Advertisement

قبسات من الرسول



الكتاب : قبسات من الرسول
المؤلف : محمد قطب
الطبعة : الخامسة ـ 1398هـ قَبَسَاتٌ
مِنَ الرسول (
محمد قطب
مقدمة الطبعة الشرعية الخامسة
تصدر هذه الطبعة (عام 1398 ه) ونحن على مقربة من نهاية القرن الرابع عشر الهجري وبداية القرن الخامس عشر..
وما أحوجنا - في هذه الفترة الدقيقة من حياتنا - أن نراجع مسيرتنا خلال تلك القرون، على ضوء الكتاب والسنة، اللذين أخرجا من قبل " خير أمة أخرجت للناس " واللذين هما معيار خيرية هذه الأمة. فعلى قدر استقامتها عليهما تتحقق خيريتها، وعلى قدر انحرافها عنهما تظل تنحدر حتى تصير إلى ذلك الغثاء الذي تحدث عنه الرسول ( وهو يرى تلك الفترة العصيبة بنور الوحي: " يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا! إنكم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل.. "
واليوم تقوم - على هدي الكتاب والسنة كذلك - حركات بعث إسلامي في كل أرجاء العالم الإسلامي، يرجى أن تنقذ هذا الغثاء من وهدته، وتعيده (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).
فما أحوجنا أن نتعرف على كتاب ربنا الكريم، وما أحوجنا كذلك أن نقبس "قبسات من الرسول" ( نقوّم بها ما أعوج في حياتنا من خطوات..
وما زلت أرجو أن يصدر مزيد من الكتب والدراسات التي يتناول فيها الكتاب سيرة الرسول ( وأحاديثه بالطريقة التي تقربها لهذا الجيل، وتقرب هذا الجيل كذلك من الإسلام.
والله الموفق إلى ما فيه الخير
محمد قطب
مقدمة الكتاب
لا أحسب أحداُ من البشر نال من الحب والإعجاب ما ناله محمد رسول الله (.
(1/1)

فإن أتباعه المؤمنين لا يمنعهم من تقديسه شيء إلا نهي الله لهم أن يتوجهوا بالعبادة والتقديس لأحد سواه. ومع ذلك فإن درجة الحب التي يتوجهون بها إلى الرسول ( تكاد تفلت أحياناُ في قلوب بعض المسلمين فلا يمسكها هذا النهي إلا بجهد جهيد! وإن بعضهم لتصيبه حالات من الوجد في حب الرسول حتى لينسى نفسه، وتختلج مشاعره وقسمات وجهه، وتنهمر عيناه بالدموع، ثم لا يفيق من قريب! حتى بين " أجف " المسلمين قلباُ، وأغلظهم مشاعر (إن صح أنهم مسلمون مع ذلك!)، لن تجد منهم من لا يتوجه للرسول ( بالحب والتعظيم، ولو كان يعبد الله على حرف، ولا يقيم كثيراُ من قواعد الدين!
أما غير أتباعه فقد هاجمه كثير منهم، ومع ذلك فإن أغلبية عظيمة من هؤلاء لم تملك نفسها من الإعجاب بشخصه، بصرف النظر عن دينه، فقالوا عنه إنه رجل عظيم، وقالوا إنه يملك الصفات التي تحبب إليه الناس.
نعم.. لا أحسب أحداً من البشر نال من الحب والإعجاب ما ناله محمد رسول الله ( .
ومع ذلك فإني أحسب أن كثيراً من المسلمين، وخاصة في هذه الأعصر الحديثة، لا يقدرون الرسول حق قدره، حتى وهم يتوجهون إليه بالحب، بل حتى وهم ينحرفون بهذا الحب إلى لون من التقديس!
ذلك أنه حب سلبي لا صدى له في واقع الحياة!
وإن صورة الرسول ( في قلوب هؤلاء المسلمين لتعاني عزلة وجدانية عميقة.
إنه هنالك في أعمق أعماقهم. إنه روح نورانية شفيفة، إنه سنَى مشرق، إنه ومضات من النور الرائق والشعاع المتألق. إنه روح سارية في حنايا القلب وفي أنحاء الكون.. ومع ذلك فهو ليس حقيقة واقعة!
إنه حقيقة " صوفية " منعزلة في الوجدان، واصلة إلى آخر أعماقه، ولكنه ليس صورة حية متحركة في واقع الحياة، شاخصة بلحمها ودمها، وأفكارها ومشاعرها، وتنظيماتها وتوجيهاتها، وهدمها وبنائها، ومادياتها وروحانياتها سواء!
ولا شك أن لهذه العزلة أسباباً تاريخية...
(1/2)

ففي عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لم يكن الرسول ( منعزلاً في وجدان المسلمين.
كان المسلمون قريبي العهد به، ما زالوا يعيشون مع ذكراه الحية في نفوسهم، وصوره الشاخصة في مخيلتهم، في غدوه ورواحه، وحربه وسلمه، وعبادته وعمله. صورة متكاملة تشمل الحياة كلها في أعماق الضمير وفي واقع المجتمع على السواء.
ولكن قرب العهد لم يكن وحده السبب في إحساس المسلمين به حياً في نفوسهم، متكاملاً في مشاعرهم. وإنما كان إلى جانب ذلك سبب على أعظم جانب من الأهمية، هو امتداد تعاليم الرسول ومنهجه التربوي في تصرفات أبي بكر وعمر وطريقة سياستهما لأمور المسلمين.
لقد أحس المسلمون أن الرسول ( حي بتعاليمه ومنهجه، حتى وإن غابت ذاته الرفيعة عنهم في عالم الحس.
وما عالم الحس من واقع النفس؟
إن الأشياء لا تقاس بوجودها أو عدم وجودها في عالم الحس. وإنما تقاس بمقدار ما توجد في عالم النفس، وبالمساحة التي تشغلها من المشاعر والأفكار والسلوك.
ولا شك أن الرسول ( كان " موجوداً " في نفوس المسلمين على عهد أبي بكر وعمر، وعلى مدار الأجيال التي لم تره بعد ذلك، أضعاف أضعاف ما كان موجوداً في نفس أبي جهل أو غيره من المشركين، ممن رأوه رأي العين، وجالدهم وجالدوه، ولكنهم لم يؤمنوا به، ولم يقووا على حبه فأبغضوه.
وعلى هذا الأساس وحده نقيس وجود الرسول ( في نفوس المؤمنين وغير المؤمنين.
وعلى عهد الشيخين كانت الحياة كلها محكومة بتعاليم الإسلام وروحه، وكان الشيخان على قمة البشرية بعد محمد ( ، يتطلع الناس إليهما في تصرفاتهما، وسلوكهما، ومشاعرهما، وأفكارهما فيدركون القبس الخالد الذي يقبسان منه، ويرون الرسول ( رأي الواقع في قلبيهما الكبيرين، فيعيشون في ظلهما مع الرسول فوق ما يعيشون معه في ذكرياتهم الخاصة، ووجداناتهم التي كانت بدورها قد شحنت بتلك القبسات المشرقة من قبسات الرسول.
(1/3)

وجاء عثمان ( فسار في أول عهده على هدي الشيخين ما استطاع، ولكن رويداً رويداً أخذ نفوذ مروان بن الحكم ومنهجه يغلبان على الحكم، وعثمان ( تثقله السن. وبدأ المسلمون يحسون بافتراق الطريق. وبدأت الصورة المتكاملة للرسول ( تنحسر شيئاً فشيئاً إلى داخل النفوس، بعد أن كانت ملء النفوس وملء الحياة معاً وعلى نسق واحد.
وكلما انفرجت الشقة بين الواقع المشهود وبين تعاليم الرسول ( وتوجيهاته، زادت صورته انحساراً في نفوس المسلمين، حتى ينتهي الأمر إلى أن تصبح " مثالاً " متألقاً في أعماق الوجدان، لا صورة حية في العيان، مثالاً منعزلاً عن واقع الحياة، لا يحكمها ولا يرسم منهجها، ولا يتجه الشعور إليه لتسيير دفتها!
ولكن أجيالاً متطاولة مضت قبل أن تتم العزلة في صورتها العنيفة التي تقوم اليوم في قلوب المسلمين.
كان الحكم في البلاد الإسلامية - رغم بعده التدريجي عن روح الإسلام - يقوم باسم الإسلام!
وكان المجتمع إسلامياً رغم فساد الحكام!
نعم. لقد ظل المجتمع في الريف والمدن البعيدة عن العواصم إسلامياً قرابة ألف سنة، لا يتأثر بفساد الحكم، ولا تصل إليه العدوى من العاصمة المنحلة التي فيها القصور الماجنة، وصور الحياة الدنسة.
وكان الرسول ( لا يحكم في العاصمة، ولا يرسم سياسة المال، ولكنه كان يُحكِم الروابط بين قلوب المسلمين في الريف والمدن البعيدة، فتقوم بينها محبة الإسلام وتكافل الإسلام وتراحم الإسلام، في الوقت الذي كانت " البيئة الزراعية " المماثلة في أوربا تقوم على علاقة السادة والعبيد: سادة لهم الأمر كله والملك كله، وعبيد ليس لهم من الأمر شيء سوى العبودية المطلقة والانعدام الذليل.
(1/4)

في تلك الأثناء كانت بقية من صورته ( لم تنعزل بعد في وجدان المسلمين. ورغم أن المذاهب " الصوفية " كانت نشيطة في المجتمع الإسلامي كله في ذلك الوقت، والصوفية تجنح إلى العزلة عن الحياة والبعد عن مجالدتها، إلا أن هذه المذاهب قد أدت دوراً تاريخياً في منع المجتمع الإسلامي من التفكك، والإبقاء عليه مترابطاً " بأخوة " الصوفية كما أنها في غير قليل من الأحيان كانت تدخل معترك السياسة ولو من وراء ستار..
أما العزلة الكاملة الموحشة المرهوبة، فقد تمت وأحكمت حلقاتها حين بَعُدَ الحكم والمجتمع كلاهما عن الإسلام: اسمه وروحه، وصار الغرب هو الذي يحكم السياسة والمجتمع: باسمه الصريح حيناً، وعلى يد صنائعه النافرين من الإسلام حيناً آخر. وصار المجتمع الإسلامي صورة متحللة فاسدة من الأفكار الغريبة عن الحياة. لا هي إسلامية كما كانت، ولا هي نسيج واحد متميز، ولا تملك حتى القوة المادية التي يملكها الغرب، وإنما هي مسخ مشوه لا وحدة له ولا كيان.
عندئذ لم يعد الرسول ( " موجوداً " أصلاً في واقع الحياة. لم يعد كياناً حياً شاخصاً بلحمه ودمه، وأفكاره ومشاعره، وتنظيماته وتوجيهاته، ومادياته وروحانياته.. وانحصر وجوده في مشاعر الناس السلبية، في أعمق أعماقها.. في حالات الوجد والهيام.. أصبح صورة.. مجرد صورة مثالية. لا يمسكها إلا الحب العنيف أن تكون أسطورة محلقة في الخيال!
يا حسرة على العباد!
كيف جاز لهم أن يصنعوا ذلك؟ كيف جاز لهم أن يبددوا أكبر طاقة بشرية كونية في هذا الوجود، فينحسروا بها في عزلة عن الحياة؟! وهل رسول الله محمد ( هو الذي يصنع معه هذا الصنيع؟ الرسول الذي كان طاقة حية متحركة فعالة هادمة بناءة لا تكف لحظة عن النشاط؟ الرجل الذي كان كله حياة في واقع الأرض، يصبح معزولاً عن واقع الأرض؟! وممن! من أتباعه ومحبيه!
لو عاش ( في صومعته..
لو كان " فيلسوفاً " ممن ينشئون الأفكار ويعجزون عن التنفيذ..
(1/5)

لو كان ممن يحدثون عن " الأحلام " الجميلة و " المثل " الرفيعة ولا يبين لهم في واقع الأرض كيف تكون الطريق.
لو أنه كان " شاعراً " أو " كاهناً "...
لو أنه كان شيئاً من هذا كله لجاز للناس أن يعزلوه في وجدانهم، فيمنحوه الحب " النظري " والإعجاب المجرد، ثم.. لا يلتفتوا إليه وهم يواجهون عالم الواقع ويضربون في مناكب الأرض.
أما وهو الذي بين لهم كيف يضربون في مناكب الأرض.. أما وهو الذي أمسك المعول بيده فهدم الباطل أمام أعينهم وبنى بدله صرح الحق.. أما وهو الذي حارب معهم وأقام السلم.. وشيد بناء الدولة لهم لبنة لبنة حتى قام شاهقاً لا يطاوله بناء على الأرض.. وأكل معهم وشرب، وصحبهم وصحبوه، وعاش أمامهم كل لحظة من لحظات الحياة، وكل وجدان من وجداناتها وكل سلوك، ورأوه " يتصرف " في كل شأن من الشئون كبيرها وصغيرها، ليكون تصرفه سنة تحتذى، ويكون فيه أسوة حسنة للناس..
أما وهو هذا كله فأي جرم في تبديد هذه الطاقة البشرية الكونية الكبرى، وحصرها في داخل الوجدان؟!
وهل جاء محمد ( لينعزل في الوجدان، والدين الذي جاء به هو الدين الذي يأبى الانعزال في الوجدان؟!
إن أبرز سمة في هذا الدين أنه دين الظاهر والباطن على حد سواء. لا يرضى أن يكون الظاهر نظيفاً والباطن غير نظيف، فيصبح رئاء الناس. ولا يرضى أن يكون الباطن نظيفا ولا صدى له في الظاهر فيفقد مهمته ومعناه. إنه الدين الذي يجعل العمل عبادة.. ورسوله ( هو الرسول الذي ظل حياته كلها يتعبد بالعمل.. العمل المثمر النافع الظاهر للعيان.
فكيف جاز بعد هذا كله أن يتحول في قلوب المسلمين إلى مثال منعزل، ولو كان أرفع مثال على الأرض وأنبل مثال؟!
* * *
ولقد كان إحساسي بالرسول الكريم دائماً هو إحساسي بالواقع المجسم، لا بالخيال المحلق في الفضاء.
(1/6)

وكانت تهز وجداني هزاً عنيفا هذه الصورة المعروفة في كتب السيرة كلما قرأتها: " كان يمشي وكأنه يتقلع من الأرض... " وترتسم في خيالي صورة رائعة، حية شاخصة، ممتلئة بالحيوية، متوفزة النشاط.. عظيمة في هذا كله عظمة لا تحد. وانظر إلى الصورة التي تجسمت في خيالي فأرى النور الرائق الصافي يشع من أعماق روحه ( ، وينفذ إلى أعماق نفسي، ويغلبني الوجدان وأنا أنظر إلى هذه الروح الصافية العميقة الشفافة المشعة، ومع ذلك فلا تلبث صورته أن تتحرك.. وأراه ( يمشي وكأنه يتقلع من الأرض. أراه.. بمقدار ما تطيق روحي أن تصل إليه.. متحركاً يضرب في مناكب الأرض، ويشق طريقه في قوة وثبات وتمكن، ويقيم البناء كله لبنة لبنة.. وأراه في مواقفه النفسية الدقيقة العميقة، فأكاد ألمس النفس الجياشة المتحركة الدافقة. وأراه في لحظات تعبده، والنور يتألق من روحه ومن طلعته، فأحس كأن هذا النور يتحرك.. يتحرك ممتداً حتى يشمل الفضاء.
الحركة الحية المتوفزة هي في نفسي صورة الرسول (.
ومن ثم لا أحس بها منعزلة في الوجدان..
ثم أرى العزلة التي تعانيها صورته في وجدان المسلمين، فأعجب للناس كيف يحبونه كل هذا الحب، ثم لا يتدبرون حياته للقدوة والأسوة كما قال لهم ربهم في كتابه المبين؟!
* * *
وليس هذا كتاباً في سيرة الرسول ( !
وإنما هو جهد متواضع كل همي منه أن أحاول إخراج صورة الرسول من عزلتها الموحشة في قلوب المسلمين.
هدفي أن أقول للناس تدبروا بعض أقوال الرسول ( ، وانظروا كيف كانت كل كلمة يقولها منهج تربية ومنهج سلوك ومنهج تفكير ومنهج حياة..
إنها مختارات متفرقة من الأحاديث، أو " قبسات من الرسول " كما أسميتها، كل منها يصلح أن يكون أحد " مفاهيم " الإسلام، مفاهيمه الواقعية الضاربة في مناكب الأرض، المتلبسة بصميم الحياة.
(1/7)

وليست هذه المختارات استقصاء لكل المفاهيم، ولا استقصاء لكل ما قيل في أي من هذه المفاهيم. وإنما هي مجرد مختارات كتبتها كما خطرت ببالي، وحسبي منها أن تفتح الطريق.
اللهم وفقني.. وأوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ.. إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير...
فليغرسها
"إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها فله بذلك أجر"[1].
ولعل آخر ما كان يدور في ذهن السامعين أن يقول لهم الرسول ( ذلك الحديث!
ولعلهم توقعوا أن يقول لهم الرسول الذي جاء ليذكر الناس بالآخرة، ويحثهم على العمل لها، ويدعوهم إلى تنظيف ضمائرهم وسلوكهم من أجل اليوم الأكبر: يوم الحساب الذي تدان فيه النفوس.. لعلهم توقعوا أن يقول لهم: فليسرع كل منكم فليستغفر ربه عما قدمت يداه، وليتوجه لله بدعوة خالصة أن يميته على الإيمان ويقبل توبته ويبعثه على الهدى.. ولعلهم توقعوا أن يقول لهم: أسرعوا فانفضوا أيديكم من تراب الأرض.. وتطهروا. اتركوا كل أمور الدنيا وتوجهوا بقلوبكم إلى الآخرة. انقطعوا عن كل ما يربطكم بالأرض. اذكروا الله وحده. توجهوا إليه خالصين من كل رغبة في الحياة، حتى إذا ذهبتم إلى ربكم، ذهبتم وقد خلصت نفوسكم إليه، فيقبل أوبتكم ويظلكم بظله، حيث لا ظل إلا ظله.
ولو قال لهم ذلك فهل من عجب فيه؟!
أليس الطبيعي وقد تيقن الناس من القيامة أن ينصرفوا للحظة المرهوبة؟
أليس الطبيعي والهول المهول على الأبواب أن ينسلخ الناس من كل وشيجة تربطهم بالأرض، ويتطلعوا في رهبة الخائف وذهول المرتجف إلى قيام اليوم الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد؟!
(1/8)

فإذا قال لهم الرسول (: لا تقفوا مذهولين مرجوفين مرعوبين، ولكن توجهوا إلى الله أن ينقذكم من هذا الكرب العظيم، أخلصوا له الدعاء فهو قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه. ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. هلموا تطهروا، وصلوا إلى الله خاشعين..
إذا قال لهم الرسول ذلك وضع البلسم الشافي على الأرواح المكلومة. وقد وضع يده الحانية يربت بها على النفوس المهتزة المزلزلة الراجفة فتطمئن. وقد فتح الكوة التي يطل منها على القلوب المكفهرة المذعورة بصيص الأمل والأمن والرجاء..
ولكن رسول الله ( لم يقل شيئاً من ذلك كله الذي توقعه السامعون.
بل قال لهم أغرب ما يمكن أن يخطر على قلب بشر!
قال لهم: إن كان بيد أحدكم فسيلة فاستطاع أن يغرسها قبل أن تقوم الساعة فليغرسها.. فله بذلك أجر!
يا ألله! يغرسها؟! وما هي؟ فسيلة النخل التي لا تثمر إلا بعد سنين؟ والقيامة في طريقها إلى أن تقوم؟ وعن يقين؟!
يا الله! لن يقول هذا إلا نبي الإسلام خاتم النبيين!
الإسلام وحده هو الذي يمكن أن يوجه القلوب هذا التوجيه، ونبي الإسلام وحده هو الذي يمكن أن يهتدي هذا الهدي، ويهدي به الآخرين!
وهذا تاريخ الأرض كلها.. ليس فيه مثل هذه القبسة من قبسات الرسول!
* * *
وهي كلمة بسيطة لا غموض فيها، ولا صنعة، ولا " تفنن ". كلمة - رغم غرابتها لأول وهلة، وبدهها للفكر على غرة - تخرج بسيطة كبساطة الفطرة، عميقة كعمق الفطرة، شاملة واسعة فسيحة، تضم بين دفتيها منهج حياة.. منهج الحياة الإسلامية.
كم من معنى تستخلصه النفس من الكلمات البسيطة العميقة في آن.
أول ما يخطر على البال هو هذه العجيبة التي يتميز بها الإسلام: أن طريق الآخرة هو طريق الدنيا بلا اختلاف ولا افتراق!
إنهما ليسا طريقين منفصلين: أحدهما للدنيا والآخر للآخرة! وإنما هو طريق واحد يشمل هذه وتلك، ويربط ما بين هذه وتلك.
(1/9)

ليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة. وطريق للدنيا اسمه العمل!
وإنما هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة. وهو طريق لا يفترق فيه العمل عن العبادة ولا العبادة عن العمل. كلاهما شيء واحد في نظر الإسلام. وكلاهما يسير جنباً إلى جنب في هذا الطريق الواحد الذي لا طريق سواه!
العمل إلى آخر لحظة من لحظات العمر. إلى آخر خطوة من خطوات الحياة! يغرسها والقيامة تقوم تقوم هذه اللحظة. عن يقين!
وتوكيد قيمة العمل، وإبرازه والحض عليه، فكرة واضحة شديدة الوضوح في مفهوم الإسلام. ولكن الذي يلفت النظر هنا ليس تقدير قيمة العمل فحسب، وإنما هو إبرازه على أنه الطريق إلى الآخرة الذي لا طريق سواه.
وقد مرت على البشرية فترات طويلة في الماضي والحاضر، كانت تحس فيها بالفرقة بين الطريقين. كانت تعتقد أن العمل للآخرة يقتضي الانقطاع عن الدنيا، والعمل للدنيا يزحم وقت الآخرة!
وكانت هذه الفرقة بين الدنيا والآخرة عميقة الجذور في نفس البشرية، لا تقف عند هذا المظهر وحده، وإنما تتعداه إلى مفاهيم أخرى تتصل بالكيان البشري في مجموعه.
فالدنيا والآخرة مفترقتان.
والجسم والروح مفترقان.
والمادي يفترق عن " اللامادي ".
والفيزيقا - بلغة الفلاسفة - تفترق عن الميتافيزيقا.
والحياة العملية تفترق عن الحياة المثالية أو عن مفاهيم الأخلاق. إلى آخر هذه التفرقات التي تنبع كلها من نقطة واحدة، هي التفرقة بين الدنيا والآخرة، أو بين الأرض والسماء. وحين تعيش البشرية على هذه الفكرة المفرقة الموزعة، تعيش ولا جرم في صراع دائم محير مضلل. تعيش موزعة النفس منهوبة المشاعر. لا تحس بوحدة تجمع كيانها، أو رابط يربط أشتاتها. فلا تعرف الراحة ولا تعرف السلام.
والفرقة بين الأهداف المتعارضة شقوة قديمة وقعت فيها البشرية وما تزال واقعة.
(1/10)

وقد كانت تؤدي في القديم إلى عزلة بعض الناس وتنسكهم، وتكالب آخرين على الحياة يجعلونها همهم الأوحد، ينتهبون ما فيها من متعة قبل وقت الفوات، فتملكهم شهواتهم ولا يملكون نفسهم منها، وتقتلهم في نهاية الأمر.. يستوي أن توردهم موارد الحتف، أو تشقيهم بالتعلق الدائم الذي لا يهنأ ولا يستقر.
وما تزال هذه الفرقة تؤدي إلى نتائجها تلك في العالم الحديث. ولكنها تزيد في " مدنيتنا " الحاضرة حتى تبلغ مبلغ الجنون! وحالات الهستريا، وضغط الدم واضطراب الأعصاب، والجنون الكامل، والانتحار.. تتزايد في ظل الحضارة الحديثة إلى درجة خطرة تؤذن بتدمير الطاقة البشرية وتفتيتها، وهي صدى لتلك الفرقة التي توزع النفس الواحدة في وجهات شتى ثم لا تربط بينها برباط [2].
والكيان النفسي بحكم فطرته التي فطره الله عليها.. وحدة.
وحدة تشمل الجسم والعقل والروح. تشمل " المادة " و " اللامادة " تشمل شهوات الجسد ورغبات النفس وتأملات العقل وسبحات الروح. تشمل نزوات الحس الغليظة وتأملات الفكر الطليقة ورفرفات الروح الطائرة.
ولا شك أن جزئيات هذا الكيان متعارضة، وأن كلاً منها جانح في اتجاه..
ذلك إذا تركت وشأنها، ينبت كل نابت منها على هواه!
ولكن العجيبة في هذا الكيان البشري، عجيبة الفطرة التي فطره الله عليها، أن هذا الشتات النافر المنتثر، يمكن أن يجتمع، يمكن أن يتوحد، يمكن أن يترابط، ثم يصبح - من عجب - في وحدته تلك وترابطه، أكبر قوة على الأرض! ذلك حين تقبس الذرة الفانية من حقيقة الأزل الخالدة، فتشتعل وتتوهج، وتصبح طليقة، كالنور.. تمتزج فيها المادة واللامادة فهما سواء!
والطريق الأكبر لتوحيد هذا الشتات النافر المنتثر، وربطه كله في كيان، هو توحيد الدنيا والآخرة في طريق!
عندئذ لا تتوزع الحياة عملاً وعبادة منفصلين. ولا تتوزع النفس جسماً وروحاً منفصلين. ولا تتوزع الأهداف عملية ونظرية، أو واقعية ومثالية لا تلتقيان!
(1/11)

حين يلتقي طريق الدنيا بطريق الآخرة، وينطبقان فهما شيء واحد، يحدث مثل هذا في داخل النفس، فتقترب الأهداف المتعارضة. ويلتقي الشتات المتناثر، ثم ينطبق الجميع فهو شيء واحد. وتلتقي النفس المفردة - بكيانها الموحد - تلتقي بكيان الحياة الأكبر، وقد توحدت أهدافه وارتبط شتاته، فتتلاقى معه، وتستريح إليه، وتنسجم في إطاره، وتسبح في فضائه كما يسبح الكوكب المفرد في فضاء الكون لا يصطدم بغيره من الأفلاك، وإنما يربطها جميعاً قانون واحد شامل فسيح.
والإسلام يصنع هذه العجيبة!
ويصنعها في سهولة ويسر!
يصنعها بتوحيد الدنيا والآخرة في نظام.
(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) [3].
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [4].
وقد كان الرسول ( الترجمة الكاملة الصادقة للحقيقة الإسلامية. ومن ثم كانت الدنيا والآخرة في نفسه طريقاً واحداً ونهجاً واحداً و " حسبة " واحدة.
أي عمل من أعماله ( لم يكن مقصوداً به وجه الله والآخرة؟
واي لحظة كف ( عن العمل في الدنيا، والعمل لإصلاح الأرض؟
حتى الصلاة.. ألم يكن صلوات الله وسلامه عليه يستعين فيها الله أن يمكنه من أداء رسالته على الوجه الأكمل، ورسالته هي هداية الناس في الأرض، ليعرفوا الله واليوم الآخر؟!
حلقة واحدة لا تنقطع: العمل والعبادة، والدنيا والآخرة، والأرض والمساء!
(1/12)

والرسول ( هو القدوة والأسوة الحسنة، وهو واضع المنهاج العملي لتحقيق الإسلام في عالم الواقع. والرسول ( لم يعتزل الناس ليتطهر لربه في معزل. فعباداته يقضيها أمامهم ومعهم وهم في صحبة منه. فإذا كان يخلو إلى ربه في جنح الليل يتعبد، فكل نفس بشرية تهفو إلى الخلوة حيناً من الوقت، وكل نفس تملك أن تصفو في هذه الخلوة فوق ما تصفو في حضرة الآخرين. ولكن المهم أنه في أعمق خلواته وأصفاها لا ينسى أنه رسول الله، المكلف بأداء رسالة الله.
والرسول يحارب في سبيل الله. ويسالم في سبيل الله. ويدعو الناس إلى سبيل الله. ويأكل باسم الله. ويتزوج على سنة الله. ويهدم ويبني، ويحطم وينشئ، ويهاجر ويتوطن.. كل ذلك في سبيل الله، واليوم الآخر، يوم يلقى الله. فكل عمله إذن عبادة يتوجه بها إلى الله. والطريق أمامه طريق واحد.. هو الطريق إلى الله...
وهو يسير في هذا الطريق الأوحد الذي لا طريق غيره، يسير قدماً لا يتلفت ولا يتحول.. ولا يكف عن المسير..
إلى آخر لحظة من حياته ( كان يسير في الطريق.
كان يعمل في الدنيا وهو يبغي الآخرة، ويعمل للآخرة بالعمل في الأرض.
حتى حين نزلت الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً) وأحس عمر ( أنها النهاية فدمعت عيناه.. حتى في مرض الموت.. حتى في اللحظة الأخيرة لم يزايله انشغاله بأمور الدنيا.. بأمور الناس.. بإصلاح الأرض.. بهداية البشرية.. برسم المنهج الذي يسيرون عليه.. بتوطيد أركان الدين وتوثيق عراه..
وكان يقول والوجع يشتد عليه ( " إيتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً.. ".
كانت في يده الفسيلة وكان يغرسها..
ولم يدع يديه منها ( حتى فاضت روحه الكريمة الطاهرة إلى مولاه..
* * *
وإن في ذلك لدرساً يقتدي فيه المسلمون بنبيهم، ويهدون به البشرية الضالة إلى سواء السبيل.
يتعلمون أن يربطوا طريق الدنيا بطريق الآخرة.
(1/13)

يتعلمون أن الدين ليس عزلة عن الحياة، وإنما هو صميم الحياة. ليس عزلة عن تيار الحياة الصاخب المضطرب فلا يركبون فيه مركبهم مع الراكبين.
وأنهم لا يرضون ربهم ولا يخدمون دينهم إذا أحسوا أنه ينبغي عليهم أن ينسوا الله والدين إذا دخلوا معترك الحياة وعملوا لإصلاح الأرض.
لن يرضوا الله ولن يخدموا الدين إذا دخلوا المدرسة أو الجامعة أو المعمل أو المصنع أو المتجر وفي حسابهم أنهم الآن يعملون للأرض ويعملون للدنيا، وأنهم في لحظة أخرى حين يفرغون من عمل الأرض سيعودون - إذا عادوا - إلى الله، فيعبدونه ويتوجهون إليه!
كلا! ليس ذلك من الإسلام!
إنما الإسلام أن يأكلوا باسم الله، ويتزوجوا باسم الله، ويتعلموا باسم الله وفي سبيل الله، ويعملوا وينتجوا ويتقووا ويستعدوا.. في سبيل الله. لا تشغلهم الدنيا عن الآخرة، ولا الآخرة عن الدنيا، لأنهما طريق واحد لا يفترقان.
وحين يتعلم المسلمون ذلك: حين يتعلمون أنهم إذا درسوا الطاقة الذرية واستخدامها في السلم والحرب يمكن أن يكونوا متصلين بالله وفي سبيل الله. حين يتعلمون أنهم وهم يدرسون النظم السياسية والاقتصادية والإصلاح الاجتماعي، أو يطبقونها على الناس وهم يسوسون أمورهم، يمكن أن يكونوا متصلين بالله وفي سبيل الله. حين يتعلمون أنهم وهم في خلوتهم مع أزواجهم يحققون هدف الحياة الأكبر، يمكن أن يذكروا اسم الله ويكونوا في سبيل الله..
حين يتعلمون أن عملاً واحداً من أعمال الأرض الكثيرة المتفرقة لا يمكن أن يخرج عن الطريق إلى الآخرة إذا أقدم عليه الإنسان وهو مسلم مؤمن بالله متوجه إلى الله..
بل حين يتعلمون أنه لا يمكنهم أن يخدموا الآخرة إلا بإصلاح الدنيا، ولا يصلوا للآخرة إلا عن طريق الأرض، وأن عليهم أن يظلوا إلى آخر لحظة من حياتهم يعمرون الأرض ويغرسون فسائلها، وإلا فلن يصلوا إلى رضوان الله..
حين ذلك يكونون مسلمين حقاً..
(1/14)

وحين ذلك يكونون قدوة للأمم كلها على سطح الأرض، كما كان الرسول ( هو قدوتهم.
(لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ).
عندئذ يكون لديهم ما يعلمونه للعالم كله، وللغرب المفتون خاصة. الغرب الذي أصابه الجنون فقام بحربين متواليتين في ربع قرن، وهو اليوم يستعد لتدمير الأرض!
يستطيعون أن يقولوا للناس في كل الأرض: لقد ألغيتم " الله " من حسابكم لأنكم ظننتم أنه يعوّقكم عن تعمير الأرض، وعن تعلم العلم، وعن استغلال طاقة الأرض، وعن الاستمتاع بالحياة!
ولكنه في الواقع ليس كذلك!
إنه يدعو إلى كل هذا الذي تهفون إليه: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) وإنما يريد فقط أن توحدوا طريقكم، فلا تجعلوا طريقاً للدنيا وطريقاً للآخرة منفصلتين، وإنما طريق واحدة للدنيا والآخرة، هي الطريق إلى الله.
* * *
وليس هذا هو الدرس الوحيد الذي نتعلمه من هذا الحديث العجيب.
فلا يأس مع الحياة!
والعمل في الأرض لا ينبغي أن ينقطع لحظة واحدة بسبب اليأس من النتيجة!
فحتى حين تكون القيامة بعد لحظة، حين تنقطع الحياة الدنيا كلها، حين لا تكون هناك ثمرة من العمل.. حتى عندئذ لا يكف الناس عن العمل وعن التطلع للمستقبل، ومن كان في يده فسيلة فليغرسها!
إنها دفعة عجيبة للعمل والاستمرار فيه والإصرار عليه!
لا شيء على الإطلاق يمكن أن يمنع من العمل!
كل المعوقات.. كل الميئسات.. كل " المستحيلات ".. كلها لا وزن لها ولا حساب.. ولا تمنع عن العمل.
وبمثل هذه الروح الجبارة تعمر الأرض حقاً وتشيد فيها المدنيات والحضارات.
(1/15)

كل ما في الأمر أن الإسلام وهو يدعو لتعمير الأرض، والعمل في سبيلها، لا ينحرف بالأفكار والمشاعر عن طريق الله وطريق الآخرة، لأنه لا يفصل بين الدنيا والآخرة، ولا بين الحياة العملية و " الأخلاق ". إنه لا يقول - كما يقول الغرب المنحرف - فلأعمر الأرض، ولا يعنيني أن ترتفع أخلاق الناس أو تهبط، فللعمل مقاييس وللأخلاق مقاييس! لا تهمني أخلاق الرجل ما دام " إنتاجه " يعجبني! فهذه النظرة المبتسرة الهابطة لا تلبث أن تدمر في لحظة ما بنته في أجيال. وأن تحيل العمار كله إلى خراب! بل إن هذه النظرة المبتسرة الهابطة لتوزع النفوس والأفكار بين الخير والشر، وبين الواقع والمثال، فتكون النتيجة القريبة هي الأمراض العصبية والجنون والانتحار، وذلك وحده تدمير للنفوس وتبديد للطاقة، ولو لم يحدث الدمار الشامل والخراب الرهيب.
وقد كان المسلمون وهم يؤمنون بدينهم ويعملون به يبنون أروع حضارات الأرض وينشئون أرفع مفاهيمها.. ولا ينحرفون عن طريق الله.
كانت طاقة " العمل " تدفعهم للإنشاء والتعمير، والفتح والانسياح في الأرض، فبلغوا في لمحة خاطفة من الزمن ما لم يبلغه غيرهم في قرون، وأقاموا في كل مكان مثلاً للعدالة الإنسانية كانت - وما تزال - غريبة على البشرية، ينظرون إليها كما ينظرون للأحلام والأساطير.
حين أعاد أبو عبيدة الجزية لأهل الشام يوم علم باحتشاد جيش الروم وخشي ألا يقدر على حمايتهم، وقال لهم: " إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع. وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك. وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم ".
(1/16)

حين صنع ذلك كان يقوم بإحدى المعجزات التي أنشأها الإسلام على وجه الأرض. يعمل. ويجتهد في عمله إلى أقصى الغاية، ويضرب في مناكب الأرض. ويحارب ويغزو. ولا ينسى الله لحظة واحدة في ذلك كله ولا يفترق طريقه في الدنيا عن طريقه إلى الآخرة، لأنه يعمل ذلك كله في سبيل الله.
وحين تم النصر لصلاح الدين في الحروب الصليبية وأمكنه الله من أعداء دينه الذين غدروا من قبل بعهد الله، وذبحوا المسلمين داخل البيت المقدس، واعتدوا بغلظة ووحشية على كل حرمات البشرية.. لم يثأر لنفسه، ولم يمثل بهم، ولم يعمل في رقابهم السيف - وهو مأذون بذلك من كل شرائع السماء والأرض معاملةً بالمثل - بل صفح وعفا، وارتفع على نفسه وعلى النفس " البشرية " كلها..
حين ذلك كان يقوم بمعجزة أخرى من معجزات الإسلام.. يعمل ويعمل.. ولا ينسى الله، ولا يفترق طريقه في الأرض عن طريقه إلى الآخرة.
وبذلك كان الإسلام فذاً في التاريخ..
وكان البناء الذي بناه الإسلام فريداً بالرغم مما أصابه من ضربات من الداخل ومن الخارج على السواء.
لقد كان المسلمون يقتدون برسولهم وهو يحثهم على العمل لتعمير الأرض، وغرس ما في أيديهم من فسائل تثمر حين يشاء لها الله، وإنما عليهم فقط أن يغرسوها، ويمضوا إلى غيرها يغرسون في مكان جديد! ويقتدون به فيغرسون به ما يغرسون من نبتات الخير في كل مكان، وهم يتجهون إلى الله وحده وإلى الآخرة. لا تدفعهم مطامع الأرض المنبتة عن طريق الله، ولا شهوات النفس المنبتة عن تقوى الله.
وبذلك تميزوا وسادوا، وكانوا النور المشرق في ظلمات الأرض، والقدوة في كل سوك وكل عمل وكل علم وكل نظام. وأوربا في ظلمة الجاهلية تأكلها الفرقة والحروب والتأخر والانحطاط.. حتى قبست قبسات من الإسلام في الحروب الصليبية، فأفاقت من غفوتها وبدأت " تنهض ".. ولكن على غير طريق الله وطريق الآخرة.. ومن ثم لا تقوم إلا كمن يتخبطه الشيطان من المس.. تنطلق كالمجنون والهوة في آخر الطريق.
(1/17)

