Advertisement

مذكرة أصول الفقه الجامعة الإسلامية


الكتاب: مُذَكِرَةُ أُصُولِ اَلْفِقْهِ
المؤلف: الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية
الناشر: موقع الجامعة على الإنترنت
[الكتاب مرقم آليا] مُذَكِرَةُ أُصُولِ اَلْفِقْهِ
المرحلة الثانوية
الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية

أصول الفقه
اعلم أن أصول الفقه مركب من مضاف وهو كلمة "أصول " ومضاف إليه وهو كلمة "الفقه" ويسمى مركبا إضافياَ وقد أخذ هذا المركب الإِضافي فوضع علماً على العلم المعهود فينبغي تعريفه باعتبار كونه مركباً إضافيا وباعتبار كونه علما.
أولًا تعريفه باعتبار كونه مركباً إضافياً
1- كلمة أصول: الأصول جمع أصل والأصل في اللغة ما انبنى عليه غيره كالأساس أصل للسقف والجدار وكعروق الشجرة الثابتة في الأرض كما في قوله تعالى: {أصلها ثابت وفرعها في السماء} .
وفي الاصطلاح يطلق الأصل على عدة معان منها:
1- القاعدة العامة: كقولهم الأمر يقتضي الوجوب، يوضح ذلك قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه} فهذا أمر عام يقتضي وجوب الأخذ بكل ما آتانا الرسول العظيم من غير تعرض في هذه الآية بالذات إلى فرد من أفراد الأوامر التي وجهها إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2- الدليل، كقولك: أصل وجوب الصوم قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} أي دليله.
2- كلمة الفقه: الفقه لغة الفهم ومنه قوله تعالى حكاية عن موسى {واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي} أي يفهموه.
وفي الاصطلاح: العلم بالأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد من أدلتها التفصيلية.
فأصول الفقه إذاً: قواعده التي يبنى عليها
شرح تعريف الفقه:
1- المراد بالعلم ما يشمل غلبة الظن كما في قوله تعالى {فإن علمتموهن مؤمنات} أي: ظننتموهن.
2- المراد بالأحكام الشرعية: الوجوب والندب والحرمة والكراهة والإِباحة فيخرج بقيد الشرعية: الأحكام العقلية كالواحد نصف الاثنين؛ والحسية مثل كون الثلج بارداً، والعادية كنزول المطر بعد الرعد والبرق.
(1/1)

3- والمراد بالتي طريقها الاجتهاد: إخراج ما لا يصح فيه اجتهاد كمعرفة كون الصلاة والصيام واجبين، والزنا والسرقة محرمين لمعرفة ذلك من الدين بالضرورة.
ثانياً تعريفه باعتبار كونه لقباً لهذا الفن
هو علم يبحث عن أحوال أدلة الفقه الإِجمالية وطرق الاستفادة منها وحال المستفيد.
شرح هذا التعريف:
1- المراد بطرق الاستفادة: معرفة الترجيح عند التعارض مثلا.
2- وبالإِجمالية: ما عدا التفصيلية، كالأمر يقتضي الوجوب والنهي يقتضي التحريم، والمطلق يحمل على المقيد والعام يخص بالمخصص، والقياس والإِجماع حجة.
موضوعه
وموضوع هذا الفن: الأدلة الموصلة إلى معرفة الفقه. وكيفية الاستدلال بها على الأحكام مع معرفة حال المستدل.
فائدته
وفائدة هذا العلم هي: العلم بأحكام الله تعالى المتضمنة للفوز بسعادة الدارين.
استمداده
ويستمد هذا العلم من ثلاثة أشياء:
1- علم أصول الدين- أي التوحيد- لتوقف الأدلة الشرعية على معرفة الباري جل وعلا، وصدق المبلغ عنه صلى الله عليه وسلم وهما مبينان فيه مقررة أدلتهما في مباحثه.
2- علم اللغة العربية: لأن فهم الكتاب والسنة والاستدلال بهما متوقفان على معرفتها إذ هما عربيان.
3- الأحكام الشرعية من حيث تصورها؛ لأن المقصود إثباتها أو نفيها وغير المتصور لها لا يتمكن من ذلك لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
حكمه
وحكم تعلم أصول الفقه وتعليمه فرض كفاية.
الأحكام الشرعية
تقدم لك أن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية، وإليك فيما يلي بيان هذه الأحكام بإيجاز:
تعريف الحكم:
الحكم لغة: المنع، واصطلاحاً: مقتضى خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين.
أقسام الحكم الشرعي
والأحكام الشرعية على قسمين:
1- تكليفية 2- وضعية.
فالحكم التكليفي: هو مقتضى خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين على جهة الاقتضاء أو التخيير.
والحكم الوضعي: هو ما وضعه الشارع من أسباب وشروط وموانع تعرف عند وجودها أحكام الشرع من إثبات أو نفي.
(1/2)

الفرق بين القسمين: والفرق بين التكليفية والوضعية هو: أن التكليفية كلف المخاطب بمقتضاها فعلا أو تركاً، وأما الوضعية فقد وضعت علامات للفعل أو الترك أو أوصافاً لهما.
أقسام الحكم التكليفي
ينقسم الحكم التكليفي إلى خمسة أقسام: لأنه إما أن يكون بطلب فعل أو بطلب ترك، وكلاهما إما جازم أو غير جازم وإما أن يكون فيه تخيير بين الفعل والترك، وبيانها كالآتي:
1- فالخطاب بطلب الفعل الجازم: إيجاب، ومتعلقه: واجب.
2- والخطاب بطلب الفعل غير الجازم: ندب، ومتعلقه: مندوب.
3- والخطاب بطلب الترك الجازم: تحريم، ومتعلقه: محرم.
4- والخطاب بطلب الترك غير الجازم: كراهة، ومتعلقه: مكروه.
5- والخطاب بالتخيير بين الفعل والترك: إباحة، ومتعلقه: مباح.
تنبيه: جرى الأصوليون على عد المباح من أقسام الحكم التكليفي وفي ذلك تسامح إذ المباح لا تكليف فيه لاستواء طرفيه.
الواجب
الواجب في اللغة: اللازم والثابت قال الله تعالى: {فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها} أي سقطت واستقرت على الأرض، وقال الشاعر:
أطاعت بنو بكر أميراً نهاهموا عن السلم حتى كان أول واجب
وفىِ الاصطلاح: هو ما يثاب فاعله امتثالا ويستحق تاركه العقاب.
تقسيمات الواجب
ينقسم أولا بحسب فاعله إلى فرض عين وفرض كفاية لأنه:
أ- إما أن يكون مطلوبا من كل فرد بعينه كالصلوات الخمس فهو فرض عين.
ب- أو يكتفي فيه بفعل البعض كصلاة الجنازة فهو فرض كفاية.
وذلك لأن الشارع لا ينظر إلى الأخير من حيث الفاعل بل من حيث وجود الفعل ممن كان هو.
وثانيا: بحسب وقته المحدد له: إِلى مضيق وموسع لأنه:
أ- إن كان الوقت المحدد لفعله بقدره فقط فمضيق. كوقت الصيام في رمضان فإن الصوم يستغرق ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس فلا يمكن صيام نفل معه وكذلك آخر الوقت إذا لم يبق إلا ما تؤدى فيه الفريضة كقبيل طلوع الشمس بالنسبة إلى الصبح أو قبيل غرويها بالنسبة إلى العصر.
(1/3)

ب- وإن كان يسعه ويسع غيره من جنسه معه فموسع كأوقات الصلوات الخمس فإن وقت كل صلاة يسعها ويسع غيرها معها من النوافل.
وثالثاً: بحسب الفعل: إلى معين ومبهم لأنه:
أ- إن كان الفعل مطلوباً بعينه لا يقوم غيره مقامه كالصلاة والصوم والحج ونحوها فمعين.
ب- وإن كان الفعل مبهما في أشياء محصورة يجزي واحد منها كخصال الكفارة من عتق أو إطعام أو صوم فمبهم إذ الواجب واحد لا بعينه.
المندوب
المندوب لغة: اسم مفعول من الندب وهو الدعاء إلى الفعل كما قال الشاعر:
لايسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا
وفي الاصطلاح: ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه ويطلبه الشارع طلبا غير جازم.
وهو مرادف للسنة والمستحب والتطوع.
ومذهب الجمهور أن المندوب مأمور به، ومن أدلتهم قوله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإِحسان وإيتاء ذي القربى} ، وقوله: {وأمر بالمعروف} وقوله: {وأمر بالعرف} ومن هذه الأشياء المأمور بها ما هو مندوب، ومنها: أن الأمر استدعاء وطلب والمندوب مستدعي ومطلوب. فيكون مأموراً به.
المحظور
المحظور لغة: الممنوع، واصطلاحا: ما يثاب تاركه امتثالا ويستحق فاعله العقاب، كالزنا والسرقة وشرب الخمر والدخان وحلق اللحى ونحو ذلك، ويسمى محرماً ومعصية وذنبا وحجرا.
المكروه
المكروه لغة: ضد المحبوب قال الله تعالى: {ولكن الله حبب إليكمٍ الِإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} ، واصطلاحا هو: ما يقتضي الثواب على تركه امتثالا لا العقاب على فعله كتقديم الرجل اليسرى عند دخول المسجد، واليمنى عند الخروج منه.
المباح
المباح لغة: كل ما لا مانع دونه كما قيل:
ولقد أبحنا ما حميـ ت ولا مبيح لما حمينا
وفي الاصطلاح هو: ما كان الخطاب فيه بالتخيير بين الفعل والترك فلم يثب على فعله ولم يعاقب على تركه كالأكل والنوم والاغتسال للتبرد ومحل ذلك ما لم تدخله النية فإن نوى بالمباح خيراً كان له به أجر.
أقسام الحكم الوضعي
(1/4)

1- السبب
السبب في اللغة ما توصل به إلى غيره، واصطلاحا: ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته كزوال الشمس فإنه سبب في وجوب صلاة الظهر وكملك النصاب فإنه سبب في وجوب الزكاة وكالولاء والنسب في الميراث.
2- الشرط
الشرط لغة: واحد الشروط مأخوذ من الشرط- بالتحريك- وواحد الأشراط والمراد به العلامة.
وفي الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. كالطهارة مثلا فإنها شرط في صحة الصلاة فيلزم من عدم وجود الطهارة عدم وجود الصلاة الشرعية، ولا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة، إذ قد يكون الإنسان متطهراً ويمتنع من فعل الصلاة.
3- المانع
المانع في اللغة: الحاجز، واصطلاحاً: هو ما يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، كالقتل في الميراث، والحيض في الصلاة، فإن وجد القتل امتنع الميراث، وإن وجد الحيض امتنعت الصلاة وقد ينعدمان ولا يلزم ميراث ولا صلاة، فهو بعكس الشرط إذ الشرط يتوقف وجود المشروط على وجوده، والمانع ينفى وجوده.
ولكي يتبين لك الفرق بين السبب والشرط والمانع، أنظر في زكاة المال مثلا تجد سبب وجوبها وجود النصاب ويتوقف ذلك الوجوب على حولان الحول فهو شرط فيه، وإن وجد دين منع وجوبها فهو مانع لذلك الوجوب على القول بأن الدين مانع.

الصحيح والفاسد
الصحيح لغة: ضد السقيم، وفي الاصطلاح: ما يتعلق به اعتداد في العبادات، ونفوذ في المعاملات، كأن تقع الصلاة مثلا مستوفاة شروطها تامة أركانها مع انتفاء الموانع ولو في اعتقاد الفاعل وكذلك البيع يقع من جائز التصرف على مباح مقدور على تسليمه مملوك في نفس الأمر، فلو باع ما يظن أنه ملك غيره فبان أنه ملكه صح البيع، إذ المعاملات مبناها على ما في نفس الأمر والعبادات على ما في اعتقاد الفاعل.
(1/5)

والفاسد لغة: المختل، وفي الاصطلاح: ما لا اعتداد به في العبادات كإيقاع الصلاة المفروضة قبل دخول وقتها، ولا نفوذ له في المعاملات كبيع مالا يملك مثلا.
ويرادفه الباطل إلا عند أبي حنيفة فيغاير بينهما، إذ الفاسد عنده ما شرع بأصله ومنع بوصفه كبيع مد قمح بمد قمحِ ودرهم، فبيع مد بمد صحيح مشروع بأصله فلو رفع الدرهم صح البيع نظرا إلى أصل مشروعيته.
الرخصة والعزيمة
العزيمة لغة: القصد المؤكد.
واصطلاحاً: الحكم الثابت بدليل شرعي خال من معارض راجح كتحريم الزنا في المنهيات ووجوب الصلاة في المأمورات.
والرخصة لغة: اللين والسهولة يقال شيء رخص: أي لين.
واصطلاحاً: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، كتيمم المريض لمرضه مع وجود الماء وأكل الميتة عند الاضطرار.
فالتيمم ثبت على خلاف دليل شرعي وهو قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} الآية. لمعارض راجح وهو قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر} الآية. وكذلك أكل المضطر للميتة على خلاف دليل شرعي هو قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} وقد أجيز لدليل راجح عليه وهو قوله تعالى: {فمن اضطر في مخمصة} الآية. فدفعه بأكل الميتة عن نفسه الجوع المفضي إلى الهلاك أرجح بلا شك من مطلق تضرره بخبثها.

أقسام اللفظ من حيث الدلالة
اللفظ من حيث هو دال على المعنى له حالات:
1- ألا يحتمل إلا معنى واحدا كقوله تعالى: {تلك عشرة كاملة} .
وقوله: {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} ومثل هذا يسمى "نصاً" مأخوذ من منصة العروس ومعناه في اللغة الرفع.
2- أن يحتمل أكثر من معنى على السواء كما في "قرء وعين "ويسمى "مجملا".
3- أن يحتمل أكثر من معنى ولكنه في أحدها أرجح منه في غيره فالراجح يسمى "ظاهراً ". كقولك "رأيت اليوم أسداً " فهو محتمل للحيوان المفترس وللرجل الشجاع ولكنه في الأول أرجح.
(1/6)

4- وإن حمل على المعنى المرجوح فهو المؤول كحمل لفظ "الأسد" على الرجل الشجاع كما في المثال السابق. ولابد في حمله على المعنى المرجوح من قرينة وإلا كان باطلا.
ووجه الحصر في هذه الأقسام: أن اللفظ إما أن يحتمل معنى واحداً فقط أو أكثر فالأول النص، والثاني إما أن يكون في أحد المعنيين أو المعاني أظهر منه في غيره أولا بأن يكون على السواء فالأول الظاهر ومقابله المؤول والثاني المجمل.
حكم هذه الأقسام
1- لا يعدل عن النص إلا بنسخ.
2- لا يعمل بالمجمل إلا بعد البيان.
3- لا يترك الظاهر وينتقل إلى المؤول إلا لقرينة قوية تجعل الجانب المرجوح راجحاً.
مثاله: لفظ " الجار" في حديث " الجار أحق بصقبه " فإنه راجح في المجاور مرجوح في الشريك فحمله الحنابلة على الشريك مع أنه مرجوح لقرينة قوية وهي قوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا ضربت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " فقالوا: لا ضرب لحدود ولا صرف لطرق إلا في الشركة أما الجيران فكل على حدوده وطرقه، ولهذا قالوا: لا شفعة لجار.
المجمل والمبين
(1) المجمل
تعريفه: أ- لغة: هو ما جمع وجملة الشيء مجموعه كجملة الحساب.
ب- واصطلاحاً: ما احتمل معنيين أو أكثر من غير ترجح لأحدهما أو أحدها على غيره.
الأمثلة: من ذلك لفظ القرء، فهو متردد بين معنيين على السواء: الطهر والحيض بدون ترجح لأحدهما على الآخر ولهذا التردد وقع الخلاف في المراد بالقرء في قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} فحمله الشافعي ومالك على الطهر، وأبو حنيفة وأحمد حملاه على "الحيض ".
أنواع الإجمال
قد يكون الإجمال في مركب أو مفرد، والمفرد يكون اسماً أو فعلاً أو حرفاً، وقد يكون لاختلاف في تقدير حرف محذوف.
الأمثلة: 1- الإجمال في المركب كقوله تعالى: {إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} . لاحتمال أن يكون الزوج وأن يكون الولي. ولذا حمله أحمد والشافعي على الزوج؛ وحمله مالك على الولي.
(1/7)

