Advertisement

الأخبار الطوال 002



الكتاب: الأخبار الطوال
المؤلف: أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري (المتوفى: 282هـ)
تحقيق: عبد المنعم عامر
مراجعة: الدكتور جمال الدين الشيال
الناشر: دار إحياء الكتب العربي - عيسى البابي الحلبي وشركاه / القاهرة
الطبعة: الأولى، 1960 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] وإفريقية [1] خلفك، فان رايت ما تحب انصرفت الى الشام، وان تكن الاخرى اتسع لك المهرب نحو إفريقية، فإنها ارض واسعه، نائيه منفرده.
قال: صدقت، لعمري، وهو الرأي.
فسار من حران حتى قطع الفرات، وجعل يستقرى مدن الشام، فيستنهضهم، فيروغون عنه، ويهابون الحرب، فلم يسر معه منهم الى قليل.
وسار ابو عون صاحب قحطبه في اثر مروان حتى انتهى الى الشام، وقصد دمشق، فقتل من أهلها مقتله عظيمه، فيهم ثمانون رجلا من ولد مروان ابن الحكم.

نهاية بنى اميه
ثم عبر الشام سائرا نحو مصر حتى وافاها، واستعد مروان فيمن كان معه، من اهل الوفاء له، وكانوا نحوا من عشرين الف رجل، وسار مستقبلا أبا عون حتى التقى الفريقان، فاقتتلوا.
فلم يكن لأصحاب مروان ثبات، فقتل منهم خلق، وانهزم الباقون، فتبددوا، وهرب مروان على طريق إفريقية، وطلبته الخيل، فحال بينها وبينه الليل، فعبر مروان النيل في سفينه، فصار في الجانب الغربي، وكان منجما [2] ، فقال لغلامه:
انى ان سلمت هذه الليلة رددت خيل خراسان على اعقابها حتى ابلغ خراسان.
ثم نزل، ودفع دابته الى غلامه، وخلع درعه، فتوسدها، ونام لشدة ما قد كان مر به من التعب، ولم يكن معه دليل يدله على الطريق، وخاف ان يوغل في تلك المفاوز، فيضل.
__________
[1] تذكر إفريقية في كتب التاريخ العربي، ويقصد بها بلاد شمال إفريقية.
[2] له دراية بعلم النجوم والفلك.
(1/366)

واقبل رجل من اصحاب ابى عون، يسمى عامر بن اسماعيل في طلب مروان، حتى اتى المكان الذى عبر فيه مروان، فدعا بسفينه، فجلس فيها، وعبر، فانتهى به السير الى مروان، وهو مستثقل نوما، فضربه بالسيف حتى قتله.
قالوا: ولما بلغ محمد بن خالد بن عبد الله القسرى، وكان مستترا بالكوفه في بجيله، موافاه قحطبه بن شبيب حلوان بجموع اهل خراسان جمع اليه نفرا من اشراف قومه، ثم ظهر، ودعا لأبي العباس الامام، فطلبه زياد بن صالح، عامل يزيد بن عمر، فاجتمع اليه قومه، فمنعوه، وقاموا دونه.
وبلغ ذلك يزيد بن عمر بن هبيرة، فامد زياد بن صالح بالرجال، واجتمع الى محمد جميع من كان بالكوفه من اليمانيه والربعيه، فهرب زياد بن صالح حتى لحق بيزيد بن عمر بواسط.
وكتب محمد بن خالد الى قحطبه، وهو بحلوان، يسأله ان يوليه امر الكوفه، ويبعث اليه عهده عليها، ففعل.
فاتى المسجد الأعظم في جمع كثير من اليمانيه، وقد أظهروا السواد، وذلك يوم عاشوراء من المحرم سنه اثنتين وثلاثين ومائه [1] .
وقال محمد بن خالد فيما كان من قتله الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
قتلنا الفاسق المختال لما ... اضاع الحق، واتبع الضلالا
يقول لخالد الا حمته ... بنو قحطان ان كانوا رجالا
فكيف راى غداه غدت عليه ... كراديس يشبهها الجبالا [2]
الا ابلغ بنى مروان عنى ... بان الملك قد اودى، فزالا
وسار يزيد بن عمر بن هبيرة الى الكوفه يريد محمد بن خالد، فدخل محمد على
__________
[1] الموافق اغسطس من سنه 749 م.
[2] الكردسه بالضم عظيمه من الخيل، وكل عظمين التقيا في مفصل، والكردوسان قيس ومعاويه، ابنا مالك بن حنظله.
(1/367)

ابى سلمه الداعي، فاخبره بفصول ابن هبيرة نحوه، وتخوفه ان لا يقوى بكثرة جموعه.
فقال له ابو سلمه: انه قد كان منك من الدعاء الى الامام ابى العباس ما لا ينساه لك، فلا تفسد ذلك بقتلك نفسك، ومن معك، ودع الكوفه، فإنها في يديك، وسر بمن معك حتى تنضم الى قحطبه.
قال محمد: لست بخارج من الكوفه حتى ابلى عذرا في محاربه ابن هبيرة.
فاستعد بمن كان معه بالكوفه من اليمن وربيعه، وسار مستقبلا لابن هبيرة حتى التقى.
فنادى محمد بن خالد من كان مع ابن هبيرة من قومه: تبا لكم، انسيتم قتل ابى خالد، وتحامل بنى اميه عليكم، ومنعهم إياكم اعطياتكم؟ يا بنى عم، قد أزال الله ملك بنى اميه، وادال منهم، فانضموا الى ابن عمكم، فان هذا قحطبه بحلوان في جموع اهل خراسان، وقد قتل مروان، فلم تقتلون أنفسكم؟
وان الأمير قحطبه قد ولانى الكوفه، وهذا عهدي عليها، فليكن لكم اثر في هذه الدولة.
فلما سمعوا ذلك مالوا اليه جميعا، ولم يلق مع ابن هبيرة الا قيس وتميم.
فلما راى ذلك ولى منهزما بمن معه حتى وافى واسط، ووجه في نقل الميرة [1] إليها، واستعد للحصار.
وانصرف محمد بن خالد الى الكوفه، فخطب الناس، ودعا لأبي العباس، وأخذ بيعه اهل الكوفه.
واقبل قحطبه من حلوان حتى وافى العراق، فنزل دمما [2] وهي فيما بين بغداد والأنبار وذلك قبل ان تبنى بغداد، وانما كانت قريه، يقوم بها سوق في كل شهر مره، فأقام معسكرا بها.
__________
[1] الطعام.
[2] كانت قريه كبيره على فم نهر عيسى قرب الفرات.
(1/368)

فقال على بن سليمان الأزدي يذكر محمد بن خالد وسبقه الى الدعاء الى بنى هاشم:
يا حاديينا بالطريق قوما ... بيعملات كالقسى رسما [1]
تنجو باحواز الفلاة مقدما ... الى امرئ اكرم من تكرما
محمد لما سما وأقدما ... ثار بكوفان بها معلما
في عصبه تطلب امرا مبرما ... حتى علا منبرها معمما
اكرم بما فاز به وأعظما ... إذ كان عنها الناس كلا نوما
وان قحطبه عند مسيره الى العراق استخلف على ارض الجبل يوسف بن عقيل الطائي، واقبل ابن هبيرة حتى صار على شاطئ الفرات الغربي، وهو في نحو من ثلاثين الف رجل.
واقبل قحطبه حتى نزل في الجانب الشرقى، فأقام ثلاثا، ثم نادى في جنوده، ان اقحموا خيلكم الماء، فاقتحموها، وقحطبه امام اصحابه.
ولما عبر اصحاب قحطبه قاتلهم ابن هبيرة، فلم يقم لهم، فانهزم حتى اتى واسطا، فتحصن فيها، وفقد قحطبه بن شبيب فلم يدر اين ذهب.
ويزعم بعض الناس ان فرسه غاص به فغرق، وتولى امر الناس ابنه الحسن بن قحطبه.
ولما تحصن ابن هبيرة بواسط خلف الحسن بن قحطبه عليه بعض قواده في عشرين الف رجل، وسار نحو الكوفه، وقد أخذها محمد بن خالد، فوافاها الحسن بن قحطبه، وبها الامام ابو العباس.
__________
[1] اليعمله الناقه النجيبه المعتملة المطبوعه، والجمل يعمل، وناقه عمله بينه العماله فارهة.
(1/369)

[خلافة بني العباس]

مبايعه ابى العباس
فأظهر أبا العباس، واقبل به حتى دخل المسجد الأعظم، واجتمع له الناس، فصعد المنبر، فحمد الله واثنى عليه، وصلى على نبيه، ع، ثم ذكر انتهاك بنى اميه المحارم، وهدمهم الكعبه، ونصبهم عليها المجانيق، وما أبدعوا من خبيث السير، ثم نزل.
فاكثر الناس له من الدعاء، واقبل نحو دار الإمارة، فنزلها.
وامر الحسن بن قحطبه بالانصراف الى واسط، والإناخة بيزيد بن عمر بن هبيرة.
فسار الحسن وحاصر يزيد أشهرا كثيره.
قال الهيثم بن عدى: بويع لأبي العباس بالخلافة، ولأبي جعفر بولاية العهد من بعده، في رجب، من سنه اثنتين وثلاثين ومائه [1] .
فلما استدف لأبي العباس الإمرة ولى أبا سلمه الداعي جميع ما وراء بابه، وجعله وزيره، واسند اليه جميع أموره، فكان يسمى وزير آل محمد، فكان ينفذ الأمور من غير مؤامره.
وبلغ ذلك أبا مسلم وهو بخراسان، فدعا مروان الضبي، وكان احد قواده، وقال له: انطلق الى الكوفه، فاخرج أبا سلمه من عند الامام ابى العباس، فاضرب عنقه، وانصرف من ساعتك، ففعل الضبي ذلك.
فقال الشاعر يرثى أبا سلمه:
ان الوزير وزير آل محمد ... اودى فمن يشناك كان وزيرا [2] .
ثم ان الامام أبا العباس راى ان يوجه أخاه أبا جعفر المنصور الى واسط، ليتولى
__________
[1] الموافق فبراير سنه 750 م.
[2] شناه اى ابغضه.
(1/370)

