى مرادِ اللهِ والرَّسُولِ
وعدَّدوا لَهُ مِنَ الفوائدِ ... ما جلَّ عن حسابِ كلِّ قاصدِ
مِنْها بأنَّهُ الطريقُ الأَقومُ ... للاجتهادِ فهُداه يُلْزَمُ
وأَنَّهُ بانٍ به اِلإسلامُ ... وحُفِظَ القرآنُ والأحكامُ
وأَنَّهُ يُبيْنُ للمتَّبِعِ ... طريقةَ المجتهدِ المتَّبَعِ
وأنَّهُ يمنَحُ للطُلاَّبِ ... ملكَةَ التفكيرِ بالصَّوابِ
وأنَّه المبينُ للأحكامِ ... لكلِّ ما استجدَّ في الأيَّام
وأَنَّهُ الضَّابطُ للفُروعِ ... مع الأصولِ فيصَلُ الجميعِ
وأَنَّهُ لِدَارسِ المَذَاهبِ ... دليلُ كلِّ قاصدٍ وطالبِ
ثامنُها يكشِفُ عنَّا الغُمَّةْ ... نرى فوائدَ اختلافِ الأُمَّةْ
(1/107)

تاريخ أصول الفقه
مصادرُ التشريعِ في عهدِ الرسولْ ... كتابُ رَبِّي ثُمَّ سنَّةُ الرَّسولْ
وفي زمانِ الصَّحْبِ فالمصادرُ ... أَربعةٌ فيما رَوَوْا وذَاكَرُوا
الذكرُ فالحديثُ فالإجماعُ ... وبعدَهُ القياسُ قَدْ أَذَاعُوا
دليلُه قضا معاذِ بنِ جَبَلْ ... ثُمَّ الذَّي للأشعريِّ قَدْ وَصَلْ
مِنْ عمرٍ. والحدُّ عندُ سُكْرِهِ ... وعدَةُ الحامِلِ بعدَ قبرِهِ
وعندما استقرت الفتوحُ ... وكثُرَتْ لديهمُ الطروحُ
وظهرتْ نوازعُ الأهواءِ ... تضافَرتْ بواعثُ الأَحياءِ
فالرأيُ في العراقِ صارَ مدرسَةْ ... كذا الحديثُ في الحجازِ مَدْرسَة
(1/106)

تدوين علم الأصول
وكلُّهمْ قد كتبَ الفُصُولاَ ... في الفقهِ لم يدوِّنوا الأُصُولا
وكانَ في كُتُبهم مُبَعْثَرا ... لدى مسائلِ الفروعِ انتثرا
يذكرُ كلُّ واحدٍ دليلَهْ ... ومذهبَ استدلالهِ محيلَهْ
على الكتابِ أو على الحديثِ ... أو غيرِهِ بسعيهِ الحثيثِ
فسبَقَ الجميعَ فيهِ الشافعي ... وسِفرُه في البابِ خيرُ نافعِ
فأَوَّلُ المدوَّنِ الرِّسالَةْ ... كذا جماعُ العلمِ فيما قالَهْ
وبعدَهُ إبطالُ الاستحسَانِ ... ومُشكلُ الحديثِ في الميزانِ
وهذهِ الأَربَعُ مِنْ تأليفِه ... أَوَّلُ ما دوِّن في تصنيفِهِ
وسبَقَ الفقهُ الأُصُولَ في الزَّمَنْ ... فالفقهُ وزنٌ والأصولُ قد وَزَنْ
(1/106)

طرق التأليف في الأصول
طريقةُ الكلامِ أَن تُقررا ... مسائلاً مُدللاً مُحرراً
وبعدَها طريقةُ الفقيهِ ... سبكُ الأُصُولِ تبعاً تحكيهِ
وخُصَّتِ الأُولى بفكرِ الشَّافعي ... وخُصَّتِ الأحنافُ بالتَتَابُعِ
والآخرونَ لَهُمُ طريقَة ... تَجْمَعُ منهما على الحقيقة
أهمُّ ما قَدْ صَنَّفوا في الأُولى ... رسالةً، معتمداً، محصُولا
برهانُ، مستَصْفَى، كَذا الإحكامُ ... وبعدَهُ التقريبُ والإِلهامُ
وصنَّفوا على اصطلاحِ الفُقَها ... مِنْها أصولَ البزَدْويِّ والمُنتَهى
إليهِ.. مثلُ الكرخيِّ السَّرخَسيْ ... كَذلك الجَصَّاصُ نفسُ الملبسِ
كذلك التأسيسُ والمنارُ ... تنقيحُ، تمهيدُ، هم الأبرارُ
والآخرونَ صنَّفُوا كثيراً ... بديعَ، تنقيحاً، كذا التحريرا
جمعَ الجوامعِ.. مُسَلَّمَ الثُبُوتْ ... وشرحَه فواتحٌ للرَّحمُوتْ
وخالفَ الجميعَ فيهِ الشَّاطبيْ ... لهُ الموافقاتُ ذو المطالبِ
وظهرتْ طريقةُ المناهجِ ... ترتيبُها يمتازُ بالمبَاهِجِ
(1/106)

حكمة اختلاف الفقهاء
حِدْ عنْ كلامِ حاقدٍ مغرورِ ... وافهَمْ من اختلافِهِمْ تحريري
فالخلفُ في التَّشريعِ أَمْرٌ عادي ... كالنقدِ والقانونِ والأعدادِ
والخلفُ بينَهم على الفروعِ ... معَ الوفاقِ في سِوى الفُروعِ
وإِنْ جرَى الخلافُ في المَصَادِرِ ... فغالباً باللَّفْظِ والنَّوَادِر
وَخلفُهم مَنَحنا المرونَة ... ومدَّنا بثروةٍ ثمينة
وخلفُهم على الفروعِ توسِعَةْ ... لَوْ أَنَّهم ما اختلفوا لامتنعا
ولم يكن خلافُهم تَعصُّباً ... أو للهَوى أو يشتهونَ الرُّتَبَا
وانحصر الخلاف في المظنونِ ... كخبرِ الآحاد لا اليقيني
ومطلقاً لم يجرِ عهدَ المصطفى ... فالوحيُ والحديثُ فيهمُ قَدْ كفى
ورُبَّما حكمَ في رأيَيْنِ ... مختلفينِ ... جوَّزَ الوَجْهينِ
(1/106)

أسباب اختلاف الفقهاء
وبعدَما أدركتَ حكمةَ الخِلافْ ... خذْ واضحاً أسبابَ ذاكَ الاختلافْ
فاختلفوا في واقعِ الجِبِّلَةْ ... إذ لم تقيدِ العقولَ الملّةْ
واختلفُوا في لغةِ القرآنِ ... كالقرءِ والنَّكاحِ في البَيَانِ
واختلفُوا في عَصْرِهم ومِصْرهم ... وحالِهم وبالِهم وعُرْفهِم
واختلفوا في الفَهمِ للمرادِ ... بالنَصِّ في سبيلِ الاجتهادِ
فهذهِ الأسبابُ لن تباشرَهْ ... وهاكُمُ أسبابَهُ المباشِرَةْ
أَوَّلُّها الخلافُ في المصَادِرِ ... مِنْ كلِّ ما أتى بلا تواتُرِ
وبعدَهُ الخلافُ في الحديثِ ... مصطلحاً كالجهلِ بالحديثِ
وعدم الثبوتِ عند واحدِ ... كذاكَ في شروطِ نقلِ الواحدِ
أو علمُهُ بواحدٍ منَ السَّنَدْ ... بضعفِه كذاكَ نسيانُ السَّنَدْ
ثَالثُها الخلافُ في القواعدِ ... كضابطِ الإيجابِ والتباعُدِ
والخلفُ في دلالةِ الألفاظ ... والعامِ والخاصِ مِنْ الأَلفاظِ
والخلفُ في قواعدِ التَّرْجيحِ ... والنسخِ والتخصيصِ والتَّصريحِ
كذاكَ ما شذَّ مِنَ الرِّوايَةْ ... ومرسلُ الحديثِ في الدِّرايَةْ
فخلفُهم لعللٍ وَجيهَةْ ... بَيَّنتُها فكُنْ بِهَا نَبيها
(1/106)

