Advertisement

مرويات الإمام الزهري في المغازي 002



الكتاب: مرويات الإمام الزهري في المغازي
المؤلف: محمد بن محمد العواجي
الناشر: -
الطبعة: الأولى 1425هـ/2004م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] 77- أخرج الواقدي1 عن جمع كبير من الرواة ومنهم الزهري قالوا: لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير ساروا إلى خيبر، وكان بها من اليهود قوم أهل عدد وجلد، وليست لهم من البيوت والأحساب ما لبني النضير - كان بنو النضير سِرَّهم وقريظة من ولد الكاهن من بني هارون - فلما قدموا خيبر خرج حيي بن أخطب، وكنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي من الأوس من بني خَطْمة، وأبو عامر الراهب في بضعة عشر رجلاً إلى مكة يدعون قريشاً وأتباعها إلى حرب محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا لقريش: نحن معكم حتى نستأصل
__________
1 المغازي 2/ 441- 443 ولم تتميز هنا رواية الزهري من غيره.
(1/486)

محمداً.
قال أبو سفيان: هذا الذي أقدمكم ونزعكم؟ قالوا: نعم، جئنا لنحالفكم على عداوة محمد وقتاله، قال أبو سفيان: مرحباً وأهلاً، أحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد، قال النفر: فأخرجْ خمسين رجلاً من بطون قريش كلها أنت فيهم، وندخل نحن وأنتم بين أستار الكعبة حتى نلصق أكبادنا بها، ثم نحلف بالله جميعاً لا يخذل بعضنا بعضاً، ولتكونن كلمتنا واحدة على هذا الرجل ما بقي منا رجل، ففعلوا فتحالفوا على ذلك وتعاقدوا، ثم قالت قريش بعضها لبعض: قد جاءكم رؤساء أهل يثرب وأهل العلم والكتاب الأول فسلوهم عما نحن عليه ومحمد، أينا أهدى؟
قالت قريش: نعم، فقال أبو سفيان: يا معشر يهود، أنتم أهل الكتاب الأول والعلم، أخبرونا عما أصبحنا نحن فيه ومحمد، ديننا خير أم دين محمد؟ فنحن عُمَّار البيت وننحر الكوم، ونسقي الحجيج، ونعبد الأصنام، قالوا: اللهم أنتم أولى بالحق منه، إنكم لتعظمون هذا البيت، وتقومون على السقاية، وتنحرون البُدْن وتعبدون ما كان عليه آباؤكم، فأنتم أولى بالحق منه، فأنزل الله تعالى في ذلك: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى
(1/487)

مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً} 1، فاستعدوا لوقتٍ وَقَّتُوه، فقال صفوان بن أمية: يا معشر قريش إنكم قد وعدتم هؤلاء القوم لهذا الوقت وفارقوكم عليه، فَفُوا لهم به، لا يكون هذا كما كان، وعدنا محمداً بدر الصفراء فلم نف بموعده واجترأ علينا بذلك، وقد كنت كارهاً لميعاد أبي سفيان يومئذ. فخرجت يهود حتى أتت غطفان، وأخذت قريش في الجهاز، وسيرت في العرب تدعوهم إلى نصرها، وألّبوا أحابيشهم ومن تبعهم، ثم خرجت اليهود حتى جاءوا بني سُليم، فوعدوهم يخرجون معهم إذا سارت قريش، ثم ساروا في غطفان فجعلوا لهم تمر خيبر سنة، وينصرونهم ويسيرون مع قريش إلى محمد إذا ساروا، فأنعمت بذلك غطفان، ولم يكن أسرع إلى ذلك من عيينة بن حصن2، وخرجت قريش ومن تبعها من أحابيشها أربعة آلاف، وعقدوا اللواء في دار الندوة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وكان معهم من الظهر ألف بعير وخمسمائة بعير، وأقبلت سُليم فلاقوهم بمر الظهران، وبنو سُليم يومئذ سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمية، وهو أبو أبي الأعور الذي كان مع معاوية بن أبي
__________
1 سورة النساء، آية رقم (51) .
2 هو: عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو ... الفزاري أبو مالك، له صحبة، وكان من المؤلفة، أسلم قبل الفتح، وشهدها وشهد حنيناً والطائف، وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني تميم فسبى بعض بني العنبر؛ كان ممن ارتد في عهد أبي بكر، ثم عاد إلى الإسلام، عاش إلى خلافة عثمان. الإصابة 3/ 54- 55.
(1/488)

سفيان بصفين، وخرجت قريش يقودها أبو سفيان بن حرب، وخرجت بنو أسد وقائدها طليحة بن خويلد الأسدي، وخرجت بنو فزارة وأوعبت، وهم ألف يقودهم عيينة بن حصن، وخرجت أشجع وقائدها مسعود بن رُخيلة وهم أربعمائة، لم توعب أشجع، وخرج الحارث بن عوف يقود قومه مرة وهم أربعمائة.
لما أجمعت غطفان السير أبو الحارث بن عوف المسير وقال لقومه: تفرقوا في بلادكم ولا تسيروا إلى محمد، فإني أرى أن محمداً أمره ظاهر لو ناوأه من بين المشرق والمغرب لكانت له العاقبة، فتفرقوا في بلادهم ولم يحضر واحد منهم، وهكذا روى الزهري وروت بنو مرة1.
__________
1 وهذه الرواية ضعيفة لكونها جاءت من طريق الواقدي ولكونه جمع بين كثير من الرواة ولم يفرق بينهم، وبالتالي لم تعرف رواية الزهري من غيرها، ولكنها عند الإخباريين مقبولة.
(1/489)

المبحث الثاني: في تايخ الغزوة
...
المبحث الثاني: في تأريخ الغزوة
78- قال أبو عبيد القاسم بن سلام1: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد عن عُقيل بن خالد عن ابن شهاب قال: كانت وقعة الأحزاب بعد أحد بسنتين2.
__________
1 القاسم بن سلاّم بالتشديد البغدادي، أبو عبيد، الإمام المشهور، ثقة، فاضل، مصنف من العاشرة، مات سنة أربع وعشرين، ولم أر له في الكتب حديثاً مسنداً، بل من أقواله في شرح الغريب، خت د ت، التقريب 450.
2 كتاب الأموال، لأبي عبيد 158 رقم (445) ، وأخرجه ابن زنجويه في كتاب الأموال 1/ 398 رقم (657) ، والبيهقي في الدلائل 3/ 394، وكلها من طريق عبد الله بن صالح، كاتب الليث، قال عنه الحافظ: صدوق كثير الغلط. التقريب 308، ومثل هذه الروايات مما يتساهل فيها.
قال ابن كثير: وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة نص على ذلك ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 214) ، وعروة بن الزبير كما في دلائل البيهقي 3/ 394، وقتادة (انظر: دلائل البيهقي 3/ 394) ، والبيهقي (دلائل 3/ 395) وغير واحد من العلماء سلفاً وخلفاً. البداية والنهاية 4/ 93.
وذكر ابن سعد عن الواقدي أنها كانت سنة خمس، الطبقات 4/ 84، والبلاذري في أنساب الأشراف 1/ 427.
ومما يدل على أن غزوة الأحزاب كانت في السنة الخامسة ما أخرجه الطبراني في الأوسط 4/ 65 رقم (3624) من حديث ابن عباس قال: "كان قدومنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس من الهجرة خرجنا متوصلين بقريش عام الأحزاب، وأنا مع أخي الفضل ... حتى دخلنا المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق، وأنا يومئذ ابن ثمان سنين وأخي ابن ثلاث عشرة سنة".
(1/490)

79- قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله1 الحافظ، قال: أخبرنا إسماعيل2 بن محمد بن الفضل الشعراني، قال: حدثنا جدي3 قال: حدثنا إبراهيم4 بن المنذر قال: حدثنا محمد5 بن فليح، عن موسى6 بن عقبة عن ابن شهاب ح وأخبرنا أبو الحسين7 بن الفضل القطان، قال: أخبرنا محمد8 بن عبد الله بن عَتَّاب قال: حدثنا القاسم9 بن عبد الله بن المغيرة قال: ابن أبي10 أويس قال: حدثنا إسماعيل11 بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة في مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قاتل يوم بدر في رمضان سنة اثنتين، ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل
__________
1 ثقة، تقدم في الرواية رقم [1] .
2 ثقة، تقدم في الرواية رقم [1] .
3 ثقة، تقدم في الرواية رقم [1] .
4 صدوق، تقدم في الرواية رقم [1] .
5 صدوق، تقدم في الرواية رقم [1]
6 ثقة، تقدم في الرواية رقم [1]
7 ثقة، تقدم في الرواية رقم [7] .
8 ثقة، تقدم في الرواية رقم [7] .
9 ثقة، تقدم في الرواية رقم [7] .
10 صدوق، تقدم في الرواية رقم [7] .
11 ثقة، تقدم في الرواية رقم [1] .
(1/491)

يوم الخندق وهو يوم الأحزاب وبني قريظة في شوال سنة أربع1.
__________
1 دلائل النبوة للبيهقي 3/ 392- 393، والسند حسن إلى الزهري، لكنه مرسل.
وقال البخاري: "قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع" الصحيح مع الفتح 7/ 392.
وقد عقب الحافظ ابن حجر على كلام البخاري فقال: "قلت: وتابع موسى على ذلك مالك وأخرجه أحمد عن موسى بن داود عنه" الفتح 7/ 393، وانظر: رواية مالك المذكورة في دلائل البيهقي 3/ 397، ثم ذكر أن ذكر الخندق في السنة الخامسة هو المعتمد، المصدر نفسه.
وقال في موضع آخر عند حديثه على من قال بأن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان سنة ست فقال: "فلو كان المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطاً، لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة، وكانت سنة خمس على الصحيح". الفتح 7/ 430، وقريظة كانت بعد الخندق مباشرة.
فيظهر مما تقدم أن للعلماء في تاريخ الغزوة قولين: قول إنها في سنة أربع، كما قال مالك وابن عقبة والبخاري والفسوي، ورواية عن الزهري، وقول إنها سنة خمس وعلى ذلك الجمهور ومعهم الزهري في رواية. أما إذا أخذنا بما ذكره البيهقي من الجمع بين الروايتين - كما سيأتي - فلا إشكال، ويكون الخلاف لفظي والمعنى واحد.
وقد جمع البيهقي رحمه الله بين القولين بكلام حسن أظهر من خلاله عدم اختلافهم في تاريخ الغزوة فقال: قلت: "لا اختلاف بينهم في الحقيقة، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل يوم بدر لسنة ونصف من مقدمه المدينة في شهر رمضان، ثم قاتل يوم أحد من السنة القابلة لسنتين ونصف من مقدمه المدينة في شوال، ثم قاتل يوم الخندق بعد أحد بسنتين على رأس أربع سنين ونصف من مقدمه المدينة، فمن قال: سنة أربع أراد بعد أربع سنين وقبل بلوغ الخمس، ومن قال: سنة خمس أراد بعد الدخول في السنة الخامسة وقبل انقضائها، والله أعلم" أ. هـ. دلائل البيهقي 3/ 395.
واختلافهم في ذلك مبني على أن بعض العلماء جعلوا التاريخ الهجري من شهر المحرم من السنة القابلة وحذفوا الأشهر الماضية، وهو قول مخالف للجمهور الذي عدَّ التاريخ الهجري من أول شهر محرم من السنة التي قدم فيها صلى الله عليه وسلم المدينة. انظر: دلائل البيهقي 3/ 396، والفتح 7/ 268.
(1/492)

المبحث الثالث: في أحداث غزوة الخندق إجمالاً
80- قال البيهقي1: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: أخبرنا إسماعيل ابن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني قال: حدثني جدي قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: حدثنا محمد بن فليح2 عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب (ح) وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، واللفظ له، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن عتَّاب العبدي، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة قال: حدثني ابن أبي أويس قال: حدثنا
__________
1 دلائل النبوة 3/ 398- 407، بسند حسن إلى الزهري، لكنه مرسل.
2 تقدمت تراجم رواة السند في الرواية رقم [1] و [7] .
(1/493)

إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة قال: خرج أبو سفيان وقريش ومن اتبعهم من مشركي العرب معهم حيي بن أخطب، واستمدوا عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فأقبل بمن أطاعه من غطفان.
وبنو أبي الحقيق كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق سعى في غطفان وحضهم على القتال على أن لهم نصف ثمر خيبر1، فزعموا أن الحارث ابن عوف2 أخا بني مرة قال لعيينة بن بدر وغطفان: يا قوم أطيعوني ودعوا قتال هذا الرجل وخلّوا بينه وبين عدوه من العرب، فغلب عليهم الشيطان، وقطع أعناقهم الطمع، فانقادوا لأمر عيينة بن بدر على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتبوا إلى حلفائهم من أسد، فأقبل طليحة3 فيمن اتبعه من بني أسد وهما حليفان: أسد وغطفان، وكتبت قريش إلى الرجال من بني سُليم أشرافٍ بينهم وبينهم أرحام، فأقبل أبو الأعور4 فيمن اتبعه من
__________
1 خيبر سيأتي التعريف بها عند الحديث عن غزوة خيبر.
2 هو الحارث بن عوف بن أبي حارثة المزني من فرسان الجاهلية، قدم في وفد بني مرة منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك. الإصابة 1/ 286.
3 هو: طليحة بن خويلد بن نوفل بن فضلة بن الأشتر ... الأسدي الفقعي، قدم في وفد بني أسد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد ارتد، فهرب إلى الشام، ثم أسلم إسلاماً صحيحاً، استشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين. الإصابة 2/ 234.
4 هو: عمرو بن سفيان بن عبد شمس بن سعد بن قائف ... بن ثعلبة بن سليم أبو الأعور السلمي مشهور بكنيته، قال أبو عمر: شهد حنيناً مع مالك بن عوف ثم أسلم، الإصابة 2/ 540.
(1/494)

سليم مدداً لقريش، فخرج أبو سفيان في آخر السنتين فيمن اتبعه من قبائل العرب، وأبو الأعور فيمن اتبعه من بني سُليم، وعيينة بن بدر في جمع عظيم، فهم الذين سماهم الله الأحزاب1، فلما بلغ خروجهم النبي صلى الله عليه وسلم أخذ في حفر الخندق2، وخرج معه المسلمون فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في العمل معهم، فعملوا مستعجلين ويبادرون قدوم العدو، ورأى المسلمون أنما بطش رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم في العمل ليكون أجدّ لهم وأقوى
__________
1 إشارة لقوله تعالى: {يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ} الآية [سورة الأحزاب آية (20) ] إلى قوله تعالى: {وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} [الأحزاب آية (22) ] .
2 يقع الخندق في المنطقة الشمالية من المدينة، بين سلع وأسفل حرة الوبرة إلى طرف واقم من الشمال الشرقي ليربط بينهما. انظر: معجم المعالم الجغرافية 114، والعمري في السيرة الصحيحة 2/ 420، والدر الثمين الغالي الشنقيطي 205.
وكان طوله: خمسة آلاف ذراع وعرضه تسعة أذرع، وعمقه من سبعة أذرع إلى عشرة، انظر: تفسير الطبري 21/ 33، ومجمع الزوائد 6/ 130، والفتح 7/ 397، وكان الذي أشار به سلمان الفارسي رصي الله عنه، انظر: ابن هشام 2/ 223، ومغازي الواقدي 2/ 445، وفتح الباري 7/ 393.
(1/495)

لهم بإذن الله عزوجل، فجعل الرجل يضحك من صاحبه إذا رأى منه فترة1، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يغضب اليوم أحد من شيء ارتجز2 به ما لم يقل قول كعب أو حسان فإنهما يجدان من ذلك قولاً كثيراً ونهاهما أن يقولا شيئاً يحفظان3 به أحداً، فذكروا أنه عرض لهم حجر في محفرهم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم معولاً من أحدهم فضرب به ثلاثاً فكسر الحجر في الثالثة، فزعموا أن سلمان الخير الفارسي4 أبصر عند كل ضربة برقة5 ذهبت في ثلاث وجوه كل مرة يتبعها سلمان بصره، فذكر ذلك سلمان6 لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: رأيت كهيئة البرق أو موج الماء عن ضربة ضربتها يا رسول الله، ذهبت إحداهن نحو المشرق والأخرى نحو الشام، والأخرى نحو اليمن،
__________
1 فترة: أي ضعف. النهاية 3/ 408.
2 الرَّجز: بحر من بحور الشعر معروف ونوع من أنواعه. وتسمى قصائده أراجيز، فهو كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر، ويسمى قائله راجز. النهاية 2/ 199.
3 يحفظان به: أي يغضبان. النهاية 1/ 408.
4 هو: سلمان أبو عبد الله الفارسي، ويقال له: سلمان الإسلام، وسلمان الخير، أصله من رام هرمز وقيل من أصبهان، وكان أول مشاهده الخندق، وشهد بقية المشاهد وفتوح العراق. الإصابة 2/ 62.
5 برقة: أي لمعان كالبرق. النهاية 1/ 120.
6 المعروف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي بشر الصحابة بالفتوحات عند تكسيره للحجرة التي عجز الصحابة عن تكسيرها، كما روى ذلك أحمد والنسائي وحسن الحافظ ابن حجر إسنادها. انظر: فتح الباري 7/ 397، والطبراني في الكبير 11/ 376.
(1/496)

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وقد رأيت ذلك يا سلمان؟ " قال: نعم، قد رأيت ذلك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإنه أُبْيضَ1 لي في إحداهن مدائن كسرى2 ومدائن من تلك البلاد، وفي الأخرى مدينة الروم، والشام، وفي الأخرى مدينة اليمن وقصورها، والذي رأيت النصر يبلغهن إن شاء الله"، وكان سلمان يذكر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وكان سلمان رجلاً قوياً، فلما وكل رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل جانب من الخندق، قال المهاجرون: يا سلمان احفر معنا، فقال رجل من الأنصار: لا أحد أحق به منا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما سلمان منا أهل البيت"3.
[وقال عبد الله بن عباس: لما قتل الأسودَ العنسيَّ كذابَ صنعاء فيروز الديلمي وقدم قادمهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسلموا قالوا: يا رسول الله من نحن؟ قال: "أنتم إلينا أهل البيت ومنا"، فلما قضوا حفر
__________
1 البياض: ضد السواد، الإصابة 1/ 295، والمراد: أنه ظهر لي شيء أبيض.
2 المدائن: جمع مدينة وتقع هذه المدائن بين أرض الفرات ودجلة بناها الأكاسرة من آل ساسان، بينهما وبين بغداد ستة فراسخ. ياقوت 5/ 74- 75.
3 أخرجه ابن سعد في الطبقات 4/ 98، والحاكم 3/ 589، وقال الذهبي: "سنده ضعيف، وأخرجه الطبراني في الكبير 6/ 212 رقم (6040) قال في المجمع (6/ 130) : "وفيه كثير بن عبد الله المزني وقد ضعفه الجمهور وحسن الترمذي حديثه، وبقية رجاله ثقات"، وقال الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته ص 480- 481 رقم (3272) : "ضعيف جداً".
(1/497)

خندقهم وذلك في شوال سنة أربع، وهو عام الأحزاب] 1 وعام الخندق أقبل أبو سفيان بن حرب ومن معه من مشركي قريش ومن اتبعه من أهل الضلالة فنزلوا بأعلى وادي قناة من تلقاء الغابة، وغلقت بنو قريظة حصنهم، وتأشموا2 بحيي بن أخطب وقالوا: لا تكونوا من هؤلاء القوم في شيء فإنكم لا تدرون لمن تكون الدَّبْرة3، وقد أهلك حيي قومه ما حذروه، وأقبل حيي حتى أتى باب حصنهم، وهو مغلق عليهم، وسيد اليهود يومئذ كعب بن أسد، فقال حيي: أَثَمَّ كعب؟
قالت امرأته: ليس ههنا، خرج لبعض حاجاته.
فقال حيي: بل هو عندك مكث على جشيشته4 يأكل منها، فكره أن أصيب معه من العشاء.
فقال كعب: ائذنوا له فإنه مشؤوم، والله ما طرقنا بخير، فدخل حيي فقال: إني جئتك والله بعز الدهر إن لم تتركه عليّ، أتيتك بقريش وسقت إليك الحليفين: أسدٌ وغطفان فقال كعب بن أسد: إنما مثلي ومثل ما جئت به كمثل سحابة أفرغت ما فيها ثم انطلقت، ويحك يا حيي دعنا
__________
1 من قوله: وقال ابن عباس إلى هنا، أظنه من كلام موسى بن عقبة، والله أعلم.
2 تأشموا: لعل معناها تشاءموا، والشؤم: ضد اليُمْن، وقد شأم فلان على قومه يشأمهم فهو شائم إذا جر عليهم الشؤم. اللسان (شأم) .
3 الدَّبَرْ: بالفتح الهلاك. النهاية 2/ 98.
4 الجشيشة: الحنطة تطحن طحناً جليلاً، ثم تجعل في القدور ويقلى عليها لحم أو تمر وتطبخ وقد يقال لها: دشيشة، النهاية 1/ 273.
(1/498)

على عهدنا لهذا الرجل فإني لم أر رجلاً أصدق ولا أوفى من محمد وأصحابه والله ما أكرهنا على دين ولا غصبنا مالاً ولا ننقم من محمد وعملك شيئاً، وأنت تدعو إلى الهلكة فنذكرك الله إلا ما أعفيتنا من نفسك.
فقال: والله لا أفعل ولا يختبزها محمد إلى يوم القيامة، ولا نفترق نحن وهذه الجموع حتى نهلك، وقال عمرو بن سعد القرظي: يا معشر يهود إنكم قد حالفتم محمداً على ما قد علمتم أن لا تخونوه ولا تنصروا عليه عدواً، وأن تنصروه على من دهم1 يثرب2، فأوفوا على ما عاهدتموه عليه فإن لم تفعلوا فخلوا بينه وبين عدوه، واعتزلوهم، فلم يزل بهم حيي حتى شامهم3، فاجتمع ملأهم في الغد على أمر رجل واحد، غير أن بني شعبة أسداً4 وأسيداً وثعلبة خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم زعموا وقالت اليهود: يا حيي انطلق إلى أصحابك فإنا لا نأمنهم فإن أعطونا من أشرافهم من كل من جاء معهم رهناً5 فكانوا عندنا فإذا نهضوا لقتال
__________
1 دهم: أي فاجأ. النهاية 2/ 145.
2 يثرب: هي مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم واسمها القديم (يثرب) ، فغيرها وسماها: (طيبة الطيبة) كراهة للتثريب وهو اللوم والتعيير، وقيل سميت باسم رجل من العمالقة، وقيل: هو اسم أرضها. النهاية 5/ 292.
3 شامهم: أي عدل بهم عن رأيهم. القاموس، مادة (شمم) .
4 هم ممن أسلموا من بني قريظة. انظر: الإصابة 1/ 33.
5 قال في القاموس: "الرهن: ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك، القاموس مادة (رهن) ".
(1/499)

محمد وأصحابه خرجنا نحن فركبنا أكتافهم، فإن فعلوا ذلك فاشدد العقد بيننا وبينهم، فذهب حيي إلى قريش فعاقدوه على أن يدفعوا إليه السبعين، ومزقوا صحيفة القضية1 التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم، ونبذوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحرب وتحصنوا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فعبأ أصحابه للقتال، وقد جعلهم المشركون في مثل الحصن بين كتائبهم، فحاصروهم قريباً من عشرين ليلة2، وأخذوا بكل ناحية حتى ما يدري الرجل أتم صلاته أم لا، ووجهوا نحو منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة غليظة يقاتلونه يوماً إلى الليل، فلما حضرت الصلاة، صلاة العصر، دنت الكتيبة، فلم يقدر النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا فانكفأت الكتيبة مع الليل فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقبورهم ناراً"3، وفي
__________
1 هي الصحيفة التي عملها النبي صلى الله عليه وسلم وكتبها بين المسلمين واليهود عندما قدم المدينة بعد الهجرة وكان من ضمن بنودها: أن بينهم النصر جميعاً على من دهم يثرب، انظر هذه الصحيفة والوثيقة في رسالة هارون رشيد محمد إسحاق، بعنوان: صحيفة المدينة دراسة حديثية وتحقيق، من قسم الدراسات العليا من كلية التربية جامعة الملك سعود عام 1405هـ- ص133 فما بعدها.
2 وفي مصنف عبد الرزاق 5/ 367 رقم (9737) بضع عشرة ليلة، وتفسيره 1/ 83، وأخرج الواقدي في المغازي 2/ 291 من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلاً أن مدة الحصار كانت بضعة وعشرين يوماً، وأخرج كذلك ابن سعد في الطبقات الكبرى 2/ 73 عن الزهري عن ابن المسيب، وفي رواية أخرى لسعيد بن المسيب: أنهم حاصروهم أربعاً وعشرين ليلة. انظر: الإصابة 2/ 73.
3 أخرجه البخاري في الصحيح. انظر: الفتح 7/ 405 رقم (4111) وانظر رقم (4112) ورقم (2931) ورقم (4533) ومسلم في المساجد (627) باب التغليظ في تفويت الصلاة، وأبا داود في الصلاة رقم (409) ، وأحمد 2/ 129 رقم [591] أرناؤوط، والدارمي في الصلاة 1/ 280، باب في الصلاة الوسطى من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي رصي الله عنه.
(1/500)

رواية ابن فليح: "بطونهم وقبورهم ناراً"1.
فلما اشتد البلاء على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فيه الناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول: "والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة، وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمناً، وأن يدفع الله عزوجل إليّ مفاتيح الكعبة، وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله عزوجل".
وقال رجل ممن معه لأصحابه: ألا تعجبون من محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق وأن نقسم كنوز فارس والروم ونحن ههنا لا يأمن أحدنا أن يذهب الغائط، والله لما يعدنا إلا غروراً2، وقال آخرون ممن معه: إئذن لنا فإن بيوتنا عورة3، وقال آخرون: يا أهل يثرب لا مقام
__________
1 هكذا في المطبوع من دلائل النبوة للبيهقي 3/ 402، ولعلها: "قبورهم وبطونهم ناراً"
2 ذكر الله عنهم ذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلاّ غُرُوراً} [الأحزاب آية رقم (12) ] .
3 حكى الله عنهم في ذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرَاراً} [الأحزاب آية (13) ] .
(1/501)

لكم فارجعوا1.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أخا عبد الأشهل، وسعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة2 وخوات بن جبير إلى بني قريظة ليكلموهم ويناشدوهم في حلفهم، فانطلقوا حتى أتوا باب حصن بني قريظة، استفتحوا ففُتح لهم، فدخلوا عليهم فدعوهم إلى الموادعة3 وتجديد الحلف، فقالوا: الآن وقد كسروا جناحنا، يريدون بجناحهم المكسورة بني النضير، ثم أخرجوهم وشتموا النبي صلى الله عليه وسلم شتماً، فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم، فأغضبوه، فقال سعد بن معاذ لسعد بن عبادة: إنا والله ما جئنا لهذا ولَمَا بيننا أكثر من المشاتمة ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال: إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة، وأنا خائف عليكم مثل يوم بني
__________
1 جزء من الآية السابقة.
2 هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك الخزرجي الأنصاري الشاعر المشهور يكنى أبا محمد من السابقين الأولين من الأنصار وكان أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدراً وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة. الإصابة 2/ 306.
3 الموادعة: يقال: توادع الفريقان: إذا أعطى كل واحد منهم الآخر عهداً ألاَّ يغزوه، النهاية (5/ 167) .
(1/502)

النضير أو أمّر منه.
فقالوا: أكلتَ أَيْر أبيك، فقال: غير هذا من القول كان أجمل وأحسن منه.
فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يئسوا مما عندهم، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوههم الكراهية لما جاءوا به، فقال: ما وراءكم؟
فقالوا: أتيناك من عند أخابث خلق الله وأعداهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وأخبروه بالذي قالوا، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتمان خبرهم وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وهم في بلاء شديد يخافون أشد من يوم أحد فقالوا: حين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً: ما وراءك يا رسول الله، قال: "خيراً فأبشروا"، ثم تقنع بثوبه فاضطجع ومكث طويلاً واشتد عليهم البلاء والخوف حين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفوا أنه لم يأته من بني قريظة خير، ثم إنه رفع رأسه فقال: "أبشروا بفتح الله ونصره"، فلما أصبحوا دنا القوم بعضهم إلى بعض، فكان بينهم رمي بالنبل والحجارة، قال ابن شهاب: قال سعيد بن المسيب1: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أسألك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد" 2، وأقبل نوفل بن عبد الله المخزومي وهو من المشركين
__________
1 انظر: مصنف عبد الرزاق 5/ 367 رقم (9737) .
2 هذا الدعاء ذكره صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر كما في البخاري وغيره. انظر: الصحيح مع الفتح 7/ 287، وأخرجه ابن سعد عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلاً. الطبقات الكبرى 2/ 73.
(1/503)

على فرس له ليقحمه1 الخندق فقتله الله، وكبت به المشركين وعظم في صدورهم وأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إِنّا نعطيكم الدية على أن تدفعوه إلينا فندفنه، فرد إليهم النبي صلى الله عليه وسلم: إنه خبيث خبيث الدية، فلعنه الله، ولعن ديته، فلا أربَ2 لنا بديته، ولسنا مانِعِيكُم أن تدفنوه، ورمي سعد بن معاذ رمية فقطعت منه الأكحل3 من عضده4 ورماه زعموا حبان بن قيس5 أخو بني عامر بن لؤي، ثم أحد بني العَرِقَة6، ويقول آخرون: أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم، وقال سعد بن معاذ: رب اشفني من بني قريظة قبل الممات فرَقَأَ7 الكلْم8 بعدما كان قد انفجر، وصبر أهل
__________
1 ليقحمه: يقال: اقتحم الإنسان الأمر العظيم، وتقحمه، إذا رمى نفسه فيه من غير روية وتثبت. النهاية 4/ 18.
2 لا أرب: أي لا حاجة. النهاية 1/ 35.
3 الأكحل: عرق في وسط الذراع يكثر فصده. النهاية 4/ 154.
4 العضد: ما بين الكتف والمرفق. النهاية 3/ 252.
5 قال السهيلي: "هو حبان بن قيس بن العرقة. الروض 3/ 280، قال: وحبان هو عبد مناف بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي. ويشهد له ما في صحيح البخاري فقد ذكر أن الذي رماه: حبان بن العرقة". انظر: الصحيح مع الفتح 7/ 411.
6 العَرِقَة: هي: قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم تكنى أم فاطمة، سميت العرقة لطيب ريحها. وهي جدة خديجة أم أمها هالة. الروض 3/ 280.
7 رقأ: يقال: رقأ الدمع والدم والعرق يرقأ رقوءاً بالضم إذا سكن وانقطع. النهاية 2/ 248.
8 الكلم: الجرح. النهاية 4/ 199.
(1/504)

الإيمان على ما رأوا من كثرة الأحزاب وشدة أمرهم، وزادهم يقيناً لموعد الله تبارك وتعالى الذي وعدهم، ثم رجع بعضهم عن بعض، ثم إن أبا سفيان أرسل إلى بني قريظة أن قد طال ثُواؤنا1 ههنا وأجدب2 من حولنا فما نجد رعياً للظهر، وقد أردنا أن نخرج إلى محمد وأصحابه فيقضي الله بيننا وبينهم فماذا ترون؟
وبعثت بذلك غطفان، فأرسلوا إليهم: أن نعم ما رأيتم فإذا شئتم فانهضوا فإنا لا نحبسكم إذا بعثتم بالرهن إلينا، وأقبل رجل من أشجع يقال له نعيم بن مسعود3 يذيع4 الأحاديث وقد سمع الذي أرسلت به قريش وغطفان إلى بني قريظة والذي رجعوا إليهم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إليه وذلك عشاءً، فأقبل نعيم بن مسعود حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قُبَّةً له تُركية ومعه نفر من أصحابه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما وراءكم؟ ".
__________
1 ثوى: المثوى المنزل من ثوى بالمكان يثوي إذا أقام فيه. النهاية 1/ 230.
2 الجدْب: هو القحط، وهي الأرض التي لا نبات فيها. النهاية 1/ 242- 243.
3 هو: نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ الأشجعي يكنى أبا سلمة الأشجعي أسلم ليالي الخندق، وهو الذي أوقع الخلف بين الحيين قريظة وغطفان، قتل في أول خلافة علي رصي الله عنه، وقيل مات في خلافة عثمان رصي الله عنه. الإصابة 3/ 568.
4 ذاع الخبر يذيع ذيعاً وذيوعاً: انتشر، والمذياع: بالكسر من لا يكتم السر. القاموس (ذاع) .
(1/505)

قال: إنه والله مالك طاقة بالقوم وقد تحزبوا عليك وهم معالجوك، وقد بعثوا إلى بني قريظة أنه قد طال ثواؤنا وأجدب ما حولنا وقد أحببنا أن نعاجل محمداً وأصحابه فنستريح منهم، فأرسلت إليهم بنو قريظة: أن نعم ما رأيتم فإذا شئتم، فابعثوا بالرهن ثم لا يحبسكم إلا أنفسكم.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني مسر إليك شيئاً فلا تذكره"، قال: نعم، قال: "إنهم قد أرسلوا إليّ يدعونني إلى الصلح وأرد بني النضير إلى دورهم وأموالهم"، فخرج نعيم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غطفان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الحرب خدعة1، وعسى الله أن يصنع لنا"، فأتى نعيم غطفان فقال: إني لكم ناصح وإني قد اطلعت على غدر يهود، تعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكذب قط، وإني سمعته يحدث أن بني قريظة، قد صالحوه على أن يرد عليهم إخوانهم من بني النضير إلى ديارهم وأموالهم، ويدفعوا إليه الرهن، ثم خرج نعيم ين مسعود الأشجعي حتى أتى أبا سفيان بن حرب وقريشاً فقال: اعلموا أني قد اطلعت على غدر يهود،
__________
1 خدعة: قال النووي: فيها ثلاث لغات مشهورات، واتفقوا على أن أفصحهن خَدعة بفتح الخاء وإسكان الدال، والثانية بضم الخاء، والثالثة بضم الخاء وفتح الدال، النووي على مسلم 12/ 45.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "الحرب خدعة" أخرجه البخاري في الجهاد رقم (3030) ، ومسلم في الجهاد رقم (1739) ، وأبو داود رقم (2636) ، والترمذي في الجهاد رقم (1675) .
(1/506)

إني سمعت محمداً يحدث أن بني قريظة صالحوه على أن يرد عليهم إخوانهم من بني النضير إلى دورهم وأموالهم، على أن يدفعوا إليه الرهن ويقاتلون معه ويعيدون الكتاب الذي كان بينهم، فخرج أبو سفيان إلى أشراف قريش فقال: أشيروا عليّ وقد ملّوا مقامهم، وتعذرت عليهم البلاد، فقالوا: نرى أن نرجع ولا نقيم فإن الحديث على ما حدثك نعيم والله ما كذب محمد، وإن القوم لغدر.
وقال الرُّهْن حين سمعوا الحديث: والله لا نأمنهم على أنفسنا ولا ندخل حصنهم أبداً، قال أبو سفيان: لن نعجل حتى نرسل إليهم فنتبين ما عندهم، فبعث أبو سفيان إليهم عكرمة بن أبي جهل وفوارس، وذلك ليلة السبت، فأتوهم فكلموهم فقالوا: إنا مقاتلون غداً فاخرجوا إلينا.
قالوا: إن غداً السبت وإنا لا نقاتل فيه أبداً.
قال عكرمة: إنا لا نستطيع الإقامة، هلك الظهر والكراع ولا نجد رعياً.
قالت اليهود: إنا لا نعمل يوم السبت عملاً بالقتال، ولكن امكثوا إلى يوم الأحد، وابعثوا إلينا بالرهن، فرجع عكرمة وقد يئس من نصرهم، واشتد البلاء والحصر على المسلمين وشغلتهم أنفسهم فلا يستريحون ليلاً ولا نهاراً، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث رجلاً فيخرج من الخندق فيعلم ما خبر القوم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من أصحابه1 فقال: "هل أنت
__________
1 الذي في صحيح مسلم 3/ 1414- 1415 رقم (1788) "أن النبي صلى الله عليه وسلم انتدب حذيفة بن اليمان رصي الله عنه بعد أن نادى في الناس أن يأتوه بخبر القوم، فلما لم يجبه أحد عين حذيفة رصي الله عنه"، ولم أر في المصادر التي وقفت عليها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً من أصحابه فاعتل.
(1/507)

مطلع القوم؟ "
فاعتل1 فتركه، وأتى آخر، فقال مثل ذلك، وحذيفة بن اليمان يسمع ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ذلك صامت لا يتكلم مما به من الضر والبلاء، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يدري من هو، فقال: "من هذا؟ " قال: أنا حذيفة بن اليمان، قال: "إياك أريد، أسمعت حديثي منذ الليلة ومسألتي الرجال لأبعثهم فيتخبرون لنا خبر القوم؟ "
قال حذيفة: والذي بعثك بالحق إنه لبأُذني، قال: "فما منعك أن تقوم حين سمعت كلامي؟ "
قال: الضر والجوع، فلما ذكر الجوع، ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "قم حفظك الله من أمامك ومن خلفك ومن فوقك ومن تحتك وعن يمينك وعن شمالك حتى ترجع إلينا،" فقام حذيفة مستبشراً بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه احتمل احتمالاً، فما شكا من جوع ولا خوف ولا درى شيئاً مما أصابه قبل ذلك من البلاء، فانطلق حتى أجاز الخندق من أعلاه، فجلس بين ظهري المشركين، فوجد أبا سفيان قد أمرهم أن يوقدوا
__________
1 اعتل: العلة بالكسر: المرض. القاموس 1338 (علل) .
(1/508)

النيران، وقال: ليعلم كل امرئ مَنْ جليسه، فقبض حذيفة على يد رجل عن يمينه، فقال: من أنت؟ قال: أنا فلان، وقبض يد رجل عن يساره قال: من أنت؟ قال: أنا فلان، وبَدَرَهُم بالمسألة خشية أن يفطنوا له، ثم إن أبا سفيان أذَّن بالرحيل، فارتحلوا وحملوا الأثقال، فانطلقت ووقفت الخيل ساعة من الليل، ثم انطلقت، وسمعت غطفان الصياح والإرصاء1 من قبل قريش، فبعثوا إليهم، فأتاهم الخبر برحيلهم فانقشعوا2 لا يلوون على شيء، وقد كان الله عزوجل قَبْلَ رحيلهم قد بعث عليهم بالريح3 بضع عشرة ليلة، حتى ما خلق الله لهم بيتاً يقوم، ولا رمحاً حتى ما كان في الأرض منزل أشد عليهم ولا أكره إليهم من منزلهم ذلك، فأقشعوا والريح أشد ما كانت معها جنود الله لا تُرى كما قال الله عزوجل4، ورجع حذيفة ببيان خبر القوم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي - وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج محمد بن مسلمة وأصحابه فقتلوا كعب بن الأشرف، فلم يزل قائماً يصلي حتى فرغوا منه وسمع التكبير، - ولما دنا
__________
1 لم يتبين لي معناها.
2 انقشعوا: تفرقوا. القاموس المحيط (قشع) .
3 إشارة لقوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا ... } الآية [الأحزاب آية رقم (9) ] .
4 قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} [الأحزاب آية رقم (9) ] .
(1/509)

حذيفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يدنو حتى ألصق ظهره برجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فثنا ثوبه حتى دفئ، ثم انصرف إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن القوم، فأخبره الخبر، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قد فتح الله عزوجل لهم وأقرّ أعينهم، فرجعوا إلى المدينة شديداً بلاؤهم مما لقوا من محاصرة العدوّ، وكانوا حاصروهم في شتاء شديد فرجعوا مجهودين فوضعوا السلاح1.
__________
1 وقد أخرج الواقدي في المغازي 2/486 من طريق معمر، عن الزهري مرسلاً نحوه.
(1/510)

المبحث الرابع: في هَمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقد الصلح بينه وبين غطفان وعدوله عن ذلك
81- قال ابن إسحاق1: فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري: إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري2، وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة3، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله أمراً تحبه فنصنعه أم شيئاً أمرك الله به لا بد لنا من العمل به أم شيئاً تصنعه لنا؟
قال: (بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت
__________
1 ابن هشام 2/ 223. والرواية حسنة إلى الزهري.
2 في رواية عبد الرزاق أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عيينة فقط. انظر: الرواية في التفسير، (1/ 83) وستأتي.
3 المراوضة: المجاذبة في البيع والشراء، وهو ما يجري بين المتبايعين من الزيادة والنقصان، وقيل هي المواصفة بالسلعة، وهو أن تصفها وتمدحها عنده. النهاية 2/ 276- 277.
(1/511)

العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم1 من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما،" فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قِرىً2 أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأنت وذاك". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا"3.
82- عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: لما كان يوم الأحزاب حصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة، حتى خلص إلى كل امرئ منهم الكرب، وحتى قال النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ابن المسيب: "اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد" 4.
فبينما هم على ذلك أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن بن بدر:
__________
1 كالبوكم: أي: اشتدوا عليكم. النهاية 4/ 195، والقاموس (كلب) .
2 قرى: الضيف - بالكسر والفتح والمدّ - القاموس، مادة (قرى) .
3 الجهد: - بالضمّ - الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة. النهاية 1/320، والمراد: أي ليجتهدوا وليبذلوا ما في وسعهم في تهديدنا، فلن نعطيهم شيئاً.
4 تقدم أن هذا الدعاء ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في بدر كما في البخاري وغيره. وقد تكرر منه صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء في أكثر من موضع.
(1/512)

"أرأيت إن جعلت لك ثلث ثمر الأنصار أترجع بمن معك من غطفان، وتخذل بين الأحزاب؟ " فأرسل إليه عيينة: إن جعلتَ لي الشطر فعلتُ1، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فقال: "إني أرسلت إلى عيينة، فعرضت عليه أن أجعل له ثلث ثمركم، ويرجع بمن معه من غطفان، ويخذل بين الأحزاب فأبى إلا الشطر"،
فقالا: يا رسول الله إن كنت أُمرتَ بشيء فامض لأمر الله.
قال: "لو كنت أُمرت بشيء ما استأمرتكما، ولكن هذا رأي أعرضه عليكما".
قالا: فإنا لا نرى أن تعطيهم إلا السيف.
قال ابن أبي نجيح: قالا: فوالله يا رسول الله، لقد كان يمرّ في الجاهلية يجرّ صرمه2 في عام السنة حول المدينة ما يطيق أن يدخلها، أفلآن حين جاء الله بالإسلام نعطيهم ذلك3؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فنعم إذاً"4.
__________
1 في رواية ابن إسحاق (ابن هشام 2/223) أن الصلح كان على الثلث فقط.
2 الصرمة: القطعة الخفيفة من الإبل. النهاية 3/ 62.
3 إلى هنا أخرجها أبو عبيد في الأموال رقم (445) عن الزهري مرسلاً، ومن طريق أبي عبيد أخرجها البلاذري في أنساب الأشراف 1/ 345.
4 تفسير عبد الرزاق 1/ 83، والمصنف 5/ 367 رقم (9737) وقد وردت هذه الرواية في المصنف دون ذكر معمر والزهري، فلعلهما سقطا والله أعلم. وهي رواية صحيحة إلى الزهري.
وانظر مغازي الواقدي 2/ 477، فقد ذكر هذه الرواية عن الزهري عن سعيد بن المسيب ولكن الواقدي متروك.
وقضية المفاوضة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين غطفان بشأن إعطائهم بعض ثمار المدينة ويرجعوا عنه، انظرها في كشف الأستار 1/ 331- 332، ومجمع الزوائد 6/ 132، بإسنادين كلاهما حسن، وانظر: مغازي الواقدي 2/ 477، والطبقات الكبرى لابن سعد 2/ 73 من طريق الزهري عن ابن المسيب مرسلاً، وابن أبي شيبة 14/ 420، وابن إسحاق كما مر، ودلائل البيهقي 3/ 398- 407.
(1/513)

المبحث الخامس: في شهداء المسلمين وقتلى المشركين يوم الخندق1.
1- أنس بن أوس بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم الأنصاري2.
2- أنس بن معاذ بن أوس بن عبد عمرو3.
3- ثعلبة بن عَنَمة - بفتح المهملة والنون - ابن عدي الخزرجي الأنصاري4.
__________
1 من جاء ذكره في هذه القائمة في معجم الطبراني فهو من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، والباقون ذكروا من دون إسناد أي تعليقاً عن الزهري.
2 الإصابة 1/68، عن الزهري.
3 المعجم الكبير 2/90 تحت رقم (770) ومجمع الزوائد 6/142، عن الزهري.
4 المعجم الكبير 2/90، تحت رقم (1403) ، عن الزهري.
وقد ذكر ابن إسحاق أنّ شهداء الخندق ستة نفر، الثلاثة الذين ذكرهم الزهري، وزاد عليهم: سعد بن معاذ، وعبد الله بن سهل، والطفيل بن النعمان. ابن هشام 2/252، من غير طريق الزهري.
(1/514)

وقد ذكر الزهري أن عدد قتلى المشركين في غزوة الخندق ثلاثة:
1- عمرو بن عبد ودّ العامريّ1.
2- نوفل بن عبد الله المخزومي2.
3- حسل بن عمرو بن عبد ودّ العامريّ3.
__________
1 المستدرك 3/32، عن الزهري.
2 السير، للفزاري 115، رقم (32) ، والمستدرك للحاكم 3/32، ودلائل النبوة للبيهقي 3/404، عن الزهري. وقال ابن هشام: أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده عشرة آلاف درهم، فيما بلغني عن الزهري (ابن هشام 2/253) .
3 ابن هشام 2/253، عن الزهري.
(1/515)

المبحث السادس: في غزوة بني قريظة
المطلب الأول: في تحديد خروجه إليهم
...
المبحث السادس: في غزوة بني قريظة1.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في تحديد خروجه إليهم.
83- قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر2 بن الحسن القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب3، قال: حدثنا محمد4 بن خالد بن خَليّ، قال: حدثنا بشر5 بن شعيب عن
__________
1 بنو قريظة هم: أبناء قريظة بن النمام بن الخزرج بن الصريح بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن جبر بن النمام بن عازر بن عيزر بن هارون بن عمران عليه السلام. وفاء الوفاء للسمهودي 1/ 161.
وقد سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة بثلاثة آلاف رجل وستة وثلاثين فرساً. انظر: ابن هشام 2/ 234، والطبقات الكبرى لابن سعد 2/ 74.
2 هو: الإمام العالم المحدث مسند خراسان، قاضي القضاة أبو بكر أحمد بن أبي علي الحسن بن الحافظ أبي عمرو أحمد بن محمد بن أحمد الحرشي الحيري، النيسابوري، الشافعي، قال السمعاني: هو ثقة في الحديث. السير 17/ 356.
3 تقدم في رواية رقم [20] .
4 هو محمد بن خالد بن خَليّ - بوزن علي - الكلاعي أبو الحسين الحمصي، صدوق من الحادية عشرة، س، التقريب 4762.
5 هو بشر بن شعيب بن أبي حمزة، دينار القرشي مولاهم، أبو القاسم الحمصي، ثقة من كبار العاشرة، قال ابن حبان: "قال البخاري: تركناه"، فأخطأ ابن حبان، وإنما قال البخاري: "تركناه حياً سنة اثنتي عشرة"، مات سنة ثلاث عشرة خ، س، التقريب 123.
(1/516)

أبيه1. قال: حدثنا الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عمه عبد الله بن كعب أخبره:
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من طلب الأحزاب وضع عنه الَّلأْمة، واغتسل واستجمر فتبدا له جبريل عليه السلام فقال: عَذِيرك من محارب، ألا أراك وضعت اللأمة، وما وضعناها بعد، قال: فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعاً، فعزم على الناس ألا يصلوا العصر حتى يأتوا بني قريظة، قال: فلبس الناس السلاح، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس فاختصم الناس عند غروب الشمس فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي بني قريظة، فإنما نحن في عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس علينا إثم، وصلى طائفة من الناس احتساباً، وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس، فصلوها حين جاءوا بني قريظة، فلم يُعَنِّفْ رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً منهم2.
__________
1 هو شعيب بن أبي حمزة الأموي، مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بشر الحمصي، ثقة عابد، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهري، من السابعة، مات سنة اثنتين وستين، أو بعدها، (ع) ، التقريب، 297.
2 دلائل النبوة للبيهقي 4/ 7 بسند حسن، وأخرجه الطبراني في الكبير 19/ 80 رقم (160) من طريق مرزوق بن أبي الهذيل عن الزهري به، ومن طريق مرزوق ابن أبي الهذيل أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة ص 247. وله شاهد عند البخاري في الصحيح من حديث عائشة وابن عمر مختصراً. انظر: البخاري مع الفتح رقم (4117 و4119) ، ومسلم برقم (1770) ، وأحمد 21/ 84 الفتح الرباني.
وأخرج ابن إسحاق نحوه من حديث الزهري مرسلاً (ابن هشام 2/ 233) وأبو عبيد في الأموال 164 رقم (463) عن الزهري مرسلاً، ومن طريقه أخرجه ابن زنجويه في الأموال 1/ 416 رقم (683) ، وأخرجه البيهقي في الدلائل (4/ 11- 19) مطولاً.
وأخرج نحوه أبو نعيم في الدلائل رقم (437 عن الزهري عن سعيد بن المسيب.
(1/517)

المطلب الثاني: في تخذيل نعيم بن مسعود الأحزاب
84- قال الزهري1 في حديثه عن ابن المسيب: فبينا هم كذلك إذ جاءهم نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمنه الفريقان، كان موادعاً لهما، فقال: إني كنت عند عيينة وأبي سفيان إذ جاءهم رسول بني قريظة: أن اثبتوا فإنا سنخالف المسلمين إلى بيضتهم2، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فلعلنا أمرناهم بذلك، وكان نعيم رجلاً لا يكتم الحديث، فقام بكلمة النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه عمر، فقال: يا رسول الله إن كان هذا الأمر من الله فامضه، وإن كان رأياً منك فإن شأن قريش وبني قريظة أهون من أن يكون لأحد عليك فيه مقال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليّ الرجل ردوه"، فردوه فقال: "انظر
__________
1 مصنف عبد الرزاق 5/368، رقم (9737) ، هذه الرواية علقها عبد الرزاق عن الزهري فهي ضعيفة، لكن يشهد لبعض ما جاء فيها ما أخرجه البخاري ومسلم كما سيأتي.
2 بيضتهم: أي مجتمعهم وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم، بيضة الدار: وسطها ومعظمها. النهاية 1/ 172.
(1/518)

الذي ذكرنا لك، فلا تذكره لأحد" فإنما أغراه، فانطلق حتى أتى عيينة وأبا سفيان، فقال: هل سمعتم من محمد يقول قولاً إلا كان حقاً؟
قالا: لا، قال: فإني لما ذكرت له شأن قريظة، قال: فلعلنا أمرناهم بذلك، قال: أبو سفيان: سنعلم ذلك إن كان مكراً، فأرسل إلى بني قريظة، أنكم قد أمرتمونا أن نكتب وأنكم ستخالفون المسلمين إلى بيضتهم فأعطونا بذلك رهينة، فقالوا: إنها دخلت ليلة السبت، وإنا لا نقضي في السبت شيئاً1، فقال أبو سفيان: إنكم في مكر من بني قريظة، فارتحلوا، وأرسل الله عليهم الريح وقذف في قلوبهم الرعب، فأطفأت نيرانهم وقطعت أرسان2 خيولهم، وانطلقوا منهزمين من غير قتال، قال: فذلك حين يقول: {وكفى اللهُ المؤمنين القِتَالَ وكانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيْزَاً} 3.
قال: فندب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في طلبهم، فطلبوهم حتى بلغوا حمراء
__________
1 السبت: الراحة والسكون، أو أصله من القطع ترك الأعمال، وسَبَتَتْ اليهود تسبت إذا أقاموا عمل يوم السبت، وقيل: سمي يوم السبت، لأن الله خلق العالم في ستة أيام آخرها يوم الجمعة، وانقطع العمل فسمي اليوم السابع يوم السبت. النهاية 2/ 331.
2 أرسان: جمع رَسَن وهو الحبل الذي يقاد به البعير وغيره، يقال: رسنت الدابة وأرسنتها، النهاية 2/ 224.
3 سورة الأحزاب، آية (25) .
(1/519)

الأسد، قال: فرجعوا، قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته1، واغتسل واستجمر2، فنادى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل: عذيرك3 من محارب، ألا أراك قد وضعت اللأمة؟ ولم نضعها نحن بعد، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فزعاً؛ فقال لأصحابه: "عزمت عليكم ألا تصلوا العصر4 حتى تأتوا بني قريظة"، فغربت الشمس قبل أن يأتوها، فقالت طائفة من المسلمين: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أن تدعوا الصلاة، فصلوا، وقالت طائفة: إنا لفي عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما علينا من بأس، فصلت طائفة إيماناً واحتساباً، وتركت طائفة إيماناً واحتساباً، قال: فلم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحداً من الفريقين5، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم
__________
1 تقدم التعريف بها في غزوة أحد.
2 استجمر: بالجمر، إذا تبخر بالعود. اللسان (جمر) . وانظر ما يشهد لذلك في صحيح البخاري مع الفتح 7/ 407.
3 عذيرك: هو فعيل. بمعنى فاعل: أي هات من يعذرك فيه. النهاية 3/ 197.
4 يشهد له ما رواه البخاري في صحيحه. الفتح 7/ 407 رقم (4119) ، ومسلم (1770) إلا أنه ذكر الظهر بدلاً من العصر، وقد نقل ابن حجر جمع بعض العلماء بين الروايتين أي الرواية التي تذكر العصر والأخرى التي تذكر الظهر، والتي ذكرها مسلم في صحيحه فقال: "وقد جمع بعض العلماء بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر، وبعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها لا يصلين أحد الظهر، ولمن صلاها، لا يصلين أحد العصر. الفتح 7/ 409.
5 يشهد له ما رواه البخاري ومسلم. انظر: البخاري مع الفتح 7/ 407- 408 رقم (4119) ومسلم رقم (1770) .
(1/520)

فمر بمجالس بينه1 وبين بني قريظة، فقال: "هل مر بكم من أحد؟ "
فقالوا: نعم، مر علينا دحية الكلبي2 على بغلة شهباء3 تحته قطيفة4 ديباج5، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس ذلك ولكنه جبريل، أُرسل إلى بني قريظة ليزلزل حصونهم ويقذف في قلوبهم الرعب"، فحاصرهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انتهى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يستروه بِحُجُفِهم6 ليقوه الحجارة حتى يسمع كلامهم، ففعلوا، فناداهم: "يا إخوة القردة والخنازير"، فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فاحشاً7، فدعاهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، فأبوا أن يجيبوه إلى الإسلام فقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، وأبوا
__________
1 هذه المجالس مجالس بني (غَنْم) . انظر: الرواية رقم [86] ص 408، وانظر: البخاري رقم (4118) .
2 هو: دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج الكلبي صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق، وقيل أحد، ولم يشهد بدراً، وكان يضرب به المثل في حسن الصورة، وكان جبريل عليه السلام ينزل على صورته، عاش إلى خلافة معاوية. الإصابة 1/ 473- 474.
3 شهباء: الشهب: بياض بصدغه سواد. القاموس، مادة (شهب) .
4 القطيفة: كساء له خَمْل ... ، القاموس، مادة (قطف) .
5 الديباج: الثياب المتخذة من الإبريسم. فارسي معرب. النهاية 2/ 97.
6 الحجف: التروس من جلود بلا خشب ولا عقب، واحدتها حجفة. القاموس، مادة (حجف) .
7 الفحش: القول القبيح. القاموس، مادة (فحش) .
(1/521)

أن ينزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم فنزلوا على داء1، فأقبلوا بهم وسعد ابن معاذ أسيراً2 على أتان3، حتى انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستأمراً ينتظره فيما يريد أن يحكم به فيجيب به رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريد أن يقول: انفر بما أنا حاكم وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بقول نعم، قال سعد: فإني أحكم بأن يقتل مقاتلتهم وتقسم أموالهم وتسبى ذراريهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أصاب الحكم"4، قال: وكان حيي بن أخطب استجاش5 المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء لبني قريظة، فاستفتح عليهم ليلاً فقال سيدهم6: إن هذا رجل مشؤوم فلا يشأمنكم حيي، فناداهم يا بني قريظة ألا تستجيبون؟ ألا تلحقوني؟ ألا تضيفوني؟ فإني جامع مغرور.
فقالت بنو قريظة: والله لنفتحن له فلم يزالوا حتى فتحوا له، فلما دخل عليهم أُطُمَهم7 قال: يا بني قريظة: جئتكم
__________
1 هكا في المطبوع من المصنف.
2 أسيراً: أي مُعْتَلاًّ. القاموس (أسر) .
3 الأتان: أنثى الحمير. النهاية 1/ 21.
4 يشهد له ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رصي الله عنه وفيه: ( ... فقال: تُقْتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، قال: قضيت بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك) . البخاري مع الفتح 7/ 411 رقم 4121، ومسلم رقم (1768) .
5 استجاش: أي طلب لهم الجيش وجمعه عليهم. لسان العرب (جيش) .
6 هو: كعب بن أسد. كما في رواية البيهقي الماضية. الدلائل 3/ 398- 407.
7 الأطم: بالضم؛ الأبنية المرتفعة كالحصون. النهاية 1/ 54.
(1/522)

في عز الدهر، جئتكم في عارض برد لا يقوم لسبيله شيء، فقال له سيدهم: أتعدنا عارضاً برداً؟ ينكشف عنا وتدعنا عند بحر دائم لا يفارقنا، إنما تعدنا الغرور، قال: فواثقهم وعاهدهم لئن انفضت جموع الأحزاب أن يجيء حتى يدخل معهم أطمهم، فأطاعوه بالغدر بالنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فلما فض الله جموع الأحزاب انطلق حتى إذا كان بالروحاء1 ذكر العهد والميثاق الذي أعطاهم، فرجع حتى دخل معهم فلما أقبلت بنو قريظة أتى به مكتوفاً بِقَدٍّ2، فقال حيي للنبي صلى الله عليه وسلم: أما والله ما لمتُ نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فضربت عنقه3.
__________
1 الروحاء: - بفتح الراء وسكون الواو والحاء المهملة -: اسم موضع من أعمال الفُرُع وتبعد عن المدينة (75) كيلاً. معجم المعالم الجغرافية 143 و164.
2 القد: قطعة من الجلد. اللسان 3/ 28، مادة (قدد) .
3 وانظر: تفسير عبد الرزاق 1/84، وابن هشام 2/ 241، ومغازي الواقدي 2/ 516.
(1/523)

المطلب الثالث: في أحداث غزوة بني قريظة إجمالاً
85- قال البيهقي1: أخبرنا أبو عبد الله2 الحافظ قال أخبرنا إسماعيل3 بن محمد بن الفضل قال: حدثنا جدي4 قال: حدثنا إبراهيم5 ابن المنذر قال: حدثنا محمد6 بن فليح عن موسى7 بن عقبة عن ابن شهاب (ح) وأخبرنا أبو الحسين8 بن الفضل القطان، واللفظ له قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب9 قال: حدثنا القاسم10 بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا أبو11 أويس قال: حدثنا إسماعيل12 بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألوه أن يحكم فيهم رجلاً، اختاروا من شئتم من أصحابي،
__________
1 دلائل البيهقي 4/ 19- 22.
2 ثقة، تقدم في الرواية رقم [1] .
3 ثقة، تقدم في الرواية رقم [1] .
4 ثقة، تقدم في الرواية رقم [1] .
5 صدوق، تقدم في الرواية رقم [1] .
6 صدوق، تقدم في الرواية رقم [1] .
7 ثقة، تقدم في الرواية رقم [1] .
8 ثقة، تقدم في الرواية رقم [7] .
9 ثقة، تقدم.
10 ثقة، تقدم في الرواية رقم [7] .
11 صدوق، تقدم في الرواية رقم [7] .
12 ثقة، تقدم في الرواية رقم [50] .
(1/524)

فاختاروا سعد بن معاذ فرضي بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأمر رسول الله بسلاحهم فجعل في قبته1، وأُمِر بهم فكُتِّفوا2، وأوثقوا، وجُعلوا في دار أسامة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ فأقبل على حمار أعرابي3، يزعمون أن وطأة برذعته4 من ليف5، واتَّبعه رجل من بني عبد الأشهل، فجعل يمشي معه ويعظِّم حق بني قريظة، ويذكر حلفهم، والذي أبلوه في يوم بعاث، ويقول: اختاروك على من سواك من قومك رجاء رحمتك وعطفك، وتحننك عليهم، فاستَبْقِهم، فإنهم لك جمال وعدد، قال: فأكثر ذلك الرجل ولا يرجع إليه سعد شيئاً حتى دنوا فقال الرجل: ألا ترجع إليّ فيما أكلمك فيه؟
قال سعد: قد آن لي أن لا تأخذني في الله لومة لائم، ففارقه الرجل فأتى قومه، فقالوا: ما وراءك، فأخبرهم أنه غير مستبقيهم، وأخبرهم بالذي كلمه به والذي رجع سعد إليه، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم،
__________
1 القبة من الخيام: بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب. النهاية 4/ 3.
2 المكتوف: هو الذي شدت يداه من خلفه. النهاية 4/ 150.
3 أعرابي: أي أَنَّ الحمار المذكور ليس ملكاً له، وإنما أسلفوه، وهو من العربان. النهاية 3/ 202، أو أن يكون معناه أنه منسوب إلى العرب. النهاية 3/ 203.
4 البرذعة: الحلس الذي يلقى تحت الرجل، والجمع: براذع، وخص بعضهم به الحمار، اللسان (برذع)
5 الليف: ليف النخل معروف، القطعة منه ليفة، وليفت الفسيلة غلظت. اللسان (ليف) .
(1/525)

وتسبى ذراريهم ونساؤهم وتقسم أموالهم1، فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعدٍ: "لقد حكمت فيهم بحكم الله عزوجل".
فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاتلتهم، وكانوا زعموا ستمائة2 مقاتل، قتلوا عند دار أبي جهل3 التي بالبلاط4، ولم تكن يومئذ بلاط، فزعموا أن دماءهم بلغت أحجار الزيت5 التي كانت بالسوق، وسبى نساءهم
__________
1 وقد أخرج البلاذري من طريق عبد الرزاق عن معمر قال: سألت الزهري، هل كانت لبني قريظة أرض؟
فقال: سديداً قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين على السهام، فتوح البلدان 35، ومعنى سديداً: أي عيوناً لأن السُدُد بالضم: العيون التي لا يبصر بها، كما في القاموس: (سدد)
2 ذكر ابن إسحاق بدون إسناد أن عدتهم ست مائة أو سبع مائة، ثم قال: والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمان مئة والتسع مائة، ابن هشام 2/ 241، وفي مسند أحمد من حديث أبي الزبير عن جابر: أن عدتهم كانوا أربعمائة، المسند 23/ 190 رقم [14773] أرناؤوط، وسنده حسن كما قال العمري في السيرة الصحيحة 1/ 316.
وقال الحافظ ابن حجر: وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل في طريق الجمع أن يقال إن الباقين كانوا أتباعاً، الفتح 7/ 414 رقم (4122) .
3 ذكر ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 240- 241) : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بهم إلى سوق المدينة فحفر لهم خنادق ثم ضرب أعناقهم في تلك الخنادق.
4 البلاط: ضرب من الحجارة تفرش به الأرض، وهو موضع معروف بالمدينة. النهاية 1/ 152.
5 أحجار الزيت: موضع بالمدينة قريب من الزوراء، وهو موضع صلاة الاستسقاء، معجم البلدان 1/ 109، وهذا المكان يقع اليوم في الجهة الغربية من المسجد النبوي الشريف قرب مسجد الغمامة الذي بناه العثمانيون. انظر: الدر الثمين 237.
(1/526)

وذراريهم وقسم أموالهم بين من حضر من المسلمين، وكانت جميع الخيل التي كانت للمسلمين ستاً وثلاثين1 فرساً، فقسم لها لكل فرس سهمين، وأخرج حيي بن أخطب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل أخزاك الله؟ "
قال له: لقد ظهرت عليّ، وما ألوم نفسي في جهادك والشدة عليك، فأمر به فضربت عنقه، وكل ذلك بعين سعد بن معاذ وكان عمرو ابن سعد اليهودي في الأسرى، فلما قدموا إليه ليقتلوه فقدوه، فقال: أين عمرو، قالوا: والله ما نراه، وإن هذه لرمته التي كان فيها فما ندري كيف انفلت، فقال رسول الله: "أفلتنا بما علم الله في نفسه"2.
وأقبل ثابت بن قيس بن شَمَّاس3 أخو بني الحارث بن الخزرج إلى
__________
1 وكذلك ذكر ابن سعد في الطبقات 3/ 74، وابن سيد الناس في عيون الأثر 2/ 104.
2 قصة نجاة عمرو بن سعد من القتل، ذكرها أبو عبيد في الأموال رقم (301) من طريق الليث بن سعد عن عُقيل عن ابن شهاب وفيها ... فقتل منهم يومئذ كذا وكذا رجلاً، إلا عمرو بن سعد - أو ابن سعدى - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه كان يأمر بالوفاء وينهى عن الغدر فلذلك نجا"، أما ابن إسحاق فقد ذكر هذه القصة بدون إسناد وفيها: أنه ذهب فلم يدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا. ابن هشام 2/ 238.
3 هو: ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، خطيب الأنصار. الإصابة 1/ 195.
(1/527)

رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هب لي الزبير1 وامرأته، فوهبهما، فرجع ثابت إلى الزبير فقال: يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني؟ وكان الزبير يومئذ كبير أعمى، قال: هل ينكر الرجل أخاه؟
قال ثابت: أردت أجزيك اليوم بتلك2، قال: افعل فإن الكريم يجزي الكريم، قال: قد فعلت، قد سألتك رسول الله فوهبك لي، فأطلق عنك الأسار، قال الزبير: ليس لي قائد وقد أخذتم امرأتي وبني، فرجع ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله ذرية الزبير وامرأته فوهبهما له فرجع ثابت إلى الزبير فقال: قد رد إليك الرسول صلى الله عليه وسلم امرأتك وبنيك.
قال الزبير: فحائط لي فيه أغدق3 ليس لي ولأهلي عيش إلا به، فرجع ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله حائط الزبير فوهبه له فرجع ثابت إلى الزبير فقال: قد رد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلك ومالك فأسلم تسلم،
__________
1 ذكر الزبير وقصته مع ثابت بن قيس، ذكرها ابن إسحاق عن الزهري مرسلاً، (ابن هشام 2/ 242) ، ومن طريق ابن إسحاق أخرجها الطبري في التاريخ 2/ 589، وأخرج هذه الرواية أيضاً أبو عبيد في الأموال ص 111 رقم (301) ومن طريقه أخرجها ابن زنجويه في كتابه الأموال 1/ 299 رقم (461) .
2 قال ابن إسحاق: وقد كان ثابت بن قيس بن شماس كما ذكر لي ابن شهاب الزهري أتى الزبير بن باطا القرظي، وكان يكنى أبا عبد الرحمن، وكان الزبير قد منَّ على ثابت في الجاهلية في يوم بعاث فأخذه وجز ناصيته ثم خلَّى سبيله، ابن هشام 2/ 243، فأراد ثابت رصي الله عنه رد تلك الصنيعة للزبير.
3 الغدق: محركة: الماء الكثير. القاموس 1180 مادة (غدق) .
(1/528)

