Advertisement

شرح قواعد الأصول ومعاقد الفصول


عناصر الدرس
* مقدمة الكتاب.
* مقدمة العلم.

الدرس الأول

من يهده الله فلا مُضل له من يُضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً، أما بعد، كما سمعتم نشرع - بإذن الله تعالى - في هذا اليوم الثامن عشرة من الشهر الخامس من عام ست وعشرين وأربعمائة وألف، فيما عُنون له بالدورة العلمية الصيفية الأولى. كما سبقنا مراد فيما إذا أُعلن لي على جهة الخصوص أنه دورة مراد به تكثيف الدروس فقط وليس المراد به الاستعجال والاختصار المخل بالشرح، لأن الدورات تختلف من مفهوم بعض طلابنا ومفهوم آخرين، المراد أن في هذه الإجازة الثلاثة أشهر أو أقل كانت الفكرة والاقتراح أننا نجعل بدل الدروس التي تكون في أيام السنة دروس مستقلة بالإجازة الصيفية، والجدول كما رأيتم في خمسة متون في خمسة فنون في أصول الفقه والنحو وهذا النحو الأصل أنه مُقام في هذا المسجد لكن حُوِّل إلى مسجد الملك عبد العزيز في ضمن الدورة يعني الجدول لا يُراعى فيه نظم الأجرومية، إنما يكون بعد المغرب اليوم في مسجد الملك عبد العزيز ضمن الدورة العلمية الصيفية هناك، والصرف أيضاً متن البنا والبيقونية ومنظومة الزمزمي في التفسير، هذه خمسة فنون خمسة فنون عُنوِن لها بخمسة متون، وهذا أريد أن أشير به دائماً إلى أن طالب العلم إنما عليه أن يتوسع في الفنون ولا يختص في دراسته في طلب العلم الشرعي بفن دون آخر، المشهور الآن أن البعض من طلاب العلم يظن أنه لابد ويجب أن يتخصص ابتداءاً في طلب العلم وهذا مفهوم خاطئ مفهوم فاسد، ولذلك لا يُعرف عن أهل العلم الكبار في زماننا هذا وعن المتقدمين أنهم يعنون بالتخصص هذا المفهوم الحادث أنهم يعنون بالتخصص هذا المفهوم الحادث وإنما مرادهم بالتخصص فيما سبق أن طالب العلم يدرس من كل علم نحسلة، فيأخذ من علوم العربية ما يحتاجه ويأخذ من علم أصول الفقه ما يحتاجه ولا يتوسع كأنه متخصص في هذه الفنون بحيث يدرس كل صغيرة وكبيرة ويمر على كل الكتب والشروع الحاشدة وإنما يأخذ زبدة خالصة من علوم اللغة ومن علم أصول الفقه ومن المصطلح وفن الصرف والاشتقاق والعروض والمنطق إلى آخره، يأخذ من كل علم من هذه الفنون خلاصته ثم بعد ذلك إذا نظر في علم المقاصد أو الذي ينبغي أن يعتني به طالب العلم وأن يتخصص فيه بالمفهوم السابق أنه إذا أخذ خلاصة من علوم الآلة التي تُسمى علوم الوسيلة أو علوم الوسائل إذا أخذ الزبدة والخلاصة منها يتخصص في فن من فنون مقاصد الشريعة كالحديث والفقه والتفسير.
(1/1)

يعني علم الوحيين الكتاب والسنة هما علم المقاصد وطالب العلم مغبون إذا تخصص في غير هذين الفنين الكتاب والسنة، أما التخصص في أصول الفقه على حده أو اللغة على حده فهذا قد إن لم يُفتَح عليه في علم المقاصد فيكون قد عرف قدرهم فتخصص في فن من فنون الآلة وإلا اسمها فنون الآلة علم الوسيلة علوم آلة بمعنى أنها وسيلة إلى غيرها، حينئذ لا يعتكف عليها طالب العلم، ولا يفني عمره في فن من هذه الفنون بل يأخذ منا يحتاجه، ولذلك أشيد بمثل طرح هذه المتون المتنوعة إلى هذا المقصد، يعني طالب العلم يتنوع في كل فن ثم بعد ذلك يتخصص بالمفهوم الذي عُرِف عند العلماء، أما المفهوم الخاص الآن للتخصص فهو أنه يعتني منذ الطلب لا يقرأ علوم اللغة بل لا يحفظ القرآن وقد يُزهِد في حفظ القرآن كما هو مشهور الآن لا يقرأ في علوم الآلة لا يقرأ علوم اللغة لا يقرأ في أصول الفقه، ثم بعد ذلك يتخصص في الفقه أو يتخصص في الحديث أو يتخصص في التفسير، أنَّى له أن يجيد فناً من هذه الفنون لأنه كمن يقطع اللحم بغير سكين، الذي يريد أن يتخصص في الفقه دون دراية لعلوم الآلة بأسرها كالذي يسعى ليقطع اللحم بغير سكين، لماذا؟ لأنه أتي البيوت من غير أبوابها حينئذ يتعين على طالب العلم أن يأخذ من كل علم أحسنه وأن يحفظ في كل فن من فنون الآلة متناً متوسطاً قد يكون هو المتن الأول والأخير عنده يختلف من طالب إلى طالب من فهم إلى فهم من حفظ إلى حفظ وقد يتلقى في كل فن على ما ذكره أهل العلم في تلك الفنون، فأصول الفقه يأخذ مثلاً الورقات، ثم إن أخذ مختصراً يكون وسطاً بين المراقي مثلاً والورقات أو الكوكب الساطع والورقات كهذا الكتاب فهذا حسن، وإذا انتقل مباشرة فأيضاً لا بأس، ولا نريد أن نُطيل في الكلام في المنهجية وإن اقترح البعض أن يكون الحديث اليوم عن المنهجية في طلب العلم، حقيقة أنا لا أحب الكلام في هذا الموضوع على جهة الخصوص، لماذا؟ لأن الكلام كَثر في مثل هذه المسألة وصار ديدن بعض الطلاب كأنه يتلذذ بسماعه للمنهجية في طلب العلم، كأنه يريد ماذا أحفظ ثم ما هي الشروع على المتن الأول ثم يسأل عن المتن المتوسط ثم المتن المُنتهي ويسمع كلاماً كثيراً لا أول له ولا آخر، ثم بعد ذلك يخرج ويصير الكلام أو المحاضرة أو الحديث كأنه نسياً منسيا، ونحن نريد أن نعمل ولا أن نتكلم كثيراً ولذلك من أراد المنهجية أقول له هذا الجدول بين يديك، إن كان عندك عزيمة وعندك إرادة قوية فجزاك الله خير فاصبر على ما قد تلاقيه من متاعب، هذا الكتاب الأول وهو كتاب
(1/2)

(قواعد الأصول ومعاقد الفصول) مختصر تحقيق الأمل في علمي الأصول والجدل تأليف صفي الدين عبد المؤمن بن كمال الدين عبد الحق البغدادي الحنبلي، هذا الكتاب يُعتبر مختصر لماذا؟ لأنه كما ذكر هو المُصنِّف كما سيأتي في المقدمة أنه مختصر تحقيق الأمل. إذاً هو كتاب ثم اختصره في هذه النبذة المختصرة، سيأتي الحديث عنه في ضمن الكتاب لكن نُترجم للمُصنف ترجمة مختصرة نقول اسمه (صفي الدين عبد المؤمن بن كمال الدين عبد الحق بن شمائل القطيعي البغدادي الحنبلي الفقيه) إذا هو في مذهب الحنابلة لأن المُصنف الحنبلي، والتصنيف هذا في مذهب الحنابلة، صفي الدين وقال كمال الدين هذه الألفاظ دخيلة على الإسلام والمسلم لم تُعرَف إلا عن طريق الفرس ونحوهم ممن دخلوا في الإسلام وإلا ما كان الصحابة يعرفون مثل هذه الإطلاقات وإنما دخلت بعد ذلك ركن الدين وشيخ الإسلام وصفي الدين وكمال الدين كل هذه الألفاظ دخيلة، لذلك الأولى تركها بل تُعتبر من المكروهات، مولده في جمادى الآخرة سنة ثمانٍ وخمسين وستمائة من الهجرة، نشأ كما نشأ غيره من أهل العلم في بيت علم ودين يعني كان أبوه كما قيل كان خطيباً لجامع ما، تفقه على علماء عصره، حيث تفقه على ابن أبي طالب عبد الرحمن بن عمر البصري ولازمه حتى برع وأفتى، وإلقاء مثل هذه التراجم ليس المراد تجادل بسيرة العلماء، لا المراد أن يقتني أو يقتفي طالب العلم سير العلماء، ولذلك كما يُقال من أنفع ما يُعين طالب العلم بعد الإخلاص وتوفيق الله - عز وجل - في طلب العلم هو الوقوف على تراجم العلماء، من أعز ما يمكن يكون دافعاً لطالب العلم ورافعاً للهمة هو الوقوف على تراجم العلماء، وليس المراد أن يحفظ ما جرى لهم حفظ كذا وحفظ كذا، المراد أن يقتفي أثرهم، هنا قال: ولازمه، إذاً العلم يحتاج إلى ملازمة إلى صبر إلى جد إلى اجتهاد، ولازمه حتى برع وأفتى، وأقبل على العلم بكليته، يعني لم يجعل للراحة وقتاً أكبر من العلم بل يكون طالب العلم ديدنه صباح مساء يجري في دمه ذكر العلم ومسائل العلم والبحث في العلم، وهذا العلم إذا أعطيته - كما قيل – إذا أعطيته كلك أعطاه بعضه، كلك يعني وقتك أربع وعشرين ساعة في اليوم يكون همك هو العلم الشرعي بحثاً ودراسة وتصنيفاً وتأليفاً ومذاكرة وحفظاً ومراجعة إلى آخره، هذه إن أعطيته كلك أعطاك بعضه، فكيف إذا أعطيته بعض البعض، لن تنال شيئاً، وأقبل على العلم بكليته، لازمه مطالعة وكتابة وتصنيفاً إلى حين وفاته، لذلك طالب العلم لا يكتفي ويقف عند حد ما، وهذا من الحرمان أن يظن طالب العلم أنه قد وصل إلى مرحلة أنه لا يحتاج إلى حضور درس ما أو إلى استفتاء لأهل العلم وإنما يكون طالب علم كما قال الإمام أحمد لما سُئل عن جريه وراء مُحدِث ما قال: من المحبرة إلى المقبرة، يعني ملازم لطلب العلم من المحبرة إلى المقبرة، يعني لا ينفك إلا ولا يقف دونه إلا الموت.
(1/3)

قام برحلات إلى الشام والتقى بابن تيمية – رحمه الله تعالى – وأجاز للحافظ بن رجب رحمه الله تعالى، إذا هو يُعد من شيوخ ابن رجب رحمه الله تعالى، قال عنه الحافظ بن رجب كان إماماً فاضلا ذا مروءة وأخلاق حسنة، إماماً: إذاً وصفه ابن رجب بأنه إمام، وابن رجب هو إمام أيضاً رحمه الله، فإذا وصف غيره بأنه إمام ليس كوصف معاصر الآن لغيره بأنه إمام، ذا مروءة وأخلاق حسنة وحُسن هيئة وشكل عظيم الحُرمة شريف النفس منفرداً في بيته، لماذا؟ لأنه أعطى العلم كله، ولذلك قيل العلم والخلطة لا يجتمعان، من أراد العلم فليطلق الخلطة ثلاثاً. شريف النفس منفرداً في بيته لا يخشى الأكابر ولا يُخالطهم ولا يزاحمهم على المناصب، بل الأكابر يترددون إليه. وقال عنه ابن حجر رحمه الله تعالى في الدرر الكامنة: وكان زاهدا خَيراً ذا مروءة وفتوة وتواضع ومحاسن كثيرة، طارحاً للتكلف على طريقة السلف مُحباً للخمول يعني ليس محباً للشهرة والتصدر، وكان شيخ العراق على الإطلاق، تُوفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة عاشر صفر سنة تسع وثلاثين وسبعمائة في بغداد. كتابه القواعد هذا ذكر عنه ابن بدران رحمه الله تعالى أنه من أنفع المختصرات في أصول الفقه ولذلك قال أنه مختصر مفيد يعني لما ذكر المصنفات والمختصرات في أصول الفقه عند الحنابلة ذكر القواعد هذا وقال إنه مختصر مفيد، وقال عنه جمال الدين القاسمي: وما وقفنا عليه حتى رأيناه من أنفس الآثار الأصولية وأعجبها سبكاً وألطفها جمعاً للأقوال وإيجازا في المقال. إذا هذان عالمان أثنيا على الكتاب. ومن ميزة الكتاب أنه فيه سهولة في العبارة، يعني عباراته سهلة لمن اطلع ووقف عليه مع الإيجاز، ولذلك قيل أنه مختصر من الروضة، وهذا فيه خلاف هل قواعد الكتاب مختصرة من الروضة أم لا؟ بعض المعاصرين يرى أنه مختصر من الروضة والظاهر أنه ليس مختصراً من الروضة لأن المصنف نفسه يقول مختصر وتحقيق الأمل، فكيف هو يقول عن كتابه بأنه مختصر كتاب له ثم يُقال عنه أنه مختصر من الروضة، نعم قد يكون متأثراً بالروضة، لكن أنه مختصر منها هذا ليس بسديد. أغفل في الغالب ما لا تعلقاً للأصول به من مباحث علم الكلام وآراء المتكلمين، أصول الفقه مما جعله من العلوم الصعبة المعقدة أنه محشو به كلام المتكلمين، ويجري في كثير من المصنفات ذكر مقدمات منطقية ونحوها بل تراه من أوله إلى آخره فيه من الألفاظ والمصطلحات المنطقية التي هي مبنية على علم الكلام وآراء المتكلمين، هنا المُصنف لم يذكر كثيراً من هذه الآراء، لذلك جاءت عبارته سهلة، إذا سبب سهولة عبارة المصنف أنه أغفل كثيراً من عبارات وآراء المتكلمين، فإذا سلم الكتاب من هذه العبارات وهذه الآراء رجع إلى أصله وهو السهولة في العبارة، ولذلك لم يذكر مقدمة منطقية وكثير من كتب الأصول المختصرة التي يعتبر من المتوسطات فما كان أعلى منها كثير منها يجعل المقدمة في بيان التصور والعلم والظن والشك والوهم إلى غير ذلك والدليل والنظر والفكر، وهذا المُصنف هنا لم يجعل مقدمة منطقية في ذلك، بل الورقات لم تسلم من هذا ذكر حد العلم والظن والشك إلى آخره وهذا يدل على أنه متأثر بطريقة أهل الكلام.
(1/4)

وهنا المُصنف لا، إنما جرد كتابه عن آراء المتكلمين وعلم الكلام.
قدَّم وأخَّر في الترتيب على غيره النمط المحفوظ في تصنيف كتب الأصول وخاصة الحنابلة، يعني هناك ترتيب معين يزد عليه الأصوليون كما أن للنحاة ترتيب معين لم يزد عليه النحاة، هنا خالف قدَّم وأخَّر وليس هذا بعيب، ليس الترتيب مسألة توقيفية لا يجوز مخالفتها إنما ما رآه المُصنف هو الذي يعمل به. عنايته بالتعريفات والتقسيمات وهذا مما يُعين على فهم باب كله من أوله لآخره، إذا فهم طالب العلم حدود الباب وإذا كان قابلاً للتقسيم فكان مُقسماً حينئذ يكون أسهل في الفهم والحفظ، هذا كما ترون أن الكتاب مطبوع طبعة جامعة أم القرى بتحقيق دكتور علي عباس الحكم هذا أجود ما وُجد من نُسخ هذا الكتاب وإلا طُبع قديما وعلق عليه الشيخ جمال الدين القاسمي وكذلك طبعة علق عليها الشيخ أحمد محمد شاكر، وهذه طبعة تعتبر متأخرة وهي مُحقَّقة تحقيقاً على طريقة المعاصرين. وهذا الكتاب من جهة الشروح لم أقف إلا على شرحين اثنين للعالمين معاصرين، شرحه الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى وهو موجود في أشرطة في أربعة عشرة شريطاً ولم يُتمه إنما وقف على باب القياس كان الشيخ ما ارتضي الكتاب من جهة أنه لم يسلم من بعض التعبيرات والاصطلاحات المنطقية، فقال ليتني ما بدأت به، ثم أوقف الكتاب ولم يُدرسه. كذلك أيضاً شُرِح من قبل الشيخ عبد الله بن فوزان الفوزان وهو موجود مطبوع في مجلدين، الأصل أنه في أشرطة ثم فُرغَت. إذا عرفنا الآن مزايا هذا الكتاب ولما اُختير فنبدأ إن شاء الله مستعينين بالله - عز وجل - في دراسته والطرقة التي سنسير عليها كما هو معلوم هي خمسة أسابيع، يعني خمسة وعشرون يوماً. وعليه لابد أن يكون الكتاب أو هذه الأيام مستوعبة لهذا الكتاب وكما ذكرت بالقيد السابق ليس المراد الاختصار المُخل وإنما نجري على حل عبارة المُصنف، يعني نقف على مراد المُصنف من كل كلمة يريدها ولو كثر الكلام في بيان مراده، ولا نذكر خلافاً إلا إذا كان القول الذي ذكره المُصنف مُخالفاً للقول الراجح، فإذا القول الذي ذكره المُصنف هو الصواب حينئذ نُبين مقصوده من المسألة يعني تصور المسألة ودليلها ووجه الاستنباط فقط، ولا نذكر أقوال للأصوليين، وبهذا إن شاء الله نكون قد نأتي على الكتاب كله من أوله إلى آخره.
(1/5)

فما يحتاج إلى وقوف وقفنا معه، وما لا يحتاج نبينه ونمر عليه كما يُقال مرور الكرام، وثم مسائل لا يمكن استيعابها في كتب الأصول، وهذا مما يجعل أيضاً أصول الفقه من الكتب أو من الفنون التي تعد من العلوم الصعبة على طلاب العلم، أنه مُركب من عدة فنون يدخل فيه مباحث في اللغة يدخل فيه مباحث من المنطق، مقدمة منطقية ومقدمة لغوية هذا المشهور عندهم، والمقدمة المنطقية هذه لم يذكرها المُصنف فأراحنا منها، وإلا لو ذكرها لاحتجنا إلى أن نُبين أصول المنطق من أوله إلى آخره، ولذلك لو ذُكر علم المنطق في هذا الكتاب أو في غيره من الكتب حينئذ يحتاج الطالب إلى أن يدرس المنطق في ضمن أصول الفقه، فإذا كان أصول الفقه نفسه فيه نوع صعوبة والمنطق في نفسه فيه نوع صعوبة أو هو صعب، فحينئذ دراسة أصول الفقه وفي ضمنه علم صعب يجعل ماذا الصعب صعباً يزيده، ولذلك من الحسن من طالب العلم أن يكون بصيراً فيعرف ما الذي يتألف منه أصول الفقه، فيعلم أنه مُستمد من علوم اللغة فيدرس كل فن فنون اللغة، ثم بعد ذلك يدرس أصول الفقه، لأنه ستأتيه مباحث حد الكلام حد الكلمة تعريف الكلام يأتي الاشتقاق تأتي الحقيقة والمجاز يأتي المعرب وليس بمُعرب، هذه كلها مباحث لغوية وليست بمباحث أصولية، وإنما تُذكر في أصول الفقه لأن من مبناة أنه مستمد من علم اللغة إذا كان مستمداً من علم اللغة فحينذ لابد أن يُذكر طرف من اللغة العربية مما يحتاجه الأصولي في هذا الفن، فإذا وُجد في كتاب ما قد تجد مثلاً مجلداً كاملاً فيه مطولات كله في اللغة العربية حينئذ كيف يفهم طالب العلم أصول الفقه إذا لم يُفرد هذا الفن بدراسة مستقلة، ولذلك الأولى لطالب العلم ألا يتعمق في دراسة المسائل الدخيلة على الفن، وأعني بالمسائل الدخيلة أنها ليست من فن أصول الفقه أصالة وإن بُني عليها وإنما يأخذ كل فن على حده فيدرس النحو على حده فإذا مرت به مسائل النحو في أصول الفقه لا يقف معها كثيرا، وإنما ينظر إلى رأي الأصوليين فحسب ما اختيارهم ما ترجيحهم، هل اصطلاحهم يخالف اصطلاح أهل اللغة أم لا فقط، أما أن يقف ويدرس النحو ويدرس الحقيقة والمجاز والاستعارة والكناية في أصول الفقه نقول أن هذا لا يستوعبه أصول الفقه على وجهه، بل ربما قد يرجع من حيث بدأ ولا يُتم الكتاب. لذلك المباحث التي ستأتينا في أصول الفقه هنا في اللغة وكذا لن نقف معها كثيراً وإنما نُبين مراد المُصنف ونسير، وبهذه الطريقة إن شاء الله نأتي على الكتاب من أوله إلى آخره.
بسم الله الرحمن الرحيم
" أحمد الله على إحسانه وأفضاله كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وأصلي وأسلم على نبيه المكمل
بإرساله، المؤيد في أقواله وأفعاله، وعلى جميع صحبه وآله. وبعد:
فهذه (قواعد الأصول ومعاقد الفصول) من كتابي المسمى بـ (تحقيق الأمل) مجردة من الدلائل، من غير إخلال بشيء من المسائل، تذكرة للطالب المستبين، وتبصرة للراغب المستعين، وبالله أستعين، وعليه أتوكل وهو حسبي ونعم الوكيل المعين."
(1/6)

- قال المُصنف رحمه الله تعالى بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، إذا بدأ المُصنف رحمه الله تعالى ابتداءاً حقيقياً بالبسملة وهذا لأمور، يعني لماذا بدا بالبسملة قل لأمور أولا تأسياً بالكتاب العزيز، لأن أول القرآن أول ما يُقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين). ثانياً: تأسياً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - المراد به السنة الفعلية حيث كان إذا أرسل أو كتب كتاباً إلى ملك ما قال (بسم الله الرحمن الرحيم) كما جاء في صحيح البخاري في أوله (بسم الله الرحمن الرحيم إلى هرقل عظيم الروم) إذاً بسمل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذه سنة فعلية، ثالثاً اقتداءاً بالأئمة المُصنفين، جرت عادة العلماء أنهم إذا كتبوا كتابا ما أو شرحوا أنهم يقولوا بسم الله الرحمن الرحيم، ولذلك قال ابن حجر - رحمه الله تعالى – " اتفق عمل الأئمة المصنفين على أنهم يفتتحون كتب العلم بالتسمية وكذا معظم كتب الرسائل " إذا هو إجماع عمل من العلماء إذا أرادوا أن يشرحوا شرحا أو يؤلفوا كتاب يقولوا بسم الله الرحمن الرحيم. رابعاً: تبركاً بالتسمية، لأن بسم الله معناها أستعين بالله وأتبرك به، وحينئذ يكون المُبسمل طالباً لتوفيق الله - عز وجل - ومعونته فيما جعل البسملة مبدأ له، هذه أربعة أمور نقول جعلت المصنف كغيره من العلماء، وأما حديث كما يزيده البعض عمل بحديث كل أمر ذي باديء لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو ابتر هذا الحديث فيه كلام لأهل العلم ومُرجَح أنه حديث ضعيف. ولذلك نقول السنة الفعلية ولا نقول السنة القولية لأنها لم تثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بسم الرحمن الرحيم: هذا من حيث إثبات هذه البسملة، وأما من حيث مفرداتها، هذا لا يتعلق به بحث في أصول الفقه فنتجاوزه، سيأتينا إن شاء الله في شرح الأجرومية ما يتعلق بها من جهة العراق ومعنى المفردات.
(بسم الله الرحمن الرحيم) أهم ما يلفت إليه طالب العلم نظره في هذه البسملة أن الإضافة هنا تفيد العموم وهذا الذي يتعلق بأصول الفقه، (بسم الله) بسم هذا نكرة أُضيف إلى معرفة بل إلى أعرف المعارف وهو لفظ الجلالة الله، الاسم الأعظم كما قيل وعليه الجمهور، (بسم الله) أي بكل اسم هو لله سمى به نفسه أو أنزله في كتابه أو علمه أحد من خلقه أو استأثر به في علم الغيب عنده. إذاً (بسم الله) إذا قيلت بعد الاستعانة أو لتبرك مع المصاحبة إذا يستعين المُبسمل بماذا؟ بكل اسم هو لله بكل أسماء الله - عز وجل -، التي علمها والتي لم يعلمها يعني المخلوق.
(1/7)

قال (أحمد لله) إذا بعد البسمة ثنى بالحمدلة، وهذا أيضاً نقول تأسياً بالكتاب العزيز لأنه وراء البسملة في سورة الفاتحة وهو أول الكتاب (الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {2} الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) هذا يسمى ابتداءاً إضافياً عند أهل العلم، والابتداء بالبسملة يسمى ابتداءاً حقيقياً، والابتداء الحقيقي هو الذي لم يُسبق بشيء أبداً، والابتداء الإضافي هو الذي لم يُسبق بشيء أبداً أو سُبق بشيء من غير المقصود، وهنا سُبق (أحمد الله) بالبسملة، لكن هل هي من المقصود الذي صنَّف المُصنف كتاباً لأجله؟ الجواب لا، حينئذ يكون الابتداء بالبسملة ابتداءاً حقيقاً إضافياً، والابتداء بالحمدلة ابتداءاً إضافياً لا حقيقاً، فكل ابتداء حقيقي إضافي ولا عكس، (أحمد الله) ما المراد بالحمد؟ نقول الحمد على الأصح، والأولى أن يُحد بما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى – أنه ذكر محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه وإجلاله، وإن كان المشهور أنه في اللغة تناوب الجميل على الجميل الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم وأنه في الاصطلاح فعل يُنبئ عن تعظيم المُنعم بسبب كونه مُنعما على حامده أو غيره والكلام على هذين التعريفين يطول، والفرق بين الحمد والشكر أيضاً يطول، وليس المقام مقام تفصيل. (أحمد الله) هنا أتي بالجملة الفعلية ولم يأتي بالجملة الاسمية ومعلوم عن البيانيين أن الجملة الاسمية تدل على الثبات والدوام على الثبوت والدوام، والجملة الفعلية تدل على التجدد والاستمرار، عدل عن الجملة الاسمية فإن كانت أولى لنكت والمفضول قد يُعدَل إليه بنكتة فتُصيره أولى من الفاضل، وهذا حتى في العبادات، قد يكون الشيء مفضولاً ولكن يقترن به ما يكون في حق الشخص جاعلاً له أولى من الفاضل، وبذلك الإنسان مثلاً السنن الرواتب نقول الأفضل أن يصلي في بيته أليس كذلك؟ لكن لو صلى بيته قد يكون القلب مشغولاً ولو صلى في المسجد قد يكون أخشى وأقنع، حينئذ يكون في حق هذا الشخص وليس تقعيداً عاماً يكون في حقه صلاة النافلة في المسجد أولى من صلاته في بيته، إذا قد يصير المفضول فاضلاً هنا الجملة الاسمية هي الأولى، ولكن عُدل للجملة الفعلية للدلالة على التجدد والثبوت، وهنا قد عُلق الحمد على الإحسان والإحسان من الرب - عز وجل - على العبد مُتجدد ومُستمر، يعني يكون ثم يكون ثم يكون، يعني يوجد ثم يوجد ثم يوجد، وليس هو إحسان واحد مستمر ولا ينقطع ولا يتلوه إحسان آخر، ولذلك لما كانت النِعم مُتجددة في حق العبد والجملة الفعلية تدل على التجدد، ناسب أنه يأتي بالجملة الفعلية الدالة على التجدد والحدوث. فالحمد يُوجد كلما وُجدت النِعم، لما كانت النِعم متوالية متجددة تكون ثم تكون ناسبه أن يأتي بجملة دالة على الحدوث والتجدد، إذا كلما تجددت النعمة وُجد لها حمد وهذا يدل عليه الجملة الفعلية. ولابد من القول بالتفريق بين الجملة الفعلية والجملة الاسمية وخاصة في هذا الموقع، فحينئذ نقول الجملة الاسمية تدل على ماذا؟ تدل على الثبوت، فإذا قال
(1/8)

(الحمد لله) نقول الحمد ثابت ومستمر، ولماذا أتى بالجملة في مثل هذا التركيب في الجملة الاسمية؟ نقول لأنه علَّق الحمد بصفات الرب بذات الرب - عز وجل - وصفاته، فلما كانت ذاته مستمرة - عز وجل - ناسب أن يأتي بحمد دال على الاستمرار، فإذا قال (أحمد الله على إحسانه وإفضاله) علَّق الحمد هنا على الإحسان والإفضال وهو مُتجدد يوجد بعد أن لم يكون، فحينئذ يناسبه أن يأتي بجملة دالة على التجدد والحدوث، ولذلك جاء الحديث " إن الحمد لله نحمده " حمد بماذا؟ بجملتين بالجملة الاسمية والجملة الفعلية.
(أحمد الله على إحسانه) من المشهور عند أهل العلم أن الحمد مُعلق بلفظ الجلالة ولا يُقال (أحمد الرحمن) أو (أحمد السميع البصير) لماذا؟ لأن اسم الجلالة الله - عز وجل - هذا جامع لجميع معاني الأسماء والصفات، فكل معنى دل عليه اسم غير لفظ الجلالة فهو داخل في (الله)، ولذلك الجمهور على أنه الاسم الأعظم.
(أحمد الله على إحسانه وإفضاله): إحسانه وإفاضله مصدران، أحسن يُحسن إحساناً، وأفضل يُفضل إفضالاً، قيل متقاربان، يعني معنى الإحسان متقارب لمعنى الإفضال، وقد يُقال الإحسان مُجرداً إسداء المعروف، والإفضال زيادة على ذلك، وقال بعضهم الإحسان ضد الإساءة، أحسن وأساء إذا هما ضدان، والإحسان قد يكون في الإنعام على الغير على الآخرين {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} القصص77، وقد يكون الإحسان يعني يُطلق ويُراد به إتمام الفعل وإحسان الفعل في نفس الفعل دون تعد إلى آخر، ومنه قوله تعالى {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} السجدة7.
(1/9)

(كما ينبغي لكرم وجهه) يعني أحمد الله مثل الحمد الذي ينبغي، (ما) هنا بمعنى الذي اسم موصول، (ينبغي) بمعنى يليق، وهل يُمكن أن يحمد الله عبد بما يليق بالرب - عز وجل -؟ الجواب لا، حينئذ نقول هذا الحمد الذي شُبِه بما يليق بالرب - سبحانه وتعالى - على جهة الإجمال لا على جهة التفصيل، وإلا فعلى جهة التفصيل هذا متعذر أن يأتي به بشر ولو كان نبياً، ولذلك جاء في الحديث " لا أُحصي ثناءاً عليك أنت كما أثنيت على نفسك "، (لكرم وجهه) ولا شك فيه كرم وجه الرب - عز وجل -، قال تعالى {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} الرحمن27، (وعز جلاله) كما ينبغي لكرم وجهه، ولو قيل لكمال وجهه لما بَعُد، ولذلك هذه عبارة الشافعي في الرسالة، (أحمد الله كما ينبغي لكمال وجهه وعز جلاله) الجلال هو العظمة، والعز هو القوة الله والغلبة، معلوم أن العزة صفة من صفات الرب - عز وجل - الدال على كمال قهره وسلطانه، (وأصلي) إذاً حمد الرب ثم قال (وأصلي)، لماذا حمد الرب؟ نقول كما قلنا في البسملة أنه اقتداء بالكتاب العزيز وتباعاً لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الفعليه لأنه إذا خطب أو قال في خِطبة النكاح (إن الحمد لله) وهذه سنة فعلية لأنه لم يأمر بها، وأما حديث (كل أمر ذي بادئ لا يبدئ فيه بالحمد لله .. إلى آخره) فهو حديث ضعيف. لذلك ذكر بعضهم ويُنسب للشافعي أنه قال " يُستحب البداءة بالحمدلة لكل مُزوِج ومُتزوِج ودارس ومُدرس ومُعلم وخاطب وخطيب وبين يدي سائر الأمور المهمة) اذاً هو سنة مُطلقة على جهة الاستحباب، وإن كان بعضهم يقول يُستحب فيما لم يرد فيه نص وإذا ورد فيه نص يقول فيه يُسن. (وأصلي على نبيه) يعني بعد أن حمد الله وأثنى عليه صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم -. (وأصلي) هذه جملة فعلية ويعبر عنها أهل البيان بأنها خبرية اللفظة إنشائية المعنى، وهي معطوفة على قوله (أحمد الله) مما يدل على أن المراد بـ (أحمد الله) أنها جملة خبرية اللفظة إنشائية المعنى يعني المراد بها طلب الحمد والمراد بـ (أصلي) طلب الصلاة، (على نبيه) الصلاة معروفة التي قال ابن القيم - رحمه الله تعالى – أنها ثناءه صلاة الله على عبده ثناءه على عبده في الملأ الأعلى ومن الملائكة والآدميين الدعاء والاستغفار، (وأصلي على نبيه) لم يقل وأسلم وهذه (وأسلم) زيادة من المحقق غير موجودة في المخطوطات (وأصلي على نبيه) نقول أتى بالصلاة دون السلام، وإن كان المشهور عند المتأخرين أنه يُكرَه إفراد الصلاة عن السلام كما يُكره إفراد السلام عن الصلاة، يعني لا تقل اللهم صل على محمد فقط ولا تقل وسلم، ولا يصح اللهم سلم ولا تقل صل على محمد، لماذا؟ قالوا: لقوله جل وعلا {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} الأحزاب56، فقرن بينهما الرب جل وعلا، حينئذ إفراد الصلاة دون السلام وإفراد السلام دون الصلاة هذا لا يُعد ممتثلاً للأمر، لأنه قال {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا} وهذه حجة كثير من المتأخرين، ونقول والصواب لا يُكرَه إفراد الصلاة عن السلام والعكس.
(1/10)

وأما الاستدلال بالآية نقول ذلك كقوله تعالى {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ} قد تجب الصلاة ولا تجب الزكاة وقد تجب الزكاة ولا تجب الصلاة، والاستدلال بها استدلال بدلالة الاقتران، وهذه دلالة ضعيفة عند الأصوليين إن جاء حديث عنها بينَّاها، إذا (وأصلي) ولم يقل (وأسلم) هل فيه كراهة؟ الجواب لا، ولذلك الإمام مسلم - رحمه الله تعالى – بل والشافعي في الرسالة أنهم صلوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسلموا والدال على أن ما ذكره كثير من الشافعية المتأخرين نسبة للشافعي بأنه كره الصلاة دون السلام أو إفراد السلام دون الصلاة مع أنه صلى ولم يُسلم في مُفتتح الرسالة، والقول هذا ليس بسديد.
(1/11)

(على نبيه) إذا أُطلق النبي في مثل هذا الترتيب نقول المراد به نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، محمد بن عبد الله وقد جُعل على نبيه كما جُعل على الرسول إذا أُطلق جُعل علماً بالغلبة بحيث إذا أُطلق صرف على النبي - صلى الله عليه وسلم - محمد بن عبد الله، وهذا واضح علم بالغلبة، وقد يصير علماً بالغلبة مضاف له مصحوب (ال) كالعقبة، الرسول: هذا يصدق على موسي - عليه السلام - وقد يصدق على عيسى - عليه السلام - ويصدق على غيره من الرسل، لكن إذا قيل في مثل هذا الترتيب ممن هو من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - نقول هذا صار علماً بالغلبة. (على نبيه المُكَمَّل بإرساله): المُكَمَّل هذا يدل على ماذا؟ يدل على أنه كامل في نفسه وزادته الرسالة كمالاً على كماله، وهو كذلك امتثالاً لقوله تعالى {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} الأنعام124، المُكَمَّل بإرساله، المُؤيَّد في أقواله) المُؤيَّد يعني المُقوَّى والمُثبَّت، {هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} الأنفال62، إذا المُؤيِّد بالكسر هو الله - عز وجل -، والمُؤيَّد هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، (في أقواله وأفعاله) إذاً هو المُثبتَّ في أقواله هو المُثبتَّ في أفعاله هذا يدل على ماذا؟ يدل على أن أقواله كلها عليها شاهد الحق وكذلك أفعاله، كل قول للنبي - صلى الله عليه وسلم - عليه شاهد حق، وكذلك كل فعل عليه شاهد حق، وهذا يُشعر من كلام المُصنف هنا - رحمه الله تعالى – أنه يرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - معصوماً مطلقاً في الأقوال والأفعال، والمسألة فيها نزاع، ولكن القول الراجح في هذه المسألة أن أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد تكون مبنية على الاجتهاد، وهذا القسم الذي هو من أفعاله المبنية على الاجتهاد قد يقع فيها ما هو خطأ ولكنه لا يُقر من السماء، ولذلك جاء العتاب في بعض آيات الكتاب {عَفَا اللهُ عَنكَ} التوبة43، لم هذا الكلام؟ إذاً وقع ما هو مخالف للصواب، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} التحريم1، {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ}. إذاً قد يقع في اجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - ما هو مُخالف للصواب ولكنه لا يُقر وإنما يأتي التصحيح أو التصويب من السماء، فإذا لم يأتي علمنا أنه حق، (وعلى جميع صحبه وآله) صحبه: جمع صاحب والمراد به من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمناً به ومات على ذلك وزاد الحافظ بن حجر ولو تخللت ردة في الأصح وقال السيوطي في ألفية المصطلح (حد الصحابي مسلما لاقي الرسول وإن بلا رواية عنه وطول) إذاً لا يُشترط طول الصحبة وهذا على مذهب المُحدثين، وسيأتي أن مذهب كثير من الأصوليين أنهم يشترطون طول الصحبة فإذا لم تُطل صحبتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يُعد عندهم صحابي، وسيأتي في موضوعه، (وعلى جميع صحبه وآله) آله أضافه إلى الضمير وهو الصحيح عند أهل التحقيق والمراد به أتباعه على دينه.
(1/12)

وفُسِر بأقاربه - صلى الله عليه وسلم -، وهنا عطف الآل على الصحب من العطف العام على الخاص، وهذا جائز على الصحيح، عطف الخاص على العام هذا فيه اتفاق، وأما عطف العام الخاص هذا فيه خلاف والصحيح أنه جائز، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} الحج77، هذا كله عطف عام على خاص.
هذه (قواعد الأصول ومعاقد الفصول)، هذه: المشار إليه الأصل أن يكون حسياً، المصنف هنا لم يقل وبعد والزيادة هذه من المُحقق وليست من أصل الكتاب، هذه: قد تكون مقام أما بعد عند بعض المصنفين، الأصل أن يأتي بالسنة أما بعد ولا يُجزئ غيرها عنها، وبعد ليست سنة، أما بعد هي السنة، وبعد قالوا هذه الواو نائبة مناب أما، وبعضهم لا يأتي وبعد، لا يأتي بها وإنما يقول هذا، فحينئذ يكون لفظ هذا الاسم الإشارة اُستعمل استعمال أما بعد، لأن أما بعد تفيد الانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر يعني من أسلوب المقدمة إلى أسلوب الشروع في الكتابة. وليس المراد الانتقال من التمني إلى الترجي كما اعترض بعض أهل العلم – لا - المراد الانتقال من أسلوب المقدمة إلى أسلوب الشروع في المقصود. هذا أُقيمت مقام أما بعد، فانتُقِل بها من أسلوب وهو الانتقال من المقدمة إلى أسلوب آخر وهو الشروع في المقصود. هذه: المُشارة إليه في الأصل يكون محسوساً موجوداً، والكتاب كان كما هو عادة المصنفين المتقدمين أنهم يكتبون المقدمة قبل الكتاب، واسم الإشارة لابد أن يكون لشيء موجود، فحينئذ كيف يكون المُصنف أشار بلفظ هذه إلى شيء غير موجود؟ الجواب أن يُقال أنه نزَّل المعدوم منزل كالمحسوس، يعني لما صور لابد أنه يجعل في ذهنه أو في نفسه قواعد الكتاب أصوله أبوابه ما الذي سيقول ما الذي سيذكره في الجملة ثم لما أراد أن يشرع نزل هذا المعدوم كأنه موجود فيكتب، فعامله معاملة ماذا؟ الموجود. {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ} المرسلات38، يوم الفصل هل هو موجود الآن؟ لا، لكنه نُزِّل للإيمان به قوي مُنزلة الموجود كأنك تراه فأُشير إليه
بهذه.
(1/13)

(قواعد الأصول ومقاعد الفصول) قواعد جمع قاعدة والقواعد جمع قاعدة، والقاعدة في اللغة هي الأساس وبعضهم يعبر عنها بالضابط أو القانون وفي الاصطلاح قضية كلية يُتعَرف بها أحكام وجزئيات في موضوعها، كالأمر مُطلق الأمر للوجوب، هذه قضية كلية عامة، إذا عرفها وعرف معناها ومدلولها ودليلها استطاع يواسطة هذه القاعدة أن يتوصل إلى أحكام جزئيات موضوعها وسيأتي مزيد بيان. (قواعد الأصول) أصول المراد به علم أصول الفقه، لأن أصول الفقه هو قواعد نفسه لذلك سيأتي بحده معرفة دلائل الفقه، أن المراد بالدلائل الأدلة المتفق عليها الكتاب والسنة والإجماع والقياس هذه عينها نفسها أصول الفقه. والقواعد العامة التي استنبطها الأصوليون من الكتاب والسنة أيضاً هي أصول الفقه، (ومعاقد الفصول) معاقد جمع معقد يعني الذي يكون معقداً أو محلأ لما يُعقَد، الفصول جمع فصل والمراد به أنه فصَّله وجزَّأه، يعني هذا الكتاب مُجزَّأ ومُفصَّل لما هو معلوم عند أهل العلم أنهم إذا أرادوا أن يجعلوا كتاب ما فيه نوع طول يُفصَّل ويُبوَّب ويُكتَّب، لذلك يُقال كتاب الطهارة كتاب الصلاة كتاب الزكاة إلى آخره، ثم يُذكر تحت كل كتاب أبواب وتحت كل باب إذا طال يجعلون فصلاً، لماذا؟ تسهيلاً للعلم لأنه إذا كان مبوباً عرف طالب العلم أين يرجع إلى أحكام الطهارة، وإذا كان أحكام الطهارة مُفصلة أيضاً مُبوبَة عرف أيضاً إذا أراد أن يبحث مثلاً في إزالة النجاسة أين يبحث، أيضاً في تسهيل وتيسير على طالب العلم في الحفظ والفهم والمذاكرة، لأنه إذا انتهى إلى باب نشطت نفسه إلى الباب الذي يليه، وبعد هذه قواعد الأصول ومعاقد الفصول.
(1/14)

قال: (من كتابي) يعني هذه القواعد مأخوذة ومختصرة من كتابه هو، ما اسمه؟ قال (المسمى بـ تحقيق الأمل) وكما ذكره صاحب الأصل هنا تحقيق الأمل في علمي الأصول والجدل، والجدل هو داخل في فن الأصول كما سيأتي، (مجردة من الدلائل) يعني هذه القواعد الأصل أنها ذُكرِت بأدلتها وتعليلها في الأصل أنها مذكورة بالدليل والتعليل، حذف الدليل والتعليل فصارت مجردة كأنها رموز مُجردة من الدلائل، دلائل جمع دليل وسيأتي بيانه، من غير إخلال بشيء من المسائل: إذاً ذكر المسائل كلها وإنما حذف أدلتها وتعليلاتها، لماذا فعل ذلك؟ قالت (تذكرة) هذا مفعول لأجله، (تذكرة للطالب المُستبين) يعني الذي تبين العلم وأخذ بحظ وافر، إذا الطالب المُنتهي لا يستغني عن المختصرات لأنك لو أردت أن تُراجع العلم كله من أوله إلى آخره وجئت إلى المطولات تجده إلى أربع مجلدات إلى سبع إلى ثمان إلى عشر، لكن لو أخذت هذا الكتاب وجردته لاستطاع الطالب أن يستعيد الكثير من المسائل التي قد نسيها، (وتبصرة للراغب المستعين، تبصرة هذا مصدر بصره الأمر تبصيراً وتبصرة فهمه إياه، إذاً هو تفهيم، للراغب في العلم: الراغب في كذا وعن كذا، هنا الراغب في العلم، المُستعين: يعني الذي يحتاج إلى غيره إلى مُعين، وهذا من؟ هذا المبتدي، ولذلك يقولون العلم في الكتاب ومفتاحه في صدر معلمه، وبالله أستعين: يعني أطلب عونه، هذه باب استفعل استعون أصله، وعليه أتوكل: هنا قال أستعين يعني أطلب عونه، وعليه أتوكل: أي اعتمد وهو حسبي: يعني كافي ونعم المُعين يعني الذي يُستمد منه العون، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
(أصول الفقه): معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد، وهو المجتهد.
و (الفقه) لغة: الفهم.
واصطلاحاً: معرفة أحكام الشرع المتعلقة بأفعال العباد.
و (الأصل): ما ينبني عليه غيره.
فأصول الفقه: أدلَّته , والغرض منه: معرفة كيفية اقتباس الأحكام والأدلة وحال المقتبس.
وذلك ثلاثة أبواب.
قال: أصول الفقه: إذا بدأ المُصنف - رحمه الله تعالى – بتعريف أصول الفقه وذلك ليعلم طالب الفن بما يضبط مسائله الكثيرة ليكون حينئذ على بصيرة بما يطلب قبل الخوض في جزئيات المسائل، لذلك يقولون من أراد أن يشرع في فن ما لابد وأن يتصوره بوجه ما، لأن الطالب إذا طلب ما لا يتصوره حينئذ قد طلب مجهوداً وهو مُحال وإذا طلب ما حصل علمه تفصيلاً في نفسه أيضاً هذا مُحال، لأنه من باب تحصيل الحاصل، وإنما يتصوره بوجه ما، وأهل العلم نصوا على أنه يحصل بمبادئ العشرة: إن مبادئ كل فن عشرة الحدّ والموضوع ثم الثمرة ونسبة وفضلة والواضح والاسم الاستمداد حكم الشارع مسائل والبعض بالبعض اكتفى ومن درى الجميع حاز الشرفا.
(1/15)

هذه تُسمي مسائل المبادئ العشرة، لما أنهي المُصنف المقدمة مقدمة الكتاب، شرع يُبين لك يا طالب العلم مقدمة العلم، المقدمة عنده مقدمتان: مقدمة كتاب هي التي ذكرناها الآن، يذكر فيه اسمه غالباً والكتاب وطريقته بالكتاب، ومبادئ العلم مقدمة العلم يذكر حده والغرض منه وفائدته وموضوعه إلى آخره.
(1/16)

أصول الفقه: هذا مُركب إضافي، أصول مُضاف والفقه مُضاف إليه، النظر إلى هذا التركيب من جهتين، الذي يعتني به الأصوليون هو كونه لقباً وعلماً على الفن المُسمى بهذا التركيب لأنه صار ماذا؟ صار أصول الفقه الذي هو مركب إضافي نُقل عن التركيب في أصله وجُعِل علماً لمسمى هو أصول الفقه، إذا نظر الأصولي إلى أي شيء بالأصالة ينظر له من حيث إنه علم لهذا الفن ولقب لهذا الفن، قبل جعله علماً هو مُركب إضافي، أصول والفقه، عرفنا هذا الآن، إذا أردنا أن نُحده على أنه علم بهذا الفن، هل يُشترط في العلم بالعلم المُركب المُؤلَّف من جزأي هل يُشتَرط في حده والعلم به العلم بجزأيه قبل جعله علماً أو لا؟ هذا مُختَلف فيه بين الأصوليين، بعضهم يقول لا يمكن أن نُعرِف أصول الفقه وهو علم ولقب على الفن مُسمى وهو مُركَّب إضافي إلا بعد معرفة جزأيه، فحينئذ لابد من معرفة المراد بأصول ولابد من معرفة المراد بالفقه، كل منهما لغة واصطلاحا ثم ننتقل بعد ذلك إلى معرفة أصول الفقه علماً، لأنه صار مفرداً كلمة واحدة، كما إذا سُمي عبد الله عبد الله هذا وصف ثم جُعل علماً على شخص نقول عبد الله هذا كلمة واحدة، قال (أصول الفقه معرفة دلائل الفقه إجمالاً) إذا بدأ بماذا؟ بدأ بتعريفه علماً ولقباً لهذا الفن، ونقول المُصنف كأنه يميل إلى أن معرفة المركب العلم أنه لابد وأن يُعرَف جزأه أيضاً بدليل أنه عرَّف الفقه بعد ذلك لغة واصطلاحاً وعرَّف الأصل لغة واصطلاحاً، فكان الأولى عليه وله أن يُقدِّم ماذا تعريف الفقه أولاً لغة واصطلاحاً وتعريف الأصل أو الأصول أولاً لغة واصطلاحاً، حينئذ لابد من التقديم والتأخير، فنقول (الفقه) مقال المُصنف هنا الفهم، الفقه في اللغة الفهم لغة، هذه زيادة من المُصنف وجدها في بعض المخطوطات لغة بالنصب على أنه حال أو تمييز أو بنزع الخافض ثلاثة أقوال، ما حد الفقه في اللغة؟ الفهم، الفهم مُطلقاً أو يُقيد بشيء ما، بعض أهل العلم قيده قال الفهم لأشياء دقيقة خفية، وأما الأشياء الظاهرة إذا فُهمَت لا تُسمى فقهاً ولكن المُصنف هنا أطلق قال الفقه لغة الفهم، إذاً مطلقاً لما ظهر ولما دق وغمض، لماذا؟ لأن المُصنف هنا أطلق ولم يُقيد الفهم كما قيده أبو اسحاق الشيرازي، حيث قال: الفقه هو إدراك الأشياء الدقيقة، وهو معنى الفهم إدراك الأشياء الدقيقة، إذا إدراك الأشياء الظاهرة فهم الأشياء الظاهرة هذا لا يُسمى فقها في اللغة، ولذلك قال أبو اسحاق يُقال فقهت كلامك ولا يُقال فقهت السماء والأرض، ولا يُقال فقهت أن السماء فوق والأرض تحت، أليس كذلك؟ فدل على أن السماء لما كانت أمراً ظاهراً لم يتعلق بها اللفظ ولم يصح التركيب ولما كان الكلام في الأصل أنه لما دق وغمض ويحتاج إلى إمعان نظر صح عنه أن يُقال فقهت كلامك، لكن نقول الصواب أنه الفهم مُطلقاً سواء كان لما ظهر وبان وانتشر أو لما دق وغمض وخفي، الدليل على ذلك أنه جاء في إطلاقات الشرع مراداً به الفهم مطلقاً، {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} طه27 - 28، يعني يفهموا قولي، وقولي هذا مصدر مضاف إلى معرفة حينئذ يفيد العموم لأن قولًا قد يكون ظاهراً وقد يكون خفياً، فأُضيف
(1/17)

الشفتان عامة. إذا {يَفْقَهُوا قَوْلِي} الظاهرة والخفية، كذلك قوله جل وعلا {فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} النساء78، يعني لا يكادون يفهمون. {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ} هود91، والذي يدعوهم إليه شعيب هو التوحيد، والتوحيد فيه خفاء؟ أصل التوحيد وأصول التوحيد قواعد عامة، يعرفها العامي وغيره، فحينئذ لما كانت دعوة شعيب إلى التوحيد وهي من المُحكمات ليست من المتشابه، بل نصَّ ابن القيم على أنها أحكم المُحكمات كآيات الصفات ونحوها {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ} أي لا نفهم كثيراً مما تقول، ومُتعلق الفقه دون ماذا؟ هو الفهم الظاهر الفهم لما ظهر، إذاً قوله الفقه لغة الفهم نقول هذا عام يشمل الفهم لما ظهر ولما خفي، أما قوله لما يُقال فقهت كلامك ولا يُقال فقهت السماء والأرض، نقول هذا نعم صحيح لماذا؟ لأنه مُتعلق الفَهم هو المعاني، المعقولات وليست المحسوسات، حينئذ لا يتعلق الفقه بالمحسوسات، فإذا قيل فقهت المسجد نقول لا يصح هذا التركيب لأن المسجد هذا محسوس، فقهت السماء فوق فقهت الأرض تحت نقول أيضاً هذا لا يصح التركيب لماذا؟ لأنه محسوس، إذاً لم يُخالف لمعنى الفقه أنه لما دقَّ ولطف بل لكون الفقه من المعقولات لا من المحسوسات. إذا عرفنا حد الفقه في اللغة أنه الفهم، لكن يرد السؤال ما المُراد بالفهم؟ نقول إدراك معنى الكلام، والإدراك هو أصول النفس إلى المعنى بتمامه، إذا فهم السامع المراد من اللفظ المُفرد أو من المركبات نقول قد أدرك وإذا أدرك نقول قد فهم، والفقه لغة الفهم.
(1/18)

ثم قال واصطلاحاً: عرف الفقه في اللغة ثم عرفه في الاصطلاح، يرد السؤال: لماذا أهل العلم يعرفون المصطلحات أو إذا أرادوا أن يفسروا الاصطلاح يقدمون له بالمعنى اللغوي لابد أن يقول مثلاً الصلاة هو يريد أن يتكلم في الصلاة في اصطلاح الفقهاء ثم يقول الصلاة لغة الدعاء والزكاة لغة .. إلى آخره، يُقدمون بالمعنى اللغوي ثم بعد ذك يذكرون المعنى الاصطلاحي، مرادهم بهذا أن يشيروا بأني المعنى الاصطلاحي لا يُباين المعنى اللغوي مباينة مُطلقة، يعني ثم علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي وهذا على إثبات أن الحقيقة العرفية وكذلك الحقيقة الشرعية أنها منقولة عن الحقيقة اللغوية وسيأتي بحثه في موضعه، فالأصل هو الحقيقة اللغوية، ثم يأتي العُرف فيُخصص المعنى العام العرفي المعنى العام الذي دلَّ عليه اللغوي، أو يُعمم المعنى الذي دلَّ عليه اللغوي. هنا قال واصطلاحاً معرفة أحكام الشرع المتعلقة بأفعال العباد. هذا هو الفقه في الاصطلاح، والفقه في اللغة الفهم، أيهما أعم؟ اللغوي أعم لأنه فهم لكل شيء سواء كانت أحكام شرعية أم غيرها، أما الفقه في الاصطلاح هو فهم مُقيَّد، هذا الفهم المُقيَّد مُقيَّد بأنه أحكام شرعية، وليست مطلقة الأحكام الشرعية بل المتعلقة بأفعال العباد. إذاً المعنى الاصطلاحي هنا أخص مطلقاً من المعنى اللغوي، فكل فقه اصطلاحي فهو فقه لغوي ولا عكس. قال واصطلاحاً معرفة أحكام الشرع المتعلقة بأفعال العباد، معرفة: بعضهم يعبر بالعلم وبعضهم يعبر بالمعرفة، وهذا بناء منهم على أن العلم هو إدراك جازم، وإذا عُبِر بالإدراك الجازم بالعلم صار الفقه كله قطعياً، وإذا عُبِر بالمعرفة والمعرفة تشمل النوعين الظني والقطعي صار الفقه منه ما هو مقطوع به ومنه ما هو مظنون، نقول الفقه بعضه قطعي يعني لا يحتمل الخلاف وهو من الدين بالضرورة، وجوب الصلاة هل فيه خلاف على أنها خمس صلوات؟ ليس فيه خلاف لأهل العلم بإجماع العامة والخاصة أنها خمس صلوات والليلة، نقول هذا فقه وهو قطعي يعني يقيني لا يحتمل النقيض ولا يحتمل الخطأ ولا يحتمل الشك، أما مثلاً وجوب صلاة الوتر عند أبي حنيفة نقول هذا مظنون، سنية الوتر عند الجمهور نقول هذا مظنون، لماذا؟ لوقوع الخلاف فيه ولاحتمال الأدلة فحينئذ ثار بعض الفقه قطعياً وصار بعض الفقه ظنياً لأن الأدلة من حيث الثبوت منها ما هو قطعي ومنها ما هو ظني، ومن حيث استنباط الحكم ودلالة النص على الحكم منه ما هو قطعي ومنه ما هو ظني وسيأتي في الكلام على الأدلة.
(1/19)

إذا قوله معرفة أراد به المُصنف الإشارة إلى أن المعرفة هنا تشمل الظن والقطع فحينئذ يدخل النوعان في مسمى الفقه، ولا يصح على قول أن يُعبَر بالعلم والمراد به الإدراك الجازم لإخراج ماذا؟ الظن، إذا قلنا الإدراك الجازم خرج كثير من الفقه و، وقصر الفقه على القطعيات دون الظنيات أو على الظنيات دون القطعيات هذا تحكم ولا دليل عليه، بل الصواب أن كل حكم شرعي قطعي ثبت عن دليل قطعي وأن كل حكم شرعي ظني ثبت عن طريق دليل ظني فهو فقه، لكن بقيد أنه مرتبط ومتعلق بأفعال العباد. إذاً قوله (معرفة) نقول المراد به مُطلق الإدراك، الشامل للأحكام القطعية والظنية، لماذا؟ لأن المراد مُطلق إطلاقه حكم شرعي سواء ثبت عن طريق دليل قطعي أو عن طريق دليل ظني، معرفة أحكام الشرع: نقول معرفة هذا جنس يشمل معرفة الذوات ومعرفة الصفات ومعرفة الأفعال ومعرفة الأحكام، معرفة الذوات كزيد ومعرفة الصفات كسواد أو بياض زيد، ومعرفة الأفعال كقيام أو اضطجاع زيد ومعرفة الأحكام كالحلال والحرام، ما المراد بالفقه هنا؟ معرفة أحكام الشرع، فحينئذ خرجت معرفة الذوات ومعرفة الصفات ومعرفة الأفعال. معرفة أحكام الشرع: ما المراد بالمعرفة هنا؟ نقول لما قُيدَت بالأحكام الشرعية والمراد بالأحكام الشرعية هي النسب التامة يعني الجُمل الاسمية أو الفعلية، الفقيه يُثبت حكم شرعياً لفعل من أفعال العباد، كل فعل لك أنت كعبد كمخلوق لله - عز وجل - كل فعل صادر منك سواء كان بالقلب أو باللسان أو بالجوارح لابد وله حكم شرعي إما التحريم وإما الإيجاب وإما الكراهة وإما الندب وإما الإباحة. إذاً كل فعل لك سواء صادراً من القلب أو من اللسان أو من الجوارح، هذه ثلاثة أشياء، لابد لكل واحد منها تعلق بالأحكام الخمسة فحينئذ نقول ثلاثة في خمسة بكم؟ خمسة عشر، ولذلك ابن القيم - رحمه الله تعالى – يقول: رحى العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة من كملها فقد كمَّل مراتب العبودية. وذكر أن أفعال العباد مُنقسمة على هذه الثلاثة أشياء إما بالقلب وإما باللسان وإما بالجوارح، كل واحد منها له حكم من الأحكام الخمسة، يعني تتعلق به الأحكام الخمسة كقول اللسان، من القول ما هو مُحرَّم كالسب والشتم من القول ما هو واجب وتكبيرة الإحرام وما هو مكروه وما هو مندوب وما هو مُباح إذا خمسة كذلك الجوارح وكذلك القلب، إذاً خمسة عشرة قاعدة، من كملها ووقف قوله عند كل حكم شرعي ووقف فعله بالجوارح عند كل حكم شرعي ووقف اعتقاده وفعل قلبه عند كل حكم شرعي قد كمَّل مراتب العبودية.
(1/20)

إذاً أحكام الشرع نقول المراد بها النسب التامة، يأتي الفقيه يقول قولك كذا حرام، هذا مبتدأ وخبر يأتي ويحكم على فعلك مثلاً بالمشي فيقول هذا مكروه هذا مُباح هذا مندوب هذا واجب هذا مُحرَم، فيثبت كل حكم شرعي لما يناسبه من الأفعال، هذا يسمى نسباً تامة وهو الجملة الاسمية والجملة الفعلية، معرفة أحكام الشرع المتعلقة؟ أحكام الشرع: هذا قيد واحد أو قيدان لا بأس به إما أن يُقال إنهما قيدان وإما أنه قيد واحد، الأحكام الشرعية: نقول الأحكام تختلف باختلاف متعلقاتها، قد يكون حكماً عقلياً وقد يكون حكماً شرعياً وقد يكون حكماً حسياً وقد يكون حكماً جعلياً اصطلاحياً وقد يكون حكماً تجريبياً، هذه خمس. الحكم العقلي: هو أن يكون الحاكم بالنسبة هو العاقل، أنت تكون النسبة مستفادة من العاقل، يكون الكل أكبر من الجزء، هذا معروف من جهة العقل، الجزء ليس أكبر من الكل، هذا أيضاً نفي سلب مخوض من جهة العقل، الحكم الاصطلاحي الجعلي كما اصطلح عليه أرباب الفنون الفاعل مرفوع المفعول به منصوب هذا حكم اصطلاحي جعلي، الحكم الحسي كالنار مُحرِقة هذا حكم حسي، الحكم التجريبي كأن يُقال بعض الأدوية مفيدة للرأس ونحوها هذا مخوض من التجربة، الحكم الشرعي وهو المراد هنا أن تكون النسبة مستفادة من الشرع وسيأتي تعريفه في موضعه، إذاً معرفة أحكام الشرع يعني التصديق بها التصديق بهذه الأحكام الشرعية وليس المراد تصورها لأن الأحكام الشرعية قد تُثبَت للأفعال فيُقال الفعل كذا واجب أو حرام، قد تُثبت للأقوال قد تُثبَت لأفعال القلوب نقول هذه علم بتصديق الأحكام الشرعية وهو ما يُمسى بالنسب التامة، وقد يُنظَر للحكم نفسه فيقال حقيقة الواجب ما يُثاب على فعله ويُعاقب على تركه هذا يُسمى تصورا، وهل المراد هنا العلم بتصديق الأحكام الشرعية أو تصور الأحكام الشرعية؟ التصديق وليس المراد معرفة حقيقة الواجب ولا حقيقة الحرام إلى آخره، لماذا؟ لأن معرفة حقيقة الواجب وحقيقة الحرام هذا مبحث من مباحث الأصوليين وهنا المراد تعريف الفقه عند الفقهاء، المتعلقة بأفعال العباد: يعني المرتبطة بأفعال العباد لأن الأحكام الشرعية قد تكون متعلقة بالاعتقاد، اعتقاد القلب وعند الفقهاء وكذلك الأصوليين الأحكام الشرعية المتعلقة باعتقاد العبد كاعتقاد أن الله واحد وأنه يُرى في الآخرة هذا أكيدة، قالوا هذه العقيدة التي تكون في القلب لا تُسمى فقها في الاصطلاح، بل جُعلت علماً مستقلاً مسماه العقيدة أو التوحيد إلى آخره، وعليه نعرف أن المراد بالفقه هنا ليس الفقه الشرعي وإنما هو الفقه الاصطلاحي في اصطلاح الأصوليين ونحوه، إذا المتعلقة بأفعال العباد مُخرج للأحكام الشرعية الاعتقادية، فإنها علم مستقل متعلقه القلب.
(1/21)

بأفعال العباد: قال العباد لم يقل المُكلَفين لماذا؟ لأن من الأحكام الشرعية ما مُتعلقه غير المُكلَفين كالأحكام المترتبة على جنايات الصبي والمجنون والبهيمة، نقول يضمن صاحبها ويجب على الصبي إخراج الزكاة أو على وليه ويجب إخراج الزكاة في مال المجنون إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول، فحينئذ هذه أحكام شرعية تعلقت بفعل غير مُكلف، فنقول هذا من ترتب الأسباب كما سيأتي من ترتب الأحكام على أسبابها.
(1/22)

بأفعال العباد: أفعال هذا يشمل الفعل بأنواعه الأربعة فعل الجوارح وفعل القلب وفعل اللسان وسيأتي معنا أن الترك على الصحيح أنه فعل، إذاً عرفنا حد الفقه معرفة أحكام الشرع المتعلقة بأفعال العباد، كما ذكرنا أن العباد لهم أفعال تنزيل الأحكام الشرعية الخمسة على هذه الأفعال يُسمى فقهاً، فحينئذ موضوع علم الفقه هو أفعال العباد، فعل العبد من حيث تنزيل الأحكام الشرعية على هذه الأفعال لأنه ما من فعل للعبد إلا وله نصيب وحظ من هذه الأحكام الشرعية فحينئذ كل كلام يصدر منك هذا ليس مستوياً في الأحكام الشرعية والذي يُبين لك حقيقة هذا أن هذا القول مُحرَم وهذا القول واجب وأن هذا القول مندوب وأن هذا القول مُباح هو الفقيه وليس هو الأصولي، ولد على هذا التعريف إيراد وهو أنه يشمل علم المُقلِّد، المُقلد هو الذي يعرف الأحكام الشرعية المتعلقة بفعل العباد يعرف أن الربا مُحرم يعرف أن تكبيرة الإحرام ركن وهو مُقلد هنا استوى علم المُقلد مع علم المُجتهد ودخل في الحد معرفة أحكام الشرع المتعلقة بأفعال العباد، حينئذ لابد من قيد يُخرج علم المُقلد فلابد من زيادة من أدلتها التفصيلية، علم معرفة بأحكام أو معرفة أحكام الشرع المتعلقة بأفعال العباد من أدلتها التفصيلية من أدلتها، إذاً هذه المعرفة مأخوذة ومُقتبسة من الأدلة، والذي يعرف أن يأخذ ويقتبس الحكم الشرعي من دليله بإجراء القواعد الأصولية هو المُجتهد، أما المقلد فلا يُحسن وإنما يسمع فتوى فيرددها فيقول هذا حرام وهذا حلال موافقة لما قاله العالم الفلاني وغيره، إذاً من أدلته التفصيلية يكون هذا مخرج لعلم المُقلد، وأيضاً مُخرج لأصول الفقه لماذا؟ لأن الأصوليين قد يذكرون بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بفعل المُكلَّف على جهة المثال، ولا يذكرونه على جهة التأصيل والتقعيد لماذا؟ لأن بحث الأصولي في الدليل الجملي الكلي لأن الدليل الشرعي قسمان دليل تفصيلي وهو ما كان متعلقه خاصة يعني يتعلق بجزئية معينة كقوله تعالى {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ} البقرة43، {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} نقول هذا دليل تفصيلي لماذا؟ لأنه أمر تعلق بجزئي وفعل من أفعال المُكلفين وهو الصلاة، {وَآتُواْ الزَّكَاةَ} نقول هذا دليل تفصيلي أنه أمر تعلق بجزئي وهو إيتاء الزكاة وهو فعل من أفعال المُكلَّفين، أما مُطلق الأمر للوجوب ومطلق النهي للتحريم هذه دليل جملي كلي لا يتعلق بجزئي معين، إذا من أدلتها التفصيلية نقول هذا مُخرج لعلم المقلد ومُخرج لأصول الفقه لأن بحث الأصول في الدليل الإجمالي الكلي لا في الدليل التفصيلي، ثم قال (والأصل ما يُبنى عليه غيره) والأصل ما يُبنى عليه غيره، لما فرغ من تعريف المضاف إليه لغة واصطلاحاً شرع في بيان حقيقة المضاف لغة واصطلاحاً، فقال والأصل ما ينبني عليه غيره، كأصل الجدار أي أساسه وأصل الشجرة أي أساسها التي يقوم عليها الفروع، قال فأصول الفقه أدلته، لماذا قال فأصول الفقه أدلته؟ لأن الأصل له معنيان معنى لغوي وهو الذي ذكره المُصنِّف ومعنى اصطلاحي في اصطلاح الأصوليين، ويُطلَق في اصطلاح الأصوليين على معاني أربعة وزاد بعضهم خامساً،
(1/23)

يُطلق الأصل ويُراد به الدليل يعني نقيض الأصل في تحريم الربا الكتاب والسنة والإجماع، أي دليل تحريم الربا الكتاب والسنة والإجماع، هنا عُبِر بالأصل وأُريد به الدليل يُطلق الأصل ويُراد به الرجحان، فيُقال الأصل في الكلام الحقيقة دون المجاز، يعني الراجح عند السامع حمل الكلام على حقيقته دون مجازه، يُطلق ويراد به القاعدة المستمرة يُقال إباحة أكل الميتة للمضطر على خلاف الأصل يعني على خلاف القاعدة المستمرة، يُطلق ويراد به المقيس عليه وهو المقابل للفرع عند أرباب القياس فيُقال الخمر أصل للنبيذ في الحرمة الخمر أصل يعني مقيس عليه للنبيذ فقيس النبيذ على الخمر بجمع ماذا الإسكار فسحب الحكم من الأصل وهو الخمر إلى النبيذ وهو الفرع، إذا هذه أربعة معان للأصل، يُطلق ويراد له الدليل ويُطلق ويُراد به الرجحان ويُطلق ويراد به القاعدة المستمرة، ويطلق ويراد به المقيس عليه، ويطلق عند بعضهم ويراد به المستصحب، فيقال الأصل براءة الذمة أي المستصحب على المُكلَّف براءة الذمة وعدم شغلها بتحريم أو نحوه ويُقال الأصل في الأشياء الإباحة أي دليل مُستصحب أو المستصحب على الأشياء هو الإباحة الحكم عليه بالإباحة، أي هذه المعاني أنسب هنا؟ نقول الدليل، ولذلك قال المُصنف (فأصول الفقه أدلته) فإذا عُرف معنى الفقه لغة واصطلاحاً وعُرف معنى الأصل لغة واصطلاحاً فنقول المراد بالمركب الإضافي أصول الفقه أدلته أي الأدلة المنسوبة إلى الفقه، لماذا؟ لأن الفقه مُقتبس ومأخوذ من هذه الأصول. إذاً عرفنا معنى أصول الفقه باعتباره مركباً إضافياً، فإذا قيل لك ما المراد بأصول الفقه على حالة كونه مركباً إضافياً تقول أدلة الفقه، جعلت محل الأدلة محل الأصول الأدلة لماذا؟ لأن معناها اللغوي ما يُبنى عليه الشيء أو ما يبتني عليه غيره والفقه مبني ومستند على أدلة الفقه، فحينئذ تقول أصول الفقه من حيث كونه مركب إضافياً أدلة الفقه، وأما معناه اللقبي فهو ما عرفه به بقوله نرجع إليه معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد، جعل لك أصول الفقه من حيث كونه لقباً وعلماً على هذا الفن مركباً من ثلاثة أشياء، الأول متفق عليه بين الأصوليين وإنما الخلاف الزيادة في كلمة معرفة، الثاني والثالث هذا مُختَلف فيه، يعني هل هو داخل في حد أصول الفقه أم لا، والمشهور عند المتأخرين تبعاً لصاحب جمع الجوامع إدخال حال المستفيد وكيفية الاستدلال وهو أولى، معرفة دلائل الفقه إجمالاً. إذاً أصول الفقه هو معرفة وعرفنا المراد بالمعرفة أنها إدراك الشيء على ما هو عليه، هذا يسمى ماذا معرفة، قد يكون قطعياً وقد يكون ظنياً وأن بعضهم أن القواعد الأصولية لا تكون إلا قطعية الثبوت ولذلك تفارق القواعد الفقهية كما سيأتي.
(1/24)

معرفة دلائل الفقه: دلائل جمع دليل وهذا مما أُعترض به على صاحب جمع جوامع دلائل جمع دليل لأن دليل يُجمع على أدلة لا على دلائل، ولذلك يُقال أدلة الفقه لذلك لمَّا نظم جمع الجوامع لصاحب المرافق قال أصول ودلائل الإجمال، فما هي؟ السيوطي نكَّت على صاحب جمع الجوامع وقال أدلة الفقه الأصول مجملة، عدل عن دلائل إلى أدلة لأنه لا يُعرَف جمع دليل فعيل على فعائل هذا هو المشهور والله أعلم. دلائل الفقه إجمالاً: عرفنا أن أدلة الفقه نوعان، أدلة تفصيلية وأدلة جملية كلية، أصول الفقه أدلته كلية جملية يعني ينظر في الدليل الكلي كالكتاب والسنة والإجماع والقياس، هذا متفق عليها، والقياس عند الجماهير وحُكي الإجماع إجماع الصحابة وعليه نقول متفق عليها الكتاب والسنة والإجماع والقياس هذه أدلة إجمالية متفق عليها عند الأصوليين، ومنها ما هو مُختَلف فيه كقول الصحابي والمصالحة المرسلة وشرع من قبلنا إلى آخره. إذاً أدلة الفقه الكلية منها ما هو متفق عليه كالأربعة المذكورة ومنها ما هو المختلف فيه كما ذكرناه من الأمثلة الثلاثة.
(1/25)

دلائل الفقه معرفة دلائل، هل يشمل اللفظ الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها؟ نقول نعم لأن بعضهم قد يُرجح أن فعل الصحابي حُجة وبعضهم قد يُرجح أن المصالح المرسلة أنها يُحتج بها فحينئذ هي داخلة في مسمى أصول الفقه عند الناظرين. هل تدخل القواعد الأصولية؟ هذا محل نزاع بين الأصوليين، من جعل الدليل خاصاً بالوحي قال لا تدخل القواعد كمطلق الأمر للوجوب ومطلق النهي للتحريم والعام يبقى على عمومه حتى يرد المخصص هذه قواعد متفق عليها عند الأصوليين، حُكي فيها الإجماع عند المتقدمين، نقول القواعد إذ جعلت دليلاً يُستدل بها حينئذ لا إشكالها في إدخالها في الدلائل، وإذا جعلنا القواعد مغايرة للأدلة حينئذ لا يصح تعميم اللفظ لإدخاله نحو القواعد المشهورة، ولذلك عدل بعضهم قال أصول الفقه هو القواعد التي يُتوَصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية بالفعل أو بالقول، لماذا؟ لأن القواعد العامة هذه كلية لا تُسمى دليلاً عندهم ولذلك من جعل هذه القواعد أنها دليل لا إشكال ومن لم يجعلها جعل في اللفظ هنا إن جاز التعبير إشكالا وعدل عنه إلى القواعد ونقول الصواب أنه إذا قيل إنها أدلة من باب أنها ثبتت باستقراء الشرع فلا إشكال، إذا قيل أن مطلق الأمر دليل تثبت به الأحكام ومراد المُتكلم أنها ليست دليلا مستقلاً بذاته وإنما عرفها الأصولي باستقراء كلام الشرع نظر في أوامر الشرع المجردة ومقترنة فخلص إلى أن مطلق الأمر يدل على الوجوب حينئذ نقول هذه ليست قاعدة مستقلة وإنما هي مبناة على استقراء الشرع، هذا دليل شرعي فما ثبت به القاعدة يثبت به الجزئي فلا إشكال حينئذ، من قولنا بأن الأدلة تشمل القواعد الأصولية، معرفة دلائل الفقه إجمالاً، إجمالاً ما إعرابه؟ نقول حال من الأدلة يعني من حيث الجملة، فبحث الأصول يبحث في الدليل الجملي كتاب والسنة والإجماع والقياس، يبحث فيها من جهتين، أولاً يميز لك هذه الأدلة وهي متفق عليها ولا إشكال فيها يُميز لك الدليل الصحيح الذي يصح أن يعتمده الفقيه، ما هو الدليل الصحيح، ثم إذا ورد نزاع فيثبت الحجة في إثبات هذا الدليل، فمثلاً القرآن، هل فيه خلاف أنه دليل أو لا؟ عند المسلمين لا خلافاً للدهرية، فيُثبت لك الأصولي حجية في القرآن وهذا جدالا للدهرية ونحوهم يثبت لك الأصولي حجية السنة عندما نقول بأنه قرآني ولا يحتج به السنة إذا أثبت لك حجية الدليل العام هو السنة، الإجماع فيه نزاع، فيثبت لك الأصولي حجية الإجماع وكذلك حجية القياس وهلم جرة.
(1/26)

إذاً ميز لك الدليل الصحيح الذي يعتمد عليه الفقيه فيجعله مستنداً ومستمداً يستمد أحكام الشرع المتعلقة بأفعال العباد، ثم يأتي للأحكام أو الأدلة المختلف فيها هل فعل الصحابي حجة أو لا إن كان حجة أثبت له بالأدلة إن كان ليس بحجة أثبت أنه ليس بحجة بالأدلة، هل المصالح المرسلة حجة تثبت بها الأحكام أم لا؟ هلم جرة، نقول لك الأصولي يثبت لك هذه الأدلة ويميز لك الصحيح من الفاسد ويقيم الأدلة على الصحيح ويقيم الأدلة على بطلان الفاسد، ثم ينظر نظراً آخر، فاذا بالقرآن هو الدليل الكلي السمعي الشرعي المتفق عليه فينظر فيه نظراً آخر، فيقول لك القرآن ليس على صيغة واحدة لم يرد على صيغة واحدة فهو تراكيب عربية والتراكيب العربية ليست مستوية الاستعمال بل بعضها ما هو من جهة اللفظ أمراً وبعضها من جهة اللفظ نهياً وبعضها عام وبعضها خاص وبعضها مطلق وبعضها مُقيد، بعض الأحكام يدل عليها بالمنطوق وبعضها بالمفهوم، إذاً هذه تسمى أنواع للدليل الواحد الشرعي، إذاً الكتاب هذا واحد مشتمل على أنواع وهي الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد إلى آخره، نظر الأصولي في إثبات الدليل الكلي أنه حجة، ثم ينظر في أنواع هذا الدليل فينظر إلى الصفات المتعلقة بها أحوال الأمر يحتمل أنه للوجوب ويحتمل أنه للندب ويحتمل أنه للإباحة كما قاله بعض الأصوليين فيأتي يُثبت لك أن الأمر إذا جُرد عن القرائن أفاد الوجوب فيقول لك مقتضى الأمر مطلق الأمر يعني المتجرد عن القرائن الصارفة مطلق الأمر يقتضي الوجوب هذه قاعدة، مطلق الأمر، الأمر هذا نوع من أنواع الدليل السمعي الكلي أثبت له محمولاً وهو صفة كونه إذا جُرد عن القرائن اقتضى الوجوب.
(1/27)

الفقيه يأخذ هذه القاعدة العامة وهي مقتضى الأمر مُطلق الأمر يدل على الوجوب، فيأخذها جاهزة مستدلا عليها بالكتاب والسنة لأن الأصولي لا يثبت هكذا وإنما باستقراء كلام الشرع ينظر في الأمر فإذا به استُعمِل مقترناً بقرينة دالة الوجوب أو مقترنا بقرينة دالة على الندب أو مُجردا عن القرائن فيُثبت أن مطلق الأمر إذا جُرد عن القرائن دل على الوجود فيأخذها الفقيه فإذا وجد أمر مجرد عن القرائن حمله على الوجوب فيقول لك أقيموا الصلاة هذا أمر أليس كذلك، أقيموا هذا أمر ومجرد عن القرائن، يقول لك (أقيموا الصلاة) أمر والقاعدة الأصولية العامة مطلق الأمر للوجوب إذا الصلاة واجبة، ما فعل الفقيه؟ الفقيه ركب لك قياس هذا يسمونه قياس ركب لك القياس من دليل أو مقدمة صغرى التي هي (أقيموا الصلاة)، الصلاة مأمور بها في قوله تعالى (وأقيموا الصلاة) هذه مقدمة صغرى، هذا بحث الفقيه، ثم يأخذ القاعدة العامة من الأصولي فيكون مطلق والأمر يقتضي الوجوب إذاً أدخل قوله (أقيموا الصلاة) في القاعدة العامة فنتج من ذلك أن الصلاة واجبة، إذاً قول معرفة دلائل الفقه إجمالا احترازاً من الفقه، لماذا؟ لأن الفقه متعلقه الأدلة التفصيلية، وكيفية الاستفادة منها هذا المراد به معرفة كيف يُستفاد من هذه الأدلة كيف نستفيد ونقتبس الأحكام الشرعية من هذه الأدلة يعني وجوه الاستدلال بالقرآن نذكر فيه ما ذكرناه سابقاً أن القرآن ليس على وتيرة واحدة فالأمر يختلف عن النهي والعام يختلف عن الخاص ولكل نوع من هذه الأنواع حكم يخصه، وكل نوع من هذه الأنواع يُفرَد ببحث خاص عند الأصوليين، إذاً كيفية الاستدلال بالقرآن كيفية أخذ الأحكام الشرعية من القرآن هذا أين بحثه؟ في الأصول، إن عرفنا هذه أن من فوائد أصول الفقه معرفة اقتباس الأحكام، هل بعد ذلك يحتاج طالب العالم من يزهد في أصول الفقه هذا لا يمكن أن يقال، كيف يكون فقيه وليس بأصولي.
وكيفية هذا بعطف على دلائل يعني معرفة كيفية الاستفادة كيف يستفيد الأصولي الأحكام الشرعية منها أي من الأدلة الإجمالية، وحال المستفيد، المستفيد المراد به طالب الحكم من الدليل، ولذلك قال وهو المجتهد فسر لك المستفيد من أفاد من الذي يستفيد الحكم الشرعي من؟ المجتهد، إذا ما يأتي المبتدئ أو يأتي طالب العلم أو العامي فيُرجح في مسائل ويذكر أشياء وهذا حلال وهذا حرام ثم هو ليس أهلا للنظر في الكتاب والسنة، إذا عرفنا أن أصول الفقه من حيث معناه اللقبي العلمي مبني على أركان ثلاثة، أولاً: الأدلة الإجمالية أي أدلة الفقه الإجمالية، والمراد بها الأدلة المتفق عليها الكتاب والسنة والإجماع والقياس والأدلة المُختَلف فيها كقول الصحابي ونحوه، والقواعد الأصولية العامة عند الأصوليين كمطلق الأمر للوجوب والعام حجة والعام أيضاً يُحمل على عمومه حتى يرد التخصيص. الحكم الثاني من وجوه الاستدلال بهذه الأدلة على إثبات الحكم الشرعي كيف نقتبس الحكم الشرعي من هذه الأدلة، الثالث من هو المقتبس؟ من هو المجتهد؟ هو ما سيذكره المصنف هنا في آخر باب يعني شروط المجتهد يعني ليس كل من نظر في الكتاب والسنة يكون مجتهداً، إذاً عرفنا أصول الفقه بمعنييه اللقبي والإضافي.
(1/28)

ثم قال والغرض منه معرفة كيفية اقتباس الأحكام والأدلة وحال المقتبس، يعني ما الفائدة من دراسة أصول الفقه، ما الفائدة من دراسة أصول الفقه، وأصول الفقه هذا يُزهَّد فيه منذ القِدم ولذلك أشار الزركشي في البحر المحيط إلى نحو من هذا قال بعضهم أنه لا يحتاج إليه؟ لأنه مركب من عدة فنون فإذا دُرست اللغة لوحدها وعلوم القرآن لوحدها والمنطق لوحده لا نحتاج إلى أن يُؤلَف في هذا الفن مؤلفات خاصة لمن اشتغلوا بها لأنه وهذا صحيح الركن الأساس والمتين في أصول الفقه هو اللغة العربية، فمن أتقن اللغة العربية حينئذ صح له أن يكون أصولياً مع معرفة ما انفرد أو زاده الأصوليون وما زاده الأصوليون يمكن أن يُختصر في وريقات على علوم اللغة ونحوها، فلذلك كل من تشبع بعلوم اللغة حينئذ لا يحتاج إلى كثير من كتب الأصول، ولذلك أذكر دائما كلمة الشاطبي - رحمه الله تعالى – يقول المبتدئ في اللغة العربية مبتدئ في الشريعة، جعل والانتهاء الابتداء والتوسط في الشريعة التي الوحيين الكتاب والسنة جعلها مرتبطة بعلوم اللغة، قال المبتدئ في علم اللغة مبتدئ في الشريعة والمتوسط في علم اللغة متوسط في الشريعة والمنتهي في علوم اللغة منتهي في الشريعة، وهذا كلام الشاطبي وهو أصولي. إذاً ثم ارتباط لا يمكن أن ينفك علم أصول الفقه عن علم اللغة ولذلك قال بعضهم علم أصول الفقه متوقف على معرفة اللغة وهو ركن ومعلوم أن الركن داخل في حقيقة الشيء، وأنه تفوت الحقيقة والماهية بفواته ولذلك يفوت أصول الفقه بفوات علم اللغة لورود الكتاب والسنة بها، والكتاب والسنة هما أدلة أصول الفقه. فمن لم يعرف اللغة لا يمكنه استخراج الأحكام من الكتاب والسنة وهذه كلمة حق، المبتدئ في اللغة مبتدئ في الشريعة والمتوسط في اللغة متوسط في الشريعة والمنتهي في اللغة منتهي في الشريعة.
الغرض منه هو الفائدة كما قاله المصنف، معرفة كيفية اقتباس الأحكام، كيف نقتبس ولذلك في مختصر التحرير عرف بتعريف مغاير لهذا، قال أصول الفقه هو القواعد التي يُستنبط بها الأحكام الشرعية، إذا فائدة أصول الفقه أنه تُقتبس به الأحكام.
(1/29)

قال والأدلة، وهذا لا يمكن أن يكون فيه تحريف في النسخة كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة وهذا لا إشكال فيه أو يكون على الأصل، معرفة كيفية اقتباس الأحكام هذا فائدة والأدلة يعني معرفة الأدلة الصحيحة من غيرها وهذا يحتاجه أو يُبحث عنه في أصول الفقه فعل الصحابي مثلاً هذا مما ينزع فيه هل هو دليل شرعي أو لا؟ من الذي يميز لك الأدلة الصحيحة من غيرها؟ من الذي يزيف لك الباطل ويُحسن لك الحق؟ هو الأصولي، وحال المستفيد الذي هو حال المقتبس يعني من هو الذي يقتبس الأحكام من أدلتها، هذه ثلاث وسائل ذكرها. أولاً تعريف أصول الفقه وهذا المراد بقول المبادئ كل فن، الحد حد لك أصول الفقه بمعنييه، ونسبة وفضله وفضله والواضح، فضله أونسبة – إنما بعد فن عشر الحد والموضوع ثم الثمرة، ثمرة الغرض المراد به الثمرة، أما فضله فإذا كانت الأحكام الشرعية مبناها على أصول الفقه فحينئذ نقول الوسائل لها أحكام المقاصد فضله ونسبته نسبته إلى سائر العلوم التباين أنه مُباين علم أصول الفقه مغاير لعلم التفسير مغاير لعلم الحديث ونحو ذلك، موضوعه في أي شيء يبحث؟ نقول في الأدلة، الأدلة نفسها الكتاب والسنة هي موضوع أصول الفقه، وقيل الأدلة والأحكام الشرعية، والجمهور على الأول، حكمه نقول فرض كفاية، وقيل فرض عين والمراد به أنه فرض عين في حق المجتهد يعني الذي أراد أن نزلت نازلة وأراد أن ينصب نفسه ويكفل أم في وجود حكم شرعي يتعلق بهذه النازلة، نقول في حقه فرض كفاية أو فرض عين؟ فرض عين، لماذا؟ لأنه نصب نفسه مقتبساً ومجتهداً، نقول من شروط الاجتهاد هو أن يقف على أصول الفقه. هل الأولى تقديم أصول الفقه على الفقه أم العكس؟ هذا مما وقع فيه نزاع بين الأصوليين أنفسهم، والأولى في مثل هذا يقال من عرف الأمور العينية الوضوء والصلاة وإذا وجبت عليه الزكاة عرف أحكام الزكام تفصيلا والحج إذا وجب عليه وعرف كيف يحج، الأولى فيما زاد على ذلك أن يقدم أصول الفقه على الفقه. أن يدرس أصول الفقه أولا ثم بعد ذلك إن أراد أني يدرس الفقه دراسة تفصيلية وبحثاً في أقولا الفقهاء والنظر في خلاف العلماء حينئذ لا يستفيد ولن يستفيد أبداً إلا إذا كان متقناً لأصول الفقه إتقان الأحكام لا يكون إلا بإتقان أصول الفقه.
هذا ما يتعلق بشيء من المبادئ العشرة، ثم ذكر وقال: ذلك ثلاثة أبواب يعني أصول الفقه مذكور في ثلاثة أبواب في الحكم ولوازمه وهذا هو أول باب سيأتينا غداً بإذن الله تعالى وصلى الله وسلم على بينان محمد وعلى صحبه أجمعين.

} - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - {
(1/30)

عناصر الدرس
* الحكم ولوازمه
* الحكم. والحاكم. والمحكوم فيه ,والمحكوم عليه.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا منحمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعدُ
ذكرنا في ما سبق المقدمة التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى فيما يتعلق بتعريف أصول الفقه بأنه يعرف من جهتين: من جهة كونه مركبا تركيبا إضافيا، ومن جهة كونه علما لقبيا لهذا الفن.
قلنا المقصود هنا هو الحد الأول الذي ذكره، وهو معرفة الأدلة، أدلة الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد، هذه ثلاثة أركان، بعضهم زاد عليها: الأحكام الشرعية بمعرفة تصور الواجب والتحريم والإباحة والكراهة والندب، لماذا؟ لأن ثمرة الأدلة هي الأحكام الشرعية، عندنا مثمر وثمرة، المثمر هو الأدلة، والثمرة هي الأحكام الشرعية، والمستثمر هو المجتهد، وطرق الاستثمار هي وجه دلالة هذه الأدلة على الأحكام الشرعية التي ذكرها فيما سبق، والغرض منه معرفة كيفية اقتباس الأحكام، هذه تسمى طرق الاستباط، طرق الاستثمار. والمستثمر هو المجتهد، والثمرة هي الأحكام الشرعية. إذن هذه أربعة أركان لابد من الوقوف عليها.
هل الأحكام الشرعية داخلة في موضوع أصول الفقه أو لا؟ هذه فيها نزاع، الجمهعور على أن موضوع أصول الفقه هـ الأدلة فقط، والأحكام ثمرة، حينئذ تكون الثمرة تابعة، والتابع لغيره غيرُه، لابد أن يكون مباينا مباينة تامة عنه. (الأحكام والأدلة الموضوع، وكونه هذي فقط مسموع) هكذا قال صاحب المراقي. (الأحكام والأدلة الموضوع) على قول من يرى الأحكام الشرعية داخلة في مسمى أصول الفقه ن يعني فيما يبحث عنه الأصولي، أفي ما يدور حوله موضوع أصول الفقه.
ثم قال (وذلك ثلاثة أبواب).
(وذلك) المشار إليه هو أصول الفقه، يعني كأنه حصر لك اصول الفقه في ثلاثة أبوزاب على سبيل الاقتصار، كما سبق أنه اختصر هذا الكتاب من كتاب مطول له، فقال: (وذلك ثلاثة أبواب، الباب الأول: في الحكم ولوازمه)، يعني سيذكر لك في هذا الباب حقيقة الحكم الشرعي؛ لأن البحث هنا في الشرعيات، ولوازمه: يعني لوازم الحكم، الحكم ولوازمه أربعة أقسام، لأن الحكم لا بد له من حاكم، ولا بد للحكم من محل، وهو المحكوم عليه، ولا بد من شيء يحكم فيه وهو المحكوم فيه، إذن أربعة أركان. إذن الحكم ولوازمه: الحكم هذا ركن خاص، ولوازمه: هذا جمع لازم، واللازم -كما هو معلوم-: ما يمتنع انفكاكه عن الشيء، حينئذ لا بد للحكم من حل، ولذلك حصر الأصوليون الأركان في أربعة أركان: وهي الحكم، هذا بحث خاص يبحثون فيه حقيقة الحكم، والحاكم، كم الذي يكون مصدرا للتشريع وهو الله عز وجل لأن كلامنا في الشرعيات، المحكوم فيه وهو أفعال العباد، فعل المكلف، المحكوم عليه، هو المكلف نفسه، الآدمي.
(2/1)

قال (في الحكم ولوازمه) قال: قيل فيه حدود، أسلمها من النقد والاضطراب: الحكم في اللغة المنع، يعني الحكم له معنيان، معنى لغوي ومعنى اصطلاحي، لابد – إذا اريد المعنى الاصطلاحي - أن يذكر المعنى اللغوي، ليعرف العلاقة بين المعنيين، المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، لأن المعنى الاصطلاحي هذا حقيقة عرفية أو شرعية، لا بد له من إحدى الحقيقتين إما حقيقة شرعية وإما حقيقة عرفية، ومعلوم أن الأصل في اللغات أنها تحمل على الحقيقة اللغوية، ولا يجوز التخصيص أو التعميم بنقله إلى حقيقة عرفية أو شرعية إلا إذا ثبت أن هذا المعنى قد استعمل في لغة العرب، هذا هو الأصل، ولذلك إذا عُرف الإيمان يقال الإيمان لغة كذا، والإيمان في الشرع كذا، الصلاة لغة الدعاء، وفي الاصطلاح أقوال وأفعال .. الخ، لم يذك الفقهاء هذه المعاني؟ ليبين لك أن ثَمَّ تناسبا بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي الذي يعبر عنه بالحقيقة العرفية أو الحقيقة الشرعية. إذن نقول هنا الحكم ليُعرف العلاقة بين الحكم الشرعي والحكم اللغوي.
الحكم لغة: المنع، ومنه سمي القضاء حكما، لماذا؟ قالوا لأنه يمنع من غير المقضي منه، إذا حكم القاضي فقد أثبت الحكم الذي يراه، ومنع غره من أن ينفذ حكمه على المحكوم عليه. إذن الحكم في اللغة هو المنع، ولذلك قول جرير يُذكر في هذا الموضع:
أبني حنيفة احكموا سفاءكم .. إني أخاف عليكمُ أن أغضبَ
فإذا قيل: حكم الله في هذه المسألة الوجوب، معناه أن الله عز وجل قضى في هذه المسألة بالوجوب ومنع من مخالفة هذا الحكم. ولذلك سميت الحكمة حكمة كما قيل مشتقة مشتقة من الحكم، لماذا؟ لأن فيها منعا، تمنع صاحبها من الوقوع في الرذائل والأخلاق غير المحمودة. إذن عرفنا الحكم في اللغة.
أما في الاصطلاح، فذكر بعضهم كالشيخ الأمير رحمه الله في المذكرة وغيرها، أن الحكم اصطلاحا هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه، إذن الحكم يكون بالإثبات إيجابا ويكون بالنفي سلبا، زيد قائم: هنا حكمت على زيد بثبوت القيام، زيد ليس بقائم: هنا حكمت على زيد بسلب القيام عنه. إذن الحكم يؤكون بالإثبات ويكون بالنفي. إذن لا يتصور كما يظن البعض أن الحكم دائما إذا قيل حرام معناه أنه قد حكم وأفتى، وإذا قيل ليس بحرام معناه ليس مفتى، لا هو أفتى في الموضعين، في الإثبات بإثبات التحريم، وفي النفي بنفي التحريم. هذا من حيث الجملة: إثبات أمر لأمر: زيد قائم، أو نفيه عنه: زيد ليس بقائم. هذا من حيث الجملة.
(2/2)

ثم يتنوع بالاستقراء إلى أنواع ثلاثة أو أربعة أو خمسة، على خلاف بينهم. إن كان موضع النسبة، محل النسبة مستفادة من الشرع، يعني إثبات أمر لأمر لأمر، من المثبت؟ إذا كان الشرع فحينئذ يكون الحكم شرعيا، الذي أثبت إذا كان المثبت لأمر آخر هو الشرع صار الحكم شرعيا، أو نفيه صار الحكم شرعيا. إذا كانت النسبة مستفادة من العقل، العقل هو الذي أثبت الأمر للأمر أو نفاه عنه، حينئذ يكون الكم عقليا. إن كانت النسبة مستفادة من التجربة، نقول حينئذ الحكم تجريبيا. إن كانت النسبة مستفادة بالإثبات أو النفي من الاصطلاح أو الجعل، كالفاعل مرفوع، والفاعل ليس بمنصوب، نقول هنا الحكم اصطلاحي أو جعلي. إن كانت النسبة مستفادة من الحس، بالإثبات أو بالنفي، حينئذ نقول الحكم حسي. إذن يتنوزع الحكم باعتبار محل النسبة. الوسط الذي يشترك فيه الكل إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. في جميع الأنواع الخمس هذه نقول فيها إثبات وفيها نفي، لكن موضع الإثبات، أو محل استفادة الإثبات أو النفي يتنوع بتنوع المثبت أو النافي. إن الشرع فالحكم شرعي، إن كان العقل فالحكم عقلي.
(الكل أكبر من الجزء) هذا إثبات، نقول هذا الحكم مستفاد من العقل، (الجزء ليس أكبر من الكل) هذا الحكم بالنفي والسلب، مستفاد من العقل. (بعض الأدوية ثبت أنها مسهلة أو مسهرة) فنقول هذه ثبتت بالتجربة. كذلك نقول (النار محرقة) النسبة هنا حسية , (النار ليست باردة) حسية، حسية لمن؟ أنت إذا حكمت بأن النار محرقة، هل أنت أحسست بأن النار محرقة؟ أم شاع وذاع بأن النار محرقة؟ أصل الحكم لمن جرب يكون حسيا، أما بعده فبعضهم يرى أنه عقلي، لماذا؟ لأنه شاع وذاع وصار كالضروري أن هذا الحكم حسي.
والمراد الذي معنى المراد به الحكم الشرعي، الحكم قيل فيه حدود، يعني في الاصطلاح لا في اللغة، لماذا؟ لأنه أتى بـ (ال) وهذه للعهد الذكري، لأنه سبق هناك وقال في حد الفقه: معرفة أحكام الشرع. فقال والحكم، لما أخذ الأحكام الشرعية فصلا في حد الفقه اعاد الحكم معرفا بـ (ال). والنكرة إذا أعيدت معرفة فهي عين الأولى. إذن نقول الحكم هنا المراد الحكم الشرعي لأنه أطلق هناك في الفقه فقال معرفة أحكام الشرع. قيل فيه حدود، يعني كثرت الحدود، حدود جمع حد، والحد في اللغة المنع، وفي الاصطلاح الجامع المانع.
الجامع المانع حد الحد ..
(2/3)

الجامع لكل أفراد المحدود، بحيث لا يخرج عنه فرد من افراده، المانع من غيره المحدود من الدخول في الحد، ولذلك قيل: سمي البواب حدادا، لأنه يمنع الخارج من الدخول، وقد يمنع الداخل من الخروج، إذن هو حامٍ يمنع الداحل من الخروج، كالصبيان، ويمنع الخارج من الدخول، حينئذ هو حداد، لذا قيل البواب هو حداد لأنه جامع مانع. وكذلك الحدود التي هي التعريفات عند أرباب الفنون، هي جامعة مانعة، تجمع أفراد المحدود، وتمنع غيرها من الدخول فيها. ولا يشترط فيه ألا ينتقد أو أن لا يعترض عليه باعتراض، لأنه كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية لم يسلم حد في الدنيا من الاعتراض، الحد التام الذي يعنون له المناطقة هو يقولون يعسر وجوده، فإذا كان أهل الصنعة يقولون يعسر الإتيان به مفمن باب أولى لا يأتس به أصحاب الأصول ونحوهم ز فحينئذ نقول كل ما يذكر في الأصول أو في الفقه أو في النحو أو في الصرف من الحدود، هذه أشبه ما يكون بالرسوم المقربة للمحدود، أما أنه لا يعترض عليه بأي اعتراض، أو أنه لا بد أن يسلم من كل اعتنراض هذا لا يمكن، لأنها رسوم وليست بحدود، ولأن المعرفات – كما هو معلوم – ثلاثة: حد ورسم ولفظي.
معرف على ثلاثة قسم .. حد ورسمي ولفظي عُلم
لذلك اختلفت الحدود فيه، اختلفت التعاريف، أسلمها من النقض والاضطراب. من النقض: النقض المراد به هنا أن يدخل في الحد غير المحدود، وهو التعريف غير المانع، إذن نقض أو انتقض الحد لكونه غير مانع مثل ماذا؟ لو قيل: ما الإنسان؟ فقال: حيوان، جميع أفراد المحدود (الإنسان) دخلت في لفظ حيوان، أليس كذلك؟ هل خرج فرد من أفراد المحدود (الإنسان) عن لفظ حيوان؟ الجواب لا. لكن هل منع هذا اللفظ من غير ألفاظ المحدود من الدخول في الحد؟ الجواب لا؛ لأن الحيوان هذا يصدق على الإنسان بكل أفراده، ويصدق على الفرس والحمار والبغل إلى آخره، إذن هذا غير مانع، هو جامع، لكنه ليس مانعا. هذا يسمى النقض.
والاضطراب: أن يكون الحد غير منضبط، عكس الأول، يعني غير جامع، الحيوان ما هو؟ قال: الناطق، عرف لي الحيوان، فقال: الناطق، الناطق هذا خاص بالإنسان، حينئذ نقول هذا جامع أو مانع؟ لم يجمع كل الأفراد، لأن الحيوان ليس مختصا بفرد واحد هو الناطق وهو الإنسان، وبل يشمل الإنسان الناطق ويشمل عيره، إذن أسلمها من النقض والاضطراب لكونها غير جامعة أو غير مانعة هو ما سيذكره المصنف.
لكن يرد السؤال: لماذا اضطرب الأصوليون في حد الحكم؟ اختلفت كلمة الأصوليين في حقيقة الحكم وتفسيره لأمرين، يعني سبب الاصطراب أمران:
(2/4)

الأول: أن بعض المكلفين غير موجود وقت الخطاب، وقت تنزل القرآن بعض المكلفين غير موجود، بل هو معدوم وخطاب المعدوم محال، لأنه ليس بشيء، المعدوم ليس بشيء، حينئذ كيف يخاطب؟ بعض المكلفين غير موجود وقت الخطاب، يعني إذا نزل قرآن بأمر أو نهي " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة "، المخاطب به من؟ وقت التنزيل المخاطب به الصحابة رضي الله عنهم، إذن الصحابة مكلفون، هل هم كل المكلفين من أول الدنيا إلى آخرها؟ لا، ليسوا كل المكلفين، غذن هم بعض المكلفين، نزل القرآن وخاطب الرب جل وعلا الصحابة بقوله " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة "، إذن بعض المكلفين حين التنزيل كان موجودا ولا إشكال أن الحكم كان متعلقا بهم، لكن انقرض عهد الصحابة وجاء بعدهم التابعون وبعدهم إلى يومنا إلى أن تقوم الساعة، هؤلاء مكلفون أم لا؟ إن قلتَ: مكلفون، فحينئذ لا يشملهم الخطاب لأنهم لم يثخاطبوا، لأن معنى الخطاب إلى الغير، أن يكون مباشرة، هذا الأصل فيه في لغة العرب، فحينئذ كيف يكون الخطاب الأول الموجه للصحابة، يكون موجها للصحابة وهم موجودون، وشاملا لمن يأتي بعدهم؟! فبعض الأصوليين أراد أن يأتي بحد جامع للصحابة ولغيرهم، لماذ؟ لأن الخطاب كما يشمل الموجود كذلك يشمل المعدوم، لكن بشرطه كما سيأتي. هذا أولا: أن بعض المكلفين غير موجودين في وقت الخطاب وقت تنزيل القرآن. والمعدوم ليس بشيء فحينئذ كيف يخاطب؟ ونريد في الحد حد الحكم الشرعي الجامع للموجودين ولغيرهم بحد واحد منضبط؟ فاضطربت كلمتهم.
السبب الثاني: أن الأصوليين أكثرهم في باب المعتقد لم يكونوا جميعا على عقيدة الأشاعرة والكلابية والمعتزلة إلى آخره، بعضهم ينكر لكلام كلام الرب جل وعلا ويقول بأن هذا القرآن مخلوق، وبعضهم يثبت الكلام النفسي كالأشاعرة والكلابية، فحينئذ كلام الرب جل وعلا وهو خطابه الذي هو الحكم الشرعي عند الأصوليين، هذا معنى قائم بالنفس مجرد عن الصيغة. بسبب هذين الأمرين اضطربت واختلفت كلمة الأصوليين في حقيقة الحد. وسيأتي في موضعه إن شاء الله في (باب الأمر) إثبات فساد كلام الأشاعرة في إثبات الكلام النفسي.
إذن عرفنا أن المصنف هنا – رحمه الله – حكم على كثير من الحدود بأنها مضطربة، وهو جاء بحد يرى أنه أسلم الحدود، وهو فيه نوع اضطراب وإيهام أيضا. قال إنه (قضاء الشارع على المعلوم بأمر ما نطقا أو استنباطا). (أنه) أي الحكم في الاصطلاح عند الأصوليين (قضاء الشارع على المعلوم بأمر ما نطقا أو استنباطا).
(2/5)

اعلم أولا أن الحكم الشرعي هذا يرد عند الفقهاء ويرد عند الأصوليين، فله مبحثان: مبحث فقهي، ومبحث أصولي، لماذا؟ لأن الأحكام الشرعية يثبتها الأصولي ويثبتها الفقيه أيضا، ولكن الأصولي يثبتها من حيث هي، والفقيه يثبتها من حيث تعلقها بأفعال المكلفين، ولكن النظر للحكم الشرعي من حيث هو عند الأصوليين، ومن حيث تعلقه بفعل المكلف عند الفقهاء. فحينئذ ترتب على هذا الاختلاف النظري، نظر الأصولي في الحكم الشرعي، ونظر الفقيه للحكم الشرعي، اختلفت عبارة الفقهاء مع الأصوليين في حد الحكم الشرعي. ولذلك حد الحكم الشرعي عند الفقهاء – كما عبر عن ذلك صاحب " مختصر التحرير بقوله – مدلول خطاب الشرع، خطاب الشرع الذي هو القرآن والسنة، مدلوه يعني الذي دل عليه، أثر خطاب الشرع هو الحكم الشرعي، مدلول خطاب الشرع هو الحكم الشرعي. فحينئذ قوله: مدلول، يعني ما دل عليه خطاب الشرع، هذا يشمل الأحكام الخمسة عند الفقهاء: الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح. خمسة أحكام دخلت في هذا الحد. ويشمل المعدوم والموجود، لماذا؟ لأن خطاب الشرع كما يتعلق – وإن كان هناك فلسفة لبعض المتكلمين، لكن نقول المسألة محسومة شرعا، الله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: " وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ " إذن نحتاج أن نختلف؟ لا نحتاج أن يكون في المسألة خلاف لورود النص، هذا القرآن قانون عام لكل مكلف بشروط التكليف كما سيأتي، كل من وجد على وجه الأرض منذ أن نزل إلى أن تقوم الساعة فالقرآن حاكم عليه شاء أم أبى. فحينئذ نقول: قوله مدلول الشرع يشمل الأحكام الخمسة التكليفية عند الفقهاء، ويشمل المعدوم حين تنزل الخطاب، لكن بشرطه، المعدوم مخطاب لا شك في هذا، لكن مخاطب متى؟ بشرطه وهو إذا وُجد مستجمعا لشروط التكليف، يعني " أقيموا الصلاة " هذا موجه للصحابة، والمكلف منهم قد خوطب بهذا النص، من بعدهم مخاطب بهذا النص لقوله تعالى: " لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ "، لكن مطلقا لا، وإنما تعلق به الخطاب تعلقا معنويا، وهو أنه إذا وُجد وولد وساتكمل الشروط واستجمع شروط التكليف حينئذ تعلق به الخطاب. فقوله " اقيموا الصلاة " نقول متعلق بالمكلفين الموجودين ومتعلق أيضا بالمعدومين إذا وُجدوا مستجمعين لشروط التكليف. يسمى عن الأصوليين التعلق الأول (التعلق التنجيزي) إذا كان الخطاب نزل على المكلفين مباشرة وهم موجودون يسمى تعلقا تنجيزيا. وتعلقه بالمعدومين بشرط وجودهم مستكملين لشروط التكليف يسمى تعلقا معنويا. إذن التعلق نوعان تنجيزي ومعنوي. هذا ماذا؟ تعريف الحكم الشرعي عند الفقهاء: مدلول خطاب الشرع.
(2/6)

مدلول خطاب الشرع المراد به كما في قوله تعالى " وأقيمو الصلاة " وجوب الصلاة، هذا لفظ ومدلول، كلام مفيد أليس كذلك؟ مدلوله ماذا؟ وجوب الصلاة. ونفسه الكلام هذا دليل الحكم الشرعي عند الفقهاء وليس هو الحكم الشرعي، إذا قيل " وأقيمو الصلاة " نقول هذا دليل، ثبت به وجوب الصلاة. ما الحكم الشرعي عند الفقهاء؟ " أقيموا الصلاة " أم وجوب الصلاة؟ إذن: مدلول خطاب الشرع، ما دل عليه خطاب الشرع، " وآتوا الزكاة " نقول نفس الـ[ .. ] كلام الله عز وجل، هو خطاب مدلوله الذي دل عليه هو وجوب الزكاة. حينئذ عندنا دليل ومدلول، الدليل نفس الخطاب: كلام الله عز وجل، المدلول ما دل عليه الخطاب وهو وجوب الصلاة ووجوب الزكاة. نظر الفقيه إلى المدلول لكون بحث الفقيه في أفعال العباد، في أفعال المكلفين، ولا ينظر إلى الشرع إلا بهذا الارتباط، كل شيء يتعلق بفعل المكلفين يكون هو محلا لبحث الفقيه.
أما الأصوليون فلهم نظرة أخرى. قالوا لا، ليس مدلول خطاب الشرع وهو وجوب الصلاة ليس هو الحكم الشرعي، وإنما الحكم الشرعي هو نفس اللفظ. " أقيموا الصلاة " نفسه اللفظ كلام الله هو الحكم الشرعي، وليس مدلوله. إذن اختلفت العبارات أم لا؟ اختلف النظر أن لا؟ اختلف النظر. عند الأصوليين قد يعترض عليهم بماذا؟ بأن يُقال: اتحد الدليل والمدلول، لماذ؟ لأن دليل وجوب الصلاة هو " أقيموا الصلاة "، وجوب الصلاة ثبت بماذا؟ بقوله " أقيموا الصلاة "، يرد عليهم عند بعضهم أنه اتحد الدليل والمدلول، لكن ليس بصواب هذا، اتحد الدليل والمدلول هذا نقول باختلاف النظرين، أن تفرق بين الحكم الشرعي عند الأصوليين وعند الفقهاء، فإذا علمت أن الحكم الشرعي عند الأصوليين هو نفس الخطاب، حينئذ لا يرد عليهم أنه المدلول، وإذا قلت إن الحكم الشرعي عند الفقهاء هو مدلول خطاب الشرع لا يرد عليهم أيضا ماذا؟ أن " اقيموا الصلاة " هو الحكم الشرعي. وعليه نقول: فرق الأصوليون بين الدليل والمدلول، فقالوا الدليل هو الحكم الشرعي، ولذلك عرفون بأن الحكم الشرعي عندهم هو (خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به)، وزاد بعضهم (بالاقتضاء أالتقييد أو الوضع).
(خطاب الله) عبر بعضهم بكلام الله، كما قال صاحب المراقي:
كلام ربي إن تعلق بما ... يصح فعلا للمكلف اعلما
من حيث إنه به مكلف ... فذاك بالحكم لديهم يعرف
إذن ثَمَّ فرق بين الأصوليين والفقهاء في تحديد مفهوم الحكم الشرعي.
(2/7)