2- الإِجمال في المفرد:
أ- الإجمال في الاسم: تقدم منه لفظ "القرء" ومثله لفظ "العين " للجارحة والجارية والنقد.
ب- الإِجمال في الفعل: كقوله تعالى: {والليل إذا عسعس} لتردده بين أقبل وأدبر.
جـ- الإِجمال في الحرف: كقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} لاحتمال من للتبعيض ولابتداء الغاية ولذا حمله أحمد والشافعي على الأول، وحمله مالك وأبو حنيفة على الثاني.
3- الإِجمال بسبب الخلاف في تقدير الحرف المحذوف كقوله تعالى: {وترغبون أن تنكحوهن} . لأن الحرف المقدر بعد ترغبون يحتمل أن يكون " في " أي ترغبون في نكاحهن لجمالهن، ويحتمل أن يكون "عن " أي ترغبون عن نكاحهن لفقرهن ودمامتهن.
العمل في المجمل: ينظر أولاً هل هناك قرائن أو مرجحات لأحد المعاني أولا فإن وجدت عمل بها، وإلا ترك الاستدلال به ولذا قيل: إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال.
(نصوص ليست مجملة)
ا- التحريم المضاف إلى الأعيان كقوله تعالى: {حرمت عليِكم أمهاتكم} وقوله: {حرمت عليكم الميتة} ليست بمجمل لظهوره عرفاَ في النكاح في الأول، وفي الأكل في الثاني.
2- قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} ليس بمجمل بل هو ظاهر في مسح جميع الرأس لأن الرأس اسم للكل لا للبعض.
3- قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " ليس بمجمل إذ المراد به رفع المؤاخذة لأن ذات اخطأ والنسيان، غير مرفوعة. وضمان المتلف خطأ أو نسياناً غير مرفوع إجماعاً فلم يبق إلا رفع المؤاخذة.
4- قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بطهور"، "لا نكاح إلا بولي"، "لا صيام لمن لم يبيت الصيامِ من الليل" ونحو ذلك ليس بمجمل لأن المراد نفي الصحة والاعتداد شرعا.
5- قوله صلى الله عليه وسلم: "لا عمل إلا بنية" ليس بمجمل لأن العمل:
أ - إن كان عبادة فالمراد فيه الصحة والاعتداد شرعاً.
(1/8)

ب- وإن كان معاملة فهو يصح ويعتد به دون النية إجماعاً، والنفي فيه ينصب على انتفاء الأجر. فمن رد الأمانة والمغصوب مثلا لا يريد وجه الله فإن المطالبة تسقط عنه ويصح فعله ويعتد به ولكن لا أجر له، وكذلك جميع التروك.
(2) - المبين
أ- المبين "بالفتح " بمعنى البين الواضح وهو المقابل للمجمل لأنه المتضح معناه فلا يفتقر إلى بيان من خارج. ويسمى البيان أيضاً.
ب- والمبين "بالكسر" على زنة اسم الفاعل هو الموضح لإجمال المجمل.
- وهو اصطلاحاً: الكاشف عن المراد من الخطاب، وعلى هذا درج أكثر الأصوليين فخصوا البيان بإيضاح ما فيه من خفاء. ومنهم من يطلقه على كل إيضاح سواء تقدمه خفاء أم لا.
ما يقع به البيان
يقع البيان بالقول تارة وبالفعل تارة وبهما معا وقد يكون بترك الفعل ليدل على عدم الوجوب.
البيان بالقول:
1- كتاب بكتاب قال تعالى: {إلا ما يتلى عليكم} فهذا مجمل بينه الله بقوله: {حرمت عليكم الميتة والدم} الآية.
2- كتاب بسنة قال تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} فحقه مجمل بينه صلى الله عليه وسلم بقوله: "فيما سقت السماء العشرة وفيما سقى بالنضح نصف العشر".
البيان بالفعل:
أ- يكون بصورة العمل كصلاته صلى الله عليه وسلم فوق المنبر ليبين للناس ولذا قال لهم: "صلوا كما رأيتموني أصلى". وكقطعه يد السارق من الكوع.
ب- ويكون بالكتابة ككتابته صلى الله عليه وسلم أسنان الزكاة لعماله عليها.
جـ- ويكون بالإشارة كقوله: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا". وأشار بأصابع يديه وقبض الإبهام في الثالثة يعنى تسعة وعشرين يوماً.
البيان بترك الفعل: كتركه صلى الله عليه وسلم التراويح في رمضان بعد أن فعلها وكتركه الوضوء مما مست النار، مما دل على عدم الوجوب فيهما.
مراتب البيان:
مراتبه متفاوتة فأعلاها ما كان بالخطاب ثم بالفعل: ثم بالإشارة، ثم بالكتابة ومعلوم أن الترك قصداً فعل.
(1/9)

تأخير البيان عن وقت الحاجة وإليه
تأخير البيان على قسمين:
1- تأخير إلى أن يأتي وقت العمل، فهذا جائز وواقع فقد فرضت الصلاة ليلة الإسراء مجملة وتأخر بيانها إلى الغد حتى جاء جبريل وبينها، وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المراد بقوله تعالى في خمس الغنيمة: {ولذي القربى} بنو هاشم وبنو عبد المطلب دون إخوانهم من بنى نوفل وعبد شمس مع أن الكل أولاد عبد مناف فأخر بيانه حتى سأله جبير بن مطعم النوفلي وعثمان بن عفان العبشمي رضي الله عنهما فقال: أنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا في إسلام، وكذا آيات الصلاة والزكاة والحج بينتها السنة بالتراخي والتدريج، ويدل لذلك أيضاً قوله تعالى: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه} . وثم للتراخي إلى غير ذلك من الأدلة.
2- تأخير عن وقت الحاجة، فهذا لا يجوز لأنه يلزمه تكليف المخاطب بما لا يطيق وهو غير جائز.
منزلة المبين من المبين
لا يشترط في المبين- باسم الفاعل- أن يكون أقوى سنداً أو دلالة من المبين- باسم المفعول- بل يجوز بيان المتواتر بأخبار الآحاد، والمنطوق بالمفهوم.
الأمثلة:
أ- بيان الكتاب بالسنة كقوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} ، بين صلى الله عليه وسلم نكاح الزوج الثاني بأنه الوطء بقوله لامرأة رفاعة القرظي: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " وقوله تعالى: {واعدوا لهم ما استطعتم من قوة} ، بينه صلى الله عليه وسلم بقوله: "ألا إن القوة الرمي"، ويدل لبيان الكتاب بالسنة قوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} .
ب- وبيان المنطوق بالمفهوم كبيان منطوق قوله تعالى في سورة النور: {والزاني} ، بمفهوم الموافقة في قوله تعالى: {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} فإن مفهوم موافقته أن العبد كالأمة في ذلك يجلد خمسين جلدة فبين هذا المفهوم أن المراد بالزاني في سورة النور خصوص الحر.
لا يشترط في البيان أن يعلمه كل إنسان
(1/10)

ليس من شرط البيان أن يعلمه جميع المكلفين الموجودين في وقته بل يجوز أن يكون بعضهم جاهلا به فإنه يقال بين له غير أنه لم يتبين مثال ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن عمل قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} ، لا يتناول الأنبياء بقوله: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث " فلا يقدح في هذا البيان أن فاطمة رضي الله عنها لم تعلم به وجاءت إلى أبي بكر تطلب ميراثها منه صلى الله عليه وسلم.

تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز
في تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز ثلاثة آراء
أعلم أولاً أن للناس في تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز ثلاثة آراء:
1- منع هذا التقسيم أصلا وأنه لا مجاز لا في القرآن ولا في اللغة العربية، ومن الذاهبين إلى ذلك أبو إسحق الإِسفرائيني وقد نصر هذا القول شيخ الإِسلام ابن تيمية في كتاب الإِيمان فقال: إن تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو مثل: الخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم إلى- أن قال- وهذا الشافعي هو أول من جرد الكلام في أصول الفقه لم يقسم هذا التقسيم ولا تكلم بلفظ الحقيقة والمجاز.
2- منع وجود المجاز في القرآن دون اللغة ونسبه في كتاب الإيمان إلى أبي الحسن الجزري وابن حامد من الحنابلة ومحمد بن خويزمنداد من المالكية وإلى داود بن علي الظاهري وابنه أبي بكر.
3- وقوع المجاز في اللغة وفي القرآن وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الخطاب وغيرهم من الحنابلة ورجحه ابن قدامة في روضة الناظر ونسبه الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن إلى الجمهور وإليك كلاما موجزا يتعلق بتقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز عند من يرى ذلك التقسيم:
(1/11)

الحقيقة
الحقيقة لغة: مأخوذة من الحق بمعنى الثابت على أنه بمعنى فاعل أو المثبت على أنه بمعنى مفعول.
واصطلاحاً: اللفظ المستعمل فيما وضع له ابتداء في اصطلاح التخاطب، كلفظ أسد، في الحيوان المفترس. وشمس في الكوكب المضيء، وكلمة.. في اصطلاح التخاطب.. تبين لنا أصل تقسيمهم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام:
1- لغوية ... ... 2- عرفية ... ... ... 3- شرعية
الحقيقة اللغوية: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في اللغة كأسد في الحيوان المفترس.
الحقيقة العرفية: وتكون عامة وخاصة.
أ- فالعرفية العامة: ما تعارف عليه عامة أهل اللغة بغلبة استعمال اللفظ في بعض مدلوله أو بتغليب المجاز على الحقيقة.
فالأول: أن يكون اللفظ قد وضع في أصل اللغة لمعنى عام ثم خصصه العرف ببعض مسمياته كلفظ "دابة" فإن أصله لكل ما دب على وجه الأرض غير أن العرف خصصه بذوات الأربع.
والثاني: أن يكون اللفظ في أصل اللغة لمعنى ثم يشتهر في عرف الاستعمال في المعنى المجازي بحيث لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه غيره كلفظ " الغائط " فإنه في أصل الوضع للمكان المطمئن من الأرض ثم نقل عنه إلى الفضلة الخارجة من الإِنسان. وكلفظ " الراوية" فإنه في الأصل للبعير الذي يستقى عليه ثم نقل عنه إِلى المزادة.
ب- والعرفية الخاصة: ما تعارف عليه بعض الطوائف من الألفاظ التي وضعها لمعنى عندهم كتعارف أهل النحو على استعمال الرفع والنصب وأدوات الجر في معان اصطلحوا عليها: وكتعارف أهل البلاغة على المسند والمسند إليه ونحو ذلك.
الحقيقة الشرعية: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في الشرع كالصلاة للعبادة المخصوصة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، وكّالإيمان، للاعتقاد والقول والعمل.
المجاز
المجاز: وهو لغة مكان الجواز أو الجواز على أنه مصدر ميمي.
وفي الاصطلاح قسمان: لغوي وعقلي.
أ- فالمجاز اللغوي هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا لعلاقة مع قرينة.
(1/12)

مثاله: لفظة "الأسد" في الرجل الشجاع فإنها استعملت في غير ما وضعت له أولًا إذا وضع الأول لها إنما هو في الحيوان المفترس واستعمالها في الرجل الشجاع بالوضع الثاني بسبب التجوز بها عن محلها الأول.
العلاقة والغرض منها: واشتراط العلاقة يخرج استعمال اللفظ في غير ما وضع له بطريق السهو أو الغلط كقولك: خذ هذا القلم وتشير إلى كتاب مثلًا، أو بطريق القصد ولكنِ لا مناسبة بين المعنيين كقولك: خذ هذا الكتاب أو اشتريت كتاباً تريد تفاحاَ أو ثوباً إذ لا مناسبة بين الكتاب والتفاح ولا بين الكتاب والثوب.
والغرض من العلاقة: انتقال الذهن من المعنى الأول إلى المعنىِ الثاني عن طريقها فهي كالجسر للذهن يعبر عليها كما في قولك: رأيت أسدًا يرمى، فإن جسر الانتقال من الحيوان المفترس إلى الرجل الشجاع إنما هي الشجاعة التي تربط بين المعنيين في قولك: حيوان مفترس ورجل شجاع.
أقسام العلاقة: والعلاقة إما المشابهة كمشابهة الرجل الشجاع للأسد في الشجاعة في المثال المتقدم لأنها معنى مشترك بينهما.
وإما غير المشابهة كقولهم "بث الأمير عيوناً له في المدينة" أي جواسيس. وكل مجاز علاقته المشابهة يسمى "استعارة " لأنك شبهت ثم استعرتِ لفظ المشبه به وأطلقته على المشبه وكل مجاز علاقته غير المشابهة يسمى "مجازاَ مرسلا" لأنه أرسل عن قيد المشابهة.
والعلاقات بغير المشابهة متعددة لأنها تعم كل مناسبة أو ملابسة بين المعنيين تصحح نقل اللفظ من معناه الأول إلى الثاني كالكلية والجزئية فالأولى كأن تطلق الكل وتريد الجزء كما تقول: قبضت الشرطة على اللص إذ القبض لم يحصل من جميع الشرطة وإنما حصل من بعضهم والثانية كإطلاق العين وإرادة كل الِإنسان في المثال المتقدم للجاسوس.
وكالسببية أو المسببية فالمسببية أن تطلق السبب وتريد المسبب كأن تقوله: "رعينا الغيث" والمسببية أن تطلق المسبب وتريد السبب كأن تقول: "أمطرت السماء ربيعًا".
(1/13)

وكالحالية بأن تطلق الحال وتريد المحل أو المحلية بأن تطلق المحل وتريد الحال فيه إلى غير ذلك.
والمجاز اللغوي يكون مفرداً ومركباً:
1- فالمفرد هو: ما كان في اللفظ المفرد وتقدمت أمثلته.
2- والمركب: ما كان في الجمل فإن كانت العلاقة فيه المشابهة سمي استعارة تمثيلية وإلا فمجاز مركب مرسل كتشبيه صورة بصورة ونقل الدال على الصورة المشبه بها وإطلاقها على الصورة المشبهة كقولك لمتردد في أمر: أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى.
وقولك لمن جمع خصلتين ذميمتين كشرب الدخان وحلق اللحى مثلا: أَحَشَفًا وسوء كيلة.
ب- المجاز العقلي: ويكون المجاز عقلياً إذا كانت الألفاظ مستعملة في حقائقها ولكن التجوز حصل في الإِسناد كقولك: بنى الأمير القصر، فبنى والأمير والقصر مستعملة في حقائقها ولكن التجوز حصل بنسبة البناء إلى الأمير إذ الباني له حقيقة العمال.

الأمر
يطلق لفظ الأمر إطلاقين:
الأول: على طلب الفعل كقوله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة} وهذا الأمر يجمع على أوامر.
الثاني: على الفعل والحال والشأن كقوله تعالى: {وشاورهم في الأمر}
وهذا الأمر يجمع على أمور والمراد هنا: الأول لما فيه من الطلب.
والأمر في الاصطلاح: استدعاء فعل بالقول الدال عليه على سبيل الاستعلاء وأكثر الأصوليين لا يشترط العلو ولا الاستعلاء في الأمر واستشهدوا بقول عمرو بن العاصِ لمعاوية:
أمرتك أمراً جازماَ فعصيتني وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
وكان خارجاً على معاوية فظفر به ثم عفا عنه، فخرج عليه مرة أخرى، ومعلوم أنه ليس هناك علو ولا استعلاء من عمرو على معاوية، وكذلك قوله تعالى حكاية عن فرعون لقومه: {فماذا تأمرون} .
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنه حين منحهم سلطة إبداء الرأي كان ذلك إعلاء لهم.
صيغه
وللأمر صيغ تدل على طلب الفعل إذا تجردت عن القرائن الصارفة عنه وهي أربع:
1- فعل الأمر: مثل: أقم الصلاة، استغفروا ربكم، يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين.
(1/14)

2- المضارع المجزوم بلام الأمر: مثل قوله تعالى: {ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق} .
3- اسم فعل الأمر: مثل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} .
4- المصدر النائب عن فعل الأمر: مثل قوله تعالى: {فضرب الرقاب} .
صيغ تفيد ما تفيده صيغ الأمر
تقدم ذكر صيغ الأمر الأصلية، وهناك صيغ أخرى تدل على الأمر بالشيء وطلب إيجاده ومن هذه الصيغ: التصريح بلفظ الأمر مثل: آمركم وأمرتكم أنتم مأمورون؟ وكذا التصريح بالإيجاب؛ والفرض والكتب؛ ولفظة حق على العباد وعلى المؤمنين؛ وكذا ما فيه ترتيب الذم والعقاب على الترك أو إحباط العمل بالترك ونحو ذلك.
هذا هو رأى الجمهور واستدلوا بإجماع أهل اللغة على تسمية ذلك أمراً فإن السيد إذا قالت لعبده: "اعطني كذا " عد آمراً وعد العبد مطيعاً إن فعل وعاصياً إن ترك.
وذهب الأشاعرة ومن وافقهم إلى أن الأمر ليست له صيغة لفظية لأن الكلام عندهم المعنى القائم بالنفس دون اللفظ وإنما جعل اللفظ ليعبر به عن المعنى النفسي ويدل عليه. وهذا الرأي باطل لمخالفة الكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى لزكريا: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً} فإنه لم يسم المعنى الذي قام بنفس زكريا وأفهمه قومه بالإشارة إليهم: كلاما.
وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمله"، ففرق بين المعنى القائم بالنفس والكلام وأخبر برفع المؤاخذةْ في الأول دون الثاني.
الحكم الذي تقتضيه صيغة الأمر عند الإِطلاق
(1/15)