قال: ما فعل المجلسان؟ فذكر رجالاً من قومه بأسمائهم، فقال ثابت: قد قتلوا وفرغ منهم، ولعل الله أن يهديك وأن يكون أبقاك لخير. قال الزبير: أسألك بالله وبيدي عندك إلا ما ألحقتني بهم فما في العيش خير بعدهم.
فذكر ذلك ثابت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بالزبير فقتل، فلما قضى الله عزوجل قضاءه من بني قريظة ورفع الله عن المؤمنين بلاء تلك المواطن نزل القرآن يعرف الله فيه المؤمنين نعمة الله تبارك وتعالى التي أنعم عليهم بها حين أرسل على عدوهم الريح وجنوداً لم تروها على الجنود التي جاءتهم من فوقهم ومن أسفل منهم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ويظنون بالله الظنونا حين نزل البلاء والشدة بأحاديث المنافقين، فإنه قالت طائفة منهم: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً، ووقعت طائفة منهم يفرقون عن نصر الله ورسوله ويدعون إخوانهم ويأمرون بترك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وذكر حدة ألسنتهم وضعفهم عن البأس، ثم ذكر المسلمين وتصديقهم عند البلاء، وذكر أن {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيْلاً،} 1 ثم ذكر أنه ردّ {رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} 2، ثم ذكر بني قريظة ومظاهرتهم عدو
__________
1 سورة الأحزاب آية (23) .
2 سورة الأحزاب آية (25) .
(1/529)

الله ورسوله فقال: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} 1 وما سلّط المسلمون عليهم من قتلهم وسبائهم وما أورثهم من أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديراً، وأنزل في القرآن قرآناً إذا قرأته عرفته تسعاً وعشرين آية فاتحتها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} 2.
86 - قال البيهقي3: أخبرنا أبو عبد الله4 الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل قال: حدثنا جدي قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب (ح) وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان واللفظ له، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة عن الزهري قال:
__________
1 جزء من آية (26) من الأحزاب. والصياصي: الحصون. انظر: تفسير الطبري 21/ 95. وتفسير ابن كثير 3/ 478.
2 الأحزاب آية (9) .
3 دلائل النبوة 4/ 11- 14. والرواية حسنة إلى الزهري لكنها مرسلة.
4 سبق التعريف برجال إسناد هذه الرواية في الرواية المتقدمة رقم [86] .
(1/530)

فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون في المغتسل يرجل1 رأسه قد رجَّل أحد شقيه، أتاه جبريل عليه السلام على فرس عليه لأمته، حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له جبريل: غفر الله لك، أقد وضعت السلاح؟
قال: نعم، قال جبريل: لكن نحن لم نضعه منذ نزل بك العدو، وما زلت في طلبهم، فقد هزمهم الله، ويقولون: إن على وجه جبريل عليه السلام لأثر الغبار، فقال له جبريل: إن الله قد أمرك بقتال بني قريظة، وأنا عامد لهم بمن معي من الملائكة صلوات الله عليهم لأزلزل بهم الحصون، فاخرج بالناس، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثر جبريل فمر على مجلس بني غنم وهم ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم: مر عليكم فارس الآن؟ فقالوا: مر علينا دحية الكلبي على فرس أبيض، تحته نمط2 أو قطيفة3 من ديباج4 عليه اللأمة، فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ذاك جبريل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشبه دحية الكلبي بجبريل عليه السلام، فقال: الحقوني - يعني قريظة -، فصلوا فيهم العصر، فقام ومن شاء الله عزوجل منهم فانطلقوا إلى بني قريظة، فحانت العصر وهم في الطريق، فذكروا
__________
1 الترجل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه. النهاية 2/ 203.
2 نمط: ضرب من السبط له خمل رقيق، واحدها: نمط. النهاية 5/ 119.
3 القطيفة: كساء له خمل. النهاية 4/ 84.
4 تقدم شرحها.
(1/531)

الصلاة، فقال بعضهم لبعض: ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمركم أن تصلوا العصر في بني قريظة، وقال آخرون: هي الصلاة، فصلى منهم قوم، وأخرت طائفة منهم الصلاة، حتى صلوها ببني قريظة بعد أن غابت الشمس، فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من عجّل منهم الصلاة ومن أخّرها، فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعنّف أحداً من الطائفتين، قال: ولما رأى عليّ بن أبي طالب رصي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً تلقاه، وقال: ارجع يا رسول الله، فإن الله كافيك اليهود، وكان عليّ سمع منهم قولاً سيئاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه، فكره علي أن يسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لِمَ تأمرني بالرجوع؟!
فكتمه ما سمع. فقال: أظنك سمعت بي منهم أذى؟ فامض، فإن أعداء الله لو رأوني لم يقولوا شيئاً مما سمعت.
فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصنهم وكانوا أعلاه، نادى بأعلى صوته نفراً من أشرافها حتى أسمعهم فقال: أجيبونا يا معشر يهود، يا إخوة القردة، قد نزل بكم خزي الله.
فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة، وردّ الله عزوجل حيي بن أخطب الحصار، فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر، وكانوا حلفاء للأنصار، فقال أبو لبابة: لا آتيهم حتى يأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أذنت لك. فأتاهم أبو لبابة، فبكوا إليه وقالوا: يا أبا لبابة، ماذا ترى؟ وما تأمرنا؟ فإنه لا طاقة لنا بالقتال.
(1/532)

فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه، وأمَرَّ عليه أصابعه يريهم، إنما يراد بكم القتل. فلما انصرف أبو لبابة سقط في يده، ورأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة، فقال: والله لا أنظر في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أُحدث لله عزوجل توبةً نصوحاً يعلمها الله عزوجل من نفسي. فرجع إلى المدينة، فربط يديه إلى جذعٍ من جذوع المسجد، فزعموا أنه ارتبط قريباً من عشرين ليلةً1.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر حين راث2 عليه أبو لبابة: أما فرغ أبو لبابة من حلفائه؟ قالوا: يا رسول الله قد والله انصرف من عند الحصن، وما ندري أين سلك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد حدث لأبي لبابة أمرٌ، ما كان عليه؟
فأقبل رجلٌ من عند المسجد فقال: يا رسول الله، قد رأيت أبا لبابة ارتبط بحبل إلى جذع من جذوع المسجد.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أصابته بعدي فتنة، ولو جاءني لاستغفرت له، فإذا فعل هذا فلن أحركه من مكانه حتى يقضي الله فيه ما يشاء.
__________
1 قد ربط أبو لبابة نفسه مرة أخرى بعد غزوة تبوك عندما تخلف عنها وكانت في ليال شديدة الحرارة كما أخرج البيهقي في الدلائل من طريق شعيب عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وذكر حديث أبي لبابة بن عبد المنذر وفيه: (ففزع أبو لبابة فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم سبعاً بين يوم وليلة في حر شديد ... ) . دلائل النبوة للبيهقي 5/ 270.
وذكر ابن هشام بدون إسناد (2/ 238) أنه مكث مرتبطاً بالجذع ست ليال.
2 راث: أي أبطأ. القاموس المحيط 218.
(1/533)

87- قال البيهقي1: ثنا أبو سعيد محمد2 بن موسى بن الفضل، قال: حدثنا أبو محمد أحمد3 بن عبد الله المزني قال: أخبرنا علي4 بن محمد بن عيسى، حدثنا أبو اليمان5 قال: أخبرني شعيب عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب أن بني قريظة كانوا حلفاء لأبي لبابة، فاطلعوا إليه وهو يدعوهم إلى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا لبابة: أتأمرنا أن ننزل؟ فأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح. فأخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال له: لم تر عيني.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحسبت أن الله غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك، فلبث حيناً ورسول الله صلى الله عليه وسلم عاتب عليه، ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوكاً وهي غزوة العسرة، فتخلف عنه أبو لبابة فيمن تخلف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها جاءه أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم سبعاً6 بين يومٍ وليلة في حرٍّ شديد، لا يأكل فيهن ولا يشرب قطرةً، وقال: لا يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا أو يتوب
__________
1 دلائل النبوة 5/ 270.
2 ثقة، تقدم في الرواية رقم [4] .
3 تقدم في الرواية رقم [4] .
4 تقدم في الرواية رقم [4] .
5 ثقة، تقدم في الرواية رقم [4] .
6 وانظر: نفسير الطبري 9/ 146 في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ... } الآية.
(1/534)

الله عليّ، فلم يزل كذلك حتى ما يسمع الصوت من الجهد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه بكرة وعشية، ثم تاب الله تعالى عليه، فنودي أن الله تعالى قد تاب عليك، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق عنه بيده1، فقال أبو لبابة حين أفاق: يا رسول الله، إني أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأنتقل إليك فأساكنك، وإني أختلع2 من مالي صدقة إلى الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.
فقال صلى الله عليه وسلم: "يجزئ عنك الثلث". فهجر أبو لبابة دار قومه، وساكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصدق بثلث ماله، ثم تاب فلم ير منه بعد ذلك في الإسلام إلا خيراً حتى فارق الدنيا3.
__________
1 أخرج نحو هذه الرواية الواقدي في المغازي 2/ 508 من طريق الزهري مرسلاً.
2 أختلع: أي أخرج. النهاية 2/ 65.
3 وقد أخرج هذه الرواية الواقدي في المغازي 2/ 509 و2/ 508، 509، وانظر: تفسير ابن جرير الطبري 9/ 146، فقد أخرج من طريق معمر عن الزهري هذه الرواية مختصرة. وانظر تفسير ابن كثير 2/ 30.
وقد أخرج ابن جرير الطبري رواية البيهقي من طريق معمر، عن الزهري، إلا أنه ذكر فيها أن سبب ربط أبي لبابة وتوبته إنما كانت بسبب تخلفه عن غزوة تبوك، ولم تذكر الرواية شيئاً عن بني قريظة. انظر: تفسير الطبري 5/ 11 ط شاكر.
وهذه الرواية التي أخرجها البيهقي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أقوى من رواية ابن جرير الطبري التي أخرجها عن الزهري، لأن مراسيل سعيد أقوى من مراسيل الزهري.
ويمكن الجمع بين الروايتين: بأن تخلفه عن غزوة تبوك ضاعف من ذنبه، فأدى به ذلك إلى المبادرة بالتوبة النصوح من الذنبين معاً. والله أعلم.
(1/535)

المبحث السابع: في غزوة بني لحيان
88- وأخرج الواقدي1 عن جمع من الرواة ومنهم الزهري قالوا: وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاصم بن ثابت وأصحابه وجداً2 شديداً فخرج في مائتي رجل ومعهم عشرون فرساً في أصحابه فنزل بمضرب القبة من ناحية الجرف، فعسكر في أول نهاره وهو يظهر أنه يريد الشام، ثم راح مبرداً فمر على غرابات3 ثم على بَيْن4 حتى خرج على صخِرات الثمام5، فلقي الطريق هناك، ثم أسرع حتى انتهى إلى بطن غُران6 حيث كان مصابهم، فترحم عليهم وقال: هنيئاً لكم الشهادة،
__________
1 مغازي الواقدي 2/ 535- 537.
2 وعند ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 279) : (أنه خرج إلى لحيان يطلب بأصحاب الرجيع ... ) .
3 غراب: جبل أسود غرب المدينة يمر به طريق الشام الرئيسي يسمى اليوم (حَبَشي) لأن لونه أسود بصفار كلون الحبش، يبعد حبشي سبعة أكيال عن المدينة. معجم المعالم الجغرافية 223.
4 بَيْن: هي أرض على الضفة اليسرى لوادي مَلَلْ على (45) كيلاً من المدينة جنوباً يمين طريق السيارات اليوم. معجم المعالم الجغرافية 224.
5 هكذا عند الواقدي (صخيرات الثمام) وعند ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 279) صخيرات اليمامة. وقد كانت محطة على طريق مكة من المدينة على قرابة (50) كيلاً من المدينة، وقبل السيالة بثلاثة أكيال فقط. معجم المعالم الجغرافية 224.
6 غُران: على وزن غراب. وادٍ فحل بين أَمَج وعسفان، وأمج يعرف اليوم بخليص وعسفان يبعد (80) كيلاً من مكة. معجم المعالم الجغرافية 224 و208.
(1/536)

فسمعت به لحيان فهربوا رؤوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يوماً أو يومين وبعث السرايا في كل ناحية، فلم يقدروا على أحد، ثم خرج حتى أتى عسفان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: (إن قريشاً قد بلغهم مسيري وأني قد وردت عسفان وهم يهابون أن آتيهم، فاخرج في عشرة1 فوارس) ، فخرج أبو بكر فيهم حتى أتوا الغميم2، ثم رجع أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلق أحداً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا يبلغ قريشاً فيذعرهم، ويخافون أن نكون نريدهم"، وخبيب بن عدي يومئذ في أيديهم، فبلغ قريشاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ الغميم، فقالت قريش: ما أتى محمد الغميم إلا يريد أن يخلص خبيباً، وكان خبيب وصاحباه في حديد موثقين، فجعلوا في رقابهم الجوامع وقالوا: قد بلغ محمد ضَجنان3 يريدكم، فقال خبيب: وهَل؟ قالت: نعم، قال خبيب: يفعل الله ما يشاء، قالت: والله ما ينتظرون بك إلا أن يخرج الشهر الحرام ويخرجوك فيقتلوك،
__________
1 عند ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 280) : ثم بعث فارسين.
2 الغميم: قال البلادي (معجم المعالم الجغرافية 263) : "قلت: هي نعف من حرة ضجنان، تقع جنوب عسفان بستة عشر كيلاً، على الجادة إلى مكة"، أي على (64) كيلاً من مكة على طريق المدينة، وتعرف اليوم ببرقاء الغميم، ذلك أنها برقاء في تكوينها.
3 ضجنان: هي حرة شمال مكة، يمر الطريق بنصفها الغربي على مسافة (54) كيلاً على طريق المدينة تعرف اليوم بحرة المحسنية. معجم المعالم الجغرافية 183.
(1/537)

ويقولون: أترى محمداً غزانا في الشهر الحرام ونحن لا نستحل أن نقتل صاحبه في الشهر الحرام؟ وكان مأسوراً عندهم، وخافوا أن يدخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو يقول:" آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة على الأهل، اللهم أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال، اللهم بلِّغنا بلاغاً صالحاً يبلغ إلى خير، مغفرة منه ورضواناً"1 وغاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المدينة أربع عشرة ليلة، وكان استخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وكانت سنة ست في المحرم2. وهذا
__________
1 لم أعثر على هذا النص في كتب الحديث، ولكن قد ثبت عند البخاري حديث رقم (2295) ومسلم حديث رقم (1344) من حديث ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قفل من غزو أو حج يكبر على كل شرف ثلاث تكبيرات ويقول: " ... آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده".
وأخرج ابن حبان في صحيحه حديث رقم (2712) من حديث البراء: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من سفر قال: (آيبون تائبون لربنا حامدون".
وأخرج أحمد 4/ 156 رقم [2311] أرناؤوط وابن أبي شيبة (10/ 358- 359 و12/ 517) ، والبيهقي في السنن 5/ 250 من حديث ابن عباس وفيه: ... "فإذا أراد الرجوع قال: آيبون تائبون عابدون لربنا ساجدون، فإذا دخل بيته قال: توباً توباً لربنا أوباً لا يغادر علينا حوباً".
2 وعند ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 279) خرج في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من فتح قريظة، وعند ابن سعد في الطبقات (2/ 78) بدون إسناد: أنها كانت في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجره.
(1/538)

أول ما قال هذا الدعاء ذكره أصحابنا كلهم1.
__________
1 وهذه الرواية ضعيفة لورودها من طريق الواقدي. وقد أخرج هذه الرواية ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 279- 280) بسند مرسل، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وأخرجها ابن سعد 2/ 79 عن ابن إسحاق، وقد صرح ابن إسحاق عنده بالتحديث، لكن لم يذكر ابن سعد في سنده (عبد الله بن كعب) .
(1/539)

المبحث الثامن: في سرية زيد بن حارثة إلى بني سُليم بالجَمُوم
89- ذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: وبعث1 رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في غزوة الجموم2، فأصاب زيد نعماً وشاءً وأسر جماعة من المشركين3.
__________
1 كان هذا البعث في ربيع الآخر سنة ست، ابن سعد، الطبقات الكبرى 2/ 86، بدون إسناد، ودلائل البيهقي 4/ 84.
2 هو - بفتح الجيم وميمين بينهما واو -، وهو ماء وقيل: أرض لبني سُليم. انظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان 2/ 163، ومعجم المعالم الجغرافية للبلادي 85. قلت الجموم: يبعد عن مكة من جهة الشمال قرابة (30) كيلاً وهي منطقة واسعة جداً.
3 عيون الأثر لابن سيد الناس 2/ 151، وذكرها البيهقي في الدلائل 5/ 463- 464، ضمن المغازي والسير التي رواها عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، حيث أخرج من طريق محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قالوا: هذه مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قاتل فيها ... وذكر منها بعث زيد إلى بني سُليم، فقال: " ... وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة أربع مرار، مرة نحو بني قرد من هذيل، ومرة نحو حذام من نحو الوادي، ومرة نحو مؤتة، وغزوة الجموم من بني سُليم ... ".
وذكره ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 612) مختصرة جداً بدون إسناد.
(1/540)

المبحث التاسع: في سرية زيد بن حارثة إلى بني فزارة لقتل أم قِرْفة
90- أخرج أبو نعيم من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأة من بني فزارة يقال لها: أم قرفة1، قد جهزت ثلاثين راكباً من ولدها وولد ولدها قالت: اقدموا المدينة فاقتلوا محمداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اثكلها بولدها، وبعث2 إليهم زيد بن حارثة، فالتقوا بالوادي3، وقُتل أصحابُ زيد فارتث4 جريحاً، وقدم المدينة فعاهد أن لا يمس ماءً حتى يرجع إليهم، فبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً، فالتقوا، فَقَتَل بني فزارة، وقتل ولد أم قرفة، وقتل أم قرفة، وبعث بدرعها5 إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصبه بين رمحين، وأقبل زيد حتى قدم المدينة، قالت عائشة رضي الله عنها: ورسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة في بيتي، فقرع الباب: فخرج إليه يجر ثوبه حتى
__________
1 أم قرفة: اسمها فاطمة بنت ربيعة بن بدر، انظر: الواقدي في المغازي 2/ 564، وابن سعد في الطبقات الكبرى 2/ 90.
2 كان هذا البعث في شهر رمضان سنة ست. الطبقات الكبرى 2/ 90.
3 أي: بوادي القرى، ابن هشام 2/ 617، والطبقات الكبرى 2/ 90.
4 ارتث: الارتثاث أن يحمل الجريح من المعركة وهو ضعيف قد أثخنته الجراح. النهاية 2/ 95.
5 درع المرأة: قميصها. النهاية 2/ 114.
(1/541)

اعتنقه وقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم) 1.
91- وقال الواقدي: فحدثني محمد، عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، قالت: وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فأتى زيد فقرع الباب، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر ثوبه عرياناً2، ما رأيته عرياناً قبله حتى اعتنقه وقبله، ثم سأله فأخبره بما ظفره الله3.
__________
1 دلائل النبوة رقم (426) وهي رواية ضعيفة لعنعنة ابن إسحاق.
وقد ذكر هذه الرواية الذهبي في سير أعلام النبلاء 1/ 226- 227. عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وفيها عنعنة ابن إسحاق، وذكرها ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 617) بدون إسناد وبألفاظ مغايرة قليلاً وفيها زيادات يسيرة، وكذلك ذكرها ابن سعد في الطبقات، 2/ 90.
2 وقولها: عرياناً، أي عاري الصدر والظهر، بدليل قول عائشة رضي الله عنها في حديث آخر: (ما رأيت منه ولا رأى مني) .
3 مغازي الواقدي 2/ 565 و3/ 1126. والواقدي متروك.
(1/542)

المبحث العاشر: في سرية عبد الله بن رواحة إلى اليُسير بن رزام اليهودي بخيبر
92- أخرج البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: بعث1 رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكباً فيهم عبد الله بن أنيس السلمي إلى اليسير بن رزام اليهودي2، فأتوه بخيبر، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجمع غطفان ليغزوه بهم، فأتوه فقالوا: أرسلنا إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعملك على خيبر، فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلاً مع كل رجل منهم رديف من المسلمين، فلما بلغوا قَرقَرة ثبار3، وهي من خيبر على ستة أميال ندم اليسير4، فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن أنيس ففطن له عبد الله فزجر بعيره، ثم اقتحم يسوق بالقوم حتى إذا استمكن من اليسير ضرب رجله فقطعها، واقتحم اليسير
__________
1 كان ذلك البعث في شوال سنة ست، انظر: مغازي الواقدي (2/ 566) ، والطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 2/ 92) .
2 وقيل: اسمه: أسير بن رزام بالزاي، انظر: مغازي الواقدي (2/ 566) ، والطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 92) ، قال ابن هشام: ويقال ابن رازام (السيرة 2/ 618) .
3 قرقرة ثبار: بالفتح وتكرير القاف والراء، معجم البلدان (4/ 326) وهو: قاع جنوب خيبر بين الحرة والصهباء المعروفة اليوم باسم (جبل عطوة) وهو على (6) أكيال من خيبر يقسمه الطريق إلى المدينة. معجم المعالم الجغرافية 253.
4 في المطبوع من الدلائل: البشير بالشين المعجمة، والصواب ما أثبته.
(1/543)

وفي يده مِخْرَش1 من شَوْحَط2 فضرب به وجه عبد الله شجة مأمومة3، كل4 رجل من المسلمين على رديفه فقتله غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شداً، ولم يصب من المسلمين أحد وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبصق في شجة عبد الله بن أنيس فلم تقح ولم تؤذه حتى مات. لفظ حديث موسى بن عقبة5.
__________
1 المِخرش والخراش: عصا معوجة الرأس كالصولجان. النهاية (2/ 22) .
2 الشوحط: شجر تتخذ منه القسي. القاموس (شحط) .
3 هي الشجة التي تبلغ أم الرأس، وهي الجلدة التي تجمع الدماغ. النهاية (1/ 68) .
4 هكذا في المطبوع من دلائل النبوة للبيهقي (4/ 294) ، ويظهر أن في الكلام سقطاً، ولعله "ومال كل رجل"؛ لأن ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 612- 619) ذكر في روايته: "..ومال كل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صاحبه من يهود، فقتله..".
5 دلائل النبوة (4/ 294) وهو حديث مرسل.
وقد أخرج هذه الرواية ابن إسحاق بدون إسناد (السيرة النبوية 2/ 618)
والواقدي من طريق أبي الأسود عن عروة، المغازي (2/ 566) وابن سعد في الطبقات (2/ 92) بدون إسناد، وأبي نعيم في الدلائل (2/ 516- 517) رقم (444) من طريق أبي الأسود عن عروة.
(1/544)

المجلد الثاني
الباب الثالث:من غزوة الحديبية إلى غزوة تبوك
الفصل الأول: غزوة الحديبية
المبحث الأول: في سبب الغزوة
...
__________
وذكر ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة عن أبيه أنها كانت في شهر شوال: مصنف ابن أبي شيبة 14/429.
وذكر أيضاً يعقوب بن سفيان من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية في رمضان وكانت الحديبية في شوال. المعرفة والتاريخ 3/258، قال ابن القيم عقب ذكره لهذه الرواية: وهذا وهم، وإنما كانت غزاة الفتح في رمضان. زاد المعاد 3/287.
وذكرها ابن كثير، وقال معقباً عليها: وهذا غريب جداً عن عروة. البداية 4/164.
وقال الحافظ ابن حجر: "جاء عن هشام بن عروة عن أبيه أنه خرج في رمضان واعتمر في شوال، وشذّ بذلك". فتح الباري 7/440، والصواب أنها كانت في شهر ذي القعدة كما في صحيح البخاري رقم (1781) و (1844) و (2699) و (4251) وصحيح مسلم بشرح النووي 8/234-235، وأحمد في المسند 30/594 رقم [18635] أرناؤوط.
وقد كانت في السنة السادسة. انظر: ابن هشام 2/308، ومغازي الواقدي 1/383، والطبقات الكبرى لابن سعد 2/95، وتاريخ الطبري 2م620، والبداية والنهاية 4/164، وقال البيهقي بعد ذكره لتاريخ الغزوة بأنها كانت سنة ست في ذي القعدة: قلت: هذا هو الصحيح، وإليه ذهب الزهري وقتادة، وموسى ابن عقبة، ومحمد بن إسحاق بن يسار وغيرهم، واختلف فيه على عروة بن الزبير. دلائل البيهقي 4/91، ونقل كلام البيهقي ابن القيم في الزاد 3/286. وانظر: البيهقي 4/92 فقد ذكر رواية أبي الأسود عن عروة أنها في ذي القعدة سنة ست، وبذلك يكون عروة في رواية أبي الأسود عنه موافقاً للجمهور.
وقال الإمام النووي: "وقد أجمع المسلمون أن الحديبية كانت سنة ست من الهجرة في ذي القعدة" التهذيب 7/78، وقال ابن كثير: "وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف". البداية والنهاية 4/164.
وقال الحافظ ابن حجر: "كانت الحديبية سنة ست بلا خلاف". التلخيص الحبير 4/90.
وقد خالف هذ االإجماع ابن الديبع فذكر أنها كانت في السنة الخامسة، حدائق الأنوار 2/609
(2/254)

الفصل الأول:
المبحث الأول: في سبب الغزوة
93- قال ابن إسحاق1: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن مسور2 بن مخرمة ومروان بن الحكم3 أنهما حدثاه، قالا: خرج4 رسول الله صلى الله عليه وسلم عام
__________
1 السيرة النبوية (ابن هشام 2/308-309) وسنده حسن.
2 مسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري، أبو عبد الرحمن، له ولأبيه صحبة، توفي سنة أربع وستين، الإصابة 3/419-420.
3 هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو عبد الملك الأموي المدني، ولي الخلافة في آخر سنة 64 هـ- ومات سنة خمس في رمضان، وله ثلاث - أو إحدى وستون - سنة، لا تثبت له صحبة، من الثانية، خ، التقريب 525.
4 كان خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية يوم الإثنين، ذكر ذلك الواقدي، المغازي 2/573، وابن سعد في الطبقات الكبرى 2/95، وابن سيد الناس في عيون الأثر 2/160، نقلاً عن ابن سعد، والقسطلاني، في المواهب اللدنية 2/179، وقال العيني: "وكان خروجه صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين لهلال ذي القعدة سنة ست بلا خلاف" عمدة القارئ 14/6.
وذكر ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة عن أبيه أنها كانت في شهر شوال: مصنف ابن أبي شيبة 14/429.
وذكر أيضاً يعقوب بن سفيان من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية في رمضان وكانت الحديبية في شوال. المعرفة والتاريخ 3/258، قال ابن القيم عقب ذكره لهذه الرواية: وهذا وهم، وإنما كانت غزاة الفتح في رمضان. زاد المعاد 3/287.
وذكرها ابن كثير، وقال معقباً عليها: وهذا غريب جداً عن عروة. البداية 4/164.
وقال الحافظ ابن حجر: "جاء عن هشام بن عروة عن أبيه أنه خرج في رمضان واعتمر في شوال، وشذّ بذلك". فتح الباري 7/440، والصواب أنها كانت في شهر ذي القعدة كما في صحيح البخاري رقم (1781) و (1844) و (2699) و (4251) وصحيح مسلم بشرح النووي 8/234-235، وأحمد في المسند 30/594 رقم [18635] أرناؤوط.
وقد كانت في السنة السادسة. انظر: ابن هشام 2/308، ومغازي الواقدي 1/383، والطبقات الكبرى لابن سعد 2/95، وتاريخ الطبري 2م620، والبداية والنهاية 4/164، وقال البيهقي بعد ذكره لتاريخ الغزوة بأنها كانت سنة ست في ذي القعدة: قلت: هذا هو الصحيح، وإليه ذهب الزهري وقتادة، وموسى ابن عقبة، ومحمد بن إسحاق بن يسار وغيرهم، واختلف فيه على عروة بن الزبير. دلائل البيهقي 4/91، ونقل كلام البيهقي ابن القيم في الزاد 3/286. وانظر: البيهقي 4/92 فقد ذكر رواية أبي الأسود عن عروة أنها في ذي القعدة سنة ست، وبذلك يكون عروة في رواية أبي الأسود عنه موافقاً للجمهور.
وقال الإمام النووي: "وقد أجمع المسلمون أن الحديبية كانت سنة ست من الهجرة في ذي القعدة" التهذيب 7/78، وقال ابن كثير: "وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف". البداية والنهاية 4/164.
وقال الحافظ ابن حجر: "كانت الحديبية سنة ست بلا خلاف". التلخيص الحبير 4/90.
وقد خالف هذ االإجماع ابن الديبع فذكر أنها كانت في السنة الخامسة، حدائق الأنوار 2/609.
(2/353)

الحديبية1 يريد زيارة البيت2، لا يريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبع مائة رجل3، فكانت كل بدنةٍ عن عشرة نفر،
__________
1 تقع الحديبية الآن غرب مكة على بعد (22) كيلاً على الطريق إلى جدة، وقد تغير اسمها إلى الشميسي، معجم المعالم الجغرافية للبلادي 94، ونسب حرب له 350، والمعالم الأثيرة لمحمد شرّاب 97، وهي بالتخفيف والتثقيل لغتان، كما قال ابن حجر في الفتح 7/439.
وهي بئر سمي المكان بها، وقيل شجرة حدباء صغرت وسمي المكان بها. الفتح 5/334.
2 يشهد له ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (1778) فقد ذكر أنه خرج معتمراً, هذا هو السبب الذي خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من أجله.
وذكر بعضهم أن سبب خروج النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا رآها أنه دخل البيت هو وأصحابه واستبشروا. انظر: مغازي الواقدي 2/572،وتاريخ اليعقوبي 2/54، وإمتاع الأسماع للمقريزي 1/274، وشرح المواهب اللدنية 2/179.
3 قال الحافط ابن حجر: "وأما قول ابن إسحاق من أنهم كانوا سبعمائة فلم يوافق عليه لأنه كان استنباطاً من قول جابر: "فنحرنا البدن عن عشرة", وكانوا نحروا سبعين بدنة، وهذا لا يدلّ على أنهم لم ينحروا غير البدن مع أن بعضهم لم يكن محرماً أصلاً) . فتح الباري 7/440.
وقال ابن حزم: "وقد قال بعضهم: كانوا سبعمائة وهذا وهم شديد ألبتة". جوامع السيرة 207.
وقال ابن القيم: "وغلط غلطاً بيِّناً من قال: كانوا سبعمائة". زاد المعاد 3/288.
(2/355)

وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني1 يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة2.
__________
1 قوله وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني، القائل هو ابن إسحاق بدليل قوله فيما بعد: قال الزهري.
2 سيأتي التحقيق في ذلك قريباً إن شاء الله في الرواية رقم [96]
(2/356)

المبحث الثاني: في أحداث الغزوة إجمالاً
94- أخرج البخاري1 من طريق معمر، قال: أخبرني الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان - يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه - قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، حتى كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش2، فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية3 التي يُهبط عليهم منها بركت به راحلتُه، فقال الناس: حَلْ حَلْ4، فألحت.
__________
1 صحيح البخاري مع الفتح 5/ 329- 333 رقم (2731، 2732) .
2 القترة: - بفتح القاف والمثناة -: الغبار الأسود. الفتح 5/ 335.
3 المراد بالثنية؛ ثنية المِرَار، كما عند ابن إسحاق 2/ 308- 309، وستأتي بطولها، والفتح 5/ 335، وثنية المِرَار: - بكسر الميم والتخفيف الراء -: هي طريق في الجبل تشرف على الحديبية، الفتح 5/ 335، وقال البلادي: "إذا وقفت في الحديبية ونظرت شمالاً عدلاً، رأيت جبلين بارزين بينهما فج واسع هذا الفج ثنية المرار" معجم المعالم، 106.
4 حَلْ حَلْ: - بفتح المهملة وسكون اللام -: كلمة تقال للناقة إذا تركت المسير، وقال الخطابي: "إن قلت حل واحدة فالسكون، وإن أعدتها نونت في الأولى وسكنت في الثانية". الفتح 5/ 335.
(2/557)

فقالوا: خَلأتِ1 القَصواء2. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل3، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطةً يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها".
ثم زجرها فوثَبَتْ. قال فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ4 قليل الماءِ يَتَبَرَّضُهُ5 الناسُ تَبَرُّضَاً، فلم يلبِّثْهُ6 الناسُ حتى نزحوه، وشُكِيَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطشُ، فانتزَعَ سهماً من كِنانتهِ7، ثم أمرهم
__________
1 خلأت: أي بركت. القاموس (خلأت) .
2 القصواء: - بفتح القاف بعدها مهملة ومد -: اسم ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقصو قطع طرف الأذن. الفتح 5/ 335.
3 حبسها حابس الفيل: أي حبسها الله عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها، ومناسبة ذكرها: أن الصحابة لو دخلوها على تلك الصورة وصدتهم قريش لوقع بينهم قتال قد يفضي إلى سفك الدماء، كما لو قدر دخول الفيل. الفتح 5/ 335.
4 على ثمد: بفتح المثلثة والميم، أي حفيرة فيها ماء مثمود أي: قليل. الفتح 5/ 366.
5 يتبرضه الناس: - بالموحدة والتشديد والضاد المعجمة -: هو الأخذ قليلاً قليلاً، والبرض: - بالفتح والسكون - اليسير من العطاء، قال صاحب العين: هو جمع الماء بالكفين. الفتح 5/ 337.
6 فلم يلبث حتى نزحوه: - بضم أوله وسكون اللام -: من الألباث، وقال ابن التين: بفتح اللام وكسر الموحدة الثقيلة، أي لم يتركوه يلبث أي يقيم. الفتح 5/ 337.
7 فانتزع سهماً من كنانته: أي أخرج سهماً من جعبته، الفتح 5/ 337.
(2/558)

أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش1 لهم بالرِّيِّ حتى صدروا عنه2.
فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَي لُ بن وَرْقاء الخزاعيّ3 في نفر من قومه من خُزاعة - وكانوا عيبة4 نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تِهامة5 - فقال إني تركتُ كعب بنَ لؤيّ6 وعامرَ بنَ لؤيّ نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العُوذُ7 المطافيلُ8، وهم مقاتلوك وصادوك
__________
1 يجيش: - بفتح أوله وكسر الجيم وآخره معجمة -: أي يفور. الفتح 5/ 337.
2 إلى هنا أخرجه الواقدي في المغازي 2/ 587.
3 هو: بديل بن ورقاء بن عمرو بن ربيعة بن عبد العزى بن ربيعة بن جزي ... الخزاعي، كان إسلامه قبل الفتح، وقيل يوم الفتح. الإصابة 1/ 141.
4 وكانوا عيبة نصح: العيبة - بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة -: ما توضع فيه الثياب لحفظها، أي أنهم موضع النصح له والأمانة على سره، ونصح بضم النون، وحكى ابن التين فتحها، كأنه شبه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب. الفتح 5/ 337.
5 من أهل تهامة: لبيان الجنس، لأن خزاعة كانوا من جملة أهل تهامة - بكسر المثناة - هي مكة وما حولها، وأصلها من التهم وهو شدة الحر وركود الريح. الفتح 5/ 337.
6 قوله: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي: إنما اقتصر على ذكر هذين لكون قريش الذين كانوا بمكة أجمع ترجع أنسابهم إليهما. الفتح 5/ 338.
7 العوذ: - بضم المهملة وسكون الواو بعدها معجمة -: جمع عائذ وهي الناقة ذات اللبن، النهاية 3/ 319، والفتح 5/ 338.
8 المطافيل: الأمهات اللائي معها أطفالها. الفتح 5/ 338.
(2/559)

عن البيت.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا لم نجئ لقتال أحدٍ، ولكنّا جئنا معتمرين، وإنّ قريشاً قد نَهِكتْهُم1 الحرب وأضرّت بهم، فإن شاؤوا مادَدْتهم مدةً ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإنْ أظهرْ، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا2، وإن هم أبَوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، وليُنفِذَنَّ الله أمرَهُ".
فقال بُديل: سأبلِّغُهم ما تقول.
قال: فانطلق حتى أتى قريشاً، قال: إنّا جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرِضَه عليكم فعَلنا.
فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعتَه يقول.
قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
فقام عروة بن مسعود3 فقال: أيْ قومِ! ألستُم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أوَ لستُ بالولد؟ قالوا:
__________
1 نهكتهم الحرب: - بفتح أوله وكسر الهاء -: أي أبلغت فيهم حتى أضعفتهم، الفتح 5/ 338.
2 فقد جموا: أي استراحوا. الفتح 5/ 338.
3 هو: عروة بن مسعود بن معتب - بالمهملة والمثناة المشددة - ابن مالك بن كعب بن عمرة بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي، وهو عم والد المغيرة بن شعبة، كان أحد الأكابر من قومه، وثبت ذكره في الحديث الصحيح في قصة الحديبية وكانت له اليد البيضاء في تقرير الصلح، أسلم لما انصرف الرسول صلى الله عليه وسلم من الطائف، ورماه رجل من ثقيف فقتله، الإصابة 2/ 477.
(2/560)

بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت1 أهل عكاظ2 فلما بلّحوا3 عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى.
قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشدٍ اقبلوها ودعوني آته، قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نحواً من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك: أيْ محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح4 أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً5 من الناس خليقاً
__________
1 استنفرت: أي دعوتهم إلى نصركم. الفتح 5/ 339.
2 عكاظ: - بضم المهملة وتخفيف الكاف -: من أشهر أسواق العرب كان يوجد في الجهة الشرقية الشمالية من بلدة (الحويّة) اليوم، ويقع شمال شرقي الطائف على قرابة خمس وثلاثين كيلاً في أسفل وادي شَرِب. معجم المعالم الجغرافية 215.
3 فلما بلحوا: - بالموحدة وتشديد اللام المفتوحتين ثم مهملة مضمومة -: أي امتنعوا، والتبلح: التمنع من الإجابة. الفتح (5/ 339) .
4 اجتاح: - بجيم ثم مهملة -: أي أهلك بالكلية. الفتح 5/ 340.
5 أشواباً: - بتقديم المعجمة على الواو -، كذا للأكثر، ووقع (أوشاباً) بتقديم الواو، والأشواب: الأخلاط من أنواع شتى، والأوباش: الأخلاط من السفلة، فالأوباش أخص من الأشواب. الفتح 5/ 340.
(2/561)

أن يفرُّوا ويدَعوك، فقال له أبو بكر: امصص1 بَظْرَ اللات، أنحن نفرُّ عنه ونَدَعُهُ؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر.
قال أما والذي نفسي بيده لولا يد2 كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة ابن شعبة3 قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف4 وقال له: أخِّرْ يدَك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟
__________
1 امصص بظر اللات: - بألف وصل ومهملتين الأولى مفتوحة بصيغة الأمر -، والبظر: بفتح الموحدة وسكون المعجمة قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة، واللات: اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها وكان عادة العرب الشتم بذلك، لكن بلفظ الأم، فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة. الفتح 5/ 340.
2 لولا يد: أي نعمة. الفتح 5/ 340، وقال ابن حجر: "إن اليد المذكورة في الحديث: أن عروة كان تَحمَّل بدية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن، وفي رواية الواقدي: عشر قلائص" الفتح 5/ 340.
3 هو: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد ... الثقفي أبو عيسى أو أبو محمد، أسلم قبل عمرة الحديبية، وشهدها وبيعة الرضوان، وشهد اليمامة وفتوح الشام والعراق، ولاه معاوية الكوفة فاستمر على إمرتها حتى مات سنة خمسين. الإصابة 3/ 452- 453.
4 نعل السيف: هو ما يكون في القراب من فضة ونحوها. الفتح 5/ 341.
(2/562)

قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أيْ غُدَر1، ألستُ أسعى في غدرتك؟
وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمّا الإسلام فأقبلُ، وأما المال فلست منه في شيء"، ثم إن عروة جعل يرمُق2 أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه، قال: فوالله ما تنخّم3 رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كفِّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يُحِدُّون4 إليه النظر تعظيماً له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أيْ قومِ، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدتُ على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إنْ رأيت مليكاً قط
__________
1 أي غدر: - بالمعجمة - بوزن عمر معدول عن غادر مبالغة في وصفه بالغدر، الفتح 5/ 341.
قال ابن حجر: "وذلك أنه خرج مع ثلاثة عشر نفراً إلى ثقيف من بني مالك فغدر بهم وقتلهم، وأخذ أموالهم فتهايج الفريقان بنو مالك والأحلاف رهط المغيرة، فسعى عروة عم المغيرة حتى أخذوا منه دية ثلاثة عشر نفراًً واصطلحوا". الفتح 5/ 341.
2 يرمق: - بضم الميم - أي يلحظ. الفتح 5/ 341.
3 تنخم: النخامة: البزقة التي تخرج من أقصى الحلق، ومن مخرج الخاء المعجمة. النهاية 5/ 34.
4 وما يحدون: - بضم أوله وكسر المهملة -: أي: يديمون. الفتح 5/ 341.
(2/563)

يعظمه أصحابُه ما يعظم أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم محمداً. والله إنْ يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدَلَكَ بها وجهَه وجلدَه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيماً له، وإنه قد عرض عليكم خطة رُشْد فاقبلوها.
فقال رجل1 من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته.
فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا فلان، وهو من قوم يعظِّمون البُدْنَ2، فابعثوها3 له"، فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدن قد قُلّدت4 وأشعرت5، فما أرى أن يُصدوا عن البيت، فقام رجل منهم يقال له:
__________
1 فقال رجل: هو: (الحليس) - بمهملتين مصغر -، ابن علقمة، وهو من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة وكان من رؤوس الأحابيش، وهم (بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو المصطلق بن خزاعة، وبنو القارة بن الهون بن خزيمة) الفتح 5/ 342.
2 البدن: البدنة تقع على الجمل والناقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه، وسميت بدنة لعظمها وسمنها. النهاية 1/ 108.
3 فابعثوها له: أي أثيروها دفعة واحدة. الفتح 5/ 342.
4 تقليد البدنة: شيء تعلم به أنها هدي. القاموس (قلد) .
5 إشعار البدن: هو أن يشق أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها ويجعل ذلك لها علامة تعرف بها أنها هدي. النهاية 2/ 479.
(2/564)

مِكْرَ زُ بن حفص1، فقال: دعوني آتيه.
فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا مِكرَز، وهو رجل فاجر"، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو2.
قال معمر: فأخبرني أيوب3 عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم: " قد سهل لكم من أمركم".
قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هاتِ اكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب4 فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
__________
1 مكرز: - بكسر الميم وسكون الكاف، وفتح الراء بعدها زاي -: بن حفص بن الأخيف، من بني عامر بن لؤي. الفتح 5/ 342.
2 هو: سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري، خطيب قريش أبو زيد، هو الذي تولى أمر الصلح بالحديبية، ذكره ابن إسحاق فيمن أعطاه النبي مائة من الإبل من المؤلفة، توفي بالطاعون سنة ثمان عشرة. الإصابة 2/ 93- 94.
3 هو: أيوب بن أبي تميمة: كيسان السختياني - بفتح المهملة بعدها معجمة ثم مثناة ثم تحتانية، وبعد الألف نون - أبو بكر البصري، ثقة، ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، توفي سنة 131 هـ-، وله خمس وستون، (ع) ، التقريب 117.
4 هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما ذكر ذلك عبد الرزاق في المصنف من رواية الزهري 5/343، والبخاي من غير طريق الزهري. صحيح البخاري مع الفتح 5/303.
وذكر الحافظ ابن حجر: أن ابن شبة أخرج من طريق عمرو بن سهيل بن عمرو عن أبيه أن الكتاب عندنا، كاتبه محمد بن مسلمة.
وذكر أنه يُجمع بأن أصل كتاب الصلح بخط علي كما هو في الصحيح، ونسخ مثله محمد بن مسلمة لسهيل بن عمرو. الفتح 5/343.
وقد ذكر الواقدي أن الرسول صلى الله عليه وسلم اختلف هو وسهيل بن عمرو على أخذ الكتاب بعدما كتب، فقال سهيل عندي، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: بل عندي، فاختلفا، فكتب له نسخة فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب الأول، وأخذ سهيل نسخته. المغازي 2/612.
وهذا يؤيد ما ذكره الحافظ ابن حجر في جمعه بين الروايتين. والله أعلم
(2/565)

"بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال سهيل: أما "الرحمن" فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: "باسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتب باسمك اللهم" ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله"، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكنِ اكتب: "محمد بن عبد الله".
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب "محمد ابن عبد الله".
قال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألونني خطة يعظمون فيها
ر
(2/566)

حرمات الله إلا أعطيتهم إياها"، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "على أن تُخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به". فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخذنا ضغطة1، ولكن ذلك من العام المقبل فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منّا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددتَه إلينا. قال المسلمون: سبحان الله، كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟
فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو2 يرسف3 في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لم نقضِ الكتابَ بعد، قال: فوالله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه4 لي، قال: ما أنا بمجيزه
__________
1 والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة: بضمّ الضاد، وسكون الغين المعجمتين، ثم طاء مهملة، أي قهراً. الفتح 5/343.
2 هو أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشيّ العامريّ، قيل اسمه: عبد الله، وكان من السابقين إلى الإسلام، وممن عذب بسب إسلامه، ثبت ذكره في صحيح البخاري في قصة الحديبية، وذكره أهل المغازي فيمن شهد بدراً وكان أقبل مع المشركين فانحاز إلى المسملين، ثم أسر بعد ذلك، وعذب ليرجع عن دينه، استشهد باليمامة، وهوابن ثمان وثلاثين سنة. الإصابة 4/34.
3 يرسف في قيوده: - بفتح أوله وضم المهملة وبالفاء - أي يمشي مشياً بطيئاً بسبب القيد. الفتح 5/344.
4 فأجزه لي: بصيغة فعل الأمر، من الإجازة أي امض لي فعلي فيه، فلا أرده إليك، أو استثنيه من القضية. الفتح 5/345.
(2/567)

لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال مِكْرَ ز: بل قد أجزناه لك.
قال أبو جندل: أيْ معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله، قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألستَ نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلِمَ نعطي الدّنِيَّة1 في ديننا إذاً؟
قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوفَ به2؟
قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال: فأتيتُ أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟
قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟
قال: أيها الرجل: إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يعصي ربه وهو ناصره،
__________
1 الدنية: - بفتح المهملة وسكون النون وتشديد التحتانية - أي الخصلة المذمومة. النهاية 2/137، والفتح 5/346.
2 في رواية ابن إسحاق: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة أنهم سيطوفون بالبيت وذلك لرؤيا رآها، فلما لم تتحقق بسبب الصلح دخل على الناس من ذلك أمر عظيم، انظر: سيرة ابن هشام 2/ 318.
(2/568)

فاستمسك بِغَرْزِه1، فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟
قال: بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام؟
قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال الزهري2: قال عمر فعملت لذلك أعمالاً3، قال: فلما فرغ من قضيةِ الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا، ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة4، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة:
__________
1 فاستمسك بغرزه: - هو بفتح الغين المهملة وسكون الراء بعدها زاي وهو - أي الغرز - للإبل بمن-زلة الركب للفرس، والمراد به التمسك بأمره وترك المخالفة له كالذي يمسك بركب الفرس فلا يفارقه. الفتح 5/ 346.
2 قال الزهري: "قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً": قال الحافظ: "هو موصول إلى الزهري بالسند المذكور، وهو منقطع بين الزهري وعمر" الفتح 5/346.
3 قوله: أعمالاً: المراد الأعمال الصالحة ليكفر عنه ما مضى من التوقف في الامتثال ابتداءاً. الفتح 5/346.
قال الحافظ: "وفي رواية ابن إسحاق (ابن هشام 2/317) وكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي، وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به.
وعند الواقدي (مغازيه 2/ 607) من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري قال عمر: "لقد أعتقت بسبب ذلك رقاباً وصمت دهراً". الفتح 5/ 346.
4 هي: أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية أم المؤمنين اسمها هند، كان قد تزوجها ابن عمها أبو سلمة بن عبد الأسد فمات عنها، فتزوحها النبي صلى الله عليه وسلم في جمادى الآخرة سنة أربع وقيل سنة ثلاث وكانت ممن أسلم قديماً هي وزوجها وهاجرا إلى الحبشة ثم قدما مكة وهاجرا إلى المدينة. توفيت سنة 63هـ-. الإصابة 4/ 458.
(2/569)

يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدْنَه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً، ثم جاءه نسوةٌ مؤمنات1 فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} حتى بلغ {بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} 2 فطلق عمر يومئذ امرأتين3، كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان4 والأخرى
__________
1 ثم جاءه نسوة مؤمنات: ظاهره أنهن جئن إليه بالحديبية وليس كذلك وإنما جئن إليه بعد في أثناء المدة. الفتح 5/ 348.
2 سورة الممتحنة آية (10) .
3 المرأتان: قريبة بنت أبي أمية، وابنة جرول الخزاعي، البخاري معلقاً عن عقيل عن الزهري رقم (2733) وذكر أن الأخرى تزوجها أبو جهم، وذكرها ابن إسحاق عن الزهري مرسلاً. ابن هشام 2/ 327.
4 هو: معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشي أمير المؤمنين ولد قبل البعثة بخمس سنين وقيل بسبع وبثلاث عشرة، قيل أسلم بعد الحديبية وكتم إسلامه حتى أظهره عام الفتح، صحب النبي صلى الله عليه وسلم وكتب له وولاه عمر الشام، مات في رجب سنة ستين على الصحيح. الإصابة 3/ 433- 434.
(2/570)

صفوان بن أمية، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير1 رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين2 فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به، حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً، فاستله3 الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به، ثم جربت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد4، وفرّ الآخر، حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعراً، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
__________
1 أبو بصير: اسمه عتبة بن أَصيد - بالفتح -، ابن جارية - بالجيم - بن أسيد - بالفتح - أيضاً، ابن عبد الله بن غيرة - بكسر المعجمة وفتح التحتانية - ابن عوف بن ثقيف، أبو بصير - بفتح الموحدة - الثقفي، حليف بني زهرة، الإصابة 2/ 452.
2 فأرسلوا في طلبه رجلين: هما: خنيس - مصغراً - ابن جابر، ورجل آخر اسمه: كوثر، مغازي الواقدي 2/ 624، وكذلك ذكرهما ابن سعد كما في الفتح 5/ 349، ودلائل البيهقي 4/ 172، وقد سماه جحش بن جابر، وسيأتي.
3 فاستله: أي أخرجه من غمده. الفتح 5/ 349.
4 فضربه حتى برد: - بفتح الموحدة والراء -: أي خمدت حواسه، وهي كناية عن الموت، الفتح 5/ 349.
(2/571)

"ويل امِّهِ1 مِسْعَرَ حرب2 لو كان له أحد "3، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعيرٍ4 خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا5 لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فأنزل الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} حتى بلغ {الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} 6 وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم
__________
1 ويل امه: - بضم اللام ووصل الهمزة وكسر الميم المشددة -، وهي كلمة ذم تقولها العرب في المدح ولا يقصدون معنى ما فيها من الذم، لأن الويل: الهلاك. الفتح 5/ 350.
2 مسعر حرب: - بكسر الميم وسكون المهملة وفتح العين المهملة وبالنصب على التمييز -: أي يسعرها. الفتح 5/ 350.
3 لو كان له أحد: أي ينصره ويعاضده ويناصره. الفتح 5/ 350.
4 ما يسمعون بعير: أي بخبر عير - بالمهملة المكسورة - أي: قافلة. الفتح 5/ 350.
5 إلا اعترضوا لها: أي وقفوا في طريقها بالعرض، وهي كناية عن منعهم لها من السير. الفتح 5/ 350.
6 سورة الفتح آية (24- 26) .
قال الحافظ ابن حجر: "وظاهره أنها نزلت في شأن أبي بصير وفيه نظر، والمشهور في نزولها ما أخرجه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع ومن حديث أنس: أنها نزلت بسبب القوم الذين أرادوا من قريش أن يأخذوا من المسلمين غرة، فظفروا بهم فعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم فن-زلت الآية، وقيل في نزولها غير ذلك" الفتح 5/ 350، وانظر الحديث الذي أخرجه مسلم 12/ 187 بشرح النووي، وأحمد في المسند 27/ 354 رقم [16800] أرناؤوط.
(2/572)

يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت1.
__________
1 أخرجه أحمد أيضاً 31/ 243- 253 رقم [18928] أرناؤوط، وعبد الرزاق في المصنف 5/ 330-342 رقم (9720) ، والطبراني في الكبير 20/ 9- 15، رقم (13) ، والسنن الكبرى للبيهقي 9/ 218- 221، ودلائل النبوة له 4/ 99- 108.
(2/573)

المبحث الثالث: في أول من بايع بيعة الرضوان
95- أخرج الطبراني في الأوسط فقال: حدثنا أحمد1، ثنا محمد ابن عبد الله بن عبيد بن عقيل2 ثنا يعقوب بن محمد الزهري3، قال: نا عبد العزيز بن عمران4، عن محمد بن عبد لعزيز بن عمر بن عبد الرحمن ابن عوف5 عن الزهري، عن سالم6 عن أبيه قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
1 هو أحمد بن يحيى بن زهير التستري، قال عنه الذهبي: "الإمام الحجة المحدث البارع، علم الحفاظ، شيخ الإسلام أبو جعفر"، قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: "ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي إسحاق بن حمزة، وسمعته يقول: ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي جعفر بن زهير التستري"، وقال أبو بكر بن المقرئ: حدثنا تاج المحدثين أحمد بن يحيى بن زهير، فذكر حديثاً، توفي سنة 310هـ"-، تذكرة الحفاظ 2/ 757- 759، وسير أعلام النبلاء 14/ 362.
2 هو: محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل - بفتح العين - الهلالي أبو مسعود البصري، صدوق من الحادية عشرة، د س ق، التقريب 489 رقم (6034) .
3 هو يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، نزيل بغداد، صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، خت، ق، التقريب 608 رقم (7834)
4 هو عبد العزيز بن عمران بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، الأعرج يعرف بابن أبي ثابت، متروك، احترقت كتبه فحدث من حفظه، فاشتد غلطه، وكان عارفاً بالأنساب، من الثامنة، توفي سنة سبع وتسعين، ت، التقريب 358.
5 هو محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال البخاري عنه: "منكر الحديث"، وقال النسائي: "متروك". وقال الدارقطني: "ضعيف"، وقال أبو حاتم: "ثلاثة إخوة ليس لهم حديث مستقيمط. لسان الميزان 5/259-260.
6 هو: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عمر أو أبو عبد الله، المدني أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتاً عابداً فاضلاً يشبه بأبيه في الهدي والسمت، من كبار الثالثة، توفي في آخر سنة ست على الصحيح. (ع) التقريب 226.
(2/574)

يوم الحديبية الناس للبيعة1 فجاء أبو سنان بن محصن2 فقال: يا رسول الله أبايعك على ما في نفسك قال: "وما في نفسي؟ "
قال: أضرب بسيفي بين يديك حتى يظهرك الله أو أقتل، فبايعه وبايع الناس على بيعة أبي سنان3.
__________
1 المراد بالبيعة: بيعة الرضوان، والتي تمت تحت الشجرة، ونزل فيها قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} الآية من سورة الفتح (18) . انظر: مسلم بشرح النووي 12/174-175.
وسببها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى قريش يخبرهم أنه إنما جاء يريد البيت الحرام لقضاء نسكه، لا يريد قتالاً، فبلغه أن قريشاً قتلت عثمان، فقال: لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس للبيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة". انظر: ابن هشام 2/315، وتفسير ابن جرير 26/86، ودلائل النبوة للبيهقي 4/133.
2 أبو سنان بن محصن أخو عكاشة، ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدراً، مات في حصار بني قريظة. انظر: الإصابة 4/96.
3 المعجم الأوسط للطبراني 2/326-327، ثم قال: لم يروِ هذا الحديث عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، ولا عن محمد إلا عبد العزيز بن عمران، تفرد به يعقوب بن محمد.
وقال الهيثمي في المجمع (6/146) "رواه الطبراني في الأوسط وفيه: عبد العزيز بن عمران وهو متروك.
قلت: وفي سنده أيضاً: محمد بن عبد العزيز بن عمران، قال البخاري عنه: "منكر الحديث"، وقال النسائي: "متروك" كما تقدم، وفيه أيضاً: يعقوب بن محمد بن عيسى، قال عنه الحافظ ابن حجر: "صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء"، كما مرّ في التقريب.
فالحديث لا يثبت سنداً ولا متناً لأن أبا سنان بن محصن مات في حصار بني قريظة، كما ذكر ابن حجر، وحصار بني قريظة كان في السنة الخامسة، والحديبية في السنة السادسة، فكيف يكون ذلك؟!!
والمشهور: أن أول من بايع هو أبو سنان ابن وهب، كما ذكر ذلك ابن هشام في السيرة 2/316، وابن سعد في الطبقات الكبرى 2/100، والبيهقي في الدلائل 4/ 137، وابن عبد البر في الاستيعاب 4/ 246-247.
وذكر ابن حجر في الإصابة 4/ 91، أن البغوي أخرج في ترجمة أبي سفيان بن الحارث من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم قال: أوّل من بايع تحت الشجرة: أبو سفيان بن الحارث، ثم تعقبه بقوله: (لم يصب في ذلك، فقد أخرجه غيره من هذا الوجه، فقال: أبو سنان ابن وهب، وهو الصواب، وهو المستفيض عند أهل المغازي كلهم، واسم أبي سنان عبد الله) .
وقد ذكر مسلم من حديث سلمة بن الأكوع أنه أول من بايع، مسلم بشرح النووي 12/174-175.
والجمع بين ما ذكره مسلم وأهل المغازي: أن أبا سنان أول من بايع مطلقاً، وأن سلمة أول من بايع من الأنصار، فأوليته بالإضافة إلى ما دون أبي سنان، ذكر ذلك السفاريني في شرح ثلاثيات مسند أحمد 2/733.
(2/575)

__________
"منكر الحديث"، وقال النسائي: "متروك" كما تقدم، وفيه أيضاً: يعقوب بن محمد بن عيسى، قال عنه الحافظ ابن حجر: "صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء"، كما مرّ في التقريب.
فالحديث لا يثبت سنداً ولا متناً لأن أبا سنان بن محصن مات في حصار بني قريظة، كما ذكر ابن حجر، وحصار بني قريظة كان في السنة الخامسة، والحديبية في السنة السادسة، فكيف يكون ذلك؟!!
والمشهور: أن أول من بايع هو أبو سنان ابن وهب، كما ذكر ذلك ابن هشام في السيرة 2/316، وابن سعد في الطبقات الكبرى 2/100، والبيهقي في الدلائل 4/ 137، وابن عبد البر في الاستيعاب 4/ 246-247.
وذكر ابن حجر في الإصابة 4/ 91، أن البغوي أخرج في ترجمة أبي سفيان بن الحارث من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم قال: أوّل من بايع تحت الشجرة: أبو سفيان بن الحارث، ثم تعقبه بقوله: (لم يصب في ذلك، فقد أخرجه غيره من هذا الوجه، فقال: أبو سنان ابن وهب، وهو الصواب، وهو المستفيض عند أهل المغازي كلهم، واسم أبي سنان عبد الله) .
وقد ذكر مسلم من حديث سلمة بن الأكوع أنه أول من بايع، مسلم بشرح النووي 12/174-175.
والجمع بين ما ذكره مسلم وأهل المغازي: أن أبا سنان أول من بايع مطلقاً، وأن سلمة أول من بايع من الأنصار، فأوليته بالإضافة إلى ما دون أبي سنان، ذكر ذلك السفاريني في شرح ثلاثيات مسند أحمد 2/733.
(2/576)

المبحث الرابع: في أحداث الغزوة وشروط الصلح
96- قال ابن إسحاق1: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر.
وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة.
قال الزهري: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، - قال ابن هشام: ويقال: بُسْر - فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العُوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور2، وقد نزلوا بذي طُوى3 يعاهدون الله
__________
1 سيرة ابن هشام 2/308-320.
2 لبسوا جلود النمور: كناية عن شدة الحقد والغضب، تشبيهاً بأخلاق النمر وشراسته. النهاية 5/118.
3 ذو طوى: وادٍ من أودية مكة، وهو اليوم في وسط عمرانها، من أحيائه: العتيبية، وجرول، و (بئر ذي طوى) لا زالت معروفة بجرول. معجم المعالم الجغرافية 188 والمعالم الأثيرة 176.
(2/577)

لا تدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدّموها إلى كُراع الغَمِيم1.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا ويح2 قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خَلَّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة) 3. ثم قال: منْ رجلٌ يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟
[قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رجلاً من أسلم قال: أنا يا رسول الله، قال: فسلك بهم طريقاً وعراً أجرل4 بين شعاب، فلما خرجوا منه، وقد شق ذلك على المسلمين، وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: قولوا نستغفر الله ونتوب
__________
1 كُراع الغميم: يقع جنوب عسفان بستة عشر كيلاً على الجادة إلى مكة أي على بعد (64) كيلاً من مكة،
على طريق المدينة، وتعرف اليوم ببرقاء الغميم. معجم المعالم الجغرافية (263-264) .
2 ويح: كلمة ترحم وتوجع، تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها. النهاية 5/235.
3 أو تنفرد هذه السالفة: السالفة: صفحة العنق، وانفرادها، كناية عن الموت. جامع الأصول 8/303.
4 الأجرل: كثير الحجارة، ومن رواه: أجرد: فمعناه: ليس فيه نبات. الإملاء المختصر في شرح غريب السير، لأبي ذر الخشني. 3/45، تحقيق: عبد الكريم خليفة.
(2/578)

إليه"، فقالوا ذلك، فقال: والله إنها للحِطَّةُ1 التي عُرِضت على بني إسرائيل، فلم يقولوها] 2.
قال ابن شهاب: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحَمْش3 في طريقٍ تُخرِجُه على ثنية المُرار مهبط الحديبية من أسفل مكة، قال: فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم؛ رجعوا راكضين إلى قريش، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته، فقالت الناس: خلأت الناقة، قال: ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تَدْعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. ثم قال للناس: انزلوا.
قيل: له يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه، فأخرج سهماً من كنانته فأعطاه رجلاً4 من أصحابه فنزل به في قليب من تلك
__________
1 يريد قوله تعالى لبني إسرائيل: {قُولُوا حِطَّةٌ} قال المفسرون: معناه: اللهم حط عنا ذنوبنا. المصدر السابق.
2 ما بين المعقوفتين: رواية مستقلة أدخلها ابن إسحاق في رواية الزهري الطويلة.
3 بين ظهري الحمش: - بإهمال الحاء وسكون الميم - تقع شمال ثنية المرار. معجم المعالم الجغرافية للبلادي 106، ثم قال: وأرى صوابه (الحمض) لأن تلك الأرض تسمى الحمض لكثرة نبات العصلاء فيها. المصدر السابق.
4 عند ابن إسحاق أنه: ناجية بن جندب بن عمير، سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابن هشام 2/ 310.
وذكر الواقدي: أن الرجل ناجية بن الأعجم، المغازي 2/ 587، وقال في مكان آخر: أن الرجل اسمه خالد بن عبادة، المغازي 2/ 589، وروى البيهقي عن موسى بن عقبة أنه: خالد بن عبادة، دلائل البيهقي.
وذكر الواقدي: أنه البراء بن عازب، المغازي 2/ 589، وقيل: بريدة بن الخصيب، ذكره ابن حجر في الإصابة 3/62، وقال في الفتح 5/ 337: ويمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره وعند البخاري رقم (4150) من حديث البراء بن عازب في قصة الحديبية: (فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم مضمض، ودعا ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا) .
وأخرج مسلم نحوه من حديث سلمة بن الأكوع، انظر: مسلم بشرح النووي 12/175، قال الحافظ في الفتح: ويمكن الجمع بأن يكون الأمران معاً وقعا، وقد روى الواقدي (المغازي 2/ 588- 589) من طريق أويس بن حولي: (أنه صلى الله عليه وسلم توضأ في الدلو ثم أفرغه فيها وانتزع السهم فوضعه فيها، وهكذا ذكره أبو الأسود في روايته عن عروة أنه صلى الله عليه وسلم تمضمض في دلو وصبه في البئر، ونزع سهماً من كنانته فألقاه فيها ودعا ففارت) . الفتح 5/ 337.
(2/579)

القُلُب فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن1.
قال الزهري في حديثه: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بُديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه ما الذي جاء به؟
فأخبرهم أنه لم يأت يريد حرباً وإنما جاء زائراً للبيت، ومعظماً
__________
1 حتى ضرب الناس بعطن: مبرك الإبل حول الماء، يقال: عطنت الإبل فهي عاطنة، وعواطن إذا سقيت. النهاية 3/ 258.
(2/580)

لحرمته، ثم قال لهم نحواً مما قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش! إنكم تَعْجلون على محمد، إن محمداً لم يأت لقتال، وإنما جاء زائراً هذا البيت، فاتهموهم وجَبهوهم1، وقالوا وإن كان جاء ولا يريد قتالاً فوالله لا يدخلها علينا عنوةً أبداً، ولا تحدث بذلك عنا العرب.
قال الزهري: وكانت خزاعة عَيْبَة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئا كان بمكة2.
قال: ثم بعثوا إليه مِكْرَ ز بن حفص بن الأخيف، أخا بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً، قال: هذا رجلٌ غادِرٌ، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زَبَّان وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قومٍ يَتَألَّهون، فابعثوا الهديَ في وجهه حتى يراه،
__________
1 وجبهوهم: أي استقبلوهم بما يكرهون. النهاية 1/ 237.
قال الحافظ ابن حجر: وإنما فعلوا ذلك لأنهم كانوا يعرفون ميل بديل وأصحابه للنبي صلى الله عليه وسلم، فتح الباري 5/ 339.
2 من قوله: قال الزهري: وكانت خزاعة ... إلى هنا، من كلام الزهري لا من جملة الحديث كما يدل على ذلك رواية أحمد فقد أخرج الحديث من طريق ابن إسحاق فلما وصل إلى هذا السياق قال: قال محمد: يعني ابن إسحاق قال الزهري: (وكانت خزاعة ... ) مسند أحمد 31/ 212 رقم [18910] أرناؤوط.
(2/581)