بعضهم يقول: الإيجاب هذا تعبير الأصوليين، والوجوب هذا تعبير الفقهاء، فإذا قيل أقيموا الصلاة نقول أوجب الله الله الصلاة إيجابا، فوجبت الصلاة وجوبا، فالإيجاب هذا وصف لنفس كلام الله لأنه هو الحكم الشرعي وهو صفة للحاكم، المدلول الذي هو الوجوب هذا ما دل عليه " أقيموا الصلاة "، إذن " أقيمو الصلاة " له نظران، له اعتباران، نظر الأصولي إذلى ذاته فنسبه إلى الله قائله، وهو حكم، والحكم صفة الحاكم، حينئذ قال " أقيموا الصلاة " هو الحكم الشرعي. الفقيه نظر باعتبار تعلقه بفعل المكلف، فقال ما دل عليه اللفظ " أقيموا الصلاة " وهو وجوب الصلاة. إذن نقول كما قال [ ... ] أن الحكم الشرعي عند الأصوليين والحكم الشرعي عند الفقهاء المعبر عنه بالإيجاب والوجوب هما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار، متحدان بالذات يعني الذات واحدة، وهي كقوله " وأقيموا الصلاة "، مختلفان بالاعتبار بالنظر، إن نسبت هذا اللفظ غلى كونه كلاما لله عز وجل، قلتَ هذا إيجاب وهو صفة له وهو حكم شرعي. إن نظرتَ إلى كونه متعلقا بفعل المكلف، فمدلوله وجوب الصلاة، هذا نظر الفقيه، وكلٌ نظر إلى بحثه؛ لأن موضوع أصول الفقه هو الأدلة، فحينئذ ينظر في نفس اللفظ، هذا بحث الأصولي، وموضوع الفقه هو أفعال العباد، فحينئذ ينظر الفقيه بهذا الاعتبار.
هنا ظاهر كلام المصنف الذي أختار أنه أسلم الحدود أنه يميل إلى الحكم الشرعي عند الفقهاء، ولذلك قال قضاء الشرع يعني ما قضى به الشرع، والذي قضى به الشرع هو مدلول خطاب الشرع، فحينئذ يكون هذا الحد على طريقة الأصوليين أم على طريقة الفقهاء؟ نقول الظاهر إنه على طريقة الفقهاء. والأولى أن يعرف بما عرفه جماهير الأصوليين، وهو أسلم الحدود من النقض والاضطراب ما ذكرناه لكم سابقا: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، هذا الحد تضعه بين قوسين وتقول: أسلمها من النقض والاضطراب، وهو أولى مما ذكره المصنف، ونشرحه ثم نأتي على ما ذكره المصنف.
(خطاب الله) خطاب هذا فِعال:
لِفَاعَلَ الفِعالُ والْمُفَاعَلَهْ = وغيرُ ما مَرَّ السماعُ عادَلَهْ
(2/8)

إذن هو مصدر، خطاب: فاعل، خاطب زيدٌ عمرا خطابا ومخاطبة، قاتل زيد عمرا قتالا ومقاتلة، إذن هو مصدر. له معنيان: قد يُنظر إليه بالمعنى المصدري، يعني معناه المصدري ماهو إذا قيل خاطب زيد عمرا؟ وجه الكلامَ إليه. كذلك توجيه الكلام أو اللفظ المفيد إلى الغير لقصد الإفهام نقول هذا هو الخطاب. لكن هل المراد المعنى المصدري هنا؟ نقول: لا، المراد المخاطب به، غذا قيل تلفظ وملفوظ به. التلفظ غير الملفوظ به، الملفوظ به هو الذي تسمعه، والتلفظ هو الذي تراه من حركة اللسان ونحوه، فالتكلم والتكليم غير الكلام ز أليس كذلك؟ تصور معي: التكليم هو فعل وإصدار الكلام، حركة اللسان من مخارجه إلى آخره نقول هذا تكليم، إذن معناه المصدري هو إخراج الكلام، المعنى المراد من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول هو ما تسمعه، فالكلام غير التكليم والملفوظ به غير التلفظ وغير الللفظ. الخطاب هو توجيه الكلام غلى الغير لقصد الإفهام، هل هو مراد هنا؟ نقول لا، بل المراد به المخاطب به، فحينئذ يكون في الكلام أو في التعريف هنا مجاز مرسل من إطلاق المصدر وغرادة اسم المفعول. بعضهم عدل عن هذه العبارة فقال: كلام الله، لماذا؟ لأنهم يختلفون في الخطاب هل يسمى في الأزل كلاما أم لا ن فعدل صاحب المراقي إلى قوله: كلام ربي .. إلى آخره، إذن عرفنا أن المراد بالخطاب هنا المخاطب به، وليس المراد به المعنى المصدري الذي هو توجيه الكلام إلى الغير. خطاب هذا جنس في التعريف، فيشمل خطاب الله عز وجل، ويشمل خطاب الرسول صلى الله عليه سلم، ويشمل خطاب الإنس للإنس والجن للإنس والعكس والملائكة إلى غيره. لكن المراد هنا: خطاب الله، فبإضافته للفظ الجلالة خرج خطاب الإنس لبعضهم وخطاب الملائكة وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم. لمذا؟ لأن الإضافة قيد، الإضافة نسبة تقييدية، إذا قيل: جاء غلامٌ، يحتمل أنه غلام امرأة ويحتمل أنه غلام ارجل، فإذا قلتَ: جاء غلام امرأة، تخصص أو لا؟ تخصص. فإذا قلتَ جاء غلام هند ازداد تخصيصا. هنا إقا قيل: خطاب الله، أضيف إلى المعرفة فاكتسب التعريف، فحينئذ نقول هذا قيد أول احترز به المصنفون وأرباب الأصول عن خطاب غير الله عز وجل، لماذا؟ لأننا نعرف الحكم الشرعي، ومصدر الحكم الشرعي من؟ الله عز وجل! " إن الحكم إلا لله "، إذن لا حاكم إلا الله، " والله يحكم لا مقب لحكمه "، " وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ " إلى آخر الآيات الدالة على أن الحكم محصور في الرب جل علا، فلا حاكم إلى الله، وكل تشريع من سواه فهو باطل مردود على أهله ز
(2/9)

ورد إشكال: إذا قيل: الحكم الشرعي خطاب الله كلام الله عز وجل، الأحكام الشرعية نقول في الفقه مثلا: تستمد الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وعند من صحح فعل الصحابي وقول الصحابي والمصالح المرسلة وشرع من قبلنا إلى آخره، إذا حصرنا الأحكام الشرعية بكونها مأخوذة من القرآن فحسب، أو بكونها كلام الله فحسب حينئذ خرج كثير من الأحكام التي ثبتت بالسنة، والتي ثبتت بالإجماع، والتي ثبتت بالقياس، فحينئذ يكون هذا الحد غير جامع لأن ثم أحكام ثابتة بالسنة وهي أحكام شرعية، وثم أحكام ثابتة بالإجماع وهي أحكام شرعية، وثم أحكام ثابتة بالقياس وهي أحكام شرعية. وإذا قلنا الحكم الشرعي محصور في خطاب الله عز وجل صار الحد غير جامع. الجواب عن هذا نقول:
أولا: بالمنع، نمنع أن هذه المصادر مصادر الاقتباس للأحكام الشرعية نمنع كونها خارجة عن الحد، لماذا؟ أولا لأن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم راجع إلى خطاب الله عز وجل، لذلك قال المصنف: والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغٌ ومبين لما حكم به " يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ " أليس كذلك؟ وجميع ما في السنة داخل في قوله تععالى – كما نص أهل العلم -: " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا "، " مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ "، " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ " إلى آخر الآيات الدالة على أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم طاعة لله، وعلى أنا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما جاء به الرب جل وعلا، حينئذ لا غشكال، فكل حكم شرعي ثبت بالسنة بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم، نقول: السنة كاشفة للخطاب الإلهي الأصلي، وهو كونه وحيا، لقوله تعالى " وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى "، إذن كل ما ثبت في السنة فهو داخل في القرآن فلا إشكال، فإذا قيل خطاب الله يشمل السنة كما يشمل القرآن.
ما ثبت من الأحكام الشرعية بدليل الإجماع نقول: معلوم اتفاق أهل الإجماع أن الإجماع لا بد له من مستند يستند عليه، وهو كتاب أو سنة، حينئذ رجع إلى خطاب الله.
ما ثبت بالقياس نقول: هذا لا بد له من أصل يعتمد عليه القائس، الأيس كذلك؟ المجتهد الآن عندما يجتهد لا بد أن ينقل حكم المعلوم إلى الفرع المجهول، المعلوم لا بد الذي هو الأصل الذي قيس عليه، لا بد أن يكون ثابتا بدليل شرعي. فإذا ثبت بالقرآن لا إشكال، فإذا ثبت بالسنة أرجعنا السنة إلى القرآن، فإذا ثبت حكم الأصل بالإجماع أرجعنا الإجماع إلى الأصل. حينئذ نقول لا تخرج هذه المصادر عن كونها خطاب الرب جل وعلا. إذن خطاب الله شامل للسنة ومشامل للإجماع وشامل للقياس. بعضهم عدل هذه العبارة، إذا تسليم الحل، نقول: خطاب الشرع أو قضاء الشارع كما قال هنا، لكن لا نعبر بالقضاء نقول خطاب الشارع أو خطاب الشرع، وإطلاق الشارع على الله عز وجل من باب الإخبار لا من باب أنه اسم من أسمائه جل وعلا، لقوله تعالى " شرع لكم من الدين ... "، حينئذ لا بأس من إطلاقه، فقيل الشارع هو الله ن وقيل أيضا الشارع هو النبي صلى الله عليه وسلم.
(2/10)

يرد إشكال فيما اجتهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن له أصل في الكتاب، لأن السنة كما هو معلوم إما مؤكدة وإما مؤسسة، مؤسسة غذا قلنا " وما ينطق عن الهوى " حينئذ النبي صلى الله عليه وسلم قد يجتهد في بعض المسائل فلا تكون موجودة في الكتاب، فهل النبي صلى الله عليه وسلم مشرع استقلالا؟ نقول: لا، ما اجتهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم ووافق الصواب وافق الحق حينئذ نستدل بإقرار الرب جل وعلا على هذا الحق، فهو مرجوع إلى خطاب الله عز وجل، وما اجتهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم وكان خلاف الأولى فحينئذ لا بد ان يأتي الوحي بالتصحيح والإرجاع إلى الصواب. لذلك لما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة هل تكفر كل شيء؟ قال نعم، ثم دعا السائل فقال له: إلا الدين أخبرني به جبريل آنفا. فدل على مذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم قد يجتهد ثم يُصحح من السماء.
إذن (خطاب الله المتعلق)، عرفناأن المراد بخطاب الله هو كلام الله اقلرآن، وجميع المصادر الأخرى راجعة إلى القرآن، خطاب الله عز وجل متنوع، منه ما يتعلق بذاته، منه ما يتعلقبأسمائه وصفاته ن منه ما يتعلق بأفعال المكلفين ن منه ما يتعلق بذوات المكلفين، منه ما يتعلق بالجمادات، منه ما يتعلق بالبهائم، ونحو ذلك، إذن ليس على وتيرة واحدة، ما هو الحكم الشرعي من هذه المسائل كلها؟ قال: (المتعلق بفعل المكلف) هذا احترازا عن خمسة أشياء، لأن خطاب الله أنواع، فأخرج قوله (المتعلق بفعل المكلف) خطاب الله المتعلق بذاته جل وعلا كقوله تعالى " شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ "، هذا خطاب الله أم ماذا؟ خطاب الله، هل هو حكم شرعي؟ من حيث اللفظ نقول لا ليس بحكم شرعي، لأن متعلقه عند الأصوليين ليس بفعل المكلفوإنما بذاته جل وعلا فلا يسمى حكما شرعيا عند الأصوليين. خرج ما يتعلق بصفاته جل وعلا " اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ "، " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى "، " وهو السميع البصير "، " إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا "، نقول هذا خطاب الله القرآن، لكن ليس متعلقا بفعل المكلف، وإنما تعلق بصفاته جل وعلا وأسمائه. الثالث ما تعلق بفعله كقوله " الله خالق كل شيء "، الرابع ما تعلق بذوات المكلفين لا بأفعال المكلفين، بذات المكلف " ولقد خلقناكم ثم صورناكم "، " خلقكم من نفس واحدة "، هذا متعلق بماذا؟ بالذات لا بالفعل الذي هو ثمرة الكسب والإرادة عن المكلف. خامسا خرج ما تعلق بالجمادات " يوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة "، نقول هذا خطاب الله هل هو حكم شرعي؟ نقول لا، في الاصطلاح ليس بحكم شرعي، لماذا؟ لأنه وإن كان خطاب الله وإن كان كلام الله غلا أنهليس متعلقا بفعل المكلف، وإنما تعلق بالجمادات. زاد بعضهم سادسا: المتعلق بالبهائم " يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ "، " والطيرُ "، قراءتان، " الطيرَ " منادى، هذا خطاب موجه إلى الطير، هل ننقول هو حكم شرعي؟ الجواب لا لأنه خطاب متعلق بالبهائم.
إذن خطاب الله انواع، كونه المتعلق بفعل المكلف أخرج الخمسة التي ذكرناها أو الستة.
(2/11)

ما المراد بـ (المتعلق)؟ التعلق المراد به الارتباط، يعني يأتي خطاب الله مبينا وكاشفا ورافعا لصفة فعل المكلف، هل هو مطلوب الفعل أو لا، هل هو مطلوب الترك أو لا، هل هو مأذون فيه أو لا. لأن فعلك أنت من ذهابك وإيابك، المشي القيام القعود، الكلام الاعتقاد النية،، كل الأفعال التي يمكن ان تصدر عن الإنسان نقول: هذه الإنسان ليس حرا فيها ن بل هي محكومة من سابع سماء، لماذا؟ لأنك عبد " وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون "، فحينئذ العبادة حاصرة للإنسان في كل وقته وفي كل أنفاسه، فكون خطاب الله متعلقا بمعنى أنه مرتبط ن وهذا الخطاب وهذا النص تعلقه ومفهومه ومدلوله وحديثه وكلامه عن فعل من أفعال المكلقين، من أي جهة؟ من كونه هذا الفعل هل هو مطلوب منك إيجاده، لا بد ان تتي به، على جهة الجزم أو الاستحباب، هل هو مطلوب الترك؟ لا بد أن تتركه جزما أو [ .. ]، هل أنت مخير فيه بين الفعل والترك؟
إذن (المتعلق) لا بد أن تدرك معنى المتعلق بمعنى المرتبط، وفسر بعضهم المتعلق الذي من شأنه أن يتعلق، يعني تسمية للشيء بما يؤول إليه، وهو نوع من أنواع المجاز المرسل عند البيانيين.
قال (المتعلق بفعل المكلف) هذان لفظان (فعل) و (مكلف).
من هو المكلف؟ الآدمي البالغ العاقل غير الملجئ بشرطه. م
االمقصود بفعل المكلف؟ الفعل له إطلاقان: إطلاق لغوي، وإطلاق عرفي اصطلاحي عند الأصوليين، وهو متعَلَّق الخطاب أو الحكم الشرعي عندهم.
(2/12)

أما في اللغة فالفعل ما يقابل القول والاعتقاد والنية. إذا نظرنا في حال الإنسان إما أن يفعل فعلا صريحا، كالسرقة والزنا – والعياذ بالله – أو يمشي أو يجلس أو يقوم فيصلي، نقول هذا فعل ظاهر صريح. وإما أن يقول قولا، وإما أن ينوي، وإما أن يعتقد اعتقادا وإما أن يترك. هذه خمسة أشياء ولا سادس لها، هذا الذي يمكن أن يصدر من الإنسان. قلنا: الفعل في اللغة ما يُقابل القول والاعتقاد والنية، إذن ما هو؟ الفعل الصريح، الفعل في اللغة هو الفعل الظاهر الصريح من الإنسان كالمشي والقيام والقعود. أما القول فلا يسمى فعلا في اللغة، وأما الاعتقاد فلا يسمى فعلا في اللغة، وأما النية فلا تسمى فعلا في اللغة. وهذا من جهة النفي في اللغة فيه إشكال لأنه ثبت في الشرع. أما في الاصطلاح عند الأصوليين والعرف فالفعل: كل ما يصدر عن المكلف، فهو فعل، وتتعلق به قدرته من قول أو فعلا او نية أو اعتقاد. أربعة أمور كلها تسمى أفعالا عند الأصوليين ن وهي محل تعلق خطاب الله تعالى للحكم الشرعي، فنقول ماذا؟ هل سميى الفعل الصريح فعلا، نقول لا إشكال فيه، لأنه متفق عليه عرفا ولغة، فالسرقة تسمى فعلا والمشي يسمى فعلا لغة واصطلاحا، هل يسمى القول فعلا؟ نقول نعم يسمى القول لغة ونفيه في اللغة هذا فيه غشكال لأنه ورد في القرآن قال جل وعلا: " زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ "، أطلق الفعل على القول، غذن يسمى القول فعلا ن هل يسمى الاعتقاد والنية هل تسمى فعلا او لا؟ نقول نعم تسمى فعلا، بدليل مؤاخذة الشرع بها، جاء في النص قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " القاتل هذا فعلا فعلا صريحا ن والمقتول ما فعل شيئا، قالوا: يار سول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ فعل فعلا صريحا فأخذ به، إذن الجزاء المترتب كونه في النار مترتب على فعل صريح أما المقتول هاذا ما فعل شيئا ن فقال صلى الله عليه وسلم: " إنه كان حريصا على قتل صاحبه ". لإذن العزم المصمم والنية الجازمة والإرادة الجازمة هذه تسمى فعلا؛ لأنه لا تكليف إلا بفعل كما سيأتي.
ما وجه الاستدلال؟
نقول: كون المؤاخذة مركبة على العزم المصمم والإرادة الجازمة، ولا غثم غلا على فعل. فحينئذ دل على أن العزم المصمم هذا فعل. ماذا بقي؟ الترك.
الترك هذا مختلف فيه عند الأصوليين، هل يسمى فعلا أم لا؟ والأصح والأرجح أنه فعل. ولذلكقال صاحب المراقي:
ولا يكلف بغير الفعل .. باعث الأنبيا ورب الفضل
فكفنا في النهي مطلوب النبي .. والكف فعل في صحيح المذهب
قال عبر عن الترك بالكف لأن الترك نوعان: مطلق ترك، ليس فيه حبس للنفس، هذا أمر عدمي لا يتعلق به التكليف، وهناك ترك مع كف نفس يعني يمنع نفسه من الداخل، فهذا يسمى كفا ويسمى تركا، لكن يسمى كفا لأنه أخص من مطلق الترك. هذا هو الذي هو متعلق التكليف، هل يسمى فعلا في الشرع وهل تترتب عليه الأحكام من جهة الثواب والعقاب أو لا؟ نقول: الصواب: نعم، والكف فعل في صحيح المذهب، الدليل على هذا من الكتاب والسنة واللغة.
(2/13)

أما الدليل من الكتاب فقوله جل وعلا: " كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ " هو ترك التناهي عن المنكر، وهذا ترك، فسماه فعلا " لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ " والصنع أخص مطلقا من الفعل. كل صنع فعلا ولا عكس، لأن الصنع فعل وزيادة، كونه على هيئة معينة، وإذا ثبت الأخص يستلزم ثبوت الأعم، حينئذ " لبئس ما كانوا يصنعون " نقول هذا أخص من مطلق الفعل، وثبوت أو إثبات الأخص يستلزم ثبوت أو إثبات الأعم.
من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده "، قال " من سلم " وهو كف الأذى، كف الأذى إسلام أو لا؟ إسلام، ترتب عليه الثواب أو لا؟ يترتب عليه الثواب، حينئذ سمي الكف فعلا، سمي إسلاما.
أما من اللغة فقول الراجز، وهو من الصحابة:
لئن قعدنا والنبي يعمل .. لذاك منا العمل المضلَّلُ
(لئن قعدنا) يعني ترك مساعدة النبي في حفر الخندق، تركنا العمل مع النبي صلى الله عليه وسلم، (لذاك منا) الذي هو القعود (العمل المضلل) فسماه الصحابي (العمل المضلل) إذن هو فعل.
إذن نقول الفعل اصطلاحا: كل ما يصدر عن المكلف وتتعلق به قدرته، لماذ تتعلق به قدرته عنا؟ احترازا من المُلجأ الذي ألجئ إلى فعل ليس له قدرة واختيار في دفعه، أُخذ برمته وألقي من أعلى الشاهق على شخص فمات، هذا يثسمى المُلجأ، هل هو قاتل؟ لا ليس بقاتل بالإجماع، بالاتفاق أنه ليس مكلفا، فليس بآثم وليس بقاتل، فحينئذ نقول: هذا الذي لم تتعلق قدرته بالفعل، غير مراد هنا بالتكليف، لو قلنا مكلف لوجب إدخاله في الحد هنا (خطاب الله المتعلق بفعل المكلف). إذن الفعل في الاصطلاح هو المراد هنا في الحد: كل يصدر عن المكلف وتتعلق به قدرته من فعل أو قول أو اعتقاد أو نية أو كف. هذه خمسة اشياء.
المكلف قلنا نفسره بماذا؟ البالغ العاقل، ولا نقول المكلف من تعلق به التكليف؛ لأنه يلزم علينا الدور وهو ممتنع. من هو المكلف؟ من تعلق به الحكم الشرعي. والحكم الشرعي يتعلق بمن؟ بالمكلف، هذا يسمونه ماذا؟ الدور، وهذا ممتنع، إذا كان أحدهما لا يفسر إلا بالآخر يسمى دورا عنده.
قال (بفعل المكلف)، بعضهم يقول (بأفعال المكلفين) بالجمع، وهذا ليس بسديد، لماذا؟ لأن الحكم الشرعي قد يتعلق بفعل مكلف واحد، كخصائص النبي صلى الله عليه وسلم، زواجه بأكثر من أربع حكم شرعي أم لا؟ حكم شرعي، هل تعلق بأفعال المكلفين؟ ها؟ لا لم يتعلق بأفعال المكلفين، وإنما تعلق بفعل مكلف واحد. كذلك ما ورد من إجزاء الـ[ .. ] لأبي بردة في الأضحية هذا خاص به ولا يتجاوز إلى غيره على قول الجمهور. حينئذ (بفعل المكلف) نقول ناتي بالواحد ولا نأتي بالجمع للدلالة على أن بعض الأحكام الشرعية قد تتعلق بفرد واحد أو بفعل مكلف واحد كخصائص النبي صلى الله عليه وسلم.
قال (بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع) هذا ليبين لك أن الحكم الشرعي نوعان، حكم تكليفي وحكم وضعي. قوله (بالاقتضاء أو التخيير) هذا تضع بين قوسين أنه حكم تكليفي، (أو بالوضع) هذا حكم وضعي.
(2/14)

قوله (بالاقتضاء) هذا جار ومجرور متعلق بفوله (خطاب الله تعالى المتعلق بالاقتضاء)، أخرج ما تعلق بفعل المكلف لا من حيث أنه مكلف به وإنما من حيثية أخرى، قوله جل وعلا: " والله خلقكم وما تعملون " هذا (خطاب الله تعالى متعلق بفعل المكلف) أليس كذلك؟ إذن يصدق عليه الحد إلى هنا، لكن هل هو مطلوب الفعل أو الترك أو مخير في الفعل والترك؟ لا، وإنما من حيثية اخرى وهي الإخبار بأن أفعال العباد مخلوقة، " يعلمون ما تفعلون " هذا خطاب الله المتعلق بفعل المكلف لكن لا من حيث أنه مكلف يعني مطلوب الفعل أو مطلوب الترك أو مخير بين الفعل والترك، وإنما من حيثية اخرى وهو أن الحفظة تعلم فعل أو أفعال المكلفين. " ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون " قالوا فيها ما قيل في الأول، إذن قوله: (بالاقتضاء أو التخيير) هذا مخرج لخطاب الله المتعلق بفعل المكلف لا من حيث غنه مكلف به بل من حيثية أخرى.
(بالاقتضاء) المراد بالاقتضاء هو الطلب، يعني يُطلب الفعل أو يُطلب الترك من المكلفين، وعليه نقول الطلب نوعان: طلب فعل إيجاد شيء، قم، افعل مثلا، طلب ترك، لا تفعل، وطلب الفعل هذا إما أن يكون على وجه الجزم أو لا. إذا طلب الشارع فعلا من المكلفين إما أن يطلبه على وجه الجزم والقطع بأن يرتب الوعيد على الترك، كقوله: " أقيموا الصلاة " نقول هذا خطاب الله تعالى متعلق بفعل المكلفين على جهة اقتضاء الطلب مع الجزم بحيث لا يجوز لهم ترك المأمور به، فإن تركوا تعلق بهم الوعيد. هذا يسمى: إيجابا. نفس النص " أقيموا الصلاة " يمسى إيجابا. طلب الفعل إن لم يكن مع جزم بأن جوز له ترك الفعل هذا يسمى ندبا والفعل الذي تعلق به الندب يسمى مندوبا. إذن هذان نوعان: إيجاب وهو حكم الشرع ن والفعل الذي تعلق به الإيجاب يسمى واجب، النوع الثاني الندب والفعل الذي تعلق به الندب يسمى مندوبا. هذا النوع الأول مطلوب الفعل.
الثاني: مطلوب الترك كقوله " لا تقربوا الزنا " هذا إما أن يكون مع الجزم أو القطع، بان رتب الوعيد والعقاب على الفعل، هذا يسمى تحريما، والفعل الذي تعلق به يسمى حراما أو محرما. فإن كان طلب الترك لا مع الجزم بأن جوز له ارتكاب الفعل ولم يرتب العقاب على الفعل هذا يسمى كراهة والفعل الذي تعلق به يسمى مكروها. إذن أربعة احكام دخلت في قوله (بالاقتضاء).
بقي الحكم الخاص، حكم تكليفي ن وهو الإباحة دخل بقوله (أو التخيير)، و (أو) هذه للتنويع والتقسيم وليست للشك، لأن (أو) التي للشك لا يجوز إدخالها في الحدود.
ولا يجوز في الحدود ذكر أو .. وجائز في الرسم فادرِ ما رووا
حينئذ نقول (أو) هذه للتنويع والتقسيم، (أو التنخيير) يعني استواء الطرفين؛ إن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل، نقول هذا حد الإباحة، إذن بهاتين الكلمتين (بالاقتضاء أو التخيير) نقول: شمل الحكمَ التكليفي بأنواعه الخمسة، أدخل الحكم التكليفي بأقسامه الخمسة. الحكم التكليفي – كما سيأتي – بالاتفاق أنه يشمل الإيجاب والتحريم، هذا لا إشكال فيه، وإنما وقع نزاع في الندب والكراهية، هل هما من الحكام التكليفية أم لا؟ الصواب أنهما من الأحكام التكليفية وسيأتي.
(2/15)

الحكم الخامس وهو الإباحة، هل هو حكم تكليفي أم لا؟ يكاد يكون إجماع أنه ليس بحكم تكليفي، إذن إذا لم يكن حكما تكليفيا لماذا أدخله في حد الحكم الشرعي؟ هو حكم شرعي وليس بحكم تكليفي، ولذلك يتنبه طالب العلم أن نفي الأصوليين عن الإباحة كونها حكما تكليفيا لا يلزم من ذلك أن تكون الإباحة ليست حكما شرعيا، بل هي حكم شرعي، وحديثنا الآن في التعريف هل هو من حيث الحكم الشرعي التكليفي فقط أم الحكم الشرعي من حيث هو؟ الحكم الشرعي من حيث هو، حينئذ نقول: إدخال التخيير هنا والمراد به الإباحة لا إشكال فيه أما عدها دون ذكرها في الحد يعني هكذا لو قال قائل: الأحكام التكليفية خمسة، دون النظر إلى حد الحكم الشرعي، فقال خمسة: الإيجاب وكذا وكذا والإباحة، نقول: ذكر الإباحة في ضمن الأحكام التكليفية هذا من باب التسامح والتوسع في العبارة، هكذا ذكر بعضهم، وبعضهم يرى – وهو أحسن – أن الأحكام التكليفية ذُكر فيها الإباحة لن متعلق الإباحة هو المكلف، لأن البهيمة فعلها لا يوصف بكونه مباحا، المجنون الذي لا يتعلق به التكليف لا يسمى فعله مباحا، وإنما هي حكم شرعي، وحينئذ إذا كانت حكما شرعيا كانت خطاب الله المتعلق بفعل المكلف، والمجنون ليس مكلفا، ففعله ليس مباحا، والصبي بنوعيه المميز وغير المميز ليس مكلفا إذن فعله ليس مباحا، إذن ذُكرت ليس من باب التسامح والتوسع والتساهل، وإنما لكون متعلق الإباحة فعل المكلف، فبالنظر لهذه العلة ذُكرت ضمن أحكام الشرع التكليفية.
(أو بالوضع) هذا لذكر الحكم الثاني وهو الوضع ن المراد بالوضع الجعل، وهو كون الشرع وضع علامة للدلالة على شيء آخر، لكونه إما سببا له، أو شرطا له، أو مانعا، أو كون الفعل صحيحا أو فاسدا، أو وُصف بالأداء أو بالقضاء أو بالإعادة كما يعبر بعضهم ويعمم الحكم الشرعي الوضعي. ولكن اتفق الأصوليونن على أن الأسباب والشروط والموانع أحكام تكليفية، هذا باتفاق، واختلفوا في الصحة والفساد والقضاء والرخصة والعزيمة والأداء والإعادة، هذه أحكام تكليفية ام لا؟ والصواب أنها ليست أحكاما تكليفية وإنما محصورة في الثلاثة كما سيأتي بيانه.
إذن عرفنا الخلاصة أن الحكم الشرعي قسمان: حكم شرعي تكليفي، وهذا يدخل تحته خمسة أحكام، وحكم شرعي وضعي، هذا يدخل تحته ثلاثة أقسام: الشروط والأسباب والموانع.
ثم خطاب الوضع هو الواردُ ... بأن هذا مانع أو فاسد
أو ضده أو أنه قد أوجبا .. شرطا يكون أو يكون سببا
(2/16)

كون الزوال سببا لوجوب الصلاة، نقول هذا حكم وضعي لماذا؟ لأنه لست مكلفا بتحصيل الزوال، هل هو كإيجاب الصلاة وإيجاب الزكاة ونحوها؟ نقول لا، ليسا متساويين، المراد بالحكم الشرعي التكليفي أن يكون الفعل صادرا من المكلف، أن يسعى المكلف في تحصيل ما أمر به أو نهي عنه، أما الحكم الشرعي الوضعي فهذا من وضع الرب جل وعلا، هذا من وضع الرب جل وعلا، كون الحيض مانعا من الصلاة نقول هذا حكم وضعي، إذا وُجد الحيض مُنعت المرأة من اصلاة، غذن هو مانع أو سبب أو شرط؟ نقول: مانع. هل بيدها أن تأتي بالحيض؟ لا ليس بيدها هذا هو الأصل، إذن جُعل الحيض علامة من الرب، إذا وجد هذا السبب الذي هو من فعل الرب جل وعلا أول إذا وُجد ترتب عليه الحكم التكليفي وهو تحريم والصوم. إذن هذا هو حد الحكم الشرعي عند الأصوليين ن وهو أولى ما يُذكر من الدود وعليه جماهير الأصوليين، بأنه (خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع).
هنا قال أنه (قضاء الشارع على المعلوم بأمر ما نُطقا أو استنباطا) وهذا كما ذكرتُ سابقا أنه يميل إلى حد الحكم الشرعي عند الفقهاء، يعني يميل إلى مذهب الفقهاء، وأولى ما يُعرف به مذهب الفقهاء بأنه مدلول خطاب الشرع، فرق بين أن يُقال: الحكم الشرعي خطاب الشرع، وبين أن يقال الحكم الشرعي مدلول خطاب الشرع.
هنا قال: والحكم قيل فيه حدود أسلمها من النقض والاضطراب أنه قضاء الشارع، أتي بقضاء لماذا؟ لإظهار المناسبة بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي. ذكرنا أن القضاء يسمى قضاء لمنعه، إذن وُجد المعنى اللغوي في المعنى الاصطلاحي، وهذا لا بد من ذكره، ليس ثم تباين وتغاير تام بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، ليس بينهما تغاير أبدا، فإما أن يأتي العرف فيخصص أو يعمم، وإما أن يأتي الشرع فيخصص أو يعمم، والأكثر التخصيص، الأكثر أن يكون اللفظ في اللغة معناه عاما ثم يأتي الشرع فيخصص إلا في مسألة واحدة وهي مسألة الإيمان، معناه لغة التصديق، لكن معناه في الشرع مركب من ثلاثة أركان، يعني ليس الإيمان الشرعي هو تصديق القلب فحسب، بل جعل هو ركن وجعل القول ركن وجعل العمل الظاهر ركن في الإيمان فإذا فات واحد من هذه الأركان فات الإيمان على مذهب أهل السنة والجماعة.
(2/17)

قال: (قضاء الشارع) إذا أتى بقوله قضاء للدلالة على العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، قضاء الشارع المراد به حكم الشارع، وذكرنا أنه إذا قيل حكم الله في المسالة بالوجوب بمعنى أنه قضى فيها بالوجوب ومنع من المخالفة، قضاء الشارع نقول فيه أنه جرى على الحكم عند الفقهاء من أنه أثر خطاب ومدلوله وليس الخطاب نفسه كما هو عند جمهور الأصوليين، فكأنه فصل وميز بين الدليل الشرعي وبين الحكم الشرعي الذي دل عليه ذلك الدليل، إذن " أقيموا الصلاة " عند الفقهاء دليل وليس بحكم، وجوب الصلاة مدلول ذلك الدليل وليس بدليل، وأما عند الأصوليين " أقيموا الصلاة " هذا حكم شرعي وهو الدليل نفسه. لإذن اتحد الدليل والمدلول عند الأصوليين، (قضاء الشارع) قلنا أضاف الشارع لما ذكرناه في خطاب الله عز وجل، للدلالة على أنه لا حكم إلا لله عز وجل، وأكثر ما قيل في ذاك الحد قاله هنا. والشارع هذا قلنا يستعمل استعمال الأخبار يعني ليس اسما من أسماء الله عز وجل، ويجوز إطلاقه على النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه أيضا مشرع من حيث إنه موافق لخطاب الرب جل وعلا وليس بخارج عنه.
قضاء الشارع على المعلوم: يعني على شيء معلوم، معلوم هذا عند الأصوليين كما سيأتي أنه لفظ عام لا أعم منه، يعني إذا قيل اللفظ منه خاص ومنه عام، ثمَّ خاص لا أخص منه، وثم عام لا أعم منه، أعلى كلمة يدخل تحتها ساشر الموجودات، قالوا لفظ المعلوم، لأنه يشمل المعدوم والموجود، وكل ما وُجد فهو داخل تحت لفظ الموجود، والمعدوم كل ما ليس بموجود، إذن المعلوم يشمل الموجود والمعدوم، أليس كذلك؟ لذلك نقول: الله يعلم ما كان وما يكون وما سيكون لأن متعلق العلم أعم.
(على المعلوم) يعني على شيء معلوم وجودات وعدما، على شيء معلم وجودا وعدما، لأن المعلوم عام لا أعم منه فيشمل الموجود الآن ومن سيوجد، فيشمل المكلف بالفعل والمكلف بالقوة، لو قال متعلق بفعل المكلفين لكان أولى من فعل المعلوم، أيهما أوضح؟ الأول، وليس بهذا، هو يقول أسلمها من النقض والاضطراب، نقول هذا فيه نوع إيهام لماذا؟ لأن المعلوم هذا يحتاج إلى تأمل أكثر من قوله المتعلق بأفعال المكلفين. إذن (على المعلوم) قلنا يشمل الموجود والمعدوم، يعني المكلف بالفعل والمكلف بالقوة، الوصف للشيء عند أهل المنطق ونحوهم قد يوصف كونه موجودا بالفعل، وقد يوصف كونه موجودا بالقوة، كيف؟ قالوا بالفعل يعني أنه الآن متصف بهذا الوصف، أنت جالس أليس كذلك؟ هو الآن متصف بصفة الجلوس، طيب الآن صفة الجلوس كائنة فيه، أليس كذلك؟ نقول هو جالس بالفعل، وهو أيضا في نفس الوقت قائم، تصدقون؟ نعم صحيح، هو قائم لأنه قائم بالقوة، لأنه لو أراد أن يقوم الآن قام مباشرة، يعني لا يمتنع أن يقوم، حينئذ وصف بالقيام بالقوة لأنه لو أراد ووُجدت النية وانتفى المانع لصار قائما، وكونه متصفا بالجلوس نقول هذا بالفعل، أنت الآن مستيقظ لأنه الآن مستيقظ وليس بنائم، لكنك نائم بالقوة [يضحك الشيخ]، لأنه ينام لو أراد أن ينام.
(2/18)

إذن قوله (على المعلوم) يشمل الموجود والمعدوم، يعني يشمل المكلف بالفعل والمكلف بالقوة، المكلف بالقوة مثل المعدوم الذي سيولد فإذا استجمع شروط التكليف صار مكلفا. الطبيب مكلف أو لا؟ هو موجود مخلوق، مكلف أو لا؟ إن قلت مكلف أخطأت، إن قلت غير مكلف أخطأت، على الكلام هذا، فنقول هو ليس مكلفا بالفعل وهو مكلف بالقوة، لأن مآله أن [ ... ] ز
(على المعلوم بأمر ما) هذا متعلق بفوله (قضاء لأمر ما) هذا يريد ما ذكرناه أولا (بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع) وذاك أوضح من هذا التعريف (بأمر ما) نقول أنها نكرة صفة أي بأمر، أي أمر، وهذا الأمر على ما ذكرناه سابقا، إما طلب أو تخيير أو وضع، والطلب إما طلب فعل وإما طلب ترك، وكل منهما إما جازم أو ليس بجازم. إذن قوله 0 بأمر ما) أراد أن يوضح التعريف واختار تعريف أسلم وأوضح من ذلك التعريف المشهور فأتى بهذه العبارة، إذن نقول هو نفسه بهذه العبارة ليس سالما من النقض والاضطراب. (بامر ما) إذن فهو شامل لنوعي الحكم الشرعي التكليفي والوضعي، (نطقا أو استنباطا) هذا حال قوله (قضاء الشارع) أو تمييز. قضاء الشارع - حكم الشارع: قد يكون ماخوذا من نطق، يعني دلالة الللفظ على الحكم الشرعي منطوقة، " فلا تقل أف " تحريم التأفيف مأخوذ من النص ما دل عليه اللفظ في محله، نقول هذا تحريم للتأفيف مأخوذ من النص. طيب ضرب الوالدين محرم أو لا؟ محرم لا إشكال بل هو أولى بالتحريم من التأفيف. ما الدليل عليه؟ نفس الآية " فلا تقل لهما أف " من جهة الاستنباط من جهة التأمل من جهة التدبر من جهة قياس الضرب على التأفيف من باب الأولى أو ما يسمى بقياس الأولى نظرنا فيه فاستنبطنا من هذا الدليل ماذا؟ تحريم التأفيف دل عليه قوله " فلا تقل لهما أف " نطقا، وتحريم الضرب - وهو من باب أولى - دل عليه قوله تعالى "فلا تقل لهما أف " استنباطا. إذن الحكم الشرعي قد يكون مأخوذا من النطق وقد يكون ماخوذا من الاستنباط. إذن قوله (قضاء الشارع على المعلوم بأمر ما نطقا أو استنباطا) نقول الأولى ما ذكرنا سابقا.
(2/19)

إذا عرفنا الحكم الشرعي عن الفقهاء، من هو الحاكم؟ هو الله سبحانه وتعالى، لا حاكم سواه " والله يحكم لا معقب لحكمه "، " إن الحكم إلا لله "." إن الحكم " هذه نافية بمنزلة (ما) نافية تحل محلها، إلا إذا وقعت في جواب ما أفادت القصر والحصر. " إن الحكم إلا لله " يعني ما الحكم إلا لله، فإثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، وهذه أعلى صيغ الحصر (ما) و (إلا)، لذلك قيل الحصر مفهوم منه من النطق، وسيأتي. هو الله سبحانه لا حاكم سواه، يرد عليه ما ذكرناه سابقا، وهو السنة النبوية، والإجماع، والقياس، قال: والرسول صلى الله عليه وسلم، هذا جواتب سؤال مقدر، (الواو) هذه تسمى عند أهل البيان للاستنئناف البياني، وهو ما كان واقعا في جواب سؤال مقدر، يعني المصنف يستحضر سؤال، فإذا قال الحاكم هو الله عز وجل، طيب والرسول صلى الله عليه وسلم؟ الأحام المتلقاة من السنة؟ فيستحضر في ذهنه هذا السؤال فيجيب، والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ " إن عليك إلا البلاغ " مبلغ عن الله عز وجل، ومبين للتشريع، لما حكم به سبحانه، إذن " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم "، إذن هو مبين عليه الصلاة والسلام، فإن حكم باجتهاد نقول أقره الرب جل وعلا، " وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى ". (والمحكوم عليه) عرفنا الحاكم عرفنا الحكم، والحاكم، بقي المحكوم عليه قال هو المكلف، المكلف اسم مفعول من كُلِّف يُكلف، فهو مكلف، مشتق من التكليف والتكليف من التفعيل، كلف يكلف تكليفا، كـ علم يعلم تعليما، والتكليف في اللغة عندهم إلزام ما فيه مشقة وكلفة:
تكلفني ليلا قد شق وليها ..... وعادت عوادٍ بيننا وخطوب.
يكلفه القوم ما نابهم .. وإن كان أصغرهم مولدا.
(2/20)

إذن التكليف في اللغة إلزام ما فيه مشقة، فإلزام الشيء والإلزام به هو تصييره لازما لغيره، لا ينفك عنه مطلقا أو لا ينفك عنه في وقت ما. هذا في اللغة، وأما في الاصطلاح فعبارات الأصوليين مختلفة ومضطربة، سبب الاضطراب أنهم اتفقوا على أن الإيجاب والتحريم حكمان تكليفيان، هذا متفق عليه ن فمن اقتصر على هذين النوعين أراد أن ياتي بحد يشمل النوعين فقط ويخرج الكراهة والندب والإباحة، ومن يرى أن الإباحة والندب والكراهة أحكاما تكليفية اراد أن يأتي بحد يشمل الخمس. من أراد قصرها على الأربعة دون الإباحة اراد أن يأتي بحد يشمل الربعة دون الإباحة ن فحينئذ تكون التعاريف مختلفة لهذا السبب، فقال بعضهم: التكليف اصطلاحا هو طلب ما فيه مشقة، الإباحة هل فيها طلب؟ ليس فيها طلب لا طلب فعل ولا ترك، إذن خرجت الإباحة بقوله طلب ما فيه مشقة. خرجت الإباحة لأنه ليس فيها طلب. قلنا الطلب كم نوع؟ طلب فعل، وطلب ترك، وطلب الفعل نوعان: مع الجزم، ولا مع الجزم، وطلب الترك نوعان: مع الجزم، ولا مع الجزم، هذه أربعة. أخرج الإباحة وقصر الحكم التكليفي على الإيجاب والتحريم والندب والكراهة، الحد الثاني قال التكليف (إلزام ما فيه مشقة) إذن جزم (لا مع الجزم) خرج بقوله إلا، خرجت الإباحة ليست فيها إلزام، وخرجت الكراهة ليس فيها إلزام، والندب ليس فيه إلزام، إذن اقتصر هذا الحد على ماذا؟ على الإيجاب والتحريم، إذن هذا الخلاف في التعريف لليس خلافا هكذا جاء، وإنما لخلاف سابق، وهخل المندوب مكلف به أم لا، وهل المكروه مكلف به أو لا، الجمهور على عدم التكليف لذلك قال السيوطي:
وليس مندوب وكره في الأصح ... مكلفا ولا المباح فرجح
بحده إلزام ذي الكلفة لا طلبه
المرجح ما هو عند الجمهور؟ (إلزام ما فيه مشقة) لأن المندوب ليس مكلفا به والمكروه ليس مكلفا والمباح مكلفا به حينئذ يقتصر الحكم على الإيجاب والتحريم.
وليس مندوب وكره في الأصح ... مكلفا ولا المباح فرجح
إذا [ ... ] لذلك ربط لك الحدود بالخلاف السابق، إذا تبين أن المندوب ليس بحكم تكليفي وكذلك المكروه وكذلك المباح. (فرجح، في حده) الذي هو التكليف، (إلزام ما ذي الكلفة لا طلبه)، إذن (إلزام ما فيه مشقة) هو الراجح، و (طلب ما فيه مشقة) هو الأرجح [كذا قال الشيخ ولعله يريد المرجوح]، ونقول الصواب العكس، أن طلب ما فيه مشقة هو الأرجح، وإلزام ما فيه مشقة هو المرجوح، والصواب أن المندوب مكلف به وأن الكراهة مكلف بها ن فهما حكمان تكليفيان، وأما المباح فليس حكما تكليفيا، إذن عرفنا تعريف التكليف وهو: إلزام الذي يشق .. أو طلب فاه بكل الخلق.
لكن إذا قيل المندوب هو مكلف به أم لا، وهل المكروه مكلف به أم لا، لا ينبني عليه حكم عملي، وإنما هو خلاف تنظيري تقريري، يعني في تأصيل المسائل، يعني خلاف لفظي، ولذلك قال:
وهو إلزام الذي يشق .. أو طلب فاه بكل الخلق
لكنه ليس يفيد فرعا .. فلا تضق لفقد فرع ذرعا
هكذا قال صاحب المراقي.
(2/21)

(لكنه) يعني في التكليف (ليس يفيد فرعا) لا ينبني عليه حكم من الأحكام العملية، وإنما هو خلاف في التأصيل فقط، خلاف في التأصيل، والمحكوم عليه هو المكلف، من هو المكلف؟ نقول من تعلق به التكليف، متى يُحكم على الشخص بكونه مكلفا؟ نقول شرط المكلف بالفعل أمران، يعني لا يكون الآدمي مكلفا إلا بوجود شرطين اثنين لا ثالث لهما على الأصح: وهما العقل وفهم الخطاب. المسائل المتعلقة بهذا المبحث طويلة وكثيرة ومتفرعة جدا، لكن نقتصر اقتصارا غير مخل بإذن الله، نقول: العقل وفهم الخطاب. ما المراد بالعقل؟ آلة التمييز والإدراك. ما يُدرك به الإنسان يسمى عقلا، قيل سمي عقلا من العقل، يعني المنع، لأنه يمنع صاحبه عن سفاسف الأمور، كما قيل في الحكمة هناك، العقل هو آلة الإدراك، آلة الإدراك والتمييز، لأن العاقل إذا اتصف بهذه الآلة ميز بين حقائق الأمور، أدرك معنى المساء ومعنى الأرض ومعنى الماء البارد وميز بين الحق والباطل والجيد والردئ إلى آخره، بواسطة هذه الآلة.
(فهم الخطاب) المراد بالفهم إدراك الكلام هذا هو الفهم كما ذكرناه بالأمس، الفهعم في اللغة هو إدراك معنى الكلام، إذا أدرك المخاطب معنى الكلام، ما الذي يريده المتكلم بهذا الكلام على وجه التمام نقول هذا قد فهم الخطاب، والخطاب المراد به خطاب الشرع لأن بحثنا في الشرعيات. أجمع العلماء على اشتراط العقل في التكليف، هذا باتفاق. لماذا اشترط الصوليون هذين الشرطين؟ لأن التكليف خطاب كما سبق، حكم الشرع خطاب من الله عز وجل، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، تجلس تتحدث مع مجنون؟! تأخذ وتعطي معه تدعوه في بيتك؟! ما يمكن هذا، محال. لمذا؟ لأن من لا عقل له هذا لا يمكن أن يُخاطب. كذلك من لا يفهم هذا لا يمكن أن يخاطب، وإذا كان الله قد شرع العبادات لحكم ومصالح عظيمة حينئذ لا بد أن يكون المكلف عاقلا فاهما للخطاب. إذن نقول: لأن التكليف خطاب وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال، أيضا قالوا لأن المكلف به مطلوب حصوله من المكلف طاعة وامتثالا، إذا أمر الله عز وجل - كما قيل في تعريف التكليف عند بعضهم: خطاب بامر أو نهي - إذا أما أنك مأمور أمر إيجاب أو استحباب، أو أنك منهي نهي تحريم أو كراهة. ما المطلوب بهذا الأمر وبهذا النهي؟ الطاعة والامتثال لأنه مأمور، والمأمور إنما يُتصور بعد الفهم، لا يمكن ان يمتثل ما أمر به إلا إذا فهم المأمور، ومن لا فهم له لا يمكن أن يقول له افهم ن هو ما يفهم، هناك لا يمكن أن تأتي برضيع تقول له " وأقيموا الصلاة "! لأنه لا يفهم، لو قيل له افهم يتعذر أن يفهم، لذلك ارتفعه عنه التكليف. هذان شرطان: العقل وفهم الخطاب.
(2/22)

العقل أخرج المجنون فالمجنون حينئذ ليس مكلفا بالإجماع لفقد ما ذكر ولدليل قوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاث وذكر منهم المجنون حتى يفيق، فإن اعترض على هذا بتعلق قيم المتلفات وأروش الجنايات ووجوب الزكاة بمال المجنون أجبنا بأن هذا من قبيل الحكم الوضعي لا التكليفي ن والذي يشترط فيه العقل وفهم الخطاب هو الحكم التكليفي لا الوضعي، المكلف هنا المراد به المكلف بالحكم التكيفي الذي هو الإيجاب والتحريم، أما الحكم الوضعي فحينئذ هذا لا شترط له عقل ولا فهم الخطاب، ولذلك تجب الزكاة في مال المجنون، كيف وجبت؟ نقول هذا من ربط الأحكامك بأسبابها وهو من قبيل الحكم الوضعي، إذن إذا ورد اعتراض عليك بكون المجنون قد تتعلق به بعض الأحكام كقيم المتلفات، لو خرج مجنون وكسر الزجاج وفعل كذا وكذا، آثم؟ ليس بآثم، هل يضمن؟ نعم يضمن، كيف ضمنته وقد نفيت عنه الإثم؟ نقول الإثم مترتب على التحريم وهذا مرفوع عنه لأنه غير مكلف بالتحريم وكونه قد أتلف وجنى ترتبت قيم المتلفات واروش الجنيات لأنه من ربط الأحكام بأسبابها، وجد السبب كما إذا قيل غذا زالت الشمس وجبت عليكم صلاة الظهر، هذا حكم تكليفي مربوط بزوال الشمس، إذا المجنون أتلف، تعلق بوليه قيم المتلفات ن حينئذ الاعتراض بهذا لا وجه له، فنقول المجنو ليس مكلفا بدليل السنة والتعليل لا نحتاج إليه.
(فهم خطاب) هذا أخرج الصبي لأن الصبي نوعان: مميز وغير مميز، والضابط اختلف فيه الأصوليون، هل يميز بين النوعين بالصفة أو بالسن؟ على خلاف، منهم من قال بصالفة، يعني إذا بدا يفهم الخطاب [ ... ] إذا استطاع أن تقول ويرد، فيأخذ ويعطي معك، تقول هذا يفهم، إذا أراد أيوه أن يختبره فقال اشترِ دجاجا فذهب واشتراه نقول هذا صار مميزا، لو قلت له اشترِ عيشا فراح واشترى ببسي؟! ماذا نقول؟! نقول هذا غير مميز، إذن هذا إذا جعل الفرق بين المميز وغير المميز بالوصف. أن يفهم، إذن لا يُحد بسن، قد يكون صاحب 5 سنين أو من صاحب 7 سنين أو 10 ولا إشكال.
(2/23)

بعضهم رأى ان يضبط بالسن وهذا أولى واحسن لورود السنة، أولا يضبط بالسن لأن السن معيار يمكن أن يضبط به دون الوصف، لأن قد يختلفون الناس، قد يقول فلان هذا الصبي قد يفهم ويرد، أو أنه قد اتصف بصفة ميزته عن الصبي غير المميز، يختلف الناس في هذا ن لكنه بلوغه سبع سنين هذا لا يختلف فيه أحد، والدليل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم " مروا أولادكم بالصلاة لسبع " فلما علق الشرع الأمر بالصلاة وهي عبادة من أهم العبادات بعد التوحيد علقها بتمام سبع دل على أن السن هذا معتبر شرعا، فحينئذ الأولى، قد يقول قائل: الحديث لا يدل، نقول الحديث فيه إشارة ولو نوعا ما، والقول بالوصف لا دليل عليه من الكتاب السنة، فتعليق الحكم بمنا يحتمل أنه مراد من الحديث أولى من تعليقه بما لا دليل عليه أصلا، حينئذ نقول: الفرق بين المميز وغير المميز هو سن سبع سنين، يعني إذا تمت السابعة ودخل في الثامن فهذا مميز. كما الذي ينبني عليه؟ ينبني عليه أنه دون التمييز ليس مكلفا بالإجماع، فلو صلة لا تصح صلاته أصلا ن ولا يصح أن يصف بين الصفوف في الصلاة، وأما إذا بلغ 7 سنين ففيه خلاف في تكليفه والجمهور على أنه ليس مكلفا، إذا الصبي غير المميز ليس مكلفا بالإجماع، والصبي المميز هذا ليس مكلفا على مذهب الجماهير، لأن بعضهم كالإمام أحمد يرى أنه مكلف إذا بلغ العاشرة لأنه قال صلى الله عليه وسلم في الحديث " واضربوهم عليها لعشر " فدل على أن العشر موضوع تكليف لأنه علق عليه الضرب وهو عقاب ولا عقاب إلا على ترك واجب، ولا واجب إلا متعلق بمكلف، حينئذ من يلغ العشر فهو مكلف، والجواب عن هذا أن يُقال عند الجماهير - وهو الأصح - أن الضرب هنا ضرب تأديب وليست عقوبة على واجب، وإنما الأمر " مروهم بالصلاة لسبع " من باب التحبيب والتعويد على الصلاة والمخاطب هنا أولياء الأمور، إذن نقول الصواب أن الصبي ليس مكلفا، لماذا؟ لأنه لا فهم له، غير المميز لا عقل له، والمييز قد يوجد عنده عقل لكنه ليس ذا فهم تام، ولو وجد نوع فهم فغنه غير تام والدليل قوله صلى الله عليه وسلم " رفع القلم عن ثلاث " وذكر منهم " عن الصبي " نسبة إلى الصبا وهو من الولادة إلى البلوغ، قال " حتى يكبر " وفي رواية " حتى يحتلم "، وفي رواية " حتى يبلغ "، إذن الصبي مرفوع عنه قلم التكليف. حينئذ نقول الأصح أنه ليس مكلفا، إذن نقول الصبي والمجنون غير مكلفين؛ لأن مقتضى التكليف الطاعة والامتثال، ولا يمكن ذلك إلا بقصد الامتثال، وشرط القصد العلم بالمقصود والفهم للتكليف لأن القصد إنما يكون بعد الفهم. والأولى أن يعلل بثبوت السنة، إذا وردحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو أولى من التعليلات. إذن نقول المحكوم عليه وهو المكلف لا بد أن يكون متوفرا فيه شرطان وهما العقل وفهم الخطاب. كلما فقد العقل نقول ارتفع التكليف، وكلما فقد فهم الخطاب ارتفع التكليف، ولذلك نقول الأصح في الناسي والساهي والغافل ماذا؟ عدم التكليف، هذا هو الصواب لعدم فهم الخطاب.
(2/24)

لأن الخطاب إذا قيل " وأقيموا الصلاة " وهذا نائم، هل هو فاهمل للخطاب أو لا؟ لا يفهم، هو نائم ويشترط في الإفهام أن يكون المخاطب سامعا، وهذا ليس بسامع، إذن فيما ذكر نقول الأصح عدم التكليف. يرد الإشكال: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها "، هذا قضاء ولا قضاء إلا لترك واجب. إذن هو مكلف وقت النوم، نقول الصواب أنه مخاطب خطاب أداء في ذلك الوقت، لذلك جاء في بعض الروايات: " وذلك وقتها " فالذي ينام عن الصلاة وقد خرج الوقت ثم قام فصلى الأصح أنه يصلي أداء لا قضاء، ثم يقال هذا من باب ربط الوجوب بسببه، إذا انعقد السبب، حينئذ إما أن يؤدى في وقته وإما أن يتعلق به إلى أن يستيقظ فحينئذ يكون مخاطبا بالأداء لا بالقضاء.
أما المُكره فهذا نوعان عند أهل العلم، الذي يعبر عنه بالمُلجأ، الذي سلب القدرة كأن يحمل ويلقى من شاهق، هذا يسمى الملجأ يعني الذي سلب القدرة والاختيار، ليس له أي قدرة وليس له أي اختيار في الفعل. هذا بالإجماع أنه غير مكلف. ولذلك لو أخذ الشخص وألقي من شاهق على شخص آخر فمات فلا يضمن، ليس آثما، غير مكلف، وهذا بالإجماع، أما من بقي معه قدرته واختياره كأن قيل له افعل هذا الشيء وإلا قتلناك، إذن هو لم يُكبل، هو بقي باختياره يمشي ويقوم ويجلس، حينئذ نقول قد أُكره، يعني حمل على شيء لا يرضاه، هذا المكره الذي قيل له هذه العبارة نقول هذا له أحوال، إما أن يكون الإكراه على القول: قولا واحدا ليس بمكلف لقوله تعالى " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان "، فإذا عفي عنه للإكراه - وهو قول هنا - في كلمة الكفر فما دونها من باب أولى وأحرى، لو أكره قيل له سب الله - والعياذ بالله - أو سب النبي صلى الله عليه وسلم أو سب زيد أو عُبيد من الناس، نقول هذا قول محرم، فإذا أكره عليه خينئذ نقول لا تكليف، للدليل السابق أنه إذا أكره عن كلمة الكفر ورفع عنه التكليف فمن باب أولى وأحرى أن ما دون ذلك ألا يكون مكلفا، هذا في القول. أما الفعل فهذا يفصل فيه: إما أن يكونفعلا متعلقا بحق الله عز وجل أو متعلقا بحق الآخرين. ما كان متعلقا بحق الله عز وجل كما لو أكمره الصائم على الإفطار، نقول له أفطر وأنت لست مكلفا لأن هذا الفعل متعلق بحق الله عز وجل، ومعلوم أن مبناها على المسامحة لا المشاحة. أما الفعل المتعلق بحق الآخر: اقتل زيدا وإلا قتلناك الأصح مع وجود الخلاف أنه مكلف، ولا يجوز له أن يثقدم على قتل غيره حفظا لنفسه، لوجود شرطي التكليف وهما: العقل وفهم الخطاب، ولذلك الأصح عند الكثيرين أنه لا يشترط على هذين الشرطين الاختيار. إذن ثم فرق بين المكره المُلجأ الذي فقد القدرة وسلب الاختيار كمن كبل وأدخل بيتا وقد حلف ألا يدخله، نقول هذا غير مكلف بالإجماع، وبين المكره الذي لم يصل إلى تلك الدرجة وإنما له نوع اختيار ونوع قدرة، نقول هذا نفصل فيه من جهة القول والفعل، فما كان قولا فهو ليس مكلفا به بل هو معفو عنه، ومن كان فعلا متعلقا بالله عز وجل فهو معفو عنه ليس مكلفا، ما كان متعلقا بحق الآخرين حينئذ نقف ونقول هو مكلف وذلك قرره ابن القيم - رحمه الله - في مواضع عديدة، والمحكوم عليه هو المكلف.
(2/25)

يبقى مسالة واحدة ونختم بها: الفعل الذي كُلف به. عرفنا المكلف، من هو؟ العاقل البالغ غير الُملجأ والذاكر غير الناسي، طيب الفعل الذي كُلف به ن هل كل فعل يكلف به؟ الجواب لا، يُشترط فيه ثلاثة شروط:
أولا: أن يكون الفعل معلوما، أما غير المعلوم هذا لا يمكن أن يفعله، ولذلك يشترط في تنزيل الأحكام عند أهل العلم أن يكون عالما " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " لماذا؟ لأن شرط التعذيب والثواب العلمُ، لا عقاب إلا بعد علم، ولا ثواب إلا بعد علم.
الثاني: أن يكون معدوما، يعني غير موجود، الإنسان مخاطب بصلاة ظهر في يومه هذا مثلا بصلاة واحدة، إذا صلى، هل يخاطب مرة أخرى فيقال له صل الظهر؟ لا يمكن هذا محال، لماذا؟ وُجد، وإيجاد الوجود تحصيل حاصل وهو محال، لا يمكن أن يصلي مرة ثانية، ولو أعاد الصلاة ولم يكن ثمة خلل في الصلاة الأولى تكون الثانية نافلة، لو أعاد مئة مرة نقول هذه الثانية نافلة، لأنه لو اراد أن يعيد الظهر ظهرا امتنع عليه، لأن من باب تحصيل الحاصل وهو محال.
الثالث: أن يكون ممكنا مقدورا عليه ن ولذلك لا تكليف بمحال على الأصح " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها "، " فاتقوا الله ما استطعتم "، " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم "، هذه شروط الفعل المكلف به.
ثم قال (والأحكام قسمان) سيتكلم عن تفصيل الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية.
وسيأتي غدا بإذن الله تعالى.
وصلِّ اللهم على نبينا محمد.
(2/26)

عناصر الدرس
* اقسام الحكم الشرعي
* الواجب وأقسامه.

الدرس الثالث

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
ذكرنا أن هذا الباب معقود في بيان الحكم ولوازمه.
وأقسام الحكم أربعة: حكم، ومحكوم فيه، ومحكوم عليه، وحاكم.
وذكر المصنف هذه الأوجه كلها إلا المحكوم فيه وهو فعل المكلف، إلا لما بين لك حد الحكم فيما يراه هو بأنه قضاء الشارع على المعلوم بأمر ما نطقا أو استنباطا، وقلنا هذا أقرب إلى مدلول الحكم عند الفقهاء وليس عند الأصوليين؛ لأنه عرفه بماذا؟ بقضاء الشارع، يعني حكم الشارع على المعلوم، حينئذ هذا أقرب إلى قول الفقهاء بأنه مدلول خطاب الشارع، ثم بعدما عرف لك الحكم ذكر ضمنا في الحد السابق أن الحكم الشرعي قسمان: حكم تكليفي، وحكم وضعي.
فقال: "والأحكام قسمان" الأحكام الشرعية وليست غيرها، لماذا؟ لأن الحديث في الحكم الشرعي.
"والأحكام قسمان: قسم يُعنوَن له بالأحكام التكليفية" يقال أحكام التكليف، وعرفنا معنى التكليف مما سبق لغة واصطلاحا، وهذه الإضافة هنا (أحكام التكليف) من باب إضافة الشيء إلى سببه، يعني الأحكام التي تسبب في وجودها هو التكليف، لأن التكليف هو سبب ثبوت الأحكام، إذ لا حكم شرعي إلا إذا وُجد التكليف، فإذا ثبت التكليف حينئذ ذا حكم شرعي، هذا هو الأصل، إذن أحكام التكليف نقول هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه، لأن التكليف سبب ثبوت الأحكام.
أحكام تكليفية وأحكام وضعية، أحكام تكليفية مايكون البحث فيها عن التأثيم وعدمه، هل يأثم أو لا يأثم، هل يثاب أو لا يثاب، وهذه المعاني [ .... ] الآتية.
وأحكام وضعية، وهي ما يكون البحث فيها عن النفوذ وعدمه، كالصحة والفساد والأداء والقضاء ونحو ذلك، كما سيأتي بيانه.
وعلى طريقة الأصوليين أن يقال: "الأحكام التكليفية ما اقتضى الخطاب طلبه أو تخييره، إذا اقتضى الخطاب الشرعي طلبا أو تخييرا حكمنا عليه بأنه حكم تكليفي؛ لأن الطلب قسمان كما سبق وسيأتي، والتخيير المقصود به الإباحة، والوضعية هي جعل الشيء علامة أو صفة لشيء آخر، كجعل دلوك الشمس سببا لوجوب صلاة الظهر ونحو ذلك، حينئذ نقول: الحكم الوضعي هذا مأخوذ من الجعل، كون الشيء علامة على شيء آخر، كأن الرب جل وعلا يقول إذا وُجد هذا في الكون (وهو من فعله سبحانه)، إذا وُجد فقد صار هذا الوجود علامة على وجود الحكم التكليفي وهو إما الإيجاب أو التحريم، حينئذ يكون حكم الجعل في الأصل ليس من فعل العبد وإنما هو من فعل الله عز وجل.
"والأحكام قسمان" كما ذكرناه سابقا، وهو شامل في الحد الأصح أو المشهور عند جماهير الأصوليين بأن الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، "بالاقتضاء أو التخيير" قلنا هذا مختص بالأحكام التكليفية، "أو الوضع" هذا مختص بالأحكام الوضعية.
قال: "تكليفية" يعني القسم الأول "تكليفية" نسبة إلى التكليف، قال وهي خمسة، أي هذه الأحكام التكليفية محصورة بعدد عند جماهير أهل العلم وأنها خمسة أحكام لا سادس لها، ودليل القسمة هو الاستقراء، هو الاستقراء والتتبع لنصوص الشرع.
(3/1)

فقالوا: "خطاب الشرع إما أن يقتضي طلبا أو تخييرا" لأن الكلام الآن في الأحكام التكليفية، فننظر إليه من جهة القسم الأول، "خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع" وعرفنا أن الاقتضاء المراد به الطلب، خطاب الله تعالى إما أن يقتضي طلبا أو تخييرا، والاقتضاء (الذي هو طلب) إما أن يكون طلب فعل أو طلب ترك، وكل منهما إما جازم أو غير جازم [اثنان في اثنين بأربعة]، حينئذ نقول عند التخصيص: "خطاب الله تعالى المقتضي الطالب للفعل على جهة الجزم بحيث لا يجوز معه الترك، بأن يكون رتب العقاب على ترك الفعل، هذا يسمى إيجابا عند الأصوليين، مُتَعَلَّقُه الذي هو فعل المكلف يسمى واجبا.
"خطاب الله المتعلق بفعل المكلف المقتضي لطلب فعل لا على جهة الجزم" هذا يسمى ندبا عند الأصوليين ومتعلقه الذي هو فعل المكلف يسمى مندوبا.
هذا النوع الأول (ما اقتضى طلبا لإيجاب فعله).
النوع الثاني (ما اقتضى طلبا وهو تركه) وهذا أيضا قسمان:
"ترك مع جزم" يعني بأن قطع بالمنهي عنه بحيث رتب العقاب على الفعل (هذا الأول) هذا يسمى عند الأصوليين تحريما، ومتعلقه الذي هو فعل المكلف يسمى حراما أو محرما أو محظورا.
"طلب الترك لا مع الجزم" بأن لم يرتب العقاب على الفعل، هذا يسمى عند الأصوليين كراهة، ومتعلقه الذي هو صفة فعل المكلف يسمى مكروها.
هذه أربعة أقسام داخلة في قوله بالاقتضاء، وهذا بالاستقراء والتتبع لا يوجد لها خامس.
(3/2)

"أو تخييرا" الذي هو خير الشارع بين الفعل والترك، خير المكلف بين أن يفعل أو يترك، هذا يسمى إباحة، وهكذا نقول على قول الجمهور، لماذا؟ لأن بعض الشافعية والحنابلة أيضا زادوا قسما سادسا، وهو المسمى بخلاف الأولى، وخلاف الأولى هذا متعلقه النوع الرابع "ماطلب الشارع تركه لا على الجزم" هذا يسمى ماذا؟ كراهة، ومتعلقه صفة الفعل الذي هو المكروه، قالوا: لا هذا لا نقول مكروها كذا بإطلاق، وإنما نقول: "ما طلب الشارع تركه لا على الجزم، إما أن يرد بنص خاص بالنهي عنه، أو لا، إن ورد بنهي خاص عنه بأن نص الشرع وكان النهي هنا ليس على جهة الجزم نقول هذا مكروه" كقوله (صلى الله عليه وسلم): [إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس] هذا نهي، مطلوب الترك، هل هو على وجه التحريم؟ نقول لا، لأنه ليس على وجه الإلزام، هل هو طلب ترك للفعل لاعلى وجه الجزم؟ نقول نعم، هل ورد فيه نص خاص؟ نقول نعم، هذا النص، حينئذ يسمى مكروها، لماذا؟ لأن الشارع طلب ترك الفعل لا على الجزم، وقد نص عليه بعينه، فقال: [لا يجلس]، أما إذا طلب الشارع تركه لا على الجزم، ولم ينص عليه، وإنما عُلِمَ من جهة أخرى، من جهة الفهم، من جهة الالتزام فهذا يسمى خلافَ الأوْلَى، وهو كل المأمورات على جهة الندب، قالوا: كل أمْرٍ أمَرَ به الشرع على سبيل الندب فهو مستلزم من جهة المعنى النهي عن ضده، كما قالوا في باب الأمر: أمر إيجاب. أمر إيجاب الذي هو صيغة (افعل)، نقول: هذا يدل على الوجوب، يستلزم من جهة المعنى النهي عن ضده نهي تحريم، الأمر على جهة الإلزام، صيغة (افعل) فلا نقول إنها تدل على الوجوب، هذه الصيغة تدل على النهي من جهة المعنى، ما نوع النهي الذي اقتضته من جهة المعنى؟ التحريم.
إذا أمر الشرع بأمر على سبيل الندب، قالوا هذا يستلزم من جهة المعنى النهي عن ضده نهي خلاف الأولى، قالوا مثل ماذا؟ قالوا إذا أمر الشارع أو كما أمر بصلاة الضحى، صلاة الضحى هذه سنة، هل ورد النهي عن ترك صلاة الضحى؟ قالوا لا، لما أمر بها على سبيل الندب استلزم من جهة المعنى النهي عن تركها، إذن ترك صلاة الضحى هذا لم يرد به نص خاص وإنما استلزم الأمر بها ندبا النهي عن تركها ولكنه لا وجه الكراهة وإنما على وجه خلاف الأولى، ولذلك قعدوا قاعدة [الأمر بالشيء ندبا يستلزم النهي عن ضده نهي خلاف الأولى]، وهو قاعدة عامة كل أمر أمر به الشرع على جهة الندب ولم يرد نهي خاص في ضده فهو محمول على النهي ولكنه نهي خلاف الأولى، هذه ستة، إذن ليست بخمسة، ولذلك قلنا على قول الجمهور.
ثم الخطاب المقتضي للفعل.:. جزما فإيجاب لدى ذي النقل
وغيره الندب وما الترك طلب.:. جزما فتحريم له الإثم انتسب
أو لا مع الخصوص أو لا فَعِ ذا.:. خلاف الاولى وكراهة خذا
لذاك والإباحة الخطاب.:. فيه استوى الفعل والاجتناب
(3/3)

هذا الذي ذكره صاحب المراقي تبعا للسبكي في جمع الجوامع، إذن بعض المالكية كما هو مذهب كثير من الشافعية المتأخرين أم القسمة سداسية وليست بخماسية، والأحناف يزيدون على القسمة الخماسية أمرين؛ فيجعلونها سبعة، زادوا ماذا؟ زادوا الفرض والكراهة على جهة التحريم، الكراهة التنزيهية عند الجمهور، والكراهة التحريمية عند أبي حنيفة وأصحابه، ما وجه التفرقة؟ قالوا: نأتي إلى جزء معين، وهو ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، هذا سميناه بماذا؟ بالإيجاب مطلقا، ولا نفصل، يعني سواء ثبت هذا الطلب بدليل قطعي أو بدليل ظني كلاهما يسمى ماذا؟ يسمى إيجابا، عند الاحناف لا، قالوا: ما طلب الشارع فعله على جهة الجزم لا نقول مطلقا هو واجب، وإنما ننظر إلى طريق الثبوت، فإن ثبت ما طلبه الشارع طلبا جازما بدليل قطعي هذا نسميه فرضا، وما طلب الشارع فعله طلبا جازما بدليل ظني فلا نسميه فرضا وإنما نسميه واجبا، إذن القسم الذي أطلق عليه الجمهور أنه واجب مطلقا سواء ثبت بدليل قطعي أو بدليل ظني، عند الأحناف لا، لا يسوون بين الطريقين، بل لابد من التفرقة بين الدليل القطعي والدليل الظني ولذلك عندهم تفرقة بين الفرض والواجب، الواجب ما ثبت بدليل ظني والفرض ما ثبت بدليل قطعي، وعند الجمهور لا، بل هو عينه، ولذلك قال صاحب المراقي: (والفرض والواجب قد توافقا).
وهذا هو الأصح، لماذا؟ لاستواء حدهما كما سيأتي، لأن الفرض ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه على ما يذكره المصنف هنا، وكذلك حكم الواجب، إذن استويا في الحد.
أما الكراهة التحريمية فزادوها في القسم السادس، [هو ماطلب الشارع تركه طلبا جازما]، قلنا هذا نسميه تحريما مطلقا، سواء ثبت بدليل قطعي أو بدليل ظني، عند الأحناف لنظرهم في الفرض والواجب من جهة الدليل والثبوت نظروا أيضا في هذا القسم، فقالوا: ما ثبت بدليل قطعي نسميه حراما، وما ثبت بدليل ظني [ما طلب الشارع تركه طلبا جازما بدليل ظني] لا نسميه حراما، وإنما نطلق عليه الكراهة التحريمية، إذن الفرض عند الأحناف أعلى من الواجب، والحرام عند الأحناف أعلى من الكراهة التحريمية، لأن الفرض ثبت بدليل قطعي والحرام ثبت بدليل قطعي، والواجب ثبت بدليل ظني والكراهة التحريمية ثبتت بدليل ظني، إذن على الترتيب الفرض أعلى ثم الواجب ثم الحرام ثم الكراهة التحريمية، لكن الجمهور يقولون: لا، لا ننظر إلى الدليل بل إلى الحكم نفسه وهو خطاب الله عز وجل، لماذا؟ لاستواء حد كل منهما، الحرام والكراهة التحريمية يشملهما حد واحد، ولذلك لو قيل: حُدَّ لنا الكراهة التحريمية، لقال: ما طلب الشارع تركه طلبا جازما، ما حد الحرام؟ ما طلب الشارع تركه طلبا جازما، إذن نوع الدليل لا مدخل له في حقيقة الشيء، وإنما ننظر إلى مدلول النص نفسه.
إذن: "تكليفية"، قال: وهي خمسة معلومة بطريق الاستقراء، وهذا قول الجماهير، وعند الشافعية وبعض المالكية زيادة خلاف الأولى، وعند الأحناف زيادة الفرض والكراهة التحريمية.
(3/4)

قال: "واجب"، هذا هو الأول، الحكم التكليفي الأول هو الواجب، وذكرنا أن متعلق الإيجاب هو فعل المكلف، فإذا تعلق الإيجاب بفعل المكلف سمي الفعل واجبا، وهنا يقول أولها واجب، هل هذا مستقيم؟ هل هذا يستقيم؟ هل الواجب حكم شرعي؟ لا ليس بحكم شرعي، الواجب ليس بحكم شرعي، ولذلك ذكرنا فيما سبق أن الأصوليين يقولون إيجاب ووجوب وواجب، ولكل معنى، الإيجاب والوجوب متحدان في الذات مختلفان في الاعتبار؛ لأن الإيجاب هو عين الخطاب، هو نفسه (وأقيموا الصلاة)، وهو نظر الأصولي، والوجوب هو مدلول (وأقيموا الصلاة)، إذن بالنظر إلى فعل المكلف تعلقت الآية (أقيموا الصلاة) فدلت على الوجوب، أما هي عينها فهي إيجاب، ولذلك الأصح أن يقال: "أوجب الله الصلاة إيجابا فوجبت الصلاة وجوبا، مبحث الأصوليين في الأول (أوجب الله الصلاة إيجابا)، ومبحث الفقهاء في الثاني (فوجبت الصلاة وجوبا)، تعلق الإيجاب بفعل المكلف يجعل وصف فعل المكلف أنه واجب، فحينئذ الواجب هذا على زنة اسم فاعل، يدل على ذات وصفة، إذن ذات متصفة بصفة هي الإيجاب، والفعل الذي تعلق به الإيجاب لا يمكن أن يكون هو عين كلام الله عز وجل، مع تقرير أن الإيجاب هو عين كلام الله عز وجل، ولذلك نقول هو حكم والحكم صفة الحاكم، إذن نقول واجب هذا ليس بحكم شرعي وإنما هو فعلٌ، أو فعل المكلف الذي تعلق به الإيجاب فهو من متعلقات الحكم وليس من أقسامه، إذن هو من متعلقات الحكم، يعني ما تعلق به الحكم هو فعل المكلف كما سبق هناك، ولذلك هذه المسائل كلها التي تأتي في الأحكام التكليفية ما يضبطها حق الضبط إلا من عرف محترزات الحكم الشرعي على وجهه الصحيح، ولو بتعمق ولو بدقة ولو بتكلف، هناك قلنا خطاب الله المتعلق بفعل المكلف، حكم الله أو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف، إذن المتعلِّق ليس هو عين المتعلَّق، عندنا متعلِّق ومتعلَّق، ما هو المتعلِّق؟ خطاب، خطاب الله المتعلِّق، نعت لخطاب، المتعلِّق بفعل المكلَّف، فعل المكلَّف متعلَّق به، مثلما نقول هكذا (المروحة) تعلقت بالسقف، المتعلِّق هو الإيجاب، والمتعلَّق به هو فعل المكلَّف، حينئذ الواجب من قسم المتعلِّق أو المتعلَّق؟ المتعلَّق، حينئذ ليس حكما شرعيا، وإنما توسع الأصوليون في ذلك توسعا مما جعل النقد موجها إليهم من هذه الحيثية، وإنما يقال: عرَّف الواجب باعتبار كونه متعلَّقا للحكم الشرعي الذي هو الإيجاب، إذا أردنا أن نحد الواجب باعتبار المتعلِّق لا باعتبار المتعلَّق، فنقول: الواجب باعتبار المتعلِّق وهو الإيجاب، الذي هو الحكم الشرعي الحقيقي، حده ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، وإذا أردنا أن نحده باعتبار المتعلَّق به فنقول كما قال المصنف هنا ما يُثاب أو ما يقتضي الثواب على الفعل والعقاب على الترك، إذن له حيثيات، ننظر إليه من حيث المتعلِّق فنعرفه من حيث الإيجاب، وننظر إليه من حيث المتعلَّق فنعرفه من حيث كونه صفةً لفعل المكلَّف، نقول الواجب له معنيان: معنى لغوي ومعنى اصطلاحي، أما معناه في اللغة فهو الساقط والثابت، يعني يأتي بمعنى الساقط ويأتي بمعنى الثابت، من مجيئه بمعنى الساقط قوله جل وعلا: [فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا] {الحج:36}، يعني سقطت
(3/5)

ولزمت محلها، هذا هو الأصح، وجاء في الحديث في الميت: "فَإذَا وَجَبَ فَلاَ تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةً" أي: سقطَ ولَزم محله، ويأتي بمعنى الثابت، ومنه قوله (صلى الله عليه وسلم): "اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ"، موجبات: جمع موجبة، وهي الكلمة الموجبة للرحمة، فالواجب يأتي بمعنى الساقط والثابت، الساقط كما ذكرناه في المثالين: "فَإذَا وَجَبَ فَلاَ تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةً"، والثابت كما في قوله (صلى الله عليه وسلم): "اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ"، موجبات: جمع موجبة، وهي الكلمة الثابتة أو التي تثبت لصاحبها الرحمة، إذن يأتي الواجب بمعنى الساقط والثابت، طيب الوجوب يكون على هذا بمعنى السقوط والثبوت، وورد أيضا بمعنى اللزوم، لذلك جاء في المصباح: (وجب البيع والحق، يجب وجوبا ووجبا لزم وثبت)، إذن يأتي بمعنى اللازم ويأتي بمعنى الثابت ويأتي بمعنى الساقط.
أطاعت بنو عوف أميرًا نهاهُمُ.:. عن السِّلم حتى كان أول واجبِ.
(3/6)

أما في الاصطلاح فنقول: الواجب له اعتباران: إما أن يُنظَر إليه باعتبار المتعلِّق فحينئذ نقول من حيث كونه حكما شرعيا: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، ووردت حدود كثيرة في تعريف الواجب في الاصطلاح وأكثرها صحيح، وإن كان يعترض كثير من الأصوليين على كثير منها، لكنها كلها متقاربة والانتقاد قليل ويمكن أن يُجابَ عنه، والذي يمكن أن يناسب هذا المقام أن نقول: الإيجاب هو ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، (ما) حكم شرعي، أو خطاب الله، (طلب الشارع) أخرج ما لا طلب فيه وهو الإباحة، أخرج المباح، ليس فيه طلب، (ما طلب الشارع فعله) أخرج ما طلب الشارع تركه وهو الحرام والمكروه، (طلبا جازما) أخرج المندوب، إذن صار هذا الحد على جهة التقريب صار هذا الحد مختصا بالإيجاب، ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، (ما طلب) نقول هذا جنس، (ما) جنس يشمل جميع الأحكام الشرعية التكليفية، (طلب الشارع) أخرج الإباحة أو المباح لأن ليس فيه طلب، استوى فيه الطرفان الفعل والترك، (طلب الشارع فعله) خرج ما طلب الشارع تركه وهو الحرام والمكروه لأنهما مطلوبا الترك والإعدام، (طلبا جازما) ما طلب الشارع فعله = لم يخرج الندب بعد، لأنه مطلوب الفعل، (طلبا جازما) طلبا هذا مصدر، (طلبا جازما) يعني على وجه القطع، بأن رتب الشارع على تركه الوعيد، وهذا أخرج الندب لأنه مطلوب الفعل طلبا غير جازم، بأن لم يرتب الشارع على تركه الوعيد، هنا عرفه من جهة أخرى وهو كونه صفة لفعل المكلف، قال: "واجب" حينئذ نقيده من حيث تعلقه بفعل المكلف، لابد من تقييده لأنه أراد أن يعرف الواجب لكونه حكما شرعيا، قلنا هذا لايصح في هذا الحال، وإنما نعرف الواجب من حيث كونه حكما شرعيا، الذي هو الإيجاب في التعريف السابق، ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، الذي ذكره المصنف هنا على المشهور عند المتأخرين ما يقتضي الثواب على الفعل والعقاب على الترك، هذا تعريف للواجب من حيث تعلقه بفعل المكلف، لأن الواجب صفة الفعل الذي فعله المكلف وليس هو صفة لكلام الله عز وجل ولا مدلولا لكلام الله عز وجل، إذن الواجب ليس هو الحكم الشرعي عند الأصوليين وليس هو الحكم الشرعي عند الفقهاء، لأن مدلول الحكم الشرعي في (أقيموا الصلاة) عند الفقهاء هو الوجوب لا الواجب، والحكم الشرعي عند الأصوليين هو الإيجاب لا الواجب ولا الوجوب، إذن نقول قوله واجب أي من حيث تعلقه بفعل المكلف، قال: واجب يقتضي الثواب على الفعل، (يقتضي) يعني يترتب عليه، والاقتضاء الأصل فيه الطلب، يعني يطلب ويترتب على فعله وإيجاده الثواب، هذا إذا نظرت فإذا به تعريف للواجب فيه بلازمه، لماذا؟ لأن الثواب والعقاب حكمان مترتبان على تحصيل وإيجاد الواجب، وليس هو عين الواجب، والحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولذلك يقال في هذا إنه رسم وليس بحد، لأن ذكر الثمرة أو ذكر الحكم نقول هذا من قبيل الرسوم لا من قبيل الحدود، حينئذ نقول إذا ذكر الشيء برسمه بثمرته بحكمه بلازمه نقول هذا فرع عن حقيقة الشيء، (يقتضي الثواب) الثواب والعقاب، الثواب هو الجزاء مطلقا، هكذا في اللغة، الثواب هو الجزاء مطلقا، يعني سواء كان الجزاء بخير على خير أو بشر على شر، ولا يختص الثواب بجزاء
(3/7)

الخير على الخير، وهذا وارد في الكتاب: [قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ] {المائدة:60}، هنا الثواب على شر إذا وقع الثواب على الشر، [هَلْ ثُوِّبَ الكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ] {المطَّففين:36}، ثواب الكفار ليس هو بخير وإنما هو بشر جزاء على ما فعلوا، إذن نقول الثواب لغة: الجزاء مطلقا، ومنه قول الشاعر:
لكل أخي مدح ثواب علمته.:. وليس لمدح الباهلي ثواب.
أي: جزاء.
والعقاب في اللغة: التنكيل على المعصية، ومنه قول الشاعر:
ومن عصاك فعاقبه معاقبةً.:. تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد.
إذن عرفنا حقيقة الثواب، وحقيقة العقاب.
(يقتضي الثواب على الفعل) على الإيجاد، وهنا قال الفعل وهو عام، يشمل القول ويشمل النية والاعتقاد والترك ويشمل أيضا الفعل الصريح وهو ظاهر الدخول.
(والعقاب على الترك) إذن لازم الواجب وثمرة الواجب أنه إذا وجد وسقط به المكلف إيجادا له على وجهه الشرعي نقول ترتب عليه الثواب إذا وُجد، وإذا عُدِم ولم يأت به المكلف على وجهه الشرعي حينئذ ترتب العقاب، إذن العقاب وجودا، العقاب والثواب لازمان للواجب وجودا للثواب وعدما في الترك، إذا ترك الواجب هل يثاب؟ نقول لا يثاب، ما الذي يوجد؟ العقاب، إذا وجد الفعل الواجب وجد ماذا؟ الثواب وانتفى العقاب، لكن يذكر أن العلم هنا ضابطين لابد من ذكرهما: (يقتضي الثواب على الفعل) قالوا لابد من القيد امتثالا، لأن شرط الثواب هو النية، نية التقرب إلى الله جل وعلا بكون هذا الفعل طاعة، وقربة إلى الرب سبحانه، ولذلك يقسم الواجب باعتبار اشتراط النية في الاعتداد به وعدمه إلى قسمين: فيقال [واجب لا يعتد به إلا بوجود النية]، إذا وجدت النية _نية التقرب إلى الله سبحانه_ حينئذ صار الواجب صحيحا ويثاب عليه، إذا فقدت النية لا يصلح الواجب ولا يثاب عليه، بل يعاقب عليه إذا تعمد ذلك، وهذا مثل ما يقال فيه إنه من العبادات المحضة، كالصلوات الخمس، هذا واجب، ولا يمكن أن يثاب على هذا الواجب، بل لا يمكن أن يعتبر ويصح إلا إذا وجدت نية التقرب إلى الله عز وجل، "لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ"، "إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"، فكل عمل يكون مشروطا بالنية في ترتب الثواب عليه، إذن الواجب الذي يترتب عليه الثواب ولا يوجد الثواب إذا انتفت النية وأثرت فيه صحة نقول هذا في العبادات المحضة التي يُعبَّر عنها بأنها غير معقولة المعنى، هذا في الأصل، إذن قسم لا يُعتد به يعني لا يصح إلا بوجود نية التقرب والامتثال كالصلوات الخمس وصيام رمضان والحج ونحو ذلك، القسم الثاني: [واجب يعتد به] يعني يعتبر صحيحا، وبفعله تبرأ الذمة، ويسقط الطلب ولكن لا ثواب عليه إذا فقدت النية، إذا وجدت النية مع هذا القسم ترتب عليه الثواب، إذا لم توجد النية نقول الواجب صحيح وتخلف الثواب لتخلف النية.
وليس في الواجب من نوال.:. عند انتفاء قصد الامتثال.
فيما له النية لا تُشترطُ.:. وغير ما ذكرته فغلط.
(3/8)

لأن بعضهم يرى أنه يثاب مطلقا، مثل ماذا هذا؟ النوع الثاني؟ مثل ماذا؟ النفقة على الزوجة أو على الزوجات، هذه واجبة، أليست كذلك؟ واجبة، لكن إذا أنفق على الزوجة خوفا منها، سقط الواجب أو لا؟ سقط، هل تبرأ الذمة بهذا؟ نقول نعم برأت الذمة وسقط الطلب؛ لكن هل يثاب؟ لا؛ لأنه لم ينفق على الزوجة طلبا لمرضاة الرب جل وعلا، وإنما لأمر آخر، كذلك رد الدين ورد المغصوب، هذه إذا حصل الرد، رد المغصوب كما هو وحصل رد الدين كما هو نقول فعل الواجب، لكن هل يثاب؟ نقول لا يثاب إلا إذا نوى أنه رد الدين امتثالا لأمر الله عز وجل، أو أنه رد المغصوب أو العارية لأمر الله عز وجل، فحينئذ نقول هذا القسم الثاني يجزيء ويسقط الطلب وتبرأ الذمة ويثاب عليه إذا وجدت النية، وأما إذا فعله بغفلة عن نية الامتثال فأجزأ وأسقط الطلب ولكن لا ثواب، ولذلك هذا الذي نص عليه صاحب المراقي: (وليس في الواجب) هذا نفي، (وليس في الواجب من نوال) يعني من عطاء وأجر وثواب.
وليس في الواجب من نوال.:. عند انتفاء قصد الامتثال.
فيما له النية لا تشترط.:. وغير ما ذكرته فغلط.
يعني الواجب الذي يعتد به ويكون صحيحا ولا تشترط النية في صحته (فيما له النية لا تشترط) يصح الواجب، (وليس في الواجب من نوال) يعني من ثواب، فالنفي يكون للثواب لا للصحة، (وغير ما ذكرته فغلط).
ومثله الترك، اجتناب المحرم قد يجتنب المكلف الحرام فيترك الحرام، هل كل ترك للحرام يقتضي الثواب؟ الجواب لا، بل إذا ترك الحرام ممتثلا أمر الله عز وجل نقول هذا وُجد شرط النية، وجد شرط الثواب وهو وجود نية التقرب والامتثال فيثاب حينئذ، وأما إذا ترك الحرام ولم ينوِ (يعني تركه بغفلة، ما استحضر في قلبه هيبة أو عظمة الرب جل وعلا أو التقرب من الله عز وجل أو أنه انتثال لأمره سبحانه) فهل يعاقب؟ لا، لا يعاقب، وإنما نقول انتفى الثواب لانتفاء شرط الثواب وهو النية، فحينئذ ترك الحرام لا يثاب عليه مع الغفلة، ويثاب عليه مع النية، ولذلك لو فكر إنسان كم وكم وكم ترك من الثواب، يعني ترك الربا لأنه مثلا الإنسان قد يكون غير مرابي، وهذه نعمة عظمى، لكن هل ينوي بأنه تارك للربا ما خطر في قلبه أو أنه ما جاءت المناسبة أو أنه تتقزز نفسه منه، نقول إذا كانت هذه هي الموجبات فحينئذ لا ثواب على الترك، أما إذا استحضر في نفسه أنه قد يفتن في هذه البلية ولكن ابتعاده عنها واجتنابه لها خوفا من الله عز وجل وامتثالا لنهيه سبحانه وتعالى حينئذ توجد النية، يوجد الثواب لوجود شرط الثواب وهو النية، لذلك قال:
ومثله الترك لما يُحَرَّمُ.:. من غير قصد ذا نعم مسلم.
(3/9)

ومثله، أي مثل الواجب الذي يعتد به ولا ثواب الترك لما يحرم، لأن الترك للمحرم من غير من قصد ذا (الذي هو الامتثال) نعم مسلم، نعم هو مسلم من الإثم، لماذا؟ لأن الإثم على الزنا مثلا أو الربا مرتب على وجوده، فإذا لم يوجد لا إثم، لكن لا يلزم من ارتفاع الإثم وجود الثواب، ليس بينهما تلازم، قد يرتفع الإثم لعدم وجود المقتضِي، لكن هل يلزم من ذلك وجود الثواب؟ نقول: لا، نقول: لا، ولذلك قال بعضهم: (ترتب الثواب وعدمه في فعل الواجب وترك المحرم راجع إلى وجود شرط الثواب وعدمه وهو النية)، هكذا قال في شرح الكوكب المنير، وجود الثواب وعدمه في فعل الواجب وترك المحرم راجع إلى وجود شرط الثواب وعدمه وهو النية، إذا وجدت النية حينئذ ترتب الثواب، إذا انتفت النية نقول: صح الواجب فيما لا يشترط له النية وصح ترك المحرم ولكن لا ثواب، ولذلك يقيد هذا فيقال: يقتضي الثواب على الفعل مطلقا؟ امتثالا لأمر الرب جل وعلا، والعقاب على الترك، إذن يقتضي العقاب، هل كل واجب يقتضي العقاب؟ لابد وأن يعاقب؟ هل كل واجب يقتضي العقاب؟ أم بعض الواجبات قد يحصل العفو من الرب جل وعلا؟ أحسنت، الثاني، من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الفاسق الملي إذا مات من غير توبة فإنه تحت المشيئة، قد يكون فاعلا لمحرم وقد يكون تاركا لواجب وقد يعفو الرب جل وعلا، فإذا قيل والعقاب على الترك، حينئذ يُفهم من هذا في ظاهره أنه يلزم العقاب، ففرق كثير من الأصوليين والشرَّاح عن هذه الجملة (والعقاب) قالوا: يترتب ويستحق، لأن ترتب العقاب لا يلزم منه حصول العقاب، واستحقاق العقاب لا يلزم منه وجود العقاب، ولذلك اعتُرض على ابن مالك (رحمه الله تعالى) في قوله: (وكل حرفٍ مستحق للبنا) قد يستحق الشيء ولا يأخذه، إذن لا يُفهم من هذه العبارة ماذا؟ أن الحرف مبني، لماذا؟ لأن الاستحقاق شيء ووجود الشيء بالفعل شيء آخر، فحينئذ إذا قيل يستحق العقاب لا يلزم منه وجود العقاب، وإذا قيل ترتب العقاب لا يلزم منه وجود العقاب بالفعل، ولكن هذا مع كثرة الناظمين له والقائلين به أنا أقول: لا وجه لهم، لماذا؟ لأن النظر هنا في الواجب باعتبار الفعل فعل المكلف وأما كونه معفوا عنه في الآخرة هذا ليس للناظم في الكتاب والسنة، وإنما دلت النصوص على أن الأصل في تارك الواجب ما هو؟ وجود العقاب أو العفو؟ وجود، هذا هو الأصل، والعفو أصل أم طاريء؟ طاريء، إذن لا نقول الطاريء حدا في الواجب، وإلا لو قلنا للناس مثلا: والعقاب على الترك الواجب ما يستحق، قد لا يقع العقاب، هذا يكون فيه تقوية لهم في الجرأة على ترك الواجبات، ولذلك نقول والعقاب على الترك لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه باعتبار أمر الدنيا والنظر في مدلول النصوص (نصوص الكتاب والسنة) ثبت بالاستقراء أن الأصل في الواجب تركه مقتض للعقاب، يعني يترتب ويستحق والأصل وقوع الشيء، ثم كونه قد يعفو عنه الرب جل وعلا هذا أمر طاريء وليس لنا أن نتدخل فيه، وإنما ننظر فيما يعنينا، أما كونه يعفو عنه أو لا يعفو ليس في نظرنا.
"واجب يقتضي الثواب على الفعل والعقاب على الترك"، هذا حده، وعرفنا أن الأصح أن الواجب والفرض مترادفان، أن الفرض والواجب مترادفان.
(3/10)

والفرض والواجب ذو ترادف.:. ومالَ نعمان إلى التخالف.
والفرض والواجب قد توافقا.:. كالحتم واللازم مكتوب وما.
هذه الألفاظ كلها مترادفة، يقال هذا فرض وهذا واجب وهذا مكتوب: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ] {البقرة:183}، دل على الوجوب، كذلك اللزوم وكذلك الحتم، محتوم وملزوم، من لزمته [ .... ] كذلك الحتم: [كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا] {مريم:71} نقول هذه الألفاظ كلها مترادفة ومصدقها ما يثاب على فعله امتثالا ويعاقب على تركه، إذن كلها أسماء مترادفة في الشرط، والتفرقة بينها وخاصة بين الواجب والفرض لا دليل عليه، ولذلك ابن قدامة في الروضة قال: (لاستواء حدهما) والفرض هو الواجب لاستواء حدهما، يعني حد الواجب هو عين حد الفرض، ولذلك جاء في الحديث قول الرب جل وعلا: "مَا تَقَرِّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِأحَبَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ"، فدل على ماذا؟ ماذا نفهم من هذا؟ "وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إَلَيَّ بِالنَّوَافِلِ"، إذن قابل النوافل بماذا؟ بالفرض، وهذا يشمل ماذا؟ الواجب والفرض عند الأحناف، فحينئذ يستوي النوعان، إذن نقول الخلاصة أن الأصح أن الفرض والواجب والحتم والمكتوب كلها ألفاظ مترادقة، تصدق على محل واحد وهو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، إذا قيل ما صِيَغ الواجب؟ متى نحكم على الشيء بالشرع أنه واجب؟ نقول:
أولا: بصيغة افعل، صيغة الأمر (افعل)، [وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ] {البقرة:43} نقول هذا واجب.
الثاني: المضارع المقرون بلام الأمر، [لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ] {الطَّلاق:7} نقول هذا واجب وفرض، لماذا؟ لأنه فعل مضارع مقرون بلام الأمر، وهو دال على الوجوب.
ثالثا: اسم فعل الأمر، [عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ] {المائدة:105} (عليكم) هذه اسم فعل أمر، وهو يدل على الوجوب.
رابعا: المصدر النائب عن فعل الأمر، [فَضَرْبَ الرِّقَابِ] {محمد:4} يعني (فاضربوا رقابهم).
الخامس: التصريح بلفظ الأمر، [إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ] {النحل:90} (يأمر) نقول هذا يدل على الوجوب، والأظهر أنه لا يدل على الوجوب، لماذا؟ لأنه يشمل الندب.
السادس: ترتب العقاب على الترك، [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ] {الزُّمر:65} نقول هنا ترتب العقاب، نقول: (صَلِّ وإلا قتلتُكَ) نقول (صَلِّ) هذا يدل على الوجوب من جهتين، من جهة كونه أمرا ومن جهة ترتب العقاب على الترك.
إذا وُجد واحد من هذه الأمور نقول: يُفهم منها الوجوب.
وثم صِيغ يذكرها كثير من الأصوليين.
(3/11)

قال: "وينقسم من حيث الفعل" الآن شرع في بيان أقسام الواجب، الواجب له أقسام ثلاثة، "ينقسم الواجب من حيث الفعل" هذا تقسيم، "وينقسم أيضا من حيث الوقت، وينقسم أيضا من حيث الفاعل" وكلها ذكرها المصنف، إذن له ثلاث حيثيات: ينقسم من حيث الفعل، يعني باعتبار ذاته، نفس الفعل، فعل المكلف، باعتبار ذاته، بحسب فعل المكلف، ننظر إلى فعل المكلف الذي حكمنا عليه بأنه واجب، يعني ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، كالصلاة والزكاة والحج، نقول ننظر إلى الصلاة نفسها، فنقسم الواجب باعتبار الفعل إلى نوعين: إلى معين وإلى مبهم في أقسام محصورة، كما ذكره المصنف، إلى معين وإلى مبهم في أقسام محصورة، إلى معين، قال في حده: "لا يقوم غيره مقامه"، يعني أن يكون الفعل مطلوبا بعينه، يعني يحدد لك الفعل شيء واحد، وهذا تعرفه وينضبط معك بالواجب المخير، لأن الواجب المخير كما قال: "مبهم في أقسام محصورة" أن يذكر لك الشارع ثلاثة أشياء، ويقول لك يجب واحد منها، هل عيَّن لك الواجب؟ لا، لم يعين، وإنما ذكر لك واحدا في أقسام محصورة، إذن هو مبهم، لو عيَّن لك شيئا واحدا، قال: [أَقِمِ الصَّلَاةَ] {الإسراء:78} هل أنت مخير في الصلاة؟ نقول: لا، لماذا؟ لأن هذا الواجب يسمى واجبا معينا، لا يجزيء غيره ولا يقوم غيره مقامه، لا يمكن أن يؤمر الآن بصلاة الظهر مثلا ثم يقول: لا، أنا أخرج لعرفة، يأتي بالحج، لماذا؟ لأن الصلاة (صلاة الفرض) التي هي الظهر لا يقوم غيرها مقامها، قال: "إلى معين" يعني أن يكون الفعل مطلوبا بعينه لا يقوم غيره (يعني غير الفعل) مقامه، فيتعين عليك إذا قيل لك [أقم الصلاة] أن تصلي ولا خيار لك في الترك، وإذا قيل: [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ] {البقرة:185} يتعين عليك الصوم ولا يجزيء غير الصوم مقام الصوم في شهر رمضان، هذا نسميه ماذا؟ واجبا معينا، لا يقوم غيره مقامه، كالصلاة كما مثلنا، والصوم كما مثلنا، ونحوهما كالحج وبر الوالدين والصدق ونحوها من الواجبات، فالمطلوب في هذه الواجبات كلها واحد لا خيار فيه، لماذا؟ لأن الشارع قد طلب منك هذا الفعل وعينه، ولم يخيرك بين شيئين أو ثلاثة وأنت تختار واحدا منها.
(3/12)

"وإلى مبهم" هذا هو القسم الثاني الذي يقابل المعين، "وإلى مبهم" مبهم من الإبهام، وهو عدم التعيين، الإبهام هو عدم التعيين إذا قيل جاء الذي، قالوا: (الذي) هذا اسم موصول وهو مبهم، (هذا) اسم إشارة وهو مبهم، لا يتعين إلا بالمشار إليه، (هذا زيد)، (جاء الذي قام أبوه) إذن (الذي، وهذا) من المبهمات، لماذا؟ لأن المراد منها عند إطلاقها غير معين، لابد أن يأتي شيء آخر يبين المراد منها، هنا قال: "مبهم" غير معين، "في أقسام محصورة" لأنه لو أوجب شيئا مبهما لا في أقسام محصورة صار من التكليف بالمحال، لا يمكن هذا يتصور، أن يأمرك بشيء مبهم، ماهو؟ الله أعلم به، أن يأمرك بشيء مبهم ثم لا يحصره لك في شيء معين، هذا لا يقع وإنما يكون من التكليف بالمحال، وإنما قال: "في أقسام محصورة" لحكاية الواقع الذي جاء به الشرع، وهذه بعضهم ينكر وجوده، لكن الصواب أنه ثابت وجائز عقلا وواقع شرعا، أما جائز عقلا فلا يمتنع أن يقول الأب لولده (ائت بكذا أو كذا)، خيره بين شيئين، أو أن يقول السيد لعبده (خِط لي ثوبا أو ائت بماء) خيره بين شيئين إذا أتى بواحد منهما أجزأ وأسقط الطلب، إذن بالعقل لا يمنع، وبالشرع أيضا هو واقع، قال تعالى: [فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ] {المائدة:89}، [أو] هذه للتخيير، إذن هل الواجب كل هذه الثلاثة أشياء؟ لا، وإنما الواجب واحد، ما هو؟ نقول مبهم، مطلقا؟ مبهم مطلق؟ نقول: لا، مبهم في أقسام محصورة، عدَّ لك ثلاثة أشياء وخيرك أيها المكلف تخفيفا ورحمة أن تختار أنت، فحينئذ لو ترك الجميع أثم، لو فعل الجميع أُجر، قيل على أعلاها، وقيل على أدناها، قال: "مبهم في أقسام محصورة" وهذا الذي يسميه الأصوليون الواجب المخير، والأول الواجب المعين، واجب معين وواجب مخير، إذن "مبهم في أقسام محصورة" يجزيء واحد منها، يعني يجزيء ويسقط الطلب فعل واحد منها، لماذا؟ لأن الشرع قد خيرك أيها المكلف في فعل واحد، وعين لك ثلاثة أشياء كما في خصال الكفارة، واضح هذا؟ إذن نقول ينقسم الواجب باعتبار الفعل نفسه بالنظر إلى ما طلبه الشارع إلى نوعين: واجب معين وواجب مخير، "واجب معين" عين لك شيئا واحدا ليس لك الخيار في تركه، كقوله تعالى: [وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ] {البقرة:43} عين لك الصلاة، هل يقوم غير الصلاة مقامها؟ الجواب: لا، "وإلى واجب مخير" يعني خيرك الشرع بين أشياء هو الذي حصرها لك، فذكر لك عدة أشياء، ثلاثة أو أربعة، وقال لك يجب عليك واحد منها، أي شيء فعلته منها أجزأ وأسقط الطلب وبرأت الذمة، [فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ] {المائدة:89} حدد لك ثلاثة أشياء، الواجب منها واحد فقط، نسميه هذا واجب مخير.
(3/13)

"ومن حيث الوقت" يعني ينقسم الواجب من حيث الوقت، يعني باعتبار الزمن الذي يقع فيه الواجب، يعني باعتبار زمن أدائه، متى يُفعل هذا الواجب؟ الأصل فيه أو الغالب الكثير أن بعض الواجب قد يكون مؤقتا محددا، وبعضه يكون غير مؤقت وغيرمحدد، غير مؤقت يعني لم يُجعل له وقت معين، مثل الزكاة، الزكاة متى تجب؟ هل لها وقت أول وآخر؟ ليس لها وقت، متى ما تم الحول والنصاب ودار الحول وجبت الزكاة، في وقتها، منذ أن وجد الشرط والسبب وجدت الزكاة، إذن نقول الزكاة لا وقت لها، وإنما وقتها حيث وجبت، وبعض الواجبات عين له الشارع وقتا، فحينئذ يكون هذا الوقت مقدرا من الشرع، ولذلك يُعَرَّف الوقت بأنه الزمن الذي قدره الشارع للعبادة، قدره الشارع للعبادة، لأنك لو نظرت نظرا عقليا هكذا، العبادة المأمور بها إما أن يكون الوقت مساويا لها (لفعلها) ولا يسع الوقت أكثر من فعل الواجب، وإما أن يكون الوقت أكثر من فعل العبادة، وإما أن يكون أقل، قسمة عقلية، إما أن يكون أقل من وقت العبادة (من فعل العبادة)، يعني لا يسعها، مَثَّلَ بعض الأصوليين كأربع ركعات في طرفة عين، لو كلفك الشارع بأربع ركعات في طرفة عين، هكذا، غَمَّض عينك وافتح، أربع ركعات، قالوا: هذا محال؛ لأنه تكليف بالمحال لا يوجد هذا، ماذا بقي؟ بقي أن يكون الوقت أكثر من فعل العبادة، وإما أن يكون مساويا لفعل العبادة، إذن قسمان، قالوا: نسمي الوقت أو الواجب الذي كان مساويا للعبادة نسميه واجبا مضيقا، والوقت الذي يكون أكثر من العبادة نسمي الواجب الذي حل فيه واجبا موسعا، إذن قوله: "ومن حيث الوقت" أي ينقسم الواجب من حيث الوقت الذي يقع فيه الواجب، والوقت هو الزمن الذي قدره الشارع للعبادة، "إلى مضيق" يعني إلى واجب مضيق، ضيق فيه على المكلف، بحيث لا يجد سعة إلى تأخيره، فلو أخره لصار قضاءً، عرفه المصنف بقوله: "ما تعين له وقت لا يزيد على فعله" (ما) أي فعل، واجب، قول وعمل إلى آخره، تعين له وقت، يعني حُدِّدَ له وقتٌ من قِبل الشارع لا يزيد على فعله من جنسه، قال: "كصوم رمضان" صوم رمضان نقول هذا واجب مضيق، لماذا؟ لأن من جنس رمضان الواجب صوم النفل مثلا أو واجب آخر، كالكفارة أو النذر، فحينئذ لو صام أول يوم من رمضان هل يسع أن يجمع بين صوم رمضان وصوم النافلة وصوم النذر مثلا؟ هل يمكن؟ لا يمكنه، إذن نقول: هذا الوقت من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لا يسع إلا عبادة صوم رمضان فقط، وأما ما كان من جنس الصوم كالنفل أو الواجب الآخر غير صوم رمضان فلا يسعه، لماذا؟ لأن الوقت هنا مواز ومساو لوقت العبادة، لذلك قال: "ما تعين له وقت" يعني حدد له وقت في الشرع، لا يزيد هذا الوقت على فعله، بل هو مساو له، من جنسه، لا بد من قيد من جنسه لأن الصوم قد يأتي بواجب آخر يصوم مثلا ويتصدق ويزكي ويبر والديه ويأتي بواجبات أخرى، إذن جمع في وقت واحد بين الصوم وبين غيره من الواجبات، أما من جنس الصوم فلا، "كصوم رمضان"، "وإلى واجب موسع، وهو ما كان وقته المعين يزيد على فعله من جنسه" يعني يسع الوقت الفعلَ وزيادة، كالصلاة والحج، كالصلاة، أوقات الصلاة مثلا إذا صلى الظهر نقول هل الوقت موازٍ للصلاة بحيث لا يزيد الوقت على
(3/14)