مقاصد الشريعة
مقاصِدُ الشَّرْعِ هيَ النتائِجُ ... كذلكَ الغاياتُ والمباهِجُ
أَتَتْ بها الشريعةُ المطَهَّرَةْ ... وأَثبتَتْها في الفروعِ الظَّاهِرَةْ
وهِيَ التَّي سَعَتْ إلى تحقيقِها ... دوماً بكلِّ أمرِها ونهيها
فحققتْ مصالحَ العبادِ ... دُنيا وأخرى بهدىِ الرَّشاد
أَلا ترى إلى النُّصوصِ الوَاضِحَةْ ... كم عَلَّلَتْ وبَيَّنَتْ موضِّحَةْ
وظاهرٌ لعاقلٍ لبيبِ ... في الخلقِ والتشريعِ والتهذيبِ
لم يخلقِ الرحمنُ شيئاً باطلاً ... وجاء جُلُّ شرعِنا معلَّلا
ومَنْ وعى مقاصِدَ الشريعة ... فعلُمهُ كقلعةٍ منيعَة
فيدرِكُ الطَّالبُ سِرَّ الشَرْعِ ... كذا إطارَ حكمِهِ والفَرْعِ
وهو في الدِراسةِ المقارِنَة ... دليلُهُ المفيدُ في الموازَنة
وهدفُ الدَّعوةِ فِيها يَنْجلِي ... وذاكَ شأنُ المصلحيَن الكُمَّلِ
ويستنيرُ العُلما بها على ... معرفةِ الأحكامِ مِما أُجْملا
ويستعينونَ بها في الفَهْمِ ... لغامضِ النُّصوصِ قبلَ الحُكَمْ
وأَنَّهُمْ بها يُحدِّدُونَا ... مدلولَها في اللَّفْظ والمَضْمُونَا
وحينَما تفتَقَدُ النُصُوصُ ... بهديها تَستَنْبَط الفُصُوصُ
وحينَما نحتاجُ للترجيحِ ... بها يرجحونَ في الصَّحيحِ
تقسيمُها بحسبِ المَصَالحِ ... ثلاثةٌ على المقالِ الواضِحِ
أَوَلُها ما سمِّيَ الضَروري ... ونُوِّعَتْ لخمسةٍ أمورِ
فحفظُهُ لدينهِم ونفسهِمْ ... وعَقْلِهِم وعرضهِم ومالِهِمْ
وبعدَهُ المصالحُ الحاجِيَّةْ ... بدفْعِ كُلِّ شقَّةٍ حَرِيَّة
ثالثُها ما سمِّيَ التحسِيني ... وهيَ الكمالُ لأُولي التبيينِ
ومنهجُ التَّشْريعِ في الرِّعايَة ... إِيجادُها والحفظُ والوِقايَةْ
فحَفِظَ الثلاثَة الأَقْسَامْا ... وزادَ فيها رابعاً تماماً
أتى بهِ مكَّملا محتاطاً ... كي لا يكونَ حفظُه اعتباطاً
ثُمَّ الضَّرُوريُّ مقَّدمٌ على ... سِواهُ كالحاجيِّ والذي تَلا
وقَدَّمُوا ما عمَّ في الأَحكامِ ... على الذي خصَّ مِنَ الأَنامِ
ورتَّبُوا أيضاً ذوَيْ الضرورة ... من حاجةٍ عُظمى ومِن خطيرة
فَقُدِّمَ الدينُ على الأَموالِ ... وهكذا النَفْسُ على التَوالي
(1/106)

الباب الأول: مصادر التشريع الإسلامي
أولاً المصادر المتفق عليها
الكتاب
وأوَّلُ المصادرِ القُرآنُ ... كتابُ ربِّي المعجِزُ البيانُ
منزلاً على النَّبيِّ العرَبي ... ولفظَهُ وخطُّهُ بالعَربي
تواتراً.. كتبَ بالمصاحفِ ... وما سِواهُ في الصَّلاةِ مُنْتَفي
ولا تجوزُ في الأَصَحِ التَرْجَمَة ... والخلفُ قامَ في ثبوتِ البَسْمَلَة
وكلُّ مَا لم يتواتَر في السَّنَدْ ... آحادُهُ مشهورَهُ فلا تُعَدْ
والشرطُ في الإعجازِ ما سأبدي ... أولُّها أنْ يوجَدَ التَحدِّي
والثانِ أنْ تُهَيأ الدوافِعُ ... ثالثُها أنْ تنتفي الموانِعُ
وهذهِ بعضُ الوجوهِ فيهِ ... نظامُ لفظٍ ومعانٍ فيهِ
ثُمَّ انطباقُهُ على العِلْمِ الصحيحْ ... وأثرُ اللَّفْظِ البليغِ والفصيحْ
كذلكَ الإِخبارُ بالمستقبلِ ... وكلُّ ذاكَ واضحٌ ومُنْجَلي
أحكامُه ثلاثَةٌ لِمَنْ أَرادْ ... عمليةٌ خلقيةٌ ثُمَّ اعتقادْ
فَمِنْهُ ما أبانَهُ مفصلاً ... ومنهُ ما أبانَ مِنْهُ مجملاً
واستوعَبَتْ آياتُهُ العقائِدا ... والمجملاتِ وأَحالَتْ ماعدا
وبعضُهُ دلالَةٌ قَطْعِيَّةْ ... وبعضُهُ دلالةٌ ظَنِّيَة
واختلفَ الأسلوبُ في الإِلزامِ ... والندبِ والحلالِ والحرامِ
(1/106)

السنة
والسُنَةُ الطريقَةُ المعتادَةْ ... قَدْ حدَّها قومٌ كرامٌ سادَة
وهِيَ اصطلاحاً ما أضيفَ للنَّبيْ ... قولاً وفعلاً.. ثم تقريرُ النَّبيْ
فالقولُ ما جاءَ مِنَ الكلامِ ... والفعلُ ما رأَوهُ كالسلامِ
وبعدَهُ التَّقريرُ وهو ما رَأَى ... مِنْ فعلِهم فما أَبَى ولا نَأى
واختلفَتْ في السنَّةِ الأقوالُ ... لِمَا مَضَى أهلُ الحديثِ مَالوا
وللأصوليينَ ما يثابُ ... بها.. وما لتاركٍ عِقَابُ
وأربَعٌ لم تُعتَبرْفي السُّنَّةْ ... ما كانَ قبلَ بعثةٍ ومِنَّة
والثانِ ما أتى على الجِبِلَّة ... وما استَقى.. كطِبِّه في العِلَّة
رابعُها ما خصَّهُ بالذَّاتِ ... من حالِهِ كعدِدِ الزَّوْجاتِ
وثَبَتَتْ حجيةُ السنَّةِ في ... ألفِ دليلٍ ودليلٍ فاعرفِ
أَوَّلُها إشارةُ القرآنِ ... في النَّحْل للنَّبِيِّ بالبَيَانِ
وبعدَها الأمرُ بطاعةِ الرَّسُولْ ... وإن تحبَّ الله فاتبعِ الرَّسُولْ
وردُّهم إليهِ في التنازُعِ ... وحذِّر المِنكِرَ بالرَّوادِعِ
وأَنَّهُ أوتي حكمةَ الهُدى ... محلِّلٌ محرِّمٌ.. لا عَنْ هَوَى
وقُرِنَتْ باللهِ فعلاً طاعَتُه ... وأَنَّه لذي اليقينِ أُسْوتُه
وليسَ مُؤْمِناً مِنْ لَمْ يحكِّمَهْ ... وما حباكَ خُذْ وما نهاكَ مَهْ
وَأُرْسِلُ الرَّسُولُ كَيْ يُطاعا ... لا خيرةً لمسلمٍ أطاعَا
وكلُّها في واضحِ القرآنِ ... مسطورةٌ تقصدُ للبيانِ
وهكذا قد أجمعَ الصحابةْ ... والتَزموا سؤالاً أو إِجابَةْ
ثُمَّ دليلهَا مِنَ المعقولِ ... ضرورةُ التبيينِ والتفصيلِ
وفعلُه كانَ البيانَ العَمَلِيْ ... لِكُلِّ ما في الذِّكْرِ مِنْ شَرعِ العلي
وعُصِمَتْ كعصمةِ القُرآنِ ... فعصمةُ المبينِ كالمُبَانِ
ودَلَّتِ الآثارُ بالوُجُوبِ ... وحَذَّرِ المُنْكِرَ باللَّهيبِ
وما أتى تواتراً في الواقعِ ... يفيدُ في العلمِ اليقيني القاطعِ
وأنَّهُ كالذِّكرِ في ثبوتهِ ... وكفَّروا الجاحدَ في ثُبُوتِهِ
والخبرَ المشهورَ زادَ الحنفي ... وفَسَّقوا جاحدَهُ إنْ لَمْ يَفِيْ
واتَّفَقوا بأنَّها تستلزِمُ ... عَمَلنا والاحتجاجُ ملزِم
وخبر الآحادِ خُذْ دليلا ... أَنْ تنذِرَ الطائفةُ القَبيلا
وربَّ حاملٍ إلى فقيهِ ... وبلِّغوا عنِّي كما نَرْويهِ
وانعقدَ الإجماعُ.. أَيْ لم ينكرِ ... فجزيةُ المجوسِ فعلُ عمرِ
كذلِكَ استدلَّ بالقياسِ ... في الحكمِ يكفي واحدٌ في النَّاسِ
والجرحُ والتعديلُ في التصويبِ ... رجِّحْ بِهَا الصِّدقَ على التكذيب
ونقلوا عن الخليفتينِ ... مع خبرِ الواحد شاهدينِ
وربما حلَّفَهُ لم تَطَّرِدْ ... عنهم طريقة لأخذٍ أو لِرَدّْ
وهذِهِ شَرَّطَها الأَحنَافُ ... أَنْ لا يُرى في فعلِهِ خلافُ
أو ليسَ مما حثتِ الدَّواعي ... أولم يُوافِقْ عملَ الأَتْبَاع
في الفقه والراوي بلا فقهٍ كما ... في خَبَرِ المصراةِ قد تَذمَّما
واشتَرطوا لمالكٍ بأَنَّ مَا ... خالفَ فعلَ يثربٍ لم يَسْلَما
والشافعيُّ أربعٌ شُروطُهُ ... في كلِّ راوٍ عقلهُ وضَبْطُهُ
وأَنْ يكونَ ثقة في دينهِ ... ولم يخالِفْ متنُهم لِمَتْنِهِ
وأحمدٌ شروطُه كالشَّافِعِيْ ... فصَّلْتُها على المقالِ الرائِعِ
وعملُ السُّنَّةِ في الكِتَابِ ... ثلاثَةٌ في الحقِّ والصَّوابِ
أَولُها التأكيدُ للقُرآنِ ... كالبرِّ والجهادِ والإِحسَانِ
والثانِ تبيينُ الذي قَدْ نُصَّا ... قيدَه فَسَّرهُ أَوْ خَصَّا
ثالثُها زيادَةٌ علَيْهِ ... كرجمِ محصنٍ وما إِليهِ
واختلفوا في نَسْخِها القُرآنا ... فالشَّافِعيُّ قالَ لا وبَانا
ونَسْخُها على مقالِ الجُلِّ ... دليلُهم وقوعُهُ بالفِعْلِ
(1/106)

