Advertisement

شرح نظم الورقات


عناصر الدرس
* أهمية فن أصول الفقه.
* شرح البسملة وإعرابها.
* تعريف الحمد لغةً واصطلاحاً.
* شرح مقدمة الناظم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
سنشرع في هذه الليلة بإذن الله تعالى، ليلة الأحد، الموافق التاسع من شهر شوال من عام خمسٍ وعشرين وأربع مئة وألف، في المتن الرابع من الدورة التي عُنْوِنَ لها بالدورة التأصيلية الأولى، قد سبق أن شرحنا متن الملحة؛ ملحة الإعراب، ثم بمتن نظم المخصوص في الصرف، ثم تجاوزنا وشرحنا المنطق، السُلّم الْمُنَورق، ونجمع بين أصول الفقه والبلاغة، والسر في تقديم هذه الفنون على الأصول ـ كما سبق بيانه مرارًا ـ، أن هذه اللغة عمومًا؛ نحوًا وصرفًا وبيانًا، هذه يكاد يكون إجماعا إن لم يكن إجماعًا بين أهل العلم أنها شرطٌ في المستثنى، ولذلك سبق ذكرنا لكم الكلام اللي الشاطبي رحمه في ((الموفقات)) أن علوم اللغة شرطٌ في الاجتهاد علوم الشريعة، ولذلك بين رحمه الله أن درجة المجتهد أو الفقيه قوةً وضَعفًا باعتبار تمكنه من اللغة العربية، لذلك نص هكذا قال: "من كان مبتدئًا في اللغة فهو مبتدئٌ في الشريعة، ومن كان مُتَوَقِفًا في اللغة كان فهو متوقِفٌ في الشريعة، ومن كان منتهيًا في اللغة مجتهدًا بلغ درجة الاجتهاد فهو مجتهدٌ في الشريعة".
إذن بينهما كلام، هكذا علوم الشريعة عامة؛ لا يمكن أن ينفك علمٌ عن آخر، هذه لا بد أن تكون واضحةً في ذهن طالب العلم؛ أن تكون هذه الجزئية واضحة تمام الوضوح في ذهن طالب العلم، لماذا؟ لأن طلبه للعلم يكون على ما يقع في الذهن، إن تصور انفكاك العلوم بعضها عن بعض فماذا سيحصل؟ سيحصل ما هو حاصلٌ الآن، يتخصص في الفقه ولا يدري ما الأصول! وما اللغة! ويتخصص في الأصول ما يدري ما التفسير وما الحديث! إلى آخره ...
علوم الشريعة بارك الله فيكم كلها متلازمة مترابطة، لا يمكن أن يبلغ طالب العلم مبلغه في الفقه إلا إذا كان متشبعًا بأصول الفقه، وكذلك لا يمكن أن يكون مجتهدًا في أصول الفقه إلا إذا بلغ درجة كبرى في علم اللغة، وكذلك التفسير والحديث إلى آخره ...
(1/1)

فالعلوم مترابطة ولا يمكن أن ينقسم بعضها عن بعض، لكن قد يسأل البعض يقول أنا أول مرة أحضر الأصول، ولم أحضر الملحة والصرف وما سبق، المراد أن أصل العلم يمكن فهمه دون النحو والصرف والبلاغة، يعني نجعل مثلاً أصول الفقه ونحوه كالفقه والتفسير له أصل أقل ما يمكن أن يسمى بفن الأصول أو فن الفقه، وله كمال، الكمال لا يدرك إلا بآلة الاجتهاد، كمالُ طالب العلم في أصول الفقه لا يمكن أن يكون إلا إذا كملت عنده الآلة، أما أصل أصول الفقه كما ... ما هو أصل أصول الفقه؟ في ماذا يبحث أصول الفقه؟ هذه ما تشتمله الكتب التي يُعَنْوَنُ لها بكتب المبتدئين، يُبَيِّنُ لك مثلاً في الورقة ما هي الأحكام السبعة؟ الواجب ما هو واجب؟ ما هو الندب؟ ما هو المندوب؟ ما هو المحظور؟ إلى آخره، ثم باب الأمر، وباب النهي، باب العام، باب الخاص، أهم المسائل التي تذكر في كل باب هي ما تشتمله الكتب، التي يُعنون لها بالمختصرات، والتي يعتني بها المبتدؤون، إذن ما سبق ليس شرطًا في تحصيل أدنى ما يسمى أصولًا للفقه، وإنما هو شرطٌ للتمكن من أصول الفقه، ولذلك ذكر بعضهم أنه لن يبلغ درجة الاجتهاد في أصول الفقه إلا من بلغ درجة الاجتهاد في اللغة، هل هناك درجة أقل من درجة الاجتهاد في الفنون؟ لا شك هناك درجة للمبتدئين، وهناك درجة وسطى، وهناك درجة للمنتهي، المنتهي لا يصل إلى هذه الدرجة إلا بتمامه في علوم الآلة، وكما سبق أن علوم الآلة هي وسيلةٌ لغيرها، ليست مقصودة لذاتها؛ فأصول الفقه ليس مقصودًا لذاته، وإنما يطلب لغيره، والنحو أيضًا ليس مقصودًا لذاته، ذلك لا يعتني أو لا يتحصل طالب العلم الشرعي في علمٍ من علوم الآلة لماذا؟ لأن هذه العلوم يمكن إدراك ما يحتاجه طالب العلم الشرعي دون التخصص، بمعنى التخصص الآن العصري، بمعنى التخصص العصري، التخصص في العلوم نوعان: تخصص محدث الآن وُجِدَ وهو أن طالب العلم أول ما يبتدأ يتخصص في فنٍ من الفنون، هذا لا يعرف عن أهل العلم سابقًا، لا يعرف عن أهل العلم البتة، وإنما عُرف التخصص بمفهوم العلماء، وهو أن طالب العلم يدرس كل فن، يدرس النحو وتكون عنده درجة وسطى، لا يكتفي بالمختصرات، وإنما يأخذ كتاب مطول ونحوه، ويدرس الصرف، ويدرس البلاغة، ويأخذ شيئًا من المنطق، ويأخذ شيئًا من التفسير، وشيئًا من علم الرجال، وشيئًا من الفقه الحديث، ثم بعد ذلك إذا بلغ سِنًّا مُعَيَّنًا قد يحده بعضهم بالأربعين ونحوه؛ إذا بلغ سِنًّا مُعَيَّنًا تميل نفسه إلى تأليف في نوعٍ من أنواع العلوم، فيتقن التصنيف في هذا الفن أو يُكْثِر تدريسه لنوعٍ من العلوم، فيمعن النظر أكثر في هذا الفن، إمعانه النظر أو كثرة تدريسه لفنٍ من الفنون هذا لا يجعله يتجاهل بقية الفنون؛ وإنما هو على صلةٍ بها، ولذلك خذ مثلاً أي عالم من علماء المعتبرين المحقق الذين لا يكاد يخلو درس من ذكر أسماءهم، شيخ الإسلام ابن تيمية، النووي، ابن الصلاح، السيوطي رحمه الله، أي عالم من هؤلاء لو نظرت في ترجمته لوجدت أنه قد أخذ أول القرآن و ...
(1/2)

حتى بعض المتخصصين ينازع في القرآن يقول ليس شرطًا في الاجتهاد، يحفظ القرآن، ويأخذ بالقراءات السبع، ويدرس النحو، ويؤلف فيه، ويدرس الصرف، وسائر العلوم، مع ذلك تجده أنه قد تخصص في فنٍ من الفنون، بمعنى أنه أكثر التصنيف، وأكثر التدريس، ومالت نفسه وطبيعته، ومال قلبه إلى فنٍ من الفنون.
أما التخصص المحدث الآن، الذي جاء مع الصيغة النظامية فهو تخصصٌ محدث، ولا يمكن أن يطلق على من تخصص بهذا المفهوم أنه عالمٌ من العلماء، هذه حقيقة لا بد من منها حقيقة لا خيال، فنقول هذا الذي تخصص بهذا المفهوم بإجماع المتقدمين لا يسمى عالم، وإنما يكون ناقلاً للعلم فحسب، يكون ناقلا للعلم فحسب، ففرقٌ بين أن يكون الإنسان مجتهدًا في الفن، وبين أن يكون ناقلاً للفن، ينقل يتصور المسألة يفهمها عن شيخه أو يفهمه بنفسه ثم يوصلها إلى غيره ينقلها نقلاً فهمًا ومسألةً تصورًا وحكمًا وقد ينقل الاستدلال على ما فهمه من كتب أهل العلم، لكن هل عنده قدرة لأن يستنبط بنفسه الأحكام الشرعية من أدلتها تفصيلية؟ نقول هذا لا يمكن أن يكون إلا إذا أخذ حظا وافرًا من علوم الآلة بأسرها مجتمعةً، ولا يشتت بعضها دون بعض، ولا يأخذ بعضًا ويتجاهل بعض. نعم أصول الفقه فهو كغيره من علوم الآلة قد حصل فيها نوع انحراف، وهو أن اللغة أُدخل فيها ما ليس منها، كثُرت المصنفات فيها اشتغلوا بالحدوث، وأدخلوا المنطق، ما من صفحةٍ من كتب النحو إلا وتجد لفظًا من ألفاظ المناطقة، هذا يمكن أن يتجاهله طالب العلم ويأخذ الخلاصة أو الزبدة من أو الزُبدة من الكتاب نفسه أو الكتب المؤلفة، وهي خالصة من هذه الشوائك وجود هذه الأشياء أو هذه النزاعات أو هذه الاختلاف أو التطويل بلا طائل في كتب النحو أو أصول الفقه لا يجعل طالب العلم يعرض عنها ويقول هذا اشتغالٌ بالفضول ونترك المقاصد لا، المقاصد وحيين، إنما نزلت إلا بلغة العرب، ولغة العرب لا بد من فهمها من جهة دلالة ألفاظها، ألفاظا يعني المفردات وتراكيب، وهذا لا يمكن إلا من جهة النحو والصرف والبلاغة درسنا في أصول الفقه، أصول الفقه كما سيأتي مبادئ العشرة قد اعتدنا أن نقول المبادئ العشرة ابتداءً لكن هو ذكر تعريف أصول الفقه كأصول الفقه لفظا لقبا، نحيلها إلى وقتها. لكن الذي يعنينا هو أن أصول الفقه هذا العلم لا يمكن أن يستغني عنه طالب علم وعمل، بمعنى أنه أصول الفقه إضافته إلى الفقه لا يعني أن الفقه مشتقٌ بهذا الأصول أو أن هذه الأصول مختصةٌ بالفقه دون فائدة ( .. )،
(1/3)

لا بل المفسر يحتاج إلى أصول الفقه الفقيه يحتاج إلى أصول الفقه، كلُ ناظرٍ في الكتاب والسنة بأي وجهٍ من وجوه النظر والبحث فهو محتاجٌ إلى أصول الفقه، لم؟ نقول: لأن أصول الفقه أهم أبوابه هو الألفاظ ودلالة الألفاظ، هذا أهم ما يعتني به الأصوليون الألفاظ ودلالة الألفاظ، باب الأمر، باب النهي، باب العام، باب الخاص، باب المجمل، والمبين، والمطلق، والمقيد، كل هذه داخلة في الألفاظ ودلالة الألفاظ، دلالة الألفاظ على المعنى الذي يبحث عنها المفسر، أو يبحث عنها الفقيه، أو يبحث عنها المحدث، هذه إما أن تؤخذ من جهة المنطوق، وإما أن تؤخذ من جهة المفهوم، فالذي لا يميز المنطوق من المفهوم كيف يصل إلى المعنى؟! لا يمكن. كذلك المفهوم قد يكون مفهوم مخالفة وقد يكون مفهوم موافقة، كذلك دلالة الألفاظ قد تكون عامةً شاملة لجميع الأفراد، وهو ما يسمى بالعام، وقد تكون خاصة، فالذي لا يميز اللفظ العام من اللفظ الخاص كيف يفهم المعنى؟! لا يمكن. كذلك بعض الألفاظ تستعمل إشارة مطلقة عن القيد وصفا وحالا والتمييز، الخ
(1/4)

وتارةً تستعمل مقيدة، فهل يحمل المطلق على المقيد؟ أم يبقى المقيد على ما قيد به؟ هذا مبحثه في أصول الفقه. كذلك بعض الأحكام ذُكِرَتْ في الشريعة، بعض الأحكام تكون منصوصةً عليها بعين ينص الشارع على الحكم بعينه، وتارة قد لا ينص عليها وإنما تكون حادثة أو نازلة أو واقعة، كيف نأخذ حكم النازلة التي لم يُنص عليها في الكتاب والسنة؟ نقول هذه الواقعة أو هذه النازلة ينظر فيها المجتهد من جهة الذي تأهل وعنده أهليةٌ للنظر ينظر، في هذه النازلة وينظر في هذه الواقعة من جهة إدخال هذه الجزئية في ضمن قاعدة من قواعد الشريعة، تكون هناك قاعدة مستنبطة أو منصوصٌ عليها في الكتاب والسنة تحتها جزئيات كثيرة هذه الجزئيات بعضها وقعت نُص عليه وبعضها لم يقع وإنما يستجد مع مرور الأزمان وتوالي الأحداث، وهو ما يسمى بفقه فقه النوادر، فقه النوادر هو هذا تأتي نازلة لم ينص عليها في الكتاب والسنة، ماذا يصنع المجتهد؟ ينظر في هذه النازلة المجتهد ليس مشرعًا يعني عندما تنزل نازلة طفل الأنابيب هذه نازلة ما حكمه في الشريعة؟ أفتى فيه من أفتى من أهل العلم عندما يفتي المفتي وينظر المجتهد في هذه الواقعة والنازلة التي لم تقع في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا الصحابة ماذا يصنع؟ إذا قال حرام لا يجوز هل معنى هذا أن المجتهد قد شرع حكمًا من عند نفسه؟ إذا قال حرام أو قال جائز مباح هل نقول هذا المحرك المجتهد الذي ألصق هذا الحكم الشرعي وهو التحريم بهذه الواقعة هل شرَّع من عند نفسه؟ نقول: لا، إذن ماذا صنع؟ ماذا فعل؟ نظر في هذه الجزئية فأدخلها في ضمن قاعدة نص الشرع عليه فحينئذٍ وظيفة المجتهد ليست هي التشريع، وإنما هي استخراج الأحكام الشرعية من أدلة الشرع تفصيلية، استخراج الأحكام هذه وظيفة أصول الفقه، القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. هذه القواعد هي التي عُنون لها بأصول الفقه، فحينئذٍ الناظر كما ذكرنا، الناظر في الوحيين، الناظر في الدلالات، في الألفاظ من حيث دلالتها، نقول إما أن يكون اللفظ عامًا، أو خاصًا، وإما أن تكون الحادثة المنطوق عليها، وإما أن لا تكون منطوقة، فحينئذٍ يحتاج إلى ماذا؟ إلى باب القياس، فيعرف ما هي العلة الْمُجْمَع عليها؟ ما هي العلةُ المستنبطة؟ ما وسائل استنباط العلة؟ هل الحكم يدور مع علته وجودًا وعدما؟ القوادح؟ الخ.
كل هذا يبحثه في أصول الفقه، فحينئذٍ الناظم في الوحيين لا بد له من أصول الفقه، شاء أم لا. لماذا؟ لأن الوحيين ألفاظ، ونزل بأعلى درجات لغة العرب، ولغة العرب تارةً تستعمل اللفظ عامًا، وتارةً خاصًا، وتارةً حكم يكون منصوصٌ عليه، وتارةً يكون مستنبطًا.
فحينئذٍ نقول الخلاصة: {أن هذا الفن ليس خاصًا بالفقه وإنما يحتاجه المفسر، ويحتاجه كل ناظرٍ، وكل طالب علم، وكل باحث، كل عالم لا يكون له دراية ودربة بمدلول الوحيين إلا إذا تشبع من هذا الفن}.
فأصول الفقه هو المنهاج كما قيل: "المنهاج القوي الذي يسلكه الناظر في الوحيين".
(1/5)

الورقات التي حددت لهذا الدرس هي تعتبر للمبتدئين، وأصول الفقه، وكتبه، كما سيأتي في نشأة هذا الفن أنها توالت المؤلفات من صغار الحجم ـ كما ذكر ـ، وبعضها كبار، لكن المبتدئ اختير له هذا المتن وهو ((الورقات)). والأفضل أنه نثر لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني أبي المعالي الجويني هو شافعي رحمه الله، ولكن لكون مادة هذا المتن يكاد يكون متفق عليها في الجملة لذلك توالى عليه شرحًا وتدريسًا وحاشيةً الحنفي، والمالكي، والشافعي، ولا إشكال والحنبلي، لذلك أكثر شراحه من المذاهب الأربعة عمومًا تجد المالكي شرحه، وتجد الحنفي أيضًا علق عليه وحشى، وكذلك الحنبلي، لماذا؟ لكون مادة هذا الكتاب في الجملة هي مما اتفق عليه الأئمة الأربعة، فأصول الحنفي لا تخالف أصول الشافعي في الجملة، وأصول المالكي لا تخالف أصول الشافعي في الجملة، وكذلك الحنابلة، فحينئذٍ نقول اختير هذا الكتاب من أجل أن يتبصر به طالب العلم المبتدئ، وكما تعلمون أن النظم هو الذي اختير. لماذا؟ لأن النظم كما سبق مرارًا أنه أسهل لحفظ، وأرسخ في الحفظ، وأسرع للحفظ من النثر، وإلا النثر قد يكون أسهل من جهة الوقت، لأن مادته يمكن أن يُنتهى منه في وقتٍ يسير، ولكن النظم يحتاج لأنه بلغ إلى مائتين وأحد عشر بيتًا، وهذا يحتاج إلى وقتٍ طويل.
نشرع اليوم في ذكر مقدمة الناظم ـ رحمه الله تعالى ـ.
مقدمة الكتاب
قال الناظم رحمه الله تعالى:
أولاً: هذا المشهور أنه نظم الورقات، والمعروف أنه عنوانه، يعني ((تسهيل الطرقات في نظم الورقات)) لذلك شارحه عبد الحميد سندس قال: {لطائف الإشارات على تسهيل الطرقات في نظم الورقات في الأصول الفقهية} إذن نقول: النظم العمريطي، هذا وإن اشتهر بهذا العنوان، اسمه ((تسهيل الطرقات في نظم الورقات)).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
قال رحمه الله: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ): البسملة هذه من أصل النظم، من أصل النظم. (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ): المقدمة هذه ثمانية أبيات نختصر الشرح فيها أم نفصل؟ نختصر؟ إذا اختصرنا في نصف ساعة المتن ـ إن شاء الله ـ، وإذا فصلنا قد نأخذ غدًا أيضًا.
قال رحمه الله تعالى: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ): هذه البسملة نقول بدأ الناظم رحمه الله تعالى مؤلَّفَه بالبسملة لأربعة أمور، يرد السؤال: لم بسمل؟ نقول لأربعة أمور:
أولاً: تأسيًا بالكتاب العزيز، بالقرآن، القرآن أول ما تقرأ، أول ما تفتح الكتاب {? (? ((اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (((} [الفاتحة: 1 - 2].
ثانيًا: اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفعلية، لأنه صح كما في ((صحيح البخاري)) وغيره أنه كان إذا كتب إلى ملوك الأرض أو غيرهم كتب: {بسم الله الرحمن الرحيم من محمد ابن عبد الله إلى هرقل}.
(1/6)

هذه سنةٌ فعلية، فقد ذكر بعضهم كالقرطبي رحمه الله أن الشعبي والأعمش رويا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكتب أولاً باسمك اللهم باسمك اللهم حتى أُمِرَ أن يكتب بسم الله فكتبها فلما نزل قوله تعالى: {(((((((((اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} [الإسراء: 110]، كتب بسم الله الرحمن فلما نزل قوله سبحانه: {(((((((مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (((} [النمل:30] كتبها. ولذلك قيل: إن أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم هو سليمان عليه السلام، أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم تامةً هو سليمانُ عليه السلام، إذن الأمر الثاني الذي جعل الناظم أن يكتب البسملة في أول مؤلفه هو إتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الفعلية.
ثالثًا: إتباع أو امثالاً لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو داوود عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر». وفي رواية: «فهو أجزم». وفي رواية: «فهو أقطع». وكلها تدل على أنه ناقصٌ قليلُ البركة، ولذلك قالوا: فهو إن تَم حسًّا إلا أنه ناقصٌ من جهة المعنى، يعني في الحسن في الظاهر قد تتم الكتابة لكنه ناقصٌ من جهة النفس فبركته بركة البسملة لم تحصل على هذا الكتاب لعدم بسملة المؤلف في أول الكتاب، هذا أمرٌ ثالث.
رابعًا: نقول: تبركًا بالبسملة، تبركا بالبسملة، بسم الله يعني لم؟ لأن الباء للاستعانة أو للمصاحبة مع التبرك، الباء بسم الله الباء هذه للاستعانة أو نقول: للمصاحبة على وجه التبرك، فحينئذٍ إذا قال الكاتب أو الفاعل العامل بسم الله الرحمن الرحيم معناه أستعينُ وأتبرك بتوفيق الله وإعانته على هذا القول أو الفعل، إذن طلبًا للبركة أن يقول الإنسان في سائر أموره المهمة بسم الله الرحمن الرحيم، لهذه الأمور الأربعة نقول أتى الناظم بالبسملة في أول كتابه، وإلا اشتهر عند أهل العلم أنهم لا يتركون البسملة في مصنفاتهم، لذلك ذكر ابن حجر رحمه الله أنه قال: {وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالتسمية وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالتسمية وكذا معظم كتب الرسائل}.
فحينئذٍ يكون إجماعًا عمليًا بين العلماء، لكن هذا في النثر والرسائل المكتوبة لا إشكال فيه بالإجماع أنه يندب أو جائز والمشهور أنه يستحب، لكن في دواوين الشعر هل تكتب البسملة كما تكتب في النثر؟ نقول: هنا إجماعٌ وخلاف؛ إجماعٌ على أن المنظومات وأراجيز التي هي في سائر العلوم الشرعية أنه يندب افتتاحها بالتسمية التي منها هذا الكتاب وغيره، الأراجيز التي في النحو والصرف والبيان والفقه والحديث الخ هذه بالإجماع أنه يندب ويفتتح بالبسملة الشعر المحرم بالإجماع أنه تحرم التسمية فيه كالهجاء ونحوه والشعر المكروه كالغزل ونحوه تكره افتتاح أو يكره افتتاحه بالتسمية. إذن ماذا بقي؟ المباح، المباح هذا فيه اختلاف على قولين بين السلف: المنع، والجواز.
بعضهم منع، قد ذكر عن الشعبي أنه قال: {أجمعوا ألا يكتبوا أمام الشعر بسم الله الرحمن الرحيم}. وكذلك الدهلي قال: {مضت السنة ألا يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم في الشعر}.
(1/7)

القول الثاني: الجواز المنسوب لسعيد ابن جبير والخطيب البغدادي وعليه أكثر المتأخرين.
إذن البسملة تكون حينئذٍ تجري عليها الأحكام الخمسة تجري عليها الأحكام الخمسة قد تكون محرمةً، وقد تكون مستحبةً، وقد تكون جائزةً، وقد تكون واجبة، متى تكون واجبة؟ في القرآن، في الوضوء على قول لبعض الفقهاء كذلك في عند الذبح لا بد من التسمية تكون واجبة في الوضوء أيضًا على المذهب أنها واجبة تجب التسمية في الوضوء مع الذكر أما مع النسيان.
فتسقط إذن قوله: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ). هل جرى على ما هو مختلفٌ فيه أو على ما هو مستحب؟ نقول على الثاني لماذا؟ لأن هذا النظم من قبيل الأراجيز التي ألفت ونظمت في العلوم الشرعية.
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ) أؤلف، الجار مجرور متعلق بفعلٍ محذوفٍ متأخرٍ مناسبٍ للمقام، ثلاثة أمور بسم الله هذا جار ومجرور وكل جار مجرور لا بد له متعلقٍ يتعلق به، لماذا؟ لأنه معمود {لا بد للجار من التعلق بفعلٍ أو معناه نحو مرتقي} بفعلٍ أو معناه يعني: ما هو في قوة الفعل؟ ما هي رائحة الفعل؟ لا بد للجار من التعلق هنا، هنا.
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ) أين متعلقه؟ محذوفٌ وجوبًا، لماذا؟ قالوا: لجريان البسملة مجرى الأنفاس، وكل ما حذف أصالةً وجب أن يحذف ديمومة يعني: يستمر الحذف ولا يجوز الذكر أبدًا في حالٍ من الأحوال، يعبر عن هذا المعنى بجريانه مجرى الأنفاس، كما أن الأمثال لا تُغَيَّر الصيفَ ضيعتِ اللبنَ هذا قيل لامرأةٍ مفرد، لو قال: رجل قلت له: هذا المثل وجاءت مناسبة تقول: الصيفَ ضيعتِ، ولا تجوز أن تغير فتقول: الصيفَ ضيعتَ، أو تقول لشخصين: الصيفَ ضيعتما، نقول: لا.
وإنما المثل يُلتزم مع المفرد المذكر والمؤنث والجمع وو الخ.
كذلك ما حُذف أصالةً وجب أن يستمر ديمومةً، فحينئذٍ نقول: (بِسْمِ اللهِ) هذا متعلق بمحذوف، واجب الحذف ما هو؟ هذا المحذوف الأصح أنه فعل لا اسما متأخر لا متقدم، يعني: إذا قدرناه أين نقدره؟ هل أقول أؤلف بسم الله؟ أو أقول بسم الله أؤلف؟ الثاني؛ لأنه متأخر.
الثالث مناسبٍ للمقام يعني: تأخذ من الحدث الذي أنت تريد أن تقوله الذي هو القول أو تفعله، تأخذ منه فعل مضارع خاص، فيكون هو متعلق الجار والمجرور. هنا نقول: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ) أؤلف فعل متأخر مناسبٍ للمقام، لماذا؟ اخترناه فعلاً لأن الأصل في العمل الأفعال، لماذا؟ هو متأخر يفيد هذا، يفيد الحرف ويفيد الاهتمام، يعني: لا ينبغي أن يتقدم على اسم الله شيءٌ أبدا، بسم الله أؤلف، هنا راعيت جانب لفظ الجلالة ولم تقدم عليه لفظًا من الألفاظ أيًا كان ولو كان العامل بسم الله أؤلف، لذلك قال السيوطي:
وقد يُفيد في الجميع الاهتمام**به ومِنْ تَمَّ الصواب في المقام
تقدير ما عُلِّقَ بسم الله به وأخر
يعني لا بد أن يقدر مؤخرًا
فإن يرد لسبب تقديمه في سورة اقرأ
(1/8)

فهنا كانت قراءة أهم من المتن، يرد عليك {((((((((بِاسْمِ (((((((} [العلق:1]، قدم العامل {((((((((بِاسْمِ (((((((} هذا عامل، {((((((((((((((} جار مجرور متعلق باقرأ تقدم العامل على المعمول، وهنا نقول بسم الله أؤلفه لا بد أن يتأخر، نقول: القراءة هناك أهم وهنا الاستعانة، أهم فقدم كل في موضعه على حسب المقام الحصر. ما هو الحصر؟ إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه.
إذا قلت بسم الله أؤلف أي: بسم الله لا باسم غيره ففيه إثبات وهو الاستعانة، وفيه نفي وهو نفي الاستعانة عن غير الله، كقوله: {(((((((نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (((} [الفاتحة: 5]. الأصل نَعْبُدُكَ ونَسْتَعِينُكَ، قُدِمَّ ما حقه التأخير في {(((((((((((((((} لقصد الحصر، فحينئذٍ يكون معنى الآية {(((((((((((((((} ما نعبد إلا إياه. من أين أخذنا النفي هذا والإثبات؟ نقول: من تقديم ما حقه على التأخير {(((((((نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (((} أي: لا نستعين إلا بك (بِسْمِ اللهِ) أؤلف لا أستعين إلا باسمك يا الله مناسبٌ للمقام، يعني لا يكون عامًا.
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ) أؤلف بسم الله الرحمن الرحيم ابتدأ هذا عام، ابتدأ ماذا؟ ما تدري هذا عام؟ وأؤلف هذا خاص؟ لذلك في ينبغي أن يُقَدِّر المبسمِل المتعلَّق بحسب ما يقتضيه المقام مما جُعلت التسمية مبدأً له، فحينئذٍ الآكل يقول: بسم الله آكل، الشارب يقول: بسم الله أشرب، بسم الله أنام، بسم الله أقوم، الخ.
يقدم ما جعل البسملة مبدأ له بسم الله الرحمن الرحيم، أما المفردات البسملة فهي سبق شرحها، يعني الباء والاسم ولفظ الجلالة والرحمن الرحيم وإعرابها سبق في الملحة ونحوه.
قال رحمه الله:
قَالَ الْفَقِيرُ الشَّرَفُ العَمْرِيطِي ** ذُو الْعَجْزِ وَالتَّقْصِيرِ وَالتَّفْرِيطِ
(قَالَ) هذا فعلٌ ماضٍ له، إلا أنه من جهة المعنى فهو مستقبل، فهو مستقبل، ووضعه الماضي موضع المستقبل هذا وارد وكثير في لغة العرب، وارد وكثير في لغة العرب، لأن الأزمان ثلاثة ماضٍ، وحال، ومستقبل، يعبَّر عن الماضي بلفظ الماضي، هذا الأصل فحينئذٍ يدل الفعل الماضي في اللفظ على أن الحدث قد وقد في زمنٍ ماضٍ وانقطع. إذا قيل قام زيدٌ.
قام: فعلٌ ماضٍ دل على وجود وحدوث القيام من زيد في زمنٍ ماض وانقطع انتهى، هذا الأصل. ويعبر عن المستقبل بلفظٍ مستقبل وهو الفعل المضارع والأمر، ويعبر عن الحال بفعلٍ مضارع.
(1/9)

هذه دلالة الأزمنة مع أقسام الفعل المضارع فإن أقسام الفعل عمومًا ماضٍ ومضارع وأمر، هنا قال: (قَالَ): قلنا هذا من جهة اللفظ ماضي، إلا أنه من جهة المعنى مستقبل {أَتَى أَمْرُ ((((} [النحل: 1]: أتى فعلٌ ماضي والأصل بالفعل الماضي أنه يدل على حالةٍ مضى وانقطع في الزمن الماضي، لكن هل {((((((أَمْرُ ((((} [النحل: 1] بمعنى الساعة، هل وقعت؟ لم تقع، بدليل قوله: {((((تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1]. {((((((أَمْرُ اللَّهِ فَلَا ((((((((((((((} [النحل: 1] الاستعجال يكون بما قد مضى وانقطع أو لما سيأتي لما سيأتي. إذن نقول: {(((((} بمعنى: سيأتي وهذا كثير في القرآن أن يُعبَّر عن المستقبل بالفعل الماضي، {(((((((الَّذِينَ ((((((((((}] الزمر:73 [، {(((((((الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا} [الزمر: 71]، {((((((((مَنْ فِي (((((((((((((} [الزمر: 68]، {((((((((((} [الزمر: 68]. هل وقع الناس؟ هل وقع الصعق؟ {(((((((((أَصْحَابُ (((((((((((} [الأعراف: 48] نادى، هل وقع النداء؟ {(((((((((أَصْحَابُ ((((((((((} [الأعراف: 44]، الخ
هذا كثيرٌ في القرآن، وخاصةً في المُغيبات، لماذا؟ لأن الفائدة والنكتة من الإتيان باللفظ الماضي وحلوله محل الزمن المستقبل وهو إفادة تحقق وقوعه.
إذا قيل: {((((((((فِي الصُّورِ فَصَعِقَ} [الزمر: 68] أنت أيها المخاطب يجب عليك أن تؤمن بمدلول هذا اللفظ؛ وهو إثبات الحدث في الزمن المستقبل، أن تؤمن به مستقبلاً كما أنه قد وقع وحدث لأن الإيمان تصديق القلب الإيمان الشرعي التصديق القلبِ هذا أيهما أكثر أثرًا في النفس المستقبل؟
الذي لم يقع، وإنما وقع العلم به فحسب، أو الذي وقع وأدركه الإنسان بالحس الثاني الذي وقع، إذا قيل ندرس الآن أنت ترى وتسمع أما الجوهر المكنون هذا قد يقع وقد لا يقع، فحينئذٍ نقول إيمانك وتصديقك بالمغَيب الذي سيقع في المستقبل ليس هو ك كما وقع وانقطع، لكن في الشرع يجب عليك أن تؤمن بالمستقبل كما أنه قد وقع من قبل، قال السيوطي رحمه الله:
(1/10)

ومنه ماضٍ عن مضارعٍ وُضع لكونه محققًا نحو ... ، ومنه يعني: من الخروج عن الظاهر لأن الظاهر يأتي بالفعل المضارع لأنه مستقبل أو حال، ومنه ماضٍ يعني: فعل ماضٍ، عن مضارعٍ وضع لكونه محققًا نحو هذه {((((((((مَنْ فِي (((((((((((((} [النمل: 87]، إذن قوله: (قَالَ) نقول: هذا لفظٌ ماضٍ لكنه من جهة المعنى مراد به الاستقبال (قَالَ الْفَقِيرُ) هذا فاعل الفقير فعيل بمعنى المفتعل فقيرٌ بمعنى مفتعل، والأصل في فعيل أن يكون صيغة مبالغة أو صفةً مشبهة أو صفة مشبهة، صيغة مبالغة أن يدل على الكثرة، والصفة المشبهة أن يدل على اللزوم، وعلى القول بجواز حمل المشترك على معنييه وحملنا اللفظ على معنيين نقول: (قَالَ الْفَقِيرُ) الفقير أي كثير الفقر ولازمه، كثير الفقر ولازمه، إن عبرت بالصيغة المبالغة فقط دون الصفة المشبهة تقول كثير الفقر إنما تقول فلان من حار أي كثير النحر وليس بلازم أن يكون مضطردًا معه في سائر الأحوال وإذا عبرت بـ (قَالَ الْفَقِيرُ) وأردت به الصفة المشبه حينئذٍ يكون لازم الفقير، (قَالَ الْفَقِيرُ) ما المراد بالفقير؟ هنا له استعمالات كثيرة في اللغة اللائق هنا أن يكون بمعنى المحتاج (قَالَ الْفَقِيرُ) يعني: المحتاج إلى من إلى الله من خ إلى الله هو ما فقال الفقير إلى الله للعلم به حُذف الجار والمجرور المُتعلِّق حذف للعلم به لماذا حذف؟ للعلم به ما وجه العلم نقول: كون الفقر وصفًا لازمًا للعبد الفقر والحاجة إلى الله هذا وصفٌ لازم لا ينفك عن المخلوق في حالٍ من الأحوال لما كان هذا الوصف بهذه المرحلة من هذه المنزلة جاز حرف الجار والمجرور، لذلك قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله:
والفقر لي وصف ذاتٍ لازمٌ أبدا ** كما الغنى أبدًا له وصف ذات
والفقر لي يعني: المخلوق
والفقر لي وصفُ ذاتٍ لازمٌ أبدا ** كما الغنى أبدًا وصف له ذات
كما أن صفة الغنى لله عز وجل صفة ذاتية لازمة لا تنفك عن الذات في حالٍ من الأحوال، كذلك نقيضها وضدها وهو الفقر، صفة لازمة للعبد المخلوق لا تنفك عنه في حالٍ من الأحوال، الفقر هذا المراد به الفقر المعنى لأنه قد يكون الفقر فقراً حسيًا، وهو الذي اختلف العلماء في الفرق بينه وبين المسكين، وقد يكون فقرًا معنويًا على ما ذكرناه {(((((((((((النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ} [فاطر: 15]. {(((((((الصَّدَقَاتُ ((((((((((((((} [التوبة:60] هل هو بمعنى؟ {(((((((الصَّدَقَاتُ ((((((((((((((} معنوي أو حسي؟ حسِي لو كان معنا لكان الجميع أهلاً للزكاة. {((((((الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ ((((((((((((((}] محمد:38]. المراد به الفقر المعنوي لذلك عبر عنه ابن القيم رحمه الله في ((مدارج السالكين)) قال: {وحقيقته ـ أي الفقر الذي هو الصفة المعنوية ـ وحقيقته دوام الافتقار إلى الله في كل حال دوام الافتقار إلى الله تعالى في كل حال وأن يشهد العبد في كل ذرةٍ من ذراته الظاهرة والباطنة فاقةً تامةً إن الله تعالى من كل وجهٍ}. بمعنى: أنك تنظر في حركاتك وسكناتك لا يمكن أن يحصل لها توفيق ولا إعانة ولا وجود أصلاً إلا بالله عز وجل.
(1/11)

(قَالَ الْفَقِيرُ الشَّرَفُ) الشرف عنها هذه نائبةٌ عن المضاف إليه أي: شرف بـ المراد به اللقب لأن لقبه شرف الدين.
(الشَّرَفُ) محركة يعني بفتح الشين والراء العلو والمكان العالي، كما قال ابن ( ... ): {العلو والمكان العالي}.
(الشَّرَفُ العَمْرِيطِي) بفتح العين نسبةً إلى عمريط هذه ناحية من نواحي مصر أو القاهرة (ذُو الْعَجْزِ) هذا ذكرٌ لاسمه رحمه الله في ابتداء نظمه، لأنهم جروا على أن تم أمورًا واجبةً في التصنيف وتم أمورًا مستحبةً في التصنيف أربعةٌ واجبة وأربعةٌ مستحبة الواجب: البسملة، والحمدلة، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والتشهد، هذه أربعة واجبة والمراد بالوجوب الوجوب الاصطناعي لا الشرع يعني لا يأثم لتركها، والأمور المستحبة استحباب اصطناعيًا أيضًا أربعة وهي تسمية نفعٍ، وتسمية كتابه، وأما بعد، وبراءة الاستهلال، هذه كلها ثمانية أربعة واجبة وجوبا اصطناعيًا وأربعة مستحبة استحباب اصطناعيًا لا شرعيًا لذلك بدأ بذكر اسمه أولاً قالوا لأن الطالب إذا قرأ الكتاب وعرف اسم المصنف وعرف جلالته ومكانته في العلم كان أدعى لأن يقبل على هذا المؤلف لأنه لو جُعل هكذا دون عنوان إلى أن يذكر للعالم لصار مجهولاً قالوا: والمجهول مرغوبٌ عنه المجهول في الأصل أنه مرغوبٌ عنه لذلك قال: (قَالَ الْفَقِيرُ الشَّرَفُ العَمْرِيطِي) اسمه يحيى ابن موسى ابن رمضان ابن عَمير العامري الشافعي، (ذُو الْعَجْزِ وَالتَّقْصِيرِ وَالتَّفْرِيطِ) في اللطائف وإشارات ترجم له ترجمة مختصرة في سنة سبعمائة وتسعين (790هـ).
(1/12)

(ذُو الْعَجْزِ) إيش معنى ذو العجز؟ يعني: صاحب العجز بالمعنى صاحبًا للأسماء الستة، يعني: صاحب العجز الْعجز، قال ابن خالد: {العين الْعين والجيم والزاي أصلان صحيحان يدل أحدهما على الضعف والآخر على مؤخر الشيء}. والمراد هنا الأول الضعف الأول. (ذُو الْعَجْزِ) يعنى: ذو الضعف يعني: صاحب الضعيف يعني: الضعيف قال هو من باب ضرب وسمع ويش المراد ضرب وسمع يعني: يقال فيه عَجَزَ يَعْجِزُ ضَرَبَ يَضْرِبُ، ويقال فيه عَجِزَ بكسر الجيم عَجِزَ يَعْجَزُ كسَمِعَ يَسْمَعُ، إذن هو من باب ضرب يضرب، يقال: عَجَزَ يَعْجِزُ وَعَجِزَ يَعْجَزُ عَجْزًا فهو عاجزٌ أي: ضعيف. (وَالتَّقْصِيرِ وَالتَّفْرِيطِ) التقصير والتفريط هما متقاربان أو بمعنًى واحد يعني: لفظان بمعنى واحد معنى التقصير هو معنى التفريط، وقيل: هما متقاربان. وهذا يذكر في الشروح للفائدة يؤتى عند لفظ فيقال: هما بمعنى واحد، أو متقاربان. ماذا يريد الشارح أو المحشي بهذه العبارة؟ هما بمعنى واحد على القول بجواز وقوع الترادف في اللغة أو متقاربان على قول من منع وقوع الترادف في اللغة، وهو لا ينفي أن يكونا متقاربين، كما قيل في بشر وإنسان هل هما مترادفان أم متغايران؟ فيه خلاف في المترادفان مدلول بشر هو مدلول إنسان، وقيل: هما متغايران. ولكن متحدان باعتبار الزمان لذلك قيل: أن الخُلف الاختلاف لفظ ليس جوهريًّا لماذا؟ لأن من قال بالاتحاد بشر وإنسان هما مترادفان لا ينفي أن يكون كل لفظ دل على وصف لا يدل عليه الآخر قيل: بشر مأخوذ بالنسبة إلى بشرة، وإنسان بالنسبة إلى لنسيان. فحينئذٍ كل لفظٍ دل على وصف لا يدل عليه الآخر إذن التقصير والتفريق مصدران بمعنى واحد أو متقاربان.
قال ابن الفارس: يقال أفرط إذا تجاوز الحد في الأمر أفرط إذا تجاوز الحد في الأمر، فيقولون: إياك والفرط، يعني: لا تجاوز القدر وكذلك التفريط وهو التقصير لأنه إذا قصر في الأمر فقد قعد به عن رتبته التي هي له كان الأولى أن يأتي به على وجه الكمال فقصر فأتى به على وجهٍ ليس هو على وجه الكمال. (ذُو الْعَجْزِ) يعني: صاحب العجز، (وَالتَّقْصِيرِ) يعني: وذو التقصير صاحب التقصير، (وَالتَّفْرِيطِ) أي: وذو التفريط
هذه الألفاظ ماذا أراد بها الناظم؟ هل هي حقيقية؟ أم أنه تواضع منه؟ نقول: الثاني هذا الأصل أن العالم قد يأتي ببعض الألفاظ يذم نفسه ولا يمدح نفسه فيكون فيه نوع تواضع، وإذا كان في كتاب يقرأه المبتدئ فحينئذٍ يكون فيه توجيه أن هذا العلم لا ينال إلا بالاحتياج وإظهار الحاجة والفقر إلى الله تعالى، والاعتراف بالضَعف، أنت ضعيف لا فهم ولا حفظ إلا إذا أُعنت من السماء، وكذلك أنت مقصر وعندك تفريط ولذلك قال الشارح: (وَالتَّقْصِيرِ) أي: في الطاعة، (وَالتَّفْرِيطِ) أي: في جانب مولاه، فحينئذٍ يكون فيه نوع توجيه للطالب.
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي قَدْ أَظْهَرَا**عِلْمَ الْأُصُولِ لِلْوَرَى وَأَشْهَرَا
(1/13)

(الْحَمْدُ للهِ) قال: (الْحَمْدُ للهِ) الحمد لله مبتدأ وخبر لا محل لها من الإعراب لماذا؟ هل لها محل من الإعراب أم لا؟ لا محل لها لأن كيف لا محل لها، لها محل، لماذا؟ لأنه قال هذا يتعلل، فينصب مفعولاً به أو مفعول مطلق على خلاف الجمهور أنه مفعول به، وابن الحاجب يرى أنه مفعول مطلق قال: (الْحَمْدُ للهِ) الحمد لله مبتدأ وخبر في محل نصب مفعول به مَقُولِ القول لقال، إذن قال: (الْحَمْدُ للهِ) الحمد لله مبتدأ وخبر وأل هذه للجنس أو للاستغراق (للهِ) اللام هذه للملك أو للاستحقاق أو للاختصار، فيحتمل أن تكون أل جنسية جنس الحمد {جنس الوصف بالجميل على جميل الاختيار على وصف التبجيل لله مختص بالله}، لله ملك لله مملوك لله أو مستحَق لله، إذا عبرت في أل على أنها استغراقية كل فرد من أفراد الحمد مملوك أو مستحَق أو مختص بالله.
الحمد له معنى لغوي ومعنى اصطلاحي، ذكرناها أكثر من مرة فنقول اختصارًا: الحمد لغةً: {هو الثناء بالجميل على الجميل لاختياره على جهة التبجيل والتعظيم}. وشرحُه فيما سبق.
والحمد عرفًا، أي في الاصطلاح أهل الاصطلاح: {فعل ينبع عن تعظيم المنعِم من حيث إنه منعم على الحامد وغيره}. وهذا منتقد هذا منتقَد، لماذا؟ لأنهم قيدوا الحمد العرفي لكونه في مقابل الإنعام، لأن الحمد هنا لمن ليس للمخلوق وإنما للخالق، فحينئذٍ إذا قيل: الحمد حمد المخلوق للخالق من حيث إنه منعم، هذا قيد إذن الله عز وجل لا يُحمد عرفًا على الصفات الذاتية التي لا تعلق لها بالإنسان، والصحيح أنه يُحمد على الصفات كلها وعلى الأفعال كلها بلا استثناء، سواء كانت واصلة إلى المحمود أم لا، ولذلك عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أولى، وهو أنه عرف الحمد بأنه: {ذكر محاسن المحمود ذكر محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه وإجلاله ذكر محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه وإجلاله}. والعلاقة بين الحمدين اللغوي والاصطلاحي سبق بيانه في دروس سابقة.
(الْحَمْدُ للهِ الَّذِي قَدْ أَظْهَرَا)، (الَّذِي) هذا اسم موصوف في محل جر نعت لرب الجلالة (قَدْ أَظْهَرَا) للتحقيق (أَظْهَرَا) الألف هذه لإطلاق الروي (أَظْهَرَا) هذا فعل ماض فاعله ضمير مستتر يعود على الجلالة (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي قَدْ أَظْهَرَا) بمعنى أخرج وأوجد (الَّذِي قَدْ أَظْهَرَا) عند البيانيين قاعدة أن الموصول مع صلته الموصول الذي هو (الَّذِي) مع صلته قد أظهر في قوة المشتق يعني: يصح أن تحذِف الجملة الموصولية وتأتي باسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة، وحينئذٍ تقول: الحمد لله المظهرِ، لِمَ لَمْ يصرح الناظم بهذا؟ قالوا: لعدم وروده لأن الأسماء الأسماء أسماء الرب اجتهادية أم توقيفية؟ توقيفية. إذن ما لم يأت به نص لا يصح أن يطلق لحق الله عز وجل.
صفاته كذاته قديمة ** أسمائه ثابتة عظيمة
لكنها في الحق توقيفية ** لنا بذا أدلةٌ وفية
(1/14)

إذن الأسماء توقيفية الأسماء توقيفية المظهر، لم يرد (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي قَدْ أَظْهَرَا) وأخرج وأوجد (عِلْمَ الأُصُولِ) أل هذه الأصول علم هذا منصوب على أنه مفعول به وهو مضاف، والأصول مضاف إليه، أل هذه للعهد الذهني العهد الذهني والمعهود هو أصول الفقه، لأن الناظم أراد أن يبين أو أن ينظم كتابًا في أصول الفقه وهو الورقات.
إذن أل هذه نقول: للعهد الذهني وفيه براعة استهلال، براعة استهلال، وهي من المستحبات؛ أن يأتي بها في المقدمة، براعة الاستهلال أن يأتي المتكلم في طالعة كلامه بما يشعر بمقصوده، أن يأتي المتكلم أو الخطيب أو الواعظ بطالعة كلامه أول كلامه فلا تدري يقول: الحمد لله، ثم يأتي ببعض الكلمات تشعر بالمقصود، ولذلك تجد بعض الخطباء إذا أراد أن يتكلم في الربا يأتي ببعض آيات الربا في المقدمة، أو الزنا ونحو ذلك، يأتي بها في المقدمة، هذه تسمى براعة الاستهلال، وتسمى عند بعضهم براعة المطلع، أن يأتي المتكلم في طالعة كلامه بما يشعر بمقصوده هنا قال: (عِلْمَ الأُصُولِ) إذن عرفنا أنه سينظم في علم أصول الفقه، وأتى بها في المقدمة فحينئذٍ نقول هذه براعة استهلال (عِلْمَ الأُصُولِ) الأصول الأصل أنه إذا أُطلق انصرف إلى إما علم الكلام، وإما علم أصول الفقه، ولكن لما كان الكتاب في أصول الفقه حملناه عليه أظهر (عِلْمَ الأُصُولِ لِلْوَرَى) يعني للخلق (وَأَشْهَرَا) هذا معطوف على (أَظْهَرَا) يعني: وأشهره، الألف هذه للإطلاق والفاعل ضمير مستتر والمفعول به محذوف لأنه يقدَّر هكذا: الحمد لله الذي قد أظهرا أوجد علم أصول الفقه للخلق وأشهر، علم أصول الفقه للخلق ولكنه حذفه للعلم به.
وحذف فضلةٍ أجب ** إن لم يضر
حذف فضلة أجب وحذف ما يعلم جائز ونقول: المفعول به إذا علم جاز حذفه (وَأَشْهَرَا) الألف للإطلاق والمفعول به محذوف.
عَلَى لِسَانِ الشَّافِعِي وَهَوَّنَا**فَهُوَ الَّذِي لَهُ ابْتِدَاءً دَوَّنَا
(عَلَى لِسَانِ الشَّافِعِي) (عَلَى لِسَانِ الشَّافِعِي) (لِسَانِ) الأصل في اللسان أنه الجارحة لذلك قال في القاموس: الِمقْوَل، اللسان هو المقول، مِقْوَل على وزن مِفْعَل مِقول بكسر الميم أي: آلة القول آلة القول، إذا قيل: المنشار، يعني: آلة النشار، المنحار آلة النحر، مِقول آلة القول وهو: اللسان، هذا الأصل لكن لعل مراد النظم هنا المعنى المجازي وهو: إطلاق اللسان على القلم إطلاق اللسان على القلم. لذلك اشتهر القلم أحد اللسانيين القلم أحد اللسانيين بجامع أن كل منهما اللسان الجارحة والقلم يعبر عما في نفس المتكلم أو الكتاب، وهذا إطلاق المجازي (عَلَى لِسَانِ الشَّافِعِي) وهو: محمد بن إدريس إمام من الأئمة الأربعة أبي عبد الله الشافعي نسبة إلى شافع جده.
(1/15)

(وَهَوَّنَا) على لسان هذا متعلق بقوله: (أَظْهَرَا) (وَأَشْهَرَا) من باب التنازع عند النحاة، وهذا يسمى تضمينا عند العروضيين أن يعلق قافية البيت الأول بصدر البيت الذي بعده، الأصل عند العرب الشعراء أن يستقل كل بيت بمعنى، هذا الأصل وبراعة الشعراء إنما تكمن في هذه الجزئية مع بقية المبادئ، فكل معنى الأصل فيه أن يستقل في الدلالة عليه بيت كامل ولا يتعلق بما قبله ولا بما بعده، إذا علَّق بعض معنى البيت بما بعده هذا نقص معناه أنك ما استطعت أن تأتي أن تسوِّغ الألفاظ وتأتي بمعنى في بيت واحد هذا يسمى بالتضمين، وهو جائز بالإجماع في الأراجيز للعلوم لماذا؟ لأن مرادهم ليس هو الشعر والتفنن مرادهم حصر الألفاظ وضبط المعاني تقريبًا للعلوم بين يدي أصل ما ليس مقصود النظم هنا أن يبتدع بديعيات أو أنه يأتي بالمديح، وإنما المراد أن يقرب لفظ أو ألفاظ الورقات لطالب العلم فحينئذٍ هذا التضمين، نقول: جائز للمولَّدين بالإجماع في الأراجيز أما في البديعيات هذا فيه كلام آخر.
(عَلَى لِسَانِ الشَّافِعِي وَهَوَّنَا) (وَهَوَّنَا) هذا فعل ماضي والألف لإطلاق الروي والفاعل ضمير مستتر يعود إلى الله عز وجل أظهره وأشهره وهونا بمعنى سهله أوجده وأشهره من الشهرة وهونه بمعنى سهله لماذا؟ قال هذا في حق الشافعي؟ (فَهُوَ الَّذِي لَهُ ابْتِدَاءً دَوَّنَا) لماذا خص الشافعي دون غيره؟ الفاء كالتعليل للحكم الثاني كالتعليل للحكم الثاني (فَهُوَ) أي: الله عز وجل (الَّذِي لَهُ) للشافعي (فَهُوَ) عفوًا (فَهُوَ) أي: الشافعي رحمه الله. (الَّذِي لَهُ) لعلم أصول الفقه (دَوَّنَا) ابتداءً دون فعل ماضي وفاعله ضمير مستتر يعود على الشافعي، والمفعول به محذوف يعني: دونه يعود إلى علم أصول الفقه (فَهُوَ الَّذِي لَهُ ابْتِدَاءً) يعني: في ابتداء الأمر بمعنى أن الشافعي رحمه الله هو أول من دون أصول الفقه على جهة الاستقلال، يعني الذي أول من كتب أصول الفقه وجعله في ضمن الكتب هو: الشافعي، فحينئذٍ نقول: علم أصول الفقه من حيث التدوين والتأليف إنما ظهر في آخر القرن الثاني، وهو الذي فيه الإمام الشافعي رحمه الله لأنه توفي عام مائتين وأربعة.
من حيث التدوين والتأليف نشأ علم أصول الفقه على يد الشافعي، وهذا يكاد يكون إجماعًا أن الشافعي هو أول من دونه على جهة الاستقلال، أما من حيث القواعد واستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية فهذا نشأ مع نشأة الفقه يعني: مصاحب للفقه، والفقه نشأ مع ظهور الإسلام إذن إذا ورد سؤال فقيل: إذا كان الشافعي رحمه الله هو أول من دون أصول الفقه على جهة الاستقلال، هل معنى هذا من قبل الشافعي من صحابة وكبار التابعين لا يعرفون أصول الفقه؟ نقول: لا، يعرفون أصول الفقه بل هم أئمة في أصول الفقه. لماذا؟ لأن أصول الفقه مبناه على تمام العلم بلغة العرب، والصحابة هم أئمة اللغة وكبار التابعين هم أئمة اللغة، إذن يلزم من ذلك أن يكونوا أئمة في أصول الفقه. إذن لماذا نسب للشافعي؟ نقول: نسب إليه التدوين فقط، أما ما قبله فهو ركيزة وطبيعة وجبلة وسليقة في نفوس كبار الصحابة والتابعين.
أول من ألفه في الكتب ** محمد بن الشافعي المطلب
(1/16)

هكذا قال في ((مراقي السعود)):
أول من ألفه في الكتب ** محمد بن الشافعي المطلب
وغيره يعني: ممن سبقه من المجتهدين.
وغيره كان له سليقة
يعني: طبيعة، مركوزة في الجبلة.
وغيره كان له سليقة ** مثل الذي للعرب من خليقة
مثل النحو مثل الصرف والبيان دون علم النحو، وإذا قيل: أول من دون علم النحو أبو الأسود الدؤلي، وعلى جهة الاستقلال كتاب سيبويه، هل قبل ذلك قبل التدوين قبل أبي الأسود الدؤلي في العرب العرباء والجاهلية هل كانوا هل كانوا فصحاء وعلماء بعلم النحو أم لا؟ نقول: نعم وإنما أخذت هذه القواعد من كلام العرب المتقدمين، فكون النحو أُلف متأخرًا لا يلزم منه نفي العلم عن من سبق، لماذا؟ لأن المقصود بالتدوين هو جعل هذا العلم على الورق، أما في النفوس فهو ركيزة وجبلة وسليقة
إذن (عَلَى لِسَانِ الشَّافِعِي وَهَوَّنَا ** فَهُوَ الَّذِي لَهُ ابْتِدَاءً) يعني: في ابتداء الأمر وأنه سبق كل أحد من العلماء والمستهلين فدون رسالته المشهورة ب ((الرسالة)) (فَهُوَ الَّذِي لَهُ ابْتِدَاءً دَوَّنَا) ماذا كتب الشافعي؟ كتب الكتاب الموصوف بـ: ((الرسالة))، هو لم يسمه الرسالة وإنما اشتهر، لأنه جاء طلب من الإمام عبد الرحمن بن مهدي توفي سنة ثلاث وتسعين ومائة (193هـ) أن يكتب له الشافعي شيئًا في معاني القرآن والأمر والنهي والناسخ والمنسوخ والقياس، فكتب له فرسلها فسميت رسالة، وإلا هو يعبر عنه في سائر الكتب بكتاب وكتابٍ يقول: قلت في كتابي، وقد بينت في كتابي، والمراد به الرسالة والرسالة التي بين أيدينا ليست هي عينها الرسالة التي أرسلها للإمام عبد الرحمن بن مهدي تلك كتبها في بغداد، ثم لما دخل مصر أعاد تأليف الرسالة وهي التي موجودة الآن بين أيدينا فليست هي عينها.
وَتَابَعَتْهُ النَّاسُ حَتَّى صَارَا**كُتْبًا صِغَارَ الْحَجْمِ أَوْ كِبَارَا
قال (وَتَابَعَتْهُ) يعني: تابعت الناس الشافعية تابعت الناس الشافعية (وَتَابَعَتْهُ) الضمير يعود على الشافعي، (النَّاسُ) كل الناس العوام والجهلة والعلماء هذا المراد من المراد؟ العلماء إذن هذا يكون فيه براعة استهلال، ماذا يسمى عند الأصوليين هذا؟ {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ} [آل عمران:173] عام أريد به الخصوص عام أريد به الخصوص، لأن العام نوعان: عام مخصوص ما دخله التخصيص، وعام لا عام أطلق وأريد به الخصوص ابتداءً.
(1/17)

هذا الناس المراد به العلماء المجتهدون (وَتَابَعَتْهُ النَّاسُ) يعني: تابعت العلماء الأفاضل المجتهدون الشافعي في التأليف في أصول الفقه، فكتبوا كتبًا كثيرة (حَتَّى صَارَا) (حَتَّى) هذه ابتدائية (حَتَّى صَارَا) وهي التي يليها جملة فعلية أو اسمية تكون غاية لمضمون ما قبلها، غاية لمضمون ما قبلها {حَتَّى عَفَواْ} [الأعراف: 95] هذا على رأي الجمهور أن حتى إذا تلاها فعل ماضي جملة ماضية أن حتى ابتدائية عند ابن مالك رحمه الله أنه يُقدر بعدها أن فتكون جارة مثل {حَتَّى مَطْلَعِ} [القدر: 5] {حَتَّى عَفَواْ} حتى عفوهم حتى صار حتى صيرورة ما كتبوه لكن ابن هشام رحمه الله في ( ... ) يقول: لا أعلم له سلفًا، أن يقدر أن مضمرة بعد حتى إذا تلاها فعل ماضي، يقول ابن هشام: إنني لا أعلم له سلفًا وفيه ارتكاب لضرورة بلا ضرورة، وهو التقدير ولا نحتاج إلى التقدير، الحاصل أن حتى هنا ابتدائية على قول الجمهور، لأنه تلاها فعل ماض وعلى قول ابن مالك حتى جارة (حَتَّى صَارَا) حتى أن صارا، حتى صيرورة ما ألفوه وكتبوه في علم أصول الفقه كتبًا كثيرة، التنوين هذا للتكثير والتعظيم (كُتْبًا) هذا جمع كتب الأصل وسكنت التاء هنا، لماذا؟ لم؟ هو النظم لا يتم إلا بهذا، لكن في مثل هذا التراكيب نقول: فُعل مفردًا وجمعًا يجوز تخفيفه لغةً، ما كان على وزن فُعُل بضمتين بضم الفاء والعين، سواء كان مفردًا أو جمعًا يجوز تخفيفه بتسكين عينه، كما قيل في عُنُق عُنْق كُتُب كُتْبُ هذه لغة تفريعيه وتميم يفرعون كثيرًا في الأوزان يفرعون كثيرا في الأوزان. (كُتْبًا) هنا اجتمع فيه الضرورة، ضرورة الوزن وأنه جاء على وصف لغة صحيحة تميمية فحينئذٍ لا نقول: إنه من باب الضرورة، لأنه قبيح وإنما نقول: هو لغة إذن (كُتْبًا) سكنت التاء هنا لغة تفريعية عند بني تميم (كُتْبًا) جمع كتاب والكتاب كما هو معلوم أنه فعال بمعنى مفعول سمي الكتاب كتابًا من الْكَتْبِ وهو الجمع لأن معناه في اللغة الضم والجمع يقال: تَكَتَّبَ بنو فلان إذا اجتمعوا.
(1/18)

(كُتْبًا صِغَارَ الْحَجْمِ أَوْ كِبَارَا) يعني (صَارَا) الضمير يعود إلى أصول الفقه لا ليس إلى أصول الفقه (حَتَّى صَارَا) الألف للإطلاق والضمير هنا نعم جيد أحسنت التدوين أحسنت لكن أين هو التدوين؟ ما قال التدوين؟ قال: (دَوَّنَا)، هذا من باب {اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] هو: أي العدل، لأن الضمير لا يعود إلا على الأسماء فإذا قيل: (صَارَا) هو يعود إلى دون ودون فعل ماضي، كيف عاد الضمير على فعل ماض والضمائر لا تعود إلا إلى الأسماء لا تعود إلا على الأسماء؟ لأنه من علامات بل من أبرز علامات الأسماء، نقول: هذا من باب {اعْدِلُواْ هُوَ} أي: العدل إذن عاد على جزء من أجزاء الفعل وهو المصدر والمصادر أسماء دون هذا متضمِّن للتدوين حتى صار التدوين والتأليف (كُتْبًا) هذا خبر صار (صِغَارَ الْحَجْمِ) كتبًا هذا مجمل لأن الكتاب قد يكون كبيرًا وقد يكون صغيرًا قال: (صِغَارَ الْحَجْمِ)، هذا يسمى بدل بَدل مفصل من مجمل لذلك نصب بدل منصوب منصوب (صِغَارَ الْحَجْمِ) ما المراد بالحجم؟ قيل: الحجم من الشيء ملمسه الناتئ تحت يدك هذا الحجم ملمسه الناتئ تحت يديك يعني: الذي وضعت عليه يدك الذي تلمسه وهو ناتئ الشيء بارد هذا هو حجم الشيء، وقد يكون كبيرًا وقد يكون صغيرًا (صِغَارَ الْحَجْمِ أَوْ كِبَارَا) أو هذه للتنويع، إذن بين لك أن الكتب التي ألفت متابعةً للإمام الشافعي رحمه الله منها ما هو صغير الحجم قليل، ومنها ما هو كبير الحجم، ولذلك قُدم هنا الصغار على الكبار، لم؟ لأن الصغار وسيلة إلى الكبار، ولا يمكن أن يؤتى أن يؤتى إلى الكبار ثم يوصل منها إلى الصغار وإنما الصغار ألفت للكبار، والكبار ألفت للصغار، ولما كان هذا الكتاب للمبتدئين، أراد أن ينظِم كتابًا يكون حسنًا للمبتدئ، ونظم الناظم فإذا به لم يجد إلا كتاب الورقات فقال:
وَخَيْرُ كُتْبِهِ الصِّغَاِر مَا سُمِي**بِالْوَرَقَاتِ لِلْإِمَامِ الْحَرَمِي
(وَخَيْرُ كُتْبِهِ) (وَخَيْرُ) يعني: أحسن وأفضل، خير هذا أفعل التفضيل وزنه أفعل، أين الهمزة؟ نقول: حذفت لكثرة الاستعمال خير وشر أصلها أخير وأشر قال ابن مالك:
وغالبًا أغناهم خير وشر ** عن قولهم أخير منه وأشر
وغالبًا أغناهم خير وشر ** عن قولهم أخير منه وأشر
إذن خير بمعنى أفضل وأحسن وأخصر
(وَخَيْرُ كُتْبِهِ) يعني: كتب أصول الفقه صغار دون الكبار (مَا سُمِي) يعني: ما سمي سُكنت الياء هنا للوزن (مَا سُمِي) أي: المسمى، ما هذه موصولة وسمي صلتها والموصول مع صلته في قوة المشتق إذن خير كتبه الصغار المسمى بـ ((الورقات)) الكتاب المسمى بـ ((الورقات)) ورقات هذا جمع قلة لماذا قلنا جمع قلة؟ لأنه جمع مؤنث سالم.
وما بتا وألف قد جمعا
هذا جمع مؤنث سالم، وهو من جموع القلة؛ جموع القلة ثلاث ثلاثة أنواع لا رابع لها عند اللغويين: جمع المذكر السالم، جمع المؤنث السالم، أربعة أوزان من جموع التذكير.
أَفْعِلَةٌ أَفْعُلُة ثم فعلة ** تمت أفعال جموع قلة
(1/19)

هكذا قال ابن مالك: أفعلة. أربطة أَفْعِلَةٌ أَفْعُلْ أرجل تُمَّت فعل فتية جموع قلة ثمت أفعال. أليس كذلك؟ جموع قلة وجمع تصحيح المذكر وجمع تصحيح المؤنث هذه ثلاثة أنواع تعتبر جموع قلة عند أهل اللغة، وما عداها فهي جموع كثرة، وعندهم فرق بين جمع القلة وجمع الكثرة.
جمع الكثرة يبدأ من أحد عشر إلى ما لا نهاية، وجمع القلة يبدأ من ثلاثة إلى عشرة، جمع القلة يبدأ من ثلاث إلى عشرة، وجمع الكثرة من أحد عشر إلى ما لا نهاية، هذا هو المشهور والصحيح أنهما يتفقان ابتداءً، بمعنى أن جمع القلة وهو جمع الكثرة أقلهما معًا ثلاثة ثم يسيران معًا إلى العشرة فيقف جمع القلة، ويستمر جمع الكثرة هذا في المذكر، أما الجمع المحلى بأل يأتينا بأنه من صيغ العموم يعني لا يقال فيه جمع قلة ولا كثرة، لأن أل الداخلة على الجمع تصيره من صيغ العموم.
(وَخَيْرُ كُتْبِهِ الصِّغَاِر مَا سُمِي ** بِالْوَرَقَاتِ) القليلة ورقات يعني: قليلة المباني كثيرة المعاني ورقات قليلة المباني كثيرة المعاني، إذن سمى الجويني رحمه الله كتابه أو رسالته بـ ((الورقات)) وهذه الورقات قليلة والذي دل على قلتها اللفظ عَيْن ولذلك قيل: لم يقل مقدمة ولا رسالة ولا كتاب، لم؟ قال: لأن المقدمة لو قيل: هذه مقدمة لقال: أما بعد فهذه ورقات، لو قال: مقدمة، أو قال: رسالة، أو قال: كتاب لم يفهم منه الدَّلالة على ما فهم من ورقات. أليس كذلك؟ لما قال: ورقات ولغة أن الورقات جمع بألف وتاء وهو من جموع القلة لكن لو قال: مقدمة، هل يفهم منه أنها دون العشرة؟ لا يفهم منه كذلك لو قال: رسالة أو كتاب قيل: الرسالة والمقدمة في الأصل أنها تكون قليلة تكون عشرين أو ثلاثين، أُجيب بأن القلة عرفية والقلة التي دل عليها الورقات لغوية العرفية تحتاج إلى تقييد ووصف يدل على أنها دون العشرة، فإذا قال: هذه مقدمة وهي عشرون ورقة يحتاج أن يقول: هذه مقدمة قليلة الأوراق. لماذا؟ لا بد من وقف يحدد عدد أوراق هذه الرسالة ورقات هذه الورقات قيل: لو كتبت في صفحة واحدة كبيرة بخط صغير صارت ورقة واحدة. أليس كذلك؟ لو جاء بورقة كبيرة هكذا وكتب بخط صغير صارت في ورقة واحدة، فكيف يقول: ورقات؟ قالوا: ورقات في الغالب أنها لو كتبت على الخط المعتاد في الأوراق المعتادة لما زادت على علَى عشرة، ولذلك قال: تكتب بخط كبير وتزيد على عشرة.
(1/20)

(بِالْوَرَقَاتِ) المنسوبة (لِلإِمَامِ الْحَرَمِي) (لِلإِمَامِ) إمام بمعنى مؤتم به إمام فعال بمعنى مفعول وهو إمام عند من؟ عند من؟ هو أشهر إمام لكم؟ هل إمامته كإمامة الإمام أحمد بن حنبل؟ الجواب: لا، حاشا وكلا، بل هو إمام عندهم أصلاً وفرعًا، لأن أبا المعالي يعد من أصحاب الوجوه في المذهب الشافعي، وهو من محققي على قولهم من محققي مذهب أبي الحسن الأشعري في المعتقد، لذلك له قوله المعتمد عندهم إذن قوله: (لِلإِمَامِ) هذا نقول: فيه تسامح. (الْحَرَمِي) أي: المنسوب للحرمي ما المقصود بالحرمي هنا؟ المنسوب للحرمين الذي يقال له: إمام الحرمين هذا لقب له يقال له: ضياء الدين، وإمام الحرمين. لماذا قيل: إمام الحرمين؟ قيل: أنه جاء وراء الحرم المكي والحرم المدني أربع سنين يفتي ويدرس ويؤلف، فسمي للمجاورة إمامًا للحرمين وليس هذا الوصف مختصًا به ليس هذا الوصف مختصًا به، وإنما شاركه غيره لكن إذا أطلق إمام الحرمين انصرف للجويني أبي عبد الله، أبي المعالي عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني النيسابوري الشافعي.
وَقَدْ سُئِلْتُ مُدَّةً فِي نَظْمِهِ**مُسَهِّلاً لِحِفْظِهِ وَفَهْمِهِ
(وَقَدْ سُئِلْتُ) هذا كلام للعمريطي، قد هذه للتحقيقية (سُئِلْتُ) أي: طلبني، من الطالب هنا؟ طلاب العلم، ويحتمل أنه بعض العلماء، ثم سؤال العلماء في مثل هذه المواضع في التأليف والتصنيف قد يكون سؤالاً للمقال، وقد يكون سؤال بالحال، بالمقال باللسان أيها العالم انظر كذا أُكتب في مسألة كذا هذا سؤال يطالب بالمقال، وقد يكون بالحال أن ينظر حال العالم فيجد في الطلاب حاجة ماسة إلى نوع ما من التصنيف والتأليف فيقول: قد سألني، ويجوز هذا قد سألني يعني: الطلاب بلسان الحال، لم ينطقوا بهذا، لكن بحالهم وحاجتهم إلى كتاب ينظم هذا الكتاب قال: قد سألني، لكن الظاهر أنه سؤال بالمقال.
قال: (فَلمْ أَجِدْ مِمَّا سُئِلْتُ) إذن هناك إلحاح
(فَلمْ أَجِدْ) (وَقَدْ سُئِلْتُ) يعني: طُلِبَ مني من مقالي (وَقَدْ سُئِلْتُ مُدَّةً) أي طلب مني مقالاً بالمقال (مُدَّةً) أي من مدةٍ، والمدة المراد بها البرهة من الزمن مدةً طويلة. (فِي نَظْمِهِ) يعني: في نظم كتاب الورقات لإمام الحرمين المذكور. (مُسَهِّلاً) في نظمه المراد بالنظم هنا الأراجيز المعروفة على أوزان معينة وهي: "مستفعلن" ست مرات، هذه تسمى أرجوزة من باب الرجز، وزنه "مستفعلن" ست مرات والنظم هذا يعدل إليه كثير من العلماء، لماذا؟ قالوا: لأنه أسرع في الحفظ، أسرع من النسخ، وهذا لا إشكال فيه وأرسخ في الذهن وأعذب في السمع يعني النفس إذا سمع يعني تنشرح وتنبسط لذلك قال السفاريني:
وصار من عادة أهل العلم ** أن يعتنوا بالنظم في النظم
لأنه يسهل للحفظ كما ** يروق للسمع ويشفي النفس
وصار من عادة عَادة أهل العلم أن يعتنوا ( ... ) المشار إليها سابقًا بالنظم، في النظم.
لأنه يسهل للحفظ كما ** يروق للسمع ويشفي النفس
(1/21)

فحينئذٍ لهذه العلة اعتنى كثير من العلماء بالمنظومات، (مُسَهِّلاً) هذه حال، حال كون بنظم إياه مسهلاً له يعني: للكتاب لحفظه (مُسَهِّلاً لِحِفْظِهِ) لحفظه، هذا متعلق بقوله: (مُسَهِّلاً) (لِحِفْظِهِ) أي: لحفظ الكتاب الأصل، لأن طالب إذا أراد أن يحفظ الورقات فإذا بها لا ( ... ) ولو وجد نظمًا لهذا الكتاب لكان أسهل له، فقال: (مُسَهِّلاً) أي: مسهلاً له بنظم إياه، (لِحِفْظِهِ) أي: استحضاره عن ظهر قلب غيبا، لذلك قيل: {الحفظ هو انطباع صورة المحفوظ في العقل، أو انطباع الصورة المدرَكة في العقل، بحيث إنه لا ينساه بعد حفظه}. (وَفَهْمِهِ) أي: مجتهدًا في تسهيل فهمه، إذا نظم الألفاظ النثرية وجعلها على جهة أَرجوزة، أُرجوزة قد يأتي به على جهة التعقيب، لأن بعض المنظومات قد يريد أن يُسهل الكتاب فينقلب عليه الحال فيُعقده، بماذا يحصل التعقيد؟ إما بكثرة الحشو؛ يعني ألفاظ يؤتى بها لتتميم الأبيات كما في الشطر الثاني، المراد به التتميم وقد يأتي بألفاظ غريبة أو معقدة، أو فيها نوعُ صعوبة في التلفظ فحينئذٍ قال: (وَفَهْمِهِ) النظم يسهل الحفظ، هل كل نظمٍ يفهم منه المراد؟ الجواب: لا، إذن قال: (وَفَهْمِهِ) أي: ومجتهدًا في تسهيل فهمه، أي: فهم هذا الكتاب، وذلك بالإتيان بعبارة سهلة واضحة المراد.
فَلمْ أَجِدْ مِمَّا سُئِلْتُ بُدَّا**وَقَدْ شَرَعْتُ فِيهِ مُسْتَمِدَّا
(فَلمْ أَجِدْ) هذا يدل على كرر عليه السؤال يعني: أزعجوه، (مِمَّا سُئِلْتُ بُدَّا) طلب مما طلب من (بُدَّا) بمعنى: أراقًا ومحالةً ومناصا يعني: لا بد من فعل كذا يعني لا فراق إلا وأن تفعل هذا لا مناص ولا عوض عن هذا إلا بفعلك لهذا اللفظ. (وَقَدْ شَرَعْتُ) شرعت قد هذه للتحقيق شرعت بمعنى دخلت، يقال: شرعت الدواب في الماء إذا دخلت، أو شرع في الأمر بمعنى خاض فيه، شرعت بمعنى خضت في ابتداء هذا الأمر، شَرَعْتُ بمعنى دخلت وابتدأت (وَقَد شَرَعْتُ فِيهِ) أي: في النظم، نظم لهذا الكتاب (مُسْتَمِدَّا) أي حالة كوني (مُسْتَمِدَّا) أي: طالبًا إمداد التوفيق من ربنا (مُسْتَمِدَّا) هذا إعراب الحال، أو اسم فاعل مأخوذٌ من المدد، يعني: طالبًا المدد والإمداد (مِنْ رَبِّنَا) ربنا هذا جار مجرور يتعلق بقوله: (مُسْتَمِدَّا) وهذا يسمى تضمينًا، علق آخر البيت السابق بأوله البيت الذي يليه.
مِنْ رَبِّنَا التَّوْفِيقَ لِلصَّوَابِ**وَالنَّفْعَ فِي الدَّارَيْنِ بِالْكِتَابِ
(1/22)

(مُسْتَمِدَّا مِنْ رَبِّنَا التَّوْفِيقَ لِلصَّوَابِ) الصواب ما هو؟ ضد الخطأ، الصواب ضد الخطأ، إذن طلب المدد في أن يعينه الله يوفقه الله عز وجل في حصول هذا النظم على الوجه المراد، وهو أن يكون مسهلا لحفظه وفهمه قال: (وَالنَّفْعَ) أي مستمدًا من ربنا النفع، من ربنا النفع بالكتاب في الدارين النفع بالكتاب، (بِالْكِتَابِ) المراد به هنا المراد به النظم، لا الورقات لأن الورقات ليس له عمل، (وَالنَّفْعَ ؤ الدَّارَيْنِ بِالْكِتَابِ) الورقات ليس له عملٌ فيه، وإنما هو ينظِم هذا النشر إذ النفع بالكتاب هذا في الدارين نقول الكتاب المراد به كتاب الناظم، هو الذي ((تسهيل ورقات تسهيل الورقات)). (فِي الدَّارَيْنِ) الدنيا والأخرى في الدنيا كيف يحصل النفع؟ أن يقرأ الكتاب ويحفظ، ومن سن في الإسلام سنةً حسنة نقول هذا يرجع إلى نص المؤلف ما من خيرٍ يُدل عليه بتأليف أو نظمٍ ونحو ذلك إلا ولصاحبه من الأجر الذي حصل الطالب، (وَالنَّفْعَ) النفع قالوا هو إيصال الخير للغير (فِي الدَّارَيْنِ) أي في الدار الدنيا والدار الأخرى بحصول الثواب على ما ترتب من النفع من كتابه في الدنيا، (بِالْكِتَابِ) أي بالنظم هذه جملة ما ذكره الناظم هنا وقد ذكرنا أن تم أربعة أمورٍ واجبة وهي: البسملة وذكرها، والحمدلة وذكرها، وبراعة التشهد، والصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذه إذن أتى بواجبين، وترك الواجبين، الجواب لما ترك الصلاة والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام؟ لم ترك التشهد مع أنها واجبة في التصنيف وقد أتى ببعض المستحبات والأولى أن يعتني بالواجبات قبل المستحبات؟
نقول: إما للاختصار
الجواب الثاني: أن يقال: إنه أتى بها لفظًا يعني نطق بها ولو لم يكتبها لأنهم قالوا: اعتمدوا على حديث فيه ضعف: «من صلَّ علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له مداد اسمي في ذلك الكتاب»، هذا حديث ضعيف، لكن هم يعملون به في الفضائل، قالوا: «من صلَّ علي في كتاب» يعني: المراد بالصلاة هنا أعم من أن تكون كتابة، أعم من أن تكون كتابة بل فككوه لفظًا كما اعتذر بالإمام البخاري رحمه الله في أول الصحيح فحينئذٍ نقول ترك الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم إما للاختصار، وكذلك التشهد، وإما لأنه أتى بها لفظًا، وهذا كافٍ في المطلوب، ولكن يمكن أن يعتذر عن هذا أولى من هذا أنه أتى بها في آخر النظم ولذلك قال:
فَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِتْمَامِهِ ** ثُمَّ صَلاةُ اللهِ مَعْ سَلامِهِ
على النبي
وعلى قولهم بالحديث استدلالاً بالحديث يقول: «من صلَّ علي في كتاب». ولم يقل في أوله ولا في آخره، فهو عام هو عام قد يصلى عليه في أول الكتاب وقد يصلى عليه في آخر الكتاب، فالحاصل أنه ترك التشهد والصلاة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم - لهاتين العلتين إما للاختصار وإما لأنه تلفظ بهما ولم يكتبهما، وإذا أجبنا بأنه ذكرهما في آخر المنظومة أيضًا لا إشكال، نقف على هذا.
وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1/23)

عناصر الدرس
* المبادئ العشرة.
* باب أصول الفقه.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآل وصحبه أجمعين.
هذا سائل يقول: هل تشرحون يا شيخ في العقيدة وكذلك متون في الفقه وهي أهم من الأصول والمنطق؟
(2/1)

لا شك أنها أهم من الأصول والمنطق والنحو ولكن إذا جربت شيئا من الزاد والعمدة ولكن وجدت أن الطلاب تشرح لهم دليل تشرح لهم وجه الاستدلال فإذا بهم لا يفرقون بين المنطوق والمفهوم ولا يفرق بين العام والخاص ولا يعرف المطلق ولا المقيد وهذا حقيقة يعني في ظني ولنفسي أعتبره من الشنيع أن المدرس يدرس لطلاب في الفقه ثم لا يعرف الطالب العام من الخاص ولا شروط الناسخ ولا المنسوخ ولا يعرف حكم حديث الآحاد الذي هو حجة أو ليس بحجة هل يفيد العلم أو الظن إذا به هو عام في هذه المسألة إذن ما ينفع أن يدرس الفقه إذا ذكر له بدليله لذلك قلت: نأتي للأصل نبني الأساس أولاً أن يتقوى طالب العلم في مثل هذه الفنون ثم بعد ذلك يدرس الفقه، والفقه بعضهم قد ينظر إليه من جهة أنه أهم وهذا لا إشكال لكن طالب العلم له نظرة أخرى وهي أنه يريد أن يكون راسخًا في هذه العلوم يريد أن يتميز عن العامي العامي ممكن أن تشرح له صفة الصلاة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ساعة واحدة لكن إذا أردت أن تدرسها بالذات تحتاج إلى سنة كاملة ما الفرق بينهم؟ كما بين السماع لذلك لا شك أن العقيدة والفقه أهم من جهة أنها المقاصد ولكن طلاب العلم ينبغي أن يعتنوا بالتأسيس العلمي تكون لنا منهجية صحيحة يسير عليها طالب العلم الذي يريد أن يدرس الفقه وخاصة أن الآن الفقه صار يدرس بطريقة الفقه المقامي ما يسمى بالفقه المقامي يعني: يُذكر أو تذكر المسألة تصور المسألة ويبين حكم المسألة ثم دليل المسألة ثم وجه الاستدلال وهذه لا يمكن أن يفهمها العامي وجه الاستدلال ما يمكن {(((((((((((((((((((((((}] البقرة، الآية:43 [الكل يفهم أنها تدل على أن الصلاة واجبة تدل على أن الصلاة واجبة جواز الصلاة ثبت بهذا الدليل {(((((((((((((((((((((((}] البقرة، الآية:43 [لكن وجه الاستدلال أن أقيموا هذا أمر ومطلق الأمر يفيد الوجوب إذا قيل: مطلق الأمر ما هو؟ ضاع الطالب إذن ما يفهم لو قيل له: مطلق الأمر ما هو؟ يقول: مطلق الأمر يفيد الوجوب. هكذا التقدير ولذلك لاحظت بعض طلاب العلم خاصة ممن يبحث عن الدليل هذا لا شك أنه غاية ويحمد ولكن ليست المسألة هكذا مفتوحة سبهللا نقول: يبحث عن الدليل. ثم هو عامي في أصول الاستدلال ذكرنا أن القواعد وأصول الفقه كما سيأتي أنه قواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلته التفصيلية هذا هو أصول الفقه قواعد تطبق على الوحيين بواسطتها يعرف الحكم الشرعي أجد أن الطلاب مثلاً يتحررون من التعلق بشخص معين يكون مصدرًا للتلقي في الحكم يقول: أنا سأكون حنبلي. والآخر يقول: لا أكون شافعيًّا ولا أدرس. وبعضهم يذم المتون الفقهية وبعضهم يكون هناك منافسات أو أخذ وعطاء في الحنبلية والشافعية ثم تجده يتحرر في أخذ القول ويقلد في جهة الاستدلال يقول: أنا أقول: القسمة ثنائية في الماء.
(2/2)

لم؟ لأن شيخ الإسلام ابن تيمية قال وقال ويأتي بالأدلة ثم إذا عرض الأدلة تجده يعرضها كما عرضها شيخ الإسلام من جهة الاستنباط فهو يعتبر مجتهد في ظنه وليس مجتهدًا يعتبر نفسه أنه مجتهد لكونه أخذ الأدلة لكونه أخذ القول دون أن يتقيد بمذهب معين لكنه وقع في تقليد آخر وهو أنه قلد مثلا شيخ الإسلام ابن تيمية في وجه الاستدلال من الأدلة لذلك ينتبه طالب العلم إلى ذلك.
قال رحمه الله تعالى:
بَابُ أُصُولِ الفِقْهِ
انتهينا بالأمس من المقدمة التي يعنوِن لها العلماء بمقدمة الكتاب لأن المقدمة عندهم مقدمتان: مقدمة، ومقدمة علم.
مقدمة الكتاب كما سبق أنهم يذكرون فيها ثمانية أشياء: أربعة على جهة الوجوب الصناعي، وأربعة على جهة الاستحباب الصناعي البسملة، والحمدلة، والتشهد، والصلاة والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام، وأما بعد، وبراعة الاستهلال، وتسمية نفسه وكتابه هذه تسمى مقدمة الكتاب وأحيانًا يذكر منهجه في الكتاب أو طريقته في الكتاب هذه تسمى مقدمة الكتاب.
مقدمة العلم هي: ما يعنوِن لها العلماء بالمبادئ العشرة التي جمعها الصبان محمد بن علي في قوله:
إن مبادئ كل فن عشرة ** الحد والموضوع ثم الثمرة
ونسبة وفضله والواضع ** والاسم والاستمداد وحكم الشارع
ومسائل والبعض بالبعض اكتفى ** ومن درى الجميع هذه العشرة
وأمام هذه المسائل العشرة الحد، والموضوع، والحكم، والفائدة التي هي الثمرة، وأما المسائل فهي التي تعرف بثنايا الكتاب دراسة الكتاب هذه المبادئ العشرة ذكر بعضها الناظم وهو ما عَنوَن له باب أصول الفقه لأنه ذكر حد الفقه ذكر حد أصول الفقه من جهة معناه الإضافي ومن جهة معناه العلمي اللقبي ثم استرسل في بيان بعض المسائل المتعلقة بهذه الحدود إلى آخر الباب، ولم يذكر إلا الحد لماذا؟ لأن الحد أهم ما يعتني به طالب العلم، كل باحث، كل دارس لفن ما لعلم من العلوم قبل الشروع فيه قالوا: يجب أن يتصوره بوجه ما. يعني: أن يعرف حقيقة هذا الفن ماذا يدرس؟ لا بد أن يتصوره والتصور هنا يحصل إما بحده أو رسمه قالوا: فالذي يشرع في فن، وما يدري ما هو هذا الفن ما حقيقة هذا الفن قالوا:
كمن ركب متن عمياء وخبط خبطة ناقة عشواء.
ركب متن عمياء ظهر الطريق الذي لا يدرى أين يصل به قد يسير السائر في طريق ما ولا يعرف إلى أين يكون هذا المسير وما هي غاية هذا الطريق الذي يدرس فنًا ولا يدري ما حده هذه حاله كمن ركب متن عمياء وخبط خبط ناقة عشواء، ناقة عشواء التي لا ترى لا تبصر نظرها وبصرها ضعيف هذه إذا ركبها وترك لها الخطام ماذا تصل به؟ تخبط به خبط ناقة عشواء فلذلك عيَّن الناظم هنا أحد هذه المبادئ وهو: حد أصول الفقه. فقال:
بَابُ أُصُولِ الفِقْهِ
(2/3)

العلماء جروا في مصنفاتهم على التبويب هنا أنبه على مسألة وهي أن الورقات هذه شُرحت عدة شروح في الدورات وفي غيرها نظمًا ونثرًا والغاية عندي أن هذه الورقات مقدمة لما سيليها من كتاب في أصول الفقه وهو نيتي إن شاء الله تدريس ((الكوكب الساطع)) ولما لم يكن كتاب بين الورقات والكوكب الساطع ليس هناك وقت وهذا مما يشق على من يطلب هذا الفن وهو لم يوجد للمتون التي تكون محققة ومقابلة للتدريس والحفظ لذلك لا يوجد إلا الورقات وهذا النظم لها يوجد بعض المنظومات لنظم الورقات لكن ليست كمستوى نظم العامين فلذلك أحيل في التفسير وكشف المعاني على الأشهر من عندَه شرح فليحضر الدرس على ما يسمعه في ذلك الدرس أو يأخذ شرحًا مبسطًا للنثر أو النظم أما الشرح هذا فسيكون نوعًا ما متوسط وما زاد على ذلك لماذا؟ يعني: لا يكون هذا الشرح الذي ستسمعه للمبتدأ على جهة الخصوص بل هو لما هو فوق المبتدأ لماذا؟ أما الشرح المبسط هذا تأخذه قبل الدرس يعني: يمكن أن يجمع بينهما الطالب. قبل أن تحضر حضر من كتاب ميسر ((شرح المحلي)) مثلاً أو ((قرة العين)) للرعيني أو ((لطائف الإشارات)) نفسه لعبد الحميد شرح نظم الورقات أما الدرس هنا فسيكون نوعًا متوسطًا وفوق المتوسط فيحتاج إلى بعض العبارات تحقيقات منطقية وتطبيق لما سبق أو وقوف مع الحدود على الطريقة السابقة والسر في هذا كما ذكرت لكم أننا سننتقل بعد هذا إلى كتاب ((الموسع)) فإذا شُرح بطريقة ميسرة لا يستطيع طالب العلم أن يدخل مباشرة في كتاب مطول لهذا جر التنبيه.
بَابُ أُصُولِ الفِقْهِ
جرى العلماء على التبويب لكتبهم يعني: يذكرون الكتاب لا يذكرونه هكذا سردًا وإنما يُقسم وينوع باب أصول الفقه، باب العام، باب المطلق والمقيد، باب الناسخ، ما الحكمة من التبويب؟ قال بعضهم كالزمخشري وغيره قالوا: الحكمة من تبويب الكتب هو أنه أنشط للقارئ لأن الطالب إذا قرأ بابًا وكان مشتملاً على ثمانية أبيات أو عشرة أو خمسة عشر لا بد أن يكون له نهاية فإذا انتهى من هذه الأبيات وشرع في باب يليه كان أدعى له إلى تجديد نشاطه. إذن الحكمة من تبويب الكتب هو أنه أنشط للقارئ لذلك قيل: إذا كانت الطريق مقدرة للسفر كانت أبعد للمسافر في السفر. إذا عرفت كم سيبقى لك لتصل إلى منطقة ما مثلاً هذا يكون أنشط لك بقي ساعة بقي ثلاثين، لكن إذا لا تدري سيقع في نفسك نوع من الملل قيل: ولذلك كان القرآن مسورًا. والله أعلم. يعني: عندما يقرأ القارئ سورة البقرة وانتهى ثم يشرع في آل عمران وانتهى يكون أبعث له إلى المواصلة وإلى الاستمرار في القراءة.
قال:
بَابُ أُصُولِ الفِقْهِ
باب هذا له من جهة المعنى معنيان: معنى لغوي، ومعنى اصطلاحي.
وله إعراب خاص به نذكره في هذا الموطن ولا نعيده مرةً أخرى لأنه إذا ذكر في هذا الموضع قس عليه ما سيأتي.
(2/4)

الباب أصله بَوَبٌ الألف هذه منقلبة عن واو بَوَبٌ تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا ما الدليل على أن هذه الألف منقلبة عن واو؟ الجمع والتصغير الجمع تقول: أبواب. من أين جاءت الواو هذه هو: باب. جمعته على أبواب نقول: هذه الواو الذي جاءت وظهرت في الجمع هي الألف التي انقلبت عن واو. بُوَيْب فُعَيْل الواو عين وهناك الألف عين والألف لا تكون أصلاً في الثلاثي بالإجماع بإجماع الصرفيين لا تكون الألف أصلاً في الثلاثي إما منقلبة عن واو، وإما أن تكون منقلبة عن ياء فَبَوَبٌ هذا أصل بُوَيْبُ هذا تصغير والتصغير والجمع يردان الأشياء إلى أصولها يجمع باب على أبواب قياسا وعلى أبوبة وبيبانٍ سماعا إذن له ثلاثة أمور: جمع قياسي، وجمعان سماعيَّان أبوبة وبيبان بيبان بعض الناس ينكرها هي فصيحة سمعت لكن ليست قياسية تقول: بيبان. هذه بيبان وتقول: أبوبة وتقول: أبواب. أبوبة وبيبان سماعيان يحفظ ولا يقاس عليه وأبواب هذا قياسي يعني: جاء على وزن أفعال. وأفعال كما سبق أنه من جموع القلة أَفْعِلَةٌ أَفْعُلٌ ثمفعلة ثمت أفعال جموع قلة إذن أبواب هذا جمع قياسي.
الباب في اللغة: المدخل للشيء أي: مكان الدخول. مدخل مفعل اسم مكان المدخل للشيء أي: مكان الدخول. وقيل: سترة أو فرجة في ساتر يتوصل بها من داخل إلى الخارج وعكسه فرجة بساتر جدار وتوجد فيه فرجة كما هو الباب هذا، فرجة في ساتر يتوصل بها من داخل إلى خارج ومن خارج إلى داخل هذا هو الباب، ولذلك قالوا: هو حقيقة في الألسان مجاز في المعان. حقيقة في الألسان إذا كان الدخول حسي والباب يكون حسيًّا في الجدار ويكون في المعاني مجازًا لأن هذا الباب أو هذه الأبيات التي تتعلمها تحت هذا الباب تكون مدخلاً لك إلى علم أصول الفقه فهو كالباب لكنه معنوي لا حسي وتسميته بابًا هذا تسمية مجازية على القول بإثبات المجاز.
(2/5)

الباب في الاصطلاح عندهم: ألفاظ مخصوصة دالة على معالم مخصوصة. هذه الألفاظ الأصل أنها مطلقة كل لفظ يخرج من الفم الأصل أنه مطلق لا يتقيد إلا بما أراد المتكلم أن يتكلم فيه فمثلاً لو راجع الإنسان نفسه مفكرته لوجد جمعًا لا حصر له من الألفاظ وإذا أراد في نفسه أن يتكلم مثلاً عن التقوى إذن هذا معنى خاص هل سيعبر عن هذا المعنى الذي في نفسه بكل لفظ في مفكرته أم يختار ألفاظ مخصوصة لتدل على هذه المعاني المخصوصة؟ الثاني أنه سيختار ألفاظًا مخصوصة من أين يختارها؟ من المعجم الذي في نفسه عنده قاموس وعنده معاني يريد أن يعبر عنها بتلك الألفاظ لذلك قيل: الألفاظ هي قوالب المعاني. إذا قيل: باب ألفاظ مخصوصة دالة على معاني مخصوصة ما الذي يقيد هذه الألفاظ؟ نقول: بالنظر إلى المضاف إليه. هو الذي يقيد إذا قيل: باب وأطلق نقول: لا نعرف ما هي هذه الألفاظ ولا نعرف ما هي هذه المعالم المخصوصة لكن لو قيل: باب العام عرفنا أن المعاني مختصة بأحكام العام وعرفنا أن هذه الألفاظ يعبر بها عما يليق بهذه المعاني فإذا قيل: باب أصول فقه. عرفنا أن هذه الألفاظ المخصوصة إنما هي تعبر أن أصول الفقه الذي أريد التعبير عنه في النظم إذن ما حد الباب في الاصطلاح؟ ألفاظٌ مخصوصة دالة على معاني مخصوصة. هذا في كل باب، باب المياه، باب الصلاة، باب الجنائز والخ.
نقول: باب ألفاظٌ مخصوصة دالة على معاني مخصوصة. وهذا أيضًا يعبر به عن الكتاب.
الكتاب في الاصطلاح: ألفاظٌ مخصوصة دالة على معاني مخصوصة. والذي يعين أيضًا المضاف إليه كتاب الطهارة، كتاب الصيام إذن ألفاظٌ مخصوصة دالة على معاني مخصوصة هي الحديث عن الصيام ونحوه.
باب هذا من جهة المعنى من جهة الإعراب يجوز لك فيه ثلاثة أوجه: بَابُ، بَابَ، بَابِ. اقرأه كيف شئت إلى أن الأخيرة شاذ عند البصريين بابُ أصول الفقه بابُ هذا في الرفع تحته صورتان يعني إعرابان يجوز فيه الرفع لكن الرفع يحتمل أنه مبتدأ، ويحتمل أنه فاعل، ويحتمل أنه خبر، ويحتمل أنه نعت، إذن ماذا نعربه؟ نقول: تحته صورتان: أن يكون مبتدأً لخبرٍ محذوف بابُ أصول الفقه هذا موضعه، بابُ مبتدأ وهو مضاف مبتدأ أول وهو مضاف وأصول الفقه مضاف إليه هذا موضعه مبتدأ ثاني وخبر والمبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ هذه صورة.
الصورة الثانية من الرفع: بابُ أصول الفقه هذا بابُ أصول الفقه بابُ هذا خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا ذا ها ها حرف تنبيه ذا اسم إشارة منع من صرفه محل الرفع مبتدأ باب خبر هذه في الرفع ماذا يجوز؟ وجهان:
الأول: أن يكون مبتدأً والخبر محذوف تقدير الخبر بابُ أصول الفقه هذا موضعه أن يكون مبتدأً أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف هذا بابُ أصول الفقه والأرجح من الوجهين أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف على الأرجح أن يكون خبر لمبتدأ محذوف ما العلة ما الحكمة؟ لأن الخبر هو محط الفائدة.
والخبر الجزء المتم الفائدة ** كالله بر والأيادي شاهدة
(2/6)

الأصل في المبتدأ لا يكون إلا معلوم لماذا؟ لأنه محكوم عليه والحكم على الشيء فرع على تصوره إذن لا تحكم على الشيء إلا بعد العلم به والمبتدأ محكوم عليه والخبر محكوم به فإذا حكمت بشيءٍ على شيء والمخاطَب في الأصل أنه يعلم المبتدأ دون الخبر فإذا حذف أحدهما وجاز كون المحذوف مبتدأً أو خبرًا نقول: الأولى جعل المبتدأ هو المحذوف لأنه معلوم بينك وبين المخاطب وإنما جئتَ بالمبتدأ كالبساط هو يعرف زيد يقول: زيد عالم، أو زيد مسافر، أو زيد قادم هو يعلم زيد وهو مبتدأ المخاطب يعلم زيد لكن قدوم زيد هو الخبر أن تريد أن تخبره بماذا؟ بقدوم زيد إذن محط الفائدة الذي سيقت من أجله الجملة هو الخبر فحينئذٍ نقول: الأولى في الرفع هنا بحالتيه أن يكون البابُ هنا خبرًا لمبتدأ محذوف.
الوجه الثاني: بابَ أصول الفقه في النطق على أنه مفعول به لفعل محذوف جوازه لذلك نقول هنا في الرفع نقول: الحذف جائز والتقدير واجب. لماذا؟ كيف يستقيم المعنى؟ نعم أحسنت بابُ أصول الفقه هذا مركب إضافي إذا قيل: باب عام. هذا مثل غلام زيد غلام زيد لو قال قائل لك: غلام زيد. إيش فيه غلام زيد هل حصلت الفائدة التامة؟ لم تحصل الفائدة التامة، إذن المركب الإضافي لا تحصل به الفائدة التامة إلا إذا ضم إلى غيره أن يجعل مسندًا أو مسندًا إليه لأن الكلام لا يكون إلا بإسناد والإسناد يقتضي مسندًا ومسند إليه وهنا قد حصلت الفائدة إذا قيل: باب العام. أي: هذا باب العم فحينئذٍ نقول: الحذف جائز. يعني: يجوز أن يتلفظ هذا باب الكلام يجوز أن تقول: هذا باب أصول الفقه. ويجوز لك أن تحذف لكن لا يصح أن تقول: باب أصول الفقه. ولا تقدر بنفسك شيء البتة لماذا؟ لأن هذا المضاف والمضاف إليه لا تحصل به الفائدة التامة ولا يمكن أن يوجد كلام إلا بإسناد وكل إسناد يقتضي مسندًا ومسندًا إليه بابَ أصول الفقه أي: اقرأ باب أصول الفقه. بابَ هذا مفعول به لفعل محذوف جوازًا والتقدير: واجب. لأنه منصوب وكل منصوب لا بد له من عامل اقرأ بابَ
بابِ أصول الفقه بالجر على أنه مجرورٍ بحرف جرٍّ محذوفٍ والتقدير: انظر في بابِ أصول الفقه. ولكن هذا على مذهب الكوفيين أنهم يجوزون حذف حرف الجر وإبقاء عمله بابِ أصول الفقه ما العامل فيه؟ حرف الجر أين هو؟ محذوف حذف بقي عمله هذا شاذ عند البصريين يُحفظ ولا يقاس عليه.
وعد لازمًا بحرف جر ** وإن حذف فالنصب للمنجر
نقلاً هذا لمسمى المنصوب بنزع الخافض إذا نُزع الخافض حرف الجر وجب في الاسم المجرور النصب هذا على رأي البصريين نعم على رأي البصريين أما الكوفيون فالقول أنه يجوز أن يبقى المجرور على حاله فتقول: بابِ أصول الفقه. ولهذا قيل من أدلتهم أنهم قالوا: قيل للرؤبة كيف أصبحت؟ قال: خيرٍ رؤبة مما يحتج به يعني: بخير أو على خير، كيف أصبحت؟ قال: خيرٍ. خيرٍ هذا مجرور ما العامل فيه؟ حرف الجر المحذوف إذن حذف وبقي عمله لكن جماهير البصريين على المنع.
بَابُ أُصُولِ الفِقْهِ
إذن عرفنا المضاف والآن ننتقل إلى بيان المضاف إليه.
(2/7)

أصول الفقه بَابُ أُصُولِ الْفِقْهِ أي: هذا باب في بيان حقيقة أصول الفقه أنه يريد أن يعرف لنا أصول الفقه والتعريف إنما يتعلق ببيان الحقائق بابُ أصول الفقه أي: بابٌ في بيان الفن المسمى بهذا اللقب ولكن النظر في كلمة أصول الفقه هذه نجد أنها مركب إضافي ولذلك قيل: أصول الفقه له معنيان: معنى إضافي بالنظر إلى كونه مركبًا إضافيًّا من مضاف ومضاف إليه ومعنى لقبيًّا علميًّا بالنظر إلى أنه نقل العام إلى معناه الأصلي وهو المركب الإضافي لكثرة الاستعمال في عرف الأصوليين والفقهاء إلى معنى جديد آخر وهو المسمى بهذا ( ... ) الأصل فيه المركب الإضافي ضابطه كل اسمين نُزل ثانيهما مُنَزلة التنوين مما قبله غلامُ زيدٍ غلام الأصل أنها ( ... ) يعني تصبرون على مسائل النحو غلامٌ زيد هذا الأصل غلامٌ اسم مفرد نكرة واجب التنوين زيدُ هذا اسم علم مفردٌ واجب التنوين يجب التنوين.
ونون الاسم الفريد المنصرف ** إذا درست قائلاً ولا تقف
(2/8)

ونون الاسم المفرد المنصرف الاسم المفرد المنصرف يجب تنوينه تنوين الصرف غلامٌ زيد إذا أضفت غلام إلى زيد سلبت التنوين من الاسم الأول فقلت: غلامُ زيدٍ. غلامُ زيدٍ لماذا سلبت التنوين من الأول؟ قالوا: لتنزيل الثاني المضاف إليه منزلة التنوين مما قبله. له حكمة أخرى لكن هذا على بيان الحد كل اسمين نُزل ثانيهما الذي هو المضاف إليه مُنزلة التنوين مما قبله فحينئذٍ يكون عندنا مضاف ومضافًا إليه ونسبة فهو مؤلف من ثلاثة أجزاء غلامُ زيدٍ نقول: هذا غلام منسوب لزيد لأن الإضافة نسبة تقييدية تقتضي انجرار الثاني أبدا نسبة يعني تعليل وارتباط بين اللفظين غلامُ زيد أصول الفقه إذا نزلناه على هذا نقول: الأصل فيه أنه مركب إضافي أصول والفقه هو مؤلف في الحقيقة من ثلاثة أجزاء المضاف وهو: كلمة أصول، والمضاف إليه وهو كلمة الفقه، والجزء الصوري الذي هو النسبة التقيدية الأصول المنسوبة إلى الفقه إذا فهمت المثال السابق غلامُ زيدٍ تفهم هذا الترتيب إذن الأصل في أصول الفقه أنه مركب إضافي والمركب الإضافي ضابطه كل اسمين نزل ثانيهما منزلة التنوين مما قبله، يتألف هذا المركب الإضافي من ثلاثة أجزاء: المضاف، والمضاف إليه، والنسبة التي هي: الجزء الصوري. النسبة التقيدية هذه ثلاثة أمور يتألف منها المركب الإضافي الأصل في أصول الفقه في الإضافة هنا للإشارة إلى مدح فن الأصول يعني: لماذا أضيف في الأصل أصول إلى الفقه؟ قيل: لمدحه. لماذا لمدحه؟ لأن الفقه هو علم الحلال والحرام وهو من مقاصد الشريعة فإذا عُلم أن هذا الفقه العظيم هذا العلم الشريف مبني على هذه الأصول هل يعتبر مدحًا لهذه الأصول أم لا؟ هل يعتبر مدحًا أم لا؟ يعتبر مدحًا وشرفًا لهذه الأصول لماذا؟ لأن أعظم علمٍ عند بعضهم أعظم علم وهو علم الحلال والحرام هذا قد بني على هذه الأصول إذن الأصل في المركب الإضافي إنما أضيف المضاف إلى المضاف إليه أصول الفقه للإشعار بمدح هذا الفن ثم بعد ذلك لكثرة الاستعمال نقل عن معناه الأصلي وهو ملاحظة الجزأين لهذه العلة وهي مدح الأصول بابتناء علم الحلال والحرام عليه نقل وصار التركيب نسيًا منسيًّا يعني لم يلاحظ فيه هذا المَلْح لأن المركب الإضافي قبل جعله علمًا ينظر إلى جزئيه من حيث إفادة المعنى ثم إذا صار علمًا ولقبًا على فنٍّ ما اختلُف عنه المعنى الأصلي ولذلك عندهم عند المناطقة أن أصول الفقه من حيث هو مركب إضافي مركب ومن حيث هو علم ولقب هو ( ... )
(2/9)

الأول يدل جزئه على جزء معناه والثاني أصول الفقه لفظ علمًا على الفن المسمى بهذا اللفظ هو مفرد كزيد والأول مركب إذا عرفنا أن أصول الفقه في الأصل هو مركب إضافي ثم نقل فجعل علمًا على الفن المسمى أيهما الأصل الذي يعتني به الأصولي؟ الثاني وهو: كونه لقبًا لأننا نريد أن نعرف أصول الفقه الذي هو الفن المسمى بهذا اللفظ وهو بهذا الاعتبار مفرد ليس مركبًا إذن نعتني به من حيث هو مفرد لكن لما نقل إلى أصله من جهة اللفظ وُجد أنه مركب إضافي وبينهم نزاع وخلاف العَلَمُ اللقبي إذا كان في الأصل مركبًا هل يتوقف فهم معناه وبيان حقيقته على معرفة جزئيه في الأصل أم لا؟ بينهما خلاف أصول الفقه قلنا: من حيث جعله علمًا هو مفرد لكن لا يمكن أن نتجاهل الكلمتي أصول وفقه لماذا؟ لأنهما لفظتان والأصل مستصحب من حيث اللفظ فحينئذٍ إذا أردنا أن نعرف أصول الفقه هو عَلَم هل يتوقف هذا التعريف على معرفة جزئيه في الأصل السابقين أم لا؟ بينهما نزاع من رأى أنه يتوقف فهم العلم اللقب على معرفة جزئيه بدأ ببيان أصول لوحدها والفقه لوحدها كما جرى عليه الناظم وأكثر الأصوليين على ذلك ومنهم من قال: لا، أصول الفقه علمًا على الفن المسمى بهذا اللفظ لا يتوقف فهمه على فهم مفرديه فتجاهَل تعريف المفردين وهذا جرى عليه بعض الأصوليين إذن الناظم هنا قال:
هَاكَ أُصُولَ الفِقْهِ لَفْظًا لَقَبَا ** لِلْفَنِّ مِنْ جُزْأَيْنِ قَدْ تَرَكَّبَا
(هَاكَ) إيش هاك؟ اسم فعل أمر ما ضابط اسم فعل الأمر؟ ما دل على الطلب ولم يقبل علامة فعل الأمر هذا يسمى اسم فعل أمر (هَاكَ) هذا اسم فعل أمر بمعنى خذ لا محل له من الإعراب هناك خلاف هل اسم الفعل هنا ها لوحدها والكاف حرف خطاب أم أنها هاك كلها اسم فعل أمر بينهم نزاع عند النحاة (هَاكَ أُصُولَ الفِقْهِ) هاك أي: خذ أيها الطالب (أُصُولَ الفِقْهِ لَفْظًا لَقَبَا) هذان مفردان منصوبان الأول منصوب على التنوين والإعراب يبين لك المعنى لفظًا هذا منصوب على التنوين لقبًا هذا منصوب على الحال، المنصوب على التنوين هنا كما هو مقرر عند النحاة قد يكون محولاً عن المفعول به يعني: أصله مفعولاً به مثل ماذا؟ {(((((((((((الْأَرْضَ ((((((((} [القمر: 12] فجرنا الأرض فجرنا فعل فاعل الأرض مفعول به عيونًا هذا تميز أصل التميز هذا مفعول به وفجرنا عيون الأرض هل هناك فرقٌ بين التركيبين؟ فجرنا عيون الأرض و {(((((((((((الْأَرْضَ ((((((((} هل هناك فرق؟ ما الفرق؟ نعم ما هو؟ أعطني معنى التركيب الأول {(((((((((((الْأَرْضَ ((((((((} أصبحت الأرض كأنها كلها وفجرنا عيون الأرض؟ وهذا يدل على أن النحو له أهمية في فهم الكلام.
(2/10)

(هَاكَ أُصُولَ الفِقْهِ لَفْظًا) لفظا هذا تمييز محول عن مفعول به أصله هاك لفظ أصول الفقه إذن لفظًا هذا نحن نسميه محول عن مفعول به (لَقَبَا) يعني: علمًا. لقب المراد به العلم هنا وإن كان هو نوع من أنواع العلم، واسمًا أتى وكنية ولقبًا نوع من أنواع العلم ما أشعر بمدح أو ذم، (هَاكَ) أي: خذ أيها الطالب لفظ أصول الفقه حالة كونه لقبًا وعلمًا للفن. للفن تقف هنا انتهى الكلام (هَاكَ) أي: خذ أيها الطالب لفظ أصول الفقه حالة كونه علمًا للفن المسمى بهذا اللفظ إذن أراد الناظم هنا جريًا على أصل الورقات أن يحد لك أصول الفقه من حيث كونه لقبًا وعلمًا على الفن المسمى بهذا الاسم لكن لما كان هذا اللقب مركبًا تركيبًا إضافيًّا قالوا وهذا ظاهر كلامه: أن حد أصول الفقه وهو لقب متوقف على معرفة جزئيه فحينئذٍ لا بد من معرفة هذين الجزأين أولا ثم بعد ذلك ننتقل إلى أصول الفقه لفظًا لذلك قال: (مِنْ جُزْأَيْنِ قَدْ تَرَكَّبَا). هذه جملة استئنافية جديدة (مِنْ جُزْأَيْنِ) اثنين جار ومجرور متعلق بقوله: (تَرَكَّبَا). قد تركبا من جزأين تركبا الألف هذه لإطلاق الروي والضمير هنا يعود على لفظ أصول الفقه تركب من أي شيء قال: (مِنْ جُزْأَيْنِ).
(قَدْ تَرَكَّبَا) تركبا هذا مأخوذ من التركيب وإن كان الأصل صاحب الورقات قال: مؤلف من جزأين. ولعل الناظم لم يتمكن من الإتيان به فقال: (تَرَكَّبَا). لماذا؟ لأن المشهور عندهم أن ثم فرقًا بين التأليف والتركيب كل تأليف تركيبٌ ولا عكس بينهما العموم والخصوص المطلق يجتمعان في صورة وينفرد الأعم صورة لا يصدق عليها الأخص التركيب عندهم وضع شيءٍ على شيء مطلقًا مُطلقًا يقصدون بالإطلاق هنا سواء على جهة الثبوت أم لا؟ وسواء كان بينهما مناسبة أم لا؟ وضع شيء على شيء على جهة الثبوت أو على جهة مراد بها الثبوت هذا يسمى بناءً لذلك حد البناء في النحو أنه وضع شيء على شيء على جهة يراد بها الثبوت وكل بناء تركيب ولا عكس العلاقة بينهما العموم والخصوص مطلقًا مطلقا أيضًا سواء كان بينهما مناسبة أم لا فحينئذٍ نقول: كل تأليف تركيب ولا عكس. هذا هو المشهور أن الفرق بين التركيب والتأليف كل منهما وضع شيء على شيء لكن في التأليف لابد أن يكون بين الاثنين مناسبًا والتركيب لا يشترط فيه أن يكون بين الاثنين مناسبًا ولذلك عند النحاة يقولون: باب الكلام وما يتألف منه.
(2/11)