محاربه ابن هبيرة، فوجهه، وكتب الى الحسن بن قحطبه يعلمه ان العسكر عسكره، وانه أحب ان يكون اخوه المتولى للامر.
فلما وافى ابو جعفر واسطا تحول الحسن بن قحطبه عن سرداقه، وخلاه بما فيه له، فنزله ابو جعفر بحريمه وحشمه.
وكتب ابو جعفر الى قواد يزيد بن عمر واشراف من العرب، يستميلهم بالاطماع، وينبههم على حظوظهم، ويعرفهم انصرام دوله بنى اميه، فأجابوه جميعا.
وكان أول من اجابه وانحرف اليه زياد بن صالح الحارثى، وكان عامل ابن هبيرة على الكوفه، واخص اصحابه عنده، وقد كان ابن هبيرة ولاه حراسه مدينته بالليل، ودفع اليه مفاتيح أبوابها.
قال الهيثم: فحدثني ابى، قال: لما هم زياد باللحوق بابى جعفر ارسل الى، وكان وصى ابى، فكنت ادعوه أبا وعما، وقد كان رسوله أتاني عند اختلاط الظلام، يأمرني بالمصير اليه، فأتيته، فخلا بي، وقال:
يا ابن أخي، انك لست ممن اكتمه شيئا، وقد أتاني كتاب ابى جعفر، يدعوني الى اللحوق به، ويبذل لي على ذلك منزله سنيه، واعلم في كتابه انه راع للخئوله وكانت أم ابى العباس حارثيه.
قال والدى: فقلت له، يا عم، ان لابن هبيرة ايادى جميله، واكره لك الغدر به.
فقال: يا ابن أخي، انا من اشكر الناس له، غير انى لا ارى ان اقيم على ملك، قد انقضت قواه، ووهت عراه، وانا لابن هبيرة اليوم عند ابى جعفر انفع منى له هاهنا، وأرجو ان يصلح الله امره بي وعلى يدي، فاقم عندي الى وقت خروجى لاسلم لك المفاتيح.
فاقمت عنده.
فلما مضى ثلث الليل امر غلمانه، فحملوا اثقاله، وأسرجوا دوابه، ثم ركب،
(1/371)

وخرج من منزله، وانا امشى معه، حتى انتهى الى باب المدينة الذى يلى دجلة، وكانت المفاتيح معه، وامر الاحراس ان يفتحوا الباب، وقال لهم: اريد الخروج لاستطلاع بعض الأمور، وانا منصرف بعد ساعه.
ثم خرج، وأمرني باغلاق الباب وأخذ المفاتيح.
فقال لي فيما بيني وبينه: إذا اصبحت فانطلق بالمفاتيح حتى تدفعها الى ابن هبيرة من يدك الى يده، واعلمه انى له هناك افضل منى له هاهنا، ثم ودعني، ومضى، وانصرفت الى منزلي.
فلما اصبحت اتيت باب قصر الإمارة، فاستأذنت على ابن هبيرة.
فقال لي الحاجب: هو قاعد في مصلاه، لم يقم عنه.
قلت: اعلمه انى أتيته في مهم.
فاذن لي.
فدخلت، وهو قاعد في محرابه، وعليه كساء بركانى [1] معلم، فسلمت عليه بالإمرة.
فرد السلام.
وقال: مهم.
فحدثته بأمر زياد بن صالح، فدمعت عيناه.
وقال: بمن تثق اليوم بعد زياد، وتوليتي اياه الكوفه، وبري به؟
فقلت: ايها الأمير: ان الله ربما جعل في الكره خيرا، وأرجو ان ينفعك الله بمكانه هناك.
فقال: لا حول ولا قوه الا بالله.
ثم قال: يا غلام، على بطارق بن قدامه القسرى.
فدخل عليه، وانا جالس عنده، فدفع اليه تلك المفاتيح.
__________
[1] الكساء البركاني هو ذو اللون الأسود.
(1/372)

وقال: يا طارق، انى قد اخترتك لحراسة هذه المدينة على جميع أصحابك من خاصتنا، فكن كنحو ثقتي بك.
ولما طال على ابن هبيرة الحصار بعث الى المنصور يسأله الامان، فأرسل اليه:
ان اردت ان أومنك على حكم امير المؤمنين ابى العباس فعلت.
فشاور ابن هبيرة نصحاءه، فأشاروا عليه ان يفعل.
فأرسل الى ابى جعفر يعلمه: انى راض بذلك.
فكتب اليه ابو جعفر ذلك بخطه، واشهد على نفسه بذلك القواد.
فخرج ابن هبيرة الى ابى جعفر في نفر من بطانته، فدخل عليه، وهو في سرادقه، وحول السرادق عشره آلاف نفر من اهل خراسان مستلئمين في السلاح، فامر ابو جعفر بوساده، فجلس عليها قليلا، ثم نهض، ودعى له بدابته، فركب، وانصرف الى منزله، وفتحت أبواب المدينة، ودخل الناس بعضهم في بعض.
قالوا: واحصى ما في الخزائن من الأموال والسلاح، وما بقي من الطعام والعلف الذى كان ابن هبيرة قد ادخر، واعد للحصار، فكان المال ثلاثة آلاف الف درهم، ومن السلاح شيء كثير، وطعام ثلاثين الف رجل، وعلف عشرين الف راس من الدواب سنه.
وان أبا جعفر كتب الى ابى العباس يخبره بخروج ابن هبيرة على حكمه، ويسأله ان يعلمه الذى يرى فيه.
فكتب ابو العباس: لا حكم لابن هبيرة عندي الا السيف.
فلما انتهى الكتاب بذلك الى ابى جعفر كتمه عن جميع الناس.
وقال لحاجبه: مر ابن هبيرة إذا ركب إلينا الا يركب الا في غلام واحد، ويدع عنه هذه الجماعات.
فلما كان من غد ركب ابن هبيرة الى ابى جعفر في موكب عظيم.
(1/373)

فقال له سلام الحاجب: أبا خالد، كأنك انما تأتي ولى العهد مباهيا، ولا تأتيه مسلما.
قال ابن هبيرة: ان كنتم كرهتم ذلك لم آتكم الا في غلام واحد.
قال: فلا تأتنا الا في غلام واحد، فانى لم اقل ذلك استخفافا بحقك، الا ان اهل خراسان ينكرون كثره من يركب معك.
فكان ابن هبيرة بعد ذلك لا يأتيهم الا في غلام واحد، فيدخل، ويسلم، وينصرف.
ثم ان أبا جعفر قال للحسن بن قحطبه: اجمع إليك أبا بكر العقيلي، والحوثره بن سهل، ومحمد بن بنانه، وعبد الله بن بشر، وطارق بن قدامه، وسويد بن الحارث المزنى، وهؤلاء كانوا قواد يزيد بن عمر، فإذا اجتمعوا عندك فاضرب أعناقهم، وائتنى بخواتيمهم، ووجه حرسا يحرسون ابن هبيرة، لانفذ فيه امر الامام ابى العباس.
فانطلق الحسن بن قحطبه، فانفذ امره في أولئك، وأتاه بخواتيمهم.
قال: فما نطق منهم احد عند قتله، وما كان منه جزع ولا امتناع.
فلما كان في اليوم الثانى دعا ابو جعفر خازم بن خزيمة، وابراهيم بن عقيل، فقال لهما: انطلقا في عشره نفر من الحرس حتى تدخلا على ابن هبيرة فتقتلاه.
فاقبلا حتى دخلا عليه عند طلوع الشمس، وهو جالس في مسجده في القصر مسند ظهره الى المحراب، ووجهه الى رحبه القصر.
فلما نظر اليهم قال لحاجبه: يا أبا عثمان، احلف بالله ان في وجوه القوم لشرا.
فمضى ابو عثمان مستقبلا لهم، وقال لهم: ما تريدون؟.
فبعجه ابراهيم بن عقيل بالسيف، فقتله، وقام ابراهيم ابنه في وجوه القوم، فقتل، ثم قام ابنه داود في وجوههم، فقتل، ثم قام كاتبه عمرو، فقتل.
(1/374)

وأقبلوا نحو ابن هبيرة، فلما دنوا منه حول وجهه الى القبله، وسجد، فضربوه بأسيافهم حتى خمد.
ثم انصرفا الى ابى جعفر، فأخبراه بذلك، فامر ابو جعفر مناديا، فنادى ايها الناس، أنتم آمنون الا الحكم بن عبد الملك بن بشر، ومحمد بن ذر، وخالد بن سلمه المخزومي.
قال الهيثم: فحدثني ابى قال: قال محمد بن ذر، فضاقت على الارض برحبها، فخرجت ليلا من مدينه واسط على قدمي، وانا اقرا آيه الكرسي، فما عرض لي احد من الناس حتى نجوت، فلم أزل خائفا حتى استامن لي زياد بن عبد الله من الامام ابى العباس، فآمنني.
قال وهرب الحكم بن عبد الملك الى كسكر، فاستخفى بها.
وضاقت بخالد بن سلمه المخزومي الارض، فاتى باب ابى جعفر المنصور ليلا، فاستامن له، فآمنه.
ثم نودى ايها الناس، أنتم جميعا آمنون، يا اهل الشام، ألحقوا بشامكم، ويا اهل الحجاز، ألحقوا بحجازكم، فسكن الناس، وآمنوا، واطمأنوا.
واستعمل المنصور على واسط الهيثم بن زياد الخزاعي في خمسه آلاف من اهل خراسان، ثم انصرف بسائر الناس حتى قدم على الامام ابى العباس، وهو بالحيرة.
ثم ان الامام سار من الحيرة في جموعه حتى اتى الأنبار، فاستطابها، فابتنى بها مدينه باعلى المدينة عظيمه لنفسه وجموعه، وقسمها خططا بين اصحابه من اهل خراسان، وبنى لنفسه في وسطها قصرا عاليا منيفا، فسكنه، واقام بتلك المدينة طول خلافته، وتسمى الى اليوم مدينه ابى العباس.
ثم ان أبا العباس وجه أخاه أبا جعفر المنصور الى خراسان، وامره ان ياتى
(1/375)