إذا وردت صيغة الأمر مجردة عن القرائن الدالة على المراد بها اقتضت الوجوب وهو قول الجمهور وعليه دلت الأدلة كقوله تعالى لإِبليس: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} وقوله: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون} وقوله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} وقوله: {أفعصيت أمري} وقوله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} إلى غير ذلك إذ لا خلاص للمأمور من الوعيد ولا نجاة له من العذاب ولا من عار العصيان إلا بالامتثال ويدل لذلك أيضاً أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستدلون بالأمر على الوجوب ولم يقع بينهم خلاف في ذلك فكان إجماعاً وكذلك إطباق أهل اللغة على ذم العبد الذي لمِ يمتثل أمر سيده ووصفه بالعصيان، ولا يذم ويوصف بالعصيان إلا من كان تاركا لواجب عليه.
الأمر بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به
إذا كان الواجب المطلق يتوقف وجوده على شيء فإن الأمر يشمله أيضاً ضرورة توقف حصول الواجب عليه كالطهارة فإن الأمر بالصلاة يشملها وهذا معنى قولهم " الأمر بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به " وليس معنى ذلك أن وجوبه جاء ضمناً بدون دليل مستقل، بل له أدلة أخرى، غير أن الأمر الخاص بذلك الواجب يقتضي وجوب ما توقف الواجب عليه.
هذا في الواجب المطلق فإن وجوب الصلاة مثلا غير مشروط بقيد فيكون الأمر بها مقتضياً الأمر بما لا يتم إلا به وهو الطهارة.
أما في الواجب المقيد فليس كذلك كالزكاة فإن وجوبها مقيد بملك النصاب فليس الأمر بها أمراً بتحصيل النصاب ليتم وجوب إخراجها بإمتلاكه، لأن ذلك إتمام للوجوب لا للواجب، ولذا يقولون: مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب،
ومالا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، والصلاة قد استقر وجوبها، أما الزكاة فلا تجب حتى يحصل النصاب.
استعمال صيغة الأمر في غير معناها الأصلي
(1/16)

قد تخرج صيغة الأمر عن معناها الأصلي إلى معان ترشد إليها القرائن ومن ذلك ما يأتي:
1- للإِباحة مثل قوله تعالى: {كلوا واشربوا} .
2- وللتهديد مثل قوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} .
3- وللامتنان مثل قوله تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} .
4- وللإكرام مثل قوله تعالى: {أدخلوها بسلام آمنين} .
5- وللتعجيز مثل قوله تعالى: {فأتوا بسورة من مثله} .
6- وللتسوية مثل قوله تعالى: {واصبروا أو لا تصبروا} .
7- وللاحتقار مثل قوله تعالى: {القوا ما أنتم ملقون} .
8- وللمشورة مثل قوله تعالى: {فانظر ماذا ترى} .
9- وللاعتبار مثل قوله تعالى: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر} .
10- وللدعاء مثل قولك: {رب اغفر لي} .
11- وللالتماس: مثل قولك لزميلك: {ناولني القلم} .
إلى غير ذلك من المعاني المتنوعة.
تكرار المأمور به أو عدم تكراره
في هذا البحث ثلاث صور: لأن الأمر إما أن يقيد بما يفيد الوحدة أو بما يفيد التكرار أو يكون خالياً عن القيد.
فالأول: يحمل على ما قيد به، والقيد إما صفة أو شرط، فالقيد بصفة كقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} وفكلما حصلت السرقة وجب القطع ما لم يكن تكرارها قبله، والمقيد بشرط كقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ".. الخ.
والثاني: يحمل على ما قيد به أيضاً كقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} وقد سئل رسول الله-صلى الله عليه وسلم - أفي كل عام يارسول الله؟ فأجاب بما يدل على أنه في العمر مرة فيحمل في الآية على الوحدة لهذا القيد.
أما الثالث: وهو الخالي عن القيد فالأكثرون على عدم إفادته التكرار لأنه لمطلق إيجاد الماهية والمرة الواحدة تكفى فيه فمثلا لو قال الزوج لوكيله "طلق زوجتي " لم يملك إلا تطليقة واحدة ولو أمر السيد عبده بدخول الدار مثلا برأت ذمته بمرة واحدة ولم يحسن لومه ولا توبيخه.
الأمر المطلق يقتضي فعل المأمور به على الفور
(1/17)

إذا وردت صيغة الأمر خالية مما يدل على فور أو تراخ اقتضت فعل المأمور به فورا في أول زمن الإِمكان لقيام الأدلة على ذلك كقوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} وقوله: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم} وقوله: {فاستبقوا الخيرات} وكمدحه المسارعين في قوله: {أولئك يسارعون في الخيرات} . ووجه دلالة هذه النصوص أن وضع الاستباق والمسابقة والمسارعة للفورية.
وكذم الله تعالى لإبليس على عدم المبادرة بالسجود بقوله تعالى: {ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك} أي في قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس} ، ولو لم يكن الأمر للفور لما استحق الذم ويدل لذلك من جهة اللغة: أن السيد لو أمر عبده فلم يمتثل فعاقبه فاعتذر العبد بأن الأمر على التراخي لم يكن عذره مقبولا عندهم.
وما استدل به القائلون بأنه على التراخي من تأخير النبي صلى الله عليه وسلم الحج إلى سنة عشر مدفوع بكون النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل أنه أخره، لأغراض منها: كراهيته لمشاهدة ما كان المشركون يفعلونه في الحرم مما فيه مخالفة للشريعة، فلما أذن مؤذنوه في السنة التاسعة ببراءة الله ورسوله من المشركين ومنعهم من قربان الحرم وطهر الله مكة من أدران الشرك حج عليه الصلاة والسلام.
من يدخل في خطاب التكليف ومن لا يدخل
الناس على قسمين:
1- قسم لم يكتمل إدراكه، وذلك إما لعدم البلوغ كالصغير أو لفقدان العقل كالمجنون، أو لتغطيته كالسكران أو لذهوله كالساهي.
2- قسم مكتمل الإدراك، وهو البالغ العاقل السالم من العوارض المتقدمة فالقسم الأول لا يدخل في نطاق التكليف ولا يشمله الخطاب بدليل العقل والنقل.
أ- أما من جهة العقل فلأن الأمر يقتضي الامتثال ومن لم يدرك أمراً لا يتأتي منه امتثاله.
ب- وأما من جهة النقل فلحديث "رفع القلم عن ثلاثة" الحديث.
(1/18)

ولا يعترض على هذا بتضمين ما أتلفه لأن ضمان حق الغير يستوي فيه العاقل ونجير العاقل حتى لو أتلفته بهيمة لزم صاحبها ضمانه.
وأما القسم الثاني: فهم إما مسلمون أو غير مسلمين، والخطاب إما بأصل كالعقائد وإما بفرع كالصلاة والصيام ونحو ذلك.
أ- فالخطاب بأصل يشملهما إتفاقا.
ب- والخطاب بفرع فيه خلاف والصحيح دخول الكفار فيه كالمسلمين، ومن أدلة ذلك قوله تعالى عن الكفار: {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين} فذكروا من أسباب تعذيبهم تركهم لما أمروا به من الفروع كتركهم الصلاة والزكاة وارتكابهم لما نهوا عنه بخوضهم مع الخائضين، ولم يقتصروا على ذكر السبب الأكابر وهو تكذيبهم بيوم الدين.
ومنها رجمه صلى الله عليه وسلم اليهوديين، وكذلك قوله تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدنا هم عذاباً فوق العذاب} . وكما أن المؤمن يثاب على إيمانه وعلى امتثاله الأوامر واجتناب النواهي فكذلك الكافر يعاقب على ترك التوحيد وعلى ارتكاب النواهي وعدم امتثال الأوامر.
النهي
تعريفه: أ - لغة المنع. ومنه سمي العقل نهية لأنه ينهى صاحبه ويمنعه من الوقوع فيما لا يليق.
ب - واصطلاحاً: طلب الكف عن فعل على سبيل الاستعلاء، بغير كف ونحوها.
مثال قوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} ، وقوله: {لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} .
صيغته: "كل مضارع مجزوم بلا " ولا يدخل في ذلك: كف، أو خل،
أو ذر، أو دع مما جاء لطلب الكف كما في قوله تعالى: {وذروا ظاهر الِإثم وباطنه} {ودع أذاهم} {فخلوا سبيلهم} لأنها وإن كانت تفيد طلب الكف إلا أنها بصيغة الأمر.
مقتضى النهي: التحريم حقيقة بالاتفاق لقوله صلى الله عليه وسلم: " وما نهيتكم عنه فاجتنبوه".
صيغ تفيد ما تفيده صيغة النهي
(1/19)

ويلتحق بصيغة النهي في إفادة التحريم: التصريح بلفظ التحريم، والنهي والحظر والوعيد على الفعل، وذم الفاعل، وإيجاب الكفارة بالفعل، وكلمة ما كان لهم كذا ولم يكن لهم. وكذا ترتيب الحد على الفعل وكلمة "لا يحل " ووصف الفعل بأنه فساد أو أنه من تزيين الشيطان وعمله. وأنه تعالى لا يرضاه لعباده، ولا يزكى فاعله، ولا يكلمه ولا ينظر إليه ونحو ذلك.
ورود صيغة النهي بغير التحريم
1- ترد للكراهية كالنهي عن الشرب من فم القربة.
2- وترد للدعاء إن كان من أدنى لأعلى مثل: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
3- وترد للإرشاد مثل قوله تعالى: {لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم} .
وعلى العموم فإنها ترد لكثير مما يرد له الأمر غير أن الأمر لطلب الفعل والنهي لطلب الكف.
أحوال النهي
أحوال النهي أربع وهي:
1- أن يكون النهي عن شيء واحد فقط وهو الكثير كالنهي عن الزنا مثلا.
2- أن يكون النهي عن الجمع بين متعدد، وللمنهي أن يفعل أيها شاء على انفراده، كالجمع بين الأختين. والجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها.
3- أن يكون النهي عن التفريق بين شيئين أو أكثر دون الجمعِ كالتفريق بين رجليه بنعل إحداهما دون الأخرى. بل على المنهي أن ينعلهما معا أو يحفيهما معاً.
4- أن يكون النهي عن متعدد اجتماعا وافتراقاً مثل قوله تعالى: {ولا تطع منهم آثماً أو كفورا} . فلا تجوز طاعتهما مجتمعين ولا مفترقين، ومن أمثلة ذلك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. على جزم الفعلين، فإن النهي منصب على الأكل والشرب اجتماعا وافتراقاً، فإذا نصب الثاني كان مثالا للحالة الثانية. وإذا رفع كان مثالا للحالة الأولى.
اقتضاء النهي فساد المنهي عنه
المنهيات على قسمين:
1- قسم منهي عنه ولم يتوجه إليه طلب قط مثل قوله تعالى: {ولا تقربوا الزنا} وقوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} .
(1/20)

وهذا هو المنهي عنه لذاته، أي لقبحه في نفسه، فهذا محرم قطعا وباطل لزوما. وما ترتب عليه باطل كذلك، كالولد من الزنا لا يلحق بأبيه، وعمل المشرك لا يثاب عليه.
2- وقسم منهي عنه من وجه مع وجود أمر به من وجه آخر وهذا القسم على ثلاث صور.
أ- منهي عنه لصفته.
ب- منهي عنه لأمر لازم له.
جـ- منهي عنه لأمر خارج عنه.
الأمثلة على ما تقدم.
أولا: المنهي عنه لصفته
أ- في العبادات: نهي الحائض عن الصلاة، ونهى السكران عنها أيضاً.
ب- في المعاملات: النهي عن بيع الملاقيح وذلك لجهالة البيع.
ثانياً: المنهي عنه لأمر لازم له
أ- في العبادات: النهي عن الصوم يوم العيد، لما يلزمه من الإعراض عن ضيافة الله في ذلك اليوم.
ب- في المعاملات: النهي عن بيع العبد المسلم لكافر إذا لم يعتق عليه لما فيه من ولاية الكافر على المسلم المبيع.
ثالثاً: المنهي عنه لأمر خارج عنه
أ- في العبادات: النهي عن الوضع بماء مغصوب أو الصلاة في أرض مغصوبة.
وبيان كون النهي لأمر خارج عنه. أن النهي لا لنفس الوضوء ولكن لأنه حق للغير لا يجوز استعماله بغير إذن فسواء فيه الإتلاف بوضوء أو بإراقة أو غير ذلك،
ويتضح لك الفرق بين المنهي عنه لذاته والمنهي عنه لأمر خارج عنه بالفرق بين الماء المتنجس والماء المغصوب.
ب- في المعاملات: النهي عن البيع بعد النداء لصلاة الجمعة.
وبيان، كونه لأمر خارج عنه أن البيع قد استوفى شروطه ولكنه مظنة لفوات الصلاة كما أن فوات الصلاة قد يكون لعدة أسباب أخرى.
والجمهور على أن النهي في هذه الصورة لا يقتضي الفساد لأن نفس المنهي عنه وهو البيع سالم من مبطل والنهي لذلك الخارج، فالجهة منفكة أي جهة صحة البيع عن جهة توجه النهي إليه. وعند أحمد أن النهي يقتضي الفساد لأن النهي يقتضي العقاب والصحة تقتضي الثواب فلا يثاب ويعاقب في وقت واحد بسبب محمل واحد.
الأدلة على اقتضاء النهي الفساد…، وهي كثيرة.
(1/21)

منها. قوله عليه السلام في الحديث الصحيح: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" أي مردود وما كان مردودا على فاعله فكأنه لم يوجد، والرد إذا أضيف إلى العبادات اقتضى عدم الاعتداد بها وإذا أضيف إلى العقود اقتضى فسادها وعدم نفوذها.
ومنها: أمره صلى الله عليه وسلم بلالا حين اشترى صاعا من التمر الجيد بصاعين من الرديء برده وإعلامه بأن ذلك عين الربا.
ومنها: أن الصحابة كانوا يستدلون على الفساد بالنهي كاستدلالهم على فساد عقود الربا بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل " وعلى فساد نكاح المحرم بالنهي عنه.
الأمر والنهي بلفظ الخبر
الأمر والنهي بلفظ الخبر كالأمر والنهي بلفظ الطلب في جميع الأحكام، واليك الأمثلة على النوعين:
أ- مثال الأمر بلفظ الخبر قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} وقوله: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} وقوله صلى الله عليه وسلم: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه ".
ب- ومثال النهي بلفظ الخبر قوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار" وقوله في كتابه لعمرو بن حزم: "وأن لا يمس القرآن إلا طاهر".