وبعضهم يقول: وما يترتب منه. ابن مالك قال: الكلام وما يتألف منه. لماذا؟ لأنه يشترط المناسبة بين المسند والمسند إليه بعضهم لا يشترط المناسبة فيطلق لفظ الكلام على ضم كلمة إلى أخرى ولو لم تكن بينهما مناسبة لذلك عند ابن مالك لو قال قائل: طار الجدار. فعل فاعل أليس كذلك ظاهرية النحاة يقولون لك: فعل وفاعل. طار الجدار لكن عند ابن مالك يقول: لا. لأن ليس بنيهما مناسبة هذا الحدث الذي هو الطيران لا يتصور عقلاً وقوعه من الجدار فحينئذٍ اسمان طار الذي هو الفعل إلى الفاعل طار الجدار نقول: هذا لا يصح. لماذا؟ لعدم وجود التأليف بينهما وهو المناسب من اشترط التركيب فقط قال: نعم يصح أن تكون طار الجدار وهو كلام عربي فصيح لوجود تركيب بين المسند والمسند إليه. إذن قوله: (قَدْ تَرَكَّبَا). هذا مأخوذ من التركيب قال: (مِنْ جُزْأَيْنِ قَدْ تَرَكَّبَا). (من جزئين قد تَرَكَّبَا) الألف هنا للإطلاق تركيبًا إضافيًّا لأن المركب ستة أنواع أو خمسة قد يكون تركيبًا توصيفيًّا، قد يكون تركيبًا إسناديًّا، قد يكون تركيبًّا إضافيًّا، قد يكون تركيبًا عدديًّا إحدى عشر، قد يكون تركيبًا ( ... ). هذه كم خمسة قد يكون تركيبًا مزجيا هذا الثاني هذه ستة أنواع ما المراده هنا قال: (مِنْ جُزْأَيْنِ قَدْ تَرَكَّبَا). ما المراد بالتركيب هنا؟ نقول: التركيب الإضافة. (قَدْ تَرَكَّبَا) تركيبًا إضافيًّا لكن هذا قلنا: بحسب الأصل أما كونه لقبًا للفن فهو مفرد على طريقة المناطقة وإلا فهو مفرد قال: (مِنْ جُزْأَيْنِ). ما المراد بالجزأين إذا قلنا المركب هنا تركيب إضافي ما المراد بالجزأين؟ المضاف والمضاف إليه لكن بقي جزء ثاني وهو النسبة لِمَ لم يقل من ثلاثة أجزاء وقال: من جزأين؟ أراد أن ينص على الأشياء المدرَكة بالحس المسموع أصول الفقه أن تسمع جزأين فقط والثالث غير مسموع إنما مدرك بالعقل ولأن في ذكر الثالث الجزء الصوري نوع صعوبة على المبتدئ فحينئذٍ لا يتصور النسبة والارتباط والتعليل بين المضاف والمضاف إليه فهمتهم معنى النسبة بين المضاف والمضاف إليه؟ أن يكون المضاف منسوبًا إلى المضاف إليه غلامُ زيدٍ له ثلاثة معاني، غلام لوحدها لها معنى خاص بها زيد لها معنى خاص بها غلامٌ منسوب لزيد هذا معنى ثالث باجتماع اللفظين معًا غلام يدل على مسماه لوحده زيد يدل على مسماه مدلوله لوحده أما إذا ضما معًا قد وُجد معنى ثالث لا يستقل الأول بالدلالة عليه ولا الثاني بالدلالة عليه وإنما يؤخذ من مجموع الكلمتين وهو كون الغلام منسوبًا لزيد كون الغلام منسوبًا لزيد هذا هو الجزء الصوري وهو أمر عقلي لم ينص عليه الناظم تبعًا للأصل إما لكونه نص على المحسوس المسموع وإما لكونه تركه من باب التسهيل على الطالب.
الأَوَّلُ الأُصُولُ ثُمَّ الثَّانِي ** الفِقْهُ
(2/12)

(الأَوَّلُ) يعني: أول الجزأين الأول بمعنى الأسبق أول الجزأين لفظ (الأُصُولُ) لأن الكلام في الألفاظ (ثُمَّ الثَّانِي) يعني: ثم اللفظ الثاني الجزء الثاني (الفِقْهُ) أي: لفظ الفقهِ فنشأ منهما لفظ أصول الفقه (الأَوَّلُ) يعني: اللفظ الأول الأسبق لفظ أصول الفقه (ثُمَّ الثَّانِي) ثم هنا للترتيب فقط ولا تفيد تاريخيًا على أصل (ثُمَّ الثَّانِي ** الفِقْهُ) يعني لفظ الفقه فنشأ منهما المركب الإضافي أصول الفقه أصول هذا قال: جزءٌ أول (الفِقْهُ) جزءٌ ثاني، ثم قال بعد ذكر الجزأين: (وَالْجُزْءَانِ مُفْرَدَانِ) أي: جزءان الذي هو أصول الجزء الأول والجزء الثاني الذي هو الفقه، قال: (مُفْرَدَانِ) الجزءان مبتدأ ومفردان خبر الجزء الأول أصول هل هو مفرد هل هو كزيد؟ نعم في اللفظ مفرد وفي المعنى جمع نعم معلومة عندك بس التعبير نعم أصول مفرد مُفرد اصطلاحي من المناطقة أحسن مفرد في اصطلاح المناطقة وهنا يميل للاستدلال العقلي تطبيق الإمام فقه ( .. )
(2/13)

أكثر من مرجعهم إلى اللغة (وَالْجُزْءَانِ مُفْرَدَانِ) الأصول هنا مفرد والفقه مفر ولا إشكال في الفقه إذن نقول: (وَالْجُزْءَانِ مُفْرَدَانِ) من الإفراد المقابل للتركيب بهذا القيد من الإفراد المقابل للتركيب يطلق المفرد عند النحاة مرادًا به ما يطاب إلى المثنى والجمع زيد هذا مفرد من جهة اللفظ ومن جهة المدلول من جهة اللفظ أنه لا ليس مركبًا من كلمتين لأن المفرد عند النحاة على الصحيح الكلمة الواحدة أو اللفظةُ الواحدة أو الملفوظُ بلفظٍ واحدٍ عرفي اختر ما شئت أما عند المناطقة فيختلف إذن نقول عند النحاة نقول: يطلق المفرد مرادًا به ما يقابل المثنى والجمع كزيد فإنه من جهة اللفظ مفرد ومن جهة المعنى مفرد لأنه يدل على شيءٍ واحد مدلوله شيءٌ واحد ويطلق أيضًا على ما ليس مضافًا ولا شبيهًا بالمضاف وهذا في باب المنادى وفي باب لا التي من نفي الجنس يطلق المفرد هناك ما ليس مضافًا ولا شبيهًا بالمضاف فيشمل حينئذٍ زيد والزيدين يعني يشمل المفرد والمثنى والجمع تقول يا زيدان يا زيدُ يا زيدان يا زيدُ هذا مفرد في هذا الباب مفرد لماذا لأن المنادى هنا يا زيد يا زيدان زَيدان هذا منادي وهو مفرد لذلك يبنى على ما يرفع به لو كان مرفوعًا يا زيدون نقول زيدون هنا مفرد هو في باب الإعراب زيدون هذا جمع وزيدان هذا جمع لكن في هذا الباب نقول زيدون وزيدان هذا مفرد في باب لا النافية الجنس كذلك نفس الحكم بقي الإطلاق الثالث وهو ما ليس جملةً ولا شبيهًا بالجملة وهذا في باب المبتدأ والخبر ما ليس جملةً ولا شبيهًا بالجملة الزيدان قائمان الزيدون قائمون، قائمون هذا مفرد لماذا لأنه خبر وليس بجملةٍ ولا شبيهٍ بالجملة، الزيدان قائمان، قائمان نقول هذا خبر وهو مفرد لماذا لأنه ليس جملةً ولا شبيهًا بالجملة إذن عند النحاة يطلق المفرد ويراد به ما يقابل من هدف باب الإعراب ما يقابل المثنى والجمع ويطلق في باب المنادى واسم لا النافية الجنس ما ليس مضافًا ولا شبيهًا بالمضافة، وفي باب المبتدأ الخبر ما ليس جملة ولا شبيهًا بالجملة هذه الثلاثة ليست مرادة هنا وإنما المراد في اصطلاح المناطق وهو الإفراد أو المفرد المقابل للتركيب وحده عند المناطقة المفرد ما لا يدل جزؤه على جزء المعنى الذي لا يدل جزءه على جزء معناه هذا يسمى مفردًا عند المناطقة (الأُصُولُ) ننظر إلى اللفظ أصول لو أخذت بعض اللفظ وهو الهمزة لوحدها أو الصاد لوحدها أو الواو أو اللام نقول: هذا اللفظ الذي أخذته وهو جزءٌ من هذه الكلمة هل يدل على معنىً من ما دل عليه لفظ أصول الجواب لا إذن ما لا يدل بعض لفظه على بعض معناه نقول: هذا مفرد عند المناطقة زيد زاي الزاي هل تدل على ما دل عليه لفظ زيد الجواب لا أما إذا قلت غلامُ زيدٍ نقول هذا مركب لماذا لأنه دل جزؤه على جزء معناه يعني بعض لفظه يدل على بعض معناه كيف بعض لفظه يدل على بعض معناه ما هو معناه غلام زيد غلامٌ منسوبٌ لزيد هذا مدلوله من جهة كونه مركبًا إضافيًا غلامٌ منسوبٌ لزيد لو أخذنا غلام لوحدها هل تدل على جزء المعنى الذي دل عليه الكل أم لا نعم لأن المعنى الكل المستفاد من المرتب الإضافي غلامٌ منسوبٌ لزيد كيف قلت غلام لوحدها دلت
(2/14)

على بعض المعنى الذي دل عليه المعنى الكلي من المركب الإضافي كذلك زيد يدل على بعض المعنى الذي دل عليه المعنى الإجمالي للمركب الإضافي إذًا قوله: (وَالْجُزْءَانِ مُفْرَدَانِ) من الإفراد المقابل للترتيب وهذا على اصطلاح المناطقة وهو أن المفرد ما دل بعض لفظه على بعضِ المعنى عفوًا المفرد ما لا يدل بعض لفظه على بعض المعنى يقابله المركب على هذا الاصطلاح ما دل بعض لفظه على بعض المعنى إذن الإفراد في الجملة المفرد يطلق على الأشهر فيما يقابل المثنى والجمع ولذلك نص الشراح تجد هناك في شروح الورقات قالوا: (وَالْجُزْءَانِ مُفْرَدَانِ) من الإفراد المقابل للترتيب لا المقابل للتثنية والجمع نصوا على هذا يعني: هذا النوع بشهرته ولذلك إذا أطلق المفرد أول ما يتبادر إلى الذهن المقابل للمثنى والجمع فنص الشراح على هذا لشهرته وإلا يطلق المفرد على ما لا يقابل المثنى والجمع إذن (وَالْجُزْءَانِ) الذي هو أصول ولفظ (الفِقْهُ) مفردا فأصول مفرد لأن بعض لفظه لا يدل على بعض معنى والفقه معنى لأن بعض لفظه لا يدل على بعض معنى.
فَالأََصْلُ مَا عَلَيْهِ غَيْرُهُ بُنِي ** وَالْفَرْعُ مَا عَلَى سِوَاهُ يَنْبَنِي
أراد أن يبين لك حقيقة كل من الجزأين الجزء الأول وهو لفظ أصول والجز الثاني وهو لفظ الفقه سيعرف لك الجزء الأول لغةً واصطلاحًا والجزء الثاني الذي هو الفقه لغةً واصطلاحًا قال: (فَالأََصْلُ) الفاء هذه فصيحة تسمى الفاء الفصيحة بتركيب التوصيل وتسمى فاء الفصيحةِ بتركيب الإضافي وتسمى فاء الفضيحة أجارنا الله وإياك فاء الفصيحة فعلية بمعنى مفعلة مأخوذة من الإفصاح وهو البيان والإظهار لما سميت هذه الفاء فاء الفصيحة قالوا على المشهور: لأنها أفصحت عن جواب شرطٍ م ( ... ) لأن سائلاً سيسأل (وَالْجُزْءَانِ مُفْرَدَانِ) ما هما الجزءان قال: وإذا أردت معرفة حقيقة كل من الجزأين فأقول: لك الأصل ما عليه غيره إذن هناك جواب فرقٌ قد وقيل: لا هي أعم من ذلك وهذا محظور عند المفسرين أن كل فاءٍ حُذِفَ ما بعدها فحينئذٍ تكون فاء الفصيحة سواء كان شرطًا أم لا (فَالأََصْلُ) هذا هو الجزء الأول الذي هو مفرد الجزء الأول الأصل قال: (الأَوَّلُ الأُصُولُ)
ثم قال: (فَالأََصْلُ) هو يريد أن يعرف الجزء الأول هل الأصل هو الجزء الأول لا ليس هو الجزء الأول الجزء الأول الحقيقي هو أصول يعني أصول الفقه لا نقول أصل الفقه لا بد أن تعرف اللفظ الذي نصبت به مضافًا فأنت تول أصول الفقه وهو عرف الأصل نقول: عدل عن تعريف الجنب لأحد سببين:
(2/15)

أولاً: أنه يرد أن يبين الحقيقة والحقيقة إنما تفهم من المفردات لا من الجمع لأن المفرد هو الذي يدل على حقيقة الشيء والجمع هو الذي يدل على الأفراد الجمع هو الذي يدل على الأفراد والمفرد يدل على حقيقة الشيء وجود الحقائق هل هو ذهني أم خالد؟ وجود الحقائق هل هو زهني أم خالد خالد يعني أين ما هو في أوربا أين خالد لماذا خالد خالد الذهن في الداخل والخارج في مجالس العلم إذا قيل داخل وخارج داخل الذهن وخارج الذهن هذا المراد فإذا قيل الحقيقة يدل عليها بالمفردات إذا أردت أن تعرب الحقيقة فاتي بلفظٍ مفرد وأما الجمع فإنما مدلوله الذي هو الأفراد يكون خارجًا الذهن هنا أراد أن يبين حقيقة أصول والأصول تدل على الأفراد التي خارج هي خارج الذهن إذن يمتنع تعريف الأصول من جهة بيان حال حقيقتها فعدل عن الجمع إلى المفرد لينتقل الطالب من المفرد إلى الجمع لأن من عرف المفرد عرف الجمع بداهة لماذا لأن الحقيقة وجودها وجود الذهن وهي موجودةٌ في الخارج في ذهن أفراده فكما سبق معنا مرارًا إذا قلنا الإنسان ما هو الإنسان على المشهور؟ حيوانٌ ناطق هذا وجوده زهني ليس عندنا حيوان ناطق ليس بزيد ولا عمرو وإنما هو موجودٌ في الذهن في الذهن فقط وجوده في خارج الذهن في ضمن الأفراد فكل واحد قد منكم قد وجدت فيه هذه الحقيقة إذن لما قيل الأصل ما بني عليه غيره وجوده وجودٌ ذهني أما في الخارج فهو موجودٌ في ذهن أفرادٍ ولذلك نقول: عدل الناظم هنا عن تعريف الجمع إلى ذكر المفرد لأن الأصل في ذكر الحقائق هو المفرد والجمع إنما يدل على الأفراد ووجودها الخارجي (فَالأََصْلُ) الذي هو مفرد جزء الأول وإن لم يكن جزءًا حقيقيًا تنبه لهذا الأصل ليس جزءًا حقيقيًا والجزء الحقيقي هو لفظ أصول (فَالأََصْلُ) الذي هو مفرد جزء الأول لدلالته على الحقيقة دون الجمع أتى به الناظم رحمه الله (مَا عَلَيْهِ غَيْرُهُ بُنِي) الأصل له معنى اصطلاحي ومعنى لغوي المعنى اللغوي أشهر ما قيل فيه ما ذكره الناظم هنا (مَا عَلَيْهِ غَيْرُهُ بُنِي) وأصل التركيب ما بني عليه غيره وإنما قدم وأخر من أجل النظم ما بني عليه غيره (مَا) أي: شيءٌ بني عليه غيره قالوا: كأساس الجدار أساس الجدار أصله الجدار الذي بني عليه الجدار أما تبنى قواعدًا تحت البيوت هذه تسمى أصولاً قواعد أصول الجدار قد بني على هذه القاعدة نقول: ما بني عليه غيره أصلٌ للمبني إذن عندنا مبني وعندنا مبنيٌ عليه ما هو الأصل؟ الأصل هو المبني عليه والمبني هذا يسمى سمى فرعًا إذن (فَالأََصْلُ مَا) أي: شيءٌ محسوسٌ بني عليه غيره كأساس أو كأصل الجدار أي: أساسه الذي بني عليه وأصل الشجرة أي جذعها الذي هو داخل في الأرض قد قامت ساقها عليه هذا يسمى أصلاً هذا هو المشهور ولكن هنا إذا قلنا شيءٌ محسوس وقلنا: أصول الفقه والفقه هذا أمرٌ معقولٌ أو محسوس أمرٌ معقول لأنه أمرٌ عقلي فهم ذهن فكيف يبنى المعقول على المحسوس كيف يبنى المعقول على المحسوس أجيب بأن الأصح أنه لغةً يُعَمَّمُ فيشمل الحسي والعقل فحينئذٍ نقول: (مَا) يعني: شيءٌ محسوسٌ كأصل الجدار أي: أساسه أو معقول كبناء المدلول على الدليل والمعلول على العلة لأن الحكم مبنيٌ على
(2/16)

دليله كم يبنى أو كما يبنى الجدار على أساسه كذلك يبنى الحكم على دليله فحينئذٍ يعم الأصل العقلي والأصل الحسي وإلا أكثر أهل اللغة في تعريفهم نصوا على أن الأصل المراد به الشيء المحسوس فحينئذٍ يرد الإشكال كيف يبنى عليه الفقه وهو أمرٌ معقول المعقول لا يبنى على المحسوس نقول: لا الأصح أن يعمم الحد فحينئذٍ نقول: ما بني عليه غيره ما شيءٌ محسوسٌ كأصل الجدار أو معقولٌ كالمدلول على الدليل بني عليه غيره هذا هو الأصل، وقيل: هو المحتاج إليه لكن هذا فيه ضعف، وقيل: منشأ الشيء، وقيل: ما منه الشيء، وقيل: ما يتفرع عنه غيره، وقيل: ما يستند تحقق الشيء إليه وكلها منتقدة والنظر في الشروح لكن أجمع ما ذكره أكثر الأصوليين هو أن الأصل في اللغة ما بني عليه غيره وكل تلك التعاريف المنتقدة هي داخلةٌ في هذا الحد فلعمومه وشموله نقول: هو أولى أن يختار لذلك اختاره الناظم تبعًا للأصل وإن كان الجويني اختار في غير هذا الكتاب الذي هو الورقات اختار غير هذا الحد لكن أكثر الأصوليين على أن الأصل لغةً ما بني عليه غيره اخترناه لماذا لعمومه وشموله كلُ حدٍ فهو داخلٌ في هذا الحد أيضًا لو نظرنا إلى الحس المشاهد نجد أن الجدار قد بني على أساس وهذا هو الفقه قد بني على أساسٍ وهو الدليل الأحكام الشرعية مبنيةٌ على أدلتها أيضًا قالوا نختار هذا الحد لأنه موافق له في الاصطلاح لأن الأصل في الاصطلاح كما سيأتي الدليل غالبًا والدليل بني عليه غيره وهو الحكم كذلك في اللغة ما بني عليه غيره إذن نقول: الخلاصة أن الأصح أن يختار أدنى حد الأصل لغة ما بني عليه غيره، أما في الاصطلاح فله استعمالات أربعة مشهورة عند الأصوليين:
الأول: وهو المراد هنا أن الأصل هو الدليل غالبًا يعني: إذا أطلق الأصل انصرف إلى الدليل تجد في كتب الفقه يقول: الأصل في وجوب الصلاة الكتاب والسنة والإجماع. ما معنى الأصل في وجوب الصلاة؟ يعني: دليل وجوب الصلاة. الأصل في تحريم الربا الكتاب والسنة والإجماع نقول: الأصل المراد به هنا الدليل. أي دليل تحريم الخمر ونحو ذلك إذن الأصل في الغالب إذا أطلق انصرف إلى الدليل وهو المراد هنا أصول الفقه أي: ماذا؟ أدلته أصول الفقه أي: أدلة الفقه لماذا؟ لأن الأصول ما بني عليه غيره والدليل قد بني عليه غيره وهو الحكم له إطلاق ثان وهو يطلق على الرجحان فيقال: الأصل في الكلام الحقيقة دون المجاز. الأصل في الكلام الحقيقة دون المجاز ما معنى هذا؟ الراجح عند السامع إذا سمع الكلام أن يحمله على الحقيقة دون المجاز إذا قال: رأيت أسدًا. تقول: أسد هذا ماذا؟ خطيب شجاع ولا أسد حيوان مفترس؟ حيوان مفترس إذا قال: رأيت أسدًا. أسدًا هذا يحتمل أنه حيوان مفترس ويحتمل أنه الرجل الشجاع فحينئذٍ له معنيان: معنى مجازي، ومعنى حقيقي. إذا استمعت إلى مثل هذا الكلام الرجحان والراجح عندك أن تحمله على المعنى الحقيق دون المجاز، وهذا على رأي الأصوليين أنه لا يشترط في المجاز وجود قرينة صارفة للمعنى الحقيقي إلى المجاز.
(2/17)

عند البيانين: رأيت أسدًا. لا يحمل إلا على المعنى الحقيق لماذا؟ لأنهم يشترطون وجود قرينة تصرف اللفظ عن ظاهره الذي هو المعنى الحقيق إلى المعنى المجازي فإذا قال: رأيت أسدًا يخطب. يخطب هذه قرينة صرفت أسدًا عن كونه حيوانا مفترسا إلى كونه رجلا خطيبا.
المعنى الثالث القاعدة المستمرة أكل الميتة على خلاف الأصل أكل الميتة للمضطر القيد هذا أكل الميتة للمضطر على خلاف الأصل اش معنى على خلاف الأصل؟ على خلاف القاعدة المستمرة ما هي القاعدة المستمرة؟ تحريم أكل الميتة، فقولهم: على خلاف الأصل. يعني: على خلاف القاعدة المستمرة. وهذا الكلام فيه نظر.
المعنى الرابع: الاصطلاح الرابع أنه يطلق على الصورة أو على المقيس عليه في باب القياس مَقِيس ومقيس عليه أصل وفرع الأصل كالخمر مثلاً، والفرع النبيذ والحكم؟ التحريم، والعلة؟ الإسلام. إذن النبيذ حرامٌ حملاً على الخمر للإسلام أين الأصل؟ هو: الخمر. إذن المقيس عليه يسمى أصلاً وهذا منازع فيه.
المعنى الخامس: الأمر المستصحب الأصل براءة الذمة الأصل في الأشياء الإباحة يعني الأمر المستصحَب هو: الإباحة. إباحة الأشياء حتى يثبت ما ينقل الإباحة عن الإباحة إلى حكم آخر كالتحريم ونحوه إذن يطلق الأصل مرادًا به الأمر المستصحب فالأصل ما عليه غيره بني غيره الضمير يعود إلى؟ الأصل ما عليه غيره بني ما بني عليه غيره ما بني عليه غيره أعطني اللفظ إذا قيل: مرجع الضمير. تحدد لفظ كلمة ما هي الكلمة التي رجع إليها الضمير في الصرف؟ ما ذكرناه ما الموصولية أحسنت ما عليه ما بني عليه غيره إلى ما قلنا: ما هذه اسم منصوب بمعنى الذي تفسر بشيء محسوس أو معقول شيءٌ محسوس كأساس الجدار بني عليه غيره أي: غير الأساس. فالجدار هذا على أساسه هذا غير هذا أصل ما بني عليه غيره، قال: (وَالْفَرْعُ مَا عَلَى سِوَاهُ يَنْبَنِي) (وَالْفَرْعُ) هو يريد أن يعرف الأصل لماذا ذكر الفرع هنا؟ قيل: من باب التعريف والإيضاح لأن الشيء إذا عُرِّفَ وذكر نقيده أو مقابله كان مزيدًا من الإيضاح في الأصل وبضدها تتميز وتتبين الأشياء وبضدها تتميز الأشياء، فإذا ذكر الأصل إتمامًا لدلالة الحد على معنى الأصل أن يذكر مقابله، وقيل: ذكره استطرادًا. والأول أولى أن يكون من باب ماذا؟ تتميم حد أو إيضاح الأصل.
(وَالْفَرْعُ مَا عَلَى سِوَاهُ يَنْبَنِي) يعني: ما ينبني على سواه على غيره وهو الأصل ما يبنى على سواه على غيره يعني: على غير الفرع. فحينئذٍ يكون الأصل أصلاً وما بني عليه هو الفرع كفروع الشجرة فروع الشجر مبنية على ماذا؟ على أصلها فروع الفقه مبنيةً على أدلته التي هي أدلة الفقه (وَالْفَرْعُ مَا عَلَى سِوَاهُ يَنْبَنِي) قالوا: فيه تنويهٌ بهذا العلم حيث تفرعت عليه الأحكام الشرعية يعني: كأن الناظم هنا تبعًا للأصل لما عَرَّفَ الفرع فيه إشادة بهذا العلم وهو أن الفرع المراد به الأحكام الفرعية وهي: علم الحلال والحرام قد تفرعت على هذا العلم وهذا فيه إشادة كما ذكرنا سابقًا أنَّ من ملحةِ هذا الفن أن يُبْنَى عليه علمٌ جليل كعلم الفقه.
ثم قال:
وَالفِقْهُ عِلْمُ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِي ** جَاءَ اجْتِهَادًا دُونَ حُكْمٍ قَطْعِي
(2/18)

هذا يحتاج إلى تفصيل ونقف على هذا، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
(2/19)

عناصر الدرس
* تكملة للمبادئ العشرة.
* تعريف الفقه لغةً واصطلاحاً.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلَّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
بَابُ أُصُولِ الفِقْهِ
قد ذكرنا أن الناظم أراد بهذا الباب أن يبين لنا جملةً من مبادئ فن أصول الفقه لذلك أصول الفقه يبدأ من قوله: (بَابُ الأَمْرِ) الدخول والشروع في عين الفن يبدأ من قوله: (بَابُ الأَمْرِ). وهذا الباب عقده لبيان المبادئ العشرة في الجملة ذكر أن الأصول الفقه له معنيين ذكر أن أصول الفقه له معنيان: معنى إضافي، ومعنى لقبي، ولذلك قال:
بَابُ أُصُولِ الفِقْهِ
أي: بابٌ في بيان حقيقة أصول الفقه بابٌ في بيان الفن المسمى بأصول الفقه يعني: بهذا اللقب المشعر بمدحه ووجه الإشعار أنه قبل التسمية قبل أن يصير علما ولقبًا على الفن المدون هو مركبٌ تركيبًا إضافيًا وإذا كان مركبًا تركيبًا إضافيًا فحينئذٍ لا بد من مراعاة النسبة بين المضاف والمضاف إليه وهذا يشعر بمدحه ما الذي يمدح الفقه أم الأصول المضاف أم المضاف إليه المضاف المضاف هو الذي يمدح بابتنائه على الفقه لأن الفقه هو علم الحلال والحرام وهو من أشرف علوم الشريعة فحينئذٍ إذا كان هذا العلم الجليل الذي هو علم الفقه قد بني وتفرع عن هذه الأصول فدل على عظم وشرف هذه الأصول إذن قبل نقله إلى المعنى العلمي أو العلمي نقول: هو مركبٌ إضافي والتركيب له معنى هذا قبل التسمية أما بعد التسمية فهو حينئذٍ كزيد يعني: لا يدل جزءه على جزء معناه هذا على طريقة المناطقة إذن (بَابُ أُصُولِ الفِقْهِ) نقول: هو أصول الفقه له معنيان: معنى إضافي، ومعنى لقبي علمي، والمعنى الإضافي هذا هو ما يفهم من تقيد المضاف عند إضافته للمضاف إليه ما يفهم من مفردين الذي هو المضاف والمضاف إليه متى عند تقييد الأول بإضافته إلى الثاني وذكرنا أن الناظم كما سيذكره أن الأول الجزء الأول الذي هو المضاف الأصول له معنيان: معنى لغوي واصطلاحي وكذلك الجزء الثاني فإذا عرفنا كلاً من الجزأين نحصل على نتيجة وهي أن أصول الفقه باعتبار معناه الإضافي أدلة الفقه هذا هو المراد أصول الفقه بمعناه الإضافي أدلة الفقه الإجمالية كما سيأتي بيانه، قال رحمه الله:
هَاكَ أُصُولَ الفِقْهِ لَفْظًا لَقَبَا ** لِلْفَنِّ
(3/1)

(هَاكَ) أي: خذ. (أُصُولَ) يعني: لفظ أصول الفقه لأن لفظًا هذا منصوبٌ على التميز محول عن مفعولٌ به. (لَقَبَا) أي: حالة كونه لقبًا للفن المسمى بهذا الاسم. (مِنْ جُزْأَيْنِ قد تركبا) إذا علمنا أنه صار لقبًا وعلمًا على الفن المسمى بهذا الاسم وهو مركب إضافي يرد السؤال هل معرفة العلم المركب الإضافي متوقفةٌ على معرفة جزأين أم لا هذا فيه نزاع وظاهر كلام الناظم التوقف يعني: لا يمكن أن يعرف أصول الفقه وهو علمٌ على الفن المدون لا يمكن أن يعرف وفي الأصل هو مركبٌ إضافي إلا إذا عرفنا مفرديه ولذلك قال: (مِنْ جُزْأَيْنِ) هو قال: (هَاكَ أُصُولَ الفِقْهِ لَفْظًا لَقَبَا) إذًا أراد أن يعرف المعنى اللقبي ثم قال: (مِنْ جُزْأَيْنِ قَدْ تَرَكَّبَا) لماذا عدل عن المعنى اللقبي إلى بيان الجزأين نقول: لكون المعنى اللقبي مركبًا إضافيًا ولا يفهم إلا بفهم مفرديه وجزأيه ولذلك انظر تأمل قال: (هَاكَ أُصُولَ الفِقْهِ لَفْظًا لَقَبَا لِلْفَنِّ) خذ لفظ أصول الفقه حالة كونه علمًا ولقبًا للفن ثم قال: (مِنْ جُزْأَيْنِ قَدْ تَرَكَّبَا) هذا عدولٌ لماذا لأن الناظم جرى على الأصل وهو الورقات أن معرفة المركب الإضافي متوقفةٌ على معرفة جزأيه (قَدْ تَرَكَّبَا) وتألفا من جزأين يعني: من مضاف ومضافٌ إليه هذان الجزءان قد تركبا وقلنا المراد بالتركيب هنا التركيب الإضافي مفردين قد تركبا ما المراد بالمفرد هنا ما المراد بالإفراد هنا؟ المقابل للتركيب المقابل للتركيب لماذا لأنه ذكر أن اللفظ الأول أو الجزء الأول هو لفظ أصول وأصول هذا ليس مفرد من جهة المعنى ليس بمفرد من جهة المعنى لماذا لأنه جمع مدلوله أفراد وهو مقابلٌ للمثنى والمفرد الذي دل على واحد أصل وأصلان وأصول أصول هذا جمع مقابلٌ للمفرد الذي مدلوله واحد ومقابل للمثنى الذي مدلوله اثنان، إذن قوله: (مِنْ جُزْأَيْنِ قَدْ تَرَكَّبَا) المراد بالجزأين المفردان من الإفراد المقابل للتركيب للإفراد المقابل للتثنية والجمع كما سيصرح قال: (وَالْجُزْءَانِ مُفْرَدَانِ) قلنا بقي جزءٌ ثالث وهو الجزء الصوري لماذا لأن عندنا مضافًا ومضافًا إليه وكل مضاف ومضاف إليه لا بد من نسبةٍ تقييدية بينهما وهو معنى ثالث زائدٌ على معرفة المضاف وحده والمضاف إليه وحده ينشأ منهما معنًا ثالث غلام زيدٍ غلام مضاف وزيدٌ مضافٌ إليه غلام لوحده له معنى وزيد لوحده له معنى والتركيب من إضافة الأول للثاني له معنى ثالث وهو كون الغلام منسوبًا لزيد وهنا كون الأصول منسوبةً للفقه لماذا ترك الجزء الثالث هذا لأنه أراد قال: (وَالْجُزْءَانِ) أو قال: من جزأين أراد الأجزاء الحسية التي يدركها السمع أصول الفقه الذي يدركه الحس وهو السمع لفظان أصول والفقه أما الجزء الثالث فلا يدرك بالحس وإنما يدرك بالعقل إذن ومن جزأين وترك الثالث لأن مراده تبيين الأجزاء التي تدرك بالحس أما الذي يدرك بالعقل فهذا لا مجال له هنا أو أنه تركه لعسره على المبتدئ هكذا قيل قال:
الأَوَّلُ الأُصُولُ ثُمَّ الثَّانِي ** الفِقْهُ وَالْجُزْءَانِ مُفْرَدَانِ
فَالأََصْلُ مَا عَلَيْهِ غَيْرُهُ بُنِي
(3/2)

بعد أن بين لك أن أصول الفقه من حيث إنه مركبٌ إضافي يتألف من جزأين من مفردين.
قال: (الأَوَّلُ). أي: لفظ الأصول (الأَوَّلُ الأُصُولُ) أي: لفظ أصول، و (الثَّانِي ** الفِقْهُ) أي: لفظ الفقه (وَالْجُزْءَانِ) المضاف والمضاف إليه (مُفْرَدَانِ) من الإفراد المقابل للتركيب دون الإفراد المقابل للتثنية والجمع والمقابل للتركيب هذا اصطلاحٌ منطقي وهو ما لا يدل بعض لفظه على بعض معناه أو شيء تقول ما لا يدل جزءه على جزء معناه (أُصُولَ) الهمزة هذه لو أفردت هل تدل على ما دل عليه لفظ أصول لا الصاد والواو واللام كذلك إذا أفردت لا تدل على شيءٍ مما دل عليه لفظ أصول بخلاف أصول الفقه أصول الفقه أصول هذا لو أفرد على المركب الإضافي دل على جزء المعنى المستفاد من الكل أصولٌ منسوبةٌ إلى الفقه قوله: (أُصُولَ) لوحدها دلت على جزء المعنى كذلك الفقه دل على جزء المعنى وهذا اصطلاحٌ منطقي أن المفرد هو ما لا يدل جزؤه على جزء معناه أو إن شئت قل ما لا يدل بعض لفظه على بعض معناه والمركب عندهم ما دل جزءه على جزء معناه أو إن شئت قل ما دل بعض لفظه على بعض معناه يعني لا على كل المعنى المستفاد من المضاف والمضاف إليه، قال: (فَالأََصْلُ مَا عَلَيْهِ غَيْرُهُ بُنِي ** وَالْفَرْعُ مَا عَلَى سِوَاهُ يَنْبَنِي) (فَالأََصْلُ) يعني فإذا أدرت معرفة كل من الجزأين نقول لك: الأصل لغةً على قول جمهور الأصوليين (مَا عَلَيْهِ غَيْرُهُ بُنِي) يعني: ما بني عليه غيره (مَا) أي: الشيء الذي بني عليه غيره والشيء يفسر هنا بالشيء المحسوس هذا في الأصل ولما أُورِدَ عليهم أن الفقه أمرٌ معقول وإذا قلنا أصول الفقه أصول الأشياء المحسوسة فكيف يبنى المعقول على المحسوس قالوا: (مَا) الشيء المحسوس أو المعقول حينئذٍ يعم قوله: (مَا) يعم ماذا الشيء المحسوس والشيء المعقول، (فَالأََصْلُ مَا عَلَيْهِ غَيْرُهُ بُنِي) كأصل الجدار أي أساس وأصل الشجرة أي طرفها الثالث في الأمر هذا هو المرجح عند الأصوليين أن معنى الأصل في اللغة ما بني عليه غيره أما في الاصطلاح هناك تعريفات أخرى لكن كلها مردها إلى هذا التعريف لأن الحس يشهد به وكل ما عرف به الأصل لغةً فهو داخلٌ في هذا الحد أيضًا موافقٌ للأصل في الاصطلاح لأنه يطلق بأربعة استعمالات يعني: يستعمل لفظ الأصل في واحدٍ من أربعة أمور: الأول الدليل وهو المراد هنا، الأصل في تحريم الميتة الكتاب والسنة ما معنى الأصل هنا أي: الدليل، الدليل الذي ثبت به تحريم الميتة هو الكتاب والسنة الأصل في المسح على الخفين السنة مثلاً أي: الدليل في إثبات المسح على الخفين هو السنة فالأصل هنا استعمل بمعنى الدليل وهو المراد هنا والمعان الأخرى الثلاث ليست مرادة وهي الرجحان، والقاعدة المستمرة، والمقيس عليه، وزيد عند بعضهم المستصحب لأن المقيس عليه هذا فيه كلام لكن المراد منها هو بمعنى الدليل ولذلك اختير أن الأصل في اللغة ما بني عليه غيره لماذا لأن معناه في الاصطلاح موافقٌ لمعناه في اللغة وهذا هو الأصل الأَصل الترادف بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي وإن كان في الغالب والكثير أنه يخصص المعنى الاصطلاحي بقيدٍ دون المعنى اللغوي ولذلك
(3/3)

العلاقة بين المعاني اللغوية والاصطلاحية العموم والخصوص المعنى اللغوي يكون عامًا والمعنى الاصطلاحي أو الشرعي يكون خاصًا هذا هو الغالب وقد يكون المعنى الشرعي أعم لكنه قليل إذن (فَالأََصْلُ مَا عَلَيْهِ غَيْرُهُ بُنِي) هذا معناه في اللغة عرف الناظم هنا تبعًا للأصل عرف الأصل لغةً وترك تعريفه اصطلاحًا لماذا؟ نعم عرف الأصل لغة وترك تعريفه اصطلاحًا لماذا نقول: لأن معناه اصطلاحًا لا يخالف معناه اللغوي فهو بمعناه ولذلك نرجح هذا التعريف ما بني عليه غيره قيل: المحتاج إليه وقيل منشأ الشيء وقيل ما يتفرع عنه غيره وقيل ما يستند تحقق الوجود إليه نقول هذه كلها هي اعتراضات ونرجح الأول لأن هذه الحدود إن سلمت من الاعتراضات هي داخلة في الأول الذي هو ما بني عليه غيره أيضًا يرجح المعنى الأول ما بني عليه غيره كونه موافقًا للأصل في الاصطلاح لأن الأصل في الاصطلاح هو الدليل والدليل يبنى عليه الحكم الدليل يبنى عليه الحكم والأصل في اللغة ما بني عليه غيره هل بينهما خلاف ليس بينهما خلاف إذن المعنى اللغوي للأصل مع المعنى الاصطلاحي متحدان ولذلك عرف اللغوي وترك الاصطلاحي لماذا لأن الأصل في حمل الألفاظ على معانيها اللغوية دون الاصطلاحية فلما اتحد المعنيان الاصطلاحي واللغوي كان التعلق باللغوي مقدمًا على التعلق بالمعنى الاصطلاحي قال: (وَالْفَرْعُ مَا عَلَى سِوَاهُ يَنْبَنِي). (وَالْفَرْعُ) هذا استطراد قيل استطرد الناظم فالأصل فعرف الفرع وقيل لا ليس استطرادًا لماذا لأنه عرف الأصل وأراد أن يزيد معنى الأصل اتضاحًا لتكون صورته عند الطالب أكثر وضوحًا فعرف الفرع الذي هو مقابلٌ للأصل من باب وبضدها تتميز الأشياء أو تتبين الأشياء إذن ليس ذكرٌ فرعي هنا اصطلاحًا كفروع الشجرة وحسيات وفروع الفقه في المعنويات هذا تعريفٌ للجزء الأول وهو أصول.
فَالأََصْلُ مَا عَلَيْهِ غَيْرُهُ بُنِي ** وَالْفَرْعُ مَا عَلَى سِوَاهُ يَنْبَنِي
ثم قال:
وَالفِقْهُ عِلْمُ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِي ** جَاءَ اجْتِهَادًا دُونَ حُكْمٍ قَطْعِي
(3/4)

(وَالفِقْهُ عِلْمُ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِي) عرف الفقه هنا بالمعنى الاصطلاحي وترك تعريفه بالمعنى اللغوي عَكَسَ الأول وهذا ليس سهوًا وإنما لما ذكرناه من الفائدة الأصل لما اتحد معناه مع الاصطلاحي نقف مع المعنى اللغوي الفقه لما اختلف معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي والمقصود هنا البيان للمعنى الاصطلاحي عرفه اصطلاحًا وترك تعريفه لغةً إذن لو قيل لك لم عرف الناظم الأصل لغةً دون الاصطلاح وعرف الفقه اصطلاحًا دون اللغة نقول: لأنه لما اتحدا معناه الاصطلاحي مع معناه اللغوي في الأصل اكتفى بمعناه اللغوي ولما اختص معناه الاصطلاحي في الفقه اختص دون المعنى اللغوي والمعنى اللغوي أعم عرفه اصطلاحًا وترك تعريفه لغةً يقال المعنى اللغوي هذا نسبة إلى اللغة وهي الألفاظ الموضوعة للمعاني ومرادهم هنا الألفاظ المفردة وضع كلمة بإزاء المعنى الخاص وهو الذي يسمى عند النحاة وأهل اللغة الوضع الشخصي الوضع وضعان وضعٌ شخصي ووضعٌ نوعي وضعٌ شخصي ووضعٌ نوعي الوضع الشخصي هذا متعلقه المفردات كلمة زيد، بيت مسجد، قلم، أرض، سماء، ريح الخ هذه مفردات هذه كل لفظٍ له معنى وهذا المعنى يستفاد من اللغة إذن المعنى اللغوي هو المعنى المستفاد من اللغة من حيث وضعه الشخصي ما حد الوضع الشخصي قالوا: جعل اللفظ دليلاً على المعنى جعل اللفظ دليلاً على المعنى بحيث إذا أطلق اللفظ انصرف إلى معناه الذي وضع له في اللغة فإذا قيل بيت أنت تفهم معنى خاص، إذا قيل: أرض أنت تفهم معنى خاص كذلك إذا قيل سماء، جبال، أو جبل، أو ريح، أو شمس، أو قمر، هذه الألفاظ المفردة لها معانٍ خاصة من الذي وضع لفظ قمر بإزاء المعنى الخاص ومن الذي وضع لفظ أرض بإزاء معنى خاص نقول هذا الواضع واختلف فيه وعند الجهور أنه الله عز وجل {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا} [البقرة: 31]،
توقيفٌ للغات عند الأكثر ... ومنهم النفورة والأشعر
(3/5)

واللغة الرب لها قد وضعها هذا يسمى وضعًا شخصيًا وضع اللفظ بإيذاء المعنى بحيث إذا أطلق اللفظ انصرف إلى المعنى الخاص الوضع النوعي هذا يتعلق بالقواعد الكلية في اللغة كما إذا حكم النحاة بأن الفاعل مرفوع هذه الجملة الفاعل مرفوع هل نطق بها العرب أم أنه باستقراء كلام العرب وجدنا أن كل فاعلٍ مرفوع فقعَّدنا هذه القاعدة نقول: الذي رفع الفاعل من هو الواضع الأصلي الواضع هو الذي حكم أن كل فاعلٍ مرفوع لكن هل العرب نطقت بها قالت الفاعل مرفوع والتمييز يكون منصوبًا ومجرور لم تنطق بهذا وحرف الجر يجر إلى آخره نقول: هذه القواعد التي استنبطها النحاة أو استنبطها الصرفيون أو البيانيون في علوم اللغة وأنواعها نقول هذه وضعها وضعٌ نوعي لا وضعًا شخصيًا الوضع الشخصي باتفاق أنها توقيفية والوضع النوعي وخاصةً في الكلام والحقيقة والمجاز هذا فيه نزاع إذن المعنى اللغوي إذا قيل للأصول أو الفقه نقول: هذا المعنى اللغوي المنسوب إلى اللغة هذا المستفاد من اللغة يعني مأخوذٌ من لغة العرب دون نظرٍ إلى عرف أو شرع أو عهد لماذا لأن تم ما يسمى بالحقائق الشرعية أو الحقائق الاصطلاحية الحقائق الشرعية والحقائق الاصطلاحية أو العرفية عامة أو خاصة إذا قيل هل هي مباينةٌ للمعنى اللغوي يعني بينهما التباين والتخالف المطلق أم أنها مبنيةٌ عليها هذا فيه نزاع أكثرُ أهل العلم من الأصوليين وأهل اللغة أن الحقيقة الشرعية خاصة عند الأصوليين والحقيقة العرفية مبنيةٌ على اللغوية والعلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي أن المعنى اللغوي عامٌ والشرعي خاص ولذلك قيل هنا مثلاً الفقه في اللغة هو الفهم مطلقًا الفهم مطلقًا إدراك معنى الكلام كل كلامٍ إذا أدركه المدرك يسمى فقهًا في اللغة إذا أدركت وجودك هنا هذا يسمى فقهًا في اللغة لكن في الشرع أخص أو أعم أخص لأنه مقيد علم كلِ حكمٍ شرعي إذن مقيد بالأحكام الشرعية، (جَاءَ اجْتِهَادًا دُونَ حُكْمٍ قَطْعِي) على ما ذكره الناظم إذن المعنى اللغوي يكون أعم والمعنى الاصطلاحي أو الشرعي أو العرفي يكون أخص وقد يكون المعنى الشرعي أو العرفي أعم والمعنى اللغوي أخص وهذا قليل كما في الإيمان الإيمَان في اللغة التصديق لكنه في الشرع ليس خاصًا في التصديق بل هو أعم لشموله لأعمال الجوارح التصديق هذا عمل القلب فقط {((((((أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ (((((} [يوسف: 17] أي: بمصدقٍ لنا أما في الشرع فليس الأمر كذلك إنما هو اعتقادٌ بالجنان وقولٌ باللسان وعلمٌ بالجوارح والأركان هذا مسماه في الشرع وكل هذه الثلاثة أركان في مسمى الإيمان وهناك في اللغة هو التصديق أيهما أعم نقول: المعنى الشرعي أعم من المعنى اللغوي هذا هو المشهور عند جمهور الأصوليين أن الحقيقة الشرعية والاصطلاحية والعرفية مبنيةٌ على المعنى اللغوي وليست مباينةً لها كما هو مذهب المعتزلة مذهب المعتزلة أن الحقيقة الشرعية وُضعت وضعًا ابتدائيًا منفصلاً كل الانفصال عن المعنى اللغوي ولذلك تجد الفقهاء إذا أرادوا أن يعرفوا الصلاة والصوم والزكاة الكتاب الصلاة وهي في اللغة الدعاء وفي الاصطلاح أو الشرع كيت وكيت، الصيام لغة الإمساك وفي الشرع كيت وكيت يعرفون المعنى اللغوي ثم
(3/6)

الشرعي لما؟ هذا بناءً منه على أن الحقيقة الشرعية مبنية وليست مباينةً للمعنى اللغوي ينبني على هذا أنه لا يمكن أن تفهم الحقائق الشرعية إلا إذا فهمت الحقائق اللغوية وهذا سر ربط الشريعة باللغة العربية أن الحقائق الشرعية فرعٌ لأنه إما أن يخص وإما أن يعم إما أن يخص يقيد بقيد يجعله أخص من مطلق المعنى اللغوي وإما أن يعم ولا يمكن أن يفهم هذا المقيد أو المخصص إلا إذا فهم الأصل أما على مذهب المعتزلة أن الحقائق الشرعية مبنية ليست مبنية على حقائق اللغوية صار لا علاقة بين اللغة والشرع فحينئذٍ لا نلتفت إلى اللغة لأنها صارت منفكةً عن الشرع ولا يكمن حينئذٍ أن نقول: اللغة شرطٌ في فهم الكتاب والسنة لماذا لأن وضع الكتاب والسنة وضعًا ابتدائيًا ليس مبنيًا على المعنى اللغوي هذا تتنبهوا له في معرفة الحقائق الشرعية.
قال:
وَالفِقْهُ عِلْمُ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِي ** جَاءَ اجْتِهَادًا دُونَ حُكْمٍ قَطْعِي
(3/7)

(الفِقْهُ) ويقال الفقه له معنيان معنى لغوي ومعنى اصطلاحي معنى لغوي يعني منسوبٌ إلى اللغة مستفادٌ من اللغة ومعنى شرعي يعني: مأخوذٌ من الشرع وإن كان ينبغي الفريق بين المعنى الشرعي والمعنى الاصطلاحي المعنى الشرعي يكون مستفادًا من الشرع يعني إما أن يكون نص عليه الشارع وإما أن يكون أخذ بفحوى والاستنباط يكون مرد المعنى هو الشرع أما الاصطلاحي فلا لا يشترط أن يكون مأخوذًا من الشرع لماذا لأنهم عرفوا الاصطلاحي بأنه اتفاق طائفةٍ مخصوصة على أمرٍ معهودٍ بينهم متى أطلق انصرف إليه هذا مأخوذٌ من الاصطلاح لأن الاصطلاح هو الاتفاق أصل اصتلح الطاء هذه منقلبة عن تاء باب افتعل الاصطلاح لغةً الاتفاق اصطلح زيدٌ وعمرو إذا اتفقا وأما اصطلاح في الاصطلاح فهو ما ذكر اتفاق طائفةٍ مخصوصة سواءٌ كانوا نحاة أو أطباء أو فقهاء أو مهندسين إلى آخره اتفقوا فيما بينهم على أمرٍ معهود إما أن يكون حكمًا وإما أن يكون لفظًا وإما أن يكون إشارةً وإما أن يكون ما يمكن أن يجعل منارًا وعلامةً على شيءٍ معين على أمرٍ معهودٍ بينهم متى أطلق هذا الشيء الذي جعل منارةً وعلمًا على غيره انصرف إليه لذلك قيل الفاعل مثلاً عند النحاة له معنى خاص والفاعل عند أهل اللغة له معنى خاص نقول الفاعل لغة كل من أوجد الحدث يسمى فاعل قام زيدٌ، زيدٌ هذا فاعل لغة لماذا لأنه أوجد القيام زيدٌ قائمٌ زيدٌ هذا في اللغة فاعل لماذا لأنه أوجد القيام قام زيدٌ، زيد فاعلٌ لغة زيدٌ قائم زيدٌ في هذا التركيب فاعلٌ لغةً لكنه عند النحاة لا يسمى فاعلاً لماذا لأن الفاعل عندهم أخص من مطلق الفاعل عند اللغويين اسمٌ صريح أو مؤولٌ بالصريح أسند إليه فعلٌ إلى آخره لا بد أن يكون لا بد أن يكون تقدم عليه فعلٌ مبنيٌ للمعلوم ومع بقية الشروط قام زيدٌ هذا فاعل زيدٌ قائمٌ هذا ليس بفاعل نقول هذا هو هو حقيقةٌ شرعية أم اصطلاحية اصطلاحية لأن مستنده ليس الشرع ليس مستنبطًا من الشرع وإنما هو اصطلاحٌ اتفق عليه النحاة متى ما أطق هذا اللفظ إذا قيل هذا فاعلٌ انصرف إلى المعنى الخاص إلى المعنى الخاص إذن الفقه له معنيان معنى لغوي ومعنى اصطلاحي أما معناه اللغوي فهو الفهم مطلقا وهذا هو المرجح عند كثيرين من الأصوليين أن الفقه في اللغة هو الفهم مطلقًا بمعنى أن واضع لغة العرب جعل لفظ الفقه بإيذاء معنى الفهم متى ما أطلق لفظ الفقه انصرف إلى المعنى المضارع لأنه هو الفهم مطلقًا والمراد بالإطلاق هنا الشامل للأمور الظاهرة والخفية الدقيقة يعني: ليس الفقه الذي هو الفهم خاصًا بما دق وغَمُض وخفي كما قيده بعض الأصوليين كأبي إسحاق الشيرازي أن الفقه عامٌ ومطلق يشمل فهم الأمور الظاهرة ويشمل فهم الأمور الخفية والدقيقة ما الدليل على هذا على أن الفقه في اللغة يشمل الفهم الدقيق والفهم الظاهر قالوا: باستقرار نصوص الشرح وردت كلمة الفقه بإشتقاتها في القرآن في عشرين موضعًا وكلها تدل على معنى الفهم ومنها قوله تعالى على لسان موسى: {((((وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي ((((} [طه: 27، 28].
(3/8)

أي: يفهموا قولي وإذا أردنا على طريقة الأصوليين نقول: {(((((((((((} نكرة مضاف إلى معرفة فاستفاد العموم مثل {(((((تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18] قلنا {((((((((((((} هذه نكرة الجنس أضيف إلى عرف المعالي فاكتسب العموم إذن وإن تعدوا نعم الله، {(((((((((((قَوْلِي ((((} قولي هذا نكرة أضيف إلى معرفة وهو الضمير فاكتسب العموم إذن {(((((((((((قَوْلِي ((((} وقول موسى منه ما هو ظاهر ومنه ما هو خفي ويحتاج إلى تأمل ونظر كذلك قول تعالى: {((((((هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ((((} [النساء: 78] يعني: لا يكادون يفهمون حديثا، كذلك قولهم قوم شعيب {((((((((يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا (((((((} [هود: 91]. {(((((((((((} يعني: ما نفهم، وعلى طريقة الأصوليين {(((نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا (((((((} تقوله، {((((((} ما هذه ما نوعها موصولية وهي من صيغ العموم وجار مجرور متعلق بقوله: {((((((((} ما نفهم كثيرًا مما تقول يعني: من الذي تقوله والذي يقوله شعيب: {(((((يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود: 84]. هل هذا يحتاج إلى تفقيه لا يحتاج إلى تفقيه إذن استعمال نصوص الشرع في أكثر نصوص الشرع البعض أطلق في جميع نصوص الشرع أن الفقه المستعمل بمعنى الفهم مطلقًا لما دق وغمر وخفي ولما كان ظاهرًا وجاء في السنة «فرب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه». يعني: أكثر فهمًا هذا هو المشهور عند الأصوليين وقيل الفقه في اللغة بمعنى العلم، وقيل: بمعنى العلم والفهم معا، وهذان قولان داخلان في معنى القول الأول لأن العلم المراد به الفهم، والقول الثاني العلم والفهم معاً قالوا فلانٌ يفقه الخير والشر يعني يفهمه ويعلمه وفقهت معنى كلامك أي فقهته وعلمته هذا يرجع إلى الأول لماذا لأنهم فسروا الفهم بمعرفة الشيء بالقلب قالوا: ما معنى الفهم؟ معرفة الشيء بالقلب ومعرفة الشيء بالقلب هي: عين العلم به، إذن مرادهم كما ذكر الزركشي مرادهم أن معنى الفهم والعلم هو الفهم معناهما واحد وما هو الفهم معرفة الشيء بالقلب وهو العلم هذان قولان داخلان في القول الأول.
القول الرابع: وهو قول أبي إسحاق الشيرازي ذكره في شرح اللمع قال: الفقه لغةً فهم الأشياء الدقيقة أما الأمور الظاهرة فلا يتعلق بها مادة فقِه لا يتعلق بها مادة فقه ولذلك قال: يصح أن تقول فقهت معنى كلامك ولا يصح أن تقول: فقهت أن السماء فوقي والأرض تحتي والماء باردٌ أو رطبٌ. قال: والتراب يابس. يعني: الأمور الظاهرة البينة لا يصح أن تقول: فقهت كذا وكذا فقهت أن السماء فوقي السماء. هذه هل إدراك فوقية السماء عليك هذه هل تحتاج إلى تأمل ودليل وبحث ونظر واجتهاد ما تحتاج لماذا لأن العلم بها ضروري فلا يَحتاج أن تقول فقهت أن السماء ولكن هذا المذهب ضعيف بدليلين:
أولاً: أنه مخالفٌ لما نقل عن أئمة اللغة وهو أن الفقه هو الفهم مطلقًا.
(3/9)

ثانيًا: يلزم عليه على هذا القول يلزم عليه ويؤدي ويقتضي إلى أن من فهم ما عُلِم من الدين بالضرورة لا يسمى فقها الصلاة واجبة وجوب الصلاة والصيام والزكاة وتحريم الربا والزنا والغصب والسرقة هذه كلها من المعلوم بالضرورة هل تحتاج إلى دقة وتأمل وبحث ونظر الجواب لا على هذا القول لا تسمى فقها وليس الأمر كذلك بل هي فقه كل حكمٍ استنبط من الأحكام من الأدلة التفصيلية فهو فقهٌ وصاحبه يسمى فقيهًا.
القول الثالث والأخير: أن الفقه في اللغة فهم غرض المتكلم من كلامه يعني: ما يكفي أن تفهم المعنى الظاهري لا لا بد أن تعرف مقصوده من هذا الكلام وهذا أيضًا ضعيف لوجهين:
أولاً: أنه مخالفٌ لما نقل عن أئمة اللغة.
وثانيًا: أنه تخصيص للعام بلا مخصص وتقييدٌ له بلا دليلٍ لأنه ثبت أن الفقه هو الفهم مطلقًا فتخصيصه بفهم غرض المتكلم من كلامه هذا تخصيصٌ بلا مخصِّص وتقييدٌ له بلا دليلٍ.
وعليه نقول: الأصح في معنى الفقه لغةً هو الفهم مطلقًا هذا هو الصحيح ودلالة النصوص الشرعية من الكتاب والسنة تدل عليه ولذلك ذكروا من فوائد هذا أنه يقال: فَقِهَ وَفَقَهَ وَفَقُهَ يعني: مثلث القاف مثلث العين فَقِهَ على وزم فهم، وَفَقَهَ كفتح، وَفَقُهَ كشرُف وكرُم، هل معانيها واحدة متفقة؟ قالوا: فَقِهَ كفهم وزنًا ومعنًا فَقِهَ كفهم وزنًا ومعنًا يعني: من حصل له الفهم قيل فَقِهَ زيدٌ المسألة يعني: فهمها، وَفَقُهَ زيدٌ بضم العين عين الفعل فَقُهَ التي هي القاف فَقُهَ زيدٌ بمعنى صار الفِقْهُ له سجية وملكةً وخلقًا وطبيعة لأن باب فعل في اللغة للصفات والطبائع اللازمة من جهة المعنى ومن جهة العمل هذا فَقِهَ، وَفَقُهَ ثابتٌ في المعاجم زاد ابن حجر ولذلك كثير من أهل الأصول لا يذكرون هذا يذكرون فَقِهَ وَفَقُهَ زاد ابن حجر في ((الفتح)) فَقَهَ بفتح العين فَقَهَ بفتح العين هذا لم يذكره أرباب المعاجم قال الشيخ بكر ابن زيد معلقًا على هذا في ((مدخل المفصل)) ولعله مما فات أرباب المعاجم، فَقَهَ من كفتح ومعناه سبق غيره في الفقه نقول فَقَهَ زيدٌ يعني: سبق الطلاب في الفقه إذن هذه ثلاثة معانٍ تختلف باختلاف الأوزان فَقِهَ وَفَقُهَ ثابتٌ في المعاجم في الصحاح ومعجم مقاييس اللغة وأيضًا كتاب الفيروز آبادي ما اسمه ((القاموس)) وأما فَقَهَ ليس موجودًا ذكره في ((الفتح)) (وَالفِقْهُ) عرفنا معناه لغةً أما معناه الاصطلاحي أو الشرعي نقول له حدودٌ كثيرة عند الأصوليين ولكلٍ من الأصوليين مشربٌ خاصٌ يختص به عقيدةً ومنهجًا فحينئذٍ تختلف الحدود على اختلاف المناهج والعقيدة التعريف المشهور عندهم وهو ما ذكره صاحب ((جمع الجوامع)) العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبُ من أدلتها التفصيلية هذا هو التعريف المشهور عند المتأخرين وهو الذي نظمه السيوطي في ((كوكب الساطع))
والفقه علم كل حكمٍ شرعي
والفقه علم حكمِ شرعٍ عملي**مكتسبٌ من طرقٍ لم تجمل
(3/10)

العلم بالأحكام الشرعية العملية مكتسبُ بالرفع نأتي للعلة من أدلتها التفصيلية هذا هو المشهور عندهم وهو بعد صاحب الورقات لأنه قال: الفقه معرفة على الأصل والناظم عَدَلَ من المعرفة إلى العلم لما سيأتيك معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد هذا تعريف الجويني معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد نعرف الأول الذي هو تعريف صاحب ((جمع الجوامع)) ثم ندخل فيما ذكره الناظم العلم هذا قيد جنس بالأحكام هذا ثاني الشرعية هذا ثالثًا العملية رابعًا المكتسب هذا خامسًا من أدلتها التوصيلية هذه سبع مسائل سنذكرها واحدةً تلو الأخرى العلم الْعلم هذا مصدر عَلِمَ يَعْلَمُ عِلْمًا عَلِمَ يَعْلَمُ عِلْمًا بعضهم يعرف الفقه تارةً بالمعرفة وبعضهم يعدل عن المعرفة إلى العلم وبعضهم يعرف الفقه بالظن هذه ثلاثة عبارات لهم ظن الأحكام الشرعية بعضهم يقول أو الظن بالأحكام الشرعية ظنٌ بالأحكام الشرعية وبعضهم يقول: معرفة الأحكام الشرعية وبعضهم يقول: العلم بالأحكام الشرعية. سبب الخلاف هو في مفهوم معنى العلم ما الذي يراد بالعلم؟ المشهور عند المناطقة وهذه الحدود الجارية على ما جرى عليه المناطقة لأنهم يعتبرون الحدود، والأجناس، والأنواع، والفصول.
العلم عند المناطقة هو: الإدراك مطلقًا. وهذا أولى ما يفسر به العلم في هذا الموضع في حد الفقه أن نقول: العلم هو: الإدراك مطلقًا. مطلق الإدراك وهذا ما عرفه به صاحب الشمسية:
العلم إدراك المعاني مطلقًا
هذا شطر بيت:
وحصره في طرفين حققا
(3/11)

العلم إدراك المعاني مطلقًا مُطلقًا هنا ليشمل علم التصور والعلم التصديقي لأن عندهم العلم من حيث الجملة من حيث المتعلَّق به علمان: علم تصور، وعلم تصديق. وكل منهما ضروري ونظري فالنتيجة أربعة من ضرب اثنين في اثنين نقول: الإدراك في الأصل عندهم وصول النفس إلى المعنى بتمامه. إذا أدركت النفس العاقلة المفكرة التي تتلقى المعلومات وتفهم المدرَكات إذا أدركت ووصلت إلى المعنى بتمامه فهمت المراد من لفظ بيت على أي شيء ينزل؟ على أي شيء يحل؟ نقول: على المعنى المراد والمدلول الخاص به. مسجد، سماء، أرض، أنت تدرك في نفسك إذا سمعت لفظ سماء ما المراد بسماء دون شك في المدلول هل تشك أن لفظ السماء يطلق على الجرم لا ولا يحصل تردد في النفس إذن حصل في نفسك وصول للمعنى بتمامه دون شك هذا يسمى إدراكًا أدرك الصبي إذا بلغ أدر الصبي إذا بلغ فإن لم يحصل بتمامه هذا يسمى عندهم شعورًا هنا قيل: حد العلم إدراك المعاني. إذن الوصول إلى المعنى بتمامه المعنى ما يعلم من الشيء والمراد به في هذا التركيب الألفاظ الشامل للمعنى الإفرادي المدلول عليه بالمفرد والمعنى التركيبي واضح هذا المعنى قد يكون مفردًا زيد أنت استفدت معنى هذا يسمى معنى إفرادي لماذا؟ لأنه مستفاد من المفرد هذا يسمى معنى إفراديا وهناك معنًى تركيبيًّا وهو المستفاد من الجمل الاسمية والفعلية من باب التسهيل المستفاد من الجملة الاسمية زيد قائم ماذا أفاد؟ ثبوت قيام زيد ثبوت قيام زيد هل أخذ من لفظ واحد أو من لفظين؟ من لفظين ومن الإسناد أيضًا الجزء الصوري قام زيدٌ هذه جملة فعلية أخذ منها ثبوت القيام لزيد في الزمن الماضي من أين أخذناه؟ من الجملة هل أخذناه من المفرد؟ الجواب: لا، إذن المعنى الإفرادي هو المعنى المأخوذ من لفظ مفرد كزيد وبيت إلى آخره والمعنى التركيبي هو المعنى المستفاد من الجملة الاسمية والجملية الفعلية، إدراك المعاني مطلقًا ليشمل حد التصور لأنه علم ويشمل حد التصديق لأنه علم ما المراد بالتصور وما المراد بالتصديق ما هو التصور؟ إدراك مفرد عرفنا معنى إدراك وصول المعنى وصول النفس للمعنى بتمامه إن كان متعلق هذا المعنى هو المفرد سمي تصورًا سواء كان ذاتًا أو معنى وإن كان متعلَّقه المركب فهو تصديق إذًا التصور هو إدراك مفرد يعني: فهم المعنى المراد منه دون تعرض له لإثبات شيء ولا للنفي عنه تفهم كلمة زيد لوحدها يسمى تصورًا هل حكمت عليه بشيء؟ الجواب: لا، هذا يسمى تصور إدراك الشيء بلا حكم عليه لا تحكم عليه لا بإثبات ولا بنفي زيد تتصور معنى زيد بيت مسجد ما شراب أكل إلى آخره تتصور مدلول اللفظ ولا تحكم عليه بشيء لا بإثبات ولا بنفي هذا يسمى تصورًا.
إدراك مفردٍ تصورًا عُلِمْ
(3/12)

التصديق من باب الاختصار نقول: هو إدراك المركبات. يعني: أن يتعلق هذا الإدراك بالجملة الاسمية أو بالجملة الفعلية إذن عندنا تصور معه حكم إدراك الشيء مع الحكم عليه بالإثبات أو بالنفي واضح هذا إذن عندنا تصور وعندنا تصديق التصور إدراك المفرد أو إدراك الشيء بلا حكم عليه، والتصديق إدراك ما ليس مفردًا أو إدراك الجملة الاسمية أو الجملة الفعلية ولا بد أن يكون ثم حكم إما بالإثبات وإما بالنفي يقال: تصور وتصديق. تصور لماذا؟ قالوا: لأن الحقائق حقائق الماهيات تنطبع في الذهن. يعني تشبيه لها بالمرآة الحقيقة عندما يقف الإنسان أمام المرآة الحسية تنطبع صورته في المرآة قالوا: العاقل والقوة العاقلة تنطبع فيها المعاني كما تنطبع في هذه الصورة أو المرآة الحسية. والتصديق قالوا: سمي تصديقًا لماذا؟ لأنه خبر والخبر بالنظر إلى مجرد ذاته يعني دون النظر إلى قائله ما احتمل التصديق والتكذيب سمي تصديقًا لأشرف الاحتمالين بأشرف الاحتمالين إذن قوله: العلم. المراد به هنا في هذا الحد ما هو؟ إدراك المعاني مطلقًا مطلق الإدراك الشامل للتصور والتصديق وكل منهما إما ظني وإما قطعي إما ظني وهو المراد به: النظري المستحصل عن نظر وتأمل. وإما قطعي وهو المعبر عنه بالضروري والبديهي إذن مطلق إدراك حكمٍ الشامل للأحكام القطعية والأحكام الظنية لأن الفقه يريد أن يعرف الفقه هل الفقه كله ظنون؟ الجواب: لا، هل الفقه كله قطعي؟ الجواب: لا، وإنما منه ما هو قطعي ومنه ما هو ظني فحينئذٍ يفسر العلم هنا بمطلق إدراك الشامل للحكام القطعية والظنية.
العلم نقول هنا: جنس قد يكون مُتعلَّقه الذوات كزيد وقد يكون متعلقه الصفات كسواد زيد وقد يكون متعلقه الأفعال كقيام زيد وقعوده وقد يكون متعلقه الأحكام إذن هو جنس يشمل الصفات والذوات والأفعال والأحكام أردنا أن نخرج ثلاثة وهو: متعلق العلم إن كان ذاتًا، أو صفةً، أو فعلاً فقال: العلم بالأحكام. ذكرنا أن إذن قوله: بالأحكام. هذا قيد مخرج للعلم بالذوات، أو العلم بالصفات، أو العلم بالأفعال. بالذات كزيد، وبالصفات كسواد زيد أو بياض زيد، وبالأفعال كقيام أو نوم زيد أو نوم زيد. قلنا: العلم هنا بعضهم يذكر لفظ المعرفة ويترك لفظ العلم ولكن تفسيرنا للعلم بما ذكرنا أنه يشمل الأحكام القطعية والأحكام الظنية هذا أولى لماذا لأن مرادهم الرد على أبي بكر الباقلاني، أبو بكر الباقلاني أورد عن هذا التعريف بأنه العلم إيراد فتح الباب لكثرة الردود لمن بعده فقال: العلم - عنده - هو الإدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل قطعي الإدراك الجازم المطابق الإدراك الجازم هذا خاص بالقطعي ولا يشمل الظني خاص بالقطعي ولا يشمل الظني وهذا الحد عند كثير من الأصوليين يذكرونه في هذا الموضع.
الفخر حكم الذهن أي ذو الجزم ** لموجب طابق حد العلم
الفخر حكم الذهن أي ذو الجزم أي: الجازم. حكم الذهن أي ذو الجزم
الفخر حكم الذهن أي ذو الجزم ** لموجب طابق حد العلم
(3/13)

حد العلم هو: إدراك الجازم المطابق للواقع. وعليه خرج الفقه كله لماذا؟ لأنه الفقه عنده كله من باب الظنون وليس فيه حكم قطعيٌّ واحد إذن أخذ العلم في حد الفقه على مذهب أبي بكر الباقلاني يصح أو لا يصح؟ لا يصح فقال إذن هذا الحد فاسد من أصله هذا الحد فاسد من أصله. الفقه كله من باب الظنون عنده لماذا نريد أن نفهم هذه يقول: أدلة الفقه التي يبنى عليها الفقه هذه إما أن يكون متفقًا عليها وإما أن يكون مختلفًا فيها الأدلة بعضها متفق عليها كالكتاب والسنة والإجماع والقياس هذا متفق عليه من حيث الجملة بين الأئمة الأربعة ومنها ما هو مختلف فيه كشرع من قبلنا، والاستصحاب، والعرف، وقول الصحابي، ومصالح المرسلة، وسد الذرائع الخ.
هذه مختلف فيها المتفق عليه ما هو الكتاب والسنة والإجماع والقياس وهذه كلها سمعية أم عقلية؟ سمعية أم عقلية عندهم سمعية أم عقلية؟ ما المراد بسمعية؟ أنها تؤخذ بالسمع يعني: مردها مستفادة من السمع. عندهم قاعدة وبنوا عليها عقيدتهم الفاسدة وهي: أن الأدلة اللفظية السمعية لا تفيد القطع وإنما تفيد الظن. طبقوا هذه على الأدلة الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. أَذكر دليله باختصار قال: أما القياس فلا يفيد إلا الظن. كل القياس عندهم حتى لو كان بفارق على نفي الفارق لا يفيد إلا الظن إذن الحكم الذي الحكم العملي الفرعي الذي استند إلى القياس نقول: هو حكم ظني. كل القياس دليل ظني الإجماع قال: منه ما هو سكوتي ومنه ما هو صريح، السكوتي لا يفيد إلا الظن فكل حكم شرعي عملي ثبت بدليلٍ إجماعيٍّ سكوتي فهو ظني سواء نُقِلَ بطريق التواتر أم الآحاد لا يفيد إلا الظن الإجماع الصريح يعني: قطعي من جهة الدلالة. قال: هذا فيه تفصيل إن نُقِلَ بطريق الآحاد فلا يفيد إلا الظن لماذا؟ لأن ما كان طريقه الآحاد فهو ظني ولو كانت الدلالة قطعية عندهم.
النوع الثاني: الإجماع الصريح المنقول بالتواتر قال: هذا يعني قطعي الثبوت قطعي الدلالة. الأصل أنه يفيد حكمًا شرعيًّا عمليًّا قطعيًّا قال: هذا قليل جدًا ولا يكاد يذكر.
السنة قسمان: متواتر، وآحاد. وأكثر السنة عندهم آحاد والآحاد لا تفيد إلا الظن إذن ما ترتب على الظن فهو ظن سواء كان دلالة قطعية أو ظنية.
(3/14)

المتواتر قالوا: فيه تفصيل إن كانت الدلالة قطعية فهو قطعي. إن كان المتواتر المتواتر من حيث الثبوت فهو قطعي ننظر في المتن إن كانت الدلالة قطعية فهو قطعي وهذا له تعبير خاص عندهم إن كانت ظنية فهو ظني لأن المؤلف من قطعي وظني فهو ظَنِّيّ بقي ماذا؟ الكتاب القرآن قال: من جهة السند هو قطعي وبقي من جهة الدلالة إما أن يكون قطعيًّا أو ظنيًّا إن كان قطعيًّا فالحكم المستفاد قطعي وإن كان ظنيًّا فالحكم المستفاد ظني إذًا الأدلة الأربعة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. الذي يفيد الحكم القطعي منها شيئان وهما: الكتاب إذا كانت الدلالة قطعية، والسنة إذا كانت متواترة والدلالة قطعية. وأما الإجماع الصريح المنقول بالتواتر هذا يقول قول بعيد في إثباته هذان النوعان قال: هما المعلوم بالدين من الضرورة وهذا لا يسمى فقهًا وما عداه فهو ثابت بظن فالفقه كله ظنون. وهذا فاسد ليس بصحيح وردُّه في مطولات تجدونه ذكره غير واحد لكن يمكن أن نجعل العلم هنا ليس على ما ذكره أبو بكر الباقلاني لأنه قال: العلم هو الإدراك الجازم. فإذا قلنا هنا مطلق الإدراك الشامل للجازم وغير الجازم صار الفقه منه ما هو قطعي، ومنه ما هو ظني ولذلك بعضهم يعبر بالعلم ويفسره بالظن لماذا؟ ليشمل الأحكام القطعية والأحكام الظنية إن كان يرى دخول أحكام قطعية في مسمى الفقه وإن كان لا يرى مراعاةً لإيراد أبي بكر الباقلاني فيجعل العلم بمعنى الظن فيقول: العلم بالأحكام. أي: الظن. يفسر العلم بمعنى الظن وهذا فيه تكلف لماذا؟ لأن تفسير العلم بالظن هذا مجاز، والظن في هذا الموضع كما سيأتي أن المراد به الملكة فحينئذٍ استعمل الظن بمعنى الملكة فهو مجاز فهذا فيه بناء مجاز على مجاز يسمى مجازًا بمرتبتين.
الحاصل: يفسر العلم هنا بما علمناه من جهة الشرع إما أن يكون من طريق اليقين، وإما أن يكون من طريق غلبة الظن وما أورده من كون الفقه كله ظنون هذا مردود عليه.
العلم بالأحكام هذا قيدٌ أول ذكرنا أنه مخرج للعلم بالذوات، والعلم بالصفات، والعلم بالأفعال.
الأحكام جمع حكم جمع حكم والحكم لغةً: المنع. كما سيأتي في موضعه.
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ** إني أخاف عليكم أن أغضبا
احكموا سفهاءكم أي: امنعوا سفهاءكم هكذا قال الجرير. فالحكم لغة بمعنى المنع.
أما في الاصطلاح فهذا يختلف باختلاف الفنون الحكم عند المناطقة لهم اصطلاح خاص والحكم عند الأصوليين لهم اصطلاح خاص والحكم عند اللغويين لهم اصطلاح خاص الحكم عند المناطقة إدراك الوقوع أو عدم الوقوع أو شئت قل: إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة هذا محل فن المنطق شرحناه سابقًا إدراك أن النسبة واقعة أو ليست بواقعة هذا حد الحكم في اصطلاح المناطقة.
الحكم عند الأصوليين خطاب الشرع المتعلق بفعل مكلف إلى آخره وسيأتينا بحثه.
(3/15)

الحكم عند أهل اللغة إسناد أمرٍ لأمرٍ إيجابًا أو سلبًا ويعبر عنه بعضهم كالشيخ الأمين ثبوت أمرٍ لأمرٍ آخر أو نفيه عنه زيدٌ قائم إسناد أمر لأمر آخر أسندت القيام إلى زيد، زيدٌ ليس بقائم أسندت القيام إلى زيد لكن على جهة السلب والنفي والأول على جهة الإيجاب والثبوت حينئذٍ نعلم أن الحكم ليس خاصًا بالثبوت الذي يُثبت قد حكم والذي ينفي قد حكم إسناد أمر لأمر آخر أو نفيه عنه هذا معناه في اللغة الأول لا يمكن أن يكون المراد هنا العلم بالأحكام لا يمكن أن يكون المراد بالحكم هنا الحكم عند المناطقة لماذا؟ لأن العلم فسرناه بالإدراك والحكم عندهم إدراك النسبة إذن صار التركيب إدراك الإدراك وهذا فاسد إذن لا يمكن أن نفسر الحكم هنا بالحكم المنطقي كذلك لا يمكن أن نفسره بالحكم الشرعي لماذا؟ لأنه قيد الأحكام الشرعية قال: العلم بالأحكام الشرعية. شرعي هذا قيد لإخراج ما عدا الأحكام الشرعية من اللفظ السابق فلو فسرنا الأحكام بالشرعية لكان قوله الشرعية هذا فيه لغوي وتكرار ولا فائدة منه بقي ماذا؟ الحكم اللغوي إذن المراد بالأحكام هنا الأحكام اللغوية إسنادُ أمرٍ إلى أمرٍ آخر أو إيجابًا أو سلبًا ثبوت أمرٍ لأمرٍ آخر أو نفيه عنه هذا الإسناد إسناد شيء لشيء آخر الذي يحدده من جهة الاختصاص هو مأخذ هذا الإسناد ومادة هذا الإسناد يعني: من أين أسندت هذا إلى ذلك؟ استفادة الإسناد مأخذها إما أن تكون من جهة الشرع، وإما أن تكون من جهة العقل، وإما أن تكون من جهة الحس، وإما أن تكون من جهة التجربة، وإما أن تكون من جهة الاصطلاح والجعل هذه خمسة أنواع. إذا قيل ثبوت أمر لأمر من أين أخذت هذا الإثبات إذا قلت: الصلاة واجبة. ثبوت أمرٍ لأمرٍ من الذي أثبت وجوب الصلاة؟ الشرع إذن الإسناد هذا مأخذه ومادته الشرع فحينئذٍ يكون الحكم شرعيًّا وهو ما كانت النسبة فيه مستفادة من الشرع الصلاة واجبة من أين حصل هذا الثبوت والإيجاب؟ نقول: من الشرع. الزنا محرم هنا إسناد إثبات أمر لأمر آخر نقول: مأخذ هذا الإسناد هو الشرع. الكل أكبر من الجزء هذا فيه إسناد وثبوت أمر لأمر آخر ما مأخذ هذه المادة من أين أخذت هذه النسبة؟ من العقل إذن الحكم العقلي صار عقليًّا باعتبار مادة الإسناد لماذا؟ لأننا نظرنا الكل أكبر من الجزء فإذا به مستفاد من العقل فيكون الحكم العقلي هو المستفاد ما كانت النسبة فيه مستفادة من العقل.
الحكم التجريبي مثل ماذا؟ كقول بعضهم: بعض الأدوية مُسهلة. بالتجربة عرف أن هذا الدواء مسهل فنقول: ثبت من جهة التجربة أن هذا مسهل ما كانت النسبة فيه مستفادة من التجربة.
الحس: النار محرقة نقول: الإحراق ثبت للنار من جهة الحس الإدراك بالحواس الخمس.
الاصطلاحي ما كانت النسبة مستفادة فيه من الاصطلاح اتفاق الطائفة المخصوصة الفاعل مرفوع هذا فيه إسناد وإثبات الفاعل ليس منصوبًا هذا فيه نفي المفعول به منصوب هذا فيه إثبات من أين أخذنا هذه المادة؟ نقول: من الاصطلاح.
إذن الحكم اللغوي إسناد أمر لأمر آخر ينقسم إلى: حكم شرعي، وحكم عقلي، وحكم تجريبي، وحكم حسي، وحكم جعلي اصطلاحي.
(3/16)

المراد من هذه الأحكام الخمسة هو: الحكم الشرعي. أي: المستفاد من جهة الشرع. لذلك قال: الأحكام الشرعية. الشرعية هذه المنسوبة إلى الشرع أي: المستفادة من الشرع التي مأخذها الشرعية
نصوص الوحيين: الكتاب، والسنة. فحينئذٍ أخرج بقوله: الشرعية. الأحكام العقلية، والتجريبية، والحسية، والاصطلاحية. أربعة أنواع خرجت بهذا القيد الذي هو: الشرعية. وهذا فيه رد على المعتزلة بأن مصدر الأحكام هو الشرع والعقل لا مدخل له في التشريع كما هو مأخوذ أو معلوم في موضعين.
العلم بالأحكام الشرعية الأحكام الشرعية عرفنا أنها مأخوذة من الشرع وهذه قسمان: خبرية علمية، وعملية.
خبرية علمية يعني: تتعلق بعلم العقيدة، بالغيب، بالاعتقاد كالأخبار والأحكام المتعلقة بالرب جل وعلا بصفاته، بوحدانيته، بأسمائه الخ. لما يكون بعد الموت من القبر، والبعث، والنشور، والجنة الخ. هذه تسمى أحكامًا شرعيةً علميةً متعلقها العلم.
والأحكام الأخرى الأحكام الشرعية العملية نسبة إلى العلم والمراد به عند أكثرهم عمل الجوارح العلم بالأحكام الشرعية العملية احترازًا من الأحكام الشرعية العلمية التي هي الاعتقادية هذه عندهم لا تسمى فقهًا في الاصطلاح وإلا في الشريعة كل الأحكام الشرعية تسمى فقهًا علميات وعمليات ولذلك الحديث يُحمل عليه «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». هل هو فقه خاص هذا أم فقه الشريعة العام؟ فقه الشريعة العام عقيدةً وعبادات ومعاملات.
(3/17)

أما في الاصطلاح فما تعلق بالعقيدة بالقلب هذا له علم مستقل بذاته له مصنفات خاصة والذي اصطلح عليه الفقهاء والأصوليون تسمية الأحكام الشرعية المتعلقة بكيفية عمل فعل المكلف هذه تسمى فقهًا وما عداها لا يسمى فقهًا وما عداها لا يسمى فقهًا العملية ذكر بعضهم أنها تشمل بعض أعمال القلوب لماذا؟ لأن وجوب النية وجوب اعتقاد النية أو اعتقاد وجوب النية هذا عمل متعلق بكيفية عمله وهو داخل في حد الفقه فإذا قلنا: العملية مخرج لما عدا أعمال الجوارح خرج كل ما تعلق بأعمال الجوارح من الأحكام فمثلاً وجوب النية أو اشتراط النية في الوضوء والعبادات هذا متعلق بكيفية عمل هل هو فقهٌ أم لا؟ نقول: هو فقه ومحله القلب والاعتقاد إذن إذا قلنا: العملية مخرج لسائر الأحكام الشرعية العلمية التي منها: وجوب النية، ووجوب الإخلاص، وتحريم الحسد، وتحريم الحقد، وتحريم العجب. وغير ذلك من الأحكام الشرعية المتعلقة بالقلب لو أخرجنا هذه ماذا حصل؟ لأخرجنا كثيرًا من مسمى الفقه فقالوا: إذن لا بد من تعميم مصطلح العملية هنا، فيشمل بالأكثرية عمل الجوارح ويشمل بعض أعمال القلوب التي لها تأثيرٌ في أعمال الجوارح لأنه أُورد أنكم إذا أدخلتم وجوب النية، اعتقاد وجوب النية وتحريم الحسد والحقد إلى آخره في مسمى الفقه وأخرجتم الاعتقاد المتعلق بالله عز وجل بوحدانيته وأسمائه وصفاته قد وقعتم في التناقض لأن هذه قلبية وهذه قلبية لماذا فرقتم بينهما، قلتم هذا فقه وهذا عقيدة قالوا: هذه الأحكام التي تعلقت بالحسد ونحوه هذه لا بد أن يظهر على المتصف بها من أعمال الجوارح المترتبة على ما في القلب. قالوا: لا بد أن يظهر شاء أم أبى ولذلك ابن تيمية يقول: لا يخلو جسدٌ من حسد، ولكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه. قالوا: لما كانت هذه الأعمال القلبية لما كانت لا بد أن يترتب عليها عمل الجوارح أشبهت أعمال الجوارح فألحقت بها فألحقت بها، هكذا قيل ولكن نقول العملية الشامل لأعمال الجوارح وما كان متعلقه أعمال القلب.
قال: المكتسب، هذا صفة للعلم لأن العلم علمان علم نظري وعلم اضطراري علم نظري وعلم اضطراري.
العلم النظري: يسمى العلم المكتسب.
والنظري ما احتاج للتأمل
الذي يحتاج إلى التأمل وإلى النظر وإلى الاستدلال وإلى التفكر وإلى البحث هذا يسمى علمًا نظريًا، سواء كان تصوريًا أم تصديقيًا والذي لا يقع عن استدلال ولا نظر وإنما يحصل دفعةً واحدة ولا يمكن للإنسان أن يدفعه عن نفسه يسمى علمًا ضروريًا بَدَهيًا من الضرورة أنه لا يمكن أن يدفعه الإنسان عن نفسه وهذا أيضًا يكون متعلقة التصور والتصديق لذلك الأربعة هذه منقسمة تصور تصديق كل منهما إما نظري وإما ضروري قسمة رباعية تصوُّر نظري تصور ضروري تصور ضروري مثل ماذا؟ مثل سماع سماعا هذا إدراكٌ للمفرد ولكنه هل يحصل باستنباط والاستدلال والبحث؟ الجواب: لا.
(3/18)

التصور النظري: كحد الفاعل والتميز والتَّميز هذا مفرد إذا أردت أن تتصوره لا بد من معرفة حده، والنظر والتأمل والشرح مفردات الحد كذلك التصديق ضروري ونظري، الضروري مثل ماذا؟ الكل أكبر من الجزء هذا لا يحتاج إلى بحث واستدلال والنظري مثل ماذا قالوا: الواحد نصف سدس الاثني عشر هذا يحتاج إلى تأمل الاثنا عشر سدسها اثنان نصفه واحد، الواحد نصف سدس الاثني عشر، هذا تصديقٌ تصوري تصديقٌ نظري يحتاج إلى تأمل وإلى بحث.
قال: المكتسب، إذن هذا علمٌ مكتسب بمعنى أنه احترز عن العلم الضروري العلم الإدراك للأحكام الشرعية العملية إن كانت هذه الأحكام الشرعية العملية ضرورية يستوي فيها ويشترك فيها العام والخاص فلا تسمى فقهًا في الاصطلاح إذن وجوب الصلاة هل هو فقه؟ ليس بفقه وجوب الصيام وجوب الزكاة وجوب الحج تحريم الزنا تحريم قتل النفس بغير حق، هذه كلها المحرمات والواجبات التي يستوي بالعلم بها العام والخاص التي يعنون لها المعلوم من الدين بالضرورة هذه لا تسمى فقهًا في الاصطلاح، إذن قوله المكتسب هذا احترازًا عن العلم الضروري بالأحكام الشرعية العملية كما مثلنا في الواجبات والمحرمات.
واحترزوا به أيضًا عن علم الله، أخرج علم الله فإنه لا يوصف بكونه مكتسبًا بل لا يسمى ولا يوصف بكونه ضروريًا ولا كسبيًا كما سبق:
علم الإله لا يقال: نظري ** ولا ضروريٌ ولا تصوري
وليس كسبيا كل موهم ** يمنع في حق الكريم المنعم
(3/19)

إذن لا يوصف علم الله عز وجل بكونه ضروريًا إلى آخره، كذلك أخرج علم الملائكة قالوا: لأنه مأخوذٌ علمًا من اللوح المحفوظ، وإما مباشرةً كذلك أَخرَج علم النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه مأخوذٌ بغير نظرٍ واكتساب ولكن هذا يُقيَّد فيما لم يجتهد فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: {(((((يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (((} [النجم: 3، 4]. إذن كل حكمٍ شرعي تلفظ به النبي - صلى الله عليه وسلم - فمأخذه ومرده الوحي هل هو كسبي، ليس كسبيًا إذن المتكسب أراد به إخراج علم النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحيح كما سيأتي في باب الاجتهاد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجتهد فيكون حينئذٍ علمه في ما اجتهد فيه علمًا مكتسبًا وهل هذا يتفق قوله تعالى: {(((((يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (((} [النجم: 3، 4] إذا أثبتنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجتهد وينظر ويتأمل فيستنبط الحكم الشرعي من الأدلة هل ينافي الآية،؟ لا. قد نقول: {((((هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (((} وهذا أخذه من طريق الاجتهاد والنظم وأعمال العقل في الأدلة ما الجواب، نعم إن لم يكن موافقًا للصواب للاجتهاد يأتي التصحيح والتصويب من السماء: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1]، {(((كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 67]. إلى آخر الاجتهادات التي جاءت تصويب فيها من السماء وما لم يأت؟ نقول: أقره الله عز وجل وهل نثبت إقرار الله؟ نقول: نعم. وما سكت عنه فهو عفو ما أقره الله عز وجل بما لم يُنْزِل يعني: ما لم ينزل تحريمًا لما حصل أو تفصيلاً فما اجتهد فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون حقًا ووحيًا، حقًا لأنه اجتهد فأصاب، والمجتهد قد يصيب وقد يخطئ ويكون وحيًا لأن الحق جل وعلا أقره ولذلك استدل بعض الصحابة بإقرار الله عز وجل جاء في حديث جابر كنا نعزل والقرآن ينزل. قال: والقرآن عدل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه واسطة في بيان الأحكام الشرعية، لماذا عدل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وسكت عنه وأتى بدليلٍ آخر لأن إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - في مثل هذه الصورة يتعسر لماذا؟ لأن إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - مقيدٌ بما إذا شاع وذاع وأمكن أن يطلع عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا لم ينقل الخلاف ما انتشر نقول أقراه النبي - صلى الله عليه وسلم -، أما الأمر الخفي كالعزل ونحوه نقول: هذا يبعد أن يطلع عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ولذلك عدل جابر عن هذا فقال: وكنا نعزل والقرآن ينزل.
(3/20)

استدل بإقرار الله عز وجل، لو كان الله عز وجل وهو عالم السر وأخفى لو كان هذا الفعل حرام وهو مطلعٌ عليه لأنزل آيةً تبين هذا الحكم، إذن إذا أصاب النبي - صلى الله عليه وسلم - واجتهد نقول: هذا موافقٌ للوحي ولا يخالف الوحي وكونه وحيًا هذا مأخوذٌ بإقرار الله عز وجل وإن كان مخالفًا للصواب، لابد أن يأتي ما يصوبه إذن قوله: المكتسب عرفنا أنه أخرج المعلوم من الدين بالضرورة، وأخرج علم الله وأخرج علم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخرج علم الملائكة وأخرج علم المقلِّد، لأن المقلد هذا الذي يحفظ الأحكام الشرعية دون نظرٍ واستنباط هذا لا يسمى فقيهًا قد يحفظ الأحكام الشرعية ويعرف الدليل لكن ما يعرف ربط الأحكام بأدلتها هذا يسمى لا يسمى فقيهًا وإن حفظ ما حفظ ولذلك ذكر ابن عبد السلام فيمن يحفظ الأحكام الشرعية وليس من الفقهاء قال: هم نقلة فقهٍ لا فقهاء، كمن يحفظ المتون دون وعيٍ واستيعاب لها كل ما ذُكر لا إشكال فيه إلا مسألة واحدة، وهي أن المكتسب قد أخرج العلم الضروري، نقول: هذا ما ليس بصحيح بل الصواب إسقاط هذا القيد لماذا؟ لأن العلم فسرناه بالإدراك الشامل للأحكام القطعية والأحكام الظنية فالمكتسب حينئذٍ خاصٌ بالأحكام الظنية فنقع في التعارض والتناقض ولما كان المعلوم من الدين بالضرورة هذا داخلاً في مسمى الفقه نقول: لابد من إسقاط هذا القيد العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية فيكون خارجًا لما ذكر ما خرج بقوله: المكتسب وهو علم اله عز وجل وعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ما لم يجتهد فيه وعلم ملائكته وعلم المقلد فهؤلاء الأربعة لا يوصف بكون علمهم بالأحكام الشرعية أنها مأخوذةٌ من الأدلة التفصيلية.
أما كون المعلوم من الدين. هذا يسمى فقهًا لأنهم قيدوا الفقه بما ذُكر سابقًا أنه من باب الظنون فهو مبنيٌ على بدعة المتكلمين، لأن من شأنهم أن الدليل قطعي محصورٌ في العقل فحسب وأما الدليل السمعي فلا يفيد إلا الظن أيضًا لو أخرجنا المعلوم من الدين بالضرورة لخرج سائر الفقه، لأن أكثر أحكام الفقه متفقٌ عليها ما أجمع عليه الفقهاء والسلف الصالح والصحابة والتابعون ما أجمع عليه من المسائل الفقهية أكثر من المسائل المختلف فيها ولذلك المسائل المختلف فيها أكثرها مبنيةٌ على المتفق عليها، أيضًا لو قلنا بهذا: أن المعلوم من الدين لا يسمى المعلوم من الدين بالضرورة العلم به لا يسمى فقهًا نقول: هل العبرة بأصل الإسلام أو ببعده؟ يعني: إذا كان الوجوب الصلاة ووجوب الصيام وتحريم الزنا هذا الأمر صار معلومًا من الدين بالضرورة هل هو باعتبار أول الإسلام أو بعد اشتهاره، إن كان باعتبار أول الإسلام فليس كذلك لأنه لم يصر معلومًا من الدين بالضرورة إلا بعد اشتهاره فلو قيدنا الفقيه أنه لا يسمى فقيهًا إلا إذا علم المكتسب دون المعلوم من الدين بالضرورة لأخرجنا أكثر فقه الصحابة، ثم إذا جعلنا العبرة بما اشتهر نقول: خرج أكثر سائر الفقه وعلى كلٍ إخراج الأحكام الشرعية المقطوع بها من حد الفقه ليس بصواب، لأننا لو نظرنا إما أن ننظر إلى الإسلام في أول أمره أو بعد اشتهاره.
(3/21)

في أول أمره: نقول: هذه ليست معلومة من الدين بالضرورة لأنها من المكتسب.
وبعد اشتهاره: نقول: أخرجنا أكثر سائر أحكام الفقه من أدلتها التفصيلية من أدلتها التفصيلية، الدليل كما سيأتي نوعان، دليلٌ إجمالي، ودليلٌ تفصيلي.
الدليل التفصيلي ما كان متعلقة خاصًا، يعني: يتعلق هذا الدليل بفعلٍ خاص بأمرٍ خاص: {(((((((((((((((((((((((} [البقرة: 43]. نقول هذا الدليل المتعلق، متعلقة ماذا؟ عمل الجزء فرعي وهو الصلاة.
{((((((((((الزَّكَاةَ} نقول: هذا متعلقة خاصًا وهو إيتاء الزكاة.
{((((((عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]. نقول: هذا متعلقة دليلاً خاصًا.
الدليل الإجمالي: ما لا يتعلق بأمرٍ خاص، يعني: لا يفيد مسألةً جزئية ومرادهم بهذا القيد من أدلتها التفصيلية إخراج أصول الفقه لأن أصول الفقه هو الأدلة الإجمالية الكلية كما سيأتي مرادهم بالأدلة الكلية كقولهم مثلاً مطلق الأمر يفيد الوجوب، أي أمر بالصلاة أو بالزكاة أو بالصيام هل عَين لم يعين إذن كل أمرٍ جاء في الكتاب والسنة الأصل فيه أنه إذا تجرد القرينة أنه يفيد الوجوب هذا يسمى دليلاً إجماليًا دليلاً كليًا هذا هو مبحث الأصوليين كما سيأتي أما الدليل الخاص الذي يثبَت به مسألة خاصة والذي هو يكون مبحث ونظر الفقيه هذا يسمى دليلاً تفصيليًا ولذلك نَظَر الفقيه في الأدلة يختلف عن نَظَر الأصولي.
نظر الأصولي: ينظر في الأدلة الإجمالية الكلية من حيث إفادتها للأحكام الجزئية بقطع النظر عن كائنة الجزئيات.
ونظر الفقيه: ينظر نظرًا خاصًا في دليلٍ خاص في مسألةٍ خاصة ينظر نظرًا خاصًا في دليلٍ خاص في مسألةٍ خاصة ينظر في {(((((((((((((((((((((((} فيريد أن يعرف حكم الصلاة ما هو فيقول: {(((((((((((((((((((((((} أمر {(((((((((((((((((((((((} أمر بالصلاة هذه مقدمة صغرى مأخذها اللغة العربية مبناها اللغة العربية مستمدة من اللغة لأن الذي عين أن هذا أمر هو اللغة: {(((((((((((((((((((((((} أمر بالصلاة هذه مقدمة صغرى ومطلق الأمر يقتضي الوجوب إذن الصلاة واجبة، النتيجة هذه هي التي يبحث عنها الفقيه أم الأصولي فلا، كما سيأتي وإنما ينظر في الأدلة ويستنبط منها أحكامًا عامة أدلة قواعد عامة مطلق النهي للتحريم، أي نهيٍ لا يُعَيِّن أي نهيٍ نقول: لا يعين النهي يستلزم الفساد حجية القياس حجية الإجماع هذه كلها من مباحث الأصولي العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية آحاد المسائل هذه هي نظر الفقيه.
قال هنا:
والفِقْهُ عِلْمُ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِي
(3/22)

عرفنا المراد بهذه الجملة (عِلْمُ) أي تصديق بجميع الأحكام (عِلْمُ كُلِّ حُكْمٍ) (كُلِّ حُكْمٍ) كل هذه كلية لأنها مسورة بسور كلي إذن يلزم من هذا أن الفقيه لا يسمى فقيهًا إلا إذا علم كل أحكام الشرعية لا يسمى فقيهًا إلا إذا علم كل أحكام الشرعية فإن سئل عن مسألة واحدة فقال: لا أدري نزع منه اللقب فلا يسمى فقيهًا لا يسمى فقيها. نقول: لا ليس هذا المراد، وإنما المراد أن يكون عالمًا بالأحكام الشرعية إما بالفعل وإما بالقوة وعليه تكون أل في قولنا في التعريف السابق العلم بالأحكام أل هذه استغراقية والاستغراق هنا عرفي لا حقيقي لأننا لو حملناه على الاستغراق الحقيقي يعني: كل فرد من أفراد الأحكام الشرعية لكان مالك رحمه الله ليس من الفقهاء لأنه سئل عن ثمانٍ وأربعين مسألة أجاب في اثنتين وثلاثين لا أدري والإمام أحمد كان يكثر من قول: لا أدري، والإمام أبو حنيفة سئل عن مسائل قال: لا أدري والإمام الشافعي سئل عن مسائل فقال: لا أدري إذن هؤلاء نفوا علمهم ببعض الأحكام الشرعية هل عدم علمهم لبعض الأحكام الشرعية مخرج لهم عن كونهم فقهاء لا، بل هم فقهاء وهم من أكابر الفقهاء وإنما المراد أن الفقيه يعلم الأحكام الشرعية كلها إما بالفعل وإما بالقوة، بالفعل أن تكون المسألة حاضر عندهم يسأل عن مسألة فيقول: حرام لقوله تعالى، أو يجب لقوله تعالى هذا يسمى علمًا بالفعل يعني: العلم موجود بالإيجاب.
بالقوة: أنه الآن لا يستحضر الحكم الشرعي يُسأل عن مسألة فيقول: لا أدري لا أدري لكنه لو بحث ونظر واستنبط هل يتوصل إلى حكم؟. نقول: معم يتوصل، إذن عنده ملكة عنده صلاحية عنده تهيؤ إذا شرع في الأسباب الموصلة إلى الحكم الشرعي لوصل إلى الحكم الشرعي إذًا هو عالمٌ بالحكم الشرعي لكن لا بالفعل وإنما بالقوة وذلك يفسر العلم بالصلاح والملكة والتهيؤ.
والعلم بالصلاح في ما قد ذهب ... فالكل من أهل المناح الأربعة
يقول: لا أدري فكن متبع.
فالكل من أهل المناح: يعني المذاهب الأربعة. يقول: لا أدري. الإمام الشافعي سئل هل المتعة فيها طلاق أم ميراث أم نفقة؟ فقال: والله ما أنا بها، هو واضع هذا الفن ويقول: ما ندري لكنه لو نظر وبحث لوصل إلى الحكم الشرعي فالكل من أهل المناح الأربعة يقول: لا أدري فكن متبعه.
يعني: كن يا طالب العلم متبعًا لهم (جَاءَ اجْتِهَادًا) أي هذا الحكم (جَاءَ) يعني: جاء ثبوته وظهوره بالاجتهاد وهو بذل الوسع في بلوغ الغرض دون حكمٍ قطعي هذا استثناء للأحكام الشرعية القطعية فإنها لا تسمى فقهًا عند الجويني وتبعه الناظم، لأنه مما يشترط فيه الخاص والعام هذا هو حد الفقه في الاصطلاح العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية ونقول: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وعلى ما ذكره الناظم تبعًا للأصل معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد.
زاد المحلي: الشرعية العملية، الأحكام الشرعية تشمل عقائدية وغيرها معرفة عدل عن العلم بالتعبير بالمعرفة لماذا؟ لأن الفقه ظنونٌ عندهم فحينئذٍ العلم يتعلق بالتصديقات الجازمة والمعرفة متعلقها التصديقات أو الجزئيات النظرية.
(3/23)

ونقف على هذا وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين.
(3/24)

عناصر الدرس
* تعريف الحكم لغةً واصطلاحاً.
* الفرق بين تعريف الأصوليين للحكم الشرعي وبين تعريف الفقهاء له.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلَّى الله عليه وعلى وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فلا زال الحديث في باب أصول الفقه ذكرنا أن الناظم رحمه الله تعالى إنما أراد بهذا الباب أن يذكر حد أصول الفقه معناه اللقبي وبذلك قدم بهذه المقدمة وهي: أنه عرف أصول الفقه باعتباره مركبًا إضافيًّا باعتبار جزأين. يعني: نظر إلى الجزء الأول وهو المضاف لفظ أصول، ونظر إلى الجزء الثاني وهو المضاف إليه وهو لفظ الفقه وكل ذلك ليصل إلى تعريفه عَلمًا ولقبًا لهذا الفن ولكنه لم يردف هذا التعريف لتعريفه العلمي اللقبي وإنما أخره في آخر الباب.
أَمَّا أُصُولُ الْفِقْهِ مَعْنًى بِالنَّظَرْ ** لِلفَنِّ فِي تَعْرِيفِهِ فَالْمُعْتَبَرْ
فِي ذَاكَ طُرْقُ الفِقْهِ
إلى آخر ما سيذكره.
(4/1)

إذن سيأتي في آخر الباب حد أصول الفقه من جهة كونه علمًا ولقبًا لهذا الفن فذكر تعريف الأصل وذكر تعريف الفقه وبينَّا أن الفقه في اللغة على الصحيح أنه الفهم مطلقًا يعني: سواء كان متعلق الفهم أمرًا واضحًا بينًا ظاهرًا أم كان أمرًا خفيًّا دقيقًا يحتاج إلى نظر المتأمل فكل ما تعلق به الإدراك فهو فهم وهذا دلت عليه نصوص الشرع كما ذكرناه سابقًا وخاصة آية هود {((((((((يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ ((((((((} آية هود يعني: سورة هود. {((((((((يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا (((((((} [هود: 91] من الذي تقوله هذا صيغة عموم {((((((((يَا شُعَيْبُ مَا ((((((((} هنا نفي لأصل الفهم لأن ما هذه نافية ونفقه هذا فاعل مضارع والفعل مضارع مستبك بحدث وهو المصدر وهو نكرة وزمن، وفعل المضارع إذا جاء في صيغة النفي أو الاستفهام فهو من صيغ العموم يعني: {(((((((((((} أي لا فقه. فهذا نفي لأصل الفقه سواء كان واضحًا بيِّنًا أو كان خفيًّا دقيقًا يحتاج إلى تأمل يرد السؤال ما هو الفهم إذا عرفنا أن الفقه في الصحيح في القول الراجح أنه الفهم يرد السؤال: ما هو الفهم؟ نقول: الفهم هو: إدراك معنى الكلام. يعني: إذا فهمت سمعت كلامًا وأدركت حقيقة هذا الكلام فقد فهمته. وقال بعضهم: الفهم هو العلم بمعاني الكلام عند سماعه خاصة. وهذا منسوب لأبي هلال العسكري العلم وقلنا: العلم هو معرفة الشيء بالقلب والإدراك محله القلب، العلم بمعاني الكلام عند سماعه خاصة. وقيل: العلم بمعنى القول عند سماعه. هذه كلها تعاريف متقاربة والذي ذكره الفتوح في شرح ((الكوكب المنير)) هو إدراك معنى الكلام وجودة الذهن وفرق بين إدراك معنى الذي هو الفهم وبين جودة الذهن حيث عرفوا الذهن بأنه الاستعداد التام لإدراك العلوم والمعاني في الفكر الذي هو قوة النفس على كل حال المراد بالفقه إدراك معنى الكلام هذا دليل نضبطه أن الفقه لغةً هو: الفهم. والفهم هو: إدراك معنى الكلام هذا معناه من جهة اللغة.
(4/2)

أما في الاصطلاح فذكرنا أن التعريف المشهور عند الأصوليين هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية. هذا هو المشهور عند الأصوليين من حد الفقه ذكرنا أن بعضهم يجعل العلم جنسًا في حد الفقه، وبعضهم يجعل المعرفة جنسًا في حد الفقه، وبعضهم يجعل الظن جنسًا في حد الفقه يعني: يجعل الجنس الذي هو أول الكلمة في الحد يجعله لفظ العلم، وبعضهم يجعله لفظ المعرفة وبعضهم يجعله لفظ الظن والسبب في هذا الاختلاف هو إيراد أبي بكر الباقلاني الذي ذكرناه بالأمس أن الفقه كله من باب الظنون كل الفقه من باب الظنون وأوردنا دليله أن أدلة الفقه مستفادة من الأدلة المتفق عليها والأدلة المختلف فيها الأدلة المختلف فيها هذه لا تفيد عند القائلين بها إلا الظن والمتفق عليها في الجملة أي: في الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس هذه على ما ذكرناه بالأمس أنها لا تفيد إلا الظن والمقطوع من الكتاب والسنة المتواترة هو المعلوم من الدين بالضرورة وهذا لا يسمى فقهًا عند كثيرين من الفقهاء من الأصوليين إذن بقي ماذا؟ بقي كل ما يدل على الظن من غير دلالة المقطوع وهو الكتاب أو السنة المتواترة فحينئذٍ قال: إذا كان الفقه كله من باب الظنون والعلم عندهم أخص من العلم عند المناطقة العلم عند أبي بكر الباقلاني أخص من العلم عند المناطقة لأن العلم عند المناطقة عام يشمل التصور، والتصديق، ويشمل التصور بنوعيه الضروري والنظري والتصديق بنوعيه الضروري والنظري عند أبي بكر الباقلاني وغيره العلم أخص من ذلك وإنما يطلق ويختص بالإدراك الجازم إذن أخرج غير الجازم إدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل القطع ما كان قطعيًّا فهو علم وما ليس كذلك فليس بعلم قال: هو لا يفهم أن أبا بكر لا يرى تعريف الفقه كما قد فهمه بعض الطلاب بالأمس إنما يقول: لا آخذ لفظ العلم جنسًا في حد الفقه.
(4/3)

والذي يعرف الفقه فلا يقول: الفقه هو العلم وإنما يقول: الفقه هو معرفة الأحكام وإنما لو قال: الفقه هو العلم على حد العلم عنده لَتَناقَض لماذا؟ لأن الفقه ظنون والعلم قطعي فكيف يعرف الظني بالقطعي هذا مستحيل هذا ممتنع فحصل تعارض عنده فحينئذٍ عدل عن لفظ العلم إلى المعرفة أو الظن لأن المعرفة تطلق على الظن فعدوله عن العلم لفظ العلم إلى الظن أو المعرفة لا يلزم منه أنه لا يحد الفقه بل لا يُعَرِّف الفقه ولكن لا يأخذ لفظ العلم جنسًا في حد الفقه لوجود التعارض بينهما فقلنا: رد هذا التعارض رده بعض العلماء بأوجه كثيرة لكن أشهرهم ثلاثة ما ذكرناه بالأمس أن نعمم لفظ العلم فيشمل حينئذٍ الأحكام القطعية والظنية لأن الحق أن الفقه منه ما هو قطعي، ومنه ما هو ظني أبو بكر الباقلاني يرى أن الفقه كله ظنون فنقول: لا الصواب أن منه ما هو قطعي وهو كثير وأن منه ما ظني وهو أيضًا كثير لأن كل ما اختلف فيه العلماء والخلاف كان فيه معتبر فهو لا يفيد القطع وإنما يفيد الظن إذن نجعل العلم بمعنى نجعل العلم يشمل الأحكام القطعية والأحكام الظنية وبعضهم قال: لا نجعل لفظ العلم بمعنى الظن بدلاً من أن نجعل العلم على مصطلح المناطقة الشامل للتصور والتصديق الأحكام القطعية والظنية نقول: لا ننظر للفظ العلم فنجعله مجازًا بمعنى الظن وهذا فيه تكلف لماذا؟ لأنه ينبني على جواز القول بالمجاز بمرتبتين أو أن يُبْنَى اللفظ المجاز على مجازٍ على لفظ آخر لماذا؟ لأنه كما سبق أن المراد بالظن في حد الفقه بمعنى الملكة يعني: الظن الذي هو الطرف الراجح بالفعل وبالقوة بالفعل يعني: إدراك الأحكام الشرعية بالفعل تكون موجودة عنده محفوظة بأدلتها لو سئل عن مسألة ما لقال: هذا واجب لقوله تعالى كذا، هذا حرام لقوله - صلى الله عليه وسلم - كذا. هذه تسمى يسمى علمًا بالفعل يعني: بالإيجاد موجود أما إذا كانت عنده ملكة ويستطيع أن يحصل الحكم الشرعي بالنظر معاودة النظر في الأدلة ولكنه لا يستحضر الحكم فلو سئل عن مسألة ما فقال: لا أدري لا أدري. لكن لو ترك مهلةً من الزمن ليلة أو ليلتين أو ثلاث فنظر في الأدلة لاستطاع أن يقول بالحكم الشرعي كما هو طريقة الأئمة الأربعة.
فالكل من أهل المناح الأربعه ** يقول لا أدري فكن متبعه
(4/4)

إذن الظن هنا ليس على معناه الحقيقي وإنما على معناه المجازي لماذا؟ لأنه أُطْلِقَ الظن هنا بمعنى الملكة وهذا مجاز فإذا جعل العلم بمعنى الظن والظن بمعنى الملكة لكان فيه بناء مجاز على مجاز وهذا فيه تعسر وتكلف وهو ممنوع هذا رد على الباقلاني بعضهم رد هكذا شرح قرة العين قال: معرفة بمعنى العلم بمعنى الظن. المعرفة بمعنى العلم بمعنى الظن وإنما أطلق العلم بمعنى الظن لأن ظن المجتهد لقوته وقربه من اليقين أطلق عليه علم وهذا فيه تجاوز أيضًا وبعضهم رد على أبي بكر الباقلاني قال: لا، نقول: الفقه كله قطعي. هكذا ردود أفعال هو يقول: كله ظني. يأتي من يقول: كله قطعي. ما وجه كونه قطعيًّا؟ قال كونه قطعيًّا قال المجتهد الذي اجتهد وهذا كلام طيب المجتهد إذا اجتهد خرج بحكم ظني المجتهد يقطع يقينًا أن هذا الحكم مظنون علمه بظنية الحكم مقطوع به إذن هذه مقدمة قطعية يقينية وجدانية لا تحتاج إلى استدلال إذن هذا الحكم مظنون وإذا اجتهد نظر في الأدلة فإذا به يقول بوجوب غسل الجمعة ما حكمه هل هذا الحكم قطعي أو ظني؟ قال: ظني. إذت هذا الحكم مظنون لأنه محل خلاف بين العلماء هذه مقدمة قطعية يقينية وجدانية لا تحتاج إلى استدلال المقدمة الأخرى الثانية قال: كل مظنون يجب العمل به والفتوى بموجبه. لماذا؟ لأنه حكم الله فإذا ظن المجتهد أن حكم الله في هذه المسألة هو كيت وكيت وجب أن يعمل به لأنه هو الطرف الراجح ويجب الفتوى به لأنه لا تخلو قضية أو نازلة أو حادثة من حكم الله لا بد من بيانه قالوا: هاتان مقدمتان. هذا قول من؟ من يقول: إن الفقه كله قطعي. وإنما الظن حصل في الطريق الموصول إلى الفقه مقدمتان قطعيتان إحداهما الصغرى وجدانية لا تحتاج إلى استدلال، والأخرى قطعية استدلالية وهي: كل مظنون يجب العمل به والفتوى بموجبه. ما الدليل على المقدمة الكبرى هذه أن كل مظنون يجب العمل به؟ قالوا: الإجماع أجمع العلماء على ذلك. وهذا صحيح إجماع لماذا؟ لأنه لو لم يجب العمل به لخلت الحادثة والنازلة عن حكم الله لأنه مظنون يعني: الطرف الراجح، والطرف المرجوح موهوم، إذن هل يمكن أن يترك الطرف الراجح ويعمل بالموهوم؟ الجواب: لا، إذن أجمع المجتهدون العلماء على أن ماذا على أن الحكم المظنون يجب العمل به والفتوى بموجبه هذا الدليل الأول على هذه المقدمة القطعية.
الدليل الثاني: قالوا: الدليل عقلي نظري لأن تم أمران لأن ثم أمرين: إما طرف راجح، وطرف مرجوح إما أن يُعمل بهما معًا إذا جيء ونُظِرَ في هذا الظن الطرف الراجح والطرف المرجوح إما أن تعمل بهما معًا هل يمكن هذا إذا كان الطرف الراجح التحريم والطرف المرجوح عدم التحريم هل يمكن أن يعمل بهما؟ الجواب: لا، لأنه جمع بين النقيضين تحريم وعدم التحريم ا
لاحتمال الثاني أن لا يعمل بهم معًا أن يترك الطرف الراجح والطرف المرجوح وهذا فيه ترك للشريعة.
(4/5)