الإجماع
هو اتفاقُ أهلِ الاجتهادِ ... من أمةِ النَّبي الإمامِ الهادي
في أَحدِ العصورِ والأزمانِ ... في حكمِ أمرٍ مّا.. بلا تَوانِيْ
دليلُهُ مِنَ الكتابِ نَهْيُهُ ... عنِ الشِّقاقِ، ثُمَّ فيهِ وَعْدُهُ
كذاكَ وصفُها بأنَّها الوَسَطْ ... وخيرُ أمةٍ فإنَّها فَقَطْ
وصَحَّ في الحديثِ حيثُ قالا ... ليسَ اجتماعُ أُمَّتي ضَلالاً
والزَمْ سوادَ المسلمينَ الأَعظما ... وحَسنٌ عندَ الإلهِ كُلُّ مَا
رآهُ جمعُ المسلمينَ حسَنَا ... نقلَها أصحابُ علمِ أُمَنَا
واحكُمْ بهِ عقلاً فجَمْعُهم إذا ... توافَقَتْ آراؤُهم فالحقُّ ذا
وركنُهُ اتفاقُهم جميعُهم ... بقولهِمْ وفاقاً أَوْ سُكوتِهم
ورَدَّ هذا الشَّافِعِيْ والظَّاهِرِيْ ... وكَمْ حكاهُ مِنْ إمامٍ ماهرِ
وعَدَّدوا شروطَهُ وبَعْضُها ... مُختَلَفُ فيهِ وهاكَ عَدُّها
أَوَّلُّها أَنْ ينتفي التَعارُضُ ... مع الكتابِ أو حديثٍ قد رَضُوا
والثانِ أَنْ يستندَ الإِجْماعُ ... إلى دليلِ واضحٍ أذَاعوا
وأَنْ ترى المجتهدينَ عَددا ... واتَّفَقوا جميعهُم لا ماعَدا
وأَنْ يكونَ مِنْ أمورِ الشَّارِعِ ... وقيلَ لا بَلْ كُلُّ أمرٍ نافعِ
وأَنْ يَمُرَّ عصرهُمْ جَميعاً ... فلا يعودَ واحدٌ رُجُوعاً
وبعضهُم نَفَوا.. وزادَ الحَنَفِيْ ... أَنَّ الخلافَ قبله قَدْ انتُفي
وحُكْمُهُ في الشَّرعِ حكمٌ قاطِعُ ... وحكمُهُ في الأَمرِ لا يُنَازَعُ
واختلَفُوا في حُجَّةِ السكوتيِ ... فالكَرْخِي والآمدِي لم يُثْبِتِ
ومالكٌ يحتج بالإجماعِ ... من أهلِ يثربٍ بلا نزاعِ
وقصرَ الإجماعَ أهلُ الظاهرِ ... على الصحابِ في مقالٍ جائرِ
واعتَبروا للعترة الإِجماعا ... والراشدينُ بَلْ لشيخينِ مَعَا
(1/106)

القياس
وعرَّفوا القياسَ اصْطلاحاً ... فاحفظْهُ عني تبلغِ النَّجَاحَاْ
فرعٌ يساوِي أصلَهُ في العِلَّة ... أي حكمهِ، فالحكمُ فيهِ مِثْلَهْ
أركانُهُ أربعَةُ في العَقْلِ ... أصلٌ وفرعٌ ثم حكمُ الأصلِ
رابعُها العِلَّةُ في الإطارِ ... مثالُهُ النَبيذُ في الإسكارِ
دليلُه من الكتاب قولُهُ ... فاعتبروا.. عن شافعيٍ نقلُهُ
وخُذْ مِنَ السُّنَّةِ قولَ ابنِ جَبَلْ ... كذا النبيُّ حيَن قاسَ في القُبَلْ
وغيرها عَنْ مائَةٍ تَزيدُ ... مثالُ ذاكَ الأسودُ الوَليدُ
وثبتَ القِياسُ بالإجماعِ ... فعَلَهُ الصِّديقُ للأتباعِ
وحكمه يفيد ظنَّ الحكْمِ ... فاحكُمْ بِهِ ولا تَخُضْ بالوهمِ
(1/106)

ثانياً المصادر المختلف فيها
الاستحسان
وحدُّه أن يعدلَ المجتهدُ ... عن مقتضى قياسِ أمر يردُ
مِنْ واضحٍ إلى قياسٍ مختفي ... أو حكمِ كليٍ لمستثنى خفي
وذاكَ من أجل دليلٍ يقدحُ ... في عقلِه عدولَه يرجِّحُ
وظاهر بأنَّه نوعانِ ... ترجيحٌ استثناءُ للبيانِ
فالأوَّلُ الترجيحُ كالحَلْفانِ ... والثان الاستثناءُ كالضمانِ
وذهبَ الأحنافُ والحنابلةْ ... إلى اعتباره دليلاً قابلَهْ
مِنَ الكتابِ: يتبعونَ الأَحْسَنا ... وما رآهُ المسلمونَ حَسَنا
وأكَّدوا تفضيلَ الاستحسانِ ... على القياسِ أي قياسِ الثاني
ومالكٌ والشافعيُّ قالا ... بنفيهِ وصَحَّحُا الإِبْطالا
(1/106)

المصلحة المرسلة
وعرَّفوا المصالِحَ اصْطِلاحا ... ما لم يَرِدْ في حكمِها صُراحَاً
دليلُ شرعٍ في اعتبارِ حُكْمِها ... ولا على إلغائِها أَوْردِّها
كالجُندِ والديوانِ والسُّجُونِ ... والخُلْفُ في استقلالِها في الدَّينِ
فذهبَ الأحنافُ ثم الشافِعِيْ ... لنَبْذِها على مَقالٍ بارعِ
فالشَّرْعُ كلَّ أمرِنا قد راعى ... كتاباً أو حديثاً أو إجماعاً
والآخرانِ جَعَلاهُ أصْلاً ... يُبْنى عليهِ الحكمُ مُستَقِلاً
واشتَرطوا ثلاثةً شروطاً ... بغالبِ الأَ نام أَنْ تُحيطَا
كذاكَ أنْ تكونَ واقعَّيةْ ... ولم تعارَضْ حجةً شَرْعِيَّةْ
ثَمَّ لهَا أَربعةٌ دَواعِيْ ... درءُ الأَذَى والسدُّ للذَرائعِ
جلبُ مصالحٍ، تغُّيرُ الزَّمَنْ ... فافْهَمْ فأنْتَ في البلاغِ مُؤْتَمَنْ
(1/106)

الاستصحاب
هو اصطحابُ حكمِ أَمرٍ ماضِي ... لحاضِرٍ لم يقضِ فيهِ قاضِ
فيستمرُّ الحكم فيه قائماً ... إلى ثبوتِ غيرِه ملائماً
واعتَبَروه حُجَّةً إذا انفَرَدْ ... نَفْياً وإِثْباتاً بِلا أَخْذٍ وَرَدْ
مثالُهُ الحياةُ للمَفْقودِ ... وردَّه الأحنافُ بالقيودِ
أنواعه ثلاثةٌ في الأصلِ ... أولها اصطحابُ حكمِ الأصلِ
وبعدَه ما أصلُه البراءَةْ ... كالحكمِ للحقوقِ بالبراءَةْ
ثالثُها اصطحابُ حكمِ حالِهِ ... على ثبوتِهِ إلى زوالِهِ
واعتَبروا دَليلَه ظَنِّيَّا ... وآخِرَ الأَدِلَّةِ المحكيَّة
(1/106)