فعل الصلاة أم يزيد؟ نقول: يزيد، هل له أن يفعل من جنس الواجب الموسع الذي هو الصلاة نفلا أو واجبا آخر في نفس الوقت أو لا؟ يسعه، يمكن أن يأتي بصلاة واجبة غير صلاة الظهر، أن صلاة الظهر الآن هل يمكن أن تأتي بصلاة واجبة أخرى؟ يمكن، مثل ماذا؟ القضاء، لو تذكر صلاة منسية واجبة، ما صلى صلاة الظهر أمس، فصلى صلاة الظهر اليوم، نقول جاء بالواجب، وهذا الواجب موسع، لأن الوقت يسع هذه الصلاة الأربع ركعات، ويسع غيرها من جنسها، وهو قضاء صلاة أخرى، القضاء للصلاة الأخرى هو عين أو من جنس الواجب الموسع الذي هو صلاة الظهر أولا، كذلك له أن يتنفل بما شاء من النوافل للصلوات، نسمي هذا الوقت أو نسمي هذا الواجب واجبا موسعا، كصوم رمضان، قال: "كالصلاة" يعني المراد بها الوقت، "والحج" الحج هل وقته موسع أم مضيق؟ هل المراد أن يحج مرتين في سنة؟ أو المراد أنه يستطيع أن يرمي في الصباح ثم يتفرغ لسائر العبادات ببقية يومه؟ أو أن يطوف بالصباح ويتفرغ لسائر العبادات في يومه؟ نقول باعتبار أفعال وأعمال الحج هو واجب موسع، وباعتبار كونه لا يسع غيره بمعنى أنه لا يستطيع أن يحج مرتين هو واجب مضيق، لأن هذه السنة مثلا إذا حج لا يسع أن يحج مرة أخرى كما إذا صام رمضان لا يسع أن يصوم رمضان آخر سابق أو يقضي صوما، أما باعتبار الآحاد وباعتبار الأفراد نقول: يسع أن يأتي بالرمي وهو واجب ثم يتفرغ لسائر العبادات، إذن وَسِعَ الوقت الرمي وزيادة، وإن كان المثال فيه نوع إشكال، قال: "فهو مخير في الإتيان به في أحد أجزائه" (فهو) أي المكلف، (مخير في الإتيان به) أي بالواجب الموسع (في أحد أجزائه) يعني في أي جزء من أجزاء وقته، ولذلك فيه إن الوجوب يتعلق بجميع الوقت، ثم هو مخير في أي جزء من أجزاء الوقت أوقع هذا الفعل، فوقت الظهر مثلا جميعه نقول محل لأداء الصلاة الواجبة وهي الظهر، هل إذا وقعت في أول الوقت تكون أداء؟ نعم، هل إذا وقعت في أثناء الوقت (منتصفه) تكون أداء؟ نقول: نعم، هل إذا وقعت في آخر وقت الظهر تقع أداء؟ نعم، معنى هذا الكلام يستفاد منه أن جميع وقت الظهر محل أداء صلاة الظهر، فحينئذ صار الوقت كله وقت أداء، ولذلك نص الأصوليون على أن تعلق الواجب يكون بجميع الوقت، وقتا موسعا، أداء لا قضاء، لأن بعضهم يرى أن فعل العبادة في آخر وقتها يكون قضاء، كما هو مذهب بعض أو ما يُنسب إلى الأحناف، والصواب أنه يكون أداء، فلو أخر الصلاة إلى آخر وقته الظهر نقول جائز أو لا؟ جائز، هل يجب عليه أن ينوي التأخير؟ أو يعزم على التأخير؟ نقول: لا، هذا هو الصواب، والجمهور على أنه لابد أن يأتي بالعزم، بدل التأخير، والصواب أنه لا يجب ذلك.
جميع وقت الظهر قال الأكثر.:. وقت أداء، وعليه الأظهر.
لا يجب العزم على المؤخر.:. وقد علم وجوبه للأكثر.
(3/15)

يعني عند الجمهور أنه إذا أخر الواجب الموسع إلى آخر وقته يجب عليه أن ينوي ويعزم أنه سيأتي به في آخر الوقت، لماذا؟ لأن هذا واجب، والوجوب قد تعلق بأول الوقت، فحينئذ إما أن يأتي به وإما أن يأتي ببدله، إما أن يأتي به، بفعله في أول الوقت، وإما أن يأتي ببدله، ببدل الفعل وهو العزم، والصواب أنه لا يجب، لماذا؟ لأمرين: أولا: التعريف، قالوا: إما أن يأتي به ومن أتى به في آخر الوقت فقد أتى به في وقته، إذن هو لم يخرجه عن وقته حتى لابد أن يأتي ببدله كالقضاء والعزم، الثاني: وهو أصرح أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما نزل جبريل (عليه السلام) علمه أول الوقت ثم جاء بعدها في اليوم التالي وصلى به في آخر الوقت، هل قال له في اليوم الأول: انوِ؟ اعزم أن تأتي به متأخر؟ هل قال له ذلك؟ لا، لم يُقَل هذا، فدل على أنه لا يجب العزم على من أخر الصلاة في الواجب الموسع إلى آخر الوقت، لماذا؟ لأنه فعل ما يجوز له فعله وهو التأخير، إذن ما المراد إذا قيل هو واجب موسع؟ معناه أنه مخير في أي وقت من أوقات الفعل أن يوقع الصلاة، هذا حيث لا تعليل آخر، قد يقول قائل: طب صلاة الجماعة تقع في الأول فلا يجوز أن يتأخر، نقول هنا النظر ليس لفعل الصلاة، وإنما لأمر آخر، لنصوص أخرى، دلت على وجود الجماعة في أول الوقت فحينئذ وجوب التقديم هنا لا لذات الصلاة وإنما لأمر آخر تعلق بالصلاة وهو وجوب الجماعة على قول من يرى وجوبها، إذن لا يعتبر بوجوب صلاة الجماعة على أنه يجب أن يأتي بها في أول الوقت وإنما النظر إلى الصلاة نفسها، فنقول وجبت الصلاة، قد يكون مسافرا وعند بعضهم لا تجب عليه الجماعة، فحينئذ نقول: له أن يؤخر في آخر الوقت، ولا يجب على الصحيح أن يأتي ببدل هذا التأخير وهو العزم، (جميع وقت الظهر قال الأكثر وقت أداء وعليه) إذا قيل وقت أداء حينئذ كيف نقول يجب عليه العزم؟ (وعليه الأظهر لا يجب العزم على المؤخر وقد علم وجوبه للأكثر) لكن الجمهور والأكثر إذا لم يكن الدليل معهم حينئذ لا نوافق وإن كان الأكثر إصابة الجمهور لكن الدليل أولى بالاتباع، إذن قال: "فهو مخير في الإتيان به في أحد أجزائه" ولذلك هو من جهة المعنى فيه نوع الواجب المخير، الواجب المخير هناك التخيير وقع في ماذا؟ في عين الواجب، واحد من ثلاث، وهنا وقع في ماذا؟ في إيقاع الفعل في أي وقت، إذن الاختيار هنا والتخيير في الوقت، بين أجزاء الوقت، وهناك وقع بين الواجبات أنفسها، وهنا في الوقت، فلو أخر ومات قبل ضيق الوقت لم يعص لجواز التأخير بخلاف ما بعده، هذه مسألة تتفرع على مسألة الواجب الموسع، إذا جاز له أن يؤخر فتأخيره إما إلى أن يضيق عليه الوقت أم قبله، كيف يضيق عليه الوقت؟ فلو أخر صلاة الظهر إلى أن بقي عشر دقائق ويخرج الوقت، نقول: عشر دقائق هذا في الغالب تسع أربع ركعات، صار الوقت مضيقا عليه، إذن قد يصير الواجب الموسع مضيقا، متى؟ إذا أخر الواجب حتى بقي عليه ما لا يسع إلا الواجب، ولذلك يجوز للمرأة مثلا أن تؤخر قضاء شهر رمضان حتى (هي مخيرة وموسعة) من شهر شوال (هي عليها ستة أيام مثلا) من شهر شوال هي مخيرة أو الواجب موسع في أن تؤخرها إلى أن يبقى ستة أيام من شعبان، حتى يبقى
(3/16)

ستة أيام من شعبان، يعني وينتهي شهر شعبان، إذا بلغت القدر المعين لها في قضائها نقول: ضاق عليها الوقت فتعين، فيجب عليها أن تصوم ثاني يوم، أما ما قبل ذلك فهي مخيرة أن توقع الصيام في شهر شوال في شهر ذي القعدة إلى آخره، حتى يبقى قدر الأيام التي عليها، فإذا بقي قدر الأيام حينئذ نقول ضاق عليها الوقت فصار الوقت مضيقا، هنا من المسائل [ ... ]
(3/17)

فلو أخر ومات، أخر من جاز له التأخير حتى بقي وقت يسع الصلاة وغيرها، يعني لم يضق عليه الوقت، أخر صلاة الظهر حتى الساعة الثالثة، نقول: بقي عليه وقت موسع، يسع الصلاة الأربع ركعات وزيادة، لو مات قبل أن يصلي هل يموت عاصيا أم لا؟ هل عصى؟ مات، ما صلى الظهر، ترك واجبا أو لا؟ تراك واجبا، نعم ما صلى الواجب، هل يعصي أو لا؟ نقول: لم يعص، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وحُكي إجماعا أنه ليس عاصيا، لذلك قالوا هنا: فلو أخر من له التأخير ومات قبل أن يفعلها كالصلاة فإنها تسقط بموته عند الأئمة الأربعة، لماذا؟ لأنها تسقط بموته يعني لا يطلب قضاؤها من غيره من الورثة، لأنها لا تدخلها النيابة فلا فائدة في بقائها في الذمة بخلاف الزكاة والحج، يعني سقط وجوب الصلاة فلا تتعلق بها الذمة، لماذا؟ لأن الصلاة لا نيابة فيها، بخلاف الزكاة، لو لم يُزكِّ فمات حينئذ وجبت الزكاة في التركة، "قبل ضيق الوقت" هنا قيدٌ هذا، له مفهوم، قبل أن يضيق عليه الوقت، الجواب: لم يعص، لم يعص بالتأخير كما قلنا عند الأئمة الأربعة وحُكي إجماعا، لماذا لم يعص بالتأخير؟ لأنه لم يضق عليه الوقت، يعني لم يتعين عليه فعل الصلاة في ذلك الوقت، أنت مخير دخل الوقت الساعة الثانية عشرة والنصف، يجوز أن تصلي الساعة الواحدة، أنت وشأنك، تريد أن تصلي الواحدة والربع، الواحدة والنصف، الثانية، الثانية والنصف، أنت مخير في أي جزء من أجزاء الوقت أنت مخير أن توقع الصلاة فيه، إذن فعل ما يجوز له، لأنه لما أخر إلى الساعة الثانية مثلا فمات قبل الساعة الثانية نقول: قد فعل جائزا، وإذا فعل جائزا لا يترتب عليه العقاب، لذلك قوله: "قبل ضيق الوقت" هذا قيد، لم يعص، لماذا؟ قالوا: لجواز التأخير، اللام هنا للتعليل، تعليل الحكم، ما هو الحكم؟ عدم العصيان، عدم العصيان بترك الصلاة حتى قُبِضَ، لجواز التأخير لأنه فعل ماله فعله، فلماذا لا يقدر في نفسه أنه قد لا يعيش؟ هل ممكن الإنسان يجعل في نفسه ابتداء من نومه كل لحظة ممكن يأتيه ملك الموت، لماذا لم يحسب حساب هذه الجزئية؟ قالوا: واعتبار السلامة العاقبة ممنوع لأنه غيب، يعني قد يعتذر معتذر فيقول لماذا لم يعتقد في نفسه أنه قد يقبض في هذه اللحظة؟ نقول لاعتبار سلامة العاقبة ممنوع، لماذا؟ لأنه غيب، أنت ما تدري، الأصل أنك تعيش، الأصل السلامة أما عدم السلامة فهذا أمر غيبي، لا تدري متى سيأتيك ملك الموت، لكن الأصل أنك تعيش، ولذلك أنت الآن قدرت نفسك أنك بعد العصر ستذهب إلى كذا وكذا وكذا، أليس كذلك؟ لأنك جريت على الأصل وأنك باق بإذن الله تعالى، "بخلاف ما بعده" بعد ماذا؟ بعد ضيق الوقت، فإنه يعصي، وهو من أخر الفعل في الوقت الموسع مع ظن مانع منه، فعدم البقاء أثم إجماعا، يعلم أنه سيقتل قبل خروج الوقت بنصف ساعة، يعلم هذا أن القصاص سيأتي عليه الساعة الثالثة فأخر حتى الساعة الثالثة، ولم يُصل فقتل، يعصي أو لا؟ يعصي، هل خرج الوقت؟ هل خرج الوقت في حقه؟ خرج الوقت في حقه، أما الوقت باعتبار نفسه فهو باق، حينئذ نقول أثم إجماعا، لماذا؟ لأنه يعتبر تاركا للصلاة عمدا، لذلك قال: "بخلاف ما بعده وهو ضيق الوقت، وهو من أخر الفعل في الوقت الموسع مع ظن
(3/18)

مانع منه كعدم البقاء أثم إجماعا"، طيب لو بقي؟ حكم عليه بالقصاص الساعة الثالثة، فأخر حتى الساعة الثالثة فلما جاء الوقت قالوا: عفونا عنه، ثم صلى، يأثم؟ يأثم، ما نوع الصلاة؟ أداء أم قضاء؟ اختلف فيها والأصح أنها أداء، لماذا؟ لأن خروج الوقت باعتبار ظنه، هو ظن أنه سيقتل في الساعة الثالثة فلما عفي عنه نقول الظن صار خطأ ولا عبرة بالظن البين خطؤه، فحينئذ لو صلى قبل خروج الوقت نفسه حكمنا على الصلاة بأنها أداء وليست قضاء، ثم قال: "ومن حيث الفاعل" إذن عرفنا أن الواجب ينقسم من حيث الوقت إلى واجب مضيق وإلى واجب موسع، ثم قال: "ومن حيث الفاعل" يعني بالنظر إلى المكلف والمخاطب، قد يخاطَب بالواجب كلُّ فرد بذاته، بعينه، وقد يخاطب كل المخاطبين أو كل المكلفين والمطلوب بعضهم، والمطلوب بعض المخاطبين، ومن حيث الفاعل أي من حيث المخاطب أو المكلف ينقسم الواجب إلى قسمين: فرض عين، يعني إلى واجب هو فرض عين، سمي فرض عين لماذا؟ لأن المخاطب به كل عين، كل شخص بذاته، لا يقوم واحد عن غيره في فعل الواجب، حينئذ هذه تسمى فرض عين، "وهو" أي فرض العين ما لا تدخله النيابة مع القدرة وعدم الحاجة، يعني لا ينوب شخص عن شخص، لا يمكن أن تقول لابنك أو لصاحبك صلِّ الظهر اليوم عني، يمكن؟ لا يمكن، لماذا؟ لأن الصلاة مخاطب أنت بعينك بنفسك، لا يجزيء، لا يقوم غيرك بفعل هذا الواجب، يسمى هذا واجبا عينيا، "ما لا تدخله النيابة"، قال: "مع القدرة وعدم الحاجة" مع القدرة لا تدخله النيابة، إذن إذا لم تكن قدرة تدخله النيابة، وهذا محل إشكال، هذا التعريف ليس بصواب، "ومع القدرة وعدم الحاجة" مثل بالعبادات الخمس، مَثَّل لها في التعريف بالعبادات الخمس، "كالعبادات الخمس" ما هي العبادات الخمس؟ الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، أربعة أو خمسة؟ أربع، أين الخامس؟ هذا محل إشكال، إما ان نقول إنه من باب التغليب، أو نقول بعَدِّ الطهارة منها، والشيخ الفوزان في شرحه عَدَّ الطهارةَ، قال: خمسة، وأرجع إلى الفروع، بأن العبادات الخمس المراد بها في هذا الموضع كمثال الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، حينئذ صارت خمسة، أو نقول كما قال الشيخ بن عثيمين (رحمه الله تعالى) إنه من باب التغليب، وإلا التخميس هنا فيه نظر، قال: "كالعبادات الخمس" الصلاة، إذا أردنا أن نطبق الحد نقول: ما لا تدخله النيابة مع القدرة وعدم الحاجة، القدرة المراد بها القدرة البدنية، إذن إذا وجدت القدرة لا تصح النيابة، إذا عدمت القدرة صحت النيابة، هل هذا صحيح في الصلاة؟ لا، الصلاة أبدا لا تدخلها النيابة مطلقا إلا في موضع واحد تبعا لا استقلالا، وهو ركعتي الطواف، ركعتي الطواف لمن حج نيابة عن شخص آخر، فحينئذ يطوف عن ذلك الشخص المنيب، فإذا صلى صلى تبعا للطواف، صلى لنفسه أو لغيره؟ قالوا: لغيره، كيف نقول الأصل عدم النيابة؟ نقول: يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا، هذا الموضع الوحيد الذي استثناه كثير من الفقهاء، إذن نقول الصلاة لا تدخلها النيابة مع القدرة ولا مع عدم القدرة مطلقا، الصلاة لا نيابة فيها، الزكاة هل تدخلها النيابة أم لا؟ وجبت الزكاة عن المرأة فأخرج الزوج عنها بإذنها، صحَّ؟ صحَّ، إذن
(3/19)

دخلتها النيابة، الصوم لا تدخله النيابة، لا مع القدرة ولا مع العدم، لكن ورد من مات قام عنه وليه، هذا يقيد بالنذر، الحج هل تدخله النيابة؟ نعم تدخله النيابة لكن مع العجز، أما مع القدرة فلا تدخله النيابة، يعني إذا قدر أن يحج بنفسه حجا واجبا حينئذ يتعين بنفسه، إذن قوله: "ما لا تدخله النيابة مع القدرة وعدم الحاجة كالعبادات الخمس" هذا التعريف ليس بصواب، وإنما نقول: "ما طلب الشارع فعله من كل واحد بالذات" أو "من معين كالخصائص النبوية" كل واحد لابد أن يقوم بهذا الفعل، "أو من معين" من شخص معين مُسَمّى، كالخصائص النبوية، فرضت بعض الأشياء خُص النبي (صلى الله عليه وسلم) ببعض الواجبات، إذن هذا هو فرض العين، قالوا: "وفرض كفاية" فرض كفاية هذا مأخوذ من (كفى_يكفي) سمي فرض كفاية لأن البعض يكفي، بعض المخاطبين يكفي في سقوط الطلب وبراءة الذمة، إذا فعله البعض أسقط الإثم عن الآخرين، قال: "فرض كفاية" لأن قيام البعض به يكفي، وهو (أي فرض الكفاية): "ما يسقطه فعل البعض" يعني واجب إذ افعله البعض أسقطه عن الآخرين، "مع القدرة وعدم الحاجة" يعني ولو كان الآخرون الذين أسقط عنهم فرض الكفاية أو الواجب = ولو كانوا قادرين، نقول الصلاة، كما مثل هنا، قال: "كالعيد والجنازة" العيد على قول إنها فرض كفاية إذا فعلها البعض سقط عن الآخرين ولو كان الآخرون قادرين على الإتيان؟ نقول: نعم، ولو كان الآخرون قادرين على الإتيان، الجنازة يعني يقصد بها تجهيزها وغسلها ودفنها والصلاة عليها، هذه إذا فعله البعض أسقط الإثم عن الباقين، ولو كان الباقون الآخرون قادرين على الفعل، إذن بفعل البعض أسقط عن الآخرين، " وهو ما يسقطه فعل البعض مع القدرة وعدم الحاجة" يعني ولو كانوا قادرين عليه وليسوا محتاجين لغيرهم كالعيد والجنازة، قال: "والغرض منه (والحكمة منه) _من فرض الكفاية_ وجود الفعل في الجملة" النظر في فرض العين إلى الفاعل، إلى الفاعل بالأصالة، والنظر في فرض الكفاية إلى الفعل بالأصالة، وإلى الفاعل بالتبع، إذن نظر الشارع في فرض العين إلى الفعل إلى إيجابه، ولذلك صار أهم وأفضل من فرض الكفاية لأن الفعل مقصود بالذات، وعُين كل فاعل لفعل وإيجاد هذا الفعل، إذن صار أولى ومقدما وأفضل، وأما في فرض الكفاية فالمقصود إيجاد الفعل، المقصود أن هذا الميت يغسل، لابد أن يغسل، أي واحد منكم غسله أسقط الإثم عن الباقين، لماذا؟ لأن المقصود ماهو؟ حصول التغسيل، حصول الدفن، حصول الحمل، حصول الصلاة، فإذا وقعت هذه الأمور نقول: حصل الفعل، ولذلك قال: "والغرض منه" _أي من فرض الكفاية_ وجود الفعل في الجملة" يعني من البعض، إذا قيل في الجملة وبالجملة، في الجملة بـ (في) يعني في البعض دون الآخرين، وإذا قيل بالجملة بـ (الباء) حينئذ يلزم الجميع، وهذا بالجملة يقابل المجموع عند المناطقة، وبالجملة يقابل الجميع، هكذا ينطق في كتب الفقه، فلو تركه الكل أثموا، لو تركه الكل أثموا، لماذا؟
فَرْضُ الْكِفَايَةِ مُهِمٌّ يُقْصَدُ.:. وَنَظَرٌ عَنْ فَاعِلٍ يُجَرَّدُ.
وَزَعَمَ الأُسْتَاذُ وَالْجُوَيْنِي.:. وَنَجْلُهُ يَفْضُلُ فَرْضَ الْعَيْنِ.
(3/20)

وَهوَ عَلَى الْكُلِّ رَأَى الْجُمْهُورُ.:. وَالْقَوْلُ بِالْبَعْضِ هُوَ الْمَنْصُورُ.
إذا قيل صلاة الجنازة واجبة، وخوطب بها المكلفون، من المخاطب؟ هل كل الناس أم بعضهم؟ الخطاب هنا موجه إلى من؟ هل إلى الكل أم إلى البعض؟ هذا فيه خلاف، الجمهور على أنه موجه إلى البعض، بدليل ماذا؟ أنه إذا فعل البعض وامتثل ذلك الواجب سقط عن الباقين، قالوا: لو خوطب الباقون لَمَا سقط عنهم الإثم بفعل الآخرين، والأصح أنه: (وَهوَ عَلَى الْكُلِّ رَأَى الْجُمْهُورُ) عفوا العكس هو الصواب، أن الخطاب هنا موجه للبعض على قول بعض الشافعية وهو اختيار السيوطي كما هنا، (وَهوَ عَلَى الْكُلِّ رَأَى الْجُمْهُورُ* وَالْقَوْلُ بِالْبَعْضِ هُوَ الْمَنْصُورُ)، يعني القول المرجح عند السيوطي أن المخاطب بفرض الكفاية هو من قام بهذا الفعل، ومن عداه ليس مخاطبا بذلك الفعل، والأصح أن الجميع مخاطبون بإيجاد الفعل، (وَهوَ عَلَى الْكُلِّ) يعني المخاطب بفروض الكفاية الكل، لماذا؟ لما ذكره المصنف هنا، "فلو تركه الكل أثموا"، لماذا؟ لو كان الخطاب موجها للبعض لِمَا يأثم الكل؟ إنما أثموا لكونهم مخاطبين بهذا الفعل، فحينئذ دل على أن الخطاب موجه إلى الكل، (وَهوَ عَلَى الْكُلِّ رَأَى الْجُمْهُورُ) لفوات الغرض، ما هو الغرض؟ وجود الفعل في الجملة، من أدلة الجمهور على أن الخطاب موجه للكل ما ذكره المصنف هنا، " أثموا بالترك" ولا إثم إلا على ترك واجب، أيضا العمومات الواردة في قوله تعالى (ويكاد يكون إجماعا، بل هو إجماع) أن الجهاد في الأصل فرض كفاية، ومع ذلك قال جل وعلا: [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ {البقرة:190}، (قاتلوا) الواو هذه للعموم، خطاب لمن؟ للكل، وهو فرض كفاية إذا فعله البعض سقط عن الآخرين، إذن عرفنا من هذا أن الواجب ينقسم باعتبار المخاطب إلى قسمين: فرض عين وفرض كفاية، (فرض عين) وهو أن يكون المخاطب به كل واحد بالذات، (وفرض كفاية) أن يكون المخاطب به كل المكلفين فإذا فعله البعض سقط عن الآخرين، ثم ذكر مسألة تتعلق بالواجب وهي: (ما لا يتم الواجب إلا به) قسمان، فلا تقدر، (وما لا يتم الواجب إلا به قسمان) بمعنى أن الواجب قد يكون واجبا لذاته، وقد يكون واجبا لغيره، قال: "وما لا يتم الواجب إلا به قسمان: القسم الأول: إما غير مقدور للمكلف" يعني ليس في قدرته، ولا في سعته، ولا في طاقته تحصيله وإيجاده، لا يستطيع إيجاده هذا الفعل، كالقدرة واليد في الكتابة، القدرة هنا مثلا كالصلاة، نقول الأصل وجود القيام، فإذا عجز ولم يقدر على القيام نقول ماذا؟ سقط عنه القيام؟ لا نقول سقط عنه القيام، نقول لم يجب عليه القيام، لم يتعلق به الوجوب أصلا، لماذا؟ لأن القدرة مع عجزه ليس في قدرته، الاستطاعة أن يقوم فيصلي قائما ليست في قدرته، إذا كان مريضا مكسور الظهر هل يستطيع أن يرفع عن نفسه هذا الشيء؟ لا يستطيع، فحينئذ لا نقول إنه وجب عليه فسقط للعجز، وإنما نقول التعبير الصحيح أنه لم يجب عليه أصلا، "كالقدرة واليد في الكتابة"، لو وجبت عليه الكتابة كالوصية مثلا وهو مقطوع اليدين كيف يكتب؟ هل هو قادر أم عاجز؟ عاجز، هل نقول تعلق به الوجوب
(3/21)

فوجب عليه أن يكتب ثم عجز فسقط عنه الوجوب؟ أو نقول لم يتعلق به الوجوب أصلا؟ الثانية، لم يتعلق به الوجوب أصلا، واستكمال عدد الجمعة، عدد الجمعة عندهم أربعون، لابد، فإذا جاء تسع وثلاثون ما وجبت الجمعة، إذن إذا كان شخص في بيته ويعلم يقينا أن المسجد فيه ثلاثون شخصا، هل وجبت عليه الجمعة وهو في بيته حتى يخرج؟ الجواب لا، لماذا؟ لعدم استكمال عدد الجمعة، والصواب أنه لا يشترط فيه، لكن مثال ذكره، "إما غير مقدور للمكلف" يعني ليس في قدرته، قال: "فلا حكم له" يعني لا يتعلق به الحكم الشرعي، إذن لا يجب ولا يحرم عليه، فلا حكم له، يعني لا يتعلق به الحكم الشرعي، فلا نقول وجب فسقط كما هو تعبير الكثير، نقول يسقط عنه القيام، لا، لا يسقط عنه القيام، إنما لم يجب عليه القيام أصلا، هذا النوع الأول، قال: "وإما مقدور عليه" يعني في قدرته وسعته وطاقته أن يحصله ويوجده، كالسعي إلى الجمعة، والسفر إلى مكة، السعي إلى الجمعة ما حكمه؟ واجب، لماذا واجب؟ لأنه ما لا يتم الواجب إلا به، وهو في مقدوره (لابد من هذا القيد حتى تخرج النوع الأول) فهو واجب، إذن السعي إلى الجمعة والجمعة واجبة ولا يمكن أن يحقق ويوجد هذا الواجب وهو صلاة الجمعة إلا بالمشي إلى الجمعة، فحينئذ نقول: وجب المشي، لماذا؟ لأن الجمعة واجبة، والمشي لابد منه، يتوقف الذهاب إلى المسجد على وجود المشي، أو يتوقف إيقعا صلاة الجمعة على وجود المشي والحركة، فحينئذ نقول: ما لا يتم الواجب وهو صلاة الجمعة إلا به كالمشي والسعي إلى الصلاة وهو في قدرته فهو واجب، "كالسعي إلى الجمعة والسفر إلى مكة مع الاستطاعة وإحصاء المال لإخراج الزكاة" كل هذه نقول واجبة، لماذا؟ لأن الزكاة واجبة، وما لا يتم الواجب إلا به وهو في مقدوره فهو واجب، "وصوم جزء من الليل" يعني في الصوم الواجب، "وصوم جزء من الليل" هذه المسألة فيها خلاف، "وصوم جزء من الليل" يعني لابد أن يصوم جزءا من الليل، من أوله وآخره، لماذا؟ لأنه مأمور بإيقاع الصوم في نهار رمضان، ولا يمكن أن يتحقق بإيقاع الصوم في نهار رمضان إلا إذا أخذ جزءا من قبل الفجر وجزءا من بعد الغروب، ولكن في تسميته صوما هذا ليس بصواب، وإن قال بعضهم بوجوب الإمساك النزاع معه خفيف، لكن تسميته صوما الصحيح لا، لأن الصوم الشرعي لا يكون إلا في نهار رمضان، أما في الليل فلا يعتبر صوما وإنما يعتبر إمساكا، كذلك بعد غروب الشمس لا يعتبر صوما وإنما يعتبر إمساكا، ولذلك لو قال كما قال بعضهم: (وإمساك جزء من الليل في الصوم الواجب ما لا يتم الواجب إلا به وهو تحقيق إيقاع الصوم في نهار رمضان إلا به وهو إدخال جزء من الليل قبل الفجر وجزء من الليل بعد الغروب إلا به في هذا الفعل فهو واجب) والصواب أنه إذا تحقق أنه صام في النهار فلا يجب عليه، والاحتياط يحتاج إلى دليل، "وغسل جزء من الرأس" يعني لغسل الوجه، غسل الوجه واجب واستيعاب الوجه واجب ولا يتحقق غسل الوجه إلا بغسل جزء من الرأس، هكذا قالوا والصواب أنه لا يجب في المسألتين، لماذا؟ لأنه قد يستطيع أن يغسل وجهه دون أن يغسل جزءا من رأسه، "ما لا يتم الواجب وهو غسل الوجه وتعميمه إلا به وهو غسل جزء من الرأس فهو واجب"،
(3/22)

إذن غسل جزء من الرأس واجب على هذه القاعدة على مراد المصنف، وصوم جزء من الليل قبل الفجر وبعد الغروب هذا واجب على ما رأى المصنف والصواب أنه لا يجب في المسألتين، "فهو واجب لتوقف التمام عليه"، تمام ماذا؟ تمام إيجاد الواجب، لأنه لو (والمسألة عقلية نظرية ليس فيها دليل شرعي) لو جعل للمكلف أن يحتج بعدم إيجاب المشي إلى الصلاة لسقطت الجمعة عن كل الناس، أليس كذلك؟ فهذا يؤدي إلى إبطال الصلاة لأنه إذا لم يمش فيجب عليه المشي قال الصلاة واجبة والمشي غير واجب، إذن لا آثم بترك الصلاة، فحينئذ يسقط عنه الواجب لسقوط الوسيلة إليه، نقول: لا، الصواب لها أحكام المقاصد، ولذلك نقول: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا مغاير لقوله: "ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب" وهو النوع الأول، النوع الأول هنا " ما لا يتم الواجب إلا به إما غير مقدور للمكلف" هذا يعبر عنه الأصوليون بقاعدة "ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب" نقول الزكاة مثلا، الزكاة لا تجب إلا ببلوغ النصاب، إذا وجد النصاب وجبت الزكاة بحولان الحول، هل يجب عليك أن تذهب وتشتغل وتعمل حتى تجمع النصاب؟ هذا في قدرتك أو لا؟ ممكن يكون في قدرتك أن تذهب وتعمل وتجمع مالا ليحول عليه الحول فتجب الزكاة، نقول هذا غير مكلف به، لماذا؟ لأن المقدمة هنا مقدمة وجوب لا مقدمة وجود مقدمتان: (مقدمة وجوب) يعني ما كان وسيلة لإيجاد الحكم الشرعي، الصلاة الزكاة ليس بواجبة، الذي ليس عنده مال يزكَّى الزكاة ليست بواجبة، هل لك أن تسعى لتجب عليك الزكاة؟ ليس بواجب، لذلك نقول ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، إذن لا يجب عليك أن تسعى لتجمع مالا فيحول عليه الحول فتجب عليك الزكاة، لأن هذه المقدمة وهي جمع النصاب ليست مقدمة لوقوع الواجب الذي تعلق به التكليف وإنما هي لإيجاب الفعل ولذلك نقول المقدمة مقدمتان مقدمة وجوبٍ، وهي التي يتعلق بها التكليف بالواجب، كدخول الوقت للصلاة، الصلاة لا تجب إلا إذا دخل الوقت، ليس في وسعك أن تذهب أو تصنع شيئا ليدخل عليك الوقت، لماذا؟ لأن الوجوب يتعلق بالصلاة متى؟ إذا دخل الوقت، تحصيل ما يؤدي أو يثبت الوجوب للصلاة ليس في وسعك وليس في قدرتك، كدخول الوقت للصلاة والاستطاعة للحج، غير المستطيع لا يجب عليه أن يسعى فيأتي بالمال ليجب عليه الحج، نقول الحج ليس واجبا عليك، لماذا؟ لأنك غير مستطيع، ولا يجب الحج إلا بالاستطاعة، الاستطاعة هذه مقدمة لوجوب الحج، لا يلزمك الإتيان بمقدمة الوجوب، فلا يقال لك اذهب واشتغل واعمل من أجل أن تأتي بمال فيجب عليك الحج، كذلك الحولان والنصاب للزكاة، هذا يسمى ماذا؟ يسمى مقدمة وجوب، فهذه المقدمة ليست واجبة باتفاق العلماء، لماذا؟ لأن الفعل نفسه ليس بواجب، فإن تتوقف على ما يؤي إلى وجوبه حينئذ ليس واجبا عليك تحصيله، المقدمة الثانية (مقدمة وجود) يعني ثبت أنه واجب، ثبت بالشرع أنه واجب ثم توقف إيجابه وحصول هذا الواجب على وسائل، نقول الوسائل لها أحكام المقاصد، ما لايتم الواجب إلا به فهو واجب، مقدمة وجود وهي التي يتوقف عليها وجود الواجب على وجه شرعي صحيح لتبرأ منه الذمة، هذه قسمت إلى قسمين (مقدمة الوجود): ما هو في مقدرو
(3/23)

المكلف وما ليس في مقدور المكلف، قالوا: ما كانت في مقدور المكلف فهي واجبة، وما ليست في مقدور المكلف هي محل النزاع عند الأصوليين والأصح أنها لا تجب، ولذلك ما لا يتم الواجب إلا به بعضهم يرى أنه يعبر بما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به، لماذا؟ تشمل الندب، ليعم مقدمة الواجب بالوجوب وليعم المندوب، ثم ما لا يتم الواجب إلا به قد يكون منصوصا عليه في الشرع، وقد لا يكون منصوصا عليه في الشرع، فإذا كان منصوصا عليه في الشرع = جاء دليل خاص به كالوضوء جاء دليل خاص وحينئذ نقول ثبت بدليلين بنص الشرع وبهذه القاعدة، وما لا يرد فيه نص أو لم يرد فيه نص حينئذ نقول: ثبت وجوبه بهذه القاعدة، مثل إحصاء المال لإخراج الزكاة، إذا وجبت الزكاة بشرطها لا يمكن إن كان عنده مال كثير = لا يمكن أن يخرج الزكاة إلا إذا عرف ما الذي عنده، وجبت الزكاة لكن كم مقدارها؟ لابد أن يحصي المالأ، إحصاء المال هذا واجب، هل نص عليه الشرع؟ نقول: لا، لم ينص عليه الشرع، وإنما ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ينبني على هذه القاعدة: "ما لا يتم ترك الحرام إلا به فتركه واجب".
فَمَا بِهِ تَرْكُ الْمُحَرَّمِ يَرَى.:. وُجُوبَ تَرْكِهِ جَمِيعُ مَنْ دَرَى.
ترك الحرام واجب، "ما لا يتم ترك الحرام إلا به فهو واجب" هو داخل وفرع في ضمن القاعدة السابقة، "ما لا يتم ترك الحرام إلا به فتركه واجب"، هذا يتفرع على القاعدة السابقة، لأن الوجوب قد يكون في الوجود الذي هو الإيجاد، وقد يكون الوجوب فيما هو ترك للمحرم، إذا كان لا يتم ترك الحرام إلا بشيء جائز حينئذ نقول هذا الجائز واجب الكف عنه، مثلا له مثال مشهور عند الأصوليين: فلو اشتبهت أخته بأجنبية أو ميتة بمذكاة، قال: وجب الكف تحرجا عن مواقعة الحرام، فلو (الفاء) للتفريع، بأن يتفرع عن القاعدة السابقة (اشتبهت أخته بأجنبية) هذا يمكن، هل لها صورة؟ يمكن تشتبه بالرضاعة، هذا يحصل كثيرا، يغفل يسأل عنه الناس، إذا اشتبهت أخته بأجنبية ويعلم أن واحدة منهما أخته بالقطع والثانية أجنبية = فلو اشتبهت أخته بأجنبية لم يجز العقد عليهما، لا يجوز أن يعقد عليهما، الأجنبية حلال أم حرام؟ حلال، وأخته حرام، نقول وجب الكف عنهما، أما الأجنبية فلاشتباهها بالمحرم، وأما أخته فبالأصالة، إذن صارت الأجنبية حراما لاشتباهها بأخته، وترك العقد على أخته هذا واجب ولا يتم هذا الواجب إلا بترك العقد على الأجنبية، حينئذ نقول:
فَمَا بِهِ تَرْكُ الْمُحَرَّمِ يَرَى.:. وُجُوبَ تَرْكِهِ جَمِيعُ مَنْ دَرَى.
(3/24)

حينئذ يجب ترك العقد على الأجنبية دفعا للوقوع في العقد على أخته، (أو ميتة بمذكاة) هذا واضح، (ميتة بمذكاة) يعلم أن واحدة منهما مذكاة والأخرى ميتة، يحرم عليه الأكل من الميتة، والأصل في المزكاة أنه جائز أن يأكل منها، فإذا حصل الاشتباه نقول حرم الأكل منهما، الميتة بالأصالة والمزكاة للاشتباه، وجب الكف تحرجا، وجب الكف يعني عن العقد على الأخت والأجنبية، ووجب الكف عن أكل المزكاة المشتبهة بالميتة، تحرجا، تفعلا، هذا التفعل يأتي مرادا به = يأتي بمعنى التجنب، يعني بعدا عن الوقوع في الحرج، ولذلك جاء في الحديث: "فأخبر بها معاذ تأثما" يعني خروجا عن الوقوع في الإثم، هنا تحرجا يعني خروجا عن الوقوع في الحرج، وجب الكف عن مواقعة الحرام وهو أخته والميتة، ولا يتم ذلك إلا باجتناب الميتة والمزكاة ولا يتم ذلك في العقد إلا بالكف عن الأخت والأجنبية، فلو وطيء واحدة أو أكل فصادف المباح لم يكن مواقعا للحرام باطنا، ما تورع فتزوج واحدة منهما فظهر أنها الأجنبية بعد ذلك هل يكون قد وقع في الحرام؟ نقول: لا، نقول يجب الكف عنهما، لا يتزوج هذه ولا تلك، لكن ما تورع فعقد النكاح، نقض، فحينئذ نقول إن صادف أنها أخته فالعقد باطل لا إشكال، وإن صادف أنها الأجنبية قال هنا لم يكن مواقعا للحرام باطنا، يعني بينه وبين الله عز وجل لا إثم، لا يأثم على أنه قد وقع في زنا، وإنما يأثم على المخالفة، يأن ثم أمرين عندنا في مثل هذه المسألة، إذا حُرِّمَ أكلُ المذكاة لاشتباهها بالميتة عندنا أمران، إثم على أكل الميتة وإثم على مخالفة الإقدام، فحينئذ إذا أكل وثبت أنها ميتة قد أثم من وجهين، (ولم يكن مضطرا) قد أثم من وجهين، أولا: أكل الميتة، وثانيا: مخالفة الأمر، لأننا نقول يجب الكف عنهما، عن أكل واحدة منهما، فحينئذ يأثم من جهتين، فلو صادف أن المأكول هي المذكاة نقول لا يأثم من جهة كونها ميتة لأنه لم يأكل ميتة، وإنما يأثم من جهة مخالفة الواجب وهو الكف، ولذلك قال: "فلو وطيء" يعني بالتزوج، تزوج واحدة منهما أو أكل من الميتة أو المذكاة فصادف المباح" معنى ذلك عرف أن الذي أكله هو المذكاة، وعرف أن المعقود عليها هي الأجنبية = "لم يكن مواقعا للحرام باطنا، لعدم تيقنه الحرام، لكن ظاهرا" يعني لكنه مواقع له ظاهرا، "لفعل ما ليس له"، مواقع للحرام ظاهرا لأنه خالف الوجوب، "لفعل ما ليس له" يعني ما ليس له فعله؛ لأنه الواجب عليه الكف للاشتباه، لماذا؟ لأننا نقول: الإثم من جهتين: من جهة مخالفة الكف ومن جهة التلبس بمواقعة الأخت أو الأكل من الميتة، فإذا انتفى الإثم المرتب على مواقعة الأخت وانتفى الإثم المرتب على أكل الميتة بقي إثم واحد وهو المخالفة.
(3/25)

وبهذا نعلم ما يشتهر الآن من بعض طلاب العلم، يُستفتى في مسألة فيظن الجواب، أو لا يعلم الجواب، هذا يحصل معي كثيرا، يُسأل في مثل هذا المسألة فيجيب بما يراه في وقته وأفتى له عقله، ثم يسألني فأقول له الجواب، يقول الحمد لله أنا قلت له كذلك، هل هذا يأثم أو لا؟ هو صادف الحق، أفتى على ما يوافق الحق فيما يظنه لكنه نقول هو آثم، لماذا؟ لأنه خالف، هو ممنوع من الإفتاء بغير علم، إما يكون عندك علم أو لا، قسمان لا ثالث لهما، [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ] {النحل:43} والآن يقولون مثقف ومفكر، وليس في العالِم مثقف، إما أن يكون في العالِم وإما أن يكون في الجاهل، وليس بين العالِم والجاهل منزلة وسط، [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ] {النحل:43}، إن سُئلْتَ عن مسألة وتعلم يقينا الجواب فأفتِ بها، إن وافقت الحق فالحمد لله فلك أجران كل من أهل الاجتهاد، إن كنت مخطئا فحينئذ يتحمل صاحب الفتوى الذي نقلت عنه، أو إذا كنت مجتهدا فلك أجر، أما ان تفتي هكذا من عندك ثم تسأل عن العلم فإذا وافق الفتوى التي أفتيت بها قلت الحمد لله (كلها)، إنما أنت آثم لأنك خالفت وأقدمت على الفتوى، أنت ممنوع من الفتوى، فإذا أفتيت بعقلك وبرأيك وبظنك في ذلك الوقت وخاصة إذا كان مبناها على الهوى والعقل فصادف أن هذه الفتوى وافقت الحق نقول أنت آثم، ولا يكفيك أن تقول الحمد لله قد أفتيت بهذا، وهذا كثير يسأل في مسألة كهذه المسألة، يفتون هكذا وخاصة في الحج وفي رمضان، يلتقي الناس بعضهم ببعض فالعوام يصيرون مفتين، ولذلك الشيخ بن عثيمين يقول: [ما أكثر من يفتيك يوم الحج] العوام كلهم ينقلبون علماء، الله المستعان، إذن قوله: "فلو اشتبه" المقصود بها تفريع للمسألة السابقة، "فلو اشتبه محرم بمباح" هذا الخلاصة، لو اشتبه محرم بمباح وجب الكف، ولا يحرم المباح في ذاته، يعني لا ينقلب المباح محرما، بل هو على أصله، وإنما المباح لم يحرم، فالمنع لا لكونه حراما، يعني انقلب من الإباحة إلى التحريم، وإنما لأجل الاشتباه، إذن المباح يبقى مبحا، فالمذكاة مباحة، فلو ظهر بعد ذلك وارتفع الاشتباه وعلمت أن هذه مذكاة هل يجوز الأكل منها؟ يجوز الأكل منها، قبل رفع الاشتباه لا يجوز، لماذا؟ لأنها محرمة؟ هل هي محرمة لذاتها؟ الجواب لا، وإنما حرمن لأجل الاشتباه، فإذا زال الاشتباه وعلمت أن هذه المذكاة حينئذ زال الأمر الذي توقف عليه وجوب الكف ظاهرا، إذن نقول فوجوب الكف ظاهرا لا يدل على شمول التحريم لما كان أصله مباحا، ولهذا لو أكلهما لم يعاقب إلا على أكل ميتة واحدة، إنما لو أكل الثنتين لم يعاقب إلا على أكل الميتة، لو تزوج الثنتين لم يعاقب إلا على وطء أخته، هذا خاتمة هذا الفصل، ومسائله كثيرة، وترجعون إليها في المطولات.
(3/26)

عناصر الدرس
* المندوب
* المحظور.

الدرس الرابع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فلا زال الحديث في بيان الأحكام التكليفية التي ذكر المصنف (رحمه الله تعالى أنها خمس) وبدأ بالواجب، وذكرنا أن الواجب هنا ليس هو قسما من أقسام الأحكام وإنما هو فعل المكلف، تعلق به الإيجاب فهو من متعلقات الحكم وليس من أقسامه، وقد وهمت بالأمس وعرفت الإيجاب بأنه ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، وهذا ليس بصحيح بل هو وَهَم، وإنما نقول الإيجاب هو الخطاب المقتضي للفعل اقتضاء جازما، لأن الإيجاب هو نفسه الخطاب، فذكرت أن تعريفه ما طلب الشارع، هذا هو الحق، فنقول: ماذكره المصنف هنا، قوله: "واجب يقتضي الثواب على الفعل والعقاب على الترك" نقول هذا التعريف بالثمرة واللازم والحكم، والثمرة واللازم والحكم هذه فرع، والحكم على الشيء نقول فرع عن تصوره، إذن ما تصور حقيقة الواجب الذي هو فعل المكلف؟ نقول: "ما طلب الشارع فعله طلبا جازما" إذن الواجب الذي هو صفة فعل المكلف له حكم وله حقيقة، حقيقته تدرك بالحد والتعريف، تعريفه: نقول: "ما طلب الشارع فعله طلبا جازما".
(ما): هذه اسم موصول بمعنى (الذي) يصدق على فعل المكلف، حينئذ يكون جنسا، بمعنى أنه تدخل فيه الأحكام التكليفية الخمسة، (طلب): خرج من قوله (ما) الذي هو جنس الإباحة أو المباح، لماذا؟ لأنه لا طلب فيها، "طلب الشارع فعله" خرج المكروه والمحرم، لأن الشارع طلب تركه، بقي معنا المندوب، حينئذ نقول: "طلبا جازما" بمعنى أنه لا يجوز له الترك، بأن رتب العقاب على ترك الفعل فخرج به المندوب، هذا هو حقيقة الواجب الذي هو صفة فعل المكلف "ما طلب الشارع فعله" حكمه، ثمرته، نقول ما يثاب على فعله امتثالا ويعاقب على تركه، أما الإيجاب الذي هو صفة الطاعات، الذي هو القرآن نفسه، الذي هو صفة الحاكم، نقول "الخطاب المقتضي للفعل اقتضاء جازما"، "الخطاب المقتضي" يعني الطالب للفعل، خرج به الخطاب المقتضي للترك وهو التحريم والكراهة، "المقتضي للفعل اقتضاء جازما" خرج به الخطاب المقتضي للفعل اقتضاء غير جازم وهو المندوب، ولذلك [ ... ] كما سبق، ثم قال بعدما انتهى من حد الواجب وحقيقته والمسائل التي يتعلق بها: "ومندوب" ومندوب هذا معطوف على قوله "واجب" = "تكليفية وهي خمسة: واجب ومندوب" و"مندوب" هو القسم الثاني من أحكام الشرع التكليفية ويقال فيه ما قيل في الواجب، أنه في الأصل صفة فعل المكلف، فحينئذ عرَّف الحكم الشرعي من حيث تعلقه بفعل المكلف، والمندوب هذا من جهة الصيغة اسم مفعول من (نَدَبَ يَنْدُبُ) فهو (مَنْدُوبٌ) والأصل أنه يقال مندوب إليه، أي مدعوٌّ إليه ولكن هذه تسمى عند أهل اللغة الحذف والإيصال، مندوب إليه = يُحذَف (إلى) ثم يتصل الضمير بالمندوب، وهو اسم مفعول فيستتر فيه، يسمى حذفا وإيصالا، الحذف للحرف والإيصال للضمير المستتر، الضمير الظاهر يصير ضميرا مستترا، حذفت الحرف ووصلت الضمير بعامله الأصلي وهو المندوب، لأنه اسم مفعول فيرفع نائب الفاعل، قلنا "مندوب" مشتق من الندب، حقيقة الندب في اللغة الدعاء، وبعضهم يقيده بـ (الدعاء بأمر مهم).
(4/1)

لا يسألون أخاهم حين يندبهم.:. في النائبات على ما قال برهانا.
إذن المندوب لغة: المدعو لمهم _كما قال الآمِدِيُّ_ من الندب، وهو الدعاء، ومنه حديث: (انتدبَ اللهُ لمن يخرج في سبيله) أي أجاب له طلب مغفرة ذنوبه، (انتدب الله لكذا) أي أجاب.
والمندوب في الاصطلاح إذا عرفنا أنه صفة فعل المكلف حينئذ نعرفه بما عرفنا به الواجب، فنقول: "ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم" (ما) اسم جنس بمعنى الذي، أي اسم موصول بمعنى الذي، وهي جنس، تشمل الأحكام التكليفية الخمسة، (طلب الشارع) خرج ما لا طلب فيه وهو الإباحة، (طلب الشارع فعله) خرج المحرم والمكروه لأن الشارع ترك الترك هنا، (طلبا غير جازم) يعني طلبا غير جازم أي طلبا غير مقطوع به بحيث لم يرتب على تركه العقاب، خرج به الواجب، فالواجب والمندوب يشتركان في طلب الفعل وفي ترتب الثواب على الفعل، ولذلك ولهذه العلة ثنَّى المصنف بعد الواجب بالمندوب، وإلا جماهير الأصوليين عند التصنيف يذكرون أولا الواجب ثم الحرام ثم المندوب ثم المكروه ثم المباح، على هذا التفسير، والمصنف هنا جرى على ما جرى عليه ابن قدامة في الروضة، لذلك قيل إن هذا الكتاب اختصر من الروضة، بدأ بالواجب وثنى بالمندوب وثلث بالمحظور وربع بالمكروه والمباح، نعم ذكر المكروه ثم المباح، ما الفرق بينهما؟ نقول الفرق: بعضهم راعى أن كلا من الواجب والمندوب طلب فعل، بقطع النظر عن كونه جازما أو ليس بجازم، الواجب فيه طلب فعل والمندوب طلب فعل، إذن اشتركا في هذه الحيثية، وزد على ذلك أن الواجب يترتب على فعله ثواب، والمندوب يترتب على فعله ثواب، إذن الأولى أن يثنى بالمندوب بعد الواجب لاشتراكهما في هاتين العلتين ثم يذكر بعد ذلك المحظور والمكروه لاشتراكهما في طلب الترك، وإن افترقا من جهة ترتب العقاب، لأن المحظور يترتب العقاب على فعله، والمكروه لا يترتب العقاب على فعله، إذن بقطع النظر عن العقاب وعدمه يقدم المحظور على المكروه، ويثلث بالمحظور بعد المندوب لاشتراكهما في مجرد الطلب، لماذا؟ لأن المندوب والواجب طلب الفعل، والمكروه والمحظور طلب الترك، بهذه الحيثية رتب المصنف ابن قدامة في الروضة، جماهير الأصوليين ليسوا على هذا الترتيب، وإنما يذكرون الواجب أولا ثم الحرام، لماذا؟ قالوا: لاشتراكهما في صيغة متحدة، وهي الصيغة الجازمة، إذن الواجب طلب جازم، والمحرم طلب جازم، إذن كل منهما طلب جازم بقطع النظر عن كون الواجب طلب فعل والمحرم طلب ترك، لمجرد الجزم نقول الأولى أن يثنى بالمحرم بعد الواجب، لهذه العلة رتب كثير من الأصوليين الحرام بعد الواجب، ثم يذكرون المندوب ثم المكروه، يعني يقدم المندوب على المكروه لاشتراكهما في الصيغة أيضا، ما هي الصيغة؟ عدم الجزم، كل منهما ليس بجازم، يعني مطلوب الترك مطلوب لا على وجه الجزم، المندوب مطلوب لا على وجه الجزم، والمكروه مطلوب لا على وجه الجزم، إذن اشتركا في عدم الجزم مع اختلافهما في كون المندوب مطلوب الفعل والمكروه مطلوب الترك، فهمتم الآن هذا الترتيب؟ نقول هنا رتب باعتبار مطلق الطلب، والجمهور رتبوا باعتبار مطلق الجزم، واضح هذا؟ فنقول المندوب في اللغة هو المدعو لمهم، من الندب وهو
(4/2)

الدعاء.
لا يسألون أخاهم حين يندبهم.:. في النائبات على ما قال برهانا.
وفي الاصطلاح نقول: "ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم".
هنا قال: "ما يقتضي الثواب على الفعل، لا العقاب على الترك" وهذا يسمى كما ذكرنا أنه حَدٌّ أو رسمٌ بالثمرة واللازم والحكم، والحكم فرع عن تصور حقيقة الشيء، أن يصور أولا بالحد المقرب للجنس والفصل ثم بعد ذلك يبين حقيقته من جهة الثمرة واللازم، "ما يقتضي الثواب على الفعل" = "ما" يعني فعل ويشمل (فعل المكلف) يشمل الجوارح والقلب واللسان، فهذه الثلاثة مَوْرِدٌ للندب، من الأفعال الظاهرة ما هو مندوب، من أعمال القلوب ما هو مندوب، من أعمال اللسان ما هو مندوب، "يقتضي" يعني يطلب الثواب على الفعل، وعرفنا أن المراد بالثواب هو الجزاء بخير مطلقا، "يقتضي الثواب على الفعل" مطلقا؟ أم لابد من قيدٍ؟ لابد من قيد، وهو امتثالا، لأن العبادة إذا وقعت لا على وجه القربة فليس فيها ثواب، "ما يقتضي الثواب على الفعل" مطلقا سواء كان فعل جوارح على الظاهر أو اعتقاد القلب أو اللسان، "لا العقاب على الترك" إذن لا يقتضي ترك المندوب الوقوع في العقاب، لماذا؟ لأنه مطلوب الفعل لا على وجه الجزم، بخلاف الواجب فإنه مطلوب الفعل مع الجزم، يعني مقطوع به، بحيث رتب الشرع العقاب على الترك، وهنا لا العقاب على الترك، لماذا؟ لأنه مطلوب لا على وجه الجزم والقطع بأن لم يرتب الشارع العقاب على ترك الفعل، قال: "وبمعناه" إذن عرفنا حده من جهة الثمرة وحقيقته من جهة الجنس والفصل، قال: "وبمعناه" يعني بمعنى المندوب "المستحب والسنة والنفل" وهذا مراده أن المندوب له أسماء، يعني ليس مقطوعا في هذا اللفظ، وإنما له أسماء متعددة كلها تتفق على هذا القدر المشترك، وهو ما يقتضي الثواب على الفعل لا العقاب على الترك، وذكر في مختصر التحرير أنه يسمى سنة، يعني المندوب يطلق عليه أنه سنة، ومستحبا وتطوعا ونفلا وقربةً ومرغبا فيه وإحسانا، هذه كلها ألفاظ روعي فيها المعنى اللغوي وأما من جهة الاصطلاح فمصدقها شيء واحد وهو ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم، وإن شئت قل: "ما يقتضي الثواب على الفعل لا العقاب على الترك"، وهذا هو الأصح أن هذه الألفاظ كلها مترادفة، وكثير من أرباب المذاهب المتأخرين يجعلون فروقا بين بعض هذه الأسماء، وكلها فروق فيها تكلف وفيها كثير من المخالفات للشرع أصلا، فحينئذ نقول لا يقيد المندوب بمعنى يفترق به عن السنة، ولا تقيد السنة بمعنى يفترق عن المستحب وهلم جرا، لماذا؟ لأن المسألة عندهم اصطلاح، فإذا اتفقوا على الأصل وهو أن مطلوب الفعل لا على وجه الجزم وهو ما اقتضى الثواب على الفعل لا العقاب على الترك، وهذا القدر كله مشترك بين مدلول هذه الأسماء، فحينئذ نحكم بأنها مترادفة، وجعل أي قيد يزيد على بعض هذه الأسماء حينئذ يكون تقييدا لهذا الحد، والأصل فيه أنه مطلق ولا يزاد عليه إلا ما قد ذكره الأصوليون أنفسهم، فنقول المندوب ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم، سواء أظهره النبي (صلى الله عليه وسلم) في جماعة، سواء أقره في بيته، سواء داوم عليه، سواء ذكر ثوابا محددا، سواء ذكر ثوابا غير محدد، سواء رغب فيه على المنبر، سواء رغب فيه
(4/3)

بعض الصحابة، نقول هذا القدر كله لا يجعلنا نجعل لكل معنى من هذه المعاني مصطلحا خاصا، أو هذه الصفات التي ذكرت لا تجعلنا نجعل لكل معنى من هذه المعاني مصطلحا خاصا، لأن الأصل تقليل الاصطلاح، هذا الأصل عندهم، كلما أمكن ألا يوزع ويشتت في الاصطلاح فهو أولى، وعليه نقول هذه الأسماء كلها مترادفة في الاصطلاح، وكل من فرق من المالكية والحنابلة والشافعية فنقول هذا تفريق يعتبر من جهة الاصطلاح وأما المعنى الأصلي عند كثير من المتقدمين من الأصوليين فهي مترادفة، ولذلك ما قال بعضهم أو بعض الأئمة المتأخرين أنهم حكموا بأن هذه التفرقة في هذه الاصطلاحات أمر محدث، يعني بدعة، فحينئذ نقول الأصل الترادف ولا نأثر عنه.
فضيلة والندب والذي استحب.:. ترادفت ثم التطوع انتخب.
رغيبة ما فيه رغب النبي.:. بذكر ما فيه من الأجر جبي.
أو دام فعله بوصف النفل.:. والنفل من تلك القيود أخل.
والأمرِ بل أعلم بالثواب.:. فيه نبي الرشد والصواب.
وسنة ما أحمد قد واظبا.:. عليه والظهور فيه وجبا.
(4/4)

هذه كلها اصطلاحات فقط لا دليل عليها، (وسنة ما أحمد واظبا _عليه الصلاة والسلام_ والظهور فيه وجبا) يعني السنة تختص عند بعض المالكية المتأخرين بما واظب عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) وأظهره في جماعة، طيب هذا في السنة أم ليس في السنة؟ نقول سنة أو لا؟ والأصل فيه عدم الظهور، إذن على هذا الحد وهذه التفرقة نقول خرج كثير من السنن التي حكاها الكثير من زوجات النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه فعلها في بيته، فنقول ما فعله عند النوم ولم يأمر به نقول هذا ليس من السنة وإنما يسمى نفلا، [ ... ]، حينئذ كل ما يشتر نقول هذا لا أصل له، (والندب والسنة والتطوع والمستحب بعضنا قد نوهوا) والضد لفظ، يعني مع اختلافهم وذكرهم مصطلحات خاصة قالوا الضد لفظ، يعني لا يقبل [ ... ] على هذا الاختلاف، إذن لا فائدة أن نقيد كل معنى بمصطلح خاص، لذلك قال هنا: (وبمعناه)، يعني في معنى المندوب السابق (ما يقتضي الثواب على الفعل لا العقاب على الترك) (المستحب) إذن المندوب يسمى مستحبا، لماذا؟ (مستحبا) اسم مفعول، من (استُحِبَّ، يُستَحَبُّ، فهو مُسْتَحَبّ) يعني بمعنى أن الشرع أحبَّه، والأصل هل الشرع أحب المندوب فقط دون الواجب؟ إذا قلنا المستحب من المحبة بمعنى أن الشرع أحبه، والواجب؟ هو أشد حبا، لا نقول أحب، أشد حبا أو أشد محبة من المندوب، لماذا؟ لأنه آكد، ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، وأما المندوب فليس بجازم، ولذلك الواجب منه ما هو معين، فإذن الواجب معناه المستحب، يعني المستحب يأتي أو يقتضي الثواب على الفعل لا العقاب على الترك، بعض المتأخرين كالحنابلة يفرق بين السنة والمستحب، نقول ما ثبت بدليل فهو سنة، وما ثبت بتعليق فهو مستحب، نقول هذا أيضا لا أصل له، والأصل عدم التفرقة، ولذلك يقول يستحب دخول الخلاء أو يستحب عند دخول الخلاء قول بسم الله، هذا بدليل أو بتعليل؟ بدليل، فكيف يعبر عنه بالاستحباب وهو قد نص على أن الاستحباب في كثير من المتون الفقهية بمعنى ما ثبت بتعليل لا بدليل!! على كل الأمر فيه كثير من التناقضات، (وبمعناه المستحب والسنة) يعني السنة هي ما طلب الشارع فعله طلبا جازما، أو إن شئت قل: ما يقتضي الثواب على الفعل لا العقاب على الترك، هذا عند الأصوليين، يطلق السنة مرادا به المندوب، ولا يطلق الآخر عندهم أيضا، سيأتينا مبحثه في موضعه.
ثم قال (وهي الطريقة) لما ذكر السنة أنها تأتي بمعنى المندوب قال وهي (الطريقة) يعني وهي لغة = السنة لغة: الطريقة والسيرة، ولذلك يقال السنة _كما قال بعضهم_ السيرة حميدةً كانت أو ذميمةً، قال لبيد:
من معشر سنَّت لهم آباؤهم.:. ولكل قومٍ سُنَّةٌ وإمَامُها.
(4/5)

يعني طريقة ولها إمام، ولذلك يأتي في القرآن: [سُنَّةَ اللهِ]، أي طريقة الله جل وعلا في المكذبين لرسله، إذن الطريقة والسيرة هو معنى السنة في الاصطلاح، فكلها في اللغة، قال لكن تختص بما فُعِل للمتابعة فقط، وهذا ليس باستقصاء على هذا الإطلاق، وإنما نقول السنة تطلق ويراد بها ما يقابل الواجب، يعني لها إطلاقات ثلاثة، تطلق السنة ويراد بها ما يقابل الواجب، وهو الذي ذكره هنا بمعنى المندوب، يعني ما يقتضي الثواب على الفعل لا العقاب على الترك، وتطلق السنة في ما يقابل القرآن، ولذلك نقول السنة هي قول النبي (صلى الله عليه وسلم) وفعله وأقواله وتقريراته، أقواله وأفعاله وتقريراته، هذه مقابلة للقرآن، تسمى السنة، ولذلك نقول أدلة الفقه كم؟ أربعة، الكتاب والسنة، ما المراد بالسنة هنا؟ ما يقابل الواجب؟ نقول لا، ما يقابل القرآن، وهي أقوال النبي (صلى الله عليه وسلم) وأفعاله وتقريراته، السنة تطلق إطلاقا ثالثا عند كبار الأئمة وخاصة في باب المعتقد في ما يقابل البدعة، كل ما وافق القرآن والحديث ويدخل فيه عمل الصحابة مطلقا، فهذا يسمى سنة، ولذلك جاءت كتب السنة عند الأئمة ويذكرون فيها الاعتقاد وأصول أهل السنة والجماعة، وهنا أهل السنة والجماعة، ما المراد بالسنة؟ ما يقابل البدعة، هذا على قولي، ما يقابل البدعة، إذن تطلق السنة ويراد بها واحد من هذا الإطلاقات الثلاثة، ما يقابل الواجب، ما يقابل القرآن، ما يقابل البدعة، هنا قال (لكن تختص بما فعل للمتابعة فقط)، (لكن) هذا حرف استدراك، يستدرك فيما سبق إذا كانت السنة تأتي مرادفة للمندوب فيما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم إلا أنها تختص _أي لفظ السنة_ تختلف عن المندوب في إطلاقه، ذكر إطلاقا واحدا فقط، وهو أنها تختص بما فعل للمتابعة فقط، يعني متابعة النبي (صلى الله عليه وسلم) مطلقا، سواء كان واجبا أو مستحبا، ولذلك جاء قول أنس (رضي الله تعالى عنه): "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا"، هذا واجب، عبَّرَ عنه من السنة، قال الصحابي: "من السنة" وإذا قال الصحابي (من السنة) فله حكم الرفع، ليس مرفوعا حقيقة، وإنما هو له حكم الرفع.
وليعط حكم الرفع في الصواب.:. نحو من السنة من صحابي.
فإذا قال الصحابي (من السنة) لحمل على أنها سنة النبي (صلى الله عليه وسلم)، لكن لو قال أمِرنا ونُهينا.
وليعط حكم الرفع في الصواب.:. نحو من السنة من صحابي.
كذا أمرنا وكذا كنا نرى.:. في عهده أو عن إضافة عرا.
(4/6)

هذا سيأتينا إن شاء الله لاحقا في السنة، إذن نقول ما فعل للمتابعة فقط مرادا به متابعة النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو المعبر عنه بالتالي: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ]، (أسوة=فُعلَة) من التأسي، قال بعض الأصوليين بتحديد مفهوم التأسي: (أن تفعل كما فعل لأجل أنه فعل، وأن تترك كما ترك لأجل أنه ترك)، (أن تفعل كما فعل) لا تقل هل هذا فعله على جهة الوجوب، وهل هو واجب عيني أو واجب كفائي، هل هو على جهة الاستحباب أو لا، هل تركه هذا على جهة التحريم، أو الكراهة، لا مادام هو أنه بلغك أن النبي (صلى الله عليه وسلم) فعل هذا الفعل فافعل، وهذا هو الأصل في المسلم، وهذا هو الأصل على جهة الخصوص في طالب العلم، وإلا ما فائدة العلم؟ ما فائدة العلم إذا كان طالب العلم يتعلم من أجل أن يقول هذا واجب إذا لو تركته آثم، وهذه من السنة (رحم الله السنة)، فيترك ويتساهل بالسنة من أجل أنه علم هذه المصطلحات، نقول هذه المصطلحات فائدتها عند التعارض، إذا تعارض على المكلف، على المسلم، على طالب العلم _ بعض الأمور فأيهما يقدم؟ حينئذ يجد السؤال، هل أقدم هذا على ذاك؟ هل أترك هذا؟ هل هذا قابل التأكيد؟ هل هذا كذا؟ هل يترتب على تركه شيء (مؤاخذة)؟ حينئذ تأتي هذه الاصطلاحات، نقول هذا سنة = تركه لا يعاقب عليه، هذا واجب، أما الأصل أن تفعل كما فعل (عليه الصلاة والسلام)، (لأجل أنه فعل) فقط لا لكونه واجبا، لأجل أنه فعل، (وأن تترك كما ترك لأجل أنه ترك)، ذكرها الفتوحي في مختصر التحرير، هذا الضابط للتأسي.
هنا قال: (فيما فُعِلَ للمتابعة فقط، واجبا كان الفعل أو لا) ولذلك جاء في الحديث: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، (بسنتي) مطلقا، يشمل الدين كله، ولذلك هذا إطلاق بما يقابل البدعة، ذكره بعضهم.
(والنفل)، (وبمعناه المستحب والسنة والنفل) إذن النفل يكون بمعنى المندوب، هذه ألفاظ كلها مترادفة، وبعضهم يخص النفل بما؟ بمعنى خاص به، وليس للتفريق سبيل.
(4/7)

والنفل وهو الزيادة على الواجب، النفل في اللغة الزيادة، مطلق الزيادة، كل زيادة فهي نفل، وفي الاصطلاح قالوا: وهو _أي النفل_: (الزيادة على الواجب) أي النفل يطلق على العبادات التي يبتدؤها العبد زيادة على الواجب، ما ليس بواجب فهو نفل، مثل ماذا؟ قيام الليل نفل أو لا؟ نفل، الرواتب نفل أو لا؟ نفل، كل ما زاد عن الواجب أو على الواجب فو نفل، وبعضهم يجعل من هذا قول جل وعلا: [وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ]، وبعضهم يقول لا، ليس المراد هذا، لماذا؟ لأن النافلة في هذه الآية لو كان المراد بها المرادف للمستحب والمندوب لَمَا قال (لكَ)، هذا تخصيص، أليس كذلك؟ لأن قيام الليل هذا نافلة مستحب للكل، وهنا ورد التخصيص، لذلك استدل بعضهم بهذه الآية على وجوب القيام على النببي (صلى الله عليه وآله وسلم)، "وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه" إذن ما يزاد على الواجب، كل ما زاد على الواجب فهو نافلة، ثم قال: (وقد سمى القاضي ما لا يتميز) هذه مسألة أخرى، إذن عرفنا أن المندوب الآن حده ما يقتضي الثواب على الفعل لا العقاب على الترك، وله أسماء كلها مترادفة، كلها بمعنى واحد تقتضي الثواب على الفعل لا العقاب على الترك، يرد السؤال: هل المندوب مكلف به؟ نقول: الصواب نعم، أنه حكم تكليفي، ولذلك ذكره المصنف هنا في الأحكام التكليفية، وإن كان الكثير من الأصوليين لا يرون أن المندوب حكم تكليفي.
ولَيْسَ مَنْدُوْبٌ وَكُرهٌ في الأَصَحّْ.:. مُكَلَّفًا ........ .
(4/8)

إذن ليس بحكم تكليفي، وإذا لم يكن حكما تكليفيا لماذا يفترض في هذا الموضع؟ والأصح أنه حكم تكليفي، لماذا؟ لأن فيه معنى التكليف اللغوي، التكليف في اللغة ماهو؟ ما فيه كلفة ومشقة، ليس فيه إلزام ولا طلب، التكليف في اللغة ما فيه كلفة ومشقة، إذا قلت حد التكليف في الاصطلاح: طلب ما فيه كلفة ومشقة، حينئذ ثبت بالحس أن المندوب فيه كلفة ومشقة، فإذا ثبتت المشقة في المندوب فحينئذ نحكم عليه بأنه حكم تكليفي، ولذلك قيل: (وهو تكليف _أي المندوب_ إذ معناه طلب ما فيه كلفة) بل نص بعضهم أنه قد يكون أشق من الواجب، وهذا مدرك بالحس، قد يكون المندوب أشق من الواجب، الصيام في الصيف هل هو كالصيام في الشتاء؟ أيهما أشق؟ الصيف، قد يكون صوم رمضان موعده في الشتاء، وقد يتنفل ويتطوع المكلف بالصيام في الصيف، أيهما أشق؟ الثاني لا شك، لا شك أن صيام التطوع في الصيف أشد مشقة على المكلف من الصيام في الشتاء ولو كان فرضا، ولو كان صوم رمضان، حينئذ ثبتت المشقة في المندوب، فإذا ثبتت المشقة حينئذ نحكم عليه بأنه حكم تكليفي، قال بعضهم: السواك ليست به مشقة، أليس كذلك؟ فقول (سبحان الله) ليس فيه مشقة، نقول كذلك الواجب بعضه ليس فيه مشقة، كذلك الواجب بعض أفراده ليس فيه مشقة، إذن انتفاء المشقة عن الواجب وهو تكليف بالإجماع لا يلزم منه ارتفاع الحكم التكليفيعنه، أو وصفه بأنه حكم تكليفي، الواجب نقول في الواقع = في الأصل أنه إلزام أو طلب ما فيه كلفة ومشقة، هذا في الواجب، لكن قد يكون بعض آحاد الواجب ليس فيه مشقة، فإذا انتفت المشقة عن بعض آحاد الواجب لا يلزم منه أن يرتفع الحكم التكليفي من جهة الوصف عن الواجب، نقول كذلك المندوب، وجود المشقة هو الأصل فيه وكون بعض المندوبات لا مشقة فيه لا يلزم منه أن يرتفع الوصف بأنه حكم تكليفي، ولذلك عبر الزركشي في تشنيف المسامع قال المراد بالمندوب المشقة، وجود المشقة، جنس المشقة، وإذا كان جنس المشقة حينئذ تصدق في بعض الأفراد دون بعض، وكذلك الواجب، الإنسان قد يكون يصلي أربع ركعات قد لا يجد فيها مشقة، كذلك قد يصوم رمضان كاملا ولا يجد فيه مشقة، والحج كذلك قد لا يجد فيه مشقة، فحينئذ نقول انتفاء المشقة عن الواجب لا يلزم منه ألا يكون حكما تكليفيا، بل الأصل فيه أن فيه مشقة، والأصل في المندوب أن فيه جنس المشقة كما هي في الواجب، فعدم وجودها أو [ .. ]
(4/9)

في بعض الأفراد كالسواك والتسبيح والتهليل، نقول لا يلزم منه ألا يكون المندوب حكما تكليفيا، وبعضهم يرى أن فيه تكليفا ومشقة من جهة ماذا؟ من جهة أن صاحب القلب الحي إذا فاته ثواب المندوب تحسر وتقطع قلبه ألَمًا لفوات هذا الثواب، إذن فيه مشقة أو لا؟ فيه مشقة، لأن المسلم لا يرضى أن يفوته هذا الخير العظيم، كثير من المندوبات قد تكون أكثر من الواجبات وفيها من الثواب والخير العظيم الذي يعود على القلب بالانشراح والخشوع إلى آخره = لا يرضى بفوات هذا الثواب إلا من عنده نقص في إيمانه، وخاصة المضطرب، ولذلك الإمام أحمد يقول: (لا تقبل شهادة تارك الوتر) لماذا؟ لا لكونه واجبا، عند أصحابه أن الوتر لكثرة الأحاديث الدالة على أهميته حتى قال أبو حنيفة بوجوبه (عليه رحمة الله) قال بوجوبه، لا يترك ويعتاد ترك هذه السنة إلا من كان في قلبه مرض، ولذلك لا يعتاد ترك السنن إلا من كان في قلبه مرض، وخاصة إذا كان من طلاب العلم فهذا لا تقبل شهادته كما قال الإمام أحمد، لماذا؟ لأنه لا يترك هذا الفضل العظيم إلا رغبة عنه، وهذا قد يكون فيه خفة بالثواب، هذا الأول، أنه تكليف، وهو مأمور به حقيقةً، اختلفوا هل المندوب مأمور به أو لا؟ نقول: نعم، الأصح أنه مأمور به حقيقة لا مجازا، بدليل ماذا؟ بدليل أنه داخل في حد الأمر، الأمر سيأتينا أنه اللفظ الدال على طلب، والأمر لفظ دال على طلب، لو قال (افعل) ومراد بها الندب: [وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ]، [وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ]، نقول هذا (أشهدوا) دال على طلب ومراد به الندب، ليس واجبا، إذن هو داخل في قوله: (اللفظ الدال على طلب)، كما أن قوله: [وَأقِيمُوا الصَّلاةَ] داخل في قوله (اللفظ الدال على طلب) إذن استوى الندب أو المندوب والواجب في حد واحد، والانقسام الأمري [ .. ]، شاع عند الفقهاء أنهم قالوا الأمر قسمان: أمر إيجاب وأمر استحباب، يعني أمر جازم وأمر غير جازم، وهذا الشائع هو عليه الاعتماد عند الفقهاء والأصوليين، ولذلك قال عمرو بن العاص لمعاوية: "أمرتك أمرا جازما" إذن قيد الأمر بماذا؟ بالجزم احترازا من الأمر غير الجازم، فهذا التقييد دل على أن الأمر نوعان: جازم وغير جازم، إذن أطلق على غير الجازم وهو المندوب أمر، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
أمرتك أمرا جازما فأعطيتني.:. وكان من التوحيد قتل ابن هاشم.
(4/10)

كذلك هو مستدعًى ومطلوبٌ، وذكرناه، وأيضا أطلق عليه في الكتاب أنه أمر، قال تعالى: [إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى]، (إن الله يأمر) هذا أمر، (بالعدل) وكله واجب، (والإحسان) والإحسان منه واجب ومنه مستحب، إذن الإحسان مأمور به لقوله (يأمر) ومن الإحسان ما هو مندوب، إذن المندوب مأمور به، (وإيتاء ذي القربى) إيتاء ذي القربى ليس كله واجب، بل بعضه واجب وبعضه مستحب، وهو داخل في مفهوم قوله (يأمر) إذن (إيتاء ذي القربى) مأمور به، وإيتاء ذي القربى المندوب مأمور به، كما أن الواجب مأمور به، إذن أطلق لفظ الأمر في الشرع، في الكتاب على ماذا؟ على المندوب، والأصل الحقيقة، يعني لا نقل مجازا، يعني من ينفي يقول: إطلاق لفظ أمر على المندوب مجازا وليس بحقيقة، نقول: لا، حقيقة، بدليل هذه الآية، أن الله عز وجل قال (يأمر) فحينئذ نقول الأصل حمل اللفظ على الحقيقة، ولا يُعدَل عنه إلى المجاز إلا بخبر ولا خبر، يعني إلا بدليل وقرينة، ولا دليل ولا قرينة.
وحيثما استحال أصل انتقل.:. إلى المجاز أو لأقربه حصل.
(وحيثما استحال أصل) فالمراد بالأصل هنا الحقيقة، وحيثما استحال حمل اللفظ على حقيقته انتقل إلى المجاز، حينئذ نقول انتقل لمجاز، وبهذه القرينة أو بهذا التقييد أو بهذه القاعدة نرد مؤولة الصفات فنقول حمل الصفات على ظاهرها لا يستحيل، ولا نحتاج أن نبطل المجاز من أجل أن نثبت الصفات على ظاهرها، ونقول أجمع أهل المجاز كلهم قاطبة من أهل البيان والأصوليين وغيرهم على أنه لا يجوز حمل اللفظ على مجازه إلا بقرينة وخبر، فحينئذ الأصل أن يحمل اللفظ على حقيقته، على ظاهره، فإذا استحال ولم يمكن حمله على ظاهره لابد من قرينة حتى نقول هذا هو مجاز، ونقول آيات الصفات كلها لا يستحيل حملها على ظاهرها، والقرينة التي جعلوها للاستحالة الأصلية قرينة فاسدة باطلة تدل على فساد عقولهم، ولا نحتاج أن نقول نبطل المجاز من أجل أن نبطل قاعدة التحريف والتأويل عند الأشاعرة وغيرهم، إذن هو مأمور به لقوله تعالى: [إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى]، وإطلاق الأمر عليه بالكتاب أو السنة إطلاق حقيقي، أيضا لأنه طاعة، المأمور به طاعة، أليس كذلك؟ وكل طاعة مأمور بها: [قُلْ أطِيعُوا اللهَ]، (أطيعوا) مأمور بالطاعة، إذن المندوب طاعة وهذا بالإجماع، وكل طاعة مأمور بها لأن الطاعة ضد المعصية، المعصية ما هي؟ مخالفة المأمور، الطاعة ما هي؟ امتثال المأمور، إذن المندوب طاعة، فينتج أن المندوب مأمور به، هذا قياس [ .. ].
المندوب طاعة (مقدمة صغرى) وهذا بالإجماع، وكل طاعة مأمور بها، ولها وجهان: من جهة الدليل: [قُلْ أطِيعُوا اللهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ] وهذا أمر، والمأمور به الطاعة، من جهة أخرى أن الطاعة ضد المعصية، والمعصية مخالفة الأمر، والطاعة امتثال الأمر، حينئذ ينتج أن المندوب مأمور به، وهذا هو الحق، أما قول السيوطي: (ولَيْسَ مَنْدُوْبٌ وَكُرهٌ في الأَصَحّْ.:. مُكَلَّفًا .. ) نقول هذا قول مرجوح، ولو قال به جماهير الأصوليين، فإذا ثبت الدليل من الكتاب والسنة والنظر الصحيح نقول به ولا نخالف.
(4/11)

ثم قال: (وقد سمى القاضي ما لا يتميز من ذلك كالطمأنينة في الركوع والسجود واجبا) بمعنى أنه يثاب عليها ثواب الواجب لعدم التميز، وخالفه أبو الخطاب، ثم قال (والفضيلة والأفضل كالمندوب) يرد سؤال بعد هذا، وهو قبل الشروع في هذه المسألة: هل للمندوب صيغ تدل عليه؟ من أين نأخذ المندوب؟ عرفنا أن الواجب نأخذه من صيغة (افعل)، أو الفعل المضارع المقرون باللام ونحو ذلك من مصدر إلى آخره، والمندوب؟ متى نقول هذا مندوب وهذا واجب؟ نقول هذا واجب إذا دل عليه دليل مما ذكرناه بالأمس من صيغ الواجب، أما المندوب فالأكثر والأشهر أنه يأتي بصيغة (افعل) إذا دلت قرينة على عدم إرادة الوجوب منها، الأصل في (افعل) ماهو؟ الوجوب، وحُكِيَ الإجماع عليه.
وافعل لدى الأكثر للوجوب.:. وقيل للندب أو المطلوب.
وقيل للوجوب أمر الرب.:. وأمر من أرسله للندب.
بصيغة افعل فالوجوب حققا.:. حيث القرينة انتفت وأطلقا.
لا مع دليل دلنا شرعا على.:. إباحة في الفعل أو ندب فلا.
إذن نقول الأصل في (افعل) أنه للوجوب، إذا دلت قرينة صرفته عن الوجوب إلى الندب إذن مدلول الندب يكون بصيغة (افعل) إذا اقترنت بقرينة تدل على عدم الوجوب، [وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ]، (أشهدوا) هذا صيغة (افعل) والأصل فيه أنه للوجوب، لكن نقول هنا للندب، لوجود قرينة وهي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) باع ولم يُشهد، [وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ] إذن باع النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم يشهد، وفعله (عليه الصلاة والسلام) حجة أو لا؟ نقول: حجة، لأنه دليل شرعي فحينئذ صار قرينة صارفة للوجوب، [وَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا]، (كاتبوهم) هذا إطلاق، (إن علمتم فيهم خيرا) إذن بهذا القيد مَن كان عنده عبد يربيه وفيه خير للإسلام والمسلمين قال (كاتبوهم) وهو أمر، والأمر للوجوب، إذن يجب المكاتبة، لكن هل كل الصحابة كاتب؟ الجواب لا، طيب والصحابة عندهم من فيه خير للإسلام والمسلمين وأبقى الرقيق عنده رقيقا فلم يكاتب فأقرهم النبي (صلى الله عليه وسلم) فعل الصحابة لا يعتبر صارفا إلا عند من يجعل فعل الصحابة حجة، وهنا ما دام النبي (صلى الله عليه وسلم) حيا فهو الحجة (عليه الصلاة والسلام) فأقرهم يعني سكت عما هم عليه فصار تقرير النبي (صلى الله عليه وسلم) قرينة صارفة للوجوب في قوله (وكاتبوهم)، هذا صيغة (افعل)، كذلك لو صُرِّحَ بالسنية، "وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ" هذا سنة أو واجب؟ سنة " وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ" نقول هذا سنة، كذلك إذا صُرِّحَ بالأفضلية، "فَمَن اغْتَسَلَ فالغُسْلُ أفضَلُ" دل على أنه مستحب وليس بواجب، كذلك لو جاء بصيغة الترغيب، كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لبريرة: "لو رَاجَعْتِهِ" ليس فيه وجوب، وإنما هو من صيغ الندب، ولكن أشهرها الأول، وأما التفريق عند بعضهم أن ما كان في العبادات فهو للوجوب وما كان في الآداب أو المعاملات فهو للندب هذا تفريق لا دليل عليه، وهذا شاع عند كثير من الفقهاء المتأخرين، ما كان في الآداب بصيغة (افعل) فهو ماذا؟ فهو للاستحباب، وكذلك في النهي، قالوا: ما كان في الآداب فهو للكراهة، والصواب أنه ليس عليه دليل.
(4/12)

قال: (وقد سمى القاضي) أبو يعلَى، وإذا أطلق القاضي فالمراد به أبو يَعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء الحنبلي، (وقد سمى القاضي _أبو يعلى_ ما لا يتميز من ذلك كالطمأنينة في الركوع والسجود واجبا) عرفنا أن النفل يطلق ويراد به المندوب، وهو الزيادة على الواجب، نخلص من هذا أن النفل قسمان = أن الزائد على الواجب قسمان = النفل الذي بالمعنى الاصطلاحي عندهم وهو الزائد على الواجب قسمان: قسم متميز بذاته، منفصل، زيادة متميزة منفصلة بذاتها عن الواجب، كالسنن الرواتب بالنسبة للفرائض، نقول سنة المغرب منفصلة عن الفريضة، هي نفل وزيادة عن الواجب، أليس كذلك؟ هذه منفصلة ولا إشكال فيها، وبالإجماع أنها نفل، ندب، مستحب، لا خلاف فيها، لم يقل أحد بوجوبها، النوع الثاني .. نقول: زيادة غير متميزة، بمعنى أنها غير منفصلة بذاتها غير مستقلة، وإنما وردت مع واجب ولا يتميز عن الواجب، مثلوا له بالطمأنينة في الركوع والسجود، ما حكم الطمأنينة؟ واجب، ركن في الصلاة، فإذا ركع مقدار تسبيحة واحدة قد أتى بالواجب، لو زاد إلى عشر يسبح إلى عشر، ما زاد على الواجب، على الركن، ما حكمه؟ نقول هذا أولا نفل أو لا؟ نفل، زيادة عن الواجب، هو أتى بالواجب، ركع فأتى بالواجب، لو سبح مرة واحدة ثم رفع أتى بالواجب ولا إشكال، لكنه زاد على الواجب، هل هذه الزيادة متميزة منفصلة بذاتها كالسنن الرواتب مع الفريضة؟ الجواب لا، الزيادة على الواجب فيما هو صورته كالطمأنينة هذه مختلف فيها بين الأصوليين، هل هي واجبة أم ندب، الأئمة الأربعة على أنها ندب وليست بواجبة، لماذا هي ندب وليست بواجبة؟ لأنها جائزة الترك، يجوز أن يترك الزيادة، يأتي بتسبيحة واحدة ثم يقوم، إذن ترك التسبيحة الثانية والثالثة والعاشرة، ولو كانت واجبة لَمَا جاز تركها، والمندوب هو الذي يجوز تركه، فحينئذ عند الأئمة الأربعة أن ما زاد على أقل الواجب من الطمأنينة في الركوع والسجود=قالوا هذا ماذا؟ هذا ندب، (ما لا يتميز من ذلك كالطمأنينة في الركوع والسجود واجبا) هذا عند القاضي أبي يعلى، عند القاضي أبي يعلى سمى ما زاد على الواجب مما لا يتميز بذاته وينفصل عنه بذاته سماه واجبا، واختلفوا في تفسير كلامه، هل مراده أن الكل واجب لأنه امتثال للمأمور فصار واجبا؟ كما هو قول بعض الشافعية والكركي، أم أن مراده أنه مندوب إلا أن ثوابه ثواب الواجب؟ على قولين في تفسير كلام القاضي، هنا قال (بمعنى)، أراد أن يسمى إشكالا في كلام القاضي، قال بمعنى أنه يثاب عليها ثواب الواجب لعدم التميز لا أنه في ذاته واجب، لا بل هو مندوب، لكن الثواب ثواب الواجب، فرق بين أن يقال مندوب يثاب ثواب المندوب وبين أن يقال مندوب يثاب ثواب الواجب، أيهما أعظم ثواب المندوب أو الواجب؟ الواجب، ما الدليل؟
أحد الطلاب: ............
الشيخ: نعم أحسنت.
(4/13)

إذن نقول ثواب الواجب أعظم من ثواب المندوب، القاضي أبو يعلى رأى أن هذا الواجب لا يتميز _الذي هو أقل ما يصدق عليه أنه واجب_ لا يتميز عن النفل الزائد عليه، فحكم أن الكل يثاب ثواب الواجب، واضح هذا؟ وخالفه أبو الخطاب، خالف شيخه، أبو الخطاب تلميذ القاضي، وخالفه أبو الخطاب، أي: خالف شيخه أبا يعلى، فقال: إن هذه الزيادة ندب كما هو قول الأئمة الأربعة فيترتب عليها أنه يثاب ثواب الندب.
إذن الخلاصة أن نقول: ما زاد على الواجب = النفل الزائد على الواجب قسمان: [مستقل بذاته] وهو ندب بالإجماع كالسنن الرواتب مع الفرائض، يعني منفصل بذاته، النوع الثاني: [ما لا يتميز بذاته] لا ينفصل عنه بل هو معه، فحينئذ اختلف الأصوليون، الجماهير على أن ما زاد على أقل الواجب فهو ندب ويثاب عليه ثواب النفل، عند الكركي وبعض الشافعية أنه واجب لأنه امتثال لواجب، فصار الكل واجبا، فيثاب عليه ثواب الواجب مع الحكم على المحكوم عليه بأنه واجب، توجيه القاضي أبي يعلى أنه ليس بواجب وإنما الثواب ثواب الواجب، وعليه في الحقيقة ثلاثة أقوال في ما لا يتميز، واجب يثاب عليه ثواب الواجب، ندب يثاب عليه ثواب الندب، ندب يثاب عليه ثواب الواجب، وهو قول القاضي أبي يعلى.
واضحة هذه المسألة؟ نعم.
ثم قالوا: والفضيلة والأفضل كالمندوب، يعني مما يصدق على ما يقتضي الثواب على الفعل لا العقاب على التركالفضيلة، والأفضل كالمندوب في المعنى والحكم، يعني في الحقيقة والحكم، والقاعدة والقول الأصح في هذا _حتى لا يلتبس على طالب العلم_ أن كل ما ذكر من الأسماء المتعلقة بالمندوب كلها مترادفة، وحينئذ لا تشتغل أو تشغل نفسك بما ذكره كثير من الأصوليين في ذلك التفرقة بين تلك المصطلحات، لأن ذلك فيه نوع صعوبة، الأحناف عندهم عشرات المصطلحات للتفرقة بين المندوبات، وكذلك الشافعية والمالكية والحنابلة إلى آخره، فتضبط ماذا؟ تقول كلها مترادفة وأرح قلبك من الجدال.
[هنا قام أحد الطلاب يقرأ من متن المصنف] .................................. ..................................
............................ .................................. ..................................
............................ .................................. ..................................
(4/14)

الشيخ: نعم، قال: (ومحظور) القسم الثالث من أقسام الأحكام التكليفية ما يسمى بالمحظور، وهو اسم مفعول من الحظر، وسبق أن هذه كلها التي يذكرها المصنف (رحمه الله تعالى) إنما هي أوصاف لفعل المكلف، وليست هي الأحكام التكليفية، إذن المحظور من حيث وصفه، من حيث تعلقه بفعل المكلف: "ما يعاقب على فعله ويثاب على تركه" المحظور اسم مفعول من الحظر مأخوذ من الحظر، فسمي الفعل بالحكم المتعلق به، إذن الحظر المراد به في اللغة الممنوع، الحظر=المنع، والمحظور=الممنوع، ولذلك قال هنا: (وهو لغةً الممنوع)، يعني بمعنى اسم المفعول، (والحرام بمعناه) يعني بمعنى المنع، أو بمعنى المحظور، لا إشكال، إما يكون بمعنى المنع أو بمعنى المحظور، إذن كل منهما الحظر يفسر في اللغة بالمنع والحرام يفسر في اللغة بالمنع، ولذلك جاء في: [وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ]، [وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ]، كلها بمعنى المنع.
جالت لتصرعني فقلت لها اقصري.:. إني امرؤ صرعي عليكِ حرام.
أي: ممنوع.
ومنه قول الناس إن قابل البعض: حرام عليك، بعضهم يقول: كيف تحرم ما لا يحرمه الله، في ظني أن المراد به المنع، حرامٌ عليكَ كذا، لا يقصد به الشرع، فلذلك يتوسع في هذه الكلمة لأنها موافقة للغة.
إذن محظورٌ وهو لغة الممنوع، (والحرام بمعناه) يعني بمعنى المحظور، بمعنى الحظر أو بمعنى الممنوع، قال: (وهو ضد الواجب) الحرام ضد الواجب، والأصل في الحقيقة أن الحرام ليس بضد الواجب، وإنما هو ضد الحلال، ولذلك تقول هذا حرام وهذا حلال، كما قال تعالى: [وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَرَامٌ وَهَذَا حَلالٌ]، إذن في الشرع أن الرام يقابل الحلال، ولذلك جاء في الحديث أيضا: "إنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وَإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ"، (بينهما أمور مشتبهات) يعني ليست بحلال خالصة وليست بحرام خالصة، ومن هنا من الجهل أن يعطى هذا المشتبه حكم الكراهة.
كالحتم واللازم مكتوبٍ وما.:. فيه اشتباه للكراهة انتمى.
لماذا؟ لأنه ليس بحلال خالص وليس بحرام خالص، فلا يعطى حكم الإذن المطلق كالوجوب والندب ولا يعطى المنع مطلقا كالتحريم وإنما يعطى درجة وسطى وهو الكراهة، وهذا من التقييد.
(4/15)

إذن نقول: (الحرام ضد الواجب) في الأصل ليس بضد الواجب، وإنما جعله الأصوليون ضد الواجب باعتبار تقسيم أحكام التكليف، لماذا؟ لأنك إذا قلت: (الواجب ما يثاب على فعله امتثالا ويعاقب على تركه)، اعكسه، تقول: (الحرام ما يثاب على تركه امتثالا ويعاقب على فعله) إذن هو ضده أو لا؟ ضده، نقول الحرام ضد الواجب، من أي حيثية؟ لا من حيثية الشرع، أنه في الشرع كذا، بل الحرام ضد الحلال، طيب لماذا إذا كان الشرع يقول: "إن الحلال بين وإن الحرام بين" إذن جاء الحلال والحرام متقابلين، لماذا جعل الأصوليون _وهم يبحثون في الأدلة التي تثبت بها الأحكام الشرعية_ لماذا جعلوا الحرام ضد الواجب؟ تقول: من حيث تقسيم الأحكام التكليفية، لأنهم حكموا أن الواجب ما يثاب على فعله والحرام يثاب على تركه، الواجب يعاقب على تركه والحرام يعاقب على فعله، إذن هما ضدان، من هذه الحيثية هما ضدان، فلا إشكال ولا اعتراض حينئذ على الأصوليين.
والحرام بمعناه وهو ضد الواجب، قال: (ما يعاقب على فعله ويثاب على تركه)، (ما) جنس، يعني اسم موصول بمعنى الذي، وهو جنس يشمل جميع الأحكام التكليفية، (يعاقب) من العقوبة وهو معناها، (على فعله) إذا فعله حينئذ استحق العقوبة وترتبت العقوبة يعاقب، هذا الأصل، الأصل أنه يعاقب، وأما طروء العفو حينئذ لا يرد لفظا بهذا الرسم، (ما يعاقب على فعله) إذن إذا فُعِلَ المحظور نقول فاعله يعاقب، لكن هذا من حيث الوصف، يعني لو رأيت إنسانا يفعل كبيرة من الكبائر لا تقل هذا يعاقب، تنزل الوصف على الشخص، لا، وإنما تقول من فعل الزنا يعاقب، هذا الأصل، أليس كذلك؟ أما الأشخاص فلا تنزل عليهم الأحكام، (ما يعاقب على فعله ويثاب على تركه) إن تركه ترتب عليه الثواب، وإن فعله ترتب عليه العقاب، لكن يقيد قوله (ويثاب على تركه) امتثالا، لأن الثواب في الواجب والحرام وجودا وعدما مترتب على شرطه، وشرط الثواب هو وجود النية، نية التقرب إلى الله عز وجل، ولذلك ذكرنا بالأمس:
وليس في الواجب من نوال.:. عند انتفاء قصد الامتثال.
فيما له النية لا تشترط.:. وغير ما ذكرته فغلط.
ومثله الترك لما يحرم.:. من غير قصد ذا نعم مستلزم.
إن ترك المحظور ولم ينوِ شيئا نقول هذا مُسَلَّمٌ من الإثم، لماذا؟ لأن الإثم والعقاب مرتب على الفعل وهو لم يفعل، حينئذ سقط العقاب، لكن الثواب مرتب على ماذا؟ مرتب على أنه ينوي بهذا الترك القربة إلى الله خوفا وعظمة للرب جل وعلا، فحينئذ نقول: الثواب تركه نية التقرب إلى الله، إن وجدت هذه النية ترتب عليها الثواب، إن انتفت انتفى الثواب، هذا من حيث الجملة لكن من حيث التفصيل نقول الإطلاق هذا فيه نظر، لأن تارك المحرم أو تارك الحرام هذا على أربعة أنحاء، أربعة أقسام=نقول تارك المحظور أربعة أقسام:
(4/16)

[أولا] أن يترك المحظور لأنه لم يطرأ على قلبه أصلا، ماحدَّث نفسه، بل قد يعيش مدة عمره ولم يعرف معنى الربا أصلا، ولا يفعله، في قرية نائية، لا بنوك ولا شركات ولا أسهم ولا أي شيء، نقول هذا سَلِمَ من الربا ولم يحدث نفسه أصلا بالربا، هذا نقول لا ثواب ولا عقاب، لا عقاب لماذا؟ لأنه لم يفعل الربا، والعقاب مرتب على ماذا؟ على وجود الفعل، وهو الربا، لا ثواب لفقد شرط الثواب، وهو نية التقرب، لأنه لم يخطر بباله أصلا. هذا النوع الأول لتارك المحظور.
[النوع الثاني] أن يكون تركه له مخافة وتعظيما لله، وهذه نسعى أن نكون من أهل هذه المرتبة، تركه مخالفة وتعظيما لله، فهذا يثاب، لماذا؟ لوجود شرط الثواب، وهو نية التقرب إلى الله عز وجل، ولذلك جاء في الحديث الصحيح: "أنَّ مَنْ هَمَّ بالسيئةِ فلم يعملها كتبَ اللهُ له ذلك حسنة كاملة"، جاء في الحديث: "لأنه تَرَكَهَا مِن جَرَّائِي" أي: من أجلي، إذن كُتبَ الهَمُّ بالسيئة حسنة، إذن أثيب على الترك، لماذا؟ لأنه تركها (قال جلَّ وعلا: "من جرَّائي" أي: من أجلي) فوجد شرط الثواب وهو نية التقرب إلى الله عز وجل. هذا الثاني.
[الثالث] أن يتركه عجزا عنه، يعجز عنه، دون القيام بفعله، يعني ما نوى أن يفعل، وإنما همَّ بقلبه أن يتركه عجزا عنه دون القيام بفعله، فهذا لم يهم بالفعل أصلا، يعني يكون كمن يرى مالا مع شخص ما، ينوي في قلبه أنه لو وجد له مال لفعل وفعل من المعاصي والمنكرات، هل فعل؟ لم يفعل، نوى؟ نعم نوى، هذا يعاقب عقاب نية الفاعل، ولذلك جاء في الحديث: "فهما في الوزر سواء"، "لو أن لي مالا مثل فلان لفعلت وفعلت، فهما في الوزر سواء"، هو ما فعل، لكنه نوى، لكنه في العقاب عدلا يعاقب عقاب نية الفاعل، لأن النية عمل وقد يعاقب عليها كما أن الظاهر عمل وقد يعاقب عليه، أليس كذلك؟ حينئذ لا إشكال، [ .... ] نقول: لا، النية عمل، عمل قلب، إذن هو فعل مكلف، فتعلق به التحريم، فحينئذ نقول: فهما في الوزر سواء، مرتب على هذا مع أنه لم يعمل.
[الرابع] أن يكون تاركا للمحظور عجزا عنه مع فعله الأسباب، فهذا يعاقب عقوبة الفاعل، كمن بذل الأسباب، أراد أن يسرق فذهب ليسرق فأعد العدة فإذا وجد الشرطي أمام الباب [ .. ]، نقول هذا همَّ وفعل الأسباب لكنه عجز، عجزه مع نيته وبذل الأسباب استحق أن يرتب عليه عقاب الفاعل، كأنه فعل ذلك، ولذلك جاء في ال حديث الثابت: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" كأنه بذل الأسباب وعجز، تحرك، حاول أن يقتله ولكنه عجز مع بذله الأسباب، نقول يعاقب عقاب الفاعل، إذن هذه أربعة أحوال.
(4/17)

وحينئذ قوله: (ويثاب على تركه امتثالا) نقول هذا إطلاق فيه نظر يقصر على [ .. ] الأحوال الأربعة، قال (فلذلك يستحيل كون الشيء الواحد في العين واجبا حراما) (فلذلك) ما هو المشار إليه؟ الحرام، وهو ضد الواجب، لكون الحرام ضد الواجب ترتب عليه ما سيذكره المصنف، (فلذلك) أي: لأجل أن الحرام ضد الواجب، قبل ذلك نقول من أسماء الحرام عدة أسماء، تسمى محظورة وممنوعة ومزجورة ومعصية وذنبا وقبيحا وسيئة وفاحشة وإثما وحرجا وتحريجا وعقوبة، كلها أسماء لمسمى واحد، وهو ما يعاقب على فعله ويثاب على تركه امتثالا.
(4/18)

صيغ الحرام، متى نحكم على أن هذا الفعل حرام _كما حكمنا على الواجب بأنه واجب والمندوب بأنه مندوب_؟ لابد من صيغة تدل عليه، لابد من لفظ يدل عليه، الحرام نقول الأصل فيه أنه يدل عليه بصيغ: منها وأشهرها وأولها صيغة (لا تفعل)، (لا) الناهية الداخلة على الفعل المضارع: [لا تُشْرِكْ بِاللهِ]، الثاني: التصريح بلفظة التحريم وما اشتق منها: [حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمَّهَاتُكُمْ]، [حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ]، نقول هذا حرام أو لا؟ حرام، ما الذي دل؟ لفظ التحريم، صُرِّحَ به، نُطِقَ بِهِ، كما قلنا في الأول: [لا تُشْرِكْ] نقول الشرك حرام، بدليل دخول (لا) الناهية على الفعل المضارع وجُزِمَ بها والنهي يقتضي التحريم، مطلق النهي يقتضي التحريم، وسيأتي في موضعه، الثالث: التصريح بعدم الحِلِّ، أو بنفي الحِلِّ: [وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا]، نقول هذا لا يحل، يعني يحرم عليكم الأخذ، الرابع: أن يقال ترتيب العقوبة، إذا رتبت العقوبة على الفعل _كما هناك إذا رتبت العقوبة على الترك في الواجب حكمنا عليه أنه واجب_ هنا ترتيب العقوبة على الفعل تجعلنا نحكم عليه بأن الفعل محرم: [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ] ما هي العقوبة؟ [فَاقْطَعُوا]، إذن ما حكم السرقة من الآية؟ التحريم، ما الدليل؟ ما وجه الاستدلال؟ رتب عقوبة، [وَالسَّارِقُ] هذا فعل أو ترك؟ فعل، إذن فَعَلَ السرقة، فلما رتبت العقوبة وهي (فاقطعوا أيديهما) على فعل وهو السرقة=دلَّ على أن السرقة حرام، ثم قال: (فلذلك) أي: لأجل أن الحرام ضد الواجب يستحيل كون الشيء الواحد بالعين واجبا حراما، بمعنى أنه إذا كانا ضدين يستحيل اجتماع الضدين في محل واحد من جهة واحدة، هذا مراده، هل يمكن تقول (زيد قائم جالس) في آن واحد في زمن واحد؟ لا، لا يمكن، لماذا؟ لأن القيام والجلوس ضدان، فلا يمكن أن يكون في الساعة الواحدة في الوقت نفسه قائما جالسا، إذن يستحيل كون الشيء الواحد قد اجتمع فيه الضدان، كذلك إذا كان الواجب ضدا للحرام لا يمكن أن يكون الشيء الواحد حراما واجبا معصية طاعة، هذا من باب التقريب، ثم نقول: (الواحد) المراد به الوحدة يعني الاتحاد يعني اتحاد الشيء، إذن نقول المراد بالوحدة هنا الاتحاد، اتحاد الشيء في مكان واحد، قال: (الواحد بالعين) والمراد بالعين بالشخص، لأن الشخص قد يكون واحدا، يعني يوصف الفاعل بالوحدة، وهذا قد يجتمع فيه الثواب والعقاب، الحسنات والسيئات، وهذا مما يُرَدُّ به على المعتزلة، يعني الشخص الواحد الذي هو الآدمي يجتمع فيه ثواب وعقاب، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، فيثاب على الحسنات تكتب له ويثاب عليها بشرطها، أما السيئات إن تاب منها قبل موته فإن قبلت التوبة بشرطها فالحمد لله، إن مات ولم يتب فهو تحت المشيئة، إن شاء الرب آخذه وإن شاء عفا عنه، هذا مذهب من؟ أهل السنة والجماعة قاطبة، بخلاف أهل البدع من المعتزلة ونحوهم الذين ينفون اجتماع الثواب والعقاب في شخص واحد، ولذلك عندهم أن من مات على كبيرة من غير توبة فهو خالد مخلد في النار، أما أهل السنة والجماعة فلا.
ولا نقول إنه في النار.:. مخلد فالأمر للباري.
(4/19)

تحت مشيئة الإله النافذة.:. إن شا عفا عنه وإن شا آخذه.
بقدر ذنبه إلى الجنان.:. يُخرَجُ إن مات على الإيمان.
هذا الفاسق المِلِّيُّ الذي مات على الإسلام وهو مرتكب لكبائر ولم يتب منها، نقول أمره للباريء إن شاء عفا عنه وإن شاء آخذه، أما الجزم بأنه خالد مخلد في النار فهذا مذهب أهل البدع.
(4/20)

هذا الواحد بالشخص الآدمي، أما الفعل فقال هنا يستحيل كون الشيء الواحد بالعين، قال (بالعين) احترازا من الشيء الواحد في الجنس، فإنه قد يجتمع فيه الحلال والحرام، يعني قد يتحد شيئان أو يجتمعان في الجنس، البعير والخنزير، كما مثَّلَ الشيخ الأمين، البعير والخنزير ما جنسهما؟ حيوان، إذن اجتمعا في جنس واحد، نقول الوحدة بالجنس لا تنفي اجتماع الواجب والحرام، بل قد يجتمعان، إذن لا يستحيل اجتماع الواجب والحرام في ما اتحد جنسه، فتقول البعير حلال والخنزير حرام، إذن اجتمع الحلال والحرام أو لا؟ اجتمعا، في ما اتحد جنسا، الواحد بالعين احترز به أيضا عن الواحد بالنوع، أن يكون الفعل واحدا وله أشخاص آحاد، حينئذ نقول لا يستحيل اجتماع الحلال والحرام في الواحد بالنوع، مثل ماذا؟ السجود، السجود هذا نوع، أليس كذلك؟ فعل للمكلف، له أشخاص وآحاد أو لا؟ كيف له أشخاص؟ لا، سجود للصنم، وسجود لله، إذا قيل آحاد وأشخاص يعني اثنين فصاعدا، كل ما له أفراد اثنين فصاعدا صار نوعا، كما نقول الإنسان هذا نوع للحيوان، فيدخل تحته الذكر والأنثى، والذكر هذا نوع يدخل تحت زيد وعمرو وخالد، والأنثى نوع يدخل تحته هند وفاطمة ... إلى آخره، فحينئذ نقول السجود هذا نوع، ذو أشخاص ذو آحاد، لا يمتنع أن يوصف بعض أفراد النوع بالوجوب، وبعض أفراد النوع بالتحريم بل بالكفر، فإذا سجد لله عز وجل فهو واجب، وإذا سجد للصنم فهو حرام بل وكفر، أليس كذلك؟ أي نعم، فحينئذ نقول: الواحد بالعين لا يستحيل اجتماع الوجوب والتحريم، الواحد بالجنس لا يمنع اجتماع التحريم والوجوب، ماذ بقي؟ الواحد بالعين كزيد، الواحد بالعين، الشخص الواحد، حينئذ قالوا: هذه إما يكون لها جهة واحدة وإما ان يكون لها جهتان، في كلتا الحالتين على المذهب، في كلتا الحالتين نقول لا يجوز بل يستحيل أن يجتمع الواجب والحرام معا، فلا يسعك ان تقول زيد مسلم كافر، يجتمعان؟ لا يجتمعان، كذلك لا يصح أن تقول هذه الصلاة حرام وهي في نفس الوقت واجبة، لماذا؟ لأنها بالعين، ليس عندنا صلاة متعددة، أنت لا تحكم بأن صلاة الظهر بطلت، حرام، باطلة، وأن صلاة العصر صحيحة، حينئذ يكون ثمت صلاة لغير الله، [ .. ] أن تحكم على صلاة واحدة، زيد قام يصلي فتقول هذه الصلاة واجبة حرام، يمكن؟ لا يمكن، قال: (يستحيل، إذن فلذلك يستحيل كون الشيء الواحد بالعين واجبا حراما، طاعة معصية) لا يمكن أن يكون الفعل الواحد طاعة وفي نفس الوقت هو معصية، هذا مستحيل، لماذا؟ لأن الجهة هنا ليست منفكة، وإنما هي جهة واحدة، أو جهتان يمتنع القول بانفكاكهما، على قول من يرى صحة الانفكاك، قال: (كالصلاة في الدار المغصوبة) أراد أن يمثل لنا بما استحال فيه اجتماع الواجب والحرام، فقال: (كالصلاة) الصلاة هي نوع واحد في العين، المراد به صلاة [ ....... ]
(4/21)