وإن أمام المسلمين الكسالى اليوم قدوة في رسول الله تنفعهم إذا فتحوا لها بصائرهم وتدبروا معانيها. إن عليهم أن يعملوا دائماً ولا يكلّوا.. يعملوا جهد طاقتهم، وفوق الطاقة ليعوضوا القعود الطويل. يعملوا في كل ميدان من ميادين العمل: في ميدان العلم وميدان الصناعة وميدان التجارة وميدان الاقتصاد وميدان السياسة وميدان الفن وميدان الفكر..
يعملوا ولا يقولوا: ما قيمة العمل؟ وماذا يمكن أن نصل إليه؟
يغرسوا الفسيلة ولو كانت القيامة تقوم اللحظة. فإنما عليهم أن يعملوا، وعلى الله تمام النجاح!
* * *
والدعاة خاصة لهم في هذا الحديث درس أي درس!
فالدعاة هم أشد الناس تعرضاً لنوبات اليأس، وأشدهم حاجة إلى الثبات!
قد ييأس التاجر من الكسب، ولكن دفعة المال لا تلبث أن تدفعه مرة أخرى إلى السير في الطريق.
قد ييأس السياسي من النصر، ولكن تقلبات السياسة لا تلبث أن تفتح له منفذاً فيستغله لصالحه.
قد ييأس العالم من الوصول إلى النتيجة.. ولكن المثابرة على البحث والتدقيق كفيلة أن توصله إلى النهاية.
كل ألوان البشر المحترفين حرفة معرضون لليأس، وهم في حاجة إلى التشجيع الدائم والحث الطويل، ولكنهم مع ذلك ليسوا كالدعاة في هذا الشأن، فأهدافهم غالباً ما تكون قريبة، وعوائقهم غالباً ما تكون قابلة للتذليل.
وليس كذلك المصلحون.
إنهم لا يتعاملون مع المادة ولكن مع " النفوس " والنفوس أعصى من المادة، وأقدر على المقاومة وعلى الزيغ والانحراف.
والسم الذي يأكل قلوب الدعاة هو انصراف الناس عن دعوتهم، وعدم الإيمان بما فيها من الحق، بل مقاومتها في كثير من الأحيان بقدر ما فيها من الحق، وعصيانها بقدر ما فيها من الصلاح!
عندئذ ييأس الدعاة.. ويتهاوون في الطريق.
إلا من قبست روحه قبسة من الأفق الأعلى المشرق الطليق. إلا من أطاقت روحه أن يغرس الفسيلة ولو كانت القيامة تقوم اللحظة عن يقين!
* * *
(1/18)

الدعاة أحوج الناس إلى هذا الدرس. أحوج الناس أن يتعلموا عن الرسول ( هذا التوجيه العجيب الذي تتضمنه تلك الكلمات القليلة البسيطة الخالية من الزخرف والتنسيق.
هم أحوج الناس أن يقبسوا من قبسات الرسول هذه اللمحة المضيئة الكاشفة الدافعة الموحية، فتنير في قلوبهم ظلمة اليأس، وتغرس في نفوسهم نبتة الأمل، كما تغرس الفسيلة في الأرض لتثمر بعد حين.
إنه يقول لهم: ليس عليكم ثمرة الجهد، ولكن عليكم الجهد وحده، ابذلوه ولا تتطلعوا إلى نتائجه!
ابذلوه بإيمان كامل أن هذا واجبكم وهذه مهمتكم، وأن واجبكم ومهمتكم ينتهيان بكم هناك، عند غرس الفسيلة في الأرض، لا في التقاط الثمار!
وهو إذ يقول لهم ذلك لا يغرر بهم ولا يضحك عليهم! إنما يقول لهم الشيء الواحد الصواب!
فحين تسأل نفسك: متى تثمر الفسيلة وكيف تثمر، وحولها الرياح والأعاصير والشر من كل جانب؟
وحين يصل بك التفكير إلى أن تطرح الفسيلة جانباً وتنفض منها يديك.. حينئذ كيف تثمر؟ وأنَّى لها أن تعيش؟
أما قتلتها أنت حين أفلتّها من يديك؟
ولكنك حين تغرسها في الأرض وترفع يديك لله بالدعاء.. حينئذ تكون أودعتها مكانها الحق، وعهدت بها إلى الحق الذي يرعاها ويرعاك.
ولا يشغلك أن تسأل: متى تكون الثمار؟! ليس هذا من عملك أنت. لست مهيمناً على الأقدار. وليس لك علم الغيب. و لا في طوقك - لو علمته - أن تمسك نفسك من الدوار!
ومن تكون أنت في ملك الله الواسع الفسيح الذي لا حد له ولا انتهاء؟!
وإنما أنت أنت: مخلوق حي متحرك له كيان وله وزن وقوة ومكان في تاريخ الأرض، حين تقبس روحك قبسة من صانع الأرض وصانع الكون، وصانعك أنت من بين هذا الكون الكبير.
أفلا تدع له إذن كصيرك مطمئناً إليه؟ أو لا تدع له كذلك هذه الفسيلة التي غرستها يرعاها لك ويطلع لها الثمار؟! أو لا تكتفي بدورك المطلوب منك في الملكوت الهائل الفسيح، وتحمد الله أن لم يحمّلك سوى دورك هذا المحدود الميسور؟!
(1/19)

وحين تصنع ذلك تطلع الثمار!
لا عجب في ذلك ولا سحر!
وإنما أنت تؤدي دورك وتمضي، فيجيء غيرك فيعجب بك وما صنعت، فيحبك، فيذهب يتعهد فسيلتك التي غرست، فتنمو، وتطلع الثمار.
وقد تكون " سعيداً " بمقاييس الأرض، فترى الثمرة وأنت حي في عمرك المحدود.
وقد تمضي قبل أن ترى الثمار..
ولكن أين تمضي؟ هل تمضي لأحد غير الله، إلى جوار غير جوار الله؟
فماذا إذن عليك حين تصل إلى هناك، أن تكون قد رأيت الثمرة هنا، أو تراها وأنت هناك؟ كلا! إنهما في النهاية سيان.
وإنما ترضى وأنت في جوار ربك أنك غرست الفسيلة في الأرض ولم تدعها من يدك يقتلها اليأس والإهمال.
* * *
ليست إذن دعوة في الخيال حين يقول الرسول ( للناس: إن كان في يد أحدكم فسيلة فليغرسها.
وإنما هي صميم دعوة الحق. الحق الواقع في الأرض، المشهود على مدار التاريخ.
والدعاة في كل الأرض أحوج الناس إليها حين تضيق بهم السبل ويصل إلى قلوبهم سم اليأس القتال.
وهم أولى الناس أن يتدبروا سيرة الرسول نفسه.
لقد كان يغرس الفسيلة وهو ما يدري ما يكون بعد لحظات!
قد تأتمر به قريش فتقتله.
قد يهلك جوعاً في الشعب هو ومن معه من المؤمنين.
قد يلحق به الكفار وهو في طريقه إلى الغار فلا يكون ثمة غد.. أو تكون القيامة بعد لحظة.. ومع ذلك يغرس الفسيلة، ويتعهدها بالرعاية حتى يؤذن الله بالثمار، وهو مطمئن دائماً إلى الله ما دام يؤدي الواجب المطلوب.
ذلك هو المثل الذي يحتاج الدعاة إلى أن يقتدوا به حين يدعون إلى الإصلاح.
من كان في يده فسيلة فليغرسها!
ولا يسأل نفسه: كيف تنمو وحولها الرياح والأعاصير والشر من كل جانب؟
لا يسأل نفسه، فليس ذلك شأنه..
فليدع ذلك لله
ولتطلب نفسه أنه أودعها مكانها الحق، وعهد بها إلى الحق الذي يرعاها ويرعاه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1/20)

[1] ذكره علي بن العزيز في المنتخب بإسناد حسن عن أنس رضي الله عنه. " عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني، باب الحرث والزراعة ".
[2] جاء في إحصاء طبي أن عشرة في المائة من الأمريكيين مصابون بالصداع الدائم كمرض، أي أنه ليس الصداع الطارئ الذي تشفيه المسكنات، وإنما هو صداع دائم لا يشفى! ثم قال التقرير إن هذه النسبة آخذة في الارتفاع.
[3] سورة القصص [ 77 ].
[4] سورة الأعراف [ 32 ].
طلب العلم فريضة
" طلب العلم فريضة على كل مسلم " [5].
العلم.. هذا النور الذي يهدي الله به في مسالك الأرض، وينير لهم السبيل: " إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة" [6].
العلم.. تلك النافذة الضخمة المفتوحة على " المجهول " والشعاع النافذ إلى الظلمات.
العلم.. تلك الطاقة الهائلة التي يمد بها الإنسان حياته، ويوسع كيانه، فلا ينحصر في ذات نفسه، ولا ينحصر في واقعه الضيق القريب، ولا ينحصر في جيله الذي يعيش فيه. بل لا ينحصر في محيط الأرض. وإنما يشمل هذا كله ويزيد عليه، فينفذ إلى الماضي، ويحاول أن يفهم المستقبل على ضوء الحاضر، ويرقب الكون على اتساعه من خلال مناظيره ونظرياته.. وينطلق.. كما تنفلت " المادة " المحسوسة من نطاقها الضيق وتصبح شعاعاً يدور في الآفاق.. " الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء..
وبه يعرف الحلال من الحرام. وهو إمام العمل والعمل تابعه.. " [7].
العلم.. تلك المنحة الربانية العجيبة التي منحها الله للإنسان، وكرّمه بها وفضّله. وهي إحدى معجزات الخلق. نمر بها غافلين لأننا تعودناها!
(1/21)

ولا نفتح أفواهنا من العجب، ولا تخفق قلوبنا من البهر إلا حين يقع العلم على سر هائل من أسرار الكون، أو يفتح باباً جديداً على المجهول.. مع أن المعجزة في الصغير والكبير سواء! كشأن " الحياة " تُعجز في الخلية المفردة كما تعجز في أعقاد الأحياء!
هذا العلم.. لقد كان الإسلام حرياً أن يحتفل به ويعظمه، وهو الذي يحتفل بطاقات الحياة كلها ويعظمها، وهو الذي يوجه القلوب لكل منحة منحها الله، وكل آية من آيات الله..
ولقد كان الرسول ( حرياً أن يحث على العلم ويرفع منزلته، وهو الذي نزل عليه الوحي فعلمه: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) فذاق حلاوة العلم، وتفتحت له به الآفاق. ثم هو الذي يتلو من هذا الوحي:
(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)! [8].
ولكن التعبير الذي استخدمه الرسول ( وهو يحث على العلم، يظل عجيباً مع هذا كله، وتظل له دلالاته الخاصة وإيحاءاته الخاصة، وتوجيهاته التي لا تصدر إلا عن رسول، وصول بالله، واصل إلى حماه!
طلب العلم " فريضة "!
هذه الكلمة المفردة تشع وحدها أمواجاً من النور، وتفتح وحدها آفاقاً من الحياة.
فريضة.. فلننظر ما تعني الفريضة في قلوب المؤمنين.
إنها أولا ً: واجب مفروض على الإنسان أن يؤديه. لا يجوز أن تشغله عنه المشاغل. ولا أن تقعده العقبات.
وهي ثانياً: واجب يؤديه الإنسان إلى الله ويتعبد به إليه، ومن ثم فهو يؤديه بأمانة. ويؤديه بنظافة. ويؤديه بإخلاص.
وهي ثالثاً: عمل يقرب العبد إلى الرب، فكلما قام الإنسان بهذه الفريضة، أو بهذه العبادة، أحس أنه يقترب من الله. فيزداد به إيماناً وتعلقاً، ويزداد له خشية وحباً، ويزداد إحساساً بالرضا في رحابه، والشكر على عطاياه.
تلك بعض معاني " الفريضة " في القلب المؤمن. وتلك كانت معاني " العلم " في نفوس المسلمين!
* * *
(1/22)

لم يشعر المسلمون قط أن الدنيا تنفصل في إحساسهم عن الآخرة أو أن الدين ينفصل عن الحياة.
وبهذه الروح الشاملة الواصلة - التي وجههم لها الله ورباهم عليها رسوله - كانوا يأخذون شئون الحياة كلها، من عمل وعبادة، وأفكار ومشاعر، وشريعة ونظام..
وبهذه الروح الشاملة الواصلة ذاتها كانوا يأخذون العلم.. على أنه " فريضة " تصل الأرض بالسماء، وتصل العمل بالعقيدة، وتصل " المعرفة ".. بالله.
كان للعلم في " عقولهم " هذا المدلول الشامل.. فهو ليس علم الأرض وحدها. وليس علم السماء وحدها. وليس علم النظريات وحدها أو علم التطبيقات. ولكنه ذلك كله، مشمولاً بالعقيدة ومرتبطاً بالله.
ومن ثم امتدت " العلوم " في نظرهم حتى شملت المعرفة كلها. فمنها علوم الدين من فقه وشريعة وتوحيد وكلام. ومنها علوم اللغة. وعلوم الفلك والطبيعة والكيمياء والرياضيات.. إلى آخر ما كان معروفاً يومئذ من العلوم.
ولم يكن العرب - قبل الإسلام - أمة علم، ولم يكن تراثهم يحمل شيئاً ذا قيمة من المعرفة. إنما كان همهم الشعر والبراعة اللغوية.. ولكن الهزة الجبارة التي أحدثها الإسلام في نفوسهم، والطاقة العجيبة التي جمعها في كيانهم، وأطلقها - من بعد - في فجاج الأرض، قد حولتهم إلى قوة هائلة تضرب في كل ميدان. في ميدان العقيدة. وميدان الحرب. وميدان السياسة. وميدان المعرفة كذلك.
لقد أحسوا بالرغبة الشديدة في المعرفة تتأجج في كيانهم: المعرفة من كل لون. وفي كل ميدان. فشرقوا وغربوا يطلبون العلم، ويستحوذون على كل ما يجدون منه في الطريق. ويتفتحون لذلك كله، ويهضمونه ويمثلونه ويصبغونه بصبغتهم الإسلامية التي تربط الحياة كلها برباط العقيدة. ثم يضفون إليه جديداً قيماً يشهد لهم بالجد والعزيمة، كما يشهد بالبراعة والمقدرة، والقوة والنماء.
(1/23)

كانت المعرفة في وقتهم مزدهرة في اليونان من ناحية، وفي الهند وفارس من ناحية. كما كانت الصين كذلك زاخرة بالعلوم. وفي الحكمة القائلة: " أطلبوا العلم ولو في الصين " ما يشير إلى هذه الحقيقة، وكان توجيه الرسول ( للمسلمين أن يبذلوا أقصى الطاقة في سبيل العلم، فنشطوا في سبيل ذلك لا يبالون الصعاب.
وفي سرعة خاطفة ألم الإسلام بهذا كله، وتفقه المسلمون في معارف الأرض المعروفة في ذلك الحين، ثم أخذوا في البناء والإضافة، وظهر من بينهم حشد هائل من العباقرة في كل جانب. عبقريات في الفقه - والفقه يشمل الأسس النظرية للحياة كلها بما فيها من اقتصاد وسياسة وحرب وسلم وتنظيم اجتماعي - وعبقريات في العلوم النظرية وفي العلوم العملية: في الرياضة والفلك والطبيعة والكيمياء والطب، يحفظ منهم التاريخ أسماء خالدة، دفعت بالمعرفة البشرية خطوات جبارة إلى الأمام. وظل بعضهم - كالحسن بن الهيثم - أستاذاً في مادته وكشوفه العلمية حتى القرن التاسع عشر، يتتلمذ عليه الأوربيون.
ولكن المهم في ذلك كله هو " الروح " التي شملت العلم في العالم الإسلامي.. روح " الفريضة ".
كانت التعاليم التي استقوها من الله والرسول هي التي تظلل حياتهم وتسيطر على مشاعرهم. وكانت المعرفة في وجدانهم فريضة يؤدونها، بدافع الفريضة وفي صورة الفريضة.
كان للعلم في نفوس الناس قداسة كقداسة العقيدة. قداسة تشمل المعلم كما تشمل الطلاب. كلاهما يحس بالرهبة، ويحس بالتقوى، ويحس بالنظافة، ويحس بالراحة والفرحة في رحاب الله.
إنه واجب مقدس، يؤدى " من الداخل ". يؤدى من الأعماق.
الأستاذ يحصّل العلم لأنه فريضة. ويؤديه إلى الناس لأن أداءه فريضة كذلك.
والطلاب يسعون إلى طلبه، كما يسعون إلى المسجد للصلاة.
كلاهما مخلص وكلاهما نظيف.
(1/24)

والمحصول العلمي الذي خلفه أولئك المسلمون - سواء أعجبنا اليوم ونحن ننظر إليه بعقلية المعارف الحديثة أم لم " نتفضل " عليه بالإعجاب - محصول يشهد بالجهد الصادق العنيف الذي بذل فيه..
لم يكن واحد يؤلف ليكسب! يكسب الشهرة أو يكسب النقود! وإنما يؤلف لأنه بحث وجد واستنبط، فوصل إلى " شيء " فأذاعه على الناس.
و " الانقطاع " للعلم كان وحده دليلاً على هذا الصدق الذي لا تفسده الأغراض.
ولم يكن الصدق والإخلاص هما السمة الوحيدة في " علم " المسلمين. فذلك لا يستنفد كل معاني " الفريضة "!
وإنما كانت هناك مزيتان أخريان، تركتا طابعاً أصيلاً في الحياة الإسلامية ما يقرب من ألف عام.
المزية الأولى أن العلم - وهو " فريضة " - كان يقرب القلوب إلى الله.. ولا يبعدها عن هداه.
نعم.. لم تحدث في الإسلام تلك الفرقة البغيضة بين العلم والدين!
وكيف تحدث والعلم فريضة يتقرب بها الإنسان إلى الله؟ كيف يتقرب إليه بالبعد عنه والنفور منه؟!
كلا! إن العلم نور الله. موهبته المعجزة التي وهبها للإنسان. وهي أولى بالشكر لا بالكفران!
وكذلك أحس المسلمون. أحسوا أن في رقابهم، ديناً لله يؤدونه. فهو قد وهب لهم " الحكمة " و " المعرفة ". وهب لهم العقل الذي يفكر ويكتشف ويستنبط. وهب لهم القدرة على الاستفادة من التجربة. وهب لهم ذلك الشعاع العلوي الذي لم يكن ليوجد لولا أن الله نفخ في الإنسان من روحه.. فعليهم لقاء ذلك دين. هو الشكر. الشكر لله المنعم الوهاب.
ومن ثم كان العلم يزيدهم إيماناً. ويزيدهم تعلقاً بالله:
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [9].
(1/25)

تلك روح المؤمن الذي " يتعلم ". الذي يتفكر في خلق السماوات والأرض. ويصل من تفكره ذلك إلى قوانين ونظريات وحقائق وتطبيقات، تزيد " معلوماته " وتفيده في تعميره الأرض وهو يمشي في مناكبها ويأكل من رزق الله [10] فيدعوه ذلك كله إلى معرفة الله. ومعرفة " القصد " في خلق السماوات والأرض. القصد " الحق ": (مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً) فيسبح الله. ويتقرب إليه. ويتوقى النار ويطلب تحقيق وعد الله بالنعيم: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [11].
ولم يحدث في التاريخ الإسلامي أن عالماً يبحث في الطب أو يبحث في الفلك أو يبحث في الطبيعة أو يبحث في الكيمياء.. وجد نفسه معزولاً عن العقيدة، أو وجد أن العقيدة تعطله عن البحث العلمي الدقيق! ولم تقم الحرب والخصومة في قلب مسلم بين العلم والعقيدة أو بين العلم والدين. وإنما عاش العلم في ظلال العقيدة يتقدم وينشط، ويصل إلى كشوف علمية هائلة، أقر بها المتعنتون أنفسهم من علماء أوروبا، دون أن يفترق الطريق لحظة أو يحدث الشقاق.
ذلك أن العلم كان " فريضة " إلى الله، تؤدى كما تؤدى الصلاة والصيام والزكاة!
* * *
والمزية الثانية في علوم المسلمين - الناشئة كذلك من كون العلم فريضة - أنها لم تستخدم قط في الشر أو الإيذاء!
وكيف يستخدم العلم في الشر وهو فريضة وعبادة؟
" تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة " [12].
فأين ينبغ الشر في هذا الطريق الذي تحفه خشية الله، وعبادته، وتسبيحه، والتقرب إليه؟
(1/26)

ولقد يخطر على البال أن علوم المسلمين لم تستخدم في الشر لأنها كانت بدائية بسيطة لا تصلح للشر، إذا قيست بطاقة الذرة وعلوم " التدمير " في القرن العشرين!
والواقع ليس كذلك! فإن علوماً أدنى من علوم المسلمين وأبسط - في مصر الفرعونية وبابل - كانت تقدر على الشر وتستخدم فيه!
فقد استخدم الكهنة في مصر القديمة - وكانوا في الأغلب هم العلماء - استخدموا معارف الكيمياء والطب والنجوم في السحر، والاستحواذ على الأموال بالباطل، والتوصل إلى السلطان المطلق على القلوب والأرواح والأجسام والعقول، والتحكم في كل أمور الناس بالعبودية والإذلال.
وكانوا يستأثرون بهذا العلم لا يبيحونه للناس، إيثاراً لأنفسهم بالنفع، واستحواذاً على السلطان الكافر الذي يذلون به العبيد.. عبيد فرعون وعبيد الكهان، وهم " الشعب " كله بلا تفريق.
ولو أراد المسلمون أن يستخدموا العلم للشر فلم تكن لتمنعهم بساطة علومهم، ولا تعجزهم عن عمل السوء..
أقرب الشر أن يصرفوا به القلوب عن الله.
وأن يضحكوا به على السذج والجهلاء فينالوا المال المتدفق وينالوا السلطان.
وأن يحبسوه عن العامة..
وأن يتزلفوا به إلى الملوك والسلاطين..
وأن يلتووا به ليبرروا مظالم السلطان.
وهذا هو التاريخ.. صفحة رائقة مشرقة مضيئة.. تشهد أن العلم الإسلامي لم يسع للشر ولم يستخدم للشر. بل أراد دائماً وجه الله وتوجه إلى الخير. ووقف في مرات كثيرة أمام السلطان الجائر يطالبه بحق الله وحق الكادحين..
ذلك أنه كان فريضة إلى الله، يتقرب بها العلماء إلى حماه.
* * *
والآن نطوي تلك الصفحة المشرقة المضيئة لنطلع على صفحة أخرى.. صفحة الغرب.
أوربا هي وريثة الإمبراطورية الرومانية والثقافة الإغريقية. وما تزال حضارتها المادية وتياراتها الفكرية تستمد من هذين المنبعين، بشعور من الأوربيين أوبغير شعور.
وقد ورثت أوربا - فيما ورثته من تاريخها المبكر - طريقة إحساسها بالله واعتقادها في الدين.
(1/27)

وينبغي أن نعرف أن أوربا لم تكن نصرانية حقة في يوم من الأيام! على الرغم من انتشار المسيحية فيها، وتعصب الأوربيين لها في الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش. وعلى الرغم مما لا يزال يرد على بعض الألسنة الغربية حين تتحدث عن " الحضارة المسيحية "!
كلا! لم تكن تطبق الدين الحق في يوم من الأيام. وإنما كان قصارى المسيحية عندهم أن تلين لها قلوبهم في المعبد، وتتأثر أرواحهم بأنغامها السجية وسبحاتها الروحية المرفرفة، ولكنها لا تحكم الحياة العامة، ولا تحكم في أمر هذه الأرض. فإذا خرج الناس من صلاتهم في المعبد ارتدت عنهم روح الدين، وعادوا إلى الوثنية الرومانية الإغريقية القديمة، يستمدون منها أفكارهم ومشاعرهم، وتشريعاتهم وتنظيماتهم وكل حضارتهم المادية العريقة..!
وأياً ما كان الأمر فقد ظلت في لا شعور الأوربيين - تحت القشرة المسيحية الرقيقة - تلك النظرة الإغريقية إلى الله، تؤثر في وجدانهم نحوه، وتطبع إحساسهم الديني في الأعماق.
فكيف كانت الأسطورة الإغريقية تصور الله.. أو الآلهة؟
لن نستعرض هنا الأساطير كلها، ولا الصورة الزرية التي كانت تعرض بها الآلهة، فتصورهم - على أحسن تقدير - بشراً فائقي القوة، ولكن نفوسهم مشحونة بالنزوات الطائشة والانحرافات النزقة التي يتورع عنها البشر العاديون.. وإنما نستعرض أسطورة واحدة ذات دلالة في موضوع " العلم " هي برومثيوس سارق النار المقدسة!
هذه الأسطورة تصور العلاقة بين البشر والآلهة علاقة صراع دائم وضغينة وأحقاد. علاقة لا ترف فيها مشاعر الرحمة أو العطف أو المودة.. ولا يهدأ أوراها حتى يشتعل من جديد.
والمعركة قائمة على النار المقدسة: نار " المعرفة "! البشر يريدون أن يستولوا على هذه النار المقدسة، ليعرفوا أسرار الكون كلها، ويصبحوا آلهة! والآلهة تردهم عنها في وحشية وعنف، لتنفرد وحدها بالقوة، وتتفرد دونهم بالسلطان!
(1/28)

تلك إذن هي طبيعة العلاقة بين البشر والله! العلاقة التي اندست في أوهام الأوروبيين، وصارت تصرف أفكارهم ومشاعرهم بغير وعي. العجز وحده هو الذي يخضعهم لمشيئة الله! وهم غير راضين عن هذا العجز ولا ساكتين عنه. فهم في محاولة دائمة يطلبون " القوة " ويطلبون " المعرفة ". يحاولون دائماً أن يقهروا هذا العجز. أو يقهروا - بلغتهم - قوة الطبيعة. أو - بلغتهم اللاشعورية أيضاً - " ينتزعون " الأسرار! ينتزعونها من الإله الوثني القديم الذي كانوا يحاولون أن ينتزعوا منه ناره المقدسة!
وبهذا الدافع الخفي المطبوع في أعماق النفس الغربية - في أعماق اللاشعور - يحس الغربيون أن كل خطوة يخطوها " العلم " ترفع الإنسان فوق نفسه درجة، وتنزل الإله من عليائه بنفس القدر!
وتظل " المعركة " هكذا دائرة: كل فتح جديد من فتوحات العلم يخفض الإله ويرفع الإنسان، حتى تأتي اللحظة المرقوبة التي يتحلب لها ريق الغرب ويتلهف إليها، اللحظة التي " يخلق " فيها الإنسان الحياة، ويصبح هو الله!
وليس هذا التعبير من عندنا نصور به أفكار القوم. فهو نص تعبيرهم، قاله جوليان هكسلي في كتابه " الإنسان في العالم الحديث ". كما قاله غيره من العلماء الأوروبيين وهم ينددون بفكرة الله وفكرة الدين!
* * *
هذا الدافع الخفي المطبوع في أعماق النفس الغربية كان خانساً لا شك تحت القشرة المسيحية التي ظلت تطبع النفوس الأوربية بضعة قرون. وما كادت القشرة تتفتت بفعل الصراع العنيف الذي قام بين الكنيسة ودارون، أو بين الدين بمفهومه الرسمي وبين العلم، حتى برز على السطح ما كان متوارياً من قبل، وصار " العلماء " يجهرون بالعداوة السافرة، ويتعمدون البعد عن الدين والعقيدة، وينشرون هذه الآراء الكافرة التي تقول إن الإنسان هو الذي خلق الله، وليس الله هو الذي خلق الإنسان!!
(1/29)

ومن أجل هذه الروح الوثنية في حقيقتها - ولو تدينت في ظاهرها - من أجل هذه الروح النافرة من العقيدة، المستكبرة على العبادة، نجد هذه المفارقة العجيبة بين الحسن بن الهيثم في الإسلام ودارون في أوربا. فبينما الحسن بن الهيثم وهو يكتب في البصريات - في موضوع علمي بحت جاف لا ترفرف حوله نداوة المشاعر ولا أنوار العقيدة - يبدأ حديثه باسم الله، ويحمده ويطلب منه التوفيق، نجد دارون - وهو يكتب عن " الحياة " و " الأحياء " و " التطور "، عن موضوع يشهد بمعجزة الخلق ويكشف عن يد الخالق المبدعة في كل خطوة، ويستجيش الوجدان بالخشوع والعبادة - نجده ينفر من ذكر الله، ويروح يستتر في " الطبيعة " التي يقول عنها " إنها تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها! " سبحان الله! وما الله إذن إن كانت هذه هي الطبيعة؟ وكيف تقسو القلوب حتى تمنع نفسها منعاً من ذكر الله بصريح لفظه وصفته في هذا المقام؟! ولا يكتفي بذلك - وهو واضح الدلالة - فتعمى بصيرته عن القصد والتدبير في خلق الخالق المدبر، فيروح يصف إلهه الجديد الذي يسجد له - الطبيعة - بأنه يخبط خبط عشواء! لغير شيء سوى أنه - وهو البشر المحدود الطاقة الضئيل العلم - لم يستطع أن يدرك كل أسرار الحياة!
وما نريد أن نظلمهم.. أولئك العلماء!
فربما كانت ظروفهم المحلية في أوربا هي التي كفرتهم من الدين! وربما كانت الوحشية البشعة التي كانت الكنيسة الأوربية تعامل بها العلماء من أمثال كوبرنيكوس وجاليليو، فتعذبهم وتحرقهم من أجل نظرياتهم العلمية التي تخالف المعلومات " المقدسة " التي تتشبث بها الكنيسة.. ربما كانت هذه الوحشية هي التي أوجدت الخصومة والبغضاء بين " العلماء " والدين!
ولكننا نتبع فقط حوادث التاريخ..
(1/30)

فمنذ حدثت هذه الفرقة العنيفة بين الدين والعلم في أوربا.. منذ سار كل منهما في طريق يخالف الآخر ويناصبه العداء.. شملت الغرب كله فلسفة مادية ملحدة كافرة، لا تؤمن بالله، ولا تحكّمه في أمر من أمور الحياة، وفي أمر العلم خاصة من بين كل أمور الحياة!
ومضت الموجة التي أطلقها دارون تأخذ آخر مداها.. فتجرف من طريق العلم كل التراث الإنساني الخالد من عقيدة وأخلاق وتقاليد..
وطلع إلى الوجود من بعد دارون فرويد وماركس يلوثان العقيدة ويصوران النفس الإنسانية صورة بشعة مليئة بالأقذار.. أقذار الجنس عند فرويد، وأحقاد الصراع الطبقي عند ماركس.
وطلع علماء كثيرون.. في الطبيعة والكيمياء والفلك والرياضة والطب.. يشتملون على عبقريات جبارة، ويفتحون آفاقاً جبارة في هذه العلوم.. ولكنهم - مع الأسف - يرفضون السير في طريق العقيدة ويتنكبون - عن عمد - هدداية الله!
لقد وعت أوربا جانباً من الدرس، حين اختلطت بالمسلمين في الأندلس، ونقلت عنهم المعارف وطريقة الدراسة.
أخذت عنهم الجد والقصد والعزيمة.. والصبر والجلد والكفاح.
أخذت عنهم احترام العلم والتوفر على البحث والإخلاص في الدراسة.
ولكنها أبت أن تأخذ الله، وتأخذ العقيدة.
ولقد وقعت الشعلة المقدسة - شعلة المعرفة - من أيدي المسلمين حين شغلتهم الفتن واللذائذ عن المضي في الطريق.. فتلقفتها أوربا. وسارت بها قدماً.. خطوات جبارة في كل ميدان. حتى فجرت الذرة وأطلقت طاقتها في الفضاء..
ولكنها لم تكن تسير في طريق الله. لم تكن تأخذ العلم فريضة كما وصفه الرسول ( . فريضة تؤدى إلى الله، ويتقرب بها الإنسان من حماه.
وإذا تخلى العلم عن الله فقد تلقفه الشيطان.. وسار به في طريق الشر، وأبعد في طريق الضلال.
أول الشر أن العلم - منحة الله إلى الإنسان - يصبح أداة الكفر، ويبعد الإنسان عن الله!
(1/31)

والعلم - النور الذي يهدي الإنسان إلى الحق - يصبح ذريعة الناس إلى الباطل، في كل منحى من مناحي الحياة! في البحوث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأدبية والفكرية والروحية، وكل بحث من البحوث!
والعلم - الذي " يعرف به الحلال والحرام " - يصبح أداة الفسق والخروج على الأخلاق، بنظريات " علمية " تؤيد الفساد!
والعلم - طريق الإنسان إلى الخير البشري - يصبح أداة التحطيم لهذه البشرية، يهددها بالموت المرعب كأبشع ما شهده الإنسان.. وما تزال تجربته " الصغيرة " في هيروشيما ونجازاكي ماثلة في الأذهان!
ذلك لأنه لم يعد " فريضة ".. وإنما مطية من مطايا الشهوات!
* * *
والمسلمون اليوم في حاجة إلى حكمة رسولهم يتدبرونها، ويتشربونها إلى الأعماق.
في حاجة لأن يُرجعوا إلى العلم قداسته واحترامه. وقد صاروا يتلهون به في عبث فاضح لا يليق بالبشر العاديين فضلاً عن المسلمين.
إنهم يأخذونه في استخفاف العابث.. إن كانوا طلبة في المدارس والمعاهد، أو " أساتذة " يدرسون للطلاب! غايته الوظيفة أو الكسب أو الشهرة من أقرب طريق. ووسيلته الغش والخداع والتلفيق!
إنهم لا يعطونه من الجد والعناية والاحترام حتى ما تعطيه أوربا الكافرة ؛ وهم أولى من الأوربيين بالتقاليد العلمية العريقة التي سار عليها جدودهم حين كانوا يعيشون في ظل الإسلام، ويستمدون من روح الإسلام.
لذلك هم في حاجة لهدي الرسول ( ، يردهم إلى احترام العلم وتقديره، ويعيدهم لروح الجد والإخلاص.
وهم في حاجة إليه كذلك ليعيدوا السلام للقلب البشري الممزق بين الدين والعلم، والدين والحياة، الغارق من جراء ذلك في تيار الشر والضلال، وهم - وحدهم، حين يؤمنون بالله ويؤمنون بأنفسهم - الذين يستطيعون عقد السلام في ذلك القلب، بعقيدتهم الفريدة التي توحد طريق الدين وطريق العلم.. بل توحد السماء والأرض، وتصل العمل بالعبادة والدنيا بالآخرة: وتصل المعرفة بطريق الله.
(1/32)

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[5] رواه ابن ماجه.
[6] رواه أحمد عن أنس بن مالك.
[7] من حديث رواه ابن عبد البر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.
[8] سورة فاطر [ 28 ].
[9] سورة آل عمران [ 190 - 191 ].
[10] "... فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ " سورة الملك [ 15 ].
[11] سورة آل عمران [ 193 - 194 ].
[12] رواه ابن عبد البر عن معاذ: الترغيب والترهيب ج 1 ص 58 رقم 8.
قبل أن تدعوا فلا أجيب
عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ النبي ( فعرفت في وجهه أن قد حضره شيء، فتوضأ وما كلم أحداً، فلصقت بالحجرة أستمع ما يقول، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: " يا أيها الناس. إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيب لكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم ". فما زاد عليهن حتى نزل. رواخ ابن ماجة وابن حبان في صحيحه [13].
* * *
يا الله! أو حقاً يدعو الناس فلا يستجيب الله لهم؟ الله الذي يقول: وسعت رحمتي كل شيء؟ الله الذي يقول: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان "؟
هل يمكن أن يحدث ذلك؟
صدق الله. وصدق رسوله. وما يمكن أن يكون ذلك إلا حقاً!
وإنه لحق ترتجف له النفس فرقاً ويقشعر الوجدان رعباً.
وماذا يبقى للناس إذن؟ ماذا يبقى لهم إذا أوصدت من دونهم رحمة الله؟ ولمن يلجئون في هذا الكون العريض كله وقد أوصد الباب الأكبر الذي توصد بعده جميع الأبواب.. ويبقى الإنسان في العراء. العراء الكامل الذي لا يستره شيء، ولا يحميه شيء من لفحة الهاجرة وقسوة الزمهرير؟
ألا إنه الهول البشع الذي يتحامى الخيال ذاته أن يتخيله.. لأنه أفظع من أن يطيقه الخيال.
(1/33)