العرف
والعرفُ ما استقرَّ في النُّفُوسِ ... من جهةِ العقولِ لا الطُروسِ
ثُمَّ ارْتضَاه النَّاسُ بالقَبُولِ.. ... أنواعُه أربعةٌ..فالقولي
تعارفَ الناسُ على إطلاقِهِ ... كاللحمِ والشرابِ في إطلاقِهِ
والعَمَلي تَعارَفوا إِتْيَانَهْ ... كالأَكلِ أو كالمَهْرِ في أَوانِهْ
والعامُ ما يَعمُّ في البلادِ ... والخاص عرفُ ثلةٍ أفرادِ
واتَّفَقُوا في كونِه دليلاً ... واختلفوا هَلْ يَسْتَقِلُّ؟ ... قيلا
للمَالكِي والحَنَفِي والحَنبَلي ... خذهُ دليلاً كامِلاً.. وَدَلِّلِ
مِنَ الكتابِ أَمْرُهُ بالعُرْفِ ... وما رأَوْهُ حَسَناً فلتَعرِفِ
كذاكَ مالهُ مِنَ السُّلْطانِ ... في العقلِ عندَ معشَر الإِنْسَانِ
والشافعيْ مالَ إلى إنكارِهِ ... إلا إذا أرشدَ لاعتبارِهِ
واشترطوا عمومَهُ في الناسِ ... ولم يخالفُ ثابتاً للناسِ
(1/106)

قول الصحابي
واتَفَقوا في أنَّهُ دليلُ ... في كل ما ليسَ لَهُ سَبيْلُ
كذاك إن أقَّرهُ الباقونا ... يكون حجةً كما روينا
واختلَفُوا لدى اختلافِ رأيهِمْ ... فقيلَ يَنبغي التزامُنا بِهِمْ
بواحدٍ لمالكٍ والحَنَفِي ... لخبرِ النُّجومِ فِيهِمْ فاقتفي
وأحمدٌ والشَّافِعِيُّ خالَفَهْ ... عَنْ تابعينَ نَقَلُوا المُخالَفَة
شرع من قبلنا
واختلَفُوا في شرعةِ الذينا ... مِنْ قبلِنا ملغيةٌ أَمْ دينَا
فاتفقوا في الأخذِ بالأحكامِ ... مما أقرَّ الدينُ كالصِّيامِ
واتفقوا في نسخِ ما قد نُسِخا ... في شَرْعِنا. كالقطعِ مما اتَّسَخا
واختلَفُوا في حكمِ ما قَدْ وَردا ... ولم يُنْسَخْ ثُمَّ لَمْ يُؤيَّدا
كالنفس بالنفسِ وشُرْبِ محتضَرْ ... فالحنفيْ والحنبليْ والبعضُ قَرّ
ودلَّلوا بوحدةِ الشرائعِ ... والرجمِ واقتدهْ لكلِّ سامعِ
والشافعيُّ أنكرَ استِدلالَهُمْ ... بأَن لِكُلِّ أمةٍ مِنْهاجُهُمْ
سد الذرائع
وكلَّ ما ظاهِرُه مُباحُ ... وموصِلٌ لما بهِ جُنَاحُ
أباه سداً منْهُ لِلذَّرائِعِ ... مالكُ وابنُ حنبلٍ لا الشَّافِعِيْ
وأكَّدَا ذاكَ بمنعِ الشتمِ ... لِكُلِّ مَنْ يَعْدو بغيرِ عِلمِ
والشافعيُّ حرمَ الذريعة ... لذاتها أي حرَّمَ الوقيعة
(1/106)

الباب الثاني مباحث الأحكام
الحكم
وحدُّهُ في اللغة القضاءُ ... وأطلقوه فاروِ ما تشاءُ
إثباتُ أمرٍ ما لأمرٍ واحدُ ... ثم الذي عند القضاة واردُ
تعريفُهُ عنَد الأصوليينَا ... خطابُ رَبنا لنا مُبيْنَا
والفقهاءُ اعتبرُوه الأَثَرا ... عَنِ الخطابِ قَدْ جَلا وانْتَشَرَا
وقسَّمُوهُ مَصْدراً قسْمَينِ ... فالأوَّلُ الشَّرعِيُّ.. دونَ مَيْنِ
وذاكَ ما مِنَ الإلهِ أُخِذَاْ ... وعملاً أَو اِعتقاداً فهو ذا
وبعدَهُ كُلُّ الَّذي لَمْ يُؤْخَذِ ... من شارعِ الأَحكامِ كالحكم الذي
أُخذَ من عقلِ ومن حسّنٍ ومِنْ ... عرفٍ فذاك دون شرع قد زُكِنْ
والحكم حدُّهُ لدى الجمهورِ ... هو خطابُ ربنا الغفورِ
ومتعلقٌ بفعلنا اقتضَا ... تخييراً أو وَضْعاً وهَذا المُرْتَضَى
وقسَّموا الشرعيَّ من حكمٍ إلى ... قسمين فالتكليفي ما أدَّى إلى
حكمٍ من الخمسةِ في اقتضاءِ ... كذاك في التخييرِ كالنداءِ
وبعدَه الوضعيُّ وهو ما اقتضى ... أن يجعلَ الأمرَ لحكمٍ قد مضى
علامةً تجعلُه له سببْ ... أو مانعاً أو رخصةً أو يُجتنَبْ
لكونِهِ فاسداً او عزيمَةْ ... أو رخصةً أحكامها سليَمةْ
وزاد فيها الآمديُّ واحداً ... حكم المباح قال تخييراً بدا
(1/106)

الحكم التكليفي
وقد مضى تعريفُه وأنَّهُ ... أدَّى إلى التحريمِ أو ما يكرَهُ
والندبِ والإيجابِ والإباحَهْ ... والحنفيُّ قَسَّمَ الكراهَهْ
قسمين تنزيهاً وتحريماً رضي ... وزادَ حكماً سابعاً بالفرضِ
الواجب
ما طلبَ الشارِعُ فيهِ الفِعلَ مِن ... مُكلَّفٍ حتماً كصومٍ في زَمَنْ
أمَّا مِنَ الثَّوابِ والعقابِ ... فاعِلُهُ استَحَقَّ للثَّوابِ
ويَسْتَحِقُّ التَّاركُ العِقابا ... فافهَمْهُ كَيْ تُنَافِسَ الطُلاَّبَا
ويثبتُ الواجبُ بالخِطابِ ... ثمانِ أوْجُهٍ على أبْوَابِ
الأَمْرُ نحوَ الأَمْرِ بالصَّلاةِ ... إِقامَةً والأمْرُ بالزَّكاةِ
والمصدَّرُ النائِبُ عَنْ فعلٍ كما ... ضربَ الرِّقابِ إِنْ لقيتُمْ ظالِم
مضارع بلامِ أمرٍ يَقْتَرنْ ... مثالُه إنفاقُ ذي الوسعة مِنْ
سَعَتِهِ. كذاك باسم الفعل مَهْ ... كذا عليكُمْ وذا في الأمر لَهْ
خامِسُها التَّصريحُ بالأَمْرِ كما ... يأمركُمْ بأنْ تؤدُّوا الذِّممَاَ
وغيرُ ذاكَ مِنْ أساليبِ اللُّغَة ... كَ (كُتِب الصيامُ) ثُمَّ (الحَجُّ لَهْ)
وبعدَهُ التَّرتيبُ للعُقوبَةِ ... لتارِكِ الفعلِ كما الأُضْحيةِ
والثامِنُ التَّصرِيحُ بالإِيجابِ ... والفرضِ كالصِّيامِ في الصَّوابِ
وقسِّمَ الواجِبُ قسمينِ هُمَا ... مُؤَقَّتٌ ومُطْلَقٌ.. فَكُلُّ مَا
طلَبهُ محتماً معيناً ... لوقتِهِ مُؤَقَتٌ.. مثلُ مِنَى
وكلُّ ما طلَبَهُ وأَطْلَقَهْ ... فمطلَقٌ مثلُ النُّذُورِ المُطْلَقَةْ
فَحيثُما أدَّاهُ مطْلَقاً ولَوْ ... في غيرِ وقتِهِ قبولَهُ رَأَوْا
وجَعَلُوا المُؤَقَّتُ الذّي مَضَى ... ستَّةَ أنواعٍ لمن قد ارتضى
فأولٌ مؤقتٌ مضيَّقُ ... كَرَمَضَانَ كله مستغرَقُ
وبعدَهُ مُؤَقَّتٌ مُوَسَّعُ ... كالصلواتِ الخَمْسِ فهي تَسَعُ
والثالثُ المُؤَقَّتُ المشتبهُ ... لم يَتَّسِعْ فرضاً سِواهُ معهُ
والوقتُ ما استغرقَهُ جميعَهُ ... كالحجِ.. فانظُرْ ضيقَه ووسعَهُ
فهذه الثَّلاثُ في توقيتِهِ ... وخذ ثلاثاً من لدن تنفيذِهِ
فَفِعلُهُ في وقتِهِ المُقَدَّرِ ... شَرعاً له فهو الأداءُ..فاحْذَرِ
وشرطُه بأَنْ يكونَ أوَّلا ... والثان أن يعيدَه مستكملا
لنَقصِهِ في وقته، واسمُهُ ... إعادَةٌ.. فاذكرُهْ يَسْهُلْ فهمُهْ
والثالثُ القضاءُ وهو فعلُهُ ... مستدرَكاً وقد تمضَّى ظلُّهُ
وقُسِّمَ الواجِبُ في المِقْدارِ ... قسمانِ: محدودٌ كما الظِّهارُ
والثانِ لم يحدَّدِ البَشيرُ ... حداً لَهُ مثالُه التَّعْزيرُ
وقسَّمُوهُ باعتبارِ الفاعِلِ ... فالأَوَّلُ: العَيْنِيُّ.. لم يُساهِلِ
في فعلِهِ مِنْ خلقِهِ مُكلَّفَاً ... مثلُ الصِّيامِ والزَّكاةِ والوفَا
وواجِبُ الكفايَةِ الذِّي إذَا ... أتاهُ بعضُهم كفاهُمْ مِنْهُ ذَا
مثالُهُ رَدُّ السَّلامِ والجهادْ ... لكنَّه عينٌ إذا تُغَزَّى البلاَدُ
كَذَا إِذَا لم يُستَنَبْ سِوَاهُ ... عينٌ عليهِ ثابِتٌ أدَاهُ
وقسَّموهُ باعتبارِ ذَاتِهِ ... معيناً مخيراً في ذاتِهِ
فكلُّ ما طلبُهُ وعينَهْ ... معينٌ كردِّ غصبٍ كان لَهْ
ومنْهُ ما طلَبهُ وخَيرَّا ... فلَمْ يُعَيِّن عَينَهُ ويَسَّرا
كالحكمِ في كفارَةِ اليَمينِ ... كذاكَ في إطلاقِ أَسْرى الدينِ
وكُلُّ ما لَيْسَ يَتِمُّ الواجِبُ ... إِلاَّ بهِ فإنُّهُ لواجِبُ
(1/106)