العام
تعريفه: أ- هو في اللغة الشامل.
والعموم شمول أمر لآخر مطلقاً.
ب- وفي الاصطلاح: هو اللفظ المستغرق لما يصلح له دفعة بوضع واحد من غير حصر.
فخرج بقولنا " دفعة " نحو رجل. في سياق الإثبات فإنه وإن كان مستغرقاً لجميع ما يصلح له إلا أن هذا الاستغراق على سبيل البدلية لا دفعة واحدة. وبقولنا بوضع واحد. المشترك مثل "القرء والعين " فإنه بوضعين أو أكثر.
وبقولنا من غير حصر. أسماء الأعداد كعشرة ومائة. وهذا عند من لا يرى لفظ العدد من صيغ العموم.
صيغ العموم
وللعموم ألفاظ دالة عليه تسمى صيغ العموم ومنها ما يأتي:
1- كل: مثل قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} وقوله: {كل آمن بالله وملائكته} .
(1/22)

2- جميع مثل جاء القوم جميعهم.
3- الجمع المعرف بالألف واللام لغير العهد مثل قد أفلح المؤمنون، وكذا المعرف بالإضافة مثل يوصيكم الله في أولادكم.
4- المفرد المعرف بالألف واللام لغير العهد مثل {والعصر إن الِإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ... } السورة. وكذا المعرف بالإضافة {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} .
5- المثنى المعرف بأل مثل قوله صلى الله عليه وسلم، " إذا التقى المسلمان بسيفيهما.."الحديث فإنه يعم كل مسلمين.
6- ما- وهي لما لا يعقل مثالها- موصولة- قوله تعالى: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} ومثالها- شرطية- قوله تعالى: {وما تفعلوا من حْير يعلمه الله} .
7- من- وهي لمن يعقل، مثاله- موصولة- قوله تعالى: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} ومثالها- شرطية- قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} .
8- متى- للزمان المبهم- شرطية مثل متى زرتني أكرمتك.
9- أين- للمكان المبهم- شرطية مثل قوله تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت} .
10- النكرة في سياق النفي وتكون نصا في العموم وظاهرة فيه
نصيهّ النكرة في العموم وظهورها فيه
تكون النكرة في سياق النفي نصا صريحاً في العموم في الحالات الآتية:
1- إذا بنيت مع لا نحو، لا إله إلا الله.
2- إذا زيدت قبلها من وتزاد من قبلها في ثلاثة مواضع:
أ- قبل الفاعل مثل {لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير} الآية.
ب- قبل المفعول مثل {وما أرسلنا من قبلك من رسول} الآية.
جـ- قبل المبتدأ مثل {وما من إله إلا إله واحد} .
3- النكرة الملازمة للنفي مثل: ديار كما في قوله تعالى عن نوح: {لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} .
وتكون ظاهرة لا نصاً فيما عدا ذلك كالنكرة العاملة فيها " لا " عمل ليس مثل قولك لا رجل في الدار.
دلالة اللفظ العام واستعمالاته
(1/23)

الأصل في العام أن تكون دلالته كلية أي يكون الحكم فيه على كل فرد من أفراده المندرجة تحته وهذا إن لم يدخله تخصيص هو العام الباقي على عمومه وهو قليل ومن أمثلته:
1- قوله: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} .
2- وقوله: {والله بكل شيء عليم} .
3- وقوله: {وحرمت عليكم أمهاتكم} .
وقد يطلق ويكون المراد به فرداً من أفراده، وهذا هو العام المراد به الخصوص. كقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس} على أن المراد بالناس خصوص نعيم بن مسعود أو غيره، وقوله تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} ، على أن المراد بالناس هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد يطلق عاما ثم يدخله التخصيص، وهذا هو العام المخصوص. كقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} فلفظ المطلقات عام خصص بقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ، فجعل أجلهن وضع الحمل لا ثلاثة قروء.
عموم حكم الخطاب الخاص به صلى الله عليه وسلم
الخطاب الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم يتناول حكمه الأمة إلا إذا دل دليل على اختصاصه به.
ومن أدلة ذلك قوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} ، وقوله تعالى في الواهبة نفسها: {خالصة لك من دون المؤمنين} ولو كان حكم الخطاب به يختص به لم يصح التعليل في الآية الأولى ولم يحتج إلى التخصيص في الآية الثانية.
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب
(1/24)

إذا ورد لفظ العموم على سبب خاص لم يسقط عمومه سواء كان السبب سؤالا أو غيره كما روى أنه صلى الله عليه وسلم مر على شاة ميتة لميمونة فقال: "أيما أهاب دبغ فقد طهر" ويدل لذلك أن الصحابة كانوا يستدلون بالعمومات الواردة في أسباب خاصة من غير خلاف، وأصرح الأدلة في ذلك أن الأنصاري الذي قبل الأجنبية ونزلت فيه {وإن الحسنات يذهبن السيئات} سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكم هذه الآية هل يختص به بقوله: "ألي هذا وحدي " فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بما يدل على التعميم حيث قال: "بل لأمتي كلهم " ويوضحه من جهة اللغة: أن الرجل لو قالت له زوجته: طلقني فطلق جميع نسائه وقع الطلاق عليهن ولم يختص بالطالبة وحدها.
الحكم على المفرد بحكم العام لا يسقط عمومه
إذا ذكر حكم عام محكوم عليه بحكم ثم حكم بذلك الحكم على بعض أفراده لم يسقط به حكم العام خلافاً لأبي ثور، وسواء ذكرا معا مثل {تنزل الملائكة والروح} أم لا مثل حديث "أيما إهاب دبغ فقد طهر" مع حديث مسلم أنه صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة فقال: "هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به " ومثل حديث. "من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره ". مع حديث "إذا ابتاع الرجل سلعة ثم أفلس وهي عنده فهو أحق بها من الغرماء". ومثل قول جابر رضي الله عنه: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شيء. مع حديث "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة".
وفائدة الحكم على بعض العام بحكم العام قيل إنها نفي احتمال إخراجه من العام.
ما ينزل منزلة العموم
(1/25)

اشتهر بين الأصوليين فيما ينزل منزلة العموم عبارة مسجعة تنسب إلى الشافعي رحمه الله ونصها: "ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال ويحسن به الاستدلال " ومن أمثلة هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم لغيلان الثقفي وقد أسلم على عشر نسوة: "امسك منهن أربعاً وفارق سائرهن " ولم يسأله هل عقد عليهن معاً أو على الترتيب فدل على عدم الفرق بين الحالين.

الخاص
تعريفه: الخاص مقابل للعام فإذا كان العام يتناول أكثر من واحد بلا حصر فإن الخاص لا يتناول سوى واحد كزيد مثلا أو يتناول أكثر منه ولكنه على سبيل الحصر، كاثنين أو خمسة أو مائة لأنه خاص بهذا العدد، ومنه النكرة في سياق الإثبات كقولك رأيت رجلا في البيت أو اعتق عبداً، فإنه وإن كان صالحاً لكل رجل، وصادقاً بأي عبد إلا أنه عملياً لا يصدق إلا بفرد واحد يختص به لأنه بمعنى رأيت رجلا واحداً واعتق عبداً واحداً.
التخصيص
تعريفه: لغة الإفراد.
واصطلاحاً: قصر العام على بعض أفراده لدليل يدل على ذلك.
أي جعل الحكم الثابت للعام مقصوراً على بعض أفراده بإخرِاج البعض الآخر عنه وقد يكون التخصيص قصر المتعدد على بعض أفراده أيضاَ.
الأمثلة: أ- قصر العام كقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} فهذا عام في جميع أولاد المخاطبين وعام في كل ولد، فخص الأول بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث " فأخرج أولاد الأنبياء من عموم أولاد المخاطبين.
وقال صلى الله عليه وسلم: " لا يرث المسلم الكافر " - الحديث- فخص عموم كل ولد بإخراج الولد الكافر.
ب- مثال قصر المتعدد: كقولك مثلا: له عليَّ عشرة دنانير إلا ثلاثة فإن فيه قصر الدين على سبعة فقط.
فتحصل في هذا أمران:
1- عام أو متعدد، أخرج منه البعض، فهو العام المخصوص المتقدم ذكره.
2- دال على الإِخراج، فهو المخصص- باسم الفاعل- كالحديثين المذكورين، والاستثناء في الأخير.
المخصصات
(1/26)

المخصص العام على قسمين: متصل ومنفصل.
الأول: هو ما لا يستقل بنفسه بل يتعلق معناه باللفظ فهو مقارن له دائماً.
والثاني: هو ما استقل بنفسه ولا ارتباط له في الذكر مع العام من لفظ أو غيره.
المخصصات المتصلة
وهي خمسة أشياء:
1- الاستثناء 2 - الشرط 3- الصفة 4- الغاية 5- بدل البعض.
التخصيص بالاستثناء
تعريفه: هو إخراج البعض بأداة إلا أو ما يقوم مقامها. وهو قسمان. متصل ومنقطع.
ا- فالمتصل: ما كان فيه المستثنى بعضا من المستثنى منه كقوله تعالى في شأن نوح عليه السلام: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} وهذا القسم هو المقصود باتفاق.
2- والمنقطع: ما لم يكن فيه المستثنى بعضا من المستثنى منه نحو: له على عشرة دنانير إلا كتابا.
وفي التخصيص بهذا النوع خلاف وعلى القول به كما عند المالكية يحتاج إلى التأويل أي إلا قيمة الكتاب، فيكون المخرج من العشرة دنانير قيمة الكتاب فكأنه يعود عمليا إلى النوع الأول.
شروط صحة الاستثناء
ولصحة التخصيص بالاستثناء شروط منها:
1- أن يكون ملفوظاً يسمع، لا بمجرد النية، إلا في يمين ظلماً عند المالكية.
2- أن يكون متصلا بما قبله لفظا في العرف، فلا يضر فصله بتنفس أو عطاس خلافاً لابن عباس إذ أجاز فصله مطلقاً.
3- أن لا يستغرق المستثنى منه كخمسة إلا خمسة لأنه يعد لغواً، أو أكثر من النصف عند الحنابلة كخمسة إلا ثلاثة لأن الاستثناء لإخراج القليل. وحاصل الخلاف في الشرط الأخير كالآتي:
1- أن يكون المستثنى أقل مما بقى كخمسة إلا اثنين فهذا صحيح بالإجماع.
2- أن يكون المستثنى مستغرقاً لجميع المستثنى منه كخمسة إلا خمسة وهذا باطل عند الأكثر خلافاً لابن طلحة الأندلسي.
3- أن يكون المستثنى أكثر مما بقى كخمسة إلا أربعة وهو جائز عند الجمهور ممنوع عند الحنابلة.
ورود الاستثناء بعد جمل متعاطفة
(1/27)

قال الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} .
فقد ورد الاستثناء في هذه الآية بعد ثلاث جمل:
1- جملة الأمر بالجلد.
2- جملة النهي عن قبول الشهادة منهم.
3- جملة الحكم عليهم بالفسق.
فهل يعود الاستثناء إلى الجميع أو إلى الجملة الأخيرة فقط، خلاف.
أ- فالجمهور على أنه يعود إلى الجميع لأنه الظاهر ما لم يدل دليل على خلاف ذلك فلا يصح رجوعه إلى جملة الجلد في هذه الآية مثلا.
ب- وأبو حنيفة على أنه يعود إلى الجملة الأخيرة فقط لأنه المتيقن.
ومثله ورود الاستثناء بعد مفردات متعاطفة أيضاً نحو: تصدق على الفقراء والمساكين والغارمين إلا الفسقة منهم.
التخصيص بالشرط
تعريفه: المراد بالشرط هنا. الشرط اللغوي وهو المعروف بتعليق أمر بأمر. وأدواته كثيرة منها: إن وإذا مثل "إن نجح زيد فأعطه جائزة".
ووجه التخصيص بالشرط في المثال المتقدم: أنه يخرج من الكلام حالا من أحوال زيد وهي عدم نجاحه، ولولا الشرط لوجب إعطاؤه الجائزة على كل حال. وقد جاء في قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} تعليق قصر الصلاة على حصول الشرط وهو الضرب في الأرض، ولولا الشرط لجاز القصر مطلقاً حضراً وسفراً، لكنه خصص بحالة السفر، ويشترط للتخصيص بالشرط أن يتصل بالمشروط لفظاً كما في الاستثناء.
التخصيص بالصفة
والمراد بالصفة. الصفة المعنوية، لا النعت المعروف في علم النحو، فتشمل الحال والظرف والتمييز وغيرها.
والغالب في الصفةْ أن تجيء مخصصة للموصوف قبلها وربما تقدمت عليه كما في إضافة الصفة إلى الموصوف.
ووجه التخصيص بالصفة: أنها تقصر الحكم على ما تصدق عليه وتخرج مفهومها عن نطاق الحكم إذا كان لها مفهوم معتبر.
(1/28)

أ- فمثلا: اقرأ الكتب النافعة في البيت، فإن قولك لصديقك اقرأ الكتب، عام في كل كتاب ولكن الوصف بالنفع قصر حكم القراءة على النافع منها وأخرج ماعدا ذلك.
ب- وكذلك "اقرأ الكتب " عام في كل مكان ولكن قولك "في البيت " قصر القراءة في مكان دون غيره.
جـ- وقولك "إذا حضرت مبكراً أدركت الدرس الأول " فحضرت عام في جميع الأحوال، ومبكراً تخصيص له، ومن أمثلة التخصيص بالصفة قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} . فلفظة {فتياتكم} عامة خصصتها الصفة بالمؤمنات.
شرط التخصيص بالصفة: ويشترط لذلك أن تكون الصفة متصلة بالموصوف لفظاً كما في الشرط والاستثناء.
التخصيص بالغاية
غاية الشيء: نهايته ولها أدوات دالة عليها هي: إلى وحتى.
وهي التي يتقدمها عموم يشمل ما بعدها لأنها تخرج ما بعدها من عموم ما قبلها مثاله. قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} .
فإن ما قبل الغاية وهو الأمر بقتالهم عام يشمل كل أحوالهم، فلولا التخصيص بالغاية لكنا مأمورين بقتالهم سواء أعطوا الجزية أم لم يعطوها.
التخصيص ببدل البعض
إذا قلت "أكرم القوم العلماء منهم" فقد أبدلت عموم القوم وجعلت الإِكرام خاصاً بهم فهذا البدل مخصص عند البعض وهو الصحيح.
ومن أمثلته قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} . فلفظ الناس عام يشمل المستطيع وغير المستطيع، فلما ذكر بعده بدل البعض خصصه بالمستطيع.
المخصصات المنفصلة
تقدم تعريف المخصص المنفصل وهو أقسام نذكر بعضها فيما يلي:
أولا: التخصيص بالنص من الكتاب أو السنة وهو:
(1/29)

أ- إما آية تخصص عموم آية مثل قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} خصص منه أولات الأحمال بقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} وخص منه أيضا المطلقات قبل المسيس بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} .
ب- وإما حديث يخصص عموم آية مثل قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة " وخص منه السمك والجراد بقوله صلى الله عليه وسلم: " أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالجراد والحوت ". ومثل قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} خص بما روي عن عائشة وأم سلمة أنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بعض أزواجه أن تشد إزارها فيباشرها وهي حائض.
جـ- وإما آية تخصص عموم حديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم: " ما أبين من حيِ فهو ميت " خص بقوله تعالى: " ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاَ إلى حين ". ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" خص بقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} .
د- وإما حديث يخصص عموم حديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر" خص بقوله صلى الله عليه وسلم: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة".
ثانياً: الإجماع، مثل قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} خص منه الولد الرقيق بالإِجماع ومنه تخصيص العمومات المانعة من الغرر بالإجماع على جواز المضاربة.
ثالثاً: القياس، مثل قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} فإن عموم الزانية خص بالنص وهو قوله تعالى في الإماء: {فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} وأما عموم الزاني فهو مخصص بقياس العبد على الأمة لعدم الفارق.
(1/30)

رابعاً: الحس، ومن أمثلته قوله تعالى: {تجبى إليه ثمرات كل شيء} وقوله عن ملكة سبأ: {وأوتيت من كل شيء} فإن المشاهد في مكة حرسها الله أنها لا تجبى إليها جميع الثمار على اختلافها وتنوعها وكذلك بلقيس لم تؤت البعض من كل شيء.
خامساً: العقل، ومن أمثلته قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} فإن العقل دل على أن ذات الرب جل جلاله مع صفاته غير مخلوقة وإن كان لفظ الشيء يتناوله كما في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} .