الخيط الذي يمسكه بالقدرة القاهرة القادرة قد انقطع.. فراح يهوي. يهوي إلى حيث لا يعلم أحد ولا يلاحقه خيال. يهوي في الظلمات. يتقلب على الدوام. يصطدم في كل شيء. يتحطم.. تتمزق أوصاله.. يتناثر في كل اتجاه.. وكل " جزء " من نفسه يذوق من الآلام ما لا يطيق: (فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [14].
ذلك هو المخلوق البائس الذي يدعو الله فلا يجيبه، ويسأله فلا يعطيه، ويستنصره فلا ينصره.
فهل كتب الله ذلك الهول البشع على عباده - المسلمين - الذين يدعونه ويسألونه ويستنصرونه؟!
نعم.. حين يكفون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ولو بأضعف الإيمان.
* * *
لقد اقتضت إرادة الله أن يكون الإنسان خليفة في الأرض.
واقتضت إرادته كذلك أن يكون الإنسان - الذي يستمد قوته من الله - هو القوة الفعالة في هذا الوجود.
(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [15].
الإنسان هو الذي يعمل. والإنسان هو الذي ينتج. والإنسان هو الذي غير الواقع، والإنسان هو الذي ينشئ النظم ويقيم الأوضاع.
الإنسان هو القوة الإيجابية في الأرض، في ذات اللحظة التي يسلم كيانه كله لله. بل من هذا الإسلام الكامل لله، يستمد الإنسان طاقته الإيجابية كلها على الأرض! (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) [16].
لقد اختار الله أن يكون الإنسان هو أداته العاملة في الأرض. (سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) وعلى ذلك جرت سنته منذ خلق الأرض والإنسان.
والله سبحانه وتعالى ليس " مقيداً " بسنته على النحو الذي يتصوره العقل الغربي الجاحد الضيق المغلق البصيرة، وهو يتحدث عن " القوانين الطبيعية " وحتميتها التي لا يمكن أن تتغير.. ومن ثم ينكر المعجزات!
(1/34)

كلا! ليس الله مقيدا بسنته ولا محكوماً بها، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. والدليل أنه يصنع الخوارق والمعجزات حين يريد، وفق حكمته التي يعلمها وحده ولا يطلع عليها أحداً من خلقه.
ولكن مشيئته سبحانه هي التي اقتضت أن تسير الأمور على هذه السنة، حتى يعرف الناس النتائج حين يعرفون الأسباب، فيسيروا في الأرض على بصيرة، حتى وهم لا يعلمون الغيب المحجب عن الأبصار.
وكان ذلك رحمة بالناس وهدى لبصائرهم.
فعلى أساس هذه السنة الثابتة - التي شاءت إرادة الله الحرة القادرة أن تكون ثابتة - يستطيع الناس تفهم الكون من حولهم، والتعرف على أسراره، والتوفيق بين أنفسهم وبين الكون والحياة.
وكل " العلم " الذي علمه الناس منذ البدء حتى اليوم، وكل المخترعات التي اخترعوها، وكل الفوائد التي جنوها، والخدمات التي حصلوا عليها لم تكن لتوجد لولا ثبوت السنة واطرادها وعدم تخلفها.
وكذلك الحياة الإنسانية في محيطها الشامل.. فكل النظم القائمة على تجارب البشرية: النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعمرانية.. لم تكن لتقوم لولا ثبوت هذه السنة واطرادها. فهذا وحده هو الذي يجعل للتجربة قيمة، ويجعلها مجالاً للفائدة ومحلاً للاعتبار.
وإلا فما قيمة التجارب - علمية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية - إذا كانت كل تجربة منقطعة عن غيرها، قائمة بذاتها، لا تتصل بشيء ولا تنتهي إلى شيء؟ وكيف يتعلم الناس أن هذا ضار وهذا نافع، فيعرضوا عن الأول ويقبلوا على الأخير؟
هي رحمة الله إذن بالناس أن يجعل لهم سنة ثابتة، ويجعلها واضحة، ويجعلها محلاً للعبرة، ويوجه إليها الضمائر، ويوقظ لها القلوب:
(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) [17].
* * *
(1/35)

وقد اقتضت هذه السنة - كما قلنا - أن يكون البشر هم أدوات العمل في الأرض وهم كذلك أدوات التغيير:
(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [18].
ولن يعجز الله سبحانه أن يغير ما بالقوم دون أن يغيروا ما بأنفسهم. فالسماوات والأرض ومن فيهن ملكه. وهو القاهر فوق عباده. وهو المتصرف وحده في الجميع بما يشاء وكيفما يشاء.
ولكنه هكذا شاء.. أن يكون الإنسان عنصراً إيجابياً في الحياة. وأن يكون التغيير - وهو إرادة الله - مرتبطاً بإرادة الإنسان، مقضياً عن طريقه، نافذاً من خلاله، ممتزجاً بكيانه كله من عمل وفكر وشعور.
والحمد لله من الإنسان أن جعل له كل هذه القيمة في الأرض.. وإلا فما هو في ذاته لولا هذا العطف الرباني عليه؟ لولا تلك النفخة الإلهية التي جعلت منه ما هو عليه. أليس هو من طين هذه الأرض، يستوي في ذلك مع الصرصار الحقير والوحش الكاسر والحيوان البهيم؟
ولكن لهذا التكريم تبعاته ومقتضياته..
تبعاته أن يكون الإنسان قوة إيجابية حقاً، وأن يعمل بمقتضى ذلك في واقع الحياة.
تبعاته أن يعمل، وأن يكافح، وأن يصارع، ولا يسلِّم، ولا ينخذل، ولا يستكين.
تبعاته أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويؤمن بالله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [19].
تبعاته إذا رأى المنكر أن يغيره.. بيده، فإن لم يستطع فبلسانه.. فإن لم يستطع فبقلبه.. وهو أضعف الإيمان.
* * *
وليس المعروف أو المنكر شيئاً محدوداً في هذه الأرض، أو ميداناً دون ميدان.
كل شأن من شئون الناس، كبر أو صغر، يمكن أن يجري بالمعروف ويمكن أن يجري بالمنكر. وتبعات الإنسان تستلزم ملاحقته لهذه الشئون كلها، والرقابة عليها، والتأكد من جريها بالمعروف وبعدها عن المنكر! وإلا.. فالنتيجة هي الفساد!
(1/36)

تلك أيضاً هي سنة الله. فقد اقتضت سنته أن يراقب الناس شئون الأرض، ويدفع بعضهم بعضاً إلى الصلاح والرشد، وإلا فسدت الأرض: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [20].
وإنها لتبعة ثقيلة تنوء بحملها الأكتاف.. ولكنها كذلك هي السبيل الأوحد لانتظام الأمور، فحين يؤدي كل إنسان واجبه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - مع الإيمان بالله - لا يجرؤ الباطل أن يعيش، ولا يجرؤ المنكر أن يستأسد. ويظل الحق هو القوة الغالبة الفعالة التي تسيطر على الأمور.
أما حين ينام عن هذا الواجب المقدس فالشر يغري، والشر يهيج، والشر يسيطر على الحياة.
وقد جرت سنة الله بذلك في التاريخ..
أيما أمة حية متيقظة، ترقب شئونها بنفسها، وتحرص على أداء كل واجب، وتنفر من كل تقصير، فهي الأمة الناجحة، وهي التي تملك السلطان.
وأيما أمة تراخت وأهملت، وتركت الباطل يسيطر على شئون الناس فلم تنصره، فهي الأمة الفاشلة، وهي الأمة التي حل بها الدمار.
وقوة المجتمع وضعفه رهين بهذا وذاك.
فالمجتمع الذي يتناصح الناس فيه بالخير ويتناهون عن المنكر، هو المجتمع المترابط المتساند القوي، الذي يتقدم إلى الأمام حثيثاً، وينتقل من خير إلى خير، بحكم تضافر الطاقة وتوجهها إلى الإصلاح. والمجتمع الذي يأتي المنكر فيه كل إنسان على مزاجه، ويتركه الآخرون لما يفعل، هو المجتمع المفكك المنحل، الذي يمضي إلى الوراء حتماً، وينتقل من ضعف إلى ضعف، بحكم تبدد الطاقة وانصرافها إلى الشر.
(لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [21].
وكذلك لعن الغرب في التاريخ الحديث.
(1/37)

أما المسلمون الأوائل، الذين كانوا خير أمة أخرجت للناس، والذين كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، فقد كانوا أمة قوية قاهرة غلابة. أمة متينة البناء وثيقة الأساس. أمة استطاعت أن تكافح كل قوى الشر وتعيش. تكافح الحكومات الظالمة من داخلها، والغزاة البرابرة من خارجها، من التتار مرة والصليبيين مرة.. وتصمد لهذا الشر كله وتتغلب عليه.
فلما كفوا.. لما تعبوا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. لما عادوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.. جرت عليهم السنة الأبدية الخالدة التي بينها لهم الله وحذرهم منها.. فصاروا فتاتاً متهاوياً تلتقمه قوى الشر من الداخل والخارج على السواء.
ولقد يبدو لأول وهلة أن العالم الإسلامي قد ضعف وهان واستُعمر لأنه غرق في الجهالة والتأخر والانحطاط والجمود. ولأنه انقسم على بعضه فتنازعته الأحقاد. ولأن حكامه الطغاة كانوا مشغولين بلذائذهم عن أن يلتفتوا لإصلاح الشعب. ولأن المظالم الاجتماعية والاقتصادية قسمت الناس إلى طغمة ظالمة من الملاك تملك كل شيء، وعبيد من الشعب لا يملكون شيئاً غير الذل والفقر والهوان. ولأن القوة الحربية والإنتاجية للعالم الإسلامي تضاءلت وانحسرت بينما كانت أوربا تصعد في كل ميدان..
وإنه لكذلك حقاً وصدقاً.. ولكن ما ذاك؟ ما هو في حساب الحقائق إلا السكوت عن المنكر وعدم الأمر بالمعروف؟!
ألم يأمر الله بالعدل: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [22].
وعدم السكوت للظلم: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً) [23]، ولكنهم تركوا حكامهم يظلمونهم واستكانوا لهم فلم يغيروا عليهم؟
(1/38)

ألم يأمر الله بإعداد العدة واستحضار القوة: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) [24]، ولكنهم سكتوا عن الاستعداد وضعفوا واستكانوا، ولم يطالبوا بالجهاد في سبيل الله ولم يتجهوا إليه؟
ألم يكرم الله العلم: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [25]، وحض عليه رسوله: " طلب العلم فريضة " [26]، فلم يسعوا إلى العلم وغرقوا في الجهالة؟
ألم يأمر الله بألا يكون المال (دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) [27]، فتركوه دولة بين الإقطاعيين ولم يثوروا عليهم إحقاقاً لكلمة الله في الأرض، وإحقاقاً للعدل الذي أمر به الله؟
ألم يأمر الله الرجال أن يعاشروا النساء بالمعروف (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [28]، فعاشروهن بالظلم وأجحفوا بحقوقهن، وتركوهن طعمة للجهل وانزواء الشخصية وضآلة الكيان - وهن صانعات الطفولة - فخرجت من بين أيديهم أجيال من البشر هابطة الأنفس محدودة الآفاق ضئيلة الإنسانية؟
فأي معروف أمروا به وأي منكر نهوا عنه، وأي إيمان بالله؟
عندئذ جرت عليهم سنة الله.. وغضب عليهم الله.. فاستعبدوا وهم الأعلون لو كانوا مؤمنين: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [29].
* * *
تلك سنة الله.. يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.. أو يدعونه فلا يستجيب لهم، ويسألونه فلا يعطيهم، ويستنصرونه فلا ينصرهم..
لأنهم - شاءت حكمته ذلك - هم أدوات الله في الأرض. وعن طريقهم ينفذ الله أمره. كذلك اقتضت سنته: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) لا عجزاً من الله - سبحانه - عن التغيير بغير تلك الأدوات، أو بغير أدوات على الإطلاق، ولكن تكريماً لهذا الخليفة في الأرض، ومنحَه حرية التصرف وحرية السلوك.
وحين نفهم هذه السنة نفهم ذلك الحديث الذي نطق به الرسول ( .
(1/39)

فإذا كانت الأدوات جاهزة للعمل، متوجهة إليه، متوفرة له.. فإن السنة تمضي، والعمل ينفذ، والإصلاح يتم.
وإذا كانت الأدوات معطلة أو فاسدة.. فإن السنة تمضي كذلك في طريقها. تمضي بالإبقاء على الفساد، والزيادة فيه، وعدم التغبير عليه، وعدم الإصلاح فيه.
وعندما يدعو الناس وهم قاعدون عن العمل، وحين يسألون وهم كسالى، وحين يستنصرون وهم لا يعدون عدة النصر.. فعند ذلك لا يستجيب الله لهم ولا يعطيهم ولا ينصرهم..
لأنهم لا يستحقون النصر..
وكيف يستحقون وهم قاعدون؟!
وكيف يثبتون عليه لو منحهم الله إياه؟!
هب أن الله غير سنته - سبحانه - فأنزل عليهم النصر وهم قاعدون. أَوَ يحفظونه؟ أيدوم لهم؟ وكيف يحفظونه وهم فاسدون مفسدون، متهالكون متهاوون، لا قدرة لهم ولا عزيمة ولا دراية بأمر من الأمور؟
من أجل ذلك لا ينصرهم. (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [30].
إن طريق النصر والاسستنصار واضحة. إن الله قد اختار أن يكون الإنسان هو أداته المنفذة في الأرض، حين يستقيم إلى الله، ويهتدي إليه، ويعمل من أجله، ويحبه ويخشاه.
فمن أراد النصر، من أراد أن يدعو الله فيجيبه، ويسأله فيعطيه فليكن حيث يريده الله، وحيث يُنْزِل عليه نصره وعطاءه فينفع النصر، وينفع العطاء.
وطريق الله واضحة. والنصر والعطاء من هذا الطريق وحده. فمن أراد النصر فليسر في الطريق وليمض قدماً. فإنه ملاق وعد الله الحق. ولا يخلف الله وعده. أما إن هجر الطريق الأوحد، وراح يتسكع في كل طريق غيره، فمن أين يصيبه النصر، وهو منصرف عنه وموليه الأدبار؟
* * *
ولقد وعت أوربا جانباً من سنة الله في الأرض - الجانب الذي نسيه المسلمون اليوم. ونسيت منها جانباً آخر - الجانب الذي وعاه المسلمون!
(1/40)

ولقد وعت أوربا أن الإنسان هو القوة الفعالة في الأرض. وأن الطاقة البشرية هي أداة الإصلاح. من أجل ذلك اتجهت همتهم لتجنيد هذه الطاقة، وتوجيهها إلى العمل المنتج في واقع الحياة.
ووصلوا في ذلك إلى درجة معجِبة من النشاط والتنظيم والدأب المنتج العجيب.
ذلك ما نسيه المسلمون اليوم وهم يتواكلون ويتقاعسون، وينتظرون وهم قاعدون.
ولكن أوربا نسيت الله!
نسيت أن تعمل في سبيله، وتعيش في سبيله، وتنتج في سبيله.
ومضت بطاقتها الإنتاجية الضخمة في سبيل الشيطان.
ومن ثم قام هذا الصراع الرهيب الذي يوشك أن يدمر وجه الأرض.
والمسلمون يعرفون الله.
ولكنهم يعرفونه في ظاهر قلوبهم ولا يحفظونه: " احفظ الله يحفظك [31] ".
يعرفونه ولا يأتمرون بأمره ولا ينتهون بنهيه ولا يعملون في سبيله، ويشركون به كثيراً من قوى الأرض المادية أو البشرية سواء. (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) وما عبدوه حق عبادته. ومن ثم فهم لا يسيرون بعد على الطريق.
وقد اقتضت سنة الله أن من يعمل ويجتهد يصل إلى شيء.. وإن كانت سنته قد اقتضت كذلك أنه يضيع هذا الشيء في النهاية ما لم يسر في الطريق الذي رسمه الله. وهو ما يوشك أن يحدث في الغرب اليوم.
ولكن من لا يعمل لا يجد على الإطلاق.. ولو كان - نظرياً - يعرف الله ويدعوه ويسأله العطاء!
والمسلمون هم المكلفون أن يهدوا البشرية الضالة إلى الطريق: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [32]).
ولن يهدوا الناس حتى يهتدوا هم أولاً إلى الله ويسيروا على الطريق. والطريق معروف كما رسمه الله: " إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيب... ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[13] الترغيب والترهيب. ج 4 ص 12 رقم 29.
[14] سورة الحج [ 31 ].
[15] سورة الجاثية [ 13 ].
(1/41)

[16] انظر " السلبية والإيجابية " في فصل " خطوات متقابلة في النفس البشرية " من كتاب " منهج التربية الإسلامية ".
[17] سورة آل عمران [ 137 - 138 ].
[18] سورة الرعد [ 11 ].
[19] سورة آل عمران [ 110 ].
[20] سورة البقرة [ 251 ].
[21] سورة المائدة [ 78 - 79 ].
[22] سورة النساء [ 58 ].
[23] سورة النساء [ 97 ].
[24] سورة الإنفال [ 60 ].
[25] سورة العلق [ 3 - 5 ].
[26] انظر الفصل السابق بهذا العنوان.
[27] سورة الحشر [ 7 ].
[28] سورة النساء [ 19 ].
[29] سورة آل عمران [ 139 ].
[30] سورة العنكبوت [ 40 ].
[31] حديث رواه الترمذي.
[32] سورة البقرة [ 143 ].
لا تفكروا في ذات الله *
سبحانه، وهل يطيق بشر أن يفكر في ذاته؟
هل تطيق الذرة الهائمة التائهة الفانية المحدودة أن تحيط بحقيقة الأزل والأبد، التي لا آخر لها ولا حدود؟!
وإن اهتدت.. إن وصلت واتصلت بالله.. فما حاجتها إلى " التفكير " في ذات الله وهي واصلة إلى حماه؟!
وهل فرغ الإنسان من تدبر أسرار الكون، ليفكر في ذات الخالق سبحانه، ليس كمثله شيء؟
هل وصل في " علمه " إلى حقيقة جوهرية واحدة من حقائق الكون؟ أم إنه ما يزال في محيط " الظواهر " لا يجرؤ على الدخول في الأعماق؟
لقد دفعه الإقدام مرة فتقدم فحطم الذرة وكاد يصل إلى المجهول.. ولكنه فجأة تراجع.. من هول الانفجار!
لم يكن تفجر الذرة وانطلاق طاقتها الهائلة المروعة هو الذي أصابه بالذعر وأصابه بالذهول! وإنما كان " الكشف " الجديد الذي وصل إليه، فأعاده إلى حيث كان من أسرار الوجود.
لقد اكتشف أنه ليس ثمة " مادة "، وإنما هناك " طاقة "، وأن هذه الطاقة هي " المجهول " الذي بحث عنه ألوفاً من السنين أو ملايين، ثم عاد من حيث بدأ، لم يزد علماً إلا بظواهر الأشياء.
الأشياء الموجودة في الكون لا يعرف الإنسان " ذاتها ". لا يعرف جوهرها. وإنما يعرف من صفاتها ومظاهرها.
(1/42)

فأي قفزة في الفضاء مجنونة تلك التي تدفعه إلى أن يترك الأشياء المخلوقة المحدودة الصغيرة، التي يعجز عن معرفة ذاتها، فيحاول أن يحيط بالذات الإلهية، ويصل إلى " حقيقتها "؟!
خبل لايستقيم مع التفكير السليم.
فأبسط قواعد " المنطق " أنك إذا عجزت عن الصغير فأنت أعجز عن الكبير. وإذا عجزت عن أن تسير ميلاً فستهلكك مئات الأميال فضلاً عن الألوف والملايين.
والكون أمام الإنسان واسع هائل عريض..
فهل فرغ من أمره؟ هل وصل إلى آخر أبعاده؟ هل أحاط به علماً، بل تصوراً وخيالاً؟
فلنسمع هنا كلام العلم الرسمي فإنه وحده يبهر الخيال ويذهل الرءوس!
" إن أقرب نجم إلينا يبعد عن الشمس فوق الأربع من السنوات الضوئية. أي أن النور، وسرعته 186000 ميل في الثانية، يقطع المسافة من الشمس إلى أقرب نجم في نحو أربع سنوات. إنه على مسافة تبلغ نحواً من 000??? 000??? 000??? 000??? 26 ميل. إنك لو مثلت الشمس بنقطة أخرى تبعد عن النقطة الأولى بنحو 4 أميال " [34].
" المجرة قرص عظيم. وهي قرص مفرطح، كالرغيف... وقطر القرص نحو من 000??? 100 سنة ضوئية. والسنة الضوئية مسافة مقدارها 6 مليون مليون ميل. فقطر هذا القرص نحو من 600 ألف مليون مليون ميل. وارتفاعه نحو عشر ذلك " [35].
وهناك مجرات أخرى كثيرة في الكون غير المجرة التي تتبعها مجموعتنا الشمسية.
" هذه الدنييات، التي تشبه مجرتنا.. كم عددها؟ مائة؟ ألف؟ ألفان؟ لا. إنها مائة مليون من المجرات. مائة مليون جزيرة في فضاء هذا الكون الواسع وقد تزيد "!! [36].
هذا في " المحيط الخارجي " للكون. وهو مظهر واحد يعجز عن حمله الخيال وتعجز العقول.
فلننظر في الأرض وحدها. تلك الذرة الهائمة في الفضاء. هباءة منثورة في محيط الكون، لا تمسكها إلا القدرة القادرة الخالقة المبدعة.
(1/43)

كم جبلاً بها وكم نهراً وكم بحراً وكم بحيرة؟! كم كهفاً في جبالها وكم حفرة في أراضيها؟ كم نقطة من المطر تهبط إليها وكم ذرة من البخار تصعد منها آناء الليل وأطراف النهار؟
وكم بها من أنواح الحياة؟ الحياة النباتية والحيوانية والإنسانية؟
كم ألفاً من صنوف النبات على وجه الأرض؟ وأي دقائق تفرق بين نبات ونبات مختلف ألوانه " يسقى من ماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل "؟
وكم ألفاً من صنوف الحيوان والطير والحشرات في السهول والفيافي والقفار والوديان والغابات؟
وكم مليونا من البشر من مختلف الألوان واللغات والعقائد والأفكار؟
بل النبات الواحد والحيوان الواحد والإنسان الواحد.. كم فيه من معجزات الخلق؟
الزهرة الواحدة البديعة التناسق المعجزة التلوين. هل يفرغ الإنسان من تأملها؟
إن أمهر المصورين وأقدر الرسامين ليعجز عن الإحاطة " بالفن " الذي تمثله زهرة واحدة من تلك الزهور.
فإن ما فيها من تعداد الألوان، وتدرجها، وتناسقها، وما فيها من جاذبية للعين والحس، زائداً كله عن عنصر الضرورة الذي يستلزم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث ولا زيادة.. إن هذا كله لآية تبهر النفوس.
و " التخصص " الذي يميز عضواً من عضو في كيان النبات الجذر والساق والأوراق والزهور.. وكلها من حبة واحدة تبدو للعين شيئاً واحداً لا تخصص فيه ولا تمييز!
وعملية التمثيل الضوئي التي تحول " طاقة " الشمس إلى " مادة "!
(1/44)

وتوزع النبات على سطح الأرض بحسب توزيع الحرارة والبرودة والجفاف والرطوبة.. بل بحسب توزيع النور والظلام! فقد أثبت العلم أن " اختلاف الليل والنهار " بمعنى انتظام دورتهما التي يخلف فيها أحدهما الآخر، وبمعنى اختلاف طولهما كذلك.. هو الذي يوزع النبات على سطح الأرض! فلكل نبات زهرة. والزهرة تتكون في فترة الإظلام لا في فترة النهار! وكل زهرة تحتاج إلى فترة معينة من الظلام حتى تطلع! ومن ثم تتوزع أنواع النبات على أطوال الليل والنهار بحسب حاجة كل زهرة إلى الظلام! وإذا أخذت نباتاً يحتاج إلى ظلمة اثنتي عشرة ساعة لكي يزهر، وزرعته في مكان ليله لا يزيد عن عشر ساعات، فإنه قد ينبت، ولكنه لا يزهر، ومن ثم لا يصل إلى الإثمار!
والحيوان الواحد كم فيه من موافقات عجيبة ومعجزات؟!
الحواس وحدها معجزة. والجلد والشعر معجزة. والأنياب والأظافر معجزة. وجهاز الهضم والتنفس والإنسال كلها معجزات.
كل عضو مخصص لوظيفة. وهي كلها في الأصل بويضة واحدة أو حيوان منوي - في رأي العين - غير مميز الأجزاء.
والإنسان.. قمة الحياة على سطح الأرض وسيد المخلوقات فيها.. كم معجزة في خلقه؟
ودعك من خواصه " الحيوانية " كلها، وإن كان في كل منها ما يحير العقل ويذهل الفكر، من شدة الدقة وعجيب التناسق وعظمة القدرة التي تهيئ لكل خلق ما يصلح له وما يعينه على أداء وظيفته.
ودعك من أن هذه الخصائص التي يشترك فيها مع الحيوان قد ارتفعت في الإنسان وصارت أروع وأعجب وأدق وأكمل.
وانظر في خصائصه التي تفرد بها وتميز على كل الخلق. انظر إلى عقله وانظر إلى روحه. أي إعجاز. أي إعجاز!
ما العقل؟ كيف يفكر؟ كيف يصل إلى الحقائق؟ كيف يرتب بعضها على بعض ويستنبط بعضها من بعض؟
وما التفكير؟ كهرباء هو أم مادة؟ أم طاقة؟ وكيف تميزت عن الطاقات الأخرى كلها وتفردت عنها؟
وما الروح؟ ذلك المجهول؟
(1/45)

كيف يتسنى للإنسان الضعيف القوة، المحدود الطاقة، المحدود مدى الحواس، أن يتصل بالمجهول الأعظم ويقبس منه قبسات؟
كيف يحدث التليباثي (التخاطر من بعد) كما حدث لعمر بن الخطاب حين صاح يا سارية الجبل! وسمعه سارية على بعد ألوف الأميال؟
كيف يحدث الحلم التنبئي الذي يكشف جانباً من المجهول الذي لم يحدث بعد في محيط الحواس؟
بل كيف يحدث " المعلوم " من حب وكره، ونسيان وتذكر، وخصام وألفة، ونثر وشعر، وعمل وتفكير؟
* * *
بل نرجع إلى الوراء خطوة لنسأل:
ما تلك القوة العجيبة الكامنة في البذرة، فإذا هي تنمو، وإذا هي تخرج شطئاً ينفذ من باطن الأرض بقوة ليظهر على السطح، ثم يطول ويورق ويزهر ويثمر ثم يموت؟
وما تلك القوة العجيبة الكامنة في البويضة والحيوان المنوي، فإذا لقاؤهما المعجزة الكبرى التي تنشئ الحياة؟
بل ما تلك القوة الكامنة في الخلية الحية. الخلية المفردة الواحدة التي بدأت الحياة منها على سطح الأرض؟
بل ما تلك القوة العجيبة الكامنة في الخلية الجامدة أو التي تخال جامدة في " الذرة " المجسمة في المادة، أو المنطلقة في الإشعاع.
هل يعرف الإنسان ما تلك القوة أو يملك أن يصل إلى الأسرار؟
* * *
ذلك مبلغ الإنسان من " العلم " ومبلغه من " الحقيقة ".
ومع ذلك لا يعرف قدر نفسه، ويروح يشطح في الآفاق.
يريد أن يعرف " الحقيقة " الكبرى. يريد أن يحيط بذات الله. فهل يقدر؟
هب أن أحدا لم يمنعه ولم ينهه من التفكير.. فكيف يصل؟ بأية أداة وأية وسيلة؟
العقل؟
أو ليس العقل ذاته هو الذي قال للإنسان: إن المحدود لا يحيط بغير المحدود، والفاني لا يحيط بمكن لا يدركه الفناء.
فيم إذن تسخير العقل فيما يقول العقل ذاته إنه مستحيل؟
وهل وصل الناس إلى شيء حين سخروا عقولهم لذلك المبحث المستحيل؟
هل وصلت " الفلسفة " في جميع أطوارها وجميع محاولاتها إلى حقيقة واحدة مستقرة تكشف للناس عن المجهول؟ أم باءت كلها بالفشل الجازم والعجز المحتوم!
(1/46)

وهل هذه التخبطات التي كتبها الفلاسفة في شأن الله حقيقة بأن ينظر إليها عاقل ويوليها شيئاً من اهتمامه؟
وفيم هذا العناء كله؟! ما وراء النطح في الصخرة التي تحطم الرءوس؟!
أيريد أن " يصل " إلى الله؟ سبحان الله! فما له لا يصل عن الطريق المعبد المفتوح؟ ما له يلف ويدور، ويعود " كالمخووت " الذي ركبه الخبال!
يريد أن يصل إلى الله؟ أما يحس في أعماق نفسه السبيل؟ أما يترك العنان للفطرة وهي تصل به إلى هناك؟ أما يدع روحه تحلق وحدها، عارفة طريقها إلى النور الذي قبست منه وهي كائنة في علم الله منذ الآزال والآباد..؟
الطريق هو الإيمان!
والفطرة تعرف الطريق!
وما يحتاج الإنسان إلا إلى أن يدع فطرته على سجيتها. لا يكبلها بقيود مصطنعة من فلسفة منحرفة أو علم فطير. ولا يغشيها بركام الشهوات الغليظة والنزوات الهابطة التي تحجب شفافيتها وتمنع عنها النور.
وهي وحدها تهديه إلى الله.. لأن الله فطرها على الهدى إليه!
وإن أراد عوناً للفطرة وهي في الطريق إلى الله.. فليكن ذلك العون الأكبر هو تدبر آيات الخلق، والبحث عن آيات القدرة في صفحة الكون الحافلة بالمعجزات.
فذلك هو الذي يطيقه. وذلك هو الذي يعينه على السبيل.
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [37].
وآيات الله في الكون عميقة الغور جداً، وهي في الوقت ذاته معروضة في وضوح ويسر لكل عين متفتحة وكل قلب طليق.
(وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ) [38].
إن الكون كله آية الله. وفي كل شيء منه آية لمن أراد التذكر أو ألقى السمع وهو شهيد.
(1/47)

الليل والنهار. الشمس والقمر والأفلاك. السحاب والمطر. النبتة الحية الخارجة من الحبة الميتة (في ظاهر العين) والحطام الميت الذي ينتهي إليه النبات الحي. الأرض " الميتة " التي تخرج الحياة والحياة التي تفضي في الأحياء جميعاً إلى الموت. الإنسان الذي صوره الله فأحسن تصويره. الأرض التي بث فيها من كل دابة. التوافق بين الحياة والأحياء يبدو في الأشعة الكونية التي يرسلها الفضاء للأرض فلا تقوم بدونها الحياة، كما يبدو في النسب المضبوطة من البحر واليابس، والأكسجين والإيدروجين والنتروجين.. ومدى صلابة القشرة الأرضية، ومدى تأثر الأرض بالجاذبية، ومدى بعدها عن الشمس ومدى سرعتها أمامها.. إلى آخر هذه الموافقات.
والرسول الكريم ( يدعو الناس إلى تدبر آيات الله في الخلق. والقرآن الكريم يفصل هذه الآيات تفصيلاً، لا تكاد سورة واحدة تخلو من ذكر آية منها أو آيات..
(1/48)

(إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [39].
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [40].
(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [41].
(1/49)

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [42].
(1/50)

(وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ) [43].
وهكذا وهكذا لا تخلو سورة من إشارة عابرة أو مفصلة لآيات القدرة القادرة المبدعة المعجزة المدبرة المريدة.
والله هو فاطر هذه النفس البشرية العالم بدروبها ومنسرباتها، وبما يصلحها وما يصلح لها. وقد اقتضت حكمته أن تكون الفطرة ذاتها مهتدية إلى الله، بالطريقة الخفية التي هدى بها كل شيء إليه: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) [44] دونما كد ولا جهد ولا عناء في الاهتداء إليه، كما يسير الكهرب في الذرة في مساره المرسوم، وتسير الذرة في مادتها في مسارها المرسوم، وتسير الأرض والكواكب والأفلاك في مسارها المرسوم، لا تحمل عناء السير، ولا تشق نفسها في استكناهه، وإنما تسلم نفسها لله العزيز العليم..
(1/51)

كما اقتضت حكمته - وقد خلق للإنسان عقلاً ميزه به من سائر الخلق الذي نعرفه - أن يكون دور العقل الواعي في الاهتداء إلى الله مساندة الفطرة الخفية المسارب، و " توعية " مسارها (أي جعله واعياً واضحاً مفهوماً) ؛ ورسم لذلك منهجاً واضحاً وطريقاً مستقيماً.. هو تدبر آيات الله في الكون.
وحقاً إنه لكذلك.. فما يتدبر الإنسان هذه الآيات بوعي يقظ وقلب متفتح إلا هدته من فورها إلى الله، خالق الكون والحياة.
ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.. إن الله لم يكلف الناس أن يبحثوا في ذاته سبحانه. لم يكلفهم الجهد الذي يعلم - سبحانه - أنهم لن يقدروا عليه قط، وأن قصارى ما يحدث لهم حين يحاولون أن تنفجر طاقتهم وتتبدد، كما تنفجر طاقة الذرة التي انحرفت عن مسارها، فتتحطم وتحطم ما تلقاه في الطريق!
وحين نهى الرسول الكريم أتباعه عن أن يفكروا في ذات الله كيلا يهلكوا، لم يكن ( يحجر على تفكيرهم أو يضع عليهم القيود.
كلا! إنما كان يوفر جهدهم للنافع من الأعمال. كان يصون هذا الجهد أن يتبدد سدى، ويؤدي إلى الضلال. كان يريد للناس أن ينفقوا طاقتهم - بعد أن يقضوا حظهم من تدبر آيات الله في الكون والاهتداء إليه - في تعمير الأرض وزيادة " الإنتاج ". الإنتاج بمعناه الواسع الشامل العميق. الإنتاج الروحي والفكري والمادي. في ميدان العقيدة وميدان الجهاد وميدان العمل بمعناه الاصطلاحي المفهوم.
ولقد حدث ذلك بالفعل...
حين صان المسلمون طاقتهم أن تتبدد وتنفجر وتتناثر في أودية الضلال.. كان لهم إنتاج ضخم، هو أكبر إنتاج في التاريخ حين يقاس بمقياس الزمن ومقياس الرقعة ومقياس القيم ومقياس الحضارة المادية ومقياس العلم.. وكل مقياس يصلح للقياس.
(1/52)

ففي فترة قصيرة لا مثيل لها في التاريخ امتد العالم الإسلامي من المحيط إلى المحيط، وامتدت معه مبادئ الإسلام الشاملة للسماء والأرض و العمل والعبادة والدنيا والآخرة. وقامت " نظم " للحكم والسياسة والمال والاقتصاد غير مسبوقة من قبل، تحمل في أطوائها العدالة الاجتماعية، وتنشئ مجتمعاً مترابطاً متكافلاً متحاباً متواداً ظل ألف سنة على ترابطه وتكافله حتى بعد أن فسدت الحكومات وابتعدت عن روح الدين. وامتص الإسلام كل ما وجده نافعاً من الحضارات المادية السابقة له والمعاصرة له، ثم أعطاها الحياة.. فانطلقت تعمل في تعمير الأرض وقد اصطبغت بصبغة الإسلام وتشربت روحه، فصارت تعمل في الأرض وهي تتجه إلى السماء. وتبنى الإسلام كل ما وجده من العلم لدى الإغريق والهنود - من طب وفلك ورياضة وطبيعة وكيمياء.. إلخ، ثم أضاف إليه إضافات شتى بحيويته وقوته الدافقة الدافعة إلى الأمام..
ولم يكن " الفكر " الإسلامي عاطلاً ولا محجوراً عليه. وإنما كان - فيما عدا القلة الشاذة التي انحرفت بتأثير الفلسفة الإغريقية بعض الانحراف (لا كله) - يتجه إلى خير الناس في الأرض، ويسعى إلى سعادتهم بكل وسائل السعي. ويرى أنه حين يبحث في العلوم - البحتة أو التطبيقية - وحين يتعمق في الفقه الذي يشمل سياسة الحكم وسياسة الاقتصاد وموقف الفرد وموقف الدولة وموقف المجتمع وعلاقات بعضهم ببعض في كل صغيرة وكبيرة من شئون الحياة اليومية والحياة العامة، كما يشمل العبادات بكل تفريعاتها، وحين يعمل في ميدان الجمال الفني في صوره التي كانت ميسرة لهم من رسم وزخرفة وعمارة وشعر ونثر.. إلخ يكون قد قام بواجبه الأمثل وحقق وجوده الكامل. وأنه ترجم التدبر في آيات الله إلى فكر نافع وعمل نافع وقيم حية متحركة في واقع الأرض، لا في الأبراج العاجية، ولا في عالم المثاليات.
وكان ناجحاً في رسالته التي استمدها من كتاب الله وسنة رسوله.
* * *
(1/53)

ولكننا نقلب صفحة أخرى لقوم لم ينتصحوا بنصيحة الله والرسول..
قوم في أوربا راحوا ينفقون طاقة علمائهم ومفكريهم في البحث في ذات الله وما أشبه ذلك من الأمور.
ونعرض لإنتاجهم الفكري في هذا الباب عرضاً " موضوعيا " فنجد لا شيء!
ومن كان في شك من ذلك فليقرأ كل ما كتبته الفلسفة في هذا الموضوع، ثم ليسأل نفسه: هل زاد معرفة بالله عن هذا الطريق؟ هل " وضحت " له المعالم؟ هل " وصل " إلى شيء لم يكن يصل إليه وهو يتدبر آيات الله في الكون ويفتح بصيرته على القدرة المعجزة في كل اتجاه؟
أم العكس هو الصحيح؟ اختلطت في ذهنه الشيات والملامح، والتصورات والأفكار؟ وتاه في محيط من الجدل المتناقض الذي لا يركن إلى قرار؟!
صورة في ذهني تتمثل لعمل أولئك الفلاسفة! تلك مرآة لامعة يبصر فيها الإنسان وجهه بكل دقائقه، ولكن فيها قطعة " مغبشة " هنا أو قطعة مطموسة هناك، فيروح هذا " الفيلسوف " يحاول أن " يجلوها " فيمسح بأصابعه وجه المرآة، فإذا القذر من أصابعه قد غبش الصفحة كلها، وإذا الصورة التي كانت واضحة لم تعد تبين!
ودعك من القيمة الموضوعية لهذه الأفكار، وانظر كيف كانت النتيجة.. كيف كان عاقبة الذين أبوا أن ينتصحوا بأمر الله ويهتدوا بسنة رسوله.
لقد " حلق " المفكرون والفلاسفة في أبراجهم العاجية وتركوا الناس في الأرض.. تركوا الناس يأكلهم الظلم والإقطاع والجهل والجمود والتفكك. فهذه المظالم ترتكب كل يوم، والكادحون تُمتص دماؤهم وهم صاغرون مغلوبون على أمرهم.. بينما السادة المفكرون في جدل أخرق لا هو يهتدي إلى نتيجة، ولا هو ينزل إلى الأرض ليرى آلام الناس ويحاول أن يبحث لهم عن علاج..
وكفر الناس.. وحق لهم أن يكفروا..
كفروا بالفلسفة " المثالية " التي تحلق في عالم الخيال وعالم المثل، وتترك واقع الأرض المنتن ينغل فيه الدود..
وقاموا يحطمون هذه " المثالية " المتعفنة التي لا قلب لها ولا ضمير.
(1/54)