الاحتمال الثالث: أن يعمل بالطرف المرجوح وهو: الموهوم. يقول: ظاهر النصوص تحريم كذا وخلاف الظاهر الطرف المرجوح عدم التحريم. فيعمل بالموهوم الذي هو الطرف المرجوح قالوا: هذا خلاف ما يقتضيه العقل. العقل لا يقتضي هذا وإنما يقتضي أن يعمل بالطرف الراجح ماذا بقي العمل بالطرف الراجح وهو الظن فيتعين حينئذٍ أن يُعمل بالطرف الراجح وهو الظن إذن هذه قاعدة أو مقدمة يقينية قطعية استدلالية دليلها الإجماع والنظر العقل الصحيح لأن لو نظرنا في الطرف الراجح والمرجوح إما أن يعمل بهما معًا وإما أن يتركا معًا وإما أن يعمل بالمرجوح وهو خلاف ما يقتضيه العقل وإما يتعين الطرق الرابع وهو أن يعمل بالطرف الأرجح إذن دل العقل مع الإجماع على أن الطرف الراجح الذي هو المظنون أن يجب العمل به يعني: أنه يجب العمل به. إذن يتخلص من هذا قياس من الشكل الأول كما يقال فيقال: هذا الحكم مظنون. إذا وصل إلى نتيجة يقول: هذا الحكم مظنون - هذه مقدمة صغرى - وكل مظنون يجب العمل به قطعًا يُنتِج أن هذا الحكم يجب العمل به قطعًا فحينئذٍ صار كل الفقه قطعيًّا وإنما حصل الظن في طريقه هكذا أجيب ورد على أبي بكر الباقلاني ولكن الجواب من حيث هو صحيح ولكن لا يصلح أن يكون ردًا لِ أو على أبي بكر الباقلاني لماذا؟ لأن الفقه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، إذن لا بد من دليل تفصيلي كل حكم عملي كان ثمرة لدليل التفصيل الذي يعين جزئية معينة الذي يتكلم عن مسألة خاصة الذي متعلقه أمرًا خاصًا يكون فقهًا وأما الذي معنى هذا الحكم مظنون هذا لا إشكال فيه خاص وكل مظنون يجب العمل به هذا دليل تفصيلي أو إجمالي؟ إجمالي إذن لا تعلق له بمسائل الفقه ولا يصح أن يرد به على أبي بكر الباقلاني هذه ثلاثة أجوبة من أحسن ما قيل في رد القول على أبي بكر الباقلاني في كون الفقه مظنونًا وأنه لا يصح أن يؤخذ العلم جنسًا في حد الفقه وأسلمها هو أن نعمم لفظ العلم فنقول حينئذٍ: العلم أي مطلق إدراك حكمٍ الناشئ عن دليل قطعي أو دليل ظني لأن الصواب أن الفقه منه ما هو قطعي ومنه ما هو ظني.
قال: (وَالفِقْهُ عِلْمُ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِي) (كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِي) هنا عبر عن الأصل بلفظ (كُلِّ) ما حد أصل صاحب الورقات؟ الفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد هكذا عرفه الجويني ماذا غير وبدَّل الناظم بدَّل المعرفة بالعلم والعلم هنا المراد به الظن عندهم ونفسره بالشامل للظن والقطع (كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِي) هذا شرح وتفصيل لقوله: معرفة الأحكام. يعني: فيه إشارة إلى أن أل في الأحكام هذه جنسية أنها استغراقية لأن الاحتمالات أربعة (أل) هذه معرفة الأحكام أو قولهم: العلم بالأحكام. (أل) هذه إما أن تكون للعهد، وإما أن تكون للجنس، وإما أن تكون للحقيقة، وإما أن تكون للاستغراق وكلها لا تصح هنا.
(4/6)

نشرح للعهد لأنه إما أن يكون العهد ذِكْرِيًّا أو ذهنيًّا العهد الذكري أن يكون مدخول (أل) الذي هو أحكام قد سبق له ذكر في نفس الكلام والتركيب تقول: جاء رجل. هذه نكرة فأكرمت الرجل (أل) هذه نقول: للعهد الذكري. لماذا؟ لأن (أل) دخلت على رجل والرجل قد سبق ذكره في الكلام {((((((أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 15، 16] الرسول الثاني هو عين الرسول الأول المرسل إلى فرعون ما الدليل؟ (أل) الدليل (أل) هذه للعهد الذكري يعني: سبق ذكره في الكلام وهنا العلم بالأحكام أو معرفة الأحكام الشرعية الأحكام هل سبق لها ذكر لا إذن لا يمكن أن تكون (أل) للعهد الذكري (أل) للعهد الذهني (أل) التي للعهد الذهني هي التي عُرف مصحوبها ذهنًا في الذهن في العقل يعني: بينك وبين المخاطب عهد ذهني. وهذا يحصل بين الناس يقول له: لقيت الرجل. هو يعرف من هو ما يريد أن يفصح به فيقول: لقيت القاضي. يعني: الذي بيني وبينك عهد سابق في قاضي آتيه أونحو ذلك {(((هُمَا فِي (((((((((} [التوبة: 40] (أل) هذه للعهد الذهني يعني: المخاطب به المخاطبون هما لأن المخاطبين هم الصحابة ويعلمون حقيقة هذا الغار هل هنا بين المعرف والمخاطب عهد في الأحكام عندما قال: العلم بالأحكام؟ نقول: لا إذن لا يصح أن تحمل (أل) هذه على العهد الذكري ولا العهد الذهني أما العهد الذكري فلعدم ذكر سبق الأحكام قبل التعريف، وأما العهد الذهني فلا يصح لأنه ليس بين المعرف والمخاطب الذي هو الطالب عهدٌ في حكم ما إذن بطل (أل) للعهد (أل) للجنس نقول: هذا يبطل ولا يصح لماذا؟ لأن (أل) الجنسية أقل الداخلة على الجمع أقل معنى جنس الجمع ثلاثة إذا قيل: معرفة الأحكام الشرعية أو العلم بالأحكام الشرعية (أل) الجنسية معناه الكلام هذا إذا قلنا (أل) الجنسية هنا أن يكون أقل ما يصدق عليه أنه فقيه إذا عَلِم الطالب أو الشخص إذا علم ثلاث مسائل لأن (أل) داخلة على الجمع وأقل الجمع ثلاثة أقل معنى الجمع ثلاثة مسائل فحينئذٍ يلزم من هذا أن يكون من علم ثلاث مسائل بأدلتها التفصيلية يصح أن يطلق عليه فقيه وهذا صحيح من علم ثلاث مسائل فقط بأدلتها التفصيلية يصح أن يسمى فقهيًا، إذن الذي يسمع حلقة واحدة من نور على الدرب يسمى فقهيًا وليس الأمر كذلك إذن لا يصح أن تكون (أل) هذه للجنس لأن أقل ما يصدق عليه جنس الجمع ثلاثة ويلزم عليه أن من علم ثلاث مسائل بأدلتها يسمى فقيهًا أيضًا النوع الثالث أن تكون (أل) للحقيقة لمطلق الحقيقة للماهية ولا يصح ذلك لماذا؟ لأن (أل) التي للحقيقة تصدق على الواحد والاثنين والثلاثة إلى ما لا نهاية كأنه قال: معرفة حقيقة الحكم الشرعي الصادق بالواحد. وعليه يلزم أن من علم مسألة واحدة بدليلها التفصيلي يسمى فقيهًا وإذا نفي الأول فهذا ينفى من باب أولى وأحرى.
(4/7)

النوع الثالث: أن تكون (أل) استغراقية يعني: كل أفراد مدخولها لا بد أن يتعلق به المعرفة أو العلم. فإذا قيل: معرفة الأحكام. أي: كل الأحكام كما عبر الناظم هنا عبر الناظم هنا بكل وكل هذه للاستغراق وهي من صيغ العموم فهي مسورة بسور كلي والاستغراق أن مدخول أن من جهة الأفراد يتعلق به العلم فردًا فَردًا وعليه يلزم إذا قلنا: (أل) هنا للاستغراق الحقيقي يلزم عليه أن من سئل عن مسألة أو مسألتين من الأحكام الشرعية فلم يعلمها فلم يعرفها لا يسمى فقيهًا وعليه لما سئل مالك رحمه الله عن ثمانٍ وأربعين مسألة فأجب في اثنتين وثلاثين: لا أدري. والشافعي قال: لا أدري. وأحمد يكثر من قول: لا أدري. وأبو حنيفة إذن ليسوا فقهاء إذن إذا قيل: (أل) في الأحكام العهد. لا يصح وإذا قيل: للماهية. لا يصح، وإذا قيل: للجنس. لا يصح إذا قيل: للاستغراق. لا يصح إذن ما الذي يصح؟ أن يكون الاستغراق عرفيا لا حقيقيا.
ومنه عرفي وعموم المفرد أصح.
إذن الاستغراق نوعان: استغراق حقيقي، واستغراق عرفي.
الاستغراق الحقيقي هو: المنفي.
والاستغراق العرفي هو: أن يكون العام أن يكون الفقيه عالما بأكثر مسائل الفقه بأدلتها التفصيلية ولذلك فسروا العلم أو المعرفة فسرت بالملكة لماذا؟ لئلا يخرج زمرة من الفقهاء وهم من أئمة الفقهاء إذا قيل: العلم بالأحكام الشرعية. كل الأحكام بالفعل ما بقي فقيه على وجه الأرض وإذا قيل: العلم بالأحكام أي: الملكة والتهيؤ والصلاحية والاستعداد في كون الفقيه يعلم بعض الأحكام بالفعل والبعض الآخر بالاستعداد وبالقوة نقول: سلمنا من الاعتراض. فحينئذٍ لا يخرج الإمام مالك ولذلك قال في ((المراقي)):
والعلم بالصلاح فيما قد ذهب
يعني: يفسر عرف الفقه قال:
والفقه هو العلم بالأحكام ** للشرعي والفرعي نماها النام
أدلة التفصيل منها مكتسب ** والعلم بالصلاح فيما قد ذهب
يعني: العلم الذي أخذ في حد الفقه يفسر بالصلاح الصلاحية والتهيؤ لماذا؟ قال:
فالكل من أهل المناح الأربعة
الأئمة الأربعة
يقول لا أدري فكن متبعه
إذن لا بد أن نؤول العلم هنا بالملكة فحينئذٍ لذلك بعضهم صرح بهذا في مختصر التحرير الفتوحي قال: الفقه هو معرفة الأحكام الشرعية بالفعل أو بالقوة القريبة. بالفعل يعني: بالإيجاد. وبالقوة أي: بالاستعداد النفسي، أن يكون عنده أهلية النظر في الأدلة يعاود النظر مرة أخرى يتأمل وينظر فيستخلص الأحكام من أدلتها التفصيلية لكن قال: قريبة. هذا احتراز من القوة البعيدة لأن الطالب المبتدأ إذا ابتدأ في التحصيل هذا عنده استعداد لكنه بعد عشر سنين أو خمسة عشر سنة إذن هو يعلم الأحكام هو سيدرس الفقه الفروعي حينئذٍ نقول: هذا عنده استعداد ولكن استعداده بعيد أم قريب؟ بعيد قالوا: احترازًا من هذا النوع الذي عنده استعداد لأن يُحَصِّلَ الأحكام لأنه بعد سنين ستكون عنده قدرة ويستخلص الأحكام من مواردها. قالوا: احترازًا من هذا فنعين أو نقيد القوة بأن تكون قريبة الذي يعاود النظر قريبًا من السؤال فيستخلص الحكم من أدلتها نقول: هذا هو المراد بالفقيه الذي دخل في هذا الحد العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.
(4/8)

قال: (وَالفِقْهُ عِلْمُ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِي). إذن كل حكم شرعي ليس المراد الاستغراق هنا الحقيقي وإنما المراد به الاستغراق العرفي لماذا نقول: الاستغراق العرفي؟ لإدخال أكابر المجتهدين الذين سئلوا عن مسائل في الدين فقالوا: لا ندري. لذلك مُدِحَ هذا القول لماذا؟ لأنه يدل على ورع ودين عند المجيب.
ومن كان يهوى أن يرى متصدرا**ويكره لا أدري أصيبت مقاتله
(4/9)

(وَالفِقْهُ عِلْمُ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِي) يعني: تصديق بجميع الأحكام الشرعية بالفعل أو بالقوة نقول: تصديق لماذا؟ لأن العلم فسرناه بالتصور والتصديق هل التصور داخل معنا هنا في الحد لا، لم؟ لأن التصور متعلقه المفردات والأحكام الشرعية يتعلق بها تصور ويتعلق بها تصديق تعلق التصور بالأحكام الشرعية حقيقته أن يعرف حقيقة الواجب ما هو الإيجاب؟ يُحَدُّ، ما هو التحريم؟ ما هو الندب؟ ما هي الكراهة؟ ما هي الإباحة؟ نقول: هذا السؤال جوابه الحد وهذا هو حقيقة التصور هل مبحث والآن نعرف الفقه هل مبحث الفقيه في الحدود حدود الأحكام الشرعية؟ الجواب: لا، هذا من مباحث الأصولي، الأصولي هو الذي يبحث في حقيقة الإيجاب ما هو ما ضابطه؟ ما الذي يميز الإيجاب عن التحريم أو عن الندب أو عن الكراهة أو عن الإباحة؟ هذه وظيفة الأصولي وتذكر في مبادئ الأصول يعني: في المقدمات كما سيذكره فالواجب المحفوظ في الثواب إلى آخر ما سيأتي معنا إذن علمٌ الفقه علم كل حكم علم كل حكم نقول: هنا المراد بالعلم التصديق احترازًا من تصور الأحكام الشرعية لا لعدم إمكان تصورها وإنما لكون الفقيه لا يبحث في تصور الأحكام وإنما يبحث في تنزيل هذه الأحكام على محلها ولذلك نقول: تصديق وسبق أن التصديق المراد به من باب التقريب الجملة الاسمية والجملية الفعلية الصلاة واجبة الزنا محرم هذا هو التصديق إثبات الأحكام لمحالها فيبحث الفقيه في ماذا في كون الصلاة ثبت لها الوجوب في كون الزنا ثبت له التحريم، في كون تشبيك الأصابع ثبتت له الكراهة إلى آخره فمبحث الفقيه في التصديق بجميع هذه الأحكام ولذلك يطلق بعضهم أن الأحكام الشرعية المراد بها هنا في حد الفقه النسب التامة الجملة الاسمية والجملة الفعلية لأن هذا هو مبحث الفقيه، الفقيه يبحث عن أحكام شرعية والأصولي يبحث عن الأحكام الشرعية مبحث الأصولي في الأحكام الشرعية من حيث تصويرها وتصورها يعني بيان حدودها وتمييزها عن غيرها مبحث الفقيه في الأحكام الشرعية من حيث إثباتها لمتعلقاتها لأن الحكم الشرعي يتعلق بفعل المكلف وفعل المكلف منه ما هو قول باللسان، ومنه ما هو علم بالجوارح، ومنه ما هو عمل بالقلب كل من هذه الثلاثة هي محل للحكم الشرعي فيقال: الغيبة محرمة. هذا مبحث الفقيه يثبت التحريم للغيبة أما كون التحريم ما هو ليست من وظيفته إذن قوله: (وَالفِقْهُ عِلْمُ كُلِّ). أي: تصديق بجميع الأحكام نقول: تصديق لأننا فسرنا العلم هنا بما هو أعم من التصديق والتصديق يشمل التصديق النظري والتصديق الضروري إذن لم تخرج معنا الأحكام القطعية ولا الأحكام الظنية إذا قيل: تصديق احترازًا عن التصور. خرج التصور بقسميه النظري والضروري بقي ماذا التصديق بقسميه إذا بقي التصديق بقسميه لم تخرج الأحكام القطعية ولا الظنية (عِلْمُ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِي) ما المراد بشرعي هنا؟ المنسوب إلى الشرع ففيه إشارة ورد على المعتزلة أن الحكم الشرعي مصدره الشرع {((((الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}] الانعام، الآية:57 [.
جَاءَ اجْتِهَادًا دُونَ حُكْمٍ قَطْعِي
(4/10)

(جَاءَ) أي: ثبت. (جَاءَ اجْتِهَادًا) اجتهادًا هذا حال وهو بذل الوسع في بلوغ الغرض (جَاءَ اجْتِهَادًا) هذا فيه إشارة إلى أن المراد بالفقه هنا ماذا؟ على رأي الجويني أنه خاص بالأحكام الظنية أما الأحكام الضرورية أخرجها بقوله: (دُونَ حُكْمٍ قَطْعِي). أخرج الأحكام الضرورية يعني: المعلومة من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، وتحريم الزنا، ووجوب الإخلاص، وتحريم الحسد الخ هذه من المعلوم من الدين بالضرورة يعني: اشترك فيها العام والخاص العام يعني مع الخاص الذي هو العالم يعني: لا يمتاز العالم بعلمه بهذه الأحكام دون غيره من عامة المسلمين إذن (جَاءَ اجْتِهَادًا) يعني: جاء ثبوته وظهوره بالاجتهاد.
(4/11)

(دُونَ حُكْمٍ قَطْعِي) هذا استثناء من الأحكام الشرعية لأن الأحكام الشرعية بعضها طريقه الاجتهاد، وبعضها ليس كذلك يعني: ليس طريقه الاجتهاد وإنما يكون الحكم مجمعًا عليه أو دالا عليه بالكتاب والسنة ولكن دلالته قطعية، إذن عرفنا الآن حد الفقه لم ذكر الناظم هما حد الفقه هذا سؤال؟ نعم لتقييد الأصول إذا عرفنا أن المعنى الإضافي لفن الأصول ما يفهم من مفرديه المضاف والمضاف إليه عند تقييد الأول بإضافته للثاني إذن عرَّف لنا الأول في اللغة وعرَّف لنا الثاني في الاصطلاح إذا أردنا من البيتين أن نضع تعريفًا تسهيلاً والتعريف ليس توقيفيا نقول: إذا أردنا أن نأخذ حدًا لأصول الفقه بمعناه الإضافي فقيل: الأصل عرفه بماذا؟ ما بني عليه غيره والفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد لو أردنا أن نستخلص من هذين الحدين معنى أصول الفقه فنقول: أصول الفقه هو الأصول التي تبنى عليها معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. أصول الفقه هي: الأصول التي تبنى عليها معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. وهذا واضح عند من نص عليه فقال: أصول الفقه أي: أدلته، أي أدلته، الإجمالية كما سيأتي الأدلة الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد وبعضهم يعرف الأصول من جهة كونه لقبًا القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية وهذا هو علاقة الفقيه بالأصولي أن الأصولي يضع له قواعد عامة يأخذ هذه القواعد الفقيه فيطبقها فيستنتج الحكم الفرعي العملي يعني: كأن الأصولي ينظر ويتتبع نصوص الوحيين فينظر في وجوه أدلة الكتاب مثلاً كيف نستفيد الحكم من الكتاب الذي هو القرآن هل الكتاب جاء على مرتبة واحدة؟ الجواب: لا، وإنما هو متنوع مختلف بعضه أمر يعني: بعض لفظه أمر، وبعضه نهي، وبعضه عام، وبعضه خاص، وبعضه عام، وبعضه مطلق، وبعضه مقيد، وبعضه يؤخذ حكمه بالمنطوق أو دل على الحكم بالمنطوق، وبعضها بالمفهوم إذن وجوه دلالة الكتاب على الأحكام مختلفة ينظر فيها الأصولي ويبحث في دلالة الأمر لا ينظر عن الأحكام أو يبحث عن الأحكام الشخصية الصلاة حكمها الزنا الخ ما يبحث في هذه وإنما ينظر في الأمر ماذا يفيد الأمر؟ على أي شيء يدل الأمر؟ فيستخلص بالتتبع والنظر بواسطة العلوم المستمدة منها كما سيأتي أن مطلق الأمر يفيد الوجوب ويأخذ أن الأمر يفيد الفور ويأخذ أن الأمر يقتضي التكرار أو لا يقتضي التكرار فهذه قواعد عامة مطلق الأمر للوجوب قاعدة عامة من الذي استخلصها؟ من الذي هيأها؟ من الذي مهدها؟ الأصولي يأخذها مباشرة الفقيه فيطبقها فينظر في قوله تعالى: {(((((((((((((((((((((}. يقول: هذا أمر هذه مقدمة صغرى. {(((((((((((((((((((((} {((((((((((} أمر أخذ هذه المقدمة الصغرى من اللغة ثم يأتي بالمقدمة الكبرى من عند الأصولي ويقول: وكل أمر أو مطلق الأمر يقتضي الوجوب، النتيجة: الزكاة واجبة. هذه علاقة الفقيه بالأصولي ولذلك لا يمكن أن يكون الإنسان فقيهًا بمعنى كلمة فقيه متحرر إلا إذا كان مليًّا بالأصول ولذلك ذكر عن أبي البقاء العُكبري أنه قال: أبلغ ما يتوصل به إلى إحكام الأحكام العلم بأصول الفقه وطرف من أصول الدين.
(4/12)

أبلغ ما يتوصل به إلى إحكام الأحكام إتقان أصول الفقه هكذا قال نص أبلغ ما يتوصل به إلى إحكام يعني: إتقان الأحكام الشرعية إتقان أصول الفقه متلازمان والانفكاك بينهما عسير (دُونَ حُكْمٍ قَطْعِي) إذن عرفنا معنى أصول الفقه في من أي حيثية؟ من حيث كونه مركبًا تركيبًا إضافيًّا أما اللقبي فسيأتينا في آخر الباب ثم قال:
وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمَا ** أُبِيحَ وَالْمَكْرُوهُ مَعْ مَا حَرُمَا
مَعَ الصَّحِيحِ مُطْلَقًا وَالْفَاسِدِ ** مِنْ عَاقِدٍ هذَانِ أَوْ مِنْ عَابِدِ
(وَالْحُكْمُ) أيُّ حكم؟ هل هو الحكم الشرعي؟ أو الحكم العقلي؟ أو الحكم التجريبي؟ أو الحكم الحسي؟ أو الحكم اللغوي؟ أو الحكم الوضعي الاصطلاحي؟ أي الأحكام هذه؟ الشرعي إيت بدليلك نعم (أل) العهد الذكري شرحتها قبل قليل (وَالْحُكْمُ) أي: الشرعي. لماذا؟ لأنه أراد أن يشرح لك بعض ما تعلق به الحد لأنه حد لك الفقه بكونه، قال: (عِلْمُ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِي ** جَاءَ اجْتِهَادًا) سيبين لنا الآن الأحكام الشرعية ما هي لأنه ذكر الأحكام الشرعية قيدًا في حد الفقه فما هي هذه الأحكام الشرعية عدها لك سبعة ثم بين لك كل واحدٍ منها ثم انتقل إلى بيان العلم
والعلم لفظٌ للعموم لم يخص**للفقه مفهومًا بل الفقه خاص
(4/13)

ثم عرف العلم وبضدها تتميز الأشياء عرف لك الجهل ثم بعد ذلك انتقل إلى تقسيم العلم إلى ظني ونظري ثم بين لك الظن لأن كثيرًا من الأحكام أو كلها على ما يعتقده الجويني أصلاً أن باب الأصول باب الفقه كله مبنيٌ على الظن فعرف لك الظن ثم ختم بحد أصول الفقه لقبًا للفن إذن هذا الباب باب أصول الفقه مراد به مقدمات (وَالْحُكْمُ) أي: الحكم الشرعي ما الذي دلنا أل هذه للعهد الذكري إذا أعيدت النكرة معرفة فهي عين الأولى وإذا أعيدت المعرفة معرفة فهي عين الأولى وإذا أعيدت النكرة نكرة أو أعيدت المعرفة نكرة فهي غير الأولى أربع احتمالات النكرة تعاد معرفة كما قال هنا: (عِلْمُ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِي) هذا نكرة حكم نكرة وإن أضيف لأنه لم يعتبر بالإضافة لأنه أضيف إلى نكرة طيب فنقول: إذا أعيدت النكرة معرفة فهي عين الأولى كما في الآية السابقة {((((((أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} [المزمل: 15، 16] هل الرسول الذي عصاه فرعون هو عين الرسول الذي أرسل نعم قد يقول لك قائل لا هذا قال: {(((((((((((} فقال: {((((((((فِرْعَوْنُ ((((((((((} إذن غيره إيت بدليل على أن الرسول الذي عصي هو عين المرسل الأول أنت تقول: أل وهذه الآية نزلت بلغة العرب وإذا أعيدت النكرة معرفة فهي عين الأولى، إذا أعيدت المعرفة معرفة فهي عين تقول جاء القاضي وأكرمت القاضي هل القاضي الذي أكرم هو عين القاضي الذي جاء نعم هو نفسه الدليل أن المعرفة أعيدت معرفة وإذا أعيدت المعرفة معرفة فهي عين الأولى، إذا أعيدت النكرة نكرة أو أعيدت المعرفة نكرة فهي غير الأولى تقول جاء قاضٍ وأكرمت قاضيًا هل القاضي الذي أكرم هو الذي جاء ممكن تؤول وتقول زارني قاضٍ وأكرمت قاضيًا المستمع يظن أنك أكرمت الذي جاء وأنت تؤول القاضي الذي أُكرِم ليس هو الذي جاء لماذا لأن النكرة أعيدت نكرة والقاعدة العامة الأغلبية أن النكرة إذا أعيدت نكرة فهي غير الأولى، جاء القاضي فأكرمت قاضيًا جاء القاضي هذه معرفة أعيدت نكرة فأكرمت قاضيًا هو عين الأول أم غيره؟ غيره هذه قاعدة أغلبية قال السيوطي:
ثم من القواعد المشتهرة ** إذا أتت نكرةٌ مكررة
تغايرا فإن يعرف الثاني ** توافقا كذا المعرفان
شهدها الذي روين مسندا ** لن يغلب العسرين عسرٌ أبدا
ونقض السبكي ذي بأمثلة ** وقال ذي قاعةٌ مستشكلة
نقضها السبكي في كتاب ((عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح)) لكن رد عليه رد عليه في ((شرح على عقود الجمان)).
(4/14)

الحاصل: أن قوله: (وَالْحُكْمُ) أل هذه للعهد الذكري التي عُهِدَ مصحوبها ذكرًا يعني: ذكر في الكلام السابق إذًا الحكم الشرعي قال: واجبٌ (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ) في الأصل قال: والأحكام الشرعية سبعةٌ هنا قال: (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ) ما إعراب الحكم مبتدأ صحيح من تردد مبتدأ لأنه محكومٌ عليه الحكم هنا محكومٌ عليه فهو مبتدأ والقاعدة أنه إذا استشكل عليك أمر المبتدأ والخبر أيهما مبتدأ وأيهما خبر انظر المحكوم عليه فهو المبتدأ وأنظر المحكوم به من جهة المعنى إن حكمت على أي شيء فصار هو المبتدأ الحكم واجب حكمنا على الحكم واجب بأنه واجبٌ إذن الحكم مبتدأ أين الخبر المحكوم به واجب إذا كان الحكم ينقسم إلى سبعة أقسام قال: والحكم مبتدأ و (وَاجِبٌ) هذا خبر إذن تمت الجملة مبتدأ وخبر من جهة المعنى هل يصح هذا التركيب هل يصح إذا قلت والحكم واجب مبتدأ وخبرٌ وانتهت الجملة لزم أن يكون الحكم الشرعي واحد وهو الواجب انظر النحو ينبني عليه المعاني والحكم واجبٌ إذا قلت مبتدأ وخبر وانتهت الجملة هنا إلى قولنا: (وَاجِبٌ).
(4/15)

ينبني على هذا المعنى يلزم ولا انفكاك لك إلا أن تقول أن الحكم محصورٌ في الواجب وليس عندنا ندب ولا كراهة ولا آخره ما الجواب قالوا: في مثل هذا التركيب راعى العطف قبل الحمل يعني: قبل أن يخبر عن المبتدأ راعى أن سيعطف عليه والعبرة بالمعنى لا باللفظ فحينئذٍ نقول في الإعراب حتى يستقيم التركيب الحكم مبتدأ واجبٌ وما عُطِفَ عليه خبرٌ مبتدأ لذلك يرد في كتب النحو أيضًا الكلمة اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ يأتي بعض الظاهرية فيقول: الكلمةُ اسمٌ مبتدأ وخبر انتهى التركيب نقول هذا يلزم من أن الكلمة لا تنقسم إلى اسمٍ فقط ليس مدلولها إلا الاسم نقول: لا الكلمة مبتدأ اسمٌ وما عطف عليه راع الحمل قبل العطف قبل الحمل قبل أن يحمل هذا الخبر على المحكوم عليه نوى في قلبه أن سيعطف عليه إذن قوله: والحكم مبتدأ واجبٌ وما عطف عليه خبر مبتدأ فحينئذٍ ألفاظ الحكم هل هو حكمٌ واحد أم أحكام؟ أحكام انظر الفرق بين التركيبين والنحو هو القاضي والفاصل في هذه المعاني (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ) إذن واجبٌ هذا خبر المبتدأ ولكنه باعتبار ما عطف عليه لا لوحده لأنهم في الأصل في الورقات قال: والأحكام الشرعية سبعة الواجب إلى آخره (وَالْحُكْمُ) له معنيان معنى لغوي ومعنى اصطلاحي المعنى اللغوي يطلق بمعنى القضاء والفصل لمنع العدوان وبمعنى العلم والفقه وبمعنى القضاء الذي أصله المنع وبمعنى المنع إذن له اطلاقات متعددة يطلق بمعنى القضاء والفصل لمنع العدوان ومنه قول تعالى: {((((((أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ((((((((} [النساء: 105] {(((((((((} أي: لتقضي وتفصل بين الناس، {(((((((((((إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [ص: 26] {(((((((((} أي: اقض وافصل بين الناس بالحق ويطلق الحكم بالمعنى العلمي والفقه {((((((((((((((الْحُكْمَ صَبِيًّا ((((} [مريم: 12] يعني: آتيناه الفقه والعلم صبيا، ويطلق بمعنى القضاء الذي أصله المنع لأن القضاء إنما سمي قضاءً لمنعه من غير المقضي القضاءً لمنعه من غير المقضي إذا قضى قاضي لأمرٍ ما فقد منع من ضده إذا قضى بالميراث مثلاً منع من عدم الميراث إذن القضاء يستلزم المنع ويطلق بمعنى المنع أصالةً ومنه قول جرير:
أبني حنيفة احكموا سفهاءكم**إني أخاف عليكم أن أغضبا
(4/16)

حكموا أي: امنعوا سفهاءكم يقال: حكمه كنصره، وأحكمه كأكرمه وحكَّمه بالتضعيف حكم حكمه بالتخفيف كان نصره وأحكمه كلها بمعنى المنع وأحكمه كأكرمه وحكًّمه بالتضعيف وكلها بمعنى المنع فإذا قيل حكم الله في هذه المسألة الوجوب بمعنى أن الله قضى في هذه المسألة بالوجوب ومنع المكلف من مخالفة ما حَكَمَ به لذلك قيل القضاء الذي أصله المنع أو القضاء الذي يستلزم المنع حكم الله في هذه المسألة الوجوب معناه قضى الله في هذه المسألة بالوجوب ومنع المكلف من مخالفة هذا الحكم إذن خلاصة نقول الحكم في اللغة يطلق بمعنى القضاء والفصل وبمعنى العلم والفقه وبمعنى القضاء الذي أصله المنع، أما في الاصطلاح فله تعريفان مختلفان لأن الحكم الشرعي له مفهومٌ خاصٌ عند الأصوليين وله مفهومٌ خاصٌ عند الأصوليين له مفهومٌ خاص عند الفقهاء وله مفهومٌ خاص عند الأصوليين إذن الفقهاء يعرفون الحكم الشرعي بتعريف خاص بهم لأن نظرهم يختلف عن أصل نظر الأصوليين في بعض المسائل منها هذه، الحكم الشرعي عند الفقهاء مدلول خطاب الشرع خطاب الشرع هو القرآن والسنة والإجماع والقياس كل ما يثبت به الحكم الشرعي فهو خطاب الشرع ومدلوله أثره المترتب عليه كأنه عرف لك الحكم الشرعي بأنه ما يترتب على كلام الله تعالى وكلام رسوله صلَّى الله عليه وآله وسلم الحكم الشرعي يتبين هذا بالحكم الشرعي عند الأصوليين الحكم الشرعي عند الأصوليين هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلفٌ به زاد بعضهم بالاقتصار أو التخيير أو الوضع هذا حد الحكم الشرعي عن الأصوليين خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلفٌ به بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع وهو الذي أشار إليه في ((المراقي)) بقوله:
كلام ربي إن تعلق بما**يصح فعلاً للمكلف فعل اعلما
من حيث إنه به مكلف**فذاك بالحكم لديهم يعرف
يعني: عند الأصوليين ومبحث الأصوليين في أعراف الأصوليين وحدود الأصوليين ولا يتعرضون لما يذكره الفقهاء إلا من باب التبع أما أصالةً فيذكرون حدودهم فلذلك عرف الحكم الشرعي عند الأصوليين ولم يتعرض للحكم شرعي عند الفقهاء، السر في اختلاف الحكم الشرعي عند الفقهاء وعند الأصوليين هو باللفظ يعني: على أي أساسٍ بنى الفقيه حد الحكم الشرعي وعلى أي أساسٍ بنى الأصولي حد الحكم الشرعي، الأصولي يبحث في الأدلة لذلك موضوع أصول الفقه هو الأدلة الإجمالية يبحث في ذات الدليل في نفس الدليل في قول الله تعالى إذن نظره إلى أي شيء إلى ذات المصدر لأن كلام الله باعتبار القول باعتبار كونه قائلا ينسب هذا اللفظ إلى الله تعالى من هذه الحيثية عرف الأصولي الحكم الشرعي فقال: هو خطاب الله المراد به كلام الله ولذلك صرح بهذا في ((المراقي))
(4/17)

كلام ربنا الذي هو خطاب الله كل خطاب فهو كلام من غير عكس سيأتي بيانه إذن نظر الأصولي في ذات الكلام من جهة مصدره، ونظر الفقيه في كلا الله باعتبار متعلقه ما هو متعلق كلام الله فعل المكلف الفقيه يبحث في فعل المكلف، موضوع الفقه أفعال المكلفين من حيث إثبات الأحكام الشرعية لها ينظر الفقيه في فعلك أنت هذا الفعل الذي تصنعه ما حكمه في الشرع فيثبت له حكمًا من الأحكام الشرعية إما التحريم إما الإيجاب إلى آخره إذن نظر الفقيه في متعلق كلام الله ولذلك بالمثال يتضح المقال {(((((((الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ((((} [طه:14] {(((((((((((((((((((((} [الأنعام: 72] هذا حكمٌ شرعي عند الأصوليين نفس القول نفس اللفظ نفس الكلام هو حكم الله ولذلك خطاب الله نفس الكلام باعتبار مصدره هذا هو الحكم الشرعي عند الأصوليين ويسمى إيجابًا مدلوله {(((((((((((((((((((((} ما مدلوله؟ تعلَّق هذا النص بفعلٍ من أفعال المكلفين وهو فعل الصلاة قيام وركوع وسجود كون هذا النص متعلقًا بفعل المكلف قالوا: دل النص على وجوب الصلاة إذن الإيجاب والوجوب متحدان في الذات، الذات واحدة {(((((((((((((((((((((} هذا إيجاب وهذا وجوب نفس المحل لكن لما نظرنا إلى {(((((((((((((((((((((} كونه كلام الله نسب إلى المصدر جل وعلا نقول هذا إيجاب وبالنظر أن مدلولهم متعلقٌ بفعلك أنت نقول هذا وجوب ولذلك نقول أوجب الله الصلاة إيجابًا فوجبت عليه وجوبًا فهي واجبةٌ إيجاب ووجوب وواجب نقول: أوجب إذا كتبت هذه العبارة ترتاح كثير أوجب الله الصلاة إيجابًا فوجبت عليه وجوبًا فهي واجبةٌ فهي واجبةٌ الإيجاب وصفٌ لذات النص باعتبار مصدره والشيخ الأمين الهرري يقول: إذا أشكل عليكم بعض المسائل يقول: احفظوها هكذا ونقول: أمروها كما جاءت يعني اكتبها وأحفظها لأن بعض المسائل دقيقة ما تفهم لأول وهنة فتحتاج إلى تأمل وإلى إعادة وفي ذلك يقول: بالتَجْرُبَة أو بالتَجْرِبَة يقول: كلما كرر الشيء ولو لم يكن مفهومًا يؤدي إلى فهمه وهذا صحيح يعني تكتب الجملة إذا ما فهمتها وتتأمل فيها مرة أو مرتين وثلاثة تجد أنها واضحة أو بينة إذن الإيجاب هذا وصفٌ لكلام الله باعتبار مصدره أنه الله عز وجل والوجوب مدلول كلام الله ولذلك نص الإيجي وغيره أن الإيجاب والوجوب متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار، متحدان بالذات يعني الذات واحدة وهي {(((((((((((((((((((((} [الأنعام: 72] هذا وجوبٌ وإيجاب لكن لما نسبناه إلى الله فهو إيجاب ولما نسبناه إلى كونه متعلقًا بفعلك أنت جاء يبين فعلك أنت يبين الصفة هذه التي صارت حكما في الشرع هذا يسمى وجوبًا، أما الواجب فهو صفة الفعل متحدان بالذات مختلفان باعتبار الواجب هذا صفة الفعل أن تعد ما تقوم وتركع وتسجد نقول فعلت واجبًا لذلك نقول: الصلاة واجبة ولا نقول فعلت وجوبًا أو إيجابًا أليس كذلك لا تقل وفعلت وجوبًا لا وجوبا هذا صفة للآية {((((((((((((الصَّلَاةَ} [البقرة:43] والإيجاب هذا صفة من صفات الله لأنه صفةٌ للقرآن إليك أن تفعل أنت ما هو صفة لله عز وجل إنما تفعل الواجب لذلك يعبر عن بالواجب اسم فاعل دالٌ على ذاتٍ متصفة بصفة وهي الإيجاب إذن أوجب الله الصلاة إيجابًا فوجبت
(4/18)

عليك وجوبًا فهي واجبةٌ الإيجاب والوجوب وصفان للآية {((((((((((الصَّلَاةَ} الإيجاب باعتبار نسبته إلى المصدر القائل وهو صفةٌ لله والوجوب باعتبار مدلوله بالنظر إلى متعلق الآية وهو فعلٌ مكلف والواجبٌ هو صفتك أو صفة فعلك هذا هو السر في اختلاف النظر بين الفقهاء والأصوليين أن الفقهاء نظروا إلى ماذا؟ إلى ماذا؟ إلى فعل المكلف أن هذه الآية متعلقة بفعل المكلف فعل المكلف متعلق الآية لأن بحثهم في ماذا؟ في أفعال المكلفين فحينئذٍ ينظرون في الآيات والنصوص فما تعلق بفعل المكلف هو مبحثهم، أما الأصولي فلا، نظره في الدليل نفسه على أي شيءٍ يدل ما هي وجوه الاستدلال بهذا الدليل كالقرآن مثلاً فلذلك عرف الحكم بأنه خطاب الله يعني: كلام الله. وأما الفقهاء فقالوا: مدلول خطاب الله. لماذا؟ لأن متعلقه فعل المكلف.
الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلفٌ به هذا يحتاج إلى ساعة تقريبًا الشرح تعريف هذا يحتاج إلى ساعة نبدأ؟ نقف. نعم
صلَّى الله وسلم.
(4/19)

عناصر الدرس
* شرح تعريف الحكم الشرعي عند الأصوليين.
* الأ د لة من الكتاب والسنة واللغة على أنَّ الترك يسمى فعلاً.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
(5/1)

شرع الناظم تبعًا للأصل الجويني في بيان الأحكام الشرعية السبعة التي نص عليها الجويني وهو تبع للأصل أنها سبعة وعلة ذكر الحكم بعد تعريف الفقه كما سبق أن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية وإن كان جهة العلم بالحكم عند الفقهاء مختلفة عن جهة الحكم عند الأصوليين لأن مراد الناظم هنا مثلاً (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ) إذا فسرنا الحكم بأنه الحكم عند الفقهاء يكون الحكم الشرعي هو العلم بالواجبات، والمندوبات، والمباحات، والمكروهات، والمحرمات (مَعَ الصَّحِيحِ) أي: مع الأفعال الصحيحة (وَالْفَاسِدِ) أي: مع الأفعال الفاسدة العلم بالواجبات هو الأحكام الشرعية عن الفقهاء تقريبًا كأنه يقول لك أن الفقيه هو الذي يجري هذه الأحكام الشرعية من حيث تعلقها بفعل المكلف، ولكن لما كان البحث في كلام أصوليين يتعين أن يحمل الحكم على الاصطلاح الأصولي، يتعين أن يحمل الحكم هنا على المعنى الأصولي وإلا فالحكم له جهتان، أو له مبحثان، أو له معنيان: معنى عند الفقهاء، ومعنى عند الأصوليين، كلٌ منها اصطلح على معنًا مراد يتعلق ببحثه أو بالموضوع الذي يبحث فيه ذلك الفن، فلما كان مبحث الفقهاء في أفعال العباد من حيث تعلق الأحكام الشرعية بها، نظروا إلى أن الحكم هو مدلول الخطاب الشرعي لما كان نظروا الفقهاء لأنع يأتي السؤال الحكم الشرعي لما اختلف عن الفقهاء والأصوليين؟ لما اختلف لماذا عرف الأصوليون الحكم الشرعي بتعريفٍ مغايرٍ ومخالفٍ للحكم الشرعي عند الفقهاء تقول كلٌ منهما نظر إلى فنه الذي يبحث فيه فلما كان الفقيه يبحث في أفعال العباد الأفعال الصادرة عن العباد من حيث ماذا؟ من أي جهة؟ من كونها مخلوقة لله؟ من كونها صادرة منهم؟ لا وإنما من حيث تعلق الأحكام الشرعية بها فهذه الأفعال التي تصدر عن العباد منها ما هو واجب ومنها ما هو مندوب منها ما هو مندوب منها ما هو مكروه منها ما هو محرم منها ما هو مباح من الذي يميز هذا الفعل الواجب عن الفعل الآخر المندوب؟ من؟ الفقيه ينظر في فعلك أنت تقول تصرفك هذا قولك هذا حركت هذه تركك هذا واجب وترك الآخر مندوب إذن ميز لك بين فعلك أنت هذه وظيفة الفقيه أما الأصولي لما كان مبحثه في الأدلة لا تعلق له بفعل العباد أو أفعال العباد وإنما ينظر في نفس الدليل الكتاب من حيث ماذا؟ من حيث دلالته على الأحكام الشرعية إذن نظر إلى الموضوع الذي يبحث فيه الأصولي وهو الأدلة، والفقيه نظر في موضوعه الذي يبحث فيه وهو أفعال العباد فاختلف الحدان وتغاير الحدان ولكن الخلاف لا ينبني عليه فرع وإنما هو من جهة التأصيل فقط يعني: نقول: حد الحكم عند الفقهاء مدلول خطاب الشرع، وحد الحكم عند الأصوليين خطاب الله نفس الخطاب هل ينبني خلاف جوهري بحيث تفترق أفعال العباد أو الأحكام الشرعية؟ نقول: لا الخلاف لفظ لماذا الخلاف لفظي؟ لعدم ثمرةٍ تترتب على مغايرة الحدين إذن نقول: الحكم الشرعي عند الفقهاء هو مدلول خطاب الشرع المراد به كلام الله كما سيأتي تفسيره مدلوله أي ما دل عليه إذن نظر الفقيه في ماذا؟ في الدال أم في المدلول؟ في المدلول مدلول خطاب الشرع أي: ما يترتب على خطاب الشرع من أثر أو إن شئت قل مدلول خطاب الشرع وأثره المترتب
(5/2)

عليه، ما هو أثره في نحو قوله تعالى: {((((((((((((((((} [الإسراء: 78]. وجوب الصلاة هذا مدلول قوله تعالى: {((((((((((((((((}. وإلا لو جُعِلَ {((((((((((((((((} عند الفقهاء مدلول لو جعل كل منهما الدال والمدلول دليل اتحد المدلول مع الدليل وهذا باطن إذن لا بد من المغايرة بين الدليل والمدلول عند الفقهاء فنصوا على أن مدلول الآية هو الحكم الشرعي أما الآية نفسها فلا تسمى حكمًا في اصطلاحهم مدلول خطاب الشرع أما الأصوليون فلما كان مبحثهم في نفس الأدلة عرفوا الحكم الشرعي بتعاريف يشملها ويجمع بينها ما ذكره السبكي أو ابن السبكي في ((جمع الجوامع)) وهو أن الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بعضهم يزيد من حيث إنه مكلفٌ به بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع هذا هو الحكم الشرعي عند الأصوليين وهنا اختلاف في بعض الألفاظ بعضهم يقول: خطاب الله، وبعضهم يقول: خطاب الشرع، وبعضهم يقول: كلام الله كما عبر صاحب ((المراقي)).
كلام ربي إن تعلق بما ** يصح فعلاً للمكلف اعلما
من حيث إنه به مكلف ** فذاك بالحكم لديهم يعرف
هذا يسمى الحكم الشرعي عند الأصوليين.
(5/3)

المتعلق بفعل المكلف بعضهم يعبر المتعلق بما يصح أن يكون فعلاً للمؤمنين، بعضهم يقول المتعلق بفعل المكلف وبعضهم يعبر المتعلق بأفعال المكلفين بعضهم يزيد من حيث إنه مكلف ويقف إلى هنا هذا الحد ويحذف بالاقتضاء أو التخير أو الوضع وبعضهم يقول: بالاقتضاء أو التخيير ويسقط الوضع وهذا كله مبني على أمورٍ جوهرية عندهم إذن نقول التعريف المختار هو أن يقال الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع هذا أسلم وأجمع خطاب الله هذا يحتاج إلى بيان، المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع هذه سبعة ألفاظ لكل لفظ منها مبحثٌ نختصر الكلام فيه قوله خطاب: خطاب هذا وزنه فعال وفعال هذا مصدر خاطب يخاطب خطابًا ومخاطبةً تقول خاطب زيدٌ عَمْراً خطابًا ومخاطبًا والخطاب هنا قلنا: مصدر والمعنى المصدري هو مدلول الحل يعني: يدل المعنى المصدري، المصدر ما مدلوله الحدث الضرب مدلوله نفس الضرب وقيام هذا مصدر مدلوله نفس القيام نفس الحدث إذن المصدر اسم مدلوله عين الحدث وهنا الخطاب إذا عرفناه بالمعنى المصدري فكان المراد به توجيه الخطاب أو توجيه الكلام لمخاطب لكن هل المراد هنا المعنى المصدري نقول: لا وإنما المراد به اسم المفعول من باب إطلاق المصدر وإرادةِ اسم المفعول هذا يسمى عندهم مجازًا مرسلاً إذا أطلق المصدر وأريد به اسم المفعول صار مجازًا ونوعه أنه مجازٌ مرسل على من يرى إثبات المجاز لماذا نقول: أريد به المصدر أريد به اسم المفعول؟ لأن الخطاب هذا نفس الحد والحكم الشرعي هو نتيجة الحدث كما يقال في اللفظ والتلفظ نقول أثر الصفة ولا يمكن أن يكون المشار إليه صفة، إذن {(((((} نقول: هذا مصدر أطلق وأريد به اسم المفعول. {((((((خَلْقُ ((((} أي: هذه المخلوقات إذن فرقٌ بين الخلق والمخلوق الخلق هذه صفةٌ تتعلق بالرب على ما تليق به والمخلوق هذه أثر الصفة التلفظ والملفوظ التلفظ هذا فعل الفاعل الذي يخرج المخارج أو الصوت المحتمل على بعض الحروف الملفوظ هو ما يدرك بالسمع والتكلم والكلام الكلام هذا أثر التكلم إذن فرقُ بين المعنى المصدري وبين ما يترتب عليه توجيه الكلام لمخاطبٍ كوني أوجه إليك الكلام هذا يسمى خطابًا الموجه به هذا يسمى المخاطب به إذن فرقٌ بينهما والمراد هنا المخاطب به وهو كلام الله لأن نظر الأصولي كما سبق إلى الدليل من حيث مصدره من حيث المصدر القرآن منسوبٌ إلى الله مصدره الله عز وجل إذن ينظرون إلى حد الحكم الذي هو النص القرآني باعتبار مصدره إلى الله عز وجل يعني: باعتبار كونه كلام الله عز وجل. فحينئذٍ نعرف الحكم الشرعي بأنه خطاب ليس المراد توجيه كلام الرب إلى المخلوق وإنما المراد به المخاطب به الذي خوطب به المكلفون كلام ربي كما عَدَلَ عنه صاحب ((المراقي)) عن خطاب إلى كلام ربي إذن كلام ربي هو المراد بالخطاب.
(5/4)

الخطاب عرفه بعضهم كما نص على ذلك صاحب ((التحرير)) بأنه قولٌ يَفْهَمُ منه من سمعه شيئًا مفيدًا مطلقًا} وهذه لها احترازان القول واللفظ الدال على معناه لكنه ما أراده بهذا المعنى أراده بمرادفه وهو اللفظ لأن بعض النحاة يرى أن القول واللفظ مترادفان وفي هذا التعريف القول مرادفٌ للفظ يعني: الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية التي أولها الألف وأخرها الياء قولٌ هذا احترازٌ من الإشارات والحركات المفهمة فإنها لا تسمى خطابًا لو أشار له هكذا تفهم منه شيء أو لا تفهم لكن هل يسمى له خطاب هل أقول لك إذا فعلت هكذا أني خاطبتك نقول: لا، لا بد أن يكون قولاً فلو كان م حركة أو إشارة مفهمة يفهم منها أمر أو نهي اجلس مثلاً أو قم أو لا تذهب كانت هذه المفاهيم مأخوذة من الإشارات لا تسمى خطابًا وإنما لا يكون خطابًا إلا إذا كان قولاً إذن احترز به عن الحركات المفهمة والإشارات يفهم منه الفهم كما سبق أنه إدراك معنى الكلام أو كما قال أبو هلال العسكري العلم بمعان الكلام عند سماعٍ خاص أو إن شئت قل القول بمعان القول عند سماعه إذا وصلت النفس إلى تمام المعنى المراد من اللفظ المركب من المتكلم قيل فهم المراد احترز بهذا القيد عمن لا يفهم كالمجنون المجنون إذا سمع قولاً لا يفهمه إذا وُجِّهَ الخطاب أو إذا سمع المجنون قولاً أو إذا وجه إليه قولٌ بالاعتبارين هل يسمى خطابًا نقول لا يسمى خطابًا لأن من شرط الخطاب أن يكون قولاً وهذا قولٌ ولكنه لا بد أن يكون أن يفهم من سمعه أما الذي لا يفهم على الإطلاق فلا يسمى توجيه الكلام إليه الصبي هذا يفهم ولكن فهمه قاصر إذن قولٌ يفهم منه أَطلق الفهم هنا على وجه الكمال فخرج به المجنون والصبي ومن في حكمهما فإن توجيه الكلام إليه ما لا يسمى خطابًا من سمعه هذا قيدٌ ثالث ليعم من واجه المخاطَب بالكلام أو بلغم دون مواجهة ليعم المخاطب الموجود وقت الخطاب ويعم من لم يكن موجودًا وقت الخطاب ولكنه بلغه وسمعه هذا فيه إشارة إلى قوله تعالى: {(((((((((بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19].
(5/5)

إذن لا يشترط في خطاب أن يسمى خطابًا يكون موجهًا للموجودين بل قد يكون المعدوم في حكم الموجود وينزل منزلته في الخاطب من سمعه يفهم منه من سمعه قلنا هذا لا يشمل أو يعم المواجهة وعدمها من سمعه شيئًا مفيدًا أخرج المهمل هذا يدل على أنه استعمل القول بمعنى اللفظ وهو قولٌ لبعض النحاة، شيئًا مفيدًا مطلقًا الإطلاق هنا المراد به سواءٌ قصد المتكلم إفهام السامع أم لا لأن الذي يتكلم بالكلام قد يقصد وينوي أن يفهم السامع وقد لا ينوي ذلك بعض الأصوليين اشترط في الخطاب أن يكون المتكلم المخاطب قصد إفهام السامع فإذا لم يقصد إفهام السامع فلا يسمى خطابًا ولهذا اختلفوا هل الخطاب هو الكلام الذي يُفهم أم الكلام الذي أفهم هل الخطاب نفسره بأنه كلام الذي يُفهم أم الكلام الذي أفهم يفهم وأفهم وصفان للكلام وبينهما كما بين السماء والأرض والفرق بينهما كما أن الكلام الذي يفهم سواءٌ فهم منه المستمع أو المخاطب بالفعل أم لا يسمى خطابًا ولو لم يفهم منه أما الكلام الذي أفهم فهو الذي حصل منه الفهم بالفعل لا بالقوة فيبنهما بينهما فرق الكلام الذي يفهم ولو بالقوة الكلام الذي أفهم بالفعل والصحيح أن الخطاب هو الكلام الذي يفهم ويسمى خطابًا ولو كان المخاطب معدوما على الصحيح خاطب الله قلنا خطاب هذا جنس يعني: مأخوذًا ليعم المعرف وغيره والجنس كما هو معلوم قولٌ مقولٌ أو مقولاً على كثيرين مختلفين بالحقيقة في جواب ما هو نسيتم المنطق! مقولٌ على كثيرين مختلفين بالحقيقة أو بالحقائق يقع في جواب سؤال هذا السؤال ما هو؟ إذن خطاب نقول: هذا جنس فيشمل خطاب الله تعالى وخطاب غيره الحكم الشرعي هو خطاب خطاب من؟ حيث هو النظر إليه يحتمل أن خطاب يكون من الله عز وجل ويحتمل أن يكون من غيره أردنا أن نخرج خطاب غيره ليختص الحكم الشرعي بمصدره الخاص به وهو الله عز وجل (خِطَابِ اللهِ) أخرج خطاب غيره كخطاب الإنس للإنس أو الجن للجن أو الجن للإنس أو الإنس للجن أو الملائكة للإنس وهلم جرا هذه خطابات قد يوجه الإنسي للإنسي خطاباً توجيه الكلام للمخاطب لكنه لا يسمى حكمًا شرعيًا لماذا لأن الحكم الشرعي لا يكون حكمًا شرعيًا إلا إذا كان المخاطِب هو الله وكان الكلام كلام الله أما كلام غيره فلا يسمى حكمًا شرعيًا وإن سمي خطابًا إذن خطاب الإنس للإنس يسمى خطابًا لكن ليس حكمًا شرعيًا إذن (خِطَابِ اللهِ) نقول: خطاب هذا جنس بإضافته إلى لفظ الجلالة أخرج خطاب غيره وحينئذٍ لا حكم إلا لله {((((الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: 57] إذن الحكم الشرعي محصورٌ في مصدرٍ واحد وهو حكم الله تعالى إذن لا يمكن أن يُؤخذ الحكم الشرعي من غير خطاب الشرع الذي هو القرآن ولذلك نص أهل العلم على أن كل حكمٍ لا من الشرع فهو باطل وكل تشريعٍ لا من الشرع فهو باطل هذا إجماع لا خلاف فيه {((((الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} يعني ما الحكم إلا لله {(((((اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ((((} [الشورى: 10]، {(((((تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ (((((((((((} [النساء:59]، {(((((((((} يعني: إلى كتاب الله وإلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيًا إلى ذاته إن كان
(5/6)

حيًا وإلى سنته إن كان ميتًا عليه الصلاة والسلام إذن يشمل الحالين: حالة الحياة وحالة الموت (خِطَابِ اللهِ) إذن هذا فيه حصر الحكم الشرعي في مصدره الحقيقي يرد إشكال هنا الأحكام الشرعية فقهية وغيرها بعضها مأخوذٌ من القرآن ولا إشكال ودل عليه قوله: (خِطَابِ اللهِ) المراد به كلام الله وهو القرآن، قال بعضهم: إذا قلنا: (خِطَابِ اللهِ) أضفناه إلى لفظ الجلالة أخرجنا بعض الأحكام الشرعية وعليه يكون الحد غير جامع لماذا؟ لأن تم أحكامًا مأخوذة من تم أحكامًا مأخوذةٌ من السنة النبوية، وتم أحكامًا مأخوذةٌ من الإجماع وتم أحكامً مأخوذةٌ من القياس فهذه ثلاثة مصادر ل يشملها الحد السنة النبوية صحيحة والإجماع المتيقن والقياس الصحيح ما الجواب بعضهم قال: نُعَدِّلُ العبارة فنقول حكم الشرعي هوة خطاب الشرع فلا يرد الإيراد لأن الشرع يطلق ويراد به مصادر الشرع وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس فحينئذٍ لا إشكال، وبعضهم قال: لا نمنع خروج هذه الأحكام التي ثبتت بالسنة أو بالإجماع أو بالقياس عن قولنا: خطاب الله لماذا قالوا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مبلغٌ عن الله {(((((((((((((إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ ((((((((((} [النحل: 44] وجميع السنة داخلٌ في قوله تعالى: {((((((آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ ((((((((((((} [الحشر: 7]. وقال تعالى: {((يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]. إذن طاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - داخلة في طاعة الله عز وجل إذن لم يخرج الحكم الثابت بسنة النبوية عن كونه خطابًا لله ولذلك جاء {(((((يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (((} [النجم: 3، 4] إذن جميع السنة داخلة في كلام الله أما الإجماع والقياس فهذا لا يثبت الإجماع الصحيح ولا يثبت القياس الصحيح إلا إذا كانا مستندين إلى كتاب أو سنة إذن رجعت المصادر الثلاثة إلى كلام الله ولذلك يعدها بعض أصوليين بأن هذه المصادر الثلاثة السنة والإجماع والقياس هذه ليست مستقلة في إثبات الأحكام وإنما هي كاشفة ومظهرة للحكم الإلهي وعليه نقول: خطاب الله الذي تثبت به الأحكام قد يكون صريحًا ومباشرًا بالقرآن وقد يكون غير مباشر وهذا الثابت بالسنة والإجماع والقياس (خِطَابِ اللهِ) المتعلق بفعل المكلف هذه ثلاثة ألفاظ المتعلق بفعل المكلف لا بد من معرفة من هو المكلف؟ وما المراد بفعل المكلف؟ وما المراد بتعلق خطاب الله بفعل المكلف؟ الْمكلف هذا اسمٌ مفعول من كُلِفَ يُكَلََّفُ فهو مُكَلِفْ وَمُكَلَفْ مُكَلَفْ هذا اسم مفعول مشتقٌ من التكليف ما هو التكليف قالوا: التكليف لغةً إلزام ما فيه كلفة أي: مشقة.
تكلفني ليلى وقد شط وليها**وعادت عواد بيننا وخطوب
(5/7)

تكلفني ليلى أي ( ... ) علي يكلفه قومه ما نابه هكذا يكلفه القوم ما نابه وإن كان أصغرهم مولدا يعني: يلزمونه بما فيه كلفة ومشقة أما في الاصطلاح فالتكليف إلزام ما فيه مشقة وقيل: طلب ما فيه مشقة إذن بينهما خلاف إلزام وطلب إلزامٌ وطلب وهو إلزام الذي يشق أو طلبٌ فها بكل خلق يعني: اختلف الأصوليون في حد التكليف ما هو قيل: إلزامٌ ما فيه مشقة، وقيل: طلب ما فيه مشقة ما الذي ينبني على هذين الحدين إذا قيل إلزام ما فيه مشقة خرج الندب والكراهة والإباحة فلا تسمى حكمًا تكليفيًا واختص الحد بالإيجاب والتحريم هذا إذا قيل: إلزام ما فيه مشقة، وإذا قيل: طلب ما فيه مشقة دخل الندب والإباحة والكراهة إذن على الحد الأول إلزام ما فيه مشقة اتصف التكليف بالإيجاب والتحريم فحسب والندب غير مكلف به والكراهة غير مكلفٍ بها وكذلك الإباحة وإذا قيل: طلب ما فيه مشقة طلب هذا يشمل الإيجاب والندب والتحريم والكراهة أما الإباحة فعلى الحدين ليست داخلة فيهما على الحدين ليست داخلة فيهما هذا هو حد التكليف وسيأتي في موضعٍ آخر إن شاء الله بيان شروط المكلف به وشروط المكلف. التكليف هنا قال: المتعلق بفعل المكلف. ما المراد بالمكلف هنا المراد به لا بد أن نفسره بأنه العاقل البالغ الذاكر غير الملجأ، لأن النائم والساهي والمفرح والغافل و ( ... ) هذه خلاف هل هو هل هذه الأصناف تخاطب بالأحكام التكلفية أم لا سيأتي بحثه في صل من يدخل في الخطاب ومن لا يدخل
وَالمؤْمِنُونَ فِي خِطَابِ اللهِ ** قَدْ دَخَلُوا إِلَّا الصَّبِي وَالسَّاهِي
وَذَا الْجُنُونِ كُلَّهُمْ
سيأتي بعد ذلك لكن المراد هنا أن يفسر المكلف بالعاقل البالغ ولا نفسر المكلف بمن تعلق به التكليف لماذا لأننا لو فسرنا المكلف بمن تعلق به التكليف لزم الدور أن يتوقف أحدهم على فهم الآخر إذ لا يكون مكلفًا إلا إذا تعلق به التكليف ولا يتعلق التكليف إلا بمكلف كأنه يقال من هو المكلف؟ نقول: من تعلق به التكليف ما هو التكليف المتعلق بالمكلف وهل خرجت بنتيجة نقول: لا إذن لا بد أن نغاير بين الأمرين فنفسر المكلف هنا بالعاقل البالغ الذاكر غير (الملجل) قال: بفعل المكلف إذًا عرفنا من هو المكلف من الذي تتعلق به الأحكام الصبي والمجنون خرج وسيأتي مزيد بيان، فعل المكلف فعل بكسر الفاء وإسكان العين فِعْل وفَعَلْ مصدران لفَعَلَ يَفْعَلُ أما عند النحاة كالفعل مغاير للفعل الفعل اسمٌ للكلمة المخصوصة والفَعل مصدر.
(5/8)

الحاصل: أن المراد بالفعل هنا نقول الفعل هنا له معنيان معنى لغوي، ومعنى عرفي اصطلاحي، أما المعنى اللغوي فهو ما يقابل القول والاعتقاد والنية هذا يسمى ماذا يسمى فعلاً في اللغة ما يقابل يعني: فعل الجوارح أفعال الجوارح ما يقابل القول والاعتقاد والنية، لأن الأفعال فعل اللسان، وفعلُ الجوارح، وفعل القلب، ما قابل الفعل اللسان وفعل القلب هو فعل الجوارح إذن المراد بالفعل في اللغة هو فعل الجوارح ما يقابل القول والاعتقاد والنية أما في الاصطلاح عندهم فالمراد بالفعل كل ما صدر عن المكلف وتتعلق به قدرته من قولٍ أو فعلٍ أو اعتقادٍ أو نية إذن الفعل الاصطلاحي عام يشمل القول ويشمل الاعتقاد ويشمل النية ويشمل الفعل الصريح يشمل الفعل الصريح إذن قوله: بفعل المكلف ليس المراد الفعل هنا فعل الجوارح فحسب بل المراد به فعل اللسان وفعل القلب وفعل الجوارح بخلاف اصطلاح الفعل في اللغة هذا في الأصل وبقي مسألة اختلف فيها الأصوليون وهي مسألة الترك المقرر عندهم وهذا لا خلاف فيه، فيه خلاف لكن مقرر عند أهل السنة أن التكليف إنما يتعلق بالأفعال الاختيارية ولذلك قيل في الحج كل ما صدر عن المكلف وتتعلق به قدرته إذن المراد به الفعل الاختياري لأن الذي يفعل الإنسان قد يكون بقدرته له مأخذ متعلق بمشيئته وقد يكون قهريًا اضطراريًا، الحكم الشرعي متعلق بالفعل الاختياري أما الفعل القهري الاضطراري فهذا لا حكم له في الشرع، ولذلك لو أخذ الإنسان ورمي به شخص آخر فقُتِلَ الشخص هل يضمن الدية نقول: لا، لا ينسب إليه أنه قاتل الشخص لماذا لأن الفعل هنا الذي هو القتل حصل به ولم يحصل منه حصل به يعني فعل اضطراري وليس اختياريًا والتكليف الذي يحصل ويترتب عليه الحكم الشرعي هو الفعل الاختياري، الفعل الاختياري باستقراء كلام الشرع أربعة أنواع: الفعل الصريح ما هو الفعل الصريح الذي هو الفعل اللغوي فعل الجوارح كالصلاة هذا يسمى فعل ولا إشكال فيه.
النوع الثاني: فعل اللسان والمراد به القول مراد به القول وهل يسمى القول فعلاً نقول: نعم قال تعالى: {((((((((الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112]. يعني: ما قالوه سمي القول فعل إذن يطلق الفعل ويراد به القول، ولذلك يقول الأصولي: لا تكليف إلا بفعل، يعني فعل اختياري ولا يكلف بغير فعل باعث الأنبياء ورب الفضل إذن القول فعلٌ لقوله تعالى: {((((((((الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112].
النوع الثالث: الذي هو من الأفعال: الاختياري على الصحيح مع وجود نزاعٍ فيه الترك يسمى فعلاً ما المراد بالترك الذي هو عدم الفعل ترك النفس وصرفها عن المنهي عنه هذا يسمى فعلاً حجب النفس كف النفس هذا يسمى فعلا بدليل الكتاب والسنة واللغة بعض الأصوليين يقول: الترك لا يسمى فعلاً وحينئذٍ لا يتعلق به خطاب لا يتعلق به تكليف والصحيح أنه يفصل في الترك فيقال: الترك نوعان: تركٌ مقصود وهو: كف النفس وصرفها عن المنهي عنه.
(5/9)

والنوع الثاني: تركٌ غير مقصود وهذا عدمٌ محض لا شيء وما كان لا شيء لا يتعلق به التكليف إذن يتعلق التكليف بالنوع الأول وهو الترك المقصود الذي يحصل في النفس انطباع وكفٌ عن المنهي عنه هذا نقول أنه فعلٌ بدليل الكتب والسنة واللغة أما دلالة الكتاب فقوله تعالى: {((((((يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)} [المائدة: 63]. قال: {((((((((((((((((}. إذن لم يحصل التناهي إذا تركوا الأمر بالمعروف وتركوا النهي عن المنكر، قال: {((((((((مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ((((}. ما الذي يصنعونه؟ هو ترك الأمر بالمعروف وترك النهي عن المنكر أطلق على الترك على أنه صنع والصنع هذا هو فعلٌ لكنه أخص منه الصنع أخص مطلقًا من الفعل كل فعلٍ كل صنعٍ فعل ولا عكس لأن الصنع فعلٌ لكنه على ترتيبٍ معين من المصنوعات الآن هي موجودة ومفعولة لكنها على هيئةٍ مرتبة {((((((((مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ((((} نقول: أطلق الصنع وهو أخص مطلقًا من القول على الترك ومعلومٌ أن إثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم فإذا ثبت الصنع فثبت الفعل عندنا الأعم والأخص يتعلق بهما الإثبات والنفي إثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم إثبات الأعم لا يستلزم إثبات الأخص نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، إذن الأخص والأعم من جهة السلب والإيجاب نقول أربعة أقسام على ما ذكر، هنا أثبت الأخص وحينئذٍ يستلزم إثبات الأعم أيضًا قوله تعالى: {((((((الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ((((} [المائدة: 78، 79] {(((((((((((((((} هذا ترك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {((((((((لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ((((} أطلق الفعل على تركه وأصرح كذلك قوله تعالى: {(((((((الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (((} [الفرقان: 30] {(((((((((((} قال ابن السبكي: الأخذ، أو السبكي: الأخذ التناول، ومتروكًا مثل و {(((((((((((هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (((} أي: متروكًا والمراد أنهم تناولوا تركه أي: فعلوا تركه إذن هذه دلالة الكتاب على أن الترك يسمى فعلاً، أما السنة فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». ما وجه الدلالة كف الأذى ترك سماه إسلامًا أما اللغة فقول الراجز:
لئن قعدنا والنبي يعمل**لذاك منا العمل المضلل
لئن قعدنا يعني: عن الاشتغال مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بناء المسجد لئن قعدنا والنبي لذاك منا العمل المضلل لذاك منا ما هو القعود الذي هو ترك الاشتغال مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بناء المسجد هذه ثلاثة أدلة من الكتاب والسنة واللغة لأنه قول الصحابي حجة يحتج به في اللغة هذه الأمور الثلاثة تدل على أن الترك فعلٌ وهو الصواب
(5/10)

وترك فعل في صحيح المذهب**له فروعٌ ذكرت في المنهج
وسردها من بعد بل ( ... )
يعني: ما الذي ينبني على هذا ينبني مسائل قالوا: لو أن مضطرًا إنسان مضطر إلى الطعام والشراب وبيدك أنت فضل طعامٍ أو شراب فضل ليس أصل، بيدك فضل طعامٍ أو شراب ترك إعطاءه فماذا؟ هل تضمن الدية أو لا؟ إن كان الترك فعلاً يضمن الدية وإلا فلا ضمان. منع جاره فضل ماءه فهلك الزرع هذا ترك، ترك السقاء هل يضمن إذا ترك الزرع؟ نقول: إن كان الترك فعلاً ضمن وإلا فلا إذن تنبني على هذه المسألة مسائل كثيرة والصواب أن نقول إن الترك المقصود الذي هو فك النفس وصرفها عن المنهي عنه نقول: هذا تتعلق به الأحكام فيكون واجبًا ويكون محرمًا ويكون مكروهًا ويكون مباحًا ويكون مندوبًا وهذا هو الصالح.
النوع الرابع: من الفعل أو الأفعال الاختيارية التي يتعلق بها التكليف العزم المصمم على الفعل الذي هو فعل القلب ليس الهم وإنما العزم المصمم على الفعل الذي منع من الفعل بحال أو لحال ما الدليل على أن العزم مصمم تتعلق به الأحكام الشرعية قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار» قالوا: يا رسول الله هذا القاتل - فعل - فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه» دخل النار أو لا دخل النار؟ هل قتل؟ لا ما الموجب ما السبب في دخوله النار حرصه على قتل صاحبه والفعل هو الذي يترتب عليه العقاب أو الثواب فدل على أن هذا الحرص العزم المصمم فعل إذن نقول: لا تكليف إلا بفعلٍ والفعل مراد به فعل الاختياري وهو أربعة أنواع: الفعل الصريح، فعل اللسان، الترك المقصود، العزم المصمم على الفعل، عرفنا إذن ما هو الذي يصدر عن المكلف وتتعلق به الأحكام، قوله: المتعلق هذا اسم فاعل من التعلق والمراد بالتعلق هنا للارتباط خطاب الله المتعلق يعني: المرتبط هل هناك من خطاب الله؟ ما لا يرتبط بفعل المكلف نقول: نعم ولذلك نص الأصوليون على أن هذا القيد المتعلق أخرج خمسة أنواع وبعضهم يجعلها ستة خطاب الله المتعلق بذاته لأنه ليس متعلقًا بفعل المكلف خطاب الله المتعلق بذاته لا يسمى حكمًا شرعيًا في الاصطلاح وإلا كل القرآن ما يفهم منه فهو أحكام شرعية لكن في الاصطلاح عندهم لا يسمى حكمًا شرعيًا {((((((اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ... [آل عمران:18] هذا متعلقٌ بإثبات وحدانية الله ليس له ارتباط بفعل المكلف افعل ولا تفعل ليس له ارتباط هذا تعَلَّقَ بذات الله لا يسمى حكمًا أخرجه بقوله: المتعلق بفعل المكلف إذن المتعلق بذات الله لا يسمى حكمًا شرعيًا في الاصطلاح أؤكد المتعلق بصفاته جل وعلا {((((لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} [البقرة:255] نقول: هذا خطاب الله هل هو متعلقٌ بفعل المكلف لأمرٍ أو نهي هل خاطب المكلف بأمرٍ افعل أو لا تفعل الجواب لا وإنما تعلق بصفاته جل وعلا.
خطاب الله الثالث خطاب الله المتعلق بفعله جل وعلا {((((خَالِقُ كُلِّ ((((((} [الرعد:16] خلق {(((((((كُلِّ ((((((} نقول: هذه الآية خطاب الله وهي متعلقةٌ بفعله جل وعلا.
(5/11)

الرابع: خطاب الله المتعلق بذوات المكلفين لا بأفعالهم {((((((((خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ (((((((((((((} [الأعرف:11]، {(((((((((مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1] هذا ليس له ارتباط بالفعل ولا تفعل وإنما هو ارتباط لذات المكلف وكونها مخلوقة هذا الرابع.
الخامس: المتعلق بالجمادات {((((((((نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً (((((((((((((((} [الكهف:47] هذا خطاب الله لكنه لم يتعلق بذاته ولا بصفاته ولا بأفعاله ولا بذوات المكلفين ولا اقتضى أمراً أو نهيا وإنما تعلق بالجمادات، زاد بعضهم المتعلق بالحيوانات {(((((((((أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ: 10] (وَالطَّيْرُ) قراءتان {(((((((((أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} الطير هذا مأمورة والجبال مأمورة لكن لا يتعلق بي الأمر هنا لا يتعلق بفعل المكلف بقي نوعٌ واحد وهو المتعلق بفعل المكلف لا من حيث إنه مكلفٌ به وإنما من حيثيةٍ أخرى وهذا هو القيد الذي زاده بعض المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلفٌ به وهذا النوع هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف لكن لا من حيث إنه مكلف ولكن من حيثية أخرى هذه الحيثية تقتضي الإعلام والإخبار {(((((((((((مَا تَفْعَلُونَ ((((} [الانفطار: 12] هذا خطاب الله متعلقه فعل المكلف لكن هل من حيث الإيجاد والترك افعل ولا تفعل {(((((((((((مَا تَفْعَلُونَ ((((} هو مثل {((((((((((((الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43]، {((تَأْكُلُوا ((((((((((((} [آل عمران:130]، {((((تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء:32] الجواب لا هذه مباشرة الآيات {((((((((((((الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} نقول: هذه مخاطبة لفعل المكلف المتعلقة بفعل المكلف مباشر أما {(((((((((((مَا تَفْعَلُونَ ((((} هذه تتعلق بفعل المكلف لكن لا من حيث الاقتضاء بالفعل أو الترك وإنما من حيث الأخبار بأن أفعالهم محفوظة وأن الملائكة تكتبها {((((((((أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ((((} [المؤمنون: 63] أيضًا هذا خطاب الله المتعلق بفعل المكلف لا من حيث إنه مكلفٌ به وإنما من حيث الأخبار بأن هذه الأعمال صادرةٌ من العباد وليست هي التعلق بطلب فعلٍ أو طلب ترك {((((((خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ((((}، [الصافات:96] هذا أيضًا يتعلق بفعل المكلف لكن لا من حيث الطلب طلب الفعل أو طلب الترك لذلك بعض الأصوليين زاد قيدًا لإخراج هذا النوع لأن قوله المتعلق بفعل المكلف أخرج تلك الخمسة وبقي المتعلق بفعل المكلف من حيثياتٍ أخرى لا من حيث التكليف فقال: المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلفٌ به قال بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع هذا بيان للقسمة الثنائية للحكم الشرعي لأن الحكم الشرعي قسمان: حكمٌ تكليفي، وحكمٌ وضعي، بالاقتضاء جار مجرور متعلق بقوله المتعلق.
(5/12)

إذن عرفنا أولاً نقول: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف ما المراد هنا تعلق الارتباط ما المراد بالارتباط قالوا: بيان حال هذه أو هذه الأفعال من كونها مطلوبة الفعل أو الترك، خطاب الله المتعلق بفعل المكلف، ما وجه الارتباط هذا؟ يأتي خطاب الله يبين لك هذا الفعل الذي صدر منك هل هو مطلوب الإيجاز؟ أم مطلوب الترك؟ أم مأذونٌ فيه بين الفعل والترك؟ هذا المراد بالتعلق بيان حال صفة فعل المكلف، يأتي الخطاب خطاب الشرع أنت لك أفعال صادرة عن اللسان، وعن القلب، وعن الجوارح، لا تدري منها ما هو الحلال؟ وما هو الحرام؟ ما هو الواجب؟ ما هو المندوب؟ يأتي خطاب الله فيتعلق يرتبط بفعل معين يبين صفته هل هذا حرام؟ هل هذا واجب؟ هل هذا مكروه؟ هل هذا مندوب؟ إذن المراد بخطاب الله المتعلق بأنه حال صفة الفعل من كونه مأذونا فيه إذا استوى فيه الطرفان أو مطلوب الفعل أو مطلوب الترك ثلاثة أحوال قول: بالاقتضاء. جار ومجرور متعلق بقوله: المتعلق بالاقتضاء. الاقتضاء هو الطلب المراد بالاقتضاء الطلب وهذا يشمل أربعة أنواع من الأحكام الشرعية: الإيجاب، والندب، والكراهة، والتحريم، يدخل في هذا القيد بالاقتضاء أربعة أحكام:
الأول: الإيجاب.
والثاني: الندب.
والثالث: الكراهة.
والرابع: التحريم.
ما وجه دخول هذه الأحكام الأربعة في قوله: بالاقتضاء؟ نقول: الاقتضاء المراد به الطلب وهو نوعان قسمان: طلب فعل، وطلب ترك. قلنا: الترك فعل لكنه مخالف من جهة الإيجاز وعدم الإيجاز يعني: مقابل للفعل الذي هو الإيجاز وإن سمي فعلاً لكنه مقابل له إذن الطلب نوعان: طلب فعل، وطلب ترك.
طلب الفعل هذا باستقراء الشرع على نوعين على مرتبتين: إما أن يكون جازمًا أو لا يكون جازمًا جَازمًا بمعنى قاطعًا يقينًا لا يجوز معه الترك غير جازم
بأن يكون يُجَوِّزُ الشرع عدم امتثال الفعل المأمور به هذا النوع الأول.
النوع الثاني: طلب تركٍ هذا نقول قسمان:
طلب ترك جازم بحيث لا يُجَوِّزُ معه الفعل يرتب العقاب على الفعل.
النوع الثاني: طلب ترك غير جازم بحيث إنه لا يرتب عليه العقوبة على الفعل هذه أربعة أنواع طلب ترك، طلب فعل، طلب الفعل الجازم، طلب الفعل غير الجازم، طلب لترك الجازم، طلب الترك غير الجازم.
فإن كان الطلب طلب فعل جزم هذا سمي إيجابًا إذن ما هو الإيجاب لو قيل: ما هو الإيجاب؟ تقول: هو الخطاب المقتضي يعني الطالب هو الخطاب المقتضي يعني: الطالب، اقتضاءً جازمًا هو الخطاب المقتضي للفعل اقتضاءً جازمًا بحيث لا يُجَوِّزُ معه الترك يعني: يتعين على المكلف فعل المأمور نحو {((((((((((((الصَّلَاةَ وَآَتُوا (((((((((((} نقول: {(((((((((((((((((((((((} هذا خطاب مقتضي للفعل إيجاب الفعل وهو جازم بحيث لم يجوز الشرع ترك الصلاة مع القدرة عليها يسمى هذا إيجابًا.
(5/13)

النوع الثاني: الخطاب المقتضي للفعل اقتضاءً غير جازم بحيث يجوز الشرع ترك الفعل لم يرتب العقوبة على الترك فحينئذٍ يُطلب من المكلف إيجاد الفعل ولكن يجوز له الترك مثل ماذا؟ {((((((((((((((إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282] أشهدوا هذا صيغة أمر والأمر الأصل فيه مطلق الأمر للوجوب لكن نقول هنا: قامت قرينة على أن هذا الأمر قد صُرِفَ عن ظاهره إلى الندب وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قد اشترى وباع ولم يشهد». فهذه سنة فعلية تعتبر قرينة صارفة للأمر عن ظاهره إذن {((((((((((((((} نقول: هذا خطاب مقتضي للفعل لكنه هل هو جازم بحيث الذي لم يشهد يأثم؟ نقول: لا، بل هو اقتضاء فعل غير جازم بحيث الشرع لم يرتب العقوبة عن عدم الامتثال هذان نوعان تحت الأول ماذا يسمى هذا؟ يسمى الندب إذن ما هو الندب هو الخطاب المقتضي للفعل اقتضاءً غير جازمٍ نحو: {((((((((((((((إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. «صلوا قبل المغرب ثلاثا». ثم قال: «لمن شاء». هذه صارفة للأمر قلنا: الأصل في الأمر المراد به الوجوب كذلك {((((((((((((((إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33] فالمكاتبة هنا للندب بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر بعض الصحابة على عدم المكاتبة.
(5/14)

النوع الثاني: طلب الترك، وهذا قسمان: طلب ترك جازم بحيث لم يجوز الشرع الفعل أم الترك؟ الفعل لم يجوز الشارع الفعل بحيث رتب العقوبة على ماذا؟ على الفعل هذا يسمى التحريم كقوله تعالى: {((((تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: 32]. نقول: هذا تحريم لا تقربوا لا ناهية دالة على التحريم، الأصل في تقربوا هذا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية الأصل فيه حمله على التحريم هل دلت قرينة عن صرفه عن ظاهره؟ الجواب: لا، أشعر الخطاب ولو بخطابات أخر أشعر بترتب العقاب على فعل هذا المنهي عنه فدل على أنه محرم هذا هو حد التحريم الخطاب المقتضي للترك اقتضاءً غير جازمًا هذا يسمى الكراهة مثل ماذا؟ «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». «فلا يجلس» نقول: لا ناهية ويجلس فعل مضارع مجزوم بلا والأصل في النهي التحريم ولكن نقول هناك القرينة صارفة على كون هذا النهي ليس على ظاهره ليس مرادًا به التحريم وإنما مراد به الكراهة كجلوس الخطيب وجلوس ثلاثة النفر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد الخ. كما هو معلوم من موضعه، إذن هذه أربعة أحكام: التحريم الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة. والكراهة هذه بلا تفصيل عند المتقدين، عند المتأخرين زادوا خلاف الأولى سيأتينا في موضعه إذن نقول: قوله: بالاقتضاء. أي: بالطلب والطلب نوعان: طلب ترك، وطلب فعل. وهذا يشمل الأحكام الأربعة أو التخير بالاقتضاء أو التخير أو هنا للتنويع والتفصيل والمراد بالتخير هنا الإباحة لأن الإباحة ليس فيها طلب ليس فيها طلب فعل ولا طلب ترك وإنما هو استواء طرفين افعل إن شئت وإن شئت لا تفعل إن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ»، هكذا مثل به بعض البصريين أو التخير أو الوضع المراد بالوضع هنا إدخال الحكم الوضعي وأنه حكم شرعي وهذا هو الصحيح أن الحكم الشرعي قسمان: حكم تكليفي، وحكم وضعي. وهل الحكم الوضعي؟ الحكم الوضعي هذا حكم شرعي على الصحيح وفيه خلاف بين الأصوليين بعض أهل العلم يرى أن الحكم الوضعي ليس حكمًا شرعيًّا وإنما هو حكم عقلي جعله العقل أو دل العقل على اعتباره وهذا فاسد لأن بعض الأحكام الوضعية لا تدرك إلا من جهة الشرع كون الحيض مانعًا عن الصلاة والصوم هل يدرك العقل هذا؟ لا يدرك العقل هذا كون الوضوء شرطًا لصحة الصلاة العقل لا يدركه، كون أوقات الصلوات إذا دخل أو زالت الشمس وجبت صلاة الظهر إذا طلع الفجر وجبت صلاة الصبح نقول: هذه الأوقات لا يدل العقل على اعتبارها، إذن كيف يجعل الحكم الوضعي حكمًا عقليًّا؟ نقول: لا إنما هذه الأسباب والموانع والشروط مصدرها الشرع إذن خطاب الله هذا يتنوع قد يكون بالاقتضاء أو التخير وقد لا يكون فإن كان بالاقتضاء فيه طلب فعل أو طلب ترك أو التخير الاستواء بين الفعل والترك نقول: هذا خطاب تكليفي وإن لم يكن فهو خطاب وضعي والمراد بالوضع الجعل وسيأتي أنه خمسة أقسام: الأسباب، والشروط، والموانع، والصحة، والفساد. هذه كم؟ خمسة بعضهم زاد: الرخصة، والعزيمة، والقضاء، والأداء، والعلة. والصواب أنها ليست من الأحكام الوضعية وسيأتي مزيد بيان.
(5/15)

ونقف على هذا وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(5/16)

عناصر الدرس
* تابع لشرح حدّ الحكم الشرعي.
* العلاقة بين الحكم التكليفي والوضعي.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فلا زال الحديث في بيان حد الحكم عند الأصوليين ذكرنا أن الحكم عند الأصوليين اختلفت عبارات الأصوليين في بيان الحكم الشرعي ما المراد به؟
أ- من قال أنه: خطاب الشرعي المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.
ب-ومنهم من قال: خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به.
ج-ومنهم من قال: خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخير أو الوضع.
د-ومنهم من قال: خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخير وأسقط الوضع.
هذه كلها تعاريف وانفرد صاحب المراقي السعود بقوله:
كلام ربي إن تعلق بما يصح فعلاً
حذف كلمة أو بدل كلمة المتعلق بفعل المكلف إلى قوله: خطاب الله المتعلق بما يصح أن يكون فعلاً للمكلف. أبدل العبارة بقول: خطاب الله المتعلق بما يصح أن يكون فعلاً للمكلف من حيث إنه مكلف به. ولم يذكر بالاقتضاء أو التخير أو الوضع لأنه فَصَلَ بين الحكمين الشرعي التكليفي، والشرعي الوضعي. وأنسب الحدود هو أن يقال أجمعها أن يقال: الحكم الشرعي هو خطاب الله. ولا بأس أن يقال: الشرعي. خطاب الله المتعلق بفعل مكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع وهذا الحد يكاد يجمع كل ما قيل من الحدود خطاب الله قلنا بدأ المعرفون بالحكم الشرعي بأنه خطاب الله قلنا: هذا قيدها خطاب إذن ليس كل قول للشرع يكون خطابًا ولذلك الإمام أحمد عرف الحكم الشرعي وهو أسبق من عَرَّف حكم الشرعي: {بأنه خطاب الشرع وقوله} هكذا عرف الحكم الشرعي خطاب الشرع وقوله قال أصحابه: إنه من باب عطف العام على الخاص لماذا؟ لأن الخطاب قولٌ وليس كل قول خطاب يعني العلاقة بينهما العموم والخصوص المطلق لأن الخطاب توجيه لابد أن يكون الكلام موجهًا من المخاطِب إلى المخاطَب ولذلك في معناه المصدري نقول: الخطاب توجيه الكلام لمخاطب، هل كل كلامٍ يصدر من الإنسان أو من الرب عز وجل هل كل كلام يكون موجهًا لمخاطب؟ الجواب: لا، إذن قول الإمام أحمد خطاب الشرع، وقوله هذا من باب عطف العام على الخاص أراد به التأكيد زيادة التأكيد لماذا؟ لأن كل خطابٍ قولٌ ولا عكس لأن كل خطابٍ قولٌ ولا عكس يعني وليس كل قولٍ يكون خطابا.
(6/1)

إذن قولهم في الحج حكم الشرع أو الحكم الشرعي خطاب هذا أخص من مطلق القول وإن كان متعلقه كلام الرب عز وجل إلا أنه أخص من مطلق القول لأنه ليس كل قولٍ يعد خطابا إذن خطاب الله المراد به كلام الله ولذلك عدل صاحب المراقي عن هذا مع أنه نظم جمع الجوامع وجمع الجوامع صار التعريف الذي ذكرته لكم قال: كلام ربي هذا أوضح وإن كان هو عدل إلى أمرٍ آخر لكن هذا يعتبر أوضح عندما تسمع خطاب الله قد يُشكل ما المراد بالخطاب؟ المراد به كلام الله كلام الله جل وعلا خطاب هذا مصدر ولكن ليس المراد به المعنى المصدري الذي هو توجيه الكلام للمخاطب وإنما المراد به المعنى معنى الاسم المفعول فهو مجازٌ مرسل من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول أي: المخاطَبُ به، لماذا المخاطب به؟ لأن تمَ فرقا بين الخطاب الذي هو المعنى المصدري والذي هو أثر المعنى المصدري يعني: ما يترتب على المعنى المصدري هو أثر المعنى المصدري، خطاب هذا فعل الفاعل كما أقول: يتكلم زيد، تكلم زيد بكلامٍ. تكلم هذا هو المعنى المصدري أثر التكلم هو الكلام ولهذا يقال في حد الكلام اللفظ أي: الملفوظ به لماذا؟ لأن اللفظ هو فعل الفاعل والملفوظ به الذي يُحَدُّ هو أثر فعل الفاعل كذلك الخطاب هنا ليس هو المحدود وإنما المراد به أثر فعل الفاعل الذي هو المخاطب به وهو كلام الله عز وجل قلنا: خطاب هذا مصدر من باب خَاطَبَ يُخَاطِبُ خِطَابًا وَمُخَاطَبَةً اسم مصدر ميمي ومرادهم بالاصطلاح حتى صار حقيقة عرفية أنه قول يَفْهَمُ منه من سمعه شيئًا مفيدًا مطلقًا وسبق شرح هذا الحد.
(خِطَابِ اللهِ) قلنا: الإضافة هنا المراد بها إخراج غير خطاب الله خطاب الله خطاب هذا جنس يشمل خطاب الله ويشمل غير خطاب الله كخطاب الإنس مع الإنس والجن مع الجن والإنس مع الجن والملائكة مع الإنس هذه كلها خطابات هل كل خطاب يعتبر حكمًا شرعيا؟ الجواب: لا، أراد أن يخرج غير خطاب الله فأضافه إلى لفظ الجلالة (خِطَابِ اللهِ) إذن خرج به خطاب غير الله من الإنس والجن والملائكة ومن على شاكلتهم، لماذا؟ لأن خطابات هؤلاء لا تعد حكما شرعيا، لأنه لا حكم إلا لله {((((الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}، {(((((اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى:10] إذن الحكم الشرعي مصدره الله وما عدا ذلك فكل تشريع فهو باطل وكل تحاكم إلى غير الكتاب والسنة فهو باطل مردود بإجماع العلماء.
(6/2)

(خِطَابِ اللهِ) بقي إشكال هنا -أورده بعض الأصوليين إذا قلنا-: خطاب الله وهو المراد به كلام الله يعني: القرآن. الأحكام الشرعية الفقهية وغيرها هذه ثابتة بالكتاب وثابتة بالسنة يعني منها ما هو ثابت بالكتاب ومنها ما هو ثابت بالسنة الصحيحة النبوية ومنها ما هو ثابت بالإجماع ومنها ما هو ثابت بالقياس إذن ليس كل حكم شرعي في الظاهر فهو مأخوذ من القرآن أليس كذلك؟ هناك أحكام ثبتت بالسنة دليلها السنة وهناك أحكام دليلها الإجماع لو بحثت في ظاهر القرآن لم تجد دليلا وإنما تجد إجماع العلماء على ذلك كذلك بعض الأحكام ثابتة بالقياس أورد بعض الأصوليين قال: خطاب الله هذا الحد غير جامع. كيف غير جامع؟ ما معنى غير جامع؟ يشترط في الحد أن يكون جامعا مانعا جامعا لأفراد المحدود كل ما يصدق عليه أنه حكم شرعي لا بد أن يدخل في الحد فإذا لم يدخل بعض أفراد الحكم الشرعي في الحد نقول: هذا الحد ناقص ليس بجامع. إذن (خِطَابِ اللهِ) هذا قالوا: ليس جامعًا. خرج خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، خرج خطاب أهل الإجماع، خرج خطاب الطائفيين أو الطائفة المجتهدة الجواب عن هذا إما أن يُصنع كما صنع بعض الأصوليين بدل العبارة فقال: خطاب الله بدلاً من أن نقول: خطاب الله. نقول: الخطاب الشرعي. فحينئذٍ يشمل السنة والإجماع والقياس وهذا أيضا لا إشكال فيه إن مصادر الشريعة أربعة كتاب وسنة والإجماع والقياس وهذه مجمع عليها في الجملة وبعضهم رأى أن الحكم الشرعي خطاب الله إما أن يكون صريحا مباشرا وهذا يكون بالقرآن وإما أن لا يكون صريحا ومباشرا وهذا يكون بالثلاثة المذكورة السنة والإجماع والقياس لأنها في الحقيقة ليست مستقلة بالتشريع ليست مثبتة لحكم شرعي مستقل عن القرآن أو عن الله عز وجل وإنما هي مظهرة وكاشفة للحكم الإلهي فحينئذٍ هي داخلة ضمنا في قولنا: (خِطَابُ اللهِ).
(6/3)

أيضا السنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مبلغ عن الله {(((((((((((((إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا (((((((} [النحل:44] وذكر بعضهم أن كل ما في السنة سواء كانت السنة مؤكِّدة أم مؤسِّسة كلها داخلة في قوله تعالى: {((((((آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ ((((((((((((} [الحشر: 7] وطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كطاعة الله {((يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80] إذن دخلت السنة النبوية برمتها في القرآن أما الإجماع والقياس فهذا يكاد يكون إجماعا أنه لا إجماع ولا قياس إلا بدليل يسمى المستند يعني: المستند أهل الإجماع لا بد أن يكون كتاب أو سنة سواء نُقِلَ إلينا أم لم ينقل حينئذٍ إذا بَلَغَنا إجماع من أهل العلم نقول: هذا الإجماع لم يتم إلا بدليلٍ سواء بلغنا الدليل أو لم يبلغنا فحينئذٍ صار مرده الكتاب أو السنة كذلك المجتهد إذا أراد أن يقيس إنما يقيس المجهول على المعلوم حينئذٍ يكون قد قاس المجهول على دليل المعلوم الأصل المقاس عليه وهذا إما أن يكون كتابا وإما أن يكون سنة إذن رجع خطاب أهل الإجماع إلى خطاب الله وخطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وخطاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - داخل في خطاب الله، كذلك رجع خطاب الطائفة والمجتهد إلى خطاب الله أو خطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لذلك المصادر الثلاثة السنة النبوية والإجماع المتيقَّن والقياس الصحيح هذه مردها إلى الكتاب وحينئذٍ نعبر بعبارة مختصرة نقول: خطاب شرعي إما أن يكون صريحا مباشراً بالقرآن، يعني: نأخذه مباشرة من القرآن تفتح القرآن وتجتهد، أو تنقل عن أهل العلم السابقين، وإما أن تأخذه بواسطة يعني: تنظر في السنة وتنظر في الإجماع وتنظر في القياس نظرك في السنة ونظرك في الإجماع ونظرك في القياس هذا نظر في القرآن، لماذا؟ لأن هذه الثلاثة السنة والإجماع والقياس كاشفة مظهرة لحكم الله، ولذلك تَنَبَّهَ المجتهد عندما يجتهد لا يأتي بحكم جديد وإنما هو يكشف حكم الله عند ما تأتي نازلة ويجمع أو يجتمع لها أهل العلم فحينئذٍ يبحثون في ماذا؟ يبحثون في صورة هذه المسألة التي هي تعتبر نازلة من النوازل إما أنها تدخل في مفهوم آية أو حديث وإما أن تشملها قاعدة كلية أو قاعدة جزئية لا بد أن تُرْجَعَ هذه الصورة إلى أصل عام في الكتاب والسنة فحينئذٍ المجتهد يكتشف يظهر ينظر ويبحث ويتأمل ويتدبر فإذا به هذه الصورة ليست منصوصا عليها في الكتاب والسنة وإنما دل عليها الكتاب والسنة ضمنا أو التزاما إذن نقول: إما أن يدل -خطاب الله- إما أن يكون صريحا مباشرا وذلك يكون بالقرآن، وإما أن لا يكون صريحا ولا مباشرا وهذا بالنظر في المصادر الثلاثة السنة والإجماع والقياس.
(6/4)

إذن اعتراض المعترض على قول المعرف (خِطَابِ اللهِ) ليس في محله خطاب الشرع أو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخير أو الوضع المتعلق هذا اسم فاعل مأخوذ من تَعَلَّقَ يَتَعَلِّق يَتَعَلَّق فهو مُتَعَلِّق وَمُتَعَلَّق إذن متعلِّق بكسر اللام هذا اسم فاعل صفة لخطاب الله (خِطَابِ اللهِ) المتعلِّق ما المراد بالتعلق هنا؟ الارتباط ما المراد بالارتباط؟ نقول: كون خطاب الله جاء مبينا وموضحا وكاشفا لحكم صفة من صفات أفعال المكلفين هذا هو المتعلق بالارتباط كون هذا النص تعلق بفعل المكلف يعني: ارتبط به فعل المكلف قول أو فعل أو عمل جوارح تقابل النية جاء الشرع تعلق خطاب الشرع بهذا الفعل فبين صفته، ما هي صفته؟ الإيجاب، الندب، الإباحة، التحريم، الكراهة.
عرفتم ما المراد بالمتعلق؟ أن خطاب الله يأتي مبينا وكاشفا وموضحا لصفةٍ من صفات فعل المكلف لأن فعل المكلف الذي هو: القول، والعمل، والاعتقاد، والنية، كما سيأتي هذه تتوارد عليها الأحكام الخمسة الإيجاب، والندب، والتحريم، والإباحة، والكراهة فعل المكلف هذا ليس على حريته كما يقال الآن: أنا حر. نقول: لا لست حرا أنت عبدٌ لله كل فعل من أفعالك لا بد وأنه قد بين في الكتاب والسنة ما صفة هذا الفعل هل هو مأذون لك في فعله؟ هل هو مطلوب الترك منه؟ هل هو مطلوب الفعل والإيجاب؟ لا بد من الرجوع إلى الكتاب والسنة.
خطاب الله المتعلق: متعلق يذكرها الفتوحي وغيره أن المراد به الذي من شأنه أن يتعلق الذي من شأنه أن يتعلق يعني: ليس بالفعل إنما هو بالقوة ليشمل متعلق بالقوة وبالفعل فقط ولهذا مرادهم بهذه العبارة هي التي حول وبدَّل صاحب المراقي الحد أو بعض الحد بقوله:
بما يصح أن يكون فعل
ومرادهم بهذا المعلوم حين الخطاب هل هو مخاطب في الشرع أو لا؟ هل هو مأمور أو ليس بمأمور؟ إن قلت: المتعلق بالفعل بالإيجاز لكون خطاب الشرع نزل على الصحابة وتعلق بأفعالهم مباشرة إذن من بعدهم لا يسمى ما تعلق بأفعال الصحابة حكما في حقه لماذا؟ لأن حكم الشرع هو المتعلق بالفعل إذن الذي لم يتعلق به بالفعل وقد ورد بعد ذلك لم يسم في حقه حكما شرعيا وهذا باطل، عليه قالوا: لا بد من التأويل. فنقول: المتعلق أي: الذي من شأنه أن يتعلق، يعني: الذي يصلح أن يكون مُتَعَلِّقاً بفعل المكلف لهذا قال:
كلام ربي إن تعلق بما يصح فعلاً
إذن بما يمكن ويصلح أن يكون فعلاً للمكلف فإقامة الصلاة كما خوطب بها الصحابة خطابًا تنجيزيا من بعدهم في وقت الخطاب نقول: مخاطب خطابا معنويا. ولهذا قالوا: التعلق نوعان: تعلق معنوي، وتعلق تنجيزي.
التعلق المعنوي هو: أن يتعلق خطاب الله بالمكلف -لكن بشرط- إذا وجد المكلف مستجمعا لشرائط التكليف كان متعلقا به.
والتعلق التنجيزي هو: الذي وقع بالفعل، كالصحابة أو من ولد وبلغ وعقل فتعلق بالخطاب الشرعي.
(6/5)

إذن خطاب الله المتعلق نفسره الذي من شأنه أن يتعلق، الذي يقبل ويصلح ويمكن أن يتعلق بفعل من أفعال المكلفين، لماذا نؤول هذا التأويل؟ لأن هذا مجاز عندهم من باب تسوية الشيء بما يؤول إليه في المستقبل لماذا قالوا؟ قالوا: ليدخل المعدوم حين كلام الله بالحكم، أمر الله من نزل عليهم القرآن بأقيموا الصلاة هذا خطاب موجه للصحابة من بعدهم الذين وُلدوا بعد أن انقطع الوحي نقول: هم مخاطبون من هذا الأمر وقد تعلق بهم قوله: {(((((((((((((((((((((((}، ونحوه نقول: لماذا؟ لأن التعلق هنا تعلق تنجيزي بالفعل بالصحابة وتعلق معنوي بمن بعدهم وهو المراد بالتعلق المعنوي أن يتعلق الخطاب بالمكلف الذي يكون عاقلاً بالغًا مستكملا لشرائط التكليف إذا وُجد ووُلد واستَكْمَل شرائط التكليف تعلق به الحكم الشرعي المتعلق أي: المرتبط. بفعل المكلف، قلنا: المتعلق بفعل المكلف أخرج ستة أنواع من خطاب الله.
أ-طاب الله المتعلق بذاته {((((((اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا ((((} [آل عمران:18] هذا متعلق بوحدانيته جل وعلا.
ب-خطاب الله المتعلق بصفاته {((((لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا • (((((} [البقرة:255] هذا كلام الله لكنه لم يتعلق بفعل المكلف وإنما تعلق بأسمائه وصفاته.
ج-خطاب الله تعالى المتعلق بفعله جل وعلا: {((((خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} جل وعلا.
د-كلام الله المتعلق بالجمادات {((((((((نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ (((((((((} [الكهف:47] هذا كلام الله لكنه ليس موجها للمكلف بفعل أو ترك لا، إنما هو متعلق يعني: بين حالة من حالات الجمادات هذا وجه تعلق.
هـ-خطاب الله المتعلق بذوات ليس بأفعال بذوات المكلفين {((((((((خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ (((((((((((((} [الأعراف:11] هذا لم يتعلق بفعل وإنما تعلق بذات المكلف أنها مخلوقة ومصورة (للأعجم) {(((((((((مِنْ ((((((} أيضًا.
وخطاب الله المتعلق بـ بماذا؟ بالحيوانات {(((((((((أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ:10] مأمورة لأنها معطوفة على الجبال.
هذه كم ستة، سِتة أو خمسة؟ المتعلق بذاته، المتعلق بصفاته، المتعلق بفعله جل وعلا ثلاثة، المتعلق بالذوات، بالجمادات المتعلق بالحيوانات المتعلق بالذوات هذه ستة بقي نوع واحد وهو: المتعلق بفعل المكلف.
لكن خطاب الله المتعلق بفعل المكلف على نوعين أو على مرتبتين أو على قسمين: خطاب متعلق بفعل المكلف من حيث إيجاد الفعل أو تركه أنت مأمور بإيجاد الفعل {((((((((((((الصَّلَاةَ وَآَتُوا (((((((((((}، و {((تَأْكُلُوا ((((((((((((} [آل عمران:130]، و {((((تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء:32] هذه خطاب الله كلها متعلقة بماذا؟ بفعل المكلف من حيث طلب إيجاد الفعل {(((((((((((((((((((((((} نقول: هذا خطاب الله متعلق بفعل المكلف من أي حيثية؟ من حيث إن الصلاة مطلوبة الفعل من المكلف، {(((((((((((((((((((((}، أيضًا و {((تَأْكُلُوا ((((((((((((} هذا طلب ترك للفعل هذا نوع أن يتعلق خطاب الله بفعل المكلف من حيث إنه مأمور إما بطلب فعل بإيجاده وهذا على وجهين وإما أن يأتي بطلب ترك وهذا على وجهين.
(6/6)

نوع آخر من خطاب الله يتعلق بفعل المكلف لا من هذه الحيثية يعني: لا من هذه الجهة لا يكون مطلوب الفعل أو الترك وإنما من جهة أخرى نحو ماذا؟ {(((((((((((مَا تَفْعَلُونَ ((((} [الانفطار:12] {((((((((((} هذا ملاك ما تفعلونه ضمير محذوف {(((((((((((مَا تَفْعَلُونَ ((((} هذا خطاب الله متعلق بفعل المكلفين، ولا إشكال في هذا، لكن هل في الآية دليل على أو هل في الآية أو هل تدل الآية على طلب إيجاد فعل أو ترك؟ لا؛ وإنما هي تتعلق بفعل المكلفين من حيث إخبار إخبار إعلام لذلك بعضهم يسميه خطاب إعلام من حيث الإخبار بأن أفعالهم محفوظة ومكتوبة {((((((((أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ((((} [المؤمنون:63] هذا أيضًا هذا خطاب الله المتعلق بفعل المكلف لا من حيث إيجاد الفعل طلب الفعل أو ترك الفعل وإنما من حيث الإخبار بأن هذه الأعمال صادرة عنها، أيضا الآية التي تدل على خلق أفعال العباد وهي: {((((((خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ((((} [الصافات:96]. هذه تدل على أن أفعال العباد مخلوقة لله عز وجل إذن نقول: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف على مرتبتين أو على نوعين:
1) خطاب متعلق بفعل المكلف من حيث إيجاد الفعل أو تركه.
2) وخطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث جهة غير الجهة السابقة وإنما تكون من حيثيات أخرى.
النوع الثاني هل هو حكم شرعي يدخل في حد المعنى؟ هل هو حكم شرعي؟ الجواب: لا، كيف نخرج هذا النوع نريد إخراجه من الحد لأنه لا يشمل الحكم الشرعي قال بعضهم: بالاقتضاء أو التخير. بالاقتضاء يعني: بالطلب طلب فعل أو طلب ترك بالاقتضاء جارٌ مجرور متعلق بقوله: المتعلق إذن (خِطَابِ اللهِ) المتعلق بالاقتضاء بطلب فعلٍ أو ترك فعل خطاب الله تعالى المتعلق بالاقتضاء هذا مخرجٌ من نوع ثاني الذي هو متعلقٌ لا من جهة طلب فعلٍ أو تركٍ، بعض الأصوليين لم يذكر هذه الجملة بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع لم يذكرها فحينئذٍ يحتاج إلى الاحتراز عن هذا النوع، فزاد جملة من حيث إنه به مكلف.
كما قال صاحب ((المراقي))
كلام ربي إن تعلق بما يصح فعلاً**للمكلف اعلما من حيث إنه به مكلف
فذاك بالحكم لديهم يعرف
(6/7)

هنا لم يذكر بالاقتضاء تحتاج إلى قيدٍ يخرج هذا النوع الذي هو متعلق بفعل المكلف لا بالاقتضاء أما من زاد في الحد بالاقتضاء فحينئذٍ لا يحتاج إلى هذا القيد فإذا قال قائل خطاب الله الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلفٌ به بالاقتضاء نقول: لا من حيث إنه مكلفٌ به هذا حشو لأنك أخرجت به النوع الثاني من نوعي خطاب الله المتعلق بفعل المكلف وهذا قد خرج بالاقتضاء فلا داعي، حينئذٍ نقول من حيث إنه مكلفٌ به المتعلق بفعل المكلف عرفنا المراد بالمتعلق وهو الارتباط وهو كون خطاب الله جاء مبينا لصفة فعل المكلف به بعل المكلف عرفنا أن المراد بالمكلف هنا لا بد من التأويل لا نقول المكلف من تعلق به التكليف وهو إلزام ما فيه مشقة أو طلب ما فيه مشقة بعض الأصوليين عرف التكليف بأنه طلب ما فيه مشقة وبعضهم عرفه بأنه إلزام ما فيه مشقة ما الذي ينبني على الحدين؟ إذا قيل إلزام ما فيه مشقة خرج الندب والكراهة والإباحة فهذه لا تسمى أحكاما تكليفية لماذا؟ لأن الحكم التكلفي لا بد فيه من إلزامٍ وهذا الندب ليس فيه إلزام وإنما يجوز تركه ولا يجوز اعتقاد جواز الترك كما سيأتي والكراهة كذلك لا يأثم بفعل المكروه إذن لا يُلزم بالمكروه، الإباحة ليست من الحكم التكليفي بشيء الأصل فيها لأنها استواء طرفين هذه ليست داخلة في قول إلزام ما فيه مشقة أم من قال حد التكليف طلب ما فيه مشقة حينئذٍ يصدر التكليف على الندب وعلى الكراهة وعلى الإباحة وعلى الإباحة دخول الإباحة من باب التسامح إذن عندنا من هذين التعريفين حكمان متفقٌ عليهما أنهما من أحكام التكليف أليس كذلك؟ ما الذي دخل في الحدين؟ الإيجاب والتحريم إلزام ما فيه مشقة يختص بالإيجاب والتحريم، طلب ما فيه مشقة يدخل فيه الإيجاب والتحريم إنما الخلاف وقع في الندب والإباحة والكراهة أما الإباحة فهذه ليست حكما تكليفيا وإن كانت حكما شرعيا من أراد أن يدخل الإباحة في حد التكليف فيتعين عليه أن نقول التكليف إلزام مقتضى خطاب الشرع لأن مقتضى خطاب الشرع يشمل الخمسة الأنواع فتدخل الإباحة في هذا الحد وتخرج من الحديث السابقين لكن في تسمية المندوب أنه مكلفٌ به أو لا، أو المكروه أنه مكلفٌ به أو لا، لا ينبني عليه فرعٌ فقهي وإنما هو تنظيرٌ وتأصيلٌ أصولي فقط يعني من باب الاصطلاحات،
وهو إلزام الذي يشق**أو طلبٌ فها بكل خلق
لكنه ليس يفيد فرعا**فلا تضق بفقد فرعٍ ذرعا
(6/8)

سيأتينا المندوب هل هو مكلفٌ به أم لا، إذن المكلف ليس المراد به من تعلق به التكليف لأن لو فسر بهذا أن من تعلق به التكليف لزم الدور في الحج وهو ممنوع ولا بما يدرى بمحدودٍ لماذا لأنه متى يكون مكلفا إذا تعلق به التكليف ولا يتعلق التكليف إلا بمكلف هذا يسمى الدور وهو ممنوعٌ عندهم بفعل المكلف قال: المكلف هنا، أولاً ما المراد بالفعل هنا؟ ما المراد بالفعل؟ أو اللغوي؟ هل فرقٌ بين الاصطلاحي واللغوي الاصطلاحي أعم من اللغوي حده لغةً فعل؟ نعم خالد؟ لا لا استعمال اللغة نعم؟ ما يقابل القول والاعتقاد والنية لأنهم يجعلونها أربعة أقسام: قولٌ، وفعلٌ الذي هو بالأركان الجوارح، واعتقادٌ، ونية، هذا في اللغة ما يقابل القول والاعتقاد والنية هو الفعل في اللغة وهذا يصدق على عمل الجوارح أما في الاصطلاح عندهم فالمراد بالفعل كل ما يصدر عن المكلف وتتعلق به قدرته لإخراج الأفعال الاضطرارية لأنه لا تكليف إلا بفعلٍ اختياري وتتعلق به قدرته إذن ما لا تتعلق قدرة المكلف به هو غير مكلف من قولٍ أو فعلٍ أو اعتقادٍ أو نية كل ما؛ ما هذه تحتاج إلى تفسير من قولٍ من هذه لبيان الجنس مفسرة لما كل ما صدر عن المكلف وتتعلق به قدرته من قولٍ أو فعلٍ أو اعتقادٍ أو نية فحينئذٍ هذه الأربعة الأمور في الشرع تتعلق بها الأحكام لأنها تسمى فعلاً أما تسمية الفعل الصريح أنه فعل كالصلاة واستخراج الزكاة والحج ونحو ذلك هذا لا إشكال فيه أما تسمية قول اللسان بأنه فعل، في الشرع هذا يحتاج إلى دليل وقلنا دليله {((((((((الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا (((((((((} [الأنعام:112] أي: ما قالوه أطلق هنا الفعل على القول فدل على أن القول فعلٌ وهذا فعل اللسان الذي يدخل أيضا معنا ولم يذكروه ولا بد من التنصيص عليه هو الترك كف النفس وصرفها عن المنهي عنه وهذا الترك هو المراد أو المختلف فيه أما الترك الذي لا يصحبه قصد هذا بالاتفاق أنه لا يتعلق به التكليف وإنما مرادهم الترك الذي يعتبر كف النفس وصرفها عن المنهي عنه هذا قلنا الصحيح أنه فعلٌ في الشرع ويتعلق به التكليف إذن تركٌ قد يكون حراما وقد يكون واجبا وقد يكون مباحا وقد تكون مكروها وقد يكون محرما هذا متعلق الفعل الذي هو متعلق الحكم الشرعي الخطاب الذي هو الترك قلنا دليله من كتابٍ أو سنةٍ أو إجماع من الكتاب {((((((((مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ((((} [المائدة:63] أطلق على عدم التناهي الذي هو ترك أطلق عليه أنه صنع.
والصنع أخص مطلقًا من الفعل
لأنه على هيئة معينة كل صنعٍ فعلٌ ولا عكس إذن أطلق الصنع الذي هو أخص مطلقًا من الفعل أطلقه على الترك فحينئذٍ يسمى الشرط فعلاً هو سماه صنعا ونحن نقول يسمى فعلاً لم؟ لأن إثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم قلنا هنا أربع مسائل من جهة الإثبات -لا تنظر في الكتاب- من جهة الإثبات والنفي الأخص والأعم نعم عبد الرحمن.
إثبات الأخص يستلزم إثبات الأعم نعم.
إثبات الأعم لا يستلزم إثبات الأخص نعم،
نعم أحسنت نفي الأعم يستلزم نفي الأخص.
بقي الرابع نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم هذه لا بد من حفظها الآن.
(6/9)