أبا مسلم، فيناظره في بعض الأمور، ووجه معه ثلاثين رجلا من وجوه القواد، وفيهم الحجاج بن ارطاه الفقيه، واسحق بن الفضل الهاشمى.
فلما قدم المنصور على ابى مسلم لم يبالغ ابو مسلم في بره وإكرامه، ولم يظهر السرور التام بقدومه.
فانصرف الى ابى العباس، وقال: لست بخليفه ما دام ابو مسلم حيا، فاحتل لقتله قبل ان يفسد عليك امرك، فلقد رايته وكأنه لا احد فوقه، ومثله لا يؤمن غدره ونكثه.
فقال ابو العباس: وكيف يمكن ذلك، ومعه اهل خراسان؟ وقد اشربت قلوبهم حبه، واتباع امره، وايثار طاعته.
فقال ابو جعفر: فذاك والله احرى ان لا تامنه، فاحتل له.
فقال ابو العباس: يا أخي، اضرب عن هذا، ولا تعلمن رأيك في ذلك أحدا.
وان أبا العباس قال ذات يوم للحجاج بن ارطاه، وقد خلا معه: ما تقول في ابى مسلم؟
فقال: يا امير المؤمنين، ان الله تعالى يقول في كتابه: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا.
قال ابو العباس: امسك، فقد فهمت ما اردت.
ثم ان أبا مسلم وجه محمد بن الاشعث بن عبد الرحمن أميرا على فارس.
وراى ابو العباس ان يستعمل عليها عمه عيسى بن على، فعقد له عليها، وامره بالمسير إليها.
فلما قدم عيسى على محمد بن الاشعث ابى ان يسلم اليه.
فقال له عيسى: يا ابن الاشعث، الست في طاعه الامام ابى العباس؟
قال: بلى، غير ان أبا مسلم أمرني الا اسلم العمل الى احد من الناس.
(1/376)

قال عيسى: فإنما ابو مسلم عبد الامام، وان الامام لا يرضى ان يرد امره.
قال محمد: دع عنك هذا، لست اسلم العمل إليك الا بكتاب ابى مسلم.
فانصرف عيسى الى ابى العباس، فاخبره ذلك، فكظم، وامر عمه بالمقام عنده، فأقام.
وان أبا مسلم عقد للمغلس بن السرى على ارض طخارستان حتى وافاها، فخرج اليه منصور مستعدا للحرب، فالتقوا، فاقتتلوا، فكان الظفر للمغلس، وهرب منصور في نفر من اصحابه حتى وقعوا في الرمال، فماتوا عطشا.
واقام المغلس على باب بلاد السند.
وان أبا مسلم كتب الى الامام ابى العباس يستاذنه في القدوم عليه، والمقام عنده الى أوان الحج ليحج، فاذن له ابو العباس في ذلك، فسار ابو مسلم حتى إذا قارب الامام امر ابو العباس جميع من كان معه بالحضرة من القواد والاشراف ان يستقبلوه، فاستقبل بالكرامه، وترجل له الاشراف والقواد.
واقبل حتى وافى مدينه ابى العباس، فانزله معه في قصره، ولم يال جهده في بره وإكرامه، حتى إذا حان وقت الحج استاذنه في الحج.
فقال له ابو العباس: لولا ان أخي أبا جعفر قد عزم على الحج لوليتك الموسم، فكونا جميعا.
قال ابو مسلم: وذاك أحب الى.
ثم خرجا.
فكان يرتحل ابو جعفر، وينزل ابو مسلم حتى وافيا مكة، فقضيا حجهما، وانصرفا.
(1/377)

ابو جعفر المنصور
فلما وصل ابو جعفر الى ذات عرق في منصرفه أتاه نعى الامام ابى العباس [1] ، فأقام بمكانه حتى وافاه ابو مسلم، فاخبره بوفاه ابى العباس.
فخنقت أبا مسلم العبرة [1] ، وقال: رحم الله امير المؤمنين، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
فقال ابو جعفر: انى قد رايت ان تخلف اثقالك ومن معك من جنودك على، فيكونوا معى، وتركب أنت في عشره نفر البريد حتى ترد الأنبار، فتضبط العسكر، وتسكن الناس.
قال ابو مسلم: افعل.
فركب في عشره نفر من خاصته، وسار بالحث الشديد حتى وافى العراق، وانتهى الى مدينه ابى العباس بالأنبار، فوجد عيسى بن على بن عبد الله بن عباس قد دعا الناس الى بيعته، وخلع ولايه العهد عن ابى جعفر.
فلما رأوا أبا مسلم مالوا معه، وتركوا عيسى.
فلما وافى ابو جعفر اعتذر اليه عيسى، واعلمه انه انما اراد بذلك ضبط العسكر، وحفظ الخزائن، وبيوت الأموال.
فقبل ابو جعفر منه ذلك، ولم يؤاخذه بما كان منه.
واجتمع الناس، وبايعوا المنصور أبا جعفر.
ثم أتاه انتقاض الشام، وقد كان ابو العباس استعمل عليها عمه عبد الله بن على، فلما بلغه وفاه ابى العباس دعا لنفسه، واستمال من كان معه من جنود خراسان، فمالوا معه.
فلما بلغ أبا جعفر ذلك قال لأبي مسلم ايها الرجل، انما هو انا او أنت، فاما ان تسير الى الشام فتصلح امرها، او اسير انا.
__________
[1] رطوبة مؤثره في الأصل مكان ما بين الحاصرتين.
[1] رطوبة مؤثره في الأصل مكان ما بين الحاصرتين.
(1/378)

قال ابو مسلم، بل اسير انا.
فاستعد، وسار في اثنى عشر ألفا من ابطال جنود خراسان حتى إذا وافى الشام انحاز اليه من كان بها من الجنود جميعهم، وبقي عبد الله بن على وحده.
فعفا ابو مسلم عنه، ولم يؤاخذه بما كان منه.
وكانت خلافه ابى العباس اربع سنين وسته اشهر.
وان أبا جعفر عند مسير ابى مسلم نحو الشام وجه يقطين بن موسى في اثر ابى مسلم، وقال: ان تكن هناك غنائم فتول قبضها.
وبلغ ذلك أبا مسلم، فشق عليه، وقال: ان امير المؤمنين لم يأتمنى على ما هاهنا حتى استظهر على بامين. ودخلته من ذلك وحشه شديده.
ولما بلغ المنصور اصلاح الشام كره المقام بمدينه ابى العباس التي بالأنبار، فسار بعسكره الى المدائن، فنزل الى المدينة التي تدعى الرومية وهي من المدائن على فرسخ، وهي المدينة التي بناها كسرى انوشروان، وأنزلها السبى الذى سباه من بلاد الروم، فأقام المنصور بتلك المدينة.
وان أبا مسلم انصرف فاخذ على الفرات حتى وافى العراق على الأنبار، وجاز حتى وافى كرخ بغداد [1] ، وهي إذ ذاك قريه، ثم عبر دجلة من بغداد، وأخذ طريق خراسان، وترك طريق المدائن.
وبلغ ذلك أبا جعفر.
فكتب الى ابى مسلم: اريد مناظرتك في امور لم يحتملها الكتاب، فخلف عسكرك حيث ينتهى إليك كتابي، فاقدم على.
فلم يلتفت ابو مسلم الى كتاب المنصور، ولم يعبأ به.
وكان مع المنصور رجل من ولد جرير بن عبد الله البجلي، واسمه جرير بن يزيد بن عبد الله، وكانت له خلابة، وتات في الأمور، ومكيده.
فقال له ابو جعفر: اركب البريد حتى تلحق أبا مسلم، فتحاول رده الى،
__________
[1] مكان بين المصراة ونهر عيسى، اتخذ سوقا، ورتب فيه كل صنف موضعه، وذلك ان أبا جعفر المنصور لما بنى مدينه بغداد امر ان تجعل الاسواق في طاقات المدينة بإزاء كل باب سوقا، ثم أشير على المنصور باخراج الاسواق من المدينة حتى لا يوافى الجواسيس من الاطراف بعلة التجارة فيتجسسون الاخبار، فامر ببناء السوق خارج المدينة، وسمى الكرخ لذلك.
(1/379)

فانه قد مضى مغاضبا، ولا آمن افساده على، وتات في رده بافضل التاتى.
فسار الرجل حتى لحقه في بعض الطريق، وقد نزل بعض المنازل بعسكره، فدخل عليه مضربه.
فقال:
ايها الأمير، اجهدت نفسك، واسهرت ليلك، واتعبت نهارك في نصره مواليك، واهل بيت نبيك حتى إذا استحكم لهم الأمر، وتوطد لهم السلطان، ونلت امنيتك فيهم تنصرف على هذه الحال، فما تقول الناس؟ الا تعلم ان ذلك مطعنه عليك، ومسبه، في حياتك، وبعد وفاتك؟.
فلم يزل به حتى عزم على الانصراف معه الى المنصور، وخلف عسكره بمكانه ذلك.
وسار منصرفا في الف فارس من افاضل من كان معه من جنود خراسان والقواد، وقد كان ابو مسلم يقول: ان المنجمين أخبروني ان لا اقتل الا بالروم.