لا الظهر مثلا، ليس المراد طول الصلاة، يدخل فيها كل الأفعال، لا، المراد بها صلاة حتى تصير واحدا بالعين، لو أريد بها صلاة الفجر والظهر والمغرب لَمَا صحَّ المثال، وإنما تقيد المثال (كالصلاة) يعني صلاة زيد بطهر واحد مثلا، أو إذا كانت عدة فرائض في زمن الغصب على ما سيذكره، (كالصلاة في الدار المغصوبة في أصح الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى)، (الصلاة في الدار المغصوبة) هذه مسألة عويصة عند الأصوليين، ودائما تذكر في هذا الباب وفي باب النهي، قال: (كالصلاة في الدار المغصوبة) ما صورة الصلاة في الدار المغصوبة؟ بل كيف تغتصب الدار؟ تغتصب الدار، يعني ما هي سرقة، بل اغتصبها جهارا نهارا، فحينئذ صار اشتغاله أو إشغاله أو كينونته في هذه الدار حراما، أليس كذلك؟ كل وقته الذي مكث في هذه الدار وهو غاصب لها ومعلوم أن الغصب حرام وأن ما ترتب على الحرام فهو حرام = حينئذ كل فعل فعله في هذه الدار من حركة وسكون وقول ومشي وأكل وشرب وصلاة نقول الأصل فيه التحريم، فحينئذ لو دخل وقت صلاة الظهر وهو غاصب للدار في داخل الدار، وقا صلى، نقول الأصل في استعمال المغصوب حرام، فكل حركة من قيام وركوع وسجود واضطجاع ونوم = هذا هو الأصل أنه التحريم، فحينئذ وجبت عليه الصلاة، صلاة الظهر، فقام تحرك في دار مغصوبة، اجتمع عندنا ماذا؟ حرام وواجب، اجتمع عندنا حرام وواجب، هل يمكن أن يكون الشيء الواحد بالعين حراما واجبا من جهة واحدة؟ قالوا: لا، إذن نقول هذه الصلاة التي أُدِّيَتْ بحركات محرمة في الدار المغصوبة المحرمة نحكم ببطلانها، لماذا؟ لأنها ليست صلاة مأمورا بها، قال جل وعلا: [أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ]، (أقم الصلاة) هل الصلاة التي صلاها في الدار المغصوبة داخلة في هذا النص؟ الجواب: لا، فحينئذ لما لم يشملها الأمر (أقم الصلاة) لم تكن الصلاة مأمورا بها، فالذي يجتمع عندنا واجب وحرام، فإذا فعل هذه الصلاة فيما حرم عليه فعله فيه كالصلاة في الدار المغصوبة حكمنا عليه ببطلانها، ولذلك قال: (كالصلاة في الدار المغصوبة في أصح الروايتين) يعني ماذا؟ أين الجواب؟ (كالصلاة في الدار المغصوبة في أصح الروايتين) لا تصح، لابد من التقدير، لا تصح، ولا يسقط بها الطلب، ولا تبرأ بها الذمة، لماذا؟ لأن هذه الصلاة منهي عنها، والقاعدة الكبرى أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه: "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" وسيأتي بحث هذه المسألة (النهي يقتضي الفساد) في باب النهي بإذن الله تعالى، فالأصل أنه لا يذكر هذه المسألة هنا، ولكنه تفرع من أجل قوله (وهو ضد الواجب).
(4/22)

قال: (في أصح الروايتين عن الإمام أحمد) يعني لا تصح الصلاة في الدار المغصوبة في أصح الروايتين عن الإمام أحمد، وهو المذهب عند الحنابلة، المذهب الملتزم به أنها لا تصح في الدار المغصوبة، ولا يسقط بها الطلب، لماذا؟ قالوا لأن النهي يقتضي الفساد، والصحة تقتضي الثواب، فلا يجتمعان، ثواب وعقاب في شيء واحد من جهة واحدة لا يجتمعان، فحينئذ نقدم الحكم بالبطلان، لعلة أن هذه الصلاة منهي عنها فلا تشملها الأوامر التي نصت على وجوب الصلاة، [أقِمِ الصَّلاةَ]، [أقِيمُوا الصَّلاةَ]، نقول ليست هذه الصلاة داخلة فيها، لأن المراد (أقم الصلاة) على وجه الشرع، أن يكون المكان مباحا، أن يكون بوضوء، أن يكون مجتنبا للمحرمات، ألا يصلي في ثوب حرير ..
(4/23)

إلى آخره، أن يأتي بالواجبات وبالأركان، ليس المراد مطلق الصلاة، وإنما الصلاة مقيدة بالشرع، فيصير (أقم الصلاة) فقام عمدا صلى في مكان نجس أو في الحمَّام أو في المقبرة حكمنا في الصلاة بأنها باطلة، لماذا؟ لأن النهي يقتضي الفساد، هل نقول هذه الصلاة مأمور بها؟ لا، ليست مأمورا بها، وليست داخلة في الأوامر وإنما هي منهي عنها، وحينئذ الواجب والأمر لا يشمل المنهي عنه، قال: (لأن النهي يقتضي الفساد والصحة تقتضي الثواب فلا يجتمعان في عمل واحد، ومن أخل ومتى أخل مرتكب النهي بشرط العبادة أفسدها) لو صلى بلا وضوء ما الحكم؟ الصلاة، نقول باطلة أو لم تنعقد؟ إذا أحدث في أثناء الصلاة نقول بطلت الصلاة، وإذا أقدم وهو غير متوضيء نقول لم تنعقد الصلاة، وفرق بينهما، لم تنعقد الصلاة = لم يدخل بالصلاة أصلا، أما الثاني دخل في الصلاة وبطلت الصلاة، إذن: (ومتى أخل مرتكب النهي بشرط العبادة أفسدها) ونية التقرب بالصلاة شرط كما ذكرناه سابقا أن الواجب باعتبار اشتراط النية في الاعتداد به قسمان: منه ما لا يقبل إلا بنية الامتثال، ومنه الصلاة، إذن لابد أن يأتي بشرط الثواب وهو نية التقرب إلى الله عز وجل، فإذا لم يأتِ به كمن صلى بلا وضوء، أليس كذلك؟ من لم يأتِ به كمن صلى بغير وضوء، لماذا؟ لأن صحة هذا الواجب متوقفة على شرط الثواب، ونية التقرب بالصلاة شرط والتقرب بالمعصية محال، لأن الصلاة منهي عنها وفعله الذي قضاه بالحركة أو السكون أو قيام أو ركوع أو سجود نقول هذه ليست بعبادة، لأنها معصية والتقرب بالمعصية محال، إذن هل ممكن أن يأتي بشرط الثواب وهو فاعل لمعصية؟ لا يمكن، لا يمكن أن يصح شرط التقرب إلى الله عز وجل وهو فاعل لمعصية، لأنه لا يتقرب إلى الله عز وجل بالمعاصي، وإنما يتقرب إليه بالطاعات، وشرط الطاعات امتثال الأمر، أيضا من شرط الصلاة إباحة الموضع، أن يكون مباحا الموضع الذي تصلي فيه، والغصب محرم، فهو كالصلاة في المكان النجس، لو صلى عمدا في مكان نجس دون ضرورة حكمنا ببطلان صلاته، لأن اشتراط الطهارة في الموضع كاشتراطه في البدن والثوب، ولذلك شرط الطهارة طهارة الموضع والبدن والثوب هذا عند جماهير أهل العلم، إذن من شرط الصلاة إباحة الموضع وهو محرم فهو كالنجس، أيضا لأن الأمر بالصلاة لم يتناول هذه المنهي عنها، هذا أهم ما تقف معه، مع قوله (النهي يقتضي الفساد) أن الأمر بالصلاة لم يتناول هذه الصلاة المنهي عنها، هو منهي أن يستعمل الدار المغصوبة مطلقا، لا يرد أن يستعملها لأنها محرمة، لو صححنا استعماله أو مكنا له بعض الاستعمال لجعلنا له يدا على هذه الدار والأصل انتفاؤها، إذن هذه حجة المذهب في عدم صحة الصلاة في الدار المغصوبة وهو الأرجح، لأن القاعدة أن النهي يقتضي الفساد مطلقا، (وعند من صححها) تفرع المصنف، تفرع فقال (وعند من صححها) إذن بعض العلماء وهو الجمهور يرون أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة، لماذا؟ لأنهم يقسمون النهي إلى ثلاثة أقسام: كلها ذكرها المصنف هنا، (وعند من صححها) يعني من صحح الصلاة في الدار المغصوبة (النهي ثلاثة أقسام: إما أن يرجع إلى ذات المنهي عنه) يعني يكون محل النهي هو الذات، هذه الذات لا توجد،
(4/24)

لا ينبغي أن توجد، وإنما النهي تعلق بها لإعدامها، كقوله: [وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا]، نقول الزنا تعلق به النهي، والمراد بالنهي هنا عدم إيجاد هذه الذات، [لا تُشْرِكْ بِاللهِ]، نقول النهي هنا تعلق بذات الشرك، والذي يضبط لك هذه المسألة أن المراد هو الذات أنه لا يمكن أن يوجد فرض منه وهو صحيح، مثلا قال (لا تشرك بالله) إذن الشرك منهي عنه، هل ثم فردٌ من أفراد الشرك دلَّ دليلٌ خارج عنه بالتصحيح له والإقرار؟ الجواب: لا، أبدا، (لا تشرك) هذا فعل مضارع، وهو مصدر [ .. ]
(4/25)

من مصدر وزمن، دخلت عليه (لا) الناهية، إذن صار نكرة في سياق النهي فتعم، النكرة في سياق النهي من صيغ العموم، حينئذ (لا تشرك) يعني لا يقع منك أي فرد من أفراد الشرك، كل فرد من أفراد الشرك فهو منهي عنه بهذه الآية، فحينئذ نقول: هذا النهي عائذ إلى ذات المنهي عنه، بدليل أنه لا يوجد فرد منه صحيح قد جوزه أو استثني في موضوع آخر، (لا تقربوا الزنا) أيضا نقول إن النهي هنا عائد إلى ذات الزنا، [لا تَأْكُلُوا الرِّبَا] نقول هذا النهي عائد إلى ذات المنهي عنه، إما ان يرجع إلى ذات المنهي عنه حينئذ فيضاد وجوبه، فحينئذ لا يمكن أن يُصحَّح، فإذا قال: (لا تأكلوا الربا)، [وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا]، لا يمكن أن يأتي عقد بربا صريح ليس فيه شبهة أو لم يقل عالم له باستثناء هذه الصورة فنقول هذا صحيح، لماذا؟ لأنه باطل، والبطلان والصحة لا يجتمعان في شيء واحد، كذلك الوجوب والتحريم لا يجتمعان في شيء واحد وقد تعلق النهي بذات المنهي عنه، إما أن يرجع إلى ذات المنهي عنه فيضاد وجوبه، فلا يجتمعان حينئذ، فيستحيل الاجتماع، (أو إلى صفته) يعني النوع الثاني من أقسام النهي عند من صحح الصلاة في الدار المغصوبة أن يرجع النهي إلى صفته، يعني إلى صفة الفعل المنهي عنه لا إلى ذاته، بأن يكون الداء من حيث هي مطلوبة الفعل ولكن لما قام بها وقد نهي عنها فحينئذ نجعل النهي راجعا إلى صفة المنهي عنه، كما مثل هنا وبالمثال يتضح المقال، (أو إلى صفته) يعني صفة المنهي عنه، (أن يكون الفعل مطلوبا والنهي راجع إلى صفة من صفاته، كالصلاة في السُّكْر الصلاة من حيث هي مطلوبة، أليس كذلك؟ [وَأقِيمُوا الصَّلاةَ]، [أقِيمُوا الصَّلاةَ]، "خَمْسُ صَلَوَاتٍ" إذن هي مطلوبة، لكن والسكر أيضا منهي عنه مطلقا، فلما قام بالصلاة وصف السكر بأن كان المصلي سكرانا حينئذ نُهِيَ عن هذه الصلاة وقال: [لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ] صلاة منهي عنها أو لا؟ الصلاة هنا في الآية منهي عنها أو لا؟ نقول منهي عنها، هل النهي لذات الصلاة بحيث أن الصلاة لا يمكن أن توجد كالشرك والزنا؟ نقول: لا، لماذا؟ لتصحيح الصلاة، بل للأمر بها في مواضع أخَر، فحينئذ ننظر إلى هذا النص [لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى] فنقول: النهي هنا راجع إلى صفة في الصلاة لا إلى ذات الصلاة، إذن الصلاة مطلوبة ونُهِيَ عنها لوصف السكر القائم بالمصلي، والحيض، لو صلت الحائض نقول صلاتها منهي عنها، هل النهي هنا لذات الصلاة؟ نقول: لا، وإنما لوصف قائم بالمُصَلِّيةِ، وهي كونها حائضا، ولذلك جاء في الحديث أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لفاطمة: "فإذا أقبلتِ الحيضةُ فدعي الصلاةَ، وإذا أدبرتِ اغتسلي وصلي" والأماكن السبعة، ما هي الأماكن السبعة؟ ذكرها هنا في الحاشية، التي جاءت في حديث ابن عمر: "نهى الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يُصَلَّى في سبع مواطن: المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله" نقول الصلاة في موضع من هذه المواضع السبعة منهي عنها، هل نُهِيَ عنها لذاتها؟ الجواب: لا، وإنما نُهِيَ عنها لوصفٍ قام بها وهو كونها في محل منهي عنه، والحديث ضعيف، وإنما
(4/26)

ثبت النهي عن ثلاثة مواضع فقط: المقبرة، والحمام لحديث أبي سعيد: "الأرض كلها مسجد إلا الحمام"، ومعاطن الإبل، لحديث أبي هريرة: "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل"، أما السبعة هذا حديث ضعيف.
(والأوقات الخمسة)، أوقات النهي الخمسة، (من طلوع الفجر أو بعد صلاة الفجرإلى طلوع الشمس ومن طلوع الشمس إلى ارتفاعها قيد رمح، وعند قائمة الظهيرة ومن بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، أو عند الشروع في الغروب إلى أن تغيب أو يغيب قرص الشمس كاملا) كما هو في أول النهار، لذلك أول النهار وقتان: من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، ومن طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، أيهما أشد كراهة؟ الثاني، والصواب التحريم ليس الكراهة، لكن على قول الجمهور، أشد كراهة من ارتفاع الشمس، من طلوع الشمس إلى ارتفاعها قيد رمح، لذلك جاء النص فيها، والأوقات الخمسة، إذن نقول هذه الأمثلة التي ذكرها المصنف أمثلة لصلاة اتصفت بصفة وهي منهي عنها، ولكن النهي راجع إلى الوصف، فسماه أبو حنيفة فاسدا، المنهي عنه لوصفه النوع الثاني سماه فاسدا، وسيأتينا في الصحة والبطلان.
وقابل الصحة بالبطلان.:. وهو الفساد عند أهل الشان.
وخالف النعمان فالفساد.:. ما نهيه للوصف يستفاد.
(4/27)

الباطل والفاسد عند الأحناف في العبادات سيان وفي المعاملات مختلفان، هكذا قاعدة الأحناف، في العبادات سيان يعني مترادفان كالجمهور، وفي المعاملات مختلفان، الباطل ما مُنع بأصله ووصفه، والفاسد هو الذي ذكره هنا ما شُرع بأصله ومُنع بوصفه، بيع الخنزير بالدم، الثمن والمثمن منهي عنه لذاته في البيع فحينئذ نقول هذا باطل، العقد باطل لماذا؟ لأنه مُنِعَ بأصله ووصفه، أما بيع الدرهم بدرهمين الأصل جواز بيع الدرهم بالدرهم بشرطه، فإذا باع درهما بدرهمين حُرِّمَ لا لكون عدم جواز بيع الدرهم بالدرهم (المال بالمال) وإنما للتفاضل الذي وقع في هذا العقد، فهذا شُرعَ بأصله وهو بيع الدرهم بالدرهم إلا أنه لما كان الثمن أكبر من المبيع وقع الربا، وهذا سيأتينا بحثه، فسماه أبو حنيفة فاسدا لأنه شُرع بأصله ومُنعَ بوصفه، ثم قال: (وعندنا) وعند الشافعية (وعندنا) يعني معاشر الحنابلة (وعندنا وعند الشافعية أنه من القسم الأول) وهو أنه منهي لذاته، (وعندنا وعند الشافعية أنه من القسم الأول) يعني النهي لذاته، فحينئذ يكون باطلا، فإذا صلى في الأوقات الخمسة، ما حكم الصلاة؟ باطلة، هكذا إذا صلى في الأوقات الخمسة الصلاة باطلة عند الفقهاء، إذا صلى في أوقات النهي ما حكم الصلاة؟ لم تنعقد، إذا صلى (إذا) شرطية، و (صلى) هذا فعل ماضٍ، كل صلاة في أوقات النهي فهي باطلة؟ كيف تقول باطلة؟ قضاء الفوائت (الفرائض الفائتة) بالإجماع أنها صحيحة وجائزة وليست بباطلة في أوقات النهي، إذن ما يعمم الحكم وإنما تقول ما ليس بقضاء فريضة، أما قضاء الفريضة فهو جائز باتفاق، ما لم يكن كذلك ولم يكن من ذوات الأسباب فالجمهور على البطلان، وما كان من ذوات الأسباب فهذا فيه خلاف بين الشافعية وغيرهم، والجمهور أيضا على البطلان، ولذلك المذهب لا تصح، سواء كان من ذوات الأسباب أو من غيرها وهذا هو الأصح، أن التنفل مطلقا في أوقات النهي محرم على الصحيح وليس بمكروه والصلاة باطلة، إذن أرجعناه إلى الأول وهو كون النهي هنا عائدا إلى الذات (ذات المنهي عنه) وليس عائدا إلى وصفه لأن المنهي عنه الصلاة نفسها بوصف السكر [لا تقربوا الصلاة] حينئذ الصلاة نفسها منهي عنها لأن الصلاة هذه القول بالامتثال في مثل هذه لا يمكن، متعذر، لأن الرجل الآن قائم يصلي، أنت لا تتحدث عن سكر دون صلاة ولا عن صلاة دون سكر، تنبه لهذا!! أنت لا تحكم الآن على صلاة دون سكر ولا سكر دون صلاة، وإنما رجل أمامك الآن يصلي وهو سكران، ما حكم الصلاة؟ نقول الصلاة هذه منهي عنها، نفسها منهي عنها، لماذا؟ لقوله تعالى: [لا تقربوا الصلاة] والنهي يقتضي الفساد مطلقا، أيضا فوات شرط التقرب وهو النية، هل يمكن أن ينوي السكران؟ إيش ينوي؟ ظهرا أو عصرا؟ ما ينوي، فحينئذ لانتفاء النية لا يمكن أن يتصور، لذلك فهو غير مكلف إذا كان قد أخذ في السكر، غير مكلف، إذن غير مخاطب بالصلاة، لو صلى حكمنا على صلاته بأنها باطلة، للنهي ولانتفاء القصد، ما هو المنهي عنه هنا؟ هل هو السُّكر لكونه في الصلاة؟ أو الصلاة التي أُدِّيَتْ بسُكر؟ الثاني، المنهي عنه الصلاة نفسها التي وُصفَتْ بالسُّكر، لا النهي راجعا إلى السُّكر ابتداءً، لا، السُّكر
(4/28)

ابتداءً هذا منهي عنه بنصوص أخرى، يعني التحريم ثابت قبل الصلاة وبعد الصلاة، كذلك صلاة الحائض نقول هذه الصلاة عينها منهي عنها وليس النهي عائدا للحيض لكونه صفة في الصلاة، فدعوى أن النهي متعلق بالصفة (صفة المنهي عنه) لا بذاته هذه عقلية ولا تصح، يعني هذه الدعوة باطلة، وإنما انتفاء الصفة عن الموصوف في مثل هذه الأمثلة التي فيها بالخصوص لا يتصور، بل نقول هذا داخل في القسم الأول فيكون باطلا، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد (رحمة الله عليهم أجمعين) لأن المنهي عنه هو الموصوف وليس الصفة، هو الصلاة نفسها وليس الامتثال، هو الموصوف وليس الصفة، الصلاة الواقعة في حالة السُّكر، الصلاة الواقعة في المقبرة، الصلاة الواقعة وقت الزوال، إذن المنهي عنه هو نفس الصلاة، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة، لأن المنهي عنه نفس هذه الصلاة الواقعة في حالة السُّكر والحيض أو نحوها، ولذلك حكمنا ببطلانها، قال: (ولذلك بطلت)، لأن حكم القسم الأول هو البطلان، (أو لا)، يعني إيش؟ (أو لا إلى واحد منهما)، فالقسم الأول أن يكون عائدا إلى ذات المنهي عنه، القسم الثاني أن يكون عائدا إلى صفة في المنهي عنه، (أو لا إلى واحد) يعني ليس عائدا إلى ذات المنهي عنه ولا إلى صفة قائمة بالمنهي عنه وإنما لأمر خارج عنه، (كلبس الحرير في الصلاة) جاء النص بتحريم لبس الحرير للذكر، وجاء الأمر بالصلاة (صلاة الظهر ونحوها)، فإذا صلى وهو لابس للحرير حينئذ نقول النهي هنا هل هو إلى ذات المنهي عنه؟ قالوا: لا، هل هو إلى وصف قائم بالمنهي عنه؟ الجواب: لا، هكذا عندهم، (فإن المصلي فيه جامع بين القربة والمكروه، إذن هو مطيع من جهة قيامه للصلاة، وهو عاصٍ) هو يقول بين القربة والمكروه، لعله يرى أن لبس الحرير مكروه، والصحيح أنه حرام، بين القربة والتحريم، إذن لبس الحرير حرام، فيأثم على لبس الحرير وفعل الصلاة واجب فيثاب على فعل الصلاة، فحينئذ تصح الصلاة مع الإثم، لا نقول الصلاة باطلة كما قلنا هناك، أن الصلاة في حالة السكر باطلة، بل نقول هنا الصلاة صحيحة مع الإثم على فعل المحرم وهو لبس الحرير، لماذا؟ قال: لأن الجهة منفكة، وهو أن الصلاة مطلوبة من حيث هي ولبس الحرير منهي عنه، محرم من حيث هو، وليس لبس الحرير صفة داخلة في ذات الصلاة أو مؤثرا على الصلاة، فحينئذ نقول الجهة منفكة، ولذلك قال: (فإن المصلي فيه جامع بين القربة) يعني بالصلاة (والمكروه) يعني بلبس الحرير (بالجهتين) جهة القربة والكراهة ولا استحالة في ذلك، فلذلك قال: (بل تصح)، ومن هنا قال بعضهم إن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة لانفكاك الجهة، قال المكان المغصوب كلبس الحرير، الغصب (هذا قول الجمهور لكنه ليس بالصحيح، أن الغصب محرم من حيث هو، والصلاة مطلوبة من حيث هي، إنما الجهة منفكة، فإذا صلى في دار مغصوبة نقول الصلاة صحيحة ويثاب عليها ويأثم من حيث الغصب) لكن نقول هذا ليس بالسديد، لماذا؟ لأن الحكم هنا (دائما نقول) الحكم على صلاة معينة، نجد أمامنا الآن يصلي في دار مغصوبة، كيف نقول الصلاة من حيث هي مطلوبة مثال عليها، والغصب من حيث هو محرم؟ إذا قيل الشيء من حيث هو فاعلم أن هذا القسم منطقي أو
(4/29)

عند المتكلمين، لماذا؟ لأنه إذا قيل في مثل هذه الصلاةِ صلاةٌ من حيث هي نقول هذا أمر ذهني لا وجود له في الخارج، لماذا؟ هل أمرنا الله عز وجل بصلاة من حيث هي؟ أو بصلاة بشروط ومنها إباحة المكان؟ الثاني وليس الأول، أما من حيث هو يعني معناه تصور صلاة لا في مكان، يمكن؟ هل تتصور الرجل يصلي لا في مكان؟ في الهواء؟ نقول هذا مستحيل، فحينئذ القول بانفكاك الجهة في الصلاة في الدار المغصوبة لا وجه له، وهو قول الجمهور، بل نقول هذه الصلاة عينها لا يمكن أن تنفك الجهة بل الجهة واحدة، فحينئذ يكون من القسم الأول فالصلاة باطلة، وسيأتينا في بحث النهي أن النهي يقتضي الفساد مطلقا، وسيأتي هذا الباب في موضعه، ونقف على هذا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(4/30)

عناصر الدرس
* المكروه
* المباح.

الدرس الخامس

4 - و (مكروه) وهو ضد المندوب: ما يقتضي تركه الثواب ولا عقاب على فعله، كالمنهي عنه نهي تنزيه.

5 - و (مباح)، و (الجائز) و (الحلال) بمعناه: وهو ما لا يتعلق بفعله أو تركه ثواب ولا عقاب.
وقد اختلف في حكم الأعيان المنتفع بها قبل الشرع بحكمها، فعند أبي الخطاب والتميمي الإباحة كأبي حنيفة، فلذلك أنكر بعض المعتزلة شرعيته، وعند القاضي وابن حامد وبعض المعتزلة: الحظر، وتوقف الجزري والأكثرون.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد.
فهذا هو الحكم الرابع وهو المكروه الحكم الرابع من الأحكام التي عنَّون لها المصنف بعنوان الأحكام التكليفية قال وهي خمسة، ذكر الواجب والمندوب ثم هذا الرابع وهو المكروه، كما سبق تصنيف هذه الأحكام يختلف طريقة الأصوليين من مذهب إلى مذهب ومن عالم إلى آخر.
(5/1)

وهنا ربَّع بالمكروه، يعني ذكر المكروه بعد الحرام لاشتراكهما في مطلق الطلب، يعني كل منها حرام والمكروه مطلوب وإن كان الحرام مطلوب الترك على جهة الجزم والمكروه مطلوب الترك ليس على جهة الجزم، وأيضاً يشتركان في اللفظ فكما أن المكروه كراهة ذيلية يُطلق في الاصطلاح كراهة أو مكروه، فكذلك الحرام يُسمى مطلقاً في الشرع، وتخصيص المكروه به ما هو منهي عنه نهي تنزيه كما ذكر المصنف وله اصطلاح خاص بالأصوليين، وإذا في الشرع فيُطلق المكروه مراداً به كراهة التحريم كما في قوله تعالى {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} الإسراء38، كل ذلك المشار إليه من قوله {َألاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} إلى آخر ما ذكر من المُحرمات وأشار {كُلُّ ذَلِكَ} من أشد المُحرمات وهو الشرك بالله إلى أدناها {كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً} إذاً أطلق عليه الكراهة. إذاً يشتركان في اسم الكراهة، ثالثاً ذكر المكروه بعد الحرام لكون كل منهما منهي عنه، فالحرام منهي عنه والمكروه أيضاً منهي عنه، وإن كان النهي في الحرام نهياً على جهة الجزم نهياً جازماً وفي المكروه منهي عنه نهياً غير جازم. إذا اشتركا في ثلاثة أمور، في مُطلق الترك في التسمية في مُطلق النهي، كل منهم منهي، وعليه نقول الأصح عند الجمهور أن المكروه منهي عنه حقيقة كما أن الحرام منهي عنه حقيقة. وذِكر المُصنف لمكروه في ضمن أحكام التكليف يُبين لك أنه يره أن المكره حكم تكليفي وهو الأصح، ولذلك يُقال المكره على وزان المندوب يعني مثله، وكما الأول الذي هو المندوب مأموراً به حقيقة عند الجمهور كذلك المكروه منهي عنه حقيقة عند الجمهور. وكما أن المندوب حكم تكليفي وإن لم يكن موافقاً للجمهور ولكنه على الأصح كذلك المكروه حكمه تكليفي وإن لم يوافق الجمهور. إذاً الجمهور لهم خلافان، إثبات أن المندوب مأمور به حقيقة وعليه الجمهور وغير الجمهور على أنه مأمور به مجازاً. هل المندوب حكم تكليفي؟ الجمهور على أنه ليس بحكم تكليفي وغير الجمهور على أنه حكم تكليفي هو الأصح. المكروه هل هو منهي عنه حقيقة؟ الجمهور نعم هو منهي عنه حقيقة وأدلة هذا دليل ذلك والدليل الدليل والاختلاف الاختلاف كما قال بعضهم، وهل المكروه حكم تكليف؟ الجمهور لا على أنه ليس بحكم تكليفي والصواب بأنه حكم تكليفي ولذلك ذكره المصنف هنا في ضمن الأحكام التكليفية، ولذلك تعجب كثيراً للأصوليين يرى أنه ليس بحكم تكليفي ثم يقول الأحكام التكليفية تقسم: الواجب والمندوب والحرام والمكروه المُباح، المُباح يكاد يكون اتفاق أنه ليس مكلفاً له أما المكروه والمندوب فهذان يذكران في ضمن أحكام الشرع التكليفية، فريق يُرجح بأنهما ليسا بحكمين تكليفيين، إذاً قول هو مكروه شروع في القسم الرابع والمناسبة ما ذكرناها مع المحظور، مكروه على زنة مفعول من كُرِه يُكرَه فهو مكروه. ولا تقل من كَرِه، لأن اسم المفعول يأتي من الفعل مُغيَّر الصيغة، لا تقل من كَرِه لا من كُرِه يُكرَه فهو مكروه.
(5/2)

وأما كاره هذا يأتي من كَرِه يكره فهو كاره، اسم الفاعل يأتي من الفعل المبني للمعلوم، واسم المفعول يأتي من الفعل مُغيَّر الصيغة، حينئذ نقول مكره على زنة اسم مفعول، مُشتق منه كُرِه يُكرَه فهو مكروه. المكروه لغة المبغوض وقيل ضد المحبوب أصلاً من الكره، وقيل من الكريهة وهي الشدة في الحرب، فالمكروه في اللغة هو المبغوض، وكل بغيض إلى النفس فهو مكروه في اللغة، إذاً نقول المكروه ضد المحبوب، وذلك جاء في القرآن {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} الحجرات7، إذاً المكروه ضد المحبوب، وفي الاصطلاح وهو ضد المندوب، ضد المندوب من أي حيثية نقول كما قلنا في الحظر هناك أنه ضد الواجب باعتبار أنه تقسيم أحكام التكليف لأن المندوب ما يُثاب على فعله ولا يُعاقب على تركه، هنا عكسه يُثاب على الترك امتثالاً ولا يُعاقب على الفعل. من هذه الحيثية هو ضد المندوب. ولذلك عند هذه الجملة يُقرر الأصوليون أن المندوب يسير على وزان المكروه ولذلك في كثير في المسائل التي يذكرونها في المندوب لا تُعاد في المكروه، ولذلك لا يبحثون هل المكروه حكم تكليفي أم لا وأصلاً لا يتكلمون على هذه المسألة ولكن يُقال على وزان المندوب، حينئذ إذا كان على وزانه فالأرجح عند من رجَّح أن المندوب حكم تكليفي حينئذ صار المكروه حكم تكليفي وعند من رجَّح أن الأصح أن المندوب مأمور به حقيقة حينئذ صار المكروه مأمور به حقيقة. وهو أي المكروه ضد المندوب من حيث الأحكام كلها. ما يقتضي تركه ثواباً ولا عقاب على فعله، نأخذ من هذا أن قوله مكروه في الأصل ليس حكماً شرعياً ليس هو الحكم الشرعي وإنما هو مُتعلَق الحكم الشريعي فحينئذ يكون المُصنف هنا أطلق المُتعلَق على المُتعلِق لأن المُتعلِق بالكسر هو الحكم الشرعي ولذا نقول (خطاب الله المُتعلِق) بكسر اللام بفعل الُمكلَّف، إذا فعل المُكلف مُتعلَق به، المكروه صف لفعل المُكلَف، حينئذ نقول الخطاب المُقتضي للفعل أو في المكروه نقول للترك الخطاب المقتضي لترك الفعل اقتضاءاً غير جازم هذا هو الكره.
(5/3)

كونه مُتعلقاً بصفة فعل المُكلَّف حينئذ صارت فعل المكلف مكروها إذا المكروه صفة للفعل المكلف وهو بحكم شرعي، ولذلك قال (ما يقتضي) هذا تعريف به الثمرة واللازم والحكم وإذا أردنا تعريفه من حيث الحقيقة وذكر حد يُبين ويكشف المعنية نقول ما طلب الشارع تركه طلباً غير جازم أكثر الحدود التي تُذكر في الواجب وفي المندوب وفي الحرب والمكروه مُتقاربة وأكثرها لا بأس بها، ولذلك أتي في هذا الدرس على جهة الخصوص بالأسهل، ما طلب الشارع تركه هذا فعل جنس يشمل جميع الأفعال التكليفية الواجب والمندوب والحظر والمكروه والمباح، طلب خرج الإباحة لأنه لا طلب فيها ما طلب الشارع تركه خرج الواجب والمندوب لأن الشارع طلب فعله، طلباً غير جازم، طلباً هذا إعرابه مفعول مطلق مُبين للنوع، طبي غير جازم يعني غير مقطوع به ووجه القطع وعدم القطع في هذا الموضع في الواجب والمندوب يُفسر بترتب العقاب إما على الفعل أو على الترك لماذا لأنك تقول طلباً جازماً، ما هو الطلب الجازم طلب غير جازم ما المراد به طلباً جازماً غير محكوماً به متى حكمنا عليه أنه طلب جازم وهذا طلب غير جازم نقول طلب الجازم في الواجب بحيث رتب الشارع العقوبة على تركه، إذاً عرفنا الجزم باعتبار ترتب العقوبة، قد لا يرد في بعض الأوامر ترتب هل كل واجب أمر به الشرع نص على العقوبة عليه وإلا لما وقع خلاف في كثير من المسائل هل هي واجبة أم لا، نقول صيغة افعل إذا ترجَّح أنها للوجوب حينئذ كلف الصيغة نفسها على ترتب العقاب لأن هذا هو حقيقة الواجب، فإذا قيل صلي ولم يرد ترتب العقوبة على ترك الصلاة حينئذ نأخذ أن صيغة افعل صلي دلت على العقوبة لماذا؟ لأنني لما أقول صلي عند الإطلاق يفيد الواجب، ما ضابط الواجب ذكرناه في الثمرة ما يُثاب على فعله ويُعاقب على تركه، هنا لم تُذكر عقوبة في صلي نقول من جهة اللفظ أُخذت العقوبة وإلا لا معنى لدعوى أن صيغة افعل تدل على الوجوب. إذاً ما طلب الشارع تركه طلباً غير جازم غي قاطع غير مقطوع به بحيث لا يرتب العقوبة على الترك فحينئذ نقول هذا هو المكروه وبعضهم يقول ما نهى الشارع عنه نهياً غير جازم وهذا قليل من الأول على سنن قولهم في الواجب ما أمر به الشارع أمراً غير جازم وكل التعاريف هذه متقاربة وغالباً النقد لا يكاد يسلم منه حد ولكن يكون الأقرب هو الذي يذكر.
(5/4)

ما يقتضي إذا عرفنا حقيقة المكروه من حيث الحقيقة والماهية، من حيث الحكم والثمرة وما يترتب عليه، قال ما أي فعله هذا جنس يقتضي تركه يعني يترتب على تركه أو يطلب تركه، يعني ترك هذا الفعل الثواب، وعرفنا معنى الثواب الجزاء مطلقاً، ولا عقاب على فعله، ما يقتضي تركه الثواب، إذا تركه ولم يفعله ترتب عليه الثواب بشرطه ولذلك نُقيد هنا الثواب ما قيدنا به الحرام لماذا لأن مطلق الترك لا ثواب فيه، وإنما الثواب يترتب على من أتى بهذا الترك وهو فعل أتى به على وجه القربة لله - عز وجل - ومثله الترك لما يُحرَم من غير قصد زال عن مُسَلم، وأن قصد الترك غير مشترط بلى لتحصيل الثواب يُشترط، هكذا قال السيوطي. حينئذ نقلو ما يقتضي تركه يعني فعله يقتضي تركه الثواب من الله - عز وجل - بشرطه وهو النية التقرب إليه - عز وجل -، فإن تركه لا بنية التقرب نقول لا عقاب هو لا يُعاقب أصلاً وإنما لا يُثاب بزوال شرط الامتثال وهو نية التقرب إليه سبحانه ولا عقاب على فعله لماذا نفينا العقاب؟ لو قال قائل ولا عقاب على فعله لماذا ننفي العقاب على فعل المكروه؟ لأن طلب غير جازم ومعنى أنه طلب غير جازم أن الشرع لم يرتب على فعله العقوبة، إذاً قوله لا عقاب على فعله هذه مرتبة بالجزم وعدم الجزم، عدم الجزم كونه مطلوباً تركه طلباً غير جازم قلنا لابد أن نقف مع جازم وغير جازم، لماذا نفسرها؟ نفسرها جازم بمعنى قاطع ما دليل هذا الجزم لأن رتب الشارع على الفعل في الواجب أو على الترك في المحظور العقوبة. عدم الجزم يعني عدم قطع يعني ما طلب الشارع هذا الفعل قطعاً بمعنى أنه لو تركه لا إثم عليه، ولو ترك الواجب عليه إثم إذا قيده بالجزم.
(5/5)

إذاً ولا عقاب يعني ولا عقوبة ولا تنكيل على المعصية على فعله يعني على فعل المكروه لماذا؟ لأن طلبه غير جازم بحيث جوَّز الشرع الترك مع كونه مطلوباً، إذاً تركه راجح وفعله مرجوح، إذاً عندنا في المكروه راجح ومرجوح كما أن في المندوب راجحاً ومرجوح، عندنا في الاثنين قلنا المكروه ضد المندوب أليس كذلك؟ هذه قاعدة لذلك تصدر بها الباب هنا ومكروه وهو ضد المندوب، ولذلك المتون المفسرة تأتي في الغالب الكلمات تكون تحتها معاني كثيرة، ومكروه وهو ضد المندوب، المندوب فيه فعل وترك، أيهما راجح وأيهم مرجوح؟ فعله راجح وتركه مرجوح، الترك هل مُترب عليه عقاب؟ الجواب لا، وهذا هو شأن المندوب أنه جائز الترك، ولذلك قيل لا يمكن أن يكون الواجب جائز الترك، وهذه على شبهة ما أنكر الواجب الموسع من المعتزلة ونحوهم، أن جائز الترك لا يمكن أن يكون واجباً لماذا؟ لأن الواجب قد رتب على الشرع على تركه العقوبة وجائز الترك مطلقاً لا عقوبة على تركه، إذاً نقول عندنا في المندوب فعل وترك، الفعل راجح لأن الشرع طلب إيجاده والترك مرجوح لأن الشرع لم يرتب العقوبة على الترك، المكروه عكسه عندنا فعله وترك، تركه راجح لأن الشارع طلب الترك لذلك صار راجحاً والفعل مرجوح لأن الشرع لم يُرتب العقوبة على فعله، ما يقتضي تركه ثواب ولا عقاب على فعله إيقاعه وإيجاده كالمنهي عنه نهياً تنزيه، هذه العبارة قد يكون فيها تصحيح أو نوع خطأ في الطابعة ونحوها، المنهي عنه نهي تنزيه، قال مكروه ضد المندوب وعرفه، قال كالمنهي ما هو المُشبَه وما هو المُشبَه به؟ المكروه والمنهي عنه نهي تنزيه هو المكروه، كذلك هو هذا ظاهر العبارة، فما الذي يريده المُنصف من هذه العبارة يمكن أن يكون قوله كالمنهي وهو النهي عنه نهي تنزيه تصح العبارة ولا إشكال، لماذا لأنه فيه بيان أن المنهي نوعان منهي عنه نهي تنزيه ومنهي عنه نهي تحريم ولذلك يُقال لعل في النسخة تصحيحاً، كالمنهي وهو منهي عنه فحينئذ يكون زادنا مسألة وهو أن المكروه منهي عنه وهذه المسألة وإن كانت دخيلة في قول ضد المندوب لكنها من جهة دلالة التضمن، وهنا قد نقف على هذه المسألة، لو قيل وهو منهي عنه نهي تنزيه نستفيد من هذا مسألة جديدة وهو أن المكروه على الأصح عند الجمهور أنه منهي عنه وهذا النهي وهذا النهي نهي تنزيه اعتراضاً من نهي التحريم. هذا عند المتأخرين اصطلاح المفروض على المنهي عنه نهيا تنزيه، المكروه في عرف المتأخرين للتنزيه لا للتحريم وهذا اصطلاح خاص بهم عند الأصوليين وكذلك الفقهاء وإن كان عندهم لا يمتنع أن يُطلق على الحرام لماذا؟ لورده في الكتاب والسنة، {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ} إذاً أُطلق المكروه على الحرام، وبعضهم يمثل إطلاقه على كراهة تنزيهية بقوله - صلى الله عليه وسلم - (وكره لكم قيل وقال) كره هنا فُسرت عند بعضهم بالكراهة التنزيهية، حينئذ على هذا القول المكروه في الشرع يطلق مراداً به التحريم حرام ويُطلق ويُراد به المكروه الذي هو في الاصطلاح للأصوليين المتأخرين.
(5/6)

وحينئ نحتاج إلى قرينة إذا وُسع في هذا المصطلح، لماذا؟ لأنه يصير من قبيل المشترك، إذا كان له معنيان نهي نهي تحريم ونهي نهي تنزيه حينئذ نحتاج إلى دليل يفصل في هذه المسألة كالمنهي عنه نهي تنزيه يُطلق المكروه على الحرام كما ذكرناه أليس كذلك؟ وهذا الإطلاق كثير عند المتقدمين كالإمام أحمد والشافعي وغيرهم من الأئمة ولذلك قيل إن الإمام أحمد قال أكره المتعة والصلاة في المقابر، أكره المتعة وهي حرام والصلاة في المقابر وهما مُحرمان، وإنما كانوا يخافون من إطلاق لفظ الحرام تورعاً لئلا يدخل في قوله - عز وجل - {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ} النحل116، لأنهم أئمة أعلام، كان الواحد منهم يتورع أن يقول هذا حرام وإنما يقول أكره كذا أكره المتعة أكره الصلاة في المقابر، كذلك يُطلق المكروه على ترك الأولى وهذا ما ذكرناه سابقاً في اصطلاح الشافعية والمالكية، لأن المفهوم لا يُطلق على ما طلب الشارع طلباً غير جازم وإنما يُقيد المكروه ما طلب الشارع تركه طلباً غير جازم بنص خاص، لابد أني ُعين المنهي عنه كقوله - صلى الله عليه وسلم - (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي) قالوا هنا نص وهذه لا يجلس لا الناهية ويجلس فعل مضارع مجزوم بها والأصل فيها أنه للتحريم وصُرف بقرائن أخرى، حينئذ قالوا لما نص هنا فيصدق عليه الحد، حد المكروه ما طلب الشارع تركه طلباً غير جازم ويسمى مكروهاً لأنه نُص عليه بخبر خاص وأما إذا لم ُنص عليه بأن يكون طلب غير جازم لا بنص خالص وإنما بعمومات تدل عليه حينئذ يسمى خلاف الأولى، بناءاً على القاعدة عندهم أن الأمر بالشيء على وزان الواجب، الواجب عندهم قد يأتينا في الأمر ونهي ما أمر به الشارع، الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده نهي التحريم الأمر بالشيء على جهة الإيجاب الأمر بالشيء وجوباً يستلزم النهي عند ضده نهي التحريم، إذا أمر بالشيء ندباً قالوا يستلزم النهي عن ضده نهي خلاف الأولى ولا نقول مكروه، لماذا؟ لأن المكروه لابد أن يكون بدليل خاص وهنا ليس عندنا دليل خاص، يدخل تحت هذا كل ترك للمندوبات فهو خلاف الأولى، قاعدة عامة كل ترك للمندوبات فهو خلاف الأولى، مثلوا لذلك ما مثَّل الشيخ الأمير رحمه الله في الندب بصلاة الضحى، صلاة الضحى أُمر بها شرعاً إذاً هي مندوبة هي منهي عن تركها بطريق ماذا؟ بطريق أن الأمر بالشيء ندباً يستلزم النهي عن ضده نهي خلافاً أولى فإذا ترك صلاة الضحى حينئذ نقول وقع في خلاف الأولى، طلب الشارع تركه ما هو؟ ركعتي الضحى طلب الشارع تركه على ماذا يعود الهاء هنا على ترك الترك وليس ترك الفعل، ما طلب الشارع تركه طبياً غير جازم لا على وجه الخصوص لم ينص عليه، لم يقل لا تتركوا صلاة الضحى، فلو جاء نص لا تتركوا صلاة الضحى حينئذ نقول هذا مكروه ترك صلاة الضحى مكروه، لكن لما لم يرد نص حينئذ نقول هذا خلاف خلاف الأولى عن القاعدة العامة الأمر بالشيء ندباً يستلزم النهي عن ضده نهي خلاف الأولى.
(5/7)

إذاً على المذهب فسوا ترك الأولي بشيء مُخالف لنص الشافعية والمالكية يقول في مختصر التحريم ويطلق على ترك الأولى وهو ترك ما فعله راجح أو عكسه ما تركه ترك ما فعله راجح على فعله أو عكسه يعني ترك ما تركه راجح على فعله، فإذا رجح من جهة الشرع الفعل على الترك فحينئذ المخالفة تكون تركاً للأولى وإذا العكس حينئذ يثبت العكس ولكن الأصح عند المتقدمين عدم التفرقة ولا يثبت النهي عن شيء مُعين إلا بنهي خاص، ولذلك كثير من المتقدمين لا يذكرون الكلام في الأولى البتة وإنما الأقسام عندهم خمسة ويذكرون المكروه ويمثلون بما ذكرنها سابقاً، فالمنهي عنه نهي تنزيه، ماذا يُقال للفاعل المكروه؟ قالوا يُقال للفاعل المكروه إذا تلبس به هل يُعاقب؟ لا يُعاقب ولا عقاب على فعله طلباً غير جازماً إذا ليس عندنا عقاب، لكن بماذا يُوصف؟ قالوا يُوصَف بأنه مُخالف لماذا؟ لأنه طُلب منه الترك وهو لم يتركه إذا خالف أو لا؟ خالف ويُطلق عليه إنه مُسيء بمعنى أساء وهذه فيها نزاع هل يُطلق على تارك المكروه أو فاعل المكروه أنه مُسيء أن لا؟ المذهب أنه يُطلق ولذلك الإمام أحمد لما أخبر عن تارك الوتر قال رجل سوء والوتر معلوم أنه مندوب وهذا لمقام الوتر على جهة الخصوص لأنه قيل بوجوبه، وغير ممتثل إذاً مخالف ومُسيء وغير ممتثل مع أنه لا يُذم فاعله ولا يأثم، ما هي صيغ المكروه؟ متى نحكم على الفعل بأنه مكروه أو على القول بأنه مكروه؟ نقلو إذا صُلح على قول من يُقيد الكراهة بأنها خاصة في الشرع بكراهة التنزيه، إذا جاء لفظ كُرِه أو كَرِه وما اُشتق منها حملوه على التنزيه وهذا فيه إشكال الإطلاق هذا فيه إشكال مع ثبوت أن الحرام يُطلق عليه مكروه وحينئذ لابد من البحث عن قرينة عيب هذا في النصوص الشرعية أما في اصطلاح الفقهاء والأصوليين إذا مر معك هذا مكروه تحمله على المصطلح، لماذا؟ لأن أصحاب الحقائق العرفية يتكلمون بألسنته، فالفقيه والأصولي يتكلم بلسانه أن المكروه مراد به ما ذكره المصنف هنا، أما في نصوص الكتاب والسنة فلا يستعجل طالب العلم ويحكم بأنه مكروه لمجرد التصريح أو التنصيص على أنه مكروه وإن ذكر كثير من الأصوليين أن صيغ المكروه أولها هو صيغة كُره ويُكره وما اًشتق منها، ولذلك يمثلون أن الله كُره قيل وقال وكثرة السؤال. ثانياً من صيغ المكروه لفظة البغض وما اشتق منها ويمثلون لذلك بحديث فيه كلام أبغض الحلال إلى الله الطلاق.
(5/8)

أبغض هذا إن صحَّ فحينئذ لا يختص بالمكروه، الثالث وهو أكثرها شيوعاً صيغة لا تفعل إذا دلت قرينة على عدم التحريم، الأصل في النهي مطلق النهي إذا جُرد عن قرينة تدل على التحريم أو قرينة تدل على عدم التحريم يُحمل على التحريم، كذلك مُطلق النهي لا تفعل هذه فيها ثلاثة أحوال إما أن يقترن بها قرينة تدل على التحريم فإجماعاً لها التحريم لا تُشرك {لئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} الزمر65، لا تُشرك بالله، إذاً دلت هذه الآية على أن لا تُشرك للتحريم قطعاً، إذا وُلدت قرينة لا تفعل لا تصلي لا تؤجل مثلاً، حينئذ دلت قرينة على أن لا تفعل هذه مراداً بها التنزيه وليس مراداً بها التحريم، إذا جاءت لا تفعل فقط حينئذ تُحمل على الصحيح على التحريم، أما إذا دلت قرينة حينئذ تُحمل على مكروه كراهة تنزيه وليس مكروه كراهة تحريم، إذاً هذه هي الصيغ وأشهرها الثالثة. أما ما جاء للآداب أو كان النهي متعلقاً بالأدب وما نحو ذلك أنه يُحمل مطلقاً دون قرينة على التنزيه هذا يحتاج إلى دليل شرعي وإن شاع عند كثير من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة يقولون هذا النهي للأدب ولذلك بعضهم يقول الكراهة كراهة إرشادية، ويُكثر منها النووي رحمه الله في المجموع يقول هذه كراهة إرشادية وهي ما تعلقت بأمر دنيا، لكن نقول القاعدة العامة ونأتي عليها في موضعها أن صيغة افعل إذا كانت ألأدلة الشرعية هي التي دلت على وجوبها فحينئذ الأدلة عامة أليس كذلك، افعل مُطلق الأمر للوجوب أليس كذلك، الأدلة التي دلت على وجوب على مدلول الأدلة الشرعية التي دلت على أن مدلول افعل هو الوجوب عامة لم تفصل في العابدات للوجوب في غير العبادات والعادات للاستحباب والندب، نقول التحريم هذا والأدلة عامة يحتاج إلى دليل، كذلك هنا نقول لا تفعل دلت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والنظر الصحيح للغة العربية دلت على أن مُطلق النهي للتحريم والأدلة عامة لم تُفصل بين الآداب وبين غيرها وبين الأمور الدنيوية ونحوها حينئذ كل لا تفعل في الكتاب والسنة بدون قرينة يُحمل على التحريم، وهل الأدب ونحوه يعتبر قرينة صارفة؟ الجواب لا، فالمنهي عنه نهي تنزيه ثم قال ومُباح، هذا ما يتعلق بالمكروه، ثم قال ومُباح، يعني والحكم تكليفي الحكم الشرعي التكليفي الخامس المُباح أليس هكذا التقدير؟ قال ومُباح هذا معطوف على ماذا؟ على واجبة، دائمة القاعدة أن العطف بالواو إذا عُطفت عدة أشياء يكون على الأول لا يكون على ما قبله، يعني لا نقول هنا مباح معطوف على مكروه ومكروه معطوف على ما قبله هذا خطأ وإنما معطوف على واجبة، إلا إن كان العطف يقتضي الترتيب نقول جاء زيد فعمرو فخالد فحمد إذا لابد من الترتيب، أما إذا جاء زيد وعمرو وخالد ومحمد، محمد هذا معطوف على زيد، ولا ينبني على هذا شيء أبداً.
(5/9)

ومُباح: إذاً والحكم الخامس حكم التكليف الخامس المباح، يلد إشكال كيف يكون المباح حكماً تكليفياً ومعلوم أن التكليف إما ما أمر به الشارع الخطاب بأمر أو نهي إلزام ما فيه مشقة طلب ما فيه مشقة حدود، إذا قيل طلب ما فيه مشقة المباح ليس فيه طلب فلا يدخل في هذا الحد وإذا قيل التكليف إلزام ما فيه مشقة إذاً الإباحة ليس فيها إلزام ولا فيها مشقة، حينئذ لا تكون حكماً تكليفاً، إذا قيل التكليف ارتباط بأمر أو نهي والمباح ليس بأمر ولا نهي، إذاً كيف نجعل هذا الحكم تكليفي وهو لا يدخل في الحكم في حد التكليف؟ جوابان: الأكثر أنه من باب التسامح والتساهل أكثر المعتذرين لهذا يُقال من باب التوسع والتساهل والتسامح، لأن الأحكام أربعة والخامس بدلاً من أن نُخرجه نُدخله معهم، فهم قوم لا يشقى بهم جليسهم، بدلاً من أن نقول خاص ونجعل له حكماً خاص نقول لا هو داخل معهم، والجواب الآخر وهو أحسن وأقعد أن يُقال مُتعَلق الإباحة هو فعل المُكلف وهو اقعد وأحسن أصوب، لماذا؟ لأنه لا شك أنه لا يكاد يكون إجماع إن ل نقل إجماع ولا نلتفت للمعتزلة لأن الإباحة حكم شرعي ولذلك دخلت في الحد السابع، الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بفعل المُكلف بحيث أنه به مُكلف أو احذف هذه الكلمة وقل بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع أو التخيير قلن هنا لإدخال الإباحة، إذاً الإباحة داخلة في قوله خطاب الله المتعلق بفعل المُكلف، إذاً مُتعلق الإباحة هو فعل المُكلف، من هو المُكلف؟ البالغ العاقل، إذاً هل أفعال الصبي تُوصف بكونها مُباحة؟ لا، هل أفعال المجنون تُوصف بكونها مُباحة؟ لا، هل أفعال النائم والساهي والسكران والغافل تُوصف بأنها مُباحة؟ الجواب لا، من أين أخذنا هذا القيد، نقول لأن الإباحة حكم شرعي ومُتعلق الحكم الشرعي هو فعل المُكلف وهؤلاء الذين ذكرناهم ليسوا بمُكلفين، حينئذ أفعالهم لا حُكم لها كالبهيمة، البهيمة لا يتعلق بفعلها إيجاب ولا تحريم ولا كراهة ولا ندب ولا إباحة، كذلك المجنون لا يتعلق به بفعله إيجاب ولا تحريم لأنهما حكمان شرعيان تكليفيان كذلك لا يتعلق بفعله إباحة فحينئذ الأنسب في ذكر المباح في ضمن الأحكام التكليفية أن متعلق الإباحة هو فعل المُكلف من عدا المُكلف لا يوصف فعله بكونه مباحاً إذاً فعل الصبي لا حكم له، حينئذ لا يُضرب الصبي إذا كان على جهة التأديب إذاً فعلى ما هون قبيح، لماذا؟ لأن فعله لا يتعلق به إيجاب ولا تحريم ولا إباحة ولا ندرب ولا كراهة حينئذ كيف تعاقبه على شيء لم يكتبه الله عليه؟ وإنما إذا كان من باب التأديب ونحو ذلك ما يره ولي أمره من مصلحة فلا إشكال، أما أنه يعامل معاملة المُكلف أو يُنظر إليه أنه كالمُكلف هذا فيه تجني.
(5/10)

إذا ومباح على وزن مُفعَل وهو اسم مفعول أباح يُبيح فهو مُبيح، ثم قلنا أُبيح يُباح فهو مُباح، هنا مُباح أصلها مُبيَح مُفعَل على وزن صيغة المفعول، مُفعَل مُبيَح، نُقلت الحركة إلى الساكن قبلها فحينئذ قيل نُبر إلى مُبيَح قبل النقل فقيل تحركت الياء ثم نقل وندر إلى الوجه الثاني فقيل تحرك ما قبلها أو سكنت الياء باعتبار الثاني هو ما تحرك ما قبلها، أولاً مُبيَح الباء ساكنة والياء متحركة، متى نستطيع أن نقلب الياء للمد إذا تحركت الياء وفتحت ما قبلها، مُبيَح لا يمكن أن نقلب الياء لباء فلابد من نقل الحركة لباء فنقول مُباح بإسكان الياء، فننظر نظرين لكلمتين تحركت الياء قبل النقل فقيل مُبيَح فتحركت الياء ثم ننظر إلى بعد النقل فنقول وانفتح ما قبلها فقلت ألفاً هكذا يقول كثير من الصرفيين، لماذا يكون هذا التكلف لأنه ورد قلبها ومعلوم أن القاعدة عندهم أن الياء لا يصح قلبها ألفاً إلا إذا تحركت وفتح ما قبله لا لن تتحرك تحركت ولم ينفتح ما قبلها فالأصل أن تبقى على حقيقتها، لكن ما سُمع مُبيَح ولكن سُمع مُباح فحينئذ لابد من هذا التكلف، وبعضهم يرى وهم قلة أنه اكتفاءاً لجزء العلة فيُقال الأصل تحرك الياء وفتح ما قبلها وهنا وُجد جزء العلة، العلة مركبة عندهم من تحرك وانفتاح فحينئذ نكتفي بجزء العلة فنقول قُلبت الياء ألفاً اكتفاءاً بجزء العلة وهذا أيضاً لا مانع منه.
(5/11)

مُباح قلنا وزنه مُفعَل، المباح لغة المُعلَن والمأذون، يُقال باح الشيء بوحاً ظهر ويتعدى بالحرف فيُقال باح به صاحبه وبالهمزة أيضاً فيُقال أباح، باح به وأباحه، وأباح الرجل ماله أذن في ألأخذ والترك، وجعله مًطلق الطرفين، إذا باح به وأباحه، أباح الرجل ماله يعني أذن في الأخذ منه وسوى بين الطرفين، وأما حده في الشرع فهو ليس فيه طلب وليس فيه إلزام ولذا لا يمكن أن نقول هو طلب ما طلب الشارع فعله، وإنما يقول ما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته، ما هذا جنس يشمل الأحكام التكليفية كلها لا يتعلق به أمر خرج الواجب المندوب ولا نهي خرج به الحرام والمكروه لذاته خرج بعض أفراد المُباح أو نوع المباح لأن المُباح نوعان نوع يكون مقدمة طاعة مقدمة واجب أو مقدمة مندوب وقد يكون مقدمة معصية مقدمة حرام أو مقدمة مكروه، فحينئذ القاعدة العامة أن الوسائل لها أحكام المقاصد، إنما الأعمال بالنيات، فإذا وقع وحصل أن المباح كان وسيل للواجب أخذ حكمه، حينئذ تعلق الثواب بالمباح والأصل في المباح أنه لا يتعلق به أمر فحينئذ كيف تعلق به الثواب وهو مباح من حيث هو ولا يتعلق به أمر ولا نهي نقول هنا الذي لا يتعلق به أمر ولا نهي هو المباح الذي لم يُجعَل مقدمة طاعة ولا معصية، يعني المباح من حيث هو بقطع النظر عن اعتباره وسيلة لغيره، أما إذا كان المباح هو وسيلة للواجب فهو مقدمة واجب أخذ حكم الواجب، وإذا كان المباح وسيلة المندوب فهو مقدمة المندوب حينئذ أخذ حكم المندوب فيصير المباح واجباً ويصير المباح مندوباً ويصير المباح حراماً كل وسيلة أدت على الحرام فهي حرام، فالأصل هي مباحة لا يتعلق بها إثم لكن لما كانت وسيلة إلى المًحرم صارت محرمة، كذلك الوسيلة التي يُتوَل بها إلى المكروه صار حكمها حكم المكروه، قوله لذاته يعني لا يتعلق به أمر الذي يترتب الثواب ولا يتعلق به نهي الذي يترتب على إيجاده العقاب، بذاته يعين بالنظر لنفسه دون اعتبار دونه مقدمة لغيره، أما إذا كان مقدمة لغيره فأخذ حكمه ما جُعل مقدم له، لكن يُتنَبه إلى أن المباح لا ينقلب بذاته واجباً يعني إذا قيل مثلاً قد يُتوَصل بالنوم إلى أداء الواجب وجاء عن السلف يقول احتسب نومتي وقومتي وأكلتي وشربتي إلى آخره، الأكل مثلا الأكل مباح في ذاته حكمه مباح الشرب مباح لكن لو كان الأكل يدفع به موت نفسه كاد أن يموت من الجوع ووجد أكلاً ما حكم الأكل؟ واجباً، الأكل من حيث هو مباح لما كان وسيلة لدفع مُحرم صار واجباً ما لم يترك المحرم وهو قتل النفس ما لم تم قتل المحرم إلا به ففعله واجب، فحينئذ صار الأكل واجباً، لكن هل الأكل انقلب من الإباحة ذاته إلى الواجب، نقول لا، وإنما يُعاقب أو يُثاب من جهة النية، وكذلك يقال في النوم نفسه أحتسب نومتي يعني النية أنني أتقرب إلى الله - عز وجل - بهذا الفعل المباح ليكون معونة على قيام الليل أو صلاة الفجر ونحو ذلك، أما نفس النوم فلا ينقلب عبادة، لماذا؟ لو قلنا هذه المُباحات انقلبت إلى عبادات ما وجه أن تكون العبادات توقيفية، هل يستقيم أني ُقال العبادات توقيفية وهذا متفق عند السلف أن العبادات توقيفية، ما معنى أن العبادات توقيفية بمعنى أنها موقوفة على
(5/12)

السمع لابد من الإذن {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} الشورى21، إذاً من الذي يُشرع؟ هو الله - عز وجل - فحينئذ يكون مصدر التشريع والحكم على الشيء بأنه عبادة فعلاً أو تركاً هو الشرع فما طلب الشارع فعله أو تركه على جهة التقرب أو شئت قلت أن العبادة كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة هذا اسم جامع للعبادة، أما ذات المباح فلا ينقلب واجباً ولا ينقلب مندوباً ولا ينقلب عبادة وإنما يأخذ حكم الواجب ويأخذ حكم المندوب ويأخذ حكم المكروه ويأخذ حكم المُحرم، تنبه لهذا، إذاً ما لا يتعلق بفعله أمر ولا نهي لذاته حينئذ نعرف أن المباح قسمان مباح صار مقدمة طاعة أو مقدمة معصية ما كان مقدمة طاعة أخذ حكمه وما كان مقدمة معصية أخذ حكمه، وما ليس كذلك فهو الذي يدخل معنا هنا ما لا يتعلق به ثواب ولا عقاب.
ومباح قال في حده كما سيأتي في الجائز والحلال قال في حده وهو ما لا يتعلق بفعله أو تركه ثواب ولا عقاب لذاته، لا يتعلق به ثواب ولا عقاب، لماذا؟ لأنه غير مطلوب الفعل وغير مطلوب الترك، والعقاب والثواب مترتبان متوقفان على ما طلب الشارع فعله جزماً أو غير جزم أو طلب الشارع تركه جزماً أو غير جزم وما عدا ذلك لا ثواب ولا عقاب، إذاً ما وجه نفي الثواب والعقاب عن المُباح نقول لأن الشارع لم يطلب المباح، لا طلب فعله ولا طلب تركه، فلذلك لم يترتب عليه العقاب أو الثواب، هل المباح مأمور به؟ الأئمة الأربعة على أنه ليس مأموراً به، وهذا واضح لا إشكال فيه والكعبي يرى أنه مأموراً به ونحوه عبرة بالخلاف للكعبي المعتزلي، لماذا هو ليس مأموراً به؟ لأن الأمر يستلزم ترجيح الفعل ولا ترجيح في المباح أو شئت قلت الأمر طلب، وإذا كان طلباً صار الفعل راجحاً على الترك، وهل المباح فيه ترجيح من جهة الفعل أو الترك، نقول لا هو مستوي الطرفين، ولذلك قال هناك (والإباحة الخطاب فيه استوى الفعل والاجتناب وسنة ما أحمد قد واظبا عليه والظهور فيه وجبا ثم الخطاب المقتضي للفعل جزما فإيجاب لدى ذي النقل وغيره الندب وما الترك طلب جزما فتحريم له الإثم انتسب أولى مع الخصوص أولى فع ذا خلاف الأولى وكراهة خذا لذاك والإباحة الخطاب فيه استوى الفعل والاجتناب) والإباحة الخطاب فيه استوى الفعل والاجتناب هما مستويا الطرفين الفعل والترك، حينئذ نقول لو قيل بأن المباح مأمور به لكان جهة الطلب مُرجَحة على جهة الترك وهذا مناف لحقيقة المًباح.
(5/13)

قال هنا: مباح الجائز والحلال بمعناه: كما ذكرنا في المستحب وفي المندوب أنه له أسماء إذاً هنا المباح له أسماء، قال ومباح والجائز والحلال، ويُزاد عليه الطِلْق بكسر الطاء وإسكان اللام، قالوا في القاموس الطِلق الحلال، هذه أربعة مباحة وجائز وحلال وطِلق هذه أربعة ألفاظ في الأصل أنها تُحمل على في اصطلاح الأصوليين والفقهاء تُحمل على ما استوى طرفاه، والإباحة الخطاب به استوى الفعل والاجتناب، وإذاً قال هناك وهي (وهي والجواز قد ترادفا في مطلق الإذن لدى من سلفا) وهي أي الإباحة والجواز قد ترادفا إذاً الجائز والمباح مترادفان في مطلق الإذن لكن ثم تفصيل عند التحقيق ثم تفصيل بين الحلال والجائز والمباح، فيُقال يُطلق المُباح والحلال على غير الحرام وهو الذي عليه في المراقي وهي والجواز قد ترادفا في مطلق الإذن يعني ما أذن الشارع في فعله، الفعل إما أن يأذن الشارع في فعله وإما أن يمنع، إذا قلنا في هذا الاعتبار لذلك بعضهم قسم الأحكام التكليفية إلى قسمين، قال حلال وحرام، ما أذن الشارع في فعله يعني أذن في فعله إما على جهة الجزم أو لا على جزم أو مع كونه مرجوحاً، فهذا يعم الواجب والمندوب والمكروه ويخرج الحرام لأنه غير مأذون في الفعل وذلك قال (وهي والجواز قد ترادفا في مطلق الإذن) المراد بمطلق الإذن يعني ما أذن الشارع في فعله بقطع النظر عن كونه واقعاً مع الجزم أولا وبقطع النظر عن كونه واقعاً مع رجحانه أو لا لأن فعل المكروه أذن الشارع في فعله أليس كذلك أذن في فعله إلا أنه مرجوح أو راجح فعل المكروه مكروه أو راجح؟ كرجوح إذاً داخل في مطلق الإذن أم لا داخل في مطلق الإذن، فحينئذ نقول يطلق المباح والحلال على غير الحرام فيعم الواجب والمندوب والمكروه والمباح إذا أطلقنا الحلال، لكن المباح يطلق على الثلاثة الذي هو ماذا الواجب والمندوب والمكروه لأن المباح لا يطلق على المباح، وإنما يطلق على الثلاثة والحلال يطلق على ألربعة، إذاً الحلال يشمل الواجب والمندوب والمكروه والمباح، الحلال يطلق على المباح أم المباح فيطلق على الواجب والمندوب والمكروه ولا يدخل المباح وهذا واضح، لأن المباح لا يطلق على المباح، أما الجائز نقول الحلال يطلق على الأربعة والمباح يطلق على الثلاثة لكن إطلاق المباح على ما استوى طرفاه هو الأصل بمعنى أن لفظ المباح في الأصل في استعمال الأصوليين والفقهاء أنه ما استوى طرفاه، لكن هل يأتي طالب فيفهم إذا قال فقيه هذا المباح يعني واجب؟ هو يطلق على الواجب ولكن إذا جاءت المصطلحات حينئذ يتميز كل مصطلح عن مصطلح آخر، إنما التداخل هذا للتوسع فقط، يعني يجوز المتحدث أن يتوسع فيُدخل الواجب تحت المباح أما إذا جاء في تحرير المسائل حينئذ إذا قيل هذا مباح فلا تقل أنه يحتمل أنه واجب ويحتمل أنه مندوب لأن الواجب يسمى مباحاً وإنما هذا يُذكر في باب التوسع فقط.
(5/14)

أما الجائز لغة فهو العابر يُقال جاز المكان يجوز مجوزاً وجوزاً صار فيه والجائز في اصطلاح الفقهاء أن يُطلق على ما لا يمتنع شرعاً إذاً عندنا شيء يمتنع من جهة الشرع وآخر لا يمتنع شرعاً، ما هو الذي يمتنع وجوده شرعاً؟ الحرام، وما الذي لا يمتنع وجوده شرعاً؟ الأربعة التي هي الواجب والمندوب والمكروه والمباح، إذاً الجائز في اصطلاح الفقهاء يطلق على ما لا يمتنع شرعاً فيعم غير الحرام ويُطلق على ما استوى فيه الأمران شرعاً فحينئذ يختص بالمباح، إذاً الجائز له استعمالان؛ استعمال بمعنى استواء الطرفين وهذا يكون مرادفاً للمباح وهو المراد هنا يُطلق الجائز مراداً به ما لا يمتنع شرعاً فحينئذ لا يكون مرادفاً للمباح بل يكون أعم منه لأنه يشمل المباح وغيره.
(5/15)

صيغ الإباحة كيف نحكم على الشيء بأنه مباح، أولاً صيغة لا حرج، لا حرج إذا جاء في الشرع لا حرج {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} النور61، نقول هذا فيه نفي الحرج ونفي الحرج هو معنى المباح، وجاء في الحديث افعل ولا حرج، كذلك نفي الجناح {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} البقرة198، هذا مباح، كذلك أحل أو اُحل {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} البقرة187، أيضاً هذا مباح، إذاً من صيغ الإباحة أو ممن يدل على الإباحة نفي الحرج ونفي الجناح ولفظ الإحلال وما اشتق منه. الإباحة عن الأصوليين قسمان إباحة شرعية وإباحة عقلية، الإباحة الشرعية بياء النسبة هي المنسوبة إلى الشرع بمعنى بأنها المأخوذة من الشرع يعني دليلها جاء بخطاب يعني لابد من سمع كتاب أو سنة، ولذلك نقول الإباحة الخطاب فيه استوى الفعل والاجتناب، الخطاب بمعنى كلام الله - عز وجل -، لابد أن يرد الإذن من الشرع. {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} البقرة187، نقول الجماع في ليال رمضان هذا مباح أم لا؟ مُباح، هل هي إباحة شعرية أم عقلية؟ إباحة شرعية، ما المراد بالإباحة الشرعية؟ أنها مأخوذة من الشرع، ما الدليل؟ {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} البقرة187، لابد من دليل. الإباحة الأخرى إباحة عقلية منسوبة إلى العقل وهذه هي التي تسمى عندهم بالبراءة الأصلية أو عدم الأصل وما من البراءة الأصلية قد أُخذت فليست الشرعية، وما من الإباحة من البراءة الأصلية قد أُخذت؟ أُخذت من البراءة الأصلية إذا الإباحة المأخوذة من البراءة الأصلية والمراد بالبراءة الأصلية براءة الذمة أو شئت قل استصحاب العدم بمعنى استصحاب عدم التكليف حتى يرد دليل ناقل عنه، استصحاب عدم التكليف لأن أصل التكليف أو عدمه؟ عدم التكليف الأصل عدم الوجوب، فلا إيجاب إذاً بدليل، والأصل عدم التحريم فلا تحريم إلا بدليل وهكذا، حينئذ نقول استصحاب وعدم التكليف يستصحبه معه حتى يرد دليل ناقل عنه، هذه تسمى إباحة عقلية.
(5/16)

وما من البراءة الأصلية قد أُخذت فليست الشريعة، الفرق بينهما بين الإباحتين أن رفع الإباحة الشرعية يسمى نسخاً ورفع الإباحة العقلية لا يسمى نسخاً، كان في أول الأمر المُكلف مُخيراً بين الصيام والفطر في شهر رمضان يعني يفطر ويُطعم {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} البقرة184، هذا هو الأصل هذا مباح شرعاً أم لا؟ مباح شرعاً لأنه مأذون به بخطاب شرعي {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} يعني لا يطيقونه على قولين {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} إذا يجوز له أُبيح له أن يُفطر وأن يأتي بالبدل، نزل قوله تعالى {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} البقرة185، رُفعَت الإباحة الأولى، ماذا نسميه؟ نسميه نسخاً لماذا؟ لأن النسخ يكون رافعاً لما سبق لما ثبت بخطاب شرعي فالنسخ رفع أو بيان والصواب في الحد رفع حكم شرعي بخطاب، لابد أن يكون الحكم الناسخ ثابتاً بخطاب، والحكم المنسوخ أيضاً ثابتاً بخطاب، حينئذ تسمى رفع الإباحة الشرعية تسمى نسخاً.
(5/17)

أما الإباحة العقلية فرفعها لا يسمى نسخاً مثل ماذا؟ إباحة الربا في الأول الإسلام كان الربا مباحاً قم نزلت الآيات للتحريم {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} البقرة275، {لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا} آل عمران130، حينئذ نقول رُفع الحكم الأول لكن لا نسميه إباحة، وإنما نسميه شرعاً استقلالاً ولأن السابق الذي هو إباحة الربا هذا نعبر عنه بأنه مباح نقول كان الربا مباحاً كان الزنا مباحاً ثم بعد ذلك رُفع الحكم هذا بشرع جديد باستئناف شرع جديد، ولو سُمي الأول مباحاً ولكن لا نسميه نسخاً لأن إباحة الربا قبل نزول التحريم لم يكن ثابتاً بشرعه وإنما كان ثابتاً استصحاب العدم وأن الأصل هو استصحاب العدم وأن الأصل هو عدم التكليف، ولذلك ذكر الشيخ الأمير رحمه الله أن استصحاب العدم يعتبر حجة في عدم المؤاخذة، ولذلك جاء في غير موضع إلا ما قد سلف {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} النساء23، هذا استثناء منقطع، {مَا قَدْ سَلَفَ} يعني ما حصل وما سلف من الجمع بين الأختين باعتبار الإباحة العقلية البراءة الأصلية استصحاب العدم هو معقول عليه، إذاً لا مؤاخذة، كذلك لما نزل تحريم الربا كان في أيدي الصحابة أموال ناتجة عن الربا فاستشكلوا وخافوا أني أكلوا منها فنزل قوله تعالى {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ} البقرة275، لذا أُبيح ما كان في أيديهم، فحينئذ نقول هذه البراءة الأصلية تعتبر حجة في عدم المؤاخذة، ولذلك جاء قوله {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} التوبة115، فحينئذ لا عقاب إلا بعد الشرع لا مؤاخذة إلا بعد الشرع، {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} الإسراء15، إذا عرفنا النوعين من الإباحة الشرعية والعقلية، قال وقد اُختلف في الأعيان المتنفع بها قبل الشرع وهذه من المسائل الدخيلة على أصول الفقه بل على المسلمين عموماً يعني ليست من أصول الفقه وليس مما ينبني عليها شيء إلا راداً على المعتزلة وأهل البدع، وقد أُختلف في الأعيان المتنفع بها قبل الشرع: وقد اُختلف بين أهل البدع وأما أهل السنة والجماعة فلا خلاف بينهما، وقد اُختلف في الأعيان: المراد بالأعيان هنا جمع عين أي الذوات، الأعيان مثل الأكل والمأكولات والمشروبات والملبوسات، هذه تسمى أعيان، عين ألأكل يسمى عين وعين المشروب يسمى عين وهلم جرة. وكذلك يذكرون هناك وفي الأفعال الاختيارية والعقود والمعاملات، إذاً كل ما هو صادر عن الآدمية ولا نقول عن المُكلف لأن المسألة مفروضة قبل ورود الشرع.
(5/18)

وقد اُختلف في الأعيان أي في الأفعال والذوات والعقول والمعاملات المُتنفَع بها قبل الشرع يعني قبل ورود ونزول الشرع بحكمها، هذا يُفهَم منه ماذا؟ قبل ورود الشرع ولذلك يقولون إن فُرض خلو زمن عن شرع إذاً المسألة ليست واقعة لأنه لا يخلو زمن عن شرع أبداً، {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ} فاطر24، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} النحل36، {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} القيامة36، ولذلك لما خُلق آدم أُمر ونُهي وكذلك في كل زمان. ولذلك لا يمكن أن يُتصَور ورود هذه المسألة أبداً إلا إذا قُيضت بعد الشرع وجُبل حكم المسألة أو تُتَصور المسألة بأنها بعد نزول الشرع وفي آدمي نشأ في برية ولا يعرف شرعاً ولا غيرها. يعني رجل نشأ في برية بعد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسمع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يرد إليه سمع بذلك وعنده أعيان، ما المراد بالأعيان؟ عنده بستان به ثمار هل يجوز له أن يأكل منها أم لا؟ هو محل خلاف الذي يذكره الأصوليون في هذه، وقد اُختلف في الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها، نقول إن فُرض بهذا القيد أنه خلا وقت عن الشرع والصحيح عدم خلو وقت عن شرع وهو ظاهر كلام الإمام أحمد - رحمه الله تعالى – لأنه أول ما خُلق آدم قال له {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} البقرة35، إذً أمره ونهاه منذ أن خُلق آدم أُمر ونُهي، والتكليف هو الخطاب بأمر أو نهي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لا يمكن القول بخلو عن زمن عن شرع، ومن هنا أنكر بعض العلماء ما يسمى بأهل الفترة. لأن عنونته بما اشتهر بأنه بين الأصوليين لم يدركوا الأول ولم يدركهم الثاني يلد عنه إشكال كبير، الله - عز وجل - يقول {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ} إن هذه نافية، من هذه زائدة تأكيد صلة، أمة نكرة في سياق النفي، إذا تنصيص نص في العموم، لا يمكن أن توجد أمة إلا وفيها نذير، فكيف يتصور حينئذ قوم عاشوا ولم يدركوا النبي ولم يدركهم الرسول الذي بعده هذا بعيد. أنا لا أثبت ولكن أقول المسألة مطروحة هكذا وهذا ينافي قول الله - عز وجل - {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات56، الجن والإنس إذاً الإنس هذا اسم جنس مُحلل بـ (ال) فيفيد العموم، كل فرد الحكمة في خلقه ما هو؟ إيجاد العبادة، وما نزل الرسل إلا لبيان هذه العبادة، حينئذ إذا خُلق قوم ولم ينزل إليهم رسول يُبين لهم أو لم يأتي لهم رسول يُبين لهم ما الحكمة التي من أجلها خُلقوا، هل يعتبر هذه التقرير موافق للآية أو مخالف؟ مخالف للآية، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} النحل36، على كل حال الطبري - رحمه الله تعالى – يرون بعدم وجود بما يسمى بأهل الفترة لهذه النصوص وهو أمر صعب.
(5/19)

وقد اُختلف الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها، قوله المُنتفَع بها هذا قيد احترز به عن بعض الأمور وعليه يُقال هذه مسألة لها التي هي الأعيان قبل ورود الشرع إن فُرض خلو الشرع لها ثلاث أحوال، الأعيان من حيث هي بقطع النظر عن كونها مُنتفع بها أو لا لها ثلاثة أحوال، أولاً ما فيه ضرر محض وليس فيه منفعة البتة، قالوا كالأعشاب التي تكون سامة قاتلة، بعض الشجر إذا أكل منه الإنسان مات لأن أعشابه تكون سامة، هذا فيه ضرر محض، النوع الثاني الذي يكون فيه ضرر من جهة ونفع من جهة أخرى، اجتمع فيه المصلحة والمفسدة المضرة والمنفعة من جهة وهذه م جهة الجهة منفكة، والضرر أرجح من المنفعة أو مساوي في هاتين الحالتين نقول الأعيان مُحرمة لقوله - صلى الله عليه وسلم - ل (لا ضرر ولا ضرار) ما فيه ضرر محض هذه الحالة الأولي، الثانية ما فيه ضرر من جهة ومنفعة من جهة، هاتان محرمتان، لأن الشرع القاعدة العامة الكبرى أن الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى عن ما مفسدته خالصة أو راجحة، لا يمكن أن ينهى عما مصلحته خالصة أو ينهى عما مصلحته راجحة ولا يمكن أن يأمر بما مفسدته خالصة أو مفسدته راجحة وهذا من أدلة بعض القائلين ببطلان الصلاة في الدار المنصوبة لأنها منهي عنها، وإذا كانت منهي عنها إما أن تكون المفسدة خالصة أو راجحة حينئذ المصلحة التي تضمنتها هذه الصلاة المنهي عنها تكون غير مُلتفت إليها والعبرة بالمفسدة الراجحة، الحالة الثالثة ما فيه منفعة محضة وليس فيه مضرة بوجه من الوجوه أو فيه ضرر خفيف لكنه غير مُلتفت إليه، الحالة الثالثة هي التي ذكرها المصنفون، لذلك قال في الأعيان المُنتفَع بها، إذاً هذه إمام أن تكون منفعتها خالصة أو يكون فيها نوع ضرر لكنه خفيف والمنفعة أرجح، احترازاً من ما كانت مضرته خالصة فلا يدخل في الحكم معنا، أو كانت فيه مضرة وفيه منفعة إلا أن المنفعة أقل والمضرة أرجح، إذا خرج بها القيد أمران. وقد اختلف في حكم الأعيان المنتفع بها قبل الشرع بحكمها، فعند أبي الخطاب – الحنبلي - والتميمي الإباحة كأبي حنيفة يعني أنها مُباحة، لماذا؟ قالوا لأن الله - عز وجل - خلقها لحكمة فإن لم نُثبت الحكمة هذا خلقها عبثاً، وهل يمكن أن يُفهم حكمة من خلق الأشجار والثمار وجري الأنهار بأنها تكون هكذا زينة للناس ولا يأكلون ولا يشربون؟ لا، لا يدرك العقل هذا وإنما يدرك أن الله - سبحانه وتعالى - خالق للإنسان وخلق هذه الأشجار وهذه المياه وكل ما يمكن أن ينتفع به على وجه الأرض ولم يُعلَم حكمه على قولهم لم يثبت شرع لا يمكن أن يدرك العقل أن هذه خُلقت هكذا عبثاً لا ليُستفاد منها لا ليُأكل لا ليُشرب وإنما نقول خلقها لحكمة ولا تُعلَم هذه الحكمة ولا تُدرَك إلا بكون الآدمي ينتفع بها، إذا هو خالل عن المقصود.
(5/20)

واستدلوا بقوله تعالى هذه تعليل واستدلوا بقوله تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} البقرة29، لكم: اللام هذه لام الملكية {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً}، ثم امتن سبحانه بما خلق على وجه الأمر، امتن على العباد {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} هذا امتنان على العباد بخلق ما في الأرض جميعاً، وسبحانه لا يمتن ولا يتمدَّح - عز وجل - بما هو مُحرم على العباد، كيف يتمدَّح وأفتخر بشيء ثم اقل لك لا تمسك هذا الشيء أو لا تأكله؟ هذا ممتنع، وإنما يمتدح ويتمدَّح ويمتن جل وعلا بما استفاد العباد منه حينئذ ظاهر الآية أن ما خُلق من الأعيان أنه مُباح للعباد ولا يُسأل عنه إلا إذا دلَّ دليل، وعليه نقول هذه الآية عامة وتُخصص بكل دليل ينقل الأصل من الإباحة إلى التحريم أو الكراهة. {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم} كل على وجه الأرض من مشروبات ومأكولات ومن ملبوسات الأصل فيه الإباحة والحل، إذا جاء نوع مُعين مُحرم إذا نحتاج إلى دليل يخصه من الأعيان، كذلك قوله {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} الأعراف32، كالآية السابقة، وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - (من أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء لم يُحرَّم وحُرِم من أجل مسألته) هذا واضح، (من أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء لم يُحرَّم) إذا لم يُحرَم إذاً هو مباح، وحُرِم من أجل مسألته. كذلك حديث ما سكت عنه فهو عفو، إذا الأصل في الأشياء في الأعيان في العقول في الملبوسات المشروبات المأكولات الأصل فيها الإباحة، هذا بعد الشرع، أما قبل الشرع فحينئذ تكون الإباحة عقلية، فعند أبي الخطاب والتميمي الإباحة أي حكمها هو الإباحة، كأبي حنيفة، فلذلك أنكر بعض المعتزلة شرعيته: فلذلك أي لأجل أن الأصل في المسألة فعل إباحة أنكرت المعتزلة أن المباح من الأحكام الشرعية، الإباحة عند الأصوليين عند أهل السنة والجماعة وإذا توسعنا قلنا الأشاعرة معهم وليست بمصطلح صحيح لكن نقول عند الأصوليين أن الإباحة نوعان شرعية وعقلية، عند المعتزلة الإباحة نوع واحد فقط وهي الإباحة العقلية وينكرون الإباحة الشرعية، وهذا خرق للإجماع. وإذا دلت نصوص الكتاب والسنة على ثبوت الإباحة (وأُحل لكم) إلى آخره من الآيات التي وردت كلها تدل على أن الأشياء قد تكون مباحة.
(5/21)

إذاً أنكروا أن المباح من الأحكام الشرعية لأن المباح عندهم له حد خاص ما اقتضى نفي الحرج في فعله وتركه وهذا ثابت قبل الشرع وبعد الشرع، ونقول هذا خرق للإجماع بل المباح حكم شرعي. وعند القاضي وابن حامد وبعض المعتزلة: الحظر .. هذا القول الثاني، إذا في الأعيان المُنتفع بها قولان ذكر المصنف الأول الإباحة والثاني الحظر ويأتي الثالث، الحظر معناه المنع أنه لا يجوز ليأكل أو يشرب حتى يرد دليل على أنه مأذون له هذا الأكل أو الشرب لماذا؟ قالوا لأن هذه المخلوقات ملك لله - عز وجل -، وهذا فيه خلاف؟ ليس فيه خلاف، ما دام ملك لله والتصرف في ملك الغير لا يجوز إلا بإذنه وإثبات قياساً عن الغائب على الشاهد، ما المقصود بالغائب على الشاهد؟ الغائب يعني الله لأنه غيب والشاهد الإنسان الذي، لو كان فيه مثلاً شاة مملوكة لك هل يجوز أن نتصرف فيها؟ لا يجوز هذا تعدي والأصل المنع، قالوا كذلك نقيس الغائب على الشاهد فنمنع أن يُتصَرف في ملك الله إلا بإذنه، نقول هذا قياس فاسد لأن الشاهد لا يتضرر، لو تصرفت في سيارة شخص وأخذتها هل تضرر أو لا؟ تضرر، لكن الله - عز وجل - غني - عز وجل -، هذا القياس نقول فاسد وهو مُصادم للأدلة السابقة، إذاً يُرد بثبوت الإباحة وإذا ثبتت الإباحة شرعاً يُرد ما ثبت بالعقل ثم نقول نفس القياس هذا الذي قستموه الغائب عن الشاهد فاسد. لثبوت الفارق وهو أن الشاهد يتضرر إذا تُصرف في ملكه بغير إذنه بخلاف الرب - عز وجل - فإنه غني حميد.
وتوقف الجزري والأكثرون: هذا القول الثالث في هذه الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع وبعده على ما ذكرناه من قيود، وتوقف معناه أن الحكم متوقف على ورود الشرع بحكمها ولا حكم لها في الحال وليس المراد عدم العلم بأنها محظورة أو مباحة – لا – ليس هو التوقف الذي عند الأصوليين الذي يعتبر حكما، يقول ما حكم كذا؟ يقول أتوقف، يعني لا أدري هل هي حلال أو حرما، نقول لا هذا ليس المراد هنا، المراد أنه أوقف الحكم على الشرع، ثم في الحال، هل نستعمل أو لا نستعمل؟ فيه قولان، بعضهم يرى أن مرد هذا القول إلى الإباحة يعني أقرب إل الإباحة حينئذ يكون القولان متفقين، وبعضهم يرى أنه أقر إلى الحظر وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -. إذا الخلاص في الأعيان المنتفع بها قبل الشرع نقول تصور المسألة هذه ليس على ما أراده المعتزلة وإنما نقول الشرع قبل أن يرد الشرع ثابت قبل شرع محمد - صلى الله عليه وسلم - الشرع والذي قبله إلى بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو باق ثابت، وأما بعد ورود الشرع فحينئذ تلد المسألة التي معنا وفيها ثلاثة أقوال: الإباحة الحظر التوقف، وهذا خلاصة ما ذكره المصنف - رحمه الله تعالى – في الأحكام الشرعية التكليفية وسيأتينا إن شاء الله بعد الأحكام المرئية يوم السبت بإذن الله تعالى وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

} - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - {
(5/22)

عناصر الدرس
* الحكم الوضعي
* الفرق بين التكليفي والوضعي
* العلة والسبب والشرط والمانع.

الدرس السادس

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد توقفنا عند قوله و (وضعيةٌ) أي أنه لما ذكر القسم الأول من قسمي الحكم الشرعي وهو قسم التكليفي شرع في بيان القسم الثاني وهو القسم الوضعي، لذلك ذكرنا أنه قسمة ثنائية وأن كلا النوعين داخلان في الحكم الشرعي، لذلك قنا الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المُكلَف بالاقتضاء أو تخيير أو الوضع، هذه ثلاثة أقسام، التخير والاقتضاء يشملهما قسم واحد وهو التكليفي الحكم الشرعي التكليفي، أو الوضعي نقول هذا قسم مستقل أُدخل في حد الحكم الشرعي للدلالة على أن الحكم الوضعي حكم شرعي رداً على ما زعم أن الحكم الوضعي إنما هو حكم عقلي لا شرعي، والصحيح أن الأسباب شرعية أي أنها مأخوذة من الشرع وأن الموانع شرعية بمعنى أنها ثابتة من الشرع وأن الشروط أيضاً شرعية بمعنى أنها ثابتة من الشرع، فلا يُجعَل الشيء سبباً ولا يكون له دليل في الشرع ولا يُجعل الشيء شرطاً لشيء آخر ولم يكن دليل في الشرع، ولا يُجعل الشيء مانعاً من شيء آخر ولا دليل له في الشرع، إذاً لابد من إثبات الحكم الوضعي بدليل شرعي، وعليه يُجعَل قسماً من أقسام الحكم الشرعي، إذاً نقول القسمة ثنائية حكم تكليفي وحكم وضعي، وكلا النوعان شرعيان.
(6/1)

لأن بعض الأصوليين يرى أن الحكم الوضعي السبب هذا حكم عقلي، نقول لا ليس بعقلي، من الذي أخبرنا بأن دلوك الشمس سبب لوجود صلاة الظهر؟ الله - عز وجل - {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} الإسراء78، من الذي أخبرنا بأن الطهارة شرط لصحة الصلاة؟ الله - عز وجل -، من الذي أخبرنا بأن الحيض مانع من الصلاة والصوم صحة وجوازاً؟ هو الله - عز وجل -، إذاً مراد هذه الشروط والأسباب والموانع هي الشرع فما أثبته الشرع سبباً أثبتناه وما لم يثبته الشرع سبباً لم نُثبته، وما أثبته الشرع شرطاً أثبتناه وما لم يثبته لم نثبته وهلم جرة، لماذا؟ لأن الحكم مأخوذ من الشرع، لذلك قررنا القاعدة كما سبق قوله الحاكم هو الله - عز وجل - {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} الأنعام57، يعني لا حكم شرعياً سواء كان وضعياً أو تكليفياً إلا لله - عز وجل - {وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} الرعد41، قال: و (وضعيةٌ): هذا معطوف على قوله تكليفية لأنه قال الأحكام قسمان تكليفية وهي خمسة وانتهى من ذكرها وبعض المسائل المتعلق بها أو المتعلقة بها ثم قال ووضعية هذا معطوف على قوله تكليفية، يعني أن القسم الثاني من قسمي الحكم الشرعي هي الأحكام الوضعية، نسبة إلى الوضع لأنه يُقال خطاب وضع، والوضع في اللغة الولادة، يُقال وضعت المرأة إذا ولدت ويلد أيضاً بمعنى الإسقاط والحط فيُقال وضعت الدين عن زيد بمعنى أسقطته وحططته، هذا في اللغة، أما في الاصطلاح فالحكم الشرعي الوضعي هو خطاب الله تعالى المُتعلِق لجعل الشيء سبباً لشيء آخر أو شرطاً له أو مانعاً منه، إذاً خطاب الله لابد من أن يكون مأخذ هذا الحكم الوضعي هو الشرع، ويرد فيه ما وُرِد على الحكم التكليفي بجعل الشيء سبباً لشيء آخر كدخول الوقت سبباً لوجوب الصلوات المكتوبة نقول هذا سبب، من الذي جعل هذا الشيء سبباً؟ نقول خطاب الله المتعلق بكون هذا الشيء سبب لشيء آخر، أو شرطاً له كالطهارة بالنسبة للصلاة والحول بالنسبة للزكاة، أو مانعاً منه كون هذا الشيء مانعاً من كذا نقول هذا أيضاً مأخذه من الشرع، قال خطاب الله المتعلق لكون الشيء مانعاً من هذا الشيء كالحيض مانعاً من الصلاة والصوم ثم خطاب الوضع هو الوارد بأن هذا مانع أو فاسد أو ضده أو أنه قد أوجب شرطاً يكون سبباً وعلى هذا التعريف خطاب الله تعالى المُتعلق بجعل الشيء سبباً لشيء آخر أو شرطاً له أو مانعاً منه، تفهم منه أن الحكم الوضعي منحصر في ثلاثة أشياء الأسباب والشروط والموانع، وهذه مُتفق عليها عند الأصوليين أن السبب حكم شرعي وضعي، وأن الشرط حكم وضعي وأن المانع حكم وضعي، واختلفوا في الصحة والفساد والنقصة والعزيمة والأداة والقضاة والإعادة ونحوها مما يُجعَل وصفاً للحكم التكليفي والأصح أن هذه كلها ليست بحكم وضعي وإنما هي أوصاف للحكم التكليفي كما سيأتي بيانه.
(6/2)

وكذلك العلة أُختلف فيها هل هي من الحكم الوضعي أو من الخطاب التكليفي للنزاع عند الأصوليين أو نقول في حده خبر أُستفيد بنصب الشارع علماً مُعرِفاً لحكمه، خبر أُستفيد أُخذ هذا الخبر من نصب الشارع علماً، نصب الشارع أشياء هذه الأشياء أعلام وأخبار مُعرفة لحكمه، حيث جعل الشرع الحكم التكليفي متوقفاً على وجود هذا الشيء في الحس، كأنه قال إذا زالت الشمس وهذا أمر محسوس إذا زالت الشمس فقد أوجبت عليكم صلاة الظهر نقول هذا حكم وضعي جعله الشرع مُعرِفاً وعلماً على وجوب صلاة الظهر حينئذ خبر إذاً لا إنشاء وهذا من الفوارق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي أن الحكم التكليفي إنشاء والحكم الوضعي خبر والخبر وإنشاء قسمان من أقسام الكلام، بل ينقسم الكلام إلى اثنين ولا ثالث لهما، نقول في حد التكليف الخطاب بأمر أو نهي أليس كذلك؟ الخطاب بأمر سواء كان بأمر إيجاب أو أمر استحباب أو نهي سواء كان نهي إلزام تحريم أو نهي كراهة، إذاً هذه أربعة أنواع ودخلت فيها الأحكام التكليفية حينئذ نقول هذه الأنواع الأربعة هل هي من قبيل الإنشاء أو الخبر عند النُحاة أو عمد البيانيين يقسمون الكلام إلى قسمين خبر وإنشاء ولا ثالث لهما كما قال السيوطي في عقود الجمان (محتمل للصدق والكذب الخبر وغيره الإنشاء ولا ثالث قر. (ما لم يكن محتملاً للصدق والكذب الإنشاء كقل بالحق) هكذا قال جوهر المكنون. (محتمل للصدق والكذب الخبر) ما احتمل الصدق والكذب فهو خبر يعني ما احتمل أن يُقال لقائله أنت صادق أو أنت كاذب هذا هو الخبر، لذاته يعني بقطع النظر عن قائله، الإنشاء عكسه ما لم يكن محتملاً للصدق ولا الكذب وهذه يدخل فيها ثمانية أمور منها الأمر والنهي، ما لم يكن محتملاً للصدق والكذب ككن بالحق ما لم يكن بالصدق والكذب كقل بالحق.
(6/3)

إذاً الإنشاء ما لم يحتمل الصدق والكذب إذاً لا يُقال لقائله كذبت أو صدقت، إذا قال كن هل يُقال صدقت أو كذبت؟ لا يصح أن يُقال له صدقت أو كذبت، لماذا؟ لأن الصدق والكذب إنما يكون لشيء موجود وقع، والأمر والنهي إنما يكونان لشيء معدوم، ولذلك مُتعلق الأمر شيء مستقبل إذاً لم يوجد، ومتعلَق النهي شيء متقبل لم يوجد، ولذلك لا تدخل قد عند النحاة على فعل الأمر لماذا؟ لأن قد هذه تفيد التحقيق وتفيد التأكيد والتأكيد إنما يكون لشيء موجود ثابت، وأما الأمر هذا أمر معدوم، حينئذ نقول خطاب التكليف هذا هو محصور في أمر ونهي بقسمي الأمر والنهي بقسميه، فحينئذ نقول هذا إنشاء وليس بخبر، أما الخبر وهو ما احتمل الصدق والكذب لذاته نقول هذا مفهوم من خطاب الوضع، إذاً خطاب التكليف أو الأحكام التكليفية هذه من قبيل الإنشاء والأحكام الوضعية أو الخطاب والوضعي هذا من قبيل الأخبار، ولذلك يُسمى خطاب الوضع والإخبار أو خطاب الوضع والإعلام والإخبار، هذه أسماء، ولذلك حده في مختصر التحليل يُقال هذا خبر، إذاً ليس بإنشاء للاحتراز عن الحكم التكليفي فإنه إنشاء وليس بخبر، هذا الخبر من أين أُستُفيد من أين أُخذ؟ من الذي أفاد في هذا الخبر؟ أُستفيد بمعنى اُخذ من نصب الشارع علماً معرفاً لحكمه، نصب الشارع أموراً محسوسة هذه الأمور المحسوسة جُعلت أعلاماً وجُعلت أموراً تكشف عن حكم الرب - عز وجل - وهو الحكم التكليفي، ولذلك قيل لا خطاب تكليف إلا ومعه حكم وضعي، لماذا؟ لأن هذه الأحكام الوضعية هي أصل وضعها من الرب جل وعلا وُضعت كاشفة للحكم التكليفي، ولذلك ينفك الوضع عن التكليف ولا عكس، بل قيل لا يُتصوَر وجود حكم تكليفي إلا وله سبب أو شرط أو مانع لا يمكن، فحينئذ لا يمكن أن يوجد الحكم التكليفي إلا ومعه حكم وضعي، خبر أُستفيد من نصب الشارع علماً مُعرفاً هذا العلم وهذا المُعرِّف وظيفته أنه يكشف عن حكمه التكليفي، ولذلك سُمي خطاب الوضع والإخبار، لم سُمي خطاب الوضع؟ قالوا لأن الشرع وضع بمعنى شرع أموراً سُميت أسباباً وشروطاً أو موانع يُعرَف عند وجودهاً أحكام الشرع، إذا وُجدت هذه الموانع أو الأسباب أو الشروط حينئذ يُعرف إذا صارت مُعرِفات، وذلك قال الفتوحي والأسباب معرفات، لماذا؟ لأن الشرع وضع هذه الأمور الثلاثة أسباب وشروط وموانع يُعرف عند وجودها أحكام الشرع من إثبات أو نفي، ومُتعلق الحكم الشرعي كما سبق أنه يكون إثباتاً ويكون نفياً، يعني تُبت الصلاة متى عند دلوك الشمس وهو سبب، وتُنفى الصلاة عند وجود الحيض وهو مانع، أليس كذلك؟ وتوجد عند وجود الشرط وتنتفي بانتفاء الشرط وإن لم يكن الشرط لازماً لوجود المشروط، من إثبات الأولى فيه، فالأحكام توجد بوجود الأسباب والشروط وتنتفي بوجود المانع وانتفاء الأسباب والشروط، هذا معنى كونه وضعاً، يعنى الشرع وشع وجعل هذه الأسباب وهذه الشروط وهذه الموانع مُعرفات على حكم الله وجعلها أعلاماً على حكمه جل وعلا، ولذا قيل فائدة الخطاب الوضعي أن فيه تخفيفاً على العباد، لماذا؟ لأنه لو أُحتيز لكل سبب وشرط ومانع أن يكشف عنه نبي بوحي ثم انقطع الوحي لتعذر تطبيق كثير من أحكام شرعية.
(6/4)

فلو قيل لا يُحكم بدخول وقت الصلاة إلا بخبر نبي عن وحي، طيب مات النبي وانقطع الوحي ماذا يحصل؟ ارتفعت الصلاة، لو قيل ما يُحكم بدخول شهر رمضان إلا بخبر نبي عن وحي فمات النبي وانقطع والحي إذاً لا صيام، لا يُعرف دخول شهر ذي الحجة إلا بدخول خبر نبي عن وحي إذاً فائدة الخطاب الوضعي أنه مُخفف عن الأمة ولولاه لولا أن جعل الله - عز وجل - هذه الأمور المحسوسة التي لا يلتبس فيها الناس ولا يحصل فيها خلل في إثباتها أو انتفائها لولا جعل هذه الأمور لارتفعت الكثير من الأحكام الشرعية، ففيها تيسير على المُكلَفين، وسُمي أيضاً خطاب إخبار لماذا؟ لأن الرب جل وعلا بوضع هذه الأمور أخبر بوجود أحكامه وانتفائها عند وجود تلك الأمور وانتفائها، فثم وجدت هذه الأسباب فثم حكم الله، ومتى ما انتفت حينئذ ينتفي حكم الرب جل وعلا وهو الحكم التكليفي.
(6/5)

إذاً عرفنا أن الحكم الوضعي هو علم على الحكم التكليفي، يرد السؤال ما العلاقة بينهما؟ نقول الصحيح على خلاف بين الأصوليين العموم والخصوص المطلقة، وهو من ذاك أعم مطلقة، العموم والخصوص المطلق، أيهما أعم وأيهما أخص مطلقاً؟ الوضع اعم مُطلقاً لأنه قد يوجد الحكم الوضعي ولا يوجد الحكم التكليفي والتكليفي أخص مطلقاً لأنه لا يمكن أن يوجد الحكم التكليفي إلا حيث يوجد الحكم الوضعي، قالوا الزنا هذا حرام هذا حكم تكليفي أو وضعي؟ تكليفي تحريم الزنا هذا حكم تكليفي، كونه سبباً للحد؟ هذا حكم وضع، وجوب الزكاة في مال الصبي؟ الصبي هل هو مُكلف أم لا؟ ليس مكلفاً ولذلك كما ذكرناه سابقاً في حد الحكم خطاب الله المُتعلق بفعل المُكلف، من هو المكلف؟ البالغ العاقل هذا أخرج الصبي، إذاً الصبي ليس مكلفاً بالإيجاب والتحريم وهذا متفق عليه. بقى سؤال اعتراض نقول الصبي غير مكلف ولو كان عنده ملايين وحال عليها الحول نقول وجبت؟ كيف وجبت وهو ليس مكلف، نقول هذا حكم وضعي، إذاً ثبت الحكم وضع دون الحكم التكليفي، كذلك ما أتلفه الصبي أو ما أتلفه المجنون أو ما أتلفته بهيمة فحينئذ نحكم بوجود الحكم الوضعي مع عدم وجوب الحكم التكليفي، إذاً الأعم هو الذي ينفرد بصورة لا يشاركه فيها الأخص وهذا هو ضابط العموم والخصوص المطلق أنه يحتاج إلى مادتين، مادة الاجتماع ومادة الافتراق، مادتين بمعنى مثال يصدق عليه أنه تكليفي وأنه وضعي ثم نأتي بمثال آخر ينفرد فيه الأعم عن الأخص وعندنا مثالان الزنا اجتمع فيه حكم تكليفي والحكم الوضعي كونه حكم تكليفياً مُحرماً، كونه حكماً وضعياً سبب للحد. حينئذ اجتمعا فيع وهذا معنى العموم والخصوص، معنى العموم أنهما مجتمعان أما الخصوص فيختص الحكم الوضعي بحكم لا يشاركه فيه الحكم التكليفي هذا العموم ليس الخصوص عفواً العموم الخطاب الوضعي ينفرد بصورة لا يشاركه فيها الحكم التكليفي، إذاً هو شارك التكليفي في صوره ثم انفرد في صورة فيكون أعم، التكليفي لا يمكن أن يوجد في صورة وليس معه الحكم الوضعي هذا هو المراد بالعموم والخصوص والمطلقة أنهما يجتمعان في مادة واحدة كما في صورة المثال ثم الأعم ينفرد بصورة لا يشاركه فيها الأخص بخلاف العموم والخصوص الوجهي فيحتاج إلى ثلاث مواد ثلاثة أمثلة مادة اجتماع ومادة افتراق أحدهما عن الآخر ومادة ثالثة افتراق ما لم يفترق الأول عن الثاني حينئذ نقول هذا يحتاج إلى ثلاث مواد، وهذا ذكرناه هناك.
(6/6)

إذاً عرفنا الآن العلاقة بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي وهو من ذاك أعم مطلقا لما ذكر الحد أو ضابط الحكم الوضعي قال وهو أي هذا الوضعي أعم من ذاك من ذاك أعم مطلقاً، يعني بينهما العموم والخصوص المطلقة، من الفوارق بين الحكم الشرعي التكليفي والحكم الشرعي الوضعي قالوا من حيث الحقيقة أن الحكم الوضعي إخبار وإعلام جعله الشارع علامة على حكمه متى ما وُجد فثم الحكم الشرعي التكليفي وأما الخطاب الشرعي التكليفي فهو خطاب طلب فعل أو ترك أو تخيير، فحينئذ يكون خطاب التكليف مُرتباً على ما قرره السبب أو الشرط أو المانع، يكون الخطاب الشرعي التكليفي مُقرراً لما قرره الشرع بالأسباب والشروط والموانع، فيكون الحكم الوضعي كاشفاً عن الحكم التكليفي، الثاني أن يُقال من حيث الحكم التكليفي يُشترط فيه أن يستطيع المكلف فعله إذاً يُشترط فيه القدرة، خطاب الشرعي التكليفي يُتشرط فيه القدرة أما الوضعي فقد يكون مقدوراً للمُكلف وقد يكون غي مقدور للمكلف، إذاً لا يُشترط في الحكم الشرعي الوضعي أن يكون مقدوراً للمُكلَّف {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} التغابن16، {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} البقرة286، (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وهذا خاص بالحكم الشرعي التكليفي، فلا يشمل الحكم الشرعي الوضعي، لماذا؟ لأن الحكم الشرعي الوضعي لم يُؤمر به العباد لم يُنط بأفعال العباد وإنما هو من فعل الله - عز وجل - ولذلك لا يُطلب تحصيله من العباد، فلم تُشترط فيه القدرة كما اُشترطت في الحكم الشرعي التكليفي، لأنه تعلق الحكم الشرعي وهو فعل العبد فحينئذ لابد أن يكون مقدوراً وتكليف المحال أو بما لا يُطاق هذا ممنوع شرعاً وإن جاز عقلاً {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} البقرة286، إذاً ما في وسع ما ليس في طاقتها هذا غي مُكلف به العبد.
(6/7)

إذاً من الفوارق بين الحكم الشرعي التكليفي والوضعي أن التكليفي لابد أن يكون مقدوراً للمكلف لأنه متعلق بفعل المكلف والحكم الشرعي الوضعي لا يُشترط فيه أن يكون مقدورأً للمكلف بل قد يكون مقدوراً له كالسرقة سبب للحد هل يقدر المكلف أن يسرق أو لا؟ يقدر إذاً هذا في مقدوره، لكنه غير مطلوب منه الفعل ومطلوب الترك، وقد يكون غير مقدور على فعله كدولك الشمس دخول الوقت دخول شهر رمضان هل هذا في يد المُكلَّف؟ لا، إذاً قد يكون حكم الشرع الوضعي في مقدور المكلف يستطيعه ولكن لم يُؤمر به وقد لا يكون في مقدوره كدخول الوقت والنقاء من الحيض، إذاً من حيث الحكم التكليفي يُشتَرط فيه الاستطاعة والوضعي لا يُشترط فيه الاستطاعة، التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المُكلَف المستجمع لشروط التكليف أبداً لا يمكن أن يوجد إيجاب أو تحريم أو كراهة أو ندب أو تخيير إلا لفعل من استجمع شروط التكليف، وهو البالغ العاقل الذاكر غير المُلجَأ هذا الذي يصح تكليفه، أما الحكم الشرعي الوضعي فلا يُشترط بل يتعلق بكل إنسان مطلق إنسان، أيهما أعم الإنسان أم المكلف؟ الإنسان لأن كل مكلف إنسان ولا عكس، الصبي إنسان وليس مكلفاً والمكلف بالغ عاقل وهو إنسان، بل قد يتعلق بغير الإنسان كالبهيمة هل يتعلق الحكم الشرعي الوضعي بالبهيمة؟ نقول نعم، من ترك بهيمته تسرح وأتلفت يضمن أو لا يضمن؟ إذاً وجب الضمان بشرطه وجب الضمان، نقول وجب الضمان بفعل البهيمة نفسها هي التي أتلفت وصاحبها قد يكون نائماً في بيته ولا يدري، إذا يجب عليك الضمان، لماذا؟ لأن فعل البهيمة يُنزَّل مُنزَلة فعل صاحبها فيُنسب إليه إذا فرط في تركها، إذاً قد يتعلق الحكم الشرعي الوضعي بغير فعل الإنسان، ويتعلق بالإنسان مطلقاً سواء كان مكلفاً وغير مكلف. إذاً التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلف المستجمع لشروط التكليف بخلاف الوضعي فإنه يتعلق بفعل المكلف وغير المكلف.
(6/8)