يقول: {((((((((مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ((((}. أثبت الأخص والأعم الذي هو الفعل لأن هذا فردٌ من أفراده إذن نطلق على عدم التناهي أنه فعلٌ من السنة ولكن من الأدلة أخرى من السنة: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». أطلق على ترك الأذى أنه إسلام وآية الفرقان هذه دلالتها {(((((((الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (((} [الفرقان: 30] فدلل ابن السبكي أو السبكي على أن الترك فعل وجه الدلالة عبد الرحمن {((((((((((} أي: متروكًا {((((((((((} الأصل المراد به التناول تناولوا تركه أي: فعلوا تركه، من اللغة
لإن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضلل
قول الصحابي وقولهم حجة، لغة لإن قعدنا إن تركنا الاشتغال مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بناء المسجد لإن قعدنا والنبي يعمل لذاك من لذاك ما هو المشار إليه؟ القعود ترك العمل لذاك منا العمل المضلل إذن أطلق على الترك أنه فعل هذه ثلاثة أدلة من كتابٍ وسنةٍ ولغة تدل على أن الترك فعلٌ ثلاثة أمثلة على أن الترك قد يؤخذ به وقد لا يأخذ بهذه أو بناء على خلاف العلماء، مثل ماذا؟ الذي ينبني على هذه المسألة
له فروع ذكرت في المنهج **وسردها من بعد ذي البيت يجي
بشربٍ أو هيا
نعم هل يضمن ألا يضمن رجلٌ ماء زائد عن حاجته وهناك مضطرٌ إلى أكل أو شرب لو لم يعطه الماء وهو مستغنٍ عنه يعني: فضلة لو أنت ( ... ) لإعطاء ولم يعطه فمات المضطر ينبني على هذه المسألة هل الترك فعلٌ أم لا إن كان الترك فعلاً فيتعلق به خطاب الله فيكون مكلفا فحينئذٍ ينبني عليه أنه يضمن لأنه يعتبر قاسي وإذا الترك ليس فعلاً إذن لا يتعلق به خطاب الله لأنه ليست فعلاً من أفعال المكلفين وخطاب الشرع إنما يتعلق بفعلٍ من أفعال المكلفين إذن من أثبت أن الترك فعلٌ من أفعال المكلفين رتب عليه الأحكام الشرعية الخمسة ومن نفى أن الترك داخلٌ في مسمى الفعل الذي هو متعلق حكم الله قال: الترك هذا لا يترتب عليه الأحكام الشرعية الخمسة لا تتعلق به البتة بمثل هذا المثال نقول هنا يضمن لماذا؟ لأنه ترك سُقْيَةَ المضطر مع القدرة عليه فحينئذٍ يضمن ومن يقول لا الترك ليس مكلفًا به عنده لا يضمن مثال آخر نعم لا ليس العزم ما أتينا عليه مثال آخر نعم هلك الزرع نعم عنده نهر يجري أو ماء يجري فأخذ حاجته من الماء إذن عنده فضل ماء منعه عن زرع جاره حتى هلك الزرع مات راح هل يضمن أو لا يضمن؟ ينبني على هذه المسألة إن قلنا الترك فعل يضمن الترك يضمن هذا المسلم إن قلنا الترك ليس بفعل لا يضمن إذن بفعل المكلف الفعل هنا الاصطلاحي يشمل الفعل الصريح والقول والترك على الصحيح وبقي رابعٌ وهو: العزم الْمُصَمِّمُ دليله «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قيل: يا رسول هذا القاتل - قاتل صنع فعلا فَعل فكونه يدخل النار لا إشكال فيه - فما بال المقتول؟ -لأنه لم يقتل ما جرمه ما ذنبه- قال: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه». إذن ما الذنب الذي أرداه في النار الحرص ومحله وهذا هو العزم المصمم.
(6/10)

إذن المتعلق بفعل المكلف نقول دخل فيه قول المكلف وفعله الصريح وتركه المقصود وعزمه المصمم هذه أربعة أمرور داخلة في قوله: بفعل المكلف.
المكلف بعض الأصوليين يقول: بأفعال المكلفين وهذا هو المشهور على ألسنة الأصوليين خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالجمع اعترض عليهم كصاحب ((الجمع)) وغيره بأن بعض خطاب الله يتعلق بفرد واحد خاص مثلوا بذلك بخصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - تزويجه بأكثر من أربع هذا مختص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حكمٌ شرعي إذن تعلق بمكلفٍ واحد ولا يتعلق بغيره أيضا قالوا شهادة خزيمة لثابت شهادته بشهادة رجلين «من شهد له خزيمة فهو حسبه». وهذا خاصٌ بخزيمة كذلك إجزاء العنا وهو الأنثى من ولد المعز الذي لم يستكمل الحول هذا جاء الحكم خاصٌ بأبي برْدة «اذبحها ولا تجزأ لغيرك». أو برواية: «ولا تصلح لغيرك». قالوا: هذه أحكام شرعية وهي متعلقة بفعل مكلفٍ واحد فإذا قلنا بأفعال المكلفين خرج ما تعلق بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي من خصائصه دون أن يشاركه غيره كذلك خرج الحكم المتعلق بنحو خزيمة وأبي برْدَة إذن ماذا نصنع ما الجواب قال: نقول: بفعل المكلف عدلوا العبارة.
خطاب الله المتعلق بفعل المكلفين المكلف هذا جنس أل مكلف أل الداخلة على على المشتق ماذا تعد؟ موصولية يعني: الذي كلف ومن وما وأل تساوي ماذا؟ إذن أل تأتي موصولية الذي يليها يكون صفة.
وصفة صريحة صلة أل**وكونها من معرب الأفعال
قد إذن ثبت أن أل تأتي موصولية وثبت أن أل من صيغ العموم فقوله بفعل المكلف عن الذي كلف الصادق بالواحد وما فوقه إذن عدلوا العبارة من الجمع إلى المفرد ويمكن أن يجاب عن الجمهور الأكثر قولهم بأفعال المكلفين، المكلفين هذه أل يحتمل مع دلالتها على الموصولية أل الجنسية وأل الجنسية تبطل معنى الجمعية حينئذٍ كأنه قال بأفعال المكلف فإن أُورد بأفعال هذا جمع وقد يتعلق بفعلٍ واحد قالوا أو يمكن أن نقول: أن الإضافة أيضا تأتي جنسية أفعال المكلفين أي: فعل جنس المكلف أو جنس فعل المكلف جنس فعل المكلف الصادق بالواحد وبما فوقه، خطاب الله المتعلق بفعل المكلف اعتُرِضَ على هذا الجزء بأن بعض الأحكام الشرعية لا تتعلق نعم بعض الأحكام الشرعية قد تتعلق بغير المكلف لأن المكلف المراد به البالغ العاقل الذاكر غير المُلْجَأ لأنه كما سيأتي في الموضع أن المفرد والملجأ والغافل والساهي والنائم هؤلاء ليسوا بمكلفين
وصُوب امتناع أن يكلفا ذو غفلةٍ**وملجأٌ ما اختلف في مكرهٍ
ومذهب الأشاعرة جوازه**وقد رآه أحمد
(6/11)

واختلف في مكره أما الأول فهي يحتاج أن يكون يعني فيه خلاف هو لكن بعضهم يحكي الإجماع وفيه نظر، وصوب امتناع أن يكلفا ذو غفلةٍ وملجأٌ هؤلاء غير مكلفين واختلفا في مكرهٍ والمكره كما سيأتينا على نوعين، ومذهب الأشاعرة جوازه السبكي أشعري إذن قال ومذهب الأشاعرة جوازه وقد رآه أحمد رآه من ابن السبكي يعني: اختار هذا القول آخرا بعدها رد عليه في ((جمع الجوامع)) البالغ العاقل الذاكر غير الملجأ، البالغ هذا احتراز من الصبي، العاقل هذا احتراز من المجنون، هذا محل الإشكال الصبي والمجنون ليسوا أو ليسا بمكلفين ومع ذلك وردت أحكام شرعية متعلقة بمال الصبي ومال المجنون وما يترتب على إتلاف الصبي وإتلاف المجنون الزكاة صبيٌ عنده بلغ النصاب وحال عليه الحول ما حكمه أفتونا مأجورين تجب الزكاة أو لا تجب؟ تجب الزكاة إذن تعلق خطاب الله بفعل غير مكلف وهو إيجاب الزكاة أليس كذلك؟ كذلك المجنون مجنون عندهم ماذا؟ بلغ النصاب وحال عليه الحول نقول: وجبت الزكاة وهو مجنون ونحن نقول: (خِطَابِ اللهِ) متعلق بفعل المكلف إذن غير المكلف كالصبي والمجنون لا إيجاب في مالهما ولا إيجاب في ما يترتب على إثباتهما كذلك لو أتلف صبيٌ مالاً محترزا صعد على سيارة فكسر الزجاج يضمن أو لا يضمن؟ يضمن كذلك المجنون لو خرج من بيته وأتلف للناس أمورا يضمن أو لا يضمن؟ يضمن حد الصبي لو حد الصبي يؤجر أو لا يؤجر، يؤجر لأنه فعل ذنب كيف يقول هو مندوب في حقه الحج ويترتب عليه الأجر ثم نقول: (خِطَابِ اللهِ) المتعلق بفعل المكلف هو ليس مكلفًا كذلك الصلاة مندوبة من الصبي بيعه يصح أو لا يصح؟ المذهب لا يصح إلا في اليتيم بإذن وليه على من صحح بيع الصبي صح بيعه والصحة عندهم عند بعضهم أو على ما جرى عليه الناظم كما جرى عليه الناظم تبع الأصل إنها من الأحكام التكلفية إذن صح بيعه، صبيٌ كافر يعني: بلاد الكفر فقال أشهد أن لا إله إلا الله صح إسلامه أو لا صح إسلامه إذن نقول قوله: بفعل المتعلق بفعل المكلف اعترض عليه ببعض الأحكام الشرعية المتعلقة بفعل الصبي والمجنون وألحق بعضهم البهيمة قالوا: إنسان عنده بهيمة فخرجت في الليل غير مفرط أو خرجت وهو مفرط كلام آخر يعني: أغلق ما يسد على البهيمة فكسرت الباب وخرجت وآذت الناس يضمن أو لا يضمن؟ لا إن كان مفرطا فيضمن وإن كان ليس مفرطا أخذ بالأسباب في حفظها فلا يضمن فإذا قلنا بالضمان فيما إذا فرق الضمان على من؟ على المفرط طيب البهيمة هي التي فعلت فنقول خطاب الله المتعلق بفعل المكلف هنا أخرج غير الآدميين أصلا الجواب عن هذه حتى قال بعض من أولى أن يبدل هذا اللفظ فيقال المتعلق بفعل العبد ليشمل الصبي والمجنون ويُلحق قياسًا البهيمة والجواب عن هذا أن يقال إن أي حكمٍ يتوهم أنه صادرٌ من الشرع مرتبًا على فعل الصبي أو المجنون فالخطاب في الأصل إلى ولي الصبي والمجنون لا إلى الصبي والمجنون فإيجاب الزكاة في مال الصبي هذا ليس حكما شرعيا من حيث ذاته وإنما الشرع ربط الأحكام بأسبابها ملك النصاب هذا ليس حكما تكليفيا لما نظر الشرع إلى المصلحة المترتبة على الزكاة شدت حالة الفقراء عمم الحكم ولم ينظر إلى ذات المكلف فمتى ما وجد ملكُ النفاق مع
(6/12)

حولان الحول تعينت الزكاة في المال فحينئذٍ وجوب الزكاة نقول هذا ليس حكما مستقلاً تكليفيا وإنما هو من باب ربط الأحكام بأسبابها وقد وُجد ملك النفاق فحينئذٍ ماذا؟ تجب الزكاة كذلك يقال في مال المجنون أنه من قبيل ربط الأحكام بأسبابها فمتى ما وجد حكم الوضع وجد معه ما ترتب عليه من الحكم التكليفي دون نظرٍ إلى ذات المكلف أما حج الصبي وصلاة الصبي كونها مندوبا مندوبة فهذه إذا قلنا الندب ليس داخلا في أحكام التكليف فلا إشكال أليس كذلك؟ على رأي من يرى أن التكليف هو إلزام ما فيه مشقة خرج الندب والكراهة والإباحة إذن تعلق هذه الأحكام الثلاثة الندب والكراهة والإباحة بفعل الصبي نقول: هذا لا يَرِدُ اعتراضا لأن هذه الأحكام ليست تكليفا وعلى من يرى أن هذه الأحكام تكليفية يرد السؤال فمنعوا أن تكون الصلاة مندوبة من الصبي قالوا: ليست مندوبة من الصبي وإنما أمر وليه بأن يأمر الصبي «مروا أولادكم بالصلاة». القول بندبية الصلاة للصبي مختلف فيه بناءً على هذا الحديث «مروا أولادكم بالصلاة في سبع» هنا قاعدة مختلف فيها إذا أمر شخصٌ شخصا بأن يأمر الثاني قلت لأخينا مر الثالث هذا مره أن يقرأ هل يعد الآمر الأول يعد آمرًا الثالث أم لا هل يعد الآمر الأول يعد آمرًا للثالث أم لا؟ منهم ومنهم بعضهم وبعضهم بعضٌ قال: يعد آمرا وعليه الصلاة المندوبة من الصبي لماذا؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مروا أولادكم بالصلاة» مروا الأمر لم يوجه إلى الصبيان وإنما وجه إلى أولياء الصبيان من قال إن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الأولياء بأن يأمروا أولادهم أمرٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - للأولاد صارت الصلاة المندوبة من الأولاد وهذا هو أصح، وبعضهم يرى أنه لا يعد آمرا وإنما الأمر للثاني فقط والثاني هو الآمر للثالث وهذا ليس بصالح،
وليس من أمر بالأمر أمر لثالثٍ**إلا كما في ابن عمر
ابن عمر مره قال: إذا دلت قرينة على أن الأول آمرٌ للثاني فبالإجماع أنه آمر كما في حديث ابن عمر أنه طلق زوجه وهي حائض، قال النبي لعمر: «مره فليراجع» هل هذا أمر من النبي لابن عمر؟ نعم لماذا؟ لقيام القرينة وهي أنه مبلغٌ - صلى الله عليه وسلم - أنه هو الأصل مصدر التشريع فحينئذٍ لكون الآمر هو النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسألة شرعية صار الآمر الأول آمرا للثاني ولكن لم يقولوا بهذا في الحديث ولهذا الأصح أن نقول إن الآمر الأول يعتبر آمرا للثالث «مروهم بالصلاة لسبع» ولذلك القول بأن الصبي غير مكلف بالمندوبات والمكروهات هذا فيه إشكال ولذلك مذهب المالكية أن الصبي مكلفٌ بغير الإيجاب والندب.
قد كلف الصبي على الذي اعتني**بغير ما وجب والمحرم
(6/13)

وهذا أنسب بالنسبة للنصوص، قد كلف الصبي على الذي اعتني يعني: على القول الذي اعتني يعني الذي اختير بغير ما وجب والمحرم لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرت به امرأة فأخذت بضَبُعَيْ صبيٍ فقالت: يا رسول الله ألهذا حجٌ؟ قال: «نعم ولك أجره». نعم ما التقدير نعم لهذا حجٌ والحج في الشرع هذا مصطلح شرعي حج لا يخلوا إما أن يكون إيجابا أو ندبا الصبي هل يكون الحج عليه واجبٌ لا إذن يتعين التالي على كل أذكر هذه المسألة بحثا وإلا المشهور عند الكثيرين أن الصبي وهو قول الجماهير الأصوليين: أن الصبي غير مكلف لا بإيجاب ولا بتحريم وهذا مجمعٌ عليه ولا بندبٍ ولا بكراهة ولا بإباحة لحديث «رفع القلم عن ثلاث».لا وذكر منهم الصبي حتى يحترم «رفع القلم» يمكن أن يؤول رفع المؤاخذ بالمؤاخذة، لماذا؟ لأن التكليف بالإيجاب والندب والتكليف بالإيجاب والتحريم هو الذي يترتب عليه الإثم والعقاب أما ما عداه فالأصل أنه لا يعاقب لذلك عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية يأتينا إن شاء الله في موضع الندب أنه يقول في المندوب يجوز تركه ولا يجوز اعتقاد جواز تركه سيأتينا إن شاء في موضعين، إذن قول القائل في حد الحكم المتعلق بفعل المكلف، المكلف هنا لا يشمل الصبيان والمجانين غير المكلفين وكل حكمٍ ترتب على فعلٍ من أفعال الصبيان أو المجانين أو البهائم فهو من قبيل ربط الأحكام بأسبابها وأما التكليف فلا يتعلق بفعل الصبي ولا المجنون أصلاً قال: بالاقتضاء المتعلق بفعل المتكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، بالاقتضاء قلنا: المتعلق بقوله: المتعلق.
(6/14)

ما المراد بالاقتضاء الطلب وطلب كم قسم قسمان: طلب الفعل، وطلب تركٍ، وكلٌ منهما قسمان: جازم وغير جازم فإن كان طلب الفعل طلبًا جازمًا فهو الإيجاب وإن كان طلب الفعل طلبًا غير جازمٍ فهو الندب وإن كان طلب ترك طلبا جازما فهو التحريم وإن كان طلب الترك طلبا غير جازما فهو الكراهة زاد بعض المتأخرين من الشافعية وغيرهم خلاف الأولى ومقصودهم بخلاف الأولى ما نهي عنه لا بالخصوص وهذا تفريعٌ على الكراهة قالوا: ما طلب الشارع طلبا ما طلب الشارع تركه طلبا غير جازم قلنا هذا بالكراهة أليس كذلك؟ قالوا لا ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم إن كان لنهيٍ خاصٍ بالمنهيٍ عنه يعني: نص عليه الشرع فهو المكروه وإن كان نهيا مستفادا من جهة إثبات الندب فهو خلاف الأولى والقاعدة في الواجب، لا لا، القاعدة في الواجب أنه قال: وأمرنا بالشيء نهي مانعٌ من ضدهالأمر بالشيء أمر إيجاب يستلزم النهي عن ضده نهيه التحريم أليس كذلك الأمر بالشيء هذا قاعدة تأتينا في باب الأمر، الأمر بالشيء أمرًا جازمًا يستلزم النهي عن بده نهيه التحريم هذا في الأمر الجازم فبالأمر غير الجازم قالوا: الأمر بالشيء ندبا يستلزم النهي عن ضده نهي خلاف الأولى مثلوا لذلك بترك صلاة الضحى جاء الأمر في الشرع أمرا غير جازم جاء بماذا بطلب فعل صلاة الضحى إذن مأمورٌ بها أمر ندبٍ هل جاء النهي عن تركها الجواب لا لم يأت نهيٌ عن تركها قالوا: النهي يستفاد من كون الشيء مأمورًا به لأن الشرع إذا أمر بشيءٍ أمر ندبٍ استلزم النهي عن ضده نهي خلاف الأولى فترك صلاة الضحى قالوا منهيٌ عنه لكن النهي هنا لَمَّا لم يرد نصٌ خاصٌ به سموه خلاف الأولى وهذا خلاف ما عليه المتقدمون من الأصوليين وغيرهم وإلا الأصل أنه لا يفرَّق بين ما نهي عنه لخصوصه أو نهي عنه إلا بخصوصه، ما نهي عنه بخصوصه سموه مكروهًا، وما نهي عنه لا بخصوص هو إنما جاء دليلٌ يأمر أمر ندبٍ بضده قالوا هذا لخلافٌ أولى «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس». هذا نسميه مكروهًا لماذا لأنه جاء نهيٌ بخصوصه نهى عن ترك تحية المسجد وهل ورد نهي عن ترك صلاة الضحى لم يرد قالوا: هذا منهيٌ عنه وهذا منهيٌ عنه إلا أن النهي الأول مأخوذٌ من النص لتخصيصه المنهي عنه بالنص والثاني مأخوذٌ من الأوامر التي جاءت بندبية ما تُرِكَ.
بالاقتضاء إذا قلنا هذا يشمل أربعة أمور الإيجاب والندب والتحريم والكراهة قال: أو التخيير المراد بالتخيير هنا الإباحة، لماذا فصلها عن الاقتضاء؟ لم فصلها عن الاقتضاء؟ ليس فيها طلب فعل ولا طلب ترك وإنما هي استواء الطرفين يستوي الفعل ويستوي الترك استواء الطرفين يعني: استواء الفعل والترك إن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل لا أجر ولا وزر لا تؤجر ولا توزر سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الوضوء من لحوم الغنم فقال «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ». هكذا يمثلون للإباحة.
والشاهد لا يعترض من مثال**إذ قال كفى الفضل والاحتمال
(6/15)

يعني: إذا ورد الشيء مثل به الأصوليون أو النحاة وغيرهم لا تناقش في المثال خذ تطبيق القاعدة فقط وامشي «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ» أن يقبل قائل هنا ظاهرة النص الإباحة إذن يصلح أن يكون مثالاً لهذا القاعدة استواء الطرفين هنا سوى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الطرفين وقد ينازع يقول لا، الأولى أن يتوضأ، أو الوضع أو هذه للتقسيم وليست هنا لمطلق العطف لماذا لأن الحكم الشرعي قسمان: حكمٌ تكليفي، وحكمٌ وضعي، الحكم التكلفي أشار إليه بقوله: بالاقتضاء أو التخيير شمل الأحكام الخمسة التكليفية تسمية الإباحة أنها تكليف هذا فيه تسامح وإنما أدخلت من باب إتمام الجملة القسمة العقلية أو الشرعية ثابتة عن طريق الشرع أو الوضع ذكرنا أن بعض الأصوليين لا يذكر هذه الجملة فيقول خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلفٌ به وسكت، وبعضهم يقول: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير وسكت، والفرقة الثالثة: زادت أو الوضع، من قال خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلفٌ به وسكت هذا يحتمل أنه أراد أن يعرف أحد نوعين الحكم الشرعي وهو الحكم التكلفي وحينئذٍ يقال له التعريف القاصر غير الجامع لماذا؟ لأن هذا التعريف خاصٌ بالحكم التكلفي والحكم الشرعي ليس مختصًا بالأحكام التكلفية بل يعم غيرها من قال خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير وسكت، هاتان طائفتان منهم من قال الحكم الوضعي الذي هو السبب والشرط والمانع والصحة والفساد هذه ليس أحكام شرعية وإنما هي أمورٌ عقلية رتب الشارع وجود الأشياء عندها إذا دخل وقت الظهر وجب صلاة الظهر إذن رتب وجوب الصلاة التي هي حكمٌ تكلفي عند دخول وقت صلاة الظهر زوال الشمس قال: إذن هي أمورٌ عقلية جعلها الشارع علامات على الأحكام التكلفية إذن من لم ينص على الوضع قد لا يَرى أن الحكم الوضعي حكمٌ شرعي فحينئذٍ يكون الحكم الشرعي مختصٌ بالحكم التكليفي فحسب والحكم الوضعي الذي هو السبب والشرط والمانع والصحة والفساد هذه أحكامٌ عقلية ولكن نقول هذا فاسدٌ وباطل بل كثيرٌ من الأسباب والشروط والموانع لا تعقل إلا من الكتاب هل العقل يدرك أن الحيض مانع من صحة الصلاة والصوم؟ هل يدرك؟ لا يدرك هل يدرك العقل تحديد أوقات الصلوات بأنه إذا طلع الفجر الصادق وجبت صلاة الفجر؟ وإذا زالت الشمس وجبت صلاة الظهر؟ إلى آخره؟ هل يدرك العقل لا يدرك هل يدرك العقل تحديد ملك النصاب؟ هل يدرك العقل أن الحولان على حولان الحول على المال الذي بلغ النصاب أنه شرطٌ لوجوب الزكاة الجواب؟ لا، إذن كثير من أحكام الشرع الوضعية مستفادة من الشرع وليست مستفادة من العقل إذن القول بأن الحكم الوضعي إنها أمور عقلية قولٌ فاسدٌ لأن كثيرا من هذه الشروط والأسباب والموانع ماذا؟ مستفادة من الشرع كون الوضوء شرطا لصحة الصلاة إن كان يدرك العقل لهذا؟ أن الوضوء شرطٌ لصحة الصلاة بحيث لو صلى دون وضوءٍ لصحت صلاته ما يدرك العقل بل لا يمنع العقل أنه يصلى وتصح الصلاة دون وضوء هذا قول، أنه ترك الوضع لماذا؟ لأنه ليس حكما شرعيا وبعضهم يرى أن الحكم الوضعي داخلٌ في الحكم التكليفي فلا يحتاج إلى أن نَنُصَّ عليه وهذا
(6/16)

القائل يرى أن الحكم الوضعي حكم شرعي لكن لا ليس مستقلاً بذاته وإنما هو يجتمع مع الحكم التكلفي وجه الجمع قال: أنه لا يُدْرَكُ أن الدلوك سبب للوجوب الصلاة إلا كون الصلاة واجبةً عندهم ولا أن الحيض مانع إلا لحُرمة الصلاة والصوم عندهم. إذن كل سبب وكل مانع وكل شرك إنما ذكر ليترتب عليه الحكم التكليفي إذن هو متضمن للحكم التكليفي وهذا فاسد أيضًا لماذا؟ لأن تم تغايرًا بين مفهومي الحكم التكلفي والشرعي الحكم التكلفي خطاب متعلق بالاقتضاء أو التخير لا بد من طلب فعل أو ترك فعل إذن متضمن لأي شيء؟ إما أن يطلب من المكلف أن يفعل الشيء أو أن يترك الشيء والخطاب المتعلق بكون الشيء سببًا أو مانعًا أو شرطًا أو صحيحًا وكون الفعل صحيحًا أو فاسدًا هذا ليس له تعلق من فعل المكلف من حيث الإيجاد أو الترك إذن بينهما مغايرة وإنما الحكم الوضعي ربط بين شيء ولذلك سمي وضعيا جَعْليا معناه أن الله عز وجل حكم أنه إذا وُجد دلوك الشمس فقد أوجبت عليكم يا عبادي بصلاة الظهر وإذا وُجد الحيض فالصلاة والصيام محرمان إذا وُجد ملك النصاب وحال الحول سببٌ وشرطٌ وجبت الزكاة ولذلك من الشروط الظاهرة البينة بين الحكمين التكليفي والوضعي أن التكليفي يطالب به المكلف إيجادا أو تركا وأنه داخل في قدرة المكلف يعني: قدرته تتحمل أن سيتحصل هذا الفعل أو أن يتركه أما الحكم الوضعي فلا فالغالب فيه أنه لا تتعلق به قدرة المكلف كيف؟ هل يقدر الإنسان أن يزيل الشمس من أجل أن يصلي الظهر؟ ليس من فعله هذا فدخول أوقات الصلوات كلها هذه ليس من فعل العبد إذن لا تتعلق قدرة المكلف بأوقات الصلوات وهي حكم وضعي لا تكليفي كذلك الحيض هل تستطيع المرأة أن ترفع الحيض؟ ما تستطيع إذا وجد حرمت الصلاة وحرم الصوم فحينئذٍ نقول: الحكم الوضعي من فوارقه عن الحكم التكليفي أنه لا تعلق به قدرة المكلف فإن تعلقت به قدرة المكلف فلا يتعلق به الخطاب لإيجاد فعل أو ترك لا يتعلق به الخطاب لإيجاد فعل أو ترك مثل ماذا؟ ملك النصاب هذا سبب أليس كذلك؟ هل تتعلق به قدرة المكلف؟ يستطيع أن يجمع مال من أجل أن يكون نصابًا فتجب الزكاة مع الحول هل طولب أن يجمع نصابا؟ لا لم يطلب إذن نقول: الحكم الوضعي لا تتعلق به قدرة المكلف أصلاً فإن تعلقت به قدرة المكلف لا يطالب به. الحكم التكليفي تتعلق به قدرة المكلف ويطالب به إيجادا أو تركا.
الثاني: أن يقال: إن الحكم التكلفي يشترط فيه العلم والقدرة وأما الحكم التكليفي لا يشترط فيه العلم ولا القدرة في الجملة غالبًا
والعلم والوسع على المعروف**شرطٌ يعم كل ذي تكليف
(6/17)

لذلك العلاقة بين الحكمين العموم والخصوص المطلق كل حكمٍ تكليفي فهو وضعي ولا عكس لماذا؟ لأن الحكم التكليفي لا يتصور أن ينفرد عن الحكم الوضعي لا يتصور لا يوجد تكليف إيجاب أو محرم إلا ومعه سببٌ أو شرطٌ أو مانع ويعجز الإنسان أن يأتي بمثال واحد، حكم تكليفي وليس له سببٌ أو شرطٌ أو مانع أما الحكم الوضعي فهو أعم من الحكم التكليفي لأنه ينفرد بماذا؟ أوقات الصلوات الحيض كون أو ليست الحيض هذه يترتب عليها أحكام تكليفية قالوا مثلاً إيجاب الزكاة في مال الصبي هذا حكمٌ وضعي لا تكليفي لأنه من قبيل ربط الأحكام بأسبابها كذلك ضمان المتلفات على الصبي أو المجنون أو على البهيمة هذا حكمٌ وضعي لا تكليفي إذن قد ينفرد الحكم الوضعي عن الحكم التكلفي وقد يجتمعان قالوا: كالزنا الزنا محرمٌ وهذا حكمٌ تكلفي وهو سبب للحج وهو حكمٌ .. كذلك السرقة نقول حرام وهذا حكمٌ تكليفي وهي سببٌ للحج هذا حكمٌ وضعي إذن يجتمعان ويفترق الأعم الذي هو الحكم الوضعي عن الحكم التكليفي الأحكام التكليفية خمسة: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، ودخول الإباحة من باب التغريب فقط والأحكام الوضعية أيضًا خمسة: السبب، والشرط، والمانع، والصحة، والفساد.
ثم خطاب الوضع هو الوارد**بأن هذا مانعٌ أو فاسد
أو ضده أو أنه قد أوجبا**شرطًا يكون أو يكون سببًا
إذن خطاب الوضع هو حكمٌ شرعي يرد في الشرع يبين أن هذا الشيء سببٌ لهذا أو أن هذا شرطٌ لذاك أو أن هذا مانعٌ من لذاك أو كون هذا الفعل صحيحًا لاستجماعه شروط الصحة أو أنه فاسد لعدم استجماع شروط الصحة، قال الناظم هنا:
وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمَا ** أُبِيحَ وَالْمَكْرُوهُ مَعْ مَا حَرُمَا
مَعَ الصَّحِيحِ مُطْلَقًا وَالْفَاسِدِ
عد الحكم الشرعي بأنه كم؟ هذه خمسة أو؟ هذه سبعة لأنه ذكر في الأصل قال: والأحكام الشرعية سبعة الخمسة التكليفية وزاد معها الصحة والفساد وهذا اصطلاحٌ خاص للجويني أن الصحة والفساد داخلان في الحكم التكليفي ولكن جماهير الأصوليين بعده على تقسيم الحكم الشرعي إلى تكليفي وإلى وضعي، وجَعل على الصحيح جعل الصحة والفساد من أحكام الوضعية إلى التكليفية لكن الذي ينظر فيه هنا قال: (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ).
(6/18)

(وَاجِبٌ) قلنا: عندنا إيجاب ووجوب وواجب عرف الحكم بأنه واجب (وَاجِبٌ) هذا على وجه فاعل وفاعل في اللغة تدل على ذاتٍ ونسبة يعني: صفة ذات الموصوفة بصفة ضارب يعني: ذات متصفة بصفة الضرب، قاتل يعني: ذات متصفة بصفة القتل، هنا (وَاجِبٌ) يعني: ذاتٌ موصوفةٌ بصفة الإيجاب هو يريد أن يعرف الحكم، وهل الحكم العلم بالذوات أم بالأحكام؟ إذا أردنا أن نعرف الحكم هل نعرفه بالذوات أم بالأحكام؟ الشرعية التكلفية وهذا ليست ذوات إذن لما عدل الناظم كأصله عن الإيجاب إلى الواجب مع كون الإيجاب هذا يدل على نسبةٍ فقط والحكم يدل على نسبةٍ فقط فالأولى أن يعرف الحكم بكونه إيجابا وإنما عزل عن كونه إيجابا إلى كونه واجبا مع كون الواجب يدل على ذاتٍ ونسبة أجابوا أن هذا فيه ارتكاب مجاز من باب التسهيل على المبتدئين فيقال للمبتدئ الحكم لكنا نحن ما جعلنا فيها مبتدئين الحكم واجبٌ هل تعرف؟ الجواب الصلاة الموصوفة بالإيجاب هل تعرف الصلاة التي هي واجبة؟ يقول نعم إذن الصفة التي وصفت بالأول ذات التي وصفت بهذه الصفة هي واجبة ليُلاحِظَ الذات مع النسبة لأن المبتدئ لو عرف له بتصور الأحكام ما استطاع أن يدركها فحينئذٍ تبين له الواجبات كونها موصوفة بصفاتٍ هي الإيجاب، الإيجاب الذي وصفت به تلك الذات والحكم يعني: من باب التقريب يقال أسلوبٌ تقريبي من إطلاق المتعلق مرادا به المتعلق لأن الحكم الذي هو الإيجاب متعلِّق والذي هو فعل المكلف متعلَّقٌ به والذي يريد أن يعرفه هنا المتعلق من متعلق، متعلق، متعلق أم المتعلق؟ هو يريد أن يعرف المتعلق ولذلك نقول: إذا أشكلت عليك ما هو المتعلق والمتعلق ارجع إلى التعريف، الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق، إذن إيجاب المتعلق الندب المتعلق، الكراهة المتعلق إذن وصف المتعلق هذا للحكم من إطلاق المتعلق لأن فعل المكلف إذا تعلق به الإيجاب سمي واجبا فعل المكلف إذا تعلق به الإيجاب يعني: جاء الإيجاب الذي هو حكم شرعي مبينا لصفة هذا الفعل أنه ماذا؟ أنه واجب يسمى الفعل واجبا إذن فعل المكلف إن تعلق به الإيجاب سمي واجبا وإن تعلق به الندب سمي مندوبا إذن الواجب والمندوب والمكروه والمحرم والمباح هذه صفات للأفعال أو للحكم للأفعال فالنية واجبة الصلاة واجبة نقول ولا نقول حكم الله واجبٌ وإنما نقول: الصلاة واجبة الصلاة هذه فعل المكلف موصوفةٌ بكونها واجبة لماذا؟ لتعلق حكم الله الذي هو الإيجاب لهذه الصلاة التي هي أفعال المكلفين فالواجب هنا من باب إطلاق المتعلق وإرادة المتعلق هذا يسمونه مجازا مرسل لأن الواجب ليس حكما شرعيا وإنما هو فعل المكلف ولهذا عبارة الأصوليين تفارق عبارة الفقهاء في قوله: {(((((((((((((((((((((((} هو إيجابٌ عند الأصوليين مدلوله وجوب الصلاة، الحكم عند الفقهاء في هذه الآية مثلاً وجوب الصلاة، الحكم عند الأصوليين في هذه الآية مثلاً إيجاب الصلاة والإيجاب والوجوب كما قال بعضهم: متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار، متحدان بالذات يعني مسمى الوجوب قوله تعالى: {(((((((((((((((((((((((}، مسمى الإيجاب قوله تعالى: {(((((((((((((((((((((((} إذن الذات واحدة وهي النص الآية تسمى وجوبًا وتسمى إيجابا لكن لما كان نظر
(6/19)

الأصوليين إلى المصدر وهو الله عز وجل سموه إيجابا ولما كان نظر الفقهاء إلى أفعال المكلفين لكن بحثهم موضوع الفقه سموه وجوبا فعل المكلف يسمى واجبا الذي تعلق به الإيجاب كذلك فعل المكلف الذي تعلق به الندب يسمى مندوبا وفعل المكلف الذي تعلق به الكراهة يسمى مكروها وفعل المكلف الذي تعلق به التحريم يسمى محرمًا فالمحرمات والواجبات والمندوبات والمكروهات والمباحات هذه صفاتٌ لأفعال المكلفين فحينئذٍ قوله: (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ) هذا فيه مجاز أنه أطلق المتعلق على المتعلق تسهيلا على المبتدئ، وبعضهم يقول: لا المجاز ليس في الواجب بل هو على أصله وإنما المجاز في قوله والحكم على تقدير المضاف أي ومتعلقات الحكم واجبٌ ومندوبٌ ومباح إلى آخره وهذا أيضًا يستقيل لا بأس به والحكم أي متعلقات الحكم يعني: قسم الحكم هنا لا باعتبار نفسه وإنما ذكر أقسام الحكم باعتبار تعلقه بفعل المكلف لو قيل لك قسم لي الحكم باعتبار نفسه تقول إيجاب وتحريم إلى آخره، وإذا قيل لك قسم لي الحكم باعتبار متعلقه الذي هو فعل المكلف تقول: واجبٌ ومندوبٌ تأتي بالمشتقات تأتي بالمشتقات لماذا لأن المشتقات كلها تدل على ذوات وهذه الذات منسوبة نسب إليها حكمٌ يعني: موصوفة الوصف هو الحكم الصلاة واجبةٌ، واجبةٌ هذه تضمنت الصلاة لأنها تدل على ذات اسم الفاعل يدل على ذاتٍ مبهمة وحدثٍ معين، يدل على ذاتٍ مبهمة وحدثٍ معين واجبةٌ دل على ذات ما هي الذات؟ فعل الصلاة.
(وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ) إما المجاز يكون في قوله: (وَاجِبٌ). أو يكون في قوله: (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ) يكون من باب إطلاق المتعلق الذي هو صفة فعل المكلف على المتعلق الذي هو الحكم الشرعي عند الأصوليين أو يكون الحكم هو الذي وقع فيه المجاز ومتعلقات الحكم يعني: أقسام الحكم باعتبار تعلقه بفعل المكلف ينقسم إلى ما ذكر.
(وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ) مندوبٌ هذا اسم مفعول يدل على ذاتٍ متصفة بصفةٍ وهي الندب.
(وَمَا ** أُبِيحَ) يعني: والذي أبيح ما هذه موصلية معطوفة على قوله واجبة والذي أبيح يعني: والمباح عدل عن المباح لقوله: والذي أبيح لأنه ما يستطيع أن يأتي به في النظم ولكن أتى به بالقوة لا بالفعل المباح هذا مشتق والذي أبيح هذا أيضا مشتقٌ لكنه بالقوة لأنه قاعدة عند البيانين أن الموصولة مع صلته بقوةٍ المشتقة خمس دقائق ونمشي الموصولة مع صلته بقوةٍ المشتقة يعني: كيف بقوة المشتق يعني: والذي أبيح موصولٌ مع صلته تأتي تحذفه وتأتي في مكانه بالمشتق تقول والمباح (وَالْمَكْرُوهُ) أي: المتصف بالكراهة (مَعْ مَا حَرُمَا) (مَعْ) هذا اسمٌ لمكان الاستصحاب أو وقته.
ومَعَ مَعْ فيها قليلٌ
يعني: تسكن لغةً وهي لغة ربيعة والأكثر بلغة العرب معَ بتحريك العين وهي معربة وفتحتها فتحة إعراب هذا عند الجمهور ولغة ربيعة التسكين مع وسكونها سكون بناء قال ابن مالك:
ومع مع فيها قليلٌ ونقل**فتحٌ وكسرٌ بسكونٍ يتصل
(6/20)

يعني: إذا جاءت بعدها وهي ساكنة إذا جاء بعدها ساكن نقول نحرك الأول إما بالكسر على الأصل للتخلص من التقاء الساكنين وإما بالفتح على أصل لغتها (مَعْ مَا حَرُمَا) مع الذي حرما الألف هذه للإطلاق (مَعْ مَا حَرُمَا) يعني: مع المحرم نعم أتى بالموصول مع صلته لأنه عجز أن يأتي بالمشتق وإلا الأصل أنه أراد أن يعبر بالمشتق (مَعَ الصَّحِيحِ) أي: يضاف إلى ما سبق من الأحكام الشرعية حكمٌ شرعيٌ آخر يطلق عليه الصحيح مطلقًا ستأتي تفاصيلها كلها (مُطْلَقًا) يعني: سواءً كان واجبا أو غيره لأن الحج يوصف بكونه صحيح إذا استكمل الشروط كذلك الحج المندوب يسمى صحيحا إذن يوصف بالصحة إذا كان مستكملاً للشروط، (مُطْلَقًا وَالْفَاسِدِ) الفاسد الذي هو البطلان.
(مِنْ قَاعدٍ هذَانِ أَوْ مِنْ عَابِدِ) (مِنْ عَاقِدٍ) في بعض النسخ من عاقلٍ أو عابدٍ يعني: يوصف بالصحة والفساد كلٌ من المعاملات والعبادات هذا المقصود يوصف بالصحة والفساد كلٌ من المعاملات والعبادات يقال هذا بيعٌ صحيح وهذا بيعٌ فاسد هذه صلاةٌ صحيحة وهذه صلاةٌ باطلة إذن وصف بالصحة والفساد كلٌ من المعاملات والعبادات (مِنْ عَاقِدٍ) أي: تارك للعبادة وإذا ترك العبادة إما دين أو دنيا إما أن يتعبد وإما أن يترك تلك فيشتغل بالعقار ونحوه (مِنْ عَاقِدٍ) أي: تاركٍ للعبادة فيكون مشتغلاً بالمعاملات إذًا يوصف أو توصف والمعاملات بالصحة والفساد (هذَانِ) المشار إليها الصحيح والفاسد (أَوْ مِنْ عَابِدٍ) يعني: يقال عبادةٌ صحيحة وعبادةٌ فاسدة هذه سبعة أحكام خمسةٌ من الحكم التكليفي وهي الخمس الأول والصحيح والفاسد الصحيح أنها من الأحكام الوضعية لا التكليفية والناظم هنا أو صاحب الأصل الجويني يُعتبر هذا اصطلاحٌ خاصٌ به يعتبر هذا اصطلاحا خاصا به يأتي تفصليها كلها مفصلة في الأبيات التالية ونقف على هذا.
وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(6/21)

عناصر الدرس
* أقسام الحكم التكليفي.
* شرح حدّ الواجب لغةً واصطلاحاً.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فرغنا من قول الناظم رحمه الله تعالى:
وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمَا
إلى آخر ما ذكره في البيتين وقلنا: مراده بهذين البيتين أن يعرف الحكم الشرعي ذكرنا أن الحكم الشرعي قسمان: حكم شرعي، تكليفي وحكم شرعي وضعي.
من أراد أن يجمع النوعين في حد واحد فليقل: خطاب الله حكم الشرع هو: المتعلق بفعل المكلف في الاقتضاء أو التخير أو الوضع. فهذا الحد يجمع النوعين من نوعي الحكم الشرعي وهو: الحكم الشرعي التكليفي، والحكم الشرعي الوضعي. من أراد أن يخص كل نوع من بحد فليقل: الحكم الشرعي التكليفي هو: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخير وإن شاء حدث بالاقتضاء أو التخير. فحينئذٍ يكون الحد خاصا بالحكم الشرعي التكليفي وإذا أراد أن يحد الحكم الشرعي الوضعي على حِدَة فليقل: خطاب الله تعالى المتعلق بكون الشيء سببًا لشيء آخر أو شرطًا له أو مانعًا منه أو صحيحًا أو فاسدًا. وهذا الذي ذكره صاحب المراقي في قوله:
ثم خطاب الوضع هو الوارد ** بأن هذا مانع أو فاسد أو ضده
ضد الفاسد وهو الصحيح
أو أنه قد أوجب شرطًا**يكون أو قد يكون سببا
وبهذا نعلم أن الحكم الشرعي التكليفي محصور في خمسة: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة.
والحكم الشرعي الوضعي محصور أيضًا في خمسة: السبب، والمانع، والشرط، وهذه باتفاق بالإجماع أنها حكم شرعي وضعي والخلاف في غيرها ونضيف إليها الصحة والبطلان.
أو سببًا أو مانعًا شرط بدا ** فالوضع أو ذا صحة أو فسِدا
جمعه السيوطي في بيت واحد.
أو سببًا أو مانعًا شرط بدا ** فالوضع أو ذا صحة أو فسدا
هذه خمسة والثلاث الأول متفق عليها والصحة والبطلان مختلف فيها وبعضهم يزيد: العلة، والرخصة، والعزيمة، والأداء، والقضاء إلى آخره وسيأتي أن هذه أو لا يأتي قد يأتي في المطول أن هذه أوصاف للحكم الشرعي التكليفي.
ثم أراد بعد ذلك أن يبين هذه الأقسام الخمسة يعني بعد أن حد لنا الحكم الشرعي لأنه منحصر في الواجبات والمندوبات إلى آخره أراد أن يبين حقيقة كل واحد من هذه الأحكام الخمسة.
الأحكام الشرعية عند الأصوليين يُبحث فيها من ثلاث جهات: أحكام الإيجاب، والندب إلى آخره هذا البحث يتم فيها من ثلاث جهات ثلاث نواحي.
(7/1)

الجهة الأولى أو المبحث الأول: في إثباتها في نفسها بمعنى أو ما يعبر عنه البعض هل صحيح أن أفعالنا نحن المكلفين هل صحيح أن أفعالنا مقيدة بأحكام؟ هل التكليف ثابتٌ في نفسه أم لا؟ ما الأدلة على صحة التكليف في نفسه؟ وهذه المسلم لا شك أنه يعتقد أنه صاحب شريعة وأنه مكلف بالإيجاب والندب إلى آخره لكن قد يحصل عند بعض أهل الزيغ شكك في كون الإنسان مكلف أو لا فحينئذٍ يحتاج إلى إثبات صحة الأحكام في نفسها يعني: الإيجاب في نفسه هل هو ثابت أم لا؟ هل أفعال العباد مقيدة بأحكام أم لا؟ هذا إثباته يبحث عنه المتكلمون في علم الكلام ولا بحث له عند الأصوليين ولا عند الفقهاء إذن البحث في الحكم الشرعي أو الأحكام الشرعية من حيث إثباتها نقول: هذا لا بحث له عند الأصوليين.
المبحث الثاني: في تصور هذه الأحكام إذا عرفنا أن الأحكام الشرعية الإيجاب والندب والتحريم إلى آخره ثابتة في نفسها يعني: أن الله عز وجل حقيقة وليس هناك شكك في مثل هذه الأحكام إذن ما حقيقة الإيجاب؟ ما حقيقة الندب؟ إدراك ماهيات هذه الأحكام الشرعية وحقائق هذه الأحكام الشرعية الذي يسمى تصور هذه الأحكام هذا مبحثه في فن أصول الفقه، الأصولي هو الذي يبحث عن تقسيم الأحكام يقسم لك الأحكام الشرعية بالاستقراء ثم بعد ذلك يبين لك حقيقة الإيجاب ويميزه لك عن حقيقة الندب ويميز ذلك عن حقيقة التحريم والكراهة والإباحة هذه وظيفة من؟ الأصولي إذن التعريف عند من؟ عند الأصولي.
المبحث الثالث: التصديق بهذه الأحكام يعني: إذا عرفنا حقيقة الإيجاب وما سواه من الأحكام الشرعية بماذا تتعلق هذه الأحكام؟ نقول بماذا؟ بفعل المكلف هذا يسمى التصديق بالأحكام لأن التصديق هذا مرادهم به الجمل الاسمية والفعلية، يعني: الحكم على الشيء فعل العام بكونه واجبًا هذا دائما يعبر عنه بجملة اسمية أو جملة فعلية وهذا هو التصديق تسمية له بأشرف الاسمين لأنه خبر وكل خبر يحتمل التصديق والتكذيب فسمي تصديقا تسمية له بأشرف الاسمين أو الاحتمالين، فالفقيه يبحث في أفعال العباد بواسطة الشريعة فيثبت الإيجاب لم؟ يعني للفعل الذي هو فعل المكلف لما استوفى شروط الإيجاب يعني ينظر في فعل المكلف هل كل فعل للمكلف هو واجب؟ الجواب: لا، ما يصدر منك من أقوال واعتقادات وأعمال جوارح منها ما هو واجب، ومنها ما هو مندوب، ومنها ما هو محرم، ومنها ما هو مباح، ومنها ما هو مكروه. من الذي ينظر في هذه الأفعال ويميز بعضها عن بعض؟ نقول: الفقيه بواسطة الشريعة.
إذن هذه ثلاثة مباحث كل علم يستقل بمبحث خاص فإذا قيل مثلاً: الصلاة واجبة، هذه دارت على ثلاثة فنون الصلاة واجبة مشتق من الإيجاب هل الإيجاب ثابت في نفسه؟ هل صحيح أن الإنسان مكلف أم لا؟ هذا يثبته لك المتكلم في علم الكلام، ثم ما حقيقة هذا الإيجاب؟ هذا يثبته لك الأصولي، ثم تنزيل هذا الإيجاب على فعل من أفعالك وهو الصلاة هذا وظيفة الفقيه. إذن الصلاة واجبة والوتر مندوب هذه مرت على ثلاثة فنون.
(7/2)

هنا أراد الناظم أن يبين لنا حقيقة الواجب والمحرم والمندوب والمكروه والمباح لماذا؟ لأنه أصولي ومبحث الأصولي لا في التصديقات ولا في إثبات الأحكام في نفسها وإنما في تصور الأحكام لذلك قال:
فَالْوَاجِبُ الْمَحْكُومُ بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ وَالتَّرْكِ بِالْعِقَابِ
حقيقة الشيء إذا أردنا أن نحد شيء فإما أن نبينه بحقيقته وهو ما يسمى عند المناطقة بالجنس والفصل، أو بلوازمه وهو ما يسمى عندهم بالرسم والأثر إما أن ينظر في حقيقته فيحد بالجنس والفصل، وإما أن ينظر فيه من جهة صفة من صفاته أو لازم من لوازمه وهذا يسمى بماذا؟ بالرسم عند المناطقة.
معرف على ثلاثة قُسِم ** حد ورسمي ولفظي عُلِمْ
ثلاثة.
فالحد بالجنس وفصل واقع ** والرسم بالجنس وخاصة مع
ونقص الحد بفصل أو مع ** جنس بعيد لا قريب وقع
وناقص الرسم بخاصة فقط ** أو مع جنس أبعد قد ارتبط
إذن تعريف الشيء إما أن ينظر إليه بحقيقته الجنس والفصل سواء كان تامًا أو ناقصًا وإما أن يذكر برسمه يعني بلازم من لوازمه أو بأثر من آثاره لماذا يحد بأثر من آثاره؟ نقول: نظم الناظم هنا الذي جرى عليه أنه لم يحد الواجب بحقيقته ولم يحد المحرم بحقيقته وإنما نظر إلى صفة من صفاته فعرف الواجب بصفة من صفاته أو بلازم من لوازمه وهذا يصح، لماذا؟ لأنه لا يقال: إذا حد الواجب بلازم من لوازمه أنه يلزم من ذلك أن يتحد لازم الواجب مع المحرم مع الندب مع المباح مع المكروه، لماذا؟ لأننا نقول: حقيقة الواجب مغايرة لحقيقة المحرم، مغايرة لحقيقة المندوب، وإذا اختلفت الحقائق لزم من ذلك اختلاف لوازمها إذا اختلفت الحقائق لزم من ذلك اختلاف لوازمها لكن الذي يكون لازمًا مميزًا لحقيقة المعرف عن غيره هو اللازم الخاص أو العَرَض الخاص الذي يسمى خاصًا أما العرض المشترك العام هذا لا يصح أن يكون مميزًا للمعرف عن غيره لماذا؟ لأنه لو قيل مثلاً الواجب ما أثيب على فعله هذا لازم من لوازمه ولو قيل: الندب ما أثيب على فعله، هذا أيضًا لازم من لوازمه لكن هل قولنا الواجب ما أثيب على فعله هل يعتبر هذا اللازم مميزًا للواجب عن غيره؟ الجواب: لا، لم؟ لأن الإثابة على الفعل ليست مختصة بالواجب بل يشترك معه الندب لذلك مر معنا أنه لو قيل: ما الإنسان؟ فقيل: ماش. ماش هذا عرض عام أم خاص؟ عام، لم؟ يشترك فيه الإنسان والحيوان وغيره كل من يصح منه الماشي دخل في كون الإنسان ماشي إذن ماش هذا عرض عام لا يصح أن يكون كاشفًا للمعرف عن غيره ولذلك لا يصح التعريف بالعرض العام فقط كذلك لو قيل: الواجب ما أثيب على فعله، نقول: لا يصح أن يكون هذا تعريفًا بذكر اللازم لأنه لازم مشترك ولا يميز حقيقة الواجب عن غيره كالندب لأنه يشركه في كون الثواب مرتب على فعليه إذن الناظم هنا جرى على تعريف الأحكام الشرعية بذكر لوازمها وهذا لا إشكال فيه لأنه أتى باللوازم الخاصة وإذا اختلفت الحقائق لزم ضرورة الاختلاف لوازمها لأن لوازم الواجب غير لوازم المندوب ولوازم المحرم غير لوازم الواجب وهكذا فكل منها لها لوازم تخصه.
إذن قوله:
فَالْوَاجِبُ الْمَحْكُومُ بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ
(7/3)

هذا هل هو حد الواجب أم أنه ذكر للازم من لوازم الواجب الجواب الثاني هل يصح التعريف باللازم؟ نقول: نعم إذا كان اللازم خاصًا. يعني: يختص بالمعرف ولا يتعداه إلى غيره. والذي معنا هنا خاص بالواجب ولا يتعداه إلى غيره يعني لا يشركه في هذا الحد غير من الأحكام الشرعية.
قوله: (فَالْوَاجِبُ). الفاء هذه تسمى فاء فصيحة لماذا؟ فاء الفصيحة على الإضافة ويقال: الفاء الفصيحةُ. على مركب التوصيفي الفاء الفصيحة يعني: معرف الجزأين. الفاء الفصيحة هذه الفاء الفصيحة، الفصيحة هذا نعت الفاء الفصيحة على أنه مركب إضافي وسميت أيضًا فاء الفضيحة فصيحة فعيلة من الإفصاح فعيلة بمعنى مُفْعِلَة لماذا؟ لأنها مفصحة أفصحت عن جواب شرط مقدر كأنه قال لك: قد ذكرت لك أن الحكم ينقسم إلى سبعة أحكام أو إلى خمسة إلى سبعة أو إلى خمسة فإذا أردت معرفة الواجب منها فأقول لك الواجب، إذن وقع جواب سؤال مقدر وقيل: لا يشترط أن يكون جوابا عفوا وقع في جواب شرط مقدر وقيل: لا يشترط ذلك بل كلما كان مقدرًا فهو وجاءت الفاء مفصحة عن ذلك المقدر سميت فاء الفصيحة {(وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ (((((((((((((} [البقرة:60] {(((((((بِعَصَاكَ الْحَجَرَ (((((((((((((} الفاء هذه تسمى الفاء الفصيحة أفصحت عن مقدر ليس شرطا وإنما عن مقدر، لماذا؟ لأنه كأنه قال: فضربها. أو فضرب فانفجرت. لأن الانفجار ليس جوابا للأمر {((((((((((((((((} {((((((((((((} هل الانفجار بفعل موسى عليه السلام أم أنه بكونه واقعا في الأمر جواب الأمر؟ الأول بفعل موسى إذن لا بد من التقدير لو لم نقدر لقلنا: {((((((((((((}، فقلنا: {(((((((((اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ (((((((((((((}، إذن الانفجار هذا واقع للأمر أمر الله موسى أن يضرب فلم يفعل موسى فانفجرت نقول: ليس هذا المراد وإنما فضرب موسى الحجر بالعصا فانفجر. إذن الفاء هذه أفصحت عن مقدر وليس جوابا لشرط (فَالْوَاجِبُ) إذن الفاء هذه فاء الفصيحة الواجب سبق أنه صفة الشيء في الحقيقة هو ليس لَيس هو عين الحكم لأن الحكم هو الإيجاب، الإيجاب إن تعقل بفعل المكلف فحينئذٍ فعل المكلف يسمى واجبة فالصفة حينئذٍ تكون لفعل المكلف لا لنفس الحكم لأن الحكم الذي هو خطاب الله هو الإيجاب إن تعلق بفعل المكلف سمي المتعلق به الذي هو الفعل سمي واجبًا فحينئذٍ الواجب هذا يعتبر صفةً لفعل المكلف لا عين الحكم ولذلك يقال: الصلاة واجبة أوجب الله الصلاة إيجابًا فوجبت الصلاة وجوبا فهي واجبةٌ ولذلك نقول: أقم الصلاة هذا أمر أو حكم بإيجاب الصلاة ولا يصح أن يقال: حكم بكون الصلاة واجبة، لماذا؟ لأن أقم الصلاة هو عين الخطاب، وعين الخطاب هو صفة الله وهو الذي يوصف بالإيجاب والواجب هذا منفك لأنه فعل المكلف حينئذٍ قوله: (فَالْوَاجِبُ). أي: الشيء الواجب فهو صفة من صفات فعل المكلف.
(7/4)

وهل يريد المصنف هنا أن يعرف الواجب من حيث هو العين والذات التي هي فعل المكلف أو من حيث وصفه بالوجوب؟ نقول: الثاني، لماذا؟ لأن الواجبات هذه لا يمكن حصرها، التي هي فعل المكلف وتسمى واجبا هذه لا يمكن حصرها، تختلف حقائقها ولا يمكن أن تجمع في حد واحد لأن الصلاة واجبة الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وبر الوالدين هذه كلها واجبات هل يمكن أن نجمعها في حد واحد يمكن؟ لا يمكن إنما هناك قدر مشترك بينها هو الذي ذكره الناظم ما المحكوم بالثواب في الفعل والترك بالعقاب هذا أتى به لأنه لازم وصفة مشتركة بين أفراد ما يصدق عليه أنه واجب وإلا فالواجبات لا يمكن حصرها إذن لا بد من التأويل فالواجب هو عين الذات في الأصل وله عدة جهات يعني: قد ينظر للواجب من جهة وجوده في الخارج، وقد ينظر للواجب من جهة صحة وجوده أو عدمه، وقد ينظر في الواجب من حيث إمكان الوقوع وعدم إمكان الوقوع. إذن له عدة جهات لكن المراد هنا في الواجب من حيث وصفه بالوجوب إذن الشيء الذي وصف بالوجوب من هذه الحيثية ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه من حيث الحيثية هذه تسمى تقييدية لأن حيث يؤتى بها ثلاثة أمور: إما للإطلاق، وإما للتقييد، وإما للتعليم.
الإطلاق كأن يذكر الشيء من حيث صفة معينة كأن يقال الإنسان من حيث إنه إنسان لا من جهة وجوده ولا من جهة قبوله للعلم وعدمه ولا من جهة قبوله للموت والفناء وإنما من كون حيث إنه إنسان نسمي هذه الحيثية إطلاقية الذي يعبر عنه في الشروح والحواشي من حيث هُوَ هُو أو من حيث هِيَ هِي يعني: ينظر للشيء لا باعتبار وصف. وشيخ الإسلام يقول بعدم وجوده هذا.
(7/5)

الثاني الحيثية فيقال مثلاً: الإنسان من حيث قبوله للعلم إذن هل أراد أن يتكلم عن الإنسان مطلقًا أو من جهة معينة؟ نقول: من جهة معينة. تسمى هذه حيث للتقييد وقد تكون للتعليم النار من حيث إنها محرقة أو من حيث إنها حارة نقول: هذا الحيثية هنا للتعليم لأن الشيء قد يكون له عدة جهات مثلاً لو دخلت هذا المسجد ونظرت فيه ممكن أن تصف وتتكلم عنه من جهات متعددة من جهة البرودة وعدمها، من جهة سعته وعدمه، من جهة نظافته وعدمه ماذا تريد أن تتحدث عن المسجد؟ هل تتحدث عن المسجد من حيث هو مسجد؟ أم أن تتحدث عن المسجد من حيث صفة معينة؟ فلو قال قائل: المسجد بارد. نقول: هنا نظر إلى أي شيء؟ من حيث البرودة هو لم ينص على هذا لذلك عند أهل العلم الحيثيات معتبرة في الكلام يعني عندما تسمع لا يشترط أن يقال كما قال الناظم هنا (فَالْوَاجِبُ الْمَحْكُومُ) لم يقل: من حيث وصفه للوجوب. لماذا؟ لأن الحيثيات هذه تقيديه والإطلاق تفهم بسياق الكلام معتبرة في الكلام يعني: السامع لا بد أن يعتبر أن الحكم على المحكوم عليه هذا لا بد أن يعتبر فيه إحدى الحيثيات الثلاث وهذا يعرف من السياق فإذا قيل: المسجد بارد. تعرف أنه لم يرد أن يتكلم عن المسجد من جهة النظافة وعدمها أو من جهة سعة المسجد وعدمها وإنما أراد أن يتحدث عن المسجد من صفة معينة وهي كونه باردا كذلك لو قيل: المسجد نظيفا أو فرشه نظيف، نقول: هذه صفة مقيدة والحيثية هذه للتقييد الواجب له عدة جهات والمراد هنا أن يتحدث عنه من حيث وصفه بالوجوب لا من حيث عينه لأن عينه هذه تختلف منها ما يسمى بصلاة منها ما يسمى بزكاة منها ما يسمى بصيام منها ما يكون بر الوالدين منها صلة الرحم إلى آخره. فالحيثيات تختلف فهنا الحيثية تقيديه ما الذي دلنا على هذه الحيثية؟ نقول: كون الواجب اسم فاعل هو الذي أشعر بهذه الحيثية لأن الواجب اسم فاعل دل على ذات متصفة بصفة هذه الصفة هي النسبة وهي الحكم هو أراد أن يعرف الواجب من حيث هذا الحكم لا من حيث عينه ووجوبه وصحته وعدمه لا ويدل على ذلك أيضا ترتب الثواب والعقاب لأن الثواب والعقاب ليس هو عين الصلاة وليس هو عين الزكاة وليس هو عين الصيام ونحو ذلك بل هو نتيجة من نتائج ترتب الفعل الذي فعله المكلف فحينئذٍ الثواب والعقاب ليس هو عين الواجب بل هو نتيجة من نتائج فعل المكلف لهذا الفعل إذن عرفنا أن الواجب المراد تعريفه هنا من حيث وصفه بالوجوب إذا نظرنا إلى حقيقة الواجب وأردنا أن نعرفه فنقول: الواجب له معنيان: معنى لغوي، ومعنى اصطلاحي.
(7/6)

أما المعنى اللغوي: فيطلق الواجب بمعنى الساقط والثابت يطلق بمعنى الساقط في استعمال ويطلق بمعنى ثابت في استعمال الساقط هذا من سقط قال في القاموس: وَجَبَ يَجِبُ وجبَةً سَقَطَ والشمس وَجْباً ووجوبا إذا غابت والوجبةُ السقطة مع الهَدَّة أو صوت الساقط إذن يطلق الواجب مرادا به الساقط فحينئذٍ يكون الوجوب بمعنى السقوط الواجب هو الساقط والوجوب هو السقوط {(((((((وَجَبَتْ ((((((((((} [الحج:36] يعني: سقطت على الأرض ولزمت محلها كما قيده الشيخ الأمين رحمه الله في المذكرة كذلك وجب الحائط إذا سقط ووجب الميت إذا سقط ولم يتحرك كما في الحديث «فإذا وجب فلا تبكين باكية». يعني: إذا سقط. كذلك قال الشاعر ماذا قال:
أطاعت بنو عوف أميرًا نهاهمُ ** عن السلم حتى كان أول واجب
هو أول ساقط يعني: في المعركة ونحو ذلك. إذن يرد الواجب بمعنى الساقط والوجوب حينئذٍ يكون بمعنى السقوط ويرد الواجب أيضًا بمعنى الثابت واللازم قال في المصباح: وجب الحق والبيع يجب وجوبًا ووجبة لزم وثبت. فيكون الواجب بمعنى الثابت والوجوب بمعنى الثبوت وليس المراد بالثبوت الثابت هنا عدم الحركة وإنما المراد وجوده وتحققه في الخارج على هيئة معينة يعني: لزم حركة معينة، أو لزم هيئة معينة. قالوا: فالمروحة التي تدور هذه نقول ثابتة وليس المراد الثبوت هنا ثابت المراد به عدم الحركة لا كونها على هيئة معينة لا تتغير لا تتغير في حال من الأحوال قالوا: كذلك الواجب هو ثابت على صفة معينة لا ينتقل منها في حال دون حال فإذا قيل: الصلاة واجبة، فحينئذٍ الصلاة متصفة بالوجوب ولا يمكن أن تكون الصلاة في وقت واجبة وفي وقت غير واجبة هذا معنى الثبوت أنه تحقق الشيء بمعنى وجوده في الخارج على هيئة معينة وليس المراد به عدم الحركة بل يشمل ما يتحرك على هيئة معينة ملازمة لهذه الحركة وعدم الحركة كذلك الساقط قالوا: الواجب إذا بُيِّنَ أو قيل إنه ساقط قالوا: إذا سقط على المكلف وقع عليه طلب الجازم إذا سقط على المكلف يعني: تعلق بالمكلف وقع عليه كما يسقط الحجر من علو إذا نزل الواجب على المكلف نقول: سقط ووقع عليه. وهل ورد الثابت في الشرع؟ نقول: نعم جاء في الحديث «اللهم إني أسألك موجبات رحمتك». قيل: موجبات جمع موجبة أي الكلمة أو العبادة أو الطاعة التي توجب لصاحبها الرحمة. «اللهم إني أسألك موجبات رحمتك». أي: التي تثبت لصاحبها من الله تعالى الرحمة إذن عرفنا أن الواجب في اللغة يطلق بمعنى الساقط والثابت.
أما في الاصطلاح فاختلفت عبارات الأصوليين على أقوال: مشهور منها ما ذم تاركه شرعا أو ما توعد بالعقاب على تركه أو ما يعاقب تاركه أو ما أمر به أمرا جازما أو ما طلب الشارع فعله طلبا جازما هذه كلها حدود والمشهور منها ثلاثة: ما توعد بالعقاب على تركه هذا مشهور وذكره ابن قدامة في ((الروضة)).
الواجب ما يعاقب تاركه هذا أيضًا أورده ابن قدامة رحمه الله.
ما يذم تاركه شرعًا هذا أورده الفتوحي في ((مختصر التحرير)).
ما توعد بالعقاب على تركه ما توعد قيل: الواجب هو ما توعد بالعقاب على تركه.
(7/7)

ما اسم موصول بمعنى الذي يصدق على فعل المكلف لماذا يصدق على فعل المكلف لأن متعلق الإيجاب هو فعل المكلف فإن تعلق به سمي واجبا إذن المراد حده هنا هو فعل المكلف ما اسم موصول بمعنى الذي اسم موصول هذا مبهم لا بد من تفسيره لا بد من شيء يوضحه ما الذي يوضحه فعل المكلف ولا نقول: الذي هنا صلة لموصول محذوف الذي هو فعل مكلف هذا خطأ وإنما نقول: اسم موصول يفسر بفعل المكلف فعل المكلف هذا يعتبر جنسًا في الحد يعني: يدخل ويخرج يدخل الأحكام التكليفية الخمسة: الواجب، والمندوب، والمحظور - المحرم -، والمكروه، والمباح. وأخرج ما ليس فعلاً للمكلف لماذا؟ لأن الحكم الشرعي التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلف فقوله: ما. هذا جنس في الحد والجنس من شأنه أن يدخل ويخرج أخرج ما ليس فعلاً للمكلف لماذا؟ لأن الكلام هنا في الحكم الشرعي التكليفي والحكم الشرعي التكليفي كما سبق خطاب الله المتعلق بفعل المكلف إذن ما لم يكن فعل المكلف لا يدخل معنا في الحد فشمل ماذا؟ الأحكام التكليفية الخمسة.
ما توعد بالعقاب توعد هذا فعل ماضي مغير الصيغة ولا تكون مبنية للمجهول لماذا؟ لأن الفاعل هنا الذي حُذِفَ هو الله عز وجل هو الله وإذا بني الفعل سواء كان ماضيًا أو مضارعًا إذا بني لما لم يسم فاعله فحينئذٍ لا يختصر على علة واحدة من علل حذف الفاعل لأن أغراض حذف الفعل كثيرة منها الجهل فإذا قلت: سُرِقَ المتاع. وأنت لا تعلم السارق حينئذٍ كان الفعل هنا مبني للمجهول لماذا؟ لأنك تجهل السالم روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كيت وكيت تجهل الراوي من هو هذا غرض من أغراض حذف الفاعل قد يكون حذف الفاعل للعلم به «خُلِقَ الماء طهورًا» خلق هل بني للمجهول؟ لا، لماذا؟ لأن الفاعل معلوم قطعا أنه الله عز وجل.
قلت وللمفعول إنما بني ** لكون في الذكر نصب الأعين
أو السياق دل أو لا يصدر**عن غيره أو كونه يحقر
كذاك للجهل والاختصار**كالسجع والروي والإفادة
(7/8)

كذاك للجهل يعني: لا يختصر تعليل حذف الفاعل على الجهل وإنما الجهل يكون علة من العلل بل قد اختلف في الجهل هل هو غرض معنوي أو لفظي هل يدخل في اللفظي أو المعنوي أو لا يكون علةً أصلاً لقال سرق المتاع هو لم يحذف الفاعل لم يذكر الفاعل أولاً ثم يحذفه وإنما أصالةً الفاعل لا يعلم فاختلف هل الجهل يعتبر علةً أو غرضًا من أغراض حذف الفعل أم لا؟ الحاصل: ما تُوُعِّدَ توعدَ نقول: هذا فعل ماضي مغير الصيغة ونائب الفاعل يعود على أين نائب الفاعل؟ ما توعد بالعقاب توعد الله هذا الأصل وحذف الفاعل للعلم به لأنه لا وعيد إلا من الشرع لا بد أن يكون ثابتا في كتابٍ أو سنة أو إجماع أمة إذن ما توعد نقول: الفاعل حذف للعلم به وهو الله عز وجل لماذا؟ لأنه لا توعد على ترك واجب أو بعقاب إلا بكتاب أو سنة أو إجماع هذا المعتزلة فيه رد على المعتزلة ما توعد بماذا؟ بالعقاب العقاب في اللغة هو التنكيل على المعصية قوله: توعد بالعقاب هذا أخرج كل ما يشمل الأحكام الخمسة التكليفية توعد بالعقاب أخرج ماذا؟ الندب أو المندوب والمباح والمكروه، لماذا أخرجها لماذا أخرجها؟ ليس فيها وعيد لأن المندوب لا توعد على تركه لو تركه لا يترتب عليه وعيد إذن لا يدخل المندوب معنى لماذا؟ لأن المندوب لو تركه لا وعيد على تركه وهذا خاصة من خواصه خرج المكروه لماذا؟ لأنه لا وعيد على فعله لو ارتكب المكروه نقول: لا وعيد على فعله لا يعاقب على فعله كذلك المباح خرج لأنه لا وعيد على فعله ولا على تركه إذن ثلاثة أحكام خرجت بقي معنا الواجب والمحرم ما توعد بالعقاب على تركه خرج ما توعد بالعقاب على فعله وهو المحرم لأن المحرم توعد بالعقاب على فعله لا على تركه على تركه الضمير يعود على أي شيء؟ على الواجب صحيح ما الذي ينبني على القولين؟ لو قلنا: على الواجب؟ الدور أحسنت لأنه لو قيل: على الواجب، قيل: الواجب ما توعد بالعقاب على ترك الواجب ما هو الواجب الذي توعد بالعقاب على تركه؟ ما توعد بالعقاب على تركه فيلزم حينئذٍ الدور إذا أُخِذَ لفظ من جنس الحروف التي هي في المحدود لزم من ذلك الدور لو قيل: الواجب ما توعد بالعقاب على ترك الواجب إذن كيف نعرف الواجب الذي توعد بالعقاب على تركه حتى نعرف الواجب ولا نعرف الواجب حتى نعرف الواجب الذي أخذ في حد الواجب هذا يلزم منه الدور وإنما نقول: الضمير يعود على ما توعد على تركه يعني: على ترك ذلك الفعل فعل المكلف على تركه يعود إلى ما.
(7/9)

فعل المكلف كما سبق أنه قد يكون عملاً قلبيًّا، وقد يكون عملاً باللسان، وقد يكون عملاً بالجوارح على تركه الضمير يعود على هذا الفعل هذا تعريف مشهور عند الأصوليين وانتُقِدَ أنه إذا قيل: ما توعد بالعقاب على تركه يعني: لا بد وأن يقع العقاب لماذا؟ لأن التوعد هذا خبر وخبر الله صدق لا بد من وقوعه ويلزم حينئذٍ كل من توعد بالعقاب لا بد أن يعاقب هل هذا صحيح؟ ليس بصحيح فحينئذٍ خرج بعض الواجب لماذا؟ لأننا إذا قلنا: إن الصحيح لا يلزم أن يكون كل من توعد بالعقاب على ترك ذلك الفعل أن يكون معاقبا بالفعل نقول: إذا لا يلزم حلول العقاب بالفعل لا بد من القول بأن بعض من ترك بعض الواجب قد لا يعاقب لماذا؟ لقوله تعالى: {((((((((((مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ ((((((((}] النساء، الآية: 48 [.
(7/10)

إذن بعض من ترك بعضًا من الواجب لا يعاقب إذن خرج من الحد بعض أفراد الواجب حينئذٍ يكون الحد غير جامع إذا قيل: ما توعد بالعقاب على تركه هناك واجبات تركها العبد ولم يرتب عليها عقاب لم يعاقب فحينئذٍ نقول: لم يصدق عليه الحد لو الإنسان ترك واجبا من الواجبات فمات غفر الله له الذي تركه ولم يترتب عليه العقاب هل هو واجب؟ نعم واجب هو واجب قطعا لكن هل يصدق عليه الحد؟ قالوا: لا وهذا الاعتراض ليس بجيد لماذا؟ لأن الحد يقول: ما توعد ولم يقل كما قال الآخر: ما يعاقب. ما توعد يعني: رتب استحقاق العقاب على ترك هذا الفعل فحينئذٍ قد يعاقب بالفعل وقد لا يعاقب لأن النظر في حد الواجب بل في سائر الأحكام الشرعية النظر فيها لا بد أن يكون نظرا جامعا بين الحد والمحدود وشرائط الحد يعني لا ينظر إلى الواجب من حيث هو ينظر فيه من حيث كونه حكما شرعيا وقد أثبت الشرع أن بعض من ترك بعضا من الواجب قد يعفى عنه والأدلة كثيرة وأشهرها {((((((((((مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ ((((((((}] النساء، الآية: 48 [. ثم أمر آخر أن يقال: إن من ترك واجبا وقد عفا الله عنه في الدنيا يصدق عليه الحد وأما كونه معفُوا عنه داخلا تحت المشيئة أو لا هو أمر غيبي ليس للعبد له علاقة وليس له صلة به وإنما ينظر إلى الواجب من الأمر الدنيوي وأما ترتب العقاب والثواب هل هو في الدنيا أو الآخرة؟ في الآخرة إذن هو أمر غيبي ولذلك نقول: هذا الحد سالم من الاعتراض واعتراض من اعترضه بكون الحد لا يصدق على من ترك بعض الواجب قد عفي عنه نقول: العفو هذا أمر غيبي وإنما نحن نحد ما جاء به الشرع فمثلاً لو إنسان عق والديه أو ترك بر الوالد ترك بر والديه ثم مات نقول: بر الوالدين هذا واجب لماذا؟ لأنه رتب عليه ثواب وعقاب هذا باعتبار الدنيا أم كونه إذا مات وقد شملته المشيئة هذا ليس لنا علاقة به وإنما ننظر إلى الواجب من حيث ثبوته في الشرع فما رتب عليه الثواب حكما والعقاب حكما هذا نحكم عليه بكونه واجبا ولا ننظر إليه في كونه في الآخرة هل هو معفوا عنه أم لا لأن هذا متعلق بمشيئة الرب جل وعلا وهذا كثير من الأصوليين يذكرون مثل هذه المسائل نقول: لا الصواب أن الأمر غيبي وليس لنا إلا بالظاهر الذي دلت عليه النصوص لذلك يمثلون بمسألة من ترك صلاة الظهر فمات هو عصى ربه ترك الصلاة ترك واجبا قد يعفو الله عنه قالوا: هذه إذا قلنا أنه توعد بالعقاب على تركه هذا لا يسمى واجبا لماذا؟ لأن الله قد عفا عنه إذن خرجت صلاة الظهر عن كونها واجبة نقول: وما أدراكم أن الله قد عف عنه هذا أمر غيبي؟ ما الذي أدراكم؟ هذا أمر متعلق بمشيئة الرب جل وعلا وننظر إلى الحكم الشرعي من حيث ثبوته في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم هذا حد وقيل: ما يعاقب تاركه. ما اسم موصول بمعنى الذي يصدق على فعل المكلف فيشمل حينئذٍ الأحكام الخمسة التكليفية وأخرج ما ليس فعلاً للمكلف يعاقب تاركه أخرج المندوب فإنه لا يعاقب تاركه وأخرج المباح فإنه لا يعاقب لا على فعله ولا على تركه وأخرج المكروه لأنه لا عقاب على فعله ماذا بقي؟ المحرم خرج بكونه تاركه أورد عليه ما ورد على الحد الأول أنه إذا قيل: ما يعاقب.
(7/11)

يعني: بالفعل وقد يعفوا الله عنه إذن لا بد من إصلاح الحد لأن الله تعالى قد يعفوا عن تارك الواجب نقول: هذا الترك في الدنيا والحكم مرتب عليه ثم الثواب والعقاب هذان أمران متعلقان بمشيئة الرب وهو أمر ماذا؟ أمر غيبي ما الفرق بين الحدين قال بعض العصريين: إنه لا فرق بينهما. والصواب أن بينهما فرقا وهو أن الأول ما توعد هذا توعد هذا ليس كمن يعاقب من يعاقب يعني: بالفعل ومن توعد بالعقاب هذا قد يقع وقد لا يقع إذن ما توعد بالعقاب على تركه بالفعل أو بالقوة يعني: رُتِّبَ في الشرع العقاب على الترك أما في الحد الثاني ما يعاقب تاركه يعاقب هذا الظاهر أنه بالفعل وأيضا هذا لا اعتراض عليه وإن اعترض عليه أنه من لم يعاقب على تركه فليس بواجب قال بعضهم يرد عليه أن كل من لم يعاقب على ترك فعل وهو اجب ليس بواجب كما مثلنا بصلاة الظهر قالوا: إذا لم يعاقب وقد عفا الله عنه إذن ليست هذه بواجبة فحينئذٍ يكون الحد غير جامعٍ نقول: الصواب أن العبرة بما ظهر من كتاب أو سنة فإذا رتب الشرع العقاب على ترك فعل نحكم عليه بكونه واجبا إذا تركه نقول: الأصل أنه مستحق للعقاب وكونه يعفى عنه أو لا يعفى عنه ليس من شأننا ولا نبحث في هذه المسألة أصلاً، لأنها ليست من فعلنا نحن هذا الحد الثاني ولا إشكال فيه أيضًا.
الحد الثالث المشهور عند الحنابلة ما يذم تاركه شرعا يذم أراد الفرار من تُوُعِّدَ ويُعَاقَبُ قالوا: لا بد من الإصلاح لأن بعض أفراد المحدود لا يدخل في الحدين على الاعتراض السابق لأنه قال: نُسَلم أن بعض أفراد الواجب لا يشملهما التعريفان السابقان فسلموا بهذا قالوا: نعدل العبارة فنقول بدلاً من أن نقول ما توعد لأنه قد لا يعاقب وبدلاً من أن نقول: لا يعاقب لأنه قد لا يعاقب إذن نَفِرُّ من هذين الاعتراضين فنقول: ما يذم. ما اسم موصول بمعنى الذي يشمل الأحكام الخمسة والمراد بها فعل المكلف أخرج ما ليس فعلاً للمكلف.
يذم: هذا أخرج المندوب لأنه لا ذم على تركه أخرج المكروه لأنه لا ذم على فعله أخرج المباح لأنه لا ذم على فعله ولا على تركه ما يذم ما المراد بالذم قالوا: النقص. قال الجوهري: ذمه يذمه إذا عابه، والعيب هو النقص فحينئذٍ ترتب النقص أو العيب أو اللوم كما عبر بعضهم على ترك الفعل دل على أنه واجب ما يذم.
قال: شرعًا ما يذم تاركه.
تَاركه أخرج ما يذم فاعله وهو المحرم إذن خرجت أربعة أحكام ما يذم ما يشمل أحكام الخمسة يذم أخرج المندوب والمكروه والمباح تاركه أخرج ما يذم فاعله وهو المحرم شرعا شرعا هذا إيش إعرابه ما يذم تاركه شرعا؟ تمييز صحيح أي من جمعه الشرع هذا فيه ردٌ على المعتزلة لأن المعتزلة عندهم مسألة التحسين والتقبيح العقليين فيه ردٌ على المعتزلة لأنهم يحكمون العقل كما قال في ((الجمع)) وحكمت المعتزلة العقل في مسألة الإيجاب والندب.
فالأحق
ليس لغير الله حكمٌ أبدا**والحسن والقبح إذا ما قُصِدا
وصف الكمال أو نفور الطبع**وضده عقلي وإلا في الشرع
بالشرع لا بالعقل شكر المنعم**حتمٌ وقبل الشرع لا حكم ل ..
وفي الجميع خالف المعتزلة. وحكمت العقل فإن لم يقضي له فالحضر أو البحث أو وقف عند ...
(7/12)

يأتينا هذا في كتاب أوسع من هذا المقصود أن الحسن أو التحسين والتقبيح العقليين هذا من ما قال به المعتزلة والصواب أنه لا حكم إلا لله لذلك ينص الأصوليون في أوائل كتبهم {((((الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}] الانعام، الآية: 57 [هذه قاعدة عامة هذه يبحثها المتكلمون لماذا ردا على المعتزلة لأن المعتزلة يرون مسألة التحسين والتقبيح أن العقل إذا حسن الشيء وجب ولو لم يأت الشرع يقولون: هذا واجب لماذا؟ لأن العقل دل على أنه حسن في نفسه بذاته هذا محرم لماذا؟ لأن العقل دل على قبحه والصواب أنه في مسألة الثواب والعقاب لا تحسين ولا تقبيح إلا ما حسنه الشرع وما قبحه الشرع {((((الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}] الانعام، الآية: 57 [.
(7/13)

ما يذم تاركه شرعًا عرفنا أن المراد أن الذم مأخوذٌ من جهة الشرع من أين من جهة الشرع؟ إما كتاب وإما سنة وإما إجماع أمة ولا قياس هنا شرعا قال بعضهم: يرد على هذا اعتراض وهو قوله: ما يذم يُذم هذا فعل مضارع أليس كذلك؟ قالوا: الفعل المضارع يشعر بوجود الشيء قبل أن لم يكن وهل أَذَمُّ وارد في نصوص الشرع على ما أنزلت وقت الوحي أم أنه أمر حادث؟ الأول أن الذم مأخوذ من الشرع فحينئذٍ قالوا: بدلاً من أن يقال: يُذم.
(7/14)

نقول: ذم يعني: يعبر بالفعل الماضي لأن الفعل الماضي يدل على وقوع الحدث ولا ينافي استمراره قد يكون الفعل المضارع دالاً على الماضي والأصل فيه أنه يدل على انقطاع الحدث يعني وقع في زمن ماضي وانتهى قام زيد قام زيد فعل ماضي فعل ماذا إيش دلالة الجملة هذه؟ ثبوت قيام لزيد في زمن مضى وانتهى وقطع هذا الأصل وقد يدل على الاستمرار أو على المستقبل مستقبل مثل {((((((أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1] {(((((} فعل ماضي نقول: فعل ماضي هنا دل على وقوع الحدث وانتهى؟ لا إنما استعمل في الزمن المستقبل لعلة وهي: إفادة تحققه كما سبق بيانه وقد يدل على حدث وقع ولم ينقطع وهذا دائمًا تأخذه في الاعتراض الذي يرد من بعض الطلاب {(((((((اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ((((} كان زيد قائما كان زيد قائما كان زيد متصف بالقيام في الزمن الماضي وانتهى والآن ليس بقائم هذا صحيح لكن قد تكون كان منزوعة الدلالة على الزمان وإنما تدل على المصدر فحسب لأن كان الصواب أن لها مصدر كونك إياه عليك يسير وقد يدل على الاستمرار أو على المستقبل مستقبل مثل {((((((أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل: 1] {(((((} فعل ماضي يقول فعل ماضي هنا دل على وقوع الحدث وانتهى؟ لا إنما استُعمل في الزمن المستقبل لعلة وهي: إفادة تحققه كما سبق بيانه وقد يدل على حدث وقع ولم ينقطع وهذا دائمًا تأخذه في الاعتراض الذي يرد من بعض الطلاب {(((((((اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ((((} كان زيد قائمًا كان زيد قائمًا كان زيد متصف بالقيام في الزمن الماضي وانتهى والآن ليس بقائم هذا صحيح لكن قد تكون كان منزوعة الدلالة على الزمان وإنما تدل على المصدر فحسب لأن كان الصواب لها مصدر وكونك إياه عليك يسير فإذا قيل {(((((((اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ((((} [مكررة] هل هي مثل كان زيد قائمًا؟ لا وإنما تدل على استمرارية اتصاف الرب جل وعلى بصفة المغفرة وأنها أزلية إذن دلت على أصل معناها وهي الماضي ودلت على الاستمرار بأدلة أخرى وهي أدلة عقلية ونحوها، فحينئذٍ الفعل الماضي قد يدل على شيء حدث وانقطع وقد يدل على شيء المستقبل فنفخ في الصور لم ينفخ بعد نفخ فعل ماضي بالإجماع لا خلاف لا يقال أنه فعل مضارع وأمر {((((((((يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي (((((((((((((} [النمل: 87] هل وقع؟ لم يقع بعد كيف تقول هذا فعل ماضي نقول: استعمل الفعل الماضي من جهة اللفظ مرادا به الزمن المستقبل وقد يدل على الزمن الماضي مستمرا إلى أن يشاء الله وقد يكون مستمرا مطلقا كإذا وقعة كان في صفات الرب جل وعلى فهنا ما يذم قال: هذا يشعر بأن الذم حادث وهو أنه من حَمَلَةِ الشرع يعني من الفقهاء والعلماء هم الذين يذمون فحينئذٍ يثبت الوجوب والواجب نقول: لا الصواب أن يذم قد يستعمل في الموضعين قد يستعمل في الماضي والمراد به هنا ما ورد ذمه في نصوص الشرع سواء عبرنا عنه بالمضارع أو بالماضي ما يذم تاركه شرعا الواجب أقسام كما سيأتي بيانه منه ما هو واجب مضيق واجب مضيق إيش يراد بالواجب المضيق؟ ما لا يسع وقته إلا فعل ما كلف به يعني: أن يكون الزمان الذي وجب فيه فعل لا يزيد ولا ينقص مساويًا له مثل
(7/15)

ماذا؟ صوم رمضان صوم رمضان صوم رمضان يعني: صوم شهر رمضان، والشهر كم تسعٌ وعشرون أو ثلاثون فإذا أوجب الله الصوم في شهر رمضان فقد كان الصوم باعتبار الزمن مضيقا يعني: لا يسع غيره من جنسه لا يسع غيره من جنسه وسع غيره من غير جنسه، من جنسه ماذا؟ يعني: من جنس الصيام جاء أول يوم في رمضان صام، صام صوما واجبٍ متعين هل يجوز له أن يصوم بنية قضاء واجبٍ آخر أو كفارة أو نذرٍ هل يصح؟ لا يصح، لماذا؟ لأن هذا اليوم لا يسع من أوله إلى آخره إلا صوم يومٍ واحدٍ بنية إيجاب أو وجوب صوم رمضان وحينئذٍ لا يسع أن يصوم معه صوم قضاءٍ عليه أو نذر أو كفارة أو غيرها هذا يسمى واجبا مبينا قالوا: من غير جنسه من جنسه أما من غير جنسه هذا لا إشكال يصوم ويتصدق ويصلي الظهر والعصر لا إشكال إذن وجب وجمع بين الصوم وغيره لكن غيره هنا من غير جنس أم من جنسه فهذا ممتنع هذا يسمى واجبًا مضيقا.
الواجب الموسع ما حقيقته؟ أن يكون الفعل المأمور به باعتبار الزمن أقل من ذلك الزمن هل يكون الزمن الفعلي أكثر من الفعل، يعني: لا يكون مساويا له من الفعل، مثل ماذا؟ الصلاة، الصلاة تسع كم ربع ساعة إلى نصف ساعة، والوقت من دلوك الشمس إلى خروج الوقت هذا يسع الصلاة وغيرها أليس كذلك هذا يسمى واجبا موسعا.
ما وقته يسع منه أكثرا ** وهو محدودًا وغيره جرى
فجوز الأداء بلا اضطرار** في كل حصة منه اختار
يعني: الواجب الذي هو الصلاة يجب بأول جزءٍ من أجزاء الوقت، نقول: وجبت الصلاة، فحينئذٍ في كل حصةٍ من حصص هذا الوقت يجوز أن يؤدي فيه الصلاة أليس كذلك؟ تقول: هذا واجب موسع.
أيضا ينقسم الواجب باعتبار الفاعل إلى فرض عين، وفرض كفاية إذا كان الخطاب موجهًا إلى كل ذاتٍ بعينها أو معين نقول هذا واجبٌ عيني يعني لا يقوم غيره مقامه أنت مأمورٌ بالصلاة هل يمكن أن يؤدي غيرك هذه الصلاة عنك؟ الجواب لا هذا يسمى واجبًا عينيًا.
الواجب الكفائي أن يكون المطلوب حصول الفعل بخلاف الأول، فرض العين النظر فيه إلى الذات والفعل أيضًا لكنه على جهة التبع والفرض الذي هو فرض كفاية النظر فيه يكون إلى الفعل أصالةً وإلى الفاعل تبعًا يعني: المقصود من الشارع إيقاع وحصول هذا الفعل ولو من بعض المكلفين ولو كان المخاطب جميع المكلفين هذا يسمى فرض كفاية لماذا؟ لأن بعض المخاطبين يكفي في سقوط الخطاب والإثم عن الآخر.
ما طلب الشارع أن يحصلا ** دون اعتبار ذات من قد فعلا
هذا هو الواجب الكفائي يعني يفيد ماذا؟ صلاة الجنازة صلاة الجنازة واجبة أمر الشرع بها لا إشكال في هذا لكن هل كل فرد مخاطبٍ بأن يؤدي هذه الصلاة بعينه ولا يقوم غيره مقامه؟ الجواب لا، وإنما المراد أن المكلفين خوطبوا بإيجاد هذه الصلاة وأن بعضهم لو فعل هذه الصلاة سقط الإثم عن الآخرين هذا يسمى فرض كفاية، ينقسم أيضا باعتبار الفعل المكلف به إلى واجبٍ معينٍ وإلى واجبٍ مبهمٍ في أقسام المحصورات.
المعين: مثل ماذا؟ أن يكون الشرع قد حدد الفعل، كالصوم والصلاة والزكاة، ونحوها.
(7/16)

الواجب المبهم: أن يكون الشارع قد أبهم الواجب، لم يعينه وإنما حصر بعض الأشياء ولا يخرج عنها، مثل ماذا؟ كفارته: {(((((((((((((((إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ ((((((((} [المائدة: 89]. هنا الواجب لا بعينه وإنما الواجب هو القدر المشترك هل الواجب إطعام عشرة مساكين فقط؟ نقول: لا هل الواجب كسوة عشرة مساكين؟ هل الواجب عتق رقبة؟ نقول: لا. إنما الواجب يتعلق بقدر المشترك، فأي واحدةٍ من هذه الخصال فعل فقد أجزأ يرد السؤال هنا بينت هذا لأن هناك اعتراض.
ما يذم تاركه شرعًا؟ اعترُض على هذا الحد لأنه خرج الفرض كفاية، والواجب الموسع والواجب، لا يصدق هذا الحد عليه وهذا صحيح لو قال ما يذم تاركه شرعًا متى الواجب الموسع الآن إذا أخر الصلاة عن أول الوقت إلى أثنائها الوسط أو آخره هل ترك واجبًا؟ نعم ترك واجب دخل وقت الصلاة فوجبت الصلاة متى تجب الصلاة؟ في أول جزءٍ من أجزاء دخول الوقت، نقول تعينت الصلاة، وجبت فحينئذٍ لو أخر الصلاة إلى آخر الوقت الموسع نقول: قد ترك واجبًا هل يذم الجواب؟ لا كيف نقول: لا يذم وهو واجبٌ ونُعَرِّفُ الواجب بأنه ما يذم تاركه شرعا الواجب المخير إذا ترك إطعام عشرة مساكين، نقول: ترك واجبًا هل يذم؟ الجواب لا، لا يذم لم؟ لأنه ماذا؟ فعل غيره فرض كفاية إذا ترك الصلاة وقد فعل الصلاة بعضٌ آخر تارك الصلاة صلاة الجنازة وقد صلى غيره هل التارك هذا نقول قد ترك واجبًا؟ نعم ترك واجبًا هل يذم؟ الجواب لا، إذن ما يذم تاركه شرعًا خرج عنه الواجب المخير والواجب الموسع والكفاية إذن لا بد من زيادة لفظ مطلقا ما يذم تاركه شرعا مطلقا فحينئذٍ الإطلاق هذا كما ذكره الفتوحي أنه يحتمل رجوعه إلى الذنب ما يذم فيكون الذنب بإطلاق لماذا؟ ليشمل ما يذم على جميع الأحوال وهو الواجب المضيق ولا إشكال في دخول الحد حتى قبل الزيادة لو قيل ما يذم تاركه شرعا يختص بالواجب المغير، لأنه لو ترك اليوم الأول من صيام رمضان أو ترك شهر رمضان صيامه نقول: يذم تاركه شرعًا فحينئذٍ يصدق على الواجب المضيق سواءٌ تركه هو وحده أو تاركه مع غيره أليس كذلك؟ وليس هناك خيار فحينئذٍ يصدق هذا الحد على الواجب المضيق فحسب.
(7/17)

الواجب الموسع إذا تركه في أول الوقت وأخره إلى آخره نقول هذا يذم من وجهٍ ولا يذم من وجهٍ آخر متى يذم؟ إذا ترك هذا الفرض في جميع الوقت ولا يذم إذا تركه بنية فعله في آخر الوقت فحينئذٍ ما يذم مطلقا ليشمل ما يذم من جميع الوجه وهو الو اجب المضيق ويشمل ما يذم من وجهٍ دون وجه وهو الواجب الموسع، يعني: الواجب الموسع له جهتان من جهة الذم إن تركه مطلقًا أخر الصلاة حتى خرج الوقت عامدا، نقول: هذا يذم لماذا؟ لأنه ترك فعل الصلاة في جميع الوقت لو أخرها من أول الوقت إلى آخره نقول: لا يذم كذلك الواجب المخير إذا ترك الأول إلى الثاني بنية فعل الثالث، نقول: هذا لا يذم أما إذا ترك الجميع فهو يذم، فرض كفاية نقول: يذم إذا ترك جميع المكلفين فعل ما كلف به الذي فرض الكفاية، ولا يذم إذا فعل البعض وترك البعض الآخر فحينئذٍ مطلقا هذا يرجع إلى الذم فيشمل الذم من جميع الوجوه وهو الواجب المضيق ويشمل الذم من بعض الوجوه دون بعض لأن الذم يتنوع في الواجب الموسع والواجب المخير والفرض الكفاية، أو يصح أن يوجد مطلقا إلى الترك.
(7/18)

ما يذم شرعا تاركه مطلقا، يعني: لو ترك مطلقا وهو في جميع الوقت يشمل الواجب مضيق فهو مذموم كذلك يذم إذا ترك مطلقا في الواجب الموسع حتى خرج الوقت ويذم مطلقا إذا ترك جميع المكلفين ولم يفعل بعضهم دون بعض ويذم مطلقا إذا ترك جميع خصال الخيار الكفارة الذي هو الواجب المخير، إذن نقول: حد الواجب ما يذم تاركه شرعا أو ما يذم شرعا تاركه مطلقا، مطلقا هذا لإدخال الواجب الموسع والواجب الكفائي والواجب المخير لأن الذم فيه أو الترك لا يكون تاركا للواجب إلا إذا ترك في جميع الوقت في واجب الموسع لا في وقتٍ دون وقت وإذا ترك الجميع المكلفين وإذا ترك جميع خصال الكفارة زاد بعضهم وهو الفتوحي قصدا تاركه قصدا قالوا: لأن بعض الواجب قد يتركه مطلقًا حتى يخرج الوقت ولا يذم كمن أخر الصلاة إلى منتصف الوقت ثم بعد ذلك نام أو غفل أو سها ظن أنه صلى فنسي حتى خرج الوقت هل يذم؟ لا، لا يذم إذن هو ترك جميع الوقت ولم يفعل الصلاة والأصل أنه يذم لأنه أخرج فعل العبادة التي هي الواجب عن جميع الوقت فقال: قصدا تاركه قصدًا احترازا من التارك على سبيل القصد كالنائم والساهي والغافل والناسي فهؤلاء الأربعة قالوا: تركوا الفعل حتى خرج الوقت وهو واجبٌ ولكن لا يذمون فنقول حينئذٍ هذا الذنب ارتفع لماذا؟ لانتفاع القصد فلابد من زيادة قاصدا ما يذم شرعا تاركه قصدا لكن الصحيح أنه لا يزاد قصدا لماذا؟ لأن الجنس هنا ما هذا صادقٌ بفعل المكلف والصحيح أن النائم والساهي والغافل غير مكلفين، فحينئذٍ لا يحتاج أن يقال قصدا لأن الغافل غير مكلف «رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ». هكذا زاده الفتوحي وحذفه العوفي في شرح المختصر، إذن نقول: ما يذم تاركه شرعا مطلقا وقال بعضهم الواجب ما أمر به أو ما أُمر به أمرا جازمًا هذا واضح ما جنسٌ يشمل الأحكام التكلفية الخمسة أُمر به خرج ماذا المكروه والمباح والمحرم، بقي ماذا؟ المندوب والواجب جازما أخرج المندوب وبعضهم يقول: ما طلب الشارع فعله طلبا جازما ما جنس يشمل أحكام الخمسة طلب الشارع فعله، خرج المباح، والمكروه والمحرم لأن المحرم طلب الشارع تركه، طلبا جازما هذا أخرج المندوب هل الفرض هو عين الواجب؟ هل هما مترادفان أم متباينان؟ صيغ الواجب من الفرض؟ أقسام الواجب؟ هذا يأتينا غدا بإذن الله تعالى.
وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(7/19)

عناصر الدرس
* تعريف الحكم
* أقسام الحكم
* الواجب
* معنى الثواب والعقاب.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فلا زال الحديث في أوائل هذه منظومة المباركة وهي في أول أبوابها باب الأصول الفقه هذا الباب كما سبق أنه مقدمة لأصول الفقه لأن الأصوليين يذكرون مقدمات في أو مقدمات قبل الشروع في الفن لأن الفن مقصوده الأحكام أو الأدلة الإجمالية هذه المقدمات يذكرون فيها حد أصول الفقه كونه مركبًا ثم كونه علمًا ولقبًا للفن ثم يعرفون فيه الفقه الذي هو الجزء الثاني ثم ما يتعلق بهذا التعريف لأنوا ذكر في الفقه قال:
عِلْمُ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِي ** جَاءَ اجْتِهَادًا
فيفسر الأحكام الشرعية ما هي عدها أنها سبعة ثم فصل كل حكمٍ حكمًا كل حكمٍ حكم بذكر لازمه ثم بعد ذلك يذكر العلم ومقابله من الجهل ثم نقيضه وهو الظن ونحو ذلك وقفنا عند قوله:
وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمَا ** أُبِيحَ وَالْمَكْرُوهُ مَعْ مَا حَرُمَا
مَعَ الصَّحِيحِ مُطْلَقًا وَالْفَاسِدِ ** مِنْ عَاقِدٍ هذَانِ أَوْ مِنْ عَابِدِ
هذه أخذناها لكن نعيدها جملةً قال: (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ) لما ذكر الحكم في حد الفقه قال: (عِلْمُ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِي) عرفنا أن المراد بالحكم الشرعي هنا هو خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع وهذا فيه إشارة فسرنا معنى الخطاب والمتعلق وفعل المكلف المراد أن قوله: بالاقتضاء أراد به الحكم الشرعي التكلفي لأن الصحيح وكان في المسألة خلاف الصحيح أن الحكم الشرعي قسمان:
قسمٌ يسمى: حكمًا شرعيًا تكلفيًا.
وقسمٌ يسمى: حكمًا شرعيًا وضعيًا.
الثاني: هذا محل النزاع بعضهم يرى أن ليس شرعي وإنما هو عقلي، والصواب أنه شرعي لماذا؟ لأنه محصورٌ على الصحيح في الأسباب والشروط والموانع والصحة والفساد وهذه طريقها الشرع من الذي جعل ذاك الشيء سببًا لهذا الشرع من الذي جعل مثلاً الحيض مانعًا من الصلاة والصوم صحة وجوازًا الشرع إذن مادام أن مأخذ هذه الأحكام السببية والمانعية ونحوها الشرع فهي أحكامٌ شرعية بالاقتضاء المراد بالاقتضاء هنا الطلب والطلب قسمان كما سبق طلب فعلٍ، وطلب ترك، وهذا شاملٌ للأحكام التكلفية الأربعة وهي: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، كيف؟ نقول الطلب قسمان: طلب فعلٍ، وهذا قسمان لماذا؟ لأنه إما أن يكون جازمًا بحيث لا يجوز معه الترك وهذا يسمى عندهم بالإيجاب وإنما أن يكون طلب الفعل طلبًا غير جازمٍ بأن جاز معه الترك هذا يسمى عندهم بالندب إذن طلب فعلٍ هذا دخل تحته قسمان: الإيجاب، والندب، طلب تركٍ هذا الثاني بالاقتضاء يشمل نوعين: طلب فعلٍ، وطلب ترك.
(8/1)

طلب الترك هذا نوعان: طلب ترك جازم وهذا يعنون له بالتحريم طلب تركٍ جازم يعنون له بالكراهة، هذه أربعة الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، أو التخيير لأن لا يكون فيه طلب فعلٍ ولا طلب تركٍ هذا المراد بالتخيير لأن لا يكون معه أو فيه طلب فعلٍ ولا طلب تركٍ وهذا يعنون له بالإباحة هذا على مذهب الجمهور أن الأحكام التكلفية خمسة خلافًا للحنفية القائلين بأن أحكام الأحكام التكلفية سبعة زادوا الفرض على الإيجاب وزادوا الكراهة التحريمية هذه سبعة عند الحنفية فرقوا بين الواجب والفرض كما سيأتي والجمهور على أنهما مترادفان قالوا: الواجب ما ثبت بدليلٍ ظني والفرض ما ثبت بدليلٍ قطعي يعني نظروا إلى الجزء الأول وهو طلب الفعل قالوا: إن كان جازمًا هذا سميناه ماذا الإيجاب هم قالوا: لا ننظر قبل ذلك بنظرٍ آخر إن كان جازمًا فإن كان الطريق قطعيًا فهو الفرد إذن ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا لطريقٍ قطعي هو الفرض عندهم وما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا أيضًا إذن شارك الفرض لكن بطريقٍ ظني فهو الواجب إذن أضافوا الفرض فصار قسمين، في الترك قالوا: ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا الجمهور على أنه تحريم قالوا: لا قبل ذلك ننظر إلى الطريق. ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا فإن كان طريقه قطعيًا فهو التحريم وإن كان طريقه ظنيًا فهو الكراهة التحريمية فأضافوا الفرض والكراهة التحريمية إذن الكراهة التحريمية هذه ما هي ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا ولكن بطريقٍ ظني هذه سبعة والمشهور أنها خمسة وهو الصواب أنها خمسة: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، وأما الفرض فالصحيح أنه مرادفٌ للواجب هذا هو الصحيح.
والفرض والواجب ذو ترادف**فيه ومال نعمان إلى التخالف
والجمهور على الترادف وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى كذلك الكراهة التحريمية الصواب أنها مرادفة للتحريم لأنه لا فرق في الطريق بين الظن والقطع من جهة الأثر والثمرة وإن كان في العلم هو أقوى من الظن لأن تفاوت الأدلة بعضها عن بعضٍ قوةً لا يلزم منه اختصاص كل دليلٍ باسمٍ يفارق غيره لا يلزم منه أن يستقل أو أن يختص كل دليلٍ إذا كان مميزًا عن غيره في القوة لا يلزم من ذلك أن يختص باسم مغايرا لغيره إذن هذه الأحكام الشرعية التكلفية أو بالوضع مراد به خطاب الوضع سمي خطاب الوضع المراد بالوضع هو الجعل لماذا سمي خطاب وضعٍ لأن معناه أن الله تعالى جعل هذا الشيء علامةً يعني: سببًا لشيءٍ آخر أو جعله شرطًا له أو مانعًا منه أو دالاً على صحته أو فساده.
ثم خطاب الوضع هو الوارد**لأنها هذا مانعٌ أو فاسد
أو ضده أو أنه قد أوجبا**شرطًا يكون أو يكون سببا
(8/2)

ولذلك اختلفوا في حصره في حصر هذه الأحكام التكلفية والصواب أنها محصورة في خمسة: العلل، والأسباب، والشروط، والصحة، والفساد، وما عدا ذلك من الأداء والقضاء، والرخصة والعزيمة فهي راجعةٌ إلى الأحكام التكلفية هذا هو الصواب إذن (الْحُكْمُ) نقول: هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع وأو هذه للتنويع والتقسيم وأردنا بها أن خطاب الوضع داخلٌ في مسمى الحكم الشرعي وعليه نقول الحكم الشرعي الذي هو خطاب الله اسمان حكمٌ شرعيٌ تكلفي، وحكمٌ شرعيٌ وضعي وكلاهما طريقهما الشرع قال هنا:
وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمَا ** أُبِيحَ
(وَمَا ** أُبِيحَ) يعني: والمباح لأن الموصولة مع صلته بقوة المشتق
(وَالْمَكْرُوهُ مَعْ مَا حَرُمَا) يعني: مع المحرم أو مع الحرام لماذا لأن المشتق لأن الموصولة مع حصلته في قوة المشتق، (مَعَ الصَّحِيحِ مُطْلَقًا وَالْفَاسِدِ).
(مَعَ الصَّحِيحِ) أي: يصاحب ما سبق الذي هو الواجب وما عطف عليه يصاحبه الصحيح وهنا ظاهر كلام المصنف الناظم كأصله الجويني صاحب الورقات أن الصحيح من الأحكام التكليفية وقد قيل به، يعني: قال بعضهم: أن الصحة حكم تكليفي كذلك (وَالْفَاسِدِ) معطوفٌ على الصحيح، إذن ظاهر كلام النظام كأصله صاحب الورقات أن الفاسد من الأحكام التكليفية، والصواب أن هذين الحكمين من الأحكام الشرعية الوضعية، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، إذن قوله:
وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمَا ** أُبِيحَ وَالْمَكْرُوهُ مَعْ مَا حَرُمَا
في الأصل قال: والأحكام الشرعية سبعةٌ، يعني: أدخل الصحة والفساد في الأحكام التكليفية وليس بصواب وبعضهم يرى أنه أن الجويني رحمه الله يرى أن الصحة والفساد حكمان أن الصحة والفساد حكمان وضعيان وإنما ترك التنصيص على كونهما وضعيين اختصارًا للمبتدئ لكن أكثر الشراح على نقده فالظاهر أنه يريد أن الصحة والفساد حكمان وضعيان.
(مَعَ الصَّحِيحِ مُطْلَقًا) يعين: سواءً كان واجبًا أو غيره لأن الذي يوصف بالصحة الواجب كذلك المندوب.
(وَالْفَاسِدِ ** مِنْ عَاقِدٍ هذَانِ) (هذَانِ) المقصود به الصحة والفساد.
(8/3)

(مِنْ عَاقِدٍ هذا أَوْ مِنْ عَابِدِ) (مِنْ عَاقِدٍ) هذا قد يكون الشيء مجهولاً في نفسه يعني: لا يعرف وإنما تعريفه بمقابله هذا يرد كثيرًا في المتون والشروح يعني: (مِنْ عَاقِدٍ) لو وقفنا عندها قاعد ضد واقف هذا الأصل لكن لما قابله بقوله: (مِنْ عَابِدِ) إذن ضد العابد والإنسان إما أن يكون أخرويًا وإما أن يكون دنيويًا فإن لم يكن عابدًا فهو قاعدٌ عن العبادة فإذن يكون مشتغلاً بالمعاملة إذن الصحة والفساد يكونان في العبادات ويكونان في المعاملات لذلك نقول: هذا بيعٌ صحيح وهذا بيعٌ فاسد هذا نكاحٌ صحيح وهذا نكاحٌ فاسد ونقول: هذه صلاة صحيحة وهذه صلاة فاسدة إذن قوله: (مِنْ قاعدٍ) أي تاركٍ للعبادة ما الذي دلنا على هذا مقابلته بقوله: (مِنْ عَابِدِ) وهذه خذها قاعدة دائمة تشكل عليك في بعض الأمور تعريفها بالسياق لذلك قال: السياق والسباق محكم ثم لما ذكر لك الحكم الشرعي تعدادًا قال: (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ) سبق أن الحكم نسبة إسناد شيء إلى شيءٍ آخر أو إثبات أمرٍ لأمرٍ آخر، زيدٌ قائمٌ إثبات القيام لزيد أو نفيه عنه زيدٌ ليس عالمًا نفي العلم عن زيدٍ والواجب هنا ما هو؟ هل هو نسبة؟ واجب؟ صفة الفعل نقول: في حد الحكم خطاب الله المتعلق إذن الحكم متعلق، متعلق بماذا؟ تعلق بماذا؟ بفعل المكلف إذن فعل المكلف متَعَلِّق أو متَعَلَّق، متَعَلَّق به، نقول: إذا أشكل عليك هذه المسألة احفظ الحد وأنت تعرف الحكم خطاب الله المتَعَلِّق بكسر اللام المتَعَلَّق هو الحكم الإيجاب تَعَلَّق بماذا؟ بفعل المكلف إذن فعل المكلف متعلقٌ به فحينئذٍ إذا فسر الحكم بالمتعلقٍ به نقول هذا مجازٌ هذا مجاز لماذا؟ لأن الواجب متعلقٌ به وهو فعل المكلف وهو ذاتٌ لأن الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحرم هذه المشتقات هذه مشتقات ما معنى مشتق: يعني دالٌ على ذاتٍ وصفة، الصفة المراد بها في هذا الموضع نفسرها بالنسبة لأن الحكم واجبٌ قال: (الْحُكْمُ وَاجِبٌ) إذن الحكم الذي هو النسبة (وَاجِبٌ) أي ذاتٌ مع نسبةٍ ذاتٌ مع نسبة والمقصود هنا في الفقيه أن يعرف ويعلم الذوات أم الأحكام؟ الأحكام أن يعرف الأحكام التي هي النسبة فحينئذٍ لا بد من ارتكاب مجاز إما في قوله: (وَالْحُكْمُ) وإما في قوله: (الْوَاجِبُ) وأكثر الشراح على أنه في قوله: (الْوَاجِبُ) فنقول: هذا من باب إطلاق المتعلَّق مرادًا به المتعلَّق وهذا مجازٌ مرسلٌ عندهم أو نقول (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ) ومتعلقات الحكم واجبٌ فحينئذِ طابق المسند والخبر في كونه ذاتًا وذات أو نقول: (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ) المراد به الإيجاب من إطلاق المتعلق مرادًا به المتعلق لأن تم فرقًا بين الإيجاب والوجوب والواجب كما سبق بيانه مرارًا الإيجاب هذا هو الحكم عند الأصوليين وهو خطاب الله الذي هو كلام الله ولذلك بعضهم عدل عن قوله: خطاب الله إلى قوله: كلام الله الذي هو القرآن كلام ربي إن تعلق بما يصح فعلاً إلى آخره إذن عدل عن قوله خطاب الله قوله: كلام الله، كلام الله الذي هو الحكم هذا عند من؟ عند الأصوليين لأن نظرهم إلى الخطاب إلى كلام الله باعتبار مصدره باعتبار نسبته إلى الله: {((((((((((((((((} [لقمان:17].
(8/4)