قتل ابى مسلم الخراسانى
حتى وافى أبا جعفر بالرومية، فدخل عليه، فقام اليه ابو جعفر، وعانقه، واظهر السرور بانصرافه.
وقال له: كدت تمضى من قبل ان أراك، وافضى إليك بما اريد، فقم، فضع عنك ثيابك، وانزل حتى يذهب كلال السير عنك.
فخرج ابو مسلم الى قصر قد اعد له.
ونزل اصحابه حوله.
فمكث ثلاثة ايام، يغدو كل يوم الى ابى جعفر، فيدخل على دابته، حتى ينتهى الى باب المجلس الذى فيه الامام، فينزل، ويدخل اليه، فيجلس عنده مليا، فيتناظران في الأمور.
فلما كان في اليوم الرابع وطن له ابو جعفر عثمان بن نهيك، وكان على حرسه،
(1/380)

وشبث بن روح، وكان على شرطته، وأبا فلان بن عبد الله، وكان على الخيل، وامرهم ان يكمنوا في بيت الى جنب المجلس الذى كان فيه.
وقال لهم: إذا انا صفقت يدي ثلاثا فاخرجوا الى ابى مسلم، فبضعوه.
وامر الحاجب إذا دخل ابو مسلم ان يأخذ عنه سيفه.
واقبل ابو مسلم، فدخل، وأخذ الحاجب سيفه.
فدخل مغضبا، وقال:
يا امير المؤمنين، فعل بي ما لم يفعل بي مثله قط، أخذ السيف من عاتقى.
قال ابو جعفر: ومن اخذه لعنه الله؟ اجلس، لا عليك.
فجلس، وعليه قباء اسود خز، ووضع له متكئا، ولم يكن في البيت غيرهما.
فقال ابو جعفر:
ما اردت بمضيك نحو خراسان قبل لقائي؟
قال ابو مسلم:
لأنك وجهت في اثرى الى الشام أمينا في احصاء الغنائم، اما وثقت بي فيها؟.
فاغلظ له ابو جعفر الكلام.
فقال:
يا امير المؤمنين، انسيت حسن بلائي، وفضل قيامي، واتعابى نفسي ليلى ونهاري؟ حتى سقت هذا السلطان إليكم.
قال ابو جعفر:
يا ابن الخبيثة، والله لو قامت مقامك أمه سوداء لاغنت غناك، انما تأتي لك الأمور في ذلك بما أحب الله، من اظهار دعوتنا اهل البيت، ورد حقنا إلينا، ولو كان ذلك بحولك وحيلتك وقوتك ما قطعت فتيلا، الست يا ابن اللخناء الذى كتبت الى تخطب عمتي آمنه بنت على بن عبد الله؟ وتزعم في كتابك انك ابن سليط بن عبد الله بن عباس، لقد ارتقيت مرتقى صعبا.
(1/381)

فقال ابو مسلم:
يا امير المؤمنين، لا تدخل على نفسك الغم والغيظ بسببي، فانى اصغر قدرا من ان ابلغ منك هذا.
فصفق ابو جعفر بكفيه ثلاثا، وخرج عليه القوم بالسيوف.
فلما رآهم ابو مسلم ايقن بالأمر، فقام الى ابى جعفر، فتناول رجله ليقبلها، فرفسه ابو جعفر برجله، فوقع ناحيه، فأخذته السيوف.
فقال ابو مسلم. اما من سلاح يحامى به المرء عن نفسه.
فضربوه حتى خمد.
وامر به ابو جعفر، فلف في بساط، ووضع ناحيه من البيت.
وقد كان ابو مسلم قبل دخوله على ابى جعفر قال لعيسى بن على: ادخل معى الى امير المؤمنين، فانى اريد معاتبته في بعض الأمور.
فقال له عيسى: تقدم فانى على اثرك.
فاقبل عيسى حتى دخل على ابى جعفر، فقال:
يا امير المؤمنين، اين ابو مسلم؟
قال ابو جعفر: ها هو ذاك ملفوف في ذلك البساط.
قال عيسى: اقتلته؟ انا لله، فكيف تصنع بجنوده؟ وهؤلاء قد جعلوه ربا.
فامر ابو جعفر فهيئت الف صره، في كل صره ثلاثة آلاف درهم.
واحس اصحاب ابى مسلم بالأمر، فصاحوا، وسلوا السيوف، فامر ابو جعفر بتلك الصرر، فقذفت اليهم مع راس ابى مسلم.
وصعد عيسى بن على الى اعلى القصر، وقال:
يا اهل خراسان، انما كان ابو مسلم عبدا من عبيد امير المؤمنين، وجد عليه، فقتله، فليفرخ روعكم، فان امير المؤمنين بالغ آمالكم.
(1/382)

فترجل القوم وتناولوا تلك الصرر، كل واحد صره، وترك الراس مقذوفا.
ثم ان أبا جعفر وضع لأصحاب ابى مسلم العطاء، ووجه الأموال الى عسكر ابى مسلم حيت خلفه، فاسنى لهم العطاء، وكتب كتابا، فقرئ عليهم، يبسط فيه آمالهم، واجزل صلات القواد والاشراف منهم، فارضاهم ذلك.
واستدفت الخلافه لأبي جعفر المنصور سنه ثمان وثلاثين ومائه [1] ، فوجه عماله الى اقطار الارض.

مدينه بغداد
وان أبا جعفر أحب ان يبنى لنفسه وجنوده مدينه ليتخذها دار المملكة.
فسار بنفسه يرتاد الاماكن حتى انتهى الى بغداد، وهي إذ ذاك قريه يقوم بها سوق في كل شهر، فاعجبه المكان، فخط لنفسه وحشمه ومواليه وولده واهل بيته المدينة، وسماها مدينه السلام، وبنى قصره وسطها الى المسجد الأعظم.
ثم خط لجنوده حول المدينة، وجعل اهل كل بلد من خراسان في ناحيه منها منفرده، وامر الناس بالبناء، ووسع عليهم في النفقات، وامر، فحفر نهر الفرات من ثمانية فراسخ، وفوهه النهر من دمما [2] ، فأجرى الى بغداد ليأتي فيه مواد الشام والجزيرة، كما تأتي مواد الموصل وما اتصل بالموصل في دجلة، وكان بناؤه إياها في سنه تسع وثلاثين ومائه [3] .
ثم ان أبا جعفر حج بالناس سنه اربعين ومائه، وجعل منصرفه على مدينه الرسول، فوضع لأهلها العطاء، فاسنى لهم في الرزق وفرق فيهم الجوائز.
ومضى نحو الشام قاصدا لبيت المقدس حتى وافاها، فأقام بها شهرا، ثم سار الى الرقة، فأقام بها بقية عامه ذلك، ثم سار من الرقة حتى وافى مدينه السلام، فأقام بها حولا كاملا.
__________
[1] سنه 755 م.
[2] قريه كبيره على فم نهر عيسى، قرب الفرات، وقد خربت.
[3] سنه 756 م
(1/383)

الراونديه
ثم سار منها سنه اثنتين واربعين ومائه نحو البصره حتى وافاها، فبلغه ان الراونديه [1] تداعوا، وخرجوا يطلبون بثار ابى مسلم، وخلعوا الطاعة، فوجه اليهم خازم بن خزيمة، فقتلهم، وبددهم في الارض، ثم عقد لمعن بن زائده من البصره على اليمن، واقام عامه ذلك بالبصرة.
وزعموا ان عمرو بن عبيد دخل اليه، فلما رآه ابو جعفر صافحه، واجلسه الى جانبه، فتكلم عمرو، فقال:
يا امير المؤمنين، ان الله قد أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك من الله ببعضها، واعلم ان الله لا يرضى منك الا بما ترضاه منه، فإنك لا ترضى من الله الا بان يعدل عليك، وان الله لا يرضى منك الا بالعدل في رعيتك، يا امير المؤمنين، ان من وراء بابك نيرانا تاجح من الجور، وما يعمل من وراء بابك بكتاب الله ولا بسنه رسول الله، يا امير المؤمنين: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ، إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ، حتى اتى على آخر السورة [2] ، ثم قال: ولمن عمل والله بمثل عملهم.
قالوا: فبكى ابو جعفر.
فقال ابن مجالد: مه يا عمرو، قد شققت على امير المؤمنين منذ اليوم.
قال عمرو: من هذا يا امير المؤمنين؟
قال: هذا اخوك ابن مجالد.
قال عمرو: يا امير المؤمنين ما احد اعدى لك من ابن مجالد، ايطوى عنك النصيحه، ويمنعك من ينصحك؟ وانك لمبعوث وموقوف ومسئول عن مثاقيل الذر من الخير والشر.
__________
[1] الراونديه فئه تنسب الى احمد بن يحيى بن اسحق الراوندي المتوفى سنه 303 هـ وقد كان معتزليا، ثم صار شيعيا، ثم تغير الى الزيغ والإلحاد، وله مؤلفات تمثل ذلك الاضطراب الذى تقلب فيه تاريخ الإلحاد في الاسلام للدكتور عبد الرحمن بدوى.
[2] الآية رقم 6 من سوره الفجر.
(1/384)

قال: فرمى ابو جعفر بخاتمه، وقال:
قد وليتك ما وراء بابى، فادع أصحابك، فولهم.
قال: ان اصحابى لن يأتوك حتى يروك قد عملت بالعدل، كما قلت بالعدل.
ثم انصرف.
وسار ابو جعفر من البصره سنه ثلاث واربعين نحو الجبل حتى وافى مدينه نهاوند، وقد كان بلغه طيبها، فأقام بها شهرا.
ثم انصرف حتى اتى المدائن، فأقام بها بقية عامه ذلك، وعقد منها لخزيمه بن خازم على جميع طبرستان، حتى إذا آن أوان الحج خرج منها حاجا سنه اربع واربعين ومائه، ونزل الربذة [1] ، فلما قضى حجه انصرف، ولم يدخل المدينة.
وفي ذلك العام خرج عليه محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن ابى طالب ع، الملقب بالنفس الزكيه، فوجه اليه ابو جعفر عيسى بن موسى بن على في خيل، فقتل رحمه الله، وخرج اخوه ابراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، فقتل رضوان الله عليهم.

موت ابى جعفر المنصور
وفي سنه ثمان وخمسين ومائه حج ابو جعفر، فنزل الابطح على بئر ميمون، فمرض بها، وتوفى غداه السبت، لست خلون من ذي الحجه.
فأقام الحج للناس في ذلك العام ابراهيم بن محمد بن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، وصلى على ابى جعفر عيسى بن موسى، فكانت خلافته عشرين سنه، وتوفى وله ثلاث وستون سنه، ودفن باعلى مكة.
__________
[1] الربذة قريه قرب المدينة المنوره، وبها قبر ابى ذر الغفاري، وقد خرجها القرامطة سنه 319 هـ.
(1/385)

توليه محمد المهدى
ثم بويع للمهدي بن المنصور يوم السبت لسبع عشره ليله خلت من ذي الحجه [1] ، وفي ذلك العام امر المهدى باتخاذ المقاصير في جميع مساجد الجماعات، ثم حج المهدى سنه ستين ومائه، فانصرف على المدينة، فامر ان يشترى ما حول المسجد من المنازل والدور، فيوسع به المسجد.
وفي سنه اثنتين وستين ومائه خرجت المحمرة بجرجان، فسار اليهم عمر بن العلاء، ففرقهم.
وفي ذلك العام عقد المهدى ولايه العهد لابنه موسى الهادي، ومن بعده لابنه الرشيد.
وفي سنه تسع وستين خرج موسى بن المهدى الى جرجان، وخرج المهدى الى ماسبذان [2] فأقام بها متنزها.
ومات بها وهو ابن ثلاث واربعين سنه، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا ونصفا.

