Advertisement

شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام


مكانة العلماء في هذه الأمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذا شرح لرسالة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) لـ شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله.
قال المصنف رحمه الله تعالى ونفعنا بعلمه في الدارين آمين: [الحمد لله على آلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أرضه وسمائه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخاتم أنبيائه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة دائمة إلى يوم لقائه وسلم تسليماً.
وبعد:
فيجب على المسلمين بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن، خصوصاً العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم؛ إذ كل أمة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فعلماؤها شرارها، إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم؛ فإنهم خلفاء الرسول في أمته، والمحيون لما مات من سنته، بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا.
وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته، دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فلابد له من عذر في تركه].
هذه مقدمة هذه الرسالة الفاضلة لـ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقد ذكر فيها فضل العلماء في هذه الأمة، وهذا الفضل لا يذكر من جهة التقدير المحض لدرجتهم ورتبتهم، وإنما يذكر لأن هذا من أخص مقومات ثبات هذه الأمة وقيامها شاهدة على الناس؛ فإن الأمة متى قل علماؤها بل متى فسد علماؤها -وهذه هي الرتبة الأقل التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم- فإذا فسد العلماء فسدت الأمة، ولهذا فإن صلاح هذه الأمة مرتبط بصلاح علمائها.
ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام كما ثبت عنه في الصحيح: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً -أو لم يَبقَ عالمٌ- اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).
ولذلك ينبغي أن يكون وجود العلماء من أخص مقاصد هذه الأمة، والأمر هنا يتعلق بأحد جهتين:
الجهة الأولى: جهة العناية بإعداد طلبة العلم، وإعداد الطلاب الذين يعنون بعلم الشريعة، وتربية ملكتهم العلمية والفقهية على الأخذ بكلام أهل العلم والنظر في النصوص، والترقي بهم إلى أن يأذن الله سبحانه وتعالى لمن يخص منهم بدرجات عالية في العلم، حتى يصلوا إلى رتبة الاجتهاد.
فالعناية بهذا التأسيس من أخص ضرورات الأمة في سائر أحوالها.
ومن جهة أخرى: فإن البقية الباقية في الأمة، وهم علماؤها في سائر أمصار المسلمين، لا يختص ذلك بمصر من الأمصار ولا ببلد من البلدان؛ بل كل العلماء أينما كانوا وأينما صار مقامهم -ما دام أنهم قائمون بالعلم المأثور عن سلف هذه الأمة، وهو علم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، العلم المبني على الكتاب والسنة، واعتبار كلام الفقهاء المتقدمين في الإفتاء والنظر والترجيح وما إلى ذلك؛ فهؤلاء يجب أن يصان قدرهم، ويعظم مكانهم، ويرجع إليهم عملاً بما أمر الله به في كتابه في قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:43] وقوله: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83].
فمثل هذه المقامات هي من أخص المقامات التي ينبغي -بل يجب- أن يربى الناس عليها في سائر أمصار المسلمين.
والعلماء وإن اختلف الناس في بعض الأمصار عن بعض في شأن مقامهم، فإن هذا من طبيعة الناس، ولا يلزم في العالم أن يكون سائر ما يقوله مبنياً على قبول سائر العامة؛ بل ربما قال بعض العلماء قولاً لا يصلح لبعض العامة، أو قد يصلح لبعض العامة دون بعض، وقد يختلف اجتهاد العلماء في مسائل كثيرة.
فمثل هذه الأمور لا ينبغي أن تكون مؤذنة عند أحد من عامة المسلمين بتأخير رتبة العلماء في الأمة، فإن العلماء متى ما أخرت رتبتهم في الأمة فإن هذا من أمارات الفتنة الكبرى في هذه الأمة.
(1/2)

عدم تعمد أحد من الأئمة مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم
وقد أشار المصنف رحمه الله إلى مقام فاضل، فقال: (وليُعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ويقصد بهم: أولئك الكبار من الفقهاء؛ كالأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وأمثالهم ممن قبلهم أو ممن بعدهم، فمثل هؤلاء الكبار المعروفين عند الأمة ليس أحد منهم يتعمد مخالفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذا يرجع إلى قاعدة ذكرها القرآن، وهي من قواعد العلم وقواعد العقل والفطرة، فإن الله قال لنبيه: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص:50] فجعل للإنسان مقامين:
المقام الأول: أن يكون متبعاً مستجيباً للنبي صلى الله عليه وسلم وللوحي.
المقام الثاني: أن يكون متبعاً لهواه.
ولا يجوز أن يُظَن بأحد من فقهاء المسلمين في سالف عصورهم، وكذلك في حاضر عصرهم -وأعني بهم الفقهاء الذين سبقت الإشارة إليهم، وهم القائمون بقصد الكتاب والسنة واتباع الحق، واقتفاء آثار الأنبياء وآثار السلف الصالح أهل القرون الثلاثة الفاضلة- فهؤلاء أصحاب هذا المقام لا يجوز أن يُظَن بواحد منهم أنه يتعمد مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنه يتعمد أن يكون مستجيباً لهواه.
وإن كان يشار هنا إلى أن القرآن ذكر مقامين، وهما: الاستجابة لله ورسوله، واتباع الهوى، فهل معنى ذلك أن الإنسان المعين إما أن يكون صاحب هوى، وإما أن يكون مستجيباً استجابة محضة؟
يقال: من حيث الواقع في أحوال الناس فإن هذا المقام -أعني مقام الاستجابة- هو من مقامات الإيمان، بمعنى أنه يدخله الزيادة والنقص، وله أصل وله كمال، فالعلماء الربانيون الراسخون في العلم كأئمة العلم من الصحابة كالخلفاء الأربعة وأمثالهم ومن بعدهم، فهؤلاء يصانون عن اتباع الهوى بسائر درجاته، ولا يحسب في حالهم إلا أنهم من أهل الاستجابة لله ولرسوله.
وقد يوجد بعض الفقهاء بعد عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم من يكون أصل مقامه على الاستجابة، ولكن مقام الاستجابة عنده يدخله شيء من عوارض النقص، فربما دخل عليه طرف من مادة الظن أو الهوى، ومادة الظن تتعلق بالعلم، ومادة الهوى تتعلق بظلم النفس.
وقد ذكر المصنف رحمه الله في منهاج السنة: أن ما هو من مقام الهوى الخفي -ولاحظ وصف هذا الهوى بأنه خفي! - يقول: ما هو من مقام الهوى الخفي قد يعرض لبعض الكبار من أهل العلم؛ بل قد يعرض لمن هو من كبار أهل الإيمان والديانة عند المسلمين.
بل أشار رحمه الله إلى قدر أكثر من ذلك، ومن شاء أن يقف عليه فليقرأه في منهاج السنة، وقد ذكره في معرض كلامه عن مسألة أئمة أهل البيت وبعض الصحابة.
فهذا الطرف من الهوى الخفي -ونسميه طرفاً لأنه عارض وليس بأصل- قد يعرض لكثير من الناس، وقد يعرض لكثير من الفقهاء المتأخرين؛ بل ومن قبل المتأخرين، وهذا الهوى الخفي لا ينافي أصل الاستجابة، ولا ينافي المقصود الكلي منها، وقد يكون من صوره -كما سيأتي تفصيله- تلك الصور التي وقعت كثيراً في التاريخ من التعصب الغالي في بعض المذاهب الفقهية، فإن هذا التعصب إذا زاد أثره وصار تقليداً وتعصباً يتجافى عن أثر السنة والوحي، إذا زاد هذا التعصب فلا شك أنه ليس وجهاً من الاستجابة لله ورسوله عليه الصلاة والسلام؛ بل إنه يكون من النوع المذموم.
إذاً: عندما ذكر القرآن المقامين لا يفهم من ذلك أن الناس إما أن يكونوا أهل استجابة محضة أو أهل هوى محض؛ بل من حيث واقع المسلمين فإن منهم المحققين لمقام الاستجابة، ومنهم من أتى مقام الاستجابة من حيث الأصل، ولكن قد يعرض له ما هو من مقامات الهوى الخفي، وهذا الهوى تارة يكون بوجه من الظلم، وتارة يكون بوجه من الجهل، فإن جماع الخطأ -كما ذكر القرآن- هو الجهل والظلم، قال الله تعالى: {وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72].
فمن حقق الاستجابة تجرد عن الظلم والجهل، ومن نقصت استجابته أصابه طرف من الظلم أو طرف من الجهل، وهذا من حيث الأصل.
(1/3)

اختلاف العلماء والفقهاء
ذكر المصنف أن من ترك العمل بحديث من الفقهاء، فإن جماع العذر في هذا الترك أنهم لا يقصدون ذلك عمداً، وذكر أن جماع العذر في هذا يعود إلى ثلاثة أسباب.
ثم يذكر المصنف في رسالته هذه الأسباب الثلاثة ثم يعود بعد ذلك إلى تفصيلها إلى عشرة أسباب.
قال المصنف رحمه الله: [وجميع الأعذار ثلاثة أصناف:
أحدها: عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.
والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ].
وهذه الأسباب الثلاثة التي جعلها المصنف جِمَاع الأسباب، هي متعلقة بجهة الدليل العلمي، وبخاصة فيما يتعلق بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا لما فسر هذه الأسباب الثلاثة بعشرة أسباب بعد ذلك دار كلامه رحمه الله على هذا.
ومن المعلوم أن هذا وجه من أسباب اختلاف العلماء والفقهاء، لكن إذا أُخذت مسألة الخلاف الفقهي والذي كانت بدايته لا أقول في زمن الصحابة، بل في زمن النبوة، وإن كان من المسلَّم به عند المسلمين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاصم وقوله قاطع، ومع ذلك قد اختلف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في زمنه لكن ليس بحضرته، ومن الأمثلة على ذلك: اختلافهم في تفسير حديثه لما قال في حديث ابن عمر في الصحيح: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فإن الصحابة اختلفوا في المراد بهذا الحديث، ومنها: اختلافهم في معنى قوله عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عباس المتفق عليه حين ذكر الأمم، ثم ذكر أمته فقال (ومنهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) قال ابن عباس: ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً، وقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
الحديث.
(1/4)

أقسام الخلاف
إذاً: الصحابة قد اختلفوا زمن النبوة في مثل هذه الأحوال، ولما توفي عليه الصلاة والسلام انتشر مثل هذا الخلاف في مسائل الفقه وفروع الشريعة، فقد اختلفوا في مسائل كثيرة، وإن كان هذا الخلاف الذي وقع بعده عليه الصلاة والسلام انقسم في الجملة إلى قسمين:
القسم الأول: ما يحسم بنص بين، فيستقر الأمر ويرتفع الخلاف، كما خالف بعض آل البيت كفاطمة رضي الله عنها في ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، فظنوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يورث، وأرسلت فاطمة -كما في الصحيح- إلى أبي بكر تسأله ميراثها من أبيها، فكتب إليها أبو بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة) والحديث صحيح كما هو معروف.
فمثل هذه الأوجه من الخلاف كأنها ترتفع بوجود النص، فيستقر الأمر، وكما حصل في زمن عمر رضي الله تعالى عنه لما سار بالأجناد إلى الشام، فبلغه أن الطاعون قد وقع بالشام، فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا عليه، ثم استشار الأنصار فاختلفوا عليه، فمنهم من قال: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، ومنهم من قال: يا أمير المؤمنين! قد خرجت لأمر ولا نريد أن ترجع عنه، فكان هذا جواب المهاجرين والأنصار، ثم أمر أن يدعى من بقي معه من مسلمة الفتح، فاجتمعوا على كلمة واحدة وهي أن يرجع، فنادى: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة: أفرار من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!
لكن هذا الخلاف كأنه ارتفع بمجيء عبد الرحمن بن عوف وقوله: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم به -أي: الطاعون- بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا يخرجنكم الفرار منه) فهذا النص الصريح ارتفع به هذا الخلاف الذي عرض في زمن عمر رضي الله تعالى عنه.
إذاً: هذا النوع من الخلاف يرتفع بوجود نص قاطع.
القسم الثاني: الخلاف الذي لا يرتفع؛ بل تبقى مادة الخلاف موجودة في المسألة المختلف فيها؛ وذلك لأنه يكون مبنياً على مناطات من النصوص ومقاصد من الشريعة ونحو ذلك، وقد وقع هذا الخلاف في زمن الصحابة رضي الله عنهم، فقد اختلفوا في بعض مسائل المواريث، وفي بعض مسائل الحج، ومن المعلوم أن الخلاف ظل فيها إلى ما بعد عهد الصحابة حتى نقلت مذاهب فيما بعد، فصار لبعض الصحابة مذهب وصار للبعض الآخر ما يخالف ذلك.
إذا كان كذلك فإن الخلاف الفقهي واسع، والخلاف الفقهي في الجملة -وإن كان هذا تعبيراً اصطلاحياً- كأنه يقابله الخلاف المتعلق بالعقائد وأصول الدين، ومعلوم أن باب أصول الدين محكم عند الصحابة وليس فيه مادة للخلاف، ولهذا فإن المخالف فيه هم أهل البدع والأهواء، وأما ما يتعلق بالخلاف الفقهي فإن السبب فيه لا بد من فقهه على وجه من السعة، ومن فَقِه السبب في هذا الخلاف الفقهي وسار على حسن إدراك له عرف مراتب الخلاف.
(1/5)

مكونات الخلاف الفقهي
أسباب الخلاف تتعلق بأربع جهات، وإذا أُخذت هذه الجهات الأربع ونُظر إليها نظراً منطقياً؛ وُجد أنها هي الجهات المكونة للخلاف الفقهي، أي: عنها يتكون الخلاف الفقهي، وهي كما يلي:
الجهة الأولى: جهة الدليل، والدليل فيه ثلاث حيثيات:
الحيثية الأولى: الدليل من حيث التعيين.
الحيثية الثانية: الدليل من حيث درجة الاحتجاج أو درجة الحجية.
الحيثية الثالثة: الدليل من حيث الثبوت.
الجهة الثانية: جهة المدلول من حيث الإفادة للحكم، وهي جهة الدلالة كما تسمى.
الجهة الثالثة: جهة المستدل، وهذه الجهة الكلام فيها قليل عند أهل الأصول، وإذا تكلموا فيها فإنما يتكلمون فيها من معتبر واحد في الجملة.
والمستدل: هو الفقيه، سواء كان مجتهداً أو لم يكن مجتهداً، ومعلوم أن أكثر من يتكلم ويفتي ليس هم أهل الاجتهاد؛ لأن المجتهدين أقل من الفقهاء غير المجتهدين، وهذه نتيجة طبيعية، فإن الذين يستطيعون أن يجيبوا عن كثير من المسائل -اليوم- هم كثير، ولكن إذا نظرنا إلى المجتهدين الذين بلغوا رتبة الاجتهاد العالية وجدناهم قليلين بالنسبة لسائر الفقهاء.
إذاً: المقصود بالمستدل من يفتي الناس وينقل لهم أقوال الفقهاء، أو يرجح في الخلاف الفقهي، سواء كان من أهل الاجتهاد، أي: من مؤسسي الخلاف، أو كان من ناقليه ومقرريه والمنتصرين له بوجه من الوجوه.
والمستدل فيه أربعة معتبرات:
المعتبر الأول: من حيث المجموع العلمي عنده، والمجموع العلمي في الغالب هو ما يذكره الأصوليون فيما يسمونه بشروط المجتهد، ومما يذكرون: أن يكون عارفاً بالناسخ والمنسوخ، عارفاً بأحاديث الأحكام، عارفاً بدلالة اللغة ..
إلخ.
المعتبر الثاني: البيئة الخاصة -وهذه الأسماء أو المصطلحات قد تكون جديدة من بعض الحيثيات، ولكن من حيث الحقائق هي مؤثرة، وقد أشار إلى درجاتها في التأثير جماعة من العلماء منهم المصنف، وابن حزم، والشاطبي ..
وغيرهم- والبيئة الخاصة قد تكون بيئة مذهبية؛ كانتحال الفقيه لمذهب فقهي، كانتحال الشافعي لمذهب الشافعية، وانتحال الحنفي لمذهب الحنفية، فهذه البيئة التي عاشها تؤثر فيه: أهو من متقدمي الأحناف أو من متأخريهم؟ وعلى أي كتب المذهب تمذهب؟ وعلى أي درجات فقه المذهب تمذهب؟ ..
وهكذا.
فالبيئة الخاصة قد تكون بيئةً مذهبية فقهية على أحد المذاهب الأربعة، وقد تكون بيئة على مذهب أهل الحديث؛ كبعض الصور التي ظهرت في التاريخ بعد عصر الأئمة، وهي أحوال لبعض أهل الحديث في الانفكاك من المذاهب الفقيه أو التمذهب بمذهب فقيه معين، وقصدهم هو التمذهب والالتزام بما دلت عليه النصوص وما إلى ذلك، والبيئة لها صور سيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى.
المعتبر الثالث: البيئة العامة، سواء كانت بيئة إقليمية تتعلق بإقليم، أو بحدود جغرافية معينة، فيكون أهل هذا البلد لهم طبيعة معينة أو تأثير معين، أو كانت بيئة تتجاوز إقليماً معيناً، وهذا أيضاً يؤثر في النتائج الفقهية.
المعتبر الرابع: التكوين الذاتي، ويقصد بالتكوين الذاتي: طبيعة المستدل: كيف خلقه الله؟ ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى خلق الناس متفاوتين، والفقيه واحد من الناس، فقد تكون له طبيعة تختلف عن الفقيه الآخر من حيث حرارة الطبع وبرودته، ومن حيث سعة العقل وعدم سعته، ونحو ذلك مما سنذكره إن شاء الله.
الجهة الرابعة لأسباب الخلاف هي: المسألة المستدل عليها، التي يراد إعطاء حكم لها، وأثر هذه الجهة هو من جهة اعتبار الفقيه لمحل المسألة من الشريعة: هل هي من الرتب الأولى في الشريعة، أم هي مما دون ذلك؟ وهل صرحت بها النصوص أم لم تصرح بها؟ وهل مقصود هذا الباب يتأتى عليها؟ وهذه سنتكلم عنها لاحقاً إن شاء الله تعالى.
هذه هي الجهات الأربع، وإذا تأملتها تأملاً منطقياً -ولا بأس بهذا التعبير- وجدت أن مناط المسائل العلمية لا يخرج عن أثر هذه الجهات الأربع.
(1/6)

شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام [2]
هناك أسباب ومكونات للخلاف الواقع بين الفقهاء، وهذه الأسباب هي التي يترتب عليها الخلاف ويقع بسببها، وأول هذه الأسباب: الدليل الفقهي، وفيه معتبرات ثلاثة: تعيين الدليل، ودرجته في الحجية، وثبوته.
(2/1)

الجهة الأولى: الدليل الفقهي
ذكرنا فيما سبق الجهات الأربع لأسباب الخلاف الفقهي إجمالاً، والآن سنذكرها -إن شاء الله- تفصيلاً، وسنبدأ بالجهة الأولى وهي جهة الدليل الفقهي، وهذه الجهة فيها ثلاثة معتبرات:
(2/2)

تعيين الدليل الفقهي
-المعتبر الأول: تعيين الدليل الفقهي: هناك ثلاثة أدلة اتفق في الجملة على حجيتها الفقهية، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، وإنما قلنا: في الجملة؛ لأن مسألة الإجماع فيها بعض التقييدات عند بعض أهل العلم، لكن لك أن تقول: إن الكتاب والسنة والإجماع حجة بالاتفاق، حتى الذين يترددون في: متى يصدق الاجتهاد؟ وهل يمكن الاجتهاد بعد الصحابة أو لا يمكن؟ فإن هذه السؤالات لا تعود إلى التردد في الإجماع؛ بل إن الكل متفقون على أنه متى تحقق الإجماع فهو دليل لازم، ولا أحد يجادل في ذلك.
وبعض الأصوليين من المتكلمين يقولون: إن الإجماع فيه نظر، وهذا ليس بصحيح ..
نعم، هناك تردد في كيفية إثبات الإجماع، لكن لا يوجد فقيه يقول: إن الإجماع الذي تحقق ثبوته في نتيجته نظر، فإن هذا لم يقله ولم يلتزم به أحد من أهل العلم؛ لأنه خلاف مقتضى الشرع، وخلاف مقتضى العقل، ففيه نوع من التمانع الشرعي والعقلي، إنما هناك سؤالات: هل ينعقد الإجماع بعد الصحابة؟ وهل يمكن أو لا يمكن؟ لكن من يفرض أنه يمكن يقول بأنه حجة، ومن يفرض أنه لا يمكن يقول: لا أعتد به، لا لكونه إجماعاً؛ بل لكونه ليس إجماعاً من هذا الوجه.
ومن المعلوم أن نصوص الشريعة الإسلامية وهي الكتاب والسنة والإجماع -كما يذكر أهل المنطق وأهل الأصول، ومنهم ابن رشد مثلاً- هذه النصوص التي في الأحكام لها حد من حيث التناهي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال كلاماً في ثلاث وعشرين سنة، في حين أن شريعته باقية إلى قيام الساعة، والفروع التي تنشأ وتحدث عند الناس كثير منها ما يسمى بالنوازل، وإن كانت كلمة (النوازل) أخص من كل ما ينزل، بمعنى: أن النازلة هي مصطلح على القضية الكبرى التي تنزل بالأمة، أما الجديد فلا يسمى نازلة؛ فمثلاً: بعض الناس قد يقول: إن مسألة الأسهم تعتبر من النوازل، والصحيح أنها ليست من النوازل، ولكنها فرع فقهي عادي يقبل الخلاف، ولا يحتاج إلى مرجعيات كلية لتحسم فيه.
والنوازل هي أخص من ذلك، فهي قضايا نازلة تحتاج إلى اجتماع المجتهدين، ولذلك فإن عمر رضي الله عنه -مثلاً- في خلافته عرضت له آحاد من المسائل فكان يحسمها بنفسه، مع أنها تعتبر جديدة، لكن لما جاءت قضية الطاعون اعتبرها عمر تحت مصطلح النازلة، فجمع الصحابة واستشارهم فيها.
ومن النوازل مثلاً: مسألة إقامة المسلمين لظروف ما في غير بلاد المسلمين، واستجابتهم للأحكام المدنية ونحوها في تلك البلاد، فهذه المسألة لا يجوز لأحد أن يتصرف فيها ويقول رأيه فيها دون الرجوع إلى العلماء، فإن هذه تعتبر اليوم نازلة، وهناك جزء من واقع المسلمين يحتاج إلى تأصيل شرعي مثل هذا.
(2/3)

اعتبار أقوال الصحابة والقياس من الأدلة الشرعية
إذاً: من حيث التعيين فإن هذه الأدلة الثلاثة لا جدال فيها، أما من حيث استيعاب النصوص الصريحة لآحاد المسائل، فإن هذا لا يمكن أن يكون متوافقاً على هذا التمام؛ لأنه ليس كل المسائل قد صرحت بها النصوص، ومن هنا ظهرت هناك جهات من الأدلة بدأت من زمن الصحابة، ثم ظهرت كمصطلحات علمية، ومنها: قول الصحابي والقياس، وهذان الأمران هما من أخص ما تعلق به الفقهاء بعد الأصول الثلاثة التي هي: الكتاب، والسنة، والإجماع.
ومن المعلوم أن الفقهاء بعد انتشار الفقه في العراق وغيره صاروا في الجملة أهل اتجاه للأثر -وهو ما اشتغل به المحدثون- أو أهل اتجاه للفقه والرأي -وهو ما اشتهر في الكوفة- فلكثرة اشتغال المحدثين بالسنن والآثار وبآثار الصحابة؛ غلب عليهم التعظيم لأقوال الصحابة بعد الكتاب والسنة والإجماع، فتأثر فقههم أكثر ما تأثر بعد الكتاب والسنة والإجماع بأقوال الصحابة.
أما مدرسة الفقهاء في الكوفة فأكثر ما تأثر فقهها بعد الكتاب والسنة والإجماع بالقياس.
إذاً: من حيث التعيين اتفق أهل الرأي -إن صح التعبير- وأهل الحديث على اعتبار أقوال الصحابة كدليل في الجملة، وعلى اعتبار القياس كدليل في الجملة، فما من فقيه من الكوفيين إلا وهو يعتبر في بعض الصور العمل بما هو من أقوال الصحابة، وما من فقيه من أهل الحديث إلا وهو يعتبر في بعض الصور العمل بما هو من القياس، وإن كان المحدثون ضيقوا القياس، وهم في تضييق القياس درجات، وكذلك أهل الكوفة ضيقوا العمل بالآثار -غير آثار النبي صلى الله عليه وسلم- إلى القياس، وهم أيضاً في ذلك درجات.
ولذلك فإن المصنف يقول هنا -وهذا يذكره حتى المحققون من الأحناف- يقول: "إن أبا حنيفة لم يكن يبطل أقوال الصحابة؛ بل له مسائل أخذ فيها بكلام الصحابة، كما أن أحمد وأمثاله من أهل الحديث لهم أقوال أخذوا فيها بما هو من القياس".
إذاً: هناك ثبوت في تعيين هذين الدليلين.
وهاتان الجهتان -جهة الآثار غير النبوية وهي آثار الصحابة، وجهة القياس- هما أكثر المكونات للرأي الفقهي بعد الأصول الثلاثة، وقد ظهرت بعد ذلك عدة أدلة، منها: عمل أهل المدينة، والمصلحة المرسلة، والاستحسان، وهذه الأدلة هي التي عرفت فيما بعد عند الأصوليين بالأدلة المختلف فيها، وهذا التعبير بأنها مختلف فيها لا بد أن نفقهه على أن الاختلاف لا يلزم أن يكون في التعيين، فقد يتفق العلماء على التعيين، كاتفاقهم في الجملة على الاعتداد بالقياس وبآثار الصحابة، مع أنه من المعلوم أن كثيراً من الكتب الأصولية تحكي مذاهب لا ترى القياس، وتحكي مذاهب لا ترى أقوال الصحابة، وليس معنى هذا أنه لا يوجد هذا الدليل الذي لم يقولوا به.
ولذلك فإن ابن حزم رحمه الله صرح بإبطال القياس، وابن حزم متأخر عن داود بن علي الظاهري رحمه الله إمام المذهب الظاهري، فـ ابن حزم رحمه الله أبطل القياس، ورد كثيراً من قياس الحنفية، وقياس الفقهاء من غير الحنفية، وإذا تعاملنا مع الأمور كمصطلحات فلنا أن نقول: إن من الأصوليين والمتقدمين أيضاً من يبطل القياس ومنهم من يقبله، ومنهم من يأخذ بأقوال الصحابة ومنهم من لا يأخذ بها، لكن إذا جئنا من حيث الواقع العلمي عند هؤلاء وجدنا أن ابن حزم قد استعمل بعض الصور التي هي وجه من القياس، وبنى بعض المحصلات التي هي وجه من القياس، وإن كان المصطلح لا يصدق عليها.
ومن هنا نعلم أن المصطلحات أحياناً تحكم حكاية الخلاف، فـ ابن حزم صرح بإبطال القياس كثيراً، مع أنه عند التطبيق لا ينفك أحياناً عما هو من القياس، هذا مع غلو ابن حزم في ترك القياس، فما بالك بأهل الحديث المتقدمين! صحيح أن هناك تجافياً عند المحدثين عن كثير من الرأي والقياس إلى آثار الصحابة، هذا أمر موجود، لكن إبطال القياس من حيث الماهية لم يوجد، كما أن إبطال آثار الصحابة وفقههم من حيث الماهية لم يوجد.
وأحياناً يذهب بعض الكوفيين إلى أن أقوال آحاد الصحابة ليست حجة، وأن الصحابة إذا اختلفوا فإن الاستدلال بأقوالهم ليس معتبراً، فإن هذا يصل إليه بعض الكوفيين، أما إبطال فقه الصحابة وآثارهم من كل وجه، أو إبطال القياس من كل وجه، فإن هذه صور حكمتها المصطلحات في كتب الأصول المتأخرة.
فإذا قرأت الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله وتأملت فيها؛ وجدت أن الشافعي كأنه قصد أن يكتب صيغة توافقية -ولا أقول: وسطية؛ حتى لا يفرض أن غيره ليس وسطاً- قصد أن يكتب صيغة توافقية بين مذهب الكوفيين من الفقهاء ومذهب أهل الحديث؛ ولذلك تجد في الرسالة تأكيداً على الأثر والنص كثيراً، وأيضاً تجد فيها تأكيداً على الفقه، وعلى أوجه كثيرة من القياس، كما أن الشافعي تجافى عن بعض أوجه القياس فشدد في القياس، ولما تكلم عن الإجماع أحكم الإجماع بكلام، وانتقد بعض الصور التي تفرض على أنها إجماع؛ لكنه لم يتخلَّ عن الإجماع مطلقاً، ولم يتخلَّ عن القياس مطلقاً، كما أنه لم يلتزم بالآثار على حساب ترك القياس، وكأن الشافعي رحمه الله أراد أن يقول: لا يوجد هناك تمانع بين القياس وبين آثار الصحابة؛ بل هذا فقه معتبر، وهذا فقه معتبر، وهذا أمر بين فيما كتبه الشافعي في الرسالة، فكأنها طريقة توافقية بين طريقة الكوفيين من أهل الرأي وطريقة أهل الحديث.
ولاسيما أن الشافعي لاحظ -كما هو موجود في تاريخ بغداد وغيره- أن بعض أهل الحديث شددوا في ذم أهل الرأي، وبعض هذا الذم قد لا يكون محققاً، كما أن بعضه قد يكون محققاً حينما يكون الذم بمعنى الدعوة إلى التمسك بالنصوص، فإن هذه أمور بأس بها، وهي من العلم المقبول، لكن أحياناً يزيد الأمر على ذلك، فكأن الشافعي لم يكن راضياً عن بعض هذا الذم، وأراد أن يبين أن الأمر فيه قدر واسع من التقارب، ولهذا يعتبر أصل الذي كتبه الشافعي من أصدق الصيغ العلمية لدراسة فقه الشريعة، سواء ما كتبه في رسالته، أو في المحاورات التي تكلم فيها عن كثير من الفروع في رسالته أو في كتاب الأم، وأقول: فيما كتب الشافعي، وليس بالضرورة أن يكون ذلك في كل ما كتبه الشافعية من بعده ولاسيما المتأخرين منهم، فمن أراد أن يصطبغ بصبغة فقهية متميزة فليقرأ في تأسيسه: الأم والرسالة للإمام الشافعي رحمه الله.
إذاً: هذا من حيث التعيين، أن هناك أدلة يختلفون في تعيينها، وأدلة يتفقون في تعيينها.
(2/4)

درجة الدليل في الحجية
ذكرنا أن العلماء اتفقوا في الجملة على القياس، وسواء قيل: إن العلماء اتفقوا في الجملة على القياس، أو قيل: إن القائلين به هم الجمهور فقط؛ فإن هذا ليس هو مقصودنا الآن، إنما المقصود: أنهم لما عينوا القياس أو المعينون للقياس -لو فرضنا أنهم الجمهور فقط- يختلفون في درجة حجيته، فهم قد اتفقوا على حجيته لكنهم اختلفوا في درجة حجيته، وهذا الخلاف من أكثر المسببات للخلاف الفقهي.
أن هناك الآثار بعد النبي صلى الله عليه وسلم بمفهومها الواسع، القياس بمفهومه الواسع، لما تأخذ القياس وآثار الصحابة رضي الله تعالى عنهم بمفهومها الواسع، وما سلكه بعض المحدثين من اعتبار آثار التابعين؛ لأن بعض المحدثين التزم حتى بآثار التابعين وقدمها على القياس أحياناً، وهذا قد لا يكون له ذلك التبرير في سائر الصور ..
المهم وهذا الاختلاف بين قدماء الفقهاء في درجة الحجية بين هذين الأصلين هو الذي تولد عنه كثير من الخلاف أحياناً، هذا إذا كان الخلاف راجعاً إلى القياس أو إلى أقوال الصحابة.
ولو رجعنا إلى كلام الإمام الشافعي رحمه الله لوجدنا أنه نظر إلى أن الإشكال الذي قد يتطور ليس هو أن هؤلاء يقدمون كثيراً من القياس على كثير من الآثار غير النبوية، أو أن هؤلاء يقدمون كثيراً من آثار الصحابة أو حتى بعض آثار التابعين على كثير من القياس، وفعلاً هذا ليس هو الإشكال، إنما الذي حاول الشافعي أن يطوقه هو فرض التمانع بين القياس وآثار الصحابة أو آثار التابعين، وهذا هو الذي تولد فيما بعد عند مدرسة المتأخرين من الأحناف -مثلاً- الذين زادوا في مسألة القياس زيادةً بينة، قد لا تكون هناك مدرسة فقهية انتظمت؛ لأن أكبر الممثلين لمذهب أهل الحديث هو الإمام أحمد كمذهب فقهي، ومع ذلك فإن المذهب انصبغ بالصبغة الفقهية، لكن ربما يوجد بعض الفروق بين بعض الصور التي جاءت في التاريخ أو في هذا العصر كأحوال لبعض أهل الحديث الذين أرادوا الاستمساك بالنصوص وبآثار الصحابة مباشرة، فصار هناك تباين بين المدرستين، ولذلك فإن ما قصده الإمام الشافعي قديماً ينبغي أن يكون مقصوداً للناس من أهل العلم والنظر والفقه اليوم، وهو أن فرض التمانع بين أقوال الصحابة والقياس ليس منهجاً حكيماً، والمنهج الذي درج عليه عامة السلف من المحدثين والفقهاء هو اعتبار القبول للقياس ولأقوال الصحابة.
لكن متى يقدم القياس على قول الصحابي، أو قول الصحابي على القياس؟ هذه مسألة ليست من المسائل الشائكة المشكلة، ولا بأس أن يقع فيها الخلاف؛ لأنه إذا رجعنا إلى آثار الصحابة أنفسهم وجدنا أن اختلاف الصحابة في الجملة يرجع إلى وجه من القياس، فهذا ألحق المسألة بوجه من القياس فرأى رأياً، والآخر ألحقها بوجه من القياس في الشريعة فرأى رأياً آخر، هذا إذا لم يُلتزم في مسألة القياس بالحد الأصولي المتأخر، ومن المعلوم أنه في المنطق يذكرون قياس الشمول وقياس التمثيل، فإذا أُخذ القياس بمفهومه الواسع فهو يؤثر في أكثر الخلاف حتى عند الصحابة أنفسهم، وإن كان مصطلح القياس لم يكن ظاهراً في ذلك الوقت.
(2/5)

ثبوت الدليل
-المعتبر الثالث: ثبوت الدليل:
قد يكون الدليل معيناً، ودرجة الحجية ثابتة، لكنهم يختلفون في ثبوت الدليل، وهذا محله في الغالب النصوص النبوية، ولك أن تقول: إن محله في سائر الموارد هو الآثار؛ سواء كانت آثار النبي صلى الله عليه وسلم أو آثار الصحابة؛ لأنه من المعلوم أن القرآن قد انتهى أمره بحفظ الله سبحانه وتعالى له، فلا جدل في هذا المقام، أي: من حيث ثبوت القرآن، وإنما الخلاف في ثبوت الأحاديث، أو ثبوت بعض آثار الصحابة، أو ثبوت الإجماع، وهذا الاختلاف في ثبوت الدليل ينتج عنه أيضاً كثير من الخلاف.
وأكثر الأسباب التي ذكرها ابن تيمية هنا تتعلق بهذا المعتبر وهو: ثبوت الدليل.
ومن المعلوم أن المحدثين في باب الثبوت أكثر امتيازاً؛ لأنهم أهل علم بالسنن والآثار، بخلاف الفقهاء من أهل الكوفة، فإنهم لم يكونوا على درجة كبيرة من العلم بالنصوص والآثار، وقد اصطبغ هذا عند كثير من الفقهاء المتأخرين، حتى عند متأخري فقهاء الحنابلة والمالكية، مع أن الإمام أحمد والإمام مالكاً رحمهم الله كانوا من كبار المحدثين، هذا فضلاً عن الشافعية والحنفية، فقد قل العلم بالآثار، أي: من حيث الصحة والضعف، وأحياناً من حيث العلم، أي: عدم العلم ببعض الآثار والسنن، ومعلوم أن أبا حنيفة رضي الله عنه ورحمه كان قليل العلم بالحديث، أي: بطرق المحدثين، وليس معنى ذلك أنه لم يكن لديه علم أصلاً، فإن هذا أمر مستحيل، لكنه لم يكن واسع العلم بالحديث، ولم يكن من الحفاظ الكبار، وقد تكلم بعض المتقدمين كـ البخاري وغيره في حفظ أبي حنيفة بما هو معروف، لكنه كان فقيهاً، ومعه كثير من السنن التي أجرى فيها - مع القرآن وما معه من الأصول- فقهه المعروف.
وهنا ينبه إلى أنه من الحكمة أن ينتظم طالب العلم على فقه واحد، حتى لا تكون نتيجته الأخيرة فيها اضطراب، ولذلك نجد أن أهل الحديث انتظم فقههم، بغض النظر عن الراحج والمرجوح في هذه المرحلة.
(2/6)

شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام [3]
من الأسباب التي يقع بسببها الخلاف بين الفقهاء:
جهة المدلول، أي: الدلالة المستفادة من الدليل، ومنها: جهة المستدل، وهو المجتهد أو الفقيه الذي ينظر في الأدلة ويستنبط منها الدلالة.
(3/1)