التكليفي يُتشرط فيه الكسب والمباشرة من المُكلف نفسه هذا تفصيل ما ذكرناه سابقاً، أن الصلاة والزكاة والصيام والحج نقول هذه أمور مُكلف بها من استجمع شروط التكليف ويُشترط في امتثال هذا الأمر أن يكون مباشراً لها ما يُعبَر بالكسب في هذا الموضع، حينئذ لابد أن يكون هو المباشر لكن الحكم الوضعي لا، لا يشترط فيه أن يكون مباشراً، كما ذكرناه في الصبي والمجنون والبهيمة، بل حتى النائم لو أتلف شيئاً وهو نائم نقول وجب الضمان مع أنه لا يُنسب إليه فعل النائم غير مكلف، فعله كفعل المجنون لا يُنسب إليه فعل، فحينئذ لو أتلف شيئاً وهو نائم نقول وجب الضمان، الحكم التكليفي يُشترط فيه العلم بخلاف الوضع كالنائم يُتلف شيئاً حال نومه فيضمن والرامي قد يريد الصيد من وراء حائل فيُصيب إنسان خطئاً ما يعلم أنه وراءه إنسان ما يعلم أن ثم إنسان وراء هذا الحائل فرمى يريد صيداً فأصاب إنسان يعلم أو لا يعلم؟ نقول لا يعلم، هل يجب عليه الضمان؟ نعم يجب عليه الضمان، لماذا مع كونه كما ذكرنا سابق أن من شروط المُكلف أو المُكلف به العلم به أني كون معلوماً مقدوراً معدوماً ثلاثة شروط والعلم والوسع على المعروف شرط يعم كل ذي تكليف لابد في الحكم الشرعي التكليفي أن يكون الفعل المُكلف به العبد معلوماً له فإذا لم يكن حينئذ لا تكليف لا إيجاب ولا تحريم ولا كراهة ولا ندب، أما الحكم الوضعي فلا، فإذا رمي به شيئاً من خلف الجدار فإذا به نزل على إنسان ومات وجب عليه الضمان، لا يدري نقول لا يشترط فيه العلم. هذه فروق أو أهم ما يُذكر من الفروق بين الحكم الشرعي التكليفي والحكم الشرعي
الوضعي.
(6/9)

قال وضعية عرفنا المراد بوضعية، وهي أربعة وهي الاستقراء الشرع يعني معدودة بالأربعة وهذه المسألة فيه نزاع بين الأصوليين وذكرت لكم أن الأسباب والشروط والموانع متفق عليها أنها أحكام وضعية واختلفوا في العلة والأداة والقضاة والإعادة والرخصة والعزيمة والصحة والفساد، هل هذه أحكام وضعية أم لا؟ هل هي أحكام عقلية أم لا؟ نقول والصواب بأنها أوصاف للحكم التكليفي أما العلة فهي جزء من السبب فهي داخلة في السبب، فبعضها يتداخل مع السبب والشرط والمانع، وبعضها قد يكون مبايناً فيكون وصفاً للحكم التكليفي كما سيأتي في الرخصة والعزيمة، الرخصة والعزيمة تنقسم إلى خمسة أقسام لأقسام الأحكام التكليفية، وضعية وهي أربعة: المُصنف هنا جرى على أنها أربعة بجعل العلة أو بقوله ما يظهر به الحكم جعله قسماً مستقلاً فأدرج فيه العلة والسبب وجعل الشرط والمانع من توابعهما، ثم عنون للمنعقد ثم الثالث الصحة والفساد ثم الرخصة والعزيمة، هذه أربعة، أولاً ما يظهر به الحكم وقسمهم إلى قسمين علة وسبب ثم الشرط والمانع لم يجعله داخلاً في جُملة السبب بل جعله من توابع السبب والعلة يعني مكملاً لهما، ثم جعل المُنعقد نوعاً مستقلاً سماه المُنعقد وسيأتي ثم نوعاً ثالثاً وهو الرخصة والعزيمة، ثم نوعاً رابعاً وهو الصحة والفساد وستأتينا، قال أحدها ما يظهر به الحكم، ما شيء يظهر به الحكم، به الباء سببية هنا أي أن الحكم يظهر ويُوجد بوجود هذا الشيء إن وُجد فثم الحكم الشرعي، ولذلك سُميت هذه المعرفات وسُميت أعلام وسُميت أخبار، لماذا؟ لأنها بوجودها تعلم حينئذ حكم الله، حكم الله في الجملة قد يكون معلوم عندك وجوب الصلاة معلوم صلاة الظهر لكن دخوله الآن هذه الساعة وجبت صلاة الظهر من الذي عرفك بهذا الحكم؟ زوال الشمس، فصارت زوال الشمس هو المُعرِّف وهو المُخبِر وهو الذي أعلمك بوجوب بدخول الصلاة مع علمك بالجمل أولاً، ما يظهر به الحكم أي أن الحكم يظهر ويوجد بوجود هذا الشيء فما يوجد التحريم في الخمر إذا وُجد الإسكار، إذا وُجد الإسكار على تحريم الخمر هو الإسكار كل ما وُجد الإسكار فثم التحريم، أليس كذلك؟ كل ما وُجد الإسكار فثم التحريم، قد يلتبس عليك بعض الأمور المشروبة تقول حلال أو حرام؟ فحينئذ تكتشف أو تعرف بدليل آخر أن هذه المشرب مشتمل على إسكار حينئذ نقول ثبت الحكم إذاً ظهر وبان حكم هذا المشروب بوجود هذا الشيء وهو الإسكار فصار الإسكار حينئذ قد أظهر الحكم الشرعي وهو التحريم، كذلك زوال الشمس أنت يلتبس عليك الآن هل وجبت صلاة الظهر أو لا فتعلم بطريق ما أن الشمس قد زالت فحينئذ ظهر الحكم الشرعي وهو وجوب صلاة الظهر بسبب زوال الشمس إذاً صار زوال الشمس مُظهراً للحكم الشرعي وهو وجود الصلاة صلاة الظهر وصار زوال الشمس كاشفاً ومُعرفاً لك بكون أن الآن هذا الوقت قد وجبت عليك صلاة الظهر، ما يظهر به الحكم وهو نوعان قسمه لك المُصنف إلى قسمين علة وسبب، جعل المصنف هنا العلة مقابلة للسبب وهذا محل خلاف، هل العلة من الخطاب الوضعي أم لا؟ قم هل العلة مرادفة للسبب أم لا؟ ومع علة ترادف السبب والفرق بعضهم إليه قد ذهب، العلة والسبب قيل هما بمعنى واحد ومع علة ترادف
(6/10)

السبب بمعنى واحد بمعنى أن كل منهما قد جُعل مُعرفاً للحكم سواء كان بين الحكم والوصف مناسبة أو لا، فيكون عاماً، يعني لا تُجعَل العلة وصفاً مناسباً للحكم فيترتب الحكم على وجود هذا الوصف فتكون ثم مناسبة للحكم المناسبة مثل ماذا لو قيل الإسكار علة تحريم الخمر ما هي؟ الإسكار، والحكمة لا ضرر ولا ضرار حفاظاً على عقول الناس، لأن هذه أم الخبائث، فحينئذ حفظاً للأموال وحفظاً للنفوس والأعراض والعقول نقول لهذه الحكمة حُرمت الخمر لوجود الإسكار الذي يُغيب العقل، هل ثم مناسبة يدركها العقل بأن حكم التحريم مناسب لهذه العلة وهي الإسكار أو لا؟ بينهما مناسبة، أما وجوب صلاة الظهر لدلوك الشمس أو لزوال الشمس العقل لا يدرك أن هذا السبب مؤثر في الحكم فيكون بينهما مناسبة، لا نقول لا مناسبة، نقول أن العقل لا يدرك، ويوجد فرق بينهما، لماذا؟ فرق بين أن نقول لا مناسبة بين الزوال ووجوب صلاة الظهر وبين أن نقول العقل لا يدرك المناسبة؟ إذا قلنا العقل لا يدرك المناسبة بين وجوب صلاة الظهر ودلوك الشمس أو زوال الشمس هل هذا التعبير يرفع وجود المناسبة بالفعل أم لا؟ لا يرفعها لأننا نعلم أن أفعال الله - عز وجل - مُعللة بحكمة وأحكامه الشرعية كلها مُعللة لحكم ومصالح، حينئذ ما يُجعل الشيء مرتباً على شيء إلا لحكمة، نحن ما نعلم ما أدركنا لا من جهة النص ولا العقل يستنبط أن ثم مناسبة بين زوال الشمس ووجوب صلاة الظهر، إذاً لا نمنع المناسبة لكن باعتبارنا نحن كباحثين في كتاب الله وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - نقول هذا لم تظهر لنا مناسبة فحينئذ يُعبَر تعبيراً دقيقاً فيُقال العقل لم يُدرك تأثير زوال الشمس في وجوب صلاة الظهر، ولا نقل أن وجوب صلاة الظهر مع زوال الشمس لا مناسبة بينهما، فحينئذ من قال بأن السبب والعلة مترادفان بمعنى واحد عمم معنى العلة وعمم معنى السبب فحينئذ كل من العلة والسبب ينقسم إلى قسمين ما يكون بينهما مناسبة بين الوصف والحكم وما لا يكون بينهما مناسبة لأن زوال الشمس هذا يعتبر وصفاً، هل ثم مناسبة ظاهرة بين وجوب صلاة الظهر وهذا الوصف؟ العقل لا يدرك، الإسكار مع التحريم؟ نقول العقل أدرك، إذاً كل منهما يشمل النوعين وبعضهم فرَّق بينهما جعلهما متباينين كل منهما مباين للآخر، فجعل العلة مختصة بالوصف الذي له أثر في الحكم الشرعي كالإسكار مع التحريم وجعل السبب ما لا تُدرك علته بالعقل كالزوال مع وجوب صلاة الظهر، إذاً رجع إلى القسم الأول وهو عند القائلين بالترادف بين السبب والعلة فقال لا نفصل بين العلة والسبب، فنجعل العلة مختصة بما أثر في الحكم الوصف المؤثر في الحكم أو الوصف الذي أدرك العقل ترتب الحكم على هذا الوصف فنسميه علة. ونأتي إلى السبب فنجعله مُقيدَاً بوصف لا تظهر مناسبته بينه وبين الحكم عقلاً من جهة العقل لا من جهة الواقع، إذاً جعل العلة مُباينة للسبب، ما كان الوصف مناسباً ومؤثراً في الحكم سماه علة وما كان الوصف لا يظهر تأثيره في الحكم كالزوال مع وجوب الصلاة قال هذا نسميه سبباً، وهذا منسوب لمذهب أبي حنيفة وأتباعه.
(6/11)

القول الثالث ونُسِب إلى أكثر الأصوليين أن بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً فكل علة سبب ولا عكس، العموم والخصوص المطلقة، ومع علة ترادف السبب والفرق بعضهم إليه قد ذهب، ومع علة ترادف السبب هذا قول منسوب لأبي حنيفة مترادفات بمعنى واحد والفرق بعضهم إليه قد ذهب، بعضهم فرَّق وهذا يدخل تحته قولان، إما أن يُجعَلا متباينين وإما أن تُجعَل العلة أعم من السبب، فيكون السبب أعم من العلة تكون العلة خاصة بالوصف المناسب للحكم ويكون السبب أعم شاملاً للوصف المناسب للحكم والوصف غير المناسب للحكم، أيهما أعم؟ السبب، فكل علة سبب ولا عكس، لماذا؟ لأن السبب يشمل نوعين، الوصف المناسب للحكم والوصف غير المناسب للحكم، الوصف المناسب للحكم كالإسكار للتحريم والوصف غير المناسب للحكم كالزوال مع وجوب صلاة الظهر، كل منهما يُطلق عليه سبب فحينئذ نقول الإسكار علة وسبب للتحريم علة وسبب للتحريم، زوال الشمس علة وسبب لوجوب صلاة الظهر، لماذا؟ كل منهما يسمى على وسبب ولكن العلة تختص بالوصف المناسب للحكم، فحينئذ يصدق أن يكون بينهما العموم والخصوص المطلق، كل علة سبب ولا عكس، لا يُطلَق العلة إلا على ما كان ثم مناسبة بين الوصف والحكم، الإسكار نقول هذا علة للتحريم، زوال الشمس نقول هذا علة وسبب لوجوب صلاة الظهر، هذا مثالاً صحيحاً، أن نقول زوال الشمس علة وسبب لوجوب صلاة الظهر والإسكار علة لتحريم الخمر. وهو نوعان علة وسبب.
(6/12)

قال (إما عقلية أو شرعية) يعني قسم لك العلة إلى علة عقلية وعلة شرعية فذكر لك مثالاً للعلة العقلية، عقلية نسبة إلى العقل، عقلية أي ما أوجب الحكم لكنه من جهة العقل أن يكون ثم تلازم بين المعلول والعلة ولكنه من جهة العقل كالكسر للانكسار، ما أوجب حكماً عقلياً لذاته يعني لا باعتباره أمر خارج عنه كاصطلاح أو جعلي حينئذ يختلف الحكم فلا تصير حكمة عقلية، ككسر الانكسار، الكسر هذا علة للانكسار كلما وُجد الانكسار لابد وأن يكون ثم كسر لأن التلازم هنا هو عقلي الذي حكم بوجوب الكسر أو الذي حكم بترتب الانكسار على وجود الكسر هو العقل، إذاً من جهة العقل نحكم بأن الكسر علة للانكسار وأن الانكسار معلول للكسر كالتحريم بالنسبة للإسكار في العلة الشرعية، أما من جهة العقل فهي ما أوجب حكماً عقلياً لذاته ككسر لانكسار كالكسر للانكسار كما مثل المصنف هنا، والتسبيب الموجب أي المؤثر للسواد لو أخذ لوناً أسود ثم سوَّد به موضعاً لزم منه أن يكون هذا الأثر وهو السواد حالاً في الموضع الذي سوَّده إذاً عندنا تسويد وسواد، السواد أثر التسويد إذا حصل التسويد إذاً هو كالكسر لابد وأن يترتب عليه الانكسار من جهة العقل والتسويد لابد أن يترتب عليه أثره وهو الكسر من جهة العقل والتحريك بالنسب للحركة إذا حركت شيئاً ما لابد أن يتحرك هذا معلول وهذه علة هل يمكن أن توجد التحريك ولا يوجد الحركة؟ قالوا لا في الأصل ولو مُنعت فحينئذ يكون لأمر خارج عن العلة كذلك التسكين بالنسبة للسكون إذا حصل التسكين أوجب السكون، تسكين الشيء وهو مُتحرك فتسميك به فحينئذ هذا يسمى تسكيناً، أثره الذي هو السكون، هنا نقول ما اوجب حكماً لكنه من جهة العقل، التلازم هنا بين الكسر والانكسار حكم العقل والتلازم بين التسويد والسواد حكم عقلي، والتسكين والسكون والتحريك والحركة هذه عقلية.
(6/13)

أو شرعية وهذا الذي يعنينا، أو شرعية أي تكون مأخوذة من الشرع منسوبة إلى الشرع والمراد بها العلة في اصطلاح أهل الشرع، ما هي العلة في اصطلاح أهل الشرع؟ نقول العلة لها معنيان معنى لغوى ومعنى اصطلاحي أما العلة لغة فهي ما اقتضى تغييراً، كل ما اقتضى تغييراً يسمى علة، كل ما ترتب عليه تغيير سُمي علة ولذلك سُمى المرض علة، لماذا؟ لأنه يحصل تغيير من الصحة القوة إلى المرض والضعف، إذاً اقتضت هذه العلة تغييراً في بدن الإنسان من القوة إلى الضعف ومن الصحة إلى المرض، وأما في الاصطلاح فقال: قيل: يعني قال بعض الأصوليين في حد العلة الشرعية، إنها المعنى الذي علق الشرع الحكم عليه: وهنا المعنى لا يقصدون به المعنى المناسب، وإنما يقصدون به كل وصف علَّق الشرع الحكم عليه، فالإسكار معنى ورُتب عليه الحكم الشرعي وبينهما مناسبة كذلك الزوال معنى والحيض معنى والنقاء معني كل هذه الأسباب والشروط والموانع تعتبر معنى، لأنها ليست بأمور حسية في الأصل ليست بأمور حسية وإنما هو اعتبار لأمر حسي، إن المعنى الذي علَّق الشرع الحكم عليه وأناطه به فتكون العلة حينئذ أمارة وعلامة على وجود الحكم الشرعي وثبوته في جميع محاله كالإسكار في الخمر علامة على وجود الحكم وهو التحريم، وكالزوال علامة على وجوب صلاة الظهر فحينئذ قوله المعنى الذي علق الشرع الحكم عليه هذا تعريف نُسب للمُتكلمين ولكن الكثير ينسبون إلى المتكلمين أنه ليس ثم اقتضاء العلة للحكم يعني العلة لا تكون مُقتضية للحكم بمعنى أن هذه المسألة مرتبة على أحكام الرب جل وعلا وأحكامه الشرعية، هل هي مُعللة أم لا؟ هذا فيه نزاع عند أهل السنة والجماعة والحق أن الأحكام كلها مُتربة على مصالح للعباد، فحينئذ لا حكم شرعي إلا وثم مصلحة لكن ليست للرب جل وعلا وإنما للعباد، المتكلمون يرون هذا لماذا؟ لأنهم يقولون إذا كان ترتيب الحكم لأجل مصلحة فحينئذ تصير هذه المصلحة مُكملة للمُشرِّع والله - عز وجل - مُنزَه عن النقص نقول هذا فاسد لماذا؟ لأن بابه قياس الخالق على المخلوق، إذا فعلت أنت أي أمر مع الناس وكان قصدك بهذا الفعل مكاناً أو وجاهة عن الناس هذا صار تكميلاً لك أو لا؟ صار تكميلاً لأنك ناقص وأنت فعلت هذه الأمور من أجل ماذا؟ من أجل ما يترتب من المصالح لك أنت، لكن الرب جل وعلا إذا رتب المصالح على الأحكام الشرعية إنما يكون مردها لمن؟ للعباد، فحينئذ قياس الخالق أو ما يُعبَر عندهم الشاهد على الغائب نقول هذا فاسد قياس فاسد، وقيل: الباعث له على إثباته: الباعث له أي للشرع على إثباته ليس على إتيانه وإنما على إثبات الحكم الشعري هذا، وقيل في حد العلة أنها الباعث له على إتيانه لكن نقول ليس على إتيانه على إثباته تُعدَّل النسخة، الباعث له أي للشرع على إثباته أي على إثبات الحكم الشرعي، الباعث له أي للشرع على إثباته أي على إثبات الحكم الشرعي، كالإسكار بالنسبة للتحريم، ولذلك فُسِر هنا في هذا الموضع بكونها أي هذه العلة مشتملة على حكمة صالحة لأن تكون مقصود الشارع أن تكون هذه العلى التي هي الإسكار ورُتب عليها التحريم تكون مشتملة على مصلحة هذه المصلحة راعاها الشرع نظر إليها فإذا ترتيب الحكم
(6/14)

الشرعي عليها بالتحريم مناسب، إذاً صارت هذه العلة باعثة للشارع ليس المُراد أنها تبعث الرب جل وعلا على أن يُحرِّم – لا – وإنما يُفسَر البعث هنا كونها باعثة تُفسَر بكون هذه العلة مشتملة على مصلحة وإن الله لا يبعثه شيء غير إرادته - سبحانه وتعالى - {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} القصص68، {وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} الرعد41 فحينئذ تكون هذه العلل التي رُتب عليها الأحكام الشرعية تكون باعثة بمعنى أن فيها مصلحة رُوعيت وجُعلت مناسبة للحكم الشرعي وبهذا تُفسَر الباعث هنا، كالقتل العمد فإنه باعث للشرع على شرع القصاص حفظاً للنفوس أليس كذلك نقول القصاص هنا حكم شرعي علته ما هي؟ حفظ النفوس {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ} البقرة179، إذاً في القصاص حياة، فكون الشرع رتب القصاص على القتل العمد بعدوان نقول هذه وهي حفظ النفوس علة باعثة بمعنى أن فيها مصلحة واضحة بيِّنة لترتيب الحكم وهو وجوب القصاص على القتل العمد العدوان، وكذلك الزكاة وجوب الزكاة هي حكمة وهو مواساة الفقراء، إذاً مواساة الفقراء هذه مصلحة جُعلت مرتباً عليها الحكم الشرعي وهو وجوب الزكاة، وهذا المراد بقوله (الباعث على إثباته)، قال وهذا أولى: يعني الأخير، لماذا؟ لأن الأول منسوب للمتكلمين وهم يرون عدم تعليل أحكام الرب جل وعلا، ولذلك يقوون وُجد المُسَبب عند السبب لا به، لماذا؟ لأنهم يذكرون تأثير الأسباب في المُسببات، وُجد عنده لا به هذا تعبير الأشاعرة ويدخل في كتب الأصوليين لأن أكثرهم أشاعرة فحينئذ لا يجعلون ثم مناسبة بين السبب والمُسَبب ولا يجعلون أن للسبب تأثيراً بجعل الله - عز وجل - في المُسبب بل يقولون السبب مخلوق مستقل لا تأثير له في مسببه والمُسَبب مخلوق مستقل أبداً لم يترتب على السبب من شيء، كل منهما مستقل ولذلك يقولون كسر زجاج عند الكسر عند الحجر ولم ينكسر بالحجر يعني لو رميت حجر في الزجاج فانكسر قالوا انكسر الزجاج عند الحجر لا به، هذا كيف هذا؟ ما يُقبَل لأن قلت أن الحجر هو الذي كسر الزجاج إذاً الانكسار مخلوق ومن الذي خلقه؟ هو الحجر، هذا صحيح؟ لا، نقول الله - عز وجل - جعل تأثيراً في الحجر هذا التأثير موجود في قوى خاصة جعلها الله - عز وجل - بخلقه، جعل الانكسار مُسَببا عن الحجر ولا يخرج عن خلق الله - عز وجل - كما جعل للإنسان الضعيف له أفعال له إرادة له اختيار حينئذ كونه يفعل ويُقدم على الشيء ويُمسك حينئذ نقول هو خالق
لأفعاله؟ لا، نقول له قدرة وله اختيار وله إرادة لكنها ليست خارجة عن إرادة الرب جل وعلا.
(6/15)

إذا قوله (وهذا أولى) يقصد به أن تعريف العلة بأنها الباعث للشرع على إثبات الحكم أولى من الأول، لماذا؟ لأن فيه ربط الأحكام الشرعية بالعلل، وحينئذ لا مانع أن يُقال الشرع مُعللة للرب جل وعلا، وإن كان بعضهم يُعبر بالأغراض لكن هذا يُترك هنا في هذا الموضع، ثم قال (وسبب) إذاً عرفنا حد العلة أنها المعنى الذي علق الشرع الحكم عليه أو أنها الباعث له على إثباته، ثم قال (وسبب) هذا عطف على وقله وعلة، أي والقسم الثاني مما يظهر به الحكم هو السبب، والسبب لغة ما تُوصِل به إلى غيره، قال جوهري السبب الحبل، {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء} الحج15، يعني بحبل، وكل شيء يُتوَصل به إلى أمر من الأمور، قيل هذا سبب وهذا مُسَبب عن هذا، إذاً عندنا أمران سبب ومُسَبب، وأما في الاصطلاح الشرعي فالسبب ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته، ما يلزم من وجوده وجود السبب وجود الحكم الشرعي الذي هو المُسَبَب كالزوال بالنسبة لوجوب صلاة الظهر، يلزم الوجوب الزوال وجود المُسَبَب وهو الحكم الشرعي وهو وجوب صلاة الظهر، يلزم من وجود النصاب في الزكاة وجوب الحكم الشرعي وهو وجوب الزكاة، إذاً ما يلزم من وجوده الوجود هذا هو السبب، ومن عدمه العدم ومن عدم السبب يلزم منه عدم الحكم الشرعي، عدم دخول أوقات الصلاة يلزم منه ويترتب عليه عدم وجوب الصلوات المكتوبة، عدم النصاب يلزم منه عدم وجوب الزكاة، إذاً ثم تلازم وجوداً وعدماً في السبب والمُسَبَب، كل سبب إذا وُجد لابد وأن يوجد مُسَبَبه، كل سبب إذا عُدم لابد وأن ينعدم مُسَبَبه أو يُعدم مسببه، إذا بينهما تلازم في الوجود والعدم، ما يلزم من وجوده الوجود نقول هذا احترز به عن الشرط لأن الشرط لا يلزم لوجوده الوجود، الطهارة لا يلزم منها وجود الصلاة قد يتطهر ويتوضأ ولا يصلي ولا تجب عليه الصلاة، حينئذ نقول احترز بقوله ما يلزم بوجوده الوجود عن الشرط، لأنه لا يلزم من وجوده الوجود، بخلاف السبب، يلزم بوجوده الوجود، ومن عدمه العدم هذا احترز به عن المانع، المانع لا يلزم من عدمه وجوداً ولا عدم كالدين بالنسبة للزكاة، نقول هو مانع على قول بعض الفقهاء الدين مانع لكن هل يلزم من عدم المانع وجود أو عدم قد يُعدَم الدين لا تجب عليه الزكاة لأنه فقير أليس كذلك؟ قد يُعدَم الدين وتجب عليه الزكاة، إذاً قد يُعدَم المانع ولا يلزم منه إثبات حكم أو نفي، لذاته هذا للاحتراز عن السبب الذي لا يلزم لوجوده الوجود، قلنا السبب لابد أن يلزم لوجوده الوجود أليس كذلك؟ كلما وُجد السبب وُجد المُسَبَب، قد يوجد السبب ولا يوجد المُسَبَب ينتفي هل هو نقض لهذا التعريف؟ نقول لا، مثاله النِصاب بالنسبة للزكاة، قلنا إذا وُجد النصاب ترتب عليه وجوب الزكاة لكن هذا ليس لذاته وإنما قد يوجد النصاب ولا تجب الزكاة، متى؟ لفقدان شرطه لأن شرط الزكاة مع وجود السبب وهو النصاب الحولان، إذاً هنا لم يترتب على السبب مُسَببه، هل هو لذاته أو لفقدان شرط؟ لفقدان شرط، إذاً قوله لذاته أي لذات السبب ضمير يعود إلى السبب، أخرجنا ما لو قارن السبب فقدان الشرط كالنِصاب مع عدم الحول، حينئذ وُجد السبب ولم يترتب عليه المُسَبب هل نقول هذا طعن
(6/16)

في السبب؟ نقول لا، هنا وُجد السبب ولم يترتب عليه أثره وهو المُسَبب لفقدان شرط وهو الحَول، أو ما قارن السبب وجود مانع مثل ماذا؟ لما قلنا الدين مانع من الزكاة عند بعضهم قد يوجد السبب وهو بلوغ النصاب ويحول عليه الحول يعني مع شرطه ولا تجب الزكاة، لماذا؟ لوجود مانع، إذاً قارن السبب وجود مانع وهو الدين، وقارن السبب فوات شرط فحينئذ إذا فات السبب يعني مُسَببه لفقدان شرط أو وجود مانع لا يمنع من كونه سبباً لماذا؟ لأن عدم ترتب المُسَبب على السبب هنا لا لذات السبب وإنما لأمر خارج عنه وهو إما فقدان شرط أو لوجود مانع، هذا هو حد السبب ما يلزم من وجوده الوجود، لابد إذا وُجد السبب أن يترتب عليه مُسَببه، ولا يلزم من عدمه ومن عدمه العدم، إذا عُدِم السبب لابد وان ينعدم أو يُعدَم المُسَبب، هذا الأصل في السبب، قد يوجد السبب ولا يوج المُسَبب، قد يُعدَم السبب ويُوجد المُسَبب، قد يوجد السبب ولا يوجد المُسَبب، قد يوجد السبب ويوجد المُسَبَب هذا الأصل ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، لو قارن السبب وجود مانع هل يترتب عليه أثر المُسَبَب؟ الجواب لا، إذاً وُجد السبب ولم يترتب عليه المُسَبب لوجود مانع، قد يوجد السبب ولا يترتب عليه أثره لفقدان شرطه، إذاً في الحالين السبب موجود، لأنه إذا انتفى السبب حينئذ لا إشكال في انتفاء المُسَبَب، إذا لم يدخل وقت الصلاة حينئذ لا نقول لم وجبت الصلاة، لأنه لا يمكن أن تجب الصلاة إلا إذا وُجد السبب، فحينئذ قوله لذاته عائداً على الأول وهو وجود السبب مع عدم ترتب المُسَبَب إما فقدان وفوات شرط وغمام لوجود مانع، هذا هو حد السبب عند الأصوليين. وسبب وقد استعمله الفقهاء في ما يقابل المباشر يعني يريد أن يبين لك أن السبب له مطلقات أربعة عند الفقهاء، يعني له استعمالات مصطلحات مختلفة يُطلق مراداً به كذا ويُطلق في موضع آخر مراداً به كذا بمعنى أنه ليس كل مر رأيت لفظ السبب فتفسره بهذا الذي ذكرناه الآن، وإنما الاصطلاحات تختلف كالمًفرد عند النحاة. لابد أن نربط بين الأصول والنحو. المفرد في باب الإعراب له معنى في باب المبتدأ والخبر له معنى في باب لا له معني والمُنادى كذلك، إذا قلت هذا مُفرد تفسره بأي شيء؟ بحسب السياق، حينئذ اختلف معنى الُمفرد اختلاف الأبواب، وهنا أيضاً يختلف معنى السبب باختلاف الأبواب، وقد استعمله أي لفظ السبب لا بمعناه السابق وإنما بمعنى آخر ولذلك نقول استعمله أي لفظ السبب نرده إلى اللفظ لأن المعنى هو الذي سيُستعمَل فيه فيما يذكره من المعاني الأربعة.
(6/17)

وقد استعمله الفقهاء أي استعار الفقهاء لفظ السبب فيما يُقابل المباشر، كالحفر مع التردية كالحفر هذا مثال كالحفر فيم ما هو الذي يسبق على الحافر؟ الذي يُقابل المباشر أول شيء تقول المباشرة كالحفر حفر بشر مع التردية بمعنى الدفن، مثاله لو حفر زيد بئراً في الطريق حفر بئر عميق فجاء هذا زيد هو الحافر فجاء عمرو فدفع بكراً فأسقطه في البئر فمات، عندنا حافر وعندنا مباشر وعندنا مقتول، المقتول انتهى رحمه الله بقي الحافر والدافع الذي يسمى المباشر إذا عندنا حافر ومباشر، قال هنا استعمله الفقهاء يعني أطلقوا اللفظ على ما يقابل المباشر، من الذي يقابل المباشر؟ الحافر، إذاً سمى الفقهاء الحافر في هذا المثال سموه سبباً، لماذا؟ لأن الحفر سبب والتردية علة لأن الهلاك بها لا بالحفر الموت وقع لبكر بم بالحفر أو بالدفع؟ بالدفع وإن كان الأصل أن الموت حصل بالاثنين، لماذا؟ لأنه لو وقع تردية بلا حفر هل وقع موت؟ قد لا يقع الموت لكن حفر الغالب أنه موت، لو حفر ولم تحصل تردية هل يقع موت؟ لم يقع موت، إذاً في الحقيقة أن الذي حصل به الموت مُشترك بين الاثنين، لكن الفقهاء إذا اجتمع متسبب ومباشر من الذي يضمن؟ المباشر، وأما السبب والمتسبب هذا انقطع حكمه، فحينئذ في مثل هذا الترتيب قالوا المباشر وجب عليه الضمان وأما الحافر فهذا ليس عليه حكم ولا يُرجع إليه إلا عند عدم إمكان تضمين المباشر، إذا أمكن تضمين المباشر فلا إشكال هو الذي يجب عليه الضمان، وإذا لم يُمكن رجع به إلى السبب، مثلوا لذلك ما إذا ألقى شخصاً في بحر فأكله الحوت، الضمان على من؟ الأصل على الحوت، هذا الأصل لأن هو المباشر، وذاك سبب الذي دفع هذا كالذي حفر والحوت كالذي دفع فهو المباشر، الأصل في الحوت أنه هو المباشر هو الذي وقع به الهلاك هو على الهلاك وأما الدفع الذي دفع فهذا الأصل أنه لا يضمن، لكن لما تعذر تضمين المباشر وهو الحوت رُجع به إلى السبب، إذا من إطلاقات الفقهاء لفظ السبب على ما يُقابل المباشر، قال كالحفر مع التردية فأول سبب الذي هو الحفر وثان علة الذي هو التردية، فالحفر سبب والتردية علة، لماذا التردية علة؟ لأن الهلاك بها لا بالحفر، هذا من باب التجود وترتيب الأحكام الشرعية وإلا فالأصل فأن العلة مركبة من السبب والمباشر، هذا الذي يُطلق عليه سبب في إطلاق الفقهاء وهو النوع الأول، النوع الثاني يطلق السبب على علة العلة، قال كالرمي في القتل للموت، الرمي هو علة أليس كذلك؟ يعني سبب للقتل، والموت هذا مترتب على أي شيء؟ على الرمي على الإصابة من أين أتيتم بالإصابة؟ الرمي سبب للإصابة والإصابة هي علة الزهوق زهوق النفس، إذاً عندنا علة وعندنا علة العلة، الزهوق هذا معلول والإصابة علة سببها الرمي علة العلة تسمى سبباً على العلة الذي هو الرمي الذي ترتب عليه الإصابة الذي ترتب على الإصابة الزهوق والموت سُمى سبباً أطلق الفقهاء عليه بأنه سبباً، إذاً وفي علة العلة يعني يُطلق لفظ السبب على علة العلة كالرمي فإنه يُمسى سبباً وفي الحقيقة ليس هو علة وإنما هو علة العلة يعن سبب العلة، إذا رجعنا إلى المعاني كالرمي في القتل للموت لأن الرمي ليس هو العلة في الأصل وإنما
(6/18)

الإصابة هي علة الزهوق رماه فأصابه فمات، رماه لأن ليس كل رمي يقتل، لو كان كل رمي يقتل حينئذ تعيَّن أن يكون قتل حصل بالرمي، لكن المعلوم حساً ليس كل رمي يكون قاتل وإنما بعضه يكون قاتل وبعضه ليس بقاتل، إذاً هو ليس بعلة، وإنما العلة هي الإصابة، أًصيب إصابة موت فموت، فحينئذ نقول أُطلق السبب على الرمي وليس هو علة وإنما هو علة العلة، هذا الإطلاق الثاني.
(6/19)

الثالث قال يُطلق السبب أو استعمل الفقهاء السبب في العلة بدون شرطها يعني إذا وُجد السبب الذي هو ملك النِصاب ولم يحل عليه الحول حينئذ ماذا نسمي النصاب؟ نسميه سبباً يُمسى سبباً عند الفقهاء، قال وفي العلة بدون شرطها يعني إذا وُجدت العلة الشرعية وفات شرطها حينئذ سمى الفقهاء هذه العلة بالسبب، وهذا بناءاً على التفرقة بين السبب والعلة هذا القول يجري على من فرَّق بين العلة والسبب وغلا لو كان مترادفين حينئذ يُقال يطلق السبب على العلة وإنما يكون أصالة في الاصطلاح أن كل منهما يُمسى على ويُسمى سبباً يطلق عليه أنه علة ويُطلق عليه أنه سبب، إذاً قوله في العلة الشرعية بدون شرطهاً هذا يتمشى على قول من فرَّق بين السبب والعلة، بل بعضهم جعل هذه التفرقات الأربعة أو المعاني ألربعة خاصة بالأحناف، بدليل قوله وقد استعمله الفقهاء وإذا أُطلق الفقهاء في باب الأصول عنوا به الأحناف لأن طريقة طريقتان طريقة الفقهاء وطريقة المتكلمين، فإذا أطلق المتكلمون المالكية والشافعية والحنابلة الفقهاء أرادوا به الأحنف، حينئذ يُحمل هذه المعاني الأربعة التي أُطلق عليها السبب أنها في اصطلاح الأحناف فحسب دون غيرهم، لكن أنه يُطلق في مقابل المباشر ليست خاصة بالأحناف لكن هذه المسألة وبالعلة بدون شرطها هذا يختص بالأحناف، وفي العلة نفسها يعني استعمله الفقهاء استعملوا لفظ السبب في العلة نفسها أي العلة كاملة وهذا عندما تكون العلة مركبة من أجزاء لأن العلة قد تكون شيئاً واحدة كالإسكار وقد تكون مركبة وقد تكون متعددة تختلف، تكون شيئاً واحداً كالإسكار وهو واضح، وتكون مركبة كالقتل العمد العدوان قصاص متى يكون هل كل قتل يترتب عليه القصاص؟ الجواب لا، لو خطئاً لم يترتب عليه القصاص، لو كان قتلاً عمداً لكنه في حد وقصاص لم يترتب عليه القصاص، إذاً نقول هذه علة ذات أجزاء وقد تكون متعددة كالوضوء يجب بماذا ما هي أسباب الحدث؟ قد يكون نوماً وأكلاً للحم الجذور والخارج من السبيلين، إذا اجتمعت هذه علة واحدة أو علل؟ هي علل ليست علة واحدة، هذه علل لأن الواحد منها يكفي في ترتب الحكم الشرعي عليها، قد يوجد أكل لحم الجَذور فقط إذاً هو علة، لو قلت علة مركبة حينئذ إذا وُجد جزءاً منها لم يترتب عليها الحكم الشرعي مثل العلة المركبة القتل العمد العدوان هذه لو وُجد قتل عمد لا عدوان وإنما كان بحق وُجد جزء العلة هل يترتب عليه الحكم؟ لا يترتب، إذاً وجود جزء العلة المُرَكبة من عدة أشياء لا يترتب عليه الحكم إلا ما يترتب الحكم إذا وُجدت العلة بمجموعها، أما إذا قلت علل مُتعددة فحينئذ إذا كان عندنا ثلاثة علل نوم وأكل لحم جذور وخارج من السبيلين لو قلت هذه علة واحدة حينئذ لو وُجد النوم لوحده لم يترتب عليه الحكم الشرعي، وإنما نقول العلل المتعدية تستقل كل علة بترتب الحكم الشرعي عليها، والعلة المركبة لا المركبة بالأجزاء قالوا هذه تشمل العلة العقلية، هنا قال وفي العلة نفسها أي العلة كاملة وهي المجموع المركب من مقتضيه يعني مقتضي الحكم وشرطه وانتفاء المانع ووجود الأهل والمحل كالقتل للقصاص فإنه سبب وعلة أيضاً، القتل للقصاص نقول هذه علة مركبة من عدة أجزاء أطلق
(6/20)

الفقهاء اسم السبب على هذه العلة نفسها وأطلقوا على كل جزء من أجزائها أنه جزء سبب كما نص عليه المُصنف، ولذا لهذا الإطلاق أنهم أطلقوا السبب على العلة كاملة وهي ذات أجزاء ولذا سموا أي الفقهاء الوصف الواحد من أوصاف العلة يعين الجزء والواحد من أجزاء العلة كالعمد فقط والقتل فقط والعدوان فقط سموه جزء السبب، لماذا؟ لأن العلة كلها هي سبب وجزء السبب حينئذ يُسمى جزء السبب، لماذا؟ لأنها مُؤلَفة من ثلاثة أجزاء والقتل جزء من هذا الكل والعدوان جزء من هذا الكل، إذاً صار جزء سبب. هذه أربعة علاقات للفظ السبب عند الفقهاء أنه يُطلق على ما يقابل المباشر، ويُطلق على علة العلة كالرمي بالنسبة للقتل ويُطلق على العلة دون شرطها ويُطلق على العلة كاملة إذا كانت ذات أجزاء وكل جزء منها يطلق عليه بأنه جزء سبب، هذا عند الفقهاء في كتب الفقه أما عند الأصوليين فلا، وإنما السبب الشرعي هو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم ذاته، إذاً هل ينبني على ذكر هذه المسألة هنا فائدة أصولية؟ الجواب لا، وإنما إذا قرأت في كتب الفقهاء فحينئذ تتنوع كلمة السبب بتنوع أرباب المذاهب والأبواب المختصة بها، ثم قال ومن توابعهما أي توابع العلة والسبب الشرط والمانع، الشرط هذا من التوابع جعله المصنف هنا من توابع العلة والسبب والمانع كذلك جعله من توابع العلة واسبب، وإن كان كثيراً من الأصوليين يجعلون السبب والشرط والمانع كل منهما متبايناً، يعني كل منهما مغايراً للآخر.
(6/21)

قال ومن توابعهما الشرط بإسكان الراء وهو إلزام إلزام الشيء والتزامه، وجمعه شروط وشرائط وإن كان كثير من الأصوليين يفسر الشرط هنا بالعلامة وقد جاء أشراطها أي علاماتها، وسُمي الشرط علامة لأنه علامة على المشروط إذا وُجد وُجد وإذا انتفى انتفى، إذاً الشرط علامة على المشروط، وإن كان بعضهم ينكر أن يكون الشرط بإسكان الراء هو بمعنى العلامة عند الأصوليين، وأجاب الطوخي بأن الشرط هو مُخَفَف عن الشَرَط فإذا صح أنه من لغة العرب الشرط مُخفَف عن الشَرَط فحينئذ لا إشكال في تفسير الشرط هنا بالعلامة، وإن لم يكن كذلك فحينئذ لا يصح تفسير الشرط هنا بكونه العلامة، وإنما يُقال الإلزام الإلزام بالشيء والتزامه، والشرط في الاصطلاح حده ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدمه لذاته، إذاً عُدِمت الطهارة عُدمت الصلاة لا تصح الصلاة لماذا؟ لفوات الشرط، إذاً يلزم من عدم الشرط عدم المشروط أو الطهارة، يلزم من عدم الحول عدم وجوب الزكاة، إذاً ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود قد يوجد الحول ولا يلزم منه وجوب الزكاة قد توجد الطهارة ولا يلزم منها وجود الصلاة، قد يتطهر ولم يدخل الوقت، إذاً ما لزمته الصلاة، قال ذاته سيأتي تفسير لذاته، ما يلزم من عدمه العدم نقول أخرج المانع لأن المانع لا يلزم من عدمه شيء البتة المانع هذا ضابط لا يلزم من عدمه شيء البتة كما قلنا في الدين، الدين باعتبار الزكاة، إذا عُدِم الدين ماذا نقول؟ لا يلزم من عدم الدين وجوب الزكاة لأنه قد يكون فقيراً ليس عليه دين، هل كل من ليس عليه دين وجب عليه الزكاة؟ نقول لا قد لا يكون غنياً قد يكون فقيراً، وكذلك قد يُعَدم الدين وتجب الزكاة، إذاً لا يلزم من عدم المانع وجود ولا عدم لا يلزم العدم المانع عدم الدين وجوب الزكاة أو انتفاء وجوب الزكاة، إذاً أخرج بقوله ما يلزم من عدمه العدم المانع، ولا يلزم من وجوده الوجود هذا أخرج السبب لأن السبب يلزم من وجوده الوجود، وكذلك المانع لأن المانع يلزم لوجوده العدم، كالحيض عدم صحة الصلاة، لذاته احترز به عن مقارنة الشرط وجود السبب، قلنا الحول هذا شرط لا يلزم من وجود الحول وجوب الزكاة، لكن لو وُجد السبب وهو النصاب لزم أو لا يلزم؟ يلزم، هل لزم لذات الشرط أو لأمر خارج؟ لأمر خارج وهو وجود السبب، فإذاً لو قارن الشرط وجود السبب لزم منه الوجود والأصل في الشرط لا يلزم من وجوده الوجود، لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط هذا هو الأصل فيه، لكن إذا وُجد السبب مع وجود الشرط نقول لزم الوجود لا لذات الشرط وإنما لأمر خارج عنه وهو وجود السبب، إذاً لذاته احترز به عما لو قارن الشرط وجود السبب، فليزم الوجود على خلاف الأصل في الشرط وهو عدم لزوم الوجود، أو مقارنة الشرط للمانع فيلزم عدم الوجود، لو قارن الشرط المانع مثل ماذا؟ الحول مع الدين، يلزم الوجود أو لا يلزم؟ لا يلزم، إذا وُجد الشرط وهو الحول ووُجد المانع ما الذي يترتب؟ عدم لزوم الشرط، أو مقارنة الشرط المانع فيلزم عدم الوجود لكن لا لذاته بل لأمر خارج عنه وهو مقارنة السبب أو قيام مانع، إذاً قد لا يُؤثر الشرط شيئاً في المشروط، متى؟ إذا قارنه مانع، وقد
(6/22)

يلزم من وجود الشرط وجود المشروط إذا قارنه وجود السبب، هنا قال مثلاً تمام الحول في الزكاة شرط، إذا قارنه وجود السبب فإنه يلزم وجود الزكاة، تمام الحول شرط، إذا قارنه وجود النصاب لزم منه وجود الزكاة، لا لذات الشرط بل لوجود السبب وإذا كان عليه دين مع الحول يلزم منه عدم وجوب الزكاة لا للشرط بل لقيام المانع، هذا هو الشرط في اصطلاح الأصوليين.
(6/23)

قال الشرط وهو ما يتوقف على وجوده إما الحكم أو عمل العلة، قسَّم لك الشرط إلى قسمين شرط الحكم وشرط العلة، قال الشرط وهو ما يتوقف على وجوده قسمان إما الحكم كالإحصان الحكم الذي هو حكم الجلد متوقف على الإحصان إن وُجد الإحصان ترتب عليه الحكم وهو وجوب الرجم، هذا يُسمى شرط حكم الذي يسميه البعض شرط الوجوب، والذي أخذناه سابقاً ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، قد يتوقف إيجاب الشيء من جهة الشرع على أمر خارج، الأمر الخارج يقول هذا شرط في الحكم يعني لا يتم تكليف المُكلف إلا إذا وُجد هذا الشرط، وهو ما يتوقف على وجوده يعني شرط الوجوب ما يصير الإنسان به مُكلفاً قالوا كالنقاء من الحيض قالوا شرط في وجوب الصلاة، شرط الوجوب ما به يُكلف وعدم الطلب فيه يُعرف مثل دخول الوقت والنقاء وكبلوغ بعث الأنبياء، إما الحكم كالإحصان للرجم، الإحصان مُراد به الوطء في نكاح صحيح هو الإحصان المعتبر الوطء في نكاح صحيح، للرجم أي لترتب حكم الرجم وهو وجوبه لا نقول وجب الرجم إلا إذا وُجد شرطه حينئذ وجوب الرجم وهو الحكم له شرط يُسمى شرط الحكم، إن وُجد ترتب الحكم وإلا فلا، ويسمى شرط الحكم أو القسم الثاني عمل العلة إذا لم تثبت العلة وهو شرط العلة كالإحصان مع الزنا، قالوا الزنا هذا علة وسبب للرجم للحد مطلقاً وللرجم خاصة، الإحصان هذا عمل العلة وهو الزنا وتأثيرها في الحد وهو الرجم إذا عُيِّن الرجم لا يمكن أن يعمل عمله إلا إذا وُجد الشرط وهو الإحصان، هناك جُعل الإحصان شرطاً للحكم نفس الرجم وهنا جُعل الإحصان عملاً لتأثير العلة وهي الزنا لأن الزنا يُسمى سبباً ويُسمى علة، يترتب على وجود الزنا الرجم، لا يمكن أن تؤثر هذه العلة أثرها في إيجاب الرجم إلا بوجود الإحصان، إذاً عمل العلة مرده من حيث المعنى إلى شرط الحكم، ولذلك التفريق بينهما عسير لماذا؟ لأن جَعل العلة هي الزنا هي عينها ما يترتب على ألإحصان من الرجم وعدمه لأ، الإحصان ليس معتبراً لوحده وإنما مُعتبراً بشيء آخر وهو وجود الزنا، ولذلك ما كان محصناً ولم يفعل شيء من هذه الفواحش هل يترتب حد أو لا؟ نقول لا يترتب عليه حد لماذا؟ لأنه وُجد الإحصان مع عدم وجود العلة التي هي أو السبب التي هي الزنا، فحينئذ نقول التفريق بين شرط الحكم وعمل العلة هذا يكاد يكون مجرد اصطلاح فقط وإلا مردهما إلى شيء واحد، ولذلك قال أو عمل العلة يعني يتوقف وجود عمل العلة على وجوده كالإحصان مع الزنا، ولذلك مثَّل بالإحصان في الموضعين في شرط الحكم وفي عمل العلة، وإنما غاير في المشروط، جعل المشروط هناك الرجم وجعل المشروط هنا الزنا، أو عمل العلة يعني أو ما يتوقف على وجوده عمل العلة وهو شرط العلة بخلاف العلة إن كانت واحدة لا يلزم من وجودها وجود الحكم، كالإحصان مع الزنا، قال فيُفارق حينئذ الشرط العلة من حيث إنه لا يلزم الحكم من وجوده، الشرط مع المشروط لا يلزم الحكم أو ترتب الحكم المشروط على وجود الشرط لأن حقيقة الشرط أنه لا يلزم من وجوده الوجود أما العلة فيلزم من وجودها وجود المعلوم كما ذكرناه سابقاً، الباعث على إثباته أي على حكم الشرع إثبات الحكم الشرعي فحينئذ إذا وُجدت العلة ترتب عليها
(6/24)

المعلول وهذا هو السبب في تفريق بعض الأصوليين بين شرط الحكم وعمل العلة وإلا الأصل المراد بها إلى شيء واحد. إذاً فارق الشرط العلة من حيث إنه لا يلزم الحكم من وجوده، إذاً وُجد الشرط لا يلزم منه وجود المشروط أما العلة فلا سيكون ثم الفرق بين الحكم الشرعي أو شرط الحكم وبين عمل العلة أن العلة يلزم من وجودها وجوب المعلول، وشرط الحكم لا يلزم من وجوده وجود الحكم ولذلك يوجد الإحصان ولا يوجد الرجم إذا انتفت العلة وهي الزنا، لكن إذا وُجدت العلة وهي الزنا مع الإحصان لابد وأن يترتب عليها الرجم، والتفريق يسير ودقيق جداً.
وهو عقلي أي الشرط سنقسم على ثلاثة أقسام عقلي ولغوي وشرعي، عقلي ولغوي وشرعي، عقلي هذا باعتبار الوصف يعني ينقسم الشرط باعتبار الوصف إلى ثلاثة أنواع عقلي ما لا يوجد المشروط ولا يمكن بدونه من جهة العقل لأن الحكم هنا هو العقل، لا يمكن أن يوجد المشروط بدون شرطه كالحياة للعلم الحياة شرط للعلم، هل يمكن أن يكون عالم وليس بحي؟ الميت لا يُصف بكونه عالم لأنه جماد أليس كذلك؟ إذاً الحياة للعلم شرط لكنه عقلي يلزم من وجود العلم الذي هو المشروط وجود الشرط ولا يلزم من وجود الحياة وجود العلم، قد يكون حياً ويكون جاهلاً، إذاً لا يلزم من وجود الحياة وجود العلم ويلزم من وجود العلم وجود الحياة، ما الذي دل على أن العلم لا يكون إلا مع حياة؟ العقل هو الذي دلَّ. إذاً لا يمكن انفكاكه عنه من جهة العقل ولا يوجد المشروط بدون شرطه من جهة العقل نقول هذا شرط عقلي. لغوي يعني نسبة إلى اللغة مأخوذ من جهة اللغة، تعليق المشروط بالشرط والشرط هنا قد يكون إن وأخواتها لأن قد يكون حرفاً وقد يكون اسماً وهو المُعلَق أو التعليق بإن ونحوها {وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا
(6/25)

عَلَيْهِنَّ} الطلاق6، نقول هذا شرط لغوي، وهذا يبحث عنه الأصوليون ليس في هذا الموضع وإنما يبحثون عنه في المخصصات هناك للعموم، يقسمون المخصصات متصلة ومنفصلة والمتصلة منها الشرط ويعنون به التعليق بإن أو إحدى أخواتها، وليس المراد هنا عند الأصوليين في هذا الموضع، ولغوي أي منسوب إلى اللغة ما لا يوجد المشروط ولا يمكن بدونه من جهة اللغة يعني مأخوذ ومفهوم من جهة اللغة بأن وضع أهل اللغة ألفاظاً حروفاً وأسماء إن وُجدت دخلت على التعليق، إن دخلت الدار فأنت طالق، لا يمكن أن ينجز الطلاق إلا بدخول الدار، وابن القيم وغيره قالوا هذا أقرب إلى السبب لأنه يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لكن لا يتحقق عليه حد أي الشرط هنا، والشرط قلنا فيه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود، هل ينطبق على قوله إن دخلت الدار فأنت طالق؟ نقول لا لا يترتب عليه، وإنما يصدق عليه حد السبب ولذلك قال وهي أسباب، وليست بشروط، ولغوي كالمقترن بحروفه بحروف ماذا؟ بحروف الشرع هذه تُعلَم من جهة الوقت، وشرعي كالطهارة للصلاة وهو المراد هنا الشرط الشرعي وهو الذي فُسر بما ذكرناه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، هذه ثلاثة أنواع للشرط، قسمها ليُبين لك ما المراد هنا، فالمراد ببحثنا هو الشرعي كالطهارة للصلاة، إذا وُجدت الصلاة لابد أن تُوجد الطهارة ولا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة، إذاً هو الذي يعنيه الأصوليون هنا.
(6/26)

والمانع ومن توابعهما الشرط: والمانع وعكسه والمانع اسم فاعل من المنع وهو ضد الإعطاء وقيل المانع هو الحائل بين الشيئين، قال عكسه يعني عكس الشرط وهو ما يلزمه من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، ما يلزم من وجوده العدم كالحيض هذا مانع إذا وُجد الحيض عُدِم صحة الصلاة إذا لزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، قد لا يكون حيض ولا يلزم منه ترتب الصلاة لعدم دخول الوقت أو عدم ترتب الصلاة، إذاً لا يلزم من عدم وجود المانع وجود ولا عدم، الأول أخرج السبب لأنه يلزم من وجوده الوجود والثاني أخرج الشرط لأن الشرط يلزم من عدمه عدم المشروط، لذاته هذا للاحتراز لأن المانع قلنا ما يلزم من وجوده العدم وقد لا يترتب عليه هذا الحكم لأمر خارج عنه، لذاته نقول للاحتراز عن مقارنة المانع لوجود سبب آخر فإنه يلزم الوجود ولكن لا لعدم المانع بل لوجود السبب الآخر مثل المرتد القاتل لولده قالوا المرتد القاتل لولده، هل يُقتل بولده؟ لا لا يُقتَل، إذاً وُجد مانع أم لا؟ وُجد مانع، إذاً نقول الأبوَّة مانعة من القصاص لكن لو كان قاتلاً أباً مرتداً يُقتل أو لا يُقتَل؟ وُجد المانع، هل أثَّر؟ لم يؤثر، إذاً لماذا قُتل، إذاً لأ لم يُقتل من جهة كونه قاتلاً لابنه بل قُتل لسبب آخر وهو وجود الردة فالقتل هنا مُرتب على سبب آخر غير قتله لابنه، لماذا؟ لأن الأبوَّة مانع يلزم من وجودها عدم الحكم وهو القصاص، فحينئذ وُجد مع هذا المانع سبب آخر، رُوعي السبب الآخر فترتب على ما لو أُعمِل السبب الأول وهو وجوب القصاص وهو كونه قاتلاً دون نظر إلى الأبوَّة يترتب عليه القصاص فأُعمِل باعتبار السبب الثاني لا باعتبار السبب الأول، فمن ثم عندنا سببان قتل ورِدة كل منهما مُوجب للقتل، قتل للغير نفس معصومة ورِدة كل منهما مُوجب للقتل ولكنه قُتل للاعتبار الثاني وهو كونه مرتداً لماذا؟ لعدم وجود المانع ولم يُتَل باعتبار الأول لقيام المانع، إذاً هنا نقول للاحتراز عن مقارنة المانع لوجود السبب أو سبب آخر، فإذاً يلزم الوجوب، هنا لزم الوجوب وهو القتل وهو القصاص، نقول هذا ليس لكونه قاتلاً وإنما باعتبار آخر وهو كونه مرتداً لأن المانع إنما منع أحد السببين فقط وهو القصاص وحدث القصاص بسبب آخر وهو الرِدة.
(6/27)

إذاً هو المانع عكسه أي عكس الشرط لأن الشرط ينتفي الحكم لانتفائه والمانع ينتفي الحكم لوجوده، إذاً كل منهما ينتفي الحكم عنده إلا أن الشرط ينتفي الحكم لانتفائه والمانع ينتفي الحكم لوجوده. وهو ما يتوقف السبب أو الحكم على عدمه لأنه قسم لك المانع إلى قسمين مانع السبب ومانع الحكم، قد يوجد السبب ولا يؤثر لقيام مانع فحينئذ يُسمى مانع السبب قد يوجد شرط الحكم ولكنه لا يؤثر، لماذا؟ لوجود المانع، إذاً المانع قسمان، مانع للسبب ومانع للحكم، لذا قال ما يتوقف السبب أو الحكم على عدمه، توقف السبب على عدم المانع وتوقف الحكم على عدم المانع، فمانع السبب - أراد أن يُمثل لك – مانع السبب كالدين مع ملك النِصاب، ملِك النِصاب سبب مُسَببه وجوب الزكاة، هل أثَّر هذا السبب؟ لا، لقيام مانع وهو الدين صار مانعاً للسبب، ومانع الحكم وهو الوصف المناسب لنقيض الحكم، المعصية بالسفر المنافي للترخيص السفر سبب يترتب عليه الترخص قصر الصلاة والإفطار، هذا السبب نقول يترتب عليه الترخيص عند بعضهم من الفقهاء أن السبب الذي هو السفر هنا لابد أن يُقيض بطاعة فحينئذ يصح الترخص والترخيص فإذا كان السفر معصية قالوا امتنع الترخيص، كالمعصية بالسفر المنافي للترخيص لأن الترخيص ما الحكمة منه؟ رفع المشقة وهل يناسب ذلك المُطيع أو العاصي؟ المطيع، إذاً العاصي لا يناسبه أن يُخفَف عنه لماذا؟ لأن التخفيف عنه فيه إعانة يمسح ويجمع بين الصلوات ويقصر ويُطفر إلى آخره، نقول كون السفر سفر معصية يمنع من الترخص، هنا الحكم الذي هو الترخيص وُجد مانع له وهو المعصية، لذلك قال في حد وهو الوصف، المراد بالوصف هنا المعصية، المناسب لنقيض الحكم عدم ترخيص ما هو الحكم الترخيص، لماذا؟ لأن الترخيص يناسبه طاعة للمعصية، فحينئذ لما وُجدت المعصية منعت الحكم فصارت المعصية مانعة من الحكم، ما هو الحكم؟ الترخيص، لماذا؟ لكون المعصية وصفاً مناسباً للحكم وهو عدم الترخيص لذلك قال فمانع السبب ثم قال ومانع الحكم وهو الوصف المناسب أي الظاهر المُنضبط الذي يلزم منه وجوده عدم الحكم، يلزم من وجود المعصية عدم الحكم وهو الترخيص كالمعصية بالسفر المنافي للترخيص ثم قيل هما من جملة السبب ثم قيل يعني قال بعضهم إن الشرط والمانع من جملة السبب يعني داخلان في السبب وليسا من توابع السبب، لتوقفه أي السبب على وجود الشرط وعدم المانع لأنه إذا اختل شرط أو وُجد مانع لم يُوجد السبب لماذا؟ لأن ثم تلازماً بينهما قال وليس بشيء يعني وليس هذا القيل بشيء لماذا؟ لأن الشرط والمانع من التوابع وليسا من جملة السبب، لأن السبب قد يوجد ولو لم يوجد الشرط، كالنِصاب يوجد ولا يوجد الشرط وهو الحول أليس كذلك، ولم يوجد الشرط أو وُجد المانع كالنصاب مع عدم الحول أو وجود الدين، ولأنه يجوز فعل الواجب إذ انعقد سبب الوجوب قبل وجود شرطه كإخراج الزكاة قبل الحول، الخلاصة أن عد المانع والشرط من جملة السبب ليس بصحيح بل هما تابعان لهما ولو قيل أنهما مستقلان فما هو عليه أكثر الأصوليين لكان أجود، حينئذ نقول خلاصة ما ذكره المصنف هنا أنه قسَّم الأحكام الوضعية إلى أربعة أقسام أحدها ما يظهر به الحكم ما يكون سبباً
(6/28)

وكاشفاً ومُعرفاً للحكم الشرعي وقسمه إلى نوعين هذا خلاصة ما ذكره: علة وسبب، ثم جعل للعلة والسبب تابعين وهما الشرط والمانع وقسَّم لك الشرط إلى شرط حكم وشرط علة وقسم لك المانع إلى مانع سبب ومانع الحكم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وسلم.
(6/29)

عناصر الدرس
* الصحيح
* الفاسد
* المنعقد.

الدرس السابع

لازال الحديث في الأحكام الشرعية عند قول المُصنف و (وضعيةٌ) وهي أربعة ذكر النوع الأول وهو ما يظهر به الحكم وهو نوعان علة وسبب قلنا العلة داخلة في السبب فحينئذ لا نحتاج إفراد وكل ما يتعلق بالعلة سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى في باب القياس، وجعل الشرط والمانع من توابع العلة والسبب، إذاً ليست هذه الأشياء مستقلة وإنما جعل العلة مقابلة للسبب، قلنا الجموع على أن العلة أخص من مطلق السبب، كل علة سبب ولا عكس ومع علة ترادف السبب والفرق بعضهم إليه قد ذهب، والشرط والمانع جعلها المُصنف هنا على اختلاف المشتهر عند الأصوليين بأن السبب مستقل والشرط مستقل والمانع مستقل وكل منها له بحث يختص به، ثم قال الثاني أي الثاني من الأحكام الوضعية الأول ما يظهر به الحكم والثاني الصحيح أو الفاسد هذا ليسا من الأحكام الشرعية وإنما متعلق الصحة هو الصحيح، متعلق الفساد هو الفاسد يعني ذكرنا أن الحكم الشرعي هو خطاب الله إن تعلق بفعل المكلف حينئذ يكون بحسب نوع ذلك الخطاب إذ كان إيجاباً فالفعل واجب فلذلك هنا فعله هو الذي يُوصف بأنه صحيحاً أو فاسداً العبادة نفسها هي التي يُقال عبادة صحيحة أو فاسدة، وكذلك المعاملة هي التي يقال فيها بأنها معاملة صحيحة أو فاسدة حينئذ صار الوصف للصحة بفعل المكلف والوصف بالفساد بفعل المكلف، الثاني الصحيح الصحة والفساد من الأحكام الشرعية ولا شك، ولكنهما ليسا داخلين في الاقتضاء والتكليف وهذا هو المشهور من كلام الأصوليين بأنه إذا قيل هذه عبادة صحيحة أو عبادة باطلة أو معاملة صحيحة أو معاملة باطلة لا يُفهم من هذا اقتضاء ولا تخيير ليس فيه طلب فعل ولا طلب ترك ولا تكليف فحينئذ إذا انتفى الاقتضاء وانتفى التخيير تعين الثالث وهو الوضع لأن القسمة ثلاثية على ما أصلناه في حد الحكم الشرعي خطاب الله تعالى المتعلق بالفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، فإذا انتفى الاقتضاء وانتفى التخيير فحينئذ تعين الوضع، ولذا حكم بكون الصحة والفساد من الأحكام الوضعية وقال بعضهم الصحة بمعنى الإباحة ولا يُنسب للراجح الصحة بمعنى الإباحة وفساده بمعنى الحرمة فإذا فُسرت الصحة بمعنى الإباحة والإباحة حكم شرعي تكليفي وإذا فُسر الفساد بمعنى الحرمة والحرمة حكم شرعي تكليفي صار كل من الصحة والفساد حكمين شرعيين تكليفيين، إذاً هذا القول بأن الصحة ليستا من الأحكام التكليفية وليست من الوضعية وهذا قلة من قال بهذا، الثالث هو قول ابن الحاجي والمنتبهة بأن الصحة والفساد حكمان عقليان بأن الصحة عبارة عما استجمع الشروط مع انتفاء الموانع والفساد عبارة عما لم يستوفي الشروط أو مع وجود مانع، والحكم في الاستيفاء أو عدم الاستيفاء أول بوجود المانع أو عدم الوجود أو فوات الشرط هذا أمر يُدرك بالعقل فحينئذ نحكم بأن الصحة حكم عقلي ونحكم بأن الفساد حكم عقلي إذاً ليست من الأحكام الشرعية البتة، فأخرجها ابن الحاجي من الحكام الشرعية إنما داخلة في الحكم الشرعي هذه ثلاثة أقوال والمشهور أنها من الأحكام الوضعية لذلك أدرجها المصنف هنا، ولو جُعلت من أوصاف الأحكام التكليفية لا بأس بذلك، حينئذ تكون تابعة لها وليست منها على جهة
(7/1)

الاستقلال، الثاني الصحيح والفساد سيأتي معطوف عليه، هذا تقسيم للحكم باعتبار اجتماع الشروط المعتبرة في الفعل وعدم اجتماعها فيه يعني هذا التقسيم ما وجهه من أي حيثية للحكم، نقول من حيثية اجتماع الشروط المعتبرة في الفعل وعدم اجتماعها فإن اجتمعت الشروط المعتبرة في الفعل فحينئذ نحكم عليه بأنه صحيح وإذا لم تجتمع الشروط المعتبرة للفعل حينئذ نحكم عليه بأنه فاسد، إذاً هذا التفصيل تابع لهذه الحيثية لأن ثم حيثيات ينقسم الحكم الشرعي مطلقاً سواء كان تكليفياً أو وضعياً لكل تقسيم حيثية تخصه وهنا من حيث اعتبار الشروط المعتبرة في الفعل أو عدم اعتبارها، هل هي مجتمعة أم لا؟ كل فعل شرعه الشراع لابد وأن يكون متوقفاً على ركن أو شرط أو سبب أو ينتفي عند وجود مانع، كل حكم لابد من أنه متوقف على هذه إذا استوفى الفعل الشروط والأركان والواجبات وكل ما يتوقف عليه الفعل مع انتفاء المانع نقول هذا صحيح، وإذا لم يستوفي الأركان والشروط والواجبات ووُجد مانع أو بعض الموانع حينئذ نحكم عليه بأنه فاسد إذا هذا التفصيل من حيث اعتبار الشروط المعتبرة للفعل أو عدم اعتبارها، إن وُجدت مجتمعة حينئذ حكمنا بالصحة وإلا حكمنا بالفساد، قال اثنان أي من الأحكام الوضعية الصحيح الصحيح وهو لغة المستقيم فسره في اللغة بالمستقيم وإن كان المشهور عند أهل اللغة أن الصحيح هو السليم من المرض ولا مانع أن يُقال المستقيم إذا حُلل عن السلامة من المرض لأنه مستقيم على الصحة المستقيم ضد المعوج حينئذ إذا لم يكن معوجاً حينئذ يُنسَب للاستقامة ولا بأس ولكن أكثر ما يرد على السنة أهل اللغة وحتى الأصوليين في هذا الموضع يقولون أنه السليم من المرض، أي كل سالم من المرض فهو مستقيم وهو صحيح، الصحيح وهو لغة المستقيم واصطلاحاً في العبادات ما أجزأ وأسقط القضاء في حد الصحة عند الأصوليين بخلاف بينهما أولاً باعتبار المتكلمين والفقهاء ثم بالنظر إلى العبادات والمعاملات، فرقوا بين المعاملات وبين العبادات، الصحة في العبادات مغايرة للصحة في المعاملات ثم النظر هنا نظر الفقهاء يختلف عن نظر المتكلمين الأصوليين، المراد بالفقهاء هنا الأحناف ونحوهم والمراد بالمتكلمين المالكية والشافعية والحنابلة، هؤلاء إذا أُطلق المتكلمون حينئذ صرف إلى هؤلاء، فحينئذ لما كان علمهم مبناه على قواعد المناطق والجمل والتنزل إلى آخره سموا متكلمين ولذلك في علم الكلام سُمي علم الكلام علم الكلام لكثرة كلامهم وقيل لكثرة كلامهم في صفة الكلام المختصة بالرب جل وعلا، وهنا سموا متكلمين لأن طريقتهم جارية على القواعد المنطقية يعني ينظروا إلى القواعد من جهة ولا ينظرون من جهة اقتباسها من الفروع ولذلك طريقة الأحناف أليق من فقه طريقة المتكلمين، ومن ثم قواعد المتكلمين قد تكون راسخة ولكن ليس كل ما قاله المتكلمين يُسَلَّم له ولكن كثر فيهم أهل البدع من الأشاعرة والمعتزلة ونحوهم إذاً قم خلاف في حد الصحة بين المتكلمين وبين الفقهاء، المتكلمون عرَّفوا الصحة بأنها موافقة الفعل للوجهين للشرع مطلقاً والصحة الوفاق للوجهين للشرع مطلقاً من دول مين، إذاً الصحة في العبادات عند المتكلمين موافقة إذاً لا مخالفة،
(7/2)

موافقة الفعل فعل المكلف للوجهين عنده فعل ذو وجه وفعل ذو وجهين والمراد بالفعل ذي الوجهين هو الذي له طرفان يعني يقع تارة موافقاَ للشرع لاستجماع الشروط وانتفاء الموانع ويقع تارة مخالفاً للشرع فكل فعل يمكن أن يكون للشرع لاستيفاء الشروط والأركان وانتفاء الموانع ويمكن أن يقع مخالفاً للشرع لعدم استيفاء الشروط والأركان أو وجود مانع هذا يسمى عندهم ذا وجهين هذا يُحتِرز به عن الفعل ذي الوجه الواحد فقط لأنه لا يكون إلا صحيحاً لا يقع إلا موافقاً للشره، مثلوا لذلك بمعرفة الرب جل وعلا قالوا معرفة الله هذه لها طرف واحد لا يمكن أن يعرف ربه على الوجه الشرعي ثم نقول هذه المعرفة قد تكون صحيحة أو تكون فاسدة لا تحتمل الصحة والفساد بل لا تقع إلا صحيحة فإن لم يعرف ربه على الوجه الشرعي كأن يكون محرفاً للتوحيد والصفات ونحوها نقول يسمى جهلاً ولا يسمى معرفة.
(7/3)

إذاً معرفة الله هذه لا تقع إلا موافقة للشرع فحينئذ نقول هذه المعرفة لا توصف إلا بالصحة لأنها لا تكون إلا موافقة للشرع كذلك رد الوداع قالوا هذا لا يقع إلا موافقاً للشره لأنه لا يمكن أني رد الوديعة على وجه مخالف للشرع، وسقطوا فعل ذي الوجهين للشرع مطلقاً يعني سواء كان في العبادات أو في المعاملات وسقطوا فعل للوجهين للشرع مطلقاً قالوا نقول الفعل ذو الوجهين الذي يقع تارة موافقاً للشرع وتارة مخالفا للشرع في المرة التي وقع موافقاً للشرع عُلق عليه وصف الصحة إذا متى يُحكم بالصحة على فعل ذي الوجهين؟ الفعل ذي الوجهين له حالان إما أن يكون موافقاً وإما أن يكون مخالفاً، إن وافق الشرع فهو صحيح وإن خالف الشرع فهو فاسد، هذا الصحيح عند المتكلمين وأما عند الفقهاء فالصحة ما أسقط القضاء أو شئت قلت سقوط القضاء إذا كان الفعل مأمور به قد أسقط القضاء بحيث برأت الذمة من الفعل الذي تعلق بذمة المكلف بسبب خطاب الشرع قالوا حينئذ يُوصف الفعل بكونه صحيحاً فإذا وقع الفعل مطلقاً موافقاً للشرع وأسقط القضاء بحيث لم يُطالب بإعانته مرة أخرى وبرأت الذمة وخرج من العهدة قالوا الفعل صحيح، لماذا؟ لأنه أسقط الطلب وهذا هو عند جمهور الفقهاء وصحة الوفاق للوجهين للشرع مطلقاً بدون مين، وفي العبادة للجمهور أن يسقط القضاء مدى الدهور متى ما سقط القضاء صحت العبادة فإذا لم يسقط القضاء وبقيت الذمة مشغولة وصار المكلف مطالباً بالإعادة نقول هذا لم تصح عبادته، ما الفرق بين الحدين؟ الفرق بينهما في مسألة وقع النزاع فيها صلاة من ظن الطهارة يعني إنسان قد تطهر ثم شك في طهارته هل انتقض أو لا الراجح أنه يقع على أنه متطهر لأن الطهارة قيل لا يزول بالشك فحينئذ إذا صلى ظاناً أنه متطهر ثم بعد صلاته تيقن أنه مُحدِث الصلاة التي صلاها السابقة على قول المتكلمين صحيحة وعلى رأي الفقهاء تعريف الفقهاء فاسدة وليست بصحيحة، لماذا؟ لأن المتكلمين نظروا إلى ظن المكلف موافقة للفعل للوجهين من ظن المكلف، لم يعتبروا الشيء في نفسه باعتبار موافقته للواقع، فقالوا من صلى ظاناً الطهارة ثم تبين له أنه غير متطهر وقت صلاته قد امتثل الأمر أم لا نقول امتثل الأمر، وكذلك لو لم يكتشف حدثه قلنا هذه الصلاة قد أسقطت الطلب، لكنه لما تبين أنه مُحدِث حينئذ صلى وقد وافق أمر الشرع لأنه دخل وقت الصلاة {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} الإسراء78، فقام يصلي ثم شك فاعتبر الظن إذاً الأمر الأصلي أقيموا الصلاة قد امتثله فقام صلى أربع ركعات صلاة الظهر ثم شكه في الطهارة والأصل أنه متطهر قال اعتبر عمل الظن لأنه إذا شك المتطهر في طهارته نقول الأصل أنه اليقين اليقين أنه متطهر إذاً عمل بدليلين شرعيين في المسألتين، إذاً وافق الأمر وكيف حينئذ نُبطل صلاته؟ قالوا صلاته صحيحة والعبرة بالظن هنا فلما تبين فساد ظنه نحكم بصحة صلاته سابقاً وحينئذ نقول لا تسقط تلك الصلاة طلباً بل لازال مكلفاً بالصلاة ولذلك اتفقوا على أنه مطلب بالقضاء وإنما في تسمية الصلاة التي اكتشف أنها قد أُديت بغير طهارة عند المتكلمين فهي صحيحة لأنها وافقت الأمر وعند الفقهاء العبرة ليست بظن المكلف لأن الأمر
(7/4)

بإعمال الظن أو بالعمل بالظن هذا مُقيد ليس على إطلاقه الظن المعتبر شرعاً وهو الذي لم يتبين فساده فإذا تبين فساد الظن حينئذ نقول لا عبرة للظن البين خطأه فحينئذ نقول هذا لم يوافق الأمر ولازال مطالباً بالصلاة ونحكم على تلك الصلاة بأنها فاسدة لأنها لم تُسقط القضاء والفعل الصحيح هو الذي يسقط القضاء ومالا يسقط القضاء لا يوصف بكونه صحيحاً إذاً الخلاصة لما قيل أن الصحة عند المتكلمين يختلف حدها عن الصحة عند الفقهاء، الفقهاء ما أسقط الطلب أو ما أسقط القضاء كل فعل فعله المكلف وسقط به الطلب وسقط به القضاء فهو صحيح لأن الذمة قد برأت وخرج عن العهدة وهذتا هو المراد وكل ما لا يسقط الطلب فليس بصحيح وعند المتكلمين ما وافق أمر الشرع في ظن المكلف، حينئذ يوصف بالصحة ولو تبين بعد ذلك أنه لم يوافق الأمر لأنه لابد أن يكون متطهراً لا صلة إلا بطهارة فإذا صلى مُحدثاً حينئذ لم يوافق الأمر لكن قالوا لما أعمل الظن وهو مأمور بالوقوف مع الظن لا يخيب رجائه فنقول هذه الصلاة صحيحة ونلزمه بالإعادة، إذاً مأخذ الخلاف هو النظر في ظن المكلف هل هو المعتبر في الكم بصحة العبادة أو نفس الأمر نقول نفس الأمر لابد أن يكون موافقاً للأمر في نفس الأمر لا باعتبار ظنه، فلو ظن شيئاً ثم تبين أن الظن خطأ نقول الظن لا عبرة به فنرجع إلى الأصل وصحة الوفاق للوجهين للشرع مطلقاً بدون مين وفي العبادة لدى الجمهور أن يسقط القضاء مدى الدهور يبنى على القضاء بالجديد أو أول الأمر لدى المجيد، هذا محل نزاع عند بعضهم أن محل النزاع بين المتكلمين والفقهاء هل الأمر أو هل القضاء يكون بالأمر الأول أو بنص جديد الآن إذا قلنا الصلاة هذه باطلة عند المتكلمين لا يمكن أن يؤمر بصلاة الجديد إلا بأمر جديد وعند الفقهاء أن نفس النص الأول السابق الذي دل على طلب إيجاد الصلاة هو عينه الذي دل على طلب قضاء الصلاة. لكن الأصح ليس هذا هو محل النزاع المحل هو هل العبرة بظن المكلف أو بموافقة نفس الأمر وهي وفاقه لنفس الأمر أو ظن مأمور لدى ذي خُبْر هكذا قال السيوطي.
(7/5)

الحكمة هل العبرة في الصحة ضد المكلف أو نفي الأمر نقول الصواب نفس الأمر وبذلك يترجح مذهب الفقهاء أما كون الطلب أو كون القضاء لا يجب إلا بدليل جديد هذا هو الأصح أنه لا قضاء إلا بدليل جديد وكل ما دل على إيجاد عبادة في وقت ما ثم خرج الوقت ولم تُفعَل حينئذ نقول لابد من دليل جديد يدل على قضاء هذه الصلاة، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها كنا نُؤمَر بقضاء الصوم ولا نُؤمَر بقضاء الصلاة، نستدل بهذا على أن القضاء لا يكون بنفس الأمر الأول وإنما لابد من أمر جديد والأمر لا يستلزم قضاء بل هو بالأمر الجديد جاء، فحينئذ كنا نُؤمَر بقضاء الصوم مع وجود الأدلة التي تدل على وجوب أداء الصوم، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} البقرة183، {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ} البقرة185، هذه آيات تدل على وجوب أداء الصوم أي قضاء الصوم إذا خرج الوقت ولم يصم لابد من دليل جديد، لا قضي إلا بدليل جديد، كنا نُؤمَر بقضاء الصوم مع وجود الأدلة التي تدل على وجوب أداء الصوم ولا نُؤمَر بقضاء الصلاة إذاً لم يرد أمر جديد بقضاء الصلاة مع وجود قوله {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} البقرة43، إذاً كل من الصوم والصلاة قد دلت أدلة متواترة على وجوب أداءهما في الوقتين المحددين لهما الصلاة بأوقاتها المحدودة والصوم بوقته المحدود، هذه الأدلة مع وجودها لم تشمل منها عائشة أو أحد من الصحابة أنها تدل على القضاء فإذا خرج الوقت نقول لابد من دليل فكل من أوجب قضاء الصلاة بعد خروج وقتها عمداً دون عُذر شرعي حينئذ لابد من دليل لأن قوله {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} الإسراء78، هذا أوجب صلاة الظهر وحدد لها وقت وهذا الوقت مشتمل على مصلحة ولا شك فحينئذ إذا خرج الوقت وقت صلاة الظهر دون عذر شرعي نقول هل نقول له صلي بعد خروج الوقت لأن الدليل الأول يدل على ذلك نقول لابد من دليل جدياً يحمل الوقت الثاني بعد الخروج عن الوقت الأول الذي أوجب فيه الصلاة لأن الوقت ما أوجبت فيه الصلاة بهذين الحدين الطرفين الأول والآخر إلا لمصلحة عظيمة اشتمل عليها ذلك الوقت فحينئذ إن صح دعوى إجماع وجوب قضاء صلوات مكتوبات على من تركها عامداً نقول الإجماع ودليله مستنده هو الذي أوجب لا الأدلة السابقة النص الأول وإن لم يصح الإجماع هنا نقول الأصل أنه لا يقضي لو قضى مائة مرة ما أجزأه لماذا؟ لأنه لابد من دليل جديد وهذا رأي ابن حزم رحمه الله. أنه لابد من دليل جديد حتى يثبت في ذمة المكلف قضاء صلاة تركها عمداً فنقول إن صح الإجماع حينئذ لا إشكال وإن لم يصح الإجماع فلابد من دليل يُوجب قضاء الصلوات بعد خروج وقتاه.
(7/6)

الثاني الصحيح وهو لغة المستقيم قال هنا واصطلاحاً في العبادات يعني المتكلمين يخالفون الفقهاء في حد الصحة في العبادات وإن كان الحد السابق للمتكلمين عام ليس خاصاً بالعبادات وصحة الوفاق للوجهين للشرع مطلقاً يعني سواء كان في العبادات أو في المعاملات وأما الفقهاء فرقوا بينهما واصطلاحاً في العبادات أي في اصطلاح الشرع أو في اصطلاح أهل الاصطلاح في العبادات لا في المعاملات ما أجزأ وأسقط القضاء، القضاء المراد به ليس القضاء الاصطلاحي الذي هو فعل العبادة كاملة بعد خروج وقتها وإنما يُفَسَر هنا بمعنى الإعادة وهو فعل العبادة في وقتها مرة أخرى مرة ثانية إذاً إدخال القضاء هنا ليس المراد به إدخال القضاء الاصطلاحي إنما المراد به معنى الإعادة والإعادة هي فعل العبادة في وقتها مرة أخرى يعيدها في نفس الوقت إما لخلل وإما لطلب فضيلة كما سيأتي، ما أجزأ وأسقط الطلب بمعنى أنه لا يحتاج إلى فعلها مرة أخرى، الصحة في العبادة ما أجزأ وأسقط القضاء بمعنى أنه لا يحتاج إلى فعلها مرة أخرى فإذا صلى في أول الوقت ظاناً أنه متطهر فتبين له أنه على حدث نقول هذه الصلاة ما أجزأته لم تسقط الطلب ويلزمه فعلها مرة أخرى في نفس الوقت، لماذا؟ لأن الصحة ما أسقط القضاء وهذه الصلاة الأولى لم تسقط القضاء حينئذ حكمنا ببطلانها وأنه يلزمه إعادة الصلاة مرة أخرى، ما أجزأ وأسقط القضاء الإجزاء وإسقاط القضاء وهنا عطف الشيء على المراد فيه كفاية العبادة الإجزاء وهي أن يسقط الاقتضاء أو السقوط للقضاء، إذاً الكفاية كفاية العبادة بأن تكون كافية في إسقاط القضاء هو الإجزاء كفاية العبادة الإجزاء يعني إذا كانت العبادة كافية كفت فعلها مر المرة الأولى كفت بإسقاط الطلب أُمر فقام فصلى مستوفياً للشروط ولم تكن موانع نقول هذه العبادة كافية في إسقاط الطلب إذاً هي مُجزأة بمعنى أنها أسقطت الطلب، إذا أجزأ من الفعل أجزأ في إسقاط الطلب وأسقط القضاء بمعنى أنه لم يحتدم إعادتها مرة أخرى وهذا هو معنى الأجزاء، بمعنى أنه لا يحتاج إلى فعلها ثانية ما أجزأ وأسقط القضاء هذا بفعل للعبادة نفسها هذا عند الفقهاء وعند المتكلمين ما وافق الأمر فعل وافق الأمر أُمر بصلاة فقام فصلى مستجمعاً للشروط في ظنه ثم اكتشف أنه لم يأتي ببعض الشروط قالوا هذه الصلاة صحيحة ويلزم القضاء إذاً حكموا بعدم إسقاط الصلاة بالقضاء مع الحكم بكونها صحيحة لذلك ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى – يُرجح مذهب الفقهاء ويقول لولا المتكلمين لم يوافقوا الأمر الأصلي والمر بالإعمال الظني ظن المكلف لماذا؟ لأنهم يقولون ما وافق الأمر يعني الأمر الأصلي وهل أمر الشارع بصلاة صاحبها ليس على طهارة؟ لا، (أقم الصلاة) المراد بها الصلاة المستجمة للشروط فإذا صلى بغير طهارة فحينئذ نقول الصلاة هذه لم توافق الأمر، ثم قوله بأنه اُعمِل ظن المكلف بأنه مأمور بالظن هنا مأمور بالعمل بالظن حينئذ لما تبين خطأ ظنه هل عُمل بالظن الذي اعتبره الشرع ظناً يُوقف عنده أم لا؟ لا الثاني إذاً لم يوافق الأمر الأصلي ولم يوافق الأمر الذي أمره بإعمال الظن لأن الأمر الأصلي أقم الصلاة أُكتشف أنه لم يوافقه على وجهه الشرعي فصلى صلاة بغير
(7/7)

طهارة كذلك الأمر بعمل بالظن نقول هذا ليس على إطلاقه وإنا الظن الذي لم يتبين فساده فإذا تبين فساده حينئذ ليس مأموراً بالعمل بهذا الظن إذاً تبين أنهم لما يوافق الشرع في الجهتين، ولذلك ضعَّف مذهب المتكلمين ورجَّح مذهب الفقهاء، المتكلمين عندهم ما وافق الأمر أي أن يوافق فعل المُكلف أمر الشارع في ظنه هو، والمراد بالموافقة أعم من أن تكون بحسب الواقع أو بحسب الظن مطلق الموافقة سواء كان موافقا له في الواقع أو موافقا له في ظنه لأنه ليس مفترضاً أن يكون مذهب المتكلمين أنه موافق للظن قد يكون الظن موافقاً للواقع ولا إشكال فحينئذ يكون مُسقطاً للقضاء واتفقوا مع الفقهاء لكن الإشكال فيما إذا ظن ظنة وتبين فسادها، بشرط عدم ظهور فسادها لأننا أُمرنا باتباع الظن ما لم يظهر فساده والمُسقط للقضاء هو الموافقة الواقعية الذي يسقط القضاء هو الموافقة للأمر في نفس الأمر، أما إذا تبين عكس ذلك فحينئذ يلزمه القضاء، ما وافق الأمر تقيضه في ظن المكلف لا في الواقع وإن لم يثبت القضاء فهي صحيحة ولو وجب عليه أن يصلي الظهر مرة أخرى ثم قال وفي العقود ما أفاد حكمه المقصود منه عند المتكلمين الصحة في العقود والمراد بها المعاملات كالبيع والإجارة والنكاح ونحو ذلك الصحة عندهم موافقة الفعل بالوجهين الشره مطلقاً حينئذ يستوي حد الصحة في المعاملات وفي العبادات أما عند الفقهاء ليس الأمر كذلك بل الصحة في العبادات ما أسقط القضاء وفي المعاملات ما أفاد حكمه المقصود منه يعني ترتب أحكام العقود عليها إذا وُجد العقد وترتبت عليه الثمرة بدلالة الثمرة حكمنا على صحة العقد كل عقد بين طرفين إذا توفر أو ترتبت عليه آثاره التي رتبها الشرع فحينئذ نحكم على العقد بأنه صحيح فكل عقل ترتبت عليه أحكامه المقتضي لها ذلك العقد حكمنا على العقد بأنه صحيح لأنه يلزم من ترتب الآثار صحة العقد تلازم بينهما يلزم من ترتب الآثار صحة العقد من غير عكس ليس كل ما صحَّ العقد ترتبت آثاره ولذلك ذكروا أن بيع الخيار صحيح لكنه لا تترتب عليه آثاره قبل إتمام العقد فإذا تم العقد حينئذ ترتب آثاره قبل إتمام العقد هو صحيح لكنه لا تترتب عليه ثماره، فالذي يترتب على عقد البيع ما هو إذا باع واشترى ماذا يريد البيع والشراء انتقال ملكية السلعة من البائع إلى المشتري وانتقال ملكية المال من المشتري إلى البائع إذا ترتبت هذه الآثار على العقد نقول صح العقد لكن لابد أن يكون متسجمعاً للشروط ولم يوجد موانع حينئذ نحكم على العقد بأنه صحيح لترتب الأحكام المقصودة من العقد على العقد كذلك النكاح المراد به والثمرة التي تترتب عليه هو الاستمتاع بالمنكوحة إذا وُجد هذا الأثر حكمنا على العقد بأنه صحيح فإذا حكم أهل العلم بترتب الثمرة ثمرة العقد على العقد فهو صحيح وإلا فهو فاسد فحينئذ قال وفي العقود يعني الصحة في العقود ما أفاد حكمه أي حكم العقد بالصحة المقصود منه ما هو المقصود انتقال الملكية من البائع إلى المشتري والعكس، ما هو المقصود في النكاح الاستمتاع بالمنكوحة، حينئذ إذا ترتبت هذه الأحكام المقصودة من العقد على العقد حكمنا عليه بأنه صحيح، وعند المتكلمين مخالفة ذي الوجهين الشرع مطلقاً
(7/8)

سواء كان في العبادات أو في المعاملات.
إذاً عرفنا حد الصحة قال والفاسد وهو ما يقابل الصحة مقابل الصحة بالبطلان إذا قابله من كل وجه حينئذ إذا أردنا أن نفصل فنقول مذهب المتكلمين في الفاسد ما هو؟ إذا قيل الصحة موافقة للفعل للوجهين الفساد عند المتكلمين مخالفة الفعل للوجهين الشرع، وعلى مذهب الفقهاء في العبادات الصحة ما هي؟ ما أجزأ وأسقط القضاء إذاً الفساد عند الفقهاء في العابدات ما لم يُجزأ ولم يُسقط القضاء ضده مباشرة وفي المعاملات ما لم تترتب عليه آثاره المقصودة من البيع ونحوه، إذا ترتبت عليه الآثار فهو صحيح إذا لم تترتب عليه الآثار فهو فاسد وباطل قال والفاسد وسيأتي الباطل، الفاسد لغة المختل مأخوذ من الاختلال وهو خروج تغير الشيء عن الحالة السليمة هذه يسمى مختلاً ومنه المجنون يقال له مختل العقل، واصطلاحاً ما ليس بصحيح الفاسد في الاصطلاح ما ليس بصحيح بمعنى أنه نقيض الصحيح لأن الصحيح نقيض ما ليس بصحيح فحينئذ يرجح التعريف هذا ليس بتعريفاً وإنما يريد أن الطالب يقيس على التعريفات السابقة للصحة فيستنبط منها تعري الفاسد، ما ليس بصحيح يعني نقيض الصحيح فالفاسد عند الفقهاء ما لم يُجزأ ولم يسقط الطلب والفساد في العقود ما لم يفد حكمه المقصود منه قال ومثله الباطل ومثله أي مثل الفاسد بمعنى أن البطلان والفساد مترادفان وقابل الصحة بالبطلان وهو الفساد عند أهل الشان وخالف النعمان فالفساد ما نهيه للوصف يستفاد، وقابل الصحة بالبطلان إذاً الصحة والبطلان متقابلان وهو الفساد أي بمعناه فساد، فالفساد والبطلان مترادفان عند الجمهور وعند أبي حنيفة الفساد والبطلان في باب العبادات سيان وفي المعاملات مختلفان إذا وافق الأحناف الجمهور في ترادف الفساد والبطلان في باب العبادات وخالف الأحناف الجمهور بالتفرقة بين البطلان والفساد في باب المعاملات، هنا قال ومثله الباطل أي سيقابل الصحة الذي هو الفساد والبطلان سواء كان في العبادات أو في المعاملات فكل فاسد باطل وكل باطل فاسد ولذلك جاء في الحديث (كل شرط ليس بكتاب الله فهو باطل) أي فاسد فأُطلق البطلان والفساد بمعنى واحد، وخص أبو حنيفة باسم الفاسد ما شرع بأصله ومنع بوصفه، أبو حنيفة - رحمه الله تعالى – يفرق بين الفاسد والبطلان لكن يقيده بالمعاملات، أما في باب العبادات فهما مترادفات، الفساد والبطلان في باب العبادات سيان وفي باب المعاملات مختلفان، ما وجه التفرقة في المعاملات؟ نقول الباطل ما مُنع بأصله ووصفه في أصل الفعل هو ممنوع ووصفه الذي يكون محله الأصل أيضاً ممنوع فله جهتان مثلوا بذلك بيع الخنزير بالدم يجوز؟ لا يجوز لماذا؟ كلاهما نجس وبيع النجس لا يصح حينئذ إذا صار النجس ثمناً أو مبيعاً نقول هذا ممنوع بأصله فالنهي محله نفس العقد النهي محله نفس العقد لكن بيع الدرهم بالدرهم جائز أو لا؟ جائز بشرطه للكن لو باع درهما بدرهمين؟ لا يجوز هل هو ممنوع بأصله لأن الدراهم لا يجوز ببيعها بعضها ببضع كالخنزير والدم أو لكونه اشتمل على وصف وهو الدرهم الزائد؟ اشتمل على وصف، سمى الأول الباطل وهو ما مُنع بأصله ووصفه وسمى الثاني الذي شُرع بأصله ومُنع بوصفه سماه فاسداً، إذا هو
(7/9)

مجرد اصطلاح وذلك قال وهنا وهو اصطلاح له. هذا عند أبي حنيفة والجمهور على أنهما سيان والمذهب عند الحنابلة أنهم لا يفرقون بين الفساد والباطل إلا في موضعين اثنين لا ثالث لهما في الحج وفي النكاح ولذلك نقول المذهب عند الحنابلة الباطل والفاسد مترادفان إلى في موضعين الإحرام قالوا قد يكون فاسداً وقد يكون باطلاً، ما ضابط الفساد؟ قالوا إذا جامع قبل التحلل الأول حكمنا عليه بأنه فاسد وتترتب عليه الأحكام المترتبة على الحج الفساد من وجوب الاستمرار والقضاء وذبح الفدية إلى آخره حينئذ هو معتبر ويُعامل معاملة الصحيح بأنه عبادة ووجب استمراره فيها ووجب قضائها إلى آخره حينئذ نُزِل منزلة الحد الحج الصحيح فترتبت عليه الحكام المترتبة على الحج الصحيح، الحج الباطل الذي حُكم عليه بأنه باطل هو الحج الذي ارتد فيه أحرم ثم أثناء إحرامه ارتد وخرج عن الإسلام هذا يُقال فيه أنه باطل هل يلزمه الاستمرار الجواب لا وإنما يحل إحرامه ويدخل في الإسلام مرة أخرى ويُحرم إن كان بقي في الحج منتفع، هذا الباطل والفساد إن فرق بين الباطل والفاسد في باب الحج عند الحنابلة فإذا قالوا هذا حج باطل معناه أن صاحبه وقع في الردة وبطل حجه ولا يجوز استمراره فيع فإذا قيل هذا حج فاسد بمعنى أنه وقع في الجماع قبل التحلل، حلوه متى قبل رمي الجمرة الكبرى يوم العيد يسمى التحلل الأول، أما في باب النكاح فقالوا ما أجمع الفقهاء على بطلانه فهو باطل ما اُجمع على فساده فهو باطل كمن نكح امرأة في عدتها هذا بالإجماع ولا خلاف فيه امرأة ما زلت في عدتها فعقد عليه النكاح ما حكم هذا النكاح؟ نقول باطل ولا يقل فاسد في المذهب لماذا؟ لأنه مُجمَع على فساده لو تجوز امرأة رضع من أمها ثلاث رضعات هكذا يكون هو الباطل تجوز امرأة رضع هذا الزوج من أم الزوجة ثلاث رضعات ما حكم النكاح فيه خلاف مبناه على الثلاثة هل هي معتبرة أم لا، من قال إنها معتبرة في التحريم قال هذا النكاح فاسد ومن قال ليست معتبرة بل لابد من الخمس قال النكاح صحيح، إذاً وقع النزاع وخلاف في هذا النكاح، المذهب لابد من الخمس فحينئذ يحكمون بفساد هذا النكاح لا يحكمون بأنه باطل لماذا؟ لأن الخلاف واقع فيه، إذاً في النكاح البطلان والفساد عند الحنابلة مختلفان، الفساد ما كان النكاح مُختَلف فيه إذا وقع خلاف في العقد صحة وفساداً صار فاسداً وإن أُجمع على بطلانه وعلى فساده سمى باطلاً هذا هو المذهب وما عدا ذلك فهما سيان مطلقة في العبادات وفي المعاملات.
(7/10)

قال (الفاسد) لغة: المختل واصطلاحاً: ما ليس بصحيح، ومثله (الباطل) وخص أبو حنيفة باسم الفاسد ما شرع بأصله كالدرهم بالدرهم هذا مشروع جائز أن تبيع الدراهم بعضها ببضع لكن بشرطها ومُنع بوصفه بكونه متفاضلاً والباطل عند أبي حنيفة ما مُنع بهما أي بأصله ووصفه، قال وهو اصطلاح إذا كان اصطلاح فلا وشاحة في الاصطلاح بل يختص كل مذهب بما يصطلح عليه إذا فُهمت المقاصد وعُملت النصوص بما تستحق المعاملة، ثم قال و (النفوذ) لغة: المجاوزة، لم ذكر النفوذ هنا؟ ما مناسبة هذه المسألة أو لكونه ذكر الإجزاء، قال في حد الصحة عن الفقهاء ما أجزأ إذاً العبادة يُقال فيها مُجزأة وهل يُقال في العقد مُجزأ؟ لا ولذلك نقول لا يُقال في العقد مُجزأ وإنما يُقال نافذة أو عبادة مُجزأة ولذلك أُخذ في حد الصحة العبادات وكفاية العبادة لإجزاء وهي أن يسقط الاقتضاء أو السقوط للقضا وذا أخص من صحة إذ العبادة يخص.
(7/11)

وذا الذي هو الإجزاء أخص من صحة كل مُجزئ صحيح ولا عكس، لماذا كل مجزئ صحيح ولا عكس؟ لأن الصحة أعم متعلقها العبادة والمعاملة والإجزاء أخص متعلقة العبادة لا المعاملة، فحينئذ صح أن تُقال القاعدة كل مجزئ صحيح ولا عكس، وذا أخص من صحة إذا بالعبادة يُخص بالعبادة سواء كانت واجبة أو نافلة هذا قول الجمهور وخُصص الإجزاء بالمطلوب وقيل بل يختص بالمطلوب يعني هل يختص الإجزاء بالعبادة الواجبة فقط أو أنه يدخل العبادة الواجبة والنافلة المندوبة فيُقال هذه نافلة مُجزأة أو سنة مُجزأة وهذه صلاة مكتوبة مُجزأة هذا قول الجمهور أنه يوصف بالإجزاء العبادة مطلقة سواء كانت واجبة أو مندوبة وبعضهم خصص الإجزاء بالمكتوب الذي هو الواجب ومبناه على الإجزاء هل ورد استعماله في الشرع أم لا؟ قال - صلى الله عليه وسلم - اذبحها ولن تُجزأ عن غيرك، وقال أربع لا تُجزأ في الأضاحي، هل الأضحية واجبة أو سنة، إن قلت سنة كما هو قول الجمهور حينئذ أُطلق الإجزاء على المندوب، حينئذ لا يختص بالواجب وإنما يُقال هذا واجب مُجزأ وهذه سنة مُجزأة لأن الأضحية سنة وقال اذبحها ولن تُجزأ عن غيرك وقال أربع لا تُجزأ في الأضاحي، إذا هذا سنة وأطلق عليه الإجزاء، من قال الأضحية واجبة قال لم يُسمَع إطلاق الإجزاء على المندوب فيختص بالمكتوب ولذلك قال خُصص الإجزاء بالمطلوب الشامل بالواجب والمندوب، وقيل بل يختص بالمكتوب الذي هو الواجب وهذا قول القرافي، هنا قال النفوذ إذا يقابل الإجزاء النفوذ فيُطلق عن العقد بأنه نافذ ولا يُطلق على العبادة بأنها نافذة، والنفوذ لغة المجاوزة إذاً مناسبة هذه المسألة أن الإجزاء يختص بالعبادة عند الجمهور والنفوذ يختص بالعقود عند الجمهور أيضاً كلاهما قولان للجمهور والنفوذ لغة المجاوزة، النفوذ أصله في اللغة من نفوذ السهم وهو مبلوغ المقصود من الرمي وكذلك العقد إذا أفاد المقصود المطلوب منه سُمي بذلك نفوذاً إذا ترتب على السهم إذا أطلقه وأصاب الموضع قد نفذ موضعه ومكانه، كذلك العقد إذا ترتبت عليه الآثار سُمى العقد نافذاً لقيام الآثار والأحكام المترتبة عليه بذلك، فإذا على العقد ما يُقصد منه قيل له صحيح ويُعتد به وهو نافذ فالاعتداد بالعقد هو المراد بوصفه لكونه نافذاً إذاً إذا قيل هذا عقد معتد به معناه أنه نافذ وما المراد بأنه نافذ معناه ترتبت عليه آثاره وهذا الوصف الذي هو النفوذ لا يوصف به العبادة وإنما به العقد فحسب، ثم قال واصطلاحاً: التصرف الذي لا يقدر التصرف هذا من آثار العقود لا من آثار العبادات التصرف بنقل الملكية إلى الغير وانتقال الملكية من الغير للشخص نقول هذا تصرف كذلك رفع اليد عن الشيء المملوك فيتصرف فيه هبة وإعطاءاً ووقفاً على آخره نقول هذا من أوصاف العقود الذي لا يقدر متعاطيه يعني فاعله على رفعه الذي لا يقدر متعاطيه على رفعه هذا في العقود اللازمة كالبيع والإيجار والنكاح ونحوها هذا لا يستطيع من تعاطى الإيجار أن يرفع يده عن الإيجار لأنه عقد لازم بين طرفين كما سيأتي تفصيل العقود هنا في المنعقد إذاً النفوذ هو التصرف الذي لا يقدر متعاطيه على رفعه وقيل كالصحيح يعني قبل والنفوذ كالصحيح المرادف للصحيح وإذا
(7/12)

قيل أنه مرادف للصحيح والصحة يوصف به العبادة ويوصف بها المعاملة حينئذ يصح العبادة بكونها نافذة لكنه قول ضعيف لذلك قال وقيل والصواب أنهما متباينان، وقيل فيصح وصف العبادة بالنفوذ والأول أصح لأن المعنى اللغوي لا يساعده، إذاً الصواب أن النفوذ والصحة متغايران لأن كل نافذ ولا عكس كما قلنا كل مُجزأ صحيح ولا عكس إلا إن الإجزاء يختص بالعبادات والنفوذ يختص بالمعاملات. إذاً هذا هو كلامه حوله الفاسد والصحة.
(7/13)

ثم قال و (الأداء) يذكرون قبول باعتبار الصحة يذكرون هذا القبول يقول والصحة والقبول هل هما مترادفان أم متباينان أم أحدهما عام والآخر خاص؟ هناك قولان والصحة القبول فيها يدخل إذاً الصحة أعم من القبول والصحة القبول فيها يدخل وبعضهم للاستواء ينقل، إذاً هما مترادفات بعضهم يرى أن الصحة مرادفة للقبول فإذا جاء نفي للقبول في الكتاب والسنة فهو نفي للصحة وإذا جاء نفي الصحة في الكتاب والسنة فهو نفي للقبول فإثبات أحدهما إثبات للآخر ونفي احدهما نفي للآخر إذاً هما مترادفان ولذلك جاء في أحاديث (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) لا تُقبل صلاة حائض إلا بخمار، لا تُقبل صلاة بغير طهور، {فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} آل عمران91، كلها نفي للقبول وهو نفي للصحة في نفس الوقت، فحينئذ قالوا إن الصحة والقبول مترادفان نفي أحدهما نفي للآخر وإثبات أحدهما إثبات للآخر، لكن يرد إشكال أن النفي قد ورد إطلاقه على القبول مع الحكم بالصحة، (من أتى عرافاً لن تُقبل له صلاة أربعين صباحاً) صحيحة أو ليست بصحيحة؟ لو صلى صلاته صحيحة أو لا؟ صحيحة مع كون القبول منفياً أليس كذلك، (من أتى عرافاً لن تُقبل – هذا نفي - له صلاة أربعين صباحاً).
(7/14)

(إذا أبق العبد لن تُقبل له صلاة حتى يرجع إلى مواليه) من شرب الخمر لن تُقبل له صلاة أربعين صباحاً، نقول صلاة شارب الخمر وصلاة من أتى عرافاً وصلاة العبد الآبق صحيحة ولا إشكال والذي يدل على صحتها أن القيد هنا مُقيد بأربعين صباحاً وهذا يدل على أنه عقوبة فإذا دل على أنه عقوبة فإذا استوفت الصلاة شرائطها وأركانها وانتفت الموانع حكمنا على الصلاة بكونها صحيحة وإثبات الصحة الذي هو أعم لا يستوجب القبول إثبات الصحة لا يستوجب القبول وهذا القول أصح أن العلاقة بين الصحة والقبول العموم والخصوص مطلقاً فكل مقبول صحيح ولا عكس، حينئذ إذا أثبتنا الصحة ونفينا القبول يكون القبول هنا بمعنى الثواب حينئذ يكون الصلاة صحيحة ولكنه لا ثواب عليها ومُطالب بالصلاة ولكن المعصية التي فعلها رُتب الشرع عقوبة عليها بسلب الثواب المترتب على هذه الصلاة وهذا نوع عقوبة إذاً كل مقبول صحيح ولا عكس يستلزم من نفي القبول نفي الصحة كذلك يستلزم من نفي القبول نفي الصحة صحيح؟ هل يستلزم نفي القبول نفي الصحة؟ لا لأنه قد يُنفى الثواب وتبقى الصلاة صحيحة، هلي يستلزم نفي الصحة نفي القبول؟ نعم لماذا؟ لأن القاعدة أنه إذا نُفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص كما أن إثبات الأعم يستلزم إثبات الأخص وإثبات الأخ لا يستلزم إثبات الأعم العكس، إثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم وإثبات الأعم لا يستلزم إثبات الأخص، هذه أربعة ليتكم لتحفظونها مهمة جداً، نفي باعتبار الأعم الأخص باعتبار النفي والثبوت، عندنا أعم وعندنا أخص مثل القبول والصحة المثال الذي معنا قبول وصحة إذا أُثبتت الصحة فهي الأعم نقول إثبات الأعم لا يستلزم إثبات الأخص فإذا قال هذه صلاة صحيحة لا يستلزم أنه يُثاب عليها بل هي صحيحة وغير مقبولة إذاً إثبات أعم لا يستلزم لا يستلزم إثبات الأخص وإثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم، فإذا قبل هذه صلاة مقبولة يستلزم أن تكون صحيحة لا يمكن أن تكون مقبولة وغير صحيحة هذا من حيث الإثبات إذا نقول الأعم لا يستلزم إثبات الأخص والأخص يستلزم إثبات الأعم هذا في مقام الإثبات، في مقام النفي نقول نفي الأعم يستلزم نفي الأخص فإذا قيل هذه صلاة غير صحيحة هل يمكن أن تكون يثاب عليها؟ لا يمكن، إذاً نفي الأعم وهو الصحة يستلزم نفي الأخص ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم فإذا قيل هذه صلاة غير مقبولة لا يلزم منه أنها غير صحيحة بل هي صحيحة وليست مقبولة إذاً نقول الخلاصة أن الحق والصواب أن الصحة أعم من القبول والقول في الترادف قول ضعيف ترده السنة الأحاديث التي ذكرنها حينئذ كل مقبول صحيح ولا عكس والصحة القبول فيها يدخل وبعضهم للاستواء ينقل والصواب هو الأول وباعتبار الصحة والإلزام أيهما أعم؟ الصحة أعم من الإلزام لماذا؟ لأن الصحة تطلق على العبادات والمعاملات والإلزام يختص بالعبادات، والصحة والنفوذ كذلك الصحة أعم لأن الصحة شاملة للعبادات والمعاملات والنفوذ خاص بالمعاملات والإجزاء والنفوذ متباينان على القول بأن النفوذ ليس كالصحيح على القول الأول الذي هو التصرف الذي لا يقدر متعاطيه على رفعه أما قول بأنه مرادف للصحة فلا والصواب الأول، ثم قال و
(7/15)

(الأداء) فعل الشيء في وقته و (الإعادة) فعله ثانياً لخلل أو غيره و (القضاء) فعله بعد خروج وقته، وقيل: إلا صوم الحائض بعد رمضان، وليس بشيء هذه المسألة الأصل أنها تُوضع في الواجب المُضيَّق والمُوسَّع هناك لأنه لما تعلق الواجب بالوقت من حيث الضيق والسعة وقُسِّم إلى قسمين واجب مُوسَّع وواجب مُضيق ناسب أن يذكر أحكام الوقت هناك كالإعادة والقضاء لآخره، والمسالة سنمر عليها هكذا.
(7/16)

ثم قال و (الأداء) نقول شرع في بيان أحوال الواجب المقيد بوقت أو بوقت في الصلاة وهذا من لواحق خطاب الوضع لذلك عد بعضهم الأداء والقضاء والإعادة من أحكام الوضع كما ذكرنها بالأمس وهذا من لواحق خطاب الوضع لأن الوقت سبب للأداء وخروجه سبب للقضاء والسبب كما سبق أنه من أحكام الوضع، والأداء فعل الشيء في وقته نقول العبادة إما أن يُعيَن لها وقت أو لا إن لم يُعيَن لها وقت من جهة الشرع لم تُوصف بأداء ولا قضاء ولا إعادة مثل النفل المطلق قال يصلى هكذا دون أن يعين عليه أو يخصص من جهة الشرع فحينئذ نقول هذه العبادة النافلة المطلقة لا توصف بأداء ولا توصف بقضاء ولا توصف بإعادة لماذا؟ لأن متعلقات هذه المصطلحات متعلقاتها بالعبادة التي لها طرفان أول وآخر يعني ما عيَّن له الشارع وجعل له طريقين أولاً وآخراً هذه المصطلحات الثلاثة تتعين أو تتعلق به وما عدا ذلك فإما أن يُوصف بأداء ولا قضاء ولا إعادة كما في النوافل المطلقة من صلاة وصوم وصدقة ونحوها وسواء كان لها سبب أو لا كتحية المسجد ما توصف بأداء ولا قضاء ولا إعادة وإن عيَّن الشارع وقتاً ولم يُحَد عين له حداً ولكنه لم يجعل له طرفين أولاً وآخراً كرمضان أو الصلوات المكتوبة كالكفارات وزكاة المال هل عيَّن لها وقت متى ما بلغ النصاب وحال عليه الحول نقول وجبت الزكاة في ذلك الوقت هل عيَّن لها منذ أن حال الحول وبلوغ النصاب وقت معين مدة كذا أول وآخر فإذا فُعل في ذلك الوقت المعين أدائها؟ نقول لا، فالكفارات كلها وكذلك الحج وكذلك زكاة المال بخلاف زكاة الفطر زكاة المال نقول هذه لم يُعيِّن لها الشرع وقتاً لماذا؟ لأنه متى ما تم السبب ووُجد الشرط فثم الوجوب وإذا قلنا الأمر بالفور حينئذ لا يجوز تأخيره سواء كان في الكفارات أو في غيرها وإن حُد وقت للعبادة من الطرفين أولاً وآخراً كالصلوات المكتوبة وُصفت بالأداء والقضاء والإعادة كما ذكرناه صلاة الظهر إن فُعلت في الوقت نقول الشرع عين لها وحدد لها وقتاً أولاً وآخراً فعل الشيء في وقته إن فُعلت في الوقت المُحدد لها فهو أداء إن فُعلت جميعها كلها في الوقت الذي لم يُحدد لها الشرع لذلك الوقت نقول هذا قضاء إن فُعلت مرة أخرى في نفس الوقت المُحدد لها شرعاً فهو إعادة والأداء فعل الشيء في وقته، الجمعة هل توصف بقضاء؟ لا، هل توصف بأداء؟ نعم توصف بأداء، هل يمكن أن تُعاد؟ يمكن أن تُعاد، فتوصف بالأداء والإعادة لكن لا تُوصف بالقضاء فحينئذ تُوصف بالأداء والإعادة فقط لأنه قد يصلي بما دون الأربعين هذا مذهب فينتهون فنقول لا عيدوا لماذا لفوات الشرط الصحيح أنه لا يشترط ولكن كمثال، والأداء فعل هذا جنس يشمل الأداء والإعادة القضاء فعل الشيء في وقته المحدد له شرعاً أولاً فعل الشيء العبادة التي عين لها الشرع في وقته الذي قدره له الشرع أولاً لابد بأن نقيده بأولاً لأن الإعادة فعل الشيء في وقته لكنه ثانياً لا أولاً فعل الشيء كله أو بعضه؟ إما أن يفعل كل العبادة في وقتها وإنا أن يفعل كل العبادة في خارج وقتها وإما أن تقع العبادة مجزعة في آخر الوقت المؤداة وفي أول الوقت الذي هو خارج الوقت المحدد شرعاً، ما وقع من العبادة كله في وقت الأداء
(7/17)

فهو أداء وما وقع خارج عن الوقت فهو قضاء وما وقع واسطة هنا ثلاثة أقوال قيل أداء مطلقاً وقيل قضاء مطلقاً وقيل ما في وقته أداء وما يكون خارجاً قضاء إذاً تُوصف بالوصفين لكن الأصح أنها أداء كلها لحديث من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، إذاً سماه ماذا أدرك الصبح يعني أدركها أداءاً حينئذ وقعت العبادة في آخر الوقت وصلى ركعة ثم خرج الوقت فأكمل الصلاة بعد خروج الوقت نقول هذه أداء لكن هل يأثم؟ لو تعمد يأثم لأن الواجب أن يوقع الصلاة كلها أربع ركعات في وقته فحينئذ لو سُميت أداءاً لا يسلم من الإثم لكن لو كان معذوراً فأوقع ركعة في آخر الوقت حينئذ نقول أداء ولا إثم وإذا فرط نقول أداء مع الإثم لأن الواجب عليه أن يؤدي الصلاة كاملة أربع ركعات في الوقت المحدد لها شرعاً فإذا أدى ركعة واحدة في الوقت المحدد شرعاً وأخرج ثلاثة نقول هذا مُفرط.
(7/18)

والإعادة فعله ثانياً لخلل أو لغير، والإعادة فعله أي فعل الشيء المُحدد له شرعاً ثانياً أي مرة ثانية بعد أن فعله أولاً لخلل أو لغيره يعني صلى ثم تبين أنه صلى إلى غير القبلة نقول تلزمه الإعادة، صلى أولاً ظاناً أنها أداء ثم اكتشف الخلل فلزمته الإعادة فحينئذ نقول فعله الشيء ثانياً في نفس الوقت لخلل تبين له إما فوات شرط أو وجود مانع حينئذ نقول تسمى إعادة أو غيره غير الخلل كاكتساب فضيلة دخل المسجد وقد صلى الظهر فإذا بجماعة تصلي فقام وصلى معهم وهو قد صلى الظهر نقول هذا إعادة أو لا؟ إعادة، أعاد الظهر لكنها لا تقع ظهراً الطلب سقط بالأولى من شرط الفعل المكلف أو المكلف به أن يكون معدوماً، لو وُجد كتحصيل الحاصل المحال حينئذ إذا صلى ظهارً موافقاً لطلي الشرعي أو أراد أن يصلي ظهراً وصلى مائة مرة كلها تقع نافلة ولا تقع ظهراً لأنه مُطالب بظهر واحدة فإذا وقعت فحنيئذ إعادتها مُحال لأنه من باب تحصيل الحاصل حينئذ إعادة الصلاة مرة ثانية لطلب فضيلة يسمى إعادة عندهم. والقضاء فعله بعد خروج وقته المُقدر له شرعاً فعله كله ولكن لو فعل بعض العبادة في الوقت الذي ليس مقدراً فهو لاحق بالمسألة الأولى فهي أداء فعله بعد خروج وقته المُقدر له شرعاً فحينئذ يوصف بالقضاء لكن القضاء هذا يعتبر في الاصطلاح أما إذا جاء في الشرع فلا يُفسَر بهذا وما فاتكم فأتموا وفي رواية فاقضوا إن صحت هذه تفسر بأتموا ولا تفسر بالقضاء الذي يُفسَر به هنا، بعض الفقهاء قال فاقضوا بمعنى أن الثانية والثالثة التي يفعلها هي الأولى والثانية حينئذ نعكس الصلاة فيكون قد صلى الإمام الثالثة والرابعة فقدم الثالثة والرابعة بالنسبة إليه وبقى له الأولى والثانية يقضيها بعد سلام الإمام بناءاً على أن القضاء فعل الشيء بعد خروج وقته نقول لا القضاء في اللغة إتمام الشيء وإكماله والإفراغ منه ولذلك جاء {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} فصلت12، {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ} النساء103، كذلك في الحج {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} الحج29، إلى آخره.
(7/19)

جاء القضاء في الشرع بمعنى الإتمام ولا يُفسَر بمعناه في الاصطلاح وهذا عام في الواجب إلى آخره، كل اصطلاح لا يُحمَل عليه الشرع وتنبه لهذا كل اصطلاح عند الفقهاء أو عند الأصوليين فينبغي أنه إذا جاء لفظ مشابه له كالقضاء أو الواجب إذا جاء في لفظ الشرع حينئذ لا يُفسَر مباشرة بالمعنى الاصطلاحي إلا إذا دلت قرائن ولذلك غسل الجمعة واجب لا نقول واجب الذي طلب الشارع فعله طبياً جازماً لا بمعنى أنه ثابت والثبوت هنا يستلزم أنه لازم والثابت قد يكون لازم وقد يكون يغر لازم لكن نقول هو سنة مؤكدة ولا يلزم الشرع إذا أطلق أنه واجب أنه واجب اصطلاحي لا يفسر بالمعنى الاصطلاحي، إلا صوم الحائض بعد رمضان لماذا صوم الحائض بعد رمضان؟ لأنه لا يوصف بكونه قضاء قالوا لأنه لا قضاء مع إمكان الأداء وهل يمكن للحائض أن تؤدي الصوم في وقته لا يمكن إذاً لا نسمي صوم الحائض بعد رمضان لا نسميه قضاءاً وإنما نسميه أداءاً وهذا بناءاً على مسألة مُختَلف فيها عند الأصوليين وهي هل الصوم واجب على الحائض والمسافر والمريض برؤية هلال شهر رمضان أم لا؟ نقول الصواب أنه واجب لانعقاد السبب إذا انعقد السبب سبب الوجود تعلق الوجوب بذمه المكلف فإما أن يؤديه في وقته وإما أن يؤديه عند زوال المانع، إمام أن يؤديه في وقته كغير الحائض والمريض والمسافر وإمام أن يؤديه إذا زال المانع فحينئذ نقول الحائض قد وجب عليها الصيام في شهر رمضان إلا أنه لم يقم شرط الأداء عندها لوجود المانع من جهة الشرع فحينئذ إذا زال المانع نقول إذاً وجب عليها القضاء ولذلك عائشة تقول كنا نُؤمَر بقضاء الصوم ولا نُؤمَر بقضاء الصلاة، القضاء هنا يُفسَر بمعناه الاصطلاحي فإذا دلت قرينة لا بأس أما مباشرة كل لفظ يُحمَل على المعنى الاصطلاحي؟ الجواب لا. إذاً صوم الحائض بعد رمضان فلا يُسمى قضاءاً وإنما يُسمى أداءاً لأنه لم يجب عليها في شهر رمضان والصواب أنه واجب عليها وأن فعلها الصوم بعد شهر رمضان قضاء وليس بأداء ولذلك قالوا المصنف وليس بشيء لوجود نية القضاء عليها إجماعاً ولحديث كنا نحيض فنُمؤ بقضاء الصوم.
(7/20)

ثم قال الثالث المنعقد أي الثالث من الأحكام الوضعية المنعقد وهذا التقسيم هنا باعتبار لزوم الحكم وعدم لزومه هل يلزم أو لا يلزم، ينقسم إلى منعقد وغير منعقد، الثالث المنعقد ولهذا يكثر في ألسنة الفقهاء يقول تنعقد الصلاة بكذا ينعقد الصوم بكذا إلى آخره ومراده أنه يلزم المنعقد هو اللازم وغير المنعقد ليس بلازم، قال وأصله الالتفاف، قال أبو فارس العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شد وشد الوثوق وإليه ترجع فروع الباب كلها، إذا الالتفاف هذا هو أصل المنعقد وهو مأخوذ من الانعقاد والانعقاد بمعنى الشدة ومعنى الشدة الوثوق، ومنه يُقال للحبل أن منعقد ولذلك سميت العقيدة عقيدة لأنها يعقد عليها في القلب على الأصول نفسها فسميت عقيدة واصطلاحا له معنيان المنعقد له معنيان إمام ارتباط أو لزوم إمام ارتباط بين قولين مخصوصين الإيجاب والقبول والارتباط إذا كان بين الإيجاب والقبول بين قولين إذا يستلزم أن يكون بين شخصين إن الشخص لا يمكن أن يكون صاحب قولين ولا يمكن أن يكون صاحب إيجاب وقبول إلا من وُكِل عن شخصين ويكون البائع أو المشتري حينئذ يصح ولكن بتنزيل منزلة الشخصين أنا وكيل عن هذا ووكيل مع هذا فبعت الأرض هذا واشتريت لهذا فحينئذ أنا صاحب القبول والإيجاب هذا من باب التوكيل والوكالة، إما ارتباط بين قولين مخصوصين كالإيجاب والقبول في البيع والهبة ونحوها والإيجاب هو جعل الشيء واجباً أي واقعاً والقبول التزام ورضا به نقول بعتك هذا الشيء فيقول قبلت بعتك هذا الشيء هذا إيجاب قبلت بمعنى رضيت والتزمت نقول بهذين القولين المخصوصين حصل ارتباط وحصل انعقاد للبيع فحينئذ لزم كل منهما ولا يصح لأحدهما أن يرجع إلا إذا حصلت إقالة، أو لزوم النوع الثاني للمنعقد اللزوم كانعقاد الصلاة والنذر للدخول وهذا كما ترى أنه فيما هو شخص واحد حينئذ الأول تقول ارتباط بين شخصين واللزوم يكون بين أو في محل واحد كانعقاد الصلاة بتكبيرة الإحرام نقول تنعقد الصلاة بتكبيرة الإحرام كما قلنا سابقاً ينعقد البيع بالإيجاب والقبول والنذر أيضاً ينعقد بالدخول فيه إن شفا الله مريضي فلله عليٍّ التصدق بكذا نقول بهذا القول وبالنية قد وقع في ودخل في النذر إذاً انعقد النذر وانعقد الصوم بالإمساك مع النية وانعقدت الصلاة بتكبيرة الإحرام، إذاً لزمه الدخول أو لزمه الاستمرار فيما شرع فيها وفيما دخل فيه، وهذا يكون في شخص واحد، وأصل اللزوم الثبوت أصل اللزوم هو ثبوت الشيء واللازم ما يمتنع على أحد المتعاقدين تدخل بمفرده واللازم من العقود يعني لأن العقود قد تكون لازمة وقد تكون جائزة اللازم يمتنع على أحد المتعاقدين فسخه بمفرده يعني لابد أن يكون من الطرفين وهو ما يسمى بالإقالة أما أحدهما ينسحب المستأجر أو المُؤجر دون رضا الثاني فهذا لا يصح لماذا؟ لأنه عقد لازم ما يمتنع على أحد المتعاقدين فسخه والخروج عنه وإبطال مفعول العقد بمفرده لأنه عقد لازم كالبيه والإيجارة والنكاح، والجائز ما لا يمتنع فسخه مثل الوكالة فإنها عقد جائز يجوز للوكيل أن يفسخ عن موكله ولا يستمر في العقد لماذا لأنه بدل نفع فهو كالمتبرع والوكيل كذلك له أن يفسخ دون علم الموكل عنه الموكل يمكن أن
(7/21)

يفسخ بدون علمن وكيله لماذا؟ لأنه آذن وله الحكم في ذلك، ثم قال والحسن ما لفعاله أن يفعله والقبيح ما ليس ذلك، والحسن والقبيح هو مسألة تتكلم عنه الأصوليون وهو من المسائل الدخيلة على أصول الفقه الحسن والقبح العقليان لكن الحسن الشرعي والقبح الشرعي هو ما أراده المصنف هنا وليس المراد به مطلق الحسن كما هو عند المعتزلة، والحسن أي في عرف الشرع لا مطلقاً ما لفعاله أن يفعله فالحسن والقبيح هاتان الصفتان لفعل المكلف فحينئذ كل فعل لمكلف الذي هو متعلق الخطاب إما أن يكون حسنا وإمام أن يكون قبيحاً الحسان قال ما لفعاله أن يفعله يعني ما أمر به الشارع وكان لفاعله أن يفعله لأن اللام هنا تدفع عدم الجواز ما لفاعله أن يفعله أي ما يجوز له أن يفعله وما جاز أن يفعله إما أن يكون مأموراً به أمر إيجاب وإما أني كون مأموراً أمر استحباب، والقبيح ما ليس له أن يفعله لأنه إما أن يكون منهياً عنه نهي تحريم وإما أن يكون منهياً عنه نهي تنزيه، فحينئذ نقول قاعدة عامة كل مأمور به فهو حسن وكل منهي عنه فهو قبيح كل مأمور به فهو حسن وكل منهي عنه فهو قبيح، كل ما لم ينهى الرب عنه فهو حسن وكل ما نهى عنه فهو قبيح ولذلك نقول لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة فحينئذ نقول أن خلاصة هذا أن الحسن وصف لما أمر به الشراع مطلقاً والقًبح وصف لمنا نهى عنه الشارع فحينئذ يترتب المدح والذم والعقاب والثواب على الحسن والقبح بهذين المعنيين أما العقل فلا مدخل له في مثل هذه الأمر، ثم قال الرابع: (العزيمة والرخصة)، هذه تحتاج إلى وقفة نكملها غداً بإذن الله تعالى وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(7/22)

عناصر الدرس
* العزيمة والرخصة
* الأدلة: الكتاب
* الحقيقة والمجاز
* المُعرَّب.