ومع المثالية الخاوية حطموا - مع الأسف - فكرة الله والعقيدة.
حطموها، لأن هذه المثالية كانت تدور حول فكرة الله، وتزعم أنها تصل إلى " جوهر " العقيدة.
وعلى أنقاض فكرة الله والعقيدة، وأنقاض الفلسفة المثالية الخاوية قامت فلسفة مادية جاحدة لا تعرف الله ولا تؤمن بالعقيدة.
وتشعبت تلك الفلسفة حتى شملت كل جوانب الحياة..
دارون، وماركس، وفرويد، والتجريبيون والسلوكيون.. التفسير المادي والتفسير الاقتصادي للتاريخ.. والوجودية والانحلالية واللادينية واللاخلقية واللا.. إنسانية!
ومضت أوربا في طريقها المجنون الذي لا ينتج إلا الدماء في نهاية الطريق.
إن أوربا لم تتقدم في ميدان العلم والعمل إلى حين أخذت بشق من نصيحة الرسول الكريم، فانتبذت التفكير في ذات الله، ووجهت طاقتها لتعمير الأرض في واقع الحياة.. وخطت خطوات جبارة في هذا السبيل.
ولكنها - مع الأسف - لم تأخذ نصيحة الرسول كاملة، ولم تهتد بهديه السليم. لم تأخذ منها عبادة الله، والتوجه إلى الله.
ومن ثم انطلقت - بقوتها المادية الهائلة النامية المتزايدة - انطلقت تعبد الشيطان.
(وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ)!
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)!
وكانت النتيجة هي القوة المادية الهائلة التي تتمتع بها أوربا، والضلال المبين الذي تغرق فيه.
الرأسمالية هنا والشيوعية هناك..
كلاهما انحراف عن استقامة البشرية، وكلاهما قائم على أسس مادية خالصة لا تؤمن بالله الإيمان الحق. ولا تحكمه في أمر من أمور البشرية.
الحقيقة عندهم هي ما تستطيع الحواس أن تدركه. وكل ما لا تستطيع الحواس إدراكه فهو ساقط من الحساب.
(1/55)

وأمور العقيدة في عالم الغرب الرأسمالي أمور " تستعمل من الظاهر " وليس لها في واقع الحياة نصيب. لا في التوزيع الاقتصادي العادل الذي يرضي الله ورسوله، والذي لا يكون فيه المال " دولة بين الأغنياء منكم " ولا في الأخلاق التي ترفع الإنسان عن مقاذر الشهوة وحيوانية الغريزة.
وأمور العقيدة في الشرق الشيوعي مصادرة بأمر الدولة، حتى يكون الولاء كله " للدولة ". وحين رفع الحظر هناك عن الدين والعقيدة - لأسباب سياسية، للدعاية في الشرق الإسلامي خاصة - فقد رفع بعد أن صار الإلحاد يدرس رسمياً في المدارس، وتدعو له الكتب والصحافة والسينما والإذاعة وكل وسائل الدعاية، وصار الشباب الذي تربى في ظل المذهب محصناً ضد " جرثومة " الدين!
والنتيجة الأخيرة هي هذا الصراع المدمر الرهيب بين الشرق والغرب، وبين كل قوى الأرض.
حربان في ربع قرن.. والثالثة على الأبواب!
ما أحوج الناس إلى حكمة الرسول الكريم ( .. (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عن ابن عباس رضي الله عنهما " تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله ".
[34] عن كتاب " مع الله في السماء " تأليف الدكتور أحمد زكي.
[35] عن كتاب " مع الله في السماء " تأليف الدكتور أحمد زكي.
[36] المرجع السابق.
[37] سورة آل عمران [ 190 - 191 ].
[38] سورة غافر [ 81 ].
[39] سورة الأنعام [ 95 - 99 ].
[40] سورة البقرة [ 164 ].
[41] سورة الأنعام [ 59 ].
[42] سورة الروم [ 20 - 27 ].
[43] سورة يس [ 33 - 44 ].
[44] سورة طه [ 50 ].
تعبد الله كانك تراه
".. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " [45].
* * *
الإحسان.. أن تحسن الشيء فتجعله حسناً.
والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه!
(1/56)

كان السؤال قبل ذلك عن الإسلام، ثم عن الإيمان. الإسلام درجة والإيمان بعد ذلك درجة، وهذه هي درجة الإحسان. لكي يكون إسلامك حسناً وإيمانك كذلك.
تعبد الله كأنك تراه..
تعبير عجيب يحمل في بساطته حقيقة هائلة.
وأروع ما يروعني - وقد يكون هذا تأثراً - أنه يفاجئك وأنت تقلب وجهك في الآفاق، باحثاً عن الإجابة، يفاجئك بالقبلة التي ينبغي أن تتجه إليها! فإذا أنت - على غير توقّع منك - ترى النور..
النور الذي يبهر العين والقلب ويبهر الروح.
ترى الله...
(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
* * *
القاعدة الكبرى التي يقيم عليها الإسلام بناءه كله: هي أن تعبد الله كأنك تراه.
يقيم عليها نظمه جميعاً، وتشريعاته وتجيهاته جميعاً..
نظام السياسة. نظام الاقتصاد. نظام المجتمع. موقف الفرد من الدولة وموقف الدولة من الفرد. نظام الأسرة. معاملات الأفراد، معاملات الدول في السلم وفي الحرب.. كل شيء في هذه الحياة!
ولقد يخطر للإنسان - أول ما يخطر - أن هذه عبادة! أليست هي: أن " تعبد الله "؟!
بل قد يخطر للإنسان أنها العبادة القصوى، التي ينقطع فيها الإنسان عن كل شيء في الحياة، ليخلو إلى ربه، يخلو له بوجدانه وحسه وقلبه.. هنالك في عزلة عن الآخرين!
وإنها لعبادة حقاً، ما في ذلك شك، وإنها لأقصى العبادة كذلك.
ولكنها - وهي أقصى عبادة العبد للرب - لتعود من عزلتها وخلوتها، فتتسع وتتسع حتى تشمل كل محيط الإنسانية!
بل إنها - منذ لحظتها الأولى، وفي خلوتها - لهي النور الساطع الذي يضيء جنبات الحياة، في ذات اللحظة التي يضيء فيها جنبات النفوس.
حقيقة واحدة ظاهرة وباطنة، تشمل الفرد وحده وتشمله في محيط الجماعة، فإذا هي شعور وسلوك، وعبادة وعمل في آن!!
الإسلاك كله هذه الحقيقة.
(1/57)

الإسلام - وحده - هو الذي يجعل العبادة عملاً والعمل عبادة، والذي يربط النفس والجسم، والسماء والأرض، والدنيا والآخرة كلها في نظام.
* * *
تعبد الله كأنك تراه..
إنه عالم واسع يفيض بالحب، ويفيض بالتقوى، ويفيض بالأمل، ويفيض بالرهبة، ويفيض بالنور.
الإنسان في مواجهة مولاه. في مواجهة الذات العظمى الخالقة القاهرة المستعلية المشرفة على جميع الكائنات. والنور - نور السماوات والأرض - يغمره من كل جانب، وينفذ إلى أعماقه، فيضيء ثنايا قلبه، ويستقر فيه.
الإنسان في مواجهة مولاه... بنفسه جميعاً. بكل جوارحها وكل خلجاتها. بظاهرها وباطنها، بدقائقها ولطائفها، بأسرارها وما هو أخفى من الأسرار..
وكلها مكشوفة لله.. " فإن لم تكن تراه فإنه يراك "!
يا الله! إنها الرهبة والقشعريرة تملأ النفوس.
عين الله البصيرة النافذة إلى كل شيء في هذا الوجود، إلى كل نأمة وكل خاطرة وكل فكرة وكل شعور.. إنها تراك وترقبك. سواء كنت متيقظاً لهذه المراقبة أم غافلاً عنها. وسواء أعددت نفسك لها أم كنت من المعرضين.
وإنه لخير لك أن ترى الله كما يراك.. خير لك أن تتوجه إلى حيث ترقبك العين البصيرة النافذة. فتأمن المفاجأة!
إنها الرهبة في الحالين.. الرهبة في حضرة المولى العزيز العليم القوي الجبار.. ولكنها الرهبة والأمل هنا، والرهبة والذعر هناك!
الرهبة والأمل وأنت متوجه إلى الله، مخلص له قلبك، عامل على رضاه..
والرهبة والذعر حين تتوجه بعيداً عنه وهو من ورائك محيط! فخير لك إذن أن تعبد الله كأنك تراه!
وحين تتوجه إليه بنفسك جميعاً، ظاهرها وباطنها، وسرها ونجواها.. وحين تتوجه إليه وفي نفسك شعور التقوى الخاشعة والرهبة العميقة.. فلا شك أنك ستنظف نفسك وتحرص على نظافتها.
إن الله لا تخفى عليه خافية. فكيف تستتر منه وأنت مقبل عليه؟ كيف يمكن أن تعمل عملاً واحداً لا يراه؟
(1/58)

(وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [46] (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [47] (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) [48] (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) [49].
يا الله! حتى خائنة الأعين! الخائنة التي يظن الإنسان أنه وحده الذي يحسها ويعرفها، وألا أحد في الوجود كله يراها أو يفهمها؟
حتى الوسوسة التي لا يطلع عليها أحد، وصاحبها نفسه قد ينساق معها دون أن يتيقظ لها؟
حتى السر. بل ما هو أخفى من السر. الخطرات التائهة في مسارب النفس، لا تصل إلى ظاهر الفكر، ولا يتحرك بها اللسان للتعبير!
يا الله! إنه لا ستر إذن ولا استخفاء.
كل نفسك مكشوفة وأنت مقبل عليه. أفلا تنظف نفسك إذن قبل الاتجاه. ألا تزكيها؟
(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا).
فأما إن كنت معرضا عنه غير متوجه إليه. إن كنت لا تنظف له نفسك ولا تزكيها. فلن يغير ذلك شيئا من الأمر!
إنه يراك! يراك بكل ما تصنع بنفسك من " تدسية " ومن سوء. يراك بخبائثك وأوضارك. يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
يراك. فما الفائدة في التستر والاختفاء؟ بل ما الفائدة من الإعراض والانصراف؟ الملك غير ملك الله تذهب؟ و " بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ "؟! " أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ". أم حسبوا أنهم معجزون في الأرض؟ أم حسبوا أن يفلتوا من العقاب؟
كلا! ما شيء من ذلك بمستطاع. فخير لك أن تراه وهو يراك!
وإنه لا يكلفك من أمرك رهقاً!
(هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [50]. (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) [51]. (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ..) [52].
(1/59)

إن رحمة الله واسعة. وإنه ليعلم ضعف الإنسان وما ركب في طبيعته من حب الشهوات: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ..) [53]. ويعلم أن الجهد شاق والسفر طويل.
لذلك يقول: " فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ "..
ويقول: " ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ". ادعوني لكل شيء! وادعوني - فيما تدعونني إليه - لأعينكم على تنظيف أنفسكم من وعثاء الطريق!
هل جربت أن تستعينه في هذا الأمر؟
صدق الله وصدق وعده الحق.
ما يتوجه له إنسان يستعينه على نظافة النفس وطهارة القلب، إلا استجاب له وأعانه على ما يريد!
وما هو بسحر ساحر! ولكن هكذا يحدث حين يتجه القلب إلى الله ويخلص في دعواه. إنه يجد الأمر عليه هيناً، ويجد نفسه أكبر من المغريات وأقوى من المعوقات. ويحس - إحساساً ملموساً مجسماً - أن الله هو الذي يعينه وييسر له السبيل!
ومع ذلك كله فقد تضعف في الطريق وتخور قواك. فهل يلفظك من رحمته ويحل غضبه عليك؟
كلا! ما دمت لم تنكص على عقبيك ولم تتنكب الطريق.
إنه يغفر. يغفر الذنوب جميعا، وسعت رحمته كل شيء.
(وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [54]
(إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) [55].
(1/60)

(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) [56]
كلا! لن يلفظك من رحمته ما دمت باقياً على الطريق. وما عليك إلا أن تقوم من عثرتك وتنفض ثوبك وتتجه إليه من جديد...
* * *
وحين تتوجه إليه. حين ترقبه كأنك تراه. حين تنظف نفسك وتحرص على ألا تتلوث في الطريق. حين تحاسب نفسك على كل صغيرة وكبيرة خشية ان تكون قد حدت. حين تراجع كل عمل عملته وكل كلمة قلتها وكل خاطرة وسوست بها نفسك وكل حركة تحركتها جارحة من جوارحك..
حينئذ يستقيم الأمر كله في هذه الحياة.
أمر الحاكم والمحكوم. والفرد والمجتمع. والمرأة والرجل. والوالد والولد. والأمة والأمم على أوسع نطاق.
كيف يظلم الحاكم حين يرقب الله كأنه يراه؟ كيف تتجه نفسه إلى الشر والبطش والله يقول: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [57] (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [58] وكيف يضع في مكان العدل الذي يطلبه الله نزواته هو وهواه؟
والعدل بالنسبة للحاكم ميدان واسع فسيح، يشمل كل سياسة الحكم، وسياسة المال، وكل معاملاته " الرسمية " ومعاملاته " الشخصية ". وهو مأمور في كل منها أن يرقب الله، ويعبده كأنه يراه.
لا يمكن حينئذ أن يتعدى حدود الله أو يعتدي على حرمات الله.
فلا يمكن مثلاً أن يعلن الحرب أو يبرم السلم إلا في سبيل الله و في حدود ما بيَّن الله. والله يقول: (وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). ويقول: (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). ويقول: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ).
(1/61)

ولا يركن إلى أعداء الله ولا يتخذ بطانة منهم فالله يقول: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً). ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ).
وهكذا وهكذا حتى يشمل ذلك سلوكه كله، وتصرفاته كلها، منذ يتسلم الأمانة حتى يسلمها إلى الله أو إلى الناس. لا يفلت عمل واحد ولا فكرة ولا رغبة من رقابة الله ورقابة الضمير.
* * *
والمعبود كذلك حين يعبد الله كأنه يراه.
فعليه عمله يؤديه بالأمانة اللازمة والاجتهاد الواجب. لا يخدع ولا يغش ولا يتكاسل ولا يتشاغل. ولا " يسدد الخانات " دون إنتاج حقيقي. ولا يعمل على الضرر وهو عالم به. ولا يبغي الفتنة ولا الفساد في الأرض. ولا يستغل مال الدولة. ولا يطمع فيما ليس له.
ولا يقبل الظلم كذلك! فهو مكلف أن يذود الظلم عن نفسه وعن غيره، وإلا فما هو بمؤمن بالله، ولا هو يعبده كأنه يراه! (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً).
والزوج الذي يرعى الله في زوجته. والزوجة التي ترعى الله في زوجها. والوالد والولد. والجار والصديق. والجندي والقائد. والصغير والكبير...
إن المجتمع كله كله... لا شيء فيه البتة يخرج من هذه الكلمة الصغيرة التي تشمل كل شيء: تعبد الله كأنك تراه!
* * *
(1/62)

وحين كان المسلمون الأوائل يعبدون الله كأنهم يرونه كانت تلك الأمة العجيبة الفريدة في التاريخ! (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).
كان الحاكم يقول: " اسمعوا وأطيعوا ما أطعت الله فيكم. فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ".
وكان يقول: " إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني "
وكان وهو يحارب كسرى وقيصر، ويواجه أكبر إمبراطوريتين في التاريخ، لا يضيق بالتقويم الذي طلبه من الناس بنفسه. فيقبل من رجل من المسلمين أن يقول له: لا سمع لك علينا اليوم ولا طاعة حتى تبين لنا كذا وكذا. فلا يغضب، بل يجيبه في الحال إلى طلبه ويبين له.
وكان يقول: لو أن بغلة بصنعاء عثرت لرأيتني مسئولاً عنها!
وكان يعمل على توطيد العدالة الاجتماعية في المجتمع حتى أمكنه - لأول مرة في التاريخ - أن يلغي الفقر من المجتمع، كما حدث أيام عمر بن عبد العزيز! وكان الجندي يقول: أليس بيني وبين الجنة إلا أن أقتل هذا الرجل أو يقتلني؟ ثم يقتحم المعركة ليصيب إحدى الحسنيين!
وكان القائد يُعزل في زهوة النصر فلا يضطغن ولا يتمرد ولا يترك ميدان القتال. وإنما يستمر يجاهد في سبيل الله جندياً لا إمارة له ولا سلطان.
وكان البائع يستحي من الله أن يكسب ما ليس له بحق، فيرد نقوداً أخذها صبيه دون علم منه من أحد المشترين. ويصر على ردها إليه حتى والمشتري يحلف بالله أنه دفعها راضياً وأن البضاعة في نظره تستحق. وكان الزوج يعاشر زوجته بالمعروف، والزوجة تصون عرض زوجها في غيبته. فيذهب إلى ميدان القتال ويغيب بالشهور وهو مطمئن إلى بيته وعرضه وماله. لا يقربها السوء!
وكان المجتمع نظيفاً...
لا تقوم علاقات الناس على الغش في البيع والشراء. لا يعهد الإنسان إلى العامل أو الصانع بالعمل وهو متوجس منه خيفة أن يغشه أو يدلس عليه أو يسرق الأمانة ويذهب إلى غير رجوع!
(1/63)

لا يتحدث الرجل إلى الرجل وهو يعلم أنه يكذب عليه ويخدعه. ويبادله في الوقت ذاته الكذب والخداع!
لا يكذب الوالد على أبنائه فيعلمهم الكذب بالقدوة السيئة. ولا يكذب الابن على الوالد، لأنه لا يتعامل معه، وإنما يتعامل مع الله!
ولا يسرق الشاب عرض امرأة متزوجة أو فتاة غريرة. ولا تخرج الفتاة متبرجة في سوق الفتنة تحاول أن توقع الشباب!
لم يكن الناس ملائكة! كانوا بشراً ما يزالون! ولكنهم بشر مستقيمو الفطرة لا عِوَج في نفوسهم ولا التواء. متحابون إلى الله. متعاونون على البر والتقوى لا متعاونون على الإثم والعدوان.
وكانت هناك جريمة.. فإن وجه الأرض لم يخل من الجريمة في وقت من الأوقات. ولكنها كانت الشذوذ الذي يثبت القاعدة. ولم تكن القاعدة هي الشذوذ!!
* * *
ومن ثم انطلقت هذه الأمة تنشئ تاريخاً لم يسبق في التاريخ!
ليس الفتح وحده هو الذي يلفت النظر، وإن كان حقيقاً بالتسجيل في سرعته الخاطفة التي لا مثيل لها من قبل ولا من بعد في التاريخ. ففي خمسين عاماً كان العالم الإسلامي الذي بدأ من لا شيء قد امتد من المحيط للمحيط. وكان كله - أو معظمه - قد اعتنق العقيدة الجديدة، وانقلب محارباً في سبيلها لا يهدأ حتى يراها قد بلغت إلى أفق جديد!
وإنما الذي يلفت النظر هو تلك القمم العالية التي بلغها في كل اتجاه. قمم العدالة الشامخة والعظمات النفسية والروحية التي تتكاثر وتتواكب في هذه الحقبة الصغيرة من التاريخ.
واتساع الجوانب وتعدد الآفاق. في الحرب والسلم. في السياسة والاجتماع. في الحضارات المختلفة التي استوعبها الإسلام، ومثلها تمثيلاً رائعاً فامتص ما فيها من خير، وألقى بالزبد إلى الفناء.
في الروابط القوية المتينة التي شملت العالم الإسلامي كله، وفاضت منه إلى غير المسلمين حتى وهم يكيدون للدين. وحتى وهم يحاربونه أبشع حرب وأدنسها في أيام الصليبيين.
(1/64)

هذه الروابط المتينة التي صنعت معجزة لم تتكرر في غير الإسلام. إذ فسدت الحكومة - مبكراً، على أيدي الأمويين والعباسيين - ولكن المجتمع ظل إسلامياً، متماسكاً، متكافلاً، تربطه روح الأخوة والمودة ما يقرب من ألف من السنين!!
* * *
ذلك كله كان أثر العبادة الحقة، التي تعبد الله كأنها تراه!
ولقد كان القدوة الكبرى في ذلك دون شك هو الرسول الأعظم، منشئ هذه الأمة ومربي قادتها وجنودها على هدي الله وهدي الإسلام.
كان ( يرى الله كل لحظة من لحظات حياته الطويلة العريضة الشاملة الفسيحة.
كان يراه وهو يتلقى الوحي عنه - سبحانه - فتطيقه نفسه وتستوعبه إلى الأعماق.
وكان يراه وهو ينطلق في مناكب الأرض يدعو الناس إلى هذا الوحي لكي يهتدوا به إلى الله.
وكان يراه وهو في بيته زوجاً وأبا ورب أسرة.
ويراه وهو مع الناس وقريباً ومعلماً وهادياً إلى سواء السبيل.
ويراه وهو يقاتل في سبيل الله، وهو يعقد السلم ويرجع من جهاد إلى جهاد.
ولا نتحدث عن العبادة في الخلوة فهي في غير حاجة إلى حديث.
يراه. ويعيش معه كل لحظات حياته، وكل مشاعر نفسه، وكل خلجاتها وكل سرها ونجواها.
ولا تضعف نفسه عن التلقي، ولا يضعف قلبه عن استيعاب النور الذي يغمره كلما رآه.
هكذا كان رسول الله ( وخاتم النبيين وسيد المرسلين
* * *
ثم كان أصحابه الذين صنعهم على عينيه، ورباهم تربية خبير عليم.
كانوا يرون الله بقدر ما تطيق نفوسهم وبقدر ما تصطبر على الأفق الأعلى المشرق المضيء الذي لا تحتمله النفوس، إلا أن تقبس قبسات من فيض الله الغامر، وقبسات من الرسول.
ثم كانت نفوس على مدار الزمن تتفرق أحياناً، وتجتمع أحياناً، تعيش على حب الله والعمل في سبيله، وعبادته كأنها تراه.
(1/65)

وما تزال هذه النفوس حيثما لقيها الإنسان، يحس في الحال بالفارق الحاسم بينها وبين الذين لا يعبدون الله، أو الذين يعبدونه على حرف فإن أصابهم خير اطمأنوا به وإن أصابهم شر انقلبوا على أعقابهم.. خسروا الدنيا والآخرة.
تحس على الفور حين تلقى أحداً منهم أنك أمام " إنسان ". إنسان بهذا المعنى الذي كرمه خالقه وفضله على كثير ممن خلق. إنسان تأنس إليه وتستريح عنده، تستريح في تعاملك معه وفي علاقاتك. تستريح إلى الاستقامة النظيفة التي لا عوج فيها ولا التواء.
وتحبه..
لا تملك إلا أن تحبه ولو خالفك في أفكارك وأعمالك ومشاعرك واتجاهاتك.
تحبه لأن فيه قبسة من نور الله... وتحاول - إن استطعت - أن تقفو خطاه..
ومن ثم كان حرص الإسلام ونبي الإسلام، وهو يعلِّم الناس دينهم. أن يبين لهم الإحسان. ويصفه لهم في أخصر لفظ وأجمله. " تعبد الله كأنك تراه ". ويوقظ قلوبهم بوجدان التقوى وخشية الله: " فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".
ومن ثم كذلك كان حرص الإسلام ونبي الإسلام، على ألا يقف الناس عند أول مراتب الإسلام ولا أول مراتب الإيمان. إنما يحاولون بلوغ الإحسان، ويحاولون على الدوام!
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1/66)

[45] رواه مسلم. من حديث طويل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: " بينما نحن جلوس عند رسول الله ( ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ( فأسند ركبتيه ووضع كفيه على فخديه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله ( : الإسلام أن تشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.. ".
[46] سورة ق [ 16 ].
[47] سورة غافر [ 19 ].
[48] سورة طه [ 7 ].
[49] سورة الحاقة [ 18 ].
[50] سورة الحج [ 78 ].
[51] سورة البقرة [ 286 ].
[52] سورة التغابن [ 16 ].
[53] سورة آل عمران [ 14 ].
[54] سورة آل عمران [ 134 - 136 ].
[55] سورة الفرقان [ 70 ].
[56] سورة الزمر [ 53 ].
[57] سورة المائدة [ 8 ].
[58] سورة النساء [ 58 ].
[59] رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وليرح ذبيحته
" إن الله كتب الإحسان على كل شيء ؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته " [59].
* * *
يا الله! يا رحمة نبيه..!
" وليرح ذبيحته ".. ومتى؟ وهو مقدم على ذبحها!!
ألا إنها رحمة أنبياء. ألا إنها روح الله.
إنه مرتقى للمشاعر البشرية يبلغ القمة التي ليس وراءها شيء. إلا ذلك النور الأعظم الذي ينير الكون كله وينفذ إلى قلوب الكائنات.
إنها الرحمة التي لا تقف عند الأناسى من الخلق، ولا يحكمها انحياز الإنسان لنفسه واعتداده بجنسه. وإنما تتعداها إلى المجال الواسع الفسيح الذي يشمل كل الأحياء في الكون.
(1/67)

ثم لا تقف عند هذا المدى - وهو في ذاته قمة عالية - وإنما ترتقي درجة أخرى!
فالرحمة بالأحياء درجة " مفهومة " على أي حال، سواء وفق إليها القلب البشري أم انحرف عنها وشذ.
مفهوم أن تقول لي: لا تقتل هذا العصفور. فإنه ضعيف مسكين. وهو جميل لطيف لا يستحق القتل.
ومفهوم أن تقول لي: لا تقتل هذه الفراشة الطائرة القافزة الرشيقة، فإنك لن تستفيد شيئاً من قتلها، وهي في رشاقتها اللطيفة جمال يحسن أن تمتع به حسك وروحك.
بل مفهوم أن تقول لي: لا تقتل هذه الزهرة الجميلة - حتى إن كانت لا تتألم للقتل - فهي على غصنها هكذا جميلة.. أجمل منها في يدك أو في عروة ثيابك.
كل ذلك مفهوم. والقلب البشري الطيب يمكن أن يوجه إليه في يسر، فيعتاده فيصبح من طباعه.
ولكنها درجة - وراء هذا المفهوم - أعلى وأشف - أن أقول لك: هذه الذبيحة التي ستذبحها، والتي لن تكون حية بعد لحظات.. أحْسِنْ ذبحتها ولا تطل آلامها ولا " تمتها موتات " كما ذكر البخاري في حديث قريب من هذا الحديث [60].
وليرح ذبيحته!
إنها كلمة تهز الوجدان هزاً وهي تذبح. وهي تساق إلى العدم. إلى الفناء. إلى حيث لا توجد ولا تشعر.
ما القيمة " العملية " لإراحة الذبيحة هذه الثواني المعدودة التي تنتقل فيها من عالم الوجود إلى عالم الفناء؟ بل ما قيمة إراحتها وأنت مقبل على إيلامها أشد ألم يمكن أن تتعرض له وهو الذبح؟
في الظاهر.. لا شيء!
وفي الباطن.. كل شيء!
إن الذبيحة ميتة ميتة. أرحتها أم لم ترحها. وهي متألمة متألمة، سواء قطر قلبك رحمة بها أم كنت تذبحها مجرد القلب من المشاعر متلبد الوجدان. وهي لن تلقاك بعد اليوم فتشكو إليك عنفك معها، إن كنت ممن يفهمون عن هذه الخلائق، ويجاوبون ما يصدر عنها من الأحاسيس. ولن يضيرها كثيراً - وهي مسوقة إلى الفناء الكامل الوشيك - إنها ذاقت - قبل ذلك بلحظة - شيئا من الغلظة أو شيئاً من الجفاء!
إذن فما القيمة العملية بالنسبة للذبيحة.. لا شيء!
(1/68)

ولكن القيمة " العملية " لك أنت.. كل شيء!
وهل ثمة شيء أكبر من أن يكون لك قلب إنسان؟!
* * *
وكذلك الشأن في أمر القتل..
" فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ".
والمسلم - المخاطب بهذا القول من جانب الرسول ( لا يقتل إلا بالحق: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) [61] (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً.. وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) [62] (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) [63] " كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله " [64].
لا شبهة إذن في أن الشخص الذي يقتله المسلم مستحق للقتل. مستحق لأنه كافر، أو مرتد، أو قاتل، أو زان محصن، أو مفسد في الأرض، مثير للفتنة، خارج على السلطان القائم على شريعة الله.
ولا شبهة في أن هذا القتل يتم بإذن من الله. بل بأمر منه وتحريض: (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) [65]
ومع ذلك فالرسول ( يأمر بإحسان القتل!
ونعود إلى قصة الذبيحة فنراها تنطبق مرة أخرى على القتيل.
إن القتيل لن يستفيد شيئاً من أن تحسن قتلته. فهو مفارق الدنيا. والألم واقع به ما له عنه من محيص. فيستوي أن تحسن أو لا تحسن أو أن الفارق في الحقيقة ضئيل.
فما القيمة العملية من إحسان القتل بالنسبة للقتيل؟ لا شيء بطبيعة الحال!
ولكن القيمة الكبرى - مرة أخرى - هي لك أنت. هي أن يكون لك قلب إنسان!
* * *
ولكن حديث الرسول الكريم لا يقف عند هذين الأمرين: الذبحة والقتلة، وإنما يسوقهما فقط على سبيل المثال.
وبسبب هذين المثالين قد يغلب على الظن أن الرحمة وحدها هي المقصود من الحديث.
(1/69)

ولكن الأمر ليس كذلك. فالمقصود هو " الإحسان ". والرحمة صورة من صور الإحسان.
" إن الله كتب الإحسان على كل شيء " والإحسان - هنا، كما في الحديث السابق - هو الأداء الحسن. الأداء الكامل. الأداء المتقن. الأداء الجميل.
والمثالان المذكوران هما المشير الذي يبين الاتجاه. الاتجاه إلى " الإنسانية ".
إن الخلاصة المستفادة من المثالين: أن الإنسان لا ينبغي أن يندفع مع دوافعه الطبيعية ويترك لها العنان. إنما ينبغي وهو يأخذ في التنفيذ أن يهذب الوسائل وينظف الأداء، ليكون جديراً بتكريم الله له والخلافة في هذه الأرض.
ومن ثم فالحديث واسع شامل يشمل كل عمل وكل فكرة وكل شعور.
إنه بنص اللفظ يشمل " كل شيء ". هكذا على الاتساع. وهو يعبر عن فكرة إسلامية أصيلة، أو فكرتين تلتقيان عند هدف واحد.
أن الإسلام لا يكتفي بأداء الأعمال - كل الأعمال - على أية صورة، وإنما يتطلب " الإحسان " في الأداء.
وإنه لا يقنع من الناس أن يؤدوا ضروراتهم بلا زيادة، بحجة أنها ضرورة، وإنما يتطلب الإحسان في التنفيذ.
المعنى الأول واضح في قول الرسول ( : " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه " [66] وواضح كذلك في أمر الذبحة والقتلة.
فالمطلوب هو الإتقان الذي تصحبه مشاعر الإنسانية. ويصحبه الإحساس بالله في قرارة الضمير، والعمل من أجل خشيته ومن أجل مثوبته ورضاه. " تعبد الله كأنك تراه ".
والمعنى الثاني واضح في سيرة الرسول وأحاديثه الكثيرة التي تهدف إلى تهذيب النفس، خاصة وهي تؤدي ضروراتها الغليظة التي ليس عنها محيص.
ونضرب مثالين من أدق الأمثلة وأدلها على ما نريد: قضاء " الضرورة " وشئون الجنس.
" عن أبي سعيد الخدري ( أن النبي ( قال: لا يتناجى اثنان على غائطهما، ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه، فإن الله يمقت ذلك " رواه أبو داود وابن ماجه.
(1/70)

" عن جابر ( عن النبي ( : اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق والظل " رواه أبو داود وابن ماجه
وعن أبي أيوب: " إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره. شرقوا أو غربوا " رواه البخاري.
" وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ( : من لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها في الغائط كتب له حسنة ومُحي عنه سيئة " رواه الطبراني.
والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة من أن تورد كلها. وهدفها كلها واحد. هو تهذيب القيام بهذه الضرورة، وإحاطتها بآداب معينة تلطف غلظتها وتخفف من معنى " الضرورة " فيها. إذ تجعلها سلوكاً وأدباً فيه " اختيار " وترفع.
وقد لا تبدو لنا اليوم - الدلالة الكاملة لهذه التوجيهات. إذ صار لقضاء الضرورة أدوات نظيفة ووسائل مهذبة. ومع ذلك فما زال في المدينة - وفي العاصمة ذاتها - قوم يقضون حاجاتهم على قارعة الطريق وأمام الناس. أما الريف...!
ولكن الدلالة النفسية لا ينبغي أن تفوتنا على أي حال. فالتهذيب فيها واضح. وواضح كذلك محاولة رفع " الإنسان " عن مستوى الحيوان، حتى وهو يقضي ضرورته التي يشترك فيها مع الحيوان.
أما الجنس فأمره أعجب وأوضح دلالة.
ليس في الأرض شريعة ولا نظام يعترف بالجنس نظيفاً كريماً كالإسلام.
يكفي ان نذكر فقط أن الإسلام وهو يأتي زوجه يذكر اسم الله الكريم. وليس في الإسلام أقدس من ذكر الله، ولا أنظف مما يقرأ اسم الله عليه.
والإباحة فيه - في حدوده الشرعية، أي الزواج - أوضح من أن تحتاج إلى دليل.
(نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) [67]
" إن في بضع أحدكم لأجراً. قالوا يا رسول الله إن أحدنا ليأتي شهوته ثم يكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر " [68].
وغيرها وغيرها كثير...
(1/71)

والرسول ( قد أخذ من هذا المباح بقسط كامل لا شبهة فيه، واستمتع منه بكل ما يحل لمسلم أن يستمتع به في هذه الحياة.
ومع ذلك فلينظر كيف كان الأمر...
تروي السيرة أنه ( كان يغطي وجه زوجته حين يضاجعها في الفراش.. وروى الخطيب من حديث أم سلمة أن الرسول ( كان يغطي رأسه ويغض صوته ويقول لامرأته: عليك بالسكينة.
* * *
الحياء والترفع إلى هذا الحد!
ليس الجنس شهوة الحيوان الجائع الذي لا يملك نفسه أن يندفع هائجا إلى التنفيذ.
وليس غلظة الشبق التي تتلمظ على متاع لذيذ.
وليس نزوة الجسد الفائر التي تختنق في بخارها عاطفة القلب وإشراقة الروح.
ومع ذلك فإن دعوة الرسول للناس أن يهذبوا العمل الجنسي لم تكن دعوة إلى الزهادة أو إطفاء المتعة أو تبريد حرارتها.
كلا! على العكس من ذلك. لقد كان يدعوهم إلى المتاع ويحببهم فيه بل كان في الواقع يوسع مساحته في النفس، ويزيد من متعته، حين يرفعه من لهفة الجسد الخالصة إلى " عواطف " " ومشاعر " " ومودة ".
فقد كان ينهى عن المواقعة دون رسول يسبقها ويمهد لها من مداعبة وعواطف جياشة.
وليست هذه دعوة الذي يريد أن يحرم الناس من المتاع أو يفسده عليهم. بل دعوة من يريد تهذيبهم ورفعهم من مستوى الحيوان إلى مستوى الإنسان، مع " إحسان " تلذذهم بهذا المتاع، حتى يصبح متاعاً " جميلاً " تدخل فيه كل عناصر النفس، ويدخل فيه " الفن " بتعبيره الجميل.
والقرآن يصف الصلة بين الرجل والمرأة على أنها " سكن " و " مودة ": (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) [69]. وهو تعبير جميل أخاذ يشمل كل صلات الجنس، ولكنه يشملها في مستواها الأرفع. في مستوى " الإنسان ".
* * *
ذلك هو الإحسان في شئون الجنس. وهو أمر واضح الدلالة على نظرة الإسلام لهذه الأمور.
(1/72)

الضرورة تُقضى. نعم. لا كبت ولا حجران. ولا استقذار للدوافع الفطرية في ذاتها. ولا الإحساس بالذنب عند الإتيان. ولكنه التنظيف رغم ذلك وتهذيب الوجدان.
والجنس - من كثرة ما أبدى في شأنه فرويد وأعاد - مظنة أن تكون الأديان تستقذره وتنفّر منه. والإسلام بخاصة لا يجنح لحظة واحدة لهذا الاستقذار. لكنه - وهو يحض على الإحسان في كل شيء - يحض كذلك عليه في شئون الجنس، حتى وإن كان يشترك في الضرورة مع الحيوان.
والدليل القاطع على أن هذه قاعدة عامة في الإسلام لا يختص بها الجنس وحده، وإنما تشمل كل تصرفات الإنسان وضروراته، الدليل على ذلك هو آداب الطعام.
فليس ثمت شك في أن الطعام طاهر نظيف مباح. بل مأمور به (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) [70].
ومع ذلك فله آداب. آداب تهذب تناوله، وتكسر شراهته، وترتفع به عن محيط الحيوان إلى محيط الإنسان.
" عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ( نهى أن يُتنفس في الإناء أو ينفخ فيه " رواه أو داود والترمذي.
" عن أبي جحيفة ( قال: أكلت ثريدة من خبز ولحم ثم أتيت رسول الله ( فجعلت أتجشأ، فقال: يا هذا كف عنا من جشائك! فإن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أكثرهم جوعاً يوم القيامة "! رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد.
فهو الإحسان إذن. وليس المنع والحجران.
* * *
ونحن - في القرن العشرين - أحوج ما نكون إلى هذه الحكمة من الرسول ( .
إننا نعيش في قرن يؤمن بالإحسان في العمل بمعنى الإخلاص والإتقان. وإن كنا نحن مع الأسف - في العالم الإسلامي الذي تلقى عن نبيه هذا التوجيه - ما نزال بعيدين عن هذه الروح.
ونحن نعيش كذلك في قرن يؤمن بالتهذيب في كثير من أمور الدنيا: في تناول الطعام، وقضاء الضرورة، والوقوف في الصف أثناء شراء تذاكر السينما، والاعتذار المؤدب عن أقهل هفوة، وإزجاء الشكر على أبسط الخدمات.
ولكنه مع ذلك لا يؤمن بالتهذيب في شئون الجنس. ويقول عنه إنه نفاق!
(1/73)