فلما رأى الهدي يسيل عليه من عُرض الوادي في قلائده، وقد أكل أوبارَه1 من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاماً لما رأى، فقال لهم ذلك. قال: فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك.
قال الزهري في حديثه: ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذ جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وإني ولد - وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس - وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي.
قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم.
فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد أجمعت أوشاب الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً، قال: وأبو بكر الصديق خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد؛ فقال: امصُص بظر اللات أنحن ننكشف عنه؟
قال: من هذا يا محمد؟
قال: هذا ابن أبي قحافة، قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي
__________
1 أكل أوباره: أي أكل صوفه. انظر: القاموس (وبر) .
(2/582)

لكافأتك بها، ولكن هذه بها.
قال: ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه، قال: والمغيرة ابن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد، قال: فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل أن لا تصل إليك.
قال: فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك!
قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عروة: من هذا يا محمد؟
قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، قال: أيْ غُدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس؟
قال الزهري: فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو مما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حرباً، فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه؛ لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق1 بصاقاً إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش، فقال: يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً، فَرُوا رأيَكم.
قال الزهري: ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا له: ائت محمداً فصالحه، ولا يكن في
__________
1 البصاق: كغراب: ماء الفم إذا خرج منه. القاموس (بصق) .
(2/583)

صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدّث العرب عنّا أنه دخلها علينا عنوة أبداً.
فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً قال: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل".
فلما انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام وتراجعا ثم جري بينهما الصلح، فلما التأم1 الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر: أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله.
ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟
قال: (بلى) ، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: (بلى) ، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: (بلى) ، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟
قال: " أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره، ولن يضيعني".
قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً.
قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه
__________
1 فلما التأم: اللئم بالكسر الصلح والاتفاق. القاموس (لأم) .
(2/584)

فقال: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) ، قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن أكتب (باسمك اللهم) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اكتب باسمك اللهم) فكتبها، ثم قال: (اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل ابن عمرو) ، قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب: "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين1 يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردوه عليه، وإن بيننا عَيْبَة2 مكفوفة3 وأنه لا إسلال4، ولا إغلال5، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد
__________
1 وقد قيل: إن مدة الهدنة كانت أربع سنين كما ذكر ذلك الطبراني في الأوسط 8/ 51 رقم (7935) ، قال الهيثمي في المجمع 6/ 146 "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات"، وأخرجه ابن عدي في الكامل 5/ 1871، قال الحافظ ابن حجر: "سنده ضعيف، وهو منكر مخالف للصحيح". فتح الباري 5/ 343.
2 عيبة: مستودع الثياب. النهاية 3/ 327.
3 مكفوفة: المشرجة المشدودة: أي بينهم صدر نفي من الغل والخداع، مطوي على الوفاء بالصلح، وقيل: أراد أن بينهم موادعة، ومكافَّة عن الحرب تجريان مجرى المودة التي تكون بين المتصافين الذين يثق بعضهم إلى بعض. النهاية 3/ 327.
4 الإسلال: السرقة الخفية، وقيل: سل السيوف. النهاية 2/ 392.
5 الإغلال: الخيانة، أو السرقة الخفية، وقيل: لبس الدروع. النهاية 3/ 380.
(2/585)

وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه"، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثاً، معك سلاح الراكب، السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها".
فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد، قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا يهلكون، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه1، ثم قال: يا محمد قد لجت2 القضية بيني وبينك، قبل أن يأتيك هذا.
__________
1 أخذ بتلبيبه: يقال: لببت الرجل ولبّبته إذا جعلت في عنقه ثوباً أو غيره وجررته به.
وأخذت بتلبيبة فلان: إذا جمعت عليه ثوبه الذي هو لابسه وقبضت عليه تجره. النهاية 4/ 223.
2 قد لجت: أي وجبت. النهاية 4/ 233.
(2/586)

قال: (صدقت) ، فجعل ينتره1 بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته، يا معشرالمسلمين: أَأُرَدُّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد ذلك الناس إلى ما بهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم".
قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه، قال: ويقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضنّ2 الرجل بأبيه، ونفذت القضية، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب أشهد على الصلح رجالاً من المسلمين ورجالاً من المشركين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو3، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن
__________
1 فجعل ينتره: النتر: جذب فيه قوة وجفوة. النهاية 5/ 12.
2 فضن الرجل بأبيه: الضنائن: الخصائص، واحدهم ضنينة فعيلة بمعنى مفعولة، من الضِّن وهو ما تختصه وتضن به، أي تبخل لمكانه منك وموقعه عندك. النهاية 3/ 104.
3 هو: عبد الله بن سهيل بن عمرو، أبو سهيل، أمه فاطمة بنت عامر بن نوفل بن عبد مناف، هاجر إلى الحبشة، ثم أخذه أبوه بعد أن رجع من الحبشة عن دينه، فأظهر الرجوع، وخرج معهم إلى بدر ففر إلى المسلمين وكان أحد الشهود بعد ذلك في صلح الحديبية، وكان أسن من أخيه أبي جندل، استشهد باليمامة وله ثمان وثمانون سنة. الإصابة 2/ 322- 323.
(2/587)

مسلمة1، ومكرز بن حفص وهو يومئذ مشرك، وعلي بن أبي طالب وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة.
قال الزهري في حديثه: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهه ذلك قافلاً2، حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} 3.
__________
1 هو: محمود بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي، قال ابن سعد: شهد محمود أحداً والخندق والحديبية وخيبر وقتل يومئذ شهيداً. الإصابة 3/ 387.
2 المقفل: مصدر قفل يقفل إذا عاد من سفره. النهاية 4/ 92- 93.
3 وأخرجه أحمد في المسند 31/ 212 رقم [18910] أرناؤوط، وابن أبي شيبة في المصنف 14/ 434، وأبو عبيد في الأموال رقم (442) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم (551) ، وأبو داود 3/ 210 رقم (2766) ، والطبري في التاريخ 2/ 620- 629، والتفسير 26/ 95، والطبراني في الكبير 20/ 15 رقم (14) ، والحاكم في المستدرك 2/ 459، والبيهقي في السنن 5/ 215، و9/ 221، وفي الدلائل له 4/ 111، 112و 145، 150 و159- 160، كلهم عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور ومروان بن الحكم.
قال ابن إسحاق: يقول الزهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأَمِنَ الناس بعضهم بعضاً، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. ابن هشام 2/ 322.
قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية، في ألف وأربعمائة، في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين بعشرة آلاف، المصدر السابق 2/ 322.
(2/588)

المبحث الخامس: في استشارة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في بعض أموره
المطلب الأول: في استشارته صلى الله عليه وسلم أصحابه في قريش
...
المبحث الخامس: في استشارة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في بعض أموره
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في استشارته صلى الله عليه وسلم أصحابه في قريش:
97- قال البخاري1: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري حين حدث هذا الحديث حفظت بعضه وثبتني2 معمر عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه - قالا:
__________
1 صحيح البخاري مع الفتح 7/ 453 رقم (4178) .
2 قد بين يعقوب بن سفيان الفسوي القدر الذي حفظه سفيان عن الزهري والقدر الذي ثبّته فيه معمر، فأخرجه عن أبي بكر الحميدي عن سفيان فذكره بإسناده إلى قوله: (وأحرم منها بالعمرة) قال سفيان: فهذا الذي حفظت منه وأتقنته، وثبتني من ههنا معمر، انظر: المعرفة والتاريخ 2/ 722- 723.
(2/589)

ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع1 عشرة مائة2 من أصحابه
__________
1 البضع في العدد بالكسر، وقد يفتح، ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل ما بين الواحد إلى العشرة. النهاية 1/ 133.
2 أخرج ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري قال: "حدثني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الحديبية في ألف وثمانمائة ... " المصنف 14/ 444- 451، رقم (18702) ، وهي مخالفة لرواية البخاري عن الزهري بالإضافة إلى أنها مرسلة عن عروة وفي سندها أيضاً عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري قال ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ، وستأتي ترجمته إن شاء الله.
وقد ثبت عند البخاري ومسلم من غير طريق الزهري (أن عدد جيش المسلمين كان ألفاً وأربعمائة) ، صحيح البخاري رقم (4154) ، وصحيح مسلم رقم (1856) وثبت عند مسلم أن عددهم كان ألفاً وثلاثمائة وكانت أسلم ثُمن المهاجرين، صحيح مسلم رقم (1857) ، وأخرجه البخاري تعليقاً، صحيح البخاري رقم (4155) وثبت عند البخاري ومسلم أنهم كانوا: ألفاً وخمسمائة، صحيح البخاري رقم (3576) ومسلم كتاب الإمارة 73072.
وقد وردت روايات أخرى فذكرت أعداداً مغايرة لما في الصحيحين، فقد ذكر ابن سعد في الطبقات (2/ 271) أن عددهم كان ألفاً وخمسمائة وخمسة وعشرين، وعند البلاذري في فتوح البلدان ص 32: أنهم كانوا ألفاً وخمسمائة وأربعين، وعند ابن أبي شيبة في المصنف رقم (36846) أنهم كانوا ألفاً وسبعمائة.
قال ابن حجر: "وجزم موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفاً وستمائة". فتح الباري 7/ 440، وذكر هذا العدد ابن سعد في الطبقات 2/ 59.
قال النووي بعد أن ذكر رواية ألف وأربعمائة، وألف وخمسمائة: "ويمكن أن يجمع بينهما بأنهم كانوا أربعمائة وكسراً، فمن قال: أربعمائة لم يعتبر الكسر، ومن قال: خمسمائة اعتبره، ومن قال: ألف وثلاثمائة ترك بعضهم لكونه لم يتيقن العدد، أو لغير ذلك" شرح النووي على مسلم 13/ 2، ونقل الحافظ ابن حجر نحوه. انظر: فتح الباري 7/ 441.
أما البيهقي فقد مال إلى ترجيح رواية ألف وأربعمائة، فبعد أن ساق رواية أبي الزبير عن جابر ورواية أبي سفيان عن جابر قال: وهذه الرواية أصح، فكذلك قاله البراء بن عازب ومعقل بن يسار وسلمة بن الأكوع في أصح الروايتين عنه، ثم ساق رواية سعيد بن المسيب عن أبيه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفاً وأربعمائة) دلائل النبوة للبيهقي 4/ 98، وقال أيضاً: اختلفت الرواية عن جابر، فروي عنه أنهم كانوا ألفاً وخمسمائة، وروي عنه أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة، وهذا أصح لموافقته معقل بن يسار وسلمة والبراء. معرفة السنن والآثار 14/ 62.
ويلحظ أن خمسة من الصحابة رضي الله عنهم ممن شهدوا الوقعة اتفقت رواياتهم على أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة.
قال الدكتور أكرم العمري: "واتفاق خمسة من شهود العيان على أنهم كانوا ألفاً وأربعمائة أولى من سواه من الأقوال فهو أصح الصحيح وإن كان الجمع ليس بمتعذر والاختلاف ليس بكبير". السيرة الصحيحة 2/ 435.
(2/590)

فلما أتى ذا الحليفة1 قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عيناً له من خزاعة وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط2 أتاه عينه قال:
__________
1 ذو الحليفة: بالتصغير على وزن جهينة، وهي قرية بظاهر المدينة النبوية على طريق مكة بينها وبين المدينة تسعة أكيال تقع بوادي العقيق عند سفح جبل عير الغربي وتعرف اليوم [بآبار علي] المعالم الأثيرة 103.
2 غَدير الأشطاط: الغدير بفتح الغين المعجمة: القطعة من الماء يغادرها السيل، القاموس (غدر) ، وفتح الباري لابن حجر 5/ 334.
والأشطاط: - بشين وطاءين مهملتين - جمع: شط، وهو جانب الوادي. فتح الباري 5/ 334.
(2/591)

إن قريشاً جمعوا لك جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك، فقال: "أشيروا أيها الناس عليَّ أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عزوجل قد قطع عيناً من المشركين وإلا تركناهم محروبين"، قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: "امضوا على اسم الله".
(2/592)

المطلب الثاني: في استشارة النبي صلى الله عليه وسلم في عدم إمتثال أصحابه لما أمرهم بالتحليل
...
المطلب الثاني: في استشارته صلى الله عليه وسلم أم سلمة في عدم امتثال أصحابه لمَّا أمرهم بالتحلل
98- قال ابن أبي شيبة في المصنف1: حدثنا خالد بن مخلد2 قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري3 قال: حدثني ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الحديبية في ألف وثمانمائة4 وبعث بين يديه عيناً له من خزاعة يدعى ناجية يأتيه بخبر القوم، حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم غديراً بعسفان يقال له: غَدِيْر الأَشْطَاط، فلقيه عينه بغدير الأشطاط، فقال: يا محمد تركت قومك كعب ابن لؤي وعامر ابن لؤي قد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم،
__________
1 مصنف ابن أبي شيبة 14/ 444- 451، رقم [18702] .
2 هو: خالد بن مخلد القطواني، - بفتح القاف والطاء - أبو الهيثم البجلي مولاهم، الكوفي، صدوق يتشيع وله أفراد، من كبار العاشرة، توفي سنة ثلاث عشرة، وقيل بعدها. خ م كد ت س ق، التقريب 190، رقم (1677) .
3 هو: عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حنيف الأنصاري، الأوسي، أبو محمد المدني الأُمامي بالضم، صدوق يخطئ، من الثامنة، توفي سنة اثنتين وستين، وهو ابن بضع وسبعين، م، التقريب 345، رقم (3933) .
4 تقدم الكلام حول عدد المسلمين.
(2/593)

قد سمعوا بمسيرك وتركت عبدانهم يطعمون الخزيرة في دورهم، وهذا خالد بن الوليد في خيل بعثوه.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ماذا تقولون؟ ماذا ترون؟ أشيروا علي قد جاءكم خبر قريش مرتين وما صنعت، فهذا خالد بن الوليد بالغميم) .
قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أترون أن نمضي بوجهنا ومن صدنا عن البيت قاتلناه؟ أم ترون أن نخالف هؤلاء إلى من تركوا وراءهم، فإن اتَّبَعْنَا منهم عنقٌ قطعه الله".
قالوا: يا رسول الله الأمر أمرك والرأي رأيك، فتيامنوا في هذا الفعل فلم يشعر به خالد ولا الخيل التي معه حتى جاوز بهم قترة الجيش، وأوفت به ناقته على ثنية تهبط على غائط1 القوم يقال له: بَلْدَح2 فبركت، فقال: "حل حل"، فلم تنبعث، فقالوا: خلأت القصواء.
قال صلى الله عليه وسلم: "إنها والله ما خلأت، ولا هو لها بخلق، ولكم حبسها حابس الفيل، أما والله لا يدعوني اليوم إلى خطة يعظمون فيها حرمة ولا يدعوني فيها إلى صلة إلا أجبتهم إليها) ، ثم زجرها فوثبت فرجع من
__________
1 غائط القوم: الغائط: البطن المطمئن من الأرض. النهاية 3/ 395- 396.
2 بَلْدح: - بفتح الباء وسكون اللام والحاء المهملة -: اسم موضع بالحجاز قرب مكة. النهاية في غريب الحديث 1/ 151، وهو وادٍ في مكة يسمى اليوم (الزاهر) معجم المعالم الجغرافية 49.
(2/594)

حيث جاء عوده على بدئه، حتى نزل بالناس على ثمد1 من ثماد الحديبية ظَنُون2، قليل الماء يتبرض الناس ماءها تبرضاً، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلة الماء، فانتزع سهماً من كنانته، فأمر رجلاً فغرزه في جوف القليب، فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بِعَطَن، فبينما هو على ذلك إذ مر به بُديل بن ورقاء الخزاعي في ركب من قومه من خزاعة فقال: يا محمد؛ هؤلاء قومك قد خرجوا بالعوذ المطافيل، يقسمون بالله ليحولُنَّ بينك وبين مكة، حتى لا يبقى منهم أحد، قال: "يا بديل إني لم آت لقتال أحد إنما جئت أقضي نسكي3 وأطوف بهذا البيت، وإلا فهل لقريش في غير ذلك، هل لهم إلى أن أمادهم مدة يأمنون فيها ويستجمون، ويخلون فيها بيني وبين الناس فإن ظهر فيها أمري على الناس كانوا فيها بالخيار أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، وبين أن يقاتلوا وقد جمعوا وأعدوا".
قال بديل: سأعرض هذا على قومك.
فركب بديل حتى مر بقريش فقالوا: من أين؟ قال: جئتكم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن شئتم أخبرتكم بما سمعت منه فعلت.
__________
1 ثمد: الثمد بالتحريك: الماء القليل. النهاية 1/ 221.
2 الماء الظّنون: الذي تتوهمه ولست على ثقة، فعول بمعنى مفعول، وقيل: هي البئر التي يظن أن فيها ماء وليس فيها ماء. وقيل: البئر القليلة الماء. النهاية 3/ 163.
3 المناسك: جمع منسك، - بفتح السين وكسرها -: وهو المتعبد، والنُّسْك والنُّسُك أيضاً: الطاعة والعبادة، وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى. النهاية 5/ 48.
(2/595)

فقال أناس من سفهائهم: لا تخبرنا عنه شيئاً، وقال ناس من ذوي أسنانهم وحكمائهم: بل أخبرنا ما الذي رأيت وما الذي سمعت، فاقتص عليهم بديل قصة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عرض عليهم من المدة، قال: وفي كفار قريش يومئذ عروة بن مسعود الثقفي فوثب فقال: يا معشر قريش هل تتهمونني في شيء؟ ألست بالولد ولستم بالوالد؟ أولست قد استنفرت لكم أهل عكاظ؟ فلما بلحوا علي نفرت إليكم بنفسي وولدي ومن أطاعني. قالوا: بلى قد فعلت، قال: فاقبلوا من بديل ما جاءكم به وما عرض عليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم1 وابعثوني حتى آتيكم بمصداقها من عنده، قالوا: فاذهب.
فخرج عروة حتى نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية، فقال: يا محمد هؤلاء قومك كعب بن لؤي وعامر بن لؤى قد خرجوا بالعوذ المطافيل يقسمون لا يخلون بينك وبين مكة حتى تبيد خضراءهم2، وإنما أنت من قتالهم بين أحد أمرين: أن تجتاح قومك فلم تسمع برجل قط اجتاح أصله قبلك، وبين أن يسلمك من أرى معك، فإني لا أرى معك إلا أوباشاً من الناس لا أعرف أسمائهم ولا وجوههم.
فقال أبو بكر، وغضب: امصص بظر اللات أنحن نخذله أو نسلمه؟
__________
1 في مصنف عبد الرزاق 5/ 334 رقم (9720) : "فإن هذا الرجل قد عرض عليكم خصلة رشد ... ".
2 تبيد خضراءهم: أي دهماءهم وسوادهم. النهاية 2/ 42.
(2/596)

فقال عروة: أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك فيما قلت. وكان عروة قد تحمل بدية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن. والمغيرة بن شعبة قائم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى وجهه المغفر فلم يعرفه عروة، وكان عروة يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلما مدّ يده يمس لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قرعها المغيرة بقدح كان في يده حتى إذا أخرجه قال: من هذا؟
قالوا: هذا المغيرة بن شعبة.
قال عروة: أنت بذاك يا غدر، وهل غسلت عنك غدرتك الأمس بعكاظ.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعروة بن مسعود مثل ما قال لبديل، فقام عروة فخرج حتى جاء إلى قومه فقال: يا معشر قريش إني قد وفدت على الملوك على قيصر في ملكه بالشام وعلى النجاشي بأرض الحبشة1 وعلى كسرى بالعراق، وإني والله ما رأيت ملكاً هو أعظم فيمن هو بين ظهريه من محمد في أصحابه، والله ما يشدون إليه النظر وما يرفعون عنده الصوت.
وما يتوضأ من وضوء إلا ازدحموا عليه أيهم يظفر منه بشيء، فاقبلوا الذي جاءكم به بديل، فإنها خطة رشد.
قالوا: اجلس ودعوا رجلاً من بني الحارث بن عبد مناف يقال له:
__________
1 الحبشة: اسم للأمة أطلق على أرضهم، وتسمى دولتهم: (أثيوبيا) ، وأرض الحبشة: هضبة مرتفعة غرب اليمن بينهما البحر، وعاصمتها: "أديس أبابا". معجم المعالم الجغرافية 91.
(2/597)

الحليس، فقالوا: انطلق فانظر ما قبل هذا الرجل وما يلقاك به.
فخرج الحليس فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً عرفه قال: " هذا الحليس وهو من قوم يعظمون الهدي، فابعثوا الهدي في وجهه".
فبعثوا الهدي في وجهه.
قال ابن شهاب: فاختلف الحديث في الحليس، فمنهم من يقول: جاءه فقال له مثل ما قال لبديل وعروة، ومنهم من قال: لما رأى الهدي رجع إلى قريش فقال: لقد رأيت أمراً لئن صددتموه إني لخائف عليكم أن يصيبكم عنت فأبصروا بصركم، قالوا: اجلس، ودعوا رجلاً من قريش يقال له: مِكْرَ ز بن حفص بن الأحنف من بني عامر بن لؤي فبعثوه فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هذا رجل فاجر ينظر بعين".
فقال له مثل ما قال لبديل ولأصحابه في المدة، فجاءهم فأخبرهم فبعثوا سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي يكاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذي دعا إليه، فجاءه سهيل بن عمرو فقال: قد بعثتني قريش إليك أكاتبك على قضية نرتضي أنا وأنت.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نعم، اكتب بسم الله الرحمن الرحيم".
قال: ما أعرف الله ولا أعرف الرحمن، ولكن اكتب كما كنا نكتب "باسمك اللهم) ، فوجد الناس من ذلك وقالوا: لا نكاتبك على خطة حتى تقر بالرحمن الرحيم.
قال سهيل: إذاً لا أكاتبه على خطة حتى أرجع.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اكتب باسمك اللهم هذا ما قاضى عليه محمد
(2/598)

رسول الله".
قال: لا أقر، لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك ولا عصيتك ولكن "محمد بن عبد الله".
فوجد الناس منها أيضاً، قال: "اكتب هذا ما قاضى محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو) .
فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق. أو ليس عدونا على الباطل؟ قال: "بلى"، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟
قال: "إني رسول الله ولن أعصيه ولن يضيعني".
وأبو بكر متنح بناحية، فأتاه عمر فقال: يا أبا بكر، فقال: نعم. قال: ألسنا على الحق؟ أو ليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟
قال: دع عنك ما ترى يا عمر، فإنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يضيعه الله ولن يعصيه.
وكان في شرط الكتاب أنه من كان منا فأتاك، فإن كان على دينك رددته إلينا، ومن جاءنا من قبلك رددناه إليك.
قال: أما من جاء من قبلي فلا حاجة لي برده، وأما التي اشترطت لنفسك قبلك فبيني وبينك، فبينما الناس على ذلك الحال إذ طلع عليهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد خلى له أسفل مكة متوشحاً السيف، فرفع سهيل رأسه فإذا هو بابنه أبي جندل.
فقال: هذا أول من قاضيتك على رده.
(2/599)

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا سهيل إنا لم نقض الكتاب بعد".
قال: ولا أكاتبك على خطة حتى ترده.
قال: "فشأنك به"، قال: فهش أبو جندل إلى الناس فقال: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟!
فلصق به عمر وأبوه آخذ بيده يجتره وعمر يقول: إنما هو رجل ومعك السيف، فانطلق به أبوه.
فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عنهم من جاء من قبلهم يدخل في دينه، فلما اجتمعوا نفر منهم أبو بصير ردهم إليه وأقاموا بساحل البحر، فكأنهم قطعوا على قريش متجرهم إلى الشام، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نراها منك صلة أن تردهم إليك وتجمعهم فردهم إليه، وكان فيما أرادهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكتاب أن يدعوه يدخل مكة فيقضي نسكه وينحر هديه بين ظهريهم.
فقالوا: لا تحدث العرب أنك أخذتنا ضغطة أبداً، ولكن ارجع عامك هذا، فإذا كان القابل أذنا لك، فاعتمرت وأقمت ثلاثاً.
وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للناس: "قوموا فانحروا هديكم واحلقوا واحلوا".
فما قام رجل ولا تحرك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بذلك ثلاث مرات، فما تحرك رجل ولا قام من مجلسه.
فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك دخل على أم سلمة وكان خرج بها في تلك الغزوة، فقال: يا أم سلمة ما بال الناس أمرتهم ثلاث مرار أن ينحروا وأن
(2/600)

يحلقوا وأن يحلوا فما قام رجل إلى ما أمرتهم به.
قالت: يا رسول الله أخرج أنت فاصنع ذلك.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يمم هديه فنحره، ودعا حلاقاً فحلقه، فلما رأى الناس ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبوا إلى هديهم فنحروه، وأكب بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم أن يضم بعضاً من الزحام.
قال ابن شهاب بدنة.
(2/601)

المبحث السادس: في استثناء النساء من شرط صلح الحديبية
99- قال البخاري1:حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عُقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور ابن مخرمة رضي الله عنهما يخبران2 عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ، كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يأتيك منا أحد3 وإن كان على دينك إلا رددته إلينا
__________
1 صحيح البخاري مع الفتح 5/ 312 رقم (2711، 2712) .
2 في هذه الرواية تصريح بأن مروان والمسور أخذا حديث الحديبية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال ابن كثير: "هذا هو الأشبه فإن مروان ومسوراً كانا صغيرين يوم الحديبية، والظاهر أنهما أخذاه عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين". السيرة النبوية 3/ 336.
وقال الحافظ ابن حجر: "هكذا قال عُقيل عن الزهري، واقتصر غيره على رواية الحديث عن المسور بن مخرمة ومروان، وقد تبين برواية عُقيل أنه عنهما مرسل، وهو كذلك، لأنهما لم يحضرا القصة، وعلى هذا فهو من سند من لم يسم من الصحابة لأن مروان لا يصح له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحبة، وأما المسور فصح سماعه منه لكنه إنما قدم مع أبيه وهو صغير بعد الفتح، وكانت هذه القصة قبل ذلك بسنتين". الفتح 5/ 313.
3 ألا يأتيك منا أحد: يدل على أن هذا الشرط يشمل الرجال والنساء على حد سواء، وظل سارياً حتى هاجر نسوة من المؤمنات فاستثنى الرسول صلى الله عليه وسلم النساء من هذا الشرط، وذلك لن-زول الآية وهي قوله تعالى: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ ... } الآية وهذا هو الأظهر، ويدل على ذلك ما جاء في رواية ابن أخي الزهري عند البخاري (الفتح 7/ 453) وفيه: " ... لا يأتيك أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا".
ورواية الإمامين عن الزهري عند ابن أبي شيبة، (المصنف 14/ 449) ورواية ابن إسحاق عن الزهري وفيه: "من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رد عليهم" ابن هشام 2/ 317.
وقد ورد الشرط المذكور مفيداً للعموم من غير طريق الزهري عند مسلم من حديث أنس (مسلم بشرح النووي 12/ 139) وعند ابن سعد في الطبقات من حديث عمر بن الخطاب والبراء بن عازب (الطبقات الكبرى 2/ 101) .
ومما يدل على أن الشرط المذكور عام أيضاً مجيء الوليد بن عقبة وأخوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألانه رد أختهما، فإن قريشاً قد فهموا أن الشرط عام للرجال والنساء.
ولا يعكر على هذا رواية معمر عن الزهري عند البخاري (الفتح 5/ 329) والتي جاء فيها: " ... وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ... " فلفظ رجل يدل على أن النساء مستثنيات من البداية، لكن يظهر أن معمر تفرد بهذه اللفظة مخالفاً بذلك سائر الروايات التي ذكرت الشرط على العموم، وكان ذلك حتى نزلت الآية، والله أعلم.
(2/602)

وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا1 منه وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلماً،
__________
1 امتعضوا منه: بعين مهملة وضاد معجمة؛ أي: أنفوا وشق عليهم. الفتح (5/ 313) .
(2/603)

وجاء المؤمنات1 مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ وهي عاتق2، فجاء أهلها3 يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ
__________
1 نقل ابن حجر أسماء بعضهن فقال: وسمى من المؤمنات المهاجرات المذكورات: أميمة بنت بشر، وكانت تحت حسان - ويقال: ابن الدحداحة - قبل أن يسلم فتزوجها سهل بن حنيف، وسبيعة بنت الحارث الأسلمية وكانت تحت مسافر المخزومي، ويقال: صيفي بن الراهب. وأم الحكم بنت أبي سفيان، كانت تحت عياض بن شداد، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نضلة، كانت تحت عمرو بن ود، قلت: لكن عمرو بن ود قتل بالخندق، وكأنها فرت بعد قتله، وكان من سنة الجاهلية أن من مات زوجها كان أهلها أحق بها، فتح الباري 5/ 348 تحت رقم (2732) .
قال ابن حجر: "ويقال كانت تحت عمرو بن العاص". الفتح 5/ 348.
2 وهي عاتق: أي بلغت واستحقت التزويج ولم تدخل في السن، وقيل: هي الشابة. الفتح 7/ 454.
3 ذكر البيهقي في السنن الكبرى 9/ 229 من طريق الزهري مرسلاً أن الذي جاء في ردها الوليد بن عقبة وأخ له لم يسمه.
وقال ابن حجر: "فخرج أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة بن أبي معيط حتى قدما المدينة فكلما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردها إليهم ... "، ثم قال: أخرجه ابن مردويه في تفسيره. الفتح 7/ 454.
(2/604)

إلى قوله: {لا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} 1.
100- قال ابن إسحاق2:فحدثني الزهري عن عروة ابن الزبير قال: دخلت عليه يكتب كتاباً إلى ابن أبي هنيدة3 صاحب الوليد بن عبد الملك، وكتب إليه يسأله عن قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} 4، قال: فكتب إليه عروة بن الزبير: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلمكان صالح قريشاً يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه، فلما هاجر
__________
1 سورة الممتحنة، آية (12) وأخرجه البخاري من طريق ابن أخي الزهري عن عمه، فتح الباري، 7/ 453- 454 رقم (4180) .
2 سيرة ابن هشام 2/ 326- 327 بسند حسن إلى عروة لتصريح ابن إسحاق بالتحديث.
3 هو: عبد الرحمن بن هنيدة أو ابن أبي هنيدة العدوي، مولاهم المدني، رضيع عبد الملك، ثقة من الرابعة، قد، التقريب 352.
4 سورة الممتحنة آية رقم (10) .
(2/605)

النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الإسلام، أبى الله أن يُرْدَدْن إلى المشركين إذا هن امتحنّ بمحنة الإسلام فعرفوا أنهن إنما جئن رغبة في الإسلام، وأمر برد صَدُقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم، إن هم ردوا على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم ذلك حكم الله يحكم بينكم، والله عليم حكيم، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء ورد الرجال، وسأل الذي أمره الله به أن يسأل من صدقات نساء من حبسوا منهن، وأن يردوا عليهم مثل الذي يردون عليهم إن هم فعلوا، ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم لرد رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء كما رد الرجال، ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء، ولم يردد لهن صداقاً، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد"1.
__________
1 وأخرجه الطبري في تفسيره 28/ 69 من طريق سلمة بن الفضل الأبرش، والبيهقي في السنن الكبرى 9/ 228- 229، من طريق يونس بن بكير، والواحدي في أسباب النزول ص489- 490، من طريق عبد الله بن إدريس ثلاثتهم عن ابن إسحاق، وفيها بعض الاختصار. وأخرجه الواقدي مطولاً في المغازي 2/ 631، من طريق محمد بن عبد الله عن الزهري عن عروة. والواقدي متروك.
(2/606)

المبحث السابع: فيما ظهر من علامات النبوة في الحديبية
101- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة1 عن ابن شهاب، قال: قال ابن عباس: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية كلمه بعض أصحابه فقالوا: جهدنا2 وفي الناس ظهر3 فانحره لنا، فنأكل من لحومه، وندهن من شحومه، ولنحتذي من جلوده.
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تفعل يا رسول الله، فإن الناس إن يكن معهم بقية ظهر أمثل.
__________
1 تقدمت تراجم سند هذه الرواية.
2 جهدنا: جهد الرجل فهو مجهود إذا وجد مشقة. النهاية 1/ 320.
3 الظهر: الإبل التي يحمل عليها وتركب، يقال: فلان عنده ظهر أي إبل. النهاية 3/ 166.
(2/607)

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ابسطوا أنطاعكم1 وعباءكم" 2.
ففعلوا، ثم قال: "من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره"3، ودعا لهم ثم قال: "قربوا أوعيتكم فأخذوا ما شاء الله" 4.
__________
1 النطع: بالكسر وبالفتح والتحريك: بساط من الأديم، والجمع أنطاع ونطوع، القاموس (نطع) .
2 العباء: ضرب من الأكسية، الواحدة عباءة، وعباية، وقد تقع على الواحد لأنه جنس. النهاية 3/ 175.
3 نثر الشيء ينثره وينثره نثراً ونثاراً: رماه متفرقاً. القاموس (نثر) .
4 دلائل النبوة 4/ 119.
وهذا الحديث سنده منقطع لأن الزهري لم يسمع من ابن عباس، ويشهد له ما أخرجه مسلم من حديث إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه، فذكر نحوه. مسلم في كتاب اللقطة رقم (1729) وأخرج نحوه الطبراني في الأوسط 2/ 128- 129 رقم (1471) من حديث أبي هريرة، ولم يشهد أبو هريرة الحديبية لكونه لم يسلم إلا سنة سبع عام خيبر، فيحتمل أنه سمعه من بعض الصحابة.
(2/608)

المبحث الثامن: في قصة أبي بصير وأبي جندل رضي الله عنهما
102- قال البيهقي1: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب العبدي، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة2 عن ابن شهاب، وهو لفظ حديث القطان، قال: "ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة انفلت رجل من أهل الإسلام من ثقيف، يقال له: أبو بصير بن أسيد بن جارية الثقفي، من المشركين فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلماً مهاجراً، فبعث في أثره الأخنس بن شريق رجلين من بني منقذ، أحدهما: - زعموا - مولى، والآخر من أنفسهم، اسمه: جحش بن جار، وكان ذا جلد ورأي في أنفس المشركين،
__________
1 دلائل النبوة 4/ 172- 175. من مرسل الزهري، ولكن لبعض هذه الرواية شواهد صحيحة كما سيأتي.
2 تقدمت تراجم رجال إسناد هذه الرواية.
(2/609)

وجعل لهما الأخنس في طلب أبي بصير جعلاً1، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع أبا بصير إليهما، فخرجا به حتى إذا كان بذي الحليفة، سل جحش سيفه ثم هزه فقال: لأضربن بسيفي هذا في الأوس والخزرج يوماً إلى الليل.
فقال له أبو بصير: أو صارم2 سيفك هذا؟
قال: نعم.
قال: ناولنيه أنظر إليه، فناوله إياه، فلما قبض عليه ضربه به حتى برد.
ويقال: بل تناول أبو بصير سيف المنقذي بفيه وهو نائم فقطع إساره3، ثم ضربه به حتى برد، وطلب الآخر فجمز4 مذعوراً مستخفياً حتى دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: (لقد رأى هذا ذعراً) ، فأقبل حتى استغاث برسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء أبو بصير يتلوه، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: وفت ذمتك دفعتني إليهما، فعرفت أنهم سيعذبونني ويفتنوني عن ديني.
__________
1 الجعل: هو الأجرة على الشيء فعلاً أو أمراً. النهاية 1/ 276.
2 أَوَ صارم سيفك: الصرم: القطع. النهاية 3/ 62.
3 فقطع إساره: الإسار بالكسر مصدر أسرته أسراً وإساراً، وهو الحبل، والقد الذي يشد به الأسير. النهاية 1/ 48.
4 فجمز مذعوراً: أي أسرع هارباً من القتل، يقال: جمز يجمز جمزاً. النهاية 1/ 294.
(2/610)

فقتلت المنقذي، وأفلتني هذا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويل أمه مِسْعَر حرب لو كان معه أحد" 1، وجاء أبو بصير بِسَلَبِه2 إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خمس يا رسول الله.
قال: "إني إذا خمسته لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئت".
فخرج أبو بصير معه خمسة نفر كانوا قدموا معه مسلمين من مكة حيث قدموا، فلم يكن طلبهم أحد، ولم ترسل قريش كما أرسلوا في أبي بصير حتى كانوا بين العِيْص3 وذي المروة4 من أرض جهينة على طريق عيرات قريش مما يلي سيف البحر، ولا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها
__________
1 من أول قول الزهري "ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة" إلى هنا أخرجه البخاري في صحيحه من طريق الزهري عن المسور ومروان. انظر: صحيح البخاري مع الفتح 5/ 329.
2 السلب: ما يأخذه أحد القرنين في الحرب من قرنه مما يكون عليه من سلاح وثياب ودابة وغيرها. النهاية 2/ 387.
3 العيص: بالكسر: منبت خيار الشجر، وهو واد لجهينة بين المدينة والبحر يبعد عن مدينة ينبع (150) كيلاً شمالاً، ولا زالت قرية عامرة في إمارة المدينة. المعالم الأثيرة 204.
4 يقع ذو المروة عند مفيض وادي الجزل، إذا دفع في (إضم) شمال المدينة المنورة على مسافة ثلاثمائة كيل، وما زالت معروفة بهذا الاسم، وكان بها سبرة بن معبد الجهني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. المعالم الأثيرة 250.
(2/611)

وقتلوا أصحابها، وكان أبو بصير يكثر أن يقول: "الله ربي العلي الأكبر من ينصر الله فسوف ينصر ويقع الأمر على ما يقدر".
وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو في سبعين راكباً أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير وكرهوا أن يقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة المشركين، وكرهوا الثواء بين ظهري قومهم، فنزلوا مع أبي بصير في منزل كريه إلى قريش، فقطعوا به مادتهم من طريق الشام، وكان أبو بصير زعموا وهو في مكانه ذلك يصلي لأصحابه، فلما قدم عليه أبو جندل كان هو يؤمهم، واجتمع إلى أبي جندل حين سمعوا بقدومه ناس من بني غفار، وأسلم وجهينة وطوائف من الناس حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون، قال: فأقاموا مع أبي جندل وأبي بصير لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، فأرسلت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب يسألون ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير، وأبي جندل بن سهيل ومن معه فقدموا عليهم وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه غير حرج أنت فيه، فإن هؤلاء والركب قد فتحوا علينا باباً لا يصلح إقراره، فلما كان ذلك من أمرهم على الذين كانوا أشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لهم فيما أحبوا وفيما كرهوا من رأي من ظن أن له قوة هي أفضل مما خص الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من العون والكرامة، ولم يزل أبو جندل وأبو بصير وأصحابهما الذين اجتمعوا إليهما هنالك حتى مر بهم أبو
(2/612)

العاص بن الربيع وكان تحته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشام في نفر من قريش فأخذوهم وما معهم وأسروهم1، ولم يقتلوا منهم أحداً لصهر أبي العاص رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو العاص يومئذ مشرك، وهو ابن أخت خديجة بنت خويلد لأمها وأبيها، وخلوا سبيل أبي العاص، فقدم المدينة على امرأته وهي بالمدينة عند أبيها كان أذن لها أبو العاص حين خرج إلى الشام أن تقدم المدينة فتكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمها أبو العاص في أصحابه الذين أسر أبو جندل وأبو بصير وما أخذوا لهم فكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فخطب الناس فقال: (إنا صاهرنا ناساً، وصاهرنا أبا العاص، فنعم الصهر وجدناه، وإنه قدم من
__________
1 هذه الرواية التي ذكرها البيهقي عن الزهري تفيد أن الذي أسر أبا العاص بن الربيع ومن معه أبو بصير وأبو جندل، وأصحابهما، وهي مرسلة، أما ابن إسحاق فقد ذكرها بسياق آخر مرسلة عن يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر، وذكر فيها أن الذي أسر أبا العاص سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت من المدينة (ابن هشام 1/ 657) وقد وصلها الحاكم من طريق ابن إسحاق، قال حدثني يحيى بن عباد ابن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة وفيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي وجه السرية للعير التي فيها أبو العاص قافلة من الشام وكانوا سبعين ومائة راكب أميرهم زيد بن حارثة، وذلك في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة ... ) وذكر بقية القصة، المستدرك 3/ 236. وقال الألباني عن رواية الزهري: "لا يصح، لأن ابن عقبة رواه عن الزهري مرسلاً". حاشية فقه السيرة للغزالي ص366، ثم قال: قد وصله الحاكم 3/ 236- 237، من حديث عائشة وإسناده جيد، فالأولى الاعتماد على هذا السياق دون ما في الكتاب. المصدر السابق.
(2/613)

الشام في أصحاب له من قريش، فأخذهم أبو جندل وأبو بصير فأسروهم، وأخذوا ما كان معهم ولم يقتلوا منهم أحداً، وأن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتني أن أجيرهم فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه؟
فقال الناس: نعم، فلما بلغ أبا جندل وأصحابه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبي العاص وأصحابه الذين كانوا عنده من الأسرى ردَّ إليهم كل شيء أخذ منهم حتى العقال1، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يعترضوا لأحد مر بهم من قريش وغيرها، فقدم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم زعموا على أبي جندل وأبي بصير، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده يقرؤه2، فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجداً3، وقدم أبو جندل على رسول
__________
1 العقال: الحبل الذي يعقل به البعير، وإنما يضرب المثل في مثل هذا بالأقل. النهاية 3/ 280.
2 في زاد المعاد لابن القيم 3/ 283، فمات وهو على صدره.
3 قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " ... لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" أخرجه البخاري في الصحيح مع الفتح 6/ 465 رقم (3453، 3454) ، ومسلم 1/ 376- 377 رقم (530، 531) ، ومصنف عبد الرزاق رقم (1588، 9754) ومسند أحمد 3/ 374 رقم [1884] أرناؤوط.
ولكن ربما أن النهي لم يعلم به أبو جندل رضي الله عنه، والرواية مرسلة، وهذه من الألفاظ المنكرة فيها.
(2/614)

الله صلى الله عليه وسلم معه ناس من أصحابه ورجع سائرهم إلى أهليهم، وأمنت عيرات قريش، ولم يزل أبو جندل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد ما أدرك من المشاهد بعد ذلك وشهد الفتح ورجع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل معه بالمدينة حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم سهيل بن عمرو المدينة أول خلافة عمر بن الخطاب، فمكث بالمدينة شهراً ثم خرج مجاهداً إلى الشام بأهله وماله، هو والحارث بن هشام1، فاصطحبا جميعاً، وخرج أبو جندل مع أبيه سهيل إلى الشام فلم يزالا مجاهدين بالشام حتى ماتا جميعاً، مات الحارث بن هشام فلم يبق من ولده إلا عبد الرحمن بن الحارث2 فتزوج
__________
1 هو: الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو عبد الرحمن القرشي المخزومي أخو أبي جهل وابن عم خالد بن الوليد، شهد بدراً وأحداً مع المشركين حتى أسلم يوم فتح مكة ثم حسن إسلامه، خرج من مكة بأهله وماله زمن عمر إلى الشام فلم يزل مجاهداً حتى ختم الله له بخير، فاستشهد يوم اليرموك، وقال الواقدي: "مات في طاعون عَمَواس". الإصابة 1/ 293- 294.
2 هو: عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم القرشي المخزومي يكنى أبا محمد، قيل: كان ابن عشر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حكى ذلك عن مصعب وهو وَهْمٌ بل كان صغيراً، وخرج أبوه بعد النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى الجهاد بالشام فمات أبوه في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وتزوج عمر أمه فنشأ في حجر عمر، كان ممن ندبه عثمان لكتابة المصاحف. قال ابن سعد: "كان من أشراف قريش"، وقال ابن حبان: "مات سنة ثلاث وأربعين". الإصابة 3/ 66.
(2/615)

عبد الرحمن فاختة بنت عتبة1، فولدت له أبا بكر بن عبد الرحمن2 وأكابر ولده، فهذا حديث أبي جندل وأبي بصير رضي الله عنهما".
__________
1 هي: فاختة بنت عتبة بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس، ولم يكن بقي من ولد سهيل بن عمرو غيرها، فسماهما عمر بن الخطاب (الشريدين) وقال: "زوجوا الشريد الشريدة لعل الله أن ينشر منهما خيراً، فتزوج عبد الرحمن فاختة، نسب قريش لمصعب الزبيري" 303.
2 هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي المدني، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه وكنيته أبو عبد الرحمن وقيل: اسمه كنيته. ثقة، عابد، فقيه، من الثالثة، توفي سنة 94هـ-، وقيل: غير ذلك، ع، التقريب 623.
(2/616)

الفصل الثاني: غزوة خيبر والأحداث التي أعقبتها
المبحث الأول: في سبب الغزوة.
...
الفصل الثاني:
المبحث الأول: في سبب الغزوة
103- قال البيهقي: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر بن الحسن1 القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس2 محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد3 بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس4 بن بكير عن محمد بن إسحاق، قال: حدثنا الزهري عن عروة عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعاً قالا: انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله عزوجل فيها خيبر5
__________
1 ثقة تقدم في الرواية رقم (84) .
2 ثقة تقدم في الرواية رقم (84) .
3 أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي، أبو عمر الكوفي، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، من العاشرة، لم يثبت أن أبا داود أخرج له، مات سنة اثنتين وسبعين وله خمس وتسعون سنة، د. التقريب 81، تقدمت ترجمته في الرواية رقم (20) .
4 يونس، تقدمت ترجمته في الرواية (20) .
5 خيبر - بمعجمة وتحتانية وموحّدة - بوزن جعفر، وسميت: خيبر/ بخيبر بن قانية وهو أول من نزلها. معجم ما استعجم للبكري 2/523،وفتح الباري 7/464، وهي تبعد عن المدينة من جهة الشمال قرابة (165) كيلاً بالطريق المعبد. معجم المعالم الجغرافية 118.
(2/621)

{وَعَدَكُمُ اللهُ مغَانِمَ كَثِيرةً تَأخذونَها فَعَجَّلَ لكم هذه} خيبر، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في ذي الحجة، فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم1، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرَّجِيْع2 - وادٍ بين خيبر وغطفان - فتخوف أن تمدهم غطفان، فبات به حتى أصبح فغدا إليهم3.
__________
1 وهو الصواب، وسيأتي من خالفه في ذكر الشهر في المبحث الثاني.
2 الرّجيع: بفتح الراء وكسر الجيم وآخره عين مهملة، مكان قرب خيبر، ذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى خيبر نزل بوادٍ يقال له: الرجيع، فنزل بينهم وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر، وهو غير الرجيع، الذي غدرت فيه عضل والقارّة بسرية عاصم بن ثابت وأصحابه. معجم البلدان 3/29.
3 دلائل النبوة 4/197.
(2/622)

المبحث الثاني: في تاريخ الغزوة
104- أخرج البيهقي في الدلائل من حديث محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب: هذا ذكر مغازي النبي صلى الله عليه وسلم التي قاتل فيها، فذكرهن، وقال في جملتهنّ: ثم قاتل يوم خيبر من سنة ست1
__________
1 دلائل النبوة للبيهقي 4/195، وممن قال بأنها سنة ست الإمام مالك كما في تاريخ أبي زرعة الدمشقي 1/230، وتاريخ دمشق لابن عساكر 1/33، وزاد المعاد 3/ 316، وممن قال بذلك أيضاً ابن حزم الظاهري، جوامع السيرة 167، وسيأتي التوجيه في ذلك.
وحددّ ابن شهاب الشهر فذكر أن خيبر كانت في المحرم، انظر: دلائل البيهقي 4/197.
وكذلك قال ابن إسحاق إلا أنه قال في السنة السابعة. ابن هشام 2/328.
وممن قال بأنها في السنة السابعة أيضاً: الواقدي كما في المغازي 2/634، إلا أنه قال: كانت في شهر صفر أو ربيع الأول، وابن سعد كما في الطبقات 2/106، إلا أنه قال بأنها كانت في شهر جمادى الأولى وذكر البلاذري في أنساب الأشراف قسم السيرة، أنها كانت في صفر سنة سبع، قال: ويقال: في جمادى الأولى، ويقال: في شهر ربيع الأول. أنساب الأشراف 1/ 352 رقم (737) .
قال ابن القيم في الزاد (3/ 316) : "والجمهور على أنها في السابعة، ولعل الخلاف مبني على أول التاريخ، هل هو شهر ربيع الأول شهر مقدمه المدينة، أو من المحرم في أول السنة؟
وللناس في هذا طريقان: فالجمهور على أن التاريخ وقع من المحرم، وأبو محمد ابن حزم يرى أنه من شهر ربيع الأول حين قدم. اهـ. وذكر نحو هذا التوفيق الحافظ ابن حجر في الفتح 7/ 464. ورجح قول ابن إسحاق. انظر: الفتح 7/ 464.
وقد ذكر ابن سعد في موضع آخر أنها كانت في رمضان لثمان عشرة خلت منه، الطبقات 2/ 108، وكذلك ابن أبي شيبة في المصنف 14/ 463، حديث رقم (18726) ، وهذا غريب مع أن إسناد الحديث حسن كما ذكر ذلك ابن حجر في الفتح 4/ 465. فقد قال رحمه الله: "الحديث إسناده حسن، إلا أنه خطأ ولعلها كانت إلى حنين فتصحفت، وتوجيهه: بأن غزوة حنين كانت ناشئة عن غزوة الفتح، وغزوة الفتح خرج النبي صلى الله عليه وسلم فيها في رمضان جزماً". الفتح 7/ 465.
(2/623)

المبحث الثالث: في فتح خيبر على يد علي رضي الله عنه وقتله مرحباً اليهودي
105- أخرج معمر في جامعه عن الزهري عن ابن المسيب: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: "لأدفعنَّ الراية إلى رجل يحب الله ورسوله - أو يحبه الله ورسوله" فدفعها إلى عليّ وإنه لأرمد ما يبصر موضع قدميه، فبصق في عينيه، وكان الفتح"1.
__________
1 جامع معمر المطبوع مع مصنف عبد الرزاق 11/ 228 رقم (20395) ومن طريق معمر أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه 12/ 70 رقم (12147) .
وفتح خيبر على يد علي رضي الله عنه ثابت في البخاري من غير طريق الزهري (صحيح البخاري مع الفتح 7/ 476 رقم (4209، 4210) من حديث سلمة بن الأكوع وسهل بن سعد، ومسلم رقم (2405و 2407) .
ومسند أحمد 14/ 540 رقم [8990] أرناؤوط، والحاكم في المستدرك 3/ 37، ودلائل البيهقي 4/ 214- 215، عن الزهري مرسلاً وستأتي إن شاء الله.
(2/624)

106- أخرج سعيد بن منصور1 في سننه قال: نا إسماعيل بن عياش2 عن إسماعيل بن رافع3 عن الزهري قال: بارز علي رضي الله عنه رجلاً من اليهود يقال له مرحب فقتله وأخذ سلبه4.
107- وأخرج البيهقي من طريق محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يوم خيبر فوعظ الناس، فلما
__________
1 هو: سعيد بن منصور بن شعبة، أبو عثمان الخراساني، نزيل مكة، ثقة مصنف وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به، مات سنة سبع وعشرين، وقيل بعدها، من العاشرة، ع، التقريب 241، رقم (2399) .
2 إسماعيل بن عياش بن سُليم العنسي، بالنون، أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، من الثامنة، توفي سنة إحدى - أو اثنتين - وثمانين، وله بضع وسبعون سنة، ي، التقريب 109، وهو هنا يروي عن إسماعيل ابن رافع، مدني بصري.
3 إسماعيل بن رافع بن عويمر الأنصاري المدني، نزيل البصرة، يكنى أبا رافع، ضعيف الحفظ، من السابعة، مات في حدود الخمسين، البخاري ت ق، التقريب 107 رقم (442) .
4 سنن سعيد بن منصور 2/ 261 رقم (2699) وسنده ضعيف، لكن يشهد لذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه - من غير طريق الزهري - من حديث سلمة بن الأكوع أن الذي قتل مرحباً هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 185- 186.
(2/625)

فرغ من موعظته، دعا علي بن أبي طالب وهو أرمد1 فبصق في عينيه ودعا له بالشفاء، ثم أعطاه الراية واتبعه المسلمون واتبعتهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ووطنوا2 أنفسهم على الصبر، فلما أن دنا المسلمون من باب الحصن خرجت إليه اليهود بعاديتها3 فقتل صاحب عادية اليهود، فانقطعوا وقتل محمد بن مسلمة أخو بني عبد الأشهل مرحباًً اليهودي، لفظ حديث محمد ابن فليح4.
__________
1 الرمد: وجع العين وانتفاخها، لسان العرب. مادة (رمد) .
2 توطين النفس: تمهيدها، وطّن نفسه على الشيء وله فتوطنت، حملها عليه فتحملت وذلت له، لسان العرب، مادة (وطن) .
3 فخرجت عاديتهم: أي الذين يعدون على أرجلهم. النهاية 3/ 194.
4 دلائل النبوة للبيهقي 4/ 214- 215، وهو مرسل، وقد وصله ابن إسحاق من غير طريق الزهري فقال: فحدثني عبد الله بن سهل، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وذكر خروج مرحب وطلبه للمبارزة، وذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: " ... من لهذا؟ " قال محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله".
ثم ذكر قصة قتله، ابن هشام 2/ 333، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أحمد 23/ 338 رقم [15134] أرناؤوط.
والحاكم في المستدرك 3/ 436، وإسناده حسن، فإن ابن إسحاق قد صرح فيه بالتحديث. وقال الحاكم في المستدرك (3/ 437) : "إن الأخبار متواترة بأسانيد كثيرة أن قاتل مرحب هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه".
قال النووي: "هذا هو الأصح أن علياً هو قاتل مرحب، وقيل: إن قاتل مرحب هو محمد بن مسلمة، قال ابن عبد البر في كتابه الدرر في مختصر السير: قال محمد بن إسحاق إن محمد بن مسلمة هو قاتله، قال: وقال غيره: إنما كان قاتله علياً، قال ابن عبد البر: هذا هو الصحيح عندنا، قال ابن الأثير: الصحيح الذي عليه أكثر أهل الحديث وأهل السير أن علياً هو قاتله، والله أعلم" شرح النووي على مسلم 12/ 186.
وقال الحافظ ابن حجر: "وقيل محمد بن مسلمة كان بارزه فقطع رجليه فأجهز عليه علي". فتح الباري (7/ 478) .
وقد ذكر الواقدي: أن محمد بن مسلمة قطع ساقي مرحب، فقال مرحب: أجهز علي يا محمد.
قال محمد: "ذق الموت كما ذاقه أخي محمود وجاوزه، فمر به علي فضرب عنقه، وأخذ سلبه". مغازي الواقدي 2/ 656. قلت: وبذلك يجمع بين الروايتين.
وقيل: إن الذي قتله هو الحارث أخو مرحب فاشتبه على بعض الرواة، فإن لم يكن كذلك وإلا فما في الصحيح مقدم
(2/626)

المبحث الرابع: في استشهاد عامر بن الأكوع
108- قال الإمام مسلم1: وحدثني أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني عبد الرحمن "ونسبه غير ابن وهب فقال: ابن عبد الله بن كعب بن مالك) 2: أن سلمة بن الأكوع قال: لماض
__________
1 صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 169.
2 قال النووي: "هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم وهو صحيح، وهو من فضائل مسلم ودقيق نظره وحسن خبرته وعظيم إتقانه، وسبب هذا: أن أبا داود والنسائي وغيرهما من الأئمة رووا هذا الحديث بهذا الإسناد وعن ابن شهاب قال: أخبرني عبد الرحمن وعبد الله بن كعب بن مالك عن سلمة قال أبو داود: "قال أحمد بن صالح: الصواب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، وأحمد بن صالح هذا هو شيخ أبي داود في هذا الحديث وغيره وهو رواية عن ابن وهب.
قال الحافظ: والوهم في هذا من ابن وهب فجعل عبد الله بن كعب راوياً عن سلمة وجعل عبد الرحمن راوياً عن عبد الله وليس هو كذلك، بل عبد الرحمن يرويه عن سلمة وإنما عبد الله والده فذكره في نسبه، لأن له رواية في هذا الحديث، فاحتاط مسلم رضي الله عنه فلم يذكر في روايته عبد الرحمن وعبد الله كما رواه ابن وهب بل اقتصر على عبد الرحمن ولم ينسبه لأن ابن وهب لم ينسبه، وأراد مسلم تعريفه فقال: قال غير ابن وهب، وحذف مسلم ذكر عبد الله من رواية ابن وهب وهذا جائز. اهـ. شرح النووي على مسلم 12/ 170- 171.
(2/627)

كان يوم خيبر قاتَل أخي1 قتالاً شديداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتدّ عليه سيفه فقتله، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وشكوا فيه: رجلٌ مات في سلاحه، وشكوا في بعض أمره.
قال سلمة: فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر، فقلت: يا رسول الله، ائذن لي أن أرجز لك2، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر بن الخطاب: أعلم ما تقول. قال: فقلت:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
__________
1اسمه: عامر بن الأكوع رضي الله عنه، كما في البخاري رقم (4196) ومسلم بشرح النووي 12/ 165.
2 الرجز: بحر من بحور الشعر، فهو كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر. النهاية 2/ 199.
(2/628)

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدقت".
وأنزلنْ سكينةً علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
......................... ... والمشركون قد بغوا علينا
قال: فلما قضيت رجزي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال هذا؟ "
قلت: قاله أخي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يرحمه الله".
قال: فقلت: يا رسول الله، إن ناساً ليهابون الصلاة عليه، يقولون: رجلٌ مات بسلاحه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مات جاهداً مجاهداً"1.
قال ابن شهاب: ثم سألت ابناً لسلمة بن الأكوع، فحدثني عن أبيه مثل ذلك، غير أنه قال حين قلت: "إن ناساً يهابون الصلاة عليه"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كذبوا، مات جاهداً مجاهداً، فله أجره مرتين "، وأشار بإصبعيه2.
__________
1 قوله: مات جاهداً مجاهداً: هو - بكسر الهاء وتنوين الدال - مُجاهداً - بضم الميم وتنوين الدال أيضاً - وفسروا الجاهد بالجاد في عمله أي أنه لجاد في طاعة الله، والمجاهد هو المجاهد في سبيل الله وهو الغازي. النووي على صحيح مسلم 12/ 168- 169.
2 وأخرجه أبو داود من طريق الزهري في الجهاد: باب في الرجل يموت بسلاحه رقم (2538) ، والنسائي 6/ 30- 32، وأحمد في المسند 27/ 29- 30 رقم [16503] أرناؤوط، وابن حبان في صحيحه (الإحسان 7/ 470 رقم 3196) ، والطبراني في الكبير 7/ 7 رقم (6225، و 6227، و6230) ، والبخاري في التاريخ الكبير 5/ 312 مختصراً، وابن الأثير في أسد الغابة 3/ 125.
وأخرج نحوه البخاري من غير طريق الزهري رقم (4196) ، ومسلم بشرح النووي 12/ 167- 169.
(2/629)

المبحث الخامس: في موقف بني فزارة من أهل خيبر
109- أخرج البيهقي من حديث محمد بن فليح قال: حدثنا موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال: كانت بنو فزارة1 ممن قدم على أهل خيبر ليعينوهم، فراسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يعينوهم، وسألهم أن يخرجوا عنهم ولكم من خيبر كذا وكذا2، فأبوا عليه، فلما فتح الله عليه خيبر أتاه من كان من بني فزارة، فقالوا: حظنا والذي وعدتنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حظكم) أو قال: (لكم ذو الرُّقَيبة) 3 جبل من جبال خيبر، فقالوا: إذاً نقاتلك.
فقال: "موعدكم جَنَفَا"4.
__________
1 بنو فزارة: بطن من غطفان، وفزارة هو ابن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان ابن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار معد بن عدنان، جمهرة أنساب العرب. لابن حزم 255.
2 في مغازي الواقدي (2/ 650) : أن ارجع بمن معك ولك نصف تمر خيبر هذه السنة.
3 ذو الرقيبة: تصغير الرقبة، جبل مطل على خيبر، معجم البلدان 3/ 60، والمعالم الأثيرة 129.
4 موعدكم (جنفا) : - بفتح الجيم والنون والمد -، وفي رواية - بضم الجيم -، وهو موضع في صقع خيبر ولا يزال معروفاً في الضغن، منحدر الحرة، حرة خيبر وفدك شرقاً، المعالم الأثيرة 92- 93.
(2/630)

فلما سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا هاربين1.
__________
1 دلائل النبوة 4/ 248- 249 وهي رواية مرسلة.
وقد ذكر الواقدي في المغازي (2/650- 651) هذه الرواية مطولاً بدون إسناد وفي سياقه بعض الاختلاف.
أما ابن إسحاق فقد أشار إلى مظاهرة غطفان ليهود خيبر ولكن بسياق آخر فقد قال: فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر جمعوا له ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه حتى إذا ساروا مرحلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حساً، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله وبين خيبر. ابن هشام 2/ 330.
(2/631)

المبحث السادس: في قصة الرجل الذي قتل نفسه.
110- قال البخاري1: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: شهدنا خيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن كان معه يدّعي الإسلام: "هذا من أهل النار". فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال، حتى كثرت به الجراح، فكاد بعض الناس يرتاب، فوجد الرجل ألم الجراحة فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهماً، فنحر بها نفسه، فاشتد رجالٌ من المسلمين فقالوا: يا رسول الله، صدق الله حديثك، انتحر فلانٌ فقتل نفسه، فقال: "قم يا فلان، فأذّن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر". تابعه معمر عن الزهري.
__________
1 البخاري مع الفتح (7/ 471 رقم (4103) ، وقد روى البخاري نحو هذه الرواية من غير طريق الزهري، ولم يسم فيها الغزوة، وقد أخرجها مسلم ٌ من طريق الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، وذكر أن الغزوة حنين، انظر: صحيح مسلم رقم (111) ، وأخرجها أيضاً من غير طريق الزهري رقم (112) ولكنه لم يسم الغزوة. وأخرجها أحمد في المسند 13/ 453 رقم [8090] و28/ 453 رقم [17218] أرناؤوط من طريق الزهري، وسمى الغزوة (خيبر) ، ورواها ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 88) من غير طريق الزهري بإسناد منقطع، وذكر أن الغزوة أحد، وأن الرجل اسمه قُزمان، ووافق ابنَ إسحاق في ذلك الواقدي في المغازي (1/ 263) وقد يحمل ذلك على تعدد القصة، كما ذكر الباكري في (مرويات غزوة أحد) ص 249. والله أعلم.
(2/632)

المبحث السابع: في اصطفاء الرسول صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي رضي الله عنها وزواجه بها
111- قال الطبراني: حدثنا القاسم1 بن عبد الله بن مهدي الأخميمي المصري، ثنا عمي محمد بن مهدي2، ثنا عنبسة بن خالد3، ثنا يونس، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف4، عن أبيه قال: سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب5 من بني النضير، وكانت مما أفاء الله عليه6.
__________
1 تقدمت ترجمته في الرواية رقم [74] ، وهو ضعيف واتهم بالوضع.
2 تقدمت ترجمته في الرواية رقم [74] ، وهو ضعيف واتهم بالوضع.
3 هو: عنبسة بن خالد بن يزيد الأموي مولاهم، الأيلي، بفتح الهمزة بعدها تحتانية ساكنة، صدوق، من التاسعة، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة، خ د، التقريب 432.
4 هو: أسعد بن سهل بن حُني ف بضم المهملة، الأنصاري أبو أمامة، معروف بكنيته، معدود في الصحابة، له رؤية ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، توفي سنة مائة، وله اثنتان وتسعون، ع، التقريب 104، والإصابة 1/ 97- 98.
5 هي: أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب بن سعنة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب ابن أبي خبيب من بني النضير، وهم من سبط لاوى بن يعقوب ثم من ذرية هارون ابن عمران أخي موسى عليهما السلام، كانت تحت سلام بن مشكم ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق، فقتل كنانة يوم خيبر فصارت صفية في السبي، فأخذها دحية، ثم استعادها النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقها وتزوجها. الإصابة 4/ 347.
6 المعجم الكبير 24/ 66 رقم (174) قال الهيثمي في المجمع (9/ 246) وفيه القاسم بن عبد الله بن مهدي وهو ضعيف وقد وثق.
(2/633)

112- وقال ابن أبي عاصم: حدثنا حسين بن حسن بن حرب1، نا حجاج2 بن أبي منيع، عن جده3، عن الزهري، قال: سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها من بني النضير يوم خيبر وهي عروس بكنانة4 بن أبي الحقيق5.
113- وقال أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة6، حدثنا ابن عيينة، عن
__________
1 هو الحسين بن الحسن بن حرب السلمي أبو عبد الله المروزي، نزيل مكة، صدوق من العاشرة، توفي سنة ست وأربعين، ت ق، التقريب 166 رقم (1315) .
2 تقدمت ترجمته في الرواية رقم [35] ، وهوثقة.
3 تقدمت ترجمته في الرواية رقم [35] ، وهو صدوق.
4 كانت قد تزوجت قبله بسلام بن مشكم، كما ذكر ابن حجر، الإصابة 4/ 347
5 الآحاد والمثاني 5/ 440 رقم (3110) ، وسنده حسن إلى الزهري، لكنه مرسل، وقد أخرجه الطبراني في الكبير 24/ 66 رقم (173) من طريق الحجاج بن أبي منيع قال: حدثني جدي عبيد الله بن زياد عن الزهري فذكره.
وقصة سبي صفية ثابتة من غير طريق الزهري فقد أخرجها البخاري في مواضع عدة من صحيحه منها: الصحيح مع الفتح 1/ 479- 480 رقم (371) و7/ 478- 479 رقم (4211) ، ومسلم بشرح النووي 9/ 218- 224، كلاهما من حديث أنس رضي الله عنه، وأخرجها أيضاً سعيد بن منصور في سننه رقم (2676) وأبو داود في سننه رقم (2995) وغيرهم.
6 هو: زهير بن حرب بن شداد، أبو خيثمة النسائي، نزيل بغداد، ثقة، ثبت، روى عنه مسلم أكثر من ألف حديث، من العاشرة، توفي سنة أربع وثلاثين، وهو ابن أربع وسبعين، خ م د س، التقريب 217.
(2/634)