النسخ
تعريفه: لغة يطلق بمعنى الإِزالة؛ ومنه نسخت الشمس الظل أي أزالته وحلت محله ونسخت الريح الأثر أيِ أزالته، ويطلق أيضاً على ما يشبه النقل تقول: نسخت الكتاب أي نقلت شيئاَ يشبه ما فيه، ووضعته في محل آخر.
والذي يوافق المعنى الاصطلاحي للنسخ من معنييه اللغويين هو الأول إذ النسخ في الاصطلاح: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب آخر متراخ عنه.
شرح التعريف: الثابت وصف للحكم، وبخطاب متقدم متعلق بالثابت، وبخطاب الثانية متعلق برفع، والضمير في عنه راجع للثابت بخطاب متقدم.
رفع الحكم جنس يعم النسخ وغيره مما يخرج بالقيود التالية لذلك. فيخرج منه بقيد "الثابت بخطاب متقدم " البراءة الأصلية فإيجاب الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير ذلك رفع للبراءة الأصلية وليس بنسخ ويخرج منه بقيد "بخطاب آخر " رفع الحكم بالجنون والموت: ويخرج بقيد " متراخ عنه " ما كان متصلا بالخطاب كالتخصيص فإن ذلك لا يسمى نسخاً.
(1/31)

واليك مثلا نزيد به التعريف وضوحاً وهو أن الواجب في أول الإِسلام مصابرة الواحد من المسلمين للعشرة من الكفار في الحرب ثم نسخ ذلك بوجوب مصابرة الواحد من المسلمين للاثنين من الكفار فوجوب مصابرة الواحد للعشرة حكم ثبت بخطاب متقدم هو قوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} فرفع هذا الحكم بخطاب آخر متأخر عنه وهو قوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} الآية.
جواز النسخ ووقوعه
النسخ جائز عقلا وواقع شرعاً ودليل ذلك قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} ، وقوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} ، وقوله: {وإذا بدلنا آية مكان آية} ، الآية.
وقوله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة".
فدل ذلك على جوازه عقلا وشرعاً إذ لو كان ممتنعاً لم يقع لكنه وقع للنصوص المذكورة وما في معناها.
نسخ الرسم والحكم
ينقسم النسخ بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:
1- نسخ رسم الآية مع بقاء حكمها مثال ذلك آية الرجم وهي. قوله تعالى: {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم} . كما ثبت التنويه بهذه الآية عن عمر رضي الله عنه في خطبته في الصحيحين.
2- نسخ حكم الآية دون رسمها، مثال ذلك نسخ حكم آية اعتداد المتوفى عنهن أزواجهن حولا مع بقاء رسمها في المصحف وتلاوتها.
3- نسخ رسم الآية وحكمها معاً. مثال ذلك: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن فآية التحريم بعشر الرضعات منسوخ رسمها وحكمها، وآية التحريم بخمس الرضعات منسوخ رسمها دون حكمها، فقد اجتمع في هذا الحديث مثالان:
أ- لمنسوخ التلاوة والحكم.
(1/32)

ب- لمنسوخ التلاوة دون الحكم كما ترى.
النسخ إلى غير بدل
مذهب جمهور العلماء جواز النسخ إلى غير بدل عن الحكم المنسوخ، ومن أدلتهم. نسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي نجوى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غير بدل كما في سورة المجادلة.
النسخ إلى بدل
والنسخ إلى بدل لا يخلو من واحد من ثلاثة أقسام:
أ- إما أن يكون الناسخ أخف من المنسوخ.
ب- أو مساوياً له.
جـ- أو أثقل منه.
ولا خلاف في جواز القسمين الأولين، وأما الثالث فالقول بجوازه قوله الجمهور والأمثلة كالآتي:
ا- النسخ إلى بدل أخف: نسخ قوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} ، بقوله: {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} . فوجوب مصابرة الواحد للاثنين أخف من وجوب مصابرته للعشرة.
2- النسخ إلى بدل مساو: نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة بقوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} فاستقبال الكعبة مساو لاستقباله بيت المقدس بالنسبة لفعل المكلف.
3- النسخ إلى بدل أثقل: نسخ التخيير بين صيام شهر رمضان والإِطعام بتعين صيامه، ونسخ أمر الصحابة بترك القتال والِإعراض عن المشركين بإيجاب الجهاد.
فتعين الصيام أثقل من التخيير بينه وبين الإِطعام، ووجوب القتال أثقل من تركه.
نسخ الكتاب أو السنة بكتاب أو سنة
النسخ بهذا الاعتبار أقسام:
1- نسخ الكتاب بالكتاب ولا خلاف في جواز هذا القسم. ومن أمثلته: آيتا العدة وآيتا المصابرة كما تقدم ذلك.
2- نسخ السنة بالكتاب: ومن أمثلته نسخ التوجه إلى بيت المقدس الثابت بالسنة بقوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} .
3- نسخ الكتاب بالسنة ويشتمل هذا القسم على شيئين: أحدهما نسخ الكتاب بالآحاد من السنة، والقول بمنع جوازه مذهب الجمهور، لأن القطعي لا ينسخه الظني.
والثاني: نسخ الكتاب بمتواتر السنة، والقول بمنع جواز هذا النوع قول البعض مستدلا بقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} .
(1/33)

ووجه الدلالة أن السنة لا تكون مثل القرآن ولا خيراً منه، والقول بالجواز مذهب الجمهور كما حكاه ابن الحاجب ودليل هذا القول؛ أن الكل وحي من الله، وقد وقع نسخ الوصية للوالدين بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث". فإن الإجماع قد انعقد على معنى هذا الحديث.
4- نسخ السنة بالسنة اتفاقاً في جواز نسخ آحادها ومتواترها بالمتواتر منها، ونسخ آحادها بآحادها، واختلافاً في جواز نسخ المتواتر منها بالآحاد، ومن أمثلة نسخ السنة بالسنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ". نسخ المتواتر والآحاد بمتواتر وآحاد
نسخ المتواتر والآحاد بمتواتر وآحاد
الصور الممكنة في ذلك تسع تقدمت في البحث الذي قبل هذا فنذكرها
إجمالا فيما يلي:
1- نسخ المتواتر من القرآن بالمتواتر منه.
2- نسخ متواتر السنة بالمتواتر منها.
3- نسخ الآحاد من السنة بالآحاد. والناسخ في هذه الصور الثلاث مساو للمنسوخ.
4- نسخ السنة الآحادية بالقرآن.
5- نسخ الآحاد بالمتواتر من السنة.
6- نسخ متواتر السنة بالقرآن والناسخ في هذه الصور الثلاث فوق المنسوخ.
7- نسخ القرآن بمتواتر السنة.
8- نسخ القرآن بالآحاد من السنة.
9- نسخ متواتر السنة بالآحاد، والناسخ في هذه الصور الثلاث دون المنسوخ.
الإجماع
تعريفه: هو في اللغة يطلق على شيئين:
1- الاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا إذا اتفقوا عليه، وهذا لا يتأتىإلا من الجماعة.
2- العزم المصمم يقال أجمع فلان رأيه على كذا، إذا صمم عزمه عليه وهذا يتأتى من الواحد ومن الجماعة، وفي الاصطلاح هو: اتفاق جميع العلماء المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته في عصر من العصور على أمر ديني.
(1/34)

شرح التعريف: الاتفاق جنس يعم أشياءه متعددة يخرج غير المراد منها بالقيود التالية لذلك فخرج بإضافته إلى جميع العلماء المجتهدين: المتعلم الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد فضلا عن العامي ومن في حكمه فلا عبرة بوفاقهم ولا بخلافهم وخرج به أيضاً حصول الإِجماع من بعض المجتهدين دون بعض. وخرج بقيد "من أمة محمد صلى الله عليه وسلم " إجماع غيرها من الأمم، والمراد بالأمة: أمة الإِجابة لا أمة الدعوة.
والمراد بالتقييد بما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم بيان بدأ الوقت الذي يوجد فيه الإجماع أما في زمن حياته صلى الله عليه وسلم فلا اعتداد بالإِجماع لأنه زمن نزول الوحي.
والمراد بقولنا "في عصر من العصور" الإِشارة إلى اعتبار الإِجماع في أي عصر وجد بعد زمن النبوة سواء في ذلك عصر الصحابة ومن بعدهم.
وخرج بقيد "على أمر ديني " اتفاق مجتهدي الأمة على أمر من الأمور العقلية أو العادية مثلا.
أمثلة للإِجماع
تقدم في بحث الخاص وغيره أمثلة للإِجماع. وإليك جملة من المسائل المجمع عليها نقلناها من كتاب مراتب الإجماع لابن حزم رحمه الله اخترناها من أبواب متعددة:
1- اتفقوا على أن للمعتدة من طلاق رجعي السكنى والنفقة.
2- اتفقوا على أن الوطء يفسد الاعتكاف.
3- اتفقوا على أن فعل الكبائر والمجاهرة بالصغائر جرح ترد به الشهادة.
4- اتفقوا على أنه لا يرث مع الأم جدة.
5- اتفقوا على أن الوصية لوارث لا تجوز.
6- اتفقوا على أنه لا قود على القاتِل خطأ.
7- اتفقوا على أن المطلقة طلاقاَ رجعياً يرثها الزوج وترثه مادامت في العدة.
8- اتفقوا على أن سفر المرأة فيما أبيح لها مع زوج أو ذي محرم مباح.
9- اتفقوا على أن ذبح الأنعام في الحرم وللمحرم حلال.
10- اتفقوا على أنه ليس في القرآن أكثر من خمس عشرة سجدة.
11- اتفقوا على أن الحائض تقضى ما أفطرت في حيضها.
12- اتفقوا على أنه لا يصوم أحد عن إنسان حي.
دليل حجية الإجماع
(1/35)

ذهب الجمهور إلى أن الإجماع حجة يجب العمل به، وخالف في ذلك النظام والشيعة والخوارج.
وقد استدل الجمهور لحجيته بأدلة كثيرة منها:
ا- قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} وذلك أن الله تعالى توعد من خالف سبيل المؤمنين بالعذاب فوجب اتباع سبيلهم، وما ذاك إلا لأنه حجة.
2- قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق " الحديث فلو أجمع أهل عصر من العصور على باطل لتخلف مصداق الحديث في ذلك العصر لعدم وجود ظهير للحق فيه وذلك باطل فبطل أن يكون إجماعهم على خلاف الحق، إذاً فهو حجة يجب اتباعه.
عصر الإجماع
تقدم في تعريف الإِجماع أنه عام فيِ أي عصر كان بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لا فرق في ذلك بين عصور الصحابة وعصور من بعدهم وهذا قول الجمهور خلافاً لمن خصه بعصر الصحابة كداود الظاهري ومن وافقه مستدلين بأن قلة عدد الصحابة وحصرهم وضعف دواعي الهوى فيهم يتيسر معه إجماعهم والإطلاع عليه فيمكن الاحتجاج به بخلاف من بعدهم فإن كثرتهم واختلاف أهوائهم وضعفهم عن مقاومة الحكام يبعد عادة حصول الإجماع منهم والإطلاع عليه.
وقد رد الجمهور هذا الاستدلال بأن أرباب الشبه على كثرتهم واختلاف أهوائهم قد اتفقت كلمتهم على الباطل وأطلع على ذلك منهم كاليهود في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإجماع المسلمين على الحق أولى بأن يقع ويطلع عليه.
ومن أدلة الجمهور: أن الأدلة التي دلت على حجية الإجماع عامة لم تخصص عصرا دون عصر. فكان الإِجماع في أي عصر حجة.
هل انقراض عصر المجمعين شرط في انعقاد إجماعهم أو لا؟
إذا حصل الإجماع من المجتهدين في زمن فهل ينعقد إجماعهم من وقت حصوله أو لابد في انعقاده من انقراض عصرهم فيه قولان هما روايتان عن أحمد، والصحيح الأول وهو قول الجمهور ويدل له أمور:
(1/36)

1- إن أدلة الإجماع من الكتاب والسنة لا توجب اعتبار انقراضه.
2- إن التابعين قد احتجوا بإجماع الصحابة قبل انقراض عصرهم ولو كان ذلك شرطاً لم يحتجوا به قبل انقراضهم.
3- إن اشتراط انقراض العصر يوجب أن لا يكون إجماع إلى يوم القيامة، لأنه لا يخلو العصر من توالد أفراد ونشأتهم وبلوغهم درجة الاجتهاد وقبل انقراضهم يتوالد غيرهم وهلم جرا، وما أدى إلى إبطال انعقاد الإجماع فهو باطل.
ثمرة الخلاف: ينبني على الخلاف في هذه المسألة شيئان:
1- على القول باشتراط انقراض العصر يسوغ لبعض المجمعين الرجوع عن رأيه ولا يعتبر مخالفاً للِإجماع لأنه لم ينعقد.
وعلى القول بعدم الاشتراط لا يسوغ لأحد الرجوع عن رأيه الموافق للِإجماع لأن الإجماع الحاصل إما أن يكون على حق أو باطل، والثاني منتف للأدلة الدالة على ذلك فلزم الأول وهو كونه حقاً ولا يجوز العدول عما هو حق.
2- على القول بالاشتراط لابد من موافقة من نشأ وبلغ درجة الإجتهاد وإلا لما تم الإجماع لأنه لا ينعقد إلا بانقراض العصر، وعلى القول بعدمه لا يجوز له مخالفة الإجماع لأنه قد انعقد.
مستند الإِجماع
(1/37)

لا ينعقد الإِجماع إلا عن مستند من كتاب أو سنة وقال قوم يجوز انعقاده عن اجتهاد فقط ومنع ذلك شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه "معارج الوصول إلى أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول " حيث قال فيه: ولا توجد مسألة يتفق الإِجماع عليها إلا وفيها نص، وقد كان بعض الناس يذكر مسائل فيها إجماع بلا نص كالمضاربة، وليس كذلك بل المضاربة كانت مشهورة بينهم في الجاهلية لاسيما قريش فإن الأغلب عليهم التجارة وكان أصحاب الأموال يدفعونها إلى العمال. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد سافر بمال غيره قبل النبوة كما سافر بمال خديجة، والعير التي كان فيها أبو سفيان كان أكثرها مضاربة مع أبي سفيان وغيره فلما جاء الإِسلام أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أصحابه يسافرون بمال غيرهم مضاربة ولم ينه عن ذلك والسنة قوله وفعله وتقريره صلى الله عليه وسلم فلما أقرها كانت ثابتة بالسنة انتهى.
أقسام الإِجماع
ينقسم الإِجماع من حيث هو إلى قسمين:
1- إجماع قولي أو فعلي. 2- وإجماع سكوتي
فالأول: أن يصرح كل فرد بقوله في الحكم المجمع عليه أو يفعله فيدل فعله إياه على جواز عنده.
وهذا القسم من الإِجماع لا خلاف في حجيته عند القائلين بثبوت الإِجماع.
والثاني: أن يحصل القول أو الفعل من البعض وينتشر ذلك عنهم ويسكت الباقون عن القول به أو فعله أو لا ينكروا على من حصل منه، ومن أمثلته: العول، حكم به عمر في خلافته بمشورة بعض الصحابة وسكت باقيهم.
وهذا القسم اختلف فيه فقال قوم إنه إجماع لا يسوغ العدول عنه وقال قوم إنه ليس بإجماع ولا حجة وقال آخرون إنه حجة وليس بإجماع.
استدل القائلون بأنه إجماع بأن التابعين كانوا إذا نقل إليهم عن الصحابة مثل هذا لا يجوزون العدول عنه فهو إجماع منهم على أنه حجة.
(1/38)

واستدل من قال بأنه ليس بحجة فضلا عن أن يكون إجماعاً بأن السكوت من المجتهد يحتمل أن يكون للموافقة ويحتمل أن يكون لعدم اجتهاده في المسألة أو اجتهد فيها ولكن لم يظهر له فيه شيء أو سكت مهابة كما روى ابن عباس رضي الله عنه في مسألة العول. وبأن سكوت العلماء عند وقوع فعل منكر مثلا لا يدل على أنه عندهم ليس بمنكر لما علم من أن مراتب الإِنكار ثلاث باليد أو اللسان أو بالقلب وانتفاء الإِنكار باليد واللسان لا يدل على انتفائه بالقلب فلا يدل السكوت على تقرير الساكت لما وقع حتى يقال قد أجمع عليه إجماعاً سكوتياً ولا يثبت ذلك عنه ويضاف إليه إلا إذا علم رضاه بالواقع ولا يعلم ذلك إلا علام الغيوب.

الأخبار
الأخبار بفتح الهمزة- جمع خبر وهو لغة مأخوذة من الخبار وهي الأرض الرخوة لأن الخبر يثير الفائدة كما أن الأرض الخبار تثير الغبار إذا قرعها الحافر ونحوه.
وهو نوع مخصوص من القول وقسم من أقسام الكلام، وقد يستعمل في غير القول كما قيل.
تخبرك العينان ما القلب كاتم
وتعريف الخبر من حيث هو: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، أي أن احتماله لهما من حيث كونه خبراً وقد يقطع بصدق الخبر أو كذبه لأمر خارجي فالأول كخبر الله تعالى والثاني كالخبر عن المحالات كقول القائل "الضدان يجتمعان " فلا يخرج بذلك عن كونه خبراً.
والخبر يطلق عند المحدثين على ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خلقي أو خلقي.
تقسيم الخبر باعتبار وصفه بالصدق والكذب
ينقسم الخبر من حيث وصفه بالصدق والكذب إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الخبر المقطوع بصدقه، وهو أنواع منها:
1- الخبر الذي بلغ رواته حد التواتر.
2- خبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم.
3- الخبر المعلوم صدقه بالاستدلال كقول أهل الحق "العالم حادث ".
الثاني: الخبر المقطوع بكذبه وهو أنواع منها:
1- ما علم خلافه بالضرورة مثل قول القائل "النار باردة".
(1/39)

2- ما علم خلافه بالاستدلال مثل قول الفلاسفة "العالم قديم ".
3- الخبر الذي لو كان صحيحاً لتوفرت الدواعي على نقله متواتراً، إما لكونه من أصوله الشريعة، أو لكونه أمراً غريباً كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة مثلا.
4- خبر مدعى الرسالة من غير معجزة.
الثالث: الخبر الذي لم يقطع بصدقه ولا بكذبه وهو ثلاثة أنواع:
1- ما ظن صدقه كخبر العدل.
2- ما ظن كذبه كخبر الفاسق.
3- ما شك فيه كخبر مجهول الحال فإنه يستوي فيه الاحتمالان لعدم المرجح.

تقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد
ينقسم الخبر باعتبار طريقه الموصلة له إلى المخبر به إلى قسمين: متواتر وآحاد.
المتواتر
تعريفه: هو في اللغة المتتابع.
وفي الاصطلاح: ما رواه جماعة كثيرون تحيل العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب عن جماعة كذلك إلى أن ينتهي إلى محسوس.
شروطه: ويشترط في المتواتر أربعة شروط:
1- أن يكون رواته كثيرين.
2- أن تحيل العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب.
3- أن تستوي جميع طبقات السند بالشرطين السابقين إلى أن يتصل بالمخبر به.
4- أن يكون علمهم بذلك حصل عن مشاهدة أو سماع.
أقسام المتواتر
ينقسم المتواتر إلى قسمين:
1- لفظي: وهو ما اشترك رواته في لفظ معين مثل حديث "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " وحديث "المرء مع من أحب ".
2- معنوي: وهو ما اختلفت الرواة في ألفاظه مع توافقهم في معناه مثل أحاديث حوض الرسول صلى الله عليه وسلم وأحاديث المسح على الخفين.
نوع العلم الذي يفيده المتواتر
والمتواتر يفيد العلم اليقيني الذي يضطر الإنسان إليه بحيث لا يمكنه دفعه، وهذا هو الحق، فإنا نقطع بوجود البلاد الغائبة عنا والأشخاص الماضية قبلنا ونجزم بذلك جزماً خالياً من التردد جاريا مجرى جزمنا بالمشاهدات.
الآحاد
تعريفه: هو ما فقد شرطاً فأكثر من شروط المتواتر السابقة.
(1/40)

الذي تفيده: اختلف في أخبار الآحاد فذهب بعض العلماء إلى أنها لا تفيد القطع لا بنفسها ولا بالقرائن، وإنما تفيد الظن.
وقال آخرون: الأصل في الخبر الواحد أن يفيد الظن وربما أفاد القطع بالقرائن مثل كونه مروياً في الصحيحين وهذا هو الراجح.
التعبد بأخبار الآحاد
التعبد بأخبار الآحاد جائز عقلا، وقد قام الدليل عليه سمعا فمن ذلك:
1- إجماع الصحابة رضي الله عنهم على قبولها، فقد اشتهر عنهم الرجوع إليها في وقائع لا تنحصر كما في إرث الجدة السدس ودية الجنين، وتوريث المرأة من دية زوجها، وتحول أهل قباء إلى القبلة في صلاتهم، وأخذ الجزية من المجوس كأهل الكتاب، وعامة أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم في بيوته.
2- قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} وقوله: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} الآية.
3- ما تواتر من بعثه صلى الله عليه وسلم الآحاد في النواحي لتبليغ الأحكام مع العلم بتكليف المبعوث إليهم بذلك.
4- انعقاد الإِجماع في قبول قول المفتى فيما يخبر به عن ظنه وقبول قوله فيما يخبر به عن السماع الذي لاشك فيه أولى.
تقسيم الآحاد من حيث رواته قلة وكثرة
تنقسم أخبار الآحاد من حيث كثرة الرواة وقلتهم إلى ثلاثة أقسام:
1- مشهور 2- عزيز 3- غريب.
فالمشهور: ما قصر في عدد رواته عن درجة التواتر ولم ينزل في طبقة من طبقاته عن ثلاثة.
مثاله: حديث "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ". الحديث.
2- والعزيز: ما نزل سنده ولو في بعض الطبقات إلى اثنين فقط.
مثاله: حديث "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ".
3- والغريب: ما نزل سنده ولو في بعض الطبقات إلى واحد.
مثاله: حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي يجعله كثير من المصنفين في الحديث فاتحة كتبهم وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
أقسام الآحاد من حيث القبول أو الرد
(1/41)

من المعلوم أن المتواتر مقبول قطعاً.
أما خبر الواحد فيكون صحيحاً، ويكون حسناً؛ وكلاهما مقبول؛ ويكون ضعيفاً وهو المردود وذلك بحسب قرائن الصحة والحسن أو أسباب الردة ولكل ضوابط كالآتي:
1- الصحيح لذاته: هو ما اتصل سنده برواية العدل الضابط ضبطاً تاماً من غير شذوذ ولا علة.
ولغيره: ما خفت فيه شروط الصحيح لذاته وجبر بكثرة الطرق.
2- والحسن لذاته: ما خفت فيه شروط الصحيح لذاته ولم يجبر بكثرة الطرق.
ولغيره: هو الحديث المتوقف فيه إذ قامت قرينة ترجح جانب قبوله. كحديث مستور الحال إذا تعددت طرقه.
3- والضعيف: هو الذي لم يتصف بشيء من صفات الصحيح ولا من صفات الحسن.
أسباب الرد
فأسباب الرد: إما سقوط من السند أو طعن في الراوي وتفصيل ذلك في فن المصطلح.
حيث يفرقون بين كون الساقط واحداً أو أكثر، وببن كونه في أول السند أو وسطه أو آخره.
أما الأصوليون فإنهم يقسمونه من حيث اتصال السند وانقطاعه إلى قسمين:
1- مسند
2- مرسل.
المسند
المسند: اسم مفعول من الإِسناد وهو ضم جسم إلى آخر، ثم استعمل في المعاني يقال: أسند فلان الخبر إلى فلان إذا نسبه إليه.
وفي الاصطلاح: ما اتصل سنده إلى منتهاه بأن يرويه عن شيخه بلفظ يظهر منه أنه أخذه عنه وكذلك شيخه عن شيخه متصلا إلى الصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المرسل
المرسل: اسم مفعول من الإِرسال.
وفي الاصطلاح: هو رواية الراوي عمن لم يسمع منه، فهو على هذا لم يتصل سنده ظاهراً لسقوط بعض رواته وسواء كان الساقط واحداً أو أكثر من أي موضع في السند وهذا في اصطلاح الأصوليين خلافاً لأهل الحديث إذ يخصون اسم المرسل بما سقط منه الصحابي سواء كان وحده أو مع غيره من الصحابة والتابعين إذا كان المرسل له صحابياً أو تابعياً.
أقسام المرسل
والمراسيل على ثلاثة أقسام:
1- مراسيل الصحابة.
2- مراسيل التابعين.
3- مراسيل غيرهم ممن بعدهم.
وإليك بيانها:
(1/42)

مرسل الصحابي: أن يقول الصحابي فيما لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ونحو ذلك.
ويعرف عدم سماعه منه ذلك بأن يكون إسلامه متأخراً وحديثه عن أمر متقدم ولم يكن تحمل من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه أو بكونه من صغار الصحابة ويروى عنه صلى الله عليه وسلم ما وقع قبل ولادته، فإذا قدر أن مثل هذا الصحابي لم يسمع الحديث من الرسول صلى الله عليه وسلم مشافهة بل سمعه من واسطة فتلك الواسطة يغلب على الظن أنها صحابي آخر أكبر منه أو أسبق منه إسلاما، كأحاديث أبي هريرة عما قبل السنة السابعة من الهجرة لتأخر إسلامه إلى تلك السنة، وكأحاديث ابن عباس وابن عمر ونحوهما عن أوائل الإسلام لتأخر مولدهما. فيكون هذا المرسل مقبولا لأن الصحابة كلهم عدول فحكمه حكم المسند.
مرسل التابعي: وإذا أرسل التابعي الحديث فأسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة فقد أسقط واسطة بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه الواسطة يحتمل أن تكون صحابياً أو تابعياً أو أكثر من ذلك.
أما الصحابي فقد علمت عدالته وإن جهل بخلاف التابعي فلا سبيل إلى الحكم عليه لأنه مجهول والحكم على إنسان فرع معرفته.
يستثنى من ذلك عند الجمهور مراسيل ابن المسيب فإنها تتبعت كلها فوجدت مروية عن الصحابة فهي كالمسند لما علم أن الصحابة كلهم عدول.
مرسل غير الصحابي والتابعي: هو أن يروى شخص في أثناء السند عمن لم يلقه فيسقط واسطة بينه وبين الذي روى عنه.
حكم المرسل
أ- علمنا أن مراسيل الصحابة في حكم المسند فهي حجة ولا عبرة بشذوذ من شذ ويدل لذلك:
1- اتفاق الأمة على قبول رواية ابن عباس وأمثاله من أصاغر الصحابة مع إكثارهم من الرواية فبعض روايتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم مراسيل.
2- وأيضاً فإن الصحابة قد علمت عدالتهم، فلا يروون إلا عن صحابي غالباً وإن رووا عن غيره نادراً فلا يروون إلا عمن علموا عدالته.
(1/43)

ب- وأما مراسيل التابعين فمن بعدهم فهي حجة عند مالك وأحمد في رواية وأبي حنيفة. وغير حجة عند الشافعي وأهل الحديث إلا مراسيل سعيد بن المسيب كما تقدم.
تصرف الراوي في نقله للخبر
للراوي في كيفية نقله للخبر أحوال أربع:
1- أن يرويه باللفظ الذي سمع، وهذه الحالة هي الأصل في الرواية، وهي أفضل أحواله.
2- أن يرويه بمعناه، وهذه الحالة لا تجوز إلا لعارف بمدلولات الألفاظ وبما يحيل المعاني.
3- أن يحذف بعض لفظ الخير، وهذا ممنوع إذا كان المحذوف له تعلق بالمذكور لا إذا لم يكن له تعلق، وكثير من السلف سلك هذه الطريقة فاقتصر في الرواية على قدر الحاجة المستدل عليها، لاسيما في الأحاديث الطويلة.
4- أن يزيد في الخبر على ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وهذا جائز إذا كان ما زاده يتضمن بيان سبب الحديث أو تفسير معناه، لكن بشرط أن يبين ما زاده حتى يفهم السامع أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
الشروط المعتبرة في الراوي
يشترط في الراوي أربعة شروط:
1- الإِسلام، فالكافر لا تقبل روايته لأنه متهم في الدين إلا إذا تحمل في كفره وأدى بعد إسلامه كما في قصة أبي سفيان مع هرقل.
2- التكليف وقت الأداء: فلا تقبل رواية الصبي، وما سمعه في الصغر بعد التمييز وأداه بعد البلوغ مقبول. لإِجماع الصحابة رضي الله عنهم على قبول رواية أصاغر الصحابة كابن عباس وابن الزبير ومحمود بن الربيع والحسن والحسين ونحوهم.
3- العدالة: فلا تقبل رواية الفاسق؛ وقيل إلا المتأول إذا لم يكن داعية إلى بدعته.
4- الضبط وهو ضبط صدر وضبط كتاب؛ فإن من لا يحسن ضبط ما حفظه عند التحمل ليؤديه على وجهه لا يطمئن إلى روايته وإن لم يكن فاسقاً. ولا يشترط في الراوي. أن يكون ذكراً؛ ولا حراً؛ ولا مبصراً؛ ولا فقيهاً.
صيغ الأداء
للصحابي في نقله الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ألفاظ، ترتيبها بحسب القوة كالآتي:
(1/44)

1- أن يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أو حدثني أو شافهني أو رأيته يفعل كذا ونحو ذلك فهذا اللفظ لا يتطرق إليه احتمال الواسطة أصلا، وهو حجة بلا خلاف.
2- أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فهذا محتمل للواسطة والظاهر فيه الاتصال.
3- أن يقول: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا أو نهى عن كذا، وهذا فيه معِ احتمال الواسطة احتمال أن يكون الصحابي قد ظن ما ليس بأمر أو نهى أمراً ونهيا،
والصحيح أنه كسابقه، وأن الصحابي لا يقول أمر أو نهى إلا بعد سماعه ما هو أمر أو نهى حقيقة.
4- أن يقول أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، وهذا فيه مع الاحتمالين السابقين عدم تعيين الآمر أو الناهي أهو النبي صلى الله عليه وسلم أم غيره، والصحيح أنه لا يحمل إلا على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نهيه، وفي معناه: من السنة كذا.
5- أن يقول: كنا نفعل كذا وكانوا يفعلون كذا، فهذا عند إضافته إلى زمن النبوة حجة لظهور إقرارهم عليه، وقال أبو الخطاب: إن قول الصحابي " كانوا يفعلون كذا" نقل للإجماع.
ولألفاظ الرواية من غير الصحابي مراتب بعضها أقوى من بعض وهي:
المرتبة الأولى: قراءة الشيخ على التلميذ في معرض الأخبار ليروى عنه، وهذه المرتبة هي الغاية في التحمل، وهي طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم. وللتلميذ في هذه المرتبة أن يقوله: حدثني أو أخبرني وقال فلان وسمعته يقول ونحو ذلك.
المرتبة الثانية: قراءة التلميذ على الشيخ وهو يسمع فيقول نعم أو يسكت فتجوز الرواية بذلك خلافاً لبعض الظاهرية، ويقول التلميذ في هذه المرتبة: أخبرني أو حدثني قراءة عليه وهل يسوغ له ترك "قراءة عليه " قولان هما روايتان عن أحمد رحمه الله.
المرتبة الثالثة: المناولة: وهي أن يناول الشيخ تلميذه أصله أو فرعاً مقابلا عليه، أو يحضر التلميذ ذلك الأصل أو فرعه المقابل عليه. ويقول الشيخ: هذا روايتي عن فلان فاروه عني.
(1/45)

ومذهب الجمهور جواز الرواية بها ويقول التلميذ في هذه المرتبة ناولني؛ أو أخبرني أو حدثني مناولة وأجاز بعضهم ترك كلمة "مناولة".
المرتبة الرابعة، الإِجازة، وهي أن يقول الشيخ لتلميذه. أجزت لك رواية الكتاب الفلاني أو ما صح عندك من مسموعاتي ومذهب الجمهور جواز الرواية بها، ونقل عن أحمد انه قال: لو بطلت لضاع العلم.
قال بعضهم: ومن فوائدها إنه ليس في قدرة كل طالب الرحلة في طلب العلم.
ويقول التلميذ في هذه المرتبة. أجازني؛ أو يقول أخبرني أو حدثتي إجازة، وأجاز بعضهم ترك كلمة إجازة.
أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وتقريراته
1- أفعاله عليه الصلاة والسلام
تنقسم أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أقسام:
1- ما كان يفعله بمقتضى الجبلة كالقيام والقعود والأكل والشرب؛ فحكمه الإباحة.
2- ما كان متردداً بين الجبلة والتشريع كوقوفه صلى الله عليه وسلم راكباً بعرفة ونزوله بالمحصب فهل يلحق بالجبلي فيكون مباحاً كما تقدم؛ أو بالتشريع فيتأسى به فيه؟ قولان.
3- ما ثبتت خصوصيته به مثل جواز جمعه بين أكثر من أربع نسوة بالنكاح لقوله تعالى: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} وكن أكثر من أربع؟ ونكاح الواهبة نفسها لقوله تعالى: {خالصة لك من دون المؤمنين} فهذا لا شركة لأحد معه فيه.
4- ما كان بيانا لنص قرآني كقطعه صلى الله عليه وسلم يد السارق من الكوع بياناً لقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} . وكأعمال الحج والصلاة فهما بيان لقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} وقوله: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} ولذا قال صلى الله عليه وسلم: " صلوا كما رأيتموني أصلي" وقال: "خذوا عني مناسككم".
فهذا القسم حكمه للأمة حكم المبين- بالفتح- ففي الوجوب واجب، وفي غيره بحسبه.
5- ما فعله صلى الله عليه وسلم لا لجبلة ولا لبيان ولم تثبت خصوصيته له، فهذا على قسمين:
(1/46)

1- أن يعلم حكمه بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من وجوب أو ندب أو إباحة، فيكون حكمه للأمة كذلك كصلاته صلى الله عليه وسلم في الكعبة، وقد علمنا أنها في حقه صلى الله عليه وسلم جائزة، فهي للأمة على الجواز.
2- أن لا يعلم حكمه بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم وفي هذا القسم أربعة أقوال:
1- الوجوب، عملا بالأحوط. وهو قول أبي حنيفة وبعض الشافعية ورواية عن أحمد.
2- الندب، لرجحان الفعل على الترك وهو قول بعض الشافعية ورواية عن أحمد أيضاً.
3- الإِباحة، لأنها المتيقن. ولكن هذا فيما لا قربة فيه إذ القرب لا توصف بالإِباحة.
4- التوقف؛ لعدم معرفة المراد، وهو قول المعتزلة؛ وهذا أضعف الأقوال لأن التوقف ليس فيه تأس؛ فتحصل لنا من هذه الأقوال الأربعة أن الصحيح الفعل تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم وجوباً أو ندباً.
ومثلوا لهذا الفعل بخلعه صلى الله عليه وسلم نعله في الصلاة فخلع الصحابة كلهم نعالهم. فلما انتهى صلى الله عليه وسلم سألهم عن خلعهم نعالهم، قالوا: رأيناك فعلت ففعلنا. فقال لهم: أتاني جبريل وأخبرني أن في نعلي أذى فخلعتهما؛ فإنه أقرهم على خلعهم تأسياً به ولم يعب عليهم مع انهم لم يعلموا الحكم قبل إخباره إياهم.
2- تقريراته صلى الله عليه وسلم ...
وتلحق تقريراته صلى الله عليه وسلم بأفعاله، فكل أمر أقر عليه ولم ينكر على فاعله فحكمه حكم فعله صلى الله عليه وسلم قولا كان ذلك الأمر أو فعلا.
هذا إذا كان الإنسان المقرر منقادًا للشرع؛ فإن كان كافراً أو منافقاً فلا يدل تقريره له على الجواز كتقريره صلى الله عليه وسلم الذمي على الفطر في نهار رمضان. فمثال تقريره على القول تقريره صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه على قوله بإعطاء سلب القتيل لقاتله ومثال تقريره على الفعل: تقريره صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد على أكل الضب؛ وحسان على إنشاد الشعر في المسجد.
(1/47)

هذا فيما رآه صلى الله عليه وسلم أو سمعه أو بلغه فأقره.
وكذلك استبشاره صلى الله عليه وسلم كاستبشاره صلى الله عليه وسلم عند سماعه قول مجزز المدلجي- وقد بدت أقدام زيد بن حارثة وابنه أسامة رضي الله عنهما من تحت الغطاء: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. لأنه صلى الله عليه وسلم لا يقر على باطل ولا يستبشر لباطل.
ولذا قال الشافعي وأحمد رحمهما الله بإثبات النسب عن طريق القافة.