الدرس الثامن

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد وقفنا عند قول المصنف رحمه الله الرابع: (العزيمة والرخصة) أي أن هذا هو القسم الرابع من الأقسام التي عنوَن لها بقوله وهي أربعة ذكر أن الحكم التكليفي يتنوع إلى أربعة أنواع النوع الأول ما يظهر به الحكم النوع الثاني الصحيح والفاسد النوع الثالث المنعقد النوع الرابع العزيمة والرخصة، وهذا التقسيم على ما ذكره المصنف هنا للحكم الوضعي باعتبار كونه على وفق الدليل كالعزيمة أو خلافه كالرخصة حينئذ نقول هذا التقسيم له اعتبار كما قسمنا الصحيح هناك والفساد باعتبار استجماع الفعل للشروط المعتبرة شرعاً أو لا الأول الصحيح الثاني الفاسد هنا باعتبار الحكم الشرعي هل هو موافق للدليل أو لا الأول العزيمة الثاني الرخصة، وهل هما وصفان للفعل أو للحكم فيهما خلاف بين الأصوليين والأصح أنهما وصفان للحكم فتكون حينئذ العزيمة بمعنى التأكيد في طلب الشيء والرخصة بمعنى الترخيص ومنه حديث فاقبلوا رخصة الله، إذاً أضافها إلى الله - عز وجل -، أيضاً إذا قيل هما حكمان أو وصفان للحكم والحكم نوعان هل هما وصفان للحكم التكليفي أم وصفان للحكم الوضعي أيضاً فيه خلاف، المصنف هنا جرى على أنهما وصفان للحكم الوضعي ووجه أن الشرع جعل الأمور العادية التي للناس علماً ومعرفاً على استمرار وبقاء الحكم الشرعي الأصلي في حقه وجعل الأمور الطارئة التي تطرأ وتقتضي التخفيف والتيسير جعلها علماً ومُعرِفاً على حكمه الشرعي الذي عُنون له بالرخصة هذا وجه كونها وضعه والأصح أن نقول أنهما وصفان للحكم التكليفي هذا أقرب إلى القول إلى أنهما وضعه وإن كان ذاك الاعتبار له وجه إلا أن اعتبار أن الرخصة والعزيمة من الأحكام التكليفية أو أوصاف للأحكام التكليفية أو لا لما فيهما من معنى الاقتضاء ولذلك سيأتي أن العزيمة تنقسم باعتبار الأحكام الشرعية خمسة وكذلك الرخصة تكون واجبة وتكون مستحبة ومباحة، إذاً كونها الرخصة والعزيمة أوصاف للحكم التكليفي أولى من اعتبارها أوصاف للحكم الوضعي، الرابع العزيمة والرخصة وأصل العزيمة في اللغة مشتقة من العزم يُقال عزم على الشيء عزماً وعزيمة إذا عقد ضميره وفعله وقطع عليه ومنه قول جل وعلا في شأن آدم عليه السلام {فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} طه115، أي قصداً مؤكداً على فعل المعصية ومنه سُمي بعض الرسل بأولي العزم لتأكيد قصدهم في طلب الحق ولذلك فسرها المصنف هنا بقوله وأصل العزيمة القصد المؤكد والعزيمة فعيلة مشتق من العزم هذا معناها في اللغة والرخصة تقال سهولة وهي تقابل العزيمة في الأحكام الشرعية السهولة قال في المصباح رخص لنا الشارع في كذا ترخيصاً وأرخص إرخاصاً إذا يسره وسهله إذا رخص الشرع بمعنى أنه يسره وسهله لذلك قال المصنف والرخصة السهولة يعني التيسير والسهولة ومنه رخص السعر إذا تراجع وسهل شراؤه إذا تراجع السعر نزل وسهل الشراء يُقال رخص السعر رخص من باب فَعُلَ، واصطلاحاً أراد أن يُبين لك الاصطلاح عند الأصوليين والرخصة في اصطلاح الأصوليين بعد أن بين لك معناهما اللغوي، فقال واصطلاحاً أي العزيمة في
(8/1)

الاصطلاح الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي هكذا عرفها المصنف رحمه الله والأولى أن يُقال العزيمة حكم ثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح هذا أولى ما تُحَد به العزيمة حكم شرعي ثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح هذه كلها قيود حكم شرعي هذا يشمل الأحكام الشرعية كلها الخمسة الواجب والندب والحرام والمكروه المباح إذاً حُكم هذا جنس يشمل جميع الأحكام الخمسة لأن كل واحد منها حكم ثابت بدليل شرعي ولذلك قال حكم ثابت فشمل حينئذ الأحكام الخمسة فيكون في الحرام والمكروه على معنى الترك كيف يكون العزيمة في الحرام؟ كيف يكون القصد مؤكَّد؟ الواجب واضح إذا قيل الواجب عزيمة والمندوب عزيمة يكون القصد مؤكد تأكيد مُقتضى الطلب وفي الحرام والمكروه يرجع إلى معنى التأكيد الترك حينئذ لا مانع أن يُوصف الحرام بكونه عزيمة ولا مانع أني يُصَف المكروه بكونه عزيمة كما وُصف الواجب والمندوب والمُباح فحينئذ إذا شمل قوله حكم ثابت الحكام الخمسة نقول فيكون في الحرام والمكروه على معنى الترك فيعود المعنى في ترك الحرام إلى الوجوب لأن بعض الأصوليين لا يرون أن العزيمة تدخل في الحرام والمكروه ولذلك قال الطوخي في شرحه على البلبل إن العزيمة تختص بالواجب والحرام والمكروه فأخرج المندوب والمباح إذا كانت العزيمة تختص بالواجب والحرام والمكروه أخرج المندوب والمباح وقال ابن قدامة في الروضة إن العزيمة تختص بالواجب فقط وأخرج البقية الأربعة وقال القرافي المالكي تختص بالواجب والمندوب فأخرج الحرام والمكروه والمباح والأصح أنها تشمل الكل الخمسة أقسام لأنهما حكم شرعي ثبت بدليل شرعي ولذلك نقول قوله حكم شرعي ثابت بدليل شرعي هذا يشمل جميع الأحكام التكليفية، قوله بدليل شرعي ثابت بدليل شرعي احترز على الثابت بدليل عقلي فلا يُقال فيه عزيمة ولا رخصة إذا العزيمة والرخصة وصفان لما ثبت بدليل شرعي وما ليس كذلك كما لو ثبت بدليل عقلي لا يُوصف بكونه رخصة ولا عزيمة، خال عن معارض راجح حكم ثابت ثابت هذا صفة للحكم خال هذا وصف لثاب الحكم ولم جره؟ حكم ثابت بالرفع أين حرف الجر؟ اسم منقوص وإذا كان اسماً منقوصاً تُقدم الضمة على الياء المحذوفة حُذفت لماذا؟ ثق بما أنت قاض يعني قاضيه حينئذ تُحذَف الياء للتخلص من التقاء الساكنين نقول جاء قاض، قاض هذا فاعل مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، إذاً هذا خال هذا صفة لحكم وهذا الحكم ثابت، قاض عن معارض لم يُعارض هذا الحكم بحكم آخر خال عن معارض راجح احترز به عما ثبت أو يثبت بدليل لكن لذلك الدليل معارض مساو أو راجح بدليل شرعي خال عن معارض راجح، خال عن معارض راجح قال احترز به عما يثبت بديل لكن لذلك الدليل معارض مساو أو راجح إذاً قد يكون عندنا حكم شرعي يثبت بدليل هذا الحكم خلا وعُدِم عن معارضة دليل آخر مساو أو راجح لأن الحكم الشرعي إذا ثبت بدليل ثم عارضه حكم شرعي ثابت بدليل مساو لذلك الدليل نقول وجب الوقف حصل تعارض في الظاهر فوجب الوقف ونطلب مُرجحاً خارجياً لا من داخل الدليل بل لابد من دليل يفصل بين الدليلين هذا إذا عُورض الحكم الشعري بدليل بمعارض مساو استويا في الحكم استويا من
(8/2)

جهة الثبوت والدلالة حينئذ نقول حصل تعارض كل منهما في مرتبة واحدة وهذا سيأتي في باب التعارض كل منهما في مرتبة واحدة، ما العمل التوقف لا نُرجح هذا على ذاك ولا هذا على ذاك لتساوي الدليلين ولا نقول تعارضا فتساقطا بل نقول نقف حتى يرد دليل خارج عن الدليلين حينئذ نُطلب المُرجح الخارجي إذا كان ثم تساو بين الدليل، وأما إذا كان أحدهما أرجح من الآخر فالمُقَدم هو الأرجح، إذاً خال عن دليل خال عن معارض راجح إذاً قد لا يخلو عن معارض مرجوح فلا يخرج عن حد العزيمة فتبقى العزيمة على أصلها قد لا يخلو عن معارض مساو فحينئذ نقول لا نُثبت عزيمة ولا رخصة وإنما نطلب المُرجِّح الخارجي، خال عن معارض راجح احترز عما يثبت بدليل لكن لذلك الدليل معارض مساو أو راجح لأنه إن كان المعارض مساوياً لزم الوقف وجب الوقف وانتفت العزيمة وطُلب المُرجح الخارجي وإن كان راجحاً لزم العمل بمقتضاه وانتفت العزيمة وقد تثبت الرخصة مثال العزيمة نقول تحريم الميتة عند عدم المخمصة {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} المائدة3، هذا حكم عام نقول حكم شرعي ثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح في حق غير المضطر نقول عند عدم المخمصة في حقه نقول هذا الحكم عزيمة لأنه حكم ثبت بدليل شرعي ولن يُعارَض بدليل آخر أرجح منه فإن كان مضطراً حينئذ نقول هذا الحكم {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ} عُرض بدليل أرجح منه في حق المضطر {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} المائدة3 حينئذ وُجد دليل شرعي لابد من دليل شرعي لأن الرخصة لا تثبت إلا بدليل لا تثبت الرخصة إلا بدليل لأنه لو ثبتت الرخصة بغير دليل للزم منه ترك العمل بما اقتضاه الدليل الأول من غير معارض وهذا لا يجوز لا يُعَارض الحكم الشرعي وتعدل عن العزيمة إلى الرخصة إلا بدليل شرعي إذاً تحريم الميتة عند عدم المخمصة نقول تحريم عزيمة التحريم عزيمة لماذا؟ لأنه حكم شرعي ثبت بدليل شرعي ولم يُعارض بدليل أرجح منه فإذا وُجدت المخمصة مجاعة حينئذ نقول حصل المعارض وُجد المعارض لدليل الحرم {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} وهو راجح عليه {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} حفظاً للنفوس لقوله تعالى {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} النساء29، {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} البقرة195، حينئذ نقول الأكل واجب وُجدت الرخصة وانتفت العزيمة في حق المضطر حكم ثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح هذا هو ضابط العزيمة، قال هنا الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي هذا أوضح لكن ذاك أأكد وأوسع الحكم الثابت الحكم هذا يشمل العزيمة والرخصة الثابت لابد أن يكون ثابتاً فحينئذ يشمل جميع الأحكام الشرعية لكن لابد من تقييده ثابت بدليل شرعي من غير مخالفة دليل شرعي أخرج الرخصة فكل حكم شرعي ثبت ولم يُعارَض بما هو أرجح منه فهو عزيمة إذاً الصلوات الخمسة مكتوبات كلها عزائم صوم رمضان للمقيم القادر نقول عزيمة الحج للمستطيع القادر نقول عزيمة كل حكم شرعي ثبت ولم يُعارَض بما هو أرجح حينئذ نقول هذا عزيمة، العزيمة الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي فإن خالفه دليل شرعي أرجح منه لا
(8/3)

مساو ولا رجوح نقول ثبتت الرخصة ثم قال والرخصة إباحة المحظور مع قيام سبب الحظر وقيل في حد الرخصة ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، إباحة المحظور الطوخي لما ذكر الحد الثاني قال ولو قيل استباحة المحظور مع قيام سبب الحظر لكان مساوياً وصح يعني صح التعريف بهذا أو ذاك كل منهما يثبت به حد الرخصة إذا الثاني أوضح، إباحة المحظور المراد به استباحة المحظور استباحته من جهة المعتقد أو الفعل {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} المائدة3، إذا أكل المضطر يأكل وفي نيته يأكل مُحرماً أو مباحاً؟ هل انقلب المُحرم حلالا في حقه؟ نقول نعم {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} فإن وُجدت الرخصة للمضطر حينئذ نقول ليست بحرام وإنما صارت له مباحة ولذلك لو قيل حرام للزم منه وجود علة التحريم وهو الخبث وهو منتف في حقه لأن الله - عز وجل - لا يبيح شيئاً إلا وهو فيه منفعة لصاحبه فحينئذ إذا قيل الميتة خبيثة وهي مُحرَمة فجاز له أكل الخبيث نقول لا ارتفع لما أُجيز له ارتفع حكمها وارتفع عل التحريم في حقه ولا مانع العقل لا يمنع من هذا، يل الأدلة تدل على ذلك، فالله - عز وجل - لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة ولا ينتهي إلا عما مفسدة خالصة أو راجحة هذا متفق عليه بين أهل العلم فإذا أُضطر نقول وجب عليه الأكل فلو تركه فمات لكان قاتلاً لنفسه فكيف يكون بقي التحريم ونقول بقي خبث الميتة نقول إباحة المحظور استباحته مطلقة لكن لابد أن تكون هذه الاستباحة من الشرع لابد من تقييده بالشرع لأنه قد يستبيح المُحَرم فيكون معصية لا رخصة لو قيل إباحة المحظور مع قيام سبب الحظر يعني قد يتلبس بالمُحَرم والمُحَرم كما هو باقي مُحَرم في حق غيره نقول هذا إن لم يكن على وجه الشرع فهو معصية لو كان غير صاحب المخمصة أكل من الميتة ما حكمه؟ نقول تلبس بمُحَرم هل استباح المُحَرم؟ استباح المُحَرم مع قيام سبب الحظر؟ مع قيام سبب الحظر إذاً صدق ليه، فلو أكل غير مضطر للميتة نقول هذا الفعل إباحة المحظور مع قيام سبب الحظر هل الشرع أذن له في الأكل؟ الجواب لا إذاَ لابد من التقييد نقول إباحة المحظور شرعاً احترازاً من إباحة المحظور للهوى حينئذ يكون معصية.
(8/4)

مع قيام سبب الحظر يعني الرخصة تكون كالاستثناء من الأمر العام ولذلك سبق أن الأصل يُطلَق ويُراد ب خلاف القاعدة المستمرة فنقول الأكل من الميتة للمضطر على خلاف الأصل فإذا أُبيح له أن يأكل فحينئذ إباحة الأمل لزيد للضرورة هل لزم منه رفع السبب الذي حُرم من أجله على غيره؟ الجواب لا، لماذا؟ لأنه قد يُرفَع السبب الذي حُرِم لأجله فلا يكون رخصة وإنما يكون نسخاً ولذلك مثلوا لهذا الموضع نسخ المصابرة أو رفع المصابرة كان المسلم مأمور أن يقف أمام عشرة الواحد بعشرة ثم نُسِخ انتقل وتغير الحكم من العشرة إلى اثنين نقول هل تغيير الحكم من الصعوبة من السهولة رخصة أم لا؟ نقول لا ليس برخصة لماذا؟ بل هو نسخ لأن شرط الرخصة أن يكون الحكم الذي غُيِر عنه سبب التحريم باق ولم يزل ولم يرتفع وهناك كان المصابرة الواحد من المسلمين يُصابر العشرة لقلة وضعف المسلمين فلما كثروا وقوي شوكتهم حينئذ انتقل الحكم من الصعوبة إلى السهولة وصار الواحد يقابل اثنين، هل بقي السبب الذي كان يجب على المسلم أن يُصابر ويقف في وجه عشرة؟ نقول لا لم يبقى بل تغير، هنا قال إباحة المحظور للضرورة أو للحاجة مع قيام سبب الحظر فإن ارتفع سبب الحظر صار نسخاً ولذلك بعضهم يُعرف الرخصة بأنها حكم شرعي تغير من صعوبة إلى سهولة لعذر مع قيام السبب الأصلي، حكم تغير إذاً لابد من التغيير من صعوبة إلى سهولة فإن تغير إلى أصعب ليس برخصة لأن الرخصة فيها سهولة وهذا قد تغير من السهولة إلى الصعوبة أو من الصعوبة إلى ما هو أصعب مثل نسخ التخيير بين الإطعام والإفطار في شهر رمضان نقول هنا تغير من الصعوبة أو السهولة يختلف باختلاف المُكلَفين تغير الحكم من الإطعام أو الصيام التخيير بينهما إلى تحتم الصيام {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ} البقرة185، نقول الحكم تغير هنا إلى صعوبة هل يعتبر رخصة نقول لا وإنما رخصة تكون التغير من حكم صعب إلى سهل لعُذر لابد أن يكون ثم عذر وُجد في المُكلف هذا احترازاً مما لو حصل التغير من صعوبة إلى سهولة لكن لا لعذر كوجوب الوضوء لكل صلاة هذا نُسخ فصار المكلف يصلي بالضوء الواحد ما لم يُحدث عدة صلوات نقول هذا الحكم تغير من صعوبة إلى سهولة لكن هل لعذر؟ لا ليس لعذر بخلاف الأكل من الميتة إنما يجوز متى إذا كان لعذر، مع قيام السبب الأصلي الذي كان الحكم عليه قبل حالة التغير يعني عندنا حالتان حالة تغير حصلت وهي حالة ثانية وحالة أولى الحكم بعد التغير مع قيام السبب كالحكم قبل التغير مع قيام السبب فالسبب قائم ولذلك نقول المريض إذا وجد الماء ولم يتمكن من استعماله يعدل إلى التيمم هل هذا رخصة أو عزيمة نقول رخصة مثَّل المُصنف هنا بأنه رخصة ما هو السبب القائم في عدم العدول إلى التيمم مع وجود الماء؟ قبل المرض هل يجوز له أن يتيمم؟ لا يجوز لوجود الماء، بعد حلول المرض نقول له أن يتيمم، تغير الحكم من صعوبة إلى سهولة هل أُزيل الحكم المُرتَب التغير المُرَتب على وجود الماء هل ارفع بعد الإذن له بالتيمم لم يتغير هو له أن يتيمم والحكم الشرعي معلق على وجود الماء متى ما شفي نقول بطل تيممه بطل ما زال العذر بطل تيممه لأن الأصل استعمال الماء فلما لم يتمكن
(8/5)

من استعمال الماء وُجدت الرخصة فتغير الحكم في شأنه والحكم المُرتَب على عدم جواز التيمم قبل المرض وهو وجود الماء هذا موجود بعد الإذن له بالتيمم ولم يرتفع الحكم لأنه لو زال السبب بالتمام قلنا هذا صار نسخاً ومثاله المصابرة حصلت تغيير تغير الحكم من صعوبة إلى سهولة لكن نقول السبب الذي ترتب عليه الحكم الشرعي من كون المسلم يواجه ويقابل عشرة هو ضعف المسلمين فلما تغير الحكم من الصعوبة على السهولة نقول السبب الذي رُتب عليه الحكم الشرع قبل حالة التغير موجود أم لا؟ غير موجود وإنما قوي شوكة المسلمين فارتفع الحكم وحصل التغير فحينئذ نقول هذا نسخ وليس برخصة، حكم تغير من صعوبة إلى سهولة لعذر مع قيام حكم السبب الأصلي أو مع قيام سبب الحكم الأصلي فإذا كان لا لعذر نقول هذا يسمى نسخاً فإذا كان مع عدم قيام سبب الحكم الأصلي يسمى نسخاً إن كان من سهولة إلى صعوبة نقول يسمى نسخاً إن كان من صعوبة إلى صعوبة يسمى نسخاً إن كان من مساو إلى مساو يمسى نسخاً ولذلك سيأتينا النسخ قد يكون إلى بدل المساو قد يكون إلى أثقل إلى أثقل، مساو مثل ماذا؟ نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة حصل تغيير الحكم أو لا نقول الحكم تغير لكنه من مساو إلى مساو المُكلف لا يشق عليه أن يتجه على أي جهة لو صليت هكذا أو هكذا الأمر سيان ليس فيه مشقة عليه في الشرق أو في الغرب شمال أو جنوب يستوي في حق المكلف ليس كالصيام والإطعام ونحو ذلك فحينئذ نقول هذا من مساو إلى مساو فهذا يعتبر ماذا تعبر نسخاً لا رخصة هنا قال والرخصة إباحة المحظور مع قيام سبب الحظر يعني استباحة المحظور شرعاً مع قيام وجود سبب الحظر قبل الإباحة مع قيام أو وجود سبب التحريم قبل الإباحة فلو زال سبب التحريم بعد التغيير أو بعد الإباحة لا يسمى رخصة بل يسمى نسخاً وقيل في تعريف الرخصة ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح هذا يُقابل حد العزيمة هنا حكم ثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح، هنا قال ما أي حكم يشمل العزيمة والرخصة ثبت لابد من دليل شرعي لابد من تقييده لأن الرخصة لو جُوِز إثباتها لدون دليل شرعي لجاز حينئذ أن يُقال يُترَك بالدليل الذي سميناه بالسابق عزيمة لا لمقتض وهذا لا يجوز لا يجوز أن يكون دليل صحيح ودلَّ على أمر مُحرَم ثم بعد ذلك يُترَك العمل به لدلالة العقل على جواز الاستثناء بل لابد أن تكون الرخصة ثابتة بدليل شرعي يعني تيمم مثلاً رخصة نقول لابد أن يكون التيمم ثابت في دليل شرعي.
ما ثبت على خلاف دليل شرعي أخرج العزيمة لأن العزيمة ثبت على وفق دليل شرعي قال لمعارض راجح هذا بيان سبب الرخصة لما رُخِص لما خُولف لما خولفت العزيمة لم خُولف الحكم الأصلي الثابت بدليل شرعي نقول لمعارض راجح إذاً هذا بيان لسبب الرخصة والمراد بالمعارض الراجح العذر الذي قام بالمكلف واقتضى التيسير والسهولة كالمخمصة في حق الجائع والمرض عدم القدرة على استعمال ما في حق المريض والعجز أو المشقة في حق المسافر في الصيام وقصر الصلوات ونحو ذلك نقول الوصف الذي قام بالمكلف هو الذي اقتضاه هو العذر الذي إذا وُجد ترتب عليه الدليل الشرعي فصار كالاستثناء من العزيمة السابقة.
(8/6)

وما سوى المفرد كما ذكرناه يشمل المُكنى والمجموع واسم الفاعل وصيغة المبالغة والجمع.
ما ثبت على خلاف دليل نقول هذا قيد احترز به عما ثبت على وفق دليل فلا يكون رخصة بل عزيمة كما ذكرناه من الصوم في الحضر للمعارض الراجح احترز به عما إذا وُجد معارض لكنه ليس براجح إما مساو أو قاصر على المساواة إذا كان مساو نقول إذا الأدلة تساوت حينئذ وجب الوقف وطلب المُرجِح الخارجي هذا عند المساواة وإن كان قاصراً على المساواة فلا يؤثر في الدليل وتبقى العزيمة على أصلها، قال كتيمم المريض لمرضه أراد لك أو أراد أن يبين لك أن الرخصة على ثلاثة أقسام من الرخصة ما هو واجب كتيمم المريض لمرضه نقول هذا واجب أم مندوب؟ واجب إذا لم يتمكن من استعمال الماء وجب العدول إلى التيمم كتيمم المريض لمرضه مع وجود الماء، وأكل الميتة للمضطر هذا فيه إباحة المُحرم والأول فيه إباحة الواجب استباح الواجب وهنا استباح المُحرَم لأن الواجب هناك استعمال الماء الذي هو الوضوء فاستباحه وتركه وعدل عنه إلى التيمم وهنا أكل الميتة نقول هذه إباحة مُحرم لكنه لعذر الضرورة، أكل الميتة للمضطر بهذا القيد لقيام سبب الحضر لوجود الماء وخبث المحل، لقيام سبب الحظر في أي شيء؟ في التيمم وفي أكل الميتة يعني السبب الذي حُرِم من أجله استعمال التيمم مع القدرة مع الماء هو وجود الماء والسبب اذلي من أجله حُرِم أكل الميتة مع عدم الضرورة هو خبث المحل فحينئذ إذا جُوِز للأكل أو جُوِز لاستعمال التيمم نقول الأصل لم يزل باق على أصله وهذا داخل في التعريف السابق لقيام سبب الحضر يعني لوجود سبب الحظر في المسألتين سواء كان استباحة ترك الواجب أو استباحة المُحرَم لوجود الماء في مسألة التيمم وخبث المحل في مسألة أكل الميتة، والعرايا من صور المزابنة هذا عطف على قوله كتيمم يعني النوع الثالث من أنواع الرخصة وهو تصحيح بعض العقود تخفيفاً على المُكلَفين بشرط أن تكون ثم حاجة غليها لكن بشروطها لذلك قلنا لابد من أن تكون الرخصة ثابتة بدليل شرعي لبس تصحيح العقود مطلقاً هكذا لا وإنما لابد أن يكون العقد الذي صُححَ مع المنع منه عاماً لابد أن يكون منصوصاً عليه في الشرع، والعرايا من صور المزابنة والمزابنة معلوم أنه منهي عنها والمزابنة هي بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر هذه هي المزابنة ووجه النهي عنه هو الجهل بتساوي النوعين الربويين تمر ورطب وكلاهما من جنس إذاً ربويين لكن أجاز الشارع ذلك لكن في العرايا بشروطها المعلومة في كتب الفقه كما جاء في حديث زيد بن ثابت يقول - صلى الله عليه وسلم - رخَّص لصاحب العرية أن يبيعها بفرسها ولمسلم بخرسها تمراً يأكلونها رطباً لكن بشروطها كما هو معلوم في كتب الفقه، إذاً الرخصة نقول إما أن تكون إباحة ترك الواجب وإما أن تكون إباحة المُحرَم بعذر الضرورة أو الحاجة وإما أن تكون لتصحيح بعض العقود هذا تقسيم ذكره المصنف وبعضهم يقول من الرخصة ما هو واجب ومن الرخصة ما هو مندوب ومن الرخصة ما هو مباح بهذا التقسيم، والمُحرَم والمكروه لا يكونان داخلين في الرخصة، إذاً من الرخصة ما هو واجب كأكل الميتة للمضطر فهو واجب على الصحيح لأن ما لا يتم ترك الحرام إلا به
(8/7)

فهو واجب وترك الحرام هو قتل النفس حفظاً للنفوس أجاز بل أوجب عليه الرب جل وعلا أن يأكل من هذه الميتة فهو واجب على الصحيح لأنه سبب في إحياء النفوس ولما كان كذلك فهو واجب وذلك قعَّد الفقهاء قاعدة عامة الضرورات تُبيح المحظورات، ومن الرخصة مندوب كقصر المسافر للصلاة، نقول حكم ثابت على مخالف للدليل الشرعي لأن الأصل الإتمام وكل صلاة في وقتها والأصل أن يصلي الرباعية رباعية ولا يقصر هذا ألأصل لكن خُولف هذا الأصل وثبتت الرخصة لقيام العذر مع قيام سبب الحكم الأصلي العذر هو وجود المشقة، هل لما قصر وأفطر في شهر رمضان مثلاً هل زال السبب الذي رُتب عليه الأصل وهو صوم رمضان وإتمام الصلاة؟ لا نقول باقية لذلك إذا زال عذره رجع إلى الحكم الأصلي صار عزيمة فرخص بدليل شرعي فلما زالت المشقة رجع إلى أصله لماذا؟ لن كل من الحكمين مرتبطين بشأن نفس المُكلَف فخروجه إلى الترخص لا ينفي أن يكون داخلاً في الحكم العام فحينئذ نقول الصيام يجب للحاضر ولا يجب على المسافر لكن لو زال علة السفر أو زال السفر رجع الحكم على أصله ولا يثبت كل منهما إلا بدليل شرعي، ومن الرخصة مندوب كقصر المسافر الصلاة ومن الرخصة مباح هكذا في المذهب كالجمع بين الصلاتين في غير عرفة ومزدلفة الجمع في المذهب مباح خروجاً من الخلاف خلاف أبي حنيفة وغيره فحينئذ لا يكون السنة الجمع إلا في عرفة ومزدلفة لماذا؟ النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع في غير عرفة مزدلفة لعدم الخلاف، أجمعوا على سنية الجمع في مزدلفة وعرفة بالإجماع سواء كان في حق المكي أو غيره مطلقة ولذلك يُسن حتى للمكي أما القصر هذا محل خلاف هل المكي يقصر أم لا؟ الجمهور على المنع لماذا؟ لعدم وجود علة القصة وهو السفر ليس مسافراً.
هنا قال كالجمع بين الصلاتين في غير عرفة هو مُباح إذاً هو رخصة أو لا؟ رخصة لماذا؟ لأنه ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح لأن الأصل أن يصلي كل صلاة في وقتها وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الجمع تخفيفاً وهذا الخفيف وقع معارضاً لدليل آخر فإذا وُجدت المشقة ومقتضى الجمع حينئذ نقول وُجدت وحصلت وثبتت الرخصة، لكن قول من له مباح مطلقاً هذا فيه نظر بل هو سنة، وكذا من أُكره على كلمة الكفر قالوا مُباح هذه رخصة مُباحة إذاً عرفنا الفرق بين العزيمة والرخصة. حينئذ نقول أيها أكثر الأحكام الشرعية العزائم أم الرخص؟ العزائم هي الأصل ولا يُعدَل عنها فيُقال رخصة إلا بدليل شرعي ولذلك يختلفون هل التيمم رخصة أو عزيمة؟ هل المسح على الخفين رخصة أم عزيمة؟ يختلفون في هذه المسألة لماذا؟ لأن الأصل هو العزيمة فإذا شك الناظر في هل المسح على الخفين مثلاً هو عزيمة أو رخصة يبقى على الأصل ولا يعدل عليه كذلك في التيمم، بهذا نكون قد انتهينا من الباب الأول وهو باب الحكام الشرعية.
(8/8)

ثم انتقل إلى الباب الثاني في الأدلة لأنه لما عرف أصول الفقه قال وذلك في ثلاثة أبواب الباب الأول في الأحكام وبينها لك عرف الحكم وقسمه إلى قسمين حكم شرعي تكليفي وحكم شرعي وضعي وبين أقسام كل، انتقل إلى الباب الثاني وهو الأدلة ومناسبة ذكر الأدلة هنا أنه عرف لنا أصول الفقه بأنه أدلة الفقه الإجمالية أصول ودلائل الإجمال وطرق الترجيح قيد تالي، أدلة الفقه الأصول مجملة وقيل معرفة ما يدل له إذاً أصول الفقه ما هو؟ أدلة الفقه التي يستنبط منها المجتهد الأحكام الشرعية حينئذ يرد السؤال ما هي الأدلة الشرعية؟ وما هي أنواعها؟ ما هو المتفق منها عليها وما هو المختلف فيها منها؟ حينئذ لابد من السؤال ولابد من الجواب لذلك عقد المصنف هذا الباب الثاني في الأدلة أي الأدلة الشرعية، قال أصل الدلالة: الإرشاد، قالوا دِلالة ودَلالة ودُلالة يعني مثلثة الدال الأفصح الفتح ثم الكسر ثم الضم قال الشيخ الأمير - رحمه الله تعالى – وأردئها الضم كما في المقدمة المنتقية، يعني أدانها وإن ثبت لغة إذاً هي مثلثة الدال، والأفصح أن يُقال الدَلالة ثم أقل منها الدِلالة بكسر الدال ثم لو قال دُلالة لا بأس لو وجه في اللغة، أصل الدلالة الإرشاد لأن الدليل في اللغة هذا مشتق من الدلالة والدليل يحصل به الإرشاد فحينئذ نقول الدلالة في اللغة في أصل وضعها اللغوي المراد به الإرشاد وبعضهم يقول الدلالة في الاصطلاح فهم أمر من أمر وبعضهم يجعل هذا الضابط أيضاً معناها لغوي لكن المشهور أنه معناها الاصطلاحي، فهم أمر من أمر والفهم إدراك المعنى، فهم أمر من أمر سواء كان لفظاً أو ليس بلفظ فحينئذ يشمل اللفظ ويشمل الإشارة والكتابة والنصب والعقد والرسالة لأنه يُفهَم منها تُدرَك المعاني من الألفاظ وتُدرَك المعاني من غير الألفاظ حينئذ نقول فهم الشيء أو إدراك الشيء لا يختص بالألفاظ بل الإشارات والكتابة والعقد والنصب هذه كلها تكون محلاً للفهم، فهم أمر من أمر أي إدراك معنى، الفهم مطلقاً إدراك معنى الكلام كما ذكرناه في حد الفقه قلنا الفقه في اللغة الفهم والمراد بالفهم إدراك معنى الكلام لماذا قيدنا الفهم هناك بإدراك معنى الكلام وقلنا هنا الدلالة فهم أمر إدراك معنى مطلقاً سواء كان لفظاً أو لا؟ هناك قيدناه وذكرنا تعريف أن الفهم هو العلم بمعاني الكلام عند سماعه لأن الفقه هناك الفهم المراد به فهم الأدلة والمراد بالأدلة الأدلة اللفظية فحينئذ ناسب أن يُقيَد الفهم هناك لئلا يرد تعارض بين ذكر الفهم هنا بأنه مطلقاً سواء كان من الألفاظ أو غيرها وهناك قلنا إدراك معنى الكلام حينئذ قد يتصور الطالب أن ثم تعارض بينهما إذا نقول في حد الفقه في أول الكتاب الفقه لغة الفهم والمراد الفهم إدراك معنى الكلام، ثم نأتي هنا ونقول فهم أمر من أمر الفهم هنا لا يختص بالكلام فليس بينهما تعارض هنا الدلالة مطلقة سواء كان مأخوذة من النصوص أو من غيرها فحينئذ يُعمَم وهناك الدلالة أو الفهم مُقيَد بالنصوص والنصوص لفظية إذاً فهم أمر من أمر هذا الحد يُفهَم منه أن الدلالة تكون دلالة إذا حصل الفهم بالفعل وإذا لم يحصل الفهم منه بالفعل لا يُسمى دلالة، قال فهم أمر من أمر يتضح بالحد
(8/9)

الثاني أو نقول في حدها كون أمر بحيث يُفهَم منه أمر آخر فُهم منه بالفعل أو لم يفهم؟ كون أمر أي وجود شيء أمر هذا مطلقاً سواء كان لفظ أو كتابة أو إشارة أو أي شيء يمكن أن يكون دليلاً يُوضع، فهم أمر من أمر بحيث يُفهَم منه أمر فُهم بالفعل أو لم يُفهَم يعني هل يُشترط في الحكم على الدلالة أو على الدليل أنه لا يسمى دلالة ولا دليل إلا إذا حصل الفهم وإذا لم يحصل الفهم حينئذ انتفى الوصف بالدلالة أو الدليل أيها أولى؟ نقول الأولى أن يُعمَم الحكم فحينئذ يكون الدليل دليلاً سواء فهمت منه المقصود أو لم تفهم قد تقرأ آية أو حديث لم تفهم منها حرف واحد نقول هذا دليل أو ليس بدليل؟ دليل مع أنه لم يحصل الفهم نقول الدلالة فهم أمر من أمر ما حصل الفهم نقول هو يُفهِم بالقوة لمن كان أهلاً للنظر فنظر فحينئذ يحصل الفهم ولكن لقصور الناظر حينئذ لما نظر لم يفهم لا لذات الدليل وإنما لقصور الناظر فحينئذ نقول يُسمى دليلاً ولم لو يحصل الفهم بالفعل وهذا أولى والفرق بين التعريفين أن يُقال قولهم فهم أمر من أمر أنه لا يسمى دلالة أو دليل إلا إذا حصل الفهم بالفعل وُجد الفهم قرأت فهمت حينئذ هذا هو الدليل وما عداه ليس بدليل، نقول لا، ومع ذلك الحد الجمع أن نقول كونه أمر وجود أمر بحيث يُفهَم منه أمر فُهم منه بالفعل أم لم يُفهَم ... الشيخ الأمير - رحمه الله تعالى – يذكر مثالين لما يحصل به الدليل ولو لم يحصل به الفهم يقول الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في الكلالة مع كون الدليل نص مع هي الكلالة الورثة الذين لا أب ولا ولد هذه اختلف فيها الصحابة مع أن النص يدل على هذا {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} النساء176، إذاً ليس له ولد ثم ورَّث الأخت قال {وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} النساء176، كيف دل هذا النص على عدم الأب؟ لأن الأخت لا ترث مع وجود الأب فتوريث الأخت يستلزم عدم وجود الأب، إذاً بدلالة التزام دل النص على عدم وجود الأب الذي هو الأصل بالنطق دلالة المنطوق {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} دل على عدم وجود الولد، حينئذ الدليل دليل ولو لم يحصل الفهم لبعض الصحابة فيسمى دليلا حينئذ، إذاً عدم الفهم لما دل عليه النص نقول لا يخرجه عن كونه دليلاً ولذلك نقول بحيث يُفهَم منه فُهم بالفعل بالإيجاد أو لم يُفهَم لأنه يُفهِم بالقوة وإن لم يُفهِم بالفعل كذلك قصة يعقوب عليه السلام لما رأى الدم على قميص يوسف عليه السلام لما استخلى قال سبحان الله متى كان الذئب حليماً كيساً يقتل يوسف ولا يشق قميصه هكذا قيل إذاً عدم شق القميص يعتبر دليلاً في حق وإن لم يفهم منه أولاد يعقوب ما فهمه يعقوب عليه السلام فهو دليل دليل سواء فُهم منه بالفعل كما فهم يعقوب أو لم يُفهِم منه بالفعل كما لم يفهم منه أولاد يعقوب فهو دليل، حينئذ نقول الدلالة أعم، أصل الدلالة الإرشاد وتطلق الدلالة على الدليل مجازاً الدليل فعيل مشتق من الدلالة والدلالة تطلق على الدليل لكن من جهة المجاز لا من جهة الحقيقة لأن الدلالة مصدر وإطلاق المصدر على اسم الفاعل هذا مجاز ولذلك يُقال زيد عدل لابد من التأويل يعني زيد
(8/10)

ذو عدل أو زيد عادل لابد من التأويل، هنا الدلالة تطلق على الدليل لكنه مجازاً لا حقيقة، أصل الدلالة الإرشاد واصطلاحاً أراد أن يُعرف الدلالة اصطلاحاً والاصطلاح هو الذي ذكرناه سابقاً الدلالة في الاصطلاح فهم أمر من أمر لكن هنا أراد أن يفسر لنا الدلالة بمعنى الدليل إذاً أُطلقت الدلالة مراداً بها الدليل مجازاً ولم يرد الدلالة في الاصطلاح الذي ذكرناه سابقاً وهو فهم أمر من أمر أو كون أمر بحيث يُفهَم منه أم فُهِم منه بالفعل أو لم يُفهَم هذا في الاصطلاح للدلالة نفسها في الحقيقة الاصطلاحية أو العرفية وهنا الدلالة باعتبار كونها أُطلقت على الدليل يعني بالنظر على كونها دليلاً ما يتوصل به إلى معرفة ما لا يعلم في مستقر العادة اضطراراً عِلماً أو ظناً، ما أدري المصنف يأتي بحدود بعيدة جداً ويترك المشهور عند الأصوليين أن يقال الدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري هذا أوضح مما ذكره المصنف هنا ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، ما أي شيء يمكن التوصل بصحيح النظر يعني يمكن عبر بالإمكان ولم يعبر بالفعل لماذا؟ لأن الدليل دليل ولو لم يحصل الفهم منه بالفعل متى ما أمكن الفهم فحينئذ يسمى دليلاً سواء فهمت منه بالفعل أو لم تفهم ولذلك نقول الدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر يعني بالنظر الصحيح والنظر هو الفكر المؤدي إلى علم أو ظن والفكر هو حركة النفس في المعقولة والحركة في المحسوسات تسمى تخييلاً لا فكراً، إذاً نقول النظر حده الفكر المؤدي يعني يوصل المؤدي هو بمعنى يوصل المؤدي إلى علم أو ظن، إذاً منتهى النظر قد يكون علماً وقد يكون ظناً فلا يشترط في النظر أن يكون قطعياً بل قد يكون قطعياً مؤداه ومقصوده وقد يكون ظنياً، ما يمكن التوصل بصحيح النظر من إضافة الصفة إلى الموصوف أي النظر الصحيح احترازاً عن النظر الفاسد لأن الناظر في مثلاً الأدلة الموصلة إلى الفقه إما أن ينظر بواسطة القواعد والأصول التي وضعها أهل العلم وإما أن ينظر بهوى ممكن أن ينظر أو لا؟ يمكن وهذا كثير عند أهل الأهواء ينظر في الكتاب والسن بهواه فحينئذ ماذا تكون النتيجة نظر صحيح أو نظر فاسد؟ نظر فاسد ولا شك، إذاً بصحيح النظر احترازاً عن النظر الفاسد متى يكون النظر صحيحاً إذا سار على الطريق المرسومة التي وضعها الأصوليون مثلاً في مثل هذا الفن، ولذلك أصول الفقه تعتبر أسس ومناهج لمن أراد استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، خبري بمعنى النسبة الإسنادية التي تكون بين المبتدأ والخبر أو الفعل والفاعل لأن الإدراك المتعلق بالجملة الاسمية يسمى تصديقاً والإدراك المتعلق بالجملة الفعلية يسمى تصديقاً إذاً إلى مطلوب خبري نسبة إلى خبر وهو الإسناد التام احترز به عنه مطلوب تصوري وهو إدراك المفرد ولذلك عند الدليل عند الأصوليين لا يكون إلا مركباً لأن الإدراك إما أن يكون متعلقاً بمفرد كلمة واحدة اسماً أو فعلاً أو حرفاً وإما أن يكون متعلقاً بجملة تامة، إن كان متعلقاً بجملة تامة أدرك المعنى المراد والمقصود من الجملة الاسمية على وجه التمام وأدرك المعنى والفائدة المترتبة أو
(8/11)

المفهومة عن الجملة الفعلية على وجه التمام نقول هذا تصديق ما عدا ذلك فهو تصور متى يكون النظر دليلاً؟ إذا كان موصلاً إلى مطلوب حبري بمعنى تصديق حينئذ نقول الدليل عند الأصوليين لا يكون إلا مركباً، هذا هو الدليل عندهم، فحينئذ قولهم وإلى مطلوب خبري يعني إلى تصديق نقول هذا التصديق قسمان قد يكون علماً وقد يكون ظناً فحينئذ تخصيص الدليل بما أفاد القطع دون الظن تخصيص بلا مُخصص فقولهم إلى مطلوب خبري نقول يشمل النوعين فكل ما أوصل إلى مطلوب خبري سواء كان هذا المطلوب قطعياً يفيد العلم أو ظنياً يفيد الظن نقول يسمى دليلاً خلافاً لما عليه أكثر المتكلمين كما سيأتي من تخصيص الدليل لما أفاد القطع والعلة وما أفاد الظن هذا لا يسمى دليلاً عندهم بل يُسمى أمارة وعلماً والتفريق هذا باطل فاسد بدليل شمول الدليل للنوعين إذاً ما يمكن شيء يمكن والمراد بالإمكان هنا لا بالفعل ما يمكن التوصل بصحيح النظر يعني بواسطة النظر الصحيح إذا تأمل وفكر الفكر المؤدي إلى علم أو ظن إلى مطلوب خبري.
واصطلاحاً قيل وما به للخبر الوصول بنظر صح هو الدليل والنظر الموصل من فكر إلى ظن بحكم أو لعلم مُسجلا
(8/12)

الإدراك من غير قضا تصور ومعْه تصديق وذا مشتهر جازمة دون تَغَيُّرٍ عُلم علما وغيره اعتقاد ينقسم، واصطلاحاً قيل: ما يتوصل به إلى معرفة ما لا يعلم في مستقر العادة اضطراراً عِلماً أو ظناً، لو أردان خلاصة الحد نقول ما يُتوَصل به إلى معرفة علم أو ظن، قوله ما لا يُعلَم في مستقر العادة اضطراراً مراده أن متعَلق الدليل لا يكون من العلوم الضرورية وإنا لابد وأن يكون نظرياً أما إن كان نظرياً في أي شيء ينظر؟ نقول الفكر المؤدي إلى علم أو ظن هذا هو النظر السماء فوقنا هل يحتاج إلى فكر وتأمل واستشارة واستخارة؟ ما يحتاج الأرض تحتنا لا تحتاج النار مُحرقة الكل أكبر من الجزء إذاً كل ضروري لا يحتاج إلى بحث لا يوجد فقيه يأتي بالكتب الستة ثم يبحث ويقول صلاة الفجر واجبة أو لا؟ يمكن؟ ما يمكن، إنما يبحث ماذا؟ يبحث ما يحتمل البحث وهو ما لم يكن ضرورياً فإن كان ضرورياً لا يحتاج إلى بحث لذلك ما لا يعلم في مستقر العادة اضطراراً، اضطراراً هذا مفعول به ليعلم في مستقر العادة يعني ما استقر عادة عند كل أصحاب فن فالمستقر عادة عند النحاة أحكام تخصهم والمستقر عادة عند الأصوليين أحكام تخصهم وكذلك الفقهاء إلى آخره، إذاً ما يُتوَصل به يعني ُوصَل به ويؤدي إلى نتيجة ما هي هذه النتيجة؟ إلى معرفة علم أو ظن تكون النتيجة التي تكون لازمة للمقدمتين إما أن تفيد علماً وهذا إذا كانت المقدمتان قطعيتين أفاد العلم واليقين، مثلوا لذلك بالتغير التغير قالوا يدل على حدوث العالم كيف قالوا العالم متغير وكل مُتغير حادث فالعالم حادث قالوا هذا نتيجة قطعية العالم متغير وكل متغير هذا هو الدليل هذا هو الدليل ما يمكن التوصل به بصحيح النظر فيه إلى مطلوب، تتأمل العالم ما المراد بالعالم تتصور ثم العالم متغير ثم المراد بالتغير هنا ثم ما إثبات هذه المقدمة الصغرى هل هي قطعية أم ظنية وهذا يحتاج إلى تأمل وبحث ثم المقدمة الكبرى وكل متغير حادث يحتاج إل بحث ونظر وتصور الموضوع والمحمول ثم تثبت أن الأولى قطعية والثانية وهذا كلام فيه نظر ثم يثبت الأولى قطعية والثانية قطعية تكون النتيجة لازمة للمقدمتين، فإن كانت المقدمتان قطعيتين لزم أن تكون النتيجة قطعية فإن لزم المقدمات بحسب المقدمة أيضاً، فإن كانت قطعية كل منهما قطعي أفاد القطع هذا نوع فإن كانتا ظنيتين أو إحداهما ظني والأخرى قطعية أفادت الظن إذا كانت الأولى ظنية والثانية ظنية أفادت الظن ولا إشكال إذا كانت الأولى قطعية والثانية ظنية أو بالعكس قالوا أفاد الظن لأن ما ترتب من القطع الظن ظن هكذا يقولون ما ترتب من القطع الظن فهو ظن حينئذ نقول الدليل ما يُتوَصل به إلى معرفة علم متى هذا إذا كانت كل من المقدمتين قطعيتين أو ظني فيما إذا كانتا المقدمتين ظنيتين أو إحداهما ظنية والأخرى قطعية، يذكرون مثال للظن يقول الاستدلال بالغيم على نزول المطر قطعي أو ظني إذا جاء وعمم الأرض حينئذ نقول المطر سينزل إن شاء الله قطعي أو ظني؟ ظني لأن هذا منطق هذا غيب والعادة أن وجود الغيم ترتب عليه نزول المطر إذاً سينزل المطر نقول هذه النتيجة ظنية لأنها ليست بقطعية لأنه قد يتخلف نزول المطر مع وجود الغيم، ما يتوصل به
(8/13)

إلى معرفة ما يُعلَم في مستقر العادة اضطراراً عِلماً أو ظناً أي ما يُتوصَل به إلى معرفة علم أو ظن لما لا يُعلَم ضرورة، أما ما عُلِم ضرورة فليس متعلق بالنظر الصحيح والدليل يُراد به إذاً عرفنا المراد بالدليل في اصطلاح الأصوليين ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري هذا أصح مما ذكره المصنف فهو أولى، وما ذكره هو للدلالة بمعنى الدليل ولذلك يقول دليل فعيل بمعنى فاعل لأنه يحصل به الإرشاد لأنه المرشد حقيقة وما يحصل به الإرشاد مجازاً يعني يطلق الدليل على المرشد حقيقة الذي وضع العلامة لترشد الناس وعلى العلامة نفسها لكنها من قبيل المجاز، إذاً يطلق في اللغة الدليل على المرشد سواء باشر بنفسه أو لا وعلى ما حصل به الإرشاد وهو العلامة لكن الثاني مجازي فالمرشد هو الناسب للعلامة أو الذاكر لها الناسب للعلامة يعني في الحس أو الذاكر لها إذا كانت باللسان ونحو ذلك والذي يحصل به الإرشاد هو العلامة التي نصبت للتعريف، الإمام أحمد رحمه الله له كلمة في كتب المذهب يقول - رحمه الله تعالى – فالدال الله تعالى والدليل القرآن والمُبين الرسول والمستدل أولي العلم هذه قواعد الإسلام، قال المصنف هنا والدليل يراد به إما الدال كدليل الطريق، أو ما يستدل به من نص أو غيره ذكرناه الدليل إمام أن يُطلق ويُراد له الدال من هو الدال الفاعل المرشد هو الدال حينئذ يكون الدليل فعيل بمعنى فاعل لأن فعيل يأتي بمعنى فاعل ويأتي بمعنى مفعول وهنا دليل يجوز أن يكون بمعنى فاعل وحينئذ يكون المراد به الدال الذي نصب العلامة والدليل يراد به في اللغة إما الدال وهو الناسب للدليل أو الفاعل قال كدليل الطريق دليل الطريق من هو؟ الذي يدلك نقول أين طريق العتيبية مثلاً يقول لك اذهب كذا وكذا نقول هذا دليل الطريق أو يأخذ بيدك ويمشي يكون هذا يسمى دليلا دليل الطريق أو ما يستدل به فحينئذ يكون الدليل من فعيل بمعنى اسم المفعول الأول الدال والثاني يستدل به فحينئذ يكون الأول بمعنى فاعل ويكون الثامي بمعنى مفعول أو ما يستدل به انظر تطبيق العلماء على ما يعرفون من قواعد هو الآن كأنه طبق لك القواعد التي يعرفها دون أن يذكر لك فعيل يأتي بمعنى فاعل ويأتي بمعنى مفعول وما الدليل أنا فعيل يأتي بمعنى المفعول وما الفرق بينهما من جهة المعنى وما الذي ينبني عليهما من خلاف هذا كلها قواعد تكون راسخة في الذهن ثم شرح لك علامات يعلمها قال والدليل يراد به إما الدال أو ما يستدل يعني ويطلق الدليل على ما يستدل به ما الذي يستدل به من نص كتاب أو سنة أو غيره كالإجماع والقياس وهذا هو الدليل في عرف الفقهاء هو النص ونحوه كالإجماع والقياس، فإذا أًطلق الدليل في عرف الفقهاء يحمل على النص ما يستدل به حينئذ يكون الدليل عند الفقهاء فعيل بمعنى مفعول فإذا أُطلق صار حقيقة عرفية في فنهم ولا يجوز تفسير مصطلحات الفنون بغيرهم، فإذا فسرت الدليل هنا عند الأصوليين تفسره بمعنى ما يمكن التوصل به إلى آخر التعريف وإذا فسرت الدليل عند الفقهاء فتفسره بالناص الذي هو الكتاب والسنة والقياس والإجماع والاستصحاب ونحو ذلك قال ويرادفه بعد أن انتهى من الدليل ومتعلقات الدليل قال يرادفه في
(8/14)

المعنى ألفاظ متعددة منها أي من هذه الألفاظ المرادفة للدليل البُرهان بضم الباء البُرهان يُقال برهن عليه أي أقام البُرهان فحينئذ تفسر البرهان بماذا؟ بما فسرت به الدليل فإذا كان حد الدليل ما يمكن التوصل به إلى آخره تقول به البرهان ما يمكن التوصل به إلى آخره لماذا؟ لأن اصطلاح الأصوليين هنا وهو المتكلمون على أن ألألفاظ مترادفة من جهة المعنى ولو كان ثم فرق بينها من جهة اللغة فلا يؤثر في المصطلحات ويرادفه ألفاظ منها البُرهان والبُرهان حينئذ بكون بمعنى الحجة والدليل وجاء استعماله في القرآن بمعنى الدليل {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} البقرة111، {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ} المؤمنون117، {لَا بُرْهَانَ} لا دليل عليه، والحُجة يعني ومما يرادف الدليل في المعنى الحُجة بضم الحاء والحُجة بمعنى الدليل وتطلق على ما ثبت به الدعوى يعني ما تثبت الدعوى {قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} الأنعام149، وسُمي بذلك يعني الدليل سُمي بالحُجة للغلبة به على الخصم لكونه يعني الدليل إذا ذكر الدليل غلب خصمه وحينئذ يسمى دليلاً ويسمى بهذا الاعتبار يسمى حجة {قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} الأنعام149، والسلطان يعني ويرادف الدليل السلطان فحينئذ يمسى السلطان بمعنى الحجة والدليل وجاء في القرآن {إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا} يونس68، {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} إبراهيم10، إذاً جاء السلطان مستعملة في القرآن مراداً به الدليل، ولكن ليس هذا اشتقاق المناطقة هم يستعملونه هكذا على ما يصطلحون عليه ليست تفرعاً عن القرآن لم يثبت القرآن والحجة لأنها ثبتت في القرآن لا هم أبعد الناس عن الكتاب والسنة، والسلطان والآية يعني يُرادف الدليل في المصطلح عندهم الآية فحينئذ تكون الآية بمعنى البرهان والدليل كما قال تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الروم22، {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ} الشعراء197، وهذه الخمسة الدليل والبرهان الحجة والسلطان والآية تستعمل في القطعيات إذا أُطلقت فالمراد بها الأحكام قطعية وقد تستعمل على قلة على غير وجهها في الظنيات إذاً فرقوا في الدليل والحجة والبرهان قالوا هذه تستعمل في القطعيات مثل المتواتر قالوا قطعي الإجماع القطعي قالوا هذه قطعيات فإذا كان الدليل إجماعاً قطعياً قالوا هذا دليل وحُجة وبرهان وسلطان وآية لأنهم قطعيات تفيد العلم وتفيد اليقين وقد تستعمل على قلة قد هنا للتقليل قد تستعمل في الظنيات، الخبر الواحد المُختَلف فيه هذا يفيد الظن هنا المختلف فيه هذا القيد يفيد الظن حينئذ إذا قبل في الخبر الواحد المُختَلف فيه أنه دليل هذا يعتبر مجازاً عندهم لماذا؟ لأن استعماله الأصل أنه على قطعيات فإذا استعمل في الظنيات قالوا هذا استعمال الشيء في غير موضعه وهذا مجاز فإذا أطلق الدليل أو البرهان والسلطان على الإجماع الظني في السكوت مثلاً قالوا هذا ليس بدليل في الأصل لأن الإجماع الظني ليس بقطعي حينئذ يكون استعمال الدليل
(8/15)

والحج والبرهان والآية في الظنيات يكون مجازاً حينئذ إذا أُطلق واحد من هذه المفردات يُحمل على الدليل القطعي عند الأصوليين عند أكثر المتكلمين أنه خاص بالقطعيات.
والأمارة والعلامة وتستعمل في الظنيات فقط يعني والأمارة هذا عطف على البرهان ويرادفه ألفاظ منها البرهان والحجة والسلطان والآية والأمارة ولكن لما كانت هذه الألفاظ تختلف من حيث الإطلاقات فصل بينهما وعين الأحكام أو عين الحكم لكون الأولى تُستعمَل في القطعيات والثانية لما فارقتها وهي الأمارة والعلامة خاصة بحكم خاص بها والأمارة بفتح الهمزة مشتقة من الإمارة والعلامة الأمارة تأتي بمعنى الدليل (أخبرني عن أمارتها) يعني علاماتها وأدلتها التي تدل عليها إذاً أمارة استعملت في الشرع لكن لا أظن أن هذا مسلك المتكلمين يعني أنهم أخذوه من الشرع، والأمارة والعلامة أيضاً ألفاظ مرادفة للدليل لكنها قال وتستعمل في الظنيات يعني تستعمل فيما كان موصلاً إلى حكم شرعي في الظنيات فقط يعني ما كان مفيداً للظن فقط، حينئذ يقولون الدليل الأمارة وأيهما أضعف؟ الأمارة لماذا؟ لأنها تفيد أن مدلولها الظن والدليل أعلى لأنه يدل على القطع، وتستعمل في الظنيات فقط ولا تسمى دليلاً بل الدليل خاص بما كان قطعياً فالأمارة حينئذ تكون أدنى من الدليل وهذا التفريق باطل لا دليل عليه لا من اللغة ولا من الشرع بل في اللغة ما يُتوَصل به إلى معرفة علم أو ظن هذا مدلوله في الاصطلاح اللغوي، كذلك عند من يعرف الدليل بأنه ما يمكن التوصل النظر فيه إلى مطلوب الخبري نقول مطلوب الخبري هذا عام يشمل الظن والعلم حينئذ نقول الأرجح أن ما أفاد العلم وما أفاد الظن يسمى دليلاً وأمارة وعلامة فالكل يطلق عليه أنه دليل لأن كل منهما مرشد على المطلوب والعرب لا تفرق بين ما أفاد العلم وما أفاد الظن هذه أمور دخيلة على اللغة ما أفاد العلم وما أفاد الظن العرب لا تفريق لهم ولا ينظرون إلى هذه الأمور وإنما كل ما أوصل إلى نتيجة فهو دليل سواء كانت النتيجة ظنية أو قطعية فحينئذ يسمى مرشداً إلى المطلوب وإذا حصل وأنه مرشد إلى المطلوب حصل الإطلاق وهو أنه دليل، ثانياً يُقال مؤدى كل منهما العمل بما دل عليه فإذا استويا إذا قيل هذا دليل بمعنى أنه أفاد القطع والقطع وجب العمل به والثاني الظن لأنه أفاد الظن فما حكمه من جهة العمل يجب العمل به إذاً استويا لماذا نفرق فإذا كانت النتيجة أن العمل بالظن كالعمل بالقطع نقول هذا لا فرق بينهما حينئذ، إذا هذا التفريق لا يدل عليه دليل لا من جهة الاصطلاح ولا من جهة اللغة. ثم قال وأصول الأدلة أربعة: الكتاب والسنة والإجماع.
(8/16)

وأصول الأدلة التي يعتمدها الفقيه في الاستنباط نوعان سمعية وعقلية سمعية هذه نسبة إلى السمع ويُعبَر عنها بأنها نقلية بأنها منقولة يرويها البعض عن الآخر وعقلية نسبة إلى العقل وليس المراد أن العقل هنا إذا قيل أصول الفقه أنها تنقسم إلى سمعية وعقلية ليس مراد أن العقل مستقل في إدراك الأحكام – لا – وإنما عقلية نسبة إلى النظر والتأمل وقصد به المصنف هنا الاستصحاب لأنه ناشر عن نظر وتأمل وليس المراد أن العقل يستقل بإدراك الأحكام ولذلك قلنا في السابق لا حاكم إلا الله بمعنى أن العقل أو الإنسان أو البشر مهما كان لا يمكن أن يكون مشرعاً {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} الأنعام57، فالأحق ليس لغير الله حكم أبداً فالأحق ليس لغير الله حكم أبداً حينئذ نقول {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} هذا عام فلا يثبت أي حكم شرعي نسبة إلى الشرع إلا ومصدره الكتاب والسنة الوحيين وما عده فلا، إذاً فأصول الأدلة التي يعتمدها الفقيه في الاستنباط والتي يبحث فيها الأصوليون لتقليد القواعد العامة نوعان سمعية وعقلية والسمعية ذكر منها المصنف ثلاثة الكتاب والسنة والإجماع لذا قال وهي سمعية ويتفرع عن هذه الأدلة الثلاثة القياس لم يجعل القياس أصلاً وهل القياسي أصل أو لا؟ هذا مرده إلى الخلاف في إفادة القياس بعضهم يرى أنه لا أصل يعتبر من أصول الأدلة على إذا كان قطعياً وحينئذ القياس هل هو قطعي أو طني من قال أنه قطعي حينئذ جعله أصلاً رابعاً فقال الأصول أربعة ومن قال لا إنه ظني حينئذ لم يجعله أصلاً وفر على ما فر إليه المصنف هنا الصواب أن القياس قد يكون قطعياً وقد يكون ظنيا يختلف باختلاف أنواع القياس وعليه حينئذ يعد رابعاً فيُقال الأدلة أربعة السمعية الكتاب والسنة والإجماع والقياس والقياس يعتبر أصلاً مستقلاً لكن ليس المراد استقلال أنه لا يعتمد على لكتاب والسن – لا – وإنما الراد أنه له شروطه وله ضوابطه الخاصة به كما أن السنة هي أصل مستقل وكذلك ليست خارجة عن الكتاب ولذلك بعض أهل العلم عد الأصول واحد قالوا الكتاب فقط لماذا؟ لأن السنة دل عليه الكتاب حينئذ لماذا نجعل السنة قسماً مستقلاً نقول الكتاب والإجماع دل عليه الكتاب والسنة والقياس دل عليه الكتاب والسنة والإجماع لكن المراد من باب التقسيم هو التأصيل العلمي فقط وليس من باب التدقيق الذي يُوصل لمثل هذه الأشياء حينئذ نقول الكتب نعم هو الأصل والكتاب دل على السنة والكتاب والسنة دلا على الإجماع والكتاب والسنة والإجماع دلت على القياس وهي سمعية أي منسوبة إلى السمع لأن متلقاها طريقها السمع ويتفرع عنها عن هذه الثلاثة القياس لأن الأصل فيه لابد من أصل والأصل هو المقيس عليه هذا المقيس هذا لا يصح ولا يمكن الاعتماد عليه إلا إذا كان ثابتاً في كتاب أو سنة أو إجماع حينئذ صار فرعاً عن الكتاب والسنة والإجماع هذا وجه كون المصنف جعل القياس فرعاً للكتاب والسنة والإجماع لأن القياس يتألف من أربعة أركان لابد من أصل مقيس عليه يُشتَرط في هذا الأصل أن يكون ثابتاً في كتاب أو سنة أو إجماع إذاً لا يخرج عن الثلاثة والاستدلال لأنه داخل في مفهوم الدليل والإجماع منعقد على مشروعية استعماله في استخراج
(8/17)

الأحكام استدلال هذا أمر متفرع عن الكتاب والسنة والإجماع وبالإجماع يعتبر دليلاً لدخوله في مفهوم الدليل في استنباط الأحكام الشرعية من مظانها والرابع عقلي يرجع على الرأي والنظر وليس المراد أن العقل مستقل في إدراك الأحكام بل العقل مستنبط فقط له عمل له مجاز كما هو في اللغة في اللغة نقول لا تثبت بالعقل وإنما تثبت بالنقل وعُرفت بالنقل لا بالعقل فقد بالنقل فالاستنباط بالنقل حينئذ العقل يستنبط وهنا العقل يستنبط والرابع عقلي وما هو قال وهو استصحاب الحال قبل التكليف المقصود به العدم الأصلي قبل التشريع نقول هذا دليل عقلي يستصحبه المجتهد إذا لم يثبت دليل على تحريم شيء أو إيجاب شيء نقول الأصل عدم الحكم لما نقول أصل البقاء كان على ما كان إذا لم يُشرَع الحكم الشرعي لم يرد دليل بالتكليف المكلف بإيجاب أو تحريم نقول الأصل العدم ما هو الأصل العدم هو الدليل لاستصحاب العدم هذا الذي سيذكره مستقلاً في باب خاص به وهو أي العقل أو الدليل العقلي استصحاب العقل الحالي أي قبل التكليف ما هي الحال قبل التكليف؟ براءة الذمة عن الإيجاب أو الندب في النفي الأصلي يعني في العدم الأصلي لأن الأحكام الشرعية إمام أن تكون إثبات أو نفي الإثبات لا يمكن أن يكون إلا بدليل سمعي إذا قيل يجب عليك فعل كذا لابد من الدليل لكن النفي يمكن أن يدرك بالعقل وهو مرادهم هنا إذا قيل يجب عليك لا لا يجب الأصل هو عدم الوجوب فمن أوجب شيئاً هو الذي يُطالَب بالدليل والنافي لا يُطالَب بالدليل ليس مطلقاً وإنما النافي يُطالَب بالدليل في مقام الجدل والمناظرة وهذا أكثر الأصوليين وأرباب الجدل أن النافي لا يُطالَب بالدليل بل المُثبت الذي يُطالب بالدليل والصواب أنه يُطالب بالدليل {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} البقرة111، هاتوا برهانكم على ماذا؟ على النفي أو الإثبات؟ على النفي إذاً النافي يُطالَب بالدليل كما يُطالَب المُثبت هكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى – خلاف لأكثر المتكلمين والأصوليين وأرباب الجدل والمناظرة أنا النافي لا يطالب بالدليل والصواب أنه يُطالب بالدليل فحينئذ إن المجتهد إذا نظر في المسألة ولم يجد دليل يدل على الوجوب أو على التحريم نقول الأصل براءة الذمة هل يعتبر قوله هذا دليل أو لا؟ يعتبر دليلاً هل هو سمعي أو عقلي؟ نقول عقلي بمعنى لابد أن يكون مستنبط على قواعد من الشرع لكن بمعنى النظر والتأمل هو الذي أداه إل هذا في النفي الصالي أي العدم الأصلي الدال على براءة الذمة من التكاليف الشرعية حتى يرد دليل شرعي لو قال قائل علينا صلاة سادسة وجبت علينا صلاة سادسة الصلوات ستة لا خمس ماذا نقول؟ نقول هات الدليل أين الدليل؟ فإذا لم يثبت دليلاً نقول الأصل عدم صلاة سادسة الأصل عدم وجوب حج مرة ثانية أليس كذلك فحينئذ يستصحب العدم مطلقاً في كل حكم ثبت أو أثبته الأصل ولم يثبت معه دليل من الشرع ثم قال فالكتاب فاء هذه فاء الفصيحة استدل بعضهم باستصحاب العدم لقوله - صلى الله عليه وسلم - " ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم
(8/18)

عنه
فاجتنبوه " ما وجه الاستدلال؟ ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه يريد أن يستنبط من هذا الدليل يا فقهاء على ثبوت استصحاب العدم وأن ما لم يأمر به وما لم ينهى عنه ما حكمه؟ ليس له حكم بل باقياً على الأصل العدم، ما أمرتكم به فأتوا منه وما نهيتكم إذاً بعض الأفعال أو بعض ألأقوال أو بعض ألأشياء لم يأمر ولا ينهى فحينئذ يكون حكمها ألا حكم لها وإنما يستصحب فيها العدم الأصلي وهو الإباحة، فـ (الكتاب): كلام الله عز وجل وهو القرآن المتلو بالألسنة يُذكر الكتاب وهو الدليل الأول وهو الأصل الأول والدليل على أنه أصل قوله تعالى {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} الأنعام155، هذا أمر باتباع الكتاب حينئذ جُعل الكتاب أصل لكل الأدلة وهذا أمر مُجمَع عليه فالكتاب كلام الله - عز وجل - يذكر الأصوليون كثير من المسائل التي تكون في غير فن الأصول يعني يذكرون في الكتاب حده تعريفه ثم تختلفون فيه هل هو المعنى النفسي أو المعنى اللفظي على ما يذكره أرباب البدع وثم يُذكَر فيه الحقيقة والمجاز ويُذكر فيه المُعَرب وغيره ثم يكون الحروف المتعلقة بالكتاب وكذلك السنة وهذه كلها أبحاث الأصل أنها ما تُبحَث في أصول الفقه طالب العلم إذا أراد أن يستفيد من هذه المباحث لا يأخذها من الأصوليين وإنما يأخذ كل فن من أربابه وأصحابه فيدرس المجاز والحقيقة مثلاً في كتب البيانيين ثم يتعرب الكثير من أرباب علوم القرآن مثل البحث المعرب وغيره والمجاز وموجود وغير موجود كذلك الحروف يعني توسع فيها النُحاة كابن هشام تُدرَس الحروف وتُمر على كتب الأصول ليُعلَم هل من زيادة على ما ذكره أرباب الفنون أو لا فقط وإلى تحقيق المسائل وإثبات المسائل وشرحها وكذا تذكر باختصار في مثل هذه المواد ولذلك كل كتاب في أصول الفقه الكلمة والكلام والصوت واللون وتعرب وتقسم الكلمة والجملة الفعلية وهل بينهما علاقة أو لا إلى آخره نقول هذه تُأخذ من مظانها سنمر على هذه المباحث باختصار جداً هذه فقط ومن أراد فليرجع إلى نفس الكتاب، فالكتاب هذا فِعال مفعول لأنه مشتق من الكَتْبِ والكتب المراد به الجمع والضم قالوا تَكَتَبوا بنو فلان إذا اجتمعوا وسمي الكتاب كتاباً لاجتماع الحروف والكلمات بعضها إلى بعض والمراد بالكتاب هنا القرآن وهذا بإجماع العلماء ويسمى القرآن كتاباً كما في قله تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} الكهف1، هنا سماه كتابا ولكن كثير من الشُراح يذكرون في مثل هذا الموضوع يقول الكتاب اسم جنس صار علماً بالغلبة على القرآن ولا أدري ما وجهه لماذا؟ لأنه إذا نص الرب على أنه الكتاب حينئذ صار من أسماء القرى، الكتاب فحينئذ لا نقول صار علماً بالغلبة لماذا؟ لأن صيرورة الشيء علماً بالغلبة عند أهل اللغة ليس من صنع الفاعل نفسه يعني العبادلة أربعة هل هم اتفقوا وقالوا نحن العبادلة أم من صنع غيرهم حينئذ لو قيل الكتاب لم يسمه الرب جل وعلا كتاب ثم جُعِل علما بالغلبة صار الاسم هذا ليس من عند الرب - سبحانه وتعالى - وإنما من صنع العلماء هم الذين أطلقوا الكتاب صار علماً
(8/19)

بالغلبة مثلما فعل النحاة حدوا الأسماء الستة وقالوا هذه الأسماء الستة فإذا أطلقوا الستة صار أبوك أخوك إلى آخره، الكتاب إذا قيل هو علم على القرآن علم بالغلبة أو علم بالشرع الظاهر أنه بالشرع لكن كثير من المعاصرين يقولون علم بالغلبة ولم ينبني عليه فرق جوهري، إذاً الكتاب يكون اسم من أسماء القرآن والأصل أنه جنس وهو المراد به هنا كلام الله - عز وجل - والكلام حقيقة الأصوات والحروف حينئذ إذا قيل القرآن هو كلام الله حينئذ نفهم أنه بصوت وحرف بإجماع السلف أنه بصوت وحرف ويسمى القرآن كلام الله لأنه بعض كلام الله ليس كل كلام الله وإنما هو بعض منه يتكلم الرب جل وعلا بما يشاء وقت ما شاء كيفما شاء ومن كلامه القرآن {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ} التوبة6، إذاً ما يسمع النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ كلام الله ولا إشكال في هذا، وهو القرآن المتلو بالألسنة وهي مخلوقة وإذا كانت الألسنة مخلوقة لا يلزم منها أن ما تُلي مخلوقاً المكتوب في المصاحف وهذه سنة أجمع عليا الصحابة أنهم كتبوا القرآن في مصاحف ولم يُخرجوه عن كونه كلام الرب ولم يخرجوه عن كونه ليس بمخلوق كذلك قال المحفوظ في الصدور {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر9، ومن حفظه كتابته في المصاحف ومن حفظه حفظه في الصدور إذاً كونه في الصدور وهي مخلوقة وكونه يتلى بالألسنة وهي مخلوقة نقول لا يخرجه عن أصله أنه من صفة للرب جل وعلا فالألحان والصوت والألحان صوت القارئ لكن المتلو قول البارئ، ثم قال وهو كغيره كيف يقول كلام الله ثم يقول كغيره بما بعده هذا كم يقرأ (ويل للمصلين) ثم يقف نقول لا، وهو أي القرآن كغيره من الكلام العربي لأنه نزل بلسان عربي مبين جعل له قرآناً عربياً وهذا لا خلاف فيه أن القرآن نزل بلسان العربي حينئذ إذا نزل بلسان العرب نُقعِّد قاعدة نستفيد منه قاعدة وهو كغيره من الكلام لماذا كغيره من الكلام لأن الله سس تكلم بلسان العرب فإذا تكلم بلسان العرب كل ما كان في لسان العرب الأصل إثبات في القرآن هذه قاعدة فإذا ثبت في لسان العرب المعرب نقول في القرآن المعرب وإذا ثبت في لسان العرب الحقيقة والمجاز نقول في القرآن حقيقة ومجاز أليس كذلك، فكل ما ثبت في اللسان العربي نقول القرآن نزل بلسان عربي مبين فإذا ثبت في اللغة العربية على قواعد وسند ما اشتهر على ألسنة العرب نقول الأصل وجوده في القرآن بل من ينفي هو الذي عليه الدليل أن ينفي وجوده في لسان العرب حينئذ يصح نفيه عن القرآن ولذلك كان من اضعف الأقوال أن يُقال اللسان العربي فيه حقيقة ومجاز وهو كلام كثير ثم ينفيه عن القرآن هذا قول فاسد من أفسد الأقوال من أضعف الأقوال إمام أن يُبت مطلقا في القرآن واللغة وإنما ينفيا مطلقان أما تفصيل بهذا ضعيف جداً.
(8/20)

وهو كغيره وهو أي القرآن كغيره من الكلام في أقسامه فينقسم حينئذ على ما ينقسم به كلام العرب يكون كلمة ويكون جملة مفيدة ويكون جملة اسمية وجملية فعلية حرفاً وفعلاً وحقيقة ومجازاً ويكون معرب وكون مشتق من أصل ومبتدأ وخبر وجار ومجرور الحرف يستعمل في موضعه وقد يستعمل في غير موضعه قد يراد بالجملة الخبرية إنشائية وقد يراد بالإنشائية خبرية إلى آخره، كل يثبت في اللغة العربية الأصل لإثباته في القرآن والذي ينفي هو الذي عليه الدليل، فمنه إذا عرفنا هذا فمنه أي من القرآن حقيقة ومجاز، فمنه أو ينقسم القرآن المركبات فيه باعتبار استعماله في معناه لأن اللفظ يكون له معنى ثم هل هذا اللفظ الذي ثبت معناه في لغة العرب هل استعمل في معناه أو في غير معناه العرب أو لسان العرب يجوزوا استعمال اللفظ في معناه جائز عقلاً وواقع لغة يستعمل اللفظ في مدلوله الذي وُضع له في اللغة ثم من صنيع أهل اللغة قد يُؤخذ هذا المعنى أو اللفظ فيستعمل في غير معناه الذي وُضع له فحينئذ ينقسم لسان العرب باعتبار استعمال اللفظ في معناه أو عدم استعمال في معناه على حقيقة ومجاز وإذا ثبت الحقيقة والمجاز في لسان العرب حينئذ في القرآن حقيقة ومجاز على ظاهر ما ذكره المصنف هنا فمنه أي فمنة القرآن حقيقة فعيلة مأخوذة من حق أو من الحق من حق الشيء يحقه ويحق بمعنى ثبت الحق في الأصل أنه الثابت فحينئذ يكون فعيلة قد يأتي بمعنى فاعل وقد يأتي بمعنى مفعول فإذا كان بمعنى فاعل حينئذ يكون بمعنى الكلمة الثابتة في موضعا الذي وضعه العرب لها وإذا كان بمعنى مفعول كان الحقيقة بمعنى الكلمة المثبتة في موضعها الذي وضعها العرب لها وعلى ألأول إذا كانت فعيلة بمعنى فاعل تكون التاء تأنيث وإذا كان فعيل بمعنى مفعول حينئذ التاء لا تدخله مثل جريح وصبور نقول جريح هذا لا تدخله التاء تقول امرأة جريح وزيد جريح ولا تكون امرأة جريحة لماذا؟ لأن فعيل إذا استوى فيه مذكر ومؤنث امتنع دخول تاء التأنيث عليها حينئذ نقول هذه التاء لنقل الوصفية تاء الوصفية للنقل نقل الوصف من الوصفية إلى الاسمية، ما هي الحقيقة؟ قال وهي اللفظ المستعمل فيما وُضع له اللفظ إذاً الحقيقة وصف للألفاظ واللفظ قد يكون مهملاً وهو الذي لم تضعه العرب وقد يكون مستعملاً وهو الذي وضعته العرب قوله المستعمَل أخرج المهمل فحينئذ ليس لا يوصف بكونه حقيقة كذلك أخرج المستعمل اللفظ قبل الاستعمال فلا يوصف بكونه حقيقة ولا مجازاً إذاً قلوه اللفظ نقول جنس اللفظ عرفنا حده في النحو هذا الجنس يشمل نوعين المُهمَل والمستعمل ديث هذا مهمل زي هذا مستعمل المستعمل نقول أخرج المهمل وأخرج اللفظ قبل الاستعمال حينئذ نقول الحقيقة لا يوصف بها اللفظ غير المستعمل فيما وُضع له يعني في معنى ما هنا اسم موصول بمعنى الذي يصدق على معناه لفظ استعل في معنى وُضع له يعني وُضع ذلك اللفظ لذلك المعنى كاستعمال الأسد في الحيوان المفترس فإذا قال قائل رأيت أسدا يعني حيوان مفترس ما يحتمل أنه رجل شجاع لماذا؟ لأن الأصل حمل اللفظ على حقيقته واللفظ أو المعنى الذي وُضع له لفظ أسد هو الحيوان المفترس فيما وُضع له وهذا يشمل الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية
(8/21)

والحقيقة العرفية لأن الحقائق ثلاثة أنواع حقيقة لغوية وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له عند أهل اللغة الحقيقة الشرعية ما استمله الشرع أو إن شئت قلت اللفظ المستعمل فيما وُضع له شرعاً كالصوم مثلاً والصلاة لأن الصلاة في اللغة هي الدعاء وفي الشرع استعمل هذا اللفظ لا مراداً به الدعاء من جهة الخصوص كما هو معناه اللغوي وإنما نقله حصل نقل نلقه من معناه العام الذي هو الدعاء وجُعل علماً واسماً وحقيقة في أفعال مخصوصة وأقوال مخصوصة فحينئذ نقول لفظ الصلاة هذا لفظ عام له أفراد صدقه في اللغة على جميع أفراده حينئذ إذا أُطلق لفظ الصلاة في اللغة حُمل على جميع مفرداته على جميع مسمياته لكن الشرع خصه ببعض الأفراد كذلك الصوم الصوم في اللغة الإمساك مطلق الإمساك الإمساك عن الكلام يسمى صوم {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً} مريم26، صوماً المراد به الإمساك عن الكلام بدليل {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً} خيل صائمة وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما خير الصيام صيام عن إيش؟ ممسكة من الصباح خير الصيام أي أمسكت عن الجري إذاً نقول في اللغة الصوم كل إمساك ثم خصه الشرع نقله الشرع نقله في ماذا؟ في بعض أفراده وهو إمساك المخصوص من الفجر إلى غروب الشمس عن أشياء مخصوصة إمساك مخصوص في الوقت المخصوص عن أشياء مخصوصة حينئذ إذا أُطلق لفظ الصيام في اللغة حُمل على معناه اللغوي وهو مطلق الإمساك وإذا أُطلق في الشرع حُمل على معناه الشرعي كذلك الحقيقة العرفية كالشرعية من حيث النقل يعني نُقل اللفظ اللغوي لأن الحقيقة اللغوية هي الأصل ثم الشرع تصرف في اللغة والعرف كذلك تصرف في اللغة كل منهما من الشرع والعرف نظر إلى اللفظ العام الذي له أفراد أو مسميات فقصر اللفظ على بعض أفراده قصر العام على بعض أفراده هذا قريب من أصل اللفظ العام من جهة إطلاقه اللغوي على بعض المسميات الدابة في اللغة لكل ما دب على وجه الأرض لكنه خًص في العرف لذوات الأربع الحية دابة أم لا؟ فيها تفصيل لا تمشي ولا تثبت الحية نقول لغة دابة لأنه تدب عن الأرض كل ما دب {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} النور45، فحينئذ الدابة في اللغة كل ما يدب على وجه الأرض سواء كان برجلين أو أربعة أو على بطنه يزحف نقول هذا داة لكن في العرف خصه بذوات الأربع فالفرس دابة لغة وعرفاً والحية دابة لغة لا عرفاً ليست ذوات أربعة حينئذ نقول فائدة هذا التقسيم وذكر الحقيقة هنا فائدة هذا التقسيم أن الحقيقة تتنوع ثلاثة أنواع حقيقة لغوية وشرعية وعرفية إذا جاء في الشرع في نصوص الوحيين لفظ له حقيقة شرعية وله حقيقة لغوية أو عرفية يُحمل علي أي؟ على الشرع واللفظ محمول على الشرعي إن لم يكن مطلق العرفي في اللغوي على هذا الترتيب جمهور العلماء أن الحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة العرفية والحقيقة العرفية مقدمة على الحقيقة اللغوية هذا باختصار، ومجاز أصل مجوز مفعَل حصل إعلال بالنقل
(8/22)

تحركت الواو ثم قُلبت ألفاً، مجوز من الجواز وهو العبور والانتقال حقيقته اللفظ المستعمل في غير ما وُضع له على وجه يصح اللفظ مستعمل اللفظ يشمل المهمل والمستعمل المستعمل أخرج المهمل حينئذ المهمل لا يوصف بكونه مجازاً واللفظ قبل الاستعمال الذي هو الموضوع قبل استعماله لا يوصف بكونه مجازاً حينئذ اللفظ قبل الاستعمال لا يوصف بكونه حقيقة ولا مجازاً في غير ما وضع له يعني في اللغة في غير ما وضع له في اللغة فإذا استعمل لفظ الأسد في الرجل الشجاع نقول اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اللغة لأنه في اللغة وضع على الحيوان المفترس فإذا استعمل في الرجل الشجاع نقول هذا مستعمل في غير ما وضعت له العرب ذلك المعنى لكن قال على وجه يصح بمعنى أن المجاز ليس على إطلاقه كل مذهب لا يستعمل اللفظ في غير ما وضع له وإنما لابد من شرطين أولاً وجود العلاقة وثاني وجود الخليلة قال المراد بقول على وجه يصح بمعنى لابد من معنى مشتهر يكون بين المعنى المنقول عنه إلى المعنى المنقول إليه احترازاً مما لو قال رأيت أسداً يخطب يعني شبهه في أي شيء في الشجاعة إذاً الشجاعة هي المعنى المنقول عنه في الأسد إلى الرجل لماذا؟ لهذه العلاقة وجود الشجاعة لذل إذا كانت العلاقة بين المشبهة والمشبه به والاسم المستعار والمستعار منه مشابهة سميت استعارة إذا كانت المشابهة سمي المجاز استعارة وإلا سمي مجازاً مرسلاً إذا كانت العلاقة بين المعنى المنقول عنه والمعنى المنقول إليه المشابهة فيسمى مجازاً ويسمى استعارة وإلا سمى مجازاً مرسلاً هنا رأيت أسداً والعلاقة هي الشجاعة يعني وجه الشبه بين المشبه به والمشبه إذا كانت العلاقة هنا الشجاعة نقول الشجاعة هذا أمر واضح ومشتهر ويصح نقل اللفظ عن معناه الأصلي إلى معناه المجازي ولا إشكال لأن اللفظ إذا أُطلق لم يحصل منه تعقيد معنوي عند استعماله حينئذ كل من سمع رأيت أسداً يخطب علم أن التشبيه هنا في الشجاعة أما إذا أراد رأيت أسداً يرمي وقصد المشابهة في كون الرجل أبخر كما أن الأسد أبخر نقول أسد نعم أبخر لكن استعمال المشابهة أو إطلاق لفظ الأسد على المعنى المنقول إليه وسحبه من المنقول عنه إن لم يكن المشابهة فهذا يحصل به تعقيد معنوي وإذا حصل به التعقيد المعنوي انتفى التركيب حينئذ لا يسوغ العرب استعمال اللفظ في غير ما وضع له إلا إذا كان ثم معنى مشتهراً عن المتكلم والسامع أن المعنى هو الذي نُقِل فحينئذ إذا كانت الشجاعة صح المجاز وإن كان كونه أبخر لا يصح المجاز مع كون المعنى موجود إذاً على وجه يصح المراد به العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المنقول إليه مع وجود قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي يُقال رأيت أسدا يحتمل وجود العلاقة عنده أنه شبه الرجل الشجاع بالأسد فاستعمل اللفظ في غير ما وضع له حينئذ وجدت العلاقة عنده فقال رأيت أسداً وقصد به الرجل الشجاع لك السامع ما الذي يدريه أن الأسد هنا المراد به الرجل الشجاع لابد من نصب قرينة تدل على أنه استعمل اللفظ في غير ما وضع له فيقول رأيت أسداً يخطب عندما يسمع السامع يخطب يعرف أن هذه قرينة صارفة عن إرادة الأسد بالمعنى الأصلي وهو الحيوان المفترس إذاً عرفنا على
(8/23)

وجه يصح أن المراد به تقييد المجاز استعمال الفظ في غير ما وضع له لابد له من أمرين العلاقة بين المعنى المنقول عنه والمعنى المنقول إليه لابد أن يكون مشهوراً معلوماً مستفيضاً بين المتكلم والسامع وأما المعنى غير المشهور فلا يجوز استعماله لأنه يؤدي إلى تعقيد المعنى، الثاني وجود قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي كـ (جناح الذلّ) هذا وروده في القرآن جناح الذل، الذل معنى والجناح هو الجناح المعروف عند الطائر إذاً هو في الأجسام فإذا اُستعمل الجناح في الذل وهو أمر معنوي يقال وهذا مجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له (يُريد أن يَنْقَضّ) جداراً يريد أن ينقض قالوا الإرادة هذه صفة للحي للإنسان والحيوان والجدار جماد وحينئذ ينتفي وصف الإرادة عنه وقالوا هذا مجاز شبه الجدار بالإنسان في الميل فاشتق له الوصف إلى آخره قالوا هذا مجاز وفي هذا الترتيب ليس بمجاز ولو قيل بالمجاز نقول هذا بالمثال ليس بصحيح لماذا لأن الإرادة غير ممتنعة عن الجماد بل دلت نصوص عامة كثيرة مستفيضة مشهورة على أن الجماد يوصَف بالحركة ويوصف بالكلام {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} الإسراء44، والتسبيح لابد له من إرادة، أُحد جبل يجبنا ونحبه، أُحد هذا جماد ويحب والمحبة أخص من الإرادة وإثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم إذاً له إرادة حينئذ وردت نصوص على أن الجماد قد يبكي كما هو شأن الحديث حنين الجذع إلى آخره وتسبيح الحصى والسلام إلى آخره، النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى شجرة فخرقت الأرض فجاءت إذاً أطاعت النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا تدل على ماذا تدل على أن الجماد يوصف بالإرادة ولو قيل بالمجاز فهذا المثال ليس بصحيح لوجود دليل مناف له أما (جناح الذلّ) ممكن أن يسمى أن يقال الذل معنى والجناج الأصل في لغة العرب أنه الجناح الجناح المعروف فإذا استعمل الجناح للذل لا بأس أن يقال أنه مجاز، ومنه – أي من القرآن - استعمل في لغة أخرى وهو المعرّب إذاً في القرآن ما هو معرب والمراد بالمعرب ما كان في لغة أجنبية ثم استعمل في لغة العرب وهل في القرآن معرب أو لا؟ فيه خلاف طويل عريض ولا ينبني عليه فائدة من جهة الفرع وإنما اتفقوا أن يُقال اتفقوا على وجود الأعلام الأجنبية في القرآن مثل إبراهيم وإسماعيل ولذلك اتفق النحاة على أنها ممنوعة من الصرف عند حالتين اثنتين لا ثالث لهما العالمية والعجمة وكونها عجمة بمعنى أنها أسماء وضعت على لغة العجم هذا مراد العجمة فحينئذ استعمالها أعلام في لغة العرب لا يمنع من كونها أعجمية هل هي موجودة في القرآن أم لا؟ نقول موجودة، هل هي معربة أم لا؟ نقول الجواب لا ليست معربة وإنما بعض الكلمات كإستبرق وناشئة الليل إلى آخره هذه في الأصل ليست بعربية ولكنها دخلت على لغة العرب ففُهم المعنى منها المقصود منها فاستعملها العرب فعُرِبَت يعني نُزلت منزلة الكلمات العربية أصالة فعوملت معاملتها إما من المنع من الصرف وإما بالتنوين والرفع والنصب والجر إلى آخره إذاً عوملت معاملة الكلمات العربية ولا يمنع أن يُقال في القرآن ما هو معرب لا مانع وكون فيه باب المعرب لا ينافي قوله تعالى {{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ
(8/24)

مُّبِينٍ} الشعراء195، {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} الزخرف3، حينئذ نقول كونه عربياً هذا الحكم العام الأغلب.
ووجود بعض الكلمات التي تعج على الأصابع بل ما أكثر ما أعده السيوطي مائة وعشرين كلمة في القرآن كله عد مائة وعشرين كلمة يقول هذا لا يُخرج القرآن عن وصفه بأنه عربي وبأنه حصل الإعجاز به وبنفسه وبذاته، ومنه أي من القرآن ما استعمل في لغة أخرى أي ما استعمل في لغة أخرى ثم استعملته العرب وهو دخيل عليها كـ (ناشئة الليل) هذا وردت مرة في سورة المزمل عن ابن عباس أن الناشئة هي قيام الليل بالحبشية إذاً هي لغة دخيلة وليست عربية حينئذ نقول هذه الكلمة مُعربة ووجودها في القرآن لا بأس به، والمشكاة وهي القوة بلسان الحبشية وقوله هندية هذا فيه نظر بعضهم نفى أن تكون هندية المشكاة بل أهل الهنود يقولون هذا قالوا لا تعرف بلسان الهند المشكاة بمعنى القوة وإنما هي حبشية، وإستبرق أيضاً هذا نوع من اللباس حرير الديباج أصله استبره بالهاء فقلبت الهاء قاف كما قال ابن قتيبة وردت في القرآن أربع مرات وهي فارسية، نقول هذه كونها ناشئة الليل حبشية والمشكاة هندية وإستبرق فارسية كلها وردت عن كبار أئمة المفسرين كابن عباس ومجاهد وعطاء وغيرهم حينئذ الحكم بكونها معربة وكونها في القرآن مع صحة ما ثبت عن بعضهم كابن عباس على جهة الخصوص نقول لا مانع من القول به، وقال القاضي هذا أبو يعلى والشافعي - رحمه الله تعالى – وكذلك ناصره ابن جرير الطبري الكل عربي يعني كل القرآن عربي ولا يقال فيه بعض الكلمات المعربة بل ما ورد من ذلك وهو بلسان الحبشية أو الهندية أو الفارسية نقول مما توافقت فيه اللغات إذاً ناشئة الليل ليست حبشية وإنما هي في لسنا الحبشة على أصلهم وفي لسان العرب على أصلهم وكذلك إستبرق والمشكاة إلى آخره حينئذ نقول هذه ليست بمعربة وإنما هي في أصل اللسان الأجنبي وهي كذلك في أصل اللسان العربي ولكن الأول أرجح ثم قال وفيه محكم ومتشابه. نقف على هذا وصلى الله وسلم وعلى آله وصحبه وسلم.
(8/25)

عناصر الدرس
* المحكم والمتشابه
* السنة: القول , والفعل , والتقرير.