ولايه موسى الهادي
وأتت الخلافه موسى الهادي، وهو بجرجان، وبويع بمدينه السلام لثمان بقين من المحرم.
وفي ذلك العام خرج الحسين بن على بن الحسن بالمدينة، وسار نحو مكة، فلقيه عيسى بن موسى والعباس بن على، فقتلاه.
وفي سنه سبعين ومائه توفى الامام موسى بن المهدى بعيسياباذ [3] في النصف من شهر ربيع الاول، وكان له يوم توفى اربع وعشرون سنه، وكانت خلافته سنه وشهرا واربعه وعشرين يوما.
__________
[1] الموافق 19 اكتوبر سنه 774 م.
[2] اصله ماه، سبذان، وهي مدن عده وبها قبر المهدى، ولا اثر بها الا بناء قد تغصت رسومه ولم يبق منه الا الآثار.
[3] كذا في الأصل، وهي عيساباز محله كانت بشرقى بغداد، وقد بنى بها المهدى قصره الذى سماه قصر السلام، وقد خربت.
(1/386)

خلافه هرون الرشيد
وفي ذلك العام استخلف هرون الرشيد، وحج، وانصرف الى المدينة، فوضع لأهلها العطاء، واجزل لهم.
واقبل الى العراق فوافى الكوفه، وعقد لأبي العباس الطوسى على خراسان، فلبث عليها عامين، ثم عزله.
واستعمل عليها محمد بن الاشعث.
وفي سنه اربع وسبعين ومائه وقعت العصبية بأرض الشام بين المضرية واليمانيه، فتحاربوا حتى قتل من الفريقين بشر كثير.
وحج الرشيد في ذلك العام بالناس ومعه ابناه محمد، وعبد الله، وكتب بينهما كتابا بولاية العهد لمحمد، ومن بعده لعبد الله المأمون، وعلق الكتاب في جوف الكعبه، ثم انصرف الى مدينه السلام.
واستعمل على خراسان الغطريف بن عطاء.
قال على بن حمزه الكسائي: ولانى الرشيد تاديب محمد وعبد الله، فكنت اشدد عليهما في الأدب، وآخذهما به أخذا شديدا، وبخاصه محمدا، فاتتنى ذات يوم خالصه جاريه أم جعفر.
فقالت: يا كسائي، ان السيده تقرا عليك السلام، وتقول لك، حاجتي إليك ان ترفق بابني محمد، فانه ثمره فؤادى وقره عيني، وانا ارق عليه رقه شديده.
فقلت لخالصه: ان محمدا مرشح للخلافة بعد ابيه، ولا يجوز التقصير في تأديبه.
فقالت خالصه: ان لرقة السيده سببا، انا مخبرتك به.
انها في الليلة التي ولدته اريت في منامها كان اربع نسوه اقبلن اليه، فاكتنفنه عن يمينه وشماله، وامامه وورائه، فقالت التي بين يديه: ملك قليل العمر، ضيق الصدر، عظيم الكبر، واهي الأمر، كثير الوزر، شديد الغدر،
(1/387)

وقالت التي من ورائه: ملك قصاف، مبذر متلاف، قليل الإنصاف، كثير الاسراف، وقالت التي عن يمينه: ملك ضخم، قليل الحلم، كثير الإثم، قطوع للرحم، وقالت التي عن يساره: ملك غدار، كثير العثار، سريع الدمار. ثم بكت خالصه، وقالت: يا كسائي، وهل يغنى الحذر؟.
وذكر عن الأصمعي قال: دخلت على الرشيد، وكنت غبت عنه حولين بالبصرة، فأومأ الى بالجلوس قريبا منه، فجلست قليلا، ثم نهضت، فأومأ الى ان اجلس، فجلست، حتى خف الناس.
ثم قال لي:
يا أصمعي، الا تحب ان ترى محمدا وعبد الله؟
قلت: بلى يا امير المؤمنين، انى لاحب ذلك، وما اردت القيام الا إليهما، لاسلم عليهما.
قال: تكفى.
ثم قال: على بمحمد وعبد الله.
فانطلق الرسول.
وقال: أجيبا امير المؤمنين.
فاقبلا، كأنهما قمرا أفق، قد قاربا خطاهما، وضربا ببصرهما الارض حتى وقفا على أبيهما، فسلما عليه بالخلافة، وأومأ إليهما، فدنيا منه، فاجلس محمدا عن يمينه، وعبد الله عن شماله.
ثم أمرني بمطارحتهما، فكنت لا القى عليهما شيئا من فنون الأدب الا أجابا فيه وأصابا.
فقال: كيف ترى ادبهما؟
قلت: يا امير المؤمنين، ما رايت مثلهما في ذكائهما وجوده ذهنهما، فاطال الله بقاءهما، ورزق الامه من رأفتهما ومعطفتهما.
فضمهما الى صدره، وسبقته عبرته حتى تحدرت دموعه.
(1/388)

ثم اذن لهما، حتى إذا نهضا وخرجا، قال:
كيف بكم إذا ظهر تعاديهما وبدا تباغضهما، ووقع باسهما بينهما حتى تسفك الدماء، ويود كثير من الأحياء انهم كانوا موتي؟
فقلت: يا امير المؤمنين، هذا شيء قضى به المنجمون عند مولدهما، او شيء اثرته العلماء في أمرهما؟
قال: بل شيء اثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في امرهما.
قالوا: فكان المأمون يقول في خلافته: قد كان الرشيد سمع جميع ما جرى بيننا من موسى بن جعفر بن محمد، فلذلك قال ما قال.
قال الأصمعي: وكان الرشيد يحب السمر، ويشتهى احاديث [1] الناس، فكان يرسل الى إذا نشط لذلك، وجن عليه الليل، فاسامره، فأتيت ذات ليله، ولم يكن عنده احد، فسامرته ساعه، ثم اطرق، وفكر، ثم قال:
يا غلام، على بالعباسى يعنى الفضل بن الربيع.
فحضر، ودخل، فاذن له بالجلوس.
فقال: يا عباسي، انى عنيت بتوليه العهد، ومثبت الأمر في محمد وعبد الله، وقد علمت انى ان وليت محمدا مع ركوبه هواه، وانهماكه في اللهو واللذات خلط على الرعية، وضيع الأمر، حتى يطمع فيه الأقاصي من اهل البغى والمعاصي، وان صرفت الأمر الى عبد الله ليسلكن بهم المحجة، وليصلحن المملكة، وان فيه لحزم المنصور وشجاعة المهدى، فما ترى؟
قال الفضل: يا امير المؤمنين، ان هذا امر خطير عظيم، والزلة فيه لا تستقال، وللكلام فيه مكان غير هذا.
فعلمت انهما يحبان الخلوه، فقمت عنهما، وجلست ناحيه من صحن الدار، فما زالا يتناظران الى ان أصبحا.
__________
[1] بياض في الأصل مكان ما بين الحاصرتين.
(1/389)

واتفق رأيهما على توليه محمد العهد، وتصيير عبد الله من بعده، وقسمه الأموال والجنود بينهما، وان يقيم محمد بدار الخلافه، ويتولى المأمون خراسان.
فلما اصبح امر بجميع القواد، فاجتمعوا اليه، فدعاهم الى بيعه محمد، ومن بعده الى بيعه المأمون، فأجابوا الى ذلك، وبايعوا.
وفي سنه ثمانين ومائه [1] عقد الرشيد لعلى بن عيسى بن ماهان على خراسان، وفي ذلك العام خرج الرشيد الى ارض الشام، وأخذ على الموصل، فلما وافاها امر بهدم مدينتها، وقد كانوا وثبوا بعامله.
وفي ذلك العام وثب اهل خراسان بعاملهم، فقتلوه، فأقام بالشام عامه ذلك، ثم خرج حاجا، فلما انصرف قصد الأنبار، فنزل به بمدينه ابى العباس، وهي من الأنبار على نصف فرسخ، وقد كان بقي بها جمع عظيم من أبناء اهل خراسان، توالدوا بها حتى كثروا، فهم الى الان، فأقام بها شهرا، ثم توجه منها الى الرقة [2] فأقام بها شهرا.
وخرج منها غازيا الى ارض الروم، فافتتح مدينه من مدنهم، تسمى معصوف. ثم انصرف الى الرقة، فأقام بها بقية عامه ذلك.
فلما كان أوان الحج، حج، فقضى نسكه، وجعل منصرفه على الرقة، فأقام بها، وولى يزيد بن مزيد أرمينية، ثم قدم من الرقة سنه اربع وثمانين ومائه حتى وافى مدينه السلام، ونزل قصره بالرصافة [3] ، وأخذ عماله بالبقايا، ثم سار من مدينه السلام في سنه خمس وثمانين ومائه عائدا الى الرقة، وقد كان استطابها.
فلما كان أوان الحج حج، فمر بالمدينة، فأعطاهم ثلاث اعطيات، واعطى اهل مكة عطاءين، ثم انصرف، فقصد الأنبار، فأقام بها شهرا، ثم انصرف الى مدينه السلام.
__________
[1] سنه 796 م.
[2] مدينه على نهر الفرات كان بها قصران لهشام بن عبد الملك.
[3] محله بالجانب الشرقى من بغداد، كان المهدى قد عسكر بها، فأمره المنصور ان يبنى فيها دورا، فالتحق بها الناس وعمروها، وفيها قبور جماعه من الخلفاء العباسيين.
(1/390)