ولا نقصد بالتهذيب ما كان يصنع الرسول في فراشه. فذلك مرتقى رفيع لا يطيقه الكثيرون.
ولا نقصد كذلك ما أوصاهم به في فراشهم من تحويل الجنس إلى مشاعر ومودة وأخذ وعطاء.. فذلك شأنهم غن أرادوا أن يستفيدوا بنصيحة الرسول فلأنفسهم الفائدة، وهم الذين سيزدادون متعة وهم يوسعون مساحة الجنس في نفوسهم، فلا تقف عند متعة الجسد، بل تصبح علاقة جسد وعلاقة قلب وعلاقة روح كلها في آن.
وإنما نقصد مستوى أدنى من ذلك وألصق بحياة الجماعة كلها لا بحياة الأفراد.
تلك هي " الفضيلة " بمعناها الاجتماعي. أن يكون الجنس في حدوده المشروعة ولا يكون نهباً مباحاً للأجساد الظامئة على قارعة الطريق..
ذلك هو الذي يسمونه نفاقاً في القرن العشرين!
ولماذا هو نفاق؟ لأن الجنس " ضرورة " بيولوجية، فلا شأن له بالأخلاق!
وي!؟ والطعام ليس ضرورة؟ والملبس ليس ضرورة؟
فلماذا تحتفلون كل هذا الاحتفال " بآداب " المائدة و " أصول " الملبس ولا تكتفون فيهما بقضاء الضرورات؟
* * *
ونحن نتحدث هنا عن " الإحسان " ولا نتحدث عن الأخلاق!
نريد أن نرتفع عن مستوى الضرورة. نريد أن نتذوق الآفاق العليا التي يرفعنا إليها الإسلام.
نريد أن نتذوق طعم " الإنسانية " فإنه والله طعم جميل حين تتوجه له النفس، وحين يؤمن الإنسان أنه إنسان!
الجمال فطرة " الطبيعة ". فطرة الحياة التي خلقها الله.
والحياة لا تكتفي بقضاء الضرورة، ولكنها تهدف دائماً إلى الإحسان في الأداء.
أرأيت هذه الزهرة الجميلة الفياحة الشذى المتناسقة الألوان؟
أتظن أن ذلك " ضرورة "؟
قالوا: لتجتذب إليها النحل فينتج منها العسل غذاء وشفاء للناس! وتساعد كذلك في تلقيح النبات!
فهل تظن ذلك؟ هل من " الضرورة " بالقياس إلى النحل أن يكون في الزهرة كل هذا الجمال؟
كلا والله! فالنحل خَلْق متواضع! وإنه ليحط على الزهرة الرائعة التناسق كما يحط على الزهرة العادية الجمال
(1/74)

فليس جمال الزهرة إذن ضرورة! وكل الأهداف " البيولوجية " يمكن أن تتم في أبسط زهرة كما تتم في أجمل الأزهار.
ورأيت هذه " الطبيعة "؟
رأيت حمرة الشفق المبدعة ورأيت جمال الصبح الوليد؟
رأيت روعة الجبال تبهر الأنفاس وتهز الوجدان؟
والبحر الممتد إلى غير نهاية منسرب الموج، تراه في الليل الساكن كأنما تعمره الأطياف.. أو الأشباح؟
والليلة القمراء.. هل " ذقتها "؟ و " ذقت " طعم السحر في ضوئها، وظلها، وأطيافها الساربة وحديثها المهموس؟
هل تظن ذلك ضرورة؟
وأين هي الضرورة في ذلك كله، والحياة ممكنة ومستطاعة بغير هذا الجمال؟
ورأيت هذا الوجه الرائع؟
هاتان العينان الحالمتان اللتان يطل منهما عالم عميق الأغوار.. تلك التقاطيع المنسقة.. هذا المعنى المعبر.. تلك " الروح " التي تطل من وراء القسمات؟
تظن ذلك ضرورة؟ وما الضرورة؟
أليست كل العمليات " البيولوجية " من طعام وشراب وتنفس تتم في أقبح وجه وأجمل وجه على السواء؟
بل.. نداء الجنس ذاته. ألا يتحقق في كل أنثى وكل ذكر بصرف النظر عن ذلك الجمال؟
كلا. إنه ليس " ضرورة ".. وإنما هو " جمال ".
هو " إحسان " في الأداء لا مجرد الأداء!
تلك فطرة الحياة كما خلقها الله.. فطرة " الطبيعة ".
والإسلام دين الفطرة..
يلتقي مع ناموس الحياة الأكبر. لأنه منزل من عند الله خالق الحياة، وخالق الفطرة التي يسير عليها الكون والحياة.
لذلك لا يكتفي الإسلام من الإنسان بمجرد أداء الضرورة. لأنه حينئذ يكون متخلفاً عن الحياة، ناشزاً عن فطرتها، متأخراً إلى الوراء.
وهو الحياة في أعلى آفاقها - يريد أن يكون الإنسان واصلاً إلى الحياة، منسجماً معها، مساوقاً لها، ملتقياً معها في كل اتجاه.
لذلك يعمد إلى تهذيب النفوس. يدخل في أعماقها، ويسكن في أطوائها، ويوجهها من باطنها. يوجهها إلى الجمال. إلى الإحسان. الإحسان في كل شيء. الإحسان في الأعمال والإحسان في الأفكار والإحسان في المشاعر.
(1/75)

" إن الله كتب الإحسان على كل شيء "..
وحين تتجه النفس إلى الإحسان. حين تتهذب المشاعر وينظف السلوك. حين تخرج الضرورة عن قهرها القاهر فتصبح سلوكاً مهذباً " تختاره " النفوس، وتتفاضل في أدائه..
حينئذ يلتقي الإنسان مع الكون والحياة..
يلتقي معهما في نظرة واحدة شاملة رفيعة. اسمها الإحسان. أو اسمها الجمال.
والله جميل يحب الجمال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[60] " أتريد أن تميتها موتات؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها؟ ".
[61] سورة الإسراء [ 33 ].
[62] سورة الفرقان [ 63 - 68 ].
[63] سورة المائدة [ 32 ].
[64] رواه الشيخان.
[65] سورة النساء [ 84 ].
[66] رواه البيهقي.
[67] سورة البقرة [ 223 ].
[68] رواه مسلم.
[69] سورة الروم [ 21 ].
[70] سورة الأعراف [ 31 ].
وتبسمك في وجه أخيك صدقة
" عن أبي ذر ( أن رسول الله ( قال: ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس. قيل: يا رسول الله من أين لنا صدقة نتصدق بها؟ فقال: إن أبواب الخير لكثيرة: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق وتسمع الأصم وتهدي الأعمى وتدل المستدل عن حاجته. وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف. فهذا كله صدقة منك على نفسك. رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي مختصراً. وزاد في رواية: وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم من طريق الناس صدقة، وهديك الرجل في أرض الضالة لك صدقة " [71].
* * *
هذا الحديث العجيب لا يملك الإنسان أن يمر به دون أن يقف عنده لحظات يتدبر بعض معانيه.
وإن له لإيحاءات شتى، يدق بعضها ويلطف، حتى يصل إلى أعماق النفس، إلى قرار الوجدان، فيهزها هزاً، ويوقع على أوتار القلب لحناً صافياً مشرقاً جميلاً يأخذ بالألباب.
(1/76)

وسنختار هنا من المعاني الكثيرة التي يوحي بها الحديث معنيين رئيسيين: أولهما تفجير منابع الخير في النفس البشرية، وثانيهما: ربط المجتمع برباط الحب والمودة والإخاء. وقد نلم ببعض المعاني الأخرى في أثناء الحديث.
* * *
الصدقة في مفهومها التقليدي نقود وأشياء محسوسة يساعد بها الغني الفقير، ويمنحها القوي للضعيف. وهي بهذا المعنى ضيقة المفهوم جداً، وأثرها في حياة المجتمع محدود. ولو أنها ظلت قروناً طويلة مظهراً من مظاهر التكافل الاجتماعي، ورباطاً من روابط المجتمع، وأداة لتطهير الأغنياء من الشح، وإعانة الفقراء على الحياة..
وبصرف النظر عن هدف الإسلام الأصيل في أن يكتفي الناس بعملهم الخاص فلا يحتاجون للصدقات - ذلك الهدف الذي تحقق في عهد عمر بن عبد العزيز إذ يقول يحيى بن سعيد: " بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات إفريقية، فاقتضيتها، وطلبت فقراء نعطيها لهم، فلم نجد بها فقيراً، ولم نجد من يأخذها منا، فقد أغنى عمر بن عبد العزيز الناس.. "
بصرف النظر عن هذا الهدف النهائي، فقد كانت الصدقات وسيلة احتياطية في المجتمع، طالما أن الفقر موجود، وإلى أن تتمكن الدولة - كما تمكنت في عهد عمر بن عبد العزيز - من إغناء الناس عن غير هذا الطريق.
ولكن الحديث النبوي يخرج بالصدقة من معناها التقليدي الضيق. من معناها الحسي، إلى معناها النفسي. وهنا تنفتح على عالم رحيب ليست له حدود.
كل خير صدقة.. وعلى كل امرئ صدقة..
هكذا في شمول واسع لا يترك شيئاً ولا يضيق عن شيء!
كل خير صدقة. أو ليس ذلك حقاً؟!
ومن أين تنبع الصدقة التقليدية بمعناها الحسي الضيق الحدود؟
أو ليست تنبع من معين الخير في النفس البشرية؟ بلى! إن هذا هو معينها الوحيد. وإلا فهي رياء كاذب، وهي دنس لا يصدر عن نفس نظيفة. وليس ذلك بطبيعة الحال هو المقصود.
(1/77)

فإذا كانت الصدقة تنبع من معين الخير، فإن حديث الرسول الكريم لا يزيد على أن يرجع مباشرة إلى هذا المعين، يستجيشه ويستدره، ليتفتح ويفيض، ويتدفق في كل اتجاه.
الخير هو معين الصدقة. فليكن كل خير صدقة! كل ما ينبجس من هذا المعين. كل ما يخرج من هذا النبع الطاهر النظيف، هادفاً إلى الخير محققاً له في واقع الحياة.
والصدقة ما هي؟ أليست " إعطاء "؟
بلى، إنها كذلك فليكن إذن كل إعطاء صدقة! حتى تبسمك في وجه أخيك.. صدقة!
إنه ذات المنبع ؛ وهي عملية نفسية واحدة في جميع الأحوال!
إن " الحركة " النفسية التي تحدث في داخل النفس وأنت تهم بإعطاء القرش للرجل المحتاج، أو تعين عاجزاً على اجتياز الطريق، أو تساعد إنساناً على رفع حمل.. إنها هي ذاتها التي تحدث في نفسك وأنت ترفع حجراً من الطريق حتى لا يعثر فيه الناس، وهي ذاتها التي تدفع الابتسامة إلى وجهك حين ترى وجه أخيك..
إنك لو جسّمت مشاعر النفوس، فتخيلتها جسوماً متحركة.. لرأيت صورة واحدة في كل مرة: صورة " النفس " وهي تحرك يدها من الداخل حركة الإعطاء!
خذ! خذ هذا القرش. أو خذ هذه المعونة.. أو خذ هذا الشعور!
منبع واحد. وحركة واحدة في جميع الأحوال.
ودافع واحد..
فالذي يدفعك إلى إعطاء الصدقة للمحتاج هو شعور " إنساني ". وقد يكون من الصعب أن تحدد معنى لهذا اللفظ الدقيق. فهو في بساطته وشموله معجز كالإنسانية!
قد يكون شعورك واضحاً: هذا أخوك في الإنسانية. تحس بينك وبينه هذه الآصرة التي تربط أفراد الجنس الواحد، وتقرب بينهم، وتدعوهم إلى التعاون الوثيق.
وقد يكون شعورك مبهماً. وجدان غامض. خيوط خفية تنبع من قلبك حتى تصل إلى قلبه، فتربط بينهما برباط دقيق. أو هزات كالهزات المغناطيسية أو الكهربائية التي تنتشر في الجو، حتى " يلتقطها " المستقبل من بعيد.
(1/78)

هذا الشعور الإنساني - الواضح أو المبهم - الذي يدفعك إلى إعطاء الصدقة للمحتاج، أليس هو ذاته الذي يحنيك على الحجر فتلتقطه بعيداً عن أقدام المارة؟ أو ليس هو كذلك الذي يشيع البسمة في وجهك حين تلقى الناس؟!
هي عملية واحدة في داخل النفس.. ولكننا لا ندركها دائماً على حقيقتها.
والرسول الكريم يلفتنا في حديثه إليها. يلفتنا إلى هذه الحقيقة النفسية الواحدة التي تكمن وراء كل عمل من أعمال الخير. لنعرف أنه الخير في منبعه وإن تعددت صوره وزواياه.
ولكن الرسول - ( لا يريدنا أن " نعرف " فحسب!
فالمعرفة التي لا تنتهي إلى شيء ليست هدفاً من أهداف الإسلام ولا من أهداف الحياة العملية!
كل شيء ينبغي أن تكون له غاية. وغاية الغايات في الأرض أن يكون الخير هو المسيطر على حياة البشرية. فالخير هو كلمة الله. وكلمة الله هي العليا.
ومن هنا تلتقي الأرض والسماء، والدنيا والآخرة في رصيد الإسلام.
والرسول الكريم يريد أن " يعودنا " على الخير، لا أن " يعرفنا " إياه فحسب.
" وعلى كل امرئ صدقة.. ".
إنه يريد كلاً منا أن تتحرك نفسه بالخير. يريد أن يستثير تلك الحركة الداخلية التي تمد يدها بالعطاء. والحياة عادة. والعادة تعدى من نفس إلى نفس. بل تعدى من شعور إلى شعور في باطن النفس!
حين تتعود النفس أن تستيقظ، أن تنهض من سباتها وتتحرك، وتمد يدها من الداخل بعمل أو شعور. حين يحدث هذا مرة، فسوف يحدث مرة بعد مرة. وستتعدد صور الإعطاء حتى تشمل من النفس أوسع نطاق.. حتى تشمل في الواقع كل تصرف وكل شعور.
وتبدو حكمة الرسول في توسيع مدى الخير، وتعديد صوره وأشكاله، وتبسيطها كذلك حتى تصبح في متناول كل إنسان!
فلو كانت " الصدقة " أو الخير قاصراً على المحسوسات والأموال، فسيعجز عنها كثير من أفراد البشرية، وتبقى ينابيع ثرة في باطن النفوس، لا يستثمرها أحد، ولا يستنبط من معينها الغزير.
(1/79)

ولكن اليد الحكيمة الماهرة تعرف كيف تسيل الخير من هذه النفوس. لمسات رفيقة حانية من هنا ومن هناك تفتح المغلق وتبعث المكنون.
والرسول الكريم يلطف في معاملة البشرية كالأب الحنون يلطف مع أولاده، وهو يخطو معهم خطوة خطوة في الطريق. إنه ييسر لهم الأمر. ويوحي إليهم أنه في مقدورهم بلا تعب ولا مشقة. وحينئذ يصنعونه ولو كان فيه مشقة!!
تلك أفضل وسائل التربية وأحبها إلى النفوس.
وهي ليست ضحكاً على الناس ولا استدراجاً لهم! حاش لله!
إنها كلها حقيقة. فالخير نبع واحد داخل النفس. وكل صوره صورة واحدة.
ولقد نظن، لأول وهلة، أن بعض هذه " الصدقات " أهون من أن تكون صدقة. وأنها لا يجوز أن تدرج مع غيرها في سلك يشمل الجميع.
وقد يكون أقرب شيء إلى هذا الظن قول الرسول ( : وتبسمك في وجه أخيك صدقة. وإفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة.
ومع ذلك فجربها إذا أردت. أو تتبعها في محيط الناس..
إن تبسمك في وجه أخيك، الذي يبدو لك هيناً حتى ما يصح أن يوضع في الصدقات.. لهو أشق شيء على النفس التي لم تتعود الخير ولم تتجه إليه!
هناك أناس لا يتبسمون أبداً، ولا تنفرج أساريرهم وهم يلقون غيرهم من الناس!
إنهم شريرون أو في نفوسهم مرض. وينابيع الخير مغلقة في نفوسهم وعليها الأقفال.
وهناك ناس يبخلون عليك بقطرة من ماء! الماء الحقيقي لا على سبيل المجاز!
إن المسألة ليست البسمة ولا نقطة الماء. إنها الإعطاء. إنها الحركة التي تتم في داخل النفس. إنها فتح القفل المغلق. أو تحرك اليد النفسية وانبساطها إلى الأمام..
عملية واحدة في جميع الحالات.. إما أن توجد، فتقدر النفس على الخير. تقدر على الإعطاء والمودة. وإما ألا توجد، فيستوي الهين والعظيم، وتغلق النفس عن جميع الصدقات.
* * *
والرسول المربي لا يريد أن يعرفنا بمنابع الخير فحسب، ولا أن يعودنا على الخير فحسب. ولكني ألمح من وراء تعديد الصدقات، وتبسيطها حتى تصبح في متناول الجميع، معنى آخر..
(1/80)

الإعطاء حركة إيجابية. ولذلك قيمة كبرى في تربية النفوس.
فالنفس التي تتعود الشعور بالإيجابية نفس حية متحركة فاعلة. بعكس النفس التي تتعود السلبية فهي نفس منكمشة منحسرة ضئيلة.
والرسول ( يريد للمسلم أن يكون قوة إيجابية فاعلة، ويكره له أن يكون قوة سلبية حسيرة.
والشعور والسلوك صنوان في عالم النفس، كلاهما يكمل الآخر ويزيد في قوته.
ومن هنا حرص الرسول ( على أن يصف حتى الأعمال الصغيرة والهينة بأنها صدقة. بأنها إعطاء.
مرة أخرى كالأب مع أبنائه..
فأنت حين توحي لطفلك أن الدور الذي قام به في العمل دور هام ومثمر، وقد أدى إلى نتيجة، فإنك تشجعه على مزيد من العمل ومزيد من الإنتاج. أما إذا رحت تصغر من شأنه، وتشعره أن أعماله تافهة بالقياس إلى المطلوب منه، فإنك تشجعه على الانحسار داخل نفسه، والانصراف عن كل عمل يحتاج إلى مجهود.
والرسول يشجع الناس على الإحساس بإيجابيتهم، حتى في الأعمال التي قد تبدو صغيرة في ظاهرها، ليحسوا أن كيانهم يتحقق في عالم الواقع، في عالم السلوك. فيزيدهم ذلك إقبالاً على العمل في ميدان الخير، ويشجعهم على الصعود باستمرار.
وفي تسمية هذه الأعمال " بالصدقات " أمر آخر من وراء التعبير.
فالصدقات بمعناها الحسي الضيق، تقسم الناس آخذين في جانب ومعطين في جانب. وقد توحي إلى الآخذين الشعور بالضآلة والضعف، وتغري المعطين بالخيلاء والغرور.
وذلك تقسيم للمجتمع سيئ غاية السوء.
ولكن توسيع نطاق الصدقات حتى تشمل كل شيء وكل عمل متجه إلى الخير، يلغي التقسيم الأول، ويتيح لكل إنسان - بصرف النظر عن فقره وغناه - أن يكون معطياً واهباً للآخرين. ومن ثم يجعل الناس كلهم - بحركة واحدة - آخذين ومعطين على قدم المساواة، وشركاء في ميدان واسع فسيح!
(1/81)

وذلك ولا شك منهج بارع في تربية النفوس، فوق أنه يقرر مفهوماً آخر من مفاهيم الإسلام الأصيلة: أن القيم التي تحكم الحياة ليست هي القيم المادية وحدها. أو الاقتصادية وحدها. وإنما القيم الشعورية والوجدانية كذلك. بل هذه الأخيرة هي الأصل الذي تقوم عليه علاقات البشرية!
* * *
وقد افتتن الناس دائماً بالقيم المادية وحسبوها قوام الحياة. القدماء في ذلك والمحدثون سواء. وحين تنطمس بصائر الناس عن منابع الخير الحقيقية، وتنحسر نفوسهم عن حقيقة الكون الواسعة، فإنهم لا يرون إلا القيم المادية، ولا يدركون إلا ما تدركه الحواس. ولكن الإسلام حرص على توسيع الحياة وتجليتها في صورتها الحقيقية. لم يهمل عالم المادة، ولم يهمل ضرورات الحياة. بل أعطاهما عنايته الكاملة كما يتضح في التفصيلات الدقيقة التي يشملها الشرع، والإضافات الدائمة التي أضافها الفقه الإسلامي على مدى القرون ولكنه لم يقف عند هذه الأمور وحدها، لأن الحياة في واقعها لا تقف هناك. وإنما تتعداها إلى آفاق أوسع وأرحب، وإلى مستويات أكبر وأعلى.
والإسلام دين الحياة الكامل، ومن ثم يشمل الحياة كلها في جميع الآفاق وجميع المستويات، على نظافة في الأداء ونظافة في السلوك.
إنه كصاحب الأرض الخصبة لا يزرع منها جانباً ويهمل الجانب الآخر، أو يدعه تنبت فيه حشائش السموم. إنه يحس بالقيمة الكبرى لتلك الأرض الثمينة، ويحس بالخسارة التي تنشأ من تعطيلها أو إهمال بعضها، ومن أجل ذلك ينقب في كل مكان في النفس حتى يمكن أن تنبت فيه نبتة الخير، فيزرعها ويجني من زرعها الثمار.
وحين يحرص الإسلام على أن يظل ينبوع الخير في النفس الإنسانية ثرًّا يفيض بالخير ولا ينضب، فإنه يضمن أن تقوم بين البشر روابط أمتن بكثير وأوثق من تلك التي يمكن أن يقيمها الاقتصاد أو تقيمها العلاقات المادية. بل يضمن أن تكون رابطة حية وخيرة، لا يأكلها الحقد، ولا تسري إلى القلوب مع " تنظيماتها " الصلادة والجفاف.
(1/82)

* * *
وأي رابطة يمكن أن تربط القلوب أقوى من المودة والحب؟
(.... وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) [72].
إنها هبة الله..
والنعم المادية أو الاقتصادية كذلك هبة الله.
ولكن الآية تضع كلاً في مكانه في ميزان القلوب وميزان الحياة!
لا يكفي المال وحده لتأليف القلوب. ولا تكفي التنظيمات الاقتصادية والأوضاع المادية.
لا بد أن يشملها ويغلفها ذلك الروح الشفيف المستمد من روح الله. ألا وهو الحب.
الحب الذي يطلق البسمة من القلب فينشرح لها الصدر وتنفرج القسمات.. فيلقى الإنسان أخاه بوجه طليق.
ذلك الحب هو الذي يصنع المعجزات. هو الذي يؤلف القلوب. هو الذي يقيم البناء الذي لا يهدمه شيء ولا يصل إليه شيء.
" جاء إلى النبي ( أعرابي يوماً يطلب منه شيئاً فأعطاه، ثم قال له: أحسنت إليك؟ قال: لا ولا أجملت! فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفوا. ثم دخل منزله فأرسل إلى الأعرابي وزاده شيئاً. ثم قال. أحسنت إليك؟ قال نعم. فجزاك الله من أهل ومن عشيرة خيراً. فقال له النبي ( : إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي، حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك. قال: نعم، فلما كان الغداة جاء، فقال النبي ( : إن هذا الأعرابي قال ما قال، فزدناه، فزعم أنه رضي. أكذلك؟ فقال الأعرابي: نعم. فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً. فقال (: إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل له ناقة وشردت عليه، فتبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفوراً، فناداهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها وأعلم. فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردها هوناً هوناً، حتى جاءت واستناخت، وشد عليها رحلها، واستوى عليها. وإني تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار!
(1/83)

هذا الدرس العجيب من حياة الرسول ( من سلوكه العملي - يشرح لنا القيم التي أودعها أحاديثه المروية في هذا الاتجاه.
قد يكون المال الزائد هو الذي أرضى الأعرابي - في ظاهر الأمر - بعد ما كان ساخطاً على العطاء القليل.
ولنفرض جدلاً أنه كذلك.
ولكن فلننظر إلى الأمر من جانب النبي ( من جانب المعطي - أكان يزيد في عطاء الرجل لو لم يكن هذا المعين الفياض بالرحمة والمودة والحب؟
ولننظر إلى الأمر خاصة بعد أن قال الأعرابي قولته المنكرة الجاحدة.. أوَ قد كان غير هذا القلب الكبير وهذا الروح الشفيف يمكن أن يقبل القولة الجارحة ويرد عليها بعطاء جديد؟
إن الصدقة " المادية " الزائدة ليست هي حقيقة الموقف! إنها مجرد التعبير المادي المجسم للشعور السامق النبيل. إنها ترجمة للأصل وليست هي الأصل! إنها الصدى والقلب هو الحقيقة!
هذا القلب هو الذي يربيه الرسول الكريم هذه التربية المبدعة ليقيم عليه رباط البشرية.
وما نريد أن ندخل حقائق " العلم " في أمر روابط البشرية! ولكنا - برغمنا! لا نجد محيصاً من الإشارة إلى هذه الحقائق التي غيرت كل المفاهيم " المادية " التي سادت تفكير البشر في القرون الأخيرة. فقد أثبت العلم أنه ليست هناك " مادة "! إنما الحياة كلها " قوى " و " روابط "!
الذرة التي كان يظن من قبل أنها مادة راسية مستقرة ملموسة ظهر أنها كهارب! أنها طاقة كهربائية سالبة وموجبة. وأن الرباط الذي يشد بعضها إلى بعض هو الجاذبية..
وذلك هو كل بناء الكون!
لا جرم يكون كذلك هو بناء البشرية!
ليس " المادة ". وليس " الاقتصاد "! ليس شيئاً مما تقف عنده الحواس وتظنه الحقيقة! وإنما هو شيء أعمق وألطف وأدق..
الحب رباط البشرية. والقلوب هي طاقتها.
(1/84)

وكما تصطدم الطاقات في الذرة فتضطرب وتتناثر حين تفقد رباطها القوي يشدها بعضها إلى بعض، حين تفقد رباط الجاذبية، كذلك تصطدم القلوب في الحياة البشرية فتتنافر وتتناثر حين تفقد رباطها القوي الذي يشدها بعضها إلى بعض.. حين تفقد المحبة.
والإسلام دين الله.
الله الذي خلق الخلق وهو أعلم بمن خلق.
وهو دين الفطرة. الدين الذي يساير الفطرة أجمل مسايرة، ويصل من ذلك إلى أجمل النتائج.
والإسلام هو الذي يجعل رباط المحبة هو الرباط الأول والأوثق في حياة البشرية، ويقيم الوشائج كلها - من مادية واقتصادية واجتماعية وفكرية وروحية - على هذا الأساس المتين.
(وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ). (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) [73].
ورسول الإسلام - وهو الآية البشرية الكونية الكبرى - يدرك بفطرته الملتقية مع فطرة الكون الأعظم، وبما أدبه ربه فأحسن تأديبه، أن الرحمة والمودة والإخاء هي وحدها التي يمكن أن يقوم عليها البناء الحي القوي المتماسك، فيدعو إلى الحب: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " [74] ويجلو القلوب لتفيض بالحب، ويعلمها الوسيلة لكي تحِبَّ وتحَب: أن تلقى أخاك بوجه طليق!
وإن هذه الابتسامة على الوجه الطلق لتعمل عمل السحر!
جربها!
جرب أن تلقى الناس بوجه طلق وعلى فمك ابتسامة مشرقة. ولن تندم على التجربة قط!
إنها لتستطيع - وحدها - أن تفتح مغالق النفوس وتنفذ إلى الأعماق. تنفذ إلى القلب! إلى الطاقة المكنونة في الكيان البشري، فتربط بينها وبينك برباط الجاذبية!
حينئذ تصير قطعة من الكون الأعظم، دائرة معه في فلكه الفسيح، لأنك تلتقي بفطرتك الصحيحة مع فطرته الحقة، فتلتقيان في الناموس الكبير!
وحينئذ ترى الله!
فهذا هو الطريق!
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1/85)

[71] الترغيب والترهيب ج 4 ص 396 رقم 7.
[72] سورة الأنفال [ 63 ].
[73] سورة آل عمران [ 103 ].
[74] رواه البخاري ومسلم.
فقليله حرام
" ما أسكر كثيره فقليله حرام " [75].
لعل ظاهر اللفظ يوحي بأن الخمر وحدها هي المقصودة بالحديث.
ولكني ألمح أنه قاعدة تشريعية شاملة، تنطبق على الممنوع كله والحرام كله، وتنطبق على الخمر والربا، والسرقة والغصب، والغمز واللمز، والغيبة والنميمة، والكذب والنفاق.. وعلى الجريمة الخلقية خاصة!
وقليل الخمر لا يسكر. وقليل كل شيء لا ضرر فيه..
ما شربة خمر؟ ما كأس بين الحين والآخر؟ في الحفلات مثلاً والأفراح؟!
وما كذبة بين الحين والحين بيضاء أو غير بيضاء؟
وما القروش القليلة يختلسها من مبلغ ضخم لا يمكن أن تؤثر فيه؟
وما الضرر في قليل من النفاق تسير به الأمور و " تشحم " عجلة الحياة فلا يقع فيها احتكاك ولا صدام؟
وما نظرة عابرة إلى فتاة؟
أو ابتسامة؟
أو كلمات؟
أو شيء قليل من المداعبة لا يبلغ حد الجريمة.. قبلة أو ضمة أو ما أشبه؟
فلتكن الجريمة!
جريمة عابرة.. تتم في الظلام، خلسة، لا يعلم بها أحد، ولا تؤثر في خط سير الحياة.. هل تنهد الدنيا إذا حدث ذلك أو تنهار الأخلاق؟
كذلك تبدو الأمور للوهلة الأولى.. سهلة هينة لا تستلزم التشديد ولا توجب الاهتمام!
ومع ذلك فهي حكمة بالغة تلك التي نطق بها الرسول (، ودراية عميقة بالنفس البشرية، ونظر بعيد لا يقف عند الجزئية الصغيرة، ولا عند الفرد الواحد، ولا الجيل الواحد من الأجيال!
إنها النظرة الفاحصة الشاملة التي تأخذ في حسابها الفرد والمجتمع، والإنسان كله على امتداد حياته في تلك الأرض.
نظرة القلب المدرك البصير الذي ينفذ إلى صميم الإسلام فيستلهم روحه العميقة الدقيقة، وتنفتح له مغاليق الحكمة وغوامض الأسرار.
(1/86)

ومن غير رسول الله ( أجدر بأن يدرك روح الإسلام النقية الصافية، ويترجم عنها، وهو نبي الله وصفيه، الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، وشرح صدره.. شرح صدره للإسلام، وللحق الماثل في الكون الكبير، فكان هو النموذج الكامل للإسلام، والقمة البشرية؟!
* * *
الإدمان أول شيء يخطر على البال حين تذكر الخمر، ويذكر القليل فيها والكثير
والإدمان - كما تثبت التجربة العلمية - خطر ماثل أمام البشرية حين تبيح لنفسها الخمر، وحين تبيح لنفسها أي أداء من أدواء المجتمع الكثيرة المتعددة.
وهو في الخمر يرتكز على أساس عصبي - جسماني - وعلى أساس نفسي كذلك [76].
كل شراب - بل كل دواء - ذي تأثير معين على الأعصاب، منبه أو مسكن أو مثير أو ملطف، يفقد أثره على الأعصاب بعد قليل، لأنها تتحصن ضده وتتبلد عليه. ويحتاج الإنسان - لا محالة - إلى زيادة الجرعة أو تغيير " الصنف " لكي يحس له بمفعول.
هذا من الوجهة العصبية. أما من الوجهة النفسية فهناك العادة. والنفس تستريح لما تتعود عليه - كذلك فطرها الله لحكمة هو عالمها - وتشتاق لما تعتاده من الحركات والأفعال والأفكار والمشاعر، فيلتقي تأثر الأعصاب ومتعة النفس على الأمر الواحد في اللحظة الواحدة، فيتجاوبان، ويدفع كل منهما الآخر ويقويه!
وهذا أمر ينطبق على كل شيء! حتى لقمة الخبز وجرعة الماء، وضجعة السرير وجلسة المقعد، وحديث الإنسان إلى نفسه أو حديثه إلى الناس، ورؤية فلان أو صحبة مكان أو ألف شيء من الأشياء!
ولكن بعض هذه الأمور تداوي نفسها بنفسها فتكون بمنجاة من الإدمان - بمعنى الإسراف المضر - كما أن بعضها لا يصل إلى حد الخطر ولو وصل إلى الإدمان!
الطعام والشراب عادة يتعودها الجسم وتتعودها النفس، من حيث الكم والأنواع والمواعيد. ولكنها - في الحالة السوية - تجد الفرامل الضابطة في إحساس الشبع وامتلاء الفراغ المحدود.
ومع ذلك فقد تنحرف إلى شَرَهٍ نَهِمٍ مسعور!
(1/87)

ولكنها ضرورة! لا تقوم الحياة إلا بها في حالتها المعقولة السوية.
ومن ثم أبيح القول المعقول، وحرم الزائد عن المعقول: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) [77] ولم يجعل التحريم بتشريع لأن ذلك مستحيل. وإنما ترك أمره للتوجيه والتهذيب وخشية الله وتقواه.
والنوم والراحة عادة من حيث المواعيد والمقدار والطريقة والوسيلة - مترفة أو غير مترفة - ولكنها - في الحالة السوية - تجد فراملها الضابطة في النشاط الذي تحدثه، والرغبة الذاتية في تصريف هذا النشاط.
ومع ذلك فقد تنحرف إلى كسل وتراخ وفتور.
ومن ثم أبيح القدر المعقول - إن لبدنك عليك حقاً - وحرم الترف والتكاسل والقعود.
ورؤية الناس ومخالطتهم عادة. ولكن لها ضوابطها الذاتية التي تمنع الإسراف فيها - في الحالة السوية - وهي رغبة الإنسان في التقلب بين نزعته الفردية ونزعته الجماعية ليرضي هذه وتلك.
وإلف الأمكنة والأشياء عادة.. ولا ضرر في الإدمان عليها - ما دامت في ذاتها نظيفة - ومع ذلك فالملل، وهو عنصر بشري أصيل، يحد بطريقة طبيعية من الإدمان عليها والإسراف فيها..
ولكن الخمر وغيرها من الأدواء ليس كذلك!
حين يحدث الإدمان فليست له ضوابط. وكل شارب عرضة للإدمان. لأن الأعصاب ليست لها حصانة من تأثير السموم!
ومع ذلك فسنفترض أن أغلبية من الناس تستطيع أن تشرب دون أن تبلغ حد الإدمان - وهو قول غير صحيح في واقع الأمر - فمع ذلك ليس هذا بيت القصيد!
بيت القصيد هو الأجيال القادمة...
في مسألة الخمر بالذات، يقول الطب إن أبناء السكارى يولدون وفيهم استعداد موروث لشرب الخمر، ينتقل إليهم عن طريق النطفة قبل أن يملكوا لأنفسهم القياد! ومن ثم يصبحون في الكبر مدمنين!
(1/88)

ويقول علم النفس إن أبناء السكير يصابون باضطرابات نفسية وعصبية عنيفة تؤثر في مستقبل حياتهم. فالولد ينظر إلى شخصية والده على أنه المثل الأعلى الكامل الذي يتلبس به ويحاول أن يحتذيه. فإذا رأى في سلوكه خللاً فإن ذلك يحدث في داخل نفسه انقساماً بين شخصين كانا من قبل مؤتلفين بل متلابسين، هما شخصيته وشخصية والده. ومن ثم يحدث نزاع داخلي عنيف، ينتهي إما بانطواء الولد على نفسه واعتزاله الحياة الحية المتحركة، إما ببروزه في هيئة مجرم صغير، يحطم كل مقدس، ويلوث كل نظيف.
أما الفتاة فيصيبها صراع من نوع آخر ينتهي بها إلى كراهية الرجال جميعاً، والنفور في المستقبل من الزواج، وما يصاحب ذلك من عقد جنسية مختلفة، أو ينتهي إلى انحرافها الخلقي ووقوعها في مهاوي الرذيلة.
وسنفترض مرة أخرى أن ذلك كله لن يقع - وهو أمر غير صحيح!
سنفترض أن النطفة لم تنقل إلى الجنين عدوى الخمر وهو واغل في الظلمات الثلاث [78]. وسنفرض أن الوالد لم يطع أولاده على سوء منه، فلم يعلموا أنه يشرب الخمر ولم يحدث في نفسهم الاضطراب.
يبقى بعد ذلك كله شيء لم تستطع اتقاءه الأجيال!
ما موقف الأب الذي يعاقر الخمر حين يعلم أن أبناءه قد وقعوا فيما وقع هو فيه من قبل؟
أيزجرهم؟ أم يرخي لهم العنان؟
ولماذا يا ترى يزجرهم وهو - بينه وبين نفسه - لا يؤمن بأن هناك ضرراً في الأمر؟ بل إنه ليؤمن أن تجربته الشخصية خير شاهد على ما يقول! ها هو ذا يشرب. فماذا حدث له؟ لم يبلغ حد الإدمان. لم يفصل من عمله نتيجة التأخر في الصباح أو الإهمال وشرود البال. لم يؤثر الشرب في مركزه الاجتماعي. لم تتلف أعصابه ولم تفسد قدرته على التفكير. وإنها كلها كأس بين الحين والآخر.. في الحفلات وفي الأفراح!! فما الضير على الأولاد إذا ساروا في نفس الطريق، وعند كبرهم " يعقلون " وتسير الأمور...؟!
هنا موطن الخطر لا يدركه الشارب في أول جيل!
(1/89)