الدرس التاسع

من يهده الله فلا مُضل له من يُضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا ومحمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً، أما بعد، وقفنا عند قول المصنف - رحمه الله تعالى - وفيه محكم ومتشابه وهذا إن شرع في بيان الأصل قول الكتاب والمراد به القرآن وذكر أن القرآن قعَّد لنا قاعدة عامة مضطردة يستصحبها الأصولي وكذلك طالب العلم أن القرآن نزل بلغة العرب فحينئذ كل ما جاز في لغة العرب بشرط أن يكون مشتهراً واضحا بيناً لا نادراً وقليلاً وشاذاً فالأصل أن يكون القرآن مشتملاً عليه ولذلك إذا ثبت المجاز في اللغة حينئذ نقول القرآن فيه مجاز وإذا ثبت المعرب في اللغة حينئذ نقول القرآن في معرب كذلك إذا ثبت المحكم والمتشابه في اللغة أن من كلام العرب ما هو بين واضح ويفسر نفسه بنفسه وفيه ما هو متشابه يختلف فيه السامعون في فهم المراد حينئذ يكون القرآن مثل ذلك ودليل الكل الوقوع قد يكون بعض الأشياء موجودة في لغة العرب ولكن غير موجودة في القرآن حينئذ نقول لا يلزم كل ما وُجد نقول لابد أن يكون موجود وإلا فلا إذا وُجد وثبت في لغة العرب ووُجد له وقوع حينئذ نقول مثلاً ما دليل وجود المعرب في القرآن المعرب موجود في لغة الرب نقول دليله ناشئة الليل إذاً الوقوع هو الدليل دليل الجواز ودليل الشرعيات كذلك المجاز نقول مثلاً المجاز موجود في لغة العرب ما دليل وجوده في القرآن نقول مثلاً جناح الذل كما قال هناك يريد أن ينقض، حينئذ نقول الوقوع هو الدليل إذاً ذكر المجاز هنا والمعرب مراد المصنف أنها موجودة في القرآن ودليله أن القرآن نزل بلسان عربي مبين وإذا نزل بلسان عربي مبين فهذا اللسان العظيم قد اشتمل على الحقيقة والمجاز فحينئذ لا مانع بأن يُقال في القرآن مجاز، وفيه محكم ومتشابه وفيه أي في الكتاب محكم ومتشابه لماذا نقول فيه محكم ومتشابه لوجوده في اللغة العربية والقرآن نزل بلغة العرب ودليله الوجود، نقول القرآن وصف الرب جل وعلا بأنه محكم كله وبأنه متشابه كله وبأن بعضه محكم وبعض ومتشابه، وصفه بأنه محكم كله كما في قوله تعالى {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} هود1 هذا وصف للقرآن بأنه محكم كله، كذلك وصف بأنه متشابه كله {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} الزمر23، ووصف بعضه بأنه محكم وبعضه بأنه متشابه كما في قوله تعالى {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} آل عمران7، إذا وصف القرآن بأنه محكم كله وبأن متشابه كله وبأن بعضه محكم وبعضه متشابه إذاً يكون عندنا لهذا تأصيل إحكام قد يُطلق الإحكام يُراد به الإحكام العام والتشابه العام وقد يُراد به الإحكام الخاص والتشابه الخاص الإحكام العام هو المدلول عليه بقوله {يس {1} وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} يس 1 - 2، وُصف القرآن كله بأنه {وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} نقول المراد بالإحكام هنا الإحكام العام والمراد به الإتقان والجودة في اللفظ
(9/1)

والمعنى فحينئذ ألفاظه ومعانيه أحكم ما يمكن أن تكون من الإتقان وأعلى درجات البيان والفصاحة والبلاغة وحسن الترتيب وحسن السبك هذا يسمى الإحكام العام كذلك أخباره في كمال الصدق وأحكامه في كمال العدل {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} الأنعام115، صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام، إذاً المراد بـ {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} أي بلغ أعلى درجات الإحكام والإتقان أما قوله بأنه متشابه أو إطلاق الرب جل وعلا على القرآن بأنه متشابه عام أو متشابه كله {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} نقول به أنه بعضه يشبه بعضه هذا يسمى بالتشابه العام أنه بعضه يشبه بعضه في الإتقان والإحكام فحينئذ لا تتضارب ولا تتناقض أحكام ولا يُكذب أخباره بعضها بعضا ولذلك جاء {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} النساء82، ولكن الاختلاف هنا المنفي {اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} هذا وصف حينئذ قد يوجد به بعض الاختلاف لكن لا يُخرجه عن كونه في غاية الإتقان والإحكام في الأخبار والأحكام، أما التشابه الخاص والإحكام الخاص فهو الذي علناه المصنف هنا فيه محكم ومتشابه إذاً فيه يعني جمع بين الإحكام والتشابه وإذا قيل جمع بين الإحكام والتشابه حينئذ أخرج الإحكام العام وأخرج التشابه العام هذا لا مورد له في كتب الأصوليين وإنما يُذكَر في كتب علوم القرآن، وفيه محكم ومتشابه أي في الكتاب في القرآن محكَم، مُحكَم على وزن مُفعَل اسم مفعول من أحكم يحكم فهو مُحكَم اسم مفعول من أُحكِم يُحكَم فهو مُحكَم من أحكمت الشيء اُحكمه إحكاما فهو مُحكَم إذا أتقنته ومنه قولهم بناء مُحكَم أي ثابت يبعد انهدامه وهو أي المُحكَم عند بعضهم كما ذكره في مختصر التحرير بأنه ما اتضح معناه وضده المتشابه ما لم يتضح معناه هذا أحسن مات يُقال في النوعين ما اتضح معناه فهو مُحكَم سواء اتضح معناه بالسياق أو بدليل آخر أو بالسباق أو بقرينة نقول ما دام المعنى اتضح فحينئذ فهو مُحكَم سواء كان بنفسه أم بغيره والمتشابه ما عداه لكن القاعدة أنه في المتشابه أنه يُحمَل على المُحكَم فحينئذ يكون وصفه بأنه متشابه في ابتداء الأمر لا في الانتهاء لأن لو قيل متشابه لأنه لم يتضح معناه هل لم يتضح معناه مطلقاً نقول لا ليس في القرآن هذه يُنفى عن القرآن لأن هذا نقص عيب فحينئذ نقول ما لم يتضح معناه إما أن يكون نسبياً لبعض العلماء قد تُشكِل عليه آية يموت وقد أشكلت عليه هذه الآية ولم يفهمها هذا تشابه وعدم اتضاح نسبي أما عدم اتضاح عام لكل العلماء لكل الأمة هذا لا وجود له وإنما يُحمَل المتشابه على المُحكَم فيتضح حينئذ فحينئذ الإحكام والتشابه الذي ورد في الآية يكون في ابتداء الأمر أما في الانتهاء فلا ولو وُجد ابتداء وانتهاء في حق شخص معين فحينئذ يكون هذا خاص به يكون التشابه وجوه نسبي وفيه مُحكم ومتشابه دليله وقوع بل النص عليه {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} يعني ومنه آيات أُخر
(9/2)

هذه صفة للموصوف المحذوف متشابهات حينئذ يُراد بالمتشابه إلى المُحكَم فيُفهَم معناها هذا فيما كُلِف فيه العباد وأما ما لم يُكلفوا به كالمتشابه من إدراك كيفية الصفات مثلاً لأن المصنف فسر للمتشابه الصفات نقول هذا لم يُكلَف العباد إدراكه ولا البحث عنه ولا السؤال عنه وإنما المقصود الذي يكون متضحاً في الانتهاء بعد أن يقع متشابهاً هذا فيما كلف العباد به أما ما لم يُكلَف به كإدراك حقائق وكيفية أو كيفيات الصفات التي اتصف بها الرب جل وعلا نقول هذه ليس مما يُطاق البشر إدراكها ولم يُكلفوا بهذا أصلاً ولذلك الإمام مالك لما سُئل عن {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} طه5 وكيف استوى حكم بأنه السؤال هذا بدعة لماذا؟ لو كان مكلفاً به لما كان السؤال بدعة لأن البحث في الحقائق وإدراك الكيفيات هذا يعجز عنه الإنسان ولذلك قيل العاجز الإدراك إدراك لأن البشر يعزون عن إدراك حقيقة الصفات أو كيفية الصفات أما المعني فهذه واضحة على ما تقرر في لغة العرب فالمعاني معلومة واضحة بينة بل ذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى – أنها من أحكم المحكمات ليس من المتشابه كما يقول البعض وليس من المحكم فحسب بل من أحكم المُحكَم لأن معانيها واضحة متبادرة لمن سلم عن الزيغ والهوى، وأما إدراك كيفياتها فهذا نقول يعجز عنه البشر لأن الصفات هذه نقول فرع عن الذات فإذا كانت الذات يعجز البشر عن إدراكها ذات الرب جل وعلا فالقول في الصفات فرع القول في الذات. إذاً إذا قيل متشابه بمعنى أنه لم يتضح معناه ومآله إلى أن يتضح ونحكم على أن إدراك كيفيات الصفات التي ذكرها الرب جل وعلا عن نفسه أنها متشابه مما لم يعلمه إلا الله - عز وجل - حينئذ نقول هذا لا إشكال ولا تعارض لأننا لم نُكلَف بذلك والمراد بالمتشابه ما اتضح معناه أو ما لم يتضح معناه ثم اتضح نقول هذا بما كًلف به العبد وفيه محكم ومتشابه بدليل النص السابق.
(9/3)

قال القاضي اختلفوا فيه على أربعة أقوال وليس المراد الأحكام العامة والتشابه الخاص، وقال القاضي أبو يعلى وهو من أصحاب الإمام أحمد يعني أصحاب المذهب، المحكم هو المُفسَّر والمتشابه هو المُجمَل حينئذ كل ما كان متضح المعنى فهو محكم وكل ما كان مُجمَل فهو مفسَر وهذا يؤيد من ذكرته لكم، وهو أنه لا يوجد مجمل لم يتضح معناه في الكتاب والسنة هل يوجد لفظ مجمل لم يتضح معناه نقول لا لا يوجد حينئذ نؤكد أن المتشابه يُراد به وصف كتاب ابتداءاً أو يكون ابتداءاً وانتهاءا في حق شخص معين علموا من الناس من البشر نظر في آية أشكلت عليه إلى آخره نقول هذه متشابهة في حقه أما أن يكون متشابه في حق الأمة بصفة عامة هذا لا وقوع له، المحكم المفسّر، والمتشابه المجمل فحينئذ كل مجمل في القرآن فهو متشابه {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} البقرة228، {قُرُوَءٍ} هذا لفظ مشترك إذاً فيه إجمال فيه إبهام لأنه في اللغة يُطلَق على الحيض ويُطلَق على الطهر فحينئذ نقول هذا مجمل هذا متشابه مجمل متشابه، هل اتضح معناه أم لا؟ بعض أهل العلم رجح بأنه بقرينة بدليل أنه الحيض وبعضهم رجح أنه الطهر حينئذ صار في حقه متشابها في أول الأمر لم يتضح معناه ثم بعد ذلك صار محكماً لأنه رد المتشابه إلى المُحكَم، قول القاضي المحكم المفسّر، والمتشابه المجمل هذا ذكره المصنف بالمعنى رواية ,غلا قوله في العدة المُحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان والمتشابه ما احتاج إلى بيان، كل لفظ كل حكم كل قصة كل وعد كل وعيد كل حلال كل حرام استقل في الدلالة وفُهم المعنى بنفسه فهو محكم فإن احتاج إلى بيان فهو متشابه وهذا أقرب ما يُقال في تفسير المحكم والمتشابه أنه ما اتضح معناه فهو المحكم ولم يتضح معناه فهو المتشابه وذلك ظهر أن المصنف هنا قدمه وإن كان أطلق عبارة عامة في آخر المبحث سيأتي الوقوف معها، هذا قوله أول قوله الثاني قال وقال ابن عقيل أيضاً من أصحاب الإمام أحمد أصحاب المذهب المتشابه ما يغمض علمه على غير العلماء المحققين المتشابه ما يغمض يفعُل من باب غمض كقعَد يقال غمض الحق يغمض من باب قعد خفي مأخذه والغامض من الكلام ضد الواضح ما غمض من الكلام ضد الواضح إذاً المتشابه عند ابن عقيل ما يغمض علمه ما خفي مأخذه على غير العلماء المحققين وما عدا العلماء يعني العوام إذا قرؤوا النصوص ولم يفهموا فهو متشابه في حقهم والعالم إذا قرأ وفسر النص إما أن يكون النص مستقلاً في الدلالة على المعنى بنفسه أو بغيره فحينئذ صار في حقه محكماً، إذاً يكون الإحكام والتشابه باعتبار الناظر إن كان عالماً محققاً فحينئذ ما ظهر له فهو محكم وهل يتصور في حق العالم على هذا القول أنه لا يظهر له شيء البتة؟ لا لأنه جعله عالماً محققاً وما يقابله من معاني الغير محقق أو الجهل فحينئذ نظر العالم غير المحقق أو الجاهل وما غمض عليه فهو متشابه وما لم يغمض عليه فهو محكم فحينئذ يكون المحكم على رأي ابن عقيل ما لم يغمض علمه على العلماء المحققين بالعكس لذلك قال الآيات المتعارضة هنا لا يقال آيات متعارضة وإنما يقال الآيات التي ظاهرها تعارض لأن القرآن ليس فيه تعارض
(9/4)

بالذات وإنما هو فهم الناظر فقط كالآيات المتعارضة يعني كالآيات التي ظاهرها التعارض {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} القصص56، {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} الشورى52، في ظاهره تعارض لماذا؟ لأن اللفظ الهداية نُفي موضع وأُثبت في موضع أقول اللفظ – انتبه – اللفظ لفظ الهداية أُثبت في موضع ونُفي في موضع {إِنَّكَ لَا تَهْدِي} بل مؤكد بإن واللام و {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي} أيضاً مؤكد بإن واللام حينئذ في ظاهره يفهم ماذا يُفهَم التعارض لكن لو فُسر الأول {إِنَّكَ لَا تَهْدِي} أن المراد بها هداية التوفيق وأنها خاصة بالرب جل وعلا لا يملكها لا النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا غيره وأن الهداية {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي} المراد بها هداية الدلالة والإرشاد، حينئذ نقول لفظ الهداية يُطلق ويُراد به هداية التوفيق ويُطلق ويراد به هداية الإرشاد والبيان والدلالة، المُثبَت للنبي - صلى الله عليه وسلم - بل ولغيره كأهل العلم المُثبت له ولغيره لذلك قال العلماء ورثة الأنبياء {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي} إذاً هذا مُثبَت ويُحمل على دلالة الإرشاد والدلالة والبيان {إِنَّكَ لَا تَهْدِي} هذا يحمل على هداية التوفيق لأنها متعلقها التصرف في القلب وهذا ليس لأحد من البشر، حينئذ ظاهره التعارض هل هذا التعارض أو هل هذا الظاهر أو هذه المعاني أو ما يغمض في هاتين الآيتين يخفى على العلماء لا إذاً صار في حقهم محكماً وغير العلماء صار في حقهم متشابه هذا رأي ابن عقيل ورأي القاضي أولى المتشابه ما يغمض علمه على العوام كأنه قال هكذا المتشابه ما يخفى ويغمض علمه على العوام وما استوى علمه على العوام والعلماء هذا هو المحكم كالآيات المتعارضة، القول الثالث لم ينسبه إلى أحد وضعفه أو أشار إليه بقوله وقيل وقيل هذه صيغة تضعيف في الأصل عند أهل العلم إذا قال قيل فيه تضعيف لذلك أسند في الأول قال القاضي وقال ابن عقيل ثم قال وقيل إما أنه تضعيف وهذا هو الأحسن وإما أنه لعدم تيقن من قائله من هو قائله ولذلك نسبه ابن كثير في تفسيره إلى مقاتل بن حيان وقال ابن تيميه - رحمه الله تعالى – إنه يُروى عن ابن عباس - رضي الله عنه -، إذاً وقيل هذه يحتمل أن المراد به التضعيف للقول ويحتمل أنه أراد به عدم العلم بقائله ونسبه ابن كثير إلى مقاتل وابن تيمية إلى ابن عباس قال يُروى يعني ضعفه، الحروف المُقطَعَة يعني المتشابه هو الحروف المقطعة التي تكون أوائل السور ولذلك لو قال الحروف الهجائية لكان أعم لماذا لأن الحروف المقطعة هذا يشمل ما رُكِب من حرفين فأكثر {طسم} الشعراء1، أو {كهيعص} مريم1 أما ص ون وق هذه الحروف مقطعة أو هجائية؟ هجائية ولا يُقال أنه حروف مقطعة وإنما الحروف المقطعة تطلق على {الم} {الر} يعني ما كان حرفين أو أكثر أما ما كان من حرف واحد فيقال فيه حروف هجائية ولو قال الحروف الهجائية لكان أعم وقيل الحروف المقطعة يعني المتشابه في القرآن هو الحروف المقطعة ما عداه فهو محكم إذاً ما وُصلت حروفه وأُريد معناه فهو محكم إذاً القرآن كله محكم إلا بعض السور التي تكون مفتتحة بالحروف الهجائية نفس الحرف تقول (ق) السورة كلها محكمة إلا قوله (ق)
(9/5)

كذلك (ص) البقرة كلها محكم إلا قوله (الم) فهو متشابه وهذه على خلاف طويل بين المفسرين في المراد بالحروف الهجائية التي تكون في أول السور والأصح يقال أنها لا معنى لها من حيث دلالة اللغة العربية عليها لأننا قررنا قاعدة أن القرآن نزل بلسان عربي مبين فحينئذ نسأل في لغة العرب هل ورد عندهم تركيب الحروف لا معنى لها تُؤلَف حروف لا يُراد معناها؟ لا ولذلك دائما نقول أما من حيث المعنى لا معنى لها وإذا نُفي المعنى لم يلزم منه ألا يكون لها مغزى إشارة إلى شيء معين آخر ولذلك نقول هي لا معنى أصلا ولكن لها مغزى لئلا نسلب الحروف أو الآيات من دلالتها من المعاني المطلقة فحينئذ نقول المعنى الداخلي للفظ غير موجود هنا لأن العرب لم تركب هذه الحروف أما لها معنى آخر وقد يكون أعظم وأجل مما لو دلت على معنى خاص بها وهو أن الله - عز وجل - تحدى العرب بالإتيان بمثل هذا القرآن فكأنه قال {الم {1} ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} ذلك الكتاب الذي أُلِف مما تعرفون وكانت هذه تأليف الكلمات والحروف من (الم) فحينئذ عجزكم عن الإتيان بحروف تتألف مننها الحروف التي ذكرت في أوائل السور عجزكم عن هذا يدل على أن القرآن كلام الله وليس من صنع البشر ولذلك في الغالب الأعم أو أن في الأغلب الأعم أن الحروف هذه إذا جاءت ذُكرت بعدها الكتاب أو القرآن {يس {1} وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ}، إذاً ذُكر القرآن كاملاً، {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} هود1، ذكر الكتاب كاملاً بعد (الر) ذلك يدل على أن الكتاب أُلف من هذه الحروف (الر) ولكنكم عجزتم عن الإتيان بسورة بل بآية من هذا القرآن وهذا يدل على أنه كلام الله لا يشبهه كلام أحد من البشر، إذاً هذا القول المنسوب إلى ابن عباس أن المتشابه هو الحروف القطعة وما عداه فهو المحكم وقيل المحكم هذا قوله الرابع قيل المحكم أيضاً هذا رُوي عن ابن عباس بمعناه لأن حكاه ابن عقيل أو القاضي بأن المحكم ما اُستفيد الحكم منه والمتشابه ما لم يفيد الحكم المحكم ما استفيد منه حكم إيجاب تحريم كراهة وما عداه فهو متشابه لذلك رواه ابن يعلي فقال وقيل المحكم الوعد والوعيد والحرام والحلال هذا محكم والمتشابه القصص الأمثال، ولكن هذا ضعفه ابن تيميه - رحمه الله تعالى – لأن الوعد والوعيد قد يكون فيه نوع تشابه يعني أنه يخفى معناه أولاً ثم يظهر ولذلك اختلف اختلافاً طويلاً في قوله تعالى {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} النساء93، هذه مُختَلف فيها مع أنها من الوعيد حينئذ وقع الاشتباه في الوعيد، والحرام والحلال كذلك وقع كثير من النزاع والخلاف بين أهل العلم في المراد والمتشابه والقصص والأمثال أما القصص فإيراده في المتشابه من أبعد ما يكون لأن القصص من حيث المعنى فهي معلومة من حيث المعاني وتركيب القص ابتداءاً وانتهاءاً هي معلومة وكذلك يستوي في فهمها العامي وغيرها فتجد العوام يتعلقون بالقصص أكثر من غيرهم لماذا؟ لفهمهم لذلك لو وُضع درس في أحكام الوضوء والغسل ما حضروا أأتي بقصاص اجتمعوا له، والمتشابه القصص لكن
(9/6)

الله - عز وجل - يقول {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} العنكبوت43، هذه في الأمثال وإذا جُعل الأمثال من المتشابه كذلك مثله كان شيخ الإسلام ابن تيميه يرى أنها أقرب إلى المتشابه لكن أيضاً في الأصل هي تُفهَم لكن المراد وما يعقلها أي وما يعقل مغزاها وما أُريد بهذا المثل أما معناه الأصلي فهذا يتضح وقد يفهمه حتى العامي لكن العامي إذا قيل العامي ليس بالمقياس الموجود الآن وإنما العامي الذي ليس من أهل العلم في الطبقة التابعين ومن بعدهم أما الآن فلا يمكن أن يُقال أنه مقياس لأن في اللغة وفي الشرع من أبعد ما يكونون، إذاً القول الرابع أن المحكم هو العود والوعيد والحرام والحلال إذاً كل ما جاء من آيات الوعد فهو محكم وكل ما جاء من آيات الوعيد فهو محكم ولو حصل فيه نزاع في فهمه وكذلك ما جاء من آيات الحلال والحرام فهي محكمة وإن حصل فيها نزاع ولذلك ضُعِف هذا القول وضعفه ابن تيميه - رحمه الله تعالى – والمتشابه القصص والأمثال نقول المشابه القصص والأمثال هذا لا يمكن من المتشابه إلا إذا كان المراد بالمتشابه أنه فيما يترتب عليه من مغزى ومعنى بعدي ما الذي أُريد بهذه القصة؟ حينئذ يرد القول بأنها متشابه كذلك الأمثال قال والصحيح الذي رجحه المصنف أنه المتشابه ما يجب الإيمان به ويحرم تأويله كآيات الصفات وهذه زلة والصحيح يعني القول الأصح عنده أن المتشابه من القرآن ما يجب الإيمان به الإيمان بالقرآن كله أو بمتشابهه بالقرآن كله إذاً وجوب الإيمان بالقرآن كله هل يُفهَم من هذا أن المتشابه هو الذي يجب الإيمان به والمحكم لا يجب الإيمان به نقول لا بل القرآن كله سواء فهم منه أو لم يفهم أدرك الحقيقة أو لم يدرك حينئذ يسلم أن هذا حق وهذه أحكام حق وما ترتب على الحق فهو حق علم أو لم يعلم لأنه نزل من عند الحق حينئذ إذا لم يفهم أو فهم على جهة القصور فيتهم نفسيه وعقله ولا يتهم القرآن إذاً والصحيح أن المتشابه ما يجب الإيمان به نقول هذا فيه نقل وهو أن القرآن كله يجب الإيمان به ولذلك نقول فيه محكم ومتشابه ليس المراد فيه أو به أن يُفصل في التصديق لا يعني نقول الإحكام والتشابه إذا كان في القرآن فحينئذ القرآن كله على جهة واحدة من جهة التصديق لا يختلف نقول هذا يصدق به أقوى ونقول هذا يصدق به أقوى لا التصديق يستوي لأن القرآن كله يجب الإيمان به مطلقاً على جهة السواء وإن كان من جهة إفادة المعنى قد يتعلق القلب بما فهمه أكثر مما لم يفهمه أما من جهة القبول فيسوي الحكم، ويحرم تأويله تأويله التأويل هنا ظاهر كلام المصنف أنه قصد به التأويل الذي هو عند المتأخرين بل الأصح أن يسمى تحريفاً وهو صرف اللفظ عن ظاهره يعني عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقتضيه إذا أطلق التأويل انصرف إلى هذا المعنى عند المتأخرين يمثلون لذلك بهذا {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} طه5، لأنه ذكر الصفات {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قالوا الرحمن الرب جل وعلا على العرش استوى استوى هذا يُفهَم ماذا؟ يُفهَم الاستواء الحقيقي وله معنى آخر وهو المعنى المعنوي الذي يطلق عليه بالغلبة والقهر فحينئذ لما امتنع أن يُحمَل اللفظ على
(9/7)

ظاهره وهو الاستواء بمعنى العلو الخاص حُمل على المعنى المرجوح وهو الاستيلاء قال استوى بِشر على العراق حينئذ قال استوى بِشر على العراق للم يستوي بذاته وإنما استوى معني فصُرف اللفظ عن ظاهره الذي يقتضيه إلى معنى مرجوح لدليله وهذا نقول فاسد هذا نقول مثال لما يذكرونه هم لأن اللفظ هنا قال لفظ ظاهر وله معنى مرجوح ظاهره الاستواء المعلوم في الذهن وهذا لا يُوصف به إلى الأجسام والله جل وعلا مُنزه على الجسمية فحينئذ يتعين المعنى المرجوح لدليل وهذه العلة عندهم علة عقلية وهي استحالة قياس الأوصاف التي تقضي الجسمية بالرب جل وعلا حينئذ قال ويحرم تأويله أي صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقتضيه.
ويطلق التأويل أيضاً بمعنى التفسير لكن ظاهر كلام المصنف أنه أراد الأول لأنه قال كآيات الصفات وعليه هل يرى تأويل الصفات أم لا؟ لا يرى تأويل الصفات لكن تمثيله لآيات الصفات \بآيات الصفات للمتشابه هذا فيه نظر لماذا؟ لأن الحق التفصيل وليس الإطلاق لأن الصفات كلها صفات الرب جل وعلا لها نظران نظر من جهة المعنى اللغوي الذي تدل عليه وهذا معلوم واضح محكم بل من أحكم المحكم كما قال ابن قريب الاستواء معلوم في اللغة الرحمة معلومة الرأفة إلى آخره النزول معلوم وكلها معلومة في اللغة ولكن كيفية هذه الصفات نقول هذا من المتشابه لماذا؟ لأنه مما استأثر به الرب جل وعلا فحينئذ نقول الصفات إطلاق أنها من المتشابه مطلقاً خطأ وإطلاق أنها من المحكم مطلقاً خطأ لماذا؟ لأن الصفة ليست مرادة صفة دون تعلق بالموصوف الصفة ليس المراد بها الصفة مطلقا دون التعلق بالموصوف وإنما كلف المكلف العبد المسلم أن يؤمن بمدلول الصفات وإما كيفية تصرف الرب بها هذا لا تدركه العقول حينئذ يؤمن في الأول ويفوض في الثاني ولذلك إذا قيل هل مذهب السلف التفويض ماذا تقول؟ التفصيل لا تقول مذهب السلف نفي التفويض لا تقول لابد من التفصيل إن كان المراد تفويض المعنى نقول هذا باطل ولذلك يقال شر الفرق المفوضة الذين يفوضون المعنى يقولون لا ندري الرحمن على العرش استوى استوى الله أعلم ما ندري يقول المحرف المأول أخف ضرراً وأخف بدعة من ذاك الذي يفوض المعنى إذاً نقول تفويض المعنى بأن نقول لا ندري ما المراد بهذه الآية ينزل ربنا إلى السماء الدنيا الله أعلم بهذا النزول نقول تفويض للمعنى هذا باطل أما نقول نفهم ما المراد بالنزول وأما كيفية النزول هذا نفوضه إلى الرب جل وعلا تقويض الكيف هذا هو الحق بل لا يجوز التكييف أصلاً، إذاً كآيات الصفات نقول التمثيل للمتشابه بآيات الصفات فيه نظر بل الصواب التفصيل إذاً نخلص من هذا أن المحكم والمتشابه موجدان في القرآن وأن أصح ما يُقال فيه أن المحكم ما اتضح معناه وعكسه المتشابه ما لم يتضح معناه وإذا لم يتضح معناه يرد إلى المحكم فيتضح معناه حينئذ وليس عندنا متشابه في القرآن لم يتضح معناه مطلقاً هذا وجود له في القرآن.
(9/8)

ثم قال - رحمه الله تعالى – والسنة فالكتاب هو السنة لأنه قال أصول الأدلة أربعة وذكرنا أن الأصول سمعية وعقلية والسمعية هذا الكتاب والسنة والإجماع ويتفرع عنها القياس والرابع عقلي، قال والسن بعد أن فرغ بعض مسائل الكتاب قال والسنة، أي والثاني أو الأصل الثاني مما يعتمده الفقهاء أو المجتهدون في استنباط الأحكام الشعرية والتي يعتبر مصدراً من مصادر التشريع هي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولذلك إذا قيل السنة صرف إلى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والسنة قال ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكل آية في القرآن أو حديث في السنة ونقول في القرآن والاكتفاء أولى في مثل هذا المقام كل آية تدل على وجوب طاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي دليل على اعتبار السنة، لو قال قائل ما الدليل على أن السنة أصل؟ نقول كل آية أمر الرب جل وعلا بطاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في القرآن وما أكثرها فهي دليل على حجية السنة {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ} آل عمران31، {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} الحشر7، وهذه على جهة الخصوص نصوا على أن العلم أن جميع السنة داخلة في هذه الآية {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ} كل ما أتاكم به {فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} كل آمر سواء كان أمر إيجاب أو أمر استحباب فهو داخل في قوله {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} وكل نهي نهى عنه سواء كان نهي تحريم أو نهي تنزيه فهو داخل في قوله {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}، {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} النور54، إذا الأدلة على حجية السنة هو ما ذكرناه لكن المتكلمون لهم طريقة أخرى يعني يحلون في إثبات حجية السنة إلى علم الكلام إلى علم الكلام فحينئذ يثبتون المعجزة ويثبتون دلالة المعجزة وهل هي حجة أم ليست بحجة وهي تعرف بالمعجزة ثم المعجزة دلالة على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ثبت إنه صادق حينئذ نقول صدق ما جاء به إلى آخره يبحثون هذه المسألة في علم الكلام وبعضهم يستلها إلى كتب الأصول لماذا؟ لأنهم لا يعتمدون على الكتب وإنما ينظرون إلى العقل وهذا إن كان في مواجهة من لا يؤمن بالله ورسوله فلا إشكال إما أن تقرر المسائل على هذه الصورة لأهل الإسلام لأهل القبلة نقول ليست على منهاج النبوة وإنما يستدل بحجية السنة بقوله جل وعلا {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} أما طريقة المتكلمين التعامل مع المسلمين بها نقول هذا ليس على الهدى المبين وليست هي طريقة السلف وإنما طريقة السلف الوقوف مع النصوص كتاباً وسنة ويسوى بينهما كل منهما يعتبر حجة وكل منهما يؤيد الآخر وكل منهما يفسر الآخر لا تُضرَب النصوص بعضها ببعض ولا يُوقف مع نص وتهجر جميع النصوص هذه طريقة أهل البدع أن يقف مع آية ولذلك أهل البدع في الغالب لا يستدلون بالعقول فحسب كما يظنه الظان لابد أنه يأخذ كلمة من القرآن وكلمة من السن فيقفون معها فحينئذ يُحرفون كل معنى ممكن أن يدخل تحت الآية أو يخصصون أو يعممون وتُهجَر جميع النصوص نقول
(9/9)

منهج السلف ليس كذلك بل الجمع بين النصوص ومحاولة التوفيق وأني يكون نظر الناظر أن ثم تآلفاً بين النصوص وألا تُضرَب بعضها ببعض، والسنة ما هي السنة؟ السنة تختلف كما ذكرناه سابقاً من موضع عن موضع لأنها في اللغة لها معنى خاص وعند الأصوليين لها معنى خاص وعند الفقهاء وعند المحدثين كل فن اصطلح على معنى خاص أطلق عليه لفظ السنة أما السنة في اللغة كما ذكرناه سابقاً السيرة حميدة كانت أو ذميمة {سنة الله} أي طريقة الله المكذبين للرسل هكذا ورد في القرآن، ولكل قوم سنة وإمامها، والسنة عند الأصوليين ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول غير القرآن أو فعل أو تقرير إذاً كل ما ورد النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمى سنة وهذا من اصطلاح العلماء أن السنة تطلق في مقابلة القرآن فحينئذ يطلق قرآن ويراد به كلام الله وتطلق السنة ويُراد به كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا له أصل في الشرع جاء في حديث مسلم " يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة " إذاً له أصل إطلاق السنة على ما يقابل القرآن ويُراد به كل ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - له أصل كما في حديث مسلم " يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة " لأنه هنا قابل السنة بالقرآن أو قابل القرآن بالسنة، ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير يزيد أهل الحديث ماذا؟ أو صفة من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية أو خُلقية وهم أسعد بالسنة في هذا لماذا لأن نظرهم في الأخبار ومعرفتهم بأحوال النبي ألصق بالسنة من الأصوليين ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو وقف هنا لصحَّ لوقف إلى هنا صح التعريف من قول هذه يقال فيه إنها بيانية ما معنى بيانية يعني بينت مُجمَل {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} الحج30، ما هو الرجس؟ الأوثان، ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما هو الذي ورد؟ القول والفعل والتقرير إذاً تقول هذه من البيانيين، من قول غير القرآن أخرج القرآن لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ورد عن النبي من قول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إما أن يكون حكاية عن قول الله جل وعلا يعني ما كان متضمناً كلام الرب وهو القرآن وإما أن يكون منشأه هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، هل كله سنة؟ اصطلح الأصوليون على أن ما جاء أما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مبلغاً به عن الرب جل وعلا لفظاً ومعنى فهو قرآن، قابلته السنة فحينئذ لابد من إخراج القرآن فقال غير القرآن إذاً القرآن لا يسمى سنة في الاصطلاح، من قول غير القرآن إذاً كل قول ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس قرآناً فهو سنة يُفهَم من هذا أن الحديث القدسي من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذاً لم يستثني إلا القرآن إذا صدَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول قال الله تعالى " من عادى لي ولياً " هذا داخل في السنة من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو لا؟ على هذا الاصطلاح نعم كلأن المصنف يميل إلى الحديث القدسي لفظه من النبي وهذا هو الأضمن نقول معناه من
(9/10)

الرب واللفظ من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول غير القرآن من قول مثل ماذا؟ كقوله - صلى الله عليه وسلم - " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه "، " إنما الأعمال بالنيات " هذا من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، سنة قولية لأنها منقولة عن لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم -، من قول في القرآن قال بعضهم ولو كان أمراً منه بكتابته يعني يدخل في القول لو أمر بالكتابة " اكتبوا لأبي شاه " وأمر علياً يوم الحديبية أن يكتب إذاً هو داخل في السنة القولية، من قول ولو كان أمراً منه بكتابة كقوله - صلى الله عليه وسلم - اكتبوا لأبي
شاه "، وكأمره علياً بالكتابة يوم الحديبية، أو فعل هل إشارة إلى السنة الفعلية كماذا؟ كالطواف ومناسك الحج وكذلك الصلاة نقول هذه سنة فعلية كل ما حُكي من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج فهو سنة فعلية وكل ما حُكي من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة فهو سنة فعلية زاد بعضهم ولو بإشارة على الصحيح لو أشار نقول هذا سنة أو لا؟ نقول نعم هو سنة لأنه كالأمر به ولذلك جاء في حديث كعب بن مالك قال يا كعب قال لبيك يا رسول الله فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دينك، أشرا إليه إذاً هذه تعتبر سنة فعلية أم لا؟ تعتبر سنة فعلية، طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - على بعير فأشار إلى جهة الحجر الأسود هذه الإشارة تعتبر سنة فعلية أم لا؟ نقول تعتبر سنة فعلية كذلك إشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر ليتقدم في الصلاة حينئذ نقول أو فعل ولو كان بإشارة على الصحيح، فكل ما ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار به حينئذ نقول هذه سنة فعلية أو تقرير تقرير سيأتي تعريفه وهو ترك الإنكار على فعل فاعل أو تقرير يعني تقرير فعل غيره إذا فُعل بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو لم يكن بحضرته وبلغه علمه فسكت ترك الإنكار نقول هذا سنة تقريرية، لماذا؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقره كذلك إذا قيل قولاً بحضرته قيل قول بحضرته فكست النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بلغه فسكت يعني ترك الإنكار نقول هذه سنة تقريرية.
(9/11)

سأل الجارية أين الله؟ فقالت في السماء، أنكر عليها؟ أقرها، يسمى ماذا تقرير على قول أو على فعل؟ على قول قالت في السماء يعني في العلو حينئذ يسمى هذه سنة تقريرية كذلك أُكل أو أكل خالد بن الوليد الضب على مائدة النبي - صلى الله عليه وسلم - فسكت ترك الإنكار نقول هذه سنة تقريرية على فعل فُعل بحضرته، كذلك إذا حصل شيء في زمنه سواء بلغنا أنه علمه أو لا ولم يحصل إنكار نقول هذا أيضاً سنة تقريرية ولذلك جاء في حديث جابر كنا نعزل والقرآن ينزل لأنه لو لم يعلمه النبي يقول قائل كيف يعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الأمور الخاصة، لم يعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - نقول بلغ علمه من الله - عز وجل - لماذا؟ لأن كل مُنكر من القول أو الفعل يحصل في ذاك الزمن زمن التشريع زمن تنزيل الوحي زمن تنزل الوحي لا يمكن أن يقر على باطل لذلك لما بيت المنافقون ما يبيتون فضحهم الله - عز وجل - {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} النساء108، إذاً هذه فضيحة، لماذا؟ لأن هذا مما يخفى على النبي - صلى الله عليه وسلم - النبي لا يعلم الغيب {{قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} النمل65، حتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يعلم، حينئذ إذا خفي على النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه لا يخفى الله جل وعلا لأن الزمن زمن تشريع والسكوت عليه حينئذ يكون تقريراً وإقراراً من القول أو الفعل هذه ثلاثة أنواع سنة قولية وسنة فعلية وسنة تقريرية، بعضهم زاد وموجود في كتب المعاصرين سنة تَركية يصح أو لا يصح؟ يعين ما تركه النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلمنا أن تركه مقصود هل نتأسى به ونقول هذا سنة نتركه كما ترك؟ هذه نردها لما مضى والترك في صحيح المذهب، ولذلك إن ظهر أن الترك مقصود قلنا هذا كف فإذا كان كفاً صار فعلاً وإذا كان فعلاً صار سنة فدخل في قوله أو فعل خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بفعل قلنا منه ما هو ترك، فحينئذ الفعل يكون تركاً حتى في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه مكلف وخطابه يتعلق به ولذلك لو لم تظهر بدعة كما في المولد ونحوه لو لم تظهر نقول إذا لم يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا الصحابة الكرامة فالسنة عدم الفعل لماذا تفعل شيء ما تقرب به النبي ولم يتقرب به كبار الصحابة ولا القرون المفضلة نقول تركه سنة بصرف النظر نقرر هل هو بدعة أو لا يعني يكن وقَّافاً فعلاً وتركاً ولذلك التأسي كما ذكره غير واحد أن تفعل كما فعل لأجل أنه فعل وأن تترك كما ترك لأجل أنه ترك هذه قاعدة عظيمة وأطلب من طلبة العلم أني تعتنون بها أن تفعل كما فعل لا تقول واجب وسنة هل أأثم إذا تركت إلى آخره هذه تستخدم عند التعارض اختلطت عليك الأمور لا تستطيع أن تقدم وتأخر نقول هذا واجب هذا أول بالعناية مقدم على السنة أما إذا لم يحصل تعارض حينئذ لا يترك شيء فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -، الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى – يقول السؤال عن هذا واجب أو سنة الأمر هذا واجب أو لا نقول هذا بدعة نقول كان الصحابة إذا أمروا كانوا يمتثلون مباشرة ما يقفون يجادلون هذا أمر
(9/12)

تقصد به الإيجاب أو تقصد به الندب لم يرد عن الصحابة وإنما كانوا يُأمرون فيمتثلون أما إذا حصل تعارض حينئذ يرد السؤال من باب التخفيف على المكلف إذا وقع تعارض ازدحمت عليك الأعمال حينئذ تقول هذا سنة وهذا واجب والجواب مقدم أما متى ما أمكن فلا يبخل على نفسه أن يفعل كما فعل لأجل أنه فعل وأن يترك، إذاً من السنة ما هو ترك عبادة لم يفعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تفعلها؟ قربى لم يتقرب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا فعلاً ولا قولاً ولا أي أمر يتعلق به المكلف إذاً السلامة تكون في الترك لا في الفعل، أو تقريري إذاً هذه ثلاثة أنواع سنة قولية وسنة فعلية وسنة تقريرية، فالقول الفاء للتفصيل أراد أن يفصل لك القول وما يتعلق به والفعل وما يتعلق به والتقرير وما يتعلق فقال فالقول حجة قاطعة حجة بمعنى الدليل والسلطان والبرهان وآية وعلامة وأمارة كما سبق إذاً حجة قاطعة بمعنى أنها مُلزمة يجب على من سمعه إذا قيل من سمع قول النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا يختص الحكم بمن؟ بالصحابة رضي الله عنهم أما من عداهم فلا يشملهم الحكم ولو سمعه في المنام؟ ولو سمعه في المنام، حجة قاطعة يجب على من سمعه يعني سمع قول النبي - صلى الله عليه وسلم - العمل حجة قاطعة يجب العمل بمقتضاه يعني على حسب ما تقتضيه أو يقتضيه من وجوب أو ندب لماذا؟ إذاً ما حكم القول نقول إما أن يُباشره السامع أو لا يُباشره السامع يعني يسمعه بنفس فحينئذ يصير حجة قاطعة بمعنى لا يجب العمل بمقتضاه إن اقتضى إيجاباً وجب الامتثال وإن اقتضى ندباً اُستحب الامتثال لماذا؟ قال لدلالة المعجزة على صدقه هذا الذي قلناه سابقاً لدلالة المعجزة على صدقه يعني لماذا صار قول النبي حجة؟ لدلالة المعجزة على صدقه يعني على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني المعجزة التي عبّر عنها القرآن بالآية تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نبي وإذا كان نبياً فحينئذ يكون صادقاً لأن النبوة والرسالة تبليغ للشرع عن المُرسِل إلى مُرسَل إليه فحينئذ يمتنع أن يتخذ المُرسِل من هو كاذباً فأقام المعجزة على صدق المُرسَل لتصديق أخباره إذا أخبر والمعجزة هذه مُفعلة من أعجز الشيء أو معجزة اسم فاعل من أعجز يعجز فهو مُعجز وضابطها أنها كل أمر خارق للعادة يظهرها الله - عز وجل - على يد نبيه تأييداً له كانشقاق القمر وينبوع الماء من أصابعه هذه نقول معجزات والتعبير بالآيات هذا أوفق للقرآن أي الدليل على وجوب العمل بالسنة دلالة على صدقه - صلى الله عليه وسلم - وكل من دلت المعجزة على صدقه فهو صادق هكذا يقول المتكلمون وهم كاسمهم متكلمون وإلا لو وقفوا مع النصوص لما احتجنا إلى هذه وكل من دلت المعجزة على صدقه فهو صادق فهو - صلى الله عليه وسلم - صادق وكل صادق فقوله حجة فيكون قوله - صلى الله عليه وسلم - حجة وأحسن من هذا أن يُقال {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}، {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي} والاتباع يلزم منه ماذا؟ التصديق لو لم يكن صادقاً لم قال {فَاتَّبِعُونِي} لما أمره الله جل وعلا أن يقول {فَاتَّبِعُونِي} لو لم يكن قوله حجة
(9/13)

ملزمة للغير لما قال {فَاتَّبِعُونِي} إذاً عرفنا أن القول حجة قاطعة مُلزمة يجب العمل بهذا القول بما دل عليه القول سواء بالنص أو بالظاهر المقترن بقرينة أنه واجب الاتباع وأما واجب الفعل فما ثبت فيه أمر الجبلة سيقسم لنا الفعل ثلاثة أنواع وأما الفعل يعني فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي هو السنة الفعلية فما ثبت فيه أمر الجبلة جبلة وهو الخلقة والطبيعة كالقيام والقعود وغيرهما فلا حكم له يعني لا إيجاب ولا تحريم ولا ندب ولا كراهة بل يبقى على الإباحة لماذا؟ لأنه - صلى الله عليه وسلم - بشر كغيره يحتاج إلى القيام والقعود والنوم والأكل والشرب كل ذي روح يسعى في مثل هذه الأعمال وهذه ليست من باب التكليف يعني ليست من باب الخطاب بأمر أو نهي لم يُكلَف الخلق باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الأمور بل كلفوا باتباع أمره ونهيه فما ثبت فيه أمر الجبلة كالقيام والقعود وغيرهما كالأكل والشرب والنوم فلا حكم له لكن على كلام المصنف نقول بالنظر إلى ذاته لا بالنظر إلى صفته لأنه من حيث الصفة قد يتعلق به الحكم أليس كذلك الأكل من حيث هو أكل نقول هذا أمر جبلي لكن كونه مأموراً بأن يأكل باليمين منهياً أن يأكل بالشمال نقول هذه صفة تعلقت بأمر جبلي في الأصل حينئذ يكون الحكم مقيداً هنا فلا حكم له يعني بالنظر إلى ذات الأمر الجبلي وأما إذا تعلقت بالصفة النوم أمر جبلي لكن وردت الصفة أنه يذكر ربه وينام على طهارة ويضع على جنبه الأيمن إلى آخره نقول هذه صفات تعلقت بأمر جبلي إذاً من حيث الذات يكون لا حكم له ومن حيث ما تعلق به من صفة فهو له حكم وهو الندب هذا قول وقال بعضهم أنه يُندب الاقتضاء والتأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى في الأمور الجبلية وهذا عزاه إبراهيم أبو اسحق إلى أكثر المحدثين أكثر أهل الحديث أن الأمور الجبلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - يقتدي بها لعموم اللفظ {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} الأحزاب21، {فِي رَسُولِ اللَّهِ} يعني كل ما يصدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الظرفية ثم جيء بالرسول والرسول الأصل فيه أنه ذات إذاً {فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} بمعنى تأسوا به فهذا يدل على أن الأمر عام فكل ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمر جبلي أو غيره فالأصل فيه التأسي ولذلك جاء في الحديث (لكني أصوم وأفطر وأقوم وأرقد وأتزوج النساء) ثم قال (فمن رغب عن سنتي) الذي هو ماذا سنتي؟ النوم والقيام والأكل والصوم كل هذه سماها ماذا سماها سنة فحينئذ أطلق على بعض الأمور الجبلية أنها سنة فقال (فمن رغب عن سنتي) حينئذ يكون الأصل الاقتداء به مطلقاً وقيل مُباح وقيا ممتنع وقيل مباح على ما ذكره المصنف هنا فلا حكم له على أنه مباح وقيا ممتنع إذاً الفعل الجبلي من أفعال النبي اختلف الأصوليون فيه على ثلاثة أقوال الإباحة والامتناع يمتنع اقتداء به الثالث الندب وهو منسوب لأكثر أهل الحديث والأدلة تدل على الثالث، وما ثبت خصوصه به كقيام الليل فلا شركة لغيره فيه يعني وما كان خاصاً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - هذا مختص به لا يشاركه فيه غيره من أمته ولكن هذا
(9/14)

بالإجماع أنه لا يثبت إلا بدليل لابد من دليل يدل على أنه خاص به - صلى الله عليه وسلم - كالزيادة على الأربعة في النكاح كالوصال في اليومين في الصيام مثلاً كقيام الليل في وجوبه على القول بأنه غير منسوخ نقول هذه كلها خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والزواج بالهبة دون مهر {وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} الأحزاب50، هذا دليل على أنه خاص فحينئذ الحكم لأمته عدم المشاركة لا يستوون لا يقلدون النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يتأسون به فحينئذ تكون هذه المخصصة لقوله تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} هذه الآية نقول مخصوصة بالأفعال أو الأحكام التي اُختص بها النبي - صلى الله عليه وسلم - دون غيره من سائر أمته وإن الأصل الاستواء كما سيأتي.
(9/15)

إذاً وما ثبت من الأفعال خصوصيته للنبي - صلى الله عليه وسلم - دون غيره وهذا لا يكون إلا بدليل كقيام الليل والوصال في الصوم ونكاح ما زاد عن الأربعة والنكاح بلفظ الهبة مع دون مهر فلا شركة لغيره من أمته فيه في هذا الحكم الشرعي الثابت للنبي - صلى الله عليه وسلم - وليس منه على الأصح إذا خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته بأمر ثم فعل خلافه بعض الأصوليين وبعض الفقهاء إذا جاء لفظ عام يختص بالأمة لفظ عامك موجه للأمة ثم ثبت بدليل آخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل خلافه يقول ما فعله النبي هذا خاص به وهذا خاص بأمته نقول هذا ليس بالصحيح " لا تستقبلوا القبلة ولا بغائط ولا تستدبروها " هذا خطاب عام والأصل أن الخطاب العام للأمة يشمل النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأصل كل حكم شُرع للأمة فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يشمله إلا بدليل إذا ثبت، ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث ابن عمر قضى حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة هل هذا يعتبر مخصصاً أم لا؟ هل نحمله على التخصيص أو على الخصوصية؟ هذا هو محل النزاع بعضهم كالشوكاني - رحمه الله تعالى - في نيل الأوتار يقول صفحتين ثلاثة تجد هذه القاعدة نقول هذا عام للأمة وهذا خاص به نقول هذه قاعدة فاسدة ليست بصحيحة لأنها مخالفة لقوله تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تأخذ الأصل معك الأصل التأسي ولا خصوصية إلا بدليل يعني أن تقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فعلاً وطرحاً إيجاباً وندباً تحريماً وكراهة هذا هو الأصل والأصل الثاني لتستصحبه معك وهذا يفيدك في دراسة الفقه الأصل الثاني أنه لا خصوصية إلا بدليل أن يرد نص أن هذا للنبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال تعالى {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} ولذلك بعضهم يستدل بأن الأصل للتأسي مع الآية السابقة بقوله جل وعلا {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} الأحزاب37، والأصل يقول عليك لم عدل وقال على المؤمنين؟ لأن الأصل يتأسون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فدل على أن الأصل التأسي {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} الأحزاب37، لأنك قدوتهم وأسوتهم يفعلون كما تفعل وهذا هو الأصل أن تضم هذه الآية مع الآية السابقة فحينئذ نقول إذا ورد لفظ عام وورد ما يخالفه من فعل النبي نقول هذا تخصيص لا خصوصية ولذلك قال الجمهور على أن الحكم هنا خاص بالبناء دون الفضاء وهذا هو الأرجح والأصلح.
(9/16)

وما ثبت خصوصه أو خصوصيته به - صلى الله عليه وسلم - كقيام الليل فلا شركة لغيره فيه، النوع الثالث من أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما فعله بياناً لمُجمَل يعني له ارتباط بالقرآن أو بحديث آخر فيه إجمال ما فعله بياناً لمجمل قد يأتي اللفظ مجملاً محتمل لأمرين فيفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد الاحتمالين فنقول هذا بيان لمجمل وما فعله بياناً لمجمل والبيان إما أن يقع بالقول وإما أن يقع بالفعل كما سيأتي في باب المجمل إما بالقول كقوله - صلى الله عليه وسلم - ((صلّوا كما رأيتموني أصلي)) هكذا مثَّل المصنف كغيره من الأصوليين أن هذا فيه بيان لكيفية الصلاة بالقول لكن هل يُسلّم {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ َ} هذا مجمل فيه إجمال، الصلاة ما هي؟ لو يرد من السنة تبيين الصلاة ما استطعنا الامتثال {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ َ} أي صلاة هذه ماذا نصنع، إذاً لابد من أفعال تُفسَر وأقوال تُفسَر وشروط إلى آخره جاءت السنة مُبينة هل صلوا كما رأيتموني أصلي مبينة لـ {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ َ}؟ أو إحالة على مُبين؟ إحالة إذاً قوله ((صلّوا كما رأيتموني أصلي)) ليس فيه بيان وإنما هو إحالة على المُبين كما رأيتموني إذاً هو الرؤية أمر يُدرَك بالحس فحينئذ حصل بيان قوله جل وعلا وأقيموا الصلاة بفعله - صلى الله عليه وسلم - والإحالة حصلت بقوله ((صلّوا كما رأيتموني أصلي)) إذاً التمثيل بقوله ((صلّوا كما رأيتموني أصلي)) بأنه مُبين لقوله تعالى {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ َ} نقول فيه نظر بل الصواب أن هذا ليس بمُبين وإنما هو إحالة على المُبين وهو الفعل لأنه بين الصلاة بقوله وبفعله وهذا ليس منها والأصح أن يُقال قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما سقت السماء العُشر هذا بيان لمُجمل قوله تعالى {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} الأنعام141، حقه ما هو؟ هذا فيه إجمال لكن قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما سقت السماء العشر نقول هذا فيه نوع بيان، فحينئذ بُيّن النص {وَآتُواْ حَقَّهُ} المُجمل بقوله - صلى الله عليه وسلم - إذاً المثال الصحيح هو ما ذكرناه أو يحصل البيان بالفعل كقطع يد السارق من الكوع قوله جل وعلا {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} المائدة38، يقول المصنف أيدهما فيه إجمال لماذا؟ لأنه يحتمل هي من الكف أو من المرفق أو من الكتف؟ يحتمل أولا؟ على ما يذكره الأصوليون يحتمل، على قول من يرى أن اليد في اللغة تطلق على اليد من الأصابع إلى الكتف نقول هذا مجمل {فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} إذاً يحتمل فجاء فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بكونه قطع يد السارق من المفصل إلى الكوع نقول هذا وقع بياناً لمُجمل بالفعل، والصحيح أن الآية ليست فيها إجمال لأن الأصل في إطلاق اليد في لغة العرب هي من الأصابع الأطراف إلى الكوع ولذلك قال هناك {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} المائدة6، وفي التيمم قال {فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} النساء43، أطلق وَأَيْدِيكُمْ يُحمَل على ماذا؟ على معناها اللغوي وهو إلى المفصل لما أُريد الزيادة على مدلولها اللغوي قال إلى المرافق في آية الوضوء واضح الاستدلال؟ نقول قوله جل
(9/17)

وعلا {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} كثير من الأصوليين يمثلون ببيان المجمل لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الآية نقول والصواب أن اليد في اللغة تطلق على الكف فقط بدليل آية بالرجوع إلى كتب اللغة وبدليل آية الوضوء لأنه قال {اغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} جاء بـ (إلى) للزيادة على الكف ولما كان المراد في التيمم هو الضرب بالكف فقط قال {فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} ما قال إلى الكوع لو كانت اليد تطلق إلى المرفق أو إلى الكتف لحسن أن يُقال (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إلى الكوع) كما قيده هناك إلى المرافق، إذاً نقول هذا التمثيل ليس بصواب بالصحيح أن يُمثل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين بفعله المناسك {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} آل عمران97، حج هذا مُجمل جاءت السنة ببيان كما في حديث جابر بينت السنة بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - السنة الفعلية بينت المجمل الذي وقع في الآية، إذاً عرفنا أن من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يقع بياناً لمُجمل، قال فهو معتبر اتفاقاً في حق غيره فهو الضمير يعود على فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا وقع بيانا لمجمل هذا هل يختص به النبي - صلى الله عليه وسلم - أم غيره يشركه فيه؟ الثاني أم الأول؟ الثاني لأنه قال فهو معتبر أي فعله - صلى الله عليه وسلم - البيان الواقع لمجمل معتبر اتفاقاً في حق غيره، غيره من الأمة لأنه تشريع داخل في عموم قوله {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ} النحل44، لأنه تشريع النبي - صلى الله عليه وسلم - مُبلغ مُبين {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} الشورى48، {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} النحل44، حينئذ إذا وقع مجمل في القرآن فبينه بقوله أو فعله - صلى الله عليه وسلم - حينئذ نقول يستوي هو في الحكم وأمته معه، إذاً لا يختص به ليس له كالأمر الجبلي الذي لا حكم له وليس كما هو من خصوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما ثبت خصوصيته بل يكون عاماً بينه وبين أمته، فحينئذ ما وقع لأمته من الخطاب فهو داخل فيه ولا إشكال في هذا، وما كان خطاباً له فأمته تشركه فيه يعني إذا وُجه الخطاب للأمة فحينئذ نقول النبي - صلى الله عليه وسلم - يشمله الحكم لأنه واحد وفرد من الأمة كذلك إذا وُجه الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولو بالنداء أمته في الحكم كهو - صلى الله عليه وسلم - وذلك جاء قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء} الطلاق1، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} هو واحد ثم قال {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء} لماذا عدد الجمع؟ لأن الخطاب {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} أنت وأمتك إذاً إذا طلقتم النساء هذا على بابه أو لا على بابه لأن الأمر للنبي أمر لأمته وجاء {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ} التحريم1 - 2، لماذا لَكُمْ؟ لأن
(9/18)

الأمر موجه للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته معه سواء حينئذ كل خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولم تثبت خصوصية فالأمة مثله وكل خطاب للأمة فالنبي - صلى الله عليه وسلم - فرد منها - صلى الله عليه وسلم -، إذاً فهو معتبر اتفاقاً بين العلماء في حق غيره من الأمة لكن ما كان المُبيَن فيه واجباً فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذ حكمه ما كان مستحباً فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذ حكمه لأنه يرد السؤال إذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبين المجمل بقوله وفعله ما حكم القول نفسه والفعل؟ نقول ننظر إلى المجمل ننظر إلى المُبيَن إن كان واجباً ففعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقلوه واجباً إن كان المُبيَن مستحباً ففعله - صلى الله عليه وسلم - مستحب يأخذ حكم المُبين {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} المائدة6، مسح كل الراسي نقول مسح كل الرأس من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا واجب {فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} إلى قالوا هذا فيها إجمال هل المرافق داخلة أو لا؟ نقول غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - المرافق إذاً حصل بيان المبين للمجمل فيأخذ ككمه وغسل اليدين واجب فيكون إدخال المرافق في الغسل واجب، {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} البقرة125، طاف - صلى الله عليه وسلم - ثم صلى ركعتين عند المقام نقول سنة لماذا؟ لأن الأصل أنه مبين للسنة فيأخذ حكمه، إذاً قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله - صلى الله عليه وسلم - إذا وقع بياناً لمجمل أخذ حكمه إن كان المجمل واجباً فالفعل والقول واجباً إن كان مستحباً فالفعل والقول مستحباً.
(9/19)

وما سوى ذلك فالتشريك، فإن عُلم حكمه وإن لم يُعَلم: قسمه لك قسمين وما سوى ذلك ذلك المشار إليه الجبلي والخاص وما فعله بيانأً ترك واحدة فقط وهو ما احتمل الجبلي والتشريعي لأنها قسمة رباعية جبلي قطعة كالأكل والشرب محتمل للجبلي والتشريعي كجلسة الاستراحة ما سماها النبي جلسة الاستراحة وإنما سماها الفقهاء ولذلك بعضهم قال جلسة الاستراحة للاستراحة فقال ليست بتشريع لأنها معلومة الحكمة ليست من باب التعبد، جلسة الاستراحة محتملة أن تكون من باب التعبد ويحتمل أنها من باب أنه يستريح أنه صلى ركعة فأراد أن يقوم فاستراح لأنه أريح له - صلى الله عليه وسلم - لذلك تقول عائشة حاطبه الناس يعني لما كان في آخر الزمن فهل محتمل ما حكمه؟ إذا احتمل الجبلي والتشريع نقول إذا قلنا في الجبلي هناك أنه ندب فلا إشكال استوى الحكم إذا ذكرنا هناك في الجبلي كما في أمر الجبلة أنه نُسب إلى أكثر الحديث أنه مندوب إذاً لا إشكال فتكون جلسة الاستراحة سنة وتكون الحج على الدابة سنة ويكون النزول في المحصن سنة لماذا؟ لأنه هذا مما احتمل الجبلية والتشريع فحينئذ يستوي الحكم فيهما فيكون ندب، كذلك لبس العمة هل دعا الناس إليها؟ هل لبس العمة فقام على المنبر ودعا الناس إلى هذا نقول لا فيبقى أنها من السنن العادية يعني يُتأسى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبها مُثاب لأن الأصل التأسي ثم تبقى دعوة الناس إلى مثل هذه الأمور نقول أن الأصل أنا ما دعا إليه النبي يُدعى إليه وما لم يدعو إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - نقول نتأسى أنه فعل نفعل كما فعل لأجل أنه فعل ثم تبقى أنه ترك الدعوة إلى مثل هذه الأمور فيبقى الأصل التشريع ثم بعد ذلك تقول هذه المصلحة تقتضي الدعوة أو لا إلى آخره، فالمسالة محتمل.
(9/20)

إذاً نقول ما كان محتملاً للجبلية والتشريع الأصل أنه الندب لماذا؟ لأنه محول على القول السابق في الأمور الجبلية أما جلسة الاستراحة فهي ثابتة بالنص ليست محتملة الصواب أنها ثابتة بالنص ولذلك جاء في حديث مالك (صلوا كما رأيتموني أصلي) وهو راوي كما في صحيح مسلم هو راوي جلسة الاستراحة التي يُقال عنها جلسة الاستراحة، إذاً هي مأمور بها داخلة في قوله - صلى الله عليه وسلم - (صلوا) هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب هذا الأصل لكن لكونها نقلت في بعض المواضع لم تُنقل حينئذ نقول الأصل السنية إذاً ثابتة بالنص وبالفعل، وما سوى ذلك أي الجبلي والخاص به - صلى الله عليه وسلم - وما فعله بياناً فالتشريك يعني فحكمه التشريك بينه وبين أمته ثم قسم لك هذا قسمين إما أن يُعَلم حكمه أو لا يعني يفعله - صلى الله عليه وسلم - ويُنقَل أنه فعله على جهة الوجوب أو يُنقل أنه على جهة الاستحباب أو أنه فعله ولم يُنقل حكمه إذاً قسم لك ما سوى الجبلي والخاص وما وقع بياناً إلى قسمين فإن عُلم حكم من أفعاله - صلى الله عليه وسلم - من الوجوب وإباحة وغيرهما بدليل القرآن مثلاً أو بدليل سنة أخرى أو بفهم الصحابة رضي الله عنهم فكذلك يعني فإن أمته مثله في الحكم ما كان واجباً عليه - صلى الله عليه وسلم - فهو واجب على أمته وما كان مستحباً فهو مستحب على اتفاق قال اتفاقاً لقوله جل وعلا {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} الحشر7، هذا ما فعله ولم يكن جبلياً ولا خاصاً ولا بياناً وعُلم حكمه أن واجب إمام بدليل آخر وإما بفهم الصحابة فنقول داخل في عموم قوله جل وعلا {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} وإن لم يُعلَم هذا ما يُعَبر عنه بالفعل المجرد عند الأصوليين يُعَبر عنه بالفعل المُجرد يعني فُعل ولم يُعلم حكمه ففيه روايتان عن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى – إحداهما أن حكمه الوجوب كقول أبي حنيفة وبعض الشافعية ونُسب إلى مالك - رحمه الله تعالى – أن حممه الوجوب علينا وعليه - صلى الله عليه وسلم - لماذا؟ لقوله تعالى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب حينئذ ما لم يُعلَم حكمه فهو واجب في حقه وفي حقنا، لكن هنا في مثل هذا نقول الأصح التفصيل ما توقف عليه البلاغ على الصحيح أنه واجب وإلا فندب وأما في حقنا فالأصلح أنه مندوب لما سيذكره، إذاً أن حكمه الوجوب علينا وعليه - صلى الله عليه وسلم - هذه الرواية الأولى عن الإمام أحمد وهي مرجحة المذهب عند أكثر أصحابه الوجوب احتياطاً والأخرى الندب لثبوت رجحان الفعل دون المنع من الترك لأن الموجوب والندب اشتركا في مطلق الطلب إذاً هذا مشترك إذاً الطلب أرجح من الترك والواجب يمنع الترك والمندوب يجيز الترك فحينئذ أيهما أدنى وأيهما أعلى الندب أدني من الواجب ولا شك لأن الواجب والندب كل منهما مطلوب الفعل إلا أن الندب يمنع الندب لا يمنع الترك والواجب يمنع الترك وما لا يمنع أخف مما يمنع وما لا يمنع أدنى مما يمنع فحينئذ قال هنا لثبوت رجحان الفعل لكونه ندباً دون المنع من الترك الذي هو لازم للواجب لأن الذي يمنع من
(9/21)

الترك هو الواجب ما يُثاب على فعله ويُعاقب على تركه إذاً مُنع من الترك وما لا يمنع من الترك هذا حمل الفعل المجرد عليه أحوط لماذا لأنه أدنى ثبت شرعية فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأدنى مراتب التشريع من جهة طلب إيجاد الفعل هو الندب فحينئذ يكون اليقين ولا يُحمَل على الأعلى وهو الواجب إلا بدليل وهذا أرجح، أما في حقه - صلى الله عليه وسلم - فيكون واجب يتوقف عليه البلاغ {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} المائدة67، إذاً توقف البلاغ على فعل أو على قول نقول واجب في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - ويكون في حق أمته ندباً هذا إذا لم يُعلَم حكمه نقلاً عنه والأخرى الندب لثبوت رجحان الفعل دون المنع من الترك الذي هو لازم للواجب أي أن الفعل أرجح من الترك لأنه فعله له - صلى الله عليه وسلم - يدل على مشروعيته وأقل أحوال المشروع الندب إما واجب وإما ندب أقل أحوال القربى الندب، وقيل الإباحة حملاً على اقل الأحوال ولذلك ثبت أن بعضهم يقول الجائز هذا يُطلق على الواجب والندب أباحة وهي والجواز قد ترادفا في مطلق الإذن قلنا يشمل الواجب والندب والإباحة، أدنى المراتب الثلاث هي الإباحة حينئذ إذا اشتبه علينا حكم الفعل نقول الأدنى لأنه اليقين ولا يعلى للأعلى إلا بثبت فقالوا الإباحة لكن هذا ضعيف، وتوقف المعتزلة المعتزلة توقفوا لتعارض قالوا يحتمل أنه واجب ويحتمل أنه مندوب فحينئذ توقفوا المعتزلة لا ثبات غليهم، والوجوب أحوط يعني مطلقاً لكن هذا ليس بالصواب الأصح التفصيل أنه في حق الأمة سنة وفي حق - صلى الله عليه وسلم - إن توقف عليه البلاغ فحينئذ فهو واجب لكن تصور المسألة على وجهها الصحيح المراد فعل لم يُنقل حكمه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل فعلاً ما وليس عليه دليل من قول أو غيره مما يؤيد ندبيته أو وجوبه يعني صورة المسألة في فعل لم يقترن بما يدل على الندب وفي فعل لم يقترن به ما يدل على الوجوب نُقل إلينا فعل فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ما حكمه؟ نقول لم يُنقل حكمه إذا نقول الأصل ماذا؟ الأصل أنه مندوب لأن أصل التشريع والأصل التأسي، ثم قال وأما (تقريره) تقريره - صلى الله عليه وسلم - وهو النوع الثالث السنة التقريرية وهو ترك الإنكار على فعل فاعل أو قوله يعني قيل بحضرته قول فلم ينكر ترك الإنكار أو فُعل بحضرته فعل وترك الإنكار كذلك لو بلغه في زمنه حصل شيء ما فبلغه نقول هذا تقرير إما بالسكوت وإما بالحديث وأما تقريره وهو ترك الإنكار لم يُنكر - صلى الله عليه وسلم - على فعله فاعل أو على قوله فإن عُلم علة ذلك كالذمي على فطره رمضان فلا حكم له أما التقرير فنقول هذا عند أكثر أهل العلم أنه حجة يعني يُحتج به هل يحتج بتقرير النبي على إثبات السنة؟ نقول نعم والصواب نعم بل حكى ابن حجر - رحمه الله تعالى – الإجماع على ذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - لا يسكت عن منكر يُفعَل بحضرته لأنه معصوم لأنه إذا سكت معناه أنه مشارك لهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر فإذا سكت عن منكر معناه أنه مشارك وهذا معصوم عنه - صلى الله عليه
(9/22)

وسلم - حينئذ يمتنع أن يسكت عليه - صلى الله عليه وسلم - وهو معصوم عن ذلك، ترك الإنكار على فعل فاعل وقد ذكرنا مثالين للفعل والقول فإن عُلم علة ذلك يعني لو نُقل وترك الإنكار لكن نُقل علة سبب قال كالذمي يعني فله عذر خاص ذمي شرب الخمر ترك الصيام في نهار رمضان ولم ينكر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - نقول جائز له لأنه لا يسكت على منكر؟ نقول لا هذا له عذر خاص والعذر هذا أخرج كونه مقرا عليه من جهة الشرع كالذمي له عذر خاص على فطره رمضان فأفطر في رمضان فسكت عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - هل نقول سنة تقريرية؟ لا نقول هذا فلا حكم له يعني لا يدل على الجواز وإلا دل على الجواز يعني وإلا نعلم على تركه الإنكار علة أو سبب خاص كان ذلك دليل على الجواز إذاً كأنه يقول ترك الإنكار من النبي - صلى الله عليه وسلم - له حالان إما أن يترك الإنكار بعذر خاص يتعلق بفعل الفاعل فحينئذ لا يدل على الجواز وإما ألا نعلم ذلك فحينئذ يدل على الجواز لعموم قوله جل وعلا {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ} الأعراف157، ونقف عند هذا.
(9/23)

عناصر الدرس
* المتواتر والآحاد
* حكم العمل بخبر المتواتر.

الدرس العاشر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد ننبه على مسألة ذلك مما يُؤخَذ على الشروحات المختصرة أنه قد يختصر الكلام وقد لا تتضح المسألة عند البعض ذكرنا وقلنا أن القرآن فيه محكم ومتشابه ذكرنا أن الله - عز وجل - وصف القرآن بأنه محكم كله وبأنه متشابه كله ووصفه بأنه محكم بعضه وبعضه متشابه وكنا قد ذكرنا الآية قوله جل وعلا {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} النساء82، كثيراً هذا نعت لاختلافاً، والنعت في الأصل أنه مُؤسس يعني مما يؤتى به هذا في لغة العرب ووصفه للكشف والتأسيس أو ......
(10/1)

إذاً هذا الأصل أنه يُؤتى به لكونه مؤسس بمعنى أنه مُحتَرز به عن غيره وقوله {اخْتِلاَفاً كَثِيراً} يُفهَم منه أنه ثم اختلاف يقع فيه لكن الاختلاف الذي يقع ليس هو الاختلاف الذي يظنه المشرك والذي يبحث عنه المشرك وهو اختلاف التناقض واختلاف التضاد ولكن قد يُفهَم من بعض النصوص ما ظاهر التعارض وهذا أثبته الله - عز وجل - {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} آل عمران7، هذه القسمة من أين جاءت؟ من السماء مال المراد بالمحكم المراد به أنه هو الذي اتضح معناه والمتشابه الذي لم يتضح معناه وإذا عُلم أن شيء في القرآن لم يتضح معناه ما الذي يترتب عليه اتفاق أم اختلاف؟ اختلاف هذا أمر واضح لذلك قال {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} آل عمران7، {مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} اتبعوا القرآن أو لا؟ اتبعوا القرآن إذاً وقع الخلاف بسبب موافقة بعض القرآن لكن لا على وجه الشرع، الحكمة في وجود المتشابه هو ابتلاء الخلق {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} نقول اتبعوا القرآن وهذا قطعاً لقوله {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} يعني ,آيات أخر متشابهات {فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ} ثم القسم الثاني الذي يقابل هذا القسم من؟ الراسخون في العلم ماذا قالوا؟ {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} آل عمران7، لماذا؟ لذلك نصَّ من كتب في عقيدة السلف أن الفرق بين أهل البدع أو من أصول ما يفارق أهل البدع أهل السنة أن أهل السنة حملوا المتشابه على المحكم وأهل البدع حملوا المحكم على المتشابه لذلك قالوا من حمل المتشابه على المحكم اهتدى ومن حمل المتشابه على المحكم رد المتشابه الذي لم يتضح معناه رده وفسره المحكم اهتدى ومن عكس ضل كل أهل البدع لما يستدلون لذلك قل تجد خاصة في بعض المبتدعة خاصة في الصفات لابد وأن تجد قال الله وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لابد أن يستدلوا بهاذ هم لا يقولون لا يُعتَمد عليه مطلقاً – لا – هم مسلمون أو يدعون الإسلام وبعضهم يدعي الإسلام إلى آخره حينئذ إذا ثبت في القرآن ما هو متشابه حينئذ نقول مدلول هذه الآية هي المشار إليها في آية النساء {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً}، إذاً ثم اختلاف لكنه ليس بكثير وهذا الاختلاف المنفي اختلاف التضاد والاختلاف الذي يوجد في القرآن اختلاف حاصل عن التشابه حينئذ لا اختلاف بعضهم يقول أنت وردت الآية في معرض الكلام على المحكم والمتشابه قد يقهم البعض أن في القرآن ما هو خلاف تضاد هذا لا يقول به أحد ولذلك نقول وُصف القرآن بالإحكام العام، ما المراد بالإحكام العام؟ أنه متقن من حيث الجودة في الألفاظ والمعنى أعلى تراكيب البلاغة إلى آخره {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} الأنعام115، صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام حينئذ
(10/2)

نقول الخلاف الذي يمكن أن يوجد في القرآن منشأه التشابه الذي أثبته الله - عز وجل -، الله الذي أثبت التشابه نقول آمنا به لا ننفي شيئاً من أجل أن نقول مثلاً عظمة القرآن – لا ننفي هذا أن يكون كلام الله - عز وجل - ومكانة القرآن وعظمة القرآن ونثبت ما ذكر الله - عز وجل - ولذلك أهل البدع ينزهون الله - عز وجل - بنفي الصفات كلهم عقيدتهم واحدة مبناه على الاستحالة العقلية نفياً أو تنزيهاً لله - عز وجل - عما لا يليق به {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} طه5، قالوا لا نفهم الاستواء المخلوق تعالى الله فنفوا الصفات {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} المائدة64، قالوا تعالى الله لا نفهم من هذه الآية إلا اليد التي هذه فقط، حينئذ قالوا لن ننزه الله - عز وجل - نقول إذاً ننزه القرآن نثبت ما أثبته الله - عز وجل - فإذا أثبت أن في القرآن ما هو متشابه وأن المتشبه هذا قد يأخذ بعض أهل البدع أو بعض الأهواء أو من أطلق الله عليهم بأنهم أهل الزيغ حينئذ لا نرد ما أثبته الله تعالى، فنقول رد المتشابه على المحكم القرآن فيه محكم واضح المعنى بيّن لا يختلف فيه اثنان وفيه متشابه يحتمل كيت وكيت ولكن نفسره خاصة في الغيبيات نفسره بما جاء محكماً في المواضع الأخرى والحمد لله نثبت الله ما أثبته ونُنفي ما أنفاه الله - عز وجل -. وهذه الآية التي هي في آل عمران هي الإشارة إليها بقوله كثيرة هناك وهذا كلام أيضاً يقرره الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله تعالى - سمعته مراراً يقول قوله جل وعلا {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} يقول هذا نعت للاختلاف يعني فيه بعض الاختلاف وهذا رأي عال مُحرر ومُحقق، إذاً نقول في القرآن ما هو متشابه وما هو محكم، ثم شرعنا في السنة وذكرنا بعض المتعلقات السنة المثال التي ذكرها المصنف أن السنة ما ورد عن النبي من قول غير القرآن أو فعل أو تقرير فالقول وبينه والفعل وبينه والتقرير وبينه ثم انتقل إلى مسألة بعد أن بين لك ما هي السنة وما موقف المُكلَف من السنة القولية ومن السنة الفعلية ومن السنة التقريرية.
(10/3)

كيف تصل إلينا السنة؟ قال لنا طريقان إذاً قوله ثم العالم بذلك منه أي من النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا شروع من المصنف - رحمه الله تعالى – في تقسيم السنة من حيث بلوغها إلى الناس إذا قيل السنة مصدر من مصادر التشريع وهي مصدر من مصادر الأحكام الشرعية العملية والعقدية حينئذ كيف نثبت هذه السنة كيف وصلت إلينا قال ثم العالم لذلك منه ثم العالم بذلك يعني بقوله - صلى الله عليه وسلم - من سمع قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو رأى فعله أو رأى تقريره منه من النبي - صلى الله عليه وسلم - الضمير يعود على النبي - صلى الله عليه وسلم - له طريقان إما بالمباشرة أو بغير المباشرة إما أن يرى ويسمع وإما أن يصل إليه بطريق الخبر يرى ويسمع هذا واضح أنه خاص بالصحابة رضوان الله عليهم لأن من سمع قول النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة هو الصحابي ومن رأى فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الصحابي ومن رأى تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الصحابي ومن يصل إليه بواسطة هو من بعد الصحابي من كان الصحابة وسيلة في تبليغ الشرع إليه إذاً ثم العالم لذلك منه لذلك السنة بأنواعها الثلاث منه - صلى الله عليه وسلم - بالمباشرة إما بسماع القول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه أو رؤية الفعل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أو رؤية تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم -، قيل قول عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأى صحابي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سكت وترك الإنكار إذاً يستفيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر هذا القول وأنه جائز حينئذ نقول قد وقف الصحابي على تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمباشرة إذا عرفنا ذلك أن الصحابي يباشر السنة بأنواعها الثلاثة قال فقاطع به أي العالم بما ذُكر قاطع بحصوله من الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيكون حينئذ حجة قاطعة في حقه لا يسوغ أبداً خلافهاً إلى بنسخ أو جمع بين متعارضين فمن سمع قول النبي - صلى الله عليه وسلم - صار القول حجة قاطعة في حقه لا يجوز تركها أو خلافها إلا بدعوى نسخ عند الصحابي أو تعارض هذا القول مع قول آخر أو مع فعل آخر، فقاطع به إذاً عرفنا أن المباشر للسنة النبوية فعلاً أو قولاً أو تقريراً أن حكمها الوجوب وجوب العمل وحكم هذا الوجوب أنه قطعي لا ظني وغيره أي غير الصحابي أو غير المباشر غيره يعني غير العالم بالسنة مباشرة وهو من وصلت إليه السنة بواسطة بقطع النظر عن طول هذه الواسطة أو قصرها ما حكمه؟ قال إنما يصل إليه بطريق الخبر عن المباشر لذلك يُقال أول الإسناد وآخره أول الإسناد من جهة البخاري مثلاً وآخره من جهة الصحابي ولابد أن يكون متصلاً إلى الصحابي وإلا كان فيه قطع أو عُد فيه عيب أو خلل في السند، وغيره إنما يصلي يعني يصل إليه العلم بالقول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو فعله أو تقريره بطريق الخبر عن المباشر فف إذا كان وُجد واسطة بين المباشر وبين من نُقل إليه الخبر بواسطة ذلك المباشر أو المباشر عن غيره فيتفاوت في قطعيته بتفاوت طريقه إذا كان في حق المباشر الحكم قطعي لا يجوز الخلاف فف يورث اليقين اليقين حجة قاطعة بمعنى أنه أفاد العلم
(10/4)

اليقين أو العلم الضروري الذي لا يجوز خلافه البتة كما سيأتي في كلام على التواتر، أما من ثبتت الواسطة بينه وبين المباشر وبينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذ تتفاوت الأحكام هل هو قطعي أو ظني يختلف باختلاف تلك الواسطة يختلف باختلاف تلك الواسطة لا نقطع بكونه قطعي الدلال أو قطعي الثبوت كما قطعنا في المباشر لأنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة لا يمكن أن يحتمل أن يكون الفعل غير فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ويسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة لا يمكن أن يحتمل أنه يسمع من غير النبي - صلى الله عليه وسلم - ويرى السكوت حينئذ صار الحكم قطعياً في حقه لا يجوز الخلاف أبداً إلا بدعوى نسخ أو جمع بين متعارضين أما غيره فلا لوجود الواسطة ولكون هذه الواسطة من البشر ومعروف من النقص والنسيان وبعضهم الكذب إلى آخره والغفلة حينئذ لا يمكن أن يُقطَع بكون هذا القول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ليس بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - بل سيتفاوت في قطعيته وهذا مُسَلَّم حساً وعقلاً وشرعاً يعني يدل على تفاوت الحكم بالقطع أو الظن الحس ويدل كذلك الشرع ويدل أيضاً العقل، فيتفاوت في قطعيته بتفاوت طريقه والحكم حينئذ يكون مرتباً على الواسطة التي نقلت إلينا الخبر فلابد من نظر في تلك الواسطة لابد من النظر للعدد هل وصلت إلى حد التواتر أو لا حينئذ يُنظَر فيه على ما يذكره المصنف.
(10/5)

فيُتفاوت في قطعيته بتفاوت طريقه لماذا؟ لأن الخبر الذي ينقله إلينا تلك الواسطة يدخله الصدق والكذب لأنه خبر هو ينقل الخبر ونحن لم نقطع بأنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو فعله أو تقريره حينئذ نقول هذا خبر من الأخبار وأي خبر من الأخبار فحينئذ يحتمل الصدق ويحتمل الكذب لذاته لذلك لو قيد المصنف لذاته لكان أولى لأنه خبر كأنه قال لأنه خبر لماذا تفاوت من جهة القطع وعدم القطع؟ نقول لأنه خبر وإذا كان خبراً فحينئذ يحتمل الصدق والكذب لذاته يحتمل الصدق بمعنى أنه مطابق للواقع ويحتمل تطابق الواقع للصدق الخبري وكذبه عدمه في الأشهر يحتمل للصدق والكذب وخبر وغيره الإنشاء ولا ثالث قر، تطابق الواقع صدق الخبر وكذبه عدمه في الأشهر هكذا قال السيوطي في عقود الجمان، إذاً تطابق الواقع هذا هو صدق الخبر، متى يكون الخبر صادقاً؟ ننظر في الخبر فإذا به قد طابق الواقع؟ قدم زيد هذا خبر يحتمل أنه صدق ويحتمل أنه كذب إذا بالفعل وقع أن زيد قدم حينئذ نقول الخبر صادقاً لماذا؟ لأنه له مدلول حسي في الخارج أُدرِك قدم زيد فترى زيد نقول هذا الخبر صادق لأنه طاب الواقع، قدم زيد فإذا بك تبحث ولم يقدم زيد إذاً لم يطابق الواقع نقول هذا كذب لكن لابد من التقييد بذاته لأن الخبر قد يُقطع بصدق وقد يُقطَع بكذبه وقد يستوي الأمران وهو الذي ذكرها المصنف قد يُقطع بصدقه حينئذ نقول خرج عن حد الخبر ما احتمل الصدق والكذب هذا هو الخبر ما احتمل الصدق والكذب هذا هو الخبر إذا لم نقل لذاته أخبار الله - عز وجل - نقول تحتمل؟ لا تحتمل بل هي مقطوع بصدقها {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً} النساء122، إذاً مقطوع بصدقها، خبر مُدعي النبوة أو الرسالة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - مقطوع بكذبه هل نقول أنه خبر يحتمل الصدق والكذب؟ لا إذاً لابد أن نقول لذاته لقطع النظر عن قائله لأننا قطعنا بصدق خبر الرب جل وعلا بنسبته إلى قائله لما نظرنا إلى أن هذا كلام الله {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً} النساء122 إذا قلنا هذا لا يحتمل إلا الصدق وكذلك لما نظرنا إلى مسيلمة بعد النبي ولا نبي بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعنا بأنه كذب لكن لذات الخبر دون النظر إلى القائل ودون النظر إلى أمر خارج يُفسر الخبر نقول يحتمل الصدق والكذب حينئذ نقول الأخبار ثلاثة ما قُطع بصدقه كخبر الرب جل وعلا ما قُطع بكذبه كخبر مدعي الرسالة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وما جاز فيه الوجهان وهو ما نُظر إليه لذاته، وما قُطع بصدقه هذا ليس لذاته وإنما لأمر خارج عنه وهو كونه كلام الرب جل وعلا أو خبر النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صح عنه، وما قُطع بكذبه هذا بالنظر إلى قائله وهو قول مدعي الرسالة، إذاً ما يدخله الصدق والكذب ولذلك نقول هذا مما يُبيَن أن دعوى المجاز بأنه ما صح نفيه وما صح نفيه لا يجوز في القرآن نقول بإجماع نقول بأن القرآن فيه أخبار وإنشاءات والخبر بالإجماع ما احتمل الصدق والكذب لذاته والقرآن مشتمل على الأخبار حينئذ اشتمل القرآن على ما يصح نفيه لكن لذاته لا بالنظر إلى غيره فإذا جاز الخبر وهو يصح نفيه حينئذ لا مانع أن يُقال أو ما يصح تكذبيه لا مانع أن
(10/6)

يقال في القرآن مجاز مع صحة نفيه لكن لذاته حينئذ يعني ما يُقال بأنه مجاز يصح نفيه وما يصح نفيه لا يجوز وقوعه في القرآن نقول هذا ضعيف يعني من أراد أن ينفي ينفي بغير هذا الدليل لأن هذا ضعيف لأنك تقول صح نفيه وما يصح نفيه لا يجوز أن يكون في القرآن يرد عليه خبر الخبر ما احتمل والكذب إذاً يحتمل الكب أم لا؟ يحتمل الكذب التكذيب والتكذيب أشد من النفي هل في القرآن أخبار أم لا؟ نقول نعم إذاً في القرآن ما يصح تكذيبه ما الجواب؟ نقول ما صح تكذيبه لذاته وكذلك النظر هناك للحقيقة والمجاز النفي يعتبر للحقيقة إذا قيل (كجناح الذل) هذا يصح نفيه أو لا؟ الذي يصح نفيه هو المعنى الحقيقي وليس هو ظاهر القرآن الذي جاز نفيه كجناح الذل جناح الذل نقول هذا الجناح الأصل أنه جناح للطائر حسي والذل هذا أمر معنوي والمعنى لا يطير ليس له جناح نقول نعم إذا أُريد الجناح بأنه الحقيقة نُفي إذاً نُفي المجاز هنا لا لذات المجاز ولكن كونه مستعملاً في حقيقته فإذاً فرق أن يُنفَى المجاز وأن يُنفى المعنى الحقيقي الذي نُقل عنه المجاز والذي هو القرآن كجناح الذل المعنى المجازي لا المعنى الحقيقي والنفي اُستنبِط على المعنى الحقيقي وليس هو المراد كذلك نقول الخبر مثله فمن يكن هناك فهنا وإلا لا يتناقل وأنا أشد أنكر على طلاب العلم أن يتناقلوا إما أن يكون مطرق قواعد الأصول وإما يسكت إما يأتي في مواضع فيثبت أشياء في مواضع أخرى فينفي ما أثبته سابقاً هذا ما هو مسلك طلال العلم وهذا غالباً تجده عند الذين يتناقلون ولا يؤصلون بأنفسهم وخاصة في مجال الفقه من درس الفقه بما يسمى بفقه المقارنة ابتداءاً هذا غالباً يتناقض من حيث لا يشعر لأننا نقول هذه الأقوال يفتح مثلاً المجموع وشرح المهذب أو المغني قال أبو حنيفة قال مالك روايتان عن أبي حنيفة خمس روايات عن أحمد ثم حسب ما يرى يقول الراجح كذا لأن دليله أقوى ثم يأتي في مسألة أخرى فإذا يُرجح مذهب أبي حنيفة لأن دليله أقوى أبو حنيفة ما تكلم هكذا كلامه مبني على أصول الفقه قواعد يسير عليها ولذلك أضبط ما يضبط الفقه على أصوله هم الأحناف ولذلك سُميت بطريقة الفقهاء حينئذ تجد طالب الفقه المعاصر في السابق ما كانت عندهم هذه الخلط تجده يُرجح في مسألة مذهب أبي حنيفة ويأتي في مذاهب أخرى في الصيام وكذا يُرجح بناءاً على أصل ينفيه أبي حنيفة فحينئذ يثبت المسألة مبنية على أصل ثم ينفي مسألة في موضع آخر مبنية على ذاك الأصل فهمتم؟ فمرجع الفقه إلى أصوله ولذلك ما يُضبط ظاهراً وباطناً إلا من أخذ الفروع والأصول في مذهب واحد.
(10/7)

إذاً نقول إذا وصلت إلينا السنة النبوية بطريق يوصلنا عن المباشرة حينئذ نقول لا نقطع بصدق ذلك الخبر بل يتفاوت القطعية وعدمها بالنظر إلى نفس الطريقة الموصل إلى من باشر النبي - صلى الله عليه وسلم - لماذا؟ لأنه خبر والخبر من حيث هو يحتمل الصدق والكذب لذاته فحينئذ لابد من نظر في الرواة ونحوه، قال ولا سبيل إلى القطع بصدقه يعني بصدق المخبر لعدم المباشر لأن من رأى أو سمع بنفسه فهو قاطع بنسبة القول لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن رأى الفعل فهو قاطع جازم لأن هذا الفعل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن إذا وصلوا بواسطة عشرة يقطع؟ نقول فيه تفصيل يتفاوت بتفاوت السلسلة التي تكون بينه وبين المباشرة، قال والخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد إذاً بيَن لك أن السنة من حيث بلوغها إلى الناس لهم طريقان إمام بالمباشرة وهذا تجعله بين قوسين خاص بالصحابة رضي الله عنهم وهذا حجة قاطعة في حقه لا يجوز خلافها إلا بدعوى نسخ أو دفع تعارض بين دليلين ونحو ذلك والطريق الثاني أن يكون بطريق موصل إلى المباشر يعني ألا مباشرة وإنما يكون بواسطة، هذه الواسطة لا يمكن أن نقطع بصدقها لأن المنقول خبر وكل خبر يحتمل الصدق والكذب لذاته إذاً ما هي أنواع الخبر الموصل أو أنواع الطرق الموصلة إل ذلك الخبر قالوا هو الخبر الذي يحتمل الصدق والكذب لذاته ينقسم إلى متواتر وآحاد تقول ينقسم إلى متواتر وآحاد وهذا مجرد اصطلاح وإنما يُنظر ويناقش في الاصطلاح من حيث ما يترتب عليه من الأحكام وكل اصطلاح يُنظَر فيه بحد ذاته بقطع النظر عن عمن أنشأ ذلك الاصطلاح أو عمن أتى بذلك الاصطلاح حينئذ لا داعي أن نقول التواتر والآحاد هذا قال به المعتزلة ثم نقول كل ما قالت به المعتزلة فهو باطل بل نقول التواتر والآحاد من حيث وجودهما لا شك في وجودهما لكن لا يُشترط إلا أن نقيد بما قيده المعتزلة ونحوه لذلك من ينسب لنا ابن القيم - رحمه الله تعالى – أنكر وجود التواتر فقد أخطأ ابن القيم - رحمه الله تعالى – أنكر ترتيب الحكم المرتب على التواتر والآحاد يعني يقول التواتر أفاد القطع والآحاد يفيد الظن إذاً قسموا السنة إلى متواتر وآحاد ثم المتواتر يفيد اليقين ثم الآحاد لا تفيد اليقين بل تفيد الظن هذا الحكم دخيل وهو الذي حُكم بكون هذا التفصيل بدعة وجاء به المعتزلة بناءاً على أن أكثر أحاديث الصفات والرؤيا والميعاد إلى آخره آحاد فحينئذ نفوا أن تنسب تلك الأحاديث للنبي - صلى الله عليه وسلم - بناءاً على أنها تفيد الظن والاعتقاد يقولون لا لا يُثبَت إلا بقاطع نقول هذا التفصيل مُحدَث والقول بأن أحاديث الآحاد الخبر الواحد لا يفيد إلا الظن هذا أيضاً قول مخطئ والقول بأنه لا يُقبل في العقائد هذا قول مخطئ لكن وجود نفس التواتر ونفس الآحاد والآحاد أنه ما لم يبلغ حد التواتر هذا موجود البخاري - رحمه الله تعالى – في جزء القراءة حكم على الحديث لا صلاة إلا لمن يقرأ فاتحة الكتاب أنه متواتر قال تواتر هكذا أطلق اللفظ تواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والبخاري لم يتأثر بالمعتزلة وإنما مفهوم التواتر حينئذ يُقيَد أو يُنظَر فيه أما إنكار وجود المتواتر عند المُحدثين وأهل
(10/8)

الحديث نقول هذا ليس بصحيح وابن تيمية - رحمه الله تعالى – أنكر كثير من المسائل الدخيلة على الدين وخاصة ما ينسب إلى أهل الحديث ولم يتعرض بل ويقول هذا متواتر ومتواتر معنوياً وقد تواترت فضائل أبي بكر - رضي الله عنه - تواتر معنوي يقسم تواتر لفظي تواتر معنوي ويثبت إفادة الحكم أو اليقين على التواتر ويناقش في مسائل الآحاد ولم يرد عنه - رحمه الله تعالى – أنه أنكر وجود المتواتر والآحاد، إذاً قوله والخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد لا إشكال فيه وهذا مجرد اصطلاح ونقول العبرة بما اصطلح عليه أهل الحديث وأطلقوا هذه الألفاظ في مصنفاتهم.
(10/9)

إذاً متواتر وآحاد، فالمتواتر متواتر هذا مشتق من التواتر والمراد به تتابع التتابع مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما لابد أن يكون بينهما فترة فإن لم يكن لا يطلق عليه أنه متواتر إذاً التواتر في اللغة التتابع مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا} المؤمنون44، أي رسول بعد رسول بفترة بينهم وليس تترا أنهم متتالين لا إنما مجيء رسول بعد رسول بفترة بينهما، فالمتواتر بعد أن عرفنا حده في اللغة أراد أن يبينه لنا في الاصطلاح وهذه المسائل الأصل أنها تؤخذ من أهلها هذه المسألة الكلام في الأخبار والتواتر والمراسيل والصحابة ونحوهم الأصل أنا تؤخذ من أهل الحديث وإنما تذكر هنا لأن أهل الأصول يريدون أن يجمعوا كل ما يتعلق بالأصول لذلك يأتون بمباحث من السنة ومباحث من اللغة مباحث من المنطق إلى آخره يريدون أن يكون الكتاب جامع أن يغنوا طالب العلم النظر في تلك الكتب يعني ما يحتاجه الأصولي من السنة هو الذي يذكره لك الآن وما يحتاجه من اللغة هو الذي يذكره لكن نقول لا هذه المقتطفات التي تكون في أصول الفقه لا تسمن ولا تغني من جوع لابد أن يكون الطالب راجعاً إلى مظانها في فنونها ولن تكون إلا في الفن أما أن تأخذ أصول الفقه بآراء الجويني والغزالي ونحوهم ومن تأثر بعلم الكلام وكذا نقول لا ليس بصواب، فالمتواتر إخبار جماعة إذا إخبار لماذا لأنه خبر متواتر وخبر إخبار جماعة إذاً لا واحد لابد أن يكونوا جماعة ولا اثنين بل ثلاثة فأكثر لا يمكن تواطؤهم على الكذب لا يمكن يعني يستحيل نفي الإمكان المراد به الاستحالة وليس المراد الاستحالة العقلية بل الاستحالة العادية يعني لا يمكن تواطؤهم مأخوذ من التواطؤ وهو تواطؤهم وهو توافقهم أرى رؤياكم قد تواطأت يعني توافقت إذاً لا يمكن بمعنى أنه لا يستحيل تواطؤهم بمعنى توافقهم على الكذب والاستحالة المنفية هنا أن تكون عادة لا عقلاً لأن العقل لا يمنع أن يجتمع عدد يفيد التواتر كالعشرين مثلاً العقل لا يمنع أن يجتمعوا فيتفقوا على خبر معين فيظنه الظان أنه متواتر أما العادة في القديم أن يروي شخص في المغرب وشخص آخر في المشرق وشخص آخر في أوروبا ونحوها يُروى خر واحد العادة تمنع أن يتفقوا فيما بينهم وإلا لا يستحيل عقلاً أنهم يتواطئوا ويرسل رسالة إلى آخره فيتفقوا على وضع خبر معين لكن عادة في ابتداء الأمر نقول هذا يستحيل إذاً لابد من إخبار جماعة هذه الجماعة تكون متفرقة يستحيل في العادة أن يجتمعوا فيتواطؤا على وضع خبر معين فحينئذ إذا وُجدت أو وُجد هذا المانع وُجد التواتر لماذا لأن الإخبار هنا حصل بجماعة وسيأتي في تفسير العدد ما المراد بالجماعة ثم لا يمكن تواطؤهم يستحيل توافقهم على وضع بخر معين في هذا المعنى العام يشترط فيه ثلاثة شروط سيذكرها المصنف، وشروطه ثلاثة يعني متى يعتبر هذا المعنى بأنه متواتر اصطلاحاً وإن كان في المعنى أنه متواتر في اللغة وشروطه المتفق عيها في الجملة ثلاثة أولاً إسناده إلى محسوس كسمعت أو رأيت لا إلى اعتقاد يعني أن يكون منتهى الخبر أمر محسوس لا إلى الاعتقاد والعلم لماذا لأن الأمر محسوس هو الذي يمكن أن يُتَفق عليه والأمر
(10/10)

المعتقد أو المعلوم هذا يمكن أن يقع فيه الخلل ويقع فيه الوهم والخطأ لكن الأمر المحسوس الكل نرى الشمس طالعة فالأخوة يرون أن الشمس طالعة هذا لا يمكن أن يقع في خطأ أما عن المعتقد هذا يمكن أن تتفاوت فيه الأشخاص أن يكون إسناده يعني إخباره عن شيء محسوس إلى محسوس يُدرَك بإحدى حواسه كسمعت أو رأيت لا إلى اعتقاد يعني فإن إخبارهم عن علم واعتقاد فلا يكون متواتراً لماذا؟ لأن المتواتر يفيد العلم اليقيني الضروري فحينئذ لابد أن يكون المنتهى مما يتفق عليه لا مما قد يتواطأ بعضه في وضعه إذاً الشرط الأول أن يكون المنتهى أمر محسوس، واستواء الثاني واستواء الطرفين والواسطة في شرطه استواء الطرفين قال إخبار جماعة والسند معروف أن له أول وله أثناء وله آخر إخبارا الجماعة هل هو مشترط في أول السند ثم يُتساهل فيه أن في آخر السند أو في الأثناء؟ قال استواء الطرفين يعني تكون الجماعة مستوية في أول السند وفي آخره وفي أثناءه بحيث أنه لا يقل عن العدد الذي اشترط في حد التواتر وليس المراد ألا يزيد - لا - ألا يقل فإذا قيل مثلاً يشترط إخبار عشرة أقل ما يفيد من العدد عشرة نقول لابد أتن يكون الراوي عن النبي عشرة لأن طبقة الصحابة داخلة استواء طرفين آخر الإسناد عند الصحابي رضي الله عنهم حينئذ نقول لابد من استواء الطرفين آخر السند عند الصحابي لابد أن يكون عشرة رؤوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل أو عشرة سمعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول ثم يأخذ عشرة عنهم ثم عشرة ثم عشرة إلى البخاري لو نقص لمن يشترط عشرة صار تسعة في إحدى الطبقات انتفى كونه متواتر هذا لا يكاد له وجود لكن أهل الكلام يثبتون هذا الشيء لذلك النزاع يكون في الشروط لا في ثبوت أصل التواتر واستواء الطرفي الشرط الثاني في اعتبار كون الخبر متواتراً استواء الطرفين والواسطة يعني ما بينهما في شرطه شرطه هذا مفرد مضاف فيعم كل شرط وبعضهم قيده بالعدد في الأخير لكن الصواب أن المراد عندهم المراد باستواء الطرفين والواسطة في جميع الشروط يعني بلوغ الرواة في الكثرة إلى حد يمتنع معه تواطؤهم عن الكذب وأن يكون إخبارهم عن العلم لا عن ظن وأن يكون علمهم مستنداً إلى الحس لا إلى الدليل العقلي قال والثالث والعدد هذا هو الشرط الثالث يعني العدد الكثير كأنه قال إخبار الجماعة إذاً لابد أن يكون جماع وأقل الجمع ثلاثة ثم اختلفوا في تحديد العدد أو نقول اختلفوا هل يُعَين عدد معين أو نقول هل لابد من عدد معين إن وُجد أفاد التواتر أو لا؟ فيه خلاف أكثرهم من الأصوليين وبعض المتأخرين من المحدثين أن الحديث على التقييد لابد أن يكون عدد معين ثم اختلفوا في التحديد هنا قال فقيل أقله اثنان لماذا لأن أقل الشهود اثنان {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ} الطلاق2، إذاً أقلهم اثنان هذا يكون قد حمل الرواية على الشهادة وقيل أربعة لابد أن يكون أقل ما يكون في السند أربعة أو الرواة باعتبار أعلى الشهادات وهو في القذف ونحوه وقيل خمسة ليزيد على الشهادة بواحد وقيل عشرون استنادا إلى قوله تعالى {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ} الأنفال65، وقيل سبعون {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً}
(10/11)

الأعراف155، وقيل غير ذلك من الأعداد قيل عشرة وقيل اثني عشرة وقيل أربعون إلى آخره وكلها أقوال ضعيفة لكن ذكر السيوطي هذا في ألفيته فما رواه عدد جم يجب إحالة اجتماعهم على الكذب قوم حددوا بعشرة وهو لدي أثبت عند السيوطي قال أن يُحد بعشرة، فالمتواتر وقوم حددوا بعشرة وهو لدي أجود والقول باثني عشر أو عشرينا يحكى وأربعين أو سبعينا، إذاً قيل أقوال كثيرة كل نظر إلى دليل من الشرع رُتب على عدد معين قد يكون ثم مناسبة مختصة بتلك الواقعة أو ثم أنه وُجد العلم اليقيني في تلك الواقعة المعينة فعمم الحكم على جميع الأخبار وهذا فيه قصور لأنه إن أفاد في موضع لا يلزم أن يفيد في موضع آخر قد يفيد العدد أربعة التواتر لكن لا يلزم أنه كلما وُجد الأربعة حينئذ وُجد تواتر – لا – إنما التواتر ما أفاد العلم اليقيني ولذلك يقال فيه من ضابط الشروط الثلاثة هذه كلها الأصل عد اعتبارها وهذا الذي يُنتَقد على أهل الكلام والأصوليون نقول الشروط هذه لا وجود لها وخاصة في مسألة العدد لأنه يشترطون الكثرة حتى في طبقة الصحابة وهذا قل أن تجده ولذلك أنكره بعضهم وبعضهم قد ادعى فيه العدم وبعضهم عزته وهو وهم بل الصواب أنه كثير وفيه لي مؤلف نضير خمس وسبعون رووا من كذبا ومنهم العشرة ثم انتسبا، وكلها متواتر معنوي وليس لفظي لأنهم يقسمون التواتر لتواتر لفظي أن يكون منقولاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بلفظه وهذا إن صح التعبير أو التمثيل له حديث من كذب علي متعمداً فقط وما عداه دعوى التواتر اللفظي هذه عزيزة بل أنكره ابن صلاح قال إن جُوِّز فيكون في حديث من كذب علي والسيوطي وغيره ردوا على ابن صلاح وابن حجر وهمه على ذلك عدم اطلاعه على الطروق في أول النزهة لكن الصواب أنه كما قال، وكل ما قيل أنه متواتر وما ألف السيوطي وغيره فهو متواتر معنوي متواتر معنوي واضح أن التواتر المعنوي ليس باللفظ أن تُحكى وقائع متعددة بينها قاسم مشترك ككل نقول هذا المعنى متواتر كجود حاتم رأوا أنه إذا تصدق بفرس أعطى إلى آخره هذا وقائع كلها تفيد أنه جواد لكن هل تواتر مثلاً إعطاءه فرس ونحو ذلك؟ لم يتواتر أي أو شخص الواقعة وإنما تواتر المعنى الكلي الذي يمكن أن يُستقى منه فيُحَكم أنه قطعي الثبوت هذا ما يسمى بالتواتر المعنوي بل الصواب أنه كثير وفيه لي مؤلف نضير خمس وسبعون رووا من كذبا ومنهم العشرة ثم انتسبا لها حديث الرفع لليدين والحوض والمسح على الخفين هل كلها متواترة؟ نعم كلها متواترة وثابتة وحادث الرؤية كلها متواتر لكن ليس بالتواتر الذي يخصه الأصوليون وإنما التواتر يعبر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى – التواتر الخاص ويعبر عنه الذي يذكره الأصوليون بالتواتر العام التواتر الخاص أعلم له أهله ولذلك إذا تواتر عند أهل الحديث لزم قبول ما حكم أهل الحديث لغيرهم فالأصولي والفقيه وغيره إذا حكم المحدث الشهير والكبير والإمام بأن هذا الحديث متواتر كما نص البخاري في جزء القراءة قال الإمام بأن حديث لا صلاة بأنه متواتر فحينئذ نقول هذا إمام معتبر حكم بكون هذا الحديث متواتر فنقل حينئذ ما أفاد العلمي اليقيني علم الضروري نقول هذا متواتر وقيل سبعون وقيل
(10/12)

غير ذلك وكلها أقوال لا حجة فيها والصحيح على ما ذكره المصنف هنا وهو الأصح أنه لا ينحصر أي لا ينحصر في العدد في عدد معين يعني لا ينحصر التواتر في نقله أو في كونه إخبار جماعة لا ينحصر في عدد معين بل متى أخبروا واحداً بعد واحد حتى يخرجوا بالكثرة إلى حد لا يمكن تواطؤهم على الكذب حصل القطع بقولهم متى ما حصل التابع حصل التواتر بل قد يحصل التواتر وإفادة العلم اليقيني الضروري باثنين أو ثلاثة أو أربعة ولذلك من أخبره من التابعين أخبره أبو بكر - رضي الله عنه - هل يفيده العلم اليقيني أم لا؟ قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول كذا وأنت تابعي يفيدك العلم اليقيني أم لا؟ يفيد لا شك إذاً حصل العلم اليقيني بخبر واحد لما احتف به من صفا تميزه عن غيره وهذا الذي يعبر عنه شيخ الإسلام بالتواتر الخاص بأنه متواتر تواتر الخاص يعني أفاد العلم اليقيني والذي يحكم عليه هو المحدث لأنه يسمعون ما لا يسمع غيرهم ويروون ما لا يروي غيرهم فهم أعلم وأعرف لصنعتهم من غيرهم بل متى أخبروا واحداً بعد واحد يعني أخبروا بحدث واحداً بعد واحد حتى يخرجوا بالكثرة إلى حد التواتر ولا يشترط بالكثرة الكاثرة قد يُفهم من كلام المصنف الكثرة يعني لابد من شعرة أو عشرين إلى آخره – لا – قد يحصل باثنين أو ثلاثة أو أربعة ولا مانع من هذا، إلى حد لا يمكن عادة تواطؤهم على الكذب حصل القطع بقولهم دون أن يكونوا محصورين في عدد معين قتال وكذلك يحصل بدون عدالة الرواة وإسلامهم إذاً نأخذ من هذه أن التواتر ما رواه عدد جم يجب إحالة اجتماعهم على الكذب. فالمتواتر ثم ما أفاد العلم اليقيني مع هذا الضابط فهو متواتر، عدد إذا نظر الناظر لا يمكن أن يتفقوا على كذب معين أو زيادة في الخبر أو نقص في الخبر نقول حصل التواتر بما يذكره المصنف ونشطب على ما ذكره من الشروط.
(10/13)


وكذلك يحصل بدون عدالة الرواة وإسلامهم لقطعنا بوجود مصر إخبار جماعة مسلمة أو كافرة فساق أم عادلة يقول عام يحصل التواتر والعلم اليقيني ولو كان المخبرون كفاراً أو كانوا مسلمين أو كانوا كفاراً ومسلمين أو كانوا مسلمين عدولاً أو فساقاً مطلقاً ولكن هذا يقيد بمطلق الخبر لا بالخبر الشرعيات بمطلق الخبر لأن كلام الأصوليون عام يتكلون في الخبر عام سواء كان عن زيد أو عن الشرع فإذا كان الشرع فلابد من العدالة والإسلام لابد من التقييد لذلك مثل بوجود مصر لماذا لأن وجود مصر ليس بحكم شرعي ليس بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك يحصل بدون عدالة الرواة لكن المراد به نقول مطلق الخبر يعني ليس بشرط التواتر إسلام المخبرين ولا عالتهم بل يحصل التواتر بدون عدالة ولا إسلام لقطعنا مثّل قطعنا وهذا حكم قطعي يعني علم يقيني لا يحتمل الشكل أبداً بوجود مصر يعني أي بلد وليس خاص بمصر وإن كان مصر قد يُستفاد من الشرع {ادْخُلُواْ مِصْرَ} يوسف99، هذا جاء في الشرع ذكره يعني التمثيل بمصر قد يكون فيه نوع آخر لكن أي بلد الإنسان لم يراها حينئذ نقول العلم بها شهير بين الخاصة والعامة بلاد اسمها فرنسا مثلاً حد يشك فيها ما ذهبناها ولا رأيناها لا مباشرة ولا بدون مباشرة حينئذ نقول هذه علم قطعي لماذا؟ لأنه متواتر عند الناس صار منذ الصغر يسمع فرنسا فرنسا حينئذ يحكم بوجود هذا البلد ولم يراه ولم يشاهده لما هو منتشر وهو إخبار الجماعة ولا يشترط أن يكون المخبر مسلماً ولا غيره أما في الشرعيات فلا، ويحصل العلم به أي أن المتواتر يفيد العلم اليقيني ويحصل العلم به يعني إذا وُجدت تلك الشروط الثلاث مع الضابط العام حصل العلم به يعني أفاد العلم والعلم المراد به العلم اليقيني الضروري وسيأتي خلاف هل المراد به الضروري أو النظري؟ نقول الصواب أنه الضروري وهو الصواب وهو قول جمهور أهل الحديث ويحصل العلم به أي أن المتواتر يفيد العلم ليقني وهو القطع بصحة نسبة الخبر إلى من نقل عنه هذا المراد في الخبر هنا ليس المراد بالمدلول فحسب لا في النسبة هل هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو لا البحث في هذا ثم مدلوله وما يستفاد منه هذا قد يكون من جهة الدلالة قطعي الثبوت قطعي الدلالة التي قسم السند أو النص إلى أربعة أقسام قطعي الثبوت من جهة السند وهو المراد هنا قطعي الثبوت يعني طريقه في الثبوت إلينا بحكم كون هذا النص قرآناً حقيقة أو خبراً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو فعلاً أو تقريراً إلى آخره نقول قد يكون طريقه قطعي الثبوت والقرآن قطعي الثبوت ولا إشكال يبقى الكلام في السنة وقد يكون ظني الثبوت وهذا كما في القراءة الشاذة ونحوها ظني الثبوت فيما زاد عن عشرة كذلك في السن يكون ظني الثبوت يعني لا نقطه بكون هذا القول للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولذلك أثبت أن خبر الآحاد يفيد الظن ينبني عليه هذه المسألة أنه لا يلزم أن هذا القول قد قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذه مشكلة، ويحصل العلم به أي أن متواتر يفيد العلم اليقيني وهو القطه لصحة نسبته إلى من نُقل عنه ويجب تصديقه حينئذ لماذا؟ لأنه مفيد للعلم وكل
(10/14)