الزهري، عن أنس1: أن النبي صلى الله عليه وسلم أَوْلَمَ على صفية - أراه قال: بتمر وسويق -2.
__________
1 هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار أبو حمزة الخزرجي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد المكثرين عنه، خرج إلى بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام يخدمه، شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ثماني غزوات، مات بالبصرة سنة تسعين وقيل: إحدى وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة ثلاث، وهو ابن مائة سنة وقيل: ابن مائة وثلاث سنين. وقيل: ابن مائة وسبع. الإصابة 1/ 71- 72.
2 مسند أبي يعلى 6/ 259، رقم (3559) . وهو حديث صحيح.
(2/635)

المبحث الثامن: في محاولة قتل النبي صلى الله عليه وسلم بالسم.
...
المبحث الثامن: في محاولة قتل الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمّ.
114- قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا العباس بن محمد1، قال: حدثنا سعيد بن سليمان2 قال: حدثنا عباد هو ابن العوام3، عن سفيان يعني ابن حسين4، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن5 عن أبي هريرة: "أن امرأة من اليهود أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاةً مسمومةً، فقال لأصحابه: "أمسكوا؛ فإنها مسمومة"، فقال: "ما حملكِ على ما صنعتِ؟ " قالت: أردت أعلم إن كنت نبياً فسيطلعك الله عليه، وإن كنت
__________
1 هو: العباس بن محمد بن حاتم الدوري أبو الفضل البغدادي خوارزمي الأصل، ثقة حافظ من الحادية عشرة، توفي سنة 71، وقد بلغ ثمانين سنة، ع، التقريب 249.
2 هو سعيد بن سليمان الضبي أبو عثمان الواسطي نزيل بغداد، البزار، لقبه سعدويه، ثقة حافظ من كبار العاشرة، توفي سنة خمس وعشرين وله نحو من سبعين، ع، التقريب 237.
3 عباد بن العوام بن عمر الكلابي مولاهم أبو سهل الواسطي، ثقة من الثامنة، توفي سنة خمس وثمانين أو بعدها وله نحو من سبعين، ع، التقريب 290.
4 هو: سفيان بن حسين، ثقة في غير الزهري، وقد تقدم في الرواية رقم [20] .
5 أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، من الثالثة، توفي سنة أربع وتسعين، أو أربع ومائة، وكان مولده سنة بضع وعشرين، ع، التقريب 645.
(2/636)

كاذباً أريح الناس منك، قال: فما عرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم"1.
115- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك2: "أن امرأةً يهوديةً3 أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم شاةً مصليَّةً4 بخيبر، فقال: "ما هذه؟ " قالت: هدية، وحَذِرت أن تقول: هي من الصدقة فلا يأكل، قال: فأكل النبي صلى الله عليه وسلم وأكل أصحابه، ثم أمسكوا، فقال للمرأة:
__________
1 دلائل البيهقي 4/ 259- 260، وسيأتي ما يقويه من روايات أخرى.
2 عند ابن سعد في الطبقات (2/ 201) عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، وستأتي إن شاء الله، وعند أبي داود في السنن في رواية أخرى عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك رقم (4514) .
3 اسمها: زينب بنت الحارث أخي مرحب، وهي امرأة سلام بن مشكم، ذكر ذلك ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 337) وابن سعد في الطبقات الكبرى 2/ 201.
أما النووي فقد قال: اسمها زينب بنت الحارث أخت مرحب اليهودي، روينا تسميتها هذه في مغازي موسى بن عقبة ودلائل النبوة للبيهقي، شرح النووي على مسلم 14/ 179.
والذي في الدلائل (5/ 231) من طريق محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب أن اسمها: زينب بنت الحارث اليهودية وهي: ابنة أخي مرحب، ولم ينسبها، فالصواب أنها ابنة أخي مرحب، وليست أخته. والله أعلم.
4 مَصْلِيَّة: أي: مشوية، ويقال: صليت اللحم - بالتخفيف - أي شويته، فهو مصلي. النهاية 3/50.
(2/637)

"هل سممت هذه الشاة"؟ قالت: من أخبرك؟ قال: "هذا العظم - لساقها وهي في يده –". قالت: نعم. قال: (لِمَ؟) . قالت: أردت إن كنت كاذباً أن يستريح منك الناس، وإن كنت نبياً لم يضرك. قال: فاحتجم1 النبي صلى الله عليه وسلم على الكاهل2، وأمر أصحابه فاحتجموا فمات بعضهم"3.
__________
1 الاحتجام: مص الدم الفاسد من جسم الإنسان بعد الفصاد، والمحجم - بالكسر - الآلة التي يجتمع فيها دم الحجامة عند المص، والمحجم أيضاً مشرط الحجامة. النهاية 1/ 347.
2 الكاهل: مقدم أعلى الظهر. النهاية 4/ 214.
3 لم تذكر الروايات إلا بشر بن البراء بن معرور رضي الله عنه. انظر: ابن هشام 2/ 338، والطبقات لابن سعد 2/ 202، ودلائل البيهقي 4/ 262، والسنن 8/ 46، والنووي في شرحه على مسلم 14/ 179.
(2/638)

قال الزهري: "فأسلمت1، فتركها2 النبي صلى الله عليه وسلم"3.
قال معمر: وأما الناس فيقولون: قتلها النبي صلى الله عليه وسلم4.
__________
1 ذكرها ابن حجر في الإصابة 4/ 314، ولعله بناءً على رواية الزهري: انظر: المصدر السابق، وقال رحمه الله: ولم ينفرد الزهري بدعواه أنها أسلمت، فقد جزم بذلك سليمان التيمي في مغازيه، ولفظه بعد قولها: وإن كُنْتَ كاذباً أرحت الناس منك.
وقد استبان لي الآن أنك صادق، وأنا أُشهد من حضر أني على دينك، وأن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، قال: فانصرف عنها حين أسلمت. الفتح 7/ 497 - 498.
2 اختلف العلماء هل قتلها النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟
فقد روى مسلم من حديث أنس أنهم قالوا: "ألا نقتلها؟ قال: لا". صحيح مسلم بشرح النووي 14/ 178، وكذلك عند أبي داود رقم (4510) من مرسل الزهري عن جابر، والبيهقي في السنن الكبرى 8/ 46، والدلائل 4/ 259.
وروى أبو داود من حديث أبي هريرة وفيه: " ... فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت" السنن رقم (4512) ، وكذلك عند الحاكم في المستدرك 3/ 219- 220.
وورد أنه دفعها إلى أولياء بشر بن البراء فقتلوها، الطبقات الكبرى لابن سعد 2/ 202.
الجمع بين ذلك: قال النووي: "قال القاضي عياض: وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها أولاً حيت اطلع على سمها، وقيل له: اقتلها، فقال: لا، فلما مات بشر بن البراء من ذلك، سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصاً، فيصح قولهم: لم يقتلها أي في الحال، ويصح قولهم: قتلها أي بعد ذلك والله أعلم". اهـ. النووي على شرح مسلم 14/ 179.
3 مصنف عبد الرزاق 11/ 28 رقم (19814) . وسنده صحيح.
4 ومن طريق معمر أخرجه البيهقي في الدلائل 4/ 260- 261، وهو مرسل ويحتمل أن يكون عبد الرحمن حمله عن جابر. دلائل النبوة 4/ 262.
(2/639)

116- وأخرج البيهقي من طريق محمد بن فليح قال: حدثنا موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وقتل من قتل منهم، أهدت زينب بنت الحارث اليهودية وهي ابنة أخي مرحب لصفية شاةً مصليةً، وسمّتها، وأكثرت في الكتف والذراع لأنه بلغها أنه أحبّ أعضاء الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل رسول الله على صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة، فقدمت إليهم الشاة المصلية، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتف وانتهش1 منها، وتناول بشر بن البراء عظماً فانتهش منه، فلما استرط2 رسول الله صلى الله عليه وسلم لقمته استرط بشر بن البراء ما في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارفعوا أيديكم؛ فإن كتف هذه يخبرني أن قد بُغِيتُ3 فيها "، فقال بشر بن البراء: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلتُ، فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمت أن أنغصك4 طعامك، فلما أسغتَ ما في فيك لم أكن أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا تكون
__________
1 أي أخذ بأطراف الأسنان. القاموس 785 مادة (نهش) .
2 سرط: أي ابتلعه. القاموس 864 مادة (سرط) .
3 في البداية والنهاية 4/ 210: نُعِيتُ فيها، أي أخبره بالموت الذي فيها. انظر: القاموس (نعى) .
4 يقال: أنغص الله عليه العيش: كَدَّره. القاموس (نغص) .
(2/640)

استرطتها وفيها بغي، فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه مثل الطيلسان1، وماطله وجعه حتى كان لا يتحول إلى ما حول"2.
117- وقال الدارمي: أخبرنا الحكم بن نافع3، أنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: ثم كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاةً مصليَّةً، ثم أهدتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلممنها الذراع فأكل منها، وأكل الرهط من أصحابه معه، ثم قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "ارفعوا أيديكم"، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليهودية فدعاها فقال لها: "أسممتِ الشاة"؟ فقالت: نعم، ومن أخبرك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أخبرتني هذه في يدي؛ الذراع4، فقالت: نعم، قال: "فماذا أردت إلى ذلك؟ "، قالت: قلت إن كان نبياً فلن يضره، وإن
__________
1 الطيلسان: ضربٌ من الأكسية الملونة. لسان العرب (طلس) .
2 دلائل النبوة 4/ 263- 264، وهذا الحديث مرسل، وسيأتي ما يشهد له إن شاء الله.
3 الحكم بن نافع البهراني: - بفتح الموحدة - أبو اليمان الحمصي، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، يقال إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة، من العاشرة، توفي سنة اثنتين وعشرين، ع، التقريب 176، رقم (1464) .
4 في رواية عبد الرزاق المتقدمة: قالت: من أخبرك؟ قال: هذا العظم - لساقها وهي في يده - المصنف 11/ 28.
(2/641)

لم يكن نبياً استرحنا منه، فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعاقبها، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هندٍ1 مولى بني بياضة بالقرن والشفرة2، وهو من بني ثمامة، وهم حيٌّ من الأنصار"3.
__________
1 أبو هند: قيل: اسمه عبد الله، وقال ابن منده: يقال: اسمه: يسار، ويقال: سالم، وهو مولى فروة بن عمرو البياضي من الأنصار، تخلف عن بدر، وشهد المشاهد بعدها. الإصابة 4/ 211.
2 القرن والشفرة: أما القرن قيل: هو قرن ثور جُعِل كالمحجمة. النهاية 4/ 54.
وأما الشفرة: فهي السكين العريضة. النهاية 2/ 484. وهما آلتان تستخدمان للحجامة.
3 سنن الدارمي 1/ 46 رقم (68) . وأخرجه أبو داود في السنن رقم (4510) من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في الدلائل 4/ 261- 262.
وهو مرسل، لأن الزهري لم يسمع من جابر شيئاً، كما قال الخطابي في معالم السنن 4/ 658.
وقال المنذري: هذا الحديث منقطع، الزهري لم يسمع من جابر بن عبد الله، عون المعبود 12/ 231.
وقصة الشاة المسمومة قد وردت من غير طريق الزهري، فقد أخرجها البخاري في صحيحه رقم (3169) من حديث أبي هريرة، ومسلم في صحيحه مع شرح النووي 14/ 175 من حديث أنس بن مالك، وأبو داود رقم (4512) من حديث أبي هريرة، والدارمي في السنن 1/ 47 رقم (69) من حديث أبي هريرة أيضاً.
(2/642)

118- وقد أخرج ابن سعد 1 عن جمع من الرواة ومنهم الزهري زاد بعضهم على بعض، قالوا: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر واطمأن، جعلت زينب بنت الحارث أخي مرحب، وهي امرأة سلام بن مِشْكم، تسأل: أي الشاة أحبّ إلى محمد؟ فيقولون: الذراع، فعمدت إلى عنز لها فذبحتها، وصلتها، ثم عمدت إلى سُمٍّ لا يُطْني2، وقد شاورت يهود في سموم، فأجمعوا لها على هذا السمّ بعينه، فسمّت الشاة وأكثرت في الذراعين، والكتف، فلما غابت الشمس وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب بالناس، انصرف وهي جالسة عند رجليه، فسأل عنها فقالت: يا أبا القاسم هدية أهديتها لك، فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فأخذت منها، فوضعت بين يديه، وأصحابه حضور، أو من حضر منهم، وفيهم بشر بن البراء بن معرور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادنوا فتعشوا"، وتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع فانتهش منها، وتناول بشر بن البراء عظماً آخر فنهش منه، فلما ازدرد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقمته ازدرد بشر بن البراء ما في فيه، وأكل القوم منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
__________
1 الطبقات الكبرى لابن سعد 2/ 201- 203، وهي رواية ضعيفة لعدم معرفة رواة الزهري من بين أولئك الجمع من الشيوخ.
2 لا يطني: أي لا يسلم عليه أحد، يقال: رماه الله بأفعى لا تُطْني، أي لا يفلت لديغها. النهاية 3/ 141.
(2/643)

"ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع - وقال بعضهم فإن كتف الشاة - تخبرني أنها مسمومة". فقال بشر: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك من أكلتي التي أكلت حين التقمتها، فما منعني أن ألفظها إلا أني كرهت أن أبغض إليك طعامك. فلما أكلت ما في فيك لم أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا تكون ازدردتها وفيها بغي، فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان، وماطله وجعه سنة لا يتحول إلا ما حول، ثم مات، وقال بعضهم: فلم يَرُمْ بشر من مكانه حتى توفي، قال: وطرح منها لكلب فأكل فلم يتبع يده حتى مات، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت الحارث فقال: "ما حملك على ما صنعت؟ ". فقالت: نلت من قومي ما نلت، قتلت أبي وعمي وزوجي، فقلت: إن كان نبياً فستخبره الذراع، وقال بعضهم: وإن كان ملكاً استرحنا منه، ورجعت اليهودية كما كانت، قال: فدفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ولاة بشر بن البراء فقتلوها - وهو الثبت - واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل، حجمه أبو هند بالقرن والشفرة، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فاحتجموا أوساط رؤوسهم، وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ثلاث سنين، حتى كان وجعه الذي قبض فيه جعل يقول في مرضه: "ما زلت أجد من الأكلة التي أكلتها يوم خيبر عداداً حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري"، وهو عرق في الظهر، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيداً صلوات الله عليه ورحمته وبركاته ورضوانه.
(2/644)

المبحث التاسع: في أثر ذلك السمّ على النبي صلى الله عليه وسلم.
119- عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، أن أم مبشر1 قالت للنبي صلى الله عليه وسلم في المرض الذي مات فيه: ما تتهم بنفسك يا رسول الله؛ فإني لا أتهم بابني إلا الشاة المشوية التي أكل معك بخيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا لا أتهم إلا ذلك بنفسي، هذا أوان انقطاع أَبْهُرِي"2 يعني عرق الوريد3.
__________
1 اسمها: خُليسة بنت قيس بن ثابت بن خالد الأشجعية من نبني دهمان، كانت زوج البراء بن معرور، وبايعت ولها رواية، وهي أم بشر بن البراء بن معرور، قاله ابن سعد 4/ 285- 286.
2 الأَبْهُر: عرق في الظهر، يقال: هو الوريد في العنق، وهو متصل بالقلب، فإذا انقطع مات صاحبه. انظر: اللسان، مادة (بهر) .
3 مصنف عبد الرزاق 11/ 29 رقم (1981) ، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أبو داود في سننه رقم (4153) .
قال الألباني: "صحيح الإسناد"، صحيح سنن أبي داود 3/ 855 رقم (3785) .
ومن طريق معمر أخرجه الحاكم في المستدرك 3/ 219، وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص.
وأخرجه البخاري معلقاً فقال: وقال بونس عن الزهري قال عروة قالت عائشة رضي الله عنها: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة، ما زال ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم". صحيح البخاري مع الفتح 8/ 131 رقم (4428) .
قال الحافظ: "وهذا قد وصله البزار والحاكم والإسماعيلي من طريق عنبسة بن خالد عن يونس بهذا الإسناد". الفتح 8/ 130.
وأخرجه الدارمي من غير طريق الزهري، سنن الدارمي 1/ 46 رقم (67) .
(2/645)

المبحث العاشر: في فتح خيبر هل كان صلحاً أم عنوة.
...
المبحث العاشر: في فتح خيبر هل كان عنوةً أم صلحاً؟
120- قال ابن إسحاق 1: فأخبرني ابن شهاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوةً2 بعد القتال، وكانت خيبر مما أفاء الله عزوجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خمسها وقسمها بين المسلمين3، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها وتكون ثمارها بيننا وبينكم، وأُقركم ما أَقركم الله، فقبلوا، فكانوا على ذلك يعملونها.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة4، فيقسم ثمرها، ويعدل
__________
1 ابن هشام 2/ 356- 357.
2 عنوة: أي قهراً، وفتحت هذه البلدة عنوة: أي فتحت بالقتال، اللسان مادة (عنا) .
وقد وردت روايات عن الزهري تذكر أن بعضها فتح عنوة، وبعضها صلحاً، وستأتي إن شاء الله تعالى.
3 سيأتي أن غنائم خيبر كانت لأهل الحديبية.
4 خرص عليهم عبد الله بن رواحة عاماً واحداً، ثم أصيب بمؤتة يرحمه الله، فكان جبار بن صخر بن أمية بن خنساء أخو بني سلمة هو الذي يخرص عليهم بعد عبد الله بن رواحة. ابن هشام 2/ 354.
(2/646)

عليهم في الخرص، فلما توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أقرها أبو بكر رصي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيديهم على المعاملة التي عاملهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي.
ثم أقرهم عمر رصي الله عنه صدراً من إمارته، ثم بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذي قبضه الله فيه: "لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان"1، ففحص عمر ذلك حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى يهود فقال: إن الله عزوجل قد أذن في جلائكم، قد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان".
فمن كان عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود فليأتني به أُنفده له2، ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود فليتجهز للجلاء.
__________
1 أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجامع، باب ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة، حديث رقم (18) عن ابن شهاب مرسلاً، وعبد الرزاق في المصنف 4/ 126 رقم (7208) و6/ 54 رقم (9987) و10/ 357 رقم (9359) عنه عن الزهري عن ابن المسيب مرسلاً، والبلاذري في فتوح البلدان 41.
وأخرج البخاري في باب إخراج اليهود من الجزيرة رقم (3167) من حديث أبي هريرة نحوه، وأخرج أيضاً من حديث ابن عباس رقم (3168) بلفظ: " ... أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ... ) ، وحديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضاً رقم (1637) .
2 أنفذه له: أي أمضيه له. النهاية 5/91.
(2/647)

فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم.
121- وقال أبو داود: حدثنا ابن السرح1، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال2
122- قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس3، ثنا
__________
1 ابن السرح: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح - بمهملات-، أبو الطاهر المصري، ثقة، من العاشرة، توفي سنة خمسين، م د س ق، النقريب 83.
2 السنن 3/ 161 رقم (3018) ومن طريق يونس عن الزهري أخرجه أبو عبيد في الأموال، رقم (141) ، ومن طريق أبي عبيد أخرجه ابن زنجويه في الأموال أيضاً 1/ 188 رقم (218) ، والبلاذري في الفتوح ص 41 كلهم عن الزهري مرسلاً.
ويشهد لقول الزهري أن خيبر افتتحت عنوة ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أنس في مواضع عدة، منها رقم (371) وفيه: " ... فلما دخل القرية قال: "الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين"، قالها ثلاثاً، قال: وخرج القوم إلى أعمالهم، فقالوا: محمد - قال عبد العزيز وقال بعض أصحابنا - والخميس - يعني الجيش - قال: فأصبناها عنوة ... " أ. هـ.
ومسلم رقم (1635) ، وأبو داود رقم (3009) ، والنسائي في النكاح باب البناء في السفر 6/ 132- 133.
3 ثقة حافظ جليل، تقدم في الرواية رقم [42] .
(2/648)

عبد الله بن محمد1، عن جويرية2، عن مالك3، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة ً4.
123- قال أبو داود: وقرئ على الحارث بن مسكين5 وأنا شاهد: أخبركم ابن وهب، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب: أن خيبر كان بعضها عنوةً، وبعضها صلحاً، والكتيبة أكثرها عنوةً، وفيها صلحٌ،
__________
1 هو: عبد الله بن محمد بن أسماء، أبو عبيد الضُبَعي؛ بضم المعجمة وفتح الموحدة، أبو عبد الرحمن البصري، ثقة جليل، من العاشرة، مات سنة إحدى وثلاثين، خ م د س، التقريب 320.
2 جويرية: تصغير جارية، ابن أسماء بن عبيد الضُبَعي - بضم المعجمة وفتح الموحدة - البصري، صدوق، من السابعة، مات سنة ثلاث وسبعين، خ م د س ق، التقريب 143 رقم (988) .
3 هو: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي، أبو عبد الله، المدني الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن ابن عمر، من السابعة، توفي سنة تسع وسبعين، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين.
وقال الواقدي: بلغ تسعين سنة، ع، التقريب 516.
4 السنن 3/ 161، كتاب الخراج والفيء رقم (3017) وهو مرسل قوي.
5 هو: الحارث بن مسكين بن محمد بن يوسف، مولى بني أمية، أبو عمرو البصري، قاضيها، ثقة فقيه، من العاشرة، توفي سنة خمسين، وله ست وتسعون سنة، د س، التقريب 148.
(2/649)

قلت لمالك: وما الكتيبة؟ قال: أرض خيبر؛ وهي أربعون ألف عَذْق1.
124- وقال أبو داود: حدثنا حسين بن علي العجلي2، ثنا يحيى ابن آدم3، ثنا ابن أبي زائدة4، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري وعبد
__________
1 المصدر السابق: 3/ 161. ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في السنن 6/ 316 و9/ 138.
والعذق: - بالفتح - النخلة، وبالكسر: العرجون بما فيه من الشماريخ. النهاية 3/ 199.
2 هو: حسين بن علي بن الأسود العجلي، أبو عبد الله الكوفي نزيل بغداد، صدوق يخطئ كثيراً، لم يثبت أن أبا داود روى عنه، من الحادية عشرة، ت، التقريب 167 رقم (1331) . ولعل مستند الحافظ ابن حجر على قوله: لم يثبت أن أبا داود روى عن حسين العجلي، هو قول الآجري: "سمعت أبا داود يقول: حسين بن الأسود الكوفي [العجلي] لا ألتفت إلى حكايته أراها أوهاماً ... " قال الحافظ معقباً على كلام الآجري: "وهذا مما يدل على أن أبا داود لم يرو عنه، فإنه لا يروي إلا عن ثقة عنده ... " التهذيب 2/ 344، وانظر: تهذيب الكمال 6/ 393، حاشية رقم (5) .
3 هو: يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي، أبو زكريا، مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث ومائتين، ع، التقريب 587.
4 هو: زكريا بن أبي زائدة: خالد، ويقال: هبيرة بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي، أبو يحيى الكوفي، ثقة وكان يدلس وسماعه من أبي إسحاق بأخرة، من السادسة، توفي سنة - سبع أو ثمان أو تسع - وأربعين، ع، التقريب 216 رقم (222) .
(2/650)

الله بن أبي بكر 1 وبعض ولد2 محمد بن مسلمة قالوا: بقيت بقيةٌ من أهل خيبر تحصنوا، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحقن دماءهم ويسيّرهم، ففعل. فسمع بذلك أهل فدك3 فنزلوا على مثل ذلك، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصةً، لأنه لم يوجف4 عليها بخيل ولا ركاب5.
__________
1 هو: عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، القاضي، ثقة، من الخامسة، توفي سنة خمس وثلاثين وهو ابن سبعين سنة، ع، التقريب 297.
2 لعله محمود بن محمد بن مسلمة، لأن المزي ذكر ترجمة محمد بن مسلمة أن ممن روى عنه ابنه محمود بن محمد بن مسلمة، انظر: تهذيب الكمال 26/ 457 رقم الترجمة (5610) ، ولم أجد له ترجمة.
3 فدك: قرية شرقي خيبر، تعرف اليوم باسم (الحائط) ، معجم المعالم الجغرافية 235
4 الإيجاف: سرعة السير. النهاية 5/ 157.
5 السنن 3/ 161، كتاب الخراج والإمارة والفيء رقم (3016)
وأخرجه البلاذري في فتوح البلدان 43، والبيهقي في السنن 6/ 317.
والرواية المتقدمة التي أخرجها أبو داود عن ابن المسيب وهذه الرواية تدلان على أن خيبر فتح بعضها عنوة وبعضها صلحاً، وبالرغم من ضعفهما إلا أنه قد ثبت ما يشهد لهما من غير طريق الزهري، فقد أخرج أبو داود من حديث ابن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر فغلب على النخل والأرض، وألجأهم إلى قصرهم، فصالحوه على أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء والحلْقة ولهم ما حملت ركابهم ... " الحديث أخرجه أبو داود رقم (3006) .
وما أخرجه من حديث سهل بن أبي خيثمة قال: (قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين نصفاً لنوائبه وحاجته، ونصفاً بين المسلمين ... ) الحديث أخرجه أبو داود
(2/651)

__________
(3010) ، وما أخرجه من حديث بشير بن يسار أنه سمع نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: فذكر هذا الحديث.
قال: فكان النصف سهام المسلمين وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعزل النصف للمسلمين لما ينوبه من الأمور والنوائب، انظر: السنن رقم (3011) .
وقد حكم الألباني على هذه الروايات بالصحة، انظر: صحيح سنن أبي داود رقم (2597) ورقم (2601) ورقم (2602) على التوالي.
فمن خلال ما تقدم نلحظ أن الروايات التي تذكر أن خيبر فتحت عنوة أقوى من من الروايات الأخرى التي ذكرت أن بعضها فتح عنوة وبعضها فتح صلحاً.
ولكن يظهر أن الخلاف في ذلك قديم، فقد قال البيهقي بعد أن ذكر حديث بُشير بن يسار المتقدم: قلت: وهذا لأن بعض خيبر فتح عنوةً وبعضها فتح صلحاً، فقسم ما فتح عنوة بين أهل الخمس والغانمين، وعزل ما فتح صلحاً لنوائبه وما يحتاج إليه في مصالح المسلمين، والله أعلم. أ. هـ. دلائل البيهقي4/236.
وقال النووي عند شرحه لحديث أنس الذي يفيد أن خيبر فتحت عنوة، قال: قال المازري: ظاهر هذاأن خيبر فتحت عنوة، وقد روى مالك عن ابن شهاب أن بعضها فتح عنوة وبعضها صلحاً، قال: وقد يشكل ما رُوي في سنن أبي داود أنه قسمها نصفين؛ نصفاً لنوائبه وحاجاته ونصفاً للمسلمين.
قال: وجوابه ما قال بعضهم: إنه كان حولها ضياع وقرى، أجلى عنها أهلها، فكانت خالصة للنبي صلى الله عليه وسلم وما سواها للغانمين، فكان قدر الذي خلوا عنه النصف، فلهذا قسم القسمين. أ.هـ. النووي على شرح مسلم 12/ 164- 165.
وأما ابن عبد البر فقد اضطرب كلامه في كتابيه (الدرر) و (التمهيد) إلا أن يكون قد رجع عن أحد القولين فيحتاج حينئذ لمعرفة الكتاب المتأخر، هل هو الدرر أم التمهيد؟
(2/652)

__________
فقد قال في الدرر (235-236) : هذا هو الصحيح في أرض خيبر أنها كانت عنوة كلها مغلوباً عليها. وقال: وأما من قال: إن خيبر كان بعضها صلحاً وبعضها عنوة، فقد وهم وغلط، وإنما دخلت عليهم الشبهة بالحصنين اللذين أسلما أهلهما في حقن دمائهم، فلما لم يكن أهل ذينك الحصنين من الرجال والنساء والذرية مغنومين ظن أن ذلك لصلح، ولعمري إن ذلك في الرجال والنساء والذرية، كضرب من الصلح، ولكنهم لم يتركوا أرضهم إلا بالحصار والقتال، فكان حكم أرضها حكم سائر أرض خيبر كلها عنوة غنيمة مقسومة بين أهلها. المصدر السابق.
وقال: وربما شبِّه على من قال: إن نصف خيبر صلح ونصفها عنوة بحديث يحيى ابن سعيد، عن بشير بن يسار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم خيبر نصفين، نصفاً له ونصفاً للمسلمين. المصدر السابق.
ثم قال: والحق: فالحق في هذا ما قاله ابن إسحاق دون ما قاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن شهاب ا. هـ.
وأما ما ذكره في التمهيد فيختلف تماماً عما ذكره هنا قال رحمه الله: أجمع العلماء من أهل الفقه والأثر وجماعة أهل السير على أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحاً وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمها فما كان منها صلحاً أو أخذ بغير قتال كالذي جلا عنه أهله عمل في ذلك كله بسنة الفيء، وما كان منها عنوة عمل فيه بسنة الغنائم إلا أن ما فتح الله عليه منها عنوة، قسمه بين أهل الحديبية، وبين من شهد الوقعة، وقد رويت في فتح خيبر آثار كثيرة ظاهرها مختلف، وليس باختلاف عند العلماء على ما ذكرت لك. التمهيد 6/ 446.
ثم ذكر الأحاديث الدالة على أن خيبر فتحت عنوة والتي دلت على أن بعضها فتح صلحاً ثم قال: فهذا كله يدل على أن ما كان منها مأخوذاً بالغلبة قسم على أهل الحديبية ومن شهدها وخمس، وما كان منها مما انجلى عنه أهله وأسلموه بلا قتال، حكم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم الفيء، واستخلص منه لنفسه كما فعل بفدك، فقف على هذا وتدبر الآثار تجدها على ذلك إن شاء الله. التمهيد 6/ 449.
(2/653)

المبحث الحادي عشر: في تقسيم غنائم خيبر على أهل الحديبية.
125- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: لما انصرف1 رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المدينة فغزا خيبر من الحديبية2، فأنزل الله عليه: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} إلى قوله: {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} 3، فلما فتحت خيبر جعلها لمن غزا معه الحديبية، وبايع تحت الشجرة، ممن كان غائباً وشاهداً من أجل أن الله كان وعدهم إياها، وخمّس رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، ثم قسم سائرها مغانم بين من شهدها من المسلمين ومن غاب4 عنها من أهل الحديبية5.
__________
1 أي: من الحديبية.
2 الصواب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة من الحديبية فأقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم، انظر: ابن هشام 2/ 320، ودلائل النبوة للبيهقي 4/ 197، وزاد المعاد 3/ 317، والبداية والنهاية 4/ 181.
ويحتمل أن يكون المراد: أنه نوى غزو خيبر من الحديبية.
3 الآية من سورة الفتح رقم (20) .
4 ذكر ابن إسحاق أن خيبر قسمت على أهل الحديبية، من شهد خيبر ومن غاب عنها، ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، ابن هشام 2/ 349
5 مصنف عبد الرزاق 5/ 372 رقم (9738) بسند صحيح إلى الزهري لكنه مرسل.
(2/654)

126- وقال ابن شبة: حدثنا عثمان1 بن عمر قال: حدثنا موسى2، عن الزهري، قال: بلغني أن الخمس كان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل مغنم غنمه المسلمون شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لا يقسم لغائبٍ من مغنمٍ إلا يوم خيبر؛ قسم لغيّب الحديبية من أجل أنه كان أعطى خيبر المسلمين من أهل الحديبية؛ قال الله تعالى: {وَعَدَكُمُ اللهُ مغَانِمَ كثيرةً تأخذونها فعجّلَ لَكُمْ هَذِهِ} فكانت لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، ولم يشهدها من الناس معهم غيرهم3.
127- وقال أبو داود: حدثنا ابن السرح4، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: "خمّس رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، ثم قسم سائرها على من شهدها ومن غاب عنها من أهل الحديبية"5.
__________
1 عثمان بن عمر بن فارس العبدي، بصري، أصله من بخارى، ثقة، قيل: كان يحيى ابن سعيد لا يرضاه، من التاسعة، مات سنة تسع ومائتين، ع، التقريب 385.
2 موسى بن عقبة، ثقة، تقدم.
3 تاريخ المدينة 1/ 183. بسند صحيح إلى الزهري، لكنه مرسل.
4 أحمد بن عمرو بن عبد الله بن سرح، ثقة تقدم في الرواية رقم [118] .
5 سنن أبي داود 3/ 161، كتاب الخراج والإمارة والفيء رقم (3019) وقد حسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 2/ 586 رقم (2608) .
(2/655)

المبحث الثاني عشر: في غزوة وادي القرى
128- أخرج البيهقي1 من طريق الواقدي2 قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز3، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى4، وكان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي5 قد وهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبداً أسود
__________
1 دلائل النبوة 4/ 280- 281. والواقدي متروك، فالرواية ضعيفة.
2 الذي في مغازي الواقدي 2/ 709- 711 قوله: وكان أبو هريرة يحدث قال: (خرجنا ... ) فساقه بتمامه.
3 هو: عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حنيف الأنصاري الأوسي أبو محمد المدني الأُمامي بالضم، صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة اثنتين وستين وهو ابن بضع وسبعين، م، التقريب 345.
4 وادي القرى: واد بين المدينة والشام، وهو بين تيماء وخيبر فيه قرى كثيرة، ويعرف اليوم بوادي العلا، وهي مدينة عامرة شمال المدينة على قرابة (350) كيلاً، معجم البلدان 4/ 338، ومعجم المعالم الجغرافية 250.
5 رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي، قال ابن إسحاق: "قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية قبل خيبر فأسلم وحسن إسلامه، وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم غلاماً". الإصابة 1/ 518.
(2/656)

يقال له مِدْعَم1، وكان يرحل2 لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أن نزلنا بوادي القرى انتهينا إلى يهود وقد ثوى3 إليها ناسٌ من العرب، فبينما مدعم يحطّ رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استقبلنا يهود بالرمي حيث نزلنا، ولم نكن على تعبئة، وهم يصيحون في آطامهم، فيقبل سهم عائر4 أصاب مدعماً فقتله، فقال الناس: هنيئاً له الجنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلا والذي نفسي بيده إن الشملة5 التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم يصبها المقسم لتشتعل عليه ناراً". فلما سمع بذلك الناس جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراكٍ6 أو
__________
1 هو: مدعم الأسود، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مولَّداً، أهداه رفاعة بن زيد الجذامي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أصابه سهم عائر فقتله.
وقال البلاذري:" يقال: إنه يكنى أبا إسلام، ويقال: إن أبا إسلام غيره، قال: ويقال: إنما أهداه فروة بن عمر الجذامي، الإصابة 3/ 394، ومِدْعَم: - بكسر الميم وسكون المهملة وفتح العين المهملة –"، الفتح (7/ 489) .
2 الرحل: مركب البعير، وارتحله حط عليه الرحل، القاموس، مادة (رحل) . والمعنى: أنه يشد الرحل على البعير إذا ارتحل وينزعه إذا ثوى.
3 وقد ثوى: المثوى المنزل، من ثوى بالمكان إذا أقام فيه. النهاية 1/ 230.
4 عائر: - بعين مهملة بوزن فاعل -، أي لا يُدرى من رمى به. الفتح 7/ 489.
5 الشملة: كساء يتغطى به ويتلفف فيه. النهاية 2/ 501.
6 الشراك: - بكسر المعجمة وتخفيف الراء -: سير النعل على ظهر القدم. الفتح 7/ 489.
(2/657)

شراكين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "شراك من نار أو شراكان من نار"1.
وعبّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال، وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد ابن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا2 أموالهم، وحقنوا3 دماءهم، وحسابهم على الله. فبرز رجلٌ منهم، فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه عليّ فقتله، ثم برز آخر فبرز إليه أبو دجانة فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلاً، كلما قتل منهم رجلٌ دعا من بقي إلى الإسلام، ولقد كانت الصلاة تحضر يومئذٍ، فيصلي بأصحابه ثم يعود فيدعوهم إلى الله ورسوله. فقاتلهم حتى أمسوا، وغدا عليهم، فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم، وفتحها عنوةً، وغنمه الله أموالهم، وأصابوا أثاثاً ومتاعاً كثيراً، فأقام رسول
__________
1 إلى هنا أخرجه البخاري (البخاري مع الفتح 7/ 487 رقم (4234) ومسلم رقم (115) ، وابن إسحاق (ابن هشام 2/ 38) ، ومالك (الموطأ 1/ 459 رقم 25) ، وأبو داود رقم (2711) ، والنسائي (7/ 24) وابن حبان رقم (4851) ، والبيهقي في السنن (9/ 100) ، والبغوي في شرح السنة رقم (2822) ، وفي معالم التنزيل (1/ 367) كلهم من حديث أبي هريرة من غير طريق الزهري، وبألفاظ فيها اختلاف يسير، والمعنى واحد.
2 أحرزوا يقال: أحرزت الشيء أحرزه إحرازاً: إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ. النهاية 2/ 366.
3 حقنوا دماءهم: يقال: حقنت له دمه إذا منعت من قتله وإراقته. النهاية 2/ 416.
(2/658)

الله صلى الله عليه وسلم بوادي القرى أربعة أيام، وقسم ما أصاب على أصحابه بوادي القرى، وترك الأرض والنخل بأيدي يهود، وعاملهم عليها،
فلما بلغ يهود تيماء1 ما وطئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم فَدَك2 ووادي القرى، صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية، وأقاموا بأيديهم وبأموالهم.
فلما كان عمر بن الخطاب أخرج يهود خيبر وفدك، ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى؛ لأنهما داخلتان في أرض الشام، ويرى أن ما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز3، وأن ما وراء ذلك من الشام. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً بعد أن فرغ من وادي القرى وغنمه الله4.
__________
1 تيماء: مدينة تقع شمال المدينة على بعد (420) كيلاً. المعالم الأثيرة 74.
2 فدك: - بالتحريك وآخره كاف - معجم البلدان 4/ 238، وهي اليوم قرية شرقي خيبر على وادٍ يذهب سَيله مشرقاً إلى وادي الرُّمة، تعرف اليوم بالحائط. معجم المعالم الجغرافية ص 235.
3 الحجاز: مكة والمدينة والطائف ومخاليفها، لأنها حجزت بين نجد وتهامة أو بين نجد والسراة أو لأنها احتجزت بالحرار الخمس: حرة بني سليم، وواقم وليلى، وشوران، والنار. القاموس، مادة (حجز) .
4 ونقله الذهبي في تاريخ الإسلام، قسم المغازي 441، عن الواقدي قال: حديث عبد الرحمن بن عبد العزيز عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة فذكره. ونقله ابن كثير في البداية والنهاية 4/ 218.
(2/659)

المبحث الثالث عشر: في رجوع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من خيبر ونومهم عن صلاة الصبح
129- قال الإمام مسلم: حدثني حرملة بن يحيى التُّجِيبي، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر1، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى2 عرّس3، وقال لبلال: "اكلأْ لنا الليل"4، فصلى بلال ما قدِّر له، ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلما تقارب الفجر، استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر5، فغلبت بلالاً عيناه وهو مستندٌ إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بلال، ولا أحدٌ من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظاً، ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أي بلال"، فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي
__________
1 سيأتي أن ذلك قد وقع في غزوات أخرى.
2 أدركه الكرى: أي النوم. النهاية 4/ 170.
3 التعريس: نزول المسافر آخر الليل، نزلة للنوم والاستراحة. النهاية 3/ 206.
4 الكلاءة: الحفظ والحراسة. النهاية 4/ 194.
5 مواجه الفجر: أي مستقبله بوجهه. شرح النووي على مسلم 5/ 182.
(2/660)

يا رسول الله - بنفسك، قال: "اقتادوا"1 فاقتادوا رواحلهم شيئاً، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: "من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: {َأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} 2".
__________
1 اقتادوا: أي جروا رواحلكم خلفكم. النهاية 4/ 119.
2 الآية من سورة طه رقم (14) .
والحديث أخرجه أيضاً أبو داود رقم (435) في الصلاة: باب من نام عن الصلاة أو نسيها. ومن طريقه أخرجه أبو عوانة 2/ 253، والبيهقي في السنن 1/ 403 و2/ 217، وفي الدلائل 4/ 272.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه 5/ 422 رقم (2069) ، وأخرجه ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلاً، ابن هشام 2/ 340، وأخرجه مالك في الموطأ 1/ 13، كتاب وقوت الصلاة، باب النوم عن الصلاة عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلاً، ومن طريقه أخرجه الشافعي في المسند 1/ 55 رقم (162) .
وقد وردت روايات أخرى من غير طريق الزهري أن ذلك كان زمن الحديبية، انظر: سنن أبي داود رقم (447) ، ومسند أحمد 6/ 170، رقم [3657] أرناؤوط، وابن أبي شيبة 2/ 64، والطبري في تفسيره 26/ 69، والبيهقي في الدلائل 4/ 274- 275.
وورد أيضاً أن ذلك كان في غزوة تبوك، انظر: مغازي الواقدي 3/ 1015، عن عقبة بن عامر، ودلائل البيهقي 4/ 275.
ويمكن الجمع بين الروايات بالقول بتعدد القصة، انظر: شرح النووي على مسلم 5/ 181- 182، وفتح الباري 1/ 449، وانظر: مرويات غزوة الحديبية للحكمي ص 243 وما بعدها.
(2/661)

قال يونس: وكان ابن شهاب يقرؤها: "للذكرى"1.
__________
1 صحيح مسلم بشرح النووي 5/ 181.
(2/662)

المبحث الرابع عشر: في سرية أبان بن سعيد بن العاص إلى نجد.
...
المبحث الرابع عشر: سرية أبان بن سعيد بن العاص إلى نجد
130- أخرج سعيد بن منصور قال: ثنا ابن عياش1، عن محمد ابن الوليد الزُّبيدي2، عن الزهري أن عنبسة بن سعيد3 أخبره أنه سمع أبا هريرة يحدث سعيد بن العاص4 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث5 أبان بن سعيد بن العاص6 على سرية من المدينة قبل نجد، فقدم أبان بن سعيد
__________
1 هو: إسماعيل بن عياش، تقدم في الرواية رقم [105] ص 473.
2 هو: محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي - بالزاي الموحدة، مصغر - أبو الهذيل الحمصي، القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري، من السابعة، ت سنة ست - أو سبع أو تسع - وأربعين، خ م د س ق، التقريب 511.
3 هو: عنبسة بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، أخو عمر الأشدق، ثقة، من الثالثة، وكان عند الحجاج بالكوفة، مات على رأس المائة تقريباً، خ م د، التقريب 432.
4 هو: سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، قتل أبوه ببدر، وكان لسعيد عند موت النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين، وذكر في الصحابة، وُلِّي إمرة الكوفة لعثمان، وإمرة المدينة لمعاوية، ت سنة ثمان وخمسين وقيل غير ذلك، بخ م مد س فق، التقريب 237.
5 لم تذكر المصادر زمناً معيناً لهذه السرية، لكنه يفهم من النص أن هذه السرية كانت في الزمن الذي حصلت فيه غزوة خيبر في المحرم من السنة السابعة (انظر: تاريخ غزوة خيبر من هذه الرسالة) ، كما أن المصادر لم تحدد الجهة التي ذهبت إليها هذه السرية على وجه الدقة، ولا ذكرت نتائجها أو عدد رجالها.
6 هو: أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي ... قال البخاري وأبو حاتم الرازي: له صحبة ... أسلم أيام خيبر وشهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، قتل يوم أجنادين سنة ثلاث عشرة. الإصابة (1/ 13) .
(2/663)

وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد أن فتحها، وإنَّ حُزُم1 خيلهم لَلِيف2، فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله، قال أبو هريرة: فقلت: لا تقسم لهم يا رسول الله، فقال أبان: أنت بها يا وَبْرُ3 تَحَدَّرَ4 علينا من رأسِ ضال5. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجلس يا أبان، ولم يقسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم"6.
__________
1 حُزُم: - بمهملة وزاي مضمومتين -، فتح الباري 7/ 492 هو ما يشد به وسط الفرس، القاموس (حزم) .
2 الليف: ليف النخل معروف، القطعة منه ليفة. القاموس (ليف) .
3 الْوَبْرُ: بفتح الواو وسكون الموحدة؛ دابة صغيرة كالسنور وحشية. الفتح 7/ 492.
4 تَحَدَّر: أي تدلى وتدأدأ - بمهملتين بينهما همزة ساكنة - الفتح 7/ 492.
5 الضال: هو السدر البري، الفتح 7/ 492، ووقع في رواية البخاري رقم (4237) (واعجباً لوبرٍ تدلى من قدوم ضأن) قال الحافظ: "وأما الضأن، فقيل: هو رأس الجبل؛ لأنه في الغالب موضع مرعى الغنم، وقيل: هو بغير همز، وهو جبل لدوس قوم أبي هريرة. الفتح 7/ 492.
وأراد أبان من ذلك تحقير أبي هريرة، وأنه ليس في قدر من يشير بعطاء ولا منع. وأنه قليل القدرة على القتال. الفتح 7/ 492.
6 سنن سعيد بن منصور 2/ 285- 286 رقم (2793) . ومن طريق سعيد بن منصور أخرجه أبو داود في سننه رقم (2723) وابن الجارود (1088) والبيهقي في السنن 6/ 334، وفي معرفة السنن والآثار 13/ 163 رقم (7776) ، وأخرجه أبو داود الطيالسي (2591) عن أبي عتبة عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري، وأخرجه من طريق إسماعيل بن عياش عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري، ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم (534) والطبراني في الأوسط رقم (3242) والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 244، وابن الأثير في أسد الغابة 1/ 47، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين رقم (273) من طريق الوليد بن مسلم قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: سمعت ابن شهاب الزهري يخبر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ... فذكره، ومن طريق الوليد بن مسلم أخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان رقم: 4814) .
وقد أخرجه البخاري تعليقاً عن الزبيدي فقال: "ويذكر عن الزبيدي عن الزهري ... فذكره".
قال الحافظ ابن حجر: " ... وطريقه هذه وصلها أبو داود من طريق إسماعيل بن عياش عنه، ووصلها أيضاً أبو نعيم في المستخرج من طريق إسماعيل أيضاً. فتح الباري 7/ 491.
وقد قال الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/ 520 رقم (2364) : "صحيح".
وأخرج هذه الرواية البلاذري في أنساب الأشراف 1/ 352، من طريق الزهري، وفيها أن الذي بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم هو سعيد بن العاص، وليس أبان بن سعيد، والصحيح الأول.
(2/664)

__________
في السنن 6/ 334، وفي معرفة السنن والآثار 13/ 163 رقم (7776) ، وأخرجه أبو داود الطيالسي (2591) عن أبي عتبة عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري، وأخرجه من طريق إسماعيل بن عياش عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري، ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم (534) والطبراني في الأوسط رقم (3242) والطحاوي في شرح معاني الآثار 1/ 244، وابن الأثير في أسد الغابة 1/ 47، وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين رقم (273) من طريق الوليد بن مسلم قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: سمعت ابن شهاب الزهري يخبر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ... فذكره، ومن طريق الوليد بن مسلم أخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان رقم: 4814) .
وقد أخرجه البخاري تعليقاً عن الزبيدي فقال: "ويذكر عن الزبيدي عن الزهري ... فذكره".
قال الحافظ ابن حجر: " ... وطريقه هذه وصلها أبو داود من طريق إسماعيل بن عياش عنه، ووصلها أيضاً أبو نعيم في المستخرج من طريق إسماعيل أيضاً. فتح الباري 7/ 491.
وقد قال الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/ 520 رقم (2364) : "صحيح".
وأخرج هذه الرواية البلاذري في أنساب الأشراف 1/ 352، من طريق الزهري، وفيها أن الذي بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم هو سعيد بن العاص، وليس أبان بن سعيد، والصحيح الأول.
(2/665)

المبحث الخامس عشر: في عمرة القضاء1
131- قال أبو يعلى: حدثنا أبو بكر بن زنجويه2، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، أخبرني أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة آخذ بِغَرْزِه وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... قد أنزل الرحمن في تنزيله
__________
1 قال الحافظ: "اختلف في سبب تسميتها عمرة القضاء، فقيل المراد ما وقع من المقاضاة بين المسلمين والمشركين من الكتاب الذي كتب بينهم بالحديبية، وقال آخرون: بل كان قضاء عن العمرة الأولى"، وقال السهيلي: "سميت عمرة القضاء لأنه قاضى فيها قريشاً، لا لأنها قضاء عن العمرة التي صُدَّ عنها؛ لأنها لم تكن فسدت حتى يجب قضاؤها، بل كانت عمرة تامةً. ولهذا عدوا عُمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم أربعاً". فتح الباري 7/500.
وقد عدها العلماء من المغازي ووجه ما ذكره الحافظ ابن حجر حيث قال: "ووجهوا كونها غزوة بأن موسى بن عقبة ذكر في المغازي عن ابن شهاب أنه صلى الله عليه وسلم خرج مستعداً بالسلاح والمقاتلة خشية أن يقع من قريش غدر فبلغهم ذلك ففزعوا، فلقيه مكرز فأخبره بأنه باق على شرطه". الفتح 7/ 499- 500.
ثم قال الحافظ: "ولا يلزم من إطلاق الغزوة وقوع المقاتلة"، المصدر السابق.
وقال ابن الأثير: "أدخل البخاري عمرة القضاء في المغازي لكونها كانت مُسَبّبة عن غزوة الحديبية"، المصدر السابق.
2 هو: محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغدادي أبو بكر الغزَّال، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين، ع، التقريب 494.
(2/666)

................................. ... بأن خير القتل في سبيله1
132- قال البيهقي2: وأخبرنا أبو الحسين3 بن الفضل القطان،
__________
1 مسند أبي يعلى (6/ 273- 274) رقم (3579)
والحديث أخرجه أيضاً أبو يعلى في المعجم رقم (3579) .
وقد أخرجه أبو زرعة الدمشقي رقم (1153) ، والفاكهي في أخبار مكة، رقم (1922) ، والبيهقي في السنن (10/ 228) ، وفي الدلائل (4/ 322) ، وشرح السنة للبغوي (12/ 375) رقم (3405) كلهم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس به، وسنده صحيح.
وقد أخرجه الترمذي رقم (2847) من طريق جعفر بن سليمان، ثم قال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث أيضاً عن معمر عن الزهري عن أنس نحو هذا، ورُوِيَ في غير هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وكعب بن مالك بين يديه، وهذا أصح عند بعض أهل الحديث، لأن عبد الله بن رواحة قتل يوم مؤتة، وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك، سنن الترمذي (5/ 139) رقم (2847) . قال الحافظ ابن حجر: "قلت: وهو ذهول شديد وغلط مردود، وما أدري كيف وقع الترمذي في ذلك مع وفور معرفته، ومع أن في قصة عمرة القضاء اختصام جعفر وأخيه علي وزيد بن حارثة في بنت حمزة ... وجعفر قتل هو وزيد وابن رواحة في موطن واحد ... وكيف يخفى عليه - أعني الترمذي - مثل هذا؟ ثم وجدت عن بعضهم أن الذي عند الترمذي من حديث أنس أن ذلك كان في فتح مكة، فإن كان كذلك اتجه اعتراضه، لكن الموجود بخط الكروخي راوي الترمذي ما تقدم. والله أعلم". اهـ. الفتح (7/ 502) .
2 دلائل البيهقي 4/ 314.
3 سبق التعريف برجال إسناد هذه الرواية في الرواية رقم [50] .
(2/667)

قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة1 عن ابن شهاب - قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام القابل من عام الحديبية معتمراً في ذي القعدة سنة سبع وهو الشهر الذي صده فيه المشركون عن المسجد الحرام حتى إذا بلغ يَأْجَجْ2 وضع الأداة كلها؛ الحُجُف3 والمجان4 والرماح والنبل ودخلوا بسلاح الراكب؛ السيوف، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث بن حزن العامرية5
__________
1 سبق التعريف برجال إسناد هذه الرواية في الرواية رقم [50] .
2 يَأْجَجْ: - بتحتية، فهمزة ساكنة، فجيمين، الأولى مفتوحة، وقد تكسر - وهو وادٍ قريب من مكة. سبل الهدى والرشاد 5/ 198.
3 الحجفة: الترس. النهاية 1/345.
4 المجن والمجان: وهو الترس أيضاً والتّرسة والميم زائدة، لأنه من الجُنَّة. النهاية 4/ 301.
5 هي: ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهرم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية، أم المؤمنين، أخت أم الفضل - لبابة - كان اسمها برة، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة، وكانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي رهم بن عبد العزى العامري، وقيل: عند سخبرة بن أبي رهم المذكور، وقيل: عند حويطب بن عبد العزى، وقيل: عند فروة أخيه، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة سبع لما اعتمر عمرة القضية. الإصابة 4/ 411.
(2/668)

فخطبها عليه، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، وكانت تحته أختها أم الفضل بنت الحارث1، فزوجها العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه فقال: "اكشفوا عن المناكب، واسعوا في الطواف" ليرى المشركون جلدهم وقوتهم، وكان يكابدهم بكل ما استطاع، فاستكف2 أهل مكة الرجال والنساء والصبيان ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشحاً3 بالسيف يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... أنا الشهيد أنه رسوله
قد أنزل الرحمن في تنزيله ... في صحف تتلى على رسوله
فاليوم نضربكم على تأويله ... كما ضربناكم على تنزيله4
__________
1 هي: لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية - أم الفضل - وهي أخت ميمونة أم المؤمنين، زوج العباس بن عبد المطلب، ووالدة أولاده: الفضل وعبد الله وغيرهما، وهي لبابة الكبرى مشهورة بكنيتها، ومعروفة باسمها. الإصابة 4/ 398.
2 استكف به الناس: إذا أحدقوا به، واستكفوا حوله ينظرون إليه. النهاية 4/ 190.
3 متوشحاً بالسيف: توشح بسيفه وثوبه: تقلد. القاموس (وشح) .
4 عند ابن إسحاق: (ابن هشام 2/ 371) : نحن قتلناكم على تأويله كما قتلناكم على تنزيله
قال ابن هشام: "نحن قتلناكم على تأويله ... إلى آخر الأبيات، لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم، والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين، والمشركون لم يقروا بالتنزيل، وإنما يقتل بالتأويل من أقر بالتنزيل". المصدر السابق.
قال الحافظ ابن حجر: "وزعم ابن هشام في مختصر السيرة أن قوله: "نحن نضربكم على تأويله" إلى آخر الشعر، من قول عمار بن ياسر قاله يوم صفين، قال: ويؤيده أن المشركين لم يقروا بالتنزيل، وإنما يقاتل على التأويل من أقر بالتنزيل، انتهى. وإذا ثبتت الرواية فلا مانع من إطلاق ذلك، فإن التقدير على رأي ابن هشام: نحن نضربكم على تأويله، أي حتى تذعنوا إلى ذلك التأويل، ويجوز أن يكون التقدير: نحن ضربناكم على تأويل ما فهمنا منه حتى تدخلوا فيما دخلنا فيه، وإذا كان ذلك محتملاً وثبتت الرواية سقط الاعتراض، نعم الرواية التي جاء فيها: "فاليوم نضربكم على تأويله" يظهر أنها قول عمار، ويبعد أن تكون قول ابن رواحة، لأنه لم يقع في عمرة القضاء ضرب ولا قتال، وصحيح الرواية: نحن ضربناكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله
يشير بكل منهما إلى ما مضى، ولا مانع أن يتمثل عمار بن ياسر بهذا الرجز، ويقول هذه اللفظة، ومعنى قوله: "نحن ضربناكم على تنزيله" أي في عهد الرسول فيما مضى، وقوله: "واليوم نضربكم على تأويله" أي الآن وجاز تسكين الباء لضرورة الشعر، بل هي لغة قرئ بها في المشهور. والله أعلم". اهـ. كلام الحافظ. الفتح 7/ 501.
(2/669)

ضربا يزيل الهام1 عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
قال: وتغيب رجال من أشراف المشركين كراهية أن ينظروا إلى
__________
1 الهام: جمع هامة وهي أعلى الرأس. ومقيله: موضعه، مستعار من موضع القائلة. النهاية 4/ 134.
(2/670)

رسول الله صلى الله عليه وسلم غيظاً وحنقاً1 ونفاسة، وحسداً، خرجوا إلى الخَنْدَمَة2 فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وأقام ثلاث ليال، وكان ذلك آخر القضية يوم الحديبية، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى3 ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة، فصاح حويطب: نناشدك الله والعقد لما خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاث، فقال سعد بن عبادة: كذبت لا أم لك، ليس بأرضك ولا أرض آبائك، والله لا يخرج، ثم نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيلاً وحويطباً فقال: إني نكحت فيكم امرأة، فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها، ونصنع ونضع الطعام فنأكل وتأكلون معنا، قالوا: نناشدك الله
__________
1 الحنق: الغيظ، يقال حنق عليه - بالكسر - يحنق فهو حنق، وأحنقه غيره فهو محنق. النهاية 1/ 451.
2 الخندمة: - بفتح الخاء المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال والميم ثم هاء - وهي: جبال مكة الشرقية، تبدأ من أبي قبيس شرقاً وشمالاً، وقد شقت اليوم أنفاق عبر جبال الخنادم تدخل من عند المسجد الحرام وتخرج عند (محبس الجن) بطرف العزيزية الغربي. معجم المعالم الجغرافية 115.
3 هو: حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل ابن عامر بن لؤي القرشي العامري أبو محمد أو أبو الأصبغ، أسلم عام الفتح وشهد حنيناً، وكان من المؤلفة ... توفي في خلافة معاوية سنة أربع وخمسين. الإصابة 1/ 364.
(2/671)

والعقد إلا خرجت عنا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل ببطن سَرِف1، وأقام المسلمون، وخلّف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع2 ليحمل ميمونة إليه حين يمسي، فأقام بسرف حتى قدمت عليه ميمونة، وقد لقيت ميمونة ومن معها عناء وأذى من سفهاء المشركين وصبيانهم، فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف، فبنى بها ثم أدلج3 فسار حتى قدم المدينة، وقدّر الله أن يكون موت ميمونة بسرف بعد ذلك بحين، فماتت حيث بنى بها، وذكر قصة ابنة حمزة4، وذكر أن الله عزوجل أنزل في تلك العمرة: {الشَّهرُ الحَرَامُ
__________
1 سَرِف: - بفتح السين وكسر الراء وفاء -: هو وادٍ متوسط الطول من أودية مكة يأخذ مياه ما حول الجعرانة - شمال شرقي مكة - ثم يتجه غرباَ، وبه مزارع منها (ثُرَير) ، فيمر على (12) كيلاً شمال مكة، وحيث يقطع الطريق هناك يوجد قبر السيدة ميمونة أم المؤمنين على جانب الوادي الأيمن. معجم المعالم الجغرافية 157.
2 أبو رافع القبطي: مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال: اسمه إبراهيم، ويقال: أسلم، وقيل: سنان، وقيل: يسار، وقيل: صالح، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: قرمان، وقيل: يزيد، وقيل: ثابت، وقيل: هرمز، ... قيل: كان مولى العباس بن عبد المطلب فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه لما بشره بإسلام العباس، كان إسلامه قبل بدر، ولم يشهدها، وشهد أحداً وما بعدها، مات بالمدينة قبل عثمان بيسير. الإصابة (4/ 67) .
3 أدلج: أي: سار بالليل. النهاية (2/ 129) .
4 اسمها: عمارة، وقيل: فاطمة، وقيل: أمامة، وقيل: أمة الله، وقيل: سلمى، والأول هو المشهور. الفتح (7/ 505) ، وانظر: قصة ابنة حمزة في صحيح البخاري حديث رقم (4251) .
(2/672)

بِالشَّهْرِ الحَرَامِ والحُرُمَاتُ قِصَاص} 1، فاعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشهر الحرام الذي صدّ فيه"2.
هذا لفظ حديث موسى بن عقبة، وفي رواية عروة عند قول سعد بن عبادة: "والله لا يخرج منها، إلا طائعاً راضياً. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحك: "لا تؤذ قوماً زارونا في رحالنا"، ثم ذكر الباقي بمعناه، ولم يذكر رجز عبد الله بن رواحة ولا قول من قال فزوجها العباس.
133- وأخرج الواقدي عن جمع من الرواة ومنهم الزهري قالوا: لما دخل هلال ذي القعدة سنة سبع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم وألا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف أحد شهدها إلا رجال استشهدوا بخيبر ورجال ماتوا، وخرج مع رسول الله
__________
1 سورة البقرة، آية (194) .
2 وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف (5/ 373، رقم 9738) عن الزهري مرسلاً القدر المتعلق بمكث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً وخروجه بعد انقضائها.
وأخرجه الطبراني إلى قوله: " ... غيظاً وحنقاً" انظر: المجمع (6/ 146- 147) وقال الهيثمي: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح" وأخرجه الحاكم في المستدرك (4/ 30) القدر الذي يتعلق بزواج ميمونة، كلهم عن الزهري مرسلاً.
واعتمار النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة ومكثه ثلاثة أيام وخروجه بعد ذلك، ذكره البخاري في الصحيح رقم (4251) ، ومسلم بشرح النووي (9/ 10) . وأخرجها الواقدي في المغازي (2/ 731) عن شيوخه ومنهم الزهري.
(2/673)

صلى الله عليه وسلم قوم من المسلمين سوى أهل الحديبية ممن لم يشهد صلح الحديبية عُمَّاراً فكان المسلمون في عمرة القضية ألفين1.
__________
1 مغازي الواقدي (2/ 731) والواقدي متروك، فالرواية ضعيفة.
وقال الحاكم في الإكليل: "تواترت الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم لما هل ذو القعدة أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء عمرتهم وأن لا يتخلف منهم أحد شهد الحديبية، فخرجوا إلا من استشهد، وخرج معه آخرون معتمرين فكانت عدتهم ألفين سوى النساء والصبيان". فتح الباري (7/ 500) .
(2/674)

المبحث السادس عشر: في سرية ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سُليم.
134- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين1 بن الفضل القطان، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل، قال: حدثنا جَدِّي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: "ثم غزا2 ابن أبي العوجاء3 - وفي رواية القطان - ثم غزوة ابن أبي العوجاء – السلمي في ناس بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض بني سُليم،
__________
1 تقدمت ترجمة رجال إسناد هذه الرواية في الرواية السابقة رقم [50] .
2 كانت بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من عمرة القضية في ذي الحجة سنة سبع، مغازي الواقدي، 2/ 741.
3 هو: الأخرم بن أبي العوجاء السلمي الشامي، الإصابة (1/ 25) ، قال الحافظ: روي عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الأخرم هذا في سنة سبع سرية في خمسين رجلاً إلى بني سُليم فقتل عامتهم وتوصل ابن أبي العوجاء جريحاً، ويحتمل أن يكون هو محرز بن نضلة. الإصابة (1/ 25) .
(2/675)

فقُتل1 هو وأصحابه"2.
135- وقال الواقدي: حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم3، عن الزهري، قال: "لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرة القضية رجع في ذي الحجة سنة سبع بعث ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلاً إلى بني سُليم وكان عين بني سُليم معه، فلما جمعوا جمعاً كثيراً، وجاءهم ابن أبي العوجاء والقوم معدون، فلما رآهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا جمعهم دعوهم إلى الإسلام، فرشقوهم بالنبل، ولم يسمعوا قولهم، وقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتم إليه، فرموهم ساعة، وجعلت الأمداد تأتي حتى أحدقوا من كل ناحية، فقاتل القوم قتالاً شديداً حتى قُتل عامتهم، وأصيب صاحبهم ابن أبي العوجاء جريحاً مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدموا المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان"4.
ض
__________
1 وفي رواية الواقدي في المغازي (2/ 741) ،أن ابن أبي العوجاء لم يقتل وإنما جرح ثم تحامل حتى أتى الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 612) أنه أصيب هو وأصحابه.
2 دلائل النبوة (4/ 341) وسندها حسن إلى الزهري.
3 هو: ابن أخي الزهري، صدوق له أوهام، تقدم في الرواية رقم [10] .
4 مغازي الواقدي (2/ 741) والواقدي متروك؛ فالرواية ضعيفة، ومن طريق الواقدي أخرجها ابن سعد في الطبقات (4/ 275) والبيهقي في الدلائل (4/ 341- 342) ، وابن كثير في البداية (4/ 235) ، وذكرها أيضاً ابن سعد في الطبقات الكبرى (2/ 123) ، والطبري في التاريخ (3/ 26) ، والذهبي في المغازي (ص: 469) .
(2/676)

المبحث السابع عشر: في سرية كعب بن عمير الغفاري إلى قضاعة من ناحية الشام.
136- قال الواقدي: ثنا محمد بن عبد الله، عن الزهري قال: "بعث1 رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري2 في خمسة عشر رجلاً حتى انتهوا إلى ذات أطلاح3 من الشام، فوجدوا جمعاً من جمعهم كثيراً فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوهم أشد القتال، حتى قُتلوا فأفلت منهم رجل4 جريح في القتلى، فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمَّ بالبعث إليهم فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم"5.
__________
1 ذكر ابن سعد في الطبقات (2/ 127) أنها كانت في شهر ربيع الأول سنة ثمان.
2 كعب بن عمير الغفاري ... قال أبو عمر: "من كبار الصحابة، أمَّره النبي صلى الله عليه وسلم على سرية فقتل ... " الإصابة (3/ 301) .
3 ذات أطلاح: موضع من وراء وادي القرى إلى المدينة أغزاه رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري في شهر ربيع الأول سنة ثمان. المعالم الأثيرة (30) .
4 في رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب وأبي الأسود عن عروة؛ كما في الإصابة (3/ 301) أن الذي تحامل على جرحه هو كعب بن عمير.
5 مغازي الواقدي (2/ 752- 753) والواقدي متروك، فالرواية ضعيفة، ومن طريق الواقدي أخرجها ابن سعد في الطبقات (2 / 127) ، والبيهقي في الدلائل (4/ 357) ، وذكرها الذهبي في تاريخ الإسلام قسم المغازي (477) .
وأخرجها موسى بن عقبة عن ابن شهاب وأبو الأسود عن عروة قالا: بعث النبي صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري نحو ذات أطلاح من البلقاء، فأصيب كعب ومن معه. انظر: الإصابة (3/ 301) .
(2/677)