ثم عقد البيعه لابنه القاسم بعد محمد وعبد الله، وولاه الشام، فوجه القاسم عليها عماله.
وحج الرشيد سنه ثمان وثمانين ومائه، وانصرف فنزل الحيرة [1] ، فأقام بها أياما، ثم دخل مدينه السلام.
وفي سنه تسع وثمانين سار الى الري فأقام بها شهرا، ثم انصرف نحو مدينه السلام، فضحى بقصر اللصوص [2] ، ثم دخل بغداد، ولم ينزلها، ومضى حتى انتهى الى السالحين [3] ، وهي من مدينه السلام على ثلاثة فراسخ، فبات بها ثم سار عامدا للرقه حتى وافاها، وامر عند ممره ببغداد بخشبه جعفر بن يحيى ان تحرق، واقام بالرقة بقية ذلك العام.
فلما دخلت سنه تسعين ومائه خرج غازيا لارض الروم حتى اوغل فيها وانتهى الى هرقله [4] ، فافتتحها.
وفي ذلك العام خرج رافع بن نصر بن سيار مغاضبا بأرض خراسان، وكان سبب خروجه ان على بن عيسى بن ماهان لما ولى خراسان أساء السيرة، وتحامل على من كان بها من العرب، واظهر الجور، فخرج عليه رافع، فواقعه وقعات، ثم انحاز فيمن اتبعه من اهل خراسان، وكانوا زهاء ثلاثين الف رجل في سمرقند، واقام بمدينتها.
وبلغ ذلك الرشيد، فعزل على بن عيسى عنها، واستعمل عليها هرثمة بن اعين. ثم انصرف الرشيد قافلا من الروم حتى نزل بمدينه السلام عامه ذلك، واستخلف ابنه محمدا على دار المملكة، وخرج عامدا لارض خراسان ليتولى حرب رافع بنفسه. ودخلت سنه اثنتين وتسعين ومائه وفيها خرجت الخرمية [5] بأرض الجبل
__________
[1] مدينه كانت على ثلاثة اميال من الكوفه على النجف، وكانت مسكن ملوك العرب في الجاهلية، النعمان وآباؤه، وسموها بالحيرة البيضاء لحسنها.
[2] سمى بذلك لان جيشا من المسلمين نزلوا به، فسرقت دوابهم.
[3] قريه من نهر عيسى ببغداد، وهي السيلحين التي بات بها المثنى بن حارثة وصبح، فاغار على سوق بغداد.
[4] مدينه ببلاد الروم، قرب صفين فتحها الرشيد وسبى أهلها وقد خربت، ولم يبق منها آثار عماره.
[5] طائفه تنسب الى بابك الخرمى، وتدين بما تدين الباطنية اولاد المجوس الذين تأولوا آيات القرآن وسنن النبي على موافقه أصواتهم.
(1/391)

في المره الاولى، فوجه اليهم محمد الامين بعبد الله بن مالك الخزاعي، فقتل منهم مقتله عظيمه، وشرد بقيتهم في البلدان.
وسار الرشيد حتى وافى مدينه طوس [1] ، فنزل في دار حميد الطوسى، ومرض بها مرضا شديدا، فجمع له الأطباء يعالجونه، فقال:
ان الطبيب بطبه ودوائه ... لا يستطيع دفاع محذور جرى
ما للطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يشفى مثله فيما مضى
فلما اشتد به الوجع قال للفضل بن الربيع:
يا عباسي، ما تقول الناس؟
قال:
يقولون، ان شأني امير المؤمنين قد مات.
فامر ان يسرج له حمار ليركبه، ويخرج، فاسرج له، وحمل حتى وضع على السرج، فاسترخت فخذاه ولم يستطع الثبوت.
فقال: ارى الناس قد صدقوا.
ثم توفى. وذلك في سنه ثلاث وتسعين ومائه يوم السبت، لخمس ليال خلون من جمادى الآخرة [2] ، وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنه، وشهرا ونصفا.

توليه محمد الامين
فاتت الخلافه محمدا الامين ببغداد، يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة، ونعاه للناس يوم الجمعه، ودعاهم الى تجديد البيعه، فبايعوا.
ووصل الخبر بوفاه الرشيد الى المأمون، وهو بمدينه مرو، يوم الجمعه لثمان خلون من الشهر، فركب الى المسجد الأعظم، ونودى في الجنود وسائر الوجوه، فاجتمعوا، وصعد المنبر، فحمد الله واثنى عليه، وصلى على النبي وآله، ثم قال:
__________
[1] مدينه بالقرب من نيسابور، بها آثار اسلاميه جليله، وكان بها دار حميد قحطبه.
[2] الموافق 27 مارس سنه 808 م.
(1/392)

ايها الناس، احسن الله عزاءنا وعزاءكم في الخليفة الماضى، صلوات الله عليه، وبارك لنا ولكم في خليفتكم الحادث، مد الله في عمره.
ثم خنقته العبرة، فمسح عينه بسواده.
ثم قال:
يا اهل خراسان، جددوا البيعه لامامكم الامين.
فبايعه الناس جميعا.
ولما أتت الخلافه محمدا، وبايعه الناس دخل عليه الشعراء، وفيهم الحسن ابن هانئ [1] ، فانشدوه، وقام الحسن في آخرهم، فانشده قوله:
الا دارها بالماء حتى تلينها ... فلن تكرم الصهباء حتى تهينها
وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... كان شعاع الشمس يلقاك دونها
كان يواقيتا رواكد حولها ... وزرق سنانير تدير عيونها [2]
لقد جلل الله الكرامه أمه ... يكون امير المؤمنين امينها
حميت حماها بالقنابل والقنا ... ووفرت دنياها عليها ودينها
يراك بنو المنصور اولاهم بها ... وان أظهروا غير الذى يكتمونها
فوصلهم جميعا، وفضله.
ثم ان محمد الامين دعا اسماعيل بن صبيح كاتب السر، فقال:
ما الذى ترى يا ابن صبيح؟
قال: ارى دوله مباركه، وخلافه مستقيمه، وامرا مقبلا، فتمم الله ذلك لأمير المؤمنين بافضله واجزله.
__________
[1] وهو المشهور بابى نواس.
[2] السنانير جمع سنور وهو القط.
(1/393)

قال له محمد: انى لم أبغك قاصا، انما اردت منك الرأي.
قال اسماعيل: ان راى امير المؤمنين ان يوضح لي الأمر لأشير عليه بمبلغ رأيي ونصحى فعل.
قال: انى قد رايت ان اعزل أخي عبد الله من خراسان، واستعمل عليها موسى ابن امير المؤمنين.
قال اسماعيل: اعيذك بالله يا امير المؤمنين ان تنقض ما اسسه الرشيد، ومهده، وشيد أركانه.
قال محمد: ان الرشيد موه عليه في امر عبد الله بالزخرفه، ويحك يا بن صبيح، ان عبد الملك بن مروان كان احزم رايا منك، حيث قال: لا يجتمع فحلان في هجمة الا قتل أحدهما صاحبه.
قال اسماعيل: اما إذ كان هذا رأيك، فلا تجاهره، بل اكتب اليه، واعلمه حاجتك اليه بالحضرة، ليعينك على ما قلدك الله من امر عباده وبلاده، فإذا قدم عليك، وفرقت بينه وبين جنوده كسرت حده، وظفرت به، وصار رهنا في يديك، فائت في امره ما اردت.
قال محمد: اجدت يا ابن صبيح، واصبت، هذا لعمري الرأي.
ثم كتب اليه يعلمه ان الذى قلده الله من امر الخلافه والسياسة قد اثقله، ويسأله ان يقدم عليه ليعينه على أموره، ويشير عليه بما فيه مصلحته، فان ذلك اعود على امير المؤمنين من مقامه بخراسان، واعمر للبلاد، وادر للفيء، واكبت للعدو، وآمن للبيضه.
ثم وجه الكتاب مع العباس بن موسى، ومحمد بن عيسى، وصالح صاحب المصلى.
فساروا نحو خراسان، فاستقبلهم طاهر بن الحسين مقبلا من عند المأمون على ولايه الري، حتى انتهوا الى المأمون وهو بمدينه مرو، فدخلوا عليه، وأوصلوا الكتاب اليه، وتكلموا.
(1/394)

فذكروا حاجه امير المؤمنين الامين اليه، وما يرجو في قربه من بسط المملكة، والقوه على العدو، فابلغوا في مقالتهم.
وامر المأمون بانزالهم واكرامهم.
ولما جن عليه الليل بعث الى الفضل بن سهل، وكان اخص وزرائه عنده، واوثقهم في نفسه، وقد كان جرب منه وثاقه راى وفضل حزم، فلما أتاه خلا به، واقراه كتاب محمد، واخبره بما تكلم به الوفد من امر التحضيض على المسير الى أخيه ومعاونته على امره.
قال الفضل: ما يريد بك خيرا، وما ارى لك الا الامتناع عليه.
قال المأمون: فكيف يمكنني الامتناع عليه، والرجال والأموال معه، والناس مع المال؟
قال الفضل: أجلني ليلتي هذه لآتيك غدا بما ارى.
قال له المأمون: امض في حفظ الله.
فانصرف الفضل بن سهل الى منزله، وكان منجما، فنظر ليلته كلها في حسابه ونجومه، وكان بها ماهرا.
فلما اصبح غدا على المأمون، فاخبره انه يظهر على محمد ويغلبه، ويستولى على الأمر.
فلما قال له ذلك، بعث الى الوفد، فاحسن صلاتهم وجوائزهم، وسألهم ان يحسنوا امره عند الامين، ويبسطوا من عذره.
وكتب معهم اليه:
اما بعد، فان الامام الرشيد ولانى هذه الارض على حين كلب من عدوها، ووهى من سدها، وضعف من جنودها، ومتى اخللت بها، او زلت عنها لم آمن انتقاض الأمور فيها، وغلبه اعدائها عليها، بما يصل ضرره الى امير المؤمنين حيث هو، فراى امير المؤمنين في ان لا ينقض ما أبرمه الامام الرشيد.
وسار القوم بالكتاب حتى وافوا به الامين، وأوصلوا الكتاب اليه.
(1/395)