هذا على زنة افعل نقول: افعل أقم هذا إيجابٌ نفس الكلام نفس اللفظ إيجابٌ مدلوله وأثره ما هو؟ الوجوب هذا نظر الفقيه لأن مبحث الفقيه من حيث تعلق الأحكام لفعل المكلف فمدلول {((((((((((((((((} وجوب الصلاة، و {((((((((((((((((} نفسه إيجاب ولذلك يقال: {((((((((((((((((} كونه إيجابًا وهو نظر الأصولي باعتبار مصدره وكونه وجوبًا وهو نظر الفقيه باعتبار تعلقه بفعل المكلف متحدان بالذات إيش متحدان بالذات؟ يعني مسمى واحد إذا قلت جاء زيدٌ أبو عبد الله، زيدٌ مدلوله الذات المشخصة أبو عبد الله مدلوله الذات المشخصة فهما اسمان لمسمى واحد مفهومهما واحد كذلك الإيجاب والوجوب متحدان في الذات مختلفان بالاعتبار يعني: أمر ذهني إن نسبت اللفظ إلى الله عز وجل من كونه مصدرًا وأن هذا منبثق من أو أن هذا كلام الله عز وجل نقول هذا إيجاب وباعتبار مدلوله الذي هو تعلق الكلام أو الخطاب بفعل المكلف نقول: هذا وجوب. الواجب ما هو؟ صفة الفعل نقول: الصلاة من الذي يفعل الصلاة؟ المكلف فقد فعل واجبًا تقول إذا صلى، تقول: الصلاة واجبةٌ، هذه الصلاة واجبة ما معنى الصلاة واجبة؟ نقول: الصلاة التي هي أفعالٌ وأقوال تصدر، مِن مَن؟ من المكلف صفتها أنها واجبة إذن فرقٌ بين الإيجاب والوجوب والواجب قوله: (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ) إذن واجب هذا ليس على مذهب الأصوليين وليس على مذهب الفقهاء لأن لو قلنا: الحكم عند الأصوليين لقال: إيجابٌ والحكم إيجابٌ ولو كان على مذهب الفقهاء لقال: والحكم وجوبٌ. أليس كذلك؟ لكن قال: واجبٌ ليس إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء فلا بد من ارتكاب المجاز على قول بالمجاز أو نقول أسلوب عربي إن كنا ممن ينكر المجاز (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ) هذا من إطلاق المتعلق مراد به المتعلق أو ومتعلقات الحكم
وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمَا ** أُبِيحَ وَالْمَكْرُوهُ مَعْ مَا حَرُمَا
(8/5)

لو قيل لك ما الدليل على هذه الأقسام الخمسة؟ نقول التتبع والاستقراء يعني: التتبع والاستقراء لنصوص الوحيين التتبع والاستقرار لنصوص الوحيين فوجدنا أن هذه النصوص لا تخرج عن هذه الأحكام الخمسة وذكرنا فيما سبق أن الشافعية متأخري الشافعية زادوا سادسًا وهو خلاف الأولى وهذا زادوا به في قوله: ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازمٍ ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازمٍ قلنا: هذا المكروه أليس كذلك؟ يوصف بالكراهة. قالوا: لا ننظر في النهي إن كان النهي عن شيءٍ مخصوصٍ بعينه فهو الكراهة وإلا فهو خلاف الأولى فقسموا هذا النوع إلى قسمين ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازمٍ وكان المنهي عنه مخصوصًا بعينه كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس». إذن النهي هنا عن الجلوس جاء النص به أليس كذلك؟ قالوا: هذا للكراهة هذا مكروه الكثير على أن النهي هنا مصروف والصواب أنه للتحريم، «فلا يجلس» هذا قالوا: للكراهة. قالوا: فإن لم يكن عن نهيٍ مخصوصٍ بعينه وعنونوا لهذا بقيد عام يعني وضعوا لهذا النوع الذي هو خلاف الأولى ضابطًا عام فقال: كل ما أمر به الشرع أمر ندبٍ فهو مستلزمٌ لضده ما هو ضد الأمر إذا كان ندبًا؟ قالوا: خلاف الأولى خلاف الأولى على غرار القاعدة المعلومة في الواجب ما أمر به الشارع أمرًا جازمًا، نقول: يستلزم النهي عن ضده نهي تحريم، سيأتينا:
وأمرنا بالشيء نهيٌ مانعٌ من ضده
الأمر بالشيء أمرًا جازمًا يستلزم النهي عن ضده نهي تحريم طيب الأمر بالشيء ندبًا قالوا: يستلزم النهي عن ضده نهي خلاف الأولى مثل ماذا؟ صلاة الضحى جاء الأمر بها: أوصاني خليلي بثلاث ومنها صلاة الضحى. إذن صلاة الضحى مندوبة صلاة الضحى مأمورٌ بها أمر ندبٍ هل جاء النهي عن ترك صلاة الضحى؟ الجواب لا. قالوا: إذن الأمر بصلاة الضحى يستلزم النهي عن ضده نهيَ خلاف الأولى فترك صلاة الضحى خلاف الأولى فهو منهي عنه هذا عند المتأخرين من الشافعية وبعض الحنابلة لكن المتقدمون على التسوية بين الكراهة ونوعيها يعني: لا يفصلون بين ما نهى عنه لخصوصه وما عدا ذلك بل خلاف الأولى لا وجود لهم عندهم لا وجود له عندهم.
مَعَ الصَّحِيحِ مُطْلَقًا وَالْفَاسِدِ ** مِنْ عَاقِدٍ هذَانِ أَوْ مِنْ عَابِدِ.
فَالْوَاجِبُ الْمَحْكُومُ بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ وَالتَّرْكِ بِالْعِقَابِ
(8/6)

شرع الناظم رحمه الله تعالى في بيان رسوم هذه الأحكام الشرعية السبعة هو ذكرها مرتبةً ثم يفصلها بلوازمها مرتبةً هذا ما يسمى باللفظ والنشر المرتب اللفظ والنشر المرتب يعني: يُذكر الشيء إجمالاً ثم بعد ذلك يُفصَّل يُذكر إجمالاً ثم يفصل فإن كان التفصيل على ترتيب ما ذكر إجمالاً أولاً فهو اللفظ والنشر المرتب وإن كان على خلافه فهو اللفظ والنشر غير المرتب يسمى المشوش عندهم يسمى المشوش. {((((((((((شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ((((} [هود:105] هذا إجمال ثم قال: {(((((((الَّذِينَ (((((((} [هود:106] قدم ماذا؟ ما ذكره أولاً في الإجمال {(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي ((((((((((} [هود:108]. ذكر الأول في الإجمال أولاً في التفصيل وذكر الثاني في الإجمال ثانيًا في التفصيل هذا يسمى لفظًا ونشرًا مرتبًا: {((((((تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ ((((((((((} [آل عمران:106] بدأ بالثاني، نقول هذا لف ونشرٌ مشوش يعني غير مرتب هنا الناظم ذكر الأحكام التكليفية السبعة على جهة اللفظ والنشر المرتب سيذكرها واحدًا تلو الآخر. قال:
فَالْوَاجِبُ الْمَحْكُومُ بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ وَالتَّرْكِ بِالْعِقَابِ
(فَالْوَاجِبُ) قلنا الفاء هذه فاء الفصيحة و (الْوَاجِبُ) المراد به الشيء الواجب الذي هو فعل المكلف قولاً أو عملاً أو اعتقادًا أو نيةً أو تركًا كل ما ذكر في فعل المكلف فهو داخلٌ في مسمى الواجب لأن بعضه ليس كله لأن بعضه يحكم عليه بالواجب هنا يذكر الناظم حد الواجب أو يذكر تعريف الواجب بذكر لازمٍ من لوازمه لماذا؟ لأن تصور الأشياء التي هي المفردات متعلقة التصور
إدراك مفردٍ تصورًا عُلِم
التصور إما أن يكون بحقيقة الشيء إذا أردت أن تتصور شيئًا ما يعني: تعرف معناه أو مدلوله أو مفهومه إما أن يذكر بحقيقته يعني بماهيته وذاتيته وإما أن يذكر بوصفٍ من أوصافه إذا أردت أن تعرف الواجب مثلاً الذي معنى إما أن تعرفه بحقيقته وهو ما يسمى بالحد وإما أن تعرفه بلازمٍ من لوازمه يعني صفة من صفاته أو عارضٍ من عوارضه لماذا؟ لأن المعرف عندهم عند المناطق وسار على منهجهم الأصوليون لأن المعرف محصورٌ في ثلاثة أقسام: الحد. والرسم. واللفظ.
معرفٌ على ثلاثةٍ رسم ** حدٌ ورسمٌ ولفظيٌ علم
هكذا ثلاثة أو اثنان؟ ثلاثة وقلنا الصواب أن اللفظي داخلٌ في الرسم زيد على الثلاثة: المثال والتقسيم والصواب أن المثال والتقسيم واللفظي كل هذه الثلاثة داخلة في الرسم.
معرفٌ على ثلاثٍ رسم ** حدٌ ورسم ولفظٌ علم
هذه ثلاثة أقسام والصواب أنها ترجع إلى قسمين، ذكر الشيء بحده يعني بجنسه القريب وفصله القريب هذا في صعوبة ولذلك يقول: لا يوجد له مثال عندهم هم قعدوا هذه القاعدة وعجزوا أن يأتوا بمثالٍ واحد أن يكون التعريف بالذاتيات بالفصل بالجنس القريب وفصل قريب
فالحد بالجنس وفصلٍ وقع
فالحد يعني: التام بالجنس: القريب وفصلٍ وقع. والرسم بالجنس وخاصةٍ معه هذا هو الرسم التام.
وناقص الحد بفصلٍ أو مع ** جنسٍ بعيد لا قريبٍ وقع
وناقص الرسم أو بخاصةٍ فقط ** أو مع جنسٍ أبعدٍ قد ارتبط
هذه أربعة أقسام حدٌ تام وحدٌ ناقص رسمٌ تام ورسمٌ ناقص.
(8/7)

الحد التام: لا مثال له عندهم، لا وجود له لماذا؟ لعجز العقل أن يحصر الشيء في جنسه وفصله فقط ولا يكون له شيءٌ آخر أما الرسم الناقص والرسم التام والرسم الناقص فهذا كثير ذكر الشيء بلازمه هذا يعتبر معرفا للشيء يعني: مميزًا له عن غيره فإذا قيل الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه هل حصل بهذا الوصف الذي هو الثواب على الفعل والعقاب على الترك هل حصل للمحدود أو للمعرف الذي هو الواجب هل حصل له تميزٌ وانفصالٌ عن غيره من أحكامٍ تكليفيةٍ ستة أو خمسة؟ نعم لماذا؟ لأن هذه الخاصية من خواص الواجب وإذا اختلفت الحقائق عندهم قاعدة اختلفت الحقائق اختلفت لوازمها إذا كان حقيقة الواجب مغايرةٌ لحقيقة المحرم إذن يلزم من ذلك أن تكون لوازم الواجب مغايرة للوازم المحرم فإذا حد أو عرف الواجب بلازمه لا بد أن يحصل له نوع مغايرة وإنما يكون ذلك إذا كان الخاصة أو العرض ما ينفرد به المعرف دون غيره فإذا قيل الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه هاتان جملتان هل هما خاصيتان بالواجب؟ نعم ها، ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، الندب أين يدخل؟ نعم أحسنت إذن قوله: ما يثاب على فعله ليست من خواص الواجب لأن علة الثواب ليس لكون الشيء المثاب عليه واجبًا وإنما لكونه مطلوبًا، علة الثواب: ليس لكون الشيء واجبا يعني: لا الثواب ليس لخصوص الوجوب فحسب وإنما بالنظر إلى شيءٍ آخر وهو كونه مطلوبًا الدليل على ذلك: أن المندوب يثاب عليه فلو كان الثواب على الواجب خاصةً من خواصه للزم أن يُنفى هذه أن تنفى هذه الخاصية عن غير الواجب وهذا ممتنع لأن المندوب يثاب عليه ولذلك بعضهم يعرف الواجب بأنه ما يعاقب تاركه ولا يذكر الثواب يقال: ما يعاقب تاركه ذكر العقاب فقط لم؟ لأن العقاب على الترك هو خاصةٌ من خواص الواجب ولا يشاركه غيره أما الثواب فهذا مرتبٌ على كونه مطلوبًا وكون الواجب مطلوبًا أعم من الواجب أليس كذلك؟ كون الواجب مطلوبًا أعم من الواجب لم؟ لأنه يشاركه في كونه مطلوبًا أم مندوب فحينئذٍ نقول: تحفظ هذا علة الثواب هو كون الواجب مطلوبًا لا خصوص الوجوب بدليل الثواب على المندوب إذن نقول الخلاصة: أن الناظم هنا تبعا لأصله عرف هذه الأحكام السبعة بذكر لوازمها لماذا؟ لأن اللازم هذا يعتبر ذكره صفةً وأثرًا للواجب مترتبًا عليه هذا اللازم وهذه الصفة من خواص المعرف فحينئذٍ ينفرد به عن غيره ولا يلزم من ذلك أن يكون كل لفظٍ يذكر في الرسم فهو من خواص المعرف بدليل قوله في الواجب: ما يثاب على فعله. لماذا؟ لأن هذه الجملة ليست خاصةً بالواجب بل يشاركها أيضًا المندوب لأن علة الثواب كونه مطلوبًا لا خصوص كونه واجبًا بدليل الثواب على المندوب.
فَالْوَاجِبُ الْمَحْكُومُ بِالثَّوَابِ
نقول: (فَالْوَاجِبُ) من حيث وصفه بالوجوب لا بد من هذا القيد، لا بد من هذا القيد (فَالْوَاجِبُ) من حيث وصفه بالوجوب، لما نقيده؟ لماذا نقيد الواجب هنا من حيث وصفه؟ نعم يا عبد الرحمن، نعم هذا جواب سؤالٍ آخر نعم، نعم آخر، نقول: من حيث. حيث قلنا على ثلاثة أضرب حيث إطلاقية دائمًا مع في كل كتاب حيث تأتي إطلاقية وتأتي تقييدية وتأتي تعليلية.
(8/8)

الإنسان من حيث هو إنسان، الموجود من حيث هو موجود. يعني: باعتبار وجوده فقط دون أو بقط النظر عن أي صفةٍ من صفاته الإنسان ما هو الإنسان؟ حيوانٌ ناطق الإنسان من حيث هو إنسان يعني: بالنظر إلى كونه حيوانًا ناطقًا لا باعتبار صفةٍ أخرى هذه الحيثية تسمى إطلاقية.
وحيث تأتي تقييدية يعني: أن يكون المقيد الذي هو الواجب مثلاً هنا الإنسان له صفات متعددة له جهات متعددة الإنسان من حيث هو عربي أو أعجمي الإنسان من حيث هو مسلمٌ أو كافر الإنسان من حيث هو ذكر أو أنثى الإنسان من حيث هو أبيض أو أسود الإنسان من حيث طوله وقصره إلى آخره إذن له جهات متعددة الحديث عن الإنسان إن كان باعتبار صفةٍ من صفاته دون اعتبار الصفات الأخرى إذا جيء بالحيثية نقول: هذه حيثيةٌ تقييدية الإنسان من حيث وجوده هذه حيثية تقييدية الإنسان من حيث إنه يمرض ويصح هذه حيثية تقييدية وتأتي أيضًا تعليلية: النار من حيث إنها محرقةٌ إذن أريد أن أتكلم عن النار من جهة كونها محرقةً أو تعليل المقيد هنا بالتعليل يا إخوة إذن الحيثية على ثلاثة أنواع إطلاقية تعليلية تقييدية هنا الواجب قال: (فَالْوَاجِبُ) الواجب له صفات له جهات يمكن أن نتكلم عنها الواجب من حيث الصحة والبطلان، الواجب من حيث وصفه بالوجوب لم؟ لأن الواجب هذا اسم فاعل واسم الفاعل يدل على ذاتٍ متصفةٍ بصفة نحن نريد الآن أن نعرف لأن الأصولي عمله في الحدود عمله في الأحكام التكلفية هو تصويرها يصور لك الأحكام ويريد أن يعرف لك الأحكام التكلفية (فَالْوَاجِبُ) ليس هو بالحكم الشرعي كما سبق والواجب والحكم واجبٌ قلنا إن هذا ليس بحكم شرعي لأن الواجب هو فعل المكلف عينه والآن هل يريد أن يعرف فعل المكلف؟ ما يمكن أن يعرف فعل المكلف لماذا؟ لأنه يلزم عليه ما ذكره أن الواجبات لا يمكن حصرها الصلاة والزكاة والحج وبر الوالدين إلى آخره هذه كلها هل يمكن أن نجمعها في حدٍ واحد؟ لا لأن مفهوم الصلاة مغاير لمفهوم الزكاة مغاير لمفهوم الحج فحينئذٍ يختص كل فردٍ من أفراد الواجب بحقيقةٍ تميزه عن غيره لكن القدر المشترك بين هذه الأمور كلها هل يمكن تعريفه بها؟ نعم القدر المشترك بين الصلاة والزكاة والحج والصيام وبر الوالدين إلى آخره هذه الواجبات كلها يمكن أن تشترك في قدر معين يصدق على الجميع الصلاة يثاب على فعلها ويعاقب على تركها الزكاة يثاب على فعلها ويعاقب على تركها الصيام يثاب على فعله ويعاقب على تركه إذن هذا الضابط أو هذا اللازم صدق على كل فرض من أفراض الواجب فحينئذٍ إذا أرادنا أن نعرف الواجب لا يمكن أن نعرفه من حيث هو كما قلنا الإنسان من حيث هو إنسان لماذا؟ لأن الواجب من حيث هو واجب لا يثاب على فعله ويعاقب على تركه لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، الواجب من حيث هو، نقول: لا يترتب عليه ثوابٌ ولا عقاب الواجب من حيث الوجوب نقول: هذا ليس تعليل لأنه لا معنى للتعليل هنا إذن بقي ماذا؟ التقيد، فنقول: الواجب من حيث وصفه بالوجوب لماذا؟ لأن المشتق هنا الواجب مشتقٌ من الوجوب فدل على هذه الحيثية المقدرة وهذا أمرٌ معتبرٌ في أذهان الناس الكل يفهم هذا التي هي الحيثية التقييدية فإذا قلت: زيد قاتلٌ.
(8/9)

هذا كلام زيد قاتل في قوة قولك زيد من حيث وصفه بالقتل قاتلٌ من أين أخذت هذه الحيثية؟ من جهتين زيد له جهات كثيرة زيدٌ هل تريد أن تتكلم عن زيد لكونه مخلوقًا أو لا؟ هل تريد أن تتكلم عن زيد من كونه مسلمًا أو كافرًا من كونه بالغًا أو غير بالغ؟ من كونه عربي أو عدمه؟ هل تريد أن تتحدث عن زيد من هذه الحيثيات؟ تقول: لا، وإنما من حيث قيام صفة معينة بتلك الذات التي هي مفهوم زيد. زيدٌ قاتل زيدٌ من حيث إنه متصف بصفة القتل قاتل لأن قاتل هذا اسم فاعل يدل على ذاتٍ وصفة هذه الصفة هي التي قام بها زيد الذي هو الموصوف واضح هذا فزيد له جهات متعددة إذا أخبر عنه بوصف مشتق حينئذٍ كانت هذه الحيثية معتبرة كانت هذه الحيثية معتبرة فالواجب من حيث وصفه بالوجوب لأن الواجب ذات وصفة ونحن لا نريد أن نتكلم عن أفراد الواجب لأن هذا متعذر لأنه لا يجمعه حد واحد ولا تنعقد في حد واحد وإنما يجمع بينها صفة مشتركة وهي الثواب على الفعل والعقاب على الترك كذلك لا نريد أن نتكلم عن الواجب من حيث الصفات المتعددة الأخرى من حيث الصحة والبطلان أو من حيث اجتماعه مع التحريم أو مع الكراهة الحاصل نقول: الواجب هنا المراد المعرف من حيث وصفه بالوجوب ما يثاب على فعله هذه عبارة في الأصل ما يثاب على فعله الناظم قال:
فَالْوَاجِبُ الْمَحْكُومُ بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ
أتى بلفظ المحكوم محل ماذا؟ عبارة الأصل ما يثاب على فعله هو قال:
الْوَاجِبُ الْمَحْكُومُ بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ
ماذا صنع؟ زاد وغير وبدل زاد ماذا؟ أين هي ما؟ حذف ماذا؟ حذف ما الموصولية وأتى بدلها بالمحكوم المحكوم، (أل) هذه موصولية وما موصولية إذن عدول الناظم عن قوله: ما إلى قوله: (الْمَحْكُومُ) فيه زيادة لأن قوله: الواجب ما يثاب. ما نقول: اسم موصول بمعنى الذي يصدق على فعل المكلف كأنه قال: الواجب فعل المكلف الذي يثاب على فعله. هنا قال: (الْمَحْكُومُ) (أل) موصولة (وأل) الموصولة مثل ما يعني: تحتاج إلى مفسر لأنها مبهمة من المبهمات الموصولات من المبهمات فحينئذٍ تحتاج إلى مفسر وهنا أيضًا نفسرها كأصلها الواجب المحكوم يعني الفعل فعل المكلف الذي حكم عليه بالثواب في فعله المحكوم هنا مشتق من الحكم هل المراد به الحكم الشرعي أم اللغوي؟ هل المراد به الشرعي أم اللغوي؟ الشرعي؟ اللغوي وهو إسناد أمر لأمر آخر أو نفيه عنه ثبوت أمر لأمر آخر أو نفيه عنه هنا المراد بالمحكوم الحكم لغة وليس المحكوم أو الحكم الشرعي لماذا؟ لأننا لو فسرنا الحكم الشرعي لدخلت الأحكام الشرعية الخمسة كلها لأن هذا لازم هذا معرف فحينئذٍ لا بد من اعتبار الإخراج والإدخال (الْمَحْكُومُ) لو قلنا: الحكم الشرعي هو المراد هنا لكان تفسيره بقولنا: هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخير أو الوضع وهذه كلها محكوم عليها بالثواب في فعل والتركيب العقابي هذا صحيح؟ ليس بصحيح فكيف نفسر الحكم هنا بالحكم الشرعي نقول: لا ليس المراد بالحكم هنا في كلام الناظم الحكم الشرعي وإنما المراد به الحكم اللغوي وهو ثبوت أمر لأمر آخر إذن (فَالْوَاجِبُ) أي: الشيء الواجب من حيث وصفه بالوجوب الواجب وصف لما قام به الإيجاب
(8/10)

الْمَحْكُومُ بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ
(بِالثَّوَابِ) المحكوم بالثواب الثواب هذا متعلق بقوله: (الْمَحْكُومُ). (فيِ فِعْلِهِ) في بمعنى على في هنا بمعنى على لأن الأصل قال: والواجب ما يثاب على فعله. وهل تأتي في بمعنى على؟ {(((((((((((((((((فِي جُذُوعِ (((((((((} [طه:71] قيل: في بمعنى على. {((((سِيرُوا فِي ((((((((} يعني: على الأرض. ليس سيروا في الأرض في الداخل وإنما سيروا على الأرض قيل هذا أن في بمعنى على.
(بِالثَّوَابِ) المراد بالثواب الجزاء مطلقًا، مطلقًا المراد به هنا مقابلة بمن خص الثواب بجزاء الخير بالخير الجزاء بالخير جزاء الخير بالخير هذا يسمى ثوابًا ولا إشكال فيه يعمل صالحًا فيثاب في اللغة يعني، يعمل صالحًا فيثاب يحسن فيثاب لكن هل الجزاء جزاء الشر بالشر يسمى ثوابًا هذا محل نزاع والصواب أنه يسمى ثوابًا أيضًا فحينئذٍ يقال: الثواب هو الجزاء مطلقًا سواء كان جزاء خيرٍ بخيرٍ أو جزاء شرٍّ بشرٍّ {((((هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ ((((} [المائدة:60] هذا مثوبة يعني: ثواب. {((((ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ((((} [المطففين:36] إذن أُطْلِقَ الثواب في مقابلة الشر بالشر واختصاص الثواب بأنه في مقابلة الخير بالخير هذا كما قال الشيخ الأمير في المذكرة أنه زعمٌ باطل فاسد ليس بصحيح وإنما الثواب هو الجزاء مطلقًا.
فَالْوَاجِبُ الْمَحْكُومُ بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ
المحكوم بالثواب أي: على فعله إذن كل فعل حكم عليه بالثواب فهو واجب على ظاهر كلام الناظم لكن باعتبار القيد الآخر ولذلك نقول: قوله: ما يثاب على فعله الذي يقال: (بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ) هذا مخرج لثلاثة أحكام من الأحكام التكليفية وهي: التحريم، والكراهة، والإباحة، ودخل معنا الندب المندوب يثاب على فعله.
والترك بالعقاب خرج به المندوب وبس؟ ما يثاب على فعله خرج به ثلاثة أحكام والترك بالعقاب خرج به المندوب هذه أربعة وبقي معنا الواجب الذي اختص بهذا النازل.
الْمَحْكُومُ بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ
هل كل واجب يثاب عليه العبد بمجرد فعله دون اعتبار قيد آخر؟ هل كل واجب إذا فعله المكلف يثاب على فعله بمجرد الفعل؟ لا بد من قيد وهو امتثاله إذا لم يمتثل لا يثاب وإذا انتفت نية الامتثال انتفى الثواب هل ينتفي معه الوصف بالوجوب؟ لا، مثاله «من صلى مرائيًا» هذا لا يثاب وأتى بالواجب؟ ما أسمعك! النفقة، نفقة ماذا؟ مندوبة أو واجبة؟ واجبة هل يثاب عليها مطلقًا أو بقيد؟ بقصد الامتثال طيب إذا لم يمتثل وأنفق على الزوجة هل أتى بالواجب؟ أتى إذن سمي واجبًا. إذن وُجِدَ الواجب وانتفى الثواب، وهنا الناظم يقول: (الْمَحْكُومُ بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ).
إذن كل فعل للواجب حكم عليه بالثواب نقول: لا، لا بد من تقيده المحكوم بالثواب قصدًا فحينئذٍ نقول: إذا قيدنا أن الثواب مرتب على فعل الواجب إذا كان قصدًا يعني بنية الامتثال حينئذٍ لا بد من تقييد قوله: بالثواب قصدًا. يعني: بنية التقرب والامتثال فنقول: حينئذٍ الواجب ينقسم باعتبار الاعتداد به يعني بنية الامتثال وعدمها قسمان:
(8/11)

واجب لا يعتد به إلا بنية الامتثال يعني: عدم وجود نية الامتثال ملزم لرفع الفعل الواجب يعني: لا يسمى واجبًا وإلا أتى به مثل ماذا؟ العبادات المحضة التي يعنون لها البعض بأنها غير معقولة المعنى كالصلاة والزكاة والصيام والحج مثلاً، هذه عبادات واجبات نقول: لا يجزئ فعل واحد منها إلا بنية التقرب والامتثال فإن انتفت نية التقرب والامتثال انتفى فعل الواجب فلو صلى غير متقرب لم تصح الصلاة فلو صام غير متقرب لم يصح الصيام إلى آخره.
النوع الثاني: قسم يعتد به دون نية الامتثال يعني: يجزئ وتبرأ ذمة المكلف ولو لم ينو التقرب لأن المراد حصول ذات الفعل دون القربة إلى الله عز وجل مثلوا لذلك برد الديون، والغصب، والنفقة على الزوجات ونحو ذلك إنسان وضع عندك أمانة وديعة فلما جاء موعدها رددتها إليه ما حكم رد الوديعة إلى أصحابها؟ واجب إذا رددتها مجاملة له استحييت منه هل صاحَبَ هذا الواجب نية التقرب إلى الله؟ لا هل برأت الذمة برد الوديعة؟ نعم برأت الذمة إذن أجزأ الواجب دون الوجوب نية الثواب والامتثال لكن هل يثاب إذا رد الوديعة إلى صاحبها استحياء منه هل يثاب على هذا الواجب؟ يثاب؟ لا يثاب لماذا؟ لأن الثواب مشروط بنية التقرب إلى الله الثواب نقول: مشروط بنية التقرب إلى الله.
إذن نقول: الواجب قسمان: قسم لا يعتد به إلا بنية التقرب كالصلاة ونحوها وهي العبادات المحضة، وقسم يعتد به دون نية الامتثال كرد الودائع والنفقة على الزوجات ونحوها فهذا نقول: يجزئ فعل الواجب ولكن لا ثواب عليه لماذا؟ لفقده شرط الثواب وهو: نية الامتثال والتقرب إلى الله.
وليس في الواجب من نوال ** عند انتفاء قصد الامتثال
وليس في الواجب من نوال يعني: من أجر وثواب متى؟ عند انتفاء قصد الامتثال فيما له النية لا تشترط يعني: في واجب لا تشترط النية لصحته وغير ما ذكرته فغلط ومثله الترك اجتناب المحرم الآن باعتبار الثواب أيضًا مثل الواجب لا يثاب على تركه للمحرم إلا إذا قصد القربة فلو ترك الزنا ما استحضر أنه محرم أنه يتقرب إلى الله عز وجل بهذا الترك وإنما تركه عفة في نفسه أو طبعًا أو أنه لم يخطر على باله تركه للزنا أو للربا نقول: هذا برأت الذمة منه أو لا؟ برأت الذمة هل يعاقب؟ لا يعاقب لماذا؟ لأن العقاب مرتب على فعل المحرم وهو لم يفعل إذن لا عقاب وبرأت الذمة هل يثاب على الترك لا يثاب لم؟ لأن الثواب مرتب على ترك المحرم بقصد التقرب إلى الله وهذه فائدة الإنسان لو لاحظ نفسه وجد أنه يترك عديد من الكبائر ولكنه لا يستحضر أنه يترك الربا مثلاً قربةً وخوفًا من الله وكذلك الزنا ونحوهم فنقول: ترك المحرم لا يثاب عليه الإنسان إلا إذا تركه قربةً وامتثالاً لله عز وجل.
ومثله الترك لما يحرم ** من غير قصد ذا نعم مسلم
(8/12)

ومثله أي: مثل الواجب الذي لا يعتد أو لا يثاب على فعله ومثله الترك لما يحرم يعني: المحرم من غير قصد ذا الذي هو الامتثال نعم مُسَلَّمُ يعني: نعم هو مسلم من الإثم لا إثم برأت الذمة لأن المراد من ترك المحرمات البعد عنها أن لا يرتكبها أن لا يفعلها أن لا يتلبس بها وقد حصل هذا لكن الثواب مرتب على أن هذا الترك لا يكون إلا بنية القربة إلى الله عز وجل، فالواجب المحكوم بالثواب قصدًا في فعله في فعله يعني: على فعله الضمير يعود إلى (أل) أين (أل) المحكوم إلى (أل) وهذا من الأدلة على أن (أل) اسمية (أل) الموصولة فيها خلاف عند النحاة هل هي اسمية أم حرفية؟ والصواب أنها اسمية ومن الأدلة عود الضمير عليه وقد أورد السيوطي مثالاً لهذه قد أفلح المتقي ربه يعني: الذي اتقى ربه الضمير يعود إلى (أل) وعود الضمير لا يكون إلا على الأسماء فالصحيح أن (أل) اسمية ولا ليست حرفية وهي من صيغ العموم عند الأصوليين {((((أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (((} [المؤمنون:1] يعني: أفلح كل مؤمن. من أين أخذنا كل هذه؟ (أل) هذه من صيغ العموم قد أفلح كل مؤمن هذا الأصل.
فَالْوَاجِبُ الْمَحْكُومُ بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ
يعني: في إيقاعه والإتيان به في فعله يعني: في إيقاعه. هذا لا بد من التأويل في فعله يعني: في فعل الواجب أو الشيء المحكوم عليه بأنه واجب فعل الواجب الوَاجب قلنا: هو وصف لفعل المكلف. فِعل فعل المكلف هل يضاف الشيء إلى نفسه؟ الأصل في المضاف والمضاف إليه التغاير الأصل أنهما متغايران ولذلك يمتنع إضافة الأعلام.
ولا يضاف اسم لما به اتحد ** معنى، وأوِّلْ موهمًا إذا ورد
هكذا قال ابن مالك.
ولا يضاف اسم لما به اتحد ** معنى إذا اتحد المضاف والمضاف إليه معنى هذا لا يضاف وأول موهمًا يعني: إذا ورد من كلام العرب ماذا تصنع تخطئهم تقول: هذا خطأ؟ يقول: لا، لا بد من التأويل طردًا للقاعدة في فعله يعني: في فعل فِعل المكلف هذا لا يتصور لا بد من وجود معنى يغاير بين المضاف والمضاف إليه أحسن ما يحمل عليه في فعله أن يكون المضاف بمعنى التأثير والمضاف إليه بمعنى الأثر وفرق بين التأثير والأثر وإن لم يكن بينهما فرقٌ في الخارج لأن التأثير هذا وجوده وجود ذهني فاعتبار المعنى أو المفارقة بين المضاف والمضاف إليه أمر ذهني فحينئذٍ جاز إضافة الفعل إلى الواجب والله أعلم.
(بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ) هذا القسم الأول (وَالتَّرْكِ بِالْعِقَابِ) يعني: المحكوم بالعقاب في الترك هذا معطوف على قوله: (فِعْلِهِ). الترك معطوف على قوله: (فِعْلِهِ) (بِالْعِقَابِ) هذا متعلق بقوله: (الْمَحْكُومُ). والعقاب المراد به التنكيل على المعصية.
ومن عصاك فعاقبه معاقبةً ** تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد
(8/13)

ومن عصاك فعاقبه هذا التنكيل على المعصية والترك (أل) هذه على مذهب الكوفيين نائبة عن المضاف إليه يجوز عند الكوفيين حذف المضاف إليه ضميرًا وإنابة (أل) مُنابه (وَالتَّرْكِ) يعني: المحكوم بالثواب في فعله وفي تركه وفي تركه حذف المضاف إليه الذي هو الضمير وأنيب (أل) منابه {((((((الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ((((} [النازعات:41] هذا دليلهم {((((((الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ((((} يعني: هي مأواه حذف الضمير وأقيمت (أل) مقامه إذن بهذين الضابطين أو نقول: الواجب يحكم عليه بأنه واجب إذا اجتمع فيه أمران:
أولهما: الثواب على الفعل.
والثاني: العقاب على الترك.
(8/14)

(وَالتَّرْكِ بِالْعِقَابِ) هذا كما سبق نحن لم نعد الحدود المذكورة السابقة لأنه ذكرناها في الدرس الأخير (وَالتَّرْكِ بِالْعِقَابِ) هذا أُورد عليه إيراد مشهور في كتب الأصوليين (وَالتَّرْكِ بِالْعِقَابِ) قالوا: يلزم أن كل تاركٍ للواجب وهو معاقب حينئذٍ لا يصدق هذا الضابط أو هذا التعريف لذلك يرد قول القائل ما يعاقب تاركه قال: هذا يلزم منه أن كل تاركٍ للواجب يعاقب وثبت أن تارك الواجب إذا مات بغير توبة فحينئذٍ قد يعفى عنه قد لا يعاقب هل رفع العقوبة عنه في الآخرة يرفع عن وصفه بالوجوب في الدنيا؟ لا، لا يلزم من هذا فحينئذٍ نقول: ينبغي أن لا يعارض الحد بمثل هذا الإيراد (وَالتَّرْكِ بِالْعِقَابِ) لا يرد حينئذٍ نقول: قد يعفى عنه لماذا؟ لأن العقوبة وقد نص على ذلك الشيخ الأمين رحمه الله لأن العقوبة على الترك لا تنافي المغفرة ليس بينهما تعارض لأن الحكم على الشيء بأنه واجب هذا باعتبار فعل المكلف أنت ملزم بهذا أن تفعل هذا الفعل بر الوالدين نقول: هذا واجب كل من له أب أو والدين نقول: يجب عليه أن يبرهما. إذا ترك هذا الفعل ومات من غير توبة نقول: هو معرض للعقاب ولا نجزم أنه معاقب لماذا؟ لقوله تعالى: {((((اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وهذه الآية كما قال أهل العلم في حق من مات من غير توبة {((((((((((مَا دُونَ (((((((} كل ما دون الكفر والشرك فهو تحت المشيئة إن شاء عفا عنه وإن شاء أخذه نقول: هذا ليس باعتبار أمور الدنيا لماذا؟ لأننا مكلفون بالنظر في نصوص الوحيين فما دل عليه الشرع بأنه رتب العقاب على الترك حكمنا عليه أنه معرض للعقاب أو معرض للعقاب أما كونه يعفا عنه في الآخرة أو لا يعفى عنه هذا الأمر ليس إلينا فحينئذٍ لا يعترف على جميع التعاريف ولذلك كل ما ذكر في التعريف من حد الواجب وإن انتقدت قديمًا أو حديثًا دفعًا لهذا الاعتراض نقول: الصواب أنها صحيحة ما توعد بالعقاب على تركه ما يعاقب تاركه ما ذم تاركه شرعًا ما ذم تاركه شرعًا مطلقًا نقول: هذه كلها صحيحة وإن كان الأخير أولى الحدود أما ما يعاقب على تركه نقول: هذا الحد صحيح ولا إشكال عليه أما كونه يلزم منه أن كل واجب لا بد أن يعاقب فحينئذٍ انتقض الحد؟ نقول: لا نحن ليس لنا مدخل في الثواب ولا في العقاب هذا أمر إلى الله نحن نثبت ما دل عليه الكتاب والسنة فكل واجب تجد إما بنص خاص أو بنص عام مرتب على تركه عقابٌ فحينئذٍ نقول به ومن مات ولم يتب وقد ترك واجبا نقول: هذا معرض للعقوبة أما في الدنيا فنحكم عليه بأنه ماذا؟ بأنه قد ترك ما يعاقب على تركه بأنه ترك ما يعاقب على تركه لماذا؟ لأننا ننظر في حد الواجب إلى الواجب ذاته أما الأشخاص فليس لنا دخل نحكم عليه زيد مات عاقًا نقول: العقوق هذا محرم ويترتب على فعله العقاب.
(8/15)

إذن كونه مات وهو عاق لا يلزم منه أن يُنفى عنه الحرام وإن كان في الآخرة قد يعفى عنه الحاصل أقول: ما اشتهر في كتب الأصوليين بالاعتراض عن مثل هذه الحدود بكونه قد يعفى عنه في الآخرة هذا الاعتراض ليس وجيهًا لأنه لا منافاة بين العقاب والمغفرة والنظر نظر الأصولي أو العالم أو المخلوق فيما كلف به أما أمر الآخرة من الثواب والعقاب فأمره ليس إلينا.
نقف على هذا وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(8/16)

عناصر الدرس
* مراجعة ما سبق
* الفرض والواجب مترادفان
* صيغ الواجب.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
لا زال الحديث في بيان الحكم الأول من الأحكام التكلفية التي ذكرها الناظم رحمه الله تعالى وهو الواجب.
وذكرنا أن الواجب فيه من ما يعنينا أو نأخذ في هذا المختصر أربعة أقسام أو أربع مسائل:
(9/1)

المسألة الأولى: في بيان حد الواجب، وهذا الذي تعرضنا له في الدرسين السابقين حد الواجب لغةً واصطلاحًا وذكرنا أن حده في اللغة يأتي بمعنى الساقط والثابت الواجب الساقط والوجوب السقوط الواجب الثابت والوجوب الثبوت قالوا: وجب الميت إذا سقط وفي الحديث «فإذا وجب فلا تبكين باكية» يعني: فإذا سقط الميت إذا سقط الميت وجب الحائط إذا سقط أليس كذلك؟ ويأتي أيضًا منه قوله تعالى: {(((((((وَجَبَتْ ((((((((((} [الحج:36] إذا سقطت عند النحر ويأتي بمعنى الثبوت يقال: الوجوب الثبوت والواجب الثابت ومنه حديث «أسألك موجبات رحمتك» موجبات هل يمكن أن يكون الموجبات هنا بمعنى المسقطات؟ لا، لا يمكن وإنما بمعنى المثبتات. مثبت جمع موجبة وهي الكلمة التي توجب لصاحبها الرحمة من الله تعالى «أسألك موجبات رحمتك». إذن ثبت في اللغة إن الواجب يأتي بمعنى الساقط وبمعنى الثابت فتخصيص الواجب بمعنى دون آخر هذا يعتبر تحكما في اللغة لأن بعضهم يرى أن الواجب يأتي بمعنى الساقط فقط ولا يأتي بمعنى الثبوت وبعضهم يرى العكس أن الواجب يأتي بمعنى الثابت ولا يأتي بمعنى السقوط ويؤول ما ورد في ثبوت المعنى الآخر، نقول: لا تخصيص الواجب بأحد المعنيين مع نفي الآخر هذا يعتبر تحكمًا في اللغة يعني إثبات الشيء بلا دليل، فالواجب يأتي بمعنى الساقط ويأتي بمعنى الثبوت، وجب بمعنى سقط هذا المصدر منه يأتي وجبةً وجب يجب وجبةً ولا تقل وجوبًا يعني المصدر من وجب يجب بمعنى سقط وجب الحائط يجب وجبةً ولا تقل وجوبًا والمصدر من وجب بمعنى ثبت يجب وجوبا وسُمِعَ فيه وجبةً إذن الوجوب مصدر للواجب بمعنى: ثبت لا لوجب بمعنى سقط، ووجبةً يأتي مصدرا لوجب بمعنى: سقط ووجب بمعنى ثبت واضح هذا؟ هذا من جهة اللغة ثبت واضح هذا. هذا من جهة اللغة، من جهة الاصطلاح قلنا: إن الاصطلاح هنا يؤخذ من الشرع لأن الواجب هذا حقيقةٌ شرعية، ما معنى حقيقةٌ شرعية؟ ما معنى حقيقةٌ شرعية؟ يعني: معناه الذي يفسر به مأخوذٌ من نصوص الوحيين هذا حقيقة شرعية وسيأتي أقسام الحقيقة الشرعية والوضعية والعرفية، واللغوية سيأتي في موضعه إذن الواجب قد يقال فيه اصطلاحًا، وقد يقال فيه شرعًا. أيهما أعم وأيهما أخص؟ الاصطلاح أعم والشرع أخص لماذا؟ لأن الاصطلاح قد يكون فيما اصطلحه وتعارف عليه أرباب الفنون ولو لم يرد شرعًا يعني: من جهة الشرع وأما ما ورد من جهة الشرع فالأصل أنه لا يقال: كذا شرعا إلا إذا كان مأخوذا من الشرع، يرد على هذا أنهم يقولون: الفقه شرعا معرفةُ الأحكام أو العلم بالأحكام إلى آخره وهل هذا المعنى للفقه اصطلاحي أم شرعي؟ اصطلاحي أم شرعي؟ اصطلاحي، لأن الفقه في الشرع على ما ورد به الحديث الأصل العام: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين».
(9/2)

يعني يعلمه والمراد بالفقه هنا الفقه بالمعنى الأعم الشامل للعِلْمِيَّات والعَمَلِيَّات أما تخصيص الفقه ببعض الدين وهو العَمَلِيَّات هذا مجرد اصطلاحٍ عند الفقهاء فإذا قيل الفقه شرعا: العلم بالأحكام هنا نقول: هذا التعبير ليس على الجامع يعني: الأولى أن لا يقال فيه شرعًا وإنما يقال فيه: اصطلاحًا أُوِّل عند أرباب الحواشي هذا التركيب فقيل: الفقه شرعًا أي في عرف أهل الشرع وهم الفقهاء لكن هذا التأويل أيضا غير ساري إذن نقول: الواجب شرعًا يعني: في حقيقة الشرع إن كان المعنى الذي عُرِّفَ به الواجب مأخوذا من نصوص الوحيين وإن كان مما اصطلح عليه الأصوليون فحينئذٍ نقول: الواجب اصطلاح إذن ما حقيقة الواجب في الاصطلاح أو في الشرع على التقديرين؟ نقول: عُرِّفَ بعدة تعريفات وكلها سائد إلا أن بعضها يرد عليه ما لا يرد على الآخر وهذا هو حقيقة المعرِّف ليس عندنا معرف يكون جامعا لكل أفراده على الوجه الذي وضعه المناطقة له ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يقول: ولم يسلم حد في الدنيا من الانتقاد. يعني من على الاعتراض لا بد من أن يوجه إليه نقدٌ أو اعتراض بأنه غير جامع أو بأنه غير مانع، لكن أسلم الحدود وأولى الحدود للاختيار للواجب أن يقال: الواجب هو ما ذم شرعًا تاركه مطلقًا، ما ذم شرعًا تاركه مطلقًا.
ما ذم: قلنا ما هذا يفسر بالفعل فعل المكلف.
ذم: خرج به المندوب فإنه لا يذم على فعله ولا على تركه، وخرج به المباح فإنه لا ذم على فعله ولا على تركه، وخرج به المكروه فإنه لا ذم على فعله.
ما ذم: ما المراد بالذم؟ هنا العيب والنقص.
ما ذم: هذا فعلٌ ماضي مغيَّرُ الصيغة، وفاعله ضميرٌ مستترٌ يعود إلى ليس فاعله، ونائب فاعله ضميرٌ مستترٌ يعود على ما؟ فعل مكلف هو الذي يذم؟ إذا أرجعته إلى ما قلت ما ذم والذم هو فعل المكلف، الله عز وجل، نعم، ما ذم هذا يعود إلى الشارع وهو ما ورد ذمه وعيبه ولومه واستنقاصه في الكتاب أو السنة أو إجماع الأمة وما عداه فلي مأخذا للذم خلافًا للمعتزلة، فإن عندهم العقل موردٌ للتحسين والتقبيح وهو يسمى بالحسن أو تحسين والتقبيح العقليين هذا من ما قال به المعتزلة وهم مغضوبٌ عليهم إذن ما ذم لذلك احتاج أن يفسر بالمميز قال: شرعًا يعني: ما كان جهة الذم مأخوذة من الشرع ما ذم شرعًا تاركه، إذن الذم هنا منصبٌ على، على الترك لا على الفعل أخرج ما ذم شرعًا فاعله وهو المحرم إذن خرج التحريم أو الحرام بقوله: تاركه. تاركه هذا اسم فاعل من الترك يعني مشتقٌ من الترك.
تاركه: الضمير يعود إلى ما فعل المكلف.
(9/3)

قال: مطلقا قلنا: ما ذم شرعًا تاركه هذا يصدق على ماذا؟ يصدق على أي شيء؟ الواجب المضيق ولا إشكال فيه، الواجب المضيق ولا إشكال فيه، لماذا؟ لأن الواجب المضيق يذم تاركه مطلقًا يذم تاركه دون قيدٍ مطلقًا فإذا وجب عليه الصوم في نهار رمضان فتركه نقول: ذم وجه إليه الذم مطلقًا من جميع الوجوه كذلك يشمل ماذا؟ الواجب العيني سد، الواجب العيني وهو ما كان الخطاب فيه موجهًا إلى الذات بعينها ليصدر عنها الفعل المكلف به كالصلوات الخمس من المكلفين، إذا ترك الصلاة لغير عذرٍ شرعي نقول: ذم تاركه فيصدق عليه أنه واجب إذن يشمل هذا الحد ما ذم تاركه من جميع الوجوه وهو الواجب المغير والواجب العيني وزاد بعضهم ( ... ) ورد عليه ثلاثة أنواع وهو ما يقابل هذه الثلاثة وهو: الواجب الموسع. والواجب الكفائي. والواجب المخير.
هذه ثلاثة أنواع ليست داخلة في الحد لماذا؟ لأن الواجب الموسع لا ذم فيه من جميع الوجه بل من بعض الوجه دون بعض الواجب الموسع حقيقته أن يكون الفعل المكلف به باعتبار زمنه أقل من الزمن لأن الزمن باعتبار الفعل المكلف به على ثلاثة أنحاء، إما أن يكون الفعل أقل من زمنه، وإما أن يكون بقدر زمنه وإما أن يكون الزمن أكثر من وقت الفعل. هذه ثلاثة أقسام عقلية، إذا أمر الشارع بفعلٍ ما، هذا الفعل هل يمكن أن يقع في غير زمن؟ لا إذن الزمن لازمٌ له، إن كان الفعل مساويا للزمن المقدر له شرعا هذا سمي الواجب المضيق إن كان الفعل المكلف به مساويا للوقت الذي قُدِّرَ له شرعا نسميه الواجب المضيق مثل شهر رمضان، الشهر ثلاثون أو تسعٌ وعشرون، أليس كذلك؟ صيام شهر رمضان باعتبار تمام الشهر أنه تسع وعشرين وهو كامل أيضا، أو ثلاثون وهو كاملٌ أيضا، الشهر إذا كان تسعة وعشرين فهو كامل شرعا وإن كان ثلاثين فهو كامل أيضًا الصيام يكون بعدد أيام الشهر هل هو أكثر من عدد أيام الشهر؟ الجواب لا، هل هو أقل من عدد أيام الشهر؟ الجواب لا، هل يسع الشهر لصيامٍ غير صيام الفرض؟ هل يسع؟ لا يسع إذن هذا يسمى الواجب المضيق إذا كان الوقت أكثرَ من فعل العبادة من جنسها نقول: هذا هو الواجب الموسع مثل ماذا؟ الصلوات الخمس الصلوات الخمس هذه لها وقت أول وآخر لها وقتٌ أول وآخر وهذا الوقت مقدرٌ من جهة الشرع ومتى ما فُعِلَ فيه أو فُعِلَتْ فيه العبادة فهو أداء سواءٌ فعلت في أول الوقت أو في أثناءه أو في آخره هذا يسمى الواجب الموسع وهو الذي يسع وقته المقدر له شرعًا أكثر من الفعل المكلف به.
ما وقته يسع منه أكثر ** وهو محدودًا وغيره جرى
فجوزوا الأدا إلى اضطرار ** في كل حصةٍ من المختار
(9/4)

ما وقته يسع منه أكثر: هذا هو الواجب الموسع يعني وقت الصلاة صلاة الظهر مثلاً من الثانية عشرة ونصف إلى الساعة الرابعة إلا الربع تقريبا نقول: هذا الوقت كثير بالنسبة للأربع ركعات أليس كذلك؟ فحينئذٍ يمكن للمكلف أن يصلي الأربع ركعات ويزيد نفلاً من جنس الصلاة بخلاف اليوم الأول من شهر رمضان لا يستطيع أن يصوم الفرض ويصوم من جنس الصيام وهو النفل هل يستطيع أن يجمع في يومٍ واحد فرضًا ونفلاً؟ لا يستطيع لكن الواجب الموسع يستطيع أن يجمع بين الفرض صلاةً وبين النفل والوقت حينئذِ يكون أكثر بكثير من وقت العبادة هذا يسمى الواجب الموسع ضابطه أن يكون الوقت المقدر شرعًا لا بد أن يكون مقدر شرعًا يسع العبادة وأكثر منها من جنس العبادة لا من غيرها لأن صيام أول يومٍ في رمضان يستطيع أن يجمع بين العبادة المأمور بها في ذلك الوقت وغيرها من غير جنسها كأن يصوم اليوم ويصلي المكتوبات ويخرج الزكاة ويأتي بالعمرة إلى آخره فحينئذٍ قد يجمع بين عبادات متنوعة. لكن هل يستطيع أن يجمع بين العبادة نفسها ومن جنسها نفلاً؟ الجواب لا، فحينئذٍ هذا يسمى الواجب الموسع يجوز له بلا اضطرار كما قال الناظم: فجوزوا، أي الأصوليون:
فجوزوا الأدا بلا اضطرار ** في كل حصةٍ
يعني من أجزاء الوقت:
فجوزوا الأدا بلا اضطرار ** في كل حصةٍ من المختار
ولذلك ذهب بعضهم أن الواجب الموسع في المعنى يرجع إلى الواجب المخير في المعنى لو تأمل المتأمل الواجب الموسع فإذا به يُشبه الواجب المخير ما هو الواجب المخير؟ أن يؤمر بواحدٍ مبهمٍ في أشياءٍ معينة كالكفارة كفارة اليمين ثلاثة أشياء كلها الكفارة: {(((((((((((((((إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة:89]. هذه الكفارة كفارة اليمين الواجب منها واحدٌ لا بعينه فإن فعل الأول نقول: امتثل الأمر وهو وجوب الكفارة، إن فعل الثاني دون الأول والثالث امتثل الأم، إن فعل الثالث دون الأول والثاني امتثل الأمر، إذن هو مخيرٌ بين أشياء معدودة معينة جاء به الشرع هذا يسمى الواجب المخير.
(9/5)

الواجب الموسع: يشبهه في المعنى، لماذا؟ لأن المكلف مخيرٌ في أجزاء الوقت، الشرع قد حد له الوقت أولاً وآخرا. له أجزاء هذه الأجزاء كائنة بين الحدين أنت أيها العبد مخير في إيقاع العبادة كصلاة الظهر مثلاً في أول الوقت وتكون العبادة حينئذٍ أداء، وأن توقع العبادة كصلاة الظهر أيضا في أثناء الوقت وتوصف العبادة بأنها الظهر أُدِّيَ أداءً هذا مصطلح عليه ولو فُعِلَتْ أيضا في آخر الوقت على الصحيح أنها أيضًا أداء، إذن هو مخير أم ليس مخيرا مخيرٌ في أجزاء الوقت، ولكن أن تكون هذه الأجزاء المختارة بين الحدين اللذين حدهما الشرع فلو فعل الصلاة في أول الوقت نقول: امتثل الأمر. فلو أخر وترك إلى آخر الوقت، عندما ترك في الأول أول الوقت، هل يصدق عليه أنه تارك للواجب؟ نعم، تارك للواجب، هل يذم؟ لا يذم والواجب عندنا ما ذم شرعا تاركه، وهذا قد ترك واجبا، ولم يتوجه إليه الذم، حينئذ خرج عن الحد، ونحن نريد إدخاله في الحد، نحن نريد إدخاله في الحد، نقول: الذم لتارك الواجب الموسع من وجهٍ دون وجه، لا نقول: يتوجه الذم إليه مطلقا، ولو ترك في أول الوقت ليفعل في آخره، ولا نقول: لا يتوجه إليه الذم مطلقا، ولو ترك في آخره، بل نقول: يذم من وجهٍ؛ وهو فيما إذا أخرج العبادة عن وقتها المقدر لها شرعا فلو أخرج صلاة الظهر عن وقتها المحدد لها أولاً وآخرا هل يتوجه إليه الذم؟ نعم هل ترك واجبًا؟ نعم لكن لو ترك صلاة الظهر في أول الوقت ليفعل تلك الصلاة في آخر الوقت نقول: ليس تاركا للواجب، أو نقول: لا يذم؟ لا يذم، لماذا؟ لأنه لم يترك مطلقًا لم يترك مطلقًا والذي يتوجه إليه الذم بكونه تاركًا للواجب هو من أخرج العبادة عن جميع الوقت المقدر لها شرعا فحينئذٍ نقول: الواجب الموسع يذم إذا ترك العبادة مطلقًا وأخرجها عن وقتها المقدر لها شرعا أما إذا ترك في أول الوقت ليفعل في آخره فهو تاركٌ للواجب ولكنه لا يذم، إذن قوله: ما ذم تاركه شرعا، هذا أورد عليه الواجب الموسع وأُورِدَ عليه الواجب الكفاية إذا أردنا إدخال الواجب الموسع في حالة الذم نقول: نَضيف أو نُضيف كلمة مطلقًا يعني: من جميع الوجوه.
الفرض الكفائي ضابطه:
ما طلب الشارع أن يُحَصلا**دون اعتبار ذات من قد فعلا
ما طلب الشارع تحصيله ما طلب الشارع أن يحصل، يعني: تحصيله. دون اعتبار ذات ما قد فعل. الأمر أو الخطاب المتعلق بالفعل المكلف إما أن يكون متعلقًا بعين المكلف بعينه لا بد أنت الموجه إليك الخطاب لتفعل هذا أو هذه العبادة، هذا يسمى فرض عين لماذا؟ لأن المخاطب كل مكلف بعينه كل مكلف بعينه لا ينوب زيد عن العبادة عن عبادة عمرو لماذا؟ لأن الصلاة موجهةٌ أو فعلها أو إيقاعها موجه إلى زيدٍ بعينه فلا يقوم عمرٌو مقام زيدٍ في أداء هذه العبادة، هذا يسمى الفرض فرض العين.
الفرض الكفائي أن يكون المطلوب تحصيلُ العبادة هذا الفعل لا بد أن يفعل ولكن بقطع النظر عن الفاعل بقطع النظر عن؟ عن الفاعل فالمقصود في فرض العين هو الفاعل، والمقصود في فرض الكفاية هو الفعل، والفاعل تبع له، هذا يسمى فرض الكفاية:
ما طلب الشارع أن يحصلا ** دون اعتبار ذات ما قد فعلا
فرضُ كفايةٍ مهم يُقصد ** ونظرٌ عن فاعلٍ مجرد
(9/6)

بقطع النظر عن فاعله مثل ماذا؟ صلاة الجنازة حكمها فرض كفاية إذا فعل البعض سقط عن الآخرين سقط الطلب والإثم معا الساقط أمران: سقط الطلب، وسقط الإثم وهذا بناءً على القول المرجح عند الجمهور أن المخاطب بفرض الكفاية هو الكل كل المكلفين لا البعض المبهم.
وهو على الكل رأى الجمهور
وهو على الكل. يعني: المخاطب به كل المكلفين أن يأتوا بهذه الصلاة صلاة الجنازة فإذا فعل البعض سقط الطلب عن الباقين وسقط الإثم عن الباقين ولذلك سمي كفاية لأن البعض يكفي في إسقاط الطلب والإثم ولما كان البعض فيه الكفاية في إسقاط الإثم عن الآخرين رأى بعض الأصوليين أنه أفضل من فرض العين وهذه مسألة أصولية أيهما أفضل فرض العين أم فرض الكفاية. أيهما أفضل؟ ماذا ترون؟ فرض العين أم فرض الكفاية؟ من قال أن فرض الكفاية أفضل من فرض العين وأجره أعظم قال: هذا الذي نصب نفسه للتلبس بهذه العبادة التي وجبت على الكل وقام هو فأسقط الإثم عن الأمة وهذا يظهر في ما يكون كالفتوى والقضاء ونحوها، صلاة الجنازة ممكن أن يتعلق بمن علم لكن الإفتاء إفتاء الناس، والقضاء بين الناس، وخصومات، ونحوها هذا فرض كفاية فإذا فعل بعضهم أسقط الإثم عن الأمة. لكن فرض العين إذا فعل أسقط الإثم عن من؟ عن نفسه فقط قالوا: إذن فرض الكفاية أفضل من فرض العين هذا من جهة العقل أمر ظاهر، لكن من جهة الشرع لا، عناية الشرع بفروض الأعيان أكثر من عنايته بفروض الكفايات ولذلك لا يقول قائل: إن الصلوات المكتوبة أو عناية الشرع بصلاة الجنازة والإفتاء ونحو ذلك أكثر من عنايته بالصلوات المكتوبة والجمعة والجماعة، هذا لا يمكن أن يقال به.
إذن عرفنا فرض الكفاية وفرض العين.
إذن قيل ما ذم تاركه، ما ذم شرعا تاركه، هل تارك فرض الكفاية يذم مطلقًا؟ متى يتوجه إليه الذم ومتى لا يتوجه إليه الذم؟ إذا صلى زيدٌ على الجنازة وعمرٌو جالسٌ عمرٌو هل يصدق عليه أنه تاركٌ للواجب؟ هل يصدق؟ أنا لا أقول: هل يذم؟ هل يصدق عليه أنه تاركٌ للواجب؟ نعم هو تاركٌ للواجب لكن هل يذم؟ لا يذم لماذا؟ لأن فرض الكفاية يذم من بعض الوجوه دون بعض يذم إذا ترك الجميع فعل العبادة لو كل الناس لم يصلوا على الميت وقد علموا به أثم الكل وتوجه الذم إلى الكل أما إذا فعل البعض وترك البعض نقول: من فعل رَفَعَ الإثم والطلب والذم عن الآخرين فحينئذٍ قوله: مطلقًا لإدخال فرض الكفاية أيضًا لإدخال فرض الكفاية أيضًا.
بقي الثالث وهو الواجب المخير، نقول: هذا هو القسم الثالث للواجب لأن الواجب ينقسم إلى أقسامٍ ثلاثة باعتبار الفعل نفسه هذا ينقسم إلى فرض إلى معينٍ وإلى مخيرٍ هذا باعتبار الفعل نفسه، نفس الفعل المكلف به، نقول: الواجب ينقسم إلى معين ومخير.
معين: أن يحدد الشرع المكلف به بشيءٍ واحد لا يحتمل غيره كالصلوات المكتوبات، وشهر رمضان والحج، والزكاة ونحو ذلك هذه حددها الشارع ولم يخير العبد مثلاً بين صلاةٍ وصلاة لا أوجب الكل فهذا يسمى الواجب المعين، يقابله الواجب المخير.
(9/7)

الواجب المخير: أن يخيره الشرع أو يأمره الشرع بواحدٍ لا بعينه في أشياء محصورة معدودة يعدد له أمور ثلاثة أو أربع ويأمره بواحدٍ منها دون غيرها الواجب هنا غير محدد غير معين يقابل المعين هل يجب فعل الكل؟ {(((((((((((((((إِطْعَامُ عَشَرَةِ ((((((((((} ثم قال: {((((كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة:89]. هل الواجب الكل؟ الثلاث؟ الجواب لا. وإنما يجب عليه أن يفعل واحدا لا بعينه يعبر عنه بعضهم بالقدر المشترك، ولذلك الصواب أن متعلق الخطاب في الواجب الموسع وفي الواجب المخير وفي الواجب الكفائي هو القدر المشترك القدر المشترك هذا أمرٌ اعتباري ذهني يوجد في بعض أفراده في الخارج يعبر عنه البعض بأنه طلبٌ للماهية من غير تعرضٍ لوصفٍ آخر من غير تعرضٍ لوصفٍ آخر لكن تسهيلاً للعبارة أن يقال: المأمور به واحدًا لا بعينه إذا قيل: واحدًا لا بعينه أين هو المأمور به؟ هذا لا يمكن أن يتصور إلا إذا كان المأمور به مخير وهذا التخيير هو طلبٌ لماهيةٍ من واحدٍ من الثلاث وأنت أيها المكلف الذي تحدد هذا الواحد، واضح هذا إذا ترك الأول ليفعل الثاني تركه للأول هل يعتبر تاركا للواجب؟ نعم نقول: نعم، هل يذم؟ لا يذم، متى يتوجه الذم إليه؟ إذا ترك الكل، إذا ترك الكل نقول: يذم مطلقًا إذا ترك البعض ليفعل الآخر نقول: هذا تاركٌ للواجب ولكنه لا يذم فحينئذٍ زِيدَ في هذا الحد مطلقًا ليشمل الواجب الكفائي والواجب الموسع والواجب المخير، وعليه نقول: أقسام الواجب ثلاثة، يعني: ينقسم الواجب باعتبار ذات الفعل نفسه بالنظر إلى الفعل إلى واجبٍ معين وواجب مخير وهو موجودٌ وجائزٌ وواقعٌ عقلاً وشرعًا.
وينقسم باعتبار الزمن زمن أداء العبادة أو الواجب إلى واجبٍ موسع وواجبٍ مضيق، واجبٍ موسع وواجبٍ مضيق.
الواجب الموسع: ما يسع أكثر من العبادة، بشرط أن يكون هذا الوقت مقدر من جهة الشرع فيترك العبادة في أول الوقت ليفعلها في آخر الوقت وهل يجب عليه أن يعزم ليفعل في آخر الوقت؟ الصواب لا، وإن قال به جمهور العلماء لأن بعضهم يرى أنه يجب أن يأتي ببدل الترك إذا تركه في الأول في أول الوقت ليفعل في آخر الوقت، قالوا: لا يجوز ترك الصلاة في أول وقتها إلا إذا أتى ببدل الصلاة وهو العزم على فعلها في آخر الوقت فالواجب أحد أمرين، إما الفعل، وإما البدل، ما هو البدل؟ العزم، وهذا عليه الأكثر، أكثر الأصوليين والفقهاء أنه يجب إما الفعل أن يؤتى بالصلاة وإما ببدلها وهو العزم لذلك السيوطي يقول في ((الكوكب)):
جميع وقت الظهر قال الأكثر**وقت أداءه
جميع: هذا يراد به تعريف الواجب الموسع ومثل له بمثال جميع وقت الظهر يعني من أوله إلى آخره المحدد له من جهة الشرع.
جميع وقت الظهر قال الأكثر**وقت أداءه
يعني: وقت أداء العبادة فإن فعلها في الأول فهو أداء وإن فعلها في الأثناء فهو أداء وفي الأخير فهو أداء وهذا هو الصواب، المسألة فيها نزاع وعليه يعني: على هذا القول بأنها أداء وعليه الأظهر. يعني قول: الأظهر لا يجب العزم على المؤخر.
وقد عزي وجوبه للأكثر
(9/8)

وعليه إذا قلنا: فعل العبادة الصلاة الظهر مثلاً في أول الوقت كفعلها في آخره إذن نقول: الأظهر لا يجب العزم لماذا؟ لأنه لو ترك الصلاة في أول الوقت لا يتوجه إليه الذم وإذا لم يتوجه إليه الذم لم يكن عاصيًا وظاهر السنة أيضًا يدل على ذلك وهو أن جبريل عليه السلام لما نزل وصلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في أول الوقت ثم نزل وصلى في آخر الوقت قال: «ما بين الوقتين صلاة». هل عندما تأخر في اليوم الثاني قال: لو يجب عليك أن تعزم؟ هل يجب؟ لا يجب والدليل الذي دل على وجوب صلاة الظهر أوجب الصلاة وحدد الوقت أولاً وآخرًا ولا يفهم من النص إلا وجوب الصلاة فقط وهل يدل على وجوب عنه؟ نقول: هذا يحتاج إلى دليل منفصل ولا دليل فحينئذٍ نقول:
الصواب وعليه الأظهرُ
لا يجب العزم على المؤخر ** وقد عزي وجوبه للأكثر
أكثر العلماء من الحنابلة والشافعية والمالكية على وجوب العزم والصواب عدم الوجوب هذا يسمى الواجب الموسع.
القسم الثالث أن ينقسم الواجب باعتبار الفاعل إذن قسمناه باعتبار الفعل وقسمناه باعتبار الفاعل باعتبار الفاعل ينقسم إلى قسمين: واجب عيني، وواجب كفائي.
إن كان الخطاب متعلقًا بكل فرد فردٍ بكل عين بكل ذات نقول: هذا فرض عين.
وإن كان متعلقًا بالفعل الحاصل لبعض الفاعلين المخاطبين فحينئذٍ نقول: هذا فرض فَرض كفاية.
ما طلب الشارع أن يحصلا ** دون اعتبار ذات من قد فعلا
وهو مفضل على ذي العينِ ** في زعم الأستاذ مع الجويني
فرض كفاية مهم يقصد ** والنظر عن فاعل مجرد
وزعم الأستاذ والجويني**ونجله يفضل فرض العين
يعني: فرض كفاية يفضل فضل العين للعلة السابقة أن من فعل فرض الكفاية قد رفع الإثم عن الأمة كلها ومن فعل فرض العين قد رفع الإثم عن نفسه فحسب والثاني نفعه متعدي أو قاصر؟ من فعل فرض الكفاية قاصر أو متعدي؟ متعدي وفرض العين هذا قاصر فحينئذٍ قالوا: من تلبس بفرض الكفاية أفضل مما تتلبس بفرض العين والصواب أن نقول: إن الشارع قد اعتنى بفروض الأعيان أكثر من عنايته بفروض الكفاية والصواب أن الخطاب متعلق بالكل كل المكلفين.
وهو على الكل رأى الجمهور ** والقول بالبعض هو الموصول
لا الموصول الأول وهو أن الخطاب موجه لكل المكلفين لماذا؟ لأننا نقول: قد رفع الإثم عن الأمة كيف رفع الإثم؟ هذا يدل على أنهم قد ثبت أو لم تبرأ ذمتهم إلا بفعل البعض لم تبرأ ذمة البعض الذين لم يفعلوا هذا الفرض الكفائي إلا بفعل البعض دليل على أن الخطاب موجه للكل وإلا لم يصح أن نقول: رفع الإثم عن الباقين.
هذه ثلاثة أقسام للواجب إذن أخذنا بهذا.
المسألة الأولى وهي: حد الواجب.
المسألة الثانية هي أقسام الواجب.
(9/9)

وهذا الحد أولى ما يقال في الحدود وهو الذي ذكره الفتوحي في مختصر التحرير وأيضًا الطوفي في البلب زاد بعضهم: قصدًا. ما ذم شرعًا تاركه قصدًا مطلقًا قصدًا هذا لم زيد؟ نعم، نعم لإدخال أو إخراج؟ العكس لو قيل: ما ذم شرعًا تاركه مطلقًا زَيْدٌ من الناس انتظر الصلاة فأذن فدخل الوقت فنام غير قاصد لترك العبادة هذا يأثم أو لا يأثم؟ يذم أو لا يذم؟ لا يذم لأنه لم يقصد المخالفة لم يقصد الترك هل ترك واجبًا؟ ترك واجبًا الغافل الساهي الناسي النائم إذا توجه إليه الخطاب ثم ترك الواجب نقول: هذا تارك للواجب وهو داخل في الحد نريد إخراجه لئلا يذم لئلا يتوجه إليه الذم فقيل: قصدًا. إذن من ترك قصدًا هو الذي يذم أما من ترك غافلاً فلا يذم والأولى إسقاط هذا القيد لماذا؟ لأنه؟ ما تصدق على فعل المكلف «رفع القلم عن ثلاثة». وذكر منهم: «النائم حتى يستقيظ». إذن النائم غير مكلف وهذا الواجب قسم من أقسام الأحكام الشرعية التكليفية إذن لا يتعلق إلا بالمكلفين والنائم غير مكلف.
المسألة الثالثة هل الواجب والفرض مترادفان أم لا؟ إذا قيل: هذا واجب هل نقول: هو فرض؟ وإذا قيل: هذا فرض هل نقول هو واجب؟ هذا فيه نزاع بين الأصوليين جمهور الأصوليين على أن الفرض والواجب مترادفان وهذا ينبني على المعنى اللغوي لكل كلمة من هاتين الكلمتين الواجب عرفنا معناه في اللغة أنه يأتي بمعنى الساقط ويأتي بمعنى الثابت أما الفرض فله عدة معاني يعني: يطلق الفرض في اللغة ويراد به التقدير ومنه قوله تعالى: {((((((((مَا ((((((((((} [البقرة:23] أي: قدرتم، {((((((((((مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (((((} [النساء:118] أي: مقدرًا معلومًا.
الثاني: أنه يأتي بمعنى التأثير الفرض يأتي بمعنى التأثير قال الجوهري: الفرض الحز في الشيء يعني التأثير في الشيء.
الثالث: الإلزام يأتي الفرض لغةً مرادًا به الإلزام ومنه قوله تعالى: {(((((((أَنْزَلْنَاهَا ((((((((((((((} [النور:1] أي: ألزمنا العمل بما فيها {(((((((أَنْزَلْنَاهَا ((((((((((((((} أي: أوجبنا العمل بما فيها.
الرابع: يأتي الفرض لغةً بمعنى العطية يقال: فرضت له كذا وافترضته أي: أعطيته. فرضت لزيد مبلغًا معينًا أي: أعطيته.
الخامس: يأتي بمعنى الإنزال ومنه قوله تعالى: {((((الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص:85] أي: أنزل عليك القرآن. قال البغوي: وهو قول أكثر المفسرين {((((الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ (((((((((((((} أي: أنزل عليك القرآن. هذا قول أكثر المفسرين.
السادس: يأتي بمعنى الإباحة {(((كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} [الأحزاب:38] أي: فيما أباح الله له.
(9/10)

هذه ستة معان يأتي الفرض لغةً لواحد منها ليس للجميع وإنما يأتي مرادا واحدا منه فهو في اللفظ مشترك لفظي والمعنى يختلف من سياق إلى سياق آخر إذن عرفنا الواجب لغة ومعنى الفرض لغة ما العلاقة بين مفهوم الواجب ومفهوم الفرض؟ هل هناك قدر مشترك بينهما أو لا؟ هذا محل النزاع هنا، تحرير محل الخلاف في هذا الموضع الأحناف يرون أن معنى الواجب مغاير ومباين في اللغة لمعنى الفرض واضح الأحناف يرون أن معنى الواجب مفهوم الواجب في اللغة مغاير تمامًا لمعنى الفرض لغةً والمصطلحات الشرعية تكون سائرة مسار المصطلحات أو المفهومات اللغوية كما سبق، الصواب والصحيح عند أهل السنة أن الحقائق الشرعية إنما هي حقائق لغوية زيد عليها بعض القيود فحينئذٍ لا بد أن يكون المعنى اللغوي في أصله مرادًا في المعنى الشرعي أو في الحقيقة الشرعية فإذا كان الواجب له معنى لغة مغاير ومباين لمعنى الفرض لغةً فحينئذٍ لا بد أن يفرق في الشرع بين الفرض والواجب ومن رأى أن بين مفهوم الواجب ومفهوم الفرض جمعًا وفرقا يعني: هناك معنى يجتمع فيه الفرض والواجب وهناك معاني يفترق الواجب عن الفرض والفرض عن الواجب وهذا مأخذ الجمهور أن الفرض والواجب يلتقيان في معنى الإلزام والحتم وحينئذٍ لا بأس أن يكون في الاصطلاح أو في الحقيقة الشرعية الواجب مرادفًا للفرض هذا أهم ما تعرفه في هذه المسألة وهو محل النزاع لم اختلف الأحناف عن جمهور الأصوليين؟ لأن الأحناف يرون أن الواجب والفرض متباينان كل منهما له حكم مغاير للآخر. منزع هذا الخلاف ومأخذ هذا الخلاف هو المعنى اللغوي يرى الأحناف أن معنى الواجب مغاير لمعنى الفرض فحينئذٍ ينبني على هذا التغاير وهذا التباين أن يكون الشرع قد غاير بينهما لأن الأصل أن الحقيقة الشرعية مبناها على الحقيقة اللغوية فإذا كان تمَّ تباين بين اللفظين لغةً لا بد أن يكون تَمَّ تباين بين اللفظين اصطلاحًا وشرعًا الجمهور يرون أن معنى الحتم والإلزام قد دل عليه لفظ الواجب وقد دل عليه لفظ الفرض فحينئذٍ قالوا بالترادف بين الفرض والواجب. هذا مسألة من جهة النزاع اللفظي.
لكن هل الشرع جاء بالترادف أو بالتباين؟ نقول: هذا مسلك العلماء نظر الأحناف إلى مسألة لغة ولم ينظروا إليها من جهة الشرع فقالوا: الفرض والواجب متغايران.
والفرض والواجب ذو ترادف ** ومال نعمان إلى التخالف
(9/11)

نعمان من؟ أبو حنيفة رحمه الله تعالى ومال نعمان إلى التخالف نقول: مذهب أبو حنيفة والأحناف أتباعه أن تَمَّ تغاير بين الواجب والفرض ما وجه هذا التغاير؟ قالوا: ننظر إلى الدليل الذي أخذ منه الحكم بالطبع الفرض والواجب يشتركان معا في صدق حد كل منهما على الآخر لكن لما كان طريق الواجب هو الظن خُصَّ به اسمًا وعلمًا ولما كان طريق الفرض القطع خُصَّ به اسمًا وعلمًا فقالوا: ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا ننظر إلى طريقه لا نحكم عليه مطلقا بأنه واجب ولا نحكم عليه بأنه فرض وإنما ننظر إلى طريقه لأن الشرع قد فرق بين الحكم القطعي الذي يفيد اليقين وبين الحكم الظني الذي يفيد الظن الراجح ورتب على الأول من الأحكام ما لم يرتب على الثالث فحينئذٍ ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا إن ثبت بدليل ظني فهو الواجب وإن ثبت بدليل قطعي فهو الفرض إذن المأخذ من أي شيء؟ النظر هنا لأي شيء؟ للطريق، وهذا هو المشهور أن الفرق بين الفرض والواجب أن الفرض ما ثبت بدليل قطعي، وأن الواجب ما ثبت بدليل ظني وهذا رواية عن الإمام أحمد وهو رواية عن الإمام أحمد وبعضهم فرق بين الفرض والواجب أن الفرض ما لا يتسامح في تركه عمدًا ولا سهوًا كما نص عليه ابن قدامة في ((الروضة)) وهو رواية عن الإمام أحمد أيضًا ما لا يتسامح في تركه عمدًا ولا سهوًا كأركان الصلاة هذه فروض وأركان الحج الصلاة فيها فروض التي يعبر عنها بالأركان وفيها واجبات فيها واجبات وفيها أركان ما الفرق بينهما؟ نقول: الركن والفرض لا يتسامح في تركه عمدًا ولا سهوًا فلا بد من، لا بد من الإتيان به ولا تبرأ الذمة إلا بفعله أما الواجب في الصلاة يجبر بالسجود إن تركه سهوًا فإن تركه عمدًا حكمه حكم الفرض كذلك أركان الحج وواجبات الحج أركان الحج فروض الحج هذه لا تسقط ولا يتسامح فيها لا عمدًا ولا سهوًا وأما واجبات الحج هذه تجبر بدمٍ عند الجمهور يعني: إذا ترك الواجب ولو عمدًا نقول: نسكه تام حده صحيح ولكن يجبره بدمٍ خلفًا وبدلاً لهذا الوجه إذن الفرق بين الواجب والفرض على رواية عند الإمام أحمد هو: ما لا يتسامح في تركه عمدًا ولا سهوًا، ما يتسامح فيه تركًا فهو الواجب.
(9/12)

القول الثالث في الفرق بين الفرض والواجب: أن الفرض ما لزم بالسنة ما لزم بالقرآن الفرض ما لزم بالقرآن والواجب ما لزم بالسنة يعني: ما كان دليله وهو طلب جازم ما كان دليله وهو طلب فعل جازم دليله الكتاب القرآن فهو فرض وما كان دليله السنة فهو واجب لكن المشهور هو الأول أن الفرق بين الفرض والواجب هو من جهة الدليل القطعي والدليل الظني الجمهور قالوا: لا، استوى حد الواجب والفرض إذا قيل: ما حقيقة الواجب؟ تقول: ما ذم شرعًا تاركه مطلقا وإذا قيل لك: ما حد الفرض؟ تقول: ما ذم شرعًا تاركه مطلقًا. إذن استوى حدهما ولذلك علل بذلك ابن قدامة في ((الروضة)) فقال: لاستواء حدهما فلما استويا في الحد نقول: الحد هل يتفاوت أو لا يتفاوت؟ إذا قيل: الإنسان حيوان ناطق. الإنسان له أفراد والأفراد هذه تتفاوت قوةً وضعفًا تتفاوت في القوة والضعف إذا أريد الحد هل ينظر إلى القدر المشترك بين الأفراد أو ينظر إلى الفرد باعتبار قوته وضعفه؟ القدر المشترك فحينئذٍ كون الدليل القطعي يفيد حكمًا أقوى من الدليل الظني لا أثر له في الحد بدليل أن المندوب، ما حقيقة المندوب؟ ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه باللازم على ما يذكره المندوب هل كله دليله ظني؟ الجواب: لا، هل كله دليله قطعي؟ الجواب: لا، إذن بعضه ثبت حكمه وهو ندب بالمتواتر كالقرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع الصريح المنقول تواترًا وبعضه ثبت بدليل ظني كالقياس وخبر الآحاد عندهم هل التفاوت في ثبوت طريق الندب مقتضٍ لتغاير التسمية؟ الجواب: لا، هو ندب ندْب سواء ثبت بطريق متواتر أو ثبت بدليل قطعي وهو ندب أيضًا إذا ثبت بدليل ظني إذن تفاوتت الأحكام في نفسها أم لم تتفاوت؟ تفاوتت الأحكام لأن الندب الثابت بالدليل القطعي ليس هو في قوة الندب الثابت بدليل ظني لكن النظر إلى الدليل المثبت للحكم الذي هو الندب النظر إلى الدليل قوة وضعفا لا يلزم منه أن تختلف الأسماء كذلك ما طلب الشارع فعله طلبا جازما يختلف في نفسه قوةً وضعفا وبعضه أقوى من بعض لا يستلزم منه أن تختلف الأسماء لأن النظر إلى الحقيقة نفسها، فلما استويا حدًا نقول: لا يفرق بينهما في التسمية باعتبار الطريقة المثبتة للحكم قطعًا وظنًا كما أن الندب لا يفرَّق في التسمية لاختلاف طريقه قطعًا وظنًا أليس كذلك؟ نقول: بلى.
(9/13)

إذن نقول: الفرض والواجب هل هما مترادفان أم لا؟ نقول: فيهما خلاف أو في المسألة خلاف الجمهور على الترادف وذهب الأحناف إلى التفرقة بين الفرض والواجب على ما ذُكر والأصح؟ والمرجح؟ قول الجمهور لأنه قول الجمهور؟ لا وإنما لكونه موافقا للصواب جاء في الحديث القدسي من عاد لي وليًّا قال الله تعالى: «من عاد لي وليًّا فقد آذنته بالحرب ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحَبَّ إليَّ مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه» الحديث قال: «مما افترضنه» مما ما هذه إيش؟ موصولية وهي من صيغ العموم وقلنا: حقيقة الفرض هو عين حقيقة الواجب باستواء حدهما «مما افترضته» مما هذا أفضل أو أحب ما تقرب العبد به إلى الله عز وجل «افترضته» هذه التسمية أطلق التسمية على كل ما ثبت في الشرع سواء كان دليله قطعيًّا أو ظنيًّا بدليل مقابلته بما بعده كما قلت لكم بالأمس قد يشكل عليك اللفظ تنظر إلى السياق والسباق هنا قابل الافتراض بماذا؟ بالنوافل «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل» إذن لو قلنا على رأي التقسيم الثنائي الفرض والواجب لصار الفرض يقابله النافلة أين الواجب؟ مع الفرض على قول من؟ على قول الجمهور وهذا الذي يريد بيانه أن قوله: «مما افترضته». هذا دليل شرعي على أن كل ما طلب الشارع فعله طلبًا جازمًا يسمى فرضًا بقطع النظر عن كونه ثبت بدليل قطعي أو بدليل ظني لعموم قوله: ما. ومقابلته بالنوافل دل على أنه شامل للواجب {((((فَرَضَ فِيهِنَّ ((((((((} [البقرة:197] أي: أوجب. قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر الحديث. فرض صدقة الفطر عند الأحناف فرضٌ أم واجب؟ واجب وابن عمر يقول: فرض. نأخذ بقول من؟ ابن عمر رضي الله تعالى عنه إذن لا فرق عند الصحابي بين فرض ووجب إن كان هذا هو النص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا إشكال
وإن كان فهم الصحابي عن الواجب عبر عنه بالفرض فهو حجة فهم الصحابي في مثل هذه المواضع حجة فحينئذٍ نقول: الفرض والواجب سيان يستويان حدًا وقد يختلف في الحكم باعتبار شيء آخر لأنه إذا كان ثابتًا قطعيًّا متواترًا من أنكره يختلف حكمه عمن أنكر ما كان دليله ظنيًَّا فما يترتب على ما ثبت بدليل قطعي أو ظني من الأحكام لا يؤثر في الأسماء.
والفرض والواجب ذو ترادف ** ومال نعمان إلى التخالف
وهو من ذاك أعم مطلقا ** والفرض والواجب قد توافقا
(9/14)

هذا قول السيوطي وهو شافعي تبعًا لابن السبكي وهذا قول مالكية والحنابلة أيضًا نصوا في مختصر التحرير وغيره على أن الفرض والواجب مترادفان إذا قلنا بالترادف نقول: يستوي ما ثبت حكمه بدليل قطعي ودليل ظني هل يلزم من هذا أن الواجبات كلها في الشريعة على مرتبة واحدة وأن الثواب المترتب على فعل الواجب مستو مع غيره هذا فيه نزاع عند أرباب هذا القول والصحيح أن الواجبات تتفاوت فإذا تفاوتت الواجبات تفاوت الثواب وهذا هو الأصح ولا يمكن هذا إنكاره لأن الواجبات بعضها متفق عليه مجمع عليه ولذلك الواجب المجمع عليه ليس كالواجب المختلف فيه الواجب الذي ثبت بالكتاب والسنة والإجماع ليس كالواجب الذي ثبت بخبر الواحد مثلاً وإن كان كلها مقبول ومعمول به لكن من جهة القبول والنفس والاطمئنان يختلف وحينئذٍ يختلف الثواب على حسب مرتبة الواجب إذن نقول: الواجب والفرض مترادفان. هذه المسألة الثالثة.
ثم المسألة الرابعة والأخيرة: صيغ الفرض والواجب يعني: متى نأخذ أن هذا واجب وفرض متى نحكم على الحكم بأنه فرض أو واجب؟ نقول: صيغه عديدة منها وجب إذا صرح الشرط وجب نقول: هذا واجب وفرض كما قال الصحابي فرض رسول الله نقول: هذا واجب وفرض للتصريح به. وجب وفرض وواجب وفرض حتمٌ إذا عُبر عنه بأنه حتم نقول: هذا دل على معنى الوجوب {(((((عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ((((} [مريم:71] يعني: واجب. قال: أي واجب الوقوع بوعده الصادق. واجب الوقوع بوعده الصادق الله عز وجل هل يجب عليه شيء؟ قيل: لا يمكن أن يعبر بهذا التعبير نقول: يجب على الله أو يحرم على الله. هذه مسألة فيها نزاع هل يجب على الله شيء نقول: هل يحرم على الله شيء؟ هذا التعبير فيه نوع من الشدة ونحو ذلك لكن نقول: الصواب في هذه المسألة مسألة النزاع أن ما أوجبه الله على نفسه لا بأس أن يعبر المعبر فيقول: أوجبه الله على نفسه هذا واجب على الله. باعتبار من؟ باعتبار أن الذي أوجبه هو الله {((((((رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام:54] كتب هذا من ألفاظ الوجوب، {((((((عَلَيْكُمُ (((((((((((} [البقرة:183] «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» حرام نقول: حرام إذن ما أوجبه الله على نفسه أو حرمه على نفسه لا بأس أن نقول: هذا حرام على الله أو واجب على الله «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله». قال: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله». والحق هذا من ألفاظ الدالة على الوجوب حق الله على العباد ومنه الحديث إن صح وفيه نزاع «أسألك بحق السائلين» إن صح الحديث فيحمل على هذا أنه «أسألك بحق السائلين» ما هو حق السائلين الإجابة {(((((((سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ (((((((} [البقرة:186] والإيجابة صفة من صفات الله فحينئذٍ كان السؤال بصفة من صفات الله إذن {(((((عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ((((} أي: واجب الوقوع بحقه الصادق فيقال في الواجب حتم ومحتوم ومحتم قال في المصباح: حتم عليه الأمر حتمًا من باب ضرب أوجبه جزمًا وتحتم وجب وجوبًا لا يمكن سقوطه.
(9/15)

الرابع: أن يقال لازم هذا الأمر لازم يعني: واجب وفرض وهو من اللزوم وهو لغة عدم الانفكاك عن الشيء فيقال للواجب لازم وملزوم به كما في حديث الصدقة: «ومن لزمته بنت مخاض». لزمته يعني: وجبت عليه «ومن لزمته بنت مخاض وليست عنده أخذ منه ابن لبون»
الخامس: إطلاق الوعيد {((((((أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ ((((((((} [الزمر:65]، {((((((((((((الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ ((((((((} [النور:63] ترتُّب الوعيد كما ذكرنا فيما سبق أنه خاصة من خواص الواجب والترك بالعقاب فإذا رُتِّبَ الوعيد على ترك فعل دل على وجوبه كتب عليكم مادة الكتب هذه تدل على الوجوب كتب عليكم {((((((رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام:54]، {((((((عَلَيْكُمُ (((((((((((} [البقرة:183]، {((((((عَلَيْكُمُ ((((((((((} [البقرة:216]، {((((((عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة:178] هذه تدل على الوجوب كلها نص في الوجوب إن كَنَّى الشارع عن العبادات ببعض أجزائها دل على فرضيته كما نص في مختصر التحرير إذا عبر الشارع عن الجزء بلفظ الكل كقوله تعالى: {(((((((((((الْفَجْرِ} [الإسراء:78] ما المقصود هنا؟ صلاة الفجر القراءة هنا جزء من أجزاء الصلاة التعبير بالصلاة عن الجزء دل على أن هذا الجزء واجب في الصلاة إذن {(((((((((((الْفَجْرِ} نقول كنى هنا عن بعض العبادة البعض هذا لا ندري ما حكمه نقول: حكمه الوجوب لماذا؟ لأن العرب لا تكني عن الأخص بالأعم إلا بما كان ملازمًا له لا ينفك عنه هو الأصل فإذا كني عن بعض العبادة بجميعها بكلها بلفظها نقول: دل على فرضيته. {(((((((((((رُءُوسَكُمْ (((((((((((((} [الفتح:27] عن الدخول إلى مكة عبر عن الإحرام بالنسك بماذا؟ بالحلق والتقصير فدل على فرضيته بل بعضهم يعمم فيجعله ركنًا في العبادة لماذا؟ لأنه لا يعبَّر عن الجزء جزء العبادة بكلها إلا إذا كان الجزء فواته مضيعًا للكل وبهذا دليل أو بهذا الضابط جعله ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الصلاة من أدلة القائلين بكفر تارك الصلاة لأن القبلة لما حولت من بيت المقدس إلى الكعبة سأل بعض الصحابة عمن مات في التحويل ونزلت الآية {(((((كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة:143] ما المقصود بإيمانكم هنا؟ الصلاة كنى بعض الإيمان الذي هو جزء من أجزاء الإيمان بالصلاة فدل على أن فوات الصلاة مفوت للإيمان وهذا دليل على أن العمل الظاهر ليس داخلاً، ركن في الإيمان {(((((كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} وبهذا كان السلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل قال الأوزاعي: كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل. ولذلك إجماع السلف على أن جنس العمل ركن ولا نقول: شرط صحة. نقول: ركن في مسمى الإيمان فواته مؤدٍ إلى فوات الإيمان وهل هذا الجنس محدد أم لا؟ من كَفَّرَ تارك الصلاة حدده قال: من ترك الصلاة فهو مفوت لجنس الإيمان بالأدلة التي وردت في الكتاب والسنة. من لم يحدد هنا يحتاج إلى تعيين لجنس الإيمان.
وبهذا نكون قد انتهينا من الواجب ونأتي على الندب إن شاء الله في الأسبوع القادم.
وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(9/16)

عناصر الدرس
* المندوب لغة واصطلاحاَ
* صيغ المندوب
* المندوب مأمور به حقيقة
* المندوب حكم تكليفي
* هل يلزم المندوب بالشروع فيه؟

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَالنَّدْبُ مَا فِي فِعْلِهِ الثَّوَابُ ** وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ عِقَابُ
ثنى بالندب بعد ذكره للواجب، لأنه كما سبق أنه ذكر الأحكام السبعة، قال:
وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمَا ** أُبِيحَ وَالْمَكْرُوهُ مَعْ مَا حَرُمَا
ثم شرع في بيان كل واحد من هذه الأحكام على حدة بذكر لازمها، كما ذكره في حد الواجب. قال:
فَالْوَاجِبُ الْمَحْكُومُ بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ وَالتَّرْكِ بِالْعِقَابِ
بدأ بالواجب، هنا قدمه على غيره لأنه ذكره أولاً في العد قلنا: هذا لف ونشر مرتب يعني: أن يُذكر الشيء أولاً إجمالاً يَعده عدا، ثم بعد ذلك يأتي ينشر ما لفه واحدا تلو الآخر لا يقدم ولا يؤخر قال: (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ). ثم قال: (فَالْوَاجِبُ) هذه (أل) للعهد الذكري، أي: الواجب المذكور في التقسيم السابق، ثم قال: (وَالنَّدْبُ) الواو هذه عاطفة جملة على جملة (وَالنَّدْبُ) ثنى بالندب بعد الواجب، لم؟ لأنه ذكر المندوب ثانيًا بعد الواجب اللف، فلما أراد أن ينشر رتب النشر على وفق اللف، وهذا يسمى لفًا ونشرًا مرتبًا.
بعض الأصوليين يذكر الحرام بعد الواجب، وهنا الناظم تبعًا لبعض الأصوليين أيضًا ثنى بالندب عقب الواجب.
كلٌّ من الأصوليين أو ممن قدم وأخر نظر نظرًا مخالفًا للآخر كما هو معلوم في حد الحكم الشرعي قلنا هناك: {خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو الوقت}.
الاقتضاء قلنا: هذا المراد به الطلب والطلب قسمان: طلب فعل، وطلب ترك، وكل منهما قسمان:
أ-طلب فعل جازم وطلب فعل غير جازم.
ب-وطلب الترك أيضًا يكون جازمًا، ويكون غير جازم.
من نظر إلى أن الواجب جازمٌ طلب جازمٌ، ونظر إلى أن الحرام طلب أيضًا جازمٌ، ثنى باعتبار الجزم بالحرام تلو الواجب، لاشتراكهما في الصيغة. ما هي الصيغة؟ أن كُلا منهما طلب جازم سواء كان طلب فعل أو طلب ترك، لم يلتفت إلى هذا وإنما راعى الجزم لأنه أقوى عنده من مجرد طلب الفعل أو الترك، فلذلك ثنى بعضهم بالحرام تلو الواجب نظرًا لاشتراك الواجب مع الحرام في الصيغة، وهي: الطلب الجازم، بقطع النظر عن كونه طلبًا للفعل أو طلبًا للترك.
من ثنى بالمندوب تلو الواجب نظر إلى أي شيء؟ إلى الطلب إلى طلب الفعل. قال: الواجب طلب فعل والمندوب طلب فعل، فحينئذٍ اشتركا في مجرد طلب الفعل بقطع النظر عن كون الواجب جازمًا والمندوب غير جازم.
إذن من راعى الطلب قدم الحرام على المندوب، نعم من راعى الجزم قدم الحرام على المندوب ومن راعى الطلب قدم المندوب على غيره، وكذلك المكروه والمندوب، ما قال الواجب ثم الحرام ثم المندوب ثم المكروه.
المندوب والمكروه يشتركان. في أي شيء؟
(10/1)

في الطلب غير الجازم مراعاةً لهذا التقسيم يمكن أن يقدم الأول الذي هو المندوب مراعاةً للطلب، ويمكن أن يؤخر المندوب فيقدم الحرام مراعاةً للجزم، إلا أن مراعاة الطلب أو الترك أقوى من مراعاة الجزم، أو عدمه، مراعاة الطلب أو الترك هذه أولى من مراعاة الجزم أو عدمه، فحينئذٍ الأولى أن يقدم المندوب على الحرام، فيقال: الواجب ثم المندوب ثم الحرام ثم المتروك.
يجتمع الواجب مع المندوب في مجرد طلب الفعل، ولو كان الأول جازمًا والثاني غير جازم، ثم يقال المندوب والمكروه، ولو كان، لا، ثم يقال الحرام والمكروه ولو اختلفا من جهة الجزم إلا أنهما اشتركا في جهة طلب الترك.
إذن قوله: (وَالنَّدْبُ) قدم الندب هنا أو ثنى به مراعاةً للف أولاً لأنه قال: (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ). ثم قال: (فَالْوَاجِبُ)، ثم قال: (وَالنَّدْبُ) لأنه التزم اللف والنشر المرتب.
ثانيًا: نقول بجامع أن الندب طلب للفعل والواجب أيضًا طلب للفعل بقطع النظر عن كون الأول جازمًا والثاني غير جازم.
قال: (وَالنَّدْبُ) هو قال في اللف هنا: (مَنْدُوبٌ)، (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ) ثم قال: (فَالْوَاجِبُ) ثم قال: (وَالنَّدْبُ) الواجب هذا راعى الأصل (فَالْوَاجِبُ) ثم قال: (وَالنَّدْبُ) خالف الأصل، ما الفرق بين الندب والمندوب؟ المندوب صفة للفعل والندب للدال الذي هو النص. الندب هذا هو الحكم عند الأصوليين، والمندوب هذا باعتبار نظر الفقهاء، لأنهم ينظرون إلى النص الذي هو الإيجاب أو الندب باعتبار متعلقه الذي هو فعل المكلف، ولعل الناظم هنا عدل عن المندوب إلى الندب هل هو قصدًا أم نقول لضرورة النظم؟ قصدًا بفائدة يعني أم لضرورة النظم؟ قصدًا ما هي الفائدة؟ اصطلاح الأصوليين.
طيب أكمل البيت: (مَا فِي فِعْلِهِ الثَّوَابُ) (مَا) جنس أي: فعل المكلف. هل الندب هو فعل المكلف؟ لا.
إذن ماذا يريد أن يعرف؟ المندوب يريد أن يعرف المندوب، حينئذٍ يتعين أن نقول: إن الناظم هنا عدل عن عبارة الأصل وهو: المندوب إلى الندب لضرورة النظم، وإلا فالأصل هنا قلنا: (فَالْوَاجِبُ) من حيث وصفه بالوجوب، أليس كذلك؟ وهنا ماذا نقول؟ كيف من حيث وصفه بالندب، والندب من حيث متعلقه أي: محله الذي هو فعل المكلف. لماذا؟ لأن الواجبات كما سبق والمندوبات والمحظورات والمكروهات والمباحات هذه أفعال المكلفين، وهو يريد بهذه اللوازم التي يذكرها ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، يريد الجامع أو القاسم بين هذه الواجبات قلنا: حصر الواجبات فيما سبق في ذكر الواجب حصر الواجبات في حد واحد ممتنع. لماذا؟ لأن واجب الصلاة مغاير لواجب الزكاة، مغاير لواجب الصيام، مغاير لواجب الحج، لا يمكن أن يجمع الصلاة والزكاة والصوم والحج في حد واحد.
(10/2)

إذا قيل تعريف هناك الواجب للواجبات فحينئذٍ لا بد أن يأتي بحد يجمع هذه الواجبات كلها، بر الوالدين وصلة الأرحام الخ. وهذا ممتنع أو جائز؟ أو نقول: متعذر؟ ما الفرق؟ ممتنع يعني: يمتنع عقلاً، متعذر يعني: يجوز عقلاً، لكنه لا يمكن أن يستوي في ثيابه. هل يمكن أن يأتي بستين ورقة ويحصر الواجبات على حد علمه يمكن؟ يمكن في الوجود، ممكن خارج العقل، ممكن أن يأتي للواجبات على حسب علمه العالم فيقول: الواجب هو الصلاة، والزكاة وو والخ. ويحده كل واحد من هذه على سبيل الاستطلاب إذن نقول: هو متعذر، لماذا؟ لتعدد وكثرة الواجبات، وهنا أراد أن يعرف المندوبات ولكن لا يمكن أن يحصرها، يتعذر عليه أن يحصرها لأن المندوبات كثيرة، فحينئذٍ جاء بقاسم مشترك بينها وهو: ترتب الثواب على الفعل، وعدم ترتب العقاب على الترك.
ولذلك ذكرنا أن معرفة الأشياء أو تصور المفردات هذا له طريقان:
الطريق الأول: الحد الذي هو بيان الحقيقة والماهية يأتي بالجنس والفصل.
الطريق الثاني: الرسم يأتي بالرسم وهو ذكر خاصة من خواص المعرف أو يأتي بأثر من آثار أو حكم من أحكام المعرف.
وهنا الثواب والعقاب هل هو داخل في حقيقة المندوبات أم خارج عنها؟ خارج عنها، لماذا؟ لأنه أثر من آثار المندوبات، حكمٌ مترتب على فعل المندوبات، لأن الثواب خارج عن مثلاً السنن الرواتب الصلاة تفتتح مثلاً السنة الراتبة بالتكبير وتختتم بالتسيلم، هل الثواب داخل في الماهية؟ لا، هل العقاب على الترك داخل في الماهية؟ الجواب: لا، وإنما هذا حكم مترتب على فعل المندوب، لم أتى به؟ نقول: لأنه قاسم مشترك بين جميع المندوبات، وإنما صح أن يؤتى باللازم في هذا الموضع وفي غيره من أبواب العلم، لأن القاعدة عندهم "أن الحقائق إذا اختلفت لزم من ذلك اختلاف لوازمها".
إذا اختلفت الحقائق، حقيقة الواجب مغايرة لحقيقة المندوب مغايرة لحقيقة المحرم الخ. لما اختلفت حقيقة كل منهما ما يترتب عليها من الأحكام لا بد أن يكون مغايرًا لغيره من الحقائق، لماذا؟ لأن حقيقة الواجب يترتب عليها لوازم تخصها تميزها عن حقيقة المندوب، وما ترتب عليه من اللوازم وإن اشتركا في بعض اللوازم كما فيما سبق، أن الواجب يثاب على فعله والمندوب يثاب على فعله كيف نقول: إذا اختلفت الحقائق لزم من ذلك اختلاف اللوازم؟ نقول: هناك لازم عام وهناك لازم خاص:
(10/3)

اللازم العام: هذا قد يشترك فيه اثنان فأكثر، كما قيل في الماشي هذا يتصف به الإنسان ويتصف به الفرس وغيره، هذا عرض وصفة ملازم للإنسان والفرس لكنه لاشتراك الفرس مع الإنسان ليس بلازم يعني: ليس بخواص الإنسان، أما هنا الثواب لاشتراكه مع الواجب في ترتب الثواب على الفعل، يسمى هذا عرضًا عامًاـ والعرض العام على خلاف عند المناطقة هل يصح التعريف به أم لا؟ الجمهور على أنه لا يصح، جمهور المناطقة على أنه لا يصح التعريف بالعرض العام، وإنما يؤتى بالعرض الخاص لأنه به تحصل أو يحصل تميز الماهية عن غيرها، وهنا العرض الخاص الذي هو لم يكن في تركه عقاب انفرد به، اشترك الواجب والمندوب في كون كل منهما طلبًا للفعل هذا مشترك بينهما أو لا؟ مشترك بينهما الثاني في الحكم أو بعبارة أدق في بعض الحكم؛ وهو ترتب الثواب على فعل الواجب والمندوب قصدًا هذا اشتركا فيه. هذا عرض عام أو خاص؟ عام لاشتراك الواجب مع المندوب. هل يحصل التميز للمندوب عن الواجب بهذا الوصف؟ الجواب: لا، بل حتى المحرم ولو إن كان لم يكن على الفعل، وإنما على الترك سيأتي.
(وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ عِقَابُ) هنا قال:
فَالْوَاجِبُ الْمَحْكُومُ بِالثَّوَابِ ** فيِ فِعْلِهِ وَالتَّرْكِ بِالْعِقَابِ
إذن اختلفا، ترتب العقاب في الواجب مبناه على ترك الفعل، وعدم ترتب العقاب في المندوب مبناه على ترك الفعل أيضًا، إذا ترك الواجب بشرطه ترتب العقاب إذا ترك المندوب بشرطه نقول: لم يترتب العقاب. هذه الخاصية وهذا الوصف خاص للمندوب ميزه عن الواجب، قال:
وَالنَّدْبُ مَا فِي فِعْلِهِ الثَّوَابُ ** وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ عِقَابُ
(أل) هذه والندب تسمى (أل) أيُّ (أل) جنسية عادية استغراقية للماهية أربعة أنواع.
ثم من القواعد المشتهرة ** إذا أتت نكرة مكررة تغايرا
وإن يعرف ثاني توافقا ** كذا المعرفا والحكم واجب
ثم قال: (فَالْوَاجِبُ) (أل) هذه واجب ثم قال: الواجب، وإن يعرف ثاني توافقا هذه تسمى (أل) عهدية للعهد الذكري، العهد الذكري، وهي التي عهد مصحوبها ذكرًا يعني: ذكر قبل مصحوبها. أين مصحوب (أل) هنا في الواجب؟ أين مصحوب (أل)؟ (فَالْوَاجِبُ) أين مصحوب (أل)؟ الواجب، هل نقول: (أل) الواجب؟ واجب ما بعد (أل) يسمى مصحوب (أل). إذا قيل: الرجل جاء الرجل، أين مصحوب (أل) رجل كلمة الذي يليها مباشرة هو مصحوب (أل) يسمى مصحوب (أل). يعني: مدخولها الذي دخلت عليه (أل) هو مصحوب (أل). إذا قيل: ما مصحوب (أل) هنا في قولنا: (فَالْوَاجِبُ)؟ تقول: واجب كلمة الواجب هذه معرفة بـ (أل) ذكرت قبلها والحكم واجب نكرة، لو أعيدت النكرة معرفة فهي عين الأولى، وتسمى (أل) للعهد الذكري الذي ذكر سابقًا وهي التي عهد مصحوبها ذكرًا.
قال: (وَالنَّدْبُ)، (وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ) الندب بمعنى المندوب هنا، فحينئذٍ تكون (أل) للعهد الذكري.
الكلام في الندب من وجوه كما ذكرنا ذلك في الواجب، يعني يحصر في ستة مسائل:
المسألة الأولى: في حقيقته حده لغةً واصطلاحًا.
المسألة الثانية: في أسمائه واختلافها، وهل هي مترادفة أم متباينة؟
المسألة الثالثة: في صيغ المندوب.
(10/4)

المسألة الرابعة: في هل المندوب مأمور به أم لا؟
المسألة الخامسة: في المندوب هل هو تكليف أم لا؟
المسألة السادسة: هل المندوب يلزم بالشروه فيه أم لا؟
هذه ست مسائل نذكرها الليلة بإذن الله مختصرةً نسأل الله فيما توخينا من الإعادة.
(وَالنَّدْبُ مَا فِي فِعْلِهِ الثَّوَابُ) نقول: الندب لغةً مصدر، يعني: من جهة اللفظ مصدر نَدَبَ يَنْدُبُ نَدْبًا من باب فَعَلَ، إذن هو مصدر ومصدر فعل المتعدية على فَعْلٍ.
فَعْلُ القياس مصدر المعدى ** من ذي ثلاثة كرد درى
فَعْلُ القياس مصدر المعدى مصدر المعدى من ذي ثلاثة يعني: سواء كان من باب فَعَلَ، أو من باب فَعِلَ فَعَلَ، أو فَعِلَ، المتعدي فيهما يأتي مصدر ثلاثي على وزن فعل ضَرَبَ يَضْرِبُ ضَرْبًا هذا من باب فَعَلَ يَفْعِلُ، نَصَرَ يَنْصُرُ نَصْرًا فَعلَ هذا من باب فَعَلَ يَفْعُلُ. إذن الندب نقول: من جهة اللفظ هذا مصدر فَعَلَ يَفْعُلُ هنا نَدَبَ يَنْدُبُ، إذن من باب نَصَرَ يَنْصُرُ هذا في الندب.
الندب لغةً: الدعاء، وهل هو مطلق الدعاء؟ قيل: لا، وإنما المراد به الدعاء لأمر مهم فإن لم يكن لأمر مهم فلا يسمى الدعاء حينئذٍ ندب بل إذا قيد بقيد وهو أن يكون الدعاء لأمرٍ مهم.
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ** في النائبات
أو للنائبات على قول في النائبات على ما قال برهان.
ما معنى النائبات؟ جمع نائبة وهي: المصيبة العظمة.
لا يسألون أخاهم حين يندبهم**في النائبات
أو للنائبات جار ومجرور متعلق بقوله: يندب، لا يسألون أخاهم حين يندبهم، يندب هذا فعل مضارع، وتعلق به الجار والمجرور، فاعتبر قيدًا فيهم من جهة المعنى، هذا الندب إذا عرف الندب أنه الدعاء. ما معنى المندوب؟ المدعو إليه والمندوب من جهة الصيغة اسم مفعول من جهة ندب لأن اسم المفعول من الثنائي يأتي على زنة مفعول.
وفي اسم مفعول ثلاثي طرد ** زنة مفعول كآتٍ من قصد
قصد فهو مقصود ندب فهو مندوب، والأصل مندوب إليه نحن نقول: المندوب، ولا نقول: المندوب إليه، هذا من باب الحذف والإيصال وأصل التركيب المندوب إليه حذفت إلى، وهي حرف جر فاستكن الضمير في الوصف، ما هو الوصف؟ المندوب والأصل المندوب إليه يعني: يحذف حرف الجر توسعًا. يسمى حذفًا وإيصالاً يعني: حذف الحرف ووصل الضمير بالاسم المتشق الذي هو الأصل لأنه يستكن فيه الضمير اسم الفاعل اسم المفعول يستكن فيه الضمير إلى أن الأول يكون فاعلاً والثاني يكون نائب فاعل، إذن عرفنا أن المندوب هو المدعو أيضًا لأمر مهم المدعو لأمر مهم والاسم قيل: الندبة مثل غرفة ندبة وجاء في الحديث: «انتدب الله لمن يخرج في سبيله» أي: أجاب له طلب مغفرة ذنوبه هذا. قال الفتوحي في ((شرح المختصر)): {حديث «انتدب الله» هذا مأخوذ من الندب «انتدب الله لمن يخرج في سبيله»}. أي: أجاب له طلب مغفرة ذنوبه، وندبت المرأة الميت ندبت، لماذا؟ لأنها نادبة فهو كالدعاء قيل: لأنها لما تعدد محاسنه كأنه يسمعها، فَنُزِّلَ منزلة الداعي المباشر. هذا المندوب في اللغة.
أما في الاصطلاح: فحد بحدود كثيرة أشهرها ما ذكره الناظم هنا: {ما يثاب به ولا يعاقب على تركه}. كما قال صاحب الأصل.
(10/5)

مَا فِي فِعْلِهِ الثَّوَابُ ** وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ عِقَابُ
لكن هذا الحد كما قيل في حد الواجب أيضًا نفسه، قيل: يأباه المحققون. لماذا؟ لأنه حد بلازم لا يوجد في الدنيا، يعني: ضبطه من جهة إيقاع الثواب وعدم إيقاع العقاب هذا لا وجود له في الدنيا، لأن الثواب المرتب على الواجب، والعقاب المرتب على ترك الواجب، والثواب أيضًا على فعل المندوب، وعدم العقاب على ترك المندوب، هذا أمر أخروي لا دنيوي، هذا أعظم ما يوجه من الاعتراض بالحد السابق، أو حد الواجب باعتبار الثمرة، والحكم أن الثواب والعقاب هذان أمران أخرويان، ونحن نريد أن نحد الواجب في الدنيا حينئذٍ يعسر علينا أن نرتب هذا على ذلك، كذلك يقال في المندوب أيضًا، قيل في حده ما ذكره الفتوحي في ((مختصر التحرير)): {ما أثيب فاعله ولو قولاً وعمل قلب ولم يعاقب تاركه مطلقًا}.
ما: قلنا: اسم موصول بمعنى الذي يصدق على فعل المكلف، وفعل المكلف حينئذٍ يكون جنسًا لأنه يتعلق به الإيجاب والندب إلى آخره إذن شملت ما هنا بعمومه شملت الواجب والمندوب والمحظور والمكروه والمباح.
ما أثيب فاعله: خرج به الحرام أليس كذلك؟ والمكروه الحرام فاعل أو التارك؟ فاعل أو تارك؟ والترك فعل لا على الأصل، إذا قيل: ما أثيب فاعله، الفاعل هنا فاعل الحرام هل يثاب أم يعاقب؟ يعاقب إذن ما أثيب فاعله خرج به المحرم، لماذا؟ لأنه يعاقب فاعله، ما أثيب فاعله خرج به المكروه، لماذا؟ يثاب فاعله أو تاركه؟ يثاب تاركه، إذن خرج به المكروه، خرج به أيضًا المباح، لماذا؟ لا يثاب ولا يعاقب تاركه، لا يتعلق به مدح ولا ذم لا ثواب ولا عقاب، إذن بقوله: ما أثيب فاعله خرج به ثلاثة أحكام: الحرام، والمكروه، والمباح.
أما الحرام فالثواب مرتب على الترك قصدا فإذا فعله عوقب.
أما المكروه فالثواب مرتب على الترك.
وأما المباح فلا ثواب ولا عقاب على فعله ولا تركه لاستوائهما.
ولو قولاً وعملَ قلب: ولو قولاً مثل ماذا؟ التسبيح متى؟ في الصلاة أم في خارج الصلاة؟ التسبيح كأذكار الصلوات مثلاً، ولو قولاً كأذكار الصلوات، وعملَ قلبٍ مثل ماذا؟ مَثَّلَ الفتوحي بالخشوع في الصلاة على قول بأنه ليس واجبا، إذا قال: ما أثيب فاعله ولو قولاً وعمل قلب. نوع المثالين هنا باعتبار اللسان وباعتبار القلب، لم؟ ما الفائدة من ذكر القلب وعمل القلب هنا؟ ليشمل أعمال الجوارح ويكون نص عليها، بماذا؟ ما أثيب فاعله ما فعل المكلف وسبق أن فعل المكلف هذا يشمل أربعة أشياء وهي: الفعل الصريح وهذا لا إشكال فيه أنه داخل، والقول لكن هنا قال: ولو قولاً. هذه ولو كان تَمَّ مخالف أن المندوب لا يكون وصفًا للأقوال وأعمال القلوب، تكون لو هذه لدفع الخلاف والتنصيص والتأكيد على أن القول يكون موصوفًا بالمندوب، وكذلك عمل القلب يكون موصوفا بالمندوب، هذا إن كان هناك خلاف، وإن لم يكن خلاف فيكون حينئذٍ من باب التأكيد والتنصيص على أن المندوب كما يكون وصفا للأعمال الظاهرة يكون الفعل الصريح يكون وصفا أيضا للأقوال لأنها فعل، ويكون وصفا لعمل القلب لأنه فعل.
(10/6)