ما أفاد العلم لا يجوز تركه كما كان في حق الصحابي قال فقاطع به الصحابي قاطع به لأنه سمع مباشرة وهان يُنزل في الحكم منزلة المباشر إذا كان المباشر قد قطع بكون هذا القول قول النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك إذا وصل إليه بطرق يفيد العلم اليقيني يقطع ولا يجوز له أن يُجوّز بكون هذا القول ليس للنبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المراد بقوله ويجب تصديقه أي المتواتر، بمجرده يعني النظر إلى ذاته دون النظر في عدالة دون نظر في ضبط دون النظر في دليل آخر بمجرد الخبر إخبار جماعة تحل العادة تواطؤهم عن الكذب مع الشروط بمجرد ثبوت هذا الطريق وجب أو أفاد العلم وجب التصديق لذاته لا لأمر خارج لأنه قد يفيد الشيء العلم اليقيني لكن بقرينة خارجة وليس الكلام في هذا الكلام فيما يفيد من الأخبار القين بذاته دون النظر إلى عدالة أو ضبط ولهذا لا يبحثون في المتواتر في العدالة ولا يبحثون في الضبط بل في الإسلام أيضاً لا يبحثون ويحصل العلم به ويجب تصديق بمجرده وغيره أي غير المتواتر يحصل القطع به ويجب تصديقه لكن بدليل خارج وغيره أيغير المتواتر يحصل القطع به يعني إذا أفاد القطع ويبج تصديقه حينئذ بدليل خارج كأن يكون الحديث في البخاري ومسلم أن يكون الأمة أجمعت على قبول الحديث أن تكون الأمة أجمعت على العمل بمدلول هذا الحديث ولو كان في سنده بعض الشيء حينئذ يُقطَع به لكن لدليل خارج لا لذات الخبر، والعلم الحاصل به يعني المتواتر إذاً أثبت أن المتواتر يفيد العلم ثم هذا العلم نوعان علم ضروري وعلم نظري والضروري ما لا يحتاج إلى نظري واستدلال والنظري منا احتاج إلى نظر واستدلال يعين إفادة العلم قد تحصل بالنظر والبحث وطلب الدليل وقد تحصل هكذا فجأة بدون بحث ولا نظر ولا استدلال الأول يسمى النظري والثاني يسمى الضروري والنظري ما احتاج للتأمل وعكسه هو الضروري الجلي والنظري ما احتاج للتأمل إذاً يحتاج إلى بحث ونظر في الكتب والأسانيد إلى آخره ثم يفيد العلم وبعضه قد يفيد العلم دون نظر في الاستدلال، ما المراد بالعلم هنا الذي أفاده المتواتر هذا هو العلم الضروري الذي يحصل بدون نزر واستدلال وإنما يحصل دفعة واحدة أو النظري؟ الجمهور على أنه ضروري لذلك قال المصنف والعلم الحاصل به يعني بالمتواتر ضروري وهو اليقيني يُعَبر عنه باليقيني وهو ما لا يحتاج إلى نظر واستدلال، عند القاضي أبي يعلى وهو قول الجمهور ونظري عند أبي الخطاب نظري لماذا لأنه يحتاج إلى مقدمتين أولاً إثبات كثرة المخبرين لابد أن تثبت أن هذا الخبر أخبر به كثيرون لينطبق عليه حد التواتر الثاني أن خبر هؤلاء يفيد اليقين فإذا أثبت كثرة المخبرين ثم أثبت بالمقدمة الثانية أن خبرهم يفيد ليقين حينئذ نحكم بأن هذا الخبر المعين لا مطلقاً الخبر المعين أفاد اليقين حينئذ يكون مبنياً على مقدمتين لكن هذا مردود لماذا؟ بأن العلم اليقيني حاصل في البديهيات وفي نحوها للصبيان والنساء والكبار والصغار إلى آخره كل ما هو معلوم مأمور الدنيا للضروري هذا يستوي فيه الصغير والكبير مثلاً وجود مصر هذا يعرفه الصغير يعرف أن بلداً اسمها مصر ولم يرها وهذا حكم يقيني أم لا؟ يقيني هل حصل بمقدمتين؟ لم يحصل
(10/15)

بمقدمتين وإنما حصل دفعة واحدة ولذلك صمي ضروري قيل من الضرورة لا يمكن دفعه لو أراد الإنسان أن يدفع بعض المعلومات عن نفسه لا يمكن ولذلك مثل الوجود الآن أنت موجود في المسجد لو أردت أن تقنع نفسك أنك لست في المسجد ما تستطيع لماذا؟ لأنه علم ضروري يقيني وهذا يسمى بالعلم الحضوري عند المناط وهو الذي تعلمه بما أنت فيه من حالي اليوم السبت أو الأحد؟ هل يحتاج إلى دليل؟ ما يحتاج إلى بحث والعلم الحاصل به ضروري عند القاضي ونظري عند أبي الخطاب من الحنابلة كلاهما من الحنابلة وما ذهب إليه القاضي أرجح. وما أفاد العلم في واقعة وفي شخص دون قرينة أفاده في غيرها أو لشخص آخر يعني مراده أن العلم أو الخبر المتواتر إذا أفاد العلم اليقيني في واقعة معينة في شخص أفاد العلم اليقيني في واقعة أخرى كما أفاده في الأولى والشخص الذي استفاد العلم اليقين من واقعة ما لو جاء آخر وأُخبر بنفس الخبر لاستفاد العلم اليقيني إذاً لا يتفاوت لماذا لأن النظر هنا إلى ذات متواتر فإذا قلنا ذات المتواتر بذاته بمجرده لا بدليل آخر لا بقرائن تحتف به أفاد العلم اليقيني حينئذ إذا قرأه زيد أو سمعه زيد وقرأه بكر هل يحصل العلم لهما؟ هذا هو محل الخلاف هل يحصل العلم لهما؟ نقول نعم، لماذا؟ لأن الخبر المتواتر هنا أفاد العلم بذاته وإذا كان ذاته فكل قارئ كل سامع يستفيد العلم اليقيني ولا يتفاوت لو قيل بالتفاوت للزم منه أن ثم أمراً خارجاً عن مدلول المتواتر احتف به فأفاد العلم في حق زيد ولم يفيده في حق بكر والمسالة مفروضة في متواتر لم تحتف به قرائن ولذلك قال وما أفاد وما يعني خبر أفاد العلم في واقعة ولشخص دون قرينة – انتبه – دون قرينة هذا قيد لابد منه لأن قرينة يستلزم منها تفاوت المعلوم لأن الشيء إذا احتف بقرين قد تؤمن أنت بدلالة كقرينة وقد لا تؤمن بها أليس كذلك إذا قيل مثلاً ما فرض به البخاري مقدَم على ما فرض به مسلم هل هذا مُسَلم عند الكل؟ المغاربة يقدمون مسلم على البخاري حينئذ إذا احتفت قرينة بهذا الخبر لكونه ما رواه البخاري هذا لا يستلزم أن يكون مضطردا في حق كل أحد قد يقول قائل لا أنا أقدم ما رواه مسلم على ما رواه البخاري إذاً الخير واحد ولكن البخاري راوياً هذه قرينة خارجة قد يُسلم بها زيد وقد لا يسلم بها عمرو فحينئذ النظر يكون لذات الخبر فما أفاد في الواقعة ولشخص لابد وأن يفيد في واقعة ولشخص آخر نفس الخبر وليس ما استفيد منه فلو لم يترتب ذلك العلم كان طعنا في المتواتر.
(10/16)

وما أفاد العلم أي أن العدد الحاصل بالعلم اليقيني لا يتفاوت بحسب الوقائع والأشخاص ما أفاد العلم اليقين بإخبار جماعة في عدد معين أو لا على حسب ما ذكره المصنف نقول لا يتفاوت بحسب الوقائع والأشخاص بل ما أفاده في واقعة ولشخص معين كبكر أفاده في غيرها نفس العدد أفاده فيغيرها أو لشخص آخر وعبارة صاحب المختصر مختصر التحرير قال ومن حصل في عبارته بعض الربكة ومن حصل بخبره علم بواقعة لشخص حصل بمثله بغيرها لآخر ومن حصل بخبره علم بواقعة لشخص ميعن واقعة معينة لشخص معين قال حصل بمثله لشخص آخر لابد أن يكون مضطرداً وإلا يكون نقضاً للتواتر وهذا إذا كان بدون قرينة أما بقرينة فلا لأنها تخلف من شخص إلى شخص آخر هذا ما يتعلق بالمتواتر.
ثم قال والآحاد أي القسم الثاني للخبر باعتبار وصوله باعتبار الواسطة إلى من يبلغه أو تبلغ السن النبوية الآحاد، الآحاد هذا في اللغة جمع أحد أصله أءحاد سكنت الهمزة الثانية وقُلبت ألفاً وصارت آحاد كآدم أصله أءدم جمع أحد كأجل وآجال وبطل وأبطال أوطان آحاد أفعال ومفرده بطل وأحد فعل إذا جعل يُجمع على أفعال وأحد يُجمع على آحاد أصله أءحد أفعل سكنت الثانية وآحاد بمعنى واحد الهمزة منقلبة عن واو وهو لغة ما يرويه الواحد هذا في اللغة ما يرويه الواحد أما في الاصطلاح قال ما لم يتواتر أي لم تبلغ نقلته مبلغ الخبر المتواتر لم تصل نقلت هذا الخبر خبراً آحاد مبلغ الخبر المتواتر وعليه يكون التقسيم عندهم ثنائي فلا وجود للمستفيض ولا للمشهور حينئذ يكون المستفيض والمشهور داخلاً في الآحاد وأهل الحديث ما يوافقون على هذا، والآحاد ما لم يتواتر والعلم يحصل به إذاً ما رواه شخص واحد على ما نص المنصف أو شخصان أو ثلاثة أو أربعة ولم صل إلى حد تفيد هذه الكثرة أو هذا الجمع يفيد اليقين ولم يكن منتهى خبره من حس ولم يستوي الطرفين حكموا عليه بأنه آحاد يعني المشهور داخل في الآحاد والمستفيض داخل في الآحاد ثم يختلفون هل يفيد الظن أو لا، والعلم لا يحصل به يعني لا يفيد الآحاد اليقين وإنما يفيد الظن وما هو الظن ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر الظن تجويز امرءٍ أمرين مرجحاً لأحد الطرفينِ
(10/17)

الطرف الراجحُ ظناً يُسمى والطرف المرجوحُ سُمِّيَ وهما، إذاً المراد به هنا ترجيح صدق الراوي على كذبه في كون الخبر ثابتاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - أم لا فحينئذ إذا قيل الآحاد الذي هو لم يتواتر لا يفيد العلم حينئذ لا تقطع بكون هذا القول منسوب للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو كون هذا الفعل أو هذا التقرير منسوب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما يترجح فتقول - صلى الله عليه وسلم - إنما الأعمال بالنيات هذا غير متواتر عندهم الراجح أنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أنه غير قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لماذا؟ لوجود السلسلة وكل منهم بشر يصيب ويخطئ إذا يحتمل الوهم إذاً لا نقطع بصدقه وهذا من الأمور الدخيلة هذا نقول بدع بكون غير المتواتر لا يفيد العلم أبداً دون تفصيل دون نظر إلى أحوال رواة دون قرائن إلى آخره نقول هذا من البدع وهذا مما أحدثه المعتزلة أنا التفصيل في شأن خبر الواحد حينئذ لا إشكال أو القول بأنه يفيد العلم مطلقاً لا إشكال أنما أن يُقال أنه لا يفيد العلم مطلقاً ولو كان مشهوراً ولو كان مستفيضاً ولو كان في البخاري ومسلم لا يفيد إلا الظن ولا يُقطع بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا بدعة وهذا مما دخل به المعتزلة على أهل السنة، فنثبت الآحاد ونناقش الحكم فنثبت الآحاد لأن الحس يدل عليه فرق قطعاً كل إنسان أنت في أمور الدنيا لو أخبرك عشرة وكلهم من أهل العلم من كبار العلم وشخص أخبرك بخبر واحد هل يستوي العلم؟ ما تصدق الواحد مثل ما تصدق العشرة هذا أمر حسي وعقلي وأمر شرعي أيضاً ثابت لذلك جاء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} الحجرات6، إذاً فرق بين الفاسق وبين العدل فرّق {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} فتثبتوا، مفهومه إن جاءكم ثقة عدل بخبر فالأصل القبول حينئذ نقول نثبت الآحاد ولا إشكال ونثبت المتواتر ولا إشكال لكن لا تخص بالمتواتر بأنه لا يفيد العلم اليقيني ونقطع بقول هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا إذا كان متواتراً ثم نأتي بالمتواتر ونخنقه خنقاً بشروط لا يكاد أنها تُوجد ونأتي للآحاد ونقول هذا لا يفيد إلا الظن لأن لا نقطع بأن هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - بل نُرجح صدق الراوي مع جواز كذبه ووهمه نقول هذا من المسائل الدخيلة حينئذ نفرق بين المصطلحات من حيث الاسم ومن حيث الحكم الحكم يُناقش فيه ولا إشكال ومن حيث المصطلح الأمر فيه سعة.
(10/18)

و (الآحاد) ما لم يتواتر والعلم لا يحصل به في إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وهذا ابن القيم ضعّفه قال لا يصح الرواية أن الإمام أحمد قال خبر الآحاد لا يفيد إلا الظن ولا يحصل به العلم والعلم لا يحصل به يعني اليقين والعلم الضروري أو النظري لا يحصل بخبر الآحاد في إحدى الروايتين يعني بل يفيد الظن وما المراد به هنا وهو رجحان صحة نسبته إلى من نُقل عنه رجحان صحة نسبته إلى من نُقل عنه في إحدى الروايتين عن الإمام أحمد قلنا ضعفها الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى – وهو قول الأكثرين ومتأخري أصحابنا يعني قول جمهور العلماء ولكنهم المتأخرون ليسوا المتقدمين إنما المتأخرون وغالباً هذه الأمور تأتي عند المتأخرين أتباع المذاهب الأربعة أما الإمام أبو حنيفة والشافعي ومالك ومن قبلهم هؤلاء في الغالب أن يَسلَمون من مثل هذه الأقوال، وهو قول الأكثرين ومتأخري أصحابنا يعني الحنابلة ولذلك يختار بعض الحنابلة مسائل الإمام أحمد ينص على خلافها وخاصة في أصول الفقه، والأخرى بلى يعني يفيد العلم بلى خبر الآحاد يفيد العلم مطلقاً والمراد بخبر الآحاد يفيد العلم مطلقاٌ ليس مما وقع فيه نزاع – لا – هذا لا يكاد أن يقع فيه خلاف أنه يفيد الظن يعني ما ضُعِّف الذي يُسمى بالمُضعَّف ليس الضعيف الضعيف ما حُكم بكونه ضعيفاً والمُضعَّف ما اُختلف في تضعيفه وتصحيحه يعني فيها أقوال هذا يُضعِّف وهذا يُحسن وهذا يُصحح إلى آخره هذا يُسمى المُضعَّف هذا يفيد الظن لا يفيد القطع أما الحديث الذي اتفق الأئمة على صحته فهذا الرواية تُنزل عليه أنه يفيد العلم قالوا والأخرى بلى يعني يفيد العلم وهو قول جماعة من أصحاب الحديث والظاهرية بل المشهور عن أكثر المحدثين أن خبر الواحد يفيد العلم يعني القطع بكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قال هذا القول أو فعله أو أقره والعبرة في مصل هذا نقول نرجع إلى أهل الحديث فإنهم أولي من يُؤخذ عنهم، وقد حَمَل ذلك منهم على ما نقله الأئمة يعني حُرف القول السابق قالوا يفيد العلم مطلقاً لماذا قالوا في إفادة اخبر أنه يفيد الظن مطلقاً أنه لو أفاد العلم لحصل لنا في كل خبر نسمعه لماذا قلتم أن خبر الواحد يفيد الظن مطلقاً قالوا لو حصل بخبر الواحد العلم كل خبر نسمع لابد وأن يحصل العلم يكون مضطرداً معه وهذا هل يشعر به الإنسان؟ لا يشعر به قد تسمع خبراً فتشك فيه وقد تسمه خبراً فتصدقه وقد تسمع خبراً فيكون تصديقك له أعلى درجات التصديق إذاً حصل الخلاف فكيف حينئذ نقول خبر واحد يفيد الظن أو يفيد العلم ونحن لا نشعر بهذا العلم أنه مضطرد في كل خبر ونحن لا نشعر بذلك فدل على أنه لا يفيد العلم كذلك قالوا أعدل الرواة بشر يجوز عليه الصدق والكذب يجوز عليه الوهم يجوز عليه الغلط حينئذ ما جاز عليه الغلط كيف يُحكَم بكونه يفيد العلم نقول المسألة شرعية وهذه المسألة عقلية ولا اجتهاد في مقابلة النص كما سيأتي وقيل يفيد العلم وهذا قول الجماعة من أصحاب الحديث والظاهرية هذا قول ثاني في المسألة القول الثالث التفصيل إن احتف به قرائن توجب العلم أفاده وإلا فلا وهذا يختاره الكثير من المتأخرين كابن حجر وغيره، وقد حَمَل ذلك منهم على ما نقله
(10/19)

الأئمة المتفق على عدالتهم وتلقته الأمة بالقبول لقوته بذلك كخبر الصحابي حينئذ نقول إذا أجمعت عليه الأمة صار حجة كذلك خبر الصحابي إذا تكلم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذ صار أعلى درجة حينئذ احتفت به قرينة ليس كخبر الصحابي المجرد الذي لم تُجمع عليه الأمة أو كخبر الصحابي الذي لم يقف عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فيسكت على ذلك القول لأن الثاني يكون مقرن عليه مؤيداً من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كما اختلف خبر الصحابي قبل القرينة وبعد القرينة كذلك قالوا أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - فما وُجدت احتفت به قرائن تفيد العلم أفاد العلم وإلا أفاد الظن لكن المشهور عند أهل الحديث أنه يفيد العلم ما لم يحصل فيه نزاع أو خلاف ابن حزم - رحمه الله تعالى – في كتاب الأحكام صال وجال في هذه المسألة، إذاً خبر الآحاد من حيث إفادة العلم فيه ثلاثة أقوال تفيد الظن مطلقاً يفيد العلم مطلقاُ ويفيد العلم إذا احتفت به قرائن وإلا أفاد الظن وهذا بعضهم يجعله فيما اتفق عليه أو رواه البخاري ومسلم إذاً مما أُختلف فيه أو مما احتفت به قرائن حد الصحيح مسند بوصله بنقل عدل ضابط عن مثله ولم يكن شذا ولا معللا، والحكم بالصحة والضعف على ظاهره، لا القطع، إلا ما حوى كتاب مسلم أو الجعفى سوى ما انتقدوا فابن الصلاح رجحا قطعا به وكم إمام جنحا والنووي رجح في التقريب ظناً به والقطع ذو تصويب، يعني ما رواه البخاري ومسلم مما لم يُنتقدا فيه أُختلف فيه هل يفيد القطع أو الظن؟ النووي رجح في التقريب ظناً به يعني يفيد الظن مطلقاً يعني كل ما رواه البخاري ومسلم ولو اتفقا عليه فهو يفيد الظن يعني لا نجد للنبي - صلى الله عليه وسلم -، والقطع ذو تصويب هكذا رجح السيوطي مذهب المصطلح أنه مقطوع به فنجزم فلو قال إنسان والله الذي لا إله غيره ما رواه البخاري ومسلم اتفقا عليه مما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - حلف أو لا؟ نقول لا يحلف، فإن لم يكن قرينة أو عارضه خبر آخر فليس كذلك فإن لم يكن قرينة يعني دلت على صدق الخبر أو عارضه خبر آخر فحينئذ حصل التعارض وهذا لا إشكال فيه القول بأنه يفيد الظن فيما حصل تعارض بينهما لا إشكال فيه أما الحديث الصحيح السالم عن المعارضة يفيد الظن هذا محل إشكال أو عارضه خبر آخر فليس كذلك وقد أنكر قوم جواز التعبد به عقلاً هل يجوز بالعقل أن يعبدنا الرب خبر واحد واثنين وثلاث محل نزاع عند المتكلمين وقد أنكر قوم جواز التعبد به عقلاً لاحتماله أن يكون كذباً أو خطئاً والعمل بم احتمل أنه كذب أو خطأ عمل بشك وجهل وهذا لا ينبغي لا ينبغي للشارع – هكذا يقولون – لا ينبغي عقلاً أن الشارع يتعبد الخلق بخبر واحد أو اثنين وهذه عقول فاسدة في مصل هذه المسائل نقول عقول فاسدة ولا شك لا يجوز للشارع أن يتعبد الخلف بخبر واحد أو اثنين لأن الخبر خبر الواحد يحتمل الصدق ويحتمل الكذب يحتمل أنه أخطأ يحتمل أنه سها إلى آخره فحينئذ إذا عُمل بما أخبر به الواحد أو اثنان ما لم يصل إلى حد التواتر يكون عملاً بما هو مشكوك وبما هو فيه جهل وهذا لا ينبغي فأنكروا عقلاً وهذه مكابرة لأن لو وقفوا
(10/20)

معقول إنما يتعبد بواحد ومن هم الرسل إلا واحد وقد أنكر قوم جواز التعبد به يعني بخبر الواحد عقلاً لاحتماله يعني احتمل الصدق والكذب والخطأ وإذا احتمل حينئذ لا يجوز أن يكون شرعاً وأنكروه عقلاً، وقال أبو الخطاب: يقتضيه عكس الأول يعني يجب عقلاً يقتضيه أي وجوب قبول خبر الواحد ثابت بالعقل فإذا روى الواحد أو الاثنان ولم يصلوا إلى حد التواتر يجب عقلاً قبول خبره وهذا أيضاً مكابرة لماذا؟ لوجود الأمر السابق وهو أنه قد يخطئ ويصيب وقد يصدق وقد يكذب والمسائل العقلية فالعقل يجوز المستحيل والأكثرون لا يمتنع يجوز عقلاً أن يتعبدنا الشارع وقد لا يتعبد الأمر بين الجواز العمل به جائز عقلاً عند جماهير العلماء لأنه لا يلزم منه محال وليس احتمل الكذب والخطأ بمانع هذه المسألة من جهة العقل فأما سمعاً إيش سمعاً؟ الآن اختلفوا في جواز التعبد به عقلاً الخبر الواحد من جهة العقل ومن جهة الشرع هل أذن الشرع بأن نعمل بخبر الواحد أو لا؟ قال فأما سمعاً أي من جهة السمع والنقل عن الشرع فيجب عند الجمهور يعني يجب العمل به عند الجمهور والصواب نقول فيجب العمل به إجماعاً ليس عند الجمهور الخبر واحد مُجمَع عليه بين الصحابة ولا يجوز أن نلتفت لأي خلاف حاصل بعد الصحابة وخاصة أن المخالفين قدرية ومعتزلة إلى آخر وأهل البدع ومن شاكلتهم بل نقول إجماعاً فيجب العمل بمدلول الخبر الواحد مطلقاً سواء كان في العقيدة أم في غيرها في العلميات وفي العمليات بلا تفريق لأن الأدلة التي أثبتت وجوب العمل به في العمليات عامة ولم تفرق بين عقيدة وبين غيرها فيجب العمل فأما سمعاً فيجب عند الجمهور وخالف أكثر القدرية أكثر القدرية خالفوا وقالوا لا يجوز العمل بخبر الواحد قال وإجماع الصحابة على قبوله يرد ذلك وهذا .........
(10/21)

فأما سمعاً فيجب عند الجمهور مراعاة لمخالفة القدرية ثم يحكي إجماع الصحابة على ماذا على وجوب العمل به هل هذا صواب؟ ليس بصحيح نقول ليس بصحيح العلماء نحترم ونقدر ونجل لكن الخطأ خطأ نقول هذا خطأ إذا أجمع الصحابة على شيء ما على أمر ما وخاصة إلى كان المخالف من شر أهل البدع حينئذ لا يُجعَل المبتدع في مقابلة الصحابة إذا أجمعوا كُفينا لماذا نقتفي أثر المبتدعة فأما سمعاً فيجب عند الجمهور وخالف أكثر القدرية، وإجماع الصحابة على قبوله يرد ذلك ولذلك جاء قوله جل وعلا {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ} التوبة122، هل النذارة تحصل بواحد؟ نعم تحصل وطائفة تطلق في اللغة على الواحد فالصاعد إذاً رتب الرب جل وعلا وجوب النذارة والعمل بهذه النذارة على طائفة والطائفة فتصدق بالواحد وصاحبه حينئذ نقول يجب العمل شرعاً وهذا لا خلاف فيه بين الصحاب ولذلك جاء في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال بينما الناس بقباع في صلاة الصبح جاءهم آت فقال إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أُنزل عليه الليلة قرآن وقد أُمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام استداروا للكعبة القبلة في صلاة العشاء صلوا إلى القبلة وهو أمر قطعي معلوم في تلك الساعة من الدين بالضرورة جاءهم خبر واحد في صلاة الفجر فنقلوا القبلة من بيت المقدس من الشام إلى الكعبة استداروا مباشرة هذا يفيد العلم ولا يفيد الظن؟ يفيد العلم قطعاً ثم قال وشروط الراوي أربعة ونفق على هذا وصلى الله على محمد على آله وصحبه وسلم.
(10/22)

عناصر الدرس
* شروط الراوي
* ألفاظ الرواية
* زيادة الثقة
* رواية الحديث بالمعنى
* مراسيل الصحابة.

الدرس الحادي عشر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد قال المصنف - رحمه الله تعالى - وشروط الراوي أربعة، بعد أن بين لك أن الخبر من ينقسم إلى متواتر وآحاد والمتواتر كما سبق أنه ........... ولا عدالة في غير الإسلام وبقي الآحاد وذكر ما يتعلق به من حيث القبول والرد ومن حيث جواز التعبد به أو لا قم قال وشروط الراوي أربعة، إذاً الراوي الذي ينقل لنا الخبر لابد من وجود صفات إن وُجدت في الراوي رجحنا اعتقاد صدقه على كذبه لأنه كما سبق أن راوي الحديث حديث الآحاد قد يكون يُبحث عن عدالته وضبطه لماذا؟ لأنه ليس كالمتواتر لأنه لا يفيد العلم لماذا لا يفيد العلم على حسب ما قرره المصنف؟ لأن الراوي يحتمل الصدق والكذب إذاً لابد من وضع قيود وشروط وضوابط من أحل أن يُعيَن الراوي الذي تُقبَل روايته من عدمه حينئذ لما كان البحث في الآحاد من حيث القبول والرد وهذا متوقف على معرفة الإسناد والإسناد كما هو معلوم أنه من مبحث أو من موضوع علم الحديث عِلمُ الحديثِ: ذُو قوانِينْ تُحَدْ يُدْرَى بِها أَحْوَالْ مَتْنٍ وَسَنَدْ فَذَانِكَ الموضوعُ، والمقصودُ أَنْ يُعرَفَ المقبُولُ والمَردُودُ والسندُ: اْلإِخْبارُ عنْ طَرِيقِ مَتْنٍ إذاً السند هو الطريق الذي يحكي لنا المتن والمتن ما انتهى إليه السند من الكلام إذاً عندنا سند وعندنا متن والسند والمتن هما موضوع علم الحديث يُبحَث في السند من حيث القبول والرد يعني متى ما توفرت الصفات المعتبرة في قبول رواية الرواي حينئذ وُجد قبول الحديث وإلا رُدت عليه وشروط الراوي أربعة يعني الشروط التي تعتبر في تحقق صفة القبول في الراوي أربعة باستقراء كلام أهل العلم الأول الإسلام، الإسلام قلنا قال الإسلام وهذا يقابل التواتر لأنه قل لا يُعتَبر إسلامه وهنا قال الإسلام إذاً الإسلام شرط في قبول خبر الآحاد هذا مقصوده شرط في قبول خبر الآحاد، الإسلام: إذاً الشرط الأول الإسلام إن وُجد الإسلام مع بقية الشروط ترتب عليها لماذا لأننا نقول هذا شرط والشرط يلزم من عدمه العدم لا يلزم من وجود الإسلام لابد أن يكون راوياً - لا - وإنما كلما انتفى الإسلام انتفى القبول لماذا؟ لأنه شرط والشرط يلزم من عدمه العدم حينئذ يلزم من عدم الإسلام عدم قبول رواية الرواي والإسلام هذا شرط للأداة لا للتحمل لأننا عندنا أداة وعندنا تحمل التحمل هو السماع أو كتابة الحديث والأداة هو إبلاغه للغير متى يُشترط الإسلام؟ نقول يشترط في الأداة لا في التحمل فلو تحمل كافر ثم أدى بعد إسلامه قُبل منه لماذا؟ هنا انتفى الإسلام وقت التحمل لا قوت الأداة والمعتبر عند أهل الحديث ما هو المعتبر أن يؤدي ويُبلغ الحديث مسلماً فإن حفظه أو سمعه أو كتبه وهو كافر ثم أسلم فأداه قُبل منه فلو أداه وهو كافر لم يُقبل منه إذاً نقول الإسلام هنا هذا شرط بالإجماع وهو شرط للأداء لا للتحمل ولذلك جاء في صحيح البخاري عن جُبير بن مُطعم - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بالطور هذه سمعها وهو كافر قبل إسلامه لأنه كان أسيراً من أسارى بدر ثم أداه
(11/1)

بعد إسلامه ولذلك قال ابن حجر هذا الدليل على أن أهل الحديث عندما يشترطون الإسلام في الأداء لا في التحمل فلا تُقبل إذا اشترط الإسلام حينئذ لابد من مسائل تتفرع عليه قال فلا تقبل الفاء للتفريع هذه فلا تقبل رواية كافر والكافر لا تُقبل روايته وإذا أخبرنا مُخبِر وهو كافر سواء كان يهودياً أو نصرانياً نقول لا تُقبَل روايته لماذا؟ لأنه لا يُؤمَن عليه الكذب هو عدو لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - فحينئذ لا يُؤمن عليه الكذب وأن يفتري إذاً نقول من شرط قبول الخبر أن يكون مسلماً فإن كان كافراً فحينئذ نقول لا يُقبل خبره فأي خبر يصدر عن الكافر فالأصل فيه عدم القبول المراد بالكفر هنا الكفر الذي يخرج به الإنسان عن الملة كاليهودية أو النصرانية أو الكفر الذي يكون لا بتأويل حينئذ يدخل في هذا قوله فلا تقبل رواية كافر ما المراد بالكفر هنا لأن الكفر أقسام كفر متفق عليه كاليهودي والنصراني ولو خرج به الإنسان عن الملة بيهودية أو نصرانية نقول لا يُقبَل الخبر كذلك لو كفر ببدعة مكفراً لا بتأويل يعني لا باجتهاد لا بنظر لا ببحث فحينئذ نقول هذا كَفَر لكنه لا بتأويل هذا أيضاً لا تقبل روايته قولاً واحداً فلا تقبل رواية كافر ابن حجر - رحمه الله تعالى – ذكر في شرح النخبة أنه لو أُطلق القول بعدم قبول رواية الكافر وكثير من الطوائف يكفر بعضهم بعضاً لما جُعل ضابطاً للرد من حيث الكفر وعدمه قال حينئذ لابد لضبطه بما الكفر الذي يمكن صاحبه لا تقبل روايته فيما إذا أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة حينئذ نقول هذا إذا انضم إليه من كانت صفته هذه يعني أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة هو الذي لا تُقبل روايته وما عداه فلو وقع في بدعة مُكفرة إذا انضم إليه التقوى والورع والضبط والصدق حينئذ قُبلت روايته إذاً نقول فلا تُقبل رواية كافر ما المراد بالكافر الذي تُرد روايته؟ نقول من أجمع أهل العلم على كفره كاليهودي والنصراني يعني لو خرج مسلم من اليهودية والنصرانية أو جاء خبر عن اليهود والنصارى نقول لا يُقبَل لماذا؟ لكون الخبر مستنده أو مصدره كافر طيب لو كان مسلماً ثم كفر ببدعة وكل حدث يطلق عليه بدعة في الدين سواء كان مكفراً أو مُفسقاً أو غير ذلك لو كفر ببدعة نقول لابد من النظر إما أن تكون هذه بدعة بتأويل أو لا إن كان بتأويل سيأتي أن المصنف يستثني منها غير الداعية وما لم يكن بتأول فحينئذ يدخل في قوله فلا تُقبل رواية كافر، ما الضابط في الكفر هذا الذي يكون بغير تأويل؟ نقول من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة وما عدا إلى ذلك إذا انضم إليه ما يكون شرطاً في قبول رواية الراوي في الصدق والضبط إلى آخره فحينئذ تقبل أما من أتى ببدعة مُغلَظة مُكَفرة وأجمع أهل العلم كمن ادعى علياً - رضي الله عنه - إله مثلاً هذه بدعة مُكفرة ولا خلاف بين أهل العلم في كفر معتقده قال ولو بدعة فلا تقبل رواية كافر ولو ببدعة يعني ولو كان كفره بسبب بدعة فحينئذ إذا قابل الكافر بالبدعة المكفرة يكون الكافر الأول فيما هو ظاهر كلامه الكافر الأصلي فلو سمع يهودي النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أخبر لا نقبل روايته لأنه ليس بمسلم لو سمع نصراني كذلك لا
(11/2)

نقبل روايته لأنه ليس بمسلم والعجب أن الناس الآن وقع عندهم فتنة وهو ما شاع بأنه سُجل أرواح الناس يعذبون في القبور وجاءت عن طريقة شيوعي وتجد الأغبياء من المسلمين يسجلون ويوزعون ويقولون أن هذا خبر ثابت وهذا خبر حق نقول الآن نقرر قاعدة فلا تُقبَل رواية الكافر هل يُقبَل أو لا يُقبَل؟ لا يقبل، وتجد أن بعض طلاب العلم يعني يحتارون في الأمر هل نصدق أو لا نصدق هذا من عجائب الدهر طلاب العلم بعضهم دعاة يستغرب أو يعني يقف أو يحتار هل نصدق أو لا نصدق ثم أيضاً هو مخالف لأصل عذاب القبر هذا لو قيل بجواز كشفه فهو لبعض لا لكل وهذا قد أصبح كل ما صار غيباً ثم لو فُتح الباب وسُجلت مثل هذه الأشياء غدا يأتون بالمرئيات اليوم بصوتيات وصدقنا غداً تجد أشرطة الفيديو وترى القنوات ويقولون هذا عذاب القبر وأنتم مسلمون صدقتم الأول فلم لا تصدقون الثاني وغدا قد يأتوك بأشياء أخرى صوت جبريل إلى آخره إذا فُتح الباب لمثل هذه الأمور ما تُغلَق فلذلك نقول فلا تقبل رواية كافر سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو شيوعياً ولو ببدعة يعني ولو كان كفره بسبب بدعة فالبدعة المُكفرة سبب لرد الرواية البدعة المُكفر سبب لرد الرواية إلا المتأول حينئذ إلا المتأول قوله إلا المتأول تفهم منها أن المصنف خص قوله ولو ببدعة خص به صاحب البدعة غير المتأول ومراده بالمتأول الذي استند إلى الكتاب والسنة فأداه إلى أن وقع في بدعة وهذه البدعة تكون مكفرة إلا أنه لو كُفر حينئذ تُقبَل روايته خاصة إن انضم إليه الضبط والصدق، ولو ببدعة إلا المتأول إ المبتدع الذي كُفر بسبب بدعته لكنه متأول أي مستند للكتاب والسنة حينئذ يُقبَل لوجود الصدق والضبط إذا لم يكون داعية يعني إذا لم يدعو إلى بدعته إذا لم يروي ما يُؤيد بدعته لأنه متهم حينئذ لماذا؟ لأن الهوى يُزين له تحسين البدعة فحينئذ لا يُؤمَن عليه أن يضع أو يزيد حرفاً أو يُنقص حرفاً من الحديث مثلاً من أجل أن يُروج بدعته فلما كانت الرواية التي تؤيد بدعته مظنة لترجيح الكذب على الصدق قدم في هذا النوع وما عداه فيكون حينئذ على الأصل، إلا المتأول إذا لم يكن داعية فإن كان داعية لم تُقبل روايته إذاً المتأول يُفرَق فيه إن كان مبتدعاً داعية إلى بدعته فهذا لا تُقبَل روايته وإن لم يكن داعياً إلى بدعته فحينئذ تُقبًَل روايته، قال ابن حجر - رحمه الله تعالى – هذا المذهب هو الأعدل وصارت إليه طوائف من الأئمة وهو أن رواية المبتدع تُقبل إذا لم يكن داعياً إلى بدعه فإن كان داعباً إلى بدعته قال ابن حجر غيره كالنووي قال لا تقبل وهو ما رجحه السيوطي في ألفيته في ظاهره كلامه يعني في ظاهر كلام الإمام أحمد أن فرّق بين المبتدع الداعي وغير الداعي لأنه قال أو ورد عنه أن قال يُكتَب حديث القدرية إذا لم يكن داعية، قالوا أصحابه قالوا والقدرية عند الإمام أحمد كفار إذاً هم أصحاب بدعة مُكفرة وقال الإمام أحمد يُكتب حديث إذا لم يكن داعية فإن كان داعية فلا ولا كرامة، إذاً نقول الشرط الأول أنه لابد أن يكون الرواي مسلماً فحينئذ لو لم يكن مسلماً كالكافر الأصلي أو المبتدع الذي كُفر ببدعته وليس متأولاً فحينئذ تُرَد روايته فإن كان صاحب بدعة
(11/3)

مُكفرة لكنها بتأويل يعني اجتهد فوقع في هذه البدعة ولو كُفر حينئذ إذا لم يكن داعية قُبلت روايته وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وعنه رواية أخرى بالرد مطلقاً لكن كثير من المحققين يرون أن مدار البدعة وعدمها على الصدق متى ما ثبتت الثقة ثقة لرواية وكان صادقاً سواء كان داعية أو لا فحينئذ تُقبَل روايته ولذلك في الصحيحين عن بعض أهل البدع وهم دعاة ولكن خرّج لهم الصحيح من أجل أن مدار الرواية على الصدق فمتى ما انضم إلى صاحب البدعة صدق وضبط وتقوى وورع حينئذ تُقبَل روايته لأنه إن كان ورعاً وإن كان تقياً هو يعتقد أنه على حق ولذلك ابن حزم شنع على من يشترط عليه يقول كيف تشترطون في المبتدع وهو في باب المعتقد مبتدع يقول تشترطون في قبول رواية المبتدع إن لم يكن داعية هو يعتقد أنه حق وأنه من الإسلام وكل من اعتقد حقاً فالأصل أنه يكون داعية فحينئذ اشتراط كونه داعية إلى بدعته أو لا هذا يُنظر فيه من جهة الصدق وما ينضم إلى الرواي من التقوى والورع فإن وُجد فحينئذ الأصل القبول وإلا إذا وُجدت التهمة فالأصل العدم.
(11/4)

الثاني الشرط الثاني قال والتكليف يعني يشترط في الرواي الذي تقبل روايته أن يكون مُكلَفاً والتكليف اصطلح أهل العلم إذا أطلقوا مُراد به البلوغ والعقل إذاً يشترط التكليف بأن يكون الراوي الذي يترجح صدقه على خطأه وكذبه أن يكون مُكلفاً، قال حالة الأداء والأداء قلنا المراد به إبلاغ الحديث للغير ليس كالتحمل إذاً التكليف المراد به البلوغ والعقل واشتراط العقل هذا بالإجماع لماذا قال إذ لا وازع لغير العاقل يمنعه من الكذب وما يميز بين الكذب وغيره أصلاً فحينئذ كيف يُقال بأنه تُقبَل روايته ولذلك شرط العقل هذا للتحمل والأداء فيُفَسر في كلام المصنف هنا أنه أطلق نقول التكليف المراد به العقل والبلوغ والعقل هذا ليس للأداء فقط وإنما للتحمل والأداء فهو شرط فيهام وأما البلوغ فهو شرط في الأداء كما قال المصنف، إذاً العقل شرط لصحة الرواية أو لقبول رواية الراوي هو أصل الضبط والبلوغ هو الوازع عن الكذب ولذلك الصبي الصغير لا يقبل خبره والمجنون كذل لا يُقبَل خبره لكونه لا يعرف الله تعالى ولا يخافه ولذلك اتفق الصحابة على قبول أخبار أصاغر الصحابة كابن عباس وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين والنعمان بن بشير متى إذا أدوا ذلك بعد البلوغ تحملوا وهم صغار ثم أدوا ذلك بعد البلوغ فحينئذ يكون البلوغ شرطاً للأداء لا للتحمل بل كان كثير من أهل الحديث يأتون بأبنائهم في المجالس مجالس رواية الحديث من أجل أن يكتبوا ولذلك يذكرون هم وكتبه وضبطه متى استعد اختلفوا متى يكتب الصبي قيل خمس سنين وقيل بالتمييز إلى آخر الخلاف لكن قال السيوطي وَكَتْبُهُ وَضَبْطُهُ حَيْثُ اسْتَعَدّ وَإِنْ يُقَدِّمْ قَبْلَهُ الْفِقْهَ أَسَدّ، وكتبه أي كتب الصبي الصغير وكتبه وضبطه يعني تشكيله حيث استعد متى ما كان مستعداً عقلياً فليجلس وليكتب وليضبط وَإِنْ يُقَدِّمْ قَبْلَهُ الْفِقْهَ أَسَدّ هذا على طريقة الأقدمين أن كان يُقدم الفقه على دراسة الحديث، إذاً التكليف هو الشرط الثاني حالة الأداء نقول العقل إجماعاً غذ لا وازع لغير عاقل يمنع من الكذب والبلوغ عند الأئمة الأربعة لاحتمال كذب من يبلغ كالفاسق ما الأولى لأنه غير مُكلف لا يخاف العقاب والصبي قد يكذب فلو أدى قد يزيد قد ينقص لأنه لا يخاف بل هو لا يدرك قدر الحديث ولا أداء الحديث ولا ما يترتب على كذبه ونحو ذلك، ولذلك قيل البلوغ شرط للأداء لا للتحميل والعقل له ما معنى، والضبط أي والشرط الثالث باعتبار قبول رواية الرواي الضبط ولم يقيده بالتمام هنا لماذا لكون الشرط عاماً لمطلق الرواية التي تُقبَل والذي يُقبَل لا يُختَص بالصحيح لذاته وقد كون صحيحاً لذاته لغيره حسن لذاته لغير فحينئذ يشترط مطلق الضبط لا التمام لأن المبحث هنا مبحث عام، والضبط سماعاً وأداء الضبط لئلا يُغير اللفظ والمعنى فلا يوثق به والمراد به غلبة ضبطه لماذا لأن الخطأ اليسير لابد منه هو بشر فحينئذ إذا وقع في سهو ما أو غلط ما ونحو ذلك فيقبل ويكون تام الضبط ينسب في ضبطه تام الضبط وإذا قورن بغيره إلا أنه كيف يحكم عليه بكونه ضابطاً يُقارن بينه وبين غيره من الأئمة الحُفّاظ والضابطين فإن وُجد أنه موافق لهم في
(11/5)

الغالب أو الأغلب الأعم عُد ضابطاً وإلا عُد ليس بضابط والضابط سماعاً وأداءاً أن يؤدي ما تحمله على وجهه من غير زيادة فيه ولا نقص سماعاً وأداءاً يسمع فيكتب أو يحفظ فلا يزيد ولا يُنقص ثم يؤدي ذلك كما سمعه يؤدي ما سمع كما سمع لا يزيد ولا ينقص ولا يضر يسير خطأ لعدم سلامته وهذا يكاد يكون اتفاق بين أئمة الحديث، و (الضبط) سماعاً وأداءاً والحكم على الراوي بكونه ضابطاً هذا كما ذكرنها أنه إن وافق في الغالب الأئمة الحُفّاظ الضابطين حُكم بضبطه وإلا فلا والأداء لا تضبط.
(11/6)

الشرط الرابع فيمن تُقبل روايته أو تُرد العدالة أن يكون عدلاً وهذا بالإجماع، والعدالة لغة التوسط في الأمر من غير زيادة ولا نقصان وفي الاصطلاح صفة راسخة في النفس تحمله على ملازمة التقوى والمروءة وترك الكبائر والرذائل بلا بدعة مُغلَظة يعني من كان آتياً بالواجبات مُجتنباً للكبائر والمُحرمات واقفاً مع ما يخرج المروءة متلبساً بالآداب والأخلاق آتياً بما يحمده الناس مُجتنباً ما يذمه ويُبغضه الناس هذا هو العادل وتام العدالة، والعدالة إجماعاً فلا تُقبل من فاسق وهذا منصوص عليه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} الحجرات6، أي تثبتوا كما هو في قراءة أخرى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ} يعني من اتصف بالفسق {فَتَبَيَّنُوا} فتثبتوا إذاً لا يُقبَل خبره هكاذ وإنما لابد من التبين والتثبت، فلا تقبل من فاسق إلا ببدعة متأولاً صاحب البدعة في الموضعين سواء كانت البدعة مُكفرة أو مُفسقة قد يكون صاحب هوى غير متأول مستند إلى عقله دون كتاب أو سنة هذا لا حكم له ولا يُلتفت إليه وإما صاحب البدعة المتأول الذي اجتهد وطلب الحق ونظر إلى الكتاب والسنة وكان مستنده قول الله تعالى وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - هذا أمره أخف وأهل البدع ليسوا على مرتبة واحدة هذا لابد من الوقوف معه أهل البدع ليسوا على مرتبة واحدة وإذا كانوا كذلك فحينئذ يكون التعامل معهم على تفاوتهم ومراتبهم في بدعم، ولذلك وقع الخلاف عند أئمة الحديث أئمة السلف في التفريق بين مبتدع ومبتدع بين بدعة وبدعة بدعة مُكفرة متأول وغير متأول بدعة مُفسقة متأول إلى آخره لو كانت على مرتبة واحدة لما اختلفوا لو أهلها على مرتبة واحدة لهُجروا كلياً ولكن لما وقع التخفيف ولما وقع الاستثناء حينئذ علمان أن البدع تختلف وحينئذ يكون أهلها على طبقات أو مراتب، إلا ببدعة متأولاً عند أبي الخطاب والشافعي وهذا ما يسمي بالفسق الاعتقادي لأنهم يقولون ما كان متأولاً ببدعة مرادهم البدعة الاعتقادي يعني أمر اعتقادي كالأمور الصفات ونحوها وأما الجوارح فهذا الأصل أنه لا يُغتفر لماذا؟ لعدم الشبهة ولأنها داخلة في مسمى العدالة نقول العدالة ما هي؟ سلامته من ترك الواجبات وفعل المحرمات حينئذ لو فسق من جهة الجوارح ليس كمن فسق من جهة الاعتقاد متأولاً وهنا نفرق في الفسق فسق اعتقادي وفسق عملي وهناك يذكرون عند المتأخرين بدعة اعتقاديه مكفرة فقط ونضيف إليها بدعة أيضاً مُكفرة عملية لماذا؟ لأن الكفر قد يكون اعتقاداً وقد يكون عملاً هو ضد الإيمان فنقول الكفر ضد الإيمان بما أن الإيمان يكون قول واعتقاد وعمل والكفر ضده يكون بالاعتقاد وبالقول وبالعمل يعني قد يكفر عملاً ولو لم يعتقد وقد يكفر باللسان ولو لم يعتقد وقد يكفر بالاعتقاد ولو لم يعمل وكذلك الإيمان مرتب من ثلاثة أركان أعمال الجوارح كما هو مذهب السلف أنه داخل في مسمى الإيمان، لذلك في كتب المصطلح عند المتأخرين تنبه إليها طالب العلم البدعة المُكفرة هي الاعتقادية ولا يذكرون العملية وهنا يذكرون البدعة المفسقة الاعتقادية والعملية لماذا؟ لأن أكثر المتأخرين أشاعرة وهو عندهم
(11/7)

الكفر اعتقادي فقط ولا يكون الكفر عملياً وهذا ليس بصحيح بل هو مذهب الجهم بن صفوان حصر لكفر في الاعتقاد أنه لا كفر إلا باعتقاد وهذا مذهب الجهمية، قال والعدالة فلا تقبل من فاسق لأن الخبر أمانة علل بعضهم لأن الخبر أمانة ومنهم الشوكاني والقرطبي - رحمه الله تعالى – قال لأن الخبر أمانة والفسق قرينة تبطلها الخبر أمانة نقول الفاسق لا أمانة له، إلا ببدعة أي إلا من فسق من جهة الاعتقاد لا من جهة الجوارح عند أبي الخطاب والشافعي. هذه أربعة شروط الإسلام والتكليف والضبط والعدالة لابد من وجودها أربعة وأهل الحديث يذكون فقط ويدرجون بعضها تحت بعض لِنَاقِلِ الأَخْبَارِ شَرْطَانِ هُمَا: عَدْلٌ، وَضَبْطٌ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمَا مُكَلَّفًا لَمْ يَرْتَكِبْ فِسْقًا ولا خَرْمَ مُرُوءَةٍ وَلا مُغَفَّلا يَحْفَظُ إِنْ يُمْلِ، كِتَابًا يَضْبُطُ إِنْ يَرْوِ مِنْهُ، عَالِمًا مَا يُسْقِطُ إِنْ يَرْوِ بَالْمَعْنَى، وَضَبْطُهُ عُرِفْ إِنْ غَالِبًا وَافَقَ مَنْ بِهِ وَصِفْ هذا ما ذكره السيوطي في ألفية المصطلح.
والمجهول في شرط منها لا يقبل فمن جُهل عين المجهول ما هو المجهول؟ هذه لا تعرف عينه عن رجل حدثني رجل هذا ما عُرفت عينه أو سماه حدثني زيداً وزيد هذا لا يُعرَف لم يُزكه أحد أو يُجرَح أولم يروي عنه إلا شخص واحد نقول هذا مجهول والمجهول في شرط منها يعني لا يُعرَف هل هو مسلم أو لا هل هو مكلف أو لا هل أدى مكلفاً هل تحمل عاقلاً هل هو ضابط هل هو عدل إذا لم يُعرَف قال لا يُقبَل لماذا؟ لأن هذا شروط وجودية ليست من شروطاً عديمة لو كانت شروطاً عدمية استصحبنا الأصل لكن لا يمكن أن يكون الإنسان في الأصل ضابط أو في الأصل مسلم إلا إذا نشأ بين المسلمين ولا يكون الأصل أنه عدل وإنما هذه الشروط وجودية وإذا كان الشروط وجودية لابد من التحقق ولابد من التثبت لابد من العلم فحينئذ يكون العلم في الوجود وليس عدم العلم بالوجود هو الشرط يعين هل يشترط أن نعلم فسقه أو سلامته من الفسق أو الأصل العلم بعد الفسق؟ الأول لماذا لأن العدالة وجود ولابد أن يُثبت العدالة لعملنا بالعدالة أما عدم علمنا بالعدالة ليس بعدالة عدم علمنا بالفسق ليس بتعديل له من جهة الفسق وهلم جرة حينئذ نقول هذه الشروط
(11/8)

الأربعة إنما هي شروط وجودية والشيء إذا كان مشروطاً للوجود لابد من تحققه وجوده بالفعل ولابد من تعلق الإدراك والعلم به وإلا الأصل عدم وجوده ولذلك نقول من شك في ركن فكتركته هكذا المذهب من شك في ترك ركن فكتركه كأنه تركه لماذا؟ الشك هنا غير معتبر لأن هل فعل أو لم يفعل الأصل عدم الوجود والركن مطلوب الوجود إذاً لابد أن يعلم ويتحقق أنه ركع أو أنه قرأ الفاتحة أو أنه سجد فإذا لم يتحقق أنه سجد فالأصل عدم السجود حينئذ لابد أن يأتي بها فإذا شك في السجود سجد أو لم سجد نقول الأصل أنه لم سجد وإذا شك في الركوع هل ركع أو لا شك في الفاتحة هل قرأ أم لا نقول الأصل عدم القراءة لماذا؟ لأن هذه أركان وجودية والشيء إذا كان وجودياً يتعلق العلم بوجوده وعدم العلم هذا ليس من شيء، والمجهول في شرط منها لا يقبل كمذهب الشافعي وهو مذهب الجمهور قول الجمهور أنه لا يُقبَل مطلقاً، وعنه أي عن الإمام احمد رواية أخرى إلا في العدالة لأن الشرط عدم العلم بالفسق ليس العلم بالفسق لا نقول العكس هو الأصح، وعنه إلا في العدالة يعني مجهول العدالة يُقبَل أما مجهول الإسلام ومجهول الضبط ومجهول التكليف نقول هذا لا يُقبَل حينئذ نقول اتفقوا على شيء واختلفوا في شيء اتفقوا على أن الجهل بالإسلام وبالتكليف وبالضبط لا يُقبَل ويكون الخلاف في الرابع فقط وهو العدالة الجهل بالعدالة الخلاف في مجهول العدالة أما كجهول الإسلام والضبط والبلوغ فلا تُقبَل قولاً واحداً ولا فرق في الشك في العدالة وباقي الشروط فلا يُفرَق بينهما والقياس على الشاهدة كما ادعاه بعضهم لماذا؟ لأن الشهادة لابد أن يكون عدلاً والقياس على الشهادة يعني شهادة من دون العدالة لا تقبل يعني نُقيسه على ماذا يكون العكس هو الدليل عدالة الشاهد لابد أن تكون معلومة {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} الطلاق2، ولا ترضى إلا من كان عادلاً حينئذ نقيس الراوي على الشاهد حينئذ لابد من العلم بالعدالة على العكس من يستدل بالتفريق بينهما بل هما سيان والمجهول في الأصل غير عدل.
(11/9)

قال وعنه إلا في العدالة كمذهب أبي حنيفة لأنه لا تُقبل عنه إذا كان مجهول الإسلام أو التكليف أو الضبط واستثني مجهول العدالة فتُقبَل، وبعضهم يرى أن الأصل في المسلم العدالة وهذا توسع فيه ابن عبد البر - رحمه الله تعالى – في مسالة العادلة كي نقول كيف تُثبت العدالة إما بالاستفاضة وإما بالنص إما بالاستفاضة أن يكون مشهوراً كالأئمة الأربعة في كالبخاري ومسلم وأبي ذرعة وأبي حاتم إلى آخره نقول هؤلاء مشهورون بالعدالة فلا يُساَل عنهم أو بالنص من إمام عالم بأسباب الجرح والتعديل إلى آخره بأن فلان عادل وفلان زكاه عدل والأصح إذا كان عدل واحد يكفي أو جرح (أَوْ كَانَ مَشْهُورًا، وزَادَ يُوسُفُ بِأَنَّ كُلَّ مِنْ بِعِلْمٍ يُعْرَفُ عَدْلٌ إِلَى ظُهُورِ جَرْحٍ، وَأَبَوْا) يوسف من هو يوسف؟ ابن عبد البر - رحمه الله تعالى – بأن كل من عُرف بطلبه للعلم فهو عدل حتى يثبت الجرح وأبوا وزَادَ يُوسُفُ بِأَنَّ كُلَّ مِنْ بِعِلْمٍ يُعْرَفُ عَدْلٌ إِلَى ظُهُورِ جَرْحٍ، الأصل العدالة، وأبوا رُد عليه - رحمه الله تعالى -.
(11/10)

إذاً الاستفاضة والشهرة بها تُعلَم العدالة الثاني نقول بالتنصيص من عالم والأصح أنه يكفي واحد لو نص عالم إمام في الجرح والتعديل على أن فلان عدل نقبل والقول بأنه لابد من اثنين قول مرجوح بل أكثر العلم على أنه يفي واحد واثنان إن زكاه عدل والأصح إن عدّل الواحد يكفي أو جرح فلو جرح واحد كفى ولو عدّل واحد كفي واشتراط الاثنين كالشهادة ليس بسديد، ثم قال ولا يشترط ذكوريته ولا رؤيته ولا فقهه ولا معرفة نسبه لأن بعضهم اشترط هذه الأمور، ولا يشترط يعني للراوي أن يكون ذكراً كم وكم روت عائشة رضي الله عنها من أحاديث وأسماء أم عطية إلى آخره فقَبل أئمة السلف رواية عائشة وهي أنثى إذاً لا يشترط ذكوريته ولا رؤيته يعنى رؤيته لمن للنبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان من جهة الصحابي فالضرير تُقبَل روايه كذلك لو كان من وراء سِتر كم من الصحابة رووا عن عائشة وهي من وراء حائل إذاً لا يشترط الرؤية، ولا فقهه لا يشترط أن يكون فقيهاً كم نصّ عليه بعضهم رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه هذا حديث ورب حامل فقه وليس بفقيه ورب حامل فقه وليس بفقيه إذاً يشترط أن يكون الراوي فقيه وإنما اشترطه بعضه من أجل أنه إذا روى بالمعنى يكون عالماً بما يروي، ولا معرفة نسبه فتُقبَل رواية مجهول النسب بل النسب كولد الزنا ونحوه لماذا؟ لأن هذه لا مدخل لها في تحقق صفة القبول رواية الراوي أو رده كونه بلا نسب ليس لها دخل وإنما النظر في إسلامه في تكليفه في عدالته في ضبطه فإذا توفرت هذه حينئذ ليس لنا دخل في النسب سواء كان له نسب مجهول أو ليس له نسب بل عديم النسب، ويقبل المحدود في القذف إن كان شاهداً لو حُد شهادة الزنا لابد أن تكون من أربعة فلو وُجد ثلاث ولم يتم النصاب يُجلَد الثلاث يُحد حينئذ إذا حُدوا في القذف نقول يُحد للشرع وتُقبل روايتهم لماذا؟ لأن الحد هنا ليس لكونهم ارتكبوا مُفسقاً وإنما لنقص النصاب وإخراجهم للشهادة هنا مخرج الخبر لا مخرج القذف فحينئذ الحد هنا لعدم تمام النصاب لا لكونهم قاذفين لأنه لو قذف لصار فاسقاً فلابد من التوبة فإذا علمنا توبته وثبتت حينئذ تُقبَل روايته يعني من تابع فسق كمن لا ذنب له ولكن هنا المراد به إن حُد المحدود في القذف بحيث إنه كان أحد الشهداء ولم يتم النصاب هل نعتبر هذا لأن أبا بكر وبعض الصحابة حُدوا وبعضهم طعن في من حُد في القذف قذف عائشة رضي الله عنها من أجل ألا تُقبَل روايتهم نقول لا هذا ليس من أجل كونه فسقاً وإنما لأمر خارج عن العدالة وهو عدم إتمام النصاب، قال أصحاب الإمام أحمد إن قذف بلفظ الشهادة قُبلت روايته لأنه قد يقذف بلفظ الشهادة يعني يكون شاهداً فلا يتم النصاب فيُقذف وقد يقذف فيقول يا زاني هذا فرق بين أن يُحد من أجل الشهادة لم تتم وبين أن يكون قاذفاً يا زاني مثلاً نقول قذف بنفسه الثاني لابد من التوبة لأنه يُعَد مُفسقاً، إن قذف بلفظ الشهادة قُبلت روايته لأن نقص العدد ليس من جهة ولأنهم أخرجوا ألفاظهم مخرج الإخبار لا مخرج القذف فيُحد وتُقبَل روايته كل هذا للرد على من طعن في بعض الصحابة، ويُقبل المحدود يعني رواية قاذف قد حُد إن كان بشاهداً أما إن كان بقاذفاً فلابد من التوبة وليس
(11/11)

المراد بأنه لا يُقبل وأما إن كان شاهداً فتُقبَل روايته ولا نطالبه بتوبة وأما إن كان قاذفاً فلا تُقبَل روايته حتى يتوب لأنه يعتبر قادحاً في العادلة ثم يكون فاسقاً.
ثم قال والصحابة لم تكلم عن هذه الشروط الأربعة ومحترزاتها ذكر الصحابة لأنهم هم الطبقة الأولى في رواية الأحاديث وهل يُتعرض لهم بتعديل أو تجريح وهل هذه الشروط تشملهم أم لا قال والصحابة كلهم هذا تأكيد كلهم عدول بتعديل الله تعالى لهم عدّلهم الله - عز وجل - من فوق سبع سماوات، كلهم عدول بإجماع من يُعتَد به بإجماع المعتمدين وَهُمْ عُدُولٌ كُلُّهُمْ لا يَشْتَبِهْ النَّوَوِيْ أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهْ، وَهُمْ عُدُولٌ كُلُّهُمْ لا يَشْتَبِهْ النووي قال النووي أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهْ أما من كان من أهل البدع كالرافضة ونحوهم فلا عبرة لهم في إجماعات أهل السنة والجماعة، ثم قال والصحابي إذاً إذا كانوا الصحابة عدولاً حينئذ فلا حاجة على البحث عن عدالتهم فجهالة الصحابي لا تضر ويُبنى على هذه المسألة مرسل الصحابي ومرسل الصاحب غالب في الأصلح لأن الغالب في الصحابي لا يروي إلا عن صحابي فإذا أسقط الصحابي الواسطة بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - نقول الصحابي جهالته لا تضر لماذا؟ لأن القاعدة أنهم كلهم عدول والصحابة كلهم عدول بإجماع العلماء المعتبرين وهم عدول كلهم لا يشتبه النووي أجمع من يُعتَد به، إذاً ينبني على هذه المسالة هو هذا وأما من فصّل في أنهم عدول إلى زمن الفتنة ثم لابد من البحث إلى آخره نقول هذه أقوال كلها ضعيفة ومردودة قال تعالى في شأنهم {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} التوبة100، وقال جل وعلا {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ} الفتح18، {وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء} الفتح29، وقال - صلى الله عليه وسلم - خير الناس قرني وقال لا تؤذوني في أصحابي، ثم فيم تواتر من صلاحهم وطاعتهم لله ولرسوله غاية التعديل حبهم لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وجهادهم تضحيتهم من أجل الدين هذا يكفي لعدالتهم ولا نحتاج أن نبحث وما وقع فيما بينهم من خلاف نقول نسكت عما شجر بينهم ولا يُعد ذلك كل مجتهد وإن كان فيهم مصيب وفيهم مُخطئ ولكن نقول هذا حصل من باب الاجتهاد والمجتهد إذا أصاب واجتهد فله أجران وإن اجتهد واخطأ فله أجر واحد ولا نبحث ولا نستفصل ولا نتحامل على شخص معين بل ولا نقرأ ولا نذكر هذه للناس في عموميات وإنما تطوى ولا تُروى، ثم قال لما بين لك أن الصحابة كلهم عدول قال والصحابي من هو الصحابي؟ من صحبه ولو ساعة أو رآه مؤمناً من صحبه يعني صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله أو رآه إذ جعلنا نعمم قول صحبه لأن المراد به الصحبة بمعنى الصحبة المراد بها اللقي فحينئذ يعم البصير والأعمى أو رآه قابل به صحبه من صحبه يعني من صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل فيه من التقى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولو لم يره لأنه قال ورآه فيما بعده حينئذ صحبه بمعنى اللقي ليعم البصير والأعمى ولو ساعة يعني لا يُشترط طول الصحبة
(11/12)

كما هو مذهب كثير من الأصوليين أهل الحديث هذا التعريف جار على مذهب أهل الحديث أن الصحبة لها شرف أو شرف اللقاء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى الصحبة لكل من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو لم يجلس معه ولو رآه عن بعد فحينئذ نقول لا تشترط أو لا يشترط طول الصحابة حَدُّ الصَّحَابِي: مُسْلِمًا لاقَى الرَّسُولْ وَإِنْ بِلا رِوَايَةٍ عَنْهُ وَطُولْ، وَإِنْ بِلا رِوَايَةٍ ولو لم يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو صحابي وإن لم تطل صحبته بل لو رآه ساعة لو لحظة نحكم بصحبته وإن كانوا يتفاوتون فيما بينهم لذلك من لزم النبي - صلى الله عليه وسلم - مدة بعثته ليس كمن رآه قبل وفاته بعشرين يوماً مثلاً لا يستويان قطعاً هذا، من صحبه ولو ساعة حينئذ ولو ساعة فيه رد على من اشترط طول الصحبة كما هو مذهب كثير من الأصوليين وبعض المحدثين أو بعض الحديث المتعقلين، أو هذا للتنويع أو رآه يعني رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو يجتمع به رآه يقظة حياً يقظة لو رآه في المنام صفي يكون أو صحابي مثلاً؟ من رآه يقظة أما في المنام فلا، حياً - صلى الله عليه وسلم -، فلو رآه مُسجياً نقول لا لا ثبت الصحبة، قال ابن الصلاح وهذا لشرف منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطوا كل من رآه حكم الصحبة قال وتثبت صحبته بخبر غيره عنه أو خبره عن نفسه، إذاً عرفنا حد الصحابي على ما ذكره المصنف ولابن حجر - رحمه الله تعالى – تعرف مشهور من اجتمع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمناً به ومات على ذلك ولو تخلت ردة في الأصح وله شرح جيد في المسألة.
(11/13)

تثبت الصحبة بماذا؟ نقول التواتر كالخلفاء الأربعة الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة كذلك تثبت بالاستفاضة والشهرة كون ذلك صحابي التي هي دون التواتر كعكاشة أو بخبر غيره عنه لو أخبر صحابي بأن فلان صحابي تثبت الصحبة أو بخبره عن نفسه عن الجمهور لو أن أخبرك وقال أنا صحابي يقول أنا التقيت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يُقبَل أو لا يُقبَل؟ نقول يُقبَل بشرط المعاصرة والعدالة أو خبره عن نفسه لأنه ثقة مقبول القول فقُبل في ذلك كروايته بشرط أن يكون معاصراً يعني وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - عدلاً، وأما غير الصحابي، الصحابي عرفنا وأما غير الصحابي لابد من تزكيته كالشهادة كما أن الشهود لابد من تزكيتهم كذلك غير الصحابي لابد من تزكيتهم كما ذكرنا في الشروط السابقة أنها الأصل فيها العدم فحينئذ لابد من العلم بوجودها كتكليف من سمع تحمل بالغاً أو لا هل أدى بالغاً أولا هل هو كونه متحملاً مسلماً أو لا لابد من وجود هذه الشروط، وغير الصحابي لابد من تزكيته لابد أن يزكيه عالم بأسباب الجرح والتعديل، والرواية عنه عن غير الصحابي تزكية فإذا روى عنه من عُرف بأنه لا يروي إلا عن ثقات أو روى عنه ثقة قال تزكية يعني إذا لم نجد نصاً لعالم بأن الراوي الفلاني ثقة قال والرواية عنه تزكية في رواية عن الإمام أحمد بشرط أن يُعلَم من عادة الراوي أو صريح قوله أنه لا يروي إلا عن عدل يعني بعض المحدثين صرح أنه لا يروي إلا عن عدل فإذا قال عن رجل أو قال حدثني ثقة أو حدثني من لا اتهم فحينئذ قال نحكم بأنه ثقة لأنه هدل لماذا لأن هذا الراوي المحدث الإمام قد حدث عنه ومن علمنا من حاله أو من صريح قوله أنه لا يحدث إلا عن ثقات وَلَيْسَ فِي الأَظْهَرِ تَعْدِيلاً إِذَا عَنْهُ رَوَى الْعَدْلُ وَلَوْ خُصَّ بِذَا، والأشهر عند المتأخرين أنه لا يعد عند أكثر أهل الحديث أنه لا يعد تعديلاً بل حاله حال غيره لابد من البحث والفحص ولذلك قال السيوطي وَلَيْسَ فِي الأَظْهَرِ تَعْدِيلاً إِذَا عَنْهُ رَوَى الْعَدْلُ ولو خُص بذا وليس في الأظهر يعني قول أظهر وليس في الأظهر تعديلاً إِذَا عَنْهُ رَوَى الْعَدْلُ إذا روى عنه العدل ولو خُص بأنه لا يروي إلا عن العدول نقول هذا لا يعد تعديلاً بل لابد من التنصيص والبحث والفحص إذاً والرواية عنه تزكية في إذا الرواية الأخرى لا تعتبر تزكية وهي أرجح بشرط أن يُعلَم من عادة الراوي أو صريح قوله أنه لا يري إلا عن عدل ولذلك يقول القاسمي حشياً على هذا خالف في ذلك الأكثر فذهبوا إلى أن الرواية المذكورة ليس بتعدي وهذا أصرح ورجحه السيوطي في ألفيته، والحكم بشهادته أقوى من تزكيته إذا قال القاضي بشهادة زيد مثلاً كانت ذلك تعديلاً له لماذا؟ لأن الشهادة يُشترط فيها العدالة لابد أن يكون مُعدلاً {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} الطلاق2، فإذا قضى القاضي بشهادة زيد فهذا الشاهد عدلاً حينئذ الحكم بشهادته يعتبر تعديل ولا إشكال في هذا ويُقبل كالتزكية من واحد ويُقبَل والحكم بشهادته أقوى من تزكيه.
(11/14)

ثم قال والجرح هذا مقابل للتعديل عندنا تعديل وتجريح والجرح ما هو قال نسبة ما ترد به الشهادة أي أن يُنسَب إلى شخص ما يُوجِب رد شهادته كذاب فاسق لا يُعتمد عليه لا يوثق في حديثه عديم الأمانة كل هذه ترد الشهادة حينئذ نُسب إلى الراوي ما تُرد به الشهادة ككذاب وفاسق وعديم الأمانة حينئذ نقول ماذا يُعتبر مجروحاً قال والجرح نسبة ما ترد به الشهادة يعني أن يُنسَب إلى الراوي راوي الحديث ما لو نُسب إلى الشهادة لردت شهادته هذا تقدير الكلام نسبة ما ترد به الشهادة أن يُنسب إلى راوي الحديث ما لو نُسب إلى الشاهد في مقام الشهادة ورُدت شهادته كأن قيل فاسق ونحو ممن ترضون من الشهداء، والفاسق والكذاب لا نرضاه {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} نقول الغير عدل لا يُؤمَن وليس ترك الحكم بشهادته منه يعني وليس ترك الحكم بشهادة زيد مثلاً يعتبر من الجرح لأنه قال في المقابل والحكم بشهادته أوقى من تزكيته إذاً يعتبر تعديلاً له، إذا ترك القاضي رد شهادة زيد ترك شهادته هل يعتبر جرحاً؟ إذا قبل شهادته قلنا هذا يعتبر تعديلاً وإذا ردها هل يعتبر جرحاً؟ لأن سبب الرد في الشهادة ليس مبناه دائماً ما يُوجب الفسق لا قد يرده للتهمة تهمة قرابة يأتي ويشهد لابنه يرده القاضي هل الرد هذا يعتبر جرحاً؟ نقول لا، إذاً قوله وليس الحكم بشهادته منه لابد من زيادة منه، منه أي من الجرح أي وليس ترك الحكم بشهادته من الجرح لاحتمال وجود سبب آخر لترك العمل بشهادته غير الفسق كعداوة أو تهمة قرابة، إذاً لو ترك القاضي شهادة زيد إذاً لا نعتبر هذا الترك وهذا الرد جرحاً للراوي،.
(11/15)

ويقبل كالتزكية من واحد ذكرناها واثنان إن زكاه عدل والأصح إن عدّل الواحد يكفي أو جرح وهذا مذهب الأئمة الأربعة، ولا يجب ذكر سببه يعين سبب الجرح إذا قال فلان مردود الرواية أو لا يُقبَل خبره لابد أن يُبين أو لا؟ قد لا يجب، ولا يجب ذكر سببه لماذا؟ لأن أسباب الجرح معلومة لأنه يحصل بأمر واحد وهذا الأمر الواحد أمر معلوم مستفيضا عند المُجرحين والمُعدلين حينئذ إذا قال فلان لا يوثق بحديثه أو لا تُقبَل روايته أو قال فلان فاسق أو فلان كذاب قال لا يجب ذكر سببه وهذا ليس على إطلاقه، وعنه بلى وفي الرواية الأخرى بلي يعني يجب ذكر السبب لماذا؟ لأن أسباب الجرح هذه فيها خلاف قد يجرح بما لا يكون جارحاً حينئذ لابد أن يُبين ويذك السبب الذي من أجله جرح الراوي ذلك لأنه لو أراد أن يُبين لا يحتاج إلى صفحات بخلاف العدالة، العدالة ذكرها يطول يصلي ويصوم ويفعل ويقوم الليل هذا أسباب تعديل لكن الجرح لا بواحد يكفي قصة واحدة تكفي فحينئذ لو ذكر سبب الجرح لا يشق عليه كذلك نظر آخر أن يُقال أسباب الجرح مما يختلف فيها المجرحون قد يجرح زيد بما لا يُجرح الآخر حينئذ لابد من ذكر السبب، وعنه بلى يعني لابد عند الإمام أحمد عن رواية أخرى لابد من ذكر سبب الجرح، وقيل قول ثالث يستفسر غير العالم يعني يُقبل الجرح من غير ذكر لسببه من غير بيان لسببه إذا كان الجارح عالماً بأسباب الجرح والتعديل وأما غير العالم فلابد من أن يُبين السبب، ثم قال ويقدم على التعديل يعني إذا تعارض الجرح والتعديل أيهما يُقدّم؟ قال ويقدم على التعديل أي عند التعارض وَقَدِّمِ الْجَرْحَ وَلَوْ عَدَّلَهُ أَكْثَر فِي الأَقْوَى، فَإِنْ فَصَّلَهُ على كل يُقدّم الجرح على التعديل إن فصّل وإن لم يُفصّل فحينئذ يُنظَر في تعارض الجرح والتعديل وذكر رواية أخرى أنه إذا كان المجرحون أكثر قُدم المجرحون وإذا كان المُعدلون أكثر يعني من المُجرحين قُدم المعدلون، ويُقدّم على التعديل أي عند التعارض وقيل الأكثر يعني من الجارحين أو المُعدلين وأهل الحديث لهم نظر خاص في مثل هذه المسائل.
(11/16)

لما انتهى من الحكم على الصحابي وغير الصحابي بالتزكية والتعديل والتجريح انتقال إلى بيان ألفاظ الروايات، قال وأما ألفاظ الرواية أي في نقل الحديث فيما يُنقل الحديث أو تُنقل الرواية لابد من ألفاظ تدل على الاتصال وإلا لحُكم بعدم اتصال السند فحينئذ لابد من النظر في الصيغة التي يؤدي بها الراوي لأن من الصيغ ما يُفهَم منها اتصال السند ومن الصيغ ما هي محتملة ومن الصيغ ما تدل على عدم الاتصال، وأما ألفاظ الرواية يعين نقل الحديث فمن الصحابي خمسة لأن النقل لابد وأن يكون صحابياً وهو الذي يكون في آخر السند وإما أن يكون غير صحابي وهو ممن يأخذ عن الصحابي، فمن الصحابي خمسة أقواها يعني أعلاها في الاحتجاج (سمعت) أو (أخبرني) أو (شافهني) إذا قال الصحابي سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرني النبي - صلى الله عليه وسلم - شافهني النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه أعلى درجات الأداة لماذا؟ لم؟ تدل على ماذا؟ تدل على وجود الواسطة أو عدم الواسطة؟ قطعاً عدم الواسطة والصحابي ثقة عدل إذا قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذ سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذ ليس ثم واسطة بين الصحابي وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم المرتبة الثانية (قال كذا) قال، قال هذه تحتمل إذا قال الشخص قال زيد يحتمل أنه سمعه ويحتمل أنه لم يسمعه لاحتمال كما قال هنا لاحتمال سماعه من غيره نزلت هذه مرتبة قال كذا وفعل كذا مثلها فعل كذا لاحتمال سماعه من غيره، لكن نقول الصحابي إذا قال قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وجزم حينئذ احتمال السماع من الغير ضعيف لو كان في غير الصحابة نعم أما في حق الصحابة لا، الاحتمال الذي يكون في صيغة قال أو فعل كذا نقول هذا الاحتمال مرجوح ويكون الراجح السماع إذاً لاحتملا سماعه من غيره نقول والراجح حمله على عدم الواسطة هو أنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما عبر بهذا لحسب المقام، ثم المرتبة الثالثة (أمر) أو (نهى) إذا قال أمر ولم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - أو قال أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا ليس كسمعت أو أخبرني أو شافهني أو قال كذا لماذا؟ إذا قال أمر هذه جعلها دون الثانية تحتمل الواسطة إذا قال أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - يحتمل أنه أخبرني صحابي آخر بأن النبي أمر فنسبت للنبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة أمر النبي (أمر) أو (نهى) ويحتمل أمر ثاني هم يقولن هذا إذا قال الصحابي أمر نقول لا هذا يحتمل يحتمل الصحابي فهم أنه أمر وليس بأمر أو أنه نهي وليس بنهي وهذا ما صحيح ولكنهم يذكرون هذا يقول نجعله في المرتبة الثالثة أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو نهى لاحتمال الواسطة أنه نُقل إليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أو نهى ويُزاد عليه احتمل آخر هو أن يعتقد ما ليس بأمر أمراً، ثم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - يحتمل الخصوصية وليس بأمر العام فلهذه الأمور الثلاثة إذاً هي دون المرتبة الثانية، والصواب أنه إذا قال أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد أمر والصحابي إذا فهم الأمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - ففهمه حجة لأن
(11/17)

فهم الأمر أو مدلول الأمر هذا أمر لغوي وهم أعلى درجات الصحابة قد توفرت في الصحابة رضي الله عنهم وهم علماء في اللغة، حينئذ إذا فهم الأمر من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذاً الأمر كما هو فهم وإذا فهم النهي من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو كما فهو بل قوله وفهمه مُقدَم على غيره ولذلك إذا لم يكن ثم خلاف بين الصحابة فقوله حجة بشرطه كما سيأتي، إذاً قوله أمر أو نهى نقول الصواب أنه للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم (أُمرنا) أو (نُهينا) هناك أمر وهنا أُمرنا أو نُهينا نقول هذا أيضاً يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أني كون أمرنا أو نُهينا الآمر هو أبو بكر أو عمر رضي الله عنهم فحينئذ لوجود هذا الاحتمال ولوجود الواسطة وعدم المباشرة نزلت مرتبة رابعة، ثم (أُمرنا) أو (نُهينا) لعدم تعيين الآمر من هو الآمر؟ قالوا يحتمل ومحل الخلاف في غير أبي بكر - رضي الله عنه - اختلفوا في نُهينا وأُمرنا ومحل الخلاف في غير أبي بكر لو قال أبو بكر - رضي الله عنه - أُمرنا ونُهينا ليس فقه أبي بكر لا النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن لو قال عمر فيحتمل أنه النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أنه الخليفة الراشد الأول لأن له ولاية حينئذ لو أمره وقال أُمرنا لكان حقاً ولو قال نُهينا وقد نهى أبو بكر لان حقاً إذاً فيه احتمل قالوا هذا الاحتمال لعدم تعيين الآمر نزلت درجة، ولذلك إذا تعارض حديثان ولم يكن هذه نستفد بها عند التعارض إذا تعارض حديثان حديث مُصرح بسمعت وحديث نُهينا أو أُمرنا حينئذ تأتي هذه من المُجرحات فما كان إذا لم يكن الجمع إلا بالنظر إلى هذه الطريق إلى ألفاظ الرواة إذا لم يكن جمع إلا بهذا الطريق فما صرح فيه بسماع مقدم لأنه منقول بلفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - بل القطع بعدم الواسطة وأُمرنا ونُهينا هذا فيه واسطة وإن كان الأصح أنه يُحمَل على أن الآمر هو النبي - صلى الله عليه وسلم - والناهي هو النبي - صلى الله عليه وسلم - (وَلْيُعَطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوابِ نَحْوُ: مِنَ السُّنَّةِ، مِنْ صَحَابِي كَذَا: أُمِرْنَا، وَكَذَا: كُنَّا نَرَى فِي عَهْدِهِ، أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى) ومثله من السن إذا قال الصحابة أن السنة كذا هذه يُحمل على ماذا؟ سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كان ثم احتمل آخر أنه سنة أبي بكر وسنة عمر وعثمان وعلي الأصل إذا أطلق الصحابة مثل هذه الألفاظ فإنما يعنون بها صاحب الشرع وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كان ثم احتمال فهو احتمال لغوي يعني بالنظر إلى الصيغة لو نظرنا إلى اللفظ مبني لما لم يمسى فيحتمل لكن هذا يُقرن بفعل الصحابة وباستقراء كلامهم وباستقراء أفعالهم أنهم يطلقون هذه العبارات في غير الشارع وهو النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ الجواب لا، فحينئذ نقطع بكون هذه الألفاظ كلها إذا أطلقها الصحابي المراد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا يكون حقيقة عرفية أما إذا نظرنا في المباحث اللغوية كل لفظ على حده حينئذ تأتي هذه الاحتمالات، ثم هذه الاحتمالات احتمالات عقلية فليُثبَت أن صحابي أطلق من السنة ولم يرد بها سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو
(11/18)

قال أمر النبي وتبين أنه لم يأمر أو نهى وتبين أنه لم ينهى حينئذ يختلف الحكم أما مجرد هكذا تجويزات عقلية فلا، ومثله (من السنة) لأنه غير معين يحتمل أنه سنة أبي بكر وغيره ثم المرتبة الخامسة كنا نفعل هكذا دون أن يُقيدها بزمن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو كانوا يفعلون دون إضافة إلى زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن أضيف إلى زمنه فحجة يعين مقال كنا نفعل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا أعلى درجة ما فيه إشكال أعلى درجة من قوله كنا نفعل ولم يضف في زمنه - صلى الله عليه وسلم - لماذا؟ إذا قال كنا نفعل في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - صار إقراراً كما قال جابر كنا نعزل والقرآن ينزل مثلها كنا نعزل والقرآن ينزل هذا صار إقرار ممن؟ من الله - عز وجل - صار إقرارا من الله - عز وجل - كذلك لو قال كنا نفعل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء علمنا أنه شاع فبلغ النبي أو لم يشع فيبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه إن شاع فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - لا إشكال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقره فإذا كان لم يبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان سراً كما هو في العزل ونحوه نقول هذا أقره الله جل وعلا من فوق سبع سماوات لأن الزمن زمن تشريعي حينئذ لا يُسكَت على مُنكر.
فإن أضيف إلى زمنه فحجة لظهور إقراره عليه - صلى الله عليه وسلم -، وقال أبو الخطاب (كانوا يفعلون) يعني إذا قال الراوي عن الصحابي كانوا يفعلون نقل للإجماع لماذا؟ لأنه لا يقول ذلك إلا ويقصد إقامة الحجة يقصد إقامة الحجة فيُحمَل على من قولهم حجة وهو الإجماع خلافاً لبعض الشافعية كانوا يفعلون هذا نقل للإجماع، وهذا يحتاج إلى نظر، ويقبل قوله أي قول الصحابي - رضي الله عنه - هذا الهبر منسوخ عند أبي الخطاب إذا حكم الصحابي بكون هذا الخبر منسوخاً حينئذ لا إشكال فنذهب إلى قوله ونقول بقوله إلا إذا تبين ما هو خلافه لأنه قد يسمع الناسخ ويظنه ناسخاً وقد يكون أمر آخر حصل وحدث في آخر الزمن ولم يطلع عليه وكم من أمور يحكم فيها ابن مسعود - رضي الله عنه - وتكون منسوخة بأدلة أخرى يعني قولهم ويُقبل قول الصحابي هذا القول منسوخ إذا لم يكن ما هو آخذ في الأخذ به، ويرجع إليه في تفسيره إذا كان الحديث فيه إجمال وفسره الصحابي فقوله أولى الأقوال والنظر والوقوف مع قوله أولى ما يُوقَف ويُعتَبر عند تفسير الحديث إذا كان الحديث يحتاج إلى تفسير وفيه بعض الإجمال وقد فسره الصحابي وخاصة إلى كان راوي الحديث حينئذ نقول أولى لكن لا نتقيد به كما يظنه بعض الأحناف ولذلك يقولون الحجة فيما روى لا فيما رأى لأنه قد يرى رأيا وتكون السنة على خلافه لذلك الأحناف كثير ما يُترك الحديث بسبب أن أبا هريرة أفتى بكذا ويكون قد رواه فنرد عليه الحجة فيما روى لا فيما رأى هذا رأيه لكن إذا لم يُعارَض إذا لم يكن غيره حينئذ يكون أولى ما يُعتَمد.
(11/19)

ولغيره أي لغير الصحابة من ألفظ الرواية مراتب أيضاً أعلاه والأصل نقول أعلاها لأن مراتب لعله خطأ في النسخ، أعلاها قراءة الشيخ عليه على التلميذ أن يقرأ الشيخ على التلميذ هذا أعلى المراتب وأعلى الدرجات لماذا؟ لأنه يسمع لفظ الشيخ ففيه من التثبت والتحفظ ما لا يكون في غيره، يعني يسمع إخراج المخارج ويسمع إلى الحركات إلى آخره من لفظ الشيخ وهذا أولى في التثبت والتحفظ، قال في معرض الإخبار هذا قيد يعني أن يقرأ الشيخ على التلميذ في معرض الإخبار يعني لا في معارض المذاكرة لأنهم كانوا يتساهلون في المذاكرة ما لا يتساهلون في الإخبار، فيقول التلميذ إذا قرأ عليه الشيخ حدثني إذا كان وحده أو حدثنا إذا كان معه غيره أو أخبرني وقال وسمعته المرتبة الثانية ثم قراءته على الشيخ الطالب يقرأ على الشيخ وهذا تُسمى بالعرض عند أهل الحديث فيقول الشيخ نعم أو يسكت خلافاً لبعض الظاهرة يقول نعم يعني يؤيد هذه القراءة أو يسكت ويكون سكوته حينئذ رضا لما قرأ الطالب وليس ثم خطأ خلافاً لبعض للظاهرية لماذا؟ لأنهم قالوا لابد أن ينطق الشيخ بصحة ما قُرأ عليه فسكوته ليس بدليل على الرضا، فيقول الطالب إذا قرأ على الشيخ أخبرنا أو حدثنا قراءة عليه يعني ليس كالأول الأول يقول أخبرنا حدثنا قال سمعت والثاني هنا يقول حدثنا أخبرنا قراءة عليه يعني يقول أخبرنا قراءة عليه وحدثنا قراءة عليه وذكر المصنف أن القيد لأخبرنا وحدثنا بكلمتين وهو رواية عن الإمام أحمد، لا بدونه في رواية بدونه الضمير يعود على القيد وهو قراءته عليه يعني لا يُطلق فيقول أخبرنا حدثنا فحينئذ يكون كذباً لأنه اصطلح على أن أخبرنا وحدثنا فيما إذا قرأ الشيخ على الطالب وإذا قرأ الطالب على الشيخ وقال أخبرنا ولم يزد قراءة عليه يكون فيه لبس وفيه كذب، لا بدونه لأنه يوجب السماع بلفظ الشيخ وهذا كذب في الرواية فلا يجوز، في رواية أي رواية عن الإمام أحمد أنه لابد من القيد أنه يقول أخبرنا أو حدثنا لا بدونه في رواية، وفي رواية أخرى أنه يجوز أن يقول أخبرنا وحدثنا بدون قيد، وفي رواية ثالثة وقول آخر الفرق بين حدثنا وأخبرنا فيجوز في أخبرنا ولا يجوز في حدثنا.
(11/20)

وليس له إبدال إحدى لفظتي الشيخ (حدثنا) أو (أخبرنا) بالأخرى في رواية هذا إن عُلم أنه يُفرق لأن ثم من يفرق بين أخبرنا وحدثنا فإذا كان الشيخ يفرق بين أخبرنا وحدثنا فإذا قال أخبرنا لا يجوز للطالب أن يرويه بحدثنا وإذا قال حدثنا لا يجوز أن يرويه بأخبرنا لماذا؟ لأن الشيخ يفرق بين الثنتين والرواية الأخرى الجواز، ثم المرتبة الثالثة من مراتب تحمل حديث الإجازة أن يأذن الشيخ بالرواية عنه فيقول وهذه صفة الإجازة يقول للطالب أجزت لك رواية الكتاب الفلاني وهذا تعيين إذاً تكون الإجازة مُعينة فلابد أن تكون مُعينة أو تكون عامة أو مسموعاتي إذاً الإجازة يتشرط فيها أن تكون لمعين بمعين وأن تكون عامة فإذا قال أجزتك أن تروي عني بعض مسموعاتي صحت؟ لا تصح لماذا؟ لأنها مجهولة ويشترط في الإجازة أن تكون بمعين وبعضهم يقول لمعين فلو قال أجزت لأهل الأرض بعضهم لا يجزي عنك ولو كان التوسع في الإجازة توسعاً غريب، والمناولة وهذا نوع من الإجازة فيناوله كتاب هي نوع من الإجازة الأولى يقول أجزت لك الكتاب تروي عنك كتاباً فتذهب السوق وتأخذ منه كتاب وترويه عن الشيخ وهذه يناوله نفس الأصل الذي عند الشيخ، الشيخ قد يكون ضبط أصل ما صحيح البخاري يقول اروي عني هذا الكتاب هذه مناولة هي أثبت من الأولى هي نوع من الإجازة لكنها أعلى لأنها أضبط فيناوله كتاباً ويقول اروه عني وهذا إذن في الرواية ولابد من الإذن لو أعطاه الكتاب وسكت لا يصح الرواية ولكن لابد أن يقول له ارو عني هذا الكتاب ارويه عني، فيقول حينئذ إذا أراد أن يُبلع ويروي الطالب أنبأنا فإذا قال أنبأنا نفهم أنها مناولة تفريق نقيض، وإن قال أخبرنا له أن يقول أخبرنا لكن لابد من زيادة قيد أخبرنا إجازة أو مناولة كما هو هناك قال أخبرنا أو حدثنا قراءة عليه، هنا وإن قال أخبرنا الطالب بدلاً من أنبأنا والموقع والمحل هنا موقع أو محل مناولة فلابد من إجازة هكذا تضبطها فلابد من إجازة من حرف جر وإجازة قًصد لفظهما أخبرنا إجازة حدثنا إجازة فلابد من إجازة أو مناولة يعني بالنصب فيهما لا تقل من إجازة لأن المقام مقام اروي عني وحصل إذن حينئذ إن قال أخبرنا فلابد أن تزيد قيد وهو إجازة أو مناولة وحُكي عن أبي عن أبي حنيفة وأبي يوسف منع الرواية بهما يعني بالإجازة والمناولة ولكن هذا عند المتأخرين وأكثر من ينسب إلى المتقدمين كأبي حنيفة وغيره أن المنع محول على غير العالم بما في الكتاب أما العالم فيجوز له الرواية لأن البعض توسعوا إلى زماننا هذا قد يُعطي ما ليس أو من لم يُعرّف بعلم يعطه إجازة اروي عني كتبي أو اروي عني كذل لماذا؟ لأن الأولى أن تكون الإجازة لعالم بما في الكتاب والمنع هنا محمول عند أبي حنيفة المنع من الإجازة والمناولة لما لم يكن عالماً بالكتاب فإن كان عالماً فلا إشكال وإلا فالإجازة ما أُعطيتن إلا من أجل اكتساب واختصار الوقت كما هو معلوم ولا يُجيز الرواية هذا الكتاب سماعي بدون إذنه فيها هذه الروية هذه النسخة بهذا التركيب لا إشكال أو الحاشية يقول ولا تجوز الرواية بقوله خذ هذا الكتاب أو هو سماعي بدون إذنه فيهما يعني لو قال له خذ هذا الكتاب أو هذه مسموعاتي ولم يأذن له بالرواية
(11/21)

هل يجوز له أن يرويها إجازة المناولة؟ لا يجوز هذا مراده، ولا يجيز الرواية هذا التركيب لا بأس به نقول فيها خلق، ولا يُجير الرواية هذا الكتاب سماعي بدون إذنه فيها لأن جواز الرواية مستفاد من الإذن فيها وهو معدوم هنا، إذاً إذا قال الشيخ للتلميذ هذا كتابي هذا سماعي إن قال اروه عني صح أن يرويه إن لم يقل فالمنع لأنه مجرد خبر والإجازة والمناولة لابد لها من الإذن وليس عندنا أذن هنا، ولا وجوده بخطه يعني لو وجد الشيء بخط شيخه فإنه لا يرويه عنه ولو كان شيخه إلا إذا أخذ إجازة عامة مطلقة حينئذ يصح أن يرويها عنه أما هكذا لا يجوز ولا وجوده بخطه بل يقول وجدت كذا ما يسمى بالوجادة عند أهل الحديث، وجدت بخط فلان كذا وكذا وهذه التي تسمى الوجادة ومتى وجد سماعه يعني التلميذ من شيخه بخط يُوثق به وغلب على ظنه أخنه سمعه من الشيخ غلب على ظنه لا يشترط في الرواية هنا اليقين الإجازة بل متى ما غلب على ظنه ووجد السماع كانوا قديماُ ما يكتبون في آخر المجلس الأسماء لو جده بخطه يوثق فيه وظن في نفسه أنه سمع هذا الكتاب أو هذه الأحاديث من شيخه رواه يعني جاز به أن يرويه وإن لم يذكره الضمير يعود إلى أي شيء؟ ومتى وجد السماع، يعني جاز له أن يرويه اعتماداً على الخط وإن كان ناسياً للسماع لأن مبنى الرواية على غلبة الظن وقد وُجد مبنى الرواية على غلبة الظن وقد وُجد خلافاً لأبي حنيفة - رحمه الله تعالى – حيث قال لا يجوز ذلك قياساً على الشهادة وفرق بين الشهادة والرواية كما هو معلوم عند أهل الحديث وإن شك فلا وإن شك هنا غلب على ظنه موهنا شك استواء الأمرين استواء الطرفين وإن شك في سماع الحديث من شيخه فلا يعني فلا يروه عنه فإن أنكر الشيخ الحديث بدون جزم بهذا القيد بدون جزم يعني لم يقول كذب عليه أو لم أروه شك فإن أنكر الشيخ الحديث بدون جزم وقال لا أذكره أو لا أستحضره أو نسيته أو لا أعرفه قُبل الحديث ولم يقدح في الفرع الذي هو التلميذ لماذا؟ لأنع عدل وأخبر وتُروي النسيان على الشيخ هذا لا يمنع من قبول الحديث ولذلك ألف السيوطي رسالة كاملة المتأسي فيمن حدث ونسي يُحدث وينسى لا بأس ممكن يحصل هذا حتى في الأمور العادية يُحدث ويخبر وينسى فإن أنكر الشيخ الحديث بدون جزم وقال لا أذكره أو لا أعرفه قُبل الحديث ولم يقدح في الفرع لأن الراوي عدل جازم بالرواية فإن جزم الشيخ بأن كذّب الراوي رُد الحديث لكذب أحدهما دون تعيين إذا جزم وكذّب الراوي في الإنكار نقول رُد الحديث ولا يُقبل ولا يطعن لا في الأصل ولا في الفرع، ومنع الكرخي منه من ماذا؟ فإن أنكر الشيخ الحديث بدون جزم وقال أذكره لم يقدحه ومنه الكرخي منه قال لا يقدح لأن الفرع تبع للأصل فإن طُعن من جهة الأصل لابد وأن يستلزم الطعن في الفرع يعني إن قال الشيخ نسيت فلابد أن يُطعَن في رواية الفرع وليس بصحيح هذا بل أكثر أهل الحديث على أنه لا يطعن في الحديث، ولو زاد ثقة فيه لفظاً أو معناً قُبلت هذا ما يُعنوَن له بالزيادة في زيادة ثقة ولو زاد ثقة هذا شرط فلو لم يكن ثقة لا تُقبَل زيادته لفظاً أو معناً يعني زاد في الحديث كلمة هذه الكلمة قد لا تؤثر من جهة المعنى لا تؤثر في الحكم أو زاد كلمة
(11/22)

تؤثر في الحكم بأن تكون أعم من تلك الكلمة التي في الحديث الآخر هذا مراده لفظاً أو معناً يعني قد يزيد الراوي كلمة فلا تؤثر في الحكم وقد يزيد كلمة فتؤثر في الحكم كأن تكون الكلمة التي أبدلها تكون خاصة وهذه عامة إذاً زادت الأفراد أم لا؟ زادت الأفراد فلو زاد ثقة كلمة لفظاً أو معني قُبلت مطلقاً وهذا منهج أكثر الأصوليين وأكثر المتأخرين من أهل الحديث والأصح أنه يُفصل في كل حديث على حده يعني لا يُعطَى قاعدة عامة بكل حديث بأنه إذا زيدت فيه زيادة بأنها تُقبَل، فإن اتحد المجلس مجلس الحديث فالأكثر عند أبي الخطاب يعني إن الأكثر أكثر الرواة قد زادوا هذه اللفظ قُبلت وإن كان أمثر الرواة لم يرووا هذه اللفظة رُدت، العبرة بالأكثرية عند أبي الخطاب، والمثبت مع التساوي في العدد والحفظ والضبط إذا كان اتحاد المجلس وكانت العبرة بالأكثر فيتساووا في العدد وليس عندنا أكثرية وتساووا في الضبط والحفظ قال المُثبت للزيادة مُقدَم لأن معه زيادة علم والنافي هذا ناقص. وقال القاضي أبو يعلى روايتان عن الإمام أحمد يُقدَم المُثبِت لأنه معه زيادة علم الرواية الثانية يُقدَم النافي لأن الأصل عدم الزيادة، ثم قال ولا يتعين لفظه بل يجوز بالمعنى هل يجوز رواية الحديث بالمعنى؟ جمهور السلف على أنه يجوز لكن يُشترط في أنه غير المُتعبَد به، يعني لا يأتي في حديث التحيات أو الأذان أو الإقامة – لا – ما تقبل هذا، ولا يتعين لفظه بل يجوز بالمعنى يجوز أن يروي الحديث بالمعنى في غير المُتعَبد بلفظه كالأذان والإقامة والدعاء الوارد أذكار الصباح والمساء نقول هذه لا تُورى بالمعنى أذكار الصلوات هذه لا تُورى بالمعنى تبقى على أصلها، أنما التي تكون في ما يُستنبَط من أحكام لكن ليس على إطلاقه قيده هنا قال لعالم هذا الذي يجوز أما عدا العالم فلا يجوز حينئذ تأتي أهمية اللغة للمُشتغل في الحديث إذا أراد أن يروي رواية، لعالم بمقتضيات الألفاظ عند الجمهور مقتضيات الألفاظ يعني أن يعرف هذا عام هذا خاص هذا مُطلق هذا مُقيَد ويأتي إلى لفظ فيرويه بمرادفه بحيث لا يزيد معنى ولا يُنقص معنى والأمر ليس بسهل أن يأتي بلفظ يُرادف الحديث ثم هذا اللفظ الذي أتى به لا يزيد معنى على هذا الحديث ولا يُنقص معنى عن الحديث هذا يحتاج إلى أن يكون موسوعة وخاصة في فقه اللغة يعني العلم بما وُضعت له الألفاظ جعلوا اللفظ دليلاً على المعنى هذا هو الوضع، عند الجمهور فيبدل اللفظ بمرادفه لا بغيره لماذا؟ لأنه لو غيره أو أبدله بغيره لابد وأن يزيد أو يُنقص في المعنى شاء أم أبى كل من أبدل لفظاً نبوياً بلفظ غير مرادف فلابد أن يُنقص أو يزيد لماذا؟ لأن اللغة إما أن تكون ألفاظ مترادفة أو لا إن لم تكن مترادفة لابد من التفاوت في المعاني وإذا كانت مترادفة حينئذ لابد من التساوي في المعاني وإنما يكون التغاير في الألفاظ، ومنع بعض المحدثين مطلقاً سواء كان عالماً بمقتضيات الألفاظ أو لا وإنما الأكثر على الأول.
(11/23)

ومراسيل الصحابة مقبولة، مراسيل جمع مُرسَل وهو مأخوذ من الإرسال وهو الإطلاق وهو ما أخبر الصحابي عن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو فعله ولم يسمعه أو يشاهده بخلاف المُرسَل عند غير الصحابي الْمُرْسَلُ الْمَرْفُوعُ بِالتَّابِعِ، أَوْ ذِي كِبَرٍ أَوْ سَقْطُ رَاوٍ قَدْ حَكَوْا أَشْهَرُهَا الأَوَّلُ، ومراسيل الصحابة مقبولة لماذا؟ لأنهم عدول لأنهم معلوم أن الصحابي إذا روى قولاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسمعه أو روى فعلاً عن النبي ولم يشاهده أو يراه حينئذ لابد وأن يكون خبر عن صحابي آخر، فحينئذ يكون الواسطة المجهولة بين الصحابي وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - صحابي آخر وإذا حكمنا بكون كلهم عدول إذاً لا نبحث نقول جهالة الصحابي لا تضر، ومراسيل الصحابة مقبولة وهذا عليه أئمة الحديث لأنه موصول مرسل أو مُرسل الصاحب وصل في الأصح هكذا قال السيوطي لأن حقيقته أنه رواه عن صحابي آخر، وقيل إن عُلِمَ أنه لا يروي عائشة رضي الله عنها تقول كان أول ما بُدأ به الرسول - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا الصالحة هذا مثل قبل أن تُولد عائشة رضي الله عنها، إذاً لابد أن أخذت إما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم تذكره وإما عن صحابي آخر، وقيل إن عُلِمَ أي الصحابي لا يروي إلا عن صحابي نقول كلهم كهذا هذا الشرط متحقق في الجميع ووجود بعض الصحابة يروي عن بعض التابعين هذا موجود لكنه ليس في الأحاديث ولكنه في الإسرائيليات وما على شاكلتها، وفي مراسيل غيرهم روايتان يعني هل يُقبَل مُرسَل غير الصحابي والمشهور أنه مرفوع التابع مطلقاً سواء كان كبيراً أو صغيراً (الْمُرْسَلُ الْمَرْفُوعُ بِالتَّابِعِ، أَو ذِي كِبَرٍ، أَوْ سَقْطُ رَاوٍ قَدْ حَكَوْا أَشْهَرُهَا الأَوَّلُ، ثُمَّ الْحُجَّةُ بِهِ رَأَى الأَئِمَّةُ الثَّلاثَةُ وَرَدُّهُ الأَقْوَى) لماذا؟ لأنه سقط راو ليس بصحابي إذاً لا نعلم هذه الواسطة لابد من ثبوت العدالة وسقط صاحبها حينئذ لابد من التوقف ولا نحكم بصحة الحديث، وفي مراسيل غيرهم روايتان – أي عن الإمام أحمد – القبول أي القبول مرسل الغير الصحابي لأن العدل لا يحذف الواسطة مع الجزم بالخبر إلا وهو عالم بأن الواسطة ثقة لا يحذف هذه الواسطة إلا وقد ضمن لنا أنه ثقة حينئذ أسقطه لكن نقول الصواب القول الثاني، وفي مراسيل غيرهم روايتان: القبول كمذهب أبي حنيفة وجماعة من المتكلمين اختارها القاضي أبو يعلى، والمنع للجهل بالساقط ورده الأقوى هكذا قال السيوطي للجهل بالساقط وهو قول الشافعي وبعض المحدثين , والظاهرية، إن كان الشافعي له شروط فيها معلومة.
(11/24)

وخبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبولٌ , خلافاً لأكثر الحنفية قعّدنا قاعدة بالأمس أن خبر الواحد دلت الأدلة الشرعية على قبوله وعلى أنه إذا لم يقع ثم اختلاف في رده وقبوله أنه يُفيد العلم حينئذ نقول ما أثبت حُجية خبر الواحد وهو الأدلة الشرعية وإجماع الصحابة هل فرقت بين خبر وخبر إذا كان في الحدود لا يُقبَل إذا كان مخالف للقياس لا يُقبَل إذا كانت تعم به البلوى لا يُقبَل نقول هذه التفصيلات كل ما أُستفصل وفُصل في أخبار الآحاد فهو مبني على اجتهاد أو قياس أو رأي فحينئذ كل ما سيذكره المصنف نقول مبناه الاجتهاد والرأي والنظر وإذا ثبت أصل المسألة بدليل شرعي فحينئذ نقول لا اجتهاد ولا نظر ولا قياس لأن الأدلة عامة هكذا نقول الأدلة عامة حُجية خبر الواحد ثبتت بالشرع والأدلة عامة مطلقاً لم تُقيد ولم يستفصل الصحابة بل حملوا الجميع أخبار الآحاد على الحجية واحتجوا على بعضهم لبعض بهذه الآحاد حينئذ نقول أي تفصيل فهو مردود أياً كان قاعده، وخبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبولٌ خلافاً لأكثر الحنفية أي المتأخرين، خبر الواحد يعني حديث خبر الواحد فيما تعم به البلوى يعني ما يكثر وقوعه في الناس بعضهم يرى أكثر المتأخرين إذا كانت تعم البلوى بالحكم الشرعي ويحتاجه أكثر الناس قالوا هذا لا يُقبل خبر الواحد لأنه مظنون لابد أن تكون الدواعي قد وُجدت لنقله والسؤال عنه بكثرة وهذا أمر غريب لأن أشد ما يحتاجه الناس وتكثر فيه الدعوى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو التوحيد بعث معاذ واحد (إنك تأتي قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله ثم قال فإن أجابوك فأعلهم أن الله قد فرض عليهم صلوات ثم صدقت) وهذا مما تعم به البلوى أو لا؟ هذا أولى من الوضوء وأولى من الغسل والسواك ونحو هذا، فإذا قُبل خبر الواحد وقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - واحداً وهذا فعله وهو حجة نحتج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث واحداً إذاً لو لم يكن معاذ حجة على من يبلغه هذا الخبر لما بعث النبي معاذ واحد لكان بعث عشرة لكي يحصل التواتر أو عشرين حينئذ نقول ما تعم به البلوى وهو ما يكثر وقوعه عند الناس أكثره أصول الدين وقد حدث وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث آحاداً إلى القبائل يحبرون بأمور تتعلق بالعقيدة وهي أأكد ما يكون على الناس، وخبر الواحد فيما تعم به البلوى كرفيع اليدين في الصلاة هكذا مثلا مُحشّي كرفع اليدين في الصلاة ونقض الوضوء بمس الذكر ونحوه حُجة من خالف أن ما تعم به البلوى تتوفر الدواعي على نقله فيشتهر عادة إذا كثر السؤال عنه من الناس حينئذ لابد وأن يشتهر نقول عائشة رضي الله عنها حصل خلاف بين الصحابة فيمن جامع ولم يُنزِل هل يجب عليه الغسل أو لا هذا بعد وفا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا مما تعم به البلوى فقالت إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل ماذا نقول في هذا؟ نرده لأنه تعم به البلوى؟ فلو كان حديثاً لاشتهر واشتهر عند الناس وروته عائشة وأم سلمة إلى آخره، نقول لا يُقبَل ولو كان مما تعم به البلوى، فوروده غير مشتهر دليل بطلانه هكذا يقول بعض الأحناف وروده غير مشتهر دليل بطلانه والجواب لنا قبول
(11/25)

السلف من الصحابة غيرهم خبر الواحد مطلقاً ولهم اعتراضات أخرى، وخبر الواحد فيما تعم به البلوى مقبولٌ , خلافاً لأكثر الحنفية أي المتأخرين، وفي إثبات الحدود وما يسقط بالشبهة خلافاً للكرخي يعين إذا جاء خبر الواحد يُبت حداً أو ما يسقط به الشبهة والحدود أيضاً نقول هذا يُقبَل لأن الحدود أيضاً تثبت بغلبة الظن نقول هذه المسألة مبناها أن خبر الواحد يفيد الظن هذه مصيبة عندهم خبر الواحد يفيد الظن حينئذ لابد أن يكون القاطع الذي يُقطَع به لا يثبت بمثل هذا لابد أن يثبت بمقطوع ولا يثبت بمظنون ولذلك علل الكرخي أنه مظنون غير مقطوع بصحته لماذا لا نقبل خبر الواحد بالحدود نقول لأنه مظنون غير مقطوع بصحته فصار شبهة فيه فلا يثبت به الحد صار شبهة خبر الواحد صار شبهة وفيما يُخالف القياس يعني خبر الواحد مقبول فيما يُخالف القياس يعني مُقدَم على القياس والصحيح أنه ليس بالشرع مسالة تُخالف القياس بل الشرع كله سوءا في الأصول وما استثناه الشرع كله موافق للقياس، رد ابن القيم وعنده كلام طويل أنه لا يوجد لأن يأتي بعض الفقهاء يقولك العرايا على خلاف القياس كيف على خلاف القياس الأصل أنها ربا يقول لا هي على وفق القياس الأصل والفرع كلاهما على وفق القياس وليس عندنا في الشريعة ما هو على خلاف في القياس وحُكي عن مالك تقديم القياس على خبر الواحد والشيخ الأمير - رحمه الله تعالى – يقول هذا لا يثبت عن مالك، مالك أجل من أن يُقدم القياس على خبر الواحد، وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - خبر الواحد إن خالف الأصول أو معناها والمقصود بالأصول هنا الكتاب والسنة والإجماع أو معناها القياس والحاصل أن خبر الواحد يُقبَل مطلقاً بلا تفصيل متى ما صح السند إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو مقبول سواء كان فيما تعم به البلوى كان في العقيدة كان في الغيبيات كان في أشراط الساعة كان في أحكام النكاح مطلقاً بلا تفصيل لماذا؟ لأن الصحابة قبلوا الخبر الواحد بلا تفصيل والأدلة الدالة على شرعيته بأنه حجة أثبتته بلا تفصيل ثم قال ثم هنا أبحاث يشترط فيها الكتاب والسنة من حيث أنها لفظية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
(11/26)

عناصر الدرس
* اللغات توقيفية
* الكلام
* أقسام الحقيقة
* النص والظاهر.

الدرس الثاني عشر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد توقفنا عن قول المصنف - رحمه الله تعالى - ثم ها هنا أبحاث يشترك فيها الكتاب والسنة من حيث أنها لفظية لما ذكر لك الأصل الأول الكتاب وذكر طرف ما يختص به الكتاب ثم ذكر الأصل الثاني وهو السنة النبوية ذكر طرف ما تختص به السنة قال ثم ها هنا يعني في هذا الموضع سيذكر لك المصنف أبحاث هذه الأبحاث لا يختص بها الكتاب دون السنة ولا تختص بها السنة دون الكتاب بل هي مشاركة بينهما من حيث إنها لفظية، أبحاث أنكر بعضهم هذا الجمع لأن فعل لا يُجمع على أفعال وأثبته كثير من المتأخرين لكن سيبويه يرفض هذا ويقول أبحاث يجمع على بحوث أو بحث فَعل يُجمع على فعول ولا يُجمع على أفعال، إذاً أبحاث نقول