المبحث الثامن عشر: في سرية ذات السلاسل
137- عبد الرزاق1 عن معمر عن الزهري قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما هاجر وجاء الذين كانوا بأرض الحبشة، بعث بعثين قِبَل الشام إلى كَلْب2 وبَلْقَين3 وغَسّان4 وكفار العرب الذين في مشارف الشام، فأمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد البعثين أبا عبيدة بن الجراح5 وهو
__________
1 مصنف عبد الرزاق (5/ 452) رقم (9770) ، وهي رواية صحيح إلى الزهري، لكنها مرسلة.
2 هو: كلب بن وبَرَة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة، جمهرة أنساب العرب (352 و455) .
3 بلقين: أو بنو القين: وهو النعمان بن جَسْر بن شيع الله بن أسد بن وبَرَة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة. جمهرة أنساب العرب (454) .
4 غسان: طوائف نزلوا بماء يقال له: "غسّان"، فنسبوا إليه. جمهرة أنساب العرب (462) .
وهذه الطوائف والبطون من الأزد، منهم: بنو امرئ القيس، وجُهادة، وعدي، وعمرو، والجريش، وغيرهم من البطون، انظر: جمهرة أنساب العرب (472) .
5 هو: عامر بن عبد الرحمن بن الجراح بن هلال بن أهيب، ويقال: وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي الفهري، أبو عبيدة، كان إسلامه قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، أحد العشرة السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً. الإصابة (2/ 252) .
(2/678)

أحد بني فهر، وأمّر على البعث الآخر عمرو بن العاص1، فانتدب في بعث أبي عبيدة أبو بكر وعمر، فلما كان عند خروج البعثين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص فقال لهما: "لا تعاصيا"2، فلما فصلا عن المدينة جاء أبو عبيدة فقال لعمرو بن العاص: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا أن لا نتعاصيا فإما أن تطيعني وإما أن أطيعك، فقال عمرو بن العاص: بل أطعني، فأطاعه أبو عبيدة، فكان عمرو أمير البعثين كليهما، فوجد من ذلك عمر بن الخطاب وجداً شديداً، فكلم أبا عبيدة فقال: أتطيع ابن النابغة3 وتؤمّره على نفسك وعلى أبي بكر وعلينا ما هذا الرأي، فقال أبو عبيدة لعمر بن الخطاب: ابن أم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليّ وإليه أن لا نتعاصيا فخشيت إن لم أطعه أن أعصي رسول الله صلى الله عليه وسلم
__________
1 عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي، أمير مصر، يكنى أبا عبد الله، وأبا أحمد، أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان، وقيل بين الحديبية وخيبر. الإصابة 3/2.
2 العصيان: خلاف الطاعة، عصاه يعصيه عَصْياً، ومعصية، وعصاه، فهو عاص وعصي. القاموس (عصى) .
3 النابغة: أم عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهي من بني عَنَزَة - بفتح المهملة والنون - انظر: الإصابة (3/2) .
(2/679)

وشكى إليه ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنا بمؤمريها1 عليكم إلا بعدكم"، يريد المهاجرين، وكانت تلك الغزوة تسمَّى ذات السَّلاسِل2 أسر فيها ناس كثيرة من العرب، وسُبُوا3.
__________
1 هكذا في نص المصنف، ولعل الصواب: (بمؤثر بها) كما قال محقق المصنف (5/ 453 ح: 6) .
2 ذات السلاسل: - بالمهملتين، والمشهور أنها بفتح الأول على لفظ جمع السلسلة - فتح الباري (7/ 26) شرح حديث (3662) ، وسميت بذلك لأن المكان الذي كانت فيه هذه المعركة كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة. فتح الباري (7/ 26) ، وضبطها ابن الأثير - بضم السين الأولى وكسر الثانية - النهاية (2/ 389) ، وذكر سبب تسميتها فقال: ماء بأرض جذام وبه سميت الغزوة وهو في اللغة الماء السلسال، وقيل: هو بمعنى السلسال. النهاية (2/ 389) .
وقد سبق ابن إسحاق ابن الأثير في ذكر سبب تسميتها فذكر أنها سميت بذلك لماء بأرض جذام، يقال له: السلسل. ابن هشام (2/ 623) .
وقيل: بل سميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا، فتح الباري (8/ 74) .
وقد ذكر ابن سعد أنها وراء وادي القرى، بينها وبين المدينة عشرة أيام وأنها كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة. الطبقات الكبرى (2/ 131) ، وقال النووي: وكانت هذه الغزوة في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة، وكانت مؤتة قبلها في جمادى الأولى من سنة ثمان أيضاً، قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: "كانت ذات السلاسل بعد مؤتة فيما ذكره أهل المغازي، إلا ابن إسحاق فقال قبلها". شرح النووي على مسلم (15/ 153) .
3 هذه السرية أشار إليها البخاري رقم (4358) ومسلم بشرح النووي (15/ 253) ، ولكن بدون تفصيل.
وانظر هذه السرية في مغازي عروة (ص: 207) ، من طريق موسى بن عقبة عن عروة وابن إسحاق (ابن هشام 2/ 623) ، ومغازي الواقدي (2/ 769- 771) والطبقات الكبرى (2/ 131) ، ومسند أحمد (الفتح الرباني 21/ 139- 140) من مرسل الشعبي وتفاصيل السرية رويت بطرق كلها مرسلة، ولكن أصلها ثابت في الصحيحين كما سبق.
وكان من شأن هذه السرية ما ذكره الواقدي وملخصها: أن أبا عبيدة أطاع عمراً فآب إلى عمرو جمعٌ، فصاروا خمسمائة، فسار الليل والنهار حتى وطئ بلاد بَليٍّ ودوّخَها، وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه كان بهذا الموضع جمع، فلما سمعوا به تفرقوا، حتى انتهى إلى أقصى بلاد بليّ وعُذْرة وبَلْقَيْن، ولقي في آخر ذلك جمعاً ليس بالكثير، فقاتلوا ساعة وتراموا بالنبل، ورمي يومئذ عامر بن ربيعة بسهم فأصيب ذراعه، وحمل المسلمون عليهم فهربوا وأعجزوا هرباً في البلاد وتفرقوا، ودوّخ عمرو ما هنالك وأقام أياماً لا يسمع لهم بجمع ولا بمكان صاروا فيه، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنّعم، وكانوا ينحرون ويذبحون، لم يكن في ذلك أكثر من ذلك، ولم تكن غنائم تُقسم إلا ما ذكر له. مغازي الواقدي (2/ 771) ، ودلائل البيهقي (4/ 401) ، والبداية والنهاية (4/ 273) .
(2/680)

المبحث التاسع عشر: في سرية مؤتة.
المطلب الأول: في تأريخها وتعيين الأمراء لجيش مؤتة.
...
المبحث التاسع عشر: في سرية مُؤْتَة.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في تأريخها وتعيين الأمراء لجيش مؤتة.
(2/681)

138- وقال الواقدي: حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: " إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس، فإن قتل فليرتض1 المسلمون منهم رجلاً فيجعلوه عليهم"2.
139- أخرج الطبراني عن ابن شهاب قال: ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً إلى مؤتة3 وأمَّر4 عليهم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر
__________
1 اصطلح الناس وارتضوا خالد بن الوليد، ذكر ذلك ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 379- 380) ، وانظر: دلائل البيهقي (4/ 364) ، والبداية والنهاية (4/ 245) .
وقال ابن هشام: "فأما الزهري فقال فيما بلغنا عنه: أمر المسلمون عليهم خالد بن الوليد ففتح الله عليهم، وكان عليهم حتى قفل إلى النبي صلى الله عليه وسلم". (ابن هشام: 2/ 383) .
2 سبل الهدى والرشاد للشامي (6/ 144) ، وسنده ضعيف. وقد استقرأت مغازي الواقدي، فلم أجده.
3 مؤتة: - بضم الميم وسكون الواو بغير همز - لأكثر الرواة، وبه جزم المبرد، ومنهم من همزها وبه جزم الجوهري وابن فارس. فتح الباري (7/ 510) ، وانظر: الصحاح للجوهري (1/ 268) ومجمل اللغة لابن فارس (2/ 819) .
ثم قال ابن حجر: "وأما الموتة التي ورد الاستعاذة منها وفسرت بالجنون فهي بغير همز، الفتح (7/ 510) ، وهي الآن تقع شرق الأردن على مسيرة أحد عشر كيلاً جنوب الكرك، إذا سرت من معان إلى عَمَّان كانت مؤتة على يسارك إذا كنت في منتصف المسافة، وقربها مكان يدعى المزار، وفيها قبر جعفر رضي الله عنه. انظر: معجم المعالم الجغرافية للبلادي (304) "، والمعالم الأثيرة (237) .
4 قوله: وأمر عليهم: ورد ما يشهد له من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه عند البخاري في صحيح انظر:
(2/682)

ابن أبي طالب أميرهم، فان أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة أميرهم، فانطلقوا حتى لقوا ابن أبي سبْر ة الغساني بمؤته وبها جموع من نصارى
__________
(صحيح البخاري مع الفتح 7/ 510 رقم 4261) ومن رواية أبي قتادة عند أحمد في المسند (37/ 244 رقم [22551] أرناؤوط) ، وابن أبي شيبة في المصنف (14/ 512) ، والنسائي في فضائل الصحابة (43- 44) حديث رقم (145) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 15/ 522، حديث رقم (7048) ، والطبراني في تاريخه (3/ 41- 42) ، والبيهقي في الدلائل (4/ 367) ، وقد كان عدد جيش المسلمين ثلاثة آلاف، ذكر ذلك عروة في مغازيه. انظر: دلائل البيهقي (4/ 363) ، وابن هشام (2/ 373) ، وقد قال الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي (ص: 396) "سنده صحيح".
ويشهد له أيضاً ما رواه الإمام أحمد في المسند (3/ 278 رقم [1750] أرناؤوط) من رواية عبد الله بن جعفر والنسائي (5/ 180) رقم (8604) ، والطبراني في الكبير (2/ 105- 106 رقم (1461) .
والواقدي في المغازي (2/ 756) ، وابن سعد في الطبقات الكبرى (2/ 128) ، ونقل ابن عساكر عن الوليد بن مسلم قال: وأخبرني سعيد بن عبد العزيز وغيره: أنهم كانوا ستة آلاف من المهاجرين والأنصار وغيرهم. تاريخ دمشق قسم السيرة (2/ 9) ، أما الروم ومن معهم من قبائل العرب فقد كان عددهم مائة ألف. انظر: مغازي الواقدي (2/ 760) ، وطبقات ابن سعد (2/ 129) .
قال ابن كثير: "وقيل: كان الروم مائتي ألف ومن عداهم خمسون ألفاً، وأقل ما قيل: إن الروم كانوا مائة ألف، ومن العرب خمسون ألفاً". البداية والنهاية (4/ 242) .
(2/683)

العرب والروم، وبها تَنُوخ1، وبَهْراء2، فأغلق ابن أبي سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام، ثم خرجوا فالتقوا على زرع أخضر، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وأخذ اللواء زيد بن حارثة فقتل، ثم أخذه جعفر فقتل، ثم أخذه ابن رواحة فقتل، ثم اصطلح3 المسلمون بعد أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم على خالد بن الوليد فهزم4 الله العدو، وأظهر المسلمون، وبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الأولى5.
__________
1 تنوخ: هي من اليمن، وقد اختلف النسابون فيه، والأكثر أنهم من قضاعة، انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (453) ، وتاريخ ابن خلدون (2/ 248) ، ونهاية الأرب للقلقشندي (178) ، ومعجم قبائل العرب لكحالة (1/ 134) .
2 بهراء: هو بهراء بن عمرو بن الحافي بن قضاعة، انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (440) ، ونهاية الأرب للقلقشندي (172) ، ومعجم قبائل العرب لعمر رضا كحالة (1/ 110) .
3 اصطلاح المسلمين على خالد ذكره موسى بن عقبة في مغازيه (انظر: البيهقي في الدلائل 4/ 365، والواقدي في مغازيه 2/ 764، وابن سعد في الطبقات 2/ 129) .
4 ورد عند البخاري رقم (3063) من حديث أنس مرفوعاً ما يشهد لذلك، فقد جاء فيه: ( ... ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح الله عليه) .
5 مجمع الزوائد للهيثمي (6/ 160) ، ثم قال: رواه الطبراني ورجاله ثقات، وقد استقرأت معاجم الطبراني المطبوعة فلم أجده، فلعله في الأجزاء المفقودة من الكبير.
وقد كانت هذه السرية في جمادى الأولى سنة ثمان: ذكر ذلك عروة بن الزبير، انظر: دلائل البيهقي (4/ 359) ، وابن إسحاق (ابن هشام 2/ 373) ، والطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 128) ، وعيون الأثر لابن سيد الناس (2/ 208) ، والبداية والنهاية (4/ 241) .
وذكر ابن عبد البر في الدرر: أنها في جمادى الآخرة.
وقد ذكر ابن حجر في الفتح (7/ 511) : أن خليفة بن خياط ذكرها في تاريخه سنة سبع، والذي في تاريخ خليفة (86- 87) أنها في سنة ثمان في جمادى الأولى.
(2/684)

المطلب الثاني: في بكاء عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وسببه.
140- قال أبو نعيم: حدثنا فاروق1 بن عبد الكبير، حدثنا زياد2 بن الخليل، حدثنا إبراهيم3، حدثنا محمد4 بن فليح، ثنا موسى ابن عقبة عن ابن شهاب قال: زعموا أن ابن رواحة بكى حين أراد الخروج إلى مؤتة، فبكى أهله حين رأوه يبكي، فقال: والله ما بكيت جزعاً من الموت، ولا صبابة5 لكم، ولكني بكيت من قول الله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إلاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً} 6 فأيقنت أني واردها
__________
1 هو: فاروق بن عبد الكبير بن عمر، المحدث المعمر، مسند البصرة، أبو حفص الخطابي البصري، قال عنه الذهبي: "وما به بأس، بقي إلى سنة إحدى وستين وثلاثمائة". السير (16/ 140- 141) .
2 هو: زياد بن الخليل التستري، قال الخطيب: وذكره الدارقطني فقال: لا بأس به، انظر: تاريخ بغداد (8/ 481- 482) .
3 هو: الحزامي صدوق تقدم.
4 صدوق يهم، تقدم.
5 الصبابة: الشوق، أو رقته، أو رقة الهوى، القاموس (صبب) .
6 سورة مريم، آية (71) .
(2/685)

ولم أدر أأنجو منها أم لا1.
__________
1 الحلية (1/ 165) تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا.
وقصة بكاء ابن رواحة أخرجها ابن إسحاق من طريق عروة بن الزبير، انظر: ابن هشام (2/ 373) ، ودلائل البيهقي (4/ 358- 360) ، وأخرجها ابن عساكر من طريق موسى بن عقبة نحوه، انظر: تاريخ دمشق قسم السيرة (2/ 12) .
(2/686)

المبحث العشرون: في إرسال النبي صلى الله عليه وسلم سرية إلى إِضَم وقتلهم رجلاً بعد إسلامه.
141- قال ابن شبة1: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن بكار2، قال: حدثنا الوليد بن مسلم3 قال: حدثنا عبد الله بن زياد بن سمعان4 وغيره عن ابن شهاب الزهري، عن عبد الله بن موهب5 عن قبيصة بن ذؤيب الكعبي6 قال:
__________
1 تاريخ المدينة (2/ 449) .
2 أحمد بن عبد الرحمن بن بكار بن عبد الملك بن الوليد بن بسر، بضم الموحدة وسكون المهملة، يكنى أبا الوليد البسري، صدوق تكلم فيه بلا حجة، من العاشرة، ت سنة ثمان وأربعين، ت ق، التقريب (81) .
3 الوليد بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع - أول سنة خمس - وتسعين، ع. التقريب (584) .
4 هو: عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المخزومي، أبو عبد الرحمن المدني، قاضيها، متروك، اتهمه بالكذب أبو داود وغيره، من السابعة، مد ق، التقريب 303.
5 هو عبد الله بن موهب الشامي، أبو خالد، قاضي فلسطين لعمر بن عبد العزيز، ثقة لكنه لم يسمع من تميم الداري، من الثالثة، ع، التقريب 325.
6 هو قبيصة بن ذؤيب - بالمعجمة، مصغر - ابن حلحلة - بمهملتين، بينهما لام ساكنة - الخزاعي، أبو سعيد، أو أبو إسحاق المدني، من أولاد الصحابة، وله رؤية مات سنة بضع وثمانين، ع، التقريب 435.
(2/687)

أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية1 فلقوا المشركين بإضم2 أو قريب منه، فهزم الله المشركين وغشي محلّم بن جثامة الليثي3 عامر بن الأضبط الأشجعي4، فلما لحقه قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فلم ينته بكلمته حتى قتله، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إلى محلم فقال: "أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ " فقال: يا رسول الله إن كان قالها فإنما يعوذ بها وهو كافر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا ثقبت عن قلبه؟ " قال: يريد - والله أعلم - إنما كان يعرب عن القلب واللسان، قال ابن سمعان: وإنه قتله محلم رغبة في سلاحه، وفيه نزلت هذه الآية: {ولا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ
__________
1 كانت هذه السرية قبل فتح مكة؛ انظر: (ابن هشام 2/626) وقال الواقدي: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث هذه السرية حين خرج لفتح مكة في شهر رمضان، وكانوا ثمانية نفر". المغازي (1/6) و (2/796) وتاريخ الطبري (3/36) .
2 إِضَم: - بكسر الهمزة وفتح الضاد المعجمة - سمي الوادي إضماً لتضام السيول عنده، حيث تجتمع سيول أودية: بطحان وقناة والعقيق، وتكون مسيلاً واحداً يصل إلى البحر الأحمر بين الوجه وأملج. المعالم الأثيرة (29) .
3 هو: محلّم بن جثامة بن قيس الليثي أخو الصعب بن جثامة ... قال ابن عبد البر: يقال: إنه الذي قتل عامر بن الأضبط، وقيل: إن محلماً غير الذي قتل، وأنه نزل حمص ومات بها أيام ابن الزبير. ويقال: إنه الذي مات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ودفن فلفظته الأرض مرة بعد أخرى. الإصابة (3/ 369) .
4 هو: عامر بن الأضبط الأشجعي ... ذكره ابن شاهين وغيره، وساق قصة تدل على أنه قتل حين أسلم قبل أن يلقى النبي صلى الله عليه وسلم. الإصابة (2/ 247) .
(2/688)

لستَ مؤمناً} 1 قال الوليد: وأنبأنا أبو سعيد فكان يحدثنا أنه سمع الحسن يقول: إنما نزلت هذه الآية في قتل مرداس الفدكي2.
__________
1 سورة النساء، الآية (94) .
2 الحديث ضعيف من هذه الطريق، من أجل عبد الله بن زياد، لكن قد ورد الحديث من غير طريق الزهري، فقد أخرجه ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 626) عن عبد الله بن أبي حدود.
ومن طريقه أخرجه أحمد في المسند (39/ 319، رقم: [23881] أرناؤوط) ، والطبري في تفسيره رقم (10212) تحقيق: شاكر، وسنده حسن، فقد صرح ابن إسحاق فيه بالتحديث، كما في السيرة النبوية ومسند أحمد، أما عند الطبري فقد ذكره بالعنعنة.
وأخرجه الطبري أيضاً برقم (10211) من طريق ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر، وفيه عنعنة ابن إسحاق.
وقد أخرج البيهقي من طريق شعيب عن الزهري عن عبد الله بن موهب عن قبيصة نحوه، إلا أنه لم يسم محلماً ولا عامراً وستأتي هذه الرواية.
وأما قوله تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً} فقد اختلف في سبب نزولها فقد ذكر البخاري في الصحيح رقم (4591) من حديث ابن عباس قال: "كان رجل في غُنيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك إلى قوله: {عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ".
وأخرجه أحمد في المسند (3/ 320، رقم 2023 ورقم 2462) تحقيق شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
وأخرجه أيضاً الترمذي في السنن (5/ 240) رقم (3030) ، وقال: هذا حديث
(2/689)

__________
حسن. وانظر: صحيح سنن الترمذي للألباني (3/ 40 رقم 2426) ، وحكم عليه بالصحة. وأخرجه الحاكم أيضاً في المستدرك (2/ 235) وصححه.
وروى البزار من طريق حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قصة أخرى، قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير، فقال له: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف لك بلا إله إلا الله غداً. وأنزل الله هذه الآية". الفتح (8/ 258) وهذه القصة يمكن الجمع بينها وبين التي قبلها بالتعدد.
قال الحافظ ابن حجر: "ويستفاد منها تسمية القاتل، وأما المقتول فروى الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة نحوه، واللفظ للكلبي أن اسم المقتول مرداس بن نهيك من أهل فدك، وأن اسم القاتل: أسامة بن زيد". الفتح (8/ 258) .
قلت: قد أخرج البخاري في صحيحه مع الفتح (7/ 517) رقم (4269) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما يقول: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحُرَقَة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته. فلما قدما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ " قلت: كان متعوذاً. فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم".
وهذه السرية كانت في رمضان سنة سبع كما ذكر ابن حجر في الفتح (7/258) وكان أميرها غالب بن عبد الله الليثي، وقتل أسامة لهذا الرجل في هذه السرية يدل على تعدد القصة. والله أعلم.
(2/690)

142- قال البيهقي: أخبرنا أبو القاسم1 عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن، قال: أخبرنا أبو بكر محمد2 بن أحمد بن خَنْب، قال: حدثنا محمد3 بن إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا أيوب4 بن سليمان ابن بلال، قال: حدثنا أبو بكر5 بن أبي أويس، قال: حدثنا سليمان بن بلال6، عن محمد7 بن أبي عتيق، وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب (ح) . وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس محمد بن
__________
1 لم أجد له ترجمة.
2 هو: أبو بكر محمد بن أحمد بن خنب بن أحمد الدهقان، قال عنه الذهبي في السير (15/ 523- 524) : لا بأس به، وانظر ترجمته في تاريخ بغداد (1/ 296) .
3 هو: محمد بن إسماعيل بن يوسف السلمي، أبو إسماعيل الترمذي، نزيل بغداد، ثقة حافظ، لم يتضح كلام أبي حاتم فيه، من الحادية عشرة، مات سنة ثمانين. ت س. التقريب 468.
4 أيوب بن سليمان بن بلال القرشي المدني، أبو يحيى ثقة، لينه الساجي بلا دليل، من التاسعة، مات سنة 124 هـ، خ، د، س، ت، التقريب 118.
5 هو عبد الحميد بن عبد الله بن أويس الأصبحي، مشهور بكنيته كأبيه، ثقة من التاسعة، مات سنة 202هـ، خ، م، ت، س، التقريب 333.
6 هو سليمان بن بلال التيمي مولاهم، أبو محمد وأبو أيوب المدني، ثقة، من الثامنة، مات سنة 177 هـ- ع، التقريب 250
7 هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق: محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر التيمي، المدني، مقبول، من السابعة، خ، د، ت، س، التقريب 490.
(2/691)

يعقوب، قال: حدثنا محمد بن أسامة قال: حدثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال: حدثنا عبد الله بن موهب، عن قبيصة بن ذؤيب قال: أغار رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرية من المشركين فانهزمت، فغشي رجل من المسلمين رجلاً من المشركين - وهو منهزم - فلما أراد أن يعلوه بالسيف قال الرجل: لا إله إلا الله، فلم ينزع عنه حتى قتله، ثم وجد في نفسه من قتله، فذكر حديثه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فهلاّ نقّبت عن قلبه؟ " يريد أن يعبر عن القلب اللسان، فلم يلبثوا إلا قليلاً حتى توفي ذلك الرجل القاتل، فدفن فأصبح على وجه الأرض، فجاء أهله فحدثوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ادفنوه" فأصبح على وجه الأرض، فجاء أهله فحدثوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ادفنوه" فدفنوه، فأصبح على وجه الأرض، فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثوه ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الأرض قد أبت أن تقبله، فاطرحوه في غار من الغيران"1.
__________
1 الدلائل (4/309) بسند صحيح.
وأخرج نحوه ابن إسحاق فقال: وحدثني من لا أتهم عن الحسن البصري، فذكر نحوه، وأخرجه الطبري في تفسيره رقم (10211) تحقيق شاكر، متصلاً من طريق ابن إسحاق، ولكن فيه عنعنة ابن إسحاق، وأخرج نحوه البيهقي في الدلائل (4/310) من طريق يونس بن بكير عن البراء بن عبد الرحمن الغنوي عن الحسن مرسلاً.
(2/692)

الفصل الثالث: فتح مكة شرفها الله والأحداث التي أعقبتها
المبحث الأول: في سبب هذه الغزوة.
...
المبحث الأول: في سبب هذه الغزوة.
143- قال البيهقي1: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ2، وأبو بكر أحمد بن الحسن الحيري3، قالا: حدثنا أبو العباس4 محمد بن يعقوب. قال: حدثنا أحمد5 بن عبد الجبار، حدثنا يونس6 بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعاً قالا: كان في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من
__________
1 دلائل النبوة (5/ 5- 7) ، والسنن الكبرى له (9/ 233- 234) ، وأسد الغابة (4/ 224) ، ترجمة عمرو بن سالم الخزاعي، نقلاً عن ابن إسحاق وقد ذكر السبب مختصراً، والبداية والنهاية 4/ 278- 279، ونقلها ابن حجر في الإصابة 2/ 536، ترجمة عمرو بن سالم، وفي الفتح (7/ 519)
2 ثقة، تقدم في الرواية رقم [1] .
3 ثقة، تقدم في الرواية رقم [84] .
4 أبو العباس محمد بن يعقوب تقدم في الرواية رقم [20] .
5 تقدم في الرواية رقم [84] .
6 تقدم في الرواية رقم [20] .
(2/697)

شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت1 خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهراً2، ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم، وثبوا على خزاعة الذين
__________
1 الوثوب: النهوض والقيام. اللسان، مادة (وثب) .
2 وعند الواقدي في المغازي (2/ 783) : " ... فلما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهراً من صلح الحديبية تكلمت بنو نفاثة من بني بكر ... "، وتبعه في ذلك ابن سعد في الطبقات الكبرى (2/ 134) .
وتحديد الواقدي باثنين وعشرين شهراً غير مسلم به، لأن الصلح الذي تم في الحديبية كان في ذي الحجة، وقد ذكر الواقدي أن خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية كان في يوم الاثنين لهلال ذي القعدة، المغازي (2/ 573) ، والطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 95) ، وذكر الواقدي أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم أقام بالحديبية بضعة عشر يوماً، المغازي (2/ 616) ، وقال أيضاً: ... قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من الحديبية في ذي الحجة سنة ست. المغازي (2/ 634) .
فلو حسبنا المدة من وقت الصلح إلى نقض بني بكر العهد لوجدناها تسعة عشر شهراً ابتداءً من شهر محرم أول سنة سبع إلى نهاية شهر رجب من السنة الثامنة، ولو أدخلنا شهر ذي الحجة من السنة السادسة وشهر شعبان من السنة الثامنة - تجاوزاً - لحصلنا على واحد وعشرين شهراً، فتبقى رواية الزهري التي بين أيدينا هي الراجحة، وذلك لعدم ورود روايات ثابتة تحدد وقت نقض العهد من بني بكر، والله أعلم.
(2/698)

دخلوا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ليلاً بماء لهم يقال له: الوتير1، قريب من مكة، فقالت قريش: ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل وما يرانا أحد، فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح، فقاتلوا معهم للطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن عمرو بن سالم2 ركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره الخبر، وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشده إياها:
اللهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا3
كنا والداً وكنت ولدا4 ... ثم أسلمنا ولم ننزع يدا
__________
1 الوتير: - بفتح الواو وكسر المثناة تحت، وآخره راء - وهو موضع معروف جنوب غرب مكة على حدود الحرم يبعد عن مكة (16) كيلاً، وقد أطلق اليوم على حيز منه اسم (الكعكية) نسبة إلى الكعكي الذي تملك هذا الحيز منه، معجم المعالم الجغرافية (331) .
2 هو: عمرو بن سالم بن حصين بن سالم بن كلثوم الخزاعي، قال ابن الكلبي وأبو عبيد والطبري: أن عمرو بن سالم هذا كان أحد من يحمل ألوية خزاعة يوم فتح مكة، الإصابة (2/ 536- 537) .
3 الأتلد: أي القديم، شرح السيرة للخشني (367) ، والنهاية (1/ 194) ، والقاموس: (تلد) .
4 هكذا في دلائل البيهقي، وفي سيرة ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 394) : قد كُنْتُمُ وُلْداً....
يريد أن بني عبد مناف أمهم من خزاعة، وكذلك قصي أمه فاطمة بنت سعد الخزاعية، الروض الأنف (4/ 97) .
(2/699)

فانصر رسول الله نصرا أعتدا1 ... وادع عباد الله يأتوا مددا2
فيهم رسول الله قد تجردا3 ... إن سيم خسفاً وجهه تربدا4
في فيلق5 كالبحر يجري مزبدا6 ... إنّ قريشاً أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدّا ... وزعموا أن لستُ أرجو أحدا
فهم أذلّ وأقلّ عددا ... قد جعلوا لي بكداءٍ7 مرصدا8
هم بيتونا بالوتير هجدا9 ... فقتلونا ركعاً وسجدا
__________
1 أعتدا: أي حاضراً، شرح السيرة للخشني (367) .
2 الأمداد: جمع مدد، مدهم بالأعوان والأنصار. النهاية (4/ 308) .
3 تجردا: أي شمر وتهيأ لحربهم، شرح السيرة، للخشني (367) .
4 تربدا: أي تغير إلى الغبرة. النهاية (2/ 183) .
5 الفيلق: الكتيبة العظيمة. النهاية (3/ 472) .
6 يقال: بحر مزبد، أي مائج يقذف بالزبد، والزبد: الرغوة التي تعلو الماء، اللسان: زبد.
7 كداء: - بالتحريك والمد - هو ما يعرف اليوم بريع الحجون، يدخل طريقه بين مقبرتي المعلاة، ويفضي من الجهة الأخرى إلى حي العتيبية وجرول. معجم المعالم الجغرافية (261- 262) .
8 رصده: أي رَقَبَهُ، القاموس (رصد) ، ويقال: رصدته إذا قعدت له على طريقه تترقبه. النهاية (2/ 226) .
9 هُجَّدا: الهجد: المصلون بالليل، أو النيام، وهو من الأضداد. النهاية (5/ 244) ، وشرح السيرة للخشني (367) .
(2/700)

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نُصِرتَ يا عمرو بن سالم "1.
فما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مرت عنانة في السماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب"2، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز، وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمّي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم3.
__________
1 ويشهد له ما أخرجه أبو يعلى من حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه: ( ... لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب ... ) المسند (7/ 343 رقم [4380] ) وسنده حسن كما قال المحقق حسين أسد، وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى عن حزام بن هشام بن حبيش عن أبيه وقد وثقهما ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح، المجمع (6/ 162) ، وأخرج الطبراني في الكبير (23/ 433) ، وفي الصغير (2/ 73- 75) من حديث ميمونة بنت الحارث نحوه، إلا أن فيه: يحيى بن سليمان بن نضلة وهو ضعيف، كما قال الهيثمي في المجمع (6/ 163- 164) .
وأخرجه ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 395) بدون إسناد، وابن سعد في الطبقات (2/ 134) ، بدون إسناد والطبري في تاريخه (3/ 45) .
2 ورد نحوه من رواية أبي الأسود عن عروة (انظر: المغازي للذهبي (528) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (14/ 485- 486) ، من طريق زكريا بن أبي زائدة قال: كنت مع أبي إسحاق فيما بين مكة والمدينة فسَايَرَنَا رجل من خزاعة، فقال له أبو إسحاق: كيف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رعدت هذه السحابة بنصر بني كعب ... الحديث، وفيه جهالة الرجل الخزاعي.
3 قال ابن حجر: "وقد روى البزار من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو بن
(2/701)

__________
أبي سلمة عن أبي هريرة بعض الأبيات المذكورة في هذه القصة وهو إسناد حسن موصول" الفتح (7/ 520) .
وقد نقل الهيثمي حديث أبي هريرة من رواية البزار وحكم عليه بالصحة، انظر: المجمع (6/ 165) ، وكشف الأستار (2/ 342 رقم 1817) ، وأخرجه البيهقي عن حماد بن سلمة بسنده إلى أبي هريرة. دلائل النبوة (5/ 13) ، وانظر البداية والنهاية (4/ 280) نقلاً عن البيهقي.
(2/702)

المبحث الثاني: في تاريخ خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وعدد جيشه.
144- قال البخاري: حدثني محمود، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس -رضي الله عنهما -: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان1
__________
1 باتفاق جميع المؤرخين.
ولكن اختلفوا في تعيين وقت الخروج، فقد أخرج ابن إسحاق من طريق الزهري أنهم خرجوا لعشر مضين من رمضان (ابن هشام 2/ 399) ، وأخرج مسلم عن الزهري مرسلاًً قوله: فصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، صحيح مسلم بشرح النووي (7/ 231) .
وأخرج البيهقي رواية ابن إسحاق المتقدمة ثم قال: هكذا ذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق قوله: فخرج لعشر مضين من رمضان مدرجاً في الحديث. الدلائل (5/ 20) .
وأخرج أحمد في المسند (4/ 301 رقم [2500] أرناؤوط) من حديث محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: كان الفتح في ثلاث عشرة خلت من رمضان.
وأخرج أيضاً من طريق قزعة بن يحيى عن أبي سعيد قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان، المسند (18/ 342 رقم [11825] ) .
قال الحافظ ابن حجر: "وهذ يدفع التردد الماضي ويعين يوم الخروج، وقول الزهري يعين يوم الدخول، ويعطي أنه أقام في الطريق اثني عشر يوماً". القتح (8/ 4) .
وقد ورد عند أحمد أيضاً أنه خرج لثمان عشرة (المسند 18/375، رقم [11870] أرناؤوط) وفي رواية أخرى لتسع عشرة، أو سبع عشرة (18/218، رقم [11684] أرناؤوط) .
قال الحافظ: "ويجمع بين هاتين بحمل إحداهما على ما مضى والأخرى على ما بقي، والذي في المغازي على الاختلاف في أول الشهر". الفتح (8/ 4) .
وقد ذكر النووي رواية لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأخرى لست عشرة مضت، وثالثة لثمان عشرة، ورابعة لثنتي عشرة، وخامسة لسبع عشرة - أو تسع عشرة - بالشك، ثم قال: "والمشهور في كتب المغازي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة الفتح من المدينة لعشر خلون من رمضان ودخلها لتسع عشرة خلت منه". النووي على مسلم (7/ 234) .
(2/703)

ومعه عشرة آلاف1 وذلك على رأس ثمان2 سنين ونصف من مقدمه
__________
1 وورد عند البيهقي من رواية أبي الأسود عن عروة وهو قول موسى بن عقبة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في اثني عشر ألفاً من المهاجرين والأنصار، دلائل البيهقي (5/ 26، و5/ 36) .
قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لمرسل عروة: "وكذا وقع في (الإكليل) و (شرف المصطفى) ثم قال: (ويجمع بينهما بأن العشرة آلاف خرج بها من المدينة ثم تلاحق بها الألفان" الفتح (8/4) .
2 قال الحافظ ابن حجر: "هكذا وقع في رواية معمر، وهو وهم، والصواب: على رأس سبع سنين ونصف، وإنما وقع الوهم من كون الغزوة كانت في سنة ثمان، ومن أثناء ربيع الأول إلى أثناء رمضان نصف سنة سواء، فالتحرير أنها سبع سنين ونصف، ويمكن توجيه رواية معمر، بأنه بناء على التاريخ بأول السنة من المحرم، فإذا دخل من السنة الثانية شهران أو ثلاثة أطلق عليها سنة مجازاً من تسمية البعض باسم الكل، ويقع ذلك في آخر ربيع الأول، ومن ثم إلى رمضان نصف سنة، أو يقال: كان آخر شعبان تلك السنة آخر سبع سنين ونصف من أول ربيع الأول، فلما دخل رمضان دخلت سنة أخرى، وأول السنة يصدق عليه أنه رأسها، فيصح أنه رأس ثمان سنين ونصف أو أن رأس الثمان كان أول ربيع الأول وما بعده نصف سنة" اهـ. الفتح (8/ 4) .
(2/704)

المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون حتى بلغ الكَدِيد1 -وهو ماء بين عسفان وقُدَيْد -أفطر وأفطروا".
قال الزهري2: "وإنما يؤخذ من أمر النبي صلى الله عليه وسلم الآخر فالآخر"3.
__________
1 الكَدِيد: - بفتح الكاف وكسر الدال المهملة - وهو: ماء بين عسفان وقديد - بضم القاف على التصغير - كما بينته الرواية، الفتح (4/ 180) .
وفي حديث ابن عباس عند البخاري رقم (1948) من وجه آخر (حتى بلغ عسفان) بدل الكديد.
ووقع عند مسلم بشرح النووي (7/ 232) من حديث جابر (فصام حتى بلغ كراع الغميم) .
قال الحافظ ابن حجر: قال عياض: واختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر فيه صلى الله عليه وسلم والكل في قصة واحدة، وكلها متقاربة والجميع من عمل عسفان. الفتح (4/ 181) .
وبين الكديد وعسفان: عشرين كيلاً فقط، ويبعد عسفان عن مكة إلى الشمال (90) كيلاً، معجم المعالم الجغرافية (263) .
2 قوله: قال الزهري: إلى آخره، مدرج من قول الزهري كما قال الحافظ، انظر: الفتح (4/ 181) .
وقد وقعت هذه الزيادة مدرجة عند مسلم بشرح النووي (7/ 231) من طريق معمر ويونس كلاهما عن الزهري، وبينّا أنه من قول الزهري،
وظاهره أن الزهري ذهب إلى أن الصوم في السفر منسوخ، ولم يوافَق على ذلك، الفتح (4/ 181) .
3 صحيح البخاري مع الفتح (8/ 3) ، رقم (4276) .
وأخرج البخاري أيضاً نحوه من طريق عُقيل عن ابن شهاب، صحيح البخاري مع الفتح (8/ 3) رقم (4275) ، ومن طريق مالك عن الزهري، صحيح البخاري مع الفتح (4/180) رقم (1944) ، وأخرجه مسلم من طريق الليث وسفيان ومعمر ويونس كلهم عن الزهري نحوه، انظر صحيح مسلم بشرح النووي (7/ 229- 231) . وقد ذكر هذه الرواية عبد الرزاق فقال: (قال الزهري) فساقها، وفيها: "وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة"، وقد تقدم جمع الحافظ في ذلك.
(2/705)

المبحث الثالث: في كتابة حاطب رضي الله عليه وسلم لأهل مكة يخبرهم بمسير الرسول صلى الله عليه وسلم.
...
المبحث الثالث: في كتابة حاطب رضي الله عنه لأهل مكة يخبرهم بمسير الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم
145- عبد الرزاق1 عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير في قوله تعالى: {يأيها الذينَءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّيْ وَعَدُوَّكُمْ أَوْلياءَ} 2 أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة3، قال:
__________
1 تفسير عبد الرزاق (2/ 286- 287) .
2 الآية الأولى من سورة الممتحنة.
3 هو: حاطب بن أبي بلتعة - بفتح الموحدة، وسكون اللام بعدها مثناة ثم مهملة مفتوحات -، ابن عمرو بن عمير بن سلمة بن سهل اللخمي حليف بني أسد بن عبد العزى، شهد بدراً، توفي سنة 30هـ- في خلافة عثمان وله خمس وستون سنة. الإصابة (1/ 300) .
(2/706)

كتب إلى كفار قريش كتاباً ينصح لهم فيه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فأرسل علي اً والزبير1 فقال: "اذهبا فإنكما ستدركان امرأة2 بمكان كذا وكذا3، فأتياني بكتاب معها"، فانطلقا حتى أدركاها، فقالا: الكتاب الذي معك، قالت ما معي كتاب، قالا: والله لا ندع عليك شيئاً إلا فتشناه أو تخرجينه، قالت: أولستما مسلمين؟ قالا: بلى، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن معك كتاباً، فقد أيقنت أنفسنا
__________
1 في صحيح البخاري مع الفتح (8/ 633) رقم (4890) أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث علياً والزبير والمقداد.
ومسلم بشرح النووي (16/ 55) وورد في الصحيحين أيضاً أبو مرثد الغنوي بدلاً من المقداد، صحيح البخاري مع الفتح (7/ 304) رقم (3983) ، ومسلم بشرح النووي (16/ 57) ، قال النووي: ولا منافاة بل بعث الأربعة علياً والزبير والمقداد وأبا مرثد، شرح النووي على مسلم (16/ 57) .
وقال الحافظ ابن حجر: "فيحتمل أن يكون الثلاثة كانوا معه - يعني علياً - فذكر أحد الراويين ما لم يذكره الآخر، فالذي يظهر أنه كان مع كل منهما آخر تبعاً له" الفتح (7/ 520) .
2 ورد في بعض الروايات أن اسمها: سارة مولاة لبني هاشم، انظر: المصنف لابن أبي شيبة (14/ 485) ، ومغازي الواقدي (2/ 799) ، وتاريخ الطبري (3/ 60) .
3 ورد في صحيح البخاري من حديث علي وفيه: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ... ) ، الصحيح مع الفتح (8/ 633) رقم (4890) ، وروضة خاخ: موضع بقرب حمراء الأسد من حدود العقيق في نواحي المدينة، المعالم الأثيرة (107) .
(2/707)

أنه معك، فلما رأت جدّهما، أخرجت كتاباً من قرونها1 فرمت به، فذهبا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: "من حاطب بن أبي بلتعه إلى كفار قريش"، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم، قال: وما حملك على ذلك؟ قال: أما والله ما ارتبت2 في الله منذ أسلمت، ولكني كنت امرءاً غريباً3 فيكم أيها الحي من قريش، وكان لي بمكة مال وبنون فأردت أن أدفع عنهم بذلك. فقال عمر: ائذن لي يا نبي الله فأضرب عنقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مهلاً يا ابن الخطاب إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله قد اطلع إلى أهل
__________
1 من قرونها: القرون: الشعور، وكل ضفيرة من ضفائر الشعر قرن، النهاية (4/ 51) .
وعند البخاري: من عقاصها، حديث رقم (4890) ، وعند أيضاًبرقم (3081) : (من حُجْزتها) ، والحُجْزة: - بضم المهملة وسكون الجيم بعدها زاي -: معقد الإزار والسراويل، فتح الباري (6/ 191) .
ويجمع بين كونها أخرجته من حجزتها وبين كونها أخرجته من عقاصها، بأنها أخرجته من حجزتها فأخفته في عقاصها ثم اضطرت إلى إخراجه أو بالعكس أو بأن تكون عقيصتها طويلة بحيث تصل إلى حجزتها فربطته في عقيصتها وغرزته بحجزتها، وهذا الاحتمال أرجح. انظر: فتح الباري (6/ 191) .
2 أي: ما شككت، والريب بمعنى الشك، وقيل: هو الشك مع التهمة، النهاية (2/ 286) .
3 لأنه لم يكن من صلب قريش، وإنما كان حليفاً لبني أسد، الفتح (8/ 634) ، والإصابة (1/ 300) ، وقد ذكر ابن حجر في ترجمته أنه من لخم، الإصابة (1/ 300) ، ولخم: قبيلة يمنية قحطانية شهيرة؟ انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (422) .
(2/708)

بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فإني غافر لكم"1.
146- وقال الطبراني2: حدثنا موسى بن هارون3، ثنا هاشم بن الحارث4، ثنا عبيد الله بن عمرو5 عن إسحاق بن راشد6، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة7
__________
1 والحديث أخرجه أيضاً ابن جرير الطبري في تفسيره (28/ 39- 40) من طريق محمد بن ثور عن معمر عن الزهري به.
وانظر: أسباب النزول للواحدي (441) رقم (811) ، فقد قال: قال جماعة المفسرين: إنّ هذه الآية نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، يريد الآية المتقدمة وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... } .
2 المعجم الكبير (3/ 184) رقم (3066) .
3 هو: موسى بن هارون بن عبد الله بن مروان أبو عمران البزار المعروف والده بالحمال، قال الخطيب: وكان ثقة عالماً، تاريخ بغداد (13/ 50- 51) .
4 هو: هاشم بن الحارث، أبو محمد المروزي، سكن بغداد وحدث بها، وكان ثقة، تاريخ بغداد (14/ 16) .
5 هو: عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الرقي، أبو وهب الأسدي، ثقة فقيه ربما وهم، من الثامنة، توفي سنة ثمانين عن ثمانين إلا سنة، ع، التقريب (373) .
6 هو: إسحاق بن راشد الجزري، أبو سليمان، ثقة، في حديثه عن الزهري بعض الوهم، من السابعة، توفي في خلافة أبي جعفر، خ، التقريب (100) .
7 هو: عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، - بفتح الموحدة والمثناة وسكون اللام بينهما ثم مهملة -، له رؤية، وعدوه في كبار ثقات التابعين، توفي سنة ثمان وستين، خت، التقريب (338) .
(2/709)

أنه حدث أن أباه كتب إلى كفار قريش كتاباً وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد بدراً، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً والزبير فقال: " انطلقا حتى تدركا امرأة معها كتاب فائتياني به". فانطلقا حتى لقياها، فقالا: أعطينا الكتاب الذي معك، وأخبراها أنهما غير منصرفين حتى ينزعا كل ثوب عليها، فقالت: ألستما رجلين مسلمين؟ قالا: بلى، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن معك كتاباً، فلما أيقنت أنها غير منفلتة منهما حلت الكتاب من رأسها فدفعته إليهما، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً حتى قرأ عليه الكتاب، فقال: أتعرف هذا الكتاب؟
قال: نعم، قال: "فما حملك على ذلك؟ ". قال: هناك ولدي وذو قرابتي، وكنت امرأ غريباً فيكم معشر قريش، فقال عمر: ائذن لي في قتل حاطب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا، لأنه1 قد شهد بدراً، وإنك لا تدري لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم إني غافر لكم"2.
__________
1 وفي المعجم الأوسط (8/ 146) (لا، إنه) .
2 وأخرجه الطبراني في الأوسط (8/ 146 رقم 8227) بنفس السند.
وقال الهيثمي: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما ثقات"، المجمع (9/ 304) ، وأخرجه أيضاً الحاكم في المستدرك (3/ 301) ، وسكت عليه الحاكم والذهبي، ولكن الذهبي ذكره في سير أعلام النبلاء (2/ 45) ، ترجمة حاطب، وقال: "إسناده صحيح وأصله في الصحيحين".
وعزاه الحافظ في الإصابة (1/ 300) ، ترجمة حاطب، لابن شاهين والبارودي والطبراني وسمويه كلهم من طريق الزهري به.
وقصة حاطب أخرجها البخاري في صحيحه من حديث علي رضي الله عليه وسلم في عدة مواضع. انظر: رقم (3007) ، ورقم (3081) ، ورقم (3983) ، ورقم (4274) ورقم (4890) ، ورقم (6259) ، ورقم (6939) ، وانظر: صحيح مسلم بشرح النووي (16/ 45- 57) .
(2/710)

المبحث الرابع: في مسير النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة
147- قال الطبراني1:حدثنا أبو شعيب الحراني2، ثنا أبو جعفر النفيلي3، ثنا محمد بن سلمة4 عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على المدينة أبا رُهم كلثوم ابن حصين الغفاري5، وخرج لعشر6 مضين من رمضان فصام رسول
__________
1 المعجم الكبير (8/ 9) رقم (7264) .
2 لم أهتد إلى معرفته.
3 هو: عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل، - بنون وفاء مصغر -، أبو جعفر النفيلي الحراني، ثقة حافظ، من كبار العاشرة، توفي سنة أربع وثلاثين، خ، التقريب (321) ، رقم (3594) .
4 هو: محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي مولاهم، الحراني، ثقة، من التاسعة، توفي سنة 91هـ- على الصحيح، ر م، التقريب (481) ، رقم (5922) .
5 أبو رُهم: هو: كلثوم بن حصين بن خالد بن العسعس بن زيد بن العميس بن أحمس بن غفار، وقيل: ابن حصين بن عبيد بن خلف بن حماس بن غفار الغفاري، مشهور باسمه وكنيته، كان ممن بايع تحت الشجرة، واستخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة في غزوة الفتح، الإصابة (4/ 70- 71) .
6 قوله: " ... وخرج لعشر مضين من رمضان" أخرجها ابن سعد في الطبقات (2/ 137) ، من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن عباس.
(2/711)

الله صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد ما بين عسفان وأمَجَ1 أفطر، ثم مضى حتى نزل مر الظهران2 في عشرة آلاف من المسلمين من مزينة3 وسُليم، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب4 مع رسول الله
__________
1 أمَج: - بالتتحريك وآخره جيم -، ويعرف أمج اليوم: بخليص، واد زراعي على مائة كيل من مكة شمالاً على الجادة العظمى، معجم المعالم الجغرافية (32) .
2 مرور النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران قد ذكره البخاري (رقم 5453) من طريق الزهري، وذكره من غير طريق الزهري رقم (4280) .
وقد ذكر الواقدي في المغازي (2/ 650- 651) هذه الرواية مطولاً بدون إسناد وفي سياقه بعض الاختلاف.
أما ابن إسحاق فقد أشار إلى مظاهرة غطفان ليهود خيبر ولكن بسياق آخر فقد قال: فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر جمعوا له ثم خرجوا ليظاهروا يهود عليه حتى ساروا مَنقلة - أي مرحلة - سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حساً، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلوا بين رسول الله وبين خيبر. (ابن هشام 2/ 330) .
3 مزينة: من قبائل طابخة بن إلياس، وهم بنو عثمان وأوس ابني عمرو بن أد طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (480) .
4 أوعب: أي لم يتخلف منهم أحد عنه، والإيعاب: الاستقصاء في كل شيء، النهاية (5/ 205) .
(2/712)

صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار فلم يتخلف منهم أحد، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران وقد عميت الأخبار عن قريش فلم يأتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ولا يدرون ما هو فاعل، خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام1 وبديل بن ورقاء2 يتحسسون3 وينتظرون هل يجدون خبراً أو يسمعون به، وقد كان العباس بن عبد المطلب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق، وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب4 وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة5 قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: (لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك6 عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي
__________
1 تقدمت ترجمته.
2 تقدمت ترجمته في ص (436) . وذكر بديل بن ورقاء مع أبي سفيان ذكره البخاري (رقم 4280) .
3 يتحسسون: التحسس: الاستماع لحديث القوم، وطلب خبرهم في الخبر، القاموس (حسَّ) .
4 تقدمت ترجمته.
5 هو: عبد الله بن أبي أمية واسمه حذيفة، وقيل: سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي، صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته عاتكة وأخو أم سلمة رضي الله عنها. الإصابة (2/ 277) .
6 الهتك: خرق الستر عما وراءه، وقد هتكه فانهتك، والهتيكة: الفضيحة. النهاية (5/ 243) .
(2/713)

بمكة ما قال) ، فلما أخرج إليهما بذلك1، ومع أبي سفيان بُنَي له، فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رقَّ لهما2، ثم أذن لهما فدخلا وأسلما، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران قال العباس: واصباح3 قريش، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر، قال: فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت عليها حتى جئت الأَراك4، فقلت: لعلِّي ألقى بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة، قال: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول: ما رأيت كاليوم قط نيراناً ولا
__________
1 أي: بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم.
2 الرِّقة: بالكسر: الرحمة، القاموس (رَقَقَ) ، والمراد بالرقة ضد القسوة. النهاية (2/ 252) .
(يا صباحاه) هذه كلمة يقولها المستغيث، وأصلها إذا صاحوا للغارة، لأنهم أكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح، ويسمون يوم الغارة يوم الصباح، فكأن القائل: يا صباحاه، يقول: قد غشينا العدو. النهاية (3/ 6- 7) .
4 الأراك: - بفتح أوله - على لفظ جمع أراكة، وهو من مواقف عرفة من ناحية الشام، معجم ما استعجم للبكري (1/ 134) ، هكذا ذكر البكري، ولكن الموضع المذكور هنا ليس بعرفة قطعاً فلعل العباس رضي الله عليه وسلم يقصد الموضع الذي يكثر به شجر الأراك، وهو موضع يقع شمال مكة، ولم أجد من عرفَّه.
(2/714)

عسكراً، قال: يقول بديل: هذه والله نيران خزاعة حمشتها1 الحرب، قال: يقول أبو سفيان: خزاعة والله أذل وألأم من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال: فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة2؟
فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟
فقلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمي، فقلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟
قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب معي هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمنه لك، قال: فركب خلفي ورجع صاحبه، فحركتُ به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟
فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب رضي الله عليه وسلم، فقال: من هذا؟
وقام إليّ فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة، قال: أبو سفيان، عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة الرجل البطيء،
__________
1 حمشتها الحرب: يقال: حمش الشر: اشتد، وأحمشته أنا، وأحمشت النار إذا ألهبتها، النهاية (1/ 441) .
2 هي: كنية لأبي سفيان، انظر: الإصابة (2/ 178) ، وقد بحثت في كتب النسب فلم أجد في عقب أبي سفيان من يدعى (حنظلة) .
(2/715)

فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عمر فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه، قال: قلت يا رسول الله إني أَجَرْتُه، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، فقلت: لا والله لا يناجيه الليلة رجل دوني، فلما أكثر عمر في شأنه قلت: مهلاً يا عمر أما والله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ولكنك عرفت أنه رجل من رجال بني عبد مناف، قال: مهلاً يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذهب به إلى رحلك يا عباس فإذا أصبح فائتني به، فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ ". قال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئاً. قال: "ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ ".
قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، هذه والله كان في نفسي منها شيء حتى الآن، قال العباس: ويحك يا أبا سفيان أسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك.
قال: فشهد بشهادة الحق وأسلم، قلت: يا رسول الله إن أبا سفيانض
(2/716)

رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئاً، قال: "نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن".
فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عباس احبسه بمضيق1 الوادي عند خطم2 الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها"، قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه، قال: ومرت به القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال: من هؤلاء؟ فأقول: سُليم، فيقول: مالي ولسُليم، قال: ثم تمر القبيلة، قال: من هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: مالي ولمزينة، حتى تعدت القبائل لا تمر قبيلة إلا قال: من هؤلاء؟ فأقول: بنو فلان، فيقول: مالي ولبني فلان، حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخضراء كتيبة فيها المهاجرون والأنصار لا يُرى منهم إلا الحدق3، قال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن
__________
1 المضيق: ما ضاق من الأماكن والأمور، وهو ضد الاتساع، القاموس (ضفق) .
2 خطم: أصل الخطم في السباع: مقاديم أنوفها وأفواهها، فاستعارها للناس. النهاية (2/ 50) .
فيكون المعنى: مقدمة الجبل أو طرفه.
والمراد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر العباس أن يقعد أبا سفيان في طرف ذلك المضيق حتى يرى جيش الفتح وهو يمر من ذلك المضيق حيث لا طريق إلا منه فيكثر في عينه فيعلم أنه لا طاقة لأهل مكة بهذا الجيش.
3 تقدم معناها.
(2/717)

أخيك الغداة عظيماً، قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة، قال: فنعم إذاً، قلت: النجاة إلى قومك، قال: فخرج حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه امرأته هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه، فقالت: اقتلوا الدسم الأحمس1 فبئس من طليعة قوم.
قال: ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاء ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: ويلك وما تغني عنا دارك؟
قال: ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد2.
__________
1 الدَّسم الأحمس: أي الأسود الدنيء. النهاية (2/ 118) .
2 قال الهيثمي بعد ذكره لهذا الحديث: "رجاله رجال الصحيح". المجمع (6/ 167) .
وقد أخرجه الطبراني في الكبير (8/ 13) رقم (2765) من طريق يونس بن بكير عن جعفر بن برقان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، فذكر مثل حديث محمد بن إسحاق
وأخرجه أبو داود برقم (3021) مقتصراً على ذكر إسلام أبي سفيان وقول الرسول له: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن طريق يونس بن بكير أخرجه الحاكم في المستدرك (3/ 43- 44) ، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي.
قال الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي (408) بعد تصحيح الحاكم له قال: "وإنما هو حسن فقط"، ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في الدلائل (5/ 27) .
وقد أخرجه إسحاق في مسنده والذهلي في الزهريات من طريق جرير بن حازم كما في المطالب العالية المسندة (4/ 418) وما بعدها، وقد حكم عليه بالصحة.
وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 321) ، وصححه، وأخرجه البيهقي في الدلائل (5/ 31) مختصراً، وفي معرفة السنن والآثار له (13/ 297) .
وأخرج البخاري في صحيحه مع الفتح (8/ 5- 6 رقم 4280) نحوه من غير طريق الزهري عن هشام بن عروة عن أبيه، وأخرجه من غير طريق الزهري ابن جرير في تاريخه (3/ 52) من حديث ابن عباس، والبيهقي في الدلائل (5/ 32) .
وذكره ابن إسحاق بدون إسناد (ابن هشام 2/ 400) فما بعدها.
(2/718)

148- قال البيهقي: أخبرنا الحسين1 بن بشران ببغداد، أخبرنا أبو جعفر2 الرزاز، قال: حدثنا أحمد3 بن الوليد الغمام، قال: حدثنا أبو بلال4 الأشعري، قال: حدثنا زياد5 بن عبد الله البكائي عن محمد بن
__________
1 ثقة، تقدم في الرواية رقم [65] .
2 أبو جعفر الرزاز هو: محمد بن عمرو بن البختري أبو جعفر، وكان ثقة ثبتاً، تاريخ بغداد (3/ 132) .
3 أحمد بن الوليد، بن أبي الوليد أبو بكر الغمام، وقال الخطيب: وكان ثقة، تاريخ بغداد (5/ 188) .
4 أبو بلال الأشعري: اسمه مرداس بن محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، وقيل: اسمه محمد، وقيل: عبد الله، ضعفه الدارقطني، يقال: توفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين، ميزان الاعتدال (4/ 507) .
5 زياد بن عبد الله بن الطفيل العامري البكائي، - بفتح الموحدة وتشديد الكاف -، أبو محمد الكوفي، صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، ولم يثبت أن وكيعاً كذبه، وله في البخاري موضع واحد متابعة، من الثامنة مات سنة ثلاث وثمانين، خ م ت ق، التقريب (220) .
(2/719)

إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: جاء العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان بن حرب فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان يشهد أن لا إله إلا الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا الفضل انصرف بضيفك الليلة إلى أهلك واغد به".
فلما أصبح غدا به عليه، فقال العباس: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إن أبا سفيان رجل يحب الشرف والذكر، فاعطه شيئاً يتشرف به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" 1، فقال أبو سفيان: وما تسع داري؟ فقال: "من دخل الكعبة فهو آمن"، فقال: وما تسع الكعبة؟ فقال: "من دخل المسجد فهو آمن".
فقال: وما يسع المسجد؟ فقال: "من أغلق بابه فهو آمن"، فقال: هذه واسعة2.
__________
1 قوله: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" أخرجها مسلم في صحيحه من غير طريق الزهري عن أبي هريرة في حديث طويل (3/ 1405 رقم 1780) وله شاهد آخر عند أبي داود من غير طريق الزهري عن ابن عباس، رقم (3022) وحسن إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود (2/ 586 رقم 2611) .
2 دلائل النبوة (5/ 32) ، وهي رواية ضعيفة لعنعنة ابن إسحاق، لكن قد وردت شواهد تدل على ثبوتها، فقد أخرج نحوها مختصراً ابن أبي شيبة في المصنف (14/ 496) ، وأبو داود في السنن (3/ 162 رقم 3021) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/ 364 رقم 486) والطبراني في الكبير (8/ 10 رقم 7264) ، والبيهقي في السنن أيضاً (9/ 118) ، ومعرفة السنن والآثار (13/ 297) ، كلهم من طريق ابن إسحاق عن الزهري، وفيها جميعاً عنعنة ابن إسحاق، علماً بأن الألباني قد حكم عليها بأنها (حسنة) كما في صحيح سنن أبي داود (2/ 586 رقم 2610) .
(2/720)

149- وقال البيهقي1: أخبرنا أبو عبد الله الحاكم2، قال: أنبأنا إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، (ح) . وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد واللفظ له، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن عتاب العبدي قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما يقال -في اثني عشر ألفاً3 من المهاجرين والأنصار ومن طوائف العرب: من أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، ومن بني سُليم، وقادوا الخيول، فأخفى الله عزوجل مسيره على أهل مكة حتى نزلوا بمر
__________
1 دلائل البيهقي (5/ 39- 49) بسند حسن إلى الزهري إلا أنها مرسلة، لكن يشهد لكثير من فقراتها ما جاء في الصحيحين وغيرهما كما سيأتي.
2 تقدمت تراجم سند هذه الرواية.
3 تقدم توفيق الحافظ ابن حجر بين من ذكر عددهم عشرة آلاف وبين من ذكرهم اثني عشر ألفاً في المبحث الثاني.
(2/721)

الظهران، وبعثت قريش أبا سفيان وحكيم بن حزام ومعهما بديل بن ورقاء، فلما طلعوا على مر الظهران حين بلغوا الأراك، وذلك عشاءً رأوا النيران والفساطيط1 والعسكر، وسمعوا صهيل2 الخيل، فراعهم ذلك فقالوا: هذه بنو كعب3 حشَّتها4 الحرب، ثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: هؤلاء أكثر من بني كعب، قالوا: فلعلهم هوازن انتجعوا5 الغيث بأرضنا ولا والله ما نعرف هذا أيضاً، فبينما هم كذلك لم يشعروا حتى أخذهم نفر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهم عيوناً لهم بخطيم أبعرتهم، فقالوا: من أنتم؟
قالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال أبو سفيان: هل سمعتم بمثل هذا الجيش نزلوا على أكباد قوم لم يعلموا بهم؟ فلما دخل بهم العسكر لقيهم عباس بن عبد المطلب6 فأجارهم وقال: يا أبا حنظلة
__________
1 الفساطيط: جمع فسطاط، وهو: - بالضم والكسر - المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط، قال الزمخشري: (هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق) النهاية (3/ 445) .
2 صهيل الخيل: أي: صوته. النهاية (3/ 63) .
3 بنو كعب: يعني خزاعة، وكعب أكبر بطون خزاعة. فتح الباري (8/ 7) .
4 حشّتها الحرب، وفي رواية أبي الأسود عن عروة: حاشتها الحرب، أي: جاشت بهم الحرب. الفتح (8/ 7) .
5 انتجعوا: التنجع والانتجاع والنجعة: طلب الكلأ ومساقط الغيث. النهاية (5/22)
6 في البخاري (8/ 5- 6) رقم (4280 مع الفتح) من مرسل عروة: (أن حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين أخذوا هؤلاء الثلاثة وأتوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم أبو سفيان ... ) .
(2/722)

ثكلتك1 أمك وعشيرتك، هذا محمد صلى الله عليه وسلم في جمع المؤمنين فادخلوا [عليه فأسلموا فدخلوا] 2 على رسول الله صلى الله عليه وسلم فمكثوا عنده عامة الليل يحادثهم ويسألهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فقال لهم: اشهدوا أنه لا إله إلا الله، فشهدوا، ثم قال: اشهدوا أني رسول الله، فشهد حكيم وبديل، وقال أبو سفيان: ما أعلم ذلك، وخرج أبو سفيان مع العباس فلما نودي للصلاة، ثار الناس ففزع أبو سفيان، وقال للعباس: ماذا يريدون؟
قال: الصلاة، ورأى أبو سفيان المسلمين يتلقون وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما رأيت ملكاً قط كالليلة ولا ملك كسرى، ولا ملك قيصر، ولا ملك بني الأصفر، فسأل أبو سفيان العباس أن يدخله على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخله، فقال أبو سفيان: يا محمد قد استنصرتُ آلهتي، واستنصرت إلهك، فوالله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت عليّ، فلو كان إلهي محقاً وإلهك مبطلاً لقد غلبتك، فشهد أن محمداً رسول الله، وقال أبو سفيان وحكيم: يا رسول الله أجئت بأوباش الناس من يعرف ومن لا يعرف إلى أصلك وعشيرتك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم أظلم وأفجر، قد غدرتم بعقد الحديبية،
__________
1 ثكلتك: أي: فقدتك، والثكل: فقد الولد، وهي من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدعاء، كقولهم: تربت يداك، وقاتلك الله. النهاية (1/ 217) .
2 ما بين الحاصرتين ليس في [ح] كما قال محقق الدلائل، عبد المعطي قلعجي.
(2/723)

وظاهرتم على بني كعب بالإثم والعدوان في حرم الله وأمنه".
فقال بديل: قد صدقت يا رسول الله، قد غدروا بنا والله لو أن قريشاً خلّوا بيننا وبين عدونا ما نالوا منا الذي نالوا.
فقال أبو سفيان وحكيم: قد كنت يا رسول الله حقيقاً أن تجعل عُدّتك وكيدك لهوازن فإنهم أبعد رحماً وأشد عداوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأرجو أن يجمعهما لي ربي: فتح مكة، وإعزاز المسلمين بها، وهزيمة هوازن، وغنيمة أموالهم وذراريهم".
فقال أبو سفيان وحكيم: يا رسول الله ادع لنا بالأمان، أرأيت إن اعتزلت قريش فكفت أيديها آمنون هم؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، من كفّ يده وأغلق داره فهو آمن، قالوا: فابعثنا نؤذن بذلك فيهم: قال: انطلقوا فمن دخل دارك يا أبا سفيان ودارك يا حكيم1، وكف يده فهو آمن -ودار أبي سفيان بأعلى مكة، ودار حكيم بأسفل مكة -فلما توجها ذاهبين، قال العباس: يا رسول الله إني لا آمن أبا سفيان أن يرجع عن إسلامه فيكفر، فاردده حتى نقفه فيرى جنود الله معك، فأدركه عباس فحبسه، فقال أبو سفيان: أغدراً يا بني هاشم؟
فقال العباس: ستعلم أنا لسنا نغدر، ولكن لي إليك حاجة، فأصبح
__________
1 قوله ودارك يا حكيم، ورد ما يشهد له عند الطبري في تاريخه (3/ 54- 56) من رواية هشام بن عروة عن أبيه.
(2/724)

حتى ترى جنود الله وإلى ما أعد للمشركين، فحبسهم بالمضيق دون الأراك إلى مكة، حتى أصبحوا وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً فنادى: لتصبح كل قبيلة قد ارتحلت ووقفت مع صاحبها عند رايته، وتظهر ما معها من الأداة والعدة، فأصبح الناس على ظهر، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه الكتائب، فمرت كتيبة على أبي سفيان، فقال: يا عباس أفي هذه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، قال: فمن هؤلاء؟ قال: قضاعة، ثم مرت القبائل على راياتها، فرأى أمراً عظيماً رعبه الله به، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام على المهاجرين وخيلهم وأمره أن يدخل من كَدَاء1 من أعلى مكة وأعطاه رايته وأمره أن يغرزها بالحجون2 ولا يبرح حيث أمره أن يغرزها حتى يأتيه، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضاعة وبني سُليم وناساً أسلموا قبل ذلك وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وأمره أن يغرز رايته عند أدنى البيوت وبأسفل مكة بنو بكر وبنو الحارث بن عبد مناف
__________
1 كَدَاء: - بالتحريك والمد - الثَّنيَّة العليا بمكة مما يلي المقابر، وهو: المعلاة. النهاية (4/ 156) .
2 الحجون: - بضم الحاء المهملة والجيم، وآخره نون - هي الثنية التي تفضي على مقبرة المعلاة والمقبرة عن يمينها وشمالها مما يلي الأبطح، تسمى الثنية اليوم (ريع الحجون) ، معجم المعالم الجغرافية (94) .
(2/725)