إنه ينسى! ينسى أنه هو شخصياً قد نشأ في بيئة محافظة تستنكر الخمر وتَنْفر منها وتنَفِّر منها، وأنه نشأ وفي عقله الباطن فرامل قوية - مستمدة من هذه البيئة المحافظة - هي التي حالت بينه - دون أن يشعر - وبين الإسراف والإدمان. في أعماق نفسه شخص معنوي أو شخص مجسم، يمسك له العصا ويحذره، وينهال عليه ضرباً إذا تجاوز الحدود - في صورة تقريع الضمير.
وصحيح أن هذا الشخص لم يبلغ من القوة في نفسه أن يمنعه البتة، ولم يستطع أن يقفل عليه الطريق ولكنه مع ذلك موجود لا شك في وجوده. وله الفضل كله في الوقوف به عند درجة معينة لا تصل إلى الإدمان البغيض.
أما الأبناء فأين هذا الشخص في نفوسهم؟ من غرسه في أخلادهم وهم صغار؟
أبوهم؟ أو المجتمع الذي يسرح فيه آباء كأبيهم؟
كلا! لقد وجدت القدوة السيئة وانتهى الأمر، ثم لم توجد الزواجر التي منعت الجيل الأول من الإسراف!
أو قد توجد، ولكنها أضعف من الزواجر في أول جيل..
ومن ثم يشرب الأبناء فيسرفون عن ذي قبل، لأن الشخص الذي في نفوسهم، والعصا التي في يده لينة لا تترك أثراً في الضمير.
وينشأ بعد ذلك جيل ثم أجيال.. ويختفي رويداً رويداً ذلك الشخص من الضمير. ويندفع الناس بلا حاجز، ويسرفون بلا حدود.
تلك قصة الخمر على مدار الأجيال..
جيل متقيظ في أول الأمر، عيونه على الجريمة.
ثم أفراد يتسللون خفية من وراء الستار...
فإذا ظلوا في استتارهم، لا يتبجحون بالإثم ولا يسمح لهم المجتمع بذلك، فثم أمل بقاء المجتمع - في عمومه - نظيفاً من الجريمة فترة طويلة من الزمان. أما إذا أَمِنوا زجر المجتمع، فخرجوا من خفيتهم، وقعدوا على قارعة الطريق، فهنا ينشأ أول جيل منحرف. وهو انحراف بسيط في أول الأمر لا ينذر بالخطر ولا يبدو فيه النكير. ولكن الانحراف البسيط يمتد، كما يمتد ذراعا الزاوية من نقطة الصفر - نقطة الابتداء - حتى تنفرج الشقة ويبعد الذراعان..
والهاوية المحتومة في نهاية الطريق!
* * *
(1/90)

وهي قصة كل جريمة من جرائم الأخلاق..
قصة الكذب والخداع والنفاق والغش والتدليس.
قصة الغيبة والنميمة ونهش الأعراض وكشف العورات.
قصة الرشوة والظلم والفساد.
قصة القعود عن نصرة الحق والجهاد في سبيله.
قصة الترف والسرف والفجور والمجون.
وهي على الأخص قصة " التقاليد فيما يختص بالرجل والمرأة والاختلاط والجريمة...
يبدأ المجتمع " نظيفاً " متحفظاً لا يسمح بالاختلاط ولا يتهاون في الجريمة.
ولا نقصد " بالنظافة " أنه مجتمع من الملائكة الأطهار قد خلا من الجريمة. فهذا شيء لم يحدث في التاريخ!
ولكنا نقصدها بمثل المعنى الذي يستخدم في الشئون الصحية. فحين تقول الهيئات الطبية إن المدينة " نظيفة " تقصد أنها نظيفة من الأوبئة الخطرة، ولا تقصد أنها خالية من حالات فردية من هذه الأمراض.
في هذا المجتمع النظيف توجد حالات فردية غير نظيفة. ولكنها قليلة ومستترة وعدواها محدودة. وذلك نتيجة الحرص الدائم الذي يبذله المجتمع في عملية التنظيف.
ولكنه في وقت من الأوقات يتراخى...
عندئذ يأخذ الوباء في الانتشار التدريجي البطيء.
وفي حالة الأوبئة الجسمية ينتشر المرض بسرعة وبطريقة ملموسة مميتة.
ومن هنا يهب الناس للوقاية والكفاح في أسرع وقت ويتساندون ويتكاتفون لوقف الوباء.
ولكن الأوبئة النفسية ذات طبيعة أخرى.
فالنفس بطبيعتها استجابة من الجسم. والمناعة النفسية اللاشعورية - حين توجد - تستطيع أن تقاوم المرض أو على الأقل تخفف حدته القاتلة مدى أجيال.
ولذلك فالفساد الخلقي بطيء المفعول جداً. وقد تمر أجيال كاملة على مجتمع منحل الأخلاق قبل أن ينهار. بل إن الانحلال قد يستشري في جيل من الأجيال الأخيرة إلى حد يعييك فيه البحث عن جماعة واحدة فاضلة. ومع ذلك فقد لا تقع الكارثة في هذا الجيل بالذات. ومن ثم يغرى الناس بالظن أن كل النذر خرافة، وأنهم مستمتعون بكل ما يشتهون، ثم ناجون مما كانوا يحذرون!
(1/91)

ولكن سنة الله في النهاية تتحقق! لم تتخلف مرة واحدة في التاريخ!
لم يحدث أن استمتع الناس بشهواتهم الزائدة إلى غير حد، ثم استمروا إلى الأبد أقوياء متماسكين قادرين على الحياة!
وهذه صفحة التاريخ مفتوحة لمن يريد.
صفحة اليونان القديمة وروما القديمة وفارس القديمة، والعالم الإسلامي حين غرق في الشهوات، ثم صفحة الغرب في جاهليته المعاصرة.
تبدأ الجريمة بسيطة خفيفة لطيفة..
اختلاط بريء تحت لإشراف الآباء أو غيرهم من المشرفين..
ونزهات لطيفة أو نواد ظريفة، ولا بأس فيها من إتاحة شيء من الخلوة " البريئة " بين شاب وفتاة.
وما الذي يمكن أن يحدث في خلوة كهذه بريئة وعين الرقيب على بعد خطوات.. أو حجرات؟!
ابتسامة من هنا وكلمة إعجاب من هناك؟
وضمة خاطفة في غفلة من الرقيب؟ وقبلة طائرة تطفئ الغلة أو تشعل اللهيب؟
" يا سيدي "!
ثم يحدث ما يحدث في الخمر..
الإدمان..
الكأس الأولى تصبح بعد حين تافهة ضئيلة المفعول. لا بد من كأس ثانية.
والقبلة الأولى تغري دائماً بالمزيد، لا يمكن أن تتوقف، ليس ذلك من طبائع الأشياء.
ولكن الجيل الأول مع ذلك لا يسرف في الجريمة، ولا يصل إلى الإدمان المجنون.
هنالك الشخص الواقف في داخل النفس بالمرصاد، ومعه العصا ينذر ويحذر ويهدد بعظائم الأمور. وهنالك التقاليد التي تربط المجتمع ولا يسهل الخروج عليها دفعة واحدة. ومن ثم لا تحدث الجريمة كاملة في أول جيل، وإنما " يتبحبح " الناس قليلاً ويفكون القيود.
ويمضي المجتمع في طريقه منتشياً لا يحس بالخطر، ولا خطر - حتى الآن - هناك.
ويظن المجتمع - نظرياً - أنه قادر على ذلك إلى غير نهاية. قادر على أن يفك القيود ومع ذلك لا يقع في الجريمة أو لا يصل إلى الإسراف المعيب.
وهو مخلص في عقيدته تلك الضالة لأنه يقيس على نفسه ويغفل حقيقة الأمور.
(1/92)

يغفل الضوابط الخفية التي أنشأها في أعماق نفسه الجيل السابق المتحفظ. والتي لن يخلفها هو للجيل المقبل لأنه غير مؤمن بها، يظنها تشدداً بلا ضرورة ولا لزوم!
ينسى الرجل أنه قد رأى أمه متحفظة لا تختلط بالرجال، ورآها مكتسية لا يتعرى من جسمها شيء، ومن ثم تقاومه هذه الصورة على غير وعي منه وهو يدعو فتاة غريبة إلى الاختلاط به، ويدعوها إلى تعرية نفسها أو جسدها ليستمتع به.
نعم تقاومه حتى وهو مندفع الشهوة، فلا يسرف، ولا يتبجح بالإثم.
والفتاة التي رأت أمها متحشمة وزرعت في نفسها النفور من العري - النفسي والجسدي - تتحفظ كذلك - بوعي منها و بغير وعي - حتى وهي تهم بالانزلاق، فلا تسرف ولا تتبجح بالإثم.
ثم يتراجع هذا الجيل..
ويجيء جيل جديد تربية الأم التي ذاقت في شبابها " متعة " التحلل البسيط من القيود، والأب كذلك.
الأم والأب اللذان ذاقا شيئاً من المتعة ولم يسقطا السقوط الكامل - والأم خاصة - لن ينظرا إلى التقاليد " المتزمتة " بعين الاحترام.
علام التشدد؟ ألم ينفلتا هما من هذا التشدد ولم يحدث شيء؟ " فليتبحبح " الأولاد " قليلاً " ولا ضير!
ومن ثم ينشأ الجيل الجديد وقد ضعف الشخص الواقف في داخل النفس بالمرصاد، ولانت العصا فلم تعد تترك أثراً في الضمير، وتفككت التقاليد فلم تعد تمنع المحظور.
ويتراجع هذا الجيل..
ويأتي جيل يرى أمة قد تعرت، من شيء من الثياب وشيء مماثل من الفضيلة (والجسم والنفس صنوان في هذه الأمور!)
الولد الذي يرى أمه عارية لا تثور في نفسه نخوة الرجولة والحرص على الأعراض، فقد زالت في نفسه حرمة الجسد، وصار نهباً يباح للعيون، وبعد ذلك لما هو أكثر من العيون.
والبنت التي ترى أمها عارية لا تؤمن بالقيد.
ويلتقي هؤلاء الأولاد والبنات، يلتقون على شهوة الجسد الفائرة، ويلتقون بلا ضابط ولا حدود، وتتم الدورة المحتومة، والهاوية في آخر الطريق.
* * *
(1/93)

والبشرية - حين تترك وشأنها - قليلاً ما تتذكر، وقليلاً ما تتدبر عبرة التاريخ!
كل جيل يدفعه الغرور من ناحية، والنشوة الفائرة من ناحية أخرى، فيظن أن تجربته جديدة لم تمر على أحد من قبل، وأنه ليس مقيداً بسنة التاريخ.
ما أسهل ما يقول لنفسه: إن الأمة الفلانية قد انهارت لكذا، أو الشخص الفلاني قد تحطم لكيت. أما أنا فلن أقع في غلطته ولن يحدث لي ما حدث هناك. لن يفلت مني الزمام. لن أدع شيئاً يغلبني. سأصحو قبل أن أبلغ الهاوية. أنا شيء آخر غير الناس من قبل.
ويجيء " العلم " في القرن العشرين فينفخ في الناس نفخة كاذبة. يخيِّل لهم أنهم خلق غير ما مر من الأجيال في التاريخ كله. خلق لا تنطبق عليه سنة ولا يخضع لسابقة. إنه عصر الذرة وعصر الصاروخ. عصر يكتب تاريخه بنفسه، ينشئه على مزاجه، يخلق جديداً كل يوم ؛ يفتح آفاقاً لم تتفتح من قبل ؛ " يقهر " الطبيعة ويسخرها بعد أن كانت هي التي تقهره وتسيره مرغماً في طريق لم يختره لنفسه ولا يد له في تكييفه!
كذلك ينفخ " العلم " في نفوس الناس. أو ينفخ فيهم شيطان الغرور:
(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) [79].
ولقد أضل الشيطان هذا الجيل من البشرية كما لم يضل أحداً من البشر، لأنه أعرض بجانبه ونأى عن الله. وقال: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ)! (ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) [80].
وهذا الجيل من البشرية يخيل له أن ناج من سنة الله التي خلت من قبل. وناج من حتمية النتائج حين توجد الأسباب. وناج من الهاوية التي تفغر فاها في نهاية الطريق!
(1/94)

هذا وهو يرى بعينيه أن العالم كله مهدد بالدمار والخراب الرهيب!
أي غفلة تصيب الناس حين ينأون عن طريق الله وحين يغترون ويستكبرون؟!
(.. قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ) [81].
* * *
نعم. حين تترك البشرية وشأنها فقليلاً ما تتذكر، وقليلاً ما تتدبر عبرة التاريخ.
إنهم لا يرون - ولا يريدون أن يصدقوا - أن هذا الطوفان الهائل من الفساد قد بدأ من نقطة الصفر! من النقطة التي ينفرج فيها ذراعا الزاوية، فرجة بسيطة للغاية في مبدإ الأمر، ثم تتسع الشقة كلما مضى الزمن وتتابعت الأجيال.
لا يرون - ولا يريدون أن يصدقوا - أن الكأس الأولى تتبعها الثانية. والقبلة الأولى تفتح الطريق للجريمة.
لا يرون - ولا يريدون أن يصدقوا - أن البشرية لم تقف يوماً عند القليل الذي لا يضر، ما دامت تبيحه على أنه أمر واقع، وأنه لا يضر! وإنما تجاوزته حتماً إلى الكثير الذي يغرق كالطوفان.
لا يرون - ولا يريدون أن يصدقوا - أن المجتمع - وهو النهر الذي يشرب منه الجميع - لا يمكن أن يظل بمنأى عن التلوث بينما الأقذار تلقى على الدوام فيه، ولا يمكن أن يظل الشاربون على سلامتهم وهم يشربون الأقذار.
ولكن الإسلام يصدق هذا لأنه يراه.
الإسلام كلمة الله في الأرض. والله هو الذي خلق الخلق وهو أدرى بما فطرهم عليه:
(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [82].
وقد حرص الإسلام حرصاً شديداً على هذا الأمر، لأنه يرى - بالعين البصيرة النافذة - تسلسل البشرية وتعاقب الأجيال وتماثل النتيجة عند تماثل الأسباب.
(1/95)

يرى الزاوية التي تبدأ من نقطة الصفر. ثم تبعد الشقة بين ذراعيها بُعْدَ ما بين الأبيض والأسود، والحلال والحرام.
يرى الكأس الأولى تتبعها الثانية، والقبلة الأولى تؤدي إلى الجريمة. ومن ثم يقف في يقظة دائمة لكل كأس عابرة وكل قبلة حرام. ولا يقبل في ذلك حجج المستهترين كلهم وما يتمسحون به من التعللات.
لا يقبل قول الذي يقول: اسمح لي بهذه واطمئن أنني لن أسرف فيها، ولن أتجاوزها إلى جديد!
لا يقبله لأنه ليس له رصيد من الواقع، وكله أوهام!
وقد كان الرسول ( ، وهو الذي يشرح بأعماله وأقواله الصورة المفصلة للإسلام، ويجلوها في عالم الواقع.. كان الرسول على ذكر دائم وبصيرة كاملة بهذا التسلسل الذي يربط أجيال البشرية، والوحدة التي تشملها أفراداً وجماعات، وأجيالاً إثر أجيال.
كان على بصيرة من انتقال العدوى من شخص إلى شخص ومن جيل إلى جيل. بل بانتقال العدوى في النفس الواحدة من فكرة إلى فكرة ومن شعور إلى شعور!
وكان الدائم التنبيه لهذا الأمر:
" الحلال بيّن، والحرام بيّن. وبينهما أمور متشابهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه، ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه! " [83].
" إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أن كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض " [84].
من أجل ذلك قال: ما أسكر كثيره فقليله حرام.
وأخذ عنه المسلمون هذه القاعدة التشريعية الشاملة فقال فقهاؤهم إن وسيلة المحرم محرمة لأنها تؤدي إليه. فالفاحشة حرام، والنظرة إلى الأجنبية حرام لأنها تؤدي إلى الفاحشة.
وسرت هذه القاعدة في كل التشريع.. وسرت كذلك إلى صميم المجتمع. فكان كل فرد دائم اليقظة إلى الناس يحذر أن توجد الكأس الأولى التي تؤدي إلى الطوفان. " أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك "!
* * *
(1/96)

والإسلام يعلم أنه مهما صنع فلن يبطل الجريمة ولن يلغي الفاحشة من البشرية!
نعم. يعلم ذلك على اليقين. ولا يدفن رأسه كالنعامة في الرمل ويقول: ما دمت لا أراه فهو غير موجود!
ولكنه - مع ذلك - لا يعترف بالجريمة كأمر واقع، ولا يقبلها على هذا الوضع!
موقف بالضبط كموقف الطبيب المشرف على وقاية الناس من الأمراض.
إنه يعلم أنه مهما صنع فلن يمنع المرض من الوجود، ولن يصبح الناس كلهم محصنين!
ومع ذلك فلا ينهزم أمام المرض ولا يتركه يتفشى فيتحول إلى وباء.
مهمته الدائمة هي العراك مع الأمراض.
ويعلم علم اليقين أنه ستظل هناك حالات فردية لا تنفع فيها الوقاية، وقد لا ينفع كذلك العلاج.
ولكنه يصر على المقاومة، ولا يلجأ إلى الهزيمة، ويقول - وهو صادق - إن المدينة " نظيفة " ما دامت خالية من الوباء.
وكذلك يصنع الإسلام في وقاية البشرية.
يقف لكل جريمة مفردة ليحاول منعها من الانتشار، ولا يستهين بها مهما تكن من الضآلة في مبدإ الأمر. فجرثومة الكوليرا الواحدة المفردة تقتل في النهاية مئات الألوف ومئات الملايين. وجرثومة الفساد الواحدة تقتل شعباً بأكمله.
وهو يقف للجريمة بكل وسائل الوقوف.
يقف لها داخل الضمير. فالمناعة تنبت من داخل النفس.
ينظف هذا الضمير ويهذبه ويربطه بالله: " تعبد الله كأنك تراه ".
ويقف لها في المجتمع بإقامة التقاليد التي تجعل الفضيلة عادة وتجعل الجريمة منكرة مرهوبة.
ثم يقف لها بالتشريع الذي يعاقب على الجريمة.
وحين تقع الجريمة في هذا الجو، فهي كحالة المرض المفردة التي قد لا تنفع فيها الوقاية ولا ينفع فيها العلاج. ولكن الوقاية والعلاج يفلحان في منع انتشارها وتحولها في النهاية إلى وباء.
وقد أمر الله بمنع الفاحشة ووضع لذلك الحدود.
ثم جاء الرسول ( يضع - الشرح المفصل للحدود حين قال: " ما أسكر كثيره فقليله حرام ".
ولم يكن ( متشدداً، متزمتاً بلا ضرورة.
(1/97)

إنما كانت الحكمة الخالصة التي فتح لها قلبَه اللطيف الخبير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[75] رواه أبو داود.
[76] انظر فصل " النفس والجسم " من كتاب " في النفس والمجتمع ".
[77] سورة الأعراف [ 31 ].
[78] " يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ " سورة الزمر [ 6 ].
[79] سورة يس [ 60 - 62 ].
[80] سورة الزمر [ 49 ].
[81] سورة الزمر [ 49 - 51 ].
[82] سورة الملك [ 14 ].
[83] رواه البخاري.
[84] رواه أبو داود.
ادرءوا الحدود بالشبهات
" ادرءوا الحدود بالشبهات " [85].
" ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فمن كان له ملجأ فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة " [86].
* * *
" الشك يفسر في صالح المتهم ".
تلك هي القمة الإنسانية التي بلغتها أوربا بعد الإسلام بأكثر من ألف عام!
ومع ذلك فهي لم تصل إليها في سهولة ويسر، ولم تصدر فيها عن مشاعر إنسانية خالصة، تحس بقيمة " الإنسان " في ذاته، وتقدر حرمته وكرامته وحقوقه، وتعطف عليه حتى وهو يخطئ في حق الجماعة، ويهبط عن المستوى اللائق بالإنسان.. وإنما جاء ذلك بعد صراع مستمر عنيف، جرت فيه أنهار من الدماء وطاحت فيه كثير من الرءوس!
كان الوضع الذي استقر في أوربا فترة طويلة من الزمان، يقسم الناس إلى سادة في جانب وعبيد في جانب. سادة من " الأشراف " يجري في عروقهم دم مقدس! من لون غير دماء البشر العاديين! سادة هم الذين يملكون ويحكمون ويشرعون. وعبيد لا يملكون شييئاً، ولا يشرعون شيئاً، وكا ما لهم هو الذل والهوان المقيم.
(1/98)

وحتى القانون الروماني المشهور بعدالته " المثالية! " والذي يعتبر الأصل الذي تستمد منه القوانين الأوربية الحديثة في كثير من المسائل، حتى هذا كان قانوناً " للرومان فقط "! الذين يملكون حقوق المواطن الروماني. وقليل ما هم! أما بقية الشعب في إيطاليا نفسها، ودع عنك المستعمرات والملحقات والبلاد المغلوبة، فلم تكن تستمتع بهذا العدل الروماني، ولم تكن لها حصانة من العسف والاضطهاد. والفرق الهائل بين عدد الأحرار وعدد العبيد يرينا إلى أي حد كانت القلة القليلة تستمتع على حساب الكثرة المغلوبة. فقد كان الأحرار في روما سنة 204 ق. م. 214 ألفاً، وكان العبيد 20 مليوناً من البشر في إيطاليا، غير بقية المستعمرات!
ووجدت في بقاع الأرض - في أوربا وفارس والهند وسواها - قوانين صريحة تفرق بين الشريف والعبد في طريقة المعاملة أمام القضاء. وتنص على اختلاف العقوبة على العمل الواحد. فالعبد السراق يقتل، والشريف السارق يكتفي برد ما لديه! والمعتدي على الشريف - إن كان شريفاً مثله - فالعين بالعين والسن بالسن. أما المعتدي على العبد فجزاؤه الغرامة! والغرامة لا تؤدى إليه إنما تؤدى للسيد الذي يملك العبد، تعويضاً له عن " إتلاف " بعض ممتلكاته! أما السيد ذاته فله على عبده حق القتل والإبادة والتعذيب! وحتى حين كانت القوانين تخجل من هذه الصراحة فالتطبيق كان يأخذ نفس الروح: فالشريف لا يؤخذ بالظنة، ولا يحاكم إلا حين تثبت عليه التهمة، ويحكم عليه بأخف العقاب. والعبد - أي الشعب.. يسام التنكيل لأقل شبهة، ويعذب بوحشية ليعترف، ثم يوقع عليه العقاب البشع الذي لا يتناسب مع الجرم ولا يتناسب مع " الإنسانية "!
ولكن استمرار الحال على هذه الصورة البشعة لم يكن من المستطاع، فلا بد أن يثور العبيد لكرامتهم مهما طال عليهم الأمد وطال منهم السكوت..
(1/99)

وقامت الثورات بالفعل مزلزلة مدمرة وأطاحت بالرءوس.. رءوس الملوك والملكات والأشراف والنبلاء.. وتقررت - نظريا على الأقل - بعض حقوق الإنسان. تقررت له حرماته وحقوقه وضماناته. وكان من هذه الضمانات: ضمانة الحياة فلا يموت جوعاً. وضمانة الحياة فلا يعتدى عليه بغير الحق. وضمانة العيش فلا يموت جوعاً. وضمانة الحريات: حرية القول والاجتماع والسفر واختيار العمل. وضمانة العدالة في القضاء فلا يؤخذ المتهم بالشبهة، ولا يؤثر عليه في التحقيق بالوعيد ولا بالوعد.. ويفسر الشك في صالح المتهم، فلا يحكم عليه بالعقوبة الكاملة إلا حين تثبت التهمة بالدليل القاطع الذي لا شبهة فيه.
ثم كانت الثورة الصناعية في انجلترا، وتلتها الحركة الرأسمالية في بلاد أوربا..
وللشيوعية رأي في الرأسمالية: أنها استعباد من رءوس الأموال للكادحين، وامتصاص لجهدهم الذي يبذلون فيه العرق والدماء والدموع ليتحول إلى ثراء فاجر في يد الرأسماليين العتاة..
وإنها لكذلك..
ولكن التاريخ قد وعى - رغم ذلك - حركة هائلة من التحرر في فترة الرأسمالية، نقلت الشعب من مقاع العبودية المطلقة والهوان الكامل، إلى وضع أقل ما يقال عنه إنه يحمل من الضمانات السياسية والاجتماعية والقانونية ما يعترف بكرامة الفرد ويرد اعتباره إليه..
إنه يحمل من الضمانات السياسية والاجتماعية والقانونية ما يعترف بكرامة الفرد ويرد اعتباره إليه..
ولم يكن ذلك تفضلاً من " السادة " الحكام والملاك والمشرعين. ولا كان إحساساً منهم بالخير الفياض في نفوسهم، والتقدير " الحر " لكرامة الإنسان كان صراعاً طويلاً عنيفاً اصطدمت فيه القوى من الجانبين كما حدث من قبل في صراع العبيد ضد الإقطاع.. وإن كانت لم تصحبه الثورات الدموية من الشعوب ضد الحكام، لأن الثورة الفرنسية كانت قد قررت لهم المبادئ ولم يبق سوى التنفيذ، ولأن العمال كانوا يملكون السلاح الذي يواجهون به الرأسمالية وهو سلاح الإضراب!
* * *
(1/100)

كلا! لم تصل أوربا إلى العدالة عن تقدير صادق للكرامة الإنسانية، وشعور صادق بقيمة الإنسان! وإنما كانت خطوة خطوة يتراجعها السادة الحاكمون ليكسبها الشعب الحاقد الغضبان!
وحتى في العصر الحديث حين استقرت الأمور - بعض الشيء - وزال عنها شيء من شعور الحقد، وأصبحت العدالة من أمور الحياة العادية البديهية المقررة.. وصار القبض على شخص واحد في إنجلترا مثلاً بدون تهمة، أو اعتقاله يوماً بدون تحقيق، يثير البلاد كلها، ويقيمها ويقعدها، وتستجوب عنه الحكومة أمام الشعب.. حتى عندئذ لم يصطبغ القانون الأوربي أو الغربي عامة بالصبغة " الإنسانية ". فما تزال فيه السمة الرومانية البغيضة التي كانت تقصر العدالة من قبل على المواطن الروماني، وهي اليوم تقصرها على الرجل الأبيض، الذي يستمتع وحده بالحقوق الإنسانية ويحرم منها بقية بني الإنسان. والشواهد البشعة على ذلك في كل مكان على ظهر الأرض وطئه الرجل الأبيض وما زال مسيطراً عليه، في أفريقيا وآسيا وأمريكا.. وبين البيض والملونين في كل مكان!
أما الإسلام فلم يكن في حاجة إلى الثورة المزلزلة التي تهرق الدماء وتقطع الرءوس!
بل لم يكن في حاجة إلى مجرد المطالبة بالحقوق!
بل لقد كان هو الذي يمنح الناس الكرامة الإنسانية، ويحرضهم على التشبث بها، والمحافظة عليها، والكفاح من أجلها في وجوه الطغاة والظالمين!
يمنحها متفضلاً.. ككل حق منحه للناس قبل أن يطلبوه، ورباهم على اعتناقه في ظل العقيدة، كجزء من العقيدة، وطالبهم بإقامته - في ظل العقيدة - كفرض من الفروض!
ولا عجب في ذلك. فالإسلام كلمة الله. والله هو المانح، والمتفضل على البشر بكل نعمة من نعم الحياة!
وقد قضى الله أن يكون الحق والعدل قوام الحياة...
(1/101)

الحق الذي هو صنعة الله. والذي خلق الله به السماوات والأرض: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) [87] (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ) [88] (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [89]. الحق الذي هو صفة كل شيء صدر عن إرادة الله، والذي ينبغي للبشر خلفائه في الأرض - أن يحكموا به كذلك: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) [90] (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [91]. (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [92] (فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) [93].
وقد اقتضى الحق والعدل أن يتساوى الناس كلهم أمام القانون، لأن الناس كلهم متساوون في صدورهم عن إرادة الله، وصدورهم عن نفس واحدة خلقها الله، ومتساوون أخيراً في مصيرهم إلى الله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً) [94] (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [95] (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) [96] " أنتم بنو آدم. وآدم من تراب " [97].
من هذه المساواة المطلقة في المنشإ والمصير قامت المساواة كاملة في الإسلام أمام الشريعة. لا فرق بين سيد وعبد، ولا بين شريف وحقير.
(1/102)

يقول الرسول الكريم: " إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. [98] فيضع بذلك حداً للمظالم التي كانت قائمة في الأرض - والتي ظلت قائمة في غير الإسلام - بعد ذلك بألف عام! ويضع حداً للخرافة البغيضة التي تفرق بين الناس في الخلقة، وتفرق بينهم بعد ذلك في الحقوق. ولم يكن ذلك القول خطبة حماسية جميلة لاسترضاء الشعوب، ولا مبدأ مثالياً جميلاً معلقاً في الفضاء. وإنما كان حقيقة واقعة شهدها التطبيق العملي في حياة المسلمين. فقد كان الرسول ( يقيد من نفسه، أي يدعو الناس للقصاص منه إذا كان أحدهم يظن أنه قد ظلمه أو اعتدى عليه!! وكان عمر يجلد ابن عمر لأنه شرب الخمر، وهو ابنه وهو شريف من قريش!
أما العبيد الأرقاء بالفعل، فقد عمل الإسلام على تحريرهم، وسلك إلى ذلك مسالك شتى. وإن كانت قد بقيت منه بقية في نطاق ضيق فذلك لأن الأمر كان يرتبط ارتباطاً أساسياً بأسرى الحرب، والمعاملة فيهم بالمثل، وكان الرق هو مصير أسرى الحرب في معظم الأحوال [99].
ولكن المهم - ونحن بصدد التطبيق القانوني - أن الإسلام - وهو يعترف بالرق كضرورة مؤقتة يعمل دائماً على الخلاص منها - لم يبح " للسادة " أن يميزوا أنفسهم على عبيدهم، ولم يبح لهم التصرف " الحر " في هؤلاء العبيد:
" من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن أخصى عبده أخصيناه " [100].
(1/103)

ولم يكن ذلك أيضاً كلمة تقال في الهواء، ولا مبداً مثالياً معلقاً في الفضاء. وإنما كان حقيقة واقعة شهدها التطبيق العملي في حياة المسلمين. فقد أمر الرسول ( بالقصاص من رجل جبّ عبده. وقصة عمر مع الشريف الذي لطم عبداً لأنه داس عفواً على ذيله أثناء الطواف في الحج معروفة، فقد أصر عمر على القصاص.. على أن يلطم العبد ذلك الشريف.. وظل الشريف يرجو ويشفع وعمر يصر.. حتى فر الرجل أخيراً وارتد عن الإسلام!
أما البلاد المفتوحة، فقصة القبطي الذي جاء يشكو ابن عمرو بن العاص لأنه ضرب ابنه بغير حق، فأمر عمر بأن يضرب القبطي ابنَ عمرو ويقتص منه.. هذه القصة وحدها تحمل الدليل!
* * *
تلك أولى مراحل العدالة في الإسلام! المساواة بين الناس كلهم أمام الشريعة..
ولكنها درحة واحدة وبعدها درجات..
فالإسلام لا يكتفي بأن تكون المعاملة للجميع واحدة.. ولكنه يعطي إلى جانب ذلك شريعة هي في ذاتها عادلة فلا يظلم ولا يحيف. فالشرع لا يعرف قول القائلين: المساواة في الظلم عدل! وإنما هو العدل، والمساواة في العدل!
وليس هنا مجال التفصيل في عدالة الشرع الإسلامي.. فقد عرضنا ذلك التفصيل في فصل " الجريمة والعقاب " في كتاب " الإنسان بين المادية والإسلام " ولكنا نقول هنا - بغاية ما نستطيع من إيجاز - إن الشرع الإسلامي يبلغ قمة العدالة حين ينظر إلى الفرد والمجتمع في آن واحد، ليتأكد من أن كلاً منهما يأخذ حظه من الحقوق، ويؤدي نصيبه من الواجبات. وأن أيا منهما لا يظلم لحساب الآخر، أو يفتات على أخيه.
فبينما كانت القوانين في الدول القديمة - وما زالت في الدول الجماعية في الوقت الحاضر - تشتط في عقاب المجرم، لأنه وهو فرد ضائع لا كيان له، يعتدي على الكيان المقدس، كيان الجماعة ؛ ويُتخذ ذلك ستاراً للتنكيل بكل فرد تحدثه نفسه بالخروج على السادة ذوي القداسة والسلطان..
(1/104)

وبينما تبالغ الدول الغربية الرأسمالية في إباحة الحرية للفرد، على أساس أنه هو الكائن المقدس ولا قداسة للجماعة ولا كيان، وينشأ من ذلك تخفيف العقوبة على المجرم وتلمس الأعذار له.. نجد الإسلام يمسك الميزان من منتصفه، فلا يميل في جانب الفرد ولا جانب الجماعة، لأنه لا يراهما فرداً وجماعة منفصلين، ولا يعتبرهما معسكرين متقابلين تقوم بينهما العداوة والبغضاء، ويرغب كل منهما في تحطيم الآخر والقضاء عليه.. بل ينظر إلى الفرد والجماعة على أنهما كلٌّ متجاوب موحد الغاية متعاون في الأداء.. فإذا شذ فإنه يُقوَّمُ لكي يرد إلى السبيل ؛ وسواء جاء الشذوذ من الفرد بمفرده أو جاء من الجماعة.. فكلاهما مخطئ وكلاهما ينبغي أن يرد إلى الصواب!
وهو إذ ينظر مرة بعين الجماعة، فيرى حقها في الطمأنينة على نفسها، والمحافظة على حقوقها، فيمنع العدوان عليها، ويعاقب المعتدين.. فإنه ينظر في ذات الوقت إلى الفرد، فيرى دوافعه إلى الجريمة، سواء كانت منبعثة من داخل النفس، من نزوة الغريزة، ودفعة الشهوات، أو من الظروف الخارجية، الاجتماعية والاقتصادية، فيقدر هذه الدوافع، وينظر إليها بعين الاعتبار.. ويعمل على إزالتها بكل طريقة ممكنة قبل أن يوقع العقوبة: بالتشريع الذي يكفل الضرورات مرة، والتشريع الذي يصون الحرمات مرة، والتربية التي تهذب النفس وتنظف مساربها، وتجعل روح الحب والتعاون والتكافل هي الروح السائدة في الجماعة.. أولاً وأخيراً بالعقيدة التي تربط القلب بالله، وتوجهه لخشيته والعمل على رضاه.. فإذا عجز ولي الأمر عن إزالة الدوافع لأي سبب من الأسباب، أو ساورته في ذلك شبهة، فعند ذلك يدرأ الحدود بالشبهات!!
أي عدالة يمكن أن تبلغ هذه العدالة؟!
(1/105)

" روي أن غلماناً لابن حاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر، فأقروا، فأمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم، فلما ولى رده. ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه لحل له، لقطعت أيديهم. ثم وجه القول لابن حاطب بن أبي بلتعة فقال: وايمن والله إذ لم أفعل ذلك لأغرمنك غرامة توجعك! ثم قال: يا مزني، بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربعمائة. قال عمر لابن حاطب: اذهب فأعطه ثمانمائة "!
فهذه حادثة واضحة الدلالة على أن " المجرم " لا يؤخذ بذنبه حتى ينظر الحاكم أولاً في دوافع الجريمة، فيزنها بميزان الحق والعدل، ويبحث عن المسئول الحقيقي فيها، فيوقع العقوبة عليه. وقد كان المسئول في هذا الحادث هو " السيد " الذي يمثل الملاك! بينما أعفى " المجرم " من العقاب، لأنه اعتبره واقعاً تحت ضغط الضرورة التي تغلب الإنسان على نفسه وتدفعه إلى الانحراف. وهي كذلك تطبيق عملي لحديث الرسول ( : ادرءوا الحدود بالشبهات.
وإن الدول " الحرة " التي تعطف اليوم على المجرم، وتتلمس له المعاذير، وتخف عنه العقوبة أو ترفعها عنه - بعد أن كانت تشتد عليه وتقسو - هذه الدول تصنع ذلك بروح أخرى غير روح الإسلام! فعلم النفس التحليلي، وغيره من الدراسات النفسية والاجتماعية، يبرر الجريمة اليوم على أساس سلبية الإنسان إزاء الدوافع الداخلية أو الخارجية، وانعدام " الإرادة " التي تقوم عليها " المسئولية ". ولكن الإسلام لا يهبط إلى هذا المستوى في نظرته إلى الإنسان. إنه لا يلغي كيانه الإيجابي الفاعل المريد. ولا يسقط عنه مسئوليته كإنسان. وإنما هو - مع ذلك - يعطف عليه في لحظة الضعف، ويدرأ عنه الحدود بالشبهات.. فهو في الواقع عطف مضاعف - بالنسبة للمستوى الرفيع الذي يطالب به الإنسان - وهو عطف أكرم ولا شك من ذلك الذي تمارسه الدول " الحرة " على كائن لا إرادة له في نظرها ولا كيان!
(1/106)