فلما قراه جمع القواد اليه، فقال لهم:
انى قد رايت صرف أخي عبد الله عن خراسان، وتصييره معى ليعاوننى، فلا غنى بي عنه، فما ترون؟
فاسكت القوم.
فتكلم خازم بن خزيمة، فقال: يا امير المؤمنين، لا تحمل قوادك وجنودك على الغدر فيغدروا بك، ولا يرون منك نقض العهد فينقضوا عهدك.
قال محمد: ولكن شيخ هذه الدولة على بن عيسى بن ماهان لا يرى ما رايت، بل يرى ان يكون عبد الله معى ليؤازرنى ويحمل عنى ثقل ما انا فيه بصدده.
ثم قال لعلى بن عيسى: انى قد رايت ان تسير بالجيوش الى خراسان، فتلى امرها من تحت يدي موسى بن امير المؤمنين، فانتخب من الجنود والجيوش على عينك.
ثم امر بديوان الجند، فدفع اليه، فانتخب ستين الف رجل من ابطال الجنود وفرسانهم، ووضع لهم العطاء، وفرق فيهم السلاح، وامره بالمسير.
فخرج بالجيوش، وركب معه محمد، فجعل يوصيه، ويقول: اكرم من هناك من قواد خراسان، وضع عن اهل خراسان نصف الخراج، ولا تبق على احد يشهر عليك سيفا، او يرمى عسكرك بسهم، ولا تدع عبد الله يقيم الا ثلاثا من يوم تصل اليه، حتى تشخصه الى ما قبلي.
وقد كانت زبيده تقدمت الى على بن عيسى، وكان أتاها مودعا، فقالت له:
ان محمدا، وان كان ابنى وثمره فؤادى، فان لعبد الله من قلبي نصيبا وافرا من المحبه، وانا التي ربيته، وانا احنو عليه، فإياك ان يبدأه منك مكروه، او تسير امامه، بل سر إذا سرت معه من ورائه، وان دعاك فلبه، ولا تركب حتى يركب قبلك، وخذ بركابه إذا ركب، واظهر له الإجلال والاكرام.
ثم دفعت اليه قيدا من فضه وقالت:
ان استعصى عليك في الشخوص فقيده بهذا القيد.
وان محمد انصرف عنه بعد ان اوعز اليه، واوصاه بكل ما اراد.
(1/396)

وسار على بن عيسى بن ماهان حتى صار الى حلوان، فاستقبله عير مقبلة من الري، فسألهم عن خبر طاهر، فاخبروه انه يستعد للحرب، فقال: وما طاهر؟ ومن طاهر؟ ليس بينه وبين أخلاء الري الا ان يبلغه انى جاوزت عتبة همذان.
ثم سار حتى خلف عتبة همذان وراءه، فاستقبله عير اخرى، فسألهم عن الخبر.
فقالوا: ان طاهرا قد وضع العطاء لأصحابه، وفرق فيهم السلاح، واستعد للحرب.
فقال: في كم هو؟
فقالوا: في زهاء عشره آلاف رجل.
فاقبل الحسن بن على بن عيسى على ابيه فقال:
يا أبت، ان طاهرا لو اراد الهرب لم يقم بالري يوما واحدا.
فقال: يا بنى، انما تستعد الرجال لاقرانها، وان طاهرا ليس عندي من الرجال الذين يستعدون لمثلي، ويستعد له مثلي.
وذكروا ان مشايخ بغداد قالوا: لم نر جيشا كان اظهر سلاحا، ولا اكمل عده، ولا افره خيلا، ولا انبل رجالا من جيش على بن عيسى يوم خرج، انما كانوا نخبا.
وان طاهر بن الحسين جمع اليه رؤساء اصحابه فاستشارهم في امره، فأشاروا عليه، ان يتحصن بمدينه الري، ويحارب القوم من فوق السور الى ان يأتيه مدد من المأمون.
فقال لهم: ويحكم، انى ابصر بالحرب منكم، انى متى تحصنت استضعفت نفسي، ومال اهل المدينة اليه لقوته، وصاروا أشد على من عدوى، لخوفهم من على ابن عيسى، ولعله ان يستميل بعض من معى بالاطماع، والرأي ان الف الخيل بالخيل، والرجال بالرجال، والنصر من عند الله.
ثم نادى في جنوده بالخروج عن المدينة، وان يعسكروا بموضع يقال له القلوصه.
فلما خرجوا عمد اهل الري الى أبواب مدينتهم، فاغلقوها.
(1/397)

فقال طاهر لأصحابه: يا قوم، اشتغلوا بمن امامكم، ولا تلتفتوا الى من وراءكم، واعلموا انه لا وزر لكم ولا ملجأ الا سيوفكم ورماحكم، فاجعلوها حصونكم.
واقبل على بن عيسى نحو القلوصه، فتواقف العسكران للحرب، والتقوا، فصدقهم اصحاب طاهر الحمله.
فانتقضت تعبئة على بن عيسى، وكانت منهم جولة شديده، فناداهم على ابن عيسى، وقال:
ايها الناس، ثوبوا، واحملوا معى.
فرماه رجل من اصحاب طاهر، فاثبته، وبعد ان دنا منه، وتمكن رماه بنشابه وقعت في صدره، فنفذت الدرع والسلاح حتى افضت الى جوفه، وخر مغشيا عليه ميتا.
واستوت الهزيمة باصحابه.
فما زال اصحاب طاهر يقتلونهم، وهم مولون حتى حال الليل بينهم، وغنموا ما كان في معسكرهم من السلاح والأموال.
وبلغ ذلك محمدا، فعقد لعبد الرحمن الابناوى في ثلاثين الف رجل من الأبناء، وتقدم اليهم، الا يغتروا كاغترار على بن عيسى، ولا يتهاونوا كتهاونه.
فسار عبد الرحمن حتى وافى همذان.
وبلغ ذلك طاهرا، فتقدم، وسار نحوه، فالتقوا جميعا، فاقتتلوا شيئا من قتال، فلم يكن لأصحاب عبد الرحمن ثبات، فانهزم، واتبعه اصحابه، فدخلوا مدينه همذان، فتحصنوا فيها شهرا حتى نفد ما كان معهم من الزاد.
قال: فطلب عبد الرحمن الابناوى الامان له ولجميع اصحابه، فاعطاه طاهر ذلك.
ففتح أبواب المدينة، ودخل الفريقان بعضهم في بعض.
وسار طاهر حتى هبط العقبه، فعسكر بناحيه اسداباذ [1]
__________
[1] مدينه بهمذان الى ناحيه العراق.
(1/398)

ففكر عبد الرحمن، وقال:
كيف اعتذر الى امير المؤمنين؟
فعبا اصحابه.
فلما طلع الفجر زحف باصحابه الى طاهر، وهو غار، فوضع فيهم السيوف، فوقفت طائفه من اصحاب طاهر رجاله، يذبون عن اصحابهم حتى ركبوا، واستعدوا، ثم حملوا على عبد الرحمن واصحابه، فأكثروا فيهم القتل.
فلما راى ذلك عبد الرحمن ترجل في حماه اصحابه فقاتلوا حتى قتل عبد الرحمن، وقتلوا معه.
وبلغ ذلك محمدا، فسقط في يده، وبرز جنوده، فعقد لعبد الله الحرشي، في خمسه آلاف رجل، وليحيى بن على بن عيسى، في مثل ذلك، فسارا حتى وافيا قرميسين [1] .
وبلغ طاهرا ذلك، فسار نحوهما، فانهزما من غير قتال حتى رجعا الى حلوان، فأقاما هناك.
فزحف طاهر نحو حلوان، فانهزما حتى لحقا ببغداد، واقام طاهر بحلوان حتى وافاه هرثمة بن اعين من عند المأمون، في ثلاثين الف رجل من جنود خراسان، فاخذ طاهر من حلوان نحو البصره والاهواز.
وتقدم هرثمة الى بغداد، فلم تقم لمحمد قائمه حتى قتل، وكان من امره ما كان.
وان طاهر بن الحسين صعد من البصره، وتقدم هرثمة حتى احدقا ببغداد، واحاطا بمحمد الامين، ونصبا المنجنيق على داره حتى ضاق محمد بذلك ذرعا.
وكان هرثمة بن اعين يحب صلاح حال محمد، والإبقاء على حشاشه نفسه، فأرسل
__________
[1] بلد قرب الدينور بين همذان وحلوان على جاده العراق.
(1/399)

اليه محمد يسأله القيام بامره، واصلاح ما بينه وبين المأمون، على ان يخلع نفسه عن الخلافه، ويسلم الأمر لأخيه.
فكتب اليه هرثمة: قد كان ينبغى لك ان تدعو الى ذلك قبل تفاقم الأمر، فاما الان فقد بلغ السيل الزبى، وشغل الحلى اهله ان يعار [1] ، ومع ذلك فانى مجتهد في اصلاح امرك، فصر الى ليلا، لأكتب بصوره امرك الى امير المؤمنين، وآخذ لك عهدا وثيقا، ولست آلو جهدا ولا اجتهادا في كل ما عاد بصلاح حالك، وقربك الى امير المؤمنين.
فلما سمع ذلك محمدا استشار نصحاءه ووزراءه، فأشاروا بذلك عليه، وطمعوا في بقاء مهجته.
فلما جنه الليل ركب في جماعه من خاصته وثقاته وجواريه، يريد العبور الى هرثمة.
فأحس طاهر بن الحسين بالمراسله التي جرت بينهما والموافقة التي اتفقا عليها.
فلما اقبل محمد، وركب بمن معه الماء شد عليه طاهر، فأخذه ومن معه، ثم دعا به في منزله، فاحتز راسه، وانفذه من ساعته الى المأمون.
واقبل المأمون حتى دخل مدينه السلام، وصفت له المملكة واستوسقت له الأمور.
وكان قتل محمد الامين ليله الأحد لخمس خلون من المحرم، سنه ثمان وتسعين ومائه [2] ، وقتل، وله ثمان وعشرون سنه، وكانت ولايته اربع سنين وثمانية اشهر.

الخليفة عبد الله المأمون
وبويع المأمون، وهو عبد الله بن الرشيد، يوم الاثنين لخمس بقين من المحرم سنه ثمان وتسعين ومائه.
__________
[1] مثل عربي، يضربه المسئول شيئا هو احوج اليه من السائل مجمع الأمثال ج 2 ص 330
[2] اى سنه 903 م.
(1/400)

وكان شهما، بعيد الهمه، ابى النفس، وكان نجم ولد العباس في العلم والحكمه، وقد كان أخذ من جميع العلوم بقسط، وضرب فيها بسهم، وهو الذى استخرج كتاب اقليدس من الروم، وامر بترجمته وتفصيله، وعقد المجالس في خلافته للمناظرة في الأديان والمقالات، وكان استاذه فيها أبا الهذيل محمد بن الهذيل العلاف.
ودخل بلاد الجزيرة والشام، فأقام بها مده طويله، ثم غزا الروم، وفتح فتوحا كثيره، وابلى بلاء حسنا.
ثم توفى على نهر البذندون [1] ، ودفن بطرسوس يوم الأربعاء لثمان خلون من رجب سنه ثمان عشره ومائتين [2] .
وكانت ولايته عشرين سنه وخمسه اشهر وثلاثة عشر يوما، وقد كان بلغ من السن تسعا وثلاثين سنه.
وقد كان بايع لابنه العباس بن المأمون بولاية العهد من بعده. وخلفه بالعراق.