وهذيل ومن كان معهم من الأحابيش قد استنصرت بهم قريش، وأمرتهم أن يكونوا بأسفل مكة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن عبادة في كتيبة الأنصار في مقدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع سعد رايته إلى قيس بن سعد ابن عبادة1 وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلون أحداً إلا من قاتلهم، وأمرهم بقتل أربعة نفر، منهم: عبد الله بن سعد ابن أبي سرح2، والحويرث بن نقيذ3، وابن خطل4، ومقيس بن
__________
1 هو: قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي، مختلف في كنيته فقيل: أبو الفضل، وأبو عبد الله وأبو عبد الملك ... أخرج البغوي من طريق ابن شهاب قال: كان قيس حامل راية الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من ذوي الرأي من الناس ... شهد مع علي صفين ثم كان مع الحسن حتى صالح معاوية، فرجع قيس إلى المدينة ومات بها في آخر خلافة معاوية، الإصابة (3/ 249) .
2 هو: عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب - بالمهملة مصغراً - ابن حذافة بن مالك بن حسن بن عامر بن لؤي القرشي العامري، يكنى أبا يحيى، وكان أخا عثمان من الرضاعة، وكانت أمه أشعرية، كان عبد الله بن سعد يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فأزلّه الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم، أمّره عثمان على مصر، ولما وقعت الفتنة سكن عسقلان ولم يبايع لأحد ومات بها سنة ست وثلاثين. الإصابة (2/ 316-317) .
3 هو: الحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي، السيرة النبوية لابن هشام (2/ 410) وقتله علي بن أبي طالب.
4 اسمه: عبد الله بن خطل، رجل من بني تيم بن غالب، السيرة النبوية لابن هشام (2/ 409) ، وقد ذكر ابن إسحاق أنه اشترك في قتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي. المصدر السابق.
وذكر الواقدي في المغازي (2/ 859) أقوالاً أخرى في من قتله، وسيأتي الخلاف في اسمه.
(2/726)

صُبابة1 أحد بني ليث وهو من كلب بن عوف، وأمر بقتل قينتين2 لابن خطل كانت تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت الكتائب يتلو بعضها بعضاً على أبي سفيان وحكيم وبديل ولا تمر عليهم كتيبة إلا سألوا عنها حتى مرت عليهم كتيبة الأنصار فيها سعد بن عبادة فنادى سعد أبا سفيان فقال:
اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة4
__________
1 مقيس بن صبابة: - بمهملة مضمومة وموحدتين الأولى خفيفة - الفتح (8/ 11)
وعند ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 410) مقيس بن حبابة، وأن الذي قتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه.
2 القينة: الأمة غنَّت أو لم تغن، والماشطة، وكثيراً ما تطلق على المغنية من الإماء. النهاية (4/ 135) .
واسم الأولى: فرتنى (ابن هشام 2/ 410) والثانية: قرينة فتح الباري (8/ 11) ، وقد استؤمن للأولى فأسلمت، وقتلت الثانية. المصدر السابق.
وقد أحصى الحافظ ابن حجر عدد من أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمهم فبلغ عددهم ثمانية رجال وست نسوة. الفتح (8/ 12) .
3 يوم الملحمة: - بالحاء المهملة - أي يوم حرب لا يوجد منه مخلص، ومراد سعد بقوله: يوم الملحمة: يوم المقتلة الكبرى. الفتح (8/ 8) .
4 وكذلك وردت عند ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 406) ، والواقدي في مغازيه (2/ 821) ، والطبراني في الكبير 8/ 6 رقم 7263) ، ومغازي الأموي، انظر: عيون الأثر (2/ 223) .
وفي البخاري مع الفتح (8/ 5- 6) رقم (4280) من مرسل عروة (اليوم تستحل الكعبة) .
(2/727)

فلما مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان في المهاجرين، قال: يا رسول الله أمرت بقومك أن يقتلوا، فإن سعد بن عبادة ومن معه حين مروا بي ناداني سعد فقال:
اليوم يوم الملحمة ... اليوم تستحل الحرمة
وإني أناشدك الله في قومك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة فعزله وجعل الزبير بن العوام مكانه على الأنصار مع المهاجرين، فسار الزبير بالناس حتى وقف بالحجون، وغرز بها راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، واندفع خالد بن الوليد حتى دخل من أسفل مكة، فلقيته بنو بكر فقاتلوه فهزموا، وقتل من بني بكر قريباً من عشرين رجلاً، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا وقُتلوا بالحزورة1 حتى بلغ قتلهم باب المسجد وفرّ بعضهم حتى دخلوا الدور، وارتفعت طائفة منهم على الجبال، واتبعهم المسلمون بالسيوف ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين الأولين وأخريات الناس، وصاح أبو سفيان حين دخل مكة: من أغلق داره وكف يده فهو
__________
1 الحَزْوَرَة: - بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي - هي ما يعرف اليوم باسم القشاشية، مرتفع يقابل المسعى من مطلع الشمس كان ولا يزال سوقاً من أسواق مكة، معجم المعالم الجغرافية (98) .
(2/728)

آمن، فقالت له هند بنت عتبة وهي امرأته: قبحك الله من طليعة قوم وقبح عشيرتك معك، وأخذت بلحية أبي سفيان ونادت يا آل غالب: اقتلوا الشيخ الأحمق، هلاّ قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم، فقال لها أبو سفيان: ويحك اسكتي وادخلي بيتك، فإنه جاءنا بالحق.
ولماّ علا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنية كداء نظر إلى البارقة1 على الجبل مع فضض2 المشركين فقال: "ما هذا؟ وقد نهيت عن القتال؟ ".
فقال مهاجرون نظن أن خالداً قاتل، وبدئ بالقتال، فلم يكن له بد من أن يقاتل من قاتله، وما كان يا رسول الله ليعصيك، ولا يخالف أمرك3، فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثنية فأجاز على الحجون، فاندفع الزبير ابن العوام حتى وقف بباب المسجد وجُرح رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كُرز بن جابر4 أخو بني محارب بن فهر، وحُبيش بن خالد5،
__________
1 البارقة: السيوف: أي رأى لمعانها. النهاية (1/ 120) .
2 فضض المشركين: الفضض كل متفرق ومنتشر، القاموس، (فضض) . والمعنى: مع بعض المشركين الذين تفرقوا عن بعض.
3 وقد ذكر عبد الرزاق في المصنف (5/ 378) عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي بعث خالداً بمن معه يقاتل المشركين بأسفل مكة.
4 هو كُرز بن جابر بن حسل بن لاحب بن حبيب بن عمرو بن سفيان بن محارب بن فهر القرشي الفهري، كان من رؤساء المشركين قبل أن يسلم، وأغار على سرح المدينة مرة، ثم أسلم. الإصابة (3/ 290- 291) .
5 هو: حبيش بن خالد بن سعد بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن خبيس - بمعجمة ثم موحدة ثم مهملة مصغراً - بن حرام بن حبيشة بن كعب بن عمرو الخزاعي، يكنى أبا صخر وهو أخو أم معبد، قتل مع خالد بن الوليد يوم فتح مكة. الإصابة (1/ 310) .
(2/729)

وخالد - يدعى الأشعر وهو أحد بني كعب، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ في قتل النفير أن يقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان قد ارتد بعد الهجرة كافراً، فاختبأ حتى اطمأن الناس، ثم أقبل يريد أن يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه ليقوم إليه رجل من أصحابه ليقتله، فلم يقم إليه أحد ولم يشعروا بالذي كان في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم1: لو أشرت إليّ يا رسول الله لضربت عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تفعل ذلك".
ويقال: أجاره عثمان بن عفان رضي الله عليه وسلم وكان أخاه من الرضاعة، وقتلت إحدى القينتين وكمنت الأخرى حتى استؤمن لها، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعاً على راحلته يستلم الأركان زعموا بمحجن، وكثُر الناس حتى امتلأ المسجد، واستكف المشركون ينظرون إلى رسول الله وأصحابه فلما قضى طوافه نزل، وأخرجت الراحلة، وسجد سجدتين، ثم انصرف إلى زمزم فاطلع فيها، وقال: "لولا أن تغلب بنو عبد المطلب على سقايتهم لنزعت بيدي
__________
1 نقل الحافظ ابن حجر عن سبط ابن الجوزي: أن الذي قال ذلك هو عباد بن بشر، وقيل: بل عمر بن الخطاب. الإصابة (2/ 317) .
(2/730)

دلواً"1 ثم انصرف في ناحية المسجد قريباً من المقام مقام إبراهيم عليه السلام، فكان المقام - زعموا - لاصقاً بالكعبة، فأخره رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانه هذا2، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسجل3 من ماء زمزم فشرب
__________
1 أخرجه أحمد عن علي رضي الله عليه وسلم بلفظ: (يا بني عبد المطلب سقايتكم، ولولا أن يغلبكم الناس عليها لنزعت بها) المسند (2/ 5 رقم [562] أرناؤوط) والترمذي رقم (885) ، وأبو يعلى رقم (312و 544) ، وابن خزيمة رقم (2837 و2889) ، والطحاوي في مشكل الآثار (2/ 72- 73) ، والبيهقي في السنن (5/ 122) من طريق أبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري، وبعضهم يزيد فيه على بعض، وسنده حسن، وأخرج نحوه الفاكهي في أخبار مكة، وقال محققه عبد الملك بن دهيش: سنده حسن (2/ 51 رقم 1130) ، والأزرقي في أخبار مكة (2/ 55) .
2 المشهور أن الذي أخر المقام عمر رضي الله عليه وسلم، قال الحافظ ابن حجر: وكان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخّره عمر رضي الله عليه وسلم إلى المكان الذي هو فيه الآن. فتح الباري (8/ 169) تحت حديث رقم (4483) .
ثم قال: أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح عن عطاء وغيره، وعن مجاهد أيضاً، وأخرج البيهقي عن عائشة مثله بسند قوي، ولفظه: (إن المقام كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن أبي بكر ملتصقاً بالبيت ثم أخّره عمر) المصدر السابق.
وانظر: مصنف عبد الرزاق (5/ 48 رقم 8955) ، وحديث مجاهد في (5/ 47-48 رقم 8953) وقد ذكر ابن كثير في تفسيره (1/ 170) نحواً من كلام الحافظ ابن حجر.
وذكر الحافظ ابن حجر أيضاً أن ابن مردويه أخرج بسند ضعيف عن مجاهد: أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حوّله. قال: والأول أصح. الفتح 08/ 169) .
ونقل ابن كثير في تفسيره رواية ابن مردويه ثم قال: هذا مرسل عن مجاهد وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق عن معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد: أن أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله عليه وسلم وهذا أصح من طريق ابن مردويه مع اعتضادها بما تقدم. التفسير (1/ 171) .
3 السجل: الدلو الملأى ماء، ويجمع على سجال. النهاية، 2/344.
(2/731)

وتوضأ، والمسلمون يبتدرون وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبونه على وجوههم والمشركون ينظرون إليهم يتعجبون، ويقولون: ما رأينا ملكاً قط بلغ هذا ولا سمعنا به، ومرّ صفوان بن أمية عامداً للبحر، وأقبل عمير بن وهب بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يؤمن صفوان بن أمية، وقال: إنه قد هرب فاراً نحو البحر، وقد خشيت أن يهلك نفسه فأرسلني إليه بأمان يا رسول الله فإنك قد أمنت الأحمر والأسود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أدرك ابن عمك فهو آمن".
فطلبه عمير فأدركه فقال: قد أمنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له صفوان: لا والله لا أقر لك حتى أرى علامة بأمان أعرفها، فقال عمير: امكث مكانك حتى آتيك بها، فرجع عمير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن صفوان أبى أن يوقن لي حتى يرى منك آية يعرفها، فانتزع رسول الله صلى الله عليه وسلم بردة حَبِرة كان معتجراً بها حين دخل مكة، فدفعه إلى عمير بن وهب فلما رأى صفوان البرد أيقن واطمأنت نفسه وأقبل مع عمير حتى دخل المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صفوان: أعطيتني ما يقول هذا من الأمان؟
(2/732)

قال: (نعم) ، قال: اجعل لي شهراً1 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل لك شهران لعل الله أن يهديك".
وقال ابن شهاب: نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوان وهو على فرسه فقال: يا محمد أمنتني كما قال هذا، إن رضيت وإلا سيرتني شهرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انزل أبا وهب) قال: لا والله لا أنزل حتى تبين لي، قال: فلك تسير أربعة أشهر2، وأقبلت أم حكيم بنت الحارث بن هشام3 وهي مسلمة يومئذ، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنته في طلب زوجها، فأذن لها وأمّنه فخرجت بعبد لها رومي فأرادها على نفسها، فلم تزل تمنيه وتقرب له حتى قدمت على ناس من عكٍّ4 فاستغاثت بهم عليه فأوثقوه لها، وأدركت زوجها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عكرمة وثب عليه فرحاً وما عليه رداء حتى بايعه
__________
1 قوله: (اجعل لي شهراً) ورد مثله عند البيهقي من رواية أبي الأسود عن عروة. الدلائل (5/ 46) .
2 تخييره بأربعة أشهر ورد ما يشهد له عند مالك في الموطأ عن الزهري (الموطأ 2/ 543) رقم (44) وستأتي.
3 هي: أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومية زوج عكرمة بن أبي جهل قال أبو عمر: حضرت يوم أحد وهي كافرة، ثم أسلمت في الفتح، واستأمنت أم حكيم بنت الحارث لعكرمة فأمّنه النبي صلى الله عليه وسلم، الإصابة (4/ 443- 444) .
4 عك: قبيلة تنسب إلى اليمن، وعك هو: عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد. جمهرة أنساب العرب لابن حزم (375) .
(2/733)

وأدركته امرأته بتهامة، فأقبل معها وأسلم، ودخل رجل من هذيل حين هزمت بنو بكر على امرأته فاراً فلامته وعجزته وعيّرته بالفرار، فقال:
وأنتِ لو رأيتنا بالخندمة
إذ فر صفوان وفر عكرمة
وألحقتنا بالسيوف المسلمة
يقطعن كل ساعد وجمجمة
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة
قال ابن شهاب: قالها حِماس1 أخو بني سعد بن ليث، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد: لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ قال: هم بدأونا بالقتال، ووضعوا فينا السلاح، وأشعرونا بالنبل، وقد كففت يدي ما استطعت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قضاء الله عزوجل خير".
قال: وكان دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة والفتح في رمضان سنة ثمان، ويقال: قال أبو بكر رضي الله عليه وسلم يومئذ: يا رسول الله أراني في المنام وأراك دنونا من مكة، فخرجت إلينا كلبة تهرُّ2، فلما دنونا منها استقلت على
__________
1 هو: حماس - بكسر أوله وتخفيف ثانيه وآخره مهملة - ابن قيس ويقال: ابن خالد بن قيس بن مالك الدئلي، ذكر ابن إسحاق والواقدي أنه كان بمكة يوم الفتح، فلما قرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة أعد سلاحه وقال لامرأته: إني لأرجو أن يخدمك الله منهم، ثم فرّ وذكر الأبيات. الإصابة (1/ 352) .
2 هَرَّ الكلب يهرُّ هَريراً، فهو هارٌّ وهرَّارٌ إذا نبح وكشّر عن أنيابه، وقيل: هو صوته دون نباحه. النهاية (5/ 259) .
(2/734)

ظهرها فإذا هي تشخب1 لبناً فقال: ذهب كلبهم، وأقبل درّهم، وهم سائلوكم بأرحامكم لاقون بعضهم فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه، فلقوا أبا سفيان وحكيم اً بمرّ، وقال حسان بن ثابت في مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة:
عدمت بنيتي2 إن لم تروها ... تثير النقع3 من كتفي كَداءُ
ينازعن الأعنة4 مصفيات5 ... يلطمهن بالخُمر النساء
فإن أعرضتموا عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعين الله فيه من يشاء
وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء
هجوتَ6 محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
__________
1 شخب: الشخب السيلان، وأصل الشخب من يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة بضرع الشاة. النهاية (2/ 450) .
2 في ديوانه (19) : عدمنا خيلنا، والبنية اسم من أسماء الخيل، انظر اللسان (بني) .
3 النقع: الغبار. النهاية (5/ 109) .
4 في الديوان (19) يبارين الأعنة، والمعنى: يجارينها في السرعة، والعُنة: سير اللجام الذي تمسك به الدابة، القاموس (عنن) .
5 في الديوان (19) مصعدات، وفي البداية والنهاية (4/ 310) مصغيات، بالغين المعجمة.
6 الذي هجا النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، وقد أسلم عام الفتح. الإصابة (4/ 90) .
(2/735)

فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء
لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تَكَيده1 الدلاء
قال: فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم إلى أبي بكر رضي الله عليه وسلم حين رأى النساء يلطمن الخيل بالخمر2.
150- قال الحاكم3حدثنا أبو العباس محمد4 بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الفتح حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين فسبعت5سليم، وأَلَّفَت6مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار، فلم
__________
1 في الديوان (21) : لا تكدره الدلاء، والمعنى: أن لسانه كالسيف القاطع وأن شعره كالبحر لا تؤثر فيه الدلاء التي يستقي بها، شرح الديوان (ص: 21) .
2 ذكر ابن كثير في البداية مقتطفات متفرقة من هذه الرواية، انظر: (4/ 291، 294، 295، 296) .
3 مستدرك الحاكم (3/43-44) ، وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي وإنما هو حسن فقط، كما قال الألباني، في تعليقه على فقه السيرة للغزالي (ص408)
4 تقدمت تراجم سند هذه الرواية.
5 أي كملت سبعمائة رجل. النهاية (2/336)
6 أي صارت ألفاً.
(2/736)

يتخلف عنه منهم أحد، وقد عميت الأخبار على قريش فلا يأتيهم خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما هو صانع، وكان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بثنية العقاب؛ فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله ابن عمك1 وابن عمتك وصهرك2، فقال: لا حاجة لي بهما؛ أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال، فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بن الحارث ابن3 له، فقال: والله ليأذننّ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنَذْهبَنَّ في الأرض حتى نموت عطشاً أو جوعاً، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رقَّ لهما فدخلا عليه فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى منه فقال:
لعمرك أني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج4 الحيران أظلم ليلهُ ... فهذا أوانُ الحق أُهدي وأهتدي
__________
1 تريد أبا سفيان بن الحارث لأنه ابن عمّ النبي صلى الله عليه وسلم.
2 لأن عبد الله بن أبي أمية أخو أم سلمة، وابن عمته عاتكة. الإصابة (2/277) .
3 ابنه هو: جعفر بن أبي سفيان وقد اسلم مع أبيه. الاستيعاب (4/237) .
وذكر الحافظ ابن حجر نقلاً عن الزبير بن بكار وغيره أن جعفراً كان ممن ثبت يوم حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم. الفتح (8/30) .
4 الدلجة: هي السير ليلاً، يقال: أدلج بالتخفيف إذا سار من أول الليل، وادَّلج - بالتشديد - إذا سار من آخره. النهاية (2/ 129) .
(2/737)

هدانيَ هادٍ غير نفسي ونالني
إلى الله من طردّت كل مطرِّدِ
أفر سريعاً جاهداً عن محمد
وأدعى ولو لم أنتسب من محمد
هُم عصبة من لم يقل بهواهم
وإن كان ذا رأي يلَم ويفنَّد1
أريد لأرضيهم ولست بلائط2
مع القوم ما لم أهد في كل مقعد
فقل لثقيف لا أريد قتالكم
وقل لثقيف تلك غيري وأوعدي
فماكنت في الجيش الذي نال عامراً
ولا كل عن خير لساني ولا يدي
قبائل جاءت من بلاد بعيدة
توابع جاءت من سهام3 سردد4
قال: فذكروا أنه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن طردت كل مطرد، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: أنت طردتني كل مطرد5.
__________
1 الفند في الأصل: الكذب، والمفند هو الذي لا فائدة من كلامه. النهاية (3/ 475)
2 اللائط: الملصق: يقال: لاط به يلوط لوطاً ولياطاً، إذا لصق به. النهاية (4/ 277) .
3 سهام: اسم موضع باليمامة كانت به وقعة أيام أبي بكر رضي الله عليه وسلم بين ثمامة بن أثال ومسيلمة الكذاب، معجم البلدان (3/ 288- 289) ، والمعالم الأثيرة (144) .
وسهام اسم وادٍ باليمن قرب صنعاء اليمن، وسهام اسم رجل سمي به الموضع، وهو سهام بن الغوث بن حمير، ووادي سهام: قرب زبيد بيوم ونصف، معجم البلدان (2/ 289) .
4 سُردد: - بضم أوله وسكون ثانيه ودال مهملة مكررة الأولى منها مضمومة -، موضع من أرض زبيد باليمن، معجم البلدان (2/ 209) ، والمعالم الأثيرة (139) .
5 ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في الدلائل (5/ 27- 28) ، وابن الأثير في أسد الغابة (6/ 145) ، وأخرجه ابن إسحاق بدون إسناد
(2/738)

__________
(ابن هشام 2/ 400- 401) .
ووصله ابن جرير في التاريخ عن ابن إسحاق من غير طريق الزهري (2/ 5-- 51) ، ومعنى قوله: (أنت طردتني ... ) أي أنك ممن ساعد على إخراجي من مكة، والله أعلم. وانظر: النهاية (3/ 128) .
(2/739)

المبحث الخامس: في منزل الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة.
...
المبحث الخامس: في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة زمن الفتح
151- روى البخاري من حديث الزهري عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح، يا رسول الله، أين تنزل غداً؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وهل ترك لنا عقيل من منزلٍ؟ "1.
152- وروى البخاري أيضاً من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عليه وسلم قال حين أراد حنيناً: (منزلنا غداً إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر) 2.
__________
1 رواه البخاري (مع الفتح 8/ 13 رقم 4282) .
2 رواه البخاري (مع الفتح 8/14 رقم 4285) .
(2/740)

المبحث السادس: في قتل خزاعة رجلاً من هذيل بعد تحريم مكة.
...
المبحث السادس: قتل خزاعة رجلاً من هذيل بعد تحريم مكة
153- قال الإمام أحمد: ثنا وهب بن جرير1 قال: حدثني أبي2 قال: سمعت يونس3 يحدث عن الزهري عن مسلم بن يزيد4 أحد بنى سعد بن بكر أنه سمع شريح الخزاعي5 ثم الكعبي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكة، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برفع السيف فلقي رهط منا الغد رجلاً من هذيل في الحرم يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم
__________
1 هو: وهب بن جرير بن حازم بن زيد، أبو عبد الله الأزدي، البصري، ثقة، من التاسعة، توفي سنة ست ومائتين، ع، التقريب (585) .
2 هو: جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي، أبو النضر البصري، والد وهب، ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف وله أوهام إذا حدث من حفظه، وهو من السادسة، توفي سنة سبعين بعدما اختلط لكن لم يحدث في اختلاطه، ع، التقريب (138) .
3 يونس بن يزيد الأيلي، ثقة، تقدم، رقم الرواية [77] .
4 هو: مسلم بن يزيد السعدي، حجازي، مقبول، من الرابعة، التقريب (531) رقم (6651) .
5 هو: شريح بن عمرو الخزاعي، الإصابة (2/ 147) ، ثم قال الحافظ ابن حجر: ذكره ابن شاهين في الصحابة، ثم ذكر طرفاً من حديث شريح هذا.
(2/741)

وكان قد وترهم1 في الجاهلية وكانوا يطلبونه فقتلوه، وبادروا أن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر2، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب غضباً شديداً والله ما رأيته غضب غضباً أشد منه فسعينا إلى أبي بكر وعمر وعلى رضي الله عنه نستشفعهم وخشينا أن نكون قد هلكنا، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قام فأثنى على الله عز وجل بما هو أهله ثم قال: (أما بعد فإن الله عز وجل هو حرم مكة ولم يحرمها الناس وإنما أحلّها لي ساعة من النهار أمس وهى اليوم حرام كما حرمها الله عز وجل أول مرة وإن أعتى3 الناس على الله عز وجل ثلاثة: رجل قَتَل فيها، ورجل قَتَل غير قاتله، ورجل طُلِبَ بِذَحْلٍ4 في الجاهلية، وإني والله لأَدِيَنَّ5 هذا الرجل الذي قتلتم فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم6.
__________
1 الوِتْر: الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي، النهاية (5/ 148) .
2 أي فيأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم قتله، والله أعلم.
3 العتو: التجبر والتكبر، وقد عتا يعتو عتواً فهو عاتٍ. النهاية (3/ 181) .
4 الذَّحل: الوتر وطلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل أو جرح ونحو ذلك، والذحل: العداوة أيضاً. النهاية (2/ 155) .
5 لأدين هذا الرجل: أي أعطي ديته، يقال: وديت القتيل إذا أعطيت ديته. النهاية (5/ 169) .
6 مسند أحمد (26/ 298- 299، رقم [16376] أرناؤوط) وهو حديث صحيح كما قال المحقق دون قوله: (وإنَّ أعتى الناس ... إلى قوله: (في الجاهلية) ، فحسن لغيره، ثم ذكر شواهد لهذه الرواية، فانظرها هناك، والمعرفة التاريخ للفسوي (1/ 397) ، والطبراني في الكبير (22/ 191) رقم (500) ، وقال في المجمع (7/ 174) ورجاله رجال الصحيح، وسنن البيهقي (8/ 71) ، وابن شاهين في الصحابة، كما في الإصابة لابن حجر (2/ 147) ، وأخرجه أبو جعفر الطبري من غير طريق الزهري، انظر: (تهذيب الآثار، السفر الأول من مسند ابن عباس ص: 41 حديث رقم [1] ) .
وقصة قتل خزاعة لرجل من بني ليث عام الفتح، ذكرها مسلم في الصحيح رقم: (1355) من حديث أبي هريرة.
(2/742)

المبحث السابع: في كيفية دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح
154- قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر1، فلما نزعه جاءه رجل فقال: إن ابن خطل2 متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه"3.
__________
1 المغفر: ما يلبسه الدارع على رأسه من الزرد ونحوه. النهاية (3/ 374) .
2 ابن خطل: اسمه: هلال بن خطل، وقيل: عبد العزى بن خطل، وقيل: عبد الله بن خطل، هذا قول ابن إسحاق وجماعة، وقال الزبير بن بكار: ابن خطل الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله يوم فتح مكة هو: هلال بن عبد الله بن عبد مناف بن أسعد ابن جابر بن كبير بن تميم بن غالب بن فهر. التمهيد (6/ 157) .
3 صحيح البخاري مع الفتح (4/ 59) رقم (1846) ، ورقم (3044، ورقم 4286، ورقم 5808) ، وهو في موطأ مالك في كتاب الحج باب (جامع الحج) رقم (247) ، وأخرجه مسلم في كتاب الحج حديث رقم (450) ، والحميدي في المسند رقم (1212) وأحمد في المسند (20/ 113 رقم [12681] أرناؤوط) ، وأبو داود رقم (2685) ، والترمذي رقم (1693) ، وفي الشمائل رقم (105) ، والنسائي في الحج (5/ 200- 201) ، وابن ماجه في الجهاد رقم (2805) ، وابن خزيمة في صحيحه رقم (3063) ، والدارمي في سننه رقم (1938، ورقم2456) ، وابن حبان في صحيحه رقم (3719) ، وأبو يعلى في مسنده رقم (3539) ، وابن أبي شيبة (14/ 492) ، وابن سعد في الطبقات (2/ 139) ، وأبو عبيد في الأموال (109 رقم 297) ، وابن زنجويه في الأموال (1/ 294 رقم 453) ، وأبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه (ص: 143) ، والفاكهي في أخبار مكة (2/ 350) رقم (6149) ، والخليلي في الإرشاد (1/ 168) ، والبيهقي في السنن (6/ 323) ، والبغوي في شرح السنة (7/ 304) رقم (2006) ونقله ابن عبد البر في التمهيد عن مالك (6/ 157) .
(2/743)

المبحث الثامن: في تكسير النبي صلى الله عليه وسلم للأصنام التي حول الكعبة.
155- أخرج أبو الوليد الأزرقي من طريق عبد العزيز بن عمران عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، منها ما قد شد بالرصاص، فطاف على راحلته، وهو يقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً" ويشير إليها فما منها صنم
(2/744)

أشار إلى وجهه إلا وقع على دبره، ولا أشار إلى دبره إلا وقع على وجهه حتى وقعت كلها1.
__________
1 أخبار مكة للأزرقي (1/ 121) ، وفي سنده عبد العزيز بن عمران؛ متروك، انظر: التقريب (4114) .
وقال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له عن ابن شهاب فذكره، السيرة النبوية (1/ 416) .
وهي رواية ضعيفة أيضاً لجهالة من حدث ابن هشام.
وقد أخرجها أبو الوليد الأزرقي من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن علي بن عبد الله بن عباس قال: فذكره. انظر: أخبار مكة (1/ 120) وهي رواية ضعيفة أيضاً لعنعنة ابن إسحاق.
ولكن يشهد لذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من غير طريق الزهري وذلك من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عليه وسلم قال: "دخل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: "جاء الحق وزهق الباطل وما يبدئ الباطل وما يعيد". صحيح البخاري مع الفتح (8/ 15- 16) رقم (4287) وانظر: صحيح مسلم رقم (1781) .
(2/745)

المبحث التاسع: في قصة إسلام صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل
156- أخرج مالك عن ابن شهاب أنه بلغه أن نساءً كن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلمن بأرضهن وهن غير مهاجرات وأزواجهن حين أسلمن كفار، منهن بنت1 الوليد بن المغيرة، وكانت تحت صفوان بن أمية فأسلمت يوم الفتح وهرب زوجها صفوان بن أمية من الإسلام، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمه وهب بن عمير برداء رسول الله صلى الله عليه وسلم أماناً لصفوان بن أمية، ودعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وأن يقدم عليه، فإن رضى أمراً قبله وإلا سيره شهرين، فلما قدم صفوان على رسول الله صلى الله عليه وسلم بردائه، ناداه على رؤوس الناس، فقال: يا محمد إن هذا وهب بن عمير جاءني بردائك، وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك فإن رضيت أمراً قبلته، وإلا سيرتني شهرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انزل أبا وهب) ، فقال: لا والله لا أنزل حتى تبين لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل لك تسير أربعة أشهر) ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل هوازن بحنين فأرسل إلى صفوان بن أمية يستعيره2 أداة وسلاحاً عنده فقال صفوان: أطوعاً أم كرهاً؟ فقال:
__________
1 اسمها: فاختة بنت الوليد بن المغيرة المخزومية أخت خالد بن الوليد، كانت تحت صفوان بن أمية، أسلمت يوم الفتح وبايعت. الإصابة (4/ 374) .
2 استعارة النبي صلى الله عليه وسلم السلاح من صفوان أخرجها الحاكم في المستدرك من طريق ابن إسحاق (3/ 48- 49) ضمن حديث طويل وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والصواب أنه حسن فقط للكلام المعروف في ابن إسحاق، وروي أيضاً من طرق أخرى انظرها في إرواء الغليل (5/ 344- 346) .
(2/746)

(بل طوعاً) .
فأعاره الأداة والسلاح التي عنده، ثم خرج صفوان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كافر فشهد حنيناً والطائف وهو كافر، وامرأته مسلمة، ولم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين امرأته حتى أسلم صفوان واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح1.
157- قال ابن سعد: أخبرنا أحمد بن الحجاج الخراساني2، أخبرنا عبد الله بن المبارك3، قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن بعض
__________
1 موطأ مالك كتاب النكاح: باب نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله رقم [44] .
قال ابن عبد البر: لا أعلمه يتصل من وجه صحيح، وهو حديث مشهور معلوم عند أهل السير وابن شهاب إمام أهلها، وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده إن شاء الله، التمهيد (12/ 19) .
وقد أخرج البيهقي هذه الرواية من طريق مالك في السنن الكبرى (7/ 186- 187) وفي الدلائل (5/ 97) .
وأخرج ابن إسحاق من غير طريق الزهري عن عروة بمعنى هذه الرواية (ابن هشام 2/ 417- 418) ، ومن طريق ابن إسحاق أخرجها الطبري في تاريخه (3/ 63)
2 هو" أحمد بن الحجاج البكري المروزي، ثقة من العاشرة، توفي سنة اثنتين وعشرين، خ، التقريب (78) .
3 عبد الله بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، توفي سنة إحدى وثمانين وله ثلاث وستون، ع، التقريب (320) .
(2/747)

آل عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم الفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية بن خلف وإلى أبي سفيان بن حرب وإلى الحارث بن هشام، قال عمر: قلت: قد أمكن الله منهم أُعَرِّفُهُم بما صنعوا، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} 1) قال عمر: فانفضحت حياءً من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية لما كان مني، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال2.
158- وقال الحاكم3: حدثنا أحمد بن سهل4 الفقيه ببخارى، ثنا سهل بن المتوكل5، ثنا إسماعيل بن أبي أويس6، عن أبيه7، عن
__________
1 سورة يوسف، آية رقم (92) .
2 الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 141-142) ، وهو ضعيف لجهالة بعض آل عمر، وقد أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم رقم (82) ، وابن زنجويه في كتابه الأموال رقم (455) كلاهما من طريق عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهري عن بعض آل عمر به.
3 المستدرك (3/ 242) .
4 هو: أبو النصر، أحمد بن سهل البخاري الفقيه، ثقة متفق عليه، الإرشاد للخليلي (3/ 974) .
5 سهل بن المتوكل بن حجر، أبو عصمة البخاري، يروي عن أبي الوليد الطيالسي وأهل العراق، روى عنه أهل بلده، ذكره ابن حبان في الثقات (8/ 294) ، وقال عنه: (إذا حدث عن إسماعيل بن أبي أويس أغرب عنه) .
6 تقدم في الرواية رقم [7] .
7 عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي، صدوق يهم، تقدم.
(2/748)

الزهري، عن عروة بن الزبير قال: قال عكرمة بن أبي جهل: لما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا محمد إن هذه1 أخبرتني أنك آمنتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت آمن"، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك عبد الله ورسوله، وأنت أبر الناس وأصدق الناس وأوفى الناس.
قال عكرمة: أقول ذلك وإني لمطأطئ رأسي استحياء منه، ثم قلت: يا رسول الله استغفر لي كل عداوة عاديتكها أو موكب أوضعت2 فيه أريد فيه إظهار الشرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها أو موكب أوضع فيه يريد أن يصد عن سبيلك"، قلت: يا رسول الله مرني بخير ما تعلم فأعلمه، قال: "قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وتجاهد في سبيله"، ثم قال عكرمة: أما والله يا رسول الله لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله ولا قاتلت قتالاً في الصد عن سبيل الله إلا أبليت ضِعْفَه في سبيل الله، ثم اجتهد في القتال حتى قتل يوم أجنادين شهيداً في خلافة أبي بكر رضي الله عليه وسلم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله عام حجته على هوازن يصدقها، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعكرمة يومئذ بتبالة3.
__________
1 يقصد زوجته أم حكيم بنت الحارث بن هشام كما في الرواية الآتية رقم [113] .
2 أوضعت فيه: أي أسرعت فيه القتال. النهاية (5/ 197) .
3 تبالة: وادٍ ذو قرى ومياه ونخل، يقع جنوب شرق الطائف على قرابة (200) كيل، يسيل من سراة غامد وبلقرن، من نواحي الباحة وبلجرشي وما والاهما، ثم يتجه شرقاً فيصب في بيشة، معجم المعالم الجغرافية (59) .
والحديث فيه انقطاع، لأن عروة بن الزبير لم يدرك عكرمة، لأن ولادته كانت في آخر خلافة عمر رضي الله عليه وسلم على الراجح، تاريخ خليفة (156) ، وتاريخ دمشق لابن عساكر (11/ 564) .
(2/749)

159- مالك عن ابن شهاب: أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وكانت تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام، حتى قدم اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحاً، وما عليه رداء حتى بايعه، فثبتا على نكاحهما ذلك1.
__________
1 موطأ مالك، كتاب النكاح، باب: نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله، رقم الحديث (44) .
ومن طريق مالك أخرجه البيهقي في السنن (7/ 178) ، ودلائل النبوة (5/ 98) .
وأخرج نحوه ابن إسحاق عن الزهري (ابن هشام 2/ 418) ، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري في التاريخ (3/ 63) .
(2/750)

المبحث العاشر: في سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة
160- قال البخاري: حدثني محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، (ح) وحدثني نعيم، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: بعث1 النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جَذِيمة2، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا3، فجعلوا يقولون: صبأنا،
__________
1 هذا البعث كان عقب فتح مكة في شوال قبل الخروج إلى حنين عند جميع أهل المغازي، وكانوا بأسفل مكة من ناحية يلملم، فتح الباري (8/ 57) .
وكان عددهم ثلاثمائة وخمسين من المهاجرين وبني سليم. ابن سعد (2/ 147) .
2 إلى بني جذيمة: - بفتح الجيم وكسر المعجمة ثم تحتانية ساكنة -، أي ابن عامر ابن عبد مناة بن كنانة، فتح الباري (8/ 57) .
قال الحافظ: "ووهم الكرماني فظن أنه من بني جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف، قبيلة من عبد قيس". الفتح (8/ 57) .
3 قوله: "فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا ... " قال الحافظ: "هذا من ابن عمر راوي الحديث، يدلّ على أنه فهم أنهم أرادوا الإسلام حقيقة، ويؤيد فهمه أن قريشاً كانوا يقولون لكل من أسلم صبأ، حتى اشتهرت هذه اللفظة، وصاروا يطلقونها في مقام الذم، ومن ثم لما أسلم ثمامة بن أثال وقدم مكة معتمراً، قالوا له: صبأت؟ قال: بل أسلمت، فلما اشتهرت هذه اللفظة بينهم في موضع أسلمت استعملها هؤلاء، وأما خالد فحمل هذه اللفظة على ظاهرها، لأن قولهم: صبأنا، أي خرجنا من دين إلى دين، ولم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا بالإسلام. أ.هـ. الفتح (8/ 57) .
وقال الحافظ: "قال الخطابي: يحتمل أن يكون خالد نقم عليهم العدول عن لفظ الإسلام، لأنه فهم عنهم أن ذلك وقع منهم على سبيل الأنفة، ولما ينقادوا إلى الدين فقتلهم متأولاً قولهم". المصدر السابق.
وأما ما ذكره ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 431) والواقدي في المغازي (3/ 876- 882) ، من أن خالداً إنما فعل ذلك إدراكاً لثأر قديم مع بني جذيمة، فلا يصح، لأن ابن إسحاق ذكر ذلك بدون إسناد، والواقدي متروك، ولا يؤخذ بقوله في مجال الأحكام الشرعية.
(2/751)

صبأنا1، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يومٌ، أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجلٌ من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه فقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد2، مرتين"3.
__________
1 صبأنا صبأنا: يقال: صبأ فلان إذا خرج من دين إلى دين غيره، من قولهم: صبأ ناب البعير إذا طلع، وكانت قريش تسمي النبي صلى الله عليه وسلم الصابئ، لأنه خرج من دين قريش إلى دين الإسلام. النهاية (3/ 3) .
2 قال الحافظ: "قال الخطابي: أنكر عليه العجلة وترك التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم: صبأنا"، فتح الباري (8/ 57- 58) .
3 صحيح البخاري مع الفتح (8/ 56) رقم (4339) و (13/ 181 ورقم 7189) .
وقد أخرج خبر هذه السرية أيضاً: عبد الرزاق في المصنف (5/ 221- 222 رقم 9434) ، ومن طريقه أخرجه أحمد في المسند (10/ 444- 445 رقم [6382] أرناؤوط) ، والنسائي في سنن رقم (5404) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان 11/ 53، رقم: 4749) ، والبيهقي في الدلائل (5/ 113- 118) ، وفي السنن (9/ 115) وذكرها الذهبي في تاريخ الإسلام، قسم المغازي (567) ، وابن كثير في البداية (4/ 313- 314) ، ومن غير طريق الزهري أخرجها ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 428) ، والواقدي في المغازي (3/ 875) ، وابن سعد (2/ 147- 149) بدون إسناد.
(2/752)

161- وقال ابن إسحاق1: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة ابن الأخنس2، عن الزهري، عن ابن أبي حدرد الأسلمي3 قال: كنت يومئذٍ في خيل خالد بن الوليد، فقال لي فتى4 من بني جذيمة وهو في
__________
1 سيرة ابن هشام (2/ 433) .
2 هو: يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفي، ثقة، من السادسة، توفي سنة ثمان وعشرين، د، س، ق، التقريب (608) .
3 هو: عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، اسمه: سلامة، وقيل: عبيد بن عمير بن أبي سلامة بن سعد بن شيبان ... الأسلمي أبو محمد، له ولأبيه صحبة ... قال الحافظ: روى ابن إسحاق في المغازي عن يعقوب بن عتبة عن ابن شهاب عن أبي حدرد أن ابنه عبد الله قال: كنت في خيل خالد بن الوليد فذكر الحديث في قصة المرأة التي عشقها الرجل وضربت عنقه فماتت عليه ... ، الإصابة (2/ 294- 295) .
4 هو: عبد الله بن علقمة الكناني. انظر: الكامل (2/ 175) .
(2/753)

سني، وقد جعلت يداه إلى عنقه برُمّة1، ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: "يا فتى، فقلت: ما تشاء؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضى إليهن حاجة ثم تردني بعد فتصنعوا بي ما بدا لكم؟
قال: قلت: والله ليسيرٌ ما طلبت، فأخذت برمته فقدته بها حتى وقفت عليهن: فقال اسلمي حبيش2 على نفد من العيش:
أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم ... بحلية3 أو ألفيتكم بالخوانق4
ألم يك أهلاً أن ينوّل عاشق ... تكلف إدلاج5السرى والودائق6
فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معاً ... أثيبي7 بود قبل إحدى الصفائق8
__________
1 الرُّمة: - بالضم -: قطعة حبل يشد بها الأسير أو القاتل إذا قيد إلى القصاص، النهاية (2/ 267) .
2 مرخم حبيشة.
3 حلية: اسم موضع أو هو: وادٍ بتهامة؛ أعلاه لهذيل، وأسفله لكنانة، معجم البلدان (2/ 297) .
4 الخوانق: اسم موضع، لكن لم أجد له تعريفاً من كتب الأماكن والبلدان.
5 الإدلاج: هو السير من أول الليل. النهاية (2/ 129) .
6 الودائق: جمع وديقة، أي حر شديد، أشد ما يكون من الحر بالظهائر. النهاية (5/ 169) .
7 أثيبي: من ثاب يثوب إذا رجع. النهاية (1/ 227) .
8 الصفائق: الحوادث، القاموس (صفق) .
(2/754)

أثيبي بود قبل أن تشحط1 النوى ... وينأى الأمير بالحبيب المفارق
فإنّي لا ضيعت سر أمانة ... ولا راق عيني عنك بعدك رائق2
سوى أن ما نال العشيرة شاغل ... عن الودِّ إلا أن يكون توامق3
قالت: وأنت فحييت سبعاً وعشراً وتراً وثمانياً تترى.
قال: ثم انصرفتُ به فضربتُ عنقه"4.
__________
1 شحط: الشحط: البعد، يقال: شحط فلان في السوم إذا أبعد. النهاية (2/ 449) .
2 رائق: من راق الشيء إذا صفا وخلص. النهاية (2/ 279) .
3 ومقه: أي أحبه، القاموس (ومق) .
4 وهذه الرواية إسنادها حسن، وقد أخرجها من طريق ابن إسحاق البيهقي في الدلائل (5/ 115) ، إلا أنه قال: حدثنا ابن أبي حدرد عن أبيه، وكذلك عند الذهبي قسم المغازي (568) ، وابن كثير البداية والنهاية (4/ 313) .
وقد أخرج النسائي برقم (5404) والبيهقي في الدلائل (5/ 118) ، قصة مشابهة لهذه القصة من حديث ابن عباس وقال فيها: ".. فقال إني لست منهم، إني عشقت امرأة منهم، فدعوني أنظر إليها نظرة - قال فيه - فضربوا عنقه، فجاءت المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أما كان فيكم رجل رحيم" وقد صححها ابن حجر كما في الفتح (8/ 58) ، وأخرجها ابن حبان في صحيحه موارد الظمآن رقم (6696) ، والطبراني في الكبير والأوسط كما قال الهيثمي في المجمع (6/ 110) ، وقال: "إسناده حسن".
(2/755)

الفصل الرابع: غزوة حنين وحصار الطائف
المبحث الأول: في سبب الغزوة.
...
المبحث الأول: في سبب الغزوة
162- قال خليفة بن خياط في تاريخه: نا وهب1 عن أبيه2 عن ابن إسحاق قال: حدثني عمرو بن شعيب3 عن أبيه4 عن جده5، قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري: أن هوازن6 لما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه جمعها مالك
__________
1 وهب بن جرير بن حازم، ثقة تقدم في الرواية رقم [153] .
2 جرير بن حازم تقدمت ترجمته في الرواية رقم [153] .
3 هو: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق من الخامسة، توفي سنة ثمان وعشرين ومائة، الرواية، ع، التقريب، (423) .
4 هو: شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، ثبت سماعه من جده، من الثالثة، الرواية، ع، التقريب (267) .
5 عن جده: وهو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي القرشي السهمي، كنيته أبو محمد عند الأكثر، ويقال أبو عبد الرحمن ... ، أسلم قبل أبيه، ويقال: لم يكن بين مولديهما إلا اثنتا عشرة سنة، مات بالشام سنة خمس وستين وهو يومئذ ابن اثنتين وسبعين، وقيل: مات بمكة وقيل: بالطائف. الإصابة (2/ 351- 352) .
6 قبيلة هوازن تنسب إلى: هوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (264- 265) ، ونهاية الأرب للقلقشندي (362،391) ، وفتح الباري (8/29) .
وتقع ديار هوازن ما بين غور تهامة إلى ما وراء بيشة، وناحية السراة والطائف وذي المجاز وحنين وأوطاس، انظر: مرويات غزوة حنين وحصار الطائف لإبراهيم القريبي (1/ 37) .
والغور: هو كل ما انحدر سيله مغرباً.
(2/759)

ابن عوف النصري1، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة معه ألفان2
__________
1 هو: مالك بن عوف بن سعد بن يربوع بن واثلة بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن، أبو علي النصري، كان رئيس المشركين يوم حنين، ثم أسلم، وكان من المؤلفة، وصحب، ثم شهد فتح القادسية وفتح دمشق. الإصابة (3/ 352) .
2 ذكر ذلك أيضاً ابن إسحاق بدون سند (ابن هشام 2/ 440) وقد أخرج البيهقي في الدلائل (5/ 121) من طريق ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين في ألفين من مكة وعشرة آلاف كانوا معه فسار بهم ... ) الحديث.
وأخرج نحوه الطبري في تاريخه (3/ 73) من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر.
وأخرجه أيضاً عن عروة وقتادة والسدي، انظر: تفسير الطبري (10/ 99-103) وقد أخرجه الواقدي عن شيوخه (المغازي 3/ 899) ، وابن سعد في الطبقات (2/ 154-155) .
وكلها لا تسلم من ضعف من الناحية الحديثية إلا أنها تتقوى بمجموعها، كما ذكر ذلك القريبي في رسالته (مرويات غزوة حنين والطائف) (1/ 116) .
(2/760)

من أهل مكة مع عشرة آلاف1 من أصحابه واستعمل على مكة2 ابن أَسيد3 فالتقوا بحنين4، فجال المسلمون ثم كروا على عدوهم فهزم الله المشركين5.
__________
1 يشهد لذلك ما أخرجه البخاري مع الفتح رقم (4276) ومسلم رقم (1059) .
2 مسألة استعمال ابن أسيد على مكة وردت من طرق ترتقي إلى درجة الحسن كما قال الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي (433) ، كما أن الحافظ ابن حجر حسن رواية البخاري في تاريخه الكبير (1/ 419) ، التي تذكر أن عتاباً كان أميراً على مكة، وأنه لم يكسب من عمله ذلك إلا ثوبين. انظر: الإصابة (2/ 451) ، وانظر مرويات غزوة حنين للشيخ إبراهيم القريبي (1/ 105- 110) .
3 هو: عتاب - بالتشديد - بن أَسيد - بفتح أوله - بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس الأموي، أبو عبد الرحمن ويقال: أبو محمد، أسلم يوم الفتح، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على مكة لما سار إلى حنين، وقيل إنما استعمله بعد أن رجع من الطائف، وحج بالناس سنة الفتح، وأمّره أبو بكر على مكة إلى أن مات. الإصابة (2/ 451) .
4 حنين: - بمهملة ونون مصغر - (فتح الباري 8/ 27) ، وهو واد من أودية مكة، يقع شرقها بقرابة ثلاثين كيلاً، يسمى اليوم (وادي الشرائع) ولا يعرف اليوم اسم حنين إلا الخاصة من الناس. معجم المعالم الجغرافية (ص:107) ، وقيل: يبعد عن مكة ستة وعشرين كيلاً شرقاً، وعن حدود الحرم من علمي طريق نجد أحد عشر كيلاً وهو واد يعرف اليوم ب- (الشرائع) المعالم الأثيرة (104) ، وسمي حنين بحنين ابن قابثة بن مهلائيل كما قال البكري. معجم ما استعجم (2/ 71-72، و472) .
5 تاريخ خليفة بن خياط (88) ، والحديث سنده حسن، لتصريح ابن إسحاق بالتحديث.
(2/761)

163- قال البيهقي1: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ2، وأبو بكر أحمد ابن الحسن القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر3، عن أبيه جابر بن عبد الله وعمرو بن شعيب4، والزهري، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم5، وعبد الله بن المكدم بن عبد الرحمن الثقفي6 عن حديث حنين حين سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وساروا إليه، فبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض وقد اجتمع حديثهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف
__________
1 دلائل النبوة (5/ 119- 120) .
2 تقدمت تراجم رجال الإسناد.
3 هو: عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله الأنصاري، أبو عتيق المدني، لم يصب ابن سعد في تضعيفه، من الثالثة، ع، التقريب (337) .
4 عمرو بن شعيب، تقدم في الرواية رقم [156] .
5 عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاري المدني، القاضي، ثقة، من الخامسة، توفي سنة خمس وثلاثين، وهو ابن سعين سنة، ع، التقريب (ص: 297) .
6 هو: عبد الله بن المكدم - بالدال - الثقفي، وهو كذلك بالدال كما في سيرة ابن هشام (2/ 485) ، أما في التاريخ الكبير للبخاري (5/ 211) والجرح والتعديل (5/ 181) فهو بالراء المهملة (مكرم) روى عن عبد الله بن قارب، وعنه ابن إسحاق، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول ذلك. انظر: الجرح والتعديل (5/ 181) .
(2/762)

النصري بني نصر، وبني جُشَم، وبني سعد بن بكر، وأوزاعاً1 من بني هلال، وهم قليل، وناساً من بني عمرو بن عامر وعوف بن عامر، وأوعبت معه ثقيف الأحلاف2، وبنو مالك ثم سار بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وساق معه الأموال والنساء والأبناء، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، فقال: اذهب فادخل في القوم حتى تعلم لنا من علمهم، فدخل فيهم فمكث فيهم يوماً أو يومين، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد، فقال عمر رضي الله عنه: كذب، فقال ابن أبي حدرد: والله لئن كذبتني يا عمر لربما كذبت بالحق، فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال: "قد كنت ضالاً يا عمر فهداك الله"، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعاً عنده مائة3 درع وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصباً يا محمد، فقال: بل
__________
1 أوزاعاً: أي جماعات متفرقة. النهاية (5/ 181) .
2 لأن ثقيفاً فرقتان: بنو مالك بن حطيط بن جشم بن قسي بن منبه بن بكر بن هوازن، وبنو عوف بن معاوية بن بكر بن هوازن، وهم الأحلاف، وسموا بذلك لتحالفهم على بني مالك، انظر: جمهرة أنساب العرب لابن حزم (266، 269) ، وانظر: تهذيب الأنساب لابن الأثير (1/ 33) ، وأسد الغابة (4/ 375) .
3 يؤيد هذا العدد رواية الحاكم في المستدرك (3/ 48- 49) وهي رواية حسنة، انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، رقم الحديث (631) ، والسنن الكبرى للبيهقي (6/ 89) .
وقد أخرج البيهقي في السنن (6/ 89- 90) أن العارية كانت ثمانين درعاً.
وأخرج أبو داود في السنن رقم (3563) أن صفوان أعار النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين ما بين الثلاثين إلى الأربعين، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم (3043) .
وفي رواية أخرى: "أن الرسول صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان أدرعاً يوم حنين" دون أن يحدد العدد. انظر: سنن أبي داود رقم (3562) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم (3042) وفي رواية أخرى لأبي داود رقم (3566) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لصفوان: "إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعاً وثلاثين بعيراً ... " وحكم عليه الألباني بالصحة. انظر: صحيح سنن أبي داود رقم (3045) .
(2/763)

عارية1 مضمونة حتى نؤديها عليك، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سائراً.
زاد أبو عبد الله في روايته قال ابن إسحاق: حدثنا الزهري، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين في ألفين من مكة، وعشرة آلاف كانوا معه فسار بهم2.
__________
1 العارية: - مشددة، وقد تخفف - وهي: ما تداولوه بينهم، واستعار: طلب، واستعار منه، طلب إعارته. القاموس، مادة (عور) .
2 وهي رواية حسنة، ويشهد لهذه الرواية ما أخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله رضي الله عنه: فذكر نحواً من هذه الرواية، انظر: مستدرك الحاكم (3/ 48- 49) ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والصواب أنه حسن للكلام المعروف في ابن إسحاق إذا صرح بالتحديث، ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (6/ 89) مختصراً.
وأخرج هذه الرواية ابن إسحاق بدون إسناد، انظر: ابن هشام (2/ 439-440) والطبري في تاريخه (3/ 72- 73) .
(2/764)

المبحث الثاني: في تاريخ الغزوة.
164- قال ابن إسحاق: وحدثني ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: "أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة"1.
__________
1 سيرة ابن هشام (2/ 437) ، وهذه الرواية مرسلة، ومن طريق ابن إسحاق أخرجها ابن سعد في الطبقات (2/ 143) ، والحديث قد وصله أبو داود في سننه (2/ 11 رقم 1231) وابن ماجه (1/ 342 رقم 1076) من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
قال أبو داود: "روى هذا الحديث عبدة بن سليمان، وأحمد بن خالد الوهبي، وسلمة بن الفضل عن ابن إسحاق لم يذكروا فيه ابن عباس، يعني أنه مرسل كما قال البيهقي في السنن (3/ 151) ، وفي الدلائل (5/ 35) .
ويشهد له أيضاً ما أخرجه الطبري في تاريخه عن عروة: أنه أقام عام الفتح نصف شهر، تاريخ الطبري (3/ 70) ، وذكر ابن حجر في الفتح (8/ 27) ، أن ابن شبة أخرج في كتابه (تاريخ مكة) عن عروة مثل ذلك، وتحديد خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين راجع إلى تحديد المدة التي دخل فيها صلى الله عليه وسلم مكة، ومدة مكثه فيها، وفي ذلك أقوال كثيرة:
قال النووي: "والمشهور في كتب المغازي أنه خرج في غزوة الفتح من المدينة لعشر خلون من رمضان، ودخلها لتسع عشرة خلت منه" النووي على مسلم (7/ 434) .
وفي مدة إقامته بمكة خلاف:
فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم أقام خمس عشرة ليلة كما في رواية الزهري هذه.
(2/765)

المبحث الثالث: في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين ومروره بذات أنواط.
165- عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري، عن سنان بن
__________
وقيل: سبعة عشر يوماً، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: تسعة عشر، وقيل: عشرين يوماً، انظر: تخريج هذه الروايات في رسالة: عادل عبد الغفور (مرويات عروة بن الزبير في السير والمغازي) (ص: 757- 760) .
والراجح والله أعلم أنه صلى الله عليه وسلم أقام بمكة تسعة عشر يوماً يصلي ركعتين، كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه رقم (1080) و (4298) ، و (4299) .
قال البيهقي في السنن الكبرى (3/ 151) : "وأصحها عندي - والله أعلم - رواية من روى تسع عشرة، وهي الرواية التي أودعها محمد بن إسماعيل البخاري في الجامع الصحيح (فعلى هذا يكون خروجه صلى الله عليه وسلم إلى حنين في اليوم الثامن أو (حسب نقصان الشهر وتمامه) التاسع من شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة، أما لو أخذنا برواية الزهري هذه التي تذكر مدة إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وأنها خمس عشرة ليلة مع ما ذكره النووي من أن الجمهور على أنه صلى الله عليه وسلم وصل إلى مكة لتسع عشرة خلت من رمضان فيكون خروجه صلى الله عليه وسلم إلى حنين في خمس أو ست ليال مضين من شوال من السنة الثامنة، ويظهر أن هذا القول أخذ به ابن إسحاق كما عند الواقدي في مغازيه (3/ 899) ، وابن سعد في الطبقات الكبرى (2/ 150) ، والطبري في تاريخه (3/ 70) من طريق عروة، وابن كثير في البداية والنهاية (4/ 322) ، وفتح الباري (8/ 27) ، وذكر أن عمر بن شبة نقل ذلك عن عروة.
(2/766)

أبي سنان الديلي1، عن أبي واقد الليثي 2، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل حنين فمررنا بالسِّدْرة3 فقلنا: أي رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط4 كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} 5 إنكم تركبون سَنَن الذين من قبلكم"6.
__________
1 هو: سنان بن أبي سنان الديلي، المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومائة، وله اثنتان وثمانون سنة، خ م ت س، التقريب (256) .
2 أبو واقد الليثي ... مختلف في اسمه، قيل: هو الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف، وقيل: عوف بن الحارث بن أسيد بن جابر بن عبد مناف ... ابن كنانة، حليف بني أسد، أسلم قديماً، وكان يحمل لواء بني ليث وضمرة، وسعد بن بكر يوم الفتح وحنين، وفي غزوة تبوك يستنفر بني ليث، عاش إلى خلافة معاوية. الإصابة (4/ 215-216) .
3 السّدرة: شجرة النبق. القاموس، مادة (سدر) .
4 ذات أنواط: هي اسم شجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم، أي: يعلقونه بها، ويعكفون حولها. النهاية، 5/125.
5 سورة الأعراف، آية (138) .
6 تفسير عبد الرزاق (1/ 235) القسم الثاني بسند صحيح.
وأخرجه أحمد في المسند (36/ 231، رقم [21900] أرناؤوط) ، والحميدي (2/ 375 رقم 848) ، وابن أبي شيبة في المصنف (15/ 101) ، والطيالسي رقم (1346) والترمذي في الفتن رقم (2180) وعنده إلى (خيبر) وهو خطأ، وأخرجه ابن إسحاق (سيرة ابن هشام 2/ 442) إلا أنه قال: وحدثني ابن شهاب، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي، عن أبي واقد الليثي، أن الحارث بن مالك قال: (خرجنا ... ) مما قد يظن أن الحارث غير أبي واقد، والصواب أن الحارث بن مالك هو أبو واقد الليثي كما في دلائل البيهقي (5/ 124) ، وحيث أورده من طريق ابن إسحاق وفيه: ... عن أبي واقد الليثي وهو الحارث بن مالك قال فذكره.
وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة رقم (76) والأزرقي في أخبار مكة (1/ 129-130) .
والطبراني في الكبير رقم (3290و 3291 و3292 و3294) وابن حبان (الإحسان 14/ 94 رقم 6702) ، وأخرجه أيضاً البيهقي في الدلائل (5/ 125)
(2/767)

المبحث الرابع: في إعجاب المسلمين بكثرتهم.
166- وقال الواقدي: حدثني معمر، عن الزهري قال: افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الله تعالى: {إِذا جَاءَ نَصْرُ اللهِ والفَتْحُ} 1 قالوا: وكان فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة2 يصلي ركعتين، ثم غدا يوم السبت لست ليال خلون من شوال، واستعمل على مكة عتاب
__________
1 سورة النصر، آية رقم (1) .
2 الذي في البخاري أنه أقام تسعة عشر يوماً، انظر: صحيح البخاري، حديث رقم: (4298) و (4299) .
(2/768)

ابن أسيد1 يصلي بهم، ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه2، قالوا: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثني عشر ألفاً من المسلمين عشرة آلاف من أهل المدينة وألفين من أهل مكة، فلما فصل، قال رجل3 من أصحابه: لو لقينا بني شيبان ما بالينا، ولا يغلبنا اليوم أحد من قلة، فأنزل الله عزوجل في ذلك: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُم} 4.
167- وأخرج الواقدي أيضاً من طريق موسى بن عقبة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول
__________
1 سبق التعليق على تعيين عتاب بن أسيد؛ أميراً على مكة في الرواية الماضية؛ رقم: [162] .
2 وقد ذكر ذلك الحاكم في المستدرك (3/ 270) .
3 وعند البزار (كشف الأستار للهيثمي 2/ 246-247) أن القائل غلام من الأنصار. قال الهيثمي: وفيه علي بن عاصم بن صهيب ضعيف، مجمع الزوائد (6/ 178) . في الدلائل (5/ 123) ، أنه رجل، وهو مرسل. وعند ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 444) أنَّه رجل من بكر قال ذلك. وعنده أيضاً أن القائل رسول الله صلى الله عليه وسلم. المصدر السابق.
وكلها أحاديث ضعيفة لكن يشهد لها قوله تعالى: {ويومَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تًغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً} الآية. وانظر: في هذه المسألة رسالة الدكتور القريبي: مرويات غزوة حنين (2/ 135) .
4 المغازي (3/ 889، والواقدي متروك فالحديث ضعيف، ولكن هناك ما يشهد لأكثر فقراته، والآية من سورة التوبة رقم (250) .
(2/769)

الله، لا نغلب اليوم من قلة، فأنزل الله عزوجل في ذلك: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ... } الآية1.
__________
1 مغازي الواقدي (3/ 390) ، وهو متروك، وأيضاً سعيد بن المسيب لم يدرك أبا بكر ففيه انقطاع.
(2/770)

المبحث الخامس: في وقائع المعركة.
168- قال الإمام مسلم1: وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو ابن سَرْح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني كثير بن عباس بن عبد المطلب قال: قال عباس: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي2، فلما التقى المسلمون والكفار ولَّى المسلمون مدبرين، فطفق3 رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قِبَل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ
__________
1 صحيح مسلم بشرح النووي (12/ 113) .
2 وعند ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 591) : فروة بن عمرو الجذامي، وذكر أنه أسلم.
وعند ابن عبد البر (الاستيعاب 3/325) : فروة بن عمرو النفاثي، وفي الإصابة (3/ 213) : (مروة بن عامر الجذامي أو ابن عمرو وهو أشهر، أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث بإسلامه، ولم ينقل أنه اجتمع به ... أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء ... ) .
وقال النووي: "فروة بن نفاثة - بنون مضمومة ثم فاء مخففة ثم ألف ثم تاء مثلثة -، وفي الرواية التي بعدها رواية إسحاق بن إبراهيم قال فروة بن نعامة - بالعين والميم -، والصحيح المعروف الأول" شرح مسلم (12/ 113) .
3 طفق: بمعنى أخذ. النهاية (3/ 129) .
(2/771)

بلجام1 بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أَكُفُّها2 إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب3 رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي عباس ناد أصحاب الشجرة" 4، فقال عباس وكان رجلاً صَيِّتاً5: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب الشجرة؟
قال: فوالله لكأَنَّ عَطْفَتَهم حين سمعوني عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج6، فقالوا: يا بني
__________
1 اللجام: حبل أو عصا تدخل في فم الدابة وتلزق إلى قفاه، لسان العرب (لجم) .
2 أكفها: أي أمنعها. النهاية (4/ 192) .
3 الركاب للسرج: كالغرز للرحل، والجمع ركب، اللسان (ركب) .
4 هي: الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان، ومعناه: ناد أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية. النووي بشرح مسلم (12/ 115) .
5 رجلاً صيتاً: أي شديد الصوت عاليه. النهاية (3/ 64) وذكر النووي عن الحازمي في المؤتلف أن العباس رضي الله عنه كان يقف على سلع فينادي غلمانه في آخر الليل وهم في الغابة فيسمعهم، قال: وبين سلع والغابة ثمانية أميال، النووي على مسلم (12/ 115) .
6 قوله: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، هو: الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، ومن ولده: جشم وحارثة، فولد جشم عبد الأشهل وزعوراء، جمهرة أنساب العرب لابن حزم (338) .
(2/772)

الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا حين حمي الوطيس" 1، قال: ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: "انهزموا ورب الكعبة"2، قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم3 كليلاً وأمرهم مدبراً4.
__________
1 هذا حين حمي الوطيس: - هو بفتح الواو وكسر الطاء المهملة وبالسين المهملة -، قال الأكثرون: هو شبه التنور يسجر فيه، ويضرب مثلاً لشدة الحرب التي يشبه حرها حره.
وقال آخرون: الوطيس هو: التنور نفسه، وقال الأصمعي: هي حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطأ عليها، فيقال: الآن حمي الوطيس ... ، قالوا: وهذه اللفظة من فصيح الكلام وبديعه الذي لم يسمع من أحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم، النووي على مسلم (12/ 116) .
2 وفي رواية معمر عن الزهري (انهزموا ورب الكعبة، انهزموا ورب الكعبة) مسلم بشرح النووي (12/ 117) .
3 فما زلت أرى حدهم كليلاً: - هو بفتح الحاء المهملة -، أي: ما زلت أرى قوتهم ضعيفة، النووي على مسلم (12/ 117) .
4 وأخرجه من طريق يونس الحاكم في المستدرك (3/ 327) ، والبغوي في شرح السنة (14/ 31) والبيهقي في الدلائل (5/ 137) .
ومن طريق معمر عن الزهري أخرجه الواقدي في المغازي (3/ 898) ، وعبد الرزاق في المصنف (5/ 379) ، رقم (9741) ، وفي تفسيره (1/ 269) ، ومن طريقه أخرجه أحمد في المسند (3/ 296- 297 رقم [1775] أرناؤوط) ، وفي فضائل الصحابة رقم (1775) ، ومسلم رقم (1775) (76) ، وأخرجه من طريق معمر ابن سعد في الطبقات (2/ 155) ، وأبو يعلى في المسند رقم (3606) ، وابن حبان في صحيحه (15/ 523 رقم 7049) .
وأخرجه الحميدي في مسنده (1/ 218 رقم 459) من طريق الزهري.
ومن طريق سفيان عن الزهري أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (2/ 732) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/ 273 رقم 356) ، وفي كتاب الجهاد رقم (252) مختصراً، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 272) ، والحاكم في المستدرك (3/ 255) .
وأخرجه ابن سعد كما في الطبقات (4/ 18) من طريق محمد بن عبد الله عن عمه ابن شهاب، وأخرجه ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 444- 445) ومن طريق ابن إسحاق أخرجه ابن سعد كما في الطبقات (3/ 75) ، والطبري في تفسيره (14/ 182) ، تحقيق: أحمد شاكر، وأخرجه الفزاري عن ابن جريج عن ابن شهاب مرسلاً، السير للفزاري (203) .
(2/773)