أما الدول الجماعية التي تكفل للناس حاجاتهم، وتجعل الدولة مسئولة عنها، وتغني الناس - فيما تقول - عن الجريمة، فإنها تأخذ ثمن ذلك دكتاتورية بشعة، وتحكماً في كل صغيرة وكبيرة، واستعباداً للدولة. بينما كان عمر - الذي طبق هذا المبدأ، مبدأ مسئولية الجماعة ومسئولية الدولة عن حاجة الأفراد [101] - هو الذي يقول: " إن أحسنت فأعينوني، وإن وجدتم في اعوجاجاً لقومناه بحد السيف! " فلا يغضب، بل يقول في هدوء وطمأنينة:
" الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقومه بحد سيفه! ".
* * *
الشريعة عادلة في ذاتها، ومطبقة بالمساواة على الجميع.
ولكن هذا وذاك لا يستنفدان كل معاني العدالة في شريعة الإسلام.
ما زالت هناك " الضمانات " المختلفة للفرد الذي يوجه له الاتهام: ضمانة الصدق في الاتهام ذاته. وضمانة حسن التحري. وضمانة التحقيق وضمانة التنفيذ.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [102].
فهذه الضمانة الأولى.. لا يؤخذ أحد بالظنة. ولا بد أن يوزن الاتهام ذاته ليرى مبلغه من الصدق ومبلغه من الجد، فللناس حرماتهم المصونة وكراماتهم التي لا يجوز أن تمس.. إلا بالحق.
(وَلا تَجَسَّسُوا) [103]
فهذه هي الضمانة الثانية.. لا تكون الجاسوسية من وسائل الإثبات!
وقد روي أن عمر مر ببيت رابته منه أصوات.. فتسور الجدار فوجد قوماً يشربون ويغنون فأراد أن يعاقبهم.. فقام له صاحب االدار فقال عمر: وما ذاك؟ قال: إن الله تعالى يقول: (وَلا تَجَسَّسُوا) وأنت تجسست علينا. ويقول: (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) وأنت تسورت علينا! فلم يجد عمر أمامه إلا أن يستتيبه!
(1/107)

ثم ضمانات التحقيق.. وهنا يرتفع الإسلام إلى القمة التي لم تبلغها الإنسانية في غير الإسلام إلا منذ فترة قريبة، وبدافع الصراع الدموي الطويل الذي فصلناه من قبل، لا بدافع الإنسانية الطليقة التي تكرم " الإنسان " حتى في لحظة الهبوط!
إن المحقق ليست مهمته الإيقاع بالمجرم وتضييق الخناق عليه في التحقيق! ولا يجوز له أن يستخدم وسيلة من وسائل الإرهاب تنتهي بالاعتراف.
جاء في سنن أبي داود (ج 4 ص 191): " حدثنا عبد الوهاب بن بجدة.. أن قوماً من الكلاعيين سرق لهم متاع. فاتهموا أناساً من الحاكة، فأتوا النعمان بن بشير صاحب النبي ( فحبسهم أياماً ثم خلى سبيلهم. فأتوا النعمان فقالوا: خليت سبيلهم بغير ضرب ولا امتحان؟ فقال النعمان: ما شئتم! إن شئتم أن أضربهم.. فإن خرج متاعكم فذاك، وإلا أخذت من ظهوركم مثل ما أخذت من ظهورهم! فقالوا: هذا حكمك؟ فقال: هذا حكم الله وحكم رسوله ( " [104].
أما الذي يعترف بنفسه.. فالقمة التي وصل إليها الإسلام بشأنه عجب عاجب في التاريخ!
" حدثنا موسى بن إسماعيل.. أن النبي ( أُتِيَ بلص قد اعترف اعترافاً ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله ( : " ما إخالك سرقت؟! " قال: بلى! فأعاد عليه مرتين أو ثلاثاً، ثم أمر فأقيم عليه الحد " [105].
أما قصة ماعز بن مالك الذي اعترف على نفسه بالزنا فهي قصة مشهورة. فقد ظل يجيء إلى الرسول مرة بعد مرة يعترف لديه والرسول ( يرده، حتى اعترف أربع مرات، فعاد الرسول يسأله ويستوضحه وينفي له التهمة أو يفتح له طريق الخلاص! فيقول له: " لعلك قبّلت، أو غمزت، أو نظرت ".
وماعز يصر ويقول لا! فقال له: " أزنيت؟ " قال: نعم! قال: " فهل تدري ما الزنا؟ " [106]. فما أقام عليه الحد حتى اطمأن اطمئناناً كاملاً أنه يصر على الاعتراف ولا يريد أن يدرأ عن نفسه العذاب!
فإذا كان هذا هو جو التحقيق فلا مجال بطبيعة الحال لشيء من الوسائل البشعة التي تتخذ في غير الإسلام.
(1/108)

أما التنفيذ بعد كل هذه الضمانات.. التنفيذ في مجرم تثبت عليه التهمة من غير إكراه، ووقعت عليه عقوبة في ذاتها عادلة، ووقعت لأنه لا شبهة في الجريمة تدفع عنه الحد.. التنفيذ بعد ذلك كله يحمل ضماناته!
حدثنا أبو كامل.. عن أبي هريرة عن النبي ( قال: " إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه " [107].
وقال ( : " لا تعذبوا بعذاب الله " [108] (أي النار).
وقال ( : " فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة " [109].
ولكن هذا ليس كل ما هناك...
لقد بلغنا العدالة ولم نبلغ بعد قمة الإسلام!
إن المجرم إذا وقعت عليه العقوبة بعد هذا الاحتياط كله.. المجرم الذي لا شبهة في جريمته.. المجرم الذي لا عذر له في ارتكابها.. وإنما هي نزوة من نزوات النفس الشريرة، ودفعة من دفعات الهبوط..
ذلك المجرم لم يخرج بعد من دائرة الإنسانية، بل لم يخرج من دائرة الجماعة الإسلامية! إنه لا ينبذ ولا يضطهد.. ولا يعيّر بجريمته.. ولا يذّكر بها.. ولا يحول شيء قط بينه وبين أن يعود إلى الجماعة - في لحظته - تائباً منيباً إلى الله، فيقبل فيها وتفتح له القلوب.
" حدثنا قتيبة بن سعيد.. عن أبي هريرة أن رسول الله ( أتى برجل قد شرب، فقال: " اضربوه ". قال أبو هريرة، فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه. فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله! فقال رسول الله ( : " لا تقولوا هكذا. لا تعينوا عليه الشيطان " [110].
وفي حادث السارق الذي مر ذكره، والذي أمر الرسول بإقامة الحد عليه، قال له الرسول: " استغفر الله وتب إليه " فقال: استغفر الله وأتوب إليه، فقال: " اللهم تب عليه اللهم تب عليه " ثلاث مرات[111].
(1/109)

نعم إن الإسلام لا يحب أن يفقد نفساً واحدة يمكن أن تتوب إلى الله وتهتدي إليه. إنه لا يصر على لحظة الضعف التي تصيب فرداً من البشر، ولا يُعنِتُهُ من أجلها. وإنما يفتح له بابه لكي يعود.. يعود إلى الله ويعود إلى الجماعة، فينطلق فيما هي منطلقة من الخير، ويأخذ لنفسه من ذلك الخير بنصيب. ولا تقف الجريمة العابرة حاجزاً في حياته، ولا تسمم أحاسيسه وأفكاره، ولا توصد أمامه الأبواب فيصبح مجرماً مصراً على الإجرام بعد أن كان مجرماً بغير قصد. وذلك معنى قول الرسول الكريم: " لا تعينوا عليه الشيطان ".
ومع ذلك فإن تكريم الرسول الكريم للبشرية.. " للإنسان " الذي خلقه الله في أحسن تقويم.. حتى وهو يرتد في لحظة لأسفل سافلين.. تكريمه له ما دام لا يصر على الإثم ولا يمرد عليه، ولا يقف عند الأحياء الذين يرجوهم للجماعة، ويستبقيهم لخير يمكن أن يصنعوه في الأرض، أو ليتقي شراًّ يمكن أن يصدر عنهم - أي لأهداف " عملية " واقعية! - وإنما يتجاوز ذلك إلى آفاق أخرى، رفافة شفيفة، نسيجها الرحمة الخالصة، والتكريم الخالص.. لوجه الله!
جاء في قصة ماعز بن مالك: ".. فأمر به فرجم، فسمع النبي ( رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب. فسكت عنهما، ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجليه، فقال: " أين فلان وفلان؟ " فقالا: نحن ذان يا رسول الله. قال: " انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار ". فقالا: يا نبي الله، من يأكل من هذا؟ قال: " فما نلتما من عرض أخيكما آنفاً أشد من أكلٍ منه. والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها ".
يا الله.. ويا نبي الله.
ألا إنها آفاق ما بعدها آفاق.. ألا إنه النور الذي يشع من هذا القلب الكوني الذي يتصل بالله، ثم يفيض بالرحمة والهدى على عباد الله..
(1/110)

وذلك كله قبل أن يقول قولته علم الاجتماع وعلم الاقتصاد، وعلم النفس التحليلي وعلم الجريمة، قبل أن يتفلسف المتفلسفون في هذا الميدان بأكثر من ألف عام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[85] رواه عبد الله بن عباس (ورد في كتاب الكامل لابن عدي وفي مسند أبي حنيفة للحارثي).
[86] ذكره صاحب مصابيح السنة في الصحاح.
[87] سورة الزمر [ 5 ].
[88] سورة آل عمران [ 191 ].
[89] سورة المؤمنون [ 115 - 116 ].
[90] سورة النحل [ 90 ].
[91] سورة النساء [ 58 ].
[92] سورة المائدة [ 8 ].
[93] سورة الأنعام [ 152 ].
[94] سورة النساء [ 1 ].
[95] سورة الحجرات [ 13 ].
[96] سورة يس [ 32 ].
[97] مسلم وأبو داود.
[98] رواه الستة.
[99] انظر بالتفصيل فصل " الإسلام والرق " في كتاب " شبهات حول الإسلام ".
[100] الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي.
[101] مبدأ كفالة الدولة للأفراد ومسئوليتها عن جميع أمورهم مبدأ صريح في الإسلام، وقد كان عمر ( يقول: لو أن بغلة عثرت بصنعاء لكنت مسئولاً عنها لِمَ لَم أسوِّ لها الطريق! ويقول ابن حزم في صراحة إن (الجماعة) مسئولة عن كل فرد فيها، وإن للإنسان أن يقاتل من في يده طعامه أو شرابه (إذا منعه عنه) فإن قتل لأهله الدية، وإن قتل تدفع لا يقام عليه الحد!
سفينة المجتمع
" مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً " [112].
* * *
صورة عجيبة تلك التي تتمثل في النفس من قراءة هذا الحديث.. صورة حية شاخصة موحية معبرة.
(1/111)

وإن هناك لجمالاً بديعاً في هذا التشبيه بالسفينة. فالحياة كلها هذه السفينة الماخرة في العباب، لا تكاد تسكن لحظة حتى تضطرب من جديد. ولن يكتب لها السلامة والاستواء فوق الموج المضطرب حتى يكون كل شخص فيها على حذر مما يفعل، ويقظة لما يريد.
والمجتمع كله هذه السفينة.. يركب على ظهرها البر والفاجر، والمتيقظ والغفلان، وهي تحملهم جميعاً لوجهتهم.. ولكنها - وهي محكومة بالموج المضطرب والرياح من جانب، وما يريده لها الربان من جانب - لتتأثر بكل حركة تقع فيها، فتهتز مرة ذات اليمين وتهتز مرة ذات الشمال، وقد تستقيم على الأفق أحياناً أو ترسب أحياناً إلى الأعماق..!
وإن كثيراً من الناس لينسى - في غمرته - هذه الحقيقة. ينسى سفينة المجتمع أو سفينة الحياة.
ينسى. فيخيل إليه أنه ثابت على البر، راكز راسخ لا يضطرب ولا يزول.
ومن أجل ذلك يفجر أو يطغى..
ولو تذكر من استكبر وطغى أنه ليس راكزاً على البر ؛ ليس دائماً في مكانه، ولا خالداً في سطوته، وإنما هي رحلة قصيرة على سفينة الحياة.. لو تذكر ذلك ما استكبر ولا طغى، ولا اغتر بقوته الزائلة عن الحقيقة الخالدة، ولعاد لمصدر القوة الحقيقية في هذا الكون، يستلهم منه الهدى، ويطلب منه الرشاد، ويسير على النهج الذي أمر به وارتضاه للناس.
ولو تذكر من يفجر وينحرف أنه ليس راكزاً على البر، وإنما هو منطلق على العباب.. وأن كل حركة يأتيها تتأثر بها السفينة فتهتز.. لو تذكر ذلك لما ترك نفسه لشهواته ولانحرافاته، ولعمل حساباً لكل خطوة يخطوها وكل حركة يتحركها حرصاً على نجاته هو ونجاة الآخرين..
ولكنها الغفلة السادرة التي تخيم على البشرية.. إلا من آمن واتقى وعرف ربه واهتدى إليه.
والرسول الكريم ( يدرك هذه الغفلة التي ترين على قلوب الناس، فيحذرهم منها، ويصورها لهم في صور شتى، من أعجبها أبلغها هذه الصورة التي يرسمها هذا الحديث، صورة السفينة الماخرة في العباب..
* * *
(1/112)

حين قال الإقطاعيون لأنفسهم: نملك الأرض وكل من عليها عبيد..
وحين قال الرأسماليون لأنفسهم: نملك المصانع والعمال فيها عبيد..
وحين قال الأباطرة المقدسون: نملك الملك والرعايا عبيد..
وحين قال غيرهم وغيرهم من الظالمين مثل قولتهم، لم تكن غير نتيجة واحدة في كل مرة، غرقت السفينة المخروقة، وغرق من عليها من سادة ومن عبيد!
وانظر في ثورات الأرض المزلزلة التي أطارت الرءوس وأجرت الدماء، وانظر إلى الحروب المدمرة التي تأكل الأخضر واليابس وتسمم الحياة، لم تكن غير نهاية طبيعية للخرق المخروق في السفينة، تتدفق عن طريقه المياه..
* * *
ويقوم شاب مفتون ينجرف في تيار الشهوات، يقول: من يحرِّجُ عليّ فيما أصنع؟ أفعل ما بدا لي، وليس لأحد عليَّ سلطان.
ويتركه الناس!
يتركونه يفسق ويفجر، وينشر الفاحشة في المجتمع.
يتركونه خوفاً وطمعاً إن كان من زمرة السادة الأثرياء. أو يتركونه استصغاراً لشأنه واستهتاراً بعواقب الأمور.
وقد يقول في نفسه يبرر فجوره: وهل يمكن أن أؤثر في المجتمع وأنا شخص واحد مفرد الكيان؟ هل أنا إلا قطرة في الخضم؟ فلتكن قطرة سم! فكيف تفسد الخضم؟! هل قبلة في الهواء، أو ضمة مختلسة في الظلام، أو ساعة ممتعة في خلوة، هل هذه يمكن أن تؤثر في المجتمع وتهدم الأخلاق؟!
وإنه لينسى.. والساكتون عليه ينسون..
إنه يتصور نفسه شخصاً واحداً في المجتمع - قطرة واحدة في الخضم - وينسى والناس ينسون أن كل واحد يقول ذلك وهو يلقى القطرة السامة في الخضم.. ولا بد أن تتجمع في النهاية السموم.
بل قد يتبجح الفتى زيادة فيحدث نفسه أو يحدث الناس: وهل أنا وحدي الذي سأصلح المجتمع الفاسد؟ لقد فسد وانتهى الأمر. فهب أنني امتنعت وحدي عن الجريمة واحتملت وحدي اضطراب النفس واحتراق الأعصاب.. فأي جدوى من ذلك وأي نتيجة؟ أحترق في النهاية وحدي ويستمتع الآخرون..!
وقد يكون ذلك حقاً!
(1/113)

ولكنه لم يكن كذلك حين فجر أول فاجر وتركه الناس! حين خرق أول مفتون مكانه في السفينة فلم يأخذوا على يديه. حين ظن أول خارج على المجتمع والأخلاق والتقاليد أنه لن يضر الناس شيئاً، وأنه يخرق مكانه وهو حر فيه..
وحين يصبح حقاً ما يقوله الفتى.. حين يكون المجتمع فاسداً إلى المدى الذي لا يصلحه امتناع فرد، ولا تؤثر فيه نظافة ضمير.. حين ذلك تصدق سنة الله وتصدق كلمة الرسول ( .. ينهار المجتمع كله، وتغرق السفينة الطافحة بالمياه.
* * *
وتقوم فتاة مستهترة، تتقصع في مشيتها، وتتكسر في حديثها، وتعري ما يحلو لها من جسدها، وتتعرض للشباب تثير فتنة الجنس ونوازع الحيوان.. تقول: من يحرج عليَّ فيما أصنع؟ أفعل ما بدا لي، وليس لأحد عليَّ سلطان.
ويتركها الناس!
وقد تقول لنفسها أو تقول للناس تبرر جريمتها: وأي شيء أصنع؟ هل أقتل نفسي كبتاً وأترهبن؟ أريد أن أنطلق. أريد أن أستمتع بالحياة. هذا حقي! كيف أناله؟ كيف أناله نظيفاً إذا أردت؟ أما ترون كل شيء حولي فسد واشتد به الفساد؟ فإن تطهرت فكيف أعيش؟ كيف أحصل على نصيبي المشروع من متعة القلب ومتعة الجسد ومتعة الحياة؟ وهل أنا التي أفسدت هؤلاء الشبان أم إنهم هم الفاسدون؟ إنهم حيوانات. إنهم ذئاب! إنهم هم يسعون إلى الصيد ويوقعون بكل غرة لا تعرف وسائل الذئاب. فلست بدعاً في المجتمع. ولن أصده أنا عن التيار!
وقد يكون في كلامها شيء من الحقيقة.
ولكنه لم يكن حقيقة يوم فجرت أول فتاة فتركها الناس. حين خرجت أول فتاة مستهترة عابثة تحطم التقاليد وتهزأ بالأخلاق.. يوم خرقت مكانها في السفينة وقالت هو مكاني ولن يضر غيري من الناس.
وحين يصبح ما تقول الفتاة حقاً.. حين يفسد المجتمع إلى المدى الذي تحس الفتاة النظيفة أنها لا تجد نصيبها المشروع من متعة الحياة.. حينئذ تتحقق سنة الله، ويؤذن المجتمع كله بالانهيار.
* * *
(1/114)

ويقوم كاتب يزين الفاحشة ويحسنها للناس، يقول: أنا حر فيما أكتب. أين حرية الرأي؟ أكتب ما بدا لي. وليس لأحد عليَّ سلطان.
ويتركه الناس.
يتركونه يعيث في الأرض فساداً، وينشر السموم في النفوس. يستهترون بأمره، أو يشغلون عنه في زحمة الحياة. ويهزون أكتافهم يقولون: هل نحن به مكلفون؟
ويستفيد ذلك الكاتب.. يستفيد شهرة وثراء، ونفوذاً في بعض الأوساط. ولا عجب في ذلك فتجار المخدرات وتجار الأعراض يصلون إلى الشهرة وإلى الثراء.
ويغري النجاح غيره من الكتاب فينغمسون في تيار الجريمة، ويقولون إنهم تقدميون. يقومون برسالة مقدسة، رسالة القضاء على التقاليد " البالية " والتحضير لمجتمع جديد.
وقد يتبجح كاتب أو صاحب صحيفة يبرر الجريمة لنفسه، أو يبررها للناس.. يقول: ماذا أصنع؟ لقد تسمم الجو كله وصار القراء لا يقبلون على الأدب " الأبيض " والكلام النظيف. لقد تعودوا على الصحف العارية والقصص العارية، والأفكار العارية. ولم يعد يؤثر فيهم غير هذا اللون من الإنتاج. هب أنني أصدرت صحيفة نظيفة فكيف تعيش؟ من يقرؤها؟ كيف تغطى نفقاتها؟ ألا يكون ذلك انتحاراً؟ أو غفلة؟ أو جنوناً لا يقدم عليه عاقل؟ وماذا يصنع كاتب واحد أو صحيفة واحدة في التيار المسموم؟ هل يصنع إلا أن يفشل ويثير بفشله شماتة الشامتين؟!
وقد يكون هذا حقاً!
ولكنه لم يكن كذلك حين خرج أول كاتب يدعو إلى الفاحشة وتركه الناس. يوم هزوا أكتافهم وقالوا: هل نحن به مكلفون؟
وحين تصل الأمور إلى هذا الحد.. يوم يصبح الكاتب النظيف لا يجد الجمهور الذي يقرؤه أو الصحيفة التي تنشر له.. يوم لا تستطيع الصحيفة النظيفة أن تعيش.. يومئذ تكون السفينة قد أثقلت بما فيها من الماء، واضطربت مما فيها من الخروق.. وتتحقق سنة الله في الأرض، ويؤذن المجتمع كله بالانهيار.
(1/115)

ويقوم والد ضعيف الشخصية تحكمه امرأته، أو يحكمه الترف والاسترخاء.. يترك أولاده يعيثون بلا رقابة، يقول: هم أولادي وأنا حر فيهم! أفعل ما بدا لي، وليس لأحد عليَّ سلطان.
ويتركه الناس.. يتركونه تملقاً، أو يتركونه استخفافاً، يقولون: هو في النهاية الخاسر، وما لنا عليه من سبيل.
ويستمتع الأولاد.. يستمتعون بالتحلل من الضوابط والانفلات من القيود.
ويستمتعون بلذة الهبوط!
وهي لا شك متعة للمزاج المنحرف والكيان المقلوب! فمن الثابت أن الكيان الناقص - حين لا يكمّل بالطريق الصالح، ولا يوجه التوجيه السليم - يجنح إلى التكملة من طريق هابط، ويحس " بالنضوج " " والتميز " " والمتعة " من هذا الطريق!
وهذه المتعة تغري غيرهم من الأولاد فينجرفون في الطريق.. يجدون اللذة المنشودة، والنضوج المنحرف، والتميز بين الأقران.. ويروحون يتمردون على أهليهم وينفلتون من القيود.
ويقول الولد لأبيه: أنت رجعي. أنت متأخر. أنت تتجاوز حدودك. من تظنني أمامك. لست طفلاً. أنا رجل مثلك. أنا أتحمل مسئولية نفسي. تريد أن تستعبدني بما تنفق عليَّ؟ كلا! إنك ملزم بالإنفاق. ولكنك لا تملك التدخل في شئوني. أنا أدرى بما يضر وما ينفع. أنا أعيش بعقلية جديدة متحررة متطورة. أنا أفهم ما يدور في المجتمع وأتطلع إلى المستقبل.. إلى الأمام.. فليس لك عليَّ سلطان!
(1/116)

وتقول الفتاة لأبيها وأمها: أين تعيشون! إنكم تعيشون بعقلية الجيل الغابر.. المتأخر.. الرجعي.. أما أنا فأعيش بعقلية متحررة. ماذا تريدون مني؟ هل تظنون أنكم أنتم الرقباء عليَّ إن أردت أن أفسد؟ وأن وصايتكم عليَّ تحميني من السقوط؟ أنا القيّم على نفسي. وأنا الرقيبة على أخلاقي! وليست الأخلاق هي الملابس أو هي العزلة عن المجتمع! ما الذي سيحدث حين أكشف ذراعيّ أو ساقيّ؟ أو أكشف جزءاً من صدري؟ هل ستنقص مني قطعة؟ وماذا سيصنع لي الشبان حين ينظرون إليَّ أو يكلمونني في الطريق؟ هل ستخرب الأرض؟ إنكم تتصورون الأمور بعقلية جامدة لا تفهم " التطور " ولا تفهم الحياة! وعلى أي حال فذلك شأني وحدي. وليس لأحد عليَّ سلطان!
ويشكو الآباء! يشكون أن أبناءهم تمردوا عليهم، ولم يعد في مقدورهم أن يردوهم إلى السبيل! ويقولون إن المجتمع فاسد يفسد عليهم الأولاد!
وقد يكون ذلك حقاً!
ولكنه لم يكن كذلك يوم فسد أول جيل من الأبناء فتركوهم يفسدون!
وحين يحدث ذلك.. حين ينفلت الأولاد بلا ضابط، لا يحكمهم أهلوهم، ولا يحكمهم مدرسوهم في المدرسة، لأن الوالد قد أفسد على المدرس مهمة التوجيه.. حينذاك تتحقق السنة الماضية، وتغرق السفينة وكلها خروق!
* * *
ويقوم طالب يغش في الامتحان، يقول: أصنع ما بدا لي. وليس لأحد عليَّ سلطان.
ويتركه الناس.
يتركونه " إشفاقاً على مستقبله "! أو يتركونه استخفافاً بالجريمة.
وينجح الطالب، ويستمتع بهذا النجاح الميسر البسيط التكاليف..
ويغري النجاح غيره.. فيروحون يعبثون العام كله، يتسكعون في الطرقات، ويجرون كالكلاب الشاردة وراء الفتيات.. ثم يسهرون الأسبوع الأخير يحضِّرون " البرشام " من أجل الامتحان.
ويحس الآخرون من الشرفاء أنهم مظلومون! هم يسهرون العام كله في العمل، ثم لا يبلغون - بالجد والأمانة - ما يبلغه الغشاش بغشه، وقد ينجح وهم يرسبون! وقد يصل إلى " الوظيفة " وهم قاعدون!
(1/117)

لا جرم ينصرف أغلبهم عن النشاط العلمي الصادق، وينقلبون إلى مخادعين غشاشين!
ولا جرم تجد بعد ذلك الموظف الذي يذهب في الموعد وينصرف في الموعد - إن شدد عليه في الحضور والانصراف - ولا يعمل عملا طيلة وقت " الديوان "!
ولا جرم تجد المهندس الذي لا يوافق على " مواصفات " البناء أو " المواصفات الصحية " وأنت تؤديها على وجهها الأكمل، ثم يوافق على أقل منها كثيراً إن دسست في يده " المعلوم "!
ولا جرم تجد الطبيب الذي لا يعطيك العلاج الكامل الذي يشفيك من أول مرة، ويروح يطيل العلاج ويطلبك تمر عليه مرة بعد مرة ليزداد منك كسباً، وتكسب معه معامل الأدوية التي " يتعامل " معها أو يكسب الموردون!
كلهم غشاشون!
كلهم ذلك الطالب الأول الذي تركه الناس غافلين.
وحين يصبح الغش هو " العملة " السارية في المجتمع، فلا جرم يذهب المجتمع أسفل سافلين!
ويقوم موظف يرتشي.. يقول: من يحرِّج عليَّ فيما أصنع؟ أفعل ما بدا لي، وليس لأحد عليَّ سلطان.
ويتركه الناس!
يتركونه بدافع الحاجة إلى ما في يده من المصالح، أو بدافع الخوف إن كان من ذوي النفوذ.
ويستفيد ذلك المرتشي.. يستفيد ثروة سهلة المأخذ مضمونة الورود.
ويغري الثراء غيره من الموظفين، فيندفعون في تيار الشهوة ينهلون من هذا المنهل الدنس، ويلغون في دماء المحتاجين.
وتأخذ الموجة مداها.. حتى تصبح الأمور كلها بالرشوة، ومن غيرها توصد الأبواب في وجه أصحاب الحقوق.
وقد يتبجح موظف يبرر الجريمة لنفسه أو يبررها للناس، يقول: هل أنا وحدي الذي أرتشي؟ هل أنا وحدي الذي أشيع الفساد.. فهل تنتظم مصالح الناس كلها، وتفتح لهم الأبواب؟ كل ما يحدث أنني أحرم نفسي من المعين المتاح، وأظل فقيراً وأنا رب أسرة وصاحب عيال.
وقد يكون هذا حقاً..
ولكنه لم يكن كذلك حين بدأت الرشوة أول مرة وسكت عنها الناس، أو شجعوها وأغروا بها المرتشين.
(1/118)

وحين تصل الأمور إلى هذا الحد.. حين تصبح الرشوة هي الأصل والنظافة هي الشذوذ.. حينذاك تقع الهزة التي تزلزل المجتمع كله من القواعد، فلا يلبث أن يتهاوى إلى القرار..
* * *
صدق رسول الله. وصدقت حكمته:
ما أسكر كثيره فقليله حرام..
مروا بالمعروف وأنهوا عن المنكر قبل أن تدعو فلا أجيب..
إن حديث السفينة يجمع ما في الحديثين السابقين، ولكنه يضيف إليهما معاني أخرى جديرة بالتدبر والتفكير..
وإن أول ما يستلفت النظر في الحديث أن الرسول الكريم لم يقسّم ركاب السفينة بحسب أماكنهم الظاهرية في المجتمع، علواً وسفلا، وثراء وفقراً، وبروزاً وتواضعاً.. لم يجعل " السادة " هم الأعلون و " الشعب " هو الأسفل. كلا. فما كانت هذه القيم هي التي تقسم الناس عند رسول ينطق بحكمة الله ويبلغ رسالة الله.
إن الأعلى في تقدير الله ورسوله " هو القائم في حدود الله ". هو المنفذ لشريعة الله. هو المهتدي بهدي الله. أياًّ كان مكانه الظاهري في المجتمع. فالقوة الحقيقية لا تستمد من عرض الأرض، ولا من القيم الأرضية المنقطعة عن الله. إنما تستمد من الله. من الإيمان به والاعتزاز بهذا الإيمان. (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فالإيمان هو القوة الحقة، وهو مصدر " العلو " ومصدر التوجيه. وكل قيمة سواه زائفة لا تلبث أن تضيع.
أما " الواقع فيها " فهم العصاة المنحرفون في كل جانب من جوانب العصيان والانحراف، بصرف النظر عن مركزهم " الظاهري " في المجتمع. فهذا المركز لا يساوي شيئاً، ولا يقي من الله شيئاً حين يؤدي إلى الميل عن الطريق. بل إنه لا يساوي شيئاً في واقع الأرض، ولا يقي من النتيجة المحتومة حين يأذن الله بتحقيق السنة في أوانها المعلوم! فحين تغرق السفينة من شدة الفساد لا يقول السادة للشعب: اغرقوا أنتم وحدكم ونحن ناجون من الهلاك!
(1/119)

وحين يطلب الرسول من القائمين في حدود الله أن يأخذوا على يد الواقعين فيها لا يحدد مهمتهم بمراكزهم الظاهرية في المجتمع، وإنما بأماكنهم الحقة في سفينة المجتمع وسفينة الحياة، فما داموا مؤمنين فهم القوة الحقة. القوة الموجهة. القوة الآخذة على أيدي العابثين. وهذه مهمتهم، عليهم أن يعرفوها بصرف النظر عن ثرائهم أو فققرهم، ورئاستهم أو مرءوسيتهم.. فما بهذا توزن الأمور..
* * *
والأمر الثاني هو وحدة المصلحة في المجتمع، وإن بدت المصالح ظاهرة الخلاف!
إن كل الأمثلة التي أوردناها حول محور واحد، مستمد من معنى حديث الرسول (. فهؤلاء قوم لهم " مصالح قريبة " يستنفعون منها على حساب الآخرين. ولو تركهم المجتمع حقبة من الزمن فسوف يستفيدون حتماً من هذا السكون. يستفيدون توفير الجهد، وتوفير مغالبة الشهوات. ويأتيهم رزقهم قريباً سهلا ميسراً لا يتعبون فيه.
ولكن حقبة من الزمن تمضي - طويلة أو قصيرة - ثم يأخذ الفساد في الانتشار وتبدأ السفينة في نهاية المطاف.. تغرق وتأخذ معها الظالمين والمظلومين على السواء! ومن ثم فالمصالح النهائية واحدة. والأخطار النهائية واحدة.. ليست هناك مصلحة لفرد هي مصلحته وحده وشأنه بمفرده. كل مصلحة هي مصلحتهم جميعاً وكل ضرر يصيبهم جميعاً.. ولا يستطيع أحد أن يتخلى عن مسئوليته في هذا السبيل.
وهنا تبرز بعض الحيرة إزاء الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) [113]. وهي حيرة وقع فيها المسلمون الأوائل أنفسهم فقام أبو بكر ( ينبههم إلى طريق الصواب.
قال: يأيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية.. وإني سمعت رسول الله ( يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده (رواه أبو داود والترمذي).
(1/120)

نعم " عليكم أنفسكم " عليكم المجتمع الذي تعيشون فيه. وليس عليكم غيركم من المجتمعات أو الأفراد غير المسلمين. فهؤلاء لا يضرونكم متى اهتديتم وعملتم بما يريده الله. أما الأعمال التي يقوم بها المسلمون في المجتمع المسلم فليس حكمها كذلك. إنها مسألة حياة أو موت بالنسبة لهذا المجتمع. فإما أن يحس بوحدة المصلحة فيأخذ على يد الظالم - من أي نوع كان ظلمه ؛ لنفسه أو للآخرين - فينجو المجتمع كله، وإما أن يترك الأمر خوفاً وطمعاً أو استهتاراً وتهاوناً.. فتحدث الطامة التي تغرق الجميع.
* * *
ومن وحدة المصلحة ينشأ الترابط بين أفراد المجتمع ترابطاً لا يتخلخل ولا تنقطع عراه. إنهم ركاب سفينة واحدة، ناجية أو غارقة، فكيف يمكن ان ينفصل بعضهم عن بعض أو يتجاهل بعضهم وجود بعض؟
وإنه - وهو ترابط المصلحة الواحدة التي يلتقي عندها الجميع - لهو في الوقت ذاته ترابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله. ترابط التعاون على البر والتقوى وليس ترابط التعاون على الإثم والعدوان.
* * *
ترابط لا يقول فيه إنسان: ما شأني أنا بفلان، فليصنع ما يشاء ولن أتدخل في أمره!
ولا يقول فيه إنسان لآخر: ما شأنك بي! سأصنع ما أشاء ولا تتدخل في أمري!
كلا! إن أمور المجتمع لا يمكن أن تستقيم كذلك.. لا بد من يقظة كل فرد لأعمال أخيه، ولا بد من رده عن الخطأ والإسراف فيه.
وليس معنى ذلك أن يتحول المجتمع إلى منازعات ومشاحنات!
كلا! فليس هذا هو الطريق!
(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) [114] (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) [115].
هذا هو الطريق..
(1/121)

إن الترابط هو ترابط الحب. لا البغضاء.
وإن النصيحة لتصدر من هذا المنبع العذب. أنا أنصح أخي لأنني أحبه. لأنني أريد له الخير. لأنني أريد أن آخذ بحجزه أن يقع في النار! وهو يتقبل مني النصيحة على هذا الوضع.. لأنه يحبني ويثق في نظافة النصح والتوجيه.
أما " الأخذ على اليد " بما تحمله من معنى الزجر أو العنف فليست أول الطريق!
إنما هي النهاية حين تفشل الوسائل كلها ولا يتبقى غير هذا الطريق!
* * *
ورب قائل أن يقول - عن إخلاص نية - مقالة الفتى المستهتر أو الفتاة الهوجاء:
وهل أنا وحدي سأصلح المجتمع. هل أنا - حين أومن وأعمل صالحاً - سأنقذ السفينة الهاوية إلى القرار!
كلا!
فحين توجد في مجتمع يوشك أن يتحطم، في سفينة توشك على الهلاك، فلن تقفها وحدك عن النهاية المحتومة، ولن تنقذها وحدك من الهلاك.
نعم. ولكنك تنقذ نفسك!
فحتى حين تتحقق السنة التي لا تتخلف.. حتى حين ينفذ الوعد الحق وتتحطم السفينة.
حتى حينئذ.. فشتان بين غريق وغريق!
غريق في جهنم لأنه فاجر.
وغريق في الجنة لأنه شهيد.
فمن ذا الذي يبيع الآخرة بالدنيا، ويسعى إلى النار - وهو يغرق - في حين يملك - حتى وهو يغرق - أن يسعى إلى النعيم؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[102] سورة الحجرات [ 6 ].
[103] سورة الحجرات [ 12 ].
[104] رواه أبو داود.
[105] أبو داود.
[106] أبو داود من روايات متعددة.
[107] أبو داود.
[108] أبو داود.
[109] انظر فصل " وليرح ذبيحته ".
[110] أبود داود.
[111] أبو داود.
[112] رواه البخاري والترمذي.
[113] سورة المائدة [ 105 ].
[114] سورة فصلت [ 33 - 34 ].
[115] سورة النحل [ 125 ].
أنتم أعلم بأمور دنياكم
قصة هذا الحديث معروفة..
(1/122)

فقد مر الرسول ( في المدينة على قوم يؤبرون النخل - أي يلقحونه - فقال: " لو لم يفعلوا لصلح له " فامتنع القوم عن تلقيح النخل في ذلك العام ظناً منهم أن ذلك من أمر الوحي، فلم ينتج النخل إلا شيصاً (أي بلحاً غير ملقح، وهو مر لا يؤكل) فلما رآه النبي ( على هذه الصورة سأل عما حدث له فقالوا: " قلت كذا وكذا.. " قال: " أنتم أعلم بأمور دنياكم " عن عائشة وعن ثابت وعن أنس): وفي صحيح مسلم عن موسى بن طلحة عن أبيه أن النبي ( قال: " ما أظن يغني ذلك شيئاً ".. ثم قال: " إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه. فإني إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن. ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به ".
* * *
تلك قصة الحديث..
وهي واضحة الدلالة فيما تركه الرسول ( للناس من أمور يتصرفون فيها بمعرفتهم، لأنهم أعلم بها وأخبر بدقائقها. إنها المسائل " العلمية الفنية التطبيقية " التي تتناولها خبرة الناس في الأرض، منقطعة عن كل عقيدة أو تنظيم سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي. وهي في الوقت ذاته تصلح للتطبيق مع كل عقيدة وكل تنظيم، لأنها ليست جزءاً من أي عقيدة أو أي تنظيم.. بل إنها حقائق علمية مجردة عن وجود الإنسان ذاته بكل عقائده وكل تنظيماته. كحقيقة اتحاد الأكسجين والإيدروجين لتكوين الماء، وحقيقة انصهار الحديد في درجة كذا مئوية. هي حقائق ليسن ناشئة عن وجود الإنسان. وإنما هي سابقة له، موجودة منذ وجدت هذه العناصر في الكون. وقصارى " تدخل " الإنسان فيها أن يكتشفها ويعرفها، ثم يستغلها لصالحه، ويطبقها في حياته العملية.
(1/123)