المصلحة المرسلة
ما طلبَ الشارعُ فعلَه بلا ... جزمِ فمندوباً تراه جُعلا
وقيلُ ما يحمَدُ فاعلٌ لَهُ ... ولا يُذَمُّ تارِكٌ أهمَلَهُ
ويستحقُّ الفاعِلُ الثَّوابَا ... وليسَ يلقَى التَّارِكُ العِقَابَا
ويَظْهَرْ المَنْدوبُ بالصَّريحِ ... كقولِهِ سَنَنْتُ في التَّرويحِ
كذاكَ في الطَّلَبِ غَيْر الجازم ... كآية الديون للتراحم
وحيثُ لا ترتيبَ للعِقَابِ ... في الحكمِ كالرُّخْصَةِ في الصَّوابِ
وكل ما طلبَهُ تحبيباً ... مبيِّنا لفَضْلِهِ تَرغيباً
واعتبِرَ المنْدوبُ مأموراً بِهِ ... لِلشَّافِعي وأحمدٍ وصَحْبِهِ
وذاكَ حيثُ طاعةً يَدعُونَهْ ... وأَنَّهُ في الدِّين يِطْلُبونَهْ
ودلَّلُوا بقسمةِ الأمرِ إلى ... نَدْبٍ وإيجابٍ بذا الأَمْرُ جَلا
واختلف الأحناف في ذي المسئلة ... وجعلوا الأمر مجازاً فادعُ له
لوكان مأمورا به لكانا ... تاركه معاقباً مهاناً
وعللوا بسنة السواك ... وكونه في (افعل) حقيق زاكي
والندب أنواع ثلاث توجدُ ... مؤكد.. وغيره.. وزائدُ
أولها فاعله يثابُ ... ولا ينال التاركَ العقابُ
لكنه معاتبٌ ملومُ ... كسنة الفجر.. وذا مفهومُ
والثانِ في إتيانه ثوابُ ... وليس في هجرانه عتابُ
وكلُّ ما قد كان فعل المصطفى ... ولم يشرَّعْ فهو برٌّ ووفا
يثابُ إن نوى به المتابعة ... كالنوم والمشي على المسارعة
ولم يكُ المندوبُ تكليفاً وما ... حكاه الاسفراني ليس ملزما
واختلفوا هَلْ يَلْزم الإتمامُ ... بعدَ الشُّروعِ فيه.. فالإِمامُ
الشَّافعيُّ قالَ لا ولا قَضَا ... لا إثْمَ في تركِ الذي نَدْباً مَضَى
وقالَ إنَّهُ أداءُ نافِلَهْ ... وليسَ إسقاطاً لواجبٍ فَمَهْ
وقالَ إنَّ الصَّوْمَ كالإِنفاقِ ... أَعِدْ إذا شَرَعْتَ بالإنفاقِ
كذاكَ نصُّهم أميرُ نفسِهِ ... إنْ شاءَ صامَ أو يَشَأْ فلينتَهِ
وحُجَّةُ الأحنافِ قولُ ربِّنا ... لا تبطِلُوا أعمالَكُمْ في شَرْعِنا
وإنَّما المندوبُ حَقُّ ربِّنا ... فلنلتَزِمْ قضاءَهُ إنْ فاتَنا
واَنَّهمْ قاسُوهُ بالمَنْدُورِ ... وذاكَ وهْنٌ واضِحُ الظُّهورِ
وظاهرٌ للأولينَ الغَلَبَةْ ... ونَصُّهم في البابِ أقْوى مَغْلَبَةْ
والنَّدبُ خادمٌ لما قَدْ وَجَبَا ... والندبُ بالكُلِّ وُجوباً صَحِبَا
(1/106)

الحرام
ما طلبَ الشَّارعُ تركَهُ على ... وجهٍ مِنَ الإلزامِ حِرمةً جَلا
وقيلَ ما يُذَمُّ شرعاً فاعِلُهْ ... وزيَد فيهِ ما يثابُ تارِكُهْ
ويثبتُ التحريمُ بالصريحِ ... كحرمةِ المَيْتِ عَدا المذْبُوحِ
وصيغَةُ النَّهْي (ولا تَجَسَّسُوا) ... وطلبُ اجتنابِه ك (اجتنِبُوا)
كذاكَ لفظُ لا يحلُّ فاعلمِ ... ك (لا يَحِلْ مالُ مرءٍ مُسلمِ)
كذاكَ ما ترتبَ العقابُ ... عليه، أي سيغضبُ الوهابُ
كغضبِ اللهِ ومقتِ اللهِ ... كذاكَ حربُ اللهِ لعنُ اللهِ
وحكمُه وجوبُ تركِهِ على ... مكلفٍ، فإنْ أتاهُ خُذِلا
وجعَلُوا ما حُرِّمَ ابتداءً ... محرماً لذاتِهِ سَواءً
مَعْ نفسِهِ أو غيِرِه محرَّماً ... كالخمرِ والميسرِ أو شَربِ الدِّمَا
وكل ما شُرِعَ ثمَ حرِما ... فاحكُمْ بهِ لغيرهِ مُحَرَّمَا
كالصَّوم يومَ العيدِ والصَّلاة ... بِكُلِّ مَغْصُوبٍ كذَا الزَّكاة
واختلفوا في حُكْمِ عَقْدِهم على ... محرَّمٍ لغيرِه، فقيلَ: لا
فرقَ، ففاسِدٌ وباطلٌ وذَا ... للشَّافِعي بهِ الجميعُ أَخَذَا
وفَصَّلَ الأحْنافُ هذي المسألَةْ ... فجُعِلَتْ فاسدةً لا باطِلَة
وغالبُ الحرامِ ما قد عُيِّنا ... كالخمرِ والقتلِ الحرامِ والزنا
وربما خُيِّر في تحريِمِهِ ... مثل طلاقِ البعضِ من حريمِهِ
كذاكَ في زواجِ الاختين معاً ... كذاك أمَّاً وابنةً أن يجمَعَا
وفي الوجوبِ يحرمُ النقيضُ ... وفي الحرامِ الواجبُ النقيضُ
(1/106)

المكروه
ما طلبَ الشارعُ تركَهُ بلا ... جزم فذا المكروهُ شرعاً جُعِلا
وقيلَ ما يمدحُ تاركٌ لَهُ ... ولا يُذَمُّ فاعلٌ يفعلُه
ويثبتُ المكروهُ بالتَّصريحِ ... كأبغضِ الحلالِ في التسريحِ
وكلُّ ما طُلِبَ مِنْكَ تركُهُ ... ودلَّ أنَّما المرادُ كُرْهُه
كالبيعٍ عند ساعة الصلاةٍ ... وكالسؤالٍ عن أمورٍ تأتي
ويستحقُّ التاركُ الثَّوابا ... وليسَ يلقى الفاعلُ العَذابَا
والحقُّ في المكروهِ أنَّهُ نُهي ... عن فعلِهِ فالتركُ مأمورٌ به
والحقُّ أن ليسَ بهِ تكليفُ ... والاسفراني قالَ: بلْ تَكليفُ
وفرَّقَ الأحنافُ في المكروه: ... ذي حرمةٍ منه وذي تنزيه
ما طلبَ الشارعُ جازماً لَهُ ... تركاً. وذا بالظنِّ.. تحريما فَهُو
مثاله لبسُ الحريرِ والذهب ... فذلك المكروهُ تحريما وجَبْ
وكل ما طلبَ تركَه بلا ... جزمٍ.. فذا المكروهُ تنزيهاً جَلا
والشافعية لهم تقسيمُ ... فحيث قد خصَّص ذا مفهومُ
وإن يكُ النهيُ بلا تخصيصِ ... خلاف أولى اجعلْه في التخصيص
(1/106)