الجهة الثانية: جهة المدلول
ويقصد بالمدلول: الدلالة، فالكتاب والسنة والإجماع، هذه جهة متعلقة بالدليل، لكن إذا جئنا لتحصيل المدلول من الدليل فإن هذا أيضاً ينتج عنه كثير من الخلاف.
وهناك ما عرف عند الأصوليين بأوجه الدلالات، ومن المعلوم أن في كتب الأصوليين -كالمستصفى لـ أبي حامد الغزالي وغيره- نشراً واسعاً لأوجه الدلالات، ومنها مثلاً: دلالات المنطوق، ودلالات المفهوم، وما يتعلق بأقسامها، ومنها: ما يتعلق بدلالات النص والظاهر، ودلالات الإيماء، ودلالات الإشارة، والدلالات في التقسيم المنطقي العقلي الضروري تنقسم إلى: دلالة بينة، ودلالة لسيت بينة، ويدخل في الدلالة البينة دلالة النص والظاهر، ويدخل في عدم البينة ما يسميه أهل الأصول بدلالات الإيماء مثلاً، والدلالات البينة لم تكن محل خلاف عند قدماء الفقهاء، إنما اختلفوا في الدلالات التي هي في درجة بعد البينة.
وحينما نقول: إن الدلالات -كتقسيم عام- تنقسم إلى: دلالات بينة، ودلالات ليست بينة، والدلالات البينة لا يختلف فيها، والدلالات غير البينة يختلف فيها، فهنا أمران:
الأمر الأول: ما التزمه كثير من أهل الأصول في إعطاء مذهبية لحكم الدلالات هل هو التزام صحيح مطرد؟ نقول: إن بعضه -بل كثيراً منه- من حيث الالتزام ليس صحيحاً، فمثلاً: هل الأحناف يعملون بدلالة الإيماء والإشارة أم لا؟ وكذلك حينما يُفرض أن بعض المذاهب عملت بمفهوم المخالفة وبعض المذاهب لم تعمل به، فإن هذه الإطلاقات ليست نصوصاً ولا استقراء يمكن أن يشاهد -إن صح التعبير- مشاهدة بينة في فقه أبي حنيفة والشافعي، أو من قبل هؤلاء؛ بل هي محاولة في الاقتباس العلمي وصلوا بها إلى هذه النتائج.
ولذلك فلا أرى أن من الحكمة أن يلتزم طالب العلم تحت هذه المذهبيات في أنواع الدلالات؛ بل المعتبر العام هو بيان الدلالة، ومن المعلوم أن الصحابة والأئمة لم يكن عندهم هذا التقسيم، وهذا لا ينبغي أن يكون أمراً مشكلاً؛ لإنه اصطلاح، والاصطلاح لا مشاحة فيه، لكن بالقطع أن الدلالات منها ما هو بين ومنها ما ليس ببين، ولكن من هو الذي يعين أن هذه الدلالة بينة أو غير بينة؟
الحقيقة العلمية أن التعيين يقع بتقابل ذهن الفقيه مع الكلمة أو الجملة، والحالة التي عليها الفقيه -وهو المستدل- هي التي تحكم أن هذه الدلالة عنده بينة أو ليست بينة.
فمثلاً: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) فالفقيه أو الناظر- وقد لا يكون بدرجة فقيه، فقد يكون من طلاب العلم الذين يفتون الناس ولم يصل إلى درجة فقيه حتى يكون مجتهداً، ومن هنا فلابد من القول بأن الأمة تقوم بطلاب العلم، وليس بالضرورة أنها لا تقوم إلا بالمجتهدين، مع ضرورة وجود المجتهدين، لكن السعة التي في الأمة تحتاج إلى سائر الدرجات، ومن المعلوم أنه ليس كل الذين كتبوا في الفقه من أهل الاجتهاد، وقد يكتب ويؤلف الإمام والعالم مع أنه لم يكن قد وصل إلى درجة الاجتهاد، ومما يلاحظ هنا أن هناك ألقاباً منحت لأسماء بطريقة فيها توسع.
نعود إلى حديث: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) فهل هذا من دلالة النص والظاهر، أم من دلالة أقل من ذلك كالإيماء والإشارة إلى وجوب غسل الجمعة؟ كثير من الفقهاء بل جماهير الفقهاء لا يرون فيه دلالة نص ولا ظاهر، ولا ربما أقل من ذلك؛ بل يرون أن الحديث لا يتكلم عن الوجوب بالمعنى الاصطلاحي، وقد يقول البعض: إن في الحديث دلالة صريحة، بل ربما قال: دلالة ظاهرة، والدلالة الصريحة والظاهرة معتبرة عند عامة أهل العلم، فيبدأ يرتب الحكم ترتيباً أصولياً، ويظن بعض طلاب العلم أنه قد حل المسألة بمعنى الكلمة؛ لأنه نظمها تحت مصطلحات -إن صح التعبير- بارقة، وهذا ليس ذماً لها، فإنها في حقيقتها مصطلحات بارقة.
والذي نريد أن نصل إليه أن تعيين الدلالة لا يرتبط بالنص فقط، وهذا النص من حيث هو لا يعطي دلالة معينة؛ لأنه إذا أعطى دلالة معينة صار نصاً قطعياً، وهذا لا يختلف فيه، وما دام أن النص قد اختلف في دلالته فمعناه أن النص من حيث هو لم يصرح تصريحاً قطعياً بالدلالة، واختلاف التحصيل هنا يرجع إلى المستدل، وفقهه لهذه الدلالة.
إذاً: مسألة دلالة الإيماء أو الإشارة ونحو ذلك هل هي حجة أو ليست بحجة؟ هذا طرف من الخلاف، وليس هو جوهر الخلاف؛ لأن الأهم منه هو: متى نقول عن هذه الدلالة في النص: إنها إيماء، أو إشارة، أو نص أو ظاهر؟ لا نستطيع أن نقول: إنها نص؛ إذ كيف نقول: إنها نص، والجماهير المتقدمون لم يعتبروها؟ مع أن الحديث لا نستطيع أن نقول: إنه لم يبلغهم؛ فهو حديث مشهور في كتبهم وسننهم ومسانيدهم، ومع ذلك لم يعتبروا دلالته على الوجوب.
ومسألة تعيين الدلالة وهل تفيد أو لا تفيد؟ هذه لا تندرج تحت مصطلحات معينة، فليس هناك رمز معين لدلالة الإيماء يتفق عليه، أو رمز معين لدلالة الإشارة يتفق عليه، حتى مسألة الصيغ حينما يقولون مثلاً: صيغ العموم ونحوها، هذه أحوال تقرِّب، لكن أحياناً يقف الفقيه متردداً في هل هذا العام عام محفوظ، أم أنه عام مخصوص، أم أنه عام أريد به الخصوص؟ ونحو ذلك، وهذه صور مبثوثة في كتب أصول الفقه.
(3/2)

الجهة الثالثة: المستدل
هذه الجهة في نظري هي أهم الجهات؛ لأن حقيقة الاختلاف أنه ينشأ من الناظر في النص، وقد ذكرنا أن المستدل مؤثر حتى في تعيين الدليل، وفي تعيين الدلالة، وفي درجة حجية الدليل، وفي الثبوت أيضاً، فنجد أن الأمور تعود للمستدل كثيراً، والمستدل فيه أربعة معتبرات:
(3/3)

المجموع العلمي للمستدل
- المعتبر الأول: المجموع العلمي:
ومنه ما يذكره الأصوليون في شروط المجتهد: من جهة سعة علمه باللغة والآثار، والحلال والحرام، والناسخ والمنسوخ ..
إلخ، ويعتبر المجموع العلمي عند المستدل من أكثر المكونات في السببية الخلافية الفقهية، بمعنى: أن المجموع العلمي يؤثر إذا كان المستدل واسع العلم أو قاصر العلم، ومن المعلوم أن علوم الشريعة متعددة؛ كعلم الإسناد وعلم الرواية، وعلم الفقه، وعلم الأصول، وعلم التفسير، وعلم العربية وأوجه كلام العرب ..
ونحو ذلك، بل إن كل علم يشمل علوماً متعددة، فالتفسير مثلاً يوجد فيه علوم منهجية دقيقة، كأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وتفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة، ونحو ذلك، وكذلك علم الحديث فيه علم المشكل، والمختلف، وشروط صحة الحديث، وشروط ترك العمل بالحديث، ونحو ذلك، فهذه علوم دقيقة داخل علوم -إن صح التعبير- ومثل ذلك أيضاً في الفقه وفي أصول الفقه، وغير ذلك من العلوم المعروفة.
إذا كان كذلك فالمجموع العلمي أمر واسع، ولذلك فإن من كان على كثرة اتصال بكلمات الفقهاء وآرائهم، أو على كثرة اتصال بالرأي، فإنه في الغالب ينتج عنه فقه يناسب ذلك، وهذه سنة ماضية، وقد برزت في الكوفة في صدر التاريخ الإسلامي، ومن كان كثير الاشتغال بالرواية وتصحيح الأسانيد، وبيان الصحيح من الضعيف؛ فإن هذا ربما شغله عن كثير من النظر في الفقه، وقواعد الفقه وأصوله، فيؤثر ذلك في فقهه، ومن غلب عليه العناية بمسألة التقعيد والتأصيل، فإن هذا أيضاً يؤثر في فقهه.
فالمجموع العلمي يؤثر في الفقه، ولو نظرنا إلى الأئمة الأربعة لوجدنا هذا التأثير في فقههم، فنجد أثر الآثار في فقه الإمام أحمد وأجوبته، ونجد أثر الفقه لقواعد الشريعة ومقاصدها، وفقه لسان العرب ودلالات الكلام في كلام الإمام الشافعي، وكذلك ما يتعلق بالاستمساك بالهدي النبوي قبل أن ينتشر الخلاف، هذا اتجاه بين عند الإمام مالك، حتى إنه لما بلغه حديث: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر) قال: أدركنا أهل العلم لا يصومون هذه الأيام ولا يعرفون هذا.
ومن هنا يكون عنده وعند جملة من أولئك الفقهاء في المدينة أن عمل أهل المدينة حجة؛ لأنهم يرون أن هذا هو الهدي المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، فما توارد أئمة المدينة عليه فإنه في حقيقته متلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا وجه من الاستمساك بعمل أهل المدينة.
كذلك نجد أن مسألة الرأي والقياس وما إلى ذلك أثرت في نتائج فقه الإمام أبي حنيفة كما هو بين.
وهذا التأثير للمجموع العلمي في فقه الأئمة يعتبر تأثيراً إيجابياً -إن صح التعبير- وليس معنى ذلك أننا نود أنهم اختفلوا ولم يتفقوا، لكن المقصود أنه منهج علمي مقبول، ولذلك فمن وقع فيما بعد على مثل هذه المعتبرات فكان سبب الخلاف تحت مثل هذه الأسباب، فهذه أحوال يجب أن لا يتصادم بعضها مع بعض، وهذا ليس هو الخلاف المذموم، بل إنه خلاف مقبول، وقد لا نقول: إنه خلاف محمود، فإن هذه الكلمة قد تعني معنى أخص، لكن نقول: إنه خلاف مقبول مادام أنه تحت هذه السببيات.
وبالمقابل فهناك اتفاق بينهم، كما ذكر المصنف أنه لا أحد منهم يرد حديثاً أو يكذب بحديث، لكن هذه الأصول مؤثرة.
وقد يقول قائل: لماذا نعتبر المجموع الكلي؟ هذه أمور نظرية، من حيث الواقع التطبيقي لما انتشر العلم، وانتشرت الرواية، واختلف التفسير لكلام النبي صلى الله عليه وسلم والفقه فيه، أصبح المجموع الكلي فيه تعذر، فلن يأتي اليوم فقيه ونفترض فيه أنه جمع الفقه الكلي، بمعنى: جمع ما يتعلق بمبدأ القياس، مع العلم المطلق بالآثار، مع العلم بالهدي الأول، وما إلى ذلك، فإن هذه افتراضات جيدة من حيث هي، لكنها غير ممكنة التطبيق ففيها تعذر.
ولذلك فإن بقاء التعدد الفقهي بهذه المناهج التي تقصد إلى السنة وهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هذا ليس مشكلة من حيث هو، وقد ذكرنا المجموع لأن له تأثيراً في فقه الفقهاء الأربعة، فقد ذكرنا أن عناية الشافعي بقواعد العربية وفقه الشريعة وأصولها أثرت في فقهه، وأن علم أحمد بالرواية والآثار أثر في فقهه، وأن علم مالك بآثار المدنيين أثر في فقهه، وكذلك علم أبي حنيفة بالقياس ونحوه له أثر في فقهه.
وإذا قيل هذا في حق أولئك الأئمة؛ فإنه يقال اليوم في الذين يفتون أو يجيبون من طلاب العلم أو من الفقهاء أو من قد يسمى بمجتهد الأمة اليوم مثلاً، فإن هذا أيضاً لابد أن يكون المجموع العلمي بيناً في حقه، وليس المقصود بالمجموع العلمي أننا نفترض ضرورة الجمع أو إيجاد مجموع علمي متكامل، فإن هذا -كما ذكرنا- أمر متعذر، لكن لنصل إلى نتيجة، وهي أن افتراض اختصاص عالم اليوم أو فقيه بالنتائج الفقهية الصحيحة، أصدق ما يمكن أن نقول عنه: إنه وهم، مع أن هذه الكلمة قد تكون شديدة بعض الشيء، لكن هذا هو الصحيح، أن هذا فيه قدر من الوهم، وذلك حينما نفترض في فقيه معين اليوم أنه هو المحدث للأمة بالأقوال الصحيحة الراجحة، حتى لو كان هذا الفقيه -مثلاً- إنما رجح شأنه عند قوم لسعة علمه بالآثار، فإن هذه جهة شريفة وجهة عالية لكنها ليست وحدها هي التي تحكم الرأي الفقهي، فهي جهة مؤثرة وجهة كبيرة، كما كانت مؤثرة عند الإمام أحمد، لكن حتى الإمام أحمد يقول: "ما عرفنا الناسخ والمنسوخ إلا عندما جالسنا الشافعي "، وكان الشافعي يقول للإمام أحمد: "إذا صح عندكم الحديث فأخبرني به".
إذاً: فوجود بعض الفقهاء في هذا العصر الذين يمتازون بالرواية أو بالعناية بالصحيح والضعيف، هذه جهة شريفة، لكنها ليست وحدها الحاكمة، فقد يوجد فقيه آخر سأمتن فقهاً في بعض المسائل من ذلك الفقيه المحدث وإن كان ليس بدرجته في علم الحديث، وقد يقال عن بعض الفقهاء أحياناً: هؤلاء لا يعتبر رأيهم؛ لأنه ليس عندهم علم بالحديث، وإطلاق هذه الكلمة بعمومها (ليس عندهم علم بالحديث)، أي: لا يعرفون الحديث مطلقاً، هذا غير صحيح، أما أنهم ليسوا من أهل الاختصاص في الصحيح والضعيف والاشتغال بذلك، فإن هذا موجود، وهذا الكلام موجود من قديم، فإن الإمام أبا حنيفة لم يكن من أهل الاشتغال بهذا الفن، فما دام أنه نتج فقه متميز عن أبي حنيفة مع أنه لم يكن محدثاً بالمعنى الدقيق، فما المانع أن ينتج الفقيه اليوم -ولو من باب التقليد- في كثير من المسائل رأياً جيداً، وإن لم يكن متخصصاً في التصحيح والتضعيف.
وبالمقابل كما أنه نتج عن بعض المحدثين فقه متميز، وإن لم يكونوا من أهل الاشتغال بكثير من أوجه الرأي والقياس ومعاني العربية ونحو ذلك، فلا يوجد هناك مانع من أن ينتج من بعض أصحاب الرواية والاشتغال بالإسناد اليوم فقه متميز.
(3/4)

البيئة الخاصة للمستدل
- المعتبر الثاني: البيئة الخاصة:
المقصود بالبيئة الخاصة هنا: البيئة التي تربى فيها هذا المستدل، فإن المستدل يبدأ كطالب علم، ثم يتدرج إلى أن يصبح له شأن، وهكذا سار الناس، إلا من نزل عليه الوحي من الله سبحانه وتعالى وهم الأنبياء.
وما دام أنه نشأ في بيئة فما طبيعة هذه البيئة؟ أحياناً ينشأ بعض الفقهاء في بيئة حنبلية أو شافعية أو حنفية، ويصطبغ بهذه البيئة على طريقة المتأخرين من الأحناف أو الحنابلة أو الشافعية، ويقبل على حفظ مختصراتهم، فيحفظ عند الحنابلة -مثلاً- الإقناع أو المقنع أو غير ذلك، ويعنى بتحصيل المذهب، وتخريج آراء الإمام أحمد الصحيحة، والنظر في الأصول والفروع، وما هو المذهب؟ وما هو الراجح من المذهب؟ وهذا نوع من الفقه، فهذه بيئة نشأ فيها البعض في القديم، واليوم قد ينشأ البعض في بيئة -أي: في تربية- قد لا تعتمد مبدأ المذهب الفقهي؛ بل قد تنطلق من باب العناية بالحديث والدليل والنص والأثر، وهداية الأمة إلى النصوص، وهذا المنهج من حيث الأصل منهج صحيح، لكن إذا بولغ فيه فهو من جنس مبالغة أصحاب التمذهب الفقهي في الالتزام بالمذاهب، ومن المعلوم أن المبالغة والغلو في فهم الآية من القرآن، أو في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنها من أصول الدين، إلا أن الغلو فيها يجعلها بدعة.
ومن أوجه الغلو عند بعض المشتغلين بالحديث مثلاً قولهم: إن أصحاب المذاهب الفقهية ليسوا على شيء، وليسوا من أهل العلم بالسنة، وليسوا متبعين لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وليسوا على طريقة السلف ..
فإن هذا كلام فيه تكلف، وبالمقابل فإن التعصب الفقهي، وافتراض أنه لا تعرف الشريعة إلا بانتظام فقهي معين على طريقة متأخرة، هذا أيضاً فيه إغلاق للعلم.
والبيئة الخاصة ليست خاصة ببيئة معينة، بمعنى أن يقال: إن البيئة الفاضلة هي كذا وكذا؛ بل من نشأ في بيئة شافعية فلا بأس أن يؤسس فقهه على المذهب الشافعي، ومن نشأ في بيئة حنبلية فلا بأس أن يؤسس فقهه على المذهب الحنبلي، وهكذا في المذهب المالكي والحنفي، وهذا ليس كلاماً نفترضه اليوم؛ بل لقد كان يقوله القدماء، فقد كان الإمام مالك ينهى بعض الذين يأتون إلى العراق للحج فيمرون بالمدينة النبوية، كان ينهاهم أن يفتوا ببعض الآراء التي يعرفها مالك لكن العامة من أهل المدينة لا يعرفونها، حتى إنه زجر رجلاً لما بلغه أنه جلس بالمسجد النبوي يجيب بمثل هذا الرأي، فقال له مالك: من أين أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: أين خلفت الأدب؟ فلما قال له الرجل: إن هذا قاله زيد بن ثابت، قال: قد كنا نعلم ذلك، ولكن الناس عندنا لا يعلمون إلا قول عمر.
وليس معنى هذا أن مالكاً يريد أن يطبع التقليد أو التعصب؛ ولذلك فإن من لطيف فقه مالك أنه مرة ذكر له رجل الخلاف، فرأى أن في كلام الرجل تضييقاً للخلاف، فقال له: (يا هذا! هذا رحمة)، فسمى الإمام مالك رحمه الله الخلاف رحمة، ولما سمع رجلاً يوسع في الخلاف قال له: (يا هذا! إنما هو الخطأ والصواب).
فقد يبالغ بعض الناس أحياناً في مسألة (أن الخلاف رحمة)، حتى كأنه ليس أمام الأمة إلا أن تختار الأذوق، أو ليس أمام الإنسان إلا أن يختار بذوقه، فإذا صار الأمر هكذا فإن هذا ليس معناه أنه رحمة؛ بل إن الخلاف فيه حق وباطل، وفيه صواب وخطأ، والخلاف منه راحج ومنه مرجوح، ولا بد من قصد هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن من يضيق المسألة بالمقابل يقال له هذه الكلمة.
إذاً: البيئة الخاصة مؤثرة في تكوين الفقيه.
وليس المنهج الصحيح هنا أن يُلزم بإحدى البيئات الفقهية المعروفة، إنما المنهج الصحيح أن يكون هناك شروط علمية صحيحة للتعامل مع ذلك، فمثلاً: البيئات الفقهية الأربع (المذاهب الفقهية) هذه بيئات معتبرة ولا بأس بها، وكذلك البيئة الأثرية أيضاً هي بيئة معتبرة ولا بأس بها، إنما الذي ينهى عنه الناس هو التعصب، فمن تعصب لشيء من هذه البيئات، فإن هذا التعصب هو الأمر المذموم، أما من نشأ على بيئة مألوفة عند علماء المسلمين وفقهائهم، فإن هذا من حيث هو ليس مشكلاً، ولا يدخل في دائرة الذم والإنكار.
(3/5)

البيئة العامة للمستدل
- المعتبر الثالث: البيئة العامة:
من المعلوم أن بيئات المسلمين اليوم تختلف من بلد إلى آخر، وكذلك تختلف بيئة المسلمين عن غير المسلمين، والفقيه أو المستدل قد يوجد مثلاً في بيئة لم يدخلها الاستعمار، فستكون هناك أمور متعددة حافظ عليها الناس، فتجد أن الرأي الفقهي عنده يتسم بسمات معينة، إضافة إلى المؤثرات الأخرى، كالتفقه على مذهب معين، فإن هذه أمور مؤثرة، لكن من المؤثرات أيضاً: البيئة العامة، والمجتمع العام، وقد تكون هذه البيئة إقليماً أو بلداً واسعاً، وقد تكون أوسع من ذلك.
ولعل من الأمثلة على ذلك: الإمام الشافعي رحمه الله، فإنه عندما ذهب إلى مصر تغير مذهبه الذي نسجه وانتظم له في العراق كثيراً، حتى قالوا: إن للإمام الشافعي مذهباً جديداً ومذهباً قديماً، وليس بالضرورة أن تكون البيئة المصرية قد انقلبت رأساً على عقب على البيئة العراقية، لكن الانتقال من بيئة إلى بيئة أخرى تختلف عن البيئة الأولى ولو شيئاً يسيراً هذا له تأثير، وأحياناً عوارض التكليف تختلف من بيئة إلى أخرى، كذلك العلم الذي يبلغه في بيئة قد لا يبلغه في بيئة أخرى، فأثر البيئة يعتبر من أخص المؤثرات في الخلاف الفقهي وفي اعتباره.
كذلك البيئات التي طرقها الاستعمار نجد أن الفقهاء أو الذين يفتون فيها لهم أحياناً بعض المواقف الخاصة من بعض القضايا تختلف عمن لم يقع تحت هذا التأثير، وليس بالضرورة أن نقول هنا: إن الذين لم يصبهم الاستعمار دائماً هم الصادقون وأولئك ليسوا كذلك؛ بل بالعكس أحياناً بعض الأمور قد لا تقدر إلا من خلال العلم المفصل بها.
والذين يعيشون مثلاً في الغرب ليسوا كالذين يعيشون في البلاد الإسلامية، والذي يعيش في مدينة ليس كالذي يعيش في نظام قرية مغلقة معينة، فإن هذه البيئات من حيث المنطق العقلي الصحيح مؤثرة؛ لأن الفقه أحياناً ليس هو الفتوى في أمور سابقة معينة، كالفتوى في مسألة: هل لحم الإبل ينقض الوضوء أم لا ينقض الوضوء؟ بل الفقه أحياناً يكون في قضايا جدت ونزلت، فيكون التقدير هنا يختلف.
كذلك الذي يتكلم أمام أهل مدينة ليس مثل الذي يتكلم بآراء فقهية أمام الملايين في الفضائيات؛ بل يجب أن يختلف، وإذا لم يختلف هذا نقص في فقهه، وإذا لم يختلف ذاك نقص في فقهه، وليس معنى ذلك أنه يغير الفتوى، فإذا كان في المدينة قال: هذا حلال، وإذا طلع في الفضائيات قال: هذا حرام، لكن المقصود أن هناك آراء يترتب عليها تطبيقات، فمثلاً حينما يقرر رأي فقهي فيقال: إن تارك الصلاة كافر، وترتب بعد ذلك أحكام، كما يذكر بعض الفقهاء أنه إن مات وهو تارك للصلاة أو لبعض الصلوات -على بعض الآراء- فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين ..
إلخ، فإن هذا الرأي عندما يتداول في بيئة خاصة، أو على منبر جمعة ويسمعه أهل الجماعة في هذا البلد، ليس كأن يؤخذ هذا الرأي فيطلق في منبر فضائي مثلاً، فيقال: الصحيح أن من ترك صلاة واحدة حتى خرج وقتها متعمداً فهو كافر، لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ..
لأن هذا الرأي تحته تطبيق، والذي يسمعه قد يذهب ويطبقه.
ومن المعلوم أنه ينتشر في كثير من البيئات التي غاب عنها الإسلام زماناً، كبعض الجمهوريات الموجودة في روسيا أو في أوروبا، وأحياناً بعض البيئات الإسلامية -ينتشر فيها ترك كثير للصلاة؛ بل إن ابن تيمية يقول: وكثير من المسلمين في أكثر الأمصار يصلون تارة ويدعون تارة.
وليس المقصود هنا: أنه أمام الفضائيات لا يقال: إن تارك الصلاة كافر، لكن المقصود أن الإنسان لا يجوز له أن يطلق الأحكام العامة على مستوى الأمة إلا وقد اطمئن إليها اطمئناناً محكماً، ولا يغلق الخلاف المشهور في منبر عالمي مثل النظم الفضائية اليوم، فإن إغلاق الخلاف المشهور في مثل هذه الصور أمر غير سائع.
وأحياناً قد يكون عند الشخص رأي يراه، لكن قد يحدث به قوماً ولا يحدث به آخرين؛ لأنه كما قال علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!)، وهناك انفصال بين الحكم بأن هذا الشيء كفر، وبين تطبيق حكم الردة، ولذلك يقول ابن تيمية: "ومن أغلاط كثير من الفقهاء أنهم ظنوا أن هناك تلازماً بين الردة وبين تطبيق أحكامها"، فأحياناً قد يكون بعض الناس كافراً، لكن ليس هناك إمكان شرعي مصلحي لتطبيق الحكم عليه، فقد يكون عنده تأويل وشبهة ما وصلت إليك، ومن هنا فإن مراعاة التأثير العام لابد من الانتباه له.
وقولنا: إن البيئة العامة تؤثر في الرأي الفقهي، ليس معناه أنها هي التي تحكمه، ولكن الفقه يعتبر بمصالح الناس؛ لأن الشريعة جاءت بحفظ المصالح ودرء المفاسد، ولذلك فإن كل من توسع فقهه وعرف الأحوال أكثر من غيره نجد أنه صار لا يراعي في فقهه وفتواه أهل بلده فقط؛ بل يراعي أهل هذه المدينة والمدينة التي تليها والمدينة التي هي أبعد منها
وهكذا، وإنما نذكر هذا الكلام لأننا لا نتكلم هنا عن المجتهدين فقط؛ بل عمن قد يسمى مجتهداً أو فقيهاً أو طالب علم، ولذلك أوصي طلاب العلم أن يتنبهوا لهذا الأمر، فليس كل ما يصلح لبلد بالضرورة أن يصلح لبلد آخر، وليس كل ما يصلح لطلاب العلم يصلح للجماهير والعامة من الناس، وقول علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟!) يعتبر قولاً جامعاً.
ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك بعض الفعل مخافة أن تنكر قلوب الناس ذلك الفعل.
(3/6)

الطبيعة والتكوين الذاتي للمستدل
-المعتبر الرابع: الطبيعة والتكوين الذاتي:
إن الله سبحانه وتعالى خلق الناس متفاوتين، فبعض الناس أعطاه الله سبحانه وتعالى سعة في الفقه، وبعض الناس أوتي حفظاً ولم يؤت فقهاً، وبعض الناس أوتي فقهاً ولم يؤت حفظاً، فمثلاً: لو قارنا ابن المديني بـ أبي حنيفة رحمهما الله، فسنجد أن ابن المديني لا يصل إلى درجة أبي حنيفة في الفقه، وأن أبا حنيفة لا يصل إلى درجة ابن المديني في الحفظ، مع أنهم أئمة سابقون، وهذا كمثال بسيط بين الإدراك.
وكذلك اليوم لابد من اعتبار هذا الأمر في طالب العلم أو الفقيه أو من هو فوقه، ولذلك فإن من عقل الإنسان واعتداله مع نفسه أن ينظر فيما آتاه الله، فإن كان لم يؤت فقهاً وحكمة، بل يرى في طبيعته العجلة والاصطدام مع نفسه كثيراً، ومع أسرته، ومع من حوله، ويرى في طبيعته قدراً من النقص البين، لكنه ربما أوتي حفظاً، فالأولى له أن ينصرف في مسار معين من العلم، فإن بعض الناس مثل الوعاء الذي يحفظ الماء، فيشرب منه الناس وينتفعون به، فإن الأمة بحاجة ولا تزال بحاجة إلى أنواع شتى من العلوم والمعارف، ومن السوء ما أثير من قضية التمانع بين الحفظ والفهم، فهؤلاء يحفظون ولا يفقهون، وهؤلاء يقولون: الفقه أهم، مع أن الإسلام ليس فيه حفظ فقط أو فقه فقط؛ بل إنهما متلازمان، وإذا لم يكن طالب العلم يحفظ كثيراً من النصوص فمن أين يفقه؟ فإن الفقه فقه النصوص، وكذلك ليس في الإسلام حفظ فقط؛ لأن من حفظ وهو لا يدري ماذا حفظ بمنزلة الأعجمي الذي حفظ كلاماً وهو لا يدري ما معناه.
إذا كان كذلك فلابد أن نلاحظ أموراً:
أولاً: إذا اتجه الإنسان لطلب العلم فلابد أن يختار ما أعطاه الله، ولا يتمانع مع طبيعته، فإنه ليس من الذكاء ولا من الحكمة أن يتمانع الإنسان مع طبيعته، وقد جاء في الحديث: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف).
ثانياً: لابد أن يُنظر في طبيعة من يجيب، سواء كان طالب علم أو فوق ذلك، ولذلك من أنواع التعصب اليوم: أن أصحاب المزاج الحار أو الذين عندهم ردة فعل من شيء معين -سواء كان هذا الشيء علمياً أو غير ذلك- تجد أنهم يعشقون طلاب علم أصحاب مزاج حار مثلهم، فيلتقي معه ويتتلمذ على يديه ويشيخه وما إلى ذلك، وبالعكس فإن بعض الناس أصحاب النفوس الباردة -إن صح التعبير- أو المجاملة نجد أنه ينضوي تحت رجل على هذه الطبيعة، وقد يكون أصل هذا التوافق فطرياً؛ ولا يقال: إن هذا نوع من الشذوذ في طبائع الناس، لكن المقصود أن الطبيعة لا تهيمن على الدين؛ بل إن الدين هو الذي يهيمن على الطبيعة البشرية؛ ليجعلها متوافقة مع مقاصده وتعاليمه.
ولنضرب لذلك مثلاً: أفضل رجلين في الإسلام -بعد النبي صلى الله عليه وسلم- هما: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، إذا نظرنا في طبائعهما وجدنا أنهما يتفقان في أمور كثيرة، ولكن أبو بكر يغلب عليه اللين، ويغلب عليه الصفح والعفو والهدوء والتسامح، وليس معنى ذلك أن عمر ليس عنده هذه الصفات، بل إن هذه الصفات موجودة عند عمر رضي الله عنه، ولكن يغلب عليه طبيعة القوة والعزم والحزم في بعض الأمور والصراحة، وعدم تفويت أي مقام على بعض الناس، وهذه كلها لها مقامات معلومة، فمتى قام أبو بكر رضي الله عنه بالسيف وقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق؟ فإن هذه أحوال إذا بحثنا عنها قد نجدها شبه نادرة، لكن عمر رضي الله عنه كان هذا الأمر ظاهراً في طبيعته وشخصيته.
فمثلاً: في مسألة أسارى بدر، أول مسألة لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها وحي، فاستشار فيها استشارة صريحة، فدعا أبا بكر وعمر وقال: (ما ترون في شأن هؤلاء الأسرى؟)، فقال أبو بكر: يا رسول الله! هم -أي: الأسرى- بنو العم والعشيرة.
انظر إلى الكلمات وإلى الطبيعة عند أبي بكر، وقد نسميها كلمة تخفيف عن أولئك الأسرى، قال: هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فأسأل الله أن يهديهم إلى الإسلام.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ترى يا ابن الخطاب؟) فقال: كلا والله يا رسول الله! -هذا أول الإجابة- ما أرى الذي رأى أبو بكر.
وانظر إلى العزم عند عمر، فلم يقل: أرى أن يقتلوا؛ بل قال: ولكن أرى أن تمكنني من فلان -وهو نسيب لـ عمر - فاضرب عنقه، وتمكن علياً - مع أن علياً ما حضر المجلس، ومع أنه رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم تأثر في شأن عقيل؛ لأن عقيلاً ابن عمه- وتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها.
هكذا خلق الله النفوس متفاوتة، وفي كلٍ خير، والسؤال هنا: هل تكلم أبو بكر وعمر من باب الطبيعة والمزاج؟ والجواب: لا، بل إن الشريعة مهيمنة على كليهما، فإن مناطات أبي بكر مناطات شرعية معتبرة في الشريعة؛ فإن الفدية تكون قوة للمسلمين على الكفار، وهذا مناط شرعي صحيح، وكذلك قوله: عسى الله أن يهديهم للإسلام، هذا مناط شرعي صحيح، فمناطاته الشرعية صحيحة توافقت مع طبيعته.
كذلك عمر رضي الله عنه لم تحركه طبيعته ومزاجه، فلم يقل: أرى أن تمكننا منهم فإن سفك الدم فخر أمام العرب، ولو قال ذلك لأصبحت الطبيعة مهيمنة، لكنه قال: إن هؤلاء أئمة الكفر، فهو ينطلق من مبدأ الولاء والبراء، فإن قوله: هؤلاء أئمة الكفر، مناط شرعي صحيح، فلم يقل: حتى تفخر بنا العرب، كما قال أبو جهل: لنبلغن بدراً ونشرب الخمر، فإن هذا مناط طبيعة أبي جهل الخامرة الطاغية.
ومن هنا فإن نزع الطبيعة من الإنسان أمر مستحيل، لكن المهم هو أن تكون الشريعة مهيمنة على الطبيعة، وإذا هيمنت الشريعة على الطبيعة فإن هذا هو تحقيق {لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [المائدة:48]؛ لأن الإسلام كما هو بحاجة للقوي فهو بحاجة للين.
ولذلك فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا نجد فيهم الطبائع الخاصة، بل نجد أن عندهم توازناً في الطبائع، فنبي هذه الأمة يوصف بالرحمة ويوصف بالقوة، وهو نبي الملحمة ونبي الرحمة، والملحمة هي السيف والقتال، ويقول عليه الصلاة والسلام: (بعثت بالسيف)، ويقول الله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً} [الأنبياء:107] ونحو ذلك، لكن الناس من بعد الأنبياء ليسوا مثلهم في توازن الطبائع، والعاقل الفاضل الحكيم هو الذي يعرف مجال كل طبيعة ونسبتها من الشريعة.
والخطأ والانحراف إنما ينشأ حينما تهيمن الطبيعة عند بعض الناس على الشريعة، فيطوع الشريعة لذوقه، فالحار لا ينتج إلا رأياً حاراً، والحاد لا ينتج إلا رأياً حاداً، والمجامل أو المتميع كما يصطلحون -مع أني لست ممن يعشق كثرة المصطلحات والتصنيفات- لا ينتج إلا رأياً كذلك.
إذاً: من أدق الأمور التي ينظر الإنسان فيها لنفسه أن ينظر فيمن يلزم غرزه، وليس من الحكمة ولا من العقل أن يختص الإنسان بشخص على مثل هذا الوجه، ويقول: الأرواح جنود مجندة؛ فإن هذا ليس من الحكمة؛ بل الحكمة أن يلتمس الإنسان العلم في أهله، وأن يعود نفسه ويروضها -كما كان الصحابة- على أن تكون الشريعة هي الحاكمة للطبيعة، وإذا وصل الإنسان إلى هذا فقد وصل إلى خير كثير.
(3/7)

وضع المسألة بحسب رتبتها من الشريعة
أخيراً: يجب على المستدل أن يضع المسألة بحسب رتبتها من الشريعة، وبحسب مقامها في نظم الشريعة، وهذا الأمر يتفاوت فيه الفقهاء، وله مؤثرات في جملة قواعد، منها: قاعدة الأمر والنهي، هل الأصل في الأمر الوجوب أم لا؟ وفعل النبي صلى الله عليه وسلم المفسر لأمره هل يدل على الوجوب أم لا يدل على الوجوب؟ ومن تطبيقها البين كمثال: في بعض أعمال الحج، فنجد أن من العلماء من يقول: إن المبيت بمزدلفة واجب، ومنهم من يقول: إنه سنة، كذلك البقاء بعرفة إلى غروب الشمس، نجد أن منهم من يجعله داخلاً في الواجب، ومنهم من يقول: إنه سنة.
ومسألة الرتب تتعلق بما لم ينص عليه الشارع نصاً صريحاً، وإذا اختلفت الرتب اختلف أثر المسألة المستدل عليها، ومن ثم يفرق بين العبادات والمعاملات، وأثر ذلك في تنزيل الأحكام.
(3/8)

شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام [4]
أحياناً قد يترك المجتهد أو الفقيه العمل بحديث ما، وهذا الترك ليس عن هوى أو تعصب لباطل وما إلى ذلك، فإن علماء الأمة وأئمتها ينزهون عن مثل هذا، ولكن هناك أسباب هي التي تدعو ذلك المجتهد أو الإمام إلى ترك العمل بذلك الحديث، وقد بسطها شيخ الإسلام رحمه الله في رسالته رفع الملام، وشرحها الشيخ حفظه الله في هذه المادة.
(4/1)

أسباب ترك العلماء للعمل بحديث ما
قال المصنف رحمه الله: [وجميع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.
والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ].
سبقت الإشارة إلى أن جمهور كلام شيخ الإسلام يتعلق بمسألة الحديث من حيث الثبوت، أو من حيث الدلالة، أو من حيث النسخ، لكن المصنف -كما أسلفت- لم يتكلم عن جميع الأسباب في الخلاف الفقهي، إنما تكلم عن هذه الجهة وهي جهة الأحاديث النبوية من حيث الثبوت ومن حيث الدلالة، وذكر هذه الأسباب الثلاثة.
(4/2)

السبب الأول: أن لا يكون الحديث قد بلغه
قال المصنف رحمه الله: [وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة:
السبب الأول: أن لا يكون الحديث قد بلغه].
فهذا سبب به قد يخالف كثير من الفقهاء في بعض المسائل، فنجد أنهم ربما خالفوا ظاهراً من السنة ويكون السبب متعلقاً بعدم بلوغ الحديث لهذا الفقيه.
وقد ذكر المؤلف لهذا السبب أمثلة في فقه عمر وغيره من الصحابة رضي الله عنهم فضلاً عمن بعدهم.
(4/3)

السبب الثاني: عدم ثبوت الحديث عنده
قال رحمه الله: [السبب الثاني: أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده].
وهنا يكون الحديث قد بلغه، ولكنه لم يثبت عنده؛ لأنه لم يصل إليه إلا من طريق ضعيف، ووصل إلى غيره من طريق صحيح، وهذا له مثالات بينة ولا سيما في رواية أهل الأمصار؛ كرواية الحجازيين عن الشاميين عن العراقيين ونحو ذلك.
(4/4)

السبب الثالث: اعتقاده أن الحديث ضعيف مع مخالفة غيره له
قال رحمه الله: [السبب الثالث: اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره].
كأن يكون له شرط في الصحة يخالف فيه الجمهور أو الأكثر من أهل الحديث، فنجد أنه لا يقبل هذا الحديث بهذا السند ويقبله غيره بنفس السند، وهذا هو الفرق بين هذا السبب وبين السبب الثاني، فإن السبب الثاني: أن يكون الحديث قد وصل إليه بسند لا يصح لا عنده ولا عند غيره، ووصل إلى غيره بطريق آخر صحيح، فيكون قد بلغه من طريق وبلغ غيره من طريق آخر، أما السبب الثالث: فهو أن يكون لإمام ما شرط في الصحة يخالفه فيه غيره، فإذا بلغه الحديث بهذا الإسناد لم يعتبره، وإذا بلغ الحديث غيره بهذا الإسناد اعتبره، ومن الأمثلة على ذلك: أن الحاكم في المستدرك وغيره يصحح كثيراً من الأسانيد التي لا يصححها غيره من العلماء، ونحو ذلك.
(4/5)

السبب الرابع: اشتراطه في خبر الواحد شروطاً يخالفه فيها غيره
قال رحمه الله: [السبب الرابع: اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطاً يخالفه فيها غيره].
وهذا من جهة القبول لآحاد الأحاديث، أو للأحاديث المفردة، وليس المقصود بالآحاد هنا بالضرورة الآحاد الاصطلاحية؛ بل يتبين هذا السبب في الحديث الفرد عند المحدثين أو عند متقدمي المحدثين، وهذا السبب يعد من الأسباب التطبيقية القوية، أي: الثابتة في التطبيق، بمعنى: أن الحديث إذا كان فرداً فربما ترك بعض المحدثين العمل به، وربما عمل به بعضهم لكونه موافقاً لبعض الأصول عنده، ونحو ذلك، فمثلاً: إذا جاء حديث فرد على وفق عمل أهل المدينة، فنجد أن مالكاً يعمل به ويعتبره، وإذا جاء حديث فرد على خلاف عمل أهل المدينة فنجد أن مالكاً ربما لم يعمل به، وقد سبق لذلك بعض المثال.
فهذا يتعلق بمسألة الأحاديث المفردة، وليس له قاعدة مطردة يمكن أن تضبط بحد، بل إن المحدثين أصحاب هذا الشأن -أعني المتقدمين منهم- نجد أنهم قد يقبلون بعض الحديث الفرد وقد يردونه، مع أن ظاهر الإسناد عندهم الصحة، وهم لا يطعنون في رجاله أو في اتصاله؛ بل يكون ظاهره الاتصال، ويكون ظاهر الرواة العدالة والقبول؛ لكنهم لا يعتبرون الحديث لكونه فرداً جاء على خلاف أصل عندهم، ومن المعلوم أن لكل إمام بعض الأصول التي يخالفه فيها غيره، وقد ذكرنا سابقاً أن من اعتبر عمل أهل المدينة يقوي بعض الحديث الفرد، لكن هذا الأصل -وهو عمل أهل المدينة- ليس أصلاً عند أبي حنيفة مثلاً، وليس أصلاً عند الإمام أحمد من المحدثين، فلا يلزم بالضرورة أن يكون عمل أهل المدينة مقوياً لبعض الحديث الفرد عند أحمد كما هو عند الإمام مالك.
(4/6)

السبب الخامس: أن يكون قد نسي الحديث مع بلوغه وثبوته عنده
قال رحمه الله: [السبب الخامس: أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده لكن نسيه، وهذا يرد في الكتاب والسنة].
وهذا السبب -وهو أن يكون قد نسي الحديث- له أمثلة كثيرة؛ ومنها: المثال المشهور في قصة عمر رضي الله عنه في التيمم من الجنابة عند عدم وجود الماء.
(4/7)

السبب السادس: عدم معرفته بدلالة الحديث
قال رحمه الله: [السبب السادس: عدم معرفته بدلالة الحديث، تارة لكون اللفظ الذي في الحديث غريباًَ عنده، مثل لفظ (المزابنة) و (المخابرة) و (المحاقلة) و (الملامسة) و (المنابذة) و (الغرر) إلى غير ذلك من الكلمات الغريبة التي قد يختلف العلماء في تفسيرها].
وإن كان وجود هذا السبب نادراً عند الأئمة؛ لأن عامة الحروف والكلمات هي معلومة عند الأئمة، لكن قد يعرض لهم ما هو من ذلك، وإلا فإن هذه الكلمات وإن كانت من غريب الحديث في الاصطلاح؛ كالمزابنة، والمحاقلة، والمنابذة، والملامسة، وهي في مسائل المعاملات ومسائل المزارعة ونحوها، إلا أن عامة الأئمة لا يخفى عليهم مثل ذلك، لكن قد يعرض عليهم هذا الأمر، فهو من أضيق الأسباب إذا ما اعتبر بحال الفقهاء، أما إذا ما اعتبر بحال من دون الفقهاء فهذا باب آخر.
لكن الذي هو واقع أن بعض الحروف الغريبة في الاصطلاح هي في سياق كلام العرب من الألفاظ المشتركة، بمعنى: أنه قد يفسر بمعانٍ قد تكون مختلفة وقد لا تكون متضادة أو متناقضة، وهذا هو الذي حصل في مثل هذه الحروف، فإذا كانت الكلمة أو الحرف مشتركاً فإنه قد يختلف فيه الفقهاء، ويكون من أسباب الخلاف: أن الحرف الذي ورد به النهي أو وردت به الإباحة حرف مشترك، فيحتمل معاني ليست متضادة ولكنها مختلفة، ومن هنا نجد أن الخلاف يقع ويحدث.
مثال ذلك: زواج الشغار؛ فإن هذا من حيث هو حرف فيه اشتراك واضح، وهو أن يزوج الرجل موليته على أن يزوجه الآخر موليته، وليس بينهما صداق، فهل الشغار هو التعاقد بالنية الشرطية على أن يزوج رجل موليته برجل آخر مقابل أن يزوجه الآخر موليته، أم لا بد أن يقال: وليس بينهما صداق، فإن كان بينهما صداق فليس شغاراً؟ هذا محل تردد عند الفقهاء؛ لأنهم لم يختلفوا في أن الشغار منهي عنه، ولكن اختلفوا في صيغته وحده؛ لأن لفظه فيه اشتراك.
والتعبير بالمشترك أوسع وأدق من التعبير بالمجمل؛ لأن المجمل شأنه بين، فإنه يبينه المفصل، لكن المشترك في الغالب يرجع إلى فقه الألفاظ في حدود اللغة العربية.
(4/8)

السبب السابع: اعتقاده عدم وجود دلالة في الحديث
قال المصنف رحمه الله: [السبب السابع: اعتقاد أن لا دلالة في الحديث، والفرق بين هذا وبين الذي قبله: أن الأول لم يعرف جهة الدلالة، والثاني عرف جهة الدلالة لكن اعتقد أنها ليست صحيحة، بأن يكون له من الأصول ما يرد تلك الدلالة، سواء كانت في نفس الأمر صواباً أو خطأً].
أي أنه لا يرى أن دلالة الحديث دلالة صحيحة، وأحياناً قد يتنازع الفقهاء في حديث، كصلاة ابن عباس رضي الله عنه إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم عن يساره، قال: (فأخذني فأدارني عن يمينه)، فهل هذا يدل على أن المصافة إذا كان المأموم فرداً لازمة عن يمين الإمام، أم أنه يدل على أنها سنة؟
هنا الدلالة متنازع فيها بين الفقهاء، فالحنابلة يرون أنها لازمة، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أداره، فأحدث ذلك حركة في الصلاة للنبي صلى الله عليه وسلم وحركةً لـ ابن عباس، ونحو ذلك مما يدل على اللزوم، ولو كان هذا من باب المستحب لتركه حتى ينصرف من صلاته ثم يبين له ذلك الأمر، والجمهور يرون أن الحديث لا يدل على اللزوم، قالوا: لأنه لو كان يدل على اللزوم والصحة لما صح تكبير ابن عباس للإحرام؛ لأن ابن عباس كبر تكبيرة الإحرام وهو عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم.
فأحياناً قد يكون الحديث واحداً ولكن هذا يأخذه من منزع، وهذا يأخذه من منزع آخر.
(4/9)

السبب الثامن: اعتقاده أن تلك الدلالة معارضة بما يدل على أنها غير مرادة
قال رحمه الله: [السبب الثامن: اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل على أنها ليست مرادة].
ولا سيما إذا كانت الدلالة ليست نصاً أو ظاهراً، أما إذا كانت الدلالة ظاهرة بينة فإن هذا لا يتصور، لكن إذا كانت الدلالة دون الصريح ودون الظاهر البين؛ كدلالات المفهوم ونحو ذلك؛ فإن هذه إذا عارضها ما هو أقوى منها تركت، كما لو أن حديثاً ما تضمن دلالة مفهوم، وعارضه دلالة منطوق، فلولا معارضة دلالة المنطوق عند هذا الفقيه لعمل بالمفهوم؛ لأن من أصله: أنه يعمل ببعض المفهوم، لكنه ترك هذا المفهوم في هذا المقام لأن ما هو أقوى منه دلالة قد عارضه.
ومن أمثلته: حديث ابن عمر: (إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث)، فهذا الحديث منطوقه أن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، ومفهومه: أنه إن كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث.
قال الفقهاء من الحنابلة: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بقوله: (لم يحمل الخبث)، أنه لا يقبل التنجس؛ لأنه متى ما تغير بالنجاسة ولو كان قلتين فأكثر فإنه ينجس بالإجماع، فلما قال: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، ليس المقصود أنه لا يتنجس مطلقاً؛ بل المقصود: أنه إن وقعت فيه نجاسة ولم يظهر أثر النجاسة فإنه لا يحمل الخبث، حتى ولو علمنا وقوع النجاسة فيه، قالوا: فدل ذلك على أن ما دون القلتين ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه، وإلا فلا معنى لمفهوم الحديث.
والطرف الآخر من الفقهاء -كـ مالك في رواية المدنيين، وجملة من الفقهاء، بل يذكر ابن تيمية أن هذا هو مذهب الجمهور- يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث أبي سعيد: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء)، فيجعلون حديث أبي سعيد منطوقاً، قالوا: فتقدم دلالة المنطوق على دلالة المفهوم.
ومن المعلوم أن مثل هذا التنظيم في طرق الاستدلال أمر فاضل وجيد، لكن أنبه إلى أنه ينبغي أن لا يلج فيه إلا صاحب ملكة في التمييز؛ لأنه أحياناً يتصور فيه البعض الانضباط البين في تحصيل النتيجة، مع أنه إذا تأملت في النتيجة وجدت أن هناك بعض العوارض التي انقطعت ولم يتفطن لها الناظر، فمثلاً: مسألة تحية المسجد في أوقات النهي، نجد أن ابن تيمية ينظر فيها بطريقة فيقول: إن أحاديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي المعينة عام مخصوص، وحديث الأمر بتحية المسجد في حديث أبي قتادة في الصحيحين: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) عام محفوظ.
يقول: فالنهي خص بالفريضة، فإن الفريضة تقضى في وقت النهي، وخص عند أكثر الفقهاء بصلاة الجنازة، وخص بركعتي الطواف، فإنه حتى عند الحنابلة -وهو الصحيح من المذهب- أن ركعتي الطواف تفعل ولو في وقت النهي، وإن كان في المذهب أكثر من قول كما هو معروف، فجعل النهي عاماً مخصوصاً، أي خصت منه بعض الصور، وجعل حديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) جعله عاماً محفوظاً، والقاعدة الأصولية: أن العام المحفوظ مقدم على العام المخصوص.
والإشكال هنا ليس هو في القاعدة، لكن الإشكال في صدق القاعدة على المثال، والذي أراه أن تطبيق القاعدة على المثال فيه تردد؛ لأن العام في النهي مخصوص، هذا لا جدال فيه، لكن حين يقال: إن حديث أبي قتادة عام محفوظ، فإن هذا استدلال بمحل النزاع، فمن الذي قال: إنه محفوظ؟ والجمهور لا يقولون عنه: إنه محفوظ؛ بل كما قالوا في النهي: يستثنى منه قضاء الفريضة، قالوا في حديث أبي قتادة: يستثنى منه أوقات النهي.
فهو عند الشافعي ورواية عن أحمد وهي اختيار شيخ الإسلام: أنه عام محفوظ، لكن الجمهور يرونه عاماً مخصوصاً، فليس هناك اتفاق فقهي على أن حديث أبي قتادة عام محفوظ.
ومعنى: (عام محفوظ) أي: أنه باقٍ على عمومه، ولو كان عاماً محفوظاً لما وجد في المسألة خلاف؛ لأنه يقال: إن الذين يمنعون صلاة تحية المسجد في أوقات النهي لا يجعلونه عاماً محفوظاً؛ بل يجعلونه عاماً مخصوصاً بغير أوقات النهي.
إذاً: ليس الإشكال هنا في القاعدة، إنما الإشكال هو في تطبيق هذه القاعدة.
ومسألة التطبيقات تعتبر مسألة قابلة للنزاع كثيراً، وقد تكون هناك قاعدة أصولية، وهي من الضوابط لبعض المذاهب، ومع ذلك فليست قاعدة مطردة، كقاعدة: (ما ثبت في الفرض ثبت في النفل)، فإن هذا القاعدة ليست بالضرورة قاعدة مطردة.
والقواعد اللازمة كقاعدة: اليقين لا يزول بالشك، والعادة محكمة، والمشقة تجلب التيسير، والضرر يزال، فإن هذه القواعد هي الجوامع، ولذلك يقول بعض كبار الشافعية: إن مدار فقه الشافعي على خمس قواعد، وهي: اليقين لا يزول بالشك، والمشقة تجلب التيسير، والضرر يزال، والعادة محكمة، والأمور بمقاصدها.
وأحياناً يفرق بينها وبين ما يسمى: ضوابط فقهية لبعض الفقهاء، وبين مفصل قواعد الأصوليين، مثل هذه الترددات بين الدلالات: العام المحفوظ والعام المخصوص أيهما أقوى؟ ..
إلخ، وهذا في الجملة جيد، لكن لا بد أن يحرر تحريراً منضبطاً.
(4/10)

السبب التاسع: اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله
قال المصنف رحمه الله: [السبب التاسع: اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه، أو نسخه، أو تأوليه إن كان قابلاً للتأويل بما يصلح أن يكون معارضاً بالاتفاق، مثل آية، أو حديث آخر، أو مثل إجماع.
].
والفرق بين هذا السبب وبين الذي قبله: أن الذي قبله تعلقت المعارضة بالدلالة لأصل ما، وأما هذا السبب فهو أن يكون في السياق أكثر من حديث، أو أكثر من أثر، فمثلاً: هل حديث أبي سعيد مقابل في رفع الحكم لحديث القلتين، أم أنه تحت تكييف من أوجه الدلالة؟ بمعنى: هل أحدهما مثبت والآخر نافٍ على التصريح؟
الجواب: لا، بل جعلوا هذه الدلالة مقابلة لهذه الدلالة تحت تكييف فقهي، لكن إذا نظرنا إلى التعارض بين الإثبات والنفي ونحو ذلك فهذا من أمثلته: ما يتعلق بنقض الوضوء بمس الذكر، ففي حديث بسرة بنت صفوان قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من مس ذكره فليتوضأ)، وفي حديث طلق بن علي -وكلاهما في السنن والمسند-: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة فقال: (إنما هو بضعة منك)، فهذا التقابل ليس تقابل تكييف في الدلالات كما هو في حديث القلتين وحديث أبي سعيد، ومن هنا نجد أن من أهل العلم من يقدم أحدهما على الآخر؛ إما لكونه أقوى ثبوتاً عنده، أو لكونه مبقياً على الأصل، أو لكونه جرى عليه عمل جملة من الصحابة، أو لغير ذلك من الأسباب، ولهذا نجد أن بعض الفقهاء عمل بهذا وبعضهم عمل بذاك، ومنهم من قال: إن أحدهما ناسخ للآخر ..
ومنهم من قال غير ذلك.
(4/11)

السبب العاشر: معارضته بما يدل على ضعفه أو نسفه أو تأويله
قال رحمه الله: [السبب العاشر: معارضته بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله مما لا يعتقده غيره أو جنسه معارضاً، أو لا يكون في الحقيقة معارضاً راجحاً].
أن يكون المعارض ليس بيناً ولم يشتهر، وإنما هو من أصله الخاص، أي: من أصل الفقيه الخاص.
هذه هي الأسباب العشرة التي جمع فيها المصنف رحمه الله ما أراد ذكره في مسألة السبب في اختلاف الفقهاء.
(4/12)

شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام [5]
ينقسم الناس من حيث الفقه في الدين إلى: مقلد، وناظر، وفقيه، ومجتهد .. وكل له درجته ومقامه الذي يجب عليه أن يلتزمه.
وإذا رجعنا إلى أسباب ومكونات الخلاف الفقهي وجدنا أن الجهة الرابعة من تلك المكونات هي: المسألة المستدل عليها، ولابد أن تفقه من حيث التصور لها، ورتبتها من الشريعة، وفقهها من حيث الأصل.
(5/1)

أصناف الناس من حيث الفقه في الدين
الناس من حيث الأصل أربعة أصناف: إما مقلد، وإما ناظر، وإما فقيه، وإما مجتهد.
(5/2)

المقلد
أما المقلد فليس داخلاً في بحثنا الآن؛ لأنه ليس مستدلاً، فإن المستدل إما أن يكون ناظراً، وإما أن يكون فقيهاً، وإما أن يكون مجتهداً، ولكن من هو المقلد؟ إن القول بأن الفقيه المقلد لمذهب والعامي المقلد كلاهما مقلد بنفس المستوى قول غير صحيح، ولكن المقلد المحض: هو من لا يملك القدرة العلمية على فهم أقوال الفقهاء وإنما حقه السؤال، فيسأل أهل العلم عما يعرض له من مسائل وأحكام، ومن ثم يجاب عنها.
(5/3)

الناظر
الناظر: هو من يملك القدرة العلمية على فهم أقوال الفقهاء والاختيار منها.
وهذا حال كثير من الباحثين المختصين بأبواب من الفقه، وحال كثير من طلبة العلم الذين جالسوا الشيوخ والعلماء، فهؤلاء لا يسمون مقلدين بمعنى التقليد المحض؛ لأن الواحد منهم عنده قدرة على أن ينظر في كتب الفقهاء؛ ككتب الفقه المقارن، وكتب المذاهب، ويرجع إلى بعض الكتب في السنن والآثار كالمصنفات مثلاً، فعنده قدرة على هذا الجمع العلمي، ثم يستنتج أن المسألة مثلاً فيها ثلاثة أقوال، ويذكر أقوال الفقهاء مع أدلتهم، ثم يصل إلى نتيجة يراها أقرب إلى الشريعة، فيقول: الأقرب عندي هذا القول؛ كمن يصل إلى نتيجة فيرى أن ما قرره ابن تيمية في مسألة تحية المسجد أقوى من حيث الدليل، ومن حيث تطبيق القواعد الأصولية، وهذا الأمر -كما ذكرنا- يحصل لكثير من الباحثين الذين ينصرف أحدهم في بحث ما إلى دراسة كتاب الطهارة أو كتاب الجنايات من الفقه، لكن لا يوجد عنده اطلاع واسع في أبواب الفقه الأخرى، إنما قصد إلى مبحثٍ معينٍ خاص.
ويحصل كذلك لكثير من طلاب العلم الذين جالسوا العلماء والشيوخ، فتجد أن عندهم هذه القدرة، لكنهم ليسوا على أكثر من ذلك.
إذاً: هذا يسمى: ناظراً في أقوال الفقهاء، وليس هو مجتهداً ولا فقيهاً، وسيأتي الفرق بينه وبين الفقيه، وليس هو أيضاً كالعامي المقلد؛ لأنه -كما ذكرنا- يستطيع أن ينظر في أقوال الفقهاء، ثم يصل إلى اختيار يراه، وليس بالضرورة أن يكون هذا الاختيار اجتهاداً مطلقاً؛ بل هو اختيار حسب ما يقارب من الأدلة عنده.
(5/4)

الفقيه
الفقيه على مرتبتين:
المرتبة الأولى: من اجتمع له القدرة العلمية على فهم أقوال الفقهاء والاختيار منها، أي: استكمل رتبة الناظر، مع معرفته بجمهور الأقوال في مذهب ما، كمذهب الشافعية مثلاً، فنجد أنه قد حفظ جمهور فروع الشافعية، وعرف أقوالهم، فإذا عرضت له مسألة من المسائل؛ سواء كانت في العبادات أو في المعاملات؛ نجد أنه يعرف أقوالهم فيها؛ إما لكونه قد حفظ متوناً في المذهب فعرف فروعهم، أو لأوجه أخرى من التحصيل العلمي، ولذلك لا يسأل عن مسألة -في الجملة- في فروع مذهب الشافعي إلا وأجاب عنها.
وهذا حال كثير من الفقهاء أتباع المذاهب الأربعة الذين جاءوا في عرض التاريخ، فهم يملكون القدرة العلمية، أي: يعرفون مصطلحات العلماء وعباراتهم، والمصطلحات الأساسية التي هي التأصيل العلمي الأول، وهي أصول علوم الآلة، فيعرفون التأصيل العلمي في علوم اللغة مثلاً، وفي أصول الفقه، وفي علم المصطلح، ونحوها من علوم الآلة.
المرتبة الثانية -وهي الأعلى-: من اجتمع له القدرة العلمية على فهم أقوال الفقهاء والاختيار منها، مع معرفته بجمهور الأقوال في مذاهب الفقهاء، فهو ليس مختصاً بمذهب معين، كمذهب الحنفية أو الشافعية أو الحنابلة أو المالكية؛ بل إنه يعرف في أكثر المسائل أقوال الحنفية والشافعة والمالكية والحنابلة، ولا يلزم بالضرورة أن يسند الأقوال على التعيين، لكنه يعرف أن في المسألة ثلاثة أقوال أو نحو ذلك.
(5/5)

المجتهد
المجتهد: هو من استكمل رتبة الفقيه العالية - وهي الثانية- أي: أنه يملك القدرة على فهم أقوال الفقهاء والاختيار منها، مع معرفته بجمهور الأقوال في مذاهب الفقهاء، مع امتيازه -وهذا هو الفرق بينه وبين الفقيه- بملكةٍ فقه بها مفصل مقاصد الشريعة.
فهو لم يقتصر على مجرد القدرة العلمية على فهم أقوال الفقهاء، بل ويعرف أيضاً جمهور أقوال الفقهاء، وكذلك يمتاز بملكة فقه بها مفصل مقاصد الشريعة؛ لأن أخص امتياز في الاجتهاد هو فقه مفصل مقاصد الشريعة، وليس فقط معرفة مجمل القواعد، مثل: اليقين لا يزول بالشك، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، فإن هذه -كمعلومات- جمل تحفظ في مجلس.
وهذا الفقه بمفصل مقاصد الشريعة يتحصل من سعة المجموع العلمي عنده، ومن نظره في سائر العلوم، ويتحصل بدرجة أخص من طبيعته التي خلقه الله عليها، فإن بعض الناس لا توجد عنده ملكة على فهم المقاصد، إنما هو حامل فقه، وليس بفقيه فيه، والفقيه في لسان الشارع هو صاحب الاجتهاد، قال عليه الصلاة والسلام: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)، فالفقيه هنا من يحمل الفقه، لكن إذا كان فقيهاً فيه سمي في الاصطلاح: مجتهداً.
إذاً: المجتهد من استكمل رتبة الفقيه الثانية -العالية- مع امتيازه بملكة فقه بها مفصل مقاصد الشريعة، وهذه الملكة تتحصل بالمجموع العلمي، وبالطبع الذي خلقه الله عليه من القدرة.
ومن المعلوم أن الصحابة تفاضلوا في فقههم وهم صحابة، فـ معاذ بن جبل كان فقيهاً في الحلال والحرام، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على امتياز معاذ في هذا الباب، وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه حافظاً، لكنه لم يشتهر كاشتهار معاذ في الفقه، وابن مسعود رضي الله عنه كان فقيهاً في القرآن، وقد كان رضي الله عنه يقول -كما في الصحيح-: (لو أعلم أن أحداً أعلم مني بكتاب الله أو قال: أفقه مني في كتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه)، وهذا من الثقة التي وصل إليها ابن مسعود في إدراكه لفقه القرآن وسعة علمه بذلك ..
وهكذا غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
ومن هنا يتبين أن الاجتهاد ليس كلأً مباحاً، كل من تعلم شيئاً من العلم وأراد أن يكون مجتهداً، أو دفعه الجمهور إلى الاجتهاد تحول إلى مجتهد، وهذه هي المشكلة الواقعة اليوم في الأمة، ليس في مصر معين فقط؛ بل في عامة الأمصار، وفي أبواب أيضاً مختلفة، وهذا أمر ينبغي أن يتفطن له طلبة العلم، فلا يتقدم طالب العلم أكثر من المرحلة التي وصل إليها.
فمثلاً: الناظر ليس هو الفقيه، والفقيه: هو الذي ينتصب للناس ليفتي في الحلال والحرام، والناظر ليس من حقه أن يفتي الناس ويجيب عن أسئلتهم وقضاياهم الدينية؛ لأن الإفتاء هو من اختصاص الفقيه، لكن ليس بالضرورة أنه هو الذي يفصل في النوازل، إنما يُسأل عن مسائل فقهية، فإن كان على مذهب معين أجاب بما قال فقهاء المذهب، وإن كان عالماً بجميع المذاهب أجاب بما يراه، وهذا يسمى فقيهاً برتبتيه، أما الناظر فهو الذي ينظر في مسائل معينة، وقد يعطي حكماً جيداً فيها، كما يحصل من بعض الباحثين الذين لديهم تحصيل علمي متميز في بحث معين، فهذا يسمى ناظراً، وله قدر من الاعتبار والاختصاص والامتياز كما هو الواقع اليوم.
إذاً: الاجتهاد ليس كلأً مباحاً لكل من رأى من نفسه القدرة العلمية، أو رأى ذلك له غيره، وبالمقابل فليس الاجتهاد نظرية مثالية متعالية، فأهل السنة والجماعة بل وجمهور المسلمين ليس عندهم مثاليات مطلقة تحت شروط شبه غائبة، أو شروط مثالية متعذرة التطبيق؛ لأن الأمة لا بد لها من إمام مجتهد على الأقل، فمن استكمل رتبة الفقيه الثانية، فكان عنده قدرة علمية على فهم أقوال الفقهاء والاختيار منها، مع علمه بجمهور الأقوال في المذاهب، وآتاه الله ملكة بمجموع علمي طلبه، وبطبع خلقه الله عليه من الفقه، فهذا هو المجتهد.
وهل من شروط المجتهد أن يكون ممن يمكنه الاجتهاد في كل المسائل؟
الجواب: من قال من الأصوليين: إن من شرطه أن يكون قديراً على الاجتهاد في كل المسائل، فهذا واهم؛ لأنه لم يوجد أحد في التاريخ كذلك، فكل إمام قد توقف في بعض المسائل، حتى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قد توقفا في بعض المسائل، فليس هذا -إذاً- من شروط المجتهد، فإنه من المعلوم أنه إذا جاء المجتهد إلى المسألة التي يجتهد فيها فقد يتلكأ عن الاجتهاد فيها لسبب؛ إما لنقص في تصور المسألة، أو لأسباب أخرى.
أيضاً: المسألة التي يريد المجتهد الاجتهاد فيها لا شك أن من شرط اجتهاده فيها: أن يكون محيطاً بعلم هذه المسألة في الجملة، أما الإحاطة المطلقة فلا تشترط هنا، فمثلاً: إذا أراد أن يجتهد في مسألة في الحج فلابد أن يكون فقيهاً في أدلة الحج وأحاديثه وأحكامه؛ لأنه سيجتهد في بابه، فالمسألة التي يجتهد فيها لا بد أن يكون عالماً في الجملة بمفصل أدلتها، وهذا الشرط إنما يشترط في المسألة التي يراد أن يجتهد فيها، أما مسألة قد كفاه الفقهاء أمرها من قبل، وليست من النوازل ولا من عوارض الاجتهاد، فهذه مسألة يدرج فيها على طريقة من سبقه.
(5/6)

الجهة الرابعة: المسألة المستدل عليها
هذه هي الجهة الرابعة أو المكون الرابع من مكونات الاختلاف، وهي: المسألة المستدل عليها، وفيها ثلاثة معتبرات:
(5/7)

التصور للمسألة المستدل عليها
- المعتبر الأول: التصور للمسألة:
وأعني بالتصور هنا: التصور التطبيقي للمسألة، وفقه التطبيق يعتبر من أخص أبواب الفقه، فلابد من معرفة التطبيق الفعلي للمسألة المستدل عليها، ومن الأمثلة على ذلك: معرفة المصطلحات المعاصرة في المعاملات، كمصطلح: الإجار المنتهي بالتمليك ونحوه.
ولذلك نجد أن من أسباب اختلاف الفتوى: الاختلاف في التصور التطبيقي، أي: تصور الواقع، فمثلاً: قد يسأل بعض الناس الآن عبر نظم الاتصال عن حكم المساهمة في شركة من الشركات، فيقال له: ما طريقة هذه الشركة؟ أو يسأل ويقول: أريد أن أشتري من بنك معين بطريقة كذا، فيقال له: ما هي الطريقة؟ فيذكر طريقة معينة لو صدق تصوره فيها لقيل: إن هذا العقد أو هذه المعاملة جائزة بلا جدال، وقد يذكر شخص آخر تصوراً لو صدق تصوره لقيل: إن هذا من الحرام البين، وربما شخص ثالث يذكر تصوراً لو صدق تصوره لقيل: إن المسألة مما يقبل التردد والاجتهاد، فهي ليست بينة التحريم وليست بينة الإباحة.
ولذلك أنبه طلاب العلم الذين قد يجيبون عن بعض الفتاوى إلى أن لا يستعجلوا في إعطاء أحكام مطلقة بناءً على تصور من آحاد الناس، إلا إذا كان السائل أو المتكلم يتكلم عن معرفة، فإذا سأل عن حكم المساهمة في شركة ما، وقيل له: ما هي طريقتها؟ فيذكر ذلك بالتفصيل، ومن ثم يعطى حكماً معيناً، فإذا كان الواقع الفعلي يقود إلى التحريم حرم المجيب بناءً على التصور.
إذاً: التصور التطبيقي أمر مهم جداً، وهو يتعلق كثيراً بموضوع المعاملات.
ومن أهم ما يكون التصور فيه دقيقاً ومطلوباً: القضايا المتعلقة بالأقليات غير المسلمة، كمسألة كنيسة تباع أو تحول إلى مسجد، فهل يجوز أن تشترى الكنيسة وتبقى كما هي وتحول إلى مسجد، أم لا بد من إجراء تعديلات في بنائها وشكلها ونحو ذلك؟ وأحياناً تحتك بالقضية أمور معينة، كأن يقال: ما حكم منع إقامة مسجد في هذا المكان مثلاً؟ أو يسأل عن بنك أريد أن يحول إلى مسجد مع الإبقاء على جزء من البناية كبنك، فهل يجوز أن يكون هذا مجاوراً لهذا أم لا يجوز؟ ونحو ذلك من المسائل التي تحتاج إلى تصور دقيق.
ومما ينبه إليه في الأمور التطبيقية في التصورات -ولا سيما التصورات المستجدة-: أنه ينبغي أن يكتب التصور كتابة دقيقة من عارف به، حتى تكون الأحكام مناسبة للتصورات، لكن مشكلة كثير من الناس اليوم أن تصوراتهم تأتي تصورات ظنية، مع أن الواجب أن يكون التصور يقينياً، والحكم هو الذي قد نقول عنه: إنه حكم ظني، أما التصور فإنه ينبغي أن لا يختلف فيه كثيراً؛ لأنه شيء معين واقع، إلا إذا تعذر ذلك، وهذا باب آخر.
(5/8)

رتبة المسألة المستدل عليها من الشريعة
- المعتبر الثاني: رتبة المسألة من الشريعة:
والمقصود هنا: نظر المستدل إلى رتبة المسألة من الشريعة.
فمثلاً: مسألة وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع ما رتبتها من الشريعة؟ نقول: هذه المسألة ليست من بيّن الفروع التي انضبط عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها هدي بيّن، فهي من فروع الشريعة غير البيّنة عند الأئمة بحكم معين، فإذا كان كذلك فينبغي أن تعطى هذه الرتبة في الحكم، وطريقة الخلاف، والنظر إليها، وإمضاء الوقت فيها، واستعمال الأدلة عليها، وأن لا تكون مسألة عزماً فينصب الخلاف فيها نصباً، ويقطع القول فيها قطعاً، فتعطى من الرتبة ما هو أعلى من ترتبها.
وبالمقابل فكما أنه قد يعرض لبعض طلبة العلم أنهم يعلون الرتبة، فيتعثر الخلاف بين المسلمين بهذه الرتبة التي لم تكن عزماً عند المتقدمين من السلف إلى هذه الدرجة، فكذلك قد ينزل البعض أحياناً رتبة بعض المسائل الشرعية.
ولعل من المثال المناسب له في نظري: تساهل بعض طلاب العلم في قضايا الحج، فيرون أن من ترك واجباً ولو عمداً فيتوب ويستغفر وحجه صحيح! كذلك يقولون: لا يلزم الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس؛ فإنه سنة وليس بواجب، كذلك مسألة المبيت يرون أنه لا يلزم؛ لأن الناس في ضيق ومشقة، وكذلك يرون أن الرمي فيه سعة، فلو وكل غيره ليرمي عنه فلا بأس ..
وهكذا!
وبهذه الإسقاطات قد ينتهي الحج خلال ثلاث ساعات أحياناً! وقد يقولون: إن هذا من باب التيسير على الناس، فيقال: إن التيسير ليس أمراً عقلياً محضاً؛ بل إذا ثبتت المشقة ثبت التيسير، وهذه المبادرات أحياناً تشتت الناس، وليس عليها أدلة بينة، فكيف يقال: إنه يحج ويترك ما شاء من الواجبات ثم يتوب ويستغفر وحجه صحيح، ولا إثم عليه ولا مؤاخذة ولا نقص في حجه؟! مع أنه كقاعدة شرعية: لا يوجد عبادة في الإسلام يسوغ فيها ترك العمد إلا بجبرانه.
ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى أجرى مسألة الجبران في المناسك بالدماء، وإذا كان الدم يشرع في المحظور الخارج عن ماهية العبادة، فمن باب أولى فيما هو من ماهية العبادة، وهذا هو التأصيل الذي ذكره بعض كبار الأئمة كـ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بعض كتبه.
(5/9)