وقصة النخل لا تخرج عن كونها حقيقة علمية اكتشفها الإنسان فطبقها في حياته العملية: حقيقة التلقيح والإخصاب في عالم النبات. وهي عملية لا يتم بدونها تكون الثمرة ونضجها على النحو المعروف. والرسول ( لم يقطع فيها برأي - كما هو ظاهر من الحديث - وإنما قال: " إنما ظننت ظناً ". ولعل الشك الذي ساوره ( قد جاء من اعتقاده بأن الله لا بد أن يكون قد أودع فطرة الحياة ما تتم به عملياتها " البيولوجية " دون حاجة إلى تدخل الإنسان..! وطالما خطر في نفسي أنا هذا السؤال: من كان يلقح النخيل، وينقل فسائل النباتات التي لا تنمو بغير التنقيل، قبل أن يوجد الإنسان على ظهر الأرض، والنباتات كلها سابقة للإنسان في الخليقة؟! ولا شك أن علماء النبات لديهم لهذا السؤال جواب. ولكني أقول فقط: إنها خاطرة جديرة بأن تخطر على قلب إنسان!
هي إذن المسائل " التكنيكية " البحتة بتعبيرنا العلمي الحديث. المسائل التي يتحصل عليها المؤمنون والكفار سواء. ولا تؤثر بذاتها في عقيدة القلب أو اتجاه الشعور.
ومع ذلك فإن فريقاً من الناس يريدون أن يفهموا منها غير ما قصده الرسول وحدده. يريدون أن يبسطوها حتى تشمل الحياة الدنيا كلها، بتشريعاتها وتطبيقاتها، باقتصادياتها واجتماعياتها، بسياساتها وتنظيماتها. فلا يدعون لدين الله ولرسول الله مهمة غير " تنظيف القلب البشري وهدايته " بالمعنى الروحي الخالص، الذي لا شأن له بواقع الحياة اليومي، ولا شأن له بتنظيم المجتمع وسياسة الأمور فيه. ثم يسندون هذا اللون من التفكير للرسول (، ويجعلونه - هو - شاهداً عليه!!
(1/124)

وما أريد أن أبادر بسوء الظن! فقد يكون هذا الفريق من الناس مخلصاً في تفكيره مطمئناً إليه! وقد يكون ذلك بالنسبة إليه مهرباً " لا شعورياً " من ضغط المفاهيم الأوربية - الغربية أو الشرقية - عن الدين من جانب، و " العلوم " الاقتصادية والاجتماعية المنقطعة عن الدين من جانب آخر. مهرباً يلجأ إليه العاجزون المغلوبون، ليحتفظوا بعقيدتهم الشخصية في الله، ثم يكونوا بعد ذلك تقدميين أو تحرريين!!
ولكن قليلاً من النظر كان جديراً أن يردهم إلى التفكير الصائب والتقدير الصحيح، ويرفع عنهم هذه الذلة الفكرية التي يعانونها إزاء الغرب، فتلوي أفكارهم - بوعي أو بغير وعي - وتفسد مشاعرهم فينحرفون عن السبيل.
لو كان الإسلام رسالة " روحية " بالمعنى المفهوم لهذا اللفظ - المعنى الوجداني الخالص الذي لا شأن له بواقع الحياة اليومي - ففيم إذن كان هذا الحشد الهائل من التشريعات والتوجيهات في القرآن والحديث؟
وفيم إذن يقول الله سبحانه وتعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)! ثم يعقب في نفس الآية بالتهديد للمخالفين: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [116]؟!
فيم هذا كله إذا كانت المسألة هي " تنظيف القلب " ليس غير؟!
* * *
وإن تنظيف القلب البشري لمهمة ضخمة دون شك.. مهمة تحتاج إلى رسول!
وإنها - حين تنجح - لهي الضمان الأول لسلامة الحياة كلها واستقامتها ونظافتها. فإن أخفقت.. فلا ضمان!
(1/125)

والإسلام يوجه لهذا القلب أكبر عناية يمكن أن يوجهها إليه نظام أو دين. فهو يربطه دائما بالله، ويوجهه دائماً لخشيته وتقواه والعمل على رضاه. ثم هو يتتبع هذا القلب في كل نزعة من نزعاته، وكل ميل من ميوله.. في الأعمال الظاهرة والمشاعر المستترة.. في السر الذي يخفى على الناس ولا يخفى على الله، بل فيما هو أخفى من السر، من المشاعر الساربة في حنايا الضمير [117].. يتتبعه في كل ذلك، عملاً عملاً وخاطراً خاطراً وفكرة فكرة.. فينظفها بخشية الله، والحياء من رقابته الدائمة التي لايغيب عنها شيء في الأرض ولا في السماء.. ويوجهه إلى صفحة الكون الواسعة، وما فيها من آيات القدرة المعجزة، ليمسح عنه الغلظة التي تحجر المشاعر، والغبش الذي يحجب عنه النور.. ويطلقه من إسار الشهوات والضرورات التي تثقله وتشده إلى الأرض، لينطلق خفيفا صافيا شفيفا يسبح الله ويفرح بهداه..
نعم.. يبذل الإسلام ذلك الجهد الضخم كله " لتنظيف القلب ".
ولكن الإسلام دين الفطرة.. الدين الذي يعرف أسرار الفطرة فيقدم لها ما يلصح لها وما يصلحها. الدين الذي يعالج الفطرة على أحسن وجه وأنسب طريقة، ليخرج منها بأقصى ما تستطيع أن تمنحه من الخير. الدين الذي يتلبس بالفطرة فيملؤها كلها ولا يترك فراغاً واحداً لا ينفذ إليه. الدين الذي يأخذ الفطرة كما هي كلاًّ واحداً لا يتجزأ، كلاً يشمل الجسم والعقل والروح، فيعالجها العلاج الشامل الذي يأخذ في حسابه الجوانب كلها. ويأخذها مرتبطاً بعضها ببعض في نظام وثيق..
ومن ثم لا يأخذ شعور الإنسان ويترك سلوكه. لا يأخذ " مبادئه " ويترك " تطبيقه ". لا يأخذ آخرته ويدع دنياه.. وإنما يعمل حساب ذلك كله في توجيهاته وتشريعاته سواء.
* * *
الإسلام يتناول الحياة كلها، بكل ما تشتمل عليه من تنظيمات. ويرسم للبشر صورة كاملة لما ينبغي أن تكون عليه حياتهم في هذه الأرض.
(1/126)

إنه يتناول الإنسان من يقظته في الصباح الباكر حتى يسلم جنبه للنوم في آخر المساء. يعلمه ويلقنه ماذا يصنع وماذا يقول أول مايفتح عينيه، ثم حين يقوم، ثم حين يقضي ضرورته، ثم حين يؤدي صلاته، ثم حين يضرب في مناكب الأرض باحثاً عن رزقه: زارعاً أو صانعاً أو عاملاً أو بائعاً أو شارياً.. ثم حين يتناول طعامه، ثم حين يستريح من القيلولة، ثم حين يعود في آخر اليوم، ثم حين يلقى زوجه وأطفاله، ثم حين يضع جنبه، ثم حين يأخذ في النوم.. بل إذا صحا كذلك في وسط النوم فزعاً أو غير مفزّع!
وكما تناول الإنسان فرداً في جميع أحواله، فقد تناوله كذلك وهو يعيش في المجتمع مع غيره من الأفراد. فعلم المجتمع ولقنه كيف تكون الصلات بين أفراده، وكيف تكون العلاقات. وكيف ينشئ تقاليده على المودة والإخاء والحب، والتكافل والتعاون. وكيف يشتري وكيف يبيع. وكيف يزرع وكيف يجني. وكيف يملك وكيف يوزع الثروة بين الأفراد.
وكما تناول الفرد والمجتمع تناول كذلك " الدولة " ممثلة المجتمع. فأعطى ولي الأمر حقوقاً وأوجب عليه واجبات. وعلمه ولقنه كيف يحكم الناس، وكيف يقيم بينهم العدل، وكيف يوزع المال بينهم، بأي نسب وعلى أي الفئات ومن أي الموارد. وكيف يعلن الحرب وكيف يقيم السلم، وكيف يتعامل مع الدول والجماعات والأفراد..
الحياة كلها بجميع دقائقها وتفصيلاتها. الحياة المادية والفكرية والروحية. الحياة الفردية والاجتماعية. الحياة بكل ما تشمله من مفاهيم. وكانت تلك هي طريقة الإسلام الفذة في " تنظيف القلب "!
أوَ يعجب الناس من هذا القول؟! أيقولون ما للقلب والروح بواقع الأرض؟ بالاقتصاد والسياسة والاجتماع؟!
ويح الناس!
أليسوا هم الذين " اكتشفوا " في القرن التاسع عشر والقرن العشرين أن " مشاعر " الناس مرتبطة بوضعهم الاقتصادي وبعلاقات الإنتاج؟!
(1/127)

فيم العجب إذن إن قيل لهم إن الإسلام وهو " ينظف القلب " يضع في حسابه إقامة نظام اقتصادي عادل، ونظام اجتماعي متوازن، ونظام سياسي راشد محكم الرباط؟
أم هم يُدِلّون على الله بعلمهم؟ ويحسبون أنهم وحدهم الذين أدركوا هذه الحقيقة، بينما الله الذي خلق الخلق وهو أدرى به، قد فاته إدراكها؟! سبحانه وتعالى عما يصفونه علواً كبيراً..
كلا! إن الإسلام قد تناول هذه الحقائق كلها قبل أن يصحو لها الناس. وبيَّن أن الحياة السليمة النظيفة المتكاملة لا يمكن أن تتم في داخل القلب معزولة عن واقع الحياة. لا يمكن أن تتم في الوجدان والمشاعر إن لم يكن لها رصيد مواز لها من العمل والسلوك. ومن ثم لم يجعل الدين " عقيدة " كامنة في الضمير. وإنما جعلها نظاماً قائماً على عقيدة، ومجتمعاً قائماً على هذا النظام.
صحيح أنه لم ينزل في ذلك إلى مهاوي المادية الهابطة والمذاهب الاقتصادية المنحرفة. لم يجعل المادة هي الأصل، والإنسان هو التابع الذليل الذي لا يملك نفسه إزاء التطورات الحتمية للاقتصاد والإنتاج.. وإنما جعل الإنسان هو الأصل. جعل القلب البشري هو المصدر الذي تصدر عنه الطاقة ويصدر عنه الإشعاع. ولكنه في الوقت ذاته لم يشأ أن يجعله معلقاً في البرج العاجي، يطلق شحنته الهائلة في الفضاء في قفزات الخيال وسبحات الروح. وإنما أراد لهذه الطاقة الضخمة أن تنتج في واقع الأرض، وأن تنشئ مجتمعها ونظامها بوحي من العقيدة وهدي من الله، فيتوازن بذلك الشعور والعمل، والوجدان والسلوك، ويتوازن بذلك " الإنسان ".
وكان هذا هو الأمر الطبيعي ما دام الإسلام " دين الفطرة ".
إن المشاعر المرفرفة والوجدان المشرق والأفكار الجميلة لا قيمة لها إذا لم تتحول إلى قوة بانية في عالم الواقع، إذا لم تتحول إلى حقيقة ظاهرة ملموسة يحس بها الناس.
(1/128)

والأعمال " العظيمة " والإنتاج الباهر والحركة الفاعلة لا قيمة لها إذا لم تستند إلى شعور عميق بالخير، وإحساس حي بروابط الأخوة الإنسانية والالتقاء إلى الله.
بل هما - بدون هذا التزاوج - ينقلبان إلى شر مدمر للبشرية:
الأولى تنقلب إلى زهادة وعزلة تتوقف بها الحياة.
والثانية تنقلب إلى طغيان كافر يدمر الحياة على وجه الأرض.
ولا بد منهما معاً لتستقيم الحياة، مرتبطين متمازجين، لا انفصال بينهما ولا افتراق!
تلك هي " الفطرة " البشرية.
والإسلام دين الفطرة وكلمة الله.
ومن ثم لم يكن بد - وهو " ينظف القلب البشري " - أن يجعل في حسابه الباطن والظاهر، والشعور والعمل، والوجدان والسلوك.
وهو بذلك واقعي إلى أقصى حدود الواقعية...
إنه يعنى أشد العناية بعالم الروح ونظافة الضمير. وإنه يثق في أن القلب البشري مصدر الطاقة ومصدر الإشعاع. ولكنه - مع ذلك - لا يفترض في الناس كلهم أنهم من أولي العزم! لا يفترض فيهم أنهم يستطيعون دائماً أن يعيشوا بقلوب نظيفة في مجتمع غير نظيف، أو يمارسوا العدالة في مجتمع غير عادل، أو يحرصوا على الفضائل في مجتمع يحرص على المنكرات.
ففي " الفطرة " البشرية ضعف يحتاج إلى سند ويحتاج إلى معونة: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً).
هناك ثقلة الضرورة ودفعة الشهوات.
وهي " واقع " لا مصلحة في تجاهله، ولا سبيل إلى نكرانه.
ولا بد من تنظيمه.. لا بد من تنظيمه ليستطيع الإنسان أن يفرغ من ضغطه على الأعصاب والمشاعر. وينطلق حيث يشاء، حيث يليق بخليفة الله أن يكون.
من أجل ذلك يحرص الإسلام على واقع المجتمع أن يكون نظيفاً ليعاون الفرد على نظافة الضمير. ولن تكون نظافة المجتمع إلا بنظام اقتصادي عادل، ونظام اجتماعي متوازن، ونظام سياسي راشد محكم الرباط بالعقيدة الصحيحة والإيمان الصحيح.
* * *
(1/129)

من صميم مهمة الدين إذن في تنظيف القلب كانت هذه التشريعات وهذه التوجيهات التي تتناول الأسرة والمجتمع، وسياسة الحكم، وسياسة المال. يستوي في ذلك التشريع الاقتصادي، والتشريع السياسي، والتشريع الجنائي، والتشريع المدني، والتشريع الدولي.. والتوجيهات العديدة المتعلقة بكل هذه الشئون.
ولم يكن الإسلام - وهو جاد في تناول الإنسان والحياة البشرية بالتنظيم والتنظيف - ليغفل هذه الشئون الواقعية كلها، وينصرف إلى تهذيب الضمير في عالم المثل والأحلام. ولم يكن رسول الإسلام ( ليتخلى عن مهمته الهائلة في ذلك الشأن، وينفض يديه منها، ويقول للناس: " أنتم أعلم بأمور دنياكم " أي تصرفوا أنتم في تشريعاتكم وتنظيماتكم، في سياسة المال وفي سياسة الحكم، في علاقات المجتمع، وفي القوانين التي تنظم الحياة..
كلا! لم يكن ليفعل ذلك. ولو فعل فما أدى إذن رسالة الله. والله هو الذي يقول له في مجال التكليف: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [118].
* * *
ولكن هذا الفريق من الناس الذي ذكرناه آنفا، أو فريقاً غيره يقول: إن الحياة تتطور. فكيف إذن يمكن أن يشرع الله أو يشرع رسوله للأجيال التالية لعصر القرآن؟ إن ما كان يصلح منذ ألف وأربعمائة عام لا يصلح اليوم. وما كان حركة تقدمية ثورية في ذلك التاريخ يصبح اليوم أمراً رجعياً عتيقاً متجمداً لا يجاري التطور ولا يصلح للحياة.. ومن ثم قال الرسول ( هذه الكلمة ليفتح الباب للتطور، ولا يقف بالناس عند تشريعات وتنظيمات قد اقتضتها بيئة معينة وظروف معينة، وإنما يتركهم يشرعون وينظمون فيما هم أدرى به من الأمور.
" التطور ".. ويح الناس من التطور!
إنه هوس يصيب هذا القرن العشرين! هوس يخيِّل إليهم أن الحياة كلها بلا قواعد، والكون كله بلا ناموس!
(1/130)

لقد كانت فكرة التطور اكتشافاً جديداً بالنسبة لأوربا في تاريخها الحديث، بعد أن غرقت فترة طويلة في ظلام العصور الوسطى، لا تعلم شيئاً ولا تساير ركب الحياة. وفي القرن التاسع عشر امتلأت رءوس المفكرين والعلماء بفكرة التطور، في العلم والسياسة والاقتصاد والاجتماع، ثم تلقفتها الجماهير في نهاية القرن الفائت وفي خلال هذا القرن.. تلقفتها بما يشبه اللوثة.. تفسر بها كل شيء وتفسد بها كل شيء!
بينما العالم الإسلامي لم يكن غريباً عن فكرة التطور وآثاره في حياة الجماعة. فقد فطن إليها ابن خلدون في مقدمته وعالجها علاجاً " علمياً " وافياً يشهد له بالبراعة والتدقيق. ولقد فطن إليها عمر بن عبد العزيز في صدر الإسلام إذ يقول " يجدّ للناس من الأقضية بقدر ما يجد لهم من القضايا " وفطن إليها الفقه الإسلامي كله، وهو يضع التفريعات الدائمة في كل شئون الحياة النامية المتجددة جيلاً بعد جيل.
ولكن الفكر الإسلامي لم يخرج عن صوابه وهو يحس بالتطور ويساوق خطاه. فلم يفهم من التطور أن الحياة بلا قواعد، والكون بلا ناموس! لم يفهم منه أن ينفصل عن الأصول الثابتة وينطلق بلا دليل!
وجاء " العلم " في القرون الأخيرة يؤيد الفهم الإسلامي للتطور، ولا يؤيد اللوثة التي أصابت الجماهير في أوربا، وأشباه العلماء هناك، وانتقلت عن طريقهم إلى الشرق في عصرنا الأخير.
* * *
الحياة البشرية تتطور، والكون كله يتطور.. نعم! ولكن هذا لا ينفي وجود قواعد ثابتة في هذا الكون وفي الحياة البشرية.. أولها وأبسطها، وأقربها إلى البديهة، صدور الكون كله عن إرادة الله الخالق المدبر، وانتظام سننه ونواميسه انتظاماً دقيقاً معجزاً لا يخل ثانية ولا ثالثة، ولا قيد شعرة في هذا الفضاء الهائل الرهيب!
(1/131)

السدم تتطور إلى نجوم.. والنجوم تتطور وهو تدور، فتسخن وتبرد، وتتكور وتنبعج. وتسرع وتبطئ.. ولكن شيئاً واحداً من ذلك لا يحدث بلا قانون، وشيئاً واحداً من ذلك لا يحدث مخالفاً للناموس الناموس الذي يكشف العلم طرفاً منه كلما تيسرت له الوسائل وأتيحت له الأدوات.
ومجموعتنا الشمسية الصغيرة التي نحن جزء منها، تتبع نواميس الكون وهي تتطور، وتسير على النهج الذي أراده لها الله منذ الأزل، لا تنحرف عنه لحظة إلى يمين أو شمال.
والأرض التي نعيش عليها تحكمها - في تطورها - النواميس الأزلية التي تحكم الكون، فيسير كل شيء على سطحها كما أراده الله وفق قانونه الذي ارتضاه.
الأكسجين هو الأكسجين.. والإيدروجين هو الإيدروجين. في الأرض والشمس وجميع النجوم سواء. والماء قدر من الأكسجين وقدران من الإيدروجين (أيد2) لا تتغير هذه النسبة سواء ركب الماء في المعمل أم هطل من السماء.. والمطر هو المطر.. بخار يصعد من البحر، فينطلق إلى الجو، فيتكاثف، فيتركز ويثقل، فينزل إلى الأرض.. سواء حدث ذلك " طبيعياً " أم أنزل صناعياً من السماء.. لا يتغير قانون واحد من قوانينه، ولا يختل في مساره عن الناموس.
والحياة على الأرض كذلك.. تطورت.. لا نعلم علم اليقين كيف، وإن كنا نحاول أن نصل إلى اليقين.. ولكنا نجد من أبحاث العلم ما يؤكد لنا تأكيداً قاطعاً أن الحياة لم تنشأ على الأرض مصادفة، ولم يكن استمرارها مئات الألوف من السنين كذلك بالمصادفة. وإنما هو نتيجة النظام المحدد المقرر الذي بنيت به المجموعة الشمسية وأخذت به مسارها في الفضاء. بحيث لو اختلت نسبة واحدة من النسب لانعدمت بذلك الحياة.. فهي إذن إرادة االخالق، وتدبيره الدقيق المعجز. ولولاه لم تقم حياة[119].
(1/132)

والإنسان بعد ذلك.. الإنسان الذي ملأه غرور العلم.. وأصابته لوثة التطور.. ذلك الإنسان يتطور. تتغير حياته يوماً بعد يوم، ويستحدث جديداً كل يوم. ولكنه مع ذلك خاضع للنواميس. النواميس التي تدخل التطور في حسابها، فإذا التطور ذاته جزء من القانون الثابت الذي يحكم الكون ويحكم الحياة!
* * *
يتطور الكون.. فهل تغيرت طبيعته؟ هل تغير تكوُّنه من طاقة أو مجموعة من الطاقات؟
كلا! لم يقل بذلك أحد من العلماء! وإنما تتغير " صوره " و " حالاته " ويظل جوهره ثابتاً على ما هو عليه.
ثم.. هل تغيرت الحقيقة السابقة على ذلك.. حقيقة الأزل والأبد وهي صدور الوجود عن إرادة الله؟
كلا! لا يقول بذلك أحد من العقلاء! فالكون في وجوده، كالكون في تطوره. كالكون في فنائه حين يقدر له الفناء، صادر عن إرادة الله، مرتبط دائماً بإرادة الله.
والإنسان كذلك يتطور.. فهل تتغير طبيعته؟ أم تتغير صوره وحالاته ويثبت الجوهر الذي فيه؟
هل تتغير الحقائق الأزلية في تكوينه:
أنه صدر عن إرادة رَبُّكَ: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [120].
وأن البشر جميعاً من نفس واحدة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [121].
وأن من هذه النفس - أي من جنسها - قد خلق " الزوج " الذي يكملها ويلتقي بها ويوائمها: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) [122] (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) [123].
(1/133)

وأن من هذه النفس وزوجها انبث الخلق كلهم والقبائل والشعوب (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً) [124]. (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [125].
وأن الإنسان قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله. قبضى من طين الأرض تتمثل فيها عناصر الأرض المادية من حديد ونحاس وكلسيوم وفوسفور وأكسجين وإيدروجين، وتتمثل فيها شهوات الأرض ودوافع الأرض. ونفخة من روح الله تتمثل فيها روح الإنسان الشفيفة القادرة على السمو والرفعة، كما تتمثل فيها الإرادة الضابطة والقدرة على الاختيار: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) [126] (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [127] (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [128].
هل تتغير هذه الحقائق الأزلية مهما تغيرت " مظاهر " الحياة؟ أم تتغير المظاهر والأصل في ثبوته لا يزال؟
وهل الإنسان في ذلك إلا بضعة من الناموس الأكبر الذي يحكم الكون ويحكم الحياة؟ بضعة محكومة بذلك الناموس، خاضعة لإرادة الله؟
كل ما في الأمر أن الله قد ميز هذا المخلوق وكرمه حين نفخ فيه من روحه؟ فجعله " واعياً " لعملية الثبوت وعملية التطور. وجعل له الإرادة التي يختار بها طريقه: مع الخط الواصل المهتدي إلى الله، أو مع الخط الضال المنقطع عن الله. وجعل هذا الازدواج في طبيعته هو الناموس الثابت بالنسبة لدوره في الحياة، الذي يترتب عليه الجزاء في أخراه: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا).
* * *
(1/134)

في الإنسان إذن عنصر ثابت لا يتغير مهما تغيرت ظروفه، ومهما تطورت حياته على الأرض. لأنه يتصل بحقائق أزلية لا يدركها التغيير.
وفيه إلى جانب ذلك عنصر متغير. أو قل: " صور " متغيرة من الجوهر الثابت، و " حالات " متطورة للكيان الدائم. ولكنها في تغيرها وتطورها لا تخرج بالإنسان عن كونه الإنسان. ولا تنفصل في لحظة واحدة عن كيانه الدائم، بحكم ترابط النفس الإنسانية وشمولها لكل ما يشتمل عليه الإنسان.
ومن هذا الثبوت وهذا التطور في فطرة البشر - وهي كذلك فطرة الكون - نشأت في حياة الإنسان قواعد ثابتة وبجانبها أحوال متغيرة، ولكنها في تغيرها - كما أسلفنا - لا تنفصل عن القواعد الثابتة في الحياة.
فقد ترتب على الحقائق الأزلية الخالدة حقائق أخرى، فصارت مثها خالدة دائمة لا تتغير.
ترتب عليها أن يحس الخلق - بفطرتهم ما دامت سليمة - يحسوا بعظمة الله بالقياس إلى ضآلتهم، فيعبدوه، ويستمدوا منه العون في الحياة.
وترتب عليها أن يحس الزوجان - اللذان خلقهما الله من نفس واحدة بحنين والتصاق بعضهما ببعض، وأن وجودهما لا يتكامل إلا متحدين متوادين متراحمين.
وترتب عليها أن يحس الناس - حين تصفو سريرتهم وتنظف نفوسهم - بالأخوة في الإنسانية، إذ هم جميعاً من نفس واحدة ذات رحم مع الجميع، فيتعاونوا ويتشاركوا في الخير..
تلك عناصر دائمة لأنها ترتكز على أسس دائمة.
وثمة عناصر أخرى تجدّ كل يوم، نتيجة تطور المعلومات البشرية، والتفاعل الدائم بين العقل والكون، يحاول أن يتعرف أسراره، ويستكنه كنهه، ويستخرج كنوزه، ويسخرها لمنفعته، فتقوم أوضاع جديدة، وينتقل الناس من بداوة إلى حضارة، ومن زرع إلى صناعة، ومن صناعة إلى...؟
والإسلام دين الفطرة يجاري البشرية في جانبيها جميعاً، بما يناسبهما جميعاً.
(1/135)

الجانب الأول يعطيه شرائع ثابتة. والجانب الآخر يعطيه أسساً ثابتة، ثم يترك له مجال التطور الدائم في إطار هذه الأسس الثابتة، متمشياً في ذلك مع فطرة الكون وفطرة الحياة.
الجانب الأول يعطيه العقيدة..
والعقيدة ليست ثابتة في الإسلام وحده، بل ثابتة في جميع الديانات منذ أرسل الله الرسل للناس يربونهم، ويعلمونهم حقيقة أزلية واحدة: أن الله واحد. وأن الخلق كله خلقه. وأن حق الألوهية على العباد أن يعبدوه ويخلصوا له الدين.
وتلك العقيدة الواحدة لا تتغير، لأن الأساس الذي تقوم عليه ثابت لا يتغير. وقد عني القرآن ببيان هذه الحقيقة، وخاصة في السور التي تستعرض رسالة الرسل الواحدة المكررة على مر الأزمان كسورة هود وسورة الأعراف.
وإلى جانب العقيدة يعطيه كذلك تشريعات الزواج والطلاق، والحدود. وتشريعات مدنية مختلفة.
الزواج والطلاق - أو العلاقة بين الرجل والمرأة عامة - عنصر ثابت له تشريع ثابت، لأنه يرتكز على أسس لا تتغير. هي الرجل من جهة والمرأة من جهة، والعلاقة الشديدة التي تجذب كلاً منهما للآخر وتشده إليه.
والحياة تتغير ظروفها: المجتمع يتغير. والاقتصاد يتغير. ونظم التعليم تتغير. والسياسة تتغير. ولكن ذلك لا يغير شيئاً من الحقيقة التي تحكمها الفطرة بوظائفها وعملياتها الحيوية، وغددها وكيماوياتها، وهي أن الرجل رجل والمرأة إمرأة، ولا غنى لأحدهما عن الآخر، ولا انفصال ولا استقلال! [129].
والحدود - أي العقوبات المفروضة على الجرائم - عنصر ثابت كذلك، لأنه يرتكز على شيء ثابت: هو علاقة الإنسان بأخيه الإنسان - أو علاقة الفرد بالمجتمع - وحرمة كل إنسان التي لا يجوز أن يعتدي عليها الآخرون.
(1/136)

والحياة تتغير ظروفها: ارتباطات العمل تتغير. وعلاقات الإنتاج تتغير. وعلاقات الإنسان " بالآلة " تتغير. والنظم السياسية تتغير. ولكن ذلك لا يغير شيئاً من الحقيقة الثابتة التي تحكمها وقائع التاريخ البشري. وهي أن الناس كلهم من نفس واحدة، وعلاقة الرحم تربط الجميع [130].
وكذلك بعض التشريعات المدنية لها صفة الثبوت كالبيع والإيجارة والرهن والدين والوكالة.. إلخ فكانت لها تشريعات ثابتة. ومما يلفت النظر في هذا الشأن أن التشريع الفرنسي الحديث في المسائل المدنية قد أخذ كثيراً عن فقه مالك، إذ كان أقرب الفقهاء - جغرافياً - إلى فرنسا بسسب انتشار مذهبه في الشمال الإفريقي! كما أن الفقه الأوربي كله قد أخذ عن الفقه الإسلامي حين أعطى المرأة أخيراً جداً حق الملك والتعامل والتصرف الحر في الشئون المدنية [131].
أما الجانب المتطور من الحياة البشرية، وهو في الوقت ذاته متصل بالجانب الثابت، فهو سياسة الحكم وسياسة المال، و " شكل " المجتمع أو شكل البيئة، من بدوية إلى زراعية إلى تجارية إلى صناعية... إلخ.
وتلك أمور كما قلنا تتطور بتطور العقل البشري وتفاعله مع الكون، ولكنها في تطورها لا تنفصل عن الأصل الثابت، ولا يمكن أن تنفصل، بحكم وحدة الإنسان وترابطه، واستحالة تجزئته وتقطيعه وفصل بعضه عن بعض.
وفي هذه الأمور كان الإسلام حكيماً غاية الحكمة، مساوقاً للفطرة، ملبياً لحاجاتها، فوضع الخطوط العريضة ولم يضع التفصيلات. أو وضع " الإطار " الذي يريد للبشرية أن تتطور في حدوده، وترك لكل جيل من الأجيال المتعاقبة أن يضع " الصورة " في داخل الإطار. الصورة التي تناسبه، وتتفق مع ظروفه المادية ومبلغ من العلم والإنتاج. بشرط واحد: هو أن تكون الصورة على قدر الإطار، لا أكبر منه فيتحطم، ولا أصغر منه فيبدو حولها الفراغ.
في سياسة الحكم وضع أساسين: العدل والشورى:
(وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [132]
(1/137)

(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [133].
ثم لم يحدد طريق الشورى. وهل يكون مجلس واحد أو مجلسان. وهل ينتخب المجلس أو يعين. وهل يكون التمثيل شخصياً أو مهنياً.. إلخ.. إلخ وترك ذلك للتجارب البشرية واجتهادها في التطبيق.
وفي سياسة المال وضع مجموعة من الأسس ذات طابع واحد يجمعها في النهاية. هو ضرورة اشتراك الناس في الخير، بحيث لا يكون هناك محروم.
قرر القرآن أن المال في الأصل مال الله، وهو أعطاه للجماعة: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) [134] (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) [135].
وقرر أن الجماعة هي صاحبة الحق الأول فيه، وأن الفرد " موظف " فيه، يستحقه بحسن قيامه عليه، فإذا لم يحسن القيام عليه عاد حق التصرف فيه إلى الجماعة: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) [136].
وقرر أن الله يكره حبسه في يد فئة قليلة من الناس تتداوله فيما بينها ويحرم منه مجموع الأمة (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) [137]
وقرر فريضة الزكاة على الأموال حقاً معلوماً للفقراء، تأخذه لهم الدولة وتعطيه لهم من بيت المال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا..) [138]
والرسول ( يقول: " الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار " [139]
ويقول: لأن يمنح أحدكم أخاه (أرضه) خير له من أن يأخذ خرجاً معلوماً " [140]
وعمر بن الخطاب ( يقول: " لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهليها. كما قسم النبي ( خيبر " [141].
(1/138)

ثم لم يحدد طريقة اشتراك الناس في مال الله الذي أعطاه للجماعة وهل تكون بتأميم المرافق العامة. أم تكون بإشراك العمال في رأس المال، أم تكون بإعطائهم الأجور التي تكفل حاجاتهم الضرورية التي بينها الرسول ( على حديثه: " من ولي لنا عملاً وليس له منزل فليتخذ منزلاً أو ليست له زوجة فليتخذ زوجة، أو ليس له خادم فليتخذ خادماً، أو ليست له دابة فليتخذ دابة"[142].
لم يحدد صورة معينة من هذه الصور، وترك الأجيال المتعاقبة تفكر لنفسها في الصورة التي تناسبها، وتتلاءم مع إمكانياتها. ولم يضع - في سياسة المال أو سياسة الحكم - تفصيلات ثابتة جامدة، لكي لا تصطدم بالنمو المطرد في أحوال الجماعة، والتطور المستمر فيها. ولكنه مع ذلك لم يدع هذه الأمور تفلت من الأصول الثابتة. ولم يدعها للناس يتصرفون فيها بلا دليل، بحجة أنهم أعلم بأمور " دنياهم "! فقد كان هذا التصرف الحر - في أوربا، وفي خارج الإطار الإسلامي عامة - شناعة بشعة يندى لها جبين الإنسانية " المتطورة "! كان الإقطاع في أوربا ثم كانت الرأسمالية بكل ما فيها من مظالم غنية عن الوصف. وكلاهما حرام في نظر الإسلام، فهما يجعلان المال - سواء في صورة أرض أو رأس مال - دولة بين الأغنياء وحدهم، ويحرم منه بقية الناس. ثم كان الخلاص منهما هو الشيوعية - أي العبودية المطلقة للدولة، الدكتاتورية المطلقة على الأفراد!
والإسلام - كلمة الله لجميع البشر على الأرض ولجميع الأجيال - لم يكن ليترك الناس لمثل هذا " التطور " الذي يرسفون فيه في الأغلال، وإنما يأخذ بيدهم دائماً ويرشدهم، حتى وهو يترك لهم حرية النمو وحرية التكيف مع ما يجدّ من الأوضاع، لكيلا يشردوا عن الطريق، ولكي يحتفظوا بتحررهم الوجداني الدائم في جميع الأوضاع وجميع الأحوال.
* * *
(1/139)

تلك قصة التطور التي جُنّ بها الناس في القرن العشرين! تطور في أشكال الحياة الظاهرة، وثبات - مع ذلك - في الأصول.. فالإسلام لم يغفل ذلك التطور من حسابه. لم يقف في سبيله. وفي الوقت ذاته لم ينحسر عنه ويترك الناس بلا دليل. إنه يساوق التطور على الدوام ويحفظه من التعثر والانحراف. يحفظه برده إلى القواعد الثابتة في الحياة البشرية. إلى الله والعقيدة. والإطار الدائم الذي يرسم العلاقة التي ينبغي أن تكون بين أفراد الجنس الواحد، الذين انبثقوا من نفس واحدة، وما تزال تصل بينهم الأرحام.
وبذلك يكون الإسلام دين الفطرة.
وهو كذلك منهج الحياة [143].
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[116] سورة الحشر [ 7 ].
[117] " يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى " سورة طه [ 7 ] انظر فصل: " تعبد الله كأنك تراه ".
[118] سورة الجاثية [ 18 ].
[119] انظر بالتفصيل في هذا الشأن كتاب " العلم يدعو للإيمان " تأليف أ. كريسي موريسون وترجمة محمد صالح الفلكي وكتاب " مع الله في السماء " تأليف الدكتور أحمد زكي.
[120] سورة البقرة [ 30 ].
[121] سورة النساء [ 1 ].
[122] سورة النساء [ 1 ].
[123] سورة الروم [ 21 ].
[124] سورة النساء [ 1 ].
[125] سورة الحجرات [ 13 ].
[126] سورة المؤمنون [ 12 ].
[127] سورة الحجر [ 29 ].
[128] سورة الشمس [ 7 - 10 ].
[129] في كتاب " شبهات حول الإسلام " في فصل: الإسلام والمرأة، بحث تفصيلي لعلاقة الرجل والمرأة وطبيعتها في الإسلام، وقد بينت هناك كيف عالج الإسلام الأمر في عدالة كاملة، وكيف أن " التطور " المزعوم لا يضيف شيئاً لهذه العدالة أما التطور بمعنى الفساد الخلقي أو بمعنى المساواة الآلية بين المرأة والرجل، فقد كانت له ظروف محلية في أوربا - شرحتها هناك - وليس " قيمة " حقيقية من القيم الإنسانية.
(1/140)

[130] في كتاب " الإنسان بين المادية والإسلام " بحث مفصل في نظرة الإسلام للفرد والمجتمع، والجريمة والعقاب. وفي هذا الكتاب فصل عنوانه " ادرءوا الحدود بالشبهات " يعرض المعاني الإنسانية الرفيعة في تشريع الحدود الإسلامي.
[131] تقول الشيوعية إن هذه العلاقات كلها لا وجود لها إلا حيث توجد الملكية الفردية. وحيث تلغى الملكية الفردية تزول هذه التشريعات. وهذا حق. ولكن الشيوعية ذاتها قد بدأت تبيح الملكية الفردية من جديد. والبقية تأتي!
[132] سورة النساء [ 58 ].
[133] سورة الشورى [ 38 ].
[134] سورة الحديد [ 7 ].
[135] سورة النور [ 33 ].
[136] سورة النساء [ 5 ].
[137] سورة الحشر [ 7 ].
[138] سورة التوبة [ 60 ].
[139] ذكره صاحب مصابيح السنة في الحسان.
[140] رواه البخاري.
[141] رواه البخاري.
[142] رواه أحمد وأبو داود.
[143] انظر - إن شئت - كتاب " التطور والثبات في حياة البشرية ".
(1/141)