المباح
وكل ما قد خُيِّرَ المكلفُ ... في الفعلِ والتركِ مباحاً يعرفُ
وقيلَ ما لا يمدحُ المفارقُ ... له، ولا يذمُّ من يجانفُ
وحيث ما نصَّ به صريحاً ... كافعل إذا شئت فقد أُبيحا
كذاك حيث قال لا جناحا ... ونحوه (لا إثم) قد أباحا
والأمر إن ترد به قرينَةْ ... تبيحه كالأكل أو كالزينَةْ
والأمر بعد حظرِهِ إن وَرَدا ... كالصيدِ بعد الحلِّ حيث قصدا
والنصُّ بالحلِّ صُراحاً مثلَما ... طعامُهم حلُّ لكم كذا الإِمَا
والأصل في الأشياء أن تباحا ... ما لم يرد نصٌّ بها صراحاً
وحكُمه لم يُطلبْ اجتنابُهْ ... منَّا ولم يَرِدْ كَذَا اقترابُهْ
وكلُّ ما قصدْتَهُ للهِ ... مِنَ المباحِ طاعةٌ للهِ
ولَمْ يكُنْ في الحقِّ مأموراً بهِ ... وخالف الكَعْبيُّ في ترتيبِهِ
أقسامه ثلاثة أولها ... لا ضر في إتيانها وتركها
كالأكلِ واللباسِ والثيابِ ... والصيدِ والصباغِ والشرابِ
والثانِ ما في أصله محرمُ ... وضرُّه محققٌ محتَّمُ
لكنه أُبيحَ للضرورَةْ ... وذاك في الأمثلةِ المشهورَةْ
والثالثُ المعفوُّ عنه دينا ... ما كان عند الجاهليِّ دينا
وربما تجتمعُ الأحكامُ ... في واحدٍ مثالُهُ الطعامُ
(1/106)

الحكم الوضعي
تعريفه في اللغة الإيلادُ ... والتركُ والإسقاطُ إذ يرادُ
وهو اصطلاحا كلمات ربنا ... تعلقت بجعل شيء ما هنا
شرطاً لفعلٍ أوصحيحاً أو سببْ ... أو مانعاً أو فاسداً فليجتنِبْ
أو رخصةً في الشيء أو عزيمَةْ ... فسر على طريقتي القويمَةْ
ويقسم الوضعيُّ في ارتباطِهِ ... بحكمِ تكليفٍ لخمسة به
الشرطُ والسببُ والعزيمة ... أو رخصةٌ سميحة كريمة
والرابعُ المانعُ والصحيحُ ... أو فاسدٌ أو باطلٌ صريحُ
(1/106)

السبب
والسَّبَبُ الوصفُ الجليُّ المنضبطْ ... دلَّ لَهُ دليلُ سمعِ واشتُرِطْ
لَدى الدليلِ كونُه معرِّفاً ... للحكمِ وهو حكمُ شرعيٍّ كَفَى
وحينَما يوجَدُ فالمسبَّبُ ... لا بُدَّ موجود كما قد هذبوا
وحيثما يُعدَمُ فالمسبَّبُ ... لا بُدَّ مَعْدومٌ كما قَدْ كَتَبُوا
مثالُه أَنَّ الزِّنَا تَسَبَّبا ... في الحدِّ فالحدُّ به وجَبَا
أقسامُهُ من جهة الموضوعِ ... قسمانِ: فالوقتيُّ للجميعِ
مثالُهُ الظهرُ لدى الزوالِ ... ولصيام الشهرِ بالهلالِ
والمعنويْ مثالُهُ الإسكارُ ... سبَّبَ تحريماً كذا القمارُ
أقسامه من جهة المكلف ... قسمان فافهمها لدي تكتفي
أولها ملكْتَ فيه المقدرَةْ ... كالبيعِ والقتلِ فخُذْ للآخرَةْ
وربما يكون مأموراً بِهِ ... مثاله النكاحُ مأمورٌ بِهِ
وربما نهاكَ عنه الشارعُ ... كالسرقاتِ وكذاك القاطعُ
وربما يباحُ كالذبيحِ ... يحلُّ أكلُهُ على الصحيحِ
والثان ليس في يديك المقدرةْ ... مثل الزوال في الصلاة الحاضرةْ
وإنما الأسبابُ مقصوداتُ ... لغيرها.. أي المسبَّبَاتُ
والسببُ المشروعُ ما أدى إلى ... مصلحةٍ وإن يكن فيه بلا
مثاله الجهادُ في الفيافي ... فربَّما أدى إلى إتلافِ
وغير مشروع كما أدى إلى ... مفسدةٍ مثل تبنِّي من خلا
ويقسم السببُ في تأثيرِهِ ... في الحكمِ قسمين على تحريرِهِ
مؤثّرٌ وذاك يدعى العلَّةْ ... كالسكرِ في التحريمِ فهو العلَّةْ
وغير ما أثَّر وهو الذي ... كالوقتِ ليس علةً لحكمِ ذي
وباعتبار نوعِ ما تسبَّبا ... فإنه قسمان فامْح الريبا
أولها لحكم تكليف ظهَرْ ... مثاله الصوم إذا هلَّ القمَرْ
والثانِ للحلِّ أو الملكيّة ... كالعتقِ والبيعِ كذا الزوجيَّة
وباعتبار مصدر العلاقَةْ ... بينهما أقسامُهُ ثلاثَةْ
أولها الشرعي وهو ما زكى ... من حكم شرعٍ كالصلاة والزكَا
وبعدها العقليُّ وهو ما نَتَجْ ... عن حكمِ عقلٍ كالنقيضِ في المحَجْ
والثالث العادي وهو ما جرى ... عرفٌ به أو عادةٌ بلا مرا
ولازم عند وجود السببِ ... حتماً له الوجود للمسبَّبِ
ولازمٌ عند انعدام السببِ ... حتماً له الزوال للمسبَّبِ
(1/106)

الشرط
والشرط ما الوقوف بالوجودِ ... للحكم شرعاً منه للوجودِ
وكان عنه خارجاً ويلزمُ ... من عدمِ الشرط لحكمٍ عدمُ
وإنه كالركن إلا أنهُ ... مختلفُ فافهمه وافهم فَنَّهُ
فالشرطُ جاءَ خارجَ الماهيَّةْ ... والركنُ جاءَ داخلَ الماهيَّةْ
ويلزمُ العدمُ من عدمِهِ ... كذلك السببُ في عدمِهِ
أما إذا وجدَ شرط لم يَجِبْ ... وجودُ حكم. فتعلَّمْ واستطِبْ
ويقسَمُ الشرطُ لدى ارتباطِهِ ... بسببٍ نوعين في احتياطِهِ
فحيث جاءَ مكملاً للسببِ ... فالحولُ مكملُ النصابِ فانجبِ
وقد يجيءُ مكملُ المسببِ ... كالستر مكملاً بلوغاً للصبي
وباعتبار جهة اشتراطِهِ ... نوعان. فالشرعي لارتباطِهِ
بالشارعِ العليِ كالأحكامِ ... وسائر الحدود والصيامِ
وبعده الجَعْليّ وهو ما اشتُرِطْ ... من المكلف الذي له اشتُرِطْ
كالمهرِ في تقديمِهِ في فعلِهِ ... والبيع في استلامه ونقلِهِ
وشرطه إن جاء أن يوافقا ... للشرعِ مثلَ البيع حيث أطلقا
وباعتبار نوع ما يربطه ... بكل مشروط ثلاث عَدُّه
أولها الشرعيُّ كالوضوءِ ... شرط الصلاة بعد ما طروءِ
وبعده العقليُّ من عقولنا ... نتاجُهُ كالفهمِ في تكليفنا
ثالثها العاديُّ وهو ما نَتَجْ ... عن عادة كالنارِ تكوي من وَلَجْ
فهل يُرى تكليفُهُ بالحكمِ ... مع فقده لشرطِهِ؟ خلفٌ نُمِيْ
مثاله هل خوطبَ الكفارُ ... بالفرعِ من تشريعِنا.. فاحتاروا
فقيل بالصحة للتكليفِ ... والشرط لم يحصل بلا تخفيفِ
قاسوه بالجنبِ في تكليفِهِ ... بكل فرضٍ.. ثم في تعنيفِهِ
في الذكر للكفار عند تركهم ... أمْرَ الصلاةِ رغم حالِ كفرهِمِ
وخالف الأحناف في اشتراطهم ... لسائر الكفار إيماناً لهم
وما رآه الأولون أرجحُ ... دليلهم منمّقٌ موضَّحُ
(1/106)

المانع
والمانعُ الوصفُ الجليُّ المنضبِطْ ... كالقتلِ في الميراثِ حيثُ يختلِطْ
ويلزمُ العدمُ من وجودِهِ ... أفتِ به لكلِّ مستفيدِهِ
ولم يجبْ من عدمٍ له عَدَمْ ... ولا وجودٌ.. فتعلم لا تُنَمْ
ويقسم المانع في تأثيرِهِ ... عليهما قسمين في تحريرِهِ
أولها لحكمة النقيضِ ... كالترك للصلاة في المحيضِ
فربما اجتمع بالتكليفِ ... مثل المثال السابق الظريفِ
وربما لم يجتمع به كما ... في النوم والجنون.. فابقَ مسلما
وربما ينقلبُ اللزومُ ... مخيَّراً.. مثالُهُ السقيمُ
والثان ما أخل حكمةَ السببْ ... فالدينُ في الزكاةِ أبطلَ السببْ
والحنفيُّ قسَّمَ الموانعا ... لخمسةٍ فكن لديَّ سامعا
ما يمنع انعقادَ أيِّ سببِ ... كبيعِ حرٍّ أو كإفتاءِ الصبي
والثانِ ما يمنعُ من تمامِهِ ... كبيعِ ذي الفضولِ غيرَ مالِهِ
ثالثها يمنعُ بدءَ الحكمِ ... مثلَ خيارِ الشرطِ للمسلَّمِ
رابعُها يمنعُ من تمامِهِ ... مثلَ خيارِ العينِ في إلمامِهِ
والخامسُ المانع من لزومِهِ ... مثل خيارِ العيبِ في لزومِهِ
(1/106)

الصحيح وغير الصحيح
وعرفوا الصحيحَ دونَ ريبَةْ ... ترتُّبُ الثمرةِ المطلوبَةْ
شرعاً عليهِ منه أي ترتبتْ ... آثارُهُ كامِلَةً وأوجبتْ
وغيره ما لم ترتَّبْ بعدَهُ ... آثارُهُ فافهمْ لهذا عنَدهُ
فما مضى يقال عنه الباطل ... لكلِّهم.. والحنفي قائل
يغايرُ الفسادُ بطلاناً، ولم ... يميزِ الجمهورُ في تعريفِهِمْ
(1/106)

العزيمة والرخصة
في الأصلِ ما شرعَ للأنامِ ... جميعِهم بدءاً من الأحكامِ
فإنه عزيمةٌ مبيَّنَةْ ... وما سواه رخصَةٌ معيَّنَةْ
وطالما لم يطرأِ الترخيصُ ... عليه فهو الأصلُ والتنصيصُ
وفي العزيمة من الأنواعِ ... أربعةٌ تظهر باطِّلاعِ
فالأول الغالب وهو ما شُرِعْ ... من أول الأمر لكل متَّبِعْ
والثان ما شرع للطَّوارئِ ... كالنهيِ عن سبِّ أولي التناوءِ
والثالثُ النَّاسخُ للَّذي سَبَقْ ... فالنَّاسِخُ العزمُ..على هذا اتَفَق
رابِعُها استثني مِمَّا قَدْ حُكِمْ ... كقولِهِ لدى الزَّواجِ ما عُلِمْ
(والمحصناتُ مِنَ نِساءٍ إلاَّ ... ما ملكَتْ أيمانُكم) أَحَلاَّ
والرُّخْصةُ الحكْمُ الذي أثبتَّهُ ... خلاف أصلٍ لدليلٍ سُقْتَهُ
سبَّبَهُ عذرٌ مبيحٌ كالَّذي ... أتاهُ عمَّارُ بنُ ياسِرَ فذِيْ
وتشَملُ الأحكامَ كُلَّها سِوَىْ ... حكمَ المحرَّماتِ فاترُكِ الهَوَىْ
فالواجبُ الأكلُ لِمَنْ يُضْطَرُّ ... لميتةٍ بذاكَ قَد أقَرُّوا
والنَّدبُ كالقصرِ لمن يُسافِرُ ... ثمَّ المُباحُ والطبيبُ ناظِرُ
والرابعُ المكروهُ كالنُّطْقِ بِما ... يكْفُر فيهِ ظاهِراً إنْ أُرْغِما
وتُجْعَلُ الرُّخصةُ أنواعاً على ... أَرْبعةٍ فافهَمْ لما قد أُجْمِلا
أوَّلُها ما أسْقَطَ التكليفا ... عن العِبادِ ثُمَّ لَمْ يَحيفا
عنْ كونِه في أصلهِ محرَّما ... كالأكْلِ للميتَةِ إن تحتَّما
ورجَّحوا الأّخْذَ بها إلاَّ إذا ... أُرغِمَ أنْ يكفُرَ فليقْتَل إِذاً
والثانِ ما جَعَلَهُ مُباحاً ... مع قيامِ سَبَبٍ صُراحاً
معَ التَّراخي موجبٌ لحكمِهِ ... كالفِطْر في سفرِهِ في يومِهِ
فها هُنا العزيمةُ المُفَضَّلَهْ ... إلاَّ إذا عمَّا يُهِمُّ أشْغَلَهْ
والثالثُ المَنْسُوخُ مِنْ شرعِ الألى ... فهو مجازاً رخصةٌ قَدْ جُعِلا
ولا يجوزُ فِعْلُها تشْرِيعَاً ... فكُنْ لما أذكُرهُ سَمِيْعَاً
واعتبَرَ الأحنافُ حكْمَ القَصْرِ ... مجازَ رخصةٍ فذاكَ فانْظُرِ
ولا يجوزُ عندَهُمْ أَنْ تُكْمِلا ... فالرُّخْصَةُ التي بها تَنَزَّلا
واختلَفوا أَيُّهما يُفَضَّلُ ... والشَّاطبِي لَخَّصَ ما تَوَصَّلُوا
فقالَ فِيمَنْ رجَّحُوا العَزيمَةْ ... دليلُهُمْ حقاً عظيمُ القيمَةْ
فأَوَّلاً ثبوتُها بالقَطْعِ ... وتثبتُ الرخصةُ فيها فاسمَعِ
وثانياً عمومُها إِطلاقاً ... والرخصُ عارِضٌ بها اتِّفاقَاً
وأمرُهُ بالصَّبْرِ مثلُ أمرِهِ ... بِها كما النَّبِيُّ عندَ صَبْرِهِ
وأخذُها يَقضي على الذَّرَائِعِ ... وتَرْكُها يُفْضِي إلى التَّمَايُعِ
والأَصْلُ في الشَّرائِعِ التكليفُ ... لا الهونُ والإِسفافُ والتَّخْفيفُ
أمَّا الذينَ أخَذُوا بِالرُّخْصَةِ ... فَذَلَّلُوا مثلَهُمُ بخمْسَةِ
فالظَنُّ كالقَطْعِ لدى الأَحكامِ ... في شرعةِ القرآنِ والإِسْلامِ
وإنَّما يُقَدَّمُ المُخَصَّصُ ... على العمومِ هكذا قد نصَّصُوا
وأَنَّ هذا الدِّينَ يُسْرٌ فيهِ نَصْ ... وربُّنا يُحِبُّ أَنْ تُؤتَى الرُّخَصْ
وأنَّ قصدَهُ بِها التخفيفُ ... فاعمَلْ لما يقصدُهُ اللَّطيف
وتركُها يُودِي إلى السآمَةِ ... وفِعلُها الكفيلُ بالسَّلامةِ
وإِنَّما التَّرجيحُ مِثْلَمَا تَرَى ... فَقَدِّرِ الشِّقَةَ وارفَعِ المِرَاْ
(1/106)

الحاكم
والحاكِمُ الحقُّ هُوَ الإِلَهُ ... فاحكُمْ بِهِمْ كما أرادَ اللهُ
وربَّما يَظْهَرُ في القرآنِ ... أو في كلامِ السَّيِّدِ العَدْنَانِ
أو في اجتهادِ العُلماء بَعْدَهُ ... فكلُّهم يبيِّنونَ قَصْدَهُ
وجاءَ في قُرآنِنَا مُفصَّلاً ... أجْمَلَهُ الرَّحمنُ ثُمَّ فَصَّلاْ
وجائِزُ إطلاقُهُ أيضاً على ... مَنْ أظهرَ الأَحكامَ أو مَنْ فَصَّلاْ
فالحاكِمُ الفَصْلُ هُوَ التَّشْرِيْعُ ... وذاكَ بعدَ أَنْ أتَى الشَّفيعُ
واختَلفوا قبلَ مجيءِ المُصطَفى ... فقيلَ لا حاكِمَ مُطلقاً وَفَىْ
أمَّا الذينَ اعتَزَلوا فأكَّدُوا ... بأنَّهُ العقلُ كما قَدْ فندُوا
وسَبَبُ الخلافِ أمرُ الحُسْنِ ... والقبحِ في العقلِ فَدعْكَ مِنِّيْ
وهَل يحاسبُ أهالي الفَتْرةِ ... فيهِ خلافٌ هائِلٌ فأثْبِتِ
فالأشعريونَ نفوا تكليْفَهُمْ ... فَهُمْ سواءٌ محسنٌ مسيئُهُمْ
والحُسْنُ والقبحُ مِنَ الشَّرْع عُرِفْ ... وليس بالعقلِ كما بِذَا وُصِفْ
وخالَفَ الجماعة المُعتزلَةْ ... ونُقِلَتْ مِنْهُمْ إِلينا المَسْأَلَةْ
فأوجَبوا تكليفَ كُلِّ عاقِلِ ... حتماً ولَوْ لَمْ يأتهِمْ مِنْ مُرْسَلِ
والحُسن والقبحُ مِنَ العَقْلِ عُرِفْ ... فالشَّرعُ تابعٌ لَهُ ومكتَشِفْ
والماتريديونَ جَاؤوا في الوَسَطْ ... فأوجَبُوا معرفَةَ اللهِ فَقَطْ
وما سوى ذاكَ مِنَ التكليفِ ... نَفَوْهُ عَنْهُمْ.. رحمةَ اللَّطيفِ
وليسَ حُسْنُ الفِعْلِ مارآهُ ... عَقْلٌ.. ولَكِنْ ما أرادَ اللهُ
وهكذَا فكُلُّهمْ قَدْ أَجْمَعُوا ... تكليفَ مَنْ تبلُغُهُ ويَسْمَعُ
واختلفوا في كُلِّ مَنْ لم تَتَّصِلْ ... بهم، نجاةً أَوْ هلاكاً مُتَّصِلْ
كذاكَ إِنَّ العقلَ هَلْ يعتَبَرُ ... مِنْ أُسُسِ التَّشْريعِ أَصْلاً؟.. نظروا
جعلَهُ كذلِكَ المُعْتَزِلَةْ ... رَفضَهُ أهلُ النُّهى والمَسْأَلَةْ
(1/106)

المحكوم فيه
تعريفُهُ فعلُ المُكَلَّفِ الذي ... تعلَّقَ الخِطابُ فيهِ فاحتَذِيْ
فرُبَّما يجيءُ تكْلِيفيَّاً ... وتارةً تجدُهُ وَضْعِيَّاً
واشتَرطوا عِلْمَ المكلفينَ بِهْ ... مفصَّلاً فاعرفْهُ حقاً وانتَبِهْ
واشتَرَطُوا معرفَةً بِالمَصْدَرِ ... وما رَضوْا جهلاً بذاكَ فاحذَرِ
واشترطُوا اختيارَهُ في فِعْلِهِ ... وتركِهِ.. لا مُلزماً بفعلهِ
فلا يُكَلَّفُونَ مُستحيلاً ... لِفِعْلِهِ لَمْ يَجِدوا سَبيلاً
ولاَ يكلفُونَ فعلَ غيرِهِمْ ... وتَرْكِهِمْ فأمرُهُمْ لِرَبِّهِمْ
ولا يُكَلَّفُونَ ما قَدْ فُطِرُوا ... دفعاً وجَلْباً.. إذْ هُمُ لَنْ يقدِروا
وأوِّلِ الظاهِر حيثُ وَرَدَاْ ... لمختَفٍ لهُ الإلهُ قَصَدَاْ
وأكثرُ الأحنافِ يشرطونا ... حصولَ شرطِ الشرع موقنينا
فهل جرى التكليفُ للكفارِ ... بالفرعِ في الدين؟.. خلافٌ جارٍ
وكُلِّفوا مشقةً معتادَةْ ... يفعلُها جميعهم بالعادَةْ
ورخِّصَتْ شديدةُ المشقَّةْ ... فضلَ الإله عند بعد الشُّقَّةْ
وقسِّمَ المحكومُ فيه حيثما ... نظرْتَ ما هِيَّتَهُ فمنه ما
رأيته وُجِدَ حسّاً وانتفى ... شرعاً كأكلٍ أو كشربٍ أو شِفا
وربما سُبِّبَ حكمٌ شرعي ... منه كما الزنا بأي وضعِ
وربما بالحسِّ والشرعِ وُجِدْ ... مثالُهُ الحجُّ إذا ما قد قُصِدْ
وربما بالحسِّ والشرعِ وجِدْ ... ورتبت عليه أحكامٌ تَرِدْ
مثالُهُ النكاحُ والإقالَةْ ... والبيعُ والتمليكُ والحوالَةْ
وجملةُ الأحنافِ قسَّموهُ ... حَسَبَ ما يضافُ رتَّبوهُ
أربعة أولُها للهِ ... مخلَّص ومالَه تناهي
عبادةٌ ليسَ بها مؤونَةْ ... وبعدها التي بها مؤونَةْ
ثالثها مؤونَةٌ وفيها ... معنى عبادةٍ تحلُّ فيها
رابعُها مؤونةٌ وفيها ... معنى عقوبةٍ تحلُّ فيها
خامسُها عقوبةٌ محققَةْ ... سادسُها قاصرةٌ منمقَةْ
سابعُها تدورُ معنى فيها ... عبادةٌ عقوبةٌ تحويها
ثامنُها حقٌّ تمامٌ قائمُ ... بنفسِهِ مثالُهُ الغنائمُ
أولُها الصلاةُ في الإسلامِ ... وبعدها الفطرةُ في الصيامِ
والثالثُ العشرِ ونصفُ العشرِ ... والرابعُ الخراجُ.. فافهم فكري
والخامسُ الزنا وقطعُ الصائلِ ... سادسُها حرمانُ كلِّ قاتلِ
سابعُها الكفارةُ المفروضَةْ ... ثامنها الغنائمُ المقبوضَةْ
وقِسْمُها الثاني لعبدِ الله ... فأمرُه لَهُ بلا نواهي
يسقطُهُ إن شاءَ أو يأباهُ ... وإن يشأْ يتركُهُ فذا هو
والثالث اجتماعها وإنَّما ... يغلبُ حقُّ ربنا فليعلما
والرابع اجتماعُها وإنما ... يغلب حقُّهم بها فليعلما
فالثالثُ القذفُ وذاكَ يعلَمُ ... والرابعُ القصاصُ وهو يفهَمُ
(1/106)

المحكوم عليه
تعريفه الشخصُ الذي تعلَّقَا ... خطابُ ربِّنا به محقَّقَا
واشترطوا في صحةِ التكليفِ ... شرطين فافهمْهُ ودَعْ تعنيفي
فالشرط أن يكون قادراً على ... فهم الدليل واضحاً أو مجملا
وأن يكون عاقلاً وفاهماً ... أي بالغاً أو خمسَ عشرٍ تمما
وزاد في السنِّ أبو حنيفَةْ ... ثلاثةً من بعدها تخفيفَا
ولا تكلِّفْ من به جنونُ ... وخُذْ فروعاً بعد ذا تكونُ
فكل من تصوَّرَ الخطابا ... لو كافراً مكلفٌ صوابا
وحيثما توجه الخطابُ ... إلى الصبيْ فالأصلُ والصوابُ
بأنه من الوليِّ يطلَبُ ... ومثلُهُ المجنونُ وهو المذهبُ
ولا يكلف الأعجام قبل أنْ ... يترجموه أو تصلهم المننْ
وشرطُهُ الثاني بأنْ يكُونَا ... أهلاً لما كلَّفَهُ يَقينَا
والأهلُ منْ يصلُحُ للإلزَامِ ... وصالحٌ أيضاً لِلالْتزامِ
وتقسم الأهليةُ اثنتانِ ... وجوبٌ أو أداءُ في البيانِ
وربما تكونُ في الوجوبِ ... ناقصةً كالطفلِ في النحيبِ
فتثبتُ الحقوقُ لَهْ ولا يَجِبْ ... عليه واجبٌ وأمرٌ مُطَّلِبْ
وتكمل الأهلية النقيصَةْ ... إذا أتى طفلا بلا نقيصَةْ
وتقسمُ الأداءُ أقساماً إلى ... ثلاثةٍ فخُذْ بياناً مجملا
عديمةٍ في الطفلِ حتى ميَّزا ... ومثلُهُ المجنونُ دوماً أُحرِزا
وناقصٌ في كلِّ معتوهٍ وفي ... كلِّ مميِّزٍ إلى أن يكتفي
وكامل الأهلية الذي بَلَغْ ... وكان عاقلاً فإنه بَزَغْ
وربما يعرِضُ للأهليَّةْ ... أمر يزيلها بلا بقيَّةْ
كالنومِ والجنونِ والإغماءِ ... كذلك الإكراهُ في البلاءِ
وربما أنقصَها مثلُ العَتَهْ ... فاقبلْه إن نفَعَهُ وزادَ لَهْ
وربما غيرَ بعضَ الحكمِ ... كَسَفَهٍ وغفلَةٍ ومَغرَمِ
(1/106)

خاتمة
وهكذا قد تمتِ المنظومَةْ ... نظمتُها واضحةً مفهومَةْ
أرجو بها الثوابَ والغفرانَا ... والعفوَ والإكرامَ والإحسانَا
وأرفع الشكرَ الجميلَ والثنا ... لكل من أنارَ دربَنا لنا
أولهم أستاذي المربي ... أنار لي دربي وأحيا قلبي
إمامُنا وشيخُنا كفتارو ... وصحبهُ الأفاضلُ الأبرارُ
كذاك للمؤصِّلِ الأصيلِ ... أستاذِنا محمد الزحيلي
جزاهم الرحمن خير ما جزى ... شيخاً به اقتدى المريد واحتذى
والحمد لله على التمامِ ... في البدء والموضوع والختامِ
(1/106)

سبحان ربك رب العزة عما يصفون
وسلام على المرسلين
والحمد لله رب العالمين
(1/106)