169- عبد الرزاق1 عن معمر عن الزهري قال: أخبرني كثير بن العباس بن عبد المطلب2 عن أبيه العباس قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، قال: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا أنا وأبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب فلزمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه وهو على بغلة
__________
1 مصنف عبد الرزاق (5/ 379) رقم (9741) ، والتفسير (1/ 269) القسم الثاني.
2 هو: كثير بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي أبو تمام، صحابي صغير، مات بالمدينة أيام عبد الملك، خ م د س، التقريب (459) .
(2/774)

شهباء، وربما قال معمر: بيضاء، أهداها له فروة بن نعامة الجذامي، قال: فلما التقى المسلمون والكفار ولَّى المسلمون مدبرين، وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته نحو الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ألقفها1، وهو لا يألو ما أسرعَ نحو المشركين، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بغَرْز رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عباس ناد أصحاب السمرة، قال: وكنت رجلاً صَيِّتاً فناديت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عَطْفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك، وأقبل المسلمون فاقتتلوا هم والكفار، فنادت الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، ثم قُصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فنادوا: يا بني الحارث بن الخزرج، قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا حين حمى الوطيس" قال: ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا ورب الكعبة، قال فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً حتى هزمهم الله تعالى، قال: وكأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يركض خلفهم على بغلة له2.
__________
1 في تفسير عبد الرزاق (1/ 269) : فكففتها، وعند مسلم بشرح النووي (12/ 113) : من طريق يونس: أكفها.
2 إلى هنا أخرجه عبد الرزاق متصلاً.
(2/775)

170- قال الحميدي: حدثنا سفيان1، قال: ثنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن أزهر قال: جُرِح خالد بن الوليد يوم حنين فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام وهو يقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ فخرجت أمشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ حتى أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مستند إلى رحل قد أصابته جراحة، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده ودعا له قال2: وأرى فيه ونفث3 عليه4.
قال عبد الرزاق: قال الزهري: وكان عبد الرحمن بن أزهر5 يحدث
__________
1 هو: سفيان بن عيينة، تقدم.
2 القائل هو: الزهري، ففي مسند أحمد (27/ 366 رقم [16811] أرناؤوط) ( ... قال الزهري: وحسبت أنه قال: ونفث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، وانظر: كذلك صحيح ابن حبان رقم (7090) .
3 نفث: النفث شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل، لأن التفل لا يكون إلا معه شيء من الريق. النهاية (5/ 88) .
4 مسند الحميدي (2/ 398) رقم (897) بسند صحيح.
ومن طريق معمر أخرجه الشافعي في المسند (2/ 90) رقم (292) ، وأحمد في المسند (27/ 366، رقم [16811] أرناؤوط) وابن أبي عاصم في الآحاد (1/ 459) رقم (639) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان 15/ 564- 565، رقم 7090) ، وقال محققه شعيب الأرناؤوط: سنده صحيح، وأخرجه البيهقي في السنن (8/ 319 و9/ 103) مختصراً.
5 عبد الرحمن بن أزهرالزهري أبو جبير المدني، صحابي صغير، مات قبل الحرة، وله ذكر في الصحيحين مع عائشة، أغفل المزي رقم (س) وهو في الأشربة، د س، التقريب (570) .
(2/776)

أن خالد بن الوليد بن المغيرة يومئذ كان على الخيل، خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن أزهر: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما هزم الله الكفار، ورجع المسلمون إلى رحالهم، يمشي في المسلمين ويقول: من يدلُّني على رحل خالد بن الوليد؟ فمشيت حتى - أو قال: فسعيت - بين يديه وأنا غلام محتلم، أقول: من يدل على رحل خالد؟ حتى دللنا عليه، فإذا خالد مستند إلى مؤخرة رحله، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى جرحه.
171- وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري1 - المصري ابن أخي رشدين بن سعد - أخبرنا ابن وهب2، أخبرني أسامة بن زيد3، أن ابن شهاب حدثه عن عبد الرحمن بن أزهر قال: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الآن وهو في الرحال يلتمس رحل خالد بن الوليد فبينما هو كذلك إذ أتي برجل قد شرب الخمر، فقال للناس: اضربوه، فمنهم من ضربه بالنعال، ومنهم من ضربه بالعصا، ومنهم من
__________
1 هو: سليمان بن داود بن حماد المهري أبو الربيع المصري، ابن أخي رشدين، ثقة، من الحادية عشرة، توفي سنة ثلاث وخمسين، د س، التقريب (251) .
2 هو: عبد الله بن وهب بن مسلم، ثقة، تقدم في الرواية رقم [121] .
3 هو: أسامة بن زيد الليثي مولاهم، أبو زيد المدني، صدوق يهم، من السابعة، مات سنة ثلاث وخمسين وهو ابن بضع وسبعين، خت م ع، التقريب (98) .
(2/777)

ضربه بالْمِيتَخَة1، قال ابن وهب: الجريدة الرطبة، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم تراباً من الأرض فرمى به في وجهه2.
__________
1 الميتخة: هذه اللفظة قد اختلف في ضبطها، فقيل: هي بكسر الميم وتشديد التاء، وبفتح الميم مع التشديد، وبكسر الميم وسكون التاء، قال الأزهري: وهذه كلها أسماء لجرائد النخل وأصل العرجون. النهاية 4/ 292.
2 سنن أبي داود (3/ 165- 166 رقم 4487 ورقم: 4488، ورقم: 4489) .
ومن طريق أسامة بن زيد أخرجه أحمد في المسند (31/ 431 رقم [19079] أرناؤوط) ، عن الزهري أنه سمع عبد الرحمن بن أزهر يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فذكره، وأبو عوانة (4/ 203) ، وصرح عنده الزهري بالسماع أيضاً والحاكم (4/ 374- 375) ، عن الزهري قال: حدثني عبد الرحمن بن أزهر ... فذكره.
وقال الألباني: "حسن صحيح" انظر: صحيح سنن أبي داود (3/ 849 رقم: 3766) .
وقال عبد القادر الأرناؤوط في جامع الأصول (3/ 585) : عن إسناد أبي داود رقم (4487 و4488) إسناده صحيح. وأخرجه الواقدي في المغازي (3/ 922)
(2/778)

المبحث السادس: في إعطاء المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين.
أولاً: إعطاؤه لصفوان بن أمية.
172- قال الإمام مسلم: وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، فتح مكة، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة.
قال ابن شهاب1: حدثني سعيد بن المسيب، أن صفوان قال: والله
__________
1 من هنا إلى نهاية الحديث: أخرجه الفسوي في المعرفة (1/ 309) ، والطبري في تهذيب الآثار مسند عمر رقم (162) ، وزاد فيه: وأعطى حكيم بن حزام يومئذ مائة، وحكيم يسأله من النعم، ثم مائة، ثم مائة، وقد أخرجه الترمذي مطولاً من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ... الحديث، سنن الترمذي (3/ 44- 45 رقم 666) ، ثم قال: حديث صفوان رواه معمر وغيره عن الزهري عن سعيد بن المسيب: أن صفوان ابن أمية قال: أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأن هذا الحديث أصح وأشبه، إنما هو: سعيد بن المسيب: أن صفوان.
وأخرجه ابن سعد في الطبقات (5/ 449) ، وأحمد في المسند (45/ 607- 608 رقم [27638] أرناؤوط) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2/ 81) رقم (779) ، والطبراني في الكبير (8/ 51) رقم (7340) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان 11/ 159 رقم: 4828) كلهم من طريق ابن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن صفوان به، وأخرجه الطبري في تفسيره رقم (16847) مرسلاً عن الزهري قال: قال صفوان ... فذكره، ورواية مسلم ظاهرها الانقطاع، أما رواية الترمذي وأحمد وغيرهما فظاهرها الاتصال.
(2/779)

لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ1.
173- وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: أعطى النبي صلى الله عليه وسلم حكيم بن حزام يوم حنين عطاءً فاستقله فزاده، فقال: يا رسول الله، أَيّ أُعْطِيَتِكَ خير؟ قال: الأولى. قال: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا حكيم بن حزام إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس، وحسن أكلة، بورك له فيه، ومن أخذه باستشراف2 نفس وسوء أكلة، لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى".
قال: ومنك يا رسول الله؟ قال: (ومني) قال: فوالذي بعثك بالحق
__________
1 صحيح مسلم (4/ 1806 رقم 2313) .
2 أصل الاستشراف: أن تضع يدك على حاجبك وتنظر، كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء، وأصله من الشرف والعلو، أي ما جاءك منه وأنت غير متطلع إليه ولا طامع فيه. النهاية (2/462) .
(2/780)

لا أرزأ1 بعدك أحداً شيئاً أبداً، قال: فلم يقبل ديواناً ولا عطاءً حتى مات، قال: وكان عمر بن الخطاب يقول: اللهم إني أشهدك على حكيم بن حزام أني أدعوه لحقه من هذا المال وهو يأبى، فقال: إني والله لا أرزأك ولا غيرك شيئاً2.
174- قال الواقدي: حدثني معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، قالا: حدثنا حكيم بن حزام: قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين مائة من الإبل فأعطانيها، ثم سألته مائة فأعطانيها، ثم سألته مائة فأعطانيها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا حكيم بن حزام؛ إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول".
قال: فكان حكيم يقول: والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً، فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعوه إلى عطائه فيأبى يأخذه، فيقول
__________
1 أي: لا آخذ. النهاية (2/218)
2 مصنف عبد الرزاق (9/76) رقم (16409) .
وهذا الحديث صورته مرسل، وقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف11/102) رقم (20041) عن الزهري، عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب، وعن هشام عن أبيه، فذكر نحوه، وليس فيه أن ذلك كان حين غزوة حنين، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد وعروة بن الزبير؛ أخرجه الطبراني في الكبير (3/188) رقم (3078) وفيه أن ذلك العطاء كان في حنين.
(2/781)

عمر: أيها الناس إني أشهدكم على حكيم أني أدعوه إلى عطائه فيأبى أن يأخذه1.
__________
1 مغازي الواقدي (3/945)
وهذه الرواية فيها التصريح بأن سعيد بن المسيب وعروة حدثهما حكيم بن حزام نفسه، وأن سؤاله للرسول صلى الله عليه وسلم كان بحنين، وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة حديثياً إلا أنه قد ورد ما يشهد لها، فقد أخرج البخاري من طريق يونس بن يزيد الأيلي، والأوزاعي وسفيان بن عيينة ثلاثتهم عن الزهري عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب أن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني ... الحديث، ولكن ليس فيه أن ذلك كان في حنين، انظر: البخاري مع الفتح (3/ 335) رقم (1472) ، و (5/377) رقم (5750) ، و (6/ 249- 250) رقم (3143) و (11/ 258) رقم (6441) ، ومسلم بشرح النووي (7/ 125 -126) ، وأحمد في المسند (24/ 341 رقم [15574] أرناؤوط) ، والحميدي في مسنده (1/ 253 رقم 553) ، والترمذي في سننه رقم (2463) ، والنسائي في (5/ 100 -101) ، وتفسير الطبري (14/ 313 رقم 16847) تحقيق شاكر، وتهذيب الآثار له رقم (162) من مسند عمر، من طريق ابن شهاب حدثني سعيد بن المسيب أن صفواناً قال: والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ، وأعطى حكيم بن حزام يومئذ، وحكيم يسأله مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (3/ 189 رقم (3079) و (3080) ، و (3082) و (3083) وكلها ليس فيها أن ذلك العطاء كان في حنين.
والذي يظهر لي - والله أعلم - أن ذلك العطاء كان في حنين بصرف النظر عن عدم ذكر حنين في الروايات المتقدمة، ويكفي ما ذكره عبد الرزاق في روايته التي ذكرت أن ذلك كان في حنين، وكذا رواية الواقدي لوجود ما يشهد لها.
(2/782)

175- وقال ابن هشام1: حدثني من أثق به من أهل العلم في إسناد له، عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قريش وغيرهم، فأعطاهم يوم الجعرانة من غنائم حنين:
من بني أمية بن عبد شمس: أبو سفيان بن حرب بن أمية، وطليق بن سفيان بن أمية، وخالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية.
ومن بني عبد الدار بن قصي: شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وأبو السنابل بن بَعْكَك بن الحارث بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
ومن بني مخزوم بن يقظة: زهير بن أبي أمية بن المغيرة، والحارث بن هشام بن المغيرة، وخالد بن هشام بن المغيرة، وهشام بن الوليد بن المغيرة، وسفيان بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والسائب بن أبي السائب بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم2.
__________
1 السيرة النبوية (2/ 494- 496) والرواية فيها إبهام لشيخ ابن هشام وانقطاع أيضاً.
2 ذكر ابن إسحاق عن الزهري أن السائب بن أبي السائب ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه يوم الجعرانة من غنائم حنين. انظر ابن هشام (1/ 712) .
(2/783)

ومن بني عدي بن كعب: مطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة، وأبو جهم بن حذيفة بن غانم.
- ومن بني جمح بن عمرو: صفوان بن أمية بن خلف، وأحيحة بن أمية بن خلف، وعمير بن وهب بن خلف.
- ومن بني سهم: عدي بن قيس بن حذافة السهمي.
- ومن بني عامر بن لؤي: حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ودّ، وهشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب.
ومن أفناء القبائل:
- من بني بكر بن مناة بن كنانة: نوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن رزن بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل.
- ومن بني قيس ثم من بني عامر بن صعصعة ثم من بني كلاب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة: علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب.
- ومن بني عامر بن ربيعة: خالد بن هوذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وحرملة بن هوذة بن ربيعة بن عمرو.
- ومن بني نصر بن معاوية: مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع.
- ومن بني سليم بن منصور: عباس بن مرداس بن أبي عامر أخو بني الحارث بن بُهْثَة بن سُليم.
- ومن بني غطفان؛ ثم من بني فزارة: عيينة بن حصن بن حذيفة
(2/784)

ابن بدر.
- ومن بني تميم، ثم من بني حنظلة: الأقرع بن حابس بن عقال، من بني مجاشع بن دارم.
(2/785)

المبحث السابع: في قدوم وفد هوازن على النبي صلى الله عليه وسلم مسلمين ورد السبي إليهم
176- قال البخاري1: حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيل عن ابن شهاب قال: وزعم عروة أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة2 أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحب الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال، قد كنت استأنيت بهم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير رادٍّ إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: نختار سبينا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤونا تائبين، وإني رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن
__________
1 صحيح البخاري مع الفتح (4/ 483 رقم (2307) و (2308) .
2 قال الحافظ ابن حجر: "وقد تقدم في أول الشروط في قصة صلح الحديبية أن الزهري رواه عن عروة عن المسور ومروان عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على أنه في بقية المواضع حيث لا يذكر عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه يرسله، فإن المسور يصغر عن إدراك القصة ومروان أصغر منه، نعم كان المسور في قصة حنين مميزاً، فقد ضبط في ذلك الأوان قصة خطبة علي لابنة أبي جهل، والله أعلم، فتح الباري (8/ 33) .
(2/786)

يطيب بذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل، فقال الناس: قد طيبنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفعوا إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا1.
__________
1 وقع في رواية موسى بن عقبة المرسلة عند البيهقي في الدلائل (5/ 191- 192) : فأعطى الناس ما كان بأيديهم منهم إلا قليلاً منهم سألوه الفداء.
وقال ابن إسحاق: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ " وفيه ... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فقال المهاجرون وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بلى ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم". ابن هشام (2/ 498) .
وقال الحافظ ابن حجر: " ... فالأغلب الأكثر طابت أنفسهم أن يردوا السبي لأهله بغير عوض، وبعضهم رده بشرط التعويض" فتح الباري (13/ 169) .
والحديث أخرجه البخاري في عدة مواضع من صحيحه من طرق عن الزهري، انظر: البخاري مع الفتح (5/ 169، 209، 226، 227، رقم (2539 و2540 و2583 و2584 و2607 و2608) و (6/ 236 رقم 3131 و3132) من طريق عُقَيل عن الزهري، و (8/ 32- 33 رقم 4318 و4319) من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه، و (13/ 168 رقم 7176 و7177) من طريق موسى بن عقبة عن الزهري.
ومن طريق عُقَيل عن الزهري ... أخرجه أبو داود رقم (2693) ، وأبو عبيد في الأموال، رقم (314) ، وابن زنجويه في الأموال رقم (483) ، والبيهقي في السنن (6/ 360) ، وفي الدلائل (5/ 190- 191) ، والبغوي في شرح السنة (11/ 86 رقم 2715) ، ومن طريق ابن أخي الزهري عن عمه ... أخرجه أحمد في المسند (31/ 230، رقم [18914] أرناؤوط) ، ومن طريق موسى بن عقبة عن الزهري ... أخرجه البيهقي في السنن (6/ 360) ، وفي الدلائل (5/ 192) مختصراً.
ويشهد لما تقدم ما أخرجه ابن إسحاق من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو نحوه، انظر: سيرة ابن هشام (2/ 489) وسنده حسن حيث صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث.
وأحمد في المسند (11/ 339، رقم [6729] و 11/ 612- 613 رقم [7037] أرناؤوط) ، وأبو داود في السنن رقم (2694) مختصراً، والنسائي في السنن (6/ 262) والطبراني في الكبير (5/ 270 رقم 5304) ، والبيهقي في الدلائل (5/ 194- 195) من طرق عن ابن إسحاق، وقد صرح ابن إسحاق بالسماع كما في ابن هشام (2/ 489) ، وإحدى الروايتين عند أحمد في المسند (11/ 612 -613 رقم [7037] أرناؤوط) ، والباقي أخرجوه بالعنعنة.
(2/787)

قال عبد الرزاق: قال الزهري فأخبرني سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم سبى1 يومئذ ستة آلاف سبي من امرأة وغلام، فجعل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب.
__________
1 السَّبي: والسَّبيَّة والسَّبايا: فالسبي: النهب، وأخذ الناس عبيداً وإماءً. النهاية (2/ 340) .
(2/788)

قال الزهري1: وأخبرني عروة بن الزبير قال: لما رجعت هوازن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أنت أبر الناس وأوصلهم، وقد سُبي موالينا ونساؤنا، وأخذت أموالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني كنت استأنيت2 بكم ومعي من ترون، وأحب القول لديّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين، إما المال وإما السبي.
فقالوا: يا رسول الله أما إذا خيرتنا بين المال وبين الحسب، فإنا نختار الحسب، أو قال: ما كنا نعدل بالحسب شيئاً، فاختاروا نساءهم وأبناءهم.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطب في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءوا مسلمين أو مستسلمين، وإنا قد خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب، وإني قد رأيت أن تردوا لهم أبناءهم ونساءهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكتب علينا حصته من ذلك حتى نعطيه من بعض ما يفيئه الله علينا فليفعل"، قال: فقال المسلمون: طيَّبنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
__________
1 هذا معلق أيضاً وسيأتي الحديث عن السبي قريباً.
2 استأنيت بكم: أي انتظرت وتربصت، يقال: أنيت وأنَّيت وتأنيت واستأنيت. النهاية (1/ 78) .
(2/789)

قال: إني لا أدري من أذن في ذلك ممن لم يأذن، فأمروا عرفاءكم1 فليرفعوا ذلك إلينا، فلما رفعت العرفاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الناس قد أسلموا ذلك، وأذنوا فيه رَدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوازن نساءهم وأبناءهم، وخيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءً كان أعطاهن رجالاً من قريش بين أن يلبثن عندهم وبين أن يرجعن إلى أهلهن، قال الزهري: فبلغني أن امرأة منهم كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، فخيرت فاختارت أن ترجع إلى أهلها وتركت عبد الرحمن، وكان معجباً بها، وأخرى عند صفوان بن أمية فاختارت أهلها.
قال الزهري: فأخبرني سعيد بن المسيب قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قسم بين المسلمين ثم اعتمر من الجِعِرانة2 بعدما قفل من غزوة حنين، ثم انطلق إلى المدينة، ثم أمَّر أبا بكر على تلك الحجة3.
__________
1 العرفاء: جمع عريف، وهو القيم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يلي أمورهم ويتعرف الأمير منه أحوالهم، فعيل: بمعنى فاعل، والعرافة: عملة. النهاية 3/ 218.
2 الجعرانة: - بكسر الجيم وكسر العين المهملة وتشديد الراء - وفيها رواية أخرى - وهي كسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء - وهي: مكان بين مكة والطائف، نزلها النبي صلى الله عليه وسلم لما قسّم غنائم هوازن مرجعه من غزاة حنين، ويقع شمال شرقي مكة، وقد اتخذها الناس مكاناً للعمرة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. المعالم الأثيرة (90) . وقد دخلت في العمران اليوم على طريق القادم من وادي الشرائع.
3 والحديث أخرجه ابن سعد في الطبقات (2/ 155) من طريق معمر عن الزهري.
(2/790)

177- قال أبو عبيد1: وأما أمر هوازن، فإن عبد الله بن صالح حدثنا عن الليث بن سعد قال: حدثني عُقيل بن خالد عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ستة آلاف من سبي هوازن - من النساء والصبيان والرجال - إلى هوازن حين أسلموا وخيّر نساءً كن عند رجال من قريش، منهم عبد الرحمن بن عوف، وصفوان بن أمية، وقد كانا استسرَّا2 المرأتين اللتين كانت عندهما، فخيرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارتا قومهما3.
__________
1 كتاب الأموال (117) رقم (314) ، وفي سنده عبد الله بن صالح، كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه فيه غفلة، كما قال ابن حجر في التقريب 308
2 استسرَّا: أي اتخذاهما أمتين، لأن السّرية بالضم: الأمة التي بوأتها بيتاً منسوبة إلى السر بالكسر للجماع، وقد تسرّر وتسرّى واستسرَّ، القاموس مادة (سرر) .
3 وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (5/ 379 رقم 9741) معلقاً عن الزهري عن سعيد بن المسيب.
والبيهقي في الدلائل (5/ 193) من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير. وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (1/ 313 رقم 483) من طريق عُقيل عن ابن شهاب، وفي سنده عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد أخرجه الطبري في التفسير (14/ 184 رقم 16578) من طريق محمد بن ثور عن معمر عن قتادة عن الزهري.
ويشهد له ما أخرجه الطبري في تاريخه (3/ 82- 83) من حديث هشام بن عروة عن أبيه.
وخليفة بن خياط في تاريخه (90) من حديث هشام بن عروة أيضاً عن أبيه.
(2/791)

المبحث الثامن: في موقف الأنصار من تقسيم الغنائم
178- قال البخاري1:حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا معمر، عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال ناس من الأنصار - حين أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ما أفاء من أموال هوازن، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يعطي رجالاً المائة2 من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس: فَحُدِّث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة3 من أدم4، ولم يدع معهم غيرهم، فلما اجتمعوا قام النبي صلى الله عليه وسلم
__________
1 صحيح البخاري مع الفتح (8/ 52- 53 رقم 4331) .
2 تقدم أنه أعطى صفوان بن أمية وحكيم بن حزام مائة من الإبل، انظر: الرواية المتقدمة في مسلم رقم (2313) ومصنف عبد الرزاق رقم (16407) من طريق الزهري.
وأخرج أحمد في المسند (20/ 365 رقم [13084] أرناؤوط) من حديث أنس قال: أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من غنائم حنين الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وعيينة بن حصن مائة من الإبل ... ، وهو في البخاري رقم (4336) .
وأخرج الطبري من حديث قتادة مرسلاً وفيه، وتألف أناساً من الناس فيهم أبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس ... الحديث، انظر: جامع البيان (10/ 100- 101) .
3 القبة من الخيام: بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب. النهاية (4/ 3) .
4 الأديم: الجلد. القاموس، مادة (أدم) ، - وهي بفتح الهمزة والدال -: جلد مدبوغ، شرح المواهب (3/ 93) .
(2/792)

فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشاً ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم، فوالله لما تنقلبون به خير من مما ينقلبون به، قالوا: يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ستجدون أُثْرَة1 شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض، قال أنس: فلم يصبروا2.
__________
1 أُثْرَة: بضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحتين، ويجوز كسر أوله من الإسكان، أي: الانفراد بالشيء المشترك، دون من يشركه فيه، والمعنى: أنه يستأثر عليهم بما لهم فيه اشتراك في الاستحقاق. الفتح (8/ 52) .
2 أي فيما بعد بدليل ما جاء عند مسلم رقم (1059) من طريق يونس عن الزهري وفيه (..قالوا: سنصبر) ، وفي رواية أخرى عنده من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه ... قال أنس: قالوا: نصبر، كرواية يونس عن الزهري، المصدر السابق.
والحديث أخرجه البخاري في عدة مواضع، انظر: رقم (3147) من طريق شعيب عن الزهري، ورقم (5860) من طريق الزهري مختصراً.
وأخرجه من غير طريق الزهري، انظر الأرقام (4331 و4332 و4334 و3778) .
وأخرجه مسلم برقم (1059) من طريق الزهري وغيره.
وأخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (19908) وأبو يعلى رقم (3594) وابن حبان في صحيحه (الإحسان رقم 7278) والبيهقي في السنن (6/ 337) ، وفي الدلائل (5/ 175) ، والبغوي في شرح السنة (14/ 173) رقم (3974) من طرق عن الزهري، وأخرجه أحمد في المسند من غير طريق الزهري عن أنس، انظر المسند (20/ 57- 58 رقم [12608] ورقم [12977] ورقم [12978] أرناؤوط) ، والحميدي رقم (1201) ، والترمذي رقم (3901) ، وأبو نعيم في الحلية (3/ 84) .
(2/793)

179- قال الطبراني1: حدثنا الحسن بن علي المعمري2، ثنا أيوب بن محمد الوزان3، ثنا عبد الله بن سليم4 عن رِشْدين بن سعد5، عن يونس بن يزيد6 وعُقيل7 عن الزهري، عن السائب بن
__________
1 المعجم الكبير (7/ 151) رقم (6665) .
2 هو: الحسن بن علي بن شبيب أبو علي المعمري الحافظ ... كان من أوعية العلم يذكر بالفهم ويوصف بالحفظ، وفي حديثه غرائب وأشياء ينفرد بها، وذكره الدارقطني فقال: "صدوق حافظ"، تاريخ بغداد (7/ 369- 372) .
3 هو: أيوب بن محمد بن فروخ بن زياد الوزان، من أهل الكوفة كنيته أبو سليمان توفي في ذي القعدة سنة 249، الثقات لابن حبان (8/ 127) .
4 هو: عبد الله بن سليم الجزري، أبو عبد الرحمن الرقي، مقبول، من كبار العاشرة، توفي سنة ثلاث عشرة، س، التقريب (306) .
5 رشدين: - بكسر الراء وسكون المعجمة - بن سعد بن مفلح المِهْري - بفتح الميم وسكون الهاء - أبو الحجاج المصري، ضعيف، رجح أبو حاتم عليه ابن لَهيعة، وقال ابن يونس: كان صالحاً في دينه، فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث، من السابعة، مات سنة ثمان وثمانين وله ثمان وسبعون سنة، ت ق، التقريب (209) .
6 ثقة، تقدم في الرواية رقم [77] .
7 ثقة، تقدم في الرواية رقم [68] .
(2/794)

يزيد1، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الفيء الذي أفاء الله بحنين من غنائم هوازن، فأفشى القسم في أهل مكة من قريش وغيرهم، فغضب الأنصار، فلما سمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في منازلهم ثم قال: "من كان ههنا ليس من الأنصار فليخرج إلى رحله".
ثم تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمد الله عزوجل ثم قال: (يا معشر الأنصار قد بلغني من حديثكم في هذه المغانم التي آثرت بها أناساً أتألفهم على الإسلام، لعلهم أن يشهدوا بعد اليوم، وقد أدخل الله قلوبهم الإسلام) ثم قال: "يا معشر الأنصار ألم يَمُنّ الله عليكم بالإيمان وخصّكم بالكرامة، وسماكم بأحسن الأسماء أنصار الله وأنصار رسوله؟ ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وسلكتم وادياً لسلكت واديكم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بهذه الغنائم الشاة والبعير، وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلما سمعت الأنصار قول النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: رضينا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أجيبوني فيما قلت: فقالت الأنصار: يا رسول الله وجدتنا في ظلمة فأخرجنا الله بك إلى النور، ووجدتنا على شفا حفرة من النار، فأنقذنا الله بك، ووجدتنا ضلالاً فهدانا الله بك، فرضينا بالله رباًّ وبالإسلام ديناً
__________
1 هو: السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل: غير ذلك في نسبه، ويعرف بابن أخت النمر صحابي صغير، له أحاديث قليلة، وحج في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، ع، التقريب (228) .
(2/795)

وبمحمد نبياً، فاصنع يا رسول الله ما شئت في أوسع الحل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما والله لو أجبتموني بغير هذا القول لقلت: صدقتم، لو قلتم: ألم تأتنا طريداً فآويناك، ومكذَّباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وقبلنا ما رد الناس عليك، لو قلتم هذا لصدقتم"، قالت الأنصار: بل لله ولرسوله المن، والفضل علينا وعلى غيرنا، ثم بكوا فكثر بكاؤهم، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم معهم ورضي عنهم، فكانوا بالذي قال لهم أشد اغتباطاً1 وأفضل عندهم من كل مال2.
__________
1 الغبطة: بكسر الغين: حسن الحال والمسرة، القاموس مادة (غبط) .
2 قال الهيثمي في المجمع (10/ 31) وفيه رشدين بن سعد وحديثه في الرقائق ونحوها حسن، وبقية رجاله ثقات.
والحق أن سنده ضعيف من أجل: رشدين بن سعد، كما مر، لكن للحديث شواهد صحيحة مر ذكرها في الرواية المتقدمة رقم [127] .
(2/796)

المبحث التاسع: في جفاء الأعراب وحلم النبي صلى الله عليه وسلم.
180- قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم، أن محمد بن جبير قال: أخبرني جبير بن مطعم أنه بينما هو يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مَقْفَلهُ من حنين، فعلقت1 الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سَمُرة2، فخطفت رداءه، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاه3 نعماً لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً4.
__________
1 فعلقت الناس: أي نشبوا وتعلقوا. النهاية (3/ 288) .
2 إلى سمرة: بفتح المهملة وضم الميم، شجرة طويلة متفرقة الرأس، قليلة الظل صغيرة الورق والشوك، صلبة الخشب، قاله ابن التين. الفتح (6/ 254) .
3 العضاة: قيل: هي شجر الشوك كالطلح والعوسج والسدر، وقيل: السمرة هي العضاة، وقال الخطابي: ورق السمر أثبت وظلها أكثف، ويقال: هي شجرة الطلح، الفتح (6/ 254) .
4 صحيح البخاري مع الفتح (6/ 35) رقم (2821) . وأخرجه البخاري رقم (3148) وأخرجه عبد الرزاق (5/ 243) رقم (9497) ، وأحمد (27/ 320 رقم [16756] أرناؤوط) ، والفسوي في المعرفة (1/ 364) ، وأبو عبيد في الأموال رقم (619) ، وابن زنجويه في الأموال أيضاً (2/ 681) رقم (1140) ، والطبري في تهذيب الآثار رقم (151) ، السفر الأول من مسند عمر، وابن حبان في صحيحه (الإحسان 13/ 85، رقم 5772) ، والطبراني في الكبير (2/ 130) رقم (1551، و1552، و1553، و1554، و 1555) ، وأبو الشيخ في أخلاق النبي رقم (102) ، والبغوي في شرح السنة (13/ 252) رقم (3689) ، وابن الأثير في أسد الغابة (4/ 272) ، كلهم من طريق الزهري، وفي بعضها اختلاف يسير في بعض الألفاظ.
(2/797)

181- وقال البخاري1: حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة والضحاك، عن أبي سعيد الخدري قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم ذات يوم2قسماً، فقال ذو الخويصرة3- رجل من بني تميم4: يا رسول الله؛ اعدل. فقال: ويلك، من يعدل إذا لم أعدل؟!
فقال عمر: ائذن لي فلأضرب عنقه، قال: لا، إن له أصحاباً يحقر
__________
1 صحيح البخاري مع الفتح (10/ 552) رقم (6163) .
2 هذا القَسْم كان في غزوة حنين كما في صحيح البخاري من غير طريق الزهري رقم (3150) ، ومسلم بشرح النووي (7/ 159) .
وكتاب السنة لابن أبي عاصم من طريق الزهري، رقم (923، و924) ، ومسند أبي يعلى رقم (1022) .
3 ذو الخويصرة: اسمه: عبد الله بن ذي الخويصرة، كما في صحيح البخاري رقم: (6933) ، وقيل: اسمه: حرقوص بن زهير، أسد الغابة (2/ 172) ، وفي رواية عبد الرزاق في التفسير (1/ 277) ، أنه ابن ذي الخويصرة، وكذلك في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (2/ 646) رقم (1550) ورقم (1477) .
4 هكذا في جميع الروايات أنه من بني تميم إلا في مسند أبي يعلى، رقم (1022) حيث ذكر أنه رجل من بني أمية، وأظنه تحريفاً من النساخ.
(2/798)

أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون1 من الدين كمروق السهم من الرميَّة2، يُنْظَرُ إلى نصله3 فلا يوجد فيه شيءٌ، ثم ينظر إلى رصافه4 فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَضِيِّه5 فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قَذَذِه6 فلا يوجد فيه شيءٌ، سبق الفرث7 والدم،
__________
1 يمرقون من الدين كمروق السهم: معناه: يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ الصيد من جهة أخرى ولم
يتعلق به شيء منه. النووي على مسلم (7/ 159) .
2 الرميَّة: هي الصيد المرمي كالغزالة مثلاً، النووي على مسلم (7/ 159) ، وفتح الباري (12/ 294) .
3 ينظر إلى نصله: النصل: حديدة السهم والرمح والسيف ما لم يكن له مقبض، القاموس (نَصَلَ) .
4 ثم ينظر إلى رصافه: يقال: رصف السهم إذا شدَّه بالرصاف وهو عَقَبٌ يُلْوى على مدخل النصل فيه. النهاية (2/ 227) .
5 ثم ينظر إلى نضيه: النضي: نصل السهم، وقيل هو السهم قبل أن ينحت. النهاية (5/ 73) .
وقيل: عود السهم قبل أن يراش، وهو بفتح النون وحكي ضمها، وبكسر المعجمة بعدها تحتانية ثقيلة. فتح الباري (6/ 618) .
6 ثم ينظر إلى قذذه: القذذ: ريش السهم، واحدتها: قذة. النهاية (4/ 28) ، وفتح الباري (6/ 618) .
7 سبق الفرث والدم: الفرث: ما يوجد في الكرش، القاموس (فرث) ، والمعنى: أنهم يخرجون من الإسلام بغتة كخروج السهم إذا رماه رامٍ قوي الساعد فأصاب ما رماه فنفذ منه بسرعة بحيث لا يعلق بالسهم ولا بشيء منه من المرمي شيء. فتح الباري (12/ 294) .
(2/799)

يخرجون على حين فرقة من الناس، آيتهم رجل إحدى يديه مثل ثدي المرأة - أو مثل البضعة - تدردر1.
قال أبو سعيد: أشهد لسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أني كنت مع علي حين قاتلهم، فالتمس في القتلى فأتي به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم2.
__________
1 تَدَرْدَر: بفتح أوله ودالين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة وآخره راء، ومعناه: تتحرك وتذهب وتجيء، وأصله حكاية صوت الماء في بطن الوادي إذا تدافع. فتح الباري (12/ 295) .
2 والحديث أخرجه البخاري أيضاً في صحيحه رقم (6933) ومسلم رقم (1064) ، وعبد الرزاق في التفسير (1/ 277) ، وأحمد في المسند (18/164رقم [11621] أرناؤوط) ، وعبد الله بن الإمام أحمد في كتابه السنة (2/ 646رقم (1550) ، وابن أبي عاصم في السنة رقم (923، و924) ، وأبو يعلى في المسند رقم (1022) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان رقم 6741) ، والبغوي في شرح السنة (10/ 224) رقم (2552) ، والبيهقي في الدلائل (5/ 187) كلهم من طريق الزهري وفي بعض ألفاظها اختلاف يسير، والمعنى واحد.
(2/800)

المبحث العاشر: في حصار الطائف
182- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين1 بن الفضل القطان، قال: أنبأنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو الأسود، عن عروة (ح) قال: وحدثنا يعقوب، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: وقاتل يوم حنين وحاصر الطائف2 في شوال سنة ثمان3.
__________
1 سبقت ترجمة رجال الإسناد جميعاً.
2 مدينة غنية عن التعريف تقع شرق مكة مع مَيْلٍ قليل إلى الجنوب على مسافة (99) كيلاً وترتفع عن سطح البحر (1630) متراً، المعالم الأثيرة (170) .
3 دلائل النبوة (5/ 156) .
هذا قول الزهري، وهو قول موسى بن عقبة أيضاً كما ذكره البخاري، صحيح البخاري مع الفتح (8/ 43) .
قال الحافظ ابن حجر: "وهو قول جمهور أهل المغازي لكن هناك قول أنه وصل إليها في أول ذي القعدة" الفتح (8/ 44) .
وممن قال بأن الحصار كان في ذي القعدة ابن سعد في الطبقات (2/ 158) ، وابن القيم في الزاد (3/ 495) ، وشرح المواهب (3/ 29) .
ولم أجد روايات عن الزهري في حصار الطائف إلا هذه الرواية.
قال ابن إسحاق: "ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف حين فرغ من حنين ... حتى نزل قريباً من الطائف فضرب عسكره، فَقُتِل به ناس من أصحابه بالنبل، وذلك
(2/801)

__________
العسكر اقترب من حائط الطائف، فكانت النبل تنالهم، ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم، فلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل وضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم فحاصرهم بضعاً وعشرين ليلة، ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عمر أن يؤذن بالرحيل، وقد استشهد بالطائف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر رجلاً، سبعة من قريش، وأربعة من الأنصار، ورجل من بني ليث".
ملخص ما ذكره ابن إسحاق في السيرة النبوية (ابن هشام 2/ 482، و 487) بسند معضل، وقد أخرج أحمد في المسند (20/ 57 رقم [12608] أرناؤوط) مدة الحصار، وأنها كانت أربعين ليلة، وسنده صحيح.
(2/802)

الفصل الخامس: غزوة تبوك والسرايا التي أعقبتها
المبحث الأول: في تاريخ الغزوة
...
المبحث الأول: في تاريخ الغزوة.
183- قال البخاري: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الخميس في غزوة تبوك1، وكان يحب أن
__________
1 تبوك: - بفتح المثناة فوق، وضم الموحدة، وبعد الواو كاف ـ، وهي: موضع بين وادي القرى والشام، وقد أصحبت اليوم إحدى مدن شمال الحجاز الرئيسية، لها إمارة تعرف بإمارة تبوك، وهي تبعد عن المدينة شمالاً بـ (778) كيلاً على طريق معبدة تمر بخيبر وتيماء، معجم المعالم الجغرافية (59) ، وانظر: معجم البلدان (2/14-15) ، والقاموس المحيط (تبك) ، وفتح الباري (8/ 111) .
قال الحافظ: "وتبوك، المشهور فيها عدم الصرف للتأنيث والعلمية، ومن صرفها أراد الموضع، وقد وقعت تسميتها بذلك في الأحاديث الصحيحة منها حديث مسلم رقم (706) : إنكم ستأتون غداً عين تبوك، وقد أخرجه أحمد (36/ 387 رقم [22068] أرناؤوط) ، والبزار (كشف الأستار رقم 1845) من حديث حذيفة، قال ابن قتيبة: فبذلك سميت عين تبوك، والبوك الحفر، فتح الباري (8/ 111) .
ويسمى جيشها بجيش العسرة، انظر: البخاري مع الفتح (8/ 110 رقم (4415)
وقد كانت في رجب سنة تسع قبل حجة الوداع، بلا خلاف.
وانظر: ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 515ـ 516) ، وابن سعد في الطبقات (2/ 165) ، وخليفة بن خياط في تاريخه (92) ، والطبري في التاريخ (3/ 100) ، وابن سيد الناس في عيون الأثر (2/ 292) ، وابن كثير في البداية (5/ 2) ، وابن القيم في زاد المعاد (3/ 526) ، وابن حجر في الفتح (8/ 111) ، وقال: ... فإن غزوة تبوك كانت في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف.
ثم قال: "وعند ابن عائذ من حديث ابن عباس أنها كانت بعد الطائف بستة أشهر، وليس مخالفاً لقول من قال في رجب إذا حذفنا الكسور، لأنه صلى الله عليه وسلم قد دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة". الفتح (8/ 111) .
وقد ذكر ابن سعد في الطبقات السبب الذي من أجله غزا صلى الله عليه وسلم تبوك وهو: أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغه أن هرقل جمع الجموع من الروم ولخم وجذام وعاملة وغسان لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس وأعلمهم بالخروج إلى تبوك. انظر: الطبقات (2/ 165) بدون إسناد.
أما اليعقوبي فد ذكر أن السبب في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك إنما هو المطالبة بدم جعفر بن أبي طالب، انظر: تاريخ اليعقوبي (2/ 67) ، وقيل: بل السبب: أن اليهود أشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم بسكنى الشام بلاد الأنبياء وترك المدينة، فغزا صلى الله عليه وسلم تبوك، وقد ضعف هذا القول ابن كثير في تفسيره (3/ 53) ، ثم رجح أن السبب هو امتثال لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} ولقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه والله أعلم".أ. هـ. المصدر السابق.
(2/805)

يخرج يوم الخميس"1.
__________
1 صحيح البخاري مع الفتح (6/ 113) رقم (2950) .
وقد ذكر الواقدي أن خروجه إلى تبوك كان يوم الخميس، مغازي الواقدي (3/ 997) ، وابن سعد في الطبقات (2/ 167) ، والبخاري في التاريخ الكبير (5/ 304) ، والطبراني في الأوسط (2/ 74) رقم (1291) ، والبغوي في شرح السنة (11/ 18ـ19) رقم (2672) .
(2/806)

المبحث الثاني: في تخلف بعض المسلمين عن غزوة تبوك
المطلب الأول: تخلف كعب بن مالك.
...
المبحث الثاني: في تخلف بعض المسلمين عن غزوة تبوك
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تخلف كعب بن مالك.
184- قال البخاري1:حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحداً تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر2، وإن كانت بدر أذكر3 في
__________
1 صحيح البخاري مع الفتح (8/ 113) رقم (4418) .
2 قوله: وما أحب أن لي بها مشهد بدر: أي أن لي بدلها، الفتح (8/ 117) .
3 أذكر: أي أعظم ذكراً، الفتح (8/ 117) .
(2/807)

الناس منها، كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورَّى1 بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرٍ شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً2 وعدواً كثيراً فجلَّى3 للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة4 غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد5، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ6 - يريد الديوان - قال
__________
1 ورَّى بغيرها: أي أوهم بغيرها، والتورية أن يذكر لفظاً يحتمل معنيين أحدهما أقرب من الآخر، فيوهم إرادة القريب وهو يريد البعيد. الفتح (8/ 117) .
2 المفاز والمفازة: البرية القفر، والجمع: مفاوز، سميت بذلك لأنها مهلكة. النهاية (3/ 478) .
3 فجلّى: - بالجيم وتشديد اللام ويجوز تخفيفها ـ، أي: أوضح. الفتح (8/ 117)
4 أهبة غزوهم: الأهبة - بضم الهمزة وسكون الهاء - ما يحتاج إليه في السفر والحرب، الفتح (8/ 117) .
5 من قوله: "ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بها" إلى هنا أخرجه ابن سعد في الطبقات (2/ 167) من طريق الزهري.
6 ورد عددهم عند مسلم (بشرح النووي 17/ 100) من رواية معقل: يزيدون على عشرة آلاف.
وعند الحاكم في (الإكليل) من حديث معاذ: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفاً، فتح الباري (8/ 117) ، وجزم ابن إسحاق بهذا العدد، انظر: دلائل البيهقي (5/ 219) ، ومغازي الذهبي (631) ، والبداية والنهاية (5/ 7) ، وذكر الواقدي في المغازي (3/ 1002) ، وابن سعد في الطبقات (2/ 166) : أنه كان معه عشرة آلاف فرس، قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لكلام الواقدي: فتحمل رواية معقل على إرادة الفرسان، الفتح: (8/ 118) ، وقال الحافظ: "وقد نُقل عن أبي زرعة الرازي أنهم كانوا في غزوة تبوك أربعين ألفاً، ولا تخالف الرواية التي في (الإكليل) أكثر من ثلاثين ألفاً لاحتمال أن يكون من قال أربعين ألفاً جبر الكسر".اهـ. المصدر السابق.
(2/808)

كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد1، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن انفصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئاً، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدّر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً2 عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكُرْني
__________
1 حتى اشتد الناس بالجد: الجد - بكسر الجيم -: وهو الجد في الشيء والمبالغة فيه. الفتح (8/ 118) .
2 مغموصاً: - بالغين المعجمة والصاد المهملة -: أي مطعوناً عليه في دينه متهماً بالنفاق، وقيل معناه: مستحقراً. الفتح (8/ 118) .
(2/809)

رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فعل كعب؟ " فقال رجل من بني سَلِمة1: يا رسول الله حبسه برداه ونَظَرُه في عِطفه2.
فقال معاذ بن جبل3: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلاً حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غداً؟
واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبداً بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه4، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً5،
__________
1 فقال رجل من بني سلمة: - بكسر اللام - واسمه: عبد الله بن أنيس كما ذكر الواقدي في المغازي (3/ 997) قال الحافظ: "وهذا غير الجهني الصحابي المشهور، وقد ذكر الواقدي فيمن استشهد باليمامة عبد الله بن أنيس السلمي، فهو هذا" الفتح (8/ 118) .
2 ونظره في عطفه: - بكسر العين المهملة - وكني بذلك عن حسنه وبهجته. الفتح (8/ 118) .
3 قال الواقدي في المغازي (3/997) : "ويقال: الذي رد عليه المقالة أبو قتادة، ومعاذ ابن جبل أثبتهما عندي".
4 فأجمعت صدقه: أي جزمت بذلك وعقدت عليه قصدي. الفتح (8/ 119) .
5 ذكر ابن سعد في الطبقات (2/ 167) أن قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك كان في شهر رمضان سنة تسع.
(2/810)

وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته فلما سلمت عليه تبسَّم تبسُّم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: "ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ "
فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلاً1، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد2 علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك"، فقمت، وثار3 رجال من بني سلمة، فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون
__________
1 ولقد أعطيت جدلاً: أي فصاحة وقوة كلام، بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إلي بما قيل ولا يرد. الفتح (8/ 119) .
2 تجد علي فيه: - بكسر الجيم - أي تغضب. الفتح (8/ 119) .
3 فقمت وثار رجال: أي وثبوا. الفتح (8/ 119) .
(2/811)

اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، فوالله ما زالوا يُؤَنِّبونَني1 حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت من هما؟
قالوا: مُرارة بن الربيع العَمْرِي2 وهلال بن أمية الواقفي3، فذكروا لي رجلين قد شهدا بدراً4 فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما
__________
1 ما زالوا يؤنبونني: - بنون ثقيل ثم موحدة - من التأنيب وهو اللوم العنيف، الفتح (8/ 119) .
2 مُرارة بن الربيع: - بضم الميم ورائين الأولى خفيفة -، العَمْرِي - بفتح المهملة وسكون الميم - نسبة إلى بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. الفتح (8/ 119) .
3 هلال بن أمية الواقفي: - بقاف ثم فاء - نسبة إلى بني واقف بن امرؤ القيس بن مالك بن الأوس. الفتح (8/ 120) .
4 قال الحافظ ابن حجر: "هكذا وقع هنا، وظاهره أنه من كلام كعب بن مالك، وهو مقتضى صنيع البخاري، وقد قررت ذلك واضحاً في غزوة بدر (بعد حديث رقم: 3989) ، وممن جزم بأنهما شهدا بدراً أبو بكر الأثرم، وتعقبه ابن الجوزي ونسبه إلى الغلط فلم يصب، واستدل بعض المتأخرين لكونهما لم يشهدا بدراً بما وقع في قصة حاطب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهجره ولا عاقبه مع كونه جَسَّ عليه، بل قال لعمر لما هم بقتله: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، قال: وأين ذنب التخلف من ذنب الجس؟ قلت: وليس ما استدل به واضح، لأنه يقتضي أن البدري عنده إذا جنى جناية ولو كبرت لا يعاقب عليها، وليس كذلك، فهذا عمر مع كونه المخاطب بقصة حاطب فقد جلد قدامة بن
(2/812)

__________
مظعون الحد لما شرب الخمر وهو بدري كما تقدم (شرح الحديث رقم: 4011) ، وإنما لم يعاقب النبي صلى الله عليه وسلم حاطباً ولا هجره، لأنه قبل عذره في أنه إنما كاتب قريشاً خشية على أهله وولده، وأراد أن يتخذ له عندهم يداً، فعذره بذلك، بخلاف تخلف كعب وصاحبيه، فإنهم لم يكن لهم عذر أصلاً، والله أعلم".اهـ. الفتح (8/ 120) .
قلت: ولعل الحافظ ابن حجر يرد هنا على ابن القيم وهو المقصود بقوله: واستدل بعض المتأخرين، والله أعلم، فقد قال ابن القيم: وقوله: "فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً لي فيهما أسوة" هذا الموضع مما عُدَّ من أوهام الزهري، فإنه لا يحفظ عن أحد من أهل المغازي والسير ألبتة، ذكر هذين الرجلين في أهل بدر لا ابن إسحاق ولا موسى بن عقبة ولا الأموي ولا الواقدي، ولا أحد ممن عدَّ أهل بدر، وكذلك ينبغي ألاّ يكونا من أهل بدر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهجر حاطباً ولا عاقبه وقد جس عليه، وقال لعمر لما هم بقتله: "وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وأين ذنب التخلف من ذنب الجس" زاد المعاد (3/ 577) .
ثم نقل كلام ابن الجوزي قوله: "ولم أزل حريصاً على كشف ذلك وتحقيقه حتى رأيت أبا بكر الأثرم قد ذكر الزهري وذكر فضله وحفظه وإتقانه وأنه لا يكاد يحفظ عليه غلط إلا في هذا الموضع، فإنه قال: إن مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية شهدا بدراً، وهذا لم يقله أحد غيره، والغلط لا يعصم منه إنسان" زاد المعاد (3/ 577) .
وقد أخرج ابن الجوزي حديث كعب، ثم قال عقبة: وقوله: "رجلين شهدا بدراً" وهم من الزهري فإنهما لم يشهدا بدراً، المنتظم (3/ 371) .
قلت: والحديث يرد عليهم جميعاً فإنه ظاهر أنه من كلام كعب بن مالك رضي الله عنه كما ذكر الحافظ.
والحق أن تعليل ابن القيم ليس في محله فقد ذكر أن من بين المتخلفين في غزوة تبوك أبا لبابة بن عبد المنذر، انظر: الرواية رقم [185] . وقد ثبت أن أبا لبابة عد من أهل بدر، انظر: مسند أحمد (6/ 3) ، وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح"، وانظر: الحاكم (3/20) ، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وانظر: مجمع الزوائد (6/ 68) ، وابن إسحاق (ابن هشام 1/ 612) ، والواقدي في المغازي (1/ 101) ، وابن سعد في الطبقات (2/ 12) ، والبداية والنهاية (3/ 360) ، ومع ذلك فقد ربط نفسه في سارية من سواري مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تاب الله عليه، فكون من شهد بدراً وجنى جناية لا يعاقب عليها - كما هو واضح من كلام ابن القيم رحمه الله كما قال الحافظ في الكلام السابق - لا يُسّلَّم له في ذلك، والله أعلم
(2/813)

لي، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنتُ أشبَّ القوم وأجلدَهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه فأسارقه1 النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليَّ وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة2 الناس مشيت حتى تسورت3 جدار
__________
1 فأسارقه: - بالسين المهملة والقاف - أي: أنظر إليه في خفية. الفتح (8/ 120) .
2 من جفوة الناس: - بفتح الجيم وسكون الفاء -، أي: إعراضهم. الفتح (8/ 120) .
3 حتى تسورت: أي علوت سور الدار. الفتح (8/ 120) .
(2/814)

حائط أبي قتادة1 وهو ابن عمي2 وأحب الناس إلي فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت:
يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أُحبُّ الله ورسولَه؟ فسكت فعدت له فنشدته فسكت، فعدتُ له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، قال فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نَبَطي من أنباط أهل الشام3 ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتاباً من ملك غسان4 فإذا فيه:
أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مَضْيَعة5، فالحق بنا نُواسِك6.
__________
1 أبو قتادة بن ربعي الأنصاري، اسمه الحارث ... وجزم الواقدي وابن القداح وابن الكلبي بأن اسمه: النعمان، وقيل: اسمه عمرو، وأبو ربعي هو ابن بلدهة بن خُناس ابن عبيد بن غنم بن سلمة الأنصاري الخزرجي السلمي، الإصابة (4/ 158) .
2 وهو ابن عمي: ليس هو ابن عمه أخي أبيه الأقرب وإنما لكونهما معاً من بني سلمة، الفتح (8/ 120) .
3 إذا نبطي من أنباط أهل الشام: النبطي - بفتح النون والموحدة،، نسبة إلى استنباط الماء واستخراجه وهؤلاء كانوا في ذلك الوقت أهل الفلاحة، ويقال: إن النبط ينسبون إلى نبط بن هانب بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح. الفتح (8/ 121) .
4 من ملك غسان: - بفتح المعجمة وسين مهملة ثقيلة - هو: جَبَلَة بن الأيهم. الفتح (8/ 121) .
5 ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة: بسكون المعجمة ويجوز كسرها، أي: حيث يضيع حقك. الفتح (8/ 121) .
6 فالحق بنا نواسك: بضم النون وكسر المهملة؛ من المواساة، المصدر السابق.
(2/815)

فقلت لما قرأتها: وهذا أيضاً من البلاء، فتيممت1 بها التنور2 فسجرته3 بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول4 رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك"5، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.
__________
1 فتيممت بها: أي قصدت، المصدرالسابق.
2 التنور: ما يخبز فيه، المصدر السابق.
3 فسجرته: - بسين مهملة وجيم -: أي أوقدته، وأنث الكتاب على معنى الصحيفة، المصدر السابق.
قال الحافظ: ودل صنيع كعب هذا على قوة إيمانه ومحبته لله ولرسوله، وإلا فمن صار في مثل حاله من الهجر والإعراض قد يضعف عن احتمال ذلك وتحمله الرغبة في الجاه والمال على هجران من هجره، ولا سيما مع أمنه من الملك الذي استدعاه إليه أنه لا يكرهه على فراق دينك، لكن لما احتمل عنده أنه لا يأمن من الافتتان حسم المادة وأحرق الكتاب ومنع الجواب. أ. هـ. المصدر السابق.
4 ذكر الواقدي في المغازي (3/ 1052) : أنه خزيمة بن ثابت.
5 هي: عميرة بنت جبير بن صخر بن أمية الأنصارية أم أولاده الثلاثة: عبد الله، وعبيد الله، ومعبد، ويقال: إن اسم امرأته التي كانت يومئذ عنده: خَيرة - بالمعجمة المفتوحة ثم تحتانية - الفتح (8/ 121) .
(2/816)

قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية1 رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: "لا، ولكن لا يقربك"، قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
فقال لي بعض أهلي2: لو استأذنت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب، فلبثت بعد ذلك عشر ليالٍ حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت عليَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرضُ بما رحُبَتْ سمعت صوتَ صارخ أوفى3 على جبل سلع4 بأعلى صوته:
__________
1 اسمها: خولة بنت عاصم. المصدر السابق.
2 فقال لي بعض أهلي، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ويشكل مع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كلام الثلاثة، ويجاب بأنه لعله بعض ولده، أو من النساء، ولم يقع النهي عن كلام الثلاثة للنساء اللاتي في بيوتهم، أو الذي كلمه بذلك كان منافقاً، أو كان ممن يخدمه ولم يدخل في النهي، الفتح (8/ 121) .
3 أوفى: - بالفاء مقصور - أي أشرف وأطلع. الفتح (8/ 121) .
4 على جبل سلع - بفتح المهملة وسكون اللام - وهو جبل صغير يحيط به عمران المدينة من كل اتجاه، وهو يقع إلى الشمال الغربي من المسجد النبوي الشريف، معجم المعالم الجغرافية (ص: 160) ، والدر الثمين لغالي الشنقيطي (232) .
(2/817)

يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن1 رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إليّ رجل2 فرساً، وسعى ساعٍ من أسلم3 فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ4، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتلقاني الناس فوجاً فوجاً5 يهنئونني بالتوبة يقولون: لتهنك توبة الله عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس فقام إليَّ طلحة بن
__________
1 وآذن: - بالمد والفتح المعجمة - أي: أعلم. الفتح (8/ 121) .
2 وركض إليّ رجل فرساً: قال الحافظ: "لم أقف على اسمه، ويحتمل أن يكون هو حمزة بن عمرو الأسلمي" المصدر السابق.
3 وسعى ساع من أسلم: هو حمزة بن عمرو الأسلمي، المصدر السابق، وكذلك ذكر الواقدي، المغازي (3/ 1054) .
وذكر الواقدي: أن الذي أوفى على سلع هو: أبو بكر الصديق، والذي خرج على فرسه الزبير بن العوام. المغازي (3/ 1054) .
4 والله ما أملك غيرهما يومئذ: يريد من جنس الثياب، وإلا فقد تقدم أنه كان عنده راحلتان. الفتح (8/ 122) .
5 فوجاً فوجاً: أي جماعة جماعة. المصدر السابق.
(2/818)

عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة1.
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك".
قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟
قال: "لا، بل من عند الله"، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه2، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي3 صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك"، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت، فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله4 في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك
__________
1 ولا أنساها لطلحة: قالوا سبب ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان آخى بينه وبين طلحة لما آخى بين المهاجرين والأنصار، والذي ذكره أهل المغازي أنه كان آخى الزبير لكن كان الزبير أخا طلحة في أخوة المهاجرين فهو أخو أخيه. الفتح (8/ 122) .
2 قال الحافظ: فيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من كمال الشفقة على أمته والرأفة بهم، والفرح بما يسرهم. الفتح (8/ 122) .
3 أنخلع من مالي صدقة: أي أخرج من جميع مالي. الفتح (8/ 122) .
4 ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله: أي أنعم عليه. المصدر السابق.
(2/819)

لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذباً، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: {لقَدْ تابَ اللهُ على النَّبيِّ والمهاجِرين والأنصارِ} إلى قوله: {وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِين} ، فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال تبارك وتعالى: {سَيَحْلِفُوْنَ بِاللهِ لَكُمْ إذا انْقَلَبْتُم} إلى قوله: {فَإِنَّ اللهَ لا يرضَى عنِ القَومِ الفَاسِقِين} قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ1 رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه بذلك قال الله: {وعَلى الثَّلاثةِ الذينَ خُلِّفُوا} 2 وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو إنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه3.
__________
1 وأرجأ: - مهموز - أي أخر.
2 سورة التوبة، آية (118) .
3 والحديث أخرجه البخاري في صحيحه في عدة مواضع مختصراً ومطولاً، انظر: رقم (2947) و (2948) و (3889) و (4673) و (4676) و (4677) و (6255) و (6690) و (7225) .
ومسلم رقم (2769) ، وأبو داود رقم (2773) و (4600) ، والترمذي رقم: (3102) ، والنسائي (7/ 22) رقم (2824) و (4822) ، وابن ماجه رقم (1393) ، وابن إسحاق (ابن هشام 2/ 531) ، وعبد الرزاق رقم (19744) ، وابن أبي شيبة (14/ 540) ، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة رقم (239) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/ 66) رقم (2012) مختصراً، والطبري في التفسير، رقم (17091) ، ورقم (17447) ، و (17448) ، و (17449) ، و (17450) ، وفي التاريخ (3/ 101) والطبراني في الكبير (19/ 42) رقم (90ـ103) ، وفي الأوسط (8/ 246) رقم (8535) ، وابن حبان في صحيحه رقم (3370) ، والبيهقي في السنن (2/ 460، و7/ 343، و9/ 33، و9/ 150، و9/ 147) ، وفي الدلائل (5/ 273) ، والبغوي في شرح السنة (5/ 224) رقم (108) و (11/ 41) رقم (1676) و (2691) كلهم من طرق عن الزهري.
(2/820)

المطلب الثاني: في تخلف أبي لبابة رضي الله عنه.
185- عبد الرزاق1عن معمر عن الزهري قال: كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال الزهري: فربط نفسه بسارية، ثم قال: والله لا أحل نفسي منها، ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليَّ، قال: فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً حتى كان يخرُّ مغشياً عليه، قال: ثم تاب الله عليه، فقيل له: قد تيب عليك
__________
1 تفسير عبد الرزاق (1/ 286) القسم الثاني.
(2/821)

يا أبا لبابة، فقال: والله لا أحِلُّ نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يحلني، قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحله بيده.
ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله إنَّ من توبتي أن أهجر داري في قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أختلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: "يجزيك الثلث يا أبا لبابة"1.
__________
1 ومن طريق معمر عن الزهري أخرجها الطبري في التفسير (14/ 542) رقم (17149) تحقيق شاكر؛ وهي رواية صحيحة إلى الزهري لكنها مرسلة.
وقد أخرج البيهقي في الدلائل (5/ 270) رواية مطولة في قصة أبي لبابة مع بني قريظة حين أشار إليهم أن ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح، وذكر تخلفه عن غزوة تبوك، فربط نفسه في سارية المسجد بعد غزوة تبوك حتى تاب الله عليه، وهذه الرواية أخرجها البيهقي من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب فذكرها بطولها.
وقد تقدمت هذه الرواية في غزوة بني قريظة.
وقد ذكر ابن جرير الطبري في تفسيره (14/ 446) آثاراً كثيرة كلها لا تخلو من مقال تدل على أن أبا لبابة كان من المتخلفين في غزوة تبوك ومن الذين اعترفوا بذنوبهم، وذلك تحت قوله تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم} التوبة، آية رقم: (102) .
ثم ذكر كلام أهل التأويل في ذلك واختلافهم فيها، ثم قال: قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم الجهاد معه والخروج لغزو الروم حين شخص إلى تبوك، وأن الذين نزل فيهم جماعة، أحدهم أبو لبابة وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك، لأن الله جل ثناؤه قال: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم، ولم يكن المعترف بذنبه الموثق نفسه بالسارية في حصار قريظة غير أبي لبابة وحده، فإذا كان ذلك كذلك وكان الله تبارك وتعالى قد وصف في قوله: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} بالاعتراف بذنوبهم جماعة، علم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك ليست الواحد، فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذ لم تكن إلا لجماعة، وكان لا جماعة فعلت ذلك، فيما نقله أهل السير والأخبار، وأجمع عليه أهل التأويل، إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك، صح ما قلناه في ذلك، وقلنا: (كان أبو لبابة) لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك) .
وقد أخرج أحمد في المسند (25/ 27 رقم [15750] أرناؤوط) من طريق الزهري عن حسين بن أبي السائب بن أبي لبابة أن جده حدثه أن أبا لبابة حين تاب الله عليه في تخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما كان سلف قبل ذلك من أمور، وجد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث، ومن نفس الطريق أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (1/ 385) ، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3/ 448،رقم (1898) والبيهقي في السنن (4/ 181) ، وهذه الآثار تدل على أن أبا لبابة كان ممن تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه بسارية المسجد ليتوب من ذلك ومن إشارته لليهود في غزوة بني قريظة.
(2/822)

المطلب الثالث: في تخلف بعض المسلمين من أسلم وغِفار.
186- عبد الرزاق1 عن معمر عن الزهري قال: أخبرني ابن أخي أبي رهم2 أنه سمع أبا رُهْم الغفاري، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
__________
1 مصنف عبد الرزاق (11/ 49 رقم 19882) .
2 اسمه: كلثوم بن الحصين الغفاري، كما في رواية البخاري في الأدب المفرد رقم (755) من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب به.
(2/823)

الذين بايعوه تحت الشجرة يقول: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك فلما سرى1 ليلة سرت قريباً منه إليه، وألقي عليَّ النعاس فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلته، فيفزعني دنوها خشية أن أصيب رجله في الغرز، فأؤخر راحلتي، حتى غلبتني عيني بعض الليل، فزحمت راحلتي رجله في الغرز، فأصابت رجله، فلم أستيقظ إلا لقوله: (حَسِّ) 2، فقلت: استغفر لي يا رسول الله، قال: سر، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يستخبرني عمن تخلف من بني غفار فأخبرته، فقال إذ هو يسألني: ما فعل الحمر الطوال الثطاط3؟ فحدثته بتخلفهم، قال: فما فعل النفر السود؟ أو قال: القصار الجعاد القطاط4- الذين لهم نعم بشبكة
__________
1 فلما سرى ليلة: السرى: السير بالليل، النهاية (2/ 364) ، أراد أنهم مشوا بالليل ذات ليلة.
2 قوله: حَسِّ: هي - بكسر السين والتشديد - كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مَضَّه أو أحرقه غفلة، كالجمْرة والضَّربَة ونحوها. النهاية (1/ 385) .
3 قوله: ما فعل الحمر الطوال الثطاط: هي جمع ثطّ، وهو الكوسج الذي عَرَى وجهه من الشعر إلا طاقات في أسفل حنكه، رجل ثطّ وأثط. النهاية (1/ 211) ، قال ابن الأثير: في حديث أبي رهم (النطاط) جميع نطناط، وهو الطويل، المصدر السابق.
4 قوله: الجعاد القطاط: الجعد في صفات الرجال يكون مدحاً وذماً، فالمدح معناه أن يكون شديد الأسْرِ والخلق، أو يكون جعد الشعر، وهو ضد السَّبط لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم، وأما الذم فهو القصير المتردد الخلق، وقد يطلق على البخيل أيضاً. النهاية (1/ 275) .
والقطاط: القطط: الشديدة الجعودة، وقيل: الحسن الجعودة، والأول أكثر، المصدر السابق (4/ 81) .
(2/824)