ولم يعاقب تاركه: خرج به الواجب لماذا؟ لأنه يعاقب تاركه، هنا قال: ولم يعاقب. إذن نفي للعقاب، والواجب يثبت فيه العقاب.
ما أثيب فاعله هذا لم يخرج الواجب، لماذا؟ لاشتراك المندوب مع الواجب في ترتب الثواب على الفعل قال: ولم يعاقب تاركه. لإخراج الواجب لكن أي الواجب سبق أن الواجب أنواع منه: واجب معين. منه: واجب مخير. منه: واجب كفائي. منه: واجب موسع. الذي يخرج بهذه العبارة ولم يعاقب تاركه هو: الواجب المعين. كالصلوات الخمس وصوم رمضان مثلاً هذا واجب معين وواجب مغير بقي معنا الواجب المخير والواجب الكفائي والواجب الموسع هذه كما سبق في الواجب الدروس الماضية أن الذم ليس موجها إليها إلا بوجه دون وجه فالواجب الموسع متى يذم تاركه؟ نقول: يذم باعتبار ماذا؟ أول الوقت؟ إذا تركه مطلقا يعني: إذا أخرج الفعل كصلاة الظهر عن جميع الوقت أما إذا أخر الصلاة في أول الوقت إلى آخر الوقت نقول: هذا يصدق عليه أنه في أول الوقت تارك للواجب إلا أنه لا يتوجه إليه الذم لماذا؟ لأن الذم منصب على تركه إذا أخرجه عن وقته أما مجرد تأخيره من أول الوقت إلى آخره نقول: هذا فَعَلَ جائزًا. وإذا كان فاعل للجائز حينئذٍ لا يكون واجبًا وهذا سيأتي بحثه في المحرم نقول حينئذٍ: الواجب الموسع لا يذم إلا إذا أخرج الصلاة عن وقتها تامة فإذا قيل هنا في الحد من غير ذم على تركه هل خرج الواجب الموسع؟ لا لم يخرج الواجب الموسع فحينئذٍ احتجنا إلى قيد مطلقا لماذا؟ لإخراج الواجب الموسع لأنه يذم على تركه مطلقا باعتبار جميع الوقت وأخرج أيضا الواجب المخير لماذا؟ لأن الواجب المخير إذا ترك الخصلة الأولى كما في في ماذا؟ في كفارة اليمين نقول: إذا ترك الخصلة الأولى إنما تركها بشرط البدل وهو أن يأتي بالثاني أو بالثالث إذا ترك الخصلة الأولى يصدق عليه أنه تارك للواجب لكنه هل يذم مطلقا؟ الجواب: لا، متى يذم؟ إذا ترك جميع الخصال فحينئذٍ يذم من وجه دون وجه لذلك قال: مطلقا الإخراج الواجب المخير فإنه يذم على الترك مطلقا إذا لم يفعل أي خصلة من خصال الكفارة ونحوها.
(10/7)

الثالث: الواجب الكفائي متى يذم؟ إذا ترك الفعل جميع المخاطبين، وإذا ترك البعض وفعل البعض لا يُذم من ترك مع صدق أنه ترك واجبًا إذن لا يذم مطلقًا وإنما يذم إذا ترك الواجب الكفائي جميع المخاطبين فقوله: مطلقًا هذا لإخراج ماذا؟ الواجب الكفائي إذن قوله: ما أثيب فاعله ولو قولاً وعمل قلب ولم يعاقب تاركه مطلقًا. هذا يصدق على المندوب فقط وهو أحد الأحكام التكليفية عُرِّفَ أيضًا بتعريفات مختصرة الفعل المطلوب طلبًا غير جازمٍ الفعل هذا جنس يدخل فيه الواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح المطلوب خرج به المباح لأنه غير مطلوب طلبًا غير جازمٍ المطلوب طلبًا غير جازمٍ خرج الواجب والمكروه كيف خرج الحرام؟ الفعل المطلوب طلبا غير جازمٍ هذا ذكره بعضهم موجود المطلوب طلبًا هل المطلوب فعله طلبًا غير جازم أو المطلوب تركه طلبًا غير جازم؟ لم يبيَّن فحينئذٍ حد غير جامع يكون الحد غير جامع لماذا؟ لأن الطلب نوعان: طلب فعل، وطلب ترك. فحينئذٍ لا بد من التعيين أي الطلبين هو؟ الفعل المطلوب غير طلبًا غير جازمٍ هذا يدخل فيه المكروه والمندوب أليس كذلك؟ لأن غير الجازم أخرج الجازم وهو: الحرام، والواجب. والمطلوب أخرج المباح بقي معنا المندوب والمكروه فحينئذٍ لا يستقيم الحد وإن ذكره بعض الحنابلة ما أُمِرَ به أمرًا غير جازمٍ ما هذه جنس يصدق على فعل المكلف الأحكام التكليفية الخمسة تكون داخلة فيما أمر به خرج به أمر المباح أليس كذلك؟ وخرج به المكروه، والحرام بقي معنا الواجب هل النهي مأمور به؟ النهي بقسميه المكروه والحرام هل هو مأمور به؟ ليس مأمورًا به إذن ما أُمِرَ أُمِر هذا خرج به النهي بقسميه وهو: التحريم، والكراهة، وخرج به المباح بقي معنا الواجب والمندوب قال: ما أمر به أمرًا غير جازمٍ. خرج به الواجب أيضًا عُرف بكونه ما يكون فعله خيرًا من تركه وهذا واضح ما يحمد فاعله ولا يذم تاركه هذا أيضًا واضح هو الذي يكون فعله راجحًا في نظر الشارع، الأخير أن نقول: المندوب هو المطلوب فعله شرعًا. وهذا أجمعها وأحسنها هو المطلوب فعله شرعًا من غير ذم على تركه مطلقًا هو المطلوب فعله شرعًا من غير ذم على تركه مطلقًا المطلوب خرج به المباح فإنه لا يطلب لا فعلاً ولا تركًا لاستواء التخير فيهما المطلوب فعله خرج به المطلوب تركه وهو: الحرام، والمكروه. إذن خرجت بهاتين عبارتين أو الكلمتين ثلاثة أحكام المطلوب خرج به المباح فعله خرج به المطلوب تركه وهو: الحرام، والمكروه. شرعًا هذا لبيان شرعًا أن الحكم بالندبية هذا طريقه الشرع خلافًا للمعتزلة من غير ذم على تركه خرج به الواجب المعين والمضيق، مطلقًا خرج به الواجب الكفائي والواجب المخير والواجب الموسع على ما ذكر في الحد السابق وهذا أحسنها هذه المسألة الأولى وهي: تعريف المندوب.
(10/8)

المندوب له أسماء متعددة يصدق عليها يصدق على هذا الحد السابق قيل: منها المندوب. وهو الأصل وهو يعم كل ما سيذكر فيما بعد المندوب هذا جنس يعم كل ما سيذكر فيما بعد يسمى المندوب سنةً ومستحبًا وتطوعًا وطاعة ونفلاً وقربةً ومرغبًا فيه وإحسانًا هذه أسماء مختلفة تصدق على قدر معين اختلف الأصوليون هل هذه الأسماء مترادفة أم متباينة؟ هل هي مترادفة أم متباينة؟ الكل يشترك في جنس أو قدر معين أو قاسم مشترك وهو: ما أثيب فاعله وما لا يعاقب تاركه. على ما ذكره الناظم لكن هل تَمَّ فرقٌ بين بعد بذلك هل يقيد هذا الحد بصيغة لا تخرجه عن كونه ندبًا؟ هذا محل نزاع بين الأصوليين الجمهور على أنه مترادفة جمهور الشافعية والمالكية والحنابلة على أنها مترادفة وإن رتب بعضهم كالحنابلة فرقًا بينها من حيث الأجر إلا أنها مترادفة من حيث الحد والمسمى فهي أسماء لمعنى واحد وهذا قول الجمهور.
والندب والسنة والتطوع ** والمستحب بعضنا قد نوعوا
هكذا قال السيوطي وهو شافعي بعضنا إلا أن جمهور الشافعية على أنها مترادفة والقاسم المشترك بينها ما أثيب فاعله ولم يعاقب تاركه، بعضهم فرق بينها بأن جعل للسنة مصطلحًا خاصًا والنفل مصطلحًا خاصًا إلى آخره والثلاثة الأول السنة والمستحب والتطوع هذه فرق بنيها بأن السنة ما داوم النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعله قالوا: ما داوم النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعله فهو سنة. يسمى سنة هذا عند، عند من؟ عند المالكية بقيد وجوب الظهور وعند الحنفية وبعض الشافعية بلا قيد يعني: ما دوام عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمى عند بعض الشافعية بالسنة وعند المالكية بقيد الظهور.
وسنة ما أحمد قد واظبا**عليه والظهور فيه وجبا
يعني: كونها ظاهرة في جماعة وسنة ما أحمد قد واظب عليه والظهور هذا قيد زائد على ما ذكره بعض الشافعية وهو كون السنة ظاهرة في جماعة أما لو داوم عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيته فلا يسمى سنة عندهم لا يسمى سنة إذن السنة ما داوم على فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - والمستحب ما فعله مرةً أو مرتين يعني: لم يواظب عليه والتطوع قالوا: هذا ما ينشئه الإنسان من عند نفسه. يعني: يختار من الأوراد المأثورة فيكون له وردًا معينًا قالوا: هذا يسمى تطوعًا لكن بشرط أن تكون الآثار واردة فيسمى تطوعًا لماذا؟ لأن العبد أو المسلم هو الذي اختار والأصل في التطوع هو الاختيار.
فضيلة والندب والذي استحب**ترادفت ثم التطوع انتخب
تطوع انتخب هذا يستوي فيه المصطلح عند الشافعية والمالكية وإن اختلفوا في مسمى السنة والمستحب وماذا؟ والفضيلة الفضيلة فضيلة والندب والذي استحب ترادفت يعني: أسماء لمسمى واحد ثم التطوع انتخب يعني: ما انتخبه الإنسان لنفسه من الأوراد المذكورة.
(10/9)

الحاصل: أن تَمَّ اصطلاحات مختلفة بين الأصوليين ينبني عليها تفرقة في الأسماء والتسمية فقط أما من حيث الحكم الشرعي فالكل يشترك بأنه ما أثيب فاعله ولم يعاقب تاركه والأصح أن هذه الاصطلاحات كلها أو أكثرها حادثة ولذلك أنكر بعض الأصوليين بأنه ليس عندنا إلا فرض وسنة ولهذا قالوا: السنة ما واظب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أليس كذلك؟ طيب النبي - صلى الله عليه وسلم - حج مرةً واحدة وفعل فيها من السنن كيف واظب عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يسمى ما لم يكن واجبًا ولا ركنًا في الحج بأنه سنة؟ نقول: سنة أو لا؟ سنة نعم سنة يسمى سنةً لكن هل واظب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ الجواب: لا، لأنه لم يحج إلا مرة واحدة - صلى الله عليه وسلم - فحينئذٍ هذه الاصطلاحات كلها أو أكثرها حادثة ولا ينبني عليها حكمٌ شرعي إذن نقول: الأسماء التي وردت عن الفقهاء في معنى المندوب هذه الأصح أنها مترادفة أنها أسماءٌ لمعنى واحد الحنابلة يقولون: هذه الأسماء مترادفة. نقول: بالترادف إلا أن فيها أعلى وأدنى قالوا: أعلاها السنة وهو ما عظم أجره، وأدناها النافلة لماذا؟ لأنها تصدق على ما قل أجره وبينهما الفضيلة وهي ما توسط أجره نقول: هذا الاصطلاح ليس عليه رائحة دليل فضلاً عن دليل ولكن هذا من أفكار ونظر الأصوليين ولم يعتمدوا على دليل صريح إذن المسألة الثانية في أسماء.
المسألة الثالثة في صيغ المندوب نقول: للمندوب صيغ أشهرها صيغة افعل ولتفعل أيضًا متى إذا وجدت قرينةٌ صارفةٌ عن الأصل وهو مطلق الوجوب إلى الندب
بصيغة افعل، فالوجوب حققا** حيث القرينة انتفت وأطلقا
لا مع دليلٍ دلنا شرعًا على** إباحة في الفعل أولى فعلا
إذن صيغة افعل هي التي يثبت بها الندبية متى إذا اقترن بها قرينة صارفة عن أصلها وهو الوجوب إلى فرعها وهو الندب {((((((((((((((إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور:33]، هذا أمر كاتب والأصل فيها أنه للوجوب لكن نقول هنا للندب لماذا؟ {((((((((((((((إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} يعني كانوا مسلمين وفيهم صلاح الخير للإسلام وأهله. نقول الندب هنا مصروف والقرينة الصارفة هي السنة التقريرية لأن الآية نزلت وبعض الصحابة لم يحرر ما عنده من عبيد فأقرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، فحينئذٍ أخذنا من هذه السنة التقريرية وهي سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عدم تحرير بعض الصحابة لما في أيديهم. نقول: هذه قرينة صارفة للوجوب إلى الندب. {((((((((((((((إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة:282] {((((((((((((((} هذا أمرٌ والأصل في الأمر الوجوب هل يجب في كل بيعٍ الإشهاد؟ لا إذن نقول هذا مصروفٌ أو لا؟ مصروف ما الدليل أو ما القرينة الصارفة؟ فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - باع واشترى ولم يشهد فدل على أن قوله تعالى: {((((((((((((((إِذَا تَبَايَعْتُمْ} هذا للندب.
(10/10)

الصيغة الثانية: نقول التصريح بالسنية جاء في رواية في بيان فضل رمضان «وسننت لكم قيامه» فالتصريح بالسنية هنا دليلٌ على أنه مندوب لأنه في مقابلة الفرض هذا هو الأصل وإن قد يطلق لفظ السنة لما يشمل الفرض «فمن رغب عن سنتي فليس مني»، «فمن رغب عن سنتي» هذا يشمل لماذا؟ لأن المراد به هنا الهدي العام الشامل للفرض والسنة بالمصطلح الخاص ولذلك اصطلح بعض حنابلة والمالكية على إطلاق لفظ الواجب على السنة عكس هذا،
وبعضهم سمى الذي قد أكدا منها**بواجبٍ فخذ نقي
وبعضهم يعني بعض الأصوليين وبعضهم سمى الضي قد أوكدا منها يعني السنة المؤكدة سماها ماذا بواجبٍ يقول بن أبي زيد القيرواني يقول: صلاة العيد سنةٌ واجبةٌ. يطلق لفظ الواجب على السنة وبالسنة أيضًا قد تطلق يراد بها اصطلاح الشرعي لا اصطلاح الأصوليين تطلق السنة يراد بها أيضًا ما يعم الواجب «فمن رغب عن سنتي فليس مني».
الثالث الصيغة الثالثة: التصريح بالأفضلية كما جاء في حديث غسل الجمعة «ومن اغتسل فالغسل أفضل».
جمهور العلماء على أن غسل الجمعة سنةٌ مؤكدة وليس بواجب أما قوله: «غسل الجمعة واجبٌ على كل محتلم». هذا واجب يعني إيش؟ واجب بماذا؟ هل لفظ الواجب بالمعنى الذي أخذناه في الدروس الماضية هو معنى شرعي جاء في الشرع أم في لسان أهل الشرع ينبني عليهم مثل هذه المسألة الآن لذلك تعرف فالآن كما سبق أن بعض المصطلحات مأخوذةٌ معانيها من الشرع يعني دل عليها الكتاب والسنة وبعضها لا وإنما فُهم من الشرع لكن اللفظ الذي يدل ويوضع بإزاء هذا المعنى لا ينطلق عليه معنى كل ما وجدت اللفظ في لسان الشرع واضح هذا فإذا قيل واجبٌ ما هو الواجب؟ ما أثيب فاعله وعوقب تاركه مثلاً المعنى هذا مأخوذٌ من الشرع ولا شك لكن هل المعنى الشرعي هذا جُعِلَ بإزاء اللفظ؟ يعني: كلما أطلق لفظ الواجب في لسان الشرع حُمِلَ على معناه الذي ذكره الأصوليون الجواب لا انتبه لهذا وهو أن لفظ الواجب من حيث المعنى نعم ثبت بالشرع لأن الثواب والعقاب شرعيان لكن لا يُحمل كل ما مر عليك لفظُ الواجب على هذا المعنى لماذا؟؟ لأن الأصل في لفظ الواجب يحمل في الشرع معناه اللغوي الأصل في لفظ الواجب يحمل في لسان الشرع على معناه اللغوي إلا إذا عين له الشارع معنى فيصير حينئذٍ اللفظ حقيقة شرعية كالصلاة والصوم والزكاة والحج نقول: هذه لها معانٍ شرعية وألفاظٌ شرعية إذا أطلق اللفظ انصرف إلى المعنى الشرعي أما لفظ الواجب ومثله السنة ومثله القضاء نقول هذه لها معانٍ اصطلاحية عند الأصوليين فليس كلما مر عليك اللفظ لفظ السنة مثلاً في الشرع أو لفظ الواجب أو لفظ القضاء نقول: هذا يحمل على المعنى الاصطلاحي بل الأصل فيه أنه يحمل على المعنى اللغوي ومنه هذا الحديث «غسل الجمعة واجبٌ». أي: ثابتٌ لأن الأصل في الواجب أنه بمعنى الساقط أو الثابت متى صلح المعنى لواحدٍ منهما السقوط أو الثبوت حمل عليه حمل عليهما فحينئذٍ نقول: «غسل الجمعة واجب». بمعنى ثابت «على كل محتلم» فحينئذٍ لا يستدل به على وجوب غسل الجمعة.
(10/11)

هذه ثلاثة صيغ ومنها أن يرتب الثواب، وعدم العقاب إذا ورد في صيغة ما مثل بعضهم بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - لبريرة «لو راجعتيه» قالوا: هذا في ترغيب وليس فيه ترتب العقاب فحينئذٍ يكون محمولاً على الندبية وهذه المسألة الثالثة ونقف أو نستمر نقف نكمل غدًا طيب خلاص طيب نكمل طيب.
المسألة الرابعة: هل المندوب مأمورٌ به هذه يعنون لها بهذا التركيب هل المندوب مأمورٌ به وهذا فيه خلل لماذا؟ لأن اتفاق الأصوليين على أن المندوب مأمورٌ به باتفاق وإنما الخلاف هل المندوب مأمورٌ به حقيقةً أو مجازًا هذا محل النزاع وبعضهم يقول: المندوب هل هو مأمورٌ به أو لا؟ نقول هذا التركيب فيه نظر وإنما التركيب الصحيح في ذكر المسألة أو محل النزاع هل المندوب مأمورٌ به على جهة الحقيقة أو المجاز نقول فيه مذهبان: عامة العلماء على أنه مأمورٌ به يعني: أمر الشارع به فإذا أطلق لفظ أَمَرَ ومشتقاتها فحينئذٍ قد يكون المأمور به واجبًا وقد يكون المأمور به مندوبًا وهذا قول جمهور العلماء وهو الصحيح واختلفوا في الندب هل مأمور حقيقة فكونه المشهور أي فكونه مأمورًا به حقيقةً هو المشهور فإطلاق لفظ الأمر أمر ليس افعل المراد به لفظ أمر إذا قال: {((((اللَّهَ يَأْمُرُ (((((((((((} [النحل:90] {((((((((} هل يحمل على الوجوب أو الندب نقول: هو حقيقةٌ في الوجوب وحقيقةٌ في الندب أما لفظ افعل فهذا الصواب أنه حقيقةٌ في الوجوب إلا في الندب فبين مسألتين فرقٌ الخلاف في لفظ أمر ومشتقاته فحينئذٍ نقول: الصواب في المسألة أن الأمر مأمورٌ به فإذا جاء لفظٌ شرعي في الكتاب والسنة وليس ثم قرينة تعين المراد من الأمر كما سيأتي أنه واجب أو أنه مندوب حينئذٍ يصير اللفظ مجملاً فنحتاج إلى قرينة تبين المراد من لفظ الأمر ما الأدلة على أن المندوب مأمورٌ به؟ نقول: أولاً: شمول حد الأمر له هو يدخل في حد الأمر ما حقيقة الأمر؟ استدعاء الفعل هذا أصل في الأمر استدعاء الفعل استدعاء الاستدعاء معناه الطلب، والمندوب مستدعًا ومطلوب أليس كذلك؟ وهذا بالإجماع أن المندوب مستدعًا ومطلوب والأمر استدعاء فحينئذٍ نقول: المستدعى والمطلوب سواءٌ كان واجبًا أو مندوبًا يصدق عليه حقيقة الأمر إذا قيل الأمر حقيقته استدعاء الفعل والمندوب هو استدعى والواجب أيضا مستدعى المندوب مطلوبٌ والواجب مطلوبٌ فكما صدق لفظ الأمر على الواجب بلا خلاف حقيقةً كذلك يصدق لفظ الأمر على المندوب حقيقةً لماذا؟ لأن الشيئين إذا شملهما حقيقة واحدة لا يمكن أن يصدق على أحدهما حقيقة وعلى الآخر مجازًا لا يمكن لأن المندوب والواجب فرعان بلفظ أَمَرَ فإذا صدق لفظ أمر على الواجب حقيقةً لزم منه أن يصدق على المندوب حقيقةً إذن الدليل الأول نقول: لشمول حد الأمر للمندوب ما وجهه نقول: أن الأمر استدعاءٌ الفعل وكذلك المندوب استدعاءٌ للفعل.
(10/12)

الأمر الثاني: لذلك في منطق سبق معنا أن الفرس والإنسان هذان فرعان ل ونوعان للحيوان إذا صدق لفظ الحيوان على الإنسان حقيقةً لا يلزم من ذلك أن يصدق لفظ الحيوان على الفرس مجازًا أليس كذلك؟ ولو كان ثم فرقٌ بين الفرس والإنسان الفرس هذا حيوانٌ غير ناطقٍ والإنسان حيوانٌ ناطق كذلك الأمر أمر إيجاب وأمر ندبٍ واستحباب فصدق لفظ الحيوان على الإنسان وعلى الفرس مع اختلافٍ في فصل كلٍ منهما إطلاقه على الأول حقيقةً وإطلاقه على الثاني حقيقةً كذلك الأمر نوعان: أمرٌ جازم، وأمرٌ غير جازم، صِدْقُ الأمر على الجازم حقيقةً لا يلزم منه رفع صفةِ الأمر حقيقةً عن وصف المندوب به المندوب إليه لماذا؟ لأنهما حقيقتان داخلتان تحت جنسٍ واحد حقيقتان داخلتان تحت جنسٍ واحد.
الأمر الثاني: مما يستدل به على أن المندوب مأمورٌ به حقيقةً ما شاع وذاع على ألسنة الفقهاء وأهل اللغة وهذه يكاد يكون اتفاق أن الأمر نوعان: أمر إيجاب، وأمر ندبٍ واستحباب، فإذا قُسم الشيء إلى قسمين لزم ضرورةً أن يكون المقسوم في ضمن كل قسم أليس كذلك؟ وهذا ما ذكرناه في السابق من كون الحيوان صادقًا على الفرس وصادقًا على الإنسان هنا قلنا: الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب هذا قسم وينقسم إلى أمر ندبٍ واستحباب قسمان تحت مسمى واحد يستحيل أن يصدق المقسوم على أحدهما حقيقةً وعلى الآخر مجازًا هذا أمر.
الثالث: أن يقال أطلق الله تعالى في الكتاب لفظ الأمر على المندوب إليه {((((اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي ((((((((((((} [النحل:90] {((((اللَّهَ يَأْمُرُ (((((((((((} أمر إيجاب أو أمر ندبٍ العدل كله واجب إذن {((((اللَّهَ يَأْمُرُ (((((((((((} والعدل كله واجب إذن دخل العدل والأمر به في لفظ {((((((((} {((((((((بِالْعَدْلِ ((((((((((((} هل الإحسان كله واجب؟ أو كله مستحب؟ أو منه ومنه؟ فيه وفيه منه ومنه فحينئذٍ يكون الإحسان المندوب هل هو داخل في لفظ {((((((((} أو لا؟ داخل، فحينئذٍ صدق لفظ الأمر على العدل وهو واجب كله وصدق على بعض الإحسان وهو مندوب {(((((((((((ذِي ((((((((((((} أيضًا منه ما هو واجب ومنه ما هو مندوب إليه وبعضهم يرى أنه كله مندوب إليه إذن صدقه على العدل وهو واجب وصدق يأمر على بعض الإحسان وهو مندوب وصدقه على بعض إيتاء ذي القربى وهو مندوب دل على أن الأصل في إطلاق اللفظ وهو أمر ويأمر على المندوب إليه حقيقة إذا احتمل اللفظ المجاز والحقيقة حُمل على الحقيقة فحينئذٍ حمل إطلاق الأمر على المندوب حقيقة أو مجاز؟ نقول: نحمله على الأصل وهو أنه حقيقة. {((((((((((((((((((((} [الأعراف: 19] العرف هذا (أل) للاستغراق أي: المعروف. وهذا يشمل ما هو واجب وما هو مندوب فحينئذٍ يكون المندوب مأمورًا به.
(10/13)

الدليل الرابع: أن المندوب طاعة وكل ما هو طاعة فهو مأمور به حقيقة المندوب طاعة هذه مقدمة صغرى وكل ما هو طاعة فهو مأمور به حقيقةً النتيجة المندوب مأمور به حقيقة الدليل على القاعدة أو المقدمة الصغرى المندوب طاعة الإجماع وكل ما هو طاعة فهو مأمور به ما الدليل؟ {((((((((((}، {((((أَطِيعُوا ((((}، {((((((((((} الطاعة مأمورة به أو لا؟ مأمورة به {((((أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النور:54] الطاعة مأمور بها الذي يقابل الطاعة ما هو؟ العصيان الطاعة امتثال الأمر العصيان مخالفة الأمر الطاعة موافَقة أو امتثال الأمر والعصيان مخالفة الأمر فحينئذٍ إذا أمر الله بالطاعة يقابلها ماذا؟ العصيان فحينئذٍ يصدق لفظ الأمر على مطلق الطاعة الشاملة للمندوبات والشاملة للواجبات إذن نقول: القياس هذا من الشكل الأول وهو أن الطاعة أن المندوب طاعة وهذا بالإجماعة وكل ما هو طاعة فهو مأمور به حقيقةً ينتج أن المندوب مأمور به حقيقةً هذا يسمى قياسًا من الشكل الأول؟ هاه نسيتوا المندوب طاعة وكل ما هو طاعة فهو مأمور به في الحقيقة نعم. لكن من أي أنواع الأشكال؟ أي نعم الحد الوسط أين هو الحد الوسط؟ المندوب طاعة.
وكل طاعة حمل بصغرى**وضعه بكبرى
هذا قياس بشكل أول هذا قياس من الشكل الأول إذن عرفنا أن المندوب مأمور به حقيقة وهذا هو القول المرجح ذهب بعضهم إلى أنه مأمور به مجازًا واستدلوا بآية وحديث أما الآية فقوله تعالى: {((((((((((((الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ((((} [النور:63] قالوا: الرب جل وعلا رتب على مخالفة الأمر بماذا؟ بالعقاب وهو: الفتنة أو العذاب الأليم. هل المندوب إذا كان مأمورًا به حقيقةً يترتب على مخالفته العقاب؟ لا، قالوا: إذن المندوب ليس مأمورًا به حقيقة. والجواب عن هذا أسهل ما يكون وهو أن الأمر نوعان: أمر إيجاب، وأمر ندب واستحباب. متى يحمل أو يقال: إن لفظ أمر ويأمر محمول على الإيجاب والندب حقيقة إذا لم تكن تمَّ قرينة إما إذا وجدت قرينة تدل على أن المراد بالأمر هنا أمر إيجاب حمل عليه وهنا قرينة ظاهرة وهي: أن ترتيب العقاب على مخالفة الأمر دل على أن الأمر هنا. للإيجاب وليس مما هو نحن فيه {((((((((((((الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ ((((((((((} المراد بالأمر هنا أمر إيجاب بدليل قوله: {(((تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ((((}. ومعلوم أن اتفاق العقاب لا يترتب إلى على ترك الواجب فهذا قرينة وإنما يرد الإشكال فيما إذا أطلق ولم يقيد فحينئذٍ نقول: يصدق اللفظ على أمر الإيجاب وأمر الندب والاستحباب كذلك حديث «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة». والسواك مأمور به والسواك مندوب إليه بالإجماع والنبي - صلى الله عليه وسلم - نفى الأمر عن السواك وهو مندوب إليه فدل على أن تسمية السواك مأمورًا به مجازٌ لا حقيقة لماذا؟ لأن لولا هذه امتناع لوجوب لولا الامتناعية هذه التي يحذف خبر بعده وجوبًا.
وبعد غالب حذف الخبر حتم
وبعد لولا غالبًا حذف الخبر حتم
(10/14)

هكذا نعم فحينئذٍ نقول: لولا الامتناعية تفيد امتناع الجواب لوجود الشرط لولا زيد لأكرمتك لولا هذه تفيد امتناع الجواب الذي هو الإكرام ودخلت عليه اللام لوجود زيد لولا زيد، زيدٌ هذا مبتدأ أين خبره؟ محذوف لولا زيدٌ موجودٌ لأكرمتك إذن الإكرام منتفي لوجود زيد «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم». إذن الأمر منتفي لوجود المشقة إذن تقرر أن السواك مندوب إليه ونفى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مأمور ينتج ماذا؟ أن المندوب ليس مأمورًا به حقيقةً والجواب عن هذا أنه كالآية السابقة «لولا أن أشق». أصل المشقة مصاحبة للأمر أمر إيجاب وليست للأمر أمر ندب واستحباب فحينئذٍ يجعل قوله: «لولا أن أشق» أي: مشقة تترتب على الأمر الذي يترتب عليه الحتم واللزوم فحينئذٍ المنفي هنا أمر إيجاب: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم». أمر إيجاب وحتم ولكن لوجود المشقة انتفى الأمر، فحينئذٍ يجاب عن الحديث كما أجيب عن الآية السابقة، إذن الحاصل نقول: الصواب أن مندوب مأمورٌ به حقيقةً وعليه هل هناك ثمرة فقهية تترتب على هذا الخلاف؟ نقول: نعم، الصواب أنه يترتب عليه خلاف، لو قيل: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيادة المريض. وسكت على أي نحمل؟ أمر بعيادة المريض أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإخراج ذوات الخدور، أمر: نحمله على أي شيء؟
على المذهب الأول أن المندوب مأمورٌ به حقيقة نقول: نتوقف حتى تأتي قرينة خارجة لأن اللفظ صار من المحتمل وهذا هو المجمل فصار اللفظ مجملاً لأن أَمَر بعيادة المريض، كم مثال هذا؟ أمر بعيادة المريض أن أو أمر بإخراج ذوات الخدور. نقول: أمر يصدق حقيقةً على أمر الإيجاب كم يصدق حقيقةً على أمر الندب والاستحباب فحينئذٍ استوى مصدر اللفظ فلا بد من قرينة خارجة عين أن المراد هنا أمر إيجاب أو أمر استحباب.
لكن على القول الثاني: نحمله على ماذا؟ على الوجوب لماذا؟ لأن اللفظ حقيقةٌ في أمر الإيجاب إذا أطلق اللفظ وليس تم قرينة تدل على المجاز نحمله على الحقيقة، فحينئذٍ أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإخراج ذوات الخدور على المذهب الثاني أَمَرَ أَمْرَ إيجاب لأن أصل اللفظ إذا أطلق انصرف إلى مدلوله الحقيقي، وهو أمر الإيجاب إذن هل هناك ثمرة على الخلاف أو لا؟ هناك ثمرة أو لا؟ إذن هناك ثمرة ورتب بعضهم على الأمر على المندوب المأمور بما رتب على الواجب سيأتينا إن شاء الله في باب الأمر هناك: أن الأمر للفور أن الأمر هناك للفور وإذا قلنا إن المندوب مأمورًا به حقيقة يكون أيضًا للفور، إذا قيل في الأمر فيما سيأتي أمر إيجاب ويطلق عليه لفظ الأمر حقيقةً إذا قيل فيه هل هو يفيد التكرار أم لا؟ وقلنا: الصواب أنه لا يفيد التكرار كذلك الأمر هنا أمر ندبٍ واستحباب لا يفيد التكرار وهذا خلافٌ جوهري خلافًا لما ذكر بعضهم أن الخلاف لفظي وليس معنويًا والصواب أنه جوهري.
(10/15)

المسألة الخامسة: هل المندوب حكم تكليفي أم لا؟ هذه المسألة مبناها على حد التكليف سبق أن التكليف قيل إلزام ما فيه مشقة وقيل: طلب ما فيه مشقة، إلزام ما فيه مشقة، وقيل: وطلب ما فيه مشقة. إذا قيل إلزام ما فيه مشقة، نقول: هذا موافقٌ لمعناه اللغوي موافقٌ لمعناه اللغوي لماذا؟ لأن التكليف في اللغة هو إلزام ما فيه كلفةٌ ومشقة
يكلفه القوم ما نابهم**وإن كان أصغرهم مولدًا.
تكلفه إلينا وقد شق واليها ** وعادت عوادًا بيننا وخطورا
هذا معناه في اللغة. بعض الأصوليين رأى أن معناه الاصطلاحي موافقٌ لمعناه اللغوي فقال: التكليف في الاصطلاح إلزام ما فيه مشقة فحينئذٍ يختص الحكم التكليفي بنوعين فقط لا ثالث لهما وهما الإيجاب والتحريم، إذن الندب والكراهة والإباحة ليست من الأحكام التكليفية وإذا قيل: التكليف طلب ما فيه كلفة ومشقة هذا سبق معنا إذا قيل: التكليف طلب ما فيه كلفة ومشقة، دخل الندب والكراهة وخرجت الإباحة حد التكليف هو سبب النزاع في الندب هل هو حكم تكليفي أم لا؟ قال بعضهم إن التكليف طلب ما فيه مشقة فحينئذٍ لزم من ذلك أن يكون المندوب مكلفًا به، وقال بعضهم: إلزام ما فيه مشقة فحينئذٍ يلزم من ذلك أن يكون المندوب غير مكلفًا به والجمهور جمهور الأصوليين على أن المندوب ليس حكمًا تكليفيًا ليس حكمًا تكليفيًا وهو الذي اختاره صاحب جمع الجوامع قال السيوطي:
وليس مندوبٌ وكرهٌ في الأصح ** مكلفًا ولا المباح فرجح
في حده إلزام بالكلفة لا طلبه
وليس مندوبٌ وكرهٌ في الأصح ** مكلفًا
ليس مكلفًا به، ولا المباح فرجح. في حده: يعني حد التكليف إذا قيل المندوب والكراهة والمباح ليست أحكامًا تكليفيًا يترجح حد التكليف، فرجح في حده إلزام بالكلفة لا طلبه هذا بناء على ماذا؟ بناء على حد التكليف ولذلك سبق أن صاحب ((المراقي)) ذكر المسألة وذكر المسألة وذكر أنه لا يترتب عليها فرعٌ.
وهو إلزام الذي يشق ** أو طلبٌ فاه بكل الخلق
وهو: أي التكليف وهو إلزام الذي يشق أو طلب ذكر القولين فاه أي نطق بالكل من القولين خلق من الأصوليين فاه بكل خلق: لكنه أي هذا الخلاف.
لكنه ليس يفيد فرعًا ** فلا تضق بفقد فرعٍ ذرعًا
إذًا لا ينبني على هذه المسألة إلا في الأسماء فقط هل المندوب حكمٌ تكليفي أم لا؟ الصواب أنه حكمٌ تكليفي، والصواب أن التكليف إذا قلنا: طلب ما فيه مشقة أو عبرنا بتعبيرٍ آخر الخطاب بأمرٍ أو نهيٍ كما سيأتي في موضعه، نقول: على الحدين يدخل فيهما المندوب والمكروه، ولذلك سبق في التعريف، تعريف الحكم الشرعي قلنا شاملٌ للحكم الوضعي والحكم التا ... الحكم الشرعي التكليفي، والحكم الشرعي الوضعي بالاقتضاء. قلنا: هذا المراد بها الطلب والطلب نوعان.
(10/16)

طلب فعلٍ وطلب ترك، إذن شمل المندوب وشمل المكروه وبالاقتضاء المراد به الحكم الشرعي التكليفي، إذن دخل في حد الحكم الشرعي ولما قلنا بالوضع قلنا هذا ردًا على من أخرج الحكم الشرعي الوضعي فأدخلناه في حد الحكم الشرعي أو التخيير هذا بيانٌ لحكم الإباحة، وسيأتي إنها حكمٌ شرعيٌ لا تكليفي، إذن: الحرام والواجب والندب والكراهة الصحيح أنها تكليفية يرد الإشكال الذي استند عليه إمام الحرمين وغيره الجمهور في نفي وصف التكليف عن المندوب قالوا: إلزام ما فيه مشقة أو طلب ما فيه مشقة المندوب هل فيه مشقة؟ لفظ التكليف هذا فيه تطويق للعبد للمسلم أنه يفعل الشيء وفي نفسه نوع المشقة أو مشقة تامة أو بعض المشقة، هل المندوب إليه فيه مشقة أو لا؟ أمر حسي، هل إليه فيه مشقة أو لا؟ نقول: نعم فيه مشقة ولذلك ذكر الفتوحي: أنه قد يكون أشق من الواجب قد يكون المندوب فيه مشقة ومشقته تفوق مشقة الواجب الذي هو أصلٌ في التكليف بالإجماع، بالإجماع أن الإيجاب والتحريم حكمان تكليفيان لكن المندوب والمكروه فيهما خلاف قد يكون في المندوب من المشقة ما ليست في الواجب أليس كذلك؟ اعتكاف العشر الأواخر من رمضان فيها مشقة أو لا؟ فيها مشقة قيام الليل بسورة البقرة والنساء وآل عمران مندوبة أو ليست مندوبة فيها مشقة أو لا؟ فيها مشقة. صيام النهار في الصيف فيه مشقة أو لا؟ فيه مشقة. إذن بالحس والمشاهدة أن المندوب قد تكون فيه مشقة بل المشقة ثابتة فيه بل السواك قد يستخدم السواك دقيقة أو دقيقة ونصف هل فيه مشقة؟ ليست فيه مشقة، أليس كذلك؟ صلاة ركعتين بعد المغرب هل فيها مشقة ليست فيها مشقة. الذي أدى إلى بعض الأصوليين بنفي المشقة عن المندوب نفيها عن بعض الأفراد بعض أفراد المندوب لا شك أنه لا مشقة فيها، والبعض الآخر فيه مشقة وقد تكون أعلى مشقةً من الواجب هذا الإشكال أورده الزركشي في ((تشنيف المسامع)) وأجاب عنه بجوابٍ جميل قال: والمشقة المعتبرة في المندوب باعتبار الجنس لا باعتبار كل فردٍ فرد باعتبار الجنس يعني: جنس المندوب من حيث هو فيه مشقة أما انتفاء المشقة عن بعضٍ كالسواك، وركعتين خفيفتين نقول: انتفاء المشقة عن بعض الآحاد لا يلزم منه انتفاء المشقة عن الجنس وإثبات المشقة هذا مثله مثل الواجب أيضًا الواجب قد يصل الإنسان بإيمانه وتلذذه بالعبادة ويصلي أربع ركعات الظهر قد لا يجد فيها مشقة كأنها ثوانٍ مرت به انتفاء المشقة عن بعض أفراد الواجب لا يلزم منه انتفاء المشقة عن الجنس إذن نقول: اعتبار المشقة في المندوب باعتبار الجنس لا باعتبار كل فردٍ فردًا.
المسألة الثانية التي جعلت بعضهم ينفي التكليف عن المندوب: هو التخيير، قالوا: المندوب مخيرٌ بين فعله وتركه فقاسوه على المباح فكما أن المباح ليس حكمًا تكليفيًا كذلك المندوب ليس حكمًا تكليفيًا لوجود التخيير، نقول: هذا يرد عليه بوجهين.
(10/17)

الوجه الأول: أن التخيير عبارة عما خير بين فعله وتركه، والندب مطلوب الفعل أو مطلوب الترك مطلوب الفعل، هل مطلوب الفعل وكونه أرجح من تركه أم يستويان مطلوب الفعل مع ترجيح والأرجحية أم مع سواء الترك؟ أرجحية، مطلوب الفعل وكون فعله أرجح من، من تركه أم المباح فالتخيير فيه والخيرة يكون باستواء الطرفين يستوي الفعل والترك حينئذٍ نقول: التخيير في الندب ليس مساويًا للتخيير في المباح فحينئذٍ يكون قياس مع الفارق وإذا ثبت أن القياس مع بعض الفوارق هذا يعتبر نقضًا للقياس، وكون المندوب يقاس على المباح في التخيير، نقول: هذا قياسٌ فاسدٌ لأنه مع الفارق لأن التخيير في المباح مع استواء الطرفين لا أرجحية للفعل مع الترك ولا للترك على الفعل أم المندوب فلا، فيترجح فعله مطلقًا ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول قاعدة: والمندوب يجوز تركه. هذا من جهة الفعل. والمندوب يجوز تركه ولا يجوز اعتقاد ترك استحبابه يجوز تركه ولا يجوز اعتقاد ترك استحبابه فإذا ترك الركعتين من السنن الرواتب نقول يجوز أن لا تفعل لكن هل تعتقد ترك الاستحباب أنها غير مستحبة؟ هل يجوز إذا ترك السنن الرواتب مثلاً لم يصل راتبة العشاء إذا ترك نقول: يجوز له الترك. لماذا؟ لأن المندوب جائز الترك مطلقًا لكن هل يجوز أن يعتقد أن الركعتين غير مستحبة؟ لا، لا يجوز. لماذا؟ لأن المندوب مطلوب الفعل مطلقًا سواءٌ فَعل المكلف أو لم يفعل فلو جاز أن يعتقد أن ترك الاستحباب لما فاته ثواب أليس كذلك؟ لو اعتقد أن هاتين الركعتين اللتين تركهما ليستا مستحبتين إذن ماذا فاته من الثواب؟ استوى هو ومن يفعل أليس كذلك؟ نعم.
إذن الأول نقول: التخيير عبارةٌ عن ما خير بين فعل وتركه والندب مطلوب الفعل مثابٌ عليه فلم يحص التساوي بين المندوب والمباح.
الأمر الثاني في الرد على من قال: بأن المندوب للتخيير فيه لا يعتبر تكليفًا أن التخيير يُضاد الاقتضاء أما قلنا: بالاقتضاء أو التخيير لو كان التخيير داخلاً في حيز المندوب إذن ما المفارقة بينهما أو هذه للتنويع والتقسيم فحينئذٍ نقول: بالاقتضاء يضاد التخيير فلا خيرةً شرعية للندب والكراهة في المكروه كما سيأتينا أنه مطلوب الترك هل يستوي مع فعله؟ لا يستويان بل هو مطلوب الترك بأرجحية على الفعل كذلك هنا المندوب مطلوب الفعل بأرجحيةٍ على على الترك.
المسألة الأخيرة نقول: هل يلزم المندوب للشروع فيه أو لا؟ هذه مسألة خلافية صورتها أنه قبل الفعل قبل التلبس بالمندوب يجوز تركه أن لا يصلي أن لا يقوم الليل أن لا يصوم الاثنين والخميس لكن لو فعل وتلبس بالفعل هل يجب عليه إتمامه أم لا هذا محل خلاف، إذا تلبس بالمندوب هل يجب عليه أن يتمه إلى آخره أم لا فيجوز حينئذٍ أن يقطعه بلا عذرٍ ولا قضاءٍ ولا إثم هذه مسألة فيها نزاع فيها مذهبان الجمهور على أن الشروع أو التلبس بالنفل لا يلزم منه إتمامه لا يلزم منه إتمامه يعني: يجوز أن يتلبس بالمندوب ثم يتعمد بلا عذرٍ قطعه يجوز أن يصوم فإذا وصل إلى الزوال قطع صومه وهل يلزمه قضاء؟ الجواب لا هل يأثم؟ الجواب لا، هذا مذهب الجمهور.
وبالشروع لا تلزمه، وقال نعمان: بلى.
(10/18)

المذهب الثاني: أنه يلزمه بالشروع إذا دخل وتلبس بالمندوب لزمه إتمامه وهذا مذهب أكثر الحنفية والمالكية مذهب أكثر الحنفية والمالكية إلا أن الحنفية عمموا في جميع المندوبات، أما المالكية فلهم تفصيل خصوا الإيجاب إيجاب الإتمام في سبع مسائل فقط، لذلك صاحب ((المراقي)) مالكي فقال:
والنفل ليس بالشروع يجب
هذه القاعدة العامة
والنفل ليس بالشروع يجب
يعني: إذا شرع في الندب لا يلزمه إتمامه.
والنفل ليس بالشروع يجب ** في غير ما نظمه مقرب
الذي هو الحطاب، نظم بعض المسائل التي فيها خلاف عندهم التي يلزم يلزمه أي الشارع إتمامها.
في غير ما نظمه مقرب
قف واستمع مسائلاً قد حكموا ** بأن هذه بالابتداء تلزم
صلاتنا وصومنا وحجنا ** وعمرة لنا كذا في كافنا
طوافنا مع ائتمام المقتدي **فيلزم القضاء بقطع عامد
إذا تعمد قطع المندوبات السبعة المذكورة يلزمه القضاء وهل يترتب عليه الإثم أم لا؟ قالوا: إن قطع بلا عذرٍ أثم وإن قطع لعذرٍ شرعي لا إثم. هذا المشهور، وبعضهم يعكس إذن هذا عند المالكية. أما عند الأحناف فجميع المندوبات يلزمه إتمامها بمجرد الشروع فيها.
(10/19)

أدلة القائلين بالجواز جواز قطع المندوب قول - صلى الله عليه وسلم -: «الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر»، «الصائم المتطوع»، «المتطوع». هذا يقابل الواجب ولذلك الكلام في النوافل «الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر» إذن خيره بين الإتمام وهذا مستحبٌ ولا إشكال فيه متفقٌ عليه وخيره بين قطعه ولو عمدًا بلا عذرٍ ولم يرتب عليه قضاءً ولا إثمًا، يرد الإشكال أن الحديث في الصوم فقط وأنتم تقولون: الصلاة والقراءة والاعتكاف إلى آخره. قالوا: النص في الصوم ويقاس عليه سائر المندوبات يقاس عليه سائر المندوبات لكن هذا يمنعه الأحناف والمالكية لقوله تعالى: {((((تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ((((} [محمد:33] {(((((((((((((((((} أعمال هذا جمع مضاف فيعم كل عمل سواءٌ كان واجبًا أو مندوبًا إذن {((((((((((((((((} هذا نهي والنهي يقتضي التحريم النهي يقتضي التحريم ويستلزم وجوب ضده وقال: {((((((((((((((((} إذن هو منهي عن أبطال وقطع العمل سواءٌ كان واجبًا أو مندوبًا أيضًا استدلوا بحديث الأعرابي الذي أتى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الصلاة إلى آخره فقال: هل عليّ غيرها. قال: «لا، إلا أن تطوع» يعني: الاستدلال متصلٌ أو منفصل هنا متصل، هم فهموا الاتصال قالوا: هل عليّ غيرها؟ عليّ هذا وجوب على تفيد الوجوب هل عليّ غيرها. قال: «لا، إلا».
(10/20)

إذن عليك غيرها عليك: «إلا أن تطوع» فيلزمك الإتمام إذن أخذًا من الآية {((((تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ((((} [محمد:33]، وأخذًا من الحديث وجريًا على القاعدة أن الأصل في الاستثناء الاتصال قالوا: يجب إتمام المندوب إذا شرع فيه المكلف لأنه منهيٌ عن إبطال العمل مطلقًا واجبًا كان أو مندوبًا وجاء في الحديث: «إلا أن تطوع» فيلزمك حينئذٍ إتمام ما بدأت به تطوعًا هو تطوعٌ قبل الشروع ثم بعد ذلك انتقل بالابتداء من المندوب إلى الواجب هذا حجة من؟ الأحناف والمالكية ما الجواب عنها؟ بماذا نجيب عن الآية؟ {((((تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ((((} بماذا؟ هاه يا إخوان! كيف {((((تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ((((} أصح ما يقال أجيب بعدة إجابات النهي للتنزيه الأخيري لكن أصح ما يقال أن الإبطال هنا المراد بالردة لسياق الآية، السياق والسباق محكم الكلام الآن في الإبطال بالردة الآية التي قبلها {((((الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ((((} [محمد:32] إذن الآية {((((الَّذِينَ (((((((((} قال: {((((((((((((أَعْمَالَهُمْ ((((} ثم قال: {(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) إِنَّ الَّذِينَ (((((((((} [محمد:33،34] إذن الكلام بماذا؟ في سياق الكفر والردة وحينئذٍ يكون الإحباط هنا أو الإبطال مقيد بالردة لكن بالموت عليها كما في آية البقرة إيش آية البقرة؟ {((((يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ (((((((((((((} [البقرة: 217] إذن فلا تبطلوا {((((تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ((((} بالردة بالسياق والسباق لأنه محكم في فهم النصوص وهذا ما اختاره ابن كثير في تفسيره وهو الأرجح أنها مقيدة بالردة أيضًا مقيدة بالردة متى؟ بالموت عليها لآية البقرة هذا الجواب عن الآية والحديث «إلا أن تطوع». نقول: «إلا أن تطوع» الأصل في الاستثناء الاتصال وهذا مسلم به ولكن دل الحديث «الصائم المتطوع أمير نفسه». دل على أن الاستثناء هنا منقطع لا متصل لماذا؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الصائم المتطوع أمير نفسه فلو كان الصيام المتطوَّع به يلزم بالشروط لما خيره النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الفطر والإتمام وثبت في عدة أحاديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أصبح صائمًا ثم بعد ذلك أفطر أنه أصبح صائمًا ثم أفطر يجاب بهذين الأمرين عن ماذا؟ عن الآية والحديث إذن حجة الأحناف الآية والحديث، يجاب عن الآية بأنها مقيدة بالردة ويجاب عن الحديث بأن الاستثناء منقطع لا متصل بالدليل السابق.
هذه المسألة الأخيرة وهي: أنه لا يلزم الشارع في المندوب إتمامه ولكن لم يختلفوا في أنه يستحب الإتمام أنه يستحب الإتمام ولو جاز قطعه.
وَالنَّدْبُ مَا فِي فِعْلِهِ الثَّوَابُ ** وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ عِقَابُ
هذا على الحد المشهور وهو تابع فيه الأصل الجويني رحمه الله.
(10/21)

(وَالنَّدْبُ مَا) يعني: فعل المكلف جنس يشمل جميع الأحكام التكليفية (فِي فِعْلِهِ) في بمعنى على في بمعنى على كما سبق بيانه (فِعْلِهِ الثَّوَابُ) ما الثواب في فعله؟ الثواب هذا مبتدأ وفي فعله خبر مقدم خرج بالثواب في الفعل على الفعل المترتب على إيجاد وإيقاع الفعل لأن الإضافة هنا كما سبق الأصل فيها التغاير وأنه من باب إضافة التأثير إلى الأثر وإلا لصار عينه (مَا فِي فِعْلِهِ الثَّوَابُ) خرج به المباح والمكروه والحرام، لأن المباح في فعله العقاب ليس الثواب، والمباح لم يترتب على فعله ولا تركه عقاب ولا ثواب، والمكروه في تركه الثواب ليس في فعله، والثواب كما سبق المراد به إيقاع الثواب وهو: الجزاء مطلقًا، سواء كان جزاء الخير بالخير أو جزاء الشر بالشر.
لكل أخي مدح ثواب علمته ** وليس لمدح باهلي ثواب
أي: جزاء.
(وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ عِقَابُ) هذا هو الجزء الثاني من الوصف الخاص بالمندوب (وَلَمْ يَكُنْ) كان هذه تامة وليست ناقصة، لأن كان تأتي ناقصةً وهي التي تحتاج إلى منصوب ترفع وتنصب.
ترفع كان المبتدأ اسمًا ** والخبر تنصبه ككان سيدًا عمر
وتأتي كان أيضًا تامة.
وذو تمام ما برفع
وإن كان ذو عسرة تفسر بمعنى حدث وحصل ووجد وإن كان ذو عسرة يعني: وجد أو حصل، وتأتي زائدة.
وقد تُزَادُ كان في حَشْوٍ كما ** كان أَصَحَّ عِلْمَ مَنْ تقدمَّا
زاد بعضهم كان الشأنية، هذه أربعة أقسام المراد بكان هنا التامة (وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ) يعني: ولم يوجد ولم يحصل ولم يحدث.
(فِي تَرْكِهِ) في بمعنى على (تَرْكِهِ) خرج به الواجب.
(فِي تَرْكِهِ عِقَابُ) خرج به الواجب لأن الواجب في تركه عقاب، وهنا المنفي العقاب المترتب على الترك.
(تَرْكِهِ) لا بد من تقييده مطلقًا لإخراج الواجب المخير والواجب الكفائي والواجب الموسع.
(وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ عِقَابُ) عقاب كما سبق أنه في اللغة نقص، التنكيل على المعصية.
ومن عصاك فعاقبه مُعاقبةً**تنهى الظلومَ ولا تقعدْ على ضَمَدِ
هذا ما يتعلق بالمندوب ويأتي إن شاء الله غدًا الكلام على المستحب.
وصلّى الله وسلم على نبينا محمد.
(10/22)

عناصر الدرس
* تابع هل يلزم المندوب بالشروع فيه؟
* المباح لغة واصطلاحا.
* أسماء المباح.
* أقسام الإباحة.
* هل المباح حكم شرعي؟

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
كان آخر درس لنا في بيان القسم الثاني من الأحكام التكليفية وهو: الندب. كما سبق في قوله:
وَالنَّدْبُ مَا فِي فِعْلِهِ الثَّوَابُ ** وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ عِقَابُ
وذكرنا عدة مسائل في هذا المبحث أوصلناها إلى ستة وكان آخر مسألة وقفنا عليها هي مسألة هل يلزم بالشروع في المندوب إتمامه إذا شرع في المندُوب؟ المندوب قبل الشروع فيه نقول: هذا حكمه أنه يجوز تركه. يعني: أن لا يتلبس به. ولكن إذا تلبس به كأن يكون كبر للصلاة النفل أو شرع في صوم نفل فهل له أن يقطع هذا النفل كما أنه يجوز له تركه ابتداءً؟ هل له أن يتركه عرضًا وثانيًا؟ يعني: بعد أن يشرع فيه؟ قلنا: هذه للأصوليين في هذه المسألة مذهبان:
المذهب المشهور وهو: مذهب الجمهور العلماء أنه لا يلزم بالشروع فيه وهو مذهب الشافعية والحنابلة، أكثر الشافعية والحنابلة على هذا.
والمذهب الآخر: أنه يلزم بالشروع فيه يعني: يجب إتمامه. فحينئذٍ لو قطعه لأثم على تفصيل لأثم مع وجوب القضاء وهذا ذكرنا أنه مذهب الحنفية والمالكية إلا أن تم فرقًا بين المذهبين مذهب الحنفية والمالكية أن مذهب الحنفية عام في جميع المندوبات أما مذهب المالكية فهو خاص ببعض المندوبات دون بعض عدها بعضهم إلى سبعة أنواع والنفل هذه القاعدة العامة عند المالكية.
والنفل ليس بالشروع يجب ** في غير ما نظمه مقرب
قف واستمع مسائل قد حكموا ** بأنها بالابتداء تجزم
صلاتنا وصومنا وحجنا ** وعمرة لنا كذا اعتكافنا
لا طوافنا مع اهتمام المبتدي ** فيلزم قضاء بقطع عمد
إذا تعمد يلزمه القضاء على تفصيل أيضًا في هذه المسائل السبع عندهم، إذن القاعدة العامة عند المالكية لا ينسب إليهم القول مطلقًا يقال: المالكية يقولون بوجوب إتمام المندوب إذا شرع فيه لأن قاعدة عامة كما قال صاحب ((المراقي)) وهو مالكي: والنفل ليس بالشروع يجب. هذا وافق قول الشافعية كما قال السيوطي في ((الكوكب الساطع)):
وبالشروع لا تلزمه ** وقال نعمان بلى
وبالشروع لا تلزمه يتكلم عن الندب.
والندب والسنة والتطوع ** والمستحب بعضنا قد نوعوا
والخلف لفظي وبالشروع لا تلزمه
إذن إذا شرع في الندب أو المندوب حينئذٍ لا يلزمه الإتمام مطلقًا عند الشافعية وعند الحنابلة أما عند المالكية فالأصل أنه لا يلزمه الإتمام إلا في سبعة مسائل ولذلك لو أطلقت القاعدة عند المالكية لما بعد أن يضم ولذلك نقول: قول الجمهور. إذا قيل: قول الجمهور، والمالكية والشافعية المالكية والحنفية على بعض قول والشافعية والحنابلة كيف يكون قول الجمهور؟ لكن نضمه إلى الشافعية والحنابلة المسائل التي لم يقل فيها المالكية بوجوب الإتمام لأن قاعدة عامة.
والنفل ليس بالشروع يجب ** في غير ما نظمه مقرب
(11/1)

قلنا: الصواب في هذه المسألة أنه لا يلزمه الشروع فيها فحينئذٍ إذا شرع المكلف في مندوب نقول: يجوز له إتمامه ويجوز له قطعه ولا إثم ولا قضاء الدليل على هذا أنه لا يلزمه بالشروع فيه ما ورد في الصيام كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء أفطر وإن شاء صام». إذن خيره بين الإتمام والقطع خيره بين الإتمام والقطع فلو كان الإتمام واجبًا لمن شرع في صوم النفل لما جاز له قطعه ووردت أحاديث كثر في هذا المعنى.
الأمر الثاني الذي يستدل به على أنه يجوز قطع المندوب: إجماع الصحابة السكوتي لأنه تناقل أو نقل كثير من الأصوليين وغيرهم أنه صح عن أبي الدرداء، وأبي طلحة، وأبي هريرة، وابن عمر، وحذيفة، وابن عباس أنهم كانوا يصومون تطوعًا ثم بعد ذلك لا يتمونه يعني: يقطعونه. حصل هذا وانتشر واشتهر ولم ينكر بعضهم على بعض وهذا هو حقيقة الإجماع السكوتي وهو وإن كان ظنيا إلا أنه حجة.
الأمر الثالث الذي يستدل به على هذا وهذا يحتاج إلى بحث في إثبات هذا الأثر إن صح فإنه له مكانته: أخرج البيهقي في السنن وفي مصنف عبد الرزاق أيضًا عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أنهما أصبحا صائمين ثم أفطرا قال ابن عمر: لا بأس به ما لم يكن نذرًا أو قضاء رمضان. يعني: ما لم يكن واجبًا لا بأس به يعني: عدم إتمام الصوم. لا بأس به ما لم يكن نذرًا أو قضاء رمضان وقال ابن عباس: إذا صام الرجل تطوعًا ثم شاء أن يقطعه قطعه - وهذا لا إشكال فيه واضح - وإذا دخل في صلاة تطوعًا - وهذا إثباته يفيد من قاس الصلاة على الصيام - وإذا دخل في صلاة تطوعًا ثم شاء أن يقطعها قطعها حينئذٍ قاس الصحابي لأنه لم يرد في النص الصلاة وإنما ورد النص في الصيام قاس الجمهور الصلاة وغيرها على الصيام وهنا ابن عباس يقول: إذا دخل في صلاة ثم إذا شاء قطعها قَطعها. فحينئذٍ يدل على أن هذا القياس له أصل من قول الصحابي رضي الله تعالى عنه.
(11/2)

الرابع الذي يستدل به على عدم لزوم الإتمام لمن شرع في المندوب التعليم أن يقال: آخر المندوب من جنس أوله كما أنه في أول المندوب قبل الشروع فيه هو جائز الترك فحينئذٍ آخره أيضًا جائز الترك ولا فرق لا فرق بين أوله وآخره هذا أدلة الجمهور وأما أدلة أبي حنيفة وبعض المالكية قلنا: هذا محصور في آية وحديث ولهم تعليل أما الآية فهي قوله تعالى: {((((تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ((((} [محمد:33] قلنا: السياق والسباق محكم نحكم على أن الآية مقيدة بالردة {((((تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ((((} يعني: بالكفر والردة. الأمر الثاني حديث الأعرابي هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع». قالوا: الأصل فيه الاستثناء أن يكون متصلاً يعني: هل عليَّ هذا للوجوب هل عليَّ هل يلزمني هل يجب عليَّ غيرها قال: «لا - ليس عليك غيرها - إلا أن تطوع». فيلزمك حينئذٍ إتمامه وإن كان الأصل أنه تطوع هذا حجة أبي حنيفة وغيره «إلا أن تطوع». أجبنا على الأول بأن الآية مقيدة بالردة وهذا نجيب عليه بأن الاستثناء هنا منقطع يعني: بمعنى لكن «إلا أن تطوع». ما الدليل على أن الاستثناء هنا محمول على المنقطع وإن كان الأصل أنه يحمل على المتصل؟ حديث الصائم «الصائم المتطوع أمير نفسه» لو كان «إلا أن تطوع» هذا عام يشمل الصوم وغيره لكن الحديث دل على أن النفل ليس المراد به أنه يلزم بالشروع فيه يعني: بنص الحديث. ولذلك يكون التقدير «إلا أن تطوع» فيكون لك أن تفعل يعني: زيادة على الواجبات. استدل البعض الحنفية أيضًا بحديث ضعيف أن عائشة رضي الله تعالى عنها وحفصة قد أصبحتا صائمتين متطوعتين فأتاهما حيث فأفطرتا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهما: «اقضيا يومًا مكانه». هذا أمر والأمر يدل على الوجوب هذا الحديث نقول: لا يصح الاستدلال به لأنه ضعيف وإن صح حمله بعضهم على «اقضيا». أنه على الاستحباب بدليل الأدلة السابقة في كون النبي - صلى الله عليه وسلم - أصبح صائمًا ثم أفطر، وفي حديث الصائم وفي قول ابن عباس بل الإجماع سكوتي بل الإجماع السكوتي.
(11/3)

الأمر الرابع: قالوا: قياسًا على الحج والعمرة المتطوع بهما. الحج والعمرة إذا شرع المكلف في الحج تطوعًا وفي العمرة تطوعًا يلزمه الإتمام أليس كذلك؟ وهذا بالإجماع، محل الخلاف في غير الحج والعمرة المتطوع بهما، محل الخلاف بين الجمهور والأحناف وبعض المالكية في غير الحج والعمرة، قالوا: قياسًا على الحج والعمرة المتطوع بهما قياسًا عليهما باقي المندوبات لا يجوز قطعها كما أن حج النفل لا يجوز قطعه والعمرة كذلك هذا دليل أو ليس بدليل؟ دليل من باب القياس أنتم تقولون أن النفل يجوز قطعه والحج نفل لا يجوز قطعه والعمرة نفل ولا يجوز قطعها فحينئذٍ أجاب الجمهور بأجوبة قالوا: فرقٌ بين سائر النوافل والمندوبات والحج والعمرة المتطوع بهما قالوا: العمرة والحج حُكِيَ الإجماع إجماع الصحابة وإن كان ابن حزم رحمه الله يخالف حكي الإجماع أنه يجب المضي في فاسدهما إذا فسد الحج النفل والعمرة النفل متى يفسد الحج؟ بالجماع قبل التحلل الأول فحينئذٍ يجب المضي في الحج وهو نفل فإذا وجب المضي في فاسد الحج نفلاً، وجوبه في صحيح تطوعه من بابٍ أولى وأحرى نحن نريد أن نستدل على أن الصحيح المتطوع به من الحج والعمرة بوجوب المضي في الفاسد منهما قالوا: فإذا وجب المضي في فاسد الحج وهو نفل وفاسد العمرة وهي نفل وجوبه في الصحيح من بابٍ أولى وأحرى. هذا جواب وسيأتي ما هو أولى منه وقيل: أن الفرض فرض الحج والعمرة تستوي مع نفل الحج والعمرة فرض الحج يستوي مع نفل الحج في ماذا؟
(11/4)

أولا: ً في النية لأن النية لا تختلف نية الحج الفرض الدخول في النسك هي عينها نية الحج النفل وكذلك نية العمرة الفرض على القول بوجوبها في العمر مرة هي عينها نية العمرة النفل لاستوائهما في النية حمل النفل الحج والعمرة على الواجب كما أنه يجب المضي فيما وجب من الحج والعمرة كذلك يجب المضي في ما فسد من نفل الحج والعمرة هذا جواب وأحسن منه أن يقال: أن الحج لا يخلو من حالين كل من حج كلا من حج، لا يخلو الحاج عن أحد أمرين: إما أن لا يكون قد حج فحينئذٍ يقع الحج فرض عين، وإما أنه قد حج وحينئذٍ يكون الحج فرض كفاية. ولذلك نص بعضهم أن الحج لا يكون نفلاً أبدًا لماذا؟ لأنه يجب على المسلمين من فروض الكفايات أن يحج كل عام من يقوم به الكفاية إقامة شعائر الحج فرض كفاية لو سلم جدلاً أن كل المكلفين قد حجوا فرض عين نقول: هذه السنة لا نحج لأن كل المكلفين قد حجوا فرض عين نقول: يتعين فرض كفاية على المسلمين أن يقوم بعضهم بهذه الشعائر فحينئذٍ شعائر الحج وإقامتها تعتبر من فروض الكفايات وفرض كفاية واجب والواجب الأصل أنه إذا شرع فيه حينئذٍ يلزمه إتمامه هذه ثلاثة أجوبة وأحسن ما يقال فيها إن إتمام الحج النفل واجب وإتمام العمرة النفل واجب امتثالاً لقوله تعالى: {(((((((((((الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196] لا نحتاج إلى تلك التعليلات، إذا ورد النص فحينئذٍ لا مجال للنظر {(((((((((((((((((((} هنا أطلق الحج الفرض والحج النفل {((((((((((((((} هذا أطلق فرض والنفل ولذلك اعترض على من استدل بهذه الآي على وجوب العمرة أليس كذلك؟ الأمر هنا هل قال: حجوا واعتمروا؟ حتى نقول: العمرة واجبة كما أن الحج واجب؟ لا قال: {(((((((((((((((((((} إذن هو أمر بالإتمام لا بالحج وحينئذٍ حتى هذه الآية في إثبات وجوب الحج لا يستقيم الاستدلال بها وإنما محصور الاستدلال بها في وجوب الإتمام فقط والحج مطلق سواء كان فرضًا أو نفلاً كذلك العمرة على القول بوجوبها سواء كانت فرضًا أو نفلاً هذا ما يعترض به على هذه المسألة.
والحج ألزم بالتمام شارعا ** إذ لم يقع من أحد تطوعا
هكذا اختاره السيوطي تبعًا لابن السبكي في ((جمع الجوامع))
والحج ألزم لأنه قال:
وبالشروع لا تلزمه ** وقال نعمان بلى
أورد عليه الحج النفل والعمرة النفل، قال:
والحج ألزم يعني: ألزم الحج.
والحج ألزم بالتمام شُرَّعَا شارعا ** إذ لم يقع من أحد تطوعا
(11/5)

لا يقع إلا فرض عين أو فرض كفاية وهذا تضعه في الرد هو مستقيم في نفسه لكن إذا وجد النص فحينئذٍ لا نعدل إلى التعليل نجعل أولاً قوله تعالى: {(((((((((((الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196]. ثم بعد ذلك نقول: إقامة الشعائر فرض كفاية على المسلمين فمن حج ولم يكن قد حج فهو فرض عين ومن لم يحج فهو فرض كفاية إن لم يقع من أحد تطوعا حينئذٍ لا يكون الحج نفلاً وهذا قد يفوت الكثير الحجاج لبيت الله ممن يكررون الحج يظن أنه يحج نفلاً وهو قد نوى الشروع في الحج لكن إذا لم ينو أنه فرض كفاية وقد نوى النفل يجزئ أو لا يجزئ؟ يجزئ؟ نعم يجزئ لماذا؟ لأن الحج لا يقع نفلاً فحينئذٍ لو نوى أنه نفل وقع على أصله كما قيل فيمن حج عن غيره ولم يحج عن نفسه لو لبى قال: لبيك اللهم حجًا عن فلان. جمهور الفقهاء على أنه يقع عن نفسه لماذا؟ لأنه لا ينعقد الإحرام إذا لم يحج في نفسه إذا لم يحج عن نفسه، إذن هذا ما يتعلق بالندب.
ثم شرع في بيان الحكم الثالث من الأحكام الشرعية قال:
وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ ثَوَابِ ** فِعْلاً وَتَرْكًا بَلْ وَلا عِقَابِ
أردف أو نقول: ثلث بالمباح بعد الواجب والمندوب قد عرفنا أن للأصوليين في هذا الموضع اختلاف من جهة التصنيف فقط بعضهم يقدم الواجب ثم المحرم ثم المباح ثم المندوب ثم المكروه وبعضهم يؤخر المباح إلى ما بعد المكروه وقلنا: الأولى أن يقدم الواجب ثم المندوب ثم بعد ذلك قد يلاحظ أن المكروه والمندوب أن المكروه والمحرم حكمان تكليفيان وحينئذٍ الأولى أن يقدم على المباح وقد يراعى ويؤخر المباح وقد يراعى أن الواجب والندب والمباح هذه ثلاثة مشتركة في فعل المكلف الذي يتعلق به الحكم الشرعي في الإيجاد لا في الترك إذن اشترك المباح مع الواجب والمندوب في إيجاد الفعل وهو مقدم على شطره الآخر وهو الترك وإن كان المحرم والكراهة تشترك في طلب الترك إذن نقول: ثلث بالمباح لأن هذه الثلاثة تشترك في فعل المكلف الذي تعلق به الحكم الشرعي لا في تركه.
المباح فيه مسائل:
(11/6)

المسألة الأولى: في حقيقته يعني: في حده لغة واصطلاحًا، مباح ما وزنه؟ مباح واجب ومندوب ومباح واجب هذا واجب اسم فاعل، مندوب اسم مفعول مباح؟ فُعَال؟ مُفْعَل مباح مُفْعَل هذا اسم مفعول أو اسم فاعل؟ مُبْيَح هذا أصله مبيح مفعل هذا يدل على أن أصله رباعي مباح وليس من باب باح لأنه لو كان من باب باح لكان بائح على زنة فاعل أو مبوح على زنة مفعول كمقول قال فهو مقول وباح فهو مبوح لكن لما قيل: مباح. دل على أن أصله أباح وليس باح وسمع فيه باح وأباح وباح به يعني يتعدى بالهمز وبالحرف إذن مباح نقول: هذا وزنه مبيح أصله مُبْيَح مفعل مُبْيَح الياء محركة وما قبلها مُبْ ساكن يَح مُفْعَل أليس كذلك؟ مُبْيَح أريدَ قلب الياء ألفًا فحصل إعلال بالنقل نقلت الفتحة إلى ما قبلها صار مُبَ بفتح الباء والياء ساكنة نقول إما على خلاف بين الصرفين إما أن نقول: ننظر باعتبار الأصل والفرع أصله مُبْيَح تحركت الياء لما نقلناها وفتح ما قبلها فقلبت الياء ألفًا صار مباح أليس كذلك مُبْيَح إذن فيه نظران مُبْيَح هذا الأصل ثم تنقل إلى حركة الياء الفتحة إلى ما قبلها فحينئذٍ يفتح إلى ما قبل الياء وسكنت الياء والقاعدة أنه لا يجوز اصطلاحًا لا يجوز عند الصرفيين أن يقلب الواو أو الياء -حرفا العلة- ألفًا إلا إذا تحركت الواو أو الياء وانفتح ما قبلها وإذا أريد قال: مُبْيَح. لم توجد فيه العلة كاملة وهو أنه تحرك ولم يفتح ما قبله فنقلت الياء حركت الياء إلى ما قبلها فصار عندنا نظرنا نقول: تحركت الياء باعتبار الأصل قبل النقل ثم بعد ذلك فتح ما قبلها بعد النقل فوجدت العلة مركبة بالنظرين فقلبت الياء ألفًا هكذا يقول جمهور الصرفيين على هذا الجمهور على هذا وبعضهم يرى أنه اكتفاء بجزء العلة جزء العلة ما هو؟ تحرك الياء هو لم يفتح ما قبلها مُبْيَح تحركت الياء والأصل أنه لا تقلب الياء ألفًا إلا إذا انفتح ما قبلها نقول: اكتفاءً بجزء العلة قلبت الياء ألفًا والذي سوغ الاكتفاء بجزء العلة السماع لأننا العرب قالوا: مباح. قلبوا الياء ألفًا وهو على وزن مفعل ماذا صنعوا؟ نقول: اكتفوا بجزء العلة ولا نحتاج إلى التكلف فنقول: باعتبار النظرين تحركت الياء باعتبار الأصل وانفتح ما قبلها باعتبار الفرق إذن مباح هذا وزنه مُفْعَل من أباح يبيح مباح فهو مباح فهو مفعل.
وزنة المضارع اسم فعيل ** من غير ذي الثلاث كالمواصل
مع كسر متلو الأخير مطلقا ** وضم ميم زائد قد سبقا
وإن فتحت منه ما كان انكسر ** صار اسم مفعول كمثل المنتظر
أباح يبيح فهو مباح متى نقول فاعل؟ إذا كان ثلاثيًّا الأصل فيه أن يؤتى على زنة فاعل قد فهو قاتل ركع فهو راكع سجد فهو ساجد لكن إذا كان أكثر من ذلك نقول: ننظر إلى الفعل المضارع نبدل حرف المضارعة ميمًا مضمومة ونكسر ما قبل آخرها إذا كان اسم فاعل وإذا أريد اسم المفعول قال:
وإن فتحت منه ما كان انكسر ** صار اسم مفعول كمثل الْمُنْتَظَر
مُنْتَظِرْ بكسر الظاء هذا اسم فاعل مُنْتَظَرْ هذا اسم مفعول مُنْتَظِرْ مُنْتَظَرْ ليس بكسر الظاء بكسر الظاء اسم فاعل بفتحها اسم مفعول.
وزنة المضارع اسم فاعل ** من غير ذي الثلاث كالمواصل
مواصل
(11/7)

مع كسر متلو الأخير مطلقا ** وضم ميم زائد قد سبقا
ولذلك لو أشكل عليك هل هذا فعل مضارع أصله رباعي أو ثلاثي أو خماسي النظر يكون باعتبار نقول: باح يبوح وأباح يبيح إذن يبوح يبيح يبوح نقول: هذا من الثلاثي، يبيح هذا من الرباعي بالنظر إلى الفعل المضارع من أين أخذنا؟ حرف المضارعة.
وصمت أن أحاولها لئيت ** فاسمع وعي القول كما وعيت
وضمها من أصلها الرباعي
إذا كان أصلها الرباعي حركتها حرف المضارع الضم.
وضمها من أصلها الرباعي ** مثل يجيب من أجاب الداعي
وما سواه فهي منه تفتتح ** ولا تبل أَخَف وزنًا أم رجح
مثاله يذهب زيد ويجي ** ويستجيش تارة وينتشي
حرف المضارعة إن كان الماضي ثلاثيًا أو خماسيًا أو سداسيا مفتوحًا يذهب ذهب يَذْ بفتح الياء يستجيش استجاش يستجيش يستخرج بفتح الياء السداسي استغفر يستغفر أما الرباعي فلا
وضمها من أصلها الرباعي
أكرم إيش تقول: يُكْرِمُ. إذا نظرت للفعل المضارع وجدت الحرف المضارع مضمومًا فاعلم أن أصله رباعي منه أباح يُبيح الحاصل أن المباح اسم مفعولٍ من أباح يبيح فهو مباح.
المباح في اللغة قالوا: هو المعلن والمأذون لأنه مباح معلن اسم مفعول مأذون فيه اسم مفعول ويطلق على الإظهار والإعلام يطلق على الإظهار والإعلام يقال: باح بسره. يبوح باح يبوح من الثلاثي إذن باح بسره إذا أظهره هذا من باب قال يقول قولاً باح يبوح بوحًا قال يقول قولاً إذن باح بسره من باب قال أي: أظهره وأعلنه. ويطلق المباح ويراد به الإطلاق والإذن كما ذكرناه سابقًا أباح الأكل من كذا من بيته مثلاً أباح الأكل يعني: أذن في الأكل إذن جاء المباح والإباحة بمعنى الإذن وجاءت الإباحة بمعنى الإعلان، وجاءت الإباحة بمعنى الإظهار، ولذلك البعض يقول: المباح هو الموسع فيه. لأن هذه المعاني كلها تشترك وتدل على التوسع والتوسيع باح قلنا: يتعدى بالحرف ويتعدى بالهمز. باح بسره هذا تعدى بالحرف أباح المال لصاحبه أباح بمعنى أذن في الأخذ والترك منه أباح يتعدى بالهمز والذي يتعدى به الفعل اللازم ثلاثة أمور:
أولاً: حرف الجر.
والثاني: الهمزة وتسمى همزة التعدية.
والثالث: التضعيف.
خرج خرجت خرج فعل ماضي لازم خرج زيد عندما تقول خَرَّجْتُ زيدًا جَلَّسْتُ زيدًا هذا يتعدى بالتضعيف أَجْلَسْتُ زيدًا هذا تعدى بالهمزة جلست على الكرسي تعدى بحرف الجر ولا يلزم في كل فعل أن يتعدى بالثلاث بل قد يتعدى بالحرف ولا يتعدى بالتضعيف وقد يتعدى بالهمزة ولا يتعدى إلى بغيره والعمدة في ذلك هو السماع فما عدّاه العرب بالتضعيف عدي بالتضعيف فلا يجوز أن يقاس عليه غيره أباح الرجل ماله أي: أذن في الأخذ والترك وجعله مطلق الطرفين هذا في اللغة المعلن والمأذون فيه.
أما في الاصطلاح اصطلاح أهل الأصول أو في اصطلاح أهل الشرع فنقول: المباح ما خلا من مدح وذم لذاته عرفه الناظم هنا بقوله:
وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ ثَوَابِ ** فِعْلاً وَتَرْكًا بَلْ وَلا عِقَابِ
(11/8)

قلنا: هذا الحد هذا حد أو معرف نقول: هذا التعريف ليس حدًا لماذا؟ لأنه باعتبار اللازم وباعتبار الحكم والثمرة وهذا يعد من الرسوم لا من الحدود والأصل أن يؤتى بالحد لبيان حقيقة المعرف لأن التعريف تعريف الشيء إما أن يكون بحقيقته وإما أن يكون بلازمه والذي جعل المناطق وغيرهم يطْبقون على التعريف باللازم أنه على القواعد التي كررناها إذا اختلفت الحقائق اختلفت لوازمها نضبط هذا إذا اختلفت الحقائق اختلفت لوازمها فحينئذٍ يكون اللازم قد يكون مشاركًا مع غيره في بيان الحقيقة وقد يكون مختصًا فما كان مشاركًا فنقول: هذا لازم عام أو عرض عام الأصل أنه لا يصح أن يعرف به لأن التعريف إنما جيء به لبيان وتمييز المعرف عن غيره وهذا مشترك بينه وبين غيره كما قلنا لو قيل: ما الإنسان؟ قال: الماشي. نقول: الإنسان صحيح أنه ماشي لكن هل يصلح التعبير الماشي بالإنسان؟ لا لأن غير الإنسان كالحيوان الفرس ونحوه يصدق عليه هذا الوصف أنه ماشي فحينئذٍ الوصف العام لا يصح أن يعرف به أما الوصف الخاص الذي يسمى خاصًا هذا يصح التعريف به.
لما ذكر الناظم قوله:
وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ ثَوَابِ ** فِعْلاً وَتَرْكًا
(11/9)

قلنا: هذا تعريف باللازم والأصل في الثواب والعقاب أنهما أخرويان يعني: في الآخرة لا في الدنيا. ولذلك نعزل عنه إلى الحد بما يبين حقيقة المباح أو يكون بلازم أولى أن يعترض عليه بما اعترض على المصنف ولذلك نقول: المباح هو كما عرفه الفتوحي في المختصر ما خلا عن مدح وذم لذاته ما اسم موصول بمعنى الذي يصدق على فعل المكلف لماذا؟ لأن المباح من حيث وصفه بالإباحة نقول: هذا متعلق خطاب الله الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير أو التخيير هذا هو القسم الثاني الذي معنا إذن هو خطاب ومتعلق بفعل المكلف ولما كان المباح هو متعلق الإباحة لا بد أن نأخذ فعل المكلف جنسًا في الحد لماذا؟ لأننا نعرف المباح الذي هو وصف لفعل المكلف كما قلنا: الواجب وصف لفعل المكلف. المباح وصف لفعل المكلف حينئذٍ المباح ما أي: فعل للمكلف مأذون فيه من جهة الشرع فحينئذٍ يشمل الأحكام الخمسة الواجب، والمندوب، والمباح، والمحرم، والمكروه دخلت في الحد وهذا هو الأصل أن الحد يشمل كل الأقسام لأن المباح الذي هو معرف قسم من أقسام الحكم الشرعي وإذا أردنا أن نحترز عن غير المباح لا بد من إدخاله لو قيل: ما هنا لا يشمل الواجب إذن كيف نحترز عنه؟ لا يمكن إذن لا بد أن نأتي بعبارة بلفظ يشمل جميع الأحكام الخمسة إذن قوله: ما. نقول: فعل مأذون فيه من جهة الشرع والمراد به فعل المكلف فشمل الأحكام الخمسة إذن ما ليس فعلاً للمكلف هل يوصف بالإباحة؟ هل يوصف بكونه فعلاً مباحًا؟ الجواب: لا، غير فعل المكلف هل يوصف فعله بكونه مباحًا الجواب: لا، حينئذٍ خرج بقوله: ما أفعال البهائم. فلا توصف بالإباحة لماذا؟ لأنها خلت عن ثواب وعقاب ما خلا من مدح وذم أفعال البهائم هذه خلت من مدح وذم نقول: قوله: ما. فعل مكلف أخرج غير المكلف كالبهائم النائم الساهي الصبي المجنون هذه أفعالهم خلت من مدح وذم هل توصف أفعالهم بأنهم فعلوا أمورًا مباحة الصبي إذا فعل وذهب وأتى وتكلم وترك هل يوصف فعله بأنه مباح؟ المجنون هل يوصف فعله بأنه مباح؟ نقول: لا، لا يوصف فعله بأنه مباح لماذا؟ ليس بمكلف بل بالتعليل أخص لماذا لم؟ أقول: الذي يحفظ حد الحكم بتفاصيله يسلم من كثير من الاعتراضات ما هو الحكم الشرعي؟ خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير التخِيير هذا هو المباح هل الإباحة حكم شرعي؟ نعم نقول: الإباحة حكم شرعي على الصحيح خلافًا للمعتزلة الإباحة حكم شرعي الحكم الشرعي هل يتعلق بفعل غير المكلفين؟ لا لماذا؟ لأننا قلنا في حد الحكم الشرعي: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف. بفعل المكلف أخرج البهائم وأخرج الصبي لأنه غير المكلف وأخرج المجنون غير مكلف وأخرج النائم والساهي والغافل فهؤلاء غير مكلفين فحينئذٍ إذا قيل المباح ما خلا من مدح وذم نقول: خرج بقوله: ما.
(11/10)

الذي جعلناه جنسًا وهو فعل المكلف خرج به فعل غير المكلف كالبهيمة وفعل الصبي والمجنون والنائم والساهي والغافل هؤلاء غير مكلفين البهيمة بالإجماع، والمجنون بالإجماع، وما عداهم فيهم خلاف إذن لا يوصف فعل غير المكلف كالمجنون والصبي بأن أفعاله مباحه لا توصف لماذا؟ لأن الإباحة حكم شرعي والحكم الشرعي لا يتعلق إلا بأفعال المكلف ما عداهم لا يوصف فعله بأنه حكم شرعي لا يوصف فعله بأنه حكم شرعي إذن قوله: ما. هذه يتنبه لها أن المراد بها فعل المكلف أخرج فعل غير المكلف كالبهيمة وما ذكر خلا من مدح وذم قلنا: ما هذا جنس دخل فيه الإحكام التكليفية مع الإباحة أردنا أن نخرج الواجب والمندوب والمكروه والمحظور قال: خلا عن مدح وذم. سبق أن الذم المراد به العيب والمدح ضده، حينئذٍ ما ترتب المدح على فعله كالواجب والمندوب وما ترتب الذم على تركه كالواجب دون المندوب، وما ترتب الذم على فعله كالمحرم والمكروه نقول: خارج بهذا الخير إذن قوله: خلا من مدح وذم. أخرج الواجب والمندوب والمحظور والمكروه لأن هذه الأربعة لا تنفك عن وصفها بالمدح أو الذم إما في الفعل وإما في الترك.
الواجب يمدح على فعله ويذم على تركه.
المندوب يمدح على فعله ولا يذم على تركه.
المحرم يمدح على تركه على فعله المحرم يمدح على تركه ويذم على فعله.
المكروه يمدح على تركه ولا يذم على فعله.
(11/11)

هذه الأنواع الأربعة خرجت بهذا القيد لذاته الضمير يعود إلى؟ إلى المباح؟ إلى ما إلى ما مَا إيش إعرابها؟ أين المبتدأ؟ المباح مبتدأ ما هذا خبره هذا خبره اسم موصول بمعنى الذي لذاته المراد بالذات هنا لنفسه لعينه الذات بمعنى النفس والعين ما خلا من مدح وذم لذاته يعني لا باعتبار شيء آخر والضمير يعود إلى ما، هذا احتَرز عن أي شيء؟ احترَز به عن أي شيء؟ هل هناك مباح يمدح لا لذاته؟ إذا نوى به القربة، ومتى يذم؟ إذا كان وسيلة إلى محرم بعضهم لم يذكر قيد لذاته قال: ما خلا من مدح وذم وسكت. أُورِدَ عليه إيراد وهو: أن بعض المباح قد يمدح إذا كان وسيلة لترك المحرم أليس كذلك؟ المباح يمدح إذا كان وسيلة لترك المحرم ويمدح إذا كان وسيلة إلى المندوب، ويمدح إذا كان وسيلة إلى الواجب إذن مُدِحَ المباح أو لا؟ مدح المباح فكيف نقول: المباح ما خلا من مدح؟ كذلك المباح يذم إذا كان وسيلة إلى ترك واجب يذم أو لا يذم؟ النوم مباح أَذَّنَ المؤذن فنام نقول: النوم الأصل فيه أنه مباح ولما كان وسيلة إلى ترك الصلاة صار المباح مذمومًا قوله: لذاته. أخرج ما مدح من المباح بغيره لكونه وسيلة إلى الواجب أو المندوب أو ترك الحرام وأخرج المباح الذي ذم إذا كان وسيلة لترك الواجب أو لفعل المحرم، فحينئذٍ يذم المباح لكن لا لذاته وإنما باعتبار كونه وسيلة إلى غيره ولذلك يقال: الأمور بمقاصدها. قاعدة إنما الأعمال بالنيات هي نفسها الأمور بمقاصدها هذه قاعدة ذكر ابن السبكي في ((الأشباه والنظائر)) أن الأولى أن يعبر عنها بالحديث فيقال: قاعدة إنما الأعمال بالنيات. هكذا قال ابن السبكي في ((الأشباه)) وهو كتاب في القواعد، قاعدة إنما الأعمال بالنيات الأمور بمقاصدها يعني: قد يكون الشيء مقدمة للواجب وهو في الأصل مباح. فحينئذٍ يأخذ حكم الواجب فيكون المباح واجبًا ومندوبًا يكون المباح واجبًا وممدوحًا لكن هل ينقلب عين المباح واجبًا أم تأخذ النية نية المباح حكم ما كان وسيلة له في النية فقط؟ يعني: المباح عينه لا ينقلب واجب النوم نفسه إذا كان وسيلة لقيام الليل مثلاً نقول: صار النوم مندوبًا إليه. لكن هل باعتبار عين النوم أو باعتبار النية التي صاحبت النوم؟ باعتبار النية والعبادات توقيفية العبادات توقيفية لا يحكم على الشيء بأنه عبادة إلا إذا جاء الأمر به أو انطبق عليه الحد الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فحينئذٍ لا يكون المباح واجبًا بعينه يعني: ينقلب المباح واجبًا، ولا ينقلب المباح مندوبًا، ولا ينقلب المباح محظورًا، ولا ينقلب المباح مكروهًا بل يبقى المباح مباحًا، ويبقى المندوب مندوبًا، والواجب واجبًا، والمحرم محرمًا، والمكروه مكروهًا على حسب ما حد به الشرع فإذا كان المباح وسيلة لواجب نقول: صار المباح مقدمة واجب. فحينئذٍ يثاب على عَلى نية ذلك المباح وإذا كان المباح مقدمة مندوب صار جزءً من المندوب فحينئذٍ يأخذ حكم المندوب من جهة النية ويبقى المباح مباحًا إذًا قوله: لذاته.
(11/12)

بين لنا به أن المباح الذي خلا من المدح والذم هو باعتبار ذاته لا باعتبار شيء آخر، فأما إذا كان وسيلةً إلى غيره فحينئذٍ يأخذ حكم تلك الوسيلة ولذلك بعضهم يحد المباح بأنه ما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته إذا لم يتعلق به أمر ولا نهي الشرع الخطاب بل بعضهم حد الخطاب أو التكرير بأنه خطاب بأمر ونهي بأمر ونهي ما لم يكون أمرًا ولا نهيًا فهو: مباح. فحينئذٍ إذا كان مباحًا فكيف يصير مأمورًا به؟ وكيف يصير منهيًا عنه وإنما يحكم لنية المباح بحكم ما كان وسيلةً له إن كانت الوسيلة إن كان المراد والمقصود واجبًا صار حكم نية المباح الوجوب تنبه لهذا وبعضهم يعرف المباح بأنه ما لا يتعلق بفعله مدحٌ ولا ذمٌ إذن وأحسن هذه التعاريف ما ذكره الفتوح ما خلا من مدح وذم لذاته.
أورد بعضهم الواجب الموسع والواجب المخير وخاصة الواجب الموسع الواجب الموسع قلنا: له أن يتركه في أول الوقت ليفعله في أثنائه أو في آخره. إذا تركه في أول الوقت قال: صار الفعل الذي هو الترك خاليًا من المدح والذم لا يمدح ولا يذم فحينئذٍ يرد على حد المباح وهو واجب موسع فكيف نخرجه؟ من غير حاجة إلى بدل هكذا. قال ابن قدامة وشارحه أنه يقيد إما أن يقال: مطلقًا أو من غير حاجة إلى بدل لكن هذا ليس بصواب ليس بصحيح لماذا؟ لأن الواجب الموسع إذا تركه في أول الوقت هل يستوي المدح عدم المدح وعدم الذم؟ أم هو مطالب أن يفعله ولو على جهة الاستحباب؟ هل يستوي من صلى في أول الوقت وفي آخره؟ لا يستوي فعله في أول الوقت هذا أفضل وهو مندوب إليه أيُّ العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على وقتها». يعني على أول وقتها ووردت رواية: «أول وقتها» بزيادة أول أيضًا الأدلة التي تدل على المسارعة {(وَسَارِعُوا إِلَى ((((((((((} [آل عمران:133]، {(((((((((((إِلَى ((((((((((} [الحديد:21] نقول: هذه الآيات كلها تدل على أن الأولى أن يقد الواجب الموسع في أول وقته فحينئذٍ إذا دلت الأدلة على أن فعله في أول الوقت أفضل من فعله في آخر الوقت وهذا لا شك فيه حينئذٍ هل يستوي الفعل والترك في أول الوقت؟ الجواب: لا، فحينئذٍ لا يرد الواجب الموسع على هذا الحد ولا نحتاج أن نقول: ما خلا من مدح وذم لذاته مطلقًا لإخراج الواجب الموسع بل نقول: لم يدخل الواجب الموسع لأنه وإن جاز تأخيره إلى آخر الوقت إلا أن فعله في أول الوقت ممدوح ومطلوب شرعًا أيضًا مطلوب شرعًا فتنبه لهذا هذه المسألة الأولى.
المسألة الثانية: في أسماء المباح لماذا يسمى المباح؟ ماذا يطلق عليه؟ قيل: يسمى المباح طِلْقًا بكسر الطاء طِلْقًا وحكي طَلْقًا والأول أشهر بكسر الطاء وحلالاً قال في القاموس: الْطِلْقُ الحلال وهذا شيء طِلْقٌ أي: حلالٌ. وافعل هذا طِلْقًا لك أي: حلالاً. ويطلق المباح إذن عرفنا أنه يسمى طِلْقًا وحلالاً وزاد بعضهم يسمى جائزًا يطلق الجواز على المباح لذلك قال في ((المراقي)): وهي والجواز قد ترادف وهي أي: المباح.
وهي والجواز قد ترادفا ** في مطلق الإذن لدى من سلفا
(11/13)

قال: ويطلق المباح والحلال على غير الحرام يطلق المباح والحلال على غير يطلق المباح والحلال على غير الحرام على غير الحرام إذن يصدق على ماذا؟ على الواجب أنه حلال ومباح، ويصدق على المندوب أنه حلال ومباح، ويصدق على المكروه أنه حلال ومباح، ويصدق على المباح أنه حلال ولا يسمى مباحًا إذن الحلال يطلق على الأربعة: الواجب، والمندوب، والمكروه، والمباح. هذه الأربع يطلق عليها أنها حلال وهو الذي يرد في مقابلة الحلال بالحرام {(((((((((((مِنْهُ حَرَامًا (((((((((} [يونس:59] وفسر به الحديث إن صح «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» إن صح، إذن نقول: يطلق المباح والحلال على غير الحرام فيعم الواجب والمندوب والمكروه والمباح لكن المباح يطلق على الثلاثة الأول، والحلال على الأربعة فيقال للواجب والمندوب والمكروه مباح ويقال لهذه الثلاثة وللمباح حلال لكن ما الأصل في إطلاق المباح هذا الاستعمال من باب التجوز والتوسع فقط وإلا الأصل في إطلاق المباح على ما خلا من مدح وذم يعني: ما استوى طرفاه.
لذاك والإباحة الخطاب ** فيه استوى الفعلُ والاجتنابُ
هذا الأصل في إطلاق المباح وما عداه من قبيل التوسع والمجاز.
المسألة الثالثة: أقسام الإباحة تنقسم الإباحة عند جمهور الأصوليين إلى نوعين وقسمين لا ثالث لهم: إباحة شرعية، وإباحة عقلية.
إباحة شرعية: شَرعية نسبة إلى الشرع هذه الياء ياء النسبة والتاء هذه تاء التأنيث وهذا يسمى مصدرًا صناعيًا المصدر نوعان عند النحاة والصرفيين: مصدر قياسي مسموع في لغة العرب، وهناك مصدر صناعي. يعني: يصنعه المتأخرون وهو: بإضافة ياء النسبة مع التاء فيقال: شرعية عقلية عَقلية عَقَلَ يَعْقِلُ عَقْلاً هذا المصدر إذا أردنا أن ننسب هل نستطيع أن نأتي بمصدر لعقل هو مصدر فكيف نقنع قالوا: نأتي بياء النسبة مع تاء التأنيث فيقال: عَقْلِيَّة إباحة عقلية أي: مأخوذة من مِن العقل مصدرها العقل مستنبطة من العقل دل عليها العقل إذًا تنسب إلى العقل إباحة شرعية شَرعية هذا مصدر صناعي ولذلك يقال الآن مثلاً: قومية. قوم هذا اسم جنس اسم جمع لا واحد له من لفظ قَوْمِيَّة نقول: هذا مصدر صناعي ومثلها ماذا؟ السلفية ووطنية وحزبية نقول: هذه كلها مصادر صناعية لم تسمع من لغة العرب وبذلك تعلم الآن الخلق قد نسمع من بعض طلاب العلم يسأل يقول: ما حكم التمثيليات الإسلامية. صحيح يقول: الأناشيد الإسلامية. معنى أناشيد إسلامية إيش معنى اللفظ هذا؟ يعني: أناشيد جاء بها الإسلام أخذت من الإسلام هذا الأصل فيها كما نقول: الإباحة لشرعية. يعني: أخذت من الشرع حينئذٍ هذه الأناشيد أخذت من مِن الإسلام تمثيليات دينية وتجد ينسبها ثم يقول: ما حكمها؟ ما حكم الأناشيد الإسلامية؟ طيب أنت حكمت أنها إسلامية جاء بها الإسلام فكيف تسأل عنها وتجد بعض أهل العلم يقول فيها قولان: إذا قيل: إسلامية. معناه قد جاء بها الشرع.
(11/14)

الحاصل: أن النسبة هذه لا بد أن تعتبر يعني: لا تطلق الاصطلاحات في غير مظانها. إذا قيل: شرعية. معناه الشرع قد أتى بها إذا قيل: إسلامية. معناه أنه قد جاء به الشرع ويقال: إعلامٌ إسلامي، وصحف إسلامية، ومجلات إسلامية. كلها نسبة إلى الإسلام مع ما فيها من الخلط الكثير، إذن إباحة شرعية، وإباحة عقلية.
الإباحة الشرعية مأخوذة من الشرع أن يدل الدليل خطاب الله المتعلق بفعل المكلف تخييرًا بين الفعل والترك دل الشرع خطاب الله فيما سيأتي إن شاء الله من ذكر صيغ معرفة الإباحة دل على أن هذا يجوز فعله وتركه استوى فيه طرفان {((((((لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى ((((((((((((} [البقرة:187] {((((((} هذا لفظ دل على الحلية إذن إباحة الجماع في ليالي رمضان إباحة شرعية لأن هذه الإباحة مأخوذة من الشرع إباحة شرعية يعني: مأخوذة من الشرع. إباحة عقلية هذه تسمى البراءة الأصلية وتسمى استصحاب العدم يعني: تصحب العدم عدم ماذا؟ عدم التكليف حتى يرد الدليل الناقل عن الأصل فنقول: الأصلُ الذي دل عليه العقلُ انتفاء الحرج في الفعل والترك ولا ننتقل عن هذا إلا بدليل شرعي الربا قبل تحريمه ما حكمه؟ مباح نقول: مباح. لكن هل دل الشرع على إباحته حتى نقول: إباحة شرعية؟ نقول: لا ليست إباحة شرعية وإنما هي إباحة عقلية بمعنى استصحاب عدم التكليف أنها ذكرتها مثالا هذا يقول: فَصِّلْ لنا مسألة أناشيد إسلامية. هذا كمثال.
والشأن لا يعترض مثال ** إذ قد كفى الفرض والاحتمال
أي نعم فأقول: الإباحة العقلية مصدرها العقل فمثلاً إباحة الربا في أول الإسلام نقول: هذه إباحة عقلية وهي: البراءة الأصلية. استصحاب عدم التكليف الأصل عدم التحليل حتى يدل الدليل ينقل عن هذا الأصل النفي الأصلي نقول: هذه إباحة عقلية.
وما من البراءة الأصلية ** قد أُخذت فليست الشرعية
وما يعني إباحة
وما من البراءة الأصلية ** قد أُخذت فليست الشرعية
(11/15)

فحينئذٍ أثبتنا بهذا البيت وغيره أن الإباحة نوعان: شرعية، وعقلية. التي تسمى البراءة الأصلية واستصحاب العدم ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما أن الحكم الرافع للإباحة الشرعية يسمى نسخًا والحكم أو الخطاب الرافع للإباحة العقلية لا يسمى نسخًا فحينئذٍ قوله تعالى: {(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران:130] لا نقول: هذه الآية ناسخة لحل الربا في أول الإسلام لماذا؟ لأن هذا شرع جديد وتلك الإباحة هذه قبل ورود الشرع مستصحبة بعد ورود الشرع وحينئذٍ ما كان مباحًا قبل الشرع لا يكون حكمًا بعد الشرع مكان مباحًا قبل الشرع لا يكون حكمًا شرعيًّا بعد الشرع لأن الحكم مأخوذ من الشرع فكيف يسبقه أليس كذلك؟ فإذن الإباحة العقلية وهي: إباحة الربا. هذه ثابتة قبل الإسلام استصحابها بعد الإسلام بعد حلول الإسلام وورود الإسلام حتى يرد الدليل الناقل نقول: هذا ليس نسخًا. لكن إباحة الفطر في أول مراحل صيام شهر رمضان أبيح الفطر مع جعل الإطعام بدلاً على من ترك الصيام أليس كذلك؟ {(((((((الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة:184] نقول: هذا إباحة شرعية أباح له الفطر في نهار رمضان بشرط البدل {((((شَهِدَ مِنْكُمُ (((((((((} [البقرة:185] نقول هذا {((((((((((((} نقول: هذا ناسخ للإباحة إباحة الفطر في نهار رمضان يقال وحينئذٍ حُملت الآية على الشيخ العجوز والعجوزة {(((((((الَّذِينَ (((((((((((((} في هذا القدر المقتدر نقول الآية الثانية {((((شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} نقول: هذه الآية تعتبر ناسخًا، وأما البراءة الأصلية فلا يعتبر الحكم المزيل لها والرافع لها لا يعتبر ناسخًا لأن البراءة الأصلية ليست حكمًا شرعيًا والإباحة الشرعية هو حكم شرعي.
والنسخ رفعٌ أو بيان والصواب ** في الحد رفع حكم شرع بخطاب
(11/16)

لا بد أن يكون المرفوع حكمًا شرعيّا بخطاب آخر متراخٍ عنه سيأتي في موضعه هذه البراءة الأصلية تعتبر حجة أو لا؟ هل تعتبر حجة أم لا؟ نقول: نعم هي حجة في عدم المؤاخذة على الفعل في عدم المؤاخذة على الفعل قد ذكر قد ذلك الشيخ الأمين رحمه الله في مذكرته قد دلت الآيات على أن البراءة الأصلية واستصحاب العدم حجة شرعية في عدم المؤاخذة بالفعل يدل على هذا أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما نزلت آيات تحريم الربا كان في أيديهم أموال حاصلة مِن من الربا فوقع في نفوسهم ما وقع فنزل قوله تعالى: {((((جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا ((((((} [البقرة:275]. إذن لا مؤاخذة على ما مضى كذلك قوله تعالى في بعض الآيات كأن قال: {(((((تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء:23] إلا يعني الذي مضي فهو عفو معفو عنه {((((تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء:22] إذن كل ما ورد من الآية {((((مَا قَدْ سَلَفَ} هذا استثناء منقطع يعني المؤاخذة معتبرة في ما هو بعد الشرع أما ما قبله فلا مؤاخذة على ذلك وأظهر الآيات في الدلالة عن هذا أنه حجة في عدم المؤاخذة لما استغفر النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة للمشركين من أقربائهم نزل قوله تعالى: {(((كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي ((((((((} [التوبة:113] هذا تحريم، هذا تحريم، وقع الندم والسؤال عما مضى فنزل قوله تعالى: {(((((كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ (((((((((} [التوبة:115] فحينئذٍ المؤاخذة إنما هي معتبرة بعد ورود الشرع وهذا يحكي عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إجماع إجمَاع السلف على أنه لا مؤاخذة إلا بعد العلم. نعم إذن عرفنا أن أقسام الإباحة نوعان: شرعية، وعقلية.
(11/17)

هل المباح حكم شرعي؟ هذه المسألة الرابعة: هل المباح حكم شرعي؟ نقول: نعم جماهير العلماء على أن الإباحة حكم شرعي ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة، ومثل هذه المسائل الأَولى أن لا يحكى فيها خلاف إذا كان المخالف لا يعرف إلا من أهل البدع فالأول أن يحكى اتفاق السلف فيقال: نعم الإباحة شرعية وحكم شرعي بإجماع السلف. لكن جرت عادة الأصوليين أنهم يعتبرون كل مخالف في الأصول ولو كان من المعتزلة ولو كان من الخوارج ولو كان يقول: إلا قول للخوارج قول للمعتزلة قول لكذا فحينئذٍ الأولى في مثل هذه المسائل إذا كان المخالف ليس أو القول المخالف لجماهير السلف ليس من أرباب أهل السنة وإنما هو من أئمة أهل البدع فالأولى أن لا يحكى في المسألة خلاف إن صح أنه لم يقل بهذا إلا المعتزلة إن لم يصح أنه لم يقل بهذا القول إلا المعتزلة لماذا؟ لأن الإجماع قائم على أن الأحكام الشرعية خمسة: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، ولذلك من ينكر وجود المباح في الشرع ويقول: الإباحة ليست حكمًا شرعيًّا. فهو خارق للإجماع إذن المباح نقول: حكم شرعي. قالت المعتزلة: الإباحة ليست حكمًا شرعيًّا. الإباحة عندهم حصروها في البراءة الأصلية وإذا حاصروها في البراءة الأصلية نفوا الإباحة الشرعية إذن الإباحة عندهم هي: الإباحة العقلية البراءة الأصلية استصحاب العدم فقط قالت المعتزلة: الإباحة ليست حكمًا شرعيًّا بل هي حكم العقل. لماذا؟ قالوا: لأن المباح ما انتفى الحرج عن فعله وتركه لم يفسروا المباح هنا والإباحة بما أذن الشرع في فعله وتركه وإنما ما انتفى فسروا الإباحة بانتفاء الحرج ولذلك بعضهم يورد يقول: من فسر الإباحة بالانتفاء حصرها في الإباحة العقلية، ومن فسر الإباحة بما أذن به الشرع قال: الإباحة حينئذٍ تكون شرعية وتكون عقلية. فحينئذٍ لا نحصر حد المباح بالانتفاء لأننا لو حصرناه كما فعل المعتزلة نقول: هذا يلزم منه أن لا تكون الإباحة إلا عقلية. قالوا: لأن المباح ما انتفى الحرج عن فعله وتركه وذلك ثابت قبل ورود الشرع. فحينئذٍ يكون مستصحَبًا بعد ورود الشرعي فما لم يرد الدليل بوجوبه ولا ندبيته ولا تحريمه ولا كراهيته قالوا: الأصل البراءة الأصلية انتفاء الحرج. فحينئذٍ نستصحب ما قبل الشرع ما دام أنه لم يرد دليل ناقل إلى الوجوب وما ذُكر معه نقول: الأصل بقاء ما كان على مكان. فلا يكون حكمًا شرعيًّا ومعنى إباحة الشيء عندهم إذا حكموا على شيء بأنه مباح معناه تركه على ما كان عليه قبل الشرع ولم يتغير حكمه إذا كان قبل الشرع إباحة الربا ولم يأت التحريم قالوا: هذا إباحة عقلية. وإذا وُصف بكونه مباحًا فليس له معنى إلا انتفاء الحرج في فعله وقال أهل السنة والجماعة: الإباحة حكم شرعي لأنها داخلة في تفسير الخطاب. وسبق أن من أدلة من أعظم دليل على حصر الحكم الشرعي في الأقسام الخمسة ما هو؟ الاستقراء والتتبع بالاستقراء والتتبع لنصوص الوحيين وجدنا أن الأقسام كم حكم شرعي محصورة في فِي خمسة إذن الصواب أن الإباحة حكم شرعي.
بقي مسائل في صيغ المباح وهل الإباحة تكليف؟ وهل هي مأمور به أم لا؟ يأتينا في الدرس القادم بإذن الله تعالى.
(11/18)

وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(11/19)

عناصر الدرس
* تابع حد المباح.
* تابع هل المباح حد شرعي؟.
* صيغ المباح.
* هل الإباحة تكليف؟
* هل المباح مأمور به؟.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ ثَوَابِ ** فِعْلاً وَتَرْكًا بَلْ وَلا عِقَابِ
هذا جرى فيه على ما ذكره صاحب الأصل وهو أن المباح هو ما ليس في فعله ثوابٌ ولا ما، لا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه، ما ليس في فعله ثواب ولي في تركه عقاب وذكرنا أن هذا لا يعتبر حدا عند المناطقة وإنما هو يعتبر مُعَرِّفاً بمعنى أنه رسم لأنه ذكر الشيء بخاصته بلازمه بحكمه بثمرةٍ من ثماره إذا عُرِّف الشيء بثمرة من ثماره أو فائدة من فوائده أو لازمٍ له سواءٌ كان داخلاً فيه أو خارجًا أو عرف بحكمه نقول: هذا رسم ولا يسمى حدًا عند المناطقة والحد إنما يكون بالماهيات يعني: بالجنس، والفصل، أو بالجنس وخاصته هذا يعتبر حدًا ناقصًا عندهم هنا قال: (وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ ثَوَابِ). إذن نفى الثواب عن المباح (وَليْسَ) ليس هذا من أخوات كان هي أداة من أدوات النفي ترفع المبتدأ على أنه اسمٌ لها وتنصب الخبر على أنه خبرٌ لها هي تعتبر من نواسخ المبتدأ والخبر يعني: من النسخ وهو الرفع والإزالة لأنها تزيل حكم الرفع عن المبتدأ وتثبت له رفعا آخر مغايرٌ للأول إذا قيل زيدٌ قائم ليس زيدٌ قائم دخلت ليس على جملة المبتدأ والخبر رفعت المبتدى على أنه اسمٌ لها كيف يقال رفعت المبتدأ على أنه اسمٌ لها وهو مرفوعٌ في الأصل نقول المبتدأ رفْعُه بعاملٍ خاصٍ به وهو الابتداء وهنا الرفع بعامدٍ خاصٍ وهو ليس وما كان أثر للمبتدأ مغايرٌ لما كان أكثرًا لعاملٍ لفظي وهو ليس إذن الرفع ليس هو عين الرفع الأول هذا هو الصحيح وهو مذهب البصريين وهنا (وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ ثَوَابِ) أين اسم ليس ثواب لو قلنا ترفع اسمها وهنا جرت من زائد ما الدليل على أن من زائدة؟ نعم! هل في اللفظ ما يصلح أن يكون اسما لليس غير لفظ ثواب؟ هل يصلح؟ (وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ ثَوَابِ **فِعْلاً) (فِي الْمُبَاحِ) لا يصلح أن يكون اسمًا و (فِعْلاً) لا يصلح أن يكون اسمًا وليس عندنا إلا قوله: (مِنْ ثَوَابِ) فحينئذٍ يتعين أن يكون ثواب هو اسم ليس لماذا؟ لأنه ليس عندنا في التركيب ما يصلح أن يكون اسمًا لليس إلا هذا اللفظ كيف دخلت عليه من حينئذٍ نقول من هنا زائدة وليست أصلية لأن من مواضع حروف الزيادة أن تزاد من في نفيٍ وشبهه.
وزيد في نفيٍ وشبههٍ فجر نكرةً
(12/1)

فجر يعني: حرف من جر نكرةً، وزيد أي: الحرف، وزيد في نفيٍ يعني: بعد نفيٍ أو في سياق نفي وزيد في نفيٍ وشبهه الذي هو الاستفهام والنهي، فجر نكرة حينئذٍ نقول: (ثَوَابِ) هذا اسم ليس مرفوع ورفعه ضمةٌ مقدرة على آخره منعًا من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجار الزائدة وهذا معروفٌ لغةً واستنباط يعني: عُلم من لغة العرب أن حرف من يزال فقد ورد في القرآن كذلك {(((جَاءَنَا مِنْ (((((((} [المائدة:19] يعني: زيدت من قبل الفاعل {(((جَاءَنَا مِنْ (((((((} وما جاءنا بشير ولا نذير هذا الأصل وزيدت من هنا للتأكيد زيدت قبل الفاعل تزاد كذلك قبل المفعول به {((((((أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ (((((((((} [إبراهيم:4] وما أرسلنا رسولاً هذا الأصل فمن هنا حرف جار زائد ورسولاً مفعولٌ به منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهور اشتغال المحل بحركة حرف الجار الزائد أليس كذلك {((((مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ((((} [فاطر:3] {(((((((} هذا مبتدأ زيدت عليه من {((((((أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ ((((((} [الأحقاف:26] {(((((((((} هذه زائدة و {((((((} هذا مفعولٌ مطلق إذن تزاد من قبل المفعول المطلق {(((فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:38] شيء قيل مفعول مطلق وقيل مفعولٌ به إذن تزاد به قبل المفعول وتزاد قبل المفعول المطلق {(((((مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ((((} [الحاقة:47] فما منكم أحد أحدٌ هذا مبتدأ أو اسم ما إن كانت عامة حينئذٍ نقول القاعدة أن من تزاد قبل النكرة إذا وقعت في سياق النفي أو شبهه وهو النهي والاستفهام ولذلك كما سيأتي في موضع أنها تعتبر من صيغ العموم بل من التنصيص في العموم يعني: ما يجعل العامة الظاهرة نصا فيه الأصل في النكرة في سياق النفي أنه تفيد العموم لكن إفادتها للعموم ظاهرا لا نصا فإذا زيدت من انتقل العموم من الدلالة الظاهرية إلى النصية حينئذٍ تكون نصا لكن ما فائدتها إذا زيدت إذا قلنا ورد في القرآن ما هو زائد؟ ماذا أفادت التأكيد؟ وهل التأكيد معنى يراد؟ نعم معنى يراد حينئذٍ لا يقال ولذلك النحاة أطبقوا على أن مرادهم بالحرف الزائد ما لا معنى له سوى التأكيد هكذا نص الخضري قال: مراد النحاة بأنهم يقولون في القرآن ما هو زائد مرادهم بالزائد ما ليس له معنى غير التأكيد توكيد إذن له معنى وإنما لم يرد في معناه الخاص له الذي هو وضعته له العرب لأن أصل مِنْ أنها للابتداء مكانًا أو زمانًا.
بعض وبين وابتدي**في الأمكنة بمن وقد تأتي
(12/2)