القياس
تعريفه: القياس في اللغة التقدير والتسوية، تقول: قست الثوب بالذراع إذا قدرته به، وفلان يقاس بفلان، أي يسوى به.
وفي الاصطلاح هو: إلحاق فرع بأصل في حكم لجامع بينهما كإلحاق الأرز بالبر في تحريم الربا لجامع هو الكيل عند الحنابلة والاقتيات والادخار عند المالكية والطعم عند الشافعية.
إثبات القياس على منكريه
التعبد بالقياس جائز عقلا وواقع شرعاً عند الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة رحمهم الله واستدلوا لإثباته بأدلة كثيرة منها:
1- قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولى الأبصار} والاعتبار من العبور وهو الانتقال من شيء إلى آخر والقياس فيه انتقال بالحكم من الأصل إلى الفرع فيكون مأموراً به.
2- تصويب النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه حين قال: إنه يجتهد حيث لا كتاب ولا سنة فإن الاجتهاد حيث لا نص يكون بالإلحاق بالمنصوص.
3- قوله صلى الله عليه وسلم للخثعميه حين سألته عن الحج عن الوالدين "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه " قالت: نعم. قال: "فدين الله أحق أن يقضى" فهو تنبيه منه صلى الله عليه وسلم على قياس دين الخلق.
4- قوله صلى الله عليه وسلم لعمر حين سأله عن القبلة " للصائم " أرأيت لو تمضمضت فهو قياس للقبلة على المضمضة.
(1/48)

5- قصة الرجل الذي ولدت امرأته غلاماً أسود. فمثل له النبي صلى الله عليه وسلم بالإبل الحمر التي يكون الأورق من أولادها، ووجه الاستدلال من القصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاس ولد هذا الرجل المخالف للونه بولد الِإبل المخالف للونه لألوانها، وذكر العلة الجامعة وهي نزع العرق.
أركان القياس وتعريف كل ركن
ظهر لنا من تعريف القياس أنه لابد فيه من أربعة أركان هي:
1- أصل مقيس عليه، وهو المحل الذي ثبت حكمه وألحق به غيره كالخمر ثبت لها التحريم وألحق بها النبيذ.
2- فرع ملحق بالأصل، وهو في اللغة ما تولد من غيره وانبنى عليه وفي اصطلاح الأصوليين: المحل المطلوب إلحاقه بغيره في الحكم؛ كالنبيذ طلب إلحاقه بالخمر في حكمها وهو التحريم.
3- علة تجمع بين الأصل والفرع، وهي المعنى المشترك بين الأصل والفرع المقتضي إثبات الحكم كالإسكار المستدعى إلحاق النبيذ بالخمر في حكم التحريم.
4- الحكم الثابت للأصل المقيس عليه؛ وهو الأمر المقصود إلحاق الفرع بالأصل فيه كالقصاص أثبت في القتل بالمثقل إلحاقاً له بالقتل بالمحدد.
شروط القياس
وللقياس شروط يجب توفرها فيه لصحته منها:
أولاً: شروط الأصل:
1- يشترط في الأصل الذي هو المقيس عليه أن يكون الحكم فيه ثابتاً بنص أو إجماع أو اتفاق الخصمين.
2- أن لا يكون معدولاً به عن قاعدة عامة مثل بيع العرايا وشهادة خزيمة فلا يصحان أصلا يقاس عليه لأن الحكم في القياس مطرد والخارج عن القاعدة العامة ليسِ مطرداً خلافاً لمن يجيز القياس في الرخص فيجوز العرية في العنب والتين قياساَ على الرطب.
وما ذكر في هذين الشرطين بناء على القول بأن الأصل هو نفس الحكم، لا محل الحكم.
ثانياً: شروط الفرع، ويشترط في الفرع شرطان:
1- وجود علة الأصل فيه لأنها مناط تعدية الحكم إليه.
2- أن لا يكون منصوصاً على حكمه، فإن كان لم يحتج إلى قياسه على غيره.
ثالثاً: شروط حكم الأصلِ؛ ويشترط في حكم الأصل شرطان.
(1/49)

1- أن يكون الفرع مساوياَ له في الأصل كقياس الأرز على البر في تحريم الربا فإن كان الحكم في الفرع أزيد منه في الأصل أو أنقص لم يصح القياس؛ كأن يكون حكم الأصل الوجوب وحكم الفرع الندب أو العكس.
2- أن يكون شرعياً؛ لا عقلياً فلا يثبت ذلك بالقياس لأنه يطلب فيه اليقين والقياس يفيد الظن.
رابعاً: شروط العلة؛ ويشترط في العلة شرطان:
1- أن تكون العلة متعدية فإن كانت قاصرة على محلها امتنع القياس بها لعدم تعديها إلى الفرع مثال ذلك: جعل شهادة خزيمة كشهادة رجلين لعلة سبقه إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم بنوع من التصديق لم يسبقه إليه غيره.
2- أن تكون كالإِسكار فكلما وجد الإِسكار في شيء وجد التحريم فيه، وكالطعم والكيل فكلما وجد الكيل أو الطعم في شيء حرم الربا فيه، فإذا تخلفت فإن كان تخلفها لمانع فلا تبطل كما لوِ قيل القتل العمد العدوان علة للقصاص وقد تخلفت في قتل الوالد لولده عمداَ عدواناً إذ أنه لا يقتل به فيقال إنها تخلفت لمانع هو الأبوة فلا تبطل في غير الأب؛ فكلما وجد القتل العمد العدوان من غير الأب ونحوه وجب القصاص.
وإن كان تخلفها من غير مانع فلا يصح التعليل بها كما لو قيل: تجب الزكاة في المواشي قياساً على الأموال بجامع دفع حاجة الفقير فيقال إن التعليل بدفع حاجة الفقير قد تخلف عنها الحكم في الجواهر مثلا.
تقسيم القياس إلى قطعي وظني.. أو جلي وخفي
1- القياس القطعي
تعريفه: هو ما لا يحتاج معه إلى التعرض للعلة الجامعة بل يكتفي فيه بنفي الفارق المؤثر في الحكم كإلغاء الفارق بين البول في الماء الراكد والبول في إناء وصبه فيه، وهو أنواع منها.
(1/50)

1- ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق مع القطع بنفي الفارق كإلحاق مثقال الجبل بمثقال الذرة في المؤاخذة، وإلحاق ضرب الوالدين بالتأفيف في التحريم، وإلحاق مادون القنطار وفوق الدينار بهما في التأدية من بعض أهل الكتاب إذا أؤتمن عليه في الأول والمطل من بعضهم في الثاني.
2- ما كان المسكوت عنه مساوياً للمنطوق في الحكم مع القطع بنفي الفارق. كإلحاق إغراق مال اليتيم وإحراقه بأكله في التحريم.
2- القياس الظني
القياس الظني هو: ما احتيج فيه إلى البحث عن العلة الجامعة كإلحاق الأرز بالبر في تحريم الربا بجامع الكيل.
فتحصل من هذا الإِلحاق طريقتان: إلحاق بنفي الفارق وإلحاق بالجامع.
تقسيم القياس باعتبار التصريح بالعلة وعدمه
ينقسم القياس بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:
1- قياس العلة: وهو ما جمع فيه بالوصف المناسب المشتمل على المصلحة الصالحة لترتيب الحكم عليها كقياس النبيذ على الخمر بجامع الِإسكار.
2- قياس الدلالة: وهو ما جمع فيه بين الأصل والفرع بما يدل على العلة ويرشد إليها كقياس النبيذ على الخمر بجامع الرائحة الكريهة والشدة الدالة على العلة وهي الإِسكار.
3- قياس في معنى الأصل: وهو ما اكتفى فيه بنفي الفارق المؤثر في الحكم، وهو مفهوم الموافقة، والقياس الجلي كقياس الأمة على العبد في تقويم حصة الشريك على شريكه المعتق نصيبه.
قياس الشبه
إذا شابه الفرع أصلين مختلفين وحصل تردد بأيهما يلحق فهو قياس الشبه.
مثاله: إذا قتل العبد مثلا فهل يلحق بالحر فتكون فيه الدية، أو بالمتاع فتكون فيه القيمة، فمن جهة أنه إنسان مكلف شابه الحر، وفي الحر الدية، ومن جهة أنه يباع ويوهب ويورث شابه المتاع وفي المتاع القيمة فقد جمع بين شبهين مختلفين، شبه الحر فيوجب الدية وشبه المتاع فيوجب القيمة، ولهذا سمى قياس
(1/51)

الشبه. ثم وجدناه الصق بأحدهما في الحكم الشرعي حيث إنه يباع ويوهب ويورث بل وتضمن أجزاؤه بالقيمة فهذه كلها رجحت شبهه بالمال فلحق به في الضمان.
تقسيم العلة باعتبار مجارى الاجتهاد فيها
تنقسم العلة بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام: تحقيق العلة وتنقيحها وتخريجها.
إلا أن عادة الأصوليين جرت بإضافة هذه المصادر الثلاثة إلى أحد القاب العلة وهو المناط. والمناط مشتق من النوط وهو تعليق الشيء بشيء آخر فلذا أطلق الفقهاء المناط على متعلق الحكم وهو العلة الجامعة بين الأصل والفرع.
الأول: تحقيق المناط: وهو البحث عن وجود العلة في الفرع والاجتهاد في تحقيقها فيه بعد النص عليها أو الاتفاق عليها في ذاتها وهو قسمان:
1- أن تكون القاعدة الكلية منصوصة أو متفقاً عليها وإنما يبحث المجتهد عن تحقيقها في آحاد الصور وتطبيقها على الجزئيات، فالقاعدة الكلية مثل قوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} .
والجزئي الذي حققت فيه إيجاب بقرة على من صاد وهو محرم حماراً وحشياً للمماثلة بينهما في نظر المجتهد، وهذا النوع متفق عليه وليس من القياس في شيء.
2- البحث عن وجود العلة في الفرع بعد الاتفاق عليها في ذاتها كالعلم بأن السرقة هي مناط القطع فيحقق المجتهد وجودها في النباش لأخذه الكفن من حرز مثله خفية.
الثاني: تنقيح المناط: التنقيح في اللغة. التهذيب والتصفية فتنقيح المناط تهذيب العلة وتصفيتها بإلغاء ما لا يصلح للتعليل واعتبار الصالح له.
مثال ذلك قصة الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يضرب صدره وينتف شعره وهو يقول هلكت وأهلكت واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " اعتق رقبة "، الحديث.
فكونه أعرابياً، وكون الموطوءة زوجة، وكونه جاء يضرب صدره وينتف شعره مثلا كلها أوصاف لا تصلح للتعليل فتلغى.
فلو وطيء حضري سريته في نهار رمضان وجاء بتؤدة وطمأنينة يسأل عما يجب عليه لأجيب بوجوب الكفارة.
(1/52)

الثالث: تخريج المناط: وهو أن ينص الشارع على حكم دون علته فيستخرج المجتهد علته باجتهاده ونظره في محل الحكم.
مثال ذلك: البر نص على حكمه وهو تحريم الربا دون العلة، فرأى المجتهد بعد البحث أنها الكيل مثلا فقاس عليه الأرز ونحوه.
مسالك العلة
مسالك العلة هي طرقها الدالة عليها وهي كثيرة نذكر منها ثلاثة:
المسلك الأول: النص الصريح على العلة وهو ما يدل على التعليل بلفظ موضوع له في لغة العرب مثل "من أجل " كما في قوله تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل} الآية ومثل "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" ومثل "الباء "كما في قوله تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم} الآية ومثل "اللام" كما في قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} الآية وقوله: {وما خلقت الجن والِإنس إلا ليعبدون} ومثل "كي" كما في قوله تعالى: {كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم} .
المسلك الثاني: النص المومىء إلى العلة، ويسمى الإيماء والتنبيه، وضابطه أن يقترن الحكم بوصف على وجه لو لم يكن علة له لكان الكلام معيباً عند العقلاء وهو أقسام منها:
1- تعليق الحكم على العلة بالفاء: بأن تدخل الفاء على العلة ويكون الحكم متقدماً كما في قوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته ناقته. وكفنوه في ثوبيه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً.
أو تدخل الفاء على الحكم وتكون العلة متقدمة كما في قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} وقوله: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} الآية، ويلتحق بهذا القسم ما رتبه الراوي بالفاء كقوله: "سها النبي صلى الله عليه وسلم فسجد. وزنا ما عز فرجم ".
2- ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الشرط والجزاء، مثل قوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} ، {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} .
(1/53)

3- أن يحكم الشارع بحكم عقب حادثة سئل عنها كقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: "اعتق رقبة" جواباً لسؤاله عن مواقعة أهله في نهار رمضان وهو صائم، فإنه دليل على كون الوقاع علة لوجوب الكفارة.
4- أن يذكر مع الحكم شيئاً لو لم يقدر التعليل به لما كان لذكره فائدة وهو قسمان:
1- أن يستنطق السائل عن الواقعة بأمر ظاهر الوجود ثم يذكر الحكم عقبه كقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن بيع الرطب بالتمر "أينقص الرطب إذا يبس" قالوا: نعم قال: "فلا إذا" فلو لم يكن نقصان الرطب باليبس علة للمنع لكان الاستكشاف عنه لغوا.
2- أن يعدل في الجواب إلى نظير محل السؤال كما روى أنه صلى الله عليه وسلم لما سألته الخثعمية عن الحج عن الوالدين "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان ينفعه " قالت: نعم قال: "فدين الله أحق أن يقضى "فيفهم منه التعليل بكونه ديناً.
المسلك الثالث: الإِجماع على العلة: فإنه متى وجد الاتفاق من مجتهدي الأمة على العلة صح التعليل بها مثال ذلك: الصغر فقد أجمع على أنه علة لثبوت الولاية على المال فيقاس عليه الولاية على النكاح.
ترتيب الأدلة وترجيح بعضها علما بعض
ترتيب الأدلة
الأدلة جمع دليل والمراد به هنا: ما تثبت به الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وقول الصحابي والاستصحاب.
والترتيب في اللغة جعل واحد من شيئين أو أكثر في رتبته التي يستحقها، ومعلوم أن الأدلة الشرعية متفاوتة في القوة فيحتاج إلى معرفة الأقوى ليقدم على غيره عند التعارض.
ودرجات الأدلة الشرعية على الترتيب الآتي:
1- الإجماع: لأنه قطعي معصوم من الخطأ ولا يتطرق إليه نسخ، والمراد به الإجماع القطعي وهو النطقي المنقول بالتواتر أو المشاهد بخلاف غيره.
2- النص القطعي وهو نوعان:
1- الكتاب.
2- السنة المتواترة وهي في قوة الكتاب لأنها تفيد العلم القطعي.
3- خبر الآحاد، ويقدم منه الصحيح لذاته فالصحيح لغيره فالحسن لذاته فالحسن لغيره.
(1/54)