فقه المسألة المستدل عليها من حيث الأصل
- المعتبر الثالث: فقه المسألة من حيث الأصل:
فلابد من فقه المسألة المستدل عليها من حيث الأصل، والأصل قد يكون أصلاً عاماً، مثل: الأصل في المعاملات الإباحة أو الحل، وقد يكون أصلاً خاصاً.
فإذا أخذت المسألة فينبغي أن يعرف الأصل في دائرة هذه المسألة، فإن كانت معاملة فيقال: الأصل العام هو الحل، وهناك أصل أخص من الأصل العام، فمثلاً: مسألة زكاة حلي النساء لها أصل في باب الزكاة، وهو: أن أموال القنية والارتفاق الشخصي لا زكاة فيها، كالسيارة المركوبة، والبيت المسكون، فمهما كانت قيمتها لا زكاة فيها بالإجماع، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ليس على المسلم في داره ولا فرسه صدقة)، فهذا أصل في هذا الباب، ولا يمنع أن نخرج عن هذا الأصل، لكن مع استصحاب الأصل العام والأصل الخاص في الباب، وهذا يعتبر من أجود الفقه، ولا سيما فقه الأصول الخاصة؛ لأن فقه الأصول العامة قد يكون بيناً وينتهي بكلمات محدودة، لكن الأصول الخاصة في الأبواب تعتبر من أهم الأمور.
ولذلك فإن من التصور التطبيقي اعتبار البيئة، واعتبار عموم البلوى، والضرورات، والحاجيات، وأحياناً الأحكام التي تقبل العوارض في الإسلام وهي مبنية على شروط قد تتغير لسبب ما، كالجهاد مثلاً، فإنه يكون في حال مأذوناً فيه، ويكون في حال موقفاً بناءً على أحوال خاصة طارئة تحدث عند المسلمين، وما إلى ذلك.
(5/10)

شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام [6]
للقول الفقهي الصادر عن الأئمة والفقهاء في مسألة من المسائل الفقهية ست مراتب، لا تخرج الأقوال الفقهية عن هذه المراتب أبداً، وفائدة معرفتها، معرفة درجة القول الفقهي من حيث القوة والضعف، ومن ثم درجة المسألة من حيث العمل بها أو عدمه.
(6/1)

مراتب القول الفقهي
تكلمنا فيما سبق عن مكونات الخلاف الفقهي وتعلقها بالجهات الأربع، وهذه المكونات للخلاف قد جعلت القول الفقهي يأتي على ست مراتب باعتبار القائلين بها.
ولقائل أن يقول: ما أهمية القول باعتبار القائلين مع أننا لم نتعبد بالقائلين؟! والجواب: أن ملاحظة حال القائلين يعتبر من أهم الأمور، والله سبحانه وتعالى قد عظم في القرآن الكريم اتباع سبيل المؤمنين، وليس هناك انفكاك بين الحق وبين أهله، ومما يؤكد ذلك قولنا: أهل السنة والجماعة، فالجماعة تتعلق بالأعيان، والسنة تتعلق بالأثر والوحي.
(6/2)

ما انضبط فيه الإجماع
المرتبة الأولى: ما انضبط فيه الإجماع:
كإجماع فقهاء المسلمين بل إجماع المسلمين على وجوب الصلوات الخمس، وعلى أن الزكاة والصيام والحج فروض ومن أركان الإسلام، وإجماعهم على استقبال القبلة، وعلى أمور متعددة هي أكثر من ذلك بكثير، وهذه لا ينبغي أن يكون فيها مجال للتردد أصلاً؛ لأنها بينة بدهية قطعية.
(6/3)

ما سمي فيه الإجماع من بعض الفقهاء ولم ينضبط إثباتاً ولا نفياً
المرتبة الثانية: ما سمي فيه الإجماع من بعض الفقهاء ولم ينضبط إثباتاً ولا نفياً:
كقول بعض الفقهاء: (إجماعاً) أو (اتفاقاً)، أو (لا نعلم فيه خلافاً)، مع أن العلماء يفرقون بين هذه الصيغ الثلاث، لكن الذي يهم هو مقصود المعاني، وقولنا: (من بعض الفقهاء)؛ لأنه لو استفيد من سائر الفقهاء لكان الإجماع المنضبط، وقولنا: (ولم ينضبط إثباتاً ولا نفياً)، الدليل على عدم انضباطه: عدم الاستفاضة لسائر الفقهاء، وكون المسألة ليست من الأصول البينة التي يعلم أن الإجماع فيها إجماع منضبط، وإن لم يصرح به فلان وفلان من الناس، فالانضباط يكون إما بالاستفاضة والتصريح من الأئمة والفقهاء، أو بأن تكون المسألة بينة، وإن كان الإجماع ربما صرح به فلان أو فلان ولم يصرح به الآخرون؛ لأنه بدهي من الدين.
ولا ينبغي التكثر في التردد في قبول القول المستفيض، فما دام أنه استفاض فإن المستفيض هو الصحيح حتى حكي فيه الإجماع.
وقولنا: (ولا نفياً)، أي: أنه لم يحفظ الخلاف ولم يحفظ الاتفاق، وهناك فرق بين حكاية الاتفاق، وبين حفظ الاتفاق وانضباطه، وهذا ما سنبينه لاحقاً إن شاء الله تعالى.
(6/4)

ما حفظ فيه قول لآحاد لكنه شاذ عن قول العامة من الأئمة
المرتبة الثالثة: ما حفظ فيه قولٌ لآحاد لكنه شاذٌ عن قول العامة من أئمة الأمصار:
(لآحاد) أي: لأعيان، كواحد أو اثنين أو ثلاثة ونحو ذلك، وقولنا: (ما حفظ)، أي: ما عرف وثبت فيه قول لآحاد، لكنه شاذٌ عن قول العامة من أئمة الأمصار، حتى إن بعض هؤلاء الأئمة قد يحكون الإجماع، وهذا ليس من شرط هذه المرتبة، فسواء حكي فيه الإجماع أو لم يحك فيه الإجماع، فإن المقصود هو أن قول عامة أئمة الأمصار على شيء وذهب واحد من العلماء إلى قول آخر، كقولهم مثلاً: لم يخالف في هذه المسألة إلا القاسم، أو لم يخالف إلا داود بن علي، أو لم ينقل الخلاف إلا عن عطاء أو النخعي، فإذا كان أئمة الأمصار -أعني أئمة الحجاز ومكة والمدينة وأئمة الشام وأئمة أمصار العراق البغداديين والكوفيين والبصريين وأئمة خراسان- إذا كان قد استفاض القول عنهم بمذهب واحد، ولكن حفظ عن بعض الآحاد -كالقاسم أو عروة أو داود بن علي - فيما بعد قول، فهذا القول يسمى قولاً شاذاً، وهذا هو الشاذ من أقوال الفقهاء.
ومما ينبه إليه: أنه لا ينبغي في أكثر المجالس كمجالس الإفتاء وما إلى ذلك -وأقول: في أكثر المجالس وليس بالضرورة في كل المجالس- لا ينبغي في أكثر المجالس البعث للأقوال الشاذة، بل إن هجرها هو أولى، لكن أحياناً تحت نظام علمي عالٍ يقال: إن المسألة فيها قول لبعض الناس؛ وذلك لأجل أن يعذر في قول ذلك، وفي باب العذر هل مخالف الإجماع المنضبط كمخالف الإجماع غير المنضبط؟
الجواب: لا، ولذلك فإن الإجماع المنضبط، والإجماع غير المنضبط، وقول العامة الذي خالفه شاذ، الفرق بينها مهم من جهة المخالف، فإن مخالف الإجماع المنضبط حكمه شديد، ومخالفة الذي تحته دونه، ومخالفة قول العامة لقول شاذ هذا أقل، وهذا من الفقه البين.
ولذلك يقول ابن المبارك رحمه الله -وهذا من فقهه-: إني لأسمع الحديث فأكتبه وما بي أن أعمل به، ولا أن أحدث به، ولكن أجعله عدة إن عمل به أحد من أصحابي قلت: عمل بحديث.
فنظام العذر يعتبر نظاماً فقهياً في الإسلام.
(6/5)

ما حفظ فيه قول بين يخالف قول الجماهير
- المرتبة الرابعة: ما حفظ فيه قول بين، إما لمذهب أو لمصر، يخالف قول الجماهير من الأئمة:
كأن يختص الحنفية عن جمهور الفقهاء والأئمة بمذهب، وهذا له أمثلة كثيرة، أو يختص الحنابلة بقول عن جماهير الفقهاء ونحو ذلك، أو يختص أهل مصر، كأن يقال: مذهب جماهير أئمة الأمصار على كذا إلا أئمة المدينة فلم يكونوا يستحبون هذا الفعل، أو لم يكونوا يرون لزوم ذلك، أو كانوا يحرمون ذلك الفعل، ونحو ذلك، وهذا أيضاً له أمثلته.
وقولنا: (يخالف الجماهير) قد يقول قائل: لماذا لا نقول: خالف الأئمة الأربعة أو جمهور الأئمة الأربعة؟
والجواب: أننا نتكلم عن مراتب القول الفقهي عند المتقدمين قبل أن يتعين أربعة دون غيرهم بمذاهب فقهية، أيضاً هؤلاء الأئمة الأربعة مع علو درجتهم لكن كان هناك مثلهم من أصحابهم كثير، بل وممن قبلهم، كأئمة الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم، وهذا هو ما يجعلنا نقول: يخالف الجماهير من أئمة الأمصار، فهذا ما حكمه؟ وكيف يتعامل معه؟
يقال: الأصل فقهاً أن يعظم قول الجمهور، فإن الجماهير من أئمة الأمصار إذا تواردوا على قول فهذا القول إن لم يكن راجحاً رجحاناً بيناً فهو قول قوي لا يجوز تضعيفه في أكثر الموارد، وأعني بالتضعيف هنا الإسقاط، والتعبير بكلماتٍ توحي بإسقاطه، كقول البعض: وأما القول الثاني فهو قول الجماهير من أئمة الأمصار، وهو قول لا دليل عليه، والتضعيف بهذا النظام يدل على وجود خلل في الحصيلة الفقهية عند بعض الناس.
فإذا توارد أئمة الأمصار ككبار المحدثين، وكبار أئمة الكوفة، وأئمة المدينة كـ مالك ومن قبل مالك كـ ابن المسيب، وأئمة مكة كـ عطاء وأمثاله -إذا توارد هؤلاء الأئمة على حكم، فهذا كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إني استقرأت مسائل الشريعة فإذا القول الذي عليه جمهور الأئمة هو الصواب في الجملة.
وهذا هو فقه الاستقراء، ثم علله بتعليل شرعي وهو عقلي من جهة فقال: لأنه يتعذر في الجملة أن يخفى الصواب من السنة والهدي على جمهور أئمة الأمصار ما بين فقهاء ومحدثين.
فإذا رأيت جمهورهم قد تواردوا على قول فلابد أن يكون له إكبار وإجلال، ولا ينبغي أن تتخطى رقاب الأئمة إلا إلى فرجة بينة، وهذه الفرجة البينة لا يشاهدها الآحاد من المبتدئين في طلب العلم، بل لا يصل إليها إلا من وصل إلى درجة من العلم والفقه والسعة في النظر والتتبع.
وإنما ذكرنا هذا حتى لا نلتزم بنظرية مقابلة وهي نظرية الإلزام بقول الجمهور، فإن الإلزام بقول الجمهور ليس عليه دليل، فليس هناك دليل لا من الكتاب ولا من السنة أنه يلزم العمل بقول الجمهور، والدليل على هذا: أن بعض الصحابة خالف جمهور الصحابة ولم يُنكر عليه، وكذلك بعض الأئمة خالف قول الجمهور، ولو كانت مخالفة الجماهير ممنوعةً لأنكروا عليه، ولم ينقل أنهم أنكروا على فلان أو فلان لأنه خالف الجماهير، بل كانوا يحفظون أقوالهم لكنهم قد لا يعملون بها.
فمثلاً: الإمام أحمد سئل عن الحائض إذا طهرت في وقت العصر أتصلي الظهر، أما أنها تصلي العصر فقط؟ فقال أحمد: تصلي الظهر، أي: تصلي العصر وتصلي الظهر، قيل: فما وجهه يا أبا عبد الله؟ لأنه ليس هناك دليل صريح من السنة على هذا القول، فقال الإمام أحمد: عامة التابعين على هذا القول إلا الحسن.
فلم يحكم على قول الحسن بالشذوذ، ولم يطعن في الحسن، لكن قال ذلك باستقرائه، وفقه الاستقراء اليوم شبه غائب، ولذلك لا ينبغي أن يتعجل الإنسان في الركض بين الأئمة، قال الإمام أحمد: عامة التابعين على هذا القول إلا الحسن، وما دام أن عامة التابعين يقولون به فأنا أقول به، وليس معنى هذا أن الإمام أحمد يريد أن يقول: لا أجد على هذا دليلاً؛ بل إن هناك دليلاً على هذه المسألة، فلو رجعنا إلى فقه النصوص لوجدنا أن الحائض من أهل الأعذار، والقاعدة الشرعية: أن الوقت في حق أهل الأعذار يتحد، وهذا له صور منصوصة في الشريعة، ومنها: جمع المسافر بين الصلوات، ونحو ذلك، وليس هذا من الأعذار التي يقصد منها التوسع الشرعي كما في الحج، فإنه يجمع بين الصلوات لحفظ الاشتغال بالذكر في المناسك، مع أن الصلاة عبادة حتى لو اشتغل بها في وقتها، ومع ذلك جمع النبي صلى الله عليه وسلم ليتفرغ للمنسك الخاص.
فمثل هذا التحصيل هو الدليل الذي كان التابعون يتواردون عليه، وهو أنهم فقهوا من الشريعة أن الوقت في حق أهل الأعذار يأتي على هذا الوجه.
بقيت هنا مسألة وهي: هل معنى ذلك أن قول الجمهور ملزم؟
والجواب: أن قول الجمهور ليس بملزم، فقد يجتهد مجتهد ويقول بغير قول الجمهور، كما حصل عند الصحابة، فقد اجتهد بعضهم بما خالف جمهورهم في بعض المسائل، وكما حصل من بعض الأئمة، ولو كان هذا ممنوعاً لما وجدت هذه الصورة؛ بل لأنكرت عند السلف وأصبحت من البدع والمحدثات التي ترد.
والمخالفة تكون بأحد وجهين:
الوجه الأول: أن يكون المخالف من أهل العلم والاعتبار في العلم، فيجتهد بخلاف قول الجمهور، كأن يأخذ بالقول البين لمذهب أو لمصر، وهذا لا جدال فيه، وهو شأن واسع، فإننا نجد أن فروع الحنفية خلاف قول الجمهور، وبعض فروع الحنابلة خلاف قول الجمهور، وبعض فروع المالكية وكذلك الشافعية خلاف قول الجمهور، ومع ذلك فهناك كثير من الفقهاء يأخذون بهذه الفروع التي تخالف الجماهير، فهذا فيه سعة على مثل هذا التقدير.
الوجه الثاني: أن يكون بعض العامة أو المبتدئين ربما قلد شيخه الذي هو بين يديه فسأله عن مسألةٍ فأفتاه بخلاف قول الجمهور، لكن إذا جئنا إلى نظام الإفتاء العام، بمعنى إفتاء العوام من الناس، أو إلى مسألة البحث العلمي، فيجب على المتكلم أن يترفق في اللغة والتعبير وأشياء كثيرة إذا خالف قول الجمهور.
(6/6)

ما تكافأ فيه الخلاف بين أئمة الأمصار
المرتبة الخامسة: ما تكافأ فيه الخلاف بين أئمة الأمصار:
والعلم بالتكافؤ هنا ليس علماً يقينياً، ولكن المقصود بالتكافؤ أنه لا يوجد فيه قول للجمهور فضلاً عما هو فوق ذلك، فنجد أن المحدثين مختلفون، وأن أئمة العراق مختلفون، وأن أئمة الأمصار مختلفون، فيكون الخلاف قد شاع واشتهر ولم ينضبط فيه مذهب للجمهور فضلاً عما هو فوق ذلك.
ومن الأمثلة على ذلك: مسألة: أيفطر الصائم بالحجامة أم لا يفطر؟ فإذا استقرأنا المسألة وجدنا أن هناك تكافؤاً بين أئمة الأمصار المختلفين فيها، وإذا رجعنا لبعض المصنفات وجدنا أن الخلاف شائع في العراق والحجاز والشام وما إلى ذلك في هذه المسألة، ووجدنا أن ظواهر الأدلة في هذه المسألة كحديث شداد بن أوس: (أفطر الحاجم والمحجوم) -وهو أقوى ما يعتمد عليه من يجعل الحجامة مفطرة للصائم- وجدنا عليه بعض الإشكالات في الثبوت أو في فقه المتن، فما معنى أن الحاجم يفطر إذا كان المحجوم مفطراً للضعف والعلة؟ وهل هذا من باب التعبد؟ وهل يقطع الصوم بمحض علةٍ تعبدية لمثل هذا الوجه؟ وأليس الأصل في المفطرات أنها مبينة كالعلة؟ فترد مثل هذه السؤالات، وإذا جئنا إلى الدليل المقابل وجدنا أن المسالة فيها تكافؤ.
مثال آخر: حكم صلاة تحية المسجد في وقت النهي، فإن هذه المسألة فيها تكافؤ في أدلتها، حتى إن ابن تيمية كان على المذهب، ثم رجع إلى مذهب الشافعي في آخر عمره، وذكر نظرية العام المخصوص والعام المحفوظ في تطبيق الاستدلال، وحتى إن الشوكاني يقول: إنه تردد في هذه المسألة، في جزء له تكلم فيه عن المشتبه من العلم، حتى قال كلمة غريبة، قال: لعله قد يكون من الأنسب أن الإنسان لا يحرص على دخول المسجد في وقت النهي! وهذا الأمر ليس حلاً، لكن هذا مما يبين أحياناً درجة التردد في المسألة، وليس القصد هنا أن نجزم أن هذه المسألة أو تلك من المتكافئ، بل إن مسألة التكافؤ مسألة نسبية في الغالب.
والترجيح فيما تكافأت فيه أقوال الأئمة يكون بالتقريب، ولا يجزم بترجيح قول على آخر، وإنما يقال مثلاً: وفي المسألة قولان لأهل العلم والأظهر كذا، أو والأقرب كذا، هذا إن كنت ناظراً في أدلتهم، وإن لم تكن ناظراً في أدلتهم وأنت على مذهب فقل: والمذهب عند الحنابلة كذا، وإن كنت من أهل الشافعية فقل: والمسألة فيها قولان والمذهب عند الشافعية كذا، ويوسع فيها على المسلمين، وقد كان مثل هذا الخلاف محل توسعة عند المتقدمين من الأئمة، والتوسعة الفقهية إذا كانت مضبوطة بقواعد الشريعة فإنها رحمة بالأمة، وليس معنى هذا أن المتكافئ من الخلاف يتخير فيه الناظرون فيه أو المقلدون بحسب الهوى، فليس في الإسلام تخير بمحض هوى النفس، بل إما تقليد للكبار، وإما اتباع للدليل.
وهذان الوجهان هما الممكنان دون غيرهما.
وقد يقول قائل: أليس من فقه التيسير أن يتخير الناس ما شاءوا؟
فيقال: هناك فرق بين التيسير وبين هوى النفس، فإن الله سبحانه وتعالى جعل اليسر في الشريعة وجعل هوى النفس في الجاهلية، قال تعالى عن أهل الجاهلية: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ} [النجم:23]، أما التيسير فهو حال الشريعة الإسلامية.
ومن هنا فقد يسيء البعض أحياناً الفهم ولا يفرق بين هوى النفس وبين التيسير، والقاعدة الشرعية نقول: المشقة تجلب التيسير، فإذا أشكل على المسلمين مسألة وفيها خلاف محفوظ، أي: مشتهر ومعروف، فلا ينبغي أن يضيق فيها؛ بل ينبغي أن يوسع على المسلمين فيها بأقوال الجماهير، وبالأقوال المتكافئة، وهذا ليس على إطلاقه، فإن العلم دائماً محكوم بقواعد؛ لأن الذي يوسع على المسلمين بأقوال الجماهير وبالمتكافئ من الأقوال هو فقيه، والفقيه لابد أن يكون عارفاً بالمصالح والمفاسد، فإذا اقتضت التوسعة بقول متكافئ في بيئة معينة فلا ينبغي أن يوسع في تلك المسألة.
مثال ذلك: المجتمع هنا -في السعودية- محافظ على ستر الوجه، ويرى أن ستر الوجه واجب، وهذا من حيث الأدلة هو الراجح الصحيح، فهل من الحكمة أن يأتي بعض الناس في هذا المجتمع ويقول: المسألة فيها خلاف، ويردد هذا في آذان العامة، ويقول: من باب التوسعة على المسلمين بالقول المتكافئ أو ما إلى ذلك؟ الجواب: لا؛ بل إن المصلحة الشرعية تقتضي أن لا يفتن العامة؛ لأن كثيراً من العوام ربما يتحرك تحت تأثير شيء من الهوى، وليس المقصود بذلك أهل البدع وأهل التيارات الفكرية الخطيرة، بل المقصود الآحاد من العامة الذي قد يتحرك تحت رغبة شخصية وهوى في النفس، إذاً: فقه المصالح والمفاسد يمنع بعض الناس عن التحديث ببعض الخلاف، وهذا هو ما جعل علياً رضي الله عنه يقول: "حدثوا الناس بما يعرفون"، وكما قال ابن مسعود: "ما أنت محدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"، فحيث أدى التحديث بالخلاف إلى فتنة في مجتمع ما فلا ينبغي التحديث به.
إذاً: يوسع على العامة من المسلمين في أمصار الإسلام، وأينما وجد المسلمون حتى في غير أمصارهم يوسع عليهم، بأقوال الجماهير، وبالمتكافئ، ما لم يستلزم مفسدة, فإن الشريعة جاءت بدرء المفاسد وتحصيل المصالح.
وقد يقول قائل: إن التحديث بالخلاف فيه مصلحة.
فيقال: نعم، قد يسمى مصلحة لكنها مصلحةٌ أحياناً تكون راجحة، وأحياناً تكون مرجوحة، فحيث كانت راجحة فحدث به، وحيث كانت مرجوحة لوجود مفسدةٍ أعلى فالفقه أن لا تحدث به.
وقد ذكرنا سابقاً قول الإمام مالك لما سأله رجل من أهل العراق عن مسألة وقال إنه على قول زيد بن ثابت، فيقال له: يا هذا! إن أهل المدينة لا يعرفون إلا هذا القول فأين خلفت الأدب؟! وذلك حينما قال: إني من أهل العراق، وكذلك الإمام أحمد رحمه الله على ما عرف عنه من الزهد والعبادة والورع وما إلى ذلك، لما سأله سائل عن مسألةٍ في الطلاق، فانصدم الرجل وما ظن أن الأمر يصل إلى أن زوجته تطلق منه، وشق عليه الأمر كثيراً، فراجع الإمام أحمد، فلما اشتد في المراجعة قال له الإمام أحمد: يا هذا! هذه حلقة المدنيين.
أي: من يتفقهون على بعض كلام أهل المدينة وهم في العراق، يعني أن هؤلاء سينقلون لك رأي أهل المدينة، ورأي أهل المدينة أنها لا تطلق، فالإمام أحمد لا يدين الله بهذا القول، فما أحب أن يفتيه به، فقال: يا هذا! هذه حلقة المدنيين.
يعني اذهب إليهم وسيفتونك.
ودخل الإمام أحمد ذات يوم إلى دار بعض أصحابه، فوجد النبيذ في طرف الدار، فقال له بعض التلاميذ الذين كانوا معه: يا أبا عبد الله! هذا النبيذ، أي: أنكر على الرجل، فقال: الرجل سلطان في داره، الكوفيون يفعلونه تديناً.
أي: أن فقهاء الكوفة أحلوا النبيذ وأحلوا شربه، ويرون أنه مما أحل الله، فالدين أحله عندهم، ولاحظ قوله: الرجل سلطان في داره، فإن هذه مقدمة أساسية في الأخلاق العلمية.
إذاً: هذا الفقه هو الذي نقصده، وهو أنه لا يوسع على المسلمين لا بالشاذ ولا بالمنكر من الأقوال، وإنما بالأقوال المعروفة تحت قاعدة المصلحة.
(6/7)

ما لم ينضبط فيه وجه مما سبق
المرتبة السادسة: ما لم ينضبط فيه وجه مما سبق من فروع الفقهاء المتأخرين، التي جمهورها لضبط رأي المذهب:
وهذا مورده عند الفقهاء المتأخرين، وجمهوره لضبط رأي المذهب، وليس المراد هنا أن كل ما في كتب الفقهاء المتأخرين من هذه المرتبة، بل إن ما في كتب الفقهاء المتأخرين منه مسائل من المرتبة الأولى، ومن الثانية والثالثة والرابعة والخامسة، لكن نجد أنه يكثر في كتب الفقهاء المتأخرين وخاصة الكتب التي عنيت بتحرير المذهب، وهذا في جميع المذاهب الأربعة، نجد أنه يكثر فيها ما هو من المرتبة السادسة.
فمثلاً: كتاب المغني لـ أبي محمد ابن قدامة رحمه الله، نجد أنه يذكر الخلاف، ويذكر أن في المسألة مثلاً ثلاثة أقوال، ويذكر استدلال المذهب، وهنا نأخذ منه أموراً تتعلق إما بالقسم الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع أو الخامس، لكن إذا أخذنا الكتب التي عنيت بتحرير المذاهب مثل الفروع لـ ابن مفلح رحمه الله، نجد أنه يذكر المذاهب، وإن كان له طريقة رمزية بحروف معينة يرمز بها إلى الخلاف وإلى المذاهب الأربعة، فهو يذكر ذلك، لكن أحياناً ينصرف إلى تنبيهات يعين بها التحرير للمذهب، وقد نجد ذلك في متون بعض المذاهب التي وضعها المتأخرون.
فمثلاً: نجد في بعض متون الفقه عند المتأخرين قولهم: "ولا يرفع حدث رجل طهور يسيرٌ خلت به امرأة لطهارة كاملة عن حدث"، فهذه التقييدات لتحرير القول، فخرج بكلمة (رجل) المرأة، وخرج باليسير الكثير، وخرج بكلمة (خلت) إذا لم تخلُ، وإذا خلت في بعضه دون بعضه، كما لو خلت في نصف الطهارة دون النصف الآخر، فهل يقال: خلت أم لا؟ وقولهم: خلت به امرأة لطهارة كاملة، بخلاف الطهارة غير الكاملة، وهذا ما يتعلق بكمال اختلائها به أو عدم ذلك، وخرج بقولهم: عن حدث، ما لو كان ذلك ليس عن حدث، كتجديد الطهارة، ونحو ذلك.
وهذه القيود في هذه الجملة بعضها لتعيين القول؛ لأنه من المعلوم أن مسألة: المرأة إذا خلت بالماء لطهارة فهل يتطهر به الرجل أو لا يتطهر؟ هذه المسألة مسألة خلافية موجودة، وهي من المراتب الأولى، لكن المقصود هنا: أن بعض هذه القيود ذكرها الماتن لتمييز القول عن القول الآخر، لكن بعض القيود تذكر من باب تحرير المذهب تحت اجتهاد معين، مثل الطهارة الكاملة والطهارة غير الكاملة، فلو خلت به لطهارة غير كاملة فإن هذا فيه تردد في المذهب، هذا هو المقصود من ذكر المسألة، وإلا فإن الأصل أن المسألة مسألة فقهية معروفة عند السلف.
أيضاً يقصد بما لم ينضبط فيه وجه مما سبق: ما يتعلق بتحرير المذهب المعين، كاختلاف المتأخرين في رأي الإمام أحمد وتحريره، فنجد روايات متعددة في تحرير المذهب، ونحو ذلك، وهذا الاختلاف في تحرير المذهب هو من الفقه الافتراضي الذي ليس وافقاً، وهو ما قد يعبر عنه بعض الأصحاب بالمحتمل، فيقول: فإن فعل كذا فيحتمل كذا.
ولابد أن يعلم أنه لا تنبغي العناية بهذه التقييدات والتحريرات أكثر من اللازم، وليس هذا من باب التنقص من هذا الأمر، ولكن العناية بالرتب الأولى أولى، فلابد أن يعنى طالب العلم بالإجماع، وبما قارب الإجماع، وبما عليه العامة والجماهير، وبما اشتهر من الخلاف، أما أن تكون أكثر العناية منصبة على القسم السادس فهذا هو الذي لا يفضل شأنه، وأما أنه يحتاج إليه في بعض المسائل لتحريرات مقصودة فهذا باب آخر.
ومن المعلوم أنه ليست المشكلة أن يعلم ما هو بالضبط المذهب الحنبلي عند الحنابلة، أو ما هو بالضبط المذهب الشافعي عند الشافعية، فإن هذا الشأن فيه كثير من السعة، بمعنى أنه لو قيل: إن ما انضبط من أقوال الإمام أحمد تنسب إليه، وما لم ينضبط تقال عنه روايات في المسألة، والعبرة بدراسة المسألة كأقوال فقهية وأدلة عامة؛ لكان هذا المسلك أكثر سعةً وأكثر رحابةً وأكثر يقينية؛ لأنه مهما رجحت داخل المذهب وفي المسألة خلاف قوي في ضبط المذهب فلن تنتهي إلى شيء قاطع، لكن إذا قلت: إن مع الإمام أحمد أكثر من رواية، فإن هذا حكم أكثر يقينية، وأكثر اتساعاً وقبولاً.
ومما يدخل في ذلك: التفريع للمسألة بالعوارض، كمسألة غسل الجمعة أهو واجب أم مستحب؟ فنجد أن بعض أهل العلم يقول: غسل الجمعة فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه واجب، الثاني: أنه مستحب، والقول الثالث وهو الصحيح الذي عليه المحققون وهو القول الوسط، وهو أنه إذا كانت فيه رائحة شديدة يتأذى منه الناس وما إلى ذلك فيجب عليه الغسل، وإلا فلا يجب، وقولهم: وسط، أي: بين قولين، وهذه ليست هي الوسطية الشرعية، وهذا القول الوسط في الحقيقة هو قول الجمهور، فإن الجمهور لما قالوا: إن غسل الجمعة ليس واجباً، لم يريدوا غسل الجمعة في حق من به رائحة يتأذى منه المسلمون حتى إنهم يكرهون مجالسته؛ بل إنهم يتكلمون عن أصل الحكم، فمثلاً: الإمام أحمد والشافعي ومالك وأبو حنيفة لما قالوا: غسل الجمعة ليس واجباً، إذا سئلوا عن رجل به رائحة كريهة هل سيقولون: إنه ليس واجباً عليه؟! الجواب: لا، إذاً قول البعض بالقول الثالث وأنه هو الوسط إنما قيدوا ذلك بعارض فقط، وهذا فقه يستعمله البعض كتنبيه حتى لا يفهم قول الجمهور فهماً خطأً، وإذا كان الأمر كذلك فلا بأس به، لكن أن تتحول هذه إلى أقوال ثالثة وتكون هي الأقوال الوسط، وهي الأقوال التي عليها المحققون، فإن هذا لا ينبغي ..
نعم.
هذا قد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وذكره بعض المحققين، لكنهم يذكرونه من باب التنبيه فقط.
(6/8)

شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام [7]
وضع علماء الأصول شروطاً مثالية للاجتهاد، لا تكاد تتوفر في أحد مهما بلغ من العلم، بل إن ذلك يعتبر إغلاقاً نظرياً للاجتهاد، وإلا فإن الاجتهاد لم يغلق في الواقع؛ لأنه لابد للأمة من مجتهد ينظر في قضاياها ونوازلها المستجدة، ومن هنا فإن الاجتهاد ممكن ومتيسر لمن استكمل رتبة الفقيه الثانية مع ملكة يفقه بها مفصل مقاصد الشريعة.
(7/1)

إيضاحات لما سبق الكلام عنه
قال المصنف رحمه الله: [فصل: وفي كثير من الأحاديث يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث لم نطلع نحن عليها، فإن مدارك العلم واسعة، ولم نطلع نحن على جميع ما في بواطن العلماء، والعالم قد يبدي حجته وقد لا يبديها، وإذا أبداها فقد تبلغنا وقد لا تبلغنا، وإذا بلغتنا فقد ندرك موضع احتجاجه وقد لا ندركه، سواء كانت الحجة صواباً في نفس الأمر أم لا، لكن نحن وإن جوزنا هذا فلا يجوز لنا أن نعدل عن قول ظهرت حجته بحديث صحيح وافقه طائفة من أهل العلم إلى قول آخر قاله عالم يجوز أن يكون معه ما يدفع به هذه الحجة وإن كان أعلم، إذ تطرق الخطأ إلى آراء العلماء أكثر من تطرقه إلى الأدلة الشرعية، فإن الأدلة الشرعية حجة الله على جميع عباده، بخلاف رأي العالم].
فيما سبق تكلمنا عن مكونات الخلاف وأنها أربع جهات، وذكرنا بعد ذلك ما يتعلق بمراتب القول الفقهي، وفي هذا المجلس بإذن الله تعالى سيكون الكلام في التمذهب، ولكن قبل أن ندخل في هذا الموضوع وما أشار إليه المصنف في الكلام الذي قرئ، هناك بعض الإيضاحات لبعض ما سبقت الإشارة إليه.
(7/2)

مخالفة المتقدمين في الإصطلاحات
ففيما يتعلق بمكونات الخلاف وأنها الدليل التي يقع الاختلاف في تعيينه أو درجته أو ثبوته، والدلالة، والمستدل، وذكرنا أن المستدل إما أن يسمى ناظراً، وإما أن يسمى فقيهاً، وإما أن يسمى مجتهداً.
وهذا التقسيم قد لا يكون كاصطلاح منتظم نطق به فلان أو فلان من أهل العلم، والاعتبار بالنطق العلمي السابق ليس بالمصطلحات، وإنما الاعتبار بالحقائق العلمية، فإنه لا يلزم فلاناً من الناس الذي عرض في القرن العاشر مثلاً أن لا ينطق بمصطلح إلا وقد نطق به أهل القرن السادس مثلاً، ولكن المعنى الذي ينبغي أن لا يكون إحداثاً في العلم أو ما إلى ذلك هي المعاني، وأما التعبير عن المعاني الصحيحة المعروفة بالاستقراء، فهذا إذا اصطلح عليه بمصطلح ما حتى لو كان المصطلح متأخراً أو معاصراً فهذا ليس محل جدل، وإلا للزم أن يكون السؤال مطروحاً على مصطلحات القرن العاشر التي لم ينطق بها في القرن الثامن مثلاً، ومصطلحات القرن السادس التي ما نطق بها في القرن الرابع، ومصطلحات الرابع التي ما نطق بها أهل القرن الثاني، وهكذا، وهذا يستلزم منع كل هذه المصطلحات، لكن المعنى الذي يهم هو أن لا يتكلم تحت هذا المصطلح المأذون به، دعك من المصطلحات المخالفة لمقاصد الشرع، فهذه مصطلحات منتقدة، ولذلك سبق أن نبهنا على أنه حتى مصطلح التكليف عند الأصوليين لا يقال: إنه غلط، ولكن يقال: ليس هو مصطلحاً فاضلاً؛ بل ينبغي أن يسمى: التشريع؛ لأنهم يقولون: التكليف خمسة: الواجب، والمستحب، والمحرم، والمكروه، والمباح، ثم يختلفون هل المباح من الأحكام التكليفية أم لا؟ فلما لم يروا فيه جهة التكليف والعزم قال من قال منهم: إنه ليس من الأحكام التكليفية، وهذا غلط؛ لأنه يتضمن أنه ليس حكماً شرعياً، والصواب أن المباح عند أهل السنة والجماعة بل عند جمهور الطوائف الإسلامية حكم شرعي؛ لأن الله أثبته في القرآن في مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم:1] وقوله: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} [النحل:116].
إذاً: مما ينبه إليه أن دعوى المخالفة للسابق لا بد أن تضبط بالمعاني الصحيحة، فمن خالف المعاني الصحيحة أو أحدث معنى ليس على الأصل المعروف عند القرون المفضلة، فهذا هو الذي يجب رده، وأما باب المصطلحات فهو باب لا يزال غير متناهٍ في التاريخ.
(7/3)

الطرق التي يعرف بها صحة المعنى عند المتقدمين
ما هي الطريقة الذي يعرف بها أن هذا المعنى صحيح عند من تقدم أو ليس صحيحاً؟ هناك طريقتان:
الطريقة الأولى: طريقة التنصيص: كأن يقال: هذا المعنى من العلم نص عليه الإمام ابن عبد البر، أو نص عليه ابن رجب، أو نص عليه ابن تيمية، أو نص عليه من قبل هؤلاء من الأئمة كـ مالك أو الشافعي أو أحمد، أو غيرهم، فهذا هو التنصيص المعين، ولا شك أنه يعرف به تقدم القول.
الطريقة الثانية: فقه الاستقراء: وهذه الطريقة هي منشأ كثير من الأقوال التي لا يوجد تنصيص عليها عند السابقين، كتنصيص كثير من الفقهاء على كلمات ما نطق بها بنصوصها أعيان من السابقين، لكن معانيها متضمنة وهذه هي درجة المحققين من أهل العلم، أنهم إذا استقرءوا تحصل لهم قدر من المعاني في أبواب من الشريعة، في الفقه وفي قواعد الشريعة ومقاصدها وما إلى ذلك، فهذا الاستقراء ينظمون به هذا المعنى الذي استقرءوه.
وننبه هذا إلى أن كتب الأصوليين فيها علم كثير، لكن بعد ظهور علم الكلام، ولما كتب المتكلمون في أصول الفقه على الطرق الكلامية، ظهر أثر علم الكلام على أصول الفقه، وإن كانوا في الاصطلاح يقولون طريقة الفقهاء عند الشافعية، وطريقة المتكلمين عند الحنفية، هذا نوع من التفريق، لكن الحقيقة أنه حتى كتب الشافعية متأثرة بعلم الكلام، والغزالي ممن أدخل علم الكلام إدخالاً بيناً على نظم أصول الفقه في كتابه المستصفى، وهذا لا يعني أن ما كتبه هؤلاء الأصوليون الذين يوصفون بأنهم من علماء الكلام -لا يعني أن جميعه ليس صحيحاً، أو أنه ليس نظرية ممكنة صحيحة في موارد كثيرة في مسائل تطبيق قواعد التشريع، هذا ليس كذلك، بل إن هذه الكتب تعد من أخص كتب الإسلام أو تاريخ الإسلام الذي كتب، فهي كتب علمية، لكن مع ذلك لا بد من بعض المراجعات لبعض هذه المسائل أو التراتيب التي اجتهد فيه من اجتهد من أهل الأصول المتأخرين -أعني المتكلمين منهم.
فالمقصود: أن هذه النظم لأصول الشافعي أو أصول أبي حنيفة أو أصول الإمام أحمد في نظم الأصول فيما كتب في كتب أصول الفقه، هل أكثرها منصوص عليه في كلام الأئمة كنظم قواعد؟ الجواب: منه ما هو منصوص عليه، ومنه ما حصله أصحابهم الأصوليون تحت فقه الاستقراء، وفقه الاستقراء يعد من أشرف الفقه، وإن كان كما قلت لا يستطيعه إلا فقيه محقق.
ولذلك نجد أنه يعوّل على كثير من هؤلاء المستقرئين فينقل عنهم، ونجد التعويل في بعض كتب أصول الفقه على كتب محددة وإلا فكثير منهم نقله، لكن المستقرئ الأول هو صاحب الامتياز، ففقه الاستقراء فقه صحيح.
(7/4)