ببدء الأزمنة، والأصل فيها الابتدائية إذا وضع لفظ من للابتداء نقول وضع فيما استعمل فيما وضع له في لغة العرب فلا إشكال حينئذٍ يكون حقيقةً وأما إذا خرج عن أصل ما وضع له واستعمل تأكيدًا نقول استعمل في غير ما وضع له ولذلك يشترط فيه أن يكون التركيب على هيئةٍ معينة أن يكون في نفي أو شبهي وهو الاستفهام والنهي اللفظ من حيث هو لا دخل له بالنفي ولا الاستفهام ولا النهي وإنما جُعل هذا شرطا فيه لأن العبرة هنا للتركيب لا لذات اللفظ لأن من زيدت لتأكيد مدلول الجملة وحينئذٍ الخلاصة يقال إذا قيل هل في القرآن ما هو زائد؟ نقول لا بد من الاستفسار ما المراد بالزائد؟ إن كان المراد بالزائد ما خروجه كدخوله ولا يفيد معنى البتة لا التأكيد ولا سواه نقول هذا أصلاً لم يقل به أحدٌ من أهل العلم فيما أعلم ومراد النحاة بأن الحرف زائد ليس هذا المراد {((((((كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] يقول النحاة الكاف زائدة لكن لا يعنون بأن دخولها كخروجها وأنها لم تأت لمعنى البتة كيف وهم يطبقون على أن القاعدة المضطردة بل كانت أغلبية في بعض الألفاظ أن العرب لا تزيد حرفًا إلا بمعنى وعندهم زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى فإذا قيل رحيم ورحمان زيدت الألف، الألف نفسها تدل على زيادةٍ على مجرد ما اشتق من الرحيم والرحمن فإذا اتفقوا على هذا كيف يقال بكلمةٍ وهي حرف تزاد في تركيب ثم يقال المراد النحاة أن دخولها وخروجها سواء لا ليس هذا مراد ومن نسب إلى النحاة أن مرادهم بالحرف الزائد أن دخوله وخروجه سوى ولا يفيد معنى البتة فقد أخطأ عليهم وإنما مرادهم أن الحرف لم يستعمل فيما وضع له في أصل لغة العرب وإنما استعمل لغرضٍ آخر وهو إفادة التوكيد وحينئذٍ نقول يستفسر ما مرادك بالزائد إن كان مراده بما ذكر أنه دخوله كخروجه سواء ولا يفيد معنى البتة نقول هذا لم يقل به أحد ولا يجوز إطلاقه في القرآن لأنه حينئذٍ يجوز حذفه أما ما يعنيه النحاة فهو أن الحرف يكون زائدا لا يدل على معناه الذي وضع له وإنما جيء به لإفادة تأكيد الكلام بحيث لو كان في غير القرآن لو حُذِفَ لأُدي الكلام يعني أصل الكلام أو لأدوي التركيب أصل المعنى الذي بدون من فمثلاً لو قيل في غير القرآن ما زارنا أو ما جاءنا من بشير ماذا أفادت؟ نفي مجيء البشير لو حُذفت مِن ما جاءنا بشيرٌ هل فهم أصل المعنى فهم أصل المعنى بدون من ولكن زيدت مِن للدلالة على التأكيد ولذلك عندهم أن الحرف الزائد وهذا يدل على ما أكدتُه أن مراد النحاة وغيرهم أن الحرف الزائد ما أفاد تأكيدًا الحرف الزائد عندهم في مقام جملةٍ مكررة فإذا قيل: {((((((كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] وحكموا بأن الكاف كما هو المرجح أنها زائدة في هذا الموضع هذا التركيب بزيادة الحرف في مقام أو في قوة قولك ليس مثله شيء ليس مثله شيء ليس مثله شيء حذفت الجملتان الثانية والثالثة أو الثانية فقط على القول بأن أقل التكرار اثنان حذفت الجملة الثانية فقط أو الثنتان وعوض عنهما الكاف حينئذٍ هذا مرادهم بالتأكيد {(((جَاءَنَا مِنْ (((((((} [المائدة:19] يعني: ما جاءنا بشير ما جاءنا بشير للتأكيد ومعلومٌ أن التأكيد قد يكون بتكرار الجملة وقد يكون
(12/3)

بتكرار الحرف وقد يكون بتكرار الاسم وقد يكون بتكرار الفعل إلى آخره كما هو معلوم في موضعه أن التأكيد اللفظي أن يكرر الحرف لا لا أبوح بحب بتةً احبسي احبسِي هنا أكد الجملة هذا مثلها ليس مثله شيء ليس مثله شيء ليس مثله شيء إذًا هل أفاد أم لم يفيد أفاد لكنه أفاد فائدة ليست هي الفائدة التي وُضع لها الحرف من ومن أراد أن يخرج يعني: من خلاف أو لم يقتنع بهذا فلا يطلق لفظ الزائد على ما ورد في القرآن وخاصة عند العامة لا يقال هذا حرفٌ زائد العامة لا يفهمون هذا التفصيل ولا يعرفون التأكيد ولا يعرفون الحروف الذي تزاد ولا السياق الذي يزاد فيه الحرف لا، إنما عند طلاب العلم يقال هذا حرف زائد من أراد أن يجتنب هذا فليقول صلة أو تأكيد أو يقول ماذا؟
وسم ما يزاد لغوًا أو صلة**أو قل مؤكدًا وكلٌ قيل له
زائد، صلة، تأكيد
وكلٌ قيل له لكن زائدًاولفظًا اجتنب**إطلاقه في منزلٍ (كذا وزب) كذا وجب
هذا يرى أنه لا يجوز إطلاق لفظ الزائد واللغو على ما ورد في القرآن اللغو لا إشكال فيه أن اللفظ اللغو هذا يترك ويجتنب وأما الزائد فلا إشكال في إطلاقه وخاصةً عند طلاب العلم يقال هذا حرفٌ زائد من أراد أن يخرج عن هذا فليقل هذا صلة أو تأكيد وسم ما يزاد إذن هو زائد وسمي ما يزاد لغوًا أو صلة أو قل مؤكدًا وكلٌ قيل له لكن زائدًا ولغوًا اجْتَنَبْ اجْتَنِبْ اجتناب اجْتَنَبْ إطلاقه في منزلٍ يعني قرآن كذا وجب يعني: هذا القول بأنه لا يجوز إطلاق لفظ الزائد على ما ورد في القرآن والصواب هو الأول أنه يقال بالتفصيل ولا بأس به عند طلاب العلم لكن الزائد عند النحاة وأهل البيان قيل لا يزاد إلا لتأكيد أليس كذلك؟ والتأكيد لا يُلقَى لمخاطبٍ خال الذهن من الحكم هذا هو المقرر عند البيانيين أن المخاطب إذا تكلم مع إنسانٍ مع مخاطبٍ خال الذهن من الحكم يعني: إيش خال الذهن يعني لم يسبق إليه أن سمع بهذا الخبر هو جديد، الخبر عليه جديد فحينئذٍ هل اللائق أن يخبَر بجملةٍ تفيد أصل المعنى أم أنه يُؤتى بجملةٍ تفيد أصل المعنى مؤَكَّدَة؟ الأول أم الثاني الأول لأن التأكيد زيادة ولا يؤتى بها إلا لحاجةٍ وهي فيما إن كان المخاطب مترددًا في الحكم أو منكرًا للحكم لأن الأحوال ثلاثة إما أن يكون المخاطب خال الذهن وما يعلم أن زيدًا عالي فتقول له زيدٌ عالم أخبرته بعالمية زيد هو لا يعلم بعلمه فقلت زيدٌ عالمٌ هذا يسمى خال الذهن حينئذٍ لا يحتاج إلى التأكيد لو قيل له إن زيدا عالمٌ أخطأت لماذا لأن إن حرف توكيد إن زيدا عالمٌ زيدٌ عالم زيدٌ هو لا يحتاج إلى هذا هو ليس منكرًا وليس مترددًا في الحكم حتى تؤكد له الخبر وإنما تقول له زيدٌ عالمٌ وتكتفي بذلك أما إذا قلت له إن زيدا عالم قد زدت الجملة لفظًا ويعتبر حشوًا عند أهل العلم لماذا لأن المخاطب خال الذهن من الحكم فحينئذٍ الأصل أن يورد إليه الكلام خالي عن التأكيد أما المتردد في الخبر فحينئذٍ يُستحسن أن يؤتى بمؤكدٍ واحد وأما المُنكر للحكم حينئذٍ يجب ولا يقال يستحسن يجب التأكيد أن يؤتى بمؤكِدٍ أو مؤكِدين أو ثلاثة،
فإن تخاطب خالي الذهن من .. حكمٍ ومن ترددٍ فالتغتني عن المؤكدات
(12/4)

فإن تخاطب خالي الذهن من .. حكمٍ من حكمٍ فلتغتن المؤكدات
إذن القاعدة أن كما كان خالي الذهن فيوجه إليه الخطاب بخلوه عن المؤكدات هنا الناظم قال: (وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ ثَوَابِ) هل المخاطب هنا خال الذهن من الحكم أو منكر أو متردد أيهم الثلاثة؟ خال الذهن لماذا؟ لأن المتن هذا تبعًا للأصل الورقات وضع للمبتدئ المبتدئ لا يعلم حد المباح فيقال له المباح ما لا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه ولا يحتاج أن يقال له إن المباح أو يقال له والله إن المباح لا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه لا يحتاج للتأكيد وإنما لو كان منكر للمباح أو منكر لحد المباح حينئذٍ تأتي بمؤكدات بين وواضح فنقول إن كأنه منكرًا حينئذٍ يحتاج إلى التأكيد وهنا غير منكر وغير متردد في الحكم إذن لماذا أتى الناظم بمن الدالة على التأكيد لأنه كأنه قال له ليس في المباح ثوابٌ ليس في المباح ثوابٌ هل أنت منكر أو متردد؟ لا إذن نقول هذا من قبيل الحشو زيادة من في هذا التركيب حشوٌ كما قال ذاك:
إن الكلام عندنا فلتستمع**لفظٌ مركبٌ مفيدٌ قد
(12/5)

إن الكلام لا يحتاج إلى التأكيد بأن وإنما يقال حد الكلام مثلاً أو الكلام عندنا إلى آخره، (وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ ثَوَابِ) (وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ) يعني: في المباح من حيث وصله بالإباحة لماذا؟ لأن المباح لا يمكن حده من حيث هو لأنه متعدد لأن الأقوال المباحة والأفعال المباحة هذه كثيرة لا يمكن استيفائها في أو يتعذر استيفائها في حد وإنما نظرت لقاسم مشتركٍ بين هذه الأقوال المباحة وبين هذه الأفعال المباحة فوجدوا أن القاسم المشترك الذي يصدق على كل فعلٍ فعلٍ من المباح وعلى كل قولٍ قولٍ من المباح وجدوا أن القاسم المشترك هو أنه لا ثواب في الفعل ولا عقاب في الترك بمعنى: لا ثواب في الفعل والترك ولا عقاب في الفعل والترك فمتعلق نفي الثواب عن المباح فعلاً وتركًا ومتعلق ونفي العقاب عن المباح فعلاً وتركًا لأن ظاهر العبارة عبارة الأصل ما ليس في فعله ثواب إذن نفي الثواب عن الفعل فقط أم عن الفعل والترك؟ عن الفعل والترك كذلك لا يعاقب على تركه هل نفي العقاب عن الترك فقط؟ أم عن الترك والفعل معا؟ عن الترك والفعل معا حينئذٍ يكون متعلق نفي الثواب عن المباح فعلاً وتركًا ومتعلق الثواب أو متعلق نفي العقاب عن المباح أيضًا فعلاً وتركًا (وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ) (فِي الْمُبَاحِ) هذا أصل التركيب في فعل المباح في فعل المباح مضاف ومضاف إليه حُذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فصار في المباح من ثوابٍ وقع الإجمال ثم جيء بالإضاف إليه المحذوف منصوبًا على التمييز فقال فعلاً وتركًا فعلاً هذا إيش إعرابه نقول تمييز أصله مضاف محول عن، تمييزٌ محولٌ عن مضاف مثل قوله تعالى: {((((((أَكْثَرُ مِنْكَ (((((} [الكهف:34] أصل التركيب مالي أكثر منك فحذف المضاف الذي هو المبتدأ فانفصل الضمير ارتفع صار {((((((أَكْثَرُ (((((} ماذا وقع؟ إجمال يحتاج إلى مميز إلى مفسر إلى مبين إلى موضح فجيء بالمضاف الذي هو المبتدأ في الأصل فانتصب على التمييز هذا مثله (وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ) أي: وليس في فعل المباح فحُذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ثم وقع إجمال في المباح من حيث ماذا؟ من حيث الفعل والترك فقيل فعلاً وعطَف عليه تركًا هذا استدراكا على الأصل وإذ الأصل لم يذكر الترك في متعلق نفي الثواب عن المباح (وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ ثَوَابِ) (مِنْ ثَوَابِ) قلنا الثواب ما هو؟ نعم، مطلقًا الجزاء مطلقًا الإطلاق هنا يوجه إلى الخير والشر يعني: جزاء الخير بالخير وجزاء الشر بالشر وذكرنا أنه ورد في القرآن في قوله تعالى: {((((هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ ((((} [المائدة:60]. هذا عقاب وسماه {(((((((((} وأيضًا {((((ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ((((} [المطففين:36] وهو دخولهم النار -والعياذ بالله-. إذن الثواب هذا المراد به الجزاء مطلقًا.
لكل أخي مدحٍ ثواب علمته**وليس لمدح الباهلي ثواب
(12/6)

أي: جزاء، فعلاً وتركًا ذكرنا أنه ما تميزان منصوبٌ على التمييز وبعضهم يرى أن التنوين هنا نائبٌ عن المضاف إليه في فعله، وبعضهم يرى أن التمييز لا بد له من ضميرٍ يربطه بالمميز بل ولا عقاب المعنى واضح من التركيب أن المباح ليس في فعله وتركه ثوابٌ أي: لا يترتب الثواب على الفعل لو فعله ولا يترتب الثواب على الترك لو تركه بل ولا عقاب يعني: وليس في المباح من عقابٍ فعلاً وتركًا فلا يترتب العقاب على فعل المباح كما أنه لا يترتب العقاب على ترك المباح وهذا قيدناه كما سبق أنه؟ متن نعم.
وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ ثَوَابِ ** فِعْلاً وَتَرْكًا
(12/7)

بقطع النظر عن كونه وسيلةً إلى شيءٍ آخر ولذلك بعضهم يقيده كما حددناه ما خلا عن مدحٍ وذم لذاته لإخراج المباح الذي ترك به محرم فإنه يثاب عليه من تلك الجهة وللاحتراز أو إخراج المباح الذي هاه الذي استعان به على فعل واجب فحينئذٍ يثاب من هذه الجهة أو المباح الذي ترك به واجبا فحينئذٍ يوجه إليه الذم من هذه الجهة هل الذم والمدح وجه إلى المباح بهاتين الصورتين أو الثلاثة المذكورات هل وجه إليه من حيث ذاته أو من حيث كون وسيلةً إلى غيره؟ من حيث كونه وسيلة إلى غيره والمباح المعرف الذي هو حكمٌ شرعي أحد الأحكام الخمسة نقول ينظر إليه من حيث ذاته أما باعتبار كونه مقدمةَ مندوبٍ، أو مقدمةَ واجبٍ، أو مقدمةَ تركِ محرمٍ، أو مقدمةَ تركِ مكروهِ، حينئذٍ يأخذ حكم ما جُعل مقدمةً له أما المباح من حيث هو فلا يمكن أن ينقلب المباح واجبا ولا يمكن أن ينقلب المباح مندوبا ولا حراما ولا مكروها فالأكل مباح الأكل من حيث هو مباح لكن لو كان هذا الأكل وسيلةً إلى التقوي على الطاعةِ مطلقًا، يثاب أو لا يثاب على الأكل؟ يثاب هل يثاب عليه من جهة النية التي أخذت حكم المقصود أم كون الأكل انقلب مندوبًا أو واجبًا؟ الأول العبرة بالنية وليست العبرة بنفس الفعل فالفعل الأكل أو النوم نفسه أو السكوت لا يأخذ حكم المقصود وإنما نية الأكل هي التي يترتب عليها الثواب وكذلك النوم وكذلك سائر المباحات، فأما المباح فهو مباح والحد إنما يشمل المباح الذي ليس مقدمة واجبٍ ولا مقدمة مندوبٍ إلى آخره فحينئذٍ نقيد قوله: (وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ ثَوَابِ ** فِعْلاً وَتَرْكًا) أي: لذاته أما باعتبار كونه وسيلةً إلى غيره فيأخذ حكمه لأن الوسائل لها أحكام المقاصد كما قلنا قاعدة «إنما الأعمال بالنيات» فإذا جُعل المباح واتخذ المباح وسيلة إلى فعل المحرم عوقب على فعل المحرم عوقب على النية التي فعل بها المباح وإذا جعل المباح وسيلةً إلى فعل الواجب أثيب على فعل الواجب وأثيب على نية هذا المباح أثيب على نية هذا المباح إلى آخره، (بَلْ وَلا عِقَابِ) (وَلا عِقَابِ) عقاب بالجر أليس كذلك؟ معطوف على ثواب والمعطوف على المجرور مجرور (بَلْ) هنا إيش نوعها؟ عاطفة! عطفت ماذا على ماذا؟ هاه أين الجملة؟ إيش تقديره؟ أين؟ بل في اللغو تأتي على ضربين: إما أن تكون حرف ابتداءٍ فقط، وإما أن تكون حرف عطفٍ، تكون حرف ابتداءٍ إذا كان ما بعدها جملة سواء كان جملة اسمية، أو جملة فعلية، وحينئذٍ إن كانت حرف ابتداء تكون الجملة التي تليها جملةً مستقلة في إعرابها لا علاقة لها بما قبلها من جهة الإعراب وإنما ينظر إليها من جهة كونها تفيد الإضراب أو الانتقال يعني: إذا كانت حرف ابتداءٍ نقول ليست عاطفة وإنما هي يتلوها جملةٌ فعلية أو جملةٌ اسمية تفيد حينئذٍ بل الإضراب أو الانتقال، الإضراب ما هو الإضراب الترك ما يقال الآن إضرابٌ يعني: ترك العمل إضراب وتفيد الانتقال، تفيد الإضراب كما في قوله تعالى: {((((((((((اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ((((} [مريم:88]، {((((((((((اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ((((} [الأنبياء:26].
(12/8)

{((((} هذه حرف ابتداء، و {((((((ٌ} هذا خبر مبتدئٍ محذوف بل هم عبادٌ إذن تلاها جملةٌ اسمية هنا نقول تفيد الإضراب يعني: تبطل وتحكم على ما قبلها من نفي والكذب من أصله وتثبت نقيضه لما بعدها {((((((((((اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ((((} هذا نقول {((((} للإضراب وهي حرف ابتداء أبطلت ما قبل بل مدلول الجملة السابقة مفرد والحكم منفي بل هم عبادٌ مكرمون نقول هذه بل للإضراب قد تكون للانتقال أن يكون الانتقال بها من غرضٍ إلى غرض مع عدم إبطال ما قبلها {((((أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ((((} [الأعلى:14 - 16] هنا انتقال من كلامٍ، من أسلوبٍ إلى أسلوب آخر هل فيها إبطالٌ إلى ما قبلها؟ الجواب لا إذن بل تأتي للإضراب وتأتي للانتقال فيما إذا كان ما بعدها جملة إذا وجدت جملةً بعد بل فأحكم أن بل حرف ابتداء وليست حرف عطف ليست عاطفة بل هي حرف ابتداء مثل حتى
حَتى ما أجزلت أشكل
حتى ابتدائية هنا
وما أو مبتدأ كذلك
بل إذا وجدت ما بعدها جملةً اسمية أو فعلية فاحكم عليها بأنها حرف ابتداء يعني: تفيد أن ما بعدها مستقلٌ في الإعراب عما قلبها أما المعنى فلا بد من الارتباط إما بإبطال ما قبلها وإثبات نقيضه لما بعدها وإما لكون ما قلبها مستقرٌ وثابٌ على حكمه ونقيضه مثبتٌ لما بعده وجهان هل يمكن حمل بل هنا على أنها ابتدائية حرف ابتداء لا لم؟ لأن لا جملة اسمية ولا عقاب هذا مفرد (وَلا عِقَابِ) إذا تلاها إذا لم يتلوها بل جملةً فعلية ولا جملةً اسمية حينئذٍ قطعًا سيتلوها المفرد وإذا تلاها المفرد فهي حرف عطف يعني تشرك منا بعدها في ما قبلها في الإعراب وأما المعنى فيُنظر إن كانت في سياق الإثبات فحينئذٍ إذا جاءت في سياق الإثبات جاءني زيدٌ بل عمرو جاءت بل هنا وتلاها مفرد وجاءت في سياق الإثبات لا في النفي ولا في النهي نقول بل هنا تفيد نفي الحكم عما قبلها وإثباته لما بعدها جاءني زيدٌ بل عمرٌو سلبَت الحكم وهو المجيء عن زيد وصار زيد مسكوتًا عنه لم يثبت له حكمٌ ولم ينكر في حكم السكوت وما بعد بل صار ماذا محكومًا عليه بمثل ما حُكِمَ عليه بما قبل بل هذا في الإثبات وهذا ليس بواردٍ عندنا هنا لماذا لأن السياق هنا ليس في المباح نفي وليس إثبات.
الحالة الثانية: أن يكون بعد بل مفرد وتكون في سياق النفي أو النهي حينئذٍ بل تثبت حكم ما قبلها تقره كما هو وإنما تثبت نقيضه لما بعده إذا جاءت بل وتلاها مفرد في سياق النفي أو النهي نقول تثبت حكم ما قبلها تقره ويبقى مستمرًا ولكن تثبت نقيضه لما بعدها ما جاءني زيدٌ بل عمرٌو ماذا حصل هنا؟ نفي المجيء عن زيد ثابتٌ كما هو ومستمر وأثبت نقيضه لعمرو أليس كذلك؟
وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ ثَوَابِ ** فِعْلاً وَتَرْكًا بَلْ وَلا عِقَابِ
(12/9)

(بَلْ) لا يمكن أن يكون حرف ابتداء لأنه لم يتلوها جملةٌ اسمية ولا فعلية وليست مفيدة لإثبات ما أو نفي ما قبلها فيما إذا كانت حرف استدراك وهنا هل يمكن حملها على الثالث وهو أنها أثبتت ما قبلها لأنها في سياق النفي وأثبتت نقيض ما قبلها لما بعده هل يمكن حملها على هذا المعنى؟ (وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ ثَوَابِ ** فِعْلاً وَتَرْكًا بَلْ) حكم ما قبل بل ثابتٌ كما هو أنت الثواب منفيٌ عن المباح فعلاً وتركًا (بَلْ وَلا عِقَابِ) هل أُثبت لما بعد بل نقيض حكم ما قبلها وهو الإثبات؟ اكتب معي إذا قيل أثبت لما بعد بل نقيض ما قبلها صار التركيب هكذا وليس في المباح من ثواب بل وفي المباح من عقاب هذا صحيح ليس بصحيح لذلك هذا البيت فيه إشكالات لغوية كثيرة لا يمكن حمل بل هنا على أنها حرف ابتداء ولا يمكن حملها على أنها حرف عطف وحينئذٍ نقول لا بد من التقدير يعني: لا بد من إصلاح البيت بأن نجعل بل هذه ابتدائية يعني: لا بد من تقدير جملةٍ بعد بل وليس في المباح من ثواب فعلاً وتركًا بل وليس في المباح من عقاب حتى يصح التركيب هذا خللٌ ثانٍ الخلل الأول نقول زيادة مِن لخال الذهن تأكيد الكلام ولا نحتاج إليه وهذا حشو.
الثاني: في توجيه بل.
الثالث: في الواو بعد بل، هذه مشكلة أيضًا ثالثة القياس المطرد في لغة العرب أن الواو لا تزاد بعد بل قياس سمع في فصيح الكلام من قول علي رضي الله تعالى عنه: بل ولما ينال الناس من الخير. لكن هذا خلاف القياس سُمع ولا يعني يُسمع ولا يقاس عليه.
الأمر الرابع: لا بعد بل المطرد في لغة العرب زيادة لا لكنها إذا اجتمعت مع بل تسبق لا بل ولم يسمع أن تكون لا بعد بل، هذه أربعة مواضع موجهة إلى البيت
وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ ثَوَابِ ** فِعْلاً وَتَرْكًا بَلْ وَلا عِقَابِ
(مِنْ ثَوَابِ) نقول هذا حشوٌ (بَلْ) لا معنى لها إلا في بتقدير جملة وهذا فيه تكلف كذلك ورود الواو بعد بل كذلك وهذا إن سُمع في قليلٍ من الكلام الفصيح لأن قياس المطرد أن لا تزاد بعد بل، الرابع زيادة (لا) النافية بعد بل والأصل أنها تزاد قبل بل هذا هو قياس المضطرب إذن عرفنا:
وَليْسَ فِي الْمُبَاحِ مِنْ ثَوَابِ ** فِعْلاً وَتَرْكًا بَلْ وَلا عِقَابِ
ما المراد بالعقاب؟ أخذناها ( .. ) على المعصية قال النابغة:
ومن عصاك فعاقبه معاقبةً ** تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد
قوله: (وَلا عِقَابِ) هذا فيه ما يسمى بالإيقاع لأنه قال:
وَالنَّدْبُ مَا فِي فِعْلِهِ الثَّوَابُ ** وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ عِقَابُ
(12/10)

انتهى البيت السابق لفظ (عِقَابُ) ثم البيت الذي يليه انتهى بلفظ (عِقَابِ) هذا يسمى إيقاعا عندهم وهو إعادة كلمة الروي لفظًا ومعنى لكنه مَعِيب عند المتقدمين وجائز يعني: عيب عند المتقدمين وجائز عند المولدين وخاصة في الأراجيز التي تكون في العلوم الشرعية. هذا ضابط من مِن ضوابط المباح وهو تعريف له بلازمه وقلنا: صح التعبير باللازم لأن الحقائق إذا اختلفت اختلَفت لوازمها وذكرنا حده في الدرس السابق ووقفنا عند المسألة الرابعة وهي: هل المباح حكم شرعي؟ وذكرنا أن أهل السنة على أن المباح حكم شرعي لماذا؟ لأن المباح ورد في الشرع إذا قيل: حكم شرعيٌّ. قلنا: الياء هذه ياء النسبة ماذا تفيد؟ نسبته للشرع إذا مرت بك الياء فالأصل أن ما قبلها الذي اتصلت به الياء يكون منسوب يكون منسوبًا إلى الشرع مثلاً كما هنا حكم شرعي أي: حكم مأخوذٌ من الشرع وهل المباح ما لا يعلم ما لا ثواب في فعله ولا في تركه ولا عقاب في فعله ولا عقاب في تركه هل مأخوذ من الشرع؟ نقول: نعم خلافًا للمعتزلة القائلين بأن المباح هو ما انتفى الحرج عن فعله، إذن نقول: المباح حكمٌ شرعيٌّ وهذا يكاد يكون إجماع لكن يذكرون الخلاف خلاف بعض المعتزلة يقولون الأولى في مثل هذه المسائل أن لا يذكر خلاف من لا يعرف بالسنة في مثل هذه المسائل أن لا يذكر خلاف من لا يعلم بالسنة وإنما يكون الخلاف معتبرا متى؟ إذا كان له حظ من النظر متى يكون له حظ من النظر؟ باعتبار قائله وباعتبار ما استَدَل به فلا يعارض أئمة السنة مثلاً بقول رأس من رؤوس المبتدعة مثلاً نقول: هذا لا يعتبر مقابلاً له لماذا؟ لأن الخلاف إنما يكون معتبر إذا كان القائل من أهل السنة وما استدل به محتمل للصحة ونحوها، قالت المعتزلة: الإباحة ليست حكمًا شرعيًّا بل هي حكم عقلي. وأهل السنة يوافقون في مسألة الإباحة العقلية ولذلك ذكرنا في المسألة السابقة الثالثة أقسام الإباحة وأنها قسمان: إباحة عقلية نسبة إلى العقل وهذه تسمى البراءة الأصلية وتسمى استصحاب العدم يعني: عدم التكليف حتى يرد الدليل الناقل عنه.
وما من البراءة الأصلية ** قد أُخذت فليست الشرعية
وما يعني: إباحة.
وما من البراءة الأصلية ** قد أخذت فليست الشرعية
وذكرنا الخلاف الذي ينبني على هذه أن رفع الإباحة العقلية لا يسمى نسخا كان الربا مباحًا فنزل التحريم نقول: الربا كان مباحا بماذا؟ بالشرع أم بالعقل؟ بالعقل البراءة الأصلية عدم التكليف نزول تحريم الربا هل هو ناسخ؟ لا ليس بناسخ لماذا؟ لأن النسخ لا يكون نسخًا إلا إذا كان رافعًا لحكم شرعي وهنا لم يرفع حكمًا شرعيًّا بل رفع حكمًا عقليًا.
النسخ رفع أو بيان والصواب ** في الحد رفع حكم شرع بخطاب
(12/11)

إذا رفع حكمًا شرعيًّا بخطاب شرعي متراخٍ عنه كما سيأتي نقول: هذا يعتبر نسخًا مثل ماذا؟ الصيام كان في أول الأمر مخيرًا المكلف بين الصيام والبدل عنه بالإطعام ثم نزل قوله تعالى: {((((شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185] نقول: جواز الفطر أولاً مع البدل وهو الإطعام هذا منسوخ لأنه ثبت بحكم شرعي وذكرنا أنه يصح الاستدلال فيه بالبراءة الأصلية في عدم المؤاخذة يعني: لا يؤاخذ بما فعله قبل نزول الحكم وذكرناه في الدرس السابق.
هنا قال: بل هي حكم عقلي. على قول المعتزلة لأن المباح عندهم ما انتفى الحرج عن فعله وتركه ما انتفى يعني ارتفع الحرج عن فعله وتركه وذلك ثابت قبل ورود الشرع ومستمر بعده، هنا يأتي الإشكال ثابت قبل ورود الشرع هذا لا إشكال فيه لكنه مستمر بعد الشرع نقول: لا الشرع بعد تمام الأحكام الشرعية وخاصة بعد انقطاع الوحي نقول: ما دل الشرع إما أن يدل على وجوب الشيء أو ندبيته أو حرميته أو كراهته فإن لم يرد ما يدل على واحد من هذه الأمور الأربعة فالحكم أنه مباح وهو حكم شرعي كما سيأتي في مسألة الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع ومستمر بعده فلا يكون حكمًا شرعيًّا ومعنى إباحة الشيء تركه على ما كان عليه قبل الشرع ولم يتغير حكمه والصواب أن ما كان قبل ورود الشرع قد تغير حكمه من البراءة الأصلية إلى الإباحة الشرعية البراءة الأصلية لا وجود لها الآن بعد تمام الشرع انتهى وإنما هو أمر قبل ورود الشرع استمر إلى مثلاً الربا كان مباحًا إلى أن نزل أو نزلت آيات تحريم الربا نقول: مدة بقاء إباحة الربا إلى نزول آيات التحريم هذا هو محل النزاع أما استمراره إلى ما بعد انقطاع الوحي فهذا لا يقال به لا يقال بأن البراءة الأصلية أو البراءة الأصلية بمعنى العقلية إباحة الشيء عقلاً أنها مستمرة بعد تمام الشرع وإنما إذا قيل: الأصل في المعاملات الحل والإباحة. الإباحة هنا شرعًا وليست عقلا إذا قيل: الأصل في الأشياء الإباحة. الآن بعد ورود الشرع نقول: الأصل في الأشياء الإباحة ولكنها إباحة شرعية ولا وجود للإباحة العقلية. وقال أهل السنة: الإباحة هي حكم شرعي وهي خطاب الله بتخيير المكلف بين الفعل وبين الترك مطلقًا. ولذلك بعضهم يستدل بحديث «وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان». إذن ما سكت عنه فهو عفو ما أراد الله جل وعلا تحريمه حرمه، وما أراد ندبيته ندب الناس إليه، وما أراد تحريمه حرمه، وما أراد كراهته كرِهه لهم، وما سكت عنه إذن هو مباح على أصل الشرع فهو متوقف في وجوده على الشرع كبقية الأحكام.
المسألة الخامسة: في صيغ المباح إذا عرفنا أن الإباحة حكم شرعي كيف نستنبطها من الشرع؟ لها صيغ:
(12/12)

أولها لفظ الإحلال أو أَحل كل مادة أحل يحل إحلال هذا يدل على أنه مباح وأن الإباحة شرعية {((((((لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى ((((((((((((} [البقرة:187] {(((((َّ} نقول: مباح والإباحة شرعية ما الذي دل عليها؟ قوله تعالى إذ استدل بالقرآن بالشرع {(((((َّ}، {((((((((لَكُمْ مَا وَرَاءَ (((((((((} [النساء:24] (وَأَحَلَّ لَكُم) قراءة {((((((((لَكُمْ مَا وَرَاءَ (((((((((} إذن نقول: {(((وَرَاءَ (((((((((} المذكور إلا إذا قيد بالسنة كالجمع بين الخالة والعمة.
الثاني: التصريح بنفي الجُناح كقوله تعالى: {((((((عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ (((((((((} [البقرة:198]، {((((((عَلَيْكُمْ (((((((} إذن هو مباح.
الثالث: التصريح بنفي الحرج {((((((عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ ((((((} [النور:61] إلى آخره نقول: هذا دليل على الإباحة.
الرابع: صيغة الأمر افعل أو لِتفعل ما يدل على الوجوب صيغة التي صُرفت عن اقتضاءها الوجوب أو الندب إلى الإباحة ولكن يكون بقرينة {(((((((قُضِيَتِ الصَّلَاةُ ((((((((((((((} [الجمعة:10] {(((((((قُضِيَتِ (((((((((((} نائب فاعل {(((((((((((((ْ} انتشروا هذا أمر والأصل في الأمر أنه للوجوب هذا الأصل لكن هل يجب الإنتشار بعد الصلاة يجب؟ لا يجب نقول: هنا للإباحة لماذا صرفناه عن الوجوب إلى الإباحة دون الندب ما هي القرينة؟ قرينة قالوا: المنع من الفعل عند بعضهم. المنع من الفعل لأنه قال: {(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة:9]، إذن مُنع أو لم يمنع؟ الانتشار في الأرض الذي هو البيع ومثله {(((((((((الْبَيْعَ} اتركوا البيع هذا ممنوع المنع ثم بعد ذلك جاء الأمر قالوا: المنع الأمر بالشيء بعد المنع منه قرينة صارفة من الوجوب والندب إلى الإباحة هذا قول والأصح أن يقال: إن الأمر بالشيء بعد النهي عنه يَرُدُّ الشيء إلى أصله قبل النهي والأصل قبل النهي قبل قوله: {(((((((((الْبَيْعَ} إباحة الانتشار أم ماذا؟ الأصل أنه مباح فلما مُنع {(((((((((الْبَيْعَ} لعلة قال: {(((((((((((((ْ}. إذن رجع إلى أصله وسيأتينا بحث في باب الأمر.
هذه أربعة مواضع يكون دليلاً على إثبات الإباحة الشرعية.
المسألة السادسة: هل الإباحة تكليف؟ من يجيب هل هي حكم تكليفي؟ أحمد هي حكم تكليفي؟ نعم.
وليس مندوب وكُرْهٌ في الأصح**مكلفًا ولا المباح
(12/13)

صحيح؟ إيش فيكم يا إخوان الأصول تدوخكم ولا إيش؟ ليست حكمًا تكليفيا إيش الدليل؟ ما هو حد التكليف؟ إذا قيل: إلزام نريد إذا قيل: إلزام ما فيه مشقة ما الذي دخل وما الذي خرج؟ من هنا ما الذي دخل وما الذي خرج؟ دخل الواجب والمندوب لأن فيه إلزام ما فيه مشقة مَشقة الواجب جازمة ومشقة المندوب غير جازمة وأن المراد جنس المشقة لا باعتبار كل فرد فردًا والذي خرج؟ المحرم؟ إلزام ما فيه مشقة قلنا: دخل الواجب والمندوب لا المحرم وخرج المندوب والمكروه والمباح إذًا المباح على هذا القول تعريف التكليف بأنه إلزام ما فيه مشقة بأنه ليس بحكم تكليفي على القول الثاني في التكليف أنه طلب ما فيه مشقة ما الذي دخل وما الذي خرج؟ كلها دخلت وخرج المباح إذن المباح ليس حكما تكليفيا على التعريفين، لماذا؟ لأن التكليف إما إلزام أو طلب على الحدين والمباح ليس فيه إلزام ولا تكليف لذلك نص السيوطي على هذا.
وليس مندوب وكره
خالفناه في المندوب والمكروه.
وليس مندوب وكره في الأصح ** مكلفًا ولا المباح فرجح
في حده إلزام ذي الكلفة لا طلبه ** والمرتضى عند الملأ
إذن نقول: هل الإباحة حكم تكليفي؟ الجواب: لا، إذا قيل: حكم تكليفي كيف نقول: هي حكم شرعي؟ هل بينهما تنافٍ؟ هل بين الحكم التكليفي والشرع معارضة؟ إذا أُثبت أحدهما ونفي الآخر؟ ها يا أمة محمد نعم ليس بينهما تعارض لماذا؟ لأننا حددنا الحكم الشرعي العام قلنا: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف، لذلك ذكرت لكم أن فهم هذا الحد يندرج تحته عشرات المسائل كل ما قلنا دخل وخرج وأطلنا في الحد كله من أجل نضبط هذه المسائل.
خطاب الله المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أربعة أحكام أو التخير إذن داخل في الحد الحكم الشرعي أو لا؟ الحكم التكليفي حكم شرعي وحكم الإباحة حكم شرعي لا تكليفي أيهما أعم كل حكم تكليفي شرعي ولا عكس لأن الأحكام التكليفية الأربعة: الإيجاب، والندب، والكراهة، والتحريم. هي حكم وضعي وداخلة في حد الحكم الشرعي قال: أو التخيير. قلنا: المراد بالتخير هنا المباح استواء طرفين فعلاً وتركًا هو داخل في حد الحكم الشرعي إذن الإباحة حكم شرعي وليست حكما تكليفيا لأن أو للاقتضاء أو هذه للتنويع والتقسيم إذن الحكم التكليفي والإباحة نوعان للحكم الشرعي مع الوضع أريد التباين فقط نوعان للحكم الشرعي الحكم التكليفي شرعيٌّ ولا إشكال والأصح في الحكم الوضعي أنه شرعي لا عقلي والإباحة حكم شرعي إذن لا تنافي بين أن نقول: هي حكم شرعي وليست بحكم تكليفي، وإنما ذكرت عند بعض الأصوليين في عَدِّ الأحكام التكليفية أنها خمسة الشيخ الأمين رحمه الله في المذكرة ونثر الورود يرى أنها من باب التساهل يعني: جمعًا للأقسام. وبعضهم يرى أن الأحكام التكليفية الأربعة متعلقة بفعل المكلف وكذلك الإباحة خطاب تخيير بين الفعل والترك ومتعلقه فعل المكلف لأننا قلنا: ما خلا من مدح وذم. ما قلنا: فعل المكلف أخرج البهيمة والصبي والمجنون والنائم والساهي لأنهم ليسوا مكلفين إذن تعلقت الإباحة بماذا؟ بأفعال المكلفين فحينئذٍ شاركت الإيجاب والندب إلى آخره في كونه متعلقا بفعل المكلف.
(12/14)

أبو إسحاق الإسفرايني يرى أن الإباحة حكم تكليفي ولكن الخلاف مع لفظه لماذا؟ لأنه يقول: إذا حُكِمَ على الشيء بأنه مباح كل ما حكم عليه بأنه مباح وجب اعتقاد إباحته. وجب اعتقاد أنه مباح هذا ما فيه إشكال الماء البارد يجب أن نعتقد أنه مباح وهذا بالإجماع إذا قيل: وجوب اعتقاد إباحته والوجوب حكم تكليفي أو لا؟ تكليفي إذن كيف نرد عليه؟ نعم جلال. نقول: هذا الحكم مطرد في جميع الأحكام والكلام ليس في حكم المباح وإنما في المباح نفسه كلامنا في ماذا؟ في المباح نفسه الأكل هل هو حكم تكليفي وهو مباح؟ نقول: لا ليس حكما تكليفيا أما وجوب اعتقاد إباحته هذا لا إشكال فيه أنه حكم تكليفي لأنه نقول: وجوب والوجوب هذا من الأحكام التكليفية فمحل الخلاف منفك الإسفراينيي يتكلم عن حكم المباح وكلام الجماهير عن المباح نفسه إذن محل الإيراد إثباتا ونفيا ليس محلاً واحدًا قال: ومذهب أبي إسحاق الإسفرايني أنها تدخل تحت التكليف واستدل بقوله: إن التكليف هنا وجوب اعتقاد إباحته وأنه من الشرع فالمباح مكلف به من حيث وجوب اعتقاده. ورُد بأن العلم بحكم المباح خارج عن نفس المباح.
المسألة السابعة والأخيرة: هل المباح مأمور به؟ الأئمة الأربعة على أنه ليس مأمورًا به من يستنبط العلة مما سبق الدروس؟ الإباحة فيه تخيير، والأمر؟ الأمر طلب كما ذكرنا في المندوب المأمور به مطلوب ومُستدعَى إذن فيه ترجيح الفعل أليس كذلك؟ الأمر يستلزم ترجيح الفعل وهل في المباح ترجيح؟ لا ليس بينهما ترجيح وإنما يستوي الفعل فعلاً وتركًا المباح مستوي الطرفين.
لذاك والإباحة خطاب ** فيه استوى الفعل والاجتناب
مستويان على درجة واحدة لا يُفَضَّلُ أو يقدم الفعل على الترك ولا الترك على الفعل إذن نقول: هل المباح مأمور به؟ فيه مذهبان:
الأئمة الأربعة على أنه غير مأمور به من حيث هو مباح وهو مذهب جماهير العلماء.
المذهب الثاني: أن المباح مأمور به وهو منسوب للكعبي الكعبي هذا منسوب للكعبي الكعبي هذا رأس من رؤوس المعتزلة له فرقة باسمه خاصة مثل الجاحظية ونحوها والأزارقة يرى أن المباح مأمور به لكن الأمر به دون الأمر بالندب كما أن الأمر بالندب دون الأمر بالإيجاب يقول: كل –حجته- كل فعل يوصف بالإباحة فإنه من حيث كونه وسيلة إلى ترك الحرام مأمور به. لأن من تلبس بالمباح واشتغل بالمباح لزم من ذلك أن يشتغل بالمباح عن ترك الحرام وترك الحرام ما حكمه؟ واجب ترك الحرام حكمه واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فما به ترك المحرم يَرى ** وجوب تركه جميع من درى
(12/15)

ما لا يتم ترك المحرم إلا به فهو واجب قال: والمباح يُترك به الحرام فحينئذٍ يكون مأمورا به. فإذا اشتغل بالنوم نقول: النوم مباح. إذا نام عشر ساعات عشرين ساعة نقول: بنومه هذا قد اشتغل بالنوم الذي هو المباح عن أكل الربا وعن السعي في الظلم وعن الغيبة وعن النميمة إذن اشتغل بالمباح المؤدي إلى ترك المحرم أليس كذلك؟ فكل مباح يشتغل به يلزم منه أنه قد ترك به محرمًا وترك المحرم واجب فيكون المباح واجبا مأمورًا به يكون المباح مأمورا به رُد عليه هذا المذهب بأن المباح ليس هو نفس ترك الحرام وإنما شيء يترك به الحرام ولذلك إذا قيل: ترك الحرام أو الشيء الذي يترك به الحرام هل هو متعين في المباح أم يشمل المباح وغيره؟ يشمل المباح وغيره إذن على قاعدته –فاسدة- على قاعدته أنه لو اشتغل بالمندوب عن ترك الحرام صار المندوب واجبا لو جلس يستاك سبع ساعات نقول: اشتغل بالسواك المندوب عن شرب الخمر وعن الكذب وعن الغيبة وعن النميمة إذن ما لا يتم ترك الواجب إلا به فهو واجب إذن صار السواك واجبا كذلك بل لو اشتغل بحرام عن ما هو أشد منه؟ اشتغل والعياذ بالله بزنا بأجنبية مثلاً نقول: الزنا بالأجنبية هذا حرام اشتغل به عن ترك الزنا بالمحارم إذن صار واجبًا. هذا يدل على فساده لماذا؟ لأن هذه القاعدة لو سُلمت للزم أن يكون المندوب واجبا والمباح واجبا والحرام واجبا أيضا وأن يكون الحرام واجبا فحينئذٍ نقول: ترك الحرام الصواب أنه يَحْصُلُ عند فعل المباح لا بفعل المباح الصواب أن ترك الحرام يحصل عند فعل المباح لا بفعل المباح وحينئذٍ لا يلزم من ذلك أن يُحصر ترك الحرام في نفس فعل المباح بل يكون هو أعم يكون أعم هذه هي المسألة السابعة والأخيرة.
ونقف على هذا.
وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(12/16)

عناصر الدرس
* تابع ترتيب الأصوليين الأحكام التكليفية وعددها.
* المكروه لغة واصطلاحا.
* صيغ المكروه.
* ما يطلق عليه المكروه.
* هل المكروه منهي عنه حقيقة؟
* هل المكروه تكليف؟.
* الحرام لغة واصطلاحا.
* لا ثواب في الترك إلا بالنية.
* أسماء المحرَّم.
* صيغ التحريم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد.
لا زال الحديث في بيان وسرد وإيضاح الأحكام التكليفية الخمسة التي جمعها الناظم بقوله:
وَالْحُكْمُ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمَا ** أُبِيحَ وَالْمَكْرُوهُ مَعْ مَا حَرُمَا
أخذنا الواجب والندب والمباح، هذه ثلاثة الأحكام قد فرغ الكلام في كثير من أهم مسائلها ثم ربع الناظم بالمكروه فقال:
وَضَابِطُ الْمَكْرُوهِ عَكْسُ مَا نُدِبْ ** كَذَلِكَ الْحَرَامُ عَكْسُ مَا يَجِبْ
ذكرنا أن لبعض الأصوليين ترتيبًا معينًا في سرد هذه الأحكام التكليفية، منهم من يذكر الحرام بعد الواجب، ويؤخر المندوب مع المكروه، ويوسط المباح أو يؤخر المباح، يعني: يجعل خاتمة الأحكام التكليفية الخمسة المباح.
وذكرنا أن الضابط في هذا أن بعضهم ينظر إلى مجرد الطلب، بقطع النظر عن كونه جازمًا أو غير جازم. وبالطبع الأول الذي يقدم هو الواجب لكن فيما يثنى هل يلحق به المندوب أو الحرام؟ من نظر إلى كون الواجب طلب فعل -من نظر إلى كون الواجب طلب فعلٍ- ألحق به المندوب، لجامع أن كل منهما مطلوب الفعل بقطع النظر عن كونه جازمًا أو غير جازم فراعى أن مطلق أو أن مطلق طلب الفعل أولى من مع مراعاة الجزم وعدمه، ومنهم من راعى الجزم وعدمه، فقدم الحرام على المندوب، لكون الحرام مطلوب الترك على جهة الجزم فجاء مع الواجب بكونه على جهة الجزم، إذن النظر هنا للجزم وعدمه فمن كان جازما فهو أولى أن يلحق بالواجب وما ليس كذلك كالمندوب فهو أولى بالتأخير، وذكرنا أن الأولى أن يراعى طلب الفعل، وأما الجزم وعدم الجزم فهذا لا بأس أن يؤخر إلى ما بعد الندب. والمكروه والحرام جمع بينهما هنا لاشتراكهما في أن كلا منهما مطلوب الترك، إلا أن المكروه مطلوب الترك لا على سبيل الجزم، والمحرم أو الحرام أو المحظور مطلوب الترك على سبيل الجزم.
إذن لجامع أن كلاً منهما مطلوب الترك قورن بينهما أيضًا كلاً منهما يسمى مكروهًا المكروه كراهة التنزيه هو مكروه والحرام أيضًا في لغة الشرع يطلق عليه مكروه: {((((ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ((((} [الإسراء:38] أي: محرمًا. إذن أطلق لفظ الكراهة على المكروه كراهة التنزيل وعلى المحرم فحينئذٍ لجامع التسمية جمع بينهما أيضًا كل منهما منهيٌ عنه.
(13/1)

فهذه ثلاث علل جعلت الناظم كأصله وكغيره من الأصوليين يقرن بين المكروه والمندوب، كما أن الجامع بين الواجب والمندوب أن كلا منهما مطلوب الفعل وهما أولى بالقراءة، كلٌ منهما مطلوب الفعل. كذلك كلٌ منهما مأمورٌ به حقيقةً، الواجب أمرٌ وهذا باتفاق حقيقة، والندب أو المندوب مأمورٌ به حقيقةً على الأصح كما ذكرناه. إذن كما قُرِنَ بين الواجب والمندوب لكون كلٍ منهما مطلوب الفعل وكلٌ منهما مأمورٌ به حقيقةً كذلك قورن بين المكروه والحرام لهذه العلل الثلاثة، كون كل منهما مطلوب الترك والاجتماع في التسمية وثالث: كون كلٍ منهما منهيًا عنه، والحرام منهيٌ عنه على سبيل الجزم، والمكروه منهيٌ عنه لا على سبيل الجزم.
(الْمَكْرُوهُ) هو الحكم الرابع والحرام هو الحكم الخامس وقلنا: هذا التقسيم الخماسي هو على مذهب الجمهور، وأما على مذهب الحنفية والشافعية فعندهم تقسيمٌ آخر الحنفية قسموا الواجب أو قسموا ما طلب الشارع فعله طلبا جازما قسموه إلى قسمين:
ما كان بدليلٍ قاطع، فهو الفرض.
وما كان بدليلٍ ظني فهو الواجب.
كذلك ما نهى عنه الشارع ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا أيضًا قسموه إلى قسمين:
ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليل قطعي سموه حرامًا.
وما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليلٍ ظني سموه مكروهًا كراهةً تحريمية.
وما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازمًا سموه مكروهًا كراهةً تنزيهية.
فحينئذٍ المكروه عند الأحناف قسمان، المكروه عند الأحناف قسمان:
مكروهٌ كراهة تحريمية وحده عندهم: {ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليل ظني} إن كان النهي بدليلٍ ظني فهو المكروه كراهةً تحريمية، وحكمه أنه أقرب إلى الحرام يعني: يترتب عليه ما يترتب على الحرام من استحقاق العقاب والتحريم، وأنه مطلوب الترك إلا أن الفرق بينهما عندهم أن جاحد الحرام يكفر وأن جاحد المكروه كراهةً تحريمية لا يكفر، لأن الأول يعد أو يعتبر منكرًا لأمرٍ مقطوع به معلوم من الدين بالضرورة، والثاني ظني إذن لا يفيد القطع فحينئذٍ جاحده لا يكفر هذا الفرق بين الحرام وبين الكراهة التحريمية.
أما الكراهة التنزيهية فهي: {ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازمٍ} وهذا يطلق من جهة القطع والظن يعني لا ينظر فيه إلى دليلٍ سواءٌ كان ثابتًا بدليلٍ قطعي أم بدليلٍ ظني فهو مكروهٌ كراهةً تنزيهية، المكروه كراهةً تنزيهية عند الأحناف لا ينظر فيه إلى دليله يعني: لا يشترط فيه هل هو قطعي الثبوت والدلالة أم أنه ظني ثبوت والدلالة وإنما لكونه غير جزمٍ أو النهي فيه غير جازمٍ سموه مكروهًا كراهةً تنزيه، فحينئذٍ نقول: على هذا أن قول الناظم هنا: (وَضَابِطُ الْمَكْرُوهِ) المراد به المكروه عند الجماهير، أما الذي هو خامس أو الذي هو رابع الأحكام التكليفية.
أما المكروه عند الأحناف فهو قسمان: مكروه كراهةً تحريمية ومكروهٌ كراهةً تنزيهية الذي معنا هو القسم الثاني، وأما المكروه كراهةً تحريمية فهو داخلٌ في حد الحرام كما سيأتي، إذن القسم الثاني هو الذي معنا هو الذي نبحث عنه.
(13/2)

أما الشافعية فنظروا إلى محل الدليل الشافعية قسموا المكروه إلى قسمين أيضًا، بحسب محل دليل النهي الغير جازم قالوا: النهي الغير جازم ننظر إليه إن كان محل النهي بأمرٍ مخصوصٍ معين فهو المكروه وإلا فهو خلاف الأولى، يعني: فرقوا بين ما نهى عنه أو فرقوا بين المكروه قالوا: إن كان المكروه خاصا يعني نص الشرع ونهى عن شيءٍ خاص وثبت أنه غير جازم نقول: هذا مكروه وإذا لم يكن بأمرٍ معين بل بعمومات نقول: هذا خلاف الأولى مثلوا للمكروه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، «فلا يجلس» قالوا: هذا نهيٌ لكنه غير جازم مصروفٌ بأدلةٍ خارجةٍ عن النص فحينئذٍ ترك الصلاة أو الجلوس في المسجد دون صلاةٍ نقول هذا مكروهٌ، ما الدليل؟ «فلا يجلس»، لماذا؟ لأنه نهيٌ خاصٌ عن أمرٍ معين، أما خلاف الأولى قالوا: هذا ليس فيه نهيٌ خاص وإنما الذي ثبت هو الأمر بضده على سبيل الندب، الأمر بضد خلاف الأولى على سبيل الندب وهذا على غرار القاعدة التي في باب الأمر: {أن الأمر بالشيء أمر إيجاب يستلزم النهي عن ضده نهي تحريم}، وهذا سيأتينا.
وَأَمْرُنِا بِالشَيءِ نَهْيٌ مَانِعُ ** مِنْ ضِدِّهِ وَالعَكْسُ أَيضًا وَاقِعُ
في باب الأمر وهنا قالوا: ما أمر الشارع به أمر ندبٍ يستلزم النهي عن ضده نهي خلاف الأولى فإذا أمر الشارع بمستحب مندوب ولم يرد نهيٌ خاصٌ ينهى عن تركه قالوا الأمر بالمندوب يستلزم النهي عن تركه ولكن ليس على جهة الكراهة وإنما على جهة خلاف الأولى قد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلاً بصلاة الضحى أمرني خليلي بثلاثة، ووصاني بثلاث. ومنها: صلاة الضحى. إذن هي مأمورٌ بها هي مندوبةٌ، هل ورد النهي عن ترك صلاة الضحى؟ لم يرد لكن قالوا كون الأمر ثبت من جهة الشرع بصلاة الضحى ندبًا يستلزم هذا الأمر النهي عن ترك صلاة الضحى لكنه نهي خلاف الأولى، وقعدوا قاعدة عامة على هذه قالوا: خلاف الأولى هذا مستفادٌ من ترك المندوبات عموما، {كل مندوبٍ أمر به الشرع أمر ندبٍ يستلزم النهي عن ضده نهي خلاف الأولى} فحينئذٍ كل ما أمر به الشرع فهو مستلزمٌ للنهي عن ضده ولكن هذا يحتاج إلى دليل ولذلك المتقدمون لا يرتضون هذا التفصيل بل عندهم المكروه {ما نهى عنه الشارع نهيًا غير جازمٍ وثبت بنصٍ خاص}، وأما خلاف الأولى وإن أطلق عليه أنه مكروه إلا إنه مجرد اصطلاح أنه مجرد اصطلاح عند المتأخرين وخاصةً الشافعية وبعض الحنابلة.
إذن عرفنا أن المكروه يختلف باختلاف المذاهب يعني: ليس متفقًا عليه من جهة الاصطلاح الأحناف لهم تقسيمٌ خاص والشافعية لهم تقسيمٌ خاص، وهنا جرى الناظم على ما عليه الجمهور بأن المكروه له مصطلحٌ واحدٌ فقط وما عداه إما أن يقال بنفيه كخلاف الأولى وإما أن يقال: بأنه داخلٌ في الحرام ككراهة التحريم عند الأحناف.
قال: وضابط المكروه عكس ما ندب.
وضابط المكروه، ضابط هذا ما إعرابه؟ نقول: مبتدأ نقول: مبتدأ وعكس هذا خبره، ضابط المكروه عكس ما ندب.
(13/3)

وضابط الضابط والقاعدة والأساس والقانون والأصل هذه خمسة ألفاظ هذه خمسة ألفاظ: الضابط والقاعدة والقانون والأساس والأصل هذه من جهة الاصطلاح متقاربة المعنى كلها ينطلق عليها تعريف القاعدة، {قضيةٌ كلية يتعرف بها أحكام الجزئيات موضوعها}، هذا في الاصطلاح أما في اللغة فبنها فرقٌ فالضابط هو الحافظ الحازم، والقانون مقياس الشيء كذا ذكره في القاموس مقياس الشيء والأساس مبدأ البناء والجدار، والأصل والقاعدة في اللغة مترادفان، مترادفان بمعنى ما يبنى عليه غيره كما ذكره الناظم فيما سبق:
فَالأََصْلُ مَا عَلَيْهِ غَيْرُهُ بُنِي ** وَالْفَرْعُ مَا عَلَى سِوَاهُ يَنْبَنِي
إذا قيل الضابط بمعنى الأصل والأساس والقاعدة والقانون حينئذٍ يكون هذا أشبه ما يكون بالرسم، لأنه أراد أن يذكر شيئا يشترك فيه أفراد المكروه، كما سبق أن الناظم جرى هنا على الأصل في ترك حد الأحكام التكليفية وإنما اكتفى بذكر لوازمها وأحكامها وآثارها وما يترتب عليها والذي يترتب على هذه الأحكام أمر مشترك، فكأنه قضية كلية يتعرف بها أحكام جزئياتها، أو أحكام جزئيات موضوعها إذن الضابط هنا أشبه ما يكون بالرسم الذي ذكره فيما سبق.
(وَضَابِطُ الْمَكْرُوهِ عَكْسُ مَا نُدِبْ) (عَكْسُ) قلنا: هذا خبر والمراد به العكس اللغوي لأن العكس قد يكون اصطلاحًا كما هو عند المناطقة:
العكس قلب جزئي القضية**مع بقاء الصدق والكيفية
والكم
هذا هو العكس عند المناطقة والمراد هنا العكس اللغوي بمعنى المخالف، وإن كان العكس في اللغة بمعنى التبديل والقلب؛ وهو جعل السابق لاحقا واللاحق سابقا إذا قلبت الشيء وبدلته تجعل الذي في اليمين في الشمال والذي في الشمال في اليمين، هذا أصل العكس وحينئذٍ لو أردنا أن نطبق هذا على ما ذكره الناظم هنا: (وَضَابِطُ الْمَكْرُوهِ عَكْسُ) أي: قلب وتبديل وخلاف أو مخالفٌ (مَا نُدِبَ) يعني: الذي ندب ما هذه اسم موصول بمعنى الذي و (نُدِبْ) هذا فعلٌ ماضٍ مغير الصيغة والاسم الموصول مع خلافه في قوة المشتق فحينئذٍ يفسر بالمندوب يعني كأنه قال عكس المندوب، وما حقيقة المندوب؟ هو ما يريد هذا أي نعم أحسنت هو يريد يحيلك على الذي ذكره هو، أنت الآن تفسر كلام الناظم بخارج عنه أنت وذاك تفسرون كلام الناظم بخارجٍ عنه وهذا ليس بصحيح، وإنما إذا أبهم في موضع أبهمم أيُّ مصنف في موضع تفسره بما أحال عليه لأنه قال: حكي المندوب أي مندوبٍ الذي ذكره هو وأنت تحيل على ما ذكره غيره إذن نقول:
وَالنَّدْبُ مَا فِي فِعْلِهِ الثَّوَابُ ** وَلَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِهِ عِقَابُ
إذا قلبت وعكس وبدلت، تقول: المكروه ما أثيب على تركه ولم يعاقب على فعله ما أثيب على تركه، أليس كذلك؟ ما أثيب على تركه والندب ما أثيب على فعله ولا يعاقب على فعله الذي هو المكروه والمندوب لا يعاقب على تركه إذن حصل قلبٌ وتبديل.
(13/4)

(وَضَابِطُ الْمَكْرُوهِ عَكْسُ مَا نُدِبْ) إذا قلنا عكس بمعنى مخالف نقول: الأولى هنا أن يفسر العكس بمعنى الضد، كما هو نص أهل الأصول والمكروه ضد المندوب هكذا يقولون، والمكروه ضد المندوب ولو فسر العكس هنا بالضد لكان أولى من أن يفسر بالمخالف. لماذا؟ لأنك إذا قلت المكروه ضد المندوب الضدان يرتفعان ولا يجتمعان، وهنا المكروه والمندوب قد يرتفعا عن الفعل فحينئذٍ يكون واجبا أو حراما أو مباحا. إذن هل يتصور ارتفاع المكروه والمندوب؟ نقول: نعم يرتفعان يعني: لا يوصف المحل بكونه مكروها ولا مندوبا فيوصف بكونه حراما أو واجبا أو مباحا، فلا إشكال ولا يجتمعان يعني: لا يكون الشيء الواحد بالذات من جهةٍ واحدة مكروها مندوبا إذن لا يجتمعان لا يكون الشيء الواحد بالذات مكروها مندوب، ولذلك ينص الأصوليون على أن الأمر لا يتناول المكروه لا يدخل المكروه تحت الأمر. لماذا؟ وهذا هو الأصح والمسألة خلافية لأن الأمر مطلوب الفعل والمكروه مطلوب الترك فحينئذٍ يتنافيان، فكيف يكون الشيء مأمورا مطلوب الفعل منهيا مطلوب الترك؟ نقول: هذا لا يمكن أن يجتمع مع الكراهة والندب إذن لا يكون الشيء مكروهًا مندوبا لأن الأمر ضد النهي والنهي ضد الأمر لو فسر عكس بمعنى المخالف لقلنا: الخلافان قد يرتفعان وقد يجتمعان الخلافان، قد يرتفعان وقد يجتمعان. مثل ماذا؟ الضحك والقيام، ما العلاقة بينهما؟ خلافان متخالفان ليست التضاد، هل يمكن أن يجتمعان؟ نعم: يقوم ويضحك، هل يمكن أن يرتفعا؟ نعم يجلس ويسكت ولا يضحك يبكي، إذن لو قيل المندوب والمكروه خلافان لارتفعا جاز ارتفاعهما ولا اعتراض ولجاز أيضًا اجتماعهما وهذا محل اعتراض حينئذٍ تنكيثًا على الناظم نقول: لو قال: وضابط المكروه ضد ما ندب، لكان أولى لو قال: وضابط المكروه ضد ما ندب، كما نص الأصوليون على ذلك المكروه ضد المندوب لأن الضد إن، نقول: لا يجتمعان ويرتفعان، قد يوصف الشيء بكونه حراما فليس مكروها ولا مندوبا. ولكن هل يوصف الشيء بكونه في جهة الواحد في محل الواحد هل يكون مكروها منهيا عنه لا على سبيل الجزم ومأمورا به؟ نقول: لا، لا يجتمعان مطلق الأمر أو الأمر المطلق لا يتناول المكروه على الصحيح لأن بينهما تنافي وهو كون الأمر مطلوب الفعل والنهي مطلوب الترك، هذا يقال في قوله: (عَكْسُ).
(13/5)

لكن بعضهم يجيب عن مثل هذه المواضع والإيراد عليها بكون العكس بمعنى المخالف لا يمنع الاجتماع يكون المراد بالعكس هنا المخالف مخالفة بها يتنافيان ولا يجتمعان المخالف مخالفة بها يتنافيان ولا يجتمعان، ما الدليل على هذا؟ يقول: لأن تنافيَ الأقسام وعدم اجتماعهما هو الأصل في التقسيم، الأصل في التقسيم تنافي الأقسام إذا قيل الكلمة إما اسمٌ وإما فعلٌ وإما حرف، الأصل في التقسيم أن الاسم ينافي الفعل وينافي الحرف، والفعل ينافي الاسم وينافي الحرف، وكذلك الحرف، هذا الأصل وإذا قيل المكروه قسمٌ من أقسام الأحكام التكليفية، والندب قسمٌ من أقسام الأحكام التكليفية، ثبت التنافي من جهة كونه ناقص من اسمين وحينئذٍ لا بأس أن يقال: (عَكْسُ) بمعنى المخالف لأن المخافة هنا لا على وجه الاجتماع وإنما مخالفةً يتمكن بها الخلافان من عدم الاجتماع، وهذا معلومٌ من جهة التقسيم:
(وَضَابِطُ الْمَكْرُوهِ عَكْسُ مَا نُدِبْ) نقول: المكروه فيه مسائل:
الأولى: في حده وبيان حقيقته من جهة اللفظ واللغة والاصطلاح.
المكروه اسم مفعول من كَرِهَ، كَرِهَ يكره يُكره بالبناء للمفعول فهو مكروه لأن اسم المفعول من الثلاثي يأتي على زنة مفعولٍ:
وباسم مفعولٍ ثلاثي يطرد ** زنة مفعولٍ كآكل من قصد
قتل فهو مقتول، وقصد فهو مقصود، وكره فهو مكروه، والمراد بالكراهة هنا كره بمعنى أبغض ولم يحب الشيء المكروه، إذا قيل كرهه بمعنى: أبغضه ولم يحبه أبغضه ولم يحبه قال بعضهم: فكل بغيضٍ إلى النفوس فهو مكروهٌ في اللغة بغيض في النفوس فهو مكروهٌ في اللغة ولذلك قال الشاعر:
وإقدامي على المكروه نفسي ** وضربي هامة البطل المشيحي
وإقدامي على المكروه نفسي يعني: على الذي تكرهه نفسي، وإقدامي على المكروه نفسي. يعني: على الذي تكرهه نفسي هذا معنى يطلق المكروه بمعنى المبغوض، حينئذٍ إذا قيل كره بمعنى أبغض ولم يحب، فيصير المكروه بمعنى المبغوض وغير المحبوب أخذا من الكراهة فحينئذٍ نقول: المكروه ضد المحبوب إذا فسر بالبغض وعدم المحبة فالمكروه فحينئذٍ يكون ضد المحبوب أخذا من الكراهة وبعضهم يقول: إنه مأخوذٌ من الكريهة وهي الشدة في الحرب، يقال يوم الحرب يومٌ كريهة، يعني: يومٌ شديد النزال. هذا معناه في اللغة.
أما في الاصطلاح: فعرفه بعضهم بأنه: {ما تركه خيرٌ من فعله}. هكذا عرفه ابن قدامة في ((الروضة)).
(13/6)

ما تركه خيرٌ من فعله ما نقول: اسم جنس اسم موصول بمعنى: الذي ليس اسم جنس اسم موصول بمعنى: الذي. وهو جنسٌ في التعريف، يصدق على ماذا؟ على فعل المكلف، ما فعل المكلف فيدخل حينئذٍ الأحكام الخمسة لماذا دخلت؟ لأن الأحكام الخمسة متعلقةٌ بفعل المكلف فحينئذٍ المتعلق هو المراد هنا فيدخل الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام. ما تركه خيرٌ من فعله تركه خيرٌ، خرج ماذا؟ خرج الواجب، والمندوب تركه خيرٌ من فعله كلها فصل، أخرجت الواجب وهذا واضح، لأن الواجب فعله خيرٌ من تركه، لأن الخيرية ثابتة في الفعل وضد الخير الشر، الشر أوالعقاب ثابتٌ في الترك ثابتٌ في ترك الواجب وخرج المندوب، لماذا؟ لأن فعله خيرٌ من ترحه فحينئذٍ الخيرية ثابتةٌ في الفعل والشر والعقاب. هل يترتب على ترك المندوب؟ لا يترتب على ترك المندوب. المباح خرج بقوله: تركه خيرٌ من فعل لأن المندوب مستوي الطرفين لا يُثْبَتُ لفعله ولا لتركه الخيرية:
لذاك والإباحة الخطاب ** في الاستوى والفعل والاجتناب
إذن هو مستوي الطرفين لا يحكم لفعله على تركه بالخيرية ولا على تركه ولا لتركه على فعل الخيرية لأنه مستوي الطرفين. ماذا بقي؟ بقي ماذا؟ بقي الحرام، هل يخرج بقوله تركه خيرٌ من فعله هل يخرج؟ يخرج، الحرام تركه خيرٌ من فعله؟ يخرج هذا بناءً على تفسير خير، خير هذا أفعل تفضيل، حذفت همزته تخفيفًا لكثرة الاستعمال:
وغالبًا أغناهمُ من خيرٌ وشر ** عن قولهم عن خير من هو أشر
كذا قال ابن مالك في (الكافية)،وغالبا أغناهمُ. أغنى العرب
وغالبًا أغناهمُ خيرٌ وشر ** عن قولهم أخير ومنه أشر
إذن الأصل أخير حذفت الهمزة فصارت خير أشر هو الأصل حذفت الهمزة تخفيفا، فصار الشر دليل على هذا أنه صُرح في بعض أقوال العرب كقول الراجز:
(13/7)

بلالُ خيرٌ الناس وابن الأخير، قال: الأخير وجدت الهمزة تبعًا للأصل كذلك: {(((((((((((((غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ((((} [القمر:26] {((((((((} في قراءة بفتح الشين وتشديد الراء هذا في إثبات الهمزة، خير أفعل التفضيل اسم التفضيل دل على وصف لكن هذا الوصف مشتركٌ بين المفضل والمفضل عليه في أصله إذا قيل: زيدٌ أكرمُ من عمرو، أكرمُ هذا أفعل التفضيل إذا قيل: زيدٌ خير من عمرو أيضا نقول: خيرٌ هذا أفعل التفضيل ما الذي يفهم من هذا التركيب نفهم أن زيدًا وعمرًا كلاهما متصفان بصفة الكرم مشتركان في أصل الوصف فالكرم ثابتٌ لعمرو كما أنه ثابتٌ لزيد، المفضل زيد والمفضل عليه عمرو، أفادت أفعل التفضيل مع الدلالة على أن الأول والثاني مشتركان في أصل الوصف، أن المفضل هذا زائدٌ في وصف الكرم على المفضل عليه، أليس كذلك؟ زيدٌ أكرم من عمرو، كرم زيدٍ يزيد على كرم عمرو، مع كون عمرو كريم، عمرٍو كريمًا وزيدٍ كريمًا إذن الوصف مشترك فأفعل التفضيل اشتقت في لغة العرب للدلالة على الاشتراك في وصف، هذا الأصل، وقد يسلب عنها هذا الوصف فحينئذٍ تدل على أن الوصف للمفضل دون المفضل عليه قد يقال: زيدٌ أكرم من عمرٍو، وعمرو لم يشم رائحة الكرم، وإنما المراد أن زيدا فيه كرم لاعتبار عمرو وهذا واردٌ في القرآن أيضا. مثل ماذا؟ {(((((((((الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ((((} [الفرقان:24] {(((((((((((((((((((} باعتبار من؟ أصحاب النار، {• (((((} ممن؟ من أصحاب النار هل النار فيها خير؟ {(((((((((((((((} يعني: الجنة أحسن مقيلاً من النار هل النار فيها حسن؟ لا. إذن قد يستعمل أفعل التفضيل لا على بابه هكذا تجد يمر معك بالكتب مثلاً: أفعل التفضيل ليست على بابها، لماذا ليست على بابها؟ يعني على النافذة! يعني ماذا؟ يعني: خالفت الأصل الذي وضعت له في لغة العرب وهو أنها تدل على اشتراك المفضل والمفضل عليه فحينئذٍ يدل على أن الوصف مشترك بين المفضل والمفضل عليه وأن المفضل زائدٌ في الوصف على المفضل عليه {(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [الصف:10،11] {(((((((((} [الصف:11] الذي هو الإيمان {• (((((} [الصف: 11] خيرٌ من عدم الإيمان الذي هو الكفر، هل الكفر فيه خير؟ الجواب: لا، إذن هذه أفعل التفضيل ليست على بابها. ما تركه خيرٌ من فعله. إذا أردنا أن نخرج الحرام نجعل خير على أي المعنيين؟ على غير بابها، إذا أردنا أخراج الحرام فحينئذٍ لا بد أن نحمل خير على غير بابها، ومن فهم أن الحرام لم يخرج جعل خير على بابها أنها تدل بالاشتراك، لأن الحرام ليس فيه فعل الحرام، ليس فيه خير باعتبار تركه. ما تركه، أي: الحرام، خيرٌ من فعله.
(13/8)

هل فعل الحرام فيه خير؟ لا الربا هل فيه خير مثلاً؟ لا ليس فيه خير، فحينئذٍ إذا أردنا إخراج الحرام فنحمل خير هنا أفعل التفضيل على غير بابها، ما تركه خيرٌ من فعله، اعترض عليه بأنه غير مانعٍ لدخول الحرام فيه والجواب أن الخيرية تقتضي المشاركة بين الفعل والترك مع زيادةً في جانب الترك وهو الثواب على الترك ولا عقاب في فعله. لو فسر بهذا لخرج الحرام، لأنه لا مفاضلة بين الفعل والترك في الحرام. مما حد به المكروه: ما نهي عنه نهيًا غير جازمٍ، ما: نشمل الأحكام الخمسة، نهي عنه: خرج الواجب لا نهي فيه، خرج المندوب لا نهي فيه خرج المباح لا نهي فيه ماذا بقي؟ الحرام والمكروه. ما نهي عنه نهيًا، هذا للتأكيد غير جازمٍ أخرج الحرام، ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم كذلك عُرِّفَ أو حد بهذا ما: تشمل الأحكام الخمسة، طلب: خرج المباح الشارع تركه: خرج ما ترك الشارع فعله وهو الواجب والمندوب، طلبا غير جازمٍ أخرج الحرام، ما مدح تاركه ولم يذم فاعله هكذا عرفه الفتوحي في ((المختصر)) ما مدح تاركه ولم يذم فاعله، ما مدح: خرج به المباح فإنه لا مدح في فعله ولا في تركه. ما مدح تاركه: خرج به الواجب والمندوب فإنه يمدح فاعلهما، ولم يذم فاعله: خرج الحرام فإنه يذم فاعله.
المسألة الثانية في صيغ المكروه:
أولاً: لفظ كره ومشتقاتها كره يكره أكره كل ما يدل على لفظ الكراهة يستفاد منه، لكن هذا فيه إشكال من جهة أن أكثر إطلاق لفظ الكراهة كما سيأتي أنه على المكروه كراهة تحريم، فحينئذٍ لا بد من البحث عن قرينة تجعل الكراهة في النص بمعنى كراهة تنزيهية بمعنى: الكراهة التنزيهية، فحينئذٍ قد يطلق لفظ الكراهة في الشرع مرادا به المكروه في اصطلاح الفقهاء في اصطلاح: «إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال»، «قيل وقال»، «كره» فسر بالكراهة التنزيهية، إذن لفظ كره دل في النص على أنه مكروهٌ كراهةً تنزيهية لفظ البغض ومشتقاتها يدل على الكراهة: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق». إن صح الحديث: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق».
الثالث: النهي بصيغة لا تفعل، الأصل في النهي أنه للتحريم هذا الأصل، فإذا وجدت قرينة صارفة للنهي عن أصله فإنما يصرف إلى الكراهة، كراهة تنزيه «إذا دخل أحدكم المسجد قلا يجلس». لا تفعل، لا يجلس نقول: الأصل أنه يحمل على التحريم لكن لقرينة خارجة عن النص حمل على الكراهة كراهة تنزيه.
المسألة الثالثة: ما يطلق عليه المكروه يعني: محاله التي يُنَزَّلُ عليها.
(13/9)

أولاً: يراد بالمكروه الحرام، وهذا هو الكثير في نصوص الشرع -كتابا وسنة-، أن يطلق المكروه مرادًا به الحرام ولذلك عند الأئمة الثلاثة الشافعي مالك والشافعي وأحمد، أكثر ما يرد في كلامهم لفظ الكراهة مرادًا به التحريم لأنهم كانوا يتورعون ويحذرون من النهي الوارد في قوله تعالى: {((((تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [النحل:116] فورعًا وخوفا من أن يقعوا في هذا النهي كانوا لا يتلفظون بلفظ الحرام، وإنما يقولون: أكره هذا ويريد به التحريم، ولذلك قال الإمام أحمد: أكره المتعة والصلاة في المقابر وهما محرمان عندهم لعن عبر بأكره، لماذا؟ يخشى من أن يزل أو يخطئ فيشمله النهي الوارد في الآية: {((((تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا • ((((((} [النحل:116]. فلو قال: حرام وأخطأ يخشى أن يكون داخلاً في الآية وهذا من شدة ورعهم رحمهم الله تعالى، كذلك ذكر الخرقي: يكره بآنية الذهب والفضة ونو في المذهب أنه حرام عدل عن لفظ التحريم إلى الكراهة تورعًا إذن هذا هو الموضع الأول يطلق المكروه مرادًا به الحرام، والنص المشهور الذي ذكرناه آنفًا لما ذكر الله عز وجل: أشد المحرمات، وهو الشرك بالله: {(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا (((((((} [الإسراء:23]. ثم ذكر سائر المحرمات وكثيرًا من المحرمات ثم قال: {((((ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ((((} [الإسراء:38] ومعلومٌ أن الشرك من أشد المحرمات بل هو أشدها إذن يطلق المكروه ويراد به الحرام.
الثاني: يطلق المكروه ويراد به الكراهة التنزيهية، التي هي المصطلح عند الفقهاء وعند الأصوليين، وهو قسيم الحرام في طلب الترك، ولكن عند المتأخرين إذا أطلق لفظ المكروه انصرف إلى ما نهي عنه نهيًا غير جازم صار علمًا بالغلبة، وإن كان في الشرع يطلق على الحرام وعلى المكروه كراهةً تنزيهية، يعني: في الشرع مشترك بين المعنيين وإن كان الأكثر استعمالاً على المحرم لكن في اصطلاح الفقهاء، ماذا؟ يختص المكروه بالكراهة التنزيهية من باب العلم بالغلبة وبعض العلاء:
وقد يصير علمًا بالغلبة ** مضافٌ أو مصحوب أل في العقبة
المكروه ينصرف إلى هذا فتكون أل للعهد الذهني.
الثالث: ما فيه شبهةٌ وترددٌ في تحريمه وهذا يكثر عند الفقهاء أن ما وقع فيه الخلاف بين الفقهاء تحريمًا وكراهةً أو واجبًا وسنة، يطلقون على مع جواز الأصل في الفعل عندهم، يقولون: يكره تركه يكره استعمال كما يقولون في كثير من أصناف المياه إذا سُخِّنَ بنجس يقولون: كره مطلقًا، لماذا؟ للخلاف فيه إذًا هناك تردد بين التحريم وعدمه وهذا يستدلون له بحديث «الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمورٌ مشتبهات»، إذن لا يجزم ويقطع بحلالها لأنها حلال ولا يقطع بتحريمها إذا كان هي فيها شبهةٌ مترددة بين الأمرين ولذلك قال: «إن الحلال بين -وليس كل الحلال- وإن الحرام بين وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعلمها كثيرٌ من الناس». هذا الموضع الذي بين الحلال البين والحرام البين أطلق عليه كثير من الفقهاء لفظ المكروه:
(13/10)

وما فيه اشتباهٌ للكراهة انتمى ** والفرض والواجب قد توافقا
كالحتم واللازم مكتوبٍ وما ** فيه اشتباهٌ للكراهة التبس
هنا دل على هذا الحديث: «إن الحلال بين وإن الحرام بين». ولهذا لا ينكر يقال مثلاً في بعض المسائل: يعلل الحكم بالخلاف تجد كثير من المسائل يقولون: يكره للخلاف يعني: لورود الخلاف وهذا التعليل صحيح لكن بشرط أن يكون الخلاف معتبرًا:
وليس كل خلافٍ جاء معتبرًا ** إلا خلاف له حظ من النظر
من جهة القائل ومن جهة وجه الاستدلال ولذلك يذكر في كثير في أبواب المياه يقولون: يكره وإذا سخن بالنجس كره يعني ماذا؟ لورود الخلاف ولذلك إذا احتاج إليه قالوا: ارتفعت الكراهة إذ لا يترك واجب لشبهة، انظر قالوا: مكروه ثم قالوا: لا يترك واجبٌ لشبهة هذا في المذهب عندهم فأطلقوا على المشتبه لأن بعض أهل العلم يمنع من الوضوء به وبعضهم يجيز، والصواب الجواز لورود الخلاف فيه يطلق عليه بأنه مكروه أما الخلاف الضعيف المستند على دليلٍ ضعيف منكر إلى آخره أو وجب الاستدلال يكون بعيدًا وهذا الخلاف لا يعتبر ولا يطلق على الخلاف بأنه يكره على ما ترتب على الاختلاف من الاشتباه أنه مكروه.
الموضع الرابع: يطلق المكروه على ترك ما مصلحته راجحة هذا في المذهب عند الحنابلة، على ترك ما مصلحته راجحة وهو ما يسمى بترك الأولى كترك المندوبات ترك المندوبات هذا مثل خلاف الأولى عند الشافعية، عندنا في المذهب ترك الأولى إذا ترك المندوبات.
الموضع الخامس: الذي يطلق عليه المكروه يطلق على ما كان مكروهًا لمصلحةٍ دنيوية وهذا يكثر منه النوع في المجموع وغيره يقول: المكروه كراهةً إرشادية مكروهٌ للإرشاد إذا كانت المصلحة هنا دنيوية.
(13/11)

المسألة الرابعة: هل المكروه منهيٌ عنه حقيقةً؟ يذكرون في هذا الموضع المكروه يكون مكروه على وزان المندوب اختصارًا، ولهذا لا يبحثون في المكروه هل هو حكمٌ تكليفي أم لا هل هو منهيٌ عنه أم لا لماذا؟ لأن المكروه كما نص الناظم هنا: (عَكْسُ مَا نُدِبْ) فما هو على وزانه على غرره فكما اختلفوا هنا هل المندوب مأمورٌ به حقيقةً؟ هنا أيضًا اختلفوا في المكروه هل هو منهيٌ عنه حقيقةٌ؟ فلما جوزنا وصححنا أن المندوب مأمورٌ به حقيقة كذلك هنا نقول: المكروه منهيٌ عنه حقيقةً لماذا؟ لاستوائهما في الحد كما قلنا هناك: النهي استدعاء الترك حقيقةُ النهي استدعاء الترك والمنهي عنه الذي هو حرام مطلوب الترك، والمكروه كراهة التنزيه مطلوب الترك، إذن استويا في الحد. فكما يصدق لفظ النهي على الحرام حقيقةً يصدق على المكروه حقيقةً، كما قلنا: الأمر نوعان: أمر إيجاب، وأمر استحباب، أمرٌ جازم وأمرٌ غير جازم نوعان وقسمان لمسمًى واحد، فإذا سمي أحد القسمين لكونه مأمور الحقيقةً لزم أن يكون القسم الثاني مأمورًا به حقيقةً، كذلك النهي هنا قد يكون نهيًا جازمًا وقد يكون نهيًا غير جازمٍ فكما أطلق لفظ النهي حقيقةً على الجازم لزم من ذلك أن يطلق النهي حقيقةً على النهي الغير الجازم هذا وجه. أيضًا استعمال النهي في المكروه شائعٌ لغةً وشرعًا -يعني على ألسنة الفقهاء والأصوليين-، والأصل في الاستعمال الحقيقة ولذلك استعمل في الشرع أيضا مرادا به التحريم ومرادا به الكراهة التنزيهية فدل على أن لفظ النهي يصدق عليهما، لأن المحرم لا شك أنه منهيٌ عنه حقيقةً فاستعمل لفظ المكروه فيه، واستعمل لفظ المكروه في المنهي عنه نهيًا غير جازم فدل على استواء الأمرين.
هل المكروه تكليف؟ المسألة الخامسة: الجمهور على أنه ليس بتكليف:
وليس مندوبٌ وكرهٌ في الصح ** مكلفًا ولا المباح فرجح
في حده إلزام بالكلفة لا ** طلبه والمرتضع عند الملك
المسألة مبنية على حد التكليف، ما حقيقة التكليف؟ من قال: إنه إلزام ما فيه مشقة وكلفة قال: المكروه ليس ومن قال: إنه طلب ما فيه كلفة ومشقة قال: ليس المندوب، إلزام ما فيه مشقة، قال: إن المكروه ليس بتكليف، ومن قال: إن التكليف طلب ما فيه مشقة فحينئذٍ يكون المكروه مكلفا به والثاني هو الأصح، ولذلك نقول: الأحكام التكليفية أربعة، وأدخلنا المباح لما ذكرناه بالأمس وإذا عرفنا أن المكروه في اللغة المراد به المبغوض، وكل مبغوضٍ إلى النفس يطلق عليه أنه مكروه لغةً مناسبةً للاصطلاح الأصولي مع المعنى اللغوي، يلزم منه أن يكون في المفروض مشقة، وإنما المشقة اعتبرت كما اعتبرت في المندوب يعني: ليس باعتبار كل فردٍ فرد وإنما باعتبار جنس، فالمشقة موجودة في المكروه لكنها في جنس المكروهات وليس في كل فرد فرد. كما يقال: إن المشقة ثابتة في الواجب وليس كل واجبٍ يكون فيه مشقة على العبد بل بعضها تكون المشقة ظاهرة وبعضها تكون المشقة تكاد أن تكون منفية أصلاً هذا هو الحكم الرابع: وهو المكروه.
(13/12)

ثم قال: (كَذَلِكَ الْحَرَامُ عَكْسُ مَا يَجِبْ) (كَذَلِكَ الْحَرَامُ) (الْحَرَامُ) (كَذَلِكَ) أو نقول: (كَذَلِكَ) الكاف هذا حرف تشبيه وذا اسم إشارة والمشار إليه (كَذَلِكَ) ما الذي أشير إليه؟ الكراهة المكروه نعم المكروه مثل المكروه في عكس المندوب (الْحَرَامُ) لكنه ليس عكسا للمندوب وإنما هو عكسٌ للواجب، (كَذَلِكَ) نقول: متعلقٌ بمحذوفٍ حال، هذا أولى ما يقال فيه، جار مجرور متعلق بمحذوفٍ حال متقدم على قوله: (الْحَرَامُ) وهو مبتدأ وهذا جائزٌ.
لميتا موحشا طلب
هذا نكرة تقدمت عليه الحال: {(((((((أَبْصَارُهُمْ (((((((((((} [القمر:7] {(((((((((((}، {(((((((} يجوز أن تتقدم الحال بشرطه {(((((((((((} صاحب الحال هنا نعرفه وهو الواو {(((((((} هذا حال متقدمة (كَذَلِكَ الْحَرَامُ) (الْحَرَامُ) هذا مبتدأ صاحب الحال (كَذَلِكَ) جار مجرور متعلق بالمحذوف حال (الْحَرَامُ) حالت كونه (كَذَلِكَ) يعني: مثل المكروه (عَكْسُ) هذا هو الخبر (عَكْسُ مَا يَجِبْ) (مَا) اسم موصول بمعنى الذي (يَجِبْ) صلتها والموصول مع صلة في قوة المشتاق أنه قال: الحرام عكس الواجب، والمراد بالعكس هنا الضد أو المخالف مخالفةً بها يقع التنافي أخذاً من التقسيم، لماذا؟ لأن الحرام عكس الواجب ضد الواجب هذه عبارة الأصوليين ضد الواجب، والضدان يرتفعان ولا يجتمعان يرتفعان ولا يجتمعان وهنا يمكن أن يرتفع التحريم والوجوب فيثبت الندب أو الإباحة أو الكراهة لكن هل يجتمعان؟ لا، يجتمعان لأن الحرام منهيٌ عنه والواجب مأمورٌ به ولا يمكن أن يكون الشيء الواحد من جهة واحدةٍ لهذا القيد مأمورًا به منهيا عنه مأمورا به منهيا عنه لا يمكن أن يكون من جهةٍ واحدة، أما مع احتكاك الجهة ففيها تفصيل في المطولات (كَذَلِكَ الْحَرَامُ عَكْسُ) إذن (عَكْسُ) لابد أن نفسرها إما بالضد، وإما بالمخالف مخالفةً بها يتنافيان ولا يجتمعان لأن لا نقع في حرج وهو إذا فسرنا العكس بالمخالف فقط فحينئذٍ يفهم منه أن الخلافين يرتفعان ويجتمعان والانتفاع للواجب والحرام لا إشكال فيه أم الاجتماع فهذا الصواب أنه من جهةٍ واحدة نقول: لا، لا يجتمعان.
الحرام نقول: فيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى في حقيقته وبيان حده: حرام ومحرم، حرام هذه صفةٌ مشبه حرام صفةٌ مشبه لأنه من باب حَرُمَ، حَرُمَ الشيء حرامًا، وحرم صفةٌ مشبه لكثير الغالب أنه يأتي على زنة فعيل.
ويغلب القريب من باب قرب
وهذا الكثير.
وقد أتى على جبانٍ وجنب
جبان مثل ماذا؟ جبان مثل حرام التي معنى حرمتم هذه صفةٌ مشبهة، يقول النيساري:
ويغلب القريب من باب قرب.
من باب فعل هذا الغالب قريب جمل فهو جميل صفة مشبهة شرف فهو الشريف صفة مشبهة هذا هو الغالب في باب فعل.
وقد أتى. قد للتقليل. وقد أتى، يعني: ما كان على باب فعل.
وقد أتى على جبانٍ
هذا المثال وزن كحرام
على جبانٍ ** وجنب
فُعل
وخشنٍ صعبٍ وصلبٍ وحسن.
مثل ومثل وقارن وأطمئن
مثل شجاعٍ ووقور واطمئن
(13/13)

هذه كلها بس قليلة يعني ليست بكثيرة وهذا الغالب أن يأتي على مثل فعيل إذن حرام هذا صفةٌ مشبهة وقد أتى على جبانٍ وجنب. جبان كحرام صفةٌ مشبه أما محرم فهذا ما وزنه اسم مفعول مثل مباح وذكرنا في كل الأحكام التكليفية أوزانها الواجب على زنة اسم الفاعل مندوب اسم مفعول مباح اسم مفعول مكروه اسم مفعول محرم اسم مفعول.
وزنة المضارع اسم فاعل ** من غير ذي الثلاثة كالمواصل.
مع كسر متلوٍ الأخير مطلقا ** وضم ميم زائدٍ قد سبقا.
وإن فتحت منه ما كان كسرا ** فرسم مفعول كمثل مرتضى
انتظرَ ينتظرُ فهو منتظرَ حرمَ يحرَّمُ فهو محرمٌ حينئذٍ تقول: إذن محرم هذا اسم مفعول، وحرام هذا صفةٌ مشبهة والأصل في المعنى اللغوي للفظ حرام المنع فالمحرم هو الممنوع: {(((((فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [المائدة:26] فسر بالتحريم اللغوي: {((((اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (((} [الأعراف:50] لا تحريم في الأكل الأكل والماء: {(وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ (((((((((((((} [القصص:12] موسى رضيع ليس أهلاً للتكليف قال: {(وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ (((((((((((((} إذن الأصل في التحريم والحرام والمحرم المنع. قال امرؤ القيس:
جالت لتصرعني فقلت لها اقصري ** إني امرؤٌ صرعي عليك حرام
يعني ممنوع إذن الأصل في التحريم المنع هذا في لغة العرب، أما في الاصطلاح قال الناظم: (كَذَلِكَ الْحَرَامُ عَكْسُ مَا يَجِبْ) عكس الواجب يخالفه ما أثيب تاركه -وأثيب فاعله- وعوقب فاعله، أليس كذلك ما أثيب تاركه يعني: تارك المحرم الثواب متعلق بالترك والعقاب متعلق بالفعل، هذا حكمه حده الناظم بالحكم ويقال: في المكروه والحرام يترتب الثواب ما قيل في ترتب الثواب في الواجب أنه يشترط القصد.
ومثله الترك لما يحرم ** من غير قصد ذا لا عن مُسلم
كما قيل في الواجب أنه قسمان باعتبار الاعتداد به في النية نية الامتثال وعدمها كذلك يقال في المكروه والمحرم، أنه لا ثواب إلا بنية الامتثال والتقرب إلى الله تعالى، ولذلك يذكر بعضهم أن المكروه الذي هو مطلوب الترك والحرام الذي هو مطلوب الترك تارك المحظور والمكروه على أربعة أقسام: باعتبار النية والاعتداد وترتب الثواب تاركٌ للمحظور لم يطرأ على قلبه فعل المحظور لم يحدث نفسه أبدا على الإطلاق هذا نقول: لا ثواب ولا عقاب لا ثواب، لماذا؟ لأنه لم ينوي لم يقصد ولا عقاب لماذا؟ لأنه لم يفعل والعقاب مرتبٌ على الفعل على وجود الشيء إذن هذا لا ثواب ولا عقاب لكونه لم يطرأ على قلبه أصلاً.
الثاني: أن يكون تاركًا للحرام تعظيما لله مخافةً للجناب الله فنقول: هذا يثاب على الترك ولذلك جاء في الحديث: «فإن هم بسيئةٍ ولم يعملها كنب الله له حسنةً كاملة». قال: «لأنه تركها من جرائي» أي: من أجلي هذا يثاب وهو المراد بقول الناظم: ومثله تركٌ لما يحرم. يعني: لا بد من اعتبار النية في الثواب.
(13/14)

الثالث: أن يكون تارك المحظور وكذلك المكروه عاجزًا عن الفعل عجز عن الفعل، لكنه لم يبذل السبب لو ترك فعل المحرم لكنه تمنى في قلبه أن لو كان عنده مالٌ كزيدٍ فينفقه كما أنفق زيد في المحرمات، تمنى بقلبه هل فعل؟ هل بحث عن المال؟ لم يبحث لكنه في قلبه تمنى أن يكون مثل زيد وزيد قد أنفق ماله في المحرم نقول: هما في الوزر سواء. لماذا؟ للحديث نفسه هما في الوزر سواء فنقول: هذا يعاقب، لكن يعاقب معاقبة الفاعل بالفعل أو بالنية فقط؟ بالنية لأنهم لم يبذل لم يحصل الفعل فحينئذٍ يعاقب على وجود هذه النية «إنما الأعمال بالنيات».
الرابع: أن يكون تاركًا للمحظور عجزا مع بذل السبب وهذا يعاقب معاقبة الفاعل أراد أن يسرق فجهز العدة فذهب فوجد رجل الأمن مثلا فرجع، نقول: هذا، هذا بدل السبب هذا العدة أخذ كل ما يحتاجه لكنه وجد في وجهه رجل الأمن مثلاً فرجع فنقول: هذا ترك المحظور لم يسرق مثلاً لم يحصل منه المحرم لكنه لبذله السبب حينئذٍ يعاقب معاقبة الفاعل هذه أربعة أقسام فحينئذٍ نقيد أن المحرم ما أثيب تاركه قصدا، لأن شرط الثواب هو القصد عرف الحرام بتعريف قيل: ما توعد بالعقاب على فعله. فهذا على غرار ما توعد بالعقاب على تركه في الواجب في الواجب هنا قلنا ما توعد بالعقاب على فعله ما ذم شرعًا فاعله هذا في المحرم على غرار الواجب ما ذم شرعا فاعله ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله ولا بد من اشتراط القصد ما طلب الشارع تركه طلبا جازما، ما نهى عنه الشارع نهيا جازما ما ذم فاعله ولو قولاً وعمل قلب شرعا، وهذا الذي اخترناه هناك في الواجب وهو حد الفتوحي.
ما ذم فاعله ما هذه اسم موصول بمعنى الذي يصدق على الأحكام الخمسة.
ذم خرج به المباح ذم فاعله خرج به المندوب والواجب، لأنه يمدح فاعله ولا يذم فاعله.
ولو قولاً وعمل قلبٍ: قلنا إن اطلع الفتوحي على من ينازع في دخول عمل القلب وقول اللسان في فعل المكلف فلا إشكال، وإلا فيعتبر من التأكيد والتنصيص على معنى ما لأن ما صادقة للفعل المكلف فعل المكلف عام يشمل الجوارح والقلب واللسان.
شرعا هذا بيان لمصدر الذم فلا ذم إلا من جهة الشرع وبقية الحدود واضحة على غرار ما سبق.
المسألة الثانية في أسماء المحرم: يسمى الحرام محظورا وممنوعا ومزرورا ومعصيةً وذنبا وقبيحا وفاحشةً وإثما وحرجا وتحريجا وعقوبةً.
محظورا: من الحظر وهو المنع وواضح وجه التسمية وسمي الفعل بالحكم المتعلق به.
ومعصيةً: للنهي عنه.
وذنبًا: لتوقع المؤاخذة به.
وباقي ذلك ترتبها على فعله هذه ثلاثة أسماء.
المحظورًا: مأخوذًا من الحظر وهو المنع.
ومعصيةً: للنهي عنه.
وذنبًا: لتوقع المؤاخذة به. وما عد ذلك لتتبها على فعله يعني: عقوبة لماذا؟ لوجود الفعل إلى آخره.
صيغ التحريم وهي المسألة الثالثة والأخيرة: التصريح بلفظ التحريم ومشتقاته: {(((((((((عَلَيْكُمُ ((((((((((((} [المائدة:3] {(((((((((عَلَيْكُمْ (((((((((((((} [النساء:23] نقول: هذا حرام من أين أخذنا بالتصريح لأنه قال: حرم.
(13/15)

الثاني: نفي الحل: لا يحل كذا لا أحل كذا أقول: هذا دليل على التحريم: {((((يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ (((((((} [البقرة:229] {((((((((((} هذا تحريم: «لا يحل مال امرئٍِ إلا من طيب نفسٍ منه». حرام يحرم.
الثالث: صيغة النهي لا تفعل من غير قرينةٍ صارفة للنهي عن أصله إلى الكراهة: {((((تَقْتُلُوا (((((((((((((} [الإسراء:31] نقول: القتل حرام، ما الدليل لا الناهية المصنف على الفعل والأصل في النهي للتحريم.
الرابع: لفظ الاجتناب مقرونًا بما يدل على لزومه فاجتنبوا لو قال: فاجتنبوا لفظ الاجتناب لما يدل على لزومه: {(((((((((((((((لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (((} [المائدة:90] {(((((((((((((((} علق الفلاح على الاجتناب فدل على لزومه.
خامسًا: ترتب العقوبة على الفعل قال: {((((((((((((وَالسَّارِقَةُ ((((((((((((((} [المائدة:38] هذا عقوبة رتبه على ماذا؟ علة وجود السرقة فدل على أن السرقة حرام. {(((((((((((يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ ((((((((} [النور:4] هذا عقوبة أول لا عقوبة ترتبه على رمي المحصنات فحينئذٍ نقول: هذا حرامٌ.
هذا أهم ما يذكر في باب الحرام هناك مسائل فيها نوع صعوبة، ولكن تترك إلى كتابٍ أوسع من هذا إذن قوله:
وَضَابِطُ الْمَكْرُوهِ عَكْسُ مَا نُدِبْ ** كَذَلِكَ الْحَرَامُ عَكْسُ مَا يَجِبْ
كَذَلِكَ الْحَرَامُ عَكْسُ مَا يَجِبْ
إذا قيل: الحرام عكس ما يجب هذا باعتبار أقسام التكليف وإلا في الشرع فلا، الحرام ضده الحلال، ولذلك قابل بينهما «إن الحلال بين وإن الحرام بين». إذن يقابل الحرام في الشرع الحلال وليس الواجب وإنما المقابلة هنا باعتبار التكليف ولذلك قيل: الحرام ضد الحلال حقيقةً لقوله تعالى: {((((تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا • ((((((} [النحل:116]. «إن الحلال بين وإن الحرام بين» وإنما جعله عكسًا له باعتبار تقسيم أحكام التكليف فهذه خمسة أحكام ذكرها الناظم تبعًا للأصل ويأتي الأحكام الشرعية الوضعية بقوله:
وَضَابِطُ الصْحِيحِ مَا تَعَلَّقَا ** بِهِ نُفُوذٌ
نقف على هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين.
(13/16)

عناصر الدرس
* هل الصحة والفساد حكمان شرعيان أو عقليان؟
* هل الصحة والفساد حكمان تكليفيان أو وضعيان؟
* الصحة والفساد لغة واصطلاحا
* الصحة والقبول والفرق بينهما
* الباطل والفاسد والفرق بينهما
* شرح حد الناظم للصحة والفساد

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قد قال الناظم رحمه الله تعالى:
(وَضَابِطُ الصْحِيحِ) إلى آخر البيتين هذا شروعٌ منه في بيان النوع الثاني من نوعين الحكم الشرعي قد ذكرنا أن الناظم قد تبع الأصل في سرد هذه الأحكام السبعة قال: والأحكام سبعةٌ أو الأحكام الشرعية سبعة، وقيل أن الجويني رحمه الله قد يرى أن الصحيح والفساد أو البطلان أو من الأحكام الشرعية التكليفية، لأنه قارن بينها وبين الواجب وما عطف عليه والواجب ما عطف عليه هذا حكمٌ شرعي تكليفي، فيحتمل أن الناظم تبع الأصل ويحتمل أنه ترك التنصيص على أنه حكمٌ وضعي اختصارًا للمبتدئ.
(وَضَابِطُ الصْحِيحِ مَا تَعَلَّقَا) عرفنا أن الحكم الشرعي قسمان: حكمٌ شرعيٌ تكلفي، وحكمٌ شرعيٌ وضعي، يجمعهما الحد العام {خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع}. وعليه نقول أن الصحيح أن الصحة والفساد حكمان شرعيان وهذه مسألة مختلفٌ فيهما هل الصحة والفساد حكمان شرعيان أم حكمان عقليان؟ نقول فيه مذهبان:
مذهب الجمهور: وهو الصحيح أن الصحة والفساد حكمان شرعيان.
والمذهب الآخر: وهو مذهب ابن الحاجب رحمه الله أن الصحة والفساد حكمان عقليان.
(14/1)

قلنا الأصح الأول لأنه إذا نظر إلى الحد قد ذكرت لكم سابقًا أن ضبط الحد يفيدك في كثيرٍ من المسائل المختلف فيها، إذا ضبط الحد وأنه أصح مما يمكن أن يذكر فيه من القيود حينئذٍ تستطيع أن تضبط كثير من المسائل المتنازع فيها ومنها هذه المسائل إذا قيل: بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع. نقول الصحة والفساد حكمان شرعيان، لماذا؟ لأن الاقتضاء أو التخيير منتفيان عن وصف الصحة والفساد، يعني الصحة والفساد ليس دالين على اقتضاء الذي هو الطلب وليس فيهما تخيير، إذن انتفى الأول يبقى ماذا؟ الثاني وهو أنه حكمٌ وضعي وعليه نقول وصف الصحة والفساد ينطبق عليه الحكم أو النوع الثاني من الحكم الشرعي؟ النوع الثاني من الحكم الشرعي، لماذا؟ لأن الشرع قد جعل الصحة وصفًا للعبادة أو العقل المستجمع للشروط فإذا قيل عبادةٌ صحيحة صلاةٌ صحيحة يفهم من إطلاق الصحة على العبادة أنها مستجمعةٌ للشروط والأركان ومنتفية الموانع، وهذا هو حقيقة الحكم الشرعي الوضعي أن الشرع جعله علامةً على شيءٍ آخر، ولذلك سبق أن حده {كون الشيء سببًا لشيءٍ آخر، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، أو صحيحًا، أو فاسدًا}. إذن إذا أطلق وصف الصحة على الشيء نقول هذا الوصف جعله الشارع علامة ووضعه علامةً على أي شيء؟ يدل على استفاء الموصوف، سواءٌ كان عبادة أو معاملة. استفاء الموصوف لماذا؟ أو لأي شيء للأركان والشروط وانتفاء الموانع إذا قيل صلاةٌ صحيحة يفهم من هذا أن الصلاة مستجمعة للشروط والأركان منتفية الموانع، وإذا قيل عقدٌ أو معاملةٌ صحيحة يفهم منها إطلاق لفظ الصحة على المعاملة أو العقد أنه مستجمعٌ للشروط والأركان ومنتفٍ للموانع حينئذٍ نقول: إذن لم يُفهم من وصف الصحة والبطلان لم يفهم منه اقتضاءٌ ولا تخيير ليس فيهما اقتضاء وليس فيهما تخيير، فانتفى كونها مع حكمين شرعيين تكلفيين، وحينئذٍ يتعين لأن القسمة ثنائية يتعين إذا انتفى أحد القسمين أن يدخل تحت الثاني وهو أنه حكمٌ وضعي ونخلص من هذا أن الصحة والفساد حكمان شرعيان، ثم الأصح فيهما أنهما حكمان وضعيان لا تكلفيان.
(14/2)

ابن الحاجب رحمه الله يرى أن الصحة والفساد حكمان عقليان يقول: بأن العقل هو الذي يحكم بكون الشيء صحيحًا أو فاسدًا لأن الفعل فعل المكلف إما أن يكون مسقطًا للقضاء أو موافقًا لأمر الشارع على الخلاف في الصحة، إما أن يكون مسقطًا للقضاء أو موافقًا لأمر الشارع، فحينئذٍ إن كان مسقطًا للقضاء أو كان موافقًا لشرع يكون صحيحًا بحكم العقل، وإما أن لا يكون مسقطًا للقضاء ولا موافقًا للأمر الشارع على الخلاف في حد الصحة فيكون فاسدًا باطلاً وهذا حكمٌ عقلي، فيقول كما نحكم كون العبد قد أدى الصلاة أو لا إذا حكمنا على زيد من الناس هل هو مؤدٍ للصلاة أم لا؟ هل هذا حكمه يستفاد من الشرع؟ لا ليس مستفادًا من الشرع وإنما حكم العقل بواسطة الحس أن زيدًا قد صلى وأدى الصلاة يكون الحكم بالصحة كذلك هما سيان سواء بسواء كما حكمنا على زيد بكون مؤديًا للصلاة أو بكونه غير مؤديًا للصلاة كذلك لو حكمنا على صلاته بكونها صحيحة أو لا هذا حكمٌ عقلي لكن نقول الصواب ما هو؟ يتكلم، لكن نقول الصواب أن الصحة والفساد حكمان شرعيان لماذا لأن الصحة والفساد جعلا علامةً على كون العبادة قد استجمعت، أو الصحة قد استجمعت للأركان والشروط وانتفت الموانع، والركن والشرط والمانع على هل هذه عقلية أم شرعية؟ شرعية وما ترتب على الشرعي فهو شرعي، لأن الشرع هو الذي يحكم بكون العبادة قد أسقطت القضاء، أو كون العبادة قد وافقت الأمر والامتثال، لأن الشرع هو الذي يحكم بكون العبادة مسقطة للقضاء وهذا هو حقيقة الصحة في العبادة، أو كون العبادة قد وافقت الأمر وامتثلها العبد وهذا هو حقيقة الصحة فحينئذٍ تكون الصحة والفساد حكمين شرعيين، من الذي يحكم كون هذه الصلاة فاسدة أو باطلة؟ لكونها لم تستوف الأركان والشروط وانتفاء الموانع نقول: الركن، والشرط، وانتفاء المانع هذه أمور شرعية ومردها إلى الشرع، فكون العبد قد وافق الشرع أو قد استجمعت عبادته لما ذكر أو لم تستجمع، نقول هذا أمره ومرده إلى الشرع. ولذلك في العقود -الصوت واضح- في العقود نقول: القاضي تحكم بصحة العقد عقد النكاح مثلاً يحكم القاضي بكون هذا العقد صحيحًا أو ليس بصحيح نقول بالإجماع أن القاضي لا يحكم إلا بالشرع ولا يحكم بالعقد، القضاة إنما يحكمون في الأصل المطبق للشرع الأصل أنه يحكم بالشرعيات ولا يحكم بالعقليات، ومرد الأقضية في العقود إلى القضاة، فحينئذٍ لما رد الشرع إلى القضاة في الحكم على العقود عقود النكاح أو غيرها بالبطلان أو الصحة دل على أن الصحة والفساد حكمان شرعيان.
(14/3)


إذن نخلص من هذا أن الصحة والفساد حكمان شرعيان وهذا قول الجمهور وهو الصحيح ثم هؤلاء القائلين ثم هؤلاء القائلون بأن الصحة والفساد حكمان شرعيان قد اختلفوا فيما بينهم هل الصحة والفساد حكمٌ شرعي تكليفي أم حكمٌ شرعي وضعي؟ الجمهور على أنها من الأحكام الوضعية لحقيقة أو لانطباق حقيقة خطاب الوضع على حد الصحة والفساد، إذا انتفى الاقتضاء والتخيير تعين الثاني إذا انتفى الاقتضاء والتخيير تعين النوع الثاني ولا إشكال، الفخر الرازي ومن تبعه ذهبوا إلى أن الصحة والفساد حكمان تكليفيان قالوا: لأن معنى الصحة الإباحة معنى، ومعنى البطلان الحرمة، معنى الصحة الإباحة إذن فسروا الصحة بماذا؟ بالإباحة والإباحة حكم شرعي تكليفي كما سبق إذن الصحة حكمٌ شرعي تكليفي، الإباحة يقصدون بها إباحة الانتفاع وفسروا البطلان بالحرمة يعني: حرمة الانتفاع إذا بطل العقد يحرم الانتفاع بالثمن من جهة البائع ويحرم الانتفاع بالسلعة ونحوها من جهة المشتري. قالوا: الحرمة حرمة هذا حكمٌ شرعي تكليفي إذن رد البطلان وفسر بحكم شرعي تكليفي نقول هذا يكفي فيه أن تكلف ولا يدل لفظ الصحة لا لغةً ولا شرعًا على معنى الإباحة ولا يدل لفظ البطلان لا لغة ولا شرعًا نفي الحرمة أو على إثبات الحرمة، فحينئذٍ نقول الصواب أن الصحة والفساد حكمان شرعيان، ثم الصواب أن الصحة والفساد حكمان شرعيان وضعيان، ولا نقول أنهما تكليفيان.
حد الصحيح قال: (وَضَابِطُ الصْحِيحِ مَا تَعَلَّقَا) حد الصحيح، الصحيح هنا من حيث الصحة لا بد من تقييده لأن الصحيح والفاسد هذان مشتقان، والأصل في وصفهما أنه يوصف بهما فعل المكلف وهنا يفسر الصحيح أو الفاسد من حيث وصفه بالصحة والفاسد من حيث وصفه بالفساد كما قيل فيما مضى من الأحكام الشرعية إذن نقول هذا شروعٌ من الناظم في بيان الخطاب أو أحكام الخطاب الوضعي لكن بأي اعتبار لأن الخطاب الوضع قلنا محصورٌ في خمسة: العلل، والسبب، والشرط، والمانع، والصحة والفساد، لكن نقول العلل غير مستقرة الأصل فيه. الشروط، والموانع، والأسباب، والصحة، والفساد، هذه خمسة. والعلة ترجع إليها لكن التقسيم هنا نقول تقسيم للحكم الشرعي الوضعي باعتبار استجماعه الشروط المعتبرة في الفعل وعدم استجماعه للشروط المعتبرة في الفعل، إذن ينقسم الحكم الشرعي الوضعي باعتبار، باعتبار ماذا؟ كون الفعل مستجمعًا للشروط المعتبرة فيه فيحكم عليه حينئذٍ بالصحة، وكون الفعل غير مستجمع للشروط المعتبرة فيه فيوصف حينئذٍ بالفساد والبطلان، من هذه الحيثية ينقسم الحكم الشرعي الوضعي إلى صحةٍ، وفساد.
الصحة في اللغة: نقول ذهاب المرض والبراءة من كل عيب هذا أصل إطلاقه في اللغة هذا صحيح هذا عكس هذا مريض وفيه عيب، وقيل الصحيح المستقيل وقيل السلامة وعدم الاختلاف، وكلها متقاربة لكن الأشهر والأحسن أن يفسر الصحيح بالمستقيل الصحيح المستقيل وضده المرض.
وليلٍ يقول المرء من ظلماتها**سواءٌ صحيحات العيون وعورها
صحيحات العيون أي: السالمة من العيب والمرض.
والفساد لغةً ضد الصلاح وقيل الفساد لغةً المختل، وقيل: الفساد لغةً الذاهب ضياعًا وخسرًا، وكلها متقاربة.
(14/4)

أما في الاصطلاح فالصحة في تعريفها مذهبان: مذهب المتكلمين، ومذهب الفقهاء، والمعلوم عند أهل الأصول أن طريقة الأصوليين على مرتبتين أو نوعين: طريقة الفقهاء وطريقة المتكلمين.
والمراد بالفقهاء هنا الأحناف والمراد بالمتكلمين المالكية، والشافعية، والحنابلة. هذا الأصل وقد يوافق بعضهم بعضا قد يميل بعض من على طريقة الفقهاء إلى طريقة المتكلمين والعكس بالعكس فقد يرجح عند المتكلمين أو بعضهم ما عليه طريقة الفقهاء.
لكن في الأصل أن طريقة الفقهاء المراد بها طريقة الأحناف.
وطريقة المتكلمين المراد بها بقية الأئمة الثلاثة ليس هم شافعي وأحمد ومالك لا حاشاهم وإنما المراد أتباعهم لأن المتكلمين المراد بهم من أدخل علم الكلام في فن الأصول ونظروا إلى القواعد من جهة عقلية بحتة، ولذلك قد يخالفهم في بعض القواعد ما عليه أهل الشرع. الحاصل أن تم فرقًا بين المذهب المتكلمين ومذهب الفقهاء.
الصحة عند المتكلمين موافقةُ الفعل للوجهين الشرع.
وصحة وفاق ذي الوجهين**للشرع مطلقًا بدون مين
وصحة العقل أو التعبد**وفاق ذي الوجهين شرع أحمد
إذن الصحة عند المتكلمين موافقة ما معنى موافقة يعني: مطابقة وقد وافقت العبادة أو المعاملة يعني: طابقت، موافقة الفعل ذي الوجهين الفعل هنا أطلقه ليشمل العبادة والمعاملة فحينئذٍ هذا التعريف على الأصح أنه شاملٌ للعبادات والمعاملات ولذلك قال في ((المراقي)):
وصحةٌ وفاق ذي الوجهين**للشرع مطلقًا
للشرع مطلقًا، مطلقًا أراد به هنا كما قال الشراح: عبادةً أو معاملةً بل نص السيوطي وصرح في الكوكب بهذا
(14/5)

وصحة العقد أو التعبد، التعبد المراد به العبادة وصحة العقد أو التعبد وفاق ذي الوجهين شرع أحمد إذن موافقة الفعل، الفعل هنا يشمل العبادة والمعاملة للوجهين عندنا فعل ذو وجهين وفعلٌ ذو وجهٍ واحد، ذو وجهين ما المراد بالفعل ذو الوجهين ما المراد بالفعل بالوجهين نقول: الموافق للشرع والمخالف يعني: يقع تارةً موافقًا للشرع ويقع تارةً مخالفًا للشرع يعني يمكن أن يوصف بالوصفين لكن في حالين يمكن أن يوصف بالوصفين في حالين: يوصف بالموافقة إذا وافق الشرع بكونه مستوفيًا للشروط والأركان والواجبات مع انتفاء الموانع، إذا استوفت العبادة الشروط، والأركان، والواجبات، وانتفت الموانع نقول: هذه عبادةٌ صحيحة، وقد وافقت الشرع إذا اختل منها ركنٌ أو شرطٌ أو وجد مانع، نقول هذه العبادة غير موافقة للشرع إذن الوصف لعبادةٍ واحدة، ولكن باعتبارين في محلين نقول عبادة صحيحة أو صلاة، صلاةٌ صحيحة، نقول الصلاة هذه عبادةٌ وفعلٌ يوصف بالوصفين يعني: فعلٌ ذو وجهين إن استجمعت الصلاة للأركان والشروط وانتفت الموانع نقول: هذه صلاةٌ صحيحة، وإذا فُقد ركنٌ كالفاتحة مثلاً، أو شرطٌ كالطهارة مثلاً، أو استوفيت الأركان والشروط لكن وجد مانع كالصلاة في المقبرة مثلاً نقول: الصلاة باطلة، لماذا؟ نقول: من صلى ومن لم يقرأ الفاتحة قد اختل ركن فصلاته باطلة، من صلى ولم يتطهر الصلاة باطلة لاختلال شرطٍ، من استوفى الأركان والشروط وصلى في مقربة أو في دارٍ مغصوبة، نقول الصلاة باطلة لماذا؟ لوجود مانع لوجود مانع إذن الصلاة نفسها ذو وجهين، طابقت الشرع وخالفت الشرع لكن باعتبارين هل هناك فعلٌ لا يطابق لا يكون إلا موافقًا للشرع؟ قالوا: نعم رد الودائع النفقة على الزوجات هذا لا يكون إلا مطابقًا للشرع، ولو لم ينوي الفاعل وقد أتى بالواجب كما سبق معنا
وليس في الواجب من نوال**عند انتفاء قصد الانتفاء
(14/6)

يعني: الواجب باعتبار الاعتداد به وعدم الاعتداد به ينقسم إلى قسمين: واجبٌ لا يعتدد به إلا بالنية كالصلاة والصلاة، واجبٌ يعتدد به بدون نية يعني: يصدق عليه أنه واجب وقد أتى به المكلف ولكن لا ثواب ولا أجر لماذا لفوات شرط الثواب وهو النية إذن رد الودائع هذا لا يكون إلا موافقًا للشرع، النفقة على الزوجات واجبة ولا تكون إلا مطابقة للشرع، هل يمكن أن يقال النفقة صحيحة أو فاسدة؟ ما توصف هل نقول رد الوديع أو رد الدين هذا فاسد؟ لا يمكن، لماذا؟ لأنه لا يوصف بالصحة إلا ما كان ذا وجهين، أما ما كان ذا وجهٍ واحدٍ ولا يكون إلا موافقًا للشرع قالوا هذا لا يوصف بالصحة، قالوا: معرفة الله هل توصف بوجهين؟ هل توصف بالوجهين؟ نقول لا توصف إلا بوجهٍ واحد، لا تكون إلا موافقةً للشرع، إذا لم تكن موافقةً للشرع فهي جهلٌ لا معرفة إذا أثبت الصفات على ما جاء به الشرع نقول: قد عرف ربه وهذه معرفة ثابتة شرعا، وأما إذا أنكر الصفات نقول: عرف ربه؟ لا إذن لا يمكن أن يقع الإيمان بالصفات والأسماء مثلاً بوجهين أن يكون موافقًا للشرع وأن يكون مخالفًا للشرع، لأن الإيمان إذا لم يكن موافقا للشرع نقول هذا ليس بإيمانٍ شرعي إذن قوله: موافقة الفعل بالوجهين. احترز به الفعل بالوجه الواحد كرد الودائع والنفقة على الزوجات ومعرفة الله، لأن معرفة الله إن لم تكن موافقةً للشرع فهي جهلٌ لا معرفة، ومن أنكر الصفات هؤلاء جهال ليسوا بعلماء في باب المعتقد من خالف الأشاعرة والماتريدية ليسوا بعلماء لا يعد في باب المعتقد علماء ولا حجة بهم قال: الشرع.
إذن وافق الشرع موافقة الفعل بالوجهين الشرع فحينئذٍ إذا امتثل المكلف الأمر وقام وصلى في وقت الصلاة وأتى بالصلاة بأركانها وشروطها وانتفت موانعها ظانًا أنه على طهارةٍ نقول: هذا قد وافق الشرع وصلاته صحيحة.
وصحةٌ وفاق ذي الوجهين**للشرع مطلقًا بدون مين
هذه الصحة عند المتكلمين، أما الصحة عند الفقهاء ففصلوا بين العبادات وبين المعاملات، أما الصحة في العبادات عند الفقهاء قالوا: سقوط القضاء بالفعل قالوا: {هي سقوط القضاء بالفعل}، وقيل في الأخير إسقاط القضاء الذي هو التعبد
وصحة العقد أو التعبد**وفاق ذي الوجهين شرع أحمد
وقيل في الأخير إسقاط القضاء
إذن فسرت الصحة عند الفقهاء في العبادات بأنها إسقاط القضاء أو سقوط القضاء بالفعل بمعنى أن المكلف إذا فعل العبادة وأسقط القضاء أسقط المطالبة بفعل الصلاة مرةً أخرى نقول هذه وُجدت الصحة صلاةٌ صحيحة أما إذا لم يسقط بفعله الطلب وبقيت الذمة مشغولةٌ بالعبادة نقول: حينئذٍ الصلاة ليست صحيحة، والصحة ليست ثابتة بل هي منتفية إذن الصحة عند الفقهاء في العبادات سقوط القضاء في الفعل يعني: ما وافق الأمر وأجزأ وأسقط القضاء سقوط القضاء بالفعل يعني: بفعلها بفعل ذاك أو نفس العبادة بمعنى أن لا يحتاج إلى فعلها ثانيًا. هل هذا الحد موافق للحد عند المتكلمين؟ المتكلمون عندهم الصحة موافقة الفعل ذي الوجهين شرعًا وإن لم يسبق القضاء، هذا في العبادات وعند الفقهاء الصحة في العبادات سقوط القضاء بالفعل فإذا لم يسقط القضاء انتفت الصحة.
(14/7)

إذن عند المتكلمين نظروا إلى موافقة الفعل للطلب نفسه ينبني على هذا كمثال يذكرونه صلاة من ظن الطهارة، يعني: خلاف بين التعريفين يتبين في مثل هذا المثال صلاة من ظن أنه على طهارة قام أذن الظهر فاستجاب وامتثل قام وقد ظن أنه على طهارة شك في الحد هل هو محدثٍ أم لا ماذا؟ يصنع شرعًا؟ يبني على اليقين أنه على طهارة هو الأصل أنه على طهارة، نقول يبني على اليقين فحينئذٍ يحكم على نفسه بأنه متطهر فيصلي بعد أن انتهى من الصلاة هل وافق الأمر؟ هل امتثل نقول: نعم امتثل، طُلِبَ منه الصلاة وأتى بالأركان والشروط وانتفت الموانع، لكن بعد أن صلى تبين له أنه على غير طهارة بعد أن صلى وانتهى من الصلاة تبين له أنه على غير طهارة هذا محل الخلاف ما الذي توصف به الصلاة الأولى؟ هل هي صحيحة أم لا؟ عند المتكلمين الصلاة صحيحة وعند الفقهاء الصلاة باطلة.
الصلاة صحيحة عند المتكلمين لماذا؟ لانطباق الحد (موافقةُ الفعل بالوجهين الشرع) هو وافق الشرع فامتثل أما كونه رجح الطهارة ثم تبين نقول قد فعل ما أمر به وهو أنه اعتبر الظن الراجح، لأنه مأمورٌ إذا شك وكان الأصل الطهارة أن يعمل بالطهارة هذا أمر والأصل في أنه يقف مع هذا الأمر ويعمل بما ظن أنه صحيح، ثم بعد ذلك تبينه فساد طهارته أنه لم يتطهر ليس مؤثرًا في صحة الصلاة لثبوت الصحة مطابقةً لأمر الشارع.
لكن عند الفقهاء هل هذه الصلاة أسقطت الطلب؟ لا، لم تسقط الطلب، لماذا؟ لأنه مأمورٌ بالقضاء والضابط في الصحة عند الفقهاء سقوط القضاء بالفعل يعني: بفعل الصلاة أولاً، والقضاء لم يسقط لأنه مطالبٌ بإعادة الصلاة.
(14/8)

هل بين القولين خلافٌ جوهري؟ الأكثر على أن الخلاف لفظي، قد صرح أكثر الأصوليين بهذا -أن الخلاف لفظي-، لماذا؟ قالوا: لأنه إذا لم يتبين بطلان الحدث هل يأمر بالقضاء؟ إذا لم يتبين الحدث وبطلان الطهارة هل يأمر بالقضاء؟ بالإجماع لا بين الفقهاء والمتكلمين، لماذا؟ لأنه لم يطلع هذا العلم عند الله هو صلى ظانًا الطهارة وفي نفسه إلى أن مات أنه صلى تلك الصلاة بطهارة أمره إلى الله، إذن لا يأمر بالقضاء لأنه قد صلى متطهرًا إذا تبين له الحدث انتفاء شرط من شروط الصلاة بعد أن أدى الصلاة ظنًا استفاء الشروط عند الفريقين أنه مأمورٌ بالقضاء، إذن المتكلمون يحكمون على الصلاة الأولى بأنها صحيحة وهو مأمورٌ بقضاء الصلاة والفقهاء يحكمون على الصلاة الأولى بأنها باطلة للانتفاء الشرط ويأمرونه بقضاء الصلاة. إذن محل النزاع هل المعتبر في سقوط أو في الحكم بالصحة هو ظن المكلف أو موافقة نفس الأمر؟ ما هو المعتبر في كون الشيء صحيحًا موافقة الشيء لنفس الأمر أو الوقوف مع ظن المكلف؟ المتكلمون نظروا إلى ظن المكلف، قد نحكم على الشيء بكونه صحيحًا إذا وافق الأمر الشرعي -ظن المكلف- وافق الأمر الشرعي، فحينئذٍ لو تبين خطأ ذلك الظن لا يضر في الحكم على صحة العبادة أو (ال .. ). أما الفقهاء قالوا: لا العبرة بما في نفس الأمر إذا صلى ظنًا أنه متطهر نقول هذا في نفس الأمر ليس متطهرًا فحينئذٍ صلاته باطلة فاسدة في حكم الشرع أن صلاته باطلة ولو كان ظانًا ماذا؟ الطهارة، لماذا؟ لأن موافقة الأمر كما قال ابن الدقيق العيد لهذا في رد مذهب المتكلمين موافقة الأمر هل هو موافقة الأمر للأصل الذي هو الأمر بالصلاة أو موافقة الأمر في العمل بظن المكلف؟ إن كان المراد موافقة الفعل بالوجهين أمر الشارع الأصلي الذي هو قوله: {(((((((((((((((((((((} [الأنعام:72]. هنا لم يوافق لماذا لأنه مأمورٌ بصلاة مستوفيةٍ للأركان والشروط وانتفاء الموانع وهنا لم يمتثل إذا ما وافق الأمر الأصلي {(((((((((((((((((((((} هل وافق الأمر بالوقوف والعمل بظن المكلف؟ نقول: لا، لم يوافق لماذا لأن الشرع أحال إلى ظن المكلف الظن الراجح الذي لم يتبين فساده، أما الظن الفاسد هذا الشرع لم يعلق به العمل، الظن الفاسد نقول الشرع لم يعلق العمل به فحينئذٍ موافقة الأمر لأي شيء؟ لا لم يوجد شيء لا أصلي ولا فرعي الذي هو ظن المكلف وبهذا يترجح مذهب الفقهاء لأن تطبيق الصحة عند المتكلمين هذا متعلق، لأنه إن صلى ظانًا الطهارة ثم تبين الحدث نقول هذا استجاب وامتثل لقوله تعالى: {(((((الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ (((((((((} [الإسراء:78]؟ ما استجاب لأن الصلاة حقيقةٌ شرعية ولا تطلق إلا على الصلاة المستجمعة للشروط والأركان، فإذا لم يأت بها لم يمتثل الأمر كونه وقف مع ظنه نقول الظن هذا فاسد تبين فساده والظن الفاسد الشرع لا يحيل عليه بعامة.
(14/9)

إذن لا يوجد موافقة أمر فحينئذٍ نقول الصواب أن الصحة في العبادات سقوط القضاء بالفعل، وهذا مرجع محل النزاع عند بعضهم نص عليه تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي -السبكي الكبير- أن محل النزاع هو هذا موافقة الأمر في نفس موافقة الفعل أو الصحة أن تكون موافقة لنفس الأمر أو الوقوف مع ظن المكلف، وبعضهم يرى أن الكلام مبناه على القضاء هل يجب بالأمر الأول أو بأمرٍ جديد؟
يبنى على القضاء من جديد**أو أول الأمر لدى المجيد
يبنى أي: هذا الخلاف يبنى هذا الخلاف على القضاء من جديد أو أول الأمر لدى المجيد، إذا أمر الشرع بصلاةٍ مؤقتة صل الظهر وحدد لك وقت لظهر من أوله إلى آخره، إذا أخرج المكلف هذه الصلاة عن وقتها ماذا نقول؟ هل يجب عليه قضاء أم لا؟ هذه مبنية على مسألة، هل الأمر الأول يستلزم القضاء أو لا؟ وهل القضاء يجب بنفس الأمر الأول أم بأمرٍ جديد؟ مذهب المتكلمين أن القضاء يجب بأمرٍ جديد وهذا هو أصح ومذهب بعضهم أن الأمر الأول يستلزم القضاء، فحينئذٍ إذا خرج وقت صلاة الظهر نقول يجب عليه أن يصلي قضاءً، ما الدليل في إيجاب الصلاة؟ هذه قالوا: نفس الدليل الأول الآمر بالأداء {((((((((((((((((} [الإسراء:78]، {(((((((((((((((((((((} [الأنعام:72]، لم يقم الصلاة خرج الوقت نقول يجب عليه قضاء لماذا؟ بالدليل الأول، وبعضهم يرى أنه لا بد من دليلٍ جديد يد على أنه مطالبٌ بالقضاء فحينئذٍ إذا خرج وقت صلاة الظهر ولم يصل عمدًا حتى خرج الوقت ولم يصل عمدًا نقول هذا لا يجب عليه أن يقضي هو آثم إن لم نقل بالكفر هو آثم ولكن لا يجب عليه القضاء لماذا؟ لأنه لا بد من أمرٍ دليلٍ منفصل غير الدليل الأول لأن الدليل الأول أوجب الصلاة في وقتٍ معين لمصلحةٍ معينة، وكون الزمن الثاني الذي هو بعد خروج صلاة الظهر مساوٍ لأول في المصلحة والمنفعة هذا يحتاج إلى دليل مستقل وهذا هو أصح
والأمر لا يستلزم القضاء**بل هو بالأمر الجديد جاء
لأنه في زمنٍ معين**يجيد ما عليه من نفعٍ بني
(14/10)

قال: سألت عائشة معاذة رضي الله تعالى عنها ما بال الحائض تقضي الصلاة الصوم ولا تضعي الصلاة؟ ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قال: أحرورية أنت؟ قالت: لست حرورية وإنما أسأل، الشاهد قالت: كان يصيبنا ذلك الذي هو الحيض فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. نؤمر بقضاء الصوم ولا نأمر بقضاء الصلاة، نؤمر بقضاء الصوم مع الدليل الآمر بأداء الصوم وهو قوله تعالى: {(((((عَلَيْكُمُ (((((((((((} الصوم [البقرة:183]، {((((شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185] ذا دليل الأداء إذا أخرجه عن وقته أفطر يومًا من رمضان متعمدًا فجاء في شوال يرد أن يصوم نقول له: لا تصوم ماذا؟ اليوم الذي أفطرته عينه الشرع لذلك اليوم قد كتب عليكم الصيام {((((شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} قياس اليوم الذي تريد أن تصومه في شوال على ذلك اليوم الذي أفطرته هذا يحتاج إلى دليل مستقل دليل جديد، فكنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، ولا نؤمر بقضاء الصلاة مع وجوب الأدلة الموجبة للصلاة أليس كذلك؟ ولا نؤمر بقضاء الصلاة الأدلة موجودة أو ليست موجودة موجودة ثابتة قطعًا في الكتاب والسنة أمر متواتر وجود الأدلة لا يدل على قضاء الصلاة وجود الصيام المقتضية لوجوب الصيام لا يدل على وجوب القضاء لكن قالت: نؤمر بالقضاء الصوم، دل على أنه دليل جديد وأن الدليل الأول {(((((عَلَيْكُمُ (((((((((((} [البقرة:183]، {((((شَهِدَ مِنْكُمُ (((((((((} [البقرة:185] ليس مقتضيًا للقضاء ولا نؤمر بقضاء الصلاة مع وجود الأدلة السابقة، لماذا؟ لانتفاء دليل القضاء هذا دليل واضح بين لا يحتاج إلى نزاع ولا جدال أن الأمر الأول إذا كان مؤقتًا لا يستلزم، ماذا؟ لا يستلزم القضاء لكن جمهور الفقهاء يرون من ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها أنه يجب عليه قضاء قياسًا على الصلاة المنسية والمتروكة المغفول عنها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها». إذن هو تارك للصلاة، أليس كذلك؟ لكنه لعلة أو لسبب وهو النوم والنسيان قالوا: هذا تركها لعذرٍ، وأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقضاء، ولا يسلم أنه قضاء بل الصواب أنه أداء لكن على كلامهم. قالوا: أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقضاء، قالوا: فمن ترك الصلاة عمدًا بلا عذرٍ هو أولى بالقضاء، كأنه من باب العقوبة. وابن حزم رحمه الله يقول: سبحان الله هذا قياس فاسد كيف يقاس الفاسق الذي ترك الصلاة عمدًا على المطيع. كيف يقاس هذا على ذلك ولذلك نقول: لا بد من دليل غير هذا في إيجاب قضاء الصلاة، يعني: من ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها بغير عذر شرعي هذا إن لم نقل بتكفيره لأن بعض السلف يرى كفره وابن حزم على هذا وابن القيم إن لم نقل بتكفيره وأمرناه بالقضاء يحتاج إلى دليل مستقل. قال بعضهم: إن الخلاف بين الفقهاء والمتكلمين في حد الصحة مبناه على هذا لكن ليس بظاهر، لأن المتكلمين جمهورهم على وجوب قضاء الصلاة يعني: إعادتها التي تبين أنها قد صلاها بلا طهارة مع حكم بصحتها إلا أنهم يوجبون القضاء.
(14/11)

والجمهور جمهور الفقهاء يحكمون على الأولى بأنها فاسدة باطلة لانتفاء الشرط ويجبون القضاء. إذن قد أوجبوا القضاء فإذا كان المتكلمون يوجبون القضاء بدليلٍ مستقلٍ غير الدليل الأول نقول: أين هو؟ فالصواب أن الخلاف ليس مبناه على هل الأمر أو هل القضاء بالأمر الأول أو أمر جديد؟ نقول: لا بل الخلاف هل مبنى الصحة ظن المكلف أو نفس الأمر؟ نقول: الصواب أنه نفس الأمر.
وهي وفاقه لنفس الأمر ** أو ظن مأمور لدى ذي خبر
بخبر المراد به علي تقي الدين علي بن عبد الفتاح السبكي إذن عرفنا هذه الصحة في العبادات.
(14/12)

الصحة في المعاملة عند الفقهاء: ترتب أحكامها المقصودة بها عليها، ترتب أحكامها أي: المعاملة. المقصودة بها عليها أي: بالمعاملة عليها: على المعاملة، إذا ترتب الأثر المبني على الصحة نقول: حينئذٍ ثبتت الصحة للمعاملة إذا ترتب الأثر على العقد المعقود بين العاقدين من انتقال الملكية مثلاً ملك العين من البائع إلى المشتري وملك الثمن من المشتري إلى البائع إذا تحقق هذا الانتقال نقول: العقد صحيح. وإذا ترتب على عقد النكاح حل التلذذ بالمنكوحة نقول: العقد صحيح. إن وجد الأثر فالعقد صحيح، أليس كذلك؟ الصحة تقتضي ترتب الأثر ترتب الأثر يقتضي صحة العقد. إذن نقول: الصحة في المعاملة ترتب أحكامها المقصودة بها عليها. ترتب الآثار المقصودة من العقد على العقد كالتصرف والانتفاع بالمبيع والتمتع بالمنكوحة إذا وجد فهو ناشئ عن الصحة لا غيرها، إذا وجدت آثار العقد فهي ناشئة عن الصحة لا غيرها. وليس المراد أنه كلما وُجدت الصحة وُجد ثمرة العقد كل ما وجدت الصحة وجدت ثمرة العقد؟ نقول: هذا لا ليس بلازم قد توجد الصحة ولا توجد ثمرة العقد ويمثلون بذلك بالبيع إذا لم يتم القبض، البيع قد يوصف بالصحة ولا يتم القبض، القبض قبض الثمن وقبض السلعة نقول: هذه آثار مترتبة على العقد وهي مقصودة بالعقد إذا صح العقد قد لا يترتب عليه القبض، هل انتفاء القبض دليل على عدم صحة العقد؟ نقول: لا، قد يوجد العقد ويصح ولا يحكم بالانتقال أو الملكية إلا إذا تم القبض، كذلك الخيار بيع الخيار بالنسبة للبائع قد يكون البائع يشترط الخيار يقول لك: بعتك السيارة لكن لأسبوع، حينئذٍ إذا ملك إذا أخذ أو استلم السيارة المشتري نقول: حل له الانتفاع يعني: يذهب ويأتي، لكن هل يجوز له أن يتصرف يبيع ويهبها؟ ما يصح، لماذا؟ لأن العقد البيع صحيح ولكن لكون الخيار موجدًا في العقد يمنع من التصرف في السلعة لا الانتفاع بالسلعة حل الانتفاع لا إشكال فيه حصل بالتثليث، لكن هل للمشتري أن يبيع ويشتري ويهب إلى آخره نقول: لا ليس له ذلك إذن العقد صحيح ولم تترتب عليه الآثار لأن الأثر هنا هو ملكية السيارة وليس الانتفاع وإنما الانتفاع هذا ثمرة للملكية. ذكر بعضهم كالفتوحي حدًا يجمع بين الصحة والصحة في العبادة وفي المعاملة قالوا: نريد حد بدل ما نقول: الصحة في العبادة سقوط القضاء بالفعل والصحة في المعاملة كيت وكيت نريد حدًا واحدًا يجمعهما فقال رحمه الله: ترتب أثر مطلوب من فعلٍ عليه. فالفقهاء فسروا الأثر المطلوب بإسقاط القضاء ترتب أثر مطلوب من فعلٍ عليه الأثر المطلوب فسره الفقهاء بسقوط القضاء وفسره المتكلمون بموافقة الأمر وإن كان هذا حقيقته الرجوع إلى الأصل، لكن صار اللفظ هنا مجملاً ترتب أثر مطلوب ما هو الأثر المطلوب؟ نظر إليه الفقهاء وفسروه بسقوط القضاء، ونظر إليه المتكلمون ففسروه بموافقة الشرع. إذن بصحة العقد يترتب أثره، وبصحة العبادة يترتب إجزائها، كفاية العبادة الإجزاء إذا قيل: ما الذي يترتب على صحة العقد؟ نقول: أثره الذي كان مقصودًا للعاقدين ما الذي يترتب على صحة العباد إجزائها قال بعضهم: ترتب الأثر أثرٌ على صحة العقد. فنقول: صح العقد فترتبت آثاره عليه.
(14/13)

صح العقد وترتبت آثاره عليه. وفرق بين أن يقال: الصحة ينشأ عليها ترتب الأثر وبين أن يقال: وترتب الأثر ينشأ عن الصحة هناك عبارتان متقاربتان إحداهما صحيحة والأخرى فاسدة؛ إذا قيل: الصحة ينشأ عنها ترتب الأثر، نقول: هذا يرد عليه إيراد وهو ما ذكرناه سابقًا قد يصح العقد ولا يترتب عليه الأثر كعدم القبض أو البيع إذا كان بالخيار للبائع لا يترتب عليه الأثر، إذن وجدت الصحة ولم يوجد الأثر حينئذٍ هذه العبارة فيها نظر الصحة ينشأ عليها ترتب الأثر نقول: لا. الأصح أن يقال: ترتب الأثر ينشأ عن الصحة. فإن الأول يقتضي أنها حيث وُجدت ترتبت عليها الآثار، ويعترض عليه بالبيع قبل القبض أو في زمن الخيار، فإنه صحيح ولم يترتب عليه أثره إذ ليس للمشتري التصرف هو يحل له الانتفاع لكن لا يتصرف فيه لأن المقصود به هنا حصول الملكية التي ينشأ عنها إباحة الانتفاع.
وأما الثاني الذي هو: ترتب الأثر ينشأ عن الصحة. نقول: مقتضاه أن ترتب الأثر إذا وُجد منشأه الصحة وقد توجد الصحة ولا يترتب عليه الأثر، إذن عرفنا الآن حد الصحة في عند المتكلمين وحد الصحة عند الفقهاء. الفقهَاء قسموا الصحة في العبادات وفي المعاملات، والمتكلمون حدوها بحد واحد جامع لهما، وإذا أردنا عند الفقهاء أن نحد العبادة والمعاملة بحد واحد ننقل كما ذكره الفتوحي ترتب أثر مطلوب من فعلٍ عليه، والذي ينبني ويترتب على العقل ترتب أثر يعني: صحة العقل ترتب أثري وعلى العبادة إجزائها والمراد بالإجزاء هنا سقوط الطلب.
(14/14)

الصحة والقبول قد يطلق الشرع القبول وقد ينفى القبول قد تطلق الصحة وقد تنفى ما العلاقة بين القبول والصحة؟ قيل: هما سيان يعني: الصحة بمعنى القبول والقبول بمعنى الصحة إذا أثبتت الصحة أثبت القبول وإذا انتفت الصحة انتفى القبول هذا قول وقال بعضهم: بل العلاقة بينهم العموم والخصوص المطلق لأن الصحيح نوعان: مقبول منه مقبول، ومنه غير مقبول. وهذا أصح والصحة القبول فيها يدخل، صحة القبول فيها يدخل، إذن دخل القبول تحت الصحة والصحة تكون أعم من القبول إذ كل مقبول صحيح ولا عكس، لماذا؟ لأن وجدنا الشرع قد فرق في بعض النصوص بانتفاء القبول فأراد به الثواب دون الصحة، ونفى القبول في بعض النصوص وأراد بها الصحة فحينئذٍ لا بد من القول بالتفريق بينهما وردت نصوص قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا» «لم تقبل» لم، تصح هنا؟ لا نقول: صحيحة ولكنها غير مقبولة بمعنى انتفاء الثواب يعني: غير مثاب عليها. الدليل على أن المراد هنا انتفاء الثواب لا الصحة؟ التقييد قال: «أربعين صباحًا». وهذا استدل به بعضهم على أن الإتيان هنا إذا لم يصدقه لا يعد كفرًا أكبر، لأن التقييد هنا لا ينافي الخروج من الملة «من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا» نقول: هذا التقييد يدل على أن المنفي هنا هو الثواب وليس الصحة فحينئذٍ الصلاة صحيحة والثواب منتفي كذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة حتى يرجع إلى مواليه» «لم تقبل له صلاة» هنا نفي القبول والمراد به الثواب للإجماع على أنه لا يجب عليه القضاء فالمراد بنفي القبول هنا من هذا الحديث نفي الثواب إلى الصحة و «من شرب له الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يومًا» «لم تقبل» يعني: لم يثب عليها مع أنها واجب عليه ونحكم بصحتها لأنها أسقطت القضاء بالفعل فحينئذٍ النفي هنا مسلط على الثواب {(((((إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ((((} [المائدة:27] إذن الفاسق لا تصح صلاته إذا فسرنا القبول هنا بالصحة {(((((إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ((((} الفاسق صحيحة صلاته إذن المراد به هنا الثواب «لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غل» «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» هنا المراد بنفي القبول الصحة لماذا؟ بغير طهور هذا انتفى الشرط «لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار» «لا تقبل» يعني: لا تصح.
(14/15)

«لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» كون المنفي هنا الصحة إذن كيف نفرق بينهما متى نقول: المراد بالنفي نفي القبول الصحة والمراد بالنفي هنا نفي الثواب ذكر ابن العراقي كما نقله عنه الفتوحي أن النفي القبول إذا قرن بمعصية فحينئذٍ يحمل على نفي الثواب، إذا قرن بمعصية كما قيل هنا «من أتى عرافًا» قرنه بمعصية «إذا أبق العبد» قرنه بمعصية «من شرب الخمر» هنا قرنه بمعصية فهذه المعصية قد أحبطت الثواب وإذا لم يقرن بمعصية فحينئذٍ يحمل على نفي الصحة كما في الأحاديث الأخرى «لا يقبل الله صلاة بغير طهور» هنا انتفى الشرط ويلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط لذلك «لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار»، «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» نقول: هنا قرن بانتفاء شرط، وانتفاء الشرط يلزم من انتفاء شرط انتفاء المشروط، ولذلك نقول: الصواب أن بين الصحة والقبول فرقًا وأن الصحة أعم من القبول.
والصحة القبول فيها يدخل ** وبعضهم للاستواء ينقل
وبعضهم يعني: الأصوليين، ينقل الاستواء يعني: استواء الطرفين الصحة والقبول بمعنى واحد.
أما الفساد والبطلان فهو ضد الصحة إذا فسرت الصحة عند المتكلمين بموافقة الفعل ذي الوجهين ماذا نقول في الفاسد والبطلان؟ مخالفته مخالفة الفعل ذي الوجهين الشرع لأنه لن يستجمع الشروط أو الأركان أو الواجبات أو انتفاء الموانع، نقول: هذا فاسد وباطل. وعلى مذهب الفقهاء نقول: الفساد في العبادات. قيس وقابل الصحة بالبطلان
هكذا قال وقابل الصحة بالبطلان إذا كانت الصحة في العبادات سقوط القضاء بالفعل يكون الفاسد عدم سقوط القضاء إذا كانت الصحة في المعاملات ترتب الأثرِ على العقل نقول: الفساد والبطلان عدم ترتب الأثر. لذلك قال في ((المراقي)):
وقابل مقابل الصحة بالبطلان**وهو الفساد عند أهل الشان
(14/16)

جمهور الفقهاء على أن الفساد واضح تعريف الفساد ضد الصحة، الصحة الفساد والبطلان عند الجمهور مترادفان بمعنى واحد يعني: معناهما عدم سقوط القضاء وعدم ترتب الأثر المقصود على العقل، أما عند أبي حنيفة فبينهما فرق لكن الفرق هنا ليس على إطلاقه بجميع أبواب الفقه بل يقولون: البطلان الفساد والبطلان في العبادات سيان، وفي المعاملات مختلفان. هكذا يقول بعض مشايخ الأحناف. الفساد والبطلان في العبادات سيان وفي المعاملات مختلفان إذن إطلاق أن أبا حنيفة رحمه الله يفرق بين الفساد والباطل على إطلاقه فيه نظر بل نقول: في العبادات الفاسد والباطل بمعنى واحد، عند أبي حنيفة وإنما فرق بينهما في المعاملات والأنكحة فعنده الباطل ما لم يشرع بالكلية، يعني: لم يرد لا أصلاً ولا وصفًا. ما لم يشرع بالكلية، يعني: ما أذن في أصله الشرع فضلاً عن وصفه، قالوا: كبيع ما في البطون. إذا كان في الشاة في بطنها حمل هل يجوز بيعه؟ لو عقد عاقد على هذا الحمل، العقد ما حكمه؟ نقول: باطل عند أبي حنيفة ولا نقول: فاسد لأنه لم يشرع بالكلية، ما منع بأصله ووصفه ما منع بأصله، يعني: أصل البيع غير مشروع فضلاً عن وصفع باع دما بخنزير، ما حكم بيع الدم بالخنزير؟ هل يجوز بيع الدم؟ لا يجوز لأنه نجس وبيع النجاسات لا يجوز، والآن أن يباع ويشترى على كل حال لا يبيع الدم بالخنزير نقول: هذا العقد باطل، لو باع دما بخنزير العقد باطل لأن الثمن ممنوع شرعا، والْمُثْمَنُ أيضًا ممنوع شرعًا والنهي يقتضي الفساد. و «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». إذن ما منع بأصله ووصفه قال أبو حنيفة: أسميه باطلاً ولا أسميه فاسدًا. أما الفاسد فهو ما شرع بأصله يعني: أصله مشروع لكن منع بوصفه هو الفساد عند أهل الشام.
وخالف النعمان فالفساد ** ما نهيه للوصف يستفاد
إذن النهي منع أصل العقد هو مشروع لكنه وقع في وصفه ما يقتضي الحكم بالفساد لا بالبطلان قالوا: كبيع درهم بدرهمين. بيع الدرهم بالدرهم جائز بشرطه التقابض لكن لو باع درهم بدرهمين قد زاد درهم إذن أصل البيع درهم بالدرهم جائز لكنه لما باع وزاد درهمًا هذا القبض الدرهم الزائد قد حكم على العقد بالفساد فحينئذٍ هل يمكن تصحيحه عند أبي حنيفة؟ نعم يسقط الدرهم فقط والعقد من أصله صحيح العقد من أصله صحيح لكن عند الجمهور لا العقد باطل من أصله فحينئذٍ يحتاج إلا ابتداء عقد جديد عند أبي حنيفة لا يبتدئ بعقد جديد وإنما يسقط هذا الفرد الذي هو الدرهم لأنه درهم ربوي، حينئذٍ يجب إسقاطه فلو سقط ورده مباشرة لا يحتاج إلى إيجاب وقبول من جديد، لكن عند الجمهور لا، لا بد من وجوده.
(14/17)

إذن أبو حنيفة رحمه الله فرق بين الفاسد والباطل في باب المعاملات والأنكحة الباطل ما لم يشرع بالكلية أو إن شئت قل: ما شرع بأصله ومنع بوصفه الباطل: ما منع بأصله ووصفه والفاسد: ما شرع بأصله ومنع بوصفه هذا عند أبي حنيفة، لكن المذهب عند الحنابلة أنهم يفرقون أيضًا بين الفاسد والباطل لكن في بابين ولا يُذكر لأن عامة الأبواب لا يفرقون ولذلك يذكر في كتب الحنابلة إلا لو قيل لا أن الفاسد والباطل في المذهب سيان في المعاملات وفي العبادات، وهذا ليس على إطلاقه بل يفرقون بين الفاسد والباطل في بابين اثنين لا ثالث لهما وهما: النكاح، والإحرام. يقولون: نكاح باطل ونكاح فاسد. النكاح الباطل: عندهم ما أجمع العلماء على فساده، زيدٌ تزوج امرأة في عدتها مات زوجها وثاني يوم عقد عليها ما حكم النكاح؟ بالإجماع باطل. إذن هذا أُجمع عليه. زيدٌ تزوج امرأة رضع من أمها ثلاث رضعات ما حكم النكاح؟ فيه خلاف هل، الثلاثة محرمة أم لا؟ فيه نزاع بعضهم يحل بأن المحرم خمسة وما قل فلا يحل، وبعضهم يرى أن الثلاث كالخمس محرمة فمن رأى أن الثلاثة محرمة قال: النكاح فاسد. ومن رأى أن الثلاث ليست محرمة وإنما العبرة قال: النكاح صحيح. إذن هذا اختلف فيه فرتبوا عليه أنه وصف بالفاسد. هل هناك ثمره خلاف معنوي بين الباطل والفاسد؟ نعم قالوا: الباطل لو حصلت خلوة أو قبل ولمس ونحو ذلك قالوا: لا يجب مهر المثل إذا لم يسمى لماذا؟ لأنه باطل من أصله، وأما الفاسد قالوا: لا الفاسد عندهم يلحق بالصحيح العقد الصحيح إذا لم يسمى المهر نقول: وجب مهر المثل. كذلك الفاسد لو خلى بها وقبل ونحو ذلك نقول: وجب مهر المثل لأنه ملحق بالصحيح. هذا في باب النكاح إذن الباطل ما أجمع على فساده والفاسد النكاح الفاسد ما اختلف فيه قيل بفساده، وقيل بصحته يطلق عليه لفظ الفاسد.
أما في باب الإحرام فعندهم الإحرام الباطل، ما ارتد فيه أحرم فكفر، ما حكمه؟ بطل حجه ماذا يصنع يستمر ويذبح بعير إلى آخره؟ لا يخرج من إحرامه وانتهى. الإحرام الفاسد هو ما جامع فيه قبل التحلل الأول يعني: قبل رمي الجمرة يوم العيد، إذا جامع نقول هنا فسد حده وينبني عليه قوله تعالى: {(((((((((((الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ((} [البقرة:196]، فحينئذٍ يجب الإتمام مع الإثم والقضاء من العام المقبل وأيضا ذبح بدنة إلى آخره إذن ما ترتب من الأحكام على الحج الفاسد غيره على الحج الباطل يخرج من إحرامه وانتهى، أما الفاسد فلا قال:
وَضَابِطُ الصْحِيحِ مَا تَعَلَّقَا ** بِهِ نُفُوذٌ وَاعْتِدَادٌ مُطْلَقَا
ضابط الصحيح أي: من حيث الصحة، وضابط سبق بيانه (مَا) اسم موصول بمعنى الذي يسقط على فعل المكلف عبادةً أو معاملةً، هذا على ما ذهب إليه الشراح شراح الورقات أن هذا التعريف ليس خاصًا بالمعاملات وإن كان ظاهره أنه عام أنه خاص بالمعاملات الشراح يعممون التعريف فيقولون: هذا تعريف للصحيح سواء كان عبادة أو معاملة. وبعضهم ينتقد المصنف هنا أصله بأن هذا التعريف يصلح للمعاملات ولا يدخل في العبادات.
(14/18)

(مَا) أي: فعل المكلف الصادق بالعبادة والمعاملة (تَعَلَّقَا) (مَا تَعَلَّقَا ** بِهِ نُفُوذٌ) التعلق هنا هو المفسر هناك في حد الحكم خطاب الله المتعلق يعني مجيء الشيء بكون الشيء واجبًا أو مندوبًا إلى آخره هنا مجيء الحكم الشرعي بكون الشيء نافدًا أو معتدًا به إلى آخره.
(مَا تَعَلَّقَا) أي: ترتب عليه. (بِهِ نُفُوذٌ وَاعْتِدَادٌ) بعضهم يرى أن النفوذ والاعتداد بمعنى واحد وحينئذ لا تدخل العبادات، وبعضهم يفرق بين النفوذ والاعتداد فحينئذٍ يجعل النفوذ خاصا بالمعاملات فيقال: عقد نافذ، ولا يقال: عبادة أو صلاة نافذة. (وَاعْتِدَادٌ) نقول: هذا عام للعبادات يقال: صلاة معتد بها وعقد معتد به، إذن هل النفوذ والاعتداد بمعنى واحد؟ نقول: فيهما قولان: قيل: النفوذ والاعتداد بمعنى واحد وعليه يختص هذا الحد بالصحة بصحة المعاملات دون العبادات، وإذا قيل: بينهما مغايرة، نقول: كان الحد جامعًا للصحة في العبادات والمعاملات. (نُفُوذٌ وَاعْتِدَادٌ) قيل: نفوذ العقد أصله من نفوذ السهم وهو بلوغ المقصود من الرمي، وكذلك العقد إذا أفاد المقصود المطلوب منه سمي بذلك نفوذًا، فإذا ترتب على العقد ما يقصد منه قيل: صحيحٌ ومعتد به فالاعتداد بالعقد هو المراد بوصفه بكونه نافذًا. هذا قول الاعتداد بالعقل هو المراد بكونه بوصفه نافذًا فحينئذٍ يختص الحد بالمعاملات، وقيل: النفوذ من فعل المكلف والاعتداد من فعل الشارع. وحينئذٍ تكون في العبادة تتصف بالاعتداد دون النفوذ، إذا كان الاعتداد من وصف الشارع نقول: الشارع يطلق الاعتداد على العبادة وعلى المعاملة، ويطلق النفوذ على المعاملة دون العبادة، إذا جُعل النفوذ من فعل المكلف والاعتداد من فعل الشارع نقول: شمل الحد النوعين العبادات والمعاملات.
(وَالْفَاسِدُ الَّذِي بِهِ لَمْ تَعْتَددِ) الفاسد من حيث وصفه بالفساد، وهو المرادف للبطلان على قول الجمهور.
(الَّذِي بِهِ لَمْ تَعْتَددِ) أنت لم تعتدد به (وَلَمْ يَكُنْ بِنَافِذٍ إذَا عُقِدْ) هذا كأن الناظم كأصله قال: (الَّذِي بِهِ لَمْ تَعْتَددِ) فحينئذٍ يكون شاملاً للعقد والعبادة بدليل أنه قيد النفوذ بالعقد قال: (وَلَمْ يَكُنْ بِنَافِذٍ إذَا عُقِدْ). (إذَا عُقِدْ) هذا قيد للأخير وأطلق الأول (وَالْفَاسِدُ الَّذِي بِهِ لَمْ تَعْتَددِ) ولم يقل: إذا عقد. قال: (وَلَمْ يَكُنْ بِنَافِذٍ إذَا عُقِدْ) هذا قيد (إذَا) للتقييد فحينئذٍ قد قيد النفوذ بالعقد فيكون الحد شاملاً للمعاملات والعبادات إذن هذا الكلام مختصر على الحكم الوضعي والذي ذكره هنا الصحيح والفاسد فقط وعلى ما ذكرناه من تعريف الصحة وأن أصح ما يقال هو تعريف الفقهاء أن الصحة في العبادات هي: سقوط القضاء بالفعل، وأن تعريف المتكلمين باطل، لما ذكره ابن دقيق العيد رحمه الله، وأن الصحة في العقود ترتب الآثار المقصودة على ماذا؟ على العقد وأن الفاسد وصفه والبطلان بمعنى واحد وهما ضدان للصحة.
وقابل الصحة بالبطلان يعني
عكس ما عرف به الصحة في العقد والعبادة نقول: هذا فاسد.
ونقف على هذا وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(14/19)

عناصر الدرس
* المقدمة المنطقية
* حد العلم
* أقسام الجهل

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
ذكرنا أن الأصوليين يذكرون مقدمتين: مقدمة منطقية، ومقدمة لغوية.
وهنا قلنا بدأ الناظم ببعض أفراد المقدمة المنطقة وهي: تعريف أو العلاقة بين العلم والفقه.
وَالعِلْمُ لَفْظٌ لِلْعُمُومِ لَمْ يَخُصْ ** لِلْفِقْهِ مَفْهُومًا بَلِ الفِقْهُ أَخَصْ
قلنا: الصواب أن العلاقة بين الفقه والعلم العموم والخصوص المطلق يعني: نحتاج إلى مادة الاجتماع ونحتاج إلى مادة الافتراق الاجتماع يعني: يجتمع العلم والفقه معًا والافتراق ينفرد الأعم عن الأخص بما لم يصدق عليه الأخص فنقول: ينفرد العلم عن الفقه بالنحو، والتفسير، والحديث. إلى آخره فهذه يصدق عليها أنها علم ولا يصدق عليها أنها فقه وهذا معنى الانفراد الأعم عن الأخص بما لا يصدق عليه الأخص هذا مرادهم بالعلاقة بين أو العلاقة التي يعنون لها بالعموم والخصوص المطلق كاللفظ مع القول نقول: القول أخص واللفظ أعم كل قول لفظ ولا عكس بالمعنى اللغوي كذلك كل إنسان حيوان ولا عكس، كل جملة كلام ولا عكس، كل فقه علم ولا عكس. يعني: وليس كل علم فقهًا لماذا؟ لأن الأعم يصدق على ما لا يصدق عليه الأخص ما الدليل على هذا؟ نقول: كلما وجد الأخص هناك أربعة قواعد نعيدها مرارًا كل ما وجد الأخص وجد الأعم ولا عكس، هذه قاعدة كل ما وجد الأخص وجد الأعم ولا عكس يعني: إذا ثبت الأخص ثبت الأعم ولا عكس وليس كلما وجد الأعم وجد الأخص يعني: ليس كلما وجد العلم وجد الفقه قد يوجد العلم في النحو والتفسير والحديث ولا يكون في الفقه كذلك انتفاء الأعم يلزم منه انتفاء الأخص كلما انتفى الأعم انتفى الأخص ولا عكس ليس كلما انتفى الأخص انتفى الأعم قد لا يكون الفرد المعني بالحيوان إنسانًا لكن قد يكون أنه فرس فإذا قيل: هذا حيوان. ونفينا عنه أنه إنسان لا يلزم من نفينا عن الشيء أنه إنسان نفي الحيوانية لا قد نقول: هذا ليس بإنسان ولا يلزم منه نفي حيوان لأنه قد يكون فرسًا إذن وجد الأعم بما لا يصدق عليه الأخص هذا أربعة قواعد تأتيك في سائر العلوم كلما وجد الأخص وجد الأعم ليس كلما وجد الأعم وجد الأخص كلما انتفى الأعم انتفى الأخص وليس كلما انتفى الأخص انتفى الأعم هنا القاعدة وجد الأخص وهو: الفقه. يلزم منه وجود الأعم وهو: العلم. إذن العلاقة بين الفقه والعلم العموم والخصوص المطلق (وَالعِلْمُ لَفْظٌ لِلْعُمُومِ لَمْ يَخُصْ للفقه) للعموم يعني: يصدق على كل ما هو نوع من أنواع العلم وهذا هو حقيقة العلم.
ما استغرق صالح نفعك بلا ** حصر من لفظ كعشر مثلا
(15/1)

كما نقول: لفظ المؤمن يصدق على زيد بوصفه وعمرو بوصفه هذا لفظ عام كذلك لفظ العلم نقول: جنس يصدق على أفراده حملاً نقول: النحو علم، والفقه علم، هذا من أي الأنواع؟ علم فمفهم اشتراك الكلي هذا لفظ كلي أفهم اشتراكًا بين الأفراد فيصدق على أفراده يعني: يحمل على أفراده حمل مواصلة دون إضافة أو اشتقاق ولذلك يقال: النحو علم، والفقه علم، والتفسير علم. ولا يقال مالك علم، ولا الشافعي علم. وإنما يقال: مالك عالم أو ذو علمٍ. فالعلم باعتبار العلوم هو لفظ كلي وباعتبار الأشخاص ينتفي عنه الكلية ليس وصفًا كليًّا لأنه يحمل على أفراده ليس حمل مواطئه وإنما باشتقاقٍ أو بإضافة.
وَالعِلْمُ لَفْظٌ لِلْعُمُومِ لَمْ يَخُصْ ** لِلْفِقْهِ مَفْهُومًا
لم يخص مفهومًا للفقه يعني: مفهوم العلم ليس مختصًا بالفقه الذي هو بالمعنى الشرعي بل الفقه أخص بل الفقه بالمعنى الشرعي أخص من العلم بالمعنى العرفي العام، لكن ما الفائدة هنا من ذكر هذه المسألة يرد السؤال هل ينبني عليه فائدة؟ هل ينبني فائدة على ذكر المسألة هنا؟ نقول: لا، لا ينبني وإنما قيل اعتذارًا لمثل هذه المسائل في مثل هذا الموضع لئلا يتوهم أن العلم الذي يصدق عليه الذي يصدق على الفقه أنه مساوي لعلم الفقه لئلا يتوهم أن بينهما مساواة لا، إذا أُخذ العلم جنسًا في حد الفقه لا يقتضي أن يكون العلم مساوي للفقه في كل وجه لا وإنما هو فرد من أفراده والعلاقة بينهما عموم وخصوص مطلق لكن هذا ليس بوارد إذن قوله:
وَالعِلْمُ لَفْظٌ لِلْعُمُومِ لَْم يَخُصْ ** لِلْفِقْهِ مَفْهُومًا بَلِ الفِقْهُ أَخَصْ
ثم أراد أن يعرف لنا العلم. وقال:
وَعِلْمُنَا مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ ** إِنْ طَابَقَتْ لِوَصْفِهِ الْمَحْتُومِ
هل العلم يحد أو لا يحد هذا فيه نزاع أما في اللغة لا إشكال نقول: العلم في اللغة ما تعرف به الأشياء وهو نقيض الجهل وعلم بالشيء وشعر به وعلم بالأمر تعلمه وأتقنه وعرفه وإن كان المعرفة أخص من العلم وكذلك يقال ويطلق العلم لغةً بمعنى اليقين يقال: علم يعلم إذا تيقن. لكن في الاصطلاح هل يحد العلم أم لا؟ هذا فيه نزاع قيل: لا يحد. والمراد بالنفي هنا لا يحد يعني: لا يحد بالحد الحقيقي المكون من الجنس والرسم أما رسمه أو حده بالحد الناقص فليس هو محلاً للنفي إذن قول من يقول كالجويني والغزالي: إن العلم لا يحد. المراد به الحد الحقيقي، المنفي هنا الحد الحقيقي ولا مانع من أن يحد حدًا ناقصًا أو أن يرسم رسمًا طيب لماذا لا يحد؟ قال الغزالي تبعًا للجويني: لعسره. يعني: يعسر حد العلم. يعني: يعصر تصوره بحقيقته. وهذا يدل على أن المراد بنفي حده الحد التام وليس هو الحد الناقص أو المعرف الذي يكون بالرسم طيب ماذا نصنع إذا أردنا أن نميز العلم عن غيره؟ قالوا: يميز عن غيره بالتمثيل والتقسيم. وهذا يؤكد أن المراد النفي نفي الحد التام لأن التمثيل والتقسيم هذا من أنواع المعرفات فإذا نفي الحد وأثبت التمثيل والتقسيم دل على أن المنفي هو الحد التام وليس هو المعرف الشامل الحد الناقص والرسم والتمثيل والتقسيم.
التمثيل مثل ماذا؟ قالوا نقول: علمنا العلم كاعتقادنا بأن الواحد نصف الاثنين.
(15/2)

أما التقسيم قالوا: لا يمكن أن يلتبس العلم إلا بالاعتقاد إذا أردنا أن نميز العلم فإن ما في الأصل نميزه عن الاعتقاد. إذن اللبس الذي يمكن أن يقع بين العلم وغيره هو مع الاعتقاد وعليه نقول: الاعتقاد إما جازم أو لا، والجازم إما مطابق أو لا، والمطابق إما ثابت أو لا. نخلص من هذا أن العلم اعتقاد جازم مطابق ثابت أربعة قيود أخذناها من أين؟ للتقسيم الحصر والتقسيم هنا قال: الاعتقاد إما جازم وغير جازم. جازم أو لا الجازم إما مطابق أو لا يعني: مطابق للواقع والمطابق إما ثابت أو لا نخلص من هذا أن حد العلم أو معرف العلم حد العلم بالمعنى الناقص اعتقاد جازم مطابق للواقع مطابق ثابت وهو المراد بقول الفخر الرازي:
الفخر حكم الذهن أي ذو الجزم ** لموجب طابق حد العلم
هو يقول: ضروري لا يحد أنه ضروري، بعضهم يرى أنه تناقض نقول: لا نفي الحد المراد به الحد التام وحده المراد به الحد الناقص أو الرسم والأكثر أنها رسوم يعني: ذكر للآثار والأحكام.
إذن اعتقادٌ جازم الجازم أخرج الظن ونحوه، المطابق أخرج الجهل المركب، الثابت أخرج التقليد اعتقاد المقلد الجازم لأن الجازم هذا يعتقد جزمًا بالحكم؛ بل كما يقول الزركشي في ((التشنيف)) يقول: قد يكون اعتقاد المقلد جزمًا أشد من اعتقاد العالم. لأن العالم يقول: إذا جزم بمسألة قد يرجع ينظر في الأدلة فيرجع أما العامي فلا إذا أخذ مسألة وجزم بها رجوعه يصعب رجوعه عما جزم به هذا فيه نوع صعوبة. إذن اعتقاد جازم مطابق ثابت خرج بالجازم الظن وخرج بالمطابق الجهل المركب وخرج بالثابت تقليد المصيب الجازم الذي هو العامي وهو الاعتقاد الصحيح لأنه قد يزول، هذا قول من؟ قول الجويني والغزالي بأنه لا يحد العلم لعسره ثم قالوا: نحده بماذا؟ إما بالتمثيل نذكر مثال نقول: العلم كاعتقاد أن النار حارة أو محرقة، أو اعتقادنا أن السماء فوقنا، أو أن الأرض تحتنا، نقول: هذا اعتقاد جازم لا يقبل التشكيك بحال من الأحوال، وذكرنا له مثال إذن بالمثال يتضح المقال أو الحد عندهم أو نذكر بالقسمة نقول: الذي يمكن أن يلتبس مع العلم هو الاعتقاد لأن الاعتقاد الظن لا يكون جازمًا لا يلتبس الوهم والشك لا يكون جازمًا فلا يلتبس إذن الذي يمكن أن يلتبس ما يمكن أن يكون جازمًا وهو الاعتقاد لأن الاعتقاد قد يكون جازمًا وقد لا يكون جازمًا الاعتقاد قد يكون جازمًا وقد يكون غير جازمًا، الاعتقاد الجازم هو الذي يلتبس بالعلم لكن لما كان الاعتقاد الجازم قد يكون مطابقًا للواقع وقد لا يكون مطابقًا للواقع انقسم إلى نوعين: اعتقاد فاسد، واعتقاد صحيح.
الاعتقاد الجازم المطابق للواقع هذا اعتقاد صحيح كاعتقاد أن العالم حادث، والاعتقاد الجازم غير صحيح الذي هو الفاسد هو غير المطابق كاعتقاد الفلاسفة أن قدم العالم اعتقاد الفلاسفة قدم العالم.
إدراك من غير قضاء تصور ** ومع تصدق وذا مشتهر
جازمه دون تغير عُلِم علمًا ** وغيره اعتقاد ينقسم
إلى صحيح أن يكن يطابق ** أو فاسد إن هو لا يوافق
(15/3)

إذن جازمه الذي هو جازم الحكم ينقسم إلى مطابق، وغير مطابق. إن طابق الواقع فهو اعتقاد صحيح إن لم يطابق الواقع فهو اعتقاد فاسد الذي يشتبه بالعلم هو الاعتقاد الجازم المطابق حينئذٍ كيف نميز العلم عن الاعتقاد الجازم قال: بالقسمة. نقول: الاعتقاد إما جازم أو لا الجازم إما مطابق أو لا المطابق إما ثابت أو لا ما الفصل الذي فصل بين الاعتقاد والعلم هنا؟ ثابت نعم ثابت هو الذي فصل بين الاعتقاد والعلم لماذا؟ لأن العلم يكون جازمًا والاعتقاد بعضه جازم والعلم يكون مطابقًا للواقع بل لا يكون إلا مطابقًا للواقع بعض الاعتقاد يكون جازمًا مطابقًا للواقع إذن اشتبه ما زال الاشتباه والبس بين العلم والاعتقاد الذي يميز العلم عن الاعتقاد أن العلم لا يقبل التغير ثابت ولا يقبل التشكيك بحال من الأحوال الجزء أصغر من الكل هذا لا يمكن أن يقبل التشكيك ولا يمكن أن يتغير في زمن من الأزمنة أو في حال من الأحوال كذلك الواحد نصف الاثنين هذا لا يمكن أن يتغير ولا يقابل التشكيك لكن الاعتقاد أن العالم قديم نقول: هذا يقبل التشكيك. الاعتقاد في باب العقيدة ولذلك قد يورد أشعري يعتقد عقيدة الأشاعرة ثم يرجع، نقول: هذا اعتقاد لأنه قابل للتشكيك وإن كان جازمًا في أصله عنده وإن كان جازمًا عنده لكنه لم يطابق الواقع وهو مطابق للواقع عنده في علمه ولكن من جهة الثبوت وعدم الثبوت نقول: العلم ثابت لا يقبل التشكيك ولا يقبل التغير والاعتقاد يقبل التشكيك والتغير. إذن على قول الجويني والغزالي أنه يمكن أن يحد بالمثال والقسمة.
القول الثاني: أنه لا يحد لأنه ضروري وهو قول الفخر الرازي وحده قال: وهو حكم الذهن الجازم المطابق لموجب. يعني: المطابق لدليل. كيف يقول: لا يحد لأنه ضروري ثم يحده؟ نقول: النفي هنا نفي الحد التام، ولا يمنع من ذلك أن يحد حدًا ناقصًا أو أن يرسم بالآثار والأحكام وإذا قلنا: إنه يحد ويمكن حده، اختلف فيه يعني: حدًا تامًا، اختلف فيه على أقوال لكن الذي يمكن أن يكون أصح ما يحكم عليه بأنه علم نقول: العلم في الأصل أنه في الاصطلاح مطابق لمعناه اللغوي ولذلك ذكر في الكليات قال: والمعنى الحقيقي لفظ للعلم هو الإدراك. وهذا هو الذي ذكرناه في شرح السلم على غرار ما ذكره صاحب الشمسية العلم.
إدراك المعاني مطلقًا
وحصره في طرفين حقق ** سموهما التصديق والتصور
(15/4)

لأنه باتفاق أن إدراك العلوم ألا يساوي اعتقاد صحيح العلم؟ يمكن الاعتقاد الصحيح يكون مساوي للعلم؟ نقول: الاعتقاد الصحيح يقبل التشكيك والتغير، وأما العلم فلا يقبل فكيف يساويه؟ ولو اشتركا في الجزم والمطابقة العلم يكون اعتقادًا جازمًا مطابقًا، والاعتقاد الصحيح يكون اعتقادًا جازمًا مطابقًا، لكن العلم لا يقبل ثابت لا يقبل التغير، والاعتقاد الصحيح يقبل التغير، لذلك نقول: يلتبس حد العلم بالاعتقاد الجازم فاحتجنا إلى التميز بينهما فلا يرد السؤال أن العلم يساوي الاعتقاد الصحيح. نقول: قال في الكليات: والمعنى الحقيقي للفظ العلم هو الإدراك ولهذا المعنى متعلق وهو المعلوم. الإدراك له متعلق يعني: الذي يدرك ما هو كما سبق أنه إما المفرد وإما المركب وسيأتي إذن له متعلق يتعلق به إدراك مفرد المفرد متعلق الإدراك إدراك مركب نقول: المركب هذا متعلق الإدراك قال: ولهذا المعنى متعلق وهو المعلوم التي هي المسائل وله تابع في الحصول ووسيلة إليه في البقاء وهو الملكة. وهذه ما نذكره دائمًا في حدود العلم يقال: الفقه هو العلم. فيختلفون هل المراد به الإدراك؟ هل المراد به الملكة؟ هل المراد به المسائل؟ نقول: هذه كلها مراده وهذه حقيقة عرفية.
وكل فن في اسمه مشتركَ ** قواعدٌ إدراكها والمكلة
هذه هي حقيقة عرفية أن العلم إذا أطلق يراد به المسائل ويراد به القواعد التي تدرس بها المسائل ويراد به لفظ الإدراك فحينئذٍ يطلق العلم مراد به الإدراك وهو الأصل في معناه اللغوي كما ذكره هنا صاحب الكليات ويطلق العلم ويراد به المسألة أو المسائل أو القواعد وهذا اصطلاح عرفي عندهم، ويطلق العلم مرادًا به الملكة التي هي هيئة راسخة في النفس يعني: تجعل الشخص بممارسة الفن أن يدرك ما لا يدركه غيره، أن يدرك من الفن ما لا يدركه غيره. هنا قال: فأطلق. لأنه ذكر ثلاثة أشياء يطلق المعنى الحقيقي على الإدراك، ثم فرع قال: ولهذا المعنى متعلق وهو معلوم وله وسيلة وهي الملكة قال: فأطلق لفظ العلم على كل منها إما حقيقة عرفية -وهذا أصح- أو اصطلاحية أو مجازًا مشهور، ولذلك قال هناك ناظم الشمسية:
العلم إدراك المعاني مطلقًا
(15/5)

ليشمل إدراك المعنى المفرد ومعنى ماذا؟ المركبات يعني: يشمل التصديق ويشمل التصور إذن نقول: الصحيح في حد العلم هو: الإدراك. مطلق الإدراك فإذا قيل: ما هو الإدراك؟ نقول: الإدراك هذا مصدر أَدْرَكَ يُدْرِكُ إِدْرَاكًا والمراد به في اللغة الوصول إلى منتهى الشيء أو إلى البلوغ إلى الشيء بمنتهاه وعندهم في الاصطلاح الإدراك وصول النفس إلى المعنى بتمامه النسبة إلى غيرها وصول النفس ما المراد بالنفس هنا؟ القوة المدركة التي هي محل الإدراك العقل الذي يدرك به وصول النفس وصلت لأن الوصول هنا هو معنى الإدراك فنقول: بلغ الصبي يعني: وصل إلى سن الذي هو حد التكليف. كذلك نقول: بلغت النفس إلى المعنى يعني: وصلت إلى المعنى، المعنى هذا فسره بقوله: بنسبة أو غيرها. حينئذٍ نقول: المعنى في اصطلاح النحاة وغيرهم ما يقصد من اللفظ هذا إذا خصصنا المعنى مأخوذًا من اللفظ وقد يطلق المعنى أعم من هذا المعنى وهو ما يقصد من الشيء كأن يفهم من المحراب تجاه القبلة نقول: هذا معنى أنت تدخل المسجد ولا تدري أين القبلة مثلاً فتظن أن أو تدرك أن القبلة هكذا من أين أخذت؟ من المحراب، إذن المحراب هذا أفادك معنى {ما يقصد من الشيء} وهذا أصله وضعه أصل وضعه أن يستدل به على القبلة وإلا هو لا يعرف يعني: السلف. أن يدل على القبلة إذن هذا معنى استفيد من المحراب لذلك نقول المعنى ما يقصد من الشيء لكن المراد هنا ما يقصد من اللفظ ما يقصد من اللفظ اللفظُ قد يكون مفردًا وقد يكون مركبًا قد يكون مفرد كزيد، وقد يكون مركبًا من جملة اسمية أو جملة فعلية، نقول: {الإدراك وصول النفس إلى المعنى}. وصول النفس العاقلة المفكرة التي هي محل الإدراك إلى المعنى بتمامه، إذًا قد تصل النفس إلى المعنى لا بتمامه كالأمر المشكوك فيه فنقول: هنا وصلت النفس إلى المعنى لكن لا بتمامه هذا يسمى عندهم في الاصطلاح شعورًا يسمى شعورًا إذن حد الشعور ما هو؟ {وصول النفس إلى المعنى لا بتمامه} وحد الإدراك هو: {وصول النفس إلى المعنى بتمامه}. بالنسبة أو غيرها هذا تقسيم لمتعلق الإدراك لأننا نقول: الإدراك يتعلق. ولذلك قال هنا: ولهذا المعنى متعلق. وهو المعلوم معلوم وإدراك عندنا علم، وعندنا معلوم أليس كذلك؟ عندنا علم وعندنا معلوم ما هو المعلوم؟ إذا قيل: تجب الفاتحة في الصلاة أو وجوب الفاتحة في الصلاة. نقول: هذا معلوم مسألة إدراك هذا الحكم علمٌ إذن المعلوم والمعلومات هي نفس المسائل التي تدرك إدراكها واقتناصها وصورتها في الذهن يسمى علم إذن عندما تقول: كتبت بالقلم. الكتابة هل هي عين القلم؟ لا الكتابة آلة بواسطتها يكتب فالكتابة ثمرة مكتوب والقلم آلة كذلك العلم هو: إدراك. أنت تدرك ماذا؟ تدرك المسألة فإذا أُدركت المسألة على وجهها سميت المسألة معلومة كما أنك إذا كتبت بالقلم سمي ما أحدثته بالقلم كتابة فنقول: المسألة التي يتعلق بها الإدراك تسمى معلومة ونفس الإدراك الذي أدركت به المسألة يسمى علمًا قال: بنسبة أو غيرها. الإدراك نوعان: إدراك مفرد، وإدراك مركب.
(15/6)

إدراك المفرد هذا يسمى تصورًا كإدراك معنى زيد ومعنى قائم زيد قائم تقول: زيد إدراكه يسمى تصورًا لماذا؟ لأنه إدراك مفرد كيف أدركت معنى زيد يعني: وصلت النفس عندما سمعت هذا اللفظ وصلت إلى المعنى الذي إذا أطلق لفظ زيد صار إليه وإذا أطلق لفظ زيد صار إلى الذات المشخصة المشاهدة في الخارج نقول: زيد اسم مسماه هو مدلوله ومعناه إذا أطلق لفظ زيد وأدركت وفهمت المعنى ومدلول اللفظ نقول: أنت قد حصل عندك تصور وهذا يسمى إدراك. إذا أدركت معنى قائم إذا أطلق لفظ قائم تقول: قائم هذا لفظ وضعته العرب للدلالة على ذات متصفة بالقيام. إدراك وصول النفس إلى المعنى بتمامه من هذا اللفظ يسمى تصورًا لأنه إدراك مفرد إذن التصور هو إدراك مفردٍ إدراك مفرد تصورًا علم سمي تصور لماذا؟ قيل: تفعل من الصورة لأن المدرك لحقائق الماهيات تنطبع صورها في مرآة ذهنه، المرآة الحسية إذا وقفت أمامها صورتك تنطبع في المرآة أليس كذلك؟ قالوا: العقل مثل المرآة إذا أطلق اللفظ المعنى انطبع في المرآة. لذلك يقولون: تصور تفعل من الصورة لأن المدرك لحقائق الماهيات يعني: المراد من اللفظ تنطبع صورها في مرآة ذهنه. حينئذٍ سمي صورة إذن المعنى له صورة والشيء الحسي له صورة. المرآة الحسية هذه تدرك بها الصور الحسية العقل والنفس التي يدرك بها المعاني هذه مرآة للمعاني سواء كانت مفردة أو مركبة يطلق على المفردة تصور بمعنى الخاص، وعلى المركب تصور بالمعنى العام. إذن عرفنا أن إدراك المفرد يسمى تصور. إذن إدراك المفرد هل هو علم أو لا؟ علم قطعًا لماذا؟ لأنه بعض أفراد الإدراك وحقيقة العلم مطلق الإفراد حقيقة العلم مطلق الإدراك نقول: العلم مطلق الإدراك الشامل لإدراك المفرد الذي هو: التصور. عرفنا الآن التصور ما حقيقة إدراك النسبة؟ التصديق عندهم مقابل للتصور، والمراد بالتصديق عندهم ما يقابل إدراك المفرد. إذن إدراك ما ليس بمفرد يسمى تصديقًا لكن هذا من باب التقريب وإلا نعكس القضية فنقول: إدراك المركبات التامة يسمى تصديقًا، والمراد بالمركب التام الكلام الاصطلاحي عند النحاة المشتمل على القيود الأربعة لفظ مركب مفيد بالوضع
كلامنا لفظ مفيد فاستقم
(15/7)

وهذا ينقسم إلى جملة اسمية وجملة فعلية إدراك الجملة الاسمية المراد منها نقول: هذا تصديق. إدراك الجملة الفعلية قام زيد مدلول منها نقول: هذا تصديق. طيب القضية إذا عكسناها نقول: إدراك ما ليس بمركب تام، هو حقيقة التصور فيكون داخلاً في حقيقة المفرد عند المناطقة لماذا؟ لأننا إذا قيدنا التصديق بأنه خاص بالمركبات التامة يرد بعض المركبات الناقصة إدراكها إذا قلنا: المراد بالمفرد هو: زيد، وعمرو، وقام، وإلى، ومن، عن، وهل. الثلاثة الأقسام للكلمة وهي مفردات إذا أريد بالمفرد هذه ثلاثة الأشياء حينئذٍ يرد إشكال غلام زيد هل هو إدراك مفرد أو إدراك مركب؟ يرد إشكال نقول: إذا قيل: إدراك مفرد. نقول: إدراك مركب. نقول: المركب هنا المراد به المركب التام الجملة الاسمية والفعلية وغلام زيد ليس جملة اسمية ولا جملة فعلية، والمفرد إذا قلنا أنه إدراك المفرد الذي هو الكلمة الواحدة أين نضع غلام زيد؟ فحينئذٍ لا بد من التعميم فنعمم في المفرد فنقول: إدراك المفرد المراد به كل ما ليس بمركب تام فيشمل المفرد الحقيقي عند النحاة الكلمة قول مفرد، ويشمل المركبات بأنواعها المركب الناقص الذي هو الكلمي، مثلاً إن قام زيد، أو غلام زيد، أو المركب التوصيفي، أو المركب العددي أحد عشر، أو المركب الصوتي المركبات الستة كلها تكون داخلة في حد المفرد الذي يصدق على إدراكه أنه تصور ولذلك نقول في حد التصديق: {إدراك الجملة الفعلة أو الجملة الاسمية}. لكن ما المراد هنا بالجملة الاسمية والجملة الفعلية؟ نقول: المراد به تصديق بها يعني: كونها واقعة بالفعل أو ليس واقعة. وهذا يجرنا إلى ذكر التصورات الأربعة في كل جملة اسمية كانت أو فعلية، وهذا كله بيان لحقيقة العلم ليس خروجًا عن المقصود نقول: إذا قيل: قام زيد، أو زيد قائم. جملة فعلية وجملة اسمية كل مركب تام يمتنع إدراكه إلا إذا أدركت مفرداته على حده قاعدة متفق عليها. لا يمكن أن تدرك المركبات لذلك نقول: العلم بالجزئيات مقدم على العلم بالمركبات ولذلك يقدم المفرد على المركب.
وقدم الأول عند الوضع ** لأنه مقدم بالطبع
(15/8)

فالجزء مقدم على الكل، ولا يمكن إدراك الكل إلا بعد إدراك الجزء، فحينئذٍ نقول: قام زيد. وزيد قائم يمتنع قد يقول قائل: أنا ما يمتنع عندي. نقول: أنت ما أدركت قام زيد إلا بعد التفصيل الذي سيذكر ولكن بكثرة الممارسة صار إدراكك لبعض المفردات التي هي الثلاث السابقة للتصديق مثل ما يكون الإنسان مبرمج على هذا، زيد قائم عندنا أربع تصورات في هذه الجملة زيد هذا مبتدأ محكوم عليه موضوع قائم هذا محكوم به عندنا نسبة وهي: ثبوت المحمول للموضوع. أو المبتدأ الخبر للمبتدأ عندنا التصديق الذي هو وقوع هذه النسبة أو عدم وقوعها فتقول: الأول تصور الموضوع. الذي هو زيد يسمى عند النحاة مبتدأ، وعند البيانيين مسندًا إليه، وعند الأصوليين محكوم عليه، وعند المناطقة موضوعًا، أربعة أسماء والمسمى واحد زيد قائم زيد يسمى مبتدأ عند النحاة، يسمى مسندًا إليه عند البيانيين، يسمى موضوعًا عند المناطقة، يسمى محكومًا عليه عند الأصوليين فأربعة أسماء مرادًا بها معنى واحد قائم يسمى محمولاً عند المناطقة، خبرًا عند النحاة، مسندًا عند البيانيين، محكومًا به عند الأصوليين هذه أربعة أسماء تقابلها أربعة أسماء إدراك الموضوع الذي هو زيد هذا أولاً لا يمكن أن تصل إلى إدراك الجملة الكلية إلا إذا أدركت الجزء الأول وهو زيد ما المراد بزيد؟ ذات مشخصة لو لم تعرف المراد بزيد وتفهم مدلول زيد هل يمكن أن تتصور القيام ثابت لهذه الذات أو لهذه اللفظة؟ لا يمكن إذًا تصور الموضوع أولاً ثم تصور المحمول يعني: ما المراد بهذه الكلمة ما الذي وضعت العرب هذا اللفظ ما المعنى الذي وضعت له العرب هذا اللفظ؟ هاتان أو هذان تصوران ثم إدراك أو تصور النسبة والمراد بالنسبة هنا النسبة الكلامية وتسمى النسبة الحكمية التي مورد الإيجاب والسلب وهي: ثبوت المحمول للموضوع. يعني: إذا قيل: زيد قائم. وكان الإنسان شاكًا في هذا ولذلك يمثل الشيخ الأمين في المقدمة بالشاك إذا قيل: زيد قائم. وأنت تشك في ثبوت القيام لزيد هل قطعت بالقيام؟ الجواب: لا، هل قطعت بنفي القيام؟ الجواب: لا، النسبة التي تردد فيها الشاك هل القيام ثابت لزيد أو ليس بثابت؟ هذه تسمى نسبة وهي: تعلق المحمول بالموضوع. يقابله ما لا يمكن أن يتعلق المحمول بالموضوع، لو قيل: الجدار نائم تصورت معنى الجدار وهو الموضوع وتصورت معنى نائم وهو المحمول، لكن هل يتصور قيام الخبر بالمبتدأ؟ لا يمكن إذن نقطع بعدم صحة هذه الجملة لأن الإدراك الثالث غير صحيح هنا زيد قائم هل يتصور اتصاف زيد بالقيام نقول: نعم، لكن هل ثبت قيام زيد أو لم يثبت قيام زيد هذا هو التصور الرابع التصور الثالث نقول: هذا تصور النسبة إدراك النسبة الكلامية تسمى النسبة الحكمية وظرف نسبة فسرها بعضهم بالنسبة الكلامية فيلزم من ذلك تقدير مضاف ودرك وقوعه اسمًا.
(15/9)

الإدراك الرابع هو: التصديق. يعني: الحكم بالفعل وقوع ثبوت قيام زيد إذا قيل: زيد قائم. إذن النسبة الكلامية ثبوت قيام زيد وقوع ثبوت قيام زيد إدراكه يسمى تصديقًا زيدٌ ليس بقائم إدراك نفي قيام زيد نقول: هذا. نفي وقوع قيام زيد نقول: هذا تصديق لماذا؟ لأن التصور الرابع قد يكون بالسلب وهو: النفي. وقد يكون بالإيجاب وهو: الإثبات. إذن زيدٌ قائم لا يمكن أن يتصور وتدرك وقوع قيام زيد في الخارج إلا بعد ثلاث تصورات، الرابع هو التصديق على الصحيح وهو مذهب الحكماء المتقدمين من المناطقة والفخر الرازي على أن التصديق كل الأربع تصورات هذه: إدراك المفرد، وإدراك الموضوع، وإدراك المحمول، وإدراك النسبة الكلامية، وإدراك الوقوع وعدم الوقوع، يعبر الرابع بالإيقاع والانتزاع أو الوقوع وألا وقوع قد يمر بك في الحواشي الوقوع وألا وقوع المراد به إدراك الذي هو التصور الرابع الذي هو إدراك وقوع ثبوت قيام زيد ويعبر عنه بالإيقاع والانتزاع الوقوع وألا وقوع الوقوع في الإيجاب وألا وقوع في السلب الإيقاع في الإيجاب الانتزاع في السلب نقول: الصواب أن الرابع هو التصديق سمي تصديقًا لماذا؟ لأن قام زيد وزيد قائم هذا من قبيل الخبر وهو ما احتمل الصدق والكذب لذاته.
محتمل للصدق والكذب الخبر ** وغيره ........
سمي تصديقًا لاحتمال الصدق والكذب أو التصديق والكذب فسمي بأشرف الاحتمالين مع كونه قد يكون كذبًا لكن رجح التصديق لأنه أشرف من التكذيب إذن نقول: إدراك المعاني مطلقًا الشامل لإدراك المفرد والشامل لإدراك المركبات نفسر المركب هنا حتى ينضبط معنا تنضبط معنا المسألة نفسر المركب هنا بالمركبات التامة التي هي الجملة الاسمية والجملة الفعلية ونفسر المفرد ما ليس بمركب تام، فيشمل المفرد عند النحاة كزيد، وقام، وإلى. ويشمل المركب الناقص، ويشمل أيضًا النسبة الكلامية التي يعبر عنها بالنسبة الخارجية لأننا قلنا ثلاث تصورات تسبق التصديق.
التصور الأول: تصور الموضوع.
التصور الثاني: تصور المحمول.
التصور الثالث: تصور النسبة. النسبة هذا أطلقنا عليه أنه تصور إذن ندخله في حد المفرد.
التصور الرابع: تصور الوقوع وألا وقوع.
العلم إدراك المعاني مطلقا ** وحصره في طرفين حققا
سموهما التصديق والتصورَا ** فالأول اعتقاد نسبة ترى
وغيره تصورٌ
وغيره الذي هو غير اعتقاد النسبة الخارجية اعتقاده يعني: بالإيجاب والسلب تصور. إذن التصور إدراك المفرد والتصديق إدراك المركب التام.
إذن ينقسم العلم إلى قسمين: إدراك مفرد علم التصور، وإدراك المركب وهو: علم التصديق.
(15/10)

قد يطلق التصور مرادًا به مطلق الإدراك التصور له اصطلاحات عند المناطقة أنفسهم وسيأتينا أن الناظم هنا قوله: (تَصَوُّرُ). أن المراد به التصور العام، التصور العام المراد به ماذا؟ {إدراك الشيء بلا حكم عليه} والتصور الساذج نقول: {إدراك الشيء بقيد عدم العلم أو التصور العام حصول صورة شيء في الذهن عفوًا حصول صورة الشيء في الذهن} وحصول صورة شيء في الذهن قد تكون مع الحكم وقد تكون بدون الحكم مع الحكم هو: التصديق. وبدون الحكم هو: التصور. إذن التصور الخاص الذي يسميه المناطقة بالتصور الساذج لخلوه عن الحكم يكون داخلاً في تصور العام والتصور العام يصير موافقًا للعلم مساويًا للفظ العلم لأن العلم هو الإدراك مطلق الإدراك التصور العام حصول صورة الشيء في الذهن سواء كان عن مفرد أو عن مركب فحينئذٍ يكون التصديق داخلاً في التصور العام، وإذا كان التصديق داخلاً في التصور العام صار مساويًا للعلم لأن العلم قسمان، وأما التصور الساذج الذي هو بقيد عدم الحكم لا مع الحكم نقول: هذا مقابل للتصديق الذي هو نوع من أنواع العلم هذا هو المشهور عند المناطقة وهو المرجح ثم كل منهما حتى يعترض معترض يقول: هم يفسرون العلم بأنه الحكم الجازم. نقول: لا غرو في ذلك لأن التصديق نوعان: تصديق ضروري، وتصديق نظري. والتصور أيضًا نوعان: تصور نظري، وتصور ضروري.
إذن لا يخرج الحكم الجازم عن نوعي العلم التصور والتصديق أما تقسيم العلم إلى تصور وتصديق نقول: هذا تقسيم له باعتبار ماذا؟ باعتبار متعلقه وتقسيمه إلى ضروري ونظري باعتبار الطريق الموصل إليه باعتبار متعلقه لأن العلم هو: الإدراك متعلق الإدراك مفرد إذن هو تصور، متعلق الإدراك مركب كامل إذن هو تصديق. إذن قسمنا العلم إلى تصور وتصديق باعتبار متعلقه الذي هو متعلق الإدراك وقسمناه إلى نظري وضروري باعتبار الطريق الموصول إليه لأن الضروري كما سيأتي ما لا يقع عن نظر واستدلال والنظر ما يقع عن نظر واستدلال هذا ملخص لما ذكرناه في شرح السلم عند قوله:
إدراك المفرد تصورًا علم ** ودرك نسبة للتصديق نسب
قال هنا:
وَعِلْمُنَا مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ ** إِنْ طَابَقَتْ لِوَصْفِهِ الْمَحْتُومِ
الذي ذكرته سابقًا هو الأصح في حد العلم أنه إدراك المعاني مطلقًا هنا عرفه قال:
وَعِلْمُنَا مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ ** إِنْ طَابَقَتْ لِوَصْفِهِ الْمَحْتُومِ
علمنا أراد به الاحتراز عن علم الله عز وجل وهنا من الإرادات على تفسير العلم أنهم أرادوا أن يضبطوا علم المخلوق فذكروا أوصافًا تختص بالمخلوق ثم يريدون أن يضعوا جنسًا شاملاً لعلم الله عز وجل وعلم المخلوق لأن العلم علمان وهذا لا شك فيه العلم علمان: علم المخلوق، وعلم الخالق.
علم المخلوق هو الذي قسمناه أنه ينقسم إلى: تصور، وتصديق. وأنه يكون نظريًّا وضروريًّا أما علم المخلوق فلا يوصف بواحد من هذا، لأن التصور والتصديق إدراك وصول النفس إلى المعنى بتمامه هذا ولا يوصف به الرب جل وعلا كذلك نقول: نظري، وضروري لا يقع بالاستدلال نقول: هذا لا يوصف به الرب جل وعلا وهذا محل خلاف محل اتفاق بين الأئمة.
علم الإله لا يقال نظري ** ولا ضروري ولا تصوري
(15/11)

وليس كسبيًّا فكل مهم ** يمنع في حق الكريم المنعم
إذن لا يوصف لا بهذا ولا بذلك هم أحيانًا يأتون بعبارات يقولون: هذا يرد عليه قال صاحب ((الورقات)) العلم معرفة. نقول: لماذا تريد أن تحده؟ لا بد أن تذكر في علم المخلوق ما يختص بعلم الله عز وجل نقول: لا العلم كما يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في المحبة أورد تعريف كثيرة للمحبة ثم قال: المحبة ليس لها تعريف مثل المحبة. وكذلك العلم علم الخالق جل وعلا ليس له تعريف أن يقال مثل العلم وكل إنسان يعرف من نفسه معنى العلم إذا أثبت لله عز وجل وأنه يختص بصفات لا يشاركه فيها المخلوق البتة وهذا واضح لا إشكال فيه (وَعِلْمُنَا) هنا أضاف العلم إلى نفسه والمراد به العلم الحادث (مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ) الأصل قال: معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع. هكذا عبر في الورقات معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع (مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ) هم يقولون: العلم المراد به اليقين. كما قال هناك اعتقاد جازم مطابق ثابت أليس كذلك؟ وعندهم أن المعرفة إدراك الجزئيات والعلم إدراك الكليات وهنا يرد إشكال كيف يحد العلم بالمعرفة والمعرفة إدراك للجزئيات والعلم إدراك للكليات هذا تناقض لأن العلم والمعرفة بهذين المعنيين متقابلان وإذا كان متقابلين لا يمكن أن يجعل أحدهما جنسًا للآخر لأن من شرط الجنس في التعريف أن يكون شاملاً للمعرف وغيره وهنا لا يمكن أن تكون المعرفة شاملة للعلم وغير العلم فيكيف يؤخذ أو تؤخذ المعرفة جنسًا في حد العلم؟ هذا اعتراض ولكن أجيب بأن المراد بالمعرفة هنا الإدراك المراد بالمعرفة هنا الإدراك، وإذا كان الإدراك نقول: هذا إدراك جازم وإدراك غير جازم والعلم المحدود المعرف إدراك مطلق وحينئذٍ أخذ المعرفة بقيد الجزم لأنه قال: معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع على كا هو جازم هو أخص من مطلق العلم المحدود إذا قيل: العلم هو معرفة. نقول: العلم عرفناه بماذا؟ الإدراك مطلق الإدراك مطلق الإدراك هذا تركناه اختصارًا وشرحناه في السلم أنه يشمل الجهل المركب ويشمل الجازم وغير الجازم والنسبة المتوهمة والنسبة المشكوكة. من أراد الأمثلة فليرجع إلى هناك فحينئذٍ نقول: العلم يشمل هذه كلها فإذا قيل: المعرفة بمعنى الإدراك للجازم. يكون لا إشكال ولا تعارض فالإيراد على الناظم كأصله كأن لا لمعرفة مباينة للعلم نقول: لا المراد بالمعرفة هنا الإدراك ولذلك أضافه إلى قوله: (الْمَعْلُومِ). وقيده على ما هو به في الواقع يعني: المطابق الثابت للخارج. (الْمَعْلُومِ) هذا أورد عليه أيضًا كيف نقول: معرفة المعلوم؟ المعلوم هذا مشتق من العلم وإذا اشتق من العلم وأخذ المشتق في حد ما اشتق منه لزم منه الدور وهو أن اللفظ كل منهما يتوقف العلم به على معرفة الآخر لأنه يقال: العلم.
معرفة المعلوم. ما هو المعلوم؟ مشتق من العلم، ما هو العلم؟ معرفة المعلوم، تجلس إلى الصباح وما أجبت على الإشكال هذا هو الدور يعني: يتوقف تفسير أحدهما على الآخر ومن شروط الحدود ألا.
ولا بما يدرى بمحدود ولا ** مشترك من القرينة ...
وشرط كل أن يرى مضطردا
إلى أن قال:
ولا بما يدرى بمحدود
(15/12)

يعني: إذا كان لا يدرى اللفظ الذي أخذ قيدًا في التعريف إلا بمحدود نقول: هذا يلزم منه الدور ويستثنى الدور المعني وليس هو معنا أجيب بأن المعلوم المراد به ما من شأنه أن يعلم يعني: أنتم اعترضتم على الحد بأن المعلوم يلزم منه الدور نقول: لا أنتم أخذتم المعلوم بالفعل والمراد هنا المعلوم بالإمكان ولا تعارض. لكن الجواب هذا ضعيف ولا يسلم الحد من الاعتراض.
(وَعِلْمُنَا مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ) إذن نقول: هنا قال: العلم معرفة العلوم على ما هو به في الواقع (مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ) إذا أجبنا عن الاعتراضين المعرفة والمعلوم نقول: العلم إدراك ما من شأنه أن يعلم. فسرنا المعرفة بالإدراك وفسرنا المعلوم بما من شأنه يعني: شيء يصدق على المعدوم والموجود من شأنه وأمره وحقيقته وماهيته أن يعلم. يعني: يطلب العلم به، ويبحث عنه ويسأل عنه على ما هو به في الواقع هذا اعتراض ثالث على المصنف كأصله وهو أن المعرفة إذا لم تكن على ما هي به في الواقع كما ذكرنا البارحة أنها تعد جهلاً لا معرفةً المعرفة إذا لم تكن مطابقةً للواقع فهي جهلٌ لا معرفة وهنا قوله: على ما هو به في الواقع. هذا يعتبر حشوًا والأولى أن يقال: العلم معرفة المعلوم هكذا عرفه الناظم تبعًا لأصله ولا يسلم من الاعتراض قوله: (وَعِلْمُنَا) عرفنا القيد هنا للاحتراز من علم الله عز وجل (مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ) (مَعْرِفَةُ) أي: إدراك الجازم المتعلق بما من شأنه أن يعلم وأخذنا الإدراك الجازم لأنه أراد أن يحد العلم والإدراك قلنا: مدرك يشمل الجازم، وغير الجازم. الإدراك الجازم هذا يدخل فيه الاعتقاد والعلم الإدراك غير الجازم هذا يشمل الظن والوهم والشك وسيأتي بيانها في موضعها (مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ) يعني: في الأصل ما وقع عليه العلم يعني: لفظ المعلوم ما وقع عليه العلم فإذا تعلق به الإدراك يكون من باب تحصيل الحاصل فنجيب عنه بأن المراد بالمعلوم ما من شأنه أن يعلم.
(إِنْ طَابَقَتْ لِوَصْفِهِ الْمَحْتُومِ) (طَابَقَتْ) الضمير يعود على المعرفة أو النسبة (إِنْ طَابَقَتْ لِوَصْفِهِ) أي: لهيئته. (الْمَحْتُومِ) هذا أراد به على ما هو عليه في الواقع (الْمَحْتُومِ) مشتق من الحتم وهو الجزم والكتم لذلك من اصطلاحات الواجب الحتم.
والفرض والواجب قد توافقا ** كالحتم
{(((((عَلَى رَبِّكَ (((((((} [مريم:71] (الْمَحْتُومِ) هذا مشتق منه إذن المحتوم بمعنى الجازم.
وَعِلْمُنَا مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ ** إِنْ طَابَقَتْ لِوَصْفِهِ الْمَحْتُومِ
(15/13)

هل هناك فرق بين العلم والمعرفة؟ قيل: العلم في العرف يطلق على أمور يطلق مرادًا به ما لا يحتمل النقيض وهذا الذي ذكرناه عن الجويني الاعتقاد الجازم المطابق الثابت هذا لا يحتمل النقيض كذلك حد الفخر الرازي حكم ذهن الجازم المطابق لموجب يعني: لدليل هذا لا يحتمل النقيض وهو بمعنى اليقين لكن هل في الشرع أو في اللغة لا يطلق العلم إلا بمعنى اليقين؟ نقول: لا ليس بصواب. حصر العلم في أنه مراد به إلا الإدراك الجازم المطابق للواقع فقط هذا نقول: مجرد اصطلاح. وإلا الله عز وجل يقول: {((((((عَلِمْتُمُوهُنَّ (((((((((((} [الممتحنة:10] أطلق العلم على الظن وهو إدراك غير جازم. قالوا: مجاز. نقول: أصل الحقيقة ولا يحمل على المجاز. فكل لفظ أو كل ما أطلق العلم في غير اليقين قالوا: مجاز لماذا؟ ليسلم له القائل يعني ليسلم له أن العلم محصورٌ في حكم الذهن الجازم نقول: الصواب لا في اللغة كما ذكره صاحب الكليات أنه إطلاق العلم حقيقة في الإدراك مطلق الإدراك الشامل لعلم التصور وعلم التصديق إذن المعنى الأول الذي يرد عرفًا ولغةً في الشرع وفي غيره أن العلم يطلق ويراد به ما لا يحتمل النقيض الثاني: يطلق ويراد به الإدراك بل هو الأصل في إطلاقه كما ذكرناه سابقًا يعني: مطلق الإدراك الشامل للتصور والتصديق أيضًا يطلق ويراد به التصديق قطعيًّا أو ظنيًّا يعني: يطلق العلم ولا يراد به التصور وإنما يراد به التصديق سواء كان تصديقه قطعيًّا أو ظنيًّا نقول: هذا استعمال للفظ العلم في بعض أفراده ولا يمنع أن يستعمل في غيره لكن أرادوا أن يضبطوا المسألة عندهم ويخصوا العلم بمعنى اليقين قالوا: إطلاقه على تصديق اليقيني حقيقة وإطلاقه على التصديق الظني مجاز {((((((عَلِمْتُمُوهُنَّ (((((((((((} [الممتحنة:10] قالوا: استعمل لفظ العلم في التصديق الظني {(((((((((((((((((((((((((} هل يمكن أن يعلم بحقيقة الإيمان في القلب الذي يستلزم العمل الظاهر ما يمكن قطعًا ما يمكن أن نقطع بهذا أن زيدًا مؤمن ظاهرًا وباطنًا وإنما نحكم عليه بظاهره وهو حكم ظني {((((((عَلِمْتُمُوهُنَّ (((((((((((} أي: حكمتم عليهن بالإيمان وهذا تصديق لكنه ظني قالوا: هذا من باب المجاز ليسلم لهم تخصيص العلم اليقين. يطلق العلم ويراد به المعرفة يعني: معنى المعرفة {((تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة:101] قالوا: {((تَعْلَمُهُمْ} يعني: لا تعرفهم. {((تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} الشاهد في الأول {((تَعْلَمُهُمْ} يعني: لا تعرفهم. إذن هذه أربعة اطلاقات لغةً واصطلاحًا وشرعًا يطلق العلم ويراد به ما لا يحتمل النقيض وهذا أكثر الأصوليين على أنه معنى العلم في اللغة وإذا أطلق العلم انصرف إلى هذا المعنى وهو مرادف لليقين ونقول: التخصيص هذا ليس عليه دليل.
(15/14)

الثاني: يطلق العلم ويراد به التصديق قطعيًا كان أو ظنيًّا يطلق العلم ويراد به معنى المعرفة يطلق العلم ويراد به الإدراك ونقول: الثلاثة الأولى هذه إذا تأملها المتأمل لدخلت في الرابع لأن الرابع منه ما هو معرفة ومنه ما هو تصديق ومنه ما هو جازم ومنه ما هو غير جازم وتخصيصه بواحد منها دون الآخر هذا يعتبر تحكمًا يعني: يحتاج إلى دليل ولا دليل. وأما استعمالات الشرع فأطلق العلم بمعنى الظن كما أن الظن لفظ الظن أطلق بمعنى العلم مثل ماذا؟ {(((((((((يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو (((((((((} [البقرة:46] هذا يكفي الظن؟ ما يكفي فيه الظن لا بد أن يكون علمًا جازمًا يقينًا إذن أطلق لفظ الظن المراد به العلم كذلك أطلق العلم بمعنى المعرفة {((تَعْلَمُهُمْ} كذلك أطلقت المعرفة بمعنى العلم {(((((عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة:83] أي: علموا. إذن أطلق لفظ عرف على ماذا؟ على العلم هذه أربعة اطلاقات لكن يفرقون بين المعرفة والعلم أذكرها لا تأييدًا وإنما يذكرون هذه المسائل يقولون: العلم يستعمل في المركبات والمعرفة في البصائر المعرفة تستعمل في الجزئيات والعلم في الكليات المعرفة تطلق على الإدراك الذي بعد جهل يعني: المسبوق بجهل ولذلك لا يقال: الله عالم. هذا باتفاق لكن لا يقال: الله عارف. لماذا؟ لعدم النص أيضًا يطلق على الأخيرين من الإدراكيين وهذا لا يطلق عليهما أنهما علم الفتوحي يقول: المعرفة أخص من العلم وقد تكون أعم في الكوكب شرح ((الكوكب المنير)) يقول: المعرفة أخص من العلم وأعم أخص باعتبار أنها علم مستحدث أو انكشاف بعد لبس. هكذا نص أنها علم مستحدث إذًا لا تشمل علم الخالق جل وعلا أو انكشاف بعد لبس الذي هو إدراك مسبوق بجهل الذي ذكره الجاوي فالعلم يكون أعم لأن العلم يشمل المستحدث الذي هو علم المخلوق ويشمل علم الخالق أيضًا يشمل ما كان مسبوقًا بجهل وما ليس مسبوقًا بجهل وإن ذكر صاحب الحاشية بأن العلم أو الإدراك الذي لم يسبق بعلم أو سُبق بجهل فإنه يسمى معرفة ولا يسمى علمًا والمعرفة أعم من العلم لأنها تشمل الظن واليقين لأن العلم عندهم خاص باليقين وهذه كلها أو أكثرها مجرد اصطلاح وإلا اللغة لا تساعدهم على هذا.
وَعِلْمُنَا مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ ** إِنْ طَابَقَتْ لِوَصْفِهِ الْمَحْتُومِ
يعني: هذا مرادًا به قول الأصل على ما هو به في الواقع قيل: احترز به عن الجهل المركب لكن هذا ليس بصحيح.
ثم قال:
وَالْجَهْلُ قُلْ تَصَوُّرُ الشَّيءِ عَلَى ** خِلافِ وَصْفِهِ الَّذِي بِهِ عَلا
(15/15)

لما عرف العلم أراد أن يستطرد فعرف الجهل لماذا؟ قلنا: أراد أن يعرف الجهل لأنه: بتعريف الجهل يتميز ويتبين أتم بيان حقيقة العلم قال: (وَالْجَهْلُ قُلْ). في تعريفه أيها الطالب (تَصَوُّرُ الشَّيءِ عَلَى ** خِلافِ وَصْفِهِ الَّذِي بِهِ عَلا) تصور الشيء الجويني لم يعرف إلا الجهل المركب في ((الورقات)) وقيل قوله: وقيل حد الجهل فقد العلم. هذا من زيادة العمريطي على الأصل الجويني لم يعرف إلا الجهل المركب قيل: اعتراضًا عليه أن حده لا يشمل البسيط الجهل البسيط وأجيب بأنه قصد الجهل المركب لماذا؟ لأنه إدراك المركب لأنه أراد أن يميز العلم والعلم مركب والذي يميزه البسيط أو المركب؟ المركب إذن لا اعتراض على صاحب الأصل (وَالْجَهْلُ قُلْ تَصَوُّرُ) ما المراد بالتصور هنا؟ إذا حددنا أن التعريف خاص بالجهل المركب نقول: التصور هنا تصور العام الذي هو قسيم مقابل للعلم وليس التصور الساذج الذي هو إدراك بقيد عدم العلم لماذا؟ لأننا لو جعلنا التصور الساذج وأردنا الجهل المركب كيف يكون إدراك الشيء على خلاف ما هو به عليه ما يتصور أن يفسر التصور هنا بإدراك المفرد وإنما يفسر التصور هنا بالشامل للتصديق والتصور الساذج فحينئذٍ لا مانع أن يكون المراد هنا بتعريف المصنف النوعين هكذا قيل قال بعضهم. (وَالْجَهْلُ قُلْ تَصَوُّرُ الشَّيءِ) يعني: المعلوم (عَلَى ** خِلافِ وَصْفِهِ) يعني: على خلاف هيئته (الَّذِي بِهِ عَلا) يعني: الذي ارتفع به عن غيره في الحد أو الذي بكونه موجودًا ولو علم لارتفع به عن غيره وهو عدم العلم به يحتمل هذا وإذا أردنا أن نقول في حد الجهل هو: إدراك الشيء على خلاف ما هو به في الواقع. وهذا يسمى جهلاً مركبًا لماذا؟ لأن إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع هذا يستلزم جهلين لأن عدم الإدراك هو الجهل البسيط وهنا وجد إدراك أدرك ثم أدرك الشيء على خلاف ما هو عليه قالوا: لو سئل إنسان ما حكم من شرب أو أكل ناسيًا في نهار رمضان ما حكمه؟ أفتوني «فإنما أطعمه الله وسقاه». لكن لو جاء مفتي فأطرق وسكت وحوقل وقال: يلزمه القضاء. فإذا ما قال عليه كفارة فنقول: هذا حكم وهذا جهله جهل مركب لماذا؟ لأنه استلزم جهلين:
أولاً: جهله بالحكم لأنه قال: يلزمه القضاء.
ثانيًا: جهله بأنه جاهل لأنه يظن أنه مصيب وهو قد جهل أنه جاهل. هذان جهلان.
وَالْجَهْلُ قُلْ تَصَوُّرُ الشَّيءِ عَلَى ** خِلافِ وَصْفِهِ الَّذِي بِهِ عَلا
وَقِيلَ حَدُّ الْجَهْلِ فَقْدُ الْعِلْمِ
ليشمل النوعين البسيط والمركب البسيط هو عدم الإدراك بالكلية سئل عن مسألة فقال: لا أعلم، لا أدري. هذا لا يدرك شيئًا لكن لو ادعى أنه مدرك وهو الأصل فيه أنه لم يدرك ثم وجدنا الإدراك على خلاف ما هو عليه في الواقع نقول: هذا جهل مركب. أما إذا قال: لا أدري. أو أنه لم يدرك أصلاً نقول: هذا جهل بسيط.
(15/16)

(وَقِيلَ حَدُّ الْجَهْلِ فَقْدُ الْعِلْمِ) فقد بمعنى عدم العلم إما بأن لم يدرك أصلاً وهو: البسيط. أو بأن يدرك على خلاف ما هو عليه في الواقع وهو المركب إذن على هذا التعريف الذي زاده العمريطي استدراكًا على تعريف الجويني يختص الأول بالمركب فقط (وَقِيلَ حَدُّ الْجَهْلِ فَقْدُ الْعِلْمِ).
وَالْجَهْلُ قُلْ تَصَوُّرُ الشَّيءِ عَلَى ** خِلافِ وَصْفِهِ
نقول: هذا خاص بالمركب فقط الجهل المركب. والذي زاده هذا يشمل النوعين لأنه قال: (فَقْدُ الْعِلْمِ). عدم العلم وهذا يشمل بأن لا يعلم أصلاً أو بأن يدرك على خلاف ما هو عليه لكن فقد العلم وعدم العلم هذا يرد عليه إيراد وهو: أنه يشمل البهيمة والجماد. لكن الأولى أن يعبر يقال: انتفاء العلم بالمقصود.
والجهل جا في المذهب المحمود ** هو انتفاء العلم بالمقصود
هكذا قال في ((المراقي)).
والجهل جا في المذهب المحمود ** هو انتفاء العلم بالمقصود
انتفاء إذا انتفى الشيء عن الشيء لا يمكن أن يوصف بالانتفاء إلا إذا كان قابلاً إذا كان المحل قابلاً أما الفقد والعدم فلا إذا قيل: انتفى العلم عن الجدار. يصح؟ لا يصح أن انتفي انتفاء بمعنى النفي وقاعدة العرب مضطردة أن الشيء لا ينفى عن الشيء إلا إذا كان المنفي عنه قابلاً للشيء المنفي فإذا قيل: الإنسان لا ينام أو ليس بنائم زيدٌ ليس بنائم نفينا عنه النوم لكن هل هذا زيد يتصف بالنوم نقول: نعم هو يمكن أن يقع منه هذا الوصف لكن الآن هو منفي عنه لا يصح أن ينفى عنه النوم إلا إذا كان زيد قابلاً لهذه الصفة المنفية أما هذا يقال: هل الجدار لا ينام؟ هل يصح نفي النوم عن الجدار؟ نقول: لا لغة خطأ لماذا؟ لأن الوصف لا ينفى عن شيء ليس قابلاً له فحينئذٍ نقول: انتفاء هذا يدل على أن المحل الذي نفي عنه وهو الإنسان ماذا قابلاً للعلم أما فقد وعدم العلم نقول: الجدار عادم للعلم. ونقول البهيمة: عادم للعلم أو فاقدًا للعلم. لا إشكال في هذا لأن بالفعل هي فاقدة للعلم لكن الإنسان بكون يوصف بالعلم لا يصح أن نقول: فقد العلم أو عدم العلم فيشمل حينئذٍ البهيمة وماذا؟ والجدار ولذلك البيتان المشهوران قال حمار الحكيم تُومَة أو تَوْمة أو يوما في بعض النسخ.
قال حمار الحكيم يومًا ** لو أنصف الدهر لكنت أركب
لأنني جاهل بسيط وصاحبي - أو - وراكبي ** - في بعض الناسخ - جاهل مركب
(15/17)

نقول: هذا ما يصح لا يصح هذا خطأ عقديًا ولغويًا أما عقديًا لقوله: لو أنصف الدهر. فيه نسبت الحوادث إلى الدهر لو أنصف الدهر لكنت أركب هو يريد أن يركب هو مركوب هذا فيه معارضة أيضًا لقوله تعالى: {((((((((((((وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ ((((((((((((((} [النحل:8] وهذا يريد أن يركب لأنني جاهل بسيط وصف نفسه بالجهل هو ليس قابلاً للعلم حتى يوصف بالجهل لأن الجهل لا ينفى عن الحمار ولا ينفى عن الجدار لأنني جاهل بسيط وصاحبي أو وراكبي في بعض النسخ جاهل مركب نقول: هذان البيتان لا يصحان من جهة العقيدة أنه يقول: لو أنصف الدهر لكنت أركب. فيه معارضة للآية أيضًا وفي بعض النسخ لو أنصفوني يعني: كأنه مظلوم. ما عرف أن هناك حقوق للحيوان لأنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب إذن لا يصح أن ينفى الجهل عن أو العلم البهيمة والجماد.
قال: (بَسيِطًا أوْ مُرَكَّبًا قَدْ سُمِّي). هذا تقسيم له بانتفاء العلم (بَسيِطًا) وهو الذي ليس فيه إدراك أصلاً (مُرَكَّبًا) الذي فيه إدراك ولكنه مخالف للواقع (قَدْ سُمِّي) (قَدْ) للتحقيق (سُمِّي) بسيطًا هذا مفعول له (أوْ مُرَكَّبًا) أو للتقسيم.
(بَسِيطُهُ فِي كُلِّ مَا تَحْتَ الثَّرَى) نقول: المثال هذا للبسيط لكنه مثال غير صحيح لماذا؟ لأننا نقول: الجهل انتفاء العلم بالمقصود يعني: بما من شأنه أن يقصد أما الذي ليس من شأنه أن يقصد ولا يطلب علمه لا ضرورة لا ضروريًّا ولا نظريًّا نقول: هذا عدم العلم به لا يسمى جهلاً وعدم إدراكها لا يسمى جهلاً (بَسِيطُهُ فِي كُلِّ مَا تَحْتَ الثَّرَى) الذي تحت التراب غير مقصود فحينئذٍ عدم العلم لا يسمى جهلاً وإنما يسمى جهلاً الذي يقصد بالعلم ويطلق (تَرْكِيبُهُ) تركيب الجهل أي: وصفه بالمركب. (فِي كُلِّ مَا) في كل مثال (تُصُوِّرَا) فيه المعلوم على خلاف هيئته كالمثال الذي ذكرناه.
إذن عرفنا بهذه الأبيات حد العلم وحد الجهل، حد العلم نقول: الصواب أنه لا يختص بواحد من هذه الأربعة التي ذكرها الفتوحي وغيره إلا بالإدراك هذا الأصل وهذه ثلاثة أنواع التي ذكرها داخلة في مطلق الإدراك والجهل نوعان: جهل بسيط، وجهل مركب ينتظمها إذا عرفنا الجهل بأنه انتفاء العلم بالمقصود يعني: انتفاء ونفي العلم الذي يقصد والذي من شأنه أن يكون مقصودًا أما الذي لا يقصد فلا يوصل بكونه يعني: بعدم العلم أو عدم إدراكه لا يسمى جاهلاً، ثم قسم العلم باعتبار الطريق الموصلة إليه إلى علم ضروري وعلم نظري.
نقف على هذا وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(15/18)

عناصر الدرس
* تكملة للمقدمة المنطقية
* حد الجهل
* أقسام العلم باعتبار طرقه
* أقسام العلم
* تعريف الاستدلال

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
ذكرنا أن الناظم رحمه الله تعالى شرع في بيان المقدمة المنطقية التي تتعلق بمباحث أصول الفقه ذكرنا أن ثم المقدمتين يذكرهما علماء الأصول في كتبهم مقدمة منطقية تشتمل على حد العلم والجهل والنظر والفكر إلى آخره والاستدلال والدليل ومقدمة أيضًا لغوية تشتمل على حد الكلام وأقسامه والحقيقة والمجاز والمشترك والترادف إلى آخره ومناسبة ذكر العلم في هذا الموضع كما ذكرنا أنه يتعلق بحد الفقه كأنه في ظاهر الناظم هنا في ظاهر تصرفه أنه شرع يبين محترزات أو ما يتعلق بحد الفقه.
وَالفِقْهُ عِلْمُ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِي ** جَاءَ اجْتِهَادًا دُونَ حُكْمٍ قَطْعِي
ذكر الأحكام السبعة وعرفها بين رسومها ثم بين العلم ثم بين نقيضه وهو الجهد ثم قسم العلم إلى ضروري ونظري ثم بعد ذلك ذكر الظن لأنه رسيب العلم ثم ختم ببيان الحد اللقبي لأصول الفقه كأن جعل هذه المقدمة بين حدين.
هَاكَ أُصُولَ الفِقْهِ لَفْظًا لَقَبَا ** لِلْفَنِّ مِنْ جُزْأَيْنِ قَدْ تَرَكَّبَا
إلى آخره عرف لك الأصول أصول الفقه من حيث إنه مركبٌ إضافي قلنا: تعريف أصول الفقه له جهتان إما من جهة إنه مركبٌ إضافي وإما من جهة إنه على يعني: صار لقبًا وعلمًا على هذا الفن المسمى بأصول الفقه جعل هذه المقدمة وهذه الأبيات لو تأملت بين الحدين:
(هَاكَ أُصُولَ الفِقْهِ لَفْظًا لَقَبَا) ثم قال: (أَمَّا أُصُولُ الْفِقْهِ مَعْنى بِالنَّظَرْ) كما سيأتي في موضعه هذا يفهم منه والعلم عند الله أنه أراد أن يبين محترزات حد الفقه ذكرنا حد العلم لغةً واصطلاحًا ثم قال:
وَالْجَهْلُ قُلْ تصَوُّرُ الشَّيءِ عَلَى ** خِلافِ وَصْفِهِ الَّذِي بِهِ عَلا
(16/1)

(وَالْجَهْلُ) هذا مصدر جهل يجهل جهلاً والجهل في اللغة نقيض العلم ولذلك لما بين العلم حقيقة العلم: وبضدها تتميز أو تتبين الأشياء. إذن لما استطرد الناظم هنا في ذكر حد الجهل؟ نقول لأن الجهل يبين العلم تمام المعرفة لأن العلم له حقيقة وله نقيض إذا عرفته بحقيقته دون نقيضه قد يقع نوع لبس عند البعض وإذا عرفته بحقيقه ونقيضه نقول: تبين أتم البيان إذن فيه زيادة بيان وإيضاح لحقيقة العلم الجهل نقول مصدر جهل يجهل جهلاً وهو في اللغة نقيض العلم، قال أهل اللغة: يقال: الجهالة أن يفعل المرء فعلاً بغير علم الجهالة أن يفعل المرء فعلاً بغير علم والمجهلةُ مفعلةُ ما يحمل المرء على الجهل بفعلٍ لا يليق بمثله والجاهل هو الذي لا يعرف هكذا قال أهل اللغة: الجاهل هو الذي لا يعرف وقد يطلق الجاهل على قليل الخبرة أو من لا خبرة له واستدلوا بذلك بقوله تعالى: {((((((((((((الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ ((((((((((} [البقرة: 273]. الجاهل هنا المراد به من لا خبرة له قال: (وَالْجَهْلُ قُلْ). أي: وقارن في بيان حده وتصوره ليتم لك بيان حقيقة الجهل في نفسه وحقيقة العلم أيضًا.
تصَوُّرُ الشَّيءِ عَلَى ** خِلَافِ وَصْفِهِ
(تصَوُّرُ) هنا لو تلاحظ عبر في الجهل بالتصور وعبر في العلم قال: (وَعِلْمُنَا مَعْرِفَةُ) إذن قال في العلم (مَعْرِفَةُ) وقال في الجهل: (تصَوُّرُ) لماذا؟ لأن التصور ليس بمعرفة الأصل وإنما هو حصول شيءٍ في الذهن ولذلك ذكرنا أن المراد بالتصور هنا مطلق التصور يعني: التصور المرادف للعلم أو للإدراك تصور الشيء أو تصور المرادف للإدراك لمطلق الإدراك ليشمل حينئذٍ التصور الساذج والتصديق لأن الإدراك إن كان بقيد عدم الحكم فهو تصور وإن كان مع الحكم فهو تصديق يطلق التصور ويشمل حينئذٍ نوعين:
التصور الذي هو التصور الساذج، إدراك المقيد بعدم العلم بعدم الحكم.
والتصور المقيد بالحكم، وذكرنا أن هذا هو التصديق.
(16/2)

(تصَوُّرُ الشَّيءِ) إذن إدراك الشيء إدراك ليشمل حينئذٍ التصور الساذج والتصديق (الشَّيءِ) المراد به المعلوم (تصَوُّرُ الشَّيءِ) أي: المعلوم. أي: ما من شأنه أن يعلم (تصَوُّرُ الشَّيءِ) أي: المعلوم الذي من شأنه أن يعلم. لماذا؟ لأننا لو فسرنا الشيء مع ما على المعلوم بالفعل لأورد علينا إيراد أن المعلوم معلوم، فإذا تصور الشيء وهو معلوم، نقول: هذا من باب تحصيل الحاصل كمن يأمر بصلاة الظهر وهو قد صلى ولذلك يشترط في التكليف لصحة التكليف أن يكون المكلف معدوم ولماذا؟ لأنه لو وجه إليها الخطاب وقد صلى الظهر بأن يصلي الظهر صار من تحصيل الحاصل كيف صلى الظهر وهو قد صلى الظهر لذلك لو أعاد الثانية بنية الظهر كانت نافلةً لماذا؟ لأنه أوقع الصلاة الأولى بنية الظهر فحينئذٍ لا يكلف أن يصلي ظهرًا آخر في نفس الوقت هنا نقول: الشيء المراد المعلوم الذي من شأنه أن يعلم. كيف تصور