ولايه محمد المعتصم
فلما مات هو على نهر البذندون جمع اخوه ابو اسحق محمد بن هرون المعتصم بالله اليه وجوه القواد والأجناد، فدعاهم الى بيعته، فبايعوه.
فسار من طرسوس حتى وافى مدينه السلام، فدخلها، وخلع العباس بن المأمون عنها، وغلبه عليها، وبايعه الناس بها.
وكان قدومه بغداد مستهل شهر رمضان سنه ثمان عشره ومائتين، فأقام بها سنتين، ثم مر باتراكه الى سر من راى فابتناها، واتخذها دارا ومعسكرا.
__________
[1] في الأصل نهر البدندون والصحيح ما ذكر، وهو نهر سمى باسم البلد بذندون، وهي قريه قريبه من طرسوس.
[2] الموافقة سنه 209 م.
(1/401)

وكانت في خلافته فتوحات لم تكن لأحد من الخلفاء الذين مضوا مثلها قبله.
فمنها فتح بابك، واسره وقتله اياه، وصلبه، ومنها مازيار صاحب قلعه طبرستان، فانه تحصن في القلاع والجبال، فما زال به حتى اخذه، فقتله، وصلبه الى جنب بابك، ومنها جعفر الكردى، وقد كان اخرب البلاد وسبى الذراري، فوجه الخيول في طلبه، ولم يزل به حتى اخذه وقتله، وصلبه الى جنب بابك ومازيار، ومن ذلك فتح عموريه وهي القسطنطينية الصغرى، والاخرى فتحها الله على يديه.
وكان ابتداء امر بابك، انه تحرك في آخر ايام المأمون وقد اختلف الناس في نسبه ومذهبه، والذى صح عندنا، وثبت، انه كان من ولد مطهر بن فاطمه بنت ابى مسلم، هذه التي ينتسب إليها الفاطمية من الخرمية، لا الى فاطمه بنت رسول الله ص، فنشأ بابك، والحبل مضطرب، والفتن متصله، فاستفتح امره بقتل من حوله بالبذ [1] ، واخراب تلك الأمصار والقرى التي حواليه، لتصفو له البلاد، ويصعب مطلبه، وتشتد المئونة في التوصل اليه، واشتدت شوكته، واستفحل امره.
وقد كان المأمون وجه اليه حين اتصل به خبره عبد الله بن طاهر بن الحسين في جيش عظيم.
فسار اليه، ونزل في طريقه الدينور [2] ، في ظاهرها، في مكان يعرف الى يومنا هذا بقصر عبد الله بن طاهر، وهو كرم مشهور، ومكان مذكور.
ثم سار منها حتى وافى البذ، وقد عظم امر بابك، وتهيبه الناس، فحاربوه، فلم يقدروا عليه، ففض جمعهم، وقتل صناديدهم.
__________
[1] البذ: كوره بين ايران واذربيجان.
[2] بلدا بي حنيفه مؤلف الكتاب، وإليها ينسب.
(1/402)

وكان ممن قتل في تلك الوقعه محمد بن حميد الطوسى.
وهو الذى رثاه ابو تمام بقصيدته التي يقول فيها:
كان بنى نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر
وفيها يقول:
فاثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت اخمصك الحشر
فلما افضى الأمر الى ابى اسحق المعتصم بالله لم تكن همته غيره، فأعد له الأموال والرجال، واخرج مولاه الافشين حيدر بن كاوس، فسار الافشين بالعساكر والجيوش حتى وافى برزند [1] ، فأقام بها حتى طاب الزمان، وانحسرت الثلوج عن الطرقات، ثم قدم خليفته يوباره [2] وجعفر بن دينار، وهو المعروف بجعفر الخياط في جمع كثير من الفرسان الى الموضع الذى كان فيه معسكرا، وامرهما ان يحفرا خندقا حصينا، فسارا حتى نزلا هناك، واحتفرا الخندق.
فلما فرغا من حفر الخندق استخلف الافشين ببرزند المرزبان، مولى المعتصم في جماعه من القواد، وسار هو حتى نزل الخندق، ووجه يوباره، وجعفر الخياط في جمع كثيف الى راس نهر كبير، وامرهما بحفر خندق آخر هناك فسارا حتى احتفراه.
فلما فرغا وافاهما الافشين، ثم خلف في موضعه محمد بن خالد بخاراخذاه، وشخص الى درود [3] ، في خمسه آلاف فارس والفى راجل، ومعه الف رجل من الفعله حتى نزل درود، واحتفر بها خندقا عظيما وبنى عليها سورا شاهقا، فكان بابك واصحابه يقفون على جبال شاهقة، فيشرفون منها على العسكر، ويولولون.
ثم ركب الافشين يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شعبان في تعبئة، وحمل المجانيق، وامر بابك آذين ان يحصن تلا مشرفا على المدينة، ومعه ثلاثة آلاف رجل، وقد كان احتفر حوله الابار ليمنع الخيل منهم.
فانصرف الافشين يوما الى خندقه، ثم غدا عليه يوم الجمعه في غره شهر رمضان،
__________
[1] بلد من بلاد أرمينية.
[2] في الأصل يوناره.
[3] كذا في الأصل، والصواب دروذ، مكان في ثغر اذربيجان.
(1/403)

فنصب المجانيق والعرادات [1] على المدينة، واحدقت القواد والرؤساء.
واقبل بابك في انجاد اصحابه، وعباهم، فقاتله [2] القواد قتالا شديدا الى العصر، ثم انصرفوا، وقد نكوا في اصحابه. واقام الافشين سته ايام، ثم ناهضه يوم الخميس لسبع ليال خلون من شهر رمضان، واستعد له بابك، فوضع على البذ عجلا عظيما ليرسله الى اصحاب الافشين.
ثم ارسل بابك رجلا يقال له موسى الأقطع الى الافشين، يسأله ان يخرج اليه ليشافهه بما نفسه، فان صار الى مراده والا حاربه، فأجابه الافشين الى ذلك، فخرج بابك حتى صار بالقرب من الافشين في موضع بينهما واد.
فلما راى الافشين كفر له، فبسطه الافشين، واعلمه ما في الطاعة من السلامة في الدنيا والآخرة، فلم يقبل ذلك.
فانصرف الى موضعه، وامر اصحابه بالحرب، فتسرعوا الى ذلك، ودهدهوا [3] العجل الذى كانوا اعدوه، فانكسر العجل، وثاب اصحاب الافشين، فدفعوهم الى راس الجبل.
وقد كان يوباره وجعفر الخياط وقفا بحذاء عبد الله أخي بابك، فحملا، وحمل عليهم القواد من جميع النواحي، فقتلوهم قتلا ذريعا، وانهزموا حتى دخلوا المدينة، فدخلوا خلفهم في طلبهم، وصارت الحرب في ميدان وسط المدينة.
وكانت حربا لم ير مثلها شده، وقتلوا في الدور والبساتين، وهرب عبد الله أخو بابك.
فلما راى بابك ان العساكر قد احدقت به، والمذاهب قد ضاقت عليه، وان اصحابه قد قتلوا وفلوا توجه الى أرمينية، وسار حتى عبر نهر الرس متوجها الى الروم.
فلما عبر نهر الرس قصد نحوه سهل بن سنباط صاحب الناحية، وقد كان
__________
[1] جمع عراده وهي آله للحرب اصغر من المنجنيق.
[2] في الأصل فقاتلوه القواد.
[3] دهده: دحرج.
(1/404)

الافشين كتب الى اصحاب تلك النواحي، والى الأكراد بإرمينية، والبطارقه بأخذ الطرق عليه.
فوافاه سهل بن سنباط، وقد كان بابك غير لباسه، وبدل زيه، وشد الخرق على رجليه، وركب بغله باكاف [1] ، فاوقع به سهل بن سنباط، فأخذه أسيرا.
ووجه به الى الافشين، فاستوثق منه الافشين، وكتب الى المعتصم بالفتح، واستاذنه في القدوم عليه، فاذن له، فسار حتى قدم عليه، ومعه بابك واخوه، فكان من قتل المعتصم لبابك وقطع يديه ورجليه وصلبه ما هو مشهور.
قالوا: ولما قدم الافشين ومعه بابك اجلسه المعتصم على سرير امامه، وعقد التاج على راسه.
وفي ذلك يقول اسحق بن خلف الشاعر في قصيدته التي مدح فيها المعتصم بالله:
ما غبت عن حرب تحرق نارها ... بالبذ كنت هنا وأنت هناكا
عزت بافشين حسامك أمة ... والدين ممتسك به استمساكا
لما أتاك ببابك توجته ... وأحق من اضحى له تاجاكا
ثم ان احمد بن ابى داود وجد على الافشين لكلام بلغه عنه، فاشار على المعتصم ان يجعل الجيش نصفين نصفا مع الافشين، ونصفا مع اشناس، ففعل المعتصم ذلك.
فوجد الافشين منه، وطال حزنه، واشتد حقده.
فقال احمد بن ابى داود للمعتصم: يا امير المؤمنين ان أبا جعفر المنصور استشار انصح الناس عنده في امر ابى مسلم، فكان من جوابه ان قال يا امير المؤمنين ان الله تعالى يقول لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فقال له المنصور:
حسبك، ثم قتل أبا مسلم.
__________
[1] الاكاف: بردعه الحمار.
(1/405)

فقال له المعتصم: أنت أيضا حسبك يا أبا عبد الله، ثم وجه الى الافشين، فقتله.
وزعموا، انهم كشفوا عنه فوجدوه غير مختون.
ومات المعتصم بالله يوم الخميس لإحدى عشره ليله بقيت من شهر ربيع الاول سنه سبع وعشرين ومائتين [1] ، وصلى عليه ابو عبد الله احمد بن ابى داود، وكان المعتصم اوصى اليه بالصلاة عليه، وكانت ولايته ثماني سنين وثمانية اشهر وسبعه عشر يوما، وكان قد بلغ من السن تسعا وثلاثين سنه.
وهذا آخر كتاب الاخبار الطوال على ما جمعه ابو حنيفه احمد بن داود الدينورى رحمه الله تعالى ورضى عنه.
__________
[1] الموافق 9 يناير 842 م.
(1/406)