4- القياس، وعند أحمد يقدم قول الصحابي على القياس في إحدى الروايتين عنه.
فإن لم يكن دليل من هذه الأدلة استصحب الأصل وهو براءة الذمة من التكاليف فإذا تعارض أحد هذه الأدلة مع الآخر قدم الأقوى منها.
تنبيه: لا يقع تعارض بين قطعيين إلا إذا كان أحدهما ناسخاً للآخر أو مخصصاً له لأن كل قطعي يفيد العلم والعمل فإذا تعارضا تناقضا والشريعة لا تتناقض.
ولا بين قطعي وظني، لأن الظني لا يقاوم القطعي بل يقدم القطعي عليه
ما لم يكن مخصصاً له فيكون من باب تخصيص العام كما تقدم فلا يترك الظني لوجود القطعي حينئذ.
مثال ذلك قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة والدم} وهو فهذا نص قطعي الثبوت عام الدلالة في كل ميتة وكل دم مع حديث "أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالجراد والحوت وأما الدمان فالكبد والطحال ".
وحديث ميتة البحر وهو قوله صلى الله عليه وسلم في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". فخصص عموم الكتاب وهو قطعي بخبر الآحاد وهو ظني ولم يقدم القطعي على الظني.
فإذا عرف أنه لا يقع تعارض بين قطعيين ولا بين قطعي وظني لم يبق إلا الظنيان فإذا تعارض ظنيان فلا يخلو أمرهما من إحدى حالتين:
الأول: إمكان الجمع بينهما، والثانية عدم إمكانه.
ففي حالة إمكان الجمع يجمع بينهما سواء علم تاريخهما أولم يعلم مثال ذلك حديث اغتسال الرسول صلى الله عليه وسلم بفضل ميمونة وقوله لها بعد أن أخبرته أنها كانت جنبا "أن الماء لا يجنب " مع حديث نهيه صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل والرجل بفضل المرأة فجمع بينهما بحمل النهي على الكراهة والفعل على الإِباحة ويؤيد هذا الجمع حديث بئر بضاعة أن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه.
فإذا لم يمكن الجمع فله حالتان:
(1/55)

1- معرفة التاريخ ويكون المتأخر ناسخاً للمتقدم مثاله حديث طلق بن على رضي الله عنه أنه قدم المدينة وكان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من عريش فسمع أعرابياً يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يمس ذكره بعد أن يتوضأ، أعليه وضوء، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وهل هو إلا بضعة منك ".
مع حديث بسرة بنت صفوان وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مس ذكره فليتوضأ" فقد تعارض هذان الحديثان ولم يمكن الجمع وقد علم تقدم حديث طلق وتأخر حديث بسرة وأبي هريرة لأن حديث طلق حين كان مسجد رسوله الله صلى الله عليه وسلم من عريش أي في أول قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، مع أن إسلام أبي هريرة حصل في السنة السابعة من الهجرة فحكم بعض العلماء على الأول بالنسخ.
2- فإن لم يعلم التاريخ، فالترجيح بطلب أمر خارج عنهما يرجح به أحدهما على الآخر، ومثاله الأحاديث الدالة على التغليس بصلاة الصبح مع الأحاديث الدالة على الِإسفار بها فإنه لم يمكن الجمع بينهما ولم يعلم التاريخ فرجح جانب التغليس لموافقته لعموم قوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} .
وكذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما في زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بميمونة وهو محرم مع حديث أبي رافع أنه تزوجها وهو حلال قال وكنت السفير بينهما، فالقصة واحدة ولا تفاوت في الزمن بالنسبة إلى الحديثين فلا يمكن إدعاء النسخ في أحدهما ولا يمكن الجمع بين حلال ومحرم في وقت واحد فانتقل إلى الترجيح فرجح حديث أبي رافعِ على حديث ابن عباس لأمور منها:
1- كونه سفيراَ بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة فيكون أعلم بحقيقة الواقع من ابن عباس إذ هو المباشر للقصة.
2- جاء عن ميمونة نفسها وهي صاحبة القصة أن الزواج كان ورسول الله صلى الله عليه وسلم حلال غير محرم.
2- الترجيح
(1/56)

تعريفه: هو تقوية أحد الطرفين المتعارضين فيقوم بسببه على غيره.
طريق الترجيح: والترجيح إما أن يكون عن طريق السند أو عن طريق المتن أو لأمر خارج عنهما.
أولًا: الترجيح عن طريق السند:
1- يقدم الأكثر رواة على الأقل والأعلى سنداً على الأنزل منه.
2- تقدم رواية الأضبط الأحفظ على رواية الضابط الحافظ.
3- يقدم المسند على المرسل.
4- تقدم رواية صاحب القصة والمباشر لها على الأجنبي عنها.
ومن أمثلة ذلك: تقديم حديث ميمونة وأبي رافع على حديث ابن عباس كما تقدم قريباً لأن ميمونة هي صاحبة القصه وأبا رافع هو السفير بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة.
وكذلك تقديم حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما في صحة صوم من أدركه الفجر وهو جنب على حديث أبي هريرة بخلاف حديثهما، لأن عائشة وأم سلمة أدرى من أبي هريرة في ذلك لأن غسل الجنابة وما يشاكله من أمور البيت التي يشهدانها وغيرهما يغيب عنه.
ثانياً: الترجيح عن طريق المتن: كأن يقدم النص على الظاهر، والظاهر على المؤولة، والمؤول بقرينة صحيحة على ما ليست له قرينة أوله ولكنها باطلة.
ثالثا: الترجيح للأمر خارج عنهما.
1- يقدم ما تشهد له نصوص أخرى على ما لم تشهد له، كأحاديث التغليس في الصبح كما تقدم.
2- ويقدم الخبر الناقل عن حكم الأصل والموجب للعبادة مثلا على النافي لها لأن النافي جاء على مقتضى العقل والآخر متأخر فكان كالناسخ، مثل حديث بسرة وأبي هريرة في نقض الوضوء بمس الذكر فيقدم على حديث طلق بن علي لكونه جاء على مقتضى الأصل.
3- تقدم رواية الإِثبات على رواية النفي لأن المثبت معه زيادة علم خفيت على النافي.
4- يقدم المقتضي للحظر على المبيح لكونه أحوط.
(1/57)

الاجتهاد والتقليد
1- الاجتهاد
الاجتهاد في اللغة: بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال ولا يستعمل إلا فيما فيه مشقة يقال اجتهد في حمل الصخرة ولا يقال اجتهد في حمل العصا أو النواة مثلا، والجهد بالفتح المشقة والطاقة وبالضم الطاقة فقط ومنه قوله تعالى: {والذين لا يجدون إلا جهدهم} .
وفي الاصطلاح: بذل الوسع في النظر في الأدلة للحصول على القطع أو الظن بحكم شرعي.
حكمه والأصل فيه
حكم الاجتهاد فرض كفاية، والأصل فيه قوله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً} .
وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران" الحديث. وقوله النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضى رسول الله" حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنه يجتهد حيث لا كتاب ولا سنة.
باب الاجتهاد مفتوح دائماً
لا يجوز خلو الزمان من مجتهد قائم لله بحجته يبين للناس ما نزل إليهم خلافاً لمن قال بإغلاق باب الاجتهاد، ويدل للقول الحق قوله فيها: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة " فإنه فيها أخبر في هذا الحديث باستمرار وجود القائمين بالحق إلى انتهاء الدنيا.
شروط المجتهد
1- أن يكون عالماً بوجود الرب وما يجب له سبحانه من صفات الكمال وما يمتنع عليه من صفات النقص والعيب وأن يكون مصدقاً بالرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به المشرع ليكون فيما يسنده من الأقوال والأحكام محققاً.
2- أن يكون عالماً بنصوص الكتاب والسنة التي لها تعلق بما يجتهد فيه من الأحكام وإن لم يكن حافظاً لها.
3- أن يكون عالماً بمسائل الإِجماع والخلاف لئلا يعمل ويفتى بخلاف ما وقع الإِجماع عليه.
4- أن يكون عالماً بالناسخ لئلا يعمل ويفتى بالمنسوخ.
5- أن يكون عارفاً بما يصلح للاحتجاج به من الأحاديث وما لا يصلح.
(1/58)

6- أن يكون عالماً بالقدر اللازم لفهم الكلام من اللغة والنحو.
7- أن يكون على علم بأصول الفقه لأن هذا الفن هو الدعامة التي يعتمد عليها الاجتهاد.
أقسام المجتهدين ومنزلة كل قسم
والمجتهدون على أقسام:
1-المجتهد المطلق: وهو الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد المتقدمة فيتمسك بالدليل حيث كان، فهذا القسم من المجتهدين هم الذين يسوغ لهم
الإفتاء ويسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرض الاجتهاد وهم الذين قال فيهم علي رضي الله عنه: لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته.
2- مجتهد المذهب: وهو العالم المتبحر بمذهب من ائتم به المتمكن من تخريج ما لم ينص عليه إمامه على منصوصه، فإذا نزلت به مثلا نازلة ولم يعرف لإِمامه فيها نصا أمكنه الاجتهاد فيها على مقتضى المذهب وتخريجها على أصوله.
3- مجتهد الفتوى والترجيح: وهو أقل درجة من سابقه لأنه قصر اجتهاده على ما صح عن إمامه ولم يتمكن من تخريج غير المنصوص، وإذا كان لإِمامه في مسألة قولان فأكثر اجتهد في ترجيح أحدها، ففتاوى القسم الأول- كما قال ابن القيم رحمه الله- من جنس توقيعات الملوك وفتاوى القسم الثاني من جنس توقيعات نوابهم وفتاوى القسم الثالث من جنس توقيعات نواب نوابهم.
المصيب واحد من المجتهدين
الحق في قول واحد من المجتهدين المختلفين ومن عداه مخطئ لكن المخطئ في الفروع التي ليس فيها دليل قطعي معذور غير آثم بل له أجر على اجتهاده، وهذا هو القول الحق خلافاً لمن قال إن كل مجتهد مصيب.
(1/59)

وفصل النزاع في هذه المسألة ما ثبت في الحديث المتفق على صحته من أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر، فإن الحديث صريح في أن الحق واحد وأن بعض المجتهدين يوافقه فيقال له مصيب مأجور أجرين على اجتهاده وإصابته، وبعض المجتهدين يخالفه فيقال له مخطئ مأجور مرة واحدة على اجتهاده، واستحقاقه الأجر لا يستلزم كونه مصيباً فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل المجتهدين قسمين قسما مصيباً وقسماً مخطئاً، ولو كان كل منهم مصيباَ- كما ذهب إليه من ذهب- لم يكن لهذا التقسيم معنى.
تجزؤ الاجتهاد
الاجتهاد يقبلِ التجزؤ والانقسام على الصحيح فيكون الرجل مجتهداً في نوع من العلم مقلداَ في غيره كمن استفرغ وسعه في علم الفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيره من العلوم فيجوز له أن يفتى في النوع الذي اجتهد فيه لأنه قد عرف الحق بدليله وقد بذل جهده في معرفة الصواب، فحكمه في ذلك حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع، ولا يجوز له الإِفتاء فيما لم يجتهد فيه فإن القاصر في فن كالعامي فيه.
اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم
الاجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم جائز وواقع ومن أمثلة وقوعه: إذنه صلى الله عليه وسلم للمتخلفين عن غزوة تبوك قبل أن يتبين صادقهم من كاذبهم، وأسره لأسارى بدر وأخذ الفداء منهم، وأمره بترك تأبير النخل، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى"، وإرادته صلى الله عليه وسلم النزول دون ماء بدر حتى قال له الحباب بن المنذر رضي الله عنه: إن كان هذا بوحي فنعم. وإن كان الرأي والمكيدة فأنزل بالناس على الماء لتحول بينه وبين العدو. فقال صلى الله عليه وسلم: "ليس بوحي إنما هو رأى رأيته "، فرجع إلى قول الحباب رضي الله عنه.
الاجتهاد في زمن النبوة
(1/60)

منع قوم الاجتهاد في عصر النبوة مطلقاً وأجازه قوم مطلقاً والراجح التفريق بين من كان غائباً عنه فيه فيجوز له ومن كان حاضرا فلا يجوز له إلا بإذنه ومن أدلة ذلك: قصة معاذ رضي الله عنه وتصويب النبي صلى الله عليه وسلم له، وتفويضه فيها الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ رضي الله عنه لما نزلوا على حكمه فحكم بقتل المقاتلة وسبى الذراري، فصوبه النبيء صلى الله عليه وسلم، وتقريره صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص رضي الله عنه لما صلى بأصحابه متيمما ولم يغتسل من الجنابة لشدة البرد استناداً إلى عموم قوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} ومن ذلك أكل الصحابة رضي الله عنهم وهم
محرمون من حمار الوحش الذي صاده أبو قتادة رضي الله عنهم فإن أكلهم منه باجتهاد منهم، ومنه تحول أهل قباء في صلاتهم إلى الكعبة إلى غير ذلك من الأدلة.
2- التقليد
تعريفه: التقليد في اللغة: وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به، وذلك الشيء يسمى قلادة والجمع قلائد وقد يستعمل في تفويض الأمر إلى الشخص كأن الأمر محمولة في عنقه كالقلادة.
وفي الاصطلاح: هو قبول قول من ليس قوله حجة من غير معرفة دليله.
فخرج بالقيد الأول: قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم والأخذ بالإجماع فإن ذلك حجة بنفسه.
وخرج بالقيد الثاني: قبول قول من ليس حجة إذا بين الدليِل وأظهره فإن الأخذ بالدليل الذي أخبر به لا بقوله ويسمى ذلك اتباعاً لا تقليداَ.
من يسوغ له التقليد ومن لا يسوغ له
لا يجوز التقليد لمجتهد أداه اجتهاده إلى الظن بحكم، أو لم يجتهد بالفعل لكنه متمكن من الاجتهاد ويجوز للعامي ولمن لم يبلغ درجة الاجتهاد في علم أو في باب من العلم لأن القاصر في فن كالعامي فيه.
المفتى والمستفتى
(1/61)

المفتى: اسم فاعل من الإفتاء قال في القاموس: أفتاه في الأمر أبانه له والفتيا والفتوى وتفتح ما أفتى به الفقيه انتهى والمفتى يطلق على المخبر بالحق على غير جهة الإلزام به، ويطلق عند الأصوليين على المجتهد وهو:
الباذل وسعه في النظر في الأدلة ليحصل على العلم أو الظن بحكم شرعي.
والمستفتى: اسم فاعل من الاستفتاء وهو لغة: طالب الفتوى وفي الاصطلاح هو: من طلب الحكم الشرعي من المجتهد، فيدخل فيه العامي والمتعلم الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد.
من ورد الإِفتاء مسندا إليه في الكتاب والسنة
ورد الإِفتاء في الكتاب العزيز مسنداً إلى الرب كما في قوله تعالى: {قل الله يفتيكم} وإلى القرآن كما في قوله {وما يتلى عليكم في الكتاب} أي يفتيكم.
وورد في السنة المطهرة مسنداً إلى الناس كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "والإِثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك ".
من يستفتى المقلد
المستفتى يستفتى من غلب على ظنه أنه أهل للفتوى، بما يراه من انتصابه للفتيا واحترام الناس له وأخذهم عنه، أو بخبر عدل عنه.
إذا تعدد المفتون فأيهم يستفتى المقلد
إذا كان في البلد مجتهدون فللمقلد استفتاء من شاء منهم، ولا يلزمه مراجعة الأعلم، وقيل بل يلزمه سؤال الأفضل، واستدل للأول بأن المفضول من الصحابة والتابعين كان يفتى مع وجود الفاضل مع اشتهار ذلك وتكرره ولم ينكره أحد فكان إجماعاً على جواز استفتائه مع القدرة على استفتاء الفاضل، واستدل للثاني بأن الأفضل أهدى إلى أسرار الشريعة من غيره.
آداب المفتي والمستفتي
لكل من المفتي والمستفتي آداب فمن آداب المفتي:
1- أن يكون ذا نية حسنة فإنما الأعمال بالنيات، ومن فقد النية الحسنة لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور.
2- أن يكون ذا حلم ووقار وسكينة فإن ذلك هو كسوة العلم وجماله، فإذا افتقدها المفتى كان علمه كالبدن العاري من اللباس.
(1/62)

3- أن يستعف عما في أيدي الناس، فإنه إن أكل منهم شيئاً أكلوا من لحمه ودمه أضعافه.
4- أن يكون على جانب كبير من معرفة الناس فإنه إذا عدم ذلك تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه وراج عليه المكر والخداع والاحتيال فكان ما يفسده أكثر مما يصلحه.
5- أن يتوجه إلى الله تعالى ويتضرع إليه ويكثر من الدعاء والاستغفار ليلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد.
6- أن يتحرز ما أمكنه التحرز من نسبة الحكم إلى الله تعالى وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بنص يستند عليه في ذلك.
7- أن يستشير في فتواه من يثق بعلمه ودينه فإن عمر رضي الله عنه كان إذا نزلت به النازلة استشار من حضره من الصحابة، وربما جمعهم فشاورهم.
8- أن يعمل بعلمه فإن العمل هو ثمرة العلم وبدون العمل يكون علم الإنسان حجة عليه.
ومن آداب المستفتي:
1- أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة مطلقا وبالأخص مع المفتي فلا يفعل معه ما جرت عادة العوام به كإيماء بيده في وجهه ولا يقول له مالا ينبغي كأن يقول أفتاني غيرك بكذا ولا يسأله في حالة ضجر أو هم أو غضب ونحو ذلك.
2- أن لا يسأله عما لا يعنى ولا يكثر من الأسئلة إلى حد يسأم فيه المفتى ويمل.
هذا آخر ما يسر الله ذكره في هذه المذكرة ... والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
(1/63)