شرخ1، فتذكرت في بني غفار فلم أذكرهم حتى ذكرت رهطاً من أسلم، قال:
فقلت: يا رسول الله أولئك رهط من أسلم وقد تخلفوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فما يمنع أحد أولئك حين يتخلف أن يحمل على بعير من إبله امرأً نشيطاً في سبيل الله، فإن أعز أهلي عليَّ أن يتخلف عني المهاجرون من قريش، والأنصار، وغفار، وأسلم2".
__________
1 قوله: "بشبكة شرخ: هو موضع بالحجاز في ديار غفار". النهاية (2/ 441) .
وقال ياقوت: "شبكة شدخ: اسم ماء لأسلم من بني غفار". معجم البلدان (3/ 322) .
وذكر البكري رواية أبي رهم وفيها: " ... لهم نعم بشبكة شدخ ... " معجم ما استعجم (3/ 783ـ 784) .
2 ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد في المسند (31/ 422ـ 423 رقم [19072] أرناؤوط) وابن أبي عاصم في الجهاد رقم _106) وفي الآحاد والمثاني له (2/ 237) رقم (991) ، والطبراني في الكبير (19/ 183) ، رقم (415) ، وأخرجه من طريق حجاج بن أبي منيع الرصافي عن جده عن الزهري به.
انظر: المصدر السابق (418) .
وأخرجه ابن إسحاق (ابن هشام 2/ 528) فقال: (وذكر ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن ابن أخي رهم فذكره) .
وأخرجه من طريق عبد الرزاق ابن حبان في صحيحه (الإحسان 16/ 246 رقم 7257) .
وأخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم (755) من طريق صالح بن كيسان عن الزهري به.
وأخرجه الفسوي في المعرفة رقم (1/ 394) من طريق حجاج عن جده عن الزهري به.
انظر: مختصر زوائد البزار لابن حجر رقم (1403) وأسد الغابة (6/ 117) .
والحديث فيه ضعف من أجل ابن أخي أبي رهم؛ فإنه مقبول كما ذكر ابن حجر في التقريب رقم (8493) .
أما الذهبي فقد قال في الميزان (4/ 598) : "لا يعرف، تفرد عنه الزهري.
(2/825)

المبحث الثالث: في أحداث متفرقة حصلت في الغزوة
المطلب الأول: في نزول النبي صلى الله عليه وسلم الحجر
...
المبحث الثالث: في أحداث متفرقة حصلت في الغزوة.
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: في نزول النبي صلى الله عليه وسلم الحجر.
187- قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحِجْر1 قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قَنَّع2 رأسه
__________
1 الحجر: - بكسر المهملة وسكون الجيم - منازل ثمود. الفتح 8/125.
ويقع شمال مدينة العُلا بـ (22) كيلاً، وتبعد العُلا عن المدينة بـ (322) كيلاً، من جهة الشمال، والحجر وادٍ يأخذ مياه جبال مدائن صالح ثم يصب في صعيد وادي القرى. انظر: معجم المعالم الجغرافية 93.
2 ثم قنَّع رأسه: أي غطاه. النهاية (4/ 164)
(2/826)

وأسرع السير حتى أجاز1 الوادي2.
188- وأخرج أبو نعيم من طريق ابن إسحاق قال: فذكر لنا الزهري ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمرو بن قتادة وغيرهم من علمائنا قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: "لا تشربوا من مائها شيئاً ولا
__________
1 حتى أجاز الوادي: أي قطعه. الفتح (8/125)
2 صحيح البخاري مع الفتح (8/125 رقم 4419) .
والحديث أخرجه مسلم أيضاً رقم (2980) من طريق يونس عن ابن شهاب وعبد الرزاق في التفسير 1/231، والمصنف رقم (1624) وأحمد في المسند رقم (5342) تحقيق شاكر، ورقم (5705) من طريق معمر عن الزهري، وأخرجه من غير طريق الزهري رقم (5225) و (5404) و (5441) و (5645) و (5931) من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
وأخرجه الطبري في التفسير (14/59-50) وابن حبان في صحيحه (الإحسان رقم 6199) كلاهما من طريق الزهري به، والبيهقي في الدلائل (5/233) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
وأخرجه البغوي في معالم التنزيل (3/156) ،وشرح السنة رقم (4165) من طريق الزهري به.
وأخرجه ابن هشام في السيرة (2/522) بلاغاً عن الزهري أنه قال: لما مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر..فذكر نحوه، وأخرجه الفزاري في السير (101) رقم (4) عن الزهري مرسلاً.
(2/827)

تتوضؤوا للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئاً"، وقال: "لا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحبه"، قال: ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فخنق على مذهبه1، وأما الذي ذهب في طلب بعير له فاحتملته الريح وطرحته بجبلي طيء2 فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له؟
ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر الذي وقع بجبلي طيء فإن طيئاً أهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة3.
__________
1 فخنق على مذهبه: الخناق والخناقة: داء أو ريح يأخذ الناس والدواب في الحلوق، والمذهب المكان الذي ذهب إليه لقضاء الحاجة. انظر: القاموس: (ذهب) واللسان (خنق) .
2 بجبليّ طيء: هما أجأ وسلمى، وعرف أجأ بأجأ بن عبد الحيّ، كان صلب في ذلك الجبل، ويقعان في حائل. المعالم الأثيرة (176) .
وسلمى: صلبت في الجبل الآخر فعرف بها، وهي سلمى بنت حام. الروض الأنف (4/196) .
3 دلائل النبوة رقم (453) .
وهذه الرواية ذكرها ابن إسحاق (ابن هشام 2/521) عن عبد الله بن أبي بكر عن ابن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، ليس فيها ذكر الزهري، وهي ضعيفة، لعنعنة ابن إسحاق، قال ابن هشام: بلغني عن الزهري أنه قال: لما مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر سجَّى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ثم قال: لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون، خوفاً أن يصيبكم مثل ما أصابهم. المصدر السابق، وهي ضعيفة أيضاً.
ولكن يشهد لها ما أخرجه البخاري رقم (3378) من حديث ابن عمر، وفيه (..أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عَجَنَّا منها، واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء) .
وما أخرجه مسلم (1392) من حديث أبي حميد، وفيه " ... انطلقنا حتى قدمنا تبوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ستهبّ عليكم الليلة ريح شديدة، فلا يقم منكم أحدٌ، فمن كان له بعير فليشدّ عقاله، فهبت ريح شديدة فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبل طيء" وهذه الرواية ذكرت أن الريح هبت في تبوك، وليس في الحجر، والله أعلم. وقد أخرج ابن كثير في البداية والنهاية 5/11 رواية ابن إسحاق عن العباس بن سهل بن سعد أو عن العباس بن سعد.
(2/828)

المطلب الثاني: في صلاة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بالنبي صلى الله عليه وسلم.
189- قال مسلم1: حدثني محمد بن رافع وحسن بن علي الحُلواني جميعاً عن عبد الرزاق - قال ابن رافع - حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج حدثني ابن شهاب عن حديث عباد بن زياد، أن عروة ابن المغيرة بن شعبة أخبره أن المغيرة بن شعبة أخبره؛ أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك، قال المغيرة: فتبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الغائط، فحَمَلْتُ معه إداوة2 قبل صلاة الفجر، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إليَّ أخذت أهريق
__________
1 صحيح مسلم (1/318) رقم (274) .
2 الإداوة - بالكسر ـ: إناء صغير من جلد يتخذ للماء. النهاية (1/33) .
(2/829)

على يديه من الإداوة، وغسل يديه ثلاث مرات، ثم غسل وجهه، ثم ذهب يُخرجُ جُبته عن ذراعيه فضاق كُمَّا جُبَّتِهِ، فأدخل يديه في الجُبّة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثم توضأ على خفيه، ثم أقبل، قال المغيرة: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدّمُوا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم، فأدرك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الآخرة، فلما سلّم عبدُ الرحمن بنُ عوف قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يتم صلاته فأفزع1 ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أقبل عليهم ثم قال: "أحسنتم" أو قال: "قد أصبتم" يغبطهم أن صلَّوا الصلاة لوقتها2.
__________
1 الفزع في الأصل: الخوف. النهاية (4/443) ،والمراد: أن سبقهم النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة أوقعهم في الفزع.
2 وأخرجه مالك في الموطأ (كتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح على الخفين رقم 41) .
والشافعي في المسند (1/ 144) ، وعبد الرزاق رقم (847) ، ومن طريقه أحمد في المسند (30/ 130، رقم [18194] أرناؤوط) ، وأبو عوانة (2/ 215) ، وأبو داود رقم (149) ، والطبراني في الكبير (20/ 376ـ 377) ، رقم (880) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان 5/ 602 رقم: 2224) ، والبيهقي في السنن (2/ 295) ، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه رقم (1642) من طريق يونس عن الزهري به، والبيهقي في السنن (3/ 123) .
(2/830)

المطلب الثالث: في إعطاء الرسول صلى الله عليه وسلم سرَّه لحذيفة في شأن بعض المنافقين.
190- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسن1 علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد2 بن عبيد، ثنا عبيد3 بن شريك، وأحمد4 بن إبراهيم بن ملحان، قالا: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني عروة بن الزبير قال: "بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غزا تبوك نزل عن راحلته فأوحي إليه وراحلته باركة، فقامت تجر زمامها، حتى لقيها حذيفة بن اليمان فأخذ بزمامها فاقتادها، حتى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً فأناخها ثم جلس عندها حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فقال: من هذا؟ فقال: حذيفة بن اليمان5،
__________
1 علي بن أحمد بن عبدان بن محمد بن الفرج بن سعيد بن عبدان، أبو الحسن، قال الخطيب: قدم بغداد حاجاً في سنة 396هـ وكان ثقة. تاريخ بغداد 11/329.
2 هو أحمد بن عبيد بن إسماعيل البصري الصفار، أبو الحسن. قال الخطيب: روى عنه الدارقطني، وكان ثقة ثبتاً. تاريخ بغداد (4/261) .
3 عبيد بن عبد الواحد بن شريك، أبو محمد البزار، وكان ثقة صدوقاً، ت سنة 285 هـ. انظر: تاريخ بغداد 11/99-100.
4 هو أحمد بن إبراهيم، لم أعثر على ترجمته.
5 حذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر: صحيح البخاري مع الفتح (7/ 90 رقم: 3742) ، ومسلم بشرح النووي (6/ 109ـ 110) .
وقال الحافظ في الفتح (7/ 92) : "والمراد بالسر ما أعلمه به صلى الله عليه وسلم من أحوال المنافقين".
(2/831)

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني أسر إليك أمراً فلا تذكره: " إني قد نهيت أن أصلي على فلان وفلان) ؛ رهط ذوي عدد من المنافقين، لم يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرهم لأحد غير حذيفة بن اليمان، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته إذا مات رجل يظن أنه من أولئك الرهط أخذ بيد حذيفة فاقتاده إلى الصلاة عليه فإن مشى معه حذيفة صلى عليه وإن انتزع حذيفة يده فأبى أن يمشي معه انصرف عمر معه فأبى أن يصلي عليه وأمر عمر رضي الله عنه أن يصلى عليه1.
__________
1 السنن (8/ 200) ، وسنده صحيح إلى عروة، وقد أخرجه البيهقي أيضاً في السنن (8/ 200) من طريق معمر عن الزهري مرسلاً.
وسنده صحيح إلى الزهري. وقد أخرجه الواقدي في المغازي (3/ 1045) من طريق معمر عن الزهري مرسلاً نحوه.
(2/832)

المطلب الرابع: في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بخمس خصال تقع قبل قيام الساعة.
191- قال الطبراني: حدثنا حفص1 بن عمر بن الصباح الرقي، ثنا عمرو2 بن عثمان الكلابي، ثنا عبد الله3 بن عمرو - والصواب عبيد الله - عن إسحاق بن راشد4، عن الزهري، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب5، عن عوف بن مالك الأشجعي6 رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك في آخر السحر وهو في
__________
1 هو: حفص بن عمر بن الصباح الرقي الجزري، ويلقب بسنْجة. قال الذهبي: قال أبو أحمد الحاكم: حدث بغير حديث لم يتابع عليه. قلت: احتج به أبو عوانة. أ. هـ. السير (13/ 405ـ 406) ، ثم قال الذهبي: "وتوفي سنة ثمانين ومائتين، وهو صدوق في نفسه وليس بمتقن". المصدر السابق.
2 هو: عمرو بن عثمان بن سيار الكلابي، مولاهم، الرقي، ضعيف، وكان قد عمي، من كبار العاشرة، مات سنة سبع عشرة أو تسع عشرة، ق، التقريب (424) .
3 هو: عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الرقي، أبو وهب الأسدي، ثقة فقيه، ربما وهم، من الثامنة، مات سنة ثمانين، عن ثمانين إلا سنة، ع، التقريب (373) ، وانظر: تهذيب الكمال (19/ 136ـ137 و22/ 147، و2/ 419) .
4 تقدم في الرواية رقم [146] .
5 هو: عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي، أبو عمر المدني، ثقة، من الرابعة، توفي بحرَّان في خلافة هشام، ع، التقريب (334) .
6 هو: عوف بن مالك الأشجعي أبو حمَّاد، ويقال غير ذلك، صحابي مشهور، من مسلمة الفتح، وسكن دمشق ومات سنة ثلاث وسبعين، ع، التقريب (433) .
(2/833)

فسطاطه فسلمت عليه وقلت: أدخل يا رسول الله؟ قال: ادخل، فقلت: كلي؟ قال: كلك، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ست قبل الساعة: أولهن: موت نبيكم، قل: إحدى، قلت: إحدى، والثانية: فتح بيت المقدس، قل: اثنتين، قلت: اثنتين، قال: والثالثة: مُوتان1 يأخذكم كقعاص2 الغنم، قل: ثلاثاً، قلت: ثلاثاً، قال: والرابعة: يفيض فيكم المال حتى إن الرجل ليعطى مائة دينار فيظل يتسخطها3، قل: أربعاً، قلت: أربعاً، والخامسة: فتنة تكون بينكم فلا يبقى فيكم بيت مدر ولا وبر إلا دخلته، قل: خمساً، قلت: خمساً، والسادسة: هدنة4 تكون بينكم وبين بني الأصفر5 فيجتمعون لكم قدر حمل المرأة ثم يغدرون بكم فيقبلون في ثمانين راية تحت كل راية اثنا عشر ألفاً"6.
__________
1 الموتان: - بوزن البطلان - الموت الكثير الوقوع. النهاية (4/ 370) .
2 كقعاص الغنم، القعص: أن يضرب الإنسان فيموت مكانه، يقال: قعصته وأقعصته إذا قتلته قتلاً سريعاً. النهاية (4/ 88) ، وقال الحافظ ابن حجر: (هو داء يأخذ الدواب فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجأة) . انظر: الفتح (6/ 288) تحت رقم (3176) .
3 يتسخطها: السَّخْط والسُّخط: الكراهية للشيء، وعدم الرضا به، النهاية (2/ 350)
4 هدنة: الهدنة: السكون، والهدنة، الصلح والموادعة بين المسلمين والكفار. النهاية (5/ 252) .
5 بنو الأصفر: الروم، فتح الباري (6/ 278) .
6 المعجم الكبير (18/54 رقم (98) . وهي ضعيفة من هذا الطريق، لكن قد صحّت الرواية من غير طريق الزهري كماسيأتي.
وذكر الحافظ أنه وقع أكثر هذه العلامات، فقد مات النبي صلى الله عليه وسلم وحصلت الفتنة في عهد عثمان وأدت إلى قتله، وحصل طاعون عمواس الذي فتك بالناس، وفتح بيت المقدس في عهد عمر. فتح الباري (6/278) .
والحديث من طريق إسحاق بن راشد أخرجه الحاكم في المستدرك (3/546-547) .
وأخرجه البخاري من غير طريق الزهري، فقد أخرجه عن الحميدي رقم (3176) ، وأبو داود رقم (5000) ، وأحمد في المسند (39/392، رقم [2371] أرناؤوط) ، وابن ماجه رقم (4042) ، والطبراني في الكبير (18/ 41رقم 71 و 72 و 119 و 122 و 148 و 150) وابن حبان في صحيحه (الإحسان 15/66 رقم (6675) من طريق عوف بن مالك الأشجعي.
(2/834)

المبحث الرابع: في خبر مسجد الضرار
192- عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير، قال: الذين بني فيهم المسجد الذي أسس على التقوى بنو عمرو بن عوف، قال: وفي قوله تعالى: {وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} 1 أبو عامر الراهب2، انطلق إلى الشام، فقال الذين بنو مسجداً ضراراً3 إنما
__________
1 وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله: وإعداداً لأبي عامر الفاسق الذي خالف الله ورسوله من قبل. تفسير الطبري: 14/469 تحت رقم (17186) تحقيق شاكر.
2 أبو عامر، هو: عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان، أحد بني ضبيعة، وهو والد حنظلة - غسيل الملائكة - ابن هشام (2/67) .
3 الضرار: من الضرّوهو ضدّ النفع، والضرار: أن تضرّه من غير أن تنتفع به. النهاية (3/81ـ82)
(2/835)

بنيناه ليصلي فيه أبو عامر1.
193- وقال الطبري: حدثنا ابن حميد2 قال: ثنا سلمة3، عن ابن إسحاق، عن الزهري ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم، قالوا: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني من تبوك - حتى نزل بذي أوان4؛ - بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار-
__________
1 تفسير عبد الرزاق (1/287-288) القسم الثاني، وهي رواية صحيحة إلى عروة، لكنها مرسلة.
وأخرج هذه الرواية المرسلة أبو جعفر الطبري في تفسيره (14/472) رقم (17196) شاكر، من طريق الزهري عن عروة عن عائشة به، وأخرجه من طريق عبد الرزاق ابن أبي حاتم في تفسيره رقم (1595) عن عروة فقط، دون ذكر عائشة.
فالظاهر أن ذكر عائشة عند الطبري غير محفوظ، لأن ابن أبي حاتم في روايته المذكورة روى الحديث عن الحسن بن يحيى - شيخ الطبري - بإسناده عن عروة مرسلاً، فدل ذلك على أن ذكر عائشة فيه وهم. انظر: مرويات عروة بن الزبير، لعادل عبد الغفور، 794، رسالة دكتوراه.
2 هو محمد بن حميد بن حيان الرازي، حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، من العاشرة، توفي سنة 248 هـ د ت ق التقريب 475.
3 هو سلمة بن الفضل الأبرش - بالمعجمة - مولى الأنصار، قاضي الري، صدوق كثير الخطأ، من التاسعة، مات بعد التسعين، وقد جاوز المائة، د ت فق، التقريب 248.
4 ذو أوان: حدده ابن إسحاق بمسافة ساعة من نهار، ولم يزد ياقوت ولا البكري عن تحديد ابن إسحاق.
(2/836)

وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا قد بنينا مسجداً لذي العِلّة والحاجة، والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحبّ أن تأتينا فتصلى لنا فيه، فقال: إني على جناح سفر وحال شغل - أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولو قد قدمنا أتيناكم إن شاء الله فصلينا لكم فيه، فلما نزل بذي أوان، أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالكَ بنَ الدُّخْشُم أخا بني سالم بن عوف، ومعنَ بنَ عديّ1 - أو أخاه عاصم بن عدي - أخا بني العجلان، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه، فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدُّخْشُم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل إلى أهله فأخذ سَعَفَاً2 من النخل فأشعل فيه ناراً ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: {وَالذِيْنَ اتَّخَذُوْا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً} 3 إلى آخر القصة4.
__________
1 هو معن بن عدي بن الجد بن العجلان البلوي حليف الأنصار، وهو أخو عاصم بن عدي، ذكره ابن إسحاق فيمن شهد أحداً. الإصابة 3/449-450.
2 أخذ سعفاً: السعفات: جمع سعفة - بالتحريك - وهي أغصان النخيل، وقيل: إذا يبست سميت: سعفة. النهاية 2/368.
3 سورة التوبة آية (107) .
4 تفسير الطبري (14/468) رقم (17186) شاكر.
وأخرجه الطبري أيضاً في تاريخه 3/ 101، 109، بنفس السند، وهي رواية ضعيفة من أجل محمد بن حميد وسلمة بن الأبرش، وعنعنة ابن إسحاق بالإضافة لكونه مرسلاً.
وأخرجه ابن إسحاق بدون سند. ابن هشام 2/529.
(2/837)

المبحث الخامس: في خروج الغلمان إلى ثنية الوداع لتلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رجوعه من تبوك
...
المبحث الخامس: في خروج الغلمان إلى ثنية الوداع1 لتلقي النبي صلى الله عليه وسلم عند رجوعه من تبوك
194- قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال: سمعت الزهري، عن السائب بن يزيد، يقول: أذكر أني خرجت مع الغلمان إلى ثنية الوداع نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال سفيان - مرة -: "مع الصبيان"2.
__________
1 ثنية الوداع: ثنية الوداع هي الواقعة في بداية طريق أبي بكر الصديق (سلطانة) ، فإذا كنت خارجاً من المدينة باتجاه الشمال يكون يسارك اليوم جبل سلع، وإلى يمينك بداية طريق العيون فإذا كنت داخلاً المدينة من الشمال فإن جبل سلع على يمينك وعلى يسارك بداية طريق العيون، ثم بداية طريق سيد الشهداء المؤدي إلى أُحد. انظر: المعالم الأثيرة 81.
2 صحيح البخاري مع الفتح (8/126-127) رقم (4426) .
والحديث أخرجه أبو داود رقم (2779) والترمذي رقم (1718) وأحمد في المسند (24/498 رقم [15721] أرناؤوط) ، ,ابن سعد في الطبقات الكبرى (1/224-225 رقم (681، 682) تحقيق السلمي، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (1/358) وأبو زرعة في تاريخه (1/418) رقم 998) ،وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/379) رقم (2421) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان 11/113، رقم: 4792) ، والطبراني في الكبير (7/148) رقم (6653) ، والبيهقي في السنن (9/175) ، وفي الدلائل (5/265) كلهم من طريق الزهري به.
(2/838)

المبحث السادس: في سرية أسامة بن زيد إلى أُبْنَى1.
195- قال أبو داود الطيالسي: حدثنا صالح بن أبي الأخضر2، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسامة، قال: "أمرني3 النبي صلى الله عليه وسلم
__________
1 بضم الأول، وسكون الباء وفتح النون، وفي آخره ألف مقصورة، بوزن (حُبْلى) قيل: هي موضع بناحية البلقاء من الشام، وقيل هي بين فلسطين والبلقاء، قالوا: وهي التي بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً أبا أسامة مع جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة فاستشهدوا بمؤتة من أرض البلقاء، وعلى هذا يكون موقعها الآن في شرقي الأردن، قرب مؤتة، وفي فلسطين قرية تدعى (يبنة، أو يبنى) على الساحل، فهل تكون هي؟ انظر: هذا الكلام في المعالم الأثيرة لمحمد شراب 16-17.
2 هو صالح بن أبي الأخضر اليمامي، مولى هشام بن عبد الملك، نزل البصرة، ضعيف يعتبر به، من السابعة، مات بعد الأربعين، ع، التقريب 271.
3 كان هذا البعث كما قال ابن إسحاق (ابن هشام 2/66) في شهر صفر بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع،,ذكر ابن حجر: أن تجهيز هذا الجيش كان يوم السبت في آخر شهر صفر، الفتح (8/125) ومما يجدر ذكره أن هذا الجيش لم يخرج إلا في شهر ربيع الأول في عهد أبي بكر. انظر: تاريخ خليفة 7.
(2/839)

أن أُغير على أُبْنَى صباحاً وأحرِّق"1.
__________
1 مسند أبي داود الطيالسي 87 رقم (625) .
وقد أخرج هذه الرواية من طريق صالح بن أبي الأخضر: ابن أبي شيبة في المصنف ج12 ص663 رقم (41018) و12/391 رقم (41097) وابن سعد في الطبقات 4/66، وأحمد في المسند (36/118 رقم [21785] أرناؤوط) وأبو داود في السنن رقم (2616) وابن ماجه رقم (2843) والبيهقي في السنن (9/83) ، وفي معرفة السنن والآثار له (13/238 رقم 18032) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/208) .
قال الألباني في ضعيف سنن أبي داود رقم (562) : "ضعيف"، وقال في ضعيف سنن ابن ماجه رقم (624) : "ضعيف". وأخرجه الشافعي في الأم (4/174) من غير طريق صالح بن أبي الأخضر، فقال: أخبرنا بعض أصحابنا عن عبد الله بن جعفر الأزهري، قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن عروة عن أسامة بن زيد، قال: ... فذكره. وفيه ضعف لإبهام من أخبر الشافعي، وقد أخرجه من غير طريق صالح الأخضر الواقدي في المغازي (3/1118) ، عن عروة مرسلاً، ومن طريق الواقدي أخرجه ابن سعد في الطبقات (2/248) .
وعَقدُ النبي صلى الله عليه وسلم الإمرة لأسامة بن زيد على هذا البعث ثابت في صحيح البخاري رقم (4469) ومسلم رقم (2426) وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، إلا أنه لم يذكر في الحديث وجهة هذا البعث، لا إلى أُبنى ولا إلى غيرها، لكن لا شكّ أن البعث هو البعث الذي كان رسول الله يريد أن يوجهه إلى أُبْنى من أرض الشام، ولذلك ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (8/152) عند شرحه لهذا الحديث: أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأسامة: "سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، وأَغِر صباحاً على أُبنى وحرِّق عليهم..".
(2/840)

الخاتمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن كل أعمال الورى يعتريها النقص والتقصير إلا ما رحم ربي، وحسبي أني اجتهدت فلم آلُ، وسأذكر في هذه الخاتمة مقتطفات تشتمل على أهمّ ما ورد في الرسالة:
1- بعد جمعي لمرويات الإمام الزهري وضعت لها أرقاماً متسلسلة بلغت (195) روايةً من غير المكرر، وهذا العدد من المرويات ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول من الروايات مسندة إلى النبيصلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابة الذين عاشوا تلك الأحداث، وعدد تلك الروايات (79) رواية.
القسم الثاني من الروايات موقوفة على التابعين، وعددها (38) رواية.
القسم الثالث من الروايات موقوفة على الزهري نفسه وعددها (73) رواية.
2- أن الروايات المرسلة سواء تلك التي أرسلها كبار التابعين أو التي أرسلها الزهري كثير منها قد وصلها كبار المحدثين من غير طريق الزهري، وقد ذكرت أمثلة لذلك في المبحث الأخير من الباب الأول مما يدل على القيمة العلمية الكبيرة لمرويات الزهري.
(2/843)

3- أن مرويات الزهري شملت جزءاً كبيراً من مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه؛ فقد قارنتها بمغازي ابن إسحاق فوجدتها تمثل 90% تقريباً من المغازي، وقرابة 80% من السرايا.
4- عندما تعرضت لمدلول كلمتي (السير والمغازي) عند المؤرخين تبين لي - والله أعلم - أن كلمة (السيرة) إذا أطلقت فإنه يراد بها العهدين المكي والمدني، أما كلمة (المغازي) فيراد بها في الغالب عند إطلاقها مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة.
5- عندما تعرضتُ لتعريف الغزوة والسرية والبعث في القرون الأولى تبين لي أنهم لم يكونوا يفرقون بين الغزوة والسرية، وأنهم قد يطلقون على السرية غزوة، وأن التعريف الذي يفرق بينهما إنما هو اجتهاد من المتأخرين، وأن المعنى المقصود عند المتقدمين هو المعنى اللغوي وهو القصد والطلب.
6- أن الإمام الزهري كان آية في الحفظ والذكاء والتمسك بالسنة مما جعله يتبوأ مكانة عالية بين أقرانه.
7- أنه قد استقى علمه من بعض الصحابة رضي الله عنه وكبار التابعين الثقات الأثبات الذين كان لهم دور كبير في تنمية ثقافته وغزارة علمه، كما أن تلاميذه الذين أخذوا عنه كانوا أيضاً من كبار العلماء كمعمر، وموسى بن عقبة وابن إسحاق والأخيران إمامان في المغازي.
8- أن أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربع قد نقلوا كثيراً من مرويات الزهري في المغازي لإمامته في الحديث
(2/844)

والمغازي.
9- أن روايات محمد بن عمر الواقدي يستشهد بها في غير الأحكام الشرعية لإمامته في هذا الفنّ.
10- أنه بعد الاستقراء لمرويات الزهري وجدتها موافقة لما عند غيره من أهل المغازي والحديث، إلا ثلاث مسائل:
الأولى: تتعلق بقتلى المشركين وأسراهم يوم بدر، فقد ذكر الزهري أن القتلى أكثر من السبعين، والأسرى مثل ذلك، ورواية الصحيحين تذكر سبعين قتيلاً وسبعين أسيراً، وما في الصحيحين أصحّ، علماً بأنه قد وافق ما في الصحيحين في بعض رواياته.
الثانية: تتعلق بتاريخ غزوة بني النضير، فقد ذكر المؤرخون أنها كانت في السنة الرابعة، تبعاً لابن إسحاق، أما الزهري فقد ذكر أنها كانت قبل أحد، وذكرت أن الصواب هو قول الزهري.
الثالثة: تتعلق بمقتل مرحب اليهودي، فقد أخرج مسلم أن الذي قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه بينما الزهري يذكر في رواية مرسلة أن الذي قتله هو محمد بن مسلمة، وما في صحيح مسلم أصحّ، علماً بأن الزهري قد ذكر في رواية أخرجها سعيد بن منصور عنه أن قاتل مرحب علي بن أبي طالب، ولكنها رواية ضعيفة السند.
11- أن الزهري قد ذُكر عنه التدليس، ولذلك وضعه الحافظ ابن حجر في الطبقة الثالثة من المدلسين بحيث لا يقبل إلا إذا صرّح بالتحديث، ولكن بالرجوع إلى الكتب القديمة تبين أن العلماء قد قبلوا
(2/845)

عنعنته وذلك لإمامته وجلالة قدره، وقد أخرج له البخاري ومسلم وجميع المحدثين دون أن ينظروا في عنعنته مما يدلّ على أن وضع الحافظ له في هذه المرتبة فيه نظر.
12- أن الزهري كان يصدع بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم، يدل على ذلك مقولته المشهورة أمام الخليفة الوليد بن عبد الملك في قصة الذي تولى كبر الإفك على عائشة رضي الله عنها.
13- براءة الزهري مما اتهم به من النصب ومحاباته لبني أمية.
14- لم يثبت لدي أن للزهري كتاباً مفرداً للمغازي ينسب إليه، لكنه أحد الأئمة الثقات في رواية السيرة والمغازي. رحمه الله رحمة واسعة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(2/846)

مصادر ومراجع
...
ثبت المصادر والمراجع
القرآن الكريم
? إبراهيم بن إبراهيم القريبي
مرويات غزوة بني المصطلق. نشر المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية
مرويات غزوة حنين وحصار الطائف. نشر المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
? ابن الأثير: أبو الحسن علي بن محمد الجزري (ت 630هـ)
أسد الغابة في معرفة الصحابة. تحقيق: محمد إبراهيم، ومحمد عاشور، دار الشعب بالقاهرة.
? ابن الأثير: أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري (ت 606هـ)
جامع الأصول في أحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، نشر مكتبة الحلواني وغيرها 1389هـ.
النهاية في غريب الحديث والأثر. تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي، نشر المكتبة الإسلامية.
? أحمد بن حنبل الشيباني (ت 241هـ)
المسند؛ تحقيق: أحمد شاكر، دار المعارف، مصر.
المسند؛ تحقيق شعيب الأرناؤوط ورفاقه، الطبعة الأولى 1417هـ مؤسسة الرسالة.
(2/849)

فضائل الصحابة، تحقيق: وصي الله بن عباس، نشر مركز البحث العلمي، وإحياء التراث الإسلامي جامعة أم القرى، بمكة المكرمة، الطبعة الأولى 1403هـ.
العلل ومعرفة الرجال، تحقيق وتخريج: وصي الله بن عباس، الطبعة الأولى 1408هـ، المكتب الإسلامي.
? الأزرقي: أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد.
أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، تحقيق: رشدي الصالح ملحس، مطابع دار الثقافة، مكة المكرمة، الطبعة الثالثة، 1398هـ.
? إسحاق بن راهويه: إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي (ت 238هـ)
المسند، تحقيق: عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي، مكتبة الإيمان بالمدينة، الطبعة الأولى 1412هـ.
? ابن إسحاق محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي مولاهم (ت 151هـ)
السير والمغازي، تحقيق: سهيل زكار، دار الفكر، الطبعة الأولى 1398 هـ.
السيرة النبوية، تهذيب ابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا، وآخرين، الطبعة الثانية، 1375 هـ، مطبعة الحلبي، مصر.
? إسماعيل بن محمد التيمي، أبو القاسم الأصبهاني الملقب بقوام السنة (ت535هـ) .
(2/850)

دلائل النبوة، تحقيق مساعد بن سليمان الراشد، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض. 1412هـ.
دلائل النبوة، تحقيق: محمد بن محمد الحداد، الطبعة الأولى، 1419هـ، دار طيبة للنشر والتوزيع.
? الأعظمي: محمد مصطفى.
مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم لعروة بن الزبير برواية أبي الأسود عنه، نشر مكتب التربية لدول الخليج العربي، الرياض، الطبعة الأولى 1401هـ.
دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، نشر المكتب الإسلامي، 1413هـ.
? أكرم ضياء العمري.
السيرة النبوية الصحيحة، نشر مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة،1412 هـ.
بحوث في تاريخ السنة المشرفة، الطبعة الخامسة، 1415هـ، مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة.
? الألباني: محمد ناصر الدين.
إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، الطبعة الأولى، المكتب الإسلامي 1399هـ.
تخريج أحاديث فقه السيرة للغزالي، الطبعة السابعة 1976م، دار الكتب الحديثة.
(2/851)

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، الطبعة الرابعة، المكتب الإسلامي، ونشر الدار السلفية بالكويت، والمكتبة الإسلامية عمّان، الطبعة الثانية 1404هـ
سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء على الأمة، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة 1398هـ، والمكتبة الإسلامية الطبعة الثانية 1404هـ، ومكتبة المعارف بالرياض، الطبعة الأولى 1408 هـ.
صحيح الجامع الصغير وزياداته، نشر المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، 1402 هـ.
صحيح سنن أبي داود، نشر مكتب التربية العلمي لدول الخليج، الطبعة الأولى، 1408هـ.
صحيح سنن الترمذي، نشر مكتب التربية العلمي لدول الخليج، الطبعة الأولى، 1408هـ.
صحيح سنن النسائي، نشر مكتب التربية العلمي لدول الخليج، الطبعة الأولى، 1408هـ.
صحيح سنن ابن ماجه، نشر مكتب التربية العلمي لدول الخليج، الطبعة الأولى، 1408هـ.
ضعيف سنن أبي داود، نشر مكتب التربية العلمي لدول الخليج، الطبعة الأولى، 1408هـ.
ضعيف سنن النسائي، نشر مكتب التربية العلمي لدول الخليج، الطبعة الأولى، 1408هـ.
ضعيف سنن ابن ماجه، نشر مكتب التربية العلمي لدول
(2/852)

الخليج، الطبعة الأولى، 1408هـ.
? الأنصاري: حماد بن محمد.
إتحاف ذوي الرسوخ بمن رمي بالتدليس من الشيوخ، الطبعة الأولى، 1406 هـ، مكتبة المعلا، الكويت.
بلغة القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني، الطبعة الأولى، 1415 هـ، مكتبة الغرباء الأثرية بالمدينة المنورة.
? الباكري: حسين بن أحمد.
مرويات غزوة أحد، رسالة ماجستير من الجامعة الإسلامية، 1399 هـ ـ 1400 هـ، مطبوعة على الآلة الكاتبة.
? البخاري: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله (ت 256هـ)
الأدب المفرد: ترتيب وتقديم: كمال يوسف الحوت، الطبعة الثانية، 1405 هـ عالم الكتب بيروت.
التاريخ الصغير، تحقيق محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة بيروت، الطبعة الأولى 1406هـ.
التاريخ الكبير، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، مصور عن طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الهند.
الجامع الصحيح مع فتح الباري، لابن حجر الطبعة السلفية، القاهرة 1380 هـ، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي.
(2/853)

البزار: أبو بكر: أحمد بن عمرو بن عبد الخالق (ت 292هـ)
البحر الزخار، تحقيق محفوط الرحمن زين الله، مؤسسة علوم القرآن، بيروت الطبعة الأولى 1409هـ.
? البغوي: الحسين بن مسعود الفراء (ت 516هـ) .
شرح السنة، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، المكتب الإسلامي، 1399هـ.
معالم التنزيل بهامش تفسير الخازن، دار الفكر، بيروت.
? البكري: عبد الله بن عبد العزيز البكري (ت 487هـ)
معجم ما استعجم، حققه وضبطه مصطفى السقا، الطبعة الثالثة، 1403هـ، عالم الكتب، بيروت.
? البلادي: عاتق بن غيث.
معجم قبائل الحجاز، الطبعة الثانية، 1403هـ، دار مكة للطباعة والنشر والتوزيع.
معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية، دار مكة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1402هـ.
? البلاذري: أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر (ت 279هـ)
أنساب الأشراف، تحقيق محمد حميدان، دار المعارف مصر.
فتوح البلدان، مراجعة وتعليق: محمد رضوان، دار الكتب العلمية بيروت 1412هـ.
? البوصيري: أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن عمر الكناني
(2/854)

(ت840هـ)
إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، تحقيق: دار المشكاة للبحث العلمي، الطبعة الأولى،1420هـ، دار الوطن الرياض.
? البيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين (ت458هـ) .
دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، 1405 هـ.
السنن الكبرى، دار الفكر بيروت.
معرفة السنن والآثار، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، الطبعة الأولى، 1412هـ، دار الوعي حلب، وغيره.
? الترمذي: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة (ت 279هـ)
سنن الترمذي، تحقيق: أحمد شاكر، ومحمد فؤاد عبد الباقي، وإبراهيم عطوة، مطبعة البابي الحلبي، الطبعة الثانية، 1398هـ.
الشمائل: إخراج وتعليق: محمد عفيف الزعبي، الطبعة الأولى، 1403هـ دار العلم للطباعة والنشر جدة.
? ابن تغري بردي: أبو الحسن جمال الدين يوسف الأتابكي (ت874هـ)
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، طبع دار الكتب
(2/855)

المصرية 1383هـ.
? ابن الجارود: أبو محمد عبد الله بن علي النيسابوري (ت317هـ)
المنتقى من السنن المسندة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كتاب غوث المكدود بتخريج منتقى ابن الجارود لأبي إسحاق الحويني، نشر دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى 1408هـ.
? ابن الجعد: أبو الحسن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري (ت 230هـ)
مسند ابن الجعد، تحقيق: عبد المهدي بن عبد القادر، الطبعة الأولى، 1405هـ، مكتبة الفلاح الكويت.
? ابن الجوزي: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي (ت 597 هـ)
صفة الصفوة، تحقيق: محمود فاخوري، خرج أحاديثه: محمد رواس قلعجي، دار الوعي حلب، الطبعة الأولى، 1389هـ.
المنتظم في تاريخ الملوك، تحقيق: محمد عبد القادر عطا وأخيه مصطفى، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى 1412هـ.
? الجوهري: أبو نصر إسماعيل بن أحمد (ت 393هـ)
الصحاح: تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الطبعة الثالثة، 1404هـ، دار العلم للملايين، بيروت.
? ابن أبي حاتم: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي (ت327هـ) .
تفسير القرآن العظيم مسنداً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين.
(2/856)

المراسيل بعناية شكر الله بن نعمة الله قوجاني، الطبعة الثانية، 1402هـ مؤسسة الرسالة.
الجرح والتعديل، دار الكتب العلمية بيروت، مصور عن الطبعة الأولى بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، الهند 1371هـ.
? حاجي خليفة: مصطفى بن عبد الله (ت 1067هـ)
كشف الظنون، نشر دار الفكر، بيروت 1402هـ.
? حارث بن سليمان الضاري.
الإمام الزهري وأثره في السنة، منشورات مكتبة بسام الموصل العراق، 1405هـ.
? حافظ محمد عبد الله الحكمي
مرويات غزوة الحديبية، نشر المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة.
? الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله محمد بن عبد الله (405 هـ)
المستدرك على الصحيحين، نشر دار الكتاب العربي، بيروت لبنان.
? ابن حبان: أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد (354هـ)
صحيح ابن حبان (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، لعلاء الدين الفارسي) تحقيق شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى 1412 هـ مؤسسة الرسالة بيروت.
(2/857)

الثقات، طبع دائرة المعرف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند، الطبعة الأولى 1393هـ
? ابن حجر: أبو الفضل أحمد بن علي (852هـ)
رفع الإصر عن قضاة مصر، تحقيق: حامد عبد المجيد، ومحمد المهدي أبي سنة، المطبعة الأميرية، القاهرة 1957م.
النكت على كتاب ابن الصلاح، تحقيق: ربيع بن هادي المدخلي، الطبعة الأولى، 1404هـ نشر المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة.
الإصابة في تمييز الصحابة، نشر دار الكتاب العربي.
تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة، نشر دار الكتاب العربي، بيروت.
تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، تحقيق عاصم بن عبد الله القريوتي، الطبعة الأولى، مكتبة المنار.
تغليق التعليق على صحيح البخاري، تحقيق سعيد بن عبد الرحمن موسى القزقي، المكتب الإسلامي، دار عمار الأردن، الطبعة الأولى 1405هـ
تقريب التهذيب، تحقيق محمد عوامة، دار الرشيد، سوريا حلب، الطبعة الأولى 1406هـ.
التلخيص الحبير، تحقيق السيد عبد الله هاشم اليماني، المدينة المنورة، 1384هـ
(2/858)

تهذيب التهذيب، دار صادر، بيروت، مصور عن الطبعة الأولى مجلس دائرة المعارف العثمانية الهند 1325هـ.
فتح الباري بشرح صحيح البخاري، الطبعة السلفية، 1380هـ.
لسان الميزان، ط الثانية، دار الفكر.
المطالب العالية، بزوائد المسانيد الثمانية، المسندة، تحقيق: أبي بلال غنيم بن عباس بن غنيم، وأبي تميم ياسر بن إبراهيم، الطبعة الأولى، 1418هـ، دار الوطن الرياض.
مختصر زوائد مسند البزار على الكتب الستة ومسند أحمد، تحقيق: صبري عبد الخالق أبي ذر، مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الأولى، 1412هـ.
هدي الساري مقدمة فتح الباري (انظر الفتح) .
? حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه.
ديوان حسان بن ثابت، شرحه وكتب هوامشه: عبد أمهنا، الطبعة الأولى، 1416هـ، دار الكتب العلمية بيروت.
? حسين عطوان.
رواية الشاميين للمغازي والسير في القرنين الأول والثاني الهجريين الطبعة الأولى 1986م دار الجيل.
?ابن حزم: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (ت 456هـ)
جمهرة أنساب العرب، مراجعة لجنة من العلماء طبع دار
(2/859)

الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1403هـ.
جوامع السيرة، تحقيق: إحسان عباس وناصر الدين الأسد، ومراجعة: أحمد محمد شاكر، إدارة إحياء السنة باكستان.
?الحميدي: أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي (ت 219هـ)
مسند الحميدي: تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب بيروت، الطبعة الأولى 1409هـ.
?ابن خزيمة: أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت 311هـ) .
صحيح ابن خزيمة، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1399هـ.
?الخشني: أبو ذر محمد بن مسعود (ت 604هـ)
شرح السيرة النبوية رواية ابن هشام، تصحيح: بولس برونلة، دار الكتب العلمية بيروت.
الإملاء المختصر في شرح غريب السير، تحقيق: عبد الكريم خليفة، الطبعة الأولى، 1412هـ، دار النشر، عمان الأردن.
?الخطابي: أبو سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي (ت 388هـ) .
معالم السنن، طباعة وتصحيح: محمد راغب الطباخ، حلب، الطبعة الأولى، 1352هـ.
?الخطيب البغدادي: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت (ت463هـ) .
تاريخ بغداد، دار الفكر للطباعة والنشر بيروت.
(2/860)

تقييد العلم، تحقيق: يوسف العش، نشر دار إحياء السنة النبوية، الطبعة الثانية، 1974م.
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق: محمود الطحان، مكتبة المعارف، الرياض، 1403هـ.
الكفاية في علم الرواية، تصحيح: السيد هاشم الندوي وغيره، طبع دائرة المعارف العثمانية الدكن، الهند.
?ابن خلكان: أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر (ت 681هـ) .
وفيات الأعيان، وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت.
?خليفة بن خياط: شباب العصفري (ت 240هـ)
تاريخ خليفة، تحقيق: أكرم ضياء العمري، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الثانية، 1402هـ.
?الخليلي: أبو يعلى الخليل بن عبد الله (ت 234هـ) .
الإرشاد في معرفة علماء الحديث، تحقيق: محمد سعيد بن عمر إدريس، نشر مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى، 1409هـ.
?ابن أبي خيثمة: أحمد بن أبي خيثمة (ت 279هـ)
تاريخ ابن أبي خيثمة، السفر الثالث، مخطوط فيلم رقم (572) بالجامعة الإسلامية.
?الدارقطني: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي (ت 385 هـ) .
(2/861)

سنن الدارقطني، تحقيق: السيد عبد الله هاشم يماني، دار المحاسن للطباعة 1386هـ.
?الدارمي: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام أبو محمد (ت255هـ)
سنن الدارمي، تحقيق: فواز أحمد زمرلي، وخالد السبع، الطبعة الأولى، 1407هـ دار الريان مصر ودار الكتاب بيروت لبنان.
?أبو داود السجستاني: سليمان بن الأشعث (ت 275 هـ) .
سنن أبي داود، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء السنة النبوية، وأيضاً المطبوع مع عون المعبود طبع المطبعة العربية، لاهور باكستان.
?أبو داود الطيالسي: سليمان بن داود بن الجارود (ت 204هـ) .
مسند أبي داود الطيالسي، دار المعرفة، بيروت لبنان.
?الدوري: عبد العزيز الدوري.
بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب، الطبعة الثانية، دار المشرق، بيروت 1993م.
?الدولابي: أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد (ت 310 هـ) .
الكنى والأسماء، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الثانية، 1403هـ.
?ابن الديبع الشيباني: عبد الرحمن بن علي بن محمد (ت 944هـ) .
(2/862)

حدائق الأنوار، ومطالع الأسرار، تحقيق: عبد الله بن إبراهيم الأنصاري.
?الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان (ت 748هـ)
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، نشر دار الكتاب (قسم السيرة والمغازي) .
تذكرة الحفاظ، دار الكتب العلمية، نسخة مصورة عن النسخة المحفوظة في مكتبة الحرم المكي.
تلخيص المستدرك بحاشية المستدرك للحاكم.
سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، وغيره، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1405هـ.
العبر في خبر من غبر، تحقيق: أبي هاجر محمد السعيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1405هـ.
ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق علي محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت الطبعة الأولى، 1382هـ.
?الرامهرمزي: الحسن بن عبد الرحمن (ت 360هـ)
المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، تحقيق: محمد عجاج الخطيب، دار الفكر الطبعة الأولى 1391هـ.
?ابن رجب الحنبلي: أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد (ت795هـ) .
شرح علل الترمذي، تحقيق: همام عبد الرحيم سعيد، مكتبة المنار الأردن، الطبعة الأولى، 1407هـ.
(2/863)

الزبير بن بكار (ت 256هـ) .
جمهرة نسب قريش وأخبارها، تحقيق: محمود محمد شاكر، مكتبة دار العروبة.
?الزبيدي: محمد بن مرتضى الحسيني (ت 1205هـ)
تاج العروس من جواهر القاموس، دار مكتبة الحياة، بيروت.
?أبو زرعة الدمشقي: عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري (ت 281هـ)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي، تحقيق: شكر الله نعمة الله القوجاني، بدون ذكر دار نشر أو سنة طبع.
?الزرقاني: محمد عبد الباقي بن يوسف (ت 1122هـ)
شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، دار المعرفة للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، 1393هـ.
?ابن زنجويه: حميد بن مخلد بن قتيبة بن عبد الله الخراساني النسائي، الأزدي (ت 251هـ) .
كتاب الأموال، تحقيق: شاكر ذيب فياض، الطبعة الأولى، 1406هـ، مركز الملك فيصل للبحوث الإسلامية.
?الساعاتي: أحمد بن عبد الرحمن البنا (1378هـ)
الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد، نشر دار الشهاب، القاهرة.
?السبكي: تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي
(2/864)

الزبير بن بكار (ت 256هـ) .
جمهرة نسب قريش وأخبارها، تحقيق: محمود محمد شاكر، مكتبة دار العروبة.
?الزبيدي: محمد بن مرتضى الحسيني (ت 1205هـ)
تاج العروس من جواهر القاموس، دار مكتبة الحياة، بيروت.
?أبو زرعة الدمشقي: عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله بن صفوان النصري (ت 281هـ)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي، تحقيق: شكر الله نعمة الله القوجاني، بدون ذكر دار نشر أو سنة طبع.
?الزرقاني: محمد عبد الباقي بن يوسف (ت 1122هـ)
شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، دار المعرفة للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، 1393هـ.
?ابن زنجويه: حميد بن مخلد بن قتيبة بن عبد الله الخراساني النسائي، الأزدي (ت 251هـ) .
كتاب الأموال، تحقيق: شاكر ذيب فياض، الطبعة الأولى، 1406هـ، مركز الملك فيصل للبحوث الإسلامية.
?الساعاتي: أحمد بن عبد الرحمن البنا (1378هـ)
الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد، نشر دار الشهاب، القاهرة.
?السبكي: تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي
(2/865)

صامل السلمي، الطبعة الأولى، 1414هـ، مكتبة الصديق الطائف.
?سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني (ت 227هـ)
سنن سعيد بن منصور، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، 1405،
?السفاريني: أبو العون شمس الدين محمد بن أحمد (ت 1114هـ)
شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، الطبعة الأولى، 1380هـ، المكتب الإسلامي دمشق.
? السمهودي: علي بن أحمد (ت 911هـ) .
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية بيروت.
? السندي: أكرم حسين علي.
مرويات تاريخ يهود المدينة في عهد النبوة، رسالة ماجستير من قسم السنة، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، 1399هـ ـ1400هـ.
?السهيلي: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد الخثعمي (ت 581هـ)
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الفكر.
?ابن سيد الناس: محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن
(2/866)

يحيى البصري (ت 734هـ) .
عيون الأثر في فنون المغازي والسير، تحقيق: محمد العيد الخطراوي، ومحيي الدين مستو، الطبعة الأولى 1413هـ، دار التراث المدينة المنورة.
?السيوطي: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 911هـ)
تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، الطبعة الثانية، 1385هـ دار الكتب الحديثة مصر.
حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى، 1387 هـ
الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت.
ذيل طبقات الحفاظ؛ المطبوع مع تذكرة الحفاظ للذهبي، طبع دار الكتب العلمية بيروت.
? الشافعي: أبو عبد الله محمد بن إدريس (ت 204 هـ) .
الأم، طبع دار الشعب.
السنن المأثورة.
مسند الإمام الشافعي، ترتيب: السيد يوسف علي الزواوي الحسني، والسيد عزت العطار الحسني، دار الكتب العلمية
(2/867)

بيروت 1370هـ.
? الشامي: صالح أحمد الشامي.
من معين السيرة، الطبعة الأولى، 1405 هـ، المكتب الإسلامي بيروت.
?ابن شبة: أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري (ت 235هـ)
تاريخ المدينة المنورة، تحقيق: فهيم محمد شلتوت، دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى 1400هـ.
? الشوكاني: محمد بن علي بن محمد (ت1250هـ) .
البدر الطالع في محاسن ما بعد القرن السابع، الطبعة الأولى، 1348هـ، مطبعة دار السعادة، القاهرة، مصر.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، دار الفكر للطبع والنشر والتوزيع، بيروت.
نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، مكتبة التراث القاهرة.
?ابن أبي شيبة: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (ت235هـ)
المصنف في الأحاديث والآثار، تحقيق: عبد الخالق الأفغاني، ومختار أحمد الندوي، الدار السلفية 1399هـ.
?أبو الشيخ الأصبهاني: أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان (ت369هـ) .
أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه، تحقيق: عصام الدين سيد، الطبعة
(2/868)

الأولى، 1411هـ، نشر الدار المعربة اللبنانية.
? الصالحي: محمد بن يوسف الشامي (ت 942هـ) .
سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، تحقيق: عاد أحمد عبد الموجود، وعلي محمد معوض. الطبعة الأولى، 1414هـ، لدار الكتب العلمية بيروت.
? الصفدي: خليل بن أيبك صلاح الدين (ت764هـ) .
الوافي بالوفيات، تحقيق: هلمت ريتر، دار النشر فرانز شتايز بفسبادن.
?الطبراني: أبو القاسم سليمان بن أحمد (ت360هـ)
المعجم الصغير مع الروض الداني، تحقيق: محمد شكور محمود، المكتب الإسلامي، دار عمار، الطبعة الأولى، 1405هـ.
المعجم الأوسط، تحقيق: أبي معاذ طارق بن عوض الله محمد، وأبي الفضل عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين 1415هـ.
المعجم الكبير، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، الجمهورية العراقية، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، إحياء التراث الإسلامي.
مسند الشاميين، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الأولى 1409هـ، مؤسسة الرسالة.
? الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير (ت 310هـ) .
(2/869)

تاريخ الأمم والملوك، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم، دار سويدان بيروت لبنان.
تهذيب الآثار، تحقيق: محمود محمد شاكر، مكتبة المدني القاهرة.
جامع البيان عن تأويل القرآن، مطبعة دار المعرفة 1398هـ.
جامع البيان عن تأويل القرآن، تحقيق: أحمد شاكر، وأخيه محمود شاكر، الطبعة الثانية، دار المعارف، مصر.
المنتخب من ذيل المذيل، المطبوع في نهاية تاريخ الطبري (الأمم والملوك) .
? الطحاوي: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي (ت321هـ) .
شرح معاني الآثار، تحقيق: محمد زهري النجار، طبع دار الكتب العلمية بيروت.
?الطوسي: أبو جعفر الطوسي (ت 460هـ) .
رجال الطوسي، تحقيق: محمد صادق بحر العلوم، المطبعة الحيدرية، النجف العراق.
? عادل عبد الغفور بن عبد الغني.
مرويات عروة بن الزبير في السير والمغازي، رسالة دكتوراه مطبوعة على الآلة الكاتبة، قدمت بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية عام 1413هـ.
(2/870)

ابن أبي عاصم: أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني (ت 287هـ)
الآحاد والمثاني، تحقيق: باسم فيصل الجوابرة، دار الراية، الطبعة الأولى، 1411هـ.
الجهاد، تحقيق: مساعد بن سليمان الراشد، الطبعة الأولى، 1409هـ، دار القلم بيروت.
كتاب السنة، تخريج: محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثانية، 1405هـ. المكتب الإسلامي.
? عبد الله بن أحمد بن حنبل الشيباني (ت290هـ)
السنة، تحقيق: محمد السعيد زغلول، الطبعة الأولى، 1405هـ، دار الكتب العلمية بيروت.
السنة، تحقيق: محمد بن سعيد القحطاني، دار ابن القيم، الطبعة الأولى، 1406هـ.
? ابن عبد البر: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد النمري (ت 463هـ)
الإنباه على قبائل الرواة، تحقيق: إبراهيم الأبياري، الطبعة الأولى، 1405هـ، لدار الكتاب العربي.
الاستيعاب في أسماء الأصحاب، تحقيق: علي محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود، الطبعة الأولى، 1415هـ لدار الكتب العلمية بيروت.
(2/871)

التمهيد لما في الموطأ من السنن والمسانيد، تحقيق: مجموعة من العلماء، نشر وزارة الأوقاف المغربية.
جامع بيان العلم وفضله، دار الكتب العلمية بيروت.
الدرر في اختصار المغازي والسير. دار الكتب العلمية بيروت.
? عبد الرزاق بن همام الصنعاني (211هـ)
تفسير القرآن: تحقيق: مصطفى مسلم محمد، الطبعة الأولى 1410هـ، مكتبة الرشد.
المصنف: تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الثانية، 1403 هـ
المغازي النبوية، تصنيف الإمام الزهري، مرويات الزهري من طريق معمر، مقتطفة من المصنف. أخرجها سهيل زكار، دار الفكر 1401 هـ.
? أبو عبيد القاسم بن سلاّم الهروي (224هـ)
الأموال: تحقيق محمد خليل الهراس، نشر مكتبة الكليات الأزهرية، ودار الفكر4 بالقاهرة، الطبعة الثانية. 1401هـ
? ابن عدي: أبو أحمد عبد الله بن عديّ الجرجانيّ (365هـ)
الكامل في ضعفاء الرجال. تحقيق مجموعة من العلماء. دار الفكر. بيروت.
? ابن عساكر: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله (571هـ)
(2/872)

تاريخ دمشق: دراسة وتحقيق: محب الدين أبي سعيد عمرو بن غرامة العمروي. 1415 هـ دار الفكر، بيروت.
ترجمة الزهري، جمع شكر الله بن نعمة الله قوجاني، الطبعة الأولى 1402 هـ مؤسسة الرسالة.
? العلائي: صلاح الدين أبو سعيد بن خليل (ت 761هـ)
جامع التحصيل في أحكام المراسيل، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، 1407 هـ نشر عالم الكتب.
? العليمي: أحمد محمد العليمي با وزير
مرويات غزوة بدر، مكتبة طيبة، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1400هـ.
? ابن العماد: أبو الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي (ت 1089هـ)
شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
? أبو عوانة: يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (361 هـ)
مسند أبي عوانة، نشر دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت.
? العيني: أبو محمد محمود بن أحمد (855هـ)
عمدة القاري شرح صحيح البخاري، دار الفكر.
? ابن فارس، أبو الحسين أحمد بن فارس (ت395هـ)
مجمل اللغة: تحقيق: زهير عبد المحسن سلطان، الطبعة الثانية
(2/873)

1406هـ. مؤسسة الرسالة بيروت.
? الفاكهي: أبو عبد الله بن إسحاق (من علماء القرن الثالث الهجري) .
أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، تحقيق عبد الملك بن دهيش، مكتبة ومطبعة النهضة، الطبعة الأولى 1407هـ.
? أبو الفرج الأصفهاني: علي بن الحسين بن محمد (ت356هـ)
كتاب الأغاني: تحقيق: سمير جابر، الطبعة الثانية عام 1412هـ دار الكتب العلمية بيروت.
?الفريابي: أبو بكر جعفر بن محمد بن الحسن (ت301هـ)
دلائل النبوة، تحقيق: عامر حسن صبري، الطبعة الأولى 1406هـ، دار حراء للنشر والتوزيع، مكة المكرمة.
? الفزاري: أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث (ت186هـ) .
كتاب السير، تحقيق: فاروق حمادة، الطبعة الأولى، 1408هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت.
? الفسوي: يعقوب بن سفيان (ت 277هـ)
المعرفة والتاريخ، تحقيق: أكرم ضياء العمري، الطبعة الثانية، 1401هـ، مؤسسة الرسالة.
? ابن فهد: تقي الدين محمد بن فهد المكي.
لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ، المطبوع مع تذكرة الحفاظ للذهبي، دار الكتب العلمية بيروت.
(2/874)

الفيروز آبادي: مجد الدين محمد بن يعقوب (ت 817هـ)
القاموس المحيط، تحقيق: مكتب التراث في مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية 1407هـ.
? الفيومي: أحمد بن محمد الفيومي (770هـ) .
المصباح المنير، مكتبة لبنان 1990م.
? القلقشندي: أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد بن عبد الله القلقشندي (ت821هـ) .
نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، الطبعة الأولى، 1405هـ دار الكتب العلمية بيروت.
? ابن القيم: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي (ت 751هـ) .
زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة ومكتبة المنار الإسلامية الطبعة الثامنة 1405هـ.
? الكتاني: عبد الحي بن عبد الكبير.
فهرس الفهارس والأثبات، اعتناء: إحسان عباس، الطبعة الثانية 1402هـ، دار الغرب الإسلامي بيروت.
? ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (774هـ) .
البداية والنهاية، مكتبة المعارف بيروت، الطبعة الثالثة 1978م
تفسير القرآن العظيم، نشر دار المعرفة بيروت 1388هـ.
(2/875)

السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، مطبعة عيسى البابي الحلبي.
?كحالة: عمر رضا
معجم قبائل العرب، الطبعة السادسة، 1412هـ، مؤسسة الرسالة بيروت.
? اللالكائي: أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور (ت418هـ)
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، تحقيق: أحمد سعد حمدان الغامدي، نشر دار طيبة للنشر والتوزيع.
? ابن ماجه: أبو عبد الله بن يزيد القزويني (ت273هـ) .
سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي 1395هـ.
? أبو مايلة: بريك بن محمد.
السرايا والبعوث النبوية، الطبعة الأولى 1417هـ، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع جدة.
? مالك بن أنس الأصبحي (ت179هـ)
الموطأ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي.
? محمد باقشيش.
مغازي موسى بن عقبة (ت 141هـ) جمع ودراسة وتخريج محمد باقشيش أبي مالك، نشر جامعة ابن زهر كلية الآداب
(2/876)

والعلوم الإنسانية، بأغادير المغرب.
? محمد محمد حسن شراب.
المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، دار القلم دمشق، الطبعة الأولى 1411هـ.
? محمد بن صامل السلمي.
منهج كتابة التاريخ الإسلامي، دار طيبة للنشر والتوزيع الرياض، الطبعة الأولى 1406هـ.
? المروزي: محمد بن نصر (ت 294هـ) .
تعظيم قدر الصلاة، الطبعة الأولى 1406هـ، مكتبة الدار بالمدينة المنورة.
? المزي: أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف (742هـ)
تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى.
? مسلم بن الحجاج، أبو الحسين القشيري (ت 261هـ) .
صحيح مسلم بشرح النووي، دار إحياء التراث العربي بيروت، الطبعة الأولى 1347هـ.
صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار إحياء التراث العربي.
? مصعب الزبيري: أبو عبد الله مصعب بن عبد الله بن المصعب الزبيري (ت236هـ) .
(2/877)

نسب قريش، عناية: أ. ليفي بروفنسال. دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثالثة.
? ابن معين: أبو زكريا يحيى بن معين (ت233هـ) .
سؤالات ابن الجنيد لابن معين، تحقيق: أحمد محمد نور سيف، مكتبة الدار بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1408هـ.
? المقريزي: تقي الدين أحمد بن علي (ت845هـ) .
إمتاع الأسماع، تصحيح: محمود شاكر، لجنة التأليف والترجمة 1940م القاهرة.
? ابن منظور: أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الأفريقي المصري (711هـ)
لسان العرب المحيط، دار لسان العرب، رتبه على حروف ألف باء: يوسف خياط.
? النسائي: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب (ت 303هـ)
تفسير النسائي، تحقيق: صبري الشافعي، وسيد عباس الجليمي، مكتبة السنة بالقاهرة، الطبعة الأولى 1410هـ.
سنن النسائي (المجتبى) بشرح السيوطي، وحاشية السندي، المطبعة المصرية بالأزهر.
فضائل الصحابة، تحقيق: فاروق حمادة، الطبعة الأولى 1404هـ، دار الثقافة، الدار البيضاء.
? أبو نعيم الأصبهاني: أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن
(2/878)

مهران (ت430هـ)
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، نشر دار الكتاب العربي بيروت، الطبعة الثانية، 1378هـ.
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الثانية 1423هـ. دار الكتب العلمية بيروت.
دلائل النبوة، تحقيق: محمد رواس قلعجي، نشر المكتبة العربية حلب. الطبعة الأولى 1390هـ.
? النووي: أبو زكريا يحي بن شرف الدين (ت676هـ) .
تهذيب الأسماء واللغات، عنيت بنشره وتحقيقه: مجموعة من العلماء بمساعدة إدارة الطباعة المنيرية، نشر دار الكتب العلمية بيروت.
شرح النووي على مسلم.
? ابن هشام: أبو محمد عبد الملك بن هشام المعافري (ت218هـ) .
السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا، وإبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ الشلبي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الثانية، 1375هـ.
? الهيثمي: نور الدين علي بن أبي بكر (ت807هـ) .
كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية،
(2/879)

1404هـ.
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة 1402هـ.
موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، تحقيق: محمد عبد الرزاق حمزة، دار الكتب العلمية بيروت.
? هارون رشيد: محمد إسحاق.
صحيفة المدينة، دراسة حديثية وتحقيق، رسالة ماجستير من كلية التربية، جامعة الملك سعود، 1405هـ.
? الواحدي: أبو الحسن علي بن أحمد النيسابوري (ت468هـ) .
أسباب النزول، تحقيق: سيد أحمد صقر، دار القبلة للثقافة الإسلامية، مؤسسة علوم القرآن، الطبعة الثالثة 1407هـ.
? الواقدي: محمد بن عمر بن واقد الأسلمي (ت 207هـ)
مغازي الواقدي، تحقيق: مارسدن جونسن، عالم الكتب، الطبعة الثالثة، 1404هـ.
? ابن الوزير: محمد بن إبراهيم بن الوزير اليماني (ت 840هـ)
العواصم من القواصم، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، 1405هـ، دار البشير عمان الأردن.
? ياقوت الحموي: أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله (ت 626هـ)
معجم البلدان، دار إحياء التراث العربي، بيروت لبنان، 1399هـ.
(2/880)

اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح (ت 284هـ) .
تاريخ اليعقوبي، دار صادر بيروت.
? أبو يعلى الموصلي: أحمد بن علي بن المثنى التميمي (ت 307هـ) .
مسند أبي يعلى، تحقيق: حسين سليم أسد، الطبعة الأولى، 1412هـ، دار الثقافة العربية دمشق وبيروت.
? يوسف هورفتش
المغازي الأولى ومؤلفوها، ترجمة: حسين نصار، الطبعة الأولى 1369هـ، مطبعة مصطفى البابي وأولاده بمصر.
(2/881)