الاجتهاد
إذا كان كذلك فيقال: إنه عند استقراء فقه القرون الثلاثة الفاضلة نجد أن الناس لا يخرجون عن هذه الأصناف الأربعة: إما مقلد محض حقه السؤال فيجاب بالحكم، ولا يلزمه أن يعرف الدليل؛ بل يجيبه العالم الموثوق بعلمه فيستجيب لجوابه، وهذا معنى قول الله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:43]، فهؤلاء موصوفون بعدم العلم.
أو ناظر، وهو من يملك القدرة العلمية على فهم أقوال الفقهاء والاختيار منها، أو فقيه وهو رتبتان: الأولى: من يملك القدرة العلمية على فهم أقوال الفقهاء والاختيار منها مع معرفته بجمهور الأقوال في مذهب، الرتبة الثانية -وهي العالية-: مع معرفته بجمهور الأقوال في المذاهب.
والصنف الرابع هو المجتهد، وقد ذكرت سابقاًَ أن كثيراً من كتب أصول الفقه المتأخرة وضعت شروطاً للاجتهاد ربما تكون أحياناً مثالية، وهذا يعتبر إغلاقاً نظرياً للاجتهاد، لكن في الواقع لم يغلق الاجتهاد؛ لأن الأمة يتعذر عقلاً أن تعيش بلا اجتهاد، وإذا ما وجد مجتهد فسيجتهد من في الطبقة التي هي أقل، وإذا ما وضع نظام ممكن للاجتهاد فسيأتي الأناس الذين عندهم إرادة للاجتهاد وليس أهلية للاجتهاد، وإلا فإن الأمة ستتحرك، ومن الملاحظ أنه في هذا العصر عندما تنزل نوازل كلية فإن الناس لا يسكتون عنها، فلما أصبحت نظرية الاجتهاد العلمية في كلام المتأخرين -وأقول: المتأخرين من الأصوليين- مثالية لم يقل الناس: إن فلاناً فقط هو المجتهد، وفلان يقبل الاجتهاد أو يتأهل للاجتهاد، بل تحرك آحاد من طلبة العلم أحياناً لنوازل كبرى ليس عندهم إلا إرادة، وقد يسميها البعض شجاعة مع أنها قد لا تسمى شجاعة، إنما هي إرادة من النفس، فتحرك تحت تأثير الجماهير أحياناً أو لسبب آخر، أو تحت ضغط واقع معين أو ما إلى ذلك.
فالمشكلة أنه بهذه الطريقة لا يغلق الاجتهاد؛ لأنه يستحيل أن يغلق الاجتهاد، وإلا فماذا تفعل الأمة في نوازلها الكلية التي ما تكلم عنها الفقهاء الأربعة أو من كان قبلهم؟
(7/5)

من هو المجتهد؟
ومن هنا إذا قرأت مفهوم المجتهد في القرون الثلاثة الفاضلة الذين كانوا يقولون في النوازل ويقولون في الآراء الفقهية الأولى؛ وجدت أنهم ليسوا على رتبة الفقيه الجامع للفقه أو لدليل الفقه، بل لابد لهم من تفقه في الدين، ومن هنا قلنا: إن المجتهد من استكمل رتبة الفقيه الثانية العالية مع امتيازه بملكة فقه بها مفصل مقاصد الشريعة، وهذه الملكة مركبة من أمرين:
الأمر الأول: المجموع العلمي، والمجموع العلمي يزيد عن القدرة الأولى التي يتمتع بها الناظر، فالمجموع العلمي هذا أرقى؛ فتجد أنه مطلع على التفاسير، مطلع على الموسوعات العلمية، مطلع على الآثار، فعنده اطلاع عام، لكن أن تقول: إنه جامع حافظ عالم متقن في سائر هذه الأبواب، فهذا هو الشرط الذي قد يكون فيه مثالية، لكن لديه مجموعة علمية واسعة أعلى من القدرة الأولى التي تمتع بها الناظر.
الأمر الثاني -وهو الأهم-: التكوين الطبيعي الذي خلقه الله عليه، فإن الله خلق الناس منهم الأحمق، ومنهم الذي ليس بأحمق، ومنهم الذكي ومنهم من دون ذلك، ومنهم الحكيم ومنهم الحليم، ومنهم قليل الصبر ومنهم واسع الصدر، فهذه أمور من أهم ما يؤثر في الفقه كما نبه على ذلك بعض المحققين، كـ ابن حزم وابن تيمية وابن عبد البر ونحوهم، بل للأئمة المتقدمين من الكلام ما يشير إلى ذلك، ولولا استغلال الوقت في الأهم لدخلنا في مثل هذه الآثار.
(7/6)

الأهلية العامة والخاصة للمجتهد
قد يقول قائل: هل يكفي لكون الشخص من أهل الاجتهاد أن يستكمل رتبة الفقيه الثانية فيعرف جمهور الأقوال في المذاهب، مع القدرة العلمية ومع الملكة التي فقه بها مفصل مقاصد الشريعة؟ أم لابد أن يعلم كذلك بمفصل أدلة المسألة التي يجتهد فيها؟
فنقول: إن الحد الذي ذكرناه سابقاً هو شرط الأهلية العامة التي يثبت بها كونه من أهل الاجتهاد، والأهلية تنقسم إلى قسمين: أهلية عامة وأهلية خاصة.
فالأهلية العامة التي من حققها صح أن يعتبر ممن يمكنه الاجتهاد هي: أن يستكمل رتبة الفقيه الثانية العالية مع ملكةٍ فقه بها مفصل مقاصد الشريعة، هذا نسميه حد الأهلية العامة التي بها يثبت كونه مجتهداً.
والأهلية الخاصة كما إذا أراد أن يجتهد في مسألة معينة، ولتكن من المسائل التي هي من النوازل عند المسلمين ولم تكن موجودة زمن السابقين، كما لو أراد أن ينظر في حكم تجنس المسلم بجنسية غير إسلامية، ومفهوم معنى الجنسية في بعض الدول أو في أكثر الدول أنها تعني نوعاً من الالتزامات المدنية، والالتزامات المدنية خارطتها تبدأ من أشياء أحياناً تتقاطع مع مبادئ وقيم الإسلام.
فمسألة تجنس غير المسلم بجنسية غير إسلامية هذه نازلة، والآن يعيش في العالم الغربي في الدول الغير الإسلامية في أوروبا أو في أمريكا، يعيش الملايين من المسلمين، أو أراد أن يجتهد في مسائل في الاقتصاد مثلاً، أو في تنظيم بعض طرق المشاعر في الحج، كما لو رأى أن منى لا يبنى فيها لو حصلت اضطرارات إلى مسألة البناء، فهذه تعتبر نازلة إذا أرادوا أن يدرسوا البناية أو يدرس المجتهد البناية في منى مثلاً، فهذه قضايا لها نوع من الأصول الكلية.
فنقول: الأهلية الخاصة مفهومها: تأهل المجتهد الذي تمتع بالأهلية العامة للنظر في المسألة المعينة، وهذا له شرط به تتحقق الأهلية الخاصة، فمتى تتحقق الأهلية الخاصة التي بها يجتهد في المسألة المعينة؟ نقول: أن يكون عليماً بتصورها ومفصل دليلها، أي: أن يجمع الأدلة بتفاصيلها في هذه المسألة المعينة في في نازلةٍ كلية من النوازل، فإذا ما جمع مفصل الدليل، مع مفصل التصور عن المسالة، فهذا نقول عنه: إنه حصَّل الأهلية الخاصة، بحكم كونه في الأصل من أهل الأهلية العامة، وهنا له أن يجتهد.
وهب أنه من أهل الأهلية العامة لكنه ما استطاع أن يصل إلى تصور مفصل، فهل له الحق أن يجتهد؟
الجواب: ليس له الحق أن يجتهد، وهب أنه من أهل الأهلية العامة، فهل له أن يجتهد في نازلة كلية بحكم أهليته العامة فقط دون أن يعرف مفصل الدليل في النازلة الخاصة؟ الجواب: لا.
ومن هنا نجد أن كثيراً من الأصوليين المتأخرين لما وضعوا شروط الاجتهاد مع أنها في حقيقتها شروط مشرقة، لكن مثاليتها ربما أنها جاءت من أن هؤلاء أو كثيراً منهم لم يفرقوا بين شرط الأهلية العامة والخاصة، فاشترطوا شرط الأهلية الخاصة في العامة، فاشترطوا أن يكون عالماً بمفصل الأدلة، وعلى هذا لن يوجد أحد يصح أن نقول: إنه تأهل هذا التأهل؛ كبعض فقهاء الكوفة الذين ما عرفوا عند المحدثين كمحدثين، هل كانوا عالمين بالصحيح والضعيف والطرق وما إلى ذلك من هذه الشروط؟ الجواب: لا، ومع ذلك كانوا مجتهدين، ولا أحد يشك أنهم مجتهدون، لكن في الأهلية الخاصة يتحقق هذا الشرط.
وقد يقول قائل: إذا قلنا: إن المجتهد هو من استكمل رتبة الفقيه الثانية، مع امتيازه بملكة فقه بها مفصل مقاصد الشريعة، فكيف يجتهد في المسألة وهو لا يعرف مفصل؟ نقول: هذا هو شرط الأهلية العامة، أما الأهلية الخاصة وهي إذا أراد أن ينظر في نازلةٍ كلية أو في المسألة التي يقصد الاجتهاد فيها، فإن من شرط الأهلية الخاصة لفعل الاجتهاد الخاص: أن يكون عليماً بتصور المسألة وبمفصل دليلها، فإذا اجتمع له مفصل التصور مع مفصل الدليل، مع أهليته السابقة اجتهد، وإذا لم يحصل له ذلك تأخر عن الاجتهاد.
وكأن هذا التفريق بين الأهلية الخاصة والأهلية العامة هو المجيب الوسط عن سؤال: هل الاجتهاد يتجزأ أو لا يتجزأ؟ يتجزأ بمعنى أنه قد يمكنه الاجتهاد في مسألة ولا يمكنه في غيرها، فالاجتهاد يتجزأ، ولا يوجد في التاريخ أنه كلما تعرض نازلة يفصل فيها مباشرة، حتى الصحابة رضي الله عنهم توقفوا في مسائل، فقد توقف عمر في مسائل، واستشار غيره، واختلف اجتهاده مع اجتهاد أبي بكر، ورجع من اجتهاده إلى اجتهاد أبي بكر، فهذه العوارض من طبيعة المكلفين والعلماء؛ لأنه لا يفصل في كل ما نزل بالقطع واليقين وعدم التردد إلا من اصطفي بالوحي، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ولعل هذا التفصيل لهذا التقييد قد أبان الفرق بين الأهلية الخاصة والأهلية العامة، وأنه لا يجوز الاجتهاد بالفعل في المسألة الخاصة إلا إذا تحققت الأهلية الخاصة والأهلية العامة، ومن هنا تصبح نظرية الاجتهاد ليست كلأً مباحاً، ولكنها في الوقت نفسه نظرية ممكنة.
ولعل من التمام هنا أن الاجتهاد كما يقع من المجتهد الواحد فمن الفاضل -وهذه سنة ماضية عند المسلمين- أنه في النوازل الكلية يجتمع جملة من أهل الاجتهاد لتحصيل رأي متوافق، وهذه سنة قائمة اليوم بأشكال لا بأس بها في بعض المجامع الفقهية، ولكن ينبغي أن تقوم أكثر، وقد كانت قائمة في زمن السلف، كفعل عمر رضي الله عنه في مسائل كثيرة لما جمع المهاجرين ثم الأنصار ثم مسلمة الفتح في نزول الطاعون وقدوم الشام، وفي مسائل كثيرة يجتمع المجتهدون، فهذا وجه فاضل.
(7/7)

من خاصية المجتهد النظر في النوازل
أيضاً ينبه في هذا الباب إلى أن المجتهد الذي يسمى مجتهداً من خاصيته النظر في النوازل، وهذا هو الأمر الأعلى للاجتهاد؛ لأن المسائل إما نوازل أو مسائل مسبوقة بقول الفقهاء كالأئمة الأربعة أو غيرهم، فغير النوازل شأنها مقارب، ومهما رجحت فإنك ترجح بالأقرب، لكن خاصية المجتهد هي مسألة النوازل.
ومصطلح النوازل قد يكون مصطلحاً معاصراً، إلا أنه ليس معاصراً على الإطلاق؛ لأنه من المعلوم أن الفقهاء يذكرون مثلاً القنوت في النوازل، لكن المقصود بالمصطلح المعاصر قول بعض الباحثين والناظرين: إن النوازل هي القضايا المستجدة الكلية، فيجعل لها وصف أنها كلية وأنها مستجدة، وبعضهم يأخذها من اشتقاق الكلمة فيقول: النازل كل جديد، فكل جديد أسمية نازلة، ولا مشاحة في الاصطلاح، وسواء قلت: إن النوازل تنقسم إلى جزئية وكلية، فالجزئي من النوازل يمكن أن ينظر فيه فقيه أو ناظر متمكن، مثل بعض الباحثين من الأساتذة الآن وطلاب العلم الباحثين الذي لا يتمتع بشروط المجتهد، ولا يتمتع بشروط الفقيه من سعة العلم بالأقوال، لكنه يمكن أن يبحث في مسألة معينة، فهذا يبحث حتى الجزئي الجديد أو الجزئي النازل، فهذا أمر سهل ولا بأس أن يختلف الأمر عليه ويتردد القول فيه.
لكن النازلة مثل مسألة: الإيجار المنتهي بالتمليك في صورته القائمة في الشركات، هذه ليست نازلة كلية، ولذلك يختلف أهل البحث فيها، فبعضهم يجوزها، وبعضهم يمنعها، وبعضهم يجوزها بشروط، وهذه في نظري أنها من النوازل الجزئية، ولذلك يسوغ حتى للباحثين النظر فيها، ومنهم من أهل الفقه دون رتبة المجتهد، وأمرها سهل، وهي مثل التورق المصرفي التورق، فإن كمسألة موجودة عند الفقهاء، لكن لما دخل في النظم المصرفية اليوم صار له بعض الصور التي يتجاذب الباحثون فيها، وقد يتنازعون فيها، فهذه تعتبر من المسائل النازلة، مع أنني أميل في النازلة إلى مصطلح أعلى، وهو أن النازلة هي الكلية، لكن على هذا الاصطلاح الذي يراه البعض -ولا مشاحة في الاصطلاح- تعتبر من الجزئي، إذا سميته نازلاً فهو من الجزئي من النوازل الذي أمره مقارب، ويقع النظر فيه للباحث المتأهل فضلاً عن المجتهد، إنما خاصية المجتهد هي النظر في النوازل الكلية.
وهذه حقيقة في نظري أنه لا يجوز شرعاً لآحاد طلبة العلم أن يتخوضوا في الأمة بقرارات أو بآراء تجزم بالفعل أو بالترك في نوازل كلية، فإن هذه حق الكبار من أهل العلم الذين لهم وصف الاجتهاد في الجملة، ولا سيما إذا حصلت المجامع وتبادلوا الرأي وما إلى ذلك، فهذا ينبغي أن يكون من فقه هذه الأمة وسنتها، وأن لا نحرك الأدنى من فوقه وهو لم يتأهل إلى الاجتهاد في النوازل الكلية، فإن القول في النوازل الكلية من خاصية المجتهد.
وحينما نقول: إن الناس مقلد وناظر وفقيه ومجتهد، فمن البدهي أن ينبه إلى أنهم يتفاضلون، فالمقلدون ليسوا وجهاً واحداً، فالأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب مثل الأعرابي ليس مثل الإنسان المدني، والناظرون ليسوا درجة واحدة، بل إنه يتفاضل هذا عن هذا، كذلك الفقيه في رتبته الأولى والفقيه في رتبته الثانية، وكذلك المجتهد، فإن المجتهدين ليسوا وجهاً واحداً.
ولكن إذا رجعت إلى فقه الاجتهاد الأول عند السلف أو عند القرون الثلاثة الفاضلة؛ وجدت أن هذا هو مفهوم الاجتهاد: أن من توفرت فيه الأهلية العامة والأهلية الخاصة عند الفعل فهو المجتهد، وأنه ليس في كل المسائل يجتهد، فربما اجتهد في مسائل، وترك الاجتهاد في مسائل أخرى، فمثلاً: سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يعتبر من المجتهدين، لكن لما وقعت الفتنة رأى أن اجتهاده يقوده إلى الترك، فاعتزل في إبله، وهذا وجه من الاجتهاد، وكذلك تجد أن بعض الصحابة صار إلى شيء وبعضهم صار إلى شيء آخر.
وليس بالضرورة أن المجتهد هو من توفرت فيه شروط الاجتهاد لكل نازلةٍ في لحظتها أو في زمنها، هذا لا يلزم حصوله، وكأن فيه تعذراً في غالب الأحوال.
(7/8)

هل من لازم الترجيح الرد على القول الآخر أو الجواب عن أدلته؟
هذه مسألة فيها قدر من النسبية، لكن الذي انتظم لدى البعض أنه إذا رجح مذهب الحنفية أو مذهب الحنابلة مثلاً في مسألة، وربما رجح أحياناً خلاف قول الجمهور، كان من شرط الترجيح عنده: أنه لا بد أن يجيب إجابة تفصيلية تلغي وتمنع أدلة الأقوال الأخرى، فيقول مثلاً: استدل الحنفية بكذا، وهو الراجح، وأما القول الثاني وهو قول للحنفية والشافعية والماليكة والحنبيلة فهو مرجوح، والجواب عن أدلته كذا وكذا.
مع أنه إذا أردنا أن نجيب عن الدليل بمعنى منع الدليل فلابد في الغالب من التكلف؛ لأن المنع إنما يكون في الأقوال البينة المخالفة، كالشاذ مثلاً، أو في الأقوال العقدية، هذا هو الذي يأتي تحت نظام الإثبات والنفي وما إلى ذلك؛ وذلك لأن القطعي لا يعارض قطعياً، لكن الظني قد يعارض ظنياًَ، وما دام أنك تسلم بهذا المبدأ العقلي الشرعي وهو أن الظن يتعارض مع الظن، فإذا رجحت الظن الأول فإن الذي يلزمك للترجيح هو تأخير الظن الثاني فقط؛ لأنه في النتيجة ستقول: اجتمع ظنيان، ويكفي في الترجيح أن أحدهما أقوى من الآخر، لكن لا يقال: اجتمع دليلان قطعيان متضادان أحدهما أقوى من الآخر، فإن هذا لا يوجد.
إذاً: نظام المنع المطلق والإلغاء هو في الإجماعات والعقائد، أما في الأقوال التي شاعت واشتهرت عند الفقهاء فتعتبر على مبدأ تقديم الأقوى، فيقال مثلاً: إن قول أبي حنيفة أقوى من قول الشافعي، ولا يقال: إن قول الشافعي باطل، بل يقال: إنه قول مرجوح، فإذا كان قول أبي حنيفة في مسألة ما أقوى من قول الشافعي فمعناه: أن دليل أبي حنيفة أقوى من دليل الشافعي، ولا يلزم على هذا لازم فاسد، وهو أن الأدلة متعارضة؛ لأن المقصود هو دراسة هل هذا دليل أو ليس بدليل؟ أما إذا عين أنه دليل بالقطع فيمتنع التعارض كما في الإجماع والعقائد.
وهذه المسألة -وهي مسألة الإجابة عن أدلة الأقوال الأخرى- صار فيها اليوم تشديد وتضييق، ففي بعض الطرق الأكاديمية يشدد في أنه لابد أن يجاب عن كل دليل إجابة مانعة بمعنى الكلمة، مع أن هذا ليس هو شرط الترجيح، هذا شرط السنة والبدعة، والصواب والخطأ، وما خالف الإجماع، أو الشاذ من الأقوال وما إلى ذلك، أما أقوال الأئمة فمن الخطأ أن توضع تحت مثل هذه النظريات الغالية.
وبهذا نكون قد عرفنا منهج عرض الخلاف، وبينا أن التجاهل للأقوال المعتبرة كأقوال الجماهير والأقوال المتكافئة ليس محموداً، وبالمقابل فإن بعث الأقوال الشاذة أو التحديث بالخلاف حيث لا تقتضي المصلحة التحديث به هذا أيضاً ليس حكيماً.
(7/9)

شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام [8]
عرف مصطلح التمذهب بعد وجود المذاهب الفقهية، وأخصها المذاهب الأربعة، والتمذهب منه ما هو جائز ومحمود، ومنه ما هو ممنوع ومذموم، فإذا كان من باب التراتيب العلمية فهو الجائز المحمود، وإذا كان من باب التعصب والتدين وما إلى ذلك فهو المذموم الذي ينبغي أن يحذر منه، وأن لا يلتزم به على وجه التدين أو التعصب المذموم.
(8/1)

التمذهب
لقد عرف هذا المصطلح -أي: مصطلح التمذهب- بعد وجود المذاهب الفقهية، وأخصها المذاهب الأربعة: مذهب الإمام أبي حنيفة، ومذهب الإمام مالك، ومذهب الإمام الشافعي، ومذهب الإمام أحمد.
والقول في التمذهب يقع في مقامين:
(8/2)

التمذهب الجائز المحمود
المقام الأول: التمذهب الجائز المحمود: وهو اعتبار التمذهب من التراتيب العلمية، فيقصد إليه في مقام التدريس والتعلم، والتدريس حق الشيخ، والتعلم حق الطالب، فالنظر في التمذهب باعتباره من عوارض التراتيب العلمية أمر حسن وسائغ، وإن لم يكن لازماً على الإطلاق، وفائدته ترتيب المسائل العلمية، ومعرفة مبتدأ الأقوال في الكتب ومنتهاها، فيحفظ به المتمذهب ويعرف أصول المسائل، ومبتدأ الأقوال، وما إلى ذلك.
ومن فوائده: أنه يقع ضد الفوضى العلمية، ولعل من الحكمة أن نقول: ضد الفوضى، وليس نقيض الفوضى؛ لأن الضد قد يعني أنه إذا ارتفع الضدان فيمكن أن توجد صورة ثالثة، فلا يقال: إنه لا يمكن في الوجود إلا التمذهب أو الفوضى، ومن لم يتمذهب فهو من أهل الفوضى، فإن هذا إغلاق؛ لأنه أولاً لم يقع عند السابقين بهذه الصورة، ثم إنه حتى بعد أن ظهرت المذاهب الأربعة كان هناك اختصاصات، كاختصاصات بعض أهل الحديث بفقه الحديث والتتبع لفقه المحدثين، والعناية به، وكذلك بعض المتمذهبين كثر خروجهم عن رأي المذهب في بعض المسائل، وكثر أخذهم بخلاف المعروف من المذهب في المصطلح.
إذاً: القول بأن من لم يتمذهب فهو من أهل الفوضى قول غير صحيح، لكن في أحيان كثيرة يكون التمذهب بديلاً عن الفوضى، وفي كثير من الأحوال تركه يؤدي إلى الفوضى، أما أنه يلزم من تركه الفوضى فهذا ليس شرطاً لازماً على الإطلاق.
(8/3)

اختيار التمذهب بمذهب معين
إذا قلنا: إن المذاهب التي اشتهرت وانتشرت وبقيت هي المذاهب الأربعة، فبماذا يتمذهب طالب العلم ابتداءً؟
نقول: الأصل شرعاً وعقلاً أن يُختار الأفضل والأقرب للسنة والأقرب للصواب ..
وهذا متعذر، ولما كان متعذراً كان التعليق به وجهاً من التعصب، ومعنى ذلك: أن من يقول: إن مذهب الإمام أحمد أو مذهب الحنابلة هو أصح المذاهب بإطلاق، فإن هذا فيه تعصب، ومثله من يقول: مذهب الحنفية أو مذهب الشافعية أو المالكية أصح المذاهب، إذاًَ التفضيل المطلق لمذهب واحد من المذاهب الأربعة على غيره عند التحقيق أمر غير ممكن، ومن قال بذلك فهو اجتهاد عنده، وكما أن بعض الحنابلة يقدم مذهب الإمام أحمد، فإن الشافعية يوجد فيهم من يرجح بالجملة مذهب الشافعي، وهكذا في سائر المذاهب؛ بل إن الأصل في المتمذهبين أنهم ما تمذهبوا إلا لكونهم يرجحون المذهب على غيره.
إذاً: ليس هناك تفضيل مطلق منضبط علمياً عند سائر الفقهاء، أو كقواعد علمية صريحة منضبطة، إنما المحققون يعرفون التفضيل في أبواب معينة، فمثلاً: الإمام ابن تيمية من المحققين، مع أنه حنبلي إلا أنه يقول: وأصول مالك في البيوع والمعاملات أجود من غيره؛ لأنه أخذ فقه ذلك عن أعلم الناس بهذه المسائل في زمنه وهو سعيد بن المسيب.
وإذا رجعنا إلى من قبل الأئمة الأربعة فسنجد أنهم يفضلون عطاء في المناسك، فإن فقه عطاء في المناسك من أجود الفقه، كذلك أيضاً قوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} [الأنعام:145]، نجد أن المذاهب اختلفت فيها، فالحنابلة في المشهور من مذهبهم يحرمون ما استخبثته العرب، والشافعية في المشهور من مذهبهم يجعلون المناط على الضرر، والإمام مالك توسع في ذلك حتى إنه في مذهبه أحلت كثير من الحيوانات التي حرمت في جمهور المذاهب.
إذاً: التفضيل الممكن يكون في أبواب معينة، كأن يقال مثلاً: في باب المياه مذهب فلان أجود من مذهب فلان، وهذا يصل إليه المحققون، كـ ابن تيمية رحمه الله فإنه يستعمل هذا كثيراً، ومن قبله الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام يشير في بعض كلامه -كما في كتاب الأموال- إلى شيء من هذا.
ولما تعذر التفضيل المطلق فإن معيار الاختيار من أخصه قصد ما عليه أهل البلد، فمن نشأ في بيئةٍ حنبلية فالأولى له أن يتمذهب بمذهب الحنابلة، وفي البيئة الشافعية أو المالكية أو الحنفية كذلك؛ وذلك لمصالح شرعية بينة، من أخصها: أنه أضبط لعلمه؛ لأن ذلك المذهب كتبه منتشرة في ذلك المصر، والشيوخ الذين يدرسونه موجودون، وطرق التدريس له فيما بعد لحفظ العلم متاحة، وإذا أفتى به فإنه لا يفرق العامة ولا يلبس عليهم، وهكذا درج المتقدمون قبل هذه التمذهبات، فقد كان الإمام مالك رحمه الله في المدينة يحرص على فقه المدنيين، حتى إنه قدم عمل أهل المدينة وجعله حجة في بعض المسائل، فهذا من الفقه الفاضل، وهو نوع من الاقتداء الحسن، وما زال المسلمون سائرين عليه.
(8/4)

حكم التمذهب كترتيب علمي
ما حكم التمذهب كترتيب علمي؟
الترتيب العملي له وجهان:
الوجه الأول: إذا جاء من عارف فقيه فإن الترتيب بمعنى أنه يفقه أصول المذهب، فيفقه الحنفي درجة القياس في مذهب أبي حنيفة وأين يستعمل، كما أن الحنبلي يفقه درجة قول الصحابي وأين يستعمل، ويفقه المنطوق والمفهوم، وهل يعمل المذهب بالمفهوم أم لا؟ والمقصود: أنه يدرس أصول فقه المذهب، وذلك مثل تمذهب ابن عبد البر على مذهب الإمام مالك، فليس تمذهبه مجرد أنه قرأ فروعاً متنية على فقيه مالكي؛ بل إنه يعرف أصول مذهب الإمام مالك، فهذه الدرجة العالية في الترتيب العلمي للتمذهب أنه يقصد إلى فقه أصول المذهب، ومن باب أولى أن يأخذ بعد ذلك الفروع.
الوجه الثاني -وهو الشائع الآن عند كثير من المجالسين لفقهاء المذاهب في أمصار المسلمين-: أن بعض طلاب العلم لا يصل إلى أنه يعرف أصول المذهب بقدر ما هو يحفظ فروع المذهب على طريقةٍ معينة، فهذا أيضاً وجه من الترتيب العلمي.
فالترتيب العلمي قد يكون ترتيباً باعتبار أصول المذهب، وهذه حال الكبار من المتمذهبين، وقد يكون ترتيباً باعتبار الأخذ بفروع المذهب وإن لم يدخل في تفاصيل أصول المذهب.
فإذا أخذ التمذهب كترتيب علمي يبنى عليه ولا يترك بيّن الدليل من أجله، إنما كترتيب علمي ليعرف نظم المسائل ولينضبط قوله، فهذا كترتيب علمي لا يجوز إنكاره.
ولقائل أن يقول: ما هو الدليل على ذلك؟ وهنا نرجع إلى قضية الدليل النصي والدليل الاستقرائي، ومن الدليل الاستقرائي: أن هذه المذاهب استقرت في القرن الرابع الهجري، وهذا لا يجادل فيه أحد، فمتى نقل أن أعياناً من العلماء المعتبرين قد صرحوا بتحريم التمذهب كترتيب علمي؟ أما كتقليد وتعصب وترك لظاهر الأدلة فهذا معلوم من الدين بالضرورة تحريمه، ولا يحتاج أن ينقل عن فلان أو فلان من الناس، ولذلك فإن بعض من يحرمون التمذهب يقولون: قال ابن القيم كذا، مع أن ابن القيم حنبلي فما الذي كان ينكره وهو حنبلي؟ أو يقولون: قال شيخ الإسلام ابن تيمية أو ابن رجب كذا، مع أنهما حنبليان، فالتمذهب بمعنى التقليد والتدين والالتزام والاختصاصات والتعصبات، هذا المفهوم هو المخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، أما التمذهب كترتيب علمي مع عدم الإلزام به إلا من باب ترك الفوضى العلمية وما إلى ذلك، فهذا إلى القرن العاشر -فيما أعلم- لم يحفظ عن إمام معتبر أنه منع منه، إنما الذي صرح المتقدمون كالأئمة الأربعة أنفسهم والفقهاء من أصحابهم المحققين، كبعض الذين ذكروا في المصنفات التي ذمت التقليد والمقلدين وما إلى ذلك -الذي صرحوا بمنعه والتحذير منه هو التمذهب بمعنى التقليد والتعصب وتقديم المذهب على الدليل ..
ونحو ذلك.
أما التمذهب كترتيب علمي فلم ينكر على هذا الوجه، بل إن جماهير علماء المسلمين في سائر بيئاتهم كانوا يتمذهبون على هذه المذاهب، مع أنهم درجات، فمنهم المحققون الذين انتظموا على فقه المذاهب بشكل صحيح، ومنهم دون ذلك.
(8/5)

التمذهب المذموم
المقام الثاني: التمذهب المذموم: وهو التمذهب على معنى التدين، أي: أنه يلتزم التمذهب على وجه الاختصاص بقول أحد، فيجعل هذا أخص تديناً من غيره، ويتعصب له حتى إنه يترك ظاهر الدليل من أجل قوله ونحو ذلك، فهذا الاستمساك المحض، والمغالبة المحضة بالمذهب، أو ذم المذاهب الأخرى، أو تشتيت المسلمين بالتمذهب ..
ونحو ذلك من العوارض البينة، هذا لا شك أنه مذموم شرعاً وعقلاً، وليس هو من باب التوسعة على المسلمين كالمقام الأول، بل إنه يدخل في باب التضييق عليهم.
ولذلك إذا ورد سؤال: هل التمذهب توسعة على المسلمين أم أنه تضييق عليهم؟ فيقال: فيه تفصيل: فإن اعتبر بالمفهوم الأول الشرعي المتعقل فهو توسعة على المسلمين، وإن اعتبر بالمفهوم الثاني التعصبي المضيق الذي يتجاهل القول الآخر مطلقاً، ويتجاهل ظاهر الدليل أحياناً إلى غيره، ويتكلف في إبعاد القول الثاني، وغير ذلك من أوجه الغلو التي حدثت في التاريخ، حتى كان بعض الشافعية لا يزوجون الحنفي -وإن كانوا يتمسكون بأن الحنفية لا يشترطون الولي في النكاح وما إلى ذلك، لكن هذه تعصبات زائدة- وحتى صار بعضهم يسأل: هل نصلي خلف الشافعي وهو يقنت في الصبح أم لا نصلي خلفه؟! فهذه التكلفات هي تضييق وليست توسعة على المسلمين.
(8/6)

الخروج على المذهب
من كان متذهباً على مذهب معين، كأن يكون حنفياً أو حنبلياً أو شافعياً أو مالكياً، فهل له الخروج على مذهبه أم لا؟ سواء كان فقيهاً في أصول المذهب، أو كان عارفاً بفروع المذهب فقط؟
هذه المسألة لها أربع صور:
(8/7)

الخروج إلى قول واحد من الأئمة الأربعة
الصورة الأولى: الخروج إلى قول واحد من الأئمة الأربعة:
فإذا كان حنفياً مثلاً فيخرج عن قول أبي حنيفة إلى قول أحد الأئمة الثلاثة مالك أو الشافعي أو أحمد ..
وهكذا، فهذا الخروج يعتبر خروجاً لا بأس به، لكنه ليس مشتهراً عند الفقهاء المتمذهبين، والغالب عليهم أنهم يخرجون إلى أقوالٍ في مذاهبهم، فتجد أن المحققين من الحنابلة إذا رجحوا خلاف المشهور فإنهم يذكرون أن ما رجحوه هو رواية عن الإمام أحمد، ولذلك يقول ابن تيمية -وهو من محققي الحنابلة-: إني تأملت المسائل التي ظاهر المذهب فيها عند الأصحاب يخالف الدليل فإذا عامتها يكون فيه عن أحمد رواية توافق ما عليه ظاهر الدليل.
وهذا من باب الجمع في هذا المقام، وهو الخروج عن المذهب المعين إلى قول أحد الأئمة الأربعة، وهذا فيه سعة.
(8/8)

الخروج إلى قول أحد الأئمة المتقدمين ممن هم في درجة الأئمة الأربعة
الصورة الثانية: الخروج إلى قول من هو في درجة الأئمة الأربعة العلمية من الأئمة المتقدمين ممن حُفظ قولهم، كـ الثوري، ومن قبله النخعي، أو أئمة التابعين، أو بعض الأقوال المتقدمة.
فإذا وجد في مسألة ما أن بعض المتقدمين من أئمة السلف ممن هم في درجة الأئمة الأربعة علماً وفقهاً واستفاضةً عند الأمة، كـ الثوري مثلاً أو بعض أئمة الأمصار، بل بعضهم كان لهم مذاهب كـ الليث بن سعد والأوزاعي ونحوهم، أو من قبل هؤلاء من التابعين -إذا وجد أن لهم قولاً يخالف أقوال الأئمة الأربعة، فهل الخروج عن المذاهب الأربعة إلى هذا القول جائز بشرطه أم أنه ممنوع من أصله؟
الجواب: هو جائز بشرطه؛ لأنه إذا قيل: إنه ممنوع، فيرد سؤال وهو: إذا اتفق الأئمة الأربعة على قول فهل يكون إجماعاً؟ إذا قيل: إنه إجماع، فسيكون لزوم قولهم من جهة كونه إجماعاً لا من جهة كونه قول الأئمة الأربعة، فتخصيصه بالأئمة الأربعة حقيقته وهم في الذهن؛ لأنه لا يقال في كل أقوال الأئمة الأربعة أنها مسائل إجماع، بل بعضها مسائل فيها إجماع وبعضها ليس فيه إجماع؛ فلا يسوغ أن تخص مسائل الإجماع باسم الأئمة الأربعة؛ لأنه لو ساغ ذلك لخصت بالأربعة الراشدين من الصحابة رضي الله عنهم.
أما إذا قيل: إنه لا يلزم أن يكون إجماعاً، فإذا لم يكن إجماعاً، والقول الآخر قول بين معروف لأئمة معتبرين من التابعين والأئمة الذين هم في درجة هؤلاء، فما الذي يمنع شرعاً وعقلاً أن يكون الصحيح -إمكاناً وليس جزماً- في هذا القول؟ ليس هناك شيءٌ يمنع من ذلك، لا من جهة الشرع ولا من جهة العقل، ومن المعلوم أن المتقدمين لم يكونوا يثربون على من خرج عن أقوال الأئمة الأربعة، أعني الخروج الذي هو بشرطه، وكذلك لم يكونوا ينتقدون الأقوال البينة غير الشاذة، فكذلك من خرج إلى تقليد ما لم ينتقد فلا ينتقد؛ لأنه لو كان منتقداً لكان الأولى بالانتقاد ذلك الذي قلده.
وقد حاول بعض الفقهاء كـ ابن رجب رحمه الله أن يجمع جملة الأقوال إلى أقوال الأئمة الأربعة، ولو وجد ما يخالف قول الأئمة الأربعة من الأقوال فهو من جنس جمع الصحابة للقرآن على مصحف واحد وترك ما عداه.
والخلاصة: أن الخروج عن أقوال الأئمة الأربعة لقول معتبر -وليس لقول شاذ- عليه بعض فقهاء التابعين، أو بعض الأئمة المتبوعين كـ الأوزاعي والليث والثوري ونحوهم، فهذا جائز شرعاً وعقلاً، ولا يمنعه إلا من فرض أحد أمرين:
الأول: أن الحق محصور في غير الإجماع، والثاني: أن الحق الذي في غير قول الأئمة الأربعة لا يجوز اتباعه.
تنبيه: نحن هنا لا نتكلم عمن يفتي بالمذاهب الأربعة، ويقول: أنا لا أفتي إلا بالمذاهب الأربعة، فإن هذا لا يمنع، ولا ينكر عليه، وقد درج كثير من الفقهاء على هذا المنهج، كـ ابن رجب وغيره، فقد كانوا لا يفتون بما خرج عن المذاهب الأربعة، لكن هناك فرق بين كونه لا يفتي بما خرج عن المذاهب الأربعة، وبين كونه يجعل هذا ديناً لازماً على المسلمين، فمن خرج عن قول الأئمة الأربعة أنكر عليه إنكاراً شديداً، فهذا يلزم عليه إما أن الحق محصور في معين من الأقوال، وهذا غير صحيح، وإما أن أقوالهم فقط هي الإجماع، وهذا أيضاً غير صحيح.
إذاً: الصواب أن الخروج عن المذاهب الأربعة إلى قول إمام متقدم يسوغ بشرطه، وقولنا: (يسوغ) أي: أنه جائز وليس بلازم، ولذلك فقد ذكرت أنه من التزم أنه لا يفتي بخلاف المذاهب الأربعة فهذا التزام لا بأس به، وإذا كنا نسوغ أن يفتي البعض بالمذهب الحنفي أو الحنبلي وحده، فمن باب أولى أن من التزم أن لا يخرج عن المذاهب الأربعة أنه لا بأس به، وأرى أنه منهج يصلح لكثيرين وأولى لكثيرين، لكن من وصل إلى درجة كبيرة من التحقيق والعلم، وفقه الأقوال المتقدمة، والتفريق بين الشاذ وخلافه، والخلاف المحفوظ وعدمه، وما هو على وفق الأدلة وما هو على خلاف الأدلة، فخرج في بعض المسائل عن قول الأئمة الأربعة إلى قول أئمة متبوعين كـ الليث والأوزاعي أو من قبلهم من التابعين؛ فهذا مما يسوغ شرعاً وعقلاً، وقد درج عليه الكبار من المتقدمين فما أنكر عليهم، ولو أنكر عليهم لنقل.
وإذا كان لم ينكر على الفاعلين، فمن باب أولى أن لا ينكر على المقلدين، والمقلدون لم يوجدوا في هذا الزمن فقط، فإن الإمام الثوري مثلاً لما كان له رأي خالف فيه الجمهور، كان هناك أناس يقلدونه، فحيثما وجد القول يوجد من يقلده.
وقد يقول قائل: إن السبب في المنع أن أقوال الأئمة الأربعة تحررت فضبطت أصولهم الفقهية ونظم مذهبهم من أول الفقه إلى آخره.
فيقال: هل من شرط الأخذ بقول فقيه أن يعرف قوله في سائر المسائل؟ الجواب: لا، ولو شرط هذا الشرط لتعذر العمل بفقه الصحابة، فإنه لا يعرف كل فقه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فلم يبلغنا إلا بعض فقههم، وكذلك الصحابة بلغ بعضهم عن بعض شيء ولم يبلغ البعض الآخر، فما يفقهه ابن عباس من فقه عمر أكثر مما يفقهه معاوية مثلاً، وما يفقهه الحسن بن علي من فقه أبيه علي أكثر مما يفقهه غيره من فقه علي، فالتفاضل هنا موجود، فلا يشترط إذاً أنه لا يخرج إلا إلى مذهب قد انتظم من أوله إلى آخره.
ثم إننا نجد أن الأصول غير متفق عليها كأصول منضبطة عند الأئمة، فإذا نظرنا في أصول فقه الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وجدنا خلافاً في كثير من المسائل، وإذا جئنا إلى الفروع وقرأنا الإنصاف أو الفروع أو كتب المذاهب الأخرى؛ وجدنا أنهم يختلفون كثيراً في تحرير المذهب والجزم حينما تتعدد الروايات، وليس معنى هذا أننا نشكك في استقرار المذاهب أو وجودها، لكن المقصود أنه لا يلزم أننا لا نعمل إلا بقول إمام له مذهب متكامل من أوله إلى آخره أصولاً وفروعاً، فإن هذا الشرط لا أصل له عند السلف، ولا أصل له عند الخلف كلزوم أو وجوب.
ومن الأمثلة على ذلك: أن مذهب الثوري لم يضبط كله، فإذا قال الثوري: إن بعض جلود السباع طاهرة، فهذا قول محدد، فإذا وافقه ظاهر دليل فإنه يجوز العمل به، كذلك لما ظهر لـ ابن تيمية أن طلاق الثلاث بلفظ واحد يعتبر طلقة واحدة على ظاهر حديث ابن عباس، مع أنه خلاف الأئمة الأربعة، فإنه يجوز العمل به.
(8/9)

الخروج إلى قول متأخر عن الأئمة الأربعة
الصورة الثالثة: الخروج إلى قول غير الأئمة الأربعة، ولكنه قول متأخر، ذكره بعض المتأخرين من الحنفية مثلاً خلافاً لمذهب جمهورهم، أو ذكره بعض المتأخرين من الظاهرية أو من أصحاب الحديث خلافاً لمذهب جمهورهم، فإذا كان القول متأخراً -أي: جاء في القرون المتأخرة- ولم يعرف هذا القول عند أحدٍ من المتقدمين لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، فهذا الأصل منعه.
(8/10)

الخروج إلى قول تفقه به الناظر
الصورة الرابعة: الخروج إلى قول تفقه به الناظر، وهذا يعرض لمن يشتغل بالحديث أحياناً، كما لو جاء متأخر في هذا القرن مثلاً أو في قرن مقارب، فربما رأى رأياً من ظاهر دليل عنده من السنة، وهذا الرأي لا يوجد قائل به من المتقدمين لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، فإن قيل له: من قال به من المتقدمين؟ قال: لا أعلم، ولكن هذا ما ظهر لي، فإذا نظرت في كتب المتقدمين وجدت أنهم لا يذكرون هذا القول أصلاً، وكأن الإجماع على خلافه، فهذا القول الذي تفقه به الناظر قول غير صحيح، وهذا قد يعرض أحياناً لبعض طلبة العلم المشتغلين بالحديث، أنه إذا رأى أراءً لم يقل بها أحد من المتقدمين، فإن قيل له في ذلك قال: هذا ظاهر السنة، وهذا فيه تمانع في الشرع والعقل، فإنه يتعذر أن يدل ظاهر السنة على مسألة لم يذكرها المتقدمون، وإذا كان هناك مسألة نطق بها المتقدمون واشتهر الخلاف بينهم، وذكروا فيها أربعة أقوال لا يذكرون بينها ما وصلت إليه أنه هو ظاهر السنة؛ فإن هذا يدل على أن ما وصلت إليه ليس صحيحاً معتداً به.
إذاً: الخروج إلى قول المتفقه المتأخر بنظره الخاص ولم يسبقه إلى ذلك إمام، هذا أيضاً يمنع.
(8/11)

خلاف العلماء في حكم الخروج عن المذاهب الأربعة
الخروج عن مذاهب الأئمة الأربعة إلى قول إمام، أو إلى قول محفوظ عن متقدمين من الأئمة بهذا القيد، فيه ثلاثة مذاهب للمتأخرين:
المذهب الأول: لزوم الخروج عن مذاهب الأئمة الأربعة إذا عرض ظاهر دليل يقتضي المخالفة، وهذا الذي عرض به ظاهر الدليل قول محفوظ أو قول ثابت عن إمام متقدم، ومن أخص من انتصر لهذا المذهب الإمام أبو محمد ابن حزم، بل إنه ربما خرج إلى ما هو أوسع من ذلك أحياناً، فإن ابن حزم يرى لزوم الخروج عن المذاهب.
وقد يقول قائل: إن ابن حزم لا يعتبر المذاهب أصلاً.
فنقول: إن هذا الكلام ليس على إطلاقه، صحيح أنه قد تند من ابن حزم بعض الحروف والكلمات عند اشتداده في مقام الاحتجاج أو الرد على بعض الفقهاء، لكن هذه الكلمات إذا ندت منه فلا يلزم أنها تمثل منهجاً مطرداً فيحاكم قوله إليها، فإنه ربما ندت منه بعض الكلمات التي قد تشير إلى مثل هذا -أعني ترك الاعتبار المطلق- وهذا ليس وجهاً معروفاً له، إنما المقصود أنه ممن يرى لزوم الخروج عن المذاهب الأربعة إذا قضى ظاهر الدليل بذلك، والقول محفوظ عن إمام متقدم، إما أن يكون حفظه عن بعض المتقدمين، كأن يخرِّج بعض المسائل على فقه الصحابة -وهذا له أمثلة عنده- فإنه قد يخالف الأئمة الأربعة ثم يقول: وهذا الذي ذكرناه هو قول أبي بكر وعمر مثلاً، أو قول ابن مسعود، أو غيرهم، فإنه كثير العناية بآثار الصحابة كما هو معروف في منهجه، وهذا في الجملة مما يحمد لـ ابن حزم -أعني العناية بآثار الصحابة- وإن كان فقهه لآثار الصحابة قد يتأخر في كثير من الموارد، فإنه ربما رأى آراءً ليست من مقتضى قولهم المعين.
المذهب الثاني: المنع، فأصحاب هذا المذهب يمنعون الخروج عن المذاهب الأربعة مطلقاً، ويرون أنه لا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة، بل يكون مدار الأقوال على هذه المذاهب، ومن أخص من تكلم عن هذا وضبطه ومال إليه الحافظ ابن رجب في رسالة له، مع أن الحافظ ابن رجب هو من أوسع المتأخرين علماً وأكثرهم عناية بآثار السلف، وهذا بين في الجزء الموجود من شرحه لصحيح البخاري المسمى: فتح الباري على صحيح البخاري، ففيه تظهر عناية الحافظ ابن رجب بآثار السلف، ومقالات أئمة الحديث بخاصة، فهو كثير العناية كثير الفطنة كثير الضبط لمثل ذلك، ولكن له كلام في بعض رسائله أكد فيه هذا المعنى وهو: منع الخروج عن المذاهب الأربعة في القول الفقهي.
فهذان الإمامان -أعني الإمام أبا محمد ابن حزم صاحب طريقة الإلزام، والحافظ ابن رجب صاحب طريقة المنع- كلاهما من المحققين المتأخرين، وإن كان ابن رجب أجود منهجاً؛ لأنه اعتبر منهج الإمام أحمد على طريقة المحققين من أصحابه، فضلاً عن عنايته بالآثار، أما أبو محمد ابن حزم فهو وإن كان كثير العلم حسن الفقه، إلا أنه انتحل مذهب الظاهرية، ومذهب الظاهرية يتأخر في الرتبة عن مذاهب أئمة الفقهاء كالإمام أحمد والشافعي وأمثالهما.
ولكن مع ذلك فإن هذين الإمامين -أعني أبا محمد ابن حزم وابن رجب - هما من أكثر المتأخرين علماً وتحقيقاً، وإن كان هذا له طريقة وهذا له طريقة، ونجد أن أبا محمد ابن حزم واسع العلم بآثار النبي صلى الله عليه وسلم وبآثار الصحابة، وبمقالات الفقهاء، كثير العناية والأخذ بالسنة والهدي، وكذلك الحافظ ابن رجب واسع العلم بالآثار، فهما من الأئمة الكبار المتأخرين، ولـ شيخ الإسلام ابن تيمية ثناء كبير على أبي محمد ابن حزم، حتى إنه قال: إنه إذا كان في المسألة نزاع والراجح فيها مرتبط بصحة الحديث، أو بورود الحديث، فإن القول الذي يذهب إليه ابن حزم في الجملة أو في كثير من الموارد يكون هو الصواب.
وعليه نقول: إنه مع أن هذين الإمامين لكل منهما قول في هذه المسألة يخالف الآخر، فإن هذا لا يعني تأخراً في فقههما؛ بل يقال: إن طالب العلم لا ينبغي له أن يستغني عن كتب ابن حزم وكتب ابن رجب، فهي من أجود كتب المتأخرين، وإن كانت كتب ابن حزم ينبغي أن لا يبتدئ فيها، وإنما يستعمل النظر فيها بعد أن تتبين له أصول العلوم وأصول القواعد العلمية، أما كتب ابن رجب فإنها أقرب إلى التأصيل.
ومذهب ابن حزم هذا يتابعه عليه جماعة، ولا سيما بعض من جاء في القرون المتأخرة من أصحاب الحديث، فإن بعضهم يستعملون هذه الطريقة، وهذا بين في طريقة بعض شيوخ الحديث المتأخرين.
ومذهب ابن رجب يسير عليه كثير من الفقهاء، وبعض المعاصرين يميلون إليه، أو يصححونه ويرجحونه.
وأنبه إلى أن القول بالإلزام أو بالمنع هو في الحقيقة يدور على أشخاص وليس رأياً عاماً، وإلا فإن من يريد أن يؤصل الأمور ببعض أوجه التأصيل الممكنة، ربما تطرق إلى ذهنه نتيجة أن الإلزام بالخروج هو مذهب العامة من أهل العلم؛ لأنه خروج إلى الدليل، وكذلك من يمنع ربما تحصل له بطريقة في نظره أن المنع هو مذهب الجمهور من الفقهاء، وقد يذكر أن العلماء أنكروا على فلان من أهل العلم لأنه خرج عن المذاهب في مسألة معينة.
فأقول: هذا لا ينبغي التسرع فيه، فالإلزام ليس منضبطاً كمذهب للجمهور من أهل العلم، كما أن المنع ليس منضبطاً، ولا يقال: هذا هو الذي درج عليه الفقهاء، وهذا هو المعروف عندهم، حتى إنهم شذذوا من خالفه؛ فإن هذا أيضاً فيه زيادة، نعم ..
ربما يشذذون في مسائل معينة لأن هذه المسائل لها أحوال معينة عندهم، أما التنظير الذي نتكلم عنه الآن فهو كالتأصيل لهذه المسألة.
مثال ذلك: مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، فربما قال بعضهم: إن العلماء أنكروا على شيخ الإسلام في هذه المسألة، فنقول: الإنكار ليس بالضرورة أنه فرع عن هذا الأصل، وبعض من تكلم في هذه المسألة -كـ ابن رجب - يقول: اعلم أنه لم يصح عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا الأئمة المتبوعين أنه جعل طلاق الثلاث واحدة.
فهو يرى أن هذا القول لا أصل له، وهذا اجتهاده، لكن الذي نتكلم عنه هو الخروج إلى قول معروف وليس إلى قول شاذ، فإنه إذا كان القول شاذاً أو لا أصل له؛ فهذا لا جدال في أنه لا يخرج إليه، إنما الكلام هنا عن مذهب معروف، إذا استقرأت في مصنفات الآثار وجدت له أصلاً معروفاً.
المذهب الثالث: أن الخروج عن المذاهب الأربعة سائغ، فليس لازماً وليس ممنوعاً؛ بل هو سائغ، ولكن بضوابط:
الضابط الأول: أن يكون الخروج إلى قول محفوظ بين وليس شاذاً، كأن يكون قول جماعة من التابعين أو قول بعض أئمة الشام، أو قول بعض كبار المحدثين، ونحو ذلك، وهذا من طرق العلم به النظر في المصنفات، كمصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، أو بعض كتب الخلاف المتقدمة؛ كاختلاف الفقهاء لـ محمد بن نصر المروزي، ونحو ذلك، وقد يقول الإمام الترمذي أحياناً: هذا المذهب عليه أكثر أهل العلم ..
وذهب طائفةٌ من أهل الحديث إلى كذا ..
ثم تجد أن القول الذي وصفه بأن عليه أكثر أهل العلم هو مذهب الأئمة الأربعة فيما بعد، فمعناه أن الترمذي حفظ القول الآخر.
الضابط الثاني: أن يكون الخروج إلى قول إمام متقدم، ويخرج بهذا الضابط الخروج إلى قول فقيه متأخر أو معاصر خالف الأئمة، أو ليس له إمام في قول تكلم به والمسألة قد تكلم فيها، أما إذا كانت المسألة لم يُتكلم فيها فهذا له كلام آخر فيما يسمى: مسائل النوازل.
الضابط الثالث: أن يكون الذي يرى الخروج عن المذاهب عنده ظاهر الدليل.
الضابط الرابع: أن يكون الخروج عن المذاهب من فقيه عارف، فلا يجوز أن يتقحم فيه المبتدئ في طلب العلم ونحوه ممن لم يبلغ درجة الفقيه العارف.
(8/12)

الأخذ بظاهر الدليل
وهنا قد يقول قائل: لماذا لا يكون الخروج لازماً لظاهر الدليل؟ أليس الأصل أننا متعبدون بالكتاب والسنة، وما ظهر من الدليل فإن الأخذ به واجب كما يؤصله الكثير من الكبار؟
فنقول: إن الأخذ بظاهر الدليل كأصل أمر لازم عند عامة الأئمة، وليس هناك خلاف معتبر في هذا الأصل كأصل مختص وحده، وهو أن الأخذ بظاهر الدليل لازم على جميع المكلفين، فإن هذا لا جدال فيه بين المتقدمين، إنما يقال: لما انتظمت المذاهب الأربعة بقول، مع ثبوت هذه المذاهب واستقرار طريقتها في الأمة قروناً متوالية، فإن الذي أسقط الإلزام هو اعتبار ممكن وليس اعتباراً لازماً؛ لأنه لو كان هذا الاعتبار لازماً لقلنا بالمنع، وهذا الاعتبار هو: أن تعيين ظاهر الدليل لا يخفى على الجمهور، وهذا كلام ممكن، ومن هنا قيل: إن الخروج ليس بلازم، وقيل: إنه ليس ممتنعاً.
وكما ذكر ابن تيمية رحمه الله: أنه استقرأ مسائل الشريعة فإذا القول الذي عليه الجمهور في الجملة هو الصواب، وهذا هو مقتضى الشرع والعقل، فإنه يمتنع شرعاً وعقلاً أن يتوارد أئمة الأمصار على ترك ظاهر الدليل، فإذا عرض ما ترك الجماهير ظاهره، فهذا يمكن أن يكون دليلاً على كونه غير مراد لحجةٍ عندهم.
وقد يقول البعض ولا سيما من يرون الإلزام كـ ابن حزم، أو أصحاب الحديث المعاصرين، أو ممن قبلهم الذين يميلون إلى طريقة أهل الحديث -قد يقولون: إن القول بأن الظاهر لا يخفى على الجمهور هو إمكان وليس إلزاماً، ومجرد الإمكان لا يسلم، قالوا: لأن عندنا أمثلة ظاهر الدليل فيها يدل على حكم، ومذهب الأئمة الأربعة على حكم آخر، فيقال: فإذا عرض ما ترك الجماهير ظاهره فهذا يمكن أن يكون دليلاً على كونه- أي: هذا الظاهر المعين- غير مراد لحجةٍ عندهم.
وقد يقول قائل: هل معنى هذا أننا نترك بعض الظاهر لمحض قول الجمهور؟ والجواب: أن هذا ليس هو المقصود، فنحن هنا نتكلم عن مسألة الإمكان، والذي يحقق ذلك هو الإجابة عن سؤال، وهو: هل الظاهر الذي يوجب الحكم هو النظر في معين أم النظر في المجموع؟ بمعنى: هل تعيين الظاهر يكون بالنظر في دليل واحد أم بالنظر في مجموع أدلة؟
نقول: يتعين بالنظر في مجموع أدلة، فإذا نظرت في دليل معين قلت: إن الظاهر خلاف قول الجمهور، ولكن إذا جمعت مجموع الأدلة تبين أن الجزم بأن قول الجمهور يخالف الظاهر فيه تأخر في الجملة، وذلك لأن الظاهر هو مجموع النظر في الدليل، وليس النظر المعين, وإلا فثمة اتفاق على الأخذ بالظاهر وترك أقوال الرجال، فإن السلف متفقون أن ظاهر كلام النبي صلى الله عليه وسلم يقدم على أقوال الرجال، إلا أن يكون في المسألة إجماع، فيعلم حينئذ أن هذا ليس ظاهراً.
فيقال إذاًَ: إن تعيين الظاهر لا يخفى على الجمهور، فإذا عرض ما ترك الجماهير ظاهره فهذا يمكن أن يكون دليلاً على كونه غير مراد؛ وذلك لأن الظاهر هو مجموع النظر وليس النظر المعين.
وهذا نؤصل به لعدم القول بالإلزام التي هي طريقة ابن حزم، بمعنى: هل يسوغ لبعض أهل العلم أن يلتزم المذاهب ويقول: أنا لا أخرج في الفتوى والقول عن المذاهب الأربعة؟ نقول: إن ذلك يسوغ، فإذا اعترض عليه وقيل: كيف يسوغ وقد يترك لذلك ظاهراً؟ قيل: هو بنى على هذه الحجة وهي أن الجمهور لا يخفى عليهم الظاهر في الجملة، فإن عرض ما ظاهره الخفاء فإن مرده عنده يمكن أن يفسر بأن هذا الظاهر ليس مراداً؛ لأن الظاهر هو مجموع النظر وليس النظر المعين، وهذا المنهج لا أقول: إنه منهج لازم، ولكن أقول: إنه منهج ممكن.
ومن الأمثلة على ذلك: قول ابن عباس رضي الله عنهما كما في الصحيحين: (جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر)، فربما قال قائل: إن ظاهر الحديث يدل على جواز الجمع بدون عذر، وهذا حديث متفق على صحته، ولكن نقول: إن هذا التفسير للحديث ليس مراداً، ولذلك يقول الإمام الترمذي في الجامع: إن هناك أحاديث ترك العلماء العمل بها، وذكر منها حديث الجمع هذا، وحديث أن شارب الخمر يقتل في المرة الرابعة، والصواب أنه لا يقتل، وإن كان ابن تيمية يذهب إلى أنه هذا القتل راجع إلى تعزير الإمام، والصحيح أن الشرب لذاته لا يجوز فيه القتل، أما إذا تعلق بالشرب فساد في الأرض، مثل المتاجرات والترويجات وما إلى ذلك، فهذه مناطات أخرى، وأيضاً الأمر هنا يتعلق بالخمر، وأما هذه التي هي نوع من الخمر لكنها أصبحت نوع من الضرر السريع القاتل؛ كالمخدرات الحادة التي بدأت تنتشر ووفدت إلى بعض البلاد من بعض العوالم التي عدم فيها الانضباط، مثل الكوكايين والهروين ونحوها، فهذه أعلى حكماً في التقدير الشرعي من خمر النبيذ وخمر العنب وخمر التمر وما إلى ذلك، وهناك فروقات طبية وفروقات من جهات شتى مصنفة علمياً تثبت الفرق بين هذه وهذه، فلا يتساويان في الحكم.
إذاً: هذا مثال للظاهر الذي ترك العمل به، وأحياناً قد يكون هناك ظاهر لم يترك العمل به لكنه فسر بفقه معين، فقد يرى البعض أن الظاهر يقتضي فقهاً آخر، مثل حديث الخوارج المتفق عليه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام في الخوارج: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، فلم يفقه الصحابة من هذا الحديث أن المقصود به أنهم كفار، مع أنه قد قال بعض العلماء: إن هذا دليل على أن الخوارج كفار، وبعضهم يقول: الخوارج كفار بصريح السنة، ولكن يقال لهم: كيف تقولون ذلك مع أن الصحابة لم يفهموا هذا الفهم؟! ولا يقال: إن ذلك من باب درء الفتنة، فإنهم قد قاتلوهم وحصل القتال، فالحديث إذاً لا يدل على أنهم كفار.
ولذلك يقول ابن تيمية: إن هذا الحرف لا يفقه منه ذلك، ولو كان يفقه منه ذلك لفقهه الصحابة، فإن ظاهر مذهب الصحابة أنهم ليسوا كفاراً.
إذاً: هذا مما يبين أن الظاهر هو مجموع النظر، فإن الصحابة لم يكفروهم بهذا الحرف؛ ولأنهم نظروا إلى ظاهر السنة في هذه المناطات.
(8/13)

جواز الخروج عن المذاهب بضوابطه هو قول أكثر العلماء
إذاً: هذه حجة ممكنة، لكن هل هي حجة لازمة فيقال: من خالفها فقد خرج عن السنة إلى البدعة والضلالة، أو إلى الغلط العلمي البين، وفارق جماعة أهل العلم وما إلى ذلك؟
نقول: هذا المنع فيه تكلف وزيادة، ولا أصل له، ولعله من نافلة القول أن نقول: إن المجوزين هم الأكثر من أهل العلم، ومن أخص المجوزين تقريراً وفعلاً شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فهذا القول هو الأصل، وهو المقتضي إذا حقق بضوابطه، وأما القول بالمنع فكما سبق أنه يلزم عليه سؤال سبقت الإشارة إليه؛ وهو: هل اتفاق المذاهب الأربعة -حتى ولو فسر المذهب بالمذهب الاصطلاحي وليس المذهب المنصوص عن الإمام- هل اتفاقها هو الإجماع أم لا؟ إذا قيل: إن اتفاقها هو الإجماع، فستكون الحجة في منع الخروج عنها لكونها إجماعاً، وهذا لا جدال فيه، ولكن إثبات أن اتفاق هذه المذاهب الأربعة في آحاد المسائل باطراد هو الإجماع المتقدم عند السلف -هذا الإثبات دونه (خرط القتاد) كما يقال.
قد يجتهد مجتهد في مسائل معينة، كما اجتهد ابن رجب في مسألة أن طلاق الثلاث طلقة واحدة، وقال: إنها لا أصل لها، فهذا لا بأس به، لكن أن يقال ذلك في كل المسائل فهذا دونه خرط القتاد؛ بل إنه من الممكن، وقد وجد بالفعل أن هناك أقوالاً معروفة في المصنفات -كما أشرت إليه- وفي بعض كتب الخلاف المتقدم وبعض كتب المحدثين أقوال الأئمة معتبرين، وليست معروفة عند المذاهب الأربعة، لا يلزم أنها راجحة، ولكن تبقى أقوالاً محفوظة لا ينكر على من أخذ بها تحت الضوابط المتقدمة.
وإذا قيل: إن ذلك ليس إجماعاً، بل هو قول الجمهور، ولكن يلزم عدم الخروج عنه، فهذا إلزام لا دليل عليه من الشريعة، وما هو الذي جعله لازماً؟ إن التعليل بتعليلات ليست لازمة في الحقائق العلمية الكاملة كأن يقال: إن هذا يقود إلى الفوضى وما إلى ذلك، هذا نوع -إن صح التعبير- من الضبط الأخلاقي للعلم، ولذلك قلنا: إن الخروج لا بد له من ضوابط، فإذا قيل: إذا فتحنا هذا الباب خرج الناس إلى الشاذ وتخبطوا وما إلى ذلك، فيقال: هذا له ضوابط، ولا يجوز أن تصادر الحقائق العلمية لتخبط مجموعة من الناس ضدها.
فنظرية الإغلاق لوجود متخبطين هذه لا تتناها، وحتى لو أغلقت سيتخبط أناس ..
وهكذا، فتحقيق الحقائق العلمية يكون من هذا الوجه، فإذا قيل: إنها ليست إجماعاً، فما هو الدليل على المنع من الخروج إلى قول معتبرين من المتقدمين وظاهر الدليل يوافقه؟ لا يوجد دليل، لا شرعي ولا عقلي، وأما فرض أنه لو كان هذا القول صحيحاً لعرفه الجمهور، فنقول: هذا فرض ممكن لكنه ليس بلازم؛ لأنه لو كان لازماً لوجد من طريقة المتقدمين أنهم يقصدون إلى أقوال الجماهير ولا يجتهدون بخلافها، ولوجد أن من طريقة المتقدمين التحذير مما خالف قول الجمهور، وهذا لا يحذرون منه على الإطلاق، وأما من يقول: إنهم قد حذروا من مخالفة قول الجمهور، ويذكر لذلك أمثلة، فالأمثلة حقيقتها ليست من هذا، فالإمام مالك أحياناً يحذر من قول الجمهور لأنه لم يبلغه إلا هذا القول مثلاً، ومن الأمثلة على ذلك: صيام الست من شوال، فإنه لم يحذر منه حقيقة، لكنه شبه أنكره، مع أن الجمهور على أن صيام الست من شوال مستحب.
(8/14)

المذهب الشخصي والمذهب الاصطلاحي
المذهب الشخصي: هو منصوص الإمام أو ما يقرب منه، أما المذهب الاصطلاحي فالمقصود به: ما درسه فقهاء المذاهب الأربعة لتحرير مذهبهم، وهذا يختلفون فيه كثيراً.
وبطبيعة الحال فإن المذهب الشخصي قد يكون من جهة أوسع، كاختلاف الرواية عن الإمام أحمد بثلاث روايات كلها محفوظة، مع أن المذهب الاصطلاحي معتبر برواية واحدة، فمن هذا الوجه كان المذهب الشخصي أوسع، وباعتبار آخر نجد أن المذهب الشخصي يكون أضيق من المذهب الاصطلاحي، كتكميل المسألة وتكميل دليلها، وذكر الضوابط عليها، وما إلى ذلك، فهذا يحصله الأصحاب تارةً بالتخريج على أصول الإمام، وتارةً بالتخريج على فروعه ..
ونحو ذلك.
إذاً: هناك فرق بين المذهب الاصطلاحي والمذهب الشخصي كما بيناه هنا.
(8/15)

علاقة التمذهب بالآراء العقدية
هذا مما ينبه إليه طلبة العلم، ولا سميا إذا قرءوا في بعض الأبواب؛ كباب أحكام المرتدين، أو بعض المسائل المتعلقة بالأصول أو بالعقائد من بعض الجهات، كمسألة الزيارة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم، فمسألة الزيارة لها طرف فقهي من جهة، مثل حكم الزيارة للرجال والنساء، لكن لها طرف آخر يتعلق بالعقائد، مثل حكم شد الرحال لزيارة القبور، فربما دخل على بعض الفقهاء -ولا سيما المتأخرين- بعض هذه الكلمات، حتى ربما جانبوا المذهب الذي عليه الجماهير والعامة من السلف.
كذلك مسألة الردة وأحكام المرتدين، وبعض ما يذكرونه في مسائل التطبيقات على مسائل الردة، فهذه تعتبر بالأصول العقدية، ولا يكفي فيها النظر في آحاد كلام الفقهاء المتأخرين.
(8/16)

التمذهب على الفقيه وصاحب الحديث
ربما كان التمذهب -وهو الأصل- على طريقة الفقهاء؛ كالأئمة الأربعة ومن جاء بعدهم من أصحابهم، وربما تمذهب البعض بمذهب بعض أصحاب الحديث، وهذا يقع، ولا يجوز أن يمنع منعاً مطلقاً، ولكنه يدار فيه القول على الضبط والتحقيق، وهذا لما حصل عند المتقدمين وانتظم قولهم كقول بعض الفقهاء لم يكن مرتضياً لذلك، وهذا يوجد عند من لم يكن مرتضياً لجعل مذهب أحمد في مذاهب الفقهاء، وهذا تكلف، فإن الإمام أحمد يعد من المحدثين ومن الفقهاء، ولا يلزم أن يكون الإنسان إما محدثاً غير فقيه، وإما فقيهاً غير محدث، بل قد يكون محدثاً وفقهياً في نفس الوقت، فمثلاً: الإمام الشافعي فقهه أغلب من حديثه، فكأنه من محدثي الفقهاء، والإمام أحمد حديثه أوسع، أي: عنايته بالحديث أوسع من عنايته بالرأي، فهو من فقهاء المحدثين، فهذا أمر لا يتكلف فيه، لكن فيما بعد -أي: بعد المذاهب الاربعة- وجد مثل ذلك، وهذا له وجود في هذا العصر - أي: التمذهب على طريقة أصحاب الحديث- فلا ينبغي أن يضيق على طريقة المنع المطلقة، ولكن يؤكد شرطه وهو: أن لا يخرج عن أصول الفقهاء، كالتكلف بالآراء الشاذة تحت اسم الاستدلال بالدليل أو بالحديث، فهذا نوع من التكلف، فإذا ما ضبط على أصول الفقهاء فهذا وجه مقارب للقبول، ولا يجوز تضييقه، وهو موجود في بعض أمصار المسلمين في هذا العصر وقبل هذا العصر، فإذا كان المعتبر فيه يعرف مسائل الإجماع، فلا يخرج عن الإجماع، ولا يأخذ بالشاذ، وإنما يسير إلى قول إمام متقدم، فهذا ما سبق التنبيه إليه في المسائل السابقة.
(8/17)

خلاف الظاهرية
هل خلاف الظاهرية معتبر أو ليس معتبراً؟
لقد تكلم العلماء قديماً وحديثاً في هذه المسألة، وربما غلا بعض الفقهاء كـ أبي المعالي الجويني وأمثاله في إبطال قول الظاهرية، وأنهم لا يعدون من العلماء ولا من الفقهاء، وهذا فيه غلو وتكلف، بل الأصل أن قول داود بن علي قول معتبر، وأما آحاد مقالات الظاهرية فهل هي خلاف معتبر أو ليس معتبراً؟
يقال: كل مسألة من حيث الآحاد ينظر في مورد الإجماع المتقدم، وعلاقة هذه المسألة بالإجماع المتقدم، فإذا انفرد ابن حزم ببعض الرأي الذي ليس له فيه سلف، فيمكن أن يقال هنا: إنه لا يعتبر قوله، وأما إذا كان قول الظاهرية على أصل أو قول معروف عند المتقدمين، فهذا لا يسوغ إنكاره، والأئمة المتقدمون لم ينكروا جميعاً فقه داود بن علي، إنما أخذوا عليه، وإن كانوا أخذوا عليه فقد أخذوا على غيره، فقد أخذوا على أهل الرأي كثيراً؛ بل إن الإمام أحمد ترك بعض كلام إسحاق بن إبراهيم، مع أن الإمام أحمد من أقرب الناس إلى طريقة إسحاق، ومع ذلك قال: إنا نترك بعض الرأي من كلام إسحاق.
بل إن أبا عبيد ربما أثنى على بعض هذه الأقوال بشيء أكثر من ذلك، أي: الأقوال التي ذمها من ذمها.
فالمقصود: أنه لا يوجد عند المتقدمين إجماع على ترك فقه داود بن علي، فما تفرع عن الأصول المعتبرة التي لا تخالف الإجماع ولا الأصول فهو مقبول، وما كان شاذاً أو خالف الإجماع فيترك ويرد.
(8/18)

هل الأمة بحاجة إلى التمذهب أم لا؟
إذا كان التمذهب من باب التراتيب العلمية، فهذا يحفظ المسلمين، ويحفظ أنصار المسلمين وعوام المسلمين من الاضطراب، فإن الناس إذا انتظم لهم مذهب وصار فقهاؤهم وشيوخهم يفتون به، انفك العوام عن الاضطراب، وتركوا التحليل والتحريم والخوض في دين الله بغير علم، فهو من هذا الوجه فيه مصلحة.
وإما إذا فسر التمذهب بالتدين والتعصب، وترك العناية والأخذ بالسنن والآثار وما إلى ذلك، فهذا لا شك أن المسلمين لا يحتاجونه؛ لأن المسلمين يحتاجون إلى سنة نبيهم وليس إلى رأي فقيه بعينه، ولا نقول: إلى آراء الفقهاء، حتى لا نجعل تقابلاً بين السنة وآراء الفقهاء، وإنما نقول: وليس إلى رأي فقيه بعينه، فإذا كان التمذهب تعصباً فهو مذموم.
(8/19)

فقه الدليل
القول في فقه الدليل من جهتين: من جهة ماهيته ومن جهة تفسيره.
(8/20)

ماهية الدليل
يعرف الأصوليون الدليل بقولهم: هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
وكلامنا هنا إنما هو في ماهية الدليل وليس في حده الأصولي المعين، فنقول: الدليل في منهج المتقدمين والمحققين من المتأخرين -لأنه لا ينبغي الفصل المطلق بين المتقدمين والمتأخرين، وكأن المتأخرين انقلبوا انقلاباً كلياً على المتقدمين؛ بل لقد بقي في المتأخرين محققون، ولا يعني ذلك أنهم يبلغون إلى درجة المتقدمين، فمثلاً: شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن عبد البر والحافظ المزي ..
هؤلاء محققون، لكن لا يعني ذلك أنهم صاروا كدرجة أئمتهم، لكنهم محققون في هذا الباب- فيقال: المنهج الذي عليه المتقدمون والمحققون من المتأخرين أن الدليل وجهان:
أحدهما: الدليل اللفظي المعين، وهو ما يقضي بالحكم على المسألة إذا نظرت فيه، كحديث: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فهذا الحديث قضى بحكم هذه المسألة المعنية ..
ونحو ذلك.
ثانيهما: الدليل الاستقرائي، ومن خاصيته أنه دليل مركب، وهو محصل النظر في المقاصد والأصول -أي: مقاصد وأصول الشريعة- الخاصة والعامة.
(8/21)

مدارك فقه الدليل اللفظي
والدليل اللفظي المعين يفقه تفسيره بمجموع مدارك:
(8/22)

الفقه في لسان العرب
المدرك الأول: الفقه في لسان العرب، ومما ينبه إليه في هذا المدرك أن الاعتبار بالسياق وليس بمجرد اللفظ المفرد المطلق، فمثلاً: حديث: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه)، فمن اعتبر الكلمة المفردة لم يأخذ إلا كلمة (واجب)، لكن من اعتبر السياق فقرأ الحديث من حيث هو -وهذا قبل النظر في مقاصد الشريعة- ففيه قوله: (وسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه)، فالسواك والطيب معطوفان على الغسل، فسيكون التقدير: وسواك واجب على كل محتلم، ولا يوجد أحد يقول بأن السواك والطيب واجب، ومن هنا نعلم بذكر السياق للسواك والطيب أن الوجوب هنا ليس المقصود به الإلزام، فهذا ما نسميه بفقه السياق، وهذا مثال عليه.
إذاً: الاعتبار يكون بالسياق المركب وليس باللفظ المفرد المجرد، ونحن هنا لا نريد أن ننفي أهمية فقه الكلمات المجردة والمصطلحات المفردة، لكنها ليست وحدها هي التي تحكم، بل الذي يحكم هو السياق المركب.
ومما ينبه إليه هنا: أن السياق ليس نظماً رياضياً؛ لأنه من المعلوم أن الأصوليين كتبوا مسائل في فقه الألفاظ، فجعلوا للعموم صيغاً، وجعلوا قواعد فيما هو أكثر تردداً من ذلك، مثل قاعدة: الأمر للوجوب إلا إذا صرفه صارف، فلا ينبغي أن تؤخذ مثل هذه القاعدة أخذاً رياضياً تجريدياً، فإذا ورد أمر قيل مباشرة: واجب؛ لعدم وجود صارف نصي صريح في الصرف؛ لأن البعض لا بد أن يكون الصارف عنده دليلاً معيناً للصرف، وكذلك قاعدة: الأصل في النهي التحريم إلا بصارف.
ومن هنا فمن يأخذ هذه القواعد أخذاً تجريدياً نجد أنه يخرج أحياناً إلى أقوالٍ شاذة، وقد يخالف الإجماع وهو لا يدري، وليس معنى هذا أنه لا يقال: الأصل في الأمر الوجوب؛ فإن هذه القاعدة قد ذكرها المتقدمون كـ الشافعي رحمه الله، فضلاً عمن جاء بعده، فلا بأس أن يقال -بل هو الصحيح-: أن الأصل في الأمر الوجوب، فهذه قاعدة لا جدال فيها ولا تردد، وإنما المقصود الفقه في مثل هذه القاعدة، فإذا قيل: الأصل في الأمر الوجوب إلا بصارف، فيقال: هذه القاعدة صحيحة إذا فقه الصارف.
مثال ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح- عن صبغ الشيب وتغييره: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم)، فقوله: (فخالفوهم) أمر، وليس في سياق مفرد فقط، بل أمر في ذكر مسألة ترك التشبه، فكأن هذه قد تكون قرينة تؤكد أن الأمر للوجوب، ومع ذلك فقد حكي الإجماع على أن تغيير الشيب ليس واجباً.
كذلك حديث: (صلوا في نعالكم فإن أهل الكتاب لا يصلون في نعالهم)، ومع ذلك لم يكن ذلك على الوجوب، كذلك السحور، قال عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيح-: (تسحروا فإن في السحور بركة)، وذكر أيضاً أنه فرق بين المسلمين وبين غير المسلمين فقال: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر)، ومع ذلك حكي الإجماع على أن السحور ليس واجباً.
وقد يقول قائل: ما هو الصارف هنا؟ فنقول: هنا يأتي فقه الاستقراء، ولذلك من أخذ هذه القاعدة وأراد طردها إلا أن يبين له صارف يراه ببصره معيناً على حدود علمه، أن يكون الصارف نصاً معيناً حرفاً صريحاً بالصرف، فهذا يقصر فقهه كثيراً.
هذا هو المدرك الأول، وهو: الفقه في لسان العرب، سواء في باب الخبريات، أو في باب الطلب، فالنصوص الخبرية مثل حديث: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، فهذا نص خبري، فلأجل أن الصحابة يفقهون لسان العرب لم يفقهوا منه التكفير، والعرب قد تعبر بمثل هذه العبارات المغلظة لوجه ما، ولذلك لما فسد الذوق في فقه لسان العرب حصل الضلال في بعض مسائل أصول الدين.
(8/23)

الفقه في المقاصد العامة
المدرك الثاني: الفقه في المقاصد العامة:
والمقاصد العامة يسميها البعض: المقاصد الكلية، مثل المقاصد الشرعية الخمس التي جاءت الشرائع بحفظها وهي: حفظ النفس والدين والمال والعرض والعقل، هذه لابد للنظر في الدليل المعين الذي سميناه (الدليل اللفظي) أن يستصحب الناظر الفقه في لسان العرب، وأن يستصحب الفقه في المقاصد الكلية.
(8/24)

الفقه في المقاصد الخاصة
المدرك الثالث: الفقه في المقاصد الخاصة، أي: الخاصة بباب معين، فمثلاً: الفقهاء لما تكلموا عن تغسيل الميت ذكروا في طريقة تغسيله وتكفينه ودفنه آداباً ليس عليها نصوص معينة، ولا سيما في حال التغسيل والتكفين، مع أنه ليس هناك نصوص معينة صرحت بهذه التفاصيل الجزئية على التعيين، لكن مقصد الشارع بين أن المقصود هنا حفظ حرمة الميت المسلم، فلما كان هذا مقصداً بيناً في هذا المقام نجد أنهم تكلموا في الآداب العرفية أحياناً في الحفظ التي هي من كريم الأخلاق؛ لأن هذا تحقيق لمقصد الشارع في حفظ كرامة الميت، ولذلك فمن يقول: إن هذا الذي استحبه الفقهاء لا دليل عليه، والمغسل لا يستحب له أن يفعل ذلك، كأنه يعاند فطرته الصحيحة التي تدله على أن هذا أمر حسن، وأنه من مكارم الأخلاق.
ومن مقاصد الشارع الخاصة في هذا الباب: العفو عما يشق التحرز منه في باب الطهارة، ونحو ذلك.
(8/25)

استصحاب الأصل العام
المدرك الرابع من مجموع المدارك التي يستصحبها من ينظر في الدليل اللفظي: استصحاب الأصل العام، وهناك فرق بين الأصل وبين مقصد الشارع، فإن مقصد الشارع يعود إلى باب العلل والمقاصد، أما الأصل فإنه حكم له وجه من الكلية، إما الكلية العامة، وإما الكلية الخاصة، وليس علة سابقة مثل المقاصد، فلابد من استصحاب الأصل العام عند النظر، حتى نفرق بين المقاصد والأصول في هذا السياق.
فمثلاً: حفظ المال مقصد شرعي، وقاعدة: الأصل في المعاملات الحل أصل شرعي.
فهذا نسميه مقصداً وهذا نسميه أصلاً.
(8/26)

استصحاب الأصل الخاص
المدرك الخامس: استصحاب الأصل الخاص، فمثلاً: قول الفقهاء: إن الأصل في أموال القنية والارتفاق أنه لا زكاة فيها، فحين تنظر في حديث المرأة اليمانية التي جاءت ومعها بنتها، وكان في يديها مسكتان من ذهب، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (أتؤدين زكاة هذا ..) الحديث، وقد جاء هذا الحديث من رواية عبد الله بن عمرو، وهو أجود حديث في الباب، مع أنه عند الجمهور متروك العمل به إلا عند أبي حنيفة، ومع ذلك يقال: حين تنظر فيه تستصحب أن الأصل أن أموال القنية والارتفاق لا زكاة فيها، بمعنى أن هذا يؤثر في فقهك، فلن تترك هذا الأصل المحقق بصريح السنة كحديث: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) إلا بحديث بين يخرج عنه.
(8/27)

دليل الاستقراء
إن فقه الدليل بمجموع هذه المدارك هو منهج المتقدمين والمحققين من المتأخرين، وهذا يبين أن دليل الشريعة مستوعب للمسائل الشرعية، وهذا هو الأصل الشرعي: أن دليل الشريعة مستوعب للمسائل مهما طرأت إلى أن تقوم الساعة، فإنه لابد أن لها حكماً في كلام الله ورسوله، وهذا يكون إذا فقه الدليل بمجموع المدارك الخمسة، واعتبر كذلك دليل الاستقراء.
ولما فات دليل الاستقراء أو كثير منه كثيراً من المتأخرين عرض لهم أحد مقامين:
المقام الأول: التجوز في إثبات التكليف بالتعليل الفقهي الذي ليس على أصل محقق محفوظ، وكأنه تعليل متكلف، مثل بعض تعليلات الفقهاء المتأخرين -ولا أقول جميع تعليلات الفقهاء المتأخرين- لكن أحياناً نجد أنهم يحرمون أو يغلقون بتعليل، وهذا التعليل ليس على أصل محقق حتى عند إمام المذهب، فإذا لم يجد ذلك الفقيه دليلاً لفظياً على حسب مصطلح الدليل اللفظي الذي ذكرناه، وليس هو من أهل فقه الاستقراء، فأحياناً يحرم أو يغلق بالتعليل.
وأنبه هنا إلى أن الإشكال ربما يتضح أكثر إذا كان هذا الفقيه يريد أن يستدل بقول إمام نقل قوله ولم ينقل دليله، فربما تكلف في الدليل له فجعل مبنى الحجة في قول الإمام تعليلاً، مع أن هذا التعليل قابل للإسقاط.
وربما احتجوا بحديث ضعيف عند الإمام نفسه، أو بحديث بين الترك عند المحدثين، فمن ينظر في هذا الحديث أو تلك العلة يقول: إن مذهب الإمام أحمد والإمام الشافعي ضعيف؛ لأنه بني على حديث ضعيف أو على علة لا تقبل الاحتجاج، مع أنه من المعلوم أنه ليس كل ما قاله أحمد ذكر له دليلاً، فإن أقواله المنقولة أكثر من الأقوال التي نص فيها على الدليل، فضلاً عما خرج عن مذهبه إذا دخلنا في مصطلح المذهب الاصطلاحي.
إذاً: هذا التجوز في إثبات التكليف بالتعليل الفقهي يعرض إما في بعض الأقوال، أو في الاستدلال لقول الإمام، وهذا حال كثير من الفقهاء المتمذهبين، وهذا المنهج ليس منهجاً حكيماً وليس صواباً.
المقام الثاني: الإسقاط للتكليف باستصحاب أصل، فإن كان في العبادات قالوا: الأصل براءة الذمة، فلا يكلف الإنسان بوجوب واستحباب، وإن كان في المعاملات قالوا: الأصل الحل، وهذه الطريقة يميل إليها بعض أصحاب الحديث المتأخرين حين لا يجدون الدليل اللفظي، وليسوا من أهل فقه الاستقراء، فيصيرون إلى الإبراء خلافاً لبعض المتمذهبين من الفقهاء، وكيف يصيرون إلى الإبراء؟ كما إن أولئك يصيرون إلى التكليف بالتعليل القاصر، فهؤلاء يصيرون إلى الإبراء باستصحاب أصل، فإن كان المورد العبادات قيل: الأصل براءة الذمة.
ومن الأمثلة التي يمثل بها في نظر البعض: قول بعضهم: إن من ترك واجباً في الحج فليس عليه شيء؛ بل يتوب ويستغفر، فإن قيل له: لماذا؟ قال: الدليل عدم الدليل، فإن قيل له: فأثر ابن عباس: (من ترك نسكاً فليهرق دماً)؟ قال: هذا قول صحابي، وهو مما يمكن أن يقال بالرأي والقياس، وربما قال بعضهم: إن الصحابة قد اختلفوا، فقد سئل عمر بن الخطاب عمن ترك المبيت في مزدلفة فقال: (يمضي)، وهذا يدل على أن الصحابة لم يتفقوا على أن الواجب فيه دم.
وأقول: إن هذه طريقة ناقصة؛ لأنه ثبت أن عمر يذهب إلى أن المبيت بمزدلفة واجب، فربما أن هذا لا يراه واجباً وغيره يراه واجباً، والخلاف ليس على الأشياء المعينة في الحج، إنما الخلاف على الأصل، فإنه من المعلوم أن الفقهاء بل والصحابة اختلفوا في تعيين الواجبات، وإنما إذا تحقق أن هذا واجب فلم ينضبط عن الصحابة أو الأئمة التصريح بأنه لا شيء عليه.
والذي أقصده بهذا المثال هنا أن قول من يقول: من ترك واجباً فلا شيء عليه؛ لأن الأصل براءة الذمة، فما دام أنه ليس هناك دليل لفظي مبين من السنة فالأصل براءة الذمة، وإذا كانت معاملات قيل: ليس هناك دليل بين هنا فالأصل الحل في المعاملات ..
وهكذا، هذا المنهج أيضاًَ ليس منهجاً حكيماً مستتماً، وكما أسلفت أنه يعرض لبعض من أراد ترك المذاهب والاختصاص بالسنن والحديث، والعناية بالسنن والحديث وجه فاضل، لكن هذه التطبيقات تتأخر عن مطابقة منهج المتقدمين.
(8/28)

العناية بالدليل اللفظي ودليل الاستقراء
ومن هنا فالذي نوصي به طلاب العلم هو العناية بالدليل اللفظي من حيث التحصيل، وهذا يقع بتتبع السنن والآثار، ومن حيث الفقه، وهذا يأتي من العناية بمجموع المدارك الخمسة، أما العناية بالدليل اللفظي من حيث التحصيل إثباتاً دون فقه التحصيل لحكمه وهو مجموع المدارك الخمسة؛ فإن هذه حال قاصرة.
وكذلك مما ينبه إليه: العناية بدليل الاستقراء، ومن أكثر الأئمة عناية بدليل الاستقراء الإمام الشافعي رحمه الله، فمن يقرأ في كتبه ككتاب الرسالة، أو في تطبيقاته في كتاب الأم بخاصة كتطبيقات على الفروع؛ يجد التحقق البين، وعناية الشافعي بالدليل اللفظي، ثم عنايته بطريقة التفسير، التفسير له بالمدارك، حتى إنه يصرح بذلك فيقول: وإنا إذا استقرأنا لسان العرب فإن العرب إذا قالت كذا وكذا فالمقصود كذا وكذا .. ، ويقول: من مقصد الشارع كذا، وجاءت أصول الشريعة بكذا ..
وإنما ذكرت الشافعي ليس لاختصاصه عن مالك وأحمد وغيرهم؛ وإنما لأن الشافعي كتب كتابة بينة مفصلة في هذا، فتكون المشاهدة بينة أو ممكنة، فيتبين لك كيف كان الشافعي وأمثاله من المتقدمين يفقهون ذلك من حيث التطبيق، أما من حيث دليل الاستقراء فهذا أيضاً بين في طريقة حكم الأئمة على المسائل.
ولذلك ذكرنا سابقاً أنهم ربما تركوا العمل بظاهر حديث لاستقراء عندهم، وربما أخذوا ببعض الأصول أو أخذوا ببعض الحديث الفرد في مقام وتركوه في مقام آخر، هذا لكونه وافق الأصل فأخذوا به، وهذا لكونه عارض الأصل وليس إسناده بيناً فتركوه ..
وهكذا.
(8/29)

شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام [9]
الترجيح هو تقديم المحتمل الأقوى في نظر المستدل، وإنما يصار إليه إذا كان في المسألة خلاف معتبر، أما إذا كان الخلاف شاذاً، أو مخالفاً لإجماع العلماء ونحو ذلك، فإنه لا يصار هنا إلى الترجيح؛ لأن القول الشاذ لا عبرة به ولا التفات إليه.
(9/1)

الترجيح
قال المصنف رحمه الله:
[وبهذا الدليل رجح عامة العلماء الدليل الحاضر على الدليل المبيح، وسلك كثير من الفقهاء دليل الاحتياط في كثير من الأحكام بناءً على هذا، وأما الاحتياط في الفعل فكالمجمع على حسنه بين العقلاء في الجملة، فإذا كان خوفه من الخطأ بنفي اعتقاد الوعيد مقابلاً لخوفه من الخطأ في عدم اعتقاد هذا، بقي الدليل الموجب لاعتقاده والنجاة الحاصلة في اعتقاده دليلين سالمين عن المعارض].
يشير المصنف رحمه الله في هذا السياق من كلامه مع كلام سبق ولحق في تقريره إلى مسألة الترجيح، وهذه هي المسألة التي سنتكلم عنها الآن، ولقد أشار المصنف في هذا السياق إلى شيء من مناط الترجيح عند كثير من أهل العلم، وإذا تكلمت عن هذا المعنى من فقه الخلاف أو فقه الفقه -إن صح التعبير- فإن مسألة الترجيح يمكن أن يقال إن القول فيها يقع في أربع جهات:
الجهة الأولى: ماهية الترجيح.
الجهة الثانية: محل الترجيح.
الجهة الثالثة: لغة الترجيح.
الجهة الرابعة: مناطات الترجيح.
(9/2)

ماهية الترجيح
الجهة الأولى: ماهية الترجيح:
إن ماهية الترجيح -أي حقيقة الترجيح- هي: تقديم المحتمل الأقوى في النظر، أي: في نظر المستدل، ويقابل الراجح: المرجوح، وحينما يقال: إنه تقديم للمحتمل الأقوى، أو تقديم للظني الأقوى؛ فإنه من المعلوم أنه في نفس الأمر عند عامة أهل النظر والفقه - بل حكي الإجماع عليه عند السلف -أن حكم الله سبحانه وتعالى في المسألة واحد، هذا أصل معروف عند السلف، ومع ذلك فإن الفقهاء إذا تردد قولهم على أكثر من قول فإن هذا الاحتمال يتعلق بهذه الجهة، لا بجهة الحكم في نفس الأمر، فإن الحكم في نفس الأمر واحد.
وهل هذه الدرجة من الاحتمال تجعل عمل الناظر بالقول الذي رجحه ليس عزماً في التدين؟
الجواب: لا؛ بل يعزم بالفعل عند تدينه لله سبحانه وتعالى؛ ولذلك فإن من يذهب إلى فعل من الأفعال فإنه يعزم به، ومن لا يذهب إلى هذا الفعل من الفقهاء فإنه لا يعزم به، فعند الفعل - أي: التعبد لله بالعمل - فإن المستدل هنا يعزم بفعله، لكن إذا تعلق الأمر بجهة القطع بقوله دون قول غيره من أهل العلم، فإن هذا لا يحصل فيه عزم.
ولهذا فإن الماهية تتجاذبها بعض الترددات، فالماهية التي نتكلم عنها هنا هي الترجيح بين أقوال المختلفين، ولسنا نتكلم عن ماهية الحكم في نفس الأمر، ومن هنا قيل: إن ماهية الترجيح تقديم الأقوى، وإلا فإن الحكم في نفس الأمر واحد، وحتى من جهة الفعل، فإن المكلفين يعزمون بفعلهم الذي رأوا أنه الظاهر بحسب اختلاف أئمتهم ونحو ذلك.
وقولنا: الترجيح، أفصح من قولنا الراجح؛ لأن الترجيح هو فعل المفاضلة بين الأقوال المختلفة، فماهية الترجيح: هي تقديم الأقوى في النظر، أي: في النظر الشرعي بمجموع الأدلة، والذي يقابل الراجح هو المرجوح فالمقدم هو الراجح ويقابله المرجوح، وقولنا: إنه تقديم للأقوى، لا ينافي أن حكم الله في المسألة واحد، ولا ينافي أن المكلف يعزم بالفعل، بل يعزم به؛ لأنه قد اختاره وذهب إليه.
(9/3)

محل الترجيح
الجهة الثانية: محل الترجيح:
وهذه الجهة تفسر لماذا قيل في ماهيته: إنه تقديم الأقوى، فإن محل الترجيح هو الخلاف المعتبر، فخرج بقولنا: (الخلاف المعتبر) ما ليس معتبراً؛ كمخالفة الإجماع، فهذا لا يعد خلافاً معتبراً لو خالف به مخالف، وخرج بذلك أيضاً الخلاف الشاذ، فإذا خالف مخالف الإجماع لسبب طرأ عنده؛ إما لأنه لم يعرف الإجماع، أو لأنه لم يبلغه، أو ما إلى ذلك، فهذا لا يقال فيه: الترجيح بين الإجماع وبين قول فلان، وكذلك إذا كان الخلاف ليس خلافاً للإجماع ولكنه خلاف للعامة من أهل العلم، بمعنى: أن رتبة القول المتروك تسمى شاذة.
فالقول الشاذ ليس داخلاً في باب الترجيح، صحيح أنه يقدم القول الذي عليه العامة من أهل العلم، لكن كلمة الترجيح تعني راجحاً ومرجوحاً، تعني وجود أكثر من محتمل، أما في باب الخلاف الشاذ الذي تقدمت الإشارة إلى مفهومه، فإن الخلاف الشاذ ينبغي أن يكون من باب المتروك، وهو ما خالف ظواهر الأدلة والعامة من الأئمة، فما اجتمع فيه هذان الأمران: أنه مخالف للعامة من الأئمة، ومخالف في نفس الوقت لظواهر النصوص، فهذا يسمى: الخلاف الشاذ وهذا ليس محلاً للترجيح؛ لأن ما خالف الإجماع محله الإبطال، وما خالف العامة -وهو الشاذ- فمحله الترك والهجر، ولا يوازن في مسائل الترجيح، ولا ينبغي الاشتغال بموازنته في مسائل الترجيح.
ومن هنا يكون الترجيح متعلقاً بالخلاف المعتبر، وهذا هو الذي يصطلح عليه بكلمة الترجيح، ولما كان محله الخلاف المعتبر صار مناسباً أن يقال في ماهيته: إنه تقديم الأقوى.
(9/4)

لغة الترجيح
الجهة الثالثة: لغة الترجيح
ليس للترجيح مصطلح معين يلزم في التعبير، فإن هذا باب يختلف الناس فيه، ولا مشاحة في التعبير والاصطلاح الصحيح، ولكن يقال تستعمل في الترجيح لغة تحفظ مقام الأدب مع الأئمة والضبط في المسألة، كقولك مثلاً: الراجح هو مذهب الشافعي، فأنت قد حفظت الأدب مع مخالف الشافعي كـ مالك مثلاً، وأيضاً حفظت الضبط في المسألة، فما جعلت المسألة مسألة يقينية في حقيقتها؛ بل جعلت للمخالف اعتباراً ولمخالفته كذلك، فينبغي أن لا تخرج المسألة عن كونها مسألة فيها تردد عند الفقهاء إلى مسألة فيها يقين وجزم، وما إلى ذلك.
ومن الكلمات التي ينبغي أن يعبر بها في الترجيح: أن يقال: الراجح، والأرجح، والأظهر، والأقرب، والأقوى، والأصح، ونحوها، وتدرأ لغة الترجيح عن طرد الاستعمال - ونقول: طرد الاستعمال حتى يكون هذا منهجاً في لغة الترجيح، فإن الطرد معناه التتابع - وتدرأ عن طرد الاستعمال لكلمات تنافي مقام الأدب مع الأئمة، أو تنافي الضبط للمسألة.
وتدرأ لغته أيضاً عن طرد الاستعمال لكلمات تنافي ذلك، إما بوصف الراجح عند الناظر بأنه هو الصواب المقطوع به، أو بوصف المرجوح بأنه خطأ مقطوع به - وهذا بعد أن اتفقنا على أن محل الترجيح هو الخلاف المعتبر - كقول بعضهم إذا رجح قولاً بعد أن يذكر الخلاف: وهذا هو الصواب المقطوع به، أو يقول: وفصل الخطاب في هذه المسألة كذا، فهذه لغة عزم، فإن فصل الخطاب هو الحكم الصريح القاطع، ولذلك إنما جاء ذكره في القرآن على مثل هذا المعنى.
ومن ذلك أن يقال عما يرجَّح: وهذا هو السنة السلفية، فيفهم من ذلك أن ما قابله ليس سنةً سلفية، مع أنه قد يكون قولاً للشافعي أو لـ مالك؛ بل ربما كان قولاً للجمهور، وقد يكون القول الذي وصف بأنه السنة السلفية قال به البعض كالظاهرية مثلاً، بخلاف قول الأئمة الأربعة فإنه لا يوصف بذلك، وهذا فيه إشكال؛ لأن هؤلاء من أئمة السلف، فهذه الأوصاف ينبغي أن تدرأ عن لغة الترجيح، ولا سيما باعتبار الطرد.
ويدخل في هذا أيضاً وصف المقابل - الذي هو المرجوح - بألفاظ تدل على بطلانه، كقول الناظر عن القول المرجوح في الخلاف المعتبر: وهذا القول بدعة، أو محدث، أو لا أصل له، أو لا دليل عليه، مع أنه قد يكون قولاً لأئمة، وعليه ظواهر من نصوص ودلائل معتبرة ونحو ذلك، وهذه الكلمات يستعملها بعض طلاب العلم أحياناً في غير موردها، وكما أسلفت أنها قد تقال عن أقوال معروفة للجماهير من الأئمة فيقال: وهذا القول لا دليل عليه، وهذا ممتنع شرعاً وعقلاً: أن يتضافر الجماهير من أئمة الأمصار على قول ويكون هذا القول ليس عليه دليل.
ولذلك من قل فقهه بأقوال الفقهاء، وقل فقهه بمفهوم الدليل، نجد أنه ينغلق عليه الأمر فيقول: إن هناك أقوالاً ليس عليها أدلة، وهذا يصاب به من قل فقهه لمفهوم الدليل، ولاسيما من يقصر وجه الدليل على الدليل اللفظي، ولا يكون له فقه في دليل الاستقراء المعروف عند المتقدمين.
وإنما قلنا: ويدرأ عن طرد الاستعمال فاستعملنا كلمة (طرد) لأنك إذا نظرت في كلام المتقدمين من الأئمة كـ مالك وأحمد وغيرهم - وهذه قد يحتج بها البعض أحياناً - تجد أنهم قد يعبرون فيما هو من الخلاف المعتبر عن القول الآخر بعبارة أو بكلمة تأتي على مثل ذلك، كقول الإمام أحمد في بعض مسائله عن بعض الآراء التي انضبط أنها لأئمة: إن هذا القول محدث، كما سئل مثلاً عن مسألة القنوت في الفجر فقال: إن المحافظة على القنوت في صلاة الفجر أمر محدث.
وكذلك يقول الإمام مالك عن صيام الست من شوال: إنه محدث، فأحياناً نجد أن بعض الأئمة قد يستعملون ذلك في بعض المسائل فيأخذونها بقدر من العزم والقوة، فهل هذا منهج مطرد عندهم؟ هذه روايات موجودة ولا جدال فيها، لكن الذي نبحثه الآن هو فقه هذا الاستعمال.
وهنا أحد فرضين: هل هذا يقع تحت أن كل ما رجحه الإمام وظهر له أنه هو الأقرب من الأدلة فيجعل ما خالفه من أقوال الأئمة التي بلغته عنهم على هذا الوصف؟
الجواب: قطعاً هذا ليس موجوداً، ولذلك نجد في جمهور الأقوال عند أحمد أو مالك أو غيرهم أنهم لا يغلقون هذا الإغلاق ويستعملون هذا التعبير، فهم -إذاً- يستعملونه في آحاد من المسائل قد يوافقهم عليها غيرهم من الأئمة، وقد يخالفونهم، كقول مالك مثلاً عن صيام الست من شوال: إنه محدث، فهل هذا مما يرجح قوله فيه؟ الجواب: لا؛ لأن الحديث الدال على استحباب صيام الست من شوال جاء في الصحيح، والجمهور على استحبابه.
إذاً: يقال هنا: إنما كان كثير من الأئمة المتقدمين في بعض المسائل الفقهية المعتبرة في الخلاف يغلقون القول بمثل هذه الكلمات أحياناً لقصد حماية جناب السنة؛ لأن البدع عند ذلك تظهر، ولذلك إذا استقرأنا هذه الأمثلة نجد أنها تأتي على هذا الوجه، فلما كان الإمام مالك رحمه الله يريد إغلاق باب مجانبة الهدي النبوي، والهدي المحفوظ المأثور، وبدأت البدع تظهر، صار يغلق كل ما لم ينضبط عنده عن الأئمة القول به، مع أننا إذا رجعنا إلى مصر من الأمصار وجدنا أنهم يعرفون هذا القول الذي أغلقه مالك، ولذلك إذا قرأنا تمام قوله في مسألة صيام الست من شوال نجد أن من كلامه في الموطأ: أدركنا أهل العلم لا يعرفونه.
فهو لم يغلق لتقوية رأيه على رأي غيره من نظرائه، إنما يغلق لقصد حفظ الهدي النبوي، وكذلك الإمام أحمد وغيرهم من الأئمة.
والخلاصة: أن ما نقل عن الأئمة من الإغلاق فيما هو عند التبين من الخلاف المعتبر، أي: باستقراء أقوال أئمة الأمصار، فهذا ليس مقصودهم فيه الانتصار المحض لآحاد أقوالهم بهذه اللغة التي تغلق الخلاف أحياناً، وإنما مقصودهم حماية جناب الهدي والسنة النبوية، وهذا باب من حيث الأصل متفق على قصده، أما من حيث آحاد المسائل المنقولة عن مالك أو عن أحمد أو عن غيرهم، فهذه مسائل مترددة، فـ مالك لما أغلق هذه المسألة وجعل القول بها قولاً محدثاً، لا يلزم أن يكون هذا هو الذي يقال به في هذه المسألة؛ لأنه إذا نظرنا فيما خالف قول الإمام مالك وجدنا أنه قول عليه الجماهير من الأئمة.
إذاً: مقصودهم هنا أصل شريف، وهو من مناطات فقههم واجتهادهم، ومن هنا يكون العذر من كلام الأئمة بيناً، وإن كان هذا لا يفهم منه أن هذه هي لغة الترجيح عندهم فيما اشتهر من الخلاف.
فهنا أحد فرضين: إما أنهم يتكلمون بهذا المصطلح لأنه لغة الترجيح عندهم لأقوالهم فيما يعرفونه من مشهور الخلاف، وهذا ليس بصحيح وغير مطرد في جمهور كلامهم، وإما أنهم في أمثلة معينة رأوا أن خلاف المخالف من مخالفة بيّن السنة؛ إما لأن الأقوال لم تبلغهم، أو لأسباب أخرى، فمثلاً: الإمام أحمد في مسألة القنوت في صلاة الفجر لما رأى كثرة من يقول به - وهذا المقام يصلح لمثل الإمام أحمد، لعلو منزلته في الإمامة والاجتهاد وسعة العلم بالآثار - ورأى أنه لا أصل له في الآثار النبوية؛ أوصله إلى هذه الرتبة.
وهذه المسألة لها مثالات لكن ليست منهجاً يطبق فيما هو من مشهور الخلاف، فنجد أن الإمام أحمد تارةً يقول: يا بني! هذا محدث، وتارةً يقول: لا أعرفه، فيتجاهل القول أحياناً، وهذا نوع من الفقه في حماية جناب السنة والهدي، أو ترك الأقوال التي قد يرى البعض أنها شاذة ويرى البعض الآخر أنها من باب الخلاف المحفوظ؛ لأن الأقوال إذ ذاك كانت تبلغ البعض ولا تبلغ البعض الآخر أحياناً.
وعليه: فلا ينبغي لمتأخر ومعاصر أن يستعمل في ترجيحه في الخلاف المعتبر لغة: أن المرجوح بدعة، أو لا أصل له، أو لا دليل عليه، ويقول: إن حجته في ذلك أن من الأئمة من استعمل ذلك، فينبغي أن يفقه استعمالهم، ومن وصل إلى رتبة عالية في الاجتهاد فله أن يستعمل ما استعمله الأئمة المتقدمون على منهجهم وطريقتهم وفقههم، أما أن يكون ذلك منهجاً مطرداً كلغة، وكأن الإنسان لا ترضى نفسه بترجيحه إلا أن يرمي القول الآخر المعروف المعتبر بكلمة توهنه عند سامعيه، فيقول: وأما القول الآخر فلا دليل عليه؛ فإن هذا من تضييق الفقه، وتضييق المدارك، وتضييق العقل.
(9/5)

مناطات الترجيح
الجهة الرابعة: مناطات الترجيح:
إن أوجه الترجيح التي ذكرها أهل الأصول والقواعد أوجه كثيرة، وبعضها يكون على باب التفصيل، وكأن المصنف رحمه الله أشار هنا إلى بعض المناطات، ولذلك قال: (وبهذا الدليل رجح عامة العلماء الدليل الحاضر على الدليل المبيح)، وهذه مناطات بعضها كلي وبعضها تفصيلي، وليس المقصود هنا هو الاستقراء التفصيلي لما قاله أهل الأصول والقواعد فيما حصلوه من مناطات الترجيح، إنما سيكون الكلام على سبيل فقه المنهج للمناطات، فلسنا هنا نطرح جمعاً لهذه المناطات من كتب أهل العلم، سنذكر أمثلةً، لكن المهم من ذكر الأمثلة التي قد تكون غير منتظمة أحياناً هو الكلام على منهج فقه المناطات، وهل يرجح بالمناط الواحد أم لا؟ ونحو ذلك.
فهنا مجموعة من المناطات نجد أنها تدور في ذهنية المرجح في هذا العصر وقبل هذا العصر، وهل هذه المناطات التي سنذكرها من الصواب أو من الغلط؟ ليس بالضرورة أن يكون هذا أو ذاك.
(9/6)

الترجيح بالأحوط
من مناطات الترجيح: الترجيح بالأحوط، وهذه الطريقة كانت لبعض الفقهاء، وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله عليها تعليقاًَ حسناً، وقال: إن هذا ليس من الأصول التي يصح طردها، فنجد أن البعض في الخلاف يرجح بالأحوط، مع أن الأحوط في كثير من الموارد أو في أكثرها يكون هو الأشد.
فمثلاً: إذا سألته امرأة - ومناطات الترجيح تؤكد على من هو محل الفقيه الذي يفتي الناس في أبواب ومسائل الفقه - فإذا سألته امرأة عن زكاة الحلي، وأن عندها حلياً فهل تزكيه أو لا تزكيه؟ ثم تذكر أن زوجها مثلاً - وهكذا تأتي أسئلة العامة - يقول: لا تزكي، ولا يمكنها من الزكاة، وإذا أرادت أن تزكي فليس عندها مال، فتضطر إلى أن تبيع بعض هذا الذهب برخص فتنزل قيمته
إلخ، ولسنا بهذا نريد أن نقول: إن من كانت صورته كذلك فإنه لا يزكي؛ فإن الزكاة حكم شرعي، لكن الذي أقصده أن كثيراً من حالات العامة تحتف بهذه الأمور، فإذا كان المجيب يرجح أن حلي النساء المستعمل فيه زكاة، فقال: يجب عليك أن تؤدي الزكاة؛ فهذه إجابة صحيحة، وهذا منطق لا إشكال عليه، لكن أحياناً لا يكون عنده وضوح في المسألة، وربما أنه قد يميل إلى قول الجمهور، لكن يقول: من طريقتي أنني إذا سئلت عن زكاة الحلي فأقول: زكي، فإن كان عليكِ زكاة فقد أديتِ الزكاة، وإن لم يكن عليكِ زكاة فهي صدقة في هذا اليوم المبارك أو في هذا الشهر المبارك.
فالترجيح بمثل هذه الطريقة فيه تضييق على الناس، وإذا كان الإنسان هنا لم يستتم له فقه فهو مخير بين أحد أمرين: إما أن يحكي الخلاف باختصار، فيقول: قال بعض العلماء: إن فيه زكاة، وقال بعض العلماء: إنه ليس فيه زكاة، وإما أن يتوقف عن الجواب.
وقد يقول قائل: ألم يكن بعض الفقهاء يذكرون الأحوط؟ فيقال: كثير من العوام لا يعرف الفرق بين قولك: الصحيح، وبين قولك: الأحوط، بل هو يفهم في الأخير أنك أمرته بالزكاة، ولذلك لو قيل لهذا العامي أو لهذه المرأة: هل تزكين؟ لقالت: نعم، ولو قيل لها: هل ذلك لازم بإجماع العلماء؟ لقالت: لا أدري عن هذا الموضوع، المهم أنهم يقولون: إن فيه زكاة، وهذا الحكم هو الذي يريده العامي أن تقوله له، وعليه فلابد أن يكون هذا على محل المراعاة.
وهل معنى هذا أن الترجيح بالأحوط دائماً يكون متروكاً؟
الجواب: لا؛ بل ربما استعمل ذلك في مسائل ليس فيها مشقة على الناس أحياناً، فيكون أضبط لدينهم أو لحرماتهم ونحو ذلك، وكذلك الترجيح بالأحوط في حق النفس، فهذا أيضاً باب لا بأس أن الإنسان يستعمله مع نفسه فيأخذ هو بالأحوط، لكن أن يكون منهجه أن يدين الناس بقصد الأحوط من الأقوال، وليس بقصد الأقوى والأظهر في السنة، فهذا منهج ليس حكيماً.
(9/7)

الترجيح بالأكثر
أي: بما عليه جمهور الأئمة الأربعة، أو بما عليه الجمهور من أئمة السلف، أو بما عليه أكثر أهل العلم، كما قد يذكره الترمذي أحياناً أن أكثر أهل العلم على تلك المسألة، فهذه جهة حسنة ولكنها لا تستقل وحدها بالترجيح، بمعنى أن استصحابها في الترجيح استصحاب حسن، ولكنها لا تستقل وحدها بالترجيح، فمن رأى في ترجيحه أن هذا القول عليه الجماهير من الأئمة، ولم يجعل ذلك هو الموجب المستقل بالترجيح، فهذا استصحاب حسن، والعناية بأقوال الجماهير عناية حسنة إذا أخذت بفقه.
إذاً: استصحاب هذا المناط استصحاب حسن، وإن كان لا يستقل وحده بالترجيح كمنهج، أما في بعض آحاد المسائل مثل بعض الناظرين إذا انغلق عليه الخلاف في مسألة فجعل منهجه أنه يذهب إلى قول الجمهور، فهذا أمر سائغ، حتى ولو اختص الأكثر بهذه الجهة، أي: جعل المرجح عنده قول الأكثر، أما إذا كان على طريقة المنهج فيستصحب هذا ولكنه لا يستقل وحده.
(9/8)

الترجيح بما عليه العمل
وهذا من الفقه الذي يذكره بعض المتقدمين، كأن يقول الترمذي مثلاً: وهذا عليه العمل عند أكثر أهل العلم، أو ينقل أن أكثر الصحابة كانوا يعملون كذا، ومن الأمثلة على ذلك - مع أن الأمثلة قد تكون قابلة للمراجعات -: المسح على الجوارب - أي: الشراب - فليس فيه نص صحيح من السنة، وإن كان قد ورد فيه حديث لكنه لا يصح، لكن الإمام أحمد يذهب إلى جواز المسح على الجوارب، مع أن المسح على الخفين قد أجمع الفقهاء عليه، ودليله يعتبر من الدليل المتواتر، فباب المسح على الخفين ليس فيه جدال، إنما المقصود هنا هو المسح على الجوربين، فمذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي أنه لا يمسح على الجوارب، وهذه المسألة تعتبر من فرائد مذهب الإمام أحمد، فالإمام أحمد لما رأى جواز المسح على الجوارب وسئل عن ذلك قال: قد جاء ذلك عن تسعةٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهو قد عامل المسح على الجوارب بأنه عمل بعض الصحابة، فلما ورد عن تسعة من الصحابة أوصله الإمام أحمد إلى رتبة الأخذ به والاعتبار، فقواه بجهة العمل.
وكذلك مسألة زكاة الحلي، فالإمام أحمد ومالك والشافعي يذهبون إلى أن حلي النساء المستعمل لا زكاة فيه، وإنما قال بوجوب الزكاة فيه الإمام أبو حنيفة رحمه الله، ولما سئل الإمام أحمد عن ذلك قال: ورد عن خمسة من الصحابة أنه لا زكاة فيه.
ومن منهج الإمام أحمد وكثير من المتقدمين أنهم يلاحظون جهات أقوى في الاعتبار، فإن من هؤلاء الخمسة عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو راوي أقوى حديث في الباب، وهو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن امرأة يمانية أتت النبي صلى الله عليه وسلم ومعها ابنتها وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب ...) الحديث، ولما كان عبد الله بن عمرو يفتي بأن حلي النساء لا زكاة فيه؛ فإن هذا إشارة إلى الطعن في صحة الحديث.
وهناك قاعدة ذكرها كثير من المتأخرين وهي: إذا تعارض رأي الراوي مع روايته، فالجمهور على أنه تقدم روايته على رأيه.
وهذه القاعدة كقاعدة منضبطة ليست على هذا الإطلاق، بل هناك أمثلة كثيرة عند المتقدمين ليست من باب أنهم يقدمون رأي عبد الله بن عمرو على ما صح من روايته، ونحن إذا بنينا على هذا النظام فبدهي أن ما صح إلى النبي عليه الصلاة والسلام هو المقدم، لكنهم يجعلون هذا من باب الإعلال أحياناً وليس دائماً، فإذا انضبط للراوي رأي يخالف صريح ما روى، فلا بد أن ينظر في صحة روايته، فهذه القاعدة على هذا الإطلاق هي من تبسيط الحقائق، وقد تكلم فيها فقهاء قد لا يكون لهم سعة علم بالعلل المعروفة عند المحدثين.
ومن الأمثلة على ذلك: لما سئل الإمام أحمد عن الحائض - وقد سبق المثال -: أتصلي الظهر إن طهرت وقت العصر؟ فقال عامة التابعين على هذا القول، فهنا اعتبر عمل عامة التابعين، وجعله مرجحاً لما يقول به.
وهناك أمثلة كثيرة على هذا المناط -وهو الترجيح بما عليه العمل- ليس هذا موضع بسطها.
ومما ينبه إليه: أن هذه المناطات تتداخل فيما بينها، فهناك تداخل بين هذا المناط - وهو الترجيح بما عليه العمل - وبين المناط السابق، وهو الترجيح بالأكثر.
(9/9)

الترجيح بالأظهر في السنة
فيرجح قول من الأقوال لأنه هو الأظهر في نصوص السنة وإن خالف الجماهير، فمثلاً: الإمام أحمد رحمه الله ظهر له في حكم صلاة الجماعة أن ظاهر نصوص النبي صلى الله عليه وسلم وظاهر السنة العزم في صلاة الجماعة، فجعل صلاة الجماعة فرض عين، وهذا أمر تختلف فيه مدارك الناظرين، فتكون عنايته بالترجيح بالسنة وإن خالف الأكثر عنده أو خالف الأحوط أو غير ذلك، وهذه جهة فاضلة لمن كان أهلاً لها، وإلا فهي من الأصول المعتبرة كما هو معلوم.
(9/10)

الترجيح باستصحاب أصل أو قاعدة
إنما يصار إلى الترجيح باستصحاب قاعدة حينما لا يكون في المسألة ما هو من الدليل اللفظي البين، فحينئذ يرجح باستصحاب قاعدة، وهنا النفس والبيئة وبعض المعطيات قد تؤثر في اختيار القواعد؛ لأن بعض القواعد أحياناً تكون مؤثرة في إغلاق المسألة، وبعض القواعد تؤثر في التوسعة في المسألة.
فمثلاً: استصحاب قاعدة (سد الذرائع) فحينما لا يكون هناك دليل بين من الأدلة اللفظية نجد أن الإمام أو الفقيه قد يذهب إلى قول ويقول: سداً للذريعة، وإذا سئل عن شيء هل يجوز أم لا يجوز؟ قال: لا يجوز سداً للذريعة.
كذلك استصحاب قاعدة (المشقة تجلب التيسير)، أو قاعدة (الأصل الجواز)، فهذا يجيز بحجة أن الأصل الجواز، والآخر يمنع بحجة سد الذريعة، فليس عنده نص بين ليمنع به ولكنه منع بقاعدة سد الذريعة، والآخر أجاز بحجة أن الأصل الجواز أو براءة الذمة، أو ما إلى ذلك.
ومن الأمثلة على ذلك: مسألة الأسهم، نجد أن بعض طلاب العلم إذا سئل عن حكم الأسهم يقول: ليس فيها خير ولا فائدة، فهي إما محرمة أو مشتبهة، وسداً لذريعة الربا أمنع الأسهم، مع أن المنع بهذا النظام ليس تطبيقاً حكيماً لقاعدة سد الذرائع، نعم ..
هي قاعدة صحيحة، لكن الخطأ هو في تطبيقها.
كذلك قد يُسأل البعض عن كثير من الأسهم والمعاملات فيقول: افعل ولا حرج، ولا بأس بذلك، لأن هذه معاملات، وما دام أنه ليس هناك شيء صريح واضح عندي الآن فالأصل في المعاملات الحل.
والإشكال هو أنه لم يتصور المسألة تصوراً صحيحاً، فالوسطية هنا في تطبيق هذه القواعد هي المقصودة.
وليس المقصود من هذا أن تلغى قاعدة سد الذرائع أو استصحاب الأصول، بل الفقيه هو من يستعمل هذا وهذا.
ومما يدل على عدم حسن الفقه في تطبيق هذه الأصول والقواعد: اطراد بعض الفقهاء أو طلاب العلم على تطبيق قاعدة واحدة وترك القواعد الأخرى، فبعض الناس دائماً عنده سد الذرائع، أما قاعدة الأصل الإباحة، أو المشقة تجلب التيسير ..
ونحوها، فلا يلتفت إليها، وبالمقابل من تميل نفسه إلى التيسير - مع أن كلمة (التيسير) في أصلها كلمة شرعية، لكن قد تستعمل كاصطلاح بما هو مخالف أحياناً لحقيقتها الشرعية - فتجد أنه ربما قلَّّل من شأن تلك القواعد أحياناً بحرف أو بآخر.
إذاً: الترجيح باستصحاب أصل أو قاعدة من حيث الأصل مناط للترجيح، لكنه يحتاج إلى فقه، وإلى ضبط وتوسط، ومعرفة متى تطبق هذه القاعدة أو تلك، فقاعدة سد الذرائع تطبق في مسائل لها قدرها، كالمسائل المتعلقة بتوحيد العبادة، مثل شد الرحال لزيارة قبور الأولياء، أو زيارة قبور الأعيان، فهذا يبين أن هذا لا أصل له، فإذا تعلق الأمر بجناب التوحيد فإن هذه القاعدة تكون من أخص القواعد في التطبيق، وأما في مسائل أخرى مبناها عند الشارع على التوسعة والتخفيف فلا تمنع بحجة سد الذرائع.
(9/11)

الترجيح بآحاد الأعيان
وهذا يقع فيه في أكثر الأحيان المبتدئ من طلاب العلم، وهو أن يرجح بقول شيخه، إما شيخه المعاصر، أو من أشاد به شيخه المعاصر، فتنطبع في ذهنه أسماء معينة، وفي الغالب أنها أسماء متأخرة، وكأن الترجيح يكون بآحاد الأعيان.
وهذا -في الجملة- ليس من المناطات المعتبرة، وليس هو من المناطات الشريفة، وينبغي أن لا يعود الناس عليه، وإنما إذا اعتبر شأن الأعيان فإنه يعتبر بقول الأكثر من الأئمة، كأن يقدم قول الأكثر من الأئمة، فهذا معتبر حسن إذا انضبط، وأما آحاد الأعيان فينبغي أن لا يرسم كمنهج، بمعنى أن يلتزم ويصبح له وجه من التعصب، فالمبالغة في الانتصار لأقوال آحاد الأعيان إذا وصلت إلى هذه الدرجة فليست من الحكمة الشرعية في شيء.
(9/12)

الترجيح بالملائم الخاص
المقصود بالملائم الخاص: الملائم لحال المستفتي، وفقه الملائمة فقه حسن، ولكنه فقه دقيق يقع فيه كثير من الغلط.
ومن أمثلة الملائم الخاص: طلاق السكران، ففي وقوع هذا الطلاق خلاف بين العلماء، فالبعض قد يقول: أنا أنظر في حال الزوجة، فإذا كان قد انضبط عنده قول، أي: ترجح عنده قول ترجحاً بيناً، فإن اعتباره بالملائم هنا ليس اعتباراً صحيحاً، بمعنى: إذا استقر عنده قول بالظهور من جهة الدليل، وتبين له ذلك تبيناً ظاهراً، فاعتباره هنا بجهة الملائم الخاص ليس صحيحاً؛ لأنه إذا كان قد استقر عنده وتبين له بظاهر الأدلة من السنة أن السكران يقع طلاقه أو أنه لا يقع طلاقه، فينبغي أن يكون إفتاؤه على هذا الوجه، وقد يسأل بعض الناس من الشخصيات الاجتماعية أحد العلماء عن طلاق السكران فيجيبه بأنه يقع طلاق السكران، أو بأنه لا يقع، مع أنه قد لا يكون من أهل العلم، وليس في ذهنه أن الطلاق يقع أو لا يقع، لكن كتطبيق اجتماعي يقول: نسأل الزوجة عن زوجها هذا الذي طلقها وهو سكران: كيف معاملته معهم؟ وهل هذه هي المرة الأولى التي سكر فيها أم لا؟ ونحو ذلك من الأسئلة، يقول: فإن رأينا حالهم تحتاج إلى أن نبقيهم أبقيناهم، وإن كانت الحالة تحتاج إلى أن تنفصل عنه أمضينا الطلاق.
وهذا التردد غير صحيح؛ لأن هذه المسألة تتعلق بمسألة حل المرأة لزوجها أو لا، فإذا كانت قد طلقت فتكون قد خرجت منه، وقد يكون الطلاق بائناً وقد يكون غير بائن، وأنت تعتقد شرعاً وديناً أنها لا تزال حلالاً له، وأن ذلك من باب المصلحة.
مع أن الطلاق لا تراعى فيه قضية المصلحة، فإذا رأيت أو بان لك أن طلاق السكران يقع - مع أن الأولى أن يكون مرجع مسائل الطلاق إلى القضاء - فإذا بان لفقيه أو لناظر أو لطالب علم له كعب في الفتوى مع الناس أن طلاق السكران يقع، فهنا لا يجوز له أن يصرح بفتوى خاصة على خلاف ما يعتقد، يمكن أن يرد السائل إلى عالم آخر أو نحو ذلك، وأما أن يفتي بحسب الملائم الخاص وقد تبين، فإن ذلك اعتبار غير صحيح.
وقد يقول قائل: إنها فرصة للمرأة أنها تطلق من زوجها.
فنقول: إذا كنت تعتقد أنها لا تطلق، أو أن طلاق السكران لا يقع، حتى لو رأيت من شكوى المرأة أن الأولى لها المفارقة، فهنا ترشدها إلى ما قد تكون جاهلة له، وهو طلب الفسخ منه.
ومن المعلوم أن من النظريات التي تطعن في الإسلام: أن القرار في الزوجية بيد الرجل، مع أنه في الحقيقة ليس بيد الرجل وحده، فمن حيث البداية القرار بيد الاثنين؛ لأنه لابد من قبول المرأة وقبول الرجل، ولاسيما إذا قلنا -كما هو على مذهب كثير من أهل العلم - أن البكر تستأذن، فقد دخلوا في عالم الزواج برأي مشترك، والخروج منه يقولون: إنه بيد الرجل فقط بالطلاق، وهذا غير صحيح؛ لأنه يوجد في الفقه ثلاثة مصطلحات: الطلاق، والفسخ، والخلع، فالطلاق بيد الرجل، والخلع بيد المرأة، فإذا قام موجب الخلع الشرعي فإنها تخالع زوجها وتعطيه إما المهر فقط أو أكثر منه، على خلاف هل يجوز أن يزيد على المهر أم لا يجوز؟ والفسخ هو نوع من التدخل القضائي، فإذا كانت المرأة لا تستطيع أن تخالع، أو وصلت الأمور إلى مفاسد كبيرة بينهما، فطلبت الفسخ من هذا الزوج لكونه مثلاً اشتد في ضربها وأذاها، أو في جرها إلى أمر محرم؛ فإنها هنا تطلب الفسخ، ويتدخل القضاء الشرعي هنا بغير اختيار الرجل، فأصبح القرار شبه مناصفة - إن صح التعبير - بين الرجل والمرأة، فليس صحيحاً أن كل القرار بيد الرجل، وأن هذا يتيح له التسلط والظلم وما إلى ذلك.
إذاً: الترجيح بالملائم الخاص يكون صحيحاً معتبراً في بعض المسائل، ويكون غير صحيح ولا معتبر في البعض الآخر.
(9/13)

الترجيح بالملائم العام
الملائم العام هو الملائم للمجتمع، فما كانت الفتوى والعمل عليه في هذا المجتمع فهو الملائم العام لهم، وقد يكون الملائم العام هو الأرفق بالمسلمين بشكل عام في سائر أمصارهم، والمقصود هنا: النظر في الملائم للمستفتين أو لمن تتعلق الفتوى بهم من المكلفين؛ كأهل مصر من الأمصار، أو أهل بلد من البلدان، وقد لا يكون بلداً إسلامياً، وإنما يقيم فيه بعض المسلمين، فتعتبر حالهم، وهو نوع من مراعاة البيئة العامة في الفتوى.
وهذه الجهة لا تستقل بنفسها في الترجيح، لكنها أحد المستصحبات في فقه الترجيح، فكما تستصحب جهة الأكثر من أهل العلم؛ فإنه مما ينبغي أن يستصحب جهة الملائم العام، وإن كان هذا لا يستقل في الترجيح.
هذه هي مناطات الترجيح، وهي مناطات معتبرة - في الجملة - باستثناء مسألة آحاد الأعيان.
ومما ينبه إليه: أن الأصل في الترجيح هو استصحاب الدليل النصي القاضي بالحكم، ولكن استصحاب الدليل لا يمنع من استصحاب هذه المناطات، مع مراعاة عدم الاختصاص بمستصحب واحد وكأن بين هذه المستصحبات تعارضاً، فإن من فرض التمانع بين هذه المستصحبات فهذا تضييق في الفقه، وليس هنا واحد من هذه المستصحبات يطرد في سائر المسائل إلا أن يكون الدليل.
(9/14)

فقه المتقدمين وفقه المتأخرين
إن الفصل المطلق بين فقه المتقدمين وفقه المتأخرين ليس فصلاً حكيماً، ولا شك أن هذا لا يستلزم التسوية بين المتقدمين وبين المتأخرين، فإن فقه المتقدمين من حيث الأصل أجود من فقه المتأخرين، وهم - أي المتقدمون - أئمة الاجتهاد، وأئمة الرواية، وأئمة الفقه، وهذا لا أحد يجادل فيه، فليس المقصود هو أن نسوي بين المتقدمين والمتأخرين في الرتبة، بل المقصود هو أن ما يذكره المتأخرون بسائر طبقاتهم ودرجاتهم العلمية من محققين وغيرهم كأنه فقه منفك في الاتصال عن فقه المتقدمين، فهذا الانفكاك المبالغ فيه لا يصح فرضه، وإلا فإن العناية بكتب المتقدمين، ومعرفة أن لهم امتيازاً عن المتأخرين في فقه الدليل ونحو ذلك، هذا لا أحد يجادل فيه، وقد سبق أن ذكرنا أن أخص ما امتاز به المتقدمون في الدليل هو فقه دليل الاستقراء، فلا شك أن هناك امتيازات امتاز بها المتقدمون عن المتأخرين، لكن المبالغة في الفصل لا يصح.
فالامتياز أمر موجود، لكن الامتياز الذي يصحح وجوده ينبغي أن يحصل بعقل وحكمة وليس بتكلف.
أحياناً يطلق بعض طلاب العلم كلمات مثل قولهم: هذه طريقة المتقدمين، وهذه طريقة المتأخرين، ويكون ذلك بنوع تكلف، وأحياناً بشيء غير منضبط في البحث، إنما قد يعرض له مثال فيقول: هذه طريقة المتقدمين، فمثلاً: يجد قول الإمام أحمد: يا بني! هذا محدث، فيقول: طريقة المتقدمين أن ما خالف الراجح عندهم فهو محدث، ويستدل بقول الإمام أحمد، وهو قول صحيح، لكن ذلك يحتاج إلى فقه وإلى منهج منضبط.
فالتكلف والتسرع في تحديد الامتيازات بين المتقدمين والمتأخرين مرتقى صعب، لا ينبغي أن يكون فيه تكلف ولا أن يكون فيه تسرع.
(9/15)

فقه النوازل
ذكرنا سابقاً أن النازلة إما أن يقصد بها النازلة الكلية، وإما أن يقصد بها على اصطلاح البعض الجديد أو المستجد من المسائل، والمقصود هنا: النازلة الكلية، والفتوى فيها من خاصية المجتهد، وإذا قلنا: إن ذلك من خاصية المجتهد، فمعنى هذا أنه ينبغي ويؤكد على طالب العلم أن لا يتكلم في النوازل الكلية وهو ليس من أهل الاجتهاد، هذه جهة في نفسه وربما أن الجهة المتعلقة بالنفس يستطيعها الإنسان بشكل سريع إن صح التعبير.
وأيضاً ينبغي أن لا يقبل القول في النوازل الكلية ممن هو ليس من أهل الاجتهاد، وينبغي أن يفقه العوام من المسلمين أن النوازل الكلية لا يصدر فيها إلا عن أهل الاجتهاد، بخلاف الفتوى في المسائل العادية، فهذه لا يقال فيها: لا يفتي الناس إلا مجتهد؛ لأن كثيراً من المسائل المنضبطة المحفوظة بينة، وهذا تضييق على المسلمين وعلى فتواهم وعلى إجابة أسئلتهم، ولا شك أن كثيراً من طلاب العلم والناظرين والباحثين والمتفقهين على المذاهب يجيبون الناس عن أكثر أسئلتهم التي قد تعرض لهم في عباداتهم ومعاملاتهم، فهذه المسائل لابد أن يوسع فيمن يجيب فيها، ولا يقال: لا يجيب فيها إلا الأئمة الكبار أهل التحقيق والاجتهاد؛ لأنها مسائل بينة ومحددة وواضحة، ولو أفتي الناس فيها بقول مذهب فإن هذا فيه سعة في الجملة، وإن كان ليس هو الفاضل على الاطراد.
لكن في النوازل ينبغي على طالب العلم أن لا يتخوض فيها، حتى ولو كان من أهل النظر والفقه في كثير من المسائل، وينبغي أن يربى العامة على أن المسائل منها ما هو من الفروع المقولة سابقاً، فهذه يأخذونها عن آحاد الشيوخ أو طلاب العلم، وأما النوازل فيعرف العوام أن النوازل لا يقبل فيها إلا قول أئمة الاجتهاد.
والنازلة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: النازلة الكلية في قدرها - أي: غير الجزئية - ولكنها من حيث التعلق بالمكلفين خاصة ببعض المكلفين، فهذه يوسع فيها بقبول اجتهاد الواحد من المجتهدين.
القسم الثاني: النازلة الكلية في قدرها من الشريعة، من حيث التعلق بالمكلفين، أو بعامة المسلمين، أو بأهل الأمصار، فهذه لا ينبغي أن يصدر فيها عن اجتهاد واحد، حتى لو كان مجتهداً، وأقول: لا ينبغي، وإلا فالعزم هنا يحتاج إلى تأمل، فلا ينبغي أن يصدر فيها عن اجتهاد واحد؛ بل لا بد أن يجتمع جملة من مجتهدي الأمة، بحسب الطاقات والإمكانيات المتاحة في الأمة في عصرها، فينظرون في تلك المسألة، أما أن يصدر فيها عن قول مجتهد واحد وهي كلية التعلق، فهذا لا ينبغي، ومن باب أولى أنه لا يجوز أن يصدر فيها عن قول واحد ليس من أهل الاجتهاد.
(9/16)

شرح رسالة رفع الملام عن الأئمة الأعلام [10]
ينبغي على طلاب العلم أن يراعوا جملة أمور فيما يتعلق بفقه الخلاف بين العلماء، منها: تعظيم نصوص الكتاب والسنة، وتوقير كلام الأئمة في الخلاف المعتبر، ومن ثم التوسعة على المسلمين تحت قاعدة الخلاف المعتبر، وهناك أمور في مقام التحصيل العلمي ينبغي لطالب العلم أن يقف عليها ويعمل بها.
(10/1)

وصايا لطلاب العلم في فقه الخلاف
بعد هذا الوقوف مع هذه المسائل المتعلقة بفقه الخلاف الفقهي، يوصى طلاب العلم بجملة من الوصايا:
(10/2)

تعظيم النصوص
الوصية الأولى: التعظيم للنصوص، نصوص القرآن ونصوص السنة، فهذه هي أجل الوصايا: أن يكون الفقيه والناظر في كلام الفقهاء أعلى رتبة في عقله ونظره واستصحابه هي التعظيم للقرآن ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم ولهديه، وأن يكون هذا الاستصحاب استصحاباً علمياً وإرادياً، أي: أن يقصد في كل قول يصير إليه أو يعمل به أنه هو الموافق والأقرب إلى السنة والهدي، وليس كمعرفةٍ مجردة.
(10/3)

توقير كلام الأئمة في الخلاف المعتبر
الوصية الثانية: التوقير لكلام الأئمة في مقام الخلاف المعتبر، حتى لو رجحت قول فلان من الأئمة فلابد أن يكون لمن قوله مرجوح عندك قدر من التوقير، وكلمة (التوقير) أخف من كلمة (التعظيم)، ولذلك قيل في النصوص: التعظيم، وأما في الأئمة فيقال: التوقير، ومن قلة الفقه عند البعض أن يجعل هناك قدراً من التمانع بين توقير الأئمة وبين تعظيم النصوص، والأمر ليس كذلك لمن كان فقهه حسناً منضبطاً.
(10/4)

وصايا لطالب العلم فيما يتعلق بالتحصيل العلمي
الوصية الثالثة: فيما يتعلق بالتحصيل العلمي، والتحصيل العلمي له مقامان:
المقام الأول: مقام التأصيل، والتأصيل العلمي يكون بالمختصرات العلمية في العلوم الشرعية، كالفقه، والحديث، والاعتقاد، والتفسير، والأصول، أعني: أصول الفقه والقواعد، وما إلى ذلك، وهذه المختصرات متاحة وشائعة وإن كانت قد تختلف من بعض الوجوه، كبعض المتون المختصرة في الفقه في مصر حنبلي تختلف عن غيرها في مصر شافعي
إلخ، وفي باب المصطلح كالنخبة مثلاً، وبعد ذلك المقدمة لـ ابن الصلاح، وفي النحو الآجرومية المشهورة عند الكثير اليوم، وبعد ذلك ألفيه ابن مالك، وفي باب الاعتقاد كبعض المتون لـ شيخ الإسلام ابن تيمية أو لغيره من الأئمة، وغير ذلك، فهذا مقام التأصيل، والكتب المسماة فيه مشهورة.
المقام الثاني: النظر والفقه بعد التأصيل، فبعد أن يتأصل الطالب في مقدمات هذه العلوم وأوئلها يترقى إلى التفقه والنظر، وليس إلى الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد رتبة متأخرة.
والمنهج الذي أراه في هذا الباب إذا انتهى من التأصيل: أن يعنى أولاً بحفظ القرآن، وقد جرت سنة أهل العلم أنهم يبتدئون بحفظ القرآن مع معالجتهم لمسائل التأصيل، فإذا تيسر له أن لا ينتهي من التأصيل إلا وقد حفظ القرآن فهذا هو الأصل، لكن إذا لم يستتم حفظ القرآن في مرحلة التأصيل، فأول ما يبدأ به في مرحلة التفقه والنظر أن يستكمل حفظ القرآن.
ثانياً: أن يكثر من النظر في كتب السنن والآثار، فمن تيسر له قدر من الحفظ وكان يعرف من نفسه أن الله آتاه حفظاً فليجتهد في الحفظ، وإذا كان الله قد أعطاه ذهناً يستوعب إستيعاباً عاماً، فالكتب التي يقصد فيها إلى الاستيعاب هي الكتب التسعة، مع مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة، فيقرأ طالب العلم قراءة مستوعبة متأملة، يقرأ صحيح البخاري وصحيح مسلم، ثم يقرأ السنن الأربع، ويعنى بسنن أبي داود كثيراً؛ لكثرة ما فيها من الأحكام، ويقرأ موطأ الإمام مالك، وسنن الدارمي، ويقرأ مسند الإمام أحمد، فيقرأ هذه الكتب كلها، ولتأخذ عليه وقتاً من التأمل وكثرة القراءة لها، بحيث يكون لديه قاعدة واسعة في سماع السنة ونصوصها.
وعند قراءته لا يقرأ فقط ليحاول أن يحفظ بعض الكلمات، وإنما يحاول أن يقرأ بعقلية استيعاب وملاحظة للنظير مع نظيره، فإذا مر بأثر أشار إلى معنى، وإذا لفت نظره حديث أشار إلى معنى، فيبقى هذا المعنى في ذهنه، وهذه قدرات يعطيها الله تعالى لمن يشاء، وكلما كان الإنسان لديه قدرة أو ملكة أوسع استطاع أن يستفيد بها أكثر، فتجد أنه يرتب على هذا المعنى آثاراً، فيقول: وفي الباب - أحياناً في الباب الفقهي، وأحياناً في الباب المنهجي، وأحياناً في باب قاعدة من القواعد - وردت أحاديث
وهكذا.
ومما ينبه إليه هنا: أن العلماء يقولون: فقه البخاري في تراجمه، والإمام مسلم لم يترجم كما هو معلوم، ولكنك إذا نظرت في ترتيب الإمام مسلم للروايات؛ تحد أنه يذكر العام ويذكر بعده الخاص، وإذا ذكر المطلق فإن كان في صحيحه في روايته ما يقيده ذكره، وكذلك يذكر المجمل والمفصل وهكذا.
فإذا كان قد قيل: إن فقه البخاري في تراجمه، فإننا نقول: إن فقه مسلم في ترتيبه، وهذا إذا تؤمل وجد أنه من أجود الفقه، فإذا تأملت بعض كتب مسلم في صحيحه -وبخاصة كتاب الإيمان مثلاً - تجد أنه مرتب في طريقة الرد وطريقة التأصيل، وفي ذكر مسائل التوحيد الأولى، ثم ذكر ما طرأ من المخالفة لمسائل التوحيد، ونحو ذلك فيما كتبه في كتاب الإيمان، وفي غيره من كتب العبادات ونحوها، وإذا ذكر مسائل الأدب فإنه يترقى من الأدب العالي إلى ما دونه ..
وهكذا.
هذا هو الفقه في الترتيب، وهو مما ينبغي تأمله، فلا ينبغي أن تكون القراءة قراءة لمجرد الجرد كما يقولون، بل لا بد أن تكون القراءة قراءة تأمل، ومحاولة في الاستيعاب، ومحاولة ضم النظير إلى نظيره، والالتفات إلى كلمات المعلقين وأهل العلم على الترمذي مثلاً، ومعرفة تفسيرهم لكلام الترمذي، كقوله مثلاً: وهذا عليه أكثر أهل العلم، أو وفي الباب كذا، وكذلك كلمات الإمام مالك في موطئه وغيرهم من الأئمة.
ثم بعد ذلك يقرأ قراءة استيعاب وتأمل مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة، ليعرف آثار السلف وآثار الصحابة، وآثار المتقدمين الذين وجدت آثارهم في هذه المصنفات.
ثم ينتقل بعد ذلك إلى القراءة في فقه المتقدمين، بحسب ما تيسر مما وصل إلينا من فقههم، فيقرأ في مسائل الإمام أحمد، ومعروف أن ثمة أجزاءً في مسائل الإمام أحمد، فيقرأ في هذه الأجزاء، وقد يقول قائل: ليس فيها كل الفقه، ولم تنظم تنظيماً متكاملاً، وما إلى ذلك، وهذا صحيح، ولكن المقصود من القراءة ليس أن يجمع آحاد الفروع، إنما المقصود أن ينظر في طريقة الأئمة في الاستدلال، وفي الحكم على المسألة، وفي المنهج الذي ساروا عليه
إلخ، فيقرأ قراءة فقه تطبيقي يقصد منه أن تكون عنده ملكة علمية، فإنه بمثل هذا تصنع الملكة العلمية، فيقرأ في مسائل الإمام أحمد، ويقرأ في المدونة، وفي جوابات الإمام مالك، ويقرأ كتاب الأم للإمام الشافعي، ويتأمل في قراءته للأم ليتذوق لا ليحفظ الفروع التي قال فيها الشافعي رأياً، هذا مهم لكنه ليس الأهم، فإن الأهم في قراءة الأم - كمثال - أن يحاول أن يتذوق التطبيق الفقهي عند الشافعي، وتطبيق الدليل على المستدل عليه، وكيف يكون تطبيق الدليل اللفظي، وكيف يكون تطبيق الدليل من المقاصد والقواعد العامة، كذلك يعرف طريقته في محاجة الخلاف، وما إلى ذلك.
وكذلك يقرأ في كتب بعض المتقدمين من الحنفية، ومن ذلك كتاب الحجة على أهل المدينة، لـ محمد بن الحسن الشيباني، فإن فيه نوعاً من المجادلة العلمية الرفيعة العاقلة بين الحنفية وبين المتقدمين من المالكية، وكذلك كتاب اختلاف الفقهاء لـ محمد بن نصر المروزي، فإنه يعتبر من أوسع الناس معرفة بخلاف المتقدمين، وأضبطهم في هذا، فينبغي أن لا يستغني عنه طالب العلم.
وهناك بعض كتب الأجزاء في بعض الأبواب، ككتاب الأموال لـ أبي عبيد القاسم بن سلام، وكتاب القراءة خلف الإمام، وهو جزء للإمام البخاري، فيقرؤها ليعرف طريقة تعامل المحدثين في تطبيقات الفقه، ويقرأ كذلك ما يؤصل في هذا الباب كرسالة الإمام الشافعي رحمه الله.
وننبه إلى أننا لا نتكلم عن منهج علمي شمولي، إنما نتكلم عن منهج يتعلق بالفقه، حتى لا يقول قائل: أين كتب التفسير وكتب اللغة وكتب أصول الفقه وغيرها.
ومع أننا نتكلم عن منهج فقهي إلا أن لدي قناعة بأن هناك أشياء في المصطلح العلمي ليست من الفقه، ولكن لا بد أن تقرأ من أجل الفقه، وهذا ستأتي له أمثلة قريباً إن شاء الله.
وبعد أن يقرأ كتب الحديث والأثر، وكتب المتقدمين من الفقهاء، يقرأ كتب الفقه للمتأخرين، أي: الكتب التي كتبها محققون كبار، من الجوامع الفقهية العالية، كالمغني للموفق ابن قدامة الحنبلي، فهذا كتاب جامع على مختصر أبي القاسم الخرقي، فإن كتاب المغني - في الجملة - كتاب خلاف مقارن، وفيه ذكر للتطبيق الفقهي، ولاسيما أن الموفق من أفقه العلماء المتأخرين، حتى إنه نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: "ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من أبي محمد "، فهو ممن علا كعبه في الفقه، وقد نقل عن أحد الحنابلة أنه قرأ المغني ثلاثاً وعشرين مرة.
والمقصود من هذا كله أن يكون طالب العلم مستوعباً للخلاف الفقهي، وهذا هو الأولى والأفضل؛ لأنه في نظري أن نصف الفقه هو معرفة الخلاف، فكل من كان أعلم بالخلاف - أعني خلاف المتقدمين - وأكثر استيعاباً له، فقد حصل - إن أمكن التعبير - ما يقارب نصف الفقه، وذلك إذا ضبط الأقوال، وعرف رتب الأقوال، وعرف ما هو الشاذ، وما هو الذي عليه الأكثر، وليس أن يعرف مجرد أن هناك خلافاً؛ بل إذا ضبط الخلاف مع مراتبه فهذا نصف الفقه، وقليل من يحفظه اليوم، أو يحاول السلوك إليه.
وهناك كتاب المجموع في شرح المهذب عند الشافعية، ولكن المغني أوسع، وإن كان من حيث الترجيح في الجملة على المذهب الحنبلي.
ثم عليه أن يعنى بكتب التفسير، ولسنا نتكلم هنا عن التفسير كتخصص، لكن حتى صاحب الفقه لا بد له من فقه التفسير؛ لأن الأحكام الفقهية الشرعية محصلة من الكتاب والسنة، ويقرأ في التفسير - تحت هذا المعنى الذي هو المقصود الفقهي - يقرأ تفسير ابن جرير، فقد جمع أثار السلف وأقوالهم في تفسير القرآن، ويقرأ في التنصيص على الأحكام من التفسير كتاب الجامع للإمام القرطبي.
ولا بد أن يعرف أثر اللغة وأثر الملكة العلمية في تحصيل الاستدلال من القرآن، ومن أجود ما يقرأ في ذلك تفسير الطاهر ابن عاشور، أو تفسير أبي حيان، مع أن تفسير الطاهر ابن عاشور أجمع وأجود.
ثم بعد ذلك ينظر في الموسوعات العلمية، وليس بالضرورة أن يكون هذا المصطلح مصطلحاً شائعاً، والجوامع العلمية قد تكون في حقيقتها شرحاً لكتاب، لكنها لثرائها العلمي أصبحت مليئة بالفوائد، ولذلك فهي أعلى من كونها مجرد شرح، فمثلاً: صحيح البخاري له كثير من الشروح العلمية، فبعضها على قدر من الاختصار، فهذا يسمى شرحاً، لكن كتاب فتح الباري يعتبر أشبه بالموسوعة العلمية، فهذا هو ما أقصده بالجوامع العلمية التي كتبها محققون في أبواب، ومن أخص مثالاتها: فتح الباري للحافظ ابن حجر، والجزء الموجود في فتح الباري لـ
(10/5)

التوسعة على المسلمين تحت قاعدة الخلاف المعتبر
الوصية الرابعة والخاتمة: بعد أن ذكرنا تعظيم النصوص، وتوقير الأئمة، فآخر ما يذكر في الوصايا: هو قصد التوسعة على المسلمين في الفقه تحت قاعدة: الخلاف المعتبر، والتوازن بين مراعاة الدليل وفقه المصالح، فقصد التوسعة قصد شريف إذا ضبط بمراعاة الدليل ومراعاة المصلحة، وقد سبق أن ذكرنا أن إشاعة بعض الأقوال فيه مفسدة وفتنة على كثير من العامة، فلا يوسع على الناس فيما يقتضي الفتنة أو الفساد، وإنما يوسع عليهم بما كان من الخلاف معتبراً، ولا ينافي ظواهر السنن، وليس فيه مفسدة أو فتنة، فما كان من الخلاف لا يتأثر بذلك فإن التوسعة فيه هي الأصل الذي ينبغي أن يعمل به في الفتوى والاجتهاد.
هذا ونسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه تسليماً كثيراً.
(10/6)