Advertisement

شرح الورقات في أصول الفقه الددو


الكتاب : شرح الورقات في أصول الفقه
المؤلف : محمد الحسن ولد محمد الملقب بـ"الددو" الشنقيطي
مصدر الكتاب : دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
http://www.islamweb.net
[الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 5 دروس] شرح الورقات في أصول الفقه [1]
إن لعلم أصول الفقه مكانة عظيمة بين العلوم الشرعية، فهو العلم الذي تعرف به مدارك الأحكام، وكيفية الاستنباط، فكان خير زاد لطالب العلم حتى ينفع نفسه ودينه وأمته.
ومن المعلوم أن على طالب العلم أن يسلك سلم التدرج في شتى الفنون، لذا كانت رسالة الورقات للإمام الجويني من خير ما يبدأ به المبتدئون في هذا الفن، وقد بدأ المؤلف رحمه الله بذكر تعريف أصول الفقه لفظاً ولقباً، ثم شرع في ذكر الأحكام الشرعية وشرحها.
(1/1)

أصول الفقه: أهميته، ومبدأ نشأته
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
هذا شرح ورقات إمام الحرمين في أصول الفقه، وهو تأليف صغير مختصر للتعريفات المبدئية في أصول الفقه، وضعه إمام الشافعية: أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني نسبة إلى جوينة من نيسابور، وقد ولد رحمه الله سنة (419هـ) ، وتوفي سنة (478هـ) ، وكان من مشاهير المتكلمين، والفقهاء الأصوليين، وقد ألف هذه الورقات لتكون مبدأً لطلاب العلم يعرفون به بعض مصطلحات أصول الفقه.
(1/2)

الكتاب والسنة يبحث فيهما من جهتين
أصول الفقه علم من أهم العلوم الشرعية؛ لأنه علم يتوصل به إلى فهم الكتاب والسنة وأخذ الأحكام منهما؛ وذلك أن الكتاب والسنة يبحث فيهما من جهتين: جهة الورود، وجهة الدلالة: أما جهة الورود فهي النقل، بمعنى: التحقق من ثبوت نسبة القرآن إلى الله، والتحقق من ثبوت الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بالرواية والإسناد.
وأما جهة الدلالة، فمعناها: ما يراد بهذا الكلام، أي: ما يريده الله من عباده بهذا اللفظ، وما يريده النبي صلى الله عليه وسلم من أمته بهذا اللفظ، وهاتان الجهتان لم يحتج الصحابة رضوان الله عليهم إلى بحثهما، أما جهة الورود فلسماعهم من النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم مباشرة، وأما جهة الدلالة فلأنهم أهل اللسان العربي على وجه السليقة، وكذلك لم تشتد حاجة التابعين إلى البحث فيهما.
أما جهة الورود فلسماعهم من الصحابة المعدلين بتعديل الله تعالى لهم؛ لأن الله تعالى يقول: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة:100] ، ويقول: {فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:96] ، فنفى عنهم الفسق بحلول الرضوان عليهم، وإذا انتفى عنهم الفسق وجب لهم ضده وهو العدالة؛ لأن المحل القابل للصفة لا يخلو منها أو من ضدها، ولم يحتج التابعون كذلك إلى البحث كثيراً في جهة الدلالة؛ لأنهم ما زالوا أهل اللسان العربي على وجه السليقة، ولم تختلط الحضارة العربية بعد بالحضارات الأخرى اختلاطاً مؤثراً، لكن حين جاء أتباع التابعين احتاجوا إلى البحث في الجهتين: أما جهة الورود فلأنهم لم يلقوا النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم، ولم يلقوا الصحابة المعدلين بتعديل الله، وإنما لقوا التابعين وفيهم العدول وغير العدول، فاحتاجوا إلى البحث في جهة الورود، واحتاجوا كذلك إلى البحث في جهة الدلالة؛ لأن الحضارة العربية قد اختلطت بغيرها من حضارات أهل الأرض، وتغيرت الأوضاع عما كانت عليه، فانتقلت المدنية التي كانت في الحضارات الأخرى إلى جزيرة العرب، وانتقلت العرب أيضاً عن جزيرتهم، وتغيرت لغتهم، وداخلها كثير من المجاز ومن اللغات الأخرى، فاحتيج -إذاً- إلى البحث في الدلالة.
ومن هنالك جاءت نشأة المذاهب، فليس للصحابة مذاهب ولا للتابعين مذاهب، وإنما بدأت المذاهب مع أتباع التابعين؛ للحاجة إلى البحث في هاتين الجهتين.
وعلم أصول الفقه: هو علم اقتصاد الشريعة، فعلم الاقتصاد في علوم الدنيا: هو العلم الذي يمكن من خلاله تغطية الحاجيات غير المحصورة من الموارد المحصورة، وعلم أصول الفقه: هو العلم الذي يمكن من خلاله تغطية النوازل والوقائع غير المحصورة من النصوص المحصورة، فآيات القرآن الكريم بالعد الكوفي: (6214) آية، وبالعد المدني: (6234) آية.
وآيات الأحكام منها خمسمائة آية، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي وصلت إلينا بالنقل لا تتجاوز ثلاثمائة ألف حديث، وأحاديث الأحكام منها لا تتجاوز أحد عشر ألف حديث، ومواقع الإجماع محصورة قليلة، ومع هذا فالنوازل والوقائع لا حصر لها، فكل يوم يتجدد منها الكثير، ولله تعالى حكم في كل مسألة، وإنما يؤخذ ذلك بالاجتهاد على طرق الاستدلال المعروفة والفهم، وإنما يتم ذلك بأصول الفقه، فلما كان هذا العلم بهذه المثابة؛ احتيج إلى وضع مؤلفات فيه تبين مصطلحات أصحابه، وتبين مرادهم بكثير من الأمور التي تخفى على من سواهم، وأول من جمع كتاباً مستقلاً في هذا العلم هو محمد بن إدريس الشافعي المطلبي القرشي رحمه الله، وقد ولد سنة (150هـ) وتوفي سنة (204هـ) ، وقد ألف فيه رسالته المشهورة، ثم بعده تتابع الناس على التأليف على هذا العلم.
(1/3)

مدرستا العلماء في أصول الفقه
وقد اشتهر فيه مدرستان: إحداهما تسمى بمدرسة الفقهاء، وهي التي أخذ بها فقهاء الحنفية، وتنطلق من الفتاوي والمسائل التي تروى عن الأئمة، فيجمعون منها حشداً كبيراً فيجعلون منه قاعدة.
والمدرسة الثانية: هي التي اشتهرت بمدرسة المتكلمين، وعليها سار فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة، وهي تنطلق من أصل القاعدة، فتمثل لها ببعض الفروع، ولا تذكر من الفروع إلا ما كان مثالاً للقاعدة فقط، وهذه الطريقة هي التي كثرت التآليف عليها، وقد حاول بعض المتأخرين الجمع بين الطريقتين فألفوا بعض الكتب التي تجمع بين طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية، وكثرت التآليف في أصول الفقه ما بين مطول ومختصر، ونظم ونثر، وهذه الورقات قد وضع الله لها القبول، فلاقت شهرة ورواجاً منذ عصر المؤلف إلى وقتنا هذا، ولم يزل الناس يشرحونها وينظمونها ويدرسونها ويحفظونها لأولادهم الصغار.
(1/4)

مقدمة الورقات
بدأ المؤلف رحمه الله بقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم) وذلك اقتداء بالقرآن الكريم، فإن الله افتتحه بالبسملة، وبعدها بحمد الله عز وجل، وشرح البسملة يطول الكلام فيه، وقد تعرضنا له في شرح بعض الكتب الماضية.
والمقصود هنا: أبدأ بسم الله الرحمن الرحيم.
أو: أؤلف بسم الله الرحمن الرحيم، أي: مستعيناً باسم الله الرحمن الرحيم.
قال رحمه الله: [هذه ورقات تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه، وذلك مؤلف من جزئين مفردين، أحدهما: الأصول والثاني الفقه] .
بهذه المقدمة افتتح كتابه للتعريف أولاً بالكتاب، فقال: (هذه ورقات) ، والورقات: جمع ورقة، وذلك للقلة، أي: أنها أوراق قليلة ولا يقصد بها التطويل والتكثير، وهي مع ذلك تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه.
فصول: الفصل ما اختص من العلم بما يجمعه، وغالباً ما تسمى الفصول لما يجتمع من مسائل العلم تحت باب واحد، فيفرق بحسب ما يجمعه إلى فصول، ولا يقصد بتلك الفصول المعروفة في الاصطلاح بهذا، وإنما يقصد بها مسائل من أصول الفقه، يهتم فيها أساساً بتعريف المقدمات الكبرى والاصطلاحات.
وقوله: (على معرفة) ، أي: على تعريف فصول من أصول الفقه، ثم بدأ ذلك بتعريف أصول الفقه، وقال (وذلك) أي: أصول الفقه (مؤلف من جزئين) أي: هذا الاسم مؤلف من جزئين، والمقصود بالجزئين هنا: الكلمتان اللتان ألف منهما المركب الإضافي، وهو أصول الفقه.
(من جزئين مفردين أحدهما الأصول) أي: أحد هذين الجزئين أصول، (والثاني الفقه) ، فهاتان الكلمتان منهما تألف اسم هذا العلم، فلهما تعريفان: تعريف بالمعنى الإضافي، وتعريف بالمعنى التركيبي، أما تعريفهما بالمعنى الإضافي فالمقصود به: تعريف الأصول بغض النظر عن إضافتها إلى الفقه، وتعريف الفقه بغض النظر عن إضافة الأصول إليه، ثم بعد ذلك التعريف يأتي التعريف بالمعنى اللقبي: وهو ما يدل عليه هذا الاسم.
(1/5)

تعريف أصول الفقه لفظاً ولقباً
فبدأ بتعريف هذين الجزئين، ومعنى قوله (مفردين) : أي: ليس واحد منهما مركباً، ولا يقصد الإفراد الذي يقابل التثنية والجمع، بل يقصد هنا أن كل واحد من هذين الجزئين غير مركب، فليس فيهما تركيب إضافي.
قال رحمه الله: [فالأصل ما يبنى عليه غيره] : بدأ بالجزء الأول وهو الأصول، فذكر أن الأصول: جمع أصل، وعرف الأصل فقال: هو ما يبنى عليه غيره، وهذا في الاصطلاح، والأصل في اللغة: هو ما يبنى عليه غيره من أساس الدار، وعلى ما ينبت عليه غيره كأصل الشجر.
قال رحمه الله: [والفرع ما يبنى على غيره] ذكر هنا مقابل الأصل وهو الفرع، وتعريفه في الاصطلاح: هو ما يبنى على غيره.
ثم عرف الفقه، فقال: [الفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد] .
الفقه: مصدر فقه إذا فهم، وهو في اللغة الفهم، ومنه قوله تعالى: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} [هود:91] أي: ما نفهم كثيراً مما تقول.
وفي الاصطلاح: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، وتعريفه هنا بالمعرفة: يقصد به الذي يقوم بنفس الفقيه، أي: الصفة التي تقوم بنفس الفقيه ليكون بها فقيهاً، وإذا أردنا تعريفه كعلم من العلوم قلنا: العلم المتعلق بالأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد، فنجعله قسماً من أقسام العلوم يتعلق بالأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد.
والأحكام: جمع حكم، وهو في اللغة: الإتقان، فيقال: أحكم الشيء.
أي: إحكاماً وحكماً إذا أتقنه، ومنه قوله تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود:1] .
ويطلق كذلك على الإمساك، فيقال: أحكم السفيه، إذا أمسكه عن سفهه ورده عنه، ومنه قول جرير: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا أبني حنيفة إنني إن أهجكم أدع اليمامة لا تواري أرنبا وهو في الاصطلاح: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه.
إثبات أمر لأمر: كـ (قام زيد ومات زيد) ، و (هذا واجب وهذا حرام) .
أو نفيه عنه: كـ (لم يقم زيد ولم يمت زيد) ، و (ليس هذا بواجب وليس هذا بحرام) ، فكل ذلك يسمى حكماً، وهو ينقسم باعتبار أصله إلى ثلاثة أقسام: إلى حكم شرعي، وحكم عقلي، وحكم عادي، فالذي يثبت أمراً لأمر أو ينفي أمراً عن أمر لا يخلو أن يكون شرعاً.
أي: وحياً منزلاً من عند الله عز وجل، وما صدر عنه يسمى بالأحكام الشرعية.
والشرع: معناه: البيان والإظهار، ويطلق أيضاً على الشرب، فيقال: شرع الأمر إذا بينه، ومنه شراع السفينة؛ لوضوحه وإظهاره، ويقال: شرعت الدابة إذا دخلت في الماء لتشرب منه، وتطلق الشريعة على الماء كماء الغدير أو البركة التي يشرب منه.
وهو في الاصطلاح: ما أظهره الله من الأحكام لعباده وهيئه؛ لأن يكون معيناً تشرب منه المقاصد والتفصيلات.
قال رحمه الله: [والحكم الشرعي: هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به] (خطاب الله) أي: هذا الذي يؤخذ منه الحكم الشرعي وهو الوحي.
(خطاب الله) ، أي: كلامه الموجه إلى عباده سواء أنزل بلفظه ومعناه كالقرآن والحديث القدسي، أو أنزل بمعناه فعبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بكلامه، وهو السنة النبوية، أو جاء دليله مجملاً وكلف المكلف بالاجتهاد في استنباطه واستخراجه، فاستخرجه العلماء، سواءً أجمعوا عليه فكان إجماعاً قطعياً، أو لم يجمعوا عليه فكان اجتهاداً قابلاً للقبول والرد.
(خطاب الله المتعلق بفعل المكلف) فخرج بذلك خطاب الله المتعلق بذات الله، كقوله تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة:255] فهذا في ذات الله وصفاته، وخرج كذلك خطاب الله المتعلق بذات المخلوق، كقوله تعالى: {خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات:96] خلقكم: هذا خطاب الله المتعلق بذات المخلوق.
(من حيث إنه مكلف به) خرج بها خطاب الله المتعلق بفعل المكلف لا من حيث إنه مكلف به، بل من حيث هو مخلوق لله، كقوله: {خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات:96] .
(وما تعملون) هنا: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف لا من حيث إنه مكلف به، بل من حيث هو مخلوق لله عز وجل.
والقسم الثاني: هو الحكم العقلي: وهو قضية، أي: أمر قابل للصدق والكذب لا يتوقف على شرع ولا على تجربة، إنما تؤخذ بالعقل المجرد، وعقول المكلفين متفاوتة، ودرجاتها متباينة، ولكن ما اتفق عليه من الإثبات والنفي هو حكم العقل، سواء كان ضرورياً أي: لا يحتاج في استنباطه إلى التأمل، أو كان نظرياً.
أي: يحتاج في استنباطه إلى تأمل.
والقسم الثالث: الحكم التجريبي العادي، وهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه بواسطة التكرر مع صحة التخلف، كما يحصل في إثبات أن عقاراً من العقاقير دواء لمرض محدد، فلم ينزل بذلك وحي ولا يقتضيه عقل، وإنما عرف من خلال التجربة والتكرار، فتكرر تجريبه على المصابين بهذا المرض، فلوحظ تأثيره فيهم جميعاً، فجعل علاجاً لذلك المرض، فهذا النوع هو الحكم العادي، ويمكن تخلفه بأن يستعمل مريض هذا الدواء فلا يستفيد منه شيئاً، ويستعمله آخر -مريض بنفس المرض- فيستفيد منه؛ وذلك بقدر الله سبحانه وتعالى، ومثل هذا: الإحراق في النار، فإن الأصل أن النار تحرق الأشياء القابلة للاحتراق إذا لامستها، بحصول الشروط كالملامسة وانتفاء الموانع، كانتفاء الحائل، وأن يكون الشيء قابلاً للاحتراق، ولكن ذلك يمكن أن يستثنى منه، فإبراهيم عليه السلام رمي في النار فما احترق؛ وذلك بقدر الله سبحانه وتعالى وقدرته، فهذه هي الأحكام.
قوله: (التي طريقها الاجتهاد) فالأحكام الشرعية منها ما يأتي صريحاً في الوحي بنص القرآن أو بنص السنة، فلا يكون طريق معرفته الاجتهاد، وإنما طريق معرفته الوحي، فهذا لا يسمى فقهاً، بل هو من الأمور المتفق عليها التي جاءت في النص، فمثلاً: وجوب الصلاة والزكاة، ووجوب الطهارة، وإباحة البيع وتحريم الربا وتحريم الزنا، هذه أمور نصية لا يمكن أن تنسب إلى مذهب من المذاهب؛ لأنها ليست من اجتهاد أحد من الناس، وإنما هي وحي من عند الله سبحانه وتعالى.
(التي طريقها) أي: طريق معرفتها.
(الاجتهاد) ، والاجتهاد في اللغة: بذل الجهد في أيّ شيء، فيقال: اجتهد فلان في السير، أي: عدا فيه وجد، ويقال: اجتهد في الأمر.
أي: بذل قصارى جهده فيه.
والاجتهاد في الاصطلاح: بذل الفقيه وسعه في تحصيل ظن بالأحكام مأخوذ من أدلتها، فهو مختص بمن كان فقيهاً أي: متصفاً بشروط الاجتهاد، وبمن بذل كل وسعه -أي: كل طاقته- للوصول إلى ظن، فلا يلزم القطع بالاجتهادات، بل لا يمكن القطع بها، وقد كان مالك رحمه الله يقول: {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} [الجاثية:32] ، فكل ما طريقه الاجتهاد يتعذر فيه القطع بتفاوت عقول الناس.
وقوله: (في تحصيل علم) أي: الوصول إليه بتحصيل ظن.
(بالأحكام الشرعية) : أي: بحكم شرعي قد جاء أصله في الوحي، ثم بذل الجهد في استخراجه واستنباطه.
(بالأحكام الشرعية من أدلتها) أي: أن يكون ذلك مأخوذاً من الأدلة، وهذا التعريف الذي ذكره هنا للقفه تعريف مختصر، وللأصوليين تعريف مطول وهو: الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلة.
الفقه إذاً: هو العلم بالأحكام الشرعية، والعلم هنا لا يقصد به القطع، بل يقصد به الفهم والإدراك، فيشمل ذلك القطعيات والظنيات.
(بالأحكام الشرعية) سبق تعريفها.
(العملية) فذلك مخرج للعقائد، فإن العلم بها علم بالأحكام الشرعية غير العملية، بل النظرية المكتسب بخلاف الموحى، فالوحي لا يكتسب إنما هو اختيار من عند الله.
(1/6)

تعريف الدليل وأقسامه
(من أدلتها) ، فاكتساب الأحكام لا يمكن أن يكون بالأوهام والتخمين، بل لابد فيه من الرجوع للأدلة، والأدلة جمع دليل، والدليل في اللغة المرشد، سواء أكان ذلك في الحسيات أو في المعنويات، فمن إطلاقه على الحسيات قول الشاعر: إذا حل دين على اليحصبي فقل له تزود بزاد واستعن بدليل سيصبح فوقي أقتم الريش واقعاً بقالي قلا أو من وراء دليل فالدليل هنا: هو الخريت الذي يعرف المسافات ويدل السائر فيها، ومن إطلاقه على المعنويات قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} [الفرقان:45] ، (جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) أي: علامة عليه مرشدة لوجوده.
والدليل في الاصطلاح: هو ما يوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري، ويمكن أن تقول: ما يتوصل بصحيح النظر فيه -أي: بالنظر الصحيح فيه- إلى العلم بمطلوب خبري، فالتوصل إنما يكون بصحيح النظر -أي: النظر الصحيح- والنظر حركة النفس في المعقولات، وحركتها بالمحسوسات تسمى (بالتخيل) .
فالنظر إذاً: هو التفكير، وهو صحيح وفاسد، فالصحيح من النظر: ما كان من الجهة التي يدل منها الدليل على مدلوله.
والفاسد من النظر: ما كان من الجهة التي لا يدل منها على مدلوله، فمثلاً: الذي يريد أن يعمل دولاباً من خشب، إذا بحث في الخشب من جهة قدمه أو حداثته، أو من جهة ملك فلان له، أو نحو ذلك، فهذا الوجه لا يوصل إلى المراد، لكن إذا بحث من جهة استقامة الخشب واعوجاجه، ولينه وقساوته، أدى هذا إلى المطلوب؛ لأنه الوجه الذي يعين على صناعة الدولاب منه.
(إلى العلم) أغلب إطلاق الأصوليين للدليل على ما يوصل إلى العلم أو الظن، وبعضهم يخص ما يوصل إلى العلم بهذا المصطلح: الدليل، ويطلق على ما يوصل إلى الظن الأمارة، ولكن ذلك في اصطلاح مندرس لم يسر عليه المؤلفون.
وقوله: (إلى مطلوب خبري) المطلوب: ما تتعلق به النفس، والمقصود به: الأمر الذي يكون -قبل إقامة الدليل- عليه دعوى، ووقت إقامة الدليل مطلوباً، وبعد إقامة الدليل نتيجة، فهو نتيجة ذلك الدليل.
وقوله: (خبري) منسوب إلى الخبر، فالكلام ينقسم إلى قسمين: إلى إنشاء وخبر، فالإنشاء: إيقاع معنىً بلفظ يقارنه في الوجود، كالطلب: قم اجلس وهكذا، فهذا إنشاء، والمعنى لم يوجد قبل قوله قم، ولا يتعلق به التصديق ولا التكذيب.
وأما الخبر: فهو التحدث عن أمر سبق التحدث عنه، كقول: قمت بالأمس، أو كنت قائماً في مكان كذا، أو ستقوم، فهذا تحدث عن أمر لا يقارن وجوده التحدث به، وهو قابل للتصديق والتكذيب، فالخبر كله يقبل الصدق والكذب بخلاف الإنشاء فلا يقبلها، والذي يحتاج إلى الدليل هو ما يقبل الصدق والكذب؛ لأن ما لا يقبل التصديق أو التكذيب لا يحتاج فيه أصلاً إلى الدليل، إنما يحتاج إلى الدليل فيما يقبل التصديق والتكذيب، فلهذا قلنا: (إلى مطلوب خبري) .
والأدلة تنقسم إلى قسمين: إلى أدلة إجمالية وأدلة تفصيلية، فالأدلة الإجمالية هي أجناس الأدلة: كالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
والأدلة التفصيلية: هي جزئيات هذه الأجناس، فمثلاً: الأدلة التفصيلية من الكتاب مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6] ، فهذا دليل على وجوب غسل الوجه في الوضوء، والآية هي دليل وجوب الوضوء وهكذا، فهذا دليل تفصيلي لا دليل إجمالي.
والفقه إنما يؤخذ من الأدلة التفصيلية، فهي التي يبحث فيها في علم الفقه، وأما أصول الفقه فإنما يتعلق البحث فيه بالأصول الإجمالية، والبحث فيه عن الكتاب كجنس للأدلة التفصيلية، والسنة كذلك وهكذا.
إذاً: هذا تعريف الفقه، وبه يعرف أصول الفقه، فأصول الفقه -إذاً- بالمعنى اللقبي: هو العلم بالأدلة الشرعية الإجمالية وطرق الاستفادة منها وحال المستفيد.
وإذا أردت الصفة التي يتصف بها الأصولي فتقول: هو العالم بالأدلة الشرعية الإجمالية وطرق الاستفادة منها وحال المستفيد.
إذاً: هذا معنى أصول الفقه في المعنى اللقبي أنه: العلم بالأدلة الشرعية الإجمالية، أي: أجناس الأدلة، وطرق الاستفادة منها، أي: طرق أخذ الأحكام منها، وهذا يدل على أن الأحكام أيضاً تبحث في أصول الفقه.
وحال المستفيد، أي: حال الذي يأخذ الأحكام من الأدلة وهو المجتهد.
إذاً: هذه ثلاثة أمور ينتظمها أصول الفقه في الاصطلاح: أولاً: الكلام في الأدلة نفسها.
ثانياً: الكلام في طرق دلالتها على الأحكام.
ثالثاً: الكلام في شروط آخذها من الأحكام وهو (المجتهد) .
(1/7)

الأحكام الشرعية وأقسامها
وقد اختلف في موضوع أصول الفقه، فقيل: هو الأدلة الشرعية، وقيل: هو الأحكام الشرعية، والواضح أنه جامع للأمرين، فهو الأدلة الشرعية الإجمالية والأحكام الشرعية كذلك؛ لأن الأمرين يبحث فيهما في أصول الفقه، ولهذا بدأ هو بالأحكام فقال: (الأحكام الشرعية) ، عقد هذا الباب لبيان أقسام الحكم الشرعي.
قال: [والأحكام سبعة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمحظور، والمكروه، والصحيح، والباطل] .
والأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول يسمى: بالأحكام التكليفية، والقسم الثاني يسمى: بالأحكام الوضعية.
أما الأحكام التكليفية: فهي ما يكلف الله به الناس طلباً أو نهياً، طلباً لفعل أو تركاً أو تخييراً بينهما، فالطلب إما أن يكون جازماً أو غير جازم، فالجازم: هو الذي يسمى بالإيجاب، وغير الجازم: هو الذي يسمى بالندب، وطلب الترك إما أن يكون جازماً أيضاً، فهذا الذي يسمى بالتحريم، أو أن يكون غير جازم، وهذا الذي يسمى بالكراهة، والتخيير: هو الذي يسمى بالإباحة.
فهذه الخمسة هي الأحكام التكليفية وهي منسوبة إلى التكليف، والتكليف: هو طلب ما فيه كلفة.
أي: أن يطلب الشارع من عبده ما فيه كلفة.
أي: مشقة، وهي مشقة الامتثال، ولا يقصد بها أن كل ما يكلفنا الله سبحانه وتعالى به فيه مشقة، فالمشقة بمعنى ما لا يقدر عليه مرفوعة أصلاً؛ لقوله تعالى: {مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78] ، وحصول المشقة يقتضى التيسير في الأحكام الشرعية، وإنما يقصد هنا: أن في ذلك طلباً لأمر لم يكن المكلف يفعله من تلقاء نفسه وإنما يفعله طاعة لله سبحانه وتعالى، ففيها التماس للطاعة التماس للقرب من الله تعالى، فهذا معنى كونها تكليفاً بما فيه مشقة.
وقد اختلف الناس في التكليف: هل هو إلزام ما فيه كلفة، أو طلب ما فيه كلفة؟ فمنهم من يعرفه بالإلزام؛ وذلك مقتضٍ لخروج المباح فليس فيه إلزام، ولخروج المندوب فليس فيه إلزام، ولخروج المكروه فليس فيه إلزام، فيدخل الواجب والمحرم فقط.
وبعضهم يقول: هو طلب ما فيه كلفة، وهذا يدخل الصبي؛ فإنه يطلب منه أداء الواجبات على وجه الندب، وترك المحرمات على وجه الندب أيضاً، فالمحرمات في حقه مكروهة، والواجبات في حقه مندوبة، وليس هو ملزماً بذلك؛ لأنه غير مكلف، فإذا قلنا: التكليف: هو إلزام ما فيه كلفة، فإنه يخرج منه المندوب والمكروه والمباح، وإذا قلنا: التكليف: هو طلب ما فيه كلفة، فإن ذلك يقتضي أن يكون الصبي مكلفاً، وكلا الأمرين غير صحيح، فلا يقصد بالإلزام هنا معناه المتبادر، وإنما يقصد به أن يكون ذلك مما يقصد به التعبد والطاعة.
قال: (والأحكام سبعة: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه) وهذه في الواقع: هي متعلق الأحكام، فالحكم هو الخطاب، أي: الإيجاب والندب والإباحة والحظر الكراهة، فهذا هو الخطاب، أما متعلقه: فهو الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه.
(1/8)

أقسام الخطاب الوضعي المستقل
فالمستقل أربعة أقسام هي: السبب، والعلة، والشرط والمانع.
أما السبب: فهو ما جعله الشارع علامة على الحكم، على وجود الحكم التكليفي، ولم يدرك العقل وجه ترتيبه عليه: كزوال الشمس سبب لوجوب صلاة الظهر، وكغروبها سبب لوجوب صلاة المغرب، والعقل لا يدرك العلاقة بين الزوال وصلاة أربع ركعات، وبين الغروب وصلاة ثلاث ركعات وهكذا، فهذا النوع هو السبب.
وقد عرفه القرافي: بأنه ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم؛ لأنه إذا وجد لزم أن يوجد ما علق عليه.
ومن عدمه العدم، أي: أنه إذا لم يوجد لم يصح حصول ما علق عليه، كدخول الوقت فإنه سبب لوجوب الصلاة، لكن إذا لم يدخل لا يمكن أن تؤدى وليست بواجبة، ويمكن أن يعرف: بأنه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، فلزوم الصلاة بدخول الوقت ليس بذات الوقت، إذ قد تدخل ولا تجب على الإنسان؛ لأنه غير مكلف -مثلاً- في ذلك الوقت بسبب عدم بلوغه أو بسبب إغماء أو جنون، أو بسبب تلبسه بمانع كالحيض والنفاس ونحو ذلك، فالسبب قد لا يلزم من وجوده الوجود دائماً لذاته، بل مع حصول الشروط وانتفاء الموانع، لكن يلزم من عدمه العدم، فإذا لم يوجد السبب لا يمكن أن يوجد الحكم كدخول الوقت مثلاً.
وأما العلة: فهي العلامة التي رتب الشارع الحكم التكليفي عليها، ويدرك العقل وجه ترتيبه عليها، كالإسكار علة لحرمة الخمر، والعقل يدرك وجه جعله كذلك، ووجه ذلك: أن الحفاظ على العقل من المقاصد الشرعية ومن ضرورات المكلفين، والخمر تذهب العقل؛ فلذلك يدرك العاقل وجه تحريم الشرع لشربها، ويعلم أن علة تحريمها أنها مسكرة.
أي: مزيلة للعقل.
وفي تعريف العلة اصطلاحاً يقال: (الوصف الظاهر) ؛ المنضبط الذي أناط الشارع به الحكم، فقوله: الوصف الظاهر: لأن العلة لا يمكن أن تكون أمراً خفياً لا يطلع عليه.
(المنضبط) أي: الذي يكون المكلفون فيه سواء، بخلاف الأمور التي لا تنضبط في المشقة، فلا يمكن أن تجعل علة لحكم لتفاوت درجاتها وتفاوت الناس فيها.
(الذي رتب الشارع عليه حكماً) ، أي: علقه به وأدرك المكلف وجه ترتيبه عليه.
وأما الشرط: فهو ما ربط الشارع بوجوده وجود الحكم التكليفي وبانتفائه انتفاءه، ولهذا عرفه القرافي: بأنه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته كالطهارة للصلاة، فإنه يلزم من عدمها العدم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث ما لم يتوضأ) ، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، فإذا توضأ الإنسان لا تجب عليه الصلاة، فليس الوضوء موجباً للصلاة لكن عدمه مبطل لها.
وأما المانع: فهو ما رتب الشارع على وجوده انتفاء الحكم، وقد عرفه القرافي أيضاً بقول: ما يلزم من وجوده العدم ومن عدمه الوجود -أو- ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، كوجود الحيض والنفاس، فالحيض مانع من الصلاة ووجوده مانع من وجوب الصلاة، وانعدامه ليس موجباً للصلاة دائماً، بل موجب لها بحصول الشروط والأسباب وانتفاء الموانع الأخرى.
(1/9)

أقسام الخطاب الوضعي التابع
وأما القسم التابع: فهو الصحة، والفساد، والعزيمة، والرخصة، والأداء، والقضاء، والإعادة، فهذه سبعة أقسام هي أقسام متعلق الخطاب الوضعي التابع للخطاب التكليفي.
أي: الذي لا يستقل بذاته.
فالصحة من أقسام متعلق الخطاب الوضعي، فيوصف بها الحكم الشرعي التكليفي، فتعلق الحكم التكليفي يوصف بالصحة ويوصف بالفساد والبطلان، فيقال: هذه الصلاة صحيحة أو باطلة، وهذا العقد صحيح أو باطل، ومثل ذلك العزيمة والرخصة، فيقال: هذا الحكم عزيمة وهذا الحكم رخصة، وسيأتينا تعريف ذلك.
فالصحة بمعنى موافقته للشرع، والبطلان بمعنى: مخالفته للشرع.
والعزيمة بمعنى: ثبات الحكم وعدم تغييره.
والرخصة بمعنى: تغيير الحكم إلى سهولة؛ بسبب عذر اقتضى ذلك مع بقاء سبب الحكم الأصلي، كأكل الميتة في حق من يخاف على نفسه الهلاك من الجوع، فهذا رخصة، فالحكم الشرعي الأصلي هو حرمة أكل الميتة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:3] ، وسبب تحريمها قائم وهو خبثها والضرر المترتب على أكلها، لكن الحكم الشرعي هنا تغير إلى سهولة؛ لعذر وهو جوع هذا الإنسان الذي أبيح له أكل الميتة، مع قيام سبب الحكم الأصلي الذي هو الخبث في الميتة.
وأما الأداء: فهو فعل العبادة في وقتها المحدد لها شرعاً.
وأما القضاء: فهو فعلها خارج وقتها المحدد لها شرعاً، وسيأتي الكلام في فعل بعضها في الوقت وبعضها خارج الوقت: هل يسمى أداءً أو قضاءً؟ فقيل: يسمى أداء باعتبار بدايتها، وقيل: يسمى قضاء باعتبار نهايتها، وقيل: ما في الوقت أداء، وما كان خارجه قضاء.
وأما الإعادة: فهي فعل العبادة ثانياً لخلل أو طلباً للأجر.
(فعل العبادة ثانياً) .
أي: بعد فعلها أولاً لخلل حصل فيها، كمن صلى إلى غير القبلة، فتلك الصلاة الأولى التي فعلها باطلة، فيصلها إلى القبلة في الوقت إعادة، وما كان منها لغير خلل كطلب الأجر، كمن صلى منفرداً ثم وجد جماعة في الوقت فأعاد تلك الصلاة مع الجماعة، ليس لأن صلاته الأولى باطلة، بل طلباً لزيادة الأجر، فهذه إذاً هي الإعادة، وهذه هي أقسام متعلق الخطاب الوضعي التابعة.
(1/10)

أقسام الخطاب الوضعي
قال: (والصحيح والباطل) .
وهذان القسمان من أقسام الخطاب الوضعي، والخطاب الوضعي في الاصطلاح: هو ما جعله الشارع علامة لغيره.
وأقسام متعلق الخطاب الوضعي اثنان: القسم الأول: ما كان مستقلاً، والثاني: ما كان تابعاً.
(1/11)

شرح أقسام الخطاب التكليفي
ثم شرح أقسام الخطاب التكليفي فقال: (فالواجب: ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه) .
(1/12)

المكروه
(والمكروه: ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله) .
المكروه في الأصل يطلق -قديماً- على المحرمات؛ لأن الله تعالى في سورة الإسراء ذكر بعض المحرمات فقال: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء:38] وفي القراءة الأخرى: (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِئَةً عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) فالمكروه هنا بمعنى الحرام، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المحرم والمكروه في بعض الأحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم: (إن ربكم حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) ، فهذا الحديث يفهم منه التفريق بين التحريم والكراهة، وقد عرف المصنف المكروه بأنه: ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله.
فالمكروه من تركه تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى يثاب على ذلك الترك، ومن فعله لا يعاقب على فعله؛ لأن الشارع لم ينه عنه نهياً جازماً، وهذا التعريف مثل التعريفات السابقة يمكن أن يعترض عليه، بأن المكروه قد يتركه الإنسان بغير نية التقرب فلا يثاب على تركه، فالأولى في تعريف المكروه أن يقال: هو ما نهى الشارع عنه نهياً غير جازم.
(1/13)

المحظور
(والمحظور: ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله) .
المحظور: في الأصل مشتق من الحظيرة.
أي: الذي جعل الشارع عليه حظيرةً، والمقصود به المحرم الذي أحاطت به حدود الله التي لا يحل تعديها: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} [البقرة:229] ، والله تعالى يقول: {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء:20] أي: ممنوعاً لا يمكن الوصول إليه، بل هو مبسوط للناس.
ثم عرف الحرام بقوله: (ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله) ، فمن فعله يعاقب على ذلك كشرب الخمر ونحو ذلك من المحرمات، ومن تركه يثاب على تركه، ومن فعله يعاقب على فعله، وهذا التعريف مثل تعريفاته السابقة يعترض عليه، بأنه قد يتركه الإنسان من غير نية فلا يثاب على ذلك، وقد يفعله مكرهاً أو مضطراً فلا يعاقب على ذلك.
فالأولى في تعريف الحرام أن يقال: هو ما طلب الشارع تركه طلباً جازماً.
(1/14)

الواجب
هذا تعريف للواجب بخاصة من خصائصه، وهو: أنه يترتب الثواب على فعله ويترتب العقاب على تركه كالصلاة، فمن فعلها يثاب عليها الثواب الجزيل العظيم، ومن تركها يعاقب على تركها العقاب العظيم.
إذاً: فهي واجبة، ولكن هذا التعريف هو تعريف بالخاصة لا بالفصل، فهو رسم ويتعلق بأمر خفي؛ لأن الثواب والعقاب كلاهما أخروي، فيمكن أن يصلي الإنسان صلاة ولا يثاب عليها؛ لأنه فعل ذلك رياءً أو كان غافلاًَ عن صلاته غير حاضر فيها، فيمكن أن لا يثاب على فعله، ويمكن أيضاً أن لا يعاقب على تركه، كمن يتركها مكرهاً أو عاجزاً فلا عقاب حينئذٍ، فلذلك مقصوده عند حصول الشروط وانتفاء الموانع.
والأولى في تعريف الواجب ما ذكرناه: ما أمر الشارع به أمراً جازماً، أو ما طلب الشارع من المكلف فعله طلباً جازماً.
(1/15)

المندوب
ثم قال: (والمندوب: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه) .
فالمندوب: هو ما يثاب على فعله، فيتعلق بفعله الثواب عند الله عز وجل ولا يعاقب على تركه، فمن تركه لا يعاقب على ذلك؛ كالرواتب والنوافل، كلها يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، وهذا التعريف مثل سابقه، تعريف بالرسم، وقد بينا وجه الاعتراض عليه؛ لأنه يمكن أن يفعله الإنسان رياءً أو غير حاضر فلا يثاب عليه، ويمكن أيضاً أن يفعله مكرهاً عليه أو نحو ذلك فلا يثاب عليه.
(1/16)

المباح
(والمباح: ما لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه) .
المباح: ما لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه؛ لأن الإنسان فيه بالخيار إن شاء فعل وإن شاء ترك، ولكن الواقع أن هذا التعريف مثل سابقه فيه خلل، فالمباح إذا فعله الإنسان بقصد استباحة ما أحل الله له، وأخذ نعمة الله عليه فإن ذلك سبب للثواب، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: نعم.
أرأيتم إذا وضعها في حرام أكان عليه وزر؟! فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر) .
ولكن الأمر مرتبط بالنية، فإذا نوى الإنسان استحلال ما أحل له، والاستغناء به عن الحرام فيثاب بهذه النية، وإذا لم ينوِ ذلك لم يثب على فعله ولا يعاقب على تركه مطلقاً.
(1/17)

شرح بعض الأحكام الوضعية
ثم عرف بعض الأحكام الوضعية، فقال: (والصحيح ما يتعلق به النفوذ ويعتد به) .
(1/18)

الباطل
قال: (والباطل ما يتعلق به النفوذ ولا يعتد به) .
عرف الباطل بأنه ما لا يتعلق به النفوذ.
أي: لا يكون الحكم معه نافذاً، فلا يسقط الخطاب السابق، كمن صلى صلاة باطلة بغير طهارة مثلاً، فإن ذلك لا يسقط عنه الصلاة؛ لأن الشارع لا يعتد بها أصلاً، ومثل هذا العقد الباطل التزوج بالخامسة مثلاً أو نحوها، فهذا النكاح باطل لا يتوقف عليه التوارث، ولا وجوب الصداق، ولا جواز الاستمتاع، ولا تلزم به الحقوق كالنفقة والسكنى.
(1/19)

الصحيح
فالصحيح: ما يتعلق به النفوذ، أي: ينفذ ويلزم ترتب أثره عليه.
ويعتد به، أي: يعتبر قائماً شرعاً فيسقط التكليف عن المكلف بالفعل إذا أداه على ذلك الوجه، فالصلاة الصحيحة يعتد بها فلا تلزم إعادته إذ هي صحيحة.
والصحيح في اللغة: معناه السليم من المرض الذي ليس فيه عيب، ومنه قول الشاعر: وليل يقول المرء سواء صحيحات العيون وعورها (صحيحات العيون) ، أي: السليمات المبصرات.
(وعورها) ، أي: اللواتي لا تبصر، والصحيح توصف به العبادة والعقد، فيقال: هذه عبادة صحيحة.
أي: رافعة للتكليف بها، وحينئذ يوافقها الإجزاء، والإجزاء بمعنى: أنه لا يطلب إعادة تلك العبادة ولا قضاؤها؛ لأنها صحيحة.
(ويوصف به العقد فيقال: هذا بيع صحيح أو نكاح صحيح) .
ومعنى ذلك: أنه يترتب عليه الأثر، فالبيع الصحيح أثره: ملك البائع للثمن وملك المشتري للسلعة، والنكاح الصحيح يترتب عليه: جواز الاستمتاع وملك الزوجة للصداق، وترتب الحقوق التي تترتب على النكاح الصحيح من الإرث ووجوب النفقة والسكنى وغير ذلك.
(1/20)

تعريف العلم والجهل
قال: (والفقه أخص من العلم) .
هذه بعض المصطلحات التي يقدم بها الأصوليون بين يدي البحث في هذا العلم، فيذكرون تعريف العلم والجهل وغير ذلك، فقال: والفقه أخص من العلم، أي: أن الفقه في الاصطلاح: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلته التفصيلية، فهو أخص من العلم؛ لأن العلم يشمل العلم بالأحكام الشرعية، والعلم بالأحكام العادية، والعلم بالأحكام العقلية، والعلم بغير الأحكام أصلاً، ويشمل أيضاً العلم بالأحكام الشرعية النظرية غير العملية، والعلم بالأحكام الشرعية العملية غير المكتسبة؛ كل ذلك يشمله العلم ولا يشمله الفقه.
وعرف العلم بقوله: (والعلم: معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع) فالعلم: هو معرفة المعلوم.
أي: ما يتعلق به العلم على ما هو به.
أي: على حقيقته وصفاته.
(في الواقع) ، أي: الحاصل.
والمقصود: أن معرفة الشيء على حقيقته تسمى علماً به، أما معرفة الشيء على غير حقيقته -كمعرفته باعتقاد أمر غير واقع فيه- فيعد من الغلط والجهل به، فلا يسمى ذلك علماً.
وذكر المعلوم في هذا التعريف مقتض لحصول الدور؛ لأن العلم لا يعرف إلا بتعريفه وتعريفه فيه المعلوم، والمعلوم لا يعرف إلا بالعلم، فيقتضي هذا الدور؛ فلذلك لا يمكن أن يعرف الشيء بما تتوقف معرفته على معرفته، فيمكن أن يقال في تعريف العلم: معرفة الشيء على ما هو عليه، أو على ما هو به في الواقع.
قال: (والجهل: تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع) العلم خلافه الجهل، والجهل يطلق على خلاف العلم وخلاف الحلم، فيقال: هذا جاهل.
بمعنى: غير عالم، ويقال: هذا جهول.
أي: صاحب نزق وخفة وطيش ونقص عقل، الأول من الجهل الذي هو خلاف العلم، والثاني من الجهل الذي هو خلاف الحلم.
والجهل في الاصطلاح: هو تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع، إذا كان الإنسان يتصوره، وهذا النوع من الجهل هو الذي يسمى بالجهل المركب، فالجهل قسمان: عدم تصور الشيء أصلاً، وهذا الجهل البسيط، وتصوره على خلاف ما هو عليه، وهذا الجهل المركب، فكون الإنسان يظن أن الفقه هو علم الحساب فهذا جهل مركب؛ لأنه تصور هذا العلم على خلاف ما هو عليه، وكونه لا يعرف مدلول الفقه -أصلاً- فهذا هو الجهل البسيط.
(1/21)

شرح الورقات في أصول الفقه [2]
ينقسم العلم إلى قسمين: ضروري، ونظري، وله أربع مراتب: أعلاها اليقين، ثم الظن، ثم الشك، ثم الوهم.
أما الكلام فينقسم إلى: خبر، وإنشاء.
ومن وجه آخر ينقسم إلى: حقيقة، ومجاز.
وللأمر تعريف وصيغة، وقد لا يدل على الوجوب لقرينة حالية أو مقالية، ولا يقتضي التكرار ولا الفورية.
كذا النهي له تعريف وصيغة، وقد لا يدل على التحريم لقرينة حالية أو مقالية.
(2/1)

أقسام العلم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد قال المصنف: [أقسام العلم] .
عقد هذا الباب لبيان تقسيمات العلم وتعريف أقسامه، بعد أن عرف العلم وما يقابله وهو الجهل.
فقال: [والعلم الضروري: ما لا يقع عن نظر واستدلال، كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس] .
فقسم العلم هنا إلى ضروري ونظري.
(2/2)

نسبته إلى غيره من العلوم
وكذلك نسبته إلى غيره من العلوم: فنسبة أصول الفقه إلى غيره من العلوم نسبة العموم والخصوص الوجهي؛ لاشتراكه مع بعض هذه العلوم في بعض الأبحاث، ولانفراده بكثير من البحوث التي يختص بها، فبعض الأبحاث تجدها في أصول الفقه وفي علم البلاغة، وبعضها تجدها في أصول الفقه وفي علم التفسير، وبعضها في أصول الفقه وفي علم الحديث وهكذا.
فمثلاً: الكلام على تعريف القرآن وبيان المتواتر منه وغير المتواتر هذا يدرس في أصول الفقه وفي علم القراءات والتفسير، والكلام على السنة بتعريفها وطرق نقلها وشروط الناقل، وما يشترط له من العدالة والضبط، كل ذلك يدرس في أصول الفقه وفي مصطلح الحديث، وكذلك الكلام في الحقيقة والمجاز مما يدرس في أصول الفقه ويدرس في علم البلاغة، وكذلك الأمر والنهي وهكذا.
(2/3)

فضله وفائدته
وأما فضله: فقد سبق ذلك في المقدمة التي قدمناها، وفائدته: هي الفهم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وسير الإنسان على بصيرة من أمر دينه، بحيث لا يكون مقلداً تقليداً أعمى، واسم هذا العلم هو: أصول الفقه أو علم الأصول، ومسائله: وهي هذه التي ذكرها هنا في قوله: (وأبواب أصول الفقه) .
هذه هي المقدمات العشر التي يفتتح الناس بها العلوم للتعريف بها.
(2/4)

مراتب العلم
قال: [والظن: تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر] .
بالنسبة للعلم ينقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأول منه: اليقين: وهو الذي يقتضي حصول تمام العلم، بحيث لا يبقى الإنسان متردداً في معلومه، ويليه الظن: وهو حصول جمهور العلم، بحيث يكون الحصول أرجح لدى الإنسان من خلافه.
والشك: هو استواء الطرفين، فيبقى الإنسان متردداً بين الأمرين، واقفاً بينهما حائراً.
والوهم: هو مقابل الظن.
أي: الاحتمال المرجوح؛ فإن كانت الاحتمالات كلها على وجه واحد كان ذلك يقيناً، وإن كان جمهور الاحتمالات على وجه كان ذلك ظناً، والجانب الذي يقابله -وهو الاحتمالات القليلة- يسمى وهماً، وإن كانت الاحتمالات متساويه في الجانبين بحيث يتردد الإنسان فيهما فهذا الشك.
قال: (والظن: تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر) أي: المظنون أظهر من الآخر والآخر هو الموهوم.
قال المصنف: [والشك: تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر] ، فيكون الإنسان متردداً بينهما، ولم يعرف الوهم هنا: وهو تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر، فالمرجوح منهما هو الوهم، فهو يقابل الظن.
ولم يعرف اليقين كذلك؛ لأن تعريفه هو تعريف العلم السابق: معرفة الشيء على ما هو به.
ثم عاد لتعريف الأصول بالمعنى اللقبي فقال: [وعلم أصول الفقه طرقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها] ، أي: أن علم أصول الفقه بمعناه اللقبي: هو أدلة على سبيل الإجمال، (بالطرق) المقصود بها الأدلة، على سبيل الإجمال.
أي: الإجمالية، وكيفية الاستدلال بها.
أي: كيفية أخذ الأحكام منها، فيشمل ذلك معرفة الأحكام أيضاً، ويشمل الكلام في المستدل الذي هو المجتهد ببيان شروط الاجتهاد والتقليد ومراتب المجتهدين، فكل ذلك داخل في الاستدلال بها.
(2/5)

أبواب أصول الفقه
قال: [وأبواب أصول الفقه] أي: الأبواب التي اشتهر تقسيم الأصول إليها في زمان المؤلف، وليس معنى ذلك: انحصار هذا العلم في هذه الأبواب التي ذكرها، بل قد اعتاد المتأخرون من الأصوليين تقسيمه على اعتبار الأدلة الإجمالية، فيعقدون الباب الأول للكتاب، والباب الثاني للسنة، والباب الثالث للإجماع، والباب الرابع للقياس، والباب الخامس للاستدلال بالأدلة الأخرى المختلف فيها، والباب السادس لتعارض الأدلة وطرق الجمع بينهما والترجيح، والباب السابع للاجتهاد.
فهذا الذي جرى عليه المتأخرون، وهو أضبط وأكمل، أما التبويب الذي ذكره المصنف في قوله: [وأبواب أصول الفقه أقسام الكلام، والأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، والأفعال، والناسخ والمنسوخ، والإجماع، والأخبار، والقياس، والحظر، والإباحة، وترتيب الأدلة، وصفة المفتي والمستفتي، وأحكام المجتهدين] .
فهذا التقسيم غير حاصل، وترتيبه أيضاً غير مبني على درجات القوة، وأقسام الكلام هو أول باب عقده من هذه الأبواب، ثم أتبعه بأنواع الأبواب الأخرى، بالكلام فيها على وجه الاختصار والتعريف، فلا نحتاج الآن إلى تعريف هذه الأمور؛ لأن كل واحد منها عقد له باب مستقل، وسنعرفه فيه، وإنما قصدنا وضع خطة كتابه، ليتبين ما سيتكلم عليه في هذا الكتاب، وهذا الذي يسميه المعرفون بالعلوم بالمسائل؛ فيجعلون لكل علم مقدمات وهي معرفة موضوعه، وقد سبق أن موضوع أصول الفقه: الأحكام الشرعية وأدلتها.
وواضعه: وهو أول من وضع مصطلحاته، وليس لهذا العلم واضع محدد، لكن أول من ألف فيه كتاباً مستقلاً الشافعي.
و (حده) : أي: تعريفه، وقد سبق تعريف أصول الفقه، و (مستمده) أي: ما أخذ منه، وهو النصوص الشرعية، وكلام العرب، ومصطلحات المتكلمين وعلم الكلام أيضاً.
(2/6)

العلم الضروري
فالضروري: منسوب إلى الضرورة، بمعنى: الذي يضطر الإنسان إليه، فالإنسان مضطر لأن يعرفه بذاته.
قال: والعلم الضروري ما لا يقع عن نظر واستدلال، أي: ما لا يتوقف على نظر واستدلال، والنظر كما قلنا: هو الفكر.
والاستدلال: هو إقامة الدليل، فالضروري هو: ما لا يحتاج إلى التأمل، وما لا يحتاج إلى حركة النفس فيه.
قوله: (كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس) فالمرئيات والمسموعات والمذوقات والمشمومات والملموسات كلها يحصل بها العلم الضروري، فلا يحتاج الإنسان فيها إلى تأمل، فمن سمع كلام إنسان جزم بأنه متكلم، وبأن هذا الكلام صدر منه، ومن رآه يفعل فعلاً جزم بذلك دون أن يحتاج إلى تأمل أو إقامة دليل عليه وهكذا، ولهذا قال: (كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس: وهي السمع والبصر والشم واللمس والذوق) .
وهذه في الواقع ليست هي الحواس، بل هذه وظائف الحواس، فالحواس جمع حاسة، والحاسة التي تحس، وهي العين والأذن والفم والأنف واليد، فهذه هي الحواس، لكن وظيفتها هي الإحساس، والإحساس أنواعه هي هذه الخمس: السمع والبصر والشم واللمس والذوق.
قوله: (أو بالتواتر) وهو ما نقله عدد من الناس تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن عدد، حتى اتصل العدد بذلك المشاهد أو المحسوس، فهذا الذي يسمى بالتواتر، فهو إخبار عدد تحيل العادة تواطؤهم على الكذب عن مثلهم لمحسوس.
فالتواتر لا يكون إلا في المحسوسات، فالعقليات لا يحتاج فيها إلى الراوية بالتواتر ولا بالآحاد، وما لا تتعلق به الحواس الخمس لا ينفع فيه الخبر المتواتر ولا يثبته التواتر، وإنما التواتر فيما يشاهد بإحدى الحواس الخمس، والتواتر في الأصل التوافق، والعلم الذي يحصل بالتواتر قطعي، كقطع الإنسان الذي لم ير مكة بوجودها أو بوجود البيت الحرام، فهذا القطع ضروري لا يحتاج إلى التأمل؛ لأنه من عدد تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، فاستقر في ذهنه، ولم يعد قابلاً للنقاش لديه.
ومثل ذلك: ما يحصل للإنسان بخبر من الأخبار سمعه من عدد كثير من الناس فاستيقن به، كمعرفة الإنسان أنه ابن فلان وأن فلاناً والده، وكمعرفة نسبه إلى أجداده وآبائه بالنقل المتواتر، فيستقر ذلك في ذهنه ويجزم به، ولم يعد قابلاً للنقاش لديه.
والتواتر: إنما يكون بحصول عدد الذين لا يمكن أن يتواطئوا على الكذب عادة، وهذا يختلف باختلاف الناس، فمن الناس من يحصل له العلم بإخبار عدد يسير، إذا جاءت الدواعي متوافرة على عدم كذبهم، ولم تقتض الدواعي كذبهم بوجه من الوجوه، فليسوا من سن واحدة، ولم يخبروا بذلك في مكان واحد، ولا في وقت واحد، فذلك يقطع به، ويعد متواتراً لحصول العلم اليقيني.
والمتواتر كالقرآن -مثلاً- فقد نقله في كل عصر من عصور هذه الأمة الملايين من الناس عمن فوقهم، إلى أن وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكان متواتراً لا يمكن الشك فيه.
(2/7)

العلم النظري
قال المصنف: [وأما العلم المكتسب: فهو ما يقع عن نظر واستدلال] ، والمقصود به: العلم النظري، والمكتسب، أي: الذي يكتسبه الإنسان بعد تعب فيه.
(فهو ما يقع عن نظر) والنظر: حركة النفس في المعقولات وهو الفكر، (واستدلال) أي: إقامة للدليل، وعرف النظر بقوله: [والنظر: هو الفكر في حال المنظور فيه] أي: حركة النفس فيما تتعلق به، وذكر المنظور هنا في تعريف النظر فيه إشكال كما سبق في تعريف العلم، فيمكن أن يعرف النظر بأنه: حركة النفس في المعقول.
أي: فيما يتعلق به العقل، أما حركة النفس في المحسوس فتسمى تخيلاً.
قال: (والاستدلال: طلب الدليل) الاستدلال في الأصل: طلب الدليل؛ لأن الاستفعال يدل على الطلب، لكن في هذا الكلام الاستدلال بمعنى: إقامة الدليل.
(والدليل: هو المرشد إلى المطلوب؛ لأنه علامة عليه) ، والدليل في اللغة: هو المرشد إلى المطلوب سواء كان حسياً مثل الدليل الذي يدل الناس في السفر على الطريق، أو معنوياً مثل الدليل الذي يؤخذ منه حكم وقد سبق ذلك.
(2/8)

أقسام الكلام
قال المصنف: [أقسام الكلام] .
والكلام في اللغة: يطلق على عدة أمور، منها الخط، كقول عائشة رضي الله عنها: (ما بين دفتي المصحف كلام الله) والذي بين الدفتين هو الخطوط.
وكذلك يطلق الكلام على الإشارة، كقول الشاعر: إذا كلمتني بالعيون الفواتر رددت عليها بالدموع البوادر ولم يعلم الواشون ما كان بيننا وقد قضيت حاجتنا بالضمائر ويطلق الكلام كذلك على ما يفهم من حال الشيء.
يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي
(2/9)

أقسام الحقيقة
قال المصنف: [والحقيقة: إما لغوية وإما شرعية وإما عرفية] .
الحقيقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى حقيقة لغوية، أي: استعمال اللفظ على معناه الأصلي المتبادر في اللغة، كما ذكرنا في الأسد، فاستعماله اللغوي الحقيقي هو الحيوان المفترس، وإما شرعية: وذلك كاستعمال الصلاة في العبادة المخصوصة، فإن الشارع خصها بذلك، فكانت حقيقة في العبادة المخصوصة، وتطلق على غير ذلك، كالدعاء (من كان صائماً فليصل) أي: فليدع، فيكون ذلك مجازاً شرعياً.
والعرفية أي: ما تعارف الناس عليه بعد أصل اللغة، كالدابة: فهي حقيقة عرفية في ذوات الحافر، وهي في الأصل تطلق على كل ما يدب على وجه الأرض، لكن تعارف الناس على إطلاقها على الخيل والبغال والحمير فقط.
(2/10)

أقسام المجاز
قوله: [والمجاز إما أن يكون بزيادة أو نقصان أو نقل أو استعارة] .
هذه أقسام المجاز بعد أقسام الحقيقة، فالمجاز: إما أن يكون بزيادة أو نقصان أو نقل أو استعارة.
قال: (فالمجاز بزيادة) مثل قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] ، أي: بزيادة في الكلام يمكن في الأصل الاستغناء عنها، ولكنها جيء بها لأمر آخر؛ وذلك مثل قول الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11] ، فالكاف هنا زيادة في الكلام، فأصل الكلام: ليس مثله شيء، ولا يقصد أنه ليس مثل مثله شيء، ولكن الكاف جاءت لتأكيد ذلك المعنى، فكانت زيادة مفيدة خارجة في الأصل عن أصل الوضع، فسميت مجازاً بالزيادة.
ثم قال: [والمجاز بالنقصان: مثل قوله تعالى: واسأل القرية] ، أي: اسأل أهل القرية، فهذا نقص في الكلام، فخرج به الكلام عن استعماله الأصلي المتبادر، فكان مجازاً بالنقص، ثم قال: [والمجاز بالنقل: كالغائط فيما يخرج من الإنسان] أي: نقل اللفظ عن معناه الأصلي إلى معنىً آخر ملتبس به، له به التباس أو علاقة، فالغائط، في الأصل لفظ يطلق على الغائر من الأرض أو المطمئن منها، ولكن الشارع نقله للدلالة على الحدث الخارج من البدن: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء:43] ، فاستعمل الغائط إذاً في معنىً آخر غير معناه الأصلي بالنقل.
قوله: [والمجاز بالاستعارة، كقوله تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ} [الكهف:77]] .
(أو استعارة) الاستعارة معناها: طلب الإعارة، والمقصود بها في الاصطلاح: التشبيه الذي حذفت أداته، فالشيء يشبه بغيره، ولكن تحذف أداة التشبيه فيجعل كذلك؛ وذلك مثل قولك: زيد أسد، أي: كالأسد.
فهذا استعارة؛ لأن المقصود هنا تشبيهه بالأسد؛ فحذفت أداة التشبيه فقلت: زيد أسد.
(2/11)

تعريف الكلام وأقل ما يتركب منه
والكلام في الاصطلاح: هو اللفظ المركب الموضوع لمعنى، والنحويون يشترطون فيه الإفادة وقصد الإفادة، بأن يكون مفيداً، وأن يكون مقصوداً للإفادة، واللفظ في اللغة: مصدر لفظ الشيء إذا رماه أو تركه، فيقال: لفظت الدابة الحشيش إذا تركته، ويقال: لفظ فلان الحصاة إذا رمى بها، ومنه قول غيلان: عشية ما لي حيلة غير أنني بلفظ الحصى والخط في الرمل مولع والمقصود باللفظ هنا: الصوت الخارج من الفم، المشتمل على بعض الحروف الهجائية، فقولنا: (الصوت) هو ما يحصل عند اجتماع الأجرام أو افتراقها مما يسمع، وقولنا: (الخارج من الفم) خرج به أصوات الأجرام عند اجتماعها وافتراقها، أي: إلا ما كان خارجاً من فمه.
قولنا: (المشتمل على بعض الحروف) خرج به أصوات البهائم التي لا تشتمل على بعض الحروف الهجائية، والهجائية المنسوبة إلى الهجاء وهو الخط، فخرج بذلك حروف المعاني، فقد لا يكون اللفظ مشتملاً عليها، وقولنا: (المركب) مخرج للكلمة الواحدة فلا تسمى كلاماً في الاصطلاح، و (المفيد) يشمل الدلالة على معنى، فاللفظ الذي لا يوضع لمعنىً كديزٍ الذي هو مقلوب زيدٍ لا فائدة فيه، فلا يمكن أن تدل الألفاظ -وهي غير مستعملة- على معنى ولا أن تكون كلاماً.
قال المصنف: [فأما أقسام الكلام: فأقل ما يتركب منه الكلام اسمان، أو اسم وفعل، أو فعل وحرف، أو اسم وحرف] .
قوله: (أقل ما يتركب منه الكلام) دل هذا على أن الكلام لابد أن يكون مركباً، والكلمات ثلاث هي: (الاسم، والفعل والحرف) ، فالاسم: ما دل على المسمى.
والفعل: ما دل على حركة المسمى.
والحرف: ما دل على معنى من إثبات أو نفي أو تأكيد أو نحو ذلك.
قوله: (وأقل ما يتركب منه الكلام اسمان) مثل قولك: ذا أحمد، فذا: اسم مبتدأ، وأحمد: خبره.
أو اسم وفعل، مثل: استقم، فالفعل: استقم، والاسم: هو ضمير مستتر فيه، أي: أنت، ومثل: قام زيد، فقام: فعل، وزيد: اسم، ومنها تركبت الجملة الفعلية، فكان هذا كلاماً مفيداً، ولهذا قال: (فأقل ما يتركب منه الكلام اسمان) مثل: زيد قائم، ذا أحمد، أو (اسم وفعل) مثل: قام زيد أو يقوم زيد.
قال: (أو فعل وحرف) وهذا لا يكون أبداً، فالكلام لا يتركب من فعل وحرف، بل الاسم لابد منه في الكلام؛ لأنه لا يمكن أن يصدر فعل إلا بفاعل، فلا يمكن أن يوجد كلام بغير اسم.
قوله: (أو اسم وحرف) : هذا أيضاً لا يكون إلا على تقدير، فلابد في الكلام من اسمين، وهما ركنا الإسناد، أو اسم وفعل، ويكونان ركنين للإسناد أيضاً، فلا يتركب الكلام من حرف وغيره وحدهما، بل لابد من اسم وفعل أو اسمين، كما قال ابن مالك رحمه الله في الكافية: وهو من اسمين كزيد ذاهب واسم وفعل نحو فاز التائب وما كان على تقدير من وجود حرف واسم مثل: يا فلان! في النداء، فهو على تقدير فعل ينوب عنه الحرف المذكور، معناه: أدعو فلاناً.
(2/12)

تقسيم الكلام باعتبار الخبر والإنشاء
قال المصنف: [والكلام ينقسم إلى: أمر ونهي وخبر واستخبار] .
هذا تقسيم آخر للكلام بعد تقسيمه الأول إلى أنواع المركبات، ينقسم الكلام أيضاً إلى أمر ونهي، وخبر واستخبار، وفي الأصل ينقسم الكلام إلى إنشاء وخبر، فالإنشاء: إحداث معنى بلفظ يقارنه في الوجود: كبعت، وأعطيت، وخذ، ومن أنت؟ وكيف حالك؟ وكيف أنت؟ فهذا إنشاء.
والقسم الثاني هو الخبر: وهو التحدث عن أمر قد حصل أو يحصل.
أما الأمر والنهي فكلاهما من الطلب، والطلب من أقسام الإنشاء، والاستخبار كذلك وهو الاستفهام، وأما الخبر: فهو قسم مستقل بذاته، وهو الذي يقبل التصديق والتكذيب، مثل: جاء زيد مات زيد.
قال: [وينقسم أيضاً إلى تمن وعرض وقسم] .
هذا التقسيم كله غير حاصل، ويقصد أن من أقسام الكلام ما يسمى بالتمني، وهو من الإنشاء، كقولك: ليت زيداً قادم، فهذا تمنٍ، والعرض، مثل: (ألا تأكلون) ، والقسم: (والله لتفعلن كذا) ، وكل هذه من الإنشاء، مثل الأمر والنهي والاستخبار.
فالتقسيم غير حاصل، وكان الأولى أن يذكر في أقسام الكلام هنا أنه ينقسم إلى قسمين: إلى إنشاء وخبر، فالإنشاء يدخل فيه أنواع الطلب كلها، وهي: الأمر والنهي، والعرض والتحضيض، ويدخل فيه التمني وإنشاء العقود، ويدخل فيه الاستخبار الذي هو الاستفهام.
والخبر إما أن يكون بجملة اسمية: كزيد قائم، أو بجملة فعلية: كقام زيد.
(2/13)

تقسيم الكلام باعتبار الحقيقة والمجاز
قال المصنف: [ومن وجه آخر ينقسم إلى حقيقة ومجاز] .
هذا تقسيم آخر للكلام، فهو ينقسم إلى: حقيقة ومجاز، قال: (فالحقيقة: ما بقي في الاستعمال على موضوعه) ، الحقيقة: هي اللفظ المستعمل أولاً، أي: اللفظ الذي بقي على ما استعمل فيه في أول ما عرف.
والمقصود بذلك: اللفظ المستعمل في معناه المتبادر إلى الذهن، فاللفظ قد لا يكون له إلا معنى واحد في الأصل، فهذا المعنى هو الذي وضع له ذلك اللفظ، فاستعماله فيه هو الحقيقة، واستعماله لمعنى آخر ليس معناه الأول بواسطة تشبيه أو نقل يسمى مجازاً.
فعلم أن الحقيقة والمجاز لا يكونان إلا في المركب، فاللفظ المفرد يحمل في الأصل على الحقيقة، فكلمة (أسد) باللفظ المفرد تطلق على الحيوان المفترس المعروف، لكن إذا كانت في أثناء الكلام فيمكن أن تكون على الحقيقة، ويمكن أن تكون على المجاز، مثل: جاء أسد، يمكن أن يكون معناه رجل شجاع، ويمكن معناه الحيوان المفترس المعروف.
وقوله في تعريف الحقيقة: [فالحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه] .
(ما بقي) أي: ما بقي شائعاً.
(في الاستعمال) ، أي: في استعمال الناس له.
(على موضوعه) ، أي: على ما وضع له على دلالته الأصلية.
ثم قال: [وقيل: ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة] ، وقد اختلف في اللغة هل هي وضعية -أي: اتفق الناس على وضعها- أو هي توقيفية من عند الله سبحانه وتعالى، فإذا قلنا: هي توقيفية من عند الله، فلا يقصد بذلك كل ألفاظها، بل ما يحصل به التفاهم في كل لغة، وإلا فإن كل لغة قابلة للثراء والنماء، فتزداد بكثير من الألفاظ المشتقة من أصولها الموجودة، ويندرس منها كثير من الألفاظ كذلك، وهي: الألفاظ التي توصف بالغرابة مع طول الزمن، فكثير من الألفاظ التي كان العرب يستخدمونها لا نستخدمها نحن اليوم، وهي من لغة العرب، لكن لم تعد مستعملة اليوم، وكثير من الألفاظ التي نستخدمها نحن اليوم لم تكن مستخدمة في لغة العرب قديماً، ومع ذلك فالجميع من لغة العرب، والغريب منها والمحدث أو المعرب.
أو غير ذلك كله من لغة العرب؛ لأنه جارٍ على قواعدها، وترتيب حروفها.
والحقيقة: مشتقة من (حق) بمعنى: ثبت واستقر، لا من الحق الذي هو خلاف الكذب، فليس المجاز كذباً، ولو كان كذلك لما جاز وروده في الوحي، فقول الله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف:82] ، وقوله تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ} [الكهف:77] لا يمكن أن يكون هذا كذباً، ولو كانت الحقيقة من الحق الذي هو خلاف الكذب لكان ضدها يوصف بالكذب! وهذا غير ممكن، فالحقيقة هنا: من الحق، الذي هو الثابت المستقر، (فحق عليهم القول) بمعنى: استقر عليهم وتحقق فيهم، فهذا معنى الحقيقة.
قال المصنف: [وقيل: ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة] ، أي: ما اصطلح الناس عليه، واتفقوا عليه من المخاطبة في أصل الكلام.
قال المصنف: [والمجاز ما تجوز عن موضوعه] .
المجاز في اللغة: مكان الجواز، أي: العبور، فتقول: هذا مجاز، أي: باب يجاز منه إلى غيره، وهو في الاصطلاح: ما تجوز عن موضوعه، أي: ما نقل عما وضع له في الأصل، بمعنى: اللفظ الذي استعمل في غير ما وضع له، أو اللفظ الذي استعمل ثانياً، استعمالاً غير الاستعمال المعهود المتبادر إلى الذهن.
(2/14)

باب الأمر
بعد هذا قال: [باب الأمر] عقد هذا الباب للأمر، والأمر: مصدر أمر بالشيء إذا طلب وقوعه، وهو يطلق بقيد شيء، أي: بقيد الجزم، وبقيد لا شيء، أي: بقيد عدم الجزم، ولا بقيد شيء، أي: من غير تعرض لذكر الجزم أو نفيه، فالأول: وهو ما أطلق بقيد شيء: هو الأمر الدال على الوجوب.
والثاني: وهو ما أطلق بقيد لا شيء.
أي: بقيد عدم الجزم: وهو الأمر الدال على الندب.
والثالث: وهو ما أطلق لا بقيد شيء.
أي: لا بقيد الجزم ولا عدمه: هو الأمر المطلق، وكل هذه يبحثها الأصوليون.
(2/15)

الأمر بإيجاد الفعل أمر به
قال المصنف: [والأمر بإيجاد الفعل أمر به] .
الأمر قد يتعلق بالشيء مباشرة، مثل: (فحجوا) وقد يتعلق بسببه وما يتوقف عليه، فيكون ذلك أمراً به؛ لأن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب، ومحل ذلك إن كان جزءاً من المأمور به، مثل غسل الوجه: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6] فلا يمكن أن يتحقق إلا بغسل شيء من الرأس حتى يتحقق الإنسان أنه غسل كل الوجه، فما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب، فيدخل ذلك الجزء في وجوب غسل الوجه، ومثله مسح شيء من الوجه مع الرأس أيضاً؛ لأن مسح الرأس لا يتحقق إلا بذلك، على القول بأن الواجب مسح الرأس كله، وأن الباء في قوله: {بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة:6] للإلصاق لا للتبعيض، وهو محل خلاف بين الفقهاء والأصوليين.
أما إن كان سبباً فإنه لا يجب سواء دخل في الطوق أو لم يدخل فيه، فالسبب الداخل في الطوق كجمع المال حتى يبلغ نصاباً لوجوب الزكاة، فالزكاة سبب وجوبها ملك النصاب ودوران الحول عليه، فلا يجب عليك أن تجمع المال حتى يبلغ نصاباً لتجب عليك الزكاة؛ لأنه سبب ولو كان داخلاً في الطوق، وما ليس داخلاً في الطوق -كتغريب الشمس لتجب عليك صلاة المغرب- فلا يجب؛ لأنه من المحال ولا تكليف بالمحال، أما إن كان شرطاً فإن كان داخلاً في الطوق كالطهارة للصلاة فهو واجب، وإن خارجاً عن الطوق كالنقاء من دم الحيض والنفاس فلا يجب؛ لأنه خارج الطوق أصلاً لا يستطيعه المكلف، ثم قال المصنف: [وبما لا يتم الفعل إلا به كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة المؤدية إليها] ؛ لأن الطهارة شرط للصلاة وهي داخلة في الطوق.
ثم قال: (وإذا فعل خرج المأمور عن العهدة) إذا فعل المأمور ما أمر به خرج عن العهدة، فإذا أتى بالمأمور به على الوجه الصحيح، أجزأه ولم يخاطب به مرة أخرى؛ لأنه قد أتى به على الوجه المطلوب فتبرأ ذمته منه.
قال: [من يدخل في الأمر والنهي ومن لا يدخل] قد يكون مقتضى الأمر، أي: ما يقتضيه ليس من فعل المأمور مباشرة، بل من فعل غيره، وقد يكون الأمر متناولاً بعض المأمورين دون بعض والنهي كذلك فعقد هذا الفصل لذلك، وهو في جزئيات باب الأمر والنهي.
فقال: [يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون] فإذا قال سبحانه: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43] فيشمل هذا كل مؤمن لله سبحانه وتعالى، إلا إذا كان متصفاً بما يمنع دخوله في العموم كغير المكلف، ومن رفع عنه القلم، فلا يدخل في هذا الخطاب، ولهذا قال: [والساهي والصبي والمجنون غير داخلين في الخطاب] فالساهي، أي: غائب العقل في وقت الخطاب، سواء كانت غيبته عميقة كالإغماء أو خفيفة كالسهو.
والصبي: وهو غير البالغ، والمجنون: المصاب بما يغطي عقله، فهؤلاء غير داخلين في الخطاب، وأما المريض مرضاً دون ذلك بحيث لا يستطيع أداء الفعل في وقته، والمسافر الذي هو بالخيار له أن يفطر وله أن يصوم، فقد اختلف في دخولهما، فقيل: يدخلان في الخطاب؛ لأنه يلزمهما القضاء، ومثل ذلك: الحائض فيما يتعلق بالصوم دون الصلاة، والحائض لم تخاطب بالصلاة لا أداءً ولا قضاءً ولم تخاطب بالصوم أداءً، ولكنها خوطبت به قضاءً، فالقضاء هل هو بأمر جديد أو بالأمر الأول؟ والمريض والمسافر: هل تعلق بهما الخطاب في الوقت الأول، أو تجدد لهما خطاب في وقت القضاء وهو الوقت الثاني؟ هذا محل خلاف عند الأصوليين.
(2/16)

الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده
قال: [والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده] .
(الأمر بالشيء نهي عن ضده) أي: أن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، فإذا قلت لك: قم فهذا نهي عن الجلوس وعن الارتفاق وعن الاتكاء، فهو نهي عن جميع الأضداد؛ لأنك لا تكون ممتثلاً إلا إذا فعلت ما أمرت به، فإذا فعلت أي ضد من أضداده لم تكن ممتثلاً، فكان الأولى أن يقول: والأمر بالشيء نهي عن كل أضداده.
(والنهي عن الشيء أمر بضده) أي: بأحد أضداده فقط، فإذا قلت لك: لا تقم، فإنك تكون ممتثلاً إذا جلست، وإذا ارتفقت، وإذا اضطجعت، فكل ذلك امتثال، فالنهي عن الشيء أمر بضد واحد من أضداده، أما الأمر بالشيء: فهو نهي عن جميع أضداده.
(2/17)

هل الأمر يقتضي التكرار؟
قال: [ولا يقتضي التكرار على الصحيح إلا إن دل الدليل على قصد التكرار] .
أي: أن الأمر في أصل صيغته لا يدل على التكرار، والتكرار هو فعل الشيء أكثر من مرة، فإذا قال الآمر: صل، فلا يقتضي ذلك تكرار الصلاة، بل تكفي في امتثاله صلاة واحدة على الصحيح.
(إلا إذا دل الدليل على قصد التكرار) إذا دل الدليل على قصد التكرار: سواء كان ذلك الدليل أيضاً حالياً أو مقالياً، فقد يكون مقالياً مثل: كلما غربت الشمس فصل، فلفظ (كلما) يقتضي التكرار: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185] والشهر متكرر فأنيط الأمر هنا بأمر متكرر فاقتضى ذلك التكرار، أما إذا لم يدل الدليل على قصد التكرار فإن الأمر مجرد عنه في الأصل، وهذا المقصود به هنا: الأمر المطلق الشامل، الدال على الوجوب والدال على الندب.
(2/18)

هل الأمر يقتضي الفورية؟
قوله: [ولا يقتضي الفور] أي: أن الأمر أيضاً لا يقتضي الفورية، وهذا محل خلاف أيضاً بين الأصوليين، وقد ذهبت طائفة منهم إلى أن الأمر يقتضي الفور إذا تجرد عن القرائن، فإذا قال: افعل كذا، فلابد من المبادرة والمسارعة، وقالت طائفة أخرى: لا يقتضي الفور، بل يبقى مطالباً به، فمتى ما أداه حصل المقصود، والمقصود بالفور: المبادرة لأدائه، فالله تعالى يقول: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97] ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا) هل هذه الصيغة تدل على الفور أو على التراخي؟ محل خلاف بين الأصوليين، فقالت طائفة: كل من استطاع سبيلاً إلى الحج وأدرك وقته فيلزمه أن يبادر إليه، إذا لم يكن قد حج من قبل، وقال آخرون: بل يجب عليه ذلك في العمر مرة، ومتى ما أداه فإن ذلك يجزئ.
(2/19)

الأمر يدل على الوجوب ما لم تصرفه قرينة
قوله: [وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه] .
(وهي) أي: صيغة الأمر، (عند الإطلاق) معناه: عدم تقييده بقيد يصرفه عن ذلك، (والتجرد عن القرينة) أي: عدم وقوع القرينة الحالية التي تصرفه أيضاً عن ذلك، (تحمل عليه) أي: تحمل على استدعاء الفعل على وجه الوجوب، فالأمر في الأصل يحمل على الوجوب، ومحل هذا أمر الشارع، وأمر من هو أعلى؛ فإنه يحمل على الوجوب في الأصل، عند الإطلاق والتجرد عن القرينة، والقرينة: ما يقارن الشيء، وهي: إما حالية وإما مقالية، والمقصود بها هنا الحالية؛ لأن المقالية مذكورة في قوله: (عند الإطلاق) ، فقد خرجت القرينة الحالية بقوله: (عند الإطلاق) ، وخرجت القرينة الحالية بقوله: والتجرد عن القرينة، (تحمل عليه) ، أي: على طلب الفعل على وجه الجزم.
قال المصنف: [إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة] .
هذا الاستثناء منقطع؛ لأن ما دل الدليل على أن المراد به الندب والإباحة ليس عند الإطلاق والتجرد على القرينة.
فالمقصود: أن الأمر إذا لم يحتف بقرينة حالية أو مقالية تدل على عدم إرادة الوجوب؛ فإن محمله على الوجوب، ولكنه إذا دلت قرينة حالية أو مقالية على أن المقصود به الندب فإنه يصرف إلى الندب، أو دلت قرينة حالية أو مقالية على أن المقصود به الإباحة دل على الإباحة، فإطلاقه الأصلي الوجوب، مثل قول الله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43] فهذا في الأصل للوجوب، وإذا احتفت به قرينة تقتضي عدم الوجوب عمل بتلك القرينة؛ وذلك فيما إذا قيل: افعل كذا إن شئت، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا قبل المغرب ركعتين، ثم قال في الثالثة لمن شاء) ، وقال: (بين كل أذانين صلاة، ثم قال: لمن شاء) ، فهذا يقتضي الإباحة؛ لأنه قرنه بقرينة مقالية تقتضي التخيير، ومثل ذلك ما إذا كان الأمر بعد الحظر، كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة:2] ، فهذه قرينة تدل على عدم الوجوب، فلا يجب على من تحلل من الحج والعمرة أن يصطاد؛ لأن هذا الأمر جاء بعد النهي وهو قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة:96] ، ومثله قول الله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة:222] (فأتوهن) هنا صيغة أمر، ولكنها لا تدل على الوجوب؛ لأنها جاءت بعد حظر؛ لأنه قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222] ، فجاء الأمر بعد الحظر.
والقرينة الحالية غير المقالية كما إذا كان سياق الأمر للإرشاد الطبي أو نحوه، كبعض الأوامر التي تأتي ويقصد بها الإرشاد، ويفهم من ذلك عدم الوجوب، أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قصد وجوب ذلك الفعل المأمور به، والإرشاد: قد يفهم من القرينة المقالية أيضاً، مثل قوله: (فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) زوروها: هذا أمر بزيارة القبور، ولكنه ليس على سبيل الوجوب، بل على سبيل الإرشاد؛ لأنه قال: (فإنها تذكركم الآخرة) فبين العلة وهي قرينة مقالية تدل على عدم إرادة الوجوب.
(2/20)

تعريف الأمر وصيغته
قال: [والأمر: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب] والأمر تعريفه: استدعاء الفعل، أي: طلب وقوع الفعل، بالقول: فإنما يعرف ذلك بالقول سواء كان صريحاً باللفظ أو كان بإشارة أو كتابة كل ذلك من الأمر، وذلك القول لا يكون لفظ اكفف أو اترك، فذلك من باب النهي لا من باب الأمر.
(ممن هو دونه) فشرط العلو للآمر، وهذا خلاف بين الأصوليين: هل يشترط بالآمر العلو أو يطلق الأمر على طلب وقوع الفعل مطلقاً؟ والمناطقة يقسمون طلب الفعل إلى ثلاثة أقسام: فإن كان الطالب أعلى من المطلوب منه الفعل سمي ذلك أمراً، وإن كان أدنى منه سمي ذلك دعاءًً، وإن كان مساوياً له سمي ذلك التماساً.
قوله: (على سبيل الوجوب) أي: على سبيل الجزم، وهذا القيد مستغنىً عنه ولا حاجة إليه هنا؛ لأنه يخرج الأمر الذي لا يقتضي الجزم، ويخرج أيضاً الأمر المطلق الذي لا ينظر فيه إلى قيد الجزم ولا إلى قيد عدم الجزم.
قال المصنف: [والصيغة الدالة عليه افعل] .
هذا إثبات أن للأمر صيغة، وأن صيغته هي لفظ (افعل) ، فصيغة فعل الأمر قد تكون من الثلاثي كافعل، أو من الرباعي كعلِّم وأكرم، أو من الخماسي مثل: انطلق تعلَّم، أو من السداسي كاستخرج واستنبط، فكل ذلك من صيغة افعل، فلا يقصد بها هذا الوزن، وإنما يقصد بها فعل الأمر مطلقاً، فهو صيغة الأمر الأصلية، ومثل ذلك الفعل المضارع المقترن بلام الأمر: لتقم ولتنطلق ولتتعلم، فهو صيغة للأمر أيضاً.
(2/21)

هل الكفار مخاطبون بفروع الشرائع؟
قال المصنف: [والكفار مخاطبون بفروع الشرائع] الكفار غير معذورين بكفرهم، فهم مخاطبون بفروع الشرائع، أي: تفصيلاتها الزائدة على أصل الإيمان، فيدخل في ذلك الصلاة والصوم والحج إلى آخر.
قال: [لأنهم مخاطبون بالإسلام] وهذه المسألة محل خلاف بين الأصوليين: فذهب جمهورهم إلى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لقول الله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} [المدثر:42-47] ، فهؤلاء كفار؛ لأنهم قالوا: (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) ومع ذلك مما سلكهم في النار ما بينوه عندما سئلوا: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) ، فتركوا الصلاة وتركوا الزكاة، (وكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) وكانوا يكذبون، (وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) .
وقالت طائفة أخرى: هم غير مخاطبين بفروع الشريعة؛ لأنها لا تجزئهم ولا تصح منهم، فلو كانوا مخاطبين بها لأجزأهم فعلها، ومن المعلوم أن الكافر إذا صلى لا تصح صلاته، وإذا صام لا يصح صومه، وإذا حج لا يصح حجه، وإذا زكى لا تقبل منه زكاته: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:23] ، {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر:65] ، {مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [البقرة:217] .
قال: [وبما لا تصح إلا به] أي: مخاطبون بما لا تصح الفروع إلا به وهو أصل الإيمان، وهو الإسلام؛ لقول الله تعالى: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر:43] .
الآيات.
لكن من المعلوم أن الكافر إذا أسلم لم يخاطب بقضاء شيء مما مضى، فلا يلزمه قضاء شيء من الماضي مع أنه كان مخاطباً به، لكنه إن مات على الكفر عذب على أصل الكفر وعلى الجزئيات التي تركها.
(2/22)

باب النهي
(والنهي) عقد هذا الباب للنهي: وهو ضد الأمر، فعرفه بقوله: [والنهي استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب] ، فتعريفه ضد تعريف الأمر، (فهو استدعاء الترك) أي: طلب الترك، (بالقول) سواء كان باللفظ أو بالإشارة أو بالخط (ممن هو دونه) هذا شرط للعلو أو الاستعلاء، (على سبيل الوجوب) ليقتضي ذلك الجزم، والأولى عدم ذكر هذا في التعريف؛ لأن النهي أيضاً يطلق بقيد شيء -أي بقيد الجزم- فيدل على التحريم حينئذٍ.
وبقيد لا شيء -أي: بقيد عدم الجزم- فيدل على الكراهة، ولا بقيد شيء، فهو النهي المطلق الذي يشمل التحريم والكراهة.
قوله: [ويدل على فساد المنهي عنه] مقتضى الأمر التكليفي هو الوجوب -على الراجح- كما سبق عند الإطلاق، وقد يدل على الندب وقد يدل على الإباحة بالقرائن، والنهي مقتضاه التكليفي التحريم -على الراجح أيضاً- وقد يقتضي الكراهة، وأما مقتضاهما الوضعي فإن مقتضى الأمر الوضعي الصحة، ومقتضى النهي الوضعي البطلان والفساد.
ولهذا قال: (ويدل على فساد المنهي عنه) أي: يدل الأمر على فساد المنهي عنه، فإذا نهى الشارع عن أمر فليس لذلك الأمر حقيقة؛ لأن المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً، فيدل على فساد المنهي عنه، فلا يترتب عليه أي أثر؛ لأنه فاسد.
قال المصنف: [وترد صيغة الأمر والمراد به: الإباحة أو التهديد أو التسوية أو التكوين] .
يقصد أن صيغة الأمر قد ترد لغير المعنى الأصلي؛ لقرينة تدل على ذلك، فقد ترد للإباحة كقول الله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة:2] ، فاصطادوا هنا لا تدل على الوجوب وإن كانت صيغة أمر، ولا تدل أيضاً على الندب، بل تدل على الإباحة.
وكذلك قد ترد صيغة الأمر للدلالة على التهديد، فلا يقصد بها حينئذ الأمر، كقول الله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [إبراهيم:30] ، فليس هذا أمراً بالتمتع على حقيقته، بل المقصود به التهديد، ومثله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29] فهذا للتهديد.
ويرد كذلك للتسوية، وهي: التسوية بين الفعل والترك، وذلك مثل قول الله تعالى: {فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ} [الطور:16] ، فاصبروا هنا ليس الأمر فيها للوجوب، بل هو للتسوية؛ بدلالة ما بعدها، فالقرينة المقالية اقتضت صرف الأمر عن معناه الأصلي.
قوله: (أو للتكوين) وهو الإيجاد، كقول الله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة:65] ، فكونوا هنا ليس الأمر فيها للوجوب، وإنما هو للتكوين.
والقرائن أكثر مما ذكر، بل هذه أمثلة للقرائن، ومثلها في النهي، فقد يرد النهي على غير ما هو له: قد يرد للكراهة، وقد يرد للتهديد ونحو ذلك.
(2/23)

شرح الورقات في أصول الفقه [3]
ينقسم اللفظ إلى عام وخاص ومطلق ومقيد وظاهر ومؤول وغير ذلك مما يذكره علماء الأصول ويفصلون في معاني ذلك وأمثلته وما يتعلق به من الأحكام.
(3/1)

باب العام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، ثم أما بعد: فقد قال المصنف [باب العام] عقد هذا الباب للعام، وهو في اللغة: وصف عمّ الشيء يعم فهو عام إذا شمل، والعام الشامل.
واصطلاحاً: لفظ يتناول الصالح له، من غير حصر دفعة.
(لفظ) ؛ لأن العموم من عوارض الألفاظ، أي: أنه يوصف به الألفاظ لا المعاني ولا الأجسام -هذا اصطلاحاً- وإن كان في الأصل يرد في المعاني وفي الأجسام.
(يتناول الصالح له) ، أي: ما يدخل تحته، أي: كل معانيه.
(من غير حصر) ، أي: كل ما يصدق به، من غير حصر في عدد محدد.
(دفعة) ، أي: في نفس الوقت يتناولهم جميعاً لا على سبيل البدلية، كالرجال: فهذا لفظ يتناول كل ذكر من بني آدم، فتناولهم دفعة واحدة، من غير حصر لهم بعدد محدد، وذلك بخلاف المطلق فإنه يتناول الصالح له من غير حصر على سبيل البدلية كرجل، فهو وإن كان يصدق على كل ذكر آدمي، إلا أنه لا يتناولهم جميعاً في وقت واحد، ودفعة واحدة، بل يتناولهم على سبيل البدلية، كل واحد منهم وحده، وذلك هو المطلق.
قال المصنف: [وأما العام فهو ما عمّ شيئين فصاعداً] أي: هو في اللغة: ما عم شيئين، أي: شمل شيئين فصاعداً، سواءً كان في الحسيات كعموم الظرف لمظروفه، وكعموم المطر للأرض، أو في المعنويات أو في الألفاظ، فكل هذا يسمى عموماً في اللغة.
قوله: [من قولك: عممت زيداً وعمراً بالعطاء] أو بالإحسان، فهذا من المعنويات.
[وعممت جميع الناس بالعطاء] ، فهذا من المعنويات أيضاً.
(3/2)

ألفاظ العموم
قال: [وألفاظه أربعة] .
ولم يعرفه اصطلاحاً، وقد عرفناه اصطلاحاً بأنه لفظ يتناول الصالح له من غير حصر دفعة.
[وألفاظه] أي: صيغ العموم [أربعة] وليس محصوراً فيما ذكر بل له صيغ أخرى.
[الاسم الواحد المعرف بالألف واللام] الاسم الواحد، أي: الاسم المفرد غير المثنى ولا المجموع، المحلى بأل الجنسية.
[واسم الجمع المعرف بأل] أي: الجمع المعرف بأل الجنسية أيضاً كالرجل والرجال.
[والأسماء المبهمة] أي: الموصولات، وأسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، فهي الأسماء المبهمة، [كـ (من) فيمن يعقل و (ما) فيما لا يعقل، و (أََيُُّ) في الجميع، و (أين) في المكان، و (متى) في الزمان] فكلها من ألفاظ العموم.
قال: [و (ما) في الاستفهام والجزاء وغيره] أي: (ما) و (من) في الاستفهام، تقول من قام؟ وفي قوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ} [طه:17] ، والجزاء، أي: الشرط {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [البقرة:197] ، فهذا يشمل الكثير والقليل فهو عام.
ثم قال: [ولا في النكرات] أي: النكرة في سياق النفي، فهي من ألفاظ العموم، سواء كان النفي بـ (لا) كما ذكر المؤلف، أو بغير (لا) كقولك: لا رجل في الدار، فهذا من ألفاظ العموم؛ لأنه نفي لوجود أيّ رجل في الدار.
قال: [والعموم من صفات النطق] أي: أن العموم من عوارض الألفاظ لا من عوارض المعاني ولا من عوارض الأجسام في الاصطلاح، وإلا فهو في الأصل من عوارض الأجسام: كعم الظرف مظروفه، وعم الحبل الحطب، ومن عوارض المعاني: كعممت الناس بالعطاء أو بالإحسان، وعممت زيداً وعمراً بالإحسان، ولكن المقصود به في الاصطلاح الأصولي: أنه من عوارض الألفاظ، فالألفاظ منها ما هو عام كما ذكر، وكغيره، مثل: (عامة، وكافة، وجميع) ، فكلها من ألفاظ العموم، وكالمضاف إلى الضمير، فإن النكرة إذا أضيفت للضمير تكون من ألفاظ العموم.
قال: [ولا تجوز دعوى العموم في غيره] أي: في غير صيغ العموم.
[من الفعل وما يجري مجراه] ، فالفعل سواء كان فعل أمر، مثل: (كلْ، اشرب) ، فهذا لا يدل على العموم، بل يمتثل بأكل أيَّ شيء، وشرب أيّ شيء، ولا يمكن أن يقصد به أكل كل شيء وشرب كل شيء، وما جرى مجراه مما يشبه الفعل من الأوصاف ونحوها ومن المطلق كله، فليس شيء من ذلك من قبيل العموم.
أما المفرد المحلى بأل، فمثل قول الله تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:2] أي: كل إنسان، فالإنسان هنا لفظ عام، والدليل على ذلك الاستثناء الذي بعده {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [العصر:3] ، فالاستثناء معيار العموم، فلا يكون إلا من عموم.
والجمع المحلى بأل، كقول الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1] ، فهذا شامل لكل مؤمن، وكقوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} [النور:59] فالأطفال هنا جمع محلى بأل؛ فيعم كل الأطفال.
كذلك قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء:34] ، فالرجال والأطفال جمع تكسير محلى بأل والمؤمنون جمع مذكر سالم محلى بأل، والنساء اسم جمع محلى بأل.
كذلك اسم الجنس {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة:70] ، و {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ} [الروم:2-3] ، فالبقر والروم كلاهما اسم جنس، فبقر مفردها بقرة، والروم مفردهم رومي.
وكذلك المحلى بأل العهدية إذا كان المعهود عاماً كان أيضاً من ألفاظ العموم، مثل: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ} [البقرة:30] ، فالملائكة معهودون هنا، لكن أل وإن كانت عهدية لكنها دخلت على الجمع المعهود فيه الجنس، فكان ذلك من ألفاظ العموم.
أما إذا كان المعهود مفرداً، كما قال تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا} [المزمل:15] ، {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل:16] ، فهو واحد فلا يقصد به العموم هنا.
أما الأسماء المبهمة فمثالها: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء:123] ، فـ (من) هنا شرطية، وكذلك (أين) (فأين تذهبون؟) أي: في أي اتجاه تذهبون؟ فهي من ألفاظ العموم.
وكذلك (متى) (مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة:214] .
والنكرة في سياق النفي مثل: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة:197] ، وكل ذلك عام في كل ما يدخل تحته.
وكذلك النهي فهو مثل النفي، فالنكرة في سياق النهي عامة {فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن:18] ، ومثل ذلك: الشرط {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} [التوبة:6] ، فكل ذلك من ألفاظ العموم، وقد ترك المصنف ترك لفظ (كل) ولفظ (جميع) ولفظ (عامة) و (المضاف لمعرفة) ونحو ذلك.
كذلك النكرة في سياق الامتنان وفي سياق الإثبات في صور قليلة مثل: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} [التكوير:14] ، و {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [الانفطار:5] فالأصل أن النكرة في سياق الإثبات للإطلاق لا للعموم، ولكنها قد ترد للعموم نادراً كما ذكرنا.
(3/3)

باب الخاص
ثم عقد هذا الباب للخاص، فقال: [الخاص] .
(3/4)

تعريف الخاص
والخاص ضد العام، وهو في اللغة: وصف خص الشيء يخص، وخص الشيء بكذا يخصه به، فالشيء خاص بمن خص به.
وهو في الاصطلاح: لفظ يتناول ما دل عليه على وجه محصور أو اللفظ الدال على محصور.
هذا الذي يسمى بالخاص.
(3/5)

أنواع العام
ولم يذكر المصنف أنواع العام والعام منه: 1- ما هو عام مراد به العموم، وباق على عمومه، كما ذكرنا من الأمثلة.
2- ومنه عام مراد به الخصوص، مثل قول الله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران:173] والمقصود بذلك بعض الناس دون بعض، ولا يقصد أن كل الناس قالوا لهم ذلك، كذلك ليس كل الناس قد جمعوا لهم، وكذلك قوله تعالى: ((ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة:199] ، فالمقصود بعض الناس دون بعض، أي: الحجاج أو إبراهيم عليه السلام.
3- العام المخصوص، وهو العام الذي أريد به العموم في الأصل، ولكنه خصص بعد ذلك، فجيء بما يخصصه ببعض أفراده دون بعض، فذلك هو العام المخصوص.
قال: [والخاص يقابل العام] أي: يضاده.
وقوله: [والتخصيص تمييز بعض الجملة] أي: بحكم مستقل بها، أو الجملة هنا: ما يتناوله العام.
(3/6)

أقسام الخاص
قال: [وهو ينقسم إلى: متصل ومنفصل فالمتصل: الاستثناء والتقييد بالشرط، والتقييد بالصفة] أي: المخصص ينقسم إلى: متصل ومنفصل، فالتخصيص بالمتصل: كالاستثناء، والشرط، والتقييد بالصفة، فكل ذلك من المتصلات.
-فالتقييد بالاستثناء مثل قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ} [الفرقان:68-70] ، فهذا الاستثناء اتصل بالعموم السابق وهو (من يفعل ذلك) ، واستثني منه (من تاب) فالاستثناء هنا تخصيص بمتصل.
- ومثل ذلك الشرط: فهو يخصص أيضاً ما قبله، ويكون متصلاً به (تقتل المرأة إن قاتلت) فالمرأة هنا جنس محلى بأل فهي من ألفاظ العموم، (إن قاتلت) خصص هذا العام بالشرط الذي بعده، ومعنى ذلك: أنها إن لم تقاتل لا تقتل.
- وكذلك التقييد بصفة {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97] ، (لله على الناس) الناس هنا من ألفاظ العموم؛ لأنه جنس محلى بأل، (من استطاع إليه سبيلاً) خص هذا العموم بالصفة، وهي صفة الاستطاعة.
والمخصص المتصل بأنواعه الثلاثة التي ذكرها هنا يحتاج إلى تفصيل؛ فلذلك قال: [الاستثناء: إخراج ما لولاه لدخل في الكلام] ، فإن الاستثناء الذي هو أحد المخصصات المتصلة تعريفه: هو إخراج ما لولاه -أي: لولا الاستثناء- لدخل في الكلام، كقولك: جاء القوم إلا زيداً، فلو قلت: جاء القوم، وسكت، لدلَّ ذلك على مجيء زيد، لكن إذا قلت: جاء القوم إلا زيداً، فالاستثناء أخرج زيداً من القوم.
قال المصنف: [وإنما يصح بشرط أن يبقى من المستثنى منه شيء] أي: لا يصح الاستثناء بحيث لا يبقى من المستثنى منه شيء، فلو قلت: له عليَّ عشرة إلا عشرة، فهذا باطل لا يمكن أن يصح، لكن إذا قلت: له عليّ عشرة إلا ثلاثة أو إلا أربعة فذلك جائز بالاتفاق، إذا كان دون النصف، فإذا كان النصف فصاعداً فهو محل خلاف، وهذا الخلاف فقهي لا أصولي، والذي سار عليه المؤلف أنه يصح الاستثناء حتى يبقى أقل شيء من العموم، فإذا قلت: له عليّ عشرة إلا تسعة، فهذا الاستثناء صحيح؛ لأن معناه الإقرار بواحد فقط.
[ومن شرطه أن يكون متصلاً بالكلام] أي: من شرط الاستثناء: أن يكون متصلاً بالكلام، فإن انفصل عنه وطال الانفصال كأن تقول: له عليّ عشرة، ثم بعد سكوت تقول: إلا تسعة، فهذا لا يقبل منه، إنما يقبل الاستثناء إذا كان متصلاً، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما القول بأن الاستثناء يصح ولو حصل الفصل، وقد جرى في هذا خلاف بين الأصوليين، وقد كان القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي رحمه الله من أهل بغداد، وأراد الخروج منها غضباً لسوء معاملة أهلها له، فخرج فلقي بعض عوام الناس خرجوا ليجمعوا الحطب؛ ليبيعوه في بغداد، فإذا اثنان منهم يتكلمان في قضية الاستثناء، فقال أحدهما للآخر: لو لقيت ابن عباس رضي الله عنهما لقلت له: لو كان الانفصال في الاستثناء مقبولاً لقال الله تعالى لأيوب عليه السلام: استثن ولم يقل له: (خذ بيدك ضغثاً فاضرب به) ! فإن أيوب عليه السلام حلف أن يضرب عدداً من الأسواط لا يتحمله المضروب، فبعد الندم على ذلك أمره الله أن يأخذ بيده ضغثاً من النخل -يجمع عدداً من العثاكيل- فيضرب به ولا يحنث، فجعل ذلك مانعاً من الحنث، ولو كان الاستثناء كافياً هنا لقال: استثن، قل: إن شاء الله، فيخرج من عهدة اليمين، فرجع القاضي إلى بغداد وترك سفره، وقال: بلد حطابه -أي: الذين يجمعون الحطب- يناقشون ابن عباس بالقرآن لا يخرج منها.
قال المصنف: [ويجوز تقديم الاستثناء على المستثنى منه] أي: يجوز أن يتقدم الاستثناء على المستثنى منه فتقول: له عليّ إلا ثلاثة عشر.
[ويجوز الاستثناء من الجنس ومن غيره] يجوز الاستثناء من الجنس وهذا الذي يسمى في اصطلاح النحويين بالاستثناء المتصل، قام القوم إلا زيداً، ومن غير الجنس وهو الذي يسمى بالاستثناء المنقطع، كقول الله تعالى: {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} [البقرة:34] أي: سجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس، فإبليس ليس من جنس الملائكة، فكان الاستثناء هنا منقطعاً.
قال المصنف [والشرط يجوز أن يتأخر عن المشروط، ويجوز أن يتقدم على المشروط] بين أن الشرط -الذي هو من المخصصات المتصلة أيضاً- يجوز أن يتأخر عن المشروط، ويجوز أن يتقدم على المشروط، فإن تأخر عنه فذلك الأصل؛ لأن من شأنه التأخر، مثل قول الله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} [النساء:12] .
(إن لم يكن لهن ولد) شرط، وهو متأخر عن المشروط وهو: (لكم نصف ما ترك أزواجكم) ، فمحل ميراث الزوج لنصف مال زوجته إن لم يكن لها ولد.
ويجوز أن يتقدم عليه، مثل قوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:6] .
(إن كن أولات حمل) هذا شرط، وهو متقدم على المشروط وهو: (فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) فجاء الشرط متقدماً على المشروط.
(3/7)

المطلق والمقيد
ثم عقد هذا الباب للمطلق والمقيد فقال: [والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق] :
(3/8)

تعريف المطلق
المطلق في اللغة: وصف للمفعول، من أطلقه يطلقه فهو مطلق، أي: أرسله.
وهو في الاصطلاح: اللفظ الذي يتناول ما صلح له على سبيل البدلية لا دفعة واحدة، فرجل -مثلاً- نكرة في سياق الإثبات، يتناول كل ذكر آدمي، لكنه لا يمكن أن يتناولهم دفعة واحدة، فلا يصدق في الرجال جميعاً في وقت واحد، بل يصدق بواحد وواحد وواحد حتى يأتي على كلهم.
(3/9)

تعريف المقيد
والمقيد أيضاً: وصف للمفعول من قيده يقيده فهو مقيد، أي: جعل فيه قيداً، والقيد: ما يحد الحركة، والمقصود به هنا: ما يحد من الإطلاق، فيعطل اللفظ عن بعض ما يصدق عليه، كالتقييد بالوصف في قول الله تعالى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء:92] ، فالرقبة مطلقة؛ لأنها نكرة في سياق الإثبات، وقيدت بعد ذلك بالصفة حين قال: (مؤمنة) فخرج ما سواها من الرقاب فلا يمتثل به الأمر.
(3/10)

هل يحمل المطلق على المقيد؟
قال: [والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق] : قد يرد الأمر بلفظ مطلق في مكان، ويرد بلفظ مقيد في مكان آخر، أو قد يرد النهي بلفظ مطلق في مكان، ويرد بلفظ مقيد في مكان آخر، وقد اختلفوا في ذلك: فقيل: يحمل المطلق على المقيد، وقيل: يبقى المطلق على إطلاقه والمقيد على قيده، فمثال ذلك في الأمر: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) قد جاء هذا الأمر دون قيد بالإيمان في كفارة القتل، وجاء بالقيد بالإيمان في كفارة الظهار، فقيل: يحمل المطلق على المقيد، فلا تجزئ رقبة في الكفارة إلا إذا كانت مؤمنة، ومثاله في النهي: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من جر ثوبه خيلاء لم يرح رائحة الجنة) ، وقوله: (ما أسفل من الكعبين في النار) ، فهذا نهي عن الإسبال، فاللفظ الأول قيد فيه النهي بأن يكون ذلك على وجه الخيلاء، واللفظ الثاني أطلق فيه ذلك دون قيد، فهل يحمل المطلق على المقيد؟ هذا محل الخلاف.
قال: [والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع، وأطلقت في بعض المواضع، فيحمل المطلق على المقيد] ، فيشترط في كل الرقاب أن تكون مؤمنة.
(3/11)

أنواع التخصيص
ثم قال: [ويجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الكتاب بالسنة] : رجع المصنف هنا للتخصيص المنفصل بعد ذكره التخصيص المتصل.
(3/12)

التخصيص المنفصل
1- أما التخصيص المنفصل -أي: بالتخصيص المنفصل- فقد يكون التخصيص بالحس، وذلك مثل قول الله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف:25] فالمحسوس أن السماوات ما دمرت، وأن الأرضين ما دمرت، وأن الجبال ما دمرت، فالمقصود: تدمر كل شيء أذن لها في تدميره، من أبنية عاد وأشجارهم ومنافعهم.
2- وكذلك من المخصصات المنفصلة: العقل، فإنه يخصص العموم، كقول الله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر:62] فالعقل يقتضي أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق نفسه فهو غير مخلوق، فهذا تخصيص بالعقل.
3- ثم بعده التخصيص بالنص، وهو الذي فصل فيه المؤلف فقال: [يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب] ، أي: أن يأتي العموم في الكتاب، ثم يأتي بعده نص آخر من الكتاب يقتضي تخصيصاً، وذلك مخصص منفصل، فقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة:228] ، فهذا اللفظ جاء عاماً في كل مطلقة سواء كانت مدخولاً بها أو غير مدخول بها، ولكنه خصص بنص آخر، وهو قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب:49] فهذا اللفظ تخصيص للفظ الآخر.
- وكذلك يجوز [تخصيص الكتاب بالسنة] ، فالله تعالى يقول في كتابه بعد ذكر المحرمات من النساء وهن خمس عشرة امرأة قال: {وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:24] والمحصنات هن المتزوجات.
{إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:22-24] بالسبي، كما إذا كن متزوجات في الكفر فسبين في الغزو، فإن السبي يهدم النكاح.
{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء:24] ، (أحل لكم ما وراء ذلكم) فـ (ما) هنا من ألفاظ العموم، وهي مقتضية أن كل ما عدا الخمس عشرة امرأة حلال، ولكن خصص ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في السنة بقوله: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ، فهذا تخصيص لعموم قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) .
- كذلك يخصص الكتاب أيضاً بالإجماع، ولم يذكر ذلك هنا في النص؛ لأن الإجماع في الراجح لابد أن يكون معتمداً على مستند، وذلك المستند من النص هو المخصص الحقيقي، وإنما يدل الإجماع على التخصيص به فقط، وذلك مثل قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور:4] ، فهذه الآية عامة في الحر والعبد، لكنها خصصت بالإجماع بأن العبد القاذف يجلد على النصف من الحر، ولم يرد ذلك في النص، لكنه إنما جاء في الإماء في حد الزنا في قول الله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء:25] ، فحمل المسلمون العبد الذكر على الأمة الأنثى في تجزؤ الحد مطلقاً، وكان ذلك بالإجماع، فانعقد الإجماع على هذا.
- وكذلك قد يخصص الكتاب بالقياس، وذلك مثل قول الله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور:2] فيقاس العبد الزاني على الأمة في تنصيف الحد؛ لأن الأمة ذكر فيها التنصيف {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء:25] فيقاس العبد الذكر على الأنثى.
- كذلك قال: [وتخصص السنة بالكتاب] يخصص عموم السنة بالكتاب أيضاً، وذلك مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) ، فإن ذلك خصص بقول الله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] فالحديث أطلق القتال حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، والآية خصصت من ذلك من قبل دفع الجزية، فإنه تقبل منه الجزية ولا يقاتل.
- قال: [وتخصيص السنة بالسنة] كذلك تخصص السنة بالسنة، ومثاله: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فيما سقت السماء العشر) ، فهذا عام في القليل والكثير، وقد خصصته السنة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) ، فالحديث الأول عام في القليل والكثير، والحديث الثاني خصصه بأن ذلك في خمسة أوسق فما فوقها.
[وتخصيص النطق بالقياس، ونعني بالنطق قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم] أي: أن الكتاب والسنة كلاهما يخصص بالقياس.
فتخصيص الكتاب بالقياس كما سبق في قياس العبد على الأمة في تنصيف حد الزنا.
وأما تخصيص السنة بالقياس، فمثاله قول النبي صلى الله عليه وسلم: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) ، فخص من الحديث العبد قياساً، فيتنصف الحد في حقه قياساً على الأمة.
وهذا معنى قوله: [ونعني بالنطق] أي: المنطوق، وهو الكتاب والسنة، أي: قول الله تعالى، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم.
(3/13)

المجمل والمبين وتعريفهما
قال المصنف: [المجمل والمبين] عقد هذا الباب للمجمل والمبين، فالمجمل: هو اللفظ الخفي الدلالة خفاء راجحاً، أي: لا عموم فيه أو إطلاق.
والمبين: هو اللفظ الواضح الدلالة لتخصيص فيه أو تقييد.
والمجمل في اللغة: مفعل بصيغة اسم المفعول بالوصف من أجمله، أي: أذابه، والإجمال الإذابة: أجمل الشحم إذا أذابه، والكلام الذي لا تتضح دلالته كالشحم المذاب، وهو في الاصطلاح: ما افتقر إلى البيان، كما قال المصنف: [المجمل: ما افتقر إلى البيان] ، والمقصود بافتقاره، أي: افتقارنا نحن في فهمه إلى البيان، أي: ما افتقرنا نحن في فهمه إلى البيان، وذلك لأسباب كثيرة هي أسباب الإجمال، منها: 1- عدم معرفة المراد بسبب الاشتراك في الدلالة، كقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة:237] ، الذي بيده عقدة النكاح يمكن أن يقصد به الزوج أو الولي، كذلك في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة:228] هل المقصود الحيض أو الطهر؟ فالقرء يطلق على الحيض، كقول الراجز: يا رب ذي ضغن على قارضي له قروء كقروء الحائض ويطلق على الطهر، ومنه قول الأعشى: أفي كل يوم أنت عازم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة مالاً وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا فالقروء هنا بمعنى الأطهار.
2- وقد يكون الإجمال راجعاً إلى كون المفرد نفسه خفيَّ الدلالة: {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير:17] ، فيمكن أن يكون معناه: الإقبال، ويمكن أن يكون معناه: الإدبار.
3- وقد يكون ذلك للاشتراك في دلالة الحرف، كقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة:6] ، الباء هنا يمكن أن تكون للإلصاق، ويمكن أن تكون للتبعيض.
4- ومن أسباب الإجمال كذلك عدم معرفة الصفة، كالعام إذا لم يرد له بيان، مثل: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43] فهذا محتاج في معرفته إلى البيان، فبين النبي صلى الله عليه وسلم الصلواتِ الخمس، وبين الزكاة.
قال المصنف: [والبيان: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي] .
البيان في الأصل هو: الإظهار، اسم مصدر بيَّن الشيءَ بيانًا إذا أظهره.
وفي الاصطلاح: [إخراج الشيء من حيز الإشكال] (إخراج الشيء) أي: الدليل.
[من حيز الإشكال إلى حيز التجلي] أي: إلى حيز الظهور، والتجلي: من جلاه إذا أظهره.
(3/14)

تعريف النص
ثم قال المصنف: [والنص: ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا] هذا ليس من المجمل ولا من المبين، بل هو من الألفاظ الأخرى المقاربة للمعنى.
من مصطلحات الأصوليين أيضاً: النص.
والنص لغة: يُطلق على الإسراع في السير، ومنه حديث: (إذا وجد فرجة نصَّ) أي: أسرع، ويُطلق على الرفع، ومنه: المنصة، وهي: المكان المرتفع الذي يرتفع عليه المتكلم، ومنه قول امرئ القيس: وجيد كجيد الريم ليس بفاحش إذا هي نصته ولا بمعطل أي: رفعته، ومنه قولهم: ونص الحديث إلى أهله فإن السلامة في نصه أي: في رفعه إلى قائله ونسبته إليه.
والنص في الاصطلاح: ما أفاد معنى لا يحتمل غيرَه، هذا في اصطلاح المتكلمين.
والمتكلمون يقسمون الكلام إلى: واضح الدلالة، وخفي الدلالة.
فواضح الدلالة، ينقسم إلى قسمين هما: النص والظاهر.
وخفي الدلالة، ينقسم إلى قسمين هما: المجمل والمتشابه.
- والحنفية يقسمون واضح الدلالة إلى أربعة أقسام هي: المفسَّر، والمبيَّن، والنص، والظاهر.
- ويقسمون خفي الدلالة إلى أربعة أقسام: الخفي، والمجمل، والمشكل، والمتشابه.
وكل هذا اصطلاحٌ.
قال المصنف: [وقيل: ما تأويله تنزيله] أي: على ما جاء عليه.
- فالتأويل بمعنى: بروزه إلى العيان، بعد أن كان خفياً، وقد قال ابن رواحة رضي الله عنه: خلوا بني الكفار عن سبيله نحن ضربناكم على تنزيله واليوم نضربكم على تأويله (نحن ضربناكم على تنزيله) وذلك عندما أنزل قول الله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ} [الفتح:27] .
(واليوم نضربكم على تأويله) وذلك عند تحققه بعمرة القضاء، فقوله: ما تأويله تنزيله، أي: أول ما نزل نزل واضحاً لاخفاء فيه، فهذا الذي يسمى بالمبين، وأما ما كان تأويله بعد تنزيله فهو المجمل.
قال: [وهو مشتق من منصة العروس] وليس كذلك، بل كلاهما مشتق من النص الذي هو الرفع، [من منصة العروس] أي: المكان الذي تجلى عليه العروس، أي: تظهر عليه، [وهو الكرسي] .
(3/15)

الظاهر والمؤول وتعريفهما
قال المصنف: [الظاهر والمؤول والظاهر: ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر] : الظاهر: هو مقابل النص، وهو فاعل وصف من ظهر إذا اتضح، فالظاهر واضح الدلالة.
وهو في الاصطلاح: ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر، فهو دون النص في الظهور.
(ما احتمل أمرين) أي: معنيين أحدهما أظهر من الآخر.
ثم قال: (ويؤول الظاهر بالدليل) : يؤول، أي: يرجع إلى أصله، والتأويل: إرجاع الشيء إلى غيره، من آل إليه يؤول، أي: رجع، وإذا أول سمي بالمؤول، ويؤول الظاهر بالدليل، فلا تأويل إلا بدليل، ويسمى الظاهر حينئذ بالدليل، فدليل التأويل هو الذي يصرف به اللفظ عن ظاهره إلى غيره، فالظاهر إذن قسمان: ظاهر من جهة اللفظ -أي: لفظه ظاهر- وظاهر من جهة الدليل، أي: دل الدليل على تأويله فأصبح ظاهراً في المعنى الآخر الذي كان خفياً فيه.
(3/16)

شروط التأويل
وللتأويل شروط، فمن شروط التأويل: أن يكون بدليل فلا يمكن أن يؤول بغير دليل.
ومنها: أن يكون اللفظ قابلاً للتأويل، فإن كان اللفظ صريحاً لا يقبل التأويل فلا يمكن تأويله.
ومنها: أن يقع فيه موجب للتأويل.
ومنها: أن يكون اللفظ الذي أول إليه محتملاً.
أي: مقبولاً في العربية، فلا يمكن أن يحمل اللفظ على ما لا تقتضيه اللغة بوجه من الوجوه، فذلك تأويل فاسد.
(3/17)

أسباب الظهور
والظهور له أسباب: فيمكن أن يكون الظهور بسبب الحقيقة، فالحقيقة مقدمة على المجاز، وكذلك الإثبات مقدم على الحذف، فما لا يقتضي حذفاً أولى مما فيه حذف، والعموم كذلك مقدم على الخصوص، فكون اللفظ متناولاً لكل ما يصلح له أولى من تخصيصه، هذه هي أوجه الظهور، أو أسباب الظهور.
(3/18)

باب الأفعال
باب الأفعال: الأفعال: جمع فعل، والمقصود بها هنا نوع من أنواع الأدلة، وهي أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن من الأدلة الإجمالية السنة، وهي: أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته مما يصلح دليلاً لحكم شرعي، ولما كانت أفعال النبي صلى الله عليه وسلم أنواعاً بدأ بتصنيفها، فقال: [فعل صاحب الشريعة لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة والطاعة أو غير ذلك] .
ومعنى قوله: (على وجه القربة والطاعة) أي: أن يكون تشريعاً وبياناً لما أرسله الله به.
قوله: (أو غير ذلك) معناه: أو أن يكون غير ذلك بأن يكون جبلة: كالعطاس، والنوم، والأكل، والشرب وغير ذلك، أو أن يكون متردداً بين الأمرين، بين الجبلة والتشريع: كالضجعة بعد ركعتي الفجر، وكجلوس الاستراحة، أو أن يكون فعلاً بوظيفة من وظائفه: كالإمامة العظمى، والقضاء، والإفتاء، وقيادة الجيش.
وغير ذلك.
(3/19)

أفعال النبي
قال المصنف: [فإن دل الدليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص وإن لم يدل لا يخصص به] ، وذلك ثلاثة أنواع: النوع الأول منه: ما دل الدليل على وجوبه عليه، فيسن لأمته: كالسواك، وقيام الليل، وصلاة الضحى، وقضاء دين الميت المعسر.
والنوع الثاني: أن يدل الدليل على حرمته عليه صلى الله عليه وسلم، فيكره لأمته: كأكل كل ذي رائحة كريهة، ولبس ما فيه وسخ ونحو ذلك، فما حرم على النبي صلى الله عليه وسلم فذلك يكره لأمته.
والنوع الثالث: ما دل الدليل على جوازه له صلى الله عليه وسلم دون غيره، فيحرم على أمته: كالتزوج بأكثر من أربع، وكالزواج بلا ولي ولا صداق، وكالخلوة بالأجنبية، والحكم للأقارب، والحكم مع غيبة الخصم، فكل ذلك دل الدليل على جوازه له هو، وهو محرم على غيره من الأمة، فلهذا قال: [فعل صاحب الشريعة لا يخلو إما أن يكون على وجه الطاعة أو القربة أو غير ذلك، فإن دل الدليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص] معناه: أن الأصل عدم الاختصاص، ولهذا احتيج فيه إلى الدليل، فإن دل الدليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص، [وإن لم يدل لم يختص به] ؛ لأن الأصل أنه مبلغ عن الله تعالى، وفيه أسوة حسنة لكل المؤمنين: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21] .
ثم قال: [فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا] : ذهب بعض الشافعية إلى أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في معرض البيان يدل على الوجوب.
[ومن أصحابنا من قال يحمل على الندب] : وهذا مذهب جمهور الأصوليين، فإنهم يقسمون السنة إلى الأقسام الثلاثة، فيقولون: القول تؤخذ منه الأحكام الخمسة، والفعل يؤخذ منه حكمان فقط وهما: الندب والإباحة، والتقرير يؤخذ منه حكم واحد وهو الإباحة فقط، ومنهم من قال: يتوقف فيه، فإن كان على غير وجه القربة والطاعة فيحمل على الإباحة في حقه وحقنا، ويحمل على أنه من الجبلة فيكون جائزاً في حقه وفي حقنا: كالعطاس والنوم الاستيقاظ ونحو ذلك، فهذه من أفعال البشر المعتادة فيجوز في حقه وفي حقنا، ولا يشرع الاقتداء به فيها، ومثل هذا هيئات اللباس: كالعمامة والرداء والإزار وتقلد السيف ونحو ذلك، فهذا يدل على أحسن الهيئات وأقربها للفطرة، لكنه لا يطلب من أحد أن يتأسى به فيها فلا يثاب فاعل ذلك، ولا يشرع الاقتداء به في ذلك، فلهذا قال: [فإن كان على غير وجه القربة والطاعة فيحمل على الإباحة في حقه وفي حقنا، وإقرار صاحب الشريعة على القول هو قول صاحب الشريعة] ، أي: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للقائل في قوله -إذا كان ذلك تحت حكمه وبمجلسه وبعلمه- فإنه يحمل على رضاه به.
والإقرار ينقسم إلى قسمين: تقرير بالاستحسان، وتقرير بالسكوت.
فالتقرير بالاستحسان: كتقريره لقول مجزز المدلجي حين رأى أقدام زيد بن حارثة وابنه أسامة قد خرجت من كساء لبساه، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض.
قالت عائشة: (فدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرق أسارير جبهته مسروراً، فقال: أما علمت أن مجززاً المدلجي رأى أقدام زيد وأسامة قد خرجت من كساء يلبسانه، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض) ، فأقر القيافة، وفي ذلك رد على المنافقين، فإن زيداً شديد البياض، وابنه أسامة شديد السواد، وكان المنافقون يطعنون في نسب أسامة، فجاء هذا الأعرابي الذي يعرف الأثر والتشبيه، فشبه أقدام أسامة بأقدام زيد ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فدل هذا على تقريره للقيافة.
ومثل ذلك: إقراره بالسكوت: كإقراره لبعض ما جرى بحضرته، كقوله للأنصاري حين رآه يصلي بعد الفجر: (ألم تشهد معنا الصلاة؟ قال: بلى.
قال: فماذا كنت تصلي؟ قال: ركعتا الفجر استعجلت عنها بالصلاة) فسكت، فهذا السكوت دليل على الإباحة، ومثله إقرار الفعل كما قال المصنف: [وإقراره على الفعل كفعله] ، فقد ثبت أنه أكُل الضب على مائدته، وأنه أهدي إليه ضب مشوي فقال: (لم يكن في بلاد قومي فأجدني أعافه) ، فاجتره خالد بن الوليد فأكله، وكل ذلك في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وبإقراره، فدل هذا على جواز أكل الضب.
قال المصنف: [وما فعل في وقته في غير مجلسه، وعلم به ولم ينكره، فحكمه حكم ما فعل في مجلسه] .
والمقصود بذلك أيضاً: إذا كان تحت إمرته، بخلاف ما لم يكن تحت إمرته، كما كان في العهد المكي من أفعال أهل الجاهلية، ولو لم يصرح بإنكاره؛ فإن سكوته عنه ليس إقراراً له، أما ما كان بالمدينة تحت إمرته فحصل وعلم به ولم ينكره فيعتبر ذلك إقراراً منه له، فحكمه حكم ما فعل في مجلسه، ويضاف على هذا: ما فعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من بعض المؤمنين ولو لم يعلم به النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لم ينزل الوحي بإنكاره، وقد كان ظاهرة منتشرة بينهم، فيعتبر ذلك إقراراً من الله سبحانه وتعالى لهم، إذ لو كان منكراً لنزل الوحي بإنكاره، ودليل هذا قول جابر رضي الله عنه كنا نعزل والقرآن ينزل، وقد بين أن هذه الظاهرة كانت منتشرة في وقت نزول الوحي، فلم ينزل القرآن بإنكارها وتحريمها، فدل ذلك على جوازها، وهذا من إقرار الله سبحانه وتعالى، وهو أبلغ من إقرار النبي صلى الله عليه وسلم.
(3/20)

شرح الورقات في أصول الفقه [4]
عقد المصنف باباً للنسخ، لتعريفه، وبيان أقسامه، وألحق به باباً في التعارض بين الأدلة، وكيف يجمع بينها، ثم عقد باب الإجماع وعرفه وذكر بعض شروطه، وأتبعه بمسألة: هل قول الصحابي حجة على غيره؟ وشرع في باب الأخبار، وعرف الخبر، وذكر أقسامه.
(4/1)

باب النسخ وتعريفه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد قال المصنف: [النسخ] عقد هذا الباب لبيان النسخ وذكر أقسامه، والنسخ معناه في اللغة: الإزالة، فيقال: نسخت الرياح الأثر، إذا أزالته وغيرته، ويقال: نسخت الشمس الظل؛ إذا أزالته.
ويطلق أيضاً على النقل، فيقال: نسخ الكتاب إذا نقله، فهذا معناه في اللغة.
وأما معناه في الاصطلاح: فهو تغيير الحكم الشرعي بخطاب متراخ عنه.
والمقصود بالحكم الشرعي: ما كان خطاباً أيضاً، فلا تنسخ البراءة الأصلية ولا ينسخ بها؛ لأن الأحكام كلها إنما نزلت على براءة أصلية سابقة لها، فلو اعتبر ذلك نسخاً لكانت الأحكام كلها ناسخة لأمر قد سبق، وهو البراءة الأصلية وعدم التكليف، ولا ينسخ أيضاً إلا بالخطاب، فلا نسخ بالقياس، ولا بالاجتهاد، ولا بالإجماع، وإنما يحصل النسخ بالوحي المنزل.
قال المصنف: [وأما النسخ فمعناه لغة: الإزالة] يقال: نسخت الشمس الظل؛ إذا أزالته، [وقيل: معناه النقل، من قولهم نسخت ما في هذا الكتاب أي: نقلته] وحكايته للخلاف في هذا لا وجه لها، بل هو في اللغة يطلق على هذين المعنيين وعلى التغيير، قال: [وحده -أي: تعريفه- هو الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه، لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه] ، وهذا تعريف للناسخ لا للنسخ، فالخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم هو الناسخ، فلو قال: هو رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخي الرفع أو تراخي الخطاب عنه، لكان ذلك تعريفاً للنسخ، والمقصود برفع الحكم: إزالته وتغييره، والحكم هنا المقصود به: الحكم الشرعي فقط.
قوله: [الثابت بالخطاب] ، أي: الذي أنزل به وحي.
[المتقدم] فالمتقدم لا ينسخ المتأخر.
[على وجه لولاه لكان ثابتاً] ، أي: لولا ذلك الوجه لكان الحكم ثابتاً.
[مع تراخيه عنه] أي: تأخره عنه، فلو جاء متصلاً به لاعتبر ذلك تخصيصاً ولم يعتبر نسخاً، وهذا التراخي ليس له مدة محددة، بل قد يحصل بالقرب، كما حصل في قصة الصدقة بين يدي النجوى، فإن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [المجادلة:12-13] ، فنسخ ذلك الحكم على القرب، وذلك بفضل الله ورحمته، وقد نسخ قبل التمكن من الفعل، فدل ذلك على جواز النسخ قبل التمكن من الفعل.
(4/2)

أنواع النسخ
(4/3)

النسخ إلى بدل وإلى غير بدل
ثم قال: [والنسخ إلى بدل وإلى غير بدل] ، أي: يجوز النسخ إلى بدل، بأن تنزل آية أخرى بدل تلك، أو حكم آخر بدل الحكم الذي نسخ، ويجوز النسخ إلى غير بدل، أي: بالإحالة إلى ما كان من البراءة الأصلية، وهذا محل خلاف بين الأصوليين، فقد ذهب جمهورهم إلى أن النسخ لا يكون إلا إلى بدل؛ لأن الله تعالى يقول: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة:106] ، فلا بد من البدل الذي هو خير أو مثل للمنسوخ، والآخرون يقولون: البراءة بدل وهو خير أو مثل؛ لأن الله كان تعبدنا بذلك الحكم ثم لما نسخه تعبدنا بالإباحة فيه، فكان ذلك إلى غير بدل، وحمل عليه نسخ الصدقة بين يدي نجوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: هي من النسخ إلى غير بدل، وقيل: بل ذكر البدل وهو: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ لأنه قال: {أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [المجادلة:13] فذلك من النسخ إلى بدل.
(4/4)

النسخ إلى ما هو أغلظ وإلى ما هو أخف
قال المصنف: [وإلى ما هو أغلط، وإلى ما هو أخف] أي: يجوز النسخ إلى ما هو أغلط بالزيادة في الحكم، أو إلى ما هو أخف بالأسهل، وهذا أيضاً محل خلاف بين الأصوليين، فذهب بعضهم إلى: أن النسخ لا يكون إلا بالأسهل؛ لأن الله تعالى يقول: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة:106] فالأسهل هو الخير أو المماثل، وأما الأشد فلا يكون كذلك، والذين يرون صحة النسخ بالأغلظ والأشد، يقولون: الأشد خير من المنسوخ؛ لأنه أكثر منه أجراً، وقد عرف النسخ بالأخف مثل قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} [الأنفال:65] ، فنسخ بقوله:: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال:66] ، فكان ذلك تخفيفاً، وأما النسخ بالأغلظ، فمثله ما ورد من التحريم بعد الإباحة: كتحريم لحوم الحمر الأهلية بعد إباحتها، وذلك مما تكرر فيه النسخ، فقد تكرر النسخ في أربع مسائل وهي: 1- القبلة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة يصلي إلى البيت الحرام، ثم لما هاجر صلى إلى الشام سبعة عشر شهراً، ثم نسخت القبلة فأعيدت إلى البيت الحرام.
2- وكذلك منها متعة النكاح، فقد حرمت بإعلان رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عنها، ثم أذن فيها في بعض الغزوات، ثم حرمها وبقيت على التحريم.
3- ومثل ذلك: الحمر الأهلية، فقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلها، ثم في إحدى الغزوات أذن بأكلها لجوع الناس، ثم بعد ذلك حرمها فاستمرت على التحريم.
4- ومثل ذلك: الوضوء مما مست النار، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ مما مست النار، ثم ترك الوضوء من ذلك، وكان آخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار.
وهذه الأربع هي التي نظمها الحافظ ابن حجر رحمه الله بقوله: النسخ ذو تكرر في أربع جاءت بها الكتب والأخبار في قبلة ومتعة وحمر كذا الوضو مما تمس النار
(4/5)

نسخ اللفظ وبقاء الحكم
قال المصنف: [ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم] .
يقصد: أن أقسام النسخ منها: نسخ اللفظ وبقاء حكمه، كآية الرجم التي كانت في سورة الأحزاب، وهي: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله) ، وكانت هذه الآية ثابتة في سورة الأحزاب، فنسخ لفظها وبقي حكمها، وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجم خمسة أشخاص، وهم اليهوديان، وماعز، والغامدية، وصاحبة العسيف، وكذلك عمل به خلفاؤه الراشدون فقد رجم عمر رضي الله عنه امرأتين، ورجم عثمان كذلك امرأة، ورجم علي بن أبي طالب رضي الله عنه شراحة، فكل هؤلاء رجموا بهذه الآية التي نسخ لفظها وبقي حكمها، لهذا قال: [ويجوز نسخ الرسم] والمقصود به: المكتوب والمقروء، أي: اللفظ، [وبقاء الحكم] ، أي: بقاء حكم ذلك اللفظ الذي نسخ.
(4/6)

نسخ الحكم وبقاء الرسم
قال: [ونسخ الحكم وبقاء الرسم] أي: يجوز أيضاً أن ينسخ الحكم ويبقى اللفظ متلواً فيما يتلى من القرآن، كقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة:240] ، فهذه الآية بقي لفظها ونسخ حكمها، بالآية التي قبلها في رسم المصحف، وهي متأخرة عنها في النزول، وهي {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234] ، وكذلك قول الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:180] ، فقد نسخ هذا الحكم، وبقي اللفظ مما يتلى، ومثل ذلك: قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ} [الأنفال:65] ، فقد نسخت هذه الآية بالآية التي بعدها وهي قول الله تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [الأنفال:65-66] ، فهذه الآية ناسخة لسابقتها، وقد أثبتت سابقتها في الرسم، وبقيت مما يتعبد بتلاوته، لكن لا يعمل بحكمها، فالحكم قد نسخ.
(4/7)

أنواع النسخ باعتبار الناسخ
قال المصنف: [ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ السنة بالكتاب وبالسنة] .
ذكر المصنف أنواع النسخ باعتبار الناسخ، فالناسخ: إما كتاب وإما سنة، والمنسوخ في كل واحد منهما: إما كتاب وإما سنة، ومذهب الشافعي أن الكتاب لا ينسخ بالسنة، وأن السنة لا تنسخ بالكتاب، ومذهب الجمهور حصول النسخ بينهما.
(4/8)

نسخ الكتاب بالكتاب
فيجوز نسخ الكتاب بالكتاب بالاتفاق، مثلما ذكر في آيتي العدة وآيتي العدد في الغزو، فآية العدة جاء فيها قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا} [البقرة:240] ، ونسخ ذلك بقوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234] ، وآيتا العدد جاء فيهما قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:65-66] .
(4/9)

نسخ الكتاب بالسنة
ويجوز كذلك نسخ الكتاب بالسنة على الراجح، مثل قول الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:180] ، فقد نسخ ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) .
(4/10)

نسخ السنة بالكتاب
وكذلك نسخ السنة بالكتاب، ومثاله: نسخ استقبال الشام في الصلاة بقول الله تعالى: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144] .
فهذا الكتاب ناسخ للسنة.
(4/11)

نسخ السنة بالسنة
ونسخ السنة بالسنة كثير، كقوله صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة) ، وكقوله في لحوم الأضاحي في النهي عن ادخارها ثلاثاً: (إنما كنت نهيتكم من أجل الدافة) ونحو ذلك.
(4/12)

جواز نسخ المتواتر بالمتواتر
قال: [ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالكتاب وبالسنة، ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر] ، أي: يجوز نسخ الكتاب بالمتواتر من السنة، والواقع أن التواتر وصف طارئ، لأنه يتعلق بالنقل لا بالنزول، فالمقصود أن ما لم ينقل متواتراً بالسنة لا يمكن أن ينسخ به الكتاب عند طائفة من المتكلمين، ولكن العبرة هنا بالصحة، فإذا صح النقل -ولو لم يصل إلى حد التواتر- فذلك كاف في النسخ، لأن التواتر وصف طارئ بعد نزول الوحي، فهو متعلق بروايته لا بنزوله.
(4/13)

جواز نسخ الآحاد بالآحاد وبالمتواتر
قال: [ونسخ الآحاد بالآحاد وبالمتواتر] أي: أن الآحاد كذلك يمكن اعتبار النسخ فيها بالمتواتر قطعاً، كأحاديث الآحاد تنسخ بمتواتر القرآن ومتواتر السنة، وتنسخ الآحاد بالآحاد؛ لأنها في منزلتها.
(4/14)

عدم جواز نسخ المتواتر بالآحاد
ولا ينسخ المتواتر بالآحاد؛ لأنهما ليسا في منزلة واحدة، والناسخ لا يكون أضعف من المنسوخ، لكن هذا كما ذكرنا مستغنى عنه؛ لأن التواتر والآحاد راجعان إلى النقل، والنقل متأخر عن النزول، فلا يجوز نسخ الكتاب بالسنة، وهذا هو مذهب الشافعي، ومذهب جمهور الأصوليين جواز ذلك، وقد بينا مثاله في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة:180] .
قال المصنف: [ولا يجوز نسخ المتواتر بالآحاد] ، كذلك لا يجوز نسخ المتواتر من السنة بالآحاد، وهذا قول لبعض أهل العلم، وقد بينا أنه إذا ثبت النقل فذلك كاف؛ لأن الشيء ينسخ بمثله وبما هو أقوى منه، أي: لا ينسخ بما هو أضعف منه.
(4/15)

حكمة النسخ
وللنسخ حكم منها: التدرج في التشريع، فإن الشارع الحكيم يراعي مصالح عباده، فلو أنزل الأحكام بَاتَّةً على الوجه الذي تستقر عليه، دون تدرج ومرور بتلك المراحل، لكان ذلك أدعى لعدم الاستجابة، فكان من لطفه وحكمته أن ينزل الأحكام متدرجة، وأن يحصل فيها النسخ.
وهذا النوع من النسخ من خصائص هذه الشريعة المحمدية، فالشرائع قبلها كانت تُنَزَّل دفعة واحدة، وتُفسخ دفعة واحدة، فقد آتى الله موسى التوراةَ مكتوبة في الألواح، وأنزل الصحف على إبراهيم، وأنزل الإنجيل على عيسى مكتوباً في الصحف، وأنزل الزبور على داود مكتوباً في الصحف، ولهذا استنكر المشركون تدرج نزول القرآن، فرد الله عليهم بقوله: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا} [الإسراء:106] ، وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان:32-33] .
(4/16)

التعارض بين الأدلة
هذا الباب معقود للتعارض بين الأدلة.
(4/17)

التعارض بين دليلين أحدهما أعم والآخر أخص
وللخروج من التعارض طرق: أولاً: أن يمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين فيجمع بينهما حينئذ، ومثال ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) ، وما روي عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عكيم (أنه كتب إليهم قبل موته بشهر: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) ، فجمع بينهما أن الإهاب اسم لما لم يدبغ، فيحمل حديث ابن عكيم على ما لم يدبغ، وحديث ابن عباس على ما دبغ، فيكون ما دبغ قد طهر، وما لم يدبغ باق على النهي، ومحل هذا عند صحة حديث ابن عكيم والراجح فيه عدم الصحة.
ثانياً: أن يجعل أحدهما ناسخاً للآخر إذا علم التاريخ، ومثال ذلك: قول الله تعالى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [البقرة:184] ، فقوله: (فمن تطوع خيراً فهو خير له) ، يدل على التخيير بين الصوم والفطر في السفر، فإنه قال: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:184] وهذا يقتضي ترجيح الصيام على الإفطار، فحينئذ يُجعل الثاني ناسخاً، أي: أن الصيام أفضل لمن لا يشق عليه.
ثالثاً: وإن لم يُعلم التاريخ، يُتوقف بينهما، وقد حُمل على هذا حديث بسرة بنت صفوان، (من مس ذكره فليتوضأ) ، وحديث طلق بن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يمس ذكره أعليه الوضوء، قال: (لا، إنما هو بضعة منك) ، فهذان الحديثان تعارضا، ولم يعرف التاريخ بينهما، لم يعرف أيهما السابق، فيتوقف بينهما، وعند الحنفية يرجح حديث طلق بن علي عن حديث بسرة بنت صفوان؛ لأن هذا من أحكام الرجال، ولم يروه أحد من الرجال، فلا يؤخذ برواية المرأة له، وعند الجمهور يرجح باعتبار قوة الإسناد، وحديث بسرة لا شك أقوى إسناداً من حديث طلق بن علي، وأيضاً فإن العمل بالاحتياط؛ للخروج من الخلاف وبإعمال الدليل، مرجح لحديث بسرة على حديث طلق، هذا إذا كان الدليلان عامين.
أما إذا كان الدليلان خاصين فللخروج من التعارض بينهما طرق: الطريق الأولى: الجمع بينهما، كما في حديث جابر، في وصف حجة النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم (أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم النحر بمكة) ، وفي حديث ابن عمر أنه صلى الظهر بمنى، فهذان الحديثان تعارضا وهما خاصان، فجمع بينهما النووي بقوله: ووجه الجمع بينهما أنه صلى الله عليه وسلم طاف للإفاضة قبل الزوال، ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، ولكن قد يحمل هذا على أن أحدهما نسي وأن الآخر ذكر، وأن الأمر جائز، إذ لو كان الأمر مما يطلب فيه الحسم لجاء فيه نص حاسم.
والطريق الثاني: إن لم يمكن الجمع بينهما فالثاني ناسخ إن علم التاريخ، مثل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} [الأحزاب:50] ، فظاهر هذا إباحة الزواج للنبي صلى الله عليه وسلم مطلقاً دون انحصار في عدد محدد، ثم أنزل قول الله تعالى: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا} [الأحزاب:52] ، وقد علم أن هذه الآية نزل بها جبر يل بعد أن دخل النبي صلى الله عليه وسلم بـ ميمونة بنت الحارث، وهي آخر امرأة تزوجها، فعلم أن هذه الآية ناسخة لسابقتها، ومع ذلك ففي حديث عائشة أنه ما توفي حتى أحل الله له كل شيء كان حرمه عليه في النكاح، فيدل ذلك أيضاً على أن هذه الآية نسخت.
والطريق الثالث: إذا لم يمكن النسخ فالترجيح، مثل حديث ميمونة بنت الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال، وفي حديث ابن أختها عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محرم، فـ ميمونة صاحبة القصة مقدمة في الرواية على ابن عباس، وأيضاً يشهد لحديث ميمونة حديث أبي رافع، فإنه أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال، قال وكنت السفير بينهما، فهو صاحب القصة أيضاً؛ لأنه السفير بينهما، فهو مقدم في الرواية على ابن عباس، ويرجح أيضاً بكثرة العدد في الرواية، فكونه تزوجها وهو حلال روته ميمونة وأبو رافع، وكونه تزوجها وهو محرم انفرد به ابن عباس.
أما الحالة الثالثة من أوجه التعارض فهي أن يكون بين دليلين، أحدهما عام والآخر خاص: فيُخصص العام بالخاص، وذلك مثل قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38] فعمم كلَّ سارق وكل سارقة، وخصص ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا تقطع يد سارق إلا في ربع دينار فصاعداً) ، وبقوله: (لا قطع في ثَمَر ولا كَثَر) ، وكذلك قوله: (حتى يؤويه الجرين) ، وكذلك قوله: (ولا في حريسة الجبل) .
وكل هذا يدل على تخصيص السرقة بالنصاب وأن يكون مما لا شبهة للسارق فيه، وأن يكون محرزاً بحرز جنسه، فتعتبر هذه الأحاديث مخصصة لعموم الآية.
أما الحالة الرابعة: وهي أن يكون التعارض بين دليلين أحدهما أعم من الآخر من وجه، والآخر أخص من الآخر من وجه فيجمع بينهما باختلاف المحل، بأن يخصص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر، إن دل على ذلك دليل، ومثاله قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234] ، فهذه الآية عامة في المتوفى عنها، فيشمل ذلك الحامل وغير الحامل وهي كذلك خاصة بالمتوفى عنها فتخرج المطلقة، والآية الثانية: ((وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)) فهذه الآية خاصة بالحوامل وعامة في كل ذات فرقة سواء كانت متوفى عنها أو مطلقة، فالعمومان يخصصان بالخصوصين، فيخصص قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234] بأن ذلك في غير الحوامل، أو يخصص بأن ذلك في الطلاق دون الوفاة، وهذه المسألة فيها خلاف على ثلاثة أقوال، فقيل: تعتد بأربعة أشهر وعشراً أي: بعدة المتوفى عنها مطلقاً، وقيل: تعتد بوضع الحمل، وقيل: بأقصى الأجلين.
(4/18)

التعارض بين دليلين أحدهما عام والآخر خاص
وللخروج من التعارض طرق: أولاً: أن يمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين فيجمع بينهما حينئذ، ومثال ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) ، وما روي عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عكيم (أنه كتب إليهم قبل موته بشهر: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) ، فجمع بينهما أن الإهاب اسم لما لم يدبغ، فيحمل حديث ابن عكيم على ما لم يدبغ، وحديث ابن عباس على ما دبغ، فيكون ما دبغ قد طهر، وما لم يدبغ باق على النهي، ومحل هذا عند صحة حديث ابن عكيم والراجح فيه عدم الصحة.
ثانياً: أن يجعل أحدهما ناسخاً للآخر إذا علم التاريخ، ومثال ذلك: قول الله تعالى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [البقرة:184] ، فقوله: (فمن تطوع خيراً فهو خير له) ، يدل على التخيير بين الصوم والفطر في السفر، فإنه قال: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:184] وهذا يقتضي ترجيح الصيام على الإفطار، فحينئذ يُجعل الثاني ناسخاً، أي: أن الصيام أفضل لمن لا يشق عليه.
ثالثاً: وإن لم يُعلم التاريخ، يُتوقف بينهما، وقد حُمل على هذا حديث بسرة بنت صفوان، (من مس ذكره فليتوضأ) ، وحديث طلق بن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يمس ذكره أعليه الوضوء، قال: (لا، إنما هو بضعة منك) ، فهذان الحديثان تعارضا، ولم يعرف التاريخ بينهما، لم يعرف أيهما السابق، فيتوقف بينهما، وعند الحنفية يرجح حديث طلق بن علي عن حديث بسرة بنت صفوان؛ لأن هذا من أحكام الرجال، ولم يروه أحد من الرجال، فلا يؤخذ برواية المرأة له، وعند الجمهور يرجح باعتبار قوة الإسناد، وحديث بسرة لا شك أقوى إسناداً من حديث طلق بن علي، وأيضاً فإن العمل بالاحتياط؛ للخروج من الخلاف وبإعمال الدليل، مرجح لحديث بسرة على حديث طلق، هذا إذا كان الدليلان عامين.
أما إذا كان الدليلان خاصين فللخروج من التعارض بينهما طرق: الطريق الأولى: الجمع بينهما، كما في حديث جابر، في وصف حجة النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم (أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم النحر بمكة) ، وفي حديث ابن عمر أنه صلى الظهر بمنى، فهذان الحديثان تعارضا وهما خاصان، فجمع بينهما النووي بقوله: ووجه الجمع بينهما أنه صلى الله عليه وسلم طاف للإفاضة قبل الزوال، ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، ولكن قد يحمل هذا على أن أحدهما نسي وأن الآخر ذكر، وأن الأمر جائز، إذ لو كان الأمر مما يطلب فيه الحسم لجاء فيه نص حاسم.
والطريق الثاني: إن لم يمكن الجمع بينهما فالثاني ناسخ إن علم التاريخ، مثل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} [الأحزاب:50] ، فظاهر هذا إباحة الزواج للنبي صلى الله عليه وسلم مطلقاً دون انحصار في عدد محدد، ثم أنزل قول الله تعالى: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا} [الأحزاب:52] ، وقد علم أن هذه الآية نزل بها جبر يل بعد أن دخل النبي صلى الله عليه وسلم بـ ميمونة بنت الحارث، وهي آخر امرأة تزوجها، فعلم أن هذه الآية ناسخة لسابقتها، ومع ذلك ففي حديث عائشة أنه ما توفي حتى أحل الله له كل شيء كان حرمه عليه في النكاح، فيدل ذلك أيضاً على أن هذه الآية نسخت.
والطريق الثالث: إذا لم يمكن النسخ فالترجيح، مثل حديث ميمونة بنت الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال، وفي حديث ابن أختها عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محرم، فـ ميمونة صاحبة القصة مقدمة في الرواية على ابن عباس، وأيضاً يشهد لحديث ميمونة حديث أبي رافع، فإنه أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال، قال وكنت السفير بينهما، فهو صاحب القصة أيضاً؛ لأنه السفير بينهما، فهو مقدم في الرواية على ابن عباس، ويرجح أيضاً بكثرة العدد في الرواية، فكونه تزوجها وهو حلال روته ميمونة وأبو رافع، وكونه تزوجها وهو محرم انفرد به ابن عباس.
أما الحالة الثالثة من أوجه التعارض فهي أن يكون بين دليلين، أحدهما عام والآخر خاص: فيُخصص العام بالخاص، وذلك مثل قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38] فعمم كلَّ سارق وكل سارقة، وخصص ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا تقطع يد سارق إلا في ربع دينار فصاعداً) ، وبقوله: (لا قطع في ثَمَر ولا كَثَر) ، وكذلك قوله: (حتى يؤويه الجرين) ، وكذلك قوله: (ولا في حريسة الجبل) .
وكل هذا يدل على تخصيص السرقة بالنصاب وأن يكون مما لا شبهة للسارق فيه، وأن يكون محرزاً بحرز جنسه، فتعتبر هذه الأحاديث مخصصة لعموم الآية.
أما الحالة الرابعة: وهي أن يكون التعارض بين دليلين أحدهما أعم من الآخر من وجه، والآخر أخص من الآخر من وجه فيجمع بينهما باختلاف المحل، بأن يخصص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر، إن دل على ذلك دليل، ومثاله قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234] ، فهذه الآية عامة في المتوفى عنها، فيشمل ذلك الحامل وغير الحامل وهي كذلك خاصة بالمتوفى عنها فتخرج المطلقة، والآية الثانية: ((وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)) فهذه الآية خاصة بالحوامل وعامة في كل ذات فرقة سواء كانت متوفى عنها أو مطلقة، فالعمومان يخصصان بالخصوصين، فيخصص قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234] بأن ذلك في غير الحوامل، أو يخصص بأن ذلك في الطلاق دون الوفاة، وهذه المسألة فيها خلاف على ثلاثة أقوال، فقيل: تعتد بأربعة أشهر وعشراً أي: بعدة المتوفى عنها مطلقاً، وقيل: تعتد بوضع الحمل، وقيل: بأقصى الأجلين.
(4/19)

طرق الخروج من التعارض إذا كان الدليلان خاصين
وللخروج من التعارض طرق: أولاً: أن يمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين فيجمع بينهما حينئذ، ومثال ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) ، وما روي عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عكيم (أنه كتب إليهم قبل موته بشهر: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) ، فجمع بينهما أن الإهاب اسم لما لم يدبغ، فيحمل حديث ابن عكيم على ما لم يدبغ، وحديث ابن عباس على ما دبغ، فيكون ما دبغ قد طهر، وما لم يدبغ باق على النهي، ومحل هذا عند صحة حديث ابن عكيم والراجح فيه عدم الصحة.
ثانياً: أن يجعل أحدهما ناسخاً للآخر إذا علم التاريخ، ومثال ذلك: قول الله تعالى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [البقرة:184] ، فقوله: (فمن تطوع خيراً فهو خير له) ، يدل على التخيير بين الصوم والفطر في السفر، فإنه قال: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:184] وهذا يقتضي ترجيح الصيام على الإفطار، فحينئذ يُجعل الثاني ناسخاً، أي: أن الصيام أفضل لمن لا يشق عليه.
ثالثاً: وإن لم يُعلم التاريخ، يُتوقف بينهما، وقد حُمل على هذا حديث بسرة بنت صفوان، (من مس ذكره فليتوضأ) ، وحديث طلق بن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يمس ذكره أعليه الوضوء، قال: (لا، إنما هو بضعة منك) ، فهذان الحديثان تعارضا، ولم يعرف التاريخ بينهما، لم يعرف أيهما السابق، فيتوقف بينهما، وعند الحنفية يرجح حديث طلق بن علي عن حديث بسرة بنت صفوان؛ لأن هذا من أحكام الرجال، ولم يروه أحد من الرجال، فلا يؤخذ برواية المرأة له، وعند الجمهور يرجح باعتبار قوة الإسناد، وحديث بسرة لا شك أقوى إسناداً من حديث طلق بن علي، وأيضاً فإن العمل بالاحتياط؛ للخروج من الخلاف وبإعمال الدليل، مرجح لحديث بسرة على حديث طلق، هذا إذا كان الدليلان عامين.
أما إذا كان الدليلان خاصين فللخروج من التعارض بينهما طرق: الطريق الأولى: الجمع بينهما، كما في حديث جابر، في وصف حجة النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم (أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم النحر بمكة) ، وفي حديث ابن عمر أنه صلى الظهر بمنى، فهذان الحديثان تعارضا وهما خاصان، فجمع بينهما النووي بقوله: ووجه الجمع بينهما أنه صلى الله عليه وسلم طاف للإفاضة قبل الزوال، ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، ولكن قد يحمل هذا على أن أحدهما نسي وأن الآخر ذكر، وأن الأمر جائز، إذ لو كان الأمر مما يطلب فيه الحسم لجاء فيه نص حاسم.
والطريق الثاني: إن لم يمكن الجمع بينهما فالثاني ناسخ إن علم التاريخ، مثل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} [الأحزاب:50] ، فظاهر هذا إباحة الزواج للنبي صلى الله عليه وسلم مطلقاً دون انحصار في عدد محدد، ثم أنزل قول الله تعالى: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا} [الأحزاب:52] ، وقد علم أن هذه الآية نزل بها جبر يل بعد أن دخل النبي صلى الله عليه وسلم بـ ميمونة بنت الحارث، وهي آخر امرأة تزوجها، فعلم أن هذه الآية ناسخة لسابقتها، ومع ذلك ففي حديث عائشة أنه ما توفي حتى أحل الله له كل شيء كان حرمه عليه في النكاح، فيدل ذلك أيضاً على أن هذه الآية نسخت.
والطريق الثالث: إذا لم يمكن النسخ فالترجيح، مثل حديث ميمونة بنت الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال، وفي حديث ابن أختها عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محرم، فـ ميمونة صاحبة القصة مقدمة في الرواية على ابن عباس، وأيضاً يشهد لحديث ميمونة حديث أبي رافع، فإنه أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال، قال وكنت السفير بينهما، فهو صاحب القصة أيضاً؛ لأنه السفير بينهما، فهو مقدم في الرواية على ابن عباس، ويرجح أيضاً بكثرة العدد في الرواية، فكونه تزوجها وهو حلال روته ميمونة وأبو رافع، وكونه تزوجها وهو محرم انفرد به ابن عباس.
أما الحالة الثالثة من أوجه التعارض فهي أن يكون بين دليلين، أحدهما عام والآخر خاص: فيُخصص العام بالخاص، وذلك مثل قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38] فعمم كلَّ سارق وكل سارقة، وخصص ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا تقطع يد سارق إلا في ربع دينار فصاعداً) ، وبقوله: (لا قطع في ثَمَر ولا كَثَر) ، وكذلك قوله: (حتى يؤويه الجرين) ، وكذلك قوله: (ولا في حريسة الجبل) .
وكل هذا يدل على تخصيص السرقة بالنصاب وأن يكون مما لا شبهة للسارق فيه، وأن يكون محرزاً بحرز جنسه، فتعتبر هذه الأحاديث مخصصة لعموم الآية.
أما الحالة الرابعة: وهي أن يكون التعارض بين دليلين أحدهما أعم من الآخر من وجه، والآخر أخص من الآخر من وجه فيجمع بينهما باختلاف المحل، بأن يخصص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر، إن دل على ذلك دليل، ومثاله قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234] ، فهذه الآية عامة في المتوفى عنها، فيشمل ذلك الحامل وغير الحامل وهي كذلك خاصة بالمتوفى عنها فتخرج المطلقة، والآية الثانية: ((وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)) فهذه الآية خاصة بالحوامل وعامة في كل ذات فرقة سواء كانت متوفى عنها أو مطلقة، فالعمومان يخصصان بالخصوصين، فيخصص قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234] بأن ذلك في غير الحوامل، أو يخصص بأن ذلك في الطلاق دون الوفاة، وهذه المسألة فيها خلاف على ثلاثة أقوال، فقيل: تعتد بأربعة أشهر وعشراً أي: بعدة المتوفى عنها مطلقاً، وقيل: تعتد بوضع الحمل، وقيل: بأقصى الأجلين.
(4/20)

درجات التعارض
قال المصنف: [إذا تعارض نطقان] ، والمقصود بهما ما كان من الوحي، كالآيتين مثلاً، أو الحديثين، أو الآية والحديث، فإذا تعارض نطقان.
أي: نصان لفظيان، [فلا يخلو إما أن يكونا عامين، أو خاصين، أو أحدهما عاماً والآخر خاصاً، أو كل واحد منهما عاماً من وجه، وخاصاً من وجه] ، هذا التقسيم يرجع إلى الدلالة، فإذا تعارض نطقان -أي: لفظان من الوحي- فلا يخلو الأمر من أن يكونا عامين، فكل واحد منهما عام في مكانه، وذلك مثل: (نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الفجر حتى تطلع الشمس) ، وقوله: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) ، فكل واحد منهما عام في بابه، فالنهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر وصلاة العصر عام في هذا الباب في النوافل، والنهي عن الجلوس في المسجد حتى يصلي الإنسان ركعتين عام أيضاً.
- أو أحدهما عاماً والآخر خاصاً، أي: أن يأتي أحدهما عاماً والآخر خاصاً، أي: أخص منه فيكون مخصصاً له، كالنهي عن بيع ما ليس لدى الإنسان، والإذن في السلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع الإنسان ما ليس عنده، وأجاز السلم، فالأول عام في كل ما ليس لدى الإنسان، والثاني خاص بالسلم، فيحمل ذلك على التخصيص.
- أو كل واحد منهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه، وعليه يحمل ما سبق في النهي عن الصلاة بعد العصر، والنهي عن الجلوس في المسجد حتى يصلي الإنسان ركعتين، فيقال: هذا عام من وجه والآخر خاص من وجه، ويبحث عن الوجه الذي يعمم منه أحدهما أو يخصص منه الآخر.
(4/21)

التعارض بين دليلين عامين أو خاصين
قال المصنف: [فإن كانا عامين فأمكن الجمع بينهما جمعا] ، إن كانا عامين وأمكن الجمع بينهما، جمع بينهما، فالجمع مقدم على الترجيح، قال: [وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ] ، فإن علم التاريخ فالمتأخر منهما ناسخ للأول، وإن لم يعلم التاريخ توقف فيهما، أي: لعلمنا أن أحدهما منسوخ بالآخر، وجهالتنا بالناسخ.
قال: [فإن علم التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر، وكذلك إن كانا خاصين] ، أيضاً فهو مثل العامين، إن أمكن الجمع بينهما جمعا، وإلا فإن عرف التاريخ حمل ذلك على النسخ، وإن لم يعرف التاريخ توقف بينهما؛ لأن ذلك من النسخ الذي لم يعرف فيه الناسخ من المنسوخ.
قال: [وإن كان أحدهما عاماً والآخر خاصاً، فيخصص العام بالخاص] كما بينا، قال: [وإن كان أحدهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه فيخصص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر] .
(4/22)

طرق الخروج من التعارض إذا كان الدليلان عامين
وللخروج من التعارض طرق: أولاً: أن يمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين فيجمع بينهما حينئذ، ومثال ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) ، وما روي عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عكيم (أنه كتب إليهم قبل موته بشهر: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) ، فجمع بينهما أن الإهاب اسم لما لم يدبغ، فيحمل حديث ابن عكيم على ما لم يدبغ، وحديث ابن عباس على ما دبغ، فيكون ما دبغ قد طهر، وما لم يدبغ باق على النهي، ومحل هذا عند صحة حديث ابن عكيم والراجح فيه عدم الصحة.
ثانياً: أن يجعل أحدهما ناسخاً للآخر إذا علم التاريخ، ومثال ذلك: قول الله تعالى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [البقرة:184] ، فقوله: (فمن تطوع خيراً فهو خير له) ، يدل على التخيير بين الصوم والفطر في السفر، فإنه قال: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:184] وهذا يقتضي ترجيح الصيام على الإفطار، فحينئذ يُجعل الثاني ناسخاً، أي: أن الصيام أفضل لمن لا يشق عليه.
ثالثاً: وإن لم يُعلم التاريخ، يُتوقف بينهما، وقد حُمل على هذا حديث بسرة بنت صفوان، (من مس ذكره فليتوضأ) ، وحديث طلق بن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يمس ذكره أعليه الوضوء، قال: (لا، إنما هو بضعة منك) ، فهذان الحديثان تعارضا، ولم يعرف التاريخ بينهما، لم يعرف أيهما السابق، فيتوقف بينهما، وعند الحنفية يرجح حديث طلق بن علي عن حديث بسرة بنت صفوان؛ لأن هذا من أحكام الرجال، ولم يروه أحد من الرجال، فلا يؤخذ برواية المرأة له، وعند الجمهور يرجح باعتبار قوة الإسناد، وحديث بسرة لا شك أقوى إسناداً من حديث طلق بن علي، وأيضاً فإن العمل بالاحتياط؛ للخروج من الخلاف وبإعمال الدليل، مرجح لحديث بسرة على حديث طلق، هذا إذا كان الدليلان عامين.
أما إذا كان الدليلان خاصين فللخروج من التعارض بينهما طرق: الطريق الأولى: الجمع بينهما، كما في حديث جابر، في وصف حجة النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم (أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم النحر بمكة) ، وفي حديث ابن عمر أنه صلى الظهر بمنى، فهذان الحديثان تعارضا وهما خاصان، فجمع بينهما النووي بقوله: ووجه الجمع بينهما أنه صلى الله عليه وسلم طاف للإفاضة قبل الزوال، ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، ولكن قد يحمل هذا على أن أحدهما نسي وأن الآخر ذكر، وأن الأمر جائز، إذ لو كان الأمر مما يطلب فيه الحسم لجاء فيه نص حاسم.
والطريق الثاني: إن لم يمكن الجمع بينهما فالثاني ناسخ إن علم التاريخ، مثل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} [الأحزاب:50] ، فظاهر هذا إباحة الزواج للنبي صلى الله عليه وسلم مطلقاً دون انحصار في عدد محدد، ثم أنزل قول الله تعالى: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا} [الأحزاب:52] ، وقد علم أن هذه الآية نزل بها جبر يل بعد أن دخل النبي صلى الله عليه وسلم بـ ميمونة بنت الحارث، وهي آخر امرأة تزوجها، فعلم أن هذه الآية ناسخة لسابقتها، ومع ذلك ففي حديث عائشة أنه ما توفي حتى أحل الله له كل شيء كان حرمه عليه في النكاح، فيدل ذلك أيضاً على أن هذه الآية نسخت.
والطريق الثالث: إذا لم يمكن النسخ فالترجيح، مثل حديث ميمونة بنت الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال، وفي حديث ابن أختها عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محرم، فـ ميمونة صاحبة القصة مقدمة في الرواية على ابن عباس، وأيضاً يشهد لحديث ميمونة حديث أبي رافع، فإنه أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال، قال وكنت السفير بينهما، فهو صاحب القصة أيضاً؛ لأنه السفير بينهما، فهو مقدم في الرواية على ابن عباس، ويرجح أيضاً بكثرة العدد في الرواية، فكونه تزوجها وهو حلال روته ميمونة وأبو رافع، وكونه تزوجها وهو محرم انفرد به ابن عباس.
أما الحالة الثالثة من أوجه التعارض فهي أن يكون بين دليلين، أحدهما عام والآخر خاص: فيُخصص العام بالخاص، وذلك مثل قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38] فعمم كلَّ سارق وكل سارقة، وخصص ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا تقطع يد سارق إلا في ربع دينار فصاعداً) ، وبقوله: (لا قطع في ثَمَر ولا كَثَر) ، وكذلك قوله: (حتى يؤويه الجرين) ، وكذلك قوله: (ولا في حريسة الجبل) .
وكل هذا يدل على تخصيص السرقة بالنصاب وأن يكون مما لا شبهة للسارق فيه، وأن يكون محرزاً بحرز جنسه، فتعتبر هذه الأحاديث مخصصة لعموم الآية.
أما الحالة الرابعة: وهي أن يكون التعارض بين دليلين أحدهما أعم من الآخر من وجه، والآخر أخص من الآخر من وجه فيجمع بينهما باختلاف المحل، بأن يخصص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر، إن دل على ذلك دليل، ومثاله قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234] ، فهذه الآية عامة في المتوفى عنها، فيشمل ذلك الحامل وغير الحامل وهي كذلك خاصة بالمتوفى عنها فتخرج المطلقة، والآية الثانية: ((وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)) فهذه الآية خاصة بالحوامل وعامة في كل ذات فرقة سواء كانت متوفى عنها أو مطلقة، فالعمومان يخصصان بالخصوصين، فيخصص قوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234] بأن ذلك في غير الحوامل، أو يخصص بأن ذلك في الطلاق دون الوفاة، وهذه المسألة فيها خلاف على ثلاثة أقوال، فقيل: تعتد بأربعة أشهر وعشراً أي: بعدة المتوفى عنها مطلقاً، وقيل: تعتد بوضع الحمل، وقيل: بأقصى الأجلين.
(4/23)

تعريف التعارض
والتعارض: نوع من التخالف، يقتضي توارد الدليلين المختلفين على معنى واحد، بأن يرد أحدهما بالإثبات والآخر بالنفي.
(4/24)

بيان ما يمكن أن يقع فيه التعارض
وعقد المصنف هذا الباب لبيان ما يمكن منه وما لا يمكن، وللعمل عند حصوله، أو توهمه.
فينبغي أن يبين أولاً: أن التعارض لا يمكن أن يحصل في الأخبار كما أن النسخ لا يقع فيها، فالنسخ مختص بالإنشاء لا بالخبر، والخبر لا يدخله النسخ؛ لأن نسخه تكذيب له، والوحي لا كذب فيه، وكذلك التعارض لا يقع في الأخبار؛ لأن ذلك تكذيب، وإنما يمكن التعارض في الإنشاءات، ولا تعارض بين قطعيين قطعاً؛ لأن ذلك يقتضي أن أحدهما ناسخ للآخر، ولا بين قطعي وظني؛ لأن القطعي مقدم على الظني، فيبقى التعارض بين الظنيين فقط، فنطاقه إذن ضيق، وهو من الأمور المحتملة.
أي: المتشابه، فلذلك للأصوليين فيه طريقتان: إحداهما: البداءة بالترجيح بين النصين، وهذا مذهب الحنفية.
والثانية: البداءة بالجمع بينهما، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وقد قال مالك رحمه الله: إعمال الدليلين أحب إليّ من إلغائهما أو إلغاء أحدهما.
(4/25)

الإجماع وتعريفه
[الإجماع] عقد هذا الباب للنوع الثالث من الأدلة الإجمالية وهو الإجماع، فيسبقه الكتاب والسنة.
والإجماع مصدر أجمع على الأمر، وأجمع الأمر: إذا عزم عليه، فمعناه: العزم، ويطلق على الاتفاق: ((فأجمعوا أمركم وشركاءكم)) ، أي: اعزموه واتفقوا عليه.
وهو في الاصطلاح: اتفاق علماء أو مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور بعد موته على حكم شرعي، لذلك قال المصنف: [وأما الإجماع: فهو اتفاق علماء العصر] ، أي: اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم في أيّ عصر من العصور [على حكم الحادثة] أي: على حكم شرعي اجتهادي، فإجماعهم حجة، لقول الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء:115] .
(4/26)

ما يحصل به الإجماع
ثم قال: [والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم] ، أي: أن الإجماع يحصل بالقول والفعل، فإن فعلوا أمراً ولم ينكر أحد منهم على أحد وأظهروه واتفقوا عليه وتواطئوا عليه اعتبر ذلك إجماعاً، وليس هذا مثل الإجماع السكوتي؛ لأن الإجماع السكوتي لا يقتضي أن يكونوا فعلوه جميعاً، بل قد يكون فعله بعضهم أو قاله، وسكت الآخرون عنه.
قال: [وبقول البعض وفعل البعض] أي: إذا قال بعضهم بإباحة أمر وفعله الآخرون فذلك يعتبر إجماعاً؛ لأن الفاعلين له كأنما قالوه؛ لأنهم استباحوه بالفعل.
قال: [وانتشار ذلك وسكوت الباقين عنه] أي: إذا أفتى أحد المجتهدين في عصر في أمر جديد، واشتهرت فتواه، وسكت الآخرون ولم يخالفوه، فيعتبر ذلك إجماعاً، وهذا الذي يسمى بالإجماع السكوتي، وقد اختلف هل هو حجة أم لا؟ فقيل: هو حجة قطعية كالإجماع القولي.
وقيل: هو حجة غير قطعية.
وقيل: غير حجة أصلاً.
وقد كثر استدلال الحنابلة بالإجماع السكوتي، ومحله قبل تدوين المذاهب، أما بعد التدوين ففتوى مجتهد على وفق مذهبه لو سكت عنها الآخرون وهم يخالفونه في مذاهبهم، فليس ذلك إقراراً له على تلك الفتوى؛ لأنه علم من مذاهبهم مخالفتها.
(4/27)

هل من شرط الإجماع أن ينعقد على دليل؟
واختلف: هل من شرط الإجماع أن ينعقد على دليل أو لا يحتاج إلى ذلك؟ فذهب بعضهم إلى أن الإجماع لا بد له من مستند؛ لأن الأمة لا تجمع على ضلالة، وما لم يرد فيه نص فهو من تشريع ما لم يأذن به الله وهو ضلالة، فلا بد أن يكون الإجماع مستنداً إلى دليل.
وقال آخرون: بل الإجماع نفسه دليل، فلا يحتاج إلى مستند، ولعل القول الأول هو الراجح، لكن لا يشترط لمستند الإجماع أن يصل إلينا، فيمكن أن يستند الإجماع إلى حديث لم يبلغنا، أو إلى قياس أو اجتهاد ونحوه من الأدلة فلا يصل إلينا، ففي كل عصر من العصور، يمكن أن ينعقد الإجماع، لكن نقل الإجماع أصعب من انعقاده، فالذي ينقل الإجماع لا بد أن يكون شديد الاطلاع بحيث يعرف كل المجتهدين في العصر الذي ينقل الإجماع فيه، وقد اطلع على أقوالهم جميعاً، فمثلاً: لو أن شخصاً من أهل العلم في زماننا هذا، اطلع على علماء هذا العصر جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها، وعرف من بلغ رتبة الاجتهاد منهم والفتيا، وعرف أقوالهم في نازلة محددة كالصلاة في الطائرة مثلاً، فحكى إجماع أهل هذا العصر على جواز الصلاة في الطائرة، فيكون هذا إجماعاً لهذا العصر، فإن انقرض لم يحل نقضه، أما الإنسان غير المطلع على أوضاع العالم، فيمكن أن يكون في مشارق الأرض أو في مغاربها من وصل إلى رتبة الاجتهاد ولم يعلم هو به، أو علم به ولم يصل إليه قوله في تلك المسألة، فلا يصح حينئذ له أن يحكي الإجماع، ولهذا فالذين يحكون الإجماع في هذه الأمة قلائل، من أمثال ابن المنذر وابن حزم وابن تيمية وابن عبد البر، فهم العمالقة الكبار المطلعون على أوضاع العالم، الناقلون لعلوم المشارقة والمغاربة ولأهل الأطراف.
قال المصنف: [وأما الإجماع: فهو اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة] ، والمقصود بالاتفاق هنا: هو تواطؤ فتواهم عليها، ولو لم يجتمعوا، ولو لم يتعارفوا فيما بينهم، ولم تصل فتوى بعضهم إلى بعض، فالمقصود أن تتواطأ فتواهم على الأمر.
قال: [ونعني بالعلماء: الفقهاء] ، والمقصود بهم هنا: المجتهدون، فلا عبرة بمخالفة العامي، ولا بمخالفة النحويين في مسائل الاجتهاد، ولا بمخالفة المتكلمين كذلك فيها، بل ولا بمخالفة بعض المحدثين فيها ممن ليس فقيهاً بالغاً لرتبة الاجتهاد، فالعبرة إذن لأهل الاجتهاد والفتيا.
قال: [ونعني بالحادثة: الحادثة الشرعية] أي: في الحكم الشرعي، فيخرج من ذلك الأمور العقلية، فلا فائدة من حكاية الإجماع على أن السماء فوق الأرض، أو الواحد نصف الإثنين مثلاً، وكذلك مخرج للأحكام العادية، فلا فائدة من حكاية الإجماع على أن النار محرقة، أو أن الماء حلو أو نحو ذلك.
ثم قال المصنف: [وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها] ، فمن خصائص هذه الأمة أنها لا تجتمع على ضلالة، فلا يمكن أن يجتمع مجتهدوها جميعاً على ضلالة؛ لأن أهل الاجتهاد فيها هم أمناء الله على الوحي، وليس بعد النبي صلى الله عليه وسلم نبي يصحح ما أخطئوا فيه، بخلاف الأمم السابقة، فإن علماءها وإن كانوا مؤتمنين على الوحي في منزلتهم إلا أنهم إذا أخطئوا فسيأتي بعدهم نبي يصحح الخطأ، وهذه الأمة لا يأتي بعد علمائها نبي، فعلماؤها مثل أنبياء بني إسرائيل مؤتمنون على الوحي، فلا يمكن أن يجتمعوا على ضلالة، ولهذا أخرج أبو عمر بن عبد البر في مقدمة التمهيد، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله: ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) فالوحي من عند الله ولم يكن ليجعله بدار هوان، فيختار له الموقعين عن رب العالمين الذين هم محل ثقة ورضا، وخيارهم إنما هو من عند الله تعالى، والله أعلم حيث يجعل رسالته، يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، ولهذا قال: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} [الكهف:51] .
قال المصنف: [لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) ] .
وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً في كل طريق من طرقه، إلا أن طرقه كثيرة وله شواهد كثيرة تؤيده.
قال: [والشرع ورد بعصمة هذه الأمة] ، أي: قد ورد في الشرع كثير من النصوص التي تدل على عصمة هذه الأمة، والمقصود بعصمتها في إجماعها.
(4/28)

إجماع أهل كل عصر حجة على من بعدهم
قال المصنف: [وَالإِجْمَاعُ حُجَّةٌ عَلَى الْعَصْرِ الثَّانِي] ، أي: أن إجماع أهل كل عصر حجة على من بعدهم، فليس حجة على أفراد ذلك العصر ولا على من قبله.
قال: [وَفِي أَيِّ عَصْرٍ كَانَ] أي: لا يشترط أن يكون الإجماع في عصر الصحابة كما شرط ذلك بعض الأصوليين، بل في كل عصر يمكن أن يقع الإجماع.
(4/29)

هل يشترط في حجية الإجماع انقراض العصر؟
وقال: [وَلاَ يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ عَلَى الصَّحِيحِ] إذا حصل الإجماع، فإن الشافعية لا يرون اشتراط انقراض العصر، وقد ذكرنا أن الراجح شرط انقراضه؛ لأن أهل العصر حجة على من بعدهم، ولأن علياً رضي الله عنه رجع عن بعض أقواله التي وافق فيها الصحابة في أيام عمر، كرجوعه عن فتواه ببيع أمهات الأولاد، فقد كان وافق عمر والصحابة على حرمة بيع أمهات الأولاد، ثم بعد ذلك في خلافته رجع عن ذلك القول، فقيل له: ألم تكن تقول بما تقول به الجماعة؟ فقال: كان ذلك أيام أمير المؤمنين عمر، ولم تسعني مخالفته، أما اليوم فأرى غير ذلك، فقال له عبيدة السلماني: رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة، فضحك علي إقراراً لذلك، فلذلك الراجح اشتراط انقراض العصر.
قال المصنف: [فإن قلنا: انقراض العصر شرط، فيعتبر قول من ولد في حياتهم وتفقه وصار مِن أهلِ الاجتهاد] ، يعتبر خلاف التابعي الكبير في أيام الصحابة؛ لأنه ولد في أيامهم وتفقه وأصبح يفتي كـ: سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، فهؤلاء اختلافهم معتبر في أيام الصحابة، لأنهم وُلدوا في حياتهم، وتفقهوا فأصبحوا من مجتهدي ذلك العصر.
بخلاف من وُلد ولم يتفقه إلا بعد انقراض العصر، فليس له أن يخالف حينئذ؛ لأنه مسبوق بالإجماع.
قال: [وَلَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ] .
أي: إذا قلنا باشتراط انقراض العصر فلأهل كل عصر أن يرجعوا عن ذلك الحكم بعد أن اتفقوا عليه، فلأفرادهم أن يرجعوا عنه إذا رأوا ما هو أقوى منه، والرجوع ليس عيباً، بل قد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه في القضاء إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه بالأمس، فراجعت فيه نفسك فهديت فيه إلى رشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم لا ينقضه شيء، وإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
ويقول أحد العلماء رحمه الله: ليس من أخطأ الصواب بمخط إن يأب لا ولا عليه ملامه إنما المخطئ المسي من إذا ما ظهر الحق لج يحمي كلامه حسنات الرجوع تذهب عنه سيئات الخطا وتنفي الملامه وهذه للعلامة الشيخ محنض بابه رحمه الله.
(4/30)

شرط انعقاد الإجماع
وشرطه حصول الاتفاق بين كل المجتهدين، فإن خالف واحد لم ينعقد الإجماع في عصر من العصور، والعبرة فيه بالعصر، فإن انقرض العصر وهم متفقون على أمر فلا يحل إحداث قول جديد، وإن لم ينقرض العصر بل بقي بعضهم أحياء فيمكن إحداث قول جديد؛ لأن الإجماع لم يتم انعقاده بعد، فلا يعرف الإجماع في حياة أصحابه إنما يعرف بعد موتهم.
ولا يكون هذا الإجماع إلا على حكم شرعي، فلا إجماع على العقليات ولا على العاديات؛ لأنها لا يحتاج فيها إلى النقل.
(4/31)

حجية قول الصحابي
قال المصنف: [وَقَوْلُ الْوَاحِدِ مِنَ الصَّحَابَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى غَيْرِهِ، عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ، وَفِي الْقَوْلِ الْقَدِيمِ: حُجَّةٌ] .
هذا نوع آخر من أنواع الأدلة، وهو من الأدلة المختلف فيها، وهو: قول الصحابي، أي: مذهبه.
والصحابي: هو من صحب النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به على الوجه المتعارف به في الدنيا، ومات على ذلك، ولو تخلل ذلك رِدَّةٌ على الصحيح.
وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم أفضل هذه الأمة وأعلاها قدراً ومنزلة، وإن كانوا غير معصومين، إلا أنهم أولى بالمغفرة ممن بعدهم؛ لسابقتهم في الإسلام، وصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أجدر الناس بشفاعته صلى الله عليه وسلم؛ لمعرفته لهم، لذلك فهم جميعاً عدول بتعديل الله تعالى لهم -كما سبق- ففي باب النقل والرواية: لا شك أن قول الصحابي حجة مطلقاً، سواء عُرف اسمه أم لم يعرف، فكل من ثبتت صحبته إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت ذلك القول عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُبحث في ترجمة ذلك الصحابي، ولا في مستوى عدالته وضبطه، فهم جميعاً عدولٌ أهلُ ضبطٍ.
وأما فيما يتعلق بالاجتهاد، فالذين بلغوا رتبة الاجتهاد من الصحابة: عدَّهم النسائي واحداً وعشرين، وعدَّهم الغزالي تسعةً، وعدَّهم ابن حزم: ثمانيةَ عشر، هؤلاء هم الذين بلغوا رتبة الاجتهاد، الذين تُروى عنهم الفتيا والقضاء.
وقولُ بعضهم ليس حجةً على بعض، فليس قول أحد من الصحابة حجة على غيره من الصحابة، إذْ هم جميعاً مشتركون في هذه المزية التي سبقت بلُقْيا رسول الله صلى الله عليه وسلم والرواية عنه والسماع منه، وقد يسمع بعضهم ما لم يسمعه غيره، فليس قول بعضهم حجة على بعض.
(4/32)

هل قول الصحابي حجة على من بعده؟
- لكن اختُلِفَ: هل قول الصحابي حجة على من بعده من غير الصحابة؟ وهذا ما بينه بقوله: " وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة على غيره، على القول الجديد، وفي القول القديم: حجة "، أي: أن مذهب الشافعي اختلف في قول الصحابي، هل هو حجة على غير الصحابي ممن يأتي بعده؟ فقد قال الشافعي في مذهبه الجديد: إن قول الصحابي ليس بحجة، وقد كان يقول في مذهبه القديم: إن قول الصحابي حجة.
وذهب جمهور أهل العلم إلى التفريق بين قول الصحابي فيما محمله: التوقيف، وبين قوله فيما محمله: القياس، فقوله فيما يؤول إلى القياس ليس بحجة، وقوله فيما مرجعه ليس إلى القياس بل بالتوقيف ولا يُقال بالرأي، فهو حجة.
ومثل قول الصحابي الخلاف في فعله، فأفعال الصحابة ليست - في الأصل - بحجة، لأنهم غير معصومين، وفعل غير المعصوم ليس بحجة.
لكن إن فعلوا أمراً، ولم ينكر فيه بعضهم على بعض، فرُويَ عن بعضهم فعله، ولم يُروَ عن الآخرين مخالفتُه، فيعتبر ذلك الفعلُ استباحةً، ولهذا استدل البخاري رحمه الله في الصحيح بأن ابن عباس رضي الله عنهما أمَّ متيمِّمَاً، وهذا من الفعل لا من القول، وهو استدلال بعمل هذا الصحابي الجليل.
ومثل ذلك: الاستدلال بأخذ ابن عمر ما زاد على القبضة من لحيته في الحج والعمرة.
(4/33)

الأخبار
قال المصنف: [باب الأخبار] .
والأخبار جمع خبر، وهو ما يحتمل الصدق والكذب من الكلام، والمقصود به هنا: تعريف الخبر وبيان أنواعه من ناحية الاحتجاج.
قال: [وَأَمَّا الأَخْبَارُ: فَالْخَبَرُ مَا يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ] ، أي: ما يقبل التصديق والتكذيب.
(4/34)

أقسام الخبر باعتبار الورود والرواية
ثم قال: [وَالْخَبَرُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:] أي: من ناحية الورود والرواية، [آحَادٍ وَمُتَوَاتِرٍ] والآحاد أكثر والمتواتر أقل.
(4/35)

تعريف الخبر المتواتر
ثم عرف المتوتر بقوله: [فَالْمُتَوَاتِرُ: مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ] ، المتواتر مشتق من التواتر: وهو أن يطأ بعض الإبل أثر بعض، فيقال: تواترت الإبل، أي: وطئ بعضها أثر بعض، ويقال: تواتر السيل، أي: تواطأ في اتجاه محدد، فبدل أن كان شفعاً أصبح وتراً، فإذا كانت الناقة تطأ على أثر الأخرى، فقد كانت مع الأولى ثانية تالية لها فكانت شفعاً، فلما وطئت أثرها أصبح أثرهما كأثر واحد فكانتا وتراً بذلك، ولهذا يسمى بالتواتر، وعرفه بأنه: ما يوجب العلم، أي: أنه يوجب العلم اليقيني الضروري، وقد سبق ذكر ذلك في شرح العلم الضروري.
ثم قال: [وَهُوَ: أَنْ يَرْوِيَ جَمَاعَةٌ لاَ يَقَعُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ مِنْ مِثْلِهِمْ، إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْمُخْبَرِ عَنْهُ] ، أي أنه خبر جماعة تحيل العادة اتفاقهم على الكذب، بأن لم يكونوا من سن واحدة، ولا من مكان واحد، فإذا كانت الجماعة سرية من جيش لها قائد واحد -مثلاً- فيمكن أن تتواطأ على الكذب بأمر ذلك القائد، لكن إذا كانت الجماعة من مختلف الأعمار والألسنة، ولم تخرج من مكان واحد، ولم تجمعها قيادة أمير واحد، فإن العادة تحيل تواطؤها على الكذب، ولا تحديد لعدد الجماعة، بل ذلك مما يتفاوت الناس فيه، فقد يحصل العلم اليقيني بخبر بعضهم ولا يحصل بخبر ضعف ذلك العدد لعدم حصول الثقة، فلهذا قال: وهو أن يروي جماعة -أي: أن يحدثوا- لا يقع التواطؤ على الكذب من مثلهم، أي: لا تجيز العادة أن يتواطؤا على الكذب إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه، أي: أن يكون ذلك في كل طبقة، فيستوي طرفيه ووسطه في العادة والعدد.
استواء طرفيه: أي طرف الإسناد الأعلى وطرفه الأسفل، ووسطه: أي: ما بينهما من الطبقات.
في العادة: أي: أن تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.
وفي العدد: أي: في حصول العدد أن يكونوا جماعة، فإن انفرد عدد يسير محصور في طبقة من الطبقات لم يعتبر ذلك متواتراً بل اعتبر آحاداً، وذلك مثل حديث: (إنما الأعمال بالنيات) فقد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم بقيد اللفظ والصحة عمر بن الخطاب وانفرد به، ورواه عن عمر بالقيدين السابقين علقمة بن وقاص وانفرد به، ورواه عن علقمة بالقيدين السابقين محمد بن إبراهيم التيمي وانفرد به، ورواه عن محمد بن إبراهيم بالقيدين السابقين يحيى بن سعيد الأنصاري وانفرد به، ثم رواه عن يحيى بن سعيد أكثر من سبعمائة نفس فتواتر بعد ذلك، وهذا لا يكون متواتراً؛ لأنه في بعض طبقاته انفرد به بعض الناس دون بعض.
وقوله: إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه.
أي: إلى نهاية الإسناد.
قال المصنف: [وَيَكُونُ فِي الأَصْلِ عَنْ مُشَاهَدَة] أي: أن التواتر لا يكون إلا عن الحسيات، فلا تواتر في العقليات، ولا في التجريبيات أي: العاديات، فلا يمكن أن يقال: تواتر لديّ أن السماء فوق الأرض، أو أن الواحد نصف الإثنين، وذلك في الأمور العقلية لا فائدة فيه، فلا عبرة بكثرة القائل في الأمور العقلية، إنما العبرة بصحة ذلك عقلاً وقبوله وتسليمه، ومثل ذلك في الأمور العادية، فلا عبرة بكثرة الناقلين فيها، إنما العبرة بالتكرار حتى يحصل القطع العادي به.
[عن مشاهدة أَوْ سَمَاعٍ] فلابد أن يكون ذلك عن محسوس بإحدى الحواس الخمس.
[لاَ عَنِ اجْتِهَادٍ] فلا عبرة بذلك؛ لأنه من الأمور التي مرجعها إلى العقل، فاجتهادات الأشخاص تثبت عنهم بأنهم قالوا ذلك فقط، لكن ذلك لا يقتضي ثبوت ما اجتهدوا فيه، ولا يقتضي صحة اجتهادهم، فالعبرة إذن بأن يكون المنقول مما أصله ومرجعه إلى الحس بإحدى الحواس الخمس.
(4/36)

خبرالآحاد مقبول في العقائد إذا ثبتت صحته
وخبر الآحاد مقبول في العقائد وفي غيرها؛ لأن العبرة فيه بالصحة، فإذا صح وعلمت صحته حصلت الثقة به، وقد ذهب بعض المتكلمين إلى أن أخبار الآحاد إنما يعمل بها في الجانب العملي لا في العقدي، وهذا القول لا حجة عليه، فإذا اتفقوا على صحتها وأنها ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمكن الطعن فيها لا من ناحية الدلالة ولا من ناحية الإسناد.
(4/37)

تعريف خبر الآحاد وأنواعه
فهذا القسم الثاني من أقسام الخبر وهو: الآحاد.
والآحاد جمع أحد وهو الواحد، والمقصود بخبر الآحاد في اصطلاح الأصوليين: ما رواه آحاد من الناس لا يصلون إلى درجة التواتر.
ولهذا عرفه المصنف بقوله: [والآحاد: هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم] ، فقد قسم الخبر إلى قسمين: إلى متواتر، وآحاد، فالآحاد هنا على حذف مضاف تقديره خبر الآحاد، وهو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم، والمقصود هنا بإيجاب العمل، أي: على فرض صحته واقتضائه الوجوب، فالآحاد ليس بالضرورة صحيحاً حتى يوجب العمل.
وقوله: [ولا يوجب العلم] أي: ما لم يحتف بالقرائن، فقد يحتف خبر الآحاد بالقرائن فيقتضي العلم الضروري كذلك، كما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، وما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم من أخبار الآحاد، فقد احتف به من القرائن ما يقتضي الثقة به حتى يكون كالمتواتر، فيحصل به العلم، وهذا العلم نظري لا ضروري، لأن الآحاد يبحث في عدالتهم وضبطهم، وينقسم خبر الآحاد من ناحية العدد إلى: غريب، وعزيز، ومشهور، ومستفيض.
فالغريب: ما انفرد به واحد في طبقة من الطبقات ويسمى فرداً، فإن كان المنفرد في أصل الإسناد سمي فرداً حقيقياً، وإلا سمي فرداً نسبياً لدى المحدثين.
والعزيز: ما انفرد به اثنان في طبقة من الطبقات.
والمشهور: ما انفرد به ثلاثة إلى تسعة في طبقة من الطبقات.
والمستفيض: ما انفرد به عشرة فصاعداًَ ولم يصل حد التواتر.
وقيل: المستفيض هو المشهور، فهذا التقسيم هو تقسيم الآحاد باعتبار أفراد الناقلين واعتبار عدد الناقلين، وذكر المصنف تقسيماً آخر، فقال: [وينقسم إلى مرسل ومسند] ، وهذا التقسيم للخبر مطلقاً لا بقيد كونه للآحاد، بل هو للخبر مطلقاً ينقسم إلى مرسل ومسند، فالمرسل هو: ما سقط منه الصحابي، وقد عرفه هو هنا بأنه ما لم يتصل إسناده، والمسند هو: ما اتصل إسناده من مخرجه إلى نهاية إسناده، قال رحمه الله: [فالمسند ما اتصل إسناده، والمرسل ما لم يتصل إسناده] ، وهنا عمم المرسل فأطلقه على المنقطع مطلقاً، وهو أنواع: فمنه المعلق وهو: ما حذف أول إسناده مما يلي المخرج ولو استمر ذلك إلى منتهاه.
ومنه المنقطع وهو: ما سقط منه واحد في الوسط أو أكثر على غير التوالي.
ومنه المعضل، وهو ما سقط منه اثنان على التوالي.
ومنه المرسل وهو ما سقط منه الصحابي فنسبه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذه هي أقسام المنقطع الواضح الانقطاع، ويبقى الانقطاع الخفي وهو: التدليس، وهو نوع آخر من الانقطاع، محتمل لأن يكون قد حصل انقطاع، فإن كان من مراسيل غير الصحابة فليس بحجة، ومراسيل الصحابة حجة، وهي أن يحدث الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم بحادثة لم يشهدها، كحديث ابن عباس رضي الله عنهما عما قبل فتح مكة، فإنه في تلك الفترة كان بمكة، ولم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وقد هاجر العباس بأسرته قبيل الفتح، فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران فاستكمل أفراد أسرته الهجرة، ورجع هو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فتح مكة، وقد ختمت به الهجرة فكان آخر المهاجرين، كما ختمت النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا فـ ابن عباس من المهاجرين؛ لأنه من آخر الأسرة التي هاجرت من مكة إلى المدينة، بعد ذلك ختمت الهجرة فلا هجرة بعد الفتح، كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (مضت الهجرة لأهلها) ؛ فرواية ابن عباس للهجرة وما بعدها من الأحداث إلى فتح مكة كلها من مراسيل الصحابة؛ لأنه لم يشهده، ومثل ذلك: رواية عائشة لبدء الوحي وهو قبل مولدها، فهي تروي بدء الوحي فكانت تقول: (أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) ، وهي لم تشهد ذلك، لكن هذا من مراسيل الصحابة، فالصحابة لا يروون إلا عن الصحابة، فمراسيلهم مقبولة قطعاً، فإذا حدثوا عن النبي صلى الله عليه وسلم ونسبوا إليه الخبر فذلك كالمتصل ولا فرق.
قال المصنف: [فإن كان من مراسيل غير الصحابة، فليس ذلك بحجة] ؛ لأن التابعين يحدث بعضهم عن بعض وفيهم العدول وغير العدول، كما يحدثون عن الصحابة، قال: [إلا مراسيل سعيد بن المسيب؛ فإنها فتشت فوجدت مسانيد عن النبي صلى الله عليه وسلم] ، فـ سعيد من سادة التابعين ومن كبارهم، ومراسيله كلها فتشت -أي: بحث عنها- فوجدت مسندة من طريق آخر، وكان سعيد من أخص أصحاب أبي هريرة، ولـ أبي هريرة أصحاب آخرون يروون عنه، فربما أرسل سعيد ما أسنده غيره من أصحاب أبي هريرة، وقيل: إلا مراسيل كبار التابعين من أمثال سعيد بن المسيب وفقهاء المدينة الستة الآخرين، وككبار التابعين من أهل العراق كـ طارق بن شهاب وزر بن حبيش وعبيدة السلماني وعامر الشعبي، فهؤلاء لا يروون إلا عن الصحابة فمراسيلهم تعتبر حجة؛ لأن جهالة الصحابي لا تضر، وأما صغار التابعين من أمثال: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ويحيي بن سعيد الأنصاري، فمراسيلهم ليست بحجة، ومثل ذلك أواسط التابعين، فمراسيلهم ليست بحجة كـ الحسن البصري وإياس بن معاوية بن قرة ومحمد بن إبراهيم التيمي، فهؤلاء مراسيلهم أيضاً ليست بحجة عند جمهور الأصوليين، والسبب أنهم يروون عن الصحابة وعن غير الصحابة، وقد جهل من رووا عنه فيما بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان صحابياً فلا يضر، لكن من المحتمل أن يكون من غير الصحابة، فإذا كان من غير الصحابة فلا بد من تسميته ومعرفة عدالته وضبطه، ولهذا قال ابن سيرين: والله ما كنا نبالي عمن نأخذ هذا العلم، حتى ركب الناس الصعب والذلول، فقلنا: سموا لنا رجالكم، فمن كان مقبولاً قبلناه، ومن كان مردوداً رددناه.
(4/38)

العنعنة في الأسانيد
قال رحمه الله: [والعنعنة تدخل على الأسانيد] ، أي: أن الإسناد قد لا يصرح فيه المحدث بسماعه من شيخه، وقد لا يعزو عليه إلا بعن وأن، كأن يقول: حدثنا فلان عن فلان عن فلان، ويأتي بالعنعنة، أو أن يقول الشيخ مباشرة: عن فلان، أو يقول: أحدثكم عن فلان، ومثل ذلك: أن فلاناً قال كذا، فهذه إذا كان الشيخ فيها غير معروف بالتدليس حملت على السماع، وإن كان معروفاً بالتدليس لم تحمل على السماع، إلا إذا كان ذلك في الصحيحين، فإن صاحبيهما انتقيا حديثهما وانتخباه، فما كان فيهما من معنعن المدلسين فقد علما انتفاء علة التدليس عنه؛ لاحتياطهما واطلاعهما الواسع في هذا الباب، فهما أميرا المؤمنين في الحديث، ولذلك فما رواه مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر بالعنعنة كله محمول على السماع، ومثل ذلك ما كان في صحيح البخاري من عنعنة قتادة عن أنس أو من عنعنة أبي إسحاق السبيعي، فكله محمول على السماع، وإن كان هؤلاء قد عرفوا بالتدليس إلا أن أئمة الحديث ينتخبون من حديثهم ما ثبت سماعهم فيه.
(4/39)

مراتب التحمل
ثم قال: [وإذا قرأ الشيخ يجوز للراوي أن يقول: حدثني أو أخبرني] .
إذا قرأ الشيخ الكتاب فسمع ذلك السامع، فيجوز أن يقول: سمعت فلاناً يحدث وهذا الأصل، أو أن يقول: حدثنا فلان، فإن انفرد هو بالسماع قال حدثني فلان، وإن كان مع غيره قال: حدثنا فلان إن كان قصده بالتحديث، فإن كان لم يقصده بالتحديث كما حصل للنسائي مع الحارث بن مسكين حين غضب عليه فطرده من مجلسه، فكان النسائي يختبئ فيسمع حديث الحارث بن مسكين، ثم بعد هذا إذا أخرج عنه في سننه يقول حدث الحارث بن مسكين وأنا أسمعه، وذلك ورعاً أن يقول حدثنا؛ لأنه يستثنيه، فيقول حدث الحارث بن مسكين وأنا أسمعه، وكذلك إذا قرأ التلميذ على الشيخ، فالتلميذ يجوز له أن يقول: حدثنا أو أخبرنا عند جمهور أهل الحديث، وهذا مذهب البخاري ومالك، وقد درج المتأخرون على التفريق بين التحديث والإخبار، فيقولون: حدثنا لما كان من السماع، ويقولون: أخبرنا لما كان بالإجازة أو غيرها من أوجه التحمل، فلذلك قال المصنف: [وإذا قرأ هو على الشيخ يقول: أخبرني ولا يقول: حدثني] ، وهذا قول لبعض أهل الحديث، والبخاري ومالك يريان أن لا فرق بين حدثنا وأخبرنا، قال: [وإن أجازه الشيخ من غير قراءة] كما إذا وثق بمعلوماته، وصحت قريحته وقراءته، فأجازه بكتاب معين من غير قراءة على الشيخ فيقول: أجازني فلان، ويجوز أن يقول: أخبرنا فلان إجازة، وجمهور المحدثين أنه يجوز أيضاً أن يقول أخبرنا فلان دون أن يذكر الإجازة، لكن لا يجوز في عرف المتأخرين أن يقول: حدثنا لما تلقاه بالإجازة فقط، ومثل ذلك ما تلقاه بالمناولة أو بالوجادة أو بالوصية أو بالكتابة أو بالإعلام، فهذه هي مراتب التحمل، ثمانية: السماع من الشيخ، والقراءة عليه، وإجازته، والمناولة، والكتابة، والوصية، والإعلام، والوجادة.
(4/40)

شرح الورقات في أصول الفقه [5]
لقد عقد المصنف باباً للقياس، وهو الدليل الرابع من الأدلة الإجمالية، وذكر أقسامه، وجاء بعده بباب الحظر والإباحة حيث قرر أن الأشياء على الإباحة إلا ما حظره الشرع، وإذا تعارضت الأدلة فهناك قانون ينبغي أن يعمل به، ذكره في باب ترتيب الأدلة، وفي آخر هذه الأبواب ذكر شروط المفتي (المجتهد) ، والمستفتي (العامي) ، وتعريف الاجتهاد والتقليد.
(5/1)

باب القياس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فقال رحمه الله: [باب القياس] : عقد هذا الباب للنوع الرابع من أنواع الأدلة الإجمالية، فأول الأدلة الإجمالية: الكتاب، ثم السنة، ثم الإجماع، ثم القياس.
(5/2)

تعريف القياس
والقياس مصدر قاس الجرح إذا سبره ليعرف غوره، ومنه قول الشاعر: إذا قاسها الآسي النِّطَاسيُّ أدبرت غثيثتها وازداد وَهْيًا هُزُومُها يصف الشاعر طعنةً، (إذا قاسها الآسي) أي: أدخل فيها المسبار ليعرفَ غَوْرَهَا.
والقياس في اصطلاح الأصوليين: هو حمل معلوم على معلوم، لمساواته له في علة حكمه عند الحامل.
فقولنا: [حمل معلوم] أي: إلحاقه، والمعلوم: هو ما عُرف عينُه، والمقصود هنا: وجُهِل حكمه، لأن ما جاء النص بحكمه لا يُحتاج إلى حمله على غيره.
[على معلوم] أي: معلوم العين، معلوم الحكم، وهو الأصل.
[لمساواته له] أي: لموافقته له.
[في علة حكمه] أي: في تحقق العلة فيهما معاً، فلا قياسَ إلا في المعللات، فالتعبديات المحضة لا قياس فيها.
[في علة حكمه] سواء كانت تلك العلةُ نصيَّةً أو استنباطيَّةً.
[عند الحامل] أي: عند الذي قاس، ليدخل في ذلك: القياس الفاسد، فإن الفرعَ لا يساوي الأصلَ فيه في علة حكمه عند جمهور الناس، وإنما يساويه عند الحامل وحده، ومع ذلك يُسمى قياساً، وإن كان فاسداً.
وعرف المصنف القياس بقوله:
(5/3)

أركان القياس
[وأما القياس: فهو رد الفرع إلى الأصل في الحكم بعلة تجمعهما] .
- فقال: [رد الفرع] أي: إلحاق مجهول الحكم، معروف العين.
-[إلى الأصل] أي: معروف الحكم والعين معاً.
والمقيس، يسمى عرفًا بـ[الفرع] ، والمقيس عليه يُسمى عرفًا بـ[الأصل] .
[في الحكم] وهذا هو وجه الرد، أي: إلحاقه به إنما هو في الحكم.
-[بعلة تجمعهما] أي: بسبب جمع العلة لهما، فالعلة تجمعهما معاً.
وهذا التعريف جامع للأركان الأربعة، التي هي أركان القياس، وهي: الفرع، والأصل، وحكم الأصل، والعلة الجامعة.
وهذه العلة تسمى بـ (الوصف الجامع) -أيضاً- في الاصطلاح.
(5/4)

أقسام القياس
قال: [وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه] القياس المقصود به هنا قياس الطرد؛ لأن القياس ينقسم إلى قسمين: قياس طرد، وقياس عكس، فقياس العكس هو: معرفة حكم فرع بحمله على عكس حكم الأصل؛ لاختلافهما في العلة، وذلك مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: نعم، أرأيتم إذا وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر) ، فاستباحة الحلال الذي يثاب عليه الإنسان قياس، لكنه ليس كقياس الطرد؛ لأن الأصل والفرع لا تجمعهما علة، فلا يجتمعان في الحكم، فحكمهما مختلف لاختلاف علتهما، فعلة الإثم في الزنا أنه وضعها في حرام، ويقابلها علة الثواب في المباح أنه وضعها في حلال.
أما قياس الطرد: وهو الذي ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة التي ذَكَرَ، وهي: قياس العلة، وقياس الدلالة، وقياس الشبه.
(5/5)

قياس العلة
قال المصنف: [فقياس العلة: ما كانت العلةُ فيه موجبةً للحكم] .
العلة في الأصل: ما يُغَيِّر حالَ الشيء كالمرض، فالمرض يُسمى علة؛ لأنه يغير حال المريض.
والعلة في الاصطلاح: هي العلامة التي أناط بها الشارعُ الحكمَ، وأدركَ العقلُ وَجْهَ ترتيبه عليها.
ويمكن أن يُقال: هي الوصفُ الظاهر المنضبط، الذي عَلَّقَ الشارع به الحكمَ، وأدرك العقلُ وجهَ ترتيبه عليه.
فقلنا: (هي الوصف) ، والمقصود به: كل ما يُعَلَّلُ به، سواء كان حكماً شرعياً، أو كان إثباتَ أمر، أو كان نفيَ أمر، أو كان مركباً من أمرين، فكل ذلك يُسمى علةً.
(الوصف الظاهر) ، فالوصف الخفي لا يمكن أن يُعلل به، ومثله: الوصف الطردي، الذي لا اعتبار له.
(المنضبط) بخلاف الوصف المتردد، فلا يصلح للتعليل، فلا يُعلل به كالمشقة مثلاً، فهي غيرُ منضبطة؛ لاختلافهما بين شخص وشخص.
(الذي أناط الشارع به الحكم) أي: علَّق به الحكمَ.
(وأدرك العقلُ وجه ترتيبه به) ليَخرُج بذلك السببُ؛ فإن الشارع أناط به الحكم، لكن لا يُدرك العقلُ وجهَ إناطته به، كغروب الشمس، فقد علق الشارع عليه وجوبَ ثلاث ركعات، وهي: صلاة المغرب، وغروب الشفق علق الشارع عليه وجوبَ أربع ركعات، وهي صلاة العشاء، والعقل لا يُدرك لماذا عُلقت ثلاث ركعات على غروب الشمس، وأربع ركعات على غروب الشفق.
وأما العلة: فإن العقل يُدرك وجهَ تعليق الحكم عليها، كالإسكار: علة لمنع الخمر، فالعقل يُدرك العلاقة هنا؛ لأنه يعلم أن الخمر تَعتدي على العقل وتزيله، وأن الحفاظ على العقل من ضروريات الناس، لذلك جعل الشارعُ الإسكارَ - وهو إزالة العقل - علةً لتحريم الخمر.
قال: [فقياس العلة: ما كانت العلةُ فيه موجبةً للحكم] .
أي: كانت العلةُ فيه مقتضيةً للحكم، بمعنى: أنه لا يحسن تخلف الحكم عنها، بأن تُوجد هي في الفرع، ولا يوجد الحكم فيه، فهذا يكون حينئذ ممنوعاً.
ومثال ذلك: قياس ضرب الوالدين أو أحدهما على التأفيف؛ فإن الله تعالى يقول: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء:23] ، فهنا نهى أن يقول الولد لوالده: أفٍّ، وفي القراءة السبعية الأخرى: (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أفِّ وَلا تَنْهَرْهُمَا) ، ومعناهما واحد، ويُلحق بالتأفيف: الضربُ والشتم وأنواع الأذى؛ لأن العلة متحققة فيها، وهي: عدم الإحسان إلى الوالدين وأذاهما، فالضرب أبلغ في الأذى من التأفيف، ومثله: الشتم، فكل ذلك أبلغ في الأذى من التأفيف.
فالمقيس عليه هو: التأفيف، والفرع: هوالضرب وأنواع الأذى، والحكم: التحريم، والعلة: الإيذاء.
فلا يحسن تخلف الحكم في الفرع الذي هو الضرب، بأن يُباح الضرب، مع منع التأفيف، فهذا لا يُستحسن عقلاً.
وهذا الفرع أبلغ في تحقق العلة فيه من الأصل، والعلة: هي قطع الأذى.
والمساوي: إلحاق الأرز بالقمح في الربوية، وفي التعشير، أي: في أخذ عشره في الزكاة، إذا كان مما سقت السماء، ونصف عشره إذا كان مما سقاه الإنسان بآلته.
والأرز لم يرد فيه النص، والنص إنما ورد في القمح، لكن يُلحق به الأرز لاجتماعهما في العلة وهي: الطعمية، والادخار، والكيل، والوزن، فهما يجتمعان في كل الأوصاف المعتبرة، فكلاهما طعام مقتات مدخر مكيل أو موزون، فيُلحق به بهذا القياس.
فالفرع: الأرز، والأصل هو البر -أي: القمح- والحكم: حرمة الربا، ووجوب الزكاة، والوصف الجامع: الطعمية، أي: الاقتيات والادخار، أو كونه مكيلاً أو موزوناً، على الخلاف في علة الربا في هذه الأجناس.
(5/6)

قياس الدلالة
النوع الثاني قياس الدلالة: قال المصنف: [وهو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر، وهو أن تكون العلة دالة على الحكم، ولا تكون موجبة للحكم] .
وهذا الذي يُسمى بالاستدلال، وهو ثلاثة أنواع: 1 - استدلالٌ بالعلة على المعلول.
2 - واستدلالٌ بالمعلول على العلة.
3 - والاستدلال بأحد المعلولين على الآخر.
وهو أن يُستدل بأحد النظيرين على الآخر، والمراد بالنظيرين هنا: المشتركان في الأوصاف، كما ذكرنا في الأرز والقمح، فيُمكن أن يتخلف الحكم في الأرز -مثلاً- ويُثبت في القمح.
ومثل ذلك: السكر -مثلاً- وإلحاقه بالقمح في منع الربا فيه، بجامع أن كلاً منهما طعام، فالعلة هنا غير موجبةٍ للحكم؛ لأن العقل يمكن أن يُدرك فرقاً بين السكر والقمح، وهذا معنى قوله: [ولا تكون موجبة للحكم] ؛ لاحتمال وجود فرق بين الفرع والأصل.
وأكثر الأصوليين يعرفون قياس الدلالة بأنه: الجمع بين الأصل والفرع بدليل العلة، لا بالعلة نفسها.
كالشدة في الخمر أو الرائحة المخصوصة، فإن الغليان أو الإرغاء والإزباد في الخمر، ليس هو العلة -التي هي الإسكار- ولكنها دليل العلة.
(5/7)

قياس الشبه
النوع الثالث: قياس الشبه: قال المصنف: [وهو الفرع المتردد بين أصلين فيلحق بأكثرهما شبهًا] .
أي: هو إلحاق الفرعِ المترددِ بين أصلين بأكثرهما شبهاً به.
والأصوليون يمثلون له بـ (العبد) ، فهل يُلحق بالجمل لاشتراكهما في الْمِلك، أو بالرجل الحر لاشتراكهما في الإنسانية؟ فالعبد له وصفان: الإنسانية وكونه مملوكاً، فبأيهما كان أكثر شبهاً يُلحق به.
فهو من ناحية التصرف مملوك، يُلحق بالمملوكات، فيُتصرف فيه كما يُتصرف في المملوكات الأُخَرِ.
وهو من ناحية الإنسانية: مكلف بالغ، له أوصاف الإنسان من العقل والتكليف والبلوغ وحصول الأجر على الطاعة، وحصول الإثم على المعصية.
فيُلحق بأكثرهما شبهاً به، والصحيح أنه يُلحق بالحر؛ لأنه به أشبه.
قال: [ولا يصار إليه مع إمكان ما قبله] .
أي: لا يُلجأ إلى قياس الشبه مع إمكان ما قبله، أي: مع وجود قياس الدلالة، أو قياس العلة.
(5/8)

شرط الفرع
قال: [ومن شرط الفرع: أن يكون مناسباً للأصل] .
فللأصل شروط، وللفرع شروط، وللعلة شروط، ولحكم الأصل شروط.
وهذه الشروط غير محصورة لكثرة الخلاف فيها، وهو ذكر بعضَها هنا.
فقال: [ومن شرط الفرع: أن يكون مناسباً للأصل] .
أي: من شروط الفرع، والشرط هنا لما أُضيف إلى المعرفة عمَّ؛ لأن كل مفرد أضيف إلى معرفة يعم، مثل قول الله تعالى: {وَبَنَاتِ عَمِّكَ} [الأحزاب:50] أي: كل أعمامك، ومنه قول الشاعر: بها جيف الْحَسْرَى فأما عظامُها فَبِيضٌ وأما جِلدُها فصليبُ جلدها: أي: كل جلودها، لأن الْحَسْرَى ليس لها جلد واحد، بل جلودها كثيرة بعدد رءوسها.
وهو هنا لم يقصد الحصر، ولهذا قال: [ومن شرط الفرع: أن يكون مناسباً للأصل] ، والمقصود بالمناسبة هنا: المساواة في العلة، بأن تكون علة الحكم وصفاً مناسباً لكل من الأصل والفرع، وذلك مثل: إلحاق الحاقن بالغضبان في منع القضاء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقضيَ القاضي وهو غضبان، وعلة النهي: تشوش الذهن، وهي موجودة في العاطش والجائِع والحاقِن والْحَازِقِ ونحو ذلك.
فالحاقن: هو الذي يحتاج إلى دخول الخلاء، أو إلى الاستراحة من البول.
والحازق: هو الذي يلبس خفاً قد ضَيَّقَ على رجله، فآلَمَهُ.
فهؤلاء في تشوش الذهن: كالغضبان.
فيُلحق هذا الفرع بالأصل هنا للمناسبة وهي: علة مستنبطة غير نصية.
(5/9)

شرط الأصل
قال رحمه الله: [ومن شرط الأصل: أن يكون ثابتاً بدليل متفق عليه بين الخصمين] .
[من شرط الأصل] أي: من شروط الأصل.
[أن يكون ثابتاً بدليل متفق عليه بين الخصمين] أي: أن يكون حكمُه ثابتاً بدليل متفق عليه بين الخصمين، فإن كان ذلك الدليل محل خلاف بين الخصمين، أو كان وجود الحكم في الأصل محل خلاف بين الخصمين، لم يتفقا على ذلك القياس.
فهذا شرط لحكم الأصل، ومعناه: أن يكون حكم الأصل الذي يُراد إثباته في الفرع ثابتاً بدليل من نص -من كتاب أو سنة- أو إجماع، ويكون ذلك متفقاً عليه بين الخصمين المتنازعين؛ لأن البحث بينهما، فإذا ذكر المستدِلُّ -وهو أول المتكلِّمَيْنِ- الحكمَ مقترناً بدليله من نص أو إجماع، لم يُشترط موافقة الخصم؛ لأن دلالة النص الصريح أو الإجماع الصريح على الحكم يُؤمَنُ معه الانتشار، أي: انتشار النزاع.
وإنما اشْتُرِط هذا لئلا يمنع الخصمُ الحكمَ في الأصل أصلاً، فيُحتاج حينئذ إلى إثبات الحكم أولاً في الأصل، فينتقل الخلاف عن محله إلى مسألة أخرى.
فمثلاً: من يُنكر الربويةَ في الفُلُوس، ويرى أن لا ربا فيها مطلقاً، راجت أو لم ترُجْ، ويُلحق بها العُملات المعاصرة اليوم، فحكم الأصل عنده إنما ثبت بدليل ليس محل اتفاق بينه وبين الخصم، فإذا احتج بذلك، سيُخاصِمُهُ الخصمُ بأن الفلوس -أصلاً- عنده ربوية، فينتقل الخلاف في العملات إلى الفلوس، وهكذا.
(5/10)

شرط العلة
قال المصنف: [ومن شرط العلة: أن تَطَّرِدَ في معلولاتها، فلا تنتقض لفظاً ولا معنى] .
أي: من شروط العلة كذلك: أن تطرد، أي: أن تَثْبُتَ في معلولاتها.
والاطراد في العلة معناه: ملازمتها للثبوت، والانعكاس: ملازمتها للنفي، وكل ذلك مُشترَطٌ فيها.
فإن وُجد الحكم ولم تُوجد العلة؛ فتلك العلةُ مقدوحٌ فيها، وإن وُجدت العلة ولم يوجد الحكم؛ فتلك العلة مقدوح فيها أيضاً.
وهما قادحان معروفان، أحدهما يُسمى بـ: الكَسْرِ، والآخرُ يُسمى بـ: النَّقْضِ.
وذلك: كالإسكار، فكلما وُجد الإسكار في شيء، وُجد فيه التحريم، فلا يمكن أن يكون المشروبُ مسكرًا وهو مباح، بل كلما وجدت العلة وجد الحكم، ولقد فسر الاطراد بقوله: [فلا تنتقض لفظاً ولا معنى] .
أي: أن لا يكون فيها النقضُ - الذي هو قادح من قوادح العلة - وهو: أن توجد العلة في صورة ولا يوجد الحكم، وهو من القوادح التي يبطل بها القياس.
ولا فائدة في قوله: [لفظاً ولا معنى] ، فالمقصود: عدم انتقاضها فقط، ولكن يقصد هنا: أن لا تنتقض في الثبوت ولا في الانتفاء، فيقصد هنا: الاطراد والانعكاس في العلة.
(5/11)

شرط الحكم
قال: [ومن شرط الحكم: أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات] .
[من شرط الحكم] أي: حكم الأصل.
[أن يكون مثل العلة] أي: أن يكون مطرداً أيضاً.
[في النفي والإثبات] أي: مُطَّرِدًا، مُنْعَكِسًا.
فمن شرطه: الاطراد والانعكاس، فهو تابعٌ للعلة في النفي والإثبات - أي: في الوجود والعدم - فإن وجدت العلة وُجد الحكم، وإن انتفت انتفى الحكم، وهذا الشرط مُغْنٍ عن الشرط السابق، فلو ذُكِر هذا الشرطُ وحده لكفى، وذلك كالإسكار، فهو علة لتحريم الخمر، فمتى وُجد الإسكار وُجد التحريم، ومتى انتفى الإسكار انتفى التحريم.
فإن كان [للحكم] عللٌ متعددة لم يلزم من انتفاء علة معينة منها انتفاء الحكم، وذلك كانتقاض الوضوء بالبول وبالغائط والنوم وغير ذلك، فأية واحدة وُجدت رُتب عليها النقض.
(5/12)

هل العلة القاصرة تصلح للتعليل أو لا؟
ثم قال: [والعلة هي الجالبة للحكم] .
يريد بهذا: زيادة تعريف للعلة، أي: أن الحكم مرتبٌ على العلة، فمتى وُجدت وُجد الحكم، ومتى انتفت انتفى الحكم.
قال: [والحكم هو المجلوب للعلة] .
أي: أن الحكم مرتبٌ على العلة، فهي علامة عليه، فمتى وُجدت تلك العلة وُجد الحكم.
وهنا أراد أن يبين بهاتين الجملتين: أن العلة يمكن أن تكون قاصرة، فتصلح للتعليل، وذلك كخروج النجس من أحد السبيلين، فقد دل الدليل على أنه ناقض للوضوء، وهو العلة، ولكن هذا مختص بما وردت فيه هذه العلة، فلا توجد هذه العلة في غير هذا المحل، فالعلة هنا قاصرة على مورد النص، فلا يُلحق به غيره.
أما العلة المتعدية: فهي التي توجد في غير محل النص، فيمكن أن يُلحق به غيره، كالإسكار في الخمر، فإن الإسكار قد يوجد في غير مشروب العنب، فيُلحق به.
وهذا محل خلاف: هل العلة القاصرة تصلح للتعليل أو لا؟ 1 - فقد ذهب المالكية والشافعية إلى صحة التعليل بالعلة القاصرة.
2 - وذهب الحنفية والحنابلة إلى أن العلة القاصرة لا تصلح للتعليل، فَرَأَوْا أن خروج النجس من أي مكان من البدن ناقض للوضوء إذا تفاحش، فمن استاك فخرج الدم من لِثَّتِهِ فتفاحش، فذلك ناقض عند الحنابلة والحنفية، ومثله: من جُرِح فخرج منه دم من ساقه أو يده أو غير ذلك، فإن تفاحش نقض عند الحنابلة والحنفية، ولا ينقض عند المالكية والشافعية؛ لأن العلة القاصرة لا تصلح للتعليل عندهم.
(5/13)

باب الحظر والإباحة
قال: [باب الحظر والإباحة] عقد هذا الباب لورود الحظر وهو التحريم بعد الإباحة الأصلية، أي: ما كان قبل ورود الشرع على أصل الإباحة والجواز، ويقصد بهذا ذكر الاستصحاب الذي هو حجة ودليل من الأدلة الخلافية عند الأصوليين.
قال المصنف: [وَأَمَّا الْحَظْرُ وَالإِبَاحَةُ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الأَشْيَاءَ عَلَى الْحَظْرِ إِلاَّ مَا أَبَاحَتْهُ الشَّرِيعَةُ] .
يقصد أن بعض الأصوليين يرى أن الأصل في الأشياء كلها المنع؛ لأنها مملوكة للغير، فهي من ملك الله سبحانه وتعالى، فما لم يأذن فيه منها فهو على أصل الحظر، وهذا القول ضعيف جداً؛ لأن الله يقول: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة:29] ، فالأصل في حركات المكلف وسكناته وتصرفاته الإباحة، إلا ما دل الدليل على تحريمه؛ فلذلك قال: [فمن الناس من يقول: إن أصل الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الإِبَاحَةِ يُتَمَسَّكُ بِالأَصْلِ، وَهُوَ الْحَظْرُ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ بِضِدِّهِ -وهذا مذهب الجمهور- وَهُوَ: أَنَّ الأَصْلَ فِي الأَشْيَاءِ الإِبَاحَةِ إِلاَّ مَا إلا من حَظَرَهُ الشَّرْعُ] .
ومنهم من قال بالتوقف بين الأمرين حتى يأتي الدليل، ولكن الراجح: الإباحة، فالأصل في الأعيان والأفعال المنتفع بها -قبل رورد الشرع- الإباحة، فالله تعالى يقول: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة:29] ، ويقول: {وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ} [الرحمن:10-12] ، فدل هذا على إباحة كل ذلك.
ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن الأحكام حتى لا يُحرم الإنسان ما كان حلالاً، فقال: (إن من أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يُحرم، فحرم من أجل مسألته) ، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [المائدة:101] فجعل هذا من العفو، الذي هو المباح.
فكل مسكوت عنه، فهو على أصل الإباحة، ومحل هذا في الأفعال والأعيان المنتفع بها، وأما ما لا نفع فيه، فإن تَمَحَّضَ ضَرَرُه كان على التحريم، ومنه الخبائث كلها، لقول الله تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) .
(5/14)

تعريف الاستصحاب
[الاستصحاب] قال المصنف: [ومعنى استصحاب الحال الذي يحتج به: أن يستحصب الأصل عند عدم الدليل الشرعي] .
(استصحاب الحال) مصطلح أصولي لنوع من أنواع الأدلة، وهو دليل عقلي، وهو من الأدلة المختلف في الاحتجاج بها.
والاستصحاب أصلاً معناه: الصحبة، والمقصود به: إثبات ما ثبت في الماضي في الحال.
فما ثبت له وصف في الماضي، يُستصحب له، أي: يُحكم بصحبته لذلك الوصف، حتى يأتي ما يغير حاله.
قال: [ومعنى استصحاب الحال: أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي] .
معناه: أن يُلتزم الحال الذي سبق أنْ ثبت للشيء، حتى يأتي ما يغيره عنه.
ولهذا يُقال في تعريفه: هو الحكم بأن ما ثبت في الزمن الماضي باق في الزمن المستقبل، وهذا هو معنى قولهم: (الأصل بقاء ما كان على ما كان) ، وهذا هو معنى قولهم أيضاً: (الذمة إذا عَمَرَت بمحقق لا تبرأ إلا به) ، والأصل براءة الذمة، وهكذا.
فقواعده كثيرة.
(5/15)

أنواع الاستصحاب
- والاستصحاب أنواع: النوع الأول: استصحاب العدم الأصلي حتى يرد الدليل الناقل عنه، وهذا هو الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله بقوله: [أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي] ، فيُقال: الأصل في الأشياء الطهارة، فإذا جاء دليل ناقل عن ذلك أُخذ به.
وجمهور أهل العلم على الأخذ بهذا النوع.
النوع الثاني: هو استصحاب ما دل الشرع على ثبوته ودوامه، كاستصحاب الطهارة بناءً على ما مضى من الوضوء، كمن كان على طهارة موقناً بها، فطرأ عليه شك في تلك الطهارة، فذلك الشك عند الجمهور غير ناقض للطهارة السابقة، لأن: (اليقين لا يُزال بالشك) ، وقد ذهب المالكية إلى أن ذلك الشك العارض ناقض، وأخذوا باستصحاب أمر آخر، وهو: استصحاب ما كان قبل الطهارة، فيقولون: الأصل أن الإنسان غير متوضئ، وقد توضأ ولكن وضوءه الآن مشكوك فيه، فهذا الوضوء مشكوك فيه، فلا ينقل عن الأصل المقطوع به وهو أن الأصل عدم الطهارة.
والجمهور يخالفونهم في ترتيب هذا الدليل، فيقولون: (الأصل فيمن تطهر أن يبقى على طهارته حتى يتحقق الناقض) ، ولا يختلفون في حال الموسوس؛ لأنه ورد فيه نص، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان يفسو بين إليتي أحدكم وهو في صلاته، فمن وجد ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) .
وقد نظم أحد العلماء الخلاف في هذه المسألة فقال: الشكُّ في الأحداثِ لا ينقُض عكسَ الذي أشياخُنا قد رضُوا [يقصد: المالكيةَ] ومنهمُ من قال ما قلتُه أي: من المالكية من قال ذلك ومنهمُ من قال ما قلتُه من عدم النقض فلا تُومضوا إلا لما فيه الدليل الذي منهاجه للمهتدي أبيض أحمد والنعمان والشافعي والليث والأوزاعي لا يُنقَضُ وضوؤُنا بالشك إسحاق لا يُنقض والثوري هذا الوضُو ناشدْتُكم يا إخوتي رووا لما لما قيدته المواق لا تعرضوا النوع الثالث: استصحاب الدليل مع احتمال المعارض، فمن بلغه دليل من الشرع لزمه أن يعمل به، ولو احتمل أن يكون له معارض، ولا يجب البحث عن المعارض على الراجح، فأي دليل صح عندك عن النبي صلى الله عليه وسلم لزمك الأخذ به؛ لأن مدلوله راجح في حقك، و (العمل بالراجح واجب لا راجح) .
النوع الرابع: استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف، وذلك إذا انعقد الإجماع على حكم في حال، وحصل الخلاف في حال آخر، فيُستصحب حال الإجماع لحال الخلاف، وهذا هو أضعف أنواع الاستصحاب، ولم يقل به إلا قليل من الفقهاء، لأن الإجماع إنما انعقد في حال، والخلاف حصل في حال آخر مناف له، فلا يمكن أن يُنقل الإجماع إلى الأمر الذي لم يُجمع عليه.
(5/16)

ترتيب الأدلة
باب [ترتيب الأدلة] .
عقد هذا الباب لترتيب الأدلة، فيما يُبدأ به منها، وما هو قطعي منها، وما هو ظني.
فقال رحمه الله: [وأما الأدلة: فيقدم الجلي منها على الخفي] .
فالجلي هو: واضح الدلالة، المتفق على دلالته، فهو مقدم على الخفي الذي يختلف الناس في دلالته ومعناه.
قال: [والموجب للعلم على الموجب للظن] .
أي: القطعي منها، مقدم على الظني.
والمقصود بذلك: القطعي في الورود، فهو مقدم على الظني فيه.
وهنا أربع احتمالات: الأول: أن يأتي الدليل قطعياً في دلالته، وقطعياً في وروده، فهذا أبلغ الأدلة وأقواها.
الاحتمال الثاني: أن يأتي الدليل قطعياً في الورود -آية من كتاب الله مثلاً أو حديثاً متواتراً- ولكنه ظني في دلالته، فدلالته على المعنى المقصود: ظنية، وهذا هو الذي يليه.
الثالث: أن يكون الدليل ظنيَ الورود قطعي في الدلالة، حديث ظني ولكنه صريح في الدلالة، فهذا الذي يليه في المرتبة الثالثة.
الرابع: أن يكون ظني الدلالة والورود، حديث ظني في الورود، ومع ذلك دلالته غير صريحة، فهذا في المرتبة الرابعة.
ثم قال يرحمه الله: [ويقدم النطق على القياس] .
[النطق] المقصود به النص، من كتاب أو سنة، فهو مقدم على القياس.
ومثل ذلك: الإجماع مقدم على القياس أيضاً.
[والقياس الجلي على الخفي] .
كذلك يقدم القياس الجلي على القياس الخفي.
والقياس الجلي: هو قياس الأولى، كقياس الضرب على التأفيف، فهذا مقدم على القياس الخفي.
وهذا محله عند وجود الجميع، أو عند التعارض، فإذا أردتَ أن تستدل لأمر واحد، فترتب الأدلة هكذا: تبدأ بالدليل من الكتاب، ثم بالدليل من السنة، ثم بالدليل من الإجماع.
وبعض الأصوليين يبدأ بالإجماع أولاً، لأنه لا يُنسخ، ولأنه واضح الدلالة دائماً، ثم بالدليل من الكتاب، ثم بالدليل من السنة، ثم بعد هذا بِجَلِيِّ القياس، ثم بخفيه، وهكذا.
وكذلك إذا تعارض دليلان فأقواهما الذي يُؤخذ به هو القطعي كما سبق، ثم النصي مقدم على القياس، ثم القياس الجلي مقدم على القياس الخفي.
ثم قال: [فإن وجد في النطق ما يغير الأصل وإلا فيستصحب الحال] .
[إن وجد في النطق] أي: في المروي من الوحي.
[ما يغير الأصل] أي: ينقل عن البراءة الأصلية.
[وإلا فيُستصحب الحال] أي: يؤخذ بالاستصحاب حينئذ.
والحال هو: البراءة الأصلية.
(5/17)

باب المفتي والمستفتي
[باب المفتي والمستفتي] عقد هذا الباب للإفتاء.
والإفتاء: مصدر " أفتى ": إذا أخبر بالحكم الشرعي لا على وجه الإلزام.
والمفتي: هو الذي يجيب السائلَ، والسائلُ: هو المستفتي، {قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف:41] أي: تطلبان فيه الفتوى.
ويُقال: الفَتْوى، والفُتْيا.
(5/18)

الشروط التي ينبغي أن تتوافر في المفتي
1- قال المصنف رحمه الله: [ومن شرط المفتي: أن يكون عالمًا بالفقه أصلاً] أي: يُشترط للمفتي أن يكون عالماً بالفقه، أي: بما يفتي فيه منه، ولا ينافي ذلك أن يكون جاهلاً بجزئيات أخرى من الفقه، فالجزئية التي يفتي فيها لا بد أن يكون عالماً بها؛ لقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:33] ، ولقوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء:36] .
فقوله: [أن يكون عالمًا بالفقه أصلاً وفرعاً] ، عالماً بأصوله، أي: بأدلته، وفرعاً: أي بفروعه الناشئة عن تلك الأدلة.
[خلافاً ومذهباً] أي: في الخلاف العالي والخلاف داخل المذهب، وهذا الذي قاله غير شرط في كل مفت، فليس الحال كذلك في أيام الصحابة ولا في أيام التابعين ولا في أيام أتباعهم، وإنما يذكر هذا المتأخرون نظراً لتعصبهم للمذاهب.
2-[وأن يكون كامل الآلة في الاجتهاد] أي: أن يكون تامَّ شروط الاجتهاد، بأن يكون عالماً باللغة العربية، وبطرق دلالتها، وعالماً بالأدلة الشرعية، وبالناسخ والمنسوخ منها، وبأنواع دلالاتها، ولا يُشترط بلوغ الكمال في ذلك، بل ما يتعلق بالمسألة التي يفتي فيها من ذلك، أي: المسألة التي يفتي فيها بالخصوص من ذلك، لا بد أن يكون مطلعاً عليه، فإن كان جاهلاً بما ورد في مسألته التي يفتي فيها من الأدلة، أو بطرق دلالتها، أو بمعانيها في اللغة، فلا يجوز له الإفتاء في تلك المسألة.
ومن هذا يُؤخذ تجزؤ الاجتهاد، وأن الإنسان يمكن أن يكون مجتهداً في مسألة واحدة، ولا يُتقن الاجتهاد في غيرها.
3- قال: [عارفًا بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام، من النحو واللغة ومعرفة الرجال، وتفسير الآيات الواردة في الأحكام، والأخبار الواردة فيها] .
ذكر المصنف أن من شروط المفتي أن يكون: (عارفًا بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام) أي: في استخراجها من أدلتها.
والاستنباط في الأصل: استخراج الماء من البئر البعيدة القعر، والمقصود به هنا: أخذ الأحكام من الأدلة، وقد سماه الله استنباطاً في كتابه في قوله: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83] .
[بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو] أي: من قواعده وما يؤثر في المعنى منها.
(واللغة) أي: علم مفرداتها، ومثل ذلك: الدلالات البلاغية.
(ومعرفة الرجال) أي: تراجمهم جرحاً وتعديلاً، وطبقاتهم حتى يعرف اتصال الإسناد أو انقطاعه.
(وتفسير الآيات الواردة في الأحكام) ولا يُشترط استظهارها، أي: حفظ متنها، فيجوز أن لا يكون حافظاً لآيات الأحكام، ولكنه مطلع عليها، فيعرف ما ورد فيها من الأحكام.
(والأخبار الواردة فيها) أي: أخبار الأحكام، وهي أدلة الأحكام من الحديث، فيكون مطلعاً عليها، ولا يُشترط حفظه لها، ولا استظهاره لها عن ظهر قلب.
وهذه الشروط، هي شروط المجتهد المطلق، ولا يُشترط لكل مفت أن يتصف بها.
ومثل ذلك المفتي في داخل مذهب من المذاهب، سواء كان مجتهدَ ترجيحٍ، أو مجتهدَ تخريجٍ، أو كان متبصراً، أو كان مجتهد فتيا، فلا يُشترط له التحقق بكل هذه الشروط.
(5/19)

ما يشترط في المستفتي
[ما يُشترط في المستفتي] عقد هذا الباب لشروط المستفتي بعد أن بين شروط المفتي، فقال رحمه الله: [ومن شرط المستفتي: أن يكون من أهل التقليد] فلا يمكن أن يقلد مجتهدٌ غيرَه، فالمجتهد يجب عليه أن يبذل هو الجهدَ للوصول إلى ظن بالأحكام الشرعية، ويجب عليه أن يعمل بمقتضى اجتهاده، فلا يحل له تقليد غيره.
وهذا في المجتهد المطلق، وأما المجتهد المقيد بأنواعه كلها، فيمكن أن يقلد في القواعد أو في الأصول، ويمكن أن يقلد -كذلك- في التصحيح والتضعيف بالنسبة للأدلة، ولا بد أن يقلد فيما يتعلق بالجرح والتعديل؛ لأن ذلك مرجعه إلى الرواية.
قال: [ومن شرط المستفتي أن يكون من أهل التقليد فيقلد المفتي في الفتيا] أي: يقلد من أفتاه، وذلك فيمن تحققت فيه الشروط السابقة.
وكل مقلد فإنه يتوافر فيه جزءٌ من الاجتهاد، به يختار من يستفتيه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ما من أحد إلا وله حظ من الاجتهاد، وحظ العامي من الاجتهاد هو ما يختار به من يستفتيه) فليس أحدٌ منصوبًا للفتوى بعينه، لا يُستفتى إلا هو، فإنما يجتهد المستفتي حتى يختار من يفتيه، وذلك اجتهاد منه.
وتقليده، معناه: الأخذ بقول غير المعصوم من غير معرفة دليله، فإن عرف الدليل لم يكن مقلداً، وإنما يكون تابعاً إذا كان عاجزاً عن استنباط الحكم من الدليل.
قال: [وليس للعالم أن يقلد] أي: ليس لمن بلغ رتبة الاجتهاد أن يقلد غيره.
[وقيل: يقلد] هذه نسخة أثبتت هذا القول، وهو أن المجتهد له أن يقلد غيره، وذلك لما رُوي عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم -مع اجتهادهم- من عدولهم عما رأوه راجحاً تقليداً للأئمة كـ: عمر، وعثمان، وعلي ولذلك فإن ابنَ عمرَ حين سئل عن فتيا، قال: (اذهب إلى هذا الذي تَقَلَّدَ أمر الأمة، فاجعلْها في عنقه) ، فالذي تولى أمر الخلافة هو الذي يفتي للناس، وبقوله يؤخذ إذا كان من أهل الاجتهاد والعلم.
(5/20)

شروط وجوب الإفتاء
ويُشترط لوجوب الإفتاء: 1- أن يكون ذلك في مسألة قد نزلت، فالمسائل التي لم تنزل بعد لا يجب على المفتي أن يُعْمِلَ ذِهْنَهُ ويَكِدَّ في استخراج حكمها.
وقد كان مالك إذا سُئل عن مسألة يقول: " هل نزلت؟ فإن كانت قد نزلت استعنا بالله عليها، وإن لم تكن قد نزلت، فإن لها رجالاً يعاصرونها، فأولئك أدرى بحكم ما عاصرهم، وكان يكره أرأيت، ويقول: دعك من الآرائتيين أي: الذين يقولون: أرأيت لو كان كذا لأمر لم يقع.
2- وأن يكون السائل مكلفاً؛ لأن غير المكلف لا يلزمه الاجتهاد.
3- وأن يكون سائلُه صاحبَ النازلة، أو يتعلق بها حكم له، فإن كان السائلُ غيرَ صاحبِ النازلة، ولا له اتصال به ولا تعلق به لم تلزم إجابته.
وقد نظم أحدُ العلماء هذه الشروط فقال: وعارفٌ مكلفٌ قد سألَهْ مكلفٌ عن الذي يَجِبُ لَهْ سائلُهُ خافَ فَوَاتَ النازلَهْ حَتْمٌ عليه أن يجيب سائلَهْ
(5/21)

باب التقليد
[التقليد] عقد هذا الباب للتقليد.
والتقليد: مصدر قلَّد الشيءَ، إذا جعل في عنقه قلادة.
والمقصود به هنا: ملازمة قول الغير، كأنه جعل في عنقه ما تحمَّله، لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في سنن أبي دواد - أنه قال: (من أُفتي على غير ثَبَتٍ، فإنما إثمه على مفتيه) .
والتقليد هو: الأخذ بقول غير المعصوم من غير معرفة دليله.
فالأخذ بقول المعصوم مطلقاً، لا يكون تقليداً، والأخذ بقول غير المعصوم مع معرفة دليله لا يكون تقليداً له، وإنما هو اتباع للدليل.
فغير المعصوم - حينئذ - مبلغ لذلك الدليل، وأنت أخذتَ بما بلغك.
والتقليد لا يكون إلا عن جهل، ولهذا قال أبو عبادة البحتري: عَرَفَ العالِمُون فضلَك بالعلـ ـم وقال الجُهَّال بالتقليدِ فالعالمون مَن كان مِن أهل العلم عرفوا فضلك بالعلم، وقال الجهال بالتقليد فقلدوهم في ذلك، فالتقليد لا يكون إلا عن جهل.
(5/22)

تعريف التقليد
قال المصنف رحمه الله: [والتقليد: قبول قول القائل بلا حجة] .
[قول القائل] أي: من كان أهلا لأَنْ يُقبلَ قولُه.
[بلا حجة] أي: من غير معرفة الدليل.
قال: [فعلى هذا قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم يسمى تقليدًا] ، وهذا غير صحيح، فقد ذكرنا أن التقليد لا يكون إلا بأخذ قول غير المعصوم من غير معرفة دليله.
[ومنهم من قال: التقليد قبول قول القائل وأنت لا تدرى من أين قاله] ، أي: لا تدري هل له فيه حجة أم لا.
[فإن قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس، فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليدًا] .
والنبي صلى الله عليه وسلم اختُلِفَ في حكم اجتهاده: فقيل: لا يجوز له الاجتهاد؛ لأنه يأتيه الوحي من عند الله، والوحي قطعي، والاجتهاد ظني، واستبدالُ الاجتهادِ الظني بالوحي القطعي من استبدال الأدنى بالذي هو خير.
وقيل: بل يجب عليه الاجتهاد، لقول الله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل:44] ، ولقوله تعالى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء:105] ، ولأنه صلى الله عليه وسلم اجتهد في أمور أُقِرَّ عليها بالوحي، وفي أمور لم يُقّرَّ عليها بالوحي.
والأمور التي لم يُقَرَّ عليها في الاجتهاد، منها: 1- فداء أسرى بدر، فقد قال الله في ذلك: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:67] .
2- وكذلك وما حصل له مع ابن أم مكتوم، عندما أتاه وفي مجلسه عليةُ القوم من ملأ قريش، فقال الله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} [عبس:2-3] .
3- ومثل ذلك: اجتهاده في معذرة المنافقين حين أقسموا له في رجوعه من تبوك، فعاتبه الله في ذلك بقوله: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة:43] .
4- وكذلك تحريمه لأمته مارية أمِّ إبراهيم لإرضاء أمهات المؤمنين، وبالأخص لإرضاء حفصة، أنزل الله فيه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التحريم:1] .
5- وكذلك ما حصل في قصة زينب بنت جحش مع زيد بن حارثة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها لزيد، ثم أتاه الوحي أن ذلك النكاح لن يستمر، وأن زينب زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، فهو يعلم ذلك عن طريق الوحي، ومع ذلك فكان زيد يأتيه يشكو إليه، وتأتي زينب فتشكو، فيقول لـ زيد: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} [الأحزاب:37] ، وهو ما أوحاه الله إليه من أنها ستكون زوجتَه في الدنيا والآخرة، فقال الله في ذلك هذه الآيات من سورة الأحزاب.
6- وقد اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا: كاجتهاده يوم بدر في النزول على البئر التي تليه، ولذلك قال له الحباب بن المنذر: (يا رسول الله! أرأيت منزلك هذا، أهو الرأي والحرب والمكيدة، أم وحي أُنزل إليك؟ قال: بل هو الحرب والرأي والمكيدة.
فقال: ليس هذا بمنزل) ، وأمره أن ينزل على آخر بئر، مما يلي العدو، وأن يُغَوِّرَ الآبار الأخرى، ففعل.
7- ومنها: نهيه عن تأبير النخل، وذكره أنه لا يغير شيئاً، فقال: (أنتم أعلم بشؤون دنياكم) .
فالراجح إذاً: حصول الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم، لكنه لا يُقرُّ على الخطأ قطعاً، بل لا بد أن يأتيه الوحي بعد اجتهاده، واجتهاده رفعٌ لدرجته، وزيادة لأجره، لكن مع ذلك الأخذ بقوله حتى لو كان من اجتهاده لا يُسمى تقليداً؛ لأنه معصوم ولا يمكن أن يُقرَّ على الخطأ.
(5/23)

باب الاجتهاد
[باب الاجتهاد] قال المصنف رحمه الله: [وأما الاجتهاد: فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض] .
(5/24)

عذر المحتهد إذا أخطأ
قال يرحمه الله: [ولا يجوز أن يقال: كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب؛ لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى والمجوس والكفار والملحدين] .
هذه المسألة حصل فيها الخلاف بين المعتزلة وغيرهم، فقد قال النظام وتبعه على ذلك عدد من المعتزلة: (كل من اجتهد في طلب الصواب فهو مصيب، سواء كان ذلك في العقائد أو في غيرها) وعلى هذا يعذرون من كان من الكفار والمنافقين والضلال مجتهداً في طلب الحق ولم يكابر، وإنما أداه عقله الذي خصه الله به إلى الوصول إلى رأي يراه عينَ الصواب وهو غير مكابر، فيعذرونه.
وهذا القول، دونه قولُ الذي ذهب إليه إمام الحرمين -هنا- وغيره من المتكلمين، من أن الأمور العقدية لا اجتهاد فيها مطلقاً، وأن المخطئ فيها غيرُ معذور، وذكروا عن عدد من الأئمة أنه كان يقول: (اسألني في علم إذا أخطأتُ فيه قلتَ: أخطأتَ، ولم تقل كفرتَ، ولا تسألني عن علم إذا أخطأتُ فيه قلت: كفرت) .
وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن من كان من أهل الإيمان والصلاح والالتزام فاجتهد فهو معذور مطلقاً، سواء كان ذلك في العقائد أو في غيرها.
وهذا القول وسط بين القولين السابقين، ولعله أقرب للصواب، وأسعد بالدليل.
فإذا كان الإنسان معروفاً بالصلاح والالتزام والخشية واجتهد فأخطأ في تأويل الصفات أو في غير ذلك من الأمور، فهو معذور في ذلك الاجتهاد، ولا يضره اجتهاده بل هو مثاب عليه.
وإن كان معروفاً بالفساد والإنكار لأمور الدين ونحو ذلك: فلا يُعذر، ولا يُقبل منه الاجتهاد أصلاً في ذلك.
ثم قال رحمه الله: [ودليل من قال: ليس كل مجتهد في الفروع مصيبًا، قوله صلى الله عليه وسلم: (من اجتهد وأصاب له أجران، ومن اجتهد وأخطأ له أجر) وقد روى هذا الحديث بالمعنى.
[ووجه الدليل: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطَّأ المجتهد تارة، وصوبه أخرى] ، لأنه قال: (فأصاب) ، وقال: (فأخطأ) ، فدل ذلك على أنه محتمل للأمرين: للإصابة والخطأ.
وفي الأخير قال رحمه الله: [والله سبحانه وتعالى أعلم] ، وذلك بإحالة العلم إلى الله تعالى فيما نجهله نحن، ومن سنة أهل السنة، أن يقولوا فيما التبس عليهم: (الله أعلم) .
والإنسان إذا تكلم في أمور الدين الظنية، فمن الأفضل أن يختم كلامه بذلك؛ لأنه قد يكون وقع في خطأ، فيحيل العلمَ إلى الله سبحانه وتعالى فيه.
ومن هنا فقد كان أبو بكر رضي الله عنه يقول في المسألة إذا سئل عنها فاجتهد: [أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن فضل الله ورحمته، وإن كان خطأ فمن نفسي ومن الشيطان] .
وبهذا أنهى ما ذكر في خطبته للكتاب، وإن كان كما ذكرنا لم يحتو كل أبواب أصول الفقه، لكنها مقدمات مفيدة للمبتدئين في أصول الفقه، يُعرف بها كثير من الاصطلاحات ورءوس المسائل التي يحتاج إليها من يدرس هذا العلم.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد بكل شيء تحب أن تحمد به، على كل شيء تحب أن تحمد عليه، لك الحمد في الأولى والآخرة، لك الحمد كثيراً كما تنعم كثيراً، لك الحمد أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، أنت الملك لا شريك لك، والفرد لا ند لك، كل شيء هالك إلا وجهك، لن تطاع إلا بإذنك، ولن تعصى إلا بعلمك، تطاع فتشكر، وتعصى فتغفر، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حلت دون النفوس، وأخذت بالنواصي، ونسخت الآثار، وكتبت الآجال، القلوب لك مفضية، والسر عندك علانية، الحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والأمر ما قضيت، والخلق خلقك، والعبد عبدك، وأنت الله الرؤوف الرحيم، نسألك بعزك الذي لا يرام، وبنورك الذي أشرقت له السموات والأرض أن تعلمنا ما ينفعنا، وأن تنفعنا بما علمتنا، وأن تزيدنا علماً وعملاً وإخلاصاً يا أرحم الراحمين! اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا؛ واجعل الجنة هي دارنا! ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد، ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً، ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً، إنها ساءت مستقراً ومقاماً، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم، ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
(5/25)

تعريف الاجتهاد
الاجتهاد: مصدر اجتهد، بمعنى: بذل جهده.
والْجُهد: هو الطاقة والوُسع، وأما الْجَهد - بالفتح - فهو المشقة.
وفعل الأول: جَهِدَ في الأمر: إذا بذل فيه طاقته، وأما جَهَدَهُ فمعناه: كَلَّفَهُ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا جهدها وجلس بين شعبها الأربع، فقد وجب الغسل) ، وجَهِدَ فلان في الأمر، يجهَدُ فيه؛ إذا بذل فيه قُصَارى طاقته.
والاجتهاد في الاصطلاح، عرفه بقوله: [فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض] .
أي: بذل الفقيه وُسعه في الوصول إلى معرفة حكم شرعي من دليله.
وجمهور الأصوليين يعرفونه بأنه: (بذل الفقيه وسعه في تحصيل ظن بالأحكام من أدلتها، بحيث يرى من نفسه نهاية طاقته) أي: أنه لا يستطيع أن يزيد على ذلك.
والمصنف قال: (هو بذل الوُسع في بلوغ الغرض) ، وهذا في اللغة مطلقاً، اجتهد: بمعنى أنه بذل الوسع في بلوغ غرضه.
ثم قال: [فالمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد، فإن اجتهد في الفروع فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فيها وأخطأ فله أجر واحد] .
و [المجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد] أي: إن كان -فعلاً- مجتهداً، تتحقق فيه شروط الاجتهاد.
[فإن اجتهد في الفروع] في استخراج أحكامها، ولا اجتهاد في محل النص، فالاجتهاد إنما يكون في الأمر الذي خفي حكمه.
[فأصاب] الحكمَ في علم الله.
[فله أجران] حينئذ.
[وإن اجتهد وأخطأ] الحكمَ في علم الله.
[فله أجر واحد] لاجتهاده، وليس عليه إثم في خطئه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، وإذا اجتهد وأخطأ كان له أجر) .
(5/26)

المصيب واحد من المجتهدين
قال رحمه الله: [ومنهم من قال: كل مجتهد في الفروع مصيب] ، هذه مسألةُ التخطئةِ والتصوِبَةِ، التي تسمى بـ: رأي المخطئة ورأي المصوبة، وهي: أن الاجتهاد امتحان من الله تعالى للمجتهد في الوصول إلى معرفة الحكم، أي: حكم الله في كل مسألة، فما من مسألة إلا ولله فيها حكم، ولكنَّ ذلك الحكمَ خفيٌّ لم يرد فيه نص، فامتحن الله الناسَ في الوصول إليه، فمن وصل إلى ذلك الحكم الذي هو في علم الله فهو مصيب قطعاً، ومن لم يصل إليه فهو مصيب فيما بينه وبين الله باجتهاده، لكن في علم الله أنه لم يصل إلى الحكم الذي علمه الله.
وعلى هذا، فمن الناس من يرى أن (كل مجتهد مصيب) ، ومنهم من يرى أن (لكل مجتهد نصيب) فقط، وأنه منهم من يصيب ومنهم من يخطئ، فمن أصاب الحق في علم الله فهو المصيب، ومن أخطأه فهو مخطئ، ويستدلون بهذا الحديث: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، وإذا اجتهد وأخطأ كان له أجر) فدل هذا على أنه يمكن أن يصيب ويمكن أن يخطئ.
ويمكن الجمع بين القولين، بأنه ما من مجتهد إلا وهو مصيب في امتثاله لأمر الشارع له بالاجتهاد، ولكن مع ذلك قد يصيب الحق في علم الله، وقد لا يصيبه، بحسب توفيق الله له.
(5/27)

محل الاجتهاد
ومحل هذا في الفروع، والفروع: هي ما لم يحسمه دليل قطعي، فما حسمه الدليل القطعي فهو من الأصول، ولا يُقصد هنا بالفروع: الفروع الفقهية لإخراج العقائد، بل من العقائد ما لم يحسمه الدليل فيكون محلاً للاجتهاد، ومن المسائل العملية ما حسمه الدليل فلا يكون محلاً للاجتهاد، كوجوب الصلاة والزكاة ونحو ذلك، وحرمة الزنا والخمر ونحو ذلك، فهذه الأمور لا اجتهاد فيها؛ لأنها من الأصول، حيث حسمها الدليل